######OpenITI# #META# URI: 1355MustafaSadiqRafici.KitabMasakin.Hindawi80383953 #META# Tags: novels #META# ID: 80383953 #META# Title: كتاب المساكين #META# AuthorID: 53130362 #META# Author: مصطفى صادق الرافعي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # فاتحة1‏ # صفحة من كمال النبوةوأخلاق سيد الخلق‏ # صفحة من الغيب‏ # صفحة من الحكمة‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # غرض الكتاب‏ # 1 - الشيخ علي1‏ # 2 - في وحي الروح1‏ # 3 - الفقر والفقير‏ # 4 - مسكينة! مسكينة!‏ # 5 - لؤم المال ووهم التعاسة‏ # 6 - وهم الحياة والسعادة‏ # 7 - سحق اللؤلؤة‏ # 8 - الحظ‏ # 9 - الحرب1‏ # 10 - الجمال والحب1‏ # 11 - الدين ولادة ثانية1‏ # فاتحة1‏ # صفحة من كمال النبوةوأخلاق سيد الخلق‏ # صفحة من الغيب‏ # صفحة من الحكمة‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # غرض الكتاب‏ # 1 - الشيخ علي1‏ # 2 - في وحي الروح1‏ # 3 - الفقر والفقير‏ # 4 - مسكينة! مسكينة!‏ # 5 - لؤم المال ووهم التعاسة‏ # 6 - وهم الحياة والسعادة‏ # 7 - سحق اللؤلؤة‏ # 8 - الحظ‏ # 9 - الحرب1‏ # 10 - الجمال والحب1‏ # 11 - الدين ولادة ثانية1‏ # | كتاب المساكين # | كتاب المساكين # تأليف # مصطفى صادق الرافعي # | فاتحة1 # كان الرافعي - رحمه الله - شاعر النفس، مرهف الحس، رقيق القلب، قوي العاطفة، يرى المنظر ~~الأليم فتنفعل به نفسه ويتحرك خاطره ويتفطر قلبه، وتقص عليه نبأ الفاجعة فلا تلبث وأنت تحكي ~~له أن تلمح في عينيه بريق الدمع يحبسه الحياء. ولقد كان الرافعي يقرأ فيما يرد إليه من بريد ~~قرائه كثيرا من المآسي الفاجعة، يسأله أصحابها الرأي أو المعونة، فيما يقرؤها إذ يقرؤها ~~كلاما مكتوبا، ولكنها تحت عينيه حادثة يشهدها ويرى ضحاياها، فما تبرح ذاكرته من بعد إلا ~~مع الزمن الطويل. # ولقد وقعت الحرب العالمية الأولى واستعرت نارها في الميادين البعيدة، لا يبلغ إلينا ~~منها نار ولا دخان ولا يراق دم، ولكنها أرسلت إلى مصر الفقر والجوع والغلاء، فما كان ~~ضحاياها في مصر بالجوع والمتربة أقل عديدا من ضحاياها هناك في الميادين. # كيف كان يعيش العامل المسكين في تلك الأيام؟ رباه! إنني ما أزال أذكر يوم أرسلني والدي - ~~وأنا غلام بعد - أستدعي النجار لعمل عندنا، فوجدته جالسا في أهله ياكلون؛ كانوا ستة قد ~~تحلقوا حول قصعة سوداء فيها كومة من فتات الخبز إدامه الماء، تتسابق أيديهم إليه في نهم، ~~كأنما يخشى كل واحد أن تعود يده إلى القصعة ms001 بعد الأوان فلا يجد اللقمة الثانية! # هكذا كان يعيش نصف الشعب في تلك الأيام السود، مما فعل القحط والغلاء، لأن أقوات الشعب قد ~~حملت إلى الميدان لتخزن في دار المؤن وقتا ما، لتقذفها من بعد قنابل المحاربين ~~وتذروها رمادا في الهواء! # ونظر الرافعي حواليه فارتد إليه البصر حسيرا مما يرى ويسمع، فاحتبس الدمع في عينيه ~~ولكن قلبه ظل يتحدث بمعانيه. # ومضى عام وعام والحرب ما تزال مستعرة، والبؤس تتعدد ألوانه، وتتشكل صوره، وتحتشد ~~آثاره، والرافعي دائم الحديث إلى نفسه وهو يحمل من هم الشعب في قلبه الكبير، حتى امتلأ ~~الإناء يوما ففاض. ~~••• # في بعض اللحظات التي تفيض فيها النفس بالألم، يحس الإنسان كأنه شيء له في نظام الكون ~~إرادة وتدبير، وأن من حقه أن يقول للمقدور: لماذا أنت في طريقي؟ فتراه في بعض نجواه يتساءل: ~~رب، لم كتبت علي هذا ...؟ لماذا حكمت بذلك ...؟ لماذا قدرت وقضيت ...؟ ما حكمتك فيما ~~كان ...؟ ألم يكن خيرا لو كان ما لم يكن ...؟ ثم يتوب إلى نفسه ويفيء إلى الحق، فيعود معتذرا ~~يقول: رب، لقد ظهر حكمك، ودقت حكمتك، فمغفرة وعفوا ...! # وتظل حكمة الله مطوية في ظلمات الغيب، لا يتنورها إلا من غمره شعاع الإيمان وسطع في ~~قلبه نور الحكمة، أما الذين تعبدتهم شهوات أنفسهم فهم أبدا في حيرة وضلال. # في لحظة من تلك اللحظات، أغمض الرافعي عينيه وراح يفكر، وفي رأسه خواطر يموج بعضها في ~~بعض، ثم فاءت نفسه، فرفع رأسه وهو يقول: رب، ما أدق حكمتك وأعظم تدبيرك! وأفاض الله ~~عليه ورفع عن عينيه الغطاء. # وعاد ينظر إلى الناس يأكل بعضهم بعضا، ويسرق بعضهم أقوات بعض، ويتزاحمون على الحياة ~~فيسارعون إلى الموت؛ فدمعت عيناه ولكنه كان يبتسم، وعاد يقول: «حكيم أنت يا رب! ليتهم ~~وليلتي ... ليتهم يعلمون شيئا من حكمة الله في شيء من أغلاط الناس! كل شيء في هذا الكون ~~العظيم يجري على قدر منك وتدبير حكيم!» # ثم شرع يؤلف كتابه «المساكين». ~~••• # أخرج الرافعي كتابه هذا في سنة 1917، وهو الكتاب الرابع مما ms002 ألف في المنثور، وثاني ما ~~ألف في أدب الإنشاء، ويعرف به الرافعي في الصفحة الأولى منه فيقول: هو كتاب «أردت به ~~بيان شيء من حكمة الله في شيء من أغلاط الناس ...» وقدم له بمقدمة بليغة في معنى الفقر ~~والإحسان والتعاطف الإنساني يقول فيها: «هذا كتاب حاولت أن أكسو الفقر من صفحاته مرقعة ~~جديدة ... فقد والله بليت أثواب هذا الفقر، وإنها لتنسدل على أركانه مزقا متهدلة يمشي ~~بعضها في بعض، وإنه ليلفقها بخيوط من الدمع، ويمسكها برقع من الأكباد، ويشدها بالقطع ~~المتنافرة من حسرة إلى أمل، وأمل إلى خيبة، وخيبة إلى هم؛ وأقبح من الفقر ألا يظهر ~~الفقر كاسيا، أو تكون له زينة إلا من أوجاع الإنسانية، أو المعاني التي يتمنى الحكماء لو ~~أنها غابت في جماجم الموتى الأولين ...» # والكتاب فصول شتى، ليس له وحدة تربط بين أجزائه إلا أنه صور من آلام الإنسانية كثيرة ~~الألوان، متعددة الظلال، تلتقي عندها أنة المريض، وزفرة العاشق، ودمعة الجائع، وصرخة ~~اللهفان المستغيث؛ فهنا صورة «الشيخ علي» الرجل الذي يعيش بطبيعته فوق الحياة وفوق الناس؛ ~~لأنه يعيش في نعمة الرضا، وإلى جانبه قصة الغني الذي حسب أنه سيطر على الحياة لأنه ملك ~~المال، وهذه صاحبته الصغيرة التي انتشلها الشيخ بماله من الفقر الجائع، فوهب لها المال ~~ولكنه سلبها نعمة الشعور بالحياة، وهذا ... وهذه ... من صور المساكين الذين يعيشون يحتسون ~~الدموع أو يتطهرون بالدموع! # وأول أمر الرافعي في تأليف كتاب المساكين أنه كان في زيارة أصهاره في «منية جناج»، فلقي ~~هناك الشيخ علي، والشيخ علي رجل يعيش وحده، ليس له جيب يمسك درهما، ولا جسد يمسك ثوبا، ~~ولا دار تئويه، ولا حقل يغل عليه؛ يجوع فيهبط على أول دار تلقاه يتناول ما يمسك رمقه، ~~ويدركه النوم فيتوسد ذراعه حيث أدركه النوم من الدار أو الطريق. رجل يعيش بطبيعته فوق كل ~~آمال الناس، وآمال الحياة، ولقيه الرافعي واستمع إلى خبره فعرف من فلسفته فلسفة الحياة، ~~ووجد عنده الحل لكل ما في نفسه من مشكلات، فكان هذا الكتاب ms003 من وحي الشيخ علي الفيلسوف ~~الصامت في الرافعي الأديب، واجتمعت له مادة الكتاب في مجلس واحد لم ينطق فيه أحد ~~بكلمة. # ويصف الرافعي الشيخ علي فيقول: ~~... هو حليم لنفسه، غضوب لنفسه، وكذلك هو في الخفة والوقار، والضحك والعبوس، والزهو ~~والانقباض، وفي كل ضدين منهما لذة وألم، كأنه جزيرة قائمة في بحر لا يحيط بها إلا الماء، ~~فلا صلة بينهما في المادة وإن كانت هي فيه؛ فالناس كما هم وهو كما هو، يرونه من جفوة الزمان ~~أضعف من أن يصاب بأذى، ويرى نفسه من دهره أقوى من أن يصيب بأذى، ويتحاشونه رأفة ورحمة، ~~ويتحاماهم أنفة واستغناء، ثم إن مسه الأذى من رقيع أو سقيط أحسن إلى الفضيلة بنسيان من ~~أساء إليه، فيألم وكأن ألمه مرض طبيعي، ولا فرق عنده في هذه الحال بين أن يمغص بطنه ~~بالداء أو يمغص ظهره بالعصا! وهو والدنيا خصمان في ميدان الحياة، غير أن أمرهما مختلف ~~جدا، فلم تقهره الدنيا لأنه لم يطمح إليها ولم يقع فيها، وقهرها هو لأنها لم تظفر ~~به. # وهو رجل سدت في وجهه منافذ الجهات الأربع كلها إلا جهة السماء، فكأنه في الأرض بطل ~~خيالي يرينا من نفسه إحدى خرافات الحياة، ولكنه مع ذلك يكاد يخرج للدنيا تلك الحقيقة ~~الإلهية التي لا تغذوها مادة الأرض ولا مادة الجسم، فهي تزدري كل ما على الأرض من متاع ~~وزينة وزخرف، وكل ما ردت عليك الغبطة من بسطة في الجسم أو سعة في المال أو فضل في المنزلة، ~~وكل ما أنت من إقباله على طمع، ومن فوته على خوف ... # فهو من أجهل الناس في الدنيا وأجهل الناس بالدنيا ... وأنت إذا سطعت له بالجوهرة الكريمة ~~النادرة، فلا يعدو أن يراها حصاة جميلة تتألق، وإن هولت عليه بألوان الخز والديباج، ~~حسبك مائقا لم تر قط نضارة البرسيم وألوان الربيع ... # هذا هو الشيخ علي الذي أوحى إلى الرافعي كتاب المساكين، ونسب إليه القول فيه ورده إلى ~~إلهامه، وهو عنده النموذج الكامل للرجل السعيد والفيلسوف الصحيح. # وقد فرغ ms004 الرافعي من كتاب المساكين في سنة 1917، وفرغ الشيخ علي من دنياه بعد ذلك بقليل، ~~ولكن روحه ظلت تعمل في نفس الرافعي وتملي عليه وتلهمه الرأي إلى آخر أيامه بعد ذلك بعشرين ~~سنة. والواقع أن الرافعي كان يؤمن بفلسفة التسليم والرضا فيما لا طاقة له به، إيمانا كان ~~مادة حياته ونظام عمله، وإيمانه ذاك هو الذي كان يفيض عليه أمارات المرح والسرور حتى في ~~أعصب أوقاته وأحرج ساعاته، فكنت لا تراه إلا مبتسما أبدا، أو ضاحكا ضحكة السخرية ~~والاستسلام. ~~••• # كتاب المساكين الذي يقول عنه المرحوم أحمد زكي باشا: # لقد جعلت لنا شكسبير كما للإنجليز شكسبير، وهيجو كما للفرنسيين هيجو، وجوته كما ~~للألمان جوته. # هو كتاب اجتمع على إخراجه سببان: أهوال الحرب التي حطت على مصر بالجوع والقحط والغلاء، ~~والشيخ علي الجناجي. # محمد سعيد العريان # إلى صاحب «المساكين» # لقد جعلت لنا شكسبير كما للإنجليز شكسبير، وهيجو كما للفرنسيين هيجو، وغوته كما ~~للألمان غوته. # أحمد ذكي باشا # | صفحة من كمال النبوةوأخلاق سيد الخلق # كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول في بعض دعائه: «اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، ~~واحشرني في زمرة المساكين.» فقال له أنس بن مالك رضي الله عنه: يا رسول الله، إنك لتكثر من ~~هذا الدعاء! قال: «يا أنس، إن رحمة الله لا تفارقهم طرفة عين.» # 1 # وخير - عليه الصلاة والسلام - أن يكون له مثل أحد # 2 # ذهبا، فقال: «لا يا رب، أجوع يوما فأدعوك، وأشبع يوما فأحمدك.» # | هوامش # | صفحة من الغيب # لما أجمعت النية على طبع هذا الكتاب طبعته الأولى، رأيت فيما يرى النائم أني في دار ~~الطبع التي اخترتها له، وقد سألني جامع الحروف أن أكتب المقدمة ليبدأ منها، فكتبتها ثمة ~~ودفعتها إليه، ثم استيقظت وما برحت تدور على لساني، وتالله إن خرمت # 1 # منها حرفا؛ وهذه هي بنصها وكأنها فاتحة الكتاب من قلم الغيب: # هذا كتاب المساكين، فمن لم يكن مسكينا لا يقرؤه؛ لأنه لا يفهمه، # 2 # ومن كان مسكينا فحسبي به قارئا والسلام. # الرافعي # | هوامش # | صفحة ms005 من الحكمة # قال الفيلسوف ديوجينيس الكلبي - وهو ذاك الذي رآه الإسكندر الأكبر فقال فيه: «لو لم أكن ~~الإسكندر، لوددت أن أكون ديوجينيس.»: # ينبغي أن تقدر ثروة الإنسان لا بأمواله ومستغلاته؛ بل بعدد الأشياء التي ~~يستطيع أن يعيش غير محتاج إليها. # 1 # | هوامش # | مقدمة الطبعة الثانية # وضعت هذا الكتاب من إحدى عشرة سنة، # 1 # ولو استوى له أحد عشر قرنا، ثم كتبت له ~~يومئذ مقدمة، لكان هو هو كما أصفه اليوم، كتاب ليس له قبل وليس له بعد؛ فهو دائر مع ~~النهار والليل على معنى آخره في الإنسانية أوله، معنى إذا قلت فيه إنه يجيء مع كل ~~مولود، فقد قلت إنه لا يموت مع أحد من الموتى. # ستقرأ في الكتاب وصف «الشيخ علي» الذي أسندت إليه الكلام، وجعلته فيما أستوحيه كالخيط من ~~شعاع السماء تهبط عليه تلك المعاني التي خلد عليها جمال الخلد؛ «فالشيخ علي» هذا هو رمز ~~في كل دهر لثبات الجوهر الإنساني على تحول الأزمنة في أشكالها المختلفة؛ ومن ثم تعيش مع ~~الإنسانية معاني هذا الكتاب، فهو من روحها صورة وحلية وجاذبية. ومن عجيب الحكمة أنه ما ~~من نبي أو حكيم أو شاعر يترجم إلى لسان الحياة ما هو أسمى من الحياة، إلا استمد ذلك من ~~مساكين الحياة خاصة؛ هم أبدا السحابة المستوية المخيلة لمطر العواطف # 2 # على جدب الروح الإنسانية في الأرض، ولعلهم لذلك يتراكمون في الحياة من سواد ~~كالغمائم، ويتشققون من نار كالبروق، ويجلجلون برعود يئنون فيها، ويتبجسون بمطر ~~يبكون به. # 3 # وأعجب من ذلك أنك لا تجد من شيء يحدث من ذي نفسه مثل هذا الأثر، # 4 # إلا أجمل الجمال في أقوى الحب، فكأن أعظم البؤس وأعظم الجمال صورتان ~~لحكمة إلهية واحدة وإن اختلف منظر ومنظر، والسماء تغبر بلون التراب في رأي العين حين ~~لا تحمل إلا ماء المزن الصافي. ~~••• # يزعمون أننا في عصر العلم وفي دهر القانون، ويريدون أن يسلبوا الناس إيمانهم، كأن الإيمان ~~هو مشكلة الإنسانية، مع أنه لا حل لمشكلتها إلا به. إن ms006 مسألة الغنى والفقر وما كان من ~~بابهما لا يحلها العلم ولا القانون؛ إذ هي من مواد القضاء والقدر في إنشاء الآلام ~~والأحزان وأضدادها التي تقابلها، وما دام فوق الإنسانية من السماء قوة لا تحد، وتحت ~~الإنسانية من القبر هوة لا تسد، فلا نظام إلا على تصريف النفس أمرا ونهيا، ~~وتأويل الحياة معنى وغاية، فإن لم يكن الشأن في ذلك مقررا في الغريزة على جهة ~~الإيمان، فلن يكون العلم والقانون على ظاهر النفس إلا ثورة بما في باطنها، ولن يبرح ~~الناس على ذلك بعضهم من بعض كالهارب منه وهو مضطر إليه، أو كالمضطر إليه وهو هارب ~~منه، وكل من كل في معنى من معاني النفس لا إنسانية فيه. # ما زاد العلماء على أن خلقوا في ساعدي الحياة هذه العضلة البخارية، وذلك العصب ~~الكهربائي، فمن لم يستطع أن يتوقى ضربة الحياة المدنية بعدة من قوة وعتاد من ~~المال، طاحت به فدكته دك الخسف، ووضعته من الناس موضع الحبة من الرحى الدائرة، ~~فما بينه وبين أن ينهار موضع يستمسك عليه، وإنما هذا الموضع هو إيمان المؤمن؛ إذ يعطف على ~~الضعفاء، أو يسعد أو يبر بما كتب عليه أن يرق لهم من ذات نفسه ويتحنى ~~ويتوجع. # ومتى كان العلم والدين يقومان جميعا على تنظيم الطبيعة في مادتها وإنسانيتها، لم تجر ~~الإنسانية إلا على ناموس بقاء الأصلح في الجهتين، فإذا تخلى بها العلم وحده، فلن تجري ~~أبدا إلا على ناموس بقاء الأصلح في ظاهرها لإيجاد الأفسد في باطنها. # لن يفلح الإنسان للحياة الطيبة - ما دام بهذا التركيب الذي لن يتغير - إلا إذا وازن بين ~~بيئته التي هو يوجهها وبين طباعه التي هي توجهه؛ فقيد أشياء في قيودها، وأطلق أشياء ~~من قيودها، وجمع في متبوأ نفسه حدا بحرية ودينا بعلم. بيد أن طغيان العلم في هذه ~~المدنية قد مرد على طباع # 5 # الإنسان وشمائله في كل موضع من الحياة لا تكافئه فيه قوة الدين، فإذا هو يزين ~~الشهوات، وإذا الشهوات تطوع المغامرة، وإذا المغامرة تجلب المنازعة، ms007 وإذا ~~المنازعة تدفع إلى الحرص، وإذا الحرص يتصرف بالحيلة، وإذا الحيلة تهلك التقوى؛ وكان في ~~تقوى الإنسان إيمانه، وكان في إيمانه رحمته، وكان في رحمته الأثير الإنساني الذي تعيش ~~فيه الروح؛ وعلى ذلك يقع في الإنسان من النقص بمقدار ما يزيد له العلم، فإذا هو منحدر إلى ~~السقوط، مقبل على المحق، راجع إلى الحيوانية بأكثر مما يحتمل تركيبه منها؛ أولا ~~يرى الناس أن تفوق أمة على أمة لم يعد في هذه المدنية إلا معنى من معاني القدرة ~~على أكلها! # ومضى العلم على شأنه ذاك حتى جعل الإنسان آلة من آلاته التي غمر بها الدنيا، فأصبح ~~من لا إيمان له يتعسف خسائسه # 6 # لا يدري أين يؤم منها؟ وأين يقف؟ فلا يتسفل بقوة إنسان ولا بضراوة وحش، ~~ولكن بقوة آلة من الآلات الكبرى ودقتها وسرعتها وإتقانها ... حتى لا رذيلة من رذائل هذه ~~المدنية إلا هي مفننة في تركيب على نسق الأمور المخترعة، وكأن الآلات العمياء ما ~~زادت إنسانها شيئا إلا أن قالت له كن أعمى! وكأن المدنية الملحدة ما عدت أن جعلت ~~الوحشية تعمل أعمالها الفظيعة بتأنق وتمدن! # نسى الناس الإيمان أو انسلخوا منه، فإذا أيديهم تموج بأسباب الفضائل # 7 # لا تحكمها ولا تضبطها، وما كان الإيمان الصحيح إلا التقوى، # 8 # ولا كانت هذه التقوى إلا عملا من أعمال الإرادة، غايته إيجاد الغرائز العليا ~~في الإنسان بالأسلوب الذي لا تخلق الغريزة العملية في النفس إلا به، وعلى النحو الذي لا ~~تصلح في الحياة إلا عليه. # أظهر آثار الإيمان # 9 # تحديد الغايات الإنسانية وتنسيقها والملاءمة بينها، فإن إطلاق الغاية لكل ~~إنسان على شأنه وسبيله كيف درت معيشته # 10 # وكيف دارت أهواؤه؛ يجعل طرق الناس متداخلة متعادية فيقطع بعضها على بعض، ~~ويقوم سبيل في وجه سبيل، فلا تحل عقدة إلا من حيث تقرض أختها، ولا يتخلص خيط من ~~خيوط اللذات الملتبسة المتشابكة إلا قاطعا متقطعا معا، وأنت إذا بحثت عن الوحدة التي ~~تحاول ضم الإنسانية المتنافرة وردها إلى مرجع واحد، لم تجدها في ms008 غير إيمان المؤمنين؛ ~~فهو أبدا يقابل في كل نفس ما تطغى به الحياة على أهلها، ولا عمل له إلا أن يحذف الزيادات ~~الضارة بالإنسان من بيئته، وبالبيئة من إنسانها، وهو بهذا حائل في كل مجتمع بين أن ~~تنقلب أسباب السمو العقلي فتعود من أسباب الدناءة والخسة. # وإنما محل الإيمان من أهله فوق محل الحكومة ممن تحكمهم! فهو الأمر والنهي بلغة الدم ~~والعصب، وهذه الغايات التي تتألف من أجلها الحكومات، كأمن الناس ونظامهم وحريتهم وسعادتهم، ~~هي أنفسها محكومة بمسائل تأتي من ورائها في طبائع الناس وعاداتهم ومعايشهم ومصالحهم، فإن ~~لم تكن في النفوس من الدين أصول تأمر وتحكم، وفي الطباع من اليقين أصول تستجيب وتخضع؛ ~~رجعت الحكومة في الناس أداة مسلطة لا تغني كبير غناء في الخير والشر؛ إذ يحتاج الخير ~~أبدا إلى قوتها تحميه، ويحتال الشر أبدا على قوتها تستنقذه، ومتى لم يكن الخير إلا بالقوة ~~فاحتياجه إليها شر، ومتى لم يكف الشر عن القوة فاحتياله عليها شر مثله؛ فإذا تضعضعت ~~من الأديان هذه الدعائم الرأسية، وفرط من الإنسانية هذا الفارط الذي ليس في الأرض ~~كفاء منه؛ لم تجد حسنة في حكومة من الحكومات إلا معها من طبيعتها سيئة، ولم تجد سيئة ~~إلا هي سيئتان، فلن تكون الحياة حينئذ إلا تعقيدا أشد التعقيد من طغيان القادرين عليها ~~بالمال والغنى، ومن حقد العاجزين عنها بالفقر والحاجة. # والغني القادر على متع الحياة ولذاتها هو دائما في فلسفة العاجز قادر بلا قدرة، ~~كما أن الفقير الضعيف هو دائما عند نفسه عاجز بلا عجز، ولا أدل على ذلك من تعبيرهم عن ~~معناه بالكلمة التي تشبه أن تكون هي أيضا معنى بلا معنى؛ وهي الحظ. فلا بد للناس من ~~الحدود التي تبني بين كل ضدين من أحوال الإنسانية جدارا يعطف نفسا على نفس بالرحمة، ~~ويرد قوة عن قوة بالصبر، ويكف عادية عن عادية بالتقوى، ويحقق عوامل التوازن بين ~~أسباب الاضطراب في الجماعات المتصادمة؛ ليقر كل مضطرب في حيز إن لم يمسكه فيثبت ~~فيه لم يفلته ms009 فيعدو على سواه. # فإذا عملت المدنية على هدم هذه الحدود، وتركت قوة الإيجاب في طبيعة الحياة بغير قوة ~~سلبية من الإيمان في طبيعة النفس، كشفت للإنسان عيوبه ببلاغة من تعبير شهواته فزادتها ~~رسوخا فيه، كما تقول للص: إنك لتسرق وستصبح غنيا تمر يدك في الذهب، تنفق وتستمتع على ~~ما تشتهي ... فما يراك قلت له: لا تكن لصا وتعفف. بل قلت له: كن غنيا واستمتع. ~~ويومئذ يغبر البؤس ويقشعر الفقر كما نرى لعهدنا في الأمم التي فشا الإلحاد فيها، ~~فليس من بعد إلا أن يتحول الفقر عن صورته البيضاء في سكب الدمع إلى صورته الحمراء في سفك ~~الدم، وكان سؤالا فيعود اغتصابا، وكان الأسفل فيرجع الأعلى، وكان يفرضه الحق فإذا هو ~~الحق نفسه، والله لكأن المسكين في هذه المدنية هو الجزء اللئيم الذي طرده الغني من نفسه ~~وتبرأ منه وأمات ما بينه وبينه، فإذا هما اعترضا في مذهب من مذاهب الحياة، نفر الغني ~~كأنما يرى قبره يدنو منه، وأطبق عليه البائس بمعاني النقمة واللعنة يقول له: ما أنا إلا ~~لؤمك أنت! # إن من الشجر شجرة تنبت في القفر تعتصر ماءها من بين رمل وحجر، وتمتص غذاءها من لؤم ~~الجدب، فإذا حان أن يزهر عودها شوك فلا يكون في عقده ونبره # 11 # إلا شوك شوك؛ فإذا ازدرعوها في الخصب وخضلها الماء # 12 # وساغت لها الطبيعة، ثم حان أن يزهر عودها ملسه كرم الأرض # 13 # فإذا في موضع كل شوكة زهرة كأنها كلمة الحد، وكذلك مثل الفقير بين الملحد ~~والمؤمن! # ترى أيخرج الإنسان في هذه المدنية من عصر العقل إلى عصر القلب، أم هو منحدر من عصر ~~عقله إلى عصر معدته، ثم إلى # 14 ~~...؟ # وكان على هذه الأرض أغنياء مؤمنون فيهم من كرم الحس شبه الفقر، ومساكين مؤمنون لهم من ~~كرم الصبر شبه الغنى، فهل تنقلب المدنية من الغنى المحض والفقر المحض إلى مادة تخلق ~~اللحم الحي، وأخرى لا تخلق له إلا الظفر الحي ...؟ # وكان اختراع الإنسان في المادة الجامدة؛ أفتراه يجيء يوم ms010 على الناس يكون أعظم اختراع ~~فيه للإنسان الأخير أن يعيد إلى الأرض إنسانها الأول الكريم؟ # مصطفى صادق الرافعي # | هوامش # | مقدمة الطبعة الأولى # هذا كتاب حاولت أن أكسو الفقر من صفحاته مرقعة جديدة؛ فقد والله بليت أثواب ~~هذا الفقر، وإنها لتنسدل على أركانه مزقا متهدلة # 1 # يمشي بعضها في بعض، وإنه ليلفقها # 2 # بخيوط من الدمع ويمسكها برقع من الأكباد، ويشدها بالقطع المتنافرة من حسرة ~~إلى أمل، وأمل إلى خيبة، وخيبة إلى هم، وأقبح من الفقر أن لا يظهر الفقر كاسيا أو تكون ~~له زينة إلا من أوجاع الإنسانية أو المعاني التي يتمنى الحكماء لو أنها غابت في جماجم ~~الموتى # 3 # الأولين. # وأنت فربما رأيت الرجل من الناس وبه من جمال الدنيا مسحة الدينار، وعليه من نضرة هذه ~~الحياة ألوان الجنة والنار، # 4 # وما تشك في أنه واسع البسطة، عريض النعمة، طيب المكسبة، وهو على ذلك رقعة ~~خلق # 5 # في أذيال الفقر يجررها على أقذار الحياة وأدناسها، ولو نطق له الغنى لقال: ~~دعني، فما كل ذي متربة فقير، ولا كل ذي مثراة غني. # 6 # والفضائل قائمة في الدنيا بالصغار والفقراء، ولكن من نكد الدنيا أن عنوانها ~~هم الكبراء وحدهم؛ على أن أكثر هؤلاء لا تكون منهم في كل أمة إلا الطبقة المنحطة انحطاطا ~~عاليا. فالناس مخطئون فيما اعتبروا به معنى الفقر؛ إذ حاصروه من جهاته الأرضية وقد ترامت، ~~وضيقوا من حدوده السماوية وقد تراحبت، # 7 # وإنما هو طبقة معنوية فوق الأرض، وإنما هو أسلوب خاص في نظام الكون، ولا سبيل ~~إلى التنقيح والتحرير في أساليب الله نصرفها عن معانيها، أو نتكذب في تأويلها، أو نرد ~~عليها ما ليس منها، وإنما الشأن كله أن نحسن الفهم عن أوضاع القدرة الإلهية بمقدار ما ~~نستبين فيها من الحكمة؛ فإن في ذلك صلاح أنفسنا، وما جعل الله سبيل المصلحة والمفسدة إلا من ~~أفهامنا، حتى إن الأدمغة لتعد من أكبر العلل في أمراض التاريخ الإنساني، وربما كانت ~~العلة الكبرى في طائفة من الطوائف صورة أثرية لأكبر ms011 رأس فيها. # فإن نحن أسأنا الفهم، أو ذهبنا به المذاهب، أو أفسدنا من تأويل حكمة الله أو غيرنا أو ~~بدلنا؛ فذلك واقع بنا لا يعدونا، وما يستولي على الكون من جهلنا اضطراب، ولا تلحق به آفة ~~في وضع من أوضاعه، وإن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون. # وما دام في هذه الدنيا شيء من المادة أو المعاني يحتاج إليه، أو يتوهم أحد أنه محتاج ~~إليه؛ ففي الدنيا الفقر. # وما دام للناس رغبة يتنافسون فيها أو يرفعون من شأنها بالمنافسة؛ فثم الحسد. # وما دام في الغيب أيام وآمال، وفي الدنيا فقر وحسد؛ فهناك الطمع. # وما دام لهؤلاء الناس من أشيائهم ما تحملهم أخلاقهم على الضن به، أو يكون سبيله من ~~الطبيعة أن يضن به؛ وفيهم الفقر والحسد والطمع؛ فثم خبء السوء والرذيلة الماحقة، ~~وثم البخل، وإن البخل وحده لفي حاجة إلى نبي يصلحه! # هذه أخلاق أعرقت فيها الإنسانية، ولا بد منها ومن فروعها حتى يظل الناس ناسا لا ~~ملائكة ولا شياطين؛ فإن من عجيب حكمة الله أنه لا صلاح للعالم إلا بالفساد الذي ~~فيه. # بيد أن في كل شر جهة من الخير أو جهة تتصل بالخير، فإذا صلح فهمه صلح هو ~~أيضا، أو كأنه صلح لظهور حكمته والوقوف به عند حد الشر الطبيعي، وهو الشر الذي لا بد ~~منه. # فليكن الفقر والحسد والطمع والبخل، ولكن برضا يمنع السخط، وسكون يكسر شرة النفس، ~~ورفق لا يعنف على الحق، واعتدال يقر كل شيء على حده؛ # 8 # يومئذ يجد الإنسان في كل نزوة من نزوات جنونه شيئا من الحكمة، أو على الأقل ~~شيئا يمكن من بعض الوجوه أن يسمى في باب المنفعة الإنسانية حكمة. ~~••• # ولقد كان الفقر عريانا يوم كان آدم في الأرض وليس عليه إلا ما خصف من ورق ~~الجنة، # 9 # وعاش دهرا تحت السماء يلبس من ضياء كل كوكب، ويمرح في ثياب بيضاء من أشعة ~~القمرين؛ إذ لم يكن يعرفه أحد بعد، ولا استطار به سماع السوء # 10 # في ms012 الأحياء، بل كان عنصرا مجهولا في غيث الطبيعة، ولم يكن لهذا الإنسان ~~يومئذ من المعاني الفقرية ... غير شعور طبيعي لا زيغ في تأويله عن الطبيعة، وهو شعور ~~المعدة القوية المعصوبة التي لا تحتمل الشعر والخيال وفنون الكذب العقلي، ولا تشعر إلا ~~لتطلب، ولا تطلب إلا ما تجد، ومتى وجدت وانطفأ نهمها # 11 # فليس إلا قوة الجسم وانبساط النفس وحمد الله في كل ضرب من ضروب الجمال في ~~الخليقة. # ثم كانت عداوة ابني آدم إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من ~~الآخر، وفتحت الصفحة الأولى من تاريخ الدم الإنساني في الأرض؛ فكان البغض أول سطورها، ~~وجاء من بعده الفقر، وخطت بعد ذلك سطور وسطور كلها يلتقي إلى هذين المعنيين؛ يومئذ ~~عرف هذا الفقر، وأصبح يتلبس في كل إنسان بمعنى يلائمه؛ إذ لم تعد الحياة هي الحياة، ~~بل الوسائل التي يدفع بها الموت، ومنها الموت نفسه؛ فصار البغض وسيلة، والحسد وسيلة، ~~والطمع وسيلة، والقتل وسيلة، وكل ذلك لأن الإنسان فقير بمعنى من معاني الفقر، وما البغض ~~إلا فقر من المحبة، ولا الحسد إلا فقر من الثقة، ولا الطمع إلا فقر من العقل. # وإن أردت العجب فاعجب لهذه الطباع الإنسانية؛ إذ يحاول كل امرئ أن لا يفهم من معنى ~~الفقر إلا ما يمكن أن يجريه على الناس كافة، حتى لا يكون هو وحده المبتلى في نفسه ~~الممتحن في سعادته، وحتى يجد مادة العزاء من حيث التمسها؛ فالفقر على ذلك هو العوز إلى ~~المال، وهذه بلية عليها يحيا الناس وعليها يموتون، ولقد كان الفقر قبل أن يكون المال، ثم ~~وجد المال فما منع أن يلقى أهله الأغنياء من هموم الدنيا وبأساء الحياة ما لو ~~استطاعوا لافتدوا من عذابه بكل ما في أيديهم، ولو أن لهم طلاع الأرض # 12 # ذهبا، ووجد المال فما منع الفقراء أن يخولهم الله من رحمته التي لا ~~تفارقهم طرفة عين ما لا يحبون أن لهم به من الدنيا ولا الدنيا كلها. # 13 # دخل بعض الفقراء # 14 # على الرشيد ms013 العباسي وتاجه يومئذ سبيكة العصر الذهبي في تاريخ الإسلام، ~~والإسلام يومئذ ترتجف به دفتا الشرق والغرب، وكأن الشمس والقمر يتلألآن على أرجاء ~~ملكه ذهبا وفضة، # 15 # وكانت في يد الرشيد كأس ماء وقد رفعها إلى فمه، فلما أبصر ذلك الملك الذي لا ~~يملكه شيء، أمسك ثم قال له: عظني. قال: أرأيت يا أمير المؤمنين، لو منعت عنك هذه ~~الشربة التي في يدك، أفكنت تطلبها بكل ملكك؟ قال: نعم. قال : أفرأيت لو شربتها ثم امتنع ~~خروجها منك، أكنت تفتدي من عاقبة ذلك بكل ملكك؟ قال: نعم. قال الرجل الصالح: فانظر يا ~~أمير المؤمنين، ما قيمة ملك لا يساوي عند قدر الله شربة ولا ... ولا بولة ...! # كذلك يحاول الناس أن لا يخطئوا الرأي فيما يستحبونه أو يطمئنون به، وكأنهم لذلك ~~يحاولون أن لا يصيبوا الحق فيما يكرهونه أو ينفرون منه؛ فكلهم سواء في ابتغاء السعادة ~~المتوهمة التي لا يستحيل أن تتفق، ولكنها مع ذلك لا تتفق؛ إذ يريدها كل امرئ على غير ~~ما يناسب تكوينه الإنساني ... وهم بعد على سواء من خشية الفقر، كأن فقرهم بين أعينهم، فلا ~~تبرح أوهامهم تنتجي # 16 # بمعانيه وهمومه، ثم لا تبرح تنمى بها حتى صار الفقر في أنفسهم غير الفقر في ~~نفسه، وقد علم الله أنه ما من إنسان إلا وفي تكوينه معان كثيرة منه. على أن السعادة ~~الممكنة أو التي يمكن أن تسمى سعادة، إنما يكون زمامها الحس؛ إذ هو الوسيلة لإدراك ~~الجمال وتعرف المواضع المعنوية في المادة، والاهتداء في صنع الله إلى أسرار الحكمة، ~~وليس من لذة يصيبها الإنسان فيسميها لذة ألا وهي شيء معنوي يجيء من طريق الحس، فيشعر ~~هذا الإنسان أن فيه معنى لم يكن فيه، وكأن اتصال شيء من سر النفس أو قدرتها، بشيء من ~~سر الطبيعة أو قدرتها، هو السعادة. # غير أن العجيب الذي ما يقضى منه عجبا أن ذلك الحس كلما نضج واستمر # 17 # كان أشد إدراكا للآلام منه للذات؛ حتى إن الرجل الرقيق ليتألم للناس أكثر مما ~~يتألم ms014 لنفسه؛ فهل ذلك ألا أن حكمة الله قد أقرت في تركيب الإنسان من عناصر الفقر أكثر ~~مما وضعت فيه من عناصر الغنى؟ # وما أشبه نفوس الناس في هذه الحياة بالزجاج سلط عليه نور الشمس؛ فما كان من طبعه ~~رديئا غير مصقول، أو مهملا قد شاع فيه الصدأ، فذلك متى ألحت عليه وقدة الجو حمي ~~وتضرم في ذات نفسه؛ وما كان من طبعه صافي الماء بادي الرونق نقي الصفحة، رأيته في توقده ~~واضطرامه كأنما يمج من شعاع الشمس لهبا يتطاير؛ فإن كانت الزجاجة قد أخلصت في سبكها، ~~وصنعت على الوجه الذي يجمع الضوء ويعكس منه، وأحكمت من هذه الناحية؛ فهناك تبلغ من دقة ~~الحس مبلغ الأنفس الرقيقة المهذبة، فلا تكاد ترسل عليها الشمس من نورها حتى يرجع فيها نارا ~~تلظى. # ومتي اعتبرنا الشقاء الإنساني وما يعترض الإنسان في طريق الحياة، رأينا الحق الذي لا ~~مرية فيه أن هذا الإنسان حين تمشي راحلته إلى القبر # 18 # لا يكون قد انتهى من الحياة كما يقال، ولكنه ينتهى حينئذ من الموت. # فهذا التركيب الإنساني المعجز بقليله وكثيره وجملته على السوية، والذي استشرف منه العقل ~~لأسرار هذا العالم كما توجه مرآة المرصد إلى السماء؛ لم يشهده عصر من عصور الدنيا ~~قط إلا ذاهبا إلى الفناء بما كسب وما اكتسب، حتى ليمكن أن يقال: إن حياة الحي مصيبة ~~تكبر كلما كبر. فكيف لعمري يحتمل هذا التركيب الهالك أن يسعد إلا بمقدار ما يدني ~~إلى الفهم معنى السعادة الأبدية التي ليست من هذا العالم، كما تريد أن تفهم الطفل شيئا ~~في نفسك فيراه معنى متمردا عاتيا، فلا تزال أنت تصغر منه وتمسخه وتحيله عن وضعه ~~وتقلبه على وجوه مختلفة، إلى أن توافق صورة من هذه الصور فهمه الصغير الضعيف ~~المتحامل على نفسه، فيدرك الوجه الذي أردت على الوجه الذي يريد هو، ويعلم ما ترمي اليه ~~على الطريقة التي لا تعلمها أنت. # ولعل هذا هو السبب في أن الفطرة الإنسانية لا تزال من أول الدهر ضالة في طلب ms015 السعادة، ~~تسترحل # 19 # إليها كل معنى، ثم لا تصل إليها بمعنى؛ فإن السعادة الدنيوية في التركيب ~~الإنساني إنما هي بمقدار لغوي أو ما يشبه المقدار اللغوي لا غير. # 20 # وإذا نحن اعتبرنا هذا الوجود الفاني بما وراءه من عالم الغيب، رأينا كل صنف من ~~الموجودات كأنه لغة متميزة بخصائصها، أوجدها الله في هذه الحياة لتدل عليه سبحانه بنوع من ~~الدلالة أو ضرب من المجاز، فأينما مد الإنسان عينيه رأى لفظا كالإشارة أو إشارة ~~كاللفظ . # ولكن قتل الإنسان ما أكفره! فإن ما لا يريد أن يفهمه ليذكره ويتذكر به أكثر مما فهمه ~~لينساه، ولقد رأى أن ما فوق الأرض وما تحت السماء لا يدله بإشارة واحدة على أنه خالد في ~~هذه الحياة الدنيا. # بيد أن الإنسان كما يكذب في الكلام يكذب في الفهم، فهو أبدا يحتاج - لشقوته - من ~~هذه الطبيعة إلى أشياء تضل عواطفه، كما يحتاج إلى أشياء تهديها، ومن ههنا اقتحمت أهواؤه ~~ونزغاته على الطبيعة وعلى الشرائع والأديان، والتبست في رأيه معاني الأشياء التي تتصل ~~بنفسه؛ فظهر من الغنى ما يشبه الفقر، ومن الفقر ما يشبه الغنى، وصارت الحياة كلها جهادا ~~وشقاء ونصبا؛ لأن المشكل فيها أكثر من الواضح، ولأن الطريقة التي يتبعها الإنسان الراقي ~~في حل هذه المشكلات التي تعترض مطامعه وأغراضه، هي أن يحل مسألة بوضع مسألة مثلها؛ ذلك ~~لأنه لا يهتدي إلى الكمال في شيء، وهو ناقص ولا يذعن أنه ناقص؛ وإلا فما باله يرى الحكمة ~~الأزلية قد جعلت قوام صحته على القليل من الطعام دون الكثير، وعلى الخفيف دون الثقيل، ~~وعلى الرخيص دون الغالي، وعلى الطعام كما يفيد دون الطعام كما يريد، ثم هو يأبى إلا أن ~~يعد هذه الصفات وأشباهها في باب القلة من الفقر، ويعتبر نقائضها وما جرى مجراها في باب ~~الكثرة من الغنى، ثم يضرب الله على بصره ويطبع على قلبه، فلا يرى لحاجته في الغنى من بلاغ ~~وسبب إلا أن يكون المبالغة في الادخار، والإغراق في الجمع، والطماح كل مطمح، وأن ~~يستأكل ms016 الناس فيكون عليهم أكلب # 21 # من الجوع، ويستصفيهم فيكون فيهم أسرع من المرض، ويستزلهم فيكون معهم أشبه ~~بالرذيلة؛ ونحن نعرف الكد والحرص والبخل والشره والضراوة وكل الرذائل الاجتماعية، ~~ونصفها ونحدها بآثارها وحقائقها، وكأننا لا نعرف أن كل رذيلة هي إنسان من ~~الناس. # وقد رأينا الحكومات تجمع الأنواع من الجماد والنبات والحيوان تؤلف منها الكتب الحية على ~~نسق الطبيعة نفسها، وهي تلك التي يسمونها «المعارض» و«المتاحف»، ولم نر حكومة واحدة أقامت ~~معرضا حيوانيا لأشخاص الرذائل يدرس فيه علم المقابلة بين الطباع في الإنسان وبين ~~الغرائز في الحيوان، وعلم الانحطاط الاجتماعي وفن الطبقات السفلى من الحياة، وتؤخذ منه ~~أمثلة الاعتبار والموعظة والنصيحة في أبواب مختلفة، ولو قد فعلت ذلك أمة من الأمم، لرأى ~~الناس فيما يرون هناك من كبار اللصوص وأهل الإثم والشر والفساد عددا كبيرا من كبار ... من ~~كبار الأغنياء، ثم لرأوا كيف يتصل تاريخ الطمع بتاريخ البخل، وكيف يتصل هذا بتاريخ الغنى، ~~ولظهر لهم بطلان معان كثيرة مما يعده الناس في باب الحقائق؛ إذ لا تجد الرذيلة هناك ~~من يكابر فيها أو يغر بها أو يناضل عنها، ولا صاحبها نفسه؛ لأنه في قفص من أقفاص ~~المعرض، وكأنه ثمة معنى من الباطل محبوس في شكل من البرهان على فساده! # وليت شعري - وذلك معنى الغنى - هل يظن من اجتمعت له نفقة ألف سنة أنه سينال فيما بقي من ~~عمره القصير لذة كلذة عيشه ألف سنة، وأنه إذا ادخر ما يقوم بمائة ألف إنسان فقد صار هو ~~في الأرض مائة ألف بطن؟ إن حياة الغني على هذا الوجه لا تكون إلا موتا على طريقة الحياة؛ ~~فليس الإسراف في جمع المال والكلب عليه إلا طريقة دنيئة لإنفاق العمر، وليس حب المال ~~والبخل به إلا وجها من بغض الناس وازدرائهم، وإنما البخل في رأي أهله وسيلة الغنى ~~وسننه القريب، وهو مهما احتجوا له وتمحلوا فيه وناضلوا عليه، ليس أكثر من كونه شعورا ~~ذا جهتين: فأما من جهة البخيل فهو الحب للنفس لا غير، وأما من ms017 جهة النفس فهو البغض للناس ~~لا أكثر ولا أقل! # ولأيسر على الناس أن يرتووا من رشح الحجر، ويغتذوا بلبن الطير، # 22 # من أن يجدوا في الرجل البخيل بغضا لشيء من المال يرضخ به محبة لهم وشفقة ~~عليهم وحنانا من لدنه. قديما كان البخيل أبغض الناس لهم وأبغضهم إليهم وأبغضهم فيهم، ~~وما أقبح هذا البخل - أخزاه الله - أن يكون بغضا ثلاث مرات. # ولو أن رجلا من هؤلاء الذين بسط الله لهم فقبضوا، وجاد عليهم فبخلوا، وأعطاهم فأمسكوا، ~~قد أراد الله به خيرا فوقاه شح نفسه، ويسر له في أخلاقه ومكن له في باب البذل ~~والجود، وآتاه من حب الخير بعض ما ابتلاه من حب المال؛ لرأيت حياته توسعة على قوم في ~~معاشهم، وإحياء لقوم في آمالهم، وعتادا لقوم في أعمالهم، ومنفعة لآخرين من وجوه كثيرة، ~~ولرأيت في غناه بركة العدل ورحمة الأمن وعصمة الخلود، فكأنه استجمع في حياته الطيبة خيرات ~~الأعمار الكثيرة، وكأنه أمة في نفسه، ثم لا يكون رجل أحب إلى الناس ولا أجدر بطبيعة ~~الحب الإنساني منه، ثم لا تجد اسمه إلا في واحدة من ثلاث: إما صفحة تكتبها الأعمال ~~للتاريخ، أو صفحة يفردها الناس للأخلاق، أو صفحة ترفعها الملائكة إلى الله. # بل أحر بهذا الإسم الكريم أن يكون يومئذ بأعماله وآثاره وحسناته اسما لكتاب ضخم في ~~أيدي ملائكة الرحمة. ~~••• # فهذه آثار كرم النفس الطيبة لا تنشأ إلا بين نوعين من الحب: حب الرجل الكريم للناس، ~~وحب الناس لهذا الرجل الكريم؛ لا هو يمطلهم حقا عليه، ولا هم يظلمونه حقا له، ~~ولعمري كيف يستطيع المطل أو يستطيعون والدين الذي وجب على الفريقين هو دين ~~القلب؟ # وقد تكلمت السماء في أزمان مختلفة، وهبط الخطاب من عرش الله على لسان الأنبياء صلوات ~~الله عليهم، وما من نبي مرسل إلا وأنت واجد في كلامه وشريعته: أن تحب للناس ما تحب ~~لنفسك. # فهذا الحب الإنساني محض من نصيحة السماء، ولا بدع أن يكون فيه بعض الدواء لآلام ~~الإنسانية الضعيفة إن لم يكن هو ms018 الدواء كله. # انظر بعيشك ما عسى أن تكون آلام الفقر إلا صورا من اضطراب النفوس؛ إذ ينصرف بعضها عن ~~بعض وذلك أيسر البغض، أو ينازع بعضها بعضا وذلك سبب البغض، أو يكيد بعضها لبعض وذلك عين ~~البغض. # من أجل هذا كان البخيل مادة من مواد الفقر، وإن كان هو في ذات نفسه معنى من معاني ~~الغنى. # ولقد يصاب الناس بألوان من العذاب، ويمتحنون بضروب من المكروه، وترسل عليهم الآفات ~~تختلجهم من ههنا وههنا؛ غير أنهم يجدون لكل مصيبة محلا من الصبر يمسكونها فيه، فتجيء ~~وحدها وتذهب وحدها، وإنما هي الغمرات ثم ينجلين؛ فإن من رحمة الله أن لا يزال ~~الليل والنهار يتراكضان بيننا وبين النسيان كما يتراكض البريد، فيذهبان بشكوى المصيبة ~~ويرجعان من النسيان بالسلوى أو العزاء أو نحو ذلك. ولكن الطائفة من الناس إذا ابتليت ~~بالغني البخيل ابتليت منه بالمصيبة التي تأكل المصائب؛ إذ يرون فيه أشياء من معاني ~~القحط والجدب والوباء والفقر والعداوة والبغضاء، وطرفا من كل جائحة، ومعنى من كل آفة، ~~بحيث تضيق به جوانب الصبر على سعتها وانفساحها، وتنزوي دونه فتختلط كل مصيبة بكل مصيبة، ~~وليس يأتي على هذا الإنسان شيء # 23 # كتداخل مصائبه بعضها في بعض، فإن ذلك يمحق الصبر، ويذهب بالسكينة، ويفسد ~~الرأي، ويفتق على العزم من كل ناحية فتقا، ويترك المرء كأنه مجنون بشيء أكبر من ~~الجنون. # فالغني البخيل من ذلك كله، بل هو ذلك كله! # | هوامش # | غرض الكتاب # وأما بعد، فإني قد وضعت هذه الأوراق وكتبت فيها عن الفقر وما هو من باب الفقر، لا ~~لمحوه ولكن للصبر عليه، ولا من أجل البحث فيه ولكن للعزاء عنه. ثم كتبت عن الغنى وما ~~إليه، لا رغبة في إفساده على أهله، ولكن لإصلاح ما يفهم منه غير أهله، وأدرت الكلام ~~في كل ذلك على الوجه الذي يراه الشاعر في ضحك الطبيعة ورقتها، دون الوجه الذي يعرفه ~~الفيلسوف في عبوس المادة وجفائها، ونحوت به نسق العقل في بث خواطره للنفس؛ لأني أريد ~~به النفس في ms019 مستقرها، وجئت به من مبرق الصبح لا من غياهب الليل، وأطلعته من أفق ~~الإيمان لا من قرارة الشك، وأردت به تفسير شيء من حكمة الله في شيء من أغلاط الناس، فإن من ~~ضرائب اللؤم وغرائز السوء في هذا الإنسان أنه ما ينفك يحمل نعم الله ورحمته، وما لا حد ~~له من العناية الإلهية، ولكن كما يحمل الطاووس ألوانه وتحاسينه وزينته البديعة على ساقين ~~مجرودتين في الغاية من القبح كأنهما من غراب! # ولست أدعي أن كتابي هذا يسمن من شبع أو يغني من جوع؛ فإن هذه العلوم كلها ~~ومجموعة العقول البشرية وتاريخ ما شاء الله من عمران الأرض، لا يتهيأ للإنسان أن ~~يعجنها ولو أفرغت عليها السماء كل ما في سحائبها، ولا يأتي له أن يخبز منها رغيفا ~~واحدا ولو حملته الملائكة ليضعه بيده في عين الشمس، ولا يخرج منها غذاء المعدة إلا إذا ~~خرج الحبر الأسود من عرق الزنخ؛ ولكني أرمي بالكتاب إلى عزة النفس، وإلى الثقة بالله، ~~وإلى الصبر على الفضيلة؛ فإن الناس من الشر بحيث لا يعان على الفضائل إلا من صبر لها صبر ~~المبتلى، ثم إلى مغالبة الوهم التاريخي القديم الذي نشأ منه معنى الغنى كما نشأ منه معنى ~~الفقر، وأنت لو انتزعت الأنبياء والحكماء وأهل العزائم من مجموع هذا الخلق، لرأيت ~~التاريخ الإنساني كله في ذينك المعنيين بابا واحدا من الخطأ. # فلقد والله بالغ الناس في اعتبار هذين الحجرين، # 1 # وأسرفوا على أنفسهم في محبتهما والكد في طلبهما بأخلاق وشيم ليس لأكثرها ~~موضع في الإنسان، ولا يتسع لها عمره القصير، وإن هي إلا من كلب الحيوانية فيه، بل هي ~~تطور فاسد في أخلاقه التاريخية؛ فقد كانت الجماعة الأولى تنازع الحيوان وتتعاون عليه، ~~وكانت الحيوانية قبيلا والإنسان قبيلا آخر، وغبرت الإنسانية على ذلك دهرا، ثم انفرعت ~~وانشقت وترامت على أقطار الدنيا؛ فصار لكل أرض إنسانها، وبقي الحيوان كله قبيلا واحدا؛ ~~ومن ثم ظهر أثر الإنسان على الإنسان، وأخذت تلك الحيوانات العاقلة تملي تاريخ الأرض في ~~الأرض غير ms020 مهذب ولا منقح، بل أصواتا تتعاوى، # 2 # ويومئذ كان عمل الفرد الواحد للقبيلة كلها؛ لأنه في الاجتماع بقبيلته لا ~~بنفسه، وكان الفرد في عهد الجماعة إنما يقاتل على الرزق، فأصبح في عهد القبيلة يقاتل على ~~الطماح إليه والاستكثار منه، ولم يكن في تاريخه ما يقذع هذا الطماح أو يكفه أو يرد ~~فيه ردا، فاسترسل إليه، ونشأ من ذلك في نفسه معنى الجمع والادخار، وأن يمهد # 3 # لغيره من بعده. # ثم استفاض الدهر بحوادثه وعصوره، وقامت الممالك واستجمعت الأمم واستبحر العمران، وما برح ~~ذلك المعنى يتسع ويتتابع ويتلون في تاريخ طويل ليس كتابنا بصدده؛ # 4 # حتى عاد ذلك القتال الأول، فرق ثم رق إلى أن صار قتالا في الأسواق بين ~~جماعات الدراهم والدنانير، وكان النزاع بين فرد وفرد وبين قوة وقوة، فارتقى وتهذب حتى ~~رجع إلى أن صار نزاعا بين خلق وخلق وبين حيلة وحيلة، وبعد أن كان الميدان في رقعة هذه ~~الأرض، صغر شيئا فشيئا أو كبر شيئا فشيئا حتى أصبح في رقعة الضمير. # فالإنسان المتمدن هو هو ذلك الإنسان المتوحش في عمله للقبيلة؛ إذ يكنز الكنوز ويعقد ~~العقد # 5 # ويرتبط الأموال، غير أنه قد حصر معنى القبيلة في نفسه هو ومن تلزمه نفقته من ~~أهله وولده، فلم تتكافأ وسيلة العمل وغايته، وجمع كثيرا وأنفق ثم فضل عنه كثير، فإن هو لم ~~ينفق من هذا الفضل على قبيلته الإنسانية وأبناء أبيه الأول من الفقراء والمساكين، فذلك ~~الجمع فساد طبيعي، وتزيد في أخلاق الحياة لا تبعث عليه الحاجة أو لا تحمله الحاجة التي ~~بعثت عليه؛ ومن هنا خرج ما في لغات الناس من الذم الأخلاقي # 6 # الذي هو في الحقيقة هجاء الطبيعة بعقولها وشرائعها وأديانها لأكثر ~~الناس. # فالرجل يزعم أنه يجد ويدخر ويحزم ويترقى، والحقيقة تصيح من أفواه الأنبياء والحكماء ~~والفقراء أن ذلك جهل وبخل وطمع وتسفل، ومن أجل هذا صارت الإنسانية لا تتقدم خطوة إلا ~~وقفت زمنا تلهث وتستروح مما بها، لكثرة ما تحمل من الصناديق والخزائن الثقيلة. # فحسبكم أيها ms021 الناس، انظروا إلى تركيب الكون واعتبروا سنن الأقدار في إدارته من أحقر ما ~~فيه إلى أعظم ما فيه، فإنكم لا تجدون معاني الغنى الصحيح الذي لا فقر له إلا في الأجسام ~~والعقول والأنفس، ولن تجدوا معنى واحدا خلق في صندوق أو خزانة. ~~••• # وقد وضعت كتابي للمساكين، وأسندت الكلام فيه إلى «الشيخ علي»، وهو رجل ستعرف من خبره ~~الذي أقص عليك أنه الجبل المتمرد الباذخ الأشم في هذه الإنسانية المسكينة التي ~~يتخبطها الفقر من أذاه وجنونه ومسه. # وأنا أرجو أن ينزل هذا الكتاب من قلوب المساكين منزلا حسنا، وأن يتصل بأنفسهم الضعيفة، ~~ويفضي إليهم ببثه ويفضوا إليه، فقد تكون مصاحبة البائس للبائس ثروة نافعة ~~لاثنيهما في معاملة الزمن. # مصطفى صادق الرافعي # | هوامش # الفصل الأول # | الشيخ علي1 # هو رجل تراه في ظاهره من الدنيا ولكن باطنه يلتحق بما وراء الطبيعة، وكان ينبغي أن لا ~~يقوم مثله على مسرح الخلق إلا ممثلا، وأن لا يمثل إلا الوجه المطلق من الحياة، بعد ~~أن استقصى الفلاسفة إلى تمثيله كل ذريعة، فلم يستو لهم أن يمروا فيه، وقصر بهم ~~التكلف، وقطعتهم دونه تلك الفلسفة التي حملتهم عليه؛ فخلق الرجل نشيطا مهزوزا ~~راميا بصدره ونحره، معترضا في زمام القدر كأنه صورة الفكر الذي يمثله، وكأنه أسلوب ~~قائم بنفسه في بلاغة الطبيعة. # وأحسبه في نظره إلى الخلق يتوهم أنه رحالة خرج من بعض الأفلاك التي تعرف ~~«بالعقول العشرة»، # 2 # فهبط من أشعته على الدنيا؛ فهذا العالم شيء جديد في نفسه، وهو شيء جديد في ~~العالم. # ينظر إليك كما تنظر إليه، فأنت تتبين في سحنته # 3 # الواضحة أوصاف الجنون الهادئ، وتعجب من منظر تلك العاصفة النائمة في عينيه، ~~وهو يستجلي منك معنى الغرابة في قدرة الله إذ أنشأك مثالا غير مفهوم، ويطيل عجبه منك أنك ~~على ما فيك تتعجب منه؛ فكل رجل في رأيه إنما هو صورة من الرجل الصحيح الذي لم تزور ~~فيه حرفة العيش ومطالب الحياة شيئا على الله. # ولكل امرئ سؤال يتردد بين نفسه وبين السماء؛ ms022 فرجل يقول: اللهم هذه القوة فأين الرزق؟ ~~وآخر يقول: وهذا الرزق فأين القوة؟ وثالث يصيح: هذه هي العافية وهذا الرزق فأين السعادة؟ ~~والشيخ علي كأنه يقول: اللهم إنه لم يبق من الإنسانية إلا حشاشة تسوق بنفسها. # 4 # وكل رجل من هؤلاء صورة مقلدة، فأين الأصل؟ # لما ولد هذا الرجل، ولعل الطبيعة يومئذ كانت في صميم الخريف ثائرة مجرودة ~~غبراء، # 5 # قامت أمه عن نجم منطفئ لا تعرفه الأرض وقد زهدت فيه السماء، فكان رضيعا، ~~ثم فطيما، ثم جحش، ثم ترعرع، ثم صار يافعا، وعاد فتى، وانقلب كهلا ، وهو اليوم ~~يحطم الخمسين # 6 # وكأنه لم يكن في كل ذلك شيئا، ومتى سويت عليه الأرض لم يترك وراءه إلا ~~سطرا ضئيلا في سجل الموتى، # 7 # فكأن الخير والشر لم يدركا هذا الرجل، وكأنه روح كتب عليها الحبس في ~~جسمها، فلا تشهد أمرا من ورائه حتى تنطلق، وكأنه حي على رغم الحياة! # وترى أي عقل يعيش به؟ بل أي عقل وأي جنون ليس من أثرهما الخير والشر؟ إن أكبر من ~~تنجبه الفلسفة ويخرجه الأدب؛ ليطوي عمره طيا وراء هذه الغاية البعيدة، وما حياة ~~الفلاسفة إلا اختيار للموت، فهم يميتون في أنفسهم كل سبب إلى الشهوة، وكل داعية إلى ~~اللذة، يحيون بالقسم الأعلى، وتبقى مادة الأرض فيهم كأنها أرض بور عارية المحاسر لا ~~تخصب ولا تنبت. وهذا «الشيخ علي» كله أرض بور؛ فهو عصر برأسه من تاريخ الأخلاق، وعلى أي ~~الوجوه اعتبرته رأيته كشيوخ الفلاسفة وحكماء الدنيا، يعيش في الناس بعقل غير ~~العقل. # ولو تنفس به العمر فبلغ المائة وجاوز العصرين، # 8 # ما زاد كل عمله على أن يشبه نفسه؛ فهو حليم لنفسه غضوب لنفسه، وكذلك هو في ~~الخفة والوقار، والضحك والعبوس، والزهو والانقباض، وفي كل ضدين منهما لذة وألم، ~~كأنه جزيرة قائمة في بحر لا يحيط بها إلا الماء، فلا صلة بينهما في المادة وإن كانت هي ~~فيه؛ فالناس كما هم، وهو كما هو، يرونه من جفوة الزمان أضعف من أن يصاب بأذى، ms023 ويرى نفسه من ~~دهره أقوى من أن يصيب بأذى، ويتحاشونه رأفة ورحمة، ويتحاماهم أنفة واستغناء، ثم إن ~~مسه الأذى من رقيع أو سقيط، أحسن إلى الفضيلة بنسيان من أساء إليه، فيألم وكأن ألمه ~~مرض طبيعي يعتريه، ولا فرق عنده في هذه الحال بين أن يمغص بطنه بالداء أو يمغص ظهره ~~بالعصا ...! # وهو والدنيا خصمان في ميدان الحياة، غير أن أمرهما مختلف جدا؛ فلم تقهره الدنيا لأنه لم ~~يطمح إليها ولم يقع فيها، وقهرها هو لأنها لم تظفر به! # وإني لأرى في اللغة كلمات لم تقع على معانيها، ولم تجتمع اللفظة منها بمدلولها؛ فكلمة ~~السعادة تبحث عن معناها في الناس وأهوائهم وشهواتهم، ومعنى السعادة يبحث الناس عنه في هذه ~~الكلمة وحدودها وحقائقها، وربما كان هذا المعنى بجملته ملقى تحت الشمس في زاوية من زوايا ~~القرى، أو متفيئا ظل شجرة من شجر الجميز، أو نائما تحت سقف معروش من حطب القطن، أو ~~جالسا يضحك في ندوة الحي، أو قائما يتأمل مجرى النهر، أو مضطجعا يقلب وجهه في السماء، ~~أو هو الذي يسمى «الشيخ علي»! # وماذا في السعادة أهنأ من أن توقى شر هذه السعادة فلا تتطلع نفسك إليها، ولا ينالك ~~إلا ما تحب أن ينالك، فأنت بعد وادع قار آمن في سربك، معافى في بدنك، خارج ~~من سلطان ما بينك وبين الناس من خلق مستبد، أو رغبة ظالمة، أو صلة عاتية، ولا حكم ~~عليك إلا لمالك الملك ... ولم يفتق الله لك من فنون اللذات ما ينغصه عليك، ولا ~~ضرب منك مثلا، ولا نص لك عقابا، ولا جعلك مرآة عدو يصلح فيها نفسه، # 9 # ولا نصبك لمجاراة أو مباراة، وقد جنبك فضوح هذه الدنيا، والدنيا من السوء ~~بحيث يفضح فيها بعض الخير ما لا يفضح بعض الشر. # ثم ماذا أنت طالب من السعادة إذا هانت الحياة فلم تضعف عن احتمالها، ولم ترمك ~~بداء في مرض العيش إلا قمت له، ولم تحملك على أمر إلا تحملت عليه، وقويت على نفسك ~~فلم تكذبك أملا، ولم ms024 تخدعك في باطل، ولم تجاذبك إلى مورد لا تصدر عنه إلا آثما أو ~~نادما، وكنت من نعمة الله مخفا لا تحمل إلا رأسك، ولا تجوع إلا ببطنك، # 10 # وقد كفيت أن تصرعك نزغات هذا الرأس، وأمنت أن يقتلك داء هذا البطن، ولم ~~يضربك الله بشيء من هذه النعم المنافقة التي يأتي بها المال حين يأتيك بالجاه وأصحاب ~~الجاه ومن يريدك لمالك وجاهك؛ وأعوذ بالله من النفاق # 11 # ومن نفاق النعمة خاصة، فبينا هي لك إذا هي عليك، وبينا هي متاع إذا هي ~~التياع، وبينا هي في طعامك شيء إذا هي من طعامك قيء . # وهل في النعمة خير من الكفاف حاضرا، ومن الصحة فارهة، ومن قرة العين وضحك السن ~~واستطلاق الوجه، وأن يكون القلب في حجاب من نور السماء لا تهتك عنه رذائل النفس، ولا ~~يعلق به غبار الأرض، ولا يتغشاه ظلام الحياة، ولا يزال هذا القلب في نضرته وصفائه كأنه ~~سعادة مخبوءة في غيب الله لم يخلق بعد من خبئت له؟ # كذلك أعرف «الشيخ علي»، فهو رجل سدت في وجهه منافذ الجهات كلها إلا جهة السماء، ~~فكأنه في الأرض بطل خيالي يرينا من نفسه إحدى خرافات الحياة، ولكنه مع ذلك يكاد يخرج ~~للدنيا تلك الحقيقة الإلهية التي لا تغذوها مادة الأرض ولا مادة الجسم، فهي تزدري كل ما ~~على الأرض من متاع وزينة وزخرف، وكل ما ردت عليك الغبطة من بسطة في الجسم، أو ~~سعة في المال، أو فضل في المنزلة؛ وكل ما أنت من إقباله على طمع ومن فوته على خوف؛ ~~تلك الحقيقة الطاهرة التي تكون أعظم ما أنت واجدها في سير الأنبياء والصديقين والشهداء، ~~أو حيث يكون ذلك العقل الجبار الذي لا يشبه عقول الناس من نبوغ يخرق العادة أو جنون ~~تخرقه العادة، وما الجنون إلا نبوغ فوق الطاقة، ولا النبوغ إلا جنون رقيق! # وكذلك أعرف «الشيخ علي»، فهو أجهل الناس في الدنيا، وأجهل الناس بالدنيا؛ كأنه من هذه ~~الجهة ممتلخ العقل، # 12 # وأنت إذا سطعت له بالجوهرة ms025 الكريمة النادرة، فلا يعدو أن يراها حصاة جميلة ~~تتألق، وإن هولت عليه بألوان الخز والديباج حسبك مائقا لم تر قط نضارة ~~البرسيم وألوان الربيع، وكأني بك لو وصفت له الذهب وما أضرمت ناره في الأرض وهي برد ~~وسلام، وما أيقظ جماله من الفتنة التي استحال عليها أن تنام، ثم أريته شعلة من هذه النار ~~في غرة الدينار؛ لتضاحك منك إذ تريد أن توهمه - بما أعظمت من ذلك الشأن - أنك ~~سلبت ملك الله قطعة من الشمس، التي غربت أمس؛ ولرأيت من زرايته عليك ما يعلمك أنه ~~ما أكبر هذا الدينار في عينك إلا صغر في نفسك، ولا ملأ يدك بالحرص عليه إلا فراغ ما ~~بينك وبين الله، ولا كدك في طلبه إلا أنك مسخر، ولا أذلك للمال إلا خضوعك ~~للآمال، وما أنت إلا في قيد من الهم حببه إليك أن قفله هذه القطعة من الذهب! # وإذا أحضرته ألوان الطعام وجلوت عليه أبهة الخوان، وقلت له: هلم فارتع وأصب ~~حتى تنتأ رمانتك. # 13 # رأيت من نفوره واحتجازه كأنه يقول لك: ويحك! وهل للبطن كبرياء وهو ستار على ~~أقذار! وهل يسع كل هذا وما هو بالعريض الطويل، ولا سلامة له إلا بالقليل لأنه قليل! وهل ~~تحتمل ما في العنقود حبة واحدة، ويحتمل الغني أن يكون في صندوقه الإلهي # 14 # حاجة زائدة! ويبلغ الحمق من هذا الإنسان أن يميت قلبه لأنه وجد النعش من ~~المائدة! # وكذلك أعرف «الشيخ علي»، فهو لا يرى في الأشياء غير ما خصتها به الطبيعة؛ ولا يرسل عليها ~~إلا أشعة صافية من عينيه الضاحكتين لم تخالطها ألوان النفس، ولا زفرت عليها أنفاس القلب؛ ~~وما ثم غير الانقباض والنفور أو الاستئناس والانبساط؛ فإما رآها قبيحة وإما رآها جميلة، ~~ومتى قسمت الأشياء عنده إلى قبيح وجميل، فليس وراء هذين ثالث في التقسيم، وليس إلا ~~جميل جميل وقبيح قبيح؛ فأما المأمول والمرغوب والمتنافس فيه، والمتبرم به والمسخوط ~~عليه، وما جاء بالشقوة وما جاءت به السعادة، وما كان من ورائه حبذا وليت، وما أعانت ms026 عليه ~~لعل وعسى، ثم كان وأخواتها، وإن وبناتها، ثم أنا وأنت وهو، ثم ما انعطف على هذا النحو أو ~~انفرع منه؛ فكل ذلك تقسيم لا يفهمه شيخنا، وما هو من جده ولا لعبه؛ لأن صفحة نفسه ليست ~~كألواح الأطفال يثبتون فيها ما لا بد من محوه، ويمحون ما يعودون إلى إثباته، ليتعرفوا ما ~~أصابوا مما أخطئوا، وليتعلموا كيف ينبغي أن يتعلموا. # وهل تجد - أعزك الله - في هذا الناس من يحسن أن يوقرك، إلا وهو يحسن أن يحقرك، ~~ومن يعرف كيف يشكرك، إلا وهو يعرف كيف يكفرك، ومن يقول لك حفظك الله، إلا وهو قادر أن ~~يقول أخزاك الله؟ فالناس عبيد أهوائهم، وأينما يكن محلك من هذه الأهواء فهناك محل اللفظة ~~التي أنت خليق بها، وهناك يتلقاك ما أنت أهله أو ما يريدون أن تكون أهله؛ وليس في الناس ~~شيء يزيدك كمالا من غير أن يزيدك نقصا، حتى إيمانك فإنه كفر عند قوم، وحتى عقلك فإنه ~~سفه لطائفة، وحتى فضلك فإنه حسد من جماعة؛ وحتى أدبك فإنه غيظ لفئة. # أما شيخنا فقد مسح الله نفسه ومسح ما به من الناس؛ فليس في صدره ولا في صدر أحد ~~حسيكة # 15 # عليه، وهو أبدا في صمت بليغ كصمت الطبيعة، وكأن فهمه شيء من هذا الصمت، فلا ~~يتصل بفهمه ولا يداخل فكره إلا الجمال والقبح. والطبيعة نفسها تخرج الجميل تفسيرا ~~للقبيح، وتظهر القبيح تعليقا على الجميل، وكذلك الشيخ في إدراكه. # وأجمل ما يرى من وجوه الحياة وجه السماء الصافية، ووجه النهر الجاري، ووجه الأرض ~~المخضرة، ووجه الرجل الطيب، ووجه المرأة الجميلة؛ كل أولئك عنده سواء، فليس وجه خيرا ~~من وجه؛ لأنه لا يحسن أن يئول لغة الطبيعة فلا ريبة فيه، ولا يتزيد في معانيها فلا ~~كذب في حواسه، ولا تخاطبه الطبيعة فيما توحي إليه إلا بأسهل ألفاظها وأطهرها وبمقدار ما ~~خلق له؛ إذ لا ترى فيه غير تلك الحيوانية الضعيفة التي هي ضرورية لحي منقطع مثله، وما ~~كانت لوثة عقله إلا فصلا بينه وبين ms027 الإنسان في حيوانيته؛ وإن شر ما تكون هذه ~~الحيوانية حين تكون عقلية محضة وراءها عقل العالم واختراع المخترع وفن ~~المتفنن. # وقد يكون «الشيخ علي» رجلا تعسا في رأي الناس؛ لأنه حيوان ضعيف وإنسان أضعف، ولكنها ~~تعاسة بالغة؛ فهي من تلك الآلام الحادة التي بالغت الطبيعة في تكوينها لتخرج منها ذلك ~~النوع الشديد الحاد الذي يسمونه اللذة، وربما كانت التعاسة السامية خيرا من ~~سعادة سافلة! # إن المجنون لم يزل عن منهج الحياة بجنونه، ولكنه يتبع سنة هذه الحياة على طريقة ~~خاصة غير ما ألفه الناس أو تواضعوا عليه؛ ليرى في كل شيء أثر جنونه، فهو حي مع ~~الأحياء ، بيد أنه يشبه أن يكون تفسيرا للحياة الغامضة التي تلوذ بكل جانب مهجور ~~على وجه الأرض، وبكل رأس تحتسبه جانبا مهجورا؛ لأن الناس لا يفهمونها ولا يتسعون ~~لفهمها. # وهذا «الشيخ علي» رجل غامض متلفف بحقيقته العجيبة، كدهاة السياسة في شباكهم التي ~~يأخذون بها الأمم والشعوب، فلا تبرح ترتبك فيها ارتباك الصيد في الحبالة؛ وأولئك ~~الفلاسفة الذين يعيشون في السحب العالية من فضائلهم، فيمطرون الكون مرة ويرجمونه مرة ~~... إلى غيرهم من روابي الخلق، # 16 # ومن كل رجل عظيم أظله أحد الجناحين المنبسطين على الأرض والسماء: جناح ~~الوحي أو جناح التاريخ، ولكن «الشيخ» على غموضه من كل جهاته واضح من جهة واحدة، هي جهة ~~الجنون في اصطلاحنا، وتلك هي جهة الفضيلة الخالصة فيه؛ إذ قطعت ما بينه وبين الرذيلة، ~~وجعلت له في الناس رذيلة مجنونة مثله، فكانت سبته أنه رجل مطلق لا ينزل على حكم، ~~ولا يتحمل على أمر، ولا ينازع إلى عادة معروفة، بل هو قد نجا بنفسه من هموم الناس، ~~وأصبح كالروح الوثابة التي لا يمسكها قيد ولا يخضعها زمام، والتي هي فيه كما هي في ~~موجة البحر وعاصفة الريح؛ فكل مخلوق يحجل في الحياة لمكان القيود منه، وهذا يجمع ~~الوثبة العالية ثم يثب مقبلا ومدبرا، ويتخطى مد بصره في الحياة كأنه براق ~~الأنبياء! # وليت شعري هل يأمل الناس أن يشهدوا الحقيقة مغلوبة ms028 على أمرها، وما كانت الحقيقة أحد ~~الخصمين قط إلا كانت الهزيمة على الآخر، ولو أن هذا الآخر عصر من تاريخ الأرض. ثم ما ~~هي الحقيقة إلا أن تكون عقلا مطلقا لا زيغ فيه، أو حقا مطلقا لا كذب فيه، أو يقينا ~~مطلقا لا شك فيه؟ # وهذا «الشيخ علي»، أما عقله فعند الله، وأما حقه فقد أوجبه الله، وأما يقينه فلا يعلمه ~~إلا الله؛ فكيف يرى مغلوبا لاصطلاح أو عادة وأكثره راسخ في السماء؟ # إنه ليجوع ويظمأ ويعرى، ولكن كما يجوع الطير وتظمأ الأرض ويعرى الشجر، ليس من حلة ~~إلا وسبيلها من رحمة الله، فإن تخلت عنه السماء مرة ، وقطعت مقاوده من الغيب، وخذلته ~~الوسيلة؛ فما تغمز منه الحاجة إلا حجرا صلدا يقع على أي جانب ترميه ثم لا يقع إلا حجرا؛ ~~لأن آلام هذا الرجل من الألم القفر الذي لا ينبت فيه شيء من الخوف، ولا يهتدي إليه وهم ~~من الحياة، ولا مجرى فيه للدمع، ولا ظل للحسرة، وهو ألم إن أفضى إلى الموت أفضى إليه ~~برجل لا يعرف الموت ما هو، وإن أبقى على الحياة أبقى عليها في رجل عرفت الحياة من ~~هو. # رجل حط الله أوزاره، وكتب عليه أن يكون فقيرا من المال وحب المال وذل المال؛ فخرج وليس ~~له في أفئدة الناس إلا الرأفة والحنان، وجاء وليس له من الناس حاسد أو عدو، وخلق ذا ~~حدين من نفسه الماضية لا يكتنفه ذل أو هم إلا قطعهما وانطلق كالفرس العتيق في ميعة ~~حضره، # 17 # وماذا يبغض الناس منه وماذا يعادون وهو في ذلك البحر زورق قد سقط مجذافه فليس ~~له ما يضرب به وما يسخر به، وإنما تدافعه رحمة الله حيث اندفع، والبحر لا يعادي الزورق ~~الذي يجري فوقه، ولكن يعادي المجذاف الذي يديره ههنا وههنا. # رجل كأنه قطعة من الأبد، لا أمس له يتعقبه، ولا غد له يترقبه، بل الحياة عنده يقظة ~~طويلة، والموت نوم أطول. ~~«والشيخ علي» متى أحس الجوع ولج الباب الذي يصيبه مفتوحا، فلا ms029 يقع على الناس إلا ~~متطرئا، وهو مع ذلك لا يحط في الطعام ولكن يخط فيه خطا، # 18 # وما هو إلا أن يستقر شيء في جوفه مما يقيم صلبه حتى ينفر نفور الطائر، لا ~~يرى إلا أنه قد استوفى حق طبيعته من خادم طبيعي، فلا جزاء ولا شكورا؛ ولهذا لا يبرح ~~أبدا على الحد الذي يصلحه لنفسه فلا يتجاوزه، وأعجب ما يروعني من فضيلته أن هذا الحد ~~عينه هو الذي لا يفسد ما بينه وبين الناس. # وهو إذا تكلم فإنما يترمرم # 19 # من طول السكوت؛ فإما أن يغمغم حروفا وأصواتا، وإما أن يلوث بعض كلمات غير ~~مفهومة كأنه يسرها في أذن الدهر الذي لم يفهمه، ولكن لهذا الرجل كلمة في الشتاء ~~وكلمة في الصيف؛ فأما الأولى: فأن يسأل دثارا يستدفع به أذى البرد، ولا معنى لكلمة «هات» ~~عنده غير هذه الضرورة، وأما الثانية: فإن يهب الدثار لغيره، ولا معنى لكلمة «خذ» عنده ~~غير هذا الاستغناء، على أنك واجد أكثر ما في هذا العالم من شر وفساد إنما يرتطم في ~~هذين الحرفين: «هات، وخذ». # هذا هو «الشيخ علي»: رأيته فرأيت في برده ثورة على العالم الإنساني، وعرفته فأصبت في ~~ضميره قطعة مجهولة من هذه المسكونة، واستجليت نفسه فإذا هو أفق فوق الأرض، وطالعته ~~فكأني رأيت في جملته النقطة الأرضية التي يبدأ من ورائها ارتفاع السماء، وبلوته فإذا هو ~~حصاة تحت ضرس الدنيا والناس هنالك يمضغون؛ فلم أملك أن غمست قلمي من نظراته في مجرى من ~~أشعة الوحي، ووضعت الاعتبار من هذا الرجل وحقيقته ما عرفت من الناس وحقائقهم، فخرجت لي من ~~المقابلة هذه الصفحات؛ ولذا كان القول في «المساكين» ما قال «الشيخ علي». # على أني إن كنت لم أحسن وصف الرجل أو كنت لم أبلغ في وصفه؛ فذلك لأن هذه الحقيقة في ~~هذا القلم كالثمر الحلو في العود المر، والرجل مما أنضجه القدر وحده، وليس لنا من حقيقته ~~الغامضة إلا الصفات التي تثبت أنها غامضة. # وهل في الحياة أشد غموضا من رجل ms030 يرى، أو كأنه يرى، أن كل نعمة لم ينلها فهي مصيبة لم ~~تنله، وكل ما يعرفه من هذه الدنيا أنه يعرف كيف يتركها مطمئنا وعلى شفتيه من الابتسام ~~تحية السماء لاستقباله، ومتى هو فارقها انكشف موته عن حياته، وصرحت هذه الحياة عن ضميره، ~~وخلصت من هذا الضمير كلمة هي معنى الرجل الذي انطوى عليه، وكانت هذه الكلمة هي «الحمد ~~لله»! # | هوامش # الفصل الثاني # | في وحي الروح1 # التراب المتكلم أمام التراب الصامت # ترى أيهما هو الصدق في حقيقته: ما نفرح به أو ما نحزن له؟ أما إن في الحياة ملحا وإن ~~في الحياة حلوا وكلاهما نقيض، فليس منهما شيء إلا هو رد للآخر أو اعتراض فيه أو خلاف ~~عليه، وتجدهما اثنين وهما واحد في اثنين. # فأنت تؤتى الحلو تسيغه وتستعذبه، فإذا هو بك في الملح تمجه وتغض به، ثم لا تضع من ~~أمر على أحسنه في صورة إلا رأيته على أقبحه في صورة أخرى. # والإنسان من الهم في عمر دهر لا يموت، ومن السرور في عمر لحظة تشب وتهرم وتموت في ~~ساعات، والحي كأنه من هذه الدنيا فرخ في بيضة ملئت له وختمت عليه، فلن يزيد فيها غير ~~خالقها، وخالقها لن يزيد فيها! # ومن الصحة والمرض، ومما سر وساء، وما شد وهد، ومن العقل العجيب الذي يحكم من ~~الإنسان تركيبا عصبيا مجنونا ثائرا قد استبانت فيه الحيوانية؛ من كل ذلك وما إليه ~~مزيج هو بقدرة الله أشبه، ولكنه فوق ضعفنا وحيلتنا، فلن نرى منه في الكون إلا شكل الحيرة ~~ومعناها والعذاب بها، والفرح بالغفلة عنها والسرور بإنكارها أو المكابرة فيها، والحيرة لا ~~نفي ولا إثبات، ومتى يطلب الإنسان الحقيقة وهو جزء منها لم يقف إلا على جزء منها؛ ~~فالمشكلة متحركة إلى كل جهة حتى لا تذهب عنها لتنشاها إلا وأنت ذاهب بها لكيلا ~~تنساها. # أما إن في الحياة ملحا وإن في الحياة حلوا وكلاهما نقيض؛ فالصريح أن يخلق منهما ~~المستحيل وهو الملح الحلو، فإن لم يمكن؛ فالممكن من الحقيقة للإنسان أن ms031 يستحيل الإنسان ~~فيموت! ~~••• # ترى أيهما الذي هو الكذب في نفسه: الموت أم الحياة؟ إنه الجنين فالوليد ثم الميت لا ~~محالة بعد أن يسرع الأجل أو يتراخى، لا يتقار جنين في ذاته الدموية من الأحشاء، ولا ~~يثبت وليد في ذاته اللحمية من المهد، ولا يترك شاب في ذاته العظمية للحياة، ولا يقف شيخ ~~في ذاته الجلدية دون القبر! # من عقدة الثمر إلى لبتها إلى شحمتها إلى قشرتها، على ناموس القضاء والقدر في باب الحتم ~~المقضي من كتاب السماء، وعلى ناموس النشوء والارتقاء في باب الهذيان العلمي من كتاب ~~الأرض. # وكما تكون تحت الوسائد كنوز أحلام الليل، تكون في هذه الحياة أحلام الكنوز الخالدة التي ~~يملأ الأرض كلها ضوء لؤلؤة واحدة منها. # تطلع الشمس تلمع على الناس كأنها فص خاتم السماء تشير به أن تعالوا إلى الكنز في ضوء ~~هذه الياقوتة الصغيرة! ~~••• # الحواس زائغة متراجعة مقلوبة، وهذا هو نظامها ونسقها واستواؤها؛ فليس من أحد في هذا ~~الكون الموجود إلا وهو ناظر إلى كون غير موجود. # السماء سموات، والأرض أرضون، والأكوان عداد العقول، وكل أمل في رأس مخلوق يزيد عنده ~~الدنيا أو ينقصها ويغير من الخليقة ويبدل، وكل إنسان في كل يوم هو إنسان يومه ذلك، فكأن ~~كل حي من كل حي غلطة، وآمالنا كأرقام الساعة، هي اثنا عشر رقما محدودة، ولكنها في كل دقيقة ~~هي اثنا عشر رقما، فلن تنتهي! # والحياة خداع وغرور، وزيغ وخطأ، وعمل وعبث، ولهو ولعب، ومهزلة وسخرية، والناس ~~كالأرقام تخط على هذا التراب ثم يقال للعاصفة: اجمعي واطرحي وحلي المسألة! ~~••• # وأين كل ما صبته الشمس والكواكب من نيرانها، وما أخرجته فصول الأرض من وشيها وألوانها، ~~وما هتفت به الطير من أغاريدها وألحانها، وما تلاطمت به الدنيا من أمواج إنسانها؟ وأين ما ~~صح وما فسد، وما صدق أو كذب، وما ضر أو نفع، وما علا أو نزل؟ في كل لحظة تمتلئ هذه الدنيا ~~لتفرغ، ثم تفرغ لتمتلئ، وماضيها ومستقبلها مطرقتان يمر بينهما كل موجود لتحطيمه! # وكأن الحياة ليست أكثر ms032 من تجربة الحياة زمنا يقصر أو يطول، وما العجيب أن لا تفلح ~~التجربة في أحد، ولكن العجيب أن لا تنقطع وهي لا تفلح! # والعالم كالبحر من السراب يموج به أديم الأرض بما رحبت، ثم لا تملأ أمواجه ملعقة، ~~والحقيقة في كل شيء لا تزال تفر من تحليل إلى تركيب، ومن تركيب إلى تحليل؛ لأن شعور أهل ~~الزمن بالزمن لا يحتمل المعنى الخالد. # ولعل سبب الموت أنك لا تجد إنسانا يعيش في حقيقته الإنسانية، فلا هذه الحقيقة يسرت له ~~كاملة ولا هو خلق لها كاملا. وفي الإنسان كالطبيعة أرض وسماء، فترابه لا يتغشاه مما ~~فوقه غير الظل، وقد خلق مقسوما، فشقة منه في أرضه وشقة في سمائه، فإذا حضره الموت ضرب ~~الضربة بين هاتين فأخذت السماء السماء وجذبت الأرض الأرض. # هناك البرق الإلهي ملء الكون يلتمع ويخطف، ولكنه من الإنسان كشعلة تتوهج في غرفة أرضها ~~وسقفها وحيطانها من المرايا، وليس في هذه الغرفة إلا هذا الضوء ورجل أعمى! # فلا سخرية ولا ضلالة ولا عبث ولا خداع إلا في أسلوبنا الإنساني المبني على حواسنا ~~الزائغة، كما تنود # 2 # السفينة خفت على موج البحر، وما عبث البحر بها ولكن يعبث بها وزنها. ~~••• # يريد الله أن نخلق لأنفسنا معنى من السمع والبصر ليس في أذن ولا عين، وأن نزيد في مجموعة ~~أعصابنا الواهنة عصبا عقليا يراه ويسمعه ويدركه ويؤمن به، # 3 # فالإيمان قوة جبارة لا تجمع إلا من رد كل أطراف النفس # 4 # المنتشرة إلى عقدتها الروحية، وحبسها أكثر حواسها في حس واحد عنيف مؤلم، ~~ووضع المناعم المضنون بها في ذلك المعنى المفتوح المتهدم الذي لا يمسك شيئا وهو الزهد، ~~وحصر الآلام الطاحنة في ذلك المعنى المطبق المتحجر الذي لا يفلت شيئا وهو الصبر، ورد ~~الأخلاق كلها إلى ذلك العنصر الذي يضيف معنى الحديد إلى معنى اللحم والدم وهو الإرادة، ~~وبعد ذلك كله وضع كل شيء إنساني في ضوء من أضواء الكلمة المتألهة المسماة ~~بالفضيلة. # يا إلهي! ما أقواك وما أضعفنا! كأنك تقذفنا من ms033 السماء فنجهد من بعد أن نرتفع إليها ~~بأنفسنا على أجنحة الأعمال التي تطير بجاذبية مما تحب! # لما خلقت الإنسان عبدا على قدرك صار إلها على قدره، فيجب في الحق أن تعذبه السماء إذا ~~وغل عليها طفيليا بلا عمل ولا ثمن! # النخلة السحوق نواة مخزونة في بلحة، والعالم العظيم تركيب مخبوء في إنسان؛ فالإنسان ~~لنكده الطبيعي محيط بنواميس قاهرة تحركه، وتحيط به نواميس أخرى قاهرة تتحرك معه؛ فمن ثم ~~لا يبرح يصطدم، ولن يكون متجها أبدا إلا إلى التحطيم، فإذا هو تورع وتحرج واستعلى أمات ~~من شهواته فأبطل مثل ذلك فيما حوله، فكان خروجه من بعض الدنيا هو حقيقة في بعض الدنيا، ومثل ~~هذا حقيق أن يقول: إني أحكم العالم من داخلي! ~~••• # تباركت ربنا وتعاليت، إن الشك فيك لهو اليقين على طريقة، والإيمان بك هو اليقين على طريقة ~~أخرى، المقعد لا يمشي، والأعرج لا يعدو، والضعيف لا يسبق العداء، فإذا أنكر المقعد على ~~من يراه يمشي، والأعرج على من يبصره يعدو، والضعيف على من يعرفه قد سبق؛ فما ذلك من ~~إنكار العين ولا من مكابرة النفس، وإنما ذاك رأي منظور فيه إلى حظ رجل مهملة أو قدم ~~مكسورة أو عظم واهن، ومن ثم لن يكون في الناس ملحد إلا وفي طباعه أو أخلاقه أو حوادث ~~دنياه جهة مريضة ينكسر عندها الرأي ويبتلى بها الحس، فهي توجهه وتصرفه منظورا فيه إلى ~~شعور بعينه، وقد ينتحر الرجل من إعراض امرأة، فمن ذا يقول إن النفس الإنسانية في وزن ~~قبلة؟! # فأما الملحد بغير علة فهذا لا يوجده أب ولا تضعه أم؛ إذ يجب أن تكون طباعه له وحده ~~وميراثه منه وحده حتى يصدق زعمه أنه ألحد للبرهان وحده، فما يجحد الجاحد إلا ليجعل نفسه ~~في الرفاهية من الأمر والنهي، ويخرج بها من حكم الضرورة، والإيمان كله ضرورات مسلطة الحكم ~~على ما بين المؤمن ونفسه، وما بين المؤمن والناس، وما بين المؤمن وربه؛ حتى كأن فيه شيئا ~~يلذعه بالجمر، فما يستريح من لذعة إلا قدر ms034 ما يجم ليحتمل اللذعة بعدها. # يا إلهي! إنما يحبك المؤمنون ويكابدون في رضاك على مقدار منك لا منهم؛ فأنت تقذف قلب ~~المؤمن بضرورات كشعل البراكين، وتضرب روحه من مصائبه بسلسلة جبال مفتولة، وتتركه في الأرض ~~يشعر كأنما خر عليه سقف العالم! # شبه خلفها بصائرها، وظلمات تنتهي بعد حين إلى مد النهار الأكبر، # 5 # ومن الضرورات والمصائب والآلام يتخلق الجو الحساس الذي يبسط فيه الإنسان ~~جناحي روحه، ويسمو بها على التراب والمادة. # الجو الجو: هذه تغريدة البلبل في قفصه. # الغذاء الغذاء: وهذه قوقأة الدجاجة في قفصها. ~~••• # أيقيس الإنسان نفسه على قياس من الطبيعة في قوتها المتراكبة، ومظهرها المسخر لكل ما ~~يتفق، وتركيبها المبني على سهولة الاحتمال، ونظامها الميسر لعدم المبالاة؟ ألا ما أحمق ~~الزهرة التي علمت أن الدوحة لا تقتلعها إلا العاصفة العاتية، فقالت: الآن أهزأ بالنسيم! ~~ثم لمسها النسيم فرمى بها ورقة ورقة! # كأن الشكل الإنساني نقص إنساني، وكأن الإنساني لم يجئ إلى الدنيا بأكمله، وكأنه ما خلق ~~منه إلا قدر ما لغرض ما، كأنه تركيب في يد الصانع الأعظم ألقى منه جزءا في مرجل الفلك ~~الأرضي ليغلي قليلا، ثم يتطاير ويجتمع فيتلقاه من بعد. # كأن هذا الإنسان تحت هذه الضغطة في هذه الفورة في هذا الفلك، مادة تطعم جوا لتتحول ~~ولتتحول ليس غير. ألا ما أحمقه وهو في المرجل على الوقدة الحامية إذا أبى أن يغلي! وما ~~أسخفه وهو في المصفاة تحت الضغطة الثقيلة إذا أبى أن يعصر! وما أجهله وهو في الحياة ~~الفانية إذا نسي أنه سيموت! # لا تغتري أيتها الحبة الصغيرة المختبئة في كدسة من القمح تتحدر في ثقب الرحى، ولا ~~تحسبي أنك من لهو ولعب تنبعثين هناك وهنا بين الحب، إنك في رفق ولكنه رفق الحجرين ~~الآكلين اللذين لا يدعان شيئا ولا يفلتان شيئا، وإنما يرفقان بك قليلا قليلا ليجيدا ~~طحنك كثيرا كثيرا! ~~••• # فتحنا القبر وضرحنا للميت العزيز، لم أقل إنه مات، بل قلت: إن موته قد مات! كأن الحي ~~على هذه الأرض هو القبر الإنساني ms035 لا الجسم الإنساني، فإنك لتجد قبورا من ألف سنة ولا تجد ~~إنسانا في بعض عمرها، أما ترى هموم الدنيا وأحزانها كيف لا يخلو منها أحد، وكيف تخرج ~~من النعيم كما تخرج من البؤس؟ ما أحسبها إلا صورا من ظلمة القبر يجيء القبر فيها حينا بعد ~~حين إلى ميته الذي لم يمت! # من يهرب من شيء تركه وراءه، إلا القبر، فما يهرب أحد منه إلا وجده أمامه؛ هو أبدا ~~ينتظر غير متململ، وأنت أبدا متقدم إليه غير متراجع، وليس في السماء عنوان لما لا يتغير ~~إلا اسم الله، وليس في الأرض عنوان لما لا يتغير إلا اسم القبر. # وأينما يذهب الإنسان تلقته أسئلة كثيرة: ما اسمك؟ ما صناعتك؟ كم عمرك؟ كيف حالك؟ ماذا ~~تملك؟ ما مذهبك؟ ما دينك؟ ما رأيك؟ ... ثم يبطل هذا كله عند القبر كما تبطل اللغات البشرية ~~كلها في الفم الأخرس، وهناك يتحرك اللسان الأزلي بسؤال واحد للإنسان: ما أعمالك؟ # أيها المتقاتلون على الدنيا والإنسان إلى حين! إن تنازع البقاء مذهب فلسفي بقري لا ~~إنساني؛ فإنها الثيران هي التي تجد من القوة أن تنتطح في المجزرة، وتنسى لم هي في ~~المجزرة! # فتحنا القبر وأنزلنا الميت العزيز الذي شفي من مرض الحياة، ووقفت هناك، بل وقف التراب ~~المتكلم يعقل عن التراب الصامت، ويعرف منه أن العمر على ما يمتد محدود بلحظة، وأن القوة ~~على ما تبلغ محدودة بخمود، وأن الغايات على ما تتسع محدودة بانقطاع، وحتى القارات الخمس ~~محدودة بقبر! # يا عجبا! القبور مأهولة بملء الدنيا وليس فيها أحد! أية ذرة من التراب هي التي كانت نعمة ~~ورغدا، وأيتها كانت بؤسا وشقاء، وأيتها التي كانت حبا ورحمة، وأيتها كانت بغضا ~~وموجدة؟ # سألت القبر: أين المال والمتاع؟ وأين الجمال والسحر؟ وأين الصحة والقوة؟ وأين المرض ~~والضعف؟ وأين القدرة والجبروت؟ وأين الخنوع والذلة؟ ... قال: كل هذه صور فكرية لا تجيء إلى ~~هنا؛ لأنها لا تؤخذ من هنا! فلو أنهم أخذوا هدوء القبر لدنياهم، وسلامه لنزاعهم، وسكونه ~~لتعبهم، لسخروا الموت فيما سخروه ms036 من نواميس الكون! # إن هؤلاء الأحياء يحملون في ذواتهم معانيهم الميتة، وكان يجب أن تدفن وتطهر أنفسهم منها؛ ~~فمعنى ما في الإنسانية من شر هو معنى ما في الناس من تعفن الطباع والأخلاق. # يكذب أحدهم على أخيه فيعطيه جيفة حقيقة ميتة؛ ويكيد بعضهم لبعض فيتطاعمون من جيف ~~الحوادث المسمومة، ويمكر الخائن فإذا جيفة عمل صالح قد مات؛ فكل مضغة تبتلعها من حق أخيك ~~الحي هي كمضغة تفتلذها من لحمه وهو ميت، لا تعطيك إلا جيفة، ثم أنت من بعد لست بها ~~إنسانا ولكنك وحش، بل وحش دنيء ليست له فضيلة الوحشية التي من قوة تأبى أن تمس لحوم ~~الموتى! ~~••• # واها لك أيها القبر! لا تزال تقول لكل إنسان تعال، ولا تبرح كل الطرق تفضي إليك فلا ~~يقطع بأحد دونك، ولا يرجع من طريق راجع، وعندك وحدك المساواة، فما أنزلوا قط فيك ملكا ~~عظامه من ذهب، ولا بطلا عضلاته من حديد، ولا أميرا جلده من ديباج، ولا وزيرا وجهه من ~~حجر، ولا غنيا جوفه خزانة، ولا فقيرا علقت في أحشائه مخلاة! # ألا ويحك أيها القبر! لم لا تأتي إلا في الآخر؟ ولم لا تضع حدود معانيك بين ~~الأحياء بعضهم من بعض، حتى يقوم بين الضعف والقوة حد المساواة، وبين النفوس والشهوات حد ~~التقوى، وبين الحرام والحلال حد الله! # يا شقاء أهل الأرض! أما إنهم لو وضعوا فيها موضعا من العناية لما كان الإبهام في ~~السريرة، ولا كانت الغفلة في النفس، ولا كان النسيان في الطبع، ولولا هذه الثلاث في هذه ~~الثلاثة لما كان المجهول البشري كله في شيء واحد وهو القبر. ~~••• # إن أحزاننا وهمومنا ودموعنا هي كل المحالة الإنسانية العاجزة التي نحاول بها أن نكون في ~~ساعة من الساعات مع أمواتنا الأعزاء؟ هم يأخذوننا إليهم اختلاجا وانتزاعا في هذه الأحزان ~~والهموم والدموع؛ فكأنها أمكنة تخلق من الأثير الروحي وتتجسم من معانيها كي تصلح أن يلتقي ~~فيها روح الحي، وهو حي بروح الميت وهو ميت، كما يتلاقى روحا الحبيبين في قبلتهما أول ms037 ~~مرة؛ إذ يخلق قلباهما لهذا اللقاء جوا أثيريا من الزفرات واللوعات بين الشفاه ~~المتلامسة. # أو لعل الموت كما يجرد الحي من روحه ينتزع من أهله شهوات أرواحهم، فيميتهم مدة من ~~الزمن في القلب وفي العين وفي الفكر؛ وبذلك يرد جميع المحزونين إلى المساواة، فأهل كل ~~ميت وإن علا كأهل كل ميت وإن نزل، وتموت بالموت الفروق الإنسانية في المال والجاه والقوة ~~والجمال، حتى لا يبقى إلا الدمعة واللوعة والحسرة والزفرة، وهذه هي أملاك الإنسانية ~~المسكينة! # يا هم من يحس ويعرف ويرى كيف يموت العزيز عليه، وكيف يتحول من يحبه إلى ذكرى! أن ما ~~يعمل في القبر يعمل قريب منه في القلب! ~~••• # وما يعرف الحي أن الذاكرة فيه هي حاسة اللانهاية # 6 # ألا حين يموت له الميت العزيز، فلا يكون في الدنيا وهو في ذاكرته بمعانيه ~~وصورته لا يبرحها. # وليس ينزل الحي من أمواته في القبر إلا من يقول له: إنني منتظرك إلى ميعاد! أما لو ~~عقلها الأحياء لعرفوا أن الموت هو وحده ناموس ارتقاء الروح ما بقيت في الدنيا، ولكن ضجيج ~~الشهوات - على أنه لا يعلو رنة كأس، ولا يغطي همسة دينار، ولا يخفي ضحكة امرأة - يطمس على ~~الكلمة الأزلية التي فيها كل قوة الصدق وكل صراحة الحقيقة، فإذا هي خافتة لا تكاد تثبت، ~~غامضة لا تكاد تبين! # أذلك سحر الحياة فينا، أم سوء استعدادنا لها، أم شراهة الجسم من لذة الحياة لابتلاع كل ~~ما في الكون منها، أم حماقة الكأس التي تريد أن تغترف البحر لتكون له شاطئين من الزجاج، ~~أم بلاهة الإنسان الذي يريد أن يطوي فيه معنى الخالق ليكون إله نفسه! # ويحه من غريق أحمق يرى الشاطئ على بعد منه، فيتمكث في اللجة مرتقبا أن يسبح ~~الشاطئ إليه! ويثبت الشاطئ ويدع الأحمق تذوب ملحة روحه في الماء! # اسبح ويحك وانج، فإن روح الأرض في ذراعيك، وكل ضربة منهما ثمن ذرة من هذا ~~الشاطئ، كذلك ساحل الخلد؛ يريد من الإنسان الذي هو إنسان أن يبلغ إليه مجاهدا لا ms038 ~~مستريحا، عاملا لا وادعا، يلهث تعبا لا ضحكا، ويشرق بأنفاسه لا بكأسه، وينضح من عرق ~~جهاده لا من عطر لذاته. # إن روح النعيم الأرضي في ذراعي الغريق الذي يجاهد لينجو، وروح النعيم الأزلي في ~~ذراعي الحي الذي يجاهد ليفوز! # | هوامش # الفصل الثالث # | الفقر والفقير # قال «الشيخ علي»: يا بني، إن في تاريخ الحياة سؤالا لم تزل تلقيه أطماع الناس في ~~كل عصر من عصورها، وما إن تصيب له جوابا مقنعا لأن الطمع ليست له طبيعة محدودة، فهو ~~يرمي بسؤال غير محدود، ويريد بطبيعته جوابا عليه غير محدود. # هذا السؤال واحد من ثلاثة هي حقائق الإنسانية الضالة عن الإنسان نفسه في غيب ~~الله. # يقول الإنسان: ما هي الروح التي تعطي الحياة؟ وتقول آماله: ما هو الموت الذي يستلب هذه ~~الحياة؟ وتقول أطماعه: وما هو الفقر الذي يجمع على الروح بين الموت والحياة؟ # كذلك نتساءل: ما هو الفقر؟ على أنه ما غير الفقر ذلك السؤال الذي تجد في كل نفس ~~إنسانية معنى من جوابه؛ ولا غير الفقر ذلك القبر المعنوي الذي لم يخلق الله نفسا من ~~النفوس إلا ولها ميت من الأمل في ترابه؛ بلى، وإذا كان في لغات الأفواه لفظ خالد فإنما ~~هو الفقر، وإذا كان في هواجس القلوب معنى خالد فإنما هو خوف الفقر، وإذا كان للدموع ~~الإنسانية مصب واحد تلتقي إليه من جهات الأرض، فإنما هو بين شاطئين إن جاز أن يكون ~~أحدهما الحب، فإن من المحقق أن أحدهما الفقر! # إن هذه الأرض لتصبح في كل يوم ولا يمكن أن يقال بحق إن فيها عملا إنسانيا عاما غير ~~طلب المال، فأحر بها أن تمسي في كل يوم، ولا يمكن أن يقال إن فيها معنى إنسانيا ~~عاما غير راجع إلى الفقر. # ويقولون إنها تدور حول قرص الشمس، وهو قول فلكي أو سماوي يصح إطلاقه على الأرض ~~كهيئتها يوم خلقها الله، أو على الأقل كما خلقها، أما الحقيقة الأرضية فإنها تدور حول ~~قرصين: قرص اللهب، وقرص الذهب، ويا لله وللفقير! إنه ms039 دائما في الجهة المظلمة! # الفقر متى ألقيته سؤالا عاد إليك بجواب نفسه؛ لأنه فصل من كل عمل، كالشتاء فصل من كل ~~سنة، وليس في الناس جميعا من يصدق إذا ادعى أنه لا يعرف الفقر، غير اثنين لا خير ~~فيهما: غني جن من فرط الغنى، وفقير جن من فرط الفقر؛ فالأول لا يعرف هذا الفقر في ~~جنونه لأنه جن بغيره، والثاني لا يعرفه لأنه جن به. ولكن من هو الفقير؟ # من هو هذا الكائن الضعيف الذي أحاط به الجهل حتى إنه ليجهل نفسه، وأينما يول وجهه أشاح ~~عنه الناس بوجوههم فلووا رءوسهم، وصعروا خدودهم، وأمالوا أعناقهم، حتى كأن كل رأس ~~في التواء عنقه من الأنفة والاستكبار، يمثل علامة استفهام أقامتها الحياة في وجه هذا ~~المسكين، أو يقيم علامة إنكار ...؟! # من هو هذا الحي الذي تنكرت له الدنيا حتى أصبح فيها كأنه نوع شاذ من الخلق يقوى على ~~كل شيء حتى الطبيعة، ولكنه يضعف عن شيء واحد وهو الغنى؛ فقضت عليه شرائع الاجتماع أن ~~ينفق من حياته أضعاف ما يكسب لحياته، فهو إذا كدح في العمل طوال يومه، فقوت هذا اليوم ~~عليه كثير، وإذا لم يجد ما يطعمه الجوع فأطعمه من جسمه، فذلك عليه يسير، وإذا سال في ~~الشمس وجمد في البرد، فهو عند الأغنياء ذو طبيعتين؛ لأنه ليس مثلهم، ولأنه فقير ...؟ # ومن عسى أن يكون هذا القوي الذي يختصمه الاجتماع كله، ويخشى أن يرتفع فيكون «قاضيا» ~~عليه، ويأخذه اليوم بالجناية وهو الذي أوحاها بالأمس إليه؟ ومن هذا الذي يرى المجتمع أنه ~~إذا قدر للشريعة أن تلحد في قبر، فلن تدفن إلا في هاوية من مطامعه، وإذا حكم الله ~~على عصر من عصور الجبابرة بالشنق، فلا تكون المشنقة بجذعيها وحبالها إلا من ذراعيه ~~وأصابعه # 1 ~~...؟ # من هو الذي يجف ريق الأرض لو جف عرقه من ترك العمل، ويخيب أمله مع ذلك في كل ~~غني وهو نفسه للأغنياء أكبر أسباب الأمل، يدلون عليه بالغنى ولولا أن في فضتهم عنصرا ~~من دمعه القيم لما ms040 وجدوا لها قيمة، ولو لم يكن في ذهبهم روح من دمه الكريم لما عد ~~أفضل المعادن الكريمة؟ # قال «الشيخ علي»: ذلك يا بني هو المدرج في أكفان النسيان، الذي ليس له في الناس إلا ~~«منكر ونكير»، ذلك هو البائس في بني الإنسان، الذي يكثر عليه القليل ويقل منه الكثير، ~~ذلك هو المتناقض في نفسه حتى لا يصغر أن يقال فيه صغير، ولا يكبر أن يقال فيه كبير، ذلك هو ~~الذي يشبه أن يكون عمله حركة فلكية في الأرض لآلة الغنى؛ ذلك كله هو الفقير! # ويا لله! ما تحمل الأرض إنسانا واحدا لا يخشى عادية الفقر، ولا يتعوذ بالله منه، ~~ولا يرى يومه في هذه الأرض كأنه الآخرة قبل الآخرة، يقوم الفقير بين حسابها وعذابها، ~~ويستعيذ برحيمها من جحيمها، ويفر من أمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، وفصيلته التي تئويه، ويضع في ~~ميزانها المنصوب آماله، فلا يزن إلا أعماله، ويستصرخ كل من يمر به فلا يسمع إلا قائلا ~~يقول: نفسي نفسي ... فينظر فإذا هو في الناس ضائع حتى لا يعرف له محلا، ومنفرد حتى لا يجد ~~بينهم لشخصه ظلا، وإذا هو بالسماء وقد التهبت بأقدارها حتى كأنها في عينه جمرة من البرق ~~الخاطف، وإذا الأرض قد ثارت بأهلها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، فإن أقبل على الناس ~~فروا من أماكنهم كأنه زلزلة تمشي، وإن استصرخهم نفروا كأن في صوته فزع الرعد ~~القاصف. # يا لله! ما تحمل الأرض إلا من يعرف هذا كله من الفقر بل أشد منه، ثم يبقى الفقير - ويا ~~لهف أرضي وسمائي عليه! - كأنه مسألة في حساب الناس لا هم لهم فيها إلا كثرة الطرح ~~والضرب، ثم الغلط في النتيجة. وتنحاز طبائع الناس كلها في جهة والفقر وحده في جهة، حتى لا ~~يرى هذا المسكين في العالم على سعته غير اثنين: هو، واستبداد الغني. # ترى أين تكون شرائع الآداب إذن؟ هل هي في ضمائرنا، أم هي في كتبها، أم هي في تاريخها ~~الميت القديم، أم صار الحق كله إنسانيا ms041 بحتا: لي عليك ولك علي وليس لله علينا شيء؛ ~~وفصلنا أنفسنا من السماء، وقطعنا الروابط التي كانت تربطنا بها ونبذناها، فرثت ثم ~~رثت، فإذا هي على أجسام الفقراء تلك الأسمال البالية؟ # إن هذه الحقوق متى أصبحت إنسانية محضة ليس فيها لله شيء، فكل درهم يوضع في يد ~~الإنسان يجعل فيها عقلا يحكم على عقله، وكل رغيف يستقر في معدته يخلق فيها ضميرا ~~يستبد بضميره؛ فينفصل الإنسان من الله ويبتعد عنه بمقدار ما يقرب من الغنى، وحسبه يومئذ ~~في اعتباره بعيدا جدا عن الله ورحمته أن يقال: إن بينه وبين ربه مسافة ألف دينار؛ ذلك ~~بأن عدل الله يقضي أن يكون للفقير قسمه من الثروة، وإنما الجزء المهم من هذه الثروة هو ~~الإحساس في ضمائر الأغنياء. # والأدلة على هذه القضية - قضية الحقوق الإنسانية - كثيرة تفوت الحصر؛ لأن كل صاحب ربا قد ~~جمع ماله من السحت ومن استئكل الناس، إنما هو في نفسه دليل عليها، ولعمري إنه ليس أحد أخيب ~~رجاء ولا أحق بأن يخيب ممن يسأل المتهالك على الربا - الذي يستنبت دراهمه بين الأحزان ~~والدموع - إحسانا لوجه الله؛ فإن هذا الذي لا يعرف الله فيما يأخذ، كيف يعرف الله فيما ~~يعطي؟ # 2 # قال «الشيخ علي»: ولماذا نرى يا بني جفاة الأغنياء يخشون من الفقر على أنفسهم وأهليهم ~~فقط، ولا يخشون منه على الفقير؟ # أظنهم يقولون: إن في الأرض شيئين بمعنى واحد: قبور الأموات في بطنها، وأكواخ الفقراء على ~~ظهرها، وليس من فرق بينهما في النسيان؛ لأنه يشملهما جميعا، وإنما الفرق بينهما في حاليهما ~~المتناقضتين، هذا قبر ميت وهذا قبر حي! نعم، صدقوا وبروا وقالوا حقا؛ أليسوا جفاة ~~القلوب غلاظ الأكباد؟ وإلا فما الفرق بين موت منسي كموت الغريب، وحياة منسية كحياة ~~الفقير، إلا على الفرق الذي لا يبالي به هؤلاء الأغنياء حين يكون لأحدهم ظاهر حي وضمير ~~ميت؟ # وأحسب أولئك الطغاة يقولون: إننا نرى الفقير لا يملك من الأرض شيئا محدودا، بل هو يملك ~~أرض الله كلها بحدودها الأربعة؛ ففقر فلان ms042 التاجر الغني مثلا ليس هو في الحقيقة أن لا ~~يصيب القوت ولا يجد المأوى كغيره من الفقراء، وإنما هو المتاجرة في الآمال بعد الأموال، ~~وقبض الريح بعد قبض الربح، واستقبال الأبواب والجدران بعد استقبال الأصحاب والجيران، وهلم ~~من هذا الباب الذي يفتح من جهة الغنى على سائر الجهات الثلاث للحياة البائسة: وهي الفقر ~~والمذلة والألم! وإنما هو رجل ككل رجال المال، متى خرج المال من يد أحدهم خرج اسمه من أفواه ~~الناس، وخرج حبه من قلوبهم، ويكون من أهل السعادة لو خرج هو أيضا من الدنيا! # قتل الإنسان ما أكفره! لو أن غنيا فقد جبلا من الذهب وأصاب رغيفا يتبلغ به، ~~لكان ذلك أيسر في مذهب الإنسانية من أن يذهب البائس المعدم، فيتكفف الأبواب ويستكف ~~الناس، # 3 # ثم لا يتخلص منهم رغيفا يمسك به الرمق على نفسه، ويقيم منه بابا حاجزا ~~يمنع الجوع أن يدخل إليه الموت وأن يخرج منه الروح، ولكن مصيبة الإنسانية في أهلها أن ~~الله لم يخلق إلا صنفا واحدا من الناس، على أن كل إنسان يظن أنه ذلك الصنف الواحد؛ ~~فالغني إذا تصور الفقر وهو لا يزال في غناه، لا يتوهم إلا اختلال نظام الأقدار، واضطراب ~~حركتي الليل والنهار، بعد أن يهوي كوكب سعده الذي يسك من كل ذرة في أشعته دينار، وهو ~~لا يرى بهذا الفقر إلا أن نقمة هابطة من السماء، ولعنة صاعدة من الأرض، قد التقتا عند ~~رأسه الشامخ في جو كبريائه فاصطدمتا به، فإذا هو مكب لليدين وللفم عند أقدام الناس، ~~وإذا هو فقير! # هذا هو الفقر في أوهامهم، ولكن لا تنس أنه فقرهم فقط؛ فقر المال المترابط في مكانه أو ~~الذاهب في حلوق الأرض # 4 # وبين أضلاعها، أما سائر الناس فهم عند هؤلاء أهل باطل ودعوى؛ يزنون بكل ~~ريبة، ويقرفون بكل تهمة؛ # 5 # إذ ينتحلون الفقر ويدعونه ليعادوا نعمة الغنى بالحسد؛ فالجوع فقر، والمرض ~~فقر، والتعب فقر، والضجر فقر، واشتهاء ما ليس لهم فقر، وقلة الأصحاب فقر، وحتى لو أن أحدهم ms043 ~~سخطته زوجه لنسب ذلك إلى الفقر، وبالجملة فكونهم ليسوا كالأغنياء هو الفقر. # فإذا كان الفقر كل شيء عند هؤلاء الحمقى، فما هو الشيء الذي يسمى الفقر؟ # من أجل ذلك يا بني ترى الأغنياء يخشون من الفقر على أنفسهم، وهم أنفسهم لا يخشون منه ~~على الفقير؛ لأن هذا الفقير في رأيهم قد أصبح شخصا آخر لا صلة لهم به ولا عهد، فهو ~~يكذب على الحوادث والحوادث تكذب عليه، وجزاء سيئة سيئة مثلها، فإذا انخدعوا له ~~فبمقدار ما يتعجبون من سخافته، وإذا أعطوه كان العطاء سخيفا بمقدار ما ينخدعون، ولا ~~ينظرون لأثر الله عليه، ولكن لأثره على نفسه؛ إذ الحقوق عندهم حقوق إنسانية، فهيهات يختلج ~~في نفس أحدهم أن لو شاء الله لوضعه في ثياب هذا الفقير، ولوضع الفقير في ثيابه. # أترد مثل هذا الغني الجلف المتسكع إلى الدين؟ إنه هو في نفسه دين وشريعة أيضا! ~~أتبصره بالإنسانية؟ فمن هو إذن - ويلك - إن لم يكن من صميم هذه الإنسانية وعين ~~أهلها، بل إنسان هذه العين؟! أما الحق فاذكر بربك أمواله تعلم أن «الحق في يده» ... هكذا ~~هكذا يعطى المال أهله حتى فضائل غيرهم، ويسلب الفقر أهله حتى محاسن أنفسهم، وهكذا لا ~~تجد المال أبدا إلا نعمة ناقصة، ولن تتم هذه النعمة إلا إذا رزق الإنسان مع الغنى ~~أخلاقا تكفيه شر الغنى؛ ومن أجل هذا كان من الأمور الطبيعية أن تجد العقل في إنفاق المال ~~أشد ارتباكا منه في جمع المال. # 6 # قال «الشيخ علي»: ولا بد من صلة معنوية بين جميع الناس على ما يكون بين الإنسان ~~والإنسان من التباين والاختلاف في كل شيء، حتى بين الأخوين تلدهما الأم الواحدة، وهما مهما ~~اتفقا في الحياة ومظاهرها، فإنهما لا بد مفترقان افتراق الثديين اللذين ارتضعا منهما ~~الحياة؛ فما عسى أن تكون هذه الصلة العامة بين الناس؟ تقول الشرائع: إن الصلة التي تجمع ~~الناس بعضهم ببعض هي العدل! وتقول العلوم: إنها العقل! وتقول الآداب: إنها شيء من العدل ~~والعقل يكون الإنسانية في الضمير! وتقول ms044 الحياة: إنها سبب الإنسانية وهو الرحمة! ثم يرعد ~~صوت إلهي يقصف من جهة السماء التي هي مصدر العقل والعدل والإنسانية والرحمة، فيصيح بكل ما ~~في هذه الأشياء من القوة، ويقول: كلا، بل هو سبب الرحمة، ومظهر الإنسانية، وكمال العقل، ~~وفضيلة العدل، وهو الفقر! # من الذي ولد وفي يده قطعة من الذهب؟ ومن الذي مات وفي يده «تحويل» على ~~الآخرة؟ # 7 # لقد وسعت الخرافات كل شيء إلا هذا؛ فما لنا نتحد في البدء والنهاية ثم نختلف ~~في الوسط؟ ذلك لأن بدءنا من طريق الله ونهايتنا في طريق الله، ولكن الوسط مدرجة بيوتنا ~~ومصانعنا وحوانيتنا، وبكلمة واحدة هو طريق بعضنا إلى بعض ... وحيثما التقى الإنسان بالإنسان، ~~فإما أن تلتقي المنفعة بالمنفعة وإلا فالمنفعة بالمضرة، فلا بد من انتفاع أحدهما أو كليهما؛ ~~ومن ثم يقول البخلاء: ما الذي ننتفع به من رحمة الفقير؟ وما له يريد أن يتحيفنا ~~كأنه روح الجدب، وأن يتعرقنا كأنه روح المرض؟ # 8 # وما له يريدنا على أن نسيء من أجله المس في أموالنا كأنه روح الإفلاس؟ ~~أولا يكفيه أننا لا نرزؤه شيئا، وأننا نفضل عليه فنعتد الدرهم الذي نمسكه عنه ~~كأنه درهم أخذناه منه، وبذلك لا يضرنا ولا ننفعه بشيء، ومن الجهة الأخرى لهذا القياس يكون ~~قد نفعنا ونفعناه بلا شيء؟ # قاتل الله البخل وقبحه، فما هو إلا حرص على المنفعة يشبه عبادة الوثنيين لكل ما ~~توهموا فيه المنفعة، وإن كان للحواس نوع من الكفر بالله فكفر اليد في إمساكها، وإن الله ~~لرحيم إذ لم يعاقب البخلاء بما يعاقبون به الناس، فليس بين كل بخيل وبين الهلاك إلا أن ~~ينقل الله «الإمساك» من يده إلى جوفه! على أن البخل إذا لم يكن بقية من الوثنية القديمة ~~بعينها فهو على كل حال نقص من الإيمان؛ لأن الله وعد المحسنين والمتصدقين ثواب ما أنفقوا ~~مكافأة على فضيلة الإحسان التي هي في الحقيقة فضيلة الإحساس، ثم أن يخلف عليهم ما أنفقوه ~~أضعافا مضاعفة؛ إذ المحسن لا يجود بدراهمه على الله، ولكنه ms045 يقرضه إياها قرضا حسنا، متى ~~وضعها في يد الإنسانية الفقيرة، فمن أمسك عن الإحسان بخلا فإنما يشك في وعد الله، وإلا ~~ففي قدرة الله، وإلا ففي الله نفسه؛ فأكبر البخل عند أكبر الكفر وأصغره عند أصغره! ويوم ~~يخرج الإيمان من قلوب الأغنياء تخرج أرواح الفقراء من أجسامهم، فيموتون بالجوع وبالعري ~~وبالمرض وغيرها من أسباب الموت، وكلها مظاهر متعددة لسبب واحد هو في الحقيقة كفر الأغنياء ~~كفرا في الضمير لا كفرا في اللسان. # ومن هنا يا بني لا تجد الفقير في أي عصر من العصور إلا جهة من الخلل في نظام الاجتماع ~~الإنساني، كما أن البخل جهة من الخلل في نظام النفس الإنسانية، والفراغ الذي يجده الفقير ~~في بيته إنما هو موضع النعمة الضرورية التي بخل بها الغني، وهو في الحقيقة موضع التفكك أو ~~الكسر في الآلة التي تديرها شريعة الاجتماع. # الإنسان إنما خلق اجتماعيا، وهو بشخصه لا قيمة له ولا منفعة إلا حيث يكون شخصه جزءا ~~من مجموع؛ لأن اليد الواحدة في الجسم ولو كانت يد ملك، وكان فيها زمام العالم، فإنها لا ~~يفارقها عيب أختها المقطوعة. # وكل خلل في النظام الإجتماعي فإنما مرده إلى طغيان بعض الأفراد، وجنوحهم إلى أن تكون ~~شخصية الواحد منهم من الكبر والعظمة بحيث توازن المجموع كله أو أكثر المجموع؛ بيد أن ~~هذه الموازنة الفردية متى اتفقت كانت إخلالا بالموازنة الاجتماعية؛ لأنها تجعل كل حركة من ~~هذا الفرد زلزلة في المجموع، كالثقل في إحدى كفتي الميزان، إن خف سقطت الكفة ~~الأخرى، وإن ثقل شالت، وهو السقوط إلى فوق! # والموازنة الاجتماعية لا تتهيأ إلا إذا تطبعت قوى المجموع # 9 # فاندفقت في تيار واحد إلى جهة معينة، ولكن الموازنة الفردية لا تستقيم إلا إذا ~~جاءت من عكس هذه الجهة، فتصد قوة المجموع وتبقى دائما ذات قوة على صدها، ومن الغلبة ~~فإن ضعف خصمه يعطيه منها أكثر مما تعطيه قوة نفسه، ولا يكون ضعف المجموع إلا من حصر ~~الشخص العظيم قوة عقله ونفسه وضميره في هذا السبيل الفردي؛ ms046 لتكون منه الشخصية الهائلة ~~التي تشبه ما كان في تاريخ الوثنية من شخصيات الآلهة وأنصاف الآلهة. # وقد اضطر الناس لذلك من عهد اجتماعهم في نظام أو شريعة إلى ابتداع الوسائل للتوفيق بين ~~قوة الفرد وقوة المجموع، حتى لا يستشري الداء # 10 # في الموازنة الاجتماعية فيفسدها ويوقع الخلل في نظامها، ولكيلا تكون خيرات ~~المجموع كلها في معدة واحدة، وحتى لا يبقى الناس أرقاما يعدهم الغني المستبد كما ~~يعد دراهمه؛ لأنهم ثروته الحية! # غير أن هذه الوسائل على اختلافها لم تكن ولم تزل إلى عهدنا - عهد الاشتراكية ~~العلمية # 11 ~~- إلا ثورات هي مهما كانت فإنها أشبه شيء بجموح الحيوان إذ يحمي أنفه فيجمح، ~~ثم يسترسل في جماحه، ثم يشتد حتى يعتز صاحبه على رأسه ويملك نفسه منه، ثم ماذا؟ ثم يسكن ~~مكرها بعد أن جمح راضيا، فإن لم يسكنه الألم من صاحبه أسكنه التعب من نفسه؛ لأن التخلص ~~من شيء في فطرة الإنسان وانتزاعه من مغرزه في نفسه لا يكون بالتخلص من إنسان ~~بعينه. # ومن هذا يا بني، ترى أن الإنسان لا يعيش فردا، ولكنه حين يموت يموت فردا؛ فإذا رأيت ~~فقيرا منبوذا من الاجتماع منفردا عنه، لا يساهمه في عمله وعيشه، بل كأنه يعيش في بقعة ~~مجهولة من الحياة، فاعلم أن إهمال ذلك الفقير إنما هو نوع من القتل الاجتماعي. # ههنا قاتل ومقتول؛ لم يأخذ القاتل بحق من الحقوق ولا ثأر لنفسه ولا قتل بيده، أما المقتول ~~فإنه لم يقتل في إثم اجترحه، ولا هو جنى على نفسه الضعف الذي أرهقه وبلغ منه حتى جعل ~~إهمال القوى إياه كأنه حكم عليه بالقتل؛ فترى على من تكون هذه التبعة، وهي بالتحقيق ~~ليست على القوى لقوته، ولا على الضعيف لضعفه؟ # هناك اثنان، رجل في الماء وآخر على الشاطئ؛ فأما الذي في الماء فليس بينه وبين الموت ~~غرقا إلا نفس واحد مبتل ينسل بالماء من حلقه إلى رئتيه، وهو يرى بعينه الموت دائبا في ~~حفر قبره المائي، فليس الموج الذي يتكفأ به ويتناثر من ms047 حوليه إلا ما تثيره يد جبار ~~الموت من غبار ذلك القبر، وتحثوه في وجهه بنزق وغضب، بعيد عن الأحياء حتى بعد عن أن ~~يكون له قبر بينهم، ولا صلة بينه وبين الحياة الأرضية إلا نظرات ذلك الرجل القوي الذي ~~يتراءى في عين الغريق كأنه صخرة راسية على الشاطئ لها قوة وليس لها إرادة، ولكن هذا الذي ~~يشعر بصلابة الأرض تحت قدميه، ويحس القوة من يده وعضلاته، يشعر أيضا بمعنى من الصلابة في ~~قلبه، وقد جاء إلى الشاطئ ليتنفس من تلك النسمات التي يتنهد بها صدر السماء، فتكون ~~أرواحا للأمواج تبعث فيها حركة الحياة. ما له ولهذا المنظر؟ سواد يطفو على الماء كأنه ~~هنة من المتاع الخلق، أو حذاء قديم أو ريش تحسر عن طائره، # 12 # أو رأس رجل يغرق ؛ وما دفعه بيده إلى الماء فيكون حقا عليه أن يستنقذه، ولا ~~كان الغوص من صناعته فيعتمل في إخراجه ليخرج معه أجر عمله، وهو قوي ولكنه قوي لنفسه لا ~~للضعفاء، وقد جاء ليروح عن نفسه، وإنقاذ الغريق عمل آخر وربما أنشبه في حلق الموت؛ أخذ ~~فيما جاء له وما زال يموج في جلده ويتنفس ملء صدره من الهواء ومن زفرات الإنسانية التي ~~تنشق لها غيظا، ومن لعنات ذلك الغريق الذي بدأت حياته تذوب كما ينماث الملح في ~~الماء، # 13 # حتى آن له أن ينصرف وترك الرجل يغرق وهو يقول: لا بأس أن ينقص عدد أهل الأرض ~~واحدا، فهم كثير! # ترى على من تكون هذه التبعة أيضا؟ # إذا أردتم أيها الناس أن تعرفوا ذلك، فإنكم تستطيعون أن تحققوه بدون أن تكونوا ~~شرطة # 14 # أو قضاة أو أهل قانون أو رجال فلسفة، ولكن بأن تكونوا من ذوي الإنسانية فقط؛ ~~فإن الإنسانية لا ترى في الأرض إلا الضمائر، وما هذه الأجسام إلا أدوات صناعية ركبت ~~هذا التركيب لتصلح لحياة الضمير؛ فالرجل قد مضى بريء اليد، بريء القوة، بريء العقل، إذ هو ~~لم يقتل، ولم يجن على القتيل، ولم يحتل لقتله؛ ولكن الإنسانية حين تنادي الضمائر ms048 بأوصافها ~~فتقول: أيها الطيب، وأيها الكريم، وأيها الشقي، وأيها السافل، تصيح بضمير هذا الرجل قائلة: ~~أيها القاتل! # إذا لم يقر الأغنياء لأنفسهم بالضمائر، ولم يلحقوا بها التبعات التي تناسبها، فهل هم ~~في ذلك إلا كالمجانين لا تقر لهم الشرائع بالعقول، وتخليهم من تبعة ما يجنون على العقلاء ~~لأنهم مجانين؟ وكيف ترى ذلك الغني الفظ الذي يهر في وجوه الفقراء ويزمجر عليهم كأنه ~~ينبحهم بلغة من لغة الكلاب، ولا يفتأ يقذفهم بالألفاظ الجاسية المؤلمة كما يقذف المجنون ~~بالحجارة، وإذا أعطاهم فإنما يعطيهم بقبضة فارغة، وهو لا يوقر أبدا إلا من فوقه، كأنه ~~لا يرى في الدنيا كلها أسفل من نفسه، ولا يبالي إلا بمن يطمع فيه كأنه جالس في «مكتب أحد ~~المخدمين»، وقد تساوى في الدناءة والكلف بالدنيا وقذارة الطباع ظاهره وباطنه ، كأن ضميره ~~لبسه مقلوبا، وصار أمر رضاه وغضبه وإحساسه وحيائه موقوفا على ما يكون من أمر المعاملات، ~~كأن أخلاقه ليست في نفسه، ولكنها في أيدي الناس؛ أفليس مثل الغني الدنيء رجلا ~~عاقلا؟ # بلى، وإنه لأعقل من كل من يمدحه ويزكيه، ولو كان هذا المثني عليه أكبر علماء الاقتصاد، ~~ولكنه على ذلك مجنون الضمير بحيث لا يعقل إلا بحواسه! # ولو أنصفت القوانين لما لبست مثل هذه الحرية الإنسانية على رذيلها، ولجعلت من نصوصها ~~القاطعة ما يكفح مثل هذا الغني # 15 # ويتلقاه بلجامه؛ لأنه في الحقيقة ليس رجلا ولكنه دابة اجتماعية! ~~«قال الشيخ علي»: ومن بديع حكمة الله أنه وضع للإنسانية أصلا من أصول نظامها في ضمير ~~الإنسان، فترك له أن يقترف ما شاء من الإثم والمنكر، ولكنه جعله من الإحساس بطبيعة الخير ~~والشر بحيث يكون له من الذنب نفسه العقاب على الذنب نفسه، حتى إن شر المجرمين ليستعين ~~على مقارفة جرمه بإقناع الضمير بديا، # 16 # وأخذه بالحجة من هواه، فيخطر في نفسه ما ينزو بها كالشجاعة والنخوة، أو ما ~~يتوهج بروح الغضب في دمه كالانتقام ونحوه، وما يطمئن له الضمير في معنى الجناية كمدافعة ~~الضرر وما إليه! # وبالجملة فإن أول ms049 ظلمه أن يعتقد ظلمه عدلا أو شبيها بالعدل، حتى لا يتلوي عليه أمر ~~نفسه إذا خذله ضميره؛ فإن اضطراب هذا الضمير يتصل اتصال الكهرباء بأيدي المجرمين، فإذا هو ~~فيها شلل، وبأرجلهم فإذا هو زلل، وبنظامهم العصبي فإذا هو خلل، وبعقولهم فإذا هو المس ~~والخبل، وإذا لم يفلح الجاني في إقناع ضميره أو التلبيس عليه، تخلص منه ففصل بينه وبين ~~العقل بالسكر، وما هو في حكمه حتى لا يشهد من أمره شيئا. # أفلا تجد في تخدير أكثر المجرمين لضمائرهم ساعة الجناية دليلا على أن الضمير الذي يشهد ~~الذنب إنما يتلقى العقاب عليه؟ ولماذا تدفع الجريمة إلى الجريمة غالبا؟ أليس ذلك لأنها ~~إنما تقتضي عقابها الطبيعي؟ # ثم ماذا يكون بعد أن يضرب الشقي تلك الحاسة الروحية التي نسميها الضمير ويرميها بالشلل؟ ~~إنه ينحط درجة واحدة ، ولكنها درجة الضمير التي لو جازها الحيوان لصار إنسانا، ولو نزل ~~عنها الإنسان لعاد حيوانا، فلا يبقى فيه من ثم إلا الفطرة الحيوانية التي تجعل عقل ~~الحيوان مرة في القوة ومرة في الضعف، فإن أحس القوة على خصمه كان العقل في الظلم بكل ~~ضروبه وأشكاله، وأبى هذا العقل الحيواني أن يترخص في شيء # 17 # هو من حقه بالقوة، وإن أحس من نفسه العجز والضعف ورأى أن لا قبل له بخصمه، ~~فكفى باتقاء الظلم عقلا! # يابني، إن أفقر الفقراء ليس هو الذي لا يجد غذاء بطنه، ولكنه الذي لا يستطيع أن يجد ~~غذاء شعوره، فلا تحسبن أن مع جنون الضمير وجفوته ومرضه سعادة وراحة؛ لأن لذة المال لا ~~تتجاوز الحواس الظاهرة، فهو يبتاع لها كل شيء مما تشتهي، ولكنه لا يستطيع أن ينيل القلب ~~شيئا إلا إذا جاءه بالخير والفضيلة. # والغني الذي يمنع الفقراء ماله قد يزيد فيه ولو حكما بمقدار ما يمنع، بضعة دراهم أو ~~بضعة دنانير، ولكنه يزيد ضميره جفاء بالقسوة والغلظة ونسيان الفضيلة، ولا يزال على ذلك حتى ~~يمر به يوم يفقد فيه ضميره كل شعور بالخير، فيفقد معه كل شعور بلذة النفس التي هي ms050 أقرب ~~المعاني إلى معنى السعادة. # ويومئذ لو اشترى كل لذات الدنيا بماله ما زادته إلا ألما من الضجر، وضجرا من الألم؛ ~~لأنه فقد قوة من ضميره تقابل القوة التي يفقدها المريض من معدته. # فلينظر الفقير الجائع وقد أخذه كلب الجوع وسطع في عينيه وهجه، ودارت به معدته ذات ~~اليمين وذات الشمال؛ إلى رجل غني ممعود # 18 # في كفه معنى الحياة وفي جوفه معنى الموت، وقد ابتاع مما تشتهيه معدة خياله التي ~~لا تشبع؛ لأنها لا تنال شيئا، وأسرف بالمال في ذلك حتى استجمع الكثير الطيب، ثم انقلب إلى ~~داره بعين من ذلك الذئب تكاد أشعتها تنضج الغذاء من حر نظراتها إليه. # سلوا صاحبنا الفقير يقل لكم أي لذة يا قوم تكون في غير هذا الطعام الذي يقتل به ~~داء البطن، # 19 # وتتفتق عليه الخواصر شبعا وسمنة ، وهل هذه إلا روح مائدة من موائد الجنة فيها ~~مما تشتهي الأنفس وتقر الأعين؟ ثم سلوا الممعود المسكين يقل لكم وهو صادق صدقا يتمنى بما ~~ملكت يداه من الدنيا لو أنه كذب، يقل لكم: تالله ما أجد في هذا كله ولا في بعضه من لذة ولا ~~سعادة، ولو أبحته جوفي لكان الموت بعينه! # إذن فلا بد في كل شيء إنساني من حقيقة باطنة في نفس الإنسان تعطيه بصحتها أو مرضها قوة ~~اللذة أو الألم، وبهذا يقضي العدل الإلهي كل ذي حق حقه بالنصفة والسوية، لا فرق بين ~~الغني في غناه وبين الفقير في فقره، فلكل منهما لذة وألم. ولعلنا لو سألنا أغنى الناس عما ~~هي لذة الغنى، لرأيناه في حقيقة التعاسة النفسية كأفقر الناس إذا أجابنا عما هو ألم ~~الفقر. # وقد فطر أكثر الخلق - لطبيعة الخوف المتمكنة منهم - على أن يتسعوا في فهم الآفات وحدها، ~~حتى صار الوهم الخيالي أكبر الآفات الحقيقية؛ فالفقير الذي لا يفهم حقيقة الفقر يتألم ~~بإدراك ووهم وفلسفة؛ إذ يقيس حاضره على ماضيه وعلى ماضي غيره من الفقراء، ويقيس مستقبله ~~على حاضر الأغنياء ومن في حكمهم فقط؛ وبهذا يكون ألمه ms051 عملا عقليا في شيء موهوم، فما دام ~~يتمنى أكثر مما يستحق فهو يتألم بأكثر مما يستحق، ولو تأمل الناس لرأوا أن نصف الفقر ~~فقر كاذب. فآه لو كان مع ضعف الفقر قوة الإرادة! إذن لوجد الحكماء في الأرض شيئا حقيقيا ~~يسمونه الغنى. # أيها الناس، إن الفصل بين الغنى والفقر من الأمور التي تتعلق بالضمير وحده، ورب غنى ~~يزيد أهله بالحرص والدناءة فقرا؛ فانظروا فيهما بأفكار إلهية لا تطلب إلا الفضيلة التي ~~يمكن أن تكون بلا ثمن، ولا يمكن أن يكون شيء ثمنا لها، انظروا إلى بعض الأغنياء الذين تموت ~~في قلوبهم كل موعظة إنسانية أو إلهية، فلا تثمر شيئا حتى إذا ماتوا نبتت كلها من تراب ~~قبورهم فأثمرت لنفوس المساكين والفقراء عزاء وسلوة وموعظة من زوال الدنيا، انظروا بعين ~~الحقيقة التي تعطي هذه الطبيعة النظر فتعطيها محاسن الطبيعة الفكر. # انظروا في باطن الإنسان بالفضيلة التي هي من نور الله، وبالحقيقة التي هي من نور الطبيعة؛ ~~فإنكم لا ترون حقيقة الغنى تبتعد عن حقيقة الفقر إلا بمقدار شبر واحد؛ هو ملء هذه ~~المعدة! # | هوامش # الفصل الرابع # | مسكينة! مسكينة! # قال «الشيخ علي»: واسمع الآن يا بني ما أقص عليك، فإني محدثك بخبر ليتني ما علمته، ~~بل ليتني إذ علمته ما وعيته، وليتني إذ وعيته ما أثبته ولا نفذت فيه كما نفذ ~~في. # ولكن الحياة كما تقضي علينا أن نشهد أموات الأحياء، ونحملهم إلى أبواب الآخرة من تلك ~~الحفر، تقضي علينا كذلك أن نشهد أحياء الأموات من أهل الرذائل، ونحمل من أخبار ضمائرهم ~~الميتة إلى أبواب السماء في أنفسنا! # فواها لك أيتها الحياة الدنيا! تقتلين بالشر وتجرحين بأخباره، ولا توتين عسل الحكمة إلا ~~بعد لسع كثير. # وقد علمنا أن كل شيء يسير، فإنما هو يذهب في طريق يتهدى أو يعتسف، # 1 # وكأن الأسف على أهل الشر لم يجد له طريقا في هذه الحياة إلا من ضمائر أهل ~~الخير؛ وبهذا يضرب الشر أهله وغير أهله. # كانت لنا يا بني في هذه القرية النضرة فتاة ms052 بائسة ضاق بها العريض من هذا البر، فخرجت ~~إلى بعض المدن تستطعم الحياة، فحدثتني أنها استضاقت حتى كأنما كانت تنفذ إلى رزقها من ~~شق في صخرة في غار في جبل، ثم استضاقت فكأنما ولجت هذا الغار فانحدرت تلك الصخرة، ~~فسدت عليها فلا وراء ولا أمام، وأعجزها حتى المعاش الملفق. # 2 # وخرجت يوما على الناس وكأنها لقذارتها قطعة من الحياة البالية مدرجة في بعض الأطمار، ~~أو روح من الهواء تمشي ساكنة في أودية من الغبار، وما تحصي العين تلك البقع المنتشرة في ~~ثيابها؛ كأنها أرقام للفقر يعد بها ليالي عذابها، وهي - علم الله - بقع أشأم منها ~~أنها في رقع، وقد اغبر شعرها الفاحم وتلبد، فكأنه بعض ما وقع على رأسها من حظها الأسود، ~~ولاح من تحته وجه كالدينار الزائف في صفرته ورده، وكالقمر الممحوق في استطالته تحت الظلام ~~ومده ، وهي فتاة عليلة قد أخذ السقام من حجمها، كما أطفأت الأقدار من نجمها، وخفي من المرض ~~في صدرها أكثر مما خفي بين الناس من قدرها؛ وما تعرف من أسماء الأموات والأحياء غير أسماء ~~أهلها، ولا تملك من الأرض كلها أكثر من غبار نعلها، وقد خرجت تتحامل فكلما خافتت في مشيها ~~قليلا خافت العثار، فاستندت إلى جدار، فإذا رأيت ثم رأيت صورة البؤس، ولكن في غير ~~إطار. # 3 # وإنها لتمشي وكأن ليس فيها دم ينتهي إلى قدميها، فهي تجرهما جرا، وتقتلعهما بين ~~الخطوة والخطوة، وما تدري من الألم أهما على الأرض أم في الأرض تسوخان؟ وقد تزايلت ~~أعضاؤها فما تحس أن فيها حياة متماسكة، وهي ما فتئت تحسب أن جسمها قد خلق نعشا لقلبها، ~~فلا هذا القلب يحيا كما تحيا القلوب، ولا ذلك الجسم ينمو كما تنمو الأجسام! # وفي رأسها عقل زاد فضل الله ورحمته في جهة منه، ونقص عنف الناس وقسوتهم من جهة أخرى، ~~فبينا هي على ذلك تحمد الله، إذا هي مع ذلك تلعن الناس، وهي مرة تنظر إلى الحياة فترى كل ~~شيء في الحياة إلا نفسها، ومرة تنظر إلى الموت ms053 فلا ترى في الموت شيئا إلا نفسها، ولم يكن ~~يمسك روحها بين الاثنين إلا خيطان: أحدهما من السماء وهو الأمل في رحمة الله، والآخر من ~~الأرض وهو إشفاقها على جدتها التي كانت تكدح منذ الصغر لقوتها، تلك الجدة الفانية التي ~~كبرت وبلغت من الكبر حتى حسبتها الفتاة قد كبرت عن سن الموت! # 4 # أما الآن فقد تبين لها الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وانصدعت حفرة جدتها المسكينة، ولم ~~يبق لها إلا رحمة الله. # قال «الشيخ علي»: وكان خروج هذه البائسة أصيل يوم من أيام الصيف، ذهبت فيه طاوية على ~~الجوع كما تغدو الطيور من وكناتها # 5 # وملء بطونها هواء، غير أن الطيور تهزأ بالناس جميعا، وهي على ضعفها أقوى من ~~الشرائع والقوانين؛ إذ تنبعث وكأن كل طائر منها إرادة متجسمة تقذف بها السماء، فما تبالي ~~على أي أرض تقع ومن أي حب تلتقط، ولا تعرف إلا أن هذا الإنسان يعمل على السخرة ليخرج ~~لها من الأرض رزقها رغدا. # أما الفتاة فكل الناس يهزأ بها، وهي ترى كل إنسان على ملكه كأنه قانون وضع لعقابها إذا ~~حدثتها النفس حديثا، فقد بلغت من الضعف والمرض والفاقة إلى حال لا تجعل يديها تصلحان لعمل ~~غير الأخذ؛ فإن اختلست قيل سارقة فعوقبت، وإن سألت قيل متشردة فكذاك! ويا ليت في قلب هذا ~~الإنسان من معاني الصفح بعض ما في لسانه من ألفاظ القصاص، ولكنه حيوان متكلم فتنصرف فطرته ~~الحيوانية أكثر ما تنصرف إلى لسانه، كما تتمثل هذه الفطرة من سائر الحيوانات في حواسها ~~التي تبطش بها، وكلا النوعين سواء في الافتراس والكلب والتوحش، فما اللسان إلا حاسة ~~البطش العاقلة، وقلما يؤذي الإنسان قبل أن يؤذي بهذا اللسان. # ولم تر المسكينة أروح لنفسها المكدودة من الانتحار، وكأنما يخال لها أن في الموت ~~عيشا؛ فخرجت تمشي بين الناس إلى قبرها كأنها فيهم جنازة وهم يشيعونها، ولئن كانت لم ~~تسر بالحياة فلقد سرها أن ترى تشييع جنازتها وهي حية تموت، ولا أقول وهي حية ترزق، فإن ~~العلة ms054 النازلة بها قد أخذت عليها مذاهب الرزق، حتى لم تترك لها في الناس «وجها»، وقبضت ~~عنها الأيدي إلا تلك اليد الواحدة التي تأخذ دائما ولا تعطي أبدا، وهي يد الموت! # وإنها لتنفتل وتلتوي على أحشائها من رجفة الجوع، وما تأخذ عينها من الناس إلا من يحمل ~~بطنه حملا من شبع وري؛ فكان نظرها إلى الناس أمض عليها من الفكر في نفسها، وكأنها ~~تقتل من جهتين! # وكذلك أخذت سمتها إلى طريق النهر، وأمضت نيتها على الموت غرقا؛ لتموت نظيفة، وتكون ~~لنفسها غاسلة، وترسل روحها المتألمة إلى السماء في دموع السماء! # ومشت تتساقط كأن الجوع والمرض يهدمان منها في كل عثرة ركنا، أو كأنه كتب على كل بائس ~~أن يموت في طريقه إلى الموت، وهي تنتهض من كل عثرة إلى أشد منها، كما تتخطى العنكبوت في ~~نسجها من خيط واهن يكاد ينقطع إلى خيط أوهن منه، وقد اجتمعت روحها في عينيها فهي تسيل على ~~نظراتها الشاردة، وكلما امتد بها المسير قصرت مسافة النظر حتى توهمت أن الموت بادئ من ~~عينيها، وإنها لكذلك؛ إذ لمحها طفل قروي قد انقلب من المدينة إلى الضاحية التي غادر ~~فيها أمه العمياء، وكان يعتمل طوال يومه في بعض المصانع، وهو يحمل طعامها الذي لم ينله ~~إلا ببيع نفسه يوما كاملا، على أن المسكين لا يحس من الذل أنه اشترى نفسه بمقدار ما ~~يحس من العزة أنه ابتاع إداما ورغيفين وقطعة من الحلوى. # قال الشيخ علي: وبصر هذا الطفل بالفتاة، وأدرك أن روحها تخطو في أنفاسها، وأنه الجوع ~~لا غير، وهو من أبنائه، طالما شد عليه حتى انطوى، ولان لغمزاته حتى التوى، وما يعرف أنه ~~ابن أبيه وأمه، أكثر مما يعرف أنه ابن فقره وهمه؛ فابتدر # 6 # إلى المسكينة، وكانت حركة الحياة فيها أسرع من حركة أضراسها في طعامه، ثم ذهب ~~لا يعرف ما صنع؛ لأنه طفل؟ أو لأنه فقير؟ لا أدري! # غير أني أعرف أنه لا يسلم من لؤم النفس في صنعة المعروف وتطويل المن به وتعريض ms055 الحديث فيه ~~إلا الأطفال وإلا الفقراء؛ أولئك لأنهم لا يستكثرون الخير، وهؤلاء لأن الخير منهم غير ~~كثير. # وانطلق الطفل وهو يلوي رأسه ويفكر في أي خديه تقع عليه اللطمة الأولى من أمه؛ لأنها لا ~~محالة متوعرة به، # 7 # ستحسبه اقترف إثما فطرد من عمله، وانقطعت به طريق أمله، وإلى أن يأتي الله ~~بالصباح الذي ينير برهانه، ويثبت لها إحسانه، يكون هذا الليل قد صب عليه الويل؛ وهكذا ~~جعل يشهد الله على ما سيلقاه في سبيل الخير، بدلا من أن يشهد الناس على ما لقي غيره ~~منه في هذا السبيل من إحسانه وإيثاره؛ لأنه طفل؟ أو لأنه فقير؟ لا أدري! # أما الفتاة، فأرسلت في إثره نظرة حية ولم تجزه غيرها، بل جعلت جزاء عمله من عمله ~~نفسه؛ لأن ثرثرة الفقراء في الشكر على المعروف كهذيان الأغنياء في التبسط على المن به، ~~كلاهما لا يكون إلا من خبث أو لؤم. هي فتاة أقدمت على الموت ولم تقدم على السرقة، ~~وإنها لتعلم أن من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا، ولكنها رأت الطفل غير أهل لأن يعرف ~~موقع إحسانه من نفسها؛ لأنه طفل؟ أو لأنه فقير؟ لا أدري! # ولما أمسكت عليها النفس وراجعت الحياة، بدا لها فيما اعتزمته من الانتحار، فترددت وجعلت ~~تساورها الظنون، وخلق لها من معدتها عقل جديد يبصرها فرق ما بين الجوع والشبع؛ وكذلك ~~تعرض لبعض الناس حالات من الحرص يعقلون فيها ببطونهم، حتى إن أحدهم لو تحسس رأسه وهو ~~يفكر لحسبه بطنا صغيرا من العظم؛ فأنشأت الفتاة تستقيم على طريقها وهي تؤامر نفسها على ~~الحياة والموت، وقد بدأت تهضم في معدتها الطعام والعزيمة جميعا، ومات الذي كان بينها وبين ~~الموت! # وبينا هي تسير نظرت في عرض الطريق سيدة لو لبس معنى الغنى لفظا ما لبس غير اسمها، ~~ولو كان للكبرياء رسم ما رأيته غير رسمها، وقد أورثها الغنى ذلك الغرور بنفسها، حتى ~~توهمت أنها في الأرض أخت شمسها، وبلغت في النعمة من الحمق والبطر، بحيث جعلت نفسها ~~كالسماء متى تعبس ms056 وجهها استهلت لعناتها كالمطر، وهي من أولئك اللواتي يخرج الغني معهن ~~في الطريق لا حارسا ولا منعما ولكن للكيد والفتنة؛ فتنة المساكين، وكيد الحاسدين، فخرجت ~~في زينتها وكأنها حانوت جوهري، وهي نصف # 8 # من النساء ولكنها تتصابى، فكأن في وسامتها وابتسامتها شباب عشر فتيات ~~جميلات! وقد ذهبت في أوضاع جسمها مذاهب هندسية بين المستدير والمستقيم والمنحني، حتى ظهرت ~~كأن نصفها من الله ونصفها من الخياطة! وإذا رأيت جملتها رأيت روضة الجمال بألوانها ~~وأزهارها، ولكن مصورة! فإذا انتهيت إلى وجهها رأيت للحسن هناك شهادة على الله، ولكن ~~مزورة! وعلى الجملة فقد جعلها حسنها المالي في رأي نفسها كالشرائع؛ لا جدال فيها إلا ~~من زنديق! # ورأتها الفتاة كما تنظر المرأة إلى المرأة بعين جامدة ليس فيها لغة ولا فلسفة ولا شعر، ~~فقالت: يا لها سعادة أن تكون هذه «العجوز» لا تتقدم في عمرها إلى الأمام، ولكنها ترجع إلى ~~الوراء! وأن تظهر بين الناس حسناء، وإن كانت من القبح بحيث ذهب نصف نهارها في التحسن! وأن ~~لا تجد من هموم الدنيا أكثر من هم الألفاظ إن قال الناس غير حسناء أو قالوا غيرها أحسن ~~منها! ويا له شقاء أن تكون هي كما هي، وأكون أنا كما أنا! # ثم رمت بعينيها إلى السماء وانحرفت تواجه تلك السيدة، فما تبينتها هذه وألمت بما ~~في نفسها حتى انقبضت كأنما أثارت الأرض في وجهها دابة جامحة، وجعلت تتحاماها وتلوذ ههنا ~~وههنا، وتحتث قدميها كأنها لقاء خطر شديد، غير أن الفتاة ملأت عليها الطريق بحركاتها، ~~فكانت وجهها # 9 # كيفما أمت أو انحرفت يمنة أو يسرة، وكأنما تطاردها مطاردة! # فلما عيت السيدة بأمرها، وغاظ الفقر نعمتها، وهاج فضول الفتاة حنقها وكبرياءها؛ وقفت ~~لها وقفة القضاء عابسة الوجه شامخة الأنف، يكاد يستنفض الناس طرفها، # 10 # وتكاد تميز من الغيظ، وتدل هيئة وجهها على أن وراء شفتيها المرتجفتين كلمات ~~أحد من أنياب الوحش! # فلم تبال الفتاة وبقيت رئتاها واسعتين للهواء؛ # 11 # إذ ليس بعد الفقر خوف، ودلفت إليها باسطة اليد وهي ms057 تكاد تزلقها ببصرها، ~~حتى إذا وقفت بإزائها خفضت رأسها وقالت: سيدتي، أدام الله نعمته عليك، وهنأك هذه النعمة ~~بدوامها. ~~- هي دائمة، وما أنت والنعمة؟ ~~- سيدتي، وقاك الله ما أنا فيه من بأساء الحياة، ولا كتب عليك أن تعرفي ما هي! ~~- فلماذا أنت وأمثالك في الحياة إذن أيتها الحمقاء؟ وهل يكتب تاريخ البؤس إلا في صفحة ~~من مثل هذا الوجه؟ ~~- سيدتي، ألا مهلا مهلا، وانظري إلي ينظر الله إليك. ~~- قد نظر الله إليك من قبلي. ~~- سيدتي، هبيني خادما أحسنت إليها. ~~- فلتكوني خادما طردتها إن بلغت أن تكوني خادما لمثلنا. ~~- يا ويلتنا! ألا رحمة في قلبك فتجودي علي بما لا بأس عليك منه؟ ~~- ولماذا أفضلك على سائر الفقراء؟ ينبغي أن أجود عليهم جميعا إذا أنا جدت عليك، ولو ~~فعلت لطلبت بعد ذلك من يجود علي! ~~- سيدتي، ألا فاجعليني من نصيبك في الإحسان، وغيري من الفقراء له غيرك من الأغنياء ، على ~~الموسع قدره، وعلى المقتر قدره! ~~- إذن فكوني أنت من نصيب غيري ودعي غيرك لي. ~~- سيدتي، ليس فقري عن خطأ مني، وليس غناك عن صواب منك، وما الرزق يا سيدتي من فضل ~~الحيلة! ~~- وهل أنا أريد أن أعاقبك فتنتفي من الخطأ؟ ~~- رحماك واتقي الله في الإنسانية، فلعل في قصرك الباذخ كلبة جعلتها أحسن حالا ~~مني! ~~- حينما تصيرين مثلها فتعالي إلينا، ويومئذ تعرفين كيف تطرد الكلاب! # قال «الشيخ علي»: فكبر ذلك على الفتاة، وانتبهت في نفسها فضيلة الفقر وحكمته، فرأت ~~أنها تنظر من ضمير تلك السيدة في مرآة مقلوبة من مرائي الإنسانية؛ مهما جهدت أن تستقيم لها ~~لم تزدها إلا مسخا؛ هنالك غلبتها عيناها وانطلقت وراء دموعها، ولم تجد لها عزما. # أما السيدة الكريمة - كما يقال - فابتلعت ما بقي في فمها من تلك الفلسفة، وافتر ثغرها ~~قليلا عن ابتسامة السخرية، وسرها أن يكون في لسانها كل هذا المنطق، ثم أنغضت رأسها ~~بكبرياء وقالت: «مسكينة! مسكينة!» ومرت بعد ذلك لا تلوي، وما يخطر لها إلا أنها نفضت ~~نعلها! # وسمع الله قولها إذ تجادل الفتاة، وقد ms058 ربت في ثيابها من الغيظ وتنفشت كالإسفنج، فأطلق ~~عليها دموع البائسة، وإن هذه لتأنس راحة في البكاء لم تعهدها من قبل، فانزوت إلى جانب من ~~الطريق وجعلت تبكي، ثم تبكي، ثم تبكي؛ حتى لو جمعت دموعها لغمرت منها، وقد جمعها الله ~~وأرصدها من أقداره لتلك الإسفنجة، وقضى ربك ألا تعصر بعد اليوم إلا دموعا. # 12 ~~••• # كانت للسيدة فتاة كطلعة البدر في الرابعة عشرة، لا تصفها إلا مرآتها، وهي الدنيا ~~مجموعة في قصرها، وكأنها في النعمة مستقبل نفسها وماضي أمها، وكانت هذه السيدة عقيما ولكن ~~شذت معها الطبيعة لأمر أراده الله، فولدت لها الفتاة وكأنما انشق لها القمر، ولم ~~تذكرها في نفسها إذ كانت تحاور تلك المسكينة، بل ذكرت خادمتها وأنفت لهذه الذكرى، ومن شؤم ~~الغنى على أهله أن لا يذكرهم في الشر إلا بأنفسهم، ولا ينسيهم في الخير إلا أنفسهم، فلا ~~يعلمون أن الفقر أنواع كثيرة، وأن الغنى نفسه نوع من الفقر إلى الله؛ وبذلك ينظرون إلى ~~المساكين تلك النظرة التي لا تخلو من بعض معاني القضاء والقدر، كأن الألوهية درجات جعلهم ~~الغني في واحدة منها؛ فما ظنكم أيها الأغنياء برب العالمين؟ # وانكفأت السيدة إلى قصرها فإذا فتاتها تنتفض من وعكة الحمى، وهي في سريرها كقلب أمها ~~في اضطرابه والتهابه، وما تعلم من أين اتصلت بها الحمى ولكن الله يعلم، ولئن كان البعوض ~~مما يعد في أسباب هذا المرض، فلقد كان كلامها للفتاة ينفر منها كما ينفر البعوض من ~~مستنقع؛ فخرجت المرأة عن رشدها وضاقت عليها الأرض بما رحبت، ولقد تكون المصيبة جنونا وإن ~~لم يكن من أسمائها الجنون! على أنها لم تر ملجأ من الله إلا إليه، فابتدرت تدعوه! وضرب ~~الذهول بينها وبين اللغة، ومسحت من وعيها فلا تردد غير هذه الكلمات: يا رب! يا رب! ~~ابنتي ماذا جنت؟ «مسكينة مسكينة»! «مسكينة مسكينة»! # وجاء الطبيب كأنما أطلق في قنبلة مدفع ضخم، فأسرعت إليه وهي تقول: ابنتي ابنتي أيها ~~الطبيب «مسكينة مسكينة»! ثم مرت أيام وبنتها مريضة وهي مريضة ببنتها، ms059 فكانت كلما نظرت ~~إليها ملتهبة ذاوية تتخايل الموت فيها لم يجر الله على لسانها غير هذه الكلمات: آه يا ~~ابنتي! «مسكينة مسكينة»! ~~••• # قال «الشيخ علي»: وضرب الدهر من ضرباته، وخرجت الفتاة البائسة ذات يوم وكانت قد أصابت ~~عملا، فتردم جانب من حالها؛ وبينا هي تمشي مطمئنة رفع لها شبح أسود في عرض الطريق، ~~فجعلت تدانيه حتى حاذته؛ فإذا هي بسيدة الأمس وقد حال لونها، واستحال كونها، وعادت من الهم ~~كأنها ظل منتصب في سواد، وظهرت من الحزن كأنها تمثال منصوب للحداد، وهي تلوح من الذلة ~~والانكسار كأنما مات بعضها وبقي بعضها، وكأنما كانت حياتها من الأزهار، فذهب ربيعها وروضها، ~~وبقي جذرها وأرضها! # فما تبينتها الفتاة ورأت ما نزل بها حتى نفرت دموعها حزنا، ثم رفعت عينيها إلى ~~السماء وقالت: يا رباه! «مسكينة مسكينة»! ... # كذا يضع الإنسان الكلمة لمعاني الله فيكذبه بمعانيها، ويا رب كلمة ملفوظة وفيها لله ~~كلمة غير ملفوظة! ~~••• # اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع ~~الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك ~~الخير إنك على كل شيء قدير ~~. # | هوامش # الفصل الخامس # | لؤم المال ووهم التعاسة # قال «الشيخ علي»: وأنت يا بني، ما إن تزال تصف الدنيا بلون لا أدري كيف أسميه، فلا هو من ~~وجوه أهل الحسد فأقول أصفر، ولا من قلوب أهل البغض فأقول أسود، ولا من صدور أهل ~~الدم # 1 # فأقول أحمر، ولا من شيء أعرفه؛ لأنه ليس شيئا يسمى، وعلم الله أن من يهوي ~~في جهنم سبعين خريفا وعيناه تدوران في رأسه، لا يبصر من حيث ابتدأ إلى حيث ينتهي شرا من ~~وجه دنياك! # إنك يا بني تصور الأرض لا أرضا ولا ماء بل قلوبا ودموعا، وتعرفها لا دولا ~~ولا أمما بل آلاما وحوادث، فكأن هذه الأرض العظيمة تحتاج إلى وقدتين من قلبك ومن الشمس، ~~وإلى نفحتين من خيالك ومن الفضاء، وإلى قدرين من حزنك ومن الأبد، ومن ثم فلا عجب يا بني ~~إن كان مركز الثقل فيها على وهمين: على ms060 محورها، # 2 # وعلى ظهرك! # هيهات لقد أسرفت على نفسك الضعيفة، وجعلت هذه الحصاة الهينة تحت مطرقة الزمن، فما ~~تزال رخوا منبعثا مسترسلا في اندقاق ولين، كأنك رجل من العجين، وكم تقول لي: «فلان» ~~وجاهه العريض، ودهره المريض! # وانظر إلى «فلان» كيف جعله الكبر يذكر منا وينسى، وكيف أصبح من الغنى وأمسى! # و«فلان» كيف تمر من فرج أصابعه سفن الآمال، في تيار المال؛ كأن يده قنطرة على نهر ~~الأقدار، أو جسر تعبره حظوظ السماء إلى أهل هذه الدار! # و«فلان» قبحه الله! كيف صار شيطانه في إنسانه، وطول عمره في لسانه، وكثرة ماله في قلة ~~إحسانه! # و«فلان» أخزاه الله! فما بر ولا نفع، بل تفرق بالحرص على ما جمع، وطمع في كل شيء ~~حتى في الطمع! ~~«وفلان» الذي جمع وعدد، # 3 # وخلقه الله واحدا وهو في الرذائل يتعدد، وقد انتفخ كأنه شدق إسرافيل، وامتد ~~كأنه يد عزرائيل، واستكبر كأنه فرعون على النيل! ~~«وفلان» وما أدراك ما فلان؟ جبل شامخ والناس في سفحه رمال، ومجد باذخ ولا مجد لمن ليس ~~له مال، وهو في أهل الغنى الألف والباء، وأن قيل في غيره «ابن نعمة» فهو في أهل النعمة أبو ~~الآباء، على رأس عظيم كأنه ركن الكعبة الذي يتوجه عباد الغنى إليه، وقامة ~~بائنة # 4 # كأنها لجاه صاحبها قطعة من المحور الذي تدور هذه الأرض عليه؛ وهناك أنف أما ~~في السماء فله منزلة، وأما في الأرض فعطسته زلزلة، ينفض الناس من رهبته نفضا، ويفرش الوجوه ~~من هيبته أرضا، وكأنه في تلك الكبرياء ميزان معلق يرفع من ناحية ويخفض من ناحية، بل كأنه ~~في ذلك الوجه القفر جحر للنحس تختبئ فيه الداهية! # قال «الشيخ علي»: وما أنت يا بني وهذه «الفلانات» وأمثالها؟ إن هؤلاء الناس بعض ~~أعمال الله في أرضه، فهو يخلقهم وينشئهم ويديرهم لتعلق طائفة من الأقدار بنتائج أعمالهم ~~طردا وعكسا، فما أشبههم بدابة الطاحون؛ تلزم دائرتها ولا تفتأ تدور إلى غير انحراف، ثم هي ~~لعلها حين تسمع ذلك الهزيز وتلك الجعجعة تحسبها من ms061 نشيد الاحتفال بها! # فهم قوم مسخرون فرشهم الله أمرا من أمره، # 5 # ويسرهم لما خلقوا له، فضربهم بالحرص والطمع ضربة جبار لو نالت السموات ~~والأرض والجبال لأشفقن منها، وجاءهم الحرص بهذا المال، أما الطمع فجاءهم بماذا؟ جاءهم يا ~~بني، لو قلت بصدأ القلب وهرم النفس ودناءة الطبع، ولو قلت بكل ما في الحشرات من القذر، ~~وبكل ما في السباع من الضراوة، وبكل ما في الدبابات من السموم؛ لكنت عسى أن أقارب الوصف، ~~ولكن المعنى الذي يتلجلج في نفسي أكبر من ذلك كله. # غير أني أقول لك يا هذا: إن ثلاثة من المتجاورات يفسر بعضها بعضا؛ الحرص مع الطمع، ~~ثم المال ورذائله، ثم ما في المعدة وما في الأمعاء. # أتحسب أن هذا العالم يحفل برجل من الأغنياء قد أجحف # 6 # به الدهر وطحنته النوائب بأرحائها، وجاءه بعد الدنيا المؤنثة يومه ~~المذكر، # 7 # وتركته الأقدار أسود الحظ لا بيضاء ولا صفراء؟ # 8 # فلم لا يعدون الغني شيئا دون المال، ويحسبونه كل شيء مع المال؟ لعل ~~الحقيقة أيضا ذات وجهين في الناس! # هو المال، المال وحده لا غير؛ فنحن نحتاج إلى الغني صاحب المال كما نحتاج إلى بائع الملح! ~~وما أشبهنا في إطرائه وفي الزلفى إليه بأطفال القرية إذ يتزلفون إلى بائع الحلواء التي ~~تلف بالعصا، وإذ هو واقف بينهم بعصاه وحلوائه كأنه الهبل الأعلى، # 9 # وهو - من تعلم - دسم الثوب ترب اليد، قذر التفصيل والجملة، يصلح أن يكتب ~~على وجهه «متحف الميكروبات المصري»، ولو رآه طبيب لجعل عصا الحلواء على رأسه تفاريق، ولكن ~~أين لا أين الطبيب في هذا الاجتماع؟ # كل أطباء الاجتماع ألسنة وأقلام ومحابر، أما اليد التي تزيل المنكر أو تغيره فلا أراها ~~تمتد إلا من جانب الأفق، ولا تعمل إلا بعون من الله وملائكته، وقد انقضى عصر ~~الأنبياء! # قال «الشيخ علي»: فإن لم يكن الغني إنسانه من الناس يواسيهم ويسعدهم، ويتخذ من المال ~~سبيلا إلى أفئدتهم بالإحسان والمساعفة، ويأخذ لنفسه بقدر ما لها، ويعطي من نفسه بقدر ما ~~عليها، ms062 وإن لم يكن وجهه مرآة للفقراء يبصرون فيها ابتسام الدهر على وجوهم العابسة، ولم ~~يكن ذهبه عند دموع البائسين وعند أنفاس المحزونين، ولم يكن اسمه في دعوات المحتاجين وفي ~~ألسنة الشاكرين؛ فقد أصبح عندي كأنه لا شخص له، بل هو شخص لعنة من لعنات الله والملائكة ~~والناس نفخت فيها الروح، وهي اللعنة أي منقلب تنقلب. # ما أشبه المال أن يكون آلة من آلات القتل؛ فإنه يميت أكثر أصحابه موتا شرا من الموت ~~- إلا من عصم الله - موتا يجعل أسماءهم كأنها قائمة على ألواح من العظام النخرة، ~~ويرسلها كل يوم إلى السماء في لعنات لا عداد لها، ثم يثبتها في التاريخ آخرا لا بأعيانها ~~ولكن بعددها، أو كما تثبت الحكومة في كل سنة عدد البهائم التي نفقت بالطاعون. فهذا الشخص ~~الميت وهو بعد في الأحياء لا يبلغ في قدر نفسه على الحقيقة أكثر من مقدار حجمه من ... من ... ~~من جيفة حمار! # يا بني، ربما كان الرجل نبات تعمة الله؛ لأنه سيكون حصاد نقمته، فهذه منزلة من البؤس ~~والخذلان يستعاذ بالله منها، وكم رأينا من أناس تخصب أبدانهم حتى ليضيق بهم الجلد ~~كدنة وسمنا، ويكاد أحدهم ينشق مرحا ونشاطا، ثم لا يكون هذا الخصب الذي استمتعوا ~~به شطرا من العمر إلا سببا في أمراض مهلكة تستوفي الشطر الآخر، فذرهم يأكلوا ويتمتعوا ~~ويلههم الأمل فسوف يعلمون! # وإن خطأ كبيرا أن تقضي لفلان من «فلاناتك» بمتاع الدنيا؛ فإنك لا تدري أشر أريد به ~~أم الخير، وكيف تحكم ويلك على غناه بفقرك، وعلى آماله بيأسك، وعلى شخصه بظلك، وعلى نهاره ~~بليلك، وعلى عمره كله وهو بعد حي لم يوف عمره، ولا تدري ما عسى أن يكون له فيما ~~بقي؟ # ألا دعه حتى يستنفد أيامه المكتوبة ويستوفي أنفاسه المقدرة، فلعل مصيبته قادمة في ~~الغيب، وكأن غناه من مقدماتها، وعلى قوة المقدمة تقاس قوة النتيجة؛ فإذا مات الغني ولم ~~تعرف في جملة عمره هما ولا غما يعدل بؤس الفقر مهما اشتد الفقر، فكفى حينئذ بالموت من ~~تلك ms063 الجملة! وإنما الحياة مدة ستنقضي، فسواء انقطع الخيط من أوله أو من وسطه أو من ~~آخره، فقد انقطع! # 10 # تقول: إن لهم متاع الحياة! ولو أنصفت لقلت إن لهم بؤسها الممتع! فإنهم يجمعون المال ~~من طرق لا تؤتيه إلا نكدا، ثم يرسلونه في طرق أخرى ليجمعوه، وهلم كما تدور دابة ~~الطاحونة، وهب أنهم لا يألمون كما تألم، فإن يد الله غمزتهم من مكان قريب غمزة مؤلمة، ~~وما أحسب الضجر من اللذات قد خلق إلا للأغنياء وحدهم، وناهيك من بلاء يغمر النفس بالنعم ~~صنوفا وألوانا حتى يتنكر لها معنى النعمة، فتراها وقد ثابر عليها الضجر متكرهة ولكن ~~لا تريد الكراهة، ومتسخطة ولا ترغب في السخط، ومتألمة ولا تعرف مم ألمها، ولا تبرح ~~دائبة تلتمس نعمة لم يخلقها الله لتحدث منها لذة لم يعرفها الناس. # ولولا هذا البلاء وأنه ما وصفت لك؛ لما أصبت على الأرض غنيا كهؤلاء الوارثين؛ تضرب ~~به كل لذة وجه أختها، فتسلمه الواحدة إلى الأخرى، ويجذبنه بكل حروف الجر، من وإلى وفي ~~وعلى، بين الخمر والقمار والفسق وما لا يحسن أن يسمى، حتى تسلمه اللذة الأخيرة إلى ~~الفقر أو القبر! # ولو أن «ضجر اللذات» يصنع بكل الأغنياء هذا الصنيع لفسد الكون، بيد أن الله أراد ~~عمرانه فجعل في طباع أكثر الأغنياء لؤما خاصا، لؤما ذهبيا يكسر من سورة هذا الضجر، ~~كما يفثأ الماء البارد من الماء الحار حين يمتزجان. # 11 # فالقوم إما كريم يضجر فيسرف، وإما لئيم يضجر فيمسك، وكلاهما يجد لذته ويضجر من لذته، فهم ~~كما هم ونحن كما نحن وكلنا سواء كما ترى، وكأن أم المصيبة حين ولدت وضعت بنتين: المصيبة ~~التي تؤلم، والنعمة التي لا تلذ! ... # وليس أشقى ممن منع السعادة وأعطي الرغبة فيها، إلا الذي أعطي السعادة ومنع ~~اللذة منها! # فلا تقل يا بني إن العصا لظهور الفقراء وحدهم، فإن هناك السوط أيضا، وهو رتبة عالية ~~فوق رتبة العصا؛ ولذلك خص بشرفها الأغنياء! # وانظر ويلك، هل ترى الفرق بعيدا بين الضجر من شيء لأنه ms064 موجود، وبين الضجر من ذلك الشيء ~~لأنه غير موجود، بين عدم الشعور باللذة وبين الشعور بعدم اللذة، بين ألم الغني الذي لا تجده ~~أبدا إلا على شك في أنه سعيد، وبين ألم الفقير الذي لا تجده أبدا يشك في أنه ~~تعس؟ # قال «الشيخ علي»: وتسألني عن التعاسة ما هي؟ وكيف هي؟ وتريدني على أن أبتغي لك مما بين ~~ظاهرها وحقيقتها؛ ألا فاعلم يا بني أن هذه الكلمة حقيقة بأن تنسي نفسها، وما ادعى أحد ~~معرفتها إلا لأنه لا يجد أحدا يعرفها، وكل شيء مجهول فما أسهله أن يكون من علم كل جاهل، ~~وما أصعبه أن يكون من جهل كل عالم، وإني لأرى الناس يأتون في وصف التعاسة بكلام كثير، وما ~~أهونها إذن لو أن كل إنسان يحسن من وصفها بهذه السهولة! # لقد ألف هذا الإنسان من عهد القبائل في الاجتماع الأول أن يطوي العالم كله في قبيلته، ~~ويجمع القبيلة كلها في نفسه؛ فيزعم أن «كل الناس » يعرفون كذا، «وكل الخلق» يقولون كذا، وأن ~~«الدنيا كلها» و«كل العالم» ... وعلم الله ما في الدنيا، ولا في العالم من يعرف أو يقول ~~غيره، أو هو مع غيره من ذوي جماعته إلى اثنين أو ثلاثة أو جماعة منهم، ثم بقي ذلك ميراثا ~~في أخبار الجهلاء وأوصافهم، وفي كلام أهل المجازفة إلى اليوم! # ولكن إن شئت أن تعرف التعاسة - ولا أقول ما هي (حرسك الله) ولكن ما علمها - وإن ~~شئت أن تسمع لها وصفا آتيا من جانب السماء؛ فالتمس في دار الهموم من لم يبق له هم ~~يحمله إذ يكون قد احتمل كل هم؛ فإن مثل هذا المخلوق - الذي لا تعرف أهو حي في ثيابه ميت ~~فيما وراءها، أم هو ميت في ثيابه حي فيما بعدها - متى استفرغ دمع أجفانه ومات البكاء في ~~عينيه، خلق الله في لسانه ألفاظا كالدمع، ولغة كالبكاء، ومعاني هي في جملتها أوصاف ~~التعاسة على الحقيقة! # وأين تحسبك واجدا هذا المخلوق الملهم المسخر الذي تراه كأنما ينضغط بين الأرض ~~والسماء لشدة ms065 ما يجد من حطمة هذه الدنيا؛ حتى تكتب من تاريخه فصلا في ذلك المعنى، وحتى ~~تخرج من لغة الأقدار ما يصحح لفظا واحدا من لغة الناس؟ # ألا إن الأرض لا تشهد كل يوم نبيا مثل أيوب يمتحن الله صبره امتحان الألوهية ~~للنبوة، وإذا لم تكن المصيبة - رعاك الله - كأنها في باب النقمة تاريخ غير إنساني؛ فإن ~~بينها وبين معنى التعاسة الذي يضج الناس منه كالفرق بين رؤية السيف مسلولا على العنق ~~وبين رؤيته في العنق. # 12 # ولقد أعرف رجلا من أهل الفقر النظيف أعطى ابنته قطعة فيها «عشرة غروش»، وأرسلها تبتغي ~~بها رزقا من الطعام، فأضاعتها فكأنما أضاعت عقلها، وضاقت عليها الدنيا، وخيل إليها أن ~~ليس على الأرض ما يسع طفلة، فلم تجد لها غواثا إلا في الموت يحول بينها وبين أبيها، ~~فجرعت من «الفنيك» جرعة سائغة كانت فيها نفسها، وابتعدت عن أبيها ولكن بعد ما بين ~~الدنيا والآخرة! # فهذا مثال مما يجلب الضعفاء على أنفسهم من التعاسة: تموت الفتاة، وتسير الجنازة، ~~ويفتح القبر؛ لعشرة غروش! # ويحدث في العالم هذا الفراغ، وتخرج الدنيا إحدى عجائب التعاسة، ويشهد الناس ذلك المنظر ~~القاتل؛ وكل هذا لعشرة غروش! # ويقع للفتاة أمران أهونهما الموت، وأصعبهما الذي لا يحتمل ضياع عشرة غروش! # وما عشرة غروش يا بني؟ إنها قوت حمار في يوم أو يومين، ونشوة سكير في ساعة أو ساعتين، ~~ولذة فاسق في لحظة أو لحظتين، ولعنة الله على غني لئيم في نفس من حياته أو نفسين! # ولكن يعلم الله كيف كانت في نفس تلك المسكينة من غلظة أبيها وقسوته، وما خشيت من بادرته ~~وما حسبت من اضطغانه عليها، وكيف استحالت هذه القطعة تاريخا طويلا من الوساوس والأوهام ~~حين أضاعتها، فالناس ناس لولا الوهم، وكان الوهم وهما لولا الناس! # ولعمري ما الذي يجعل المرء جبانا في لقاء الحوادث حتى يخاف الحياة فيعوذ بالموت، ويضرب ~~ما أقبل من دنياه بالذي هو مدبر، أو يخشى الموت فيتعذب بالحياة ما أدبر منها وما ~~أقبل؟ # أما إن ذلك ليس ms066 من فقر ولا غنى، ولكنه حرص على الحياة يخالط بعض الأنفس ويستمكن منها حالة ~~بعد حالة، فإذا هو قد انقلب في آخرة الأمر خوفا من الموت، ثم لا يزال يحور وينمي وهو في ~~ذلك يخلع القلب من الإيمان الذي يربط عليه، # 13 # واليقين الذي يثبت به، حتى يبلغ بعد حين أن يكون خوفا من الحياة نفسها، ~~ومتى كان الحرص على الحياة قد صار خوفا من الموت، ورجع الخوف من الموت مع ذلك البلاء خوفا ~~من الحياة؛ فهذه - أصلحك الله - حالة من الجنون تستلب العقل، وسواء من أصيب بها ومن خولط ~~في عقله، وليس معها لهؤلاء الضعفاء كما يشهدون على أنفسهم إلا موت الجبن الذي يسمى ~~انتحارا، أو حياة الجبن التي تسمى ذلا، ولخير للمرء أن يكون حمارا من صنعة الله وتعرفه ~~الحمير، من أن يكون حمارا من صنعة نفسه وتنكره الناس! # إن لنا على هذه الأرض حياة واحدة علم أهل العلم أنها حقيقة مسرعة بين أوهام، فهي ما ~~تبرح تجاهد كل شيء، ولا تثبت أطول من مدة جهادها إلى أمد غايته أرذل العمر، # 14 # وعرف أهل الجهل أنها تتقدم إلى الموت، وأن الموت يتقدم إليها، فهما لا بد ~~ملتقيان، لا العلم ولا الجهل يرتاب أو يشك في الموت، ولا الفقر ولا الغنى، ولا الصحة ولا ~~المرض، ولا شيء من خصائص الأحياء؛ لأنه ليس على الأرض حي قديم! ولكن العالم والجاهل، ~~والفقير والغني، والصحيح والمريض؛ كل هؤلاء يخافون الموت ويحرصون على الحياة إلا قليلا ~~منهم؛ فليتهم علموا أن النفس روحية، وأنها تألم لهذا الخوف ولا تقار عليه؛ إذ هي لا تعرف ~~الموت لأنها خالدة، ولكنها تعرف الألم لأنها في غير دار خلود، ومعنى ذلك أن الإنسان يخاف ~~الموت، فيتصل هذا الخوف بالنفس فترده إلى حوادث الحياة، فتخيفه هذه الحوادث، فيذله هذا ~~الخوف، ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت. # 15 # ونحن إنما ننصب الحبالة # 16 # ثم نرتبك فيها ونضطرب، فكأننا لا نصيد إلا من أنفسنا؛ إذ لسنا نجهل أن للنفس ms067 ~~حظا ليس للجسد، وأن الفارس لا يربط في الإصطبل وإن كان جواده فيه، غير أننا مع ذلك ~~نحاول أن نغذو النفس من اللذة الجسمية، وأن نعلف الفرس والفارس من طعام واحد! فهذا ~~التناقض الذي نسيء به إلى أنفسنا هو الذي يجعل النفس خائفة من الحياة؛ إذ لا تجد فيها غير ~~ألم التعبد للأهواء والشهوات، ولا تصيب من الحياة إلا ما تستذم # 17 # به الحياة إليها، فلا يكون من ذلك إلا أن تسيء إلينا هذه النفوس بتناقض آخر، ~~فربما كان الرجل في النعمة السابغة قد أينعت خضراؤها، ثم هو لا يشعر منها إلا ما يشعر من ~~المصيبة الماحقة، ومتى فزعت النفس من الحياة كما عرفت فلا هناءة على ذلك الفزع، ولا تكون ~~الحياة من ثم إلا موتا مستمرا أو خوفا من الموت لا ينقطع. # 18 # قال «الشيخ علي»: يا بني إن الحرص جبن، والجبن ذل، والذل استعباد، وما يدخل من هذه ~~الأبواب إلا الشر، فكن حرا من الأهواء كما خلقت، وكما خلقت الحرية التي لا قيد ~~لها من رذائل الدنيا، فإنك لن تراع ولن تعرف مما يسميه الناس تعاسة أكثر مما تعرف مما ~~يسمونه سعادة، ولن تجد في مصائب الحياة ما يموت دونه الصبر الجميل؛ فإن عمر هذا الصبر أطول ~~أبدا من عمر الصابرين! # لذلك لا يغضب الفيلسوف، ولا يخاف الشجاع، ولا يبخل الكريم، ولا يذل الأنوف، ولا ينافق ~~الرجل الحر، ولا يكذب الرجل الشريف؛ وإنما هذه مظاهر محدودة من حرية النفس، فكيف بالنفس إذا ~~كانت حرة من كل أقطارها؟! # وقديما علم الناس أن من لا يبالي بشهوات جسمه هو الذي يستريح وادعا، ويتعب التعب في ~~البحث عنه، وما علمت ولا علم الحكماء والأطباء غذاء تسمن عليه المصائب والأحزان إلا الحرص ~~على الشهوات! # وليت شعري ما هي هذه الشهوات؟ أما إنها في الحقيقة نزعات طبيعية لا بد منها بمقدار؛ لأن ~~الطبيعة الإنسانية تعالج نفسها بما يعينها على البقاء، # 19 # وما يجعلها صالحة له على الوجه الأفضل؛ فهي تغري الإنسان مرة وتؤلمه ms068 مرة، كل ~~ذلك ليجلب لها أو يدفع عنها، فما تسميه لذة من لذات الجسم إنما هو علاج طبيعي من ألم ~~طبيعي لا أكثر ولا أقل، كالأكل مثلا، فما كانت الطبيعة لتغري به هذا الإغراء حتى فات عند ~~أكثر الناس حد اللذة، لولا أن الجوع انحلال في الجسم؛ فإن هو أسرف عليه أو استمر به أوقع ~~فيه الفساد وركبه بالضعف علة بعد علة. # غير أن الإنسان بما فيه من شبه البهيمة ينجذب إلى طبع البهيمة غالبا، ونسي أن للبهائم ~~وازعا طبيعيا هو فضيلتها الخاصة بها، فأقبل يرتع ما شاء، وجد به الحرص بمقدار ما يطمع ~~فيه، وغلبه الطمع على بصيرته، فلا يكون في إنسانيته إلا بهيمة تتخيل وتتفنن ما لا يتفنن ~~إنسان ولا بهيمة، وما تجد من مستهتر بالشهوات إلا وجدته من أجل ذلك راضيا مغتبطا ~~يتمنى لو أنه في هذه الشهوات بهيمة البهائم كافة! # أف لهذه الدنيا! يحبها من يخاف عليها، ومتى خاف عليها خاف منها، فهو يشقى بها ويشقى ~~لها، ومثل هذا لا يكاد يطالع وجه حادثة من حوادث الدهر إلا خيل إليه أن التعاسة قد ~~تركت الناس جميعا وأقبلت عليه وحده، ولولا الخوف يزلزل قلبه لأدرك الفرق بين النسمة ~~والعاصفة، وعلم أن اللفظة لا يلزم منها أن تخلق معناها، وأن ليس كل ما نسميه تعاسة يكون في ~~حقيقته من التعاسة. # وترى الواحد من هؤلاء لا يزال يلوك لسانه # 20 # في كلمات من التأميل والسخط والألم والنفرة وغيرها مما هو من لغة الحرص على ~~الحياة؛ فهو على الأرض وكأنه يعيش في سحابة تجري بها الريح، ولعمري كيف تهنأ الحياة مثل ~~هذا إلا إذا كان أديم الأرض من ورق الزهر، وكانت مزابل هذه الدنيا رياضا غناء، ~~وعدت الطيور الجميلة من كلاب هذه المزابل؟! # كذلك لا يسعد أكثر الناس بالحياة ولكنهم يشقون بالحياة والموت؛ ومن ثم ظلموا التعاسة ~~فجعلوها أصغر مما هي، كما ظلموا السعادة فتوهموها أكبر مما تكون. # قال «الشيخ علي»: واعلم يا بني، أن القدر وإن كان من السماء، ms069 ولكن تاريخه ثابت في ~~الأرض، وما كانت المصائب جديدة في الحياة، وهذه المحابر التي كتب منها تاريخ الإنسان لا ~~تزال كما كانت من قبل تشرق بالدماء وبالدموع، ولا يزال الدهر يمد منها ولا يزال يكتب ~~من هذا المداد؛ فمم يخاف هذا الإنسان الجديد، وليس فيما ينزل به إلا ما نزل بمن قبله، ~~وما هو بخالد ولا هو بمتروك لما يحاوله، ولقد علم يقينا أن الله لم يخلق فيما خلق ~~مقراضا يقلم أظفار الموت؟ يريد من قدر الله زلالا صافيا كأنه ماء مرشح يصب من ~~حياته في كأس من البلور! ويبتغي أن يكون في الأرض تاريخا جديدا سلسا منقحا ليس فيه ~~شيء من تلك الألفاظ الجافية في نبوها وخشونتها: ألفاظ التخريب والتدمير والتقتيل والجوع ~~والمرض والأحزان والهموم ونحوها. # فأما أن يكون من ذلك التاريخ القديم الذي تمليه قدرة الله على الطبيعة، ثم لا يكون إلا ~~كالطبيعة نفسها في النظم والنسق، ولا يجيء الإنسان الجديد فيه إلا طباقا أو ناسخا أو ~~منسوخا؛ فهذا هو موضع النفرة ومكان الأذاة، ومنه مثار الهم وإليه مسرب الدمع، ~~وذلك والله معنى إن لم تنشأ منه تعاسة الإنسان فهو على كل حال من تعاسته. # الإنسان كله يا بني منطو في رأسه، وما هذا الجسم إلا أداة، منها ما يحمل الرأس، ومنها ~~ما يحمل إليه، ومنها ما يحمل عنه؛ فالجسم دابة من الدواب لا أكثر ولا أقل، والرءوس لا يمكن ~~أن توزن بميزان حتى يعلم فرق ما بين رأس ورأس آخر، فالإنسان مختبئ محجب، وكأنه ~~لا يزال منه جزء عند الله، فما ينفك يجد من نفسه ما يبعثه على النزوع إلى الغيب والفكر في ~~المستقبل؛ لأن هذا المستقبل تمام له، ولا يبرح يشعر بالحياة شعور المتألم أو المتعب أو ~~المكدود أو المغيظ أو المفزع أو أي ما يكون من أشباهها؛ لأن هذا الحاضر غير تام به ولا ~~كامل معه، وليس ذلك بعجيب، ولا من العجيب أن يألم الإنسان لحياته؛ ألا يرى أنه في جسم لا ~~راحة للروح إلا ms070 بعد تحطيمه؟ # ومن ههنا تفاوت الناس؛ فمنهم من تراه كأنه يحاول أن يكشف عن جزئه الذي في الغيب ويصل ~~بينه وبين حاضره، فيتوهم في الحياة ما ليس فيها ويسخرها لأوهامه باطلا، ومنهم من يقبل ~~على شأنه ويأخذ الحاضر بما فيه، ويعرف أنه حي ولكن على شروط لا بد منها للحياة. # فأما الجاهل الأحمق المخدوع فكأنما يرى في مرآة خياله الغيب كله، أو ما يظنه الغيب كله، ~~فلا يعدو أن يسترسل في ظنونه وأوهامه استرسالا أشبه بالأبد الذي لا حد له؛ ومن ثم لا ~~يرضيه شيء ما دام في هذه الحياة شيء لا يرضيه، ولا يقنعه شيء ما دام في الدنيا شيء لا ~~يناله، وكل مصيبة يخشاها أو يتوقعها فكأنما هي نازلة به أو قد نزلت، وعنده أن كل ما يمكن أن ~~يكون فينبغي أن يكون، وما هو جائز فليس ما يمنع أن يكون واجبا، وما قيل إنه غير جائز فهو ~~غير مستحيل، وما الذي يمنع أن تخسف به الأرض، أو تقع عليه السماء، أو ينحدر إليه رجم من ~~الشهب، أو ينهتك حجاب قلبه، # 21 # أو يسل البلاء خيط عظامه، أو يخالط جوفه كل داء دوي، ثم ما شئت من ~~«أو» بعد «أو» ... إلى أبعد حد مما انتهى إليه أهل الفقر في الفقر، وأهل الأمراض في ~~الأمراض، وأهل الأحزان في الأحزان، وأهل المصائب في المصائب؛ فيذهب العمر باطلا بالذي عليه ~~والذي له، ويجني هذا الإنسان على نفسه من أثر الخوف والطمع ما لا يستقيله أبد الدهر، فلا ~~يهنأ بموجود، ولا يطمئن إلى مرجو، ولا تكون آماله إلا مخاوف مستبهمة لا مأتى لها من ~~الحقيقة، فيجد روح التعاسة في أشياء كثيرة، ولا يكاد يصيب العزاء في شيء قليل! # وهنا يا بني الحفرة التي يقبر فيها بعض الأحياء ليعيشوا عيشة وهمية، أو ليموتوا موتا ~~وهميا، تلك الحفرة التي يقضي الأحمق شطرا من عمره واثبا في الأوهام بين شاطئي الدنيا ~~والآخرة، حتى إذا انتهى إليها تردى فيها، وكان الرأي لو ادخر لها بعض تلك ms071 ~~الوثبات. # وأما الحكيم الذي يعرف الحياة كما يمكن أن تكون، ويعرف أن كل حي من الناس فإنما هو حي على ~~شروط لواهب الحياة، ثم للحياة نفسها، ثم لأهل الحياة؛ فهو أدرى بالمصائب من ذلك الأحمق، ~~ولكنه لا يثيرها ولا يبحث عنها ولا يمتلق لها العلل # 22 # من نفسه، ولا يعترضها في غيره، وما نزل به منها فإنه يفتح لها من قلبه سبيلا ~~تمر فيه بين العزيمة والجرأة، وإلا فبين الثبات والصبر، وإلا فبين التوكل والإيمان، وما ~~أهون مصيبة تفتح لانصرافها ثلاث طرق واسعة! # وهذا الحكيم يجد في محنته لذة تشبه لذة الدرس لمن همه الحكمة واختبار الأشياء ~~ومعاناة خواصها وأسرارها، كأنه من مصائبه في «معمل» للتجربة والاختراع؛ فإنما هو يتلقى عن ~~الله ما لا يصيبه به إلا هو، وما لا يصرفه عنه إلا هو، وإنما يستعمل رأسه للفهم لا للوهم، ~~وهو يعرف أن علم الله أزلي يسع الأزل كله، وأن الأقدار من علم الله فهي مقسومة على الدهر ~~كله، وأنه هو في جانب الدهر لا يبلغ أن يناله ما تنال الشرارة من ماء البحر إذا هي انطفأت ~~في البحر. # هذا الحكيم يعرف أن الحياة ليست هي الانتهاء إلى الموت على أي وجه، ولا هي بالهرب من ~~الموت في كل وجه، فهو لا يبالي الموت ولا يخافه، ولا يعبأ بالحياة ولا يرجوها، ولكنه يمشي ~~على صراط من فضائله، وعلى نور من ربه، فما دامت فضيلته لا تنكره، وما دام قلبه مطمئنا ~~بالإيمان، فكل ما بين الأرض والسماء وما بين الآخرة والأولى هو مادة العزيمة في نفسه، ومادة ~~القوة في روحه، ومادة الابتسام على شفتيه! # فإن نزل به هم وأدركه خور الطبيعة وضعف الإنسانية، فلم يستطع أن يخلص منه، صرفه إلى جهة ~~غير جهته، واستخرج منه معنى غير معناه، وقابل بين راحة الرضا به وتعب السخط عليه، ونظر في ~~مبلغ شره، وما عسى أن يكون حاله لو نزل به ما هو شر منه، وجمع بين الدعاء لله أن يصرف عنه ~~ما وقع، ms072 وبين الحمد لله على وقايته مما كان يمكن أن يقع؛ ثم لا يزال يعالج الهم مستأنيا ~~ربيطا جأشه، حتى تثوب إليه القدرة على نفسه، فتسكن إليه النفس من نفرتها، وحتى يرى هذا ~~الهم كأنه مما لا بد منه في رياضة أخلاقه وتنزيه شمائله، وكأن صدع الجانب الذي بينه وبين ~~الناس، أو بينه وبين نفسه، إنما كان لتقوية الجانب الذي بينه وبين الله. # وأشقى الناس من يتوقع الشقاء وهو لا يعلم من حاضره ما الله صانع به، ولا من مستقبله ما ~~الله قاض فيه، وكأنه يتظنى بالله فيرى أنه تعالى قد وكله إلى نفسه، وأيأسه من رحمته، ~~وصرف عنه تيار الغيب المتدفع بالحوادث والأقدار بين شاطئ الليل والنهار، فلا يدفع إليه ~~جديدا ولا يصرف عنه قديما، وكأن الزمن كله يتحرك وهو ثابت قار قد حصره الهم من هذا ~~الفلك في زاوية، ووضعه الدهر من بيت الأحزان موضع القافية، والمصيبة في مثل هذا أكبر من كل ~~شيء لأنها لا شيء. ولا ينفع المرء أنه من الناس إذا لم يكن من نفسه، وهذا لا نفس له أو كأنه ~~لا نفس له؛ إذ لا ثقة به ولا قوة فيه، ولو كان وجهه جلدة مما بين عيني الأسد لما ظهر إلا ~~جبانا، ولو اختلط الحاضر بالمستقبل على شيء لما اجتمع منهما ما يجتمع من غضون جبهته في ~~تعاسته التي يظن أنه خص بها؛ فهو يتوهم الخوف، ثم يخاف مما يتوهم، ثم يخاف أن يكون الأمر ~~أكبر مما توهم، ثم يخيفه أن تخذله الأقدار فلا يقوى على ذلك، ثم يكون أشد خوفه من أن ~~يستمر له ذلك! فمن خوف إلى خوف إلى خوف، وهو تتابع يصور الرعدة التي تعتريه لجبنه كما ~~يصور ضحك القهقهة من هذا الجبن. # 23 # وذلك يا بني ضرب من ضروب استحالة النفس، كأنها ليست في صاحبها أو ليست له؛ فهو يمر على ~~الحقائق فزعا كما يمر الطائر على الأخيلة التي تنصب له على الثمر، ويجزع منها كما يجزع ~~الطفل من أرواح المردة ms073 والشياطين التي تسكن ألفاظ التهويل ونحوها مما يفزع به، ثم هو ~~من المصيبة الواحدة في مصيبتين: أما الأولى فشدة الخوف التي تفقده لذة ما يكون فيه من ~~النعم - والنعم لا حصر لها - فلا يشتهيها، ولا يجد لها مساغا بعد أن لبسه مرض الهم. وأما ~~الثانية فقوة اليأس التي تضعف قدرته على الحيلة للخلاص مما نزل به، فكأنما شد عزمه ~~وثاقا، ثم لا يكون من اجتماع المصائب الثلاث # 24 # معا إلا أن يورثنه الذل وسقوط الهمة وتخلخل الفؤاد واضطراب النفس، حتى كأنه ~~من هذه الوساوس بين جدران وثيقة محكمة لا نافذة منها على فضاء الغيب، والغيب ملء الأبد، ~~فيصبح جلدا بلا جلادة، وعظما أوهنت منه البلادة، ورجلا لو أطاعته كل قوة في الدنيا ~~لما أطاعته الإرادة، وصنما من أصنام الحياة يعرفه العاقل للتحطيم ويحسبه الجاهل للعبادة! # | هوامش # الفصل السادس # | وهم الحياة والسعادة # قال «الشيخ علي»: ولقد عرفنا الحياة ما هي لأننا نحن أمثلة عليها، ولكن البحث في معنى هذه ~~الحياة لم ينته بعد؛ لأن هذا المعنى لا يزال كما كان فوق السموات، ولو استطاع الكاتبون من ~~أهل العلم أن يخطوا في كتبهم بمداد من أضواء النجوم التي يسكبها الخلود كل ليلة على ~~الأرض ملء محبرة الليل، لكان عسى أن تستنير مباحثهم في ظلمات الحياة، وأنى لهم ذلك وليس ~~وراء النفس الإنسانية إلا الذي هو وراء السماء، ولا وراء السماء إلا الذي هو وراء ~~النفس؟ # ألا فاعلم يا بني أنه ما دام هؤلاء العلماء يتعاقبون على تفسير المعاني الإلهية ولم ~~ينتهوا بعد، فمعنى ذلك عندنا نحن الجهلاء أنهم لم يبدءوا بعد. # وما هي الحياة؟ أما إنها ليست طريقا مسافته كذا، ولا قياسا ذرعه كذا، ولا وزنا ~~مبلغه كذا، ولا شيئا من هذه المعاني التي تضرب الأقلام والألسنة في مفاصلها، بل هي فيما ~~وراء ذلك من عال إلى بعيد إلى غامض إلى مبهم، حتى تنتهي إلى منبع النور الذي تلتطم على ~~ساحله موجة الأبد. # وإن أبيت إلا ما هو دون ذلك وضوحا وانكشافا ms074 وبسطا في التأويل، فقل إنها في كلمة ~~واحدة: فتح السماء بفكرة واحدة. # 1 # ولتدعني يا بني من لغة هذه الكتب، فإنها متى انتهت إلى السماء رأيتها أكثر ما تراها ~~ألفاظا لا معنى لها؛ إذ ليس هناك من جلال الله إلا ما يشبه أن يكون معنى لا ألفاظ ~~له. # ودعني أحدثك عن الحياة بما أفهمه - أنا الرجل الطبيعي - من فلق الصبح ومن روعة ~~الشمس، ومن إقبال الليل وإدباره؛ وبما أعرفه من هذه اللغة التي تنزل بها السماء ما يتصل ~~بنا من معانيها، لغة القضاء حين يسأل ولغة القدر حين يجيب؛ وبما أستوحيه من معاني هذه ~~الإشارات التي تتحرك بها جوارح الطبيعة، وهي مزيج من لغة البقاء الأرضي الذي يريد أن ~~ينتهي، ولغة الخلود السماوي الذي يريد أن لا يفنى؛ فالحياة يا شاعري العزيز لا تخرج من ~~الدواة ولا تقطر من القلم، بل أنا أحسب هذا المداد الكثير الذي أراقه عليها الناس هو الذي ~~جعلها كما يقول الناس سوداء. # ولا يكفي أن يعلم الرجل كيف يسوق المقدمات، وكيف يحسن القياس، وكيف يخرج معنى من ~~معنى؛ حتى تكون النتيجة على ما توهم، والحقيقة على ما يقيس، والصواب كما يستخرج. وفي علم ~~الحياة خاصة - وهو العلم الذي لا مادة له إلا من الحوادث - أن بناء من المنطق لا يتخذه ~~بيتا إلا ساكن من الخيالات! # لست أعرف الناس قد غالوا بشيء قط مغالاتهم في قيمة هذه الحياة، فقد والله استجمعوا لها ~~كل ما في الرغبة من الحرص، وكل ما في الخوف من الحذر، وكل ما في الأمل من الترقب، ~~وكل ما في الحب من الخيال؛ واستجمعوا فوق ذلك تلك المعاني التي لا قرار لها في الأرض ولا ~~في السماء، معاني النظرات الوهمية التي يرسلها المخلوق من أرضه إلى عرش الله، كأنه لا يجرؤ ~~على أن يشك في نهاية الحياة إذ هي تنتهي على أعين الناس، ولا أن يجزم بهذه النهاية إذ هو لا ~~يريد الموت، وكأن الحياة لا تكفيه. # وما دام للحياة غد يرتقب وهو ms075 الذي يسمونه المستقبل، فكل وهم يسهل على الحقيقة أن ~~تهلكه أو تمرضه أو تضعف منه، إلا تلك المغالاة الممقوتة، فإنها أبدا في خصب وعافية ما ~~بقي لها غذاء من ذلك المستقبل المحجوب. # قال «الشيخ علي»: وأنت إذا سألت رجلا عن مسألة، فسدد الجواب وأحكم الصواب، قلت: هذا ~~جواب يحسن السكوت عليه. ولكنك إذا سألتني أنا ما هي الحياة كما يفهم الناس؟ قلت لك: هذا ~~سؤال يحسن السكوت عليه! لأن اللغة هي هي التي أسمتها «الحياة» واستخرجت لهذا الاسم العذب ~~معانيه من أوهام الأحياء، وكم فيما وراء السماء من معاني تملأ الأبد، ولعلها لا تملأ سطرا ~~أو سطرين في معاجم اللغة! # ولكن دع هذا وسلني ما هو الزمن الذي يقضيه الإنسان من يوم يولد، فلا يقدر أن يرفض ~~هذه الدنيا إلى يوم يموت، فلا تستطيع هذه الدنيا إلا أن ترفضه؟ وما هو هذا المهد الذي يكبر ~~شيئا فشيئا حتى يصير في الآخر قبرا؟ وما هو هذا العمر الذي يمتلئ قليلا قليلا حتى ~~ينتهي إلى الفراغ فيغيب فيه؟ وما هي هذه الحوادث التي تزلزل الناس # 2 # في طريق القدر حتى يخروا على وجوههم فتتحول أجسامهم في الأرض إلى تراب في ~~طريق المنفعة، ويتحول تاريخهم ترابا على طريق الموعظة؟ # سلني كذلك يا بني أجبك: هذا الفناء المحتوم، وهذا الشقاء المقضي، وهذا الأمل ~~الباطل، وهذا النصب الضائع، وهذا العمل الذي لا يراد لنفسه ولكن لما بعده؛ كل ذلك هو ~~الحياة، أفلا ترانا نخادع أنفسنا إذا سألنا عن الحقيقة التي يسوءنا أن نعرفها، فنحرف ~~السؤال إلى جهة بعيدة لكيلا نرى الجواب الصحيح مقبلا علينا، ولكن مدبرا عنا؟ # فما عسى أن تكون هذه الآمال، وهذه المنافسات، وهذا النزاع، وهذا الصراع، وهذه الأفراح، ~~وهذه الأتراح، وكل ما إلى ذلك مما هو من مدلول الحياة؛ إلا باطلا نستمتع به قليلا، ثم ~~يظهر أنه متاع الغرور؟ # ما عسى أن تكون الحياة بكل ما فيها إلا مدة محدودة على ظهر الأرض، تجعلها أوهام الإنسان ~~ومطامعه وحماقته وجهله وكبرياؤه كأنها الأبد ms076 كله؛ فيكد ويكيد، ويعمل ويدخر، ويهنأ ~~ويحزن، ويطمع ويحرص؛ على نسبة من ذلك لا من نفسه، أي نسبة أبدية لا إنسانية. # ألا إنما مثل هذا الإنسان المغرور مثل رجل جمع الله عليه المصيبتين في باصرته ~~وبصيرته؛ فضل في مكان، فهو يقبل ويدبر في دائرة من فضاء الأرض لا يهتدي إلى الوجه ولا ~~يذهب على السمت، فيتوهم أن الطريق لا ينتهي، وأنه وقع في صحراء لم تدرسها عكازته، وليست ~~من علم رجليه في جغرافية هذه «المسكونة»، وكما لا تكون الطرق عند هذا الأعمى إلا من علم ~~رجليه، فأكثر طرق الحياة عند هؤلاء المغفلين الذين يطمس الله على بصائرهم هي من علم بطونهم، ~~وما أدراك ما علم بطونهم؟ وما رأت الحكماء أحدا قط جهل حقيقة معنى الحياة إلا وجدوا ~~هذه الحقيقة في بطنه؛ ولذلك قالوا: من كانت همته ما يدخل جوفه كانت قيمته ما يخرج منه. ~~وإنما البطن جوع فشبع وشبع فجوع، وعلى هذا القياس لا تكون حياة هؤلاء إلا جوعا في الشهوات ~~والآمال، فلا يطفئه إلا ما يسعره، ولا يجلب الراحة فيه إلا ما لا بد أن يرجع التعب به، ~~جوع في الشهوات والآمال بالعقل لا بالبطن؛ لأن علم الحياة عندهم علم بالبطن لا بالعقل، ~~وكلاهما مثلة بهذا الإنسان، # 3 # ويا لله كيف يريد الإنسان أن يحيا كما يحب، ثم يحب ما لا يتفق مع سنن ~~الحياة؟ # من أجل ذلك شقي أكثر الناس بالعقل؛ إذ يقلبون به الأمور، ويحتالون منه الحيل، ويكرهونه ~~أن يعمل على السخرة في لذة الجسم، ويحضرونه من هم الشهوات الحيوانية ما لا قبل لهذا ~~الروح الإلهي أن يستكلب فيه، # 4 # وإذ يخضعونه بدلا من أن يخضعوا له، ويسيرون به بدلا من أن يسير بهم؛ فكان ~~من ذلك طغيان الحواس وطمسها على الروح وتعفيتها على آثارها الإنسانية، ولا جرم كان من ~~وراء ذلك طغيان هذه الفوضى المترامية في الاجتماع، وانبثاقها بالشر من كل ناحية، وتداخلت ~~حدود المطامع بعضها في بعض فصار الناس كالأمواج، لا تقوم القائمة إلا من ms077 سقوط ~~الساقطة. # وكان الناس يتعلمون كيف يسبحون في بحر الدموع ليأمنوا الغرق فيه، وليستنقذوا الغرقى ~~منه، # 5 # فجدت بهم الحوادث حتى تعلموا القتال عليه، وصار من لم يستطع أن ينقذ نفسه ~~يجتهد أن يغرق غيره! # الإنسان حيوان لولا العقل، فلما أخضع لشهواته العقل صار إنسانا لا حد له في الحيوانية، ~~فهو من هذه الجهة لا إنسان ولا حيوان، وإن كان الشيطان مطرودا من رحمة الله، فخير ما يقال ~~في هذا الإنسان أنه شيطان فيه موضع للرحمة! # ولقد خلق الله هذه الحواس ولا ضابط لها إلا العقل يحكم تحديدها، ويتولى تسديدها، ويستعين ~~في أمرها بكل على كل، ومن ثم يستقيم من هذا الإنسان شيء معقول، ويصبح قد ضربت عليه ~~الحدود لا يتعداها، ورسمت له دائرة في الإنسانية لا يجاوزها، فيقر كل امرئ في حيزه ~~وقد صار عنده من الناس وعند الناس منه وثائق من العقل وبينات من الحق، إذا هو حاكم إليهم ~~ضلالة منهم، أو حاكموا إليه ضلالة منه، # 6 # وهنالك يرى كل عمل طيب ثواب نفسه؛ لأنه هو من فضائله كأنه شريعة لنفسه، ومتى ~~كان العمل الطيب مما يجزئ في ثوابه عند الرجل من الناس أنه عمل طيب، فقد أصبح ولا غرو من ~~سعادته؛ إذ لو لم يجد به سعادة لما لقي منه ثوابا، وبذلك - بذلك وحده من دون كل الوسائل ~~الأخرى - تصبح السعادة عملا من الأعمال يمكن أن يمارسه الإنسان فيسعد ما شاء الله أن ~~يسعد، ثم تكون الحياة على ذلك واجبات يقضيها، فإن تحققت أو لم تتحقق فإما دخلت على نفسه ~~بسرورها، وإما خرج منها بعذره وقد أبلى عذرا. # ومتى صارت حياة رجل من الناس إلى أن تكون واجبات يتنجزها ويستقضيها من نفسه، فما ثم ~~لشهوات البدن موضع إلا كموضع النار من يدي المصطلي؛ لا يراد منها إلا حرها، ولا يطلب ~~من حرها إلا قدر معلوم، ولا يبتغى هذا القدر إلا مدة بعينها، ولا تكون هذه المدة إلا ~~بمقدار ما يصلح أو يدفع الأذى، لا سرف في كل ms078 ذلك ولا هوان ولا مضيعة. # قال «الشيخ علي»: ولكن كل شر العالم يا بني في لفظ واحد هو طغيان الحواس، وبمعنى واحد ~~هو إذلال العقل، ولغرض واحد هو هذا الموت الأدبي الذي يسميه المغفلون سعادة ~~الحياة. # منذ طغت الحواس أصبحت الحدود بين مطالب الإنسان من فضائله إلى رذائله ولا أثر لها؛ لأن ~~الشاطئ لا يعرف تحت السيل إذ طم عليه، # 7 # فما أنت ولا أنا ولا أحد يدري ما هو حد الكفاية في رغبات هذا الإنسان ~~وأهوائه، بل صارت هذه الكفاية وما ينطوي تحتها من ألفاظ القصد والقناعة والرضا وما إليها؛ ~~ألفاظا خيالية يساير ظلها ظل الإنسان، فلا حد لها ما دام هو لا يثبت لنفسه حدا، ولا ~~تتأخر ما دام هو يتقدم، وأصبح أكثر الناس في رغباتهم الخيالية وما يعملون لها مدة الحياة ~~كرجل ائتلى # 8 # أن يخط دائرة مركزها ليس في محيطها، فكلما رسم دائرة رأى المركز في ~~داخلها، فيجتاز به وراء المحيط، ثم يدير يده فإذا واحدة أخرى تقاطع الأولى، ولم يصنع شيئا ~~صحيحا مما يحاوله، ويمضي على ذلك ما شاء الله ولا يصنع شيئا، فلا هو يخطئ رأيه، ولا هو ~~يرى من عمله شيئا صحيحا؛ وما بقي من الأرض فضاء لم يخط عليه بعد فهناك ... هناك يرى هذا ~~الأحمق الدائرة المتوهمة التي يخرج مركزها عن محيطها! # من هذا ونحوه أصبحت السعادة وهما من الأوهام؛ إذ لم تعد في إشباع العواطف وتغذية ~~الشعور، وليست في موضعها الذي هو بين الضمير والعقل، ولكنها في إشباع جسد لا يشبع ما دام ~~حيا، وفي تغذية حاسة لا يزيدها الغذاء إلا شرها وضراوة، فلن تكتفي إلا إذا بطلت، وفي ~~موضع مجهول بين هذه الحواس لا حد له إلا كالحد بين ما يجد المعدم وما يتمنى؛ فالسعادة على ~~ذلك هي دائما في الاستعداد للسعادة، وكفى بهذا عبثا! # ولعمري ماذا تكون الحياة، بل كيف تكون؟ أليس يعلم الإنسان أنه سائر إلى الموت، ويعلم كذلك ~~أنه طالب ما لا يموت؟ فلا جرم كان شعوره ms079 بهذا التناقض مؤلما، وكان هذا الألم هو منشأ ~~الهموم التي لا تدعه لنفسه ولا تدع نفسه له، وكانت حقيقة هذه الهموم التي يجمعها كلها هي ~~شعور الإنسان - شعورا فطريا جرى منه مجرى العادة - بالمنازعة بين ما يطلبه هو في الحياة، ~~وبين الحقيقة التي تطلبه هو من الحياة - أي الموت - ومن ثم يضطرب كيانه العقلي، فيؤثر ~~كل شيء في نفس هذا الإنسان تأثيرا أكبر من حقيقته؛ لأن حقيقة هذا الإنسان لم تعد في ~~نفسه بل في مطامعه، فهو يا بني كالوعاء المثقوب، تصب فيه البحر ولا يزال فارغا! والحياة ~~عنده دائما هي طلب الحياة، وكفى بهذا عبثا! # ولا تحسبن أنه لا يبالي بما مضى من عمره، بل هو يستشعر فوق ذلك الخوف من أن يكون الذي ~~مضى هو أكثر العمر وأطيبه؛ ولذلك لا يبرح شقيا بما يحاول، إذ يحاول أن يجمع طيبات الحياة، ~~ويستحوز عليها في القليل من عمره، ليستمتع بها فيما وراء ذلك، كأن الحياة التي قوامها ~~من الغذاء لا تفارق الإنسان ما دام الغذاء في بيته، وكأن الله يبيع المستقبل لمن اجتمع له ~~من الدنيا ما يتوهم أنه يقوم ثمنا للمستقبل. # لا يبرح هذا الإنسان شقيا، وهو أبدا من الهم والغيظ والتوقد واشتعال الأمل والاضطراب ~~في أسباب الحياة كالسكة المحماة؛ # 9 # يحسب ذلك من نفسه قوة وفضلا وسعة في الحيلة، ولا يدري أن هذه النار المشبوبة ~~في صدره تقطع منه أكثر مما تقطع به، وأنها كما تعطيه قوة المضي في هنات الحياة ~~وهيناتها، تعطي الأقدار الصلبة مثل هذه القوة عليه؛ فلا تكاد تصدمه من أي أقطاره # 10 # حتى يتثلم ويتفلل. # وهل تحسب مثل هذا يكون عداده في أهل السعادة، وهو من الحرص على الحياة يكاد يشم ~~تراب قبره في كل حادثة تلم به، ولا يزال يصلب على كل باب من أبواب الأيام حين يفتحها ~~الصباح وحين يغلقها الليل، ويرمى بالنبل المسموم من فضوح الدنيا وشهوات النفس الدنيئة، ~~ويقتل ضميره كل يوم قتلة الكذب والغدر والإثم؛ لأن ذلك من وسائل ms080 الحياة التي تبسط عليه ~~الدنيا؟ # وما ظنك بسعادة أولها حب النفس وآخرها بغض الناس؛ ومن مقدماتها منازعة الفرد للمجموع، ~~ومن نتائجها منازعة المجموع للفرد، ومن مبدئها درس الشر علما، ومن غايتها مزاولة الخبث ~~عملا، ولها اسم السعادة وفيها معنى الشقاء، ومن شروطها على صاحبها أنها لا تمتعه إلا بما ~~يمله، ولا تتبرج له إلا فيما لا يناله، ولا تظهره للناس أبدا إلا ليروا فيه رذيلة من ~~الرذائل، ثم لا تكون مع ذلك في موضعها إلا كالفقر في موضعه؛ هذا يوازن بين نعم السماء ~~التي تنزل على الضمير وبين هموم الأرض، وتلك توازن بين هموم السماء التي تنزل على الضمير ~~وبين نعم الأرض، وآخر أمرها أن لا يعرفها صاحبها إلا على الضد مما يعرفها الناس، فهم ~~يسمعون لها الأصوات العالية من الأمر والنهي والجاه وما إليها، وهو يعلم أن هذه الأصوات لم ~~تخرج منها إلا لأنها كبيرة فارغة. # قال «الشيخ علي»: وبذلك يا بني خسر الناس لذة الحياة، فلا أدري أهم بشر أم آلهة؛ لأني أرى ~~كل حي كأنما يريد أن يرم صدعا في الكون، وأن يصلح من هذه الدنيا ونظامها ما لم يصلح له، ~~ولماذا؟ لأن الدينار الواحد نواة ذهبية، ولكن هذه النواة لا تخرج لكل إنسان نخلة من ~~الذهب. # ولماذا أيضا؟ ولأن أكل هذه النخلة حين تؤتي أكلها لا يكون إلا مرا. # ولكن أليس في الأرض غير المال ما يمكن أن يستلذ وأن يسمى نعمة؟ وأين هي تلك السوق ~~التي تعرض فيها النعم الهنيئة، ويقف على جانبيها ملائكة الله يبيعون بالدرهم والدينار؛ ~~يبيعون المريض من أولئك الأغنياء عافية، والضعيف قوة، والحزين مسرة، والخائف أمنا، ~~والفزع اطمئنانا، والهرم شبابا، والمهزول جسما رويا، والميت رجعة أخرى ...؟ # ألا فليعلم الإنسان أن هذا العالم لا يصلح على غير ما هو عليه وما لا بد منه لنظام ~~الحياة، فسيأتي إن خيرا وإن شرا؛ فكلنا يسمي الصعاب التي تعرض له في طريق الحياة ~~عقبات؛ لأننا لا نبصر ما وراءها، ولا نعرف في أي موضع تقر ms081 من نظام الحاضر أو نظام ~~المستقبل، وهي لو تعلمون وسائل لما بعدها، فما تراد لنفسها أكثر مما تراد لغيرها، وهي بأن ~~تكون مقيدة بهذا أحرى من أن تكون مقيدة بذاك، ورب صخرة حالت في طريقك لتلفتك إلى ~~هاوية من ورائها، أو لتتقي بها عدوا يدلف إليك من ورائك! # والأعرج الذي يتأبط سناده # 11 # ويتخذ منه رجلا تبدأ من الكتف، لا يكاد يعرج بضع سنين حتى يستفيض صدره ويكتنز ~~عضله ويتفتل ويصبح لحيما بادنا، كأنما جمع في زنده حجم يده إلى حجم رجله التي رمي فيها، ~~وكان مرهفا دقيقا متهدم الصدر بارز الأضلاع خاوي العروق ممسوحا في جملته، ثم أنت لا ~~تراه إلا ساخطا متبرما يكاد يتحطم غيظا، وهو يلعن سناده وما حمل ... واليوم الذي حمله ~~فيه، والسبب الذي حمله به، ويرى كأن العرج هو الذي قطعه عن شأو المعالي وكان سباقا، ويظن ~~عند نفسه أن هذا العرج قد جعله في مشيته الممثل المضحك على مسرح الحياة! # ولا كل هذا يا رجل؛ فهل نسيت - ويحك - أن السعال كان ينفضك نفضة الموت، وأن البرد ~~كان قد اتخذ من أضلاعك سقفا يأوي إليه، وأن الأمراض لم تبرح ترميك آونة بعد أخرى كأنها ~~تلين عظامك القاسية للضجعة الأخيرة، وأنك كنت لا محالة هالكا تنفث رئتيك من شفتيك، ~~وتبصق روحك تحت رجليك، وأنه لولا الداء الذي يسمى العرج لهلكت بالداء الذي يسمى ~~السل؟ # 12 # هذه واحدة يا بني، وما من واحدة إلا هي أختها، وحكمة الله لا تختلف، بل هي هي في كل شيء ~~وإن كنا لا نعلم، وما خلق شيء عبثا، فتعالى الله الملك الحق. ولقد أعرف أن ما لم يقض ~~لي فهو مقضي لغيري، وأنه لا بد أن أذهب في هذه الحياة بقسط من مصائبها؛ لأنه جزء من ~~نظامها يتوقف على وجودي ويتوقف وجودي عليه، وهل أنا بدن يملأ الأرض، ورأس طبق السماء، ~~فيكون الفلك عمامتي، والقضاء غمامتي، وكل خير لهامتي؟ إن أنا يا بني من هذا الناس في ~~أقدار الحياة المكتوبة إلا ms082 كالجندي في العسكر، نصبته الحرب آلة حية تحركها الألفاظ ~~والإشارات من حيث تأتي؛ فهو يندفع إلى الموت ويشوي من لحمه على النار متى أرادت خطة الحرب ~~أن تنبعث وتتحرك، وإنما هو بجسمه وروحه وعقله نقطة صغيرة في خط صغير من خطط كثيرة مثله ~~رسمت بها فكرة أمير الجيش على صفحة الميدان؛ فليس للجندي أن يسأل عند الحركة: لماذا ...؟ إذ ~~هو لا يجد عندئذ من يقول له: لأن ...! ولكن متى أزفت الآزفة وحقت النهاية بالنصر أو الهزيمة، ~~رأى العمل الذي وراءه كأنما انقلب أحرفا وكلمات يستوضح منها فكرة القائد كما ~~رسمها! # قال «الشيخ علي»: ومن الأسئلة في هذه الحياة ما يولد حين يموت جوابه كما ~~رأيت، # 13 # فهو حمق من السائل ومضيعة؛ لأنه لا جواب عليه، وربما اعتده الأحمق معضلة من ~~المعضلات، وكد ذهنه فيه، وقصر همه عليه، وجعل يلقى به الناس ويفتح له الأحاديث، وذلك ~~سخف لا يوجد به الجواب الصحيح ولكن يضيع فيه السائل؛ إذ يستنفد من وسعه وعمله وحيلته، ~~ثم لا يرد عليه من كل ذلك سوى الخيبة، وهذا - أعزك الله - سر من أسرار ضيق الناس بالحياة ~~وتبرمهم بأقدارها ؛ لأن أكثر أعمالهم وآمالهم من جنس ذلك السؤال، فما أقل من ينتهز من ~~يومه قبل أن يذهب يومه، وما أكثر من يريد غدا قبل غد! # ولكأني بهذا الإنسان يود لو أسرع الفلك في دورته، وجعل يرتمي به المرامي البعيدة ~~لينهب ما في الغيب نهبا، ولينال الممكن كله وشيئا من المستحيل أيضا؛ فيحيا بعد ذلك حياة ~~طيبة عذراء لا تلد لياليها من مواليد الغيب قليلا ولا كثيرا. # دونك آمال الناس فانظر هل تجد في هؤلاء الحمقى من يصب آماله إلا في قالب يسع ~~ضعفيها على الأقل، وهو يحسب أنه بتوسيعه لها يخفي جانب الاستحالة فيها، ولا يدري أنه ~~يخفي جانب الممكن المعقول أيضا! يصبها في قالب التمني، وما موضع التمني في عالم الحس ~~وفي هذه الحياة الأرضية التي لا تزال تضرب جيلا بجيل، وتدفن قبيلا بأيدي قبيل، ويهملها ~~الإنسان في ms083 الكثير وهي لا تهمله في القليل؟ وهل التمني أن تكون حوادث الحياة ما أريد أنا ~~وما تريد أنت وما يريد فلان، إلا كما يتمنى كل إنسان من هؤلاء أن يكون غير نفسه، وكما ~~يتمنى الطفل حين يجيب معلمه خطأ ويعلم أنه أخطأ؛ أن يكون الجواب حقيقة كما أخطأ؟ # وقد يقال إنه ليس في العلماء أحمق ممن يكد ذهنه في ابتكار جواب غريب لمسألة لا تقع ~~لإنسان ولا يحتاج أحد إلى جوابها؛ فكذلك لم أر في الجهلاء أحمق ممن يسأل الحياة سؤالا ~~لا جواب عليه، أو لا يفهم الجواب عليه؛ كل ذلك حمق، وكل ذلك سخف، وكل ذلك عبث وباطل، ولكن ~~يا أسفا على الناس! كل ذلك أيضا من مذاهب الحياة، وكل ذلك من الواقع! # فالناس من بين طامع جريء إن نفعته الجراءة ذهب بمنفعتها الطمع، وقانع ساكن إن أفادته ~~القناعة ذهب بفائدتها السكون، ومتحيل على الغيب يستجمع له والواقع قد نفذ فيه، ومتبرم ~~بحاضره يبني على السماء والأرض تهدم منه، وقليل من الناس المؤمن الوثيق الذي يشعر بقوة ~~الله في كل ضيق؛ فإن لم ينصره الله على الحياة لا يخذله فيها ، وتراه لا يشك فيما يعرف ولا ~~يريد أن يعرف ما يشك فيه، وهو يعلم أنه ليس شيء من المصائب والنعم يمكن أن ينزل في غير ~~موضعه المهيأ له؛ إذ ليس في هندسة الله مكان مختل، # 14 # وأن النعمة الصحيحة ليست في لذات الإنسان الحي ولكن في حياة هذا الإنسان؛ إذ ~~الحياة الصحيحة هي التي توجد اللذة، وأن القوة التي تسمو بالحياة حتى تسخر لها الطبيعة ~~تسخيرا إنما هي قوة العقل، فإن وهن العقل صارت الحياة طبيعية حيوانية لا لذة فيها مما ~~خص به الإنسان دون الحيوان من روح الله، بل تكون اللذة كل اللذة هي فقدان الألم أو ~~إطفاءه إن تسعر. # 15 # وتالله لو أفرغت طيبات الدنيا في جوف هذا الحيوان الإنساني الذي وصفت لك ممن ~~يسمونهم الأغنياء والمستمتعين وأهل الحظ والهناءة؛ ما زادت في لذته على ما يكون ms084 من إفراغ ~~حقل من البرسيم في جوف حمار! # قال «الشيخ علي»: وكما يفقد أكثر الناس السعادة في كثرة الاستعداد لها والإغراق في ~~وسائلها، يجدها بعضهم في إهمالها حين لا يبحث عنها، ويذهب باحثا عن حقيقة الحياة. # ويا عجبا للناس! كأنهم ملكوا الأعمار، وضمنوا لأنفسهم دولتي الليل والنهار؛ فقلما ~~يفكر أحدهم إلا في زاد الدهر البعيد والحياة المتطاولة والأمد الواسع، وهو لا يرتاب في ~~أنه لا يعيش غير عمر واحد محدود، ولكنه لا يدري أنه يحمل على نفسه من تلك الأطماع شقاء ~~بضعة أعمار طويلة عالية السن، ويسوقها بين يديه ظالعة عرجاء تطلب السعادة في طريق لا ~~آخرة له، فهي تسير لأن بين يديها غرضا ما ينفك ماثلا على بعد منها، ثم تنبعث لأن ~~الطريق لا تنتهي، ثم تقف عاجزة لأن الحياة قد كلت، ثم تقع وما بها حركة لأنها انتهت إلى ~~الحفرة المجهولة التي تنشق تحت قدمي كل إنسان في الساعة التي هو رهن بها، ولو كان طريقه ~~في النعم واللذات على وادي الجنة بين الشمس والقمر! # كل شيء هو ما شئت أن تتوهم، ولكن الحياة هي الحياة: هي الحقيقة التي تريد أن تعرف، ~~والمدة التي تعمل على أن تنقضي، والمعنى الذي تطير حوله الأقدار وتقع لتلفت الناس إليه؛ ~~هي الحياة التي لا تتسع لأكثر من قضاء الواجبات، ولا تحمل جسدها إلا ريثما نبليه، واسمها ~~الحياة ومعناها النجاح، وهي الحياة لا المال، والحياة لا الشهوات، والحياة لا المطامع، ~~وإنما قيمة الحياة فيما تذهب فيه لا فيما يذهب بها؛ فكل لذة لا تجد لروحك أثرا فيها لذة ~~ميتة، وحقيق بك عندها أن تحسب أن شيئا من عقلك أو من فضيلتك قد مات فيها. # 16 # ولقد نقلوا في أساطير الأولين عن «ميداس» أنه بلغ من فرط الغنى أن لا يلمس بيده شيئا ~~إلا استحال ذهبا، فأرادت آلهة الخرافات أن لا ينخدع الناس فيه ولا يسحر أعينهم أو ~~يسترهبهم، وأن يعلموا أنه إنسان، وأن فرط الغني مثلة به، فمسخ «أپولون» أذنيه فكانتا ~~أذني ms085 حمار، ولعل فرط الغنى يا بني لا يكون في الأعم الأغلب إلا مع هذه الآذان! وما ~~أملحها نادرة وأبدعها إشارة وأحكمها ملحة! فإن كل ما في الحمار لا بد منه لتكوينه حمارا ~~سويا، إلا أذنيه الطويلتين، # 17 # فلو حملهما إنسان كميداس رزق غنى الحيوانية، فهما برهانان على أنه ليس ~~بإنسان صحيح، ولم يستطع أن يكون شيئا حتى ولا حمارا من الحمير. # وأي شيء هذا الغني الذي يأكل ويتمتع ولا يرتعي من لذات الحياة إلا الخضراء الناضرة، وقد ~~سلط على هلكة ماله أو سلط ماله على هلكته، # 18 # فإن ذهبت تعتبره إنسانا لم تر فيه من الإنسان إلا النصف الأسفل. # أهو حيوان؟ فأين عمله الطبيعي إذن؛ فإني لا أرى هذه الحيوانات # 19 # كلها إلا عاملة لنظام الطبيعة كما تعمل الطبيعة لها. # أم هو إنسان؟ فأين عمله الاجتماعي الذي يسني منزلته إذا أصبح الناس على منازلهم، وأين ~~الحد الإنساني الذي يصله بمجد الماضي، أو يدل عليه في عمل الحاضر، أو يلحقه بأمل ~~المستقبل؟ # إن الطبيعة يا بني لا تغفل خطأ ولا تنسى مذنبا ولا تصفح عن إساءة، ولكنها تضرب بيد ~~ألطف مسا من الهواء وأخف موقعا من الضوء، على حين أن صفعتها زلزلة لا يقوم لها بناء ~~حي؛ فلو أن مثل هذا الغني قد أعطي معدة حمار أو أعصاب بغل أو قوة فيل أو نحو ذلك؛ لتم ~~تمامه بالمال، فوجد في هذا المال مسد حاجته كيف مست، غير أنه أعطي شره الحمار ~~دون معدته، وأعطي في هذا الباب من البغل والفيل، وغير البغل والفيل دون ما يحمل ذلك وما ~~يبعث عليه، فكأنما مسخ من باطنه مسخا، على حين أن طبيعته الإنسانية لا تخلو على هذه ~~الأبواب من هذه الشهوات، # 20 # ولا تصلح بها ولا تطعم فيها من الحياة، وقد حدثوا عن امرأة من ذوات النعمة ~~الفاشية في أمريكا اتخذت كلبا، فوقع منها بموضع محبة شديدة، فاستصفته وتحفت به وذهبت ~~كل مذاهبها في ترفيهه، وفتحت عليه من دنياها العريضة، فنصت له السرير، وفرشت ms086 له الحرير، ~~وأبدلته سماع الموسيقى من سماع الهرير، ومنعته العظم يعالجه ويقرضه، وحرمته على الجوع ~~يقعده وينهضه، وما زالت به ترأمه وتحنو عليه، فإذا هو يذوي ثم يضعف ثم يمرض ثم ~~هلك؛ وكانت المرأة كأنما تقتله بالنعمة شر قتلة، وتصب عليه العذاب صبا من ألوان ذلك ~~النعيم؛ فكيف بصاحبنا الغني حين تبالغ الطبيعة في ترفيهه على ما يشاء له الهوى من سنة ~~الحمار والبغل والفيل وجماعتها، كما بالغت صاحبة الكلب في ترفيه كلبها على سنة ~~الإنسان؟ # قال «الشيخ علي»: الحياة يا بني مدة، والمدة ضائعة لولا العمل، والعمل على مقدار المنفعة، ~~والمنفعة بآثارها، وهذه الآثار هي تاريخ الحياة؛ فالأحمق الشره الذي يعيش مقبورا في ~~بطنه، والغني اللئيم الذي يعيش مقبورا في خزانته، والفاسق العاهر الذي يعيش مقبورا في ~~رذائله ومخازيه، والدنيء السفلة الذي يعيش مقبورا في جرائمه وآثامه؛ كل أولئك لا تاريخ ~~لحياتهم ولا حياة لتاريخهم، فهم أناس خلقوا بخصائصهم لتمثيل ألوان العذاب وأصناف ~~العقاب، يقع ذلك عليهم من الله ثم يقع منهم على الناس، وإنما يعان المخذول منهم على ~~احتمال أمره بما هو فيه من الغرور وما يطوع له، وما كان الغرور وصاحبه في عاقبة الحياة ~~ورجع الأمر إلا كرجلين من الحمقى ضمهما طريق فاصطحبا، ثم أفضى بهما السير إلى جبل قطع ~~عليهما، فقال أحدهما لصاحبه: إني أراك شديد الأسر قوي البضعة، وما أرى إلا أن تحمل هذا ~~الجبل وتلقيه بعيدا من هنا، فلا مذهب لنا إلا من ورائه. قال له صاحبه: أما إني كما وصفت، ~~وإن بي لقدرة على حمله، فما عليك أنت إلا أن تضعه على ظهري! # 21 # فلا الحامل أطاق فحمل، ولا المعين استطاع فأعان، وإنما هما كحماري العبادي ~~الذي قيل له: أي حماريك شر؟ فقال: هذا ثم هذا. # وهكذا يعين الغرور على طلب الدنيا، ويزين للمغرور فلا تراه أبدا إلا على زينة من ~~أمره، # 22 # حتى تذهب الحياة في باطل كالحق أو حق كالباطل، فإذا حسم الموت عنه مادة غروره ~~وجاءه باليقين الذي لا مرية ms087 فيه، قال: ويحي! لو رجعت لعلي أعمل صالحا فيما تركت! وآه لو ~~عرفت حقيقة الحياة قبل الموت، أو عرفت حقيقة الموت وأنا بعد في الحياة! # أيها المغرور! ما أراك إلا دائبا في طلب الحياة حتى تفقدها من شدة الطلب، فلا تكاد ~~تستوضح ما هي؟ فإياك وإياها، لا تأخذ معنى الحياة من نفسك؛ وإن لنفسك أغراضا حية تريد أن ~~تكون هي الحياة، ولا من الناس؛ إن فيهم أغراض نفسك، ولا من مدة عمرك؛ فإنها لا تبلغ طرفة ~~واحدة من عين التاريخ. # ولكن أعد نظرا على ما وراءك، وخذ معنى الحياة من ستة آلاف سنة عرفت من تاريخ ~~الحياة نفسها، # 23 # ثم من عمر الأرض كله، ثم من تاريخ الموت المجهول أوله وآخره؛ خذ معنى الحياة ~~من هذه الأفواه الصامتة التي لا تكذب لأنها تحفظ الحقيقة الإنسانية، من هذه القبور التي ~~تملأ الرحب، من هذه الهاوية التي ينصب فيها فراغ الحياة دائما دائما؛ لأن تحتها مجرى ~~التيار المتدفع من النهاية الأرضية المعروفة إلى الأبد الذي لا تعرف له نهاية. خذها ~~من هذه الكلمة التي وضعتها السماء للأرض، هذه الكلمة الأزلية التي تحقق الإخاء والمساواة ~~في الناس جميعا بلا شذوذ ولا تأويل، الكلمة التي يكون القبر زاوية في معناها، كلمة الله ~~- عز وجل - في قوله تعالى: # كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ~~. # أيها المغرور! خذ الحياة حقيقة لا وهما، وعملا لا علما، واسمع للحياة إن كنت تعرف ~~لغتها، أو اسمع للموت الذي يعرف كل إنسان لغته؛ فإن كل ذلك يعلمك أن الرجل الحر لا يعرف ~~على أي حالة يعيش إلا إذا قرر لنفسه على أي حالة يموت، وأن الحياة ليست في الوجه الذي ~~توجد عليه من الغنى إلى الفقر، ولكن في الوجه الذي تنتهي عليه من العمل الصالح إلى العمل ~~السيئ، وليست في ترفيه الحواس الغليظة ولكن في النفس والضمير: الضمير النقي، لثواب الدنيا ~~وجمال الحياة ولذة الخير؛ والنفس الطاهرة، لثواب الآخرة ونضرة الخلود ورحمة الله. # قال «الشيخ علي»: فلا تسأل يا ms088 بني ما هي الحياة؟ ولكن سل هؤلاء الأحياء: أيكم الحي؟ # | هوامش # الفصل السابع # | سحق اللؤلؤة # قال «الشيخ علي»: وإني محدثك الآن حديثا يشفي نفسك من الخبر، ويفتح عليك أبوابا من ~~العبرة والموعظة، ويحضرك طرفا من الدنيا بأقداره وعلله ومذاهب حكمة الله فيه كأنما أنت ~~شاهد أمره؛ فلتعلمن أن في المال مشغلة عما سوى المال، وأن الحرص عليه حق الحرص لا ~~يداخل أمرا من أمور الحياة فيعترض بين ورده وصدره إلا ساء أحدهما أو كلاهما، # 1 # وفسد الأمر، فعسى أن يتصل بما هو أجل منه خطرا وأسنى منزلة، فلا يكون ذلك ~~الحرص إلا مضيعة، ولا تكون الرغبة فيما يستخلف إلا سببا في ذهاب ما لا يستخلف. # ولتعلمن أن المال شيء غير الحياة، وأن الحياة شيء غير المال، وأن ما يختدع الإنسان ~~فيتلون له من سراب هذه السعادة إنما يكون أكثر ما هو كائن من بريق المال يحسبه شيئا حتى ~~إذا جاءه لم يجده شيئا، وعسى أن لا يكون فيما أقبل من نعيم الدنيا إلا ما يدبر بصاحبها، ~~وأن لا تصيب فيما زوي عنك من حظها إلا ما يقبل بحظ نفسك على نفسك. # ثم لتعلمن أنه إن كانت للقدر فترة عن رجل من الناس فقيرا أو غنيا أو بين ذلك، فما ~~هي غفلة ولا معجزة، ولعل الرجل إنما يمد له في الغي مدا طويلا، حتى إذا جاء يومه ~~انفجر عليه بما لا يطيق له سدا ولا يستطيع له ردا؛ وأنه رب كلمة تعارف الناس ~~معناها وأجروها على مذهبها في كلامهم، فإذا هي نزلت بعض منازلها من الحياة كان لها معنى ~~آخر لا تفسره إلا الحياة نفسها، ثم لا تفسره إلا على ضد مأخذهم ومقصدهم؛ فيقول الناس: ~~«فلان الأمير.» ومعنى ذلك فيما نراه من حوادث الحياة وأقدارها فلان النذل، ويقولون: «هذا ~~الغني.» ومذهب الحياة أنه الشقي بغناه، وفلان أعزه الله وإنما هي أخزاه الله بعزه، ويحسدون ~~فلانا إذ يرون أن الله - عز وجل - قد مكن له وآتاه من بسطة المال والجاه، فهو يستعد ms089 ~~للحياة بأفضل عدتها، ثم تقع الواقعة ويتغشى فلانا هذا ما شاء الله من الحوادث ~~والأقدار، فإذا هو إنما كان يستعد للموت بأقبح عدته! # ولتعلمن كذلك أن الغاية من هذه الحياة كمال الحي في جسمه ونفسه، فإن تم بالفقر فذلك ~~غناه، وإن نقص بالغنى فذلك فقره، ولا شأن لاصطلاح الناس فيما هو خاص بين المرء وذات نفسه، ~~وهذا معنى بسطته لك آنفا ولكني متلقيك بمثاله من رجل وامرأة، ولا عليك أن لا تسمع ~~حديثا عن الباشا و«هانمه»، أو أبي زيد وأم الخير، ولا علي أن أجيئك بالمثالين على ~~باخرة # 2 # أجعل ذلك من صرف الكلام وتزيينه، # 3 # وما بلادنا من هذه المخازي بمنتزح، ولكني أردت إمتاعك من لذة الحديث على ~~مقدار إمتاعك من حكمة الحادثة؛ والكلام عن رذائل الحياة في بلادنا هذه كلام غث يتجافى عن ~~الرقة في أكثر مناحيه، وإذا وجهته إلى أكثر قومك فإنما أنت تشتمهم به أو هم يتلقونه من ~~هذه الجهة، ولا مناص أن تقع بك ظنة السباب وإن كنت واعظا، ويقال عاق وإن كنت ~~برا، وغاش وإن كنت من الناصحين. # الرجل البخيل # أما فلان هذا فهرم بخيل، لو مسخ حجرا لتحطمت من غيظها الأحجار، ولو كان على ~~بخله حديدا لما لان الحديد في النار، ولو صوره الله طينا أجوف لما طن في يد أحد ~~على نقر، ولو خلقه مرة أخرى من تراب لما جمع هذا «التراب» إلا من ثياب أهل ~~الفقر. # وهو نبي أمة البخل، أما معجزته فهي قدرته على أن يستنبط غير المألوف من المألوف، ~~ويستغل الصفر فيخرج منه ألفا إلى ألوف، وإنه على ذلك لآية، فما رآه المؤمنون إلا ~~قالوا: اللهم غفرا. ولا رآه الجاحدون إلا زادوا عتوا وكفرا. # وكم تمنى وهو يتهالك حرصا أن يكون كإبليس في أنه لا يموت إلا متى هرم الدهر، ولا ~~يذهب من الأرض إلا حين لا يبقى في تاريخ الأرض عام ولا شهر، وإذا خوفته الموت ~~والحساب قال: ويلك دع عنك. وإذا علم أنه سيعطى كتاب أعماله في ms090 الآخرة، قال يا ليت ~~صحفه من «ورق البنك»! # على أن درهمه في أيدي الناس هم، واسمه في أفواههم سم، وكم لأمواله من قتيل، فمن ~~«استلف» فقد ذهب به التلف، ومن اقترض فقد انقرض! وكم من بائس قشعت غمامته، ثم غالت ~~هامته، # 4 # وقضت دينه، ثم أبكت عينه؛ فوالذي نفسي بيده إن دراهم هذا الخبيث لتعد من ~~اللصوص، وإنها للئيمة على العموم، أما هو فلئيم على الخصوص؛ يرسل الدرهم في يد ~~المحتاج فيذهب فيه ديناره، ويقدح فكره الملتهب فلا تقع إلا في بيوت الفقراء ناره؛ ~~ولو كان مخلوقا يوم عرض الله الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها، لحمل وحده الأمانة، وإذا كان مبلغ القول في وصف كل غني كريم أنه «صراف» في ~~خزانة الله، فجهد القول في هذا اللئيم أنه لص الخزانة! # 5 # وهو على غناه كأنه في الناس بؤس المفلس في القمار، وكأنه لحقارته ذيل الحمار؛ إن ~~طلع عليهم فطالع زحل، وإن غاب عنهم فوباء رحل، ومتى ذكروه فكأنهم نكروه، وإذا قضي ~~عليهم أن يسموه فكأنما شتموه، وإذا وصفوه قالوا وجع الأظفار، وذنب بلا استغفار، ~~اللهم قنا عذاب النار! # أما وجهه فلو أنزل الله مرآة من السماء فنظر فيها لصدئت من قبح خياله ، كصدأ ذلك ~~المخزون من ماله؛ وأما روعته فلو خرج على الحسان لابتلاهن بما يفجئ الظباء من رؤية ~~الفهد، وامتلكهن بما يعتري المرضع إذا كشفت عن طفلها فأبصرت الثعبان في المهد؛ وأما ~~جهامته فلو نظر إليه البدر لغرب، ولو اطلع عليه الفجر لهرب؛ وأما روحه الخفيفة فلو ~~بعثت في خلق آخر لما كانت إلا بقة صيف في رقبة ضيف، أو بعوضة تلسع العاشق المهجور ~~فتوقظه وقد ظفر بالطيف، وحياته كالبلاء المحتوم، وغناه كالكنز المختوم، وأما هو ~~فكالقبر الكتوم. # وأحسب لو رسمه أمهر المصورين فأبدع في خططه # 6 # وألوانه، وأنطقه من عينه وعنوانه، # 7 # وجعله آية فنه وافتنانه، وترك من يراه لا يحسب إلا أن المصور قد سرقه، أو ~~أن الله تعالى مسخه على ورقة؛ لبقي مع ms091 ذلك في رسمه مغمز لا تصلحه إلا يد الشيطان ~~الرجيم، ولا تلونه إلا شعلة من نار الجحيم. ومن للمصور بشرارتين من الصاعقة ~~ينزلهما في الرسم لتظهر بهما عيناه، ومن له برقبتي البخل والرذيلة يطبق عليهما ~~يسراه ويمناه، ومن له بلونين من غضب الله ونقمته يظهر بهما في الصورة معنى فقره ~~وغناه؟ # ولست أطيل في القول، فما أنا ببالغ من القول بعض صفاته، وهيهات أن يصفه على ~~الحقيقة إلا من يعلم لغة الملائكة، فينقل إلى لغة الناس كتاب سيئاته. ~~••• # قال «الشيخ علي»: ذلكم هو «الكونت فيكتور»؛ رجل أملق أموال الناس وزادها في ماله، ~~وجمع بين سوء حمل الغني وسوء حمل الجاه، وعرف النعمة ونسي المنعم بها، فكأنما فتح ~~الله عليه من هذه الدنيا، ومكن له في أبوابها، وأفشى جاهه ونعمته على ما ابتلاه به في ~~خاصة نفسه من المحق؛ ليجعله واحدا من أولئك الذين يخرج للناس من تواريخهم قصصا في ~~الأخلاق محكمة السبك، في نسق التأليف الإلهي المعجز الذي يأتي بالحادثة إلى موضعها ~~حية وميتة، وينزل الكلمة في مستقرها من الموعظة، ولو أن فيها ذهاب نفس وإدبار ~~نعمة، ويدير المثل والفلك بأسلوب واحد. # وقد أسند هذا الرجل في حدود السبعين وكادت تحطمه السن، ولا يزال متأبدا # 8 # لم يستر سقف بيته امرأة، ولا ضحكت الشمس فيه على وجنة طفل يتبسم، وقد ~~نشأ على أن حب المال لا يستقيم إلا ببغض النساء؛ لأنه أكثر ما يجمع لهن، وأكثر ما ~~ينفق عليهن، ولا يرى المرأة إلا أنها «ثورة مالية»، «وسوق في البيت» و«أزمة يحتال ~~الرجل للخلاص منها بالوقوع فيها»، ويقول إنها منذ أكلت من الشجرة الملعونة في السماء ~~جعلت الرجل شجرتها الملعونة في الأرض، فهو ما عاش ينبت وينمو، وهي ما عاشت تحصد وتأكل. ~~وقال مرة: إن الرجل لا يزال عقلا حتى يتزوج، فإذا هو فعل فقد صار من زوجه وأولاده ~~سلسلة بطون. فقيل له: ولم لا يكون يومئذ من زوجه وأولاده سلسلة عقول؟ قال: إلى أن ~~يصبح أطفاله القدماء رجالا يكون هو ms092 قد صار طفلهم القديم! # وجاءه يوما سمسار يساومه في أرض له، وجعل يراوغه ويترقى إلى خديعته بما أوتي ~~السماسرة من خبث ودهاء، ويقبل به مرة ويدبر به مرة، والكونت في كل ذلك يعبث به وينمي ~~له، # 9 # ثم صرفه على طمع كاليأس، فلما ذهب مدبرا قال: ويحي! لو أن هذا السمسار ~~كان امرأة جميلة إذن لأدارني في يده كما يرقص الدينار على الظفر؛ فالحمد لله إذ خلق ~~النساء على نظام رحيم، فجعل في هذا الشر المحتوم موضعا للهرب! # ولما بلغ الخمسين - بعافية من الله - قال: أحسبني لو كنت متزوجا يوما فإن امرأتي ~~في هذه الساعة تلتقم ثدي أمها؛ فسأنتظر حتى تصلح لي! فأجابه بعضهم: وحتى تصلح لها ~~أيضا! # وتواصفوا عنده الجمال مرة، وأفاضوا في حديث النساء والنعمة بهن - وقد تعالم الناس ذلك ~~البغض منه - فلما أضجروه قال: حسبكم يا قوم، ما أراكم إلا تخلقون إفكا؛ إن هذه ~~المرأة في حقيقتها غير تلك المرأة في وهم الرجل، فهي هي حتى يبعث عليها وهمه ويصبغها ~~بألوان نفسه وتستضيء به، فكأنها منه أمام الفانوس السحري! إن المرأة خصم عنيد لا يقتل ~~بالغضب ولكن يقتل بالضحك، وشر ما فيها أنها إن لم يكن منها قتل فليس معها ~~حياة. # 10 # تقولون إن الرجل محتاج إلى المرأة! فقد كان ذلك أيام كانت المرأة كأنها في عملها ~~للرجل رجل آخر؛ فتلك حاجة اليد إلى اليد، وحاجة الظهير إلى الظهير، ولهي ~~مناقلة طبيعية في الجنسين بين قوة تحتاج إلى ضعف يخفف من سورتها، وبين ضعف يحتاج ~~إلى قوة تشد منه؛ فلو كان للعالم كله رجالا إذن لطالت أنيابهم كثيرا، ولما وجد ~~على الأرض من يخترع مقصا للأظافر! # أنا لست أنكر أن المرأة شيء طبيعي، وما هي بهولة من الهول # 11 # ولا مسخ من المسوخ، ولا أنا آسف على خروج آدم من الجنة بذنبها؛ فإني رجل ~~اقتصادي، ولقد كان من هذا الذنب رأس مال كبير، فإياكم وإياي، لا تظنوا أني أكابر أو ~~أماري، ولا تحسبوني جلفا يكره الجمال، ويريد ms093 أن يكون للمرأة بديلا من رأسها النحيف ~~المكلل رأس جاموسه، وبدلا من يدها الرخصة الناعمة ظلف بقرة! # 12 # حسبكم يا قوم - حسبكم الله - لا أطيق هذا العبث بي، ولكني أسمعكم تقولون ~~المرأة، وتصفون المرأة، ولا أرى المرأة نفسها كما تحدثون وتصفون، بل أرى مخلوقة غريبة ~~الأطوار في هذه المدنية، وأرى خرقاء إن لم يكن معها الإفلاس فلا أقل من أن يكون معها ~~الندم أو الغيظ أو السخط، وربما كانت بلاء ماحقا يزف إلى الرجل يوم زواجه ~~باحتفال، يخيل إليها من الفكر في المال أن الرجل هو مال أيضا، وتريد أن تتزوج، ~~ولماذا؟ لأن المحراث لا يلتمع نصله إلا بعد أن يجدوا له الثور! # امرأة متأنقة لا تريد إلا أن تطلع الشمس كل يوم على زي جميل، ليكون لزوجها كل ~~يوم هم جميل، ثم هي أحسن ما تكون حين تخرج من بيتها، كأن بيتها منخل لا يمسك ~~منها إلا الحثالة! # إننا يا قوم لقاء المرأة لا تلقاء معجزة من معجزات الأنبياء، فنحن نستطيع أن نقول ~~هذا خطأ فيها وهذا صواب منها، ولكنها على أي أحوالها لا تريد أن نكون معها أبدا إلا ~~على حالة واحدة؛ تريد أن تشبه نفسها لأنها لا ترى أكمل من نفسها، أما الرجل فهو إذا رأى ~~فيها نقصا ، فذلك عندها لأن عينه عين رجل، وتكاد أهدابها تكون من شعر اللحى ~~والشوارب؛ # 13 # فمن ههنا لا يرى الخبيث تلك الحسنات النسائية التي تترقرق من المرأة في كل ~~شيء صافية جميلة كنور القمر. # ترى هذه المرأة أن كل حسن في أعمالها لا يكون إلا أحسن شيء، لأنها حسناء، ولكنها ~~لا تقر أبدا أن كل قبيح في أعمالها ينبغي أن يكون أقبح شيء، ولماذا؟ لأنها حسناء ~~أيضا! # هذه المرأة الجميلة قد ظنت عند نفسها أنها شيء مقدس؛ ولذلك لا تريد أن تعمل عملا ~~كبقرة البراهمة، فيا ليت الرجل كان شيئا مقدسا أيضا، كعجل المصريين القدماء! ولكن ~~البقرة المقدسة في المرأة لا تعرف العجل المقدس في الرجل! # يا هؤلاء، إنما الرجل ms094 مخلوق قوي، ولكن معظم قوته منصرف إلى حواسه، فمن ثم كان ~~في يد المرأة ضعيفا؛ لأنها على ضعفها ينصرف ما فيها من القوة إلى عواطفها، فلا يلتقي ~~الخصمان إلا كانت الهزيمة على الرجل، وقد كان لولا سفاه رأيه في منظر عن هذا ~~ومستمع، # 14 # فما رأيت قط رجلا يهوى امرأة إلا اعتد سلطانه في أنه يشعر بسلطانها ~~عليه، وكان رضاه في أنها راضية عنه، فهكذا هكذا. # جعل الرجل حاجته الكبرى في المرأة، وبالغ في توهم هذه الحاجة، وافتن في تصويرها ~~ألوانا وضروبا؛ فجعلت المرأة حاجته إليها سبب كل حاجة لها، وبالغت في الطلب، واحتكمت ~~فيما تطلب، وانصاع الرجل في يدها كالبهيمة السائمة، وجعله التمدن الفاسد في رأيها ~~كآلة الساعة، علامة ضبطها وإتقانها «أن لا تقدم ولا تؤخر»! وإن تعجب فعجب أن هذا ~~الرجل نفسه إذا هو كبحها مرة عن حاجة تطلبها، أرضاها بحاجة أخرى لم تطلبها؛ فكأن هذا ~~المسكين إذا تعبد لها يأبى إلا أن يكون عبدا بشهود وأدلة. وتحسب المرأة اليوم أنها ~~غير المرأة من قبل، وغير ما كانت حالها، كأنها رقى في التاريخ، فقد غيرت نفسها ~~بالفنون والعلوم والأزياء، وبهذا التحكم الباطل وبهذه الدعوى الفارغة، وأنا أول ~~المؤمنين أنها غيرت نفسها، ولكن هل غيرتها الطبيعة؟ # 15 # أيها السادة، إن مع كلمة «هات » كلمة «خذ»، لولا كلتاهما لخربت الدنيا وتقاصرت الأمور ~~والأحوال، وكل عمل وكل عامل يتركب منهما؛ فالدنيا كلمتان «هات، وخذ»، والحياة كلمتان ~~«هات، وخذ»، والمرأة التي تصفونها كلمتان أيضا، ولكنهما «هات، وهات»! # قال «الشيخ علي»: ومر هذا الكونت في فلسفته يمضغها مضغ الماء، وربما أصاب شيئا، ~~ولكن ماذا تنفع كلمة الحق يراد بها الباطل؟ وهذا رجل يتكلم كأنه ابن شجرة لا ابن ~~امرأة! على أن من تعلق شيئا من أمور الحياة وكل إليه، وهو بعد لم يعرف غير ~~المال يجمعه ويدخره، وقد خلقه الله رجلا ماليا، ويسره لما خلق له، وكثيرا ما ~~رأى وجهه في المرآة؛ فكان يعجبه من منخريه أنهما في تفرطحهما «كحافري حصان ~~الجنيه الإنجليزي»! ms095 # ولما استوفى عمر السبعين وأصبح في يبسه وموته كأنه جذر قرن من الزمن، خرج في عيد ~~مولده إلى سواد المدينة # 16 # منحدرا إلى قرية يملكها، وانطلق يجتلي مناظر الطبيعة، فكان لا يرى في ~~السائمة والطير والنبات والأزهار إلا شبابا وطفولة، وكان وحده منظر الهرم المستميت في ~~هذه الطبيعة كلها، وأعجبته شجرة قائمة على مسيل الماء، وأعجبه أن يتفيأ ظلها وقد ~~تحفى بروحه المتعبة بردها ونسيمها، فانطرح يتثاءب هنيهة وأحب أن يسافر إلى ~~شبابه البعيد على مطية النور، فكبس رأسه على ذراعه فإذا هو نائم كأنما جرع السم، ~~فخمده من فوره. # ورأى فيما يرى النائم كأن الأرض ترقصه على أعشابها لتمسح عن أعضائه التعب، ثم ~~أبصر السماء في مثل تحاسين الطاووس من ألوانها وأصباغها، كأنما أشرف على الأرض فجر ~~يوم من أيام الجنة، ثم نظر فإذا ضوء رطب يتندى وقد ترقرق فأصاب شفتيه الذابلتين، ~~ولمح على إثره وجه حسناء كأنها فلقة القمر، فكان ذلك الضوء قبلتها وابتسامتها، وكان ~~على قلبه «بردا وسلاما»، فنصب لها يديه يتناولها فإذا هي تتخطى الغمام هابطة إليه، ~~وإذا هي على الأرض نحوه مقبلة، وإذا هي أمامه ضاحكة، وإذا هي ملء صدره وذراعيه؛ فارتجف ~~جسمه رجفة شديدة كأن فيها شوق سبعين سنة من الهجر، وما لبثت عقدة أجفنه أن انحلت، ~~فنظر فإذا يد فتاة قروية ناعمة تهزه برفق! # فانتهض الكونت كأنما نشط من عقال، ولما تصح عيناه من سكرة الحلم، فكان يخيل إليه ~~أنه يرى جمال السماء والأرض معا في طلعة هذه الفتاة وعلى غرتها، ثم كشف لها عن رأس ~~كفروة الأرنب البيضاء، وانحنى متأدبا، وقال بلطف: أشكرك يا سيدتي! # أما هي فابتسمت له، وقام في نفسها أنها هي ردت عليه روحه، وأنها لو لم تنبهه لما ~~انتبه آخر الدهر، كأنما حسبته ميتا، وظهر هذا الفكر في ابتسامتها فأكسبها شيئا من ~~قوة روحها، وجعل لشفتيها الحمراوين جمالا كجمال الشفق إذا افتر عن نور الفجر. # وتأملها الرجل بمبلغ ما في نفسه من لذة الحلم، وما في صدره من ms096 ضجعة تلك الحورية ~~التي تلوت عليه وتقلبت فيه؛ «وبعث عليها وهمه، وصبغها بألوان نفسه، واستضاءت به ~~فكأنما منه أمام الفانون السحري!» وما خلق الله لذة أهنأ للنفس من لذة الأحلام، فكأنما ~~ترى فيها النفس شيئا من تحقيق المستحيل، وإن في أعقاب هذه اللذة بعد اليقظة ما يشعر ~~المرء بالأماني كيف جاءت وكيف ذهبت، فكأنما كان في حياة أخرى، وكأن نفسه تتمسك بهذه ~~الحياة ولا تريد أن تسلمها، فتكون ذكرى الحلم أروح للنفس من الحلم نفسه على الحقيقة؛ ~~لأنها نتاج ما بين لذة لم تكن شيئا ولذة صارت شيئا. # وثبتت صورة الفتاة في عينه على ما اشتهى، وكانت زهراء اللون، حوراء العينين، ساجية ~~الطرف، أسيلة الخد، باسمة الثغر، حسنة التكوين كأنها ريحانة ترف رفيفا، وتكاد من ~~فرط رقتها تتكلم ابتساما حتى لا يحسب من رآها أن الشمس طلعت يوما على أبدع من ثغرها ~~واللؤلؤ، ولا أحسن من خدها والورد، وكأن الطبيعة يعتريها أحيانا من سوء الحرص وسوء ~~الخوف وسوء الحيلة بعض ما يعتري الشحيح الذي يخبأ أنفس ذخائره في أخس الأمكنة وأقبحها ~~منظرا، وفيما لا حفل به من الأداة والمتاع، فكانت «لويز» على ما وصفنا من الجمال ~~والظرف، ولم تكن مع ذلك إلا قروية! # أما صاحبها فما أشبهه بعنق النس؛ شيخ مضعوف، كالعرق المنزوف، والعظم الملفوف ، ممسوح ~~العضدين، # 17 # ناسل الفخذين، كأنما يتوكأ منها على عصوين، غير أن له عينا يتوقد ~~فصها ويستنفض الناس طرفها، # 18 # فلا يملك من تقع عليه أن يضطرب، وكذلك اضطربت الفتاة، وما كاد الرجل يلمح ~~اضطرابها حتى طبع الله على بصيرته، فحسب ذلك معنى من الغزل، وانطلق وراء خياله يمر ~~به على آمال الشباب الفانية، وكان لحظ الفتاة ينساب في عروقه دما يغلي، فحسب أن جسمه ~~قد ثاب إليه، # 19 # وأنه بعث خلقا جديدا لهذا الحب الجديد. # ويبالغ في التظرف ويجلس قريبا منها يستنبئها، وهي تطرف له من أخبارها، # 20 # فعلم من روايتها أنها شريفة النسب خالصة العرق، وقد نبا بها المنزل ~~وانحط الدهر على أهلها، ms097 فهي ذاهبة إلى المدينة تلتمس حياة التقوى في دير العابدات، ~~وعلمت هي من رؤيته أن في هذا الموت الماثل أمامها حياة، وأنه لا مذهب لها من ورائه إذا ~~هي أفلتته إلا مذهب القدر المجهول، ورأته كأنما يتشرب لفظها ولا يسمعه، وأبصرت هواها في ~~حماليق عينيه؛ فجعلت حينا تبسم له وتلحظه، وحينا تلحظه وتبسم له، وما تلفظ من أنه في ~~بث حزنها إلا أحس المسكين أنها نقرة على أوتار قلبه، ولعل الإنسان لا يمكنه أن يحب إلا ~~إذا هيأت له الطبيعة مجلس الحب على ما يشتهي، وعلى ما هو مذهب الحب في نفسه! # وقد مذعت له الفتاة من خبرها، # 21 # وكتمت عنه أنها طريدة منبوذة، استزلها فتى من عشيرتها على أن يتحللها وكان ~~منها معقد فؤادها زمنا، ثم طوح بها عاره وغدره ولؤمه جميعا، فخرجت هائمة على ~~وجهها، ولفظها قومها كما تطرح الثمرة إذا دب فيها الفساد من عبث ~~الطير! # قال «الشيخ علي»: وانقلب الاثنان كلاهما صيد وصائد؛ أما هي فأصابت رجلا مجنونا بها ~~يحبها حب الجد والأب والزوج والعشيق، فإن ثاب إليه عقله من جهة بقي مجنونا من ~~ثلاث جهات، وحسبت أن الموت مصبحه أو ممسيه، فهو همها عشية أو ضحاها، ولقد ~~كانت من الضائقة والعوز وشدة الاختلال بحيث لو عهد إليها أن تغسل الزنجي حتى يبيض ~~لقاء درهمين لطمعت فيهما! وأما هو فقد ظفر في زعمه بالمرأة الطبيعية التي نبتت مع ~~الأزهار، وطلعت في سماء الحياة مطلع ضوء النهار، وحسب أن هذه الفتاة التي تناهز العشرين ~~إنما هي زيادة عشرين سنة في عمره ينتهبها من القدر انتهابا، ويقضي بها دين الحب ~~طفولة وشبابا. ولست أدري كيف عزب العقل عنه، ولا كيف خذله رأيه، ولا كيف وهى ركن ~~فلسفته وكان من قبل وثيقا، ولا كيف أحب منذ الساعة وقد كان يتصاون عن النساء، ويحسب ~~أن بغضهن عقد لا يحله إلا من يحل عقدة نفسه! # ولكن الحب يا بني لا يكون عجيبا بلا شيء يعجب منه، وكثيرا ما يتملأ الرجل بغضا ms098 ~~ليحب بعد ذلك بمقدار ما أبغض، # 22 # فمثله كمثل من يبحث عن البرهان بطريقة من طرق المغالطة التي لا تؤدي ~~إليه، فمتى أصابه كانت قوة البرهان بطريقة استخراجه العجيبة أشد منها في البرهان ~~نفسه. # وهي الأرواح ما يزال بعضها يتسلط على بعض، وما إن يزال في كل روح معنى هو الوسيلة ~~إلى هذا التسلط ومنه مساغه ومأتاه؛ فلو قلت إن في مسلاخ ذلك الرجل معنى الحمار لما كان ~~في الفتاة إلا معنى العصا، وكذلك انطلقت وهي تسوقه في طريق مصائبه، وعند العصا تفرغ ~~حيلة الحمار، ولو كان الحمار أبيا. # في الحب # من هذه الهيفاء التي تستميل ولا تميل، وقد استبدت بالجمال فلا يرى في غيرها شيء ~~جميل، طالعة كالضحى فكل نجمة من ضوئها كاسفة، لاهية كالنسيم وفي كل قلب من حبها ~~عاصفة، وقد عبدها العشاق باطلا كما يعبد المجوس الشمس، وتمنوا في دلالها ~~المحال كما يتمنى المرء من أمس، وكتب عليهم هواها المحتوم: «جند ما هنالك ~~مهزوم»! # وكم تمنوا لو أن لين أعطافها، يتعدى إلى انعطافها، ولو أن بعض ابتسامها يشرق على ~~ظلمات اليأس من غرامها، وهي تقتل منهم برضاها وغضبها على السواء، كأن حبها الموت متى ~~قضي جاء به الداء، وجاء به الدواء! # في الحفلات # ومن هذه الطالعة في غلائلها، المعروفة في الحسن بدلائلها، المشرقة كالبدر في ظلمة ~~الحلك، الضاحية كالشمس في قبة الفلك، تعترف بالهوى في ألحاظها، وتنكره في ألفاظها، ~~وتقبل بعينها سائلة عما بين جنبيك، وتلتفت بجيدها مائلة عن جواب عينيك، وقد ~~حسرت عن زنديها، ووضعت رمزا للحب تلك الوردة على نهديها، فلاحت للمحبين كأنها ~~روح القبلات من خديها؟ # في الرقص # ومن هذه الزهراء كالنار المشبوبة، الحسناء كالدمية # 23 # المنصوبة، المشرقة في زينتها كغرة الدينار، اللائحة في ميناء الدموع كما ~~يلوح المنار، وقد شف قلبه عن الجوى كما يشف الزجاج، وتدافعت من طرب الهوى كما ~~تتدافع الأمواج، وهي ترقص على حركات القلوب في الضلوع، وتسترسل في سهولة كأنها جسم ~~خلق من الدموع، والأبصار قائمة على قوامها، والنفوس ms099 حائمة منها على حمامها، وما ~~هي في عين المحب إلا خطرات الطيف، أو رقة نسمات الصيف، ولا رقصها إلا معركة في الحب قام ~~فيها اللحظ مقام السيف؟ # في الموسيقى # ومن هذه الباسمة كالأزهار، الساجعة كالأطيار، التاركة عشاقها كالشمس بين طرفي الليل ~~والنهار، القائمة كالكأس في اليد، الناعمة كالحمرة في الخد، وهي تحيي بالصوت لأنه يخرج ~~من صدرها، وتسكر باللفظ لأنه يمر من ثغرها، ويكاد يخلق من سحر نغماتها القلب المفتون، ~~ومن حركات أناملها العقل المجنون؛ إذا صدحت فحمامة، وإذا رقصت فغمامة، وإذا أرسلت من ~~يدها «صيحة» الأوتار أقامت للطرب «القيامة»؟ ~~••• # تلك هي درة الصدفة المطروحة على ساحل الموت، وهي حمامة ذلك القفص البالي المصنوع من ~~العظام، وهي خطيبة الكونت فيكتور! # وتلك هي «لويز» القروية الساذجة؛ كانت نبتة في الطين، فأصبحت زهرة في وعاء ثمين، ~~ولأن تكون نبتة مهملة وتنمو، خير من أن تكون زهرة مرعية وتجف. # ولقد رأى الكونت - أخزاه الله - أن أحسن ما يكون الاستمتاع بالجمال حين يكون الجمال ~~فنا وفتنة؛ فأما الفتنة ففي عيني لويز وجمال تكوينها، وأما الفن فلا سبيل إليه من ~~هناك ولا من فلسفته، وليس إلا أن يبسط يده كل البسط حتى تنبت له تلك الزهرة من أغصان ~~الذهب والجوهر؛ فأنفق واتسع في الإنفاق، وجعل آمال شيخوخته كلها مقترحات في زينة ~~الفتاة؛ فبرعت البراعة كلها في الرقص والموسيقى، وأحسنت من الفن النسائي في أساليب ~~الظرف والجمال والزخرف على جسمها، ما ترك هذا الهرم المتصابي المفتون يفاخر الناس كافة ~~بأنها خارجة من قريحته. # وأعجب ما في أمره أنه على كثير ما أنفق وطائل ما بذل، لم يكن يرى أنه أنفق على لويز ~~ما لا بد منه لمثل لويز! وهو منذ أصبحت في كنفه استبدل من الحرص على المال بالحرص على ~~الحياة، وعرف أنه لا بد في الحب من وسيلة، وأن قلب المرأة ليس في يد أحد، ولا في يد ~~المرأة نفسها، بل هو يحتكم فيما يختار، ويختار على ما يحتكم؛ وأنه ليس أشد عنفا من هذا ms100 ~~القلب، فهو إن لم يحي قتل؛ يحب المرأة عاشق غير محبوب منها، ويريد مراغمتها على ~~حبه، فيقتله قلبها لوعة وضنى بما يطوع لها من صده أو بغضه، وتحب المرأة ثم يمنعها ~~قومها ويرغمونها على غير من تحب، فلا يقتلها إلا قلبها! # وإن «فكتور» ليعرف أنه فارغ الخلقة من وسائل الحب كلها، ويعرف أنه في أحمض أنواع ~~الهوى لا يعدل أكثر مما تعدل قشرة الليمونة المعتصرة، فكيف به في الثمر الحلو، وكيف به ~~في حب لويز! # لم يبق إذن إلا أن «يخرج الوسيلة من يده»، والمال أضعف الوسائل في الحب الصحيح، ~~وإن كان أقواها في الحب المكذوب، على أنه لا يجعله قويا من ضعف إلا أن يظل يمد بعضه ~~بعضا، فإذا أنفضت اليد أو أمسكت، فلأن يقبض المحب على الريح أيسر من أن يضع يده على ~~ظبية شاردة. # ومن أجل ذلك توسع الكونت في البذل حتى كأنه كيس مخروق، ولم يعرف لها طلبا إلا بلغ ~~فيه رضاها، وحسب أن في رضاها محبتها، فكان يأتي بالحاجة التي تطلبها والحاجة التي لم ~~تطلبها، ويجعل كل شيء شيئين، «وأبى إذ تعبد لها إلا أن يكون عبدا بشهود ~~وأدلة»! # وبقيت «لويز» تتربص به الأجل، فكانت له كحرف التسويف، ولا تزال تدافعه عن نفسها، ~~وتروضه على الصبر، وتمنيه أنها تستتم فنون الجمال من أجله، وأن هذا القمر متى تم ~~فسيدخل معه في المحاق لا محالة، وتظن باطلا أنه لم يبق منه إلا كما بقي من ذنب ~~الوزغة # 24 # تضرب به يمينا وشمالا ثم تموت، بيد أن الموت لم يستنقذها منه، وإن ~~كان يرأف بها أحيانا، وتدخله الرقة عليها فينيب عنه «الروماتزم» # 25 # ليريحها بضعة أيام! # وكان الرجل يخشى غضبها، ويطمع في رضاها؛ فكان يستعين ببعضه على بعضه، ويعلم أنها ترى ~~الصبر أحسن ما فيه، فيترك أقبح ما فيه جانبا ويصبر، فلما استوت فتنتها ولم يبق من ~~باطلها ما تتعلل به أو تمتلق به علة، ورآها قد أخذت زخرفها وازينت واهتزت وربت؛ صار ~~منها كحرف الجر # 26 ms101 # لا يريد إلا أن يكون الجار والمجرور «متعلقين»، وفرغ صبره واستيقن أن له ~~آخرة، وأن صاحبته لا تزال في أول دلالها، وكانت تحسب الدهر نائما عنها، فإذا عينه قد ~~انتبهت في أجفان هذا الشيخ، فنظر إليها نظرة لا صواب فيها. # وباغتها الرجل فخيرها بين أمرين خيرهما شر: إما طريق إلى صدره، وإما طريقة من ~~غدره؛ ومع الأولى الوصية بالمال، ومع الأخرى أن تذهب في الحال! # وكذلك غلبها على أمرها، وانتصر في معركة كان لا بد أن يخر فيها أحدهما صريعا، وقد ~~استحال أن يكون المغلوب غيرها، وإن عثرة تنتهض منها بعد حين خير من عثرة لا ~~تستقيلها؛ ورأت الظبية أن لا مناص، فوقعت في يد القناص. # يا ليل # الليل منسدل كأنه حجاب مضروب بين الحياة والأحياء، مجتمع الظلمة كأنما هي ذنوب ~~الناس في نهارهم جعلت الملائكة ترسلها إلى السماء، وتغشى الأرض معنى من خشية الله ~~فنفرت له دموع المساكين، وأقبلت عليه أنفاس المحزونين، وبرزت له في آثار الظلم دعوات ~~المظلومين؛ وقد ارتفع إلى الله صوت يتقطع زفرات، ويتلهب حسرات، ويسيل من الدمع قطرات، ~~وكان صوت «لويز» وهي تزفر الزفرة تكاد تنشق لها، وترسل الأنة تكاد تدفن فيها؛ وما ~~بها الغيظ فتسكته عنها، ولا بها الحزن فتمسحه بدمعها، ولا بها الهم، ولا بها الغضب، ولا ~~أمر مما يتواصفه أهل البلاء ويبثونه في شكوى أحزانهم، وإنما ذلك شيء إن يكن من الحياة ~~فليس بالحياة، وإن يكن من الموت فليس بالموت، ولعله منازعة الحياة والموت على ~~قلبها! # ما بك يا لويز وقد بت زوج الكونت الذهبي، وهو عما قليل آخذ ما أمامه وتارك ~~ما وراءه، وما بك أيتها المسكينة وقد كنت فقيرة بائسة لا تملكين قوت يوم فقبضت على ~~أعناق سبعين سنة تجمع المال وتكنزه، وما بك - عمرك الله - وقد خرجت من الكوخ إلى ~~القصر، وصعدت من العريش إلى العرش، وإن كانت حواء قد طردت من الجنة فقد طردت أنت ~~إلى الجنة، وفي الجنة قوم يقادون إليها «بالسلاسل»! # قالت المرأة وهي تناجى ربها: ms102 إلهي! ماذا قضيت علي؟ لقد وضعت الدنيا على راحتي، ~~وكأن مملكة آمالي مرسومة في كفي، ولكن أي فرق بيني وبين تمثال من الذهب الخالص في ~~منزل هذا الرجل! لقد رددتني من فقري وذلتي إلى رجل رددته أسفل سافلين، # 27 # فما يريني الدنيا التي أعرف أنها الدنيا، ولكنه يريني الآخرة! # يا ويلتا! إن لم يخجل الرجل من شيء أفلا يخجل من أنه لا يخجل؟ أبى هذا الموت لشقائي ~~إلا أن يتخذني زوجته، وكنت خليقة أن أجعله أسعد رجل في الدنيا لو اتخذني ابنته! # اللهم إنك رزقتني العافية في كل جوارحي، ولم تصبني إلا في القلب! # يا ويلتا! ما أنا إلا لعبة في يد هذا الطفل، لا يلذه شيء أكثر من تحطيمها في طرق ~~لذته، وقد خلقت يا رب من يحطم القلوب الصحيحة ولم تخلق من يستطيع أن يجبر القلوب ~~المكسورة، وإنه ليس فيما برأت وذرأت مخلوق أشد تعبا ممن يفتش في قلبه عما ليس ~~في قلبه، وهل في الممكنات أو في أشباه الممكنات أن أجد في ناحية من قلبي حب هذا ~~الزوج؟ # لقد عرف الناس أن قلب المرأة كثير العبث، وهذا الذي يسمونه دلالا ويحبونه في الحب ~~إنما هو شيء من عبثه، وأن هذا القلب إنما خلق ليحب؛ ولذلك أعطي قوة يخلق بها ~~الحب من العدم، غير أنهم جهلوا فيما يجهلون من أسرار المرأة أن ذلك القلب إنما جاءه ~~العبث بالرجال من أنه لا يطيق أن يعبث به أحد من الرجال، ومتى وجد من هؤلاء من يريده ~~بنادرته، ويجعله من هزله معرض السخرية وموضع العبث، لم يكن في الدنيا أحد أبغض إلى ~~المرأة منه، وإن كانت الدنيا كلها في طلعته، وإن كان مخلوقا من رونق الشمس. # أليس النساء يحببن حتى الكلاب ويرفهنها ويغالين بها وينزلنها منزلة الولد في ~~الحب والانعطاف والتوجع والتحزن؟ فسبحانك اللهم! إن هذا القلب الذي يسع حب الكلب ~~يضيق عن حب كثير من الرجال؛ إذ يحبون المرأة حبا ليس فيه شيء من روحها - حب الزينة أو ~~الاستمتاع أو ms103 الخدمة - فكأنهم بذلك يبغضونها بغضا فيه كل روحها. # يا ويلتا! أعجزت أن أجد في هذه العاجلة نفسا أرى فيها نفسي؟ وهل حرمت علي ~~كلمة الحب فلا يفيض بها صدري ولا ينطلق بها لساني؟ وهل خلقت لؤلؤة لأكون في عقد ~~من الحصى، ووسمني الله بهذا الجمال ليعذبني بهذا القبح؟ وما عسى أن ترد علي هذه ~~النعمة ما دمت لا أجد لها سبيلا إلى قلبي، وما دام هذا القلب لا يأكل ولا يشرب ولا ~~يلبس ولا يعامل بالمال! # ضل ضلالكم أيها الناس إذ تحسبون النعمة حق النعمة في الغنى وحده، وتمضون الأمر ~~على ما تخيلتم من ذلك، ولا تدرون أن الله ينتقم بالغنى أشد مما ينتقم بالفقر؛ فلو أني ~~ابتليت بالمصيبة، وأنا امرأة خاملة لاحتملتها وقلت خمول عرفته فما يبلغ بي ولا ~~يزيدني بنفسي ولا بنفسه معرفة، ومن رحمة الله بالفقراء الخاملين أن في كل بلاء يعتريهم ~~ما يعينهم على حمل بلاء أشد منه، ولكن الضربة اليوم لا تصدع الصدفة بل تسحق ~~اللؤلؤة؛ فاللهم لا قوة إلا بك! # وما أشبهني إذ قتل هواي هذا الكونت، بزنجي من زنوج أمريكا اغتال سيدا من ~~البيض، فلم يجدوا له عذابا إلا أن يشدوا قتيله في وثاقه، وتركوه يبلى تحت عينيه، ويسيل ~~جوفه تحت أنفه، ويتناثر لحمه على صدره! وهكذا يقتله القتيل وحده بالرعب والجنون ~~قتلة لا وصف لها في لغة الحياة . # ولقد كنت بائسة يطير بها القضاء ويقع، فلا تزال دهرها تحت جناح مخفوض من رحمة الله، ~~أو فوق جناح منشور من الأمل في رحمته؛ فلما وجدت الغنى واستشرفت للسعادة، شغلني الله ~~بهم نفسي، فشغلتني نفسي عن النعمة، فلا تزيدني النعمة إلا هما! وقد كتب الله علي ~~أن يقتلني بغض هذا الرجل، فوهبني الغنى من يده وحسب الناس أن ذلك لكيما أستمتع به، وعلم ~~الله أن ذلك لكيما أتصل بقاتلي! فاللهم قد أحيط بي وليس ورائي منفسح؛ فمن حيثما التفت ~~لا أرى غير ما قضيت علي أن أرى؛ وهذا امتحان أينما أتوجه في الحياة لا ms104 تقابلني ~~الحياة إلا بمسألة من مسائله المعضلة! # إن كلمات القضاء لا تقرأ لأنه لا ينزل بالناس إلا معانيها، على أن الكلمة الأزلية ~~التي يكون معناها هذا الزواج وهذا الزوج، لا بد أن تكون جملة كاملة من غضب الله في ~~السماء، لا يقابلها إلا سيرة كاملة من ازدراء الناس في الأرض. ~~••• # قال «الشيخ علي»: ونفرت دموع هذه المرأة تخفف من يأسها، وإنه ليأس أكبر مما تحتمل ~~نفسها من الصبر لو أنه من وجه ذلك الزوج وحده، فكيف به ومع ذلك الوجه شبابها الهالك، ~~وآمالها الضائعة، وغصة من شماتة الناس وازدرائهم، وبلاء من نعمة سابغة ستنقلب ~~فضيحة وسخرية؟ # واها لك أيتها المسكينة! إن مصيبة الأغنياء لتكشف نفسها فهم يحملونها ويحملون آراء ~~الناس فيها، وإن المصيبة لتكون واحدة ولكنها ترتد إليهم من قلوب الشامتين من أعدائهم ~~والمتربصين من حسادهم والمتوجعين من سائر الناس، وكأنها مصائب كثيرة لا ~~تعد. # والمرء لا يأخذ من الله بشرط ولا يعطيه الله على شرط؛ فإن كان في الغنى تلك النعمة ~~ففي الغنى هذا الهم، وما رأيت أيسر اضطرابا من الماء الراكد قذف بحجر، إلا ~~الغني الغافل قذف بمصيبة! # ويحكم أيها الأغنياء! متى رأيتم ثمرة لا تسقط أبدا من غصنها الأخضر، وثمرة تسقط من ~~الغصن ثم ترد إليه فتعلق به وتنضج عليه، فاعلموا يومئذ أن غناكم هذا نعيم لا ~~رزيئة فيه ولا مصيبة؛ لأن هذا الكون حينئذ يكون فوضى لا نظام له ولا قرار. ~~••• # وانصدع الفجر، وأقبلت الحياة تتنفس من مباسم الأزهار، وتتغنى بألسن الأطيار، والفتاة ~~موجسة أن ترى طلعة شيخها، وكأن هذه الطلعة صبح غير الصبح، وودت لو وقف الزمن، ~~فإن لم يمكن فوقوف الأرض، فإن لم يمكن فوقوف قلب هذا الشيخ، وخيل إليها أنها ستقرف ~~بإثم منكر إذا هو بادرها قبلة الصباح على مثل شفق الشمس من خديها، وأنها لا ترمى ~~بمسبة أوجع ولا أمض من قوله حبيبتي! وانسلخ الليل، وطارت الأحلام، وأفصحت الحقيقة، ~~واستيقظ الكونت. # على المائدة # زهرات ناضرة كأنما اختبأت فيها ابتسامة الفجر، عاطرة كأنها ms105 رسالة اللقاء بعد الهجر، ~~بديعة التنميق تحسبها قصيدة من شعر الألوان، متفتحة للحب وكأنها لكتاب الحب عنوان، ~~متلائمة مصففة، متلاثمة كالشفة على الشفة، قائمة في جلالها وحسنها كأنها في خلقة ~~الجمال آية، وكل زهرة في لونها كأنها لدولة من دول الحسن راية؛ وقد جلست إليها غادة ~~فتانة كأنها في رقتها روح النسيم، وفي نضرة شبابها روح الحديقة، ولاحت الأزهار كأنما ~~هي خيالات جمالها، وظهرت الغادة كأنها هي الحقيقة. # تلك هي «لويز» في صبيحة عرسها على المائدة، وقد أثبتت في كل زهر لحظا من لحاظها، ~~ولا يشك من رآها في تلك الحال وهي ترتقب ظهور زوجها أنها تنفس على هذه الأزهار شبابها ~~ونضرتها وحسن ملاءمتها، وتحسدها على أن ليس فيها أعواد من الحطب تفسد نظامها وتنكر ~~بهجتها وتغض من حسنها، كما ابتليت هي بزوج من عود. # 28 # وإنها لكذلك؛ إذا خفق أقدام وضوضاء وموكب وشيء كالموسيقى، فما لفتت جيدها حتى ~~أبصرت الكونت داخلا يتوكأ على خادمين وله نغم مختلف، وآهات وأنات، ومع هذا النغم ~~سعال كقرع الطبل، وكان «الروماتزم» قد دب دبيبه في مفاصله تلك الليلة، وبات يفتل في ~~عروقه وأعصابه، ووعكته الحمى، واجتمعت إليه علل الشيخوخة كلها تهنئه بالزفاف، غير أنه ~~لم ينس مع هذا البلاء كله أن عروسه ترتقبه على المائدة، فحفزه الشوق وعاوده ~~الصبى، فطار إليها بجناحين من خادميه. # ولما بلغ ظلها أفلت الخادمين ثم ارتمى عليها يقبلها رياء ومصانعة، ثم تمسك بها ~~يستند إليها، ثم انحط إلى يمينها، وما كادت تناوله قدح اللبن يرتضعه، حتى غمره الألم ~~وهاج داؤه، ففتح فاه وصدحت الموسيقى بنغم مختلف من آهات وأنات، ومع هذا النغم سعال ~~كقرع الطبل. # ورأت «لويز» ذلك فرقصت أحشاؤها! فلم تملك المسكينة أن اقتلعت جسمها من الكرسي، ~~وانكفأت هاربة إلى حجرتها، وانطرحت في غمرة أخرى من الألم، وبقيت هناك ملقاة يدار بها، ~~وكانت لم تغتمض في ليلها، فاصطلح على جسمها هم الليل والنهار! # فصل خامس في السنة # وزالت هذه الغشية عن الكونت بعد أيام، كانت العروس فيها ms106 من روح الأمل ~~كالمختلعة # 29 # إذا أخذت كتاب طلاقها، أو الأمة إذا وعدت بعتاقها، وكان دعاؤها لله ~~كلمات لا تعدوهن، تقول: اللهم رحماك! فأنت المصيب وأنا المصابة، تلك قوتك وهذا ~~ضعفي! # وكانت إذا حمدت الله تواردت مع زوجها فيما يحمد الله به من حيث لا يشعر أحدهما أو ~~كلاهما، كأن للحب الشديد والبغض الشديد لغة واحدة؛ فكان هو يقول: الحمد لله إذ لا ~~تراني! وتقول هي: الحمد لله إذ لا يراني! # وباغتها الرجل منصبا عليها، فلو أن ميتا طالعها من قبره ما كان أروع لها عنه؛ قلب ~~حيواني يسكن من أضلاعه الخربة في شقوق، وظهر كالقوس يحمل من روحه سهما ليس له إلا ~~المروق، وعروق ناشرة كأنها في جلده المتغضن خيوط في خروق ... ودخل عليها كما يدخل ~~الشتاء بكلوحه وبرده، على الروض النضر والبقية الضعيفة من ورده، ونظرت إليه فلم يقع ~~من نفسها إلا موقع الهموم على الهموم، ولم يكن في عينها إلا كما يكون الحلم في رأس ~~المحموم! # وجلس إليها الشيخ يتطفل ويقترح، وكانت لويز تعرف أن السنة أربعة فصول، أما سنتها هذه ~~فكانت فصولها بعد اقتراح هذا البغيض خمسة: الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء، وشهر عسل ~~الكونت! فقد لج الرجل في عناده وأبى إلا أن يكون له ولها «شهر عسل»، ومما زاده لجاجا ~~وعتوا أنه كان يخشى أن ينسلخ الشهر، فقد ذهب نصفه في تجرع «الدواء»، ولم يبق ~~«للعسل» إلا ريثما يمحق القمر أياما معدودات! # ثم انصرف من لدنها على أن ترصد للسفر أهبته، وأن ينطلقا على جناح ~~غراب. # 30 # واستقبلت العروس ليلتها، وجعلت تقلب وجهها في السماء، وترنو إلى النجوم بعينين قد ~~ثبت في إنسانيهما خيال ذلك الرجل كما يثبت خيال القاتل في عين المقتول، # 31 # فلم تر في هذه النجوم إلا هرم الدهر وتحجر الأيام، وقد استيقنت أن ~~نجمها طامس لا محالة # 32 # وكأنما خرج عن الفلك، وضل في ذلك الحلك! # وما هي إلا خطرة الفكر حتى لاح في مرآة نفسها خيال ذلك الشاب الذي اختلبها أياما ms107 ~~بالهوى، وكان لها منه الداء وكان له منها الدواء، وأغواها في عرف الناس ولكنه هو ما ضل ~~وما غوى، وكان هذا الفتى قرويا فحلا، ظريف الهيئة، مستوي القامة، عريض الصدر، ~~تام الخلقة، وثيق التركيب قد ارتوت مفاصله، واستحكم نسجه، وله مع ذلك خلابة، وفي ~~لسانه دعابة، فما أطل حديثه وأنداه! وما أحلى خبره إذا كان من الغزل مبتداه! # وقد أحب الفتاة أكثر مما أحبته، ولكنها كانت غريرة لا تتبين منزلة ما بين الحب ~~والاستسلام، وبين ما يعده الرجل وعدا بالفعل وما يراه وعدا بالكلام، ولم تعرف أن ~~هذا الحب سلاح ذو حدين، فالمرأة تقتل به من ناحية الرجل، فإن غفلت مرة عن نفسها ~~قتلت هي به أيضا من ناحيتها؛ وأن حب الرجل حب مجنون بطبيعته، فإذا لم يكن حب ~~المرأة عاقلا، انقلب كلاهما حيوانا طامس القلب # 33 # لا يبالي ما جنى على نفسه؛ وأن الرجل يقاد من رغبته ما دامت أملا في قلبه، ~~فهو يعد المرأة ما شاءت وشاء لها الهوى، حتى إذا انقطع هذا الزمام انقطع ما بين لفظ ~~الوعد ومعناه، فأخذ منها ما أخذ وترك في يدها ما أعطى، وما عسى أن يكون قد أعطاها إلا ~~آمالا ومواعيد وغرورا من زخرف القول؟ وكذلك أمر الرجل والمرأة؛ تحسب الفتاة إذا هي ~~أحبت فاستأسرت لصاحبها أنها تبذل في مرضاته أعز ما تملك، وتنوله خير ما استؤمنت ~~عليه، وتعطيه ما لا تستعيض منه آخر الدهر؛ وأن ذلك أحرى أن يؤدم بينهما، # 34 # وأن يكون ميثاقا للحب غير منقوض، ويحسب الرجل أنها لم تنله إلا شيئا ~~هينا قريب المنالة، هو عندها وعند كل امرأة؛ فإن كان سري الخلق نبيل النفس، رثى ~~لها مما صارت إليه، وندم كما يندم على الإثم، ولا يكون همه إلا أن يلتمس المخرج من ~~أمرها، فإن طارحته حديث الزواج رأى أن من فرطت له حرية أن تفرط فيه، وبهتها ~~بهذه الكلمة # 35 # وسلم وقد مات الذي بينهما؛ وإن كان لئيم الطبع خسيس النفس شد على رقها، ~~واتخذ من ms108 ضعفها قوة ومن خوفها أمنا، حتى إذا ملها تنكر لها ثم أنكرها، فإن ~~استقضته ما وعد من زواجها رأى أن الزواج قد سبق أوانه؛ فلم تعد تصلح له ولا يصلح ~~لها، وكلا الرجلين سافل دنيء زمر المروءة، # 36 # وإن قال الناس فيهما سري ولئيم. # فالسحابة تنهل بمائها، ثم تجتمع مرة أخرى في سمائها، والزهرة تقطف لحسنها، ثم ~~تنبت مرة أخرى في غصنها، ولكن العذراء حين تفرط في خدرها، وتضع نفسها دون قدرها، لا ~~تبرح شقية حتى تنزل في قبرها. # وهكذا لا يزال الرجل في عتوه وظلمه كالساحل، ولا تزال المرأة في ضعفها ولينها ~~كالموجة، فلو أن ألف موجة عاتية يصدمن الساحل لاستباحهن وما سلبنه مقدار شبر من ~~الرمل! وما اعترك رجل وامرأة في خلق العفة إلا كانت هي الساقطة وحدها في الاعتبار؛ ~~لأن العفة إنما عرفت بالمرأة من أصل الخلقة، وإنما يتصاون الرجل تشبها ~~وتقليدا، فإن هو زل مرة وقارف الإثم فقد أخطأ في التقليد ولم يفقد شيئا من ~~طبيعته، ولكن المرأة متى فعلت ذلك فقدت من نفسها، وغيرت في تكوينها، وأخطأت في الأصل ~~الذي بنيت عليه طبيعتها، وقامت به شرائع الله ومر فيه نظام الأمم؛ فلا جرم كان ~~عقابها على الخطأ عقابا نفسيا، يجمع من شدة الطبيعة إلى عنت الشرائع إلى قسوة ~~الاجتماع؛ ولهذا كان شر عيوب المرأة ما عاب فضيلتها الخصيصة بها. # 37 # قال «الشيخ علي»: وانطلقت نفس «لويز» لمسرى خيال حبيبها، وكانت تبغضه دون البغض؛ ~~إذ هو مسعدها ومشقيها، فصارت بعد زواجها تحبه فوق الحب؛ إذ لا ترى لها مسعدا غير ~~ذكراه، ولا تعرف على ظهر الأرض من أشقاها غير الكونت! # ولما ذكرته انهملت دموعها، فجعلت تبكي حتى انحلت سحائب همها، ثم أشرقت كما تصحو ~~السماء في أعقاب المطر، فلو رآها أشعر الناس في ذلك الجمال المشرق الحزين الذي تورد ~~حتى التهب؛ لوقف عندها وقفة العابد في المحراب يشعر بالقوة الأزلية ولا يحسن أن ~~يصفها. وأي شاعر تحيط نفسه بهذا الشقاء الذي رفعه جمالها الساحر من بين ms109 آلام الأرض ~~وألحقه بذلك الألم المنفصل من السماء، الذي لم تشهده الأرض إلا مرة واحدة، يوم جلست ~~حواء تبكي أول بكائها بعد خروجها من الجنة؟ # ويا لله ما أروع الجمال حين يتألم ويحزن ويحضر الجميلة همها! إن مثل من يحاول أن ~~يصف دموع هذه الجميلة وحسراتها وصفا ناطقا يتنفس به القلب، كمثل من يريد أن يخلق ~~من سحر البيان زلزلة ترجف بها الأرض حين يبالغ في وصف الزلزلة؛ وما اللغة إلا أداة، ~~فكيف - ويحك - تستعمل هذه الأداة في صفة قوة تعجز عندها كل وسيلة، حتى الشعور الذي ~~أبدع اللغة؟ # لقد جمعت المقاييس بين أقطار الأرض، وطوت ما بين الأرض والسماء، وداخلت ما بين أنجم ~~السماء بعضها من بعض، ولكن أية أداة تعين لنا درجة الإحساس بين نفس عاشقة مدنفة ~~تشهد آلام نفس معشوقة، وبين عيني شاعر غزل وثاب الخيال تنظران في عيني امرأة ~~جميلة باكية، وبين ألم جامد جاف يضطرب في نفس الرجل، وألم سائل متدفق تضطرب فيه نفس ~~المرأة؟ # إن هذه الأنفس إنما تشعر بمقدار ما فيها من الإحساس، لا بمقدار ما في الحقيقة من مادة ~~الشعور. وكأي من رجل أبله متغفل يدور مع الآلام والأوجاع دوران الغبار في العاصفة، ~~فإذا رأيته توجعت له وداخلتك الرقة عليه وثارت نفسك من أجله ثورة السخط على ~~هذا الاجتماع الإنساني، وتمر بالرجل ثم تنساه، ولكن هناك طفلة، طفلة صغيرة قريبة ~~العهد بالغيب # 38 # قد ضلت بيت أبويها في المدينة المترامية، فمشت ذليلة ضائعة يتحير الدمع ~~في عينيها كما تتحير الألفاظ بين شفتيها، وقد ساورها الخوف، وتوثبت نفسها فزعا ~~لهول ما هي فيه، وجعلت عيناها تتوسلان إلى الناس بالبكاء، ولسانها يتلجلج بألفاظ مرتعدة ~~كأنما ينتفض عليهن قلبها الصغير، وهي في ذلك لا تبرح تتمثل أبويها فتضطرب اضطراب الفرخ ~~إذا سقط من وكره ولم ينتهض، وترى أن المصيبة قد انحصرت فيها وحدها من دون الناس، فتبكي ~~بكاء تكاد تنشق له، ثم تعود إلى التوسل بعينيها الدامعتين وبألفاظها ~~المتلجلجة؛ # 39 # فانظر وأنت أبو مثلها ما ms110 عسى أن ينزل بك من الحسرة ويتغشاك من الهم، إذا ~~رنت إليك هذه الطفلة من وراء دموعها تسألك أن تدلها على بيت أبويها الماثل في رأسها ~~الصغير، وهي تحاول بذلة ومسكنة أن تنقله إلى نفسك وتبنيه فيها بألفاظها وإشاراتها ~~الضعيفة لتهتدي أنت إليه؟ # فالمصيبة ليست مصيبة بمادتها، ولكن بما يقابل هذه المادة من نفوسنا؛ ومن ثم فهي ~~لا تؤثر فينا بنفسها، ولكن بالكيفية التي نقابلها بها. # قال «الشيخ علي»: ثم سكنت «لويز» هنيهة لذكرى أيامها الأولى، وهي تعلم أن لا رجعى ~~لها، فقد استيقنت أن هذا الغنى ضرب بينها وبين الفقر حجابا، ولكنه رفع بينها وبين ~~الشقاء حجابا آخر، كان ذلك الفقر وحده هو الذي يمنعها منه؛ وكأن القدر لما اختط ~~لها التعاسة، رسم هذه الخطة بقلم من ذهب! # واستشرفت نفسها لخاطر غريب ألم بها فأضحكها على ما بها من الهم؛ فقد أحضرت ~~خيالها ذلك الحبيب الأول في شبابه الغض، وقوته الثائرة، وفورته العنيفة، ونشاطه ~~المهزوز، وأرادته على حب امرأة في أرذل العمر - وهو عمر «الكونت» - يلوح وجهها في ~~العين كما تلوح القفار، ويمتد أنفها بين الوجنتين كأنه جحر في أحجار، ويضحك ثغرها ~~الأدرد # 40 # فلا تشك أنه في تلك الصحراء «غار»؛ وقد ثابرت عليها الأوجاع والأمراض، حتى ~~أصبح جسمها بين يدي الموت كالخيط بين شقي المقراض! # ثم جعلت ذلك الحبيب يتزوج منها لمالها وغناها، وقد أصاب عندها ملء أطماعه ذهبا وفضة، ~~ثم وصلت بين شعلة فؤاده الملتهب هوى وشبابا وبين هذا الجسم الفاني الذي يشبه حطام ~~اليبيس، # 41 # ثم أرادته على أن يعتقد أنها «السكرة» التي وضعت في كأس حياته ~~لتحليها، ثم نظرت لترى ما يكون من أمره وأمرها في الحب حين لا يكون الحب إلا مراغمة ~~وإكراها؛ فإذا الحلم قد انهال، وإذا الوهم قد استحال، وإذا الشاب لا يحب تلك ~~المرأة ولا في الخيال. # فجهدت أن تذكر في تاريخ الناس من يكون قد امتحن بمثل هذه المصيبة، وصبر لها كما ~~يصبر من ذات نفسه على آفة أو عاهة ms111 أو مثلة، فأبى عليها الواقع أن يخرج لها مثالا ~~واحدا! # فكدت ذهنها في تصور هذه الحال وتقليبها على وجوه مختلفة، فلم تستقم لها صورة ~~صحيحة، وثبت عندها أن حب شاب قوي في الثلاثين لعجوز هالكة سبعين هلكة، # 42 # أمر يكاد يكون في استحالة الجمع، كطرح السبعين من الثلاثين في حساب ~~العدد! # وعجبت أن يستأثر الرجل وحده بهذه الأنفة، ويلتمس لنفسه في هذا الباب ما ينكر على ~~المرأة أن تستنكره، كأن هذه المرأة عجماء لا تبالي من صاحبها إلا العلف، ولو انتهى بها ~~إلى التلف؛ وكأن كل امرأة إنما هي اسم على جسم؛ فليس على الرجل إلا أن يختار اسما ثم ~~يثبته في وثيقة الزواج بعد أن يساوم عليه، أو كأن المرأة بلغت من الجفاء وضعف ~~التمييز بحيث لا تأبى أن تتخذ أعواد فرشها من أعواد نعشها، وأن نقيم لها قبرا في ~~البيت، وتنظر كل صباح في وجه ميت، وإلا فكم من فتاة كالقمر أخفاها نهار المشيب! وكم ~~من عروس للحب زفت إلى غير حبيب! وكم من وجه صبيح يقبله ثغر قبيح! وكم من كعاب ~~سال عليها اللعاب! وكم من حسن هو رمز الحياة قرن به الموت رمزه! وكم من قد أهيف ~~كالألف لا يرى إلا شيخا أعجف كالهمزة! # وهنا انتبهت «لويز» إلى زوجها المتهدم الذي هو همزة القطع، وإلى تصابيه المضحك ~~وحماقته العمياء وحبه الأخرق؛ فانتفضت من الغيظ وكاد بعضها يحطم بعضا، وجعلت خواطرها ~~تنبض في رأسها كلمح البرق، وأخذت تلتمس الوسيلة لرد هذا البلاء عنها أو مدافعته، ~~بيد أنها كلما ابتدأت فكرا انتهى بها إلى قولها: ما عسى أن أصنع؟! # هي لا تفكر إلا فيما ينبغي أن تصنعه، ولكن الفكر يفضي بها إلى هذا السؤال بعينه، ~~فكأنها من الهم والحيرة منعزلة عن نفسها، وقد نفر منها فكرها وقلبها وحظها جميعا، ~~ولم يبق معها إلا روحها المعذبة، وهي كذلك بينها وبين زوجها وبين القدر! # ولبثت زمنا لا تجد من رأيها إلا قطعا وأشلاء، حتى لمحت من نافذة القصر مركبة ~~تدرج ms112 في الطريق، ورأت سوط الحوذي يتلقى الأمر منه إلى الجوادين، فلا ينزل عليهما ~~إلا انطلقا ملء العنان، كأنما يحاولان الهرب منه ولا يعلمان أنهما يهربان به؛ فرثت ~~المسكينة للبهيمتين، ثم كأنما حشرت لها كل مركبة على الأرض في صعيد واحد، فلم تذكر ~~أنها رأت قط سائقا ليس في يده سوط ما دام بين يديه حيوان! # وظلت واجمة عند هذا الخاطر هنية؛ لأنها ما برحت تتلقى من ضربات القدر وهي تعدو ~~في الحياة عدوا فيه من السرعة بمقدار ما في هذه اللذعات من الألم! ثم قالت: ترى أي ~~حيوان في مسلاخ # 43 # هذا الهرم؟ وما كذبت أن قلبت الخاطر على وجهه الآخر، فتناولت السوط، ~~واستوت على مركبة الأقدار، ولم يبق أمام عينيها إلا سبيل الحياة وظهر الكونت! # وكذلك فاءت من غضبها إلى رضا أقبح من الغضب، ورأت أن هذا الشيخ المأفون الذي ~~يتطاوع # 44 # للصبي وقد جاوز السبعين وهلك في الدهر، ثم لا يستحي أن يجعلها مثلة على ~~أعين الناس، وأن يكون لها مخزية ولا كالمخزيات، جدير به أن يجد منها كفاء ما وجدت ~~منه، وجدير بها أن تبدله من شهر العسل شهرا هو أحق به وأهله، وهو على ذلك أقرب ~~الأشياء من العسل؛ لأنه ... «شهر النحل»! # قال «الشيخ علي»: هكذا يفسد الرجل المرأة وهو يدري أو لا يدري، فهو يبتغيها ~~متاعا ويريدها ملهاة، ثم لا يقدر فيها غير الطاعة لما ابتغى وأراد، كأن الطينة ~~الإلهية التي جبل منها الرجل شديدا متماسكا، بقيت منها بعده هنة ضعيفة فتركت حتى ~~ركت وانسحقت، ثم خلقت منها المرأة ذليلة طائعة! وإن أقذر خلق الله ليكون معه ~~الدرهم فاضلا عن حاجته، فلا يجد ما يمنعه أن يبتاع به الزهرة الناضرة، ولكن العجيب ~~من أمره أنه إذا احتازها لا يلويها بين أصابعه ولا يدنيها من أنفه إلا بعيدا بعيدا ~~وقليلا قليلا، بل إنه ليستحي لقذره من طهرها، ولنتنه من عطرها؛ فلا يحملها حتى يتجمل ~~لها، ولا يظهر بها حتى يكون في الجمال أهلها، وما أدري كيف ms113 أدبته الطبيعة هذا ~~الأدب مع شبه الجمال، ولا تؤدب مثل ذلك الهرم الأحمق مع الجمال نفسه؟ # ويعمد الرجل متى أصاب مالا إلى الطيبات من صنوف الطعام وملذات الشراب، فيتضلع ~~ويتملأ، وليس في ذلك من حرج؛ إذ هو ماله ينمو في باطنه، فإن ربح أو خسر فإنما ~~«المضاربة» في معدته! ثم يعمد أقبح خلق الله وجها وأظلمهم سنة وأشأمهم طلعة، ~~بذلك المال نفسه إلى أجمل النساء فيرخي عليها أستار بيته، # 45 # ويساهمها قبحه وجمالها، وإنما هي في رأيه بعض الطيبات، وصنف شهي من ~~طعام القلب، فترى في أي جهة ينمو هذا المال الذي بذله وتندى به، فإني لا أرى له ~~نموا في قلبه ولا في قلب تلك الحسناء؟ # أما هو فما إن يزال يعرف منها البغض، وأما هي فما إن تزال ترى فيه القبح؛ وأحسب لو ~~أنفقت ما في خزائن الأرض كلها على التأليف بين الحسن المبغض وبين القبح المحب، ما ألفت ~~ذات بينها، ولا زدت كل واحد إلا من طبعه. # 46 # وكيف يرى هذا الدميم أن مرآة بيته التي اشتراها وبذل فيها واختارها على عينه، لا ~~تظهره أبدا إلا دميما، وهو كلما بالغ في رونقها وصقلها بالغت هي في إظهار قبحه ~~ودمامته، ثم يريد أن لا تراه امرأته الحسناء الفاتنة إلا جميلا فاتنا، ولا تكلمه إلا ~~في الحب، ولا تقبله إلا قبلة الهوى كأنه هو الذي خلق لها عينين ولسانا ~~وشفتين! # ولعمر الله لو أن في أضلاع هذه المرأة قلب رجل من صيارفة اليهود، قد جثم على منكب ~~الطريق وسرح الذمة والدين، والظن واليقين، وجنود إبليس أجمعين؛ في طلب الدرهم يأكله ~~سحتا، وينحته من أيدي الفقراء نحتا، لما رأته على ذلك المال وذلك القبح إلا ~~كالخرقة فيها دينار، فهي هي لم تخرجها قيمة الذهب الغالية عن كونها في اليد والعين ~~خرقة بالية! # أيريد الرجل لسعادته امرأة لا نفس لها ولا قلب؟ لعله يحاول ذلك، ولكن كيف تسعده ~~إذن؟ إني رأيت في معاشرة الحزين للحزين شيئا من الفرح يتنفس به الحزن ms114 على الحزن، ~~فليت شعري أي مهنأ # 47 # أكثر لذة وأحسن إمتاعا من معاشرة اثنين كلاهما يهنأ الآخر؟ # أيها الهرم الأحمق الذي يستبد بالجميلة الفاتنة! إنك تعبث بذنب السفينة فإذا ~~انحرفت هنا وهنا زعمت أنها تضل الطريق لسوء تركيبها، ألا فاعلم - ويحك - أنك لا تصلح ~~أن تكون ربان هذه السفينة، وإذا كنت تستطيع أن ترفع شراعا أو تحرك مجدافا، فما ~~أنت وهذه الباخرة؟ ماذا تصنع - ويلك - في آلات هذا القلب الذي صنعته يد الله ليخوض لجج ~~الحب في بحر الشباب إلى ساحل السعادة، وليس بينه وبين الهلاك إلا أن يرتطم في ذلك البحر ~~بصخرة الموت التي لا تكون أكثر ما تكون إلا من رأس رجل هرم. # عسيت تقول إنك غني ملء الأمل الواسع، وإن هذه الحسناء ستفضي من طريق مالك إلى ~~طريق حبك؛ لأن المال - زعمت - أوسع طرق الحياة وأطولها، وفيه منفذ إلى كل طريق شئت ~~أو شاء الهوى، فلعمري إن هذا المال كما تزعم، ولكن لا يذهبن عنك أنك لا تعرف إلا ~~فاتحة الطريق إلى هذه الحسناء، وأن خطط الآمال ليست من «شوارع التنظيم» أو الطرق ~~السلطانية التي يفضي كل منها إلى جهة بعينها، أو جهات لا يخطئها من انطلق بسبيلها؛ ~~فقد تبدأ تلك الحسناء من طريق هذا الغني الذي تفتحه لها، ثم لا تلبث أن تنعطف إلى مذهب ~~من مذاهب قلبها، ثم تأخذ من هناك في ناحية من نواحي مصائبك؛ لأن سبيل حبها وسعادتها من ~~تلك الناحية، ثم تفضي من كل ذلك إلى طريق من الحياة، إذا هي أبصرتك فيها رأتك وليس من ~~ورائك للبغض مذهب، ورأت وجهك ثمة كأنه صفيحة مما تكتب عليه أسماء الطرق، وقد ~~كتب عليها «شارع المقبرة»! # أنت أيها الأحمق استنقذت هذه الحسناء من الفقر، ثم جعلت تباعد ما بينك وبينها، ~~فأخذتها خادمة وجعلتها سيدة، وبصرتها بما كانت تجهل من فنون الجمال وأساليب ~~الهوى، ثم جعلت غاية كل ذلك إمتاع جسمك الفاني ولذة قلبك الخرب، فنسيت نفسك بادئ الرأي ~~ولم تذكر إلا الفتاة فاتخذتك صديقا، ms115 ثم نسيت الفتاة آخرا ولم تذكر إلا نفسك فاتخذتك ~~عدوا، فلولا تركتها على جهلها وغرارتها ما دام العلم بالحب لا يكشف منك للحب إلا عن ~~خرافة؟ # ويا عجبا من غرام الشيوخ بالفتيات! فإن أكثر من أنت واجد من المحبين وأهل العشق، ~~متى أصابه الكبر وذكر حوادث حبه، رأى فيها ما يسميه جهلا، وما يسميه حماقة، وما ~~يسميه غفلة، وما يسميه خطيئة؛ كأن الهرم يجعل الأشياء نفسها هرمة؛ إذ ينزع منها ~~أوهام الشباب وغروره، فلا تظهر من ثم إلا حقائق مخلصة؛ فما عسى أن يرى الشيوخ فيما ~~يسمونه غراما؟ بل ما عسى أن يرى الحب في هؤلاء الشيوخ «المتطفلين» # 48 # إلا ما يسمى حماقة وجهلا وغفلة وخطيئة؟ # يحب الفتى الناشئ حبا طاهرا يستوجف قلبه، # 49 # فيقول أكثر الناس: أحب قبل زمن الحب! # ويعشق الرجل الهرم عشقا فاسدا يستوقد ضلوعه، فلا يرضى أن يقول مرة واحدة، ولا ~~أن يقول عنه أحد إنه أحب بعد زمن الحب، مع أن الفتى رجل يبنى، والهرم رجل ~~يهدم؟ # ولو لم يضرب الله على بصره لعلم مما تشرع الطبيعة أن أحق الناس بالخيبة رجلان؛ رجل ~~وجد قبل زمنه فلا يحسن أن ينفع أو ينتفع، ورجل أتى بعد زمنه فلا يحسن أن ينتفع أو ~~ينفع! # متى كان الرجل حقوقا فقط، وكانت المرأة واجبات لا غير، فقد خلا الرجل من العقل ~~وخلت المرأة من القلب، وخلا الاثنان من هذا المعنى الروحي الذي يسمى الحب؛ فإن لم ~~يستطع ذلك العاشق الهرم أن يسترد لنفسه الصبى الذاهب حتى تحبه تلك الحسناء طائعة، ~~فليسترجع لتاريخ الأرض وحشيته الأولى حتى تلوذ به تلك المرأة كارهة! # ويل للإنسان من هوى نفسه، فلولا هذه الحماقة فيه لما وجد على الأرض خطأ؛ لأن كل ~~إنسان حين يخطئ فإنما يريد حقيقة من الحقائق، غير أنه يجعل مركزها في رأسه ولا ~~يعتبرها إلا من هناك، مع أن مركزها في العالم. # شهر النحل # قال «الشيخ علي»: كل خطب عظم مدة هان بعدها، إلا خطب المرأة فإنه متى عظم لا ms116 يزال ~~يعظم، وما رأيت في أصناف البلاء كالمرأة السليطة إذا هي استكلبت، # 50 # فكأنما جعل الدهر الجائر أيامها خطا من خطوط مداره، واتخذ من دار زوجها ~~متحفا، ثم أودعه تلك المجموعة من آثاره. ويا رحمة لهذا الزوج! فهو كلما خرج من بيته ~~خرج خزيان يتنقب، وكلما انقلب إليه انقلب خائفا يترقب، ولا تزال تعرف في عينه نظرة ~~مغلوبة وأخرى مسلوبة، وفي قلبه مصيبة مستقرة وثانية مجلوبة، وترى على وجهه سمة ~~استخذاء # 51 # كأنها مسحة استهزاء، ولروحه ظلا على فمه كأنه ظل النخوة الهاربة من ~~دمه؛ ولا يزال مع امرأته المكابرة كأنها ذنب وكأنه ندامة، وقد جمعت عليه الدنيا ~~والآخرة، فكأنه من خوفها في موت ومن لسانها في «قيامه». # وما في خلق الله أعظم من المرأة، فهي طبيعة وحدها، غير أنها الطبيعة الدقيقة الحس، ~~وليس يدرك الرجل حقيقة نفسه قبل أن يخلطها بنفسه؛ فإذا رأيتها خاملة مغمورة، أو ساقطة ~~مزجورة، أو ميتة في الأحياء مقبورة، فلا ترين أنها مغلوبة للرجل ولكنها مغلوبة ~~لاحساسها، وقد وفر الله عليها من القوة ما شاء، ولكنه غمز منها موضعا دقيقا فخرجت ~~بحيث تراها أقوى الأشياء، وترى هي نفسها كأن لا قوة فيها، وهذا سر من نظام الطبيعة؛ فإن ~~أشجع الناس الذي لا يخاف شيئا يخاف أشياء كثيرة من نفسه، فلولا أثر يد الله في ~~إضعافها ما قامت للرجل معها قائمة. # وهذا الموضع الذي أسلمها ضعيفة مستخذية إنما هو جهلها بتصريف إحساسها، فليست القوة ~~إلا شيئا طبيعيا في هذا الوجود كائنة ما كانت، وإنما الشأن كله في العلم بطريقة ~~استعمالها، وما من رجل يداري المرأة نوعا من المداراة فترضى عنه وجها من الرضا، إلا ~~رآها في يده أضعف ما خلق الله هينة لينة سمحة مطمئنة، إن كانت دون الملائكة فهي فوق ~~الناس؛ إذ هو إنما يستولي على إحساسها فيأمن أن تصرفه في غير مرضاته ومحبته، ومن ثم ~~تصبح كأنها صورة من إرادته، وكأن في نفسها نفسه. # فإن جهل الرجل كيف يداريها، وانقطعت الأسباب المختلفة بينه وبين ms117 رضاها، ولم يكن ~~أهلا منها لما هي أهله منه، استوقد إحساسها وبصرها كيف تناله؟ ومن أين تأتيه؟ ~~فابتلي منها بفتنة ما تهدأ وقدتها؛ فما السابح في البحر إذا أراد أن يقيد الموجة ~~العاتية بالحبال، ولا المصروع إذا حاول أن يدفع بيده ما أفزعه من جن الخيال، ولا ~~الطفل يبتغي أن يمسك القمر في الماء، ولا المجنون يتطاول فيقتلع النجم من السماء؛ ~~بأقدر ممن تبغضه المرأة إذا زعم القدرة على إرغامها وتصريف زمامها؛ ومن تمضغه ~~المرأة إذا زعم القدرة على إسكانها، والسلامة من بركاتها، ومن تحقره المرأة إذا زعم ~~القدرة على ردها وإرجاعها دون حدها، ومن تصول عليه المرأة إذا ادعى القدرة على ~~إسقاطها، والقوة على التقاطها! # فليس يعجز الرجل في سلاطة المرأة إذا هي سلطت عليه ما يكون من حدة جنانها، وشدة ~~عنانها، وشرة لسانها؛ فكل هذه وأمثال هذه إنما هي ضروب مما تحاول من إظهار عظمتها ~~الطبيعية المغلوبة، ومن أجل ذلك قلما كانت المرأة السليطة إلا غالبة؛ إذ هي نفس ~~منفجرة. # ولقد يعجز الإنسان أحيانا كثيرة أن يكون نفسه؛ إذ لا تنقاد له الطريقة التي يغلب ~~بها على الحوادث أو يجاريها أو ينبه لها الحذر، ومن ثم ينكر نفسه كأنها غير التي ~~يعرف من قبل، ولكن المرأة متى ثارت لا تعجز أبدا أن تكون نفسها، وما نفسها إلا أعظم ~~ما في الخليقة من الخير والشر! # قال «الشيخ علي»: كذلك صارت «لويز» مع زوجها، وانحازت إليها طبيعته الغالبة؛ فكانت ~~قوية به وبنفسها، وكان ضعيفا بها وبنفسه. # ألا وإن أخلاق المرء إنما هي أعصاب أعماله، فانظر - ويحك - ما عسى أن يكون في البغض ~~أشد من أعمال امرأة أبغضت بعقلها وبقلبها، ولحاضرها ومستقبلها، وصارت حياتها كلها من ~~الشر والسوء كأنها لعنة يصبها الله على رأس هذا الهرم؟ # وكذلك اندمج في إرادتها كما يندمج الثعلب في فروته الجميلة الناعمة؛ ترميه بالنظرة ~~حين يتكلم فتقف الكلمة بين حلقه والوريد، ويجيئها وقد أجمع النية أن يأمرها فلا تأخذه ~~عينها حتى يسألها ما تأمره؟ ويجهد أن ms118 تعلم أنه زوجها ثم ينقلب وهو يتمنى لو تعلم أنها ~~زوجته، ويوسع قلبه عزما أن يفعل ويفعل، ثم يراها فيخشى أن تكون اطلعت على أن في ~~قلبه شيئا من العزم! # وهو لا يعلم بزعمه كيف أنكرته وكيف تغيرت عليه وكيف تنكرت له، ولكنه يريد أن ~~يسأل كل شيء عن ذلك إلا وجهه، ذلك الوجه الذي جعله الحب أقبح ما عرف من دائه، وأشد ما ~~خاف من أعدائه، وما أفضى إليها مرة وهو يحمله، إلا عرف أنه من ذنبه في حبها، وأنه من ~~عذرها في بغضه؛ فيطرق إطراقة يتكلفها ويحسبها تشفع له عندها، لأن فيها ذل الشيبة، ~~وألم الخيبة، وشدة الهيبة، ولكن وجهه يظهره وقتئذ مظهرا ليس في معنى السماجة أسمج ~~منه؛ إذ يكون كاللص الذي لا ينكر على ملأ من الناس أنه سارق، وهو مع ذلك يحرص على أن ~~لا يؤخذ منه ما تجشم في سرقته. وقد عرفت المرأة أنها لا تغمز منه إلا مكاسر عظمه ~~الواهن، ولا تطأ منه إلا كل مفصل مرضوض، ولكنها عرفت كذلك أنه ظالم لنفسه؛ إذ حملها ~~ما ليس في طاقته، وظالم لها إذ أرادها على ما ليس في طاقتها؛ فهو ظالم أشبه بمظلوم، ~~وما مثله في حبها إلا كمثل الفراشة، لا ترجع دون المصباح إلا أن تخالط ناره، فما تحتال ~~من حيلة إلا أحست منها حتفها وتلفها، غير أنها لا تزال تنزع من ذلك إلى ما ينبغي أن ~~تنزع عنه، وكلما تهافتت انحص جناحها من ناحية؛ ومع هذا كله لا تسكن ما دامت فيها ~~حركة تنبعث. # وما من شيء إلا وقد جعل الله فيه النفع والضرر، فمن التمسه على حالة منهما لم ~~تؤده إلى الأخرى، وما تغني الإنسان معرفة الأشياء على حقائقها إلا إذا عرف مع ذلك ~~فروق ما بينها، وتبين الحدود الفاصلة بين الشيء والشيء الآخر، وبين الحالة ~~والحالة في الشيء الواحد؛ فقد يكون الإفراط من الدواء داء مع الداء، وقد يجتمع من ~~طعامين بلاء لا يكون من جوع يومين! # والمرأة هي هي ms119 في حاجة الرجل إليها، ولكن كل امرأة تكاد تكون جنسا بعينه في حاجتها ~~إلى الرجل؛ فمن ههنا أحبت وأبغضت. # ولو أن هذه المرأة مما تنبت الأرض وتسقي السماء، لقد كانت تصلح مع كل رجل كما ~~تصلح لكل رجل، ولكن لها قلبا، وحسا مع هذا القلب، ونفسا مع هذا الحس، ورقة مع هذه ~~النفس، فهي إن لم تحب الرجل من هذه الجهات الأربع، لا تكون قد أحبته ذلك الحب ~~الروحي العجيب الذي يوصف بأنه حب المرأة. # 52 # قال «الشيخ علي»: وقد رأت «لويز» أن زوجها خرب من كل جهاته، وأكبر ما فيه أنه ~~كالأرض الفضاء؛ إذا ضرب عليها سور وجعل في هذا السور باب، ووضع على هذا الباب قفل ~~... فما غناه العريض، ولا ماله الكثير، ولا اسمه في أهل الغنى، إلا كتلك الحدود المضروبة ~~على ما وراءها من الفراغ والفضاء! # وكانت ترتاع لذله وترق لخضوعه، وتود لو استطاعت أن تراه غير من هو، فتعرفه ~~غير ما عرفته وتجزيه غير ما جزته، ولكنه لم يكن يجيئها أبدا إلا بادي المقتل، ولا ~~يريد مع ضعفه أن يعدل عن محزها، وما أماتت من نفسه نزعة إلا انبعثت فيها نزعة أخرى، ~~كأنه رأى في غضبها جمالا لم يره في رضاها، وأحس من سورة شبابها وفورة غيظها ما ~~يعالج منه خمود الهرم وبرد الموت في عظامه؛ فاعتاد منها ما تجزيه، واعتادت منه ما ~~يخزيه، ومرا على ذلك دهرا مات فيه الوفاء، ومرض الحياء؛ فإذا تاريخ هذه المرأة كله ~~لعنات، وإذا عرض ذلك الرجل كله طعنات، وأصبحت ملكة عليه، وأصبح معها كما قال ذلك ~~الحكيم: «من أراد مصاحبة الملوك، فليدخل كالأعمى وليخرج كالأخرس!» # وبعد ... # فإن آلام النزع وإن لم تكن هي الموت ولكنها أشد منه، حتى إن الموت ليكون راحة ~~منها، وقد مد الله في نزع «الكونت» مدا طويلا، فكان يقظان العين نائم الروح وكأنه ~~مقبور في جلده، وكانت زوجه لا تألوه موتا، فليس يراه أحد إلا ظن أنه لما ~~به، # 53 # ولكنه لا يموت؛ لأن أيامه ms120 كانت بعض ما كتب في الأزل من تاريخ هذه ~~البائسة، وقد حمله الله على الأمل، والأمل مطية دائبة لا تكل ولا تنقطع، ولو ذهبت ~~تقطع مسافة ما بين الضدين لتجمع أحدهما بالآخر، فما يزال يحسب أن لزوجته فيئة بعد ~~شرة الصبى، وأن تقادمه في الهرم وتقدمها إليه سيصلحان ما أفسد الدهر ~~منهما جميعا، وليس في الناس أحمق ممن يدفع نفسه إلى ما يظن، في حين تدفعه نفسه إلى ~~ما يستيقن! # أما هي فرأت أن لا سبيل إلى انهزامها أو تراجعها بعد ما أنزلت أخلاقها إلى المعركة، ~~كأنها ماتت قبل أن تموت فليس يضرها أن تقع في هذه المعركة هالكة، وليس ينفعها أن تخرج ~~منها حية، وكل شيء تستدرك منه الحيلة إلا ما أفاتت المرأة من شرفها النسائي، فإنه إن ~~فرط منه فارط لم يستدرك، فبسطت عنانها في يد الأقدار وانطلقت على أثرها ~~صاغرة! # وقطع الفلك في دورته عشر سنوات حتى تفرى الليل عن صبح لم يشهده «الكونت»، # 54 # فترك لامرأته ما جمع، وترك فيها ذلك الموت الحي، وتركها في تلك الحياة شجرة ~~مرداء، # 55 # غير أن اللذات لم تبق عليها بعده، فقد لا تقتل الآلام إذا أسرفت على ~~النفس، ولكن اللذات لا بد قاتلة، وكأن الطبيعة فرضت على الإنسان أن لا يلذ بالعيش ~~إلا حيث تكون لذته اختلاسا، فإنما ركب على أن يشده ما يؤلمه، ويبني منه ما ~~يحسب أنه يهدمه؛ فإن هو حمل نفسه على لذتها، وأطلق لها ما بين هواه ورأيه، فقد ~~أراد لبنيته الضعيفة وضعا ليس في هندسة الحياة، فلا تترك فيه اللذات إلا أمراضا، ولا ~~تحمل منه الأرض إلا أنقاضا! ولو لم تكن هذه اللذة المسرفة سببا إلى الموت، لما ركب ~~في غريزة الإنسان كره الموت من حب الاستمتاع بها، والحياة في «عمليتها الجراحية» ~~المؤلمة لا تحز إلا بأسلحة الآلام الحادة واللذات الحادة! # وبيع ذلك القصر وما ضمه، وكان فيما يحويه بعض رفوف من الكتب يباهي الأغنياء ~~بتنسيقها، ليظهر من ألوان جلودها رسم ليس في الحائط، ms121 فاشتراها أديب تأدى إليه خبر ~~الكونت وامرأته، فإنه ليقرأ منها ذات يوم في كتاب يصف البأساء والضراء من هموم الحياة، ~~إذ ندرت ورقة كانت بين صحفه، فالتقطها فإذا فيها روحان تعتلجان # 56 # بين هذين السطرين: # الفقر خلو من المال، ولكن أقبح الفقر الخلو من العافية. # فيكتور # والغنى أن تملك من الدنيا، ولكن أحسن الغنى أن تهنأ في الدنيا. # لويز # | هوامش # الفصل الثامن # | الحظ # قال «الشيخ علي»: وإن في نفسي أشياء من كلمة بين الكلام، قد ضل بها الناس ضلالا ~~بعيدا، لا أعرف كيف استحدثت، ولا من أين انصبت على الدنيا، وقد خرج الناس من أن يهتدوا ~~فيها إلى حقيقة مخلصة؛ إذ لم توضع في لغاتهم موضع شرح وإبانة، ولكن موضع غموض ~~وإبهام. # ويا عجبا للإنسان! كيف اهتدى إلى التعبير عن المعاني الإلهية، التي يكون المعنى الواحد ~~منها تاريخا طويلا لقدر من الأقدار المستكنة في غيب الله من لدن يقضى إلى يوم يقع، ~~وكيف تلقى في نفس الإنسان معاني الغيب فيردها ألفاظا يحمل منها السماء بأفلاكها على ~~بضعة أحرف! # 1 # على أن أعجب ما فيه أن يعبر عما تناله قوته بألفاظ صريحة خالصة لا لبس فيها ولا ~~اختلاط، فإذا انتهى إلى ما يضعف عنده أو يعجز دونه أشار إليه بحروف مبهمة لا يكون لها ~~في نفسه من الدلالة الغامضة أكثر مما يدل المجهول على أنه مجهول؛ فالإنسان متى أحس ~~القوة رأيته كأنما يحاول أن يسمع السماء بطنين ألفاظه المكشوفة عن معانيها أنه موجود ~~على الأرض، ويحاول أن يظهر للأرض بصراحة هذه الألفاظ أن له إرادة تعمل مع الأقدار في ~~تسخير الطبيعة، ولكنه عند العجز والضعف، وعندما يتخيل صفات من القوة الأزلية ولا ~~يحسها، تراه يرسل الكلمة الخفية التي تشير إلى كبريائه بشيء من الصراحة اللغوية ~~المحدودة، وإلى ضعفه وعجزه بإبهامها المطلق، فما إن تزال في هذا الوجود اللغوي خالية من ~~المعنى على وجه التعيين والنص، حتى يقع بها قدر من الأقدار فيكون هو معناها. # 2 # وضعف الإنسان لا حد له، فلا ms122 حد لما يستعمل من الكلام المبهم الذي يحمل ما شئت أن يحمل، ~~ولولا ذلك لما صح أن تكون الفصاحة نفسها وسيلة من وسائل التعمية في محاورة الخصوم. # قال «الشيخ علي»: أما الكلمة التي أشرت إليها فهي لشمول معناها الطبيعي وإبهامه، كأنها ~~لغة للنفس الإنسانية أين وجدت، ولكن ليس للإنسان أن يفسرها؛ بل هو يتعلل بها ويتعلق ~~عليها، ويعلم أنها كذا خلقت؛ لأنه إن قدر معناها قدره على قياس لا يبرح يطوي هو من ~~طرفه ليعرف ماذا يبلغ؟ وما هي مسافته؟ ويعد القدر من طرفه الآخر ليفسد عليه ما ~~عرف. # فهي كلمة يستوي عندها خطأ الإنسان وصوابه، ولهذا يراها واقعة في موضعها وفي غير موضعها، ~~ولا معنى لها عند هذا الإنسان إلا أنها اتجاه حركة القدر، وهي «الحظ». # الحظ يا بني كلمة غامضة غموض النفس الإنسانية، يتعزى بها أهل الأرض جميعا، ويظهرون ~~فيها إيمانهم الفطري الذي لا بد منه للقلب؛ فما دام هذا الكون على تركيبه العجيب، وما دام ~~هذا التركيب على غموضه المعجز بحيث لا يمكن أن يعرف بجملته، وما دام في هذا الإعجاز موضع ~~حيرة للعقل، فلا بد في اللغات من ألفاظ تصور كل ذلك، وتصفه على تلك الوجوه العجيبة، ~~بحيث تكون اللفظة إقرارا من الإنسان وإن جحد، وصورة لإيمانه وإن كفر. # وهذه الكلمات من أوضاع الإلهام، فلا تخلو منها لغة من اللغات، وهي بعد في تفاوتها ~~وظهورها كدرجات الإيمان من أدناها إلى أعلاها، فمن لم يؤمن بالله وجد في لغته لفظا للقدر ~~وهو الإيمان بعمل الله، فإن كفر بالقدر اعترضته نفسه بكلمة «الأمل» وهو الإيمان برحمة الله، ~~فإن جحد هذه اعترضته طبيعته الإنسانية بكلمة «الحظ» وهو الإيمان بقدرة الله، ولا أحسب أن في ~~الأرض رجلا يكفر بهذه الأربعة جميعا! # ومن ههنا كان الكفر نفسه لا يخلو من إيمان، وكان الكافر كأنه إنما يؤمن من أضعف موضع في ~~الكون، # 3 # وما أشبه الإيمان بجبل راسخ يحمل الناس كافة، غير أن المؤمن يصعد مرتقيا من ~~جهة، والكافر ينزل منحدرا من ms123 الجهة الأخرى! # والعجيب أن كلمة «الحظ» نفسها يضعف معناها ويقوى بعكس ما يكون في الإنسان من قوة ~~الإيمان وضعفه؛ فالرجل المؤمن القوي في إيمانه بالله قلما يفهم من هذه الكلمة إلا أضعف ما ~~تريد النفس منها، فهي تبعثه على تذكر قضاء الله والاستكانة لقدره والتعزي عما فات بما ~~لا يزال في الغيب، ولكنك واجد ضعفاء الإيمان لا يفهمون منها إلا القوة المسخرة لحوادث ~~الدنيا، ولا يريدون بها إلا تسخير هذه القوة في منافعهم؛ ومن ثم تهيج الكلمة في أنفسهم ~~من معاني السخط والارتماض أكثر مما تبعث في نفوس المؤمنين من معاني التسليم والاستكانة؛ ~~وهذا عجيب من طباع الناس لولا السبب الذي كشفته لك! # وما أراك تحسن معرفة هذا السبب ما لم تعرف حقيقة ما أريد بكلمة «الإيمان»، فلست أريد ~~بها ذلك المعنى الذي يتعاون على تمثيله البناء والنجار والحداد وغيرهم من أهل الصناعات، ~~حين يشيدون المساجد والبيع والصوامع ونحوها من أمكنة العبادة؛ فإن هي إلا بعض مظاهر الدين ~~الاجتماعية لا غير، ولا يمكن أن يحصر الضمير الإنساني بين حائطين. # وإنما الإيمان هو ذلك المعنى الذي يلقي على روحك السكينة لأنها متصلة بالله، وفي ضميرك ~~المحبة لأنه متصل بالناس، وهو ذلك المعنى الذي يعلمك ما أنت ممن حولك، وما حياتك مما ~~وراءها، وهو ذلك الاعتقاد الكبير الذي تصغر عنده الحياة بما فيها من الخير والشر، وتهون بما ~~فيها من النفع والضر؛ لأنه قائم على الفكر الذي هو بقية ما نفخ الله من روحه في الإنسان ~~الأول، # 4 # فلا يضعف أبدا ما دام في الكون قوة، ولا يفتقر أبدا ما دامت الطبيعة غنية ~~بجمالها، ولا يسقط أبدا ما دامت السماء قائمة، ولا يموت أبدا ما دامت الحياة باقية؛ ومتى ~~خضعت له استحال عليك أن تذل لصغائر الحياة؛ لأنه هو لا يذل، ومن مظاهره تلك العظمة التي ~~تكون في الأبطال فيستهينون بالحياة إذ هم أهل الموت، وفي العظماء فيتنزهون عن الدنايا إذ ~~هم أهل الأخلاق، وفي الحكماء فيزهدون في حطام الدنيا إذ هم ms124 أهل النفوس. # ومن ثم كان الإيمان الصحيح حرية صحيحة؛ لأنه يعصم من ضروب الذل كلها، وكان منفعة ~~خالصة؛ لأنه الحد القائم بين النفس وشهواتها، وكان عزاء نافعا؛ لأنه العقل السماوي الذي ~~يلهم الإنسان حكمة كل مصيبة، أو يلهمه الثقة بالحكمة التي يجهلها، ولو أن للفضيلة عبادة ~~لكان لها من أخلاق كل رجل صحيح الإيمان مسجد تعبد الله فيه! # ولا يصح إيمان المرء حتى يتبين لنفسه طريقا إلى ربه، فيرى كأن قطعة من السماء في ~~باطنه تضيء له الحياة، ومتى عرف هذه الطريق وامتد بها ضميره إلى حيث يتصل بجلال الله، فمن ~~هذه الطريق نفسها يرد مصائبه إلى الغيب كما جاءت من الغيب؛ لأن للقدر طريقين: فواحدة ~~يندفع منها، وهذه لا تعرف إلا بعد أن تقع الواقعة فتدل عليها بنفسها، والأخرى هي التي ~~ينصرف إليها القدر في حركة الدهر، وهذه لا يوفق إلى معرفتها غير السعداء، ومن كتب ~~الله لهم أن يكونوا مظهر حكمته أو مظهر حمده. # فقوم يجدونها في إيمانهم الوثيق، وآخرون يصيبونها في حكمتهم البالغة، والمؤمن إنما هو ~~صورة قلبية من الرجل الحكيم، والحكيم إنما هو صورة عقلية من الرجل المؤمن، فإذا نزلت ~~بأحدهما المصيبة، وبلغت منه ما لا يبلغ الصبر، فتح لها طريق السماء في باطنه فيبصرها ~~كأنها مدبرة، والمصيبة متى وجدت كالحياة متى ولدت، لا محل للعقل أبدا في أولها، فإن ~~هي ذهبت مدبرة اعترضها المرء على عينه فتنكشف له عن معناها، فيتبين حكمة الله منها، ويرى ~~حينئذ كيف تنقح يد الله في تاريخه. # وما أرى المصائب في نظام الكون إلا حركات ظاهرة تسير بها نعم مجهولة لا تزال من وراء ~~الغيب، وكثيرا ما يكون من هذه المصائب ما ينبه الله به الناس من غفلاتهم حتى لا يقعوا ~~في أشد منها إذا تركوا لما هم فيه؛ فليست النازلة هي المصيبة، ولكن المصيبة من جهلنا ~~وضعفنا؛ ألم تر إلى كل نعمة مع الجهل والضعف كيف تحمق # 5 # وتضعف حتى لا تكون مع صاحبها إلا قريبا مما تكون المصيبة ms125 مع صاحبها؟ # قال «الشيخ علي»: والحقيقة يا بني أن من لم يكن كفؤا لما يناله هلك بما يناله؛ فالحظ ~~توفيق، والتوفيق أن لا يكون لك إلا ما تصلح له، فأنت بذلك مطمئن، ومن ثمرة الاطمئنان ~~الرضا، ومن غاية الرضا أن تستمتع بما أنت فيه؛ فأيما رجل أصاب فاطمأن فرضي فاستمتع، فهذا ~~هو ذو الحظ وإن كان عند غيره لم يصب إلا قليلا، ولم يطمئن إلا من ضعف، ولم يرض ~~إلا من عجز، ولم يستمتع إلا بأهون المتاع. # إن كل امرئ يريد لنفسه لا لسواه، وإن أول التوفيق أن تريد ما يصلحك، وأول الخذلان أن ~~تريد ما لا يصلح لك، وما الطمع إلا فقر حاضر ولو كان طمع الغني. # وإن هذه النفوس لتبلى من طول ما يلبسها قدر ويخلعها قدر؛ فلقد رأيت غير الموفق حين ~~يجور في إرادته، ويضل في مسعاته، ويلتمس من الغيب ما يقدر لنفسه دون ما قدرت له نفسه؛ ~~لا يبرح يكد ويسعى، وكلما لبس حالة من دنياه فاضت عليه فخلعها، أو ضاقت عنه فخلعته، ~~ولا يزال ذلك من دأبه ودأب القدر معه حتى يهن ويضعف ويصير إلى البلى في نشاطه وحزمه، ~~وفي طماحه ورغبته، وقد أنفق من حياته ما لا يرد في ابتغاء ما يدرك، وهذا كله هلاك بطيء ~~يأتي على العمر، وما العمر بمقدار الزمن الذي تعيش فيه، ولكنه مقدار ما توفق من ~~عيشك. # وهل سمعت برجل كان يحفر قبره منذ عقل معنى الموت، وقد نذر أن لا يحول عنه، ثم لم يزل ~~يوسع الأرض من عمله، ويفسح في جوانب هذا القبر، وعمر طويلا، وغبر على ذلك دهره، حتى ~~أصبح قبره يأكل القبور أكلا، # 6 # ثم أدركه الموت فانطرح فيه رمة بالية، فإذا هو لا يملأ من جوفه عمل يوم ~~واحد مما كان يعمل، وبقيت الحفرة كأنها فم مفتوح تصيح منه الأبدية: أين الميت العظيم الذي ~~أعد كل هذا لجيفته؟ وما بال هذا الساعد وما بال هذا المنكب؟ وفيم كان ذلك العمل؟ وما ~~هذا النبوغ الميت ms126 الذي ضاعت فيه الحياة، ولم يعظم به الموت؟ # إنك إن لا تكن سمعت بهذا الرجل، فلقد رأيت كثيرا من مثله يعملون للحياة عمل ذلك الأحمق ~~بعينه للموت؛ فهو لم يمت بمقدار ما أعد لنفسه، وهم لا يعيشون بمقدار ما جمعوا لأنفسهم، ~~ومنهم من أنفق العمر في أكثر من حاجته، ومنهم من أضاعه في غير حاجته، والعمر لا يستخلف، ~~وكلا الفريقين طرف من قياس واحد في الخذلان وإن كان أحدهما يبتدئ من عكس الجهة التي يبتدئ ~~منها الآخر. # لا يوجد على الأرض من يملك شيئا في الأرض غير محدود، ولكن ما من أحد يملك طمعا ~~محدودا في نفسه، ومن هنا كثر ما يسميه العامة «سوء الحظ»، وإنما هو سوء التوفيق. # أما حسن الحظ فما أحسب الناس يعرفون ما هو، وما أراه إلا رغبة مجنونة لا يقرها العقل ~~ولا يستقيم بها نظام الدنيا، وإنما عرف الناس في كل وجه من وجوه الحياة كيف تكون الخيبة، ~~وكيف يمرض الأمل، وكيف يهلك الطمع، وسموا ذلك «سوء الحظ» فحسبوا أن لهذه الأحوال ضدا، ~~وجعل كل واحد يتمنى لنفسه هذا الضد، ويصفه ويسميه «حسن الحظ» لأنه زعم لا سوء فيه، كالذي ~~يسمع بالموت فيحسب أنه يعرف ما هو الموت؟ والحقيقة أنه لا يعرف منه شيئا، وإنما عرف الحياة ~~الهالكة! # يأبى كل أحمق إلا أن يختط لله خطة يبني له عليها مستقبله، فكأنما يريد أن تمشي يد الله ~~في التقدير على أجزاء الصورة التي في خياله! # 7 # ولو جمع الله أبنية الأماني من أوهام الناس ومثلها، وكشف عنها الغطاء ~~فأبصرناها، لرأينا ثم «مدينة المستقبل» التي لا يملك أفخم قصورها إلا الصعاليك! # ما أنا فلا أرى كلمة «الحظ» فيما نأمله وفيما نتعلل به إلا لحنا من الألحان الطبيعية، ~~التي خلقت في أفواهنا لنتغنى بها تحت الأحمال الثقيلة من مصائب الدنيا وأطماع النفس؛ كي ~~تجم الطباع، وتنشط للسير بأحمالها؛ فما الإنسان إلا دابة للحمل، وعليه أن يحمل من معاني ~~المادة التي يعيش فيها أو يعيش بها، والزمن نفسه بحكمته ms127 وعلومه وحوادثه إنما يعلمنا كيف ~~نحتمل الأسواء والهموم أكثر مما يعلمنا كيف نتقيها. # قال «الشيخ علي»: ولكن يا بني ما هذا الذي يرتفع بالخامل، ويتقدم بالعاجز، ويجعل النكرة ~~معرفة والمعرفة نكرة، ويضرب وجه الحق عن مستحقه، ويفلج # 8 # الضعيف وما يسمو به أمل، ويحرم المجد وما يشك في الظفر، ويخالف في سبيل ~~الأقدار بين نصيب ونصيب، ويقطع في محاولة الأمور بين الأسباب والغايات، ويبعد المنفعة مما ~~به تمامها، فإذا هي مضرة ومفسدة؟ # لعلك تقول: إن كل هذا يجتمع في كلمتين هما «السعد والنحس»، وهما تنطويان في لفظة واحدة هي ~~«الحظ»، ألا فاعلم أن هذا من وضع الإنسان لا من وضع القدر، وهي مذاهب لغوية تمر بين ~~أنفسنا وبين أفهامنا، وقد جئتني بجمل تنطوي في كلمتين، وكلمتين تجتمعان في لفظة، وأنا ~~آتيك بجمل في كلمات في صوت واحد؛ فما هي صرخة الألم مثلا؟ أليست قطعة طويلة من كلام النفس ~~يجمعها الحس الثائر المتألم وينتفض فيها فلا تكون إلا صوتا واحدا! وانظر أين هذا الصوت ~~مما يشرحه لك الطبيب من أسباب ذلك الألم وعوارضه في كلام طويل وعبارة سابغة لا يتألم منها ~~حرف، مع أن أحدهما إنما يفسر الآخر كما ترى! # وأنا فلا بد أن أعلمك من أين خرجت هذه الأسماء، # 9 # لقد خرجت من تاريخ النوع الإنساني كله؛ فان هذا الحيوان العاقل كان يشعر بمعاني ~~الأشياء قبل أن يضع ألفاظها، وكان السخط والغيظ والحسد والمنافسة ونحوها من غرائزه ~~الطبيعية؛ إذ هي المعاني التي بثها الخالق في نفسه لتنشئ في الأرض تاريخ هذه النفس، فكان ~~إذا تعادى رجلان أو فئتان فبغى بعضهما على بعض، أحس الغالب منهما أن قوى الطبيعة معه، ~~وأيقن المغلوب أن قوى الطبيعة عليه؛ لأن الإنسان لم يكن عرف نفسه بعد، وكان هو وحده ~~يمثل في هذه الطبيعة المخيفة الرائعة فكرة الخوف العاقلة! # فهذه الثقة في القوى الطبيعية المجهولة من الإنسان، وهذا الشك فيها والخوف منها، هما ~~الأصل في تاريخ لفظتي: السعد والنحس. # ولقد كانت الأمم القديمة كلها تتوسل ms128 إلى الغيب المجهول بوسائل غريبة من الطلاسم والتمائم ~~والتعاويذ ونحوها من الأعمال والعادات المأثورة في تاريخ كل أمة؛ لأن ذلك المعنى بعينه قد ~~ارتقى مع العقل واشتد مع الإنسان، فخرج من مخافة الطبيعة إلى الرغبة في إخافتها، حتى تنزل ~~على حكم الإنسان في اجتلاب الخير ودفع الشر. والزمن لا يأتي على الغرائز فيمحوها، ولكنه ~~يحول منها شيئا ويهذب منها شيئا؛ ومن هنا كانت كلمة «الحظ» فاشية في المتمدنين؛ ~~لأنها آخر صورة مهذبة من تلك الغريزة الأولى! # أما إن في حوادث القدر أشياء لا نفهم وجه الحكمة فيها، وهي الحظوظ والأقسام؛ فذلك صحيح في ~~نفسه بمقدار ما هو خطأ في أنفسنا، والشذوذ فيما يقع من حوادث الدنيا وفيما نشهد من تصاريف ~~القدر أمر معلوم، ولكن لماذا لا يكون قاعدة لأشياء نجهلها ما دمنا نجهل الغيب كله ولا ~~نعرف منه شيئا؟ # ما رأينا قط في تركيب هذا الكون المعجز شيئا خارجا عن موضعه، ولا شيئا زائدا في ~~موضعه، فلم نظن مثل ذلك في الجهة التي تتصل بنا من حكمة الله، جهة السعد والنحس؟ # يا بني، إنما قربت النعمة عن فلان لأن القدر يسوقها إليه، وإنما بعدت النعمة عن فلان لأن ~~القدر يسوقها إلى غيره، وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه، فربما سعى المرء بكل سبب فلم ~~يفلح، ثم يقع له سبب لم يمتهد له وسيلة قط فإذا هو عند بغيته، وإذا هو قد ملأ يديه مما ~~كان قد يئس منه، فلا يكون عجبه كيف خاب في الأولى بأشد من عجبه كيف نجح في ~~الثانية! # وهذا هو مظهر إرادة الله، فإن صادف من بعض النفوس الضعيفة حسدا أو غيظا أو سخطا أو ~~منافسة أو نحو ذلك مما يكون مظهرا لضعف الإيمان في النفس، تحول المعنى إلى لفظ يحمل ~~كل هذه العواطف الوحشية، فلبس الكلمة التي تسلب الإنسان قوة نفسه، وتكاد في إبهامها تسلب ~~الأقدار قوة الحكمة أيضا، وهي كلمة «الحظ»؛ ألا ترى أن أحدا من الناس لا يتعلل بهذه ~~الكلمة ولا يحتج بها ms129 ولا يسكن إليها إلا من غيظ أو سخط أو حسد أو عجز، أو ما هو بسبيل من ~~هذه المعاني؟ # قال «الشيخ علي»: فلم يبق من معنى «الحظ» إلا أن يقال: ولم وفق فلان، ولم ~~خذل الآخر وما هو بدونه، وربما كان أحق منه، وربما كانت المنفعة به أكثر والنعمة عليه ~~أظهر؟ ولم كان ذلك سعيدا، وبأي شيء صار سعيدا، وهذا شقيا؟ وبأي شيء عاد شقيا؟ إلى ~~نسق طويل من هذه المسائل التي لا تجيب عليها السماء، ولا تكف عنها الأرض أبدا. # ولكن يا هذا لم تخفي أنت وحشيتك المهذبة وتكاتم الغيظ والسخط والحسد، ثم تحتال على ~~أن تخرج هذه المعاني الخشنة في ألفاظ لينة، وأن تعترض على القدر في أسلوب من التسليم ~~والرضا، وتطرح بينك وبين الله لفظة إن لم يكن معناها مخاصمة القضاء فمحاسبته، وإلا ~~فمعتبة عليه! # وهل تعلم أنت ما هي شعوب الحوادث وفنونها، وما الذي سيفعله المجدود # 10 # حين تقبل عليه الدنيا، والمحروم حين تدبر عنه النعمة، وماذا يكون مما يترتب ~~على الحرمان أو ينشأ عن الحظ، وهل تدري لم أساء بعض الأغنياء حمل الغنى دون البعض، ولم ~~أحسن بعض الفقراء حمل الفاقة دون البعض، ولم ابتليت طائفة بالتمني وابتليت غيرها ~~بالضجر مما تتمناه الأولى، وحبب إلى تلك ما بغض إلى هذه؛ ولم انتزعت نعمة بعد ~~أن استمكن حبلها، وأقبلت الأخرى بعد أن استيأس أهلها؟ # أليس من كل هذا يتهيأ البقاء للحياة الإنسانية في نظام لا يخف على نوع الإنسان فيهمله ~~فيفسد به، ولا يجور عليه فيستأصله فيذهب به؟ # وهل الناس إلا خطوط في لوح الغيب، يستقيم ما يستقيم منها، ويعوج ما يعوج؛ لأن كل ذلك ~~مما لا بد منه في جملة الوضع وإحكامه؛ فإذا أردت أن تسأل لم استقام هذا ولم اعوج ~~ذاك، ثم ما قصر وطال، ثم ما دق وجل، ثم ما علا وسفل، ثم ما انفرد واختلط؟ فسل: لم ~~خلقت الدنيا ولم خلق الناس؟ وسل الخالق ولا تسل «الشيخ علي»! # كل ذلك يا بني ms130 حكمة وكل ذلك انتخاب، وقد ظفر العلماء في حركات النظام بما سموه «الانتخاب ~~الطبيعي»، وعرفوا أن ذلك سر من أسرار التقدم والارتقاء؛ فاعلم أن ما نحن فيه من معنى «الحظ» ~~إنما هو «انتخاب إلهي»، وذلك سر من أسرار الحياة والبقاء، وما من حركة لي ولك ولكل إنسان ~~إلا هي تمس قطعة من تاريخ الحياة وطائفة من الأحياء؛ فليس من حي هو لنفسه وحدها، وليس ~~من حقيقة هي لنفس واحدة، وإن عرف الإنسان بعض الحقيقة من نفسه، فأكثر الحقيقة لا يعرفه ~~إلا من سواه؛ ومن أجل ذلك يقضي نظام الحياة بما نسميه «الحظ»، وإن كنا لا نفهمه كما يقضي ~~به نظام هذه الحياة، وإنما قوة الحركة وضعفها على حسب ما يراد بها في الدفع والجذب؛ فكن ~~واثقا بالله مؤمنا بالقدر خيره وشره، فالثقة وحدها حظ عظيم، والله تعالى يصيب الناس ~~بنياتهم؛ إذ هي حقائقهم الصريحة، وإذ هو وحده المطلع عليها؛ فهو يوفق السعداء للنية ~~الحسنة ثم يسعدهم بهذه النية على الوجه الذي يعلم أنه من سعادتهم، فإن لم يكن لهم الحظ الذي ~~يريدونه فلهم الحظ الذي يلائمهم، وربما كان زمام العافية بيد البلاء، وكانت النعمة في عاقبة ~~المصيبة، وكان الإنسان عابسا من طلعة القدر والقدر يضحك له! # وإذا لم يكن للأقدار نواميس أرضية تجري عليها وتقع بحسبها، فإن أقرب ما يصح أن يعد ~~من نواميسها فيما أرى هو نيات الناس. # وما النية إلا خلاصة الفكر والضمير ونتاج ما بينهما؛ فلا تنطو على ما يسوءك أن ~~تنم به ألسنة الغيب، وإنما الحوادث من هذه الألسنة، ولا تعقد هوى ضميرك على ما تحسبه ~~أملا من حيث لا يكون إلا حسدا للناس، ولا يعقب إلا نكدا لنفسك، وما تظنه عزما منك وهو ~~طمع في الله ومخادعة للقدر. # وحسبك من المتاجرة مع السماء بضاعة صالحة من الإيمان الذي لا غش فيه، ومن المتاجرة مع ~~الأرض بضاعة طيبة من النية التي لا دنس فيها؛ فإن ربحك من هذه البضاعة التي لا تكسد في ~~أسواق السماء والأرض، ms131 أن يلقي الله عليك محبة منه وتأييدا وسكينة، وإن رأى الناس أنك ~~خسرت شيئا من الغنى أو الجاه أو متاع الدنيا، فإنما تعلم أنت يقينا أنك لم تخسر إلا ~~الهم والشقاء والتعب بالدنيا وأهلها. # ويومئذ يكون لك من حسن الإيمان، وحسن النية، وحسن الأخلاق، ما تعرف منه كيف يكون «حسن ~~الحظ». # | هوامش # الفصل التاسع # | الحرب1 # رقعة من الأرض كأن فيها شيئا من الطينة التي خلق منها الإنسان، فهي تمطر من دمائه، ~~وكأنما عرفته في سماء الله، فلا يكاد ينزل بها الجيشان حتى تعيد أرواح أكثرهم إلى سمائه؛ ~~ينجذب إليها الجندي لأن فيها ترابه بل لأن فيه من ترابها، وينطرح عليها لأن اقتراب ~~منيته في اقترابها، ولا تزال تصرعه وكأنها من شوقها تضمه، وتلقيه على صدرها ميتا أو ~~جريحا كأنها تعلمه بذلك أن الأرض أمه، وهي مزرعة الموت، نباتها الرءوس فمنها قائم ~~وحصيد، وثمراتها النفوس فمنها داني القطاف ومنها بعيد، وقد رواها بالدم الحي فنبت فيها ~~العظم وأثمر فيها الحديد! # بل هي ساحة الحرب ترفع عليها القوة راية وتنزل راية، ويحشر إلى مسرحها الناس ليمثل ~~لهم الموت كل يوم رواية، وقد اضطربت فيها الآجال فكأنها أمواج في بحر القدر زاخرة، وتناثر ~~فيها الرجال فكأنهم عظام في بعض المقابر ناخرة، وظهرت تلك الساحة وقد كشرت عن أنياب من ~~السيوف وأسنان من الأسنة كأنها لأهل الدنيا فم الآخرة! # أما الجنود فإذا رأيتهم يلتحمون قلت زلازل الأرض قد خلقت على ظهرها، وإذا شهدتهم ~~يقتحمون خلت نفوس الكرام قد حملت على دهرها، وقد أيقنوا أنهم إن لم يكونوا للموت كانوا ~~للأسر، ومن لم يبن منهم على «الفتح» بني على «الكسر»، وما منهم إلا من يحمل رأسا ~~كأنه لا يملكه، على عنق لا يدري كيف يمسكه، في بدن لا يعرف أيأخذه الموت أم يتركه؛ فهو لا ~~يبالي أظلته الشمس أم أظلم عليه الرمس، ونهض للتاريخ مع الغد أم ذهب في التاريخ مع ~~الأمس. # وإذا كان من صفة الميت أنه اسم في الحياة بغير جسم، فمن صفة ms132 هذا الحي أنه جسم يعيش بغير ~~اسم، وما الجندي إلا عدد في حساب الحرب، فسيان قطعه «الطرح» أم أخذه «الضرب»، وإنما هو حيث ~~يتهيأ له انتظار الأقدار؛ فليس إلا الصبر، ولو في بطن القبر، وحيث يطبخ له النصر على ~~«النار»، فثم المكان ولو في جوف البركان. وآية عقله أن يكون كالآلة المتقنة تعمل بلا ~~عقل فلا يخشى الحيف، ولا يسأل لماذا ولا كيف، ومن ذكائه أن يكون من صحة الذهن، بحيث لا ~~يفرق في الموت بين الجمر والتمر، وأن يكون من «خفة الروح» بحيث تحمله اللفظة الخفيفة على ~~جناح الأمر. # وما الحرب إلا أن يتنازع الناس على الحياة فيقيموا الموت قاضيا، ويطلبوا من الشريعة ~~المدونة في صفائح السيوف حكما على الحياة ماضيا؛ فكلا الفريقين يقدم الحجج، من المهج، ~~ويتكلم بألسنة الروح، من أفواه الجروح، ويأتي من بلاغة الموت في خصامه بكل «ضرب»، ويجري ~~الحياة مجرى «الاستعارة» في «بيان» الحرب. # وقد تواقف الرجال في يوم أطول من يوم العرض، وتقاذفوا بالآجال حتى أوشكت السماء لكثرة ما ~~ينزل منها أن تقع على الأرض؛ فالخيل منقضة كأنها صواعق أرسلها الموت في أعنة، أو نوازع ~~من السحاب بروقها الصوارم والأسنة، مسرعة كأنها تسابق تلك المنايا التي جرت بها الأقدار، ~~جائلة كأنما تحيرت كيف تفر من ساحة الموت بما حملت من الأعمار، وعلى ظهورها كل فارس ~~كأنه بين الرماح أسد في غاب، وكأن الموت من سيفه سم خلق في ناب، وكأن العنان في يده سوط ~~ولكنه سوط عذاب، لم يعد في الفرسان، حتى لم يعد من الإنسان، فإذا صاح بقرنه عرفت ~~الوحوش ذلك الصوت، وإذا ماجته الحرب لم يفته من ضروب النقمة فوت، وإذا نظر إلى مقتل عدوه ~~حسبت عينيه نقطتين على تاء الموت. # وقد ثار الغبار كأنه طريق يمد من الأرض إلى السماء، أو كأنما أراد أن يمثل السحاب وقد ~~رأى المطر تمثله الدماء، أو كأنه أرض ثامنة بدأت تتخلق مبعثرة في الفضاء، أو كأنه لما ~~رأى الحرب تتوقد هب مستجيرا بالهواء من الرمضاء، ms133 أو هو قد فر من الأرض لما خشي أن ~~تنفلق الأرض من حوافر الخيل، أو كأنه أنف أن يأتي الناس أعمال اللصوص في نور الشمس فضرب ~~عليهم قبة من الليل، أو حسب عقول الجند في أيديهم وأرجلهم # 2 # فطار ينظر أين تلك الهام، أو هو لما رأى المطر أحمر خشي على الأرض فثار إلى ~~السماء ينظر ماذا دهى الغمام. # وقد رمت الأرض تلك المدافع بزلزالها، وألقت على الجنود صورا من شر أفعالها، فتركتهم ~~كالغابة الملتفة إذا استطار فيها الحريق، وانحط فريق من أشجارها على فريق، وكأنما انقض ~~عليهم من قنابلها جدار من الجحيم، وكأن كل مدفع في صيحة الحرب إنما هو عنق شيطان ~~رجيم. # تحمل في بطونها أجنة من النار ترتعد الحصون لهول ميلادها، وتنحني القلاع مخافة منها على ~~أولادها، # 3 # ولها صوت بعيد كأنما تنادى به السماء لترسل المنايا الطارقة، أو لتستقبل ~~الأرواح المفارقة، أو كأنه نشيد فخم تفتخر به الأرض على الرعد والصاعقة. # وهي القارعة، وما أدراك ما القارعة، أما يومها فيوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وتكون ~~الجبال كالعهن المنفوش، # 4 # وهو إن لم يكن يوم النفخ في الصور، فإنه يوم تحصيل ما في الصدور، # 5 # وإن لم يكن يوم يبعثر من في القبور، فإنه يوم يبعثر الناس في ~~القبور. # وهو المدفع حسبه قوة أنه من الحديد، وحسب ما يحويه قول الله - عز وجل: # فيه بأس شديد ~~، وحسبه رعبا أنه شكل «عصري» من عذاب ~~الخسف القديم أعده الله لهذا الإنسان الجديد. فكم من حصن منيع اعتز به أهله اعتصاما، ~~فتركهم فيه ترابا وعظاما، وكم من قلعة شامخة اغتر الجند بقواها، فدمدم عليهم بذنبهم ~~فسواها. # 6 # وأما الرصاص فهو من سماء الموت حب غمامه، وله صفير كأنه ترنم الشيطان ببعض أنغامه، ~~ولو أن عاصفة كنست أرض الجحيم لما شوت الوجوه بأشد من ناره، ولا حملت من هناك إلا ما تحسب ~~هذا الرصاص من حصاه وغباره، يثور كما تثور الأعاصير، ويندفع كما تندفع المقادير، ويقع على ~~الأجسام بالأجل أو يطير، ms134 ويتناثر فكأن في السماء نجما تفتت فسقط، أو كأن قطعة ذابت من ~~الشمس فألقت على وجوه الناس هذه النقط، أو هو فوج # 7 # من ذباب النار، هبط إلى هذه الدار، فلا هم له إلا الجلود وإنضاجها بلذعه، ~~والعيون وإخراجها بنزعه، والعروق واستخلاصها، والدماء وامتصاصها، والأرواح بعد ذلك ~~واقتناصها. # وكأنه زفرات غير أنها لا تخرج من الصدر بل تنزل فيه، ولولا أنها تشويه ولا تشفيه، وهو ~~أوقع في الرءوس من الأوهام، وأنفذ في الأغراض من مكايد الأفهام، وأحر على الأكباد من كل ~~ما يضرم غضب الجبار المغيظ، وما هو إلا العذاب الرفيع إن كان المدفع هو العذاب ~~الغليظ. ~~••• # وهناك من الروع ما لا يحصيه الوصف ولا يحصله، وإن عرفت آلة التصوير كيف تجمله، فليس ~~يعرف القلم كيف يفصله؛ ولعمري لو كان البحر الأسود في المحبرة، لما بلغ في وصف هذه ~~المقبرة، غير أنها الحرب التي ابتدعها العلم لهلاك الإنسان، والقوة التي رزقها العقل ~~فكانت بلاء على الأبدان. # قوة المعجزات التي أركبت هذه الذبابة الإنسانية على متن الغمام، وطوت لها من السماء بين ~~جناحي النور والظلام، فإذا سمت «الطيارة» خفض لها السحاب جناح الذل، وأقبلت الملائكة ~~تسأل ربها ما هذا الجزء من العالم بل ما هذا الكل، وما هذه الجرادة التي رأسها في ~~ظهرها، # 8 # وسرها في جهرها، بل ما هذه الحياة الأرضية التي عرجت في السماء فخرجت من حدود ~~دهرها، وما هذا العقل الإنساني الذي لا يوزع جاشه، # 9 # والذي يرفعه إلى السماء ارتعاشه، وهو مع ذلك يندفع على أهله بالويل اندفاع ~~السيل، ويطلع نصفه كالنور على الأرض # 10 # ليطلع نصفه الآخر كالليل؟ # وهي الحرب العامة كأنها ثورة الدهر، وقد ضجر من هذا العلم وطغيانه، ومل من سماجة ~~إنسانه، واشتاق إلى عصر حيوانه؛ فزفر زفرة أيقظت الموت وكان نائما، وتركت هذا الإنسان من ~~الفزع لجنبه أو قاعدا أو قائما، واستنزلت من القضاء ما كان في علم الله غيبا، واشتعل من ~~هولها رأس الأرض ببياض السيوف شيبا، وجعلت من البيوت قبورا لأهلها، ms135 وساوت في معايش الناس ~~بين صعبها وسهلها، وأظهرت لعقول العلماء أن أكثر علمها من فنون جهلها؛ فالأرض في بلاء ~~منتشر لا يعرف له حجم، والشعوب في ظلام من اليأس ملتهب النجم، والدول في عصر كليل ~~الشياطين كله رجم. ~~••• # قال «الشيخ علي»: تلك هي الحرب القائمة اليوم، ولكن كما ترى خيال النار في الماء، أما ~~الحقيقة فكل حرف منها جيش، وكل كلمة أمة، ووراء ذلك معنى رائع هو استجماع الحياة ~~الأرضية لمقابلة الموت، ولو أن لهذا الكون مرضا يعتريه كما تعتري الناس أمراضهم، لقلت إن ~~شق الأرض قد ضرب بالفالج، # 11 # فأصبح شقها الآخر لا يكاد يجر ظله حول الشمس؛ لأن الحركة مقسومة بينه ~~وبين ذلك النصف الميت؛ فقد اشتبكت العلائق بين دول الأرض جميعا؛ إذ لا تعرف دولة بين ~~الناس ترعى شعبا من البهائم، ولما بدأ الإنسان يعرف نفسه في عصر العلم والمدنية عرف أخاه؛ ~~لأن أكثر حقيقته الإنسانية فيه، ومن ثم اتصل به اتصال اليد بأختها في المعاونة على ما ~~يسرت له كلتاهما، وجمع العلم بين هذه الأمم لأنه لا ينتسب لواحدة منها، وليس له في ~~الأرض خال ولا عم، ولا يعرف شيء يقول للعلم «يا بني.» ويقول له العلم «يا أبت.» إلا ~~التاريخ الإنساني. # ولهذا سفر بين أمم الأرض كل ما يخرج من رأس الإنسان وما ينتج من يده، واتصل ذلك واستفاض ~~حتى كأنما دارت الأرض دورة جديدة من داخلها، فما إن يقع الاضطراب في ناحية منها إلا دخلها ~~من الأثر في سائر نواحيها، من هزة ترجف، إلى زلزلة تهدم، إلى الخسف الذي يجعل عاليها ~~سافلها. # وإني باسط لك شيئا من الرأي في كلمات قليلة، ولكنها كالمعركة الأخيرة التي يحق بها ~~النصر، فتكون هي تاريخ الحياة، ولا يكون ما سبقها إلا تاريخا للموت. # ألا فلتعلم أنه لو كان لحوادث الدهر منذ نشأ الدهر تاريخ صحيح يصف لنا ما كان سببا ~~في كل حادثة، وما صارت كل حادثة سببا فيه؛ لأثبت يقينا أن ليس في الأرض شيء من خير ms136 أو شر ~~غير ما يلزم لبناء هذا التاريخ الأرضي على الوجه الذي يتفق مع بناء الإنسان، والتاريخ ~~يطرد حينا ثم ينعطف ههنا وههنا في مجراه من الغيب، فلا يتحول إلا انشقت له ناحية من ~~العالم. # فإن خربت دولة أو سقطت أمة فما هي بصاحبة الدهر كله، وقد كان لها قسمها منه، ثم عاد الدهر ~~يطلب قسمه منها، ولن يجدد البناء القديم حتى يكون الهدم أول العمل في تجديده. # فالحرب شر لا بد منه؛ لأنها من عوامل التحليل والتركيب في تاريخ الإنسانية، وهي بذلك سبب ~~من أسباب استمراره، وكل شر لا بد منه فهو خير لا غنى عنه، وهل يبتغي الإنسان أن تضرب ~~العصور والدول كما تضرب الدنانير والدراهم من معدن معروف على وجه معروف ولغاية ~~معروفة؟ وإذا لم يكن لنا مستقبل التاريخ، وكنا في عمر محدود، فما نحن والرأي في بناء هذا ~~المستقبل، وكيف نقدم لله آلات البناء، ثم نحكم الشرط أن لا يكون في هذه الآلات ما ~~يحتفر أو يكسر أو يرض. # إنما يجعل للحرب ذلك الوصف الذي يطير لها في كل أرض صوتا # 12 # بالذم والسوء، أنها لا تأتي إلا بغتة، ولا تطبق إلا في غفلات العيش، وأنها ~~تثور في بياض الأمن حمراء من لون الموت، وتطلع في خصب النعمة سوداء من لون القحط، وتنبثق ~~بالشر من حيث يكون الشر مأمونا، وتصب المحنة على من لا يطيقها، ثم لا تصيب الذين ظلموا ~~خاصة بل تلف من جانبي الحياة لفا، وهي في كل ذلك البلية المكشوفة التي تشتهرها ~~الأحاديث، # 13 # وتضرب فيها الألسنة، وتسيل عليها الأوهام بما في طباع الناس من طبقات الأخلاق ~~ضعفا وشدة، وخوفا وطمعا، وبخلا وكرما، وحذرا واندفاعا، بحيث تصبح وكأنما ترتمي على ~~رأس كل إنسان بالموت، أو بالخوف من الموت، أو بالخبر عن الموت، أو بما يشبه الموت، أو بما ~~يكون الموت خيرا منه! # وإلا فكم يترضرض الناس # 14 # كل يوم، وكم يجدون من صنوف الدمار في الأعمار، ومن ضروب الأرزاء في الأرزاق، ~~ما لو ms137 جمع بعضه إلى بعض في نسق واحد لطم على هذه الحروب كلها، ولأظهر لك أن في ~~السلم ما هو شر من الحرب، وإن لم يصرخ به صوت الموت. # وما البغي والظلم والكيد والفتنة والاستبداد ونحوها مما يشمل أكثر وسائل الحياة ~~الإنسانية إلا ضروب من القتل الخفي، وربما عد الموت في بعضها راحة من الموت، ولكن ~~ذهب بإثمها في اصطلاح الناس أنها خطط موضوعة للمغالبة على الحياة، وأنها لا تنالهم إلا ~~فردا فردا، وكأن باطل الأمم غير باطل الأفراد؛ لأن الاجتماع قضى منذ أول العهد به أن ~~تكون الأمة مظهر الشرع، وأن يكون الفرد مظهر العقاب، ولكن ليت شعري لم يكون الفرد كذلك من ~~الأمة، ولا تكون الأمة كذلك من أمة غيرها؟ # فالحرب هي عقاب الجماعات، وهي كذلك ضرورة اجتماعية، ولن يخلو منها تاريخ الإنسان إلا إذا ~~رجع الناس أمة واحدة في تركيب مستحيل لا يتهيأ معه أبد الدهر ما يقسم هذه الأمة على ~~نفسها، ولعمري إن ذلك التركيب الاجتماعي الذي يخلو من الحروب، ليزهد الناس في جنة الله، ~~ولا يدع للأديان محلا على الأرض، ويحسبون أنه صلاح في الطبيعة وهو يفسد الطبيعة كلها، فما ~~هو إلا خيال شعري في تاريخ الحقيقة الإنسانية، وما أرى الحرب إلا البرهان الذي تقيمه ~~الطبيعة أحيانا على فساد ذلك الخيال كلما أوشك الضعف الإنساني أن يتوهمه حقيقة. # وإذا كان الله لم يخلق إنسانا من النور فلا تظلم نفسه، ولا من الثلج فلا يحمى دمه، ~~ولا من الصخر فلا يهن كاهله، ولا من الحق فلا يحيف على غيره، ولا من الرضا فلا يطمع في ~~سواه، ولا من الكتمان فلا تخرج أضغانه، ولا من السكون فلا يتحرك في نزاع؛ فكيف لعمري يخلق ~~بعض الكتاب والفلاسفة هذا الإنسان الجديد من عناصر السلم وحدها؟ # ألا إن الإنسان لا يولد ساكنا ولا نظيفا، وإنما يخرج من بطن أمه في ثورة دموية ~~تنفجر من حوله ههنا وههنا؛ وما أرى الحرب أكثر ما تكون لا ولادة للتاريخ على هذا الأسلوب، ~~فكأن من ms138 التاريخ ما يولد على أسلوب الحيوان في ثورة من الدم، ومنه ما يوجد على أسلوب ~~النبات في تحول ساكن غير منظور. # قال «الشيخ علي»: والحركات المجهولة في نظام الأرض كثيرة، بعضها يجري على الطبيعة وبعضها ~~يجري على الإنسان؛ فكما يدك الجبل وتخسف الأرض ويطغى الماء وتثور العواصف وتنفجر ~~البراكين، يجري على الإنسان من مثل ذلك في القحط والوباء والحروب وغيرها؛ لأن الإنسان في ~~الحقيقة هو الطبيعة الرفيعة، وما القوة المركبة فيه التي تخرج من مجموع غرائزه إلا تهيئة ~~حربية في نفسه. # 15 # فلولا أن هذا الإنسان مهيأ للحروب بأدواتها الطبيعية، وأن هذه الأدوات هي كذلك من ~~أسباب بقائه اللازمة له، لما قامت في الأرض حرب قط، ولو أبعدنا في مطارح الفكر ونظرنا من ~~وراء النفوس الإنسانية إلى ميادين القتال، لرأينا أن الحرب التي تقوم بين الأحياء إنما هي ~~حرب قائمة بين مذاهب الحياة. # وكما يجتمع العلماء وأهل السياسة لتنقيح الأنظمة والقوانين، تجتمع الأمم المتحاربة لتنقيح ~~الطباع والعادات، وما أعجب أن يكون القتل تنقيحا في قانون الحياة! # 16 # فلا تنظر من الحروب إلى هؤلاء المساكين والمتوجعين والمحزونين؛ فذلك كله إلى ~~نهاية، ولا يبقى منه على الأرض شيء قل أو كثر، ولا أحمق ممن ينظر ساعة الهدم إلى ~~آثار الهدم، ولا يعلم أن ذلك سبب لما بعده، وأنه إذا لم يهلك يوم في سبيل الغد هلك ~~المستقبل كله. # ولكن متى تكون الحرب حقا، ومتى تكون باطلا؟ فهذا ما لا سبيل إلى وجه الرأي فيه، وربما ~~كان الجواب عليه سؤالا آخر، وهو: متى تعرض في حياة الناس تلك المسائل التي لا يصلحون هم ~~أنفسهم لحلها؟ ومتى تكون الحركة العنيفة التي يتحول بها التاريخ الإنساني كلما وجب أن ~~يتحرف ليتبع مجراه من الغيب؟ # أليس ذلك هو السبب في أن العقل أحيانا يكون أول من ينهزم في الحرب كما تراه ~~اليوم، # 17 # فيصبح الفلاسفة والعلماء والمتفننون ولا هم لهم إلا إدارة حركة الموت هجوما ~~ودفاعا، وترى الصلوات والأدعية والتسابيح تتصاعد إلى الله وفيها ريح الدم ms139 والنار ~~والغازات، كأنها قنابل صنعت من العواطف؟ # وقد يقول بعضهم: إن في الحرب إسرافا اجتماعيا بما تأخذ من الموتى وما تترك من المرضى. ~~ولكن كم من الإسراف الطبيعي والأخلاقي في بقاء الناس موفورين بعلومهم وفنونهم وشهواتهم ~~ونعمهم ومصائبهم ونحوها، مما يؤدي إلى انطواء هذا المجتمع الإنساني في الأدمغة والقلوب ~~بما تبعث عليه تكاليف الحياة الاجتماعية السامية التي تحاول أن تجعل الإنسان حيوانا على ~~شكل مخترع! # فلا ترين يا بني هذه الوحشية التي تعتري الناس في حروبهم إلا سببا في رجوعهم بعد ذلك ~~إلى الإنسانية الخالصة التي أفسدوها بحضارتهم، وضربوا عليها الحدود من مصطلحات التمدن ومن ~~أصول المعاملة، فأصبح الإنسان منهم يقضي العمر وهو يتعلم كيف يصير إنسانا! # وأنا يا بني في خاصة نفسي أكره الحرب؛ لأني أراها تصور بكل ألوان الهلاك والخراب ~~فكرة العدم المبهمة على قطعة من أديم الأرض، وأمقتها لأنها تلوث الحياة بدماء الرجال ثم ~~لا تغسلها إلا بدموع النساء والأطفال، وأبغضها لأنها تدفن تاريخها الصحيح للمستقبل ولا ~~تترك للحاضر إلا تاريخها المشوه في أعضاء الجرحى، ولكن البغض يا بني لا ينفي الحكمة مما ~~تبغضه، وما سرور نصف الناس إلا بما يكره النصف الآخر! # وأكبر شخص اجتماعي وهو الأمة، كأصغر شخص اجتماعي وهو الطفل؛ كلاهما يبكي ويتألم حين ~~يضرب لتأديبه. # قال «الشيخ علي»: وهذا آخر قول الشيخ علي. # على الكوكب الهاوي # حسناء أفقرتها الحرب، وكيف تتلقاها الحقيقة؟ # طريدة بؤس مل من بؤسها الصبر # وطالت على الغبراء أيامها الغبر # تنكرت الدنيا لها ورمت بها # على الكوكب الهاوي حواه فضا قفر # وكانت كما شاءت وشاء جمالها # كما اشتهت العليا كما وصف الشعر # تلألأ في صدر المكارم درة # يحيط بها من عقد أنسابها در # وما برحت ترقى السنين وتعتلي # وكل المعالي في طفولتها حجر # فكانت كزهر نضر الفجر حسنه # ولما علت كالنجم أطفأها الفجر ~~••• # رمى الدهر أهليها بحرب ولم يرد # بها الشر لكن الحروب هي الشر # ومن يحطم الكأس الروية وحدها # فقد ذهب اثنان الزجاجة والخمر # تقاسمت الحسن الإلهي وانثنى # يقاسمها ms140 فالأمر بينهما أمر # فللشمس منها طلعة الحسن مشرقا # وفيها من الشمس التوقد والجمر # وللزهر منها نفحة الحسن عاطرا # وفيها ذبول مثلما ذبل الزهر # وللظبي منها مقلتاها وجيدها # وفيها من الظبي التلفت والذعر # وما قيمة الحسناء يقبح حظها # وتذوي بروض الحب أيامها الخضر # من الحسن معنى يهلك الحسن عنده # كما أهلك الأزهار أن يؤخذ العطر # فما الحسن فخر للحسان وإنما # لخالقه فيما يريد به سر ~~••• # ضعيفة أنفاس المنى بعدما غدت # رقاب أمانيها يغللها الفقر # وبين خطى أيامها كل عثرة # يزلزل أقدام الحياة بها العسر # وزجت بها الأحزان في بحر دمعها # وليس لبحر الدمع في أرضنا بر # يقاذفها موج الليالي وما لها # سوى زورق واه يقال له العمر # وما التمست رأس الرجا عند صخرة # فكان سوى رأس الردى ذلك الصخر # إذا استنبئوها أرسلت من دموعها # لآلئ حزن كل لؤلؤة فكر # وإن سألوها لجلجت فكأنما # عرا اللفظ لما مر من فمها سكر # مشردة حيرى تنازع نفسها # فريقان ذل لم تعوده والكبر # وما قتل الذل امرأ من عبيده # وكم من فتى يرمي بهامته الفخر # ولو أنصف الإنسان في قدر نفسه # رأى قدرها أن لا يهون لها قدر # فلا تتساءل كيف تقعد وادعا # ولكن تساءل كيف يسعى بك الذكر # وكن رجلا كالضرس يرسو مكانه # ليطحن لا يعنيه حلو ولا مر # ولا تتوقع أي جنبيك واقع # إذا انطبقت يوما حوادثها النكر # ولكن تلق الدهر غير مفزع # بصدرك ولتعر الخطوب كما تعرو # فعز الحسام الهندواني صدره # وذل العصا أن العصا كلها ظهر # ولن يهن الحر انتضى عزماته # وصال بها من صبره الخلق الحر # وإن تغلب الأبطال في كل حومة # فما عرفت حرب بها غلب الصبر ~~••• # وليلة هم ما يطير غرابها # ولا انحط من وكر الصباح له نسر # تطل عليها الشهب أعين نقمة # تطاير فيما بينها النظر الشزر # ويزفر فيها الليل زفرة مارد # تطير لها من برقه الشعل الحمر # ويخفق في أحنائها كل عاصف # خفوق فؤاد بات يسلمه الصدر # ويغضب من آثامها الموت غضبة # يرج لها في كل ms141 ناحية قبر # دخانية هوجاء لو مد نقعها # لقام على وادي الجحيم بها جسر # وأهون ما في أرضها وسمائها # على الناس هاتيك الحزينة والبدر # 18 # ثوت تحتها تلك الفتاة عليلة # تئز كما أزت على نارها القدر # وفي غرفة مما بنى الله لا الورى # فليس على من حل ساحتها أجر # جوانبها شرق الظلام وغربه # وفي سقفها ضاءت كواكبه الزهر # ممددة كالسطر في صفحة المنى # وأطمارها تبدو كما «شطب» # 19 # السطر # فإن يك أهل الأرض أرقام حاسب # فتلك وراء العالمين هي الصفر ~~••• # رمت عينها يمنى ويسرى فلم تجد # على الأرض خلقا ليس في جنبه غدر # رأت كل مخزاة من الشر تلتوي # ويهرب ذعرا من جنايتها العذر # رأت أثرا تدمي به الأرض والسما # وليس سوى الإنسان في جرحه ظفر # رأت ذلك الإنسان يطغى بعلمه # ويجهل أن العلم عن جهله زجر # أليس يرى الإنسان في القرد شبهه # فهل ذاك إلا من تكبره سخر؟ # كما عاقب الله الأسود لكبرها # فجاء لنا في صورة الأسد الهر # رأت هذه الحرب الضروس كأنها # مراحل يطويها من الزمن الحشر # وما حمد الشيطان للناس مثلها # ولا كان للشيطان في مثلها شكر # وما الحرب إلا رجفة الأرض رجفة # يموت بها عصر ليحيا بها عصر # وما الحرب إلا مطرة دموية # إذا دنست روح الورى فهي الطهر # وما الحرب إلا غضبة الله لامست # مخازي هذا الدهر فانفجر الدهر # فيا رب جلت هذه الحرب محنة # على الناس لا الإيمان منها ولا الكفر # ففي كل نفس غصة ما تسيغها # وفي كل قلب كسرة ما لها جبر # وبين شفاه الناس للناس لعنة # إذا لم يثرها الحق ثار بها الخسر # وما لوت الأسياف في الأرض عروة # من البغض إلا والرءوس لها زر # فلا تخدعوا الإنسان عن نزغاته # فما الناس إلا ما أساءوا وما سروا # وكم قيل «إنسانية ومحبة # وعلم وتمدين» وأشباهها الكثر # فيا قدرا يجري دماء ويلتظي # سعيرا أذاك الحب أنت أم الهجر؟ # ويا هذه لا تجحدي إنما الورى # كما خلقوا والمكر بعد هو المكر # وأين من الناس ms142 الكمال ولم نزل # نرى السود سودا ليس يغسلهم بحر # ولا بد من ضدين في كل حالة # وبينهما إما النجاة أو الأسر # بذلك يجري الغيب إن طار أو هوى # فإن جناحيه المنافع والضر # فلا تطمعي أن تغفل الأرض أهلها # ولا مد فوق الأرض إلا له جزر # ولا تطمعي أن «يرفع» المال أنفسا # يحركها من ذل مطمعها «الجر» # ولا تأملي الأيام خضرا على المدى # ففي كل حين يسقط الورق النضر # ولا تسألي الزلزال ترقيص طفلة # وأصغر ما في كفه الجبل الوعر ~~••• # ألا إنما الدنيا سلاليم يرتقي # بها الناس تغريهم أواخرها الغر # تذروا علاها للكمال وعندهم # من العلم أسباب يقر لها السحر # فما برحوا يرقون كل بعيدة # ولم يعلموا أين الكمال ولم يدروا # فلما علوا واستحمقوا وتتابعوا # وغرهم بالله ذلك فاغتروا # تهاووا على أعناقهم وتحطمت # بهم درجات كان من فوقها النصر # كذاك سلاليم الحياة فكلنا # طموح لأعلاها وفي الوسط الكسر # | هوامش # الفصل العاشر # | الجمال والحب1 # وكأنما أنظر الآن في قلب رجل لا في وجهه؛ إذ تهلل على السحاب وجه «الشيخ علي» شيخ ~~المساكين. # أراه كما كنت أعرفه، ضاحكا غير الضحك الذي يلبس وجوه الناس، فلا يضحك لشيء إنساني، بل ~~ما هو إلا أن تراه قد تهلل فرفع وجهه إلى السماء، وأرسل من فمه مثل نور التسبيح في إشراق ~~جميل، حتى لقد كان يخيل حين أبصره على تلك الهيئة أنه لا يضحك، ولكن قلبه يرتعش بعضلات ~~وجهه. # لو أراد الله بالناس خيرا لوضع في أبصارهم أشعة تنبث في أطواء القلوب، فتعرف ألوان ~~العواطف وتميزها لونا من لون، ولكنه جعل الوجه غطاء على معاني القلب، ثم سلط الفكر ~~على معاني الوجه ومعارفه يصور فيها ما شاء مما له أصل في الحس وما لا أصل له، حتى ليختبئ ~~الإنسان عن الإنسان وهو مكشوف لعينيه! وإذا كان الله سبحانه قد أوجد الخير والشر صريحين، ~~فقد أوجد الإنسان ثالثا لهما وهو تلبيس أحدهما بالآخر، وأراد الخالق ذلك ويسره ~~للإنسان فجعل فيه آلة واحدة للصدق وهي القلب، وآلتين للكذب: ms143 وجهه ولسانه. ~~••• # كان «الشيخ علي» يشبه إنسانية قائمة بغير إنسانها، على حين ترى أكثر الناس كأنه إنسان ~~قائم بغير إنسانيته، # 2 # وكانت الدنيا كأنما نسيت أنه فيها، فتركت له روحه صافية منطلقة تتطعم الحياة ~~غير مستقرة في شيء، كما يتطعم النسيم رائحته من ورق الزهر، فهو يتسحب عليه ولا يستقر ~~فيه ولو أنه ورق الزهر. # وما زلت روح هذا الرجل مني منذ عرفته كأنها نضاحة عطر # 3 # تمج رشاشها على حياتي روحا وعبيرا وندى، وكأن الرجل طفل عزيز من أطفال ~~قلبي يملأ ما حوله ابتساما وطفولة ورقة، ولو أن أحدا خلق من عيني الطفل الضاحكتين لكان ~~هو «الشيخ علي» رحمه الله، على أنه كان رجلا من سوسه القوة معصوبا متكدسا، # 4 # يملأ جلده كأنه جذل من أجذال الشجر. # 5 ~~••• # وانقبضت نفسي انقباضة شديدة إذ تغير الرجل في خيالي، # 6 # فنظر إلي نظرة ينقدح منها شرر الغيظ، فلو أبصرت عيناك طائرا ضعيفا أراغه ~~نسر فاستطرد في نواحي الجو هكذا وهكذا، # 7 # ثم أهوى له بمخالبه، ثم سدد إليه نظرة غرزت هذه المخالب وانفجرت بآلام لحمه ~~ودمه؛ فاعلم أن تلك هي كنظرة «الشيخ» إلي. # ولقد تبعثرت لها شياطين نفسي، فانطلقت يحاول كل شيطان منها مهربا، وكانت توسوس في ~~صدري أن أستمد من روح «الشيخ» قولة في الحب، هذا الحب الذي مهما اعتبرته لم تجده إلا ~~كإحياء الخيالات بقتل حقائقها، ثم ما لبث أن استضحك وأطلق لي نفسي، وجاشت عيناه بنظرتهما ~~الحكيمة، فقلت: ويحك يا نفس! إن عين «الشيخ» ترى من الجمال غير ما نرى، ثم تعلم علمها مما ~~نظرت فيه، ثم تقدره على حساب ما تعلم منه؛ فما يدريك لعل هذا الرجل الروحاني لا يرى إلا ~~ما وراء تلك البشرة الجميلة التي تكسو وجوه النساء الجميلات، كما نبصر نحن من وجوه ~~الموتى، وقد تأكل جلدها وتناثر لحمها وبرزت عظما كسائر العظم من كل حيوان، فلا موضع ~~قبلة ولا سحر نظرة ولا إشراق بسمة، وما هو إلا تركيب من العظم صنع هذه الصنعة ms144 تيسيرا ~~لما خلق له، ولعله يا نفس لو حشر الله لعينيك أجمل الجميلات في صعيد واحد، وحشر ~~معهن إناث البهائم صنفا صنفا، ثم نزع من تلك الوجوه كلها، ذلك الطراز من الجلد وما ~~وراءه من اللحم مزعة بعد مزعة، # 8 # حتى لا يبقى إلا الوضع في بناء العظام وهندستها؛ فما يدريك لعل أجمل الجمال ~~عندنا هنا لا يكون حينئذ إلا أقبح القبح هناك! # أفمن جلدة على وجه امرأة يجيء الشعر والجنون معا ويجتمعان في هذا الخيال الذي يسمى ~~الحب، ويستنزلان معاني التقديس من أعلى السموات إلى عين تلحظ لحظة، وشفة تبسم ~~بسمة؟ # 9 # إنه القلم الإلهي المبدع الحكيم هو الذي صور ولون وافتن ما شاء؛ فإن رزقت امرأة ~~جلدة جميلة مشرقة كأنما تجري فيها الشمس، وألبست أخرى جلدة قبيحة سفعاء # 10 # تجول فيها رهبة الظلمة؛ فكلتاهما صورة من صنع الله، وكلتاهما تظهر لونا من ~~ألوان الحكمة، وكلتاهما جاءت لمعنى، وكلتاهما بعد غشاء زائل على وضع ثابت لا يختلف في ~~هذه ولا في تلك؛ وضع الحقيقة الجسمية التي تحمل الحياة بأدواتها الكثيرة، والحياة لا ~~تعرف البشرة إلا غطاء على ما وراءها اسود وابيض، وكان من لون المرمر أو من هيئة ~~الطين. # ولو أن كل وجه في نساء الدنيا خلق دميما نافرا على أبشع ما نتصوره من القبح، لكان كل ~~نساء الدنيا جميلات؛ إذ يألف الطبع الإنساني تلك الصورة الواحدة، ويتقرر بها الذوق في ~~الجمال، وتستمر بها العادة فلا يستبين وجه من وجه آخر في صفة، ولا يخالف مذهب مذهبا في ~~حالة. # ولكن هذا الإنسان كتب عليه الشقاء؛ فخلق وخلق معه ما يطغيه وما يستفزه وما يخرجه ~~عن طوقه، كما خلق له ما يزهده وما يطمئن به وما يحصره في إنسانيته؛ فالجميلات والقبيحات ~~كلهن سواء في أنهن نساء هذه الإنسانية، لا تقصر في ذلك واحدة عن واحدة، وإنما يتفاوتن في ~~أسباب الشقاء الإنساني الذي يبتلي الرجل بالمرأة ويمتحن المرأة بالرجل. # ولو سما عقل الرجل إلى الغاية العليا من كماله لرأى المرأة الجميلة ms145 الفاتنة في نصف جمال ~~المرأة القبيحة، ولبانت الواحدة عنده من الأخرى بأن الدميمة مهيأة في نفسها لمعالي ~~الأخلاق، والجميلة مهيأة لسفسافها، # 11 # ولرأي مع هذه من بعض طباعها ونزغاتها شرا مما تقدم بها من جمال وجهها، ومع ~~تلك من أكثر طباعها وصفاتها خيرا مما قصر بها من حسن صورتها. # بيد أن من شقوة الطبع الإنساني أنه سخط القبح فأحاله فسادا، وعبد الجمال فأحاله ~~فسادا من نوع آخر؛ إذ كان في نفرته وحبه لا يعتبر المنافع والحقائق، ولكن الأهواء ~~والشهوات، والمنفعة والحقيقة كلتاهما لا تكون إلا في قيودها، أما الأهواء والشهوات فهي ~~دائما لا تقع إلا متخطية حدود العقل؛ إما إلى النقص وإما إلى الزيادة، ولا تغرى بشيء ~~إلا أوقعت به السوء؛ إذ لا يستوي في القصد ما خرج عن الحقيقة وما هو مقيد ~~بالحقيقة. ~~••• # كان هذا وحي «الشيخ علي» في نفسي، غير أني رددته عليه، وأزلني شيطان الحب مرة أخرى ~~فقلت: أفترى الشوهاء على ما بها مما ركع للدهر وسجد، # 12 # ثم تلك المرأة التي سمج تركيبها فتحامتها العيون، ثم الأخرى التي قمعت في ~~بيتها تختبئ فيه من القبح، # 13 # فصارت سرا في صدر الحيطان، ثم تلك التي تلوح في النساء كالسطر المضروب عليه ~~أفسده الخطأ، ثم المهزولة التي أدبر جسمها # 14 # وتقبضت أعضاؤها، وأصبحت جلدة تمشي وتتكلم؛ أفترى هؤلاء أو إحداهن كتلك ~~الغانية المتشكلة في ألوان الثياب كأنما تلبس بدنها الجميل بدنا معنويا يدل على ~~معانيه، أو الأخرى التي تظهر في جمالها الفتان عاطلة من كل حلية، ومع ذلك ترف على ~~حسنها روح الياقوت والألماس واللؤلؤ مما عليها من البريق والشعاع، أو المطوية الممشوقة ~~المسترسلة سلة كأنها في قوامها ووجهها غصن الجمال وزهرته، أو الحسناء اللعوب المزاحة ~~كأنما اجتمعت طباعها من نور القمر، أطل في ليلة من ليالي الربيع يداعب أوراق الورد ~~النائمة، أو ... أو تلك # 15 ~~«يا شيخ علي» ...؟ # قال «الشيخ علي»: فيا ويلك! إني والله بك من رجل لخبير، # 16 # أفمن أجل واحدة؟ أما إنه لعل الذي ms146 جعلها حقا عندك هو الذي يجعلها باطلا عند ~~سواك، ولعله ما حسنها في عينك إلا أن طبعا من الجد فيك استملح طبعا من الهزل فيها، ~~كما ترى معنى مكدودا في إنسان يستروح إلى نقيضه في إنسان آخر. # ولعل من أمتع اللذات وأبهجها لقلب المهموم أن يتصور في همه من يعرفه طروبا فرحا، ~~وإن كان كلا الرجلين لا يسكن لعشرة الآخر لو تعاشرا واختلطا، وهذه القلوب لا تؤتى من ~~مأتى هو أدق وأخفى من توهم ما فيه اللذة؛ فإن النفس ترجع عند ذلك بكل حقائقها إلى نوع ~~واحد من الوهم ينصرف بها إلى تمثل هذه اللذة التي استشرفت لها وطمعت فيها؛ فإذا طعمها في ~~الدم يهيج لها سعار # 17 # الجوع العصبي، وما هي السرقة مثلا إلا أن يضع اللص عينه على المال أو المتاع ~~ويتذوق طعم اليسر والفائدة؛ فتجن أعصابه جنون الحاجة، فلا يرعوي إلى شيء من الرأي ~~يزجره أو يمنعه أو يكفه، ويكون في الحقيقة سارقا من قبل أن يسرق. وكذلك يكون الفاسق متى ~~نظر إلى المرأة واشتهاها ونبه معانيها في معانيه، وقل مثل هذا في كل من طار قلبه أو ~~طار صوابه. # اله عن وهمك يا بني، وضع الأمر على قاعدته، وسدد نظرك إلى حقيقته، ودعني من حبل ~~الباطل الذي تجر فيه شيطان هواك أو يجرك هو فيه، وما نتكلم عن اثنين من الخليقة أنت وهي، ~~ولو أن الأمر قد انحصر فيكما وفنيت بالحب فيها؛ لكانت هي الكون كله، ولو فنيت هي فيك؛ ~~لكنت أنت ذلك الكون، وهذا حرسك الله موضع النقص في النفوس العاشقة؛ إذ تنقطع إحدى نفسين ~~من العالم إلى نفسها الأخرى، وهو نقص أشبه بجنون المجانين بل هو متمم له، فإنما ذهاب ~~العقل في المجنون المختبل هو نصف الجنون الإنساني، أما النصف الآخر فهو تجرد العقل في ~~العاشق المتدله. # نصف الجنون في العاشق الذي يتجرد من الناس إلا من أحب، ونصفه في المعتوه الذي يتجرد من ~~الزمن إلا الحاضر. إنه ليس للمجنون عند نفسه ماض ولا ms147 مستقبل إلا يأمل هذا ولا يذكر ذاك، ~~وكل سعادة نفسه في هذا النسيان الذي طمس عليها وتركها كأنما تعيش في غير عمرها، بل في كل ~~أعمار الإنسانية، بل بغير عمر. وكذلك ليس للعاشق مع الحبيب شخص آخر ممن مضى وممن يأتي ~~ما دام الحب قائما؛ فالحبيب هو الحبيب وكل الناس بعده أدوات، وشخص واحد هو الألف واللام ~~والحاء والباء، والناس جميعا نقطة صغيرة ملقاة تحت الباء فقط. # قال «الشيخ علي»: ثم يبرأ المجنون ويثوب إليه عقله فيعرف أنه كان مجنونا، ويبغض المحب أو ~~يسلو ويبرأ من وهمه في تلك المرأة، فلا يرى إلا أنه كان بها مجنونا؛ أفلا يكفي هذا ويحك ~~في الدلالة على أن الحب والجنون من أم واحدة وإن اختلف أبواهما! وأن رأي العاشق في كل ~~النساء كرأي المجنون في كل الناس، لا يجوز أن نأخذ بواحد منهما إلا إذا أخذنا بالآخر ~~وأقررناه في باب الصواب والعقل؛ إذ كلاهما حاصل من حالة متى هي تغيرت فانقلبت اعترف ~~صاحبها عليها بالجنون، وإن كانت إحدى الحالتين في طبيعتها ووصفها غير الأخرى؟ ويلمه ~~وصفا من العاشق لو كان مع صاحبه رأي! # 18 # وويلمه رأيا من المجنون لو كان مع صاحبه عقل! # قال «الشيخ علي»: سئل الحلاج # 19 # وهو مصلوب يعاني غصة الموت: ما التصوف؟ فقال لسائله: أهونه ما ترى. فهذا رجل ~~يموت في سبيل حقيقة تقتله بغموضها السماوي العجيب؛ وعلى أنها قد دقت المسامير في أطرافه، ~~وجمعت لموته آلام الحياة كلها، وأنبتت في كبده من وخزات الجوع شجرة من الشوك، وأطلقت في ~~عروقه من لذعات العطش لهيبا من النار، وتركته على عوده ممدودا تتساقط نفسه كما ينشر ~~الثوب الذي بلي وانسحق، فهو يتمزق من كل نواحيه؛ على هذا البلاء كله لم تتغير الحقيقة في ~~رأي الرجل، ولا فسد موضعها في نفسه، ولا رأى ما يكرهه الناس من الألم مكروها في ذاته فيميل ~~عنه، ولا ما يحبونه من اللذة محبوبا فيميل إليه، ولا تسحب قلبه حركة واحدة في السخط ~~على الحكمة الإلهية ms148 فانتقصها برأي أو اغتمز فيها بكلمة، بل نظر نظرة الحكيم من وراء الحد ~~الإنساني المنتهي فيه، إلى ما يبدأ عنده الحد الإلهي الذي لا ينتهي، ورجع آخره إلى أوله، ~~فكأنما يقول بلسان حكمته فيما نزل به: اللهم إنك بدأتني طفلا غرا، جعله فقدان العقل ~~لا يملك مع أحد إلا صياحه، فخذني إليك طفلا عاقلا جعله العقل لا يملك مع أحد ولا ~~صياحه. # واذكر الطفل يا بني فرب معضلة من أمور هذه الدنيا يحار الناس في آخرها، وهي محلولة ~~من أولها، وما هؤلاء الأطفال إلا الأساتذة الذين يعلموننا وهم يتعلمون منا، غير أننا لا ~~نأخذ عنهم فلا نصلح، ويأخذون عنا فيفسدون. أفرأيت ولد الشوهاء تعرف عيناه في كل ما طلعت ~~عليه الشمس أجمل من وجه أمه، أو يرى طائلا في وجه سواها، أو يحن إلى غير طلعتها، أو يسكن ~~إلى صدر غير صدرها، حتى كأن الله لم يخلق وجه حبيب لقبلات محبه إلا وجهها هي ~~لقبلاته؟ # إنه في ذلك ينظر من ناحيتين: الأولى ناحية صفاته هو، فإن القلب إذا لم يكن بهيميا ~~منعكسا أشرق صفاؤه فيما حوله، فلا يرى إلا خيرا، ولبست المرئي صفة الرائي فلا ينظر إلا ~~جمالا، واتصل الشعور الطيب الرقيق الجميل بين نظر النفس وبين ذات النفس، كما يصل الشعاع ~~الذي يلقى على حائط من المصباح، بين هذا الحائط وبين المصباح فيغشيه النور، وإن كان ~~الحائط نفسه من الطين. # فإذا كان القلب بهيميا زائغا عن الإنسانية إلى حيوانيته، استفاضت ظلمته وشهواته على ما ~~حوله، فلن يشهد من صفات الجمال شيئا بل يرى في كل شيء من صفات نفسه هو، حتى ليكون الوجود ~~كله في عين بعض الناس كما يكون الطعام كله في فم بعض المرضى، ومثل هذا يعشق أجمل النساء فلا ~~يرى فيها جمالا البتة، وإن هو خدع نفسه في ذلك واختدع الناس، وإنما يرى فيها شهوات؛ ~~شهوات جميلة ليس غير . # أما القلب البهيمي غير المنعكس - وهو ذاك الذي تحمله البهائم - فلا يحتفل فيه عقل ولا ~~يحتشد فيه ms149 خيال، وما هو إلا أن ينصب الحيوان به على محض المنفعة؛ لأنه عامل في الطبيعة ~~يعد من عمالها لا من شعرائها، فليس عنده جمال يقع في ظاهر الروح، وآخر يقع في ~~باطنها، وثالث متوهم لا يقع ولا يمتنع أن يقع، # 20 # وليس يعرف من معنى القبح إلا أن تكون الأنثى قد طاش بها المرض فما تستقل ~~إعياء وضعفا، وبذلك سلمت إناث البهائم من شر كثير يملأ لغة الحياة النسائية بمعانيه، ~~وتجمعه كلمتان: الجمال والقبح. # والناحية الأخرى التي ينظر منها الطفل لأمه الدميمة الشوهاء، ناحية الصفات الإلهية؛ فإن ~~الحب الصحيح الذي يمكن أن يسمى حبا، لا يكون فيما ترى من لون وشكل وتركيب وتناسق ~~وغيرها مما يظهر البشرية على أتمها وأحسنها في الشخص المحبوب كما يظن الناس خطأ، بل هو ~~في عكس ذلك، أي فيما يخفي البشرية بمحاسنها وعيوبها جميعا، ويظهر في أمكنتها خصائص ~~الروح المحبوبة وحدها؛ فمن ثم يبدو لك شخص المحبوب على أي أشكاله وهيئاته كأنه تمثال ~~سماوي وضع لروحك خاصة، فهو مجبول من مادة واحدة هي مادة الفتنة، ولو كان في أعين الناس ~~كافة تمثال الأرض السفلى، يصور كل ما تشتت فيها من القبح. # فإذا لم تظهر لك خصائص روح المرأة ظهورا يستفيض على وجهها وجسمها، ويجعل كل شيء فيها ذا ~~معنى منه، وكل معنى منه ذا معنى فيك، فما أنت من حبها في شيء، ولو ذهبت من جمالها ~~بعقول الناس، ولا هي عندك من الجمال في شيء ولو كانت في النساء كليلة البدر في الليالي؛ ومن ~~أجل ذلك لا يخلو الحب من بعض معاني الوحي، ولا تخلو الحبيبة من بعض المادة ~~الملائكية # 21 # في النفس التي تعشقها؛ وهل ملك الوحي إلا قوة المزج السماوي في نفوس ~~الأنبياء؟ وهل روح الحبيبة إلا على قدر من مثل هذه القوة في نفس محبها؟ ولعل هذا يفسر ~~لك سرا من أسرار الاحتراق في بعض الأرواح العاشقة التي تيمها الحب، فإن تلك القوة ~~المزجية متى أفرطت على نفس رقيقة حساسة أذابتها واشتعلت ms150 فيها فأكلتها أكل النار للهشيم، ~~وتركتها تحترق أسرع ما تحترق لتنطفئ أسرع ما تنطفئ. # قال «الشيخ علي»: تلك هي الحقيقة يا بني، فلن يأتي لكائن من كان أن يقسم النساء إلى ~~جميلات وقبيحات إلا إذا طوى في ذلك معنى القسمة إلى شهوات جميلة وشهوات قبيحة، ومتى ~~انتهينا إلى هذا فقد خرجنا إلى المخاطبة بلغة لا هي من لغة البهائم، ولا هي من لغة ~~الإنسانية. # أفرأيت قط ألفاظ الجمال والقبح تشيع في أمة من الأمم، وتعلو بالأعين عن النساء وتنزل ~~وتمتد # 22 # بها وتتقبض، إلا أن تكون أمة ضعيفة القوة قد اختلت أجسامها، أو ضعيفة الدين ~~قد اختلت أرواحها. # 23 # انكشف القمر ذات ليلة لرجل اسمه «من عباد الله المقربين»، # 24 # فإذا البدر أسود كالحبر، وإذا هو مكتوب في وسطه بالنور «أنا وحدي»؛ فالقمر ~~نفسه لم يمنعه كل ضياء الشمس عليه أن يسود في عين الرجل الذي ينظر لروحه، فما الذي يمنع ~~من ينظر لروحه وخصائصها أن تصير المرأة القبيحة في عينه كالقمر الأزهر؟ ~~••• # في البدر ظهرت كلمة الألوهية «أنا وحدي». # وفي وجه الحسناء تقرأ كلمة الألوهية «أنا وحدي». # فهل يمكن أن تقع الدميمة من الحسناء أقبح ما يقع ظلام القمر من نوره، فلا تكون في وجهها ~~هي أيضا كلمة الألوهية «أنا وحدي»؟ # لم يبق في البدر مع الحكمة العليا شيء يسمى الجمال. # ولا المرأة الحسناء يكون فيها شيء أجمل من القمر، فهي مثله ليس فيها مع تلك الحكمة شيء ~~اسمه الجمال. # أفيمكن أن يكون مع الحكمة نفسها في وجه القبيحة شيء اسمه القبح؟ ~~••• # للقمر طالع مشرق كما كان. # والجميلة الحسناء لا تزال فاتنة. # والدميمة ظاهرة كما هي. # لم ينقص الكون من ثلاثتها شيء. # ولكن أين عين الرجل الكامل؟ # | هوامش # الفصل الحادي عشر # | الدين ولادة ثانية1 # «قال صاحب المساكين»: عرفت فيمن عرفت من أصناف الناس أربعة تجري أمورهم في نفسي على ~~غير مجاريها في أنفسهم، وأرى من طبيعتهم موضع الغفلة والحمق فيما يرونه أو يحسبونه موضع ~~السداد والحكمة. # فالأول: # رجل ملحد ms151 أديب معني بجمع الكتب يتعلق بكل نفيس منها، وهو يزعم أنه ~~تأمل الأديان فلم يجد طائلا في شيء، وأن له في كل دين ظنة على ~~ريبة، ونقدا على مسألة، وثانية على أولة، # 2 # وأنه تبدل الدين بالخلق، # 3 # فما خسر شيئا وربح الحقيقة، ثم يحذو بعد على هذا الحذو كما ~~يفعل الملحدون في صفة أنفسهم، وهم دائما لا يأخذون من الكلام إلا بملء ~~اليدين؛ إذ من العجيب أن لا تقع لهم الكلمة الصحيحة المفردة. # هذا الذي خرج من الأديان ومن نهيها وأمرها إلى الأخلاق وعهدتها وأدبها، ~~قال لي ذات يوم وقد خضنا في أمر الكتب: إني لأمقت السرقة والغصب والخديعة، ~~ولا أبيح منها شيئا ولا أمرها لأحد! غير أني إذا وجدت كتابا نفيسا ~~وعجزت عنه أو ضاقت به ذات يدي، ثم أمكنتني فرصة من الغفلات لم أتورع أن ~~أسرقه، ولو غصبت ولو خدعت. # قال هذا فلم أفهم من كلمته شيئا، إلا أن لقب «اللص» يكون من الشرف ~~أحيانا بحيث يسمو كثيرا على الرجل الملحد. # والثاني: # رجل، متفلسف انقلبت عقيدته إلى زيغ، فله رأيان في أمور الحياة: واحد ~~ينزع فيه إلى طبيعته فيستمتع ما وجد متاعا في حرام أو حلال وفي معروف أو ~~منكر، والآخر يرجع به إلى ضميره الإنساني، وما هو الأشبه بعلمه وعقله ~~وفلسفته فيألم ويتململ إذ يرى أنه لا يزن من لذاته لا بمقادير الخير ولا ~~بمقادير الشر، وأنه يبيح لنفسه ويحرم على غيره؛ فإنما الرأي والحق والعدل ~~أن لا ينطلق في كل إنسان تاريخه الوحشي كما يفعل هو ليقوم النظام على ~~أصوله، وتتحقق الإنسانية في أهلها، ولو فعل الناس ذلك فوسعتهم الفلسفة لما ~~وسعتهم الطبيعة، بل هي تسرع حينئذ فتطلق لكل حيوان مع أكيلته التي يغتذي ~~بها آكله الذي يغتذي به. # لم أفهم من فلسفة الرجل أنه فيلسوف، بل عرفت من علمه أن الرجل من الناس ~~قد يكون سافلا حتى من الجهة العالية فيه، وقد يكون فاسدا حتى من بعض ~~جهاته الصالحة. # والثالث: # رجل يزعم عند نفسه ms152 أنه مصلح، ويتولى أمور الناس فيداورها ويلتمس لكل شيء ~~مأتى يتسبب منه إلى إصلاح فيهم، حتى إذا وثق الناس به واستكانوا إليه ~~وصاروا في حال الغرة وفي قياد الأمن، صدعهم في أديانهم وأخلاقهم، ~~وركبهم بمزاعمه وخرافاته، وبث أوهامه في مذاهب أقدارهم وتصاريف ~~أمورهم، وظن الدين كلمة يضع في موضعها كلمة غيرها، وحسب اليوم من أيامه ~~في عمل الدهر كاليوم من أيام الله في خلق السموات؛ فهو يطرد الأزمنة، ويمحو ~~العادات، ويغير الطباع، ويسن لفروع الشجرة سنة جذورها، فلا يذهب ~~الفرع طالعا بل يغور نازلا، ثم يريد أن يقيم على طريق التاريخ مجازة أو ~~قنطرة ليمشي بالناس فوق التاريخ، فيقطع بهم ألف سنة في ألف يوم، وكأنه زاد ~~في الطبيعة ناموس نهيه وأمره. # أنا لا أقول في مثل هذا إنه مصلح، بل أقول يا عجبا لسخرية الأقدار من ~~القوة، ألا يرتفع النسر في الجو إلا ليبحث أين تكون الجيفة؟ # والرابع: # ذاك الذي جعلته الكتب عالما، وقسمت ما شاء، ولكن الله تعالى لم يقسم ~~له شيئا من كرم الضريبة وشرف العرق، ولا ألقى معاني الذهب في سلسلة ~~آبائه، # 4 # فهو رثة # 5 # لا يجيء في معاني الناس بطباعه وأخلاقه إلا كالثوب الخلق من ~~فتوق ورقع، ويغطي عليه العلم كما تغطي القشرة النضرة على الثمرة المرة، ~~فإذا كتب للناس ارتطم في طباعه ونزع إلى مأخذه وتجاذب داخل نفسه وخارجها؛ ~~فيذهب ينكر ويعترض ويسفه ما عليه الناس من دين وخلق، وينزو بهم في ~~نوازيه ودواهيه، ويرد كل ما في الطبيعة من الجمال وكل ما في النفس من ~~الحق إلى تأويل مادي بحت، كأن الزهرة الخارجة من الطين هي طين مثله، ويسقط ~~عنده كل ما عمل الشعاع والماء في الذرة الأزلية التي انبثقت منها النبتة، ~~فخرجت توحي عن السماء وحي النور واللون. # أنا لا أفهم أن مثل هذا عالم، ولكنه في الناس كبعض النبات في النبات ~~يرزق من النمو قوة يفسد بها ما حوله، فإذا هي ظهرت فيه لم تنبه على ~~قيمته بأكثر مما تنبه ms153 الناس إلى وجوب اقتلاعه واستئصاله. # لا ثقة لي بمتخلق لا دين له؛ فإن الخلق يصله بحظ نفسه أكثر مما يصله بواجبات الناس، ~~ولا بفيلسوف ملحد؛ لأن الفلسفة تمزجه بالمادة أكثر مما تمزجه بالإنسانية، ولا بمصلح ينسلخ ~~من الدين؛ لأن إصلاحه صور من غروره، ولا بعالم جاحد؛ لأن علمه كهندسة الشوكة كلها من ~~أجل آخرها ... أولئك لا يدرون أنهم من هذا العالم في حدود أغراضهم الصغيرة الفانية، إذا كان ~~كل منهم يتناول الكون من حيث يحب هو لا من حيث يجب عليه، ثم يفسم الأشياء في جزء منها ~~لا في مجموعها، ويعتبر الزمن عمرا كعمر الفرد وهو تاريخ لا يموت، وينظر إلى الغاية من ~~الوجود كأنها داخلة في الحد، مع أنها لو حدت لبطلت أن تكون غاية. # كل منهم صحيح في ذاته لكنه فاسد بموضعه من أغراضه أو من أغراضنا، وما أشبههم بالأشجار ~~في المقابر لا تجد لها في المقبرة ما تجد لها في الحديقة، كأنها لما قامت في موضع الموت ~~قامت حية، ولكن ماتت روح الحديقة فيها. # لا تسمو حياة الفرد إلا إذا كان جزءا من كل، ولا يجتمع الكل إلا إذا كان تاما فيما ~~هو كل به، السبيل أن يدفع الفرد أبدا إلى خارج حدوده الذاتية الصغيرة، وفكرة الكل هذه ~~لا يصورها ولا يستوفي معانيها إلا الدين الصحيح؛ إذ هو خروج بالفرد من شهواته التي ~~تفصله من غيره إلى واجباته التي تصله بغيره، وانتزاع له من ذاتيته إلى إنسانيته، ودفع ~~بالإنسانية نفسها إلى الكل الذي هو أسمى؛ فكأن الإيمان في حقيقته إن هو إلا دربة لهذا ~~الإنسان على الدخول في اللانهاية، فهو من أجل ذلك يقضي على الفرد أن يتسع ويمتد في ~~إنسانيته لا في شخصيته، فيتخلق بالأخلاق التي تعم دون التي تخص. وهذه صورة صغيرة من جعل ~~المحدود في ذاته أعظم من ذاته، ودفع ما ينتهي في سبيل ما لا ينتهي. # فإذا عمل الفرد على أن يقفل حدوده عليه ويستغلق بها ويمتنع من ورائها، صار كالقلعة ~~المحصنة لا ms154 تصلح إلا حربا لما حولها ودفاعا عما فيها، فلن يضع هو أمره إلا على هذا ~~المعنى؛ ومن ثم فلن يكون له ممن يصادمونه إلا حكم واحد، وهو تخريبه وهدمه واقتحامه، ~~فإذا كانت الحياة غير باقية على فرد من الناس، فمن الحمق أن تكون هذه هي صورة الإنسانية ~~فيها، وإذا كان ذلك حمقا فالحمق ولا جرم بعض المعاني التي يقوم الإلحاد عليها. ~~••• # ليس في الأرض إنسان لا أجداد له، فمن ثم ليس على الأرض إنسان في نفسه بل إنسانية فقط، ~~إنسانية متصلة مفرغة إفراغا ليس للفرد بينهما موضع لذاته، بل موضعه لاتصاله بسائرها ~~كمنزلة الخلية الواحدة بين الملايين من الخلايا المتلازة في جسم واحد قائم من جميعها، ~~صالح للوجود بصلاحها وفسادها معا. # أما إنها لعجيبة أن تلقي بسؤالين متناقضين لا يلتئمان، ثم لا تجد ولن تجد عليهما إلا ~~جوابا واحدا لا يختلف، سل الحكمة: لم صلح هذا؟ فالجواب: ليكون شيئا ضروريا في ~~الوجود. وسلها: لم فسد ذاك؟ فالجواب كذلك: ليكون شيئا ضروريا في الوجود. هي الحلقة ~~المفرغة، لما غاب طرفاها صار كل موضع فيها طرفا، وعلت كلها ونزلت كلها. # فليس إلا النوع لا الفرد، والكل لا الجزء، والإنسانية لا الإنسان، وإنما يقع كل شيء في ~~الحياة - بل في الوجود كله - تدريجا لتحقيق هذه الوحدة كيلا ينفصم أحد منها، فهي أبدا ~~ذاهبة بالجسم والعقل والمعرفة والعمر من جزء إلى جزء، من الأصغر إلى الصغير، إلى الكبير ~~إلى الأكبر، إلى الأوسع إلى الأسمى؛ لأن تلك هي علامتها في حركتها وتسحبها، وهي طريقة ~~برهانها بالنهاية على أنها لا نهاية. # بيد أن خطأ الغريزة في الإنسان يظهر في اعتبار الفرد نفسه كلا تاما وشيئا ~~متميزا، فلا يريد لنفسه إلا أمرا تاما ووجودا يتميز فيه، وبذلك يقتحم سواه ويستبيح ~~وجوده، فيقع المنزاع والعدوان، وكأنه يضيق بمقدار ما لا يستطيع أن يتسع؛ لأن دفعه لكل ما ~~حوله مردود عليه بدفع مثله مما حوله، فتتبدل صورة الإنسانية في شكل دخله الغلط من كل ~~جهاته، وههنا موضع الدين الصحيح، ms155 فما هو إلا الناموس القائم من كل إنسان على الواقع في ~~ذاته، والواقع في غيره؛ ليصل بين الواقعين المختلفين بنظام مختلف متحد يكون له في النفس ~~ما يكون لنظام المد والجزر. # وبهذا كان واجبا حتما أن تكون العقوبة جزءا من نعيم الدين، وأن يكون القيد شقا من ~~حرية العقيدة، وإلا بطلت في الإيمان قوتا الجذب والدفع معا ببطلان إحداهما؛ لأن مدا ~~بلا جزر هو أفحش الغرق من ناحية، وجزرا بلا مد هو أفحش الغرق من الناحية ~~الأخرى. # تعجبني كلمة في الإنجيل لا أعرف أحدا أحسن تأويلها وبلغ حقيقتها. قال: «يجب أن ~~تولدوا ثانية.» ووضعها في هذا المقال هو تفسيرها؛ فإن الفرد يولد من الفرد، ولكنه لا ~~يصلح على ذلك، بل يجب أن يولد في صفاته وأخلاقه من المجموع الإنساني لتقع الملاءمة، ثم ~~إنه من أبويه يخرج من الحيوانية بغرائزها، ولن يفلح بها إنسانا، فيجب أن يولد مرة أخرى ~~من جنسه الاجتماعي بغرائز مكتسبة، ثم إنه يولد مهيأ للإقرار بنفسه وحدها، فيجب أن ~~يولد الثانية مهيأ لإنكارها وحدها. # على هذه الأرض، إما الإقرار بالنفس وإيثارها والاعتداد بها، ومع كل ذلك الحيوانية ~~والشيطان، وإما إنكارها والإيثار عليها والمهاونة بها، ومع كل هذه الإنسانية ~~والله. # لن تطاق الحياة إلا إذا تبدلت فاتخذت لها أسلوبا غير أسلوبها الآتي من تركيب ~~المادة، وإنما صراع الأرض كله حول إقامة هذا الأسلوب الجديد أو هدمه أو ترميمه؛ أسلوب ~~الأخلاق والطباع الشديدة التي لا تطيقها الحيوانية فتسميها إنسانية، وتكبرها الإنسانية ~~فتسميها الإيمان. بالأسلوب الأول تكونون بالحياة في موضعها، وبالثاني تسمون بالحياة عن ~~موضعها؛ «فيجب أن تولدوا ثانية». ~~••• # كل ما يراد به أن يسد في الإنسانية مسد الدين ويغني عنه، فإنما هو في رأيي كطعام أهل ~~الجحيم، لا يطعمون فيها كما يطعمون في «نزل» لشبع وسمن، بل طعاما كما جاء في القرآن ~~الكريم: # لا يسمن ولا يغني من جوع # أي لإحداث ~~الجوع وكلبه واستمراره. # 6 # والطبيعة نفسها تهيئ الإنسان للدين بأسلوب غريب، هو هذا الحب الذي يخلق فطرة على ms156 ~~أنواع مختلفة متعددة، حتى لا يخلو منه أحد، فلا معدل عنه ولا محيص، وإنما هو في مظاهره ~~- أيها كان - دربة للنفس الإنسانية تصعد به درجات من الفضائل؛ كالإخلاص، والإيثار، ~~والاتصال الفكري، والانبعاث الروحي، والشوق الخيالي، ونحوها مما هو في الحقيقة إيجاد ~~للحياة النفسية في أعمالنا، وفيض بالقوة الروحية على مظاهر المادة لإحداث الملامسة بين ~~الأرواح والأشياء، والترابط بين الجاذب والمنجذب؛ وكل ذلك تهيئة للدين وعمله في النفس ليكون ~~قائما على أساسه في الطبيعة. فالحب دين على أسلوب خاص ضيق؛ ولذلك يشتد فيه التعصب كما ~~يقع في الدين من المؤمن به على وتيرة واحدة؛ إذ لا يرى القلب في هذا ولا هذا غير رأي واحد، ~~فكيفما قلبنا الحياة رأينا في كل جهة منها وجها من وجوه الإيمان، وباعثا من بواعثه، ~~وحكمة من فلسفته؛ فالمصلحون الذين يحاولون تجديد الأمم بصور ملونة من الغرائز تطمس ~~على الدين، هم الذين يرجعون بهذه الأمم في عالية الأمر إلى الحيوانية؛ لأنه ليس في طبيعة ~~النفس إلا شيئان: هوى هي دائما أعظم منه، وإيمان هو دائما أعظم منها. # | هوامش ms157