######OpenITI# #META# URI: 1355MustafaSadiqRafici.HadithQamar.Hindawi62581958 #META# Tags: literature #META# ID: 62581958 #META# Title: حديث القمر #META# AuthorID: 53130362 #META# Author: مصطفى صادق الرافعي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل الأخير‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل الأخير‏ # | حديث القمر # | حديث القمر # تأليف # مصطفى صادق الرافعي # | غرض الكتاب # بقلم مصطفى صادق الرافعي # هذه مقالة صرفت فيها وجه الحديث إلى القمر وبعثت إلى الكون في أشعة الفجر كلماتها. # ولقد كان القمر بضيائه كأنه ينبوع يتفجر في نفسي، فكنت أشعر بمعاني هذا الحديث كما يشعر ~~الظمآن للهف قد بلغ الري وتندى الماء كبده فأحس بروحه تتراجع كأنما تحدرها قطرات ~~الماء. # ونشرت على خيوط القمر ليلا من ليالي الجمال دونه شباب الشاعر الغزل يمتد مع ألحاظ ~~فاتنته الحسناء كلما استطار في آفاقه ابتسامها. # وكنت أرى الطبيعة وقد شفت لعيني كأنها أخرجت حقائقها لتغسلها من ظنون الناس وأوهامهم بهذا ~~الضياء الساكن المرتعد كأنه عرق يرفض من جبين السماء وقد تخشعت من جلال الله وخشيته إذ ~~يتجلى عليها، فما فرغت من تصوير الأثر الذي تركته تلك الرؤية في نفسي حتى رأيت هذه ~~المقالة في يدي وكأني أحملها رسالة تعزية من الطبيعة إلى العالم. # كتبتها وأنا أرجو أن تكون الطبيعة قد أوحت إلي بقطعة من مناجاة الأنبياء التي كانت ~~تستهل في سكون الليل فيعيها كأنه ذاكرة الدهر، وأن تكون قد بثت في ألفاظي صدى من تلك ~~النغمات الأولى التي كان يتغنى بها أطفال الإنسانية فتخرج من أفواههم ممزوجة بحلاوة الإيمان ~~الفطري، وتذهب في السماء متهادبة كأنها طائرة بروح من اطمئنان قلوبهم، وتسيل في ضوء الصباح ~~وظل الشمس ونور القمر كأنها في جمال الطبيعة أفكار طيور مغردة تدور على ألسنتها ... ~~... وكتبتها وأنا آمل أن تكون الطبيعة قد ألقت في معانيها بذورا من عناصر التحول الأخلاقي ~~تزكو في هذه القلوب الحيوانية التي لو نقلت إلى جوانح البهائم لعاشت بها ... وهذه النفوس ~~التي تذل لأحقر من في الأرض ولا تثور إلا على السماء، وهذه العقول التي تحاول أن تكتب للروح ~~تاريخا ms01 أرضيا يبتدي وينتهي في التراب فتكون الحقيقة الإلهية التي لا يدركها الإنسان ~~بسبيل من الوهم الإنساني الذي لا يدرك الحقيقة ... ~~... وكتبتها وأنا أطمع أن تكون الطبيعة قد نفخت فيها نسمة الحياة للعواطف الميتة ~~المدرجة في أكفان من الحوادث الدنيئة؛ فإن هموم العيش لا تميت من عواطف القلوب إلا تلك ~~التي لا تعرف كيف تستمد الحياة من روح الطبيعة، وإنما يكون استمدادها من مادتها فتحيا بخبر ~~وتموت بخبر، وقد تمضي كالوحش الذي يرميه الصائد ولا يصميه فينفر حاملا جنبه وفي جرحه ~~الموت والحياة معا ... ~~... وكتبتها أتناول ألفاظها من تحت لساني وأكشف من قلبي معانيها وأنقض عليها ألوان الطبيعة ~~التي تصور أحلام النفس وخيالاتها، وأنا أرجو أن أكون قد وضعت لطلبة الإنشاء المتطلعين ~~لهذا الأسلوب أمثلة من علم التصور الكتابي الذي توضع أمثلته ولا توضع قواعده؛ لأن هذه ~~القواعد في جملتها إلهام ينتهي إلى الإحساس، وإحساس ينتهي إلى الذوق، وذوق يفيض الإحساس ~~والإلهام على الكتابة جميعا فيترك فيها حياة كحياة الجمال، لا تداخل الروح حتى تستبد ~~بها، ولا تتصل بالقلب حتى تستحوذ عليه فتكون له كأنها فكرة في ذاته. # وكل علوم البلاغة إنما تدور على شرح أمثلة بليغة وغير بليغة. فما من كاتب يحاول أن يستفيد ~~تصوره من هذه العلوم على أن ينزلها في ذلك منزلة الأصول والضوابط إلا انتهى إلى ملكة ~~علمية تتصل منه بعقل جامد كأنه غلاف لفظي نسجته القواعد والأمثال، فإلى أن يعقد الموت ~~لسانه لا تكون قيمة عمره قد أربت في البلاغة على ثمن كتاب من كتب علوم البلاغة ... ولا غرو ~~فإن من ضلال العقل أن يعمل المرء لمقدمات متسلسلة ينتج بعضها بعضا وليس لمجموعها ~~نتيجة. # وحسب مثل هذا عقابا (بليغا) في رجع أمره أنه لا يزال ينشر أذنيه على البلاغة طمعا ~~فيها وهو موقن باليأس منها، وذلك ضرب من المطمع لا تبتلى النفوس بأشد منه، حتى إن نفس ~~الأثيم الذي أنسلخ من الفضيلة لتقر على كثير من أنواع العذاب ولا يعذبها شيء كرؤية هذا ~~المجرم للفضيلة في ms02 غيره وهو يعرف أنه لن يستطيع أن يحرزها لنفسه. # البلاغة التي حار العلماء في تعريفها على كثرة ما خلطوا لا تعدو كلمتين: قوة التصور، ~~والقوة على ضبط النسبة بين الخيال والحقيقة؛ وهما صفتان من قوى الخلق تقابلان الإبداع ~~والنظام في الطبيعة، وبهما صار أفراد الشعراء والكتاب يخلقون الأمم التاريخية خلقا، ورب ~~كلمة من أحدهم تلد تاريخ جيل. # فإذا مسخ التصور في الإنشاء فجاء كتصدر المريض، وثرد الخيال فذهب كخيال المجانين، ~~وأدير الإنشاء بعد ذلك على أنه بليغ، فاعلم أنها بلاغة العصور الذاهبة في الإنحلال بآفات ~~الاجتماع وأمراضه، فيكون طابعها في اصطلاح مرضا من نفسها؛ ولقد فشا ذلك في العربية حوال ~~القرن الخامس للهجرة إلى عهدنا، فثم عالم من الشعراء والكتاب بلا شعر ولا كتابة. # 1 # وما البليغ إلا ذلك الذي لا يستطيع أن يؤتيك طبائع الأشياء - التي تجعلها - في غير ~~صورها، ثم أنت لا تعرفها من كلامه إلا في صورها، فكأنه ناسب بين قوتها وضعفك بصناعته وسحره؛ ~~إذ يمازجها بخيال قوي كالعقل يوازن ضعفك، وحقيقة ضعيفة كالقلب توازن قوتها؛ وهو لا يتسلط ~~على طبيعتها إلا بتصوره، ولا يستهوي طبيعتك إلا بقدرته على ضبط النسبة بينك وبينها. # فالبلغاء هم أرواح الأديان والشرائع والعادات، وهم ألسنة السماء والأرض، وإذا شهد عصر من ~~العصور أمة ليس فيها بليغ فذلك هو العصر الذي يكون تاريخا صحيحا لأضعف طبائع ~~الأمم. # وكتبت هذه المقالة وبحسبي منها أن يكون عند الحقيقة ذخرها، وعند الجمال شكرها، وعند ~~الله أجرها. # | الفصل الأول # أيها القمر! # الآن وقد أظلم الليل وبدأت النجوم تنضح وجه الطبيعة التي أعيت من طول ما انبعثت في النهار ~~- برشاش من النور الندي يتحدر قطرات دقيقة منتشرة كأنها أنفاس تتثاءب بها الأمواج ~~المستيقظة في بحر النسيان الذي تجري فيه السفن الكبيرة من قلوب عشاق مهجورين برحت بهم ~~الآلام، والزوارق الصغيرة من قلوب أطفال مساكين تنتزعها منهم الأحلام، تلك تحمل إلى الغيب ~~تعبا وترحا، وهذه لعبا وفرحا والغيب كسجل أسماء الموتى تختلف فيه الألقاب، وتتباين ~~الأحساب والأنساب، وتتنافر ms03 معاني الشيب من معاني الشباب، وهو يعجب من الذين يسمونه بغير ~~اسمه ولا يعلمون أنه كتاب في تاريخ عصر من عصور التراب. ~~... والآن وقد بدأت الطبيعة تتنهد كأنها تنفس بعض أكدارها، أو هي تملي في الكتاب ~~الأسود أخبار نهارها، وبدأ قلبي يتنفس معها كأنه ليس منها قطعة صغرى. بل طبيعة أخرى، ولله ~~ما أكبر قلبا يسع الحب من قبلة اللقاء إلى ذكراها، ومن حياة الصبي الأولى إلى ما يكون من ~~الجنة أو النار في أخراها، إن هذا لهو القلب الذي ترى فيه الطبيعة كتاب دينها المقدس، فإذا ~~لحق العاشق الذي يحمله بربه تناولته وهي جاثية كأنها في صلاة الحزن، ثم قلبته متلهفة، ثم ~~قلبته متخشعة ثم أودعته في مكتبة الأبد لأنه تاريخ قلب آخر، بل جزء من الموسوعات الكبرى ~~التي يدون فيها الدهر تاريخ النفس الإنسانية على ترتيب بعينه تعلم الناس منه أن يبدئوا ~~لغاتهم جميعا بحرف «الألف» لا لأنه من أقصى الحلق ... بل لأنه من أقصى القلب، بل لأنه من ~~أقصى التاريخ، بل لأنه أول اسم «آدم» ذلك العلم الأول في تاريخ الحب. ~~... والآن وقد رقت صفحة السماء رقة المنديل، أبلته قبل العاشق في بعاد طويل، أو هجر غير ~~جميل، وتلألأت النجوم كالابتسام الحائر على شفتي الحسناء البخيلة حيرة القطرة من الندى إذ ~~تلمع في نور الضحى بين ورقتين من الورد؛ وأقبل الفضاء يشرق من أحد جوانبه كالقلب الحزين ~~حين ينبع فيه الأمل، ومرت النسمات بليلة كأنها قطع رقيقة تناثرت في الهواء من غمامة ~~ممزقة وأقبلت كل نفس شجية ترسل آمالها إلى نفس أخرى كأن الآمال بينهما أحلام اليقظة، ونظر ~~الحزين في نفسه، والعاشق في قلبه؛ ونام قوم قد خلت جنوبهم فليس لهم نفوس ولا قلوب، ولبس ~~الكون تاجه العظيم فأشرق عليه القمر. # والآن وقد طلعت أيها القمر لتملأ الدنيا أحلاما وتشرف على الأرض كأنك روح النهار الميت ~~ما ينفك يتلمس جوانب السماء حتى يجد منها منفذا فيغيب، فهلم أبثك نجواي أيها الروح ~~المعذب، وأطرح من أشعتك على قلبي ms04 لعلي أتبين منبع الدمعة التي فيه فأنزفها. إن روحي لا ~~تزال في مذهب الحس كأنها تجهش للبكاء ما دامت. هذه الدمعة فيه تجيش وتبتدر، ولكن إذا أنا ~~سفحتها وتعلقت بأشعتك الطويلة المسترسلة كأنها معنى غزلي يحمله النظر الفاتر فلا تلقها ~~على الأرض أيها القمر، فإن الأرض لا تقدس البكاء، وكل دموع الناس لا تبل ظمأ النسيان ~~ولو انحدرت كالسيل يدفع بعضها بعضا. # أرأيت أيها القمر هذا النهر الصافي الذي يجري كأنه دموع السحر من أجفان هاروت وماروت. ~~ويطرد بجملته كأنه قطعة من السماء هاربة في الأرض؛ وهل تبصر في شاطئه تلك الشجرة الناضرة ~~الممتلئة بالأوراق كأنها مكتبة يتصفحها الهواء؟ هذه هي مثال الفلسفة الطبيعية، فكل حكيم ~~لا ينبت على شاطئ الدموع الشريفة فهو فيلسوف جاف كأنه مصنوع من جلود الكتب؛ وما دمعتي إلا ~~النهر الذي نبت في شاطئه، وهي أطهر شيء وأصفاه؛ لأنها مخلوقة من ثلاثة عناصر تقابل ~~العناصر السماوية من الحب الذي يقابل عنصر النار، ومن اللين الذي يقابل عنصر الهواء، ومن ~~البكاء الذي يقابل عنصر الماء. # ليس كل من عصر عينيه فقد بكى؛ إن البكاء لأشرف من ذلك، وكما يكون الضحك أحيانا حركة ~~في الأفواه تبعثها العادة كحركة الحواس الغليظة فيضحك المرء وقلبه صامت، كذلك يكون من ~~البكاء ما هو حلم الأسى؛ لأن في العين حاسة لا بد من تمرينها أحيانا تسمى حاسة ~~الدموع. # وما إن لقيت باكيا إلا رأيت وجهه مقبلا علي كأنه يسألني: ترى من أين يذبح الإنسان ~~إذا كانت دموعه هي دماء روحه؟ ذلك لأن الدموع لم تعد على طبيعتها دموعا، بل هي علامات ~~الألم أو السخط. الألم من المخلوق والسخط على الخالق، فهي ألفاظ من لغة العجز قد تكون أفصح ~~منها في الأداء كلمات السفاه والغيظ والحنق وما إليها. # ولكن الباكي بها لا يجد من قوة الجراءة ما يرفع صوته من حفرة الحلق التي لا تمتلئ، مع أن ~~نفس الحر تئد فيها كل يوم ألفاظا كثيرة من عبارات الذل والتمليق فلا ينطق بها، وتئد ms05 ~~فيها نفس الذليل كل ألفاظ الإباء والأنفة فلا ينطق بواحدة منها، وذلك لعجز الباكي ولضعف ~~إحساسه بالذل السياسي، أو لضعف قلبه بالتقوى التاريخية، فيرفع صوت روحه وهي تتكلم من العين ~~بهذه المعاني السائلة التي نسميها الدموع. # أريد أن أبكي بكائي الطبيعي أيها القمر، لأنه يخيل إلي أن حقائق كثيرة تغتسل بدموعي؛ ~~وإني لا أكون في حاسة إلى البكاء إلى حين تكون هي في حاجة إلى الدموع، ولقد شعرت مرارا ~~بحركة عقلي في تصفح الأسفار، واضطراب نفسي في متاحف الآثار، واختلاج قلبي في معابد ~~الطبيعة التي قامت الجبال في بنائها لأنها أحجار؛ فما أفدت من كل ذلك ما أفدته من دمعة ~~تفور في صبيبها كأنها روح عاشق يطاردها الموت بين يدي حبيبها فإن في هذه الدمعة ثواب كل ~~آلامي، ويقظة كل الحقائق من أحلامي. # وما زلت حائرا في أمر مشتبه لا أصيب الوجه فيه، فلا أدري إذا كانت هذه الدموع المتساقطة ~~تنقض من بناء الحياة لينهد، أو هي تضاف إليه ليشتد: فإني أرى أقواما يحيون بالدموع ~~وآخرين يموتون بها، ولعل عين الإنسان ملئت بالدموع من أصل الفطرة لتكون منها خنادق مستفيضة ~~حول الروح فلا يقتحمها الفكر ولا يرى أبدا إلا ظاهرها، ولولا ذلك ما بقيت الروح من أمر ~~الله، أولسنا نرى الذين يبكون كثيرا من الحكماء والجهال على السواء يؤملون أن يدركوا من ~~أسرار الروح كثيرا إذ يرون تلك الخنادق قد أخذت تمج ما فيها فكأنهم بالماء قد غيض ~~وكأنهم بالأمر قد قضي؟ # ولكن الإنسان ليس إله نفسه؛ فهو يبكي صابرا ويصبر باكيا، ومتى انكشفت أرض الخنادق ~~الروحية ظهرت فيها حفرة القبر، وكانت آخر دمعة تجف منها هي دمعة الموت. # بيد أن الحقائق التي تهيئ للبائسين ذلك الأمل بكثرة ما تفيض أعينهم من الدمع، هي في رأي ~~الناس علم وفلسفة؛ لأن الجهل في الإنسان لا حد له، فكل ما ظفر به عده حدا علميا؛ ~~أولا ترى أن أجمل ما في الديانات والشرائع قد تحول إلى حجارة البيع والصوامع والمساجد ~~والأضرحة والحبوس ms06 وكثير من مثلها حتى صارت هذه الأبنية تفهم الناس من ضروب المعاني أكثر ~~مما تفهمهم الكتب السماوية في الأرض، والأرضية في السماء؟ # ما لي ولك أيها القمر لا أحب أن أفيض عليك دمعتي فقد ترى فيها أشعة كثيرة من ألوان ~~الأسرار المختلفة، بل أنا أراها في قلبي وقد اشتمل بها الخيال الحزين، خيال هذا الأمل الذي ~~يسميه الناس «الحب» وتسميه الطبيعة «الحياة المعذبة» لأن الناس قد مضوا على أن لا يعرفوا ~~الحقيقة إلا بأوصافها، ولا يعرفوا من أوصافها إلا ما يتعرف إليهم من ظاهرها الجميل، أما ~~باطن الحقيقة الذي يحتوي السر المحزن فهذا يعرفه من يفهم لغة الطبيعة، وما لغتها إلا ~~أفعالها. # وأنت فإذا أردت أن تدرس علم البلاغة من هذه اللغة الطبيعة فادرس المصائب والآلام ~~والأحزان؛ إنها هي أقانيم البلاغة الثلاثة: المعاني والبيان والبديع، وإنك إن درستها وتدبرت ~~شواهدها الصحيحة التي لم يصنعها رواتها ولم يجيئوا فيها بمنكر القول وزوره، أصبحت أفصح من ~~ينطق عنها في هؤلاء البكم الذين يقرأ أحدهم صفحة الزهر بعينين في أنفه # 1 ~~... ولا يستحي الغبي أن يقول لك إن في الزهرة معنى جميلا، كأن في أنفه عقلا من ~~العقول العشرة ...! # فمن أحب ورأى حبيبته من فرط إجلاله إياها كأنها خيال ملك يتمثل له في حلم من أحلام ~~الجنة، ورأى في عينيها صفاء الشريعة السماوية، وفي خديها توقد الفكر الإلهي العظيم، وعلى ~~شفتيها احمرار الشفق الذي يخيل للعاشق دائما أن شمس روحه تكاد تمسي: ورآها في جملة الجمال ~~تمثال الفن الإلهي الخالد الذي يدرس بالفكر والتأمل لا بالحس والتلمس، فأطاعها كأنها ~~إرادته واستند إليها كأنها قوته، وعاش بها كأنها روحه - فذلك هو الذي يشعر بحقيقة الحب ~~ويفهم معناه السماوي، وهو الذي يقول لك صادقا مصدوقا. إن كل لفظة من لغة الطبيعة في تفسير ~~معنى الحب كأنها صلصلة الملك الذي يفجأ الأنبياء بالوحي في أول العهد بالرسالة. # ليس كل ما يعجبك يرضيك، ولكن كل ما يرضيك يعجبك، فالجمال الوصفي الذي يقاس بالنظر ويخرج ~~منه الفكر بنسبة ms07 هندسية، جمال صحيح وحري أن يكون معجبا؛ ولكنه على كل حال بناء جسمي ~~كالقصر المشيد الذي يعجب الفقير المعدم فيتمناه، فإن هو صار له خاليا لم يرضه، لأنه لا ~~يلتحف سقوفه المموهة، ولا يفترش أرضه الموطأة، ولا يلبس جدرانه الموشاة، ولا يقتات من ~~هوائه الطلق؛ أما الجمال الذي يرضي فهو الذي يشف عن صورة روحك بغير ما يخيلها لك ماء ~~الحياة العكر - هذا الذي لا يشف عن شيء ولا يزال يضطرب فيجعل شبحك في اختلاطه كأشباح ~~البهائم يخلق كل منها خلقا جديدا كلما ضربت البهائم في الماء بأرجلها - فترى من ذلك ~~الجمال كأن ملكا هبط عليك من السماء وفي يده مرآه فنظرت فإذا صورتك بعينها ولكنها في يد ~~ملك. # وقليل أن يجد الناس مثالا من ذلك الجمال، فكثير منهم يجحدون ويرونه ضربا من الوصف ~~الشعري الذي يظهر في خلقه وإبرازه مقدار ما في الشعراء من روح الله؛ وإنما يجحد مثال الجمال ~~الكامل من لا يستطيع أن يكون مثال الحب الكامل، وإذا كانت المرآة قد علاها الصدأ فكيف ~~يعلوها الوجه الجميل، وكيف تخلص إلى روحك من طين هذه الكأس الزجاجية (المرآة الصدئة) نشوة ~~الجمال ولو سكبت فيها حور الجنة كل ما في خدودها؟ # ولقد قيل: إن قوما من العرب ترحلوا عن بعض منازلهم فكان من أنسائهم # 2 # قطعة مرآة صقيلة كأنها وجه المليحة التي نسيتها، فمرت بها ضبع كأشأم ما خلق ~~الله قبح طلعة وجهامة منظر، حتى كأن في وجهها تاريخ الجيف التي اغتذت بها، فوقفت عليها ~~تعجب من إشراقها وسنائها، وما كادت تنظر فيها حتى راعها وجهها ولا عهد لها برؤيته من قبل؛ ~~لأن الله رحيم، ومن رحمته أن لا تعرف الوحوش أنها وحوش، وأن لا تجد أسباب هذه المعرفة، ~~فانقبضت الضبع وزوت وجهها وقالت: من شر ما اطرحك أهلك أيتها المرآة ...! # فجمال هذه الضبع الذي جحدته المرآة كما يجحد الكافر رحمة الله وحسنها الذي أحالته المرآة ~~قبحا كما يخيل الطبع اللئيم كل حسنة تتصل به إلى سيئة. هما أشبه ms08 شيء بالعقل والقلب في ~~المحب الأخرق الذي يحب حواسه فتجوع روحه وتشبع وتعتل بالتخمة أيضا ... وكم في الناس من مثل ~~هذه الضبع، وكم في الحسان من مثل تلك المرآة! # أحس وما أحسب الإحساس إلا نكتة صافية في القلب تقابل نكتة العين التي يكون بها البصر، فكل ~~ما انطبع في هذه انطبع في تلك، لكي تكون الروح بين مرآتين فيسهل عليها أن تدرس الحقيقة ~~بالمقابلة، فإذا نزل الشاعر الدقيق الحس بروضة غناء نضرة أحس بقلبه كأنما يخضر بعد يبس، ~~وإذا أطل في الغدير الصافي أحس بمعنى الماء ينساب في عروقه، وإذا نظر إلى وجه الجميلة ~~الحسناء فلماذا لا يحس أن قلبه امتلأ جمالا حتى كأنه لا يعشق منها إلا شيئا في ~~نفسه؟ # بلى وأكثر من ذلك، فإن الشاعر ليكتب عمن يحبها فيرى كأنه ينفخ في كل كلمة معنى من الحياة؛ ~~لأنه لا يكتب كلاما بل يخط صورة قلبه؛ والعواطف الحية تبقى حية ولو كانت مرسومة؛ لأنها لا ~~تجتمع في شكلها الذي تنتهي إليه إلا بعد أن تمر في أدوار الحياة فتألفها الأرواح وتصير ~~كاللفظ المأنوس: ما هو إلا أن يذكر حتى ترى معناه للذهن ماثلا. # بلى ولقد يخيل إلي أيها القمر الجميل حين أكتب عمن أهواها أنك لفظ في ألفاظي تطلع من ~~المداد، فإذا قلت: «وجهها» فهل تظن هذا اللفظ الذي هو جملة الجمال إلا قمرا في الكلام؟ ~~وإذا قلت: «ابتسامها» فهل ترى هذه الحروف التي تتنفس على القلب إلا أشعة الفجر الندي؟ وإذا ~~قلت: «هي» فهل ترى إلا «ضمير» الطبيعة التي تأخذ عليها الإنسانية دينها؟ # آه لو تعلم أيها القمر من «هي»!؟ # | الفصل الثاني # وآه إن في «ضمير الطبيعة» وفي المعنى المستتر في الهاء والياء لسرا من الحب تتجدد في ~~الناس معانيه المعضلة كأن فيه حياة غريبة تغذوه بتلك المعاني، فهو في علم الروح كالروح ~~نفسها في علم الإنسان. # وإذا تناولته نفس المحب وطفقت تعالجه رأيت المحب ذاهلا كأنه حي بلا نفس، وآنست من ~~نظره عمقا بعيد الغور كأنه الطريق ms09 الذي مرت منه نفسه؛ فهل يمكن أن يكون في يقظة هذا ~~الإنسان نوع من الحلم؟ # لقد غفلت الآن عن نفسي هنيهة أو هي غفلت عني؛ فما نبهني إلا اضطراب ينتفض له قلبي كأن ~~حواسي كلها نهضت تستقبل روحي وقد انقلبت من سفر طويل تحف بها الحاشية العريضة من الأفكار ~~والآمال. # فتلقتهن وجعلت تطرف كل حاسة بتحفة نفيسة من هداياها وهن يتناهبنها، وأنا في ذلك كأنني ~~مقسم إلى حزب أو مجتمع من حزب؛ وما لبث أن ردني إلى وحدتي النفسية حفيف كنجوى النسيم للزهر ~~وليس بها، وكصوت القبلة المختلسة على حياء وليس بها: وكأنه آهة رقيقة انبعثت من شفتي حورية ~~سماوية فأرسلتها الملائكة إلى الأرض؛ لأنها دار الفتنة فما زالت على وجهها تتصفح كل وردة ~~وكل خد كأنه من الوردة وكل شفة كأنها من الخد، حتى رأت «ليلى» وهي تبتسم فاختبأت في شفتيها ~~وما تشك من طيبهما أنها رجعت إلى صاحبتها في الجنة. # سرى هذا الحفيف قليلا قليلا فلا والله ما منه نشوة الخمر ولا نفثة السحر ولا رجفة ~~الطرب، ثم سرى قليلا قليلا فما هو إلا أن أصاب قلبي حتى انتفضت كأن قبلة حارة انطبعت ~~عليه ومسته بشفتيها الرقيقتين؛ فكانت هذه الطرفة هدية الروح إلى القلب. # وما أسرع ما اجتمعت أشتات الحياة التي توزعتها الآمال لتنغمس في بقايا تلك القبلة العذبة ~~التي صبها الهوى على القلب صبا كما تتناول السعادة قلب طفل حزين فتغسله بابتسامة من أمه، ~~وسرعان ما انتبهت بعد ذلك فإذا أنا مستيقظ أو كالمستيقظ! # لا أدري أيها القمر كم هي تلك الفترة من حساب الزمن؟ فإني لم أنظر في ساعتي، أو بالحري لم ~~أنظر وجه التاريخ، فقد أبغض الساعة لأنها ميزان تبين مقدار السم البطيء الذي ينفثه في ~~الحياة ذنب (عقربها) بتلك الحمة المسددة إلى الساعات والدقائق. # ودع الناس يزنون بها الحياة لا الموت، فإن كل شيء في يد الإنسان أصبح لا يخرج منها إلا ~~بثمن ومقدار، ولو عد الله عليهم حب الغمام أو حب الأرض كما ms10 يعد بعضهم على بعض لهلكوا ~~جميعا كما يهلك اليوم بعضهم بعضا، ولو تدبرت اختلاف أثمان الوقت في هذه الأجسام التي ~~تشبه الحوانيت لتجارة الحياة لقضيت عجبا من الإنسان، فرب دقيقة واحدة من حياة رجل تبذل في ~~ثمنها حياة بتمامها من رجل أو رجال. # ورب يوم يبيعه رجل # 1 # فلا يساوم عليه بأكثر من نظرة ازدراء، ويوم آخر تبذل فيه كل أزمنة التاريخ ~~المجهولة وكثير من أيامه المعدودة ليملأ بعظمته ذاكرة الزمن الخالية. # ولي صديق فيلسوف يضحك عاليا ملء فمه حتى ليخيل إلي أنه ولد في يوم رعد قاصف. وذلك ~~كلما حدث عن صاحب له واعده يوما أن يوافيه في ساعة معينة، ثم وافاه الفيلسوف وقد مرت ~~الساعة ولحقت بها أختها، فقال صاحبه متململا: أوليس ...؟ فقطع عليه صاحبنا ما وراء السين ~~وقال. دعني من اسم هذا الفعل الناقص وخبره، حينما يحرص الزمن على أن لا يخطئ في حسابنا نحرص ~~على أن لا نخطئ في حسابه! # وأنا لا أقول بإغفال الوقت وإرساله كأنفاس المختنق: لا تذهب من الحياة ولكن تذهب بها، فإن ~~هذا قد كان في عهد آبائنا وآباء التاريخ حين كان الليل ساعة فلكية للطبيعة وكانت النجوم ~~أرقامها ثم كانت دقاتها صياح ديك عند جماعة ونهيق حمار عند آخرين. # وإنما أريد أن لا يحاسب أحدنا ربه بالدقيقة؛ فإذا سبب له من وقته طربا أو ساق إليه فرصة ~~حظ من السعادة فليطرب ولينتهز من فوره ولساعته وليأخذ ما آتاه بقوة؛ فإن الدقيقة الواحدة ~~التي يتفلسف فيها وقتئذ ربما كانت هي الطريق الذي تمر منه الفرصة إلى ما وراء الزمان فتلحق ~~البعيد بالبعيد من الأبد حيث لا يتعلق بها شيء من أوهام ذلك الفيلسوف المفكر ولو خرجت روحه ~~تشتد وراءها عدوا ... # فإذا اتفقت لي هنيهة كالتي انتهت الآن بهدية الروح إلى القلب فقلما يعنيني مقدارها، بل ~~أنا أحسبها كما أشاء ولا أذكرها إلا ذكرة الهرم يوم ميلاده بعد أن أسند في حدود المائة، ~~فاعتبر مقدارها بسنة وبمائة سنة، ما شئت من قليل وما ms11 شئت من كثير؛ لأنها أصبحت لي لا ~~للتاريخ ولا للساعة. وقد تكون لي ذكرى الحياة كلها فلا أسلمها في يد الغيب إلا مع آخر نفس ~~من أنفاسي. ومع ذلك فإني أحرص على أن أجعلها كأنها نفس من حياة الآخرة خرج في الحياة الدنيا ~~فتظل روحي واقفة على الجسم لحظة وهي قد فارقته حتى يبرد أثر القبلة التي انطبعت على القلب ~~ويبرد الموت على جنبي، وحينئذ لا يبقى لها في الجسم شيء من الحب ولا أثر زفرة من زفراته ~~فتصعد متباطئة ... # لست أشك أن لليقظة أحلاما. وإلا فما شأن الذاكرة إذن، وهل هي إلا بيت الأحلام؟ # ولكن هذا البيت لا تقام فيه الحفلات إلا في أثناء الليل، فيموج بأهله حتى ما يرى العقل ~~إلا أشباحا متفرقة كأنها ما صفح عنه البلى من سطور كتاب قديم. # ومن الذي ينكر أن استبداد الملوك الطغاة وما إليه من استرقاق الشعوب وتعبد الضعفاء ~~وظلم المساكين إنما هي أحلام مزعجة من أحلام الإنسانية المستيقظة. # إنك لتشتري الذهب بالفضة، وتستبدل الفضة من الذهب، ولكن البيضاء ينبغي أن تكثر في حالتيها ~~حتى تساوي في القيمة ما تشتريه بها أو ما تشتريها به من ذلك المعدن النفيس؛ فإذا نقصت شيئا ~~قليلا ولو درهما بقي الذهب سيدا وذهب النقص بالتكافؤ بين الرتبتين. # انظر أترى ثمة شعبا مستعبدا يجتمع كما تتراكم الأنقاض ويتفرق كما تتبدد وليس منه في ~~الاجتماع والتفرق إلا صورتان للخراب كالبومة والبومة في التشاؤم؟ إنك لتنظر الشعب الذي يحلم ~~وهو مستيقظ؛ ألا تراه يعمل على السخرة ويطبع بالإرادة أو بالوهم الذي صار له كالإرادة، ويشك ~~في أنه يخاف من المستبد أو يخاف من أن يشك فيه، ويرجو على قوته ما يرجوه الأجير أن يملك ~~يده ساعة ليتناول بها لقيمات يقمن صلبه، وأن ينتهي عمل يومه ليوقن أنه إنسان كالناس له يد ~~يملكها؟ # هذا دأب الاستبداد ودأب الشعب الضعيف الذي ابتلي بالنقص عن مكافأة المستبد به ومساواته؛ ~~وكثيرا ما لا يكون هذا النقص فيه إلا بمقدار درهم واحد من ms12 الفضة التي نزلت عن مقدار ~~الذهب. # ولكن أين هذا الدرهم المتمم؟ درهم واحد من الشعب يكون الشعب كله ويجعله مالكا بعد أن كان ~~مملوكا، وحاكما بعد أن كان محكوما، ويخرجه في التاريخ من رتبة إلى رتبة. # هذا الدرهم هو الذي يبقى في يد القدر حتى يجيء يوم الحساب الذي وعدت به الحرية المظلومة ~~للانتصاف من ظالميها فيعطيه الله للشعب، ولا يكون إلا رجلا ولكنه رجل إلهي. # أفتدري من هو هذا الرجل الإلهي؟ هو الذي لا تعرفه الحياة ولا يعرفه الموت فلا يذل ~~لأحدهما؛ تتبرج له الحياة فلا تغره، ويتجهم له الموت فلا يضره؛ ويبتلى بكل ما يسوء ويسر ~~فلا يسوءه ولا يسره ... # هو رجل روحه في كفه - وهي العلامة الإلهية فيه - فما إن يزال يثب بها من كل قبر يحتفر ~~له ولا يسقط أبدا. وكل رجل إلهي لا يخطو إلا فوق القبور؛ حتى إن تاج الملك لينكشف عن رأس ~~صاحب الجلالة إذا رآه وهو يهوي إلى الأرض عساه يكون لتلك الأنفة قبرا ذهبيا: فإن هذا ~~الرجل الحق لا يجيء إلا عندما تقضي السماء على الأرض بحكم من أحكامها، فيخلق الله بين جنبيه ~~قلبا هو المعنى المتجسم من ذلك الحكم. # وتسبق مجيئه أعاصير ومحن تهب على الأرض فتقيم الدنيا قيامة لا لظلم الناس ولكن لتمهد ~~طريق الإعصار الساكن الذي يولد هادئا منطويا على حقيقته انطواء القنبلة. # وإنه ليخيل إلي أن هذه الأعاصير لا ترسل على الأرض إلا لغرض واحد هو من أمر الله؛ وذلك ~~أن تسفي من كل جهة في الأرض هبوة من التراب فتجمع منه ملائكة الغضب كل ذرة قد كتب لها ~~في الأزل أن تكون في حفرة هذا البطل فينتزع قبره من الأرض، ويمين الله لو فتحت له القبور ~~كلها لما سقط في واحد منها بل يظل يخوض الموت خوضا وكأنه يغسل رجليه في نبع بارد؛ ولو ~~شبت حوله جوانب الأرض سعيرا يتلظى لما عدت أن تكون نارا ينضج بها غذاء تاريخه ~~الشره. # فمتى نفذ حكم السماء وتمت كلمة ms13 ربك واستغفرت الأرض من سيئتها التي نزل بها العقاب لأجلها، ~~أحس ذلك الرجل أنه إنسان وأنه بدأ يعرف الحياة واستشعر ظلا يمر على نفسه وهو لا يعرف أنه ~~تراب قبره الذي يتساقط إلى الأرض شيئا فشيئا حتى يجتمع، ولا يكون إلا ريث يتهيأ منه مقدار ~~يواريه حتى يعرف الموت إذ يغدو على الأرض يتفقد الحفر الخالية ويجمع منها الأوراق الذابلة ~~التي نثرها القضاء من شجرة الأعمار. # هذا هو الرجل الإلهي الذي لا ينثني؛ لأنه الحق، ولا ينحرف؛ لأنه العدل، ولا يخاف؛ لأنه ~~البأس، ولا يضعف؛ لأنه القوة، ولا يحيف؛ لأنه الإنصاف؛ ولو تعلق به أهل الأرض جميعا لمشى ~~بهم مطمئنا؛ لأنه في نفسه كقطعة من نظام السماء الذي يجذب الأرض في فضائها. # وهذا هو الرجل الذي يتعرف به الناس معاني الاصطلاحات النفسية القوية، كالشهامة والنجدة ~~والصدق والإخلاص والإيثار وما إليها من سائر المفردات التي يتألف منها معجم الفضيلة. # وهو في كل ذلك كأنه قاعدة من قواعد العلوم، تعطيك المثل الذي تريده لأنها هي ذلك المثل لا ~~لأنها تعطي وتمنع. # فلو أريد ذلك الرجل على الخيانة واللؤم والجبن والتملق ونحوها مما يكون في المتشبهين به ~~لزاد وفاء وكرما وإقداما وأنفة، كما يزيد طيب العود بإحراقه. # أرأيت إذن مقدار الدرهم الذي ينقص الشعب؟ إن أكبر رجال التاريخ لا يزن أكثر من درهم واحد ~~في ميزان الله. # ومن نكد الدنيا أنك لا تزال ترى المصلحين حيث ترى نفسك لا تفقدهم في مكان، ثم لا يزيد ~~الأمر معهم إلا فسادا؛ لأنهم مصلحون بالتشبه والتقليد أو بقوة الإرادة أو بإرادة القوة؛ ~~وإن أحدهم ليريد أن يكون مصلحا فيكون، ثم يبتغي أن يعمل عمل المصلحين فلا يبرح يبحث عن ~~الفساد حتى يجده أو يوجده، ثم لا يتخذ من الناس ما يتخذ الأطباء في تجاربهم من العقاقير، ~~فيستحق طائفة ويمزج طائفة ويذيب طائفة؛ كل هذا والشعب يقيه بنفسه من التلوث بالقذر كالبذلة ~~في نطاق المتبذل؛ وهو دائب على أمره حتى تسفر التجربة عن مزيج ينظر فيه فيعرف ms14 من النظرة ~~الأولى أنه عرق الخيبة التي تفصدت به من طول ما أجهدها في عمله ... # خذ أحد القوانين مثلا واقرأه ثم تدبره ثم أرسله من يدك وأرسل ألفاظه من روحك، فإنها ~~ستنقلب رجالا يتسللون، فأتبعهم قلبك وانظر أفعالهم وتغلغل ما استطعت في مكامن النيات ~~وأبعد إلى مطارح الظنون وكن منهم فطنة وحذارا كأنك تستنبئ أخبار كل نفس من ملكيها، فإذا ~~وعيت وتبينت واستبرأت كل ما تشك فيه إلى منقطع اليقين فامسخهم ألفاظا كما كانوا واجهد ~~جهدك في فهمهم بعد، فإنك ستعجب من لغة قانونية وضعت لتفهم كما تثبت في أذهان واضعيها لا ~~كما تتحول في أذهان الناس، وسترى ذلك القانون نفسه كأنه كتاب من كتب النحاة المتأخرين: قلما ~~تعرض فيها قاعدة إلا كان أساسها «زيدا وعمرا وبكرا وخالدا ...» فيدخل هؤلاء المساكين من ~~كل باب ليطبقوا على القاعدة لا لكي تطبق عليهم ... ولا يكون مأتى ذلك إلا من الفهم الميت في ~~معاني الإصلاح، فإن المعاني نفسها تموت معه ويبقى كل لفظ كأنه قبر يتفاءل له بالرحمة وتجري ~~عليه الدموع وتنشق المرارات وهو لا يجيب الناس على كل ذلك إلا بطلب ميت جديد. # لا مفر للخلق من العبودية، وأنى لهم المفر والسماء فوقهم والشرائع تحت السماء والقوانين ~~تحت الشرائع والرذائل تحت القوانين والوحشية تحت الرذائل؟ فويل للمستضعفين الذين يفرون من ~~كل فرجة بين المخالب والأنياب وفي أرجلهم القيود الثقيلة، وويل للإنسان الذي لا يكتفي بالله ~~في سمائه حتى يستعبد لصفاته في أهل الأرض؛ فالجبروت في الملوك! والكبرياء في الحكام، ~~والتقديس في القوانين عادلة وظالمة. والعزة في القوة وماذا بقي لله ويحك؟ # أيها القمر الذي يشرق من بعيد كأنه وجه الحرية مهما بعد فآماله قريبة ساطعة على كل نفس ~~حقيرة، إني أرى العبودية لله وحده؛ فإنما هي فكر الروح في مبدئها واتصالها به، وإن كان في ~~الأرض عبودية شريفة فهي للحب وحده، وإنما هي فكر القلب في مرجعه واتصاله به؛ وكما يستبعد ~~الأعمى لعكازته لأنه يرى فيها عنصرا من النظر، والشيخ الهرم لعصاه ms15 لأنه يرى فيها عنصرا ~~من الشباب، والطفل الصغير للعبته لأنه يرى فيها عنصرا من العقل - كذلك يستبعد عاشق الجمال ~~للجمال؛ لأنه يرى فيه لروحه وقلبه نظرا وشبابا وعقلا، فيبصر ويقوى ويعقل إذا عمي غيره ~~وضعف وخرف؛ ويعلم حينئذ بنظرة الفكر القوية العاقلة أن العبودية للحب الصحيح هي مبدأ ~~العبودية الصحيحة لله. # | الفصل الثالث # ولعمري أيها القمر إني لأشكو إليك بثي وحزني، وأناجيك بأحلام النفس الإنسانية، وإنك ~~لتجيبني الجواب الصامت البليغ فتطرح أشعتك في قلبي آخذ من بعضها قولا وأرجع إليك بعضها ~~قولا، كالعاشق يرى في ألحاظ حبيبته بالنظرة الواحدة ما في نفسه وما في نفسها. # ولقد أرى لك في جانب من قلبي شعاعا غريبا قد استبهم علي فلست أعلمه، وكأنه ينبعث من ~~أبعد سمت في السماء إلى أعمق غور في القلب، وإنما انحدر في أشعتك ليمتزج بشيء من الغزل ~~يستأذن به على هذا القلب الذي فيه من الحب أكثر مما فيك من الجمال. # وما أدري ما أمر ذلك الشعاع؛ غير أني أحس أنه ينير في حلك الظلمة الخالدة التي فصلت بيني ~~وبين أيام ولدت فيها الدنيا معي، فأراه يقابل نفسي بمعان رقيقة كأنها أرواح تلك الأيام ~~الماضية، كأنه اتسق أسطرا نورانية أقرأ بها فصلا من تاريخ الطفولة الذي تضحك كلماته لأنه ~~من لغة الضحك. # تلك اللغة الخاصة بالأطفال والتي يضحك منها الرجال أحيانا إذا استمعوا لها لأن في أنفسهم ~~بقية من أثرها. # تلك اللغة الموسيقية التي تفيض ألحانا حتى في الحزن، والتي توقع أنغامها على كل شيء ~~تصادفه كأن كل شيء ينقلب في يد الطفل أوتارا مرنة ولو كان العصا التي يضرب بها ~~... # بل تلك اللغة التي يوفق بعض القلوب السعيدة إلى الاحتفاظ بشيء منها على الكبر فتكون فيه ~~ينبوعا للفلسفة الحقيقة يشرب منه الحب الظمآن، وتستروح إليه الحياة المجهودة التي ما تكاد ~~تتنفس، وتبترد عنده الأحزان الملتهبة، وتصغر لديه كل المصائب فتخرج عن طبيعتها إلى طبيعته ~~حتى لا يستحيل بها دموعا حارة؛ وهو في الإنسان بقية الري من ماء ms16 الجنة قبل أن يخرج منها ~~ويوم كان لا يظمأ فيها ولا يضحى. # ولشد ما اجتهد العلماء والفلاسفة في تعريف السعادة، ولكنهم عرفوها بتنكيرها، إذ ألبسوها ~~ألفاظا من لغة البؤس كانت لها كثياب الحداد التي هي أكفان الحي المتصل بالموت، أو الميت ~~الذي لم يمت؛ فإذا أردت السعادة من تعريفاتهم وابتغيتها من أوصافهم فإنك تكون سعيدا جدا ~~بل أسعد الناس كافة؛ لأن كل واحد منهم يتوهمك سعيدا متى لبست تعريفه، فتسعد بعشرين أو ~~ثلاثين سعادة متباينة، ولا ضير أن تبقى بإزاء كل هذا النعيم بائسا في يقينك الذي لا ~~دليل عليه إلا ما تحس به أنت، وما يقينك هذا أيها الأحمق بجانب ثلاثين ظنا من ظنون ~~الفلاسفة! # إنهم لا يعتدونك شقيا البتة حتى تشقى بثلاثين نوعا من البؤس كما سعدت بثلاثين نوعا ~~من السعادة ...! # كلمتان هما تعريف السعادة التي ضل فيها ضلال الفلاسفة والعلماء، وهما من لغة السعادة ~~نفسها؛ لأن لغتها سلسة قليلة المقاطع كلغة الأطفال التي ينطوي الحرف الواحد منها على شعور ~~النفس كلها. أتدري ما هما؟ أفتدري ما السعادة طفولة القلب! # ذاك أيها القمر وإني لأحس كذلك أن قلبي يطرح على ساحل أشعتك بقايا ما فيه من الآمال ~~المحطمة التي طال مثواها في لجج الهم، كبقايا الغرقى في أعماق اليم؛ وليت شعري ما عسى أن ~~تجدي هذه البقايا؟ إنها أثر من رجاء ماض في زمن وقع وانقطع، أو كلمة طيبة قد مات أهلها، أو ~~شعاع ابتسامة أخلدها الحب في قلبي؛ لأنها روح شبابي والأرواح خالدة، أو معنى حزين تعشقه ~~الدموع فلا تزال تنازع إليه، أو قطعة مثلمة من الذكرى تمر الأحزان من صدوعها أو آمال في ~~المستقبل البعيد كأنها أحلام يعد بها النائم نفسه قبل أن ينام ... ويكسوها الهم البليغ ثوب ~~الاستعارة فيتخيلها ابتسامات من السعادة كما يرى المدمن في عناقيد الكرم سحابة من الخمر، ~~أو بقية من حياة معذبة، يقول فلاسفة البؤس: إن القدر أبقى عليها؛ لأنها من حصة القضاء، ~~ويقول حكماء الإيمان: إنها بقية معلومة لغاية مجهولة ms17 متى انتهينا في طريق العذاب إليها «أي ~~الغاية» رأينا ثمة عناية الله! # فدعني أيها القمر أحمل بقايا عمري: إني كلما قطعت مرحلة في سبيل الحياة وضعت عندها أحمالي ~~وعدت أدراجي لأجمع ما يكون قد تناثر مني، فأقطع كل مرحلة ثلاث مرات؛ أما إحداها فأكون فيها ~~كالشيخ الفاني يدلف مثقلا بأيامه، وأما الثانية فأمضي فيها خفيفا لا أحمل إلا النوم في ~~أجفاني، وأما الأخرى فأعود منها بأثارة من الأحلام تخف على نفسي لولا ما يخالطها من ثقل ~~الفكر في قطع مرحلة النهار الجديد. # ولو كنت من السعداء لسخر لي القدر من يحمل عني، بل لكان ظلي نفسه حمالا ... وإذا أردت أن ~~ترى قوما يرثون من لم يلدهم ولم يكن من ذوي قرباهم ولم يمت إليهم بسبب واصل فانظر إلى ~~البائسين؛ فإن كل منهم يحمل أثقاله وأثقالا مع أثقاله. وليس أخف من أحمال البؤس وحده؛ إذ ~~هي لا تعدو الجوع الذي تكسر شرته بكسرة من الخبز، والتعب الذي يذوب في غمضة العين ساعة ~~النوم، وما عدا ذلك؛ مما يحمله البائسون فإنما هو من أثقال السعداء؛ لأنه لا بد من ظهور ~~للحمل ... فمن يحمل الأمراض التي لا قوام للعالم إلا بها مدة صحة السعداء؟ ومن يحمل الهموم ~~مدة نعيمهم واغترارهم ومن يحمل الدموع مدة ضحكهم وافترارهم؟ ومن ومن ومن إلا هذا البائس ~~الذي تصيبه دائما واقفا في طريق الأقدار لأنه برقة قلبه وسذاجة روحه يكون دائما أقرب ~~الناس إلى السماء! # أما أولئك الذين يغيبون في ظلمات العالم كما يبتهج السمك كلما غاص في ظلمات الماء، ~~فكثيرا ما تتعاون الأقدار وتتظاهر لجر واحد منهم حتى تكون عليه كخيوط الشبكة وهو مع ذلك ~~يجاهدها ليفلت، فترى شبكة هذا الحوت الذهبي وقد علقت بها الأيدي يقرض فيها الأصدقاء من ~~جهة والأطباء من جهة، وغيرهم من جهة، وبالجملة فإن ماله يستحيل إلى مقاريض تأخذ شبكة ~~الأقدار من كل جهاته. # فإن كانت القاضية فكثيرا ما يموت هذا السعيد وهو يجذب الأقدار أو هي تجذبه، كأنه يريد أن ~~يكون ms18 موتا للموت، ويصدف وجهه مرة ويشيح به مرة كأن الأرض ذابت أو تخلخلت فأصبحت لا تقوى أن ~~تحمله فضلا عن أن تمسكه، وكأن الجهات الأربع انزوت عنه فلا يرى إلا جهة السماء، ثم يحتضر ~~والحياة أمر ما وجدها، وكل نفس في فمه كأنه قبلة مرة تقطر من فم الرذيلة الشوهاء، ويكشف ~~عنه غطاؤه فيرى ماضيه بعين صافية تكاد نظراتها تكون عقولا مفكرة، فلا تنفذ إحداها إلى أمر ~~من أموره أو فعله من فعلاته إلا أبانت عن نفسها وكانت كأنها تشهد عليه، فمن حيثما التفت لا ~~يرى إلا وجوه الأدلة، ومن حيثما أصغى لا يسمع إلا إقرارها، ويدركه الموت فيقول إني تبت الآن ~~... كلا إنها كلمة هو قائلها، وإنها لا تغني عنه من الله من شيء، وإنه ليقبل بها على الله وهي ~~في فمه كالفضيحة أو أشد خزيا، ثم يموت وقد جهد بالموت وجهد الموت به، فيصعدان وكلاهما ~~متباطئ والموت ما يكاد يحمله ويحمل نفسه، لا كما يموت الفقير خفيفا هادئا كأنه طائر بسط ~~جناحه وطار، ولا كما يصعد خفيفا هادئا كأنه معنى جميل تذهب به رسالة معطرة. # وأكبر ظني أن بعض الأغنياء يموت في الأرض وينتهي إلى السماء ميتا ولا يحيا هناك إلا ~~بعلاج ... يدفع ثمنه ببدنه الذي لا يملك في الآخرة غيره، كما يدفع السجين المفلس للحكومة أجر ~~ما يأكله في سجنها من أعماله. # وما كتب الملائكة قط صحيفة هي أشام طائرا في السماء من صحيفة غني حين يحتضر، وهذه ~~الصحيفة التي تطير بمعانيها هي التي تنطبع فيها ظنون النفس الراحلة سطورا كأنها «فنغراف» ~~الموت، وأحسب أن السطر الأول من «الظنون الغنية» يكون جبنا شديدا، ويكون السطر الثاني ~~خلاء لأنه موضع رعدة فلا تثبت فيه يد الملك، ويكون الثالث ندما، والرابع مجازفة، والخامس ~~رجاء مستحيلا، والسادس أملا مضحكا، والسابع كلمات ركيكة من الإيمان الضئيل، والثامن ~~حروف خيالات من الماضي الأثيم كأنها مقبلة بمخازيها؛ أما ما بقي مما يوفى على التتمة فإلى ~~الله أمره وفي الثمانية ما إن قليله أهل ms19 لأن يستعظم فيستعاذ بالله منه: وما كل الأغنياء ~~يلقون ربهم بمثل هذه الصحيفة السوداء، إن أريد إلا الغنى الذي يعيش فقيرا ليموت غنيا، ~~فترى أمواله أرقاما لا عداد لها تملأ السفاتج «الحوالات» والدفاتر والدواوين وليس فيها رقم ~~مؤمن تثبته الملائكة في صحيفة الحسنات ليخرج من حساب الناس إلى حساب الله! # وليت شعري ماذا يريد هذا الغني الاصطلاحي؟ أيريد أن يشتري الأرض أم أهلها؟ وهل يظن أنه ~~يوم يشتري الأرض لا يشتري فيها قبره، ويوم يسترق الناس لا يشتري بماله من يلعنه؟ وإذا دفن ~~تاريخ امرئ فإنما تفتح له لعنة بغيضة من لعنات الناس، ويهال عليه ألفاظ بغيضة من الاحتقار ~~فيثوى من ذلك في قبر أبدي. # المال الكثير حاجات كثيرة، وحاجات هذا الإنسان الضعيف معدودة محدودة، ومهما حاول وزاول ~~فإنه لن يعدو حده الطبيعي؛ إذ قد عرفت الطبيعة غروره وطماحه فجعلت له من المعدة قيدا في ~~باطنه ووضعت عليه من القلب قفلا صغيرا، بيد أنه متين لا يقتحمه إلا الموت، فليفعل ~~الأغنياء ما شاءوا فإنهم لا يزالون من الطبيعة حيث هم بجانب الفقراء والمساكين ههنا وههنا. ~~والحقيقة محدودة دائما بذاتها، ولكن الوهم قبحه الله؛ هل رأيت رجلا ينظر بعيني رأسه إلى ~~شرف مرتفع فيلمح فيه رأس رجل قد أطل ثم يحسب ضلة أن هذا الرأس قد انخلع من مغرز العنق ~~فارتفع حيث يلوح وترك جثته متخلفة على الأرض؟ # إنك لا تجد هذا الرجل ولا بين المجانين، ولكنك تجد عالما بين الفقراء كله ذلك الرجل متى ~~التبس الأمر قليلا وصار الارتفاع في طبقات الغنى دون طبقات الهواء؛ لأن الفقير ينظر إلى ~~الغني بإرادته لا بعينه، فإذا كانت إرادته في الغني لا حد لها فهو لا يرى حدا للغني ~~بل قد يراه من الارتفاع والسمو في مكان لو قذفه منه بكلمة سخط لقتله ...! # وكذلك يلقى الغني عينيه حين ينظر إلى الفقير ولا يراه إلا بهواه ولذاته؛ فقل الآن في قصر ~~كأنه من الدنيا صدفة تنفتح عن لؤلؤتها، قد بالغ صاحبه في زخرفة وأوسعه ms20 من شهوات نفسه ~~وأقامه على الأرض كأنه ليس منها ثم يدخله ظامئا ظمأ الشباب وقد ملكته سورة العافية ويجول ~~في أبهائه وحجراته متشاوسا ما يمسك عطفيه كبرا وخيلاء، وينتهي إلى أجمل موضع منه فإذا هو ~~لا يرى ثمة إلا ثوبا أدكن مغبرا كأنه منسوج من أجنحة الذباب وقد بلي وتهتك واستوضحت في ~~جوانبه رقع بادية من أضلاع فقير بائس قامت به رئتاه # 1 # فما ينفك يصب فمه دما وصديدا وهو مهزول يضطرب في ثوب أضيق من رئته وما يكاد ~~يملؤه كأنه بقايا عظام الميت في كفنه القديم! # ولو عقل الفقير المسكين لعرف أنه مهما صغرت قطعة الزجاج الملونة فإنها تصبغ الفضاء الواسع ~~كله بلونها في رأي العين، فالفقر هو الذي صبغ الغني بألوانه البهجة الرفافة لا الغني، ولو ~~صح نظر الفقير لصحت قيمة الغني ولصار أمر هذا القياس إلى الحاجة التي لا بد منها لكليهما، ~~وهما سواء فيها، يجدها الغني بلا كد فمتى تناولها أتعبته وملها، ويكدح لها الفقير فمتى ~~تناولها أراحته ورضيها أكثرها وأقلها، وحين ينام كلاهما ويخرجان عما في أيديهما على قلته ~~وكثرته وينطرحان على تراب الأبدية الذي يتساقط به الليل ويرتقبان جميعا من رحمة الله ~~نهارا جديدا، فحينئذ لا يراهما الناظر إلا جثتين على صوغ واحد لا يعلم أيهما التي يمسكها ~~الله وأيهما التي يرسلها فتستيقظ! وكأنهما على تلك الحال إنما افترفا طويلا بالفقر والغنى ~~عن طاعة الله فتنافرا وتدابرا ثم التقيا لوجهه بغتة فخر كلاهما صعقا. # ليهنأ الفقير أنه الأساس القائم من الأحجار الصلبة في بناء هذا المجتمع وأن الترميم لا ~~يتناول إلا ما فوقه، ولا تكون الصلابة بلا شيء فإنما يشتري الإنسان بفقره نعما كثيرة من ~~الله، ولكن اللؤم يسول له أن يساوم الناس عليها فلا يجد من يشتري منه إلا قوته وعمله؛ لأن ~~الأيدي التي خلقت لحمل الذهب لم تخلق لحمل العالم، فيبتئس هذا الفقير ويحسب أنه وحده ~~البضاعة المزجاة التي لا تقوم في سوق الغنى بثمن إلا بضع رغفان من الخبز، فتجف أصول ms21 الدموع ~~اللينة من عينيه ولا يبقى فيهما إلا اللحاظ الخشنة، وتصبحان في نظرهما إلى الفضائل كأنهما ~~عينا بندقة الصائد يسددهما إلى الطيور الجميلة فلا تقذفان إلا بالموت، ويصبح هذا الفقير ~~البائس وقد خلط فضائله الرثة من متاع بيته القذر، ولا يزال بنفسه يروضها ويسري عنها الخوف ~~المطمئن الذي هو معنى الإيمان حتى تزول عنها كما يزول النهار فإذا هي حالكة عمياء، ويخرج ~~التعس من الفقر كما خرج من الغنى! # ولا عجب أن يخرج بائس من الفقر؛ فإن وراء هذا الفقر منزلة أخرى لا ينحدر إليها إلا أتعس ~~خلق الله وسبيلها من الفقر نفسه! تلك هي الجريمة! # ولا تحسبن الأغنياء المجرمين على غنى؛ فإن كل شيء يسرق حتى الغنى، وحتى اللص يسرق نفسه ~~من يد الشرطي بعد أن يكون قد جمعها عليه، والفقير الذي يطمح إلى الغني كالغني الذي يطمح إلى ~~ما هو أغنى: كلاهما فقر وكلاهما طريق إلى الجريمة! # ويحك لم تبتئس أيها الفقير؟ الغني يريد أن يجعل حظوظ الناس جميعا حظا واحدا ليخص ~~نفسه بهذا الحظ ... وأنت تريد أن تختص بحظ الغني ... فماذا تركتما لله يؤتي الملك من يشاء وينزع ~~الملك ممن يشاء؟ # إن الله قد ائتمنك على أثمن الفضائل وأعزها من الصبر والقناعة وشرف الضمير، وأشرف بك على ~~مصارع الأغنياء فرأيت كيف يخفق قلب أحدهم وهو يحسبه كرة الأرض زلزلت زلزالها، وكيف تطرف ~~عينه وهو يتوهمها اللجة التي تبتلع كل ما في رأسه من الأحلام، وكيف يموت وهو يرى كل ما كان ~~في يده كالظل على الماء لا يذوب ماء ولا يبقى ظلا، ويرى أنه كان يشتري المال الذي لا حد ~~له بالعمر المحدود، فلما أفلس من هذا خسر الاثنين جميعا. # أفتحزن أيها الفقير على أنك تشتري بعمرك هناء القلب وعافية الجسم ومحبة الناس وثواب الله ~~وابتسامة الموت؟ # لا تتعجل القدر ولا تختط لله خطة المستقبل ولا تغذ النسيان بأفكارك حين تفكر في البعيد، ~~فإنك في حاجة إليها؛ واعلم أن الآلة التي تدير هذا العالم إنما تدار من ms22 فوق حيث لا تصل ~~إليها اليد التي تحاول أن توقفها أو تبطئ من حركتها أو تزيد فيها، يد المجنون الذي يصيد ~~النجوم بالشبكة حين تنبعث أخيلتها في الماء الصافي ... وكن إنسانا لا أكثر، فإنك تحاول أن ~~تصير إلها فتصير شيطانا، وأجعل من فقرك ومصائبك وأحزانك سمادا لهذه الزهرة الناضرة، زهرة ~~الروح الحية، فإنها تغتذي بكل ذلك وتحيله إلى نضرة وجمال وعطر يتأرج؛ وأضيء نفسك، فإن حولك ~~ضياء يغمرك من لدن تفتح عينيك إلى أن تنام؛ ولا تكن كالسفعة في وجه الشمس، ولا كالغبار في ~~النسمات، ولا كالريح الخبيثة في أريج الأزهار، وإن عرض لك شر أو طمع أو شيطان فاجعل السماء ~~بينك وبينه فإن في باطنك قطعة منها، وترفق بصبرك لا تجهده، وبدمعك لا تفنه، فإنهما الزاد ~~والماء لمن يقطع هذه المفازة المهلكة من الدنيا سالما ولا يريد أن يأكل من جيفها أو يكون ~~فيها جيفة تؤكل، ولا تراء الناس في شيء فإنك تفقد نفسك بينهم ولا تحصل عليهم إلا ظلالا ~~وخيالات؛ ولعمري ماذا ينفعك أن تمشي وراء الملك لتقيس خطواته؟ # إني لأرى قوما يعفون لحاهم ليجعلوا سبالها الطويلة حبالا تتعلق بها النفوس الساقطة إلى ~~السماء، وآخرين يقيسون ما بين حيطان المساجد بجباههم فلا تجد موضع شبر إلا وقد سجدوا عليه ~~لتصير هذه الجبهة الضيقة «ذراعا معماريا» ... في قسمة الجنة التي عرضها السموات والأرض ... ~~اجترءوا على الله ليراهم الناس أقوياء فلا يجترئ عليهم أحد، ولا يبالون بأن الله «سيأخذهم» ~~بذنوبهم ما دام ذلك لا يكون إلا بعد أن يأخذوا من الناس وهذه السين - سين التسويف - طويلة ~~العمر جدا عند هذه الفئة وأمثالهم من الغافلين؛ فإن عمرها يبلغ ما بين الوهم والحقيقة، ~~وما بين نعيم الدنيا وعقاب الآخرة. # فلا يهولنك أيها الفقير المسكين من أمر الأغنياء ولا تنزل نفسك بالمهانة دونهم وأنت ~~أعظم أجرا؛ فإنك تفرض الله من نفسك وإن أفضلهم من أقرض ربه من دراهمه؛ وكن في الحياة ~~السافلة ابن الموت، وإذا كنت شجاعا فلا تبال آخرة الحرب ما تكون؛ ms23 واعلم أن الفقر الذي ~~يلتوي عن طريقه كالسيف القاطع؛ إذا لم يضرب به إلا صفحا فإنه ينكسر لا محالة ويكون حامله ~~قد أهان أشرف ما فيه إذ نزل به دون (حده)، فلا تهن الفقر الشريف حتى ترد به على الله صالحا ~~نقيا يوضح منك بكل ضاحكة، # 2 # وتمتزج بطهارته ابتسامات الملائكة التي هي ثمن دموعك، ويكون لك في الخلد فجرا ~~أبديا كما يكون للمحبين نور القمر فجرا في أول الليل. # | الفصل الرابع # آه عليك يا قمري الجميل وآه على هذا السحر السماوي لو يكون للجمال الأرضي شيء منه يتفادى ~~به من لسان واش وعذول! إنك لتسكب الصمت والنوم والأحلام على الأرض في ضيائك ممزوجة ~~بالأفكار الجميلة لرءوس الفلاسفة التي تشبه القلوب الهرمة، ولقلوب العشاق التي أعرف كل قلب ~~منها كأنه عقل فيلسوف؛ فما تكاد تطلع وتعتلي الأفق حتى تراك الأرض كأنك على فم السماء إشارة ~~لها بالسكوت فتسكت؛ وإن بقي فيها من يشرق النهار في عينيه كأنه مختبئ فيهما بحركته وضوضائه ~~كجماعة محرزي المال من لصوص النهار وطالبي المال من لصوص الليل مثلا ... فإن الطبيعة تلقي ~~عليه سكونا ينزل بالليل وظلمه شيئا فشيئا، فيبتدئ خفيفا كالنوم الذي يلاعب اليقظة في ~~الأجفان يجري وراءها وتشتد وراءه وكلاهما يدخل الباب الذي خرج منه الآخر فلا نوم ولا يقظة، ~~ثم يثقل كأنه النسيان يداعب الذاكرة الضعيفة ثم ينبسط ثم يستحكم فيجعل ذلك الهر الذي يشرق ~~النهار من عينيه كأنه في عمل لفظ ركيك يضطرب في لسان محتبس # 1 # فلا تلفظه الأرض ولا تسمعه السماء. # أنت يا قمري الجميل راية السلام الإلهية البيضاء، لا ترفع للنهار حتى يغمد حسام الضياء ~~في جفنه الأسود، وتسكن غمغمة الحرب التي يتقاتل أهلها على الحياة، وتنطبق أجفان الناس فكأن ~~كل جفنين إنما يمثلان حياة امرئ زمت شفتيها كيلا تنزعج ملائكة السماء بهذه الأصوات ~~الوحشية المنكرة التي تنبعث من فم النهار فتقبل على التسبيح لله، وتقبل الطيور وهي ملائكة ~~الطبيعة على المناغاة، ويقبل العشاق وهم ملائكة الناس على الفكر ms24 والنجوى، ويقبل الشعراء من ~~وراء أولئك جميعا فينظمون الشعر الإلهي الذي تمتزج فيه ألحان الملائكة بأنغام الطيور وآهات ~~العشاق؛ فيمتلئ من أسرار الفكر والعاطفة والقلب ويخرج ويكاد يخلق منه العقل، وترى فيه ~~الروح بابا من أبواب السماء كأنه الطهارة، وكنا من أكنان الطبيعة كأنه القناعة، ومنفذا من ~~منافذ القلوب كأنه الحب فإذا هي بالسماء والأرض بين كلمات، وإذا كلمات تملأ بين السماء ~~والأرض؛ ثم ترى الفكر الإنساني قد استحال إلى أمواج من الخيال يجري فيها القلب كأنه زورق من ~~الزوارق فتثيب إليه وما هو إلا أن يحتويها حتى تتناول مجدافه البديع المصنوع من جوهر ~~العواطف والذي لا يبرح ملتصقا به كأنه يد الحسناء على قلب عاشقها، ومن ثم يجري بها في ~~بحر الجمال الذي تشبه السماء كلها موجة من أمواجه الأبدية الذي لا ساحل له إلا نور الفجر، ~~والذي يخيل إلي أنك أنت أيها القمر جزيرة تلوح فيه على بعد. # لا كهذا الشعر البارد الثقيل الذي تفرغه ... أفواه بعض شعرائنا ... المشهورين # 2 ~~... وكأن ألفاظه قضقضة الأسنان من شدة البرد، وكأن معانية العذبة ماء يستساغ على ~~الريق، وإذا بلغت به الحماسة المنطقية ... رأيته فاترا كإنما يتثاءبون به، وإذا أراد أحدهم ~~أن يضع روحه في بيت من الأبيات ولو انطرح بعده جثة باردة ... خرج هذا البيت رغم أنفك حارا ~~كما شاء وانصرف عن أنفك وأنت تتنسم كأن ما فيه من الروح إنما خرج إليه من تحت إبطه ... # شعراء!! وشعراء الشرق!! نعم ونعيم عين: وعند الزنوج جماعة يحسنون الرقص على نقر الطبول ~~هم شعراؤهم، بل شعراء العقول الذاهلة والأحلام الطائشة، بل شعراء الوحشية التي تكتب ~~بأسنانها وأظافرها. # هذه الوجوه التي صلبت من التمرغ على الأعتاب، وهذه الأيدي التي ينكرها الله حين تمد ... ~~وهذه الرءوس الفارغة إلا من جنون العظمة، وهذه القلوب التي تسع كل متماثلين إلا الإخلاص وحب ~~الحقيقة، وهذه الأفواه التي تمج الماء في كل جهة، وهذه الألسنة المعقودة على بعض ألفاظ ~~كما يعقد القروي الجلف تلك العقد الكثيرة في منديله على ms25 درهمين - هذه كلها، مجموعة ~~ومتفرقة، مما يتنزه الشعر الإلهي أن يسف إليها؛ لأن أنفاس السماء لا تسقط هذا السقوط كله ~~ولا يعذبها الله بأن تهب على الأرض لكنس غبارها. # لو عدا الشاعر الصحيح طور التكوين الشعري بصفاته لما كان منه إلا نبي. وإن تلك الأعضاء ~~الشعرية التي يفيض الفكر عليها كلها لهي الأعضاء التي يتجسم بها مجد الأمة ليكون ملكا من ~~ملوك التاريخ لا لصا من لصوصه تشهد معارف وجهه أنه منطلق من حبسه، فيتراءى عليه غبار ~~الأعتاب كأنه بقية مما كان فيه من الظلمة وتراه لا يلوذ من خزيه إلا بزوايا التاريخ ~~المجهولة ويود بجدع الأنف لو يمسخ حجرا من أحجارها التي كل عذرها في الخراب. # الشاعر الصحيح رجل الكمال السماوي؛ لأن الشعر إذا لم يكن مع الشرائع كان عليها، وفي ذلك ~~فساد كبير؛ والشعراء أنفسهم: كالشرائع تكون لمن يشاء أن تكون له؛ وهم يحكمون النفوس بالحب، ~~والشرائع تحكمها بالرهبة، ولولاهم ما أعطي الناس قوة فهم التعزية فلم يكن لهم أن يطمئنوا ~~لدين من الأديان، وإنك لترى الشاعر يستل جمال هذه الطبيعة كلها من نفسه الكبيرة ليلقي على ~~الناس محبة منها، كأن الطبيعة لا تجد طريقا إلى النفوس الضعيفة إلا بعد أن تصفى وتصفق في ~~نفوس الشعراء فتخرج منها كما تنبعث المعاني الغزلية الكبيرة من عيني الحسناء الفاتنة ولكل ~~معنى طابعه الخاص به في النفس مع أنها جميعا من مصدر واحد. # ما هذه العظائم الكبرى التي يمثل بها الزمن تاريخ العقل الإنساني إلا أفكار ولدت بديئا ~~في قرائح الشعراء، ثم كفلتها الطبيعة تحملها في مهد من قلب امرأة جميلة، أو تمتهد لها في ~~عقل رجل حكيم، أو فيما تختاره هي كائنا ما كان، حتى في الاستبداد والوحشية والحماقة ~~والجنون وغيرها؛ لأن للطبيعة حكمتها التي لا يعرف كنهها الإنساني إلا باستقراء تاريخ ~~الأشياء في أجيال وقرون قبل ذلك كثيرة، وهو نفسه بعض هذه الأشياء. # فالشاعر الزائف كالدينار الزائف: كلاهما لا يجوز على أحد إلا مع الغفلة؛ وكلاهما رذيلة في ~~نفسه ms26 بالغش ومصيبة على غيره بالخسارة. # وإن الذباب ليقع على الزهر كما يقع النحل ليجني العسل، وإنه ليطن في الروض كما تغرد ~~الطيور لترقيص قلوبها الصغيرة؛ ثم يطير عن الزهرة ذبابا كما وقع ويسكت ذبابا كما طن، ~~وكيفما نظرت إليه لا تراه إلا ذبابا؛ ولكنه من الطير، ولكنهم من الشعراء! # حنانيك يا قمري الجميل ورحماك! امسح عن قلبي هذه الغيمة السوداء التي انتشرت من أجنحة ~~الذباب، فقد رانت عليه وغشي ظلها على بصري حتى ما أراك على وسامتك وضيائك إلا كوجه من تلك ~~الوجوه متى تصطبغ بكل لون إلا ما كان من الخلق الحسن فإنها تستمد من قلوب يكفي أحدها أن ~~يكون طينه لخلق نوع من الإنسان بلا أخلاق! # حنانيك ورحماك! إن على قلبي غيمة كأنها من الكذب الذي لا صدق معه من القلب، والتملق الذي ~~لا حياء فيه من النفس، والخيانة التي انعقد عليها الضمير فلا تحفظ غيب إنسان، والصلف الذي ~~يشبه صلف المعتوه إذ يباح له أن يتجنى ولا يباح لك أن تعتب والظل الأخلاقي البارد الذي يحيط ~~بأحدهم فيجعل مثواه كأنه مغارة تبعث عليك أنفاسها ثقيلة باردة في ظلمة وكبرياء كأنها خارجة ~~من أعماق تاريخ الفراعنة. # وإني كما أغمض عيني حين يواجهني الإعصار الأحمق الذي ينفض بساط الأرض في وجوه السابلة - ~~أراني منذ الساعة قد أغمضت عينا في قلبي تطلع على الحقيقة، فإني لم أكد أرفع كأس الحكمة ~~المعسولة لأحتسيها ولم تكد تقارب شفتي حتى تهافت عليها ذباب تلك الأخلاق، فأحرزتها جانبا ~~لتسكن نفسي بعد أن خبثت من منظر هذه الظلال السوداء التي هي أجسام نفسها وظلالها ~~معا. # فاحمل إلي أيها القمر قطرة من ندى الروح الجميلة الذي ينسكب في أنفاس تلك الحبيبة ~~وأرسلها إلى كأسي في قناة من أشعتك السحرية حتى تمتزج بالحكمة على شفتي فكأني أتناول هذه ~~الحكمة من ثغرها البسام. # | الفصل الخامس # يا لها لحظة جمدت على قلبها أيها القمر حتى كدت أحسب الزمن لا يجري، بل كدت أحسبني ~~استحلت إلى قطعة ثابتة من الأبدية ms27 التي لا يدخلها شيء من الدنيا إلا ميتا حتى الزمن ~~نفسه. # ولكن «ثغرها البسام» لم يدعني أموت في شعاعه الذي يتدفق بحياة حلوة لذيذة وبموت أحلى ~~منها وألذ غير أنه لا يميت؛ لأن الحسن يبخل على الحب بمثل هذا الموت الهنيء. # ولو كانت روح كل محب لا تنتزع إلا بقبلة ولا تفيض إلا مع الابتسام ولا تجد قفل باب ~~السماء إلا هذا الفم الوردي الرقيق، لتغير نظام القلب الإنساني، ولصارت كل نبضة من نبضاته ~~كأنها خطوة واسعة في قطع المسافة بين الدنيا والآخرة؛ إذ يكون للحياة وقتئذ ما عهدناه من ~~بغض الموت. ويكون للموت ما نعرفه من حب الحياة. # فلا يزال الحسن بخيلا؛ لأن الآخرة لا تزال بعيدة، ولا يبرح الحب عذابا؛ لأن الجمال لم ~~يبرح في نظام الله مادة حب الحياة؛ ولو لم تكن في الأرض هذه الوجوه الجميلة لما صلحت الأرض ~~للحياة العاقلة ولا نشأ فيها عقل واحد يستطيع أن يجد دليلا على وجود الله، فإن تلك الوجوه ~~الفتانة - بما تحوي من المعاني التي تشبه في إقناعها للنفس من النظرة الأولى ما تحويه أقوى ~~البراهين المنطقية - إنما هي في الحقيقة الصفحات الأولى من كتاب المنطق الإلهي؛ واعتبر ذلك ~~بهؤلاء الملاحدة الذين ينكرون الخالق فإن أخبثهم إلحادا لا يكون إلا أشد الناس بغضا ~~لطهارة الجمال. # لم يدعني ثغرها البسام أصعد إلى السماء في شعاعه؛ بل ألقى علي ابتسامة في نظرة ضاحكة ~~تشابه الابتسام كأن إحداهما أخت الثانية؛ فما أحاطت بقلبي حتى رأيته يذوب فيها كما يذوب ~~السحاب الغدق الأسحم فيصفو عن غمامة رقيقة بيضاء. # وكأن تلك المليحة أغارتك أيها القمر، فأنت الآن تبتسم. لله منكما يا صورتي الجمال في ~~الأرض والسماء! وهل جعل الله لرجل من قلبين في جوفه؟ # ولله ما ألطف هذا الشعاع الذي يسيل الآن على الجو رقيقا خضرا كأنما تغتسل به نسمة من ~~النسمات العطرة بعد أن استيقظت في هذا الليل ونهضت من فراشها على أغصان الورد! # ولله ما أنداه على كبدي الحري التي تغيب الشمس ms28 ويبقى فيها مع ذلك لفحة من حرها ومن حر ~~أنفاس الذين تشرق عليهم، فإن هذه الكبد أمسكت في جنبي كأنها «معمل كيماوي» لتحليل تلك ~~الأنفاس وتقدير ما فيها من الخير والشر، وما الحكمة كلها إلا ما أسفر عنه هذا ~~التحليل. # فمن لم يدرس طبائع القلوب المتوهجة في أنفاس أهلها لا يعلم قلبه شيئا وإن كان رأسه مكتبة ~~من العلوم، ومتى كان القلب جاهلا بقي الإنسان بعلومه كأنه قطعة في أداة هذه الطبيعة: كل ~~شأنها أن تحرك بعضها وتتحرك ببعضها، وفقد السلطان الحقيقي على الطبيعة نفسها؛ لأن هذا ~~السلطان لا يكون بالقوة التي هي غاية العلم، فالطبيعة على كل حالة أقوى، ولا يكون بالتسخير ~~الذي هو غاية العمل، فالطبيعة حرة لا تذل، أبية لا تخضع، وإن ظهرت عليها الذلة والمسكنة ~~فذلك في نظر الإنسان واعتداده ليس غير. # وإن الهواء لا يعجب من منطاد يعلو فيه - وإن كان غاية ما انتهى إليه إختراع الإنسان - إلا ~~إذا عجب من كل ذبابة تطير والبحر تتمخر فيه الجواري المنشآت كالأعلام وتثبت عليه كالمدن ~~وتمثل فيه الأرض المائية التي خلقت في أذهان الإنجليز. وإن صغرى أسماكه لتكون أصلب منها ~~على مجالدته، وأقوى على مجاهدته، فما للإنسان يلوك بين ماضغيه هذه الألفاظ التي يحاول أن ~~يشبع منها معدة الخلود في وهمه ولا تراه الطبيعة إلا من غذاء النسيان؟ # السلطان الحقيقي على الطبيعة سلطان الروح؛ لأنها من الله وهذه الطبيعة أداة في يد الله، ~~فليجعل الإنسان شفتيه مخزنا لغويا مملوءا بألفاظ العلوم؛ فإن الطبيعة لا تبالي بمدلول ~~الحروف مهما حملها على ذلك باصطلاحه: ولكن ليجعل في قلبه علم الخير وإحالة الشر إلى الخير: ~~فإن الطبيعة حينئذ لا يسعها إلا أن تخضع بإحساسها خضوع الإجلال لأستاذ تلامذتها وترفع إلى ~~الله على يده تعازي المساكين كأنه الأمين على آمال القلوب، وتجعل الطبيعة هذه اليد نفسها ~~كأنه شكر منها لله تعالى إذ أنجبت رجلا من رجالها في الأرض. # كم من عالم لا ترى الطبيعة اندفاع الكلام العلمي من شفتيه إلا كما ms29 يرى أحدنا اندفاع أسراب ~~الخفافيش العمياء من جانبي المغارة وقد أبرزها على إشراق الضحى صبي من الصبيان! وسيكون أكثر ~~هذه العلوم في معاملة الله كالثروة التي يمتلكها الفقير في حلم من أحلامه (الذهبية) فيستعبد ~~بها من شاء من مخلوقات النوم ... ويمتلك ما شاء من زخارف الليل، حتى إذا جلا النور عينيه لم ~~يستطع أن ينال بكل ذلك الغنى العريض كسرة من الخبز يتبلغ بها وقد بات طاويا؛ فإن الله ~~لا يعامل إلا بالنية ولا يثبت في سجل الحسنات إلا الأرقام القلبية؛ فدع هذه المدينة وهذه ~~العلوم تنزع ما في قلوب أهل الخير من الخير فإنك لن ترى على الأرض يومئذ من الناس إلا ~~حيوانات عالمة تأكل حيوانات جاهلة: وهل تحسب قوة الحيوان المفترس بإزاء ضعف ما يفترسه إلا ~~علما أو معنى كالعلم بإزاء جهل أو معنى كالجهل؟ # ويومئذ لا تبصر الطبيعة بعينها الإلهية شيئا من الفرق بين أنفس الوحوش وأنيابها ~~ومخالبها، وبين كتب العلماء وأيديهم وأقلامهم، تلك جميعها إنما تكون في الجهتين صماء لحرفة ~~أدوات حيوانية هي حرفة العيش. # وأنت ترى الصورة الصغرى لهذا العالم الحيواني في جماعة الملحدين، فإن تلك الفلسفة وذلك ~~العلم اللذين يزعمونهما ويتنبلون بهما في الناس إنما يدلان على أشياء كثيرة يتداخل بعضها ~~في بعض كالمترادفات اللغوية، ثم تراها كلها قد صارت إلى معنى واحد يدل على الحقيقة التي هي ~~أم هذا الباب - كما يقول النحاة - وهذا المعنى الذي لا ريب فيه هو انتزاع الخير من قلوبهم ~~المتهكمة بالله. # ولست أصدق أن ملحدا يعمل لخير الناس ابتغاء الخير نفسه، فإن حدثوك بخبر من ذلك فاعلم ~~إنما يريد به الرجل برهانا على صحة إلحاده الإنساني ... يخدع به من يقدم له الخير أو من يراه ~~وهو يقدمه؛ فإنه لسخافته يكفر بالله ويريد أن يعمل بعض عمل الله! # وما من شيء خبيث نعتده شرا إلا وفيه وجهة تخرج منه الخير، وهذه الجهة في الإلحاد هي ~~الغرور والوهم، فلو أصبت إلحادا لا غرور فيه ولا وهم فاعلم أنك أصبت عقلا ms30 في مجنون أو ~~جنونا في عاقل، وليس ذلك بدعا فإن في كل دائرة نقطة تعدها الغاية التي يرتقي إليها طرفا ~~المحيط إذا نظرت إليهما صاعدين نحوها فإن نظرت إليهما منحدرين عنها كانت هذه النقطة عينها ~~مبدأ السقوط ولم يكن ثمة فرق بين القوسين المنحدرين إلا في الجهة يمنة ويسرة، كما لا فرق ~~بين عقل المجنون وجنون العاقل إلا في الجهة؛ لأن كليهما وبال على صاحبه، وأحمق ما يكون ~~المجنون إذا رأيته يتعاقل! # يريد الملحد أن لا يقر بشيء يسمى فلسفة النفس أو يسمى دينا؛ لأن الحرفين مترادفان، ثم ~~أنت تراه يخرج لك من رأيه ما يريد أن يجعله حقيقة لهذه الفلسفة التي أنكرها ... فهو يكفر ~~بإيمانك ليجعلك تؤمن بكفره، وكأنه يقول لك إنما نحن على الأرض فانظر في الأرض واكسر هذا ~~اللولب الذي تتحرك به عيناك إلى جهة السماء حتى يبقى علم رأسك فيما تحت قدميك، وإن سالت ~~عليك السماء بعنصر الحياة (الماء) فلا تقل هذا من واهب الحياة ولا من رب السماء ومهلا ~~قليلا، فإن الأرض ستجمعه في أنهارها وتنبطه من عيونها فتنبع لك الحياة من الأرض كما تنشق ~~المادة من المادة. ثم يذوب هذا الكلام الرقيق في حلقه فيبلعه مع ريقه ويسكت ... وكأن بصره ~~الزائغ يقول لك: أما الهواء فإن لم تستطع أن تتنفسه من الأرض ولم تستطع الأرض أن ترفعه لك ~~من تحت قدميك فلا ندحة لك في هذا من أن تترك منخريك يعدان في المؤمنين برب السماء ... ~~ويكونان فيك كما تكون الأعضاء الأثرية ولو حكما واعتبارا، وإن كان لك ضمير شريف طاهر كأنه ~~مرآة إلهية وضعت في الأصل بين جنبي آدم لتمثل لروحه السماء وجمالها متى أخرج من الجنة، ~~فاعتده رأس ما ورثت من داء عن آبائك الأولين؛ لأنه لا برهان عندهم على فساد الإيمان أقوى من ~~هذا الضعف الرحيم في نزعة القلب. ولعمري إنه لبرهان سديد في الغاية ولا أبدع منه في علم ~~المنطق لأن فيه قوة الانعكاس من نفسه، فلا يرسلونه حتى يرد عليهم ms31 كأنه جواب أنفسهم على ~~اعتراض ألسنتهم؛ وأي برهان أقوى على فساد الإلحاد من إرادته أن يكون في الملحد عقل إنسان ~~وقلب وحش؟ # ثم كأنه يقول لك: إن العلم أثبت ونفى، وإن الدين نفى وأثبت فلا تمايل بينهما مترددا ~~وخذ ودع ولكن من العلم وحده، فإن شيئا تفهمه خير من شيء لا تفهمه، وكل ما أبى العلم فلا ~~ترضه لئلا ترمى بالجهل الاصطلاحي ... وإذا كنت فقيرا لا تملك الملايين وكنت اشتراكيا فلا ~~تصدق أن أحدا يملكها، لأن الاشتراكية تأبى ذلك، وكن دائما تنظر ولا تصدق ... وإذا رأيت ~~الإنسان لا يزال عاجزا إلى اليوم عن تعليل أشياء كثيرة من البسائط التي تمتحن بها الطبيعة ~~أطفالها ممن نسميهم العلماء، فاعلم أن هذا الإنسان لا يزال ناقصا في رأي العلم وسيتم يوما ~~ما، فحسبك أن تكفر الآن كفرا ناقصا ... وإياك من الغرور وأن تحسب أن نقص الكفر جاء من كون ~~الإيمان كاملا بطبيعته؛ لأنه شيء أزلي في النفس، بل هو جاء من نقص العلم أو من نقص الإنسان ~~العالم، فمتى تم هذا يتم ذلك لا محالة فيكون أكبر عالم في الأرض أكبر كافر في الأرض ... ونحن ~~لا نعرف من أمر المستقبل شيئا ولكننا نعرف أن العلم سيبلغ تمامه في المستقبل ... # لله منك أيتها الفئة الباغية! العلم الذي لا يخلق ذبابة ولا أحقر من ذبابة ولكنه يجدها ~~فيتفلسف ويقول لنا: كيف خلقت؟ هو الذي يريدكم على أن تكذبوا بالخالق. # والعلم الذي ينتهي في كل شيء إلى حد من الجهل يريد أن يجعل جهلكم علما. # بل العلم الذي هو بجملته تفسير علمي لنظام الكون يريد أن يجعل القلب الذي هو سر الإنسان ~~بلا نظام. # كلا إن العلم لا يريد ذلك ولا العلماء أرادوه، ولكن قوما أرادوا أن يشاركوا الله في ~~أنفسهم فعملوا على أن يضعفوا قلوبهم لتقوى عقولهم، وحسبوا أنهم أفلحوا وما دروا أن القوة ~~انصرفت عن القلب والعقل معا وصارت قوة علمية كالقوة التي في كتب المنطق لا تقوم لأضعف ما ~~في الباطل وهي أسطر ms32 وحروف ولا يقوم لها أقوى ما في الحق وهي أغراض وأهواء، فما يزال الباطل ~~لها وعليها. # وقد زعموا أنهم أنشطوا الفكر من عقاله فكان من ذلك ما انتهوا إليه، وكأنهم يقولون: الدين ~~الفلسفي هو في الحقيقة الرجل الحر فما بالهم إذن ينسون أن هذه الكلمة عينها تخرج لهم لو ~~عقلوا أن الحرية هي في الحقيقة فلسفة الدين؟ # إن المتوحشين يقرون بإله ولكنهم يعملون على أن يكونوا آلهته كما أنه إلههم، ويحاولون ~~في كل شيء أن يتعبدوه بما يخيل لهم أنه من السحر؛ والملحدون لا يبتغون ذلك فحسب # 1 # ولكنهم يريدون أن يمحوه بتة؛ أفليس هذا منتهى التوحش في القياس؟ # ليت القوم لم يكفروا بالنطق فيما لا يعرفون فقد كانوا يؤمنون بالصمت، وإن السكوت عن الخوض ~~في أمر الغيب ليكاد يكون أفضل بحث فيه؛ على أننا نرى الكلام # 2 # أصل البلاء، فإن من أهل الأديان من هم شر عليها من الكافرين بها وسواء على الله ~~أكان فاسد الفكر صاحب رأي في الدين أم صاحب رأي في الإلحاد. # ولو نظرت إلى فرق الجدليين المختلفة على كثرتها وتعدد مذاهبها لرأيت أن كل فرقة هي في ~~الحقيقة عقل رجل ذكي - استهوى أصحاب فرقته - لا دين رجل عاقل؛ لأن الدين لا يتجزأ؛ إذ هو ~~عبادة القلب - الذي لا يدل على وحدانية الله شيء مثله - لله الواحد الذي ليس كمثله شيء؛ ~~ولكن العقل لا يترك هذا القلب لنفسه، بل يعده بما فيه من الحس والشعور كأنه رأس ماله في ~~التجارة العلمية، وكثيرا ما يكون أمرهما كالتاجر الذي يخسر ماله ثم يعمد إلى ضبط حسابه بعد ~~خسارته فلا يرد عليه الحساب شيئا إلا تفصيل ما خسره بما يشبه في التحسر واللهفة أن يكون ~~خسارة ثانية! # الفرق بعيد بين أن تكون القوة آتية للقلب من العقل، وبين أن تكون آتية للعقل من القلب، ~~فإن تسلط أحدهما على الآخر يضعف أكثر خواصه، فالعقل موضع الخطأ والصواب؛ لأنه آلتهما ~~جميعا، وأظهر خواصه الشك؛ لأنه الخاصية التي يمكن في العقل أن ms33 توفق بين الخطأ والصواب قبل ~~أن يتزايل إثناهما فيتباينا؛ وهذه الصناعة العقلية كثيرا ما يقتضى لها إيجاد المعضلات ~~التي لا تحل كي تلقي للعقل شغلا طويلا ثم يحكم عليها آخر الأمر حكما منطقيا أنها لا ~~تحل ... وكثيرا ما تطلب البرهان على شيء ما فإذا أصابته (أي: البرهان) جعلته شيئا آخر وطلبت ~~عليه برهانا ... وهلم جرا حتى يقطع بها فتصل إلى ما لا برهان عليه. # والخطيئة إنما تكون في العقل بديا، فتخلق فكرا، ثم تنحدر مع القوة إلى القلب كأنها ~~قوة له، ثم تقع وتتمثل وفيها سخط القلب ورضى العقل غالبا أو رضاهما معا في القليل النادر؛ ~~وهذا السخط القلبي هو الذي يترك في الرأس أثرا من ذكراها، وهو الذي يسميه بعض الناس ندما، ~~ويسميه بعضهم صوت الضمير. # ذلك أمر العقل، أما القلب فهو موضع الحقيقة السماوية التي تظهر بين الناس في هيئاتها ~~فيسمونها المحبة، وبين الملائكة فيسمونها الإنسانية، وعند الله فيسميها الإيمان، وما كان في ~~القلب غير ذلك فهو من تسلط العقل واستبداده. # وأنت لا ترى أسعد الناس وأهنأهم بسعادته إلا ذلك الذي يجمع قلبه وعقله أن لا يصدر ~~أحدهما عن الآخر إلا راضيا مرضيا فترى في آثار عقله طهارة القلب وإيمانه، وفي آثار قلبه ~~إجادة العقل وإحسانه: ولو كشف ذلك عن بواطن الأنبياء لتجلت لعينيك هذه الحقيقة ~~ماثلة. # فمن ترى هذا الملحد الذي يحدس لك بعقله وكأنما يحرك يده بعينيك في شبر من الماء، ويحاول ~~أن يوهمك أنه هز السماء وأنت ترى خيال السماء؟ ليخلق الناس إن استطاع بلا قلوب، فإنه ~~سيجدهم لا محالة بلا إيمان؛ وإلا فليتركهم فإن في العالم غير صناعة العقل أشياء كثيرة، ~~واليوم الذي يكون فيه كل الناس عقلاء في الرأي يكون كل الناس مجانين في الحقيقة. # ليس الفرق النظري بين المؤمن والملحد إلا في تسمية جهل العقل بما وراء الطبيعة، وكل ما ~~تشعب من ذلك فإنما هو براهين علمية. على صحة تسمية هذا الجهل ... # أيها الملحدون: أنا لا أستطيع أن أتعزى بالعقل؛ لأنه هو ms34 الذي يجعل النازلة لا تقبل ~~العزاء؛ بل المصيبة لا تكون مصيبة إلا حين تكون عقلية، فمتى وقعت مرت كأنها حادثة مألوفة ~~تجيء بالنسيان أو يذهب بها النسيان. # وأنا لا أستطيع أن أعرف نفسي مركبة على هذا الوجه المعجز الدقيق ثم أتوهم أنها خارجة من ~~عدم مطلق إلى عدم مطلق، فإن الذي يتصور الوجود الجاري على سنن ثابتة كأنه بين عدمين هو ذلك ~~المجنون الذي يتوهم الشجرة مخلوقة في ظلها ويتصور ظلها قطعة باقية في النهار من ظلمة الليل ~~الغابر. # وأنا لا أستطيع أن أقول عن نفسي: «أنا» لأحقق وجودها وهي بين ماضغي العدم يرددها حينا ~~ثم لا شيء منها إلا توهم أنها غذاء ما لا يتغذى. # وأنا لا أستطيع أن أراني في وهمكم كأنني حلم عقلي تهجس به الفلسفة مع أن قلبي فيما أحس ~~يقظة حياة مجسمة. # وأنا لا أستطيع أن أصدق أن حياتي كلها بما فيها من خير وشر لي وعلي تكون في مرد الأمر ~~كالذي يرسل في الهواء صرخة مزعجة ليعرف بعدها أنه سكت وكان ساكتا قبل ذلك! # وأنا أيها الملحدون لا أستطيع أن أسخر من نفسي فأرى أن لا نفس لي، ولا أريد أن أكون في ~~حملها كالأعمى الذي يحمل الكتاب حتى يجد بصيرا يقرأ له، ولا أجهل إلى الحد الذي يقر ~~فيه علمكم أن الحياة معناها الموت - لأنه غايتها المدركة - ثم يأبى أن يطرد هذا التعبير ~~فلا يستحي أن يجزم قطعا بأنه لا معنى للموت إلا الموت. # اذهبوا أيها الملحدون إلى أجهل الناس من العامة وأشباه العامة واقرءوا الإيمان الإلهي في ~~كتاب قلبه بعد أن تجردوه من لغة اللسان التي شأنها المبالغة والتمثيل لما لا يتصور بما ~~يتصور؛ فإنكم تحسون من جهله حين يلتقي بعلمكم ما تحسه الرئة الفاسدة من نفحات النسيم ~~الذي يترامى في أحضان الزهر، وإنكم ستجدون في كلامه معاني سماوية كما تجدوا في الطبيعة ~~نفسها؛ ولا جرم أنكم تصدقون حينئذ ولكن لتجدون من التصديق مادة عقلية للشك والإنكار، ثم ~~لتصنعوا من كلامه اللد ms35 وليمة جديدة للسخرية الجائعة التي لم تشبعها الكتب المقدسة كلها ~~ولا آراء الحكماء ولا آمال الإنسانية، استحال ذلك فيها من السرف والضراوة إلى غذاء جعلها ~~قوية وإلى قوة جعلتها أشد نهما إلى الغذاء. # وإذا مس أحدكم الضر لم ير بأسا أن يفكر في الله وأن يرفع إلى السماء عينا لا تثبت في ~~محجريها من الزيغ والقلق كأنه يتكلم بها في ترددها وانقلابها فيقول نعم ولا، ولا ونعم؛ ~~وكلما أراد أن يغمضها رأى في باطنه قوة تفتحها برغمه لتريه السماء السماء، بل لتريه برهان ~~السماء؛ فلا يعود إلى إلحاده إلا وهو مؤمن بأنه ملحد وشاك في أنه مؤمن بذلك؛ ولولا هذا ~~الشك، بل ولولا صناعة العقل لكان في كل شر يصيب أحد الملحدين خير للإيمان كثير. # وليت شعري ماذا يراك الملحد أيها القمر؟ إنه لا موضع في قلبه للحب؛ لأن الحب مؤمن، ولا ~~مظهر في نفسه للجمال؛ لأنها مظلمة يسطع فيها جمال الشمس ولا يجاوز في عينه منظر جمرة تلتهب ~~أو قرص من السرجين يشتعل؛ # 3 # وهو في حالة لا تعرف هناء الفكر حتى يفكر في الهناء؛ بل هو كعالم التشريح: ~~ينتظر كل يوم من القدر جثة هامدة ليخرج منها برهانا على حقيقة في علمه أو حقيقة لبرهان، ~~فما أنت أيها القمر في رأي عينه على ما أنت إلا حجر ... # أيها القمر، كن لهم ما وصفوك، حتى إذا كفر بالله ملحد ألقمه الله منك (حجرا) وكنت ~~للطبيعة وجه الحقيقة والإيمان كما أنت وجه الحب والجمال. # | الفصل السادس # ولكن يا قمر السماء، ويا مثال النية البيضاء، بل يا شبيه كلمة الرضى المبتسمة على شفتي ~~الحسناء، هل تغضب الطبيعة على قوم من أهلها وهي كالطفل الضاحك أبدا؟ وهل تعرف من الناس ~~مؤمنين وملحدين وهي بجملتها شريعة الإيمان؟ # أتعرف الحسناء الفاتنة من عسى أن يكون لها مبغضا، وإن عرفته فهل تراها مستيقنة معنى ~~البغض كما يتحققه ذلك الخبيث من نفسه، وهي هي التي يلقي عليها الحب صلاته وسلامه، ويتخذ ~~الحسن من ألحاظها إشارته وكلامه، ms36 ولا يقابلها الغرام أينما التفتت في الناس إلا بدمعة أو ~~ابتسامة ؟ # يقول الملحدون: إن الطبيعة الجميلة تغضب وتحنق؛ لأنهم لا يريدونها إلا خادمة فلا ينظرون ~~إلى جمالها، بل إلى فعالها، ويقول المؤمنون الذين يرون في كل شيء مظهرا للإيمان: إن غضب ~~الجميل نوع من جماله، فلتغضب الطبيعة ولتتورد الوجنات وليتطاير السحر من اللحظات ولينبعث ~~الصوت الصارخ الرهيب من الروح بدون أن يصفه القلب، ليكن ذلك وما أشبه ذلك من روعة الغضب، ~~فإننا نريد أن نبصر الحسن كيف يتحول في غضبه جليلا بديعا، كما رأيناه في الرضى لينا ~~وديعا، وكيف تظهر فيه الروح قلقة لا تطمئن، كما ظهر فيه القلب يتأوه أو يئن، ونريد أن نرى ~~ولو مرة واحدة انطباق صفتين جميلتين لم يفارقهما الابتسام، فإن ذلك منهما ولا غرو ابتسام ~~جديد. # كل ما في الطبيعة جميل، غير أن الإنسان لم يتسع بعد في درس علم الجمال بمقدار ما يسع هذا ~~العلم الجميل، فإن الأولين تهيبوا الطبيعة فعبدوها ولم يمسوها ولا بالفكر، ولم يقرءوا من ~~أجزاء علم الجمال على كثرتها إلا جزءا واحدا أصابوه في أصل الخلقة وهو المرأة، وجاء ~~المتأخرون فابتذلوا الطبيعة حتى ملوها، وكأنما أخذوها عن أوليتهم كما يأخذ القصاب بقرة ~~البرهمي من المعبد إلى المذبح فلم يبق في أيديهم من أجزاء علم الجمال إلا الجزء الذي ~~أصابوه في أصل الخلقة وهو المرأة. # بيد أنهم تفطنوا لمعان في هذا الجزء لم يتنبه لها آباؤهم الأولون فقليلا ما يكشفون عن ~~حقائقها الطبيعية في أجزاء الجمال مما اشتملت عليه السماء والأرض تبيينا لما يلفتهم إليه ~~الحب من المعاني المستغلقة في المرأة. # وكما أن العصفور الصغير في ريشه اللين يكاد لخفته يكون روح الهواء الذي يحيط بالأرض، ~~كذلك تكاد المرأة الجميلة في وشيها الناعم تكون روح العالم الذي تحيط به الأرض؛ وكل شيء ~~في الطبيعة يجعله الناس من المسائل النظرية التي يختلفون فيها؛ لأنها موضع الرأي، إلا جمال ~~المرأة الرائعة الجمال، فهو وحده قاعدة التسليم في القلب الإنساني على الإطلاق، ويكاد الوجه ms37 ~~الجميل يكون في بعض معانيه وجها حسنا للتوفيق بين الإيمان والإلحاد . # والفكر نفسه يكون في كثير من الأشياء الجميلة أجمل منها لأنه روحها ولأنه غير محدود في ~~نفسه بالنظر ولا بالصفة الجميلة التي يحدها النظر، إلا الفكر في الحبيبة الحسناء، فإنها ~~دائما أجمل منه؛ لأنها روحه ولأن هذا الفكر مهما اتسع لا يجد نفسه إلا محدودا ~~بجمالها. # فيا سيداتي الجميلات، يا قصائد ديوان الغزل الإنساني، يا معاني شعر الجمال الإلهي، يا ~~ورقات الورد التي نقلت من الجنة إلى الأرض لتنفح برائحتها، ما غلبتن الطبيعة التي لا ~~تغلب، وإنما ظهرتن على الإنسان الضعيف الذي طغى على الطبيعة وتوهم نفسه أشد منها قوة ~~فرحمته من قوتها السماوية وتسلطت عليه منكن بأضعف منه، بل بالتنهد والدمعة والابتسامة من ~~المرأة الجميلة التي ضعفها إنساني ولكنه على ذلك من قوة الطبيعة، وإن ما رأيت كثلاثة أشياء ~~لا تضبط إذا اندفقت ولا ترد إذا اندفعت: موجة البحر المضطرب، ودمعة الحزين اليائس، ~~وإرادة الحبيبة الجميلة! # وهذه الإرادة هي المعنى الذي ينتظم الثلاثة فهو على انفراده بالثلاثة جميعا؛ لأن علم ~~العدد في عرف الطبيعة يناقض أحيانا العلم الذي نعرفه مما تتكرر فيه الوحدة كلما تكرر ~~العدد، فلا يمكن في (حسابنا) أن يكون الاثنان واحدا؛ لأنهما اثنان ولكن الطبيعة في حساب ~~الحب مثلا تعد الحبيبين واحدا، ولا تعدهما كذلك إلا لأنهما اثنان! # الطبيعة جميلة، بل هي فوق أن تكون جميلة؛ لأن هذه اللفظة (الجمال) واحدة من الاصطلاحات ~~المبهمة التي تمثل تصور الإنسان اللغوي، فقد تعاون أفراد هذا الإنسان الضعيف على أن يخلقوا ~~الطبيعة خلقة معنوية فصوروها باللغة وضبطوها على عظمها كما يضبط تاجر اللؤلؤ حساب ما في ~~حقيبته الصغيرة لا حساب ما في البحار وجروا في أكثر المعاني السامية هذا المجرى. فرب ~~معنى تجده ملء السموات والأرض وما تجد له من صفة تحد إلا وهي حد لصفة أخرى، ومع ذلك ~~تراهم يدمجونه في لفظة واحدة مقتضبة لا ليعرف بها معرفة صحيحة تصفه كما هو! ولكن ليؤثر ~~التأثير الذي يقوم ms38 في الإنسان مقام المعرفة الصحيحة، فإن الناس يعيشون بهذا التأثير في معظم ~~أمورهم ويعتدونه علما وإحاطة. # وهذه اللغة الناقصة التي تصور الطبيعة وتحدها، هي في ذلك كالعين التي ترى الطبيعة ~~لتصفها باللغة - وما اللغة في الحقيقة إلا نظر عقلي بل هي ألفاظ النظر - وما العين من ~~الطبيعة إلا كالمرآة التي تقابلك بالشيء كما هو لتفهمه أنت كما تريد. # فلفظ «الجمال» مما يؤثر في النفوس، وقد يصح أن يكون وصفا تاما لشيء معين كجمال ~~الحسناء، فإن العين تعرفها بديا بأوصافها ثم يعرفها القلب بمعانيها، ثم يعرفها ~~اللسان فيقول إنها جميلة، فتلبسها اللفظة لا تضيق عنها ولا تقصر؛ لأنها فيها مرونة النظر ~~والإحساس معا، ولكن ذلك اللفظ بعينه لا يلبس الطبيعة ولا يصف للنفس جمالها بل يكون منه ~~كقطرة الماء في البحر: تجري فيه ويجري بها وليست من صفته ولا تكوينه في شيء إلا في القياس ~~المنطقي، وأهون بالإنسان ومنطقه في حقائق الطبيعة. # ومن البلية - ولا بلية مثلها - أن الإنسان لا ينفك يحمل في رأسه فكرا ماديا هو حقيقة ~~عيشه في هذه الدنيا، فإذا عرض له شيء من جمال الطبيعة أسرع هذا الفكر المبتذل فملأ العين ~~وأطل منها فلا تنفذ صفة من صفات الجمال الطبيعي إلا بسلطان منه، فيرى هذا الإنسان الشيء ~~الجميل وكأنه يحدث عنه نفسه الخرساء بأصابع الأعمى الذي يتعرف الأشياء بلمسها، وعلى مقدار ~~ما في الإنسان من هذا الفكر القبيح يكون مقدار قبح الطبيعة الجميلة في عينيه. # وكأي من رجل يمر بين الرياض والبساتين التي هي غزل الأرض ولا يقدر ما فيها من الجمال إلا ~~بمقادير أثمانها ... وآخر يرتقي الجبل الوعر الأشم الذي هو حكمة الشعر الطبيعي ولا يعيبه إلا ~~بأوعاره وأحجاره التي لا تلائم دعته ورفاهته وإن كانت هي في نفسها محاسن الجبل، وثالث يرى ~~البحر الذي هو فكر الطبيعة السيال فيفرق حتى كأنه يرى الموت يتدحرج في أمواجه ليختطفه من ~~الساحل؛ وهكذا ترى الفكر المادي يلبس كل شيء بذلة من بذل المصانع والحوانيت أو كفنا من ~~أكفان ms39 القبور أو ثوبا من أثواب الحداد! وأحسب أن التاجر المفلس إذا تأمل في أوراق الوردة ~~الناضرة التي تشبه أن تكون تاريخ ساعة خجل في خد العذراء فإنه لا يرى فيها إلا أرقام دفاتره ~~التي هي تاريخ النكبات والخراب! # فمن أين يجتلي الإنسان جمال الطبيعة وأنى له ذلك وقد مسخها هذا المسخ كله ولم يأخذها من ~~يد الله كما وضعها، ولكن تناولها من فكره كما صنعها، فجاءه بها من ناحية همومه كأنها هم ~~جديد أو ذكرى هم قديم؟ # إذا أردت أيها الإنسان أن ترى جمال شيء من الطبيعة فأجعل عينك أقرب إليه من فكرك، بل انزع ~~فكرك هذا، إلا الخفيف منه كما تنضو ثيابك إذا طلبت السباحة في البحر، وإلا الطاهر منه كما ~~تخلع نعليك إذا أردت الصلاة في المسجد، وإلا الصافي منه كما تطرح شغل قلبك إذا وقفت بين يدي ~~الله، فإن أنت سبحت بثيابك فإنما تمثل الغرق؛ وإن دخلت المسجد بنعليك النجستين فإنما تمثل ~~الإلحاد، وإن واجهت ربك وأنت مشغول بنفسك عنه فإنما تمثل نفاق الشيطان؛ وإن نظرت إلى ~~الطبيعة من فكرك المادي فإنما تمثل العمى الطبيعي ... # أين الإنسان الذي يرى في كل شيء من الطبيعة أشعة تبتسم كأنها تحييه فيبتسم لها كأنه يرد ~~التحية، فلا يزال دهره مضيئا كذلك بأشعة ابتسامة وإن غمرته ظلمات الدنيا، كما لا تزال ~~الحباحب مشتعلة بنارها الإلهية وهي حلك الظلام؟ # أين عاشق الطبيعة بين هؤلاء الناس؟ أين ينبوع الضياء الحي الذي تراه لسعة نفسه وترامي ~~ابتسامه متلألئا في طرفي السماء والأرض كأنه منفجر منهما جميعا، يأخذ من الله فيبتسم، ~~ويأخذ من الناس فيبتسم، ويتناول كل شيء فيستشعر منه تزنح الطرب كأن فيه بعض الرجفات ~~(الاهتزازات) الكهربائية التي تحدثها نار الفجر الشمالي الجميلة على ما يصفها ~~الطبيعيون؟ # أين الإنسان الذي لا تنحدر من أذاته دمعة عين، فيكون ابتساما في أفواه الناس كيفما طلع ~~عليهم؛ لأن الطبيعة كلها ابتسام في فمه. ويراه المبتئس حليف الحزن الأحمق الذي لم يفد من ~~علم الحزن إلا فلسفة الحماقة ms40 - كأنه لإشراقه وانبساطه وترفعه ظل ملك يتنقل على الأرض ~~بتنقل الملك في السماء، ويتوهمه لا يحزن ولا يبكي حتى كأن طينته التي خلق منها جبلت من ~~النور الممزوج بدموع الندى الخالد فلم تعد السماء تسبب لها من حوادث الدهر دمعة؛ لأن فيها ~~دموعها السماوية، ولا يدري فيلسوف الحزن الأحمق أن ذلك الرجل الذي يحسبه ظل ملك إنما هو ~~إنسان يحزن ويبكي كسائر الناس وربما انفجر باكيا ولكن بكاءه معان من التسليم لله تقطر في ~~بعض ابتساماته كما تنبثق دموع الفرح من غلبة السرور. # والمرء إذا استطاع أن يتحد بقضاء الله وقدره فلا يتسخط أحدهما ولا يتبرم بأمر الله فقد ~~استطاع بذلك أن يبتسم الابتسام الإلهي الذي يكون علامة نبوته الإنسانية في هذه ~~الطبيعة. # إن الرجل من علماء الفلك حين يجد في تعرف أسرار السماء واكتشاف آثار الله منها يرى نفسه ~~كأنه يعيش في الأزل الذي لا فناء له، وكأنه في حياته بصيصا من أضواء النجوم يصله بها وكأن ~~مرصده فلك لكوكب نفسه؛ وكذلك يرى عالم الجمال الطبيعي الذي تهبه الطبيعة حاسة سادسة من ~~الابتسام أنه يعيش في ربيع دائم كأنما هو زهرة تغتذي بنور السماء فلا تبرح ناضرة ما بقيت في ~~السماء لمعة نور، وهذا رجل قد بذل مقادته لله طائعا وتوكل عليه راغبا فترى تسليمه لله قد ~~جعله الله فيه قوة لينة كطبيعة اللجة التي تصدم كل شيء ولا يكسرها شيء؛ لأنه ليس قوامها من ~~الصلابة المادية التي تنكسر وإنما شدتها من اجتماعها واندفاعها كصلابة الثقة التي تكون من ~~اندفاع العقل بالإرادة القوية؛ وآية ذلك أنه إذا رفع إليك عينه رأيت فيها نظرة مستطيلة ~~كأنها آتية من السماء، وترى لها عليك سلطانا كأنها نفس قوية لا نظرة ضعيفة؛ إذ تنبعث من ~~نفسه النقية إلى عينه الصافية فلا يعترضها إلا القلب المطمئن الضاحك الذي هو في جسم عالم ~~الجمال كالطفل الجميل في بيت السعداء: تأتي به السعادة مرة ويأتي هو بها في كل مرة، وتلك ~~النظرة إنما هي نبوغ في ms41 بعض العيون كما أن العقول نبوغا بيد أن الطبيعة لا نظفر بها إلا في ~~الندرة كما يظفر الزمن بجبابرة العقول الذين ينصبهم حدودا للتاريخ الإنساني، فربما غبرت ~~الأجيال المتطاولة مجنونة بهذا العارض الزمني حتى تصيب لها عقلا من عقول التاريخ، وربما ~~عبرت الطبيعة أجيالا متطاولة وهي تشكو عمى الناس عن جمالها حتى تأنس في أحدهم عينا من ~~عيون الجمال. # ولقد يحسب الأجلاف من غلاظ الأكباد أن الطبيعة مبتذلة ويجدون لها غلظة في أنفسهم كأنهم ~~ينظرون إليها من أكبادهم، وكأن ضلالهم ليست كل شيء فيها فحيثما انكفأوا لا يرون إلا طيفا ~~من الموت تنفر في وجهه ظنون الفزع، وإذا لفتهم إلى الجمال الرائع لفتوك منه إلى قبح ~~يعرفونه ولا تعرفه، لأنك تعتبر شكل الصفة الجميلة وهم يعتبرون شكل المادة، كأنهم يريدون أن ~~ينشقوا ريح الزهرة من طينها، وكأن الأشياء الجميلة عندهم ألفاظ من لغو الكلام تتألف من ~~الحروف التي تدل بتركيبها على المعاني ولكن لا معنى لحروفها تلك؛ إذ هي مؤلفة على نسق غير ~~الذي يعهدونه من نسق الصناعة المادية، فيا ويح هؤلاء وأولى لهم ثم أولى! أيريدون أن يستعين ~~الله بقوم من أهل الحرف والصناعات على إصلاح ما خلق وتنبسق ما ابتدع ليجدوا فيه الجمال الذي ~~يصلح لأوهامهم، ويكافئ بمعانيه مقادير أفهامهم؟ # لتنطفئ الشمس إذن كلما رمدت عين إنسان ولينسدل الليل ثانية كلما أراد فاسق أن يتلصص في ~~مشرق الضحى، ولينهمر الغيث كلما جفت لهاة من الظمأ في الصحراء، ولكن كل نهار على ما تشاؤه ~~البلد الرعناء يطلع بالصباح عليها ربيعا، وينقلب في الظهيرة شتاء، ويحول في الأصيل ~~خريفا، ويرجع في العشية صيفا، وإن انقرض الناس بهذه الحياة الذريعة كأنهم يوم يرونها ~~لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها! ويحكم أيها القوم! ألا يمكن أن تكون أذواقكم سقيمة قبل أن ~~يكون لكم هذا السقم في الطبيعة؟ وليت شعري ما أمركم والانحدار فإذا كنتم في الأسفل ثلجتم ~~بذلك ورأيتم أنه لا أسفل منه؛ إذ ليس لكم بعده منحدر فجعلتموه في نفسه مرتقى، ms42 ولم ترفعوا ~~أبصاركم إلى الأعلى لتستيقنوا أنكم في أسفل سافلين وأن سبيلكم الصعود لا ما أنتم فيه من ~~أمركم! # ليس جمال الطبيعة إرادة ولا شهوة، وإن هذه الساعة الفلكية الكبرى (السماء) لا تقدم الوقت ~~ولا تؤخره من أجلنا، فإنه لا ننتهي إليها من هذا العالم كله إلا الألحاظ؛ ولو اجتمع أهل ~~الأرض في صعيد واحد وصوبوا ألحاظهم جميعا إلى ذرة من الهباء ما تحركت الذرة ولا قدمها ~~ذلك ولا أخرها. # ومصادفات الأقدار المضطربة التي لا تأخذ من الناس في ناحية معينة بل تتاح للسعداء ~~والأشقياء جميعا من عالم المجهول بسبب مجهول في وقت مجهول - إنما هي مصادفات في وهم ذلك ~~الإنسان لا يريد أن يرتقب من الغيب حقيقة محزنة كما ينظر منه النعمة السابغة، وهي في ذاتها ~~حقائق ثابتة تجري سواء على سنن مطرد؛ ولما كان الإنسان لا يرجوها إلا خائفا ويخاف منها ~~إلا رجيا فهو بطبيعته يصبغها صبغة من الحزن ما دامت في غيبها حتى تقع؛ فلا يجعل هذا ~~الإنسان وهمه قاعدة للحقيقة، ولا يرين أن حقائق الجمال الطبيعي مما يكون طباقا لأوهام ~~كل نفس؛ فإن ذلك تغيير للنفس لا للطبيعة. # وعندي أنه لا فرق بين الملحد الكفور الذي لا يحب حقيقة الموت إلا موت الحقيقة فيظل في ~~قياس وهمه عائشا ما عاش كأنه بدن ميت لا نفس فيه، وبين ذلك الجلف الذي لا يدرك أسرار ~~الجمال الطبيعي فتظل هذه الطبيعة في قياس وهمه بالغة ما بلغت من الحسن كأنها دينار زائف ~~جديد يعجب من رونقه ويعجب من كساده ... # الخادم يفزع من غضب سيده إذا صاح به الصيحة فيستطار لها، ولكن المطمئن المفكر إذا دارت في ~~مسمعه هذه الصيحة أصغى منها لنغمة موسيقية تلبس معنى نفسيا خاصا لا جمال له إلا في ~~الغضب؛ فاطمئن أيها الإنسان قبل أن تستطلع جمال الطبيعة وتأملها بالعين التي لم تستحل من ~~فكرك المادي إلى ذاكرة فليس فيها إلا النظر البحت تصبه النفس من شعاعها؛ فإنك حينئذ تشهد ~~الطبيعة كلها في نفسك على النحو ms43 الذي يريك هذه السماء كلها في النهر الصافي، وتحس من ~~السرور والابتهاج والعظمة كأن هذا الفكر الإلهي الكبير الذي نسميه الطبيعة قد شملك أو ~~اشتملت عليه فيوحي إليك أنك مخلوق لغرض أسمى من تلويث الأرض بفضلات أمعائك. ومناوأة الناس ~~فيما لا حقيقة له إلا إيجاد هذه الفضلات وإخراجها، وإن كانت هذه الحقيقة القذرة من كثرة ما ~~يسترها الإنسان به من الأسباب المختلفة كالفضلات نفسها في جوف هذا الجسم الحي. # حينئذ وقد فاض الجمال على نفسك ترى أنك أنت أصبحت قطعة من هذا الجمال، وأنه لم يكن يحول ~~بينك وبين الاتحاد به إلا نفسك التي غيرتها أوهامك حتى لم تعد نفسا من صنعة الله بل من ~~صنعتك وصنعة الحوادث، وحتى صارت كأنها كتلة شر تفضل الحيوان الأعجم بالحيلة العاقلة ~~ويفضلها بالحول الطائل فيما عدا ذلك مما هو من طبع النفس الحيوانية. # فلولا النفوس التي تدرك قيمة الجمال ما وجدت على الأرض نفوس تدرك قيمة الخير؛ وهل هذا ~~الخير إلا بعض جمال النفس؟ # لله أنت أيتها الطبيعة الجميلة، ولله جمالك الفتان الذي يترك من حسنة بقية في كل عين ~~تحدق إليه فتجعل كل شيء تصادفه جميلا، كما يثبت المرء عينه في ساطع من النور هنيهة ثم ~~يلتفت يمنة ويسرة فإذا كل شيء فيه شعاع من ذلك النور. # ولله ابتسامك الذي ترتوي منه النفوس ويخلق منه الحب والخير، وأراه في كل زهرة تفوح، وفي ~~كل نجم يلوح، وفي هذا القمر الذي يتصبى الروح كأنه طلعة حبيبة الروح؛ وأراه في غير ذلك من ~~صفات الجمال التي تفيض عليها هذه النعمة السماوية لتنطق منها بأبلغ ما تفهمه النفوس من ~~المعاني كما تنطق الحسناء حين تبتسم وهي لم تتكلم. # ولكن آه أيها القمر! إن لهذا الابتسام روحا هي الخالص النقي منه، بل الذي لا يقال في ~~غيره خالص أو نقي، فإذا أردت أن تشهد روح الابتسام يتلألأ في غرتك فانظر إلى تلك التي لم ~~تلبس من حريرك الأبيض غانية أجمل منها في ليلة من ليالي الحب، ms44 وتأمل بربك أيها القمر كيف ~~تتحرك بروح الابتسام في شفتيها الرقيقتين حياة الهوى. # | الفصل السابع # ذلك ابتسام الطبيعة يا لؤلؤة ثغرها التي يسمونها القمر، وذلك جمالها الفتان الذي خلقت ~~المرأة لتصفه وتدل عليه فلها بها الناس وسحرت أعينهم حتى لم ينظروا إليه وإليها إلا على أنه ~~مخلوق ليصفها ويدل عليها؛ فتصغر الطبيعة ما تصغر عند بعضهم وتكبر ما تكبر عند الآخرين، ولا ~~تكون في الحالين أصغر ولا أكبر من امرأة جميلة. # وأي أمر غمة # 1 # لا يتجه للرأي فيه كجمال المرأة الذي هو جنة الأرض ونارها، فمن أجله وجدت ~~الديانات والشرائع والفضائل، ومن أجله وجد الخارجون عليها والفاسقون عنها؟ # ومن المعضلات النفسية الممتنعة على الإنسان والوارثة منه # 2 # معرفة العاشق المستهام صحة الرأي فيما إذا كان الجمال دليلا على قوة الخالق أو ~~دليلا على ضعف المخلوق. # ولو سألت تاريخ النفس الإنسانية عن كل أمر عسير مشكل ثم سألتها عما هي المرأة الجميلة، ~~لأصبت لكل سؤال جوابا يحسن السكوت عليه ولو تسامحا، إلا جواب هذا السؤال؛ فإن المرأة ~~الجميلة هي يفهمه كل إنسان منها بنفسه؛ لأن الجمال المتسلط بطبعه والحب الخاضع بطبعه، قد ~~جعلاها في الطبيعة تعريف نفسها! # ولا شيء أقوى من الجمال والحب معا إلا دموع هذه الجميلة بمرأي محبها؛ فإن كل ما في ~~الطبيعة الإنسانية من حنان ورضى وحب وعبادة وعقل وجنون ونحوها مما تكسوه ألفاظ اللسان ~~بحروفها ونبضات القلب بمعانيها - لو ذاب لما قطرت منه إلا تلك الدموع التي تنحدر كأنها ~~كلمات سلسة تفسر لعين العاشق معنى روحه تفسيرا صامتا تجري فيه أحيانا نظرات متفترة هي ~~كل ما في تعبير الأرواح من البلاغة. # فليت شعر هل تستروح الطبيعة الجميلة كذلك إلى الدموع إذا كانت هذه الدموع من أقوى ما في ~~طبيعة الجمال؟ # هل تبكي الطبيعة أيها القمر فتكون أنت في ديباج السماء كأنك دمعة في منديل الطبيعة لم تجف ~~بعد وقد بدأ فيها الجفاف. # 3 # أترى الطبيعة باكية وهي تلك التي ترسل بعض ضحكها دموعا تتندى بها أجفان ms45 العيون النجلاء ~~التي تجعل الرجال العظام صغارا وهي عيون النساء والأطفال، لتبقى الطبيعة وحدها منفردة ~~بالعظمة الرائعة التي لا يداخلها الغرور بها ولا تداخل الضحك منها؟ # إني أرى الذين لا يعرفون جمال الطبيعة ولا يفقهون حديثها يتخيلونها أبدا باكية؛ لأنهم من ~~لواعج الهموم بحيث صارت الدموع أسرع إلى أعينهم من الابتسام إلى أفواههم؛ وقد أبوا على ~~العيون إلا أن تمتزج فيها الروح بالمادة فجعلوا أكثر عملها البكاء، إما بالدمع الذليل وإما ~~باللحظ المستكين الذي يكاد يدمع من ذلته، أما الأفواه فحسبها من صناعة العيش في أكثر من ~~تراهم في الأرض مضغ الطعام ومضغ الكلام، فهي قليلا ما تبتسم وكثيرا ما يكون الابتسام ~~فيها شنعة فلا ترى إلا أفواهها قد جلعت # 4 # كأن القلب يتهيأ ليتفل منها على وجوه أولئك الأصدقاء الذين يدعون الصداقة ~~بوجوههم الكاذبة! # وقد أحسب في أصل البكاء أن روح الإنسان لا تزال تتأذى أحيانا مما يطيف بها من أدران ~~المادة حتى إذا أرادت أن تنحي ذلك عنها اغتسلت في باطنه بنور ينبجس لها من القلب ثم ~~ينحدر عنها إلى العين فلا يخالط الجفن حتى تبتدر إليه الدموع فترسله وكأنه لما فيه من ~~الحياة عاطفة قلبية أسرف عليها الهم في ضغطه فذابت؛ وقد يستطير ذلك النور في الابتسام فلا ~~يذهب إلى العين بل يسترسل في طريق الدعاء والكلم الطيب من الفم ويكون في الشفاه معنى البكاء ~~كما هو في الأجفان البكاء بمعناه! # ولكن ما بال هذه الدموع القذرة التي أصبحت رقاعة أو صناعة في الأعين. وهل هي نور أو مادة ~~سائلة تجري من القلب الخبيث كلما نكبه أمر فانقلب فهراق ما فيه؟ إننا لا نعرف من أمرها ~~شيئا، فإن الإنسان لم يهتد بعد إلى علم تحليل الدموع تحليلا نفسيا، وما أحسبه سيهتدي؛ ~~وهو على أن تاريخه في الأرض مغمور بالدموع كالأرض نفسها ثلاثة أرباعها مياه، فإنه لا يحسن ~~إلى اليوم أن يرد العبرات قبل انهمالها من أعين الباكين والمحزونين إذ ليس إحسانه من قوة ~~الروح بحيث يتغلغل في ms46 مسالك هذه العبرات؛ وما تحليل الدموع إلا درس لمذاهبها في النفس؛ ~~وهيهات ذلك في عالم المادة هيهات! # بيد أنا لو أبصرنا الملائكة حين تمر على أكثر من يبكون صناعة أو تصنعا أو مصانعة، ~~لأبصرناها بلا أنوف؛ لأن لها قوة التشكل فيما تختار من الهيئات، وهي تخشى أن تصعد إلى ~~السماء وحشو آنافها من رائحة ذلك الدمع الرنيء الذي درنت به الأجفان المترعة وكاد ~~يكون صديدا تقيحت به جروح العواطف فانفجر. # ابك أيها المحزون، فإنك ستجد من يكفكف دموعك كما وجدت من أرسلها، ولكنك لا تجد من ~~يتداركها ويردفك منها خيرا؛ لأن أهل الخير لا يعرفون حزنك - إن عرفوه - حتى تبكي بالعين ~~الثرة، وحتى تتوسل إليهم بالطرف المغرورق؛ كالطبيب لا يعرف مرضك في صحتك ولكنه يبلو ~~مرضك فيعرف كيف كنت وكيف تكون. # وقد قيل لفيلسوف أملق حتى ساء عليه أثر الفقر: من يدفنك إذا مت؟ فقال: من يؤذيه نتن ~~جيفتي! ... وكذلك لا يدفن دموعك إلا من يؤذيه منظرها من أهل النفوس الرقيقة، فإنهم لا يحتملون ~~أن يروا من عينك جيفة هم تسيل بها وتنزى ... وإذا أصبت في الناس لم يتسبب لإرسال دمعة من ~~عين إنسان أصبت فيه من يهتاجه منظر الدمعة في عين الإنسان. # إن الأطفال يحبون فطرة أن يعبثوا بالماء ويتغامسوا فيه؛ فلا أنكر على الرجال محبتهم أن ~~يعبثوا بالدموع؛ ولكني أستنكر الإنسان يجعل قلبه شاطئا لأرجلهم إذ يخوضون فيه خوفا، ولا ~~يجعله لجة تجيش على أعماق من نفسه وعواطفه فلا ينطوي لها شيء إلا طوته ولا يدافعها شيء إلا ~~دفعته؛ ولست أصدق الضعفاء الذين يزعمون أن أحدا من الناس لا يطيق أن يجعل الصبر على ما ~~يبتلى به من مجاهدة نفسه عنصرا من عناصر الحياة، فإني لأرمي بعيني ولا أرى أحدا إلا ~~وجدته يتحمل أكثر الناس لضرورات الحياة الجسيمة، ولو هو رغب في الحياة النفسية لقضت عليه ~~ضرورتها أن يحمل من نفسه ولو كارها بعض ما يحمله من الناس كارها أو راضيا، والمرء حين ~~يضل زمام النفس من يده ms47 إنما يضل طريقه الذي اختطه في الحياة، وتعتسف به النفس طرق الآخرين ~~فلا يزال فيها تابعا أو مطرودا، وهما خطتا نكر خيرهما وشرهما على الحر سواسية. وليت ~~شعري ما هي الهموم؟ # إن الإنسان يفسر هذه الكلمة المفردة بمجموع ما حفظ من تاريخ مصائبه، ويرى أنه لم يفرغ من ~~الشرع بعد ولم يكشف عن دقائق المعنى، وإنما أجمل من وصفه ما وسعه، فكأنه يفسر حقيقة الحياة ~~التي تستنفذ الكلام كله ويكون بين خطأ صراح وصواب ممزوج، ثم تبقى الكلمة الصحيحة عند الله ~~لا يكشف عنها للإنسان لئلا يغشاه من سر الألوهية فينتهك حجاب قلبه. # 5 # واها أيتها الحقيقة الإنسانية أين أنت من الإنسان وأين هو منك؟ # وما بال هذه الأوهام التي يعتزم لها الإنسان المضي في فضائها كأنه منطلق، ثم لا يكون ~~أمره وأمرها إلا كالفأرة حين يرسلها الهر الخبيث تحت أشعة عينيه المتعسرتين من الجوع، فتنطق ~~المسكينة في فضاء ... ولكنه محاط من كل جهة بالأظافر الحادة. # أيتها الحقيقة لا يظفر بك إلا سعداء الفطرة، وما الطبيعة كلها إلا إيمان بك ودليل عليك. ~~فلو خلص الإنسان من وهمه لخلص من همه ولعرف كيف يقدر الحزن بسببه الحقيقي لا بالآمال ~~المتوهمة التي زالت بوقوعه؛ فإن تقدير المصيبة بالأمل الذي كان يرجى لو لم تقع أمر لا ~~يحتمل حدا، بل لا يزال يتسع من ظن إلى ظن حتى يهيج السخط في نفس الحزين، والسخط مع ~~المصيبة مصيبة ثانية. # ولو كان المقامر يحزن على مقدار ما أضاعه دون المقادير الوافرة التي قامر عليها وكان يرجو ~~أن يفوز بها، لما عاد امرؤ قط إلى المقامرة بعد الخسارة الأولى، وكذلك لو كان الإنسان يهتم ~~للمصيبة على قدرها في نفسها لا بمقدارها في نفسه، لذهب بها وقتها، لأن الوقت يسير بكل شيء ~~تدفعه فيه، ولكانت هذه المصائب في تاريخ الإنسان كأنها عطاس يزعج قليلا ثم يعقب انتهاضا ~~من عثرة الرأس وراحة. # وما إن يزال الوهم يخيل للإنسان أن الوقت ثابت بالمصيبة التي نزلت به كأنها تغتذي من ms48 ~~عمره. وكأن الصبر يعاف أن يغتذي من عمرها، فلا تبرح تمارسه وتشاده وتجد به وتتلعب كأنما ~~طرح عنقه منها في غل يملك رقبته بالأسر الذي لا فكاك له، وبذا يجمع المسكين على نفسه ~~الحقيقة التي تحاول تركه فلا تستطيع، والأوهام التي يحاول تركها فلا يطيق. ولو ثبت الوقت ~~بشيء هذا الثبات لهلك سعداء الناس قبل الأشقياء، لأن الراحة التي لا يمد في حبلها الألم ~~كالألم الذي لا تمد في حبله الراحة # 6 # وما الآلام إلا رياضة نفسية تشتد بها النفوس وتصلب فلا تهدها أثقال الحياة ~~التي لا يضطلع بها إلا ذو المرة السوي. # 7 # ولولا هذه الآلام لأقفرت الأرض؛ لأن الإنسان الذي لا يتألم ليس إنسانا أرضيا، بل ينبغي ~~له أن ترفعه الملائكة وتلوي به في جو السماء، ثم تكون مدة عمره في الأرض مسيرة ما بين ~~الدنيا والآخرة على أجنحة الملائكة ... ويخلق ويموت كما تخلق ذبابة آذار الخيالية التي يزعم ~~الشعراء أنها تولد إلى متع الضحى فلا تزال تطن في الروض وهي لا تجد مد صوتها # 8 # إلا أزهارا وألوانا وأريجا ونسيما، وتحمل وتضع وهي لا تنفك تتنفس ألحانا، ~~ثم تطلع عليها شمس الغد بالموت كما طلعت في الأمس بالحياة، ولا يمتد الضحى حتى تتخذ من بعض ~~الأزهار كفنا وتموت وهي تتغنى، ثم تلوح في شعاع الشمس كأنها نقطة سوداء قطرت من مداد الموت ~~على صفحة من ورق الأزهار لكي تدكر بها روح الربيع أي ليس في الأرض خلود! # ولا يحسبن الإنسان أنه المستبد بالأرض يقوم عليها بنظامه ويبرأ منها، فإن الأرض تقوم عليه ~~من قبل بنظامها. بل هو نفسه معنى من هذا النظام الذي لا ترخص فيه وإنما يمضي على ~~الإنسان وغير الإنسان بعزيمة واحدة وفيه الألم والراحة جميعا. # ومهما نعم المرء فلن يبلغ مبلغ الزهرة النضرة العطرة التي تجتمع أوراقها وتتماسك مدة ~~بقوة الحياة العطرية ثم تبلم بها نسمة تستميت في تخافتها وتجيئها وهي من الضعف كأنها ~~صدى قبلة الحسناء المذعورة، فتنثر أوراقها وتهدم هذه البنية الملونة ms49 كما تنهدم لذات الحلم ~~بالحركة الضعيفة من جفن النائم ساعة يستفيق! # والحياة الأرضية في طبيعتها غليظة جافية مستحكمة لو ترك لها الإنسان كما هي؛ لأنشأته ~~خلقا أرضيا بحتا، ولكن الله جعل فيها مواضع رقيقة تشف عن السماء وما وراءها إلى مصدر ~~القوة الأزلي وهذه المواضع هي الآلام، فهي التي يرفع منها الإنسان يده إلى السماء بضراعة ~~إنسانية متبرئا من قوته مقرا بضعفه، وهي كذلك التي يرسل منها الإنسان نظرة إلى الأرض ~~برحمة سماوية تنفذ إلى قلبه بالمعاني الجمة من شقاء الناس وبأساء الحياة؛ فلا يستروح هذا ~~الإنسان من ألمه إلا وقد أكسبه الألم فضل الإنسانية وبر الفضيلة وصحة الإيمان وقوة النفس، ~~وإن مرض يوم واحد تتوجه فيه النفس إلى الله وتعرف كيف تتنزه عن دنايا الأرض وشهواتها، لهو ~~أجدى لها وأرد عليها بفضيلة الإنسانية من قطع دهر في دراسة كل ممتع من كتب الفلسفة. # وبئس - لعمر الله - الرجل يكون في ضرعته وما فيه إلا نفس لا تدري أيهما أضعف: أهذا ~~النفس الذي يتعثر في صدره، أم ذلك الجسم الذي يتنغش كفراخ الطير؟ # 9 # ثم تراه متى أحس القوة وقد ثار كما يثور الوحش من ضجعته، وكان في ألمه أشد ~~حنقا، وكلما تمادى به الألم سخط واستحق كما يكون العاجز الموتور الذي يأكل انتقامه من ~~نفسه ولا يزال يشره إليها ما بقي الرجل عاجزا، فهذا وأمثاله ممن تشف لهم السماء موعظة ~~واعتبارا وهم يتبخصون # 10 # لها تعجبا وإنكارا، وإنما يسخطون على ربهم سخطا لا يشبه شيء إلا ما يكون من ~~حنق الصبيان إذا فضل أحدهم عليهم فانقلبوا ساخطين على الأفضل ومن فضله جميعا، يرون ~~سخطهم كأنه تفضيل لأنفسهم ... وهو إن لم يكن توقحا ونذالة فليس بدونهما. # وهذه الطائفة من الملحدين ومن لا يلحد ولكنه يؤمن بلا إيمان ... وإنما هم أنفسهم بعض آلام ~~الإنسانية، فليس بدعا أن يكون في آلامهم ما يقتدح هذه الحقيقة النارية فيهم، وإلا فكيف ~~يؤلمون الإنسانية إذن؟ # على أن أكثر الناس لا يدركون هذه الحقيقة فيصبون عليهم من ms50 النسيان ما يصب الغاسل على ~~الميت من الماء ليرسل معه بقية طهارته إلى الآخرة، ولو هم أدركوها لرأوا في هذه الثورة ~~الإنسانية مظهرا عجيبا من حكمة الله، ولرأوا أن كل شيء يتألم حتى الديانات والفضائل، ~~فإنها تتألم بسخط هؤلاء وجحودهم. # وليست كل الهموم التي تصيب الإنسان مما يلوي بها القدر عليه؛ فإن من ذلك سيئات يجنيها ~~الإنسان على نفسه بسوء الخوف من الله واتهام رحمته وقدرته، كالتوقع لما يقع، والحذر مما لا ~~يوقن بوقوعه، ومعالجة المستقبل، والاهتمام للمستحيل أو لشبه المستحيل؛ ثم المصيبة الآكلة ~~التي لا تبقي على النفس إلا أسوأ ما فيها؛ لأنها محاولة استخدام القضاء وتصريف القدر على ~~غير ما يريده الله، وهي الحسد! # فهذا وما أشبهه إنما هو من مصائب العقل الذي يحاول الملحدون تسميته إله الأرض فلا يكون ~~قضاؤه على صاحبه إلا ما ترى. # واعتبر ذلك بأن هذه المصائب لا تكون على أشدها فجيعة وألما إلا في أقوى الناس عقلا ~~وأضعفهم إيمانا، مع أن المؤمن الساذج الذي يكاد يعد في رأي العقلاء ... حيوانا يبيع نفسه ~~ويشتري لها مشتريا - لا يعتريه شيء منها بل هو في أمن من جميعها، وكأن حوله من قلبه سورا ~~مضروبا على الحياة باطنه فيه الرحمة وإن كان ظاهره من قبله العذاب؛ وهذا المؤمن يعرف ~~بفطرته السليمة تلك الحقيقة الناصعة التي يجهلها أكبر الفلاسفة من الملحدين ويجهلها أكثر ~~العقلاء فلا تكون كل المصائب الإنسانية التي ينافح بها القوم بعضهم بعضا إلا عقابا ~~عقليا على هذا الجهل، وتلك الحقيقة هي أن الله لا يمسك عنا فضله إلا حين نطلب ما ليس لنا ~~أو ما لسنا له. # ومع ذلك نظل نخادع أنفسنا بالآمال اللذيذة ونخرج عن الحقيقة ثمنا لوهمها، كما يشتري ~~السكير أحلام نفسه بعقله، ثم تذهب الأحلام والعقل معا، وتتركه الخمر برذائله وجنونه ~~وأمراضه أصح تفسير لها بين العاقلين. # أما المصائب الإلهية فإن الله يرسلها برحمة، فيستلب فيها من الإنسان إحساسه أو أكثره، ~~ويعطيه أسباب العزاء أو أكثرها، ويهيئ له من أمره ما يجعله ms51 يتلقى المصيبة بروحها لا بروح ~~النعمة التي أصيب فيها؛ وبذلك لا يشعر أنه ضرب بيد الجبار ولكن بيد الرحيم، ولا يكون إلا ~~كالذي يغمض عينيه عند الوسنة ثم ينحدر إلى الأبدية وقد يتحطم في مهواتها وما أحس من آلام ~~الموت ونزعه أكثر من غمضة العين. # وعلى هذه الصفة الرحيمة يفترس الحيوان ما هو أضعف منه؛ فيستلب إحساس الضعيف حتى لا يدري ~~ما هو من مفترسه، ولا ما كان فيه مما يصير إليه، ثم يكيد بنفسه وكأنه لا يحس أن له ~~نفسا فتزهق روحه كأنما أبت هذه الحياة الميتة. وما أحسب هذا ونحوه إلا (تخديرا) قبل ~~(العمليات) الإلهية، فتبارك الله! لقد وسع كل شيء رحمة وعلما! # والإنسان لم يكن يوما منسيا من الله ولكنه لا يزال ينتبذ المكان القصي من الظن كأنه ~~يريد أن يكون منسيا منه؛ فهو يشك في رحمة الله وعنايته كلما راث عليه الخير # 11 # إن عرف أن له رحمة وعناية، وهو يجادل فيهما ويستريب بهما وبالله في ذاته إن لوى ~~رأسه وركب أثر هواه ضالا أو مضلا؛ وما يجديك أيها الأحمق أن تهبط بعض الأودية وتأخذ ~~في الصياح لتستخرج الصدى كأنك أنطقت الجماد ... وإنما هو صوتك رجع إليك لم تزد فيه السماء ~~ولم تنقص منه الأرض؛ فمهما جادلت في الله فإنك لا تعدو هذا العبث بنفسك ولو أنكرت فأنكر ~~الصدى ورميت بالحجة فرمى بها وجئت بالأقاويل فتابعك عليها - لم يكن لك من ذلك كله ظهير ~~ولا نصير على الحقيقة إلا كما يكون للممرور يحدث نفسه ويحب أن له حلقين ... # ويح هؤلاء الناس! ألا يرون المصائب والآلام ترسل دفاقا على الأرض كماء المطر وهي مع ذلك ~~لا تصيب من تصيبه إلا قطرة فقطرة كأنه مكتنف من رحمة الله بفضاء واسع يجعله كهذه الطيور ~~التي ترسل عليها السماء من أقطارها وهي مع ذلك تلبث طافية على الهواء كأنها الأمواج التي ~~يجيش بها البحر أبدا ولا تغرق، ولو هي كانت في الأرض لأغرقتها بصقة من إناء مترع؛ أوليس في ~~ذلك ms52 ما يردف الإنسان شغلا بنفسه الضعيفة مما يذهب إليه في إلحاده وريبته إذ ينتحل شيئا من ~~الألوهية لينكر الألوهية أو ليشك فيها ؟ # وهيهات يجادل امرؤ في الله أو يستريب به أو يتصفح على أعماله إلا إذا كان يقيس من أمر ~~ذلك ما في نفسه كأن في نفسه مقياس الألوهية، وإلا فهو الغبي الذي لا يسقط على عقله ولو ~~استمر يبحث عنه في الكتب حتى يرمى في جنازته. # 12 # أو لا يستشعر الإنسان مما تزلزله مصائبه وآلامه وأن روحه تتخطى مقرها في باطنه فكأنه ~~يتزلزل بخطواتها، وقد يراها فصلت عنه حين تنتزي به الآلام المبرحة إذا انتهض من صرعته ونشط ~~لما ينشط له الأصحاء رأى كأنه مقبل على الدنيا من حدود الآخرة! # وإذا كانت النفس خرساء لا تفهم إلا بالحركة والإشارة فما أرى هذه الحركة منها في الإنسان ~~بين المرض والصحة إلا كحركة نقض الدليل الفاسد بالدليل الصحيح في العقل، فإذا هو سفه بعد ~~ذلك نفسه وسفه الحق منها وحاول أن يرتبطها من إنكاره وحجوده ومكابرته وعنته بالسلسلة الربوض # 13 # فإنه ينقلب ما يشاء ملحدا أو فاسقا أو شيطانا وتبقى نفسه كما هي على طبيعتها ~~الإلهية؛ لأن الدين النفسي ليس ما يزعمه العالم في مجادلته، ولا الجاهل في محاولته، ولا ~~المؤمن في إقراره وتصلبه، ولا الجاحد في إنكاره وتعجبه. وإنما هو قلب الإنسان الذي يخفق ~~في العالم والجاهل والمؤمن والجاحد بحركة واحدة كأنه فم يسبح الله بكلمة الحياة. # يا شقاء الإنسان ويا ويله إذ يرسل الله على قلبه شعاع الرحمة والإيمان ويأبى من غلبت ~~عليه شقوته إلا أن يضرم من هذا الشعاع الإلهي نارا ينضج بها غذاء شهواته ويطيبه فلا ~~يزال يحتطب لها من كل خبيث جاف حتى تراه كأنه قدر تئز أزيزا، وكأنه في باطنه ~~شظية من جهنم يسطع وهجها في عينيه فلا تقع ألحاظهما على شيء إلا رجعت منه بمعنى خبيث ~~وتركت فيه معنى أشد من ذلك خبثا، ولو زادت هذه النار في جوفه فخلق منها للناس شيطانا، ~~ولكنها ms53 - من رحمة الله بالناس - نار قليلة لا تكفي لشيء أكثر من عمله الشيطاني ... # ذلك؛ فانظر الآن ماذا يترك الشعاع الإلهي الذي وصفنا في قلب المؤمن بالله؟ # إنه يجري في أحزانه كالماء يتدافع في مسبله، وتراه يطرد وينعطف ويتمعج لأنه ينساب ~~بالحياة فكأنه يبحث في جهات نفسه وأنحائها عن كل عاطفة ميتة فلا يترك على جانبي الحياة إلا ~~ما ترك الماء على عطفيه من خضرة ونضرة وبرد وسلام، فيخوض المرء فتن الدنيا ويرتكس فيها ~~وهو مطمئن يحمل في باطنه سلام الله، ومهما تكفأت عليه النوائب وعصفت به الحوادث فإنها ~~لا تجد منه إلا ظاهرا أمسكه باطنه وباطنا استمسك بيد الله، كالسفينة في البحر تكتب لها ~~السلامة فلا تجري إلا على قبرها ولا تنبعث خطوة إلا كانت لها فرارا أو ما يشبه الفرار من ~~الموت وكأنها في ذلك البحر اللجي إنما هي روح الأرض أنشأت تهتز وتضطرب. # فلتكن أيها المحزون أكبر من همومك وأحزانك بالغة ما بلغت، وإذا كان الموت يعد شرفا ~~لمن مات مدافعا عن الحقيقة مهما كان وفي أي صورة تمثلت، فإن البقاء في الحياة يكون أحيانا ~~أعظم شرفا منه لمن يدافع مصائب هذه الحياة عن ضميره فلا تستبيحه ولا تزعج الفضائل ~~الإنسانية التي اعتصمت به. # وإذا اشتبكت أيها المحزون بهذه الآلام فكن قويا على مصارعتها، وقد تصرعك مرة إذا ~~بدرت منك غفلة، فلا تكن حينئذ جبانا في النهوض كما كنت جبانا في الوقوع، وليست فضيلتك ~~في أن تنزل على حكم كل ضرورة، فإنك عند حكمها طوعا وكرها ولكن الفضيلة أن تعرف في نزولك ~~من جهة كيف تصعد من جهة أخرى؛ وما دمت حركة من حركات الفلك فلا تحاول أن تقف به عن مسيرة ~~لهوى يعترضك أو تحرفه إلى جهة تعن لك فتتلاشى ويستمر الفلك سائرا، وإني رأيت دوامة ~~الماء لا تلتوي عن تيار النهر إلا لتفتح لنفسها قبرا فيه، وإذا لم تكن قادرا أن تنال ما ~~تطمع فيه فلتكن قادرا أن لا تطمع فيما قطعت عنك أسباب نيله، فإن ms54 غاية القدرة في الحالتين ~~الرضى، وأنت في أكثر ما تعاني إنما تتألم بأوجاع الناس من حيث تؤذي نفسك ولا تغني عنهم من ~~شيء، فإنك لا تملك إلا نفسك ولا تملك نفسك إلا فضائلها، وأنت على ذلك تجاري بآمالك أقواما ~~من الأغنياء هم أصابع الدنيا في كفيها وقدميها ... لا يعرفون إلا فلسفة الحس ولا فلسفة لهم ~~إلا أن كل حقائق الدنيا لو حللتها الفلسفة أو العلوم أو الأديان لألفتها على كل حالة حقائق ~~ذهبية ... هكذا اصطلح الناس كأن الله لا يعطي ولا يمنع إلا بعد أن يتواضعوا فيما بينهم على ما ~~يسمونه إعطاء وحظا مما يسمونه منعا وحرمانا، وكأن ليس في الأرض غني عقيم بلغ من الدنيا ~~ومن الكبر ومن العقم جميعا، ثم نظر إلى كنوزه العريضة ونظر معها إلى طفل يلعب في بيت رجل ~~فقير ويملؤه بالضحك فعرف من هذه الحقيقة الحية مقدار ذلك الوهم الميت الذي يسميه الغنى، ~~وكأن ليس في الأرض رجل ذكي عبقري لا يملك إلا عقله وهمة نفسه وهو مع ذلك لا يسره أن تكون ~~له بهما كنوز فدم غبي له من المال وبلادة العقل وصغر النفس مقادير يوازن بعضها بعضا، ~~وكأن ليس في الأرض محب دنف يهوى غادة فاتنة وقد عرف ما هو الغنى في اصطلاح القلب كما عرفه ~~الذكي في اصطلاح العقل وكما عرفه العقيم في اصطلاح النفس. # إن الطبيب الحكيم لا يجاري العليل ولكنه ينظر إلى العلة، وإن الله سبحانه وله العزة لا ~~يبالي باصطلاح الناس ولكنه ينظر مصلحتهم حين يعطي ويمنع، فليس في الأرض فقير قط إلا عند ~~نفسه، ولو اطلع كل إنسان على الغيب لما اختار إلا ما هو فيه. # وكذلك لا تنسل أيها المسكين المحزون ريش جناحيك اللذين تطير بهما لتنظر لون ما تحته من ~~الجلد فتترك نفسك بلا إيمان وتدع قلبك بلا توكل وتسقط آخر الأمر مع هؤلاء الذين لا ~~يرتفعون عن الأرض في طيرانهم نحو السماء إلا مقدار ما يرتفع غبار الأرجل في طريق ~~السابلة. # ويحي! كيف ترامت ms55 بي شجون الحديث أيها القمر الضاحك الطروب حتى جعلت غبار الأرض بيني ~~وبينك، بل غبار الأرجل في طريق السابلة؟ لقد شبهت علي هموم الإنسان هذا المحو الأسود ~~الذي يزين جبهتك حتى لحسبته عاطفة من عواطف الرحمة رسمتها بعض الغضون في تلك الجبهة ~~المتهللة كأن السماء تجاوب بها نظرات المحزونين في الأرض، فاعترضت، هذه النظرات أراها ~~وأخبرها لأعلم علمها فما ألقيت علي حتى صرت هما متجسما، وانتظمت تلك اللحاظ في قلبي ~~فما هو إلا صفحة وما هي فيه إلا أبيات القصيدة الإلهية التي ترجمتها بلساني هذه الترجمة ~~الضعيفة كما يعبر لسان المتألم عن أوجاعه بعض الأنين والزفرات. # وليت شعري أين أنا من مبلغ ذلك، وهل في الأرض من يستطيع أن يضع منطقا للغة القلب ~~الإنساني فيترجم به قصيدة الآلام التي تسيل رقة لأن كلماتها كلها (عيون)، والتي تنسكب فيها ~~كل قوى النفس المختلفة كما تتدفق الجراح على نمط واحد بدم واحد، ويكون ألم الحب أبلغ معنى ~~فيها وتكون أنت أيها القمر بضيائك وجمالك وآمال العشاق فيك وابتسامات الحسان لك فلسفة ~~الخيال لهذا المعنى اليتيم؟ # أيها القمر! إن كان في الناس من يظن أن الفلسفة تكون دين المستقبل الراقي فإنما هي فلسفتك ~~المؤمنة الجميلة التي تجمع الإيمان وهو الحب السماوي، وبين الحب الذي هو الإيمان الأرضي، ~~وغاية الرقي لهذا المستقبل البعيد أن يكون أفق آماله أدنى إليك بطهارته وجماله، وما من رجل ~~حكيم يحلم بهذه المعيشة السماوية على الأرض أو يفكر فيها إلا وهو يقرأ تاريخ أحلامه في سطور ~~أشعتك، ويرى هذه الأشعة نفسها كأنها معاني ذلك المستقبل تهبط كل ليلة إلى الأرض لتعتاد ~~الإقامة فيها، ثم لا تلبث أن ترى الناس قد هبوا من مضاجعهم حتى تفر إلى السماء مذعورة ~~وتتوارى مع الأحلام كأن الناس تشابهوا عليها وهم نيام فلما رأتهم منبعثين رأت أكثرهم ليسوا ~~من الناس ... # | الفصل الثامن # وكم ناجاك أيها القمر من عاشق قبلي، فإنك ما انفصلت عن الأرض إلا ليجعل الله منك أفقا ~~لآمال الإنسانية الجميلة، بل أنا ms56 لا أحسب عاشقا من لا يناجيك ومن لا يأتي بدموعه وأحزانه ~~وهواجسه وآماله فينطرح في هذه اللجة التي ترسلها من شعاعك وينغمس فيها ساعة ثم يخرج وكأنه ~~جسم من نور يخفق في جنبه قلب كالنجم ويترك في نورك بقايا ظلمات نفسه الحزينة تراها السماء ~~فترى بها كيف يكون ظل هذا القلب الإنساني المتألم، ثم تجمع أنت هذه البقايا وتدرجها في قطعة ~~من شفق الفجر تشابه الدم الذي كانت تغتدي به من الحياة وتدع الزهرة الحسناء ترسل عليها نظرة ~~من نظراتها الفتانة لتعرف أي ثمن من الأنفس والقلوب تشترى به في الأرض ابتسامة كابتسامتها ~~في السماء. # وبعد ذلك تروغ بها من وراء الصباح روغة ثم تدفنها في بعض الكواكب المنطفئة التي هي مقبرة ~~الأبدية في غيب الله. # فلا يزال دأب العاشق الحكيم أن يذوب في شعاعك لكيلا يبقي من نفسه غير المادة التي تذوب ~~في شعاع الجمال، فيكون بجملته نفسا روحية تتلقى الحكمة العالية عن النظرات والابتسامات كما ~~تتلقاها عن الآداب والشرائع. # وقد نرى أقواما ممن يدعون الحب سفها وغلظة وإن أحدهم ليذهب فيقذف بنفسه في ابتسام ~~الجميلات كما ترمي بالحجر في الماء العذب لا يعدو بطبيعته أن يستنقع فيه. # وترى ذلك الجلف لما يعالج من شهوات الحياة كأنه قدر تضطرم آخر النضج وهو لا ينفك يزعم ~~أنه يشعر بالحب وأنه مبتلى به ويقول لك حسبك من حب مضضه أشد على النفس من سعار الجوع ... ثم ~~ترى أضلاعه وقد أحاطت بقلبه كالسياج حول المكان الخرب. وهو قلب هدمه الحب حتى سواه ~~بمعدته كما يسوى الحائط المنقض بالأرض، ولكن الحب لم يبنه؛ لأن القلب لا يبنى على أساس من ~~المعدة وليس في الرجل أمتن من هذا الأساس ... لا بل ما أحرى ذلك القلب أن يكون معدة ثانية ~~تؤتي غذاءها من سفاله ولؤمه فلا يدخله الطيب حتى ينقلب خبيثا. # ويأتي هذا الرجل - ولا يكون إلا غنيا - وقد أدل بنفسه وأشرق وجهه كأن فيه كل معاني ~~ذهبه وفضته، وإن كان هذا الوجه الجلدي كأنه ms57 بعض ما خلق من أحذية الرذيلة ... فيريد أن يتسفه ~~الجمال عن ماله وثروته؛ # 1 # ويريد أن يشتري الحسناء الجميلة التي خلقت للحب لا للبيع؛ وكأنه والله رجل ~~جاءت به اللعنة المقعدة ليحملها ويسعى بها، فحملها وحمل الخزي معها وألقى عليه الله غضبه ~~من عيني الجميلة التي اشتراها. # اشتراها من فقرها بماله، ومن تعاستها بقبحه؛ وكل تجارة الجمال في يدي الفقر والتعاسة، ~~واشتراها وانقلب بها وكان لها - وا أسفا عليها - خزانة من حديد حبست فيها لؤلؤة! # فيا أيها القمر، لقد زعموا قديما أن هذا المحو الذي تراءى به هو عين ثرة، وأنها تفيض ~~بقطرات من دموعها في الغلس على زهرة من أزهار الفجر؛ وزعموا أنها لا يفلح السحر إلا إذا ~~وفق أهله لدمعة من دموعك يأخذونها من شفتي الزهرة كأنها كلمة القضاء؛ فأرسل أيها القمر كل ~~ما في عينك على زهرات فجر الحب ليمتزج بندى هذه العيون الساحرة التي يبكي بها الجمال ~~المحزون في أسره: وعسى يفلح سحرها في أولئك البهائم فيمسخهم أناسا يحسون بشعور الجمال ~~الذي يخلق في كل حسناء ليكون حياة لجمالها وجمالا لحياتها فإن الله يأبى أن يجعل في الأرض ~~أو في السماء قوة تجعل الحسان الجميلات يشعرن من الغلظة والفظاظة بما يشعر به أولئك ~~البهائم. # رحمة لهذا الجمال! # وجه وضيء الطلعة كأنه السعادة المقبلة، يصل إليه دم الشباب من القلب فيتحول فيه إلى جمال ~~وفتنة، كما تجول قطرات الماء في غصن الياسمين ثم تتحول في تلك الزهرة الطاهرة العطرة إلى ~~جمال وابتسام وكأن معاني الحسن التي تتحير في خديه حقيقة إلهية تطل على النفوس من وراء ~~الشفق. # فيه حاجبان كأنهما تمثيل للانحناء الخطي في الهندسة السماوية التي وضع الجمال على ~~قواعدها، يمتدان فما أدرى ما أمثلهما به غير أني لا أظن الفتنة القلبية تمتد مجتمعة إلا ~~بمثل هذا اللطف، وينتهيان إلى طرفين دقيقين لا يغمز بهما إلا ثقبا القلب من ~~جانبيه. # وتحتهما عينان تنظران - والله - بروح تكاد تنطلق ولا يفهم عنهما إلا كأنها ناطقة، ~~وتضطربان فكأنما يضطرب ms58 معهما جلال السماء إذ يلوح في صفائهما، وتغضيان تفترا ودلالا ~~فكأنما تلقيان على الروح فترة تحلم فيها من أحلام السماء وتستيقظ، وتدوران بما يشبه الحياة ~~والموت كأنهما الكلمتان الإلهيتان «كن ويكون» في محجرين واسعين كأنهما في هذا الجمال منفذا ~~القضاء والقدر. # وخدان تحير فيهما الجمال فوقف يتلفت عن يمين وشمال، وتظن من التهابهما بشعاع الجمال أن ~~العقل الجميل انقسم فيهما إلى فكرين يتوقدان ليقبس منهما الشعراء نار النبوغ التي يضطرم بها ~~العقل والقلب والروح فيصرن جميعا شعلة واحدة تضيء بالشاعر على آفاق الحكمة والحب والإيمان، ~~وتراهما أسيلين بارزين، فيالله! هل هما ثديان صغيران من الورد يرضعان طفل الحب - الذي هو ~~النحلة الإلهية في لذع الأرواح وإطعامها - العسل والمعسول؟ # وبين الخدين أنف جميل تنحدر عليه اللحظات الفاتنة وتلتقي إليه الأشعة الوردية فهو خلاصة ~~الجمال، وتراه بين ذينك الخدين كالإنصاف بين القوتين، فالنظرة إليه وإليهما ترجع إلى قلب ~~المحب بالخوف المطمئن الذي لا ينفك يخوفه الحب ويبعثه عليه. # ودون ذلك فم أصغر من فم الحقيقة، كأن في شفتيه الرقيقتين الحمراوين روح الدم، ولقد ~~استدارتا على ثغر هو الكأس التي يسكب فيها حنين الروح ممزوجا بلهفة القلب معطرا ~~بابتسامات العواطف الشريفة التي أزهرت في ربيع الغرام، ويرشف كل ذلك في قبلة لا يراها ~~العاشق السعيد إلا روحا من الحب يؤتمن عليها ضميره الشريف. # يا رحمة لهذا الجمال كله إذ يباع كأنه عرض من العروض التجارية، وهل يكفر عن جريمة ~~القتل أيها الأغنياء أن تكون دية القتيل كفنا من خيوط الذهب؟ # ألا بعدا ألا بعدا! ولعمري أي سخرية من الجمال أقبح من إرسال الجميلة لتقلم بألحاظها ~~أظفار الوحش؟ # غفرانك اللهم! أفرغت السماء فلم يبق فيها رجم واحد يسقط على شيطان من أولئك ~~الشياطين فيتركه عبرة خالدة في تاريخ التجارة بالجمال؟ # أيوثق فؤاد الحسناء بالسلسلة الربوض التي صيغت من كلمات الزواج ثم يشد طرفها في يد ~~الرجل الذي تكرهه أو ستكرهه شخص البغض ويقال مع ذلك إنهما ارتبطا برباط مقدس ... ألا تسمع ~~أيها البغيض صلصلة ms59 هذه السلسلة في دموعها أو في تنهدها أو في أنينها وكل ذلك لعنات تنسكب ~~من جوانب روحها؟ # سوأة لك، أيعيد التاريخ نفسه وتكون أنت الصنم الذي تقرب له الذبيحة وعيناه جامدتان ~~تبعثان الرعب والخوف وليس فيهما من كل تلك القدرة الكاذبة إلا جمود ينظر بهزء وتهكم تلك ~~النظرات الميتة؟ # عزاء أيتها الجميلة التي يتغذى قلبها من البغض ذلك الغذاء المسموم فينبسط على شبابها ~~خيال موتها ويجعل حياتها نزعا واحتضارا، وتصبح في ظل ذلك الغنى كواطئ ظله في الرمضاء ~~يحسبه الأحمق بارد القدم؛ لأنها في الظل ولا يدري أنه الظل الناري يغطي الجمر ~~بالدخان. # عزاء أيتها الجميلة التي انفرد قلبها في هذه الدنيا الموحشة، وكل محب يرى له قلبا يخفق ~~مع قلبه فكأنه يعيش فيها بقلبين يضاعفان اللذة والسرور في حياته، أما أنت فليس من قلب يخفق ~~بالهوى مع قلبك، حتى ولا قلبك يخفق معك؛ لأنك لا تحسين منه شعور الحياة في هذا ~~الموت. # عزاء عزاء ... فقد كتب لك القدر يا روضة الورد أن يأخذ إليك طريقه المحتطب الجافي الذي ~~يكاد ظل روحه يجعل العشب الأخضر يابسا، فلم يكن له قرار إلا أن تذوى أغصانك وتنتثري ~~أوراقا ذابلة ليملأ منك حبالته غير مبال إلا كما تبالي البهيمة ما عسى أن تزهق من أرواح ~~الزهر حين ترمرم من نبات الأرض # 2 # وقد هدم منك يا روضة الورد قصر الشفق الأرضي فلا عجب أن تكون روحه لثقلها ~~وظلمتها كأنها قطعة من روح الليل. # ها أنت اليوم يا زينة الآمال كالباب المهدوم بين الماضي الذي كان قصرا وبين المستقبل ~~الذي هو من أنقاض هذا القصر، فما يرى الناظر من هذا الباب إلا كيف تنهدم الحياة وكيف يثور ~~غبارها. # بلى قد يكون شقاؤك مثالا لتبيان حقيقة غامضة يراك الناس في حزنك فيفهمونها، وما أكثر ~~مثلها من حقائق الحياة التي لا تضرب لها الأمثلة إلا من القلوب والأكباد؛ فأخبري الناس من ~~هؤلاء الحمقى والمجانين أن الذي يطلب سعادة نفسه بالغنى ويريد أن يشتريها من الله بالمال ms60 ~~الكثير تحويلا على البنك ... إنما هو كذلك الأبله المغرور الذي يستقبل شمس الظهيرة وهو يريد ~~أن يطرح ظله أمامه وتأبى الشمس إلا أن تجعله إلى الوراء فلا يكون لهذا المخدوع بنفسه إلا ~~إحدى اثنتين: إما أن يستدبر الشمس ويجري على قواعد النور في الحقيقة لا في الوهم فيرى الشمس ~~نفسها قد ألقت الظل أمامه كما يريد، وإما أن يمضي على ما تخيل فيكون أمام ظله ولأنفه بعد ~~ذلك الرغم الدغم. # 3 # ويا الله ما أغلى الحقائق في هذه الدنيا إذا كان من ثمنها مثل هذا الجمال الغض الذي يرخص ~~في شرائه القلب حين ترخص في شراء القلب الحياة. # الحقيقة الخالصة كالصديق الخالص المخلص؛ يجد الإنسان من المال والمتاع ما يبذله ثمنا ~~للدنيا فيحوزها ولا يجد ثمن الصديق إلا أن يبذل له ذات نفسه! # أي عدو لصيق نفذ إلى حياتك أيتها الجميلة، وقد تكفي نظرة واحدة من عينيك النجلاوين ~~وابتسامة واحدة من فمك الوردي ليؤلف الشاعر من وصف تأثيرهما في نفسه كتابا خالدا في فلسفة ~~الصداقة وجمالها، ولذتها في النفس وحلاوة آمالها؟ لقد أنفذوا في قلبك مسمارا من الذهب ... ~~وأصبحت لا تشعرين من ثقل الحياة وآلامها إلا أن هذه الشمس مطرقة ذهبية ترفعها الأقدار ~~لتدق بها عليه من لدن تشرق إلى أن تغيب، فالألم الشديد في بقائه وأشد الألم في نزعه، وإذا ~~انتزعه الموت أو غير الموت أو رقت لك الملائكة يوما فجاءتك في ثياب الحدادين لمعالجته ~~واجتذابه فهل ينتزع من قلبك هذا الثقب العميق الذي أحدثه فيه وملأ غوره بالألم ومرارة ~~الحياة؟ # يا لها عداوة ثابتة بعقد وشهود ... وبين القبول والرضى والبركات ... وفي ثياب العرس أيضا ~~...؟ # ويا لها سخرية فظيعة من القلب الإنساني وما فيه من الفضيلة والحب! # ويا له من نفاق بارد يراءى به الله خالق القلب، وتقابل به الملائكة موئل الفضيلة، ~~وتواجه به هذه الحسناء عروس الحب في وقت معا! # وكم من مر رأيت عالما يوثق عقدة الزواج بخطبته، وكاهنا يربط القلبين بكلماته رباطا ~~مقدسا، فكنت أهتز من ms61 الفرق إلى القدم خشية أن تكون روح المصادفة العمياء في ثياب هذا ~~العالم أو الكاهن، فإن ثلاثة تأتي إلى الإنسان من تلقاء نفسها وهو ينتفي منها جهده : هذه ~~المصادفة، والعداوة، والنحس؛ وقلما أحس إنسان بإحداها إلا فوجئ بثلاثتها جميعا، وكذلك أشأم ~~ما يعد في الشر تعدد شؤمه! # وأنت أيها القمر حدثني بربك: ألست تسخر من هؤلاء الكتاب والأدباء والمصلحين الذين ~~يصفون داء الشرق المريض المحتضر بمقالات أكثر عددا من تراب القبر، ثم يريدون ليصفوا دواءه ~~فتراهم من اختلاط آرائهم وتنوعها كأنما يحملون صيدلية بحالها إلى بيت المريض زعما أنهم ~~مهما أخطئوا فلن يخطئوا أن يكون في بعض ما تحتويه من السوائل والعقاقير ما فيه شفاء ... ولا ~~يعلمون أن التاريخ الإنساني وإن لم يكن نسائيا غير أن المرأة هي التي تلده وترضعه ~~بأخلاقها حتى يتماسك ويدرج ثم يذهب يافعا، وأن العظمة التاريخية وإن كانت مترجلة إلا أن ~~في باطنها دائما روح أنثى، حتى إنها أعظم ما تكون إذا همت همها لشيء من آمال هذه ~~الروح. # السفينة لا تزال تجري بمجدافيها ما اتجها في الحركة إلى جهة واحدة، فإن اختلفا وتدابرا في ~~هذه الحركة التوت السفينة أولا واضطربت ثانيا وانقلبت آخرا؛ وهل الرجل والمرأة إلا ~~مجدافان في زورق البيت (العائلة) الذي يعبر بهما نهر الحياة! # ألست تعلم أيها القمر وأنت ابن الصحة والعافية الذي هرم ولم يزل فتي، أنه ما دمنا لا نرى ~~عند رأس هذا الشرق المريض إلا لحى وشوارب فإننا لا نرى ثمة إلى أعشاش الجراثيم الاجتماعية ~~... وأنه إذا وجد هناك نساء من أمهات الحب والفضائل وجد معهن من يلدنهم من رجال العزم ~~والمبادئ الثابتة؛ وهل الحب والفضيلة والعزم والمبدأ المخلوق منها جميعا إلا عناصر الطبيعة ~~الحية في التاريخ الذي لا يموت من بقاء مادته من الإنسان. # واها لهذا المريض الذي يوثقونه بتلك الربط الممزقة من المقالات ويدفنونه في هذه ~~الأكفان المنشورة من الصحف ولا يدعونه يتنفس إلا من جراثيم اللحى والشوارب التي تريه ~~ظلال الآخرة ... وهو في كل ذلك ms62 الكرب الذي أخذ بأنفاسه لا يجد السبيل إلى روح من الحياة ~~الطيبة في نفس امرأة فاضلة. # الشرق المريض # يا من لهذا المريض المدنف العاني # مردد النفس من ~~آن إلى آن # إذا رأى الليل ظن القبر شق له # وظن أنجمه آثار ~~أكفان # ويحسب الصبح باب الموت لاح له # وفوقه الشمس قفل فتحه ~~داني # نضو على رمق فان يعيش به # لكنه رمق مهما يعش ~~فاني # مطرح الهم في كل الجهات فما # يرى بكل مكان غير ~~أحزان # تؤزه كبد حرى معلقة # من الأضالع في أعواد ~~نيران ~~••• # يا من له إذ يرى الدنيا كما اشتبهت # بقية الحلم في ~~أجفان يقظان # يا من له إذ يرى الأشياء واهنة # كما بدا أثر الذكرى ~~بنسيان # حي طريح يراهم يلحدون له # لم يستحوا أن تراهم منه ~~عينان # يا من لذا الشرق، يا من للطريح على # لحد الزمان ~~بأيدي شر أعوان # مستيئسين ولما يأملوا أملا # واليأس داء لنفس العاجز ~~الواني # ويسبقون الردى للقبر وهو قضا # في الغيب، فأعجب لهذا ~~الشان من شان # ويذعنون ولا ما يذعنون له # لكنه خلق يقضي ~~بإذعان # ويسألون المنى تجري بلا عمل # كالريح جارية في غير ~~أرسان # سخف وأسخف منه وهو معجزة # وضلة أن يسموه ~~بإيمان ~~••• # يا ويح للشرق من أمر به لبك # كالهم ملتبس في رأي ~~حيران # من كل مضلعة ترمى بمعضلة # رمي النحوس لذي بؤس ~~بحرمان # تعقدت والتوت كالمستحيل فما # تريك من موضع فيها ~~لإمكان # لو صوروها لكانت صورة امرأة # مصبوغة من جهالات ~~بألوان # ربوا لذا الشرق يا قومي ممرضة # تحنو عليه بإحساس ~~ووجدان # تطبه روحها مما ألم به # فإن أقتل داء الشرق ~~روحاني # يرى عواطفها الأديان خالصة # إذا تلعب أهلوه ~~بأديان # يرى بها عهده عهد الملائك ال # بز الطبيعي، في حسن ~~وإحسان # يرى حنانا كعهد الأنبياء وما # تشتاقه الروح فيه منذ ~~أزمان # يرى الفضائل بعد اليأس قد ظفرت # آمالهن ونالت قلب ~~إنسان # ربوا له الأم يا قومي فلو وجدت # في الشرق ما طاح في ~~ذل وإهوان # تلك التي ترفع الدنيا وتخفضها # بطفلها ms63 فهو والدنيا ~~بميزان # تلك السماء التي تلقي لهم ملكا # فلا يربونه إلا ~~كشيطان # تلك التي جعلوها في المنازل كال # مرآة مطروحة في ~~دار عميان # ذنب الرجال، ولكن النساء به # معاقبات بآلام ~~وأشجان! # كمقلة العين في آلامها اعتلجت # والداء ما مس منها ~~غير أجفان ~~••• # لهفي لجوهرة زهراء ما سطعت # في جيد غانية أو فوق ~~تيجان # لهفي لريحانة خضراء ما قطعت # إلا لتذبل في راحات ~~نشوان # لهفي لغانية عذراء ما وضعت # إلا بمنزل أسواء ~~وأضغان # لكل معنى جميل ما يلائمه # كما تمازج ألحان ~~بألحان # وليس يطرب صوت الماء منحدرا # كما نرى وقعة في سمع ~~ظمآن # فيا إلهي إذا أجريت في قدر # يوما بأن يلتقي في الناس ~~ضدان # فاجعل للطفك معنى في التقائهما # كيلا يكون من الضدين ~~زوجان # فما خلقت كمثل البغض في امرأة # ينالها رجل يوما ~~بطغيان # ولا خلقت كمثل الذل في رجل # تسومه امرأة سوءا ~~بعدوان ~~••• # يا بانيا بقلوب الناس يجعلها # قصر الحياة، تبصر ~~أيها الباني # أسس على الحب، لا تلق القلوب سدى # وضع لكل فؤاد ~~شكله الثاني # فلست تبني سوى دار إذا خربت # أركانها خربت من كل ~~عمران # دار السعادة دار الحب منى ال # أحباب دار الغرام ~~الخالد الهاني # آه يا قمري الحبيب، بل يا حبيبي القمر، إن الحب لا يخلق إلا الحب ولكن جمالها الرائع ~~يصور لي مقابح الناس ومعايبهم كأن عيني منذ صار فيها شيء من نور ذلك الجمال الساطع صار ~~فيها شيء من نور الألوهية الذي يخرج منه كل ليلة فجر جديد ولا يفنى، فلا أنظر إلى ~~خلقة المعاني ولكن أنظر إلى تركيبها الخلقي، ولو كانت لك أيها القمر هذه النظرة في شؤون ~~الناس وحيل الأعداء وأحوالهم لارتمضت واخترمك الهم من زمن بعيد، ولما بقيت إلى اليوم ~~بهذه الطفولة الإلهية التي تملأ السماء ضحكا وغبطة. # صب ظلام الليل كله في قلبي وقني من عداوة لئيم تسود وجه الدنيا في عيني وتجعل ~~قلبي من يأسه وانقباضه كأنه مملوء بالدم الغليظ الفاسد الذي ركد وخبث بعد أن سال من ms64 ~~جروح الصداقة! ولك الله أيتها الصداقة الشريدة في هذا العالم فلا تلم بأحد في حوادث ~~الحياة إلا كما يلم ضيف البيداء إذ يتغطى بملاءة النهار نائما فمتى أظلمت الفجاج ~~المسفرة انطلق عليه سواد. وهل أشد وأوجع لعمري من سقطة إنسان يتغفل عنه صاحبه حتى ~~يستنيم إليه ويرتبط معه ثم يثب به فجأة وقد خذله خذلانا ناريا وقدت عداوته؟ ومن الذي ~~يستطيع أن يتوقى هذه المفاجأة، بل كيف يستطيع؟ وأية قوة في الأرض تمنع سقوط أحد ~~العدلين المتوازنين على ظهر البعير السائر إذا خف الآخر وأخل بالموازنة فلا يكون قد ~~دفعه ثقله أكثر مما يدفعه الثقل الذي فقده؟ # يا لله! أنجد عداوة ثابتة ولا نجد صداقة كالعداوة على الأقل ... لقد أصبحت هذه الصداقة ~~جسما حيا بنوع من الحياة المادية يتمثل في كل صديق، فترى علامة حياتها وقوتها في ~~الأصدقاء أن يصافح بعضهم بعضا بالأيدي ويدوس بعضهم بعضا بالأرجل، فكأنهم إذا اكتفوا ~~بالمصافحة واجتزءوا بها مما عدا ذلك خافوا على أرجل الصداقة من الشلل إن هي منعت من ~~الحركة، أما القلب الذي تحيا به هذه الصداقة الخالدة ... فهو الحب الثابت الذي لا يتغير ~~ولا يتحول ولا ينقص بل يزيد كما يصفه الأصدقاء فيما بينهم، ذلك الحب الذي تسميه أقوالهم ~~أسماء منتحلة، ولكنك حين تتعرفه من أعمالهم لا تجدها تعرف له إلا اسما واحدا وهو ~~الطمع ... فاضحك الآن من صداقة الناس أيها القمر الذي يعيش بالطفولة الإلهية، وها أنا ~~ناظر إليك فعسى أن يسقط إلى قلبي شيء من هذا الضحك، فإن لم يكن فمعنى منه يجعل الفكر ~~ضاحكا، فإن لم يكن فلا أقل من أن يحرك في ذاكرتي ذلك الهواء العطر الجامد في بعض ~~زواياها فيندفع إلى قلبي بذلك الرنين الذي حفظته الذاكرة من ضحك تلك الحسناء الفاتنة ~~قبل أن تحق النوى وينصدع الشمل وأبقته على نفسي لتسمعها منه في هذا الفراق الطويل ألحان ~~الحب والأمل. # | الفصل الأخير # والآن أراك أيها القمر أنشأت تنحدر مسترسلا كأنما رفعتك الملائكة وأخذت تمشي بك الهوينى ~~لتجعلك ms65 في الأفق نافذة يستطل منها وجه الفجر وقد جعل الليل ينطوي كأنه غطاء الموت تكشفه ~~الملائكة عن الأرض وتلفه من ههنا وههنا لتتنفس الحياة من غشيتها ثم تجمع عليه أطراف هذه القمراء # 1 # لتحرزه فيها وترجع بالموت إلى السماء مطويا منك أيها القمر في قطعة من ~~الخلود. # وتطايرت النسمات من الأرض خفيفة لا تثبت كأنها أرواح الأحلام مسرعة في الهواء يدافع بعضها ~~بعضا وهي تلتقي عند الأفق بنسمات رقيقة هادئة تبعث على القلوب أنفاسها فتستشعر منها روح ~~الجنة كأنها آتية منها لتكون أرواحا للأزهار العطرة التي ينبت بها ضوء النهار ~~الجديد. # لقد بدأت الحقيقة أيها القمر تتوارى معك في حجاب الغيب فلا تلبثت قليلا يا صديقي ~~السماوي الذي آنست منه معنى الخلود، والذي لم أكد أصادقه حتى ملأ قلبي من نور السماء ~~وجمالها وجعلني أشعر بمعنى الإخلاص في الصداقة وهو أحد المعنيين اللذين لا يشعر بهما إلى ~~أسعد الناس في الأرض طرا، ألا وهما الإخلاص في الصداقة والإخلاص في الحب. # الصداقة كما عرفت منك يا صديقي السماوي لا تكون كذلك حتى تدع الإنسان كأنه يشعر في السراء ~~والضراء بنفسين، فيضاعف له السرور؛ لأن كلتا النفسين تطلب الزيادة منه ويضعف عنه الهم؛ لأن ~~كلتاهما تعمل لنقصه إذ هو هم نفس واحدة وتوزعته نفسان ويكون الإنسان في الحالة الأولى ~~كأنه يتلقى روح النعمة لنفسه بروح السرور من صديقه، وفي الحالة الثانية كأنه يتلقى روح ~~الجزع بروح الاطمئنان، وإن أشقى الناس من لا يستطيع أن يجد إلى جنبه في سورة الجزع نفسا ~~أخرى تجزع له باطمئنان ليطمئن في جزعه، وهي الصداقة بعينها، وما يلقاها إلا ذو حظ ~~عظيم. # ولقد نادمتك منذ الليلة يا صديقي بهذا الحديث، فهل ثملت فملت، أم أنت قد مللت؟ حاشا أن ~~تكون كالأصدقاء في هذه الأرض تقدر فيهم آجال العواطف الرقيقة بالساعات فكأن الإنسان يقرأ ~~في قلوبهم رسائل موجزة يفرغ منها قبل أن تفرغ أفواههم من كلمات التحية والتملق وغيرها من ~~الأشواك اللينة التي أحاط الله بها هذا الورد ms66 من شفاههم ... ولا يكون للرسالة منها حظ من ~~إطالة النظر إلا إذا كان فيها هم يشغل النفس فيكون عمرها بمقدار اختبال الفكر فيها ~~...! # أنا منك أيها القمر منذ الليلة كالعقل المنكمش في ظل القصيدة الحكيمة من الشعر السري ~~البليغ؛ تنير له الأبدية بأشعة معانيها لينفذ بالنظرة الصادقة في أعماق الحياة. وقد نظرت ~~طويلا وملأت عيني من نورك وجعلت ما يعترضني معنى إلا بادرت أبدة النظر # 2 # وأرسل على حقيقته من هذا الضياء، وها أنا لم أكد أبلغ أقرب هذه الأعماق من قلب ~~الإنسان؛ ولقد أراك مستوفزا تجمع أشعتك في هذه الأنفاس من نسمات السحر كما تجمع الحسناء ~~أشعة فكر محبها الملتهب بأنفاس التنهد والعتاب، فبماذا أستضيء فيما بقي من هذه الأعماق ~~الكثيرة؟ # لعل الحكمة الإلهية لا تعطى للإنسان إلا بمقدار يلائم طبعه، مخافة أن تفرط عليه أو تطغى ~~إذا حمل منها ما لا يتفق وضعفه كالخف # 3 # الذي يجده المريض في ناشئة العافية: إن اقتصر عليه انتفع به، وإن هو اندفع يطلب ~~المزيد منه انتكس؛ والطبيعة نفسها تخفي عن الإنسان أكثر الحقائق رحمة منها بالعواطف التي هي ~~قوام نفسه فيحن إلى الأزهار والأشجار مثلا ولا يعلم أنه يتجذب بشعوره النفسي إلى بقايا ~~الإنسان الذي اغتذت به الطبيعة في الأجيال الغابرة وما يليها. فكأنه من ذلك بإزاء قبر ~~نباتي، وإن هو علم واكتنه وغالب الطبيعة على نفسها كشفت له هذه الطبيعة الحقائق الأولى ~~التي يسترها عن جهله الإنساني وهي في نفسها ظاهرة لأنها تستر ما وراءها من العلم الإلهي - ~~ثم تركته عندها حائرا وأبت عليه إلا أن يكون كالعريان الذي يلبس ثوبا من الظل. # فالحقيقة المطلقة كالحياة: حرب لا انتصار فيها على الموت، فلا تضع أوزارها وإنما يقع ~~المتقدم ليتقدم المتأخر فيقف موقفه ويسد مسدة ويجاهد طويلا أو قصيرا ثم يسقط، ولا يثبت ~~من الحقيقة إلا شيء يسير يشبه فرق ما بين التأخر والتقدم، كما لا يثبت من الحياة إلا شرف ~~هذه الخطوة وعارها للجريء الباسل والمفئود الجبان. # لقد ساهرتك أيها ms67 القمر لأحادثك، وناجيتك لأستخرج الفكر من نفسي فإنه لا يستدعيه شيء ~~كالحديث، وانتضيت هذا للفكر لأجتلي منه الحقيقة النفسية المحجبة، وتأملت الحقيقة لأرى ذلك ~~الشعاع الإلهي الذي لا يخالطه شيء حتى يذوب فيه إلى شعاع مثله وهو نور الحقيقة الذي رأيناه ~~في حبة القلب فسميناه الحب ولقد ملأت قلبي منه وأسبغته علي إسباغا، ومددت لي فيه حتى ~~تناولت به الجمال السماوي وجعلته في قلبي بجانب هذا الجمال المستفيض كأنه الموجة القلقة ~~التي يمسك منها الساحل طرف البحر فإذا أفلت الآن وقد أمسيت صاحب سري وداخله أمري أفتراك ~~مغلقا وراءك باب الحلم الذي كانت منه يقظة الأمل في هذا القلب، وهل تاركي أنت لا تلتقي مع ~~الصبح هذه البقيا من الأحلام تنفر خفافا وثقالا دون أن تضيء لي معانيها بأشعتك التي ~~تنبعث من مصباح الحب على كل جهة في الأرض فعسى أن تكشف لي منها عن بقية من أحلام تلك ~~الحبيبة التي أسرفت في دلالها حتى إنها لو ملكت البخل لبخلت به فأتبين ما فيها من تصورات ~~نفسها وأمزجها بنفسي؟ # آه! ليت الهواء الذي تتناثر فيه قبل الحسناء، وليت نسيم الصبح الذي يحمل إلى الغيب ~~أحلامها - مما يمكن أن يحرز ويدخر؛ إذن لكان في الحب شيء أسمى من الخلود نفسه؛ ولكن هيهات ~~هيهات! فما رأيت كالمحب لا يملك من الماضي إلا ذاكرته، وهي مع ذلك ترد عليه لذات الماضي ~~كلها حسرات! وإن الظفر بزهرة ناضرة معقودة في غصن قد ذوى وتحات ورقة لأيسر منالا من ~~بقاء قبلة واحدة في ذاكرة المحب حافظة نضرتها وعطرها من أنفاس الحبيبة وريقتها! # هكذا كتب على الحب أنه من تولاه فإنه يدعه على حال كأنه فيها روح لا جسم له، فمهما ~~يصب من لذة أو ألم فإنه يتحول معه إلى اللذة والألم جميعا فيكون ألما لذيذا؛ ومن أجل ~~ذلك خص المحبون من بين الناس بكثرة الشكوى؛ لأنهم يستلذون آلامها، والعاشق الذي لا ~~يستطيع أن ينفس من شكاته أو لا يجد من يستريح إلى بثه لاعج الشكوى ms68 مما برح به إنما هو ~~في الحقيقة المثال الإنساني الشاذ الذي يمكن أن يتعرض منه العلماء معاني الجنون مع بقاء ~~عقله، فهو المجنون العاقل. # لشد ما أحاول أن أصف الحب وصفا طبيعيا يدنيه من هذه الأفهام الغليظة الجاسية التي ~~تريد أن يخلق فيها الحب من أوصافه لتفهم الصفة والموصوف معا ... وإن الإنسان ليستطيع أن ~~يحيل الجمر فيجعله رمادا، ولكنه متى همد الجمر بقي رماده كأنه همود القدرة الإنسانية نفسها ~~فلا سبيل من بعد إلى بعث الحياة النارية فيه؛ وقديما كان هذا من شقاء أهل العقول في ~~الناس؛ فإن المصلح يستنفد قوى عقله فيهم ولا يزال يأتيهم بكل شيء عفوا سهلا لا احتباس في ~~أمره حتى يأتي الموت على نفسه، ثم لا يكون إلا أن يعرفوا بعد ذلك أنه كان مصلحا ... كالذي ~~ينظر حتى يحور الجمر لعينيه رمادا فيعرف من الرماد أنه كان جمرا، ولو فهم الناس الحب ~~على حقه لاستجدوا لأنفسهم عقولا، فإن الطبيعة نفسها متى أرادت أن تجدد إنسانا لتبعث منه ~~رجلا من رجالها، شاعرا أو حكيما أو بطلا، تجلت على نفسه في صورة إحدى الحسان وتركته ~~محبا، فلا تكون آلام الحب وآماله في باطنه إلا تغييرا نفسيا كأنه على ذلك إنما يهدم ~~ويبنى. # وأعرف رجلا كأنه نزغة شك بين أهل العزائم، وهو من أولئك الذين لا يعرفون الحب إلا عبثا ~~من العبث وباطلا من البطالة، وقد جعل يصفه مرة بأنه جنون أو نوع من الجنون، وأن الشباب ~~ينتحر به انتحارا لذيذا كما ينتحر الصيني بالأفيون، إذ يستل روحه فيتأمل في جوانبها ~~ويتلمى بإشراقها ويلذ هنيهة بأجمل ما صنع الله ثم يردها مريضة كليلة قد حال من الخمود ~~حالها، ثم يفيق وينبعث كأنه مطرود من السماء - ورآني صامتا كأنما تبعثرت نفسي # 4 # فمر في هذيانه عجلا غير رائث، كأن شيطان البغض ينفس على لسانه، وكأنه ليس ~~في الأرض محب غيري فليس فيها عاذل غيره، وأنا في كل ذلك أصعد فيه وأصوب فلا تأخذ منه عيني ~~إلا رجلا موضوعا في ms69 جلده وثيابه كما يطمر لوح الثلج في اللفائف والقشور. # الحب جنون، ولكن النبوغ جنون كذلك؛ أما الشباب الذي ينتحر به فإنما هو ذلك الشباب الهرم ~~الفاني الذي يعدل في بعض النفوس الضعيفة ذلك الهرم الشاب في بعض الشيوخ المتصابين، وليت ~~شعري ما عيب الغذاء الجيد إذا تناوله المحموم فكان غذاء لعلته وحال منها إلى علة ~~جديدة؟ # مثل ذلك البغيض يرى الدنيا كأنها معدة واسعة وكأنها فيها قوة من قوى الهضم ... فالمعاني ~~التي لا مادة فيها هي عنده بسبيل المادة التي لا معنى لها، ولن يستطيع أن يفهمه معنى الحب ~~الصحيح بما تشربه نفسه إلا من كان فيه شيء من القوة الخالقة؛ إذ لا فرق بين من يقدر على أن ~~يجعل المعدة قلبا ومن يقدر على أن يجعل مثل هذا محبا ومن يقدر على أن يجعل إنسانا من ~~الناس كأنه أحد الملائكة الذين لا يأكلون ولا يشربون ... ومهما جهدت به فإنك لا تزيده إلا ~~يبسا وموتا، كأشعة الشمس: تميت الزهرة التي نفدت مادتها وهي نفسها التي كانت تحييها من ~~قبل. # لا أنقص عندي من الرجل الذي يحال التمام فيتحول إلى معنى واحد، فيكون عقلا كله أو قلبا ~~كله أو بطنا كله؛ لأنه لا يتم بواحدة من تلك إلا إذا كان فيه العالم كله. إنما هي ثلاثة: ~~المبدأ الشريف للنفس، والفكر السامي للعقل، والحب الطاهر للقلب؛ هذه هي معاني الكمال ~~الإنساني. # وإذا أنت رأيت من ينتحل الحب جبانا بكيئا متبلدا كأنه حشرة في ترابها، ورأيته يبكي ~~بجوارحه وأعصابه المتألمة بدموع أقبح من صبيب العين الرمداء يغسل بها الحب ليجعله طاهرا ~~بزعمه كما يغسل الميت ... فاعلم أنه راجع من آخر الطريق وهو يحسب ظله أنه في أولها؛ لأن ~~عواطفه قد هرمت وأقبلت تدلف في سبيل الحياة، ولا غرو فإنك ترى الطفل يتدفع مسرعا كأنه واثب ~~إلى المستقبل، والشيخ يتسكع مبطئا كأنه منقلب منه؛ والحب والحياة شبيهان في الطفولة ~~والهرم. # آه! ما أبعد ما أحاول وصفه، فإننا نلتقي ألفاظنا الكثيرة في هذا الشعور العميق ms70 الذي نسميه ~~الحب ونظن أننا استخرجناه فيها وأن الألفاظ قد لبسته حتى لا فضلة منه؛ وما أشبه ذلك من ~~عملنا بصنيع رجل يدلي في أبعد غور من المحيط حبلا قد طاول به شعاع الشمس حتى إذا هبط ~~القاع جذبه فلا يجد فيه من المحيط كله إلا قياس العمق في لجة واحدة يومئ إليه بلل قليل من ~~نضح الماء. # ماذا تبلغ العبارة من حب تخرج كل أنة فيه وكأنها صوت انقطاع خيط من خيوط الحياة في ~~القلب؟ # وماذا تبلغ العبارة من حب يتألم صاحبه وهو يجهل سبب ألمه، فيحسبه بعض الحمقى يتألم بلا ~~سبب وهو في رأي نفسه كأنه يتألم بكل أسباب الآلام. # بل ماذا يبلغ الكلام من حب يجعل الحياة كأنها كلمة رضى في شفتي الحبيبة، ويجعل الحبيبة ~~نفسها كأنها كلمة رضى في شفتي الحياة؟ # وترى ماذا تبلغ عبارتك أيها اللغوي من حب تتجلى به الحسناء الفاتنة على محب دنف يراها ~~محاطة بأشياء لا يعرف ما هي إلا أنها تجعل لتلك الحسناء في عينيه مهابة الرجاء الذي يوشك أن ~~ينقطع، والخوف الذي يوشك أن يندفع؛ وتظهرها له كأنها مثال لثورة العقل الإنساني الملتهب؛ ~~وتجعل ألفاظها ومعانيها ولمحاتها كأنها أضواء منبعثة من عالم روحي هو أقرب الأشياء وأبعدها، ~~كتخيل الحقيقة والحقيقة نفسها؟ # ثم ماذا يبلغ شعرك أيها الشاعر من حب أنت تحتال على تمثيله بالشعور الذي تستوحيه من كل ما ~~هو جميل في السماء والأرض لتصف بكل ذلك فكرا في رأس رجل وعاطفة في صدر امرأة. # ضع اللغات كلها في فم المحب، فإن خفقة واحدة من قلبه ستجعلها كلها بلا تأثير كأنها صمت ~~ناطق؛ لأن هذا القلب هو الساحل الذي تقف عنده أمواج الألفاظ بطبيعتها أو بطبيعته ولو ترامت ~~من جوانب هذا الخضم الذي يجيش بالحياة. # ولا أرى غير شيئين لا يتخطى إليهما عقل الإنسان ولا تنالهما لغته، ما وراء القلب، وما ~~وراء الطبيعة. # الحب! إحدى كلمتين هما ميراث الإنسانية، وهدية التاريخ، والطرفان اللذان تلتقي عندهما ~~السماء بالأرض. # كلمتان ليس لهما ms71 من المعاني غير الحقيقتين الخالدتين: حقيقة الألوهية في الروح، وحقيقة ~~الإنسانية في القلب: هما الدين والحب. خرجا من الجنة مع آدم وحواء، فكان الدين في تقوى آدم ~~وتوبته، وكان الحب في جمال حواء ودموعها. # فيأيها القمر الذي أشرق لآدم وحواء ليلة هبوطهما فكافآه بكل ما قدرا عليه وهو ذلك ~~الابتسام الذي يشبه نورا منبعثا من قمرين، وبقيت فيه من يومئذ رقة الفضيلة ومسحة الجمال ~~وجاذبية الحب وبقية من تلك التعزية الأنثوية التي لا تزال تحس بها أرواح العشاق في كل بقعة ~~طلعت عليها من الأرض. # أيها القمر الذي لا يزال يشهد كل عاشقين آدم وحواء، ولا يزال يبعث في كل دمعة من دموع ~~الحب روحا نورانية من شعاعه تبث فيه أنفاسا من حياة الأحلام، وتجعل العاشق يرى كأن هذه ~~الأحلام اللذة المؤلمة تنصب من أجفانه المغرورقة وهو يقظان؛ لأن حبيبته الحسناء تبخل بها ~~عليه وإن كانت أوهاما. # أيها القمر الذي هو قلب الليل ممتلئا من ابتسام النية الطيبة فلا يزال الليل رحيما حتى ~~بالمجرمين وأهل الآثام! # أيها القمر الذي هو تاريخ النور على الأرض والذي يشرق على الطبيعة بجلال وهيبة وكأنه يرسل ~~إلى هذه الأرض في كل شعاع نظرة ملك من الملائكة لتعزية قلب من القلوب المتألمة ~~المحزونة. # أيها القمر الجانح إلى المغيب في نسمات الفجر كأنه جناح الحب يخفق به في الفضاء على هواء ~~عليل من الزفرات والتنهد. # أيها القمر! أيها القمر! ليس شيء أقوى من الحق، ولكن الشريعة في يد الظالم تجعل الباطل ~~أقوى منه، وليس شيء أعنف من البغض، ولكن الجمال الذي يتولاه اصطلاح الناس يجعل الحب أقسى ~~منه. فبالله كم تحلم قوة الإنسان بالحرية وكم يحلم شبابه بالحب ثم يستيقظ الإنسان لطالعة من ~~الحوادث فلا يجد من نفسه وقلبه إلا ما يحده ويصفه أهل التشريع وأهل التشريح، وتغيب تلك ~~الأحلام الإلهية كلها بغياب الوجه الجميل الذي بعث فيه القوة من عينيه والشباب من فمه، كما ~~تغيب الآن كل أحلام السعداء معك أيها القمر بعد أن طلع ms72 عليها الصبح كأنه أشعة الحياة التي ~~جمعها الليل من أعين النائمين! ms73