######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0008506 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: مصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي (المتوفى: 1356هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1356 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: إعجاز القرآن والبلاغة النبوية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0008506 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-8506 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/8506 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتاب العربي - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # PageV01P020 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # (رب أؤزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي) . # الحمد لله بما حمد به نفسه في كتابه، والصلاة والسلام على نبيه وآله ~~وأصحابه، أما بعد فإنا قد أفردنا هذا الجزء بالكلام في إعجاز ### | القرآن # الكريم وفي البلاغة النبوية، وقصرنا من ذلك على ما # كان مرجع أمره إلى اللغة في وضعها ونسقها والغاية منها، إلى ما يتصل بجهة ~~من هذه الجهات، أو يكون مبدأ فيها أو سببا عنها، أو واسطة إليها. # وهذا هو في الحقيقة وجه الإعجاز الغريب الذي # استبد بالروح اللغوية في أولئك العرب الفصحاء. # فاشتملت به أنفسهم على خلق من العزيمة الحذاء دائبا لا يسكن كأنه روح ~~زلزلة. # فلم تزل من بعده ترجف بهم الأرض حيث انتقلوا. # ولا يخفين عليك أن ذلك في مرده كأنه باب من فلسفة اللغة، فهو لاحق بما ~~قدمناه من أمرها يستوفي ما تركناه ثمة، ويبلغ القول في محاسنها وأسرارها، ~~فيكون بعض ذلك تماما على بعضه، إذ اللغة هناك مفردات واللغة ههنا تراكيب، ~~وليس رجل ذو علم بالكلام العربي وصنعته # ينازع أو يرتاب في أن القرآن معجزة هذه في بلاغة نظمه واتساق أوضاعه ~~وأسراره، فمن ثم كانت مادة الاتصال في نسق التأليف بين هذا الجزء والذي ~~قبله. # على أن القوم من علماثنا - رحمهم الله - قد أكثروا من الكلام في إعجاز ~~القرآن وجاءوا بقبائل من الرأي لونوا فيها مذاهبهم ألوانا مختلفات وغير ~~مختلفات بيد أنهم يمرون في ذلك عرضا # على غير طريق ويشتقون في الكلام ههنا وههنا من كل ما تتمرس به الألسنة في ~~اللدد والخصومة، وما يأخذ بعضه على بعض من مذاهبهم ونحلهم، وليس وراء ذلك ~~كله إلا ما تحصره هذه المقاييس من " صناعة الحق " وإلا أشكال من هذه ~~التراكيب الكلامية، ثم فتنة متماحلة لا تقف عند غاية في اللجاج والعسر. # وقد كان هذا كله من أمرهم وعلمهم، وكان له زمن وموضع، وكانت تبعثهم عليه ~~طبيعة ورغبة، والمرء بروح زمانه أشبه، وبحالة موضعه أشد مناسبة ولا بد ms001 من ~~طبقة في الموافقة بين # PageV01P021 # الأشياء وأسبابها. # فإن تكن هذه الحوادث هي تاريخ الناس، فإن الناس أنفسهم تاريخ الحوادث. # ولا نطيل عليك باستقصاء القول في آرائهم وكتبهم في الإعجاز، فإن شيئا من ~~ذلك تفصيل يقع في موضعه مما تستقبل من هذا الكتاب؛ ولكنا ننبهك إلى ما ~~قسمناه لك من الرأي في هذا # الموضع، وما تكلفناه من الخطة في هذا التأليف، فإنا لم نسقط عنك كل ~~المؤنة، ولم نعطك إلى حد الكفاية التي تورث الاستغناء، بل نهجنا لك سبيلا ~~إلى الفكر تتقدم أنت فيه، وأعناك على جهة # في النظر تبلغ ما وراءها، وتركنا لك متنفسا من الأمر تعرف أنت فيه نفسك، ~~وجمعنا لك بالحرص والكد ما إن تدبرته وأحسنت في اعتباره وأجريته على حقه من ~~التثبت والتعرف، كان لك منبهة إلى # سائره، ومادة فيما يجيش إليك من الخواطر التي لن تبرح ينمي بعضها بعضا. # ولسنا نزعم - حفظك الله - أن كتابنا هذا على ضعفه وقلة الحشد فيه قد أحاط ~~بوجوه الإعجاز من كتاب الله، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأنا لم ~~ندع من ذلك لغيرنا ما يرفعه أو يضعه وما ينقصه أو يتمه، فإن من ادعى ذلك ~~زعم باطلا، وأكبر القول فيما زعم وبلغ # بنفسه لعمري مبلغا من السرف لا قصد معه في التهمة له وسوء الظن به، ودعا ~~إليه من النكير ما لا قبل له برده أو بسط العذر فيه، وكان خليقا أن يكون قد ~~جاء ببهتان يفتريه بين يديه، وأن يكون # ممن لا يتحاشؤن الكذب الصرف، ولا يضنون بكرامتهم على الألسنة. # فإن مكاره هذا البحث مما # لا يسعة طوق إنسان وإن أسرف على نفسه من القهر، ولا يصلب عليه قلم كاتب ~~وإن كان هذا القلم في يد الدهر، ولا بد للباحث في أوله من فلتات الضجر، وإن ~~اعتد، وفي أثنائه من سقطات العزم وإن اشتد، وفي آخره من العجز والانقطاع ~~دون الحد. # على أنا مع ذلك استفرغنا الهم، والتمسنا كل ملتمس، وبرئنا إلى النفس من ~~تبعة التقصير فيما ms002 يبلغ إليه الذرع أو تناله الحيلة، فنهضنا لذلك الأمر ~~نهضا وسبكنا فيه سبكا محضا، فإن قصرنا فضعف ساقه العجز إلينا، وإن قاربنا ~~فذلك من فضل الله علينا. # وبعد فإنا نقول: إنه لا بد لمن ينظر في كتابنا من إطالة الفكر والتأمل. # فإن ذلك يحدث له روية، وتنشئ له الروية أسبابا إلى الخواطر، وتفتح عليه ~~الخواطر أبوابا من النظر، ويهديه النظر # إلى الاستنباط والاستخراج، فإن وقع دون هذه الغاية فحظه من القراء حيث ~~يقع، وإن بلغها فهناك مداخل الحجج ومخارجها، وتصاريف الأدلة ومدارجها، ثم ~~الإفضاء إلى مذاهب الحكمة على ما اشتهى، ثم الانتهاء حيث ترى كل حكيم ~~انتهى. # PageV01P022 # القرآن # آيات منزلة من حول العرش، فالأرض بها سماء هي منها كواكب، بل الجند ~~الإلهي قد نشر له من الفضيلة علم وانضوت إليه من الأرواح مواكب، أغلقت دونه ~~القلوب فاقتحم أقفالها، # وامتنعت عليها أعراف " الضمائر فابتز " أنفالها". # وكم صدوا عن سبيله صدا، ومن ذا يدافع # السيل إذا هدر؛ واعترضوه بالألسنة ردا، ولعمري من يرد على الله القدر؟ ~~وتخاطروا له بسفهائهم كما تخاطرت الفحول بأذناب وفتحوا عليه من الحوادث كل ~~شدق فيه من كل داهية ناب. # فما كان إلا نور الشمس: لا يزال الجاهل يطمع في سرابه ثم لا يضع منه قطرة ~~في سقائه، ويلقي الصبي غطاءه ليخفيه بحجابه ثم لا يزال النور يتبسط على ~~غطائه. # وهو ### | القرآن # كم ظنوا - مما انطوى # تحت ألسنتهم وانتشر - كل ظن في الحقيقة آثم، بل كل ظن بالحقيقة كافر، ~~وحسبوه أمرا هينا لأنه أنزل في الأرض على بشر. # كما يحسب الأحمق في هذا السماء أرضا ذات دواب نورانية لأن # هلالها كأنما سقط من حافر، وكم أبرقوا وأرعدوا حتى سال بهم وبصاحبهم ~~السيل، وأثاروا من الباطل في بيضاء ليلها كنهارها ليجعلوا نهارها كالليل، ~~فما كان لهم إلا ما قال الله: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق ولكم الويل مما تصفون (18) . # *** # ألفاظ إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة ~~الآخرة، تذكر الدنيا # فمنها عمادها ms003 ونظامها وتصف الآخرة فمنها جنتها وصرامها، ومتى وعدت من كرم ~~الله جعلت الثغور تضحك في وجوه الغيوب وإن أوعدت بعذاب الله جعلت الألسنة ~~ترعد من حمى القلوب. # ومعان بينا هي عذوبة ترويك من ماء البيان، ورقة تستروح منها نسيم الجنان، ~~ونور تبصر به في مرآة الإيمان وجه الأمان. . . # وبينا هي ترف بندى الحياة على زهرة الضمير، وتخلق في أوراقها # من معاني العبرة معنى العبير، وتهب عليها بأنفس الرحمة فتنم بسر هذا ~~العالم الصغير. . . # ثم بينا هي تتساقط من الأفواه تساقط الدموع من الأجفان، وتدع القلب من ~~الخشوع كأنه جنازة ينوح # عليها اللسان، وتمثل للمذنب حقيقة الإنسانية حتى يظن أنه صنف آخر من ~~الإنسان - إذ هي بعد ذلك إطباق السحاب وقد انهارت قواعده والتمعت ناره ~~وقصفت في الجو رواعده، وإذ هي السماء # PageV01P023 # وقد أخذت على الأرض ذنبها، واستأذنت في صدمة الفزع ربها، فكادت ترجف ~~الراجفة تتبعها # الرادفة: وإنما هي عند ذلك زجرة واحدة: فإذا الخلق طعام الفناء وإذا ~~الأرض " مائدة ". # * * * # توهموا السحر ما توهموه، فلما أنزل الله كتابه قالوا: هذا هو السحر ~~المبين. وكانوا يأخذون في ذلك بباطن الظن فأخذوا هذا بحق اليقين (أفسحر هذا ~~أم أنتم لا تبصرون (15) . # ومن الشعر ما تسمعونه أم أنتم لا تسمعون؛ بل إنه لسحر يغلب حتى يفرق بين ~~المرء وعادته، وينفذ حتى ينصرف # بين القلب وإرادته. ويجري في الخواطر كما تصعد في الشجر قطرات الماء، ~~ويتصل بالروح فإنما # يمد لها بسبب إلى السماء، وإنه لسحر، إذ هو ألحاظ لم تعهد كلم أحداقها، ~~وثمرات لم تنبت في قلم أوراقها، ونوز عليه رونق الماء فكأنما اشتعلت به ~~الغيوم، وماء يتلألأ كالنور فكأنما عصر من # النجوم (1) ، وبلى إنه لشعر ولكن زنة مبانيه في معانيه، وزينة معانيه في ~~مبانيه، فكل معنى ولا جرم # من بحر، وكل لفظ كلؤلؤة في النحر، وإنه لشعر، إذ هو آيات لا يجانس كلامها ~~البديع غير كمالها، وحقيقة في الوجود لم يكن يعرت غير خيالها، ومرآة في يد ~~الله تقابل كل روح بمثالها. # * * * # يقولون مجنون ms004 بعض آلهتنا اعتراه، وأساطير الأولين اكتتبها أم يقولون ~~افتراه، بلى إن العقل الكبير في كماله ليتمثل في العقول الصغيرة كأنه جنون، ~~وإن النجم المنير فوق هلاله ليظهر # في العيون القصيرة كأنه نقطة فوق نون، وهل رأوا إلا كلاما تضيء ألفاظه ~~كالمصابيح، فعصفوا عليه بأفواههم كما تعصف الريح يريدون أن يطفئوا نور الله ~~وأين سراج النجم من نفخة ترتفع إليه # كأنما تذهب تطفيه، ونور القمر من كف يحسب صاحبها أنها في حجمه فيرفعها ~~كأنما يخفيه! # وهيهات هيهات دون ذلك درج الشمس وهي أم الحياة في كفن، وإنزالها بالأيدي ~~وهي روح النار في قبر من كهوف الزمن. # لا جرم أن القرآن سر السماء فهو نور الله في أفق الدنيا حتى تزول. # ومعنى الخلود في دولة الأرض إلى أن تدول، وكذلك تمادى العرب في طغيانهم ~~يعمهون، وظلت آياته تلقف ما يأفكون، # فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون. ### | فصل # وبعد، فإنا سنقول في القرآن الكريم مما يتعلق بلغته ويتصل ببلاغته ويكشف ~~عن أوجه الإعجاز في ذلك، لا ننفذ في غير سبب لما نحن بسبيله، ولا نذهب في ~~الكلام عن نتيجة من PageV01P024 # نتائجه. # ولا يكون من شأننا أن نتزيد بما ينزل من غرضنا منزلة القافية، أو نتكثر ~~مما وراءه بمثبتة أو نافية، فإن هذا القرآن ما زال يهدي للتي هي أقوم، وإن ~~النول فيه ما برح كثير المذاهب متعدد # الجهات متصل الحدود يفضي بعضها إلى بعض، إذ هو كتاب السماء إلى الأرض ~~مستقرا ومستودعا، وقد جاء بالإعجاز الأبدي الذي يشهد على الدهر ويشهد الدهر ~~عليه، فما من جهة من # الكلام وفنونه إلا وأنت واجد إليها متوجها فيه، وما من عصر إلا وهو مقلب ~~صفحة منه حتى # لتنتهي الدنيا عند خاتمته فإذا هي خلاء " من الجنة والناس ". # ولقد أراد الله أن لا تضعف قوة هذا الكتاب، وأن لا يكون في أمره على ~~تقادم الزمن خضغ أو تطامن، فجاءت هذه القوة فيه بأسبابها المختلفة على ~~مقدار ما أراد، وهي قوة الخلود # الأرضي التي خرج بها القرآن مخرج ms005 الشذوذ الطبيعي، فلا سبيل عليه ليد ~~الزمن وحوادثه مما تبليه أو تستجده، إنما هو روح من أمر الله تعالى هو نزله ~~وهو يحفظه، وقد قال سبحانه (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) . # (فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله) . # بيد أنه لا بد لنا من صدر نبتدئ به القول في تاريخه وجمعه وتدوينه ~~وقراءته حتى تكون هذه سببا إلى الكلام في لغته وبلاغته، ثم إعجازه في اللغة ~~والبلاغة، لأن بعض ذلك يريد بعضه، # ونحن نستعين الله ونستمده ونستكفيه، فإن في يده مفتاح هذا الباب المغلق ~~وما زال الناس قديما يأخذون في ناحيته ويختلفون إليه ويعتزمون في ذلك. ~~وقليل منهم من وصل. وقليل من هؤلاء من # اتصل، فاللهم عونك وتيسيرك. # PageV01P025 ### | تاريخ القرآن # جمعه وتدوينه # أنزل هذا القرآن منجما في بضع وعشرين سنة، فربما نزلت الآية المفردة، ~~وربما نزلت آيات عدة إلى عشر، كما صح عن أهل الحديث فيما انتهى إليهم من ~~طرق الرواية، وذلك بحسب # الحاجة التي تكون سببا في النزول، وليثبت به فؤاد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فإن آياته كالزلازل الروحية، ثم # ليكون ذلك أشد على العرب وأبلغ الحجة عليهم وأظهر لوجه إعجازه وأدعى لأن ~~يجري أمره في مناقلاتهم ويثبت في ألسنتهم ويتسلسل به القول. # ولولا نزوله متفرقا: آية واحدة إلى آيات قليلة، ما أفحمهم الدليل في ~~تحديهم بأقصر سورة منه. إذ لو أنزل جملة واحدة كما سألوا لكان لهم في ذلك ~~وجه من العذر يلبس الحق بالباطل، # وينفس عليهم أمر الإعجاز. ويهون في أنفسهم من الجملة بعض ما لا يهون من ~~التفصيل، لأنهم قوم لا يقرأون ولا يتدارسون، ولكن الآية أو الآيات القصيرة ~~تنزل في زمن يعرفون مقداره بما ينزل # في عقبها ثم هم يعجزون عن مثلها في مثل هذا الزمن بعينه، وفيما يربو عليه ~~ويضعف، وعلى # انفساح المدة وتراخي الأيام بعد ذلك إلى نفس من الدهر طويل - أمر هو يشبه ~~في مذهب الإعجاز # أن يكون دليل التاريخ عليه وأنه ليس في طبعهم ألبتة لا قوة ولا حيلة، ms006 فإن ~~العجز عن صنع المادة # لا يثبت في التاريخ إلا إذا ثبتت مدة صنعها على وجه التعيين بأي قرينة من ~~القرائن التاريخية. # وبخاصة إذا اعتبرت أن أكثر ما أنزل في ابتداء الوحي واستمر بعد ذلك من ~~لدن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتي حراء فيتحنث فيه الليالي، ~~إلى أن هاجر من مكة - إنما هو من قصار السور، # على نسق يترقى إلى الطول في بعض جهاته. وذلك ولا ريب مما تتهيأ فيه ~~المعارضة بادئ الرأي # إذا كانت ممكنة، لأنه مفصل آيات، ثم لقرب غايته ممن ينشط إلى معارضته ~~والأخذ في طريقته، # دون ما يكون ممتد النسق بعيد الغاية، فتصدف النفس عن جملته الطويلة، ~~ويخلف نشاطها فيه لأن # للقوة النفسية حدا إذا حملت على ما وراءه كان من طبعها أن تنتهي إلى ما ~~دونه، وهذا أمر يعرفه من يرى شاعرا يعذ أبيات القصيدة الرائعة قبل أن ~~يقرأها، أو كاتبا يظر في أعقاب الرسالة الجيدة # ولما يأخذ في أوائلها. وهلم مما يجري هذا المجرى. # وقد كان ابتداء الوحي في سنة 611 للميلاد بمكة، ثم هاجر منها النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في سنة 622 # إلى المدينة، فنزل القرآن مكيا ومدنيا. # وقد اختلفت الروايات في آخر آية نزلت وتاريخ نزولها، # PageV01P026 # وفي بعضها أن ذلك كان قبل موته عليه السلام بأحد وثمانين يوما، في سنة ~~إحدى عشرة للهجرة، # وأي ذي كان فإن مدة نزول القرآن توفي على العشرين سنة. وإنما هي الحكمة ~~التي أومأنا إليها في مذهب إعجازه، وحكمة أخرى معها: وهي استدراج العرب ~~وتصريف أنفسهم بأوامره ونواهيه على # حسب النوازل وكفاء الحادثات، ليكون تحؤلهم أشبه بالسنة الطبيعية كما ينمو ~~الحي من باطنه. # وسيقع تفصيل هذا المعنى فيما يأتي: # وكان بعض الصحابة يكتبون ما ينزل من القرآن ابتداء من أنفسهم، أو بأمر من ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - # فيخطونه على ما اتفق لهم يومئذ من العسب والكرانيف واللخاف والرقاع وقطع ~~الأديم وعظام الأكتاف والأضلاع من الشاة والإبل، وكل ما أصابوا من مثلها ~~مما ms007 يصلح لغرضهم، يكتب كل # منهم ما تيسر له أو يسرته أحواله. ولكن ما ليس فيه ريب أن منهم قوما ~~جمعوا القرآن كله لذلك # العهد، وقد اختلفوا في تعيينهم، بيد أنهم أجمعوا على نفر، منهم: علي بن ~~أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، ~~وهؤلاء كانوا مادة هذا الأمر من # بعد، فإن المصاحف حتى اختصت بالثقة كانت ثلاثة: مصحف ابن مسعود، ومصحف ~~أبي، ومصحف زيد، وكلهم قرأ القرآن وعرضه على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فأما ابن مسعود فقرأ بمكة وعرض # هناك، وأما أبي فإنه قرأ بعد الهجرة وعرض في ذلك الوقت، وأما زيد فقرأه ~~بعدهما وكان عرضه # متأخرا عن الجميع، وهو آخر العرض إذ كان في سنة وفاته - صلى الله عليه ~~وسلم - وبقراءته كان يقرأ عليه الصلاة # والسلام وكان يصلي إلى أن لحق بربه، ولذلك اختار المسلمون ما كان آخر كما ~~ستعرفه. # أما علي بن أبي طالب فقد ذكروا أن له مصحفا جمعه لما رأى من الناس طيرة ~~عند وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وفي " الفهرست " لابن النديم أنه رأى عند أبي يعلى حمزة الحسيني مصحفا ~~بخط علي يتوارثه بنو حسن، ونحن نحسب ذلك خبرا شيعيا، لأنه غير شائع. . . # وقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقرآن في الصدور، وفيما كتبوه ~~عليه، ثم نهض أبو بكر بأمر # الإسلام، وكانت في مدته حروب أهل الردة، ومنها غزوة أهل اليمامة، ~~والمحاربون أكثرهم من # الصحابة ومن القراء، فقتل في هذه الغزوة وحدها سبعون قارئا من الصحابة ~~(ويقال سبعمائة) ، # وكان قد قتل منهم مثل هذا العدد ببئر معونة في عهد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فهال ذلك عمر بن الخطاب، # فدخل على أبي بكر رحمهما الله فقال: إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - باليمامة يتهافتون تهافت الفراش # في النار، وإني أخشى أن لا يشهدوا موطنا إلا فعلوا ذلك حتى يقتلوا، وهم ~~حملة القرآن، فيضيع القرآن وينسى ولو جمعته وكتبته! فنفر منها أبو بكر، ms008 ~~وقال: أفعل ما لم يفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ # فتراجعا في ذلك، ثم أرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت. قال زيد: فدخلت عليه ~~وعمر مسربل؛ # PageV01P027 # فقال لي أبو بكر: إن هذا قد دعاني إلى أمر فأبيت عليه؛ وأنت كاتب الوحي، ~~فإن تكن معه اتبعتكما، وإن توافقني لا أفعل، فاقتص أبو بكر قول عمر وعمر ~~ساكت، فنفرت من ذلك، # وقلت: يفعل ما يفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ إلى أن قال عمر ~~كلمة: وما عليكما لو فعلتما ذلك؟ فذهبنا # ننظر، فقلنا: لا شيء والله، ما علينا في ذلك شيء. # وقال زيد: فأمرني أبو بكر فكتبته في قطع الأدم وكسر الأكتاف والعسب. # وهذا الذي فعله أبو بكر كأنما استحيا به طائفة من القراء الذين استحر بهم ~~القتل بعد ذلك في المواطن التي شهدوها، ولم يعد به ما وصفنا، ولذا بقي ما ~~اكتتبه زيد نسخة واحدة، وهو قد # تتبع ما فيها من الرقاع والعسب واللخاف ومن صدور الرجال، إنما ائتمنه أبو ~~بكر لأنه حافظ، # ولأنه من كتبة الوحي، ثم لأنه صاحب العرضة الأخيرة؛ وربما كان قد أعانه ~~بغيره في الجمع والتتبع؛ فإن في بعض الروايات أن سالما مولى أبي حذيفة كان ~~أحد الجامعين بأمر أبي بكر، أما # الكتابة فهي لزيد بالإجماع. # وبقيت تلك الصحف عند أبي بكر ينتظر بها وقتها أن يحين، حتى إذا توفي سنة ~~13 ه # صارت بعده إلى عمر، فكانت عنده حتى مات، ثم كانت عند حفصة ابنته صدرا من ~~ولاية عثمان، # ويومئذ اتسعت الفتوح وتفرق المسلمون في الأمصار، فأخذ أهل كل مصر عن رجل ~~من بقية القراء. # فأهل دمشق وحمص أخذوا عن المقداد بن الأسود، وأهل الكوفة عن ابن مسعود، ~~وأهل البصرة عن أبي موسى الأشعري - وكانوا يسمون مصحفه لباب القلوب - وقرأ ~~كثير من أهل الشام # بقراءة أبي بن كعب، وكانت وجوه القراءة التي يؤدى بها القرآن مختلفة ~~باختلاف الأحرف التي نزل # عليها، كما سيمر بك، فكان الذي يسمع هذا الاختلاف من أهل تلك الأمصار ms009 - ~~إذا احتوتهم المجامع أو التقوا في المواطن على جهاد أعدائهم - يعجب من ذلك ~~أن تكون هذه الوجوه كلها # على اختلاف ما بينها في كلام واحد، فإذا علم أن جميع القراءات مسندة إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه # أجازها، لا يمنع أن يحيك في صدره بعض الشك وأن ينطوي منها على شيء. وإذا ~~هو كان قد نشأ بعد زمن الدعوة وبعد أن اجتمع العرب على كلمة واحدة، فلا ~~يلبث أن يجري دلك الاختلاف # مجرى مثله من سائر الكلام، فيرى بعضه خيرا من بعضه، ويظن منه الصريح ~~والمدخول والعالي والنازل، والأفصح والفصيح، وأشباه ذلك، ويعتد ما يراه في ~~القرآن من القرآن، وهذا أمر إن هو # استفاض فيهم ثم مردوا عليه خرجوا منه ولا ريب إلى المناقضة والملاحاة ~~وإلى أن يرد بعضهم إلى بعض هذا يقول: قراءتي وما أخذت به وذلك يقول: بل ~~قراءتي وما أنا عليه! وليس من وراء هذا # اللجاج إلا التكفير والتأثيم، ولا جرم أنها الفتنة لا تفتأ بعد ذلك من ~~دم. # ولقد نجمت هذه الناشئة يومئذ، فلما كانت غزوة إرمينية، وغزوة أذربيجان، ~~كان فيمن غزاهما مع أهل العراق حذيفة بن اليمان، فرأى كثرة اختلاف المسلمين ~~في وجوه القراءة، أنهم لا يجرون من ذلك على أصل في الفطرة اللغوية كما كان ~~العرب يقرأون بلحونهم، ورأى ما يبدر على # PageV01P028 # ألسنتهم حين يأتي كل فريق منهم بما لم يسمع من غيره، إذ يتمارؤن فيه حتى ~~يكفر بعضهم بعضا، # ولم ير عندهم نكيرا لذلك ولا إكبارا له، بل كانوا قد ألفوه بين أنفسهم، ~~وصار من عاداتهم # وأمرهم، ففزع إلى عثمان فأخبره بالذي رأى، وكان عثمان قد رفع إليه أن ~~شيئا من ذلك يكون بين # المسلمين الذي يقرئون الصبية ويأخذونهم بحفظ القرآن فينشأون وبهم من ~~الخلاف بعضهم على # بعض، فأعظم رحمه الله أمر هذه الفتنة، وأكبره الصحابة جميعا، لأن ~~الاختلاف في كتاب الله # مدرجة إلى مخالفة ما فيه، ومتى أهملوا بعض معانيه لم يكن بد أن يتصرفوا ~~ببعض ألفاظه، وإنما # هو اجتراء ms010 واحد فيوشك أن يكون ذلك مساغ للتحريف والتبديل، فأجمعوا أمرهم ~~أن ينتسخوا الصحف الأولى التي كانت عند أبي بكر، وأن يأخذوا الناس بها ~~ويجمعوهم عليها، حذار تلك # الردة المشتبهة، وإشفاقا على الناس إن يصيروا كلما ردوا إلى الفتنة ~~أركسوا فيها، فأرسل عثمان # إلى حفصة فبعثت إليه بتلك الصحف، ثم أرسل إلى زيد بن ثابت، وإلى عبد الله ~~بن الزبير، # وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فامرهم أن ينسخوها في ~~المصاحف ثم # قال للرهط القرشيين الثلاثة: ما اختلفتم فيه أنتم وزيد فاكتبوه بلسان ~~قريش فإنه بلسانهم. # قال زيد - في بعض الروايات عنه -: فلما فرغت عرضته عرضة فلم أجد فيه هذه ~~الآية: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ~~ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (23) . # قال: فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنها، فلم أجدها عند أحد منهم، ثم ~~استعرضت الأنصار أسألهم عنها فلم أجدها عند أحد منهم، حتى وجدها عند خزيمة ~~- يعني ابن ثابت - فكتبتها " ثم # عرضته عرضة أخرى فلم أجد فيه هاتين الآيتين: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم ~~عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم) - إلى آخر السورة فاستعرضت المهاجرين فلم ~~أجدها عند أحد # منهم، ثم استعرضت الأنصار أسالهم عنها فلم أجدها عند أحد منهم، حتى ~~وجدتها مع رجل آخر # PageV01P029 # يدعى خزيمة أيضا فأثبتها في آخر براءة ولو تمت ثلاث آيات لجعلها سورة على ~~حدة، ثم عرضته # عرضة أخرى فلم أجد فيه شيئا، ثم أرسل عثمان إلى حفصة يسألها أن تعطيه ~~الصحيفة، وحلف لها # ليردنها إليها فأعطته فعرض المصحف عليها فلم يختلف في شيء، فردها إليها ~~وطابت نفسه، وأمر # الناس أن يكتبوا مصاحف، فلما ماتت حفصة أرسل إلى عبد الله بن عمر في ~~الصحيفة بعزمه # فأعطاهم إياهم فغسلت غسلا. # قلنا: وكلام زيد نص قاطع في أنه كان يحفظ القرآن كله، لم يذهب عنه شيء ~~منه، إذ كان # يعرض ما في الصحف على ما ربط في صدره وثبت في حفظه، ثم هو نص كذلك على أن ~~زيدا ms011 # كان لا يكتفي بنفسه بل يذهب يستعرض الناس حتى يجد من يؤدي إليه، كيلا ~~ينفرد هو بالحفظ خشية أن يكون موضع ظنة وإن كان الصحابة - رضي الله عنهم - ~~قد أجمعوا على الثقة به، فلم # يثبت ما أثبته إلا بشاهدين: أحدهما من حفظ غيره. والآخر من حفظه. # ثم بعث في كل أفق بمصر من تلك المصاحف، وكانت سبعة - في قول مشهور - ~~فأرسل # منها إلى مكة، والشام، واليمن، والبحرين، والبصرة، والكوفة. # وحبس بالمدينة واحدا، وهو مصحفه الذي يسمى الإمام ثم أمر بما عدا ذلك من ~~صحيفة أو مصحف أن يحرق، ولم يجعل # في عزيمته تلك رخصة سائغة لأحد. وكان جمع عثمان في سنة 25 للهجرة. # وإنما أراد عثمان بذلك حسم مادة الاختلاف، لأنه أمر يمد مع الزمن وتنشعب ~~الأيام به. # وهو إن أمن في عصره لم يدر ما يكون بعد عصره، وقد أدرك أن العرب لا ~~يستمرون عربا على الاختلاف والفتوح، وأن الألسنة تنتقل، واللغات تختلف. ثم ~~هو رأى ما وقع في الشعر وروايته، # وأن الاختلاف كان بابا إلى الزيادة والابتداع، فلم يفعل شيئا أكثر من أنه ~~حصن القرآن وأحكم الأسوار حوله، ومنع الزمن أن يتطرق إليه بشيء، وجعله بذلك ~~فوق الزمن. # ولم تكن المصاحف التي كتبت قبل مصحف عثمان على هذا الترتيب المعروف في ~~السور إلى اليوم. فإنما هو ترتيب عثمان أما فيما وراء ذلك فقد رووا أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا نزلت # سورة دعا بعض من يكتب فقال: ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا ~~وكذا، فكان # القرآن مرتب الآيات، غير أنه لم يكن مجموعا بين دفتين، فلا يؤمن أن يضطرب ~~نسق مجموعه في أيدي الناس باضطراب القطع التي كتب فيها تقديما وتأخيرا: ولم ~~يلزم الناس القراءة يومئذ بتوالي # السور، وذلك أن الواحد منهم إذا حفظ سورة أو كتبها ثم خرج في سرية فنزلت ~~سورة أخرى # PageV01P030 # فإنه كان إذا رجع يأخذ في حفظ ما ينزل بعد رجوعه، وكتابته، ويتبع ما فاته ~~على حسب ما ms012 تسهل له أكثره أو قله، فمن ثم يقع فيما يكتبه تأخير المقدم ~~وتقديم المؤخر، فلما جمعه أبو بكر برأي # عمر كتبوه على ما وقفهم عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم كانوا ~~في أيام عمر يكتبون بعض المصاحف # منتسقة السور على ترتيب ابن مسعود، وترتيب أبي بن كعب، وكلاهما قد سرده ~~ابن النديم في كتابه (الفهرست) ، # وقال ابن فارس: إن السور في مصحف علي كانت مرتبة على النزول، فكان أوله ~~سورة (اقرأ باسم ربك) ، ثم المدثر، ثم المزمل، ثم تبت، ثم التكوير، وهكذا ~~إلى آخر المكي والمدني، ولا حاجة بنا أن نتع في استقصاء هذا الخلاف. # أما ترتيب مصحف عثمان فهو نسق زيد بن ثابت. وهو صاحب العرضة الأخيرة ~~ولعله كان ترتيب مصحف أبي بكر أيضا، لما مر في الرواية عن زيد من أنه قابل ~~بين الاثنين معارضة، والله أعلم. # ولم يكن بعد انتشار المصاحف العثمانية وانتساخها على هيئتها إلا أن ~~استوثقت الأمة على # ذلك بالطاعة وأحرق كل امرئ ما كان عنده مما يخالفها ترتيبا أو قراءة، ~~وأطبق المسلمون على # ذلك النسق وذلك الحرف، ثم أقبلوا يجدون في إخراجها وانتساخها. # ولقد روى المسعودي أنه رفع من عسكر معاوية في واقعة صفين نحو من خمسمائة ~~مصحف، وهي الخدعة المشهورة التي # أشار بها عمرو بن العاص في تلك الواقعة، ولم يكن بين جمع عثمان إلى يوم ~~صفين إلا سبع سنوات. # وهنا أمر لا مذهب لنا دون التنبيه عليه، وذلك أن جمع القرآن كان استقصاء ~~لما كتب، # PageV01P031 # واستيعابا لما في الصدور، فكانوا لا يقبلون إلا بشهادة قد امتحنوها، أو ~~حلف قد وثقوا من صاحبه، وإلا بعد العرض على من جمعوا وعرضوا على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. فإن الصحابة كانوا # يحسنون التهجي، وقد يكتبون ما يقرأون على وجه من وجوه الكتابة، أو يكتبون ~~بحرف من القراءات، كالذي رواه ابن فارس بسنده عن هانئ قال: كتبت عند عثمان ~~رضي الله تعالى عنه # وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف شاة إلى أبي بن كعب ms013 فيها # (لم يتسن) و (فأمهل الكافرين) ، و (لا تبديل للخلق) قال: فدعا بالدواة ~~فمحا إحدى اللامين، وكتب " لخلق الله " - ومحا # " فأمهل " وكتب (فمهل) وكتب (يتسنه) ألحق فيها هاء والقراءة على هذا ~~الرسم. # فذهب جماعة من أهل الكلام ممن لا صناعة لهم إلا الظن والتأويل، واستخراج ~~الأساليب الجدلية من كل حكم وكل قول " إلى جواز أن يكون قد سقط عنهم من ~~القرآن شيء، حملا على ما وصفوا من كيفية جمعه، وهو باطل من الظن، لما علمته ~~من أنباء حفظته الذين جمعوه وعرضوه، # ثم لما رأيت من تثبتهم في ذلك حتى جمعت لهم الصحة من أطرافها، ثم لإجماع ~~الجم الغفير من الصحابة على أن ما بين دفتي المصحف هو الذي تلقوه عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لم يأته الباطل من بين # يديه ولا من خلفه، ولا اقتطع منه الباطل شيئا. # ونحن فما رأينا الروايات تختلف في شيء من الأشياء فضل اختلاف، وتتسنم في ~~الروايات والتأويل كل طريق وعر؛ كما رأينا من أمرها فيما عدا نصوص ألفاظ ~~القرآن، فإن هذه الألفاظ متواترة إجماعا لا يتدارأ فيها الرواة، من علا ~~منهم ومن نزل، وإنما كان ذلك لأن القرآن أصل هو # الدين وما اختلفوا فيه إلا من بعد اتساع الفتن؛ وتألب الأحداث وحين رجع ~~بعض الناس من النفيس # إلى أشد من الأعرابية الأولى، وراغ أكثرهم عن موقع اليقين من نفسه، ~~فاجترأوا على حدود الله # وضربتهم الفتن والشبهات مقبلا بمدبر ومدبرا بمقبل. فصار كل نزع إلى ~~الاختلاف، يريد أن يحمل # من القرآن ما يختلف معه أو يختلف به، وهيهات ذلك إلا أن يتدسس في الرواية ~~بمكروه يكون # معه التأويل والأباطيل، وإلا أن يفتح الكلمة السيئة ويبالغ في الحمل على ~~ذمته والعنف بها فهي # أشياء لا ترد إلى الله ولا إلى الرسول، ولا يعرفها الذين يستنبطون من ~~الحق، بل لا يعرفون لها من الحق وجها. # ونحسب أن أكثر ذلك مما افترته الملحدة وتزيدت به الفئة الغالية، وهم فرق ~~كثيرة يختلفون فيه بغيا بينهم، وكلهم يرجع ms014 إلى القرآن بزعمه ويرى فيه حجته ~~على مذهبه وبينته على دعواه # PageV01P032 # ثم أهل الزيغ والعصبية لآرائهم في الحق والباطل، ثم ضعاف الرواة ممن لا ~~يميزون أو ممن تعارضهم الغفلة في التمييز، وذلك سواء كله ظلمات بعضها فوق ~~بعض، (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) . # وقد وردت روايات قليلة في أشياء زعموا أنها كانت قرآنا ورفع. على أن # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرر الأحكام عن ربه إذا لم ينزل ~~بها قرآن، لأن السنة كانت تأتي مأتاه، ولذلك # قال عليه الصلاة والسلام: " أوتيت الكتاب ومثله معه " يعني السنن. # وعلى هذا الحديث يخرج في رأينا كل ما رووه مما حسبوه كان قرآنا فرفع ~~وبطلت تلاوته على قلة ذلك إن صح. لأنه يكون وحيا، وليس كل وحي بقرآن، على ~~أن ما ورد من ذلك ورد # معه اضطرابهم فيه وضعف وزنه في الرواية، وأكبر ظنا أنها روايات متأخرة من ~~محدثات الأمور، # وأن في هذه المحدثات لما هو أشد منها وأجدى بشؤمه. ولو كان من تلك شيء في ~~العهد الأول # لرويت معها أقوال أخرى لأئمة الإثبات الذين كان إليهم المفزع من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم # كانوا يومثذ متوافرين، وكلهم مقرن لذلك قوي عليه؛ وكانوا يعلمون أن ~~المراء في القرآن كفر وردة، وإن إنكار بعضه كإنكاره جملة، وإن أجمعوا على ~~ما في مصحف عثمان وأعطوه بذل ألسنتهم في الشهادة، أي قوتها، وما استطاعت من ~~تصديق. # ونحن من جهتنا نمنع كل المنع، ولا نعبأ أن يقال إنه ذهب من القرآن شيء، ~~وإن تأولوا لذلك وتمحلوا، وإن أسندوا الرواية إلى جبريل وميكائيل ونعتد ذلك ~~السوأة الصلعاء التي لا يرحضها من جاء بها ولا يغسلها عن رأسه بعد قوله ~~الله: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) أفترى باطلهم جاءه من ~~فوقه إذن؟ . . # ولا يتوهمن أحد أن نسبة بعض القول إلى الصحابة نص في أن ذلك القول الصحيح ~~ألبتة، # فإن الصحابة غير معصومين، وقد جاءت روايات صحيحة ms015 بها أخطأ فيه بعضهم من ~~فهم أشياء من # القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك العهد هو ما هو، ~~ثم بما وهل عنه بعضهم مما تحدثوا من # أحاديثه الشريفة، فأخطاوا في فهم ما سمعوا، ونقلنا في باب الرواية من ~~تاريخ آداب العرب أن بعضهم كان يرد على بعض فيما يشبه لهم أنه الصواب خوف ~~أن يكونوا قد وهموا. # وثبت أن عمر رضي الله عنه شك في حديث فاطمة بنت قيس، بل شك في حديث عمار ~~بن ياسر في التيمم لخوف الوهم، مع أن عمارا ممن لا يتهم بتعمد الكذب، ولا ~~بالكذب وهلة، # لصحبته وسابقته مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولذلك أذن له عمر في ~~رواية هذا الحديث مع شكه هو في صحته. # PageV01P033 # على أن تلك الروايات القليلة إن صحت أسانيدها أو لم تصح: فهي على ضعفها ~~وقلتها مما لا حفل به؛ ما دام إلى جانبها إجماع الأمة وتظاهر الروايات ~~الصحيحة وتواتر النقل والأداء على التوثيق. # وبعد فما تلك الردة التي كانت بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والفتن التي تعاقبت والأحداث التي # استفاضت، والانشقاق الذي ارفضت به عصا الإسلام - بأقل شأنا ولا أضعف خطرا ~~من هذا كله # ومثله معه من ضروب الأقاويل؛ حتى لا يقتحم مجترئ ولا يستهدف مفتر ولا ~~يبالغ مبطل ولا ينحرف متأول، وحتى لا يروى من أشباه ذلك دقيق أو جليل؛ ~~وإنما قياس الباطل بالعلم الحق، # وقياس الظن باليقين الثقة، وأنت تعلم أن كل ما رووه لم يأت من قبل ~~الإجماع، وليس له من هذه # الحجة مادة ولا قوة، ولو أن الأمر كان إلى الرأي والنظر لقلنا: لعله ~~ولعلنا، ولكنها الرواية وملاكها، والأدلة واشتراكها (ومن الناس من يعبد ~~الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر ~~الدنيا والآخرة) . # PageV01P034 ### | ### | القراء # ة وطرق الأداء # وهذا الفصل مما نتأذى به إلى الكلام في لغة القرآن، فهو سبيلنا إليها في ~~نسق التأليف، إذ القراءة والأداء أمران يتعلقان ms016 باللفظ ويبنيان على وجوه ~~اللغة التي قام بها. # وليس من همنا فيما نأتي به إلا نقضي حق التاريخ اللغوي، منصرفين ما وسعنا ~~الانصراف عن الجهة الفنية التي هي جانب من علمي القراءات والتجويد، فإن ~~الكلام في هذه الجهة يتسع، # وهو غير ما نحن فيه، وما زالت الجهة الفنية من كل علم هي فرغ من أصله في ~~التاريخ. # نزل القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأفصح ما تسمو إليه لغة ~~العرب في خصائصها العجيبة وما # تقوم به، مما هو السبب في جزالتها ودقة أوضاعها وإحكام نظمها واجتماعها ~~من ذلك على تأليف صوتي يكاد يكون موسيقيا محضا، في التركيب، والتناسب بين ~~أجراس الحروف والملاءمة بين طبيعة المعنى وطبيعة الصوت الذي يؤديه، كما ~~بيناه في بابه من الجزء الأول # فكان مما لا بد منه بالضرورة أن يكون القرآن أملك بهذه الصفات كلها، وأن ~~يكون ذلك التأليف # أظهر الوجوه التي نزل عليها، ثم أن تتعدد فيه مناحي هذا التأليف تعددا ~~يكافئ الفروع اللسانية # التي سبقت بها فطرة اللغة في العرب، حتى يستطيع كل عربي أن يوقع بأحرفه ~~وكلماته على لحنه الفطري ولهجة قومه، توقيعا يطلق من نفسه الأصوات ~~الموسيقية التي يشيع بها الطرب في # هذه النفس، بما يسمونه في لغة العرب بيانا وفصاحة. وهو في لغة الحقيقة ~~الموسيقى اللغوية. # وإذا تم هذا النظم للقرآن مع بقاء الإعجاز الذي تحدى به، ومع اليأس من ~~معارضته، # على ما يكون في نظمه من تقلب الصور اللفظية في بعض الأحرف والكلمات بحسب ~~ما يلائم تلك الأحوال في مناطق العرب، فقد تم له التمام كله، وصار إعجازه ~~إعجازا للفطرة اللغوية في # نفسها حيث كانت وكيف ظهرت ومهما يكن من أمرها: ومتى كان العجز فطريا فقد ~~ثبت بطبيعته، وإن لج فيه الناس جميعا، لأنه شيء في تلك الفطرة يفهم منه ~~صريحا ثم لا تنكر هي # موضعه منها وموقعه، وإن كابرت فيه الألفاظ وبالغت الأهواء في جحده ~~والانتفاء منه مراء ومغالبة. # والطبيعة قد توجد في مفردات لغتها مترادفات، بحيث ms017 يكون الشيئان لمعنى ~~واحد، ولكن لا توجد فيها الأضداد بحال من الأحوال، فلا يكون الشيء الطبيعي ~~محتملا بصورته الواحدة لأن # بكون إقرارا وإنكارا معا، ومن ثم لا يستقيم للعرب أن يعارضوا القرآن، إذ ~~كان مأتى العجز من # PageV01P035 # فطرتهم اللغوية، ولا يتوهم ذلك وإن انتشرت لهم في الخلاف كل قالة. # ذلك فيما ترى هو السبب الأول الذي من أجله اختلفت بعض ألفاظ القرآن في ~~قراءتها # وأدائها اختلافا صح جميعه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحت ~~قراءته؛ وهو كان أعلم العرب بوجوه # لغتها، كما سيأتي في موضعه؛ إذ لا وجه عندنا للاختلاف الصحيح إلا هذا، ~~فإن القرآن لو نزل # على لفظ واحد ما كان بضائره شيئا وهو ما هو إحكاما وإبداعا، فهذه واحدة. # وحكمة أخرى، وهي تيسير القراءة والحفظ على قوم أميين لم يكن حفظ الشرائع ~~مما عرفوه فضلا عن أن يكون مما ألفوه. # وثالثة تلحق بمعاني الإعجاز، وهي أن تكون الألفاظ في أختلاف بعض صورها ~~مما يتهيأ معه استنباط حكم أو تحقيق معنى من معاني الشريعة، ولذا كانت ~~القراءات من حجة الفقهاء في # الاستنباط والاجتهاد، وهذا المعنى مما انفرد به القرآن الكريم ثم هو مما ~~لا يستطيعه لغوي أو بياني # في تصوير خيال فضلا عن تقرير شريعة. # ومن أعجب ما رأيناه في إعجاز القرآن وإحكام نظمه، أنك تحسب ألفاظه هي ~~التي تنقاد لمعانيه. ثم تتعرف ذلك وتتغلغل فيه فتنتهي إلى أن معانيه منقادة ~~لألفاظه، ثم تحسب العكس وتتعرفه متثبتا فتصير منه إلى عكس ما حسبت وما إن ~~تزال مترددا على منازعة الجهتين كلتيهما، # حتى ترده إلى الله الذي خلق في العرب فطرة اللغة، ثم أخرج من هذه اللغة ~~ما أعجز تلك الفطرة. # لأن ذلك التوالي بين الألفاظ ومعانيها. وبين المعاني وألفاظها، مما لا ~~يعرف مثله إلا في الصفات # الروحية العالية. إذ تتجاذب روحان قد ألفت بينهما حكمة الله فركبتهما ~~تركيبا مزجيا بحيث لا يجري حكم في هذا التجاذب على إحداهما حتى يشملها ~~جميعا. # ووجوه الاختلاف الطبيعي - كاختلاف القراءات في ms018 العرب - مما لا تفهم له ~~تلك الطباع المختلفة به وجها، لأن كل عربي قد ثبت على لحنه في النطق أو ~~القراءة فيحسب ذلك الاختلاف مما لا يحتمله الشيء الثابت. # ولهذا جاءت بعض روايات عن الصحابة رضي الله عنهم # تصف نبضا من الشك ربما كانت تضرب به قلوبهم، حين يسمعون الاختلاف بين ~~قراءة وقراءة # حتى يصرف الله عنهم ذلك ويربط على قلوبهم كما روي عن عمر بن الخطاب، قال: ~~سمعت # هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على # حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذلك، فكدت ~~أساوره في الصلاة فصبرت حتى سلم، # فلما سلم لببته بردائه فقلت. من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرؤها؛ ~~قال: أقرأنيها # PageV01P036 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: كذبت، فوالله إن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لهو أقرأني هذه السورة. فانطلقت به أقوده # إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا ~~يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان. فقال ~~رسول الله جت: " اقرأ يا هشام "، فقرأ عليه القراءة التي # سمعته يقرؤها، فقال: " هكذا نزلت "، ثم قال: " اقرأ يا عمر "، فقرأت ~~القراءة التي أقرأني رسول الله لمجم، فقال: " هكذا نزلت "، ثم قال: " إن ~~هذا القرآن نزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منها ". # فتأمل قوله " ما تيسر " تصب منها شرحا طويلا، وسنقول في هذه السبعة بعد. # ورووا أن عبد الله بن مسعود لما خرج من الكوفة اجتمع إليه أصحابه فودعهم ~~ثم قال: لا تنازعوا في القرآن، فإنه لا يختلف ولا يتلاشى ولا ينفد لكثرة ~~الرد. وإنه شريعة الإسلام وحدوده # وفرائضه فيه واحدة، ولو كان شيء من الحرفين ينهى عن شيء يامر به الآخر ~~كان ذلك الاختلاف. # ولكنه جامع ذلك كله، لا تختلف فيه الحدود ولا الفرائض ولا شيء من شرائع ~~الإسلام، ولقد رأيتنا نتنازع فيه عند رسول الله - صلى الله ms019 عليه وسلم - ~~فيأمرنا نقرأ عليه فيخبرنا أن كلنا محسن؛ ولو # أعلم أحدا أعلم بما أنزل الله على رسوله مني لطلبته حتى أزداد علمه إلى ~~علمي، ولقد قرأت من لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعين سورة، وقد ~~كنت علمت أنه يعرض عليه القرآن في كل رمضان، حتى # كان عام قبض فعرض عليه مرتين، فكان إذا فرغ أقرأ عليه فيخبرني أني محسن. # فمن قرأ على قراءتي فلا يدعتها رغبة عنها، ومن قرأ على شيء من هذه الحروف ~~فلا يدعئه رغبة عنه، فإن من # جحد بآية جحد به كله. # هذا حين كان الاختلاف مما تقتضيه الفطرة اللغوية ومذاهبها، فلما انتفضت ~~هذه الفطرة، واختبلت الألسنة بعد اتساع الفتوح، وانسياح العرب في الأقطار، ~~ومخالطتهم الأعاجم - لم يعد # لذلك الاختلاف وجه يتصل بحكمة من الرأي، بل صار كأنه دربة لإفساد هذا ~~الأمر واختلاف المادة نفسها على وجه ينكر من حقيقتها بما يضيف إليها أو ~~يخلط بها أو يغير منها، وإلى هذا نظر # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين عرض عليه القرآن العرضة الأخيرة، ~~وما كان يعلم أنها الأخيرة لولا ما علمه # الله، فاختار قراءة زيد بن ثابت صاحب هذه العرضة، وبها كان يقرأ وكان ~~يصلي إلى أن انتقل إلى جوار ربه. ومن ثم اختارها المسلمون بعده وكتبوا ~~القرآن عليها زمن أبي بكر كما مر، ثم تركوا # PageV01P037 # للناس أسانيدهم، إذ كانت الفطرة سليمة بعد. # فلما كانت الطيرة والاختلاف لعهد عثمان، وأشفقوا من الضلال في معاسف ~~الرأي ومعاني حملوا الناس عليها حملا وكتبوا بها المصاحف كما تقدم. # PageV01P038 # القراء # يرجع عهد ### | القراء # الذين أقاموا الناس على طرائقهم في التلاوة إلى عهد الصحابة رضي الله # عنهم، فقد اشتهر بالإقراء منهم سبعة: عثمان، وعلي، وأبي، وزيد بن ثابت، ~~وابن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري؛ وعنهم أخذ كثير من الصحابة ~~والتابعين في الأمصار، وكلهم يسند # إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فلما كانت أواخر عهد التابعين في ~~المائة الأولى تجرد قوم واعتنوا بضبط # القراءة أتم عناية، لما ms020 رأوا من المساس إلى ذلك بعد اضطراب السلائق، ~~وجعلوها علما، كما فعلوا يومئذ بالحديث والتفسير، فكانوا فيها الأئمة الذين ~~يرحل إليهم ويؤخذ عنهم؛ ثم اشتهر منهم # ومن الطبقة التي تلتهم أولئك الأئمة السبعة الذين تنسب إليهم القراءات ~~إلى اليوم، وهم: أبو عمرو بن العلاء شيخ الرواة المتوفى سنة 154 ه، # وعبد الله بن كثير المتوفى سنة 120 ه، # ونافع بن نعيم المتوفى سنة 169 ه، وعبد الله بن عامر اليحصبي المتوفى سنة ~~118 ه، وعاصم بن بهدلة الأسدي المتوفى سنة 128 ه، وحمزة بن حبيب الزيات ~~العجلي المتوفى سنة 156 ه، # وعلي بن حمزة الكسائي إمام النحاة الكوفيين المتوفى سنة 189 ه. # وقراءات هؤلاء السبع هي المتفق عليها إجماعا، ولكل منهم سند في روايته، ~~وطريق الرواية عنه؛ وكل ذلك محفوظ مثبت في كتب هذا العلم. # ثم اختاروا من أئمة القراءة غير من ذكرناهم ثلاثة صخت قراءتهم وتواترت ~~وهم: أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني المتوفى سنة 132 ه، ويعقوب ابن إسحاق ~~الحضرمي المتوفى سنة 185 ه، وخلف بن هشام بن طالب (ولم نقف على تاريخ ~~وفاته) . وهؤلاء وأولئك هم أصحاب # القراءات العشر، وما عداها فشاذ، كقراءة اليزيدي، والحسن، وأعمش، وغيرهم. # ولا يذهبن عنك أن هذا الاختيار إنما هو للعلماء المتأخرين في المائة ~~الثالثة، وإلا فقد كان الأئمة الموثوق بعلمهم كثيرين، وكان الناس على رأس ~~المائتين بالبصرة، على قراءة أبي عمرو # PageV01P039 # ويعقوب؛ وبالكوفة، على قراءة حمزة وعاصم؛ وبالشام، على قراءة ابن عامر؛ ~~وبمكة، على قراءة ابن كثير؛ وبالمدينة، على قراءة نافع، وكان هؤلاء هم ~~السبعة! فلما كان على رأس المائة الثالثة، # أثبت أبو بكر ابن مجاهد اسم الكسائي وحذف منهم اسم يعقوب. # قال بعضهم: والسبب في الاقتصار على السبعة مع أن في أئمة القراء من هو ~~أجل منهم قدرا، أو مثلهم إلى عدد أكثر من السبعة! هو أن الرواة عن الأئمة ~~كانوا كثيرا جدا، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما ~~يسهل حفظه وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى ms021 من # اشتهر بالثقة والأمانة وطول العمر في ملازمة القراءة به والاتفاق على ~~الأخذ عنه، فأفردوا من كل مصر إماما واحدا. ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان ~~عليه الأئمة غير هؤلاء من القراءات وما القراءة به كقراءة يعقوب، وأبي ~~جعفر، وشيبة، وغيرهم. قال: وقد صنف ابن جبر المكي مثل ابن # مجاهد كتابا في القراءات فاقتصر على خمسة، اختار من كل مصر إماما، وإنما ~~اقتصر على ذلك لأن المصاحف التي أرسلها عثمان كانت خمسة، إلى هذه الأمصار، ~~ويقال إنه وجه بسبعة: هذه # الخمسة ومصحف إلى اليمن، ومصحف إلى البحرين، لكن لما لم يسمع لهذين ~~المصحفين خبر وأراد ابن مجاهد وغيره " مراعاة عدد المصاحف " استبدلوا من ~~مصحف البحرين واليمن قارئين كمل بهما العدد. اه. # وأول من تتبع وجوه القراءات وألقها وتقصى الأنواع الشاذة فيها وبحث عن ~~أسانيدها من صحيح ومصنوع، هارون بن موسى القارئ النحوي المتوفى سنة 170 ه. ~~وكان رأسا في القراءة والنحو، ولكن أول من صنف فيها إنما هو أبو عبيد ~~القاسم بن سلام الراوية المتوفى سنة 224 ه، # وكان أول من استقصاها في كتاب. ويقال إنه أحصى منها خمسا وعشرين قراءة مع ~~السبع المشهورة. # PageV01P040 ### | وجوه القراءة # ومنذ بدأت القراءة تتميز بأنها علم يتدارس ويتلقى، بدأت فيها الصناعة ~~العلمية؛ فحصرت # وجوهها وعينت مذاهبها؛ ومن شأن كل علم أن يكون ضبط الصحيح فيه حذا لغير ~~الصحيح، وقد # تكون الأمثلة التي تنزع من العلم للتمثيل بها على صحيحه مما يقتضي ~~التمثيل بضدها على فاسده، # فتقلب القاعدة أو الكلمة على وجوهها المتباينة مما اطرد أو شذ؛ وبهذا يدل ~~على المذاهب الضعيفة ويطرق إلى معرفتها. فعسى أن يكون ممن يقفون عليها من ~~تنقطع به المعرفة عندها، أو يقف به الهوى على حدها، أو يعجبه منها إن كان ~~له أن يكون صاحب غريب، وأمره عند العامة # والجمهور ما عرفت في باب الرواية وأن يتدافعه الناس راد معه وراذ عليه، ~~أن يكون هو ضعيف البصر بهذا الأمر قليل التمييز فيه، أو يكون خبيث الدخلة ~~مستجم الباطل، ms022 أو من أصحاب العلل والمراء أو شيء مما يجري هذا المجرى، فلا ~~يلبث أن يأخذ بها دون الصحيح. ويتقفد # أمرها على وهنه واضطرابه، فيعتسر الكلام فيها، ويبالغ في النضح عنها ~~والدفع لما عداها، # ويتكلف لتصحيح هذا الفساد كما يتكلف لإفساد الصحيح وتوهينه؛ ومن ثم ينشأ ~~من العلم علم آخر لم يكن قبل إلا حاجة من التمثيل به لغيره! فاتسع حتى صار ~~في حاجة إلى التمثيل له بغيره. # كذلك نشأت القراءات الغريبة في رأينا، فإن هذا الشاذ وهذا الضعيف وهذا ~~المنكر مما لا تحسبه كان معروفا متلقى بالإسناد الذي لا مغمز فيه وإن لم ~~يقرأ به أصحابه إلا على أنه معروف موثق الأسانيد. # ولا بد أن تكون قد شذت وجوه كثيرة من القراءات قبل مصحف عثمان، وخاصة ~~فيمن يقرأ من عرب الأمصار من الأوشاب المستضعفين الذين لم تخلص فطرتهم ولم ~~تتوقح طباعهم، وكل # أولئك قد كان لهم في أحيائهم من يقرئهم القرآن، فإن كان قد وقع أمر من ~~ذلك لأصحاب القراءات ومن يتتبعون وجوهها فأخذ به لأنه عن متقدم يسنده أو ~~يزعمه صحيحا عمن يسنده فذلك # أيضا قول ومذهب. # والعلماء على أن القراءات متواترة وآحاذ وشاذة. وجعلوا المتواتر السبع ~~والأحاد الثلاث المتممة لعشرها ثم ما يكون من قراءات الصحابة - رضي الله ~~عنهم مما لا يوافق ذلك. وما بقي فهو شاذ. # والقياسق عندهم موافقة القراءة للعربية بوجه من الوجوه، سواء كان أفصح أم ~~فصيحا، # PageV01P041 # مجمعا عليه أم مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله؛ لأن القراءة سنة متبعة، ~~يلزم قبولها؛ والمصير إليها # بالإسناد لا بالرأي، ثم يشترط في تلك القراءة أن توافق أحد المصاحف ~~العثمانية ولو احتمالا # وأن تكون مع ذلك صحيحة الإسناد، فإن اجتمعت الأركان الثلاثة: موافقة ~~العربية، ورسم المصحف، وصحة السند؛ فتلك هي القراءة الصحيحة، ومتى اختل ركن ~~منها أو أكثر أطلق عليها # أنها ضعيفة أو شاذة أو باطلة؛ ولتجىء بعد ذلك عن كائن من كان. # أما اشتراط موافقة العربية على أي وجوهها، فذلك إطلاق يناسب ما قدمناه من ~~أمر الفطرة ms023 # ومن أجله كان صحيحا أن لا يعول أئمة القراءة في أمر الجواز على ما هو ~~أفشى في اللغة وأقيس في العربية، دون ما هو أثبت في الأثر وأصح في النقل؛ ~~لأن العرب متفاوتون في خلوص اللغة # وقوة المنطق فإن قرأوا فلكل قبيل لهجه. # وأما موافقة رسم أحد المصاحف العثمانية، فذلك لما صح عندهم من أن الصحابة ~~رضي الله عنهم اجتهدوا في الرسل على حسب ما عرفوا من لغات القراءة فكتبوا ~~(الصراط) مثلا في قول تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم (6) . بالصاد المبدلة ~~من السين، وعدلوا عن السين التي هي، # الأصل، لتكون قراءة السين (السراط) إن خالفت الرسم من وجه، فقد أتت على ~~الأصل اللغوي # المعروف، فيعتدلان، وتكون قراءة الإشمام محتملة لذلك. # وأما اشتراط صحة الإسناد فهو أمر ظاهر ما دامت القراءة سنة متبعة، وكثيرا ~~ما ينكر بعض أهل العربية قراءة من القراءات؛ لخروجها عن القياس، أو لضعفها ~~في اللغة؛ ولا يحفل أئمة # القراءة بإنكارهم شيئا؛ كقراءة من قرأ (فتوبوا إلى بارئكم) بسكون الهمزة، ~~ونحوها مما أحصوه فى كتبهم. - # وأول من اشتهر من القراء بالشواذ؛ وعني بجمع ذلك واستقصائه وإظهاره دون ~~الصحيح؛ أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي في أواخر المائة الثانية، فقد جمع ~~قراءة نسبها إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله، ومنها (إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء) وقد أكذبوه في إسناده وجعلوه مثلا # PageV01P042 # بينهم في القراءات الموضوعة المردودة. # ثم اجترأ الناس على القرآن بما فشا من مقالات أهل الزيغ والإلحاد بعد ~~المائة الثانية، ولكن ذلك لم يتناول قراءته، بل تناول مسائل من أمر ~~الاعتقاد فيه؛ ثم ظهر ابن شنبوذ المتوفى سنة 228 ه، وكان رجلا كثير اللحن ~~قليل العلم، فيه سلامة وحمق وغفلة؛ فكان من أشهر القراء # بالشواذ، ثم أخذ في سبيله أبو بكر العطار النحوي المتوفى سنة 354 ه، وكان ~~من أعرف الناس # بالقراءات، وإنما أفسد عليه أمره أنه من أئمة نحاة الكوفيين، فخالف ~~الإجماع وصنع في ذلك # صنعا كوفيا. . . فاستخرج لقراءته وجوها من اللغة والمعنى، ومن ذلك قراءته ~~في ms024 قوله تعالى: # (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا) فإن هذا الأحمق قرأها (نجبا) فأزالها ~~بذلك عن أحسن وجوه البيان العربي، ولم يبال ما صنع إذا هو قد انفرد بها على ~~عادة الكوفيين في الرواية. . . كما مر في # باب الرواية في الجزء الأول من تاريخ آداب العرب. # أما بعد هؤلاء الرؤوس. وبعد أن انطوت أيامهم، فإن القراءة قد استوثق ~~أمرها ولم يعد للشاذ وجه ولا أقيم له وزن؛ إذ كانت قد دونت العلوم في اللغة ~~العربية وفي القراءات. وأخمل الناس أهل الشواذ، والخلفاء والأمراء فمن ~~دونهم، واعتدوا لهم السوء والإثم، ورأوا أمرهم الفتنة # التي لا يستقال فيها البلاء؛ فما زالوا بهم حتى قطع الله دابرهم وغابرهم. # هذا، وقد أورد ابن النديم في كتابه (الفهرست) أسماء كثير من أهل الشواذ ~~في كثير من الأمصار، فارجع إليه إن شئت تستقصي فيما لا يفيد. # * * * # PageV01P043 ### | قراءة التلحين # ومما ابتدع في القراءة والأداء، هذا التلحين الذي بقي إلى اليوم يتناقله ~~المفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم، ويقرأون به على ما يشبه الإقناع ~~وهو الغناء التقي. . . ومن أنواعه عندهم في أقسام النغم (الترعيد) وهو أن ~~يرعد القارئ صوته، قالوا كأنه يرعد من البرد ا ا # الألم. . . (والترقيص) وهو أن يروم السكوت على الساكن ثم ينقر مع الحركة ~~كأنه في عدو هرولة؛ (والتطريب) وهو أن يترنم بالقرآن ويتنغم به فيمد في غير ~~مواضع المد ويزيد في المد ما # أصاب موضعه، (والتحزين) وهو أن يأتي بالقراءة على وجه حزين يكاد يبكي مع ~~خشوع وخضوعا # ثم (الترديد) وهو رد الجماعة على القارئ في ختام قراءته بلحن واحد على ~~وجه من تلك الوجوه. # وإنما كانت القراءة تحقيقا، أو حدرا، أو تدويرا فلما كانت المائة الثانية ~~كان أول من قام بالتلحين والتطنين عبيد الله بن بكرة، وكانت قراءته حزنا ~~ليس على شيء من ألحان الغناء والحداء، فورث ذلك عنه حفيده عبد الله بن عمر ~~بن عبيد الله، فهو الذي يقال له قراءة ابن عمرة # وأخذها عنه الإباضي، ثم أخذ سعيد بن العلاف وأخوه ms025 عن الإباضي، وصار سعيد ~~رأس هذا القراءة في زمنه وعرفت به، لأنه اتصل بالرشيد فأعجب بقراءته وكان ~~يحظيه ويعطيه حتى عرف بين # الناس بقارئ أمير المؤمنين. # وكان القراء بعده: كالهيثم، وأبان، وابن أعين، وغيرهم ممن يقرأون في ~~المجالس المساجد، يدخلون في القراءة من ألحان الغناء والحداء، والرهبانية، ~~فمنهم من كان يدس الشيء من ذلك دسا خفيا، ومنهم من يجهر به حتى يسلخه، فمن ~~هذا قراءة الهيثم (أما السفينة فكانت لمساكين) فإنه كان يختلس المد اختلاسا ~~فيقرؤها (لمسكين) ، وإنما سلخه من صوت الغناء كهيئة # اللحن في قول الشاعر: # أما القطاة فإني سوف أنعتها نعتا ... يوافق عندي بعض (مفيها) # أي ما فيها، وكان ابن أعين يدخل الشيء من ذلك ويخفيه، حتى كان الترمذي ~~محمد بن سعيد في المائة الثالثة، وكان الخلفاء والأمراء يومئذ قد أولعوا ~~بالغناء وافتنوا فيه، فقرأ محمد هذه. # PageV01P044 # على الأغاني المولدة المحدثة، سلخها في القراءة بأعيانها. # وقال صاحب (جمال القراءة) : إن أول ما غني به القرآن قراءة الهيثم " أما ~~السفينة " كما تقدم، # فلعل ذلك أول ما ظهر منه. # ولم يكن يعرف من مثل هذا شيء لعهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا لعهد ~~أصحابه وتابعيهم إلا ما رواه # الترمذي في (الشمائل) واختلفوا في تفسيره؛ فقد روي بإسناده عن عبد الله ~~بن مغفل قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - على ناقة يوم الفتح (فتح ~~مكة) وهو يقرأ (إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر) # قال: فقرأ ورجع. وفسره ابن مغفل بقوله: آآآ بهمزة مفتوحة بعدها ألف ~~ساكنة، ثلاث مرات ولا خلاف بينهم في أن هذا الترجيع لم يكن ترجيع غناء. # وكان في الصحابة والتابعين رضي الله عنهم من يحكم القراءة على أحسن ~~وجوهها ويؤديها بأفصح مخرج وأسراه، فكأنما يسمع منه القرآن غضا طريا، ~~لفصاحته وعذوبة منطقه وانتظام نبراته، # وهو لحن اللغة نفسها في طبيعتها لا لحن القراءة في الصناعة، على أن كثيرا ~~من العرب كانوا يقرأون القرآن ولا يعفون ألسنتهم مما اعتادته ms026 في هيئة إنشاد ~~الشعر، مما لا يحل بالأداء، ولكنه # يعطي القراءة شبها من الإنشاد قريبا، لتمكن ذلك منهم وانطباع الأوزان في ~~الفطرة، حتى قيل في بعضهم: إنه يقرأ القرآن كأه رجز الأعراب. # وهذا عندنا هو الأصل فيما فشا بعد ذلك من الخروج عن هيئة الإنشاد إلى ~~هيئة التلحين، وخاصة بعد أن ابتدع الزنادقة في إنشاد الشعر هذا النوع الذي ~~يسمونه التغيير، ولم يكن معروفا من # إنشاد الشعراء قبل ذلك وهو أنهم يتناشدون الشعر بالألحان فيطربون ويرقصون ~~ويرهجون؛ # ويقال لمن يفعلون ذلك: المغبرة. وعن الشافعي رحمه الله. أرى الزنادقة ~~وضعوا هذا التغيير ليصدوا الناس عن ذكر الله وقراءة القرآن. # وبالجملة فإن التعبد بفهم معاني القرآن في وزن التعبد بتصحيح ألفاظه ~~وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالنبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وقد عد العلماء القراءة بغير هذا التجويد لحنا خفيا، لأن المختص بمعرفته ~~وتمييزه هم أهل القراءة الذين تلقوه من أفواه العلماء، وضبطوه من ألفاظ ~~أئمة أهل الأداء. # *** # PageV01P045 ### | لغة القرآن # الأصل فيمن نزل القرآن بلغتهم، قريش، وقد سلف لنا في مبحث اللغة كلام في ~~معنى الإصلاح الذي خلصت به لغتهم إلى التهذيب، وكيف واروا بينهم في لغات ~~العرب ممن كان # يجتمع إليهم من الحجيج أو ينزل بهم من العرب في كل موسم ومتسوق. وكان ~~طبيعيا أن يكون # القرآن بلغة قريش، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قريشي، ثم ليكون ~~هذا الكلام زعيم اللغات كلها كما # استمازت قريش من العرب بجوار البيت، وسقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام، ~~وغيرها من خصائصهم؛ وقد ألف العرب أمرهم ذلك واحتملوا عليه وأفردوهم به، ~~فلأن يألفوا مثله في كلام الله أؤلى. # وهذه حكمة بالغة في سياسة أولئك الجفاة وتألفهم وضم نشرهم، فإن هذا ~~القرآن لو لم يكن بلسان قريش ما اجتمع له العرب ألبتة ولو كانت بلاغته مما ~~يميت ويحيي، ثم كانوا لا يعدون في # اعتبارهم إياه أنه ضرب من تلك الضروب التي كانت لهم من خوارق العادات، ~~كالسحر والكهانة # وما إليهما، وهو ms027 الذي افترته قريش ليصرفوا به وجوه العرب ويميلوا رؤوسهم ~~عن الإصغاء إلى # النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: ساحر، وكاهن وشاعر، ومجنون. ~~وتقولوا من أمثال ذلك يبتغون به أن يحدثوا # في قلوب الناس لهذا الأمر خفة الشأن؛ وأن يهونوا عليهم منه بما هونته ~~العادة، وهم كانوا أعلم بعادات القوم وما يبلغ بهم، حين قعدوا يصدون عن ~~سبيل الله ويبغونها عوجا. # وههنا أصل آخر، وهو أن القرآن لو نزل بغير ما ألفه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من اللغة القرشية وما اتصل بها، كان ذلك مغمزا فيه، إذ لا تستقيم ~~لهم المقابلة حينئذ بين القرآن وأساليبه، وبين ما يأثرونه من # كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهون ذلك على قريش، ثم على العرب، ~~فيجدون لكل قبيلة مذهبا من القول فيه، # فتنشق الكلمة، ثم يصير الأمر من العصبية والمشاحنة والبغضاء إلى حال لا ~~يلتئم عليه أبدا، ولو أن شاعرا من شعرائهم ظهر فيهم بدين خيالي وأقامهم ~~عليه، لكان من الرجاء والاحتمال أن يستجيبوا # له دون صاحب القرآن الذي ينزل عليه بلغة غير لغة قبيلته. # وإنما وطأنا بهذا النبذ من القول لأن طائفة من الناس يذهبون إلى أن ~~القرآن لو هو قد نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - بغير القرشية، لكان ~~ذلك وجها من إعجازه تلتمس به الحجة ويستبين الظفر، ولخلى # عنه العرب فترة وعجزا. وهو زعم لا يقول به إلا أحد رجلين: من يدري كيف ~~يقول، أو من يقول # ولا يبالي أن يدري أنك مطلع منه على جهل وسفه. # ولما كان الوجه الذي أقبل به القرآن على العرب وجه تلك البلاغة المعجزة، ~~فقد كان من # PageV01P046 # إعجازه أن يأتيهم بأفصح ما تنتهي إليه لغات العرب جميعا، وإنما سبيل ذلك ~~من لغة قريش. # وهذه اللغات وإن اختلفت في اللحن والاستعمال، إلا أنها تتفق في المعنى ~~الذي من أجله صار العرب جميعا يخشعون للفصاحة من أي قبيل جاءتهم، وهذا ~~المعنى هو مناسبة التركيب في أحرف الكلمة # الواحدة. ثم ملاءمتها للكلمة التي بإزائها، ثم اتساق ms028 الكلام كله على هذا ~~الوجه حتى يكون الذي # يصب في الأذن صبا، فيجري أضعفه في النسق مجرى أقواه، لأن جملته مفرغة على ~~تناسب واحد. # وقد استوفى القرآن أحسن ما في تلك اللغات من ذلك المعنى، وبان منها بهذه ~~المناسبة العجيبة التي أظهرته على تنوعه في الأوضاع التركيبية مظهر النوع ~~الواحد وهي مناسبة معجزة في # نفسها، لأن التأليف بين المواد المختلفة على وجه متناسب ممكن، ولكن ~~التأليف بينها على وجه يجمعها ويجمع الأذواق المختلفة عليها كما اتفق ~~القرآن، أمر لا يقول بإمكانه من يعرف معنى الإمكان. # وسنفصل ذلك في موضع هو أملك به متى انتهينا إلى القول في حقيقة الإعجاز. # أما اللغات التي نزل بها القرآن غير لغة قريش، فهي لغة بني سعد بن بكر ~~الذين كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مسترضعا فيهم، وهي إحدى لغات ~~العجز، من هوازن، ثم سائر هذه اللغات وهي جشم بن بكر، # ونصر بن معاوية وثقيف، وتلك هي أفصح لغات العرب جملة، ثم خزاعة، وهذيل، ~~وكنانة، وأسد وضئة، وكانوا على قرب من مكة يكثرون التردد إليها ومن بعدهم ~~قيس وألفافها التي في وسط الجزيرة. # قال بعض العلماء: وقد كانت في القرآن ألفاظ من لغات أخرى كقوله: # (لا يلتكم من أعمالكم) أي لا ينقصكم بلغة بني عبس، ونقل الواسطي في كتابه ~~الذي وضعه في القراءات العشر # أن في القرآن من أربعين لغة عربية، وهي: قريش، وهذيل، وكنانة، وخثعم، ~~والخزرج، وأشعر، ونمير، وقيس عيلان، وجرهم، واليمن، وأزد شنوءة، وتميم، ~~وكندة، وحفير، ومدين، ولخم، # وسعد العشيرة، وحضر موت، وسدوس، والعمالقة، وأنمار، وغسان، ومذحج، ~~وخزاعة، وغطفان، وسبأ، وعمان، وبنو حنيفة، وثعلب، وطي، وعمر بن صغصعة، ~~وأوس، ومزينة، وثقيف، وجذام، وبلى، وعذرة، وهوازن، والنمر، واليمامة. 1 ه. # ولا سبيل إلى تحقيق ذلك؛ لدروس هذه اللغات وتداخلها وتقطع أسباب المقارنة ~~بينها وبين لغة قريش التي مضوا على استعمالها بعد القرآن وأطبقوا عليها، ~~والعلماء إنما يذكرون من أكثر هذه # اللغات في القرآن الكلمة والكلمتين، إلى الكلمات القليلة؛ وانظر أين يقع ~~مبلغ ذلك ms029 من لغة بجملتها؟ # ولقد ائتلفت لغة القرآن الكريم على وجه يستطيع العرب أن يقرأوه بلحونهم ~~وإن اختلفت # PageV01P047 # وتناقضت؛ ثم بقي مع ذلك على فصاحته وخلوصه. لأن هذه الفصاحة هي في الوضع ~~التركيبي، كما أومأنا إليه آنفا، وتلك سياسة لغوية استدرج بها العرب إلى ~~الإجماع على منطق واحد ليكونوا # جماعة واحدة، كما وقع ذلك من بعد؛ فجرت لغة القرآن على أحرف مختلفات في ~~منطق الكلام، كتحقيق الهمز وتخفيفه، والمد والقصر، والفتح والإمالة وما ~~بينهما، والإظهار والإدغام؛ وضم # الهاء وكسرها من عليهم وإليهم، وإلحاق الواو فيهما وفي لفظتي منهمو ~~وعنهمو، وإلحاق الياء في، إليه وعليه وفيه، ونحو ذلك، فكان أهل كل لحن ~~يقرأونه بلحنهم. # وربما استعمل القرآن الكلمة الواحدة على منطق أهل اللغات المختلفة فجاء ~~بها على وجهين، لمناسبة في نظمه: كبراء، وبريء، فإن أهل الحجاز يقولون: أنا ~~منك براء، لا يعدونها، وتميم وساثر العرب يقولون: أنا منك بريء، واللغتان: ~~في القرآن. وكذلك قوله: (فأسر بأهلك) ، # قوله: (والليل إذا يسر) فإن الأولى لغة قريش؛ يقولون: أسريت؛ وغيرهم من ~~العرب يقولون: # سريت، وهذا باب من اللغة لم يقع إلينا مستقصى؛ ولكن علماء الأدب ربما ~~أشاروا إلى بعض ألفاظه في كتبهم، كما تصيب من ذلك في " الكامل للمبرد ~~وغيره. # وبالوجوه التي أومأنا إليها تختلف القراءات على حسب الطرق التي تجيء ~~منها؛ فالناقلون عمن قرأ بلغة قبيلة ينقلون بتلك اللغة في الأكثر، ولذا ~~قيل: إن القراءات السبع متواترة فيما لم يكن من قبيل الأداء أما ما هو من ~~قبيله كالمد والإمالة ونحوها فغير متواتر، وهو الوجه المتقبل. # ولقد أحصى علماء القراءة في كتبهم ما ورد من ألفاظ القرآن على أحد تلك ~~الوجوه، ومن # PageV01P048 # قرأ بها كلها أو بعضها من الأئمة، وهي عناية ليس أوفى منها، ولا يعرف من ~~مثلها لغيرهم ولغير أهل الحديث في أمة من الأمم: غير أنهم - عفا الله عنهم ~~- أسقطوا من كتبهم كل ما يتعلق بالنسبة # التاريخية في اللغات نفسها، إلا ما لا حفل به، وقد أشبعنا القول من هذا ~~المعنى ومن ms030 الحسرة عليه في باب اللغة من التاريخ، ولكن القول نهم لا يزال ~~يشره فيسيل به لعاب القلم. . كلما توهم لذة الفائدة وطعمها! . # *** # PageV01P049 ### | الأحرف السبعة # وروى أهل الأثر حديثا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو قوله: " ~~أنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل # منها ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع " ثم اختلفوا في تأويله وفي ~~تفسير هذا الأحرف ولكن الأكثرين على أنها سبع لغات من لغات قريش وألفافها ~~من ظواهر مكة إلى قيس. # وقد سميناها آنفا، وذلك قول لا تخرج عليه إلا بعض ألفاظ الحديث ويبقى ~~سائرها غير متجه. # وقال بعض العلماء: إني تدبرت الوجوه التي تختلف بها لغات العرب فوجدتها ~~على سبعة، # أنحاء لا تزيد ولا تنقص، وبجميع ذلك نزل القرآن: الوجه الأول إبدال لفظ ~~بلفظ: كالحوت بالسمك وبالعكس، وكالعهن المنفوش قرأها ابن مسعود: كالصوف ~~المنفوش، والثاني إبدال # حرف بحرف كالتابوت والتابوه - وقد مر بك أنها كانت كتابة زيد بن ثابت حتى ~~غيرها عثمان - رضي الله عنه. # - والثالث تقديم وتأخير، إما في الكلمة، نحو: سلب زيد ثوبه وسلب ثوب زيد. ~~وإما في الحرف، نحو: أفلم ييأس وأفلم يايس؛ # والرابع زيادة حرف أو نقصانه، نحو: ماليه وسلطانيه، # فلا تك في مرية؛ # والخامس اختلاف حركات البناء، نحو: فلا تحسبن (بفتح السين وكسرها) ، # والسادس اختلاف الإعراب، نحو: " ما هذا بشرا "، # وقرأ ابن مسعود بالرفع، # والسابع التفخيم والإمالة، وهذا اختلاف في اللحن والتزيين لا في نفس ~~اللغة، والتفخيم أعلى وأشهر عند فصحاء العرب، وقد مر معنى ذلك - # قال: فهذه الوجوه السبعة التي بها اختلفت لغات العرب قد أنزل الله ~~باختلافها القرآن متفرقا فيه، ليعلم بذلك أن من زل عن ظاهر التلاوة بمثله ~~أو من تعذر عليه ترك عادته (اللغوية) فخرج # إلى نحو مما قد نزل به فليس بملوم ولا معاقب عليه؛ وكل هذا فيما إذا لم ~~يختلف في المعانى. اه. # وهو قول حسن يحمل به الحديث على معنى القراءات التي هي في الأصل فروق ~~لغوية، # وإن كان بعض الأحرف قد قرئ ms031 بسبعة أوجه وبعشرة، نحو: (مالك يوم الدين) و ~~(عبد الطاغوت) . # PageV01P050 # والذي عندنا في معنى الحديث: أن المراد بالأحرف اللغات التي تختلف بها ~~لهجات العرب، حتى يوسع على كل قوم أن يقرؤوه بلحنهم، وما كان العرب يفهمون ~~من معنى الحرف # في الكلام إلا اللغة، وإنما جعلها سبعة رمزا إلى ما ألفوه من معنى الكمال ~~في هذا العدد، # وخاصة فيما يتعلق بالإلهيات: كالسموات السبع، والأرضين السبع، والسبعة ~~الأيام التي برئت فيها # الخليقة وأبواب الجنة والجحيم، ونحوها، فهذه حدود تحتوي ما وراءها بالغا ~~ما بلغ؛ وهذا الرمز من ألطف المعاني وأدقها: إذ يجعل القرآن في لغته ~~وتركيبه كأنه حدود وأبواب لكلام العرب # كله، على أنه مع ذلك لا يبلغ منه شيء في المعارضة والخلاف، وإن تماد ~~العرب في ذلك إلى الغاية، إذ هو لغات تنزل من أهلها منزلة السموات ممن ~~ينظرونها، والأرضين ممن يضربون فيها، # وهلم إلى آخر هذا الباب، فذلك قولهم بأفواههم، وهذا قول الله الذي ~~يكابرون فيه ويطمعون أن يسامتوه بأقوالهم، وما لهم منه إلا أن يهتدوا به ~~وينتفعون بما فيه كما ينتفعون بالسماء والأرض دون # أن يكون لهم من أمرهما شيء. ثم أشار أفصح العرب - صلى الله عليه وسلم - ~~بظهر كل حرف وبطنه وحده ومطلع كل # حد إلى حقيقة هذا الإعجاز، فإن ظاهر القرآن على أي لغة قرئ بها من لغات ~~العرب إنما هو ظاهر تلك اللغة بعينها، ولكن باطنه صورة السماء في الماء، ~~ومسميات إلهية لا تنال وإن نيلت # الأسماء، ثم إن لكل لغة في امتزاجها بالقرآن حدا يقف عنده أهلها، وهو ~~الحد الذي تبتدئ منه # PageV01P051 # الجنسية اللغوية، ولكل حد من هذه الحدود مطلع يصدر منه إلى مرتقى هذه ~~الجنسية التي كان # القرآن أخص مقوماتها، وذلك في جملته إنما هو الإعجاز كله، والهدى كله، ~~والكمال كله. # ولسنا ننكر أن هذا التأويل قد يكون بعيدا بدقائقه عن متناول أذهان العرب، ~~ولا أن فيه شبه من الكد، ولكنه على كل حال قريب ممن ورثوا العرب في لغتهم ~~وقصروا عنهم في فهم ms032 حقائق # الإعجاز بتقصير الفطرة فيهم، ثم لا بد أن يكون العرب قد فهموا الحديث على ~~نحو مما يؤدي تفسيرنا الذي ذهبنا إليه، إذ لا يعرفون من الحرف وظهره وبطنه؛ ~~والحد والمطلع غير الصفات التي # تتعلق باللغة، ولأمر ما كان كلام النبوة خالدا كأنه قيل في كل عصر لأهله ~~وقبيله. # وكأن هذا الزمان إنما هو شاهد يجيء بالبينة على صحة تأويله. # ولو أن هذا الحديث قد جاء تأويله نص على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يعين المراد منه، لما اختلفت أقوال # العلماء فيه، وما داموا قد اختلفوا فدعنا نختلف معهم ونأخذ بالأشبه ~~والأمثل مما يوافق القرآن نفسه، وقد أنزله الله الذي أنزل السكينة في قلوب ~~المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم: فإن ذهبت # مذهبنا؛ وإلا فخذ مما أحببت أو دع! . # *** # PageV01P052 ### | مفردات القرآن # وفي القرآن ألفاظ اصطلح العلماء على تسميتها بالغرائب؛ وليس المراد ~~بغرابتها أنها منكرة أو نافرة أو شاذة، فإن القرآن منزه عن هذا جميعه، ~~وإنما اللفظة الغريبة ههنا هي التي تكون حسنة # مستغربة في التأويل؛ بحيث لا يتساوى في العلم بها أهلها وسائر الناس. # وجملة ما عدوه من ذلك في القرآن كله: سبعمائة لفظة أو تزيد قليلا؛ جميعها ~~روي تفسيره بالسند الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو ذلك المعجم ~~اللغوي الحي الذي كانوا # يرجعون إليه، كان رحمه الله يقول: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا ~~الحرف من القرآن الذي # أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه. # ولقد كان رضي الله عنه يجلس بفناء الكعبة ثم يكتنفه الناس يسألونه عن ~~التفسير وثبته من # كلام العرب، وأسئلة نافع بن الأزرق التي ألقاها عليه وأومأنا إليها في ~~باب الرواية من تاريخ آداب العرب - مشهورة، وقد أجابه عليها ابن عباس، ~~واستشهد لجوابه بنيف وتسعين بيتا من الشعر # العربي الفصيح، فلا نطيل بسردها؛ فإن الكلام يتسع بما لا فائدة منه إلا ~~معرفة الألفاظ وتفسيرها. # ومنشأ الغرابة فيما عدوه من الغريب أن يكون ذلك من لغات متفرقة، أو تكون ~~مستعملة على ms033 وجه من وجوه الوضع يخرجها مخرج الغريب: كالظلم، والكفر، ~~والإيمان، ونحوها مما نقل عن # مدلوله في لغة العرب إلى المعاني الإسلامية المحدثة، أو يكون سياق ~~الألفاظ، قد دل بالقرينة على معنى معين غير الذي يفهم من ذات الألفاظ، ~~كقوله تعالى: (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18) . # أي فإذا بيناه فاعمل به. # وكان الصحابة - رضي الله عنهم - يسمون فهم هذا الغريب (إعراب القرآن) ~~لأنهم يستبينون معانيه ويخلصونها؛ وقد روى أبو هريرة في ذلك: # " أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه " # وبهذا الأثر ونحوه مما تأتي فيه لفظة (الإعراب) زعم طائفة من أبناء ~~الطيالسة وطائفة من قومنا الذين في # قلوبهم مرض، أن اللحن - أي الزيغ عن الإعراب - كان يقع من الصحابة في ~~القرآن لعهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، # ضلة من القائلين، وذهابا إلى معنى (الإعراب) النحوي، ثم غفلة عن لغة ~~الإصطلاح، والاصطلاح في أهله ضرب من الوضع: لا يحمل على كلامهم غير ما ~~حملوه عليه. # PageV01P053 # وكذلك عد العلماء في القرآن من غير لغات العرب أكثر من مائة لفظة، ترجع ~~إلى لغات الفرس والروم والنبط والحبشة والبربر والسريان والعبران والقبط، ~~وهي كلمات أخرجتها العرب # على أوزان لغتها وأجرتها في فصيحها فصارت بذلك عربية، وإنما وردت في ~~القرآن لأنه لا يسد مسدها إلا أن توضع لمعانيها ألفاظ جديدة على طريقة ~~الأول، فيكون قد خاطب العرب بما لم # يوقفهم عليه، وما لا يدركون بفطرتهم اللغوية وجه التصرف فيه، وليس ذلك ~~مما يستقيم به أمر # ولا هو عند العرب من معاني الإعجاز في شيء، لأن الوضع يعجز أهله، وهم ~~كانوا أهل اللغة. # ولذا قال العلماء في تلك الألفاظ المعربة التي اختلطت بالقرآن: إن ~~بلاغتها في نفسها أنه لا يوجد غيرها يغني عنها في مواقعها من نظم الآيات، ~~لا إفرادا ولا تركيبا، وهو قول يحسن بعد الذي بيناه. # ومن ألفاظه ما يسميه أهل اللغة بالوجوه والنظائر، والأفراد. # أما الوجوه والنظائر فهي الألفاظ التي وردت فيه بمعان مختلفة: كلفظ ~~الهدى، فإنه فيه على سبعة عشر وجها، بمعنى: الثبات، والدين، والدعاء، ~~ونحوها. ومن ms034 هذه الألفاظ: الصلاة، والرحمة، والسوء، والفتنة، والروح، ~~وغيرها. # وكلها مما يتبسط في استعماله بوجوه من القرائن # وسياسة القرينة في العربية شريعة من شرائع الألفاظ. # وأما الأفراد فهي ألفاظ تجيء بمعنى مفرد غير المعنى الذي تستعمل فيه ~~عادة، ولابن فارس في إحصاء هذا النوع كتاب قال فيه: كل ما في القرآن من ذكر ~~الأسف فمعناه الحزن، إلا قوله: # (فلما آسفونا انتقمنا منهم) فمعناه: أغضبونا. # وكل ما فيه من ذكر البروج فهي الكواكب، إلا قوله: # (ولؤ كنتم في بروج مشيدة) فهي القصور الطوال الحصينة. # وكل ما فيه من ذكر البر والبحر؛ فالمراد بالبحر: الماء، وبالبر: التراب، ~~إلا قوله: (ظهر الفساد في البر والبحر) فالمراد به البرية والعمران. # وعد من مثل ذلك هو وغيره أشياء؛ فهذا ما يسمونه في لغة القرآن بالأفراد. # *** # PageV01P054 ### | تأثير القرآن في اللغة # لا نتكلم في هذا الفصل عن الوجوه اللغوية التي ابتدعها القرآن في الكلام ~~فصارت من بعده نهج الألسنة والأقلام، ولا عن وجوه تأثيره باللغة: فإن لكل ~~من ذلك موضعا هو أملك به، وإنما # نقص لك طرفا من القول في هذه اللغة كيف ظهرت في آياته للزمان حتى لا يظن ~~أنها لغة عصرها، # وكيف بهرت بغاياته في البيان حتى ليقال إنها لغة دهرها، وكيف جاوز بها ~~قدرها الطبيعي بعد أن صار هو من قدرها. # نزل القرآن الكريم بهذه اللغة على نمط يعجز قليله وكثيره معا، فكان أشبه ~~شيء بالنور في جملة نسقه، إذ النور جملة واحدة وإنما يتجزأ باعتبار لا ~~يخرجه من طبيعته، وهو في كل جزء من # أجزائه وفي أجزائه جملة لا يعارض بشيء إلا إذا خلقت سماء غير السماء، ~~وبدلت الأرض غير # الأرض، وإنما كان ذلك لأنه صفى اللغة من أكدارها، وأجزاها في ظاهرها على ~~بواطن أسرارها. # فجاء بها في ماء الجمال أملا من السحاب، وفي طراءة الخلق أجمل من الشباب، ~~ثم هو بما تناول بها من المعاني الدقيقة التي أبرزها في جلال الإعجاز، ~~وصورها الحقيقة وأنطقها بالمجاز، وما ركبها به من المطاوعة في تقلب ~~الأساليب، ms035 وتحول التراكيب إلى التراكيب، قد أظهرها مظهرا لا # يقضى العجب منه، لأنه جلاها على التاريخ كله لا على جيل العرب بخاصته، ~~ولهذا بهتوا لها حتى لم يتبينوا أكانوا يسمعون بها صوت الحاضر أم صوت ~~المستقبل أم صوت الخلود؛ لأنها هي # لغتهم التي يعرفونها، ولكن في جزالة لم يمضغ لها شيح ولا قيصوم، ورقة غير ~~ما انتهى إليهم من أمر الحاضرة. # وهذا معنى ليس أظهر منه في إعجاز القرآن، فإن اللغة لا تشب عن أطوار ~~أهلها متى كانت من غرائزهم، وإنما تكون على مقدارهم ضعفا وقوة لأنها صورتهم ~~المتكلمة وهم صورتها المفكرة، فهي ألفاظ معانيهم وهم في الحقيقة معاني ~~ألفاظها؛ ولذلك لا تزيد عليهم # ولا ينقصون عنها ما دام رسمهم لم يتغير وما دامت عادتهم لم تنتقل، فإن ~~سنح لامرئ من أهل النظر أن يستدل في لغة من اللغات على آثار أمتها بنوع من ~~القيافة المعنوية؛ كما يستدل صاحب القيافة # النظرية من الأثر في الطريق على مذهب صاحبه لا يخطئه، وعلى بعض صفاته لا ~~يتعداها - فذلك # ممكن لا تهن فيه القوة ولا يبلغ به الإعياء، متى هو تقدم فيه بالذهن ~~الثاقب وتعاطاه بالقريحة النافذة، لأنه يستظهر من اللغة الصفات على ~~الموصوف، ويجعل المعروف قياسا لغير المعروف. # وأنت إذا صبغت يدك بهذا الفن من القيافة اللغوية، وحاولت أن تستخرج من ~~لغة القرآن ما # يصف لك العرب على أخلاقهم وطباعهم ومبلغهم من العلم؛ فإنك تحاول محالا، ~~وتكابر فيما يأبى عليك وما ليس في الحيلة إليه غير المكابرة، حتى إن الذي ~~لا يعتقد مستبصرا أن هذا القرآن # PageV01P055 # من عند الله إذا هو نظر فيه وأثبت حقيقته وقوي على تمييزها وكان ممن ~~ينزلون على حكم النظم # والمعرفة، فإنه لا يجد مناصا من رد التاريخ والتكذيب له، ثم الإقرار بان ~~هذا القرآن إنما هو أثر # من لغة قوم جاوزوا في الحضارة حد أهلها من سائر الأجيال. وبلغوا من أحوال ~~المدنية أرقى هذه الأحوال، وكانوا من العلوم في مقام معلوم، لأن هذا الماء ~~الصافي الذي يترقرق في ms036 عبارته، وهذا # النظم الجيد الوثيق، وما اشتمل عليه من بدائع الأوصاف، وما فيه من روائع ~~الحكمة ثم ما احتوى عليه من إشارات المماء إلى الأرض، وضراعة الأرض للسماء، ~~إلى ما حله من معضلات # الاجتماع، وكشفه من وجوه السياستين النفسية والقومية، لا يكون ألبتة في ~~لغة أمة قد أناخت بها أخلاق البداوة في ساقة الأمم حتى عبدت الأصنام، ولم ~~تعرف من الشرائع غير شريعة الإلهام، وما # ملكها من ملوك الدهر غير سلطان الأهام. # فهو إذا قرأ قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين ~~إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أؤ كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ~~وقل لهما قؤلا كريما (23) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما ~~كما ربياني صغيرا (24) ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان ~~للأوابين غفورا (25) وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر ~~تبذيرا (26) إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ~~(27) وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قؤلا ميسورا (28) ~~ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا (29) ~~إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (30) ولا ~~تقتلوا أؤلادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا (31) ~~ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا (32) ولا تقتلوا النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل ~~إنه كان منصورا (33) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ ~~أشده وأؤفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا (34) وأؤفوا الكيل إذا كلتم وزنوا ~~بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا (35) ولا تقف ما ليس لك به علم إن ~~السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا (36) ولا تمش في الأرض مرحا ~~إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا (37) كل ذلك كان سيئه عند ربك ~~مكروها (38) . # نقول: إذا هو قرأ هذه الآيات البينات ثم تدبرها وأحسن حملها ms037 وتأويلها ولم ~~يكن كدر الحس ولا مريض الذوق، فإن أحرفها تسطع له من نور الأخلاق بما يرى ~~فيه أمة تضج في الحضارة وتختبط، ومدنية تضطرب في أهلها وتختلط، فلو أن ~~أعضاء المجمع العلمي الفرنسي لعهدنا أرادوا مخاطبة أمتهم التي أوهاها الترف ~~بلينه، وأخذت في ظن الإثم بيقينه. # ورقت فيها الأعراض وبدأ نسلها في الانقراض، وتغالت في وجوه المدح والذم، ~~وسبح شرف أهلها يغتسل في الدم. وهبت فيها الرذائل بأنواعها، ورمتها كل أمة ~~من أمم الأرض بدائها واسترسلت أخلاق # الفتنة بين جراثيمها، وأوشك أن يتصل ما بين تقيها وأثيمها. # واجتمعت فيها النقائض اجتماع # PageV01P056 # جوار، لا اجتماع نفار، من الإلحاد والإيمان، والصلة والحرمان، والحب الذي ~~هو كالدين والعبادة إلى البغض الذي هو كالطبيعة والعادة، والائتلاف الذي ~~ليس له تلاف، والإمساك الذي # ليس له مساك، إلى غير مما هو ألوان صورتها الاجتماعية التي هرمت وهي مع ~~ذلك تتصابى، # وعلمت وهي على ذلك تتغابى، قلنا: لو أن أولئك النفر أرادوا مخاطبة هذه ~~الأمة على أن يتخولوها بالموعظة، لما أصابوا في غرضهم أسد ولا أحكم ولا ~~أبلغ من تلك الآيات، يعرضونها # على القوم فيبصرونهم صورة مجموعهم في مرآتها، ويعرفونهم مبلغ سيئاتهم من ~~حسناتها؛ وينفضون إليهم جملة الحال في شبه الإيجاز النظري من كلماتها فلو ~~أن ذلك واقع ثم أثرت عن القوم هذه الموعظة ورواها التاريخ بعد الأمد ~~المتطاول، لما استطاع امرؤ ذو علم بالتاريخ وفلسفته # أن ينكر أن المراد بها الأمة الفرنسية بعينها في القرن العشرين بعينه، ~~وانظر أين ما بدأت مما انتهيت؟ # وما دام ذلك قد تحقق في المعاني، وكانت هي سبيلا إلى الاستدلال عليه، ~~فالاستدلال # بالألفاظ ومسابقتها لتلك المعاني في الدقيق والجليل أيسر وأسهل. # فلا مذهب لمن يفهم الكتاب الكريم، ويقف على دفائن الحكمة فيه إلا أن يدفع ~~به المذهب إلى إحدى اثنتين: إما أن يعتقد أنه أنزله الذي يعلم الغيب في ~~السموات والأرض، فجاء كما يراه: # أمرا من أمر الله، وإما أن ينكر هذا ويعتقد أن القرآن الذي بعث به النبي ~~الأمي ms038 في أولئك الأميين # إنما وضع في زمن كانت فيه الأمة العربية غير نفسها، وكانت بالغة ما شاء ~~الله من علم وجهل، # وحضارة وبداوة، وصلاح وفساد؛ إذ يجد ما يصف كل ذلك على حقيقته الصريحة في ~~القرآن. # وأيهما أنكر وأيهما أقر، فإنه سبيل الحجة إليه ينحوها، وهو يظن أنه ~~يمحوها. ويكشفها، ويحسب أنه يكسفها (بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ~~(70) . . . . # ومن المعلوم بالضرورة أن القرآن قد جمع أولئك العرب على لغة واحدة، بما ~~استجمع فيها من محاسن هذه الفطرة اللغوية التي جعلت أهل كل لسان يأخذون بها ~~ولا يجدون لهم عنها مرغبا، إذ يرونها كمالا لما في أنفسهم من أصول تلك ~~الفطرة البيانية، مما وقفوا على حد الرغبة # فيه من مذاهبها دون أن يقفوا على سبيل القدرة عليه. ومن شأن الكمال ~~المطلوب إذا هو اتفق في شيء من الأشياء - كهذا الكمال البياني في القرآن - ~~أن يجمع عليه طالبيه مهما فرقت بينهم الأسباب المتباينة، والصفات ~~المتعادية؛ ولولا ذلك ما سهل أن تنقاد الجماعات في أصل تكوينها منذ البدء # انقيادا يكون عنه هذا الأثر الوراثي في طاعة الأمم لشرائعها؛ ثم لملوكها ~~وأمرائها، مع ما تسام # PageV01P057 # الأمة لذلك في باب من أبواب الإمرة والحكم والتسلط، كما أن من شأن النقص ~~إذا تمثل في شيء # أن يزيد في تفريق من يفترقون عنه إذا توهموه، حتى تتسع بينه وبينهم ~~الغاية. # وقد كان العرب على حال يتوهم فيها كل قبيل منهم أنه أسلم فطرة في اللغة ~~وأبين مذهبا في البيان، لأنهم لا يجدون من ذلك إلا أمثلة ترجع إلى الفطرة ~~وتختلف باختلافها، ولا يجدون # المثال الفطري الكامل الذي تقاس إليه القدرة والعجز في ذلك قياسا لا ~~يلتاث ولا يختلف، ولا يحط من صنف حقه أن يزاد فيه، ولا يزيد في صنف حقه أن ~~يحط منه. # ومن أعضل الأمور وأشدها التباسا أن يكون امرؤ من الناس قادرا على أن يقيس ~~ببيانه، أو علمه بمذاهب البيان - قدرة أقوام وعجزهم في أمر معنوي كاللغة، ~~متى كانت مذاهبهم إلى أنواع # من ms039 الاختلاف في القدرة والعجز، وخاصة إذا كان أمر اللغة فيهم إلى السليقة ~~والفطرة، فإن من ينتصب لذلك وإن أراد أن يسقط، وحاول أن لا يحول - فهو لا ~~بد مخطىء تعيين المراتب في # المقدار الفاضل، وتعيين ما يقابلها في المقدار المفضول، ثم مخطىء في ~~تمييل الحكم بين المقدارين، ولا يجيء من رأيه إلا بما تعرض فيه الخصومة أو ~~تطول، لأن قياس مثل ذلك من الفطرة لا يتهيأ إلا بعمل يحتوي كل دقائقها وما ~~يمكن أن تبلغ إليه من الكمال المطلق الذي هو # الحد الأعلى في طبيعة تركيبها، ومثل هذا لا يكون ألبتة من إنسان ينزل على ~~حكم هذه الفطرة # نفسها، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولأن قابل الكمال لا يكون في نفسه حدا ~~للكمال، ومن أجل # هذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أنه أفصح ذي لسان وأبلغ ذي ~~لب، لا يقاس كلامه بالقرآن، ولا يقع # منه إلا كما يقع سائر الكلام، مع أنه بين كلام الناس الغاية التي ليس ~~بعدها ما يقال فيه إنه بعدها، # كما ستقف عليه في موضعه. # فيلزم من ذلك أن يكون القياس الذي أشرنا إليه أمرا فوق الطبيعة وليس ~~فوقها الا أمر الله، وهو القائل عز وجل: # (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) قرآنا ~~عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون (28) . # وينبغي لك أن تطيل النظر في قوله تعالى: (غير ذي عوج) وتقف على موقع هذا ~~الفصل من الآية، وتتأمل لفظة (العوج) فضل تأمل، فإنك لا تثير دفائنها ~~البيانية إلا إذا حملتها على ما ذهبنا إليه. # فتراها تصف القرآن بأنه فطرة هذه الفطرة العربية نفسها. وإنها لكلمة من ~~الوصف الإلهي ترجح في موقعها بالكلام الإنساني كله. # فقد وضح لك أنه لولا القرآن وأسراره البيانية ما اجتمع العرب على لغته، ~~ولو لم يجتمعوا لتبدلت لغاتهم بالاختلاط الذي وقع ولم يكن منه بد، حتى ~~تنتقض الفطرة وتختبل الطباع، ثم يكون مصير هذه اللغات إلى العفاء لا محالة، ~~إذ لا يخلفهم عليها إلا ms040 من هو أشد منهم اختلاطا # PageV01P058 # وأكثر فسادا، وهكذا يتسلسل الأمر حتى تستبهم العربية فلا تبين - وهي أفصح ~~اللغات - إلا بضرب # من إشارة الآثار، وتنزل منزلة هذا (الهير غليف) الذي قبره المصريون في ~~الأحجار وأحيته هذه الأحجار. # وذلك، معنى من أبين معاني الإعجاز، إذ لا تجده اتفق في لغة من لغات الأرض ~~غير العربية، وهو لم يتفق لها إلا بالقرآن، ولقد كان أسلوبه البياني الذي ~~جمع له العرب هو الذي # اقتضى ما أحدثه العلماء بعد ذلك من تتبع اللغات وتدوينها ورواية شواهدها، ~~والتحفل لها؛ فكان صنيعهم صلة بين اللغة وبين العلوم التي أفرغت عليها من ~~بعد، لأن لغة من اللغات لا تحيا ولا # تموت إلا بحسب اتصالها بمادة العلم الذي به حياة أهلها وموتهم، وهي لا ~~يلبسها العلم إلا إذا كانت قشيبة محكمة، لا تضيق عن أنواعه وفروعه ولا ~~يخلقها الاستعمال. # وإنما شباب هذه الحياة اللغوية أن تكون اللغة لينة شديدة كما يكون كمال ~~الإنسان بقوة الخلق والخلق: وهذا وجه لو لم يقمها عليه القرآن لما استقامت ~~أبدا، ولا وقفت على طريقه، ولا # تلاقى فيه آخرها باولها، لما أومأنا إليه. # وسنزيد هذا لمعنى بيانا إن شاء الله. # ويبقى وجه آخر من تأثير القرآن في اللغة، وهو إقامة أدائها على الوجه ~~الذي نطقوا به، # وتيسير ذلك لأهلها في كل عصر، وإن ضعفت الأصول واضطربت الفروع، بحيث لولا ~~هذا الكتاب الكريم لما وجد على الأرض أسود ولا أحمر يعرف اليوم ولا قبل ~~اليوم كيف كانت تنطق # العرب بألسنتها وكيف تقيم أحرفها وتحقق مخارجها. # وهذا أمر يكون في ذهابه ذهاب البيان العربي جملته أو عامته، لأن مبناه ~~على أجراس الحروف واتساقها، ومداره على الوجه الذي تؤدى به الألفاظ، وأنت ~~قد ترى الضعفاء الذين لا يحكمون منطقهم وما يصنعون بالأساليب المدمجة ~~والفقر المتوثقة إذا هم تعاطوها فنطقوا بها، # حتى ليصير معهم أجود الكلام في جزالته وقوة أسره وصلابة معجمه إلى ~~الفسولة والضعف، وإلى البرد والغثاثة، كأنما يموت في ألسنتهم موتا لا رحمة ~~فيه. . # لا جرم ms041 أن اللغة التي يذهب منها ذلك لا ينطق بها إلا على الحكاية ~~السقيمة، ولا جرم أن بعض السقم يدفع إلى بعضه، وأن جملة ذلك تفضي إلى ~~الموت. # فهذه معافي سامية غريبة انفردت بها العربية، ولولا القرآن ما كانت فيها ~~وما ينبغي لها بكلام غيره؛ إذ ليس في غيره ما يبلغ أن يكون حدا للكمال ~~اللغوي في الفطرة، فيتعلق بمثل أثره في العرب وأحوالهم وتاريخهم، أو يقع من ~~ذلك على مقدار مقسوم، أو يكون له فيه حق معلوم. # (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ~~ولؤ كان بعضهم لبعض ظهيرا (88) . # صدق الله العظيم، ومن أصدق من الله قيلا؟!! . # PageV01P059 ### | الجنسية العربية في القرآن # لك بعض ما تناصرت عليه الأدلة واجتمعت على صحته، من تأثير القرآن في ~~اللغة وما أصلح الله لأهلها في هذه البقية، حفظا لكتابه، وإظهارا لوجه من ~~وجوه إعجازه الخالدة؛ ولكن # هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم. وحسبه معجزة ما تقول فيه من صفة الجنسية ~~العربية التي جعل # الأمم أحجارا في بنائها والدهر على تقادمه كأنه أحد أبنائها، وأقام منها ~~مغضلة سياسية، في # الأرض وضعها ونقدها، وفي السماء حلها وعقدها، وشد بها المسلمين فهم إذا ~~ائتلفوا انضموا # كالبنيان المرصوص، وإذا تفرقوا سطعوا في تيجان الممالك كالفصوص، وما إن ~~يزالوا في التاريخ # مرة أضوله، ومرة فصوله، وإن لم يقوموا أحيانا بالدين، قام بهم هذا الدين ~~إلى حين، وكيف وقد # جمعهم الكتاب الذي أنزل من السماء فكان مثال آدابها، وانتشر في الأرض ~~فكان خلعة شبابها، # ودعا إليه الناس على اختلافهم فكأنما (كل أمة تدعى إلى كتابها) . # ونحن فقد نعلم أن هذه المعجزة ليست إلى اللغة في مردها من الفائدة، فإنما ~~هي ترمي إلى وحدة سياسية تكون كالنبض لقلب هذا العالم كما سيأتيك. بيد أن ~~سبيل ذلك من اللغة، فإن # القرآن تنزل من العرب منزلة الفطرة اللغوية التي يساهم فيها كل عربي ~~بمقدار ما تهيأ له من أسبابها الطبيعية، إذ كان بما احتواه من الأساليب، ~~وما ms042 تناوله من أصول الكمال اللغوي، وما دار عليه من # وجوه الوضع البياني - قد هتك الحوائل ومحا الفرق التي تبين قرائح العرب ~~اللغوية بعضها من # بعض، فاجتمعت منه على الكمال الذي كانت تتخيله ولا تألو عما يدنيها إليه ~~معالجة واكتسابا؛ # ولو أنهم تمالأوا طوال الدهر على أن يهذبوا من لغتهم ليبلغوا بها مبلغ ~~الكمال الوضعي، على النحو الذي جاء به القرآن، لما ازدادوا إلا تعاديا في ~~الرأي؛ وتباعدا عما يجنحون إليه إذ تنزع كل # فطرة إلى منزعها في كل قبيل، فيزيد الناقص منهم نقصا فطريا وهو يحسبه ~~كمالا، ويبعد الكامل # عن حقيقة ما يلتمسه من الكمال بعد أن يرى غيره قد حسبه نقصا، لأن الفطرة ~~لا تنقاد إلا بالإذعان، ولا تذعن إلا لما يكون في حد كمالها المطلق، وليس ~~في تاريخ العرب اللغوي من # ذلك بالتحقيق قبل القرآن ولا بعده غير القرآن. # تلك سياسة هذا القرآن: جمع العرب لمذهب الأقدار وتصاريف التاريخ. رأى ~~ألسنتهم تقود أرواحهم، فقادهم من ألسنتهم وبذلك نزل منهم منزلة الفطرة ~~الغالبة التي تستبد بالتكوين العقلي في كل أمة. # فتجعل الأمة كأنما تحمل من هذا العقل مفتاح الباب الذي تلج منه إلى ~~مستقبلها؛ فإن كل # أمة تستفيد عقلها الحاضر من ماضيها، لتفيد مستقبلها من هذا العقل بعينه، ~~فلما استقاموا له أقامهم # على طريق التاريخ التي مرت فيها الأمم، وطرحت عليها نقائصها فكانت ~~غبارها، وأقامت فضائلها فكانت آثارها؛ فجعلوا يبنون عند كل مرحلة على أنقاض ~~دولة دولة، ويرفعون على أطلال كل # مذلة صولة، ويخيطون جوانب العالم الممزق بإبر من الأسنة، وراءها خيوط من ~~الأعنة؛ حتى # PageV01P060 # أصبح تاريخ الأرض عربيا، وصار بعد الذلة والمسكنة أبيا، واستوسق لهم من ~~الأمر ما لم ترو # الأيام مثل خبره لغير هؤلاء العرب، حتى كأنما زويت لهم جوانب الأرض، ~~وكأنما كانوا حاسبين يمسحونها؛ لا غزاة يفتحونها؛ فلا يبتدئ السيف حساب جهة ~~من جهاتها حتى تراه قد بلغ # بالتحقيق آخره. ولا يكاد يشير إلى (قطر) من أقطارها إلا أراك كيف تدور ~~عليه (الدائرة) . # وإن هذا الأمر ms043 لحقيق أن تذهب من تعليله نفوس الحكماء في ألوان من المعاني ~~متشابه وغير متشابه، فإنما هو أمر إلهي كيفما أدرته رأيت في جانبه الذي ~~يليك ضوءا كضوء الصواعق، وحركة # كحركة الزلازل، وقوة كالتي تتسلط بها السماء على الأرض، فكأنك تتأمل منه ~~صورة الطبيعة، أو الطبيعة المعنوية في عالم التاريخ. # ولو أن رمال الدهناء نفضت على الأرض جنودا عربية لما # عدت أن تكون آفة اجتماعية تهلك الحرث والنسل، وتدع الشعوب متناثرة كبقايا ~~البناء الخرب، ثم لا تكون إلا أيام يتداولونها بينهم حتى تتنفس الأرض من ~~بعدهم فتذهب آثارهم الظالمة في حر # أنفاسها، وتنقضي أعمالهم فتنطوي من الزمن في أرماسها، إذ كان لا يهجم على ~~الأرض منهم أكثر # من أمر البطون الجائعة وما إليها. . . ولعمرك ما العرب وما غير العرب من ~~الشعوب البادية إلا بطونهم، حتى لأحسبهم إذا اجتمعوا كانوا معدة الأرض. ~~وكان أهل السرف في فنون الملاذ من # الحضريين أمعاءها. # وما أظن مرجع ذلك إلى غير القرآن، بل أنا مستبصر في صحة هذا المعنى، ~~مستيقن أنه مذهب التعليل إلى الحقيقة بعينها؛ لأن القرآن هو صفي تلك ~~الطباع، وصقل جوانب الروح # العربية، حتى صارت المعاني الإلهية تتراءى فيها وكأنها عن معاينة. فكأنما ~~كان العرب يقطعون الأرض في فتوحهم ليبلغوا طرفا من أطراف السماء فينفذوا ~~إلى ما وعدهم الله ويتصلوا بما أعد لهم. # ولو لم يكن القرآن قد سلك إلى ذلك مسلكه من الفطرة اللغوية في نفوسهم حتى ~~استبد بها في مستقرها، وصرفها في وجوه معانيه - ما بلغ من القوم رأيا ولا ~~نية، ولأوشك أن يكون في # مقامات البيان عندهم وما يهتف به شعراؤهم وخطباؤهم - ما يذهب به جملة ~~ويمسح أثره في القلوب، ولا يدع له مساغا إلى ما وراء السمع، لأن هؤلاء تنفث ~~عليهم ألسنتهم بأفصح الفصيح # وأبين البيان في رأي العرب، وإن لم يكن كلامهم بتلك المنزلة، ولكن الحمية ~~والعصبية واللحمة ومؤاتاة الهوى، كلها فصيح وكلها بيان، وليس الشأن في ~~اللغة وألفاظها ومعانيها، وإنما الشأن فيما # يمكن أن تفهمه النفس من ms044 كل ذلك؛ وهي لا تفهم إلا ما يكشف عن طبائعها ~~ويبين عن أخلاقها وعاداتها. # ولولا اختلاف النفوس في هذا الفهم ما رأيت اللغة اللواحدة عند أهلها ~~كأنها في المعنى لغات متباينة؛ فرب كلمة من لغة رجلين وإذا سمعاها رأيتها ~~كأنما هي ليست من لغة أحدهما، فلا تبلغ منه ولا تمسه، كأن تكون كلمة من باب ~~الحفاظ يسمعها عزيز وذليل، أو لفظة من الكرم # PageV01P061 # يلقاها جواد وبخيل. # أنت إذا أنعمت على تدبر هذا المعنى، وأطلت تقليب الرأي فيه، وكان لا ~~يعتريك الخواطر إلا ما أحكمه العقل - فإنك واجد منه سبيلا إلى وجه من أبين ~~وجوه الإعجاز اللغوي # القرآن الكريم، فهو قد سفه أحلام العرب، وخلع آلهتهم، وقمع طغيانهم، ~~واشتد عليهم بالله محضا بعد اللين ممزوجا، حتى جعلت وإؤهم كأنما ترقرق في ~~بعض آياته، ثم لم يهدأ عنهم، # ردد ذلك وكرره، وعمهم به، وأرسله في كل وجه، وقرع أنوفهم؛ وهاج منهم حمية ~~الجاهل: # وجاراهم في مضمار المخاطرة، وإلى حد المقارعة على عزة العشيرة وكثرة ~~الحصى؛ وهم الذين # كانت لهم كل هتفة كأن الأرواح هواة في صوتها، فلا يهتف بها حتى تنهض ~~الأجسام لموتها، تسير على الأرض بالرجال، حتى تطير إلى السماء بالآجال؛ ثم ~~لم يمنعهم ذلك وما إلى ذلك أن ينقادوا ثم ينقادوا! # لا جرم أنها كانت الفطرة اللغوية لا غير؛ وإلا فما بال هؤلاء العرب قد ~~خرجوا من تاريخهم # بعد الإسلام كأنما نزعوا جلدتهم نزعا، على حين كانت لهم الأمور المطمئنة، ~~والصفا المتوارثة؛ من أخلاق شبوا عليها، وعادات ينازعون إليها، وطبائع هم ~~بها أخص وهي بهم أملك # ولم يكونوا مقطوعين عن التاريخ، بل كان لهم ماض أحسن ما تكلف به الأمم، ~~وكانوا على # أحرص ما تكون أمة على ماضيها - كما نصفه في غير هذا الموضع - فلا الزمان ~~تولاهم بعمله وهم # في أرضهم بمقدار ما بنى أو قريبا من ذلك، ولا هم ورثوا طباعا من طباع ~~وأخلاقا من أخلاق # وخرجوا من ماضيهم كما تخرج أمة من أمة في سلسلة طويلة الذرع من ms045 حلقات ~~الأجيال التي هي # درجات للنشوء في تاريخ كل مجتمع، ولا رأيناهم فيما وراء ذلك كالشعوب التي ~~تمخض الحوادث مخضا شديدا، وتتعاورها بالحروب والفتن، فتهدمها أنقاضا ولا ~~تبدل منها إلا الشكل # الاجتماعي، وإلا هيئة الوضع، والأمة بعد ذلك هي هي كيف هدمت وكيف بنيت: ~~لا تزال على # أعراقها وأخلاقها، وربما عصفت الثورة الكبرى بأمة من الأمم، وألحت عليها ~~بالفتن دائبة. # تسكن العاصفة، وتقر الزلزلة، وتطمئن الأرض وأهلها، ولا يكون من جداء ذلك ~~كله إلا اصطلاح # لغوي في تاريخ الأمة لا يغني من الحق شيئا؛ كان تكون الأمة غريرة جاهلة ~~مستبدا بها على وجه # من الاستبداد، ثم تصير بعد الثورة غريرة جاهلة أيضا، ولكن في استبداد على ~~وجه آخر! # فالقرآن الكريم بتمكنه من فطرة العرب على وجهه المعجز، قد نزل منهم منزلة ~~الزمان في عمله وآثاره، لأن الذي أنزله بعلمه وقدره بحكمته إنما هو خالق ~~الزمن نفسه، فهدم في نفوس # العرب، وكان هدمه بناء جديدا جعل الأمة نفسها قائمة على أطلال نفسها، ~~وبذلك أحكم عمل # الوراثة الذي تعمله في الغرائز والطباع، إذ تبني بالهدم، وتقيم التاريخ ~~من أنقاض التاريخ؛ وهذا # هو الفرق بين العمل الإنساني والعمل الإلهي. وبين شيء يسمى ممكنا وشيء ~~يسمى معجزا. # بلى، ولقد يخيل إلي أن ألفاظ القرآن كانت تلبس العرب حتى تتركهم كالمعاني ~~السائرة التي # لا تزال تطيف بالرؤوس. # فما بين العقل وبين أن تلجه هوادة، ولا بين الوهم وبين أن تصدعه # PageV01P062 # منزلة، وكل ما يجيء من قبل الطبع وعلى حكم الفطرة لا يراه أهله نظرا ~~يقبلونه أو يردونه، # ولكنهم يرونه ضرورة مقضية ليس لهم على حال بد من قبولها. وإلا فأي قوم ~~كان هؤلاء الجفاة # وهم لم يستصلحوا أنفسهم إلا بما يفسد جماعتهم، ولم يأبوا أن يرأموا لذل ~~غيرهم إلا ليضرب # بعضهم الذلة على بعض؛ ولم يتخذوا السيف نابا إلا ليأكلهم، ولا الحرب ضرسا ~~إلا لتمضغهم. . # وكانا أهل جزيرة واحدة وكأنهم في تناكرهم أهل الأرض كلها من قاصية إلى ~~قاصية. # ثم ما عسى أن يكون أمرهم ms046 إذا هم قرعوا صفاة الأرض والحال فيهم ما علمت، ~~إلا ما يكون من أمر الحصاة يقرع بها الطود الأشم ثم تنحدر عنه بصوت ~~كالأنين، إن يكن منها فهو # لعمرك استخذاء، وإن كان من الجبل فهو لعمري استهزاء. . . # ولقد كان من إعجاز القرآن أن يجمع هؤلاء الذين قطعوا الدهر بالتقاطع على ~~صفة من الجنسية لا عصبية فيها إلا عصبية الروح، إذ أخذهم بالفطرة حتى ألف ~~بين قلوبهم، وساوى # بين نفوسهم، وأجرأهم على المعدلة في أمورهم، فجعل منهم أمة تسع الأمم ~~بوجهها كيف أقبلت، لأنها لا توجهه إلا لله، فكان بينها وبين الله كل ما تحت ~~السماء. # ومن هذا المعنى نشأت الجنسية العربية، فإن القرآن بدأ كما علمت بالتأليف ~~بين مذاهب الفطرة اللغوية في الألسنة، ثم # ألف بين القلوب على مذهب واحد، وفرغ من أمر العرب فجعلهم سبيلا إلى ~~التأليف بين ألسنة # الأمم ومذاهب قلوبها، على تلك الطريقة الحكيمة التي لا يأتي علم التربية ~~في الأمم بأبدع منها. # فأما التوفيق بين مذاهب قلوبهم؛ فبالدين الطبيعي الذي جاء به القرآن ولو ~~نزعت الطبيعة الإنسانية إلى غير معانيه لكانت طبيعة شر وإن ظنت منزعها إلى ~~الخير، وأما التأليف بين ألسنتهم # فيما ذهب إليه من المعنى العربي الذي حفظه القرآن على الدهر، ببقائه على ~~وجهه العربي الفصيح # لفظا وحفظا وأداء، لا يجد إليه التبديل سبيلا، ولا يأتيه الباطل موجها أو ~~محيلا، ولا يدخله التحريف كثيرا أو قليلا، بحيث كأنه عقدة لغوية لا تحلل ~~منها الألسنة المختلفة أبدا؛ وهذا من # أرقى معاني السياسة، فإن الأمم إن لم تكن لها جامعة لسانية، لا يجمعها ~~الدين ولا غير الدين إلا جمع تفريق؛ وجمع التفريق هذا هو الذي يشبه ~~الاجتماع في الأسواق على البياعات وعروض التجارة ونحوها، فإن سوق الأمم ~~تتاجر فيها الأديان والأهواء وتكدح فيها المصالح والمفاسد، # وفيها كذلك التغرير والخطار، والكذب والخداع، ولكل من أهلها شرعة ومنهاج. # فبقاء القرآن على وجهه العربي، مما يجعل المسلمين جميعا على اختلاف ~~ألوانهم، من الأسود، إلى الأحمر، كأنهم في الاعتبار الاجتماعي ms047 وفي اعتبار ~~أنفسهم جسم واحد ينطق في لغة # PageV01P063 # التاريخ بلسان واحد، فمن ثم يكون كل مذهب من مذاهب الجنسية الوطنية فيهم ~~قد زال عن # حئزه، وانتفى من صفته الطبيعية، لأن الجنسية الطبيعية التي تقدر بها فروض ~~الاجتماع ونوافلها # إنما هي في الحقيقة لون القلب لا سحنة الوجه. # وقد ورث المسلمون عن أوليتهم هذا المعنى: فلا يعلم في الأرض قوم غيرهم ~~يعتصمون بحبل دينهم وأيديهم في الأغلال، ويجنحون إليه بأعناقهم وهي في ربق ~~الملوك من الإذلال # ويخصونه بقلوبهم حتى يكون أملك بها وأغلب عليها ولا يحتملون فيه سخطة، ~~ولا يؤثرون عليه # رضى، ولا يعدلون به عدلا، ويتبرمون بكل ضيق إلا ما كان من أجله، ويرضون ~~المحنة في كل # شيء إلا فيه، ثم هم لا يرون أنفسهم المؤمنة في إحساس الفطرة، ومذهب ~~الطبيعة إلا أنها بقايا # سماوية في الأرض تباين كل ما فيها (أي الأرض) ويشبه بعضها بعضا بالصفة ~~والخاصة أني وجدت: # وكيف اتفقت وعلى أي حالة كانت، وهذا كله مشاهد فيهم على أتمه وأبلغه، بعد ~~كل ما رهقهم. # بالعجز عن مداولة الأيام، وصدمهم من أهل الاستبداد بكل محنة من الآلام، ~~وتوردهم من الزمان # بكل سفه يعد في السياسة من الأحلام. # على أنهم لا يعرفون أصل ما يحسونه، ولا يتصلون إلى سببه، وكأنما تقطع ما ~~بينهم وبين # أسلافهم، وقد بقي القرآن على ذلك معروفا مجهولا، ينفعهم بما عرفوا منه ~~ولا يضرونه بما يجهلون (فإن تولؤا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن ~~تطيعوه تهتدوا) . # وإن من أعجب ما يروعنا من أمر الجنسية العربية فى القرآن: أنها تأبى إلا ~~أن تحفظ على: أهلها تلك الصفات العربية؛ من الأنفة والعزة والصوت والغلب: ~~وما يكون من هذا الباعث الاجتماعي الذي لا يزال يفتح للشعوب عن مقاصير ~~الأرض. # كما أنها تستبقي طاعة المغلوبين الذين أعطوا للفاتحين عن أيديهم، ~~وانطرحوا في غمرهم # وكانوا أهل ذمتهم: لانتحالهم العربية طوعا أو كرها، ثم بقائها في ألسنتهم ~~على نسبة بينة من # الفصيح مهما ركت ومهما رذلت؛ ولولا القرآن وأنه ms048 على وجه واحد وهيئة ~~ثابتة، ما بقيت العرب، ولا تبينت النسبة بين فروعها العامية، بل لذهب كل ~~فرع بما أحدث من الألفاظ، وما استجد من # ضروب العبارة وأساليبها، حتى يتسلل كل قوم من هذه الجنسية إن كانوا من ~~أهلها أو من أهل # ذمتها، ثم لا تستحكم لهم بعد ذلك ناحية من الائتلاف ولا يستمر لهم سبب من ~~الارتباط. # ويوشك أن لا يستقبلوا بعد من قادة الأمم وحيتان الأرض إلا من يستدبرهم ~~راعيا أو ملتهما. ثم يمكن لهم من دينهم، ثم لا يثبتون عليه إلا ريثما ~~يتحولون في استحاقهم بالأمة التي وثبت بهم وما # مضوا في ذلك على العزيمة والتشدد، فإنه لا عزيمة لقلب خذله اللسان، ولا ~~تشدد للسان خذله القلب، ولا استقلال لشعب تخاذلت ألسنتهم وقلوبهم، وتلك سنة ~~من السنن (ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه ~~جميعا) . # PageV01P064 # ومن للأمم بمثل هذا الاستعمار # اللغوي الذي لم يتهيأ إلا للقرآن، وهو بعد زمام السياسة مهما جمحت في ~~الأرض. # ولقد ترى اليوم هذه التوراة وهذه الأناجيل وما يقرؤها بلغتها الأصلية إلا ~~شرذمة قليلة من اليهود وغير اليهود الذين يعيشون على أحلام الذاكرة. # ولا نرين أن ذلك استبقاء فلولا أن الشذوذ # لا يتخلف كأنه قاعدة مطردة ما قرأها منهم أحد، ثم استبدلت الألسنة ~~واللغات بهذه الكتب، فهي # شريعة ولا هي جنسية جامعة، وإنما نراها في كل أمة من الأمة نفسها، ولذا ~~سهل على كثير منهم # أن ينبذوها، وصار أكثرهم لا يتدارسونها ولا يقرؤون فيها إلا إذا أرادوا ~~الاستغراق في رؤيا تاريخية، والعارف عارف من يثبت فصولها ومعانيها، أو يعرف ~~ذلك فضل معرفة. # وانظر كم ترى بين صنيع القبائل الجرمانية (الغوط) وبين صنيع العرب، فإن ~~أولئك أغاروا # على إيطاليا في القرن الخامس للميلاد وانتقصوها من أطرافها ولم يكن إلا ~~أن ملكوها حتى ملكتهم، إذ تركوا أهلها وعادتهم من اللغة - وغير اللغة - ثم ~~أخذوا يتحضرون من بداوة ويستأنسون # إلى الحضارة الرومانية، حتى رغبوا في العلم، فاستجادوا المهرة من علماء ~~الرومان، ونصبوهم ms049 # لوضع الكتب وتأليفها، فوضعها لهم هؤلاء باللغة اللاتينية، وهم قرأوها بها ~~وأقروها عليها، فذهب # غوطتهم وذهبوا على أثرها، وأدالت اللغة الرومانية لأهلها منهم، فأخذتهم ~~رجفة التاريخ فأصبحوا # في الرومانية جاثمين كأن لم يغنوا في لغة قبلها! ألا فاقبل أنت على هذا ~~المعنى وتدبره حتى تحكم ما وراءه، فلقد تركوها آية بينة! # وبعد، فهذا الذي أمسكه القرآن الكريم من العربية لم يتهيأ في لغة من لغات ~~الأرض. . ولن تلاحق أسبابه في لغة بعد العربية. وهذه اللغة الجرمانية انشقت ~~منها فروع كثيرة في زمن جاهليتها، # واستمرت ذاهبة كل مذهب، وهي تثمر في كل أرض بلون من المنطق، وجنس من ~~الكلم، حتى # القرن السادس عشر للميلاد، إذ تعلق الدين والسياسة معا بفرع واحد من ~~الفروع، هو الذي نقلت # إليه التوراة، فاهتز وربا وأورق من الكتب وأزهر من العقول وأثمر من ~~القلوب، وبعد أن صار لغة # الدين صار دين التوحيد في تلك اللغات المتشابهة، وبقيت هي معه إلى زيغ ~~حتى انطوت في ظله، # ثم ضحى بنوره فإذا هي في مستقرها من الماضي، ونسيت نسيان الميت. # وقد كان بسق من فروع الجرمانية فرعان: الإنكليزي، والهولاندي، وكلاهما ~~استقل حتى # ضرب في الأرض بجذر، ثم أناف الإنكليزي حتى صار ما عداه من ظله، وهذا إلى ~~فروع أخرى قد انشعبت في الأرض الجرماني، كالأسوجي والايسلندي وغيرهما. # واللاتينية، فقد استفاضت في أوروبا حتى خرجت منها الفرنسية والطليانية ~~والإسبانية وغيرها، وكان منها علمي وعامي بلغة العلم ولغة اللسان، ثم أنت ~~ترى اليوم بين تلك اللغات # جميعها وبين ما تخئف منها في مناطق هذا الجيل، ما لا تعرف له شبيها في ~~المتباعدات المعنوية، حتى كان بين اللغة واللغة العدم والوجود. # PageV01P065 # فالعربية قد وصلها القرآن بالعقل والشعور النفسي، حتى صارت جنسية فلو جن ~~كل أهلها. # وسخوا بعقولهم على ما زينت لهم أنفسهم من الإلحاد والسياسة كجنون بعض ~~فتياننا. . لحفظها # الشعور النفسي وحده، وهو مادة العقل بل مادة الحياة؛ وقد يكون العقل في ~~يد صاحبه يضمن ويسخو، ولكن ذلك النوع من الشعور في ms050 يد الله، وهذا من تأويل ~~قوله سبحانه: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) . # ولولا هذا الشعور الذي أومأنا إليه لدونت العامية في أقطار العربية زمنا ~~بعد زمن، ولخرجت بها الكتب، ولكان من جهلة الملوك والأمراء وأشباههم ممن ~~تتابعوا في التاريخ العربي. . # من يضطلع من ذلك بعمل، إن لم يكن مفسدة فمصلحة يزعمها، كالذي فعله بعض ~~ملوك الرومان # وبعض شعرائهم في تدوين العامية من اللاتينية، حتى خرج منها اللسان ~~الطلياني، وكما فعل اليونان # في استخراج اللسان الرومي، وهو العامي من اليونانية. ولولا أن أحدا ~~استقبل من ذلك شيئا وأراد # أن يحمل الناس عليه لاستقبل أمرا بعض ما فيه العنت كله والضياع بجملته، ~~ولشق على نفسه في # بلوغ إرادة لها من شعور كل نفس عدو، حتى يستفرغ ما عنده وكأنه لما يبدأ ~~مع الناس في بدء لأن # له مدة نفسه وحدها وللناس عمر التاريخ كله؛ ومتى لم يقع على فرق ما بين ~~الاثنين، وأراد أن يتولى عمل التاريخ، فليس بدعا أن يجعله التاريخ بعض ~~عمله؛ (وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (54) . # PageV01P066 ### | آداب القرآن # ونحن الآن تلقاء نوع آخر من الإعجاز الأدبي، وهو ضريب تلك المعجزة ~~السياسية التي أومأنا إليها في الفصل المتقدم، وسنقول فيه على وجه من ~~الإيجاز والتحصيل؛ فإن آداب هذا # الكتاب الكريم إنما هي آداب الإنسانية المحضة في هذا النوع أنى وجدت وحيث ~~تكون. إذا لم يراوغ الناس معنى الإنسانية في أنفسهم، ولم يتمنوا فيها ~~الأماني الباطلة، ولم يصدموها بالعنت بين # كل رغبة ورغبة وبين كل رأي ورأي؛ لا ترى أن أمة تفضل حتى تضيق هذه الآداب ~~عنها، أو قبيلا # يلتوي حتى تكون منه بمقصر، أو قوما يصلحون حتى لا تصلح لهم، فإنها بعد ~~آداب الفطرة التي لا تتغير في هذا الخلق، على ما بين طوائفه من التباين، ~~وعلى الضروب المختلفة من أساب هذا # التباين وعلله، مما ترجع جملته إلى تنوع الصور النفسية العامة التي تنشأ ~~من الأفكار والعادات وما # إليها من الأجزاء التاريخية التي تجتمع منها ms051 الأمم، وتنشأ منها قواعد ~~الحكم وضوابط الاجتماع # ونحوها من الكليات التي يتألف تاريخ الأمة من آثارها. # ولا شيء يثبه نظام هذه الفطرة في تسويتها بين الناس على ما وصفنا من ~~أمرهم، إلا نظام الجاذبية في تأليفه بين الأجرام المتفاوتة وإمساك جملتها ~~على اختلاف ما بينها وتباعدها فيما وراء # ذلك؛ وليس نظام الجاذبية في التسبب لإصلاح العالم الكبير إلا شبها من ~~الفطرة النفسية، ولا نظام # هذه الفطرة في الإنسان الذي هو العالم الصغير إلا شبها من تلك الجاذبية. ~~وكلاهما يغني شأنا أراده الله من خلق السموات والأرض، وهو الذي يمسك ~~السموات والأرض أن تزولا. # وقد خرج الناس من أصل واحد ولا تزال طبيعة الحياة فيهم واحدة، فكل ما ~~أمكن أن يرجع # إلى النفس الإنسانية ونظامها فهو في أصله وطبيعته شيء واحد وجنس متميز، ~~وإنما الذي يتغير في الإنسان مظاهر فكره، إذ هو يستمد هذا الفكر مما يتقلب ~~عليه من الحوادث، ومما يريغه من الأمور؛ # وذلك شيء ليس في الناس على قدر واحد ولا صفة معئنة ولا أمر مستقر، لا ~~يغادر الدهر أن يزيد بسبب وينقص بسبب، والناس بعد ذلك متفاوتون فيه ~~بالزيادة والنقص جميعا. # فما كان من الآداب الاجتماعية ناشئا من العادة التي هي بعض مظاهر الفكر، ~~فهو كالعادة نفسها: يدور معها ويتغير بحسبها؛ وما كان منها راجعا إلى طبيعة ~~النفس التي هي مصدر الفكر، فهو يشبه أن يكون طبيعة # للاجتماع الإنساني وعلى مقدار ما فيه من قوة الملاءمة لطبيعة النفس أو ~~ضعف هذه الملاءمة يكون ضعف الحياة الأدبية فيه أو قوتها. # وما يزال أمر الآداب الصحيحة في كل جيل من الناس يرمي إلى غاية بعينها من ~~الإنسانية المطلقة التي لا تحد بألوان المصورات كما تفصل حدود الأمصار ~~والممالك، فإن الله لم يلون # PageV01P067 # الناس تلوينا جغرافيا. . وذلك مما يدل على أن نوعا من الإنسان لا تجزئه ~~شرائع أرضه وعاداتها # عن الآداب النفسية التي تجعل الفرد إنسانا من الناس قبل أن تجعله تلك ~~الشرائع وتلك العادات # فردا من أمة، فإن فصل ما ms052 بين حق الأمة على الفرد من أبنائها، وبين حق ~~الآداب عليه؛ وهو أن # كل أمة تريد أفرادها على أن يكونوا أبدا مع الحال التي تتفق بها مصلحة ~~على وجه أمرها، وان كان # في ذلك المفسدة وكان فيه معنتة ومأثم، وكان فيه كل ظلم للإنسانية ومراء ~~في الحق وإصرار على # الباطل؛ وأن لا يدعوا لها سبيلا إلا ركبوه، ولا هوى إلا حطوا فيه، ولا ~~منفعة إلا هدموا دور # جيرانهم ليفتحوا بابها، ولا حاجة إلا قطعوا أسباب حلفائهم ليعترضوا ~~أسبابها، فإن هذه الإنسانية # وهذا الحق وذلك الباطل ليست غير أدوات سياسية تعمل في تحريك كل مجموع ~~سياسي يسمونه # الأمة؛ وتلما تتخذ السياسة لها فعلا إذا أرادت أن تضرب في الأرض، إلا من ~~" جلود " القوانين الممزقة. # غير أن الآداب تحتم على الفرد أن يكون أبدا مع الحق، لا مع الحالة التي ~~تسقى حقا في لسان من تنفعه وباطلا في لسان من تضره، إذا الحن في اعتبار ~~الآداب ما كانت فيه مصلحة # الإنسانية نفسها باعتبار النظام الذي يعفها، لا مصلحة جزء منها باعتبار ~~النظام الذي يخصه؛ ومبدأ # الإنسانية قائم على أن الله لم يخلق إلا صنفا واحدا من الناس، ولكن مبدأ ~~كل أمة سياسية أنها هي ذلك الصنف الواحد. # فلولا الآداب النفسية في طبائع الإنسان، وما تمكنه من صلات الناس بعضهم ~~ببعض، وما تعطف منهم جماعة على جماعة، وما تطلق من حد المساواة، وما تحد من ~~معنى الجزية، لكان وجه الأرض قد تغير بما يشملها من الفوضى الإنسانية، ~~ولانتقض أمرها، ثم لكانت الشرائع نفسها # أشد في إفسادها من الفساد كله، ثم لصارت كل أمة كأنها جنس من الحيوان: في ~~قيامه بنفسه، # وانفراده بنوعه، وتميزه بالعداوة لغيره، فههنا آكل وهههنا مأكول؛ فإذا ~~العالم قد أودى وقطع دابر القوم الذين ظلموا. # والشريعة في الجملة لا تعدو أن تنزل من كل مجموع من الناس منزلة المرشد ~~المصرف للأفعال على جهة بينة من الحكمة، وطريقة لائحة من المنفعة؛ فهي في ~~الحقيقة عقل هذا المجموع الذي يعقل به وينقاد ms053 لأمره، ثم هي بعد ذلك من ~~المنزلة في نفسها بحسب ما تبلغه من # الوفاء بأسباب السعادة، والكفاية بحاجات الاجتماع، إلى سائر ما تشبه فيه ~~العقل الإنساني شبها تاما ونعتا محققا. ولكن الآداب تتنزل من المجموع منزلة ~~النفس الإنسانية التي بها الحياة، والتي # هي الكفيلة دائما بتحقيق النسبة بين العقل وبين أغراضه المعقولة وبين ~~الأشياء التي هي مادة هذه الأغراض. # فالآداب لا تكون في الإنسان إلا شرائع، ولكن الإنسان إذا عري من الأدب ~~النفسي، فربما شرع لنفسه ما لا يصنع الشيطان أخبث منه بل ما يركض فيه ~~الشيطان ركضا؛ وقلما انتفع من لا أدب له بشريعة من الشرائع وإن كانت في ~~الغاية التي لا مذهب وراءها في تهذيب النفس ودرء # PageV01P068 # المفسدة عنها بحسم مادتها أو ما سبيلها أن ترد به، من تقويم الطباع، ~~وتثقيف الأخلاق، وتثبيت # الإرادة، وتعيين الحد النفسي لكل منزع إلى الخير وإلى الشر، حتى تستوضح ~~للمرء مذاهب نفسه، # فيمضي إذا مضى على بينة، ويعدل إذا عدل عن بينة. # وانظر ما عسى أن يكون موقع الشريعة # من نفس ترى أن كل هذه الآداب التي توجب لها المنافع على الناس مجتمعين لا ~~توجب عليها للناس منفعة. # من أجل ذلك كانت آداب القرآن ترمي في جملتها إلى تأسيس الخلق الإنساني ~~المحض الذي لا يضعف معه الضعيف دون ما يجب له، ولا يقوى معه القوي فوق ما ~~يجب له، والذي يجعل # الأدب عقيدة لا فكرا إذ تبعث عليه البواعث من جانب الروح، ويجعل وازع كل ~~امرئ في داخله، فيكون هو الحاكم والمحكوم، ويرى عين الله لا تنفك ناظرة ~~إليه من ضميره. # وبين أن الاجتماع إنما هو شيء روحاني، وأن الأمة لا تجتمع إلا بقوة من ~~قوى التجاذب الروحي، تبنى عليها الأغراض الاجتماعية التي هي المبادئ الأولى ~~في الحياة. # وعلى حسب الصفة الروحانية التي يقوم بها الاجتماع، ثم قوة المادة الروحية ~~فيها، يكون أمر هذا الاجتماع إلى # القوة أو الضعف، وإلى الثبات أو الاضطراب، وإلى أن يكون مستحصدا أو ~~منتكثا. # وعلى قدر ما ms054 يفقد من صفته يفقد من نفسه، فإذا زالت تلك الصفة وانسلخ ~~منها، تعاورته صفات المادة فصار # كالشيء المادي الذي تعمل فيه كل الأسباب الظاهرة تركيبا وتخليلا، فلا ~~يتصل الفرد بغيره من الأفراد اتصالا ثابتا لا تنفصم عروته، ثم لا يكون من ~~الأفراد إلى مجموع فرد إلى فرد على هذه # الصفة عينها، وما من شعب منحط إلا وهو مثال لهذا لاجتماع المادي الذي ~~يمتاز أكثر ما يمتاز # بالصفة العددية وما كان من أسبابها مما هو علة الضم، والضم وحده لا يغني ~~في الاجتماع شيئا. # وأنت إذا تدبرت هذه القوة الروحية في آداب القرآن الكريم، واعتبرتها ~~بمأتاها في الطباع، ومساغها إلى النفوس، واشتمالها على سنن الفطرة ~~الإنسانية، فإنك تتبين من جملتها تفصيل تلك # المعجزة الاجتماعية التي نهض بها أولئك الجفاة من العرب فنفضوا رمال ~~الصحراء على أشعة الشمس في هذا الشرق كله؛ فحيثما استقرت منها ذرة وقع ~~وراءها عربي! بل نفضوا أقدامهم على # عروش الممالك، وهم كانوا بين داع للصنم وراع للغنم، وعالم على وهم، وجاهل ~~على فهم، # وبين شيطان كأنه لخبثه مادة لوجود الشيطان، وإنسان كأنه لشره آلة لفناء ~~الإنسان، فما زالوا يبسطون تلك الجزيرة حتى بلغت أضعافها، وما زالوا ~~بالدنيا حتى جمعوا إليهم أطرافها. # وليس من دليل في التاريخ على أن هذه الأرض شهدت من خلق الله جيلا ~~اجتماعيا كذلك الجيل الأول في صدور الإسلام، حين كان القرآن غضا طريا، ~~وكانت الفطرة الدينية مؤاتية، # PageV01P069 # وكانت النفوس مستجيبة، على أنه جيل ناقض طباعه، وخالف عاداته، وخرج مما ~~ألف، وخلق # على الكبر خلقا جديدا، ومع ذلك فإن الفلسفة كلها والتجارب جميعا، والعلوم ~~قاطبة، # تنشئ جيلا من الناس ولا جماعة من الجيل ولا فئة من الجماعة كالذي أخرجته ~~آداب القرآن وأخلاقه من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: في علو ~~النفس، وصفاء الطبع، ورقة الجانب، وبسط # الجناح، ورجاحة اليقين، وتمكن الإيمان، إلى سلامة القلب، وانفساح الصدر، ~~ونقاء الدخل # وانطواء الضمير على أطهر ما عسى أن يكون الإنسان من طهارة الخلق، ثم ~~العفة ms055 في مذاهب. # الفضيلة، من حسن العصمة، وشدة الأمانة، وإقامة العدل، والذلة للحى، وهلم ~~إلى أن تستوفي الباب كله. # وهذا على كثرة عديدهم، وترادف تلك الآداب فيهم، وتظاهرها على جميعهم، ~~واستقامت # لها بأنفسهم؛ وإنما يكون مثل الرجل الواحد منهم في الدهر الطويل، وفي ~~الجيل بعد الجيل، وعلى ذلك ليكون في الأرض نادرة الفلك، بل يجعل هذه الأرض ~~مثال السماء لأنه في نفسه مثال الملك. # وماذا تريد من علوم الأخلاق وعبر الاجتماع وفلسفة التربية وآداب السلوك ~~وما إليها. # يبتغى ذريعة في كل وجه من إصلاح الإنسانية. إذا كانت كل هذه إنما تلتمس ~~الناقص أو المعيب # أو الفاسد أو الضال، فتتمه وتقيمه وتصلحه وتتنصح إليه على طريق من الجدل ~~والمدافعة، والبرهان، إن هي أغنت في قليل لم تغن في كثير، وإن أقنعت العقل ~~لم تبلغ من القلب مبلغا،. # تؤخذ إلا على أنها ثقاث ودربة وتمكين، وما كل الناس يحسن أن يقوم على ~~نفسه بنفسه هذا # القيام، وهي بعد وإن كانت علما غير أنها بسبيل ما عداها من العلوم التي ~~تنقص منها التجربة # ويشوبها الاجتماع ويفسد عليها الظن والتأول. فكل كتاب من كتبها خيال رجل ~~كامل على # الحقيقة؛ ولكنك إن ذهبت تلتمس ذلك الرجل في عالم الحس العلمي الذي يتأدب ~~بتلك الكتب # ويكون في الواقع هو صورتها وتكون هي معناه - لم تقع على اسمه ولو سألت ~~ملائكة (اليمين جميعا؛ إلا أن تصيب ذلك في الفرط والندرة. # وإنما كان ما علمت، لقصور هذه الآداب عن استبطان حقائق الفطرة الإنسانية، ~~والكشف # عن دخائلها، واستنارة دفائنها، وتمثل مذاهبها النفسية على الوجوه التي ~~تذهب إليها هي لا تلك # الوجوه التي يمضي فيها النظر والتأمل والحدس والقياس والتنظير ونحوها من ~~وسائل العلماء إلى # الاستنباط والاستنتاج والى القطع والتقرير، حتى خرجت تلك الآداب من أن ~~تكون آدابا إلى حيث # صارت قضايا متداخلا بعضها في بعض، وأقيسة يفضي بعضها إلى بعض، فصارت ~~كالشيء # المختلف الذي لا ينفك يخذل بعضه بعضا؛ لحملها على العقل دون الخلق، ~~واعتمادها على جنس # الفائدة دون الطريقة ms056 التي تنتهي إلى الفائدة، وبذا ضعفت آثارها في النشء ~~من دون الطفولة، فضاقت # عن ذوي العنفوان من الأحداث ومن أغفال الرجال، إذ لم تمازج أنفسهم! ولا ~~داخلت طبائعهم # المتطلعة التي إنما يكون الشر بها شرا، فلم تثبت ثبات العادة، ولا أغنت ~~غناء الدين، وبقيت # PageV01P070 # التربية الطبيعية كما هي: للدين والعادة. # وإنما انفردت آداب القرآن الكريم في ذلك الجيل الذي عرفت من خبره ~~بالأسلوب الذي تناولها فيه، مما يشبه في صفة البيان أن يكون وحيا يوحى إلى ~~كل من يفهمه ويقف عنده متثبتا # بحال من الرأي، وفحص من النظر وبإدمان التأمل، وأخذ النفس بالتردد في ~~أضيق ما بين الحرف والحرف من المسافة المعنى لدقة النظم وإبراع التركيب، ~~إلى ما يبهر الفكر ويملأ الصدر عجبا؛ # وهذا تفسير ما جاء في الأثر من أن " من قرأه فقد استدرج النبوة بين جنبيه ~~غير أنه لا يوحى إليه،. # وذلك - أي ما وصفناه من شبه الوحي - ظاهر التحقيق فيمن تدبر القرآن من ~~أهل الذوق في اللغة # والبصر بأسرارها والمعرفة بوجوه الخطاب والحنكة في سياسة المنطق، فكيف به ~~في قوم كالمضرية من هذه العرباء: تنبع اللغة من ألسنتهم، وتجري الفصاحة على ~~ما أجرؤها، وتنزل البلاغة على # حقوقها وعلى أماكن حظوظها من حكمهم ورضاهم، وهم بعد ذلك من هم في تصريف ~~القول # والافتنان فيه، وسعة الحيلة في التأني لإبرازه واجتماعه على الغاية، حتى ~~تعود الجملة الطويلة لفظا # واحدا، والمعنى البعيد لحظا قريبا وحتى تصير حروفهم كنبض البرق في ~~اشتماله ما بين أقطار السموات، على أنه إشارة ودون الإشارة؛ ثم كيف بذلك في ~~قوم كأولئك العرب وهم كانوا من حس # الفطرة بحيث يفسخ البيان عقد طباعهم، وينض قواهم المبرمة، ويرخي معاقدهم ~~الوثيقة؛ بل كيف # به يومئذ، وقد كانوا يأخذونه عن لسان أفصح خلق الله منطقا، وأصحهم أداة، ~~وأجملهم إيماء، # وأبدعهم في الإشارة، وأبينهم في العبارة. وهو - صلى الله عليه وسلم - كان ~~بينهم مظهر خطاب الله لأولي الألباب، # وتفسير كل ما في القرآن من الأخلاق والآداب. # بذلك استطاع القرآن أن ms057 يؤلف من العرب - وكانوا بشرا لا نظام لهم - أكبر ~~جماعة نفسية عرفها تاريخ الأرض وفي تاريخها على حساب ذلك في روعته وغرابته ~~وقوته وفائدته، إذ وجدت # من آداب القرآن قلبا اجتماعيا عاما استولى على ما فيها من التصور والفكر ~~والإدراك والاعتقاد، # وأحالها كلها فكرا واحدا يستمد قوته من الخلق الذي قام به لا من العقل ~~الذي ينشأ عنه؛ وليس يخفى أن العقل هو مظهر تاريخ الأمة، ولكن الخلق دائما ~~لا يكون إلا مصدر هذا التاريخ، فلا # جرم لم يثبت تاريخ أمة من الأمم إذ لم يكن قائما على هذا الأصل المستحكم ~~وكانت الأمة غير ذات أخلاق. # وإنما صح هذا لأن الصفات الأخلاقية ليست إلا قطعة العمل التي ينسجها ~~الفرد من خيوط أيامه في ثوب التاريخ التي تحوكه الأمة لنفسها من أعمار ~~أبنائها، والخلق هو بطبيعته مادة هذا # النسيج في الأمة كلها، لأنه وحده الذي يحقق الشبه بين طبقات هذه الأمة ~~نازلها وعاليها من قاصيه إلى قاصيه فهو في الفرد صفة الأمة وفي الأمة حقيقة ~~الفرد. # PageV01P071 # ولا يشتد القرآن الكريم في شيء فيجيء به على العزيمة القاطعة التي لا ~~مساغ للعذر فيها ولا وجه للتعلل عندها، كما تعرف ذلك منه في الأخذ بالأخلاق ~~الاجتماعية، فإنه لم يجعل في أمر # على الناس هويداء ولا رويداء، بل أمضاها وأعلنها ورفع من شأنها وجعلها من ~~عزائمه، حتى لا يشك فيها من عسى أن يشك في غيرها، ولا يرتاب من ربما كانت ~~الريبة من أمره، وحتى أنه لما # وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبلغ الصفات وأشرفها وأسناها، لم يزد ~~على قوله (وإنك لعلى خلق عظيم (4) . # فكان الأصل الأول فيه لهذه الأخلاق هو (التقوى) . وهي فضيلة أراد بها ~~القرآن إحكام ما بين الإنسان والخلق، وإحكام ما بين الإنسان وخالقه ولذلك ~~تدور هذه الكلمة ومشتقاتها في أكثر # آياته القرآنية والاجتماعية؛ والمراد بها أن ينفي الإنسان كل ما فيه ضرر ~~لنفسه أو ضرار لغيره، # لتكون حدود المساواة قائمة في الاجتماع، لا تصاب فيها ثلمة ولا يعتريها ~~وهن: ms058 وكل ما أصاب الاجتماع من ذلك فإنما يصيب الدين بديا. # لأن هذه التقوى هي مصدر النية في المؤمنين بالله، فما # اعتدوا ظالمين ولم يحتجزوا من أهوائهم وشهواتهم التي لا تألوهم خبالا ولا ~~تنفك متطلبين منازعة، فإنما ينصرفون بذلك عن الله، ويغمضون في تقواه ~~ويترخصون في زجره ووعيده، فكأنهم # لا يبالونه ما بالوا أمر أنفسهم، وكان ضمير أحدهم إذا لم يحفل بتقوى الله ~~لا يحفل بالله نفسه، # وهو أمر كما ترى. يريد القرآن أن يكون المنبع الإنساني في القلب، ثم أن ~~يبقى هذا المنبع ما بقي صافيا ثرا لا يعتكر ولا ينضب، كأنما في القلب سماء ~~ما تزال تمد له من نور وهدى ورحمة. # وهذا الأصل - أصل المساواة - هو الذي كشفه القرآن بقوله عز وجل (يا أيها ~~الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم ~~عند الله أتقاكم) . # فانظر كيف أبان عن المساواة الطبيعية التي لا يملك بحال من الأحوال أن ~~يفرق فيها الجنس الإنساني كله وهي الخلق من (الذكر والأنثى) : وكيف وصف ~~الغاية الاجتماعية للناس شعوبا وقبائل بأنها (التعارف) ، لم يزد على هذه # اللفظة التي لا تشذ عنها فضيلة من فضائل الاجتماع قاطبة ولا تجد رذيلة ~~اجتماعية يمكن أن تدخل في مدلولها ولن تجدها إلا منصرفة عنها في الغاية. # ثم تأمل كيف أقام هذا الأساس الأدبي العظيم، فجعل أكرم الناس المتساوين ~~جميعا في الحالتين الفردية والاجتماعية، هو أتقاهم، أي أعظمهم خلقا، لا ~~أوفرهم مالا، ولا أحسنهم # حالا، ولا أكثرهم رجالا، ولا أثقبهم فهما، ولا أعلمهم علما، ولا أقواهم ~~قوة، ولا شيء من ذلك وأشباه ذلك مما لا يتفاضل به الناس على التحقيق إلا في ~~إدبار الدولة واضطراب الاجتماع # وفساد العمران، ويكون مع ذلك كأنه دربة لهم أن يتباينوا بعد هذه الفضائل ~~المشوبة بالرذائل صرفة # لا شوب فيها! . # PageV01P072 # ولا يمكن أن تفسر (التقوى) على التحديد والتعيين في كلمة تستوعب كل ~~معانيها وما يتصل بها إلا كلمة واحدة، هي " الخلق الثابت! ومهما أدرتها على ~~غير هذه الكلمة من ms059 أسماء الفضائل # كلها فإنك لا تجد اسما واحدأيلبسها لا فاضلة عنه ولا مقصرا عنها. # لا جرم أن هذا الأصل الاجتماعي الذي انشعب من المساواة كما رأيت في نظم ~~الآية، هو # الأصل الذي انشعبت منه كل فضائل المساواة والحرية، وإنه لذلك مقدم على ~~الإيمان، إذ لا إيمان لمن لا تقوى له، وأنه يقضي بكل أنواع الحرية التي ~~تفيد الاجتماع، وكلها مقرر بأصوله في القرآن # الكريم، غير أن الذي ننبه عليه من فضيلة التقوى أو الخلق الثابت في ~~القرآن؛ أنه جعل أبعد # الأشياء عن موافقة الطباع الموروثة وما لا بد للنفس الإنسانية في التخلق ~~به من الكد والمعالجة ومن شدة الاعتصام في مدافعة أخلاقها وعاداتها ~~الحيوانية التي هي أصل الفطرة وغريزة الجبلة - أن # هذا كله في وصف الفضيلة وجماع الأمر لا يزيد عن كونه (أقرب للتقوى) وذلك ~~في قوله تعالى: # (ولا يجرمنكم شنآن قؤم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) # والشنآن: العداوة والغضب # وما في حكمهما. وهذا على أنها " من قوم " لا من فرد كما ترى في الآية ~~الكريمة؛ فينطوي في هذه الإضافة الحرب والاستعمار وغيرهما فتأمله. # ثم اعتبر القرآن أن خير الأمم على الإطلاق إنما هي الأمة التي تتبسط في ~~مناحي الاجتماع على هذا (الخلق الثابت) ، فإن مرجع التقوى في مظاهرها ~~الاجتماعية إلى شيئين: الأمر # بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ وهما المبدأ والغاية لكل قوانين الآداب ~~والاجتماع، ثم مرجعهما في حقيقة نفسها إلى شيء واحد: وهو الإيمان بالله؛ ~~فالأمة التي تكون لأفرادها فضيلة التقوى، # تكون لها من هذه الفضيلة صفات اجتماعية مختلفة يؤدي مجموعها إلى صفة ~~تاريخية واحدة، وهي أنها خير أمة، على هذا جاء قوله تعالى: (كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهؤن عن المنكر وتؤمنون بالله) فتأمل كيف ~~قدم وأخر؛ فإنك لا تجد هذا النسق إلا ترتيبا لمنازل # الفضيلة الاجتماعية الكبرى تجعل الأمة في نفسها خير أمة، وبالحري لا تجد ~~هذا الترتيب إلا نسقا في وصف الآداب الإسلامية التي جعلت أهلها الأولين حين ~~اتبعوا وأخذوا بها خير أمة ms060 في التاريخ، بشهادة التاريخ نفسه. # وإنما أركان الفضيلة الاجتماعية الكبرى في ثلاث. كلها حرية واستقلال: # استقلال الإرادة وقوتها وهذا هو الذي يكون عنه (الأمر بالمعروف) لا يكون ~~بدونه ألبتة. # PageV01P073 # (2) استقلال الرأي وحريته، ويكون منه (النهي عن المنكر) ولا يمكن أن يكون ~~بغيره. # (3) استقلال النفس من أسر العادات والأوهام، بالنظر والفكر في مصنوعات ~~الله، ولا يكون # الإيمان إيمانا على الحقيقة بدونه ثم هذا الإيمان هو الذي يسند الركنين ~~المذكورين آنفا ويشذهما # ويقيم وزنهما الاجتماعي، فيبعث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بثقة ~~إلهية لا يعترضها # شيء من عوارض الاجتماع التي تعتري الناس من ضعف الطباع الإنسانية، كالجبن ~~والنفاق، # والخلابة والمؤاربة، وإيثار العاجلة. ونحوها مما ينقم الناس بعضهم من ~~بعض. وإذا اعترضها من ذلك شيء لا يقوم لها ولا يصدها عما هي بسبيله. # فإن كل هذه الصفات ليست من الإيمان بالله # ولا تتفق مع صحة الإيمان، بل هي أنواع من العبادة للقوي والعزيز ~~والمستبد، وللشهوات والنزعات وما إلى ذلك. ومتى كان الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر غير راجعين إلى الإيمان # بالله دخلا في الأهواء الإنسانية، فتجيء بها علة وتذهب بها علة، فيعود ~~أمر الإنسانية إلى التأكل والمهارشة والنزاع الحيواني فإن الحيوان في كل ما ~~يسطو به إنما يامر بمعروف هو معروفه وحده # وينهى عن منكر هو منكره وحده. . . # فانظر. هل جاءت علوم الفلسفة والاجتماع بعد ثلاثة عشر قرنا من نزول ~~القرآن بما ينقض هذه الحقيقة؛ وهل قررت إلا تفسيرها بوجوه ضعيفة مضطربة لا ~~تبلغ في الكمال مبلغها ولا # تقارب هذا المبلغ؛ وهل في الآداب الإنسانية التي قامت عليها الأمم لهذا ~~العهد مثل أن تكون سعادة الإنسان في منفعة الناس، وإن احتمل في ذلك المكروه ~~واقتحم الصعاب وبذل من ذات # نفسه وحفظ من حق غيره ما يضئعه ولو ضاع هو فيه، وذكر من واجبه ما ينساه ~~ولو كان ذلك مما # يفقده وينسيه، ثم لا يكون هذا حتى يكون مقدما على سعادة نفسه التي هي ~~الإيمان، تقدم السبب # على المسبب: كما يؤكد ذلك نسق ms061 النظم في الآية الشريفة التي مرت بك. . # اللهم إنه دينك الذي شرعته بكتابك المعجز، بل دين الإنسانية الذي قلت ~~فيه: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق ~~الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) . # تلك جملة من القول في الخلق والعقل؛ فلما ضعفت أخلاق القرآن في نفوس ~~أهله، لم ينفعهم العقل الذي أفادوه من استفاضة العلوم بينهم واستبحار ~~فنونها، ولم يغن عنهم من الخلق شيئا، بل كان لهم ما تم للدولة الرومانية في ~~عصر الامبراطرة الأول، الذي ترجع إليه أسباب # المجد لهذه الأمة في العلوم والآداب، إذا امتاز بطبقات من النوابغ فيه، ~~وترجع إليه كذلك أسباب انحلال هذه الدولة واضمحلالها معا إذ كان لها يومئذ ~~من ضعف الخلق أكثر مما كان لها من قوة # العقل، والبناء إذا فهض وطال إلى ما لا يحتمله الأساس، فإنه يعلو، غير أن ~~علوه لا يكون من بعد إلا سببا في سقوطه! # PageV01P074 # وما فرط المسلمون في آداب هذا القرآن الكريم إلا منذ فرطوا في لغته، ~~فأصبحوا لا يفهمون كلمه، ولا يدركون حكمه، ولا ينزعون أخلاقه وشيمه؛ وصاروا ~~إلى ما هم عليه من عربية كانت # شرا من العجمة الخالصة واللكنة الممزوجة، فلا يقرون هذا الكتاب إلا ~~أحرفا. ولا ينطقون إلا أصواتا، وتراهم يرعونه آذانهم وهم بعد لا يتناولون ~~معاني كلام الله إلا من كلام الناس، وفي # هؤلاء الجاهل والفاسق والوضاع والقصاص وذو الغفلة والمتهم في دينه وفهمه، ~~ومن أكبر عرضه من القرآن حجج المخاصمة وبينات الجدل في مقارعة أو الرد على ~~مذهب أو التأول لرأي أو النضح عن فئة، أو ما يشابه ذلك! وأولئك جمهور من ~~يفهم عنهم المسلمون إلا نادرا، ولا حكم # للنادر. # وماذا أنت صانع بأحكم ما في الحكمة، وأبين ما في البيان، وأسد ما في ~~الرأي، وأبدع ما في الأدب، وأقوم ما في النصيحة، وبما هو التام الجامع لكل ~~ذلك - إذا جعلت تملأ به مسامع # الناس وأنت لا تصيب فيهم وجها من وجوه الاستواء، ولا ms062 تملك إليهم سببا من ~~أسباب التأثير، # ولا تقع منهم بالحكمة والبيان والرأي والأدب والنصيحة، وبما هو الزمام ~~عليها - إلا في فنون من # جهل الجهلاء ولغط العامة وأوهام السخفاء، وفي انتقاض الطباع واختلاط ~~المذاهب، فلا تجد إلا قلوبهم مساغا (بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال ~~من دون ذلك هم لها عاملون (63) . # لا جرم كانت هذه علة العلل في أن القرآن الكريم لم يعد له من الأثر في ~~أنفس أهله ما كان له من قبل، ولا بعض ما كان له؛ إذ لم يتدبروه بمثل ~~القرائح التي أنزل عليها، أو بقريب منها في # الذوق والفهم والبصر بمواقع الكلام، ولم يجروه من ذلك على حقه، بل أصبحوا ~~لا يستحون من الله أن يجعلوا قراءة كتابه ضربا من العبادة اللفظية يرجون ~~عند الله حسابها؛ ويبتغون في الأعمال # PageV01P075 # ثوابها، ولا يشكون أنهم يستفتحون يوم القيامة بابها، على أنهم # (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (9) . # ذلك وجه الإعجاز الأدبي في القرآن، وهو متصل باللغة اتصالا سببيا كما ~~رأيت؛ ثم هو # وراء الجنسية العربية التي بسطنا القول فيها؛ لأنه تحقيق تلك العصبية ~~الروحية، أما حقيقة # الإعجاز مما يتعلق بجال الآداب نفسها وكونها آداب الفطرة المحضة التي ~~تماد الزمن لأنها من الإنسانية، ولأنها فصل ما بين الإنسان في حيوانيته ~~وبين هذا الحيوان الناطق في إنسانيته؛ فالقرآن # كله برهان هذه الحقيقة، ونحن ملمون بها إلماما على ما بنا من الضعف، وعلى ~~ما بها من القوة # وعلى أنه ينبغي أن تكون الإفاضة فيها غرض كتاب برأسه في بيان ما هي ~~الجهات المتقابلة في # علوم التربية والاجتماع وفلسفة الشرائع، فإن هذه العلوم بما انتهت إليه ~~وعلى جملتها وتفصيلها # ليست إلا شروحا مبسوطة للمبادئ القليلة التي هي ملاك الآداب، والتي حصرها ~~القرآن حصرا محكما. # وجاء بها على سردها وجهاتها، كما يتبين ذلك من يقرؤه قراءة بحث وتأمل؛ ~~ومن زعم أن هذه الآداب علم أو هي تكون علما فلا يقصر سبيل الحجة إليه طول ~~الخصومة في زعمه مهما ms063 أطلنا؛ فإن أصل الأمر في الآداب حالة النفس لا حالة ~~العقل؛ وكم رأينا في أجهل الناس من # سلامة النفس ورحب الذرع وإخلاص الطوية وصدق اللسان والقلب وضروب من ~~الآداب كثيرة # ما لم نر بعضه ولا الخالص من بعضه في العلماء عامتهم أو أكثرهم؛ وإنما ~~(ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد (23) . # وقوام الإنساية في رأينا بثلاث، هي جملة ما ترمي إليه آداب القرآن: # الأولى: تعيين النسبة الصحيحة في المساواة بين الإنسان والإنسان، حتى لا ~~تكون القوة والضعف والسيادة والتعبد ونحوها من عوارض الاجتماع فاصلة فاصلا ~~طبيعيا بين فرد وفرد، وبين أمة وأخرى، فتقسم هذا الجنس أنواعا متباينة ~~بطبيعتها، ثم ينشق النوع إلى أجناس، ثم كل جنس # بعد ذلك إلى أنواع، ويعمل الزمن عمله في تمكين هذه الطباع بالوراثة، وفي ~~توكيدها بما يستحدثه نظام الاجتماع في القبائل والشعوب، فإذا الأرض بعد ذلك ~~غير الأرض، وإذا الإنسان مع تقادم # الدهر غير الإنسان، وإذا طبيعة ليس فيها لتنازع البقاء غير معنى واحد ~~معكوس، وهو بقاء التنازع. . . # الثانية: حياطة هذه النسبة الإنسانية فيما يبتلى به الإنسان من الخير ~~والشر فتنة، حتى لا يحيف القوي ولا يستيئس الضعيف، ولتنصرف رغائب الأمم على ~~تباينها في السياسة إلى جهة من هذه النسبة المعينة، فلا تكون وقائع السياسة ~~وأحداث الاجتماع، وما إليها من الهزاهز، كالحروب # ونحوها، إلا عملا إنسانيا يبتغى به دفع اعتداء وإقرار حق ورد باطل وتقويم ~~زيغ، إلى أمثالها مما # PageV01P076 # هو في حدود المرحمة والمبرة، وليس يعدو بحال من الأحوال أن يكون وسيلة من ~~وسائل الزجر والتأديب، إذ قد خلا من ابتغاء الهلكة ورغبة الفناء وإبادة ~~الخضراء، وبرئ من معايب هذه # السياسة الحيوانية التي لا تقوم لها قائمة إلا باعتراض الغفلة وانتهاز ~~الضعف وبالكيد والمخاتلة، # وتنزه مع ذلك عن دناءة المقصد وسفال الغاية وسوء الذريعة، وعن الخبث ~~الإنساني في الجملة. # الثالثة: حد هذه النسبة في الإنسان بالقياس إلى القوة الأزلية، حتى يتحقق ~~معنى المساواة فيها، فإن كل ما هو ms064 أدنى فهو سواة في النسبة إلى ما هو أعلى ~~وإن اختلف مع ذلك في نفسه وبان بعضه من بعض. ولولا هذا الحد لما أمكن أن ~~يجمع الناس على آداب يكون من غايتها أن تحوط # الإنسانية فيهم، إذ يبعدون هذه الإنسانية من قلوبهم إلى ما وراء انكارها ~~والتكذيب لها، فلا يبقى # لآدابها وجه تعتبر منه أو يؤخذ به في أمرها، ومن ثم لا تكون الإنسانية ~~إلا الغلظة والفظاظة في الأقوياء، وإلا الذلة والمسكنة في الضعفاء، وتكون ~~كل ذرة تسقط على الأرض من نعل القوي # تفتح في الأرض قبرا لرجل ضعيف، فلا تعمل في العمران يومئذ إلا آلات ~~الهلاك والدمار، حتى # يبقى الإنسان من الدنيا كأنه في جهنم لا يموت فيها ولا يحيا ولذا كانت ~~الأديان الإلهية كلها متفقة في حد هذه النسبة التي أشرنا إليها، بل كان هذا ~~الحد أساس الاعتقاد في جميعها، لأنه أساس كل نظام إنساني في الأرض. # وهذه الثلاث فإنما هي جماع ما تقول به الإنسانية المحضة في صفاتها ~~الإلهية التي هي غريزة النفس وصلة ما بين المخلوق والخالق، ولذا أمكن أن ~~تكون # (فطرت الله التي فطر الناس عليها) # وأن تكون من آداب كل عصر وجيل، لا تعترضها حدود الزمن؛ ولا ينال منها ~~تقلب الأيام؛ ولا تغادر الدهر أن يراها الإنسان من نفسه بحيث وضعها الله، ~~وهي بعد أمهات الفضائل وأصلها الذي تنشق منه. # وقد نرى هذه الفضائل الاجتماعية على اختلافها أطوار الناس، على تفاوت ~~مقاديرها فيهم، كيف تلتقي إلى هذه الثلاث؛ وكيف تدور عليها حتى لا يقطع على ~~الرذيلة بانها رذيلة إلا إذا كانت # تعدو على جهة من تلك الجهات في سبيلها أو غايتها، فأما أن تكون في الأرض ~~رذيلة لا تفسد شيئا من ذلك ولا تلم به، فهذا ما لا يكاد يصح في عقل صحيح. # وأنت إذا تدبرت آداب القرآن الكريم حيث أصبتها منه، رأيتها قائمة على تلك ~~الثلاث جميعا. # فإن روح هذه الآداب كلها في ثلاث كلمات من قوله تعالى: # (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا ms065 لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقؤم ~~يؤمنون (64) . # فليس في الناس اختلاف كاختلافهم في كل ما يرد إلى تعيين حقيقة النسبة في ~~المساواة بين الإنسان والإنسان، وما الظلم والتعسف والمكابرة والمخاتلة ولا ~~كل الرذائل الاجتماعية، إلا مظاهر متعددة لهذا الاختلاف # PageV01P077 # بعينه؛ ولا القوانين والعادات والشرائع وكل الفضائل الاجتماعية، إلا ~~وسائل مختلفة لتبين هذا # الاختلاف على حدود بينة من الحق. وهيهات أن يكون للناس هدى إلا بالطرق ~~التي يتخذونها لحياطة تلك النسبة ويأخذ بها بعضهم بعضا. # وهيهات أن يصيبوا أثرا من الرحمه لأنفسهم إلا بحد # تلك النسبة وإقامة هذا الحد على التقوى التي هي مظهر الإيمان فيما بين ~~الإنسان ونفسه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان. # وكل الوسائل التي تعمل في النهضة الإنسانية فإنما هي ترجع إلى ثلاث كلمات ~~تقابل تلك الثلاث أيضا وهي: صلة الحرية بالشريعة وصلة الشريعة بالأخلاق ~~وصلة الأخلاق بالله. # وعلى تفصيل هذه الثلاث جاءت آداب القرآن الذي لو بلغت الإنسانية في وصفه ~~بما وسعها ما بلغت مثل # قوله تعالى فيه: (مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشؤن ربهم ثم تلين جلودهم ~~وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء) . # فانظر كيف يكون تصوير العاطفة وتأثيرها العصبي وما وراء تأثيرها. # لا غرو كان هذا القرآن من أجل ذلك إنما يصف جمل الآداب، أي الكليات ~~الأدبية التي تلائم الفطرة في مختلف أزمانها، ولا يقرر الأخلاق تقريرا ~~وضعيا على أسلوب الكتب والمصنفات، فيضعها على أن لها قواعد وضوابط وأشباه ~~القواعد والضوابط، مما هو مثار # الاختلاف ومبعث الفرقة في مذاهب الحكماء، ومما لا تكون الآداب معه إلا ~~معادة على الناس في كل عصر بنوع من التنقيح وضرب من التغيير يناسبان اختلاف ~~كل عصر عن الذي قبله، بل أن # المعجزة في هذه الآداب الكريمة أنها تقرر الأخلاق تقريرا عاما، فيصفها ~~القرآن على أنها هي # القواعد لغيرها، والضوابط لما يبتنى عليها، ويوردها في أحسن الحديث؛ ~~ويعترض بها وجوه # القصص ويقلبها مع أغراض الكلام ثم لا يكون في ذلك وجه من وجه الخلاف ms066 ~~بينها وبين الفطرة الإنسانية، على ما في تلك الآداب من الإطلاق، وعلى أنها ~~غير ملحوظ فيها دولة بعينها أو أمة # بأوصافها، أو نحو ذلك من ضرور الحد والتعيين؛ فليس فيها من روح الزمن إلا ~~روح الزمن كله بحيث لا يتأتى للفيلسوف ولا المؤرخ إلى أن يردها أحدهما أو ~~كلاهما في جملتها إلى عصر بعينه # لا تعدوه، أو يقصرها على حد تقفها عنده الإنسانية وتتقدم بغيرها مما يقال ~~فيه إنه الأصلح أو الأنفع، ولو أن الدهر قد فني ثم نزع من كل أمة شهيد ~~وعرضت عليهم آداب القرآن فقابلوها # بفضائل آدابهم واعترضوا بعض ذلك ببعضه ثم قيل هاتوا برهانكم عليها، لأقر ~~الزمن بألسنتهم جميعا أنها الحق وأن الحق لله. # من أجل ذلك تجد الخطاب الأدبي مطلقا في القرآن كله كأنه نظام إنساني عام ~~لا يراد به إلا حرية المنفعة للنوع كله، ثم الموازنة بين مقدار هذه المنفعة ~~وبين مقدار الحرية التي تنال بها، # ليكون كل شيء في نصابه الاجتماعي، فإن إطلاق الحرية عبث، وإطلاق المنفعة ~~ضرر أو ضرار، # ولو سوغت كل أمة أن تقارف ما تريد بمقدار ما يهيئ لها ضعف غيرها من ~~الحرية في بسط يدها لكان من ذلك فتنة في الأرض وفساد كبير. # وإن كل أمة اضطربت فيها الموازنة بين الحرية والمنفعة، فإنما يكون ذلك ~~حاضر تاريخها # PageV01P078 # مبدأ العبودية لغيرها؛ وهذا الأصل أرقى ما انتهت إليه علوم الاجتماع لهذا ~~العهد. # وكذلك كل ما في آداب القرآن الكريم من الأمر والنهي، فإنما يراد به ضبط ~~الصلة بين عالم العقل وعالم المادة على وجه بين؛ ولولا ذلك ما كانت هذه ~~الآداب زمنية تحيي روح الزمن كله، # بل لكانت من غير هذا العالم، فلا يستقيم لها بشيء ولا تستقيم هي لشيء ثم ~~لا تكون في الناس إلا عنتا وإرهاقا ولا يتهيأ معها صرف ولا عدل، ولا يكون ~~منها في الزمن إلا اسمها، وإلا الخبر أنها كانت يوما فتلحق في التاريخ بباب ~~الفضائل الذي لا يلجه إلا القليل، مع أن وراءه كل # أسماء ms067 الحكماء والفلاسفة. # والإنسان إنما يصرف ما يشاء من النواميس الثابتة لعالم المادة فيما يرجع ~~بالنفع والضرر، فإذا أطلقت يده في ذلك فكأنه جزء ناقص من نظام الكون؛ أو ~~جزء يتقصه شيء من هذا النظام؛ بيد أن # الآداب إذا أحكمت صلته بذلك العالم المادي على وجه بين حلاله وحرامه، فلا ~~ينحاز إلا في حد من الحدود المرسومة، ولا يبغي شيئا لم تتعين تبعته، ولا ~~يستدخل في أمر إلا وهو في ربقة من # نظامه الاجتماعي فإنه يكون قد استكمل حينئذ ما كان ينقصه، أو ما كان ~~يجعله ناقصا إن خلا منه، وما دامت الحياة مادة، فللمادة حكمها في الحياة. # وما تدبر هذا القرآن أحد قط إلا وجده يطلق لكل إنسان - على القوة والضعف ~~والعزة والذلة # - إرادة اجتماعية أساسها الفضيلة الأدبية: حتى لا تكون بطبيعتها إلا جزءا ~~من الشريعة التي هي في الحقيقة إرادة المجموع، ولقد كانت تلك الإرادة ~~الاجتماعية هي الحلم السماوي الذي أطبق عليه # الموت أعين الفلاسفة وحكماء الأرض جميعا، ولم يتحقق في غير ذلك الجيل ~~الذي كان المثال الصحيح لآداب القرآن؛ إذ تمكنت منه الفضيلة الأدبية بمقدار ~~ما يأتي لها أن تتمكن من نفس الإنسان، وبلغت فيه ما يتفق لها أن تبلغ من ~~الفطرة؛ فكانت أعمالها مظاهر لتلك القوة التي # سميناها " الإرادة الاجتماعية " ولو أن العلوم كلها والفلسفة وأهلها كانت ~~لأولئك العرب مكان القرآن لما أغنت شيئا من غنائه، ولا ردت عليهم بعض مرده؛ ~~فإن الفضيلة العقلية التي أساسها العلم، لا تعطي غير الإرادة النظرية التي ~~ربما اهتدى بها المرء وربما ظل بها على علم، ولكن الفضيلة الأدبية # تدفع إلى الإرادة العملية دفعا؛ لأن هذه الإرادة هي مظهرها ولا سبيل ~~لظهورها غير العمل، ومتى صحت إرادة الفرد واستقام لها وجه في الاجتماع، فقد ~~صار بنفسه قطعة من عمل الأمة، ولا بد أن # تكون الأمة القائمة بأفراد من أمثاله قطعة من عمل التاريخ الاجتماعي؛ ~~وهذا بعينه هو الذي أنشأه القرآن في العرب من أنفسهم، وأنشأه من العرب في ~~التاريخ، وهو وليهم ms068 بما كانوا يعملون. # ومثل تلك الإرادة التي وصفنا لا تكون ولا وجه لكونها إلا أن يجعل هذا ~~القرآن للمرء مبدأ قبل أن يجعل له شريعة، ثم لا يقيم الشريعة إلا على هذا ~~المبدأ، فيكون المرء محكوما بيقينه # PageV01P079 # وفكره لا بظنه ولا بعادته؛ وبذلك يكون بناؤه الإنساني قارا في حيزه ~~الإنساني. # وأنه ليستحيل ألبتة أن لا يكون لأجهل الناس في قومه فكر اجتماعي ما دام ~~له يقين ثابت في آداب المجموع. # هذا، وقد أمسكنا عن التفصيل والشرح وانتزاع الأمثلة القرآنية في كل ما ~~تقدم، تفاديا الإطالة واقتصارا على غرض الكتاب، مما يجزئ قليله في الدلالة ~~على كثيره، فإن الدلالة على # الكثير وإن لم تكن هي إياه غير أنها تعينه وتصفه، ومن ضرب بالحدود على ~~فضاء واسع في الأرض فقد أظهره حتى لا يخطئ النظر الهين أن يطبقه ويستوعبه، ~~وإن كان فيما وراء ذلك # تعرفه وقياسه واستخراج مبلغ ذزعه ما يبلغ العنت؛ ما ليس في العنت أبلغ ~~منه. # وبالجملة فإن القرآن إنما يريد بآدابه وعظاته الإنسان الاجتماعي لا ~~الصورة الإنسانية التي تخلقها العصور التاريخية والسياسية أصنافا من الخلق، ~~أو تفتري عليها ضروبا من الافتراء، فلا # يريد كل ما فيه من الآداب الاجتماعية على هذه الجهة لا يعدوها، وليس فيه ~~من آية من الأداء والأخلاق إلا هو يريغ بها ناحية من هذا المقصد، ومن أجل ~~ذلك بقيت روح آدابه في أنفس # المسلمين لا تغيير في الجملة وإن تغيروا لها وانصرفوا عنها، كأنها فيهم ~~طبيعة وراثية، ولقد كانت هذه الروح - ولم تزل - هي السبب الأكبر في انتشار ~~الإسلام حتى بين أعدائه الذين أرادا # استئصاله، كالتتار والمغول وغيرهم ممن اشتدوا عليه ليخذلوه، ثم كانوا بعد ~~ذلك من أشد أهله في # نصرته والغضب له والدفع دونه، وهو الإسلام لا دعوة له من أول تاريخه إلى ~~هذه الغاية، وإلى ما # شاء الله، إلا القدرة التي هي مظهر آدابه أو روح هذه الآداب؛ فحيثما وجدت ~~طائفة من أهله # وجدت الدعوة إليه، وإن لم ينتحلوها ويعملوا لها من عملهم، ms069 وإن لم يتسخر ~~هو من ورائهم # الدعاة المنتخبين ولم يستحثهم للجولة بالعطايا والمنالات، ولم يقتطعهم من ~~الدنيا ليترامى بهم إلى # غرضه في كل شرق، وتلك دلالة صريحة على أنه الدين الطبيعي للإنسانية، إذ ~~تأخذ فيه النفس حق # النفس بلا وساطة ولا حيلة في التوسط. . . وهي حقيقة زمنية لم يزل كل عصر ~~يأتي الناس بدليلها، ولم يستطع أعداء الإسلام أن يكابروا فيها فكابروا في ~~تعليلها! # وبعد فما أفصح وأبلغ، وما أصح وأوضح ما ورد في صفة القرآن من قول رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - # " فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل ~~". # ونحن فما عدونا في كل ما قدمناه تفسير هذه الكلمات القليلة، وإن فيها بعد ~~لفضلا فاضلا، لو وجد فاصلا، وقولا طائلا، وأصاب له قائلا. # PageV01P080 ### | القرآن والعلوم # وللقرآن وجة اجتماعي من حيث تأثيره في العقل الإنساني، وهو معجزة التاريخ ~~العربي خاصة، ثم هو بآثاره النامية معجزة أصلية في تاريخ العلم كله على ~~بسيط هذه الأرض، من لدن # ظهر الإسلام إلى ما شاء الله، لا يذهب بحقها اليوم أنها لم تكن قبل إلا ~~سببا، فإن في الحق ما يسع الأشياء وأسبابها جميعا. # وليس يرتاب عاقل - ممن يتدبرون تاريخ العلم الحديث، ويستقصون في أسباب ~~نشأته، ويتشبثون عند الخاطر من ذلك إذا أقدموا عليه؛ وعند الرأي إذا قطعوا ~~به - أنه لو لم يكن القرآن # الكريم لكان العالم اليوم غير ما هو في كل ما يستطيل به، وفي تقدمه ~~وانبساط ظل العقل فيه وقيامه على أرجائه، وفي نموه واستبحار عمرانه. # فإنما كان القرآن أصل النهضة الإسلامية وهذه # كانت على التحقيق هي الوسيلة في استبقاء علوم الأولين وتهذيبها وتصفيتها، ~~وإطلاق العقل فيما شاء أن يرتع منها، وأخذه على ذلك بالبحث والنظر ~~والاستدلال والاستنباط، وتوفير مادة الروية # عليه بما كان سببا في طلب العلم للعمل، ومزاولة هذا لذاك، إلى صفات أخرى ~~ليس هذا موضع بسطها - # وإن لها لموضعا متى انتهينا إلى بابها من الكتاب - وهذا كله كان أساس ~~التاريخ ms070 العلمي في # PageV01P081 # أوروبا. فما من موضع في هذا (الأساس) القائم إلا وأنت واجد من دونه قطعة ~~من الآداب الإسلامية أو العقول الإسلامية، أو الحضارة الإسلامية، فالقرآن ~~من هذا الوجه إنما هو الباب الذي # خرج منه العقل الإنساني المسترحل، بعد أن قطع الدهر في طفولة وشباب. # وكل دين سماوي فإنما هو طور من أطوار النمو في هذا العقل الإنساني يستقبل ~~به الزمان درجات جديدة في نشأته الأرضية؛ فما التاريخ كله إلا مقياس عقلي ~~درجاته وأرقامه هذه العصور # المختلفة التي يستعين العقل منها مقدار زيادته من مقدار نقصانه. # أما من وجه آخر فإن القرآن إنما هو الدرجة الأبدية التي أجاز عليها ~~العالم في انتقاله من جهة # إلى جهة. وإنا لمستيقنون أن هذه الدرجة هي نفسها التي سيجيز عليها العالم ~~كرة أخرى (ولله عاقبة الأمور (41) . # وأما إن هذا القرآن معجزة التاريخ العربي خاصة وأصل النهضة الإسلامية، ~~فذلك بين من كل وجوهه؛ غير أننا سنقول في الجهة التي تتصل بنشأة العلوم، إذ ~~هي سبيل ما نحن فيه من هذا # الفصل، وقد أومأنا إلى بدء تاريخ التدوين العلمي وبعض أسبابه في باب ~~الرواية من الجزء الأول # من تاريخ آداب العرب، فنفتصر هنا على موجز من أسباب النشأة العلمية. # اختلف المسلمون في قراءة القرآن لعهد عثمان رضي الله عنه كما تقدم في ~~موضعه، وبدأت، ألسنة الحضريين ومن في حكمهم من ضعاف الفطرة العربية؛ تجنح ~~إلى اللحن وتزيغ عن الوجوه # في الإعراب؛ وجعل ذلك يفشو بين المسلمين بعد أن اضطرب كلام العرب فداخله ~~الشيء الكثير من المولد والمصنوع؛ وذهب أهل الفتن يتأولون عن معاني القرآن ~~ويحرفون الكلم عن مواضعه، # وخيف على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي الأصل الثاني بعد ~~القرآن؛ ثم فشا الجهل بأمور الدين، # وضعف عامة الناس عن حمل العلم وطلبه، واقتصروا من ذلك على أن يفزعوا إلى ~~العلماء # بالمسألة فيما يحدث لهم وما يرجون أن يتفقوا فيه، ثم تباينت آراء العلماء ~~واختلفت أفهامهم فيما يستنبطون من الأحكام وما يتأولون لها من الكتاب ms071 ~~والسنة، واختلط أمر الناس، وأقبلت عليهم # الفتن كقطع الليل، وامتدت إليهم كأعناق السيل، فكان ذلك كله ما بعث ~~العلماء أن يفترقوا على جهات القرآن؛ حياطة لهذا الدين. وقياما بفروض ~~الكفاية، يستقبل بعضهم بعضا بالرفد # والمعاونة، ويأخذون على أطراف الأمر كله، وهو أمر لم يكن أكثره على عهد ~~الصحابة رضي الله عنهم # PageV01P082 # يوم كان العلم فروعا قليلة، إذ كانت الأعلام بينة لائحة، وطريق الإسلام ~~لا تزال فيها آثار النبوة واضحة، ومن ثم جعلت العلوم تنبع من القرآن ثم ~~تستجيش وتتسع، وأخذ بعضها يمد بعضا. # قال أحد العلماء: " فاعتنى قوم بضبط لغاته وتحريز كلماته، ومعرفة مخارج ~~حروفه، وعددها، وعدد كلماته وآياته وسوره وأحزابه وأنصافه وأرباعه، وعدد ~~سجداته، والتعليم عند كل # عشر آيات؛ إلى غير ذلك من حصر الكلمات المتشابهة، والآيات المتماثلة، من ~~غير تعرض لمعانيه، ولا تدبر لما أودع فيه فسموا القراء! # " واعتنى النحاة بالمعرب منه والمبني من الأسماء والأفعال والحروف العامة ~~وغيرها، وأوسعوا الكلام في الأسماء وتوابعها، وضروب الأفعال. # واللازم والمتعدى، ورسوم خط الكلمات وجميع ما لعلق به، حتى إن بعضهم أعرب ~~مشكله، وبعضهم أعربه كلمة. # " واعتنى المفسرون بألفاظه، فوجدوا منه لفظا يدل على معنى واحد، ولفظا ~~يدل على معنيين، ولفظا يدل على أكثر، فأنجروا الأول على حكمه، وأوضحوا معنى ~~الخفي منه، وخاضوا # في ترجيح أحد محتملات ذي المعنيين أو المعاني، وأعمل كل منهم فكره، وقال ~~بما اقتضاه نظره. . # " واعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية والشواهد الأصلية والظرية، ~~فاستنبطوا منه، وسموا هذا العلم بأصول الدين. # " وتأملت طائفة منهم معاني خطابه، فرأت منها ما يقتضي العموم ومنها ما ~~يقتضي الخصوص، إلى غير ذلك، فاستنبطوا منه أحكام اللغة من الحقيقة والمجاز. # " وتكلموا في التخصيص والأخبار والنص والظاهر والمجمل والمحكم والمتشابه ~~والأمر والنهي والنسخ، إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة واستصحاب الحال ~~والاستقراء، وسموا هذا الفن أصول الفقه. # " وأحكمت طائفة صحيح النظر وصادق الفكر فيما فيه من الحلال والحرام وسائر ~~الأحكام؛ # فأسسوا أصوله، وفرعوا فروعه، وبسطوا القول في ذلك بسطا حسنا، وسموه بعلم ms072 ~~الفروع، وبالفقه أيضا. # PageV01P083 # " وتلمحت طائفة ما فيه من قصص القرون السالفة، والأمم الخالية، ونقلوا ~~أخبارهم، ودونوا أخبارهم ووقائعهم، حتى ذكروا بدء الدنيا وأول الأشياء؛ ~~وسموا ذلك بالتاريخ والقصص. # " وتنبه آخرون لما فيه من الحكم والأمثال والمواعظ التي تقلقل قلوب ~~الرجال، فاستنبطوا مما فيه من الوعد والوعيد والتحذير والتبشير وذكر الموت ~~والميعاد والحشر والحساب والعقاب # والجنة والنار - فصولا من المواعظ وأصولا من الزواجر، فسموا بذلك الخطباء ~~والوعاظ. # " وأخذ قوم مما في آية المواريث من ذكر السهام وأربابها وغير ذلك - علم ~~الفرائض، # واستنبطوا منها من ذكر النصف والربع والسدس والثمن حساب الفرائض. # " ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالة على الحكم الباهرة في الليل ~~والنهار والشمس والقمر والنجوم والبروج غير ذلك، فاستخرجوا منه علم ~~المواقيت. # " ونظر الكتاب والشعراء إلى ما فيه من جزالة اللفظ، وبديع النظم، وحسن ~~السياق، والمبادئ والمقاطع والمخالص والتلوين في الخطاب، والإطناب ~~والإيجاز، وغير ذلك، # واستنبطوا منه المعاني والبيان والبديع". # انتهى تحصيلا. # وإنما أوردنا هذا القول لنكشف لك عن معنى عجيب في هذا الكتاب الكريم، فهو ~~قد نزل في البادية على نبي أمي وقوم أميين لم يكن لهم إلا ألسنتهم وقلوبهم، ~~وكانت فنون القول التي يذهبون فيها مذاهبهم ويتواردون عليها، لا تجاوز ~~ضروبا من الصفات، وأنواعا من الحكم، وطائفة # من الأخبار والأنساب، وقليلا مما يجري هذا المجرى، فلما نزل القرآن ~~بمعانيه الرائعة التي افتن بها في غير مذاهبهم، ونزع منها إلى غير فنونهم، ~~لم يقفوا على ما أريد به من ذلك، بل حملوه # على ظاهره وأخذوا منه حكم زمانهم، وكان لهم في بلاغته المعجزة مقنع، وما ~~درى عربي واحد من أولئك لم جعل الله في كتابه هذه المعاني المختلفة، وهذه ~~الفنون المتعددة، التي يهيج بعضها # النظر، ويشحذ بعضها الفكر، ويمكن بعضها اليقين، ويبعث بعضها على ~~الاستقصاء، # PageV01P084 # وهي لم تكن تلتئم على ألسنتهم من قبل؛ بيد أن الزمان قد كشف بعدهم عن هذا ~~المعنى، وجاء به دليلا # بينا منه على أن القرآن كتاب الدهر كله؛ وكم للدهر من أدلة ms073 على هذه ~~الحقيقة ما تبرح قائمة؛ فعلمنا من صنيع العلماء أن القرآن نزل بتلك ~~المعاني، ليخرج للأمة من كل معنى علما برأسه، ثم # يعمل الزمن عمله فتخرج الأمة من كل علم فروعا، ومن كل فرع فنونا إلى ما ~~يستوفى في هذا # الباب على الوجه الذي انتهت إليه العلوم في الحضارة الإسلامية؛ وكان سببا ~~في هذه النشأة الحديثة من بعد أن استدار الزمان وذهبت الدنيا مستدبرة وأنشأ ~~الله القرون والأجيال لتبلغ هذه الحادثة أجلها ويتناهى بها القضاء وإن من ~~شيء إلا عند الله خزائنه، ولكنه سبحانه وتعالى يقول: # (وما ننزله إلا بقدر معلوم (21) . # ولقد كانت النهضة العلمية في زمن بني أمية قائمة بأكثر العلوم الإسلامية ~~التي مرت الإشارة إليها، حتى امتهد أبو جعفر المنصور؛ ثم الرشيد من بعده ~~للنهضة العباسية الكبرى التي نثات من # جمع كلمة أهل الفقه والحديث بعد انشقاقهم زمنا وافتراق الكلمة بينهم - ~~ومن إقبال الناس على الطلب والاستيعاب؛ فكان ذلك تهيئة لانشقاق علوم ~~الفلسفة والكلام وما إليها وظهور أهلها # وانحياز السنة عنها جانبا، ثم اجتماعها على مناظرتها؛ فإن المنصور لما حج ~~في سنة 163 ه # لقيه مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه بمنى على ميعاد، بعد الذي كان مما ~~أنزل به جعفر بن سليمان عامل المنصور على المدينة من الضرب بالسوط وانتهاك ~~الحرمة وإزالة الهيبة، # قال مالك رحمه الله: (ثم فاتحني (يعني المنصور) فيمن مضى من السلف ~~والعلماء، فوجدته أعلم الناس بالناس؛ ثم فاتحني في العلم والفقه فوجدته ~~أعلم الناس بما اجتمعوا عليه وأعرفهم بما اختلفوا # فيه، حافظا لما روى، واعيا لما سمع، ثم قال لي: يا أبا عبد الله، ضع هذا ~~العلم ودون منه كتبا، # وتجنب شدائد عبد الله بن عمر، ورخص عبد الله بن عباس، وشواذ ابن مسعود، ~~واقصد إلى أواسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة رضي الله تعالى ~~عنهم، لنحمل الناس إن شاء الله # على علمك وكتبك، ونبثها في الأمصار، ونعهد إليهم أن لا يخالفوها ولا ~~يقضوا بسواها. # فقلت: أصلح الله الأمير، إن ms074 أهل العراق لا يرضون علمنا ولا يرون في علمهم ~~رأينا. # فقال أبو جعفر: " يحملون عليه وتضرب عليه هاماتهم بالسيف وتقطع ظهورهم ~~بالسياط!! فتعجل بذلك وضعها، # فسيأتيك محمد ابني (المهدي) العام القابل إن شاء الله إلى المدينة ~~ليسمعها منك، فيجدك وقد فرغت من ذلك إن شاء الله! ". # PageV01P085 # ثم قدم المهدي على مالك، وقد وضع أجزاء كتابه (الموطأ) فأمر بانتساخها ~~وقرئت على مالك. # إلى أن كانت سنة 174 ه فخرج الرشيد حاجا، ثم قدم المدينة زائرا، فبعث إلى ~~مالك فأتاه فسمع منه كتابه ذلك، وحضره يومئذ فقهاء الحجاز والعراق والشام ~~واليمن، ولم يتخلف من # رؤسائهم أحد إلا وحضر الموسم مع الرشيد، وسمع وسمعوا من مالك موطأه كله، ~~ثم أنكروا عليه مسألة فناظروه فيها، حتى إذا كشف لهم عن وجهها وأبان فيها ~~طريق الرواية والتأويل صاروا # إلى الرضى بقوله والتصديق لروايته والتسليم لتأويل ما تأول. # لا جرم كان هذا سببا في اجتماع كلمة الفقهاء، إن لم يكن ديانة فسياسة، ~~ولم يؤثر من بعدها عن جماعة أهل العراق ما كانوا يستطيلون به على أهل ~~الأمصار الأخرى، من عرض الدعوة # وتطويل الحديث، وتخطئة من لا يليهم أو يواليهم؛ وقد كانوا قبل ذلك ~~يربونهم ويضيقون عليهم متنفسهم من العلم، ويرون أن هذا العلم عراقي، وأن ~~ليس الأمر مع غيرهم بحيث إذا هو # جد فيه رأى المادة مؤاتية وبلغ منه مثل الذي بلغوه وكان دركه حقيقا بأن ~~يسمى عندهم دركا، # ولعل ذلك جاءهم في الأصل من قبل العربية وأهلها، فقد علمت من (باب ~~الرواية) كيف كانوا يبسطون ألسنتهم ويتنبلون بعلمهم ويذهبون بأنفسهم؛ إذ لم ~~يكن في الأرض أعلم منهم بالعربية؛ # ولا أوثق في روايتها، ولا أجمع لأصولها، ولا أصح في ذلك كله. # ولسنا نريد أن نخوض في الكشف عن مبدأ انتشار العلوم النظرية والعلل ~~الباعثة عليها، # PageV01P086 # ومن كان مع أهلها من الخلفاء ومن كان عليهم فلذلك موضع في كتاب التاريخ ~~هو أملك به وأوفى، غير أننا نوثق الكلمة في أن القرآن الكريم هو كان سبب ~~العلوم الإسلامية ms075 ومرجعها # كلها - بأنه ما من علم إلا وقد نظر أهله في القرآن وأخذوا منه مادة علمهم ~~أو مادة الحياة له، فقد كانت سطوة الناس في الأجيال الأولى من العامة ~~وأشباه العامة شديدة على أهل العلوم # النظرية، إلا أن يجعلوا بينها وبين القرآن نسبا من التأويل والاستشهاد ~~والنظر، أو يبتغوا بها مقصدا ممن مقاصده، أو يريغوا معنى من معاني التفقه ~~في الدين والنظر في آظار الله، إلى ما يشبه ذلك مما يكون في نفسه صلة ~~طبيعية بين أهل العقول والبحث وأهل القلوب والتسليم. # وما يزال أثر ذلك ظاهرا في فواتح الكتب العلمية لذلك العهد على اختلافها ~~فما تستفتح من كتاب إلا أصبت في مقدمته غرضا من تلك الأغراض التي أشرنا ~~إليها، أو ما يصلح أن يكون # غرضا منها؛ ثم هو أمر ليس أدل على تحقيقه من كتب التفسير، فإنه لا يعرف ~~في تاريخ العالم كله - من لدن أرخ الناس - كتاب بلغت عليه الشروح والتفاسير ~~والأقوال والمصنفات المختلفة ما # بلغ من ذلك على القرآن الكريم ولا شبيها به ولا قريبا منه، حتى فسرته ~~الروافض بالجفر، على فساد ما يزعمون وسخافة ما يقولون، وعلى سوء الدعوى ~~فيما يدعون من علم باطنه بما وقع إليهم # PageV01P087 # من ذلك الجفر واستنبط منه غيرهم إشارات من الغيب بضروب من الحساب، كهذا ~~الذي ينسبونه إلى الحسن بن علي رضي الله عنه من أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - رأى في رؤياه ملوك بني أمية رجلا " # رجلا، فساءه ذلك، فأنزل الله عليه ما يسري عنه من قوله في القرآن # (إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) وما أدراك ما ليلة القدر (2) ليلة القدر ~~خير من ألف شهر (3) . # قالوا: يعني بألف شهر مدة الدولة الأموية! فقد كانت أيامها خالصة ثلاثا ~~وثمانين سنة وأربعة أشهر مجموعها ألف شهر سواء # PageV01P088 # وحتى زعم بعضهم أن الكلمات التي في أوائل السور إنما تحتوي مدد أعوام ~~وأيام لتواريخ أمم سالفة، وإن فيها تاريخ ما مضى وما بقي مضروبا بعضها في ~~بعض، إلا كثير من مثل هذا ms076 مما يخطئه الحصر، وإنما أشرنا إلى بعضه لغرابته، ~~ولأن أغرب ما فيه أنه عند أهله من بعض ما يفسر # به القرآن، # وقد أوردنا في باب الرواية من التاريخ أن أبا علي الأسواري القاص البليغ، ~~فسر القرآن بالسير والتوارييخ ووجوه التأويلات، فابتدأ في تفسير سورة ~~البقرة، ثم لبث يقص ستا وثلاثين سنة، # ومات ولم يختمه، وكان ربما فسر الآية الواحدة في عدة أسابيع لا يني ولا ~~يتخلف، وليس في # هذا الخبر شيء من المبالغة أو التزيد، بل عسى أن يكون الأمر مع أهل ~~التحقيق والاطلاع أبلغ منه، وهذه كتب التفسير التي عذها صاحب (كشف الظنون) ~~وسرد أسماءها في كتابه، تبلغ ثلثمائة ونيفا، والرجل إنما عد بعضها كما ~~يقول. وأنت فلا يذهبن عنك أن كل كتاب منها فإنما هو في # المجلدات الكثيرة إلى مائة مجلد، وإلى ما يفوق المائة أحيانا، فقد رأينا ~~في بعض كتب التراجم أن أبا بكر الأدفوي المتوفى سنة 388 ه صنف (كتاب ~~الاستغناء) في تفسير القرآن في مائة مجلد، # وكان منفردا في عصره بالإمامة في أنواع من القراءات والعربية وفنون كثيرة ~~من العلم، وذكر الفيلسوف (أرنست رنان) أنه وقف على ثبت يدل على أنه قد كان ~~في إحدى مكاتب الأندلس التي # أحرقت تفسير القرآن في ثلثمائة مجلد. وذكر الشعراني في كتابه (المنن) ~~تفسيرا قال إنه في ألف مجلد. # PageV01P089 # وهذا كله غير ما أفرد بالتصنيف من الكتب والرسائل التي لا تحصى في مسائل ~~من القرآن وفي مشكله وغريبه ومجازه ومعانيه وضميره وشواهده وأسلوب نظمه ~~والمتشابه من آياته وأمثاله # وحروفه وإعرابه وأسمائه وأعلامه وناسخه ومنسوخه وأسباب نزوله، إلى كثير ~~من مثل ذلك مما حفيت فيه أقلام العلماء، بحيث لا يعلم إلا الله وحده كم ~~يبلغ ما وضع لخدمة كتابه الكريم؛ ولا # يعلم الناس من ذلك إلا أنه معجزة من معجزات التاريخ العلمي في الأرض لم ~~يتفق له في ذلك شبيه من أول الدنيا إلى اليوم، ولن يتفق. # وقد استخرج بعض علمائنا من القرآن ما يشير إلى مستحدثات الاختراع وما ~~يحقق ms077 بعض غوامض العلوم الطبيعية، وبسطوا كل ذلك بسطا ليس هو من غرضنا ~~فنستقصي فيه على أن هذا # ومثله إنما يكون فيه إشارة ولمحة ولعل متحققا بهذه العلوم الحديثة لو ~~تدبر القرآن وأحكم النظر فيه وكان بحيث لا تعوزه أداة الفهم ولا يلتوي عليه ~~أمر من أمره. . لاستخرج منه إشارات كثيرة # تومئ إلى حقائق العلوم وإن لم تبسط من أنبائها، وتدل عليها وإن لم تسمها ~~بأسمائها، بلى وإن في هذه العلوم الحديثة على اختلافها لعونا على تفسير بعض ~~معاني القرآن والكشف عن حقائقه، # وإن فيها لجماما ودربة لمن يتعاطى ذلك؛ يحكم بها من الصواب ناحية، ويحرز ~~من الرأي جانبا؛ # وهي تفتق لها الذهن، وتؤاتيه بالمعرفة الصحيحة على ما يأخذ فيه، وتخرج له ~~البرهان وإن كان في # طبقات الأرض، وتنزل عليه الحجة وإن كانت في طباق السماء. # ولا جرم أن هذه العلوم ستدفع بعد تمحيصها واتصال آثارها الصحيحة بالنفوس ~~الإنسانية إلى غاية واحدة، وهي تحقيق الإسلام، وأنه الحق الذي لا مرية فيه، ~~وأنه فطرة الله التي فطر الناس # عليها، وأنه لذلك هو الدين الطبيعي للإنسانية؛ وسيكون العقل الإنساني آخر ~~نبي في الأرض، لأن # PageV01P090 # الذي جاء بالقرآن كان آخر الأنبياء من الناس، إذ جاءهم بهذا الدين ~~الكامل، ولا حاجة بالكمال الإنساني لغير العقول ينبه إليه بعضها بعضا، ومن ~~لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض! . # وقد أشار القرآن إلى نشأة هذه العلوم وإلى تمحيصها وغايتها على ما وصفناه ~~آنفا، وذلك قوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم ~~أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد (53) . # ولو جمعت أنواع العلوم الإنسانية كلها ما خرجت في معانيها من قوله # تعالى: (في الآفاق وفي أنفسهم) هذه آفاق، وهذه آفاق أخرى، فإن لم يكن هذا ~~التعبير من الإعجاز الظاهر بداهة فليس يصح في الأفهام شيء. # ذلك وأن من أدلة إعجاز هذا الكتاب الكريم أن يخطئ الناس في بعض تفسيره ~~على اختلاف العصور، لضعف وسائلهم العلمية ولقصر حبالهم أن تعلق بأطراف ms078 ~~السموات أو تحيط بالأرض، ثم تصيب الطبيعة نفسها في كشف معانيه؛ فكلما تقدم ~~النظر، وجمعت العلوم، ونازعت # إلى الكشف والاختراع، واستكملت آلات البحث، ظهرت حقائقه الطبيعية ناصعة ~~حتى كأنه غاية لا يزال عقل الإنسان يقطع إليها، حتى كأن تلك الآلات حينما ~~توجه لآيات السماء والأرض توجه # لآيات القرآن أيضا (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (21) ~~. # ذلك هو الأمر في العلوم الألى (ثم الله ينشئ النشأة الآخرة) . # PageV01P091 ### | سرائر القرآن # بعد أن صدرت الطبعة الأولى من كتابنا هذا خرج في الآستانة القديمة. . ~~كتاب جليل للقائد العظيم والعالم الرياضي الفلكي المشهور الغازي أحمد مختار ~~باشا رحمه الله، أسماه (سرائر القرآن) وبناه على سبعين آية من كتاب الله ~~تعالى فسرها بآخر ما انتهى إليه العلم الحديث في # الطبيعة والفلك، فإذا هي في القرآن منطبق السماء عن نفسها، لا يتكذب ولا ~~يزيغ ولا يلتوي، # وإذا هي تثبت أن هذا الكتاب الكريم سبق العقل الإنساني ومخترعاته بأربعة ~~عشر قرنا إلى زمننا، # وما ذاك إلا فصل من الدهر، وستعقبه فصول بعد فصول. # ومعلوم أن الزمن تقسيم إنساني محض يلائم وجود الإنسان وفناءه عن هذه ~~الأرض المحدودة بمادتها وأجلها، وإلا فليس في الحقيقة أزمان تبتدئ أو ~~تنتهي، فإذا ثبت للقرآن المجيد سبقه ما تتوهمه زمنا وتقدمه حدودا من آخر ~~حدود العقل الإنساني، على حين أنه أنزل في حدود # غيرها بعيدة ضعيفة لا علم فيها ولا آلات علم - فحسبك بذلك وحده برهانا ~~على أن هذا الكتاب # جملة من الأزل تحولت في معنى ومنطق، وجاءت لغرض وغاية، ولامست الناس ~~لتكون فيهم سببا لرسوخ الإيمان، ثم نظاما للإيمان نفسه، ومتى رسخ الإيمان ~~فقد رسخ العالم كله في النفس الإنسانية. # وهذا عندنا من بعض السر فيما جاء في الكتاب الكريم من آيات السموات ~~والأرض والنظر والاستدلال، ومن طرق التعبير، التعبير النفسي بالأمثال ~~والقصص ونحوها. # ثم إن في ذكر الآيات الكونية والعلمية في القرآن دليلا على إعجاز آخر فهو ~~بذلك يومئ إلى أن الزمن متجه في سيره إلى الجهة العلمية ms079 القائمة على البحث ~~والدليل، وأن الإنسانية ذاهبة في # أرقى عصورها إلى هذا المذهب، وأن الدين سيكون عقليا، وأن العقل هو آخر ~~أنبياء الأرض، # فوجود ذلك فيه قبل أن يوجد ذلك في الزمن بأربعة عشر قرنا، شهادة ناطقة من ~~الغيب لا يبقى عليها موضع شبهة، فإن أسفر الصبح وبقي بعض الناس نياما لا ~~يرونه وقد ملأ الدنيا فذلك من عمى النوم في أعينهم. # وآخرون لا يرونه من نوم العمى في أعينهم والصبح فوق هؤلاء وهؤلاء. # ف (من أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها) . # قال الغازي في مقدمة كتابه: " وفي القرآن غير ما يكفل للهيئة الاجتماعية ~~سعادتها وسلامتها في معاشها ومعادها مما حواه من الدساتير الأخلاقية ~~والقضائية والإدارية والسياسية وعظة الأمثال والقصص - فيه إشارات وآيات ~~بينات في مسائل ما برحت العلوم الطبيعية تحاول الكشف # PageV01P092 # عن كنهها منذ عصور، ولا سيما في علم التكوين والتخريب (القيامة) الذي دل ~~الآن بنظريات # الإخصائيين من علماء الفلك ومباحثهم ومشاهداتهم في طور التقدم والارتقاء ~~وإنك لا تكاد تقلب من المصحف الشريف بضع صفحات حتى تجد آية في أسرار ~~الكائنات وأحوال السماء منظومة في نسقها بمناسبة من أبدع المناسبات. # قال: " وقد فهموا من علم الهيئة السماوية عظمة الله تعالى بعظمة الأجرام ~~التي كانوا يحسبونها نقطا صغيرة منثورة في السماء. # خذ لذلك مثلا: إدراك عظمة الشمس وكوكب الشعرى # بالنسبة إلى الأرض، فإن هذه الأرض إذا نحن فرضناها فرضا بحجم الحمصة، ~~تكون مساحة الشمس بالنسبة إليها كمساحة مائدة مستديرة طول قطرها ذراع ~~فرنسية، ومساحة سطح كوكب الشعرى الذي # قال الله فيه (وأنه هو رب الشعرى (49) . # تبلغ مائة ذراع فرنسية بالقياس إلى تلك الحمصة. # " ومما أفدناه من تلك المباحث أن عالمنا الناسوتي الذي نسميه # (العالم الشمسي) - # وتؤلفه طائفة مستقلة من الأجرام السماوية تعد بالمئات أهمها شمسنا ~~المنيرة وأرضنا وأخواتها من السيارات وما يتبعهن من النجوم ذوات الأذناب - ~~يدور بسرعة عشرين ألف ذراع فرنسية في الثانية # الواحدة، مجتازا فضاء الله الذي لا نهاية له، كما أشار الله تعالى إلى ~~ذلك بقوله: (والشمس تجري ms080 لمستقر لها) وأن المجرة العظمى المحيطة بالسماء ~~تحتوي مئات الألوف من العوالم الأخرى. . . إلى أن قال # " إن القرآن الكريم آيات بينات عن تكوين العالم، وكيف كان هذا # التكوين، وعن الأطوار التي تنقل فيها، وعن خلقة الموجودات، وأسباب ~~الحياة، وعن آخرة كرتنا الأرضية وعاقبتها التي ستصير إليها في النهاية، ~~ولقد كانت معاني هذه الآيات الشريفة منظورا إليها # فيما مضى من جهة العقائد حسب، ولم يكن أحد يستطيع أن يذهب في تأويلها ~~مذهبا يصدر فيه عن علم، ولكن هذه الحالة قد تغيرت الآن، لأن الحكماء الذين ~~نبغوا في العصرين الأخيرين قد # أبانوا بمباحثهم العلمية وما كشفوه من الغوامض الدقيقة عن قدرة الله ~~بأجلى بيان، حتى أصبحت نظريات علم التكوين صالحة لتفسير آيات الله سبحانه ~~وتعالى تفسسيرا بديعا، مع أنها هي في # حالتها الراهنة لم تبلغ بعد حد الكمال ". # وبعد أن وصف همم علماء الفلك والرياضة، ووسائلهم ومعرفتهم المسائل ~~الدقيقة، عن الكواكب والشموس والعوالم، وعن حقيقة هذه الكرة التي نعيش ~~عليها، وما أفاده المجتمع البشري # PageV01P093 # من ذلك، قال: # " وأفدنا نحن معشر المسلمين فوائد عظيمة خاصة بنا، لأن هذه المخترعات ~~والمستحدثات # وما أدت إليه من أدلة ونظريات - قد جاءتنا ببرهان جديد على إعجاز القرآن ~~الذي ندين الله عليها # فقرت بذلك أعين المؤمنين، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس. . ". قال: ~~" وسيرجع الفلكيين # موحدين إذا علموا أن الأسرار العلمية التي يحسبونها جديدة، هي في القرآن ~~كما ظهرت لهم # ومثل من ذلك أن العالم الفلكي م. بوانكاريه، قال في مقدمة كتابه المطبوع ~~في سنة 1911 # وهو يبحث في دقة نظام هذه الكائنات وما فيها من مظاهر الكمال، " ليس ذلك ~~من الأمور التي يمكن # حملها على المصادفة والاتفاق، وأحسب أن القدرة التي لا أول لها ولا آخر ~~سنت للكائنات هذا # النظام في عهد ما على أن يستمر حكمه إلى الأبد، فأذعنت الكائنات لإرادتها ~~راضية طائعة،. # قال الغازي رحمه الله: فأمعن أنت النظر في هذه الكلمات وسياقها، ثم اقرأ ~~قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال ms081 لها وللأرض ائتيا طوعا أو ~~كرها قالتا أتينا طائعين (11) . # وتأمل ما في الآية من معان # ورموز؛ ثم تصور ما في ذلك من ذوق وجداني لأهل العرفان، وقل: # "تبارك الله والمنة لله ". # كتاب " سرائر القرآن " ثلاثة فصول: الأول في كيفية تكوين العالم ووجود ~~الحياة. # والثاني في يوم القيامة أو خاتمة عمر الأرض. # والثالث في المباحث والآيات القرآنية المتعلقة بإعادة الخلق # وكل ذلك مطبق على نظريات وآراء الحكماء الأولين والآخرين إلى عصرنا، ثم ~~ما يؤيد حقيقة ما # انتهوا إليه من آيات القرآن الكريم. # وكان الغازي يفكر في هذا الكتاب خمسة وعشرين عاما # فرحمة الله عليه كفاء ما أحسن إلى أمته. # *** # PageV01P094 ### | تفسير آية # وقد رأينا أن نسوق هنا تفسير آية من القرآن الكريم أصبناه في بعض كتب ~~الحكيم العلامة داود الأنطاكي المتوفى سنة 1008 للهجرة، فتح عليه به وهو في ~~أضعف الأزمنة وأشدها انحطاطا وفقرا من الوسائل العلمية. # ولا تنس أن الآية أنزلت على نبى أمي في قوم لا يعرفون كثيرا ولا قليلا من ~~علم التشريح أو علم التكوين، ثم إنها كذلك ليس في صناعتها البيانية شيء مما ~~تتحسن به البلاغة فيبين بنفسه # ويجعل للكلام شأنا في تمييزه واستخراج معانيه، كالاستعارة والكناية ~~ونحوها؛ ولكنها قائمة على دقائق التركيب العلمي والملاءمة بينها وبين دقائق ~~التعبير؛ ففيها إعجاز في المعنى، ثم إعجاز في # الصورة؛ مع أنها في غرضها وسياقها مظنة أن لا يكون فيها من ذلك شيء؛ إذ ~~هي عبارة علمية تسرد سردا على التقرير والحكاية هذا مما يسمو بإعجازها سموا ~~على حدة، فإنه يضع فوق البلاغة # ما تكون البلاغة في العادة والطبيعة فوقه. # وكل ما هذه سبيله من الآيات العلمية في القرآن الكريم فأنت لا بد واجد ~~فيه من قوة المعاني أكثر مما في العقل العربي من قوة الفهم وقوة التعبير؛ ~~لتكون قوة الدلالة فيه يوم تتهيأ للأمم # وسائلها العلمية دليلا من أقوى أدلة الإعجاز. # أما الآية فهي قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين (13) ثم ms082 خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة ~~فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله ~~أحسن الخالقين (14) . # والتفسير: قال جل من قائل (ولقد خلقنا الإنسان) ، يعني إيجادا واختراعا، ~~لعدم سبق المادة الأصلية " من سلالة " هي الخلاصة المختارة من الكيفيات ~~الأصلية بعد الامتزاج بالتفعيل الثاني مما ركب منها بعد امتزاج القوى ~~والصور، والتنويه باسمه إما للصورة والرطوبات الحسية، أو لأنه # PageV01P095 # السبب الأقوى في تحجر الطين وانقلابه وكسر سؤرة الحرارة وإحياء النبات ~~والحيوان اللذين هما الغذاء الكائنة عنه النطف، وهذا الماء هو المرتبة ~~الأولى والطور الأول، وقوله (من سلالة) يشير # إلى أن المواليد كلها أصول للإنسان وأنه المقصود بالذات الجامع لطباعها، ~~ثم جعله نطقة بالإنضاج والتلخيص الصادر عن القوى المعدة لذلك، ففي قوله # (ثم جعلناه نطفة) تحقيق لما صار إليه الماء من خلع الصور البعيدة؛ ~~والضمير إما للماء حقيقة أو للإنسان بالمجاز الأولى. # وقوله (في قرار مكين) يعني الرحم، وهذا هو الطور الثاني، ثم قال مشيرا ~~إلى الطور الثالث: (ثم خلقنا النطفة علقة) أي صيرناها وإ قابلا للتمدد ~~والتخلق باللزوجة والتماسك، # ولما كان بين هذه المراتب من المهلة والبعد ما سنقرره، عطفهاب (ثم) ~~المقتضية للمهلة - كما بين أدوار كواكبها، فإن زحل يلي أيام السلالة ~~المائية لبردها، والمشتري يلي النطفة لرطوبتها، والمريخ يلي العلقة ~~لحرارتها وهذه الثلاثة هي أصحاب الأدوار الطوال. # ثم شرع في المراتب القريبة التحويل والانقلاب التي يليها الكواكب ~~المتقاربة في الدورة وهي ثلاثة: (أحدها) ما أشار إليه بقوله (فخلقنا العلقة ~~مضغة) أي حولنا الدم جسما صلبا قابلا للتفصيل والتخليط والتصوير والحفظ ~~وجعل مرتبة المضغة في الوسط، وقبلها ثلاث حالات # وبعدها كذلك. لأنها الواسطة بين الرطوبة السيالة والجسم الحافظ للصور؛ ~~وقابلها بالشمس، # لأنها بين العلوي والسفلي كذلك، وجعل التي قبلها علوية، لأن الطور ~~الإنساني فيها لا حركة له ولا اختيار، فكأنه هو المتوليه أصالة لمان كان في ~~الحالات كلها كذلك لكن هو أظهر، فانظر إلى # دقائق مطاوي هذا الكتاب المعجز وتحويله العلقة إلى المضغة يقع في دون ~~الأسبوع. ms083 # (وثانيها) مرتبة العظام المشار إليها بقوله: (فخلقنا المضغة عظاما) أي ~~صلبنا تلك الأجسام بالحرارة الإلهية حتى اشتدت وقبلت التوثيق والربط ~~والإحكام والضبط، وهذه مرتبة الزهرة، وفيها تتخلق الأعضاء المنوية المشاكلة ~~للعظام أيضا ويتحول دم الحيض غاذيا كما هو شأن # PageV01P096 # الزهرة في أحوال النساء. # وقوله (فكسونا العظام لحما) أي حال تحويل الدم غاذيا للعظام لا يكون عنه ~~إلا اللحم والشحم وكل ما يزيد وينقص، وهذا شأن عطارد، تارة يتقدم وتارة ~~يتاخر ويعتدل، وكذا في اللحم # البدن، وهذه المرتبة هي التي يكون فيها الإنسان كالنبات، ثم يطول الأمر ~~حتى يشتد، ثم يتم إنسانا يفيض الحياة والحركة بنفخ الروح، فلذلك قال مغلما ~~للتعجب والتنزيه عند مشاهدة دقيق # هذه الصناعة (ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) وهذا هو ~~الطور السابع الواقع في حيز القمر. # وفي هذه الآية دقائق: (الأولى) عبر في الأول ب (خلقنا) ، لصدقه على ~~الاختراع، وفي الثاني ب (جعلنا) لصدقه على تحويل المادة، ثم عبر في الثالثة ~~وما بعدها كالأول لأنه أيضا إيجاد ما لم # يسبق، (الثانية) مطابقة هذه المراتب لأيام الكواكب المذكورة ومقتضياتها ~~للمناسبة الظاهرة وحكمة الربط الواقع بين العوالم، # (الثالثة) قوله (فكسونا) وهي إشارة إلى أن اللحم ليس من أصل # الخلقة اللازمة للصورة، بل كالثياب المتخذة للزينة والجمال؛ وأن الاعتماد ~~على الأعضاء والنفس خاصة، # (الرابعة) قوله تعالى: (ثم أنشأناه) سماه بعد نفخ الروح إنشاء لأنه حينئذ ~~قد تحقق بالصورة الجامعة، # (الخامسة) قوله (خلقا) ولم يقل إنسانا ولا آدميا ولا بشرا لأن النظر فيه # حينئذ لما سيفاض عليه من خلع الأسرار الإلهية، فقد آن خروجه من السجن ~~وإلباسه المواهب، # فقد يتخلق بالملكيات فيكون خلقا ملكيا قدسيا، أو بالبهيمية فيكون كذلك، ~~أو بالحجرية إلى غير ذلك؛ فلذلك أبهم الأمر وأحاله على اختياره وأمر ~~بتنزيهه على هذا الأمر الذي لا يشاركه فيه غيره. # وفي الآية من العجائب ما لا يمكن بسطه هنا، وكذلك سائر آيات هذا الكتاب ~~الأقدس: # ينبغي أن تفهم على هذا النمط. انتهى كلام الحكيم المفسر. # وأنت لو عرضت ms084 ألفاظ هذه الآية على ما انتهى إليه علماء تكوين الأجنة ~~وعلماء التشريح وعلماء الوراثة النفسية، لرأيت فيها دقائق علومهم، كان هذه ~~الألفاظ إنما خرجت من هذه العلوم # نفسها، وكأن كل علم وضع في الآية كلمته الصادقة، فلا تملك بعد هذا أن تجد ~~ختام الآية إلا ما ختمت هي به من هذا التسبيح العظيم (فتبارك الله) . # PageV01P097 ### | إعجاز القرآن ### | فصل # وهذا هو الغرض الذي أردنا إليه الكلام في كل ما مر من هذا الباب جهة إلى ~~جهة، وأرغنا معانيه فصلا إلى فصل، وخضنا في ضروبه معنى إلى معنى، وقد ~~وقفناك منه على وجوه عدة، من سر كان مكتوما، وخبء كان مجهولا، ومقطع من ~~الحق كان مشتبها، وكلها خارج عن طوق # الإنسان عندما يتعاطى وعندما يتوهم وعندما يثبت، وكلها لم يشهده الزمن ~~إلا مرة واحدة. # وإنما الإعجاز شيئان: ضعف القدرة الإنسانية في محاولة المعجزة ومزاولته ~~على شدة الإنسان واتصال عنايته، ثم استمرار هذا الضعف على تراخي الزمن ~~وتقدمه؛ فكأن العالم كله في # العجز إنسان واحد ليس له غير مدته المحدودة بالغة ما بلغت؛ فيصير من ~~الأمر المعجز إلى ما # يشبه في الرأي مقابلة أطول الناس عمرا بالدهر على مداه كله. فإن المعمر ~~دهر صغير، وإن لكليهما مدة في العمر هي من جنس الأخرى؛ غير أن واحدة منهما ~~قد استغرقت الثانية؛ فإن # شاركتها الصغرى إلى حد فما عسى أن يشركهما فيما بقي. # ونحن الآن قائلون فيما هو الإعجاز عند علمائنا - رحمهم الله - وما وضعوه ~~فيه من الكتب؛ # ثم ما هي حقيقته عندنا؛ ثم تبسط الكلام فضلا من البسط في إعجاز القرآن ~~بأسلوبه وبيانه مما يماس اللغة ويستطرق إليها - نستتم بذلك القول فيما ~~انتهى إليه جهدنا من قليل ما استطف (1) لنا من # أسراره العجيبة، وإن قليلها لكثير على الإنسان بالغة ما بلغت قوته. # ولسنا ندعي أننا أشرفنا على الأمد وأوفينا على معجزة الأبد، فإن هذا أمر ~~ضيق كثير الالتواء لمن تلمس جوانبه، واقتحم مصاعبه، وما أشبه القرآن الكريم ~~في تركيب إعجازه، وإعجاز تركيبه # بصورة كلامية ms085 من نظام هذا الكون الذي اكتنفه العلماء من كل جهة، وتعاوروه ~~من كل ناحية، # وأخلقوا جوانبه بحثا وتفتيشا. ثم هو بعد لا يزال عندهم على ذلك خلقا ~~جديدا، ومراما بعيدا، وصعبا شديدا، وإنما بلغوا منه إذ بلغوا منه نزرا ~~تهيأت لضعفه أسبابه، وقليلا عرف لقتله حسابه، # وبقي ما وراء ذلك من الأمر المتعذر الذي وقفت عنده الأعذار؛ والابتغاء ~~المعجز الذي انحط عنده قدر الإنسان لأنه مما سمحت به الأقدار. PageV01P098 ### | الأقوال في الإعجاز # واعلم أننا لسنا نلتمس بما نتأتى إليه من هذا الفصل، ونستأتي به تعب ~~الكتابة في سرده، ونصبنا له من استقراء مذاهب القوم وآرائهم - أن نقيم من ~~ذلك برهانا صحيحا، أو نقدم رأيا # صريحا، فإن هذا بعض ما لا يطمع فيه ولا يرد التعب منه شيئا على المباحث ~~يكون فيه مطمع فلقد # أبعد القوم في المقايسة وأمعنوا في المذاكرة، وأطالوا في الخصومة، وفخموا ~~ما شاءوا، ومضغوا # من الكلام ما ملأ أفواههم، وجاءوا بما هو لعمري فلسفة ومنطق؛ بيد أنهم في ~~كل ذلك إنما توافوا على صنيع واحد من الرد بعضهم على بعض فمن فلج بحجته ~~فقطع خصمه عن المعارضة، # وأفحمه دون المناضلة كان الرأي في الإعجاز ما رآه هو، وكان أكبر البرهان ~~على صوابه عجز خصمه عن تخطئته. . # وهذه سبيل من الكلام لا يزال أذاها حاضرا، وسالكها حائرا، فإنه ما يندفع ~~إليها رأيان متناقضان إلا كان أقواهما معتبرا صوابا بحتا، لا بقوته ولكن ~~بضعف الآخر، وإن كان هو في نفسه # خطأ صراحا وفسادا صرفا أو جهلا وإحالة. # وقد مضى أكثر المتكلمين من رؤوس الفرق الإسلامية على أن لا يبالوا أن ~~يضربوا بآرائهم صفحا، ولهم في ذلك صلابة يوهمون أنها صلابة أهل الحق وعناد ~~يلتبس باليقين على العامة # وأشباه العامة من أتباعهم فلا تنفعهم نافعة حتى يأخذوا بآرائهم ~~وينتحلوها، ثم لا تكون لهم الخيرة من أمرهم بعد ذلك فيما يأخذون وما يدعون. # وقد أسلفنا في غير هذا الموضع أن كل فرقة انشعبت في الإسلام وانبسط لها ~~ظل - فإنما هي عقل ms086 رجل ذكي واحد؛ بالغا ما بلغ أتباعها ومنتحلو عقائدها؛ ~~فإن نبغ في هؤلاء عقل آخر # انصدعت الفرقة فخرجت منها فرقة ثانية، وهلم جرا. # فالمقر من أولئك كالمنكر من هؤلاء، ما دام سبيل جميعهم من صناعة الكلام، ~~وعلى ناحية المكابرة، وما دام نفي الشك بقوة المنطق كأنه في المنطق إقرار ~~اليقين بقوة الحق فإن سقت الشبهة # وبطل الاعتراض - ولو من عجز أو عي أو ما هو في حكمها من عوارض المنطق - ~~فلذلك هو العلم المحض والرأي الصريح، وإلا فما دام للشبهة ظل، وللاعتراض ~~وجه - ولو من المعارضة # والمكابرة - فلا قرار لذلك الرأي، ولا ثبوت لذلك العلم، ولا يبلغ الجدال ~~منهما رأيا ولا علما. # وعلى هذه الجهة رأينا كل أقوالهم في إعجاز القرآن: لا يصنعون شيئا دون أن ~~ينكر ويدفع من ينكر من يدفع، فإما أن تتعارض الحجج الكلامية فتسقط بعضها ~~بعضا، وإما أن تقوى واحدة # منهن فتسقط الباقيات وتبقى هي كلاما من الكلام لا تصلح لنفي ولا إثبات. # وليس من طلب الحق ليعرفه كالذي يطلبه ليعرف به، فإن الأول ينصف من نفسه ~~كما # PageV01P099 # ينتصف لها، ولكن الثاني خصم لا يريده إلا جدلا وله مع الجدل قوة الحرص ~~على المؤاربة، # وشدة الصريحة في المراوغة؛ كيما تنتهي إليه الحجة ويقف عنده البرهان ~~فيكون له الصوت المردد ويصير إليه مرجع القول في النحلة أو المذهب، فهو ~~يعتسف لذلك ولا جرم كل طريق، ويركب # كل صعب، ويتحمل من كل وجه، ويتعنت بكل آية، وليس له هم دون قوة الإقناع ~~المنطقية، # ودون الإفحام والتعجيز ومن ثم لا يبالي أن يتورد خصمه بالسفه، أو يقر له ~~بالسخف، أو يتبسط على الباطل أو يحتجز دون الحق، ما دامت هذه كلها أدوات في ~~صناعة الكلام، وما دام الكلام # قادرا بأدواته على أن يصنع الحق أو ما يسمى حقا، وإن كانت الصنعة فاسدة ~~أو سقيمة، وكانت التسمية من خطإ أو ضلال. # من أجل ذلك قلنا إنه لا يستقيم لنا برهان صحيح مما نصبنا لاستقرائه في ~~هذا الفصل، ولكن أكبر غرضنا ms087 منه أن ندل على تاريخ الكلام في القرآن ~~وإعجازه؛ فإن ذلك واضح النسق بين # السرد فيما تهيأ لنا من هذاه الآراء التي نؤديها كما هي: وفاء بحق ~~التاريخ وتوفية لفائدة ما نحن بسبيله. # كان أول ما ظهر من الكلام في القرآن، مقالة تعزى إلى رجل يهودي يسمى لبيد ~~بن الأعصم فكان يقول: إن التوراة مخلوقة، فالقرآن كذلك مخلوق، ثم أخذها عنه ~~طالوت ابن أخته وأشاعها، # فقال بها بنان بن سمعان الذي إليه تحسب البنانية، وتلقاها عنه الجعد بن ~~درهم (مؤدب مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية) وكان زنديقا فاحش الرأي ~~واللسان، وهو أول من صرح بالإنكار على # القرآن والرد عليه، وجحد أشياء مما فيه. # وأضاف إلى القول بخلقه أن فصاحته غير معجزة، # PageV01P100 # وأن الناس يقدرون على مثلها وعلى أحسن منها، ولم يقل بذلك أحد قبله، ولا ~~فشت المقالة بخلق القرآن إلا من بعده، إذ كان أول من تكلم بها في دمشق ~~عاصمة الأمويين، وكان مروان # (ويلقب بالحمار) يتبع رأيه، حتى نسب إليه، فقيل مروان الجعدي. # ولم تظهر بعده فتنة القول بخلق القرآن إلا زمن أحمد بن أبي دؤاد وزير ~~المعتصم (سنة 220 ه) وكان أول من بالغ في القول بذلك عيسى بن صبيح الملقب ~~بالمزدار الذي إليه تنسب المزدارية كما سيأتي. # ثم لما نجمت آراء المعتزلة بعد أن أقبل جماعة من شياطينها على دراسة كتب ~~الفلسفة مما وقع إليهم عن اليونان وغيرهم نبغت لهم شؤون أخرى من الكلام، ~~فمزجوا بين تلك الفلسفة على # كونها نظرا صرفا، وبين الدين على كونه يقينا محضا وتغلغوا في ذلك حتى ~~خالف بعضهم بعضا بمقدار ما يختلفون في الذكاء وبعد النظر، فتفرقوا عشر فرق، ~~واختلفت بهذا آراؤهم في وجه # إعجاز القرآن اختلافا يقوم بعضه على بعض، فيبدأ فارغا وينتهي كما بدأ وإن ~~كثر في ذات نفسه. # فذهب شيطان المتكلمين أبو إسحاق إبراهيم النظام إلى أن الإعجاز كان ~~بالصرفة، وهي أن الله صرف العرب عن معارضة القرآن مع قدرتهم عليها فكان هذا ~~الضرف خارقا للمادة. ms088 # قلنا وكأنه من هذا القبيل هو المعجزة لا القرآن. # وهذا الذي يروون عنه أحد شطرين من رأيه، أما الشطر الآخر فهو الإعجاز ~~إنما كان من حيث الإخبار عن الأمور الماضية والآتية. # وقال المرتضى من الشيعة: بل معنى الصرفة أن الله سلبهم العلوم. . التي ~~يحتاج إليها في المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن. فكأنه يقول إنهم بلغاء ~~يقدرون على مثل النظم والأسلوب ولا يستطيعون ما وراء ذلك مما لبسته ألفاظ ~~القرآن من المعاني؛ إذ لم يكونوا أهل علم ولا كان العلم # في زمنهم، وهذا رأي بين الخلط كما ترى. # غير أن النطام هو الذي بالغ في القول بالصرفة حتى عرفت به، وكان هذا ~~الرجل من شياطين أهل الكلام، على بلاغة ولسن وحسن تصرف، بيد أنه شب في ~~ناشئة الفتنة الكلامية، فلم ينتفع # بيقين. وقال فيه الجاحظ وهو تلميذه وصاحبه وأخبر الناس به: # " إنما كان عيبه الذي لا يفارقه، سوء ظنه وجودة قياسه على العارض والخاطر ~~والسابق الذي لا يوثق بمثله، فلو كان بدل تصحيحه # القياس التمس تصحيح الأصل الذي قاس عليه، كان أمره على الخلاف. ولكنه كان ~~يظن الظن ثم يقيس عليه وينسى أن بدء أمره ظنا، فإذا أتقن ذلك وأيقن، جزم ~~عليه، وحكاه عن صاحبه حكاية # المستبصر في صحة معناه؛ ولكنه كان لا يقول سمعت ولا رأيت، وكان كلامه إذا ~~خرج مخرج الشهادة القاطعة لم يشك السامع أنه إنما حكى ذلك عن سماع قد ~~امتحنه، أو عن معاينة قد بهرته " اه. # قلنا: وهذا بعض ما ذهب بفضل بلاغته، وغطى على أثره، ونقض أمره عروة عروة، ~~وجعله # PageV01P101 # في أكثر آرائه بعيدا عما هو من غايته، مدفعا إلى ما ينزل عن حقه؛ حتى جاء ~~رأيه الذي علمت في مذهب الصرفة دون قدره بل دون علمه، بل دون لسانه، وهو ~~عندنا رأي لو قال به صبية المكاتب # وكانوا هم الذين افتتحوه وابتدعوه، لكان ذلك مذهبا من تخاليطهم في بعض ما ~~يحاولونه إذا عمدوا إلى القول فيما لا يعرفون ليوهموا أنهم قد عرفوا! # وإلا فإن من ms089 سلب القدرة على شيء بانصراف وهمه عنه، وهو بعد قادر عليه ~~مقرن له، لا يكون تعجيزه بذلك في البرهان إلا كعجزه هو عن البرهان، إذ كان ~~لم يعجزه عدم القدرة. # ولكن أعجزه القدر وهو لا يغالب والمرء ينسى ويذكر، وقد يتراجع طبعه فترة ~~لا عجزا، وقد يعتريه السأم ويتخونه الملال، فينصرف عن الشيء وهو له مطيق، ~~وذلك ليس أحق بأن يسمى عجزا من # أن يسمى تهاونا، ولا هو أدخل فيما يحمل عليه الضعف منه فيما يحمل عليه ~~فضل الثقة. # على أن القول بالصرفة هو المذهب الفاشي من لدن قال به النظام، يصوبه فيه ~~قوم ويشايعه عليه آخرون، ولولا احتجاج هذا البليغ لصحته، وقيامه عليه، ~~وتقلده أمره، لكان لنا اليوم كتب # ممتعة في بلاغة القرآن وأسلوبه وإعجازه اللغوي وما إلى ذلك، ولكن القوم - ~~عفا الله عنهم - أخرجوا أنفسهم من هذا كله، وكفوها مؤنته بكلمة واحدة ~~تعلقوا عليها، فكانوا فيها جميعا كقول # هذا الشاعر الظريف الذي يقول: # كأننا والماء من حولنا ... قوم جلوس حولهم ماء. . . . # ولم نر أحدا فسر هذه الكلمة (الصرفة) كابن حزم الظاهري، فإنه قال في ~~كتابه (الفصل) في سبب الإعجاز: # "لم يقل أحد إن كلام غير الله تعالى معجز، لكن لما قالها لله تعالى وجعله ~~كلاما # له، أصاره معجزا ومنع من مماثلته. . . قال: وهذا برهان كاف لا يحتاج إلى ~~غيره ". # نقول: بل هو فوق الكفاية، وأكثر من أن يكون كافيا أيضا؛ لأنه لما قاله ~~ابن حزم وجعله رأيا له، أصاره كافيا لا يحتاج إلى غيره. .! # وهل يراد من إثبات الإعجاز للقرآن إلا إثبات أنه كلام الله تعالى؛ # وعلى الجملة فإن القول بالصرفة لا يختلف عن قول العرب فيه: # (إن هذا إلا سحر يؤثر (24) . # وهذا زعئم رده الله على أهله وأكذبهم فيه وجعل القول به ضربا من العمى ~~(أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون (15) . # فاعتبر ذلك بعضه ببعضه فهو كالشيء الواحد. # أما الجاحظ فإن رأيه في الإعجاز كرأي أهل العربية، وهو أن القرآن في ~~الدرجة العليا من البلاغة التي لم ms090 يعهد مثلها، وله في ذلك أقوال نشير إلى ~~بعضها في موضعه غير أن الرجل كثير الاضطراب، فإن هؤلاء المتكلمين كأنما ~~كانوا من عصرهم في منخل. . . ولذلك لم يسلم هو # PageV01P102 # أيضا من القول بالصرفة، وإن كان قد أخفاها وأومأ إليها عن عرض، فقد سرد ~~في موضع من كتاب (الحيوان) طائفة من أنواع العجز، وردها في العلة إلى أن ~~الله صرف أوهام الناس عنها ورفع # ذلك القصد من صدورهم، ثم عد منها: " ما رفع من أوهام العرب وصرف نفوسهم ~~عن المعارضة لقرآنه بعد أن تحداهم الرسول بنظمه " # وقد يكون استرسل بهذه العبارة لما في نفسه من أثر إستاذه، # وهو شيء ينزل على حكم الملابسة، ويعتري أكثر الناس إلا من تنبه له أو نبه ~~عليه، أو هو يكون ناقلا، ولا ندري. # . . . وبعض الفرق، فإنهم يقولون: إن وجه الإعجاز في القرآن هو ما اشتمل ~~عليه من النظم الغريب المخالف لنظم العرب ونثرهم، في مطالعه ومقاطعه ~~وفواصله؛ أي فكأنه بدع من ترتيب الكلام لا أكثر. # وبعضهم يقول: إن وجه الإعجاز في سلامة ألفاظه مما يشين اللفظ: كالتعقيد ~~والاستكراه ونحوهما مما عرفه علماء البيان، وهو رأي سخيف يدل على أن ~~القائلين به لم يلابسوا صناعة المعاني. # وآخرون يقولون: بل ذلك في خلؤه من التناقض واشتماله على المعاني الدقيقة. # وجماعة يذهبون إلى أن الإعجاز مجتمع من بعض الوجوه التي ذكرناها كثرة أو ~~قلة، وهذا الرأي حسن في ذاته، لا لأنه الصواب، ولكن لأنه يدل على أن كل وجه ~~من تلك الوجوه ليس في نفسه الوجه المتقبل. # أما الرأي المشهور في الإعجاز البياني الذي ذهب إليه عبد القادر الجرجاني ~~صاحب (دلائل الإعجاز) المتوفى سنة 471 ه (وقيل 474 ه) فكثير من المتوسمين ~~بالأدب يظنون أنه أول من # صنف فيه ووضع من أجله كتابه المعروف، وذلك وهم، فإن أول من جود الكلام في ~~هذا المذهب وصنف فيه، أبو عبد الله محمد بن يزيد الواسطي المتولى سنة 306 ~~ه، ثم أبو عيسى الرماني المتوفى سنة 382 ه، ثم عبد القادر، ms091 وهذا الرأي كان ~~هو السبب في وضع علم البيان، كما نبسطه # في موضعه من تاريخ آداب العرب إن شاء الله. # PageV01P103 # ومذهب آخر لطائفة من المتأخرين: وهو أن وجه الإعجاز ما تضمنه القرآن من ~~المزايا الظاهرة والبدانع الرائقة، في الفواتح والمقاصد والخواتيم في كل ~~سورة وفي مبادئ الآيات # وفواصلها قالوا: والمعول على ثلاث خواص: # (1) الفصاحة في ألفاظه كأنها السلسال. # (2) البلاغة في المعاني بالإضافة إلى مضرب كل مثل ومساق كل قصة وخبر في ~~الأوامر والنواهي وأنواع الوعيد ومحاسن المواعظ والأمثال وغيرها مما اشتمل ~~عليه؛ فإنها مسوقة على أبلغ سياق. # (3) صورة النظم، فإن كل ما ذكره من هذه العلوم مسوق على أتم نظام وأحسنه ~~وأكمله. # ومحصل هذا المذهب أن الإعجاز في القرآن كله لأن القرآن كله معجز. . وهو ~~معجز لأنه # ولجماعة من المتكلمين وأهل التقسيمات المنطقية على اختلاف بينهم شبة ~~ومطاعن يوردونها على القرآن. وهي نحو عشرين وجها، كلها سخيف ركيك وكلها واه ~~مضطرب، وكلها غث بارد، # منها قولهم: إن معارضته التي يقطع بأنها مستحيلة، حاصلة فعلا: فإن الله ~~يقول: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله) # قالوا: وكل من قرأ سورة منه فقد أتى بمثلها، أي لأن # من قرأها مثل التي هي في المصحف حرفا حرفا لا تختلف ولا تزيد ولا تنقص. . ~~. فصار الإعجاز عند العلماء من المتأخرين يثبت بنفي هذه الشبه ونقضها، لأن ~~سقوط الشبهة الواردة على الدليل، # هو نفسه دليل صحته. # وهذا برهان لم يكن لهم بد منه؛ فإن إنكار الإعجاز لم يقل به أحد من ~~المتأخرين؛ وإنما وقع إليهم على هيئته في كتب الكلام وكتب التفسير التي ~~يدرسونها؛ فهو رأي ميت، لو أنكروه # بكل دليل في العلم لم يزده ذلك موتا في الأرض ولا في السماء. # تلك هي أصول الأدلة لمن يقولون بالإعجاز، لا نظن أنه فاتنا منها شيء إلا ~~أن يكون # PageV01P104 # قبيلا مما زعمه بعضهم من أن حقيقة هذا الإعجاز هي أن العرب لم يعلموا وجه ~~الترتيب الذي لو تعلموه لوصلوا به إلى ms092 المعارضة. . وهو دليل لا يثبت شيئا ~~إلا عجز قائله وحده. # فإن قلت: أتنكر أن ما زعموه هو الدليل على الإعجاز، وأنه لا ينهض دليلا ~~ولا يتماسك إذا نهض وأنه زعم على الهاجس ورأي على ما يتفق، وأن مسألة ~~الإعجاز لا تحل بصناعة الأقيسة # وملابسة الجدال، وأن هذه التقسيمات وصحل لا يغني وحشو لا يسمن؛ قلت في ~~ذلك: لشد ما. . .! # أما الذين يقولون إن القرآن غير معجز، لا بقوة القدر ولا بضعف القدرة، ~~فقد ذكرنا من أمرهم طرفا، وأشدهم بعد الجعد بن درهم: عيسى بن صبيح المزدار ~~وأصحابه المزدارية، وكان عيسى هذا تلميذا لبشر بن المعتمر - من أكبر شيوخ ~~المعتزلة وأفراد بلغائهم - ثم كان مبتلى بجنون # التكفير، حتى سأله إبراهيم بن السندي مرة عن أهل الأرض جميعا، فكفرهم، ~~فأقبل عليه وقال: # الجنة التي عرضها السموات والأرض لا يدخلها إلا أنت، وثلاثة وافقوك؛. . . ~~ومع هذا فكان الرجل من الزهد والورع بمكان حتى لقبوه راهب المعتزلة. # وقد زعم أن الناس قادرون على مثل القرآن فصاحة ونظما وبلاغة؛ وعلى ذلك ~~أصحابه، # وهو جنون بلا ريب ليس أقبح منه إلا جنون الحسينية أصحاب الحسين بن القاسم ~~العناني الذين يزعمون أن كتبهم وكلامهم أبلغ وأهدى وأبين من القرآن. # وذلك زعم يكثر أن يكون جهلا وسخفا # من قوم شاهدين على أنفسهم بالكفر، وإنما هو بعض يزينه شيطان النفاق ~~(وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين (11) . ### | مؤلفاتهم في الإعجاز: # قد رأيت أن أقوال الأولين في إعجاز القرآن وأدلتهم عليه مما لا يحتمل ~~البسط والاتساع إلى ما تفرد له الكتب وتوضع فيه الدواوين. # وتلك آراء كانوا يتواردون في المناظرة عليها ويتجارؤن # الكلام في تصويبها والاحتجاج له في مجامع سمرهم وحلقات دروسهم، إذ كان ~~الناس إجماعا على القول بالإعجاز والمشايعة فيه وكانت الكلمة لا تزال ~~متخففة فيهم عن العرب، فهم على علم # مذكور من أوليتهم وسلفهم الذين أعزهم القرآن الكريم، وعلى عيان حاضر من ~~فصحاء البادية الذين يختلفون إليهم، ومن أهل العربية وطائفة الرواة وهذا ~~كله مما يتسند إليه الطبع وإن ms093 كان # طبع العامة الذين فسدت لغتهم والتوت ألسنتهم. # ومر الناس على ذلك إلى أوائل المائة الثالثة، فلما فشت مقالة بعض ~~المعتزلة بأن فصاحة # PageV01P105 # القرآن غير معجزة؛ وخيف أن يلتبس ذلك على العامة بالتقليد أو العادة، ~~وعلى الحشوة من أهل الكلام الذين لا رسوخ لهم في اللغة ولا سليقة لهم في ~~الفصاحة ولا عرق لهم في البيان، مست # الحاجة إلى بسط القول في فنون من فصاحته ونظمه ووجه تأليف الكلام فيه، ~~فصنف أديبنا الجاحظ المتوفى سنة 255 ه كتابه (نظم القرآن) وهو فيما ارتقى ~~إليه بحثنا أول كتاب أفراد لبعض # القول في الإعجاز أو فيما يهيئ القول به، وقد غض منه الباقلاني بقوله: ~~إنه لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله؛ ولم يكشف عما يلتبس في أكثر ~~هذا المعنى (أي الإبانة عن وجه المعجزة) # وذهب عن الباقلاني - رحمه الله - أن ما دعا الجاحظ إلى وضع كتابه في ~~أوائل القرن الثالث، غير الذي دعاه هو إلى التصنيف في أواخر القرن الرابع، ~~فلم يحاول الجاحظ أكثر من توكيظ القول في # الفصاحة والكشف عنها على ما بقي بالابتداء في هذا المعنى، إذ كان هو الذي ~~ابتدأ التأليف فيه ولم تكن علوم البلاغة قد وضعت بعد. # بيد أن أول كتاب وضع لشرح الإعجاز وبسط القول فيه على طريقتهم في ~~التأليف، إنما هو فيما نعلم كتاب (إعجاز القرآن) لأبي عبد الله محمد بن ~~يزيد الواسطي المتوفي سنة 306 ه، وهو # كتاب شرحه عبد القاهر الجرجاني شرحا كبيرا سماه (المعتضد) ، وشرحا آخر ~~أصغر منه. ولا نظن الواسطي بنى إلا على ما ابتدأه الجاحظ، كما بنى عبد ~~القاهر في (دلائل الإعجاز) على الواسطي، # ثم وضع أبو عيسى الرماني المتوفى سنة 382 ه كتابه في الإعجاز، فرفع بذلك ~~درجة ثالثة، وجاء # القاضي أبو بكر الباقلاني المتوفى سنة 403 ه فوضع كتابه المشهور (إعجاز ~~القرآن) الذي أجمع المتأخرون من بعده على أنه باب في الإعجاز على حدة، ~~والغريب أنه لم يذكر فيه كتاب # الواسطي ولا كتاب الرماني، ولا كتاب ms094 الخطابي الذي كان يعاصره، وسنشير ~~إليه، وأومأ إلى كتاب # الجاحظ بكلمتين لا خير فيهما، فكأنه هو ابتدأ بالتأليف في الإعجاز بما ~~بسط في كتابه واتسع، # وفي ذلك ما يثبت لنا أن عهد هذا التأليف لا يرد في نشأته إلى غير الجاحظ. # على أن كتاب الباقلاني وإن كان فيه الجيد الكثير، وكان الرجل قد هذبه ~~وصفاه وتصنع له، # إلا أنه لم يملك فيه بادرة عابها هو من غيره، ولم يتحاش وجها من التأليف ~~لم يرضه من سواه، # وخرج كتابه كما قال هو في كتاب الجاحظ: " لم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا ~~المعنى ". # PageV01P106 # فإن مرجع الإعجاز فيه إلى الكلام، وإلى شيء من المعارضة البيانية بين جنس ~~وجنس من القوم، ونوع وآخر من فنونه، وقد حشر إليه أمثلة من كل قبيل من ~~النظم والنثر، ذهبت بأكثره وغمرت جملته، # وعدها في محاسنه وهي من عيوبه. # وكان الباقلاني - رحمه الله وأثابه - واسع الحيلة في العبارة؛ مبسوط ~~اللسان إلى مدى بعيد، يذهب في ذلك مذهب الجاحظ ومذهب مقلده ابن العميد، على ~~بصر وتمكن وحسن تصرف، # فجاء كتابه وكأنه في غير ما وضع له، لما فيه من الإغراق في الحشد، ~~والمبالغة في الاستعانة، والاستراحة إلى النقل، إذ كان أكبر غرضه في هذا ~~الكتاب أن " ينبه على الطريقة ويدل على الوجه، # ويهدي إلى الحجة " وهذه ثلاثة لو بسط لها كل علوم البلاغة وفنون الأدب ~~لوسعتها، وهي مع ذلك حشو ووصل. # على أن كتابه قد استبد بهذا الفرع من التصنيف في الإعجاز، واحتمل المؤنة ~~فيه بجملتها من الكلام والعربية والبيان والنقد ووفى بكثير مما قصد إليه من ~~أمهات المسائل والأصول التي أوقع # الكلام عليها، حتى عدوه الكتاب وحده؛ لا يشرك العلماء معه كتابا آخر في ~~خطره ومنزلته وبعد غوره وإحكام ترتيبه وقوة حجته وبسط عبارته وتوثيق سرده، ~~فانظر ما عسى أن يكون غيره مما سبقه أو تلاه. # وما زاد الباقلاني - رحمه الله - على أن ضمن كتابه روح عصره، وعلى أن ~~جعله في هذا الباب كالمستحث للخواطر الوانية والهمم ms095 المتثاقلة في أهل ~~التحصيل والاستيعاب الذين لم يذهبوا # عن معرفة الأدب، ولم يغفلوا عن وجه اللسان ولم ينقطعوا دون محاسن الكلام ~~وعيوبه، ولم يضلوا في مذاهبه وفنونه، حتى قال: إن الناقص في هذه الصنعة ~~كالخارج عنها، والشادي فيها كالبائن منها، وقد كانت علوم البلاغة لم تهذب ~~لعهده، ولم يبلغ منها الاستنباط العلمي، ولم # تجرد فيها الأمهات والأصول: ككتب عبد القاهر ومن جاء بعده، فبسط الرجل من ~~ذلك شيئا، وأجمل شيئا؛ وهذب شيئا ونحا في الانتقاد منحى الذين سبقوه من ~~العلماء بالشعر وأهل الموازنة # PageV01P107 # بين الشعراء، وكانت تلك العصور بهم حفيلة. # وبالجملة فقد وضع ما لم يكن يمكن أن يوضع أوفى منه في عصره، بيد أن ~~القرآن كتاب كل عصر، وله في كل دهر دليل من الدهر على الإعجاز ونحن قد قلنا ~~في غير الجهات التي كتبت فيها # كل من قبلنا، وسيقول من بعدنا فيما يفتح الله به؛ إن ذلك على الله يسير. # وممن ألفوا في الإعجاز أيضا على وجوه مختلفة من البلاغة والكلام وما ~~إليهما: الإمام الخطابي المتوفى سنة 388 ه، وفخر الدين الرازي المتوفى سنة ~~606 ه، والأديب البليغ ابن أبي الإصبع المتوفى سنة 4 65 ه، والزملكاني ~~المتوفى سنة 727 ه وهي كتب بعضها من بعض. # ومن أعجب ما رأيناه أن لابن سراقة كتابا في الإعجاز لامن حيث الأعداد ذكر ~~فيه من واحد إلى ألوف " وهي عبارة مقتضبة رأيناها في (كشف الظنون) ولم يكشف ~~لنا عن معناها، فلا ندري # أبلغت وجوه الإعجاز في كتابه ألوفا، أم هذه الألوف غير معجزة، أو هي يحصي ~~ألوفا من آيات القرآن والقرآن كله معجزة؛ على أننا رأينا في بعض الكتب نقلا ~~عن كتاب ابن سراقة هذا ما يأتي: # " اختلف أهل العلم في وجه إعجاز القرآن، فذكروا في ذلك وجوها كثيرة كلها ~~حكمة وصواب، وما بلغوا في وجوه إعجازه جزءا واحدا من عشر معشاره! . # قلنا: ولعل المؤلف بلغ في كتابه نهاية هذا الحساب العشري؛ على أن كتابه ~~لو كان مما ينفع الناس لمكث ms096 في الأرض. . . والله أعلم. # PageV01P108 ### | حقيقة الإعجاز # أما الذي عندنا في وجه إعجاز القرآن، وما حققناه بعد البحث، وانتهينا ~~إليه بالتأمل وتصفح الآراء وإطالة الفكر وإنضاج الروية، وما استخرجناه من ~~القرآن نفسه في نظمه ووجه تركيبه واطراد # أسلوبه؛ ثم ما تعاطيناه لذلك من التنظير والمقابلة، واكتناه الروح ~~التاريخية في أوضاع الإنسان وآثاره وما نتج لنا من تتبع كلام البلغاء في ~~الأغراض التي يقصد إليها، والجهات التي يعمل عليها، # وفي رد وجوه البلاغة إلى أسرار الوضع اللغوي التي مرجعها إلى الإبانة عن ~~حياة المعنى بتركيب حي من الألفاظ يطابق سنن الحياة في دقة التأليف وإحكام ~~الوضع وجمال التصوير وشدة الملاءمة، # حتى يكون أصغر شيء فيه كأكبر شيء فيه - نقول إن الذي ظهر لنا بعد كل ذلك ~~واستقر معنا، أن القرآن معجز بالمعنى الذي يفهم من لفظ الإعجاز على إطلاقه، ~~حين ينفى الإمكان بالعجز عن غير # الممكن، فهو أمر لا تبلغ منه الفطرة الإنسانية مبلغا وليس إلى ذلك ماتى ~~ولا جهة؛ وإنما هو أثر كغيره من الآثار الإلهية، يشاركها في إعجاز الصنعة ~~وهيئة الوضع، وينفرد عنها بان له مادة من # الألفاظ كأنها مفرغة إفراغا من ذوب تلك المواد كلها. # وما نظنه إلا الصورة الروحية للإنسان، إذا # كان الإنسان في تركيبه هو الصورة آلروحية للعالم كله. # فالقرآن معجز في تاريخه دون سائر الكتب، ومعجز في أثره الإنساني؛ ومعجز ~~كذلك في حقائقه؛ وهذه وجوه عامة لا تخالف الفطرة الإنسانية في شيء؛ فهي ~~باقية ما بقيت، وقد أشرنا # إليها في بعض الفصول المتقدمة؛ على أنها ليست من غرضنا في هذا الباب ~~وإنما مذهبنا بيان إعجازه في نفسه من حيث هو كلام عربي. لأننا إنما نكتب في ~~هذه الجهة من تاريخ الأدب دون جهة التأويل والتفسير. # ونحن في كل ما نضعه من هذا الكتاب إنما نسلك الجانب الضيق من الطريق، ~~ونقتص الأثر الطامس، ونلتزم الخطة التي تحمل عليها النفس حملا. # وقد كان فيما قدمناه، بل فيما دونه، # مقنع، لو آثرنا ما تستوطنه النفس، عطفا على ما تنازع ms097 إليه من السكر كلما ~~انتهت إلى حجة واضحة، أو استبانت لائحة مفسرة؛ ولكننا نمضي ما اعتزمنا؛ ~~فاللهم عونك! واللهم عونك! # هذا، ولا بد لنا قبل الترسل في بيان ذلك الإعجاز، أن نوطئ بنبذ من الكلام ~~في الحالة اللغوية التي كان عليها العرب عندما نزل القرآن، فسنقلب من كتاب ~~الدهر ثلاث عشرة صفحة # تحتوي ثلاثة عشر قرنا؛ لنتصل بذلك العهد حتى نخبر عنه كأننا من أهله ~~وكأنه رأي العين؛ وإنما سبيل الصحة فيما نحن فيه أن يشهد عليه الشاهدان: ~~العين، والأذن؛ إذ كان من شأنهما أن لا تثبت دعوى في حادثة دون أن يشهد ~~عليهما أحدهما أو كلاهما. # بلغ العرب في عقد القرآن مبلغا من الفصاحة لم يعرف في تاريخهم من قبل، ~~فإن كل ما # PageV01P109 # وراءه إنما كان أدوارا من نشوء اللغة وتهذيبها وتنقيحها واطرادها على سنن ~~الاجتماع، فكانوا قد أطالوا الشعر وافتنوا فيه، وتوافى عليه من شعرائهم ~~أفراد معدودون كان كل واحد منهم كأنه عصر # في تاريخه بما زاد من محاسنه وابتدع من أغراضه ومعانيه. وما نفض عليه من ~~الصبغ والرونق؛ ثم كان لهم من تهذيب اللغة، واجتماعهم على نمط من القرشية ~~يرونه مثالا لكمال الفطرة الممكن أن # يكون: وأخذهم في هذا السمت - ما جعل (الكلمة) نافذة في أكثرها لا يصدها ~~اختلاف من اللسان، ولا يعترضها تناكر في اللغة؛ فقامت فيهم بذلك دولة ~~الكلام؛ ولكنها بقيت بلا ملك، # حتى جاءهم القرآن. # وكل من يبحث في تاريخ العرب وآدابهم، وينفذ إلى ذلك من حيث تنفذ به ~~الفطنة وتتأتى حكمة الأشياء فإنه يرى كل ما سبق على القرآن - من أمر الكلام ~~العربي وتاريخه - إنما كان توطيدا # له وتهيئة لظهوره وتناهيا إليه ودرية لإصلاحهم به وليس في الأرض أمة كانت ~~تربيتها لغوية غير أهل هذه الجزيرة، فما كان فيهم كالبيان آنق منظرا وأبدع ~~مظهرا وأمد سببا إلى النفس وأرد عليها بالعاقبة؛ ولا كان لهم كذلك البيان ~~أزكى في أرضهم فرعا، وأقوم في سمائهم شرعا، وأوفر في # أنفسهم ريعا وأكثر في سوقهم شراة وبيعا، ms098 وهذا موضع عجيب للتأمل، ما ينفد ~~عجبه على طرح # النظر وإبعاده، وإطالة الفكر وترداده، وأي شيء في تاريخ الأمم أعجب من ~~نشأة لغوية تنتهي بمعجزة لغوية، ثم يكون الدين والعلم والسياسة وسائر ~~مقومات الأمه مما تنطوي عليه هذه # المعجزة، وتأتي به على أكمل وجوهه وأحسنها، وتخرج به للدهر خير أمة كان ~~عملها في الأمم صورة أخرى من تلك المعجزة. # هذا على أنه - كما علمت - أنشاهم على الكبر، ولم يجر معهم على المألوف من ~~مذاهب تربية الأمم؛ ولا هو كان طباقا لروح الأخلاق التاريخية فيهم التي ~~تظهرها العادات على كل دين # وشريعة وسياسة، إذ كانت ميراث الدهر، وكانت مستقرة على عرق سار؛ وفي كل ~~شبه نازع، # وكانت روح المجموع لا تكون إلا منها، ولا تعرف إلا بها ولا تظهر إلا فيها ~~فما عدا أن سفه أحلامهم، ونكس أصنامهم، وأزرى عليهم وعلى آبائهم الأولين، ~~وقام على رؤوسهم بالتقريع والتأنيب، وهم أهل الحمية والحفاظ، وأهل النفوس ~~التي تصب كالمعاني في الألفاظ؛ ثم ذهب # بطريقة كانت لهم معروفة، وعادات كانت لهم مألوفة، وأرسلهم في طريق العمر ~~إلى الفناء فكأنما طلع بهم من أولها، وكأنهم بعد ذلك على آدابه نشأوا وهم ~~أغفال وأحداث، بل كأنهم سلالة # أجيال كان القرآن في أوليتهم المتقادمة، فكانوا هم الوارثين لا ~~الموروثين، والناشئين لا المنشئين، # مصداقا للحديث الشريف: " خير القرون قرني ثم الذي يليه ". # ولعمرك إن هذا لعجيب، وليس أعجب منه إلا أن أول جيل أنسل من هؤلاء القوم ~~كان هو الذي تناول مفتاح العالم فأداره في أقفال الأرض وقد خرج للغاية التي ~~جاء بها القرآن وكأنه دار # PageV01P110 # معها في الأصلاب دهرا طويلا حتى أحكمته الوراثة الزمنية، وردت عليه من ~~الطباع ما لا يتهيأ إلا في سلالة بعد سلالة، وجيل بعد جيل، من قوم قد مروا ~~منذ أولهم في أدوار الارتقاء على # سنن واضح وطريق نهج، لم ينتقض لهم في أثناء ذلك طبغ من طباع الاجتماع، ~~ولا رذلت شيمة، ولا التوت طريقة، ولا سقطت مروءة، ولا ضل عقل، ولا غوت ms099 نفس ~~ولا عرض لهم بغى، ولا أفسدتهم عادة. وأين هذا كله أو بعضه من قوم كانوا ~~بالأمس عاكفين على الأوثان # فأكل بعضهم بعضا، ولهم العادات المرذولة، والعقائد السخيفة، والطباع ~~الممزوجة، إلى غيرها مما يحمل عليه الإفراط فيما زعموه فضيلة: كحمية الأنف، ~~واستقلال النفس، ومما كان من # عكس ذلك: كالتسليم للعادة والانقياد لطبيعة التاريخ، والمضي على ما ~~وجدوا، ثم الموت على ما ولدوا؛ # لا جرم أن في ذلك سرا من أسرار الفطرة، فلولا أن أكبر الأمر بينهم كان ~~للفصاحة وأساليبها، بما استقام لهم من شأن الفطرة اللغوية وما بلغوا منها ~~كما فصلناه في بابه، حتى صارت هذه الأساليب كأنها أعصاب نفسية في أذهانهم، ~~تنبعث فيها الإرادة بأخلاق من معاني الكلام الذي # يجري فيها. وتعتزهم على أخلاقهم وطباعهم فتصرفهم في كل وجه، كأنها إرادة ~~جبار معتزم لا يلوي ولا يستأني ولا يتئد. . . # ولولا أن القرآن الكريم قد ملك سر هذه الفصاحة وجاءهم منها بما لا قبل ~~لهم برده، ولا حيلة لهم معه، مما يشبه على التمام أساليب الاستهواء في علم ~~النفس، فاستبد بإرادتهم، وغلب على طباعهم، وحال بينهم وبين ما نزعوا إليه ~~من خلافه، حتى انعقدت قلوبهم عليه وهم يجهدون # في نقضها واستقاموا لدعوته وهم يبالغون في رفضها. . فكانوا يفرون منه في ~~كل وجه ثم لا ينتهون إلا إليه، إذ يرونه أخذ عليهم بفصاحته وإحكام أساليبه ~~جهات النفس العربية. والمكابرة في الأمور # النفسية لا تتجاوز أطراف الألسنة، فإن اللسان وحده هو الذي يستطيع أن ~~يتبرأ من الشعور ويكابر فيه، إذ هو أداة مغلبة تتعاورها الألفاظ، والألفاظ ~~كما يرمى بها في حق أو باطل تمتنع على من # أرادها لأحدهما أو لهما جميعا. . . # . . . قلنا: لولا ذلك على الوجه الذي عرفت، لما صار أمر القرآن إلى أكثر ~~مما ينتهي إليه أمر كل كتاب في الأرض؛ بل لما كان له في أولئك العرب أمر ~~ألبتة؛ لأنهم قوم أميون، قد تأثلت فيهم طباع هذه الأمية، وكان لهم الشيء ~~الكثير من العادات والأخبار والتواريخ، وبينهم أهل # الكتاب من ms100 اليهود والنصارى، ثم هم لم يعدموا الحكماء من خطبائهم وشعرائهم ~~ومن جنح إلى التأله منهم: كأمية بن أبي الصلت وقس بن ساعدة، وغيرهما. # وما جاءهم القرآن بشيء لا يفهمونه، ولا يثبتون معناه على مقدار ما ~~يفهمون، ولا كان هذا القرآن كتاب سياسة ولا نظام دولة، ولو كان أمرا من ذلك ~~ما حفلوا به؛ ولا استدعى هو منهم # الإجابة؛ لأن لهم منزعا في الحرية لم تغلبهم عليه دولة من دول الأرض، ولا ~~أفلح في ذلك من حاوله من ملوك هذه الدولة في الأكاسرة والقياصرة والتبابعة. ~~بل خلقوا عربا يشرقون ويغربون مع # PageV01P111 # الشمس حيث أرادوا وحيث ارتادوا؛ وهم على ذلك لم يجمعهم ولم يخرجهم إلى ~~الدنيا ولم يقلبهم على تصاريف الأمور غير القرآن. # فلو أن هذا القرآن غير فصيح، أو كانت فصاحته غير معجزة في أساليبها التي ~~ألقيت إليهم، # لما نال منهم على الدهر منالا، ولخلا منه موضعه الذي هو فيه، ثم لكانت ~~سبيله بينهم سبيل القصائد والخطب والأقاصيص، وهو لم يخرج عن كونه في الجملة ~~كأنه موجود فيهم بأكثر معانيه، # قبل أن يوجد بألفاظه وأساليبه، ثم لنقضوه كلمة كلمة، وآية آية، دون أن ~~تتخاذل أرواحهم، أو تتراجع طباعهم، ولكان لهم وله شأن غير ما عرف؛ ولكن ~~الله بالغ أمره، وكان أمر الله قدرا مقدورا. # وقد أومأنا في بعض ما سلف إلى أن هذا القرآن يكبر أن يكون حيا بروح عصره ~~الذي أنزل فيه، فلا يستطيع من لا يقول بإعجازه أن يقصره على زمن الجاهلية ~~أو يتعلل في ذلك، وهو بعد # من الإحكام والسمو شرف الغاية وحسن المطابقة بحيث تتعرف منه روح كل أمة ~~قد فرعت الأمم، # واستولت على الأمد التاريخي، ونالت ما لا ينال إلا مع بسطة في العلم، ~~وزيادة في المعرفة بوجوه العمل، وفضل من القوة، ومع كمال المنزلة في كل ذلك ~~وأشباهه من مقومات الأمة. # فذلك ما علمت. # وإن ههنا وجها آخر هو أعجب مما أومأنا إليه، على أنه ضريبه في الحكمة ~~وقسيمه في الاعتبار؛ إذ هو متعلق بطبيعة ms101 الأرض، كما أن ذلك متعلق بطبيعة ~~أهلها، فإن من الثابت البين أن # لهيئة الطبيعة جهة من التأثير في تهيئة الأخلاق؛ فترى في الجهات المقفرة ~~أو المخفوفة أو التي يلقي منظرها في نفسك الرهبة دون المحبة، والفزع دون ~~الاطمئنان - أقواما كأنما نشأوا في المعابد، وولدوا في الصوامع؛ فليس في ~~أخلاقهم إلا الاستسلام للوهم والتخيل، وإلا الخوف من # كل شيء تكون فيه روح الطبيعة، كما زعم العرب من البيات مع الغيلان، وتزوج ~~السعالي، # ومجاوبة الهواتف، والروغان عن الحن إلى الجن، واصطياد الشق، ومحاربة ~~النسناس، وصحبة الرئي، وما كان لهم من خدع الكاهن، وتدليس العراف، ومن ~~العيافة والتنجيم والزجر والطرق # بالحصى وغيرها من خرافاتهم المعروفة، ثم الخوف من كل شيء تعرف فيه روح ~~الطبيعة، كالأوثان وسائر ما قدسته العادات والشعائر، وإن كانوا في غير ذلك ~~أهل جلد ونجدة ومضاء # PageV01P112 # وبديهة وعارضة، لأن هذه الصفات وأمثالها تكتسب من طبيعة الخيال حدة وشدة ~~وأنت واجد # عكس ذلك فيمن تكون طبيعة أرضهم ساكنة مطمئنة لا تجتاح أهلها ولا ترميهم ~~بالفزع فإنهم لا يقرون على خوف وتوثب، ولا يكون في أخلاقهم الجنوح إلى ~~عبادة ما يخيفهم أو تقديس ما اتصلت به روح الطبيعة، ثم لا يكونون إلا أهل ~~عمل بالحواس دون التخيل، قد غبر أحدهم دهره # عاملا فليس يبالي إلا بالحاضر الذي تتعلق به روح العمل، دون الماضي الذي ~~يجتمع عليه حرص أولئك لأنه غيب الطبيعة التي يقدسونها، فكان من أخلاق العرب ~~ما هو مشهور عنهم: من التفاخر # بالآباء والأجداد، والذهاب مع الوهم في كل مذهب، وعدم المبالاة إلا بما ~~يلحقهم بآبائهم ويجعلهم في عداد الماضين، ليكون لهم فيمن يخلفهم من الشأن ~~والتقديس والتعظئم بهم ما كان فيهم لمن تقدمهم فيتقون سوء القالة وخبث ~~الأحدوثة، وسائر ما يفسد عليهم هذا الشأن، بكل ما # وسعهم، لا يألون في ذلك جهدا، ولا يغمضون فيه ولا يتقدمون في سد غيره قبل ~~إحكامه واستفراغ قوتهم له، إلى غير هذا مما هو معروف متظاهر عنهم. # ثم كان هواهم كله في الشعر، لأنه ms102 عبادة أرواحهم لطبيعة أرضهم، وهو الصلة ~~المحفوظة بينهم وبين ماضيهم؛ فجاء القرآن يسفه # تلك الطباع منهم، ويحول بينهم وبين ذلك الماضي، ويصرفهم إلى العمل، ويذهب ~~عنهم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، ويأتيهم بالبصائر من ربهم، ويهديهم ~~بالعقل إلى أسرار الطبيعة ليعلموا # أنها مسخرة لهم فلا يسخروا أنفسهم لها، وحرم عليهم التقديس وما في حكمه، ~~وبصرهم بما مسهم من طائف الشيطان وما نزغهم من أمره، خيالا أو وهما أو شعرا ~~أو عبادة، وجعل أفضل # الفضائل في الذي قام يدعو وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ابن ~~يومه، وابن عمله، وابن عقله، فلا هو مفاخر # ولا واهم ولا شاعر، وتلك أخص فضائلهم الاصطلاحية، وخاطبه بهذه الآية ~~الكريمة التي هي روح النبات في أمم العلم والعمل، وهي قوله: # (وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما ~~تعملون (41) . # فكيف يمكن أن يكون هذا القرآن مع ذلك كله مما يطابق # أرض العرب في طبيعتها وهي ما علمت؛ وكيف يتفق أن يكون كل ذلك من صنعة رجل ~~قد نشأ فيهم واتصل بهم وذهبت عروقه بينهم واشجة، وهو من صميمهم نسبا ~~ووراثة، يعرفونه ويحققون # جملة أمره. . . ولم يخرج عنهم قط للعلم أو الطلب، ولا طرأ عليهم من غير ~~أرضهم، ولا أنكروا عليه أمرا من لدن نشأته إلى حد الكهولة، وإلى أن دلت ~~الشيب في عذاريه وهم مستيقنون أنه ما # كان يتلو من قلبه من كتاب ولا يخطه؛ # وما عهدنا رجلا من علماء التاريخ قد أهاب بأمة طبيعية كالعرب، ذات بأس ~~وصرامة وحمية # PageV01P113 # وحفاظ وذات خيال وتصور - يدعوها أن تخلع نفسها مما هي فيه وأن تضع ~~أعناقها للحق الذي لم تألفهم حقا، وأن تعطيه مع ذلك محض ضمائرها، وتسوغه ~~تاريخها وعاداتها وما هو أكبر من # تاريخها وعاداتها! وهم لا يرونه في ذلك إلا مسخوط الرأي ذاهب الوهم، ~~بعيدا منهم ومن نفسه ومن الحقيقة جميعا، ولا يرون من أمره ذلك إلا قلة ~~وضرعا وهوانا واستخفافا وإن كانوا يعرفونه # بحسن الخلق وصفاء الذمة وتخشع ms103 السمت، ويعرفون أنه لا يريد ملكا لا يبغي ~~دولة لا يتصنع لحدث من الأحداث السياسية ولا يهتبل غرة ذاهلة ولا يستعد ~~لنهزة سانحة (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن ~~بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون (5) . # ثم هو على هذا كله من أمره وأمرهم لا يتأتى إليهم بالتمويه، ولا يداخلهم ~~بالنفاق، ولا يتألفهم على باطلهم، ولا ينزل في العقيدة على حكمهم، ولا ~~يداهن في خطابهم، ولا يرفق بهم # فيما يتخيلون وما يعبدون، ولا يحكم ذلك الأمر من ناحية الدهاء والمخاتلة، ~~فيقرهم على طباعهم وعاداتهم، ويستدرجهم من حيث لا يعلمون، ويمد لهم في الغي ~~مدا من أمر أعجبهم ومن شأن ما # استخفهم كما يصنع ودهاة السياسة وقادة الأمم، وكما صنع داهية أوروبا ~~نابليون؛ الذي انتحل الكثلكة في حرب الفنديين، وأسلم في مصر، وجهر بعصمة ~~البابا في حرب إيطاليا؛ وقال مع ذلك: لو كنت أحكم شعبا يهوديا لأعدت هيكل ~~سليمان! # ثم يكون مع هذا كله من فعله وفعلهم أن يثوب إليه الأمر ويستوسق على ما ~~أراد، وأن تعطيه تلك الأمة عن يد وهي صاغرة للحق وتبذل نصرها له بعد ~~التخذيل عنه، وتسكن إليه بعواطفها المستنفرة وتعطف عليه بقلوبها الجامحة، ~~وهو الراغب عن سننهم، والمسفه لأحلامهم، والطاعن # عليهم وعلى آبائهم، والمفارق لشرائعهم وعاداتهم، وهو الذي خرج من الأمة ~~أولا، ثم أخرج الأمة كلها من نفسها آخرا كما اتفق للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # ما عهدنا ذلك، ولا عهدنا أن الأمم تخرج من طبائعها النفسية وتستقيم لمن ~~يتلوى لها مثل هذا الالتواء، وتدخل في أمر، وتثبت على طاعته ومحبته وهو ~~أضعف ناصرا وأقل عدا؛ إلا أن يغلبها على أنفسها، ويمتلك خيالها، ويستبد ~~بتصورها؛ كيف له أن يغلب على النفس بتنفيرها، # ويمتلك الخيال بالعنف عليه، ويستبد بالتصور وهو يسترذله؛ ومن أين له ذلك ~~إلا أن يأتي الفطرة التي هي أساس هذه كلها، فيملكها، ثم يصوغها، ثم يصرفها، ~~فإن الذي لا يدفع الطبع لا يدفع # الرغبة، ومن لم يقد الأمة من رغائبها ms104 لم يقد في زمامه غير نفسه، وإن كان ~~بعد ذلك من كان، وإ جهد وإن بالغ! # وهذا الذي وصفناه، أمر لو ذهبت تلتمسه في تاريخ الأرض كلها ما رأيت ~~أسبابها الفطرية في غير أولئك العرب، ولا رأيت تحقيقه في العرب إلا من ~~ناحية القرآن وإعجازه، بنظمه وأساليبه # PageV01P114 # وافتنانه على هذه الوجوه المعجزة، التي أقل ما توصف به أنها السحر، بل ~~السحر بعضها وكان ذلك فيهم فيكونوا هم دليله من بعد. # وليت شعري ما هو أمر المعجزة في العقل، إن لم يكن هذا من أمره؛ # (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي ~~الكبير (62) . # *** ### | التحدي والمعارضة: # كان العرب قد بالغوا لعهد القرآن مبلغهم من تهذيب اللغة ومن كمال الفطرة، ~~ومن دقة الحس البياني، حتى أوشكوا أن يصيروا في هذا المعنى قبيلا واحدا ~~باجتماعهم على بلاغة الكلمة # وفصاحة المنطق، وأنهم لأول دعوة من بلغائهم وفصحائهم، مع تباعد ديارهم ~~بعضهم عن بعض، وتعاديهم واختلافهم في غير هذا الحس باختلاف قبائلهم ~~ومعايشهم، لأن الكلام هو # يدفعهم إلى المنافرة، ويبعثهم على المفاخرة، وما كان الكلام صناعة قوم ~~إلا أصبتهم معه كالجمل المؤلفة يرد بعضها بعضا ويدور بعضها على بعض، فيكون ~~كل فرد منهم كأنه لفظ حي، وكأن # معنى حياته في الألفاظ وفيه معا. # PageV01P115 # وهذا أمر ثابت ليس فيه منازعة ولا فساد ولا التواء، ولم يظهر في أمة ~~ظهوره في جاهلية العرب الأولى قبل الإسلام، وفي جاهليتهم الثانية من بعده، ~~لا حين استفحل أمر الفرق الإسلامية # واستحر الجدال بينهم، فأفسدوا عقولهم وأسقطوا مروءتهم إلا خواص واقتحموا ~~تلك الخصومات # حتى يبس ما بين بعضهم إلى بعض، وإن كان ليس بينهم إلا الدين والعقل. # فجاء القرآن الكريم أفصح كلام وأبلغه لفظا وأسلوبا ومعنى، ليجد السبيل ~~إلى امتلاك الوحدة العربية التي كانت معقودة بالألسنة يومئذ وهو متى ~~امتلكها استطاع أن يصرفها، وأن يحدث منها، # وكانت رأس أمره وقوام تدبيره، إذ هي بصبغتها العقلية ومعناها النفسي؛ وهو ~~لا ينتهي إلى هذه الوحدة ms105 ولا يستولي عليها إلا إذا كان أقوى منها فبما هي ~~قوية به، بحيث يشعر أهلها بالعجز # والضعف والاضطراب، شعورا لا حيلة فيه للخديعة والتلبيس على النفس ~~والتضريب بين الشك واليقين. # ومن طباع النفس التي خبلت عليها، أنها متى خذلت وكان خذلانها من قبل ما ~~تعده أكبر فخرها وأجمل صتعها وأعظم همها وأصابها الوهن في ذلك، وضربها ~~الخذلان باليأس، فقلما تنفعها نافعة بعد ذلك أو تجزثئها قوة أخرى؛ وقلما ~~تصنع شيئا دون التراجع والاسترسال فيما انحدرت إليه ومجاوزة ما لا تستطيع ~~إلى ما تستطيع. # فمن ثم لم تقم للعرب قائمة بعد أن أعجزهم القرآن من جهة الفصاحة التي هي ~~أكبر أمرهم، # ومن جهة الكلام الذي هو سيد عملهم، بل تصدعوا عنه وهم أهل البسالة والبأس ~~وهم مساعير الحروب ومغاويرها، وهم كالحصى عددا وكثرة، وليس لرسول الله جمت ~~إلا نفسه، وإلا نفر قليل معه، لم يستجيبوا له ولم يبذلوا مفادتهم ونصرهم ~~إلا بعد أن سمعوا القرآن ورأوا منه ما استهواهم # وكاثرهم وغلبهم على أنفسهم؛ فكانت الكلمة منه تقع من أحدهم وإن لها ما ~~يكون للخطبة الطويلة # والقصيدة العجيبة في قبيلة بأجمعها، ولهذا قام كل فرد منهم في نصرة النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وكأنه في نفسه # قبيلة في مقدار حميتها وحفاظها ونجدتها، وهذا هو حق الشعور الذي كان يشعر ~~به كل مسلم في السرايا والجيوش التي انصبت على الأمم أول عهدهم بالفتوح، ~~حتى نصروا بالرعب من بعيد وقريب، وكأنما كانت أنفسهم تحارب قبل أجسامهم، ~~وتعد المراصد لعدوهم من نفسه، وتسلبه ما # لا يسلبه إلا الموت وحده، فالعرب يريدون أن يموتوا فيحيوا، ويريد أعداؤهم ~~أن يحيوا فيموتوا. . وإلا فاين تلك الشراذم العربية القليلة، من جيوش الروم ~~والفرس، وهي فيها كالشامة # PageV01P116 # في جلد البعير، ولو قعت عليها ذبابة لكانت عسى أن تخفيها! # على أن من أعجب ما في أمر العرب أنهم كانوا يتخاذلون عن قتال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وجماعته على # كثرة ما استنفرتهم قريش لحربه، وما اعترضتهم في حجهم ومواسمهم، وعلى ما ms106 ~~كانوا يعرفون من مغبة هذا الأمر، وأنه ذاهب بطريقتهم لا محالة، فلم يجمعوا ~~كيدهم، ولم يصدموه، بل # استأنوا به ولبسوه على أمر، وسرحوا فرصة كانت لهم ممكنة، وتركوا أسبابا ~~كانت منهم قريبة، # وليس في ذلك سبب وراء القرآن؛ فإن كل آية يسمعونها كانت تصيبهم بالشلل ~~الاجتماعي، # وتخذلهم في أنفسهم، فلا يحسون منها إلا تراجع الطبع وفتور العزيمة. ويكسر ~~ذلك عليهم أمرهم. فتقع الحرب في أنفسهم بديئا بين الوهم واليقين، فإن ~~نصبوها له بعد ذلك أقدموا عليها # بنفوس مخذولة، وعزائم واهية، وأمور منتشرة، وخواطر متقسمة، وقاموا فيها ~~وهم يعرفون آخرة النزوة وعاقبة الجولة، وتلك حرب سبيلها في القتال سبيل ~~المكابرة الواهنة في الجدال: من أقدم # عليها مرة كان آية لنفسه، وكان عبرة لغيره، حتى ما يعتزم لهولها كرة ~~أخرى، فمن سكن بعدها فقد سكن! # ونزل القرآن على الوجه الذي بيناه، فظنه العرب أول وهلة من كلام النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وروحوا عن قلوبهم بانتظار ما أملوا أن يطلعوا عليه في ~~آياته البينات، كما يعتري الطبع الإنساني من الفترة بعد # الاستمرار، والتراجع بعد الاستقرار، ومن اضطراب القوة البيانية بعد ~~إمعانها، وجماحها الذي لا بد منه بعد إذعانها، ثم ما هو في طبع كل بليغ من ~~الاختلاف في درجات البلاغة علوا ونزولا، # على حسب ما لا بد منه في اختلاف المعاني، وتباين الأحوال النفسية ~~المجتمعة عليها، والتفاوت في أغراضها وطرق أدائها، مما ينقسم إليه الخطاب ~~ويتصرف القول فيه. # ومروا ينتظرون وهم معدون له التكذيب، متربصون به حالة من تلك الأحوال، ~~فإذا هو قبيل غير قبيل الكلام، وطبع غير طبع الأجسام، وديباجة كالسماء في ~~استوائها: لا وهن ولا صدع، وإذا عصمة قوية، وجمرة # متوقدة، وأمر فوق الأمر وكلام يحاورن فيه بدءا وعاقبة. # وقد كان من عادتهم أن يتحدى بعضهم بعضا في المساجلة والمقارضة بالقصيد ~~والخطب، ثقة منهم بقوة الطبع، ولأن ذلك مذهب من مفاخرهم، يستعلون به ويذيع ~~لهم حسن الذكر وعلو الكلمة؛ وهم مجبولون عليه فطرة. # ولهم فيه المواقف والمقامات في أسواقهم ومجامعهم، ms107 # فتحداهم القرآن في آيات كثيرة أن يأتوا بمثله أو بعضه، وسلك إلى ذلك ~~طريقا كأنها قضية من # PageV01P117 # قضايا المنطق التاريخي، فإن حكمة هذا التحدي وذكره في القرآن، إنما هي أن ~~يشهد التاريخ في كل عصر بعجز العرب عنه وهم الخطباء اللد والفصحاء اللسن، ~~وهم كانوا في العهد الذي لم يكن # للغتهم خير منه ولا خير منهم في الطبع والقوة، فكانوا مظنة المعارضة ~~والقدرة عليها - حتى لا يجيء بعد ذلك فيما يجيء من الزمن، مولد أو أعجمي أو ~~كاذب أو منافق أو ذو غفلة، فيزعم أن # العرب كانوا قادرين على مثله، وأنه غير معجز، وأن عسى أن لا يعجز عنه إلا ~~الضعيف وبالله من سمو هذه الحكمة وبراعة هذه السياسة التاريخية لأهل الدهر. # أما الطريقة التي سلكها إلى ذلك، فهي أن التحدي كان مقصورا على طلب ~~المعارضة بمثل القرآن، ثم بعشر سور مثله مفتريات لا يلتزمون فيها الحكمة ~~ولا الحقيقة، وليس إلا النظم والأسلوب، وهم أهل الله ولن تضيق أساطيرهم ~~وعلومهم أن تسعها عشر سور. . . ثم قرن # التحدي بالتأنيب والتقريع، ثم استفزهم بعد ذلك جملة واحدة كما ينفج ~~الرماد الهامد، فقال: # (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا ~~شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين (23) فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا ~~النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين (24) . # فقطع لهم أنهم لن يفعلوا، وهي كلمة يستحيل أن تكون إلا من الله، ولا ~~يقولها عربي في العرب أبدا، وقد سمعوها واستقرت فيهم ودارت على الألسنة، ~~وعرفوا أنها تنفي عنهم الدهر نفيا # وتعجزهم آخر الأبد فما فعلوا ولا طمعوا قط أن يفعلوا. # وطارت الآية بعجزهم وأسجلته عليهم ووسمتهم على ألسنتهم، فلما رأوا هممهم ~~لا تسمو إلى ذلك ولا تقارب المطمعة فيه، وقد # انقطعت بهم كل سبيل إلى المعارضة، بذلوا له السيف، كما يبذل المحرج آخر ~~وسعه، وأخطروا بأنفسهم وأموالهم، وانصرفوا عن توهن حجته إلى تهوينها على ~~أنفسهم بكلام من الكلام فقالوا: # ساحر، وشاعر، ومجنون، ورجل يكتتب أساطير ms108 الأولين، وإنما يعلمه بشر وأمثال ~~ذلك مما # PageV01P118 # أخذت به الحجة عليهم وكان إقرارا منهم بالعجز، إذ جنحوا فيه إلى سياسة ~~الطباع والعادات، # تلميحا كما تقدم، وتصريحا كقولهم: (أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون (36) ~~بل جاء بالحق وصدق المرسلين (37) . # وأمر العادة مما تخدع به النفس عن الحق، لأنها أعراق ضاربة في القلوب، ~~ملتفة بالطبائع، # وخاصة في قوم كالعرب كان شأن الماضي عندهم على ما رأيت في موضع سلف، ~~وكانت العادة عندهم دينا حين لم يكن الدين إلا عادة. # قال الجاحظ: بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - أكثر ما كانت العرب ~~شاعرا وخطيبا، وأحكم ما كانت لغة، وأشد ما كانت عدة، فدعا أقصاها وأدناها ~~إلى توحيد الله وتصديق رسالته؛ فدعاهم بالحجة، # فلما قطع العذر وأزال الشبهة وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية ~~دون الجهل والحيرة، # حملهم على حظهم بالسيف. فنصب لهم الحرب ونصبوا، وقتل من عليهم وأعلامهم ~~وأعمامهم وبني أعمامهم، وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن، ويدعوهم صباحا ~~ومساة إلى أن يعارضوه إن # كان كاذبا بسورة واحدة؛ أو بآيات يسيرة، فكلما ازداد تحديا لهم بها، ~~وتقريعا لعجزهم عنها، # تكشف من نقصهم ما كان مستورا، وظهر منه ما كان خفيا، فحين لم يجدوا حيلة ~~ولا حجة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف، فلذلك يمكنك ما لا ~~يمكننا، قال: فهاتوها مفتريات. # فلم يرم ذلك خطيب ولا طمع فيه شاعر ولو طمع فيه لتكلفه، ولو تكلفه لظهر ~~ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكابر فيه ويزعم أنه قد عارض ~~وقابل وناقض، فدل ذلك العاقل # على عجز القوم، مع كثرة كلامهم، واستجابة لغتهم، وسهولة ذلك عليهم؛ وكثرة ~~شعرائهم؛ وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته، لأن سورة ~~واحدة وآيات يسيرة كانت # أنقض لقوله؛ وأفسد لأمره وأبلغ في تكذيبه؛ وأسرع في تفريق أتباعه من بذل ~~النفوس، والخروج من الأوطان وإنفاق الأموال، وهذا من جليل التدبير الذي لا ~~يخفى على من هو دون قريش # والعرب في الرأي والعقل بطبقات؛ ms109 ولهم القصيد العجيب، والرجز الفاخر، ~~والخطب الطوال البليغة والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ ~~المنثور، ثم تحدى به أقصاهم بعد أن # أظهر عجز أدناهم. فمحال - أكرمك الله - أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في ~~الأمر الظاهر، # والخطأ المكشوف البين مع التقريع بالنقص، والتوقيف على العجز، وهم أشد ~~الخلق أنفة، # وأكثرهم مفاخرة والكلام سيد عملهم وقد احتاجوا إليه، والحاجة تبعث على ~~الحيلة في الأمر # PageV01P119 # الغامض، فكيف بالظاهر الجليل المنفعة، وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثا ~~وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة، فكذلك محال أن يتركوه وهم ~~يعرفون ويجدون السبيل إليه، وهم يبذلون أكثر منه. اه. # على أن التاريخ لا يخلو من أسماء قوم قد زعموا أنهم عارضوا القرآن، فمنهم ~~من ادعى النبوة وجعل ما يلقيه من ذلك قرآنا كيلا تكون صنعته بلا أداة. .. # على أنه لا أتباع له من غير قومه، ولا يشايعه من قومه طائفة يستنفرون ~~لأمره ويعطفون عليه جنبات الناس حتى يجمعوا له # أخلاطا وضروبا، وقد تبعوه وشمروا في ذلك حمية وعصبية، وحدبا من الطباع ~~على الطباع فهم في غنى عن نبوته وقرآنه، وإنما رأيهم الخطار بالأنفس ~~والأموال على ما تنزعهم إليه الطبيعة، # مقاربة لمن قارب صاحبهم، ومباعدة لمن باعد، وعسى أن يرد ذلك مغنما، أو ~~ينفلهم من غيرهم، # أو يجدي عليهم بالعزة والغلبة، أو يكون لهم سبيل منه إلى التوثب إذا ~~صادفوا غزة وأصابوا مضطربا، إلى غير ذلك مما تزينه المطمعة، ويغز به ~~الغرور، ويقصد إليه بالسبب الواهي وبالحادث الضئيل، وبكل طائفة من الرأي ~~وبقية من الوهم وتستوي فيه الشمال واليمين، وتتقدم فيه الرؤوس # والأرجل مبادرة لا يدرى أيهما حامل وأيهما محمول. . . # ومنهم من تعاطى معارضة القرآن صناعة وظن أنه قادر عليها يضع لسانه منها ~~حيث شاء، # وهؤلاء وأولئك لا يتجاوزون في كل أرض دخلها الإسلام من بلاد العرب والعجم ~~إلى اليوم عدد ما تراه من عانة ضئيلة تعرض لك من حمر الوحش في جانب البر ~~الواسع ثم تغيب وتسفي # الريح على آثارها وسنعد لك عدا، ms110 لتصدر في هذه الدعوى عن روية، وتحكم في ~~تاريخ المعارضة عن بينة، وتعلم القدر الذي بلغوه أو قيل أنهم بلغوه، فإن ~~حصر ذلك وبيانه على جهته يشبه أن # يكون بعض ما يشهد به التاريخ من إعجاز القرآن. # وإن الحق ليجمع عليه الناس كافة ثم يكابر فيه # الواحد والاثنان والنفر والرهط، فتكون مكابرتهم فيه وجها من الوجوه التي ~~يثبت بها ويغلب: # (1) فمن أولئك مسيلمة بن حبيب الكذاب، تنبأ باليمامة في بني حنيفة على ~~عهد # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن وفد عليه وأسلم، كان يصانع كل ~~إنسان ويتألفه، ولا يبالي أن يطلع أحد منه # PageV01P120 # على قبيح، لأنه إنما يتخذ النبوة سببا إلى الملك، حتى عرض على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن يشركه في الأمر أو يجعله له من بعده، وكتب إليه ~~في سنة عشر للهجرة: " أما بعد: # فإني قد شوركت في الأرض معك، وإنما لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، لكن ~~قريشا قوم يعتدون. . .!! . # وكان من المسلمين رجل يقال له نهار الرجال قد هاجر إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وقرأ القرآن وفقه في الدين، فبعثه معلما لأهل اليمامة وليشغب ~~على مسيلمة وليشد من أمر المسلمين، فكان # أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة، إذ شهد أنه سمع محمدا - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول إن مسيلمة قد أشرك معه! فصدقوه واستجابوا له؛ وأمروه ~~بمكاتبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ووعدوه - إن هو لم يقبل - أن يجنوه ~~عليه، فكان الرجال لا يقول شيئا إلا تابعه مسيلمة؛ وكان ينتهي إلى أمره ~~ويستعين به على تعرف # أحوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعجزاته في العرب، ليحكيه ~~ويتشبه به، وما قط عارضه في شيء إلا انقلبت الآية معه وأخزاه الله، وفي " ~~تاريخ الطبري " من ذلك أشياء لا حاجة لنا بها صحت أو لم # تصح. # وقد زعم مسيلمة أن له قرآنا نزل عليه من السماء ويأتيه به ملك يسمى رحمن. ~~. . بيد أن قرآنه إنما كان فصولا وجملا، بعضها مما يرسله، وبعضها ms111 مما يترسل ~~به في أمر إن عرض له، # وحادثة إن اتفقت، ورأي إذا سئل فيه وكلها ضروب من الحماقة يعارض بها ~~أوزان القرآن في تراكيبه، ويجنح في أكثرها إلى سجع الكهان، لأنه كان يحسب ~~النبوة ضربا من الكهانة، فيسجع # كما يسجعون، وقد مضى العرب على أن يسمعوا للكهان ويطيعوا، ووقر ذلك في ~~أنفسهم واستناموا إليه، ولم يجدوا كلام الكهان إلا سجعا فكانت هذه بعض ما ~~استدرجهم به مسيلمة وتأتي إلى أنفسهم منها. # ومن قرآنه الذي زعمه قوله - أخزاه الله -: والمبذرات زرعا، والحاصدات ~~حصدا، والذاريات قمحا، والطاحنات طحنا، والعاجنات عجنا، والخابزات خبزا، ~~والثاردات ثردا، واللاقمات لقما، # إهالة وسمنا. . . لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريفكم ~~فامنعوه، والمعتر فآووه والباغي فناوئوه. . . # PageV01P121 # وقوله: والشاء وألوانها، وأعجبها السود وألبانها، والشاة السوداء، واللبن ~~الأبيض، إنه لعجب محض، وقد حرم المذق فما لكم لا تمجعون. # وقوله: الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وبيل، وخرطوم طويل. . ~~. # وقال الجاحظ في (الحيوان) عند القول في الضفدع: ولا أدري ما هيج مسيلمة ~~على ذكرها، ولم ساء رأيه فيها حتى جعل بزعمه فيها فيما نزل عليه من قرآنه: ~~يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين. نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء ~~تكدرين، ولا الشارب تمنعين. . . # وكل كلامه على هذا النمط واه سخيف لا ينهض ولا يتماسك، بل هو مضطرب النسج ~~مبتذل المعنى مستهلك من جهتيه، وما كان الرجل من السخف بحيث ترى، ولا من ~~الجهل # بمعاني الكلام وسوء البصر بمواضعه ولكن لذلك سببا نحن ذاكروه متى انتهى ~~بنا الكلام إلى موضعه الذي هو أملك به. # (2) ومنهم عبهلة بن كعب الذي يقال له الأسود العتسي، يلقب ذا الخمار لأنه ~~كان يقول: يأتيني ذو خمار، وكان رجلا فصيحا معروفا بالكهانة والسجع ~~والخطابة والشعر والنسب! وقد تنبأ # على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وخرج باليمن، ولا يذكرون له قرآنا ~~غير أنه كان يزعم أن الوحي ينزل عليه، # وكان إذا ذهب مذهب التنبؤ أكب ثم رفع ms112 رأسه وقال: يقول لي كيت وكيت، يعني ~~شيطانه، وهذا الأسود كان جبارا، وقتل قبل وفاة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بيوم وليلة. # (3) وطليحة بن خويلد الأسدي، وكان من أشجع العرب، يعد بألف فارس، قدم على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في وفد أسد بن خزيمة سنة تسع فأسلموا ثم لما ~~رجعوا تنبأ طليحة، وعظم أمره بعد أن # توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وكان يزعم أن ذا النون يأتيه بالوحي - وقيل بل يزعمه جبريل - ولكنه لم ~~يدع لنفسه قرآنا: لأن قومه من الفصحاء، ولم يتابعوه إلا عصبية وطلبا لأمر ~~يحسبونه كائنا في العرب # من غلبة بعضهم على جماعتهم، وإنما كانت كلمات يزعم أنها أنزلت عليه، ولم ~~نظفر منها بغير هذه الكلمة، رأيناها في معجم البلدان لياقوت، وهي قوله: إن ~~الله لا يصنع بتعفير وجوهكم وقبح أدباركم شيئا، فاذكروا الله قياما فإن ~~الرغوة فوق الصريح. # PageV01P122 # وقد بعث أبو بكر - رضي الله عنه - خالدا بن الوليد لقتاله وكان مع طليحة ~~عيينة بن حصن في سبعمائة من بني فزارة. # فلما التقى الجمعان تزمل طليحة في كساء له ينتظر بزعمه الوحي وطال # ذلك منه، وألح المسلمون على أصحابه بالسيف، فقال عيينة: هل أتاك بعد؟ قال ~~طليحة من تحت الكساء: لا والله ما جاء بعد! فأعاد إليه مرتين، كل ذلك يقول: ~~لا. فقال عيينة: لقد تركك أحوج # ما كنت إليه! فقال طليحة: قاتلوا عن أحسابكم، فأما دين فلا دين! # ثم انهزم ولحق بنواحي الشام. # أسلم بعد ذلك، وكان له في واقعة القادسية بلاء حسن. # (4) وسجاح بنت الحارث بن سويد التميمية. # وكانت في بني تغلب (وهم أخوالها) راسخة # في النصرانية، وقد علمت من علمهم وتنبأت فيهم بعد وفاة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في خلافة أبي بكر، # فاستجاب لها بعضهم وترك التنصر ومالأها جماعة من رؤساء القبائل، وكانت ~~تقول لهم: إنما أنا امرأة من بني يربوع، وإن كان ملك فالملك ملككم. # وقد خرجت بهم تريد غزو أبي بكر رضي الله عنه، ومرت تقاتل ms113 بعض القبائل ~~وتوادع بعضها. # وكان أمر مسيلمة الكذاب قد غلظ واشتدت شوكة # أهل اليمامة، فنهدت له بجمعها؛ وخافها مسيلمة، ثم اجتمعا وعرض عليها أن ~~يتزوجها. # قال: " ليأكل بقومه وقومها العرب " فأجابت، وانصرفت إلى قومها؛ فقالوا: ~~ما عندك؟ # قالت: كان على الحق فاتبعته فتزوجته. # ولم تدع قرآنا، وإنما كانت تزعم أنه يوحى إليها بما تأمر وتسجع في # ذلك سجعا، كقولها حين أرادت مسيلمة: عليكم باليمامة، ودفوا دفيف الحمامة، ~~فإنها غزوة صرامة، لا يلحقكم بعدما ملامة. # وفي رواية صاحب الأغاني: أنه كان فيما ادعت، أنه أنزل عليها: يا أيها ~~المؤمنون # PageV01P123 # المتقون، لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ولكن قريشا قوم يبغون. # وهي كلمة مسيلمة، وقد مرت آنفا. # ثم أسلمت هذه المرأة بعد وحسن إسلامها، وما كانت نبوتها إلا زفافا على ~~مسيلمة. # وما كانت هي إلا امرأة! # (5) والنضر بن الحارث، وهذا ومن يجيء بعده لم يدعوا النبوة ولا الوحي ~~ولكنهم زعموا أنهم يعارضون القرآن، فلفق النضر هذا شيئا من أخبار الفرس ~~وملوك العجم، ومخرق بذلك لأنه # جاء بأخبار يجهلها العرب. . . ولم يحفل أحد من المؤرخين ولا الأدباء بهذا ~~الرجل، لحماقته فيما زعم، وإنما ذكرناه نحن إذ كنا لا نرى الباقين أعقل ~~منه. . .! # (6) وابن المقفع الكاتب البليغ المشهور: زعموا أنه اشتغل بمعارضة القرآن ~~مدة ثم مزق ما جمع واستحيا لنفسه من إظهاره. # وهذا عندنا إنما هو تصحيح من بعض العلماء لما تزعمه الملحدة من أن كتاب " ~~الدرة اليتيمة " لابن المقفع هو في معارضة القرآن فكأن الكذب لا يدفع إلا ~~بالكذب، وإذا قال هؤلاء إن الرجل قد عارض وأظهر كلامه ثقة منه بقوته ~~وفصاحته، وأنه في ذلك من وزن القرآن وطبقته، # وابن المقفع هو من هو في هذا الأمر، قال أولئك: بل عارض ومزق واستحيا ~~لنفسه. . .! # أما نحن فنقول: إن الروايتين مكذوبتان جميعا، وإن ابن المقفع من أبصر ~~الناس باستحالة المعارضة؛ لا لشيء من الأشياء إلا لأنه من أبلغ الناس. # وإذا قيل لك إن فلانا يزعم إمكان المعارضة ويحتج لذلك وينازع فيه، فاعلم ~~أن فلانا هذا ms114 في الصناعة أحد رجلين اثنين: إما جاهل # PageV01P124 # يصدق في نفسه، وإما عالم يكذب على الناس؛ ولن يكون (فلان) ثالث ثلاثة! # وإنما نسبت المعارضة لابن المقفع دون غيره من بلغاء الناس، لأن فتنة ~~الفرق الملحدة إنما كانت بعده، وكان البلغاء كافة لا يمترون في إعجاز ~~القرآن وإن اختلفوا في وجه إعجازه؛ ثم كان ابن المقفع متهما عند الناس في ~~دينه فدفع بعض ذلك إلى بعض، وتهيأت النسبة من الجملة. # ولو كانت الزندقة فاشية أيام عبد الحميد الكاتب، وكان متهما بها أو كان ~~له عرق في المجوسية، لما أخلته إحدى الروايات من زعم المعارضة: لا لأنه ~~زنديق، ولكن لأنه بليغ يصلح دليلا للزنادقة. # وزعم هؤلاء الملحدة أيضا أن حكم قابوس بن وشمكير وقصصه، هي من بعض ~~المعارضة للقرآن؛ فكأنهم يحسبون أن كل ما فيه أدب وحكمة وتاريخ وأخبار فتلك ~~سبيله؛ وما ندري لمن كانوا يزعمون مثل هذا؛ ومثل قولهم: إن القصائد السبع ~~المسماة بالمعلقات هي عندهم # معارضة للقرآن بفصاحتها. # (7) وأبو الحسين أحمد بن يحيى المعروف بابن الراوندي وكان رجلا غلبت عليه ~~شقوة الكلام؛ فبسط لسانه في مناقضة الشريعة، وذهب يزعم ويفتري، وليس أدل ~~على جهله وفساد قياسه وأنه يمضي في قضية لا برهان له بها - من قوله في كتاب ~~(الفريد) : # " إن المسلمين احتجوا لنبوة نبيهم بالقرآن الذي تحدى به النبي فلم تقدر ~~على معارضته؛ فيقال لهم: أخبرونا: # PageV01P125 # لو ادعى مدع لمن تقدم من الفلاسفة. . . مثل دعواكم في القرآن فقال: ~~الدليل على صدق بطليموس أو إقليدس، إن إقليدس ادعى أن الخلق يعجزون عن أن ~~يأتوا بمثل كتابه، أكانت نبوته تثبت؟ # قلنا: فاعجب لهذا الجهل الذي يكون قياسا من أقيسة العلم. . . واعجب ~~(للكلام) الذي يقال فيه: إن هذا كتاب وذلك كتاب فكلاهما كتاب؛ ولما كان ~~كذلك فأحدهما مثل الآخر؛ # ولما كان أحدهما معجزا فالثاني معجز لا محالة. # وما ثبت لصاحب الأول يثبت بالطبع لصاحب الثاني. # وما دمنا نعرف أن صاحب الكتاب الثاني لم تثبت له نبوة # فنبوة صاحب الأول لا تثبت. . . # لعمري إن مثل ms115 هذه الأقيسة التي يحسبها ابن الراوندي # سبيلا من الحجة وبابا من البرهان لهي في حقيقة العلم كأشد هذيان عرفه ~~الأطباء قط؛ وإلا فأين كتاب من كتاب؛ وأين # وضع من وضع؛ وأين قوم من قوم؛ وأين رجل من رجل؛ ولو أن الإعجاز كان في ~~ورق القرآن وفيما يخط عليه، لكان كل كتاب في الأرض ككل كتاب في الأرض ~~ولاطرد ذلك القياس كله # على ما وصفه كما يطرد القياس عينه في قولنا: إن كل حمار يتنفس، وابن ~~الراوندي يتنفس، فابن الراوندي يكون ماذا. . .؟ # ولو أن مثل هذه السخافة تسمى علما تقوم به الحجة فيما يحتج # له ويبطل به البرهان فيما يحتج عليه، لما بقيت في الأرض حقيقة صريحة ولا ~~حق معروف ولا شيء يسمى باسمه، ولكان هذا اللسان المتكلم قد عبدته أمم ~~كثيرة، لأن فيه قوة من قوى الخلق، ولأنك لا تجد سخيفا من سخفاء المتكلمين ~~الذين يعتدون من ذلك علما - كابن الراوندي مثلا - إلا وجدته قد أمعن في ~~سخفه فلا تدري أجعل إلهه هواه، أم جعل إلهه في # فمه. . # وقد قيل إن هذا الرجل عارض القرآن بكتاب سماه (التاج) ولم نقف على شيء ~~منه في كتاب من الكتب، مع أن أبا الفداء نقل في تاريخه أن العلماء قد ~~أجابوا على كل ما قاله من معارضة القرآن وغيرها من (كفرياته) وبينوا وجه ~~فساد ذلك بالحجج البالغة. والذي نظنه أن كتاب ابن # الراوندي إنما هو في الاعتراض على القرآن ومعارضته على هذا الوجه من ~~المناقضة، كما صنع في سائر كتبه؛ كالفريد، والزمردة، وقضيب الذهب، والمرجان ~~فإنها فيما وصفت به ظلمات بعضها # PageV01P126 # فوق بعض، وكلها اعتراض على الشريعة والنبوة بمثل تلك السخافة التي لا ~~يبعث عليها عقل صحيح، ولا يقيم وزنها علم راجح. # وقد ذكر المعري هذه الكتب في (رسالة الغفران) ، ووفى الرجل حسابه عليها، ~~وبصق على كتبه مقدار دلو من السجع! . # وناهيك من سجع المعري الذي يلعن باللفظ قبل أن يلعن بالمعنى! . # ومما قاله في " التاج "، وأما تاجه فلا يصلح أن يكون فعلا. ms116 . . وهل تاجه ~~إلا كما قالت الكاهنة: أف وتف وجورب وخف. # قيل: وما جورب وخف؟ قالت: واديان بجهنم! # وهذا يشير إلى أن الكتاب كذب واختلاق وصرف لحقائق الكلام كما فعلت ~~الكاهنة؛ وإلا - فلو كانت معارضته لنقض التحدي وقد زعم أنه جاء بمثله لما ~~خلت كتب التاريخ والأدب والكلام # من الإشارة إلى بعض كلامه في المعارضة، كما أصبنا من ذلك لغيره. # (8) وشاعر الإسلام أبو الطيب المتنبي المتوفى قتيلا سنة 354 ه # فقد ادعى النبوة في حدثان أمره، وكان ذلك في بادية السماوة (بين الكوفة ~~والشام) ، وتبعه خلق كثير من بني كلب وغيرهم، # وكان يمخرق على الناس بأشياء وصف المعري بعضها في (رسالة الغفران) ، وقيل ~~إنه تلا على البوادي كلاما زعم أنه قرآنا أنزل عليه يحكمون منه سورا كثيرة، ~~قال علي بن حامد: نسخت واحدة منها فضاعت مني وبقي في حفظي من أولها: " ~~والنجم السيار، والفلك الدوار، والليل # PageV01P127 # والنهار، إن الكافر لفي أخطار. امض على سنتك، واقف أثر من قبلك من ~~المرسلين؛ فإن الله قامع بك زيغ من ألحد في دينه، وضل عن سبيل ". # ونحن لا نمنع أن يكون للرجل شيء من هذا ومثله، وإن لم يكن في طبقة شعره ~~ولا في وزن ما يؤثر عنه من فصول النثر، كقوله وقد كتب به إلى صديق له في ~~مصر كان يغشاه في علته حين مرض، فلما أبل انقطع عنه فكتب إليه: " وصلتني - ~~وصلك الله - معتلا؛ وقطعتني مبلا؛ فإن # رأيت أن لا تحبب العلة إلي ولا تكدر الصحة على، فعلت إن شاء الله " # فإن هذا وشبهه إنما هو بعض شعره منثورا، وهي المعاني التي تقع في خواطر ~~الشعراء قبل النظم، وما من شاعر بليغ إلا # هو يحسن أن يقول هذا وأحسن منه، وإن كان فيما وراء ذلك من صناعة الترسل ~~ودواوين الكتابة لا يغني قليلا ولا كثيرا. # ولم يكن المتنبي كاتبا، ولا بصيرا بأساليب الكتابة وصناعتها ووجوهها، ولا ~~هو عربي قح من فصحاء البادية، وإن كان في حفظ اللغة ما هو؛ فليس يمنع سقوط ~~ذلك ms117 الكلام الذي نسب إليه # من أن تكون نسبته إليه صحيحة لأنه لو أراده في معارضة القرآن ما جاء ~~بابلغ منه؛ وما المتنبي بأفصح عربية من العنسي ولا مسيلمة، وقد كان في قوم ~~أجلاف من أهل البادية، اجتمعت لهم رخاوة الطباع، واضطراب الألسنة، فلا ~~تعرفهم من صميم الفصحاء بطبيعة أرضهما ولا تعرفهم # في زمن الفصاحة الخالصة، لأنهم في القرن الرابع، وإذا كانت حماقات مسيلمة ~~قد جازت على أهل اليمامة والقرآن لم يزل غضا طريا ونور الوحي مشرق على ~~الأرض بعد، فكيف بالمتنبي في بادية السماوة وقويم من بني كلب! وهل عرف ~~الناس نبيا بغير وحي ولا قرآن؛ # (9) وأبو العلاء المعري المتوفى سنة 449 ه، فقد زعم بعضهم أنه عارض ~~القرآن بكتاب سماه (الفصول والغايات، في مجاراة السور والآيات) وأنه قيل ~~له: ما هذا إلا جيد، غير أنه ليس عليه طلاوة القرآن! فقال: حتى تصقله ~~الألسن في المحاريب أربعمائة سنة، وعند ذلك انظروا # كيف يكون. . . # وقيل: إن من كتابه هذا قوله: " أقسم بخالق الخيل، والريح الهابة بليل، ~~بين الشرط مطلع سهيل، إن الكافر لطويل الويل وإن العمر لمكفوف الذيل؛ تعذ ~~مدارج السيل؛ وطالع التوبة من قبيل، تنج وما إخالك بناج ". # فلفظة (ناج) هي الغاية، وما قبلها فصل مسجوع، فيبتدئ بالفصل ثم ينتهي إلى ~~الغاية، # وهذا كما ترى عكس الفواصل في القرآن الكريم، لأنها تأتي خواتم لآياته، ~~فكأن المعارضة نقض للوضع ومجاراة للموضوع، وكأنها صنعة وطبع. # PageV01P128 # وتلك لا ريب فرية على المعري أراده بها عدو حاذق، لأن الرجل أبصر بنفسه ~~وبطبقة الكلام الذي يعارضه، وما نراه إلا أعرف الناس باضطراب أسلوبه ~~والتواء مذهبه، وأن البلاغة لا تكون مراغمة للغة، واغتصابا لألفاظها، ~~وتوطينا لغرائبها كما يصنع؛ وأن الفصاحة شيء غير صلابة # الحنجرة، وإفاضة الإملاء، ودفع الكلمة في قفا الكلمة حتى يخرج الأسلوب ~~متعثرا يسقط بعضه في جهة وينهض بعضه في جهة، ويستقيم من ناحية ويلتوي من ~~ناحية؛ وأنه عسى أن لا يكون في # اضطراب النسق وتوعر اللفظ واستهلاك المعنى فساد المذهب الكتابي وضعف ~~الطريقة ms118 البيانية شر من هذا كله، وما أسلوب المعري إلا من هذا كله. # على أن المعري - رحمه الله - قد أثبت إعجاز القرآن فيما أنكر من رسالته ~~على ابن الراوندي، # فقال: " وأجمع ملحد ومهتدي، وناكب عن المحجة ومقتدي. # أن هذا الكتاب الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - كتاب بهر ~~بالإعجاز، ولقي عدوه بالإرجاز، ما حذي على مثال، ولا أشبه غريب # الأمثال، ما هو من القصيد الموزون، ولا في الرجز من سهل وحزون، ولا شاكل ~~خطابة العرب ولا سجع الكهنة ذوي الأرب. . . وإن الآية منه أو بعض الآية ~~لتعترض في أفصح كلم يقدر عليه # المخلوقون فتكون فيه كالشهاب المتلألئ في جنح غسق، والزهرة البادية في ~~جدوب ذات نسق " اه. # ولا يعقل أن يكون الرجل قد أسز في نفسه غير ما أبدى من هذا القول ولم ~~يضطره شيء إليه، ولا أعجله أمر عن نفسه ولا كان خلو رسالته منه تضييعا ولا ~~ضعفا، ولا نشك في أنه كان يستسر بهنات مما يضعف اعتقاده ولكن أمر القرآن ~~أمر على حدة؛ فما هو عند البرهان عليه وراء # القبر ولا وراء الطبيعة. # وبعد، فهذا الذي وقفناك عليه هو كل ما صدقوا وكذبوا فيه من خبر المعارضة؛ ~~أما إن القرآن الكريم لا يعارض بمثل فصاحته وتركيبه، وبمثل ما احتواه، ولو ~~اجتمعت الإنس بما يعرفونه، وأمدهم الجن بما لا يعرفونه، وكان بعضهم لبعض ~~ظهيرا فهو ما نبسطه فيما يلي، وذلك # هو الحق الذي لا جمجمة فيه، ولا يستعجم على كل بليغ له بصر بمذاهب العرب ~~في لغتها وحكمة مذاهبها في أساليب هذه اللغة، وقد تفقه بالبحث في ذلك ~~والكشف عن دقائقه، وكان # يجري من هذه الصناعة البيانية على أصل ويرجع فيها إلى طبع. # وإن شعور أبلغ الناس بضعفه عن أسلوب القرآن ليكون على مقدار شعوره من ~~نفسه بقوة الطبع واستفاضة المادة وتمكنه من فنون القول وتقدمه في مذاهب ~~البيان؛ فكلما تناهى في علمه # PageV01P129 # تناهى كذلك في علمه بالعجز وما أهل الأرض جميعا في ذلك إلا كنفس واحدة ~~(ولو ms119 أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت ~~كلمات الله إن الله عزيز حكيم (27) . # *** # PageV01P130 # أسلوب القرآن # وهذا الأسلوب فإنما هو مادة الإعجاز العربي في كلام العرب كله، ليس من ~~ذلك شيء إلا وهو معجز، وليس من هذا شيء يمكن أن يكون معجزا وهو الذي قطع ~~العرب دون المعارضة، # واعتقلهم عن الكلام فيها، وضربهم بالحجة من أنفسهم وتركهم على ذلك ~~يتلكأون. # ثم هو الذي مثل لهم اليأس قائما لا يتصل به الطمع، وصور لهم العجز غالبا ~~لا تنال منه القدرة، فأحرز طباعهم في ناحية من الضعف والاستكانة، حتى كأنها ~~غير طباعهم في تثلمها بعد انتضائها # وتراجعها بعد مضائها، وقد كانوا يتساجلون الكلام ويتقارضون الشعر ~~ويتناقضون في أغراضه ومعانيه، حين لم يكن من الفرق عند فصحائهم بين فن وفن ~~من القول إلا ما يكون من تفاوت # المعاني واختلاف الأغراض وسعة التصرف، وكان أسلوب الكلام قبيلا واحدا ~~وجنسا معروفا، # ليس إلا الحر من المنطق والجزل من الخطاب، وإلا اطراد النسق وتوثيق السرد ~~وفصاحة العبارة وحسن ائتلافها، لا يغتصبون لفظة، ولا يطردون كلمة، ولا ~~يتكلفون لتركيب، ولا يتلومون # على صنعة، وإنما تؤاتيهم الفطرة وتمدهم الطبيعة؛ فنسق الألفاظ إلى ~~ألسنتهم، وتتوارد على خواطرهم، وتجري مع أوهامهم، وتستجيب فيهم لكل حركة من ~~النفس لفظة المعنى الذي هو # أصل هذه الحركة، ثم لا تكون هذه اللفظة إلا كأنها خلقت لذلك المعنى خلقا، ~~وأفرغت عليه إفراغا، حتى لا يناسبه غيرها فيما يلتئم على لسان المتكلم، ولا ~~يكون في موضعها أليق منها في مذهبه ولحن قومه وطريقة لغته. # فلما ورد عليهم ### | أسلوب القرآن # رأوا ألفاظهم باعيانها متساوقة فيما ألفوه من طرق الخطاب وألوان المنطق. # ليس في ذلك إعنات ولا معاياة، غير أنهم ورد عليهم من طرق نظمه، ووجوه ~~تركيبه، ونسق حروفه في كلماتها، وكلماته في جملها، ونسق هذه الجمل في جملته ~~- ما أذهلهم عن أنفسهم، من هيبة رائعة وروعة مخوفة، وخوف تقشعر منه الجلود؛ ~~حتى أحسوا بضعف # الفطرة القوية، وتخلف الملكة المستحكمة؛ ورأى ms120 بلغاؤهم أنه جنس من الكلام ~~غير ما هم فيه، # وأن هذا التركيب هو روح الفطرة اللغوية فيهم، وأنه لا سبيل إلى صرفه عن ~~نفس أحد العرب أو اعتراض مساغه إلى هذه النفس، إذ هو وجه الكمال اللغوي ~~الذي عرف أرواحهم واطلع على # قلوبهم، بل هو السر الذي يفشي بينهم نفسه، وإن كتموه، ويظهر على ألسنتهم ~~ويتبين في وجوههم وينتهي إلى حيث ينتهي الشعور والحس، فليس للخلابة أو ~~المؤاربة وجة في نقض تأثيره # وإزالته عن موضعه، ومن استقبل ذلك بكلامه أو أراده بأي حيلة، فقد استقبل ~~رد النفوس عن أهوائها، وردع القلوب عن محبتها، وحاول معارضه أقوى ما في ~~النفس بأضعف ما فيها؛ وهذا # PageV01P131 # شيء - فيما يعرفونه - لا يستقيم لامرئ من الناس ببيان ولا عصبية ولا هوى ~~ولا شيء من هذه الفروع النفسية، وليس إلا أن ينقض الفطرة فيستقيم له، وما ~~في نقض هذه الفطرة إلا أن يبدأ # الخلق فيكون إلها، وهذا كما ترى فوق أن يسمى أو يعقل. # وقد استيقن بلغاء العرب كل ذلك فاستيأسوا من حق المعارضة، إذ وجدوا من ~~القرآن ما يغمر القوة ويحيل الطبع ويخاذل النفس مصادمة لا حيلة ولا خدعة، ~~وإنما سبيل المعارضة الممكنة التي يطمع فيها أن يكون لصاحبها جهة من جهات ~~الكلام لم تؤخذ عليه، وفن من فنون المعنى لم # يستوف قبله، وباب من أبواب الصنعة لم يصفق من دونه، وأن تكون وجوه البيان ~~له معرضة يأخذ في هذا ويعدل عن ذلك؛ حتى يستطيع أن يعارض الحسنة بالحسنة، ~~ويضع الكلمة بإزاء الكلمة، # ويقابل الجملة بالجملة، ثم يصير الأمر بعد ذلك إلى مقدار التأثير الذي ~~يكون لكلامه، وإلى مبلغه في نفوس القوم؛ من تأثير الكلام الذي يعارضه. # ومذهب الحيلة على التأثير مذهب واسع لا يضيق بالبلغاء كلهم إذا هم ~~تكافاوا في الصناعة والبصر بأسبابها؛ لأن كل واحد منهم ينتحي بكلامه جهة من ~~جهات النفس، ويأخذ في سبيل من # طباعها وعاداتها، وهو لا بد واحد في كلام غيره موضع فترة من الطبع أو ~~غفلبة من النفس، ms121 أو أثرا من الاستكراه يبعث عليه باعث من أمور كثيرة تعتري ~~البلغاء في صناعتهم، فيضطرب لها بعض # كلامهم، ويضعف بعض معانيهم، ويقع التفاوت في الأسلوب الواحد ضعفا وقوة. ~~فإذا هو أصاب ذلك فعسى أن يقابله من نفسه بطبع قوي ونفس مجتمعة، ووزن راجح، ~~أو شيء من أشباهها، # فيكون قد ظفر بمدخل يسلك منه إلى المعارضة، ويظهر به فضل كلام على كلام، ~~ومقدار طبع من طبع، وقوة نفس من نفس، ولولا ذلك وأنه من طباع البلغاء؛ ومما ~~لا يسلم منه ذو طبع، لما أمكن أن يتناقض شاعران أو يتساجل راجزان، أو ~~يتراسل كاتبان، أو يتقارض خطيبان، أو يواجه # كلام كلاما في معرض المقابلة، أو يرجح به في ميزان المعادلة. # فأما أن يكون الكلام الذي يقصد إليه بالمعارضة كهذا القرآن: أحكم دقيقه ~~وجليله، وامتنع كثيره وقليله، وأخذ منافذ الصنعة كلها، واستبرأ المعنى الذي ~~هو فيه إلى غايته، وقطع على صاحبه # أمر الخيار في الوجه الذي يعارض منه، وكان من وراء ذلك بابا واحدا في ~~امتناعه، لا موضع فيه للتصفح، ولا مغمز للثقاف، ولا مورد للمقالة؛ وقد ~~توثقت علائقه، وترادفت حقائقه، وتواردت # على ذلك دقائقه: ثم كانت جملته قد أحرزت عناصر الفطرة البيانية وجمعت ~~فنونها، واحتوت من الكمال الفني ما كان إحساسا صرفا في نفوس أهله، يشعرون ~~به وجدانا، ولا يقدرون على إظهاره # بيانا - فلذلك مما لا سبيل للنفس إلى المكابرة في بحال من الأحوال، أو ~~ابتغائه بالمعارضة ومطاولته بالقدرة على مثله، إذ هو بطبيعته المعجزة لا ~~ترى فيه النفس إلا مثالا للعلم تعرف به مقدار ما انتهت إليه من إحكام ~~العمل. # وهذا هو سبيل آثار النوابغ الملهمين الذين انفرد كل منهم بحيزه من الفن؛ ~~فإن المعجز من هذه الآثار - إذا بلغ أن يتجوز في العبارة عنه بهذا الوصف - ~~لا يكون إعجازه إلا على قدر ما # PageV01P132 # يحتوي من كمال الفطرة الفنية، فتتمثل أنت منه ما كان في النفس إحساسا ~~صنرفا، وأملا محضا، ثم يتصفحه من يريد معارضته فيراه بعينه ماثلا مصورا حتى ~~لا ms122 يشك في إمكأنه ومطاوعته، ويبتغيه # حين يبتغيه فإذا هو قد عاد في نفسه إحساسا وأملا لا سبيل عليهما للقدرة ~~الفنية. # وهذا هو معنى العجز، وذلك هو معنى الإعجاز، ولا يزال يتفق منه في أعمال ~~الناس على حساب ما يكون من اختلاف درجاتهم ومبلغ طاقتهم؛ وما من ذي فن نابغ ~~إلا وأنت واجد حسن # عمله دون أمله هو في هذا الحسن، ودون إحساسه بهذا الأمل؛ حتى إنك لتعجب ~~بما ظهر من قدرته الفنية في عمل الذي تراه أحسن شيء، على حين أنه لا يعجب ~~إلا بالأصل الكامل الذي # توهمه في نفسه، ووجد بيانه في خاطره، والذي لم يستطع أن يخرجه كاملا، لأن ~~من طبيعة الإحساس أن يظهر فيه كمال النفس ما دام في النفس، فإذا هو انقلب ~~في الحواس عملا ظهر فيه نقص الحواس! . # ولما كان مرجع تقدير الكلام في بلاغته وفصاحته إلى الإحساس وحده - وخاصة ~~في أولئك العرب الذين من أين تأملتهم ورأيتهم كأنما خلقوا خلقا لغويا، وكان ~~القرآن الكريم قد جمع في # أسلوبه أرقى ما تحس به الفطرة اللغوية من أوضاع البيان ومذاهب النفس إليه ~~- فقد أحسوا بعجزهم عما امتنع مما قبله، وكان كل امرئ منهم كأنما يحمل في ~~قرارة نفسه برهان الإعجاز، وإن حمل كل إفك وزور على طرف لسانه! # ولهذا انقطعوا عن المعارضة، مع تحديهم إليها على طول المدة وانفساح الأمر ~~وعلى كثرة التقريع، والتأنيب، وعلى تصغير شأنهم وتحقيرهم، وذلك بالنزول عن ~~التحدي بمثل القرآن كله، # إلى عشر سور مثله، إلى عشر مفتريات لا حقيقة فيها، إلى سورة واحدة من ~~مثله، ولو هم أرادوا هذه السورة الواحدة ما استطاعوها، لأن إحساسهم منصرف ~~إلى أصل الكمال اللغوي في القرآن، # مستغرق فيه، فلا يرون المعارضة تكون إلا على هذا الأصل، أو تتحقق إلا به: ~~وهو شيء لا تناله القدرة، ولا تيسره القوة؛ لأنه على ظهوره في أسلوب ~~القرآن، باطن في أنفسهم، تقف عليه # المعرفة ولا تبلغه الصفة: كالروائح والطعوم والألوان وما إليها. # PageV01P133 # فلو ذهبوا إلى معارضة السورة القصيرة على ms123 قلة كلماتها، وعلى أنها نفس ~~واحدة وجملة متميزة، لضاق بهم الأمر بمقدار ما يظن الجاهل أنه يسعهم؛ فإن ~~ذلك الإحساس لا يزايلهم ولا يبرح يورد عليهم محاسن ذلك الأسلوب جملة. # ويغمرهم بها ضربة واحدة تنثال من ههنا وههنا؛ # فلا يكون إلا أن يقفوا متلددين وقد حاروا في أي جهة يأخذون، وأي جانب ~~يتوجهون إليه، ولا يكون من همهم تعرف ذلك دون تحقيقه، ولا تحقيقه دون ~~الإتيان به، ولا المجيء به دون أن يساوي ذلك الأصل الذي في أنفسهم، ولا هذه ~~المساواة دون أن تذهب السورة التي يجيئون بها # بكل ما وقر في أنفس العرب الفصحاء واستولى على إحساسهم من بلاغة القرآن ~~وفصاحة نظمه، # وذلك أمر بعضه أشد من بعض وأبلغ في الاستحالة. # فإن وجد منهم سفيه كمسيلمة، يحمله جنون العظمة وحب الغلبة والتحمد في ~~الناس، ثم كدر الفطرة وغلظ الإحساس في نفوس أتباعه - على أن يتعقب السورة ~~أو بعض السورة بالمعارضة، لا يبالي موقع كلامه، وعلى أي جنبيه كان مصرعه؛ ~~فلن يكون له مذهب إلا مقابلة # الكلمة بالكلمة والوزن بالوزن كما قال في معارضته: # (إنا أعطيناك الكوثر (1) فصل لربك وانحر (2) . # فقد قال: إنا أعطيناك الجماهر؛ فصل لربك وجاهر. .، إلى آخر ما حكوا من ~~سخافاته وحماقاته التي التمس منها الحجة له فكانت فيها الحجة عليه، وأراد ~~أن يستطيل بها فتركته مثلا في الحماقة والسخرية؛ وسنكشف بعد عن سبب هذا ~~الخطل في كلام مسيلمة. # لا جرم كان من الرأي الفائل والمذهب الباطل قول أولئك الذين زعموا أن ~~الإعجاز كان بالصرفة، على ما عرفت من معناها؛ وما دعاهم إلى القول بها إلا ~~عجبهم كيف لم يأتي للعرب أن # يعارضوا السورة القصيرة والآيات القليلة مع هذا التحدي ومع هذا التقريع، ~~وهم اللد الخصمون، # والكلام سيد عملهم ولهم فيه المواقف والمقامات، بيد أن أولئك لو كان لهم ~~إحساس العرب أو لم يأخذوا الأمر على ظاهره وردوه إلى أسبابه في الفطرة ~~لرأوا أن معنى العجز هو في الكثير والقليل فإن # التحدي بالسورة الواحدة طويلة أو قصيرة، ms124 لم يكن في أول آية نزلت من ~~القرآن. . . كان بعد سور كثيرة منه، وبعد أن ذهبت في العرب كل مذهب؛ وهو ~~أمر غريب في استلاب حس القوم والتأتي إلى تعجيزهم، فإن أعجبك شيء من سياسة ~~البيان المعجزة واشتقاق المستحيل من الممكن؛ فذلك # فليعجبك. # وههنا معنى دقيق في التحدي، ما نظن العرب إلا وقد بلغوا منه عجبا: وهو ~~التكرار الذي يجيء في بعض آيات القرآن، فتختلف في طرق الأداء وأصل المعنى ~~واحد في العبارات المختلفة، # كالذي يكون في بعض قصصه لتوكيد الزجر والوعيد وبسط الموعظة وتثبيت الحجة ~~ونحوها، أو في بعض عباراته لتحقيق النعمة وترديد المنة والتذكير بالنعم ~~واقتضاء شكره، إلى ما يكون هذا الباب؛ وهو مذهب للعرب معروف، ولكنهم لا ~~يذهبون إليه إلا في ضروب من خطابهم: للتهويل # PageV01P134 # والتوكيد، والتخويف والتفجع وما يجري مجراها من الأمور العظيمة؛ وكل ذلك ~~مأثور عنهم منصوص عليه في كثير من كتب الأدب والبلاغة. # بيد أن وروده القرآن مما حقق للعرب عجزهم بالفطرة عن معارضته وأنهم يخفون ~~عنه لقوة غريبة فيه لم يكونوا يعرفونها إلا توهما، ولضعف غريب في أنفسهم لم ~~يعرفوه إلا بهذه القوة، لأن المعنى الواحد يتردد في أسلوبه بصورتين أو صور ~~كل منها غير الأخرى وجها أو عبارة، وهم على ذلك عاجزون عن الصورة الواحدة، ~~ومستمرون على العجز لا يطيقون ولا ينطقون. # فهذا لعمرك أبلغ في الإعجاز وأشد عليهم في التحدي؛ إذ هو دليل على ~~مجاوزتهم مقدار العجز النفسي الذي قد تمكن معه الاستطاعة أو تتهيأ المعاريض ~~حينا بعد حين، إلى العجز الفطري الذي لا يتأول فيه المتأول ولا يعتذر منه ~~المعتذرون ولا يجري الأمر فيه على المسامحة. # وقد خفي هذا المعنى (التكرار) على بعض الملحدة وأشباههم ومن لا نفاذ لهم ~~في أسرار العربية ومقاصد الخطاب والتأتي بالسياسة البيانية إلى هذه ~~المقاصد، فزعموا به المزاعم السخيفة # وأحالوه إلى النقص والوهن، وقالوا إن هذا التكرار ضعف وضيق من قوة وسعة، ~~وهو - أخزاهم الله - كان أروع وأبلغ وأسرى عن الفصحاء من أهل اللغة ~~والمتصرفين ms125 فيها، ولو أعجزهم أن يجيئوا # بمثله ما أعجزهم أن يعيبوه لو كان عيبا! # وفي بعض ذلك التكرار معنى آخر فطن إليه بعض علمائنا ولم يكشف لهم عن سره، ~~وأول من نئه عليه الجاحظ في كتاب (الحيوان) إذ قال: " ورأينا الله تبارك ~~وتعالى إذا خاطب العرب والأعراب، أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي والحذف، ~~وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى # عنهم جعله مبسوطا وزاد في الكلام " أي كان ذلك مبالغة في إفهامهم وتوسع ~~في تصوير المعاني لهم وتلوينها بالألفاظ، إيجازا في موضع وإطنابا في موضع ~~إذ كانوا قوما لا سليقة لهم كالعرب # وليسوا في حكمهم من البيان، فلا يمضي كلامه لسننه بلا اعتراض من تنافر ~~التركيب وثقل # الحروف وجفاء الطبيعة اللغوية، فلهذا ونحوه كان لا بد في خطابهم من ~~التكرار والبسط والشرح، # بخلاف العرب، فإن الخطاب يقع إليهم على سنن كلامهم من الحذف، والقصد إلى ~~الحجة، والاكتفاء باللمحة الدالة، وبالإشارة الموحى بها، وبالكلمات ~~المتوسمة، وما يجري هذا المجرى، # وهو قول صحيح في الجملة بيد أنهم أخطاوا وجه الحكمة فيه؛ إن اليهود لم ~~يكونوا من الغلظة # PageV01P135 # والجفاء والاستكراه بحيث وصفوهم، أو بحيث يجوز ذلك في صفتهم، وإن فيهم ~~لمتكلمين، وإن منهم لشعراء والخطاب في القرآن كان يسمعه العرب واليهود ~~جميعا، فلا هؤلاء ينكرون من أمره ولا أولئك. # ونحن فما ندري كيف نبلغ صفة هذا الوجه المعجز الذي غاب عن العرب ولم ~~يدركه إلا المقصودون به، وهم الذين وصفوهم بتأخر المعرفة وبلادة الذهن، وهم ~~أحبار اليهود ورؤساؤهم # وأهل العلم فيهم، وما يمكن أن يهتدي إلى هذا الوجه بليغ عربي من بلغاء ~~ذلك العهد إلا بوحي وتوفيق من الله، فإنه في الحقيقة سر من أسرار الأدب ~~العبراني، جرى القرآن عليه في أكثر # خطابهم خاصة ليعلموا أنه وضع غير إنساني، وليحسوا معنى من معاني إعجازه ~~فيما هم بسبيله، كما أحس العرب فيما هو من أمرهم؛ إذ كان أبلغ البلاغة في ~~الشعر العبراني القديم أن تجتمع له: رشاقة العبارة، وحسن المعرض، ووضوح ~~اللفظ، وفصاحة التركيب، وإبانة المعنى، ms126 وتكرار # الكلام لكل ما يفيده التكرار وتوكيدا ومبالغة وإبانة وتحقيقا ونحوها، ثم ~~استعمال الترادف في اللفظ والمعنى، ومقابلة الأضداد وغيرها، مما هو في نفسه ~~تكراز آخر للمحسنات اللفظية، # وتحسين للتكرار المعنوي. # وإنا لنظن أن تهمة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه شاعر لم تكن ابتداء ~~إلا من قبل بعض اليهود. # ثم تعلق بها بعض العرب مكابرة، فإنهم ليعرفون أن القرآن ليس بشعر من ~~شعرهم، ولا هو في أوزانه، وأعاريضه وفنونه وطرقه ولكنهم تجوزوا إلى ذلك ~~ببراعة العبارة، وسمو التركيب، وتصوير # الإحساس اللغوي بألوان من المجاز والاستعارة والكناية وغيرها مما يكون ~~القليل من جيده خاصا بالفحل من شعرائهم. ويكون مع ذلك حقيقة الإحساس اللغوي ~~في شعره، وأين هذا الوجه البعيد # الذي لا يستقيم في الرأي إلا بعد التمحل له، والتجوز فيه من قولهم إنه ~~(شاعر) ؛ ولفظ الشاعر عندهم متعين المعنى متحقق الدلالة ليس فيه لبس ولا ~~إبهام ولا تجوز؛ # على أن كلامنا آنفا في عجز العرب عن معارضة السورة القصيرة من القرآن، ~~وعدم تأتيهم # PageV01P136 # لذلك بالسبب الذي بيناه، لا يؤخذ من أن غير العرب المحدثين والمولدين ~~وسائر من يكونون عربا في اللسان دون الفطرة، يستطيعون ما لم يأت لأولئك؛ إذ ~~كانوا دونهم، ليس لهم إحساس لغوي # تستبد به روعة الكلام وتصرفه بالكثير عن القليل لتمثل الأصل اللغوي الذي ~~ينبغي أن يكون عليه الوضع والبناء، والذي هو في نفسه حقيقة الإعجاز لأنه سر ~~التركيب والنظم. # فيقال من ذلك إن المولدين ومن في حكمهم تتهيأ لهم معارضة السور القصار ~~والآيات القليلة، ويتأتون إلى ذلك # بالصنعة وما ألفوه من إحكام الرصف وإدماج الكلام والتغلغل في طرائق ~~الإنشاء والتوفر على تحسين بهجته وتزيين ديباجته، فإنهم مع هذه الوسائل ~~كلها أبعد من العرب في أسباب العجز، # وأدنى إلى التقصير، وأقرب إلى الهجنة إذا هم تعاطوه؛ لأن أحدهم إذا قابل ~~كلمات الآية أو السورة أو معانيها، فإنه لا يعدو حالة من حالتين: # إما أن يتعلق على الألفاظ وأوزان الكلام في اللسان ويمضي في مثل نظم ~~القرآن، فينظر ms127 في الحرف بين الحرفين ملاءمة واحتباكا، وفي الكلمة بين ~~الكلمتين تناسبا واطرادا، وفي الجملة إزاء # الجملة وضعا وتعليقا، ويمر ذلك حتى يخرج من السورة، وهذه أسوأ الحالين ~~أثرا عليه وأشدها إزراء به وأبلغها فصيحة له، لأنها تنادي على كلامه ~~بالصنعة، وتدل في مقاطعه على مواضع الكلام # والفتور، وتومئ في نظامه إلى عثرات الطبع إذ يعمل على السخرة ويأخذ ~~بالمحاكاة دون أن يذهب في البيان على سجيته، ويمضي في أسلوبه الذي يتعلق ~~بمزاجه وأحواله النفسية. # وهذا مع ضيق الكلمات القليلة أن تسع شيئا من المحسنات أو تستوفي وجها من ~~وجوهها، ومع أن المقابلة بين الأصل والمعارضة ستؤدي إلى البحث في سر النظم ~~وطريقة التأليف من الجملة إلى # الكلمة إلى الحرف، وهو مذهب استبد به نظم القرآن - كما ستعرفه - حتى كأنه ~~استوفى من اللغة كل ما يمكن أن يتهيأ منه؛ فإما ألفاظه بأعيانها وأجراس ~~حروفها إذا أريد مثل نظمه، # وإما الخروج بالكلام إلى نظم آخر في طريقة غير طريقته؛ وذلك من أعجب ما ~~فيه حتى ما يقضي منه البليغ عجبا. # ومهما أراغ الإنسان وجه التخلص إلى معارضته بمثل نظمه فإنه يرى نفسه ~~بإزاء ألفاظه من أين دار وكيف انقلب، ولا تنصرف هذه الألفاظ عنه إلا أن ~~يزيغ طريقة أخرى من الكلام فتتلقاه اللغة بألفاظها وتراكيبها من كل جهة حتى ~~يسعها وتسعه. # فهذه هي إحدى الحالتين؛ والأخرى أن يكون من يريد معارضة السورة القصيرة ~~قد ذهب مذهبا لا يتقيد فيه بنظم القرآن ولا بأسلوبه، وإنما همه في المعارضة ~~أن يجود ويبين اللفظ ويجزل قسطه من الصناعة، وأن يتولى الكلام بالروية ~~والنظر حتى يخرج مشرق الوجه مصقول العارض # دقيق الصنعة بالغ التركيب، وهذه حالة تنتهي إلى عكسها، لأن مثل ذلك لا ~~يتأتى من أساليب البلغاء في الألفاظ الموجزة والعبارة القصيرة، إلا أن تكون ~~مثلا مضروبا، أو حكمة مرسلة، أو # PageV01P137 # نحو ذلك مما يقضر بطبيعته في الدلالة وتستوفي القصة أو الحالة المقرونة ~~به شرح معناه ويكون هو روح هذا المعنى؛ فإنه ما من حكمة أو ms128 مثل أو ما يجري ~~مجراها إلا وأنت واجد لكل من ذلك قصة قيل فيها، أو حالة قيل عليها؛ ثم لا ~~يقع من نفسك موقحا يهز ويعجب حتى تكون القصة أو # الحالة أو ما تفهمه منهما قد سبقته إلى نفسك، أو صارت معه إلى ذلك الموضع ~~منها، فإن أنت وقفت على حكمة لا تعرف وجهها، أو سمعت مثلا لم يقع إليك ~~مساقه، أو لا تكون معه قرينة # تفسره، فقلما ترى من أحدهما إلا كلاما مقتضبا أو عبارة مبهمة. # تخرج مخرج اللغز والمعاياة، # واحتاج على كل حال إلى رويية تتنزل منه منزلة ذلك الشرح الذي يعطيه مساق ~~القصة أو صفة الحالة، وانظر أين هذا من أغراض السور والآيات الكريمة؟!! # فأنت ترى أن معارضة السور القصار أشد على المولدين ومن في حكمهم من إرادة # PageV01P138 # الطوال بالمعارضة، وإن أرادوا مثل النظم أو لم يريدوه، على أن المعارضة ~~لا تكون شيئا يسمى، ما لم تكن بمثل النظم والأسلوب؛ أما النظم فقد علمت وجه ~~استحالته، وأما الأسلوب فستعلم # وجه الأمر فيه. . . # وهذه الطوال، فكل آية منها في الاستحالة على المعارضة تقوم بما في السور ~~القصار كلها، لتحقيق وجه النظم وأسرار التركيب واستفاضة ذلك وترادفها بما ~~هو مقطعة للأمل، ومن تعلق الآية بما قبلها، وتسببها لما بعدها؛ وظهورها في ~~جملة النسق، فأين يجول الرأي في هذا كله ومن أين يستطرد؟ # وسبيل نظم القرآن في إعجازه سبيل هذه المعجزات المادية التي تجيء بها ~~الصناعات، # وكثيرة ما هي، إلا في شيء واحد وهو في القرآن سر الإعجاز إلى الأبد، وذلك ~~أن معجزات الصناعة إنما هي مركبات قائمة من مفردات مادية، متى وقف امرؤ من ~~الناس على سر تركيبها # ووجه صنعتها فقد بطل إعجازها بخلاف الكلام الذي هو صور فكرية لا بد من ~~أوضاعها من التفاوت على حسب ما يكون من اختلاف الأمزجة والطباع وآثار ~~العصور - ولا تجزئ فيها الصناعة وآلاتها - من صفاء الطبع ودقة الحسق وسلامة ~~الذوق ونحوها مما يرجع أكثره إلى الفطرة # النفسية في أي مظاهرها. # فالمعجز من ms129 هذه الصور الفكرية بإحدى الخصائص كنظم القرآن معجز إلى الأبد، ~~متى ذهب أهل هذه الخصوصية التي كان بها الإعجاز، كالعرب أصحاب الفطرة ~~اللغوية والحس البياني الذين # صرفوا اللغة وشققوا أبنيتها وهذبوا حواشيها وجمعوا أطرافها واستنبطوا ~~محاسنها، وكانوا يستفلون ذلك من أسرار الطبيعة في أنفسهم، وأسرار أنفسهم في ~~الطبيعة؛ ثم ذهبوا وبقيت اللغة في أصولها # وأبنيتها وطرق وضعها ومحاسن تأليفها على ما تركوها. وإن العصر الطويل من ~~عصورها ليدبر عنها كما يموت الرجل الواحد من كتابها أو شعرائها ليس لأحدهما ~~من الأثر في تلك الخصائص أكثر # مما للآخر، على تفاوت ما بين العصر الطويل بحوادثه وأهله، وبين الرجل ~~الفرد في خاتمة نفسه. # وذلك لأن الفطرة التي كانت تصرفها قد ذهبت، وانقطعت من الزمن أسباب ~~الطبيعة، فليس يمكن أن تعود أو تتفق، إلا إذا استدار الزمن كيوم خلق الله ~~السموات والأرض، وعاد التاريخ # الإنساني من أوله، أو بعث أولئك العرب أنفسهم نشأة أخرى، بأيامهم ~~وعاداتهم وأخلاقهم وسائر ما كان لهم من أسباب الفطرة. # وإذا وقع هذا الأمر كله ولم يعد في الفرض من مستحيل، فكل ما # هنالك أن إعجاز القرآن الكريم لا ينتهي من الأبد ولكنه يبتدئ في أولئك ~~العرب مرة أخرى إلى الأبد. . # وفي القرآن مظهر غريب لإعجازه المستمر، لا يحتاج في تعرفه إلى روية ولا ~~إعنات، وما هو إلا أن يراه من اعترض شيئا من أساليب الناس حتى يقع في نفسه ~~معنى إعجازه؛ لأنه أمر يغلب على الطبع وينفرد به فيبين عن نفسه بنفسه، ~~كالصوت المطرب البالغ في التطريب: لا يحتاج امرؤ # PageV01P139 # في معرفته وتمييزه إلى أكثر من سماعه. # ذلك هو وجه تركيبه، أو هو أسلوبه، فإنه مباين بنفسه لكل ما عرف من أساليب ~~البلغاء في ترتيب خطابهم وتنزيل كلامهم، وعلى أنه يؤاتي بعضه بعضا، وتناسب ~~كل آية منه كل آية أخرى # في النظم والطريقة، على اختلاف المعاني وتباين الأغراض، سواء في ذلك ما ~~كان مبتدأ به من معانيه وأخباره وما كان متكررا فيه، فكأنه قطعة واحدة، على ~~خلاف ما ms130 أنت واجده في كلام كل # بليغ من التفاوت باختلاف الوجوه التي يصرفه إليها، والعلو في موضع ~~والنزول في موضع، ثم ما يكون من فترة الطبع ومسحة النفس في جهة بعث عليها ~~الملل، أو جهة استؤنف لها النشاط، ثم # ما لا بد منه من الإجادة في بعض الأغراض والتقصير في بعضها، مما يختلف ~~البلغاء في علمه والإحاطة به، أو التأتي له والانطباع عليه؛ وهذا كله معروف ~~متظاهر في الناس لا يمتري فيه أحد. # وليس من شيء في أسلوب القرآن ويغض من موضعه، أو يذهب بطريقته أو يدخله في ~~شبه من كلام الناس، أو يرده إلى طبع معروف من طباع البلغاء، وما من عالم أو ~~بليغ إلا وهو يعرف # ذلك ويعد خروج القرآن من أساليب الناس كافة دليلا على إعجازه، وعلى أنه ~~ليس من كلام إنسان، بيد أننا لم نر أحدا كشف عن سر هذا المعنى، ولا ألم ~~بحقيقته، ولا أوضح الوجه الذي من أجله خالف أسلوب القرآن كل ما عرف من ~~أساليب الناس ولم يشبه واحدا منها، ونحن نوجز # القول فيه لأنه أصل من أصول الكلام في أساليب الإنشاء ولبسطه موضع سيأتيك ~~في بابه إن شاء الله. # فقد ثبت لنا من درس أساليب البلغاء، وترداد النظر في أسباب اختلافها ~~وتصفح وجوه هذا الاختلاف، وتعرف العلل التي أثرت في مباينة بعضها لبعض، من ~~طبيعة البليغ وطبيعة عصره - # أن تركيب الكلام يتبع تركيب المزاج الإنساني، وأن جوهر الاختلاف بين ~~الأساليب الكتابية، في الطريقة التي هي موضع التباين لا في الصنعة ~~كالمحسنات اللفظية ونحوها - إنما هو صورة الفرق # الطبيعي الذي به اختلفت الأمزجة بعضها عن بعض على حسب ما يكون فيها أصلا ~~أو تعديلا؛ كالعصبي البحت، والعصبي الدموي، وغير ذلك مما هو مقرر في الفروع ~~الطبية، حتى كأن الأسلوب في إنشاء كل بليغ متمكن ليس إلا مزاجا طبيا ~~للكلام، وما الكلام إلا صورة فكرية من صاحبه. # وقد أمعنا في هذا الاستنتاج، وقلبنا عليه كل ما نقرؤه من أساليب العربية ~~- وهي معدودة - # ومررنا على ذلك ms131 زمنا، حتى صار لنا أن نستوضح أكثر أوصاف الكاتب من أسلوب ~~كتابته، برد ذلك إلى الأوصاف النفسية التي تكون من تأثير الأمزجة والتي ~~قلما تتخلف في الناس، وبها أشبه بعضهم بعضا، وبها كان التاريخ يعيد نفسه. # وأنت تتبين هذه الحقيقة إذا عرفت أديبا ليمفاوي المزاج مثلا، وأردته على ~~أن يأخذ في # PageV01P140 # أسلوب كأسلوب الجاحظ، وهو من أدق الأساليب العصبية. فإنه لا يصنع شيئا، ~~وإذا نتج له كلام على هذه الطريقة فلا يجيء إلا مضطربا متعثرا مطبقا بأبواب ~~التعسف والتكلف، وكأنه نتاج بين # نوعين متباينين من الخلق؛ ولكن هذا الأديب عينه إذا أخذ في طريقة السجع ~~أو الترصل المتداخل الذي ليس حذرا ولا مساوقة كترسل الجاحظ وأضرابه - فقد ~~لا يتعلق بجيده في ذلك شيء. # ولا يزال بيننا أدباء وعلماء بالبلاغة ووجوه الكلام يعجبون كيف لا يتهيأ ~~لأحدهم أسلوب كأسلوب ابن المقفع أو عبد الحميد أو سهل بن هارون أو الجاحظ، ~~وكيف لا تستقل له طريقة من ذلك على كثرة ما حاولوا من تقليده والأخذ في ~~ناحيته؛ ولا يدرون أنهم يحملون سر إخفاقهم، # وأن أحدهم إذا استطاع تعديل مزاجه على وجه من الوجوه الطبية، ليكون بين ~~مزاجين، فقد يستطيع تعديل أسلوبه على وجه يكون وسطا بين أسلوبين. # وهذا عبد الحميد الكاتب رأس تاريخ الكتابة العربية وواضع طريقتها، فقد ~~أخذ نفسه بحفظ كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرادها ~~على طريقته، ثم جاءت كتابته فنا آخر لم يستحكم اتفاق الأسلوب بينها وبين ما ~~أثر من كلام الإمام علي، وقد قيل إن "نهج البلاغة" # مصنوع، وضعه الشريف الرضي ونجله أمير المؤمنين، والصحيح أن فيه الأصيل ~~والمولد. وربما انفردا وربما تمازجا ونحن نستطيع بطريقتنا أن نزايل بين ما ~~فيه من ذلك، ونبين وضعا من وضع؛ # فإن المزاجين لمختلفان كما يعرف من صفة الإمام علي ومن صفة الشريف. # من ذلك يخلص لنا أن القرآن الكريم إنما ينفرد بأسلوبه، لأنه ليس وضعا ~~إنسانيأ ألبتة، ولو كان من وضع إنسان لجاء على طريقة تشبه ms132 أسلوبا من أساليب ~~العرب أو من جاء بعدهم إلى هذا العهد، ولا من الاختلاف فيه عند ذلك بد في ~~طريقته ونسقه ومعانيه (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ~~(82) . # ولقد أحس العرب بهذا المعنى واستيقنه بلغاؤهم ولولاه ما أفحموا # ولا انقطعوا من دونه، لأنهم رأوا جنسا من الكلام غير ما تؤديه طباعهم، ~~وكيف لهم في معارضته بطبيعة غير مخلوقة؛ # ولما حاول مسيلمة أن يعارضه جعل يطبع على قالبه، فجاء بشيء لا يشبهه ولا ~~يثبه كلام نفسه، وجنح إلى أقرب ما في الطباع الإنسانية وأقوى ما في أوهام ~~العرب من طرق السجع، فأخطأ الفصاحة من كل جهاتها، وإن الرجل على ذلك لفصيح. # PageV01P141 # وما دامت قوة الخلق ليست في قدرة المخلوق، فليس في قدرة بشر معارضة هذا ~~الأسلوب ما دامت الأرض أرضا، وهذا هو الصريح من معنى قوله تعالى: (قل لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا (88) . # صدق الله العظيم. # وبعد فأنت تعرف أن أفصح الكلام وأبلغه وأسراه وأجمعه لحر اللفظ ونادر ~~المعنى، وأخلقه أن يكون منه الأسلوب الذي يحسم مادة الطبع في معارضته، هو ~~ذلك الذي تريده كلاما فتراه نفسا حية، كأنها تلقي عليك ما تقرؤه ممزوجا ~~بنبرات مختلفة وأصوات تدخل على نفسك - إن كنت # بصيرا بالصناعة متقدما فيها - كل مدخل، ولا تدع فيها إحساسا إلا أثارته، ~~ولا إعجابا إلا استخرجته، فلا يعدو الكلام أن يكون وجها من الخطاب بين نفسك ~~ونفس كاتبه، وتقرؤه وكأنك تسمعه، ثم لا يلج إلى فؤادك حتى تصير كأنك أنت ~~المتكلم به، وكأنه معنى في نفسك ما يبرح # مختلجا ولا ينفك ماثلا من قديم؛ مع أنك لم تعرفه إلا ساعتك، ولم تجهد ~~فيه، ولا اعتملت له؛ # وذلك بما جوده صاحبه، وبما نفث من روحه، وما بالغ في تصفيته وتهذيبه، وما ~~اتسع في تأليفه وتركيبه، حتى خرج مطبوعا من أثر مزاجه وأثر نفسه جميعا ~~فكأنه مادة روحية منه. # وقد رأينا بلغاء هذه الطريقة ms133 في الأساليب العربية، يتوخون إليها في ~~تصاريف الألفاظ؛ وتمكين الأسلوب، وإرهاف الحواشي، واجتناب ما عسى أن تبعث ~~عليه رخاوة الطبع وتسمح النفس، من حشو أو سفساف أو ضعف أو قلق، ثم التوكيف ~~للمعنى بالمترادفات المتباينة في # صورها، ثم الاستعانة بالمعطوفات على النسق، وبالإسجاع على الأسلوب، ~~وبوجوه الصنعة # البيانية على كل ذلك، فلا تقرأ سطرا من كلامهم إلا أصبت ماء ورونقا، ولا ~~تمر فيه حتى يقبل عليك بالصنعة من وجهها المصقول، وحتى يبادرك أنه التنقيح ~~والتهذيب بين الكلمة وأختها، # والجملة وضريبتها وحتى لو كنت ذا بصر بالصناعة، وقد عركتك وعركتها؛ وكنت ~~أملك بصعابها، وأخبر بشعابها - لعرفت فضول الكلام كيف حذفت، وألفاظه كيف ~~نزلت، ومحاسنه # كيف رصعت، ووجهه كيف مسح، وخلقه كيف عصب، ثم لاستطعت أن تعين في أي موضع ~~من الكلام كانت زفرة الضجر من صانعه، وعلى أي كلمة وقفت أنفاس الملل، وعند ~~أي مقطع كانت # فترة الطبع، وأين ضاق وأين اتسع، وإن كان هذا الكلام الذي نحن في صفته ~~كله يعد نسقا واحدا وصنعة مفرغة، يعلم ذلك من يعلمه ويجهله من يجهله. # PageV01P142 # فانظر، هل تحس شيئا من كل ما تقدم أو من شبه ما تقدم في أسلوب القرآن ~~الكريم؛ وهل ترى فيه من الغرابة التي يكسوها البلغاء كلامهم في تجويد رصفه ~~وحبكه، إلا أن غرابته في كونه # منسجما لا غرابة فيه؛ وهل عندك أغرب من هذه السهولة التي يسيل بها ~~القرآن، وهي في كثير من الكلام وكثير من أغراضه تقتضي الابتذال، وفي القرآن ~~كله على تنوع أغراضه لا تقتضي إلا الإعجاز؟ # وانظر، هل ترى هذه السهولة الغريبة في نفسها مما يمكن أن يحس فيها روح ~~إنساني كسائر الأساليب، أم هي سهولة الأوضاع الإلهية التي يعرفها كل الناس ~~ويعجز عنها الناس كلهم، ثم يعرف العلماء منها غير ما يعرفه الجهال، ثم ~~يمتاز بعض العلماء في المعرفة بها على بعض، # ثم يبقى فيها سر الخلق مع كل ذلك مكتوما لا يعرف، وما هو سر الإعجاز! # وتأمل، هل تصيب في القرآن كله مما ms134 بين الدفتين إلا رهبة ظاهرة لا تمويه ~~في شيء منها، وإلا أثرا من التمكن يصف له منزلة المخلوق من أمر الخالق، ~~وإلا روحا أكبر من أن يكون نفسا إنسانة أو أثرا من آثار هذه النفس، ثم هل ~~تجد في أغراضه إلا ما كان في وضعه مادة لتلك الرهبة # ولذلك الأثر وذلك الروح؟ # هذا على أن فيه من المعاني الكثيرة والأغراض الوافرة، مما لو كان في كلام ~~الناس لظهر عليه صبغ النفس الإنسانية لا محالة، بأوضح معانيه وأظهر ألوانه؛ ~~وبصفات كثيرة من أحوال النفس، وحسبك أن تأخذ قطعة منه في الموعظة والترغيب، ~~أو الزجر والتأديب، أو نحو ذلك مما يستفيض فيه الكلام الإنساني، فتقرنها ~~إلى قطعة مثلها من كلام أبلغ الناس بيانا، وأفصحهم عربية # لترى فرق ما بين أثر المعنى الواحد في كلتا القطعتين، ولتقع على مقدار ما ~~بين الطبقة الإنسانية في السعة والتمكن، فإن هذا أمر لا تصف العبارة منه، ~~وإذا وصفت لا تبلغ من صفته، ثم لا دليل # عليه لمن يريد أن يستدل إلا الحسن. # ومعنى آخر وهو أننا نرى أسلوب القرآن من اللين والمطاوعة على التقليب، ~~والمرونة في التأويل، بحيث لا يصادم الآراء الكثيرة المتقابلة التي تخرج ~~بها طبائع العصور المختلفة، فهو يفسر في كل عصر بنقص من المعنى وزيادة فيه، ~~واختلاف وتمحيص، وقد فهمه عرب الجاهلية الذين # لم يكن لهم إلا الفطرة، وفهمه كذلك من جاء بعدهم من الفلاسفة وأهل ~~العلوم، وفهمه زعماء الفرق المختلفة على ضروب من التأويل، وأثبتت العلوم ~~الحديثة كثيرا من حقائقه التي كانت مغيبة # وفي علم الله ما يكون من بعد؛ وإن ما عهد من كلام الناس لا يحتمل كل ذلك ~~ولا بعضه، بل # PageV01P143 # هو كلما كان أدنى إلى البلاغة كان نصا في معناه، ثابتا في حيزه، تجمد ~~الكلمة أو الجملة على معنى بعينه قد يستقيم وقد ينتقص، وكيفما قلبته رأيته ~~وجها واحدا وصفة واحدة؛ لأن الفصاحة لا تكون في الكلام إلا إبانة، وهذه لا ~~تفصح إلا بالمعنى المتعين؛ وهذا المعنى محصور في ms135 غرضه # الباعث عليه. # وأكبر السبب في ذلك أن هذا القرآن الكريم ليس عن طبع إنساني محدود بأحوال ~~نفسية لا يجاوزها، فهو يداور المعاني، ويريغ الأساليب ويخاطب الروح بمنطقها ~~من ألوان الكلام لا من حروفه، وهو يتألف الناس بهذه الخصوصية فيه، حتى ~~ينتهي بهم مما يفهمون إلى ما يجب أن # يفهموا، وحتى يقف بهم على نص اليقين ومقطع الحق؛ وتراه في أوضاعه من أجل ~~ذلك يستجمع درجات الفهم كان فيه غاية لكل عقل صحيح، ولكنه في نفسه وأسرار ~~تركيبه آخر ما يسمو إليه فهم الطبيعة نفسها؛ بحيث لو هو علا عن ذلك لخفي ~~على الناس، ولو نزل عن ذلك لما ظهر في # الناس، لأن علوه يفوت ذرعهم، ونزوله يوجدهم السبيل إلى معارضته ونقضه، ~~وكلا هذين يجعل أمره عليهم غمة فلا يتجهون إلى صواب. # وإنما هو في نفسه وفي أفهام الناس كما وصفه الله " الحق والميزان " # كل الناس يعملون لفهمه ويدأبون عليه، ولكل درجات مما عملوا. # *** # PageV01P144 # نظم القرآن # ذلك بعض ما تهيأ لنا من القول في الجهات التي اختص بها أسلوب القرآن ~~فكانت أسبابا لانقطاع العرب دونه وانخذالهم عنه، وتلك أسباب لا يمكن أن ~~يكون شيء منها في كلام بلغاء الناس من أهل هذه اللغة. لأنها خارجة عن قوى ~~العقول وجماع الطبائع، ولا أثر لها بعد في نفس # كل بليغ يعرف ما هي البلاغة وكيف هي، إلا استشعار العجز عنها والوقوف من ~~دونها. # وإنما تلك الجهات صفات من ### | نظم القرآن # وطريقة تركيبه، فنحن الآن قائلون في سر الإعجاز الذي قامت عليه # هذه الطريقة وانفرد به ذلك النظم؛ وهو سر لا ندعي أننا نكشفه أو نستخلصه ~~أو ننتظم أسبابه، # وإنما جهدنا أن نومئ إليه من ناحية ونعين بعض أوصافه من ناحية، فإن هذا ~~القرآن هو ضمير الحياة العربية، وهو من اللغة كالروح الإلهية التي تستقر في ~~مواهب الإنسان فتضمن لآثاره الخلود؛ # ثم لا يدل عليها حين التعرف إلا بصفات كل نفس لمواقع تلك الآثار منها، ~~كان هذه الروح تحاول أن تفصح عن معاني ms136 النبوغ الفني في آثارها الخالدة، فلا ~~تجد أقرب إلى غرضها من أن تهيج الإحساس بها في كل نفس، يجيىء ذلك في البيان ~~عنها، لأن الإحساس إنما هو اللغة النفسية # الكاملة. # والكلام بالطبع يتركب من ثلاثة حروف هي من الأصوات، وكلمات هي من الحروف، ~~وجمل هي من الكلم. # وقد رأينا سر الإعجاز في نظم القرآن يتناول هذه كلها بحيث خرجت من # جميعها تلك الطريقة المعجزة التي قامت به؛ فليس لنا بد في صفته من الكلام ~~في ثلائتها جميعا. # ولا يذهبن عنك أن هذه المذاهب الكلامية التي بنيت عليها علوم البلاغة ~~ووضعت لها أمثلة هذه العلوم، إنما هي من وراء ما نعترضه في هذا الباب فليست ~~من غرضنا في جملة ولا تفصيل، # وحسبك فيها كتاب (دلائل الإعجاز) لعبد القاهر الجرجاني، ونحن إنما نبحث ~~في القرآن من جهة ما انفرد به في نفسه على وجه الإعجاز، لا من جهة ما يشركه ~~فيه غيره على أي وجه من الوجوه وأنواع البلاغة مستفيضة في كل نظام سوي وكل ~~تأليف مونق، وكل سبك جيد، وما كان # من الكلام بليغا فإنه بها صار بليغا، لمان كانت هي بعد في أكثر الكلام ~~إلى تفاوت واختلاف. # ومن أظهر الفروق بين أنواع البلاغة في القرآن، وبين هذه الأنواع في كلام ~~البلغاء، أن نظم القرآن يقتضي كل ما فيه منها اقتضاءا طبيعيا بحيث يبنى هو ~~عليها لأنها في أصل تركيبه، ولا تبنى # PageV01P145 # هي عليه؛ فليست فيها استعارة ولا مجاز ولا كناية ولا شيء من مثل هذا يصح ~~في الجواز أو فيما يسعه الإمكان أن يصلح غيره في موضعه إذا تبدلته منه، ~~فضلا عن أن يفي به، وفضلا عن أن يربى عليه، # ولو أدرت اللغة كلها على هذا الموضع. # فكأن البلاغة فيه إنما هي وجه من نظم حروفه بخلاف ما أنت واجد من كلام ~~البلغاء، فإن بلاغته إنما تصنع لموضعها وتبنى عليه، فربما وفت وربما أخلفت، ~~ولو هي رفعت من نظم الكلام ثم نزل غيرها في مكأنها لرأيت النظم نفسه غير ~~مختلف، ms137 بل لكان عسى أن يصح ويجود في # مواضع كثيرة من كلامهم، وأن نعرف له بذلك مزية في توازن حروفه وائتلاف ~~مخارجها وتناسب أصواتها، ونحو هذا مما هو أصل الفصاحة، ومما لا تغني فيه ~~استعارة ولا مجاز ولا كناية ولا غيرها. # لأنه وجه من تأليف الحروف ونسق اللفظ فيها؛ وأنواع البلاغة إنما هي وجوه ~~التأليف بين معاني الكلمات. # فالحرف الواحد من القرآن محجز في موضعه، لأنه يمسك الكلمة التي هو فيها ~~ليمسك بها الآية والآيات الكثيرة، وهذا هو السر في إعجاز جملته إعجازا ~~أبديا، فهو أمر فوق الطبيعة الإنسانية، وفوق ما يتسبب إليه الإنسان إذ هو ~~يشبه الخلق الحي تمام المشابهة، وما أنزله إلا الذي # يعلم "السر" في السموات والأرض. # فأنت الآن تحلم أن سر الإعجاز هو في النظم، وأن لهذا النظم ما بعده؛ وقد ~~علمت أن جهات النظم ثلاث: في الحروف، والكلمات، والجمل، فههنا ثلاثة فصول ~~تعرفها فيما يلي: # *** # PageV01P146 ### | الحروف وأصواتها # بسطنا في الجزء الأول من تاريخ آداب العرب حاشية الكلام في الأسباب ~~اللسانية التي جرت عليها الفصاحة العربية، وكانت معدلا لألسنة القوم بين ~~الاستخفاف والاستثقال، وبين اللين في حرفي والجسأة في حرف، وبين نظم مؤتلف ~~ونظم مختلف، فانتزعوا بها وجوه التأليف والتركيب # في ألفاظهم وجملهم على سنن لائح ونسق واضح، وأفضينا من كل ذلك إلى مخارج ~~حروفهم وصفاتها. # بيد أننا لم ننبه ثمة إلى أن هذه المخارج وهذه الصفات إنما أخذ أكثرها من ~~ألفاظ القرآن لا من كلام العرب وفصاحتهم، لأن ههنا موضع القول فيه، فإن ~~طريقة النظم التي اتسقت بها ألفاظ القرآن، وتألفت لها حروف هذه الألفاظ، ~~إنما هي طريقة يتوخى بها إلى أنواع من المنطق وصفات # من اللهجة لم تكن على هذا الوجه من كلام العرب، ولكنها ظهرت فيه أول شيء ~~على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فجعلت المسامع لا تنبو عن شيء من ~~القرآن، ولا تلوي من دونه حجاب القلب، حتى # لم يكن لمن يسمعه بد من الاسترسال إليه والتوفر على الاصغاء، لا يستمهله ~~أمر ms138 من دونه وإن كان أمر العادة، ولا يستنسئه الشيطان وإن كانت طاعته عندهم ~~عبادة؛ فإنه إنما يسمع ضربا خالصا من # الموسيقى اللغوية في انسجامه واطراد نسقه واتزانه على أجزاء النفس مقطعا ~~مقطعا ونبرة نبرة كأنها توقعه توقيعا ولا تتلوه تلاوة. # وهذا نوع من التأليف لم يكن منه في منطق أبلغ البلغاء وأفصح الفصحاء إلا ~~الجمل القليلة التي إنما تكون روعتها وصيغتها وأوزان توقيعها من اضطراب ~~النفس فيها إذ تضطرب في بعض مقامات الحماسة أو الفخر أو الغزل أو نحوها ~~فتنتزي بكلام المتكلم من أبعد موضع في قلبه حتى # PageV01P147 # تنتهي به إلى الحلق ثم ترسله من هناك وكأنه ألفاظه عواطف تتغنى. # وقد كان منطق القوم يجري على أصل من تحقيق الحروف وتفخيمها، ولكن أصوات ~~الحرف إنما تنزل منزلة النبرات الموسيقية المرسلة في جملتها كيف اتفقت، فلا ~~بد لها من ذلك من نوع في التركيب وجهة من التأليف حتى يمازج بعضها بعضا، ~~ويتألف منها شيء مع شيء، # فتتداخل خواصها، وتجتمع صفاتها، ويكون منها اللحن الموسيقي، ولا يكون إلا ~~من الترتيب الصوتي الذي يثير بعضه بعضا على نسب معلومة ترجع إلى درجات ~~الصوت ومخارجه وأبعاده. # فكان العرب يترسلون ويحذمون في منطقهم كيفما اتفق لهم، لا يراعون أكثر من ~~تكييف الصوت؛ دون تكييف الحروف التي هي مادة الصوت، إلى أن يتفق من هذه قطع ~~في كلامهم تجيء بطبيعة الغرض الذي تكون فيه، أو بما تعفل لها المتكلم، على ~~نمط من النظم الموسيقي، # إن لم يكن في الغاية ففيه ما عرفوه من هذه الغاية. # فلما قرئ عليهم القرآن، رأوا حروفه في كلماته، وكلماته في جمله، ألحانا ~~لغوية رائعة؛ كأنها لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة، قراءتها هي توقيعها فلم ~~يفتهم هذا المعنى، وأنه أمر لا قبل لهم به، وكان ذلك أبين في عجزهم؛ حتى إن ~~من عارضه منهم، كمسيلمة، جنح في خرافاته # إلى ما حسبه نظما موسيقيا أو بابا منه وطوى عما وراء ذلك من التصرف في ~~اللغة وأساليبها ومحاسنها ودقائق التركيب البياني، كأنه فطن إلى أن ms139 الصدمة ~~الأولى للنفس العربية، وإنما هي في أوزان الكلمات وأجراس الحروف دون ما ~~عداها؛ وليس يتفق ذلك في شيء من كلام العرب إلا أن يكون وزنا من الشعر أو ~~السجع. # وأنت تتبين ذلك إذا أنشات ترتل قطعة من نثر فصحاء العرب أو غيرهم على ~~طريقة التلاوة في القرآن، مما تراعي فيه أحكام القراءة وطرق الأداء، فإنك ~~لا بد ظاهر بنفسك على النقص في # كلام البلغاء وانحطاطه في ذلك عن مرتبة القرآن، بل ترى كأنك بهذا التحسين ~~قد نكرت الكلام وغيرته، فأخرجته من صفة الفصاحة، وجردته من زينة الأسلوب، ~~وأطفات رواءه؛ وأنضبت ماءه، # لأنك تزنه على أوزان لم يتسق عليها في كل جهاته، فلا تعدو أن تظهر من ~~عيبه ما لم يكن يعيبه إذا أنت أرسلته في نهجه وأخذته على جملته. # وحسبك بهذا اعتبارا في إعجاز النظم الموسيقي في القرآن، وأنه مما لا ~~يتعلق به أحد، ولا ينفق على ذلك الوجه الذي هو فيه إلا فيه، لترتيب حروفه ~~باعتبار من أصواتها ومخارجها، ومناسبة # بعض ذلك لبعضه مناسبة طبيعية في الهمس والجهر، والشدة والرخاوة والتفخيم ~~والترقيق؛ # PageV01P148 # والتفشي والتكرير، وغير ذلك مما أوضحنا في صفات الحروف من باب اللغة في ~~تاريخ آداب العرب. # ولقد كان هذا النظم عينه هو الذي صفى طباع البلغاء بعد الإسلام، وتولى ~~تربية الذوق الموسيقي اللغوي فيهم، حتى كان لهم من محاسن التركيب في ~~أساليبهم - مما يرجع إلى تساوق # النظم واستواء التأليف - ما لم يكن مثله للعرب من قبلهم، وحتى خرجوا عن ~~طرق العرب في السجع والترسل على جفاء كان فيهما، إلى سجع وترسل تتعرف في ~~نظمهما آثار الوزن والتلحين، # على ما يكون من تفاوتهم في صفة ذلك ومقداره، ومبلغهم من العلم به، ~~وتقدمهم في صنعته. # ولولا القرآن وهذا الأثر من نظمه العجيب، لذهب العرب بكل فضيلة في اللغة، ~~ولم يبق بعدهم للفصحاء إلا كما بقي من بعد هؤلاء في العامية، بل لما بقيت ~~اللغة نفسها، كما بسطناه في موضعه. # وليس يخفى أن مادة الصوت هي مظهر الانفعال النفسي، ms140 وأن هذا الانفعال ~~بطبيعته إنما هو سبب في تنويع الصوت، بما يخرجه فيه مدا أو غنة أو لينا أو ~~شدة، وبما يهيئ له من الحركات المختلفة في اضطرابه وتتابعه على مقادير ~~تناسب ما في النفس من أصولها؛ ثم هو يجعل الصوت # إلى الإيجاز والاجتماع؛ أو الإطناب والبسط؛ بمقدار ما يكسبه من الحدوة ~~والارتفاع والاهتزاز وبعد المدى ونحوها، مما هو بلاغة الصوت في لغة ~~الموسيقى. # فلو اعتبرنا ذلك في تلاوة القرآن على طرق الأداء الصحيحة لرأيناه أبلغ ما ~~تبلغ إليه اللغات كلها في هز الشعور واستثارته من أعماق النفس؛ وهو من هذه ~~الجهة يغلب بنظمه على كل طبع # عربي أو أعجمي، حتى إن القاسية قلوبهم من أهل الزيغ والإلحاد، ومن لا ~~يعرفون لله آية في الآفاق ولا في أنفسهم، لتلين قلوبهم وتهتز عند سماعه، ~~لأن فيهم طبيعة إنسانية، ولأن تتابع الأصوات على نسب معينة بين مخارج ~~الأحرف المختلفة، هو بلاغة اللغة الطبيعية التي خلقت في # نفس الإنسان، فهو متى سمعها لم يصرفه عنها صارف من اختلاف العقل أو ~~اختلاف اللسان؛ # وعلى هذا وحده يؤول الأثر الوارد أن في الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا، ~~لأنه يجنب هذا الكمال اللغوي ما يعد نقصا منه إذا لم تجتمع أسباب الأداء في ~~أصوات الحروف ومخارجها، وإنما # PageV01P149 # التمام الجامع لهذه الأسباب صفاء الصوت، وتنوع طبقته، واستقامة وزنه على ~~كل حرف. # وما هذه الفواصل التي تنتهي بها آيات القرآن إلا صور تامة للأبعاد التي ~~تنتهي بها جمل الموسيقى، وهي متفقة مع آياتها في قرار الصوت اتفاقا عجيبا ~~يلائم نوع الصوت والوجه الذي يساق عليه بما ليس وراءه في العجب مذهب، ~~وتراها أكثر ما تنتهي بالنون والميم، وهما الحرفان # الطبيعيان في الموسيقى نفسها؛ أو بالمد، وهو كذلك طبيعي في القرآن، فإن ~~لم تنته بواحدة من هذه، كأن انتهت بسكون حرف من الحروف الأخرى، كان ذلك ~~متابعة لصوت الجملة وتقطيع # كلماتها، ومناسبة للون المنطق بما هو أشبه وأليق بموضعه، وعلى أن ذلك لا ~~يكون أكثر ما أنت واجده إلا ms141 في الجمل القصار، ولا يكون إلا بحرف قوي يستتبع ~~القلقلة أو الصفير أو نحوهما مما هو ضروب أخرى من النظم الموسيقي. # وهذه هي طريقة الاستهواء الصوتي في اللغة، وأثرها طبيعي في كل نفس، فهي ~~تشبه في القرآن الكريم أن تكون صوت إعجازه الذي يخاطب به كل نفس تفهمه، وكل ~~نفس لا تفهمه، ثم # لا يجد من النفوس على أي حال إلا الإقرار والاستجابة؛ ولو نزل القرآن ~~بغيرها لكان ضربا من الكلام البليغ الذي يطمع فيه أو في أكثره، ولما وجد ~~فيه أثر يتعدى أهل هذه اللغة العربية إلى أهل # اللغات الأخرى، ولكنه انفرد بهذا الوجه للعجز، فتألقت كلماته من حروف لو ~~سقط واحد منها أو أبدل بغيره أو أقحم معه حرف آخر، لكان ذلك خللا بينا، أو ~~ضعفا ظاهرا في نسق الوزن وجرس النغمة، # وفي حس السمع وذوق اللسان، وفي انسجام العبارة وبراعة المخرج وتساند ~~الحروف وإفضاء بعضها إلى بعض، ولرأيت هجنة في السمع، كالذي تنكره من كل ~~مرئي لم تقع أجزاؤه على ترتيبها، ولم تنفق على طبقاتها، وخرج بعضها طولا ~~وبعضها عرضا، وذهب ما بقي منها إلى # جهات متناكرة. # ومما انفرد به القرآن وباين سائر الكلام، أنه لا يخلق على كثرة الرد وطول ~~التكرار، ولا تمل منه الإعادة؛ وكلما أخذت فيه على وجه الصحيح فلم تخل ~~بأدائه، رأيته غضا طريا، وجديدا مونقا، وصادفت من نفسك له نشاطا مستأنفا ~~وحسا موفورا، وهذا أمر يستوي في أصله العالم # الذي يتذوق الحروف ويستمري تركيبها ويمعن في لذة نفسه من ذلك، والجاهل ~~الذي يقرأ ولا يثبت معه من الكلام إلا أصوات الحروف، وإلا ما يميزه من ~~أجراسها على مقدار ما يكون من # صفاء حسه ورقة نفسه. وهو لعمر الله أمر يوسع فكر العاقل ويملأ صدر ~~المفكر، ولا نرى جهة تعليله ولا نصحح منه تفسيرا إلا ما قدمنا من إعجاز ~~النظم بخصائصه الموسيقية، وتساوق هذه # PageV01P150 # الحروف على أصول مضبوطة من بلاغة النغم، بالهمس والجهر والقلقلة والصفير ~~والمد والغنة # ونحوها، ثم اختلاف ذلك في الآيات ms142 بسطا وإيجازا، وابتداء وردا، وإفرادا ~~وتكريرا. # هذا على أنه ترسيل واتساق وتطويل، لا يضبط بحركات وسكنات كأوزان الشعر ~~فتجعل له بطبيعتها صفة من النظم الموسيقي؛ ولا يخرج على مقاطع الكلمات التي ~~تجري فيها الألحان وضروب النغم، مما يسهل تأليفه ويكون أمره إلى الصوت ~~وطريقة تصريفه وتوقيعه، لا إلى # أصوات الحروف ووجه تأليفها وتتابعها فيحسن مع أهل الصناعة وإن كانت حروفه ~~غثة التركيب سمجة المخارج وكانت جافية كزة. # حتى إذا صار إلى من لا يحسن أن يوقع عليه الصوت ويطرد # له اللحن من غير حذاق المغنين، خرج أبرد كلام وأرذله وأسمجه، وجاء وما ~~تعرف من الكلال والفتور والتهالك في كلام أكثر مما تعرف منه. # وبهذا الذي قدمناه يفسر قوله - صلى الله عليه وسلم -: # " القرآن صعب مستصعب على من كرهه ". # لأن كرهه لا يكون إلا زعما وتكلفا من اللسان؛ فأيما. امرؤ سمعه أو فهمه ~~أحبه وسوغه من شعوره ونفسه؛ # فمن أين تدخل الكراهة على النفس ولا سبيل إليها في الكلام إلى السمع ~~والفؤاد؛ # ولا يذهبن عنك أن الحروف لم تكن في القرآن على ما وصفنا بأنفسها دون ~~حركاتها الصرفية والنحوية، وليست هذه الحركات إلا مظاهر الكلم فمن ههنا ~~يستجر لنا القول في النوع الثاني من سر الإعجاز. . . # *** # PageV01P151 ### | الكلمات وحروفها # والكلمة في الحقيقة الوضعية إنما هي صوت النفس؛ لأنها تلبس قطعة من ~~المعنى فتختص به على وجه المناسبة قد لحظته النفس فيها من أصل الوضع حين ~~فصلت الكلمة على هذا التركيب. # وصوت النفس أول الأصوات الثلاثة التي لا بد منها في تركيب النسق البليغ، ~~حتى يستجمع الكلام بها أسباب الاتصال بين الألفاظ ومعانيها، وبين هذه ~~المعاني وصورها النفسية، فيجري في النفس مجرى الإرادة، ويذهب مذهب العاطفة، ~~وينزل منزلة العلم الباعث على كلتيهما، فإن البيان # لا يؤلف أصواتا لرياضة الصدر بها وصلابة الحلق عليها ولكنه صور نفسية في ~~الطبيعة وصور طبيعية في النفس، فإذا لم يكن حيا ناطقا يلمح بعضه بعضا، ولم ~~يكن بتركيبه وطريقة نظمه كأنما يحمل من معناه للنفس مادة الإرادة أو ms143 الفكر ~~لم يجد شيئا، وانقطع به غرضه، واستهلكه انصراف # النفس عنه، وصارت معانيه كأن ليس لها أصول فيها، وكأنها مادة جامدة، أو ~~روح مادة ميتة، بل هو ربما سفل إلى منزلة الإشارة التي هي اللغة الأولى منذ ~~كان الإنسان يتكلم بحواسه، والتي هي # أضعف الكلام وأخفاه وأشد التباسا في مذاهب المعاني النفسية، لأنها # (أي الإشارة) باب من النطق الصامت؛ # كما أن ذلك لون من الصمت الناطق. # أما الأصوات الثلاثة التي أومأنا إليها فهي: # صوت النفس، وهو الصوت الموسيقي الذي يكون من تأليف النغم بالحروف # ومخارجها وحركاتها ومواقع ذلك من تركيب الكلام ونظمه على طريقة متساوقة ~~وعلى نضد متساو، بحيث تكون الكلمة كأنها خطوة للمعنى في سبيله إلى النفس، ~~إن وقف عندها هذا المعنى قطع به. # صوت العقل، وهو الصوت المعنوي الذي يكون من لطائف التركيب في جملة ~~الكلام، # ومن الوجوه البيانية التي يداور بها المعنى، لا يخطئ طريق النفس من أي ~~الجهات انتحى إليها. # صوت الحس، وهو أبلغهن شأنا، لا يكون إلا من دقة التصور المعنوي، والإبداع ~~في تلوين الخطاب، ومجاذبة النفس مرة وموادعتها مرة، واستيلائه على محضها ~~بما يورد عليها من وجوه البيان، # أو يسوق إليها من طرائف المعاني، يدعها من موافقته والإيثار له كأنها هي ~~التي تريده وكأنها هي التي تحاول أن يتصل أثرها بالكلام، إذ يكون قد استحوذ ~~عليها وانفرد منها بالهوى والاستجابة. # وعلى مقدار ما يكون في الكلام البليغ من هذا الصوت، يكون فيه من روح ~~البلاغة، فإن خرج مما وقفت عنده الطباع النفسية فلم يكن في بعض الكلام ~~مقدارا معينا تحسه في جهة وتفقده # PageV01P152 # في جهة، وتراه مرة ماثلا ومرة زائلا، بل صار كأنه روح للكلام ذاته، ~~يبادرك الروعة في كل جزء منه كما تبادرك الحياة في كل حركة للجسم الحي - ~~فقد خرج به ذلك الفن من الكلام إلى أن يكون # خلقا روحيا؛ وكأنه تمثيل بألفاظ لخلقة النفس، في دقة التركيب وإعجاز ~~الصنعة ومؤاتاة الطبعة المعنوية وما إليها وهيهات، ليس يقدر على تمام ذلك ~~الوضحع ms144 إلا من قدر على تمام تلك الخلقة. # ولو تأملت هذا المعنى فضلا من التأمل، وأحسنت في اعتباره على ذلك الوجه، ~~لرأيته روح الإعجاز في هذا القرآن الكريم، بحيث لو خلا منه لأشبه أن يكون ~~إعجازه صناعيا عند العرب - أن بقي معجزا - ولو هم فقدوا فقدوا هذا المعنى ~~من أكثره أو من أقله، لقد كانوا وجدوا مذهبا فيه # للقول ومساغا للرد، ولظلوا في مرية منه، ثم لسارت عنهم الأقاويل في ~~معارضته واعتراضه. # ذلك بأن صوت النفس طبيعي في تركيب لغتهم، وإن كان فيها إلى التفاوت كمالا ~~ونقصا، # وصوت الفكر لا يعجزهم أن يستبينوه في كثير من كلام بلغائهم، أما صوت الحس ~~فقد خلت لغتهم من صريحه وانفرد به القرآن وقد كانوا يجدونه في أنفسهم منذ ~~افتنوا في اللغة وأساليبها # ولكنهم لا يجدون البيان به في ألسنتهم؛ لأنه الكمال اللغوي الذي تعاطوه ~~ولم يغطوه، وإنما كانوا يبتغون الحيلة إليه بألوان من العادات وضروب من ~~التعبير النفسي، إذا هي اتصلت بالحسق البياني # الذي ميزتهم به الفطرة أشبهت أن تكون استواء حسيا، وبهذا خلص إليهم كلام ~~شعرائهم وخطبائهم. # وبلغ من أنفسهم ومازجها، وكان منها في محل وموقع؛ # على أننا نقرأ اليوم أكثره ولا نجده بتلك المنزلة. # وإنما مثل ذلك كمن يفتتن بالجمال، فهو إذا رأى الوجه الجميل كانت نظرته ~~إليه كلاما نفسيا لو جهد البلغاء جهدهم على أن يحكموه بالعبارة كما هو في ~~نفسه لأعيتهم وسائل البلاغة أن يمهدوا منها لهذه الحالة النفسية، ولجاؤوا ~~من كلامهم بالحس المغمور الذي لا يعدم النقص # والاضطراب مما حسبوه قد تكامل واستقر. # وهذا مثال يطرد في كل ما أنت واجده من البلاغة العربية. # فلا ترى شيئا منها يروعك ويملك عليك المذاهب من نفسك بالتئام أجزائه ~~ورشاقة معرضه وحسن تصويره، إلا وقعت منه # على ضرب من الاستعانة بالخيال الشعري أو العادة الثابتة أو العاطفة ~~المطمئنة أو نحوها. # PageV01P153 # والقرآن لا يستعين بشيء من ذلك في إحكام عبارته والتأني بها إلى النفس ~~وانتظام أسباب التأثير فيها، وليس إلا أن تقرأه حتى ms145 تحس من حروفه وأصواتها ~~وحركاتها ومواقع كلماته وطريقة نظمها # ومداورتها للمعنى - بأنه كلام يخرج من نفسك، وبأن هذه النفس قد ذهبت مع ~~التلاوة أصواتا، واستحال كل ما فيك من قوة الفكر والحس إليها وجرى فيها ~~مجرى البيان، فصرت كأنك على الحقيقة مطوي في لسانك. # وأعجب شيء في أمر هذا الحس الذي يتمثل في كلمات القرآن أنه لا يسرف على ~~النفس ولا يستفرغ مجهودها، بل هو مقتصد في كل أنواع التأثير عليها، فلا ~~تضيق به ولا تنفر منه ولا يتخونها الملال. ولا تزال تبتغي أكثر من حاجتها ~~في الترؤح والإصغاء إليه والتصرف معه والانقياد # له، وهو يسوغها من لذتها ويرقه عليها بأساليبه وطرقه في النظم والبيان، ~~مع أن أبلغ ما اتفق للبلغاء لا تجمع منه النفس بعض ذلك حتى يتعسفها ويثقل ~~عليها وتبتلى منه بالتخمة وسوء الاحتمال، وحتى لا تكون البلاغة في سائره ~~بعد ذلك إلا طعمة خبيصة لأنها جماءت من وراء القصد # وفوق الحاجة فلا تعدم النفس أن تجد من جماله قبحا، ومن صوابه خطأ؛ ولا ~~يمتنع أن يكون فيه النافر والقلق والمحال عن وجهه وما إلى ذلك مما تسكن ~~النفس إلى تأمله وتستجم بتصفحه والبحث عنه واعتراضه في سياق الكلام ونسق ~~التركيب. # وهذا أمر ليس في قدرة أحد أن ينفيه عن كلام البلغاء متى امتد به النفس ~~واتسقت له المعاني وتداخلت فيه الأغراض، ولا نرى أحدا يقدر على أن يثبت منه ~~شيئا في القرآن؛ لأن طريقة نظمه # قد جعلت في تلاوته قوة الانبعاث للنفس المكدودة، كما يكون للخالص من ضروب ~~الموسيقى، # على ما هو معروف من تأثيرها في النفس ووجه هذا التأثير، بل هو النفس ~~العربية كالحداء للإبل العربية؛ مهما كدها السير لم يزدها إلا إمعانا فيه ~~ولم تستأنف منه إلا نشاطا واعتزاما حتى ليذهب # بها المراح وكأنها تريد أن تسابق الحروف والأصوات المنبعثة من أفواه من ~~يحدونها. # ولو ذهبنا نبحث في أصول البلاغة الإنسانية عن حقيقة نفسية ثابتة قد اطردت ~~في اللغات جميعا وهي في كل لغة تعد ms146 أصلا في بلاغتها، لما أصبنا غير هذه ~~الحقيقة التي لا تظهر في شيء من الكلام ظهورها في القرآن وهي: (الاقتصاد في ~~التأثير على الحس النفسي) . # وما تعرف في هذه الأساليب العربية خاصة - وقد مخضناها جميعا وفررنا باطن ~~أمرها - إلا إسرافا على هذا الحس، أو تراجعا من دونه؛ فأما أمر بين ذلك على ~~أن يكون قصدا، وألا يكون إلا المحض من هذا القصد، # وأن لا تجده إلا سواء في محض الاعتبار من حيث أجريته على هذه الحقيقة فلا ~~يكون من شأنه أن # PageV01P154 # يتوي معك في جهة ويلتوي عليك من جهة - فهذا ما لا نعرفه على أتمه وأبينه ~~إلا في القرآن، ولا نعرف قريبا منه إلا في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وإن كان بين الجهتين ما بينهما. # ولما كان الأصل في نظم القرآن أن تعتبر الحروف بأصواتها وحركاتها ~~ومواقعها من الدلالة المعنوية، استحال أن يقع في تركيبه ما يسوغ الحكم في ~~كلمة زائدة أو حرف مضطرب أو ما يجري مجرى الحشو والاعتراض، أو ما يقال فيه ~~إنه تغوث واستراحة كما تجد من كل ذلك في # أساليب البلغاء، بل نزلت كلماته منازلها على ما استقرت عليه طبيعة ~~البلاغة، وما قد يشبه أن يكون من هذا النحو الذي تمكنت به مفردات النظام ~~الشمسي وارتبطت به سائر أجزاء المخلوقات # صفة متقابلة بحيث لو نزعت كلمة منه أو أزيلت عن وجهها، ثم أدير لسان ~~العرب كله على أحسن # منها في تأليفها وموقعها وسدادها، لم يتهيأ ذلك ولا اتسعت له اللغة بكلمة ~~واحدة، كما سنبينه في موضع آخر، وهو سر من إعجازه قد أحس به العرب، لأنهم ~~لا يذهبون مذهبا غيره في منطقهم # وفصاحة هذا المنطق، وإنما يختلفون في أسباب القدرة عليه ومعنى الكمال ~~فيه، ولو أنهم وجدوا سبيلا إلى نقص كلمة من القرآن لأزالوها وأثبتوا فيه ~~هذا الخطأ أو ما يشبه الخطأ في مذهبهم، إذ # كان من المشهور عنهم مثل هذا الصنيع في انتقادهم وتصفحهم بعضهم على بعض ~~في التحدي والمناقضة. # لا جرم أن ms147 المعنى الواحد يعبر عنه بألفاظ لا يجزي واحد منها في موضعه عن ~~الآخر إن أريد شرط الفصاحة؛ لأن لكل لفظ صوتا ربما أشبه موقعه من الكلام ~~ومن طبيعة المعنى الذي هو فيه والذي تساق له الجملة، وربما اختلف وكان بغير ~~ذلك أشبه. # PageV01P155 # فلا بد في مثل نظم القرآن من إخطار معاني الجمل وانتزاع جملة ما يلائمها ~~من ألفاظ اللغة، بحيث لا تند لفظة، ولا تتخلف كلمة؛ ثم استعمال أمسها رحما ~~بالمعنى، وأفصحها في الدلالة عليه، وأبلغها في التصوير، وأحسنها في النسق، ~~وأبدعها سناء، وأكثرها غناء، وأصفاها رونقا وماء، ثم اطراد ذلك في جملة ~~القرآن على اتساعه وما تضمن من أنواع الدلالة ووجوه التأويل ثم # إحكامه على أن لا مراجعة فيه ولا تسامح، وعلى العصمة من السهو والخطأ في ~~الكلمة وفي الحرف من الكلمة، حتى يجيء ما هو كأنه صيغ جملة واحدة في نفس ~~واحد وقد أديرت معانيها على ألفاظ في لغات العرب المختلفة فلبستها مرة ~~واحدة، وذلك ولا ريب مما يفوت كل فوت في # الصناعة، ولا يدعيه من الخلق فرد ولا جماعة. # ولقد صارت ألفاظ القرآن بطريقة استعمالها ووجه تركيبها كأنها فوق اللغة، ~~فإن أحدا من البلغاء لا تمتنع عليه فصح هذه العربية متى أرادها، وهي بعد في ~~الدواوين والكتب، ولكن لا تقع له مثل ألفاظ القرآن في كلامه، وإن اتفقت له ~~نفس هذه الألفاظ بحروفها ومعانيها، لأنها في القرآن # تظهر في تركيب ممتنع فتعرف به، ولهذا ترتفع إلى أنواع أسمى من الدلالة ~~اللغوية أو البيانية التي هي طبيعية فيها، فتخرج من لغة الاستعمال إلى لغة ~~الفهم وتكون بتركيبها المعجز طبقة عقلية في # اللغة، ومن ثم تتنزل الأفكار منزلة التوهم الطبيعي الذي يؤثر بالصفة ما ~~يؤثر بالشيء الموصوف بل بما وفى وزاد، كما ترى فيمن يهتز للشعر ويطرب له ~~ويملكه رق أعصابه النفسية، فإنه يبصر الشاعر الفحل الذي أعجب به فيتوهم في ~~رأسه المعنى الكريم والخيال البارع والتعبير الذي هو # ضرب من الوحي، وكأنما يتخيل من الرأس صومعة إلهية تهبط ms148 عليها ملائكة ~~الحكمة والبيان، وإنه ليتوهم ذلك فيهتز له هزة عصبية واضحة تعرفها في ~~انتشائه والتماع عينيه واستطارة ألحاظه وما # تنطق به معارف وجهه، وإن ذلك ليأخذ منه ما تأخذ القصيدة البارعة والكلمة ~~النادرة، وإنه على ذلك في نفسه لشديد، فهذا ما سميناه باب التوهم الطبيعي، ~~وهو بمنزلة من الحقائق النفسية. # ولو تدبرت ألفاظ القرآن في نظمها، لرأيت حركاتها الصرفية واللغوية تجري ~~في الوضع والتركيب مجرى الحروف أنفسها فيما هي له من أمر الفصاحة فيهيئ ~~بعضها لبعض، ويساند بعضا، ولن تجدها إلا مؤتلفة مع أصوات الحروف، مساوقة ~~لها في النظم الموسيقي، حتى إن # الحركة ربما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من أسباب الثقل أيها كان، فلا تعذب ~~ولا تساغ وربما كانت أوكس النصيبين في حظ الكلام من الحرف والحركة، فإذا هي ~~استعملت في القرآن رأيت لها # شأنا عجيبا، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقا ~~في اللسان، واكتنفتها بضروب من النغم الموسيقي حتى إذا خرجت فيه كانت أعذب ~~شيء وأرقه، وجاءت متمكنة في موضعها، وكانت لهذا الموضع أولى الحركات بالخفة ~~والروعة: # PageV01P156 # من ذلك لفظة (النذر) جمع نذير؛ فإن الضمة ثقيلة فيها لتواليها على النون ~~والذال معا، فضلا عن جسأة هذا الحرف ونبوه في اللسان، وخاصة إذا جاء فاصلة ~~للكلام. # فكل ذلك مما يكشف عنه ويفصح عن موضع الثقل فيه؛ ولكنه جاء في القرآن على ~~العكس وانتفى من طبيعته في # قوله تعالى: (ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر (36) . # فتأمل هذا التركيب، وأنعم ثم أنعم على تأمله، وتذوق مواقع الحروف وأجر ~~حركاتها في حس السمع وتأمل مواضع القلقلة في دال (لقد) ، # وفي الطاء من (بطشتنا) وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو ~~(تماروا) ، مع الفصل بالمد، كأنها تئقيل لخفة التتابع في الفتحات إذا هي ~~جرت على اللسان، ليكون ثقل الضمة عليه # مستخفا بعد، ولكون هذه الضمة قد أصابت موضعها كما تكون الأحماض في ~~الأطعمة. ثم ردد نظرك في الراء من (تماروا) فإنها ما جاءت إلا مساندة لراء ~~(النذر) حتى ms149 إذا انتهى اللسان إلى هذه انتهى إليها من مثلها، فلا تجف عليه ~~ولا تغلظ ولا تنبو فيه، ثم أعجب لهذه الغنة التي سبقت # الطاء في نون (أنذرهم) وفي ميمها، وللغنة الأخرى التي سبقت الذال في ~~(النذر) . # وما من حرف أو حركة في الآية إلا وأنت مصيب من كل ذلك عجبا في موقعه ~~والقصد به، حتى ما تشك أن الجهة واحدة في نظم الجملة والكلمة والحرف ~~والحركة، ليس منها إلا ما يشبه في الرأي أن يكون قد تقدم فيه النظر وأحكمته ~~الروية وراضه اللسان، وليس منها إلا متخئر مقصود # إليه من بين الكلم ومن بين الحروف ومن بين الحركات، وأين هذا ونحوه عند ~~تعاطيه ومن أي وجه يلتمس وعلى أي جهة يستطاع، وكيف يأتي للإنسان في مثل تلك ~~الآية وحدها - فضلا عن القرآن كله - وهو لا يكون إلا عن نظر وصنعة كلامية؛ ~~والبليغ من الناس متى اعتسف هذا الطريق # ولم يكن في الكلام إلى سجيته وطبعه فقد خذلته البلاغة واستهلكته الصنعة، ~~وضاق به التصرف وتناثرت أجزاء كلامه من جهاتها، وكلما لج في المكابرة لجت ~~البلاغة في الإباء، فمثله كمن يمشي مستديرا ويحسب أنه يتقدم، لأنه - زعم - ~~لم يحرف وجهه ولم ينفتل عن قصده، ولأن نظره # ما يزال ثابتا فيما يستقبله! # إنما تلك طريقة في النظم قد انفرد بها القرآن، وليس من بليغ يعرف هذا ~~الباب إلا وهو يتحاشى أن يلم به من تلك الجهة أو يجعل طريقه عليها، فإن ~~اتفق له شيء منه كان إلهاما ووحيا، # لا تقتحم عليه الصناعة ولا يتيسير له الطبع بالفكر والنظر، وكان مع ذلك ~~لا يخلو من التواء ومن مغمز، على أنه يكون جملة من فصل أو عبارة من جملة أو ~~بيتا من قصيدة أو شطرأمن بيت، لا يطرد ولا يستوي وليس إلا أن يتفق اتفاقا؛ ~~أما أن يتهيأ لأحد من البلغاء في عصور العربية كلها من # معارض الكلام وألفاظه، ما يتصرف به هذا التصرف في طائفة أو طوائف من ~~كلامه، على أن يضرب بلسانه ضربا ms150 موسيقيا، وينظم نظما مطردا ويهدف الكلمة ~~الكلمة وينصب الحرف للحرف، # ويعصب الحركة بالحركة، ويجري بعضا من بعض - فهذا إن أمكن أن يكون في كلام ~~ذي ألفاظ، # فليس يستقيم في ألفاظ ذات معان، فهو لغو من إحدى الجهتين، ولو أن ذلك ~~ممكن لقد كان اتنفق في عصر خلا من ثلاثة عشر قرنا. # ونحن اليوم في القرن الرابع عشر من تاريخ تلك المعجزة. # PageV01P157 # وقد وردت في القرآن ألفاظ هي أطول الكلام عدد حروفي ومقاطع مما يكون ~~مستثقلا بطبيعة # وضعه أو تركيبه، ولكنها بتلك الطريقة التي أومأنا إليها قد خرجت في نظمه ~~مخرجا سريا، فكانت # من أحضر الألفاظ حلاوة وأعذبها منطقا وأخفها تركيبا، إذ تراه قد هيا لها ~~أسبابا عجيبة من تكرار # الحروف وتنوع الحركات، فلم يجرها في نظمه إلا وقد وجد ذلك فيها، كقوله: ~~(ويستخلفكم في الأرض) # فهي كلمة واحدة من عشرة أحرف وقد جاءت عذوبتها من تنوع مخارج الحروف ومن ~~نظم حركاتها، فإنها بذلك صارت في النطق كأنها أربع كلمات؛ إذ تنطق على ~~أربعة مقاطع، # وقوله: (فسيكفيكهم الله) # فإنها كلمة من تسعة أحرف، وهي ثلاثة مقاطع وقد تكررت فيها الياء # والكاف، وتوسط بين الكافين هذا المد الذي هو سر الفصاحة في الكلمة كلها. # وهذا إنما هو الألفاظ المركبة التي ترجع عند تجريدها من المزيدات إلى ~~الأصول الثلاثية أو الرباعية، أما أن تكون اللفظة خماسية الأصول فهذا لم ~~يرد منه في القرآن شيء، لأنه مما لا وجه للعذوبة فيه، إلا ما كان من اسم ~~عرب ولم يكن في الأصول عربيا: كإبراهيم، وإسماعيل، # وطالوت، وجالوت، ونحوها؛ ولا يجيء به مع ذلك إلا أن يتخلله المد كما ترى؛ ~~فتخرج الكلمة وكأنها كلمتان. # وفي القرآن لفظة غريبة هي من أغرب ما فيه، وما حسنت في كلام قط إلا في ~~موقعها منه، # وهي كلمة " ضيزى " من قوله تعالى: (تلك إذا قسمة ضيزى (22) . # ومع ذلك فإن حسنها في نظم الكلام من أغرب الحسن وأعجبه؛ # ولو أردت اللغة عليها ما صلح لهذا الموضع غيرها؛ فإن # السورة التي هي ms151 منها وهي سورة النجم، مفصلة كلها على الياء؛ فجاءت الكلمة ~~فاصلة من الفواصل ثم هي في معرض الإنكار على العرب؛ إذ وردت في ذكر الأصنام ~~وزعمهم في قسمة الأولاد، فإنهم جعلوا الملائكة والأصنام بناب لله مع ~~أولادهم البنات فقال تعالى: (ألكم الذكر وله الأنثى (21) تلك إذا قسمة ضيزى ~~(22) . # فكانت غرابة اللفظ أشد الأشياء ملاءمة لغرابة هذه القسمة # التي أنكرها، وكانت الجملة كلها كأنها تصور في هيئة النطق بها الإنكار في ~~الأولى والتهكم في الأخرى؛ وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة، وخاصة في ~~اللفظة الغريبة التي تمكنت في موضعها من الفصل، ووصفت حالة المتهكم في ~~إنكاره من إمالة اليد والرأس بهذين المدين فيها # إلى الأسفل والأعلى، وجمعت إلى كل ذلك غرابة الإنكار بغرابتها اللفظية. # والعرب يعرفون هذا الضرب من الكلام، وله نظائر في لغتهم، وكم من لفظة ~~غريبة عندهم لا تحسن إلا في موضعها، ولا يكون حسنها على غرابتها إلا أنها ~~تؤكد المعنى الذي سبقت له بلفظها وهيئة منطقها، فكأن في تأليف حروف معنى ~~حسيا، وفي تألف أصواتها معنى مثله في # النفس؛ وقدن بهنا إلى ذلك في باب اللغة من تاريخ آداب العرب. # PageV01P158 # وإن تعجب فعاجب هذه الكلمة الغريبة وائتلافه على ما قبلها، إذ هي مقطعان: ~~أحدهما مد ثقيل، والآخر مد خفيف، وقد جاءت عقب غنتين في " إذا " و " قسمة " ~~وإحداهما خفيفة حادة، # والأخرى ثقيلة متفشية، فكأنها بذلك ليست إلا مجاورة صوتية لتقطيع موسيقي. ~~وهذا معنى رابع للثلاثة التي عددناها آنفا، أما خامس هذه المعاني، فهو أن ~~الكلمة التي جمعت المعاني الأربعة # على غرابتها، إنما هي أربعة أحرف أيضا. # ثم الكلمات التي يظن أنها زائدة في القرآن كما يقول النحاة، فإن فيه من ~~ذلك أحرفا: كقوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم) . # وقوله: (فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا) # فإن النحاة يقولون إن " ما " في الآية الأولى و " أن " في الثانية، ~~زائدتان، أي في الإعراب. # فيظن من لا بصر له أنهما كذلك في النظم ويقيس عليه، ms152 مع أن في هذه الزيادة ~~لونا من التصوير لو هو حذف من الكلام لذهب بكثير من حسنه وروعته، فإن ~~المراد بالآية الأولى، تصوير لين النبي - صلى الله عليه وسلم - لقومه، وإن ~~ذلك رحمة من الله، فجاء هذا المد في " ما " وصفا لفظيا يؤكد معنى اللين ~~ويفخمه، وفوق ذلك فإن لهجة النطق به تشعر بانعطاف وعناية لا يبتدأ هذا ~~المعنى بأحسن منهما في بلاغة السياق، # ثم كان الفصل بين الباء الجارة ومجرورها (وهو لفظ رحمة) مما يلفت النفس ~~إلى تدبر المعنى وينبه الفكر على قيمة الرحمة فيه، وذلك كله طبعي في بلاغة ~~الآية كما ترى. # والمراد بالثانية تصوير الفصل الذي كان بين قيام البشير بقميص يوسف وبين ~~مجيئه لبعد ما كان بين يوسف وأبيه عليهما السلام وأن ذلك كأنه كان منتظرا ~~بقلق واضطراب تؤكدهما وتصف الطرب لمقدمه واستقراره، غنة هذه النون في ~~الكلمة الفاصلة؛ وهي " أن " في قوله: " أن جاء ". # وعلى هذا يجري كل ما ظن أنه في القرآن مزيد: فإن اعتبار الزيادة فيه ~~وإقرارها بمعناها، # إنما هو نقص يجل القرآن عنه، وليس يقول بذلك إلا رجل يعتسف الكلام ويقتضي ~~فيه بغير علمه أو بعلم غيره. . . فما في القرآن حرف واحد إلا ومعه رأفي ~~يسنح في البلاغة، من جهة نظمه، أو # دلالته، أو وجه اختياره، بحيث يستحيل ألبتة أن يكون فيه موضع قلق أو حرف ~~نافر أو جهة غير محكمة أو شيء مما تنفذ في نقده الصنعة الإنسانية من أي ~~أبواب الكلام إن وسعها منه باب. # ولكنك واجد في الناس من ينقبض ذرعه ويقصر به علمه، ولا يدع مع ذلك أن ~~يقدم على الأمر لا يعرف من أين مطلعه ومأتاه فيمضي القول على ما خيل؛ ويفتي ~~بما اختال، ولا يمنعه تقصيره من أن يستطيل به ولا استطالته من أن يكابر ~~عليها؛ ولا مكابرته من اللجاج فيها، فيخطئ صواب # القول إن قال، ثم يخطئ الثانية في تصويب خطئه إن احتج، وما في الخط! جهة ~~ثالثة إلا أن يصر على الخطإ. # ومما لا ms153 يسعه طوق إنسان في نظم الكلام البليغ، ثم مما يدل على أن نظم ~~القرآن مادة فوق # PageV01P159 # الصنعة ومن وراء الفكر وكأنها صبت على الجملة صبا - أنك ترى بعض الألفاظ ~~لم يأت فيه إلا مجموعا ولم يستعمل منه صيغة المفرد، فإذا احتاج إلى هذه ~~الصيغة استعمل مرادفها: كلفظة # (اللب) فإنها لم ترد إلا مجموعة، كقوله تعالى: (إن في ذلك لذكرى لأولي ~~الألباب (21) . # وقوله: # (وليذكر أولو الألباب (52) . # ونحوهما، ولم تجئ فيه مفردة، بل جاء في مكأنها (القلب) ، وذلك لأن # لفظ الباء شديد مجتمع، ولا يفضي إلى هذه الشدة إلا من اللام الشديدة ~~المسترخية، فلما لم يكن ثم فصل بين الحرفين يتهيأ معه هذا الانتقال على ~~نسبة بين الرخاوة والشدة؛ تحسن اللفظة مهما # كانت حركة الإعراب فيها؛ نصبا أو رفعا، أو جرا؛ فأسقطها من نظمه بتة، على ~~سعة ما بين أوله وآخره، ولو حسنت على وجه من تلك الوجوه لجاء بها حسنة ~~رائعة، وهذا على أن فيه لفظة # (الجب) ، وهي في وزنها ونطقها، لولا حسن الائتلاف بين الجيم والباء من ~~هذه الشدة في الجيم المضمومة. # وكذلك لفظة (الكوب) ، استعملت فيه مجموعة ولم يأت بها مفردة لأنه لا ~~يتهيأ فيها ما يجعلها في النطق من الظهور والرقة والانكشاف وحسن التناسب ~~كلفظ (أكواب) الذي هو الجمع. # و (الأرجاء) لم يستعمل القرآن لفظها إلا مجموعا وترك المفرد - وهو الرجا: ~~أي الجانب - لعلة لفظه، وأنه لا يسوغ في نظمه كما ترى. # وعكس ذلك لفظة (الأرض) ؛ فإنها لم ترد فيه إلا مفردة، فإذا ذكرت السماء ~~مجموعة جيء بها مفردة في كل موضع منه، ولما احتاج إلى جمعها أخرجها على هذه ~~الصورة التي ذهبت بسر الفصاحة وذهب بها، حتى خرجت من الروعة بحيث يسجد لها ~~كل فكر سجدة طويلة، وهي في # قوله تعالى: (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن) . # ولم يقل: وسبع أرضين؛ لهذه الجسأة التي تدخل اللفظ ويختل بها النظم ~~اختلالا، وأنت فتأمل - رعاك الله - ذلك الوضع البياني، واعتبر # مواقع النظم، وانظر هل تتلاحق هذه الأسباب ms154 الدقيقة أو تتيسر مادتها ~~الفكرية لأحد من الناس فيما يتعاطاه من الصناعة، أو بتكلفة من القول، وإن ~~استقصى فيه الذرائع، وبالغ الأسباب، وأحكم ما # قبله وما وراءه. . # ومن الألفاظ لفظة (الآجر) وليس فيها من خفة التركيب إلا الهمزة وسائرها ~~نافر متقلقل لا يصلح مع هذا المد في صوت ولا تركيب على قاعدة نظم القرآن، ~~فلما احتاج إليها لفظها ولفظ # مرادفها وهو (القرمد) وكلاهما استعمله فصحاء العرب ولم يعرفوا غيرهما، ثم ~~أخرج معناها بألطف عبارة وأرقها وأعذبها، وساقها في بيان مكشوف يفضح الصبح، ~~وذلك في قوله تعالى: # (وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان ~~على الطين فاجعل لي صرحا) . # فانظر، هل تجد في سر الفصاحة وفي روعة الإعجاز أبرع أو أبدع من هذا؛ وأي ~~عربي فصيح يسمع مثل هذا النظم وهذا التركيب ولا يملكه حسه ولا يسوغه حقيقة ~~نفسه ولا يجن به # PageV01P160 # جنونا ولا يقول آمنت بالله ربا وبمحمد نبيا وبالقرآن معجزة؛ وتأمل كيف ~~عئر عن الآجر بقوله: # (فأوقد لي يا هامان على الطين) وانظر موقع هذه القلقلة التي هي في الدال ~~من قوله (فأوقد) وما يتلوها من رقة اللام، فإنها في أثناء التلاوة مما لا ~~يطاق أن يعبر عن حسنه، وكأنما تنتزع النفس انتزاعا. # وليس الإعجاز في اختراع تلك العبارة فحسب، ولكن ما ترمي إليه إعجاز آخر؛ ~~فإنها تحقر شأن فرعون، وتصف ضلاله، وتسفه رأيه، إذ طمع أن يبلغ الأسباب ~~أسباب السموات فيطلع إلى # إله موسى، وهو لا يجد وسيلة إلى ذلك المستحيل ولو نصب الأرض سلما، إلا ~~شيئا يصنعه هامان من الطين. . .! # وما يشذ في القرآن الكريم حرف واحد عن قاعدة نظمه المعجز؛ حتى إنك لو ~~تدبرت الآيات التي لا تقرأ فيها إلا ما يسرده من الأسماء الجامدة، وهي ~~بالطبع مظنة أن لا يكون فيها شيء من دلائل الإعجاز؛ فإنك ترى إعجازها أبلغ ~~ما يكون في نظمها وجهات سردها، ومن تقديم # اسم على غيره أو تاخيره عنه، لنظم حروف ومكأنه من ms155 النطق في الجملة؛ أو ~~لنكتة أخرى من نكت المعاني التي وردت فيها الآية بحيث يوجد شيئا فيما ليس ~~فيه شيء. # تأمل قوله تعالى: (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ~~آيات مفصلات) # فإنها خمسة أسماء، أخفها في اللفظ (الطوفان والجراد والدم) وأثقلها ~~(القمل والضفادع) فقدم (الطوفان) # لمكان المدين فيها؛ حتى يأنس اللسان بخفتها؛ ثم الجراد وفيها كذلك مد؛ ثم ~~جاء باللفظين الشديدين مبتدئا بأخفهما في اللسان وأبعدهما في الصوت لماكن ~~تلك الغنة فيه؛ ثم جيء بلفظة (الدم) آخرا، وهي أخف الخمسة وأقلها حروفا؛ ~~ليسرع اللسان فيها ويستقيم لها ذوق النظم ويتم # بها هذا الإعجاز في التركيب. # وأنت فمهما قلبت هذه الأسماء الخمسة، فإنك لا ترى لها فصاحة إلا في هذا ~~الوضع؛ لو قدمت أو أخرت لبادرك التهافت والتعثر، ولأعنتك أن تجيء منها بنظم ~~فصيح، ثم لا ريب أحالك ذلك عن قصد الفصاحة وقطعك دون غايتها. # ثم لخرجت الأسماء في اضطراب النطق على ذلك بالسواء؛ # ليس يظهر أخفها من أثقلها؛ فانظر كيف يكون الإعجاز فيها # ليس فيه إعجاز بطبيعته. # PageV01P161 # وبهذا الذي قدمناه ونحوه مما أمسكنا عنه ولم نستقص في أمثلته لأنه أمر ~~مطرد - تعرف أن # القرآن إنما أعجز في اللغة بطريقة النظم وهيئة كوضع ولن تستوي هذه ~~الطريقة إلا بكل ما فيه على # جهته ووضعه، فكل كلمة منه ما دامت في موضعها فهي من بعض إعجازه، ومن ههنا ~~ينساق بنا # الكلام إلى القول في النوع الثالث. # *** # PageV01P162 ### | الجمل وكلماتها # والجملة هي مظهر الكلام، وهي الصورة النفسية للتأليف الطبيعي، إذ يحيل ~~بها الإنسان هذه المادة المخلوقة في الطبيعة، إلى معاني تصورها في نفسه أو ~~تصفها، ترى النفس هذه المادة المصورة وتحسها. # على حين قد لا يراها المتكلم الذي أهدفها لكلامه غرضا ولكنه بالكلام كأنه # يراها. # ولذا كانت المعاني في كلماتها التي تؤدي إليها كأنها في الاعتبار بقية ~~الشعاع النظري الذي اتصل بالمادة الموصوفة، أو بقية حس آخر من الحواس التي ~~هي في الحقيقة جملة آلات الإنسان في صنع اللغة. # فإذا ركب الكلام على ms156 أصل من التركيب لا يتأدى بالمعاني إلى أبعد من مظاهر ~~الحس، فهذا هو الكلام الطبيعي الذي لا يزيد من فضيلة المتكلم أكثر مما تزيد ~~الحواس نفسها في هذا المتكلم # من فضيلة الإنسانية، وذلك أصل هو من رقة الشأن وخفة المنزلة بحيث يخرج ~~الناس جميعا بالسواء فيه ليس لأحد منهم على أحد فضل، ما دام الكلام سواء ~~فيهم من أصل الخلقة وطبيعة الحياة. # أما إذا خرج الكلام إلى أن يكون في أوضاعه ومعانيه كأنه تصرف من الحواس ~~في أنواع الإدراك ودرجاته كتصرف النظر في اكتناه الجمال وإدراك معانيه؛ أو ~~السمع في استبانة الأصوات وحس نغماتها، إلى ما يشبه ذلك من صنع سائر الحواس ~~في كمالها العصبي - فهذا هو الكلام # النفسي الذي يضيف إلى صفة المتكلم صفة البلاغة ويرتفع به عن أن يكون ~~إنسانا من الجنس إلى أن يكون - بفضيلة البلاغة - مادة إنسانية لجنس ~~الإنسان. # فإذا ارتفع الكلام إلى أن يصير في تقليبه ومداورته كأن طرق ما بين الحواس ~~في أنواع إدراكها وبين النفس، فلا يخطئ التأثير ولا ينافر جهة من جهاته ولا ~~يعدو أن يبلغ من الفؤاد مبلغه الذي قسم له - فهذا هو الكلام الذي يبين ~~البليغ ويفرده من قومه ويجعله مهوى قلوبهم وصمت # أبصارهم إذ يكون في نفسه من هذه القوة البيانية ما يجعله خليقا أن يعتده ~~التاريخ أحد المجامع النفيسة في الأرض، وهم الذين لا يكثرون بعددهم، ولكن ~~بمواهبهم؛ حتى إن أحدهم ليكون أمة في نفسه. # ويكون عمله تاريخ عصر من أمة؛ وهم أولئك الأفراد العظماء الذين تبتدئ ~~درجاتهم مما بين الخلق بعضهم من بعض، إلى ما بين الخلق والخالق، من الشعراء ~~إلى الأنبياء. # فإذا بعد الكلام وأمعن حتى يكون بدقائق تركيبه وطرف تصويره كأنما يفيض ~~النفس على الحواس إفاضة، ويترك هذا الإنسان من الإحساس به كأنه قلب كله، ثم ~~يبلغ من ذلك إلى أن يكون روح لغة كاملة وبيان أمة برفتها، لا يحيله الزمن ~~عن موضعه، ولا يقلبه عن جهته، وإلى أن # PageV01P163 # يجعل البلغاء على تفاوتهم فيما بينهم، ms157 وعلى اختلاف عصورهم وأسبابهم ~~المتلاحقة، وكأنهم معه طبقة واحدة وفي طوق واحد من العجز؛ يعنيهم طلبه، ~~ويعنتهم إدراكه ويعرفون تركيبه ثم لا يجدون له مأتى من النفس ولا وجها من ~~القدرة فذلك هو الكلام المعجز، بل هو معجزة الطبيعة # الكلامية التي لم تعرف في تاريخ أمة من أمم الأرض، ولا عرف أن بلغاء أمة ~~من أمم الكلام قد أقروا وأجمعوا عليها إجماعا يتوارثونه علما ونظرا على ~~انفساح التاريخ وتعاقب الأجيال، إلا ما كان # من ذلك في القرآن، وما لا يزال الإجماع منعقدا عليه ما بقي في الأرض لفظ ~~من العرب. # وإنما اطرد ذلك للقرآن من جهة تركيبه الذي انتظم أسباب الإعجاز من الصوت ~~في الحرف، إلى الحرف في الكلمة، إلى الكلمة في الجملة، حتى يكون الأمر ~~مقدرا على تركيب الحواس # النفسية في الإنسان تقديرا يطابق وضعها وقواها وتصرفها، وذلك إيجاد خلقي ~~لا قبل للناس به ولم يتهيأ إلا في هذه العربية عن طريق المعجزة التي لا ~~تكون معجزة حتى تخرق العادة، وتفوت المألوف، وتعجز الطوق، وإنما امتنع أن ~~يكون في مقدور الخلق، لأنه تفصيل للحروف على # النحو الذي يأخذه فيه تركيب الحياة، من تناسب الأجزاء في الدقيق والجليل، ~~وقيام بعضها ببعض لا يغني منها شيء عن شيء في أصل التركيب وحكمته ولا يرد ~~غيرها مردها ولا يأتلف ائتلافها # ولا يجري فيها إلى نحو ذلك مما أجرى الله عليه نشء الخلق وبعث الحياة، ثم ~~اشتمالها على سر التركيب المكنون الذي جعل البلغاء منها بمنزلة الأطباء في ~~سعة العلم بتركيب الأجسام الحية من # الخلية فما فوقها، دون العلم بالوجه الذي يمكن به التركيب، على أنهم لا ~~يفوتهم شيء من دقائقه ولا يعزب عنهم مثقال ذرة من مادته، وهي بعد مبذولة ~~لهم يقبلونها وششوضحونها ويزدادون بها # على الدهر خبرة، ثم ينصرفون عنها وهم في العلم غير من كانوا وهي لا تزال ~~عندهم على ما كانت! # ولم نر شيئا كان أمره مع العلم ذلك الأمر إلا أن يكون إلهيا، فقد فرغ ~~الناس من كل ms158 ما وضع الناس، وعارض بعضهم بعضها، وأبر بعضهم على بعض ولم يسلم ~~للمتقدم من الفضل على المتأخر إلا فضيلة احترام الموت واستحياء التاريخ، ~~وقد بدلت الأرض غير الأرض وليس فيها من # أثر واحد لم يتناوله ناموس النشوء بالنقض من إحدى جهاته على هرم الدهر ~~وتقادمه، غير القرآن فإنه طبقة وحده في إعجاز تركيبه وسلامة معانيه، لم ~~تنقض منه آية ولا كلمة ولا ما دون الكلمة، # ولا ذكر معه شيء من كلام البلغاء. # ولا عورض به ولا أزيل عن موضعه، ولا وزنه عقل إلا كان # مرجوحا أبدا، وما أراده أحد إلا أراده بغير طريقته، ولا بحث عن طريقته ~~إلا عي بإدراكها وبعل بها ولم يدر ما هي ولا كيف هي ولا من أين يأتي لها، ~~وصار أمره نشرا لا نظام له وعاد علمه جهلا لا بصيرة معه: # ولعمري إنه لشى في العجائب كلها شيء أعجب من إمكان أن يكون القرآن # مع هذا الإعجاز كله غير معجز. . .! # ولقد كانت هذه الطريقة المعجزة التي نزل بها القرآن هي السبب في حفظ ~~العربية واستخراج علومها؛ وما كان أصل ذلك إلا التحدي بها، فإن من حكمة هذا ~~التحدي أن يدعوهم إلى النظر في # PageV01P164 # أساليبه ووجه نظمه وتدبر طريقته، وأن يروزوا أنفسهم منها ويزنوها به، حتى ~~إذا استيقنوا العجز وأطرقوا عليه، كان ذلك سببا لمن يخلفهم على اللغة إلى ~~استبانة وجوه الإعجاز، فكشف لهم # عن فنون البلاغة، وتأدت بهم إلى حيث بلغوا من تتبع كلام العرب والاستقصاء ~~فيه والكشف عن محاسنه، وأغرى بعض ذلك من بعضه، وأعان كل على كل، حتى اجتمعت ~~المادة وتلاحقت # الأسباب ولولا ما صنعوا لخرج الناس إلى العخمة، ولذهبت هذه الآداب ولما ~~بقي في الأرض إلى اليوم من يقول إن القرآن معجز! . # وذلك بأن العرب لم يكن لهم من البلاغة إلا علم الفطرة، ولم يكن لمن بعدهم ~~من هذه الفطرة إلا ما ترجعه الوراثة من أوليتهم، وهو شيء تتولاه العصور ~~بالتحول والزيغ، وتدأب عليه بالنقض والاختلاف، حتى يخرج عن أصله إلى أن ms159 ~~يكون أثلا جديدا، ثم إلى أن تنشق منه أصول # أخرى وهي الطريقة التي تنشأ بها اللغات وتستمر وتذهب في الاشتقاق، فلا ~~يبقى على ذلك من البلاغة العربة شيء ينفذ إليه العلم أو تستطيعه القدرة، إذ ~~تكون العربية نفسها قد درست وانتثرت # بقاياها في القبور والأنقاض. # ومن البين أن أخص أسباب الارتقاء كائن في الغلبة، والتميز والانفراد حيث ~~وجدت، فلو جاء القرآن مثل كلام العرب في الطريقة والمذهب، وفي الصفة ~~والمنزلة، لما صلح أن يكون سببا # لما أحدثه، ولذهب مع كلام العرب، ثم لتدافعته العصور والدول إن لم يذهب، ~~ثم لبقي أمره # PageV01P165 # كبعض ما ترى من الأمور الإنسانية؛ لا ينفرد ولا يستعلي. # فتدبر أنت هذا الأمر العجيب الذي كان الأصل فيه نزول آيات التحدي، وتأمل ~~كيف أثبت القرآن إعجازه على الدهر بهذه الآيات القليلة، وكيف ضمن بما ~~وراءها نثاة العقول التي تدرك هذا # الإعجاز وتقر به، وتكون مادة لتاريخه الأبدي، لا تضعف ولا تنحسم؛ وهل بعد ~~هذا من ريب في قول الله تعالى يخاطب الرسول عليه الصلاة والسلام: (وإنك ~~لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم (6) # فقد علم الله هذا الأمر كيف يكون وكيف يثبت، فقدره بعلمه وفصله بحكمته ~~قبل أن يقع، فانظر إلى آثار رحمة الله. # أما ألفاظ هذا الكتاب الكريم، فهي كيفما أدرتها وكيفما تأملتها وأين ~~اعترضتها من مصادرها أو مواردها ومن أي جهة وافقتها؛ فإنك لا تصيب لها في ~~نفسك ما دون اللذة الحاضرة، والحلاوة # البادية، والانسجام العذب؛ وتراها تتساير إلى غاية واحدة، وتسنح في معرض ~~واحد، ولا يمنعها اختلاف حروفها وتباين معانيها وتعدد مواقعها من أن تكون ~~جوهرا واحدا في الطبع والصقل، وفي # الماء والرونق؛ كأنما تتلامح بروح حية ما هو إلا أن تتصل بها حتى تمتزج ~~بروحك وتخالط إحساسك فلن تكون معها إلا على حالة واحدة. # تختلف الألفاظ ولا تراها إلا متفقة، وتفترق ولا تراها إلا مجتمعة، وتذهب ~~في طبقات البيان وتنتقل في منازل البلاغة، وأنت لا تعرف منها إلا روحا ~~تداخلك بالطرب، وتشرب قلبك الروعة، وتنتزع ms160 من نفسك حس الاختلاف الذي طالما ~~تدبرت به سائر الكلام، وتصحفت به على # البلغاء في ألوان خطابهم وأساليب كلامهم وطبقات نظامهم، مما يعلو ويسفل، ~~أو يستمر وينتقض، أو يأتلف ويختلف. . إلى غيرها من آثار الطباع الإنسانية ~~فيما يعتريها من نقص أو كلال أو غفلة، ومما هو صورة في الكلام لوجوه ~~اختلافها بالقوة والضعف في أصل الخلقة وطريقة # النشأة وأسباب التحصيل وآلات الصناعة إذ كل ذلك ليس في كل الطباع ~~الإنسانية على سواء. # فأنت ما دمت في القرآن حتى تفرغ منه، لا ترى غير صورة واحدة من الكمال ~~وإن اختلفت أجزاؤها في جهات التركيب وموضع التأليف وألوان التصوير وأغراض ~~الكلام، كأنها تفضي إليك # جملة واحدة حتى تؤخذ بها ويغلب عليك شبيه في التمثيل مما يغلب على أهل ~~الحسق بالجمال إذا عرضت لأحدهم صورة من صوره الكاملة، فإن لم ضربا من النظر ~~يعتريهم في تلك الحالة خاصة، # ولو سميته حس النظر الفكري لم تبعد، فهو يبتدئ في الصورة الجميلة ويستتم ~~في النفس، فلو أنها أغمضت العين دونها لبقيت الصورة ماثلة بجملتها في ~~الفكر، ولو وقفت العين على وجهة واحدة منها لوصلها الفكر بسائر أجزائها ~~فتمثلت به سوية التركيب تامة الخلق، في حين لا ترى # العين إلا هذه الجهة وحدها. # وذلك أمر متحقق بعد في القرآن الكريم: يقرأ الإنسان طائفة من آياته فلا ~~يلبث أن يعرف لها صفة من الحس ترافد ما بعدها وتمده، فلا تزال هذه الصفة في ~~لسانه ولو استوعب القرآن كله، # PageV01P166 # حتى لا يرى آية قد أدخلت الضيم على أختها، أو نكرت منها، أو أبرزتها على ~~ظل هي فيه. أو # دفعتها عن ماء هي إليه، ولا يرى ذلك كله إلا سواء وغاية في الروح والنظم ~~والصفة الحسية، لا يغتمص في هذا إلا كاذب على دخلة ونية، ولا يهجن منه إلا ~~أحمق على جهل وغرارة، ولا يمتري فيه بعد هذين إلا عامى أو أعجمي. . (كذلك ~~يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون (59) . # إن طريقة نظم القرآن تجري على استواء واحد في ms161 تركيب الحروف باعتبار من ~~أصواتها ومخارجها، وفي التمكين للمعنى بحس الكلمة وصفتها، ثم الافتنان فيه ~~بوضعها من الكلام، # وباستقصاء أجزاء البيان وترتيب طبقاته على حسب مواقع الكلمات، لا يتفاوت ~~ذلك ولا يختل، # فمن أين يدخل على قارئه ما يكد لسانه، أو ينبو بسمعه؛ أو يفسد عليه ~~إصغاءه أو يرده عما هو منه بسبيله؛ أو يتقسم إحساسه ويتوزع فكره؛ أو يورده ~~الموارد من ذلك كله أو بعضه؛ إلا أن يكون # هذا القارئ ريضا لم تفلح فيه رياضة البلاغة، ولا أجدى عليه التمرين ~~والدربة؛ فخرج ألف اللسان بليد الحس متراجع الطبع، لم يبلغ مبلغ الصبيان في ~~إحساس الغريزة وصفاء هذه الحاسة # واطراد هذا الصفاء. # فإننا لنعرف صبيان المكاتب - وقد كنا منهم - وما يسهل عليه القرآن ~~وإظهاره، ولا يمكنه في أنفسهم حتى يثبتوه، إلا نظمه واتساق هذا النظم، ولو ~~هم أخذوا في غيره من فنون المعارف أو متون العلوم أو مختار الكلام أو نحوه ~~مما يرادون على حفظه، أفي ذلك كان، لأعياهم وبلغ منهم # إلى حد الانقطاع والتخاذل، حتى لا يجمعوا منه قدرا في حجم القرآن إن ~~جمعوه إلا وقد استنفدوا من العمر أضعاف ما يقطعونه في حفظ القرآن: على أنهم ~~يبلغون من هذا بالعفو والأناة، ولا يبلغون مثله من ذلك إلا بالعنت والجهد. # وقد ينسى أحدهم الآية من القرآن فينقطع إلى الصمت من قراءته، أو تتدخل في ~~لفظه بعض الآيات المتشابهة في السور، أو يسقط بعض اللفظ في تلاوته فيضل في ~~ذلك، ثم لا ييسره للذكر، ولا يذكره بالآية المنسية أكثر ما يتذكر، إلا نسق ~~الحروف في بعض كلماتها، ولا يبين له مواقع # الكلم المتشابهات، إلا نظام كل كلمة من آيتها، ولا يهديه إلى ما أسقطه من ~~اللفظ غير إحساسه باضطراب النظم وتخلخل الكلام، ولقد كان ذلك أكبر ما كنا ~~نستعين به أيام الحداثة على اتقاء # الغلط والمداخلة والسهو، وكنا نفزع إليه إذا جلسنا بين يدي فقيهنا - رحمه ~~الله - مجلس القراءة (والتسميع) . وقد عرفنا أن تأذي سمعه مقرون بأذى عصاه. ~~. وكم تواصفنا ms162 مع أذكياء الصبيان في # (الكتاب) فما رأينا منهم إلا من ادخر لمحنته من ذلك أشياء. # PageV01P167 # لا جرم كان القرآن في نظمه وتركيبه على الأصل الذي أومأنا إليه: نمطا ~~واحدا في القوة والإبداع، ولا تقع منه على لفط واحد يخل بطريقته، ما دامت ~~تنعطف على جوانب هذا الكلام # الإلهي وما دام في موضعه من النظم والسياق فإذا أنت حرفت ألفاظه من ~~مواضعها، أو أخرجتها # PageV01P168 # من أماكنها، وأزلتها عن روابطها حصلت معك ألفاظ كغيرها بما يدور في ~~الألسنة ويجري في الاستعمال، ورأيتها - وهي في الحالين لغة واحدة - كأنما ~~خرجت من لغة إلى لغة، لجد ما كانت # فيه مما صارت إليه، بيد أنك إذا تعرفت ألفاظ اللغة على هذا الوجه في كلام ~~عربي غير القرآن، # أصبت أمرا بالخلاف، ورأيت لكل لفظة روحا في تركيبها من الكلام فإذا ~~أفردتها وجدتها قريبة مما كانت، لأنها هي نفسها التي كانت من روح التركيب، ~~ولم يكن لهذا التركيب في جملته روح خاصة بالنسق والنظم، فعلى كل لفظة معنى ~~في الجملة كما أعطتها اللغة معنى في الإفراد، حتى # إذا أبنتها وميزتها من هذه الجملة ضعفت ونقصت، وتبينت فيها الوحشة والقلة ~~شبيه الذي يعرض للغريب إذا نزح عن موطنه وبان من أهله، وكان كل ذلك فيها ~~طبيعيا لأن حقيقة التركيب إنما هي # صفة الوحي في هذا الكلام. # وهذه الروح التي أومأنا إليها، (روح التركيب) ، لم تعرف قط في كلام عربي ~~غير القرآن، وبها انفرد نظمه وخرج مما يطيقه الناس؛ ولولاها لم يكن بحيث هو ~~كأنما وضع جملة واحدة ليس بين أجزائها تفاوت أو تباين، إذ تراه ينظر في ~~التركيب إلى نظم الكلمة وتأليفها، ثم إلى تأليف هذا # النظم: فمن هنا تعلق بعضه على بعض، وخرج في معنى تلك الروح صفة واحدة؛ هي ~~صفة إعجازه في جملة التركيب كما عرفت، وان كان فيما وراء ذلك متعدد الوجوه ~~التي يتصرف فيها من # أغراض الكلام ومناحي العبارات على جملة ما حصل به من جهات الخطاب: كالقصص ~~والمواعظ والحكم والتعليم وضرب الأمثال، إلى ms163 نحوها مما يدور عليه. # ولولا تلك الروح لخرج أجزاء متفاوتة، على مقدار ما بين هذه المعاني ~~ومواقعها في النفوس؛ وعلى مقدار ما بين الألفاظ والأساليب التي تؤديها ~~حقيقة ومجازا. كما تعرفه من كلام البلغاء عند تباين الوجوه التي يتصرف ~~فيها، على أنهم قد رفهوا عن أنفسهم وكفوها أكبر المؤنة فلا # يألون أن يتوخوا بكلامهم إلى أغراض ومعان يعذب فيها الكلام ويتسق القول ~~وتحسن الصنعة مما يكون أكبر حسنه في مادته اللغوية، وذلك شائع مستفيض في ~~ماثور الكلام عنهم، ثم هم مع هذا يستوفون المعنى الواحد على وجهه، فإذا ~~تحولوا إلى غيره، وأفضوا بالكلام إلى سواه رأيت من # اقتضابهم في الأسلوب ومن التذاكر في وضع المعنى إلى المعنى ما يشبه في ~~اثنين متقابلين من الناس منظر قفا إلى وجه. # وعلى أنا لم نعرف بليغا من البلغاء تعاطى الكلام في باب الشرع وتقرير ~~النظر وتبيين الأحكام ونصب الأدلة وإقامة الأصول والاحتجاج لها والرد على ~~خلافها، إلا جاء بكلام نازل عن طبقة كلامه في غير هذه الأبواب؛ وأنت قد ~~تصيب له في غيرها اللفظ الحر، والأسلوب الرائع، والصنعة المحكم والبيان ~~العجيب، والمعرض الحسن، فإذا صرت إلى ضروب من تلك # المعاني، وقعت ثمة على شيء كثير من اللفظ المستكره، والمعنى المستغلق ~~والسياق المضطرب، والأسلوب المتهافت والعبارات المتبذلة، وعلى النشاط ~~متخاذلا والعرى محلولة، # والوثيقة واهنة، وتبينت كلاما لا تطمئن إليه في أكثر جهاته حتى لتعجب أن ~~صاحبه وصاحب # PageV01P169 # ذلك الكلام رجل واحد. # وإنما وقع للبلغاء هذا النقص من جهة التركيب، إذ ليس في كلامهم روح كروح ~~النظم في القرآن ولا هذه الروح مما تطوعه قوى الخلق؛ فلما صاروا إلى الوضع ~~الذي تضعف مادته اللغوية # من الحقيقة والمجاز وما إليها، صاروا إلى الضعف الذي لا قبل لهم به ولا ~~حيلة لهم فيه إلا مداورة الكلام وتعريض العبارة وتشقيق المعنى، فذهبوا إلى ~~الخلق والتهافت وتصدير القول بالرقع من ههنا وههنا، فحيث أصبت كلمة رائعة ~~أصبت منها رقعة، وكان ما اتفق لهم من هذه الصنعة في # تحسين الكلام ms164 دليلا على قبحه؛ وكان قبحا جديدا. # وإنك لتحار إذا تأملت تركيب القرآن ونظم كلماته في الوجوه المختلفة التي ~~يتصرف فيها؛ وتعقد بك العبارة إذا أنت حاولت أن تمضي في وصفه حتى لا ترى في ~~اللغة كلها أدل على غرضك وأجمع لما في نفسك وأبين لهذه الحقيقة، غير كلمة ~~الإعجاز. # وما عسى أن تقول في كلام ترى للفظ من الألفاظ فيه معنى؛ ثم ترى كأن لهذا ~~المعنى في التركيب معنى آخر، هو الذي يفيض على النفس ويتصل بها فكأنه كلام ~~مداخل وكأن اللغة فيه لغتان. # ثم ما أنت قائل في كلام جاء من الإبداع في التأليف ومن وجوه التفنن في ~~تلوين المعاني بحيث نفى العرب جميعا عن لغتهم وهم في أرقى ما اتفق لهم من ~~الصور اللغوية، واستبد بها # دونهم واستغرق كل ما جاء به من محاسن البيان حتى لم يدع لمن يقابل بينه ~~وبين كلامهم إلا حكما واحدا تنتهي إليه المقالة من أي جهاتها سلك؛ وهو أن ~~العرب أوجدوا اللغة مفردات فانية، # وأوجدها القرآن تراكيب خالدة. # ثم ماذا يبلغ القول من صفة هذا التركيب العجيب، وأنت ترى أن أعجب منه ~~مجيئه على هذا الوجه الذي يستنفد كل ما في العقول البيانية من الفكر، وكل ~~ما في القوى من أسباب البحث؛ # كأنما ركب على مقادير العقول والقوى وآلات العلوم وأحوال العصور المغيبة؛ ~~فتراه يتخير من الألفاظ على درجات ليس معنى العجب فيها أن يقع التخير ~~عليها، ولكن العجب أن تستجيب ألفاظه على هذا الوجه المعجز الذي لا يكون في ~~اللغة إلا عن قدرة هي عين القدرة التي ألهمت # أهلها الوضع والتعبير وتشقيق الكلام، حتى حصلت لغتهم كاملة في كل ذلك، ~~أفي معنى أعجب من أن تتجاذبك معاني الوضع في ألفاظ القرآن فترى اللفظ قارا ~~في موضعه لأنه الأليق في النظم، # ثم لأنه مع ذلك الأوسع في المعنى، ومع ذلك الأقوى في الدلالة، ومع ذلك ~~الأحكم في الإبانة، # ومع ذلك الأبدع في وجوه البلاغة، ومع ذلك الأكثر مناسبة لمفردات الآية ~~مما يتقدمه ms165 أو يترادف عليه، حتى خرج بذلك كله في تركيب قصر معارضته أن ~~تنتهي إليه بعينه، ولا مثل له إلا ما يتردد # منه على لسان قارئه، وحتى خرج التعبير عن معانيه بألفاظ أخرى من نفس ~~اللغة العربية مخرج الترجمة إلى غيرها من اللغات إذ لم تحمل لغة من لغات ~~الأرض حقيقة ما تعئنه ألفاظه على تركيبها # PageV01P170 # المعجز بل هو في ذلك يعجزها جميعا ويخرج عن طوق أهلها لمان تساندوا فيه، ~~وإنما جهد ما تبلغه تلك اللغات أن تجيء بشبه معانيه، قصدا في بعضها ومقاربة ~~في بعضها مع الاستعانة بالشرح المبسوط والعبارة الملونة، وعلى أنه ليس ضربا ~~من ضروب الصناعات اللفظية التي لا يتفق فيها أن # تنقل من لغة إلى لغة وإن من أعجب ما يحقق الإعجاز أن معاني هذا الكتاب ~~الكريم لو ألبست ألفاظا أخرى من # نفس العربية، ما جاءت في نمطها وسمتها والإبلاغ عن ذات المعنى لا في حكم ~~الترجمة، ولو تولى ذلك أبلغ بلغائها ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا؛ فقد ضاقت ~~اللغة عنده على سعتها؛ حتى # ليس فيها لمعانيه غير ألفاظه باعيانها وتركيبها، ومتى كانت المعارضة ~~والترجمة سواء إلا في المعجز الذي يساوي بين القوى في المعجز وهي بعد في ~~ذات بينها مختلفات؟ # PageV01P171 ### | (فصل) # غرابة أوضاعه التركيبية # وههنا أمر دقيق لا بد لنا من طلب وجهه، لأنه شطر الإعجاز في القرآن ~~الكريم، وسائر ما قدمناه شطر مثله؛ وذلك أنك حين تنظر في تركيبه لا ترى ~~كيفما أخذت عينك منه إلا وضعا غريبا # في تأليف الكلمات، وفي مساق العبارة، وبحيث تبادرك غرابته من نفسها ~~وطابعها بما تقطع أن هذا الوضع وهذا التركيب ليس في طبع الإنسان، ولا يمكن ~~أن يتهيأ له ابتداء واختراعا دون تقديره على # وضع يشبهه، أو احذاء لبعض أمثلة تقابله، لا تحتاج في ذلك إلى اعتبار ولا ~~مقايسإ، وليس إلا أن تنظر فتعلم. # ولو ذهبت تفلي كلام العرب من شعر شعرائهم ورجز رجازهم وخطب خطبائهم وحكمة ~~حكمائهم وسجع كهانهم، من مضى منهم ومن غبر على أن تجد ms166 ألفاظا في غرابة ~~تركيبها (التي هي صفة الوحي) كألفاظ القرآن، وعلى أن ترى لها معاني كهذه ~~المعاني الإلهية التي تكسب الكلام # غرابة أخرى يحس بها طبع المخلوق ويعتريه لها من الروعة ما يعتري من الفرق ~~بين شيء إلهي وشيء إنساني - لما أصبت في كل ذلك مما تختاره إلا لغة وأوضاعا ~~ومعاني إنسانية، تقيع بجملتها دون قصدها الذي أردت، ولا ترضاها للتمثيل ~~والمقابلة، ولا تراها تحل مع القرآن إلا في محل # نافر ولا تنزل منه إلا في قاصية شاردة؛ ثم لوجدت فرق الغرابة الإلهية بين ~~اثنينهما في الكلام عين ما تعرفه من الفرق بين الماء في سحابه، والماء في ~~ترابه. # وما من بليغ يتدبر هذه الأوضاع في القرآن؛ ثم تحدثه النفس في خاطرا ~~إنسانيا يتشؤف إلى مثلها، أو يضل بها صببا من أسباب المطمعة، أو يظن أنه ~~قادز عليها، إذ يرى غرابة الوضع في # تركيب الألفاظ أشبه شيء بالتوقيف الإلهي في وضع الألفاظ نفسها لو كان ~~وضعها ابتداء واختراعا في اللغة وكان ذلك في زمنه (أي البليغ) أو بعين منه ~~بحيث تظهر له غرابة الوضع اللغوي خالصة # جديدة، لا شوب فيها مما يألفه السمع أو تمكنه العادة، أو نحو ذلك مما ~~يجعل الغريب مأنوسا، أو يأخذ من غرابته أو يصقل بعض جهاتها. # فيظهر الأمر الغريب وكأنه غير ما هو في نفسه. # على أنه لا يجد مع تلك الغرابة في أوضاع القرآن، إلا ألفاظا مؤتلفة ~~متمكنة، التئام سردها وتناصف وجوهها؛ لا ينازع لفظ واحد منها إلى غير ~~موضعه، ولا يطلب غير جهته من الكلام. # PageV01P172 # ولعمري إن اتفاق هذا الإحكام العجيب مع غرابة الوضع، لهو أغرب منها في ~~مذهب البلاغة، # وأدخل في باب العجب، ولولا أن الأمر إلهي، ولا عجب من قدرة الله. # وقد كان العرب إنما يركبون ألفاظهم في معاني مألوفة وعلى سنن معروفة فإن ~~وقع فيها شيء غريب فلا يكون من انتلاف اللفظ مع اللفظ وإنما يجيء من أبواب ~~أخرى تتعلق بهيئة التركيب نفسه؛ على ما عرف من جهات البلاغة وفنونها. ms167 وذلك ~~شيء لا ينقض العرف، بل يتهيأ مثله لكل # من تسبب له وأخذ في طريقته، وكثيرا ما اتفق للمتاخر فيه أبدع مما جاء به ~~المتقدم؛ لأنه أمر عموده الطبع؛ وأسبابه في الاكتساب والتمرين، والبراعة ~~فيه بالتوليد والمحاكاة والتأمل؛ وهذه # ضروب كلما اتسعت أمثلتها اتسعت فنونها، لاشتقاق بعضها من بعض؛ وبها انتهت ~~البلاغة في المتأخرين إلى ما انتهت إليه مما ذهب أكثره من علم المتقدمين في ~~صدر اللغة. # وتلك الغرابة التي أومأنا إليها، وقد يتفق الشيء القليل منها لافراد ~~الفصحاء وأئمة البيان، مما ينفذ فيه الطبع اللغوي، والمنزع القوي، وهو من ~~غرابة القريحة فيهم؛ على أن ذلك لا يعدو كلمات معدودة: كقول امرئ القيس في ~~الجواد: (قيد الأوابد) وقول أبي تمام في الرأي: (وطن للنهى) ونحو ذلك من ~~الكلمات الجامعة التي تتفق لفحول الشعراء والبلغاء، مما هو في الحقيقة # وضغ لغوي مركب، يشبه الوضع اللغوي في الكلمات المفردة، فيتناول اللغة ~~والبلاغة جميعا، وتكون فضيلته في الجهتين. # بيد أنك ترى جملة تراكيب القرآن من غرابة النظم، على ما يشبه هذا الوضع ~~في ظاهر الغرابة وترى فيه من البلاغة الجامعة خاصة أضعاف ما أنت واجده لأهل ~~اللغة كلهم من الشعراء # والخطباء والكتاب، وهذا الضرب من البلاغة تحصي منه في كلام رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ما يرجح بكثير من الناس. ولكن لا يعمهم؛ وهو باب من ~~أبواب بلاغته عليه الصلاة والسلام بل من أخص أبوابها. # كما نبسطه في موضعه. # ولا يذهبن عنك أن وضع الألفاظ المفردة إنما يقع في أزمان متطاولة وعصور ~~متعاقبة. # ولا يلبث اللفظ أن يوضع حتى يجري في الاستعمال ويستوفي وجوه التركيب التي ~~يقلب عليها. # فنزول القرآن في بضع وعشرين سنة. واجتماعه من سبع وسبعين ألف كلمة ونيف؛ ~~بهذه التراكيب التي # PageV01P173 # لم تعد للعرب في غرابة أوضاعها التركيبة، وهم أهل الوضع والمتصرفون في ~~اللغة بقياس القريحة وعلى أصل الفطرة - هو مما يحقق إعجازه الأبدي على وجه ~~الدهر، إذ يستحيل بتة أن يتفق لغير أولئك العرب في باب، إفرادا وتركيبا ms168 على ~~طرقه المعروفة ما اتفق للعرب، ولا بعضه، ولا قليل # من بعضه، إلا إذا انشقت من لغتهم لغة أخرى على غير سننها وأصولها، كما ~~ترى في غرابة كثير من الأوضاع العامية في كل لهجة من لهجاتها، لأن هذا ~~الانشقاق وضغ جديد جاء من تكييف # المادة اللغوية على وجه غريب، وإن كانت هذه المادة في نفسها قديمة. # وكل العلماء قد مضوا على أن ألفاظ القرآن بائنة بنفسها، متميزة من جنسها ~~فحيثما وجد منها تركيب في نسق من الكلام، دل على نفسه وأومأت محاسنه إليه ~~ورأيته قد وشح ذلك الكلام وزينه # وحرك النفس إلى موضعه منه؛ وهو بعد أمر واقع لا وجه للمكابرة فيه، ولا ~~نعرف له سببا إلا ما بيناه من الصفة الإلهية في معانيه، وغرابة الوضع ~~التركيبي في ألفاظه، فإن ذلك يتنزل منزلة الوضع # الجديد في الكلام المألوف، فلا ينبئ الوضع الغريب عن نفسه بأكثر مما تدل ~~عليه ألفة المأنوس الذي يحيط به. # ومن أجل ذلك كله قلنا إن العرب أوجدوا اللغة مفردالب فانية، وأوجدها ~~القرآن تراكيب خالدة؛ وأن لهذه اللغة معاجم كثيرة تجمع مفرداتها وأبنيتها، ~~ولكن ليس لها معجم تركيبي غير القرآن. # وإنما سميناه " المعجم التركيبي " لأنه أصل فنون البلاغة كلها فما يكون ~~في المنطق العربي نوغ بليغ إلا هو فيه على أحسن ما يمكن أن يتفق على جهته ~~في الكلام، وقد رأيناه في كل أنواع # البلاغة يجنح إلى الوضع والتأصيل حتى أنك لو قابلت ما فيه من أمثلتها ~~بأحسن ما استخرجه العلماء من جملة كلام العرب، لأصبت فرق ما بين ذلك في سمو ~~الطبيعة اللغوية وأحكام البيان وانتظام محاسنه، كالفرق الذي تكشفه المقابلة ~~ما بين النبوغ والتقليد ولله المثل الأعلى. # ولقد كان هذا القرآن الكريم بما استجمع من ذلك، هو (علم البلاغة) عند ~~أولئك العرب الذين كانت البلاغة فيهم إحساسا محضا، ثم صار من بعدهم بلاغة ~~هذا العلم في المولدين، وهو على ذلك ما بقيت الأرض، فكان العرب يثلقون عنه ~~البلاغة بوجدان الحاسة اللغوية وإحساس الفطرة، كما يتلقى ms169 أهل الفن الواحد ~~قواعد النبوغ عن المثال الذي يخرجه لهم نابغة الفن. # PageV01P174 # من ههنا كانت دهشتهم له، وكان عجبهم منه، إذ رأوه يجري مجرى الفن مما لا ~~يعرفون له فنا، ووجدوه في ذلك ببلاغة البلغاء جميعا، واستيقنوه فوق ما تسع ~~الفطرة، ثم صار من بعدهم يأخذ منه أصول هذا العلم، عصرا بعد عصر، وقبيلا ~~بعد قبيل، حتى استقرت البلاغة على # (قواعدها) وهو مع ذلك بحيث كان، لا الفطرة استوفت ما فيه ولا الصناعة؛ ~~ولا يزال بعد كأنه في نمط بلاغته سر محجب. # PageV01P175 # وهذا أمر لم يقع له نظير في التاريخ ولن يقع بعد. # وما من أمة في الأرض غير العرب استوفت وجوه البلاغة في لغتها من كتاب ~~واحد (على أن تكون هذه اللغة من أوسع اللغات # وأبلغهن قصدا واستيفاء كالعربية) # سواء كان لها ذلك الكتاب قبل أن توضع علوم بلاغتها وقبل أن # يعرف منها باب أو فصل من باب أو مثال من فصل كما وقع في العربية، # أو بعد أن وضعت، ولا سواء في المنزلة والإعجاز أن يكون الكتاب كذلك. # *** # PageV01P176 ### | (فصل) # البلاغة في القرآن # وبعد فلا سبيل من كتابنا هذا إلى بسط الكلام وتقسيمه فيما تضمنه القرآن ~~من أنواع البلاغة التي نصب لها العلماء أسماءها المعروفة: كالاستعارة ~~والمجاز وغيرهما، فضلا عن أنواع البديع الكثيرة؛ فإن ذلك يخرج استخراجه من ~~القرآن بابا مفردا صنف فيه جماعة من العلماء المتأخرين: # منهم الإمام الرازي المتوفى سنة 606 ه، فقد لخص كتابي (أسرار البلاغة) و ~~(دلائل الإعجاز) للجرجاني، واستخرج منهما كتابه في إعجاز القرآن وهو كتاب ~~معروف، أحسن في نسقه وتبويبه، # ثم الأديب ابن أبي الإصبع المتوفى سنة 654 ه فقد صنف كتاب (بدائع القرآن) ~~أورد فيه نحو مائة نوع من معاني البلاغة وشرحها، واستخرج أمثلتها من ~~القرآن، ثم ابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751 ه وقد أشرنا في غير هذا الموضع ~~إلى تصنيفه "كتاب الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان " # وهو في معناه بتلك الكتب كلها. # هذا إلى أن كل ما كتبه ms170 المتقدمون في علوم البلاغة وإعجاز القرآن: ~~كالرماني، والواسطي، والعسكري، والجرجاني، وغيرهم. # فإنما ينحون به هذا النحو من انتزاع أمثلته في القرآن، # والإضافة في أبوابها، ثم ما يداخل هذه الأبواب من فنون الكلام شعره ~~ونثره، ومن أجل ذلك قلنا آنفا: إن القرآن كان علم البلاغة عند العرب، ثم ~~صار بعدهم بلاغة هذا العلم. # بيد أنه لا يفوتنا التنبيه على أن كل ما أحصاه العلم من أنواع البلاغة في ~~القرآن الكريم، # فإنما هو جملة ما في طبيعة هذه البلاغة مما يمكن أن يقلب عليه الكلام في ~~وجوه السياستين البيانية والمنطقية، بحيث يستحيل ألبتة أن يوجد في كلام ~~عربي نوع ممن ذلك وقد خلا هو # PageV01P177 # منه، إلا أن يكون من باب الصنعة والتكلف الذي يتلوم الأدباء على صنعه ~~ويذهبون فيه المذاهب الكثيرة من النظر والأعداد والتنقيح ونحوها، ثم لا ~~يعطيه معنى البلاغة مع كل هذا العنت إلا اصطلاحهم أنفسهم على أنه من ~~البلاغة. # ولسنا نقول إن القرآن جاء بالاستعارة لأنها استعارة أو بالمجاز لأنه ~~مجاز، أو بالكناية لأنها كناية، أو ما يطرد مع هذه الأسماء والمصطلحات إنما ~~أريد به وضغ معجر في نسق ألفاظه وارتباط # معانيه على وجوه السياستين من البيان والمنطق، فجرى على أصولهما في أرقى ~~ما تبلغه الفطرة اللغوية على إطلاقها في هذه العربية، فهو يستعير حيث ~~يستعير، ويتجوز حيث يتجوز، ويطنب # ويوجز ويؤكد ويعترض ويكرر إلى آخر ما أحصي في البلاغة ومذاهبها؛ لأنه لو ~~خرج عن ذلك لخرج من أن يكون معجزا في جهة من جهاته ولاستبان فيه ثمة نقص ~~يمكن أن يكون في موضعه ما هو أكمل منه وأبلغ في القصد والاستيفاء. # فالعلماء يقولون إن كل ذلك فنون من البلاغة وقع بها الإعجاز، لأنهم ~~اصطلحوا على هذه التسمية التي حدثت بعد العرب، ولو قالوا إن القرآن معجز في ~~العربية لأن الفطرة والعقل لا يبلغان # مبلغه في سياستي البيان والمنطق بهذه اللغة، لكان ذلك أصوب في الحقيقة، ~~وأبلغ في حقيقة الصواب، وأمكن في معنى الإعجاز، وأتم في هذا الباب كله، ms171 ما ~~دام في لسان الدهر حرف من العربية. # واعلم أنه ليس من شيء يحقق إعجاز القرآن من هذه الجهة، ويكشف منه عن أصول # PageV01P178 # السياستين، والتأني إلى أغراضهما بسياق اللفظ ونظمه، وتركيب المعاني ~~وتصريفها فيما تتجه إليه، # ومداورة الكلام على ذلك - إلا تأمله على هذه الوجوه، وإطالة النظر في كل ~~معنى من معانيه، وفي طبيعة هذا المعنى ووجه تأديته إلى النفس، وما عسى أن ~~تعارضه النفس به، أو تدافعه، وتلتوي عليه من قبله؛ ثم طبقات هذا المعنى ~~بعينه، وتقديرها على طبقات الأفهام، واعتبارها بما هو أبلغ # في نفسه وأعم في وضعه، ثم وجه ارتباط ذلك بما قبله، واندماجه فيما بعده، ~~ومساوقته لأشباهه ونظائره حيث اتفق منها في الكلام شيء. # ثم تدبر الألفاظ على حروفها وحركاتها وأصالتها ولحونها، ومناسبة بعضها ~~لبعض في ذلك، والتغلغل في الوجوه التي من أجلها اختير كل لفظ في # موضعه، أو عدل إليه عن غيره، من حيث موافقته لمعنى الجملة ونظمها، ومن ~~حيث دلالته في نفسه، وملاءمته لغيره، ثم النظر في روابط الألفاظ والمعاني ~~من الحروف والصيغ التي أقيمت # عليها اللغة ووجه اختيار الحرف أو الصيغة، وموضع ذلك في الغناء والإبلاغ ~~في الدلالة من سواه، # ثم طريقة النسق والسرد في الجملة ووجه الحذف أو الإيجاز أو التكرار ~~ونحوها، ما هو خاص بهذه الطريقة حسب ما توجهه المعاني، فإن كل ذلك في ~~القرآن الكريم على أتمه، وليس فيه اضطراب أو التواء، ولا يجوز فيه عذر ولا ~~تسويغ، وهو منه بحيث يدعو بعضه إلى بعض، ويريد # بعضه بعضا مما ينفي عنه التصنع والتكلف والمحاولة، ويدل على أنه كالمفزغ ~~جملة واحدة، ثم هو أمر لا يجتمع ألبتة في كلام أحد من الناس ولا يستوسق على ~~البلاغة الإنسانية. # وما علوم البلاغة كلها إلا بعض الوسائل في التنبيه إليه، فهي تعطي القدرة ~~كلى النظر والفهم ولكنها لا تعطي بمقدار ذلك في العمل والصنعة. # ومهما كان العرب من الرياضة والتمرين واعتياد النفس وإدمان الدربة وذكاء ~~الفطر ودقة الحس، فإن هذه كلها تجري مجرى تلك ms172 العلوم في نسبة القدرة على ~~الفهم - إلى القوة على العمل. # الناس كلهم علم واحد في أن هؤلاء العرب جميعا يفهمون الشعر، ولكنا لم ~~نجدهم كلهم شعراء، ورأينا الشعراء منهم متفاوتين وعرفنا التفاوت بينهم ~~واضحا، حتى لينفرد الواحد من الجميع في فن من أغراض الشعر، ثم لا يبينه ~~منهم إلا بلاغة التراكيب؛ ومبلغ قوته في سياستي البيان والمنطق، وما قلناه ~~في الشعراء فهو في صدقه على الخطباء هو بعينه، والخطابة أمس بما # نحن فيه وأدنى إلى القصد منه، لا يقطعها من دونه ما عسى أن تنقطع عنده ~~الحجة في الشعر، وإن كان الباب واحدا. # وأنت إذا اعتبرت القرآن على تلك الوجوه التي فصلناها، رأيته أعلى من ~~البلاغة التي وضعت لها تلك الفنون، فإن هذه من بيان اللسان الذي لا يرتفع ~~عن طبقة اللغة ولا يخرج من وجوه العادة في تصريفها، وسنن أهلها في إبراز ~~معانيها، وهذا أمر يقع فيه التفاوت، ويخرج بعضه إلى # الإحكام وبعضه إلى التسامح وبعضه أمر بين ذلك؛ لأن حالات المعاني مختلفة ~~مع النفس فبعضها # PageV01P179 # ما ينقاد، وبعضها مما يستكره؛ ثم النفوس مختلفة على حسب ذلك جماما ونشاطا ~~أو ضعفا وتخاذلا، ومهما يكن في آثارها من بلاغة المعاني وإحكامها ورونق ~~العبارة ونظامها، فإن نفسا أنفذ من نفس، وحسا أدق من حس، وقوة أبلغ من قوة، ~~وإحاطة أوسع من إحاطة. # ومن ههنا نجد العبارة البليغة الواحدة كثيرا ما تقع المواقع المختلفة على ~~طبقات متعددة في أهل النظر حين يتأملونها ويصفونها، فإن بقيت على بلاغتها ~~مع جميعهم لم يردها أحد ولا أنكرها، فلا بد من اختلاف هذه البلاغة حينثذ ~~حتى تكون عند أقواهم كأنها ما هي عند أضعفهم، # وحتى يخيل إلى الضعيف أن القوفي إنما يتعت في حكمه ويذهب بنفسه مذهب ~~قوته، ويخيل إلى هذا القوي أن الضعيف لا يمحض نفسه ولا يستقصي في نظره ولا ~~يقول بعلم؛ ولكل وجهة هو موليها، # وإنما اختلاف بينهم من حيث اختلفت القوى. # *** # PageV01P180 ### | (فصل) # الطريقة النفسية في الطريقة اللسانية # والقرآن وإن كان لم يخرج ms173 عن أعلى طبقات اللغة، ولا برز عن وجوه العادة في ~~تصريفها، غير أنه أتى بذلك من وراء النفس لا من وراء اللسان. # فجعل من نظمه طريقة نفسية في الطريقة اللسانية، وأدار المعاني على سنن ~~ووجوه تجعل الألفاظ كأنها مذهب هذه المعاني في النفس، # فليس إلا أن تقرأ الآية على العربي أو من هو في حكمه لغة وبلاغة، حتى ~~تذهب في نفسه مذهبها: لا تني ولا تتخلف، على حين أن أكثر المعاني الإنسانية ~~يجيء من النقص في السياسة البيانية، بحيث ترى نفس السامع أو القارئ هي التي ~~تذهب فيه فتأخذ إلى جهة وتعدل على جهة، # وتصعد في ناحية وتستبطن في ناحية أخرى، ولا يكون من شأنها أن تنقاد ~~وتذعن، ولكن أن تكابر وتأبى أو تتصفح وتستدرك أو تستحسن وتزدري؛ لأن المعنى ~~قد ألقي إليها في ألفاظ تقصر بحقيقته # النفسية في تركيبها ونظمها أو تضعف هذه الحقيقة، أو تلبسها بغيرها، أو ~~تهمل تصورها لونا من الألوان، أو تجيء بها على الشبه والمحاكاة مما لا يبلغ ~~الحق في تصورها والتنبيه عليها. # وقلما تصيب لأحد من بلغاء الناس كلاما قد أحكمت ألفاظه من هذه الوجوه ~~كلها، فإنك لتستطيع أن تجد في كل كلام بليغ معاني قد جلبت لألفاظها، ولكنك ~~لا تستطيع أن تجد في القرآن # كله إلا ألفاظا لمعانيها، وإن فتشت وجهدت وطلبت في ذلك الفرطة والندوة ~~وهذا فصل ما بين الكلام المعجز الذي يؤخذ من وراء النفس، وبين غيره مما ~~يكون بعضه من النفس وبعضه من اللسان. # وعندنا أنه لا يمكن أن يتجه للباحث طريق الإعجاز المطلق أو يستقيم عليه، ~~إلا إذا تدبر القرآن على تلك الوجوه التي أشرنا إليها؛ وقلب ألفاظه ~~ومعانيه، وعرف من أين تلوى عروة اللفظ # ومن أين معقد المعنى، فإن ذلك يدفع به لا محالة إلى القطع بانه غير ~~إنساني، وأن ليس في طبع الإنسان أكثر من فهمه وما نشأ على حالي في أنها ~~كانت هي طريقة العرب في الإحساس بإعجازه، # إذ ليس إلى الحقيقة غيرها من سبيل، وهم ms174 كانوا أعرف بكلامهم وسننه ووجوهه، ~~وما يمكن أن يتفق في الطباع وما لا يتفق. # وما أخطأ هذه الطريقة أحد إلا أخطأ وجه الإعجاز العربي، وإلا فما بال ~~كثير من بلغاء المتكلمين، وما بال أهل العربية وفنونها، وما بال أكثر علماء ~~البلاغة نفسها - لا يهتدون في الحكم # PageV01P181 # عليه إلى أبعد من أنه معجز بقوة الإيمان. . .؛ وما إعجازه إلا في قوة ~~تركيبه على ما بسطناه بحيث لا تقرن إليه قوة إنسانية إلا خرج عن طوقها، ~~وكان جهدها الذي تجهد كأنهه في معارضته قوة من ضعف، أو عفو من جهد القوي، ~~فكأنها لم تصنع شيئا فيما صنفت، وجهدت وكأنها لم تجد. # وليس شيء أقرب في الدلالة على ذلك لمن لم ينهض به طبعه، أو كان لم يتيسر ~~لهذا الأمر بأدواته ولا أقوى بغرضه - من أن يتأمل أمثلته في كل باب طبيعي ~~من أبواب البلاغة العالية، # فإنه سيرى منها الباب كله ويرى ما عداها واقعا من دون حيث وقع. # *** # PageV01P182 ### | (فصل) # إحكام السياسة المنطقية على طريقة البلاغة # وبقي سر من أسرار هذه البلاغة المعجزة نختم به الباب، وهو شيء لا نراه ~~يتفق إلا في من كلام النوابغ المعدودين الذين يكون الواحد منهم تاريخ عصر ~~من عصور أمته، أو يكون من تاريخها، وهو إحكام السياسة المنطقية على طريقة ~~البلاغة لا على طريقة المنطق فإن # PageV01P183 # الفرق بين الطريقتين أن هذه المنطقية منها تأتي على أوضاع وأقيسة معروفة ~~مكررة يسترسل بعضها إلى بعض، ويراد بها إلزام المخاطب ليتحقق المعنى الذي ~~قام به الخطاب، إلزاما بالعقل لا بالشعور، وبطبيعة السياق لا بطبيعة ~~المعنى، ومن أجل ذلك تدخلها المكابرة، وتتسع لها # المغالطة، وتنتدح فيها أشياء من مثل ذلك؛ فرارا من الإلزام ودفعا لحجته، ~~وإن كان المعنى في نفسه واضحا مكشوفا، والبرهان طبيعة قائمة معروفا. # بيد أن طريقة البلاغة إنما يراد بها تحقيق المعنى، واستبراء غايته، ~~وامتلاخ الشبهة منه، وأخذ الوجوه والمذاهب عن النفس من أجزائه التي يتألف ~~منها، بعد أن تستوفى على جهتها في الكلام استيفاء يقابل ما يمكن أن ms175 تشعر به ~~النفس من هذه الأجزاء، حتى لا تصدف عنه، ولا تجد # لها مذهبا ولا وجها غير القصد إليه؛ فيكون من ذلك الإلزام البياني الذي ~~توحيه طبيعة المعنى البليغ وكان حتمأ مقضيا. # وهذا غرض بعيد وعنت شاق لا تبلغ إليه الوسائل الصناعية مما يتخذ إلى ~~إجادة الكلام وإحكام صنعته البيانية، وإنما يتفق لأفراد الحكماء ودهاة ~~السياسة ما يتفق منه، وحيا وإلهاما، وإنما يلفونه على جهة التوهم النفسي ~~الذي تتخلق منه خواطر الشعراء؛ فنحن نعرف علما وتجربة أن # الشاعر قد يعالج المعنى البكر، ويريغ الوجه المخترع، فيكد في تمثل ذلك ~~حتى يتسلط أثر الكد على فكره، ويضرب الملل على قلبه، ويصرفه الضجر؛ ثم لا ~~يعطيه كل هذا طائلا ولا يرد عليه # حقا من المعنى ولا باطلا، وما فرط ولا أضاع ولا قصر ولا استخف، ولا كان ~~في عمله إلا من وراء الغاية، وقد تقع إليه في تلك الحال معان كثيرة تفترق ~~وتلتقي، ولكن ليس فيها المعنى الذي # من أجله نصب وإليه تأتى، فيضرب عنه بعد المحاولة، ويقصر بعد المطاولة حتى ~~إذا استجمت خواطره، واستحدث منها غير ما كان فيه، بلا تكلف، وهو لم يعاوده ~~ولا قصد إليه، وقد كان بلغ # منه كلال الحد واضطراب الحمق مبلغ الزهق والمعاناة، وإنما ألهمه في تلك ~~الحال إلهاما، فعاد ما لم يمكن بكل سبب، ممكنا بغير سبب! # وربما أراد الشاعر معنى من هذه الخواطر النادرة، فلا يكاد يبتدئ التفكير ~~فيها أو يهم # PageV01P184 # بذلك، حتى يراه قد حصل في نفسه وهو لما يتمثل أجزاءه ولا استتم تصورها، ~~ولا كان إلا أنه أراد ما اتفق، واتفق له ما أراد. # ودع عنك أقوال الفلاسفة من علماء النفس وغيرهم، وما يعتلون به # لمثل ذلك من أعمال الدماغ؛ فلو أن فيهم شاعرا لأفسد عليهم ما تأولوه ~~واستخرج من رأسه الحقيقة، فإنما الشاعر ملهم، وكأنما تحدث نفسه في بعض ~~أطوارها العصبية من جهة الغيب. # وإذا رجعنا إلى العقل ورأيه في استبانة هذا الشكل، وضربنا منه شبها مما ~~يضرب الطبيعيون لله من ms176 أمثالهم إذا تنالوا البحث فيما هو من علم الله، ~~قلنا: كنا من العقل. وصار إلى العقل. # وليس شيء فوق العقل إلا لأنه لم يرتفع إليه بعد. # لما صدرنا عن هذا العقل، إلا بالبيان الغامض، # وبالرأي المشتبه، وبما يكون العاقل فيه كالمتعلل أو المتمحل له، وكشف لنا ~~العقل عن هذا السر بسر مثله، لا يقضي هو فيه ولا ينبغي صدق أسبابه إذ ~~يحيلنا على ما في الطبيعة من ذلك وأشباهه، # فإن الإلهام أقدم منه في الوجود وأظهر منه أثرا، وأوضح منه سنة؛ وما ~~بالعقل يبني الطائر عشه ويقطع بعض الطير إلى وطنه من أقاصي الأرض أو يجيء ~~من غايته، ولا بالعقل يصنع النمل ما # يصنع ويأتي النحل ما يأتيه من دقائق الهندسة وغير الهندسة؛ إلى أمثال ~~لذلك كثيرة، ولا أخذت هذه الأحياء الطبيعية عن الإنسان ولكن الإنسان هو أخذ ~~عنها واهتدى بهديها! واتجه بعقله فيما وجهته إليه! ولو أن في رأس النملة ~~عقلا تدرك به ما تأتي وما تدع، وتخرج به مما تعرف إلى ما # تجهل، وتستعمله مع حذقها الطبيعي فيما يستعمل العقل له، إذن لما جلس في ~~كرسي أكبر علماء الاقتصاد في هذه الأرض كلها إلا نملة من النمل. . . # بيد أن الإلهام طبقة فوق العقل، ولهذا كان فوق الإرادة أيضا، وهو محدود ~~في الإنسان والحيوان جميعا؛ أما هذا (أي الحيوان) فلا يتصرف فيه ولكن يتصرف ~~به، وبذا لا يكون أبدا إلا كما هو، ولا يعطي الإرادة المطلقة لأنها دون ~~الإلهام. # وأما ذلك (أي الإنسان) فلا يلقاه إلا في أحوال شاذة من أحوال النفس، وبذا ~~لا يكون أبدا غير من هو، ولا يسلب الإرادة لأن الإلهام # فوقها. # ولو استطاع الناس يوما أن يتصرفوا بالإلهام كما يتصرفون بالعقل، على أن ~~يكون لهم الاثنان جميعا، فيذهب كلاهما في مذهبه، ويتيسرون للأداة التي تخطئ ~~وتصيب، والأداة التي تصيب ولا تخطئ - لتفاوت الأمر تفاوتا قبيحا، ولما بقي ~~في الأرض إنسان يسمى إنسانا، ولكن الله تعالى # يقلب أفئدتهم، وأبصارهم، فهذه للعقل، وتلك للإلهام، وكل يغني شأنه ms177 (فلا ~~تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون (74) . # وعلى هذا الوجه الذي بسطناه من أمر الإلهام والتحديث يكون وحي السياسة ~~المنطقية التي # PageV01P185 # أومأنا إليها وهي في لغة كل أمة أبلغ البلاغة، غير أنها في القرآن الكريم ~~مما يعجز الطوق، ولا تحتمله قوة النبوغ الإنساني، فقد أحكمت في آياته ~~إحكاما أظهرها مخلوقة خلقا إلهيا، ولا مصنوعة صنعة إنسانية، وجعل كل آية ~~منها كأنها في الكلام نفس كلامية. # ولا نظن بتة أن عربيا يطمع في مثل ما جاء به أو يطوعه له الوهم، مهما بلغ ~~من سقو فطرته ورقة حسه، ومن بصره بطرق الوضع التركيبي. # ونفاذه في أسرار البيان وتقليب أوضاع اللغة، فإن # الشأن ليس في هذه اللغة ومتعلقاتها بمقدار ما هو في التوفيق بين أجزاء ~~الشعور وأجزاء العقل على أتمها في الجهتين، وهذا باب لا ينفذ فيه إلا من ~~كان شعوره وعقله وبيانه فوق الفكرة في أكمل ما # يتهيأ لها من كمال الحقيقة الإنسانية التي تجمع # تلك الصفات الثلاث: (البيان والعقل والشعور) # والتي يقال لها من أجل ذلك: (النفس الناطقة) وليس في الناس جميعا من يصح ~~أن يقال فيه إنه فوق الفطرة بالمعنى الصحيح، وإن كان هو بسمو فكرته فوق ~~الناس. # ولو ذهبت تعتبر القرآن كله لرأيت تلك الطريقة فيه أظهر الوجوه التي تبينه ~~من كلام الناس وتجعله قبيلا وحده، فإن لبلغاء الناس كلاما جيدا في كل أبواب ~~البيان، بيد أنك حين تأخذه # متفاوتا في أجزاء تلك السياسة المنطقية، وحين تدعه متفاوتا في طريق النظم ~~التي خرج بها القرآن كما عرفت من قبل: فلا هو من ذلك في نسق ولاطريقة. # وما نشك على حال أن فصحاء العرب وأهل البلاغة فيهم قد أدركوا بفطرتهم هذه ~~الطريقة المعجزة التي تنصرف إلى وجه ثم تجيء من وجه آخر، ولا أنهم قد عرفوا ~~أن هذا مما لا تقوم به # البلاغة وضروبها، وأن غاية كذ العقل في مثله أن يبعد بالمعنى عن صنعة ~~اللسان، وغاية كد اللسان أن يدخل الضيم فيه على صنعة العقل، ms178 فإن دق المعنى ~~ولطفت مذاهبه وأحكمت الحيلة في تصريفه، قصر عنه البيان الذي ألفوه مذهبا ~~لفظيا، وعرفوه افتنانا في الصنعة والتركيب، كما بسطناه # في مواضع كثيرة، وإن صرح المعنى واستبان ولانت أعطافه وجاء على نسقهم في ~~المحاورة والمخاطبة خرج على قدر ذلك وغبت عليه الألفاظ ولم يكن بتلك ~~المنزلة. # وهذا بعض ما أيأسهم من المعارضة تيقنا أنه لا قبل لهم بها، واستبصارا في ~~حقيقة هذا الكلام، وأنه مما لا يستشري الطمع فيه، وأنه وحى يوحى؛ وهو عينه ~~أيضا بعض ما اجتذبهم إليه وعطفهم عليه، حتى كان بلغاؤهم يستمعونه وتصغى ~~إليه أفئدتهم، ثم يتلاومون على ذلك؛ كما مر في خبر أبي جهل وصاحبيه، وحتى ~~قالوا كما حكى الله عنهم وأسجله في كتابه ليكون ثبتا تاريخيا للعقل ~~الإنساني: # (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون (26) . # فجعلوا كل أمرهم وأمره في آذانهم كما ترى، وما هي إلا سبيل الكلام إلى ~~النفس؛ وكأنهم أقروا أنهم المغلوبون ما سمعوه، # وليس في البيان عما نحن فيه أبين من هذا إخبارا عن حقيقة أو حقيقة من ~~الخبر أو خبرا حقا. # PageV01P186 # وعلى تأويل ما عرفته من هذه السياسة المنطقية، تحمل كلمة الوليد بن ~~المغيرة المخزومي في خبره المشهور: فقد جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، # فأتاه فقال: با عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ليعطوكه لئلا تأتي ~~محمدا لتعرض لما قاله. # فقال الوليد: قد علمت قريش أني من أكثرها مالا. # قال أبو جهل: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك كاره له، قال: وماذا أقول: ~~فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني، ولا برجزه ولا بقصيده ولا # بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا؛ ووالله إن لقوله ~~حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى ~~عليه، وإنه ليحطم ما تحته. # قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه! # قال: فدعني حتى أفكر. # فلما فكر قال: " هذا سحر ms179 يؤثر " يأثره عن غيره. # ولما اجتمعت قريش عند حضور الموسم قال لهم الوليد: إن وفود العرب ترد ~~فأجمعوا فيه (يعني النبى - صلى الله عليه وسلم -) رأيا لا يكذب بعضكم بعضا. # فقالوا: نقول كاهن، قال: والله ما هو بكاهن، # ولا هو بزمزمته ولا سجعه. قالوا: مجنون، قال: ما هو بمجنون ولا بخنقه، ~~ولا وسوسته. # قالوا: فنقول شاعر، قال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر كله، رجزه وهزجه ~~وقريضه ومبسوطه ومقبوضه. قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر ولا نفثه ولا ~~عقده. قالوا: فما نقول؟ # قال: ما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا وأنا أعرف أنه لا يصدق، وإن أقرب ~~القول إنه ساحر، وإنه سحر يفرق به بين المرء وابنه والمرء وأخيه، والمرء ~~وزوجته، والمرء وعشيرته. # فتفرقوا وجلسوا على السبل يحذرون الناس. اه. # فتأمل كيف وصف تأثير القرآن في النفس العربية، حتى ينتزع # الرجل من أهله وعشيرته وخاص أهله وعشيرته انتزاعا كأنه مسلوب العقل، فلا ~~يتمكث ولا يلوي على شيء، وإذن ذلك الكلام كله لو أريد إجماله لم تسعه غير ~~هاتين الكلمتين: (السياسة المنطقية) . # PageV01P187 # ولو أنعمت على تأمل هذه الجهة لانكشف لك السبب الذي من أجله لا نرى في كل ~~ما يؤثر عن أهل هذه اللغة قولا معجزا، ولو اعترضت كثيرا وكثيرا من الجئد ~~الرائع في الكلام، وقرنت بعضه إلى بعض، وبلغت من البيان ما أنت بالغ، لأن ~~كل ذلك ليس من القرآن في نسق ولا طريقة، وإن اتفق له منهما شيء اختلفت عليه ~~منهما أشياء. # بيد أنك تقرأ الآيات القليلة من هذا الكتاب الكريم؛ فتراها في هذا النسق ~~وتلك الطريقة بكل ما في اللغة، لأنها متميزة بصفتها، وبائنة بنسقها؛ # ومتى اعتبرنا الشيء بطريقته التي يغالي به من أجلها، كان الترجيح عند ~~المعادلة للطريقة نفسها؛ فلا عجب أن ظهرت طريقة القرآن بالكلمات # القليلة منها على جملة اللغة بما وسعت، # ولا بد أن يكون التحدي من هذه الطريقة بمثل تلك # الكلمات على قلتها، (وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا) . # *** # PageV01P188 ### | الخاتمة # وبعد، فلا بد لنا ms180 من التنبيه على أنا في كل ما أسلفنا من القول في إعجاز ~~القرآن أو الإشارة إلى بعض الوجوه المعجزة فيه، إنما أجملنا تفصيلا، وأتينا ~~بما أتينا به تحصيلا، فاكتفينا من ذلك بما يرشد إلى أمثاله، واقتصرنا من كل ~~وجه على أصل المعنى دون مثاله؛ فإن القرآن الكريم ليس # كتابأ يتخير منه فيستجاد بعضه، ويصفح عن بعضه، إنما هو طريق مستبصر: من ~~أين أخذت فيه نفذت، ومن حيث تأديت به تهديت، وهو في كل معنى مما قدمناه ~~سننه القائم، ومثاله الدائم. # ولقد صدفنا عن كثير مما اعترضنا وكان لا بد من انبساط القول فيه واتساع ~~المادة به، مما لو تقضيناه لطال وبلغ بالقارئ مبلغ الملال، وعلى أنا لو ~~ذهبنا نستقصي في استخراج كل معنى على حدوده وجهاته، ونستحمل النفس حاجة ~~الشرح والتمثيل، والموازنة والتعليل، ونوسع هذا الباب # اعتبارا ونظرا لخرجنا منه إلى ما يستنفذ العمر كله، وإن كنا لا نهاون ~~بالنفس ولا نرفق بها في العمل؛ ولصرنا من بعد ذلك إلى فصل تعجز عنده ~~المؤونة، ويقصر مقدار العقل دونه، فإنما هو كتاب الله أحكمت آياته ثم فصلت ~~من لدنه على حكمته وعلمه، فإن نفذ من أسراره في النظم # والنسق، بقي ما وراء ذلك مما هو علة النظم والنسق؛ وإن استطعنا القول في ~~كيفية إجماله، لم نستوعبه في كيفية تفصيله، إنا طريقنا في كل ذلك دنو ~~المأخذ، وقرع الحجة، وقليل من كثير، # وجهدنا فيه أن نلزم جانب الأصل اللغوي في الإعجاز حتى لا ندع أحدا على ~~لبس من هذا الأمر، الذي هو علة ما وراءه وله ما بعده؛ وغايتنا منه أن نكشف ~~عن أسرار المعجزة التاريخية التي بقيت # إلى اليوم معضلة في تاريخ الأرض؛ وهي تأليف العرب على تعاديهم وتنافرهم، ~~والزحف بهم على قتلهم وضعف وسائلهم، وتوثبهم على فقرهم وغنى سواهم حتى ~~اكتسحوا دولة الفرس، # والتحفوا على مملكة الروم، وهما يومئذ الدنيا القديمة وهما العينان في ~~رأس التاريخ، وقد توافقت # جيوشهما والتحمت في مواطن القتال، وسعروا الأرض نارا وحربا مدة ثلاثة ~~قرون ms181 أو حول ذلك؛ # حتى استحكمت لهم صيغ الحروب، واستجمعوا فيها الرأي من جهاته، وكانت لهم ~~الدربة على قيادة الجيوش، وكانوا أهل الرياسة والنباهة في كل ما وصفناه. # ولولا القرآن وما بسطنا من أمره في كل ما سلف، وأنه على تلك الجهات ~~المعجزة، لما أدرك العرب في أمرهم دركا، ولفاتهم من ذلك الفوت كله، وإنما ~~العرب نفوسهم وقرائحهم، # وإنما القرآن بلاغته وفصاحته؛ وعلى هذا قوله تعالى في خطاب نبيه - صلى ~~الله عليه وسلم -: (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن ~~الله ألف بينهم) . # فذلك ما علمت. # ونحن نرجو في البيان الذي قصدنا إليه، أن نكون قد عرفنا على حقه وصدقه، ~~وجئنا به من # PageV01P189 # فصه ونصه، بلغنا من جملته ما لا يقصر عن الإفادة، إن قصر عن الإجادة، وما ~~لا ينزل مقداره إلى حد النقصان إن لم يبلغ حد الزيادة، وأن نكون قد كفينا، ~~وإن لم نكن استوفينا، # فإنما هو أمر كما عرفت؛ لم يوطئ له من قبلنا بأسباب، # وبناء من الكلام قد أشرفوا عليه ولكنهم لم يأتوه من " هذا الباب ". # *** # PageV01P190 ### | البلاغة النبوية # PageV01P191 ### | (فصل) # هذه هي البلاغة الإنسانية التي سجدت الأفكار لآيتها، وحسرت العقول دون ~~غايتها، لم تصنع وهي من الإحكام كأنها مصنوعة، ولم يتكلف لها وهي على ~~السهولة بعيدة ممنوعة. # ألفاظ النبوة يعمرها قلب متصل بجلال خالقه، ويصقلها لسان نزل عليه القرآن ~~بحقائقه، فهي إن لم تكن من الوحي ولكنها جاءت من سبيله وإن لم يكن لها منه ~~دليل فقد كانت هي من دليله، # محكمة الفصول، حتى ليس فيها عروة مفصولة، محذوفة الفضول، حتى ليس فيها ~~كلمة مفصولة. # وكأنما هي في اختصارها وإفادتها نبض قلب يتكلم، وإنما هي في سوها ~~وإجادتها مظهر من خواطره - صلى الله عليه وسلم -. # إن خرجت في الموعظة قلت أنين من فؤاد مقروح، وإن راعت بالحكمة قلت صورة ~~بشرية من الروح في منزع يلين فينفر بالدموع ويشتد فينزو بالدماء وإذا أراك ~~القرآن أنه خطاب السماء للأرض أراك هذا أنه كلام الأرض بعد السماء. ms182 # وهي البلاغة النبوية، تعرف الحقيقة فيها كأنها فكر صريح من أفكار ~~الخليقة؛ وتجيء بالمجاز الغريب فترى من غرابته أنه مجاز في حقيقة. وهي من ~~البيان في إيجاز تتردد فيه " عين " البليغ فتعرفه مع إجاز القرآن فرعين؛ ~~فمن رآه غير قريب من ذلك الإعجاز فليعلم أنه لم يلحق به # هذه " العين ". على أنه سواء في سهولة إطماعه؛ وفي صعوبة امتناعه؛ إن أخذ ~~أبلغ الناس في ناحيته، لم يأخذ بناصيته، وإن أقدم على غير نظر فيه رجع ~~مبصرا، وإن جرى في معارضته انتهى مقصرا. # *** # PageV01P193 ### | فصاحته - صلى الله عليه وسلم - # سنقول في هذا الباب بما يحضرنا من جملة القول، لا نسترسل في الاتساع ولا ~~نبسط كله، كما أننا لا نقف دون القصد، ولا ننكل عن الغرض الذي يتعلق ~~بكتابنا، فإنا لو ذهبنا نستقصي في # الكلام عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونشأته وأدبه وأثره في العرب ~~وفي أحوالهم، وما كان لهم منه، ثم ما # كان له منهم، إلى كل ما يتصل بذلك سببا من الأسباب، أو يداخله جهة من ~~الجهات، أو يتعلق به ضربا من التعلق - لذهبنا إلى سعة من القول، وإلى فنون ~~مختلفة من التاريخ وفلسفته، تحفل ببعضها الأجزاء الكثيرة والكتب المفردة، ~~ولكتا سنقصر الكلام على جهة واحدة من ذلك كله، وقد # وسعنا العذر بما اعتذرنا. # أما فصاحته - صلى الله عليه وسلم - فهي من السمت الذي لا يؤخذ فيه على ~~حقه، ولا يتعلق بأسبابه متعلق، # فإن العرب وإن هذبوا الكلام وحذقوه وبالغوا في إحكامه وتجويده، إلا أن ~~ذلك قد كان منهم عن نظر متقدم، وروية مقصودة، وكان عن تكلف يستعان له ~~بأسباب الإجادة التي تسمو إليها الفطرة # اللغوية فيهم، فيشبه أن يكون القول مصنوعا مقدرا على أنهم مع ذلك لا ~~يسلمون من عيوب الاستكراه والزلل والاضطراب، ومن حذف في موضع إطناب، واطناب ~~في موضع، ومن كلمة غيرها أليق، ومعنى غيره أرد، ثم هم في باب المعاني ليس ~~لهم إلا حكمة التجربة، وإلا فضل ما # يأخذ بعضهم عن بعض، قل ذلك أو ms183 كثر، والمعاني هي التي تعمر الكلام وتستتبع ~~ألفاظه، وبحسبها يكون ماؤه ورونقه، وعلى مقدارها وعلى وجه تأديتها يكون ~~مقدار الرأي فيه ووجه القطع # بيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -كان أفصح العرب، على أنه لا ~~يتكلف القول، ولا يقصد إلى تزيينه، # ولا يبغي إليه وسيلة من وسائل الصنعة، ولا يجاوز به مقدار الإبلاغ في ~~المعنى الذي يريده، ثم لا يعرض له في ذلك سقط ولا استكراه؛ ولا تستزله ~~الفجاءة وما يبده من أغراض الكلام عن الأسلوب الرائع، وعن النمط الغريب ~~والطريقة المحكمة، بحيث لا يجد النظر إلى كلامه طريقا # يتصفح منه صاعدا أو منحدرا؛ ثم أنت لا تعرف له إلا المعاني التي هي إلهام ~~النبوة، ونتاج الحكمة، وغاية العقل، وما إلى ذلك مما يخرج به الكلام وليس ~~فوقه مقداز إنساني من البلاغة والتسديد وبراعة القصد والمجيء في كل ذلك من ~~وراء الغاية كما سنعرف. # وإن كان كلامه - صلى الله عليه وسلم - لكما قال الجاحظ: " هو الكلام الذي ~~قل عدد حروفه، وكثر عدد معانيه، وجل عن الصنعة، ونزه عن التكلف. . استعمل ~~المبسوط في موضع البسط؛ والمقصور # PageV01P194 # في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشى، ورغب عن الهجين السوقي؛ فلم ينطق عن ~~ميراث حكمه، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشد بالتأييد، يسر ~~بالتوفيق، وهذا الكلام الذي # ألقى الله المحبة عليه وغشاه بالقبول، وجمع بين المهابة والحلاوة، وبين ~~حسن الإفهام وقلة عدد الكلام هو مع استغنائه عن إعادته وقلة حاجة السامع ~~إلى معاودته، لم تسقط له كلمة، ولا زلت له قدم، ولا بارت له حجة، ولم يقم ~~له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذ الخطب الطوال بالكلام # القصير، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا ~~بالصدق، ولا يطلب الفلج إلا بالحق، ولا يستعين بالخلابة، ولا يستعمل ~~المؤاربة، ولا يهمز ولا يلمز، ولا يبطئ ولا يعجل، ولا يسهب ولا يحصر؛ ثم لم ~~يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا ولا أصدق لفظا، ولا أعدل وزنا، ولا أجمل ~~مذهبا، ولا ms184 أكرم مطلبا، ولا أحسن موقعا، ولا أسهل مخرجا، # ولا أفصح عن معناه، ولا أبين عن فحواه - من كلامه - صلى الله عليه وسلم - ~~" اه. # ولا نعلم أن هذه الفصاحة قد كانت له - صلى الله عليه وسلم - إلا توفيقا ~~من الله وتوقيفا، إذ ابتعثه للعرب وهم # قوم يقادون من ألسنتهم، ولهم المقامات المشهورة في البيان والفصاحة؛ ثم ~~هم مختلفون في ذلك على تفاوت ما بين طبقاتهم في اللغات آداب العرب، فمنهم ~~الفصيح والأفصح، ومنهم الجافي والمضطرب، ومنهم ذو اللوثة والخالص في منطقه، ~~إلى ما كان من اشتراك اللغات وانفرادها # بينهم، وتخصص بعض القبائل بأوضاع وضيع مقصورة عليهم، لا يساهمهم فيها ~~غيرهم من العرب، إلا من خالطهم أو دنا منهم دنو المأخذ. # فكان - صلى الله عليه وسلم - يعلم كل ذلك على حقه؛ كأنما تكاشفه أوضاع ~~اللغة بأسرارها، وتبادره بحقائقها؛ # فيخاطب كل قوم بلحنهم وعلى مذهبهم، ثم لا يكون إلا أفصحهم خطابا، وأسدهم ~~لفظا، وأبينهم عبارة، ولم يعرف ذلك لغيره من العرب، ولو عرف لقد كانوا ~~نقلوه وتحدثوا به واستفاض فيهم. # ومثل هذا لا يكون لرجل من العرب إلا عن تعليم أو تلقين أو رواية عن أحياء ~~العرب حيا بعد حي وقبيلا بعد قبيل، حتى يفلي لغاتهم، ويتتبع مناطقهم، ~~مستفرغا في ذلك متوفرا عليه، وقد # علمنا أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يتهيأ له شيء مما وصفنا، ولا تهيأ ~~لأحد من سائر قومه على ذلك الوجه علما ليس بالظن، ويقينا لا مساغ للشبهة ~~فيه؛ إذ ترادفت به طرق الأخبار المتواترة، وكان مصداقه من # أحوال العرب أنفسهم؛ فما عرف أن أحدا منهم تقصص اللغات وحفظ ما بينها من ~~فروق الأوضاع واختلاف الصيغ وأنواع الأبنية، واستقصى لذلك يستظهر به عليهم ~~أو ينتحله فيهم؛ بل كانت هذه # PageV01P195 # الأسباب مقطوعة منهم، لا تجد في الطبيعة ما يمتد بها، أو ينميها، أو يجعل ~~لها عندهم شأنا، أو يبغيها حاجة من الحاجات الباعثة عليها؛ فليس إلا أن ~~يكون ما خص به النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك قد كان ms185 # توفيقا وإلهاما من الله، أو ما هذه سبيله، مما لا ننفذ في أسبابه، ولا ~~نقضي فيه بالظن فقد علمه الله من أشياء كثيرة ما لم يكن يعلم؛ حتى لا يعيا ~~بقوم إن وردوا عليه، ولا يحصر إن سألوه، ولا يكون في كل قبيل إلا منهم؛ ~~لتكون الحجة به أظهر، والبرهان على رسالته أوضح، وليعلم أن # ذلك له خاصة من دون العرب، فهو يفي بهم في هذه الخصلة البينة، كما يفي ~~بهم في خصال أخرى كثيرة. # فهذه واحدة، وأما الثانية فقد كان - صلى الله عليه وسلم - في اللغة ~~القرشية التي هي أفصح اللغات وألينها، # بالمنزلة التي لا يدافع عليها، ولا ينافس فيها وكان من ذلك في أقصى ~~النهاية، وإنما فضلهم بقوة الفطرة واستمرارها وتمكنها مع صفاء الحسق ونفاذ ~~البصيرة واستقامة الأمر كله، بحيث يصرف اللغة # تصريفا، ويديرها على أوضاعها، ويشق منها في أساليبها ومفرداتها ما لا ~~يكون لهم إلا القليل منه؛ لأن القوة على الوضع والكفاية في تشقيق اللغة ~~وتصاريف الكلام، لا تكون في أهل الفطرة مزاولة ومعاناة، ولا بعد نظر فيها ~~وارتياض لها، إنما هي إلهام بمقدار، تهيئ له الفطرة القوية، # وتعين عليه النفس المجمعة والذهن الحاد والبصر النفاذ، فعلى حسب ما يكون ~~للعربي في هذه المعاني، تكون كفايته ومقدار تسديده في باب الوضع. # وليس في العرب قاطبة من جمع الله فيه هذه الصفات، وأعطاه الخالص منها، ~~وخصه بجملتها، وأسلس له مآخذها، وأخلص له أسبابها كالنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فهو اصطنعه لوحيه، ونصبه لبيانه، # وخصه بكتابه، واصطفاه لرسالته؛ وماذا عسى أن يكون وراء ذلك في باب ~~الإلهام وجماع الطبيعة وصفاء الحاسة وثقوب الذهن واجتماع النفس وقوة الفطرة ~~ووثاقة الأمر كله بعضه إلى بعض. # ولا يذهبن عنك أن للنشأة اللغوية في هذا الأمر ما بعدها، وأن أكبر الشأن ~~في اكتساب المنطق واللغة، للطبيعة والمخالطة والمحاكاة، ثم ما يكون من سمو ~~الفطرة وقوتها فإنما هذه سبيله؛ يأتي من ورائها وهي الأسباب إليه؛ وقد نشأ ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقلب في ms186 أفصح القبائل # وأخلصها منطقا، وأعذبها بيانا، فكان مولده في بني هاشم، وأخواله في بني ~~زهرة، ورضاعه في سعد بن بكر، ومنشؤه في قريش، ومتزوجه في بني أسد، ومهاجرته ~~إلى بني عمرو، وهم الأوس والخزرج من الأنصار، لم يخرج عن هؤلاء في النشأة ~~واللغة؛ ولقد كان في قريش وبني سعد # وحدهم ما يقوم بالعرب جملة، ولذا قال - صلى الله عليه وسلم -: # "أنا أفصح العرب، بيد أني من قريش، ونشأت في بني سعد ابن بكر " # وهو قول أرسله في العرب جميعا، والفصاحة أكبر أمرهم والكلام سيد # PageV01P196 # عملهم، فما دخلتهم له حفية، ولا تعاظمهم، ولا ردوه، ولا غضوا منه، ولا ~~وجدوا إلى نقضه سبيلا، ولا أصابوا للتهمة عليه طريقا، ولو كان فيهم أفصح ~~منه لعارضوه به، ولأقاموه في وزنه، # ثم لجعلوا من ذلك سببا لنقض دعوته والإنكار عليه، غير أنهم عرفوا منه ~~الفصاحة على أتم وجوهها وأشرف مذاهبها ورأوا له في أسبابها ما ليس لهم ولا ~~يتعلقون به ولا يطيقونه، وأدنى ذلك أن يكون قوي العارضة، مستجيب الفطرة، ~~ملهم الضمير متصرف اللسان، يضعه من الكلام حيث # شاء؛ لا يستكره في بيانه معنى، ولا يند في لسانه لفظ، ولا تغيب عنه لغة، ~~ولا تضرب له عبارة، ولا يقطع له نظم، ولا يشوبه تكلف ولا يشق عليه منزع، ~~ولا يعتريه ما يعتري البلغاء في وجوه # الخطاب وفنون الأقاويل، من التخاذل، وتراجع الطبع، وتفاوت ما بين العبارة ~~والعبارة، والتكثر لمعنى بما ليس منه، والتحيف لمعنى آخر بالنقص فيه، ~~والعلو في موضع والنزول في موضع؛ إلى أمثال أخرى لا نرى العرب قد أقروا له ~~بالفصاحة إلا وقد نزه - صلى الله عليه وسلم - عن جميعها، وسلم كلامه منها، ~~وخرج سبكه خالصا لا شوب فيه، وكأنما وضع يده على قلب اللغة ينبض تحت ~~أصابعه. # ولو هم اطلعوا منه على غير ذلك، أو ترامى كلامه إلى شيء من أضداد هذه ~~المعاني، لقد كانوا أطالوا في رد فصاحته وعرضوا، ولكان ذلك مأثورا عنهم ~~دائرا على ألسنتهم، مستفيضا في مجالسهم # ومناقلاتهم، ثم ms187 لردوا عليه القرآن ولم يستطع أن يقول لهم في تلاوته ~~وتبيينه، ثم لكان فيهم من يعيب عليه في مجلس حديثه ومحاضرة أصحابه، أو ~~ينتقص أمره ويغض من شأنه، فإن القوم خلص لا يستجيبون إلا لأفصحهم لسانا، ~~وأبينهم بيانا، وخاصة في أؤل النبوة وحدثان العهد بالرسالة، فلما لم يعترضه ~~شيء من ذلك، وهو لم يخرج من بين أظهرهم، ولا جلا عن أرضهم، # ورأينا هذا الأمر قد استمر على سنته واطرد إلى غايته، وقام عليه الشاهد ~~القاطع من أخبارهم، كما ستعرفه، علمنا قطعا وضرورة أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - كان أفصح العرب، وافيا بغيره، كافيا من سواه، وأنه في # ذلك آية من آيات الله لأولئك القوم، و (كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم ~~يتقون (187) . # *** # PageV01P197 ### | صفته - صلى الله عليه وسلم - # ليس في التاريخ العربي كله من جمعت صفاته وأحصيت شمائله وتواتر النقل ~~بذلك جميعه من طرق مختلفة على توثق إسنادها - غير النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وهذا أصل لا يعدل به شيء في بيان حقائق # الأخلاق، والاستدلال على قوة الملكات، واستخرج الصفات النفسية التي حصل ~~من مجموعها أسلوب الكلام على هيئته وجهته، وانفراد بما عسى أن يكون منفردا ~~به، أو شارك فيما عسى أن # يكون مشاركا فيه؛ وعلى هذه الجهة نأتي بطرف من صفته - صلى الله عليه وسلم ~~-. # فعن الحسن بن علي (رضي الله عنهما) قال: سألت هند بن أبي هالة، عن حلية ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان وصافا، وأنا أرجو أن يصف لي منها ~~شيئا أتعلق به، فقال: # " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر ~~من المشذب، عظيم الهامة، رجل الشعر، إن انفرقت عقيصته فرق وإلا فلا يجاوز ~~شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب سوابغ ~~في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين له نور يعلوه يحسبه من لم ~~يتأمله أشم كث اللحية سهل الخدين ضليع الفم أشنب مفلج الأسنان دقيق ms188 ~~المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادنا متماسكا، ~~سواء البطن والصدر، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، # PageV01P198 # ضخم الكراديس أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، ~~عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، ~~طويل الزندين، رحب الراحة سبط القصب شثن الكفين والقدمين، سائل الأطراف، ~~خمصان الأخمصين، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء إذا زال زال قلعا يخطو ~~تكفيا ويمشي هونا، ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت ~~التفت جميعا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره ~~الملاحظة، يسوق أصحابه يبدر من لقيه بالسلام» قال: قلت: صف لي منطقه، قال: ~~«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، طويل الفكرة، ليس له ~~راحة لا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتح كلامه ويختمه بأشداقه يتكلم ~~بجوامع الكلم، فضل لا فضول ولا تقصير، دمث ليس بالجافي ولا المهين يعظم ~~النعمة، وإن دقت، لا يذم منها شيئا لا يذم ذواقا ولا يمدحه» ، وفي رواية ~~غيره «لم يكن ذواقا، ولا مدحة ولا تغضبه الدنيا، وما كان لها وإذا تعوطى ~~الحق، لم يعرفه أحد ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ~~ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها ~~فضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض ~~طرفه جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام» . # انتهى. # *** # ولقد أفاضوا في تحقيق أوصافه - صلى الله عليه وسلم - بأكثر من ذلك ألفاظا ~~ومعاني ونقلوا الكثير الطيب من هذه الأوصاف الكريمة في كل باب من محاسن ~~الأخلاق (1) ، مما لا يتسع هذا الموضع لبسطه، فتأمل PageV01P199 # أنت هذه الصفات واعتبر بعضها ببعض في جملتها وتفصيلها، فإنك متوسم منها ~~أروع ما عسى أن تدل عليه دلائل الحكمة، وسمة الفضيلة، وشدة النفس وبعد ~~الهمة، ونفاذ العزيمة، وإحكام خطة # الرأي، وإحراز جانب الخلق الإنساني الكريم. # وانظر كيف يكون الإنسان ms189 الذي تسع نفسه ما بين الأرض وسمائها وتجمع ~~الإنسانية بمعانيها وأسمائها، فهو في صلته بالسماء كأنه ملك من الأملاك، ~~وفي صلته بالأرض كأنه فلك من الأفلاك، وما خص بتلك الصفات إلا ليملأ بها ~~الكون ويعمه، ولا كان فردا في أخلاقه إلا لتكون # من أخلاقه روح الأمة. # وإذا رجعت النظر في تلك الصفات الكريمة واعتبرتها بآثارها ومعانيها رأيت ~~كيف يكون الأساس الذي تبنى عليه فراسة الكمال في نوع الإنسان من دلالة ~~الظاهر على الباطل، وتحصيل الحقيقة النفسية التي هي بطبيعتها روح الإنسان ~~في أعماله، أو أثر هذه الروح، أو بقية هذا الأثر، # فإذا تأملتها متسقة وتمثلتها قائمة في جملة النفس، وأنعمت على تأمل صورها ~~الكلامية التي تبعث الكلام ونزنه وتنظمه وتعطيه الأسلوب وتجمله بالرأي ~~وتزينه بالمعنى، فإنك ستجد من ذلك أبلغ ما # أنت واجده من الأساليب العصبية في هذه اللغة وأشدها وأحكمها، مما لا ~~يضطرب به الضعف، ولا تزايله الحكمة ولا تخذله الروية، ولا يباينه الصواب، ~~بل يخرج رصينا غير متهافت، متسقا غير # متفاوت، لا يغلب على النفس التي خرج منها، بل تغلب عليه، ولا تسترسل به ~~المخيلة، بل يضبطه العقل، ولا يتوثب به الهاجس بل يحكمه الرأي، ولا يتدافع ~~من جهاته، ولا يتعارض من # جوانبه بل تراه على استواء واحد في شدة وقوة واندماح وتوفيق. # وهذا هو الأسلوب العصبي الممتلئ الذي قفما يتفق منه إلا القليل لأبلغ ~~الناس وأفصحهم. # وقلما يكون أبلغ الناس وأفصحهم في كل دهر إلا عصبيا على تفاوت في نوع ~~المزاج وحالته؛ فإن من الأمزجة العصبي البحت، والمنحرف إلى مزاج آخر ولكل ~~من النوعين حالة قائمة بالكلام، # وصفة خاصة بالأسلوب. # وبالجملة، فإن الندرة في الأساليب العصبية: أن تجد منها ما إذا أصبته ~~موثق السرد متدامج الفقرة محبوك الألفاظ جيد النحت بالغ السبك - أن تجده مع ~~ذلك رصينا متثبتا في نسق معانيه وألفاظه، لا يتزيد بهذه ولا يتكثر بتلك: لا ~~يخالطه من فنون الأقاويل ما تستطيع أن تنفيه، ولا يتولاه ما تتأتى إليه من ~~وجه التخطئة؛ وأن تجده ms190 بحيث يمتنع أن تقول فيه قولا، أو تذهب فيه # مذهبا؛ وبحيث تراه من كل جهة متسايرا لا يتصادم ومطردا لا يتخلف. # ونحن فلسنا نعرف في هذه العربية أسلوبا يجتمع له من تلك الحالة العصبية ~~هذه الصفة، ويكون سواء في الحدة والرصانة، مبنيا من الفكرة بناء الجسم من ~~اللحم، متوازنا في أعصاب الألفاظ وأعصاب المعاني، يثور وعليه مسحة هادئة ~~فكأنه في ثورته على استقرار: وتراه في ظاهره # وحقيقته كالنجم المتقد: يكون في نفسك نورا وهو في نفسه نار. # PageV01P200 # لسنا نعرف أسلوبا لأحد البلغاء هذه صفته، على كثرة ما قرأنا وتدبرنا ~~واستخرجنا، وعلى أنه لم يفتنا من أقوال الفصحاء قول مأثور، أو كلام مشهور ~~إلا ما يمكن أن يجزئ بعضه من بعضه # في هذه الدلالة، فإنا لم نقرأ كل ما كتب عبد الحميد، وابن المقفع، ~~والجاحظ، وهذه الطبقة العصبية، ولكنا قرأنا لهم كثيرا أو قليلا، وبعض ذلك ~~في حكم سائره، لأن الأسلوب واحد # والطريقة واحدة، ومذهب الموجود هو مذهب المفقود - ولم نجد ألبتة في هذا ~~الباب غير أسلوب أفصح العرب - صلى الله عليه وسلم - فإن هذا الكلام النبوي ~~لا يعتريه شيء مما سمينا لك آنفا، بل تجده قصدا # محكما متسايرا يشد بعضه بعضا وكأنه صورة روحية لأشد خلق الله طبيعة، ~~وأقواهم نفسا وأصوبهم رأيا، وأبلغهم معنى، وأبعدهم نظرا، وأكرمهم خلقا؛ ~~وهذا وشبهه لا يتأتى إلا بعناية من الله تأخذ # على النفس مذاهبها الطبيعية، وتتصرف بشدتها على غير ما يبعث عليها الطبع ~~الحديد والخلق الشديد، ويخرجها من كل أمر متكافئة متوازنة، بحيث يظهر أثر ~~النفس في كل عمل، فيأتي وكأنه # من ذلك نفس على حدة. . . ومن أولى بهذه العناية ممن يخاطبه الله تعالى ~~بقوله: (وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما (113) . # وعلى هذه الجهة، لا على غيرها، يحمل قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ~~بكر حين قال له رضي الله عنه: لقد طفت في العرب وسمعت فصحاءهم فما سمعت ~~أفصح منك فمن أدبك (أي علمك) ؟ # فقال عليه الصلاة والسلام:، ادبني ms191 ربي فأحسن تأديبي" # وقوله مثل ذلك لعلى أيضا، كما سيأتي في موضعه؛ # ثم قوله: " أنا أفصح العرب " وما كان من هذا المعنى؛ لأنه يستحيل أن يكون ~~مع أحد من ذلك الذي بيناه ما خص الله به نبيه عليه الصلاة والسلام؛ إذ ~~الاستحالة راجعة إلى الطبع والجبلة وخلق الفطرة، مما لا يتغير في الناس إلا ~~أن يخرق الله به العادة على وجه المعجزة ليقضي أمرا من أمره، # وأنى لامرئ بذلك من العرب غير النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ # وهذا الذي أشرنا إليه آنفا، إنما هو الأصل في أن الكلام النبوي جامع ~~مجتمع، لا يذهب في الأعم الأغلب إلى الإطالة بل كالتمثال: يأتي مقدرا في ~~مادته ومعانيه وأسلوب الجمع بينها وربط الصورة بالمعنى كما ستأتي عليه بعد. # وأما الآن فإنا نقول قول أديبنا الجاحظ رحمه الله، فإنه بعد أن وصف هذا ~~الكلام السري بما نقلناه عنه في موضعه خشي أن يظن بعض الناس أنه أفرط على ~~ذلك الوصف، وبالغ في الحمل عليه مما حمل، فقال: ولعل من لم يتسع في العلم، ~~ولم يعرف مقادير الكلام، يظن أننا تكلفنا له # من الامتداح والتشريف، ومن التزيين والتجويد، ما ليس عنده ولا يبلغه ~~قدره. # " وكلا والذي حرم التزيد عند العلماء. وقبح التكلف عند الحكماء. وبهرج ~~الكذابين عند الفقهاء - لا يظن هذا إلا من ضل سعيه ". # (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (76) . # *** # PageV01P201 ### | إحكام منطقه - صلى الله عليه وسلم - # قد رأيت فيما مر من صفته عليه الصلاة والسلام أنه ضليع الفم، يفتح الكلام ~~ويختمه بأشداقه، وعلمت من معنى ذلك أنه كان يستعمل جميع فمه إذا تكلم، لا ~~يقتصر على تحريك الشفتين فحسب. ولقد كانت العرب تتمادح بسعة الفم وتذم ~~بصغره، لأن السعة أدل على امتلاء # الكلام، وتحقيق الحروف وجهارة الأداء وإشباع ذلك في الجملة، ولأن طبيعة ~~لغتهم ومخارج حروفها تقتضي هذا كله ولا تحسن في النطق إلا به، ولا تبلغ ~~تمامها إلا أن يبلغ فيها، وهو بعد # مزيتها الظاهرة في أفصح أساليبها، إذ كانت الفصاحة راحة إلى حسن ms192 الملاءمة ~~بين الحروف باعتبار أصواتها ومخارجها، حتى تستوي في تأليفها على مذاهب ~~الإيقاع اللغوي، كما بسطناه في كل موضع اقتضاه من هذا الكتاب. # وذلك أمر لم يكن علم أولئك القوم به على الهاجس والظن. أو المقاربة ~~والتقدير إنما هو أساس منطقهم، وعتاد لغتهم، فكانوا سواء بالمعرفة به وفي ~~الحاجة إليه، من استوفاه منهم اتسقت # له الفضيلة البينة، ومن قصر فيه أخمله تقصيره حتى كأنما انطوت حقيقته ~~العربية في فمه، أو كأنما أكل نفسه. . ولهم في كل ذلك من البيان والصوت ~~أخبار وأشعار لا حاجة بنا إلى تمثلها وقصها. # وهذا الذي أومأنا إليه من أمرهم، هو السبب في أن كل من يتصافح في هذه ~~العربية لا يعدو في جملة وسائله التي يستعين بها أن ينتحل سعة الشدق. # وتهدل الشفة، ويبالغ في استعمال جميع فمه على كل وجه، يلتمس بذلك تحقيق ~~الحروف، وجهارة البيان، وتفخيم الأداء، ووزن # المخارج، إذ كانت هذه هي الدلائل الطبيعية على الفصاحة، وهو أمر لا ~~يستقيم له إلا إذا مط الكلام ومضغ الحروف وتفيهق وكد حنجرته، وجعل كل شدق ~~من شدقيه كأنه فم وحده، # وذلك تكلف قد ذمه العرب وكرهوه، وذمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وحذر منه لأنه غير طبيعي فيمن يتكلفه، وهو كذلك مبالغة تأباها طبيعة اللغة، ~~ولا تتفق مع أسبابها وعللها، إذ تحيل هذه اللغة إلى # السماحة وتستغرقها بصناعة الصوت، وتنفي عنها طبيعة اللين والعذوبة، وتجمع ~~عليها تعقيد الصوت، واستكراهه، وجسأته؛ وذلك كله في الذم والكراهة عندهم ~~بسبيل من الصفات التي # يعتدونها في عيوب المنطق، خلقة كالتمتمة والفأفأة والرتة ونحوها، مما ~~أحصيناه في موضعه من الجزء الأول من تاريخ آداب العرب، أو تخلفا، كالتنطع، ~~والتمطق، والتفيهق، وما إليها. # PageV01P202 # فكانت محاسن هذا الباب في النبي - صلى الله عليه وسلم - طبيعة كما رأيت، ~~لأنها عن أسباب طبيعية، وقد وصفوه مع ذلك بحسن الصوت وهو تمامها وحليتها، ~~فإن هذه اللغة خاصة تجمل بذلك ما لا تجمل به سائر اللغات. # لما فيها من معاني الأوضاع الموسيقية في خفة ms193 الوزن، وصحة # الاعتدال، وتمام التساوي، وحسن الملاءمة، فلا جرم كان منطقه - صلى الله ~~عليه وسلم - على أتم ما يتفق في طبيعة # اللغة ويتهيأ لها إحكام الضبط وإتقان الأداء: لفظ مشبع، ولسان بليل، ~~وتجويد فخم، ومنطق عذب، وفصاحة متأدية، ونظم متساوق وطبع يجمع ذلك كله، مع ~~تثبت وتحفظ وتبيين وترسل وترتيل. # وقد قالت عائشة رضي الله عنها: ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يسرد كسردكم هذا، ولكن كان يتكلم بكلام بين فصل، يحفظه من جلس إليه. # وفي رواية أخرى عنها أيضا: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه. # فأنت ترى أن هذا هو المنطق الذي يمر بالفكر قبل أن ينطق إلى الفم وأن ~~العقل فيه من وراء اللسان فهو غالب عليه مصرف له، حتى لا يعتريه لبس، ولا ~~يتخونه نقص، وليس إحكام الأداء وروعة الفصاحة وعذوبة المنطق وسلاسة النظم ~~إلا صفات كانت فيه - صلى الله عليه وسلم - عند أسبابها الطبيعية. كما مر ~~آنفا. لم يتكلف لها عملا. ولا ارتاض من أجلها رياضة بل خلق مستكمل الأداة ~~فيها، ونشأ موفر الأسباب عليها. # كأنه صورة تامة من الطبيعة العربية. # ولا تمنع أن يكون من فصحاء العرب من يشاركه فيها أو في بعضها: فإنها ~~مظاهر للكلام لا غير؛ وإنما الشأن الذي انفرد به - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه منزه عن النقص الذي يعتري الفصحاء من جهتها أحيانا # كثيرة وقليلة: لأنها طبيعية فيه؛ ولأن من ورائها تلك النفس العظيمة ~~الكاملة التي غلبت على كل أثر إنساني يصدر عنها، حتى قرت أعمالها على نظام ~~لا تعذ فيه الفلتة، ولا يؤخذ عليه مأخذ، # وحتى كأن كل عمل منها هو كذلك في أصل التركيب وطبع الخلقة وهذه خصوصية ~~ينفرد بها الأنبياء صلوات الله عليهم، إذ هم أمثلة الكمال الإنساني في هذه ~~الخليقة، تنصبهم يد الله على طريق الحياة لتنتهي فيهم عصور وتبتدئ بهم عصور ~~وليسددوا خطا العقل في تاريخه وهي من # الجهة اللغوية مما انفرد به نبينا - صلى الله عليه ms194 وسلم - في عربيته، وما ~~يمنعه منها وإنما أنزل القرآن بلسانه لسان عربي مبين. # فهذا وجه الأمر وسبيله. وهذا فرق ما بينه - صلى الله عليه وسلم - وبين ~~الفصحاء، من جهة إحكام المنطق وامتلائه، فإن أحدهم يكون مهيأ لذلك من أصل ~~الخلقة؛ وبطبيعة النشأة بيد أن طباعه لا تتوافى # إليه في كل منطق وفي كل عبارة؛ بل ربما غلبت خصلة على أختها، وربما ~~تخاذلت طبيعة من # PageV01P203 # طباعه وربما رك لفظه لبعض الضعف في معناه فخرج من عادته في النطق به، ~~وربما اضطربت نفسه في حالة من الأحوال، أو تراجع طبعه لسبب من الأسباب؛ ~~فيضطرب كلامه، ويضطرب # كذلك منطقه، وربما نطق فأبان واستحكم؛ حتى إذا مر في الكلام أو استفرغت ~~الإطالة مجهوده ونزحت مادته، رأيته يتعثر ويتهافت، ورأيت منطقه وقد صرف عن ~~وجهه واختلط وتهالك من # الضعف؛ وما على امرئ إلا أن ينظر في خاصة نفسه وداخلة طبيعته، فإنه ولا ~~ريب مصيب فيها كل ذلك أو كثره أو كثيره. # وهذه كلها عيوب تلحق الفصحاء وتقسم عليهم، لا يكاد يسلم منها أحد، وإنما ~~يأتون من جهة النفس في ضعفها أو اضطرابها أو غفلتها، أو ما أشبه ذلك من حال ~~تعتري وعرق يبزع، # وهي خصال لا تكون لأنفس الأنبياء صلوات الله عليهم، فإذا أضفت إلى ذلك أن ~~نبينا - صلى الله عليه وسلم - كان طويل السكوت، ولم يتكلم في غير حاجة، ~~فإذا تكلم لم يسرد سردا، بل فصل ورتل وأبان # وأحكم، بحيث يخرج كل لفظة وعليها طابعها من النفس - علمت أن هذا المنطق ~~النبوي لا يكون بطبيعة إلا على الوجه الذي بسطناه آنفا، وأنه بذلك قد جمع ~~خصالا من إحكام الأداء، لا يشاركه فيها منطق أحد إلى حد، ولا تتوافى إلى ~~غيره ولا تتساوى في سواه. # *** # PageV01P204 ### | اجتماع كلامه وقلته - صلى الله عليه وسلم - # ومن كمال تلك النفس العظيمة، وغلبة فكره - صلى الله عليه وسلم - على ~~لسانه قل كلامه وخرج قصدا في ألفاظه، محيطا بمعانيه، تحسب النفس قد اجتمعت ~~في الجملة القصيرة والكلمات المعدودة بكل # معانيها: فلا ms195 ترى من الكلام ألفاظا ولكن حركات نفسية في ألفاظ، ولهذا ~~كثرت الكلمات التي انفرد بها دون العرب، وكثرت جوامع كلمه، كما ستعرفه، ~~وخلص أسلوبه، فلم يقصر في شيء، # ولم يبلغ في شيء، واتسق له من هذا الأمر على كمال الفصاحة والبلاغة ما لو ~~أراده مريد لعجز عنه، ولو هو استطاع بعضه لم تم له في كل كلامه، لأن مجرى ~~الأسلوب على الطبع، والطبع # غالب مهما تشدد المرء وارتاض ومهما تثبت وبالغ في التحفظ. # هذا إلى أن اجتماع الكلام وقلة ألفاظه، مع اتساع معناه وإحكام أسلوبه في ~~غير تعقيد ولا تكلف، ومع إبانة المعنى واستغراق أجزائه، وأن يكون ذلك عادة ~~وخلقا يجري عليه الكلام في معنى معنى وفي باب باب - شيء لم يعرف في هذه ~~اللغة لغيره - صلى الله عليه وسلم - لأنه في ظاهر العادة يستهلك # الكلام ويستولي علية بالكلف، ولا يكون أكثر ما يكون إلا باستكراه وتعمل؛ ~~كما يشهد به العيان والأثر، فكان تيسير ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~واستجابته على ما يريد وعلى النحو الذي خرج به - نوعا من # الخصائص التي انفرد بها دون الفصحاء والبلغاء وذهب بمحاسنها في العرب ~~جميعا. # وهذا هو الذي كان يعجب له أصحابه، ويرونه طبقة في هذا اللسان وطرازا لا ~~يحسنه إنسان، حتى إن أبا بكر رضي الله عنه قال له مرة: لقد طفت في العرب ~~وسمعت فصحاءهم، فما سمعت أفصح منك؛ فمن أدبك (أي علمك) ؛ قال: " أدبني ربي ~~فأحسن تأديبي ". # وهذا خبر متظاهر، وقد مر بك، وهيهات أن يكون في العرب فصيح تعرفه فصاحته ~~ولا يكون قد سمعه أبو بكر، متكلما أو خطيبا أو منشدا في سوق موسم أو حفل؛ ~~فإنه - رضي الله عنه - في علم العرب وأنسابها وأخبارها ولغاتها وآثارها - ~~الغاية التي ينتهي إليها ويوقف عندها، حتى لا # يعدل به عدل؛ وحسبك أن أنسب العرب في صدر الإسلام، وهو جبير بن مطعم، ~~إنما عنه أخذ ومنه تعلم، وإذا قالوا في المبالغة: أنسب من أبي بكر، فقد ~~قالوا: أنسب الناس! # فهذا أبلغ ms196 ما ندلي به من حجة وما ندل به من خبر في هذا الباب لأنه خبر من ~~أنسب # PageV01P205 # العرب عن معرفة، ومعرفة عن عيان، وعيان بعد استقصاء، واستقصاء عن رغبة في ~~هذا العلم وتحصيله والمعرفة به مع قوة الفطرة وسلامتها ليس وراء ذلك في صحة ~~الدليل مذهب من مذاهب التاريخ. # على أنه لا يؤخذ مما قدمنا أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يطيل ~~الكلام إن رأى وجها للإطالة، فقد كان ربما فعل ذلك إن لم يكن منه بد، وقد ~~روى أبو سعيد الخدري أنه - صلى الله عليه وسلم - خطب بعد العصر فقال: # " ألا إن الدنيا خضرة حلوة، ألا وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف ~~تعلمون؛ فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء! ألا لا يمنعهن رجلا مخافة الناس أن ~~يقول الحق إذا علمه! ". # قال أبو سعيد: ولم يزل يخطب حتى لم يبق من الشمس إلا حمرة على أطراف ~~السعف فقال: " إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا ~~فيما مضى! ". # قلنا: وهذه مدة لا تقدر في عرفنا بأقل من ساعتين، وحسبك بكلام من البلاغة ~~النبوية يستوفيهما، بيد أن الإقلال كان الأعم الأغلب، حتى ورد أنه كان بقصر ~~الخطبة، # فروى أبو الحسن المدائني قال: تكلم عمار بن ياسر يوما، فأوجز، فقيل له: ~~لو زدتنا! قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإطالة الصلاة وقصر ~~الخطبة. # وقد ورد في الحديث: (نحن معاشر الأنبياء فينا بكاء) ، أي قلة في # الكلام، وهو من بكأت الناقة والشاة إذا قل لبنها، وتأويله على ما بسطناه ~~آنفا. # غير أن ههنا فصلا حسنا لأديبنا الجاحظ ساقه في كتاب (البيان) وقد أورد ~~هذا الحديث بلفظ آخر، وظن أن بعضهم ربما تأوله على جهة الحصر والقلة، وعلى ~~وجه المعجزة والضعف، أو خطر له ذلك الهاجس، بما يعطيه ظاهر اللفظ؛ وكل امرئ ~~ظنين بدعواه فكتب ما كتب يستدفع به # الظن ويصافح اليقين، وقد رأينا أن نحصل كلامه توفية للفائدة، وبسطا لما ~~لم نبسطه إذ كان هو قد سبق ms197 إليه. # PageV01P206 # قال رحمه الله: # روى الأصمعي وابن الأعرابي عن رجالهما: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: # " إنا معشر الأنبياء بكاء " # فقال ناس: البكوء: القلة، وأصل ذلك من اللبن، فقد جعل صفة الأنبياء قلة ~~الكلام، ولم يجعله من إيثار الصمت ومن التحصيل وقلة الفضول قلنا: ليس في ~~ظاهر هذا الكلام دليل على أن القلة من عجز في الخلقة. # وقد يحتمل ظاهر الكلام الوجهين جميعا، وقد يكون القليل من اللفظ يأتي # على الكثير من المعاني، والقلة تكون من وجهين: أحدهما من جهة التحصيل ~~والإشفاق من التكلف وعلى البعد من الصنعة ومن شدة المحاسبة وحصر النفس، حتى ~~يصير بالتمرين والتوطين إلى عادة تناسب الطبيعة. # وتكون من جهة العجز، ونقصان الآلة، وقلة الخواطر، وسوء الاهتداء إلى جياد ~~المعاني، والجهل بمحاسن الألفاظ، ألا ترى أن الله قد استجاب لموسى على ~~نبينا وعليه السلام حين قال: # (قال رب اشرح لي صدري (25) ويسر لي أمري (26) واحلل عقدة من لساني (27) ~~يفقهوا قولي (28) واجعل لي وزيرا من أهلي (29) هارون أخي (30) اشدد به أزري ~~(31) وأشركه في أمري (32) كي نسبحك كثيرا (33) ونذكرك كثيرا (34) إنك كنت ~~بنا بصيرا (35) قال قد أوتيت سؤلك يا موسى (36) ولقد مننا عليك مرة أخرى ~~(37) . # فلو كانت تلك القلة من عجز، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحق بمسالة ~~إطلاق تلك العقدة من موسى، لأن العرب أشد فخرا ببيانها وطول ألسنتها وتصريف ~~كلامها وشدة اقتدارها، وعلى حسب ذلك # كانت ذرابتها على كل من قصر عن ذلك التمام، ونقص من ذلك الكمال. وقد ~~شاهدوا النبي - صلى الله عليه وسلم - # وخطبة الطوال في المواسم الكبار، ولم يطل التماسا للطول، ولا رغبة في ~~القدرة على الكثير، ولكن المعاني إذا كثرت، والوجوه إذا افتتت كثر عدد ~~اللفظ وإن حذفت فضوله بغاية الحذف. # ولم يكن الله ليعطي موسى لتمام إبلاغه شيئا لا يعطيه محمدا، والذين بعث ~~فيهم أكثر ما يعتمدون عليه البيان واللسن. # " وإنما قلنا هذا لنحسم وجوه الشغب، أن أحدا من أعدائه شاهد هناك طرفا من ~~العجز، ولو كان ذلك ms198 مرئيا ومسموعا لاحتجوا على الملأ ولتناجوا به في الخلا، ~~ولتكلم به خطيبهم، ولقال فيه # شاعرهم، فقد عرف الناس كثرة خطبائهم، وتسرع شعرائهم، هذا على أننا لا ~~ندري أقال ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم لم يقله، لأن مثل هذه ~~الأخبار يحتاج فيها إلى الخبر المكشوف، والحديث # المعروف، ولكنا بفضل الثقة وظهور الحجة، نجيب بمثل هذا وشبهه. # و" قد علمنا أن من يقرض الشعر ويكلف الأسجاع، ويؤلف المزدوج ويتقدم في ~~تحبير المنثور (لا يكون كذلك إلا) وقد تعلق في المعاني وتكلف إقامة الوزن، ~~والذي تجود به الطبيعة وتعطيه النفس سهوا راهوا مع قلة لفظه وعدد هجائه، ~~أحمد أمرا، وأحسن موقعا من القلوب، # وأنفع للمستعين، من كثير خرج بالكد والعلاج، ولأن التقدم فيه، وجمع النفس ~~له، وحصر الفكر عليه، لا يكون إلا ممن يحب السمعة، ويهوى النفج والاستطالة؛ ~~وليس بين حال المتنافسين # PageV01P207 # وبين حال المتحاسدين إلا حجاب رقيق وحجاز ضعيف، والأنبياء بمندوحة من هذه ~~الصفة، وفي ضد هذه الشيمة. # وقال الله تعالى وقوله الحق: (وما علمناه الشعر) ثم قال: (وما ينبغي له) ~~، # ثم قال - أي في الشعراء - (ألم تر أنهم في كل واد يهيمون (225) وأنهم ~~يقولون ما لا يفعلون (226) . # فعم ولم يخص، وأطلق ولم يقيد. # فمن الخصال التي ذمهم بها، تكلف الصنعة، والخروج إلى المباهاة، والتشاغل ~~عن كثير من الطاعة، ومناسبة أصحاب التشديق، ومن كان كذلك كان أشد افتقارا ~~إلى السامع من السامع إليه؛ # لشغفه أن يذكر في البلغاء، وصبابته باللحاق بالشعراء، ومن كان كذلك غلبت ~~عليه المنافسة والمغالبة، وولد ذلك في قلبه شدة الحمية وحب المجاوبة، ومن ~~سخف هذا المتسخف وغلب الشيطان عليه هذه الغلبة، كانت حاله داعية إلى قول ~~الزور والفخر والكذب وصرف الرغبة إلى # الناس، والإفراط في مديح من أعطاه وذم من منعه؛ فنزه الله رسوله، ولم ~~يعلمه الكتاب والحساب، ولم يرغبه في صنعة الكلام، والتعبد لطلب الألفاظ، ~~والتكلف لاستخراج المعاني، # فجمع له باله كله في الدعاء إلى الله، والصبر عليه، والمجاهدة والانبتات ~~إليه، والميل إلى كل ms199 ما قرب منه؛ فأعطاه الإخلاص الذي لا يشوبه رياء، ~~واليقين الذي لا يطوره شك، والعزم المتمكن، # والقوة الفاضلة، فإذا رأت مكانه الشعراء، وفهمته الخطباء، ومن قد تعبد ~~للمعاني، وتعود نظمها وتنضيدها، وتأليفها وتنسيقها واستخراجها من مدافنها، ~~وإثارتها من أماكنها - علموا أنهم لا يبلغون # بجميع ما معهم مما قد استفرغهم واستغرق مجهودهم، وبكثير ما قد حاولوه ~~قليلا مما يكون منه على البداهة والفجاءة، من غير تقدم في طلبه، واختلاف ~~إلى أهله، وكانوا مع تلك المقامات والسياسات، ومع تلك الكلف والرياضات لا ~~ينفكون في بعض تلك المقامات من بعض الاستكراه # والزلل، ومن بعض التعقيد والخطل، ومن التفنن والانتشار، ومن التشديق ~~والإكثار، ورأوه مع ذلك يقول: " إياي والتشادق "، و " أبغضكم إلي الثرثارون ~~المتفيهقون " # ثم رأوه في جميع دهره في غاية التسديد، والصواب التام، والعصمة الفاضلة، ~~والتأييد الكريم - علموا أن ذلك من ثمرة الحكمة، ونتاج التوفيق، وأن تلك ~~الحكمة من ثمرة التقوى، ونتاج الإخلاص. # " وللسلف الطيب حكم وخطب كثيرة، صحيحة ومدخولة، لا يخفى شأنها على نقاد ~~الألفاظ وجهابذة المعاني، متميزة عند الرواة الخلص، وما بلغنا عن أحد من ~~جميع الناس أن أحدا ولد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبة واحدة فهذا ~~وما قبله حجة في تأويل ذلك الحديث " اه. # *** # PageV01P208 ### | نفي الشعر عنه - صلى الله عليه وسلم - # ونحن نتم القول فيما بدأ به الجاحظ آنفا، من تنزيه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عن الشعر، وأنه لا ينبغي له، # فإن الخبر في ذلك مكشوف متظاهر والروايات صحيحة متواترة، وقد قال الله ~~تعالى: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين (69) . # فكان عليه الصلاة والسلام لا يتهدى إلى إقامة # وزن الشعر إذا هو تمثل بيتا منه بل يكسره ويتمثل البيت مكسورا! # مع أن ذلك لا يعرض ألبتة لأحد من الناس في كل حالاته، عربيا كان أو ~~أعجميا، فقد يتعتع المرء في بيت الشعر ينساه أو ينسى # الكلمة منه؛ فلا يقيم وزنه لهذه العلة، ولكنه يمر في أبيات كثيرة مما ~~يحفظه أو مما ms200 يحسن قراءته؛ # فما وزن الشعر إلا نسق ألفاظه، فمن أداها على وجهها فقد أقامه على وجهه، ~~ومن قرأ صحيحا فقد أنشد صحيحا. # وهذا خلاف المأثور عنه - صلى الله عليه وسلم -، فإنه على كونه أفصح العرب ~~إجماعا، لم يكن ينشد بيتا تاما # على وزنه، إنما كان ينشد الصدر أو العجز فحسب؛ فإن ألقى البيت كاملا لم ~~يصحح وزنه بحال من الأحوال، وأخرجه عن الشعر فلا يلتئم على لسانه. # أنشد مرة صدر البيت المشهور للبيد، وهو قوله: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # فصححه، ولكنه سكت عن عجزه (وكل نعيم لا محالة زائل) . # وأنشد البيت السائر لطرفة على هذه الصورة: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك (من لم تزود) بالأخبار # وإنما هو: " ويأتيك بالأخبار من لم تزودا ". # وأنشد بيت العباس بن مرداس فقال: # أتجعل نهبي نهب العبيد ... بين (الأقرع) وعيينة. . . # فقال الناس: بين عيينة والأقرع. # فأعادها عليه الصلاة والسلام: (بين الأقرع وعيينة) # ولم يشقم له الوزن. # ولم تجر على لسانه - صلى الله عليه وسلم - مما صح وزنه إلا ضربان من ~~الرجز المنهوك والمشطور أما الأول # PageV01P209 # فكقوله في رواية البراء: إنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - على بغلة ~~بيضاء يوم أحد ويقول: # أنا النبى لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب # والثاني كقوله في رواية جندب إنه - صلى الله عليه وسلم - دميت أصبعه ~~فقال: # هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت # وإنما اتفق له ذلك، لأن الرجز في أصله ليس بشعر إنما هو وزن؛ كأوزان ~~السجع؛ وهو يتفق للصبيان والضعفاء من العرب، يتراجزون به في عملهم وفي ~~لعبهم وفي سوقهم، ومثل هؤلاء # لا يقال لهم شعراء، فقد يتسق لهم الرجز الكثير عفوا غير مجهود، حتى إذا ~~صاروا إلى الشعر انقطعوا. # وإنما جعل الرجز من الشعر تتابع أبياته، وجمع النفس عليه، واستعماله في ~~المفاخرات والمماتنات ونحوها، وأنه الأصل في اهتدالهم إلى أوزان الشعر، كما ~~سنفصل كل ذلك في الجزء # الثالث من تاريخ آداب العرب إن شاء الله، فأما البيت ms201 الواحد منه، فليس في ~~العرب جميعا، ولا في صبيانهم وعبيدهم وإمائهم من يأبه له، أو يعده شعرا، أو ~~ياذن لوزنه، أو يحسب أن وراءه أمرا # من الأمر: إنما هو كلام كالكلام لا غير. # ولقد كانت الأوزان فطرية في العرب، فهي في الرجز، وهي في السجع، وهي في ~~الشعر، جميعا، ولم يعلم أنه - صلى الله عليه وسلم - اتفق له في الرجز أكثر ~~من بيت واحد، أو تمثل منه بأكثر من البيت # الواحد كبيت أمية بن أبي الصلت: # إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما # وإنما كان له ذلك في الرجز خاصة دون الشعر، لأن الشطرين منه كالشطر ~~الواحد في الوزن والقافية، لا يبين أحدهما من الآخر؛ وبخاصة في هذين ~~الضربين المنهوك والمشطور، وهما بعد ذلك كالفاصلتين من السجع، لا يمتازان ~~منه في الجملة إلا بإطلاق حركة الروي، ومن أجل هذه # العلة لم يتفق له في غيرهما شيء، وهو - صلى الله عليه وسلم - كان يقيم ~~الشطر الواحد من الشعر كما علمت، لأن # مجازه على انفراده مجاز الجملة من الكلام؛ فلا يستبين فيه الوزن، ولا ~~يتحقق معنى الإنشاد، ولا تتم هيئته من الإيقاع والتقطيع والتشدق ونحوها؛ ~~فإذا صار إلى تمام البيت من المصراع الآخر، # وهم الوزن أن يظهر، والإنشاد أن يتحقق، وأوشك الأمر أن يمتاز بما ينفرد ~~به الشعر في خواصه التي تبينه من سائر الكلام كسر وخرج بذلك إلى أن يجعل ~~البيت كأنه جملة مرسلة من الكلام، # على ما كان من أمره في الشطر الواحد. # PageV01P210 # والذي عندنا، أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يمنع إقامة وزن الشعر في ~~إنشاده إلا لأنه منع من إنشائه، فلو استقام له وزن بيت واحد، لغلبت عليه ~~فطرته القوية، فمر في الإنشاد، وخرج بذلك - لا محالة - # إلى القول والاتساع وإلى أن يكون شاعرا، ولو كان شاعرا لذهب مذاهب العرب ~~التي تبعث عليها طبيعة أرضهم - كما بسطناه في موضعه - ولتكلف لها، ونافس ~~فيها، ثم لجاراهم في ذلك إلى غايته، حتى لا يكون دونهم فيما تستوقد ms202 له ~~الحمية، وما هو من طبع المنافسة والمغالبة، وهذا # أمر، كما ترى، يدفع بعضه إلى بعض، ثم لا يكون من جملته إلا أن ينصرف عن ~~الدعوة، وعما هو أزكى بالنبوة وأشبه بفضائل القرآن، ولا من أن يتسع للعرب ~~يومئذ بد، فيقرهم على شيء، # ويجاريهم على شيء، وينقض شعره أمر القرآن عروة عروة، ولذا قال تعالى: ~~(وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين (69) . # ئم يأتي بعد ذلك جلة أصحابه وخلفائه، يأخذون فيما أخذ فيه، فيمضون على ما ~~كان من أمرهم في الجاهلية، ويثبتون على أخلاقهم وعلى أصول طباعهم ويستطير ~~ذلك في الناس، وهو # أمر متى تهيأ نما فيهم، ومتى نما غلب عليهم، ومتى غلب استبد بهم، ومتى ~~استبد لم تقم معه للإسلام قائمة (ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل ~~مسمى (129) . # فانظر، هل ترى شيئا غير إلهي هذا التدبير المحكم والصنع العجيب؛ وهل ترى ~~ذلك أعجب # PageV01P211 # من أن الله تعالى منع نبيه تصحيح وزن الشعر، وجعل لسانه لا ينطلق به إذ ~~وضعه موضع البلاغة من وحيه، ونصبه منصب البيان لدينه، لأنه تعالى من غيب ~~المصلحة لعباده، أنه - صلى الله عليه وسلم - لو أقام وزن # بيت مال به عمود الدين، ثم لتصدع له الأساس الاجتماعي العظيم الذي جاء به ~~القرآن، إذ يكون قد بنى على غير أركان وثيقة ولا عماد محكم. # على أن منع الشعر إنما أخذ به - صلى الله عليه وسلم - منذ نشأته، ولولا ~~ذلك ما استقام له وجه طبيعي ليس فيه ندرة تعد؛ فقد نشأ منه نشأته على بغضه؛ ~~والانصراف عما يزين الشيطان منه، والنفرة من تعاطيه، # وعلى أن يتوهم شيئا من أوزانه وأعاريضه حتى يميت الدواعي إليه من نفسه، ~~فلا تنزع به الفطرة، # لا تستدرجه العادة، وعظم ذلك عنده وبلغ، لا يعرف أحد من العرب كره قول ~~الشعر كرهه، ولا أبغضه، بغضه، مع تأصله في فطرتهم، ونزوعهم إليه بالعرق، ~~ونشأة الناشئ منهم على أسبابه من # طبيعة الأرض وطبائع أهلها، وعلى أنه لا يفتأ ms203 يدور في مسمعه، ويختم في ~~قلبه، ولا يبرح منه راويا أو حاكيا، فقد كان حكمة القوم وسياستهم ومعدن ~~آدابهم وديوان أخبارهم، بل كان عبادة # أرواحهم لطبيعة أرضهم، والصلة المحفوظة بينهم وبين ماضيهم، كما سلفت ~~الإشارة إليه في موضعه، ولذا قال - صلى الله عليه وسلم -: # " لما نشأت بغضت إلي الأوثان وبغض إلي الشعر. ولم أهم بشيء مما # كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين، فعصمني الله منهما، ثم لم أعد ". # لا جرم أن ذلك تأديب من الله أراد به تحويل فطرته - صلى الله عليه وسلم - ~~عن الشعر وقوله، حتى لا تنزع به العادة منزعا، ولا تذهب في أسبابه مذهبا ~~وحتى تستوي في ذلك ظاهرا ودخلة، فلا يستطرق لها # الوهم من باب ولا يجد إليها مفوى يبلغه، ومتى كان بغض الشعر في نفسه كبغض ~~الأوثان وأن العمل في ذلك بالنسبة إليه كالعمل لهذه، فكيف يمكن أن يبقى له ~~مع هذا كله طبع فيه أو وجه إليه. . وكيف يتأتى أن يكون مثل هذا أدبا أخذ به ~~نفسه وراضها عليه، دون أن يكون تاديبا من الله # وتصرفا منه، في تكوين نفسه وتهذيب فطرته، وتحويل طبعه، وأن يكون قد منعه ~~في هذا الباب ما لم يمنعه أحدا من قومه، كما أعطاه في أبواب كثيرة ما لم ~~يعطه أحدا منهم، وخاصة إذا عرفت أن # الشعر قد كان سجية في أهله، وأنه ليس من بني عبد المطلب رجالا ونساء من ~~لم يقل الشعر غيره - صلى الله عليه وسلم - وإنما كل ذلك تفسير طبيعي لقوله ~~عليه الصلاة والسلام: " أدبني ربي فأحسن تأديبي ". # على أنه فيما كان وراء عمل الشعر وتعاطيه وإقامة وزنه، يحب هذا الشعر ~~ويستنشده، ويثيب عليه، ويمدحه متى كان في حقه ولم يعدل به إلى ضلالة أو ~~معصية، والآثار في هذا المعنى كثيرة لا نطيل باستقصائها، ولولا أن ذلك قد ~~كان منه - صلى الله عليه وسلم - لماتت الرواية بعد الإسلام، ولما وجد في # الرواية من يجل وكده حمل الشعر وروايته وتفسيره واستخراج الشاهد والمثل ~~منه، وكأنه عليه الصلاة ms204 والسلام حين سمع الشعر وأثاب عليه ورخص فيه لم يرد ~~إلا هذا المعنى، والشاهد القاطع # PageV01P212 # قوله في أمر الجاهلية: " إن الله قد وضع عنا آثامها في شعرها وروايته! # وبمثل هذا القول استأنس العلماء وتجردوا للرواية وتملأوا منها. رحمهم ~~الله وأثابهم بما صنعوا! # وقد كان له - صلى الله عليه وسلم - شعراء ينافحون عنه، ويتجارون مع شعراء ~~القبائل الأحاديث والأفانين، ولم يقمهم هو ولكن أقامتهم العادة العربية ~~التي جعلت قولهم أشد على بعض العرب من نضح النبل، # لأنه عليه الصلاة والسلام لم يؤمر بالفخر، ولم يبعث للهجاء، وقد ترك عادة ~~العرب ونخوة الجاهلية في مثل ذلك، ولكنهم لم يتركوها في أول العهد ~~بالرسالة، فكانوا يهيجون عليه شعراءهم، ويحرضون خطباءهم، ويقصدونه ~~بالأقاويل يستطيلون بها عليه، فإذا أتاه الوفد منهم: # كبني تميم حين جاءوه بشاعرهم الأقرع بن حابس وخطيبهم عطارد بن حاجب؛ ~~ينادونه من وراء الحجرات: يا محمد، أخرج إلينا نفاخرك ونشاعرك، فإن مدحنا ~~زين وذمنا شين - رماهم بمثل # خطيبه ثابت بن قيس شماس. أو بأحد شعرائه عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت ~~وكعب بن مالك، فضغموا الشعراء والخطباء، وأبلغوا في الرد عليهم، تأييدا من ~~الله في المنافحة عن نبيه - صلى الله عليه وسلم -، # وردا لكيدهم الذي يكيدون. # ولقد كانت السابقة في ذلك لحسان رضي الله عنه، وكان ذا لسان ما يسره به ~~معقول من معد وكأنما زاد الله فيه زيادة ظاهرة؛ وهو الذي قال له النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: " قل وروح القدس معك! # فكان إذا أرسل لسانه لم يجدوا له دفعا، وإذا مسهم بالضر لم يجد شعراؤهم ~~نفعا، وإذا وضع منهم لم يستطيعوا لما وضعه رفعا: # إن كان في الناس سباقون بعدهم ... فكل سبق لأدنى سبقهم تبع # لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم ... عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا # أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفرقت الأهواء والشيع # *** # PageV01P213 ### | تأثيره في اللغة - صلى الله عليه وسلم - # قد علمت مما بسطناه في مواضع كثيرة، أن قريشا كانوا أفصح العرب ألسنة، ~~وأخلصهم لغة، وأعذبهم ms205 بيانا؛ وأنهم قد ارتفعوا عن لهجات رديئة اعترضت في ~~مناطق العرب، فسلمت بذلك لغتهم، وإنما كان هؤلاء القوم أنضاد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - من أعمامه وأهله وعشيرته، ثم علمت ما قلناه آنفا في نشأته ~~اللغوية، وما وصفناه من أمره فيها، وأن له في تلك رتبة بعيدة المصعد، فلا ~~جرم كان - صلى الله عليه وسلم - على حد الكفاية في قدرته على الوضع، ~~والشقيق من الألفاظ، وانتزاع المذاهب # البيانية، حتى اقتضب ألفاظا كثيرة لم تسمع من العرب قبله، ولم توجد في ~~متقدم كلامها، وهي تعد من حسنات البيان، لم يتفق لأحد مثلها في حسن ~~بلاغتها، وقوة دلالتها، وغرابة القريحة اللغوية في تأليفها وتنضيدها، وكلها ~~قد صار مثلا، وأصبح ميراثا خالدا في البيان العربي، كقوله: # مات حتف أنفه وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ما سمعت ~~كلمة غريبة من العرب - يريد التركيب البياني - إلا وسمعتها من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وسمعته يقول: # " مات حتف أنفه " # وما سمعتها من عربي قبله. # ومثل ذلك قوله في الحرب: " الآن حمي الوطيس "، # وقوله: " بعثت في نفس الساعة " # إلى كثير من ذلك سنقول فيه بعد. وهذا ضرب عزيز من الكلام يحتذيه البلغاء ~~ويطبعون على قالبه؛ # وكلما كثر في اللغة لانت أعطافه، واستبصرت طرق الصنعة إليه، وما من بليغ ~~أحدث في العربية منه ما أحدثه النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فهذه واحدة في ~~الأوضاع التركيبية، وسنبسط القول فيها. # والثانية في الأوضاع المفردة، مما يكون مجازة مجاز الإيجاز والاقتضاب؛ ~~وهذا الباب كانت تنصرف فيه العرب بالاشتقاق والمجاز، فتضع الألفاظ وتنقلها ~~من معنى إلى معنى، غير أنها في # PageV01P214 # أكثر ذلك إنما تتسع في شيء موجود ولا توجد معدوما؛ فلم يعرف لأحد من ~~بلغائهم وضحع بعينه يكون هو انفرد به وأحدثه في اللغة ويكون العرب قد ~~تابعوه عليه، إلا ما ندر لا يعد شيئا؛ # بخلاف المأثور عنه - صلى الله عليه وسلم - في مثل ذلك، فهو كثير تعد منه ~~الأسماء والمصطلحات الشرعية مما لم ms206 يرد في القرآن الكريم؛ ومنه ألفاظ كان ~~العرب أنفسهم يسألونه عنها ويعجبون لانفراده بها وهم # عرب مثله؛ كما عجبوا لفصاحته التي اختص بها ولم يخرج من بين أظهرهم، كما ~~روي من أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي تميمة الهجيمي: " إياك ~~والمخيلة " فقال: يا رسول الله، نحن قوم عرب؛ فما المخيلة؟ # فقال عليه الصلاة والسلام:، سبل الإزار " # ومرت الكلمة بعد ذلك على هذا الوضع، يراد بها الكبر ونحوه. # وكثيرا ما كان يسأل أصحابه عن مثل هذا فيوضحه لهم، ويسددهم إلى موقعه؛ ~~واستمر عصره على ذلك، وهو العصر الذي جمعت فيه اللغة واستفاضت، وامتنع ~~العرب عن الزيادة فيها # بعد أن سمعوا القرآن الكريم وراعتهم أسرار تركيبه؛ فلم يكن يومئذ من ~~يتجوز ويقتضب ويشتق ويضع غيره - صلى الله عليه وسلم -، مع أنه كان لا يتأتى ~~إلى ذلك بالروية، ولا يستعين عليه بالفكر، ولا يجمع # بالنظر؛ إنما هو أن يعرض المعنى فإذا لفظه قد لبسه واحتواه وخرج به على ~~استواء، لا فاضلا ولا مقصرا، كأنما كان يلهم الوضع إلهاما، وليس ذلك بأعجب ~~من مخاطبته وفود العرب بما كان لهم من اللغات والأوضاع الغريبة التي لا ~~تعرفها قريش من لغتها، ولا تتهدى إلى معانيها، ولا يعرفها # بعض العرب عن بعض، ثم فهمه عنهم مثل ذلك على اختلاف شعوبهم وقبائلهم، حتى ~~قال له علي رضي الله عنه وقد سمعه يخاطب وفد بني نهد: يا رسول الله، نحن ~~بنو أب واحد، ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره! فقال عليه الصلاة ~~والسلام: " أدبني ربي فأحسن تأديبي ". # ومن ذلك كتبه الغريبة التي كان يمليها ويبعث بها إلى قبائل العرب يخاطبهم ~~فيهم # PageV01P215 # بلحونهم ولا يعدو ألفاظهم وعبارتهم فيما يريد أن يلقيه إليهم، وهي ألفاظ ~~خاصة بهم وبمن يداخلهم ويقاربهم، ولا تجوز في غير أرضهم ولا تسير عنهم فيما ~~يسير من أخبارهم، ولا تأتلف مع أوضاع اللغة القرشية فما ندري أي ذلك أعجب: ~~أن ينفرد النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعرفة هذا الغريب من ألسنة العرب ~~دون قومه ms207 وغير قومه ممن ليس ذلك في لسانهم، عن غير تعليم ولا تلقين ولا ~~رواية، أو أن يكون قومه من قريش قد ضربوا في الأرض للتجارة حتى اشتق اسمهم ~~منها، وخالطوا # العرب وسمعوا مناطقهم في أرضهم، وحين يتوافون إليهم في موسم الحج، وهم مع ~~ذلك لا يعلمون من هذا الغريب بعض ما يعلمه، ولا يديرونه في ألسنتهم، ولا ~~يورثونه أعقابهم فيما ينشأون عليه من السماع والمحاكاة؛ حتى كان هذا لباب ~~فيه - صلى الله عليه وسلم - بابا على حدة، كما يؤخذ كل # ذلك من قول علي: " نحن بنو أب واحد ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم ~~أكثره "، # فليس العجب في أحد القسمين إلا في وزن العجب من الآخر. # على أنا ننقل كتابا من هذه الكتب؛ لنعرف الأمر على حقه، ولنميز اللغة ~~السهلة التي ذهبت خشونتها وانسحقت في الألسنة، وهي لغة قريش، من هذه اللغات ~~الغريبة التي يجمعها - صلى الله عليه وسلم - دون # قومه، ثم لا تجري في منطقه إلا مع أهلها خاصة؛ ولا تندر في كلامه مع ~~غيرهم، أو تغلب عليه، أو تنقص من فصاحته، أو تضعف أسلوبه، كما هو الشأن في ~~أهل الغريب من هذه اللغة، وفيمن # يتباصرون به ويتكلفون لذلك حفظه وروايته، وهم أهل التوعر والتقعير ~~واستهلاك المعاني، الذين تسلمهم إلى ذلك طبيعة الغريب نفسه، إذ يدور في ~~ألسنتهم ويستجيب لهم كلما مثلت معانيه، غير # مختلب ولا مستكره، ويغلبهم على مرادفه من الكلام السهل المأنوس؛ لأنهم ~~أكثر رغبة فيه.، # وأشد عناية به في الطلب والحفظ والمدرمة؛ ومتى نشطت طبيعة الإنسان لأمر ~~من الأمور، فقد لزمها توفير قسطه من المزاولة، وتوفيه حقه من العناية به ~~تبلغ منه البلاغ كله، وحتى يكون هو الغالب عليها، وحتى يلزمه فها في حق ~~الاستجابة إليها، ما لزمها منه في حق العناية # أما الكتاب الذي أشرنا إليه فهو كتابه - صلى الله عليه وسلم - لوائل بن ~~حجر الكندي، أحد أقيال حضرموت، ومنه: # PageV01P216 # " إلى الأقيال العباهلة، والأزواع المشابيب. . . ". # وفيه: وفي التيعة شاة لا مقورة الألياط، ولا ضناك، ms208 وأنطوا الثبجة. وفي ~~السيوب الخمس ومن زنى مم بكر فاصعقوه مائة، واستوفضوه عاما. ومن زنى مم ثيب ~~فضرجوه بالأضاميم. ولا توصيم في الدين، ولا غفة في فرائض الله تعالى، وكل ~~مسكر حرام وائل بن حجر يترفل على الأقيال ". # ومن هذا الباب كلامه - صلى الله عليه وسلم - مع ذي المشعار الهمداني، ~~وطهفة النهدي وقطن بن حارثة العليمي، والأشعث بن قيس، وغيرهم من أقيال ~~حضرموت ورجال اليمن، قد أحصاه أهل الغريب # وفسروه؛ وانظر كتابه إلى همدان، ومنه: # (. . إن لكم فراعها ووهاطها وعزازها، تأكلون علافها، وترعون عفاءها؛ لنا ~~من دفئهم وصرامهم ما سلموا بالميثاق والأمانة، ولهم من الصدقة الثلب والناب ~~والفصيل والفارض والداجن والكبش الحوري، وعليهم فيها الصالغ والقارح ". # فهذه طائفة يسيرة مما انتهى إلينا من غريب اللغات التي كان يعلمها النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وإنما خرجت عنه هي وأمثالها، مما جمعوا حديثا ~~كالأحاديث، ورويت كما فصلت؛ ولولا أنها وجه من التاريخ # والسيرة، وضرب من تعليم أولئك القوم، لقد كانت انقطعت بها الرواية فلم ~~ينته إلينا منها شيء، # PageV01P217 # فهي ولا ريب لم تكن مجتلبة، ولا متكلفة، ولا ترامى إليها البحث والتفتيش، ~~وإنما جرت منه - صلى الله عليه وسلم - مجرى غيرها؛ مما قذفه الطبع المتمكن، ~~وألفته السليقة الواعية، ولا ريب أن وراءها في ذلك # الطبع وتلك السليقة، ما وراء ألفاظها من سائر ما انفردت به تلك اللغات عن ~~القرشية، فلا بد أن يكون لمجر محيطا بفروق تلك اللغات، مستوعبا لها على أتم ~~ما تكون الإحاطة والاستيعاب، كأنه في كل لغة من أهلها، بل أفصح أهلها. # وإنما يحمل هذا على قوة في فطرته اللغوية، تتميز بالإلهام عن سائر العرب ~~من قومه وغير قومه، على النحو الذي اختصت به ذاته الشريفة بالوحي من ربه، ~~والباب في كلتا الجهتين واحد أيسره وأكثره. # لماذا كانت تلك فطرته اللغوية، في تمكنها، وشدتها، واستحصافها، وسبيلها ~~إلى الإلهام؛ وانطوائها على أسرار الوضع؛ فانظر ما عسى أن يحدث من مبلغ ~~أثرها في اللغة وضعا واشتقاقا # واستجازة وتقليبا، وما عسى أن يبلغ ms209 القول في مظاهرها من مخارج الكلام ~~ووجه إرساله وإحكام تنضيده واجتماع نسقه؛ ثم تدبر ما عسى أن تكون جملة ذلك ~~قد أثرت في العرب ومناطقها # وأساليبها، وهم كما علمت أهل الفطرة والسليقة وإنما أكبر أمرهم في اللغة ~~التوهم والنزوع إلى المحاكاة، والمضي على ما توهموا، والأخذ فيما نزعتهم ~~إليه الطبيعة، وعلى ذلك مبنى لغتهم كما فصلناه في بابه. # فالعربي الفصيح منهم، إذا كان جافيا متوقحا، وكان صافي الحس بليغ الطبع، ~~وكان في قواه البيانية مع ذلك فضل من التصرف - رجع أمره ولا جرم إلى أن ~~يكون صاحب لغتهم، وإلى أن يكون منطقه فيهم مذهبا من المذاهب، وإن كانوا لا ~~يعرفونه باللغة وعلمها وتصريفها على الحدود # التي يعرف بها الناس علماءهم، وكان هو لا يعرف من نفسه أنه لغوي وأنه ~~واضع، إذ ليس من ذلك شيء يسمى عندهم علما، إنما هو سصت الفطرة التي تأخذ ~~فيه طبائعهم، ودلالتها التي تهتدي # بها وتستقيم عليها لا أكثر من ذلك ولا أقل. # ولقد كان هؤلاء العرب أجدر الناس بأن يقال إن فيهم # حاسة سادسة، هي حاسة الاهتداء اللغوي، ثم لا يكون هذا القول إلا حقا. # وبعد، فإنه ليس لنا أن نبسط في الفصل أكثر مما بسطنا، فإن علماءنا ~~ورواتنا رحمهم الله لم يوقعوا الكلام في أماليهم وكتبهم على حالة اللغة ~~لعهد النبي - صلى الله عليه وسلم - تعيينا، ولا دلوا على ما كان له # من الأثر في أوضاعها وتقليبها، وعلى ما جاء من قبله في ذلك مما كان من ~~قبل سواه؛ وعلى ما صارت إليه اللغة بعد استفاضة الإسلام والاجتماع على ~~المضرية، إلى ما يداخل ذلك من أبواب التاريخ اللغوي. # وإنما اكتفوا بأنهم إجماع واحد، ويقين لا تحتل منه، أنه عجت كان أفصح ~~العرب، وأعلمهم بلغاتها وأوسعهم في هذا الباب وأنه لم يأتهم عن أحد من ~~روائع الكلام ما جاءهم عنه وأن له في كل ذلك المزية البينة، التي تواتر ~~النقل، وتظاهر بها الخبر، كما أسلفنا بيانه، ثم تركوا # PageV01P218 # أن يتوسعوا في تفصيل ما أجمعوا ms210 عليه وأن يعتلوا له بأسبابه، ويعرضوا له ~~من وجوهه، ويستقصوا فيه إلى أوائله، ويأخذوه من نشأته؛ حتى إن الذي وضعوا ~~الكتب الممتعة في علم غريب الحديث، # لم يتعرضوا له، ولم يقولوا فيه قولا، مع أنه مبنى علمهم، وجهة تأليفهم، ~~وله منصب الحجة، # وإليه غاية الرأي، بل اجتزأوا - عفا الله عنهم - ببيان اللفظ الغريب ~~وتفسيره، وصرفوا أكبر همهم إلى الإكثار من الجمع، وإلى صحة المعنى وجودة ~~الاستنباط. وكثرة الفقه. وإشباع التفسير وإيراد # الحجة وذكر النظائر. # وتخليص المعاني، حتى كانت هذه الكتب كلها كما قال الخطابي البستي # " إذا حصلت كان مآلها كالكتاب الواحد ". # وما ننكر أن هذا كله حظ النقل والرواية. # ولكن أين حظ الرأي والدراية؛ وأين مذهب الحجة، وأين فائدة التاريخ؛ وأين ~~دليل الفصاحة من اللغات؛ وأين أدلة اللغات من أهلها؟ . . . # وهذه فنون لو أن الرواية امتدت بها أو بعضها من عصر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: وكان لعلمائنا رأي محصد في هذا الأمر. وحسبة حسنة. ونظر ~~وتدبير - لقد كان الله ارتاح لنا برحمة من عملهم، وأنقذنا من كثير # لا نبرح نضطرب فيه آخر الدهر، وهيأ لنا من صنيعهم أسبابا وثيقة إلى أبواب ~~من فلسفة هذه اللغة وتاريخ آدابها؛ ولكن ذلك قد كان من أمرهم في اللغة ~~خاصة، ولما بيناه في الجزء الأول من تاريخ # آداب العرب: لم يرو أنه يسقط شيئا على من بعدهم، ولا رأوا أنه وكف ولا ~~نقص، ولا أن في باب الرأي غير ما صنعوا: فأخذوه على الجهة التي اتفقت لهم، ~~وجاءوا به من عصرهم لا من عصره. # وقد كان هذا الشأن قريبا منهم لو أرادوه، وذلك الأمر موطأ لهم لو اعتزموا ~~فيه؛ ولكنه فوت قد فات. وعمل قد مات، وأمل لزمته هيهات فلم يبق لنا من ~~بعدهم إلا أن نصنع كما صنعنا؛ # فنأخذ بالجملة دون تفصيلها، ونصل القول بين الأسباب وما تسببت له، ونعتل ~~لما جاء عن النفس بما هو في تركيب النفس ونستروح إلى ما أجمعوا عليه بالحجة ~~التي ينصبها الإجماع ويشدها الاتفاق، ومهما أخطأنا ms211 من ذلك لم يخطئنا الكشف ~~على أصل المعنى وثبته ووجه مذهبه، وفي هذا # بلاغ، ثم لا يكون قد فاتنا في مثل هذا الفصل إلا ضرب من الكمال والتأليف، ~~وباب من التطوع في العمل، وإنما وجه الحقيقة في ذلك الأصل لا في الأمثلة ~~ومظهر الواجب في الفرض وحده # وكم وراء الفرض من نافلة. # PageV01P219 ### | نسق البلاغة النبوية # قد قلنا في بيان أسلوب كلامه - صلى الله عليه وسلم -، أنه أسلوب منفرد في ~~هذه اللغة، قد بان من غيره بأسباب طبيعية فيه، وأن ما أشبهه من بلاغة الناس ~~في الكلمات القليلة والجمل المقتضبة، لا يشبهه # في العبارة المبسوطة، ولا يستوي له الشبه مع ذلك في كل قليل ولا في كل ~~مقتضب، حتى يقع التنظير بين الأسلوبين على الكفاية، وحتى يميل الحكم إلى ~~الجزم بأن بعض ذلك كبعضه: بلاغة ونسقا وبيانا. # ونحن الآن قائلون في نسق هذا الأسلوب؛ ليتأدى بك القول إلى صميم مذهبه، ~~وينتظم هذا القول بعضه ببعض. # إذا نظرت فيما صح نقله من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - على جهة ~~الصناعتين اللغوية والبيانية، رأيته # PageV01P220 # في الأولى مسدد اللفظ محكم الوضع جزل التركيب. متناسب الأجزاء في تأليف ~~الكلمات: فخم الجملة واضح الصلة بين اللفظ ومعناه واللفظ وضريبه في التأليف ~~والنسق، ثم لا ترى فيه حرفا # مضطربا؛ ولا لفظة مستدعاة لمعناها أو مستكرهة عليه؛ ولا كلمة غيرها أتم ~~منها أداة للمعنى وتأتيا لسره في الاستعمال؛ ورأيته في الثانية حسن المعرض، ~~بين الجملة، واضح التفضيل، ظاهر الحدود جيد الرصف، متمكن المعنى؛ واسع ~~الحيلة في تصريفه، بديع الإشارة، غريب اللمحة، # ناصع البيان، ثم لا ترى فيه إحالة ولا استكراها، ولا ترى اضطرابا ولا ~~خطلا، ولا استعانة من عجز، ولا توسعا من ضيق، ولا ضعفا في وجه من الوجوه. # وهذه حقيقة راهنة؛ دليلها ذلك الكلام نفسه بجملته وتفصيله، لا يجهلها إلا ~~جاهل، ولا يغفل عنها إلا غافل، فإذا أنت أضفت إليها ما هناك، من سمو ~~المعنى؛ وفصل الخطاب، وحكمة القول، ودنو المأخذ، وإصابة السر، وفصل التصرف ~~في ms212 كل طبقة من الكلام، وما يلتحق بهذه # وأمثالها من مذهبه - صلى الله عليه وسلم - في الإفصاح، ومنحاه في ~~التعبير، مما خص به دون الفصحاء، وكان له # خاصة، من عظمة النفس، وكمال العقل، وثقوب الذهن ومن المنزعة الجيدة، ~~واللسان المتمكن - رأيت من جملة ذلك نسقا في البلاغة قفما يتهيأ في مثول ~~أغراضه وتساوق معانيه لبليغ من البلغاء، # إذ يجمع الخالص من سر اللغة ومن البيان ومن الحكمة - بعضها إلى بعض. # أما اللغة فهي لغة الواضع بالفطرة القوية المستحكمة، والمنصرف معها ~~بالإحاطة والاستيعاب، وأما البيان فبيان أفصح الناس نشأة، وأقواهم مذهبا، ~~وأبلغهم من الذكاء والإلهام، # وأما الحكمة فتلك حكمة النبوة، وتبصير الوحي وتأديب الله، وأمر في ~~الإنسان من فوق الإنسانية. # وأين من ذلك الفصحاء والبلغاء وأنى لهم؛ وما قط عرفنا بليغا سلمت له جهات ~~الصنعة في كلامه - من اللغة والبيان والحكمة - على أتمها، بحيث لم يرغ عن ~~قصد الطريقة، ولا تحئفته # إحدى هذه الثلاث بإدخال الضيم على أختيها في كلامه واستبانة أثرها فيه ~~وغلبتها عليه، وإنما هو جهد الممرن من هذه الفئة. أن يصنع الصنعة، ويغلو في ~~الإتقان، ويبالغ في التهذيب والتنقيح، # ويعمل بما وسعه لتخليص كلامه، ويتلوم على ذلك ويتقدم فيه ويتأخر متأملا ~~ههنا وههنا من أعطاف الكلام، ثم هو بعد ذلك إن سلمت له الحكمة لم تسلم له ~~صنعة اللغة في حس الهداية إلى الاستعمال والتمكن منه، وإن خلصت له هذه لم ~~يخلص إلى أسرار البيان في تركيبها وتنضيدها، # فإن هو أفضى إليها لم يخلص إلى النادر منها، مما يخرج الكلام في قبوله ~~وحسن معرضه وصفاء # PageV01P221 # رونقه ودقة تأليفه كأنه وضغ تركيبى مرتجل، له غرابة الارتجال في الوضع ~~المفرد الذي هو من أصل اللغة، فإن قوة البيان إنما هي في هذه الغرابة وفي ~~جهتها ومقدارها على ما عرفته من قبل. # ومن أجل ذلك تقرأ كلام البليغ من الناس، فترى الصنعة المحكمة، والطبع ~~القوي، والصقل البديع، واللفظ المونق، والحكمة الناصعة، ولكنك تصيب أكثر ~~ذلك أو عامته على وجهه كما # هو، ليس ms213 فيه سر من أسرار البيان، ولا دقيقة من أوضاع اللغة، ولا غرابة من ~~التركيب تتحير فيها، # وتقف عندها وتعطف برأيك عليها كلما هممت أن تمضي في الكلام، وتردد نظرك ~~في مصادرها ومواردها، على إصابتك من الصناعة، وبلوغك من الأدب، ورسوخك في ~~حكمة البلاغة، فإن # البصير بذلك ليمر في كلام البلغاء مرا، لا يعدو أن يستحسنه ويعجب به ~~ويستمرئ أسلوبه، حتى إذا انتهى إلى وجه من وجوه هذه الغرابة البيانية. رأى ~~في الكلام عقلا من العقول تنطوي عليه # الأحرف القليلة، وكأنه يكاشفه بنفسه وقد ثبت على نظره كما تثبت العاطفة، ~~فما يعفو ولا يضمحل حتى يكون هذا المتبين الذي يطلب أسرار الكلام قد وقف ~~عنده ذاهلا، وحبس عليه # الفكر يتأمل به فرق ما بين عقله وهذا العقل، ويروز نفسه منه مختبرا، ~~ويتعرف من تلك الأحرف القليلة مسافة ما بين العجز والقدرة إن كان عاجزا عن ~~مثله، أو ما بين قوة وأخرى إن كان # قادرا عليه؛ فكأن اللفظة الواحدة من تلك الجملة إنما هي مقياس للنبوغ ~~والابتكار وكأن الجملة ليست كلاما من الكلام، ولكنها سر من أسرار النفس ~~يلقي إليه شغلأطوبلا لم يكن هو من قبل في # سبب من أسبابه. وما كان إلا في أحرف وكلمات ينشر منها ويطوي، فقد صار إلى ~~كلمات مسحورة تنشر هي من نفسه وتطوي. # هذا، على أن كلامه - صلى الله عليه وسلم - ليس مما تكلف له، ولا داخلته ~~الصنعة، ولا كان يتلوم على حوكه # وسرده، ولكنه عفو البديهة، ومساقطة الحديث، مما يجريه في مناقلة الكلام ~~ومساق المحاضرة، وأنه مع ذلك لعلى ما وصفنا وفوق ما وصفنا، فقد تراه وما ~~يتفق فيه من الأوضاع التركيبية الغريبة، # وتعرف أن ذلك شيء لم يتفق مثله في هذا الباب لشاعر ولا خطيب ولا كاتب على ~~إطالة الرواية، ومراجعة الطبع، والغلؤ في الصنعة، وعلى أن لهم السبك الخالص ~~والمعدن الصريح. والبيان # الذي يتفجر في الألسنة لرقته وعذوبته واطراده. . # والبليغ من البلغاء في صنعته وبيانه، كالشجرة المورقة في روائها ونضرتها ~~حتى تتسق له ms214 أسباب من هذه الأوضاع البيانية، وتستقل له طريقة في عقدها ~~وإخراجها، فيبلغ أن يكون مثمرا، # والثمر بعد متفاوت في أشجار البلاغة، نضجا وماء وحلاوة وكثرة، وما أثمرت ~~من ذلك بلاغة غربية ما أثمرته بلاغة السماء في القرآن الكريم ثم بلاغة ~~الأرض في كلامه - صلى الله عليه وسلم -، والناس بعد ذلك # أجمعوا حيث طاروا أو وقعوا. . . # PageV01P222 # فمن هذه الأوضاع قوله عليه الصلاة والسلام: " مات حتف أنفه " # وقد شرحناه فيما مر بك، # وقوله في صفة الحرب يوم حنين: " الآن حمي الوطيس " # والوطيس: هو التنور مجتمع النار والوقود، فمهما كانت صفة الحرب، فإن هذه ~~الكلمة بكل ما يقال في صفتها، وكأنما هي نار # مشبوبة من البلاغة تأكل الكلام أكلا، وكأنما هي تمثل لك دماء نارية أو ~~نارا دموية! # وقوله في حديث الفتنة: هدنة على دخن، والهدنة: الصلح والموادعة والدخن: ~~تغير الطعام إذا أصابه الدخان في حال طبخه فأفسد طعمه. # وهذه العبارة لا يعدلها كلام في معناها، فإن فيها لونا من التصوير ~~البياني لو أذيبت له اللغة كلها ما وفت به، وذلك أن الصلح إنما يكون موادعة ~~ولينا؛ وانصرافا عن الحرب، وكفا عن الأذى؛ وهذه كلها من عواطف القلوب ~~الرحيمة فإذا بني الصلح على فساد، وكان لعلة من العلل، # غلب ذلك على القلوب فأفسدها، حتى لا يسترح غيره من أفعالها، كما يغلب ~~الدخن على الطعام، فلا يجد آكله إلا رائحة هذا الدخان، والطعام من بعد ذلك ~~مشوب مفسد. # فهذا في تصوير معنى الفساد الذي تنطوي عليه القلوب الواغرة وثم لون آخر ~~في صفة هذا المعنى، وهو اللون المظلم الذين تنصبغ به النية (السوداء) وقد ~~أظهرته في تصوير الكلام لفظة (الدخن) . # ثم معنى ثالث، وهو النكتة التي من أجلها اختيرت هذه اللفظة بعينها، وكانت ~~سر البيان في العبارة كلها، وبها فضلت كل عبارة تكون في هذا المعنى وذلك أن ~~الصلح لا يكون إلا أن تطفأ الحرب. # فهذه حرب قد طفئت نارها بما سوف يكون فيها نارا أخرى. # كما يلقى الحطب الرطب على النار تخبو به ms215 قليلا، ثم يستوقد فيستعر فإذا هي ~~نار تلظى، وما كان فوقه الدخان فإن النار ولا جرم من تحته، وهذا كله تصوير ~~لدقائق المعنى كما ترى، حتى ليس في الهدنة التي تلك صفتها # معنى من المعاني يمكن أن يتصور في العقل إلا وجدت اللون البياني يصوره في ~~تلك اللفظة لفظة " الدخن ". # ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: " بعثت في نفس الساعة " # يريد أنه بعث والساعة قريبة منه. # فوصف ذلك باللفظة التي تدل على أدق معاني الحس بالشيء القريب، وهي لفظة ~~النفس كما يحس المرء بأنفاس من يكون بإزائه ولا يكون ذلك إلا على شدة ~~القرب، وإنما أفرد اللفظة ولم يقل: " بعثت في أنفاس الساعة " لأنها نفخة ~~واحدة، وهذا معنى آخر فإن النفخة الشديدة متى جاءت # من بعيد كانت كالنفس من الأنفاس، وليس المراد من قرب الساعة أنها قدر ~~اليوم أو غد على التعيين، ولكن المراد أنها آتية لا ريب فيها. # وأن ما بقي من عمر الأرض ليس شيئا فيما مضى، # PageV01P223 # وإن لا نظام لإنسان الدنيا إلا أن يتمثل في نفسه إنسان الآخرة، فالساعة ~~من القرب كأنها من كل إنسان في آخر أنفاسه وهذا كله قد أصبح اليوم من ~~الحقائق التي لا مرية فيها. # وفي تلك اللفظة معنى ثالث، كأنه يقول: إن عمر الأرض كان طويلا فكانت ~~الساعة بعيدة ثم قصر هذا العمر فبدأت الساعة تتنفس: وما يدرينا أنه قد حان ~~أجل الأرض كما يحين أجل النهار # عندما تبدأ الدقيقة الأولى من ساعة الغروب، ثم لا ينقضي هذا الأجل إلا في ~~الدقيقة الأخيرة من هذه الساعة؟ . # وبقي معنى رائع في لفظة (النفس) أيضا؛ وذلك أنه يقال على المجاز: فلان في ~~نفسيى من ضيقه، إذا كان في سعة ومندوحة وقد عرف الضيق ما هو بعد أن شد عليه ~~وكتم أنفاسه! فيكون التأويل على ذلك، أن الساعة آتية وأنها قريبة. # وأنها تكاد تكون ولكن البعثة في نفس منها، فليعمل # الناس لآخرتهم فإنه يوشك أن لا يعملوا؛ ثم ليعمروا أنفسهم قبل أن يعمروا ~~أرضهم: فإن الساعة ms216 تطوي هذه وتنشر تلك. # ومن تلك الأوضاع قوله - صلى الله عليه وسلم -: # " كل أرض بسماتها "، وقوله: " يا خيل الله اركبي " # " ولا تنطح فيها عنزان ". # وقوله لأنجشة، وكان يسير بالنساء في هوادجهن. وهو يحدو بالإبل وينشد ~~القريض والرجر. فتنشط وتجد وتنبعث في سيرها فتهتز الهوادج وتضطرب النساء ~~فيها اضطرابا شديدا فقال عليه الصلاة والسلام # " رويدك رفقا بالقوارير ". # وقوله في يوم بدر: " هذا يوم له ما بعده ". # إلى أمثال لذلك كثيرة؛ لو أردنا أن نستقصي في جمعها وفي شرحها واستنباط ~~وجوه البيان منها، لطال بنا القول جدا ورجع أمر هذا الفصل أن # يكون في معنى التأليف كتابا برأسه إن كنا لا نلتزم إلا جهة البيان وحدها. # وكل ذلك من الأوضاع التي ابتدعها أفصح العرب - صلى الله عليه وسلم - في ~~هذه اللغة ابتداة ولم تسمع من أحد قبله، ولا شاركه في مثلها أحد بعد، وكل ~~كلمة منها كما رأيت لا يعدلها شيء في معناها، # ولا يفي بها كلام في تصوير أجزاء هذا المعنى وانتظام هذه الأجزاء ونفض ~~أصباغها عليها، وهذا # الضرب من الكلام الجامع هو الذي يمتاز البليغ في كل أمة بالكلمة الواحدة ~~من مثله، أو # PageV01P224 # الكلمتين، أو الكلمات القليلة القليلة. # ولو ذهبت تحصيه في العربية ما رأيته إلا معدودا، على حين أن خطباءها ~~وشعراءها وكتابها وأدباءها لا يأخذهم العد وقد انفردت بكثرتهم هذه اللغة ~~الخاصة، حتى لا تساويها في ذلك لغة أمة من الأمم فإن كان لأضخم هذه الأمم ~~بعض شعراء فلنا بعض وكل، وإن عدوا لنا واحدا " صفرناه " ولا فخر. # وقلما يتفق ذلك الضرب من الكلام في العربية على مثل ما رأيت من الغرابة ~~البيانية، إلا في القرآن الكريم والبلاغة النبوية، وهذه كتب الأدب ودواوين ~~الشعر والرسائل بين أيدينا؛ فخذ فيها # حيث شئت فإنه كلأ: حابس فيه كمرسل. # على أن أعجب شيء أنك إذا قرنت كلمة من تلك البلاغة إلى مثلها مما في ~~القرآن، رأيت الفرق بينهما في ظاهره كالفرق بين المعجز وغير المعجز سواء ~~ورأيت كلامه - صلى الله عليه وسلم ms217 - في تلك الحال # خاصة مما يطمع في مثله، وأحسست أن بين نفسك وبينه صلة تطوع لك القدرة ~~عليه وتمد لك أسباب المطمعة فيه، بخلاف القرآن، فإنك تستيئس من جملته، ولا ~~ترى لنفسك إليه طريقا ألبتة، # إذ لا تحس منه نفسا إنسانية، ولا أثرا من آثار هذه النفس، ولا حالة من ~~حالاتها حتى تأنس إلى ذلك على التوهم، ثم تتوفم الطمع والمعارضة من هذه ~~الأنسة، فتمضي عزمك وتقطع برأيك، # وتبت القول فيه - كما يكون لك قراءة الكلام الإنساني، فإن جميع هذا ~~الكلام الآدمي منهاج، # ولجملته طريق؛ وحدود البلاغة التي تفصل بعضه عن بعض كلها مما يوقف عليه ~~بالحس والعيان، # ويقدر فرق ما بين بعضها إلى بعض مهما بلغ من تفاوتها واختلافها في السبك ~~والصنعة والغرابة. # بيد أن ذلك مما لا يستطاع في القرآن ولا وجه إليه بحال من الأحوال فما هو ~~إلا أن تقرأ الآية منه حتى تراها قد خرجت من حد المألوف، وانسلت منه وفاتت ~~سمت ما قدرت لها من مطلع ومقطع، فمهما وجدت لا تجد سبيلا إلى حدها، ومهما ~~استطعت لا تستطيع أن تقرن بها # كلاما تعرف حده في البلاغة، إن لم يكن بالصنعة فبالحس. # وهذا وجه من أبين وجوه الإعجاز في القرآن، وقد جاء من طبيعة تركيبه وأن ~~لا أثر فيه من آثار النفس الإنسانية، وعليه قول الجاحظ في (كتاب النبوة) ~~وإن كان لم يهتد إلى تعليله: # " لو أن رجلا قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم - أي العرب - سورة قصيرة ~~أو طويلة، لتبين له في نظامها ومخرجها من لفظها وطابعها، أنه عاجز عن ~~مثلها، ولو تحدى بها أبلغ العرب لأظهر عجزه عنها ". # PageV01P225 # ولا يقذفن في روعك أنه وهو أفصح العرب، لو قد تصنع في شيء من كلامه؛ ~~وتكلف له، وتأتى لوجوه البلاغة المعجزة فيه، من التركيب البياني، والاختراع ~~اللغوي وما إليهما - لجاء منه بما عسى أن يطابق القرآن في نظمه وإحكامه، ~~وفي كل ما به صار القرآن معجزا - تتوهم ذلك # الذي يكون من جمع النفس القوية، وكذ الذهن ms218 الصحيح، والتوفر باسباب الفطرة ~~والصنعة على عمل هذا أمره وشأنه؛ فإنه عليه الصلاة والسلام لو اتفق له كذلك ~~- على فرض أن يتفق - لخرج # مخرج غيره من فصحاء العرب، قولا واحدا؛ لأن ما كان على حكم الغريزة لا ~~ينزل على حكم الصنعة، وإنما نوادر الفصاحة والبيان من هذه التراكيب الغريبة ~~عمل لا تبلغ فيه الحيلة؛ ولا يؤتيه # البحث والنظر وتعاطي هذه الصناعة الفلسفية التي تنفذ شيئا من شيء وتهيئ ~~مادة من مادة، بل كان ذلك في حكماء البلاغة إنما هو شعر القريحة البيانية، ~~وهو ضرب من الإلهام، يقوى بقوة الاستعداد له ويكثر بكثرة أسبابه في النفس ~~فلا يتعاطاه أهله بالصنعة الكلامية ولو وقعو في ملء # رؤوسهم منها، ولا يمكن أن تنفذ فيه قواعد التأليف البياني التي تصف ~~البلاغة وضروبها وأسرارها؛ بل هو يتفق لهم اتفاقا على غير طريقة معروفة ولا ~~وجه يسلكونه إليه وقد يعسر على أبلغ الناس في حين قد تيسر له بأسبابه، ~~واتجه إليه بالرغبة، وجمع عليه النفس الحريصة، وحسبه # منقادا فإذا هو عنان لا يملك. # ولو أن هذا الضرب كان مما يجدي فيه الاحتفال، وتبلغ منه الروية ويحتال ~~عليه بالنظر والتثبت، كسائر ضروب الكلام - لقد كان البلغاء ابتذلوه ونالوا ~~منه وصاروا فيه إلى الغاية، مع أنه # غضة الريق التي لا يعتصر منها، وإنما يبعثها قدر، ويسيغها قدر، ومع أن ~~الحرف الواحد منه في باب الاستعارة أو المجاز أو الكناية أو نحوها إذا اتفق ~~لأحدهم كان أمير كلامه، والواسطة في نظامه، والدليل على إلهامه. # فهذه واحدة، والثانية أنه - صلى الله عليه وسلم - لو اتفق له كذلك - على ~~فرض أن يتفق - لما استطاع أن يتجرد # من نفسه الكلامية، التي من شأنها أن تطمع غيره في كلامه. وتجعله أبعد ~~الأشياء عن مظنة الإعجاز بجانب الكلام ورأى ألفاظه تتنفسق تنفسا آدميا، ~~بجانب تلك الألفاظ التي تهب هبوبا كأن لها جوا فوق كون من اللغة. # وليس الأمر في هذه المعارضة - كما علمت - إلى مقدار الهمة في بعدها ~~وقصرها، # PageV01P226 # ولا مبلغ الفطرة في شدتها ms219 واضطرابها، ولا حالة البليغ في احتفاله ~~ومهاونته، بل هو أمر فوق ذلك أجمع، وليست هذه الهمة وهذه الفطرة وهذه ~~الحالة مما توجد في نفس الإنسان غير صفاتها # الإنسانية بالغة ما بلغت ونازلة حيث تنزل، فإن كل أمر لا يوطأ له بأسبابه ~~لا تحدثه غير أسبابه، # وما عرف الناس يوما من الدهر أن قوة الخلق ظهرت في مخلوق، ولا أن إنسانا ~~أخرج من نفسه غير ما في نفسه. # ومن خواص القرآن العجيبة، أن كل فصيح يحتفل في معارضته لا يزيده الاحتفال ~~إلا نقصا من طبيعته، وذهابا عن قصده وسنته، فكلما اندفع إلى ذلك ارتد ~~بمقدار ما يندفع، وكلما كد طبعه رأى من تبلده على حساب ما يكده فإذا ترك ~~ذلك حينا فعفا من تعبه وتراجع إليه # الطبع ثم عاد، كانت الثانية أشد عليه من الأولى؛ لأنه كلما طمع أسرع به ~~ذلك أن يتحقق اليأس وهكذا حتى يكون هو أول من يتهم نفسه بالعجز، ويرمي طبعه ~~بالاختيال، ويصف كلامه # بالنقص، فإنه إنما يطمح في تلك المعارضة إلى شيء من غير طبعه، فلا يرضى ~~لها بشيء من طبعه ومتى كان ذلك منه، لم يترك نفسه وشأنها، بل يمنعها مما ~~تنازع العمل عليه، ويردها عن وجهها ويشق عليها في النزوع، ويكدر بها تكديرا ~~يفسد عليها كل ما هي فيه من ذلك العمل، # فليست تجد منه أبدا إلا طريقة معروفة وقوة محدودة وإلا ما صنعت عليه ~~ونشأت فيه. # فإذا طال ذلك به وبها، أمات حركتها ونشاطها، وترامى بها إلى العجز وضربها ~~باليأس والقنوط، فذهب منه ما كان في طوقه وقوته من البلاغة في سبيل ما ليس ~~في طوقه وقوته، وأكدى طبعه فيما كان ينجح فيه، وتبدل من شأنه الأل شأنا ~~ثانيا كيفما أداره رآه سواء غير مختلف. # وذلك كله من غير أن يكون هناك إلا قوة القرآن المعجزة، وقوة نفسه ~~العاجزة، وهذا معنى قد وقع تفصيله في موضعه ومر في بابه، فلا حاجة بنا إلى ~~الزيادة منه بأكثر مما سلف. # وضرب آخر من الأوضاع التركيبية ms220 في بلاغة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~غير ما مرت مثله من ذلك النحو الذي يكون مجتمعا بنفسه منفردا في الكلم ~~القليلة، وهذا الضرب يتفق في بعض الكلام المبسوط، فتقوم # اللمحة منه في دلالتها بأوسع ما تأتي به الإطالة، وتكفي من مرادفة ~~المعاني وتوكيدها ومقابلتها بعضها ببعض، فيكون السكوت عليها كلاما طويلا، ~~والوقوف عندها شأوا بعيدا وهو القليل في # كلام البلغاء إلى حد النذرة التي لا يبنى عليها حكم، ولكنه كثير رائع في ~~البلاغة النبوية، لما عرفت من أسباب قلة كلامه - صلى الله عليه وسلم -، فإن ~~هذه القلة إن لم تنطو على مثل هذا الضرب الغريب، لا تفي # بالكثرة من غيره، ولا تعد في باب التمكين والاستطاعة، ولا يكون فضلها في ~~الكلام فضلا، ولا يعرف أمرها في البلاغة أمرا. # فمن ذلك حديث الحديبية، حين جاءه بديل بن ورقاء يتهدده ويحذره فقال له، ~~إني تركت # PageV01P227 # كعب بن لؤي بن عامر بن لؤي، معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن ~~البيت. # فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: # "إن قريشا قد نهكتهم الحرب فإن شاءوا ماددناهم مدة ويدعوا ما بيني وبين ~~الناس فإن أظهر عليهم وأحبوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس. . وإلا كانوا ~~قد جفوا، وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد ~~سالفتي هذه، وليتفذن الله أمره". # فتأمل قوله عليه الصلاة والسلام: "حتى تنفرد سالفتي هذه" # وكيف تصور معنى الانفراد الذي لا يستوحش منه لأن الثقة فيه بالله، والقلة ~~التي لا يخاف منها لأن الكثرة فيها من الله، والاستماتة # التي لا تردد معها لأن الأمر فيها إلى الله، وانظر كيف يصف العزيمة ~~الحذاء، وكيف تقرع بالوعيد والتهديد، وكيف تغني في جواب القوم ما لا تغنيه ~~الرسائل الطوال، حتى لتقطع الشهادة عليها # قطعا بما في نية صاحب الجواب من عزم أمره ووثاقة عقده، فكأنها صورة واضحة ~~لما استقر في نفسه من كل ما عسى أن يرجعه جوابا، وما عسى أن يتهيأ له في ~~باب الحزم، وإنها لكلمة بمعركة! ms221 # ومن هذا الباب قوله - صلى الله عليه وسلم -: # "من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له # عشرا، ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه فإن عملها كتبت عليه سيئة ~~واحدة، ولا يهلك على الله إلا هالك " # فتأمل هذا التذييل العجيب، فإنك لا تقضي منه عجبا، ولن يعجز إنسان أن # يهم بالخير، يفعله أو يفعله، وأن ينزع إلى الشر فيمسك عنه، فإن عجز حتى ~~عن هذا فما فيه آدمية، ورحمة الله تنال الإنسان بأسباب من خيره، ومن شره ~~إذا كان فيه الضمير الإنساني، وهذا في الغاية كما ترى. # *** # PageV01P228 ### | (فصل) # الخلوص والقصد والاستيفاء # أما فيما عدا هذين النوعين من الأوضاع التركيبية، فإن نسق البلاغة ~~النبوية يمتاز في جملته بأنه ليس من شيء أنت واجده في كلام الفصحاء وهو ~~معدود من ضروب الفصاحة ومتعلقاتها - إلا وجدته في هذا النسق على مقدار من ~~الاعتبار يفرده بالميزة، ويخصه بالفضيلة، لأن كلامه - صلى الله عليه وسلم - ~~في باب التمكين لا يعدله شيء من كلام الفصحاء، فلا تلمح في جهة من جهاته ~~ثلمة يقتحم عليه الرأي منها وتنساب فيها الكلمات التي هي من لغة النقد ~~والتزييف أو بعض هذه الكلمات، أو أضعف ما يكون من بعضها، إذ هو مبني على ~~ثلاثة الخلوص، والقصد، والاستيفاء. # (1) أما الأول فهو في اللغة ما علمت وفي الأسلوب ما عرفت مما وقفناك عليه ~~وهو منفرد فيهما جميعا، لأنه لم يكن في العرب ولن يكون فيمن بعدهم أبد ~~الدهر من ينفذ في اللغة وأسرارها وضعا وتركيبا، ويستعبد اللفظ الحر، ويحيط ~~بالعتيق من الكلام، ويبلغ من ذلك إلى الصميم على ما كان من شأنه - صلى الله ~~عليه وسلم -، ولا نعرف في الناس من يتهيأ له الأسلوب العصبى الجامع المجتمع ~~على توثق السرد وكمال الملاءمة، كما تراه في الكلام النبوي، وما من فصيح أو ~~بليغ إلا وهو في إحدى هاتين المنزلتين دون ما يكون في الأخرى على ما يلحقه ~~من النقص فيهما جميعا إذا # تصفحت وجوه كلامه وضروب الفصاحة فيه، ms222 واعتبرت ذلك بما سلف؛ وأبلغ الناس ~~من وفق أن يكون في المنزلة الوسطى بين منزلتيه - صلى الله عليه وسلم -. # (2) وأما القصد والإيجاز والاقتصار على ما هو من طبيعة المعنى في ألفاظه ~~ومن طبيعة الألفاظ في معانيها. # ومن طبيعة النفس في حظها من الكلام وجهتيه (اللفظية والمعنوية) - # فذلك مما امتازت به البلاغة النبوية حتى كان الكلام لا يعدو فيها حركة ~~النفس، وكان الجملة تخلق في منطقه - صلى الله عليه وسلم - خلقا سويا، أو هي ~~تنزع من نفسه انتزاعا، وهذا عجيب حتى ما يمكن أن يعطيه امرؤ حظه من التأمل ~~إلا أعطاه حظ نفسه من العجب، وإنما تتم في بلاغته - صلى الله عليه وسلم - ~~بالأمر الثالث. # (3) وهو الاستيفاء، الذي يخرج به الكلام - على حذف فضوله وإحكامه ووجازته ~~- مبسوط المعنى باجزائه ليس فيها خداج ولا إحالة ولا اضطراب حتى كان تلك ~~الألفاظ القليلة إنما ركبت تركيبا على وجه تقتضيه طبيعة المعنى في نفسه، ~~وطبيعته في النفس، فمتى وعاها السامع # PageV01P229 # واستوعبها القارئ، تمثل المعنى وأتمه في نفسه، في حسب ذلك التركيب، فوقع ~~إليه تاما مبسوط الأجزاء، وأصاب هو من الكلام معنى جموما لا ينقطع به ولا ~~يكبو دون الغاية، كأنما هذا الكلام قد انقلب في نفسه إحساسا لنظر معنوي. # وهذا ضرب من التصرف بالكلام في أخلاق النفوس الباطنة التي تذعن لها ~~النفوس وتتصرف معها، وقلما يستحكم لامرئ إلا بتأييد من الله وتمكين من ~~اليقين والحجة فهو على حقيقته مما لا تعين عليه الدربة والمزاولة إلا شيئا ~~يسيرا لا يستوفي هذه الحقيقة، ولا يمكن أن تجعله المزاولة # فيمن ليس من أهله كما هو في أهله، ولأمر ما قال أفصح العرب - صلى الله ~~عليه وسلم - # " أعطيت جوامع الكلم " # وفي رواية " أوتيت " وكان يتحدث في ذلك بنعمة الله عليه، فما هو اكثساب ~~ولا تمرين، ولا هو أثر من أئرهما في التفكير والاعتبار، ولا هو غاية من ~~غايات هذين في الصنعة والوضع، إنما هو (إعطاء وإيتاء) # فمن لم يعط لم يأخذ، ومن لم يأخذ لم يكن له من ms223 ذلك كائن ولم تنفعه منه ~~نافعة. # ولاجتماع تلك الثلاثة في كلامه - صلى الله عليه وسلم - وبناء بعضها على ~~بعض، سلم هذا الكلام العظيم من التعقيد والعي والخطل والانتشار وسلمت وجوهه ~~من الاستعانة بما لا حقيقة له من أصول البلاغة: # كالمجاز البعيد الذي يغوص إلى الأعماق الخيالية، وضروب الإحالة، وفساد ~~الوضع المعنوي، وفنون الصنعة، وما إليها مما هو فاش في كلام البلغاء، يعين ~~جفاء البداوة على بعضه، ورقة الحضارة على بعضه، وهو في الجهتين باب واحد. # ولذلك السبب عينه كثر في البلاغة النبوية هذا النوع من الكلم الجامعة ~~التي هي حكمة البلاغة، وهو غير ذلك النوع الذي قلنا فيه، مما تكون غرابته ~~من تركيب وضعه في البيان، ثم هو أكثر كلامه - صلى الله عليه وسلم - # كقوله: # " إنما الأعمال بالنئات ". # " الدين النصيحة ". # " الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور متشابهات ". # " المضعف أمير الركب ". # وقوله في معنى الإحسان: # ". . . أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". # PageV01P230 # وقوله: # " لا تجن يمينك عن شمالك ". # " خير المال عين ساهرة لعين نائمة ". # " آفة العلم النسيان. وإضاعته أن تحدث به غير أهله ". # " المرء مع من أحب ". # " الصبر عند الصدمة الأولى ". # وقوله في التوديع: # " أستوع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك ". # إلى ما لا يحصيه العد من كلامه - صلى الله عليه وسلم -، # ولو ذهبنا نشرحه لبنينا على كل كلمة مقالة، وهذا # الضرب هو الذي عناه أكثم بن صيفي حكيم العرب في تعريف البلاغة، إذ عرفها ~~بأنها: دنو المأخذ، وقرع الحجة وقليل من كثير. # وهي صفات متى أصابها البليغ وأحكمها، وضع عن نفسه # في البلاغة مؤونة ما سواها، ولكن إن أصابها وأحكمها. # وقد علمت ما تكون وجوه الإعجاز المطلق في هذا الكلام العربي، وذلك مما ~~وصفناه لك من إعجاز القرآن الكريم، فاعلم أن نسق البلاغة النبوية إنما هو ~~في أكثر الحد الإنساني من ذلك الإعجاز، يعلو كلام الناس من جهة وينزل عن ~~القرآن من جهته الأخرى، فلا مطمع لأبلغ الناس # فيما وراءه، ولا معجزة عليه فيما دونه، وهو عنده ms224 أبدا بين القدرة على ~~بعضه والعجز عن بعضه. # وقد بقيت بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوصاف جمة من محاسن ~~البلاغة النبوية في عقبه من أهل البيت رضوان الله عليهم ومن اتصل منهم ~~بسبب، أورثهم ذلك أفصح الخلق ولادة، وجادت لهم طباعه الشريفة بهذه الإجادة، ~~فما تعارضهم بمن يحسن البلاغة إلا كانت لهم في البلاغة # الحسنى وزيادة! # وبعد فإن القول ما قاله الحسين عليه السلام: # " لن يؤدي القائل وإن أطنب في صفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من جمع ~~جزءا ". # وقد قلنا بمقدار ما فهمنا وما شهدنا - يعلم الله - إلا بما علمنا، وتلك ~~نعمة على المسلمين # PageV01P231 # لا يكتمها إلا البغيض، ولا ينكرها في الناس إلا ذو قلب مريض، ومن جعل ~~أنفه في قفاه فإنما السوءة أن يفتح فاه. .! # على أننا إن كنا قد عجزنا، ووعدنا الكلام أكثر مما أنجزنا، فلا ضير أن ~~نصف النجم في سراه، وإن لم نستقر في ذراه، ونستدل بما رأينا منه وإن لم ~~ننفذ فيما وراه. # وإذا خطر الفكر الضئيل في مثل هذه الحقيقة السامية، فقل إنا خطرة طيف، ~~وإذا اجتمع للقلم سواد في تلك السماء العالية، فقل إنما هي سحابة صيف، ~~ولعمر الله كيف نضرب بالغاية على تلك البلاغة التي لا تحد، وكيف نمضي بعد ~~أن كل حد الفكر ووقفنا عند هذا " الحد "! # الحمد لله نهاية لا تزال تبدأ، وبدء لا ينتهي! # (تم) PageV01P232 ms225