######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0005418 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: مصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي (المتوفى: 1356هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1356 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المساكين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة - مرقم آليا #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0005418 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-5418 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/5418 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المساكين ### | الشيخ علي # هو رجل تراه من الدنيا ولكن باطنه يلتحق بما وراء الطبيعة، وكان ينبغي أن ~~لا يقوم مثله على مسرح الخلق إلا ممثلا، وأن لا يمثل إلا الوجه المطلق من ~~الحياة، بعد أن استقصى الفلاسفة إلى تمثيله كل ذريعة فلو يستو لهم أن يمروا ~~فيه، وقصر بهم التكلف، وقطعتهم دونه الفلسفة التي حملتهم عليه، فخلق الرجل ~~نشيطا، مهزوزا، راميا، بصدره ونحره، معترضا في زمام القدر كأنه صورة الفكر ~~الذي يمثله وكأنه أسلوب قائم بنفسه في بلاغة الطبيعة. # وأحسبه في نظره إلى الخلق يتوهم أنه رحالة خرج من بعض الأفلاك التي تعرف ~~(بالعقول العشرة) فهبط من أشعته على الدنيا، فهذا العالم شيء جديد في نفسه ~~وهو شيء جديد في العالم ### | ...... # ينظر إليك كما تنظر إليه، فأنت تتبين في سحنته الواضحة أوصاف الجنون ~~الهادئ، وتعجب من منظر تلك العاصفة النائمة في عينيه، وهو يستجلي منك معنى ~~الغرابة في قدرة الله إذ أنشأك مثالا غير مفهوم، ويطيل عجبه منك أنك على ما ~~فيك تتعجب منه ### | .... # فكل رجل في رأيه إنما هو صورة من الرجل الصحيح الذي لم تزور فيه حرفة ~~العيش ومطالب الحياة شيئا على الله. # ولكل امرئ سؤال يتردد بين نفسه والسماء، فرجل يقول: اللهم هذه القوة فأين ~~الرزق؟ وآخر يقول: وهذا الرزق فأين السعادة؟ والشيخ علي كأنه يقول: اللهم ~~إنه لم يبق من الإنسانية إلا حشاشة تسوق بنفسها وكل رجل من هؤلاء صورة ~~مقلدة فأين الأصل؟ لما ولد هذا الرجل، ولعل الطبيعة يومئذ كانت في صميم ~~الخريف ثائرة مجرودة غبراء ... قامت أمه عن نجم منطفئ لا تعرفه الأرض وقد ~~زهدت فيه السماء، فكان رضيعا ثم فطيما ثم جحش ... ثم ترعرع ثم صار يافعا ~~وعاد فتيا وانقلب كهلا وهو اليوم يحطم الخمسين وكأنه لم يكن في كل ذلك ~~شيئا، ومتى سويت عليه الأرض لم يترك ورائه حتى تنطلق، وكأنه حي على رغم ~~الحياة!. # وترى أي عقل يعيش به؟ بل أي عقل وأي جنون ليس من أثرهما الخير والشر؟ إن ~~أكبر ms001 من تنجبه الفلسفة ويخرجه الأدب ليطوي عمره طيا وراء هذه الغابة ~~البعيدة، وما حياة الفلاسفة إلا اختيار للموت، فهم يميتون في أنفسهم كل سبب ~~إلى الشهوة، وكل داعية إلى اللذة، يحيون بالقسم الأعلى وتبقى مادة الأرض ~~فيهم كأنها أرض بور عارية المخاسر لا تخصب ولا تنبت، وهذا (الشيخ علي) كله ~~أرض بور ... فهو عصر برأسه من تاريخ الأخلاق، وعلى أي الوجوه اعتبرته رأيته ~~كشيوخ الفلاسفة وحكماء الدنيا. يعيش في الناس بعقل غير العقل. # ولو تنفس به العمر فبلغ المائة وجاوز العصرين ما زاد كل عمله على أن يشبه ~~نفسه، فهو حليم لنفسه غضوب لنفسه، وكذلك هو في الخفة والوقار، والضحك ~~والعبوس والزهو والانقباض، وفي كل ضدين منهما لذة وألم، كأنه جزيرة قائمة ~~في بحر لا يحيط بها إلا الماء، فلا صلة بينهما في المادة وإن كانت هي فيه، ~~فالناس كما هم، وهو كما هو: يرونه من جفوة الزمان أضعف من أن يصاب بأذى، ~~ويرى نفسه من دهره أقوى من أن يصاب بأذى، ويتحاشونه رأفة ورحمة، ويتحاماهم ~~أنفة واستغناء، ثم إن مسه الأذى من رقيع أو سقيط أحسن إلى الفضيلة بنسيان ~~من أساء إليه، فيألم كأن ألمه مرض طبيعي ويعتريه، ولا فرق عنده في هذه ~~الحالة بين أن يمغص بطنه بالداء أو يمغص ظهره بالعصا ... ! وهو والدنيا ~~خصمان في ميدان الحياة غير أن أمرهما مختلف جدا، فلم تقهره الدنيا لأنه لم ~~يطمح إليها ولم يقع فيها، وقهرها هو لأنها لم تظفر به! وإني لأرى في اللغة ~~كلمات لم تقع على معانيها ولم تجتمع اللفظة منها بمدلولها، فكلمة السعادة ~~تبحث عن معناها في الناس وأهوائهم وشهواتهم، ومعنى السعادة يبحث الناس عنه ~~في هذه الكلمة وحدودها وحقائقها، وربما كان هذا المعنى بجملته ملقى تحت ~~الشمس في زاوية من زوايا القرى، أو متفيئا ظل شجرة من شجر الجميز، أو نائما ~~تحت سقف معروش من حطب القطن، أو جالسا يضحك في ندوة الحي، أو قائما يتأمل ~~مجرى النهر، أو مضطجعا يقلب وجهه في السماء، أو ms002 هو الذي يسمى " الشيخ علي"! # PageV01P001 # .. وماذا في السعادة أهنأ من أنتوقى شر هذه السعادة فلا تتطلع نفسك إليها ~~ولا ينالك إلا ما تحب أن ينالك، فأنت بعد وادع قار آمن في سربك، معافى ~~بدنك، خارج من سلطان ما بينك وبين الناس، من خلق مستبد، أو رغبة ظالمة، أو ~~صلة عاتبة، ولا حكم عليك إلا لمالك الملك ### | ..... # ولم يفتق الله لك من فنون اللذات ما ينغصه عليك، ولا ضرب منك مثلا، ولا ~~نص لك عقابا، ولا جعلك مرآة عدو يصلح فيها نفسه ولا نصبك لمجاراة أو ~~مباراة، وقد جنبك فضوح هذه الدنيا. والدنيا من السوء بحيث يفضح فيها بعض ~~الخير ما لا يفضح بعض الشر. # ثم ماذا أنت طالب من السعادة إذا هانت الحياة فلم تضعف عن احتمالها، ولم ~~ترمك بداء في مرض العيش إلا قمت له، ولم تحملك على أمر إلا تحملت عليه، ~~وقويت على نفسك فلم تكذب أملا، ولم تخدعك في باطل، ولم تجاذبك في مورد لا ~~تصدر عنه إلا آثما أو نادما، وكنت من نعمة الله مخفا لا تحمل إلا رأسك، ولا ~~تجوع إلا ببطنك، وقد كفيت أن تضرسك نزعات هذا الرأس، وأمنت أن يقتلك دار ~~هذا البطن، ولم يضربك الله بشيء من هذه النعم المنافقة التي يأتي بها المال ~~حين يأتيك بالجاه وأصحاب الجاه ومن يريدك لمالك وجاهك، وأعوذ بالله من ~~النفاق ومن نفاق النعمة خاصة، فبينا هي لك إذ هي من طعامك قيء ### | .... # وهل في النعمة خير من الكفاف حاضرا، ومن الصحة فارهة، ومن قرة العين وضحك ~~السن واستطلاق الوجه، وأن يكون القلب من حجاب نور السماء، لا تهتك عنه ~~رذائل النفس، ولا يعلق به غبار الأرض، ولا يتغشاه ظلام الحياة، ولا يزال ~~هذا القلب في نضرته وصفائه كأنه سعادة مخبوءة في غيب الله يخلق بعد أن خبئت ~~له؟ وكذلك أعرف "الشيخ علي"، فهو رجل سدت في وجهه منافذ الجهات كلها إلا ~~جهة السماء، فكأنه في الأرض بطل خيالي يرينا من نفسه إحدى خرافات الحياة، ~~ولكنه ms003 مع ذلك يكاد يخرج للدنيا تلك الحقيقة الإلهية التي لا تغذوها مادة ~~الأرض ولا مادة الجسم، فهي تزدري كل ما على الأرض من متاع وزينة وزخرف، وكل ~~ما ردت عليه الغبطة من بسطة في الجسم، أو سعة في المال، أو فضل في المنزلة، ~~وكل ما أنت من إقباله على طمع ومن فوت على خوف: تلك الحقيقة الطاهرة التي ~~تكون أعظم ما أنت واجدها في سير الأنبياء والصديقين والشهداء، من نبوغ يخرق ~~العادة، أو جنون تخرقه العادة، وما الجنون إلا نبوغ فوق الطاقة، وما النبوغ ~~إلا جنون رقيق! وكذلك أعرف "الشيخ علي" فهو أجهل الناس في الدنيا، وأجهل ~~الناس بالدنيا، كأنه من هذه الجهة ممتلخ العقل، وأنت إذا سطعت له بالجوهرة ~~الكريمة النادرة فلا يعدو أن يراها حصاة جميلة تتألق، وإن هولت عليه بألوان ~~الخز والديباج حسبك مائقا ولم تر قط نضارة البرسيم وألوان الربيع، وكأني بك ~~لو وصفت له الذهب وما أضرمت ناره في الأرض وهي برد وسلام، وما أيقظ جماله ~~من الفتنة التي استحال عليها أن تنام، ثم أريته شعلة من هذه النار في غرة ~~الدينار، لتضاحك منك إذ تريد أن توهمه - بما أعظمت من ذلك الشأن - أنك سلبت ~~ملك قطعة من الشمس التي غربت أمس، ولرأيت من زرايته عليك ما يعلمك أنه ما ~~أكبر هذا الدينار في عينيك إلا صغر في نفسك، ولا ملأ يديك بالحرص عليه إلا ~~فراغ ما بينك وبين الله، ولا كدك في طلبه إلا أنك مسخر، ولا أذلك المال إلا ~~خضوعك للآمال، وما أنت إلا في قيد من الهم حب إليك، قفلة هذه القطعة من ~~الذهب! وإذا أحضرته ألوان الطعام وجلوت عليه أبهة الخوان وقلت فيه: هلم ~~فاترع وأصب حتى تنتأ رمانتك رأيت من نفوره واحتجازه كأنه يقول لك: ويحك، ~~وهل للبطن كبرياء وهو ستار على أقذار، وهل يسمع كل هذا وما هو بالعريض ~~الطويل، ولا سلامة له إلا بالقليل لأنه قليل، وهل تحتمل ما في العنقود حبة ~~واحدة، ويحتمل الغني أن يكون في ms004 صندوقه الإلهي حاجة زائدة، ويبلغ الحمق من ~~هذا الإنسان أن يميت قلبه لأنه وجد النعش من المائدة؟ # PageV01P002 # وكذلك أعرف "الشيخ علي" فهو لا يرى في الأشياء غير ما خصتها به الطبيعة، ~~ولا يرسل عليها إلا أشعة صافية من عينيه الضاحكتين لم تخالطها ألوان النفس ~~ولا زفرت عليها أنفاس القلب، وما ثم غير الانقباض والنفور أو الاستئناس ~~والانبساط، فإما رآها قبيحة وإما رآها جميلة، ومتى قسمت الأشياء عنده إلى ~~قبيح وجميل فليس وراء هذين ثالث في التقسيم، وليس إلا جميل جميل وقبيح ~~قبيح، فأما المأمول والمرغوب والمتنافس فيه، والمتبرم به والمسخوط عليه، ~~وما جاء بالشقوة وما جاءت به السعادة، وما كان من ورائه حبذا وليت، وما ~~أعانت عليه لعل وعسى، ثم كان وأخواتها، وإن وبناتها، ثم أنا وأنت وهو، ثم ~~انعطف على هذا من جده ولا لعبه لأن صفحة نفسه ليست كألواح الأطفال: يثبتون ~~فيها ما لا بد من محوه، ويمحون ما يعودون إلى إثباته، ليتعرفوا ما أصابوا ~~مما أخطأوا، وليتعلموا كيف ينبغي أن يتعلموا. # وهل تجد - أعزك الله - في هذا الناس من يحسن أن يوقرك، إلا وهو يحسن أن ~~يحقرك، ومن يعرف كيف يشكرك، إلا وهو يعرف كيف يكفرك، ومن يقول لك حفظك ~~الله، إلا وهو قادر أن يقول أخزاك الله ... فالناس عبيد أهوائهم، وأينما ~~يكن محلك من هذه الأهواء فهناك محل اللفظة التي أنت خليق بها، وهناك يتلقاك ~~ما أنت أهله، أو ما يريدون أن تكون أهله، وليس في الناس شيء يزيد كمالا من ~~غير أن يزيدك نقصا، حتى إيمانك، فإن كفر عند قوم، وحتى عقلك، فإنه سفه ~~لطائفة، وحتى فضلك فإنه حسد من جماعة، وحتى أدبك، فإنه غليظ لفئة. # أما شيخنا فقد مسح الله نفسه ومسح ما به من الناس، فليس في صدره ولا صدر ~~أحد حسيكة عليه، وهو أبدا في صمت، فلا يتصل بفهمه ولا يداخل فكره إلا ~~الجمال والقبح، والطبيعة نفسها تخرج الجميل تفسيرا للقبيح، وتظهر القبيح ~~تعليقا على الجميل، وكذلك الشيخ في إدراكه. # وأجمل ما ms005 يرى من وجوه الحياة وجه السماء الصافية، ووجه النهر الجاري، ~~ووجه الأرض المخضرة، ووجه الرجل الطيب، ووجه المرأة الجميلة، كل أولئك عنده ~~سواء، فليس وجه خيرا من وجه، لأنه لا يحسن أن يؤول لغة الطبيعة فلا ريبة ~~فيه، ولا يتزيد في معانيها فلا كذب في حواسه، ولا تخاطبه الطبيعة فيما توحي ~~إليه إلا بأسهل ألفاظها وأطهرها وبمقدار ما خلق له، إذ لا ترى فيه غير تلك ~~الحيوانية الضعيفة التي هي ضرورية لحي منقطع مثله، وما كانت لوثه عقله إلا ~~فصلا بينه وبين الإنسان في حيوانيته، وإن شر ما تكون هذه الحيوانية حين ~~تكون عقلية محضة، وراءها عقل العالم واخترع المخترع وفن المتفنن. # وقد يكون "الشيخ علي" رجلا تعسا في رأي الناس، لأنه حيوان ضعيف وإنسان ~~أضعف، ولكنها تعاسة بالغة، فهي من تلك الآلام الحادة التي بالغت الطبيعة في ~~تكوينها لتخرج منها ذلك النوع الشديد الحاد الذي يسمونه اللذة، وربما كانت ~~التعاسة السامية خيرا من سعادة سافلة! إن المجنون لم يزل عن منهج الحياة ~~بجنونه، ولكنه يتبع سنة هذه الحياة على طريقة خاصة غير ما ألفه الناس أو ~~تواضعوا عليه، ليرى في كل شيء أثر جنونه، فهو حي مع الأحياء بيد أنه يشبه ~~أن يكون تفسيرا للحياة الغامضة التي تلوذ بكل جانب مهجور على وجه الأرض، ~~وبكل رأس تحتسبه جانبا مهجورا، لأن الناس لا يفهمونها ولا يتسعون لفهمها. # PageV01P003 # وهذا "الشيخ علي" رجل غامض متلفف بحقيقته العجيبة، كدهاة السياسة في ~~شباكهم التي يأخذون بها الأمم والشعوب فلا تبرح ترتبك فيها ارتباك الصيد في ~~الحبالة، وأولئك الفلاسفة الذين يعيشون في السحب العالية من فضائلهم ~~فيمطرون الكون مرة ويرجمونه مرة ... إلى غيرهم من روابي الخلق زمن كل رجل ~~عظيم أظله أحد الجناحين المنبسطين على الأرض والسماء: جناح الوحي أو جناح ~~التاريخ. ولكن "الشيخ علي" على غموضه من كل جهاته واضح ن جهة واحدة هي جهة ~~الجنون في اصطلاحنا، وتلك هي جهة الفضيلة الخالصة فيه، وإذا قطعت ما بينه ~~وبين الرذيلة وجعلت له في الناس ms006 رذيلة مجنونة مثله، فكانت سبته أنه رجل ~~مطلق لا ينزل على حكم، ولا يتحمل على أمر، ولا ينازع إلى عادة الوثابة التي ~~لا يمسكها قيد ولا بنفسه من هموم الناس وأصبح كالروح الوثابة التي لا ~~يمسكها قيد ولا يخضعها زمام، والتي هي فيه كما هي في موجة البحر وعاصفة ~~الريح، فكل مخلوق يحجل في الحياة لمكان القيود منه، وهذا يجمع الوثبة ~~العالية ثم يثب مقبلا ومدبرا ويتخطى مد بصره في الحياة كأنه براق الأنبياء. # وليت شعري هل يأمل الناس أن يشهدوا الحقيقة مغلوبة على أمرها، وما كانت ~~الحقيقة أحد الخصمين قط إلا كانت الهزيمة على الآخر ولو أن هذا الآخر عصر ~~من تاريخ الأرض؟. ثم ما هي الحقيقة إلا أن تكون عقلا مطلقا لا زيغ فيه، أو ~~حقا لا كذب فيه، أو يقينا مطلقا لا شك فيه؟. # وهذا "الشيخ علي" أما عقله فعند الله، وأما حقه فقد أوجبه الله، وأما ~~يقينه فلا يعلمه إلا الله، فكيف يرى مغلوبا لاصطلاح أو عادة وأكثره راسخ في ~~السماء؟ إنه ليجوع ويظمأ ويعرى، ولكن كما يجوع الطير وتظمأ الأرض ويعرى ~~الشجر: ليس من حالة إلا وسبيلها من رحمة الله، فإن تخلت عنه السماء مرة ~~وقطعت مقاوده من الغيب وخذلته الوسيلة- فما تغمز منه الحاجة إلا حجرا صلد ~~يقع على أي جانب ترميه ثم لا يقع إلا حجرا، لأن آلام هذا الرجل من الألم ~~القفر الذي لا ينبت فيه شيء من الخوف، ولا يهتدي إليه وهم من الحياة، ولا ~~مجرى فيه الدمع، ولا ظل للحسرة، وهو ألم إن أفضى إلى الموت أفضى برجل لا ~~يعرف الموت ما هو، وإن أبقى على الحياة أبقى عليها في رجل عرفت الحياة من ~~هو ... # رجل حط الله أوزاره وكتب عليه أن يكون فقيرا من المال وحب المال وذل ~~المال، فخرج وليس له في أفئدة الناس إلا الرأفة والحنان، وجاء وليس له من ~~الناس حاسد أو عدو، وخلق ذا حدين من نفسه الماضية لا يكتنفه ذل أو هم إلا ~~قطعهما وانطلق ms007 كالفرس العتيق في ميعة حضره وماذا يبغض الناس منه وماذا ~~يعادون وهو في ذلك البحر زورق قد سقط مجذافه فليس له ما يضرب وما يسخر به، ~~وإنما تدافعه رحمة الله حيث اندفع، والبحر لا يعادي الزورق الذي يجري فوقه ~~ولكن يعادي المجذاف الذي يديره ههنا وههنا. # رجل كأنه قطعة من الأبد، لا أمس له يتعقبه ولا غد له يترقبه، بل الحياة ~~عنده يقظة طويلة والموت نوم أطول. # "والشيخ علي" متى أحس بالجوع ولج الباب الذي يصيبه مفتوحا فلا يقع على ~~الناس إلا متطرئا، وهو مع ذلك لا يحط في الطعام ولكن يخط فيه خطا وما هو ~~إلا أن يستقر شيء في جوفه مما يقيم صلبه حتى ينفر نفور الطائر لا يرى إلا ~~أنه قد استوفى حق طبيعته من خادم طبيعي.. فلا جزاء ولا شكورا ولهذا لا يبرح ~~أبدا على الحد الذي يصلحه لنفسه فلا يتجاوزه، وأعجب ما يرعني من فضيلته أن ~~هذا الحد عينه هو الذي لا يفسد ما بينه وبين الناس. # وهو إذ تكلم فإنما يترمرم من طول السكوت، فإما أن يغمغم حروفا وأصواتا، ~~وإما أن يلوث بعد كلما غير مفهومة كأنه يسرها في أذن الدهر الذي لا يفهمه، ~~ولكن هذا الرجل كلمة في الشتاء وكلمة في الصيف: فأما في الأولى فأن يسأل ~~دثارا يستدفع به أذى البرد، ولا معنى لكلمة "هات" عنده غير هذا الضرورة ~~وأما الثانية فأن يهب الدثار لغيره، ولا معنى لكلمة "خذ" عنده غير هذا ~~الاستغناء، على أنك واجد أكثر ما في هذا العالم من شر وفساد إنما يرتطم في ~~هذين الحرفين: "هات، وخذ". # PageV01P004 # هذا هو " الشيخ علي".. رايته فرأيت في برودة ثورة على العالم الإنساني، ~~وعرفته فأصبت في ضميره قطعة مجهولة من هذه المسكونة، واستجليت نفسه فإذا هو ~~أفق فوق الأرض، وطالعته فكأني رأيت في جملته النقطة الأرضية التي يبدأ من ~~ورائها ارتفاع السماء، وبلوته فإذا هو حصاة تحت ضرس الدنيا والناس هنالك ~~يمضغون، فلم أملك أن غمست قلمي من نظراته في مجرى من ms008 أشعة الوحي، ووضعت ~~الاعتبار من هذا الرجل وحقيقته ما عرفت من الناس وحقائقهم، فخرجت لي من ~~المقابلة هذه الصفحات، ولذا كان القول في "المساكين " ما قال "الشيخ علي". # على أني إن كنت لم أحسن وصف الرجل أو كنت لم أبلغ في وصفه فذلك لأن هذه ~~الحقيقة في هذا القلم كالثمر الحلو في العود المر، والرجل مما أنضجه القدر ~~وحده ليس لنا من حقيقته الغامضة إلا الصفات التي تثبت أنها غامضة. # وهل في الحياة أشد غموضا من رجل يرى، أو كأنه يرى، أن كل نعمة لم ينلها ~~فهي مصيبة لم تنله، وكل ما يعرفه من هذه الدنيا أنه يعرف كيف يتركها مطمئنا ~~وعلى شفتيه من الابتسام تحية السماء لاستقباله، ومتى هو فارقها انكشف موته ~~عن حياته، وصرحت هذه الحياة من ضميره وخلصت من هذا الضمير كلمة هي معنى ~~الرجل الذي انطوى عليه، وكانت هذه الكلمة هي "الحمد لله". ### | في وحي الروح ### | التراب المتكلم أمام التراب الصامت # ترى أيهما هو الصدق في حقيقته: ما نفرح به أو ما نحزن له؟.. أما إن في ~~الحياة ملحا وإن في الحياة حلوا وكلاهما نقيض، فليس منهما شيء إلا هو رد ~~للآخر أو اعتراض فيه أو خلاف عليه، وتجدهما اثنين وهما واحد في اثنين. # فأنت تؤتى الحلو تسيغه وتستعذبه فإذا هو بك في الملح تمجه وتغص به، ثم لا ~~تضع من أمر على أحسنه في صورة إلا رأيته على أقبحه في صورة أخرى. # والإنسان من الهم في عمر دهر لا يموت، ومن السرور في عمر لحظة تشب وتهرم ~~وتموت في ساعات، والحس كأنه من هذه الدنيا فرخ في بيضة ملئت له وختمت عليه ~~فلن يزيد عليها سوى خالقها، وخالقها لن يزيد فيها! ومن الصحة والمرض، مما ~~سر وساء: وما شد وهد، ومن العقل العجيب الذي يحكم من الإنسان تركيبا عصبيا ~~مجنونا ثائرا قد استبانت فيه الحيوانية، من كل ذلك وما إليه مزيج هو بقدرة ~~الله أشبه، ولكنه فوق ضعفنا وحيلتنا، فلن نرى منه في الكون إلا ms009 شكل الحيرة ~~ومعناها والعذاب بها، والفرح بالغفلة عنها والسرور بإنكارها أو المكابرة ~~فيها، والحيرة لا نفي ولا إثبات، ومتى يطلب الإنسان الحقيقة، وهو جزء منها، ~~لا يقف إلا على جزء منها، فالمشكلة متحركة إلى كل جهة حتى لا تذهب عنها ~~لتنساها إلا وأنت ذاهب بها لكيلا تنساها. # أما إن في الحياة ملحا وإن في الحياة حلوا ... فإن لم يمكن، فالممكن من ~~الحقيقة للإنسان أن يستحيل فيموت! ترى أيهما هو الكذب في نفسه: الموت أم ~~الحياة؟ إنه الجنين فالوليد ثم الميت لا محالة بعد أن يسرع الأجل أو ~~يتراخى، لا يتقار جنين في ذاته الدموية من الأحشاء، ولا يثبت وليد في ذاته ~~في المهد، ولا يترك شاب في ذاته العظيمة للحياة، ولا يقف شيخ في ذاته ~~الجليدة دون القبر! ومن عقدة الثمر إلى لبتها إلى شحمتها إلى قشرتها، على ~~ناموس القضاء والقدر، في باب الحتم المقضي من كتاب السماء، وعلى ناموس ~~النشوء والارتقاء في باب الهذيان العلمي من كتاب الأرض ... # وكما تكون تحت الوسائد كنوز أحلام الليل، تكون في هذه الحياة أحلام ~~الكنوز الخالدة التي يملأ الأرض كلها ضوء لؤلؤة واحدة منها. # تطلع الشمس على الناس كأنها فص خاتم السماء تشير به أن تعالوا إلى الكنز ~~في ضوء هذه الياقوتة الصغيرة. # الحواس زائغة متراجعة مقلوبة، وهذا هو نظامها ونسقها واستوائها، فليس من ~~أحد في هذا الكون الموجود إلا وهو ناظر إلى كون غير موجود. # السماء سموات، والأرض أرضون، والأكوان عداد العقول، وكل أمل في رأس مخلوق ~~يزيد عنده الدنيا أو ينقصها ويغير من الخليقة ويبدل، وكل إنسان في كل يوم ~~هو إنسان يومه ذلك، فكأن كل حي من كل حي غلطة، وآمالنا كأرقام الساعة: هي ~~اثنا عشر رقما محدودة، لكنها في كل دقيقة هي اثنا عشر رقما فلن تنتهي. # والحياة خداع وغرور، وزيغ وخطأ، وعمل وعبث، ولهو ولعب، ومهزلة وسخرية، ~~والناس كالأرقام تخط على هذا التراب ثم يقال للعاصفة: اجمعي واطرحي ثم حلي ~~المسألة ... # PageV01P005 # وأين كل ما صبته الشمس والكواكب من ms010 نيرانها، وما أخرجته فصول الأرض من ~~وشيها وألوانها، وما هتفت به الطير من أغاريدها وألحانها، وما تلاطمت به ~~الدنيا من أمواج إنسانها؟ وأين ما صح وفسد، وما صدق أو كذب، وما ضر أو نفع، ~~وما علا أو نزل؟ في كل لحظة تمتلئ الدنيا لتفرغ، ثم تفرغ لتمتلئ وماضيها ~~ومستقبلها مطرقتان يمر بينهما كل موجود لتحطيمه. # وكأن الحياة ليست أكثر من تجربة الحياة زمنا يقصر أو يطول، وما العجيب أن ~~لا تفلح التجربة في أحد، ولكن العجيب أن لا تنقطع وهي لا تفلح. # والعالم كالبحر من السراب يموج به أديم الأرض بما رحبت ثم لا تملأ أمواجه ~~ملعقة، والحقيقة في كل شيء لا تزال تفر من تحليل إلى تركيب ومن تركيب إلى ~~تحليل، لأن شعور أهل الزمن بالزمن لا يحتمل المعنى الخالد. # ولعل سبب الموت أنك لا أجد إنسانا يعيش في حقيقته الإنسانية، فلا هذه ~~الحقيقة يسرت له كاملة ولا هو خلق لها كاملا، وفي الإنسان كالطبيعة أرض ~~وسماء، فترابه لا يغشاه مما فوقه غير الظل وقد خلق مقسوما فشقة منه في أرضه ~~وشقة في سمائه، فإذا حضره الموت ضرب الضرب بين هاتين فأخذت السماء السماء ~~وجذبت الأرض الأرض. # هناك البرق الإلهي ملء الكون يلتمع ويخطف، ولكنه من الإنسان كشعلة تتوهج ~~في غرفة أرضها وسقفها وحيطانها من المرايا وليس في هذه الغرفة إلا تتوهج في ~~أرضها وسقفها وحيطانها من المرايا وليس في هذه الغرفة إلا هذا الضوء ورجل ~~أعمى. # فلا سخرية ولا ضلالة ولا عبث ولا خداع إلا في أسلوبنا الإنساني المبني ~~على حواسنا الزائغة، كما تنود السفينة خفت على موج البحر وما عبث البحر بها ~~ولكن يعبث بها وزنها. # يريد الله أن نخلق لأنفسنا معنى من السمع والبصر ليس في أذن ولا عين، وأن ~~نزيد في مجموعة أعصابنا الواهنة عصبا عقليا يراه ويسمعه ويدركه ويؤمن به، ~~فالإيمان قوة جبارة لا تجمع إلا من رد كل أطراف النفس المنتشرة إلى عقدتها ~~الروحية، وحبسها أكثر حواسها في حس واحد عنيف مؤلم، ووضع ms011 المناعم المضنون ~~بها في ذلك المعنى المفتوح المتهدم الذي لا يمسك شيئا وهو االزهد، وحصر ~~الآلام الطاحنة في ذلك المعنى المطبق المتحجر الذي لا يفلت شيئا وهو البصر، ~~ورد الأخلاق كلها إلى ذلك العنصر الذي يضيف معنى الحديد إلى معنى اللحم ~~والدم وهو الإرادة، وبعد ذلك كله وضع كل شيء إنساني قي ضوء من أضواء الكلمة ~~المتألهة المسماة بالفضيلة. # يا إلهي! ما أقواك وما أضعفنا! كأنك تقذفنا من السماء فنجهد من بعد أن ~~نرتفع إليها بأنفسنا على أجنحة الأعمال التي تطير بجاذبية مما تحب! لما ~~خلقت الإنسان عبدا على قدرك صار إلها على قدره، فيجب في الحق أن تعذبه ~~السماء إذا وغل عليها طفيليا بلا عمل ولا ثمن! النخلة السحوق نواة مخزونة ~~في بلحة، والعالم العظيم تركيب مخبوء في إنسان، فالإنسان لنكده الطبيعي ~~محيط بنواميس قاهرة تحركه، وتحيط به نواميس أخرى قاهرة تتحرك معه، فمن ثم ~~لا يبرح يصطدم، ولن يكون متجها أبدا إلا إلى التحطيم، فإذا هو تورع وتحرج ~~واستعلى أمات من شهواته فأبطل مثل ذلك فيما حوله، فكان خروجه من بعض الدنيا ~~هو حقيقة وجوده في بعض الدنيا، ومثل هذا حقيق أن يقول: إني أحكم العالم من ~~داخلي. # تباركت ربنا وتعاليت، إن الشك فيك لهو اليقين على طريقة، والإيمان بك هو ~~اليقين على طريقة أخرى..المقعد لا يمشي، والأعرج لا يعدو، والضعيف لا يسبق ~~العداء، فإذا أنكر المقعد على من يراه يمشي، والأعرج على من يبصره يعدو، ~~والضعيف على من يعرفه قد يمشي، والأعرج على من يبصره يعدو، والضعيف على من ~~يعرفه قد سبق، فما ذلك من إنكار العين ولا من مكابرة النفس، وإنما ذاك رأي ~~منظور فيه إلى حظ رجل مهملة أو قدم مكسورة أو عظم واهن، ومن ثم لن يكون في ~~الناس ملحد إلا وفي طباعه أو أخلاقه أو حوادث دنياه جهة مريضة ينكسر عندها ~~الرأي ويبتلي بها الحس، فهي توجهه وتصرفه منظورا فيه إلى شعور بعينه. وقد ~~ينتحر الرجل من إعراض امرأة فمنذا يقول إن النفس ms012 الإنسانية في وزن قبلة! # PageV01P006 # فأما الملحد بغير علة فهذا لا يوجده أب ولا تضعه أم إذ يجب أن يكون طباعه ~~له وحده وميراثه منه وحده حتى يصدق زعمه أنه ألحد للبرهان وحده، فما يجحد ~~الجاحد إلا ليجعل نفسه في الرفاهية من الأمر والنهي، ويخرج بها من حكم ~~الضرورة، وما بين المؤمن وربه، حتى كأن فيه شيئا يلذعه بالجمر فما يستريح ~~من لذعة إلا قدر ما يجم ليحتمل للذعة بعدها. # يا إلهي إنما يحبك المؤمنون ويكابدون في رضاك على مقدار منك لا منهم فأنت ~~تقذف قلب المؤمن بضرورات كشعل البراكين وتضرب روحه من مصائبه بسلسلة جبال ~~مفتولة وتتركه في الأرض يشعر كأنما خر عليه سقف العالم! شبه خلفها، وظلمات ~~تنتهي بعد حين إلى مد النهار الأكبر ومن الضرورات والمصائب والآلام يتخلق ~~الجو الحساس الذي يبسط فيه الإنسان جناحي روحه ويسمو بها على التراب ~~والمادة. # الجو الجو: هذه تغريدة البلبل في قفصه. # الغذاء الغذاء: هذه قوقأة الدجاجة في قفصها. # أيقيس الإنسان نفسه على قياس من الطبيعة في قوتها المتراكبة، ومظهرها ~~المسخر لكل ما يتفق، وتركيبها المبني على سهولة الاحتمال، ونظامها الميسر ~~لعدم المبالاة؟ ألا ما أحمق الزهرة التي علمت أن الدوحة التي لا تقتلعها ~~إلا العاصفة العاتية فقالت: الآن أهزأ بالنسيم! ثم لمسها النسيم فرمى بها ~~ورقة ورقة! كأن الشكل الإنساني نقص إنساني، وكأن الإنساني لم يجئ إلى ~~الدنيا بأكمله وكأنه خلق منه إلا قدر لغرض ما، كأنه تركيب في يد الصانع ~~الأعظم ألقى منه جزءا في مرجل الفلك الأرضي ليغلي قليلا ... ثم يتطاير ~~ويجتمع فيتلقاه من بعد. # كأن هذا الإنسان تحت هذه الضغطة في هذه الفورة في هذا الفلك، مادة يطعم ~~جوا لتتحول ولتتحول ليس غير. ألا ما أحمقه وهو في المرجل على الوقدة ~~الحامية إذا أبى أن يغلى! ... وما أسخفه وهو في المصفاة تحت الضغطة الثقيلة ~~إذا أبى أن يعصر! ... وما أجهله وهو في الحياة الفانية إذا نسي أنه سيموت! ~~لا تغتري أيتها الحبة الصغيرة المختبئة في كدسة من القمح ms013 تتحدر في ثقب ~~الرحى، ولا تحسبي أنك من لهو ولعب تنبعثين هناك وهنا بين الحب، إنك في رفق ~~ولكنه رفق الحجرين الآكلين اللذين لا يدعان شيئا ولا يفلتان شيئا وإنما ~~يرفقان بك قليلا قليلا وليجيدا طحنك كثيرا كثيرا! فتحنا القبر وضرحنا للميت ~~العزيز. لم أقل أنه مات، بل قلت إن موته قد مات! كأن الحي على هذه الأرض هو ~~القبر الإنساني لا الجسم الإنساني، فإنك لتجد قبورا من ألف سنة ولن تجد ~~إنسانا في بعض عمرها، أما ترى هموم الدنيا وأحزانها كيف لا يخلو منها أحد، ~~وكيف تخرج من النعيم كما تخرج من البؤس؟ ما أحسبها إلا صورا من ظلمة القبر ~~يجيء القبر فيها حينا بعد حين إلى ميته الذي لم يمت! من يهرب من شيء تركه ~~وراءه، إلا القبر، فما يهرب أحد منه إلا وجده أمامه، هو أبدا ينتظر غير ~~متململ، وأنت أبدا متقدم إليه غير متراجع، وليس في السماء عنوان لما يتغير ~~إلا اسم الله، وليس في الأرض عنوان لما يتغير إلا اسم القبر. # وأينما يذهب الإنسان تلقته أسئلة كثيرة: ما اسمك؟ ما صناعتك؟ كم عمرك؟ ~~كيف حالك؟ ماذا تملك؟ ما مذهبك؟ ما دينك؟ ما رأيك؟ ... ثم يبطل هذا كله عند ~~القبر كما تبطل اللغات البشرية كلها في الفم الأخرس، وهناك يتحرك اللسان ~~الأزلي بسؤال وحد للإنسان: ما أعمالك؟ أيها المتقاتلون على الدنيا والإنسان ~~إلى حين! إن تنازع البقاء مذهب فلسفي بري لا إنساني ... فإنها الثيران هي ~~التي تجد من القوة أن تنطح في المجزرة وتنسى لم هي في المجزرة! فتحنا القبر ~~وأنزلنا الميت العزيز الذي شفي من مرض الحياة، ووقفت هناك، بل وف التراب ~~المتكلم يعقل عن التراب الصامت ويعرف منه أن العمر على ما يمتد محدود ~~بلحظة، وأن القوة على ما تبلغ محدودة بخمود، وأن الغايات على ما تتسع ~~محدودة بانقطاع، وحتى القارات الخمس محدودة بقبر!.. # يا عجبا! القبور مأهولة بملء الدنيا وليس فيها أحد! أية ذرة من التراب هي ~~التي كانت نعمة ورغدا، وأيتها كانت ms014 بؤسا وشقاء، وأيتها التي كانت حبا ~~ورحمة، وأيتها كانت بغضا وموجدة؟ # PageV01P007 # سألت القبر: أين المال والمتاع؟ وأين الجمال والسحر؟ وأين الصحة والقوة؟ ~~وأين المرض والضعف؟ وأين القدرة والجبروت؟ وأين الخنوع والذلة؟.. قال: كل ~~هذه صور فكرية لا تجيء إلى هنا، لأنها لا تؤخذ من هنا! فلو أنهم أخذوا هدوء ~~القبر لدنياهم، وسلامة لنزاعهم، وسكونه لتعبهم، لسخروا من نواميس الكون! إن ~~هؤلاء الأحياء يحملون في ذواتهم معانيهم الميتة وكان يجب أن تدفن وتطهر ~~أنفسهم منها، فمعنى ما في الإنسانية من شر هو معنى ما في الناس من تعفن ~~الطباع والأخلاق. # يكذب أحدهم على أخيه فيعطيه جيفة حقيقية ميتة، ويكيد بعضهم لبعض ~~فيتطاعمون من جيف الحوادث المسمومة، ويمكر الخائن فإذا جيفة عمل صالح قد ~~مات، فكل مضغة تبتلعها من حق أخيك الحي هي كمضغة تفتلذها من لحمة وهو ميت: ~~لا تعطيك إلا جيفة، ثم أنت من بعد لست بها إنسانا ولكنك وحش ... بل وحش ~~دنيء ليست له فضيلة الوحشية التي من قوة تأبى أن تمس لحوم الموتى! واها لك ~~أيها القبر! لا تزال تقول لكل إنسان تعال، ولا تبرح كل الطرق تفضي إليك فلا ~~يقطع بأحد دونك ولا يرجع من طريق راجع، وعندك وحدك المساواة، فما أنزلوا قط ~~فيك ملكا عظامه من ذهب، ولا بطلا عضلاته من حديد، ولا أميرا جلده من ديباج، ~~ولا وزيرا وجهه من حجر، ولا غنيا جوفه خزانة، ولا فقيرا علقت في أحشائه ~~مخلاة! ألا ويحك أيها القبر! لم لا تأتي إلا في الآخر؟ ولم لا تضع حدود ~~معانيك بين الأحياء بعضهم من بعض حتى يقوم بين الضعف والقوة حد المساواة، ~~وبين النفوس والشهوات حد التقوى، وبين الحرام والحلال حد الله! يا شقاء أهل ~~الأرض! أما أنهم لو وضعوا فيها موضعا من العناية لما كان الإبهام في ~~السريرة، ولا كانت الغفلة في النفس، ولا كان النسيان في الطبع، ولولا هذه ~~الثلاث في هذه الثلاثة لما كان المجهول البشري كله في شيء واحد وهو القبر. # إن أحزاننا وهمومنا ودموعنا ms015 هي كل المحاولة الإنسانية العاجزة التي نحاول ~~بها أن نكون في ساعة من الساعات مع أمواتنا الأعزاء! هم يأخذوننا إليهم ~~اختلاجا وانتزاعا في هذه الأحزان والهموم والدموع، فكأنها أمكنة تخلق من ~~الأثير الروحي وتتجسم من معانيها كي تصلح أن يلتقي فيها روح الحي وهو حي ~~بروح الميت وهو ميت، كما يتلاقى روحا الحبيبين في قبلتهما أول مرة إذ يخلق ~~قلباهما لهذا اللقاء جوا أثيريا من الزفرات واللوعات بين الشفاه المتلامسة. # أو لعل الموت كما يجرد الحي من روحه ينتزع من أهله شهوات أرواحهم فيميته ~~مدة من الزمن في القلب وفي العين وفي الفكر، وبذلك يرد جميع المحزونين إلى ~~المساواة، فأهل كل ميت وإن علا كاهل كل ميت وإن نزل، وتموت بالموت الفروق ~~الإنسانية في المال والجاه والقوة والجمال، حتى لا يبقى إلا الدمعة واللوعة ~~والحسرة والزفرة، وهذه أملاك الإنسانية المسكينة! يا هم من يحس ويعرف ويرى ~~كيف يموت العزيز عليه وكيف يتحول من يحبه إلى ذكرى! إن ما يعمل في القبر ~~يعمل قريب منه في القلب!. # وما يعرف الحي أن الذاكرة فيه هي حاسة اللانهاية إلا حين يموت له الميت ~~العزيز، فلا يكون في الدنيا وهو في ذاكرته بمعانيه وصورته لا يبرحها. # وليس ينزل الحي من أمواته في القبر إلا من يقول له إنني منظرك إلى ~~ميعادا! أما لو عقلها الأحياء لعرفوا أن الموت وحده هو ناموس ارتقاء الروح ~~ما بقيت في الدنيا، ولكن ضجيج الشهوات- على أنه لا يعلو رنة كأس ولا يغطي ~~همسة دينار ولا يخفي ضحكة امرأة- يطمس على الكلمة الأزلية التي فيها كل قوة ~~الصدق وكل صراحة الحقيقة، فإذا هي خافتة لا تكاد تثبت، غامضة لا تكاد تبين! ~~أذلك سحر الحياة فينا، أم سوء استعدادنا لها، أم شراهة الجسم من لذة الحياة ~~لابتلاع كل ما في الكون منها، أم حماقة الكأس التي تريد أن تغترف البحر ~~لتكون له شاطئين من الزجاج، أم بلاهة الإنسان الذي يريد أن يطوي فيه معنى ~~الخالق ليكون إله نفسه.. # ويحه من غريق أحمق ms016 يرى الشاطئ على بعد منه فيتمكث في اللجة مرتقبا أن ~~يسبح الشاطئ إليه ... ويثبت الشاطئ ويدع الأحمق تذوب ملحة روحه في الماء! ~~اسبح ويحك وانج، فإن روح الأرض في ذراعيك، وكل ضربة منهما ثمن ذرة من هذا ~~الشاطئ. # PageV01P008 # كذلك ساحل الخلد: يريد من الإنسان الذي هو إنسان أن يبلغ إليه مجاهدا لا ~~مستريحا، عاملا لا وداعا يلهث تعبا لا ضحكا، ويشرق بأنفاسه لا بكأسه، وينضح ~~من عرق جهاده لا من عطر لذاته. # إن روح النعيم الأرضي في ذراعي الغريق الذي يجاهد لينجو، وروح النعيم ~~الأزلي الحي يجاهد ليفوز!. ### | الفقر والفقير # قال "الشيخ علي": يا بني، إن في تاريخ الحياة سؤالا لم تزل تلقيه أطماع ~~الناس في كل عصر من عصورها وما إن تصيب له جوابا مقنعا، لأن الطمع ليست له ~~طبيعة محدودة، فهو يرمي بسؤال غير محدود ويريد بطبيعته جوابا غير محدود. # هذا السؤال واحد من ثلاثة هي حقائق الإنسانية الضالة عن الإنسان نفسه في ~~غيب الله. # يقول الإنسان: ما هي الروح التي تعطي الحياة؟ وتقول آماله: ما هو الموت ~~الذي يستلب هذه الحياة؟ وتقول أطماعه: وما هو الفقر الذي يجمع على الروح ~~بين الموت والحياة؟ كذلك يتساءل: ما هو الفقر؟ على أنه غير الفقر ذلك ~~السؤال الذي تجد في كل نفس إنسانية معنى من جوابه، ولا غير الفقر ذلك القبر ~~المعنوي الذي لم يخلق الله نفسا من النفوس إلا ولها ميت من الأمل في ترابه، ~~بلى، وإذا كان في لغات الأفواه لفظ خالد فإنما هو الفقر، وإذا كان في هواجس ~~القلوب معنى خالد فإنما هو خوف الفقر، وإذا كان للدموع الإنسانية مصب واحد ~~تلتقي إليه من جهات الأرض فإنما هو بين شاطئين إن جاز أن يكون أحدهما الحب ~~فإن من المحق أن أحدهما الفقر! إن هذه الأرض لتصبح في كل يوم، ولا يمكن أن ~~يقال بحق إن فيها عملا إنسانيا عاما غير طلب المال، فأحر بها أن تمسي في كل ~~يوم، يمكن أن يقال إن فيها معنى إنسانيا عاما ms017 غير راجع إلى الفقر. # ويقولون إنها تدور حول قرص الشمس، وهو قول فلكي أو سماوي يصح إطلاقه على ~~الأرض كهيئتها يوم خلقها الله، أو على الأقل كما خلقها، أما الحقيقة ~~الأرضية فإنها تدور حول قرصين: قرص اللهب، وقرص الذهب، ويا لله الفقير! إنه ~~دائما في الجهة المظلمة. # الفقر متى ألقيته سؤال عاد إليك بجواب نفسه، لأنه فصل من كل عمل، كالشتاء ~~فصل من كل سنة، وليس في الناس جميعا من يصدق إذا ادعى أنه لا يعرف الفقر، ~~غير اثنين لا خير فيهما: غني جن من فرط الغنى، وفقير جن من فرط الفقر، ~~فالأول لا يعرف هذا الفقر في جنونه لأنه جن بغيره، والثاني لا يعرفه لأنه ~~جن به. # ولكن من هو الفقير؟ من هو الكائن الضعيف الذي أحاط به الجهل حتى إنه ~~ليجهل نفسه، وأينما يول وجهه أشاح عنه الناس بوجوههم فلووا رؤوسهم، وصعروا ~~خدودهم وأمالوا أعناقهم، حتى كأن كل رأس في التواء عنقه من الأنفة ~~والاستكبار يمثل علامة استفهام الحياة في وجه هذا المسكين أو يقيم علامة ~~إنكار ... ؟! من هو هذا الحي الذي تنكرت له الدنيا حتى أصبح فيها كأنه نوع ~~شاذ من الخلق يقوى على كل شيء حتى الطبيعة، ولكنه يضعف عن شيء واحد وهو ~~الغني، فقضت عليه شرائع الاجتماع أن ينفق من حياته أضعاف ما يكسب لحياته، ~~وإذا لم يجد ما يطعمه الجوع فأطعمه من جسمه فذلك عليه يسير، وإذ سال في ~~الشمس وجمد في البرد فهو عند الأغنياء ذو طبيعتين لأنه ليس مثلهم ولأنه ~~فقير ... ؟ ومن عسى أن يكون هذا القوي الذي يختصمه الاجتماع كله ويخشى أن ~~يرتفع فيكون "قاضيا" عليه، ويأخذه اليوم بالجناية وهو الذي أوحاها بالأمس ~~إليه؟ ومن هذا الذي يرى المجتمع أنه إذا قدر للشريعة أن تلحد في قبر فلن ~~تدفن إلا في هاوية من مطامعه، وإذا حكم الله على عصر من عصور الجبابرة ~~بالشنق فلا تكون المشنقة بجذعيها وحبالها إلا من ذراعيه وأصابعه ... ؟ من ~~هو الذي يجف ريق الأرض لو جف عرقه ms018 من ترك العمل، ويخيب أمله مع ذلك في كل ~~غني وهو نفسه للأغنياء أكبر أسباب الأمل، يدلون عليه بالغنى ولولا أن في ~~فضتهم عنصرا من دمعه القيم لما وجدوا لها قيمة، ولو لم يكن في ذهبهم روح من ~~دمه الكريم لما عد أفضل المعادن الكريمة؟ قال "الشيخ علي": ذلك يا بني هو ~~المدرج في أكفان النسيان، الذي ليس له في الناس إلا "منكر ونكير"، ذلك هو ~~البائس في بني الإنسان الذي يكثر عليه القليل ويقل منه الكثير، ذلك هو ~~المتناقض في نفسه حتى لا يصغر أن يقال في صغير ولا يكبر أن يقال فيه كبير، ~~ذلك هو الذي يشبه أن يكون عمله حركة فلكية في الأرض للآلة الغني- ذلك كله ~~هو الفقير! # PageV01P009 # وبالله! ما تحمل الأرض إنسانا واحدا لا يخشى عادية الفقر ولا يتعوذ بالله ~~منه، ولا يرى يومه في هذه الأرض كأنه الآخرة قبل الآخرة، يقوم الفقير ~~حسابها وعذابها، ويستعيذ برحيمها، من جحيمها، ويفر من أمه وأبيه، وصاحبته ~~وبنيه، وفصيلته التي تؤويه، ويضع في ميزانها المنصوب آماله، فلا يزن إلا ~~أعماله، ويستصرخ كل من يمر به فلا يسمع إلا قائلا يقول: نفسي نفسي ... ~~فينظر فإذ هو في الناس ضائع حتى لا يعرف له محل، ومنفردا حتى لا يجد بينهم ~~لشخصه ظلا، وإذا هو بالسماء وقد التهبت بأقدارها حتى كأنها في عينه جمرة من ~~البرق الخاطف، وإذا الأرض قد ثارت بأهلها كرماد اشتدت به الريح في يوم ~~عاصف، فإن أقبل على الناس فروا من أماكنهم كأنه زلزال تمشي، وإن استصرخهم ~~نفروا كأن في صوته فزع الرعد القاصف. # يا لله! ما تحمل الأرض إلا من يعرف هذا كله من الفقر بل أشد منه، ثم يبقى ~~الفقير ويا لهف أرضي وسمائي عليه! كأنه مسألة في حساب الناس لا هم لهم فيها ~~إلا كثرة الطرح والضرب ثم الغلط في النتيجة ... وتنحاز طبائع الناس كلها في ~~جهة والفقر وحده في جهة حتى لا يرى هذا المسكين في العالم على سعته غير ~~اثنين: هو واستبداد الغني. ms019 # ترى أين تكون شرائع الآداب إذن؟ هل هي في ضمائرنا، أم هي في كتبها، أم هي ~~في تاريخها الميت القديم، أم صار الحق كله إنسانيا بحتا: لي عليك ولك علي ~~وليس لله علينا شيء، وفصلنا أنفسنا من السماء وقطعنا الروابط التي كانت ~~تربطنا بها ونبذناها فرثت ثم رثت فإذا هي على أجسام الفقراء تلك الأسمال ~~البالية؟ إن هذه الحقوق متى أصبحت إنسانية محضة ليس فيها لله شيئا، فكل ~~درهم يوضع في يد الإنسان يجعل فيه عقلا يحكم على عقله، وكل رغيف يستقر في ~~معدته يخلق فيها ضميرا يستبد بضميره، فينفصل الإنسان من الله ويبتعد عنه ~~بمقدار ما يقرب من الغنى، وحسبه يومئذ في اعتبار بعيد جدا عن الله ورحمته ~~أن يقال إن بينه وبين ربه مسافة ألف دينار ذلك بأن عدل الله يقضي أن يكون ~~للفقير قسمه من الثروة، وإنما الجزء المهم من هذه الثروة هو الإحساس في ~~ضمائر الأغنياء. # والأدلة على هذه القضية قضية الحقوق الإنسانية كثيرة تفوت الحرص لأن كل ~~صاحب ربا قد جمع مال السحت من استئكال الناس إنما هو في نفسه دليل عليها، ~~ولعمري إنه وليس أحد أخيب رجاء ولا أحق بأن يخيب، ممن يسأل المتهالك على ~~الربا الذي يستنبت دراهمه بين الأحزاب والدموع إحسانا لوجه الله، فإن هذا ~~الذي لا يعرف الله فيما يأخذ كيف يعرف الله فيما يعطي؟ قال "الشيخ علي": ~~ولماذا نرى يا بني جفاة الأغنياء يخشون من الفقر على أنفسهم وأهليهم فقط ~~ولا يخشون منه على الفقير؟ أظنهم يقولون إن في الأرض شيئين بمعنى واحد: ~~قبور الأموات في بطنها، وأكواخ الفقراء على ظهرها، وليس من فرق بينهما في ~~النسيان لأنه يشملهما جميعا، وإنما الفرق بينهما في حاليهما المتناقضتين، ~~هذا قبر ميت وهذا قبر حي ... نعم صدقوا أبروا وقالوا حقا، أليسوا جفاة ~~القلوب غلاظ الأكباد؟ وإلا فما الفرق بين موت منسي كموت الغريب، وحياة ~~منسية كحياة الفقير، إلا على الفرق الذي لا يبالي به هؤلاء الأغنياء حين ~~يكون لأحدهم ظاهر حي وضمير ميت؟ ms020 وأحسب أولئك الطغاة يقولون، إننا نرى ~~الفقير لا يملك من الأرض شيئا محدودا بل هو يملك أرض الله كلها بحدودها ~~الأربعة.. ففقر فلان التاجر الغني مثلا ليس هو في الحقيقة أن لا يصيب القوت ~~ولا يجد المأوى كغيره من الفقراء، وإنما هو المتاجرة في الآمال، بعد ~~الأموال، وقبض الريح، واستقبال الأبواب والجدران، بعد استقبال الأصحاب ~~والجيران، وهام من هذا الباب الذي يفتح من جهة الغنى على سائر الجهات ~~الثلاث للحياة البائسة: وهي الفقر، والمذلة، والألم، وإنما هو رجل ككل رجال ~~المال متى خرج المال من يد أحدهم خرج اسمه من أفواه الناس وحرج حبه من ~~أفواه الناس وخرج حبه من قلوبهم، ويكون من أهل السعادة لو خرج هو أيضا من ~~الدنيا ... # PageV01P010 # قتل الإنسان ما أكفره! لو أن غنيا فقد جبلا من الذهب وأصاب رغيفا يتبلغ ~~به لكان ذلك أيسر في مذهب الإنسانية من أن يذهب البائس المعدم فيتكفف ~~الأبواب ويستكف الناس ثم لا يتخلص منهم رغيفا يمسك به الرمق على نفسه ويقيم ~~منه بابا حاجزا يمنع الجوع أن يدخل إليه الموت وأن يخرج منه الروح، ولكن ~~مصيبة الإنسانية في أهلها أن الله لم يخلق إلا صنفا واحدا من الناس، على أن ~~كل إنسان يظن أنه ذلك الصنف الواحد ... فالغني إذا تصور الفقر وهو لا يزال ~~في غناه، لا يتوهم إلا اختلال نظام الأقدار، واضطراب حركتي الليل والنهار، ~~بعد أن يهوي كوكب سعده الذي يسك من كل ذرة في أشعته دينار ... وهو لا يرى ~~بهذا الفقر إلا نقمة هابطة من السماء ولعنة صاعدة من الأرض قد التقتا عند ~~رأسه الشامخ في جو كبريائه فاصطدمتا به فإذا هو مكب لليدين وللفم عند أقدام ~~الناس وإذا هو فقير! هذا هو الفقر في أوهامهم، ولكن لا تنسى أنه فقرهم فقط ~~... فقر المال المترابط في مكانه أو الذاهب في حلوق الأرض وبين أضلاعها، ~~أما سائر الناس فهم عند هؤلاء أهل باطل ودعوى، يزنون بكل ريبة، ويقرفون بكل ~~تهمة، إذ ينتحلون الفقر ويدعونه ليعادوا نعمة الغني ms021 بالحسد، فالجوع فقر، ~~والمرض فقر، والتعب فقر، والضجر فقر، واشتهاء ما ليس لهم فقرا، وقلة ~~الأصحاب فقر، وحتى ولو أن أحدهم سخطته زوجه لنسب ذلك إلى الفقر، وبالجملة ~~فكونهم ليسوا كالأغنياء هو الفقر. # فإذا كان الفقر كل شيء عند هؤلاء الحمقى فما هو الشيء الذي يسمى الفقر؟ ~~من أجل ذلك يا بني ترى الأغنياء يخشون من الفقر على أنفسهم وهم أنفسهم لا ~~يخشون منه على الفقير، لأن هذا الفقير برأيهم قد أصبح شخصا أخر لا صلة لهم ~~به ولا عهد، فهو يكذب على الحوادث والحوادث تكذب عليه، وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها، فإذا انخدعوا له بمقدار ما يتعجبون من سخافته، وإذا أعطوه كان ~~العطاء سخيفا بمقدار ما ينخدعون، ولا ينظرون لأثر الله عليه ولكن لأثره على ~~نفسه، إذ الحقوق عندهم حقوق إنسانية، فهيهات يختلج في نفس أحدهم أن لو شاء ~~الله لوضعه في ثياب هذا الفقير ولوضع الفقير في ثيابه. # أترد مثل هذا الغني الجلف المتسكع إلى الدين؟ إنه هو في نفسه دين وشريعة ~~أيضا ... أتبصره بالإنسانية؟ فمن هو إذا ويلك إن لم يكن من صميم هذه ~~الإنسانية وعين أهلها بل إنسان هذه العين! أما الحق فاذكر بربك أمواله تعلم ~~أن"الحق في يده" ... هكذا يعطى المال أهله حتى فضائل غيرهم، ويسلب الفقر ~~أهله حتى محاسن أنفسهم، وهكذا لا تجد المال أبدا إلا نعمة ناقصة، ولن تتم ~~هذه النعمة إلا إذا رزق الإنسان مع الغنى أخلاقا تكفيه شر الغنى، ومن أجل ~~هذا كان من الأمور الطبيعية أن تجد العقل في إنفاق المال أشد ارتباكا منه ~~في جمع المال. # قال "الشيخ علي": ولابد من صلة معنوية بين جميع الناس على ما يكون بين ~~الإنسان والإنسان من التباين والاختلاف في كل شيء، حتى بين الأخوين تلدهما ~~الأم الواحدة، وهما مهما اتفقا في الحياة ومظاهرها فإنهما لا بد مفترقان ~~افتراق الثديين اللذين ارتضعا منهما الحياة، فما عسى أن تكون هذه الصلة ~~العامة بين الناس؟ تقول الشرائع أن الصلة التي تجمع بين الناس بعضهم ببعض ~~هي ms022 العدل! وتقول العلوم إنها العقل، وتقول الآداب أنها شيء من العدل والعقل ~~يكون الإنسانية في الضمير، وتقول الحياة أنها سبب الإنسانية وهو الرحمة، ثم ~~يرعد صوت إلهي يقصف من جهة السماء التي هي مصدر العقل والعدل والإنسانية ~~والرحمة فيصيح بكل ما في هذه الأشياء من القوة ويقول: كلا! بل هو سبب ~~الرحمة ومظهر الإنسانية، وكمال العقل، وفضيلة العدل، وهو الفقر! # PageV01P011 # من الذي ولد وفي يده قطعة من الذهب؟ ومن الذي مات وفي يده "تحويل" على ~~الآخرة؟ لقد وسعت الخرافات كل شيء إلا هذا، فما لنا نتخذ في البدء والنهاية ~~ثم نختلف في الوسط؟ ذلك لأن بدءنا من طريق الله ونهايتنا في طريق الله، ~~ولكن الوسط مدرجة بيوتنا ومصانعنا وحوانيتنا، وبكلمة واحدة هو طريق بعضنا ~~إلى بعض ### | .... # وحينما التقى الإنسان بالإنسان فإما أن تلتقي المنفعة بالمنفعة وإلا ~~المنفعة بالمضرة، فلا بد من انتفاع أحدهما أو كليهما، ومن ثم يقول البخلاء: ~~ما الذي ننتفع به من رحمة الفقير؟ وماله يريد أن يتحيفنا كأنه روح الجدب، ~~وأن يتعر قنا كأنه روح المرض؟ وماله يريدنا على أن نسيء من أجله المس في ~~أموالنا كأنه روح الإفلاس؟ أو لا يكفيه أننا لا نرزؤه شيئا، وأننا نفضل ~~عليه فتعتد الدرهم الذي نمسكه عنه كأنه درهم أخذناه منه، وبذلك لا يضرنا ~~ولا ننفعه بشيء، ومن الجهة الأخرى لهذا القياس يكون قد نفعنا ونفعناه بلا ~~شيء ### | .... # ؟ قاتل الله البخل وقبحه، فما هو إلا حرص على المنفعة يشبه عبادة ~~الوثنيين لكل ما توهموا فيه المنفعة، وإن كان للحواس نوع من الكفر بالله ~~فكفر اليد في إمساكها، وإن الله لرحيم إذ لم يعاقب البخلاء بما يعاقبون به ~~الناس، فليس بين كل بخيل وبين الهلاك إلا أن ينقل الله "الإمساك" من يده ~~إلى جوفه!..على أن البخل إذا لم يكن بقية من الوثنية القديمة بعينها فهو ~~على كل حال نقص من الإيمان، لأن الله وعد المحسنين والمتصدقين ثواب ما ~~أنفقوا مكفأة على فضيلة الإحسان، ثم أن يخلف عليهم ما أنفقوه أضعافا ~~مضاعفة، ms023 إذ المحسن لا يجود بدراهمه على الله ولكنه يقرضه إياها قرضا حسنا ~~متى وضعها في يد الإنسانية الفقيرة، فمن أمسك عن الإحسان بخلا فإنما يشك في ~~وعد الله، وإلا ففي قدرة الله، وإلا ففي الله نفسه، فأكبر البخل عند أكبر ~~الكفر وأصغره عند أصغره، ويوم يخرج الإيمان من قلوب الأغنياء تخرج أرواح ~~الفقراء من أجسامهم فيموتون بالجوع والعري وبالمرض وغيرها من أسباب الموت، ~~وكلها مظاهر متعددة لسبب واحد هو في الحقيقة كفر الأغنياء كفرا في الضمير ~~لا كفرا في اللسان. # ومن هنا يا بني لا تجد الفقير في أي من العصور إلا جهة من الخلل في نظام ~~الاجتماع الإنساني، كما أن البخل جهة من الخلل في نظام النفس الإنسانية، ~~والفراغ الذي يجده الفقير في بيته إنما هو موضع النعمة الضرورية التي بخل ~~بها الغني، وهو في الحقيقة موضع التفكك أو الكسر في الآلة التي تديرها ~~شريعة الاجتماع. # الإنسان إنما خلق اجتماعيا، وهو بشخصه لا قيمة له ولا منفعة إلا حيث يكون ~~شخصه جزءا من مجموع، لأن اليد الواحدة في الجسم ولو كانت يد ملك وكان فيها ~~زمام العالم، فإنها لا يفارقها عيب أختها المقطوعة. # وكل خلل في النظام الاجتماعي فإنما مرده إلى طغيان بعض الأفراد وجنوحهم ~~إلى أن تكون شخصية الواحدة منهم من الكبر والعظمة بحيث توازن المجموع كله ~~أو أكثر المجموع، إن هذه الموازنة الفردية متى اتفقت كانت إخلالا بالموازنة ~~الاجتماعية، لأنها تجعل كل حركة من هذا الفرد زلزلة في المجموع، كالثقل في ~~إحدى كفتي الميزان، إن خفت سقطت الكفة الأخرى وإن ثقل شالت، وهو السقوط إلى ~~فوق! ... # والموازنة الاجتماعية لا تتهيأ إلا إذا تطبعت قوى المجموع فاندفقت في ~~تيار واحد إلى جهة معينة، ولكن الموازنة الفردية لا تستقيم إلا إذا جاءت من ~~عكس هذه الجهة، فتصد قوة المجموع وتبقى دائما ذات قوة على صدها من الغلبة، ~~فإن ضعف خصمه يعطيه منها أكثر مما تعطيه قوة نفيه، ولا يكون ضعف المجموع ~~إلا من حصر الشخص العظيم قوة عقله ونفسه ms024 وضميره في هذا السبيل الفردي، ~~لتكون منه الشخصية الهائلة التي تشبه ما كان في تاريخ الوثنية من شخصيات ~~الآلهة وأنصاف الآلهة. # وقد أضطر الناس لذلك من عهد اجتماعهم في نظام أو شريعة إلى ابتداع ~~الوسائل للتوفيق بين قوة الفرد وقوة المجتمع، حتى لا يستشري الداء في ~~الموازنة الاجتماعية فيفسدها ويوقع الخلل في نظامها، ولكيلا تكون خيرات ~~المجموع كلها في معدة واحدة، وحتى لا يبقى الناس أرقاما يعدهم الغني ~~المستبد كما يعد دراهمه لأنهم ثروته الحية! # PageV01P012 # غير أن هذه الوسائل على اختلافها لم تكن ولم تزل إلى عهدنا عهد ~~الاشتراكية العلمية إلا ثورات هي مهما كانت فإنها أشبه شيء بجموح الحيوان ~~إذ يحمي أنفه فيجمح ثم يسترسل في جماحه ثم يشتد حتى يعتز صاحبه على رأسه ~~ويملك نفسه منه، ثم ماذا؟ ثم يسكن مكرها بعد أن جمح راضيا، فإن لم يسكنه ~~الألم من صاحبه أسكنه التعب من نفيه، لا يكون بالتخلص من إنسان بعينه. # ومن هذا يا بني ترى أن الإنسان لا يعيش فردا ولكنه حين يموت يموت فردا، ~~فإذا رأيت فقيرا منبوذا من الاجتماع منفردا عنه، لا يساهمه في علمه وعيشه، ~~بل كأنه يعيش في بقعة مجهولة من الحياة، فاعلم أن إهمال ذلك الفقير إنما هو ~~نوع من القتل الاجتماعي. # ههنا قاتل ومقتول: لم يأخذ القاتل بحق من الحقوق ولا ثأر لنفسه ولا قتل ~~بيده، أما المقتول فإنه لم يقتل في إثم اجترحه ولا هو جنى على نفسه الضعف ~~الذي أرهقه وبلغ منه حتى جعل إهمال القوي إياه كأنه حكم عليه بالقتل، فترى ~~على من تكون هذه التبعة، وهي بالتحقيق ليست على القوي لقوته ولا على الضعيف ~~لضعفه؟ هناك اثنان: رجل في الماء وآخر على الشاطئ، فأما الذي في الماء فليس ~~بينه وبين الموت غرقا إلا نفس واحد مبتل ينسل بالماء من حلقه إلى رئتيه وهو ~~يرى بعينه الموت دائبا في حفر قبره المائي، فليس الموج الذي يتكفأ به ~~ويتناثر من حوليه إلا ما تثيره يد جبار الموت من غبار ms025 ذلك القبر وتحثوه في ~~وجهه بنزق وغضب، بعيد عن الأحياء حتى بعد عن أن يكون له قبر بينهم ولا صلة ~~بينه وبين الحياة الأرضية إلا نظرات ذلك الرجل القوي الذي يتراءى في عين ~~الغريق كأنه صخرة راسية على الشاطئ لها قوة وليس لها إرادة، ولكن هذا الذي ~~يشعر بصلابة الأرض تحت قدميه ويحس القوة من يده وعضلاته، يشعر أيضا من ~~بمعنى من الصلابة في قلبه وقد جاء إلى الشاطئ ليتنفس من تلك النسمات التي ~~يتنهد بها صدر السماء فتكون أرواحا للأمواج تبعث فيها حركة الحياة. ما له ~~ولهذا المنظر؟ سواد يطفو على الماء كأنه هنة من المتاع الخلق أو حذاء قديم ~~أو ريش تحسر عن طائره، أو رأس رجل يغرق، وما دفعه بيده إلى الماء فيكون حقا ~~عليه أن يستنقذه، ولا كان الغوص من صناعته فيعتمل في إخراجه ليخرج معه أجر ~~عمله، وهو قوي ولكنه قوي لنفسه لا للضعفاء، وقد جاء ليروح عن نفسه، وإنقاذ ~~الغريق عمل آخر، وربما أنشبه في حلق الموت ... أخذ فيما جاء له وما زال ~~يموج في جلده ويتنفس ملء صدره من الهواء ومن زفرات الإنسانية التي تنشق لها ~~غيظا، ومن لعنات ذلك الغريق الذي بدأت حياته تذوب كما ينماث في الماء حتى ~~آن له أن ينصرف وترك الرجل يغرق وهو يقول: لا بأس أن ينقص عدد أهل الأرض ~~واحدا فهم كثير! ### | .... # ترى على من تكون هذه التبعة أيضا؟ إذا أردتم أن تعرفوا ذلك فإنكم ~~تستطيعون أن تحققوه بدون أن تكونوا شرطة أو قضاة أو أهل قانون أو رجال ~~فلسفة، ولكن بأن تكونوا من ذوي الإنسانية فقط، فإن الإنسانية لا ترى في ~~الأرض إلا الضمائر، وما هذه الأجسام إلا أدوات صناعية ركبت هذا التركيب ~~لتصلح لحياة الضمير، فالرجل قد مضى بريء اليد، بريء القوة، بريء العقل، إذ ~~هو لم يقتل، ولم يجن على القتيل، ولم يحتل لقتله، ولكن الإنسانية حين تنادي ~~الضمائر بأوصافها فتقول: أيها الطيب، وأيها الكريم، وأيها الشقي السافل، ~~تصيح بضمير هذا الرجل قائلة: ms026 أيها القاتل! ... # إذا لم يقر الأغنياء لأنفسهم بالضمائر ولم يلحقوا بها التبعات التي ~~تناسبها فهل هم في ذلك إلا كالمجانين لا تقر لهم الشرائع بالعقول وتخيلهم ~~من تبعة ما يجنون على العقلاء لأنهم مجانين؟ ### | .... # وكيف ترى ذلك الغني الفظ الذي يهر في وجوه الفقراء ويزمجر عليهم كأنه ~~ينبحهم بلغة من لغة الكلاب ... ولا يفتأ يقذفهم بالألفاظ الجاسية المؤلمة ~~كما يقذف المجنون بالحجارة ... وإذا أعطاهم فإنما يعطيهم بقضية فارغة ... ~~وهو لا يوقر أبدا إلا من فوقه، كأنه لا يرى في الدنيا كلها أسفل من نفسه ~~... ولا يبالي إلا بمن يطمع فيه كأنه جالس في (مكتب أحد المخدمين) ..وقد ~~تساوي في الدناءة والكلف بالدنيا وقذارة الطباع ظاهره وباطنه كأن ضميره ~~لبسه مقلوبا ... وصار أمر رضاه وغضبه وإحساسه وحيائه موقوفا على ما يكون من ~~أمر المعاملات، كأن أخلاقه ليست في نفسه ولكنها في أيدي الناس، فليس مثل ~~الغني الدنيء رجلا عاقلا؟ # PageV01P013 # بلى، وإنه لأعقل من كل من يمدحه ويزكيه ولو كان هذا المثنى عليه أكبر ~~علماء الاقتصاد، ولكنه على ذلك مجنون الضمير بحيث لا يعقل إلا بحواسه! ولو ~~أنصفت القوانين لما لبست مثل هذه الحرية الإنسانية على رذيلتها، ولجعلت من ~~نصوفها القاطعة ما يكفح مثل هذا الغني ويتلقاه بلجامه، لأنه في الحقيقة ليس ~~رجلا ولكنه دابة اجتماعية! قال "الشيخ علي": ومن بديع حكمة الله أنه وضع ~~للإنسانية أصلا من أصول نظامها في ضمير الإنسان فترك له أن يقترف ما شاء من ~~الإثم والمنكر ولكنه جعله من الإحساس بطبيعة الخير والشر بحيث يكون له من ~~الذنب نفسه العقاب على الذنب، حتى إن شر المجرمين ليستعين على مقارفة جرمه ~~بإقناع الضمير بديا وأخذه بالحجة من هواه، فيخطر في نفسه ما ينزو بها، ~~كالشجاعة والنخوة، أو ما يتوهج بروح الغضب في دمه، كالانتقام ونحوه، وما ~~يطمئن له الضمير في معنى الجناية، كمدافعة الضرر وما إليه! وبالجملة فإن ~~أول ظلمه عدلا أو شبيها بالعدل، حتى لا يلتوي عليه أمر نفسه إذا خذله ~~ضميره، فإن اضطراب هذا الضمير ms027 يتصل اتصال الكهرباء بأيدي المجرمين فإذا هو ~~فيها شلل، وبأرجلهم فإذا هو زلل، وبنظامهم العصبي فإذا هو خلل، وبعقولهم ~~فإذا هو المس والخبل، وإذا لم يفلح الجاني في إقناع ضميره أو التلبيس عليه ~~تخلص منه ففصل بينه وبين العقل بالسكر وما هو حكمه حتى لا يشهد من أمره ~~شيئا. # أفلا تجد في تخدير أكثر المجرمين لضمائرهم ساعة الجناية دليلا على أن ~~الضمير الذي يشهد الذنب إنما يتلقى العقاب عليه؟ ولماذا تدفع الجريمة على ~~الجريمة غالبا؟ أليس ذلك لأنها إنما تقتضي عقابها الطبيعي؟ ثم ماذا يكون ~~بعد أن يضرب الشقي تلك الحاسة الروحية التي نسميها الضمير ويرميها بالشلل- ~~إنه ينحط درجة واحدة، ولكنها درجة الضمير التي لو جازها الحيوان لصار ~~إنسانا، ولو نزل عنها الإنسان لعاد حيوانا، فلا يبقى فيه من ثم إلا الفطرة ~~الحيوانية التي تجعل عقل الحيوان مرة في القوة ومرة في الضعف، فإن أحس ~~القوة على خصمه كان العقل في الظلم بكل ضروبه وأشكاله، وأبى هذا العقل ~~الحيواني أن يترخص في شيء هو من حقه بالقوة، وإن أحس من نفسه العجز والضعف ~~ورأى أن لا قبل له بخصمه فكفى باتقاء الظلم عقلا ... # يا بني! إن أفقر الفقراء ليس هو الذي لا يجد غذاء بطنه، ولكنه الذي لا ~~يستطيع أن يجد غذاء شعوره، فلا تحسبن أن مع جنون الضمير وجفوته ومرضه سعادة ~~وراحة، لأن لذة المال لا تتجاوز الحواس الظاهرة فهو يبتاع لها كل شيء مما ~~تشتهي ولكنه لا يستطيع أن ينيل القلب شيئا إلا إذا جاءه بالخير والفضيلة. # والغني الذي يمنع الفقراء ماله قد يزيد فيه ولو حكما بمقدار ما يمنع.. ~~بضعة دراهم، أو بضعة دنانير، ولكنه يزيد ضميره جفاء بالقسوة والغلظة ونسيان ~~الفضيلة، ولا يزال على ذلك حتى يمر به يوم يفقد فيه ضميره كل شعور بالخير ~~فيفقد معه كل شعور بلذة النفس التي أقرب المعاني إلى مغنى السعادة ... # ... ويومئذ لو اشترى كل لذات الدنيا بماله ما زادته إلا ألما من الضجر ~~وضجرا من الألم، لأنه فقد قوة ms028 من ضميره تقابل القوة التي يفقدها المريض من ~~معدته. # فلينظر الفقير الجائع وقد أخذه كلب الجوع وسطع في عينه وهجه ودارت به ~~معدته ذات اليمين وذات الشمال- إلى رجل غني ممعود في كفه معنى الحياة وفي ~~جوفه معنى الموت، وقد ابتاع مما تشتهيه معدة خياله التي لا تشبع لأنها لا ~~تنال شيئا، وأسرف بالمال في حتى استجمع الكثير الطيب، ثم انقلب إلى داره ~~بعين من ذلك الذئب تكاد أشعتها تنضج الغذاء من حر نظراتها إليه. # ... سلوا صاحبنا الفقير يقل لكم أي لذة يا قوم تكون في غير هذا الطعام ~~يقتل به داء البطن وتنفتق عليه الخواصر شبعا وسمنة. وهل هذه إلا روح مائدة ~~من موائد الجنة، فيها ما تشتهي الأنفس وتقر الأعين؟ ثم سلوا الممعود ~~المسكين يقل لكم وهو صادق صدقا يتمنى بما ملكت يداه من الدنيا لو أنه كذب، ~~يقل لكم: تالله ما أجد في هذا كله ولا في بضعه من لذة ولا سعادة، ولو أبحته ~~جوفي لكان الموت بعينه! # PageV01P014 # إذن فلا بد في كل شيء إنساني من حقيقة باطنة في نفس الإنسان تعطيه بصحتها ~~أو مرضها قوة اللذة أو الألم، وبهذا يقضي العدل الإلهي كل ذي حق بالنصفة ~~والسوية، لا فرق بين الغني في غناه وبين الفقير في فقره، فلكل منهما لذة ~~وألم، ولعلنا لو سألنا أغنى الناس عما هي لذة الغني لرأيناه في حقيقة ~~التعاسة النفسية كأفقر الناس إذا أجابنا عما هو ألم الفقر. # وقد فطر أكثر الخلق- لطبيعة الخوف المتمكنة منهم- على أن يتسعوا في فه ~~الآفات وحدها، حتى صار الوهم الخيالي أكبر الآفات الحقيقية، فالفقير الذي ~~لا يفهم حقيقة الفقر يتألم بإدراك ووهم وفلسفة، إذ يقيس حاضره على ماضيه ~~وعلى ماضي غيره من الفقراء، ويقيس مستقبله على حاضر الأغنياء ومن في حكمهم ~~فقط، وبهذا ألمه عملا عقليا في شيء موهوم، فما دام يتمنى أكثر مما يستحق ~~فهو يتألم بأكثر مما يستحق، ولو تأمل الناس لرأوا أن نصف الفقر فقر كاذب، ~~فآه لو كان مع ضعف الفقر قوة الإرادة! ms029 إذن لوجد الحكماء في الأرض شيئا ~~حقيقيا يسمونه الغنى. # أيها الناس، إن الفصل بين الغنى والفقر من الأمور التي تتعلق بالضمير ~~وحده، ورب غني يزيد أهله بالحرص والدناءة فقرا فانظروا فيها، فأفكار إلهية ~~لا تطلب إلا الفضيلة التي يمكن أن تكون بلا ثمن، ولا يمكن أن يكون شيء ثمنا ~~لها. انظروا إلى بعض الأغنياء الذين تموت في قلوبهم كل موعظة إنسانية أو ~~إلهية فلا تثمر شيئا حتى إذا ماتوا نبتت كلها من تراب قبورهم فأثمرت لنفوس ~~المساكين والفقراء عزاء وسلوة وموعظة من زوال الدنيا، انظروا بعين الحقيقة ~~التي تعطي هذه الطبيعة النظر فتعطيها محاسن الطبيعة الفكر. # انظروا في باطن الإنسان بالفضيلة التي هي من نور الله، وبالحقيقة التي هب ~~من نور الطبيعة، فإنكم لا ترون حقيقة الغنى تبتعد عن حقيقة الفقر إلا ~~بمقدار شبر واحد، وهو ملء هذه المعدة! ### | مسكينة! مسكينة! # قال "الشيخ علي": واسمع الآن يا بني ما أقص عليك، فإني محدثك بخبر ليتني ~~ما علمته، بل ليتني إذ علمته ما وعيته، وليتني إذ وعيته ما أثبته ولا نفذت ~~فيه كما نفذ في. # ولكن الحياة كما تقضي علينا أن نسهد أموات الأحياء ونحملهم إلى أبواب ~~الآخرة من تلك الحفر، تقضي علينا أن نشهد أحياء الأموات من أهل الرذائل ~~ونحمل من أخبار ضمائرهم الميتة إلى أبواب السماء في أنفسنا!. # فواها لك أيتها الحياة الدنيا! تقتلين بالشر وتجرحين بأخباره ولا تؤتين ~~عسل الحكمة إلا بعد لسع كثير.. # وقد علمنا أن كل شيء يسير فإنما هو يذهب في طريق يتهدى أو يتعسف. وكأن ~~الأسف على أهل الشر لم يجد له طريقا في هذه الحياة إلا من ضمائر لا أهل ~~الخير، وبهذا يضرب الشر أهله وغير أهله. # كانت لنا يا بني في هذه القرية النضرة فتاة بائسة ضاق بها العريض من هذا ~~البر فخرجت إلى بعض المدن تستطعم الحياة، فحدثتني أنه استضافت حتى كأنما ~~كانت تنفذ إلى رزقها من شق في صخرة فسدت عليها، فلا وراء ولا أمام وأعجزها ~~حتى المعاش الملفق. # وخرجت ms030 يوما على الناس وكأنها لقذارتها قطعة ممن الحياة البالية مدرجة في ~~بعض الأطمار، أو روح من الهواء تمشي ساكنة في أردية من الغبار، وما تحصي ~~العين تلك البقع المنتشرة في ثيابها، كأنها أرقام للفقر يعد بها ليالي ~~عذابها، وهي علم الله بقع، أشأم منها أنها في رقع، وقد اغبر شعرها الفاحم ~~وتلبد، فكأنها بعض ما وقع على رأسها من حظها الأسود، ولاح من تحته كالدينار ~~الزائف في صفرته ورده، وكالقمر الممحوق في استطالته تحت الظلام ومده..وهي ~~فتاة عليلة قد أخذ السقام من حجمها كما أطفأت الأقدار من نجمها، وخفي من ~~لمرض في صدرها، أكثر مما خفي بين الناس من قدرها. وما تعرف من أسماء ~~الأموات والأحياء غير أسماء أهلها، ولا تملك من الأرض أكثر من غبار نعلها، ~~وقد خرجت تتحامل فكلما خافتت في مشيها قليلا خافت العثار، فاستندت إلى ~~جدار، فإذا رأيت صورة البؤس ولكن في غير إطار. # وإنها تمشي وكأن ليس فيها دم ينتهي إلى قدميها فهي تجرهما جرا وتقتلعهما ~~بين الخطوة والخطوة، وما تدري من الألم أهما على الأرض أم في الأرض تسوخان؟ ~~وقد تزايلت أعضاؤها فما تحس أن فيه حياة متماسكة، وهي ما فتئت تحسب أن ~~جسمها قد خلق نعشا لقلبها فلا هذا القلب يحيا كما تحيا القلوب ولا ذلك ~~الجسم ينمو كما تنمو الأجسام!. # PageV01P015 # في رأسها عقل زاد الله ورحمته في جهة منه ونقص عنف الناس وقسوتهم من جهة ~~أخرى، فبينا هي على ذلك تحمد الله، 'ذا هي مع ذلك تلعن الناس، وهي في مرة ~~تنظر على الحياة فترى كل شيء في الحياة إلا نفسها، ومرة تنظر إلى الموت فلا ~~ترى في الموت شيئا إلا نفسها، ولم يمسك روحها بين الاثنين إلا خيطان: ~~أحدهما من السماء وهو الأمل في رحمة الله والآخر من الأرض وهو إشفاقها على ~~جثتها التي كانت تكدح منذ الصغر لقوتها، تلك الجدة الفانية التي كبرت وبلغت ~~من الكبر حتى حسبتها الفتاة قد كبرت سن الموت. # أما الآن فقد تبين لها الخيط الأبيض ms031 من الخيط الأسود، وانصدعت حفرة جدته ~~المسكينة ولم يبق لها إلا رحمة الله. # قال "الشيخ علي": وكان خروج هذه البائسة أصيل يوم من أيام الصيف ذهبت فيه ~~طاوية على الجوع كما تغدو الطيور من وكناتها وملء بطونه هواء، غير أن ~~الطيور تهزأ بالناس جميعا، وهي على ضعفه أقوى من الشرائع والقوانين، إذ ~~تنبعث وكأن كل طائر منه إرادة متجسمة تقذف بها السماء فما تبالي على أي أرض ~~تقع ومن أي حب تلتقط، ولا تعرف إلا أنن هذا الإنسان يعمل على السخرة ليخرج ~~لها من الأرض رزقها رغدا ### | ...... # ... أما الفتاة فكل الناس يهزأ بها، وهي ترى كل إنسان على ملكه كأنه ~~قانون وضع لعقابها إذا حدثتها النفس حديثا، فقد بلغت من الضعف والمرض ~~والفاقة إلى حال لا تجعل يديها تصلحان لعمل غير الأخذ، فإن اختلست قيل ~~سارقة فعوقبت، وإن سألت قيل لها متشردة فكذاك! ويا ليت في قلب هذا الإنسان ~~من معاني الصفح بعض ما في لسانه من ألفاظ القصاص، ولكنه حيوان متكلم فتنصرف ~~فطرته الحيوانية أكثر ما تنصرف إلى لسانه، كما تتمثل هذه الفطرة من سائر ~~الحيوانات في حواسها التي تبطش بها، وكلا النوعين سواء في الافتراس والكلب ~~والتوحش، فما اللسان إلا حاسة البطش العاقلة ... وقلما يؤذي الإنسان قبل أن ~~يؤذي بهذا اللسان. # ولم تر المسكينة أروح لنفسها المكدودة من الانتحار، وكأنما يخال لها أن ~~في الموت عيشا، فخرجت تمشي بين الناس إلى قبرها كأنها فيهم جنازة وهم ~~يشيعونها، ولئن كانت لم تسر بالحياة فلقد سرها أن ترى تشييع جنازتها وهي ~~حية تموت، ولا أقول وهي حية ترزق، فإن العلة النازلة بها قد أخذت عليها ~~مذاهب الرزق حتى لم تترك لها في الناس "وجهها"، وقبضت عنها الأيدي إلا تلك ~~اليد الواحدة التي تأخذ دائما ولا تعطي أبدا ### | .... # وهي يد الموت! وإنها لتنفتل وتلتوي على أحشائها من رجفة الجوع، وما تأخذ ~~عينيها من الناس إلا من يحمل بطنه حملا من شبع وري، فكان نظرها إلى الناس ~~أمض عليها من الفكر في ms032 نفسها، وكأنها تقتل من جهتين. # وكذلك أخذت سمتها إلى طريق النهر، وأمضت نيتها على الموت غرقا، لتموت ~~نظيف، وتكون لنفسها غاسلة، وترسل روحها المتألمة إلى السماء في دموع ~~السماء! ومشت تتساقط كأن الجوع والمرض يهدمان منها في كل عثرة ركنا، أو ~~كأنه كتب على كل بائس أن يموت في طريقه إلى الموت، وهي تنتهض من كل عثرة ~~إلى أشد منها كما تتخطى العنكبوت في نسجها من خيط واهن يكاد ينقطع إلى خيط ~~أوهن منه، وقد اجتمعت روحها في عينيها فهي تسيل على نظراتها الشاردة، وكلما ~~امتد بها المسير قصرت مسافة النظر حتى توهمت أن الموت بادئ من عينيها، ~~وأنها كذل إذ لمحها طفل قروي قد انقلب من المدينة إلى الضاحية التي غادر ~~فيها أمه العمياء، وكان يعتمل طوال يومه في بعض المصانع أو هو يحمل طعامها ~~الذي لم ينله إلا ببيع نفسه يوما كاملا، على أن المسكين لا يحس من الذل أنه ~~اشترى نفسه بمقدار ما يحس من العزة أنه ابتاع إداما ورغيفين وقطعة من ~~الحلوى. # قال الشيخ علي: وبصر هذا الطفل بالفتاة، وأدرك أن روحها تخطو في أنفاسها، ~~وأن الجوع لا غيره وهو من أبنائه، طالما شد عليه حتى انطوى، ولان لغمزاته ~~حتى التوى، وما يعرف أنه ابن أبيه وأمه، وأكثر مما يعرف أنه ابن فقره وهمه، ~~فابتدر إلى المسكينة، وكانت حركة الحياة فيها أسرع من حركة أضراسها في ~~طعامه، ثم ذهب لا يعرف ما صنع..لأنه طفل؟ أو لأنه فقير؟ لا أدري! غير أني ~~أعرف أنه لا يسلم من لؤم النفس في صنعة المعروف وتطويل المن به وتعريض ~~الحديث فيه إلا للأطفال وإلا للفقراء، أولئك لأنهم لا يستكثرون الخير، ~~وهؤلاء لأن الخير منهم غير كثير. # PageV01P016 # وانطلق الطفل وهو يلوي رأسه ويفكر في أي خديه تقع عليه اللطمة الأولى من ~~أمه، لأنها لا محال متوعرة به، ستحسبه أقترف إثما فطرد من عمله، وانقطعت به ~~طريق أمله وإلى أن يأتي الله بالصبا الذي ينير برهانه، ويثبت لها إحسانه، ~~يكون هذا الليل، ms033 قد صب عليه الويل، وهكذا جعل يشهد الله على ما سيلقاه في ~~سبيل الخير، بدلا من أن يشهد الناس على ما لقي غيره منه في هذا السبيل من ~~إحسانه وإيثاره، لأنه طفل؟ أو لأنه فقير؟ لا أدري! ولما أمسكت عليها النفس ~~وراجعت الحياة بدا لها فيما اعتزمته من الانتحار، فترددت وجعلت تساورها ~~الظنون، وخلق لها من معدتها عقل جديد يبصرها فرق ما بين الجوع والشبع، ~~وكذلك تعرض لبعض الناس حالت من الحرص يعقلون فيها ببطونهم، حتى إن أحدهم لو ~~تحسس رأسه وهو يفكر لحسبه بطنا صغيرا من العظم ... فأنشأت الفتاة تستقيم ~~على طريقها وهي تؤامر نفسها على الحياة والموت، وقد بدأت تهضم في معدتها ~~الطعام والعزيمة جميعا، ومات الذي كان بينها وبين الموت! وبينا هي تسير ~~نظرت في عرض الطريق سيدة لو لبس معنى الغنى لفظا ما لبس غير اسمها، ولو كان ~~للكبرياء رسم ما رأيته غير رسمها، وقد أورثها الغنى ذلك الغرور بنفسها، حتى ~~توهمت أنها في الأرض أخت شمسها، وبلغت في النعمة من الحق والبطر، بحيث جعلت ~~نفسها كالسماء متى تعبس وجهها استهلت لعناتها كالمطر، وهي من أولئك اللواتي ~~يخرج الغنى معهن في الطريق لا حارسا ولا منعما ولكن للكيد والفتنة، فتنة ~~المساكين وكيد الحاسدين، فخرجت في زينتها وكأنها حانوت جوهري ... وهي نصف ~~من النساء ولكنها تتصابى، فكأن في وسامتها وابتسامتها شباب عشر فتيات ~~جميلات!..وقد ذهبت في أوضاع جسمها مذاهب هندسية بين المستدير والمستقيم ~~والمنحني ... حتى ظهرت كأن نصفها من الله ونصفها من الخياطة ... وإذا رأيت ~~جملتها رأيت روضة الجمال بألوانها وأزهارها، ولكن مصورة، فإذا انتهيت إلى ~~وجهها رأيت للحسن هناك شهادة على الله ولكن ... مزورة ### | .... # ، وعلى الجملة فقد جعلها حسنها المالي في رأي نفسها كالشرائع: لا جدال ~~فيها إلا من زنديق ... # ورأتها الفتاة كما تنظر المرأة إلى المرأة بعين جامدة ليس فيها لغة ولا ~~فلسفة ولا شعر، فقالت: يا لها من سعادة أن تكون هذه العجوز لا تتقدم في ~~عمرها إلى الأمام ولكنها ترجع إلى الوراء، وأن ms034 تظهر بين الناس حسناء وإن ~~كانت من القبح بحيث ذهب نصف نهارها في التحسن، وأن لا تجد من هموم الدنيا ~~أكثر من هم الألفاظ إن قال الناس غير حسناء أو قالوا غيرها أحسن منها! ويا ~~له من شقاء أن تكون هي كما هي وأكون أنا كما أنا! ثم رمت بعينها إلى السماء ~~وانحرفت تواجه تلك السيدة، فما تبينها هذه وألمت بما في نفسها حتى انقبضت ~~كأنما أثارت الأرض في وجهها دابة جامحة، وجعلت تتحاماها وتلوذ ههنا وههنا ~~وتحتث قدميها كأنها لقاء خطر شديد، غير أن الفتاة ملئت عليها الطريق ~~بحركاتها فكانت وجهها كيف أمت وانحرفت يمنة ويسرة وكأنما تطاردها مطاردة!. # فلما عيت السيدة بأمرها وغاظ الفقر نعمتها وهاج فضول الفتاة حنقها ~~وكبرياءها، وقفت لها وقفة القضاء عابسة الوجه شامخة الأنف يكاد يستنفض ~~الناس طرفها وتكاد تميز من الغيظ، وتدل هيئة وجهها على أن وراء شفتيها ~~المرتجفتين كلمات أحد من أنياب الوحش! فلم تبال الفتاة وبقيت رئتاها ~~واسعتين للهواء وبقيت رئتاها واسعتين للهواء ذ ليس بعد الفقر خوف، ولفت ~~إليها باسطة اليد وهي تكاد تزلقها ببصرها، حتى إذا وقفت بإزائها خفضت رأسها ~~وقالت: - سيدتي! أدام الله نعمته عليك وهناك هذه النعمة بدوامه! - هي ~~دائمة، وما أنت والنعمة؟ - سيدتي! وقال الله ما أنا فيه من بأساة الحياة ~~ولا كتب عليك أن تعرفي ما هي! - فلماذا أنت وأمثالك في الحياة إذا أيتها ~~الحمقاء؟ وهل يكتب تاريخ البؤس إلا في صفحة من مثل هذا الوجه؟ - سيدتي! ألا ~~مهلا مهلا وانظري إلي ينظر الله إليك! - قد نظر الله إليك من قبلي! - ~~سيدتي! هبيني خادما أحسنت إليها! - فلتكوني خادمة طردتها إن بلغت أن تكوني ~~خادما مثلنا! - يا ويلنا! ألا رحمة في قلبك فتجودي علي بما لا بأس عليك ~~منه؟ - ولماذا أفضلك على سائر الفقراء؟ ينبغي لأن أجود عليهم جميعا إذا أنا ~~جدت عليك، ولو فعلت لطلبت بعد ذلك من يجود علي! # PageV01P017 # - سيدتي! ألا فاجعليني من نصيبك في الإحسان وغيري من الفقراء له غيرك من ~~الأغنياء، على ms035 الموسع قدره وعلى المقتر قدره! - إذا فكوني أنت من نصيب غيري ~~ودعي غيرك لي! - سيدتي! ليس فقري عن خطأ مني وليس غناك عن صواب منك، وما ~~الرزق يا سيدتي من فضل الحيلة! - وهل أنا أريد أن أعاقبك فتنتفي من ~~الأخطاء؟ - رحماك وأتقي الله في الإنسانية، فلعل في قصرك الباذخ كلبة ~~جعلتها أحسن حالا مني! - حينما تصيرين مثلها فتعالي إلينا ويومئذ تعرفين ~~كيف تطرد الكلاب!. # قال "الشيخ علي": فكبر ذلك على الفتاة وانتبهت في نفسها فضيلة الفقر ~~وحكمته، فرأت أنها تنظر من ضمير تلك السيدة في مرآة مقلوبة من مرائي ~~الإنسانية، مهما جهدت أن تستقيم لها لم تزدها إلا مسخا، هنالك غلبتها ~~عيناها وانطلقت وراء دموعها ولم تجد لها عزما. # أما السيدة الكريمة- كما يقال - فابتلعت ما بقي في فمها من تلك الفلسفة، ~~وافتر ثغرها قليلا عن ابتسامة السخرية، وسرها أن يكون في لسانها كل هذا ~~المنطق ... ثم أنغضت رأسها بكبرياء وقالت: "مسكينة! مسكينة! " ومرت بعد ذلك ~~لا تلوي وما يخطر لها إلا أنها نفضت نعلها ... # وسمع الله قولها إذ تجادل الفتاة وقد ربت في ثيابها من الغيظ وتنفشت ~~كالإسفنج، فأطلق عليها دموع البائسة، وإن هذه لتأنس راحة في البكاء لم ~~تعهدها من قبل، فانزوت إلى جانب من طريق وجعلت تبكي، ثم تبكي، ثم تبكي، حتى ~~لو جمعت دموعها لغمرت منها، وقد جمعها الله وأرصدها من أقداره لتلك ~~الإسفنجة وقضى ربك ألا تعصر بعد اليوم إلا دموعا. # كانت للسيدة فتاة كطلعة البدر في الرابعة عشرة، لا تصفها إلا مرآتها، وهي ~~الدنيا مجموعة في قصرها، وكأنها في النعمة مستقبل نفسها وماضي أمها، وكانت ~~هذه السيدة عقيما ولكن شذت معها الطبيعة لأمر أراده الله فولدت لها الفتاة ~~وكأنما انشق لها القمر، ولم تذكرها في نفسها إذ كانت تحول تلك المسكينة بل ~~ذكرت خادمتها وأنفت لهذه الذكرى. ومن شؤم الغنى على أهله أن لا يذكرهم في ~~الشر إلا بأنفسهم، ولا ينسيهم في الخير إلا أنفسهم، فلا يعلمون أن الفقر ~~أنواع كثيرة، وأن الغنى نفسه نوع ms036 من الفقر إلى الله، وبذلك ينظرون إلى ~~المساكين تلك النظرة التي لا تخلو من بعض معاني القضاء والقدر. كأن ~~الألوهية درجات جعلهم الغنى في واحدة منها، فما ظنكم أيها الأغنياء برب ~~العالمين؟ وانكفأت السيدة إلى قصرها فإذا فتلتها تنتفض من وعكة الحمى، وهي ~~في سريرها كقلب أمها في اضطرابه والتهابه، وما تعلم من أين اتصلت بها الحمى ~~ولكن الله يعلم، ولئن كان البعوض مما يعد في أسباب هذا المرض فلقد كان ~~كلامها للفتاة ينفر منها كما ينفر البعوض من مستنقع ... فخرجت المرأة عن ~~رشدها وضاقت عليها الأرض بما رحبت، ولقد تكون المصيبة جنونا وإن لم يكن من ~~أسمائها الجنون! على أنها لم تر ملجأ من الله إلا إليه فابتدرت تدعوه! وضرب ~~الذهول بينها وبين اللغة ومسحت من وعيها فلا تردد غير هذه الكلمات. يا رب! ~~يا رب! ابنتي ماذا جنت؟ "مسكينة! مسكينة! "، "مسكينة! مسكينة! ". # وجاء الطبيب كأنما أطلق في قنبلة مدفع ضخم ... فأسرعت إليه وهي تقول: ~~ابنتي ابنتي أيها الطبيب "مسكينة! مسكينة! " ثم مرت أيام وبنتها مريضة وهي ~~مريضة ببنتها، فكانت كلما نظرت إليها ملتهبة ذاوية تتخايل الموت فيها لم ~~يجر الله على لسانها غير هذه الكلمات: آه يا ابنتي! "مسكينة! مسكينة!. # قال "الشيخ علي": وضرب الدهر من ضرباته وخرجت الفتاة البائسة ذات يوم ~~وكانت قد أصابت عملا فتردم جانب من حالها، وبينا هي تمشي مطمئنة رفع لها ~~شبح أسود في عرض الطريق، فجعلت تدانيه حتى حاذته، فإذا هي بسيدة الأمس وقد ~~حال لومها، واستحال كونها، وعادت من الهم كأنها ظل منصب في سواد، وظهرت من ~~الحزن كأنها تمثال منصوب للحداد، وهي تلوح من الذلة والانكسار كأنما مات ~~بعضها، وكأنما كانت حياتها من الأزهار فذهب ربيعها وروضها، وبقي جذرها ~~وأرضها! فما تبينتها الفتاة ورأت ما نزل بها حتى نفرت دموعها حزنا، ثم رفعت ~~عينيها إلى السماء وقالت: يا رباه! "مسكينة! مسكينة! " ... # كذا يضع الإنسان الكلمة لمعاني الله فيكذبه بمعانيها، ويا رب كلمة ملفوظة ~~وفيها الله كلمة غير ملفوظة!. # PageV01P018 # "اللهم مالك ms037 الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من ~~تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير". ### | لؤم المال ووهم التعاسة # قال "الشيخ علي": وأنت يا بني ما إن تزال تصف الدنيا بلون لا أرى كيف ~~أسميه، فلا هو من وجوه أهل الحسد فأقول أصفر، ولا من قلوب أهل البغض فأقول ~~أسود، ولا من صدور أهل الدم فأقول أحمر، ولا من شيء أعرفه لأنه ليس شيئا ~~يسمى، وعلم الله أن يهوى في جهنم سبعين خريفا وعيناه تدوران في رأسه، لا ~~يبصر من حيث ابتدأ إلى حيث ينتهي شرا من وجه دنياك! إنك يا بني تصور الأرض ~~لا أرضا ولا ماء بل قلوبا ودموعا، وتعرفها لا دولا ولا أمما بل آلاما ~~وحوادث، فكأن هذه الأرض العظيمة تحتاج إلى وقدتين من قلبك ومن الشمس، وإلى ~~نعجتين من خيالك ومن الفضاء قدرين من حزنك ومن الأبد، ومن ثم فلا عجب يا ~~بني إن كان مركز الثقل فيها على وهمين: على محورها وعلى ظهرك ... # هيهات لقد أسرفت على نفسك الضعيفة وجعلت هذه الحصاة الهينة تحت مطرقة ~~الزمن فما تزال رخوا منبعثا مسترسلا في اندفاق ولين، كأنك رجل من العجين، ~~وكم تقول لي: (فلان) وجاهه عريض. ودهره المريض ... # ... وانظر إلى (فلان) كيف جعله الكبر يذكر منا وينسى، وكيف أصبح من الغنى ~~وأمسى.. # ... (وفلان) كيف تمر من فرج أصابعه سفن الآمال في تيار المال، كأن يده ~~قنطرة على نهر الأقدار، أو جسر تعبره حظوظ السماء إلى أهل هذه الدار ... # ... (فلان) قبحه الله! كيف صار شيطانه في إنسانه، وطول عمره في لسانه، ~~وكثرة ماله في قلة إحسانه ... # ... (وفلان) أخزاه الله فما بر ولا نفع، بل تفرق بالحرص ما جمع وطمع في ~~كل شيء حتى في الطمع ... # ... (فلان) الذي جمع وعدد وخلقه الله واحدا وهو في الرذائل يتعدد وقد ~~انتفخ كأنه شدق إسرافيل، وامتد كأنه يد عزرائيل، واستكبر كأنه فرعون على ~~النيل ... # ... (وفلان) وما أدراك ما فلان؟ جبل شامخ والناس في سفحه رمال، ms038 ومجد باذخ ~~ولا مجد لمن ليس له مال، وهو في أهل الغنى الألف والباء، وإن قيل في غيره ~~(ابن نعمة) فهو في أهل النعمة أبو الآباء، على رأس عظيم كأنه ركن الكعبة ~~الذي يتوجه عباد الغنى إليه، وقائمة بائنة كأنها لجاه صاحبها قطعة من ~~المحور الذي تدور هذه الأرض عليه، وهناك أنف أما في السماء فله منزلة، وأما ~~في الأرض فعطسته زلزلة ينفض الناس من رهبته نفضا، ويرش الوجوه من هيبته ~~أرضا، وكأنه في تلك الكبرياء ميزان معلق يرفع من ناحية ويخفض من ناحية، بل ~~كأنه في ذلك الوجه القفر جحر للنحس تختبئ فيه الداهية! قال "الشيخ علي": ~~وما أنت يا بني وهذه (الفلانات) وأمثالها؟ إن هؤلاء الناس بعض أعمال الله ~~في أرضه، فهو يخلقهم وينشئهم ويديرهم بتعلق طائفة من الأقدار بنتائج أعماله ~~طردا وعكسا فما أشبههم بدابة الطاحون: تلزم دائرتها ولا تفتأ تدور إلى غير ~~انحراف، فثم هي لعلها حين تسمع ذلك الهزيز وتلك الجعجعة تحسبها من نشيد ~~الاحتفال بها ... # فهم قوم مسخرون فرشهم الله أمرا من أمره، ويسرهم لما خلقوا له، فضربهم ~~بالحرص والطمع ضربة جبار لو نالت السموات والأرض والجبال لأشفقن منها، ~~وجاءهم الحرص بهذا المال، أما الطمع فجاءهم بماذا؟ جاءهم يا بني؟ لو قلت ~~بصدإ القلب وهرم النفس ودناءة الطبع، ولو قلت بكل ما في الحشرات من القذر، ~~وبكل ما في السباع من الضراوة، وبكل ما في الدبابات من السموم لكنت عسى أن ~~أقارب الوصف، ولكن المعنى الذي يتلجلج في نفسي أكبر من ذلك كله. # غير أني أقول لك يا هذا: إن ثلاثة من المتجاورات يفسر بعضها بعضا: الحرص ~~مع الطمع، ثم المال ورذائله، ثم ما في المعدة وما في الأمعاء ... أتحسب أن ~~هذا العالم يحفل برجل من الأغنياء قد أجحف به الدهر وطحنته النوائب ~~بأرجائها، وجاءه بعد الدنيا المؤنثة يومه المذكر، وتركته الأقدار أسود الحظ ~~لا بيضاء ولا صفراء؟ فلم لا يعدون الغنى شيئا دون المال ويحسبونه كل شيء مع ~~المال؟ لعل الحقيقة أيضا ذات ms039 وجهين في الناس ... ! # PageV01P019 # هو المال، المال وحده لا غير، فنحن نحتاج إلى الغني صاحب المال كم نحتاج ~~إلى بائع الملح ... وما أشبهنا في إطرائه وفي الزلفي إليه بأطفال القرية إذ ~~يتزلفون إلى بائع الحلواء التي تلف بالعصا، وإذ هو واقف بينهم بعصاه ~~وحلوائه كأنه الهبل الأعلى، هو- من تعلم- دسم الثوب ترب اليد، قذر التفصيل ~~والجملة، يصلح أن يكتب على وجهه "متحف الميكروبات المصري"، ولو رآه طبيب ~~لجعل عصا الحلواء على رأسه تفاريق، ولكن أين لا أين الطبيب في هذا ~~الاجتماع؟ كل أطباء الاجتماع ألسنة وأقلام ومحابر، أما اليد التي تزيل ~~المنكر أو تغيره فلا أراها تمتد إلا من جانب الأفق ولا تعمل إلا بعون من ~~الله وملائكته، وقد انقضى عصر الأنبياء. # قال "الشيخ علي": فإن لم يكن الغنى إنسانه من الناس يواسيهم ويسعدهم ~~ويتخذ من المال سبيلا إلى أفئدتهم بالإحسان والمساعفة، ويأخذ لنفسه بقدر ما ~~لها ويعطي من نفسه بقدر ما عليها، وإن لم يكن وجهه مرآة الفقراء يبصرون ~~فيها ابتسام الدهر على وجوههم العابسة، ولم يكن ذهبه عند دموع البائسين ~~وعند أنفاس المحزونين، ولم يكن اسمه في دعوات المحتاجين وفي ألسنة ~~الشاكرين- فقد أصبح عندي كأنه لا شخص له، بل هو شخص له لعنة من لعنات الله ~~والملائكة والناس نفخت فيها الروح، وهي اللعنة أي منقلب تنقلب. # ما أشبه المال أن يكون آلة من آلات القتل، فإنه يميت أكثر أصحابه موتا ~~شرا من الموت- إلا من عصم الله- موتا يجعل أسماءهم كأنها قائمة على ألواح ~~من العظام النخرة، ويرسلها كل يوم إلى السماء في لعنات لا عداد لها، ثم ~~يثبتها في التاريخ آخرا لا بأعيانها ولكن بعددها، أو كما تثبت الحكومة في ~~كل سنة عدد البهائم التي نفقت بالطاعون ... فهذا الشخص الميت وهو بعد في ~~الأحياء لا يبلغ في قدر نفسه على الحقيقة أكثر من مقدار حجمه من ... من ### | .... # من جيفة حمار! ... # يا بني! ربما كان الرجل نبات نعمة الله لأنه سيكون حصاد نقمته، فهذه، ~~منزلة من البؤس والخذلان يستعاذ بالله منها، وكم ms040 رأينا من أناس تخصب ~~أبدانهم حتى ليضيق بهم الجلد كدنة وسمنا، ويكاد أحدهم ينشق مرحا ونشاطا، ثم ~~لا يكون هذا الخصب الذي استمتعوا به شطرا الآخر (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ~~ويلهم الأمل فسوف يعلمون) وإن خطأ كبيرا أن تقضي لفلان من (فلاناتك) بمتاع ~~الدنيا، فإنك لا تدري أشر أريد به أم الخير، وكيف تحكم ويلك على غناه ~~بفقرك، وعلى آماله بيأسك، وعلى شخصه بظلك، وعلى نهاره بليلك، وعلى عمره كله ~~وهو بعد حي لم يوف عمره ولا تدري ما عسى أن يكونه فيما بقي؟ ألا دعه حتى ~~يستنفد أيامه المكتوبة ويستوفي أنفاسه المقدرة، فلعل مصيبته قادمة في الغيب ~~وكأن غناه مقدماتها، وعلى قوة المقدمة تقاس قوة النتيجة، فإذا مات الغني ~~ولم يعرف في جملة عمره هما ولا غما يعدل بؤس الفقر مهما اشتد الفقر، فكفى ~~حينئذ بالموت في جملة من تلك الجملة! وإنما الحياة مدة ستنقضي، فسواء انقطع ~~الخيط من أوله أو من وسطه أو من آخره، فقد انقطع! تقول: إن لهم متاع ~~الحياة! ولو أنصفت لقلت: إن لهم بؤسها الممتع! فإنهم يجمعون المال من طرق ~~لا نؤتيه إلا نكدا ثم يرسلونه في طرق أخرى ليجمعوه، وهلم كما تدور دابة ~~الطاحونة، وهب أنهم لا يألمون كما تألم فإن يد الله غمزتهم من مكان قريب ~~غمزة مؤلمة، وما أحسب الضجر من اللذات قد خلق إلا للأغنياء وحدهم، وناهيك ~~من بلاء يغمر النفس بالنعم صنوفا وألوانا حتى يتنكر لها معنى النعمة فتراها ~~وقد ثابر عليها الضجر متكرمة ولكن لا تريد الكراهية، ومتسخطة ولا ترغب في ~~السخط، ومتألمة ولا تعرف مم ألمها، ولا تبرح دائبة تلتمس نعمة لم يخلقها ~~الله، لتحدث منها لذة لم يعرفها الناس. # ولولا هذا البلاء، وأنه ما وصفت لك، لما أصبت على الأرض غنيا كهؤلاء ~~الوارثين: تضرب به كل لذة وجه أختها فتسلمه الواحدة إلى الأخرى ويجذبنه بكل ~~حروف الجر، من وإلى وفي وعلى، بين الخمر والقمار أو القبر! ولو أن (ضجر ~~اللذات) يصنع بكل الأغنياء هذا الصنع لفسد الكون، ms041 بيد أن الله أراد عمرانه ~~فجعل في طباع أكثر الأغنياء لؤما خاصا، لؤما ذهبيا يكسر من سورة هذا الضجر، ~~كما يفثأ الماء البارد من الماء الحار حين يمتزجان. # PageV01P020 # فالقوم إما كريم يضجر فيسرف، وإما لئيم يضجر فيمسك، وكلاهما يحد لذته ~~ويضجر من لذته، فهم كما هم ونحن كما نحن وكلنا سواء كما ترى، وكأن أم ~~المصيبة حين ولدت وضعت بنتين: المصيبة التي تؤلم، والنعمة التي لا تلذ! ... # وليس أشقى ممن منع السعادة وأعطي الرغبة فيها إلا الذي أعطي السعادة ومنع ~~اللذة منها!. # فلا تقل يا بني إن العصا لظهور الفقراء وحدهم، فإن هناك السوط أيضا، وهو ~~رتبة عالية فوق رتبة العصا، ولذلك خص بشرفها ... الأغنياء! وانظر، ويلك، هل ~~ترى الفرق بعيدا بين الضجر من شيء لأنه موجود، وبين الضجر من ذلك الشيء ~~لأنه غير موجود، بين عدم الشعور باللذة، وبين الشعور بعدم اللذة، بين ألم ~~الغني الذي لا تجده أبدا إلا على شك في أنه سعيد، وبين ألم الفقير الذي لا ~~تجده أبدا يشك في أنه تعس؟ قال "الشيخ علي": وتسألني عن التعاسة، وما هي؟ ~~وكيف هي؟ وتريدني على أن أبتغي لك مما بين ظاهرها وحقيقتها، ألا فاعلم يا ~~بني أن هذه الكلمة حقيقة بأن تنسي نفسها، وما أدعى أحد معرفتها إلا أنه لا ~~يجد أحدا يعرفها، وكل شيء مجهول فما أسهله أن يكون من عم كل جاه، وما أصعبه ~~أن يكون من جهل كل عالم، وإني لأرى الناس يأتون في وصفها بهذه السهولة ... # لقد ألف هذا الإنسان من عهد القبائل في الاجتماع الأول أن يطوي العالم ~~كله في قبيلته، ويجمع القبيلة كلها في نفسه، فيزعم أن "كل الناس" يعرفون ~~كذا"، "وكل الخلق" يقولون كذا، وأن "الدنيا كلها" "وكل العالم" ... # وعلم الله ما في الدنيا، ولا في العالم من يعرف أن يقول غيره أو هو مع ~~غيره من ذوي جماعته إلا اثنين أو ثلاثة أو جماعة منهم، ثم بقي ذلك ميراثا ~~في أخبار الجهلاء وأوصافهم وفي كلام أهل المجازفة إلى ms042 اليوم!. # ولكن إن شئت أن تعرف التعاسة- ولا أقول ما هي (حرسك الله) ولمن ما عملها- ~~وإن شئت أن تسمع لها وصفا آتيا من جانب السماء، فالتمس في دار الهموم من لم ~~يبق له هم يحمله إذ يكون قد احتمل كل هم، فإن مثل هذا المخلوق- الذي لا ~~تعرف أهو حي في ثيابه ميت فيما وراءها أم هو ميت في ثيابه حي فيما بعدها- ~~متى استفرغ دمع أجفانه ومات البكاء في عينيه، خلق الله لسانه ألفاظا كالدمع ~~ولغة كالبكاء ومعاني هي في جملتها أوصاف التعاسة على الحقيقة! وأين تحسب ~~واجدا هذا المخلوق الملهم المسخر الذي كأنما ينضغط بين الأرض والسماء لشدة ~~ما يجد من حطمة هذه الدنيا- حتى تكتب من تاريخه فصلا في ذلك المعنى، وحتى ~~يخرج من لغة الأقدار ما يصحح لفظا واحدا من لغة الناس؟ ألا إن الأرض لا ~~تشهد كل يوم نبيا مثل أيوب يمتحن الله صبره امتحان الألوهية للنبوة، وإذا ~~لم تكن تلك المصيبة رعاك الله كأنه في باب النقمة تاريخ غير إنساني، فإن ~~بينها وبين معنى التعاسة الذي يضج الناس منه كالفرق بين رؤية السيف مسلولا ~~على العنق وبين رؤيته على العنق. # ولقد أعرف رجلا من أهل الفقر النظيف أعطى ابنته قطعة فيها عشرة غروش، ~~وأرسلها يبتغي بها رزقا من الطعام، فأضاعتها كأنما أضاعت عقلها، فضاقت ~~عليها الدنيا، وخيل إليها أن ليس على الأرض ما يسع طفلة ... فلم تجد لها ~~غواثا إلا الموت يحول بينها وبين أبيها، فجرعت من "الفنيك" جرعة كانت فيها ~~نفسها، وابتعدت عن أبيها ولكن بعد ما بين الدنيا والآخرة! فهذا مثال مما ~~يجلب الضعفاء على أنفسهم من التعاسة: تموت الفتاة: وتسير الجنازة، ويفتح ~~القبر لعشرة غروش ... # ويحدث في العالم هذا الفراغ، وتخرج الدنيا إحدى عجائب التعاسة ويشهد ~~الناس ذلك المنظر القاتل، وكل هذا لعشرة غروش ... # ويقع للفتاة أمران أهونهما الموت، وأصعبهما الذي لا يحتمل ضياع عشرة ~~غروش..! وما عشرة غروش يا بني؟ إنها قوت حمار في يوم أو يومين، ونشوة سكير ~~في ساعة أو ساعتين، ولذة ms043 فاسق في لحظة أو لحظتين، ولعنة الله على غني في ~~نفس من حياته أو نفسين! ولكن يعلم الله كيف كانت في نفس تلك المسكينة من ~~غلظة أبيها وقسوته وما خشيت من بادرته وما حسبت من إنضغاته عليها، وكيف ~~استحالت هذه القطعة تاريخا طويلا من الوساوس والأوهام حين أضاعتها، فالناس ~~ناس لولا الوهم، وكان الوهم وهما لولا الناس! # PageV01P021 # ولعمري ما الذي يجعل الفرد جبانا في لقاء الحوادث حتى يخاف الحياة فيعوذ ~~بالموت، ويضرب ما أقبل من الدنيا بالذي هو مدبر، أو يخشى الموت فيتعذب ~~بالحياة ما أدبر منها وما أقبل؟ أما إن ذلك ليس من فقر ولا غنى، ولكنه حرص ~~على الحياة يخالط بعض الأنفس ويستمكن منها حالة بعد حالة، فإذا هو انقلب في ~~آخرة الأمر خوفا من الموت، ثم لا يزال يحور وينمي وهو ذلك يخلع القلب من ~~الإيمان الذي يربط عليه واليقين الذي يثبت به، حتى يبلغ بعد حين أن يكون ~~خوفا من الموت، ورجع الخوف من الموت مع ذلك البلاء خوفا من الحياة، فهذه ~~أصلحك الله حالة من الجنون تستلب العقل، وسواء من أصيب بها ومن خولط في ~~عقله، وليس معها هؤلاء الضعفاء كما يشهدون على أنفسهم إلا موت الجبن الذي ~~يسمى انتحارا، أو حياة الجبن التي تسمى ذلا. ولخير للمرء أن يكون حمارا من ~~صنعة الله وتعرفه الحمير، من أن يكون حمارا من صنعة نفسه وتنكره الناس ### | .... # إن لنا على هذه الأرض حياة واحدة علم أهل العلم إنها حقيقة مسرعة بين ~~أوهام، فهي ما تبرح تجاهد كل شيء ولا تثبت أطول من مدة جهادها إلى أمد ~~غايته أرذل العمر، وعرف أهل الجهل أنها تتقدم إلى الموت وأن الموت يتقدم ~~إليها فهما لا بد ملتقيان. لا العلم ولا الجهل يرتاب أو يشك في الموت. ولا ~~الفقر ولا الغنى، ولا الصحة ولا المرض ولا شيء عن خصائص الأحياء، لأنه ليس ~~على الأرض حي قديم ... ولكن العالم والجاهل، والفقير والغني، والصحيح ~~والمريض، كل هؤلاء يخافون الموت ويحرصون على الحياة إلا ms044 قليلا منهم، فليتهم ~~علموا أن النفس روحية وأنها تألم لهذا الخوف ولا تقار عليه، إذ هي لا تعرف ~~الموت لأنها خالدة، ولكنها تعرف الألم لأنها في غير دار الخلود، ومعنى ذلك ~~أن الإنسان يخاف الموت، فيصل الخوف بالنفس، فتردها إلى حوادث الحياة فتخفيه ~~هذه الحوادث فيذله هذا الخوف، ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت. # ونحن إنما ننصب الحبالة ثم نرتبك فيها ونضطرب فيها فكأننا لا نصيد إلا من ~~أنفسنا، إذ لسنا نجهل أن للنفس حظا ليس للجسد، وأن الفارس لا يربط في ~~الإصطبل وإن كان جواده فيه، غير أننا مع ذلك نحاول أن نغدو النفس من اللذة ~~الجسمية، وأن نعلف الفرس والفارس من طعام واحد ... فهذا التناقض الذي نسيء ~~به إلى أنفسنا هو الذي يجعل النفس خائفة من الحياة إذ لا تجد فيها غير ألم ~~التعبد للأهواء والشهوات، ولا يصيب من الحياة إلا ما تستذم به الحياة ~~إليها، فلا يكون من ذلك إلا أن تسيء إلينا هذه النفوس بتناقض آخر، فربما ~~كان الرجل في النعمة السابغة قد أينعت خضراؤها ثم هو لا يشعر منها إلا ما ~~يشعر من المصيبة الماحقة، ومتى فزعت النفس من الحياة كما عرفت فلا هناءة ~~على ذلك الفزع، ولا تكون الحياة من ثم إلا موتا مستمرا أو خوفا من الموت لا ~~ينقطع. # قال "الشيخ علي": يا بني إن الحرص جبن، والجبن ذل، والذل استعباد، وما ~~يدخل من هذه الأبواب إلا الشر، فكن حرا من الأهواء كما خلقت وكما خلقت ~~الحرية التي لا قيد لها من رذائل الدنيا، فإنك لن تراع ولن تعرف مما يسميه ~~الناس تعاسة أكثر مما تعرف مما يسمونه سعادة، ولن تجد في مصائب الحياة ما ~~يموت دونه الصبر الجميل، فإن عمر هذا الصبر أطول أبدا من عمر الصابرين! ~~لذلك لا يغضب الفيلسوف ولا يخاف الشجاع، ولا يبخل الكريم، ويذل الأنوف، ولا ~~ينافق الرجل الحر، ولا يكذب الرجل الشريف، وإنما هذه مظاهر محدودة من حرية ~~النفس، فكيف بالنفس إذا كانت حرة من ms045 كل أقطارها؟ وقديما علم الناس أن من لا ~~يبالي بشهوات جسمه هو الذي يستريح وداعا ويتعب التعب في البحث عنه، وما ~~علمت ولا علم الحكماء والأطباء غذاء تسمن عليه المصائب والأحزان إلا الحرص ~~على الشهوات! # PageV01P022 # وليت شعري ما هي هذه الشهوات؟ أما إنها في الحقيقة نزعات طبيعية لا بد ~~منها بمقدار، لأن الطبيعة الإنسانية تعالج نفسها بما يعينها على البقاء وما ~~يجعلها صالحة له على الوجه الأفضل، فهي تغري الإنسان مرة وتؤلمه مرة، وكل ~~ذلك ليجلب لها أو يدفع عنها. فما تسميه لذة من لذات الجسم إنما هو علاج ~~طبيعي من ألم طبيعي لا أكثر ولا أقل ... كالأكل مثلا: فما كانت الطبيعة ~~لتغري به هذا الإغراء حتى فات عند أكثر الناس حد اللذة لولا أن الجوع ~~انحلال في الجسم، فإن هو أسرف عليه أو استمر به أوقع الفساد فيه وركبه ~~بالعف علة بعد علة. # غير أن الإنسان بما فيه من شبه البهيمة ينجذب إلى طبع البهيمة غالبا، ~~ونسي أن للبهائم وازعا طبيعيا وهو فضيلتها الخاصة بها، فأقبل يرتع ما شاء، ~~وجد به الحرص بمقدار ما يطمع فيه، وغلبه الطمع على بصيرته، فلا يكون في ~~إنسانيته إلا بهيمة تتخيل وتتفنن ما لا يتفنن إنسان ولا بهيمة، وما تجد من ~~مستهتر بالشهوات إلا وجدته من أجل ذلك راضيا مغتبطا يتمنى لو أنه في هذه ~~الشهوات بهيمة البهائم كافة! ### | .... # أف لهذه الدنيا! يحبها من يخاف عليها، ومتى خاف عليها خاف منها، فهو يشقى ~~بها ويشقى لها، ومثل هذا لا يكاد يطالع وجه حادثة من حوادث الدهر إلا خيل ~~إليه أن التعاسة قد تركت الناس جميعا وأقبلت عليه وحده، ولولا الخوف يزلزل ~~قلبه لأدرك الفرق بين النسمة والعاصفة، وعلم أن اللفظة لا يلزم منها أن ~~تخلق معناها، وأن ليس كل ما نسميه تعاسة يكون في حقيقته من التعاسة. # وترى الواحد من هؤلاء لا يزال يلوك لسانه في كلمات من التأميل والسخط ~~والألم والنفرة وغبرها من مما هو من لغة الحرص على الحياة، فهو على ms046 الأرض ~~وكأنه يعيش في سحابة تجري بها الريح، ولعمري كيف تهنأ الحياة مثل هذا إلا ~~إذا كانت أديم الأرض من ورق الزهر، وكانت مزابل هذه الدنيا رياضا غناء، ~~وعدت الطيور الجميلة من كلاب هذه المزابل ... ؟ كذلك لا يسعد أكثر الناس ~~بالحياة ولكنهم يشقون بالحياة والموت، ومن ثم ظلموا التعاسة فجعلوها أصغر ~~مما هي، كما ظلموا السعادة فتوهموها أكبر مما تكون. # قال "الشيخ علي": واعلم يا بني أن القدر وإن كان من السماء ولكن تاريخه ~~ثابت في الأرض، وما كانت المصائب جديدة في الحياة وهذه المحابر التي كتب ~~منها تاريخ الإنسان لا تزال كما كانت من قبل تشرق بالدماء والدموع، ولا ~~يزال الدهر يمد منها ولا يزال يكتب منن هذا المداد، فمم يخاف هذا الإنسان ~~الجديد وليس فيما ينزل به إلا ما نزل بمن قبله، وما هو بخالد ولا بمتروك ~~لما يحاوله، ولقد علم يقينا أن الله لم يخلق فيما خلق مقراضا يقلم أظفار ~~الموت؟ يريد من قدر الله زلالا صافيا كأنه ماء مرشح يصب من حياته في كأس من ~~البلور ... ! ويبتغي أن يكون في الأرض تاريخا جديدا سلسا منقحا ليس فيه شيء ~~من تلك الألفاظ الجافية في نبوها وخشونتها، ألفاظ التخريب والتدمير ~~والتقتيل والجوع والمرض والأحزان والهموم ونحوها. # فأما أن يكون من ذلك التاريخ القديم الذي تمليه قدرة الله على الطبيعة، ~~ثم لا يكون إلا كالطبيعة نفسها في النظم والنسق ولا يجيء الإنسان الجديد ~~فيه إلا طباقا أو ناسخا أو منسوخا، فهذا موضع النفرة ومكان الأذاة ومنه ~~مثار الهم وإليه مسرب الدموع، وذلك والله معنى إن لم تنشأ منه تعاسة ~~الإنسان فهو على كل من تعاسته. # الإنسان كله يا بني منطو في رأسه، وما هذا الجسم إلا أداة، منه ما يحمل ~~الرأس، ومنها ما يحمل عنه، فالجسم دابة من الدواب لا أكثر ولا أقل، والرؤوس ~~لا يمكن أن توزن بميزان حتى يعلم فرق ما بين رأس ورأس آخر، فالإنسان مختبئ ~~محجب، وكأنه لا يزال منه جزء عند الله فما ينفك ms047 يجد من نفسه ما يبعثه على ~~النزوع إلى الغيب والفكر في المستقبل لأن هذا المستقبل تمام له، ولا يبرح ~~يشعر بالحياة شعور المتألم أو المتعب أو المكدود أو المغيظ أو المفزع أو أي ~~ما يكون من أشباهها، لأن هذا الحاضر غير تام به ولا كامل معه، وليس ذلك ~~بعجيب، ولا من العجيب أن يألم الإنسان لحياته، ألا يرى أنه في جسم لا راحة ~~للروح إلا بعد تحطيمه؟ # PageV01P023 # ومن ههنا تفاوت الناس، فمنهم من تراه كأنه يحاول أن يكشف عن جزئه الذي في ~~الغيب ويصل بينه وبين حاضره، فيتوهم في الحياة ما ليس فيها ويسخرها لأوهامه ~~باطلا، ومنهم من يقبل على شأنه ويأخذ الحاضر بما فيه ويعرف أنه حي ولكن على ~~شروط لا بد منها للحياة. # فأما الجاهل الأحمق المخدوع فكأنما يرى في مرآة خياله الغيب كله، أو ما ~~يظنه الغيب كله، فلا يعدو أن يسترسل في ظنونه وأوهامه استرسالا أشبه بالأبد ~~الذي لا حد له، ومن ثم لا يرضيه شيء ما دام في هذه الحياة شيء لا يرضيه، ~~ولا يقنعه شيء ما دام في الدنيا شيء لا يناله، وكل مصيبة يخشاها أو يتوقعها ~~فكأنما هي نازلة به أو قد نزلت، وعنده أن كل ما يمكن أن يكون ينبغي أن ~~يكون، وما هو جائز فليس ما يمنع أن يكون واجبا، وما قيل أنه غير جائز فهو ~~غير مستحيل، وما الذي يمنع أن تخسف به الأرض أو تقع عليه السماء، أو ينحدر ~~إليه رجم من الشهب، أو ينتهك حجاب قلبه، أو يسل البلاء خيط عظامه أو يخالط ~~خوفه كل داء دوي، ثم ما شئت من أو بعد أو.. إلى أبعد حد مما انتهى إليه أهل ~~الفقر في الفقر وأهل الأمراض في الأمراض وأهل الأحزان في الأحزان وأهل ~~المصائب في المصائب، فيذهب العمر باطلا بالذي عليه والذي له، ويجني هذا ~~الإنسان على نفسه من أثر الخوف والطمع ما لا يستقبله أبد الدهر، فلا يهنأ ~~بموجود، ولا يطمئن إلى مرجو، ولا تكون آماله إلا ms048 مخاوف مستبهمة لا مأتى لها ~~من الحقيقة، فيجد روح التعاسة في أشياء كثيرة ولا يكاد يصيب العزاء في شيء ~~قليل! وهنا يا بني الحفرة التي يقبر فيها بعض الأحياء ليعيشوا عيشة وهمية، ~~أو ليموتوا موتا وهميا، تلك الحفرة التي يقضي الأحمق شطرا من عمره واثبا في ~~الأوهام بيت شاطئ الدنيا والآخرة حتى إذا انتهى إليها تردى فيها وكان الرأي ~~لو ادخر لها بعض تلك الوثبات ### | .... # وأما الحكيم الذي يعرف الحياة كما يمكن أن تكون، ويعرف أن كل حي من الناس ~~فإنما هو حي على شروط لواهب الحياة، ثم للحياة نفسها، ثم لأهل الحياة فهو ~~أدرى بالمصائب من ذلك الأحمق، ولكنه لا يثيرها ولا يبحث عنها ولا يمتلق لها ~~العلل من نفسه ولا يعترضها في غيره، وما نزل منها فإنه يفتح لها من قلبه ~~سبيلا تمر فيه بين العزيمة والجرأة، وإلا فبين الثبات والصبر، وإلا فبين ~~التوكل والإيمان، وما أهون مصيبة تفتح لانصرافها ثلاث طرق واسعة! وهذا ~~الحكيم يجد في محنته لذة تشبه لذة الدرس لمن همه الحكمة واختبار الأشياء ~~ومعاناة خواصها وأسرارها، كأنه في مصائبه في معمل للتجربة والاختراع، فإنما ~~هو يتلقى عن الله ما لا يصيبه إلا هو، وما لا يصرفه عنه إلا هو، وإنما ~~يستعمل رأسه للفهم لا للوهم، وهو يعرف أن علم الله أزلي يسع الأزل كله، وأن ~~الأقدار من علم الله فهي مقسومة على الدهر كله، وأنه هو في جانب الدهر لا ~~يبلغ أن يناله ما تنال الشرارة من ماء البحر إذا انطفأت في البحر. # هذا الحكيم يعرف أن الحياة ليست هي الانتهاء إلى الموت على أي وجه، ولا ~~هي بالهرب من الموت في كل وجه، فهو لا يبالي الموت ولا يخافه، ولا يعبأ ~~بالحياة ولا يرجوها، ولكنه يمشي على صراط من فضائله، وعلى نور من ربه فما ~~دامت فضيلته لا تنكره، وما دام قلبه مطمئنا، بالإيمان، فكل ما بين الأرض ~~والسماء، بين الآخرة والأولى، وهو مادة العزيمة في نفسه، ومادة القوة في ~~روحه، ومادة الابتسام ms049 على شفتيه! فإن نزل به هم وأدركه خور الطبيعة وضعف ~~الإنسانية فلم يستطع أن يخلص منه، صرفه إلى جهة غير جهته، واستخرج منه معنى ~~غير معناه، وقابل بين راحة الرضا به وتعب السخط عليه، ونظر في مبلغ شره وما ~~عسى أن يكون حاله لو نزل به ما هو شرمنه، وجمع بين الدعاء لله أن يصرف عن ~~ما وقع، وبين الحمد لله على وقايته مما كان يمكن أن يقع، ثم لا يزال يعالج ~~الهم مستأنيا ربيطا جأشه تثوب إليه القدرة على نفسه فتسكن إليه النفس من ~~نفرتها وحتى يرى هذا الهم كأنه مما لابد منه في رياضة أخلاقه، وتنزيه ~~شمائله، وكأن صدع الجانب الذي بينه وبين الناس أو بينه وبين نفسه إنما ~~لتقوية الجانب الذي بينه وبين الله. # PageV01P024 # وأشقى الناس من يتوقع الشقاء وهو لا يعلم من حاضره ما الله صانع به، ولا ~~من مستقبله ما الله قاض فيه، وكأنه يتظنى بالله فيرى أنه تعالى قد وكله إلى ~~نفسه وأيأسه من رحمته وصرف عنه تيار الغيب المتدفع بالحوادث والأقدار بين ~~شاطئ الليل والنهار، فلا يدفع إليه جديدا ولا يصرف عنه قديما وكأن الزمن ~~كله يتحرك وهو ثابت قار قد حصره الهم من هذا الفلك في زاوية، ووضعه الدهر ~~من بين الأحزان موضع القافية، والمصيبة في مثل هذا أكبر من كل شيء لأنها لا ~~شيء ... ولا ينفع المرء أنه من الناس إذا لم يكن من نفسه، وهذا لا نفس له ~~أن كأنه لا نفس له، إذ لا ثقة به ولا قوة فيه، ولو كان وجهه جلدة مما بين ~~عيني الأسد لما ظهر إلا جبانا، ولو اختلط الحاضر بالمستقبل على شيء لما ~~اجتمع منهما ما يجتمع من غضون جبهته في تعاسته التي يظن أنه خص بها، فهو ~~يتوهم الخوف، ثم يخاف مما يتوهم، ثم يخاف أن يكون الأمر أكبر مما توهم، ثم ~~يخيفه أن تخذله الأقدار فلا يقوى على ذلك، ثم يكون أشد خوفه من أن يستمر ~~ذلك ... فمن خوف إلى خوف، وهو ms050 تتابع يصور الرعدة التي تعتريه لجبنه كما ~~يصور ضحك القهقهة من هذا الجبن. # وذلك يا بني ضرب من ضروب استحالة النفس، كأنه ليست في صاحبها أو ليست له، ~~فهو يمر على الحقائق فزعا كما يمر الطائر على الأخيلة التي تنصب له على ~~الثمر، ويجزع منه كما يجزع الطفل من أرواح المردة والشياطين التي تسكن ~~ألفاظ التهويل ونحوها يفزع به، ثم هو من المصيبة الواحدة في مصيبتين: إما ~~الأولى فشدة الخوف التي تفقده لذة ما يكون فيه من النعم، والنعم لا حصر لها ~~فلا يشتهيها، ولا يجد لها مساغا بعد أن لبسه مرض الهم، وأما الثانية فقوة ~~اليأس التي تضعف قدرتها على الحيلة للخلاص مما نزل به، فكأنما شد عزمه ~~وثاقا، ثم لا يكون من اجتماع المصائب الثلاث معا ألا يورثنه الذل وسقوط ~~الهمة وتخلخل الفؤاد واضطراب النفس، حتى كأنه من هذه الوساوس بين جدران ~~وثيقة محكمة لا نافذة منها على فضاء الغيب، والغيب ملء الأبد، فيصبح جلدا ~~بلا جلادة، وعظما أوهنت منه البلادة، ورجلا لو أطاعته كل قوة في الدنيا لما ~~أطاعته الإرادة، وصنما من أصنام الحياة يعرفه العاقل للتحطيم ويحسبه الجاهل ~~للعبادة ... ### | وهم الحياة والسعادة # قال" الشيخ علي": ولقد عرفنا الحياة ما هي، لأننا أمثلة عليها، ولكن ~~البحث في معنى هذه الحياة لم ينته بعد، لأن هذا المعنى لا يزال كما كان فوق ~~السموات، ولو استطاع الكاتبون من أهل العلم أن يخطوا في كتبهم بمداد من ~~أضواء النجوم التي يسكبها الخلود كل ليلة على الأرض ملء محبرة الليل، لكان ~~عسى أن تستنير مباحثهم في ظلمات الحياة، وأنى لهم ذلك وليس وراء النفس ~~الإنسانية إلا الذي هو وراء السماء، ولا وراء السماء إلا الذي هو وراء ~~النفس؟ ألا فاعلم يا بني أنه ما دام هؤلاء العلماء يتعاقبون على تفسير ~~المعاني الإلهية ولم ينتهوا بعد، فمعنى ذلك عندنا نحن الجهلاء أنهم لم ~~يبدأوا بعد ... # وما مر الحياة؟ أما إنها ليست طريقا مسافته كذا، ولا قياسا ذرعه كذا، ولا ~~وزنا مبلغه كذا، ms051 كذا، ولا شيئا من هذه المعاني التي تضرب الأقلام والألسنة ~~في مفاصلها، بل هي فيما وراء ذلك من عال إلى بعيد إلى غامض إلى مبهم، حتى ~~تنتهي إلى منبع النور الذي تلتطم على ساحله موجة الأبد. # وإن أبيت إلا هو دون ذلك وضوحا وانكشافا في التأويل فقل إنها في كلمة ~~واحدة: فتح السماء بفكرة واحدة. # ولتدعني يا بني من لغة هذه الكتب، فإنها متى انتهت إلى السماء رايتها ~~أكثر ما تراها ألفاظا لا معنى، إذ ليس هناك من جلال الله إلا ما يشبه أن ~~يكون معنى لا ألفاظ له. # ودعني أحدثك عن الحياة بما أفهمه، أنا الرجل الطبيعي من فلق الصبح ومن ~~روعة الشمس، ومن إقبال الليل وإدباره، وبما أعرفه من هذه اللغة التي تنزل ~~بها السماء ما يتصل بنا من معانيها، لغة القضاء حين يسأل ولغة القدر حين ~~يجيب، وبما استوحيه من معاني هذه الإشارات التي تتحرك بها جوارح الطبيعة، ~~وهي مزيج من لغة البقاء الأرضي الذي يريد أن ينتهي ولغة الخلود السماوي ~~الذي يريد أن لا يفنى، فالحياة يا شاعري العزيز لا تخرج من الدواة ولا تقطر ~~من القلم، بل أنا أحسب هذا المداد الكثير الذي أراقه عليها الناس هو الذي ~~جعلها كما يقول الناس سوداء ... # PageV01P025 # ولا يكفي أن بعلم الرجل كيف يسوق المقدمات وكيف يحسن القياس وكيف يخرج ~~معنى من معنى حتى تكون النتيجة على ما توهم والحقيقة على ما يقيس والصواب ~~كما يستخرج. وفي علم الحياة خاصة وهو العلم الذي لا مادة له إلا من ~~الحوادث، أن بناء من المنطق لا يتخذه بيتا إلا ساكن من الخيالات ... # ولست أعرف الناس قد غالوا بشيء قط مغالاتهم في قيمة هذه الحياة، فقد ~~والله استجمعوا لها كل ما في الرغبة من الحرص، وكل ما في الخوف من الحذر، ~~وكل ما في الأمل من الترقب، وكل ما في الحب من الخيال، واستجمعوا فوق ذلك ~~تلك المعاني التي لا قرار لها في الأرض ولا في السماء: معاني النظرات ~~الوهمية التي يرسلها ms052 المخلوق من أرضه إلى عرش الله، كأنه لا يجرؤ على أن ~~يشك في نهاية الحياة إذ هي تنتهي على أعين الناس، ولا أن يجزم بهذه النهاية ~~إذ هو لا يريد الموت وكأن الحياة لا تكفيه. # وما دام للحياة غد يرتقب، وهو الذي يسمونه المستقبل، فكل وهم يسهل على ~~الحياة أن تهلكه أو تمرضه أو تضعف منه، إلا تلك المغالاة الممقوتة، فإنها ~~أبدا في خصب وعافية ما بقي لها غذاء من ذلك المستقبل المحبوب. # قال " الشيخ علي": وأنت إذا سألت رجلا هن مسألة فسدد الجواب وأحكم ~~الصواب، قلت: هذا جواب يحسن السكوت عليه، ولكنك إذا سألتني أنا: ما هي ~~الحياة كما يفهم الناس؟ قلت لك: هذا سؤال يحسن السكوت عليه.. لأن اللغة هي ~~التي أسمتها الحياة واستخرجت لهذا الاسم العذب معانيه من أوهام الأحياء، ~~وكم فيما وراء السماء من معان تملأ الأبد ولعلها لا تملأ سطا أو سطرين في ~~معاجم اللغة! ولكن دع هذا وسلني: ما هو الزمن الذي يقضيه الإنسان من يوم ~~يولد فلا يقدر أن يرفض هذه الدنيا إلى يوم يموت فلا تستطيع هذه الدنيا إلا ~~أن ترفضه؟ وما هو هذا المهد الذي يكبر شيئا فشيئا حتى ينتهي إلى الفراغ ~~فيغيب فيه؟ وما هي هذه الحوادث التي تزلزل الناس في طريق القدر حتى يخروا ~~على وجوههم فتتحول أجسامهم في الأرض إلى تراب في طريق المنفعة، ويتحول ~~تاريخهم ترابا على طريق الموعظة؟ ... # ... سلني كذلك يا بني أجبك: هذا الفناء المحتوم وهذا الشقاء المقضي، وهذا ~~الأمل الباطل، وهذا النسب الضائع، وهذا العمل الذي لا يراد لنفسه ولكن لما ~~بعده، كل ذلك هو الحياة، أفلا ترنا نخادع أنفسنا إذا سألنا عن الحقيقة التي ~~يسوؤنا أن نعرفها فنحرف السؤال إلى جهة بعيدة لكيلا نرى الجواب الصحيح ~~مقبلا علينا ولكن مدبرا عنا؟ فما عسى أن تكون هذه الآمال، وهذه المنافسات، ~~وهذا النزاع، وهذا الصراع، وهذه الأفراح، وهذه الأتراح، وكل ما إلى ذلك مما ~~هو مدلول الحياة، إلا باطلا نستمتع به قليلا ثم يظهر أنه ms053 متاع الغرور؟ ما ~~عسى أن تكون الحياة بكل ما فيها إلا مدة محدودة على ظهر الأرض تجعلها أوهام ~~الإنسان ومطامعه وحماقته وجهله وكبريائه كأنها الأبد كله، فيكيد ويكيد، ~~ويعمل ويدخر، ويهنأ ويحزن، ويطمع ويحرص، على نسبة من ذلك لا من نفسه، أي ~~نسبة أبدية لا إنسانية. # ألا إنما مثل هذا الإنسان المغرور مثل رجل جمع الله عليه المصيبتين في ~~باصرته وبصيرته، فضل في مكان، فهو يقبل ويدبر في دائرة من فضاء الأرض لا ~~يهتدي إلى الوجه ولا يذهب على السمت، فيتوهم أن الطريق لا ينتهي وأنه وقع ~~في صحراء لم تدرسها عكازته ... وليست من علم رجليه في جغرافية هذه المسكونة ~~... وكما لا تكون الطرق عند هذا الأعمى إلا عن علم رجليه، فأكثر طرق الحياة ~~عند هؤلاء المغفلين الذين يطمس الله على بصائرهم هي من علم بطونهم، وما ~~أدراك ما علم بطونهم ... ! وما رأت الحكماء أحدا قط جهل حقيقة معنى الحياة ~~إلا وجدوا هذه الحقيقة في بطنه ### | .... # ولذلك قالوا: من كانت همته ما يدخل جوفه كانت قيمته ما يخرج منه ... ~~وإنما البطن جوع فشبع وشبع فجوع، وعلى هذا القياس لا تكون حياة هؤلاء إلا ~~جوعا في الشهوات والآمال، فلا يطفئه إلا ما يسعره، ولا يجلب الراحة فيه إلا ~~ما لا بد أن يرجع التعب به، جوع في الشهوات والآمال بالعقل لا بالبطن، لأن ~~علم الحياة عندهم علم بالبطن لا بالعقل، وكلاهما مثلة بهذا الإنسان، ويالله ~~كيف يريد الإنسان أن يحيا كما يحب ثم يحب ما لا يتفق مع سنن الحياة؟ # PageV01P026 # من أجل ذلك شقي أكثر الناس بالعقل، غذ يقبلون به الأمور، ويحتالون منه ~~الحيل، ويكرهونه أن يعمل على السخرة في لذة الجسم، يحضرونه من هم الشهوات ~~الحيوانية ما لا قبل لهذا الروح الإلهي أن يستلب فيه، وإذ يخضعونه بدلا من ~~أن يخضعوا له، ويسيرون به بدلا من أن يسير بهم، فكان من ذلك طغيان الحواس ~~وطمسها على الروح، وتعفيتها على آثارها الإنسانية، ولا جرم كان من وراء ذلك ~~طغيان هذه الفوضى ms054 المترامية في الاجتماع وانبثاقها بالشر من كل ناحية، ~~وتداخلت حدود المطامع بعضها في بعض فصار الناس كالأمواج: لا تقوم القائمة ~~إلا من سقوط الساقطة. # وكان الناس يتعلمون كيف يسبحون في بحر الدموع ليأمنوا الغرق فيه ~~وليستنقذوا الغرقى منه، فجدت بهم الحوادث حتى تعلموا القتال عليه وصار من ~~لم يستطع أن ينقد نفسه يجتهد في أن يغرق غيره. # الإنسان حيوان لولا العقل، فلما أخضع لشهواته العقل صار إنسانا لا حد له ~~في الحيوانية، فهو من هذه الجهة لا إنسان ولا حيوان وإن كان الشيطان مطرودا ~~من رحمة الله فخير ما يقال في هذا الإنسان إنه شيطان فيه موضع للرحمة! ... # وقد خلق الله هذه الحواس ولا ضابط لها إلا العقل يحكم تحديدها ويتولى ~~تسديدها، ويستعين في أمرها بكل على كل، ومن ثم يستقيم من هذا الإنسان شيء ~~معقول، ويصبح قد ضربت عليه الحدود لا يتعداها، ورسمت له دائرة في الإنسانية ~~لا يجاوزها، فيقر كل امرئ في حيزه وقد صار عنده من الناس وعند الناس منه ~~وثائق من العقل وبينات من الحق إذا هو حاكم إليهم ضلالة منهم أو حاكموا ~~إليه ضلالة منه وهناك يرى كل عمل طيب ثواب نفسه، لأنه هو من فضائله كأنه ~~شريعة لنفسه، ومتى كان العمل الطيب مما يجزئ في ثوابه عند الرجل من الناس ~~أنه عمل طيب، فقد أصبح ولا غرو من سعادته، إذ لو لم يجد به سعادة لما لقي ~~منه ثوابا، وبذلك، بذلك وحده من دون كل الوسائل الأخرى تصبح السعادة عمل من ~~الأعمال يمكن أن يمارسه الإنسان فيسعد ما شاء الله أن يسعد، ثم تكون الحياة ~~على ذلك واجبات يقضيها، فإن تحققت أو لم تتحقق فإما دخلت على نفسه بسرورها ~~وإما خرج منها بعذره وقد أبلى عذرا. # ومتى صارت حياة رجل من الناس إلى أن تكون واجبات يتنجزها ويستقضيها من ~~نفسه، فما لشهوات البدن موضع إلا كموضع النار من يدي المصطلي: لا يراد منه ~~إلا حرا، ولا يراد من حرها إلا قدر معلوم، ولا يبتغي ms055 هذا القدر إلا مدة ~~بعينها، ولا تكون هذه المدة إلا بمقدار ما يصلح أو يدفع الأذى، لأسرف في كل ~~ذلك ولا هوان ولا مضيعة. # قال "الشيخ علي": ولكن كل شر العالم يا بني في لفظ واحد: هو طغيان ~~الحواس، وبمعنى واحد: هو إذلال العقل، ولغرض واحد: هو هذا الموت الأدبي ~~الذي يسميه المغفلون سعادة الحياة. # منذ طغت الحواس أصبحت الحدود بين مطالب الإنسان من فضائله إلى رذائله ولا ~~أثر لها، لأن الشاطئ لا يعرف تحت السيل إذا طم عليه، فما أنت ولا أنا ولا ~~أحد يدري ما هو حد الكفاية في رغبات هذا الإنسان وأهوائه، بل صارت هذه ~~الكفاية وما ينطوي تحتها من ألفاظ القصد والقناعة والرضا وما إليها ألفاظا ~~خيالية يساير ظلها ظل الإنسان، فلا حد لها ما دام هو لا يثبت لنفسه حدا، ~~ولا تتأخر ما دام هو يتقدم، وأصبح أكثر الناس في رغباتهم الخيالية وما ~~يعملون لها مدى الحياة كرجل ائتلى أن يخط دائرة مركزها ليس في محيطها، ~~فكلما رسم دائرة رأى مركزها في داخلها، فيجتاز به وراء المحيط ثم يدير يده ~~فإذا واحدة أخرى تقاطع الأولى ولم يصنع شيئا صحيحا مما يحاوله، ولا هو يرى ~~من عمله شيئا صحيحا، وما بقي من الأرض فضاء لم يخط عليه بعد، فهناك ... ~~هناك يرى هذا الأحمق الدائرة المتوهمة التي يخرج مركزها عن محيطها. # من هذا ونحوه أصبحت السعادة وهما من الأوهام، إن لم تعد في إشباع العواطف ~~وتغذية الشعور، وليست في موضعها الذي هو بين الضمير والعقل ولكنها في إشباع ~~جسد لا يشبع ما دام حيا، وفي تغذية حاسة لا يزيدها الغذاء إلا شراهة ~~وضراوة، فلن تكتفي إلا إذا بطلت، وفي موضع مجهول بين هذه الحواس لا حد له ~~إلا كالحد بين ما يجد المعدم وما يتمنى، فالسعادة على ذلك هي دائما في ~~الاستعداد للسعادة ... وكفى بهذا عبثا. # PageV01P027 # ولعمري ماذا تكون الحياة، بل كيف تكون؟ أليس يعلم الإنسان أنه سائر إلى ~~الموت، ويعلم كذلك أنه طالب ما لا يموت؟ ms056 فلا جرم كان شعوره بهذا التناقض ~~مؤلما، وكان هذا الألم هو منشأة الهموم التي لا تدعه لنفسه ولا تدع نفسه ~~له، وكانت حقيقة هذه الهموم التي يجمعها كلها هي شعور الإنسان شعورا فطريا ~~جرى منه مجرى العادة بالمنازعاة بين ما يطلب هو في الحياة وبين الحقيقة ~~التي تطلبه هو من الحياة، أي الموت، ومن ثم يضطرب كيانه العقلي. فيؤثر كل ~~شيء في نفس هذا الإنسان تأثيرا أكبر من حقيقته، لأن حقيقة هذا الإنسان لم ~~تعد في نفسه، بل في مطامعه، فهو يا بني كالوعاء المثقوب: تصب فيه البحر ولا ~~يزال فارغا! والحياة عنده هي طلب الحياة، وكفى بهذا عبثا! ولا تحسبن أنه لا ~~يبالي بما مضى من عمره، بل هو يستشعر فوق ذلك الخوف من أن يكون الذي مضى هو ~~أكثر العمر وأطيبه، ولذلك لا يبرح شقيا بما يحاول، إذ يحاول أن يجمع طيبات ~~الحياة ويستحوذ عليها في القليل من عمره، ليستمتع بها فيما وراء ذلك، كأن ~~الحياة التي قوامها من الغذاء لا تفارق الإنسان ما دام الغذاء في بيته، ~~وكأن الله يبيع المستقبل لمن اجتمع له من الدنيا ما يتوهم أنه يقوم ثمنا ~~للمستقبل ### | ..... # لا يبرح هذا الإنسان شقيا، وهو أبدا من الهم والغيظ والتوقد واشتعال ~~الأمل والاضطراب في أسباب الحياة كالسكة المحماة: يحسب ذلك من نفسه قوة ~~وفضلا وسعة في الحيلة، ولا يدري أن هذه النار المشبوبة في صدره تقطع منه ~~أكثر مما تقطع به، وأنها كما تعطيه قوة المضي في هنات الحياة وهيناتها، ~~تعطي الأقدار الصلبة مثل هذه القوة عليه، فلا تكاد تصدمه من أي قطاره حتى ~~يتثلم ويتفلل. # وهل تحسب مثل هذا يكون عداده في أهل السعادة، وهو من الحرص على الحياة ~~يكاد يشم تراب قبره في كل حادثة تلم به، ولا يزال يصلب على كل باب من أبواب ~~الأيام حتى يفتحها الصباح وحين يغلقها الليل، ويرمي بالنبل المسموم من فضوح ~~الدنيا وشهوات النفس الدنيئة، ويقتل ضميره كل يوم قتلة الكذب والغدر ~~والإثم، لأن ذلك من ms057 وسائل الحياة التي تبسط عليه الدنيا؟ وما ظنك بسعادة ~~أولها حب النفس وآخرها بغض الناس، ومن مقدمتها منازعة الفرد للمجموع، ومن ~~نتائجها منازعة المجموع للفرد، ومن مبدئها درس الشر علما، ومن غايتها ~~مزاولة الخبث عملا، ولها اسم السعادة وفيها معنى الشقاء، ومن شروطها على ~~صاحبها أنها لا تمتعه إلا بما يمله، ولا تتبرج فيه إلا فيما لا يناله، ولا ~~تظهر للناس أبدا إلا ليروا فيه رذيلة من الرذائل، ثم لا تكون مع ذلك كالفقر ~~في موضعها: هذا توازن بين نعم السماء التي تنزل على الضمير وبين هموم ~~الأرض، وتلك توازن بين هموم السماء التي تنزل على الضمير وبين نعم الأرض، ~~وآخر أمرها أن لا يعرفها صاحبها إلا على الضد مما يعرفها الناس: فهم يسمعون ~~لها الأصوات العالية من الأمر والنهي والجاه وما إليها، وهو يعلم أن هذه ~~الأصوات لم تخرج منها إلا لأنها كبيرة فارغة ### | ..... # قال "الشيخ علي": وبذلك يا بني خسر الناس لذة الحياة، فلا أدري أهم بشر ~~أم آلهة، لأني أرى كل حي كأنما يريد أن يردم صدعا في الكون، وأن يصلح من ~~هذه الدنيا ونظامه ما لم يصلح له، ولماذا؟ ... لأن الدينار الواحد نواة ~~ذهبية، ولكن هذه النواة لا تخرج لكل إنسان نخلة من الذهب ### | .... # ولماذا أيضا؟ ... ولأن هذه النخلة حين تؤتي أكلها لا يكون إلا مرا! ولكن ~~أليس في الأرض غبر المال ما يمكن أن يستلذ وأن يسمى نعمة؟ وأين هي تلك ~~السوق التي تعرض فبها النعم الهنيئة ويقف إلى جانبيها ملائكة الله يبيعون ~~بالدرهم والدينار، ويبيعون المريض من تلك الأغنياء عافية، والضعيف قوة، ~~والحزين مسرة، والخائف أمنا، والفزع اطمئنانا، والهرم شبابا، والمهزول جسما ~~رويا، والميت رجعة أخرى ... ؟ # PageV01P028 # ألا فليعلم الإنسان أن هذا العالم لا يصلح على ما هو عليه وما لابد منه ~~لنظام الحياة، فسيأتي إن خير أو شرا، فكلنا يسمي الصعاب التي تعرض له في ~~طريق الحياة عقبات: لأننا لا نبصر ما وراءها ولا نعرف في أي وضع تقر من ~~نظام الحاضر أو نظام ms058 المستقبل، وهي لو تعلمون وسائل لما بعدها، فما تراد ~~لنفسها أكثر مما تراد لغيرها، وهي بأن تكون مقيدة بهذا أحرى من أن تكون ~~مقيدة بذاك، ورب صخرة حالت في طريقك لتلفتك إلى هاوية من ورائها، أو تتقي ~~بها عدوا يدلف إليك من ورائك! والأعرج الذي يتأبط سناده ويتخذ منه رجلا ~~تبدأ من الكتف، لا يكاد يعرج بضع سنين حتى يستفيض صدره ويكتنز عضله ويتفتل ~~ويصبح لحيما بادنا كأنما جمع في زنده حجم يده إلى حجم رجله التي رمي فيها، ~~وكان مرهفا دقيقا متهدم الصدر بارز الأضلاع خاوي العروق ممسوحا في جملته، ~~ثم أنت لا تراه إلا ساخطا متبرما يكاد يتحطم غيظا ويلعن سناده وما حمل ... ~~واليوم الذي حمل فيه، والسبب الذي حمله به، ويرى كأن العرج هو الذي قطعه عن ~~شأو المعالي وكان سباقا ... ويظن عند نفسه أن هذا العرج قد جعله في مشيته ~~الممثل المضحك على مسرح الحياة! ولا كل هذا يا رجل، فهل نسيت ويحك أن ~~السعال كان ينفضك نفضة الموت، وأن البرد كان قد اتخذ من أضلاعك سقفا يأوي ~~إليه، وأن الأمراض لم تبرح ترميك آونة بعد أخرى كأنها تلين عظامك القاسية ~~للضجعة الأخيرة، ولأنك كنت لا محالة هالكا تنفث رئتيك من شفتيك، وتبصق روحك ~~تحت رجليك، وأنه لولا الداء الذي يسمى العرج، لهلكت بالداء الذي يسمى السل؟ ~~هذه واحدة يا بني، وما من واحدة إلا وهي أختها، وحكمة الله لا تختلف، بل هي ~~هي في كل شيء وإن كنا لا نعلم، وما خلق شيء عبثا، فتعالى الله الملك الحق، ~~ولقد أعرف أن ما لم يقض لي فهو مقضي لغيري، وأنه لا بد أن أذهب في هذه ~~الحياة بقسط من مصائبها، لأنه جزء من نظامها يتوقف على وجودي عليه، وهل أنا ~~بدن يملأ الأرض ورأس طبق السماء، فيكون الفلك عمامتي، والقضاء غمامتي، وكل ~~خير لهامتي؟. إن أنا يا بني من هذا الناس في أقدار الحياة المكتوبة إلا ~~كالجندي في العسكر نصبته الحرب آلة حية تحركها ألفاظ وإشارات ms059 من حيث تأتي! ~~فهو يندفع إلى الموت ويشوي من لحمه على النار متى أرادت خطة الحرب أن تنبعث ~~وتتحرك، وإنما هو بجسمه وروحه وعقله نقطة صغيرة في خط صغير من خطط كثيرة ~~مثله رسمت بها فكرة أمير الجيش على صفحة الميدان، فليس للجندي أن يسأل عند ~~الحركة: لماذا ... ؟ إذ هولا يجد من يقول له: لأن..! ولكن متى أزفت الآزفة ~~وحقت النهاية بالنصر والهزيمة، رأى العمل الذي وراءه كأنما انقلب أحرفا ~~وكلمات يستوضح منها فكرة القائد كما رسمها! قال "الشيخ علي": ومن الأسئلة ~~في هذه الحياة ما يولد حين يموت جوابه كما رأيت، فهو حمق من السائل ومضيعة، ~~لأنه لا جواب عليه، وربما اعتده الأحمق معضلة من المعضلات وكد ذهنه فيه ~~وقصر همه عليه وجعل يلقى به الناس ويفتح له الأحاديث، وذلك سخف لا يوجد به ~~الجواب الصحيح ولكن يضيع فيه السائل، إذ يستفيد من وسعه وعمله وحيلته، ثم ~~لا يرد عليه من كل ذلك إلا بالخيبة، وهذا، أعزك الله، سر من أسرار ضيق ~~الناس بالحياة وتبرهم بأقدارها، لأن أكثر أعمالهم وآمالهم من جنس ذلك ~~السؤال، فما أقل من ينتهز من يومه قبل أن يذهب يومه، وما أكثر من يريد غدا ~~قبل غد ... # ولكأني بهذا الإنسان يود لو أسرع الفلك في دورته وجعل يرتمي به المرامي ~~البعيدة لينهب ما في الغيب نهبا ولينال الممكن كله وشيئا من المستحيل أيضا ~~... فيحيا بعد ذلك حياة طيبة عذراء لا تلد لياليها من مواليد الغيب قليلا ~~ولا كثيرا ... # PageV01P029 # دونك آمال الناس فانظر هل تجد في هؤلاء الحمقى من يصب آماله إلا في قالب ~~يسع ضعفيه على الأقل، وهو يحسب أنه بتوسيعه لها يخفي جانب الاستحالة فيها ~~ولا يدري أنه يخفي جانب الممكن المعقول أيضا ... ، يصبها في قالب التمني، ~~وما موضع التمني في عالم الحس وفي هذه الحياة الأرضية التي لا تزال تضرب ~~جيلا بجيل، وتدفن قبيلا بأيدي قبيل، ويهملها الإنسان في الكثير وهي لا ~~تهمله في القليل؟ وهل التمني أن تكون حوادث الحياة ما أريد ms060 أنا وما تريد ~~أنت وما يريد فلان، إلا كما يتمنى كل إنسان من هؤلاء أن تكون غير نفسه، ~~وكما يتمنى الطفل حين يجيب معلمه خطأ ويعلم أنه أخطأ أن يكون الجواب حقيقة ~~كما أخطأ..؟ وقد يقال إنه ليس في العلماء أحمق ممن يكد ذهنه في ابتكار جواب ~~غريب لمسألة لا تقع لإنسان ولا يحتاج أحد إلى جوابها، فكذلك لم أرى في ~~الجهلاء أحمق ممن يسأل الحياة سؤالا لا جواب عليه أو لا يفهم الجواب عليه، ~~كل ذلك حمق، وكل ذلك سخف، وكل ذلك عبث باطل، ولكن يا أسفا على الناس! كل ~~ذلك من مذاهب الحياة، وكل ذلك من الواقع! فالناس من بين طامع جريء إن نفعته ~~الجرأة ذهب بمنفعتها الطمع، وقانع ساكن إن أفادته القناعة ذهب بفائدتها ~~السكون، ومتحيل على الغيب يستجمع له والواقع قد نفذ فيه، ومتبرم بحاضره ~~يبني على السماء والأرض تهدم منه، وقليل من الناس المؤمن الوثيق الذي يشعر ~~بقوة الله في كل ضيق، فإن لم ينصره الله على الحياة لا يخذلها فيها، وتراه ~~لا يشك فيما يعرف ولا يريد أن يعرف ما يشك فيه، وهو يعلم أنه ليس شيء من ~~المصائب والنعم يمكن أن ينزل في غير موضعه المهيأ له، إذ ليس في هندسة الله ~~مكان مختل، وأن النعمة الصحيحة ليست في لذات الإنسان الحي ولكن في حياة هذا ~~الإنسان، إذ الحياة صحيحة هي التي توجد اللذة، وأن القوة التي تسمو بالحياة ~~حتى تسخر لها الطبيعة تسخيرا إنما هي قوة العقل، فإن وهن العقل صارت الحياة ~~طبيعة حيوانية لا لذة فيها ما خص به الإنسان دون الحيوان من روح الله، بل ~~تكون اللذة كل اللذة هي فقدان الألم أو إطفاءه إن تسعر. # وتالله لو أفرغت طيبات الدنيا في جوف هذا الحيوان الإنساني الذي وصفت لك ~~ممن يسمونهم الأغنياء والمستمتعين وأهل الحظ والهناءة، ما زادت في لذته على ~~ما يكون من إفراغ حقل من البرسيم في جوف حمار..! قال "الشيخ علي": وكما ~~يفقد أكثر الناس السعادة في ms061 كثرة الاستعداد لها والإغراق في وسائلها، يجدها ~~بعضهم في إهمالها حين لا يبحث عنها باحثا عن حقيقة الحياة. # ويا عجبا للناس! كأنهم ملكوا الأعمار، وضمنوا لأنفسهم دولتي الليل ~~والنهار، فقلما يفكر أحدهم إلا في زاد الدهر البعيد والحياة المتطاولة ~~والأمد الواسع، وهو لا يرتاب في أ، ه لا يعيش غير عمر واحد محدود، ولكنه لا ~~يدري أنه يحمل على نفسه من تلك الأطماع شقاء بضعة أعمار طويلة عالية السن ~~ويسوقها بين يديه ظالعة عرجاء تطلب السعادة في طريق لا آخرة له، فهي تسير ~~لأن بين يديها غرضا ما ينفك ماثلا على بعد منها، ثم تنبعث لأن الطريق لا ~~تنتهي، ثم تقف عاجزة لأن الحياة قد كلت، ثم تقع وما بها حركة لأنه انتهت ~~إلى الحفرة المجهولة التي تنشق تحت قدمي كل إنسان في الساعة التي هو رهن ~~بها ولو كان طريقه في النعم واللذات على وادي الجنة بين الشمس والقمر! كل ~~شيء ما شئت أن تتوهم، ولكن الحياة هي الحياة: هي الحقيقة التي تريد أن ~~تعرف، والمدة التي تعمل أن تنقضي، والمعنى الذي تطير حوله الأقدار وتقع ~~لتلتف الناس إليه، هي الحياة التي لا تتسع لأكثر من قضاء الواجبات، ولا ~~تحمل جسدها إلا ريثما تبليه، واسمه الحياة ومعناها النجاح، وهي الحياة لا ~~المال، والحياة لا الشهوات، والحياة لا المطامع، وإنما قيمة الحياة فيما ~~نذهب لا فيما يذهب بها، فكل لذة لا تجد لروحك أثرا فيها لذة ميتة، وحقيق بك ~~عندها أن تحسب أن شيئا من عقلك أو من فضيلتك قد مات فيها. # PageV01P030 # ولقد نقلوا في أساطير الأولين عن "ميداس" أنه بلغ من فرط الغنى أن لا ~~يلمس بيده شيئا إلا استحال ذهبا، فأرادت آلهة الخرافات أن لا ينخدع الناس ~~فيه ولا يسحر أعينهم أو يسترهبهم، وأن يعلموا أنه إنسان، وأن فرط الغنى ~~مثلة به، فمسخ "أبولون " أذنيه فكانتا ... أذني حمار ... ولعل فرط الغنى يا ~~بني لا يكون في الأعم الأغلب إلا مع هذه الآذان ### | .... # وما أملحها نادرة وأبعها إشارة وأحكمها ms062 ملحة! فإن كل ما في الحمار لا بد ~~منه لتكوينه حمارا سويا، إلا أذنيه الطويلتين، فلو حملها إنسان كميداس رزق ~~غنى الحيوانية فهما برهان على أنه ليس بإنسان صحيح ولم يستطع أن يكون شيئا ~~حتى ولا حمارا من الحمير! وأي شيء هذا الغني الذي يأكل ويتمتع ولا يرتعي من ~~لذات الحياة إلا الخضراء الناضرة، وقد سلط على هلكه ماله أو سلط ماله على ~~هلكته فإن ذهبت تعتبر 'نسانا لم ترى فيه من الإنسان إلا النصف الأسفل ### | .... # أهو حيوان؟ فأين عمله الطبيعي إذن، فإني لا أرى هذه الحيوانات كلها إلا ~~عاملة لنظام الطبيعة كما تعمل الطبيعة لها. أم هو إنسان؟ فأين عمله ~~الاجتماعي الذي يسني منزلته إذا أصبح الناس على منازلهم، وأين الحد ~~الإنساني الذي يصله بمجد الماضي أو يدل عليه في عمل الحاضر أو يلحقه بأمل ~~المستقبل؟ إن الطبيعة يا بني لا تغفل خطأ ولا تنسى مذنبا ولا تصفح عن ~~إساءة، ولكنها تضرب بيد ألطف مسا من الهواء وأخف موقعا من الضوء، على حين ~~أن صفعتها زلزلة لا يقوم لها بناء حي، فلو أن مثل هذا الغني قد أعطي معدة ~~حمار أو أعصاب بغل أو قوة فيل أو نحو ذلك، لتم تمامه بالمال فوجد في هذا ~~المال مسد حاجته كيف مست، غير أنه أعطي شره الحمار دون معدته، وأعطي في هذا ~~الباب من البغل والفيل وغير البغل والفيل دون ما يحمل ذلك وما يبعث عليه، ~~فكأنما مسخ من باطنه مسخا على حين أن طبيعته الإنسانية لا تخلو على هذه ~~الأبواب من هذه الشهوات ولا تصلح بها ولا تطعم فيها من الحياة. وقد حدثوا ~~عن امرأة من ذوات النعمة الفاشية في أميركا اتخذت كلبا فوقع منها بموضع ~~محبة شديدة، فاستصفته وتحفت به وذهبت كل مذاهبها في ترفيهه وفتحت عليه من ~~دنياها العريضة، فنصت له السرير، وفرشت له الحرير، وأبدلته سماع الموسيقى ~~من سماع الهرير، ومنتعه العظم يعالجه ويقرضه، وحرمته على الجوع يقعده ~~وينهضه، وما زالت به ترأمه وتحنو عليه. فإذا هو ms063 يذوي ثم يضعف ثم يمرض ثم ~~يهلك، وكانت المرأة كأنما تقتله بالنعمة شر قتلة، وتصب عليه العذاب صبا من ~~ألوان ذلك النعيم، فكيف بصاحبنا الغني حين تبالغ الطبيعة في ترفيهه على من ~~يشاء له الهوى من سنة الحمار والبغل والفيل وجماعتها كما بالغت صاحبة الكلب ~~في ترفيه كلبها على سنة الإنسان؟ قال " الشيخ علي": الحياة يا بني مدة، ~~والمدة ضائعة لولا العمل، والعمل على مقدار المنفعة، والمنفعة بآثارها، ~~وهذه الآثار هي تاريخ الحياة، فالأحمق الشره الذي يعيش مقبورا في بطنه، ~~والغني اللئيم الذي يعيش مقبورا في خزانته، والفاسق العاهر الذي يعيش في ~~مقبورا في رذائله ومخازيه، والدنيء السفلة الذي يعيش مقبورا في جرائمه ~~وآثامه، كل أولئك لا تاريخ لحياتهم ولا حياة لتاريخهم، فهم أناس خلقوا ~~بخصائصهم لتمثيل ألوان العذاب وأصناف العقاب، يقع ذلك عليهم من الله ثم يقع ~~منهم على الناس، وإنما يعان المخذول منهم على احتمال أمره بما هو فيه من ~~الغرور وما يطوع له، وما كان الغرور وصاحبه في عاقبة الحياة ورجع الأمر ~~كرجلين من الحمقى ضمهما طريق فاصطحبا، ثم أفضى بهما السير إلى جبل قطع ~~عليهما، فقال أحدهما لصاحبه: إني أراك شديد الأسر قوي البضعة، وما أرى إلا ~~أن تحمل هذا الجبل وتلقيه بعيدا من هنا، فلا مذهب لنا إلا من ورائه ### | ..... # قال له صاحبه: أما إني كما وصفت، وإن بي لقدرة على حمله، فما عليك أنت ~~إلا أن تضعه على ظهري! ... فلا الحامل أطاق فحمل ولا المعين استطاع فأعان، ~~وإنما هما كحماري العبادي الذي قيل له: أي حماريك شر؟ فقال: هذا ثم هذا ... # PageV01P031 # وهكذا يعين الغرور على طلب الدنيا ويزين للمغرور فلا تراه أبدا إلا على ~~زينة من أمره حتى تذهب الحياة في باطل كالحق أو حق كالباطل، فإذا حسم الموت ~~عنه مادة غروره وجاءه باليقين الذي لا مرية فيه! قال: ويحي! لو رجعت لعلي ~~أعمل صالحا فيما تركت! وآه لو عرفت حقيقة الحياة قبل الموت، أو عرفت حقيقة ~~الموت وأنا بعد في الحياة! أيها المغرور! ms064 ما أراك إلا دائبا في طلب الحياة ~~حتى تفقدها من شدة الطلب فلا تكاد تستوضح ما هي، فإياك وإياها، لا تأخذ ~~معنى الحياة من نفسك إن لنفسك أغراضا حية تريد أن تكون هي الحياة، ولا من ~~الناس، إن فيهم أغراضا حية تريد أن تكون هي الحياة، ولا من الناس، إن فيهم ~~أغراض نفسك، ولا من مدة عمرك، فإنها لا تبلغ طرفة واحدة من عين التاريخ. # ولكن أعد نظرا على ما ورائك وخذ معنى الحياة من ستة لآلاف سنة عرفت من ~~تاريخ الحياة نفسها، ثم من عمر الأرض كله، ثم من تاريخ الموت المجهول أوله ~~وآخره، خذ معنى الحياة من هذه الأفواه الصامتة التي لا تكذب لأنها تحفظ ~~الحقيقة الإنسانية، من هذه القبور التي تملأ الرحب، من هذه الهاوية التي ~~ينصب فيها فراغ الحياة دائما لأن تحتها مجرى التيار المتدفع من النهاية ~~الأرضية المعروفة إلى الأبد الذي لا تعرف له نهاية، خذها من هذه الكلمة ~~التي وضعتها السماء للأرض، هذه الكلمة الأزلية التي تحقق الإخاء والمساواة ~~في الناس جميعا بلا تأويل ولا شذوذ، الكلمة التي يكون القبر زاوية في ~~معناها، كلمة الله عز وجل في قوله: (كل من عليها فان فإن يبقى وجه ربك ذو ~~الجلال والإكرام) . # أيها المغرور. خذ الحياة حقيقة لا وهما، وعملا لا علما، واسمع للحياة إن ~~كنت تعرف لغتها، أو اسمع للموت الذي يعرف كل إنسان لغته، فإن كل ذلك يعلمك ~~أن الرجل الحر لا يعرف على أي حالة يعيش إلا إذا قرر لنفسه على أي حالة ~~يموت: وأن الحياة ليست في الوجه الذي توجد عليه من الغنى إلى الفقر، ولكن ~~في الوجه الذي تنتهي عليه من العمل الصالح إلى العمل السيئ، وليست في ترفيه ~~الحواس الغليظة، ولكن في النفس والضمير: الضمير النقي، لثواب الدنيا وجمال ~~الحياة ولذة الخير، والنفس الطاهرة، لثواب الآخرة ونضرة الخلود ورحمة ~~والله. # قال "الشيخ علي": فلا تسأل يا بني ما هي الحياة؟ ولكن سل هؤلاء الأحياء: ~~أيكم الحي؟ ... ### $ سحق اللؤلؤة ... # قال "الشيخ ms065 علي": وإني محدثك الآن حديثا يشفي نفسك من الخبر، ويفتح عليك ~~أبوابا من العبرة والموعظة ويحضرك طرفا من الدنيا بأقداره وعلله ومذاهب ~~حكمة الله فيه كأنما أنت شاهد أمره، فلتعلمن أن في المال مشغلة عما سوى ~~المال، وأن الحرص عليه حق الحرص لا يدخل أمرا من أمور الحياة فيعترض بين ~~ورده وصدره إلا من ساء أحدهما أو كلا هما وفسد الأمر فعسى أن يتصل بما هو ~~أجل منه خطرا وأنسى منزلة، فلا يكون ذلك الحرص إلا مضيعة، ولا تكون الرغبة ~~فيما يستخلف إلا سببا في ذهاب ما لا يستخلف. # ولتعلمن أن المال شيء غير الحياة، وأن الحياة شيء غير المال، وأن ما يخدع ~~الإنسان فيتلون له من سراب هذه السعادة إنما يكون أكثر ما هو كائن من بريق ~~المال يحسبه شيئا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، وعسى ألا يكون فيما أقبل من ~~نعيم الدنيا إلا ما يدبر صاحبها، وأن لا تصيب فيما روي عنك من حظها إلا ما ~~يقبل بخط نفسك عل نفسك. # ثم لتعلمن أنه إن كانت للقدرة فترة عن رجل من الناس فقيرا أو غنيا أو بين ~~ذلك، فما هي غفلة ولا معجزة، ولعل الرجل إنما يمد له في الغي مدا طويلا حتى ~~إذا جاء يومها انفجر عليه بما لا يطيق له سدا ولا يستطيع له ردا وأنه رب ~~كلمة تعارف الناس معناها وأجروها على مذهبها في كلامهم فإذا هي نزلت بعض ~~منازلها من الحياة كان لها معنى آخر لا تفسره إلا الحياة نفسها، ثم لا ~~تفسره إلا على ضد مأخذهم ومقصدهم، فيقول الناس "فلان الأمير" ومعنى ذلك ~~فيما نراه من حوادث الحياة وأقدارها فلان النذل، ويقولون "هذا الغني" ومذهب ~~الحياة أنه الشقي بغناه، وفلان أعزه الله وإنما هي أخزاه الله بعزه، ~~ويحسدون فلانا إذ يرون أن الله عز وجل قد مكن له وآتاه من بسطة المال ~~والجاه وهو يستعد للحياة بأفضل عدتها ثم تقع الواقعة ويتغشى فلانا هذا ما ~~شاء الله من الحوادث والأقدار فإذا هو ms066 كأنما كان يستعد للموت بأقبح عدته!. # PageV01P032 # ولتعلمن كذلك أن الغاية من هذه الحياة كمال الحي في جسمه ونفسه، فإن تم ~~بالفقر فذلك غناه، وإن نقص بالغنى فذلك فقره، ولا شأن لاصطلاح الناس فيما ~~هو خاص بين المرء وذات نفسه، وهذا معنى بسطته لك آنفا ولكني متلقيك بمثاله ~~من رجل وامرأة، ولا عليك أن لا تسمع حديثا عن الباشا و"هانمه" أو أبي زيد ~~وأم الخير، ولا على أن أجيئك بالمثالين على باخرة أجعل ذلك من صرف الكلام ~~وتزيينه وما بلادنا من هذه المخازي بمنتزح، ولكني أردت إمتاعك من لذة ~~الحديث على مدار إمتاعك من حكمة الحادثة، والكلام عن رذائل الحياة في ~~بلادنا هذه كلام غي يتجافى عن الرقة في أكثر مناحيه، وإذا وجهته إلى أكثر ~~قومك فإنما أنت تشتمهم به أ, هم يتلقونه من هذه الجهة، ولا مناص أن تقع بك ~~ظنة السباب وإن كنت واعظا، ويقال عاق وإن كنت برا، وغاش وإن كنت من ~~الناصحين. ### | الرجل البخيل # أما فلان هذا فهرم بخيل لو مسخ حجر لتحطمت من غيظها الأحجار، ولو كان على ~~بخله حديدا لما لأن الحديد في النار، ولو صوره الله طينا أجوف لما طن في يد ~~أحد على نقر، ولو خلقه مرة أخرى من تراب لما جمع هذا التراب إلا من ثياب ~~أهل الفقر. # وهو نبي أمة البخل، أما معجزته فهي قدرته على أن يستنبط غير المألوف من ~~المألوف، ويستغل الصفر فيخرج منه ألفا إلى ألوف وإنه على ذلك لآية، فما رآه ~~المؤمنون إلا قالوا: اللهم غفرا، ولا رآه الجاحدون إلا زادوا عتوا وكفرا. # وكم تمنى وهو يتهالك حرصا أن يكون كإبليس في أنه لا يموت غلا متى هرم ~~الدهر، ولا يذهب من الأرض إلا حين لا يبقى في تاريخ الأرض ولا شهر، وإذا ~~خوفته الموت والحساب قال: ويلك دع عنك، وإذا علم أنه سيعطى كتاب أعماله في ~~الآخرة قال: يا ليت صحفه من "ورق البنك"! على أن درهمه في أيدي الناس هم ~~واسمه في أفواههم سم، وكم ms067 لأمواله من قتيل فمن استلف، فقد ذهب به التلف، ~~ومن اقترض، لقد انقرض! وكم من بائس قشعت غمامته، ثم غالت هامته، وقضت دينه، ~~ثم أبكت عينه، فو الذي نفسي بيده إن دراهم هذا الخبيث لتعد من اللصوص، ~~وإنها للئيمة على العموم أما هو فلئيم على الخصوص، يرسل الدرهم في يد ~~المحتاج فيذهب فيه ديناره، ويقدح فكره الملتهب فلا تقع إلا في بيوت الفقراء ~~ناره، ولو كان مخلوقا يوم عرض الله الأمانة على السموات والأرض والجبال ~~فأبين أن يحملنها، لحمل وحده الأمانة، وإذا كان مبلغ القول في وصف كل غني ~~كريم أنه "صراف" في خزانة الله فجهد القول في هذا اللئيم أنه لص الخزانة! ~~وهو على غناه كأنه في الناس بؤس المفلس في القمار. وكأنه لحقارته ذيل ~~الحمار، إن طلع عليهم فطالع زحل، وإن غاب عنهم فوباء رحل، ومتى ذكروه، ~~فكأنهم نكروه، وإذا قضي عليهم أن يسمونه فكأنما شتموه. وإذا وصفوه قالوا ~~وجع الأظافر، وذنب بلا استغفار، اللهم قنا عذاب النار! أما وجهه فلو أنزل ~~الله مرآة من السماء فنظر فيها لصدئت من قبح خياله، كصدأ ذلك المخزون من ~~ماله، وأما روعته فلو خرج على الحسان لابتلاهن بما يفجأ الظباء من رؤية ~~الفهد، وامتلكهن بما يعتري المرضع إذا كشفت عن طفلها فأبصرت الثعبان في ~~المهد، وأما جهامته فلو نظر إليه البدر لغرب، ولو طلع عليه الفجر لهرب، أما ~~روحه الخفيفة.. فلو بعثت خلقا آخر لما كانت إلا بقة صيف، في رقبة ضيف، أو ~~بعوضة تلسع العاشق المهجور فتوقظه وقد ظفر بالطيف،، وحياته كالبلاء ~~المحتوم، وغناه كالكنز المختوم، وأما هو فكالقبر الكتوم. # وأحسب لو رسمه أمهر المصورين بأبدع خططه وألوانه، وأنطقه من عينه ~~وعنوانه، وجعله آية فنه وافتنانه، وترك من يراه لا يحسب إلا أن المصور قد ~~سرقه، أو أن الله تعالى مسخه على ورقة، لبقي مع ذلك في رسمه مغمز لا تصلحه ~~إلا يد الشيطان الرجيم! ولا تلونه إلا شعلة من نار الجحيم ... ومن للمصور ~~بشرارتين من الصاعقة ينزلهما في الرسم ms068 لتظهر بهما عيناه، ومن له برقبتي ~~البخل والرذيلة يطبق عليهما يسراه ويمناه، ومن له بلونين من غضب الله ~~ونقمته يظهر وهما في الصورة معنى فقره وغناه؟ ولست أطيل في القول، فما أنا ~~ببالغ من القول بعض صفاته وهيهات أن يصفه على الحقيقة إلا من يعلم لغة ~~الملائكة فينقل إلى لغة الناس كتاب سيئاته ... # PageV01P033 # قال "الشيخ علي": ذلكم هو "الكونت فيكتور" رجل أملق أموال الناس وزاده في ~~ماله، وجمع بين سوء حمل الغنى وسوء حمل الجاه، وعرف النعمة ونسي المنعم ~~بها، فكأنما فتح الله عليه من هذه الدنيا ومكن له في أبوابها وأفشى جاهه ~~ونعمته على ما ابتلاه به في خاصة نفسه من المحق، ليجعله واحدا من أولئك ~~الذين يخرج للناس من تواريخهم قصصا في الأخلاق محكمة السبك في نسق التأليف ~~الإلهي المعجز الذي يأتي بالحادثة في موضعها حية وميتة، وينزل الكلمة في ~~مستقرها من الموعظة ولو أن فيها ذهاب نفس وإدبار نعمة، ويدير المثل والفلك ~~بأسلوب واحد. # وقد أسند هذا الرجل في حدود السبعين وكادت تحطمه السن، ولا يزال متأبدا، ~~ولم يستر سقف بيته امرأة، ولا ضحكت الشمس فيه على وجنة طفل يبتسم. وقد نشأ ~~على أن حب المال لا يستقيم إلا ببغض النساء، لأنه أكثر ما يجمع لهن وأكثر ~~ما ينفق عليهن، ولا يرى المرأة إلا أنها "ثورة مالية"، و"سوق في البيت" ~~و"أزمة يحتال الرجل للخلاص منها بالوقوع فيها" ... ويقول إنها منذ أكلت من ~~الشجرة الملعونة في السماء جعلت الرجل شجرتها الملعونة في الأرض، فهو ما ~~عاش سنبت وينمو وهي ما عاشت تحصد وتأكل ### | .... # وقال مرة: إن الرجل لا يزال عقلا حتى يتزوج، فإذا هو فعل فهو صار من زوجه ~~وأولاده سلسلة بطون ... فقيل له: ولم لا يكون يومئذ من زوجته وأولاده سلسلة ~~عقول؟ قال: إلى أن يصبح أطفاله القدماء رجالا يكون هو قد صار طفلهم القديم! ~~... # وجاءه يوما سمسار يساومه في أرض له وجعل يراوغه ويترقى إلى خديعته بما ~~أوتي السماسرة من خبث ودهاء، ويقبل به مرة ويدبر ms069 به مرة، والكونت في كل ذلك ~~يعبث وينمي له، ثم صرفه على طمع كاليأس، فلما ذهب مدبرا قال: ويحي! لو أن ~~هذا السمسار كان امرأة جميلة إذن لأدارني في يده كما يرقص الدينار على ~~الظفر، فالحمد لله إذ خلق النساء على نظام رحيم فجعل في هذا الشر المحتوم ~~موضعا للهرب ... # ولما بلغ الخمسين- بعافية من الله- قال: أحسبني لو كنت متزوجا يزما فإن ~~امرأتي في هذه الساعة تلتقم ثدي أمها ... فسأنتظر حتى تصلح لي! فأجابه ~~بعضهم: وحتى تصلح لها أيضا! ... # وتواصفوا عنده الجمال مرة وأفاضوا في حديث النساء والنعمة بهن- وقد تعالم ~~الناس ذلك البغض منه- فلما أضجروه قال: حسبكم يا قوم، ما أراكم إلا تخلقون ~~إفكا إن هذه المرأة في حقيقتها غير تلك المرأة في وهم الرجل، فهي هي حتى ~~يبعث عليها وهمه ويصبغها بألوان نفسه وتستضيء به فكأنها منه أمام الفانوس ~~السحري! ... إن المرأة خصم عنيد لا يقتل بالغضب ولكن يقتل بالضحك، وشر ما ~~فيها أنها إن لم يكن منها قتل فليس معها حياة. # تقولون إن الرجل محتاج إلى المرأة! فقد كان ذلك أيام كانت المرأة كأنها ~~في عملها للرجل رجل آخر ... فتلك حاجة اليد لليد، وحاجة الظهير إلى الظهير، ~~ولهي مناقلة طبيعية في الجنسين بين قوة تحتاج إلى ضعف يخفف من سورتها، وبين ~~ضعف يحتاج إلى قوة تشد منه، فلو كان العالم كله رجالا، إذن لطالت أنيابهم ~~كثيرا ولما وجد على الأرض من يخترع مقصا للأظافر. # أنا لست أنكر أن المرأة شيء طبيعي، وما هي بهولة من الهول ولا مسخ من ~~المسوخ، ولا أنا آسف على خروج آدم من الجنة بذنبها، فإني رجل اقتصادي، ولقد ~~كان من هذا الذنب رأس مال كبير، فإياكم وإياي، لا تظنوا أني أكابر أو ~~أماري، ولا تحسبوني جلفا يكره الجمال ويريد أن يكون للمرأة بديلا من رأسها ~~النحيف المكلل رأس جاموسة.. وبدلا من يدها الرخصة الناعمة ظلف بقرة ... ~~حسبكم يا قوم- حسبكم الله- لا أطيق هذا العبث معي، ولكني أسمعكم تقولون ~~المرأة وتقولون المرأة ولا أرى المرأة نفسها ms070 كما تحدثون وتصفون، بل أرى ~~مخلوقة غريبة الأطوار في هذه المدينة، وأرى خرقاء إن لم يكن معها الإفلاس ~~فلا أقل من أن يكون معها الندم أو الغيظ أو السخط، وربما كانت بلاء ماحقا ~~يزف إلى الرجل يوم زواجه باحتفال ... يخيل إليها من الفكر في المال أن ~~الرجل هو مال أيضا، وتريد أن تتزوج، ولماذا؟ لأن المحراث لا يلتمع نصله إلا ~~بعد أن يجدوا له الثور ... # PageV01P034 # امرأة متأنقة لا تريد أن تطلع الشمس كل يوم على زي جميل ليكون لزوجها كل ~~يوم هم جميل، ثم هي أحسن ما تكون حين تخرج من بيتها كأن بيتها منخل لا يمسك ~~منها إلا الحثالة! ... إننا يا قوم لقاء المرأة لا تلقاء معجزة من معجزات ~~الأنبياء، فنحن نستطيع أن نقول هذا خطأ فيها وهذا صواب منها، ولكنها على أي ~~أحوالها لا تريد أن نكون معها أبدا إلا على حالة واحدة، تريد أن تشبه ~~نفسها، لأنها لا ترى أكمل من نفسها، أما الرجل فهو إذا رأى فيها نقصا فذلك ~~عندها لأن عينه عين رجل تكاد أهدابها تكون من شعر اللحى والشوارب ... فمن ~~ههنا لا يرى الخبيث تلك الحسنات النسائية التي تترقرق من المرأة في كل شيء ~~صافية جميلة كنور القمر. # ترى هذه المرأة أن كل حسن في أعمالها لا يكون إلا أحسن شيء لأنها حسناء، ~~ولكنها لا تقر أبدا أن كل قبيح في أعمالها ينبغي أن يكون أقبح شيء ولماذا؟ ~~لأنها حسناء أيضا! ... # هذه المرأة الجميلة قد ظنت عند نفسها أنها شيء مقدس، ولذلك لا تريد أن ~~تعمل عملا، كبقرة البراهمة، فيا ليت الرجل كان شيئا مقدسا أيضا كعجل ~~المصريين القدماء!.. ولكن البقرة المقدسة في المرأة لا تعرف العجل المقدس ~~في الرجل! ... # يا هؤلاء، إنما الرجل مخلوق قوي، ولكن معظم قوته منصرف إلى حواسه، فمن ثم ~~كان في يد المرأة ضعيفا، لأنها على ضعفها ينصرف ما فيها من القوة إلى ~~عواطفها، فلا يلتقي الخصمان إلا كانت الهزيمة على الرجل، وقد كان لولا سفاه ~~رأيه في منظر ms071 عن هذا ومستمع، فما رأيت قط رجلا يهوى امرأة إلا اعتد سلطانه ~~في أنه يشعر بسلطانها عليه، وكان رضاه في أنها راضية عنه، فهكذا هكذا. # جعل الرجل حاجته الكبرى في المرأة، وبالغ في توهم هذه الحاجة، وافتن في ~~تصويرها ألوانا وضروبا، فجعلت المرأة حاجته إليها سبب كل حاجة لها، وبالغت ~~في الطلب، واحتكمت فيم تطلب، وانصاع الرجل في يدها كالبهيمة السائمة، وجعله ~~التمدن الفاسد في رأيها كآلة الساعة: علامة ضبطها وإتقانها "أن لا تقدم ولا ~~تؤخر"! ... وأن تعجب فاعجب أن هذا الرجل نفسه إذا هو كبحها مرة عن حاجة ~~تطلبها، أرضاها بحاجة أخرى لم تطلبها، فكأن هذا المسكين إذ تعبد لها يأبى ~~إلا أن يكون عبدا بشهود وأدلة.. وتحسب المرأة اليوم أنها غير المرأة من ~~قبل، وغير ما كانت حالها، كأنها رقى في التاريخ، فقد غيرت نفسها بالفنون ~~والعلوم والأزياء، وبهذا التحكم الباطل وبهذه الدعوة الفارغة، وأنا أول ~~المؤمنين أنها غيرت نفسها ولكن غيرتهما الطبيعة؟ أيها السادة، إن كلمة ~~"هات" وكلمة "خذ" لولا كلمتان لخربت الدنيا وتقاصرت الأمور والأحوال، وكل ~~عمل وكل عامل يتركب منهما. فالدنيا كلمتان: "هات، وخذ"، والحياة كلمتان: ~~"هات وخذ" والمرأة التي تصفونها كلمتان أيضا ولكنهما: "هات، وهات".. # قال "الشيخ علي": ومر هذا الكونت في فلسفته يمضغها مضغ الماء وربما أصاب ~~شيئا، ولكن ماذا تنفع كلمة الحق يراد بها الباطل؟ وهذا الرجل يتكلم كأنه ~~ابن شجرة لا ابن امرأة ... ! على أن من تعلق شيئا من أمور الحياة وكل إليه، ~~وهو بعد لم يعرف غير المال يجمعه ويدخره، وقد خلقه الله رجلا ماليا ويسره ~~لم خلق له، وكثيرا ما رأى وجهه في المرآة فكان يعجبه من منخريه أنهما في ~~تفرطحهما "كحافري حصان الجنيه الإنجليزي"! ... # ولما استوفى عمر السبعين وأصبح في يبسه وموته كأنه جذر قرن من الزمن، خرج ~~في عيد مولده إلى سواد المدينة منحدرا إلى قرية يملكها، وانطلق يجتلي مناظر ~~الطبيعة، فكان لا يرى في السائمة والطير والنبات والأزهار إلا شبابا ~~وطفولة، وكان وحده منظر الهرم المستميت ms072 في هذه الطبيعة كلها، وأعجبته شجرة ~~قائمة على مسيل الماء، وأعجبه أن يتفيأ ظلها وقد تجفى بروحه المتعبة بردها ~~ونسيمها، فانطرح يتثاءب هنيهة وأحب أن يسافر إلى شبابه البعيد على مطية ~~النور، فكيس رأسه على ذراعه فإذا هو نائم كأنما جرع السم فخمده من فوره ... # PageV01P035 # ورأى فيما يرى النائم كأن الأرض ترقصه على أعشابها لتمسح عن أعضائه ~~التعب، ثم أبصر السماء في مثل تحاسين الطاووس من ألوانها وأصباغها كأنما ~~أشرف على الأرض فجر يوم من أيام الجنة، ثم نظر فإذا ضوء رطب يتندى وقد ~~ترقرق فأصاب شفتيه الذابلتين، ولمح على إثره وجه حسناء كأنها فلقة قمر، ~~فكان ذلك الضوء قبلتها وابتسامتها، وكان على قلبه "بردا وسلاما" فنصب لها ~~يديه يتناولها فإذا هي أمامه ضاحكة، وإذا هي ملء صدره وذراعيه، فارتجف جسمه ~~رجفة شديدة كأن فيها شوق سبعين سنة من الهجر، وما لبثت عقد أجفانه أن انحلت ~~فنظر فإذا يد فتاة قروية ناعمة تهزه برفق!.. # فانتهض الكونت كأنما نشط من عقال ولما تصح عيناه من سكرة الحلم فكان يخيل ~~إليه أنه يرى جمال السماء والأرض معا في طلعة هذه الفتاة وعلى غرتها، ثم ~~كشف لها عن رأس كفروة الأرنب البيضاء، وانحنى متأدبا وقال بلطف: أشكرك يا ~~سيدتي! أما هي فابتسمت له وقام في نفسها أنها هي ردت عليه روحه، ولأنها لو ~~لم تنبهه انتبه آخر الدهر، كأنما حسبته ميتا وظهر هذا الفكر في ابتسامتها ~~فأكسبها شيئا من قوة روحها، وجعل لشفتيها الحمراوين جمالا كجمال الشفق إذا ~~افتر عن نور الفجر. # وتأملها الرجل بمبلغ ما في نفسه من لذة الحكم وما في صدره من ضجعة تلك ~~الحورية التي تلوث عليه وتقلبت فيه "وبعث عليها وهمه وصبغها [ألوان نفسه ~~واستضاءت به، فكأنها من أمام الفانوس السحري! ... " وما خلق الله لذم أهنأ ~~للنفس من لذة الأحلام، فكأنما ترى فيها النفس شيئا من تحقيق المستحيل، وإن ~~في أعقاب هذه اللذة بعد اليقظة ما يشعر المرء بالأماني كيف جاءت وكيف ذهبت، ~~فكأنما كان في حياة أخرى، ms073 وكأن نفسه تتمسك بهذه الحياة ولا تريد أن تسلمها، ~~فتكون ذكرى الحلم نفسه على الحقيقة، لأنها نتاج ما بين لذة لم تكن شيئا ~~ولذة صارت شيئا. # وثبتت صورة الفتاة في عينه على ما اشتهى، وكانت زهراء اللون، حوراء ~~العينين، ساجية الطرف، أسيلة الخد، باسمة الثغر، حسنة التكوين كأنها ريحانة ~~ترف رفيفا، وتكاد من فرط رقتها تتكلم ابتساما حتى لا يحسب من رآها أن الشمس ~~طلعت يوما على أبعد من ثغرها واللؤلؤة، ولا أحسن من خدها والورد، وكأن ~~الطبيعة يعتريها أحيانا من سوء الحرص وسوء الخوف وسوء الحيلة بعض ما يعتري ~~الشحيح الذي يخبئ من الأداة والمتاع. فكانت "لويز" على ما وصفنا من الجمال ~~والظرف ولم تكن مع ذلك إلا قروية! أما صاحبها فما أشبهه بعنق النسر: شيخ ~~مضعوف، كالعرق المنزوف والعظم الملفوف، ممسوح العضدين، ناسل الفخذين، كأنما ~~يتوكأ منها على عصوين ### | .... # غير أنه له عينا يتوقد فصها ويستنفض الناس طرفها فلا يملك من تقع عليه أن ~~يضطرب، وكذلك اضطربت الفتاة، وما كاد الرجل يلمح اضطرابها حتى طبع الله على ~~بصيرته فحسب ذلك معنى من الغزل، وانطلق وراء خياله يمر به على آمال الشباب ~~الفانية، وكان لحظ الفتاة ينساب في عروقه دما يغلي، فحسب أن جسمه قد ثاب ~~إليه، وأنه بعث خلقا جديدا لهذا الحب الجديد. # ... ويبالغ في التظرف ويجلس قريبا منها يستنبئها وهي تطرف له من أخبارها، ~~فعلم من روايتها أنها شريفة النسب خالصة العرق، وقد نبا بها المنزل وانحط ~~الدهر على أهلها فهي ذاهبة إلى المدينة تتلمس حياة التقوى في دير العابدات ~~... وعلمت هي من رؤيته أن هذا الموت الماثل أمامها حياة، وأنه لا مذهب لها ~~من ورائه إذا هي أفلتته إلا مذهب القدر المجهول، ورأته كأنما يتسرب لفظها ~~ولا يسمعه، وأبصرت هواها في حماليق عينيه، فجعلت حينا تبسم له وتلحظه وحينا ~~تلحظه وتبسم له، وما تلفظ من أنة في بث حزنها إلا أحس المسكين أنها نقرة ~~على أوتار قلبه، ولعل الإنسان لا يمكنه أن يحب إلا إذا هيأت ms074 له الطبيعة ~~مجلس الحس على ما يشتهي وعلى ما هو مذهب الحب نفسه! وقد مذعت له الفتاة من ~~خبرها، وكتمت عنه أنه طريدة منبوذة استزلها فتى من عشيرتها على أن يتحللها ~~وكان مها مقعد فؤادها زمنا، ثم طوح بها عاره وغدره ولؤمه جميعا، فخرجت ~~هائمة على وجهها ولفظها قومها كما تطرح الثمرة إذا دب فيه الفساد من عبث ~~الطير! # PageV01P036 # قال "الشيخ علي": وانقلب الاثنان كلاهما صيد وصائد: أما هي فأصابت رجلا ~~مجنونا بها يحبها حب الجد والأب والزوج والعشيق، فإن ثاب إليه عقله من جهة ~~بقي مجنونا من ثلاث جهات، وحسبت أن الموت مصبحه أو ممسيه فهو همها عشية أو ~~ضحاها. ولقد كانت من الضائقة والعوز وشدة الاختلال بحيث لو عهد إليها أن ~~تغسل الزنجي حتى يبيض لقاء درهمين لطمعت فيهما ... ! وأما هو فقد ظفر في ~~زعمه بالمرأة الطبيعية التي نبتت مع الأزهار، وطلعت في سماء الحياة مطلع ~~ضوء النهار، وحسب أن هذه الفتاة التي تناهز العشرين إنما هي زيادة عشرين ~~سنة في عمره ينتهبها من القدر انتهابا ويقضي بها بين الحب طفولة وشبابا. ~~ولست أدري كيف عذب العقل عنه، ولا كيف خذله رأيه، ولا كيف وهى ركن فلسفته ~~وكان من قبل وثيقا وكيف أحب منذ الساعة وقد كان يتصاون عن النساء ويحسب أن ~~بغضهن عقد لا يحله إلا من يحل عقدة نفسه ... ! ولكن الحب يا بني لا يكون ~~عجيبا بلا شيء يعجب منه، وكثيرا ما يمتلئ الرجل بغضا ليحب ب ذلك بمقدار ما ~~أبغض، فمثله كمثل من يبحث عن البرهان بطريقة من طرق المغالطة التي لا تؤدي ~~إليه، فمتى أصابه كانت قوة البرهان بطريقة استخراجه العجيبة أشد منها في ~~البرهان نفسه. # وهي الأرواح ما زال بعضها يتسلط على بعض، وما أن يزال في كل روح معنى هو ~~الوسيلة إلى هذا التسلط ومنه مصاغه ومأتاه، فلو قلت إن في مسلاخ ذلك الرجل ~~معنى الحمار لما كان في الفتاة إلا معنى العصا، وكذلك انطلقت وهي تسوقه في ~~طرق مصائبه، وعند العصا ms075 تفرغ حيلة الحمار ولو كان الحمار أبيا. ### | في الحب # من هذه الهيفاء التي تستميل ولا تميل، وقد استبدي بالجمال فلا يرى في ~~غيرها شيء جميل، طالعة كالضحى فكل نجمة من ضوئها كاسفة، لاهية كالنسيم وفي ~~كل قلب من حبها عاصفة، وقد عبدها العشاق باطلا كما يعبد المجوس الشمس، ~~وتمنوا في دلالها المحال كما يتمنى المرء من أمس، وكتب عليها هواها ~~المحتوم: "جند ما هنالك مهزوم"! وكم تمنوا لو أن لين أعطافها، يتعدى إلى ~~انعطافها، ولو أن بعض ابتسامها، يشرق على ظلمات اليأس من غرامها، وهي تقتل ~~منهم برضاها وغضبها على السواء، كأن حبها الموت: متى قضي جاء به الداء وجاء ~~به الدواء! ### | في الحفلات # ومن هذه الطالعة في غلائلها، المعروفة في الحسن بدلائلها، المشرقة كالبدر ~~في ظلمة الحلك، الضاحية كالشمس في قبة الفلك، تعترف بالهوى في ألحاظها، ~~وتنكره في ألفاظها وتقبل بعينيها سائلة عما بين جنبيك، وتلتفت بجيدها مائلة ~~عن جواب عينيك، وقد حسرت عن زنديها، ووضعت رمزا للحب تلك الوردة على ~~نهديها، فلاحت للمحبين كأنها روح القبلات من خديها؟ ### | في الرقص # ومن هذه الزهراء كالزهرة المشبوبة، الحسناء كالدمية المنصوبة، المشرفة في ~~زينتها كغرة الدينار، اللائحة في ميناء الدموع كما يلوح المنار، وقد شف ~~قلبها عن الجوى كما يشف الزجاج، وتدافعت من طرب الهوى كما تتدافع الأمواج، ~~وحتى ترقص على حركات القلوب في الضلوع وتسترسل في سهولة كأنها جسم خلق من ~~الدموع، والأبصار قائمة على قوامها، والنفوس حائمة منها على حمائمها، ن وما ~~هي في عين المحب إلا خطرات الطيف، أو رقة نسمات الصيف، ولا رقصها إلا معركة ~~في الحب قام فيها اللحظ مقام السيف؟ ### | في الموسيقى # ومن هذه الباسمة كالأزهار، الساجعة كالأطيار، التاركة عشاقها كالشمس بين ~~طرفي الليل والنهار، القائمة كالكأس في اليد، الناعمة كالحمرة في الخد. وهي ~~تحيي بالصوت لأنه يخرج من صدرها وتسكر باللفظ لأنه يمر من ثغرها ويكاد يخلق ~~من سحر القلب المفتون، ومن حركات أناملها العقل المجنون، إذا صدحت فحمامة! ~~وإذا رقصت فغمامة، وإذا أرسلت ms076 من يدها صيحة الأوتار أقامت للطرب القيامة؟ ~~تلك هي درة الصدفة المطروحة على ساحل الموت، وهي حمامة ذلك القفص البالي ~~المصنوع من العظام، وهي خطيبة الكونت فيكتور..! وتلك هي لويز القروية ~~الساذجة، كانت نبتة في الطين، فأصبحت زهرة في وعاء ثمين، ولأن تكون نبتة ~~مهملة وتنمو، خير من أن تكون زهرة مرعية وتجف. # PageV01P037 # ولقد رأى الكونت أخزاه الله أن أحسن ما يكون الاستمتاع بالجمال حين يكون ~~الجمال فنا وفتنة، فأنا الفتنة ففي عيني لويز وجمال تكوينها، وأما الفن فلا ~~سبيل إليه من هناك ولا من فلسفته، وليس إلا أن يبسط يده كل البسط حتى تنبت ~~له تلك الزهرة من أغصان الذهب والجوهر، فأنفق واتسع في الإنفاق، وجعل آمال ~~شيخوخته كلها مقترحات في زينة الفتاة، فبرعت البراعة كلها في الرقص ~~والموسيقى وأحسنت من الفن النسائي في أساليب الظرف والجمال والزخرف على ~~جسمها، ما ترك هذا الهرم المتصابي المفتون يفاخر الناس كافة بأنها خارجة من ~~قريحته. # وأعجب ما في الأمر أنه على كثر ما أنفق وطائل ما بذل، لم يكن يرى أنه ~~أنفق على لويز ما لا بد منه على لويز، وهو منذ أصبحت في كنفه، استبدل من ~~الحرص على المال بالحرص على الحياة، وعرف أنه لا بد في الحب من وسيلة، وأن ~~قلب المرأة ليس في يد أحد ولا في يد المرأة نفسها، بل هو يختار فيما يختار، ~~ويختار على ما يحتكم، وأنه ليس أشد عنفا من هذا القلب، فهو إن لم يحي قتل: ~~يحب المرأة عاشق غير محبوب منها، ويريد مراغمتها على حبه فيقتله قلبها لوعة ~~وضنى بما يطوع لها من صده أو بغضه، وتحب المرأة ثم يمنعها قومها ويرغمونها ~~على غير من تحب، فلا يقتلها إلا قلبها! وإن فكتور ليعرف أنه فارغ الخلقة ~~... من وسائل الحب كلها، ويعرف أنه في أحمض أنواع الهوى لا يعدل أكثر مما ~~تعدل قشرة الليمونة المعتصرة، فكيف به في الثمر الحلو، وكيف به في حب لويز! ~~لم يبق إذن إلا أن يخرج الوسيلة من ms077 يده، والمال أضعف الوسائل في الحب ~~الصحيح وإن كان أقواها في الحب المكذوب، على أنه لا يجعله قويا من ضعف إلا ~~أن يظل يمد بعضه بعضا، فإذا انفضت اليد أو أمسكت فلأن يقبض المحب على الريح ~~أيسر من أن يضع يده على ظبية شاردة ... # ومن أجل ذلك توسع الكونت البذل حتى كأنه كيس مخروق. ولم يعرف لها طلبا ~~إلا بلغ فيه رضاها وحسب أن في رضاها محبتها. فكان يأتي بالحاجة التي كانت ~~تطلبها والحاجة التي لم تطلبها، ويجعل كل شيء شيئين، "وأبى أن تعبد لها أن ~~يكون عبدا بشهود وأدلة". # وبقيت لويز تتربص به الأجل، فكانت له كحرف التسويف، ولا تزال تدفعه عن ~~نفسها، وتروضه على الصبر، وتمنيه أنها تستتم فنون الجمال من أجله، وأن هذا ~~القمر متى تم فسيدخل معه في المحاق.. لا محالة. وتظن باطلا أنه لم يبق منه ~~إلا كما بقي منه من ذنب الوزغة تضرب به يمينا وشمالا ثم تموت، بيد أن الموت ~~لم يستنقذها منه، وإن كان يرأف بها أحيانا وتدخله الرقة عليها فينيب عنه ~~الروماتزم ليريحها بضعة أيام! ... # وكان الرجل يخشى غضبها ويطمع في رضاها فكان يستعين ببعضه على بعضه، ويعلم ~~أنها ترى الصبر أحسن ما فيه فيترك أقبح ما فيه ويصبر، فلما استوت فتنتها ~~ولم يبق من باطلها ما تتعلل به أو تتملق به علة، ورآها قد أخذت زخرفتها ~~وازينت واهتزت وريت، صار منها كحرف الجر لا يريد إلا أن يكون الجار ~~والمجرور (متعلقين) ... وفرغ صبره واستقين أن له آخرة وأن صاحبته لا تزال ~~في أول دلالها، وكانت تحسب أن الدهر نائما عنها فإذا عينه قد انتبهت في ~~أجفان هذا الشيخ فنظر إليها نظرة لا صواب فيها ### | .... # وباغتها الرجل فخيرها بين أمرين خيرهما شر: إما طريق إلى صدره وإما طريق ~~من غدره، ومع الأولى الوصية بالمال، ومع الأخرى أن تذهب في الحال! وكذلك ~~غلبها على أمرها وانتصر في معركة كان لا بد من أن يخر فيها أحدهما صريعا، ~~وقد استحال أن يكون المغلوب ms078 غيرها، وإن عثرة تستنهض منها بعد حين خير من ~~عثرة لا تستقيلها، ورأت الظبية أن لا مناص، فوقعت في يد القناص ... ### | يا ليل # PageV01P038 # الليل منسدل كأنه حجاب مضروب بين الحياة والأحياء، مجتمع الظلمة كأنما هي ~~ذنوب الناس في نهارهم جعلت الملائكة ترسلها إلى السماء، وتغشى الأرض معنى ~~من خشية الله فنفرت له دموع المساكين، وأقبلت عليه أنفاس المحزونين، وبرزت ~~له في آثار الظلم دعوات المظلومين، وقد ارتفع إلى الله صوت يتقطع زفرات، ~~ويتلهب حسرات، ويسل من الدمع قطرات، وكان صوت لويز وهي تزفر الزفرة تكاد ~~تنشق لها، وترسل الأنة تكاد تدفن فيها، وما بها فتسكته عنها، ولا بها الحزن ~~فتمسحه بدمعها، ولا بها الهم ولا بها الغضب، ولا أمر مما يتواصفه أهل ~~البلاء ويبثونه في شكوى أحزانهم وإنما ذلك شيء إن يكن من الحياة فليس ~~بالحياة، وإن يكن من الموت فليس بالموت، ولعله منازعة الحياة والموت على ~~قلبها! ما بك يا لويز وقد بت زوج الكونت الذهبي، وهو عما قليل آخذ ما ~~أمامه، وتارك ما وراءه، وما بك أيتها المسكينة وقد كنت فقيرة بائسة لا ~~تملكين قوت يوم فقبضت على أعناق سبعين سنة تجمع المال وتكنزه، وما بك عمرك ~~الله وقد خرجت من الكوخ إلى القصر، وصعدت من العريش إلى العرش، وإن كانت ~~حواء قد طردت من الجنة فقد طردت أنت إلى الجنة وفي الجنة قوم يقادون إليها ~~بالسلاسل ... ! قالت المرأة وهي تناجي ربها: ماذا قضيت علي؟ لقد وضعت ~~الدنيا في راحتي وكأن مملكة آمالي مرسومة في كفي، ولكن أي فرق بيني وبين ~~تمثال من الذهب الخالص في منزل هذا الرجل! لقد رددتني من فقري وذلي إلى رجل ~~رددته أسفل السافلين فما يريني الدنيا التي أعرف أنها الدنيا ولكنه يريني ~~الآخرة! ... # يا ويلتا! إن لم يخجل الرجل من شيء أفلا يخجل من أنه لا يخجل؟ أبى هذا ~~الموت لشقائي إلا أن يتخذني زوجته، وكنت خليقة أن أجعله أسعد رجل في الدنيا ~~لو اتخذني ابنته! اللهم إنك رزقتني العافية في كل ms079 جوارحي ولم تصبني إلا في ~~القلب! يا ويلتا ما أنا إلا لعبة في يد هذا الطفل، لا يلذه شيء أكثر من ~~تحطيمها في طرق لذته، وقد خلقت يا رب من يحطم القلوب الصحيحة، ولم تخلق من ~~يستطيع أن يجبر القلوب المكسورة، وأنه ليس فيما برأت وذرأت مخلوق أشد تعبا ~~من يفتش في قلبه عما ليس في قلبه، وهل من الممكنات أو في أشباه الممكنات أن ~~أجد في ناحية من قلبي حب هذا الزوج؟ لقد عرف الناس أن قلب المرأة كثير ~~العبث، وهذا الذي يسمونه دلالا ويسبونه في الحب إنما هو شيء من عبثه، وأن ~~هذا القلب إنما خلق ليحب، ولذلك أعطي قوة يخلق بها الحب من العدم، غير ~~لأنهم جعلوا فيما يجهلون من أسرار المرأة أن ذلك القلب إنما جاءه العبث ~~بالرجال من أنه لا يطيق أن يعبث به أحد من الرجال، ومتى وجد من هؤلاء من ~~يريده بنادرته ويجعله من هزله معرض السخرية وموضع العبث، لم يكن في الدنيا ~~أحد أبغض إلى المرأة منه، وإن كانت الدنيا كلها في طلعته، وإن كان مخلوقا ~~من رونق الشمس. # أليس النساء يحببن حتى الكلاب ويرفهنها ويغالين بها وينزلنها منزلة الولد ~~في الحب والانعطاف والتوجع والتحزن؟ فسبحانك اللهم! إن هذا القلب الذي يسع ~~حب الكلب يضيق عن حب كثير من الرجال إذ يحبون المرأة حبا ليس فيه شيئا من ~~روحها حب الزانية أو الاستمتاع أو الخدمة فكأنهم بذلك يبغضونها بغضا فيه كل ~~روح. # يا ويلتا! أعجزت أن أجد في هذه العاجلة نفسا أرى فيها نفسي؟ وهل حرمت علي ~~كلمة الحب فلا يفيض بها صدري ولا ينطق بها لساني؟ وهل خلقت للؤلؤة لأكون في ~~عقد من الحصى، ورسمني الله بهذا الجمال ليعذبني بهذا القبح؟ وما عسى أن ترد ~~علي هذه النعمة ما دمت لا أجد لها سبيلا إلى قلبي، وما دام هذا القلب لا ~~يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يعامل بالمال ... ؟ ضل ضلالكم أيها الناس إذ ~~تحسبون النعمة حق النعمة في الغنى وحده، ms080 وتمضون الأمر على ما تخيلتم من ~~ذلك، ولا تدرون أن الله ينتقم بالغنى أشد مما ينتقم بالفقر، فلو أني بليت ~~بالمصيبة وأنا امرأة خاملة لا احتملتها وقلت خمول عرفته فما يبلغ به ولا ~~يزيد ني بنفسي ولا بنفسه معرفة، ومن رحمة الله بالفقراء الخاملين أن في كل ~~بلاء يعتريهم ما يعينهم على حمل بلاء أشد منه، ولكن الضربة اليوم لا تصدع ~~الصدقة بل تستحق اللؤلؤة، فاللهم لا قوة إلا بك! # PageV01P039 # وما أشبهني إذ قتل هواي هذا الكونت، بزنجي من زنوج أميركا اغتال سيدا من ~~البيض، فلم يجدوا له عذابا إلا أن يشدوا قتيله في وثاقه، وتركوه يبلى تحت ~~عينيه ويسيل جوفه تحت أنفه ويتناثر لحمه على صدره! ... وهكذا يقتله القتيل ~~وحده بالرعب والجنون قتلة لا وصف لها في لغة الحياة. # ولقد كنت بائسة يطير بها الفضاء ويقع فلا تزال دهرها تحت جناح مخفوض من ~~رحمة الله أو فوق جناح منشور من الأمل في رحمته، فلما وجدت الغنى واستشرفت ~~السعادة، شغلني تالله بهم نفسي، فشغلتني نفسي عن النعمة فلا تزيدني ني ~~النعمة إلا هما! وقد كتب الله علي أن يقتلني بغض هذا الرجل فوهبني الغنى من ~~يده وحسب الناس أن ذلك لكيما استمتع به، وعلم الله أن ذلك لكيما أتصل ~~بقاتلي! فاللهم قد أحيط بي وليس ورائي منفسح، فمن حيث التفت لا أ {ى غير ما ~~قضيت علي أن أرى، وهذا امتحان أينما أنوجه في الحياة لا تقابلني الحياة إلا ~~بمسألة من مسائله المعضلة! إن كلمات القضاء لا تقرأ لأنه لا ينزل بالناس ~~إلا معانيها، على أن الكلمة الأزلية التي يكون معناها هذا الزواج وهذا ~~الزوج لا بد أن تكون جملة كاملة من غضب الله في السماء، لا يقابلها إلا ~~سيرة كاملة من ازدراء الناس في الأرض. # قال "الشيخ علي": ونفرت دموع هذه المرأة تخفف من يأسها، وأنه ليأس أكبر ~~مما تحتمل نفسها من الصبر لو أنه من وجه ذلك الزوج وحده ... فكيف به ومع ~~ذلك شبابها الهالك، وآمالها الضائعة، وغصة ms081 من شماتة الناس وازدرائهم، وبلاء ~~من نعمة سابغة ستنقلب فضيحة وسخرية؟ واها لك أيتها المسكينة! إن مصيبة ~~الأغنياء لتكشف نفسها فهم يحملونها ويحملون آراء الناس فيها، وإن المصيبة ~~لتكون واحدة ولكنها ترتد إليهم من قلوب الشامتين من أعدائهم والمتربصين من ~~حسادهم والمتوجعين من سائر الناس وكأنها مصائب كثيرة لا تعد. # والمرء لا يأخذ من الله بشرط ولا يعطيه الله على شرط، فإن كان في الغنى ~~تلك النعمة ففي الغنى هذا الهم، وما رأيت أيسر اضطرابا من الماء الراكد قذف ~~بحجر، إلا الغني الغافل قذف بمصيبة! ويحكم أيها الأغنياء! متى رأيتم ثمرة ~~لا تسقط أبدا من غصنها الأخضر وثمرة تسقط من الغصن ثم ترد إليه فتعلق به ~~وتنضج عليه، فاعلموا يومئذ أن غناكم هذا نعيم لا رزيئة فيه ولا مصيبة، لأن ~~هذا الكون حينئذ يكون فوضى لا نظام له ولا قرار. # وانصدع الفجر، وأقبلت الحياة تتنفس من مباسم الأزهار، وتتغنى بألسن ~~الأطيار، والفتاة موجسة أن ترى طلعة شيخها، وكأن هذه الطلعة صبح غير الصبح، ~~وودت لو وقف الزمن، فإن لم يكن فوقوف الأرض، فإن لم يكن فوقوف قلب هذا ~~الشيخ، وخيل إليها لأنها ستقرف بإثم منكر إذا هو بادرها قبلة الصباح على ~~مثل شفق الشمس من خديها، وأنها لا ترمى بمسبة أوجع ولا أمض من قوله: ~~حبيبتي! ... وانسلخ الليل، وطارت الأحلام، وأفصحت الحقيقة، واستيقظ الكونت ~~... ### | على المائدة # زهرات ناضرة كأنما اختبأت فيها ابتسامة الفجر، عاطرة كأنها رسالة اللقاء ~~بعد الهجر، بديعة التنميق تحسبها قصيدة من شعر الألوان، متفتحة للحب وكأنها ~~لكتاب الحب عنوان، متلائمة مصفقة، متلاثمة كالشفة على الشفة، قائمة في ~~جلالها وحسنها كأنها في خلقة الجمال آية، وكل زهرة في لونها كأنها لدولة من ~~دول الحسن راية، وقد جلست إليها غادة فتانة كأنها في رقتها روح النسيم وفي ~~نضرة شبابها روح الحديقة، ولاحت الأزهار كأنما هي خيالات جمالات جمالها، ~~وظهرت الغادة كأنها هي الحقيقة. # تلك هي لويز في صبيحة عرسها على المائدة وقد أثبتت في كل زهر لحظا من ~~لحاظها، ms082 ولا يشك من رآها في تلك الحال وهي ترتقب ظهور زوجها أنها تنفس على ~~هذه الأزهار شابها ونضرتها وحسن ملاءمتها، وتحسدها على أن ليس لها أعواد من ~~الحطب يفسد نظامها وتنكر بهجتها وتغص من حسنها كما ابتليت هي بزوج من عود ~~... # PageV01P040 # وإنها لكذلك، إذا خفق أقدام وضوضاء وموكب وشيء من الموسيقى، فما لفتت ~~جيدها حتى أبصرت الكونت داخلا يتوكأ على خادمين وله نغم مختلف ... وآهات ~~وأنات، ومع النغم سعال كقرع الطبل. وكان الروماتزم قد دب في مفاصله تلك ~~الليلة وبات يفتل في عروقه وأعصابه، ووعكته الحمى واجتمعت إليه علل ~~الشيخوخة كلها تهنئه بالزفاف، غير أنه لم ينسى مع هذا البلاء كله أن عروسه ~~ترتقبه على المائدة، فحفزه الشوق وعاوده الصبا فطار إليها بجناحين من ~~خادميه ... # ولما بلغ ظلها أفلت الخادمين ثم ارتمى عليها يقبلها رياء ومصانعة، ثم ~~تمسك بها يستند إليها، ثم انحط إلى يمينها، وما كادت تناوله قدح اللبن ~~يرتضعه ... حتى غمره الألم وهاج داؤه، ففتح فاه وصدحت الموسيقى بنغم مختلف ~~من آهات وأنات، ومع هذا النغم سعال كقرع الطبل. # ورأت لويز ذلك المنظر فرقصت أحشاؤها..! فلم تملك المسكينة أن اقتلعت ~~جسمها من الكرسي وانكفأت هاربة على حجرتها، وانطرحت في غمرة أخرى من الألم، ~~وبقيت هناك ملقاة يدار بها، وكانت لم تغتمض في ليلها، فاصطلح على جسمها هم ~~الليل والنهار. ### | فصل خامس في السنة # وزالت هذه الغشية عن الكونت بعد أيام، كانت العروس فيها من روح الأمل ~~كالمختلعة إذا أخذت كتاب طلاقها، أو الأمة إذا وعدت بعتاقها، وكان دعاؤها ~~لله كلمات لا تعدوهن، تقول: اللهم رحماك! فأنت المصيب وأنا المصابة، تلك ~~قوتك وهذا ضعفي! وكانت إذا حمدت الله تواردت مع زوجها فيما يحمد الله به من ~~حيث لا يشعر أحدهما أوكلاهما، كأن للحب الشديد والبغض الشديد لغة واحدة، ~~فكان هو يقول: الحمد لله إذ لا تراني! وتقول هي: الحمد لله إذ لا يراني!.. # وباغتها الرجل منصبا عليها، فلو أن ميتا طالعها من قبره ما كان أروع لها ~~عنه، قلب ms083 يسكن من أضلاعه الخربة في شقوق وظهر كالقوس يحمل من روحه سهما ليس ~~له إلا المروق، وعروق ناشرة كأنها في جلده المتغصن خيوط في خروق! ودخل ~~عليها كما يدخل الشتاء بكلوحه وبرده، على الروض النضر والبقية الضعيفة من ~~ورده، ونظرت إليه فلم يقع من نفسها إلا موقع الهموم على الهموم، ولم يكن في ~~عينها إلا كما يكون الحلم في رأس المحموم! وجلس إليها الشيخ يتطفل ويقترح، ~~وكانت لويز تعرف أن السنة أربعة فصول، أما سنتها هذه فكانت فصولها بعد ~~اقتراح هذا البغيض خمسة: الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء، وشهر عسل ~~الكونت! فقد لج الرجل في عناده وأبى إلا أن يكون له ولها شهر العسل، ومما ~~زاده لجاجا وعتوا أنه كان يخشى أن ينسلخ الشهر، فقد ذهب نصفه في تجرع ~~الدواء لم يبق "للعسل" إلا ريثما يمحق القمر أياما معدودات ### | .... # ثم انصرف من لدنها على أن ترصد للسفر أهبته وأن ينطلقا على جناح غراب. # واستقبلت العروس ليلتها وجعلت تقلب وجهها في السماء وترنو إلى النجوم ~~بعينين قد ثبت في إنسانيهما خيال ذلك الرجل كما يثبت خيال القاتل في عين ~~المقتول، فلم تر في النجوم إلا هرم الدهر وتحجر الأيام وقد استيقنت أن ~~نجمها طامس لا محالة وكأنما خرج عن الفلك، وضل في ذلك الحلك! وما هي خطرة ~~الفكر حتى لاح في مرآة نفسها خيال ذلك الشاب اختلبها أياما بالهوى، وكان ~~لها منه الداء وكان له منها الدواء، وأغواها في عرف الناس ولكنه هو ما ضل ~~وما غوى. وكان هذا الفتى فرويا فحلا، ظريف الهيئة، مستوي القامة! عريض ~~الصدر، تام الخلقة وثيق التركيب قد ارتوت مفاصله واستحكم نسجه، وله مع ذلك ~~خلابة، وفي لسانه دعابة، فما أطلى حديثه وأنداه. وما أحلى خبره إذا كان من ~~الغزل مبتداه. # PageV01P041 # وقد أحب الفتاة أكثر مما أحبته، ولكنها كانت غريرة لا تتبين منزلة ما بين ~~الحب والاستسلام، وبين ما يعده الرجل وعدا بالفعل وما يراه وعدا بالكلام، ~~ولم تعرف أن هذا الحب سلاح ذو حدين، فالمرأة تقتل ms084 به من ناحية الرجل، فإن ~~غفلت مرة عن نفسها قتلت هي به أيضا من ناحيتها، وأن حب الرجل حب مجنون ~~بطبيعته، فإذا لم يكن حب المرأة عاقلا انقلب كلاهما حيوانا طامس القلب لا ~~يبالي ما جنى على نفسه، وأن الرجل يقاد من رغبته ما دامت أملا في قلبه، فهو ~~يعد المرأة ما شاءت وشاء لها الهوى، حتى إذا انقطع هذا الزمام انقطع ما بين ~~لفظ الوعد ومعناه، فأخذ منها ما أخذ وترك في يدها ما أعطى، وما عسى أن يكون ~~قد أعطاها إلا آمالا ومواعيد وغرورا من زخرف القول؟ وكذلك أمر الرجل ~~والمرأة: تحسب الفتاة إذا هي أحبت فاستأثرت لصاحبها أنها تبذل في مرضاته ~~أعز ما تملك، وتنوله خير ما استؤمنت عليه، وتعطيه ما لا تستعيض منه آخر ~~الدهر، وأن ذلك أحرى أن يؤدم بينهما، وأن يكون ميثاقا للحب غير منقوض، ~~ويحسب الرجل أنها لم تنله إلا شيئا هينا قريب المنالة، هو عندها وعند كل ~~امرأة، فإن كان سري الخلق نبيل النفس رثى لها مما صارت إليه، وندم كما يندم ~~على الإثم، ولا يكون همه إلا أن يلتمس المخرج من أمرها، فإن طارحته حديث ~~الزواج رأى أن من فرطت له حرية أن تفرط فيه، وهتها بهذه الكلمة وسلم وقد ~~مات الذي بينهما، وإن كان لئيم الطبع خسيس النفس شد على رقها واتخذ من ~~ضعفها قوة ومن خوفها أمنا حتى إذ ملها تنكر لها ثم أنكرها، فإن استقضته ما ~~وعد من زواجها رأى أن الزواج قد سبق أوانه ... فلم تعد تصلح له ولا يصلح ~~لها، وكلا الرجلين سافل دنيء زمر المروءة وإن قال الناس فيهما سري ولئيم. # فالسحابة تنهل بمائها، ثم تجمع مرة أخرى في سمائها، والزهرة تقطف لحسنها ~~ثم تنبت مرة أخرى في غصنها، ولكن العذراء حين تفرط في خدرها، وتضع نفسها ~~دون قدرها، لا تبرح شقية حتى تنزل في قبرها. # وهكذا لا يزال الرجل في عتوه وظلمه كالساحل، ولا تزال المرأة في ضعفها ~~ولينها كالموجة، فلو أن ألف موجة ms085 عاتية يصدمن الساحل لاستباحهن وما سلبنه ~~مقدار شبر من الرمل! وما اعترض رجل وامرأة في خلق العفة، إلا كانت هي ~~الساقطة وحدها في الاعتبار، لأن العفة إنما عرفت بالمرأة من أصل الخلقة، ~~وإنما يتصاون الرجل تشبها وتقليدا، فإن هو زل مرة وقارف الإثم فقد أخطأ في ~~التقليد ولم يفقد شيئا من طبيعته، ولكن المرأة متى فعلت ذلك فقدت من نفسها ~~وغيرت تكوينها وأخطأت في الأصل الذي بنيت عليه طبيعتها وقامت به شرائع الله ~~وهي فيه نظام الأمم فلا جرم كان عقابها على الخطأ عقابا نفسيا يجمع من شدة ~~الطبيعة إلى عنت الشرائع إلى قسوة الاجتماع، ولهذا كان شر عيوب المرأة ما ~~عاب فضيلتها الخصيصة بها. # قال "الشيخ علي": وانطلقت نفس "لويز" لمسرى خيال حبيبها، وكانت تبغضه دون ~~البغض إذ هو مسعدها ومشقيها، فصارت بعد زواجها تحبه فوق الحب، إذ لا ترى ~~لها مسعدا غير ذكراه، ولا تعرف على ظهر الأرض من أشقاها غير الكونت. # ولما ذكرته انهملت دموعها فجعلت تبكي حتى انحلت سحائب همها، ثم أشرقت كما ~~تصحو السماء في أعقاب المطر فلو رآها أشعر الناس في ذلك الجمال المشرق ~~الحزين الذي تورد حتى التهب، لوقف عندها وقفة العابد في المحراب يشعر ~~بالقوة الأزلية ولا يحسن أن يصفها. وأي شاعر تحيط نفسه بهذا الشقاء الذي ~~رفعه جمالها الساحر من بين آلام الأرض وألحقه بذلك الألم المنفصل من السماء ~~الذي لم تشهده الأرض إلا مرة واحدة يوم جلست حواء تبكي أول بكائها بعد ~~خرجها من الجنة ... ؟ ويالله ما أروع الجمال حين يتألم ويحزن ويحضر الجميلة ~~همها! إن مثل من يحاول أن يصف دموع هذه الجميلة وحسراتها وصفا ناطقا يتنفس ~~به القلب، كمثل من يريد أن يخلق من سحر البيان زلزلة ترجف بها الأرض حين ~~يبالغ في وصف الزلزلة، وما اللغة إلا أداة، فكيف ويحك تستعمل هذه الأداة في ~~صفة قوة تعجز عندها كل وسيلة حتى الشعور الذي أبدع اللغة؟ # PageV01P042 # لقد أجمعت المقاييس بين أقطار الأرض، وطوت ما بين الأرض والسماء، وداخلت ms086 ~~ما بين أنجم السماء بعضها من بعض، ولكن أية أداة تعين لنا درجة الإحساس بين ~~نفس عاشقة مدنفة تشهد آلام نفس معشوقة، وبين عيني شاعر غزل وثاب الخيال ~~تنظران في عيني امرأة جميلة باكية، وبين ألم جامد جاف يضطرب في نفس الرجل، ~~وألم سائل متدفق تضطرب فيه نفس المرأة ... ؟ إن هذه الأنفس إنما تشعر ~~بمقدار ما فيها من الإحساس لا بمقدار ما في الحقيقة من مادة الشعور، وكأي ~~من رجل أبله متغفل يدور مع الآلام والأوجاع دوران الغبار في العاصفة، فإذا ~~رأيته توجعت له وداخلتك الرقة عيه وثارت نفسك من أجله ثورة السخط على هذا ~~الاجتماع الإنساني وتمر بالرجل ثم تنساه، ولكن هنا طفلة صغيرة قريبة العهد ~~بالغيب قد عينيها كما تتحير الألفاظ بين شفتيها، وقد ساورها الخوف، وتوثبت ~~نفسها فزعا لهول ما هي فيه، وجعلت عيناها تتوسلان إلى الناس بالبكاء، ~~ولسانها يتلجلج بالألفاظ مرتعدة كأنما ينتفض عليهن قلبها الصغير. وهي في ~~ذلك لا تبرح تتمثل أبويها فتضطرب اضطراب الفرخ إذا سقط من وكره ولم ينتهض، ~~وترى أن المصيبة قد انحصرت فيها وحدها من دون الناس، فتبكي بكاء تنشق له، ~~ثم تعود إلى التوسل بعينيها الدامعتين وبألفاظها المتلجلجة فانظر وأنت أبو ~~مثلها ما عسى أن تنزل بك من الحسرة ويتغشاك من الهم إذا رنت إليك هذه ~~الطفلة من وراء دموعها تسألك أن تدلها على بيت أبويها الماثل في رأسها ~~الصغير، وهي تحاول بذلة ومسكنة أن تنقله إلى نفسك وتبنيه فيها بألفاظها ~~وإشارتها الضعيفة لتهدي أنت إليه؟ فالمصيبة ليست مصيبة بمادتها ولكن بما ~~يقابل هذه المادة من نفوسنا، ومن ثم فهي لا تؤثر فينا بنفسها ولكن بالكيفية ~~التي نقابلها بها. # قال "الشيخ علي": ثم سكنت "لويز" هنيهة لذكرى أيامها الأولى وهي تعلم أن ~~لا رجعى لها، فقد استيقنت أن هذا الغنى ضرب بينها وبين الفقر حجابا ولكنه ~~رفع بينها وبين الشقاء حجابا آخر كان ذلك الفقر وحده هو الذي يمنعها منه، ~~وكأن القدر لما اختط لها التعسة رسم هذه الخطة بقلم ms087 من ذهب ... # واستشرقت نفسها لخاطر غريب ألم بها فأضحكها على ما بها من الهم، فقد ~~أحضرت خيالها ذلك الحبيب الأول في شبابه الغض، وقوته الثائرة، وفورته ~~العنيفة، ونشاطه المهزوز، وإرادته على حب امرأة في أرذل العمر- وهو عمر ~~"الكونت"- يلوح وجهها في العين كما تلوح القفار، ويمتد أنفها بين الوجنتين ~~كأنه حجر في أحجار، ويضحك ثغرها الأدرد فلا تشك أنه في تلك الصحراء"غار" ~~وقد ثابرت عليها الأوجاع والأمراض، حتى أصبح جسمها بين يدي الموت كالخيط ~~بين شقي المقراض!.. # ... ثم جعلت ذلك الحبيب يتزوج منها لمالها وغناها وقد أصاب ع عندها ملء ~~أطماعه ذهبا وفضة، ثم وصلت بين شعلة فؤاده الملتهب هوى وشبابا وبين هذا ~~الجسم الفاني الذي يشبه حطام اليبيس، ثم أرادته على أن يعتقد أنها "السكرة" ~~التي وضعت في كأس حياته لتحليها، ثم نظرت لترى ما يكون من أمره وأمرها في ~~الحب حين لا يكون الحب إلا مراغمة وإكراها، فإذا الحلم قد انهال، وإذا ~~الوهم قد استحال، وإذا الشاب لا يحب تلك المرأة ولا في الخيال، فجهدت أن ~~تذكر في تاريخ الناس من يكون قد امتحن بمثل هذه المصيبة وصبر لها كما يصبر ~~من ذات نفسه على آفة أو عاهة أو مثله، فأبى عليها الواقع أن يخرج لها مثالا ~~واحدا ... # ... فكدت ذهنها في تصور هذا الحال وتقليبها على وجوه مختلفة، فلم تستقم ~~لها صورة صحيحة، وشبت عندها أن حب شاب قوي في الثلاثين لعجوز هالكة سبعين ~~هلكة.. أمر يكاد يكون في استحالة الجمع، كطرح السبعين من الثلاثين في حساب ~~العدد!. # PageV01P043 # وعجبت أن يستأثر الرجل وحده بهذه الأنفة ويلتمس لنفسه في هذا الباب ما ~~ينكر على المرأة أن تستنكره، كأن هذه المرأة عجماء لا تبالي من صاحبها إلا ~~العلف، ولو انتهى بها إلى التلف، وكأن كل امرأة إنما هي اسم، على جسم، فليس ~~على الرجل إلا أن يختار اسما ثم يثبته في وثيقة الزواج بعد أن يساوم عليه، ~~أو كأن المرأة بلغت من الجفاء وضعف التمييز بحيث لا تأبى أن تتخذ أعواد ms088 ~~فرشها، من أعواد نعشها، وأن تقيم لها قبرا في البيت، وتنظر كل صباح في وجه ~~ميت، وإلا كم من فتاة كالقمر أخفاها نهار المشيب، وكم من عروس للحب زفت إلى ~~غير حبيب، وكم من وجه صبيح، يقبله ثغر قبيح، وكم من كعاب، سال عليها اللعاب ~~... وكم من حسن هو رمز الحياة قرن به الموت رمزه، وكم من قد أهيف كالألف لا ~~يرى إلا شيخا أعجف كالهمزة ... # وهنا انتبهت "لويز" إلى زوجها المتهدم الذي هو همزة القطع، وإلى تصابيه ~~المضحك وحماقته العمياء وحبه الأخرق، فانتفضت من الغيظ وكاد بعضها يحطم ~~بعضا، وجعلت خواطرها تنبض في رأسها كلمع البرق وأخذت تلتمس الوسيلة لرد هذا ~~البلاء عنها أو مدافعته، بيد أنها كلنا ابتدأت فكرا انتهى بها إلى قولها: ~~ما عسى أن أصنع؟! هي لا تفكر إلا فيما ينبغي أن تصنعه، ولكن الفكر يفضي بها ~~إلى هذا السؤال بعينه، فكأنها من الهم والحيرة منعزلة عن نفسها، وقد نفر ~~منها فكرها وقلبها وحظها ولم يبق معها غلا روحها المعذبة، وهي كذلك بينها ~~وبين زوجها وبين القدر!. # ولبثت زمنا لا تجد من رأيها إلا قطعا وأشلاء، حتى لمحت من نافذة القصر ~~مركبة تدرج في الطريق، ورأت سوط الحوذي يتلقى الأمر منه إلى الجوادين فلا ~~ينزل عليهما إلا انطلقا ملء العنان، كأنما يحاولان الهرب منه ولا يعلمان ~~أنهما يهربان به؛ فرثت المسكينة للبهيمتين، ثم كأنما حشرت لها كل مركبة على ~~الأرض في صعيد واحد، فلم تذكر أنها رأت قط سائقا ليس في يده سوط ما دام بين ~~يديه حيوان ... ! وظلت واجمة عند هذا الخاطر هنية، لأنها ما برحت تتلقى من ~~ضربات القدر وهي تعدو في الحياة عدوا فيه من السرعة بمقدار ما في هذه ~~اللذعات من الألم! ... ثم قالت: ترى أي حيوان في مسلاخ هذا الهرم؟ وما كذبت ~~أن قلبت الخاطر على وجهه الآخر، فتناولت السوط واستولت على مركبة الأقدار ~~ولم يبق أمام عينيها إلا سبيل الحياة وظهر الكونت!.. # وكذلك فاءت من غضبها إلى رضا أقبح من ms089 الغضب، ورأت أن هذا الشيخ المأفون ~~الذي يتطاوع للصبا وقد جاوز السبعين وهلك في الدهر، ثم لا يستحي أن يجعلها ~~مثلة على أعين الناس، وأن يكون لها مخزية ولا كالمخزيات جدير به أن يجد ~~منها كفاء ما وجدت منه، وجدير بها أن تبدله من شهر العسل شهرا هو أحق به ~~وأهله، وهو على ذلك أقرب الأشياء من العسل لأنه ... "شهر النحل" ... ! قال ~~"الشيخ علي": هكذا يفسد الرجل المرأة وهو يدري أو لا يدري، فهو يبتغيها ~~متاعا ويريدها ملهاة، ثم لا يقدر فيها غير الطاعة لما ابتغى وأراد، كأن ~~الطينة الإلهية التي جبل منها الرجل شديدا متماسكا، بقيت منها بعده هنة ~~ضعيفة فتركت حتى ركت وانسحقت ثم خلقت منها المرأة ذليلة طائعة ... وإن أقدر ~~خلق الله ليكون معه الدرهم فاضلا عن حاجته فلا يجد ما يمنعه أن يبتاع به ~~الزهرة الناضرة، ولكن العجيب من أمره أنه إذا احتازها لا يلويها بين أصابعه ~~ولا يدنيها من أنفه إلا بعيدا بعيدا وقليلا قليلا، بل إنه ليستحي لقذره من ~~طهرها، ولنتنه من عطرها، فلا يحملها حتى يتجمل لها، ولا يظهر بها حتى يكون ~~في الجمال أهلها، وما أدري كيف أدبته الطبيعة هذا الأدب مع شبه الجمال، ولا ~~تؤدب مثل ذلك الهرم الأحمق مع الجمال نفسه؟. # ويعمد الرجل متى أصاب مالا إلى الطيبات من صنوف الطعام وملذات الشراب ~~فيتضلع ويتملأ، وليس في ذلك من حرج، إذ هو ماله ينمو في باطنه، فإن ربح أو ~~خسر فإنما "المضاربة" في معدته..، ثم يعمد أقبح خلق الله وجها وأظلمهم سنة ~~وأشأمهم طلعة، بذلك المال نفسه إلى أجمل النساء فيرخي عليها أستار بيته، ~~ويساهمها قبحه وجمالها، وإنما هي في رأيه بعض الطيبات وصنف شهي من طعام ~~القلب، فترى في أي جهة ينمو هذا المال الذي بذله وتندى به، فإني لا أرى له ~~نموا في قلبه ولا في قلب تلك الحسناء؟. # PageV01P044 # أما هو فما إن يزال يعرف منها البغض، وأما هي فما إن تزال ترى فيه القبح، ~~وأحسب لو أنفقت ms090 ما في خزائن الأرض كلها على التأليف بين الحسن المبغض وبين ~~القبح المحب ما ألفت ذات بينهما ولا زدت كل واحد إلا من طبعه. # وكيف يرى هذا الدميم أن مرآة بيته التي اشتراها وبذل فيها واختارها على ~~عينه لا تظهره أبدا إلا دميما، وهو كلما بالغ في رونقها وصقلها بالغت هي في ~~إظهار قبحه ودمامته، ثم يريد أن لا تراه امرأته الحسناء الفاتنة إلا جميلا ~~فاتنا ولا تكلمه إلا في الحب، ولا تقبله إلا قبلة الهوى، كأنه هو الذي خلق ~~لها عينين ولسانا وشفتين ... ؟ ولعمر الله لو أن في أضلاع هذه المرأة قلب ~~رجل من صيارفة اليهود قد جثم على منكب الطريق وسرح الذمة والدين والظن ~~واليقين وجنود إبليس أجمعين في طلب الدرهم يأكله سحتا، وينحته من أيدي ~~الفقراء نحتا، لما رأته على ذلك المال وذلك إلا كالخرقة فيها دينار، فهي هي ~~لم تخرجها قيمة الذهب الغالية، عن كونها في اليد والعين خرقة بالية! أيريد ~~الرجل لسعادته امرأة لا نفس لها ولا قلب؟ لعله يحول ذلك، ولكن كيف تسعده ~~إذن؟ إني رأيت في معاشرة الحزين للحزين شيئا من الفرح يتنفس به الحزن على ~~الحزن، فليت شعري أي مهنأ أكثر لذة وأحسن إمتاعا من معاشرة اثنين كلاهما ~~يهنأ الآخر؟ أيها الهرم الأحمق الذي يستبد بالجميلة الفاتنة! إنك تعبث بذنب ~~السفينة فإذا انحرفت هنا وهنا زعمت أنها تضل الطريق لسوء تركيبها..، ألا ~~فاعلم (ويحك) أنك لا تصلح أن تكون ربان هذه السفينة، وإذا كنت تستطيع أن ~~ترفع شراعا أو تحرك مجذافا فما أنت وهذه الباخرة؟ ماذا تصنع (ويلك) في آلات ~~هذا القلب الذي صنعته يد الله ليخوض لجج الحب في بحر الشباب إلى ساحل ~~السعادة؛ وليس بينه وبين الهلاك إلا أن يرتطم في ذلك البحر بصخرة الموت ~~التي لا تكون أكثر ما تكون إلا من رأس رجل هرم!. # عسيت تقول إنك غني ملء الأمل الواسع، وإن هذه الحسناء ستفضي من طريق مالك ~~إلى طريق حبك، لأن المال- زعمت- أوسع طرق الحياة وأطولها، وفيه منفذ ms091 إلى كل ~~طريق شئت أو شاء الهوى.. فلعمري إن هذا المال كما تزعم، ولكن لا يذهبن عنك ~~أنك لا تعرف إلا فاتحة الطريق إلى هذه الحسناء، وأن خطط الآمال ليست من ~~شوارع التنظيم، أو الطرق السلطانية التي يفضي كل إلى جهة بعينها أو جهات لا ~~يخطئها من انطلق بسبيلها، فقد تبدأ تلك الحسناء من طريق هذا الغنى الذي ~~تفتحه لها، ثم لا تلبث أن تنعطف إلى مذهب من مذاهب قلبها، ثم تأخذ من هناك ~~في ناحية من نواحي مصائبك، لأن سبيل حبها وسعادتها من تلك الناحية، ثم تفضي ~~من كل ذلك إلى طريق من الحياة إذا هي أبصرتك فيها رأتك وليس من وراءك للبغض ~~مذهب. ورأت وجهك ثمة كأنه صفيحة مما تكتب عليه أسماء الطرق، وقد كتب عليها ~~شارع المقبرة ### | .... # أنت أيها الأحمق استنقذت هذه الحسناء من الفقر، ثم جعلت تباعد ما بينك ~~وبينها، فأخذن خادمة وجعلتها سيدة، وبصرتها بما كانت تجهل من فنون الجمال ~~وأساليب الهوى، ثم جعلت غاية كل ذلك إمتاع جسمك الفاني ولذة قلبك الخرب، ~~فنسيت نفسك بادئ الرأي ولم تذكر إلا الفتاة فاتخذتك صديقا، ثم نسيت الفتاة ~~آخرا ولم تذكر إلا نفسك فاتخذتك عدوا ... ، فلولا تركتها على جهلها ~~وغرارتها ما دام العلم بالحب لا يكشف منك للحب إلا عن خرافة ... ؟ ويا عجبا ~~من غرام الشيوخ بالفتيات! فإن أكثر من أنت واجد من المحبين وأهل العشق متى ~~أصابه الكبر وذكر حوادث حبه، رأى فيها ما يسميه جهلا وما يسميه حماقة وما ~~يسميه غفلة وما يسميه خطيئة، كأن الهرم يجعل الأشياء نفسها هرمة، إذ ينزع ~~عنها أوهام الشباب وغروره فلا تظهر من ثم إلا حقائق مخلصة فما عسى لأن يرى ~~الشيوخ فيما يسمونه غراما؟ بل ما عسى أن يرى الحب في هؤلاء الشيوخ ~~"المتطفلين" إلا ما يسمى حماقة وجهلا وغفلة وخطيئة؟. # يحب الفتى الناشئ حبا طاهرا يستوجف قلبه فيقول أكثر الناس: أحب قبل زمن ~~الحب! ويعشق الرجل الهرم عشقا فاسدا يستوقد ضلوعه فلا يرضى أن يقول مرة ~~واحدة ms092 ولا أن يقول عنه أحد إنه أحب بعد زمن الحب، مع أن الفتى رجل يبنى، ~~والهرم رجل يهدم؟ # PageV01P045 # ولو لم يضرب الله على بصره لعلم مما تشرع الطبيعة أن أحق الناس بالخيبة ~~رجلان: رجل وجد قبل زمنه فلا يحسن أن ينفع أو ينتفع، ورجل أتى بعد ومنه فلا ~~يحسن أن ينتفع أو ينفع! متى كان الرجل حقوقا وكانت المرأة واجبات لا غير، ~~فقد خلا الرجل من العقل وخلت المرأة من القلب وخلا الاثنان من هذا المعنى ~~الروحي الذي يسمى الحب، فإن لم يستطع ذلك العاشق الهرم أن يسترد لنفسه ~~الصبا الذاهب حتى تحبه تلك الحسناء طائعة، فليسترجع لتاريخ الأرض وحشيته ~~الأولى حتى تلوذ به تلك المرأة كارهة! ويل للإنسان من هوى نفسه فلولا هذه ~~الحماقة فيه لما وجد على الأرض خطأ، لأن كل إنسان حين يخطئ فإنما يريد ~~حقيقة من الحقائق غير أنه يجعل مركزها في رأسه ولا يعتبرها إلا من هناك، مع ~~أن مركزها في العالم. ### | شهر النحل # قال "الشيخ علي": كل خطب عظم مدة هان بعدها، إلا خطب المرأة فإنه متى عظم ~~لا يزال يعظم، وما رأيت في أصناف البلاء كالمرأة السلطة إذا هي استكلبت ~~فكأنما جعل الدهر الجائر أيامها خطا من خطوط مداره، واتخذ من دار زوجها ~~متحفا ثم أودعه تلك المجموعة من آثاره ... ويا رحمة لهذا الزوج! فهو كلما ~~خرج من بيته خرج خزيان يتنقب، وكلما انقلب إليه انقلب خائفا يترقب، ولا ~~تزال تعرف في عينه نظرة مغلوبة وأخرى مسلوبة، وفي قلبه مصيبة مستقرة وثانية ~~مجلوبة، وترى على وجهه سمة استخذاء كأنها مسحة استهزاء، ولروحه ظلا على فمه ~~كأنه ظل النخوة الهاربة من دمه ولا يزال مع امرأته المكابرة كأنها ذنب ~~وكأنه ندامة، وقد جمعت عليه الدنيا والآخرة فكأنه من خوفها في موت ومن ~~لسانها في "قيامة".. # وما في الله خلق أعظم من المرأة، فهي طبيعة وحدها، غير أنها الطبيعة ~~الدقيقة الحس، وليس يدرك الرجل حقيقة نفسه قبل أن يخلطها بنفسه، فإذا ~~رأيتها خاملة مغمورة، أو ms093 ساقطة مجزورة، أو ميتة في الأحياء مقبورة فلا ترين ~~أنها مغلوبة للرجل ولكنها مغلوبة لإحساسها، وقد وفر الله عليها من القوة ما ~~شاء ولكنه غمز منها موضعا دقيقا فخرجت بحيث تراها أقوى الأشياء وترى هي ~~نفسها كأن لا قوة فيها، وهذا سر من نظام الطبيعة، فإن أشجع الناس الذي لا ~~يخاف شيئا يخاف أشياء كثيرة من نفسه، فلولا أثر يد الله في إضعافها ما قامت ~~للرجل معها قائمة. # وهذا الموضع الذي أسلمها ضعيفة مستخذية إنما هو جهلها بتصريف إحساسها، ~~فليست القوة إلا شيئا طبيعيا في هذا الوجود كائنة ما كانت، وإنما الشأن كله ~~في العلم بطريقة استعمالها، وما من رجل يداري المرأة نوعا من المداراة ~~فترضى عنه وجها من الرضا، إلا رآها في يده أضعف ما خلق الله، هينة لينة ~~سمحة مطمئنة، إن كانت دون الملائكة فهي فوق الناس، إذ هو إنما يستولي على ~~إحساسها فيأمن أن تصرفه في غير مرضاته ومحبته، ومن ثم تصبح كأنها صورة من ~~إرادته وكأن في نفسها نفسه. # فإن جهل الرجل كيف يداريها، وانقطعت الأسباب المختلفة بينه وبين رضاها، ~~ولم يكن أهلا منها لما هي أهله منه استوقد إحساسها وبصرها كيف تناله ومن ~~أسن تأتيه، فابتلي منها بفتنة ما تهدأ وقدتها، فما السابح في البحر إذا ~~أراد أن يقيد الموجة العاتية بالحبال، ولا المصروع إذا حاول أن يدع بيده ما ~~أفزعه من جن الخيال، ولا الطفل يبتغي أن يمسك القمر في الماء، ولا المجنون ~~يتطاول فيقتلع النجم من السماء- بأقدر ممن تبغضه المرأة إذا زعم القدرة على ~~إرغامها، وتصريف زمامها، ومن تمضغه المرأة إذا زعم القدرة على إسكانها، ~~وتصريف بركانها، ومن تحقره المرأة إذا زعم القدرة على ردها، وإرجاعها دون ~~حدها، ومن تصول عليه المرأة إذا ادعى القدرة على إسقاطها، والقوة على ~~التقاطها!. # فليس يعجز الرجل في سلاطة المرأة إذا هي سلطت عليه ما يكون من حدة ~~جنانها، وشدة عنانها، وشرة لسانها، فكل هذه وأمثال هذه إنما هي ضروب مما ~~تحاول من إظهار عظمتها الطبيعية المغلوبة، ms094 ومن أجل ذلك قلما كانت المرأة ~~السليطة إلا غالبة، إذ هي نفس منفجرة. # ولقد يعجز الإنسان أحيانا كثيرة أن يكون نفسه، غذ لا تنقاد له الطريقة ~~التي يغلب بها على الحوادث أو يجاريها أو ينبه لها الحذر، ومن ثم ينكر نفسه ~~كأنها غير التي يعرف من قبل، ولكن المرأة متى ثارت لا تعجز أبدا أن تكون ~~نفسها، وما نفسها إلا أعظم ما في الخليقة من الخير والشر!. # PageV01P046 # قال "الشيخ علي": كذلك صارت لويز مع زوجها وانحازت إلها طبيعته الغالبة ~~فكانت قوية به وبنفسها وكان ضعيفا بها وبنفسه. # ألا وإن أخلاق المرء إنما هي أعصاب أعماله، فانظر ويحك ما عسى أن يكون في ~~البغض أشد من أعمال امرأة أبغضت بعقلها وبقلبها، ولحاضرها ومستقبلها، وصارت ~~حياتها كلها من الشر والسوء كأنها لعنة يصبها الله على رأس هذا الهرم؟. # وكذلك اندمج في إرادتها كما اندمج الثعلب في فروته الجميلة الناعمة: ~~ترميه بالنظرة حين يتكلم فتقف الكلمة بين حلقه والوريد، ويجيئها وقد أجمع ~~النية أن يأمرها فلا تأخذه عينها حتى يسألها ما تأمره، ويجهد أن تعلم أنه ~~زوجها ثم ينقلب وهو يتمنى لو تعلم أنها زوجته، ويوسع قلبه عزما أن يفعل ~~ويفعل، ثم يراها فيخشى أن تكون اطلعت على أن في قلبه شيئا من العزم!. # وهو لا يعلم بزعمه كيف أنكرته وكيف تغيرت عليه وكيف تنكرت له، ولكنه يريد ~~أن يسأل كل شيء عن ذلك إلا وجهه ذلك الوجه الذي جعله الحب أقبح ما عرف من ~~دائه، وأشد ما خاف من أعدائه، وما أفضى إليها مرة وهو يحمله إلا عرف أنه من ~~ذنبه في حبها، وأنه من عذرها في بغضه، فيطرق إطراقة يتكلفها ويحسبها تشفع ~~له عندها، لأن فيه ذل الشيبة، وألم الخيبة، وشدة الهيبة، ولكن وجهه يظهره ~~وقتئذ مظهرا ليس في معنى السماجة أسمج منه، إذ يكون كاللص الذي لا ينكر على ~~ملأ الناس أنه سارق، وهو مع ذلك يحرص على أن لا يؤخذ منه ما تجشم في سرقته، ~~وقد عرفت المرأة أنها ms095 لا تغمز منه إلا مكاسر عظمه الواهن، ولا تطأ منه إلا ~~كل مفصل مرضوض، ولكنها عرفت كذلك أنه ظالم لنفسه، إذ حملها ما ليس في ~~طاقته، وظالم لها! إذ أرادها على ما ليس في طاقتها، فهو ظالم أشبه بمظلوم، ~~وما مثله في حبها إلا كمثل الفراشة، لا ترجع دون المصباح إلا أن تخالط ~~ناره، فما تحتال من حيلة غلا أحست منها حتفها وتلفتها، غير أنها لا تزال ~~تنزع من ذلك ما ينبغي أن تنزع عنه، وكلما تهافتت انحص جناحها من ناحية، ومع ~~هذا كله لا تسكن مادامت فيها حركة تنبعث. # وما من شيء إلا وقد جعل الله فيه النفع والضرر، فمن التمسه على حالة ~~منهما لم تؤده إلى الأخرى، وما تغني الإنسان معرفة الأشياء على حقائقها إلا ~~إذا عرف مع ذلك فروق ما بينها، وتبين الحدود الفاصلة بين الشيء والشيء ~~الأخر، وبين الحالة والحالة الأخرى في الشيء الواحد، فقد يكون الإفراط من ~~الدواء داء مع الداء، وقد يجتمع من طعامين بلاء لا يكون من جوع يومين!. # والمرأة هي في حاجة الرجل غليها، ولكن كل امرأة تكاد تكون جنسا بعينه في ~~حاجتها إلى الرجل، فمن ههنا أحبت وأبغضت. # ولو أن هذه المرأة مما تنبت الأرض وتسقي السماء لقد كانت تصلح مع كل رجل ~~كما تصلح لكل رجل، ولكن لها قلبا، وحسا مع هذا القلب، ونفسا مع هذا الحس، ~~ورقة مع هذه النفس، فهي إن لم تحب الرجل من هذه الجهات الأربع لا تكون قد ~~أحبته ذلك الحب الروحي العجيب الذي يوصف بأنه حب المرأة. # قال "الشيخ علي": وقد رأت لويز أن زوجها خرب من كل جهاته، وأكبر ما فيه ~~أنه كالأرض الفضاء: إذا ضرب عليها سور وجعل في هذا السور باب، ووضع على هذا ~~الباب قفل، فما غناه العريض، وما له الكثير، ولا اسمه في أهل الغنى غلا ~~كتلك الحدود المضروبة على ما وراءها من الفراغ والفضاء. # وكانت ترتاع لذله وترق لخضوعه، وتود لو استطاعت أن تراه غير من هو فتعرفه ms096 ~~غير ما عرفته وتجزيه غير ما جزته، ولكنه لم يكن يجيئها أبدا إلا بادي ~~المقتل، ولا يريد مع ضعفه أن يعدل عن محزنها، وأماتت من نفسه نزعة غلا ~~انبعثت فيها نزعة أخرى، كأنه رأى في غضبها جمالا لم يره في رضاها، وأحس من ~~ثورة شبابها وفورة غيظها ما يعالج منه خمود الهرم وبرد الموت في عظامه، ~~فاعتاد منها ما تجزيه، واعتادت منه ما يخزيه، ومرا على ذلك دهرا مات فيه ~~الوفاء، ومرض الحياء، فإذا تاريخ هذه المرأة لعنات، وإذا عرض هذا الرجل كله ~~طعنات، وأصبحت ملكة عليه وأصبح معها كما قال ذلك الحكيم: "من أراد مصاحبة ~~الملوك فليدخل كالأعمى وليخرج كالأخرس! ". ### | وبعد # PageV01P047 # .. فإن آلام النزع وإن لم تكن هي الموت ولكنها أشد منه، حتى إن الموت ~~ليكون راحة منها، وقد مد الله في نزع الكونت مدا طويلا، فكان يقظان العين ~~نائم الروح، وكأنه مقبور في جلده، وكانت زوجته لا تألوه موتا. فليس يراه ~~أحد إلا يطن أنه لما به، ولكنه لا يموت، لأن أيامه كانت بعض ما كتب في ~~الأزل من تاريخ هذه البائسة، وقد حمله الله على الأمل، والأمل معطية دائبة ~~لا تكل ولا تنقطع ولو ذهبت تقطع مسافة ما بين الضدين لتجمع أحدهما بالأخر، ~~فما يزال يحسب أن لزوجته فيئة بعد شرة الصبا، وأن تقادمه في الهرم وتقدمها ~~إليه سيصلحان ما أفسد الدهر منهما جميعا، وليس في الناس أحمق ممن يدفع نفسه ~~إلى ما يطن، في حين تدفعه نفسه إلى ما يستقين!. # أما هي فرأت أن لا سبيل إلى انهزامها أو تراجعها بعد ما أنزلت أخلاقها في ~~المعركة، كأنها ماتت قبل أن تموت فليس يضرها أن تقع في هذه المعركة هالكة، ~~وليس ينفعها أن تخرج منها حية، وكل شيء تستدرك منه الحيلة، إلا ما أفاتت ~~المرأة من شرفها النسائي، فإنه إن فرط منه فارط لم يستدرك، فبسطت عنانها في ~~يد الأقدار وانطلقت على أثرها صاغرة! وقطع الفلك في دورته عشر سنوات حتى ~~تفرى الليل عن صبح لم يشهده ms097 الكونت، فترك لامرأته ما جمع، وترك فيها ذلك ~~الموت الحي، وتركها في تلك الحياة شجرة مر داء غير أن اللذات لم تبق عليها ~~بعده، فقد لا تقتل الآلام إذا أسرفت على النفس ولكن اللذات لابد قاتلة، ~~وكأن الطبيعة فرضت على الإنسان أن لا يلذ بالعيش إلا حيث تكون لذته ~~اختلاسا، فإنما ركب على أن يشده ما يؤلمه، ويبني منه ما يحسب أن يهدمه، فإن ~~هو حمل نفسه على لذتها، وأطلق لها ما بين هواه ورأيه، فقد أراد لبنيته ~~الضعيفة وضعا ليس في هندسة الحياة، فلا تترك فيه اللذات إلا أمراضا، ولا ~~تحمل منه الأرض إلا أنقاضا ... ، ولو لم تكن هذه اللذة المسرفة سببا إلى ~~الموت، لما ركب في غريزة الإنسان كره الموت من حب الاستمتاع بها، والحياة ~~في عمليتها الجراحية المؤلمة لا تحز إلا بأسلحة الآلام الحادة واللذات ~~الحادة! وبيع ذلك القصر وما ضمه، وكان فيما يحتويه بعض رفرف من الكتب يباهي ~~الأغنياء بتنسيقها ليظهر من ألوان جلودها رسم ليس في الحائط ... ، فاشتراها ~~أديب تأدى إليه خبر الكونت وامرأته، فإنه ليقرأ منها ذات يوم في كتاب يصف ~~البأساء والضراء من هموم الحياة، إذا ندرت ورقة كانت بين صحفه فالتقطها ~~فإذا فيها تعتلجان بين هذين السطرين: الفقر خلو من المال، ولكن أقبح الفقر ~~الخلو من العافية!. "فكتور". # والغنى أن تملك من الدنيا، ولكن أحسن الغنى أن تهنأ في الدنيا ... ! ~~"لوجيز". ### | الحظ # قال "الشيخ علي": وإن في نفسي أشياء من كلمة بين الكلام قد ضل بها الناس ~~ضلالا بعيدا، لا أعرف كيف استحدثت ولا من أين انصبت على الدنيا، وقد خرج ~~الناس من أن يهتدوا فيها إلى حقيقة مخلصة، إذ لم توضع في لغاتهم موضع شرح ~~وإبانة، ولكن موضع غموض وإبهام ... # ويا عجبا للإنسان! كيف اهتدى إلى التعبير عن المعاني الإلهية التي يكون ~~المعنى الواحد منها تاريخا طويلا لقدر من الأقدار المستكنة في غيب الله من ~~لدن يقضى إلى يوم يقع، وكيف تلقى في نفس هذا الإنسان معاني الغيب فيردها ~~ألفاظا يحمل ms098 منها السماء بأفلاكها على بضعة أحرف!. # على أن أعجب ما فيه يعبر عما تناله قوته بألفاظ صريحة خالصة لا لبس فيها ~~ولا اختلاط، فإذا انتهى إلى ما يضعف عنه أو يعجز دونه أشار إليه بحروف ~~مبهمة لا يكون لها في نفسه من الدلالة الغامضة أكثر مما يدل المجهول على ~~أنه مجهول، فالإنسان متى أحس القوة رأيته كأنما يحاول أن يسمع السماء بطنين ~~ألفاظه المكشوفة عن معانيها أنه موجود على الأرض، ويحاول أن يظهر للأرض ~~بصراحة هذه الألفاظ أن له إرادة تعمل مع الأقدار في تسخير الطبيعة، ولكنه ~~عند العجز والضعف، وعندما يتخيل صفات من القوة الأزلية ولا يحسها - تراه ~~يرسل الكلمة الخفية التي تشير إلى كبريائه بشيء من الصراحة اللغوية ~~المحدودة، وإلى ضعفه وعجزه بإبهامها المطلق فما أن تزال في هذا الوجود ~~الغوي من المعنى على وجه التعيين والنص، حتى يقع بها قدر من الأقدار فيكون ~~هو معناها. # PageV01P048 # وضعف الإنسان لا حد له فلا حد لما يستعمل من الكلام المبهم الذي يحمل ما ~~شئت أن يحمل، ولولا ذلك لما صح أن تكون الفصاحة هي نفسها وسيلة من وسائل ~~التعمية في محاورة الخصوم. # قال "الشيخ علي": أما الكلمة التي أشرت إليها، فهي لشمول معناها الطبيعي ~~وإبهامه كأنها لغة للنفس الإنسانية أين وجدت، ولكن ليس للإنسان أن يفسرها، ~~بل هو يتعلل بها ويتعلق بها ويتعلق عليها ويعلم أنها كذا خلقت، لأنه قدر ~~معناها قدرة على قياس لا يبرح يطوي هو من طرفه ليعرف ماذا يبلغ وما هي ~~مسافته، ويعد القدر من طرفه الآخر ليفسد عليه ما عرف. # فهي كلمة يستوي عندها خطأ الإنسان وصوابه، ولهذا يراها واقعة في موضعها ~~وفي غير موضعها، ولا معنى لها عند هذا الإنسان إلا أنها اتجاه حركة القدر، ~~وهي الحظ. # الحظ يا بني كلمة غامضة غموض النفس الإنسانية، يتعزى بها أهل الأرض جميعا ~~ويظهرون فيها إيمانهم الفطري الذي لا بد منه للقلب، فما دام هذا التركيب ~~على غموضه المعجز بحيث لا يمكن أن يعرف بجملته، وما دام ms099 هذا الإعجاز وضع ~~حيرة للعقل، فلا بد في اللغات من ألفاظ تصور كل ذلك وتصفه على تلك الوجوه ~~العجيبة، بحيث تكون اللفظة إقرار من الإنسان وإن جحد، وصورة لإيمانه وإن ~~كفر. # وهذه الكلمات من أوضاع الإلهام فلا تخلو منها لغة من اللغات، وهي بعد في ~~تفاوتها وظهورها كدرجات الإيمان من أدناها إلى أعلاها، فمن لم يؤمن بالله ~~وجد في لغته لفظا للقدر وهو الإيمان بعمل الله فإن كفر بالقدر اعترضته نفسه ~~بكلمة الأمل وهو الإيمان برحمة الله، فإن جحد هذه اعترضته طبيعته الإنسانية ~~بكلمة الحظ وهو الإيمان بقدرة الله، ولا أحسب أن في الأرض رجلا يكفر بهذه ~~الأربعة جميعا! ومن ههنا كان الكفر نفسه لا يخلو من الإيمان، وكان الكافر ~~كأنه إنما يؤمن من أضعف موضع في الكون، وما أشبه الإيمان بجبل راسخ يحمل ~~الناس كافة، غير أن المؤمن يصعد مرتقيا من جهة والكافر ينزل منحدرا من ~~الجهة الأخرى!. # والعجيب أن كلمة الحظ نفسها يضعف معناها ويقوى بعكس ما يكون في الإنسان ~~من قوة الإيمان وضعفه. فالرجل المؤمن القوي في إيمانه بالله قلما يفهم من ~~هذه الكلمة إلا أضعف ما تريد النفس منها، فهي تبعثه على تذكر قضاء الله ~~والاستكانة لقدره والتعزي عما فات بما لا يزال في الغيب، ولكنك واجد ضعفاء ~~الإيمان لا يفهمون منها إلا القوة المسخرة لحوادث الدنيا، ولا يريدون بها ~~تسخير هذه القوة في منافعهم، ومن ثم تهيج الكلمة في أنفسهم من معاني ~~التسليم والاستكانة، وهذا عجيب من طباع الناس لولا السبب الذي كشفته لك! ~~وما أراك تحسن معرفة هذا السبب ما لم تعرف حقيقة ما أريد بكلمة الإيمان، ~~فلست أريد بها ذلك المعنى الذي يتعاون على تمثيله البناء والنجار والحداد ~~وغيرهم من أهل الصناعات، حين يشيدون المساجد والبيع والصوامع ونحوها من ~~أمكنة العبادة، فإن هي غلا مظاهر الدين الاجتماعية لا غير، ولا يمكن أن ~~يحصر الضمير الإنساني بين حائطين. # وإنما الإيمان هو ذلك المعنى الذي يلقي على روحك السكينة لأنها متصلة ~~بالله، وفي ضميرك المحبة ms100 لأنها متصلة بالناس، وهو ذلك المعنى الذي يعلمك ما ~~أنت ممن حولك، وما حياتك ممن وراءها، وهو ذلك الاعتقاد الكبير الذي تصغر ~~عنده الحياة بما فيها من الخير والشر، وتهون بما فيها من النفع والضرر لأنه ~~قائم على الفكر الذي هو بقية ما نفخ الله من روحه في الإنسان الأول فلا ~~يضعف أبدا ما دام في الكون قوة، ولا يفتقر أبدا ما دامت الطبيعة غنية ~~بجمالها، ولا يسقط أبدا ما دامت السماء قائمة، ولا يموت أبدا ما دامت ~~الحياة باقية، ومتى خضعت له استحال عليك أن تذل لصغائر الحياة، لأنه هو لا ~~يذل ومن مظاهر تلك العظمة التي تكون في الأبطال فيستهينون بالحياة إذ هم ~~أهل الموت، وفي العظماء فيتنزهون عن الدنايا غذ هم أهل الأخلاق، وفي ~~الحكماء فيزهدون في حطام الدنيا إذ هم أهل النفوس. # ومن ثم كان الإيمان الصحيح حرية صحيحة، لأنه يعصم من ضروب الذل كلها، ~~وكان منفعة خالصة، لأنه الحد القائم بين النفس وشهواتها، وكان نافعا، لأنه ~~العقل السماوي الذي يهم الإنسان حكمة كل مصيبة، أو يلهمه الثقة بالحكمة ~~التي يجهلها، ولو أن للفضيلة عبادة لكان لها من أخلاق كل رجل صحيح الإيمان ~~مسجد تعبد الله فيه! # PageV01P049 # ولا يصح إيمان المرء حتى يتبين لنفسه طريقا إلى ربه، فيرى كأن قطعة من ~~السماء في باطنة تضيء له الحياة، ومتى عرف هذه الطريق وامتد بها ضميره إلى ~~حيث يتصل بجلال الله، فمن هذه الطريق نفسها يرد مصائبه على الغيب كما جاءت ~~من الغيب، لأن للقدر طريقين: فواحدة يندفع منها، وهذه لا تعرف إلا بعد أن ~~تقع الواقعة فتدل عليها بنفسها، والأخرى هي التي يتصرف إليها القدر في حركة ~~الدهر، وهذه لا يوفق إلى معرفتها غير السعداء ومن كتب الله لهم أن يكونوا ~~مظهر حكمته أو مظهر حمده. # فقوم يجدونها في إيمانهم الوثيق، وآخرون يصيبونها في حكمتهم البالغة ~~والمؤمن إنما هو صورة قلبية من الرجل الحكيم، والحكيم إنما هو صورة عقلية ~~من الرجل المؤمن، فإذا نزلت بأحد هما المصيبة ms101 وبلغت منه ما لا يبلغ الصبر، ~~فتح لها طريق السماء في باطنه فيبصرها كأنها مدبرة، والمصيبة متى وجدت ~~كالحياة متى ولدت: لا محل للعقل أبا في أولها، فيتبين حكمة الله منها ويرى ~~حينئذ كيف تنقح يد الله في تاريخه. # وما أرى المصائب في نظام الكون إلا حركات ظاهرة تسير بها نعم مجهولة لا ~~تزال ومن وراء الغيب، وكثيرا ما يكون من هذه المصائب ما ينبه الله به الناس ~~من غفلاتهم حتى لا يقعوا في أشد منها إذا تركوا لما هم فيه، فليست النازلة ~~هي المصيبة ولكن المصيبة من جهلنا وضعفنا، ألم تر إلى كل نعمة مع الجهل ~~والضعف كيف تحمق وتضعف حتى لا تكون مع صاحبها إلا قريبا مما تكون المصيبة ~~مع صاحبها؟ قال "الشيخ علي": والحقيقة يا بني أن من لم يكن كفؤا لما يناله ~~هلك بما يناله، فالحظ توفيق، والتوفيق أن لا يكون لك إلا ما تصلح له فأنت ~~بذلك مطمئن، ومن ثمرة الاطمئنان فرضي فاستمتع، فهذا هو ذو الحظ وإن كان ~~عنده لم يصب إلا قليلا ولم يطمئن إلا من ولم يرض إلا من عجز ولم يستمتع إلا ~~بأهون المتاع. # إن كل امرئ يريد لنفسه لا لسواه، وإن أول التوفيق أن تريد ما يصلحك وأول ~~الخذلان أن تريد ما لا يصلح لك، وما الطمع إلا فقر حاضر ولو كان طمع الغنى. # وإن هذه النفوس لتبلى من طول ما يلبسها قدر ويجعلها قدر، فلقد رأيت غير ~~الموفق حين يجور في إرادته، ويضل في مسعاته، ويلتمس من الغيب ما يقدر لنفسه ~~دون ما قدرت له نفسه- لا يبرح يكد ويسعى، وكلما لبس حالة من دنياه فاضت ~~عليه فخلعها أو ضاقت عنه فخلعته، ولا يزال ذلك من دأبه ودأب القدر معه حتى ~~يهن ويضعف ويصير إلى البلى في نشاطه وحزمه وفي طماحه ورغبته، وقد أنفق من ~~حياته ما لا يرد في ابتغاء ما يدرك، وهذا كله هلاك بطيء يأتي على العمر، ~~والعمر بمقدار الزمن الذي تعيش فيه، ولكنه مقدار ما توفق ms102 من عيشك. # وهل سمعت برجل كان يحفر قبره منذ عقل معنى الموت وقد نذر أن لا يحول عنه، ~~ثم لم يزل يوسع الأرض من عمله ويفسح في جوانب هذا القبر وعمر طويلا وغبر ~~على ذلك دهره، حتى أصبح قبره يأكل القبور أكلا ثم أدركه الموت فانطرح فيه ~~رمة بالية فإذا هو لا يملأ من جوفه عمل يوم واحد مما كان يعمل، وبقيت ~~الحفرة كأنها فم مفتوح تصيح منه الأبدية: أين الميت العظيم الذي أعد كل هذا ~~لجيفته ... وما بال هذا الساعد وما بال هذا المنكب، وفيم كان ذلك العمل، ~~وما هذا النبوغ الميت الذي ضاعت فيه الحياة ولم يعظم به الموت؟ ... # إنك إن لا تكن سمعت بهذا الرجل فلقد رأيت كثيرا من مثله يعملون للحياة ~~عمل ذلك الأحمق بعينه للموت، فهو لم يمت بمقدار ما أعد لنفسه، وهم لا ~~يعيشون بمقدار ما جمعوا لأنفسهم، ومنهم من أضاعه في غير حاجته، والعمر لا ~~يستخلف، وكلا الفريقين طرف من قياس واحد في الخذلان وإن كان أحدهما يبتدئ ~~من عكس الجهة التي يبتدئ منها الآخر. # لا يوجد على الأرض من يملك شيئا في الأرض غير محدود، ولكن ما من أحد يكن ~~طعما محدودا في نفسه، ومن هنا كثر ما يسميه العامة "سوء الحظ" وإنما هو سوء ~~التوفيق. # PageV01P050 # أما حسن الحظ فما أحسب الناس يعرفون ما هو، ولا أراه إلا رغبة مجنونة لا ~~يقرها إلا العقل السليم ولا يستقيم بها نظام الدنيا، وإنما عرف الناس في كل ~~وجه من وجوه الحياة كيف تكون الخيبة، وكيف يمرض الأمل، وكيف يهلك الطمع، ~~وسموا ذلك "سوء الحظ" فحسبوا أن لهذه الأحوال ضدا، وجعل كل واحد يتمنى ~~لنفسه هذا الضد ويصفه ويسميه "حسن الحظ" لأنه زعم لا سوء فيه، كالذي يسمع ~~بالموت فيحسب أنه يعرف ما هو الموت؟ والحقيقة أنه لا يعرف منه شيئا وإنما ~~عرف الحياة الهالكة! يأبى كل أحمق إلا أن يختط صلى الله عليه وسلم خطة يبني ~~له عليها مستقبله، فكأنما يريد أن تمشي يد ms103 الله في التقدير على أجزاء ~~الصورة التي في خياله ... ! ولو جمع الله أبنية الأماني من أوهام الناس ~~ومثلها وكشف عنها الغطاء فأبصرناها لرأينا ثم (مدينة المستقبل) التي لا ~~يملك أفخم قصورها إلا الصعاليك ... # أما أنا فلا أرى كلمة (الحظ) فيما نأمله وفيما نتعلل به إلا لحنا من ~~الألحان الطبيعية التي خلقت في أفواهنا لنتغنى بها تحت الأحمال الثقيلة من ~~مصائب الدنيا وأطماع النفس، كي تجم الطباع وتنشط للسير بأحمالها، فما ~~الإنسان إلا دابة للحمل، وعليه أن يحمل من معاني المادة التي يعيش فيها أو ~~يعيش بها، والزمن نفسه بحكمته وعلومه وحوادثه إنما يعلمنا كيف نحتمل ~~الأسواء والهموم أكثر مما يعلمن كيف نتقيها. # قال "الشيخ علي: ولكن يا بني ما هذا الذي يرتفع بالخامل، ويتقدم بالعاجز، ~~ويجعل النكرة معرفة والنكرة معرفة، ويضرب وجه الحق عن مستحاقه، ويفلج ~~الضعيف وما يسمو به أمل، ويحرم المجد وما يشك في الظفر، ويخالف في سبيل ~~الأقدار بين نصيب ونصيب، ويقطع في محاولة الأمور بين الأسباب والغايات ~~ويبعد المنفعة مما به تمامه فإذا هي مضرة ومفسدة ... ؟ لعلك تقول، إن كل ~~هذا يجتمع في كلمتين هما السعد والنحس، وهما تنطويان في لفظة واحدة هي ~~الحظ، ألا فاعلم أن هذا من وضع القدر، وهي مذاهب لغوية تمر بين أنفسنا وبين ~~أفهامنا، وقد جئتني بجمل تنطوي في كلمتين، وكلمتين تجتمعان في لفظة، وأنا ~~آتيك بجمل في كلمات في صوت واحد، فما هي صرخة الألم مثلا؟ أليست قطعة طويلة ~~ن كلام النفس يجمعها الحس الثائر المتألم وينتفض فيها فلا تكون إلا صوتا ~~واحدا! وانظر أين هذا الصوت مما يشرحه لك الطبيب من أسباب ذلك الألم ~~وعوارضه في كلام طويل وعبارة سابغة لا يتألم منها حرف، مع أن أحدهما إنما ~~يفسر الآخر كما ترى! وأنا فلا بد أن أعلمك من أين خرجت هذه الأسماء، لقد ~~خرجت من تاريخ النوع الإنساني كله، فإن هذا الحيوان العاقل كان يشعر بمعاني ~~الأشياء قبل أن يضع ألفاظها، وكان السخط والغيظ والحسد والمنافسة ونحوها من ~~غرائزه ms104 الطبيعية: إذ هي المعاني التي بثها الخالق في نفسه لتنشئ في الأرض ~~تاريخ هذه النفس، فكان إذ تعادى رجلان أو فئتان فبغى بعضهما على بعض، أحس ~~الغالب منهما أن قوى الطبيعة معه، وأيقن المغلوب أن قوى الطبيعة عليه، لأن ~~الإنسان لم يكن عرف نفسه بعد، وكان هو وحده يمثل في هذه الطبيعة المخيفة ~~الرائعة فكرة الخوف العاقلة! فهذه الثقة في القوى الطبيعية المجهولة من ~~الإنسان، وهذا الشك فيها والخوف منها، هما الأصل في تاريخ لفظتي: السعد ~~والنحس. # ولقد كانت الأمم القديمة كلها تتوسل إلى الغيب المجهول بوسائل غريبة من ~~الطلاسم والتمائم والتعاويذ ونحوها من الأعمال والعادات المأثورة في تاريخ ~~كل أمة، لأن ذلك المعنى بعينه قد ارتقى مع العقل واشتد مع الإنسان فخرج من ~~مخافة الطبيعة إلى الرغبة في إخافتها، حتى تنزل على حكم الإنسان في اجتلاب ~~الخير ودفع الشر، والزمن لا يأتي على الغرائز فيمحوها، ولكنه يحول منها ~~شيئا ويهذب منها شيئا، ومن هنا كانت كلمة الحظ فاشية في المتمدنين لأنها ~~أخر صورة مهذبة من تلك الغريزة الأولى! أما إن في حوادث القدر أشياء لا ~~نفهم وجه الحكمة فيها، وهي الحظوظ والأقسام، فذلك صحيح في نفسه بمقدار ما ~~هو خطأ في أنفسنا، والشذوذ فيما يقع من حوادث الدنيا وفيما نشهد من تصاريف ~~القدر أمر معلوم، ولكن لماذا لا يكون قاعدة لأشياء نجهلها ما دمنا نجهل ~~الغيب كله ولا نعرف منه شيئا؟ # PageV01P051 # ما رأينا قط في تركيب هذا الكون المعجز شيئا خارجا عن موضعه، ولا شيئا ~~زائدا في موضعه، فلم نظن مثل ذلك في الجهة التي بنا من حكمة الله، جهة ~~السعد والنحس؟ يا بني، إنما قربت النعمة من فلان لأن القدر يسوقها إليه، ~~وإنما بعدت النعمة عن فلان لأن القدر يسوقها إلى غيره، وإذا أراد الله أمرا ~~هيأ أسبابه، فربما سعى الفرد بكل سبب فلم يفلح، ثم يقع له سبب لم يمتهد له ~~وسيلة قط فإذا هو عند بغيته، وإذا هو قد ملأ يديه مما كان قد يئس منه، ms105 فلا ~~يكون عجبه كيف خاب في الأولى بأشد من عجبه كيف نجح في الثانية! وهذا هو ~~مظهر إرادة الله، فإن صادف من بعض النفوس الضعيفة حسدا أو غيظا أو سخطا أو ~~منافسة أو نحو ذلك مما يكون مظهرا لضعف الإيمان في النفس، تحول المعنى إلى ~~لفظ يحمل كل هذه العواطف الوحشية، فليس الكلمة التي تسلب الإنسان قوة نفسه ~~وتكاد في إبهامها تسلب الأقدار قوة الحكمة أيضا وهي كلمة الحظ، ألا ترى أن ~~أحدا من الناس لا يتعلل بهذه الكلمة ولا يحتج بها ولا يسكن إليها إلا من ~~غيظ أو سخط أو حسد أو عجز أو ما هو بسبيل من هذه المعاني؟ قال "الشيخ علي": ~~فلم يبق من معنى الحظ إلا أن يقال: ولم وفق فلان، ولم خذل الآخر وما هو ~~بدونه، وربما كان أحق منه، وربما كانت المنفعة به أكثر والنعمة عليه أظهر؟ ~~ولم كان ذلك سعيدا، وبأي شيء صار سعيدا؟ وهذا شقيا، وبأي شيء عاد شقيا؟ إلى ~~نسق طويل من هذه المسائل التي لا تجيب عليها السماء ولا تكف عنها الأرض ~~أبدا ... # ولكن، يا هذا لم تخفي أنت وحشيتك المهذبة وتكتم الغيظ والسخط والحسد، ثم ~~تحتال على أن تخرج هذه المعاني الخشنة في ألفاظ لينة، وأن تعترض على القدر ~~في أسلوب من التسليم والرضا، وتطرح بينك وبين الله لفظة إن لم يكن معناها ~~مخاصمة القضاء فمحاسبته، وإلا فمعتبة عليه! وهل تعلم أنت ما هي شعوب ~~الحوادث وفنونها، وما الذي سيفعله المجدود حين تقبل عليه الدنيا، والمحروم ~~حين تدبر عليه النعمة، وماذا يكون مما يترتب على الحرمان أو ينشأ عن الحظ، ~~وهل تدري لما أساء بعض الأغنياء حمل الغنى دون البعض، ولم أحسن بعض الفقراء ~~حمل الفاقة دون البعض، ولم ابتليت طائفة بالتمني وابتليت غيرها بالضجر مما ~~تتمناه الأولى، وحبب إلى تلك ما بغض إلى هذه، ولم انتزعت النعمة بعد أن ~~استمكن حبلها، وأقبلت الأخرى بعد أن استيأس أهلها؟ ... # أليس من كل هذا يتهيأ البقاء للحياة الإنسانية في نظام لا ms106 يخف على نوع ~~الإنسان فيهمله ويفسد به، ولا يجور عليه فيستأصله فيذهب به؟ وهل الناس إلا ~~خطوط في لوح الغيب يستقيم منها ويعوج ما يعوج لأن كل ذلك مما لا بد منه في ~~جملة الوضع وأحكامه، فإذا أردت أن تسأل لماذا استقام هذا ولم أعوج ذاك، ثم ~~ما قصر وطال، ثم ما دق وجل، ثم ما علا وسفل، ثم ما انفرد واختلط فسل: لم ~~خلقت الدنيا ولم خلق الناس، وسل الخالق ولا تسل "الشيخ علي". # كل ذلك يا بني حكمة وكل ذلك انتخاب، وقد ظفر العلماء في حركات النظام بما ~~سموه الانتخاب الطبيعي، وعرفوا أن ذلك سر من أسرار التقدم والارتقاء، فاعلم ~~أن ما نحن فيه من معنى الحظ إنما هو انتخاب إلهي، وذلك سر من أسرار الحياة ~~والبقاء، وما من حركة لي ولك ولكل إنسان إلا هي تمس قطعة من تاريخ الحياة ~~وطائفة من الأحياء، فليس من حي هو لنفسه وحدها، وليس من حقيقة هي لنفس ~~واحدة، وإن عرف الإنسان بعض الحقيقة من نفسه فأكثر الحقيقة لا يعرفه إلا من ~~سواه، ومن أجل ذلك يقضي نظام الحياة بما نسميه الحظ وإن كنا لا نفهمه كما ~~يقضي به نظام الحياة، وإنما قوة الحركة وضعفها على حسب ما يراد بها في ~~الدفع والجذب، فكن واثقا بالله مؤمنا بالقدر خيره وشره، فالثقة وحدها حظ ~~عظيم والله تعالى يصيب الناس بنياتهم، غذ هي حقائقهم الصريحة، وإذ هو وحده ~~المطلع عليها، فهو يوفق السعداء للنية الحسنة ثم يسعدهم بهذه النية على ~~الوجه الذي يعلم أنه من سعادتهم، فإن لم يكن لهم الحظ الذي يريدونه فلهم ~~الحظ الذي يلائمهم، وربما كان زمام العافية بيد البلاء وكانت النعمة في ~~عاقبة المصيبة، وكان الإنسان عابسا من طلعة القدر والقدر يضحك له!. # وإذا لم يكن للأقدار نواميس أرضية تجري عليها وتقع بحسبها فإن أقرب ما ~~يصح أن يعد من نواميسها فينا أرى هو نيات الناس. # PageV01P052 # وما النية غلا خلاصة الفكر والضمير ونتاج ما بينهما، فلا تنطو على ما ms107 ~~يسوؤك أن تنمك به ألسنة الغيب وإنما الحوادث من هذه الألسنة ولا تعقد هوى ~~ضميرك على ما تحسبه أملا من حيث لا يكون إلا حسدا للناس ولا يعقب غلا نكدا ~~لنفسك، وما تظنه عزما منك وهو طمع في الله ومخادعة القدر. # وحسبك من المتاجرة مع السماء بضاعة صالحة من الإيمان الذي لا غش فيه، ومن ~~المتاجرة مع الأرض بضاعة طيبة من النية التي لا دنس فيها، فإن ربحك من هذه ~~البضاعة التي لا تكسد في أسواق السماء والأرض، أن يلقي اله عليك محبة منه ~~وتأييدا وسكينة، وإن رأى الناس أنك خسرت شيء من الغنى أو الجاه أو متاع ~~الدنيا، فإنما تعلم أنت يقينا أنك لم تخسر غلا الهم والشقاء والتعب بالدنيا ~~وأهلها. # ويومئذ يكون لك من حسن الإيمان، وحسن النية، وحسن الأخلاق، ما نعرف منه ~~كيف يكون حسن الحظ. ### | الحرب # رقعة من الأرض كأن فيها شيئا من الطينة التي خلق منها الإنسان، فهي تمطر ~~من دمائه، وكأنما عرفته في سماء الله فلا يكاد ينزل بها الجيشان حتى تعد ~~أرواح أكثرهم إلى سمائه، ينجذب إليها الجندي لأن فيها ترابه بل لأن فيه من ~~ترابها، وينطرح عليها لأن اقتراب منيته في اقترابها، ولا تزال تصرعه وكأنها ~~من شوقها تضمه، وتلقيه على صدرها ميتا أو جريحا كأنها تعلمه بذلك أن الأرض ~~أمه، وهي مزرعة الموت، نباتها الرؤوس فمنها قائم وحصيد، وثمراتها النفوس ~~فمنها داني القطاف ومنها بعيد وقد رواها بالدم الحي فنبت فيها العظم وأثمر ~~فيها الحديد!. # بل هي ساحة الحرب ترفع عليها القوة راية وتنزل راية ويحشر إلى مسرحها ~~الناس ليمثل لهم الموت كل يوم رواية وقد اضطربت فيها الآجال فكأنها أمواج ~~في بحر القدر زاخرة، وتناثر فيها الرجال، فكأنهم عظام في بعض المقابر ~~ناخرة، وظهرت تلك الساحة وقد كشرت عن أنياب من السيوف وأسنان من الأسنة ~~كأنه لأهل الدنيا قم الآخرة! أما الجنود فإذا رأيته يلتحمون قلت: زلازل ~~الأرض قد خلقت على ظهرها، وإذا شهدتهم يقتحموا خلت نفوس الكرام قد حملت ms108 على ~~دهرها وقد أيقنوا أنها إن لم يكونوا للموت كانوا للأسر، ومن لم يبن منهم ~~على الفتح بني على الكسر، وما منهم إلا من يحمل رأسا كأنه لا يملكها، على ~~عمق لا يدري كيف يمسكه، في بدن لا يعرف أيأخذه الموت أم يتركه، فهو لا ~~يبالي أظلته الشمس أم أظلم عليه الرمس، ونهض للتاريخ مع الغد أم ذهب في ~~التاريخ مع الأمس. # وإذا كان من صفة الميت أنه اسم في الحياة بغير جسم، فمن صفة هذا الحي أنه ~~جسم يعيش بغير اسم، وما الجندي إلا عدد في حساب الحرب، فسيان قطعه الطرح أم ~~أخذه الضرب وإنما هو حيث يتهيأ له انتظار الأقدار، فليس إلا الصبر ولو في ~~بطن القبر، وحيث يطبخ له النصر على النار فثم المكان، ولو في جوف البركان، ~~وآية عقله أن يكون كالآلة المتقنة تعمل بلا عقل فلا يخشى الحي، ولا يسأل ~~لماذا ولا كيف، ومن ذكاءه أن يكون من صحة الذهن بحيث لا يفرق في الموت بين ~~الجمر والتمر، وأن يكون من خفة الروح بحيث تحمله اللفظة الخفيفة على جناح ~~الأمر. # وما الحرب إلا أن يتنازع الناس على الحياة فيقيموا الموت قاضيا ويطلبوا ~~من الشريعة المدونة في صفائح السيوف حكما على الحياة ماضية، فكلا الفريقين ~~يقدم الحجج، من المهج، ويتكلم بألسنة الروح من أفواه الجروح، ويأتي من ~~بلاغة الموت في خصامه من كل ضرب ويجري الحياة مجرى الاستعارة في بيان ~~الحرب. # وقد تواقف الرجال في يوم أطول من يوم العرض، وتقاذفوا بالآجال حتى أوشكت ~~السماء لكثرة ما ينظر منها أن تقع على الأرض فالخيل منقضة كأنها صواعق ~~أرسلها الموت في أعنة، أم نوازع من السحاب بروقها الصوارم والأسنة، مسرعة ~~كأنها تسابق تلك المنايا التي جرت بها الأقدار، جائلة كأنما تحيرت كيف تفر ~~من ساحة الموت بما حملت من الأعمار، وعلى ظهورها كل فارس كأنه بين الرماح ~~أسد في غاب وكأن الموت من سيفه سم خلق في ناب، وكأن العنان في يده سوط لكنه ~~سوط عذاب، لم ms109 يعد في الفرسان حتى لم يعد من الإنسان فإذا صاح بقرنه عرفت ~~الوحوش ذلك الصوت، وإذا هاجته الحرب لم يفته من ضروب النقمة فوت، وإذا نظر ~~في مقتل عدوه حسبت عينيه نقطتين على تاء الموت. # PageV01P053 # وقد ثار الغبار كأنه طريق يمد من الأرض إلى السماء، أو كأنما أراد أن ~~يمثل السحاب وقد رأى المطر تمثله الدماء، أو كأنه أرض ثامنة بدأت تتخلق ~~مبعثرة في الفضاء، أو كأنه لما رأى الحرب تتوقد هب مستجيرا بالهواء من ~~الرمضاء، أو هو قد فر من الأرض لما خشي أن تنفلق الأرض من حوافر الخيل، أو ~~كأنه ألف أن يأتي الناس أعمال اللصوص في نور الشمس فضرب عليهم قبة من ~~الليل، أو حسب عقول الجند في أيديهم وأرجلهم فطار ينظر أين تلك الهام، أو ~~هو لما رأى المطر أحمر خشي على الأرض فثار على السماء ينظر ماذا دهى ~~الغمام. # وقد رمت الأرض تلك المدافع بزلزالها، وألقت على الجنود صورا من شر ~~أفعالها، فتركتهم كالغابة الملتفة إذ استطار بها الحريق، وانحط فريق من ~~أشجارها على فريق، وكأنما انقض عليهم من قنابلها جدار من جحيم، وكأن كل ~~مدفع في صيحة الحرب إنما هو عنق شيطان رجيم. # تحمل في بطونه أجنة من النار ترتعد الحصون لهول ميلادها، وتتحنى القلاع ~~مخافة منها على أولادها، ولها صوت بعيد كأنما تنادي به السماء لترسل ~~المنايا الطارقة، أو لتستقبل الأرواح المفارقة، أو كأنه نشيد فخم تفتخر به ~~الأرض على الرعد والصاعقة. # وهي القارعة وما أدراك ما القارعة، أما يومها فيوم يكون الناس كالفراش ~~المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش، وهو إن لم يكن يوم النفخ في الصور ~~فإنه يوم تحصيل ما في الصدور، وإن لم يكن يوم يبعثر من في القبور فإنه يوم ~~يبعثر الناس في القبور. # وهو المدفع حسبه قوة أنه من الحديد، وحسب ما يحويه قول الله عز وجل "لقد ~~أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتب والميزان ليقوم الناس بالقسط ~~وأنزلنا الحديد في بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ms110 ورسله ~~بالغيب إن الله قوي عزيز" وحسبه رعبا أنه شكل (عصري) من عذاب الخسف القديم ~~أعده الله لهذا الإنسان الجديد ... ، فكم من حصن منيع اعتز به أهله، فتركم ~~فيها ترابا وعظاما، وكم من قلعة شامخة اعتز الجند بقواها، "فكذبوه فعقروها ~~فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها". # وأما الرصاص فهم من سماء الموت حب غمامه، وله صفير كأنه ترنم الشيطان ~~ببعض أنغامه، ولو أن عاصفة كنست أرض الجحيم لما شوت الوجوه بأشد من ناره، ~~ولا حملت من هنالك إلا ما تحسب هذا الرصاص من حصاه وغباره، يثور كما تثور ~~الأعاصير، ويندفع كما تندفع المقادير، ويقع على الأجسام بالأجل أو يطير، ~~ويتناثر كأن في السماء نجم تفتت فسقط، أو كأن قطعة ذابت من الشمس فألقت على ~~وجوه الناس هذا النقط، أو هو فوج من ذباب النار، وهبط إلى هذه الدار، فلا ~~هم له إلا الجلود وإنضاجها بلذعة، والعيون وإخراجها بنزعة، والعروق ~~واستخلاصها، والدماء وامتصاصها، والأرواح بعد ذلك واقتناصها. # وكأنه زفرات غير أنه لا تخرج من الصدر بل تنزل فيه، ولولا أنها تشويه ولا ~~تشفيه. وهو أوقع في الرؤوس من الأوهام وأنفذ في الأغراض من مكايد الأفهام، ~~وأحر على الأكباد من كل ما يضرم غضب الجبار المغيظ، وما هو إلا العذاب ~~الرفيع إن كان المدفع هو العذاب الغليظ ... # وهناك من الروع ما لا يحصيه الوصف ولا يحصله، وإن عرفت آلة التصور كيف ~~تجمله فليس يعرف القلم كيف يفصله، ولعمري لو كان البحر الأسود في المحبرة، ~~لما بلغ في وصف هذه المقبرة، غير أنها في الحرب التي ابتدعها العلم لهلاك ~~الإنسان، والقوة التي رزقها العقل فكانت بلاء على الأبدان. # قوة المعجزات التي أركبت هذه الديانة الإنسانية على متن الغمام، وطوت لها ~~السماء بين جناحي النور والظلام، فإذا سمت الطيارة خفض لها السحاب جناح ~~الذل، وأقبلت الملائكة تسأل ربها ما هذا الجزء من العالم بل ما هذا الكل، ~~وما هذه الجرادة التي رأسها في ظهرها، وسرها في جهرها. بل ما هذه الحياة ~~الأرضية التي عرجت في ms111 السماء فخرجت من حدود دهرها، وما هذا العقل الإنساني ~~الذي لا يوزع جاشه والذي يرفعه إلى السماء ارتعاشه وهو مع ذلك يندفع على ~~أهله بالويل اندفاع السيل، ويطلع نصفه كالنور على الأرض ليطلع نصفه الآخر ~~كالليل؟ # PageV01P054 # وهي الحرب العامة كأنها ثورة الدهر وقد ضجر من هذا العلم وطغيانه، ومل من ~~سماجة إنسانه، واشتاق إلى عصر حيوانه، فزفر زفرة أيقظت الموت وكان نائما، ~~وتركت هذا الإنسان من الفزع لجبنه أو قاعدا أو قائما، واستنزلت من القضاء ~~ما كان في علم الله غيبا، واشتعل من هولها رأس الأرض ببياض السيوف شيبا، ~~وجعلت من البيوت قبورا لأهلها، وسارت في معايش الناس بين صعبها وسهلها، ~~وأظهرت لعقول العلماء أن أكثر علمها من فنون جهلها، فالأرض في بلاء منتشر ~~لا يعرف له حجم، والشعوب في ظلام من اليأس ملتهب النجم، والدول في عصر كليل ~~الشياطين كله رجم ... # قال "الشيخ علي": تلك هي الحرب القائمة اليوم ولكن كما ترى خيال النار في ~~الماء، أما الحقيقة فكل حرف منها جيش، وكل كلمة أمة ووراء ذلك معنى رائع هو ~~استجماع الحياة الأرضية لمقابلة الموت. ولو أن لهذا الكون مرضا يعتريه كما ~~تعتري الناس أمراضهم لقلت إن شق الأرض قد ضرب بالفلج فأصبح شقها الآخر لا ~~يكاد يجر ظله حول الشمس، لأن الحركة مقسومة بينه وبين ذلك النصف الميت، فقد ~~اشتبكت العلائق بين دول الأرض جميعا، إذ لا تعرف دولة بين الناس ترعى شعبا ~~من البهائم، ولما بدأ الإنسان يعرف نفسه في عصر العلم والمدنية عرف أخاه، ~~لأن أكثر حقيقة الإنسان فيه، ومن ثم اتصل به اتصال اليد بأختها في المعاونة ~~على ما يسرت له كلتاهما، وجمع العلم بين هذه الأمم لأنه لا ينتسب لواحدة ~~منها وليس له في الأرض لا خال ولا عم، ولا يعرف شيئا يقول للعلم يا بني ~~ويقول له العلم يا أبي إلا التاريخ الإنساني. # ولها سفر بين أمم الأرض كل ما يخرج من رأس الإنسان وما ينتج من يده، ~~واتصل ذلك واستفاض حتى كأنما ms112 دارت الأرض دورة جديدة من داخلها، فما إن يقع ~~الاضطراب في ناحية منها إلا دخلها من الأثر في سائر نواحيها، من هزة ترجف، ~~إلى زلزلة تهدم، إلى الخسف الذي يجعل عاليها سافلها. # وإن باسط لك شيئا من الرأي في كلمات قليلة، ولكنها كالمعركة الأخيرة التي ~~يحق لها النصر، فتكون هي تاريخ الحياة ولا يكون ما سبقها إلا تاريخ للموت. # ألا فلتعلم أنه لو كان لحوادث منذ نشأ الدهر تاريخ صحيح يصف لنا ما كان ~~سببا في كل حادثة وما صارت كل حادثة سببا فيه، لا ثبت يقينا أن ليس في ~~الأرض شيئا من خير أو شر غير ما يلزم لبناء هذا التاريخ الأرضي على الوجه ~~الذي يتفق مع بناء الإنسان، والتاريخ يطرد حينا ثم يعطف ههنا وههنا في ~~مجراه من الغيب، فلا يتحول إلا انشقت له ناحية من العالم. # فإن خربت دولة أو سقطت أمة فما هي بصاحبة الدهر كله، وقد كان لها قسمها ~~منه ثم عاد الدهر يطلب قسمه منها. ولن يجدد البناء القديم حتى يكون الهدم ~~أول العمل في تجديده. # فالحرب شر لا بد منه، لأنها من عوامل التحليل والتركيب في تاريخ ~~الإنسانية، وهي بذلك سبب من أسباب استمراره. فكل شر لا بد منه فهو خير لا ~~غنى عنه. وهل يبتغي للإنسان أن تضرب العصور والدول كمال تضرب الدنانير ~~والدراهم من معدن معروف على وجه معروف ولغاية معروفة؟ وإذا لم يكن لنا ~~مستقبل التاريخ وكنا في عمر محدود فما نحن والرأي في بناء هذا المستقبل، ~~وكيف نقدم لله لآلات البناء ثم نحكم الشرط أن لا يكون في هذه الآلات ما ~~يحتقر أو يكسر أو يرض. # إنما يجعل للحرب ذلك الوصف يطير لها في كل أرض صوتا بالذم والسوء، أنها ~~لا تأتي إلا بغتة، ولا تطبق إلا في غفلات العيش، وأنه تثور في بياض الأمن ~~الأحمر من لون الموت، وتطلع من خصب النعمة سوداء من لون القحط، وتنبثق ~~بالشر من حيث يكون الشر مأمنا وتصب المحنة على من لا ms113 يطيقها، ثم لا تصيب ~~الذين ظلموا خاصة بل تلف من جانبي الحياة لفا، وهي في كل ذلك البلية ~~المكشوفة التي تشتهرها الأحاديث، وتضرب فيها الألسنة، وتسيل عليها الأوهام ~~بما في طباع الناس من طبقات الأخلاق ضعفا وشدة، وخوفا وطمعا، وبخلا وكرما، ~~وحذرا واندفاعا، بحيث تصبح وكأنما ترتمي على رأس كل إنسان بالموت، أو ~~بالخوف من الموت، أو بالخبر عن الموت أو ما يشبه الموت، أو بما يكون الموت ~~خيرا منه!. # وإلا فكم يترضرض الناس كل يوم، وكم يجدون من صنوف الدمار في الأعمار ومن ~~ضروب الأرزاء في الأرزاق، ما لو جمع بعضه إلى بعض في نسق واحد لطم على هذه ~~الحروب كلها، ولأظهر لك أن في السلم ما هو شر من الحرب وإن لم يصرخ به صوت ~~الموت. # PageV01P055 # وما البغي والظلم والكيد والفتنة والاستبداد ونحوها مما يشمل أكثر وسائل ~~الحياة الإنسانية إلا ضروب من القتل الخفي، وربما عد الموت في بعضها راحة ~~من الموت، ولكن ذهب بإثمها في اصطلاح الناس أنها خطط موضوعة للمغالبة على ~~الحياة، وأنها لا تنالهم إلا فردا فردا، وكأن باطل الأمم غبر باطل الأفراد، ~~لأن الاجتماع قضى منذ أول العهد به أن تكون الأمة مظهر السرع وأن يكون ~~الفرد مظهر العقاب، ولكن ليت شعري لما يكون الفرد كذلك من الأمة ولا تكون ~~الأمة كذلك من أمة غيرها؟ فالحرب هي عقاب الجماعات، وهي كذلك ضرورة ~~اجتماعية، ولن يخلو منها تاريخ الإنسان إلا إذا رجع الناس أمة واحدة في ~~تركيب مستحيل لا يتهيأ أبد الدهر ما يقسم هذه الأمة على نفسها، ولعمري إن ~~ذلك التركيب الاجتماعي الذي يخلو من الحروب ليزهد الناس في جنة الله ولا ~~يدع للأديان محلا على الأرض، ويحسبون أنه صلاح في الطبيعة وهو يفسد الطبيعة ~~كلها، فما هو إلا خيال شعري في تاريخ الحقيقة الإنسانية، وما رأى الحرب إلا ~~البرهان الذي تقيمه الطبيعة أحيانا على فساد ذلك الخيال كلما أوشك الضعف ~~الإنساني أن يتوهمه حقيقة ... # وإذا كان الله لم يخلق إنسانا من النور فلا ms114 تظلم نفسه، ولا من الثلج فلا ~~يحمي دمه، ولا من الصخر فلا يهن كاهله، ولا من الحل فلا يحيف على غيره، ولا ~~من الرضا فلا يطمع في سواه، ولا من الكتمان فلا تخرج أضغانه ولا من السكون ~~فلا يتحرك في نزاع، فكيف لعمري يخلق بعض الكتاب والفلاسفة هذا الإنسان ~~الجديد من عناصر السلم وحدها؟ ألا إن الإنسان لا يولد ساكنا ولا نظيفا، ~~وإنما يخرج من بطن أمه في ثورة دموية تنفجر من حوله ههنا وههنا، وما أرى ~~الحرب أكثر ما تكون إلا ولادة للتاريخ على هذا الأسلوب، فكأن من التاريخ ما ~~يولد على أسلوب الحيوان في ثورة من الدم، ومنه ما يوجد على أسلوب النبات في ~~تحول ساكن غير منظور. # قال "الشيخ علي": والحركات المجهولة في نظام الأرض كثيرة، بعضها يجري على ~~الطبيعة وبعضها يجري على الإنسان، فكما يدك الجبل وتخسف الأرض ويغطي الماء ~~وتثور العواصف وتتفجر البراكين، يجري على الإنسان من مثل هذا القحط والوباء ~~والحروب وغيرها، لأن الإنسان في الحقيقة هو الطبيعة الرفيعة، وما القوة ~~المركبة فيه التي تخرج من مجموع غرائزه إلا تهيئة حربية في نفسه. # فلولا أن هذا الإنسان مهيأ للحروب بأدواتها الطبيعية، وأن هذه الأدوات هي ~~كذلك من أسباب بقائه اللازمة له، لما قامت في الأرض حرب قط، ولو أبعدنا في ~~مطارح الفكر ونظرنا من وراء النفوس الإنسانية إلى ميادين القتال، لرأينا أن ~~الحرب التي تقوم بين الأحياء إنما هي حرب قائمة بيد مذاهب الحياة. # وكما يجتمع العلماء وأهل السياسة لتنقيح الأنظمة والقوانين، تجتمع الدول ~~المحاربة لتنقيح الطباع والعادات، وما أعجب أن يكون القتل تنقيحا في قانون ~~الحياة. فلا تنظر من الحروب إلى هؤلاء المساكين والمتوجعين والمحزونين، ~~فذلك كله إلى نهاية ولا يبقى منه على الأرض شيء قل أو كثر، ولا أحمق ممن ~~ينظر ساعة الهدم على آثار الهدم ولا يعلم أن ذلك سبب لما بعده، وأنه إذا لم ~~يهلك يوم في سبيل الغد هلك المستقبل كله. # ولكن متى تكون الحرب حقا ومتى تكون باطلا؟ ms115 هذا ما لا سبيل إلى وجه الرأي ~~فيه، وربما كان الجواب عليه سؤالا آخر، وهو: متى تعرض في حياة الناس تلك ~~المسائل التي لا يصلحون هم أنفسهم لحلها؟ ومتى تكون الحركة العنيفة التي ~~يتحول بها التاريخ الإنساني كلما وجب أن يتحرف ليتبع مجراه من الغيب؟ أليس ~~ذلك هو السبب في أن العقل أحيانا يكون أول ما ينهزم في الحرب كما تراه ~~اليوم، فيصبح الفلاسفة والعلماء والمتفننون لا هم لهم إلا إدارة حركة الموت ~~هجوما ودفاعا، وترى الصلوات والأدعية والتسابيح تصاعد إلى الله وفيها ريح ~~الدم والنار والغازات، وكأنها قنابل صنعت من قنابل صنعت من العواطف؟ وقد ~~يقول بعضهم إن في الحرب إسرافا اجتماعيا بما تأخذه من الموتى وما تترك من ~~المرضى، ولكن كم من الإسراف الطبيعي والأخلاقي في بقاء الناس موفورين ~~بعلومهم وفنونهم وشهواتهم ونعمهم ومصائبهم ونحوها، مما يؤدي إلى انطواء هذا ~~لمجتمع الإنساني في الأدمغة والقلوب بما تبعث عليه تكاليف الحياة ~~الاجتماعية السامية التي تحاول أن تجعل الإنسان حيوانا على شكل مخترع. # PageV01P056 # فلا ترين يا بني هذه الوحشية التي تعتري الناس في حروبهم إلا سببا في ~~رجوعهم بعد ذلك إلى الإنسانية الخالصة التي أفسدوها بحضارتهم وضربوا عليها ~~الحدود من مصطلحات التمدن ومن أصول المعاملة، فأصبح الإنسان منهم يقضي ~~العمر وهو يتعلم كيف يصير إنسانا ... ! وأنا يا بني في خاصة نفسي أكره ~~الحرب، لأني أراها تصور بكل ألون الهلاك والخراب فكرة العدم المبهمة على ~~قطعة من أديم الأرض، وامقتا لأنها تلوث الحياة بدماء الرجال ثم لا تغسلها ~~إلا بدموع النساء والأطفال، وأبغضها لأنها تدفن تاريخها الصحيح المستقبل ~~ولا ترك للحاضر إلا تاريخها المشوه في أعضاء الجرحى، ولكن البغض يا بني لا ~~ينفي الحكمة مما تبغضه، وما سرور نصف الناس إلا بما يكره النصف الآخر! ~~وأكبر شخص اجتماعي وهو الأمة، كأصغر شخص اجتماعي وهو الطفل: كلاهما يبكي ~~ويتألم حين يضرب لتأديبه. # (قال الشيخ علي: وهذا آخر قول الشيخ علي ... ) . ### | على الكوكب الهاوي. حسناء أفقرتها الحرب، وكيف تلقاها الحقيقة؟ # طريدة بؤس مل ms116 من بؤسه الصبر ... وطالت على الغبراء أيامها الغبر # تنكرت الدنيا لها ورمت بها ... على الكوكب الهاوي حواه فضا قفر # وكانت كما شاءت وشاء جمالها ... كما اشتهت العليا كما وصف الشعر # تلألأ في صدر المكارم درة ... يحيط بها من عقد أنسابها در # وما برحت ترقى السنين وتعتلي ... وكل المعالي في طفولتها حجر # فكانت كزهر نضر الفجر حسنه ... ولما علتا كالنجم أطفأها الفجر! # رمى الدهر أهليها بحرب ولم يرد ... بها الشر لكن الحروب هي الشر # ومن يحطم الكأس الروية وحدها ... فقد ذهب اثنان: الزجاجة والخمر # تقاسمت الحسن الإلهي وانثنى ... يقاسمها، فالأمر بينهما أمر # فللشمس منها طلعة الحسن مشرقا ... وفيها من الشمس التوقد والجمر # وللزهر منها نفحة الحسن عاطرا ... وفيها ذبول مثلما ذبل الزهر # وللظبي منها ملتقاها وجيدها ... وفيها من الظبي التلفت والذعر # وما قيمة الحسناء يقبح حظها ... وتذوي بروض الحب أيامها الخضر # من الحسن معنى يهلك السن عنده ... كم أهلك الأزهار أن يؤخذ العطر # فما السن فخر للحسان وإنما ... لخالقه فيما يريد به سر # ضعيفة أنفاس المنى بعدما غدت ... رقاب أمانيها يغللها الفقر # وبين خطى أيامها كل عثرة ... يزلزل أقدام الحياة بها العسر # وزجت بها الأحزان في بحر دمعها ... وليس لبحر الدمع في أرضنا بر # يقاذفها موج الليالي وما لها ... سوى زورق واه يقال له العمر # وما التمست رأس الرجا عند صخرة ... فكان سوى رأس الردى ذلك الصخر # إذ استنبأوها أرسبت من دموعها ... لآلئ حزن كل لؤلؤة فكر # وإن سألوها لجلجلت فكأنما ... عرا اللفظ لما مر ن فمها سكر # مشردة حيرى تنازع نفسها ... فرقان ذل لم تعوده، والكبر # وما قتل الذل امرأ من عبيده ... وكم من فتى يرمي بهامته الفخر # ولو أنصف الإنسان في قدر نفسه ... رأى قدرها أن لا يهون لها قدر # فلا تتساءل كيف تقعد وداعا ... ولكن تساءل كيف يسعى بك الذكر # وكن رجلا كالضرس يرسو مكانه ... ليطحن، لا بعينه حلو ولا مر # ولا تتوقع أي جنبيك واقع ... إذا انطبقت يوما حوادثها النكر # ولكن تلق الدهر غير مفزع ... بصدرك ولتعر ms117 الخطوب كما تعرو # فعز الحسام الهند واني صدره ... وذل العصا أن العصا كلها ظهر # ولن يهن الحر انتضى عزماته ... وصال بها من صبره الخلق الحر # وإن تغلب الأبطال في كل حومة ... فما عرفت حرب بها غلب الصبر! # وليلة هم ما يطير غرابها ... ولا انحط من وكر الصباح له نسر # تطل عليها الشهب أعين نقمة ... تطاير فيما بينها النظر الشزر # ويزفر فيها الليل زفرة مارد ... تطير لها من برقه الشمل الحمر # ويخفق في أحنائها كل عاصف ... خفوق فؤاد بات يسلمه الصدر # ويغضب من آثامها الموت غضبة ... يرج لها في كل ناحية قبر # دخانية هوجاء لو مد نقعها ... لقام على وادي الجحيم بها جسر # PageV01P057 # وأهون ما في أرضها وسمائها ... على الناس، هاتيك الحزينة والبدر # ثوت تحتها تلك الفتاة عليلة ... تئز كما أزت على نارها القدر # وفي غرفة مما بنى الله لا الورى ... فليس على من حل ساحتها أجر # جوانبها شرق الظلام وغربه ... وفي سقفها ضاءت كواكبه الزهر # ممدة كالسطر في صفحة المنى ... وأطمارها تبدو كما شطب السطر # فإن يك أهل الأرض أرقام حساب ... فتلك وراء العالمين هي الصفر # رمت عينها يمنة ويسرى فلم تجد ... على الأرض خلقا ليس في جنبه غدر # رأت كل مخزاة من الشر تلتوي ... ويهرب ذعرا من جنايتها العذر # رأت أثرا تدنى به الأرض والسما ... وليس سوى الإنسان في جرحه ظفر # رأت ذلك الإنسان يطغى بعلمه ... ويجهل أن العلم عن جهله زجر # أليس يرى الإنسان في القرد شبهه ... فهل ذاك إلا من تكبره سخر # كما عاقب الله الأسود لكبرها ... فجاء لنا في صورة الأسد الهر # رأت هذه الحرب الضروس كأنها ... مراحل يطويها من الزمن الحشر # وما حمد الشيطان للناس مثلها ... ولا كان للشيطان في مثلها شكر # وما الحرب إلا رجفة الأرض رجفة ... يموت بها عصر ليحيا بها عصر # وما الحرب إلا مطرة دموية ... إذا دنست روح الورى فهي الطهر # وما الحرب إلا غضبة الله لا مست ... مخازي الدهر فانفجر الدهر؟ # فيا رب، جلت هذه الحرب محنة ... على الناس، لا ms118 الإيمان منها ولا الكفر # ففي كل نفس غصة ما تسيغها ... وفي كل قلب كسرة ما لها جبر # وبين شفاه الناس للناس لعنة ... إذا لم يثرها الحق ثار بها الخسر # وما لوت الأسياف في الأرض عروة ... من البغض إلا والرؤوس لها زر # فلا تخدعوا الإنسان عن نزعاته ... فما الناس إلا ما أساؤوا وما سروا # وكم قيل إنسانية ومحبة ... وعلم وتمدين وأشباهها الكثر # فيا قدرا يجري دما ويلتظي ... سعيرا، أذاك الحب أنت أم أنت الهجر # ويا هذه لا تجحدي، إنما الورى ... كما خلقوا والمكر بعد هو المكر # وأين من الناس الكمال ولم نزل ... نرى السود سودا ليس يغسلهم بحر # ولا بد من ضدين في كل حالة ... وبينهما إما النجاة أو الأسر # بذلك يجري الغيب إن طار أو هوى ... فإن جناحيه المنافع والضر # فلا تطمعي إن تغفل الأرض أهلها ... ولا مد فوق البحر إلا له جزر # ولا تطمعي أن يرفع المال أنفسا ... يحركها من ذل مطمعها الجر # ولا تأملي الأيام خضرا على المدى ... ففي كل حين يسقط الورق النضر # ولا تسألي الزلزال ترقيص طفلة ... وأصغر ما في كفه الجبل الوعر # ألا إنما الدنيا سلاليم يرتقي ... بها الناس تغريم أواخرها الغر # نذروا علاها للكمال، وعندهم ... من العلم أسباب يقر لها السحر # فما برحوا يرقون كل بعيدة ... ولم يعلموا أين الكمال ولم يدروا # فلما علوا واستحمقوا وتتابعوا ... وغرهم بالله ذلك فاغتروا # ... تهاووا على أعناقهم وتحطمت ... بهم درجات كان من فوقها النصر # كذلك سلاليم الحياة، فكلنا ... طموح لأعلاها وفي الوسط الكسر ### | الجمال والحب # وكأنما أنظر الآن في قلب رجل لا في وجهه، إذ تهلل على الحساب وجه "الشيخ ~~علي" شيخ المساكين. # أراه كما كنت أعرفه، ضاحكا غير الضحك الذي يلبس وجوه الناس، فلا يضحك ~~لشيء إنساني، بل ما هو إلا أن تراه قد تهلل فرفع وجهه إلى السماء وأرسل من ~~فمه مثل نور التسبيح في إشراق جميل، حتى لقد كان يخيل حين أبصره على تلك ~~الهيئة أنه لا يضحك ولكن قلبه يرتعش بعضلات وجهه. # PageV01P058 # لو أراد ms119 الله بالناس خيرا لوضع في أبصارهم أشعة تنبث في أطواء القلوب ~~فتعرف ألوان العواطف وتميزها لونا من لون، ولكنه جعل الوجه غطاء على معاني ~~القلب ثم سلط الفكر على معاني الوجه ومعارفه يصور فيها ما شاء مما له أصل ~~في الحس وما لا أصل حتى ليختبأ الإنسان عن الإنسان وهو مكشوف لعينيه وإذا ~~كان الله سبحانه قد أوجد الخير والشر صريحين فقد أوجد الإنسان ثالثا لهما ~~وهو تلبيس أحدهما بالأخر وأراد الخالق ذلك ويسره للإنسان فجعل فيه آلة ~~واحدة للصدق وهي القلب وآلتين للكذب وجهه ولسانه. # كان "الشيخ علي" يشبه إنسانية قائمة بغير إنسانها على حين ترى أكثر الناس ~~كأنه إنسان قائم بغير إنسانيته وكانت الدنيا كأنما نسيت أنه فيها فتركت له ~~روحه صافية منطلقة تتطعم الحياة فير مستقرة في شيء كما يتطعم النسيم رائحته ~~من ورق الزهر فهو يتسحب عليه ولا يستقر فيه ولو أنه ورق الزهر. # وما زالت روح هذا الرجل مني منذ عرفته كأنها نضاحة عطر تمج رشاشها على ~~حياتي روحا وعبيرا وندى، وكأن الرجل طفل عزيز من أطفال قلبي يملأ ما حوله ~~ابتسامة وطفولة ورقة، ولو أن أحدا خلق من عيني الطفل الضاحكتين لكان هو ~~"الشيخ علي" رحمه الله، على أنه كان رجلا من سوسه القوة، معصوبا متكدسا، ~~يملأ جلده كأنه جذل من أجذال الشجر. # وانقبضت نفسي انقباضة شديدة إذ تغير الرجل في حياته، ونظر إلي نظرة ينقدح ~~منها شرر الغيظ، فلو أبصرت عيناك طائرا ضعيفا أراغه نسر فاستطرده في نواحي ~~الجو وهكذا وهكذا، ثم أهو له بمخالبه ثم سدد إليه نظرة غرزت هذه المخالب ~~وانفجرت بآلام لحمه ودمه فاعلم أن تلك هي نظرة "الشيخ علي" إلي. # ولقد تبعثرت لها شياطين نفسي فانطلقت، يحول كل شيطان منه مهربا، وكانت ~~توسوس في صدري أن استمد من روح "الشيخ" قوله في الحب الذي مهما اعتبرته لم ~~تجده إلي كإحياء الخيالات بقتل حقائقها، ثم ما لبث أن استضحك وأطلق لي نفسي ~~وجاشت عيناه بنظراتهما الحكيمة، فقلت: ويحك يا نفس! ms120 إن عين "الشيخ علي" ترى ~~من الجمال غير ما نرى، ثم تعلم علمها مما نظرت فيه، ثم تقدره على حساب ما ~~تعلم منه، فما يدريك لعل هذا الرجل الروحاني لا يرى إلا ما وراء تلك البشرة ~~الجميلة التي تكسو وجوه النساء الجميلات، كما نبصر نحن من وجوه الموتى وقد ~~تآكل جلدها وتناثر لحمها وبرزت عظما كسائر العظم من كل حيوان، فلا موضع ~~قبلة ولا سحر نظرة ولا إشراق بسمة، وما هو إلا تركيب من العظم صنع هذه ~~الصنعة تيسيرا لما خلق الله، ولعله يا نفس لو حشر الله لعينيك أجمل ~~الجميلات في صعيد واحد وحشر معهن إناث البهائم صنفا، ثم نزع من تلك الوجوه ~~كلها ذلك طراز من الجلد وما وراءه من اللحم مزعة حتى لا يبقى إلا الوضع في ~~بناء العظام وهندستها، فما يدريك لعل لأجمل الجمال عندنا هنا لا يكون حينئذ ~~إلا أقبح القبح هناك! أفمن جلدة على وجه امرأة يجيء الشعر والجنون معا ~~ويجتمعان في هذا الخيال الذي يسمى الحب ويستنزلان معاني التقديس من أعلى ~~السموات إلى عين تلحظ لحظة، وشفة تبسم بسمة؟. # إنه القلم الإلهي المبدع الحكيم هو الذي صور ولون وأفتن ما شاء، فإن رزقت ~~امرأة جلدة جميلة مشرقة كأنما تجري فيها الشمس: وألبست أخرى جلدة قبيحة ~~سفعاء تجول فيها رهبة الظلمة، فكلتاهما صورة من صنع الله، وكلتاهما جاءت ~~لمعنى، وكلتاهما بعد غشاء زائل على وضع ثابت لا يختلف في هذه ولا في تلك، ~~وضع الحقيقة الجسمية التي تحمل الحياة بأدواتها الكثيرة. والحياة لا تعرف ~~البشرة إلا غطاء على ما وراءها اسود أو ابيض، وكان من لون المرمر أو من ~~هيئة الطين. # ولو أن كل وجه في نساء الدنيا خلق دميما نافرا على أبشع ما نتصوره من ~~القبح لكان كل الدنيا جميلات إذ يألف الطبع الإنساني تلك الصورة الواحدة ~~ويتقرر بها الذوق في الجمال وتستمر بها العادة فلا يستبين وجه من وجه آخر ~~في صفة ولا يخالف مذهب مذهبا في حالة. ولكن هذا الإنسان كتب ms121 عليه الشقاء، ~~فخلق وخلق معه ما يطغيه وما يستفزه وما يخرجه عن طوقه، كما خلق له ما يزهده ~~وما تطمئن به وما يحصره في إنسانيته، فالجميلات والقبيحات كلهن سواء في ~~أنهن نساء هذه الإنسانية لا تقصر في ذلك واحدة عن واحدة وإنما يتفاوتن في ~~أسباب الشقاء الإنساني الذي يبتلي الرجل بالمرأة ويمتحن المرأة بالرجل. # PageV01P059 # ولو سما عقل الرجل إلى الغاية العليا من كماله لرأى المرأة الجميلة ~~الفاتنة في نصف جمال بالمرأة القبيحة، ولبانت الواحدة عنده من الأخرى بأن ~~الدميمة مهيأة في نفسها لمعالي الأخلاق والجميلة مهيأة لسفسافها، ولرأي مع ~~هذه من بعض طباعها ونزعاتها شرا مما تقدم بها من جمال وجهها، ومع تلك من ~~أكثر طباعها وصفاتها خيرا مما قصر بها من حسن صورتها. # بيد أن من شقوة الطبع الإنساني أنه سخط القبح فأحاله فساد وعبد الجمال ~~فأحاله فساد من نوع آخر، غذ كان في نفرته وحبه لا يعتبر المنافع والحقائق ~~ولكن الأهواء والشهوات، والمنفعة والحقيقة كلتاهما لا تكون إلا في قيودها، ~~أما الأهواء والشهوات فهي دائما لا تقع إلا متخطية حدود العقل غما على ~~النقص وإما إلى الزيادة ولا تغرى بشيء إلا أوقعت به السوء إذ لا يستوي في ~~القصد ما خرج عن الحقيقة وما هو مقيد بالحقيقة. # كان هذا وحي الشيخ علي في نفسي غير أني رددته عليه وأزلني شيطان الحب مرة ~~أخرى فقلت: أفترى الشوهاء على ما بها مما ركع الدهر وسجد، ثم تلك المرأة ~~التي سمج تركيبها فتحامتها العيون، ثم الأخرى التي قمعت في بيتها تختبئ فيه ~~من القبح فصارت سرا في صدر الحيطان، ثم تلك التي تلوح في النساء كالسطر ~~المضروب عليه أفسده الخطأ، ثم المهزلة التي أدبر جسمها وتقبضت أعضاؤها ~~وأصبحت جلدة تمشي وتتكلم. أفترى هؤلاء أو إحداهن كتلك الغانية المتشكلة في ~~ألوان الثياب كأنما تلبس بدنها الجميل بدنا معنويا يدل على معانيه، أو ~~الأخرى التي تظهر في جمالها الفتان عاطلة من كل حلية ومع ذلك ترف على حسنها ~~روح الياقوت والماس واللؤلؤ مما ms122 عليها من البريق والشعاع أو المطوية ~~الممشوقة المسترسلة كأنه في قوامه ووجهها غصن الجمال وزهرته، أو الحسناء ~~اللعوب المزاحة كأنما اجتمعت طباعها من نور القمر أطل في ليلة من ليالي ~~الربيع يداعب أوراق الورد النائمة! أو ... أو تلك "يا شيخ علي" ... ؟ قال ~~الشيخ علي: فيا ويلك! إني والله بك من رجل لخبير، أفمن أجل واحدة؟ أما إنه ~~لعل الذي جعلها حقا عندك هو الذي يجعلها باطلا عند سواك، ولعله ما حسنها في ~~عينيك إلا أن طبعا من الجد فيك استملح طبعا من الهزل فيها، كما ترى معنى ~~مكدودا في إنسان يستروح على نقضيه في إنسان آخر. # ولعل من أمتع اللذات وأبهجها لقلب المهموم أن يتصور في همه من يعرفه ~~طروبا فرحا، وإن كان كلا الرجلين لا يسكن لعشرة الآخر لو تعاشرا واختلطا. ~~وهذه القلوب لا تؤتي من مأتى هو أدق وأخفى من توهم ما فيه اللذة، فإن النفس ~~ترجع عند ذلك بكل حقائقها إلى نوع واحد من الوهم ينصرف بها إلى تمثل هذه ~~اللذة التي استشرفت لها وطمعت فيها، فإذا طعمها في الدم يهيج لها سعار ~~الجوع العصبي. وما هي السرقة مثلا إلا أن يضع اللص عينه على المال أو ~~المتاع ويتذوق طعم اليسر والفائدة فتجن أعصابه جنون الحاجة، فلا يرعوي إلى ~~شيء من الرأي يزجره أو يمنعه أو يكفه، ويكون في الحقيقة سارقا قبل أن يسرق، ~~وكذلك يكون الفاسق متى نظر إلى المرأة واشتهاها ونبه معانيها في معانيه، ~~وقل في مثل هذا في كل من طار قلبه أو طار صوابه. # اله عن وهمك يا بني وضع الأمر على قاعدته. وسدد نظرك على حقيقته ودعني من ~~حبل الباطل الذي تجر فيه شيطان هواك أو يجرك هو فيه. وما نتكلم عن اثنين من ~~الخلقة أنت وهي، ولو أن الأمر قد انحصر فيكما وفنيت بالحب فيك لكنت أنت ذلك ~~الكون وهذا، حرسك الله، موضع النقص في النفوس العاشقة إذ تنقطع إحدى نفسين ~~من العالم إلى نفسها الأخرى. وهو نقص أشبه بجنون المجانين ms123 بل هو متمم له، ~~فإنما ذهاب العقل في المجنون المختبل هو نصف الجنون الإنساني أما النصف ~~الآخر فهو تجرد العقل في العاشق المتدله. # نصف الجنون في العاشق الذي يتجرد من الناس إلا من أحب، ونصفه في المعتوه ~~الذي يتجرد من الزمن إلى الحاضر. إنه ليس للمجنون عند نفسه ماض ولا مستقبل ~~إلا يأمل هذا ولا يذكر ذاك، وكل سعادة نفسه في هذا النسيان الذي طمس عليها ~~وتركها كأنما تعيش في غير عمرها، بل في كل أعمار الإنسانية بل بغير عمر، ~~وكذلك ليس العاشق مع الحبيب شخصا أخر ممن مضى وممن يأتي ما دام الحب قائما، ~~فالحبيب هو الحبيب، وكل الناس بعده أدوات: وشخص واحد هو: الألف واللام ~~والحاء والباء، والناس جميعا نقطة صغيرة ملقاة تحت الباء فقط. # PageV01P060 # وقال الشيخ علي: ثم يبرأ المجنون ويثوب غليه عقله فيعرف أنه كان مجنونا، ~~ويبغض المحب أو يسلو ويبرأ من وهمه في تلك المرأة، فلا يرى إلا أنه كان بها ~~مجنونا، أفلا يكفي هذا ويحك في الدلالة على أن الحب والجنون من أم واحدة ~~وإن اختلف أبواها، وأن رأي العاشق في كل النساء كرأي المجنون في كل الناس، ~~ولا يجوز أن نأخذ بواحد منه إلا إذا أخذنا بالآخر وأقررناه في باب الصواب ~~والعقل، إذ كلاهما حاصل من حالة متى هي تغيرت فانقلبت اعترف صاحبها عليها ~~بالجنون وإن كانت إحدى الحالتين في طبيعتها ووصفها غير الأخرى! ويلمه وصفا ~~من العاشق لو كان من صاحبه رأي وويله رأيا من المجنون لو كان مع صاحبه ~~عقل!. # قال "الشيخ علي": سئل الحلاج وهو مصلوب يعاني غصة الموت: ما التصوف؟ فقال ~~لسائله: أهونه ما ترى ### | .... # فهذا رجل يموت في سبيل حقيقة تقتله بغموضها السماوي العجيب، وعلى أنها قد ~~دقت المسامير في أطرافه وجمعت لموته آلام الحياة كلها، وأنبتت في كبده من ~~وخزات الجوع شجرة من الشوك، وأطلقت في عروقه من لذعات العطش لهيبا من ~~النار، وتركته على عوده ممدودا تتساقط نفسه كما ينشر الثوب الذي بلي وانسحق ~~وهو يتمزق ms124 من كل نواحيه على هذا البلاء كله، لم تتغير الحقيقة في رأي الرجل ~~ولا فسد موضعها في نفسه، ولا رأى ما يكرهه الناس من الألم مكروها في ذاته ~~فيميل عنه، ولا ما يحبونه من اللذة محبوبا فيميل إليه، ولا تسحب قلبه حركة ~~واحدة السخط على الحكمة الإلهية فانتقصها برأي أو أغتمز فيها بكلمة، بل نظر ~~نظرة الحكيم من وراء الحد الإنساني المنتهي فيه، إلى ما يبدأ عنده الحد ~~الإلهي الذي لا ينتهي، ورجع آخره إلى أوله فكأنما يقول بلسان حكمته فيما ~~نزل به: اللهم إنك بدأتني طفلا غرا جعله فقدان العقل لا يملك مع أحد إلا ~~صياحه فخذني إليك طفلا عاقلا جعله العقل لا يملك مع أحد ولا صياحه. # واذكر الطفل يا بني فرب معضلة من أمور هذه الدنيا يحار الناس في آخرها ~~وهي محلولة من أولها، وما هؤلاء الأطفال إلا الأساتذة الذين يعلموننا ~~ويتعلمون منا، غير أننا لا نأخذ عنهم فلا نصلح ويأخذون عنا فيفسدون. لرأيت ~~ولد الشوهاء تعرف عيناه في كل ما طلعت عليه الشمس أجمل من وجه أمه، أو يرى ~~طائلا في وجه سواه، أو يحن إلى غير طلعتها أو يسكن إلى غير صدرها، حتى كأن ~~الله لم يخلق وجه حبيب لقبلات محبه إلا وجهها هي لقبلاته؟ إنه في ذلك ينظر ~~من ناحيتين: الأولى ناحية صفاته هو، فإن القلب إذا لم يكن بهيميا منعكسا ~~أشرق صفاؤه فيما حوله فلا يرى إلا خيرا، ولبست المرئي صفة الرائي فلا ينظر ~~جمالا، واتصل الشعور الطيب الرقيق الجميل بين نظر النفس وبين ذات النفس كما ~~يصل الشعاع الذي يلقى على حائط من المصباح بين هذا الحائط وهذا المصباح ~~فيغشيه النور وإن كان الحائط نفسه من الطين. # فإذا كان القلب بهيميا زائغا عن الإنسانية إلى حيوانته، استفاضت ظلمته ~~وشهوته على ما حوله فلن يشهد من صفات الجمال شيئا بل يرى في كل شيء من صفات ~~نفسه هو، حتى ليكون الوجود كله في عين بعض الناس كما يكون الطعام كله في فم ~~بعض ms125 المرضى. ومثل هذا يعشق أجما النساء فلا يرى فيه جمالا البتة وإن هو خدع ~~نفسه في ذلك واختدع الناس، وإنما يرى فيها الشهوات، شهوات جميلة ليس غير. # أما القلب البهيمي غير المنعكس وهو ذاك الذي تحمله البهائم، فلا يحتفل ~~فيه عقل ولا يحتشد فيه خيال، وما هو إلا أن ينصب الحيوان به على محض ~~المنفعة، لأنه عامل في الطبيعة يعد من عمالها لا من شعرائها. فليس عنده ~~جمال يقع في ظاهر الروح وآخر يقع في باطنها وثالث متوهم لا يقع ولا يمتنع ~~أن يقع، وليس يعرف من معنى القبح إلا أن تكون الأنثى قد طاش بها المرض فما ~~تستقل إعياء وضعفا. وبذلك سلمت إناث البهائم من شر كثير يملأ لغة الحياة ~~النسائية بمعانيه وتجمعه كلمتان: الجمال والقبح. # PageV01P061 # والناحية الأخرى التي ينظر منها الطفل لأمه الدميمة الشوهاء ناحية الصفات ~~الإلهية، فإن الحب الصحيح الذي يمكن أن يسمى حبا لا يكون فيما ترى من لون ~~وشكل وتركيب وتناسق وغيرها مما يظهر البشرية على أتمها وأحسنها في الشخص ~~المحبوب كما يظن الناس خطأ، بل هو في عكس ذلك أي فيما يخفي البشرية ~~بمحاسنها وعيوبها جميعا ويظهر في أمكنتها خصائص الروح المحبوبة وحدها فمن ~~ثم يبدو لك شخص المحبوب على أي أشكاله وهيئاته كأنه تمثال سماوي وضع لروحك ~~خاصة فهو مجبول من مادة واحدة هي مادة الفتنة، ولو كان في أعين الناس كافة ~~تمثال الأرض السفلى يصور كل ما تشتت فيها من القبح. # فإذا لم تظهر لك خصائص روح المرأة ظهورا يستفيض على وجهها وجسمها ويجعل ~~كل شيء فيها ذا معنى منه وكل معنى منه ذا معنى فيك، فما أنت من حبها في شيء ~~ولو ذهبت من جمالها بعقول الناس ولا هي عندك من الجمال في شيء ولو كانت في ~~النساء كليلة البدر في الليالي، ومن أجل ذلك لا يخلو الحب من بعض معاني ~~الوحي، ولا تخلو الحبيبة من بعض المادة الملائكية في النفس التي تعشقها، ~~ولا ملك الوحي إلا قوة المزج السماوي في ms126 نفوس الأنبياء، وهل روح الحبيبة ~~إلا على قدر من مثل هذه القوة في نفس محبها؟ ولعل هذا يفسر لك سرا من أسرار ~~الاحتراق في بعض الأرواح العاشقة التي تيمها الحب فإن تلك القوة المزجية ~~متى أفرطت على نفس رقيقة حساسة أذابتها واشتعلت فيها فأكلتها أكل النار ~~للهشيم وتركتها تحترق أسرع ما تحترق لتنطفئ سرع ما تنطفئ قال "الشيخ علي": ~~تلك هي الحقيقة يا بني فلن يأتي لكائن من كان أن يقسم النساء إلى جميلات ~~وقبيحات إلا إذا طوى في ذلك معنى القسمة إلى شهوات جميلة وشهوات قبيحة، ~~ومتى انتهينا إلى هذا فقد خرجنا إلى المخاطبة بلغة لا هي من لغة البهائم ~~ولا هي من لغة الإنسانية. # أفرأيت قط ألفاظ الجمال والقبح تشيع في أمة من الأمم وتعلو بالأعين عن ~~النساء وتنزل وتمتد بها وتتقبض إلا أن تكون أمة ضعيفة القوة قد اختلت ~~أجسامها، أو ضعيفة الدين قد اختلت أرواحها. # انكشف القمر ذات ليلة لرجل اسمه "من عباد الله المقربين" فإذا البدر أسود ~~كالحبر وإذا هو مكتوب في وسطه بالنور "أنا وحدي"، فالقمر نفسه لم يمنعه كل ~~ضياء الشمس عليه أن يسود في عين الرجل الذي ينظر لروحه فما الذي يمنع من ~~ينظر لروحه وخصائصها أن تصير المرأة القبيحة في عينه كالقمر الأزهر؟ في ~~البدر ظهرت كلمة الألوهية "أنا وحدي". # وفي وجه الحسناء تقرأ كلمة الألوهية "أنا وحدي". # فهل يمكن أن تقع الدميمة من الحسناء أقبح ويقع ظلام القمر من نوره فلا ~~تكون في وجهها هي أيضا كلمة الألوهية "أنا وحدي"؟ لم يبق في البدر مع ~~الحكمة العليا شيء يسمى الجمال!. # ولا المرأة الحسناء يكون فيها شيء أجمل من القمر، فهي مثله ليس فيها مع ~~تلك الحطمة شيء اسمه الجمال. # أفيمكن أن يكون من الحكمة نفسها في وجه القبيحة شيء اسمه القبح؟. # القمر طالع مشرق كما كان. # والجميلة الحسناء لا تزال فاتنة. # والدميمة ظاهرة كما هي. # لم ينقص الكون من ثلاثتها شيئا. # ولكن أين عين الرجل الكامل؟. ### | الدين ولادة ثانية # "قال ms127 صاحب المساكين": عرفت فيمن عرفت من أصناف الناس أربعة تجري أمورهم ~~في نفسي على غير مجاريها في أنفسهم، وأرى من طبيعتهم موضع الغفلة والحمق ~~فيما يرونه أو يحسبونه موضع السداد والحكمة: "فالأول" رجل ملحد أديب معني ~~بجمع الكتب يتعلق بكل نفيس منها، وهو يزعم أنه تأمل الأديان فلم يجد طائلا ~~في شيء وأن له في كل دين ظنة على ريبة، ونقدا على مسألة، وثانية على أوله ~~وأنه تبدل الدين بالخلق فما خسر شيئا وربح الحقيقة، ثم يحذو بعد على هذا ~~الحذو كما يفعل الملحدون في صفة أنفسهم وهي دائما لا يأخذون من الكلام إلا ~~بملء اليدين إذ من العجيب أن لا تقع لهم الكلمة الصحيحة المفردة. # هذا الذي خرج من الأديان ومن نهيها وأمرها إلى الأخلاق وعهدتها وأدبها ~~"قال لي ذات يوم وقد خضنا في أمر الكتب: إني لأمقت السرقة والغصب والخديعة ~~ولا أبيع منها شيئا ولا أمرها لأحد! غير أني إذا وجدت كتابا نفيسا وعجزت ~~عنه أو ضاقت به ذات يدي لأمكنتني فرصة من الغفلات لم أتورع أن أسرقه ... ~~ولو غصبت ولو خدعت. # PageV01P062 # قال هذا فلم أفهم من كلمته شيئا إلا أن لقب " اللص" يكون من الشرف أحيانا ~~بحيث يسمو كثيرا على الرجل الملحد ... # "والثاني" رجل نتفلسف انقلبت عقيدته إلى زيغ فله رأيان في أمور الحياة: ~~واحد ينزع فيه طبيعته فيستمتع ما وجد متاعا في حرام أو حلال وفي معروف أو ~~منكر. والآخر يرجع به إلى ضميره الإنساني وما هو الأشبه بعلمه وعقله ~~وفلسفته فيألم ويتململ إذ يرى أنه لا يزن من لذاته لا بمقادير الخير ولا ~~بمقادير الشر وأنه يبيح لنفسه ويحرم على غيره، فإنما الرأي والحق والعدل أن ~~لا ينطلق في كل إنسان تاريخه الوحشي كما يفعل هو ليقوم النظام على أصوله ~~وتتحقق الإنسانية في أهلها، ولو فعل الناس ذلك فوسعتهم الفلسفة لما وسعتهم ~~الطبيعة بل هي تسرع حينئذ فتطلق لكل حيوان مع أكيلته التي يغتذي بها آكله ~~الذي يتغذى به. # لم أفهم من فلسفة الرجل أنه ms128 فيلسوف، بل عرفت من علمه أن الرجل من الناس ~~قد يكون سافلا حتى من الجهة العالية فيه، وقد يكون فاسدا حتى من بعض جهاته ~~الصالحة ... # "والثالث" رجل يزعم عند نفسه أنه مصلح ويتولى أمور الناس فيداورها ويلتمس ~~لكل شيء مأتى يتسبب منه إلى إصلاح فيهم حتى إذا وثق الناس به واستكانوا ~~إليه وصاروا في حال الغرة وفي قياد الأمن، صدعهم في أديانهم وأخلاقهم ~~وركبهم بمزاعمه وخرافاته وبث وأوهامه في مذاهب أقدارهم وتصاريف أمورهم وظن ~~الدين كلمة توضع في موضعها كلمة غيرها وحسب اليوم من أيامه في عمل الدهر ~~كاليوم من أيام الله في خلق السموات فهو يطرد الأزمنة ويمحو العادات ويغير ~~الطباع ويسن لفروع الشجرة سنة جذورها فلا يذهب الفرع طالعا بل يغور نازلا، ~~ثم يريد أن يقيم على طريق التاريخ مجازة أو قنطرة ليمشي بالناس فوق التاريخ ~~فيقطع بهم ألف سنة في ألف يوم، وكأنه زاد في الطبيعة ناموس نهيه وأمره ... # أنا لا أقول قي مثل هذا إنه مصلح، بل أقول يا عجبا لسخرية الأقدار من ~~القوة، إلا النسر في الجو ليبحث أين تكون الجيفة ... # "الرابع" ذلك الذي جعلته الكتب عالما وقسمت له ما شاء ولكن الله تعالى لم ~~يقسم له شيئا من كرم الضريبة وشرف العرق ولا ألقى معاني الذهب في سلسلة ~~آبائه فهو رثة لا يجيء في معاني الناس بطباعه وأخلاقه إلا كالثوب الخلق من ~~فتوق ورقع، ويغطي عليه العلم كما تغطي القشرة النضرة على الثمرة المزة، ~~فإذا كتب للناس ارتطم في طباعه ونزع مأخذه وتجاذب داخل نفسه وخارجها فيذهب ~~ينكر ويعترض ويسفه ما عليه الناس من دين وخلق وينزو بهم في نوازيه ودواهيه، ~~ويرد كل ما في الطبيعة من الجمال وكل ما في النفس من الحق إلى تأويل مادي ~~بحت، كأن الزهرة الخارجة من الطين هي طين مثله. ويسقط عنده كل ما عمل ~~الشعاع والماء في الذرة الأزلية التي انبثقت منها النبتة فخرجت توحي عن ~~السماء وحي النور واللون. # أنا لا أفهم أن مثل هذا عالم ms129 ولكنه في الناس كبعض النبات في النبات يرزق ~~من النمو قوة يفسد بها ما حوله، فإذا هي ظهرت فيه لم تنبه على قيمته بأكثر ~~مما تنبه إلى وجوب اقتلاعه واستئصاله ... # لا ثقة لي بمختلق لا دين له، فإن الخلق يصله بحظ نفسه أكثر مما يصله ~~بواجبات الناس، ولا فيلسوف ملحد، لأن الفلسفة تمزجه بالمادة أكثر مما تمزجه ~~بالإنسانية، ولا بمصلح ينسلخ من الدين، لأن إصلاحه صور من غروره، ولا بعالم ~~جاحد، لأن علمه كهندسة الشوكة كلها من أجل آخرها ... أولئك لا يدرون أنهم ~~من هذا العالم في حدود أغراضهم الصغيرة الفانية إذا كان كل منهم يتناول ~~الكون من حيث يحب هو لا من حيث يحب عليه، ثم يفسر الأشياء في جزء منها لا ~~في مجموعها، ويعتبر الزمن عمرا كعمر الفرد وهو تاريخ لا يموت، وينظر إلى ~~الغاية من الوجود كأنها داخلة في الحد مع أنها لو حدت لبطلت أن تكون غاية. # كل منهم صحيح في ذاته لكنه فاسد بموضعه من أغراضه أو من أغراضنا، وما ~~أشبههم بالأشجار في المقابر لا تجد لها في المقبرة ما تجد لها في الحديقة، ~~كأنها لما قامت في موضع الموت قامت حية ولكن ماتت روح الحديقة فيها. # PageV01P063 # لا تسمو حياة الفرد إلا إذا كان جزءا من كل، ولا يجتمع الكل إلا إذا كان ~~تاما هو كل به، السبيل أن يدفع الفرد أبدا إلى خارج حدوده الذاتية الصغيرة. ~~وفكرة الكل هذه لا يصورها ولا يستوفي معانيها إلا الدين الصحيح إذ هو خروج ~~بالفرد من شهواته التي تفصله من غيره إلى واجباته التي تصله بغيره، وانتزاع ~~له من ذاتيته إلى إنسانيته ودفع بالإنسانية نفسها إلى الكل الذي هو أسمى. ~~فكأن الإيمان في حقيقته إن هو إلا دربة لهذا الإنسان على الدخول في ~~اللانهاية فهو من أجل ذلك يقضي على الفرد أن يتسع ويمتد في إنسانيته لا في ~~شخصيته فيتخلق بالأخلاق التي تعم دون أن تخص، وفي صورة صغيرة من جعل ~~المحدود في ذاته أعظم من ذاته ودفع ms130 ما ينتهي في سبيل ما لا ينتهي. # فإذا عمل الفرد على أن يقفل حدوده ويستغلق بها ويمتنع من ورائها صار ~~كالقلعة المحصنة لا تصلح إلا حربا لما حولها ودفاعا عما فيها فلن يضع هو ~~أمره إلا على هذا المعنى، ومن ثم فلن يكون له ممن يصادمونه إلا حكم واحد ~~وهو تخريبه وهدمه واقتحامه، فإذا كانت الحياة غير باقية على فرد من الناس ~~فمن الحمق أن تكون هذه هي صورة الإنسانية فيها، وإذا كان ذلك حمقا فالحق ~~ولا جرم بعض المعاني التي يقوم الإلحاد عليها. # ليس في الأرض إنسان لا أجداد له ثم ليس على الأرض إنسان في نفسه بل ~~إنسانية فقط، إنسانية متصلة مفرغة إفراغا ليس للفرد بينهما موضع لذاته بل ~~موضعه لاتصاله بسائرها كمنزلة الخلية الواحدة بين الملايين من الخلايا ~~المتلازة في جسم واحد قائم من جمعيها صالح للوجود بصلاحها وفسادها معا. # أما إنها لعجيبة أن تلقي بسؤالين متناقضين لا يلتئمان ثم لا تجد ولن تجد ~~عليهما إلا جوابا واحدا لا يختلف، سل الحكمة، لم صلح هذا؟ فالجواب ليكون ~~شيئا ضروريا في الوجود. وسلها لما فسد ذالك؟ فالجواب كذلك ليكون شيئا ~~ضروريا في الوجود. هي الحلقة المفرغة، لما غاب طرفاها صار كل موضع فيها ~~طرفا وعلت كلها ونزلت كلها. # فليس إلا النوع لا الفرد، والكل لا الجزء، والإنسانية لا الإنسان وإنما ~~يقع كل شيء في الحياة، بل في الوجود كله، تدريجيا لتحقيق هذه الوحدة كيلا ~~ينفصم أحد منهما، فهي أبدا ذاهبة بالجسم والعقل والمعرفة والعمر من جزء إلى ~~جزء من الأصغر إلى الصغير، إلى الكبير إلى الأكبر، إلى الأوسع إلى الأسمى، ~~لأن تلك هي علامتها في حكتها وتسحبها، وهي طريقة برهانها بالنهاية على أنها ~~لا نهاية. # بيد أن خطأ الغريزة في الإنسان يظهر في اعتبار الفرد نفسه كلا تاما وشيئا ~~متميزا فلا يريد لنفسه إلا أمرا تاما ووجودا يتميز فيه، وبذلك يقتحم سواه ~~ويستبيح وجوده، فبقع النزاع والعدوان. وكأنه يضيق بمقدار ما لا يستطيع أن ~~يتسع، لا، دفعه لكل ms131 ما حوله مردود عليه بدفع مثله مما حوله، فتتبدل صورة ~~الإنسانية في شكل دخله الغلط على كل جهاته، وههنا موضع الدين الصحيح فما هو ~~إلا الناموس القائم من كل إنسان على الواقع في ذاته والواقع في غيره ليصل ~~بين الواقعين المختلفين بنظام مختلف متحد يكون له في النفس ما يكون لنظام ~~المد والجزر. # وبهذا كان واجبا حتما أن تكون العقوبة جزءا من نعيم الدين، وأن يكون ~~القيد شقا من حرية العقيدة، وإلا بطلت في الإيمان قوتا الجذب والدفع معا ~~ببطلان إحداهما، لأن مدا بلا جزر هو أفحش الغرق من ناحية وجزرا بلا مد هو ~~أفحش الغرق من الناحية الأخرى. # تعجبني كلمة في الإنجيل لا أعرف أحدا أحسن تأويلها وبلغ حقيقتها. قال ~~"يجب أن تولدوا ثانية" ووضعها في هذا المقال هو تفسيرها، فإن الفرد يولد من ~~الفرد ولكنه لا يصلح على ذلك، بل يجب أن يولد في صفاته وأخلاقه من المجموع ~~الإنساني لتقع الملاءمة. ثم إنه من أبويه يخرج من الحيوانية بغرائزها ولن ~~يفلح بها إنسانا فيجب أن يولد مرة أخرى من جنسه الاجتماعي بغرائز مكتسبة، ~~ثم إنه يولد مهيأ للإقرار بنفسه وحدها فيجب أن يولد الثانية مهيأة لإنكارها ~~وحدها. # على هذه الأرض. إما للإقرار بالنفس وإيثارها والاعتداد بها، ومع كل ذلك ~~الحيوانية والشيطان، وإما إنكارها والإيثار عليها والمهاونة بها، ومع كل ~~هذه الإنسانية والله. # PageV01P064 # لن تطاق الحياة إلا إذا تبدلت فاتخذت لها أسلوبا غير أسلوبها الآتي من ~~تركيب المادة. وإنما صراع الأرض كلها حول إقامة هذا الأسلوب الجديد أو هدمه ~~أو ترميمه: أسلوب كل الأخلاق والطباع الشديدة التي لا تطيقها الحيوانية ~~فتسميها إنسانية، وتكبرها الإنسانية فتسميها الإيمان. بالأسلوب الأول ~~تكونون بالحياة في موضعها، وبالثاني تسمون بالحياة عن موضعها "فيجب أن ~~تولدوا ثانية". # كل ما براد أن يسد في الإنسانية مسد الدين ويغني عنه فإنما هو في رأيي ~~كطعام أهل الجحيم، لا يطعمون فيها كما يطعمون في "نزل" لشبع وسمن بل طعاما ~~كما جاء في القرآن الكريم (لا يسمن ولا يغني ms132 من جوع) أي لإحداث الجوع وكلبه ~~واستمراره. # والطبيعة نفسها تهيئ الإنسان للدين بأسلوب غريب هو هذا الحب الذي يخلق ~~فطرة على أنواع مختلفة متعددة لا يخلو منه أحد فلا معدل عنه ولا محيص. ~~وإنما هو في مظاهره أيها كان دربة للنفس الإنسانية تصعد به درجات من ~~الفضائل، كالإخلاص، والإيثار، والاتصال الفكري، والانبعاث الروحي، والشوق ~~الخيالي ونحوها مما هو في الحقيقة إيجاد للحياة النفسية في أعمالنا، وفيض ~~بالقوة الروحية على مظاهر المادة لإحداث الملامسة بين الأرواح والأشياء، ~~والترابط بين الجاذب والمنجذب، وكل ذلك تهيئة للدين وعمله في النفس ليكون ~~قائما على أساسه في الطبيعة. فالحب دين على أسلوب خاص ضيق، ولذلك يشتد فيه ~~التعصب كما يقع في الدين من المؤمن به على وتيرة واحدة، إذ لا يرضى القلب ~~لا هذا ولا هذا غير رأي واحد كيفما قلبنا الحياة رأينا في كل جهة منها وجها ~~من وجوه الإيمان وباعثا من بواعثه وحكمة من فلسفته، فالمصلحون الذين ~~يحاولون تجديد الأمم بصور ملونة من الغرائز تطمس على الدين، هم الذين ~~يرجعون بهذه الأمم في غالبة الأمر إلى الحيوانية، لأنه ليس في طبيعة النفس ~~إلا شيئان: هوى هي دائما أعظم منه، وإيمان هو دائما أعظم منها. # تم بحمد الله تعالى PageV01P065 ms133