######OpenITI# #META# URI: 1355MustafaSadiqRafici.RasailAhzan.Hindawi42928303 #META# Tags: literature #META# ID: 42928303 #META# Title: رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحب #META# AuthorID: 53130362 #META# Author: مصطفى صادق الرافعي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الذكرى‏ # بعد ما كنت وكنا؟1‏ # الرسالة الأولى‏ # الرسالة الثانية‏ # الرسالة الثالثة‏ # الرسالة الرابعة‏ # الرسالة الخامسة‏ # الرسالة السادسة‏ # الرسالة السابعة‏ # الرسالة الثامنة‏ # الرسالة التاسعة‏ # الرسالة العاشرة‏ # الرسالة الحادية عشرة‏ # الرسالة الثانية عشرة‏ # الرسالة الثالثة عشرة‏ # الرسالة الرابعة عشرة‏ # الرسالة الخامسة عشرة‏ # خاتمة الكتاب‏ # تنبيه‏ # الذكرى‏ # بعد ما كنت وكنا؟1‏ # الرسالة الأولى‏ # الرسالة الثانية‏ # الرسالة الثالثة‏ # الرسالة الرابعة‏ # الرسالة الخامسة‏ # الرسالة السادسة‏ # الرسالة السابعة‏ # الرسالة الثامنة‏ # الرسالة التاسعة‏ # الرسالة العاشرة‏ # الرسالة الحادية عشرة‏ # الرسالة الثانية عشرة‏ # الرسالة الثالثة عشرة‏ # الرسالة الرابعة عشرة‏ # الرسالة الخامسة عشرة‏ # خاتمة الكتاب‏ # تنبيه‏ # | رسائل الأحزان # | رسائل الأحزان # | في فلسفة الجمال والحب # تأليف # مصطفى صادق الرافعي # | المقدمة # بقلم مصطفى صادق الرافعي # بسم الله الرحمن الرحيم # كان لي صديق خلطته بنفسي زمنا طويلا، وكنت أعرفه معرفة الرأي كأنه شيء في عقلي، ~~ومعرفة القلب كأنه شيء في دمي، ثم وقع فيما شاء الله من أمور دنياه حتى نسيني، وطار على ~~وجهه حتى غاب عن بصري، والتفت عليه مذاهبه فما يقع إلي من ناحيته خبر؛ وامتد بيني ~~وبينه حول كامل خلا من شخصه وامتلأ من الفكر فيه، كأنه العام الأول من تاريخ حفرة بين ~~القبور العزيزة التي لا تنسى. # وطلعت الشمس يوما في غيم يناير من سنة 1924 فأحسست قلبي من الذعر كالطائر ينفض ندى ~~جناحيه في أشعتها، ولم تكد ترتفع وتتلألأ حتى وافى البريد يحمل إلي خطه وإذا فيه: # يا عزيزي الحبيب! # فقدتني زمنا إن يكن في قلبك منه وخزة ففي قلبي منه كحز السيف؛ لم أنسك نسيان ~~الجحود وإن كنت لم أذكرك ذكرى الوفاء فأبعث إليك بخبر يترجم عني؛ إذ كنت في سجن ~~وأنا الساعة منطلق منه، لا تجزع ولا تحسبنه سجن الحكومة ... إن هو إلا سجن عينين ~~ذابلتين كان قلبي المسكين يتمزع في أشعة ألحاظهما كما يكون المقضي عليه إذا ~~أحاطت به السيوف، وجعل بريقها يتخاطف معاني الحياة من روحه قبل أن يخطف هذه الروح، ~~بل سجن فكري الذي ابتليت به وبخياله معا فلا يزال واحد منهما يبالغ ms01 في إدراك ~~الجمال والآخر يبالغ في تقديره؛ حتى تكاد تطلع نفسي من نواحيها # 1 # لكثرة ما يسرفان عليها كما يريد الأطفال أن يملأوا القدح ليستفيض لا ~~ليمتلئ، وليرسل الماء لا ليمسكه؛ فلو أنهم صبوا فيه ملء بحر بأمواجه لجرى البحر من ~~حافة قدح صغير. # ما أحسبني قط رأيت امرأة جميلة كما هي في نفسها وتركتها كما هي في نفسها، بل هناك ~~نفسي، وآه من نفسي، وما أسرع ما يمتزج في هذه النفس بعض الإنسانية المحبة ببعض ~~الإنسانية المحبوبة فإذا أنا بشيء إلهي قد خرج لي من الإنسانيتين، هو هذا الشعر؛ هو ~~هذا البلاء؛ هو هذا الحب. # فررت منك ومن سواك يا عزيزي مصيف # 2 # إلى امرأة كالتي جعلت آدم يفر حتى من الجنة ومن الملائكة؛ وقد يكون ~~اتصال رجل واحد بامرأة واحدة كافيا أحيانا لتكوين عالم كامل يسبح في فلك وحده، ~~عالم مسحور، في فلك مسحور، لا يخضع إلا لجاذبية السحر، ولا يعرف إلا تهاويل ~~السحر. # على أنك لم تفقد مني في هذه السنة إلا بضعة كتب وكلاما كنا نترسل به وليس ~~فيه إلا الحبر؛ فسأرد عليك من ذلك كتب سنوات وأعوضك برسائلي كلاما فيه دمع العين ~~ودم القلب، فقدتني صديقا يهز يديك بتحيته والآن أعود إليك شاعرا يهز قلبك ~~بأنينه، فقدتني شخصا وسأرجع إليك كتابا. # أما أنت فاكتب لي رجع كل رسالة تأتيك من قبلي واذكر لي موقعها من نفسك، وكيف كان ~~دبيبها أو طيرانها عندك؛ فإني راميك بأسهم لا قاصرات عن قلبك تنزل دونه ولا ~~زائدات تمر عليه وتتجاوز، بل مسددات يقعن فيه. # وأرجو عافاك الله أن لا تتطلع في قلمي بنقد أو اعتراض أو تعقيب، بل دعني وما ~~أكتبه كما أكتبه؛ فإن لكل شيء طرفين، وأن طرفي الجمال هما الحب والبغض؛ ورسائلي هذه ~~ستأتيك بالجمال من طرفيه فلقد والله أحببت حتى أبغضت، ولقد والله يضجر العمل ~~السامي إذا أصاب غير موضعه كما يضجر العمل السافل إذا نزل في موضعه. # ومتى انقطع هذا المدد المتلاحق من كتبي فاجمع ms02 الرسائل وقدم لها كلمة بقلمك، ثم ~~اطبعها وسمها «رسائل الأحزان»؛ إنها كانت عواطف ثارت وقتا ما ليحدث منها تاريخ ~~وسكنت بعد ذلك ليحدث منها شعر وكتابة. # فإن نجتمع بعد نظرنا فيها معا وقرأتها عيناك لقلبي، وإن ارتاح الله لي برحمته # 3 # رفت عليها روحي فأسمع صوتك في الغيب يرسل إلى هذه الروح تحية من أنغام ~~قلبها الميت. # صديقك (...) # 21 يناير سنة ~~1924 ~~••• # وجعلت رسائل الصديق تترادف إلي مسهبة ضافية تقطر فيها نفسه كما ترسل السحابة ~~المنتشرة قطرات انعقدت وانحلت، ثم جعلت نفسه تنطوي على نأي حبيبته واشتد عليه أمرها ثم أسهل ~~وانقاد، واعتادها هاجرة فراث قليلا # 4 # ثم كف؛ ومرت الظبية تطفو # 5 # ووهبها للبر الواسع ... وانقلب عنها بعد أن ملأت نفسه كما يقول في بعض رسائله ~~«بمثل البحر ملحا ومرارة» ... # أما هذا الصديق فأعرفه أسلوبا من الكبر ولكن على نفسه، ومن الشذوذ ولكن في نفسه، كأنما ~~فتحت أفواه عروقه جنينا وملأتها الوراثة من دم ملك كان في أجداده، مستصعب شديد المراس فهو ~~أبدا في حياته كالملك الذي حالت السيوف والأسنة والقوانين بينه وبين تاجه فجعلت له حياتين ~~يفصل الموت بينهما، اجتمع من تاريخه إنسان بلغ الزمن تحت عينيه نيفا وأربعين سنة، فهو ~~تاريخ أحزان قد استفاضت مسائله في فصول وأبواب جف القلم منها على نيف وأربعين جزءا كلماتها ~~في حوادثها، وأن السطر منها ليرعد في صحيفته من الغيظ، وأن الكلمة لتبكي بكاء يرى، وأن ~~الحرف ليئن أنينا يسمع، وأن تاريخه كله لينتفض؛ لأنه مصيبة ملكية مصورة في ملك. ~~••• # لقد سبق‏ الكتاب وجف القلم الأزلي على علم الله فما أتينا إلى هذه الدنيا إلا ليمثل كل ~~واحد منا فصلا من معاني الشقاء الإنساني في تلك الثياب التي هي ملك لصاحب المسرح، لا ~~نخلعها ونلبسها بل يخلعنا بعضها ليلبسنا بعضها الآخر، فلسنا نبتدع، ولكن يلقى علينا وما ~~نحن بمخترعين ولكننا نحتذي، والرواية موضوعة تامة قبل ممثليها، وضعها ذلك القلم الأعلى الذي ~~كتب مقادير كل شيء كان أو يكون حتى تمحى من ms03 صفحة الأرض هذه الأحرف السوداء المتحركة والساكنة # 6 ~~... # والمشكلة الإنسانية الكبرى أن كل إنسان يريد أن يكون بطل الرواية ومثلها البكر حتى ذلك ~~الشخص الذي جيء به لتنزل عليه اللعنة في سياقها، غير أن الرواية مفصلة من قبل، ويأتي فصل ~~اللعنة كما هو بأطرافه وحواشيه وأسبابه ونتائجه فينصب على ممثله جملة واحدة على وجه لا يحس ~~ولا يرى ولا يدفع كما يلبسه النوم فإذا هو يفتل فيه فتلا، وإذا رجل على أعين الناس ~~باللعنة حال وباللعنة مرتحل. # النوم والقدر والموت كالشيء الواحد أو ثلاثتها أجزاء لشيء واحد؛ فالنوم غفلة تخرج الحي ~~هنيئة من الحياة وهو فيها على حالة أخرى، والموت غفلة تخرجه من الحياة كلها إلى حالة ~~أخرى، والقدر منزلة بين المنزلتين يقع هينا على أهل السعادة بأسلوب النوم، ويجيء لأهل ~~الشقاء عنيفا في أسلوب الموت، ولن يجلب شيئا أو يدفع عن نفسه شيئا من هذه الثلاثة إلا ~~الذي لم يخلق على الأرض، ذلك الذي يستطيع أن يفتح عينيه على الليل والنهار فلا ينام، أو ~~يحفظ نفسه على الصغر والكبر فلا يموت، أو يضرب بيديه على مدار الفلك فيمسكه ما شاء أو ~~يرسله. ~~••• # جئنا إلى هذه الحياة غير مخيرين ونذهب غير مخيرين إن طوعا وإن كرها؛ فمد يدك بالرضا ~~والمتابعة للأقدار أو انزعها إن شئت فإنك على الطاعة ما أنت على الكره، وعلى الرضا ما أنت ~~على الغضب؛ ولن تعرف في مذاهب القدر إذا أنت أقبلت أو أدبرت أي وجهيك هو الوجه، فقد تكون ~~مقبلا والمنفعة من ورائك أو مدبرا والمنفعة أمامك، والقدر مع ذلك يرمي بك في الجهتين ~~أيهما شاء. # وحري بمن يوقن أنه لم يولد بذاته أن لا يشك في أنه لم يولد لذاته؛ وإنما هي الغاية ~~المقدورة المتعينة فلا الخلق يتركونك لنفسك ولا الخالق تارك نفسك لك. ~~••• # كذلك كان صديقي وما هو إلا إنسان من الناس، وقد بلغ من العمر أربعة عقود، ولكنه يحس منذ ~~الصغر أنه رجل هرم أو كما يقول بعض الفلاسفة # 7 # في تعليل ms04 ذكاء الأذكياء أنهم يتذكرون ما يرونه ولا يتعلمونه؛ لأن فيهم نفوسا ~~خرجت من الدنيا كاملة ثم رجعت لتزداد كمالا وتلك خرافة؛ ولكن من نقص هذا الإنسان أنه لا ~~يستطيع التعبير عن أكبر الحقائق وأدقها إلا بأسلوب خرافي ... # قال لي هذا الصديق يوما: إني بلغت أربعة عقود، ولكنها فيما عانيت كأنما تضاعفت إلى ~~أربعين عقدا؛ وقد انتهيت من دهري إلى السن التي ينقلب فيها الآدمي من وفرة القوة ليثا، ~~ويرجع من قوة الحكمة نبيا، ويعود من تمام العقل إنسانا، غير أن هذه الأربعين بما تعاورت ~~علي قد هدم في بعضها بعضا؛ فإن أكن بناء فذلك صرح ممرد عمل فيه أربعون معولا فما ~~أبقت حجرا على حجر؛ وإن أكن حومة فقد اعترك فيها للأقدار أربعون جيشا فما تؤرخ بنصر ولا ~~هزيمة، يا ويلتا من هذه الدنيا، إن مصيبة كل رجل فيها حين يصير رجلا أنه كان فيها طفلا ~~وما علم أنه كان طفلا. # تلك حياة الصديق وكانت ليلا طويلا انبسط عليه فنن من الظلام كأنه مورق بالسحب ~~والغمائم السوداء لا ينقشع بعضها عن بعض حتى كأن صباحه مات فيها أربعين سنة، ثم انبعث آخرا ~~من وجه فتاة أحبها فأشرق له من غرتها واستضاء عليه في وجهها، وطلعت شمس حبه من خديها حمراء ~~في لون الورد؛ إذ امتزجت أشعتها بظلماته. # ويؤخذ من رسائله أن صاحبته كانت من قوة الجاذبية كأنها كوكب جذب منه كوكبا آخر، ومن فتنة ~~الحسن كأنها رسالة إلهية إلى هذه الأرض، بل إليه وحده في هذه الأرض، أدارته هذه الحياة ~~طويلا وأدارتها ليجيء موضعه إلى جانبها، فكأنما أدارت منه فلكا عاتيا لا يتزحزح إلا بعد ~~دفعه أربعين سنة كاملة ... # رجل وامرأة كأنما كانا ذرتين متجاورتين في طينة الخلق الأزلية وخرجتا من يد الله معا، هي ~~بروعتها ودلالها وسحرها وهو بأحزانه وقوته وفلسفته، فكان منهما شيء إلى شيء، كما توضع ~~زجاجة الحبر الأسود إلى جانب يتيمة من الألماس أجيد نحتها وصقلها وتكسر على جوانبها شعاع ~~الشمس؛ فإذا هي من كل جهة ms05 ثغر يتلألأ، وإذا بالزجاجة ولو على المجاز «ألماس أسود». # كانا في الحب جزأين من تاريخ واحد نشر منه ما نشر وطوى ما طواه، على أنها كانت له فيما ~~أرى كملك الوحي للأنبياء، ورأى في وجهها من النور والصفاء ما جعلها بين عينيه وبين فلك ~~المعاني السامية كمرآة المرصد السماوي؛ فكل ما في رسائله من البيان والإشراق هو نفسها، وكل ~~ما فيها من ظلمات الحزن هو نفسه. ~~••• # هدمت الأقدار هذا الصديق حتى انحط كل ما فيه من العزم والقوة فجاءت «هي» تبنيه وتشد منه ~~وترمم بعض نواحيه المتداعية، وتقيمه بسحرها بناء جديدا وتحفت به عنايتها زمنا حتى صلح ~~على ذلك شيئا فأيسرت روحه من فقرها إلى الجمال والحب، ويقول صديقي: «إنه ليس على الأرض من ~~يشعر كيف ولدته أمه، ولكني رأيت بنفسي كيف ولدت تلك الحبيبة نفسي؛ مرت بيديها على أركاني ~~المتهدمة وأعانتها الأقدار على إقامتي وبنائي، غير أن هذه الأقدار لم تدعها تبنيني إلا ~~لتعود هي نفسها بعد ذلك فتهدمني مرة أخرى». # يصف حبيبته في هذه الرسائل كأنه مسحور بها فيجيء بكلام علوي مشرق كتسبيح الملائكة ~~يمازجه أحيانا شيء يحار فيه الفهم؛ لأن أحدنا إنما يرسل فكره وراء قلمه، أما هو فيرسل نفسه ~~وراء فكره ويستمد قلمه منهما، فمنزلته أن يكتب ثلاث كلمات ومنزلتنا أن نفهم كلمتين، ~~والإنسان منا كاتب مفكر؛ أما هو فقد زاد بصاحبته فكان كاتبا مفكرا وملهما. # ومما لا أكاد أفهمه أنه يكتب كتابة محب أحياه الحب ومبغض قتله البغض؛ فإني لأعلم أن كل ~~شيء حبيب ممن نحبه حتى البغض إذا كان يدل على حبه ولو دلالة خفية، بيد أن صاحبي يجفو جفاء ~~شديدا فلعلها أنفة غلبت بها النفس على القلب فحولت الحب إلى جفاء والجفاء إلى غيظ والغيظ ~~إلى مقت، وإنما المقت أول البغض وآخره. ~~••• # يا صديقي المسكين لا يحزنك فإن آخر الحب آخر لأشياء كثيرة ... وإن من بين النساء نساء ~~أولهن كالشباب وآخرهن من أشياء كالهرم والضجر والضعف والموت. # ويا جمال النساء إن كان في ms06 الأشياء ما هو أحسن وأجمل فإن في الأشياء ما هو أنفع وأجدى، ~~وقد تكون الجدوى والمنفعة من الجمال في بغضه أحيانا أكثر مما تكون في حبه. # ويا رحمة الله من فوق سبع سماواته لقد علمتنا بما نجده فيسرنا، وما ننساه فلا يضرنا، أن ~~لا نيأس منك أبدا ولو كنا من الهم تحت سبع أراضيه. # | الذكرى # ما أشد على قلبي المتألم أن لا يأخذ بصري من الناس إلا من يتدحرج في نفسي ليهوي منها أو ~~يتقلب في أجفاني # 1 # ليثقل على عيني؛ وأحاول أن أرى تلك الطلعة الفاتنة التي انطوى عليها القلب ~~فانبث نورها في حواشيه المظلمة، وأن أملأ عيني من قمر هذا الشعاع الذي جعل السماء في جانب ~~من صدري؛ فإذا ما شئت من الوجوه إلا وجه الحب، وإذا في مطلع البدر من رقعة سوداء لا تبلغ مد ~~ذراع، ويغشى الكون كله منها ما يغشى، فاللهم أوسع لقلبي سعة # 2 # يلوذ بها. # العالم لكل الناس، غير أن لكل إنسان عالما هو خالصة نفسه؛ # 3 # وعلى أن هذه الدنيا مترامية إلى كل جهة تتدلى عليها السماء، فإن أراضيها ~~الخمس بما رحبت لا تقوم عندي بتلك الجدران الأربعة التي رأيت فيها من أحببتها؛ رأيت من هذه ~~صورة قلبي فلا عجب أن تكون تلك الجدران صورة ضلوعي، وما أدري أذلك سحر أم تلبيس أم تخييل؛ # 4 # أم هو الحب؟ # إذا كنت شاعرا فأضللت نفسك فنشدتها طويلا، وقلبت عليها آفاق النفوس وأفلاك القلوب فإنك ~~لن تصيبها إلا في نفس امرأة جميلة يجعلها مهندس الكون مركزا للدائرة التي تنفسح بأقطار ~~نفسك ذاهبة بكل قطر إلى جهة من أماني الحياة. # وإذا كنت حكيما فسألت نفسك سؤال الفلاسفة: من أنا؟ ووجدت في نفسك ذلك السر الخفي يقول ~~عنك: من هو؟ فإنه لن يظهر لك معنى «أنا وهو» إلا إذا وضع الحب بينهما «هي» ... # وإذا كنت رجلا من عامة الأرض اندمج في جلدة من الثرى # 5 # فإن نفسك لن تحس جوهرها الإلهي إلا في نفس حبيبة، وإن كانت ms07 من عامة السماء ... ~~فالحب يجعل الناس أعلاهم وأسفلهم صاعدين أبدا من أسفل إلى أعلى. ~~••• # إني أخط في هذه الصفحات صورة من الزمن الفاني تصور خطفة البرق التي خطرت في سماء ~~العمر من ابتسامة ملتهبة كانت سيالة بكهربائها؛ وإن في القلم لشيئا إلهيا يدفع الموت ~~والنسيان عن المعاني التي تكتب إلى أجل طويل، كأن القلم ينتزعها من الإنسان الذي هو قطعة ~~من الفناء ليبعد الفناء عنها، هي «رسائل الأحزان» لا لأنها من الحزن جاءت، ولكن لأنها إلى ~~الحزن انتهت، ثم لأنها من لسان كان سلما يترجم عن قلب كان حربا، ثم لأن هذا التاريخ ~~الغزلي كان ينبع كالحياة، وكان كالحياة ماضيا إلى قبره ليس بيني وبين الهوى شأن ولا عداوة، ~~ولكنها تركت في ثلاثا: قلب أخلص لها وأوغرته # 6 # عليها، وبقايا آلام كأنها أشلاء # 7 # من فريسة تشير إلى تاريخ من الموت والألم والتمزيق، وتركت مع هذين اسمها الذي ~~أحفظها فيه بجملتها، وقد يحسم الداء # 8 # ولكن اسمه يبقى داء ما بقي، فهذه الأسماء أكثر ما أنت واجدها إما زيادة على ~~أصحابها في الحب أو زيادة في البغض أو زيادة في الألم؛ إذ هي عند أشخاصها تطلق على أشخاصها، ~~ولكنها في الناس تنبه إلى المعاني والحوادث والصفات المجسمة التي تنتشر عليها النفس أو ~~تنقبض ويتحرك لها الدم حبا أو بغضا ورغبة أو رهبة وعطفا أو غلظة، وأحيانا ... إهمالا أو ~~ازدراء. # والحبيب قد يتحول إلى كلمة أو قبلة أو معنى من المعاني إذا أراد محبه أن ينقله معه إلى ~~أي مكان وهو باق في مكانه؛ الكلمة والقبلة والمعنى، هذه هي الجهات الثلاث التي تنفذ منها ~~النفس إلى أحبابها حين يخفيهم الغمام الفاصل بين الحياة والحياة إذا ابتعدوا أو هجروا أو ~~الغمام الضارب بين الحياة والموت إذا لحقوا بالأبد، أما الجهة الرابعة فحين تفتح للمحب ~~يلقى جسمه ويصعد بروحه ويختفي هو فيها، ولعمري إني لأريد أن أنساها ثلاث مرات لا مرة ~~واحدة، ولكنها في ذكراي كأنها ثلاث نساء؛ واحدة في الرضا وثانية في ms08 الغضب وثالثة بين ذلك؛ ~~واحدة في كلمة وأخرى في قبلة وثالثة في معنى من المعاني ... ~~••• # السعادة تنصرف عنا في أكثر الأحيان ليكون تلهفنا عليها واهتياجنا لها سعادة على وجه ~~آخر، وكأنما أوشكت # 9 # لنا من هذه الجهة وهي ذاهبة؛ وإذا لم يكن الإنسان بأشد حاجة إلى الطعام في وقت ~~منه إلى الجوع في وقت غيره فكذلك هو في غذاء روحه وعواطفه، يفقد السعادة وقتا كالجوع ~~ووقتا كالصوم، وإن هذا لهو بعض أسرار الحكمة الإلهية في الشقاء الإنساني، ولكنه كذلك من ~~أسباب سوء الفهم في الإنسان، ولقد ذهبت هي كالسعادة فلا أطمع أن يتنفس قلبها على قلبي أو ~~يتنهد صدرها لصدري، غير أن الشاعر الروحاني الذي يسعد بالحب إذا أرضى الحب نفسه يكون أسعد ~~بالهجر إذا أرضى نفسه كذلك، ومع الحب عالم كثيف ينشئ في كل يوم ألما، ومع الهجر عالم مجرد ~~يحدث في كل يوم سلوة. # فلنترك المادة للمادة يتحطم البغض والغيظ فيهما، وتخلص الروح إلى الروح كنور في المشرق ~~ينبعث إلى نور في المغرب؛ وإذا ابتعد نجم عن نجم استطاع كلاهما أن يلمح للآخر لمحة متبسمة ~~من بعيد، يجعلها البعد شعاعا صافيا، وإن كانت في ذات نفسها شعلة من جحيم ~~يتضرم. # إن هذه الذكرى حياة أبثها مني في نسيانها فما أهنأني أن يجيئني من نسيانها شيء تبثه هي ~~في حياتي. # | بعد ما كنت وكنا؟1 # يا رياض الغزال في سرجك الفي # نان يهفو بنا النحول غصونا # 2 # ما الذي يجعل المحب سعيدا # غير من غادر المحب حزينا # ليتني في ثراك نبع ويأتي # يتراءى الغزال في النبع حينا # ليتني في رباك ظل ظليل # ليلوذ الغزال بي ويلينا ~~••• # بعد ما كنت يا غزال وكنا # ما الذي تحسب الهوى أن يكونا؟ # | الرسالة الأولى # سأكتب هذه الكلمات المرتعشة، وسأبسط رعدة قلبي في ألفاظها ومعانيها؛ أكتب عن (...) ذلك ~~الاسم الذي كان سنة كاملة من عمر هذا القلب، على حين أن السعادة قد تكون لحظات من هذا العمر ~~الذي لا يعد بالسنين ولكن بالعواطف؛ فلا يسعني ms09 إلا أن أرد خواطري إلى القلب لتنصبغ في الدم ~~قبل أن تنصبغ في الحبر، ثم تخرج إلى الدنيا من هناك بين ما يخفق وما يزفر وما يئن، «من ~~هناك»! آه، من ترى في الناس يعرف معنى هذه الكلمة، ويتسع فكره لهذا الظرف المكاني # 1 # الذي أشير إليه؟ إن العقل ليمد أكنافه # 2 # على السموات فيسعها خيالا، كما ترى بعينيك في ماء الغدير شبكة السماء كلها ~~محبوكة من خيوط الضوء، مفصلة بعقد النجوم، ولكن هناك؛ في القلب؛ عند ملتقى سر الحياة بسر ~~محييها؛ وهناك؛ في القلب، عند النقطة التي يتقطع فيها الطرف # 3 # بينك وبين من تحب، حين تريد الجميلة أن تقول لك أول مرة أحبك؛ ولا تقولها، ~~هناك؛ في القلب؛ وعند موضع الهوى الذي ينشعب فيه خيط من نظرك وخيط من نظرك فيلتبسان # 4 # فتكون منهما عقدة من أصعب وأشد عقد الحياة، هناك؟ هذا معنى «هناك». ~~••• # سأكتب أشياء وأضمر على أخرى لا أبوح بها، وما دام لكل امرئ باطن لا يشركه فيه إلا الغيب ~~وحده ففي كل إنسان تعرفه إنسان لا تعرفه، وليست على المعاني والخواطر سمات # 5 # تميز بعضها من بعض كبياض الأبيض وسواد الأسود؛ فأنا وحدي أعرف سبب الزلزلة التي ~~أصفها، والناس بعد كأولئك الخياليين القدماء الذين كانوا يقولون متى اهتزت أثقال الأرض: # 6 # إن إله المصارعة ينبض قلبه الآن ... وأعرف سبب البركان المنفجر، وكانت خرافة ~~الأقدمين عندما تتمزع الأرض من الغيظ وتلعنهم بألفاظ من النار: أن إله الحدادة ينفخ في ~~الكير ... أنا وحدي أعرف ما أندمج عليه، # 7 # وما يكنه قلبي المتألم الذي أصبح يضطرب اضطراب الورقة اليابسة في شجرتها نافرة ~~تتململ إن عفت عنها نسمة لا تعفو النسمات كلها، فسآتيك في رسائلي بالكلام الصحيح والكلام ~~المريض، ويتشعب عليك من خبري أمور وأمور فلا تحاول أن تهتك سر هذا القلب، وإذا صح أن ~~الإنسان انطوى فيه العالم الأكبر فقد صح أن السماء انطوت في قلب الإنسان، ما أبعدك عن ~~السماء! انظر انظر فإن السماء تقول لك أيضا ms10 إنها معنى «هناك». ~~••• # لم تحيرني المتناقضات ولا المتشابهات ولا ضقت بأسباب الفكر فيها فإن ذلك الحب جعل في ~~عقلين لا عقلا واحدا؛ أحدهما يقرني في هذه الدنيا والآخر ينقلني إلى ثانية؛ دنيا الناس ~~جميعا ودنيا امرأة واحدة؛ دنيا السموات والأرض ودنيا قلبي. # في العقل الأول تنحل كل المشكلات، وفي الثاني تتعقد كل «البسائط» ... أحدهما قوي فلو اجتمعت ~~عقول أعدائه في عاصفة واحدة لكان وحدة عاصفة تلف بها لفا، والآخر ضعيف ضعيف تمرضه ~~الابتسامة الواحدة مرضا طويلا، ذلك يكسر النفس كسرا ويرضها رض الهشيم # 8 # ويزعها من جمجاتها؛ وهذا؟ كان الله له لا يشبه إلا الفضاء ما نسب إلى شيء ولا ~~حسب في شيء ... الأول جبار يلد المحنة ويميتها، فهو عقل ما ينقطع له من الحيلة مدد؛ والثاني خوار # 9 # يمتحن بالنظرة الفاترة المتهالكة دلالا فتحمل هذه المحنة وتلد في طريقها إليه ~~فلا تصل حتى تكون محنتين ... وأنا بين هذين العقلين كأني عالم عجيب حقائقه هي خرافاته، وما ~~مثلي إلا مثل النهر الطامي يتدفق إلى البحر وقد فار فائره؛ فلو سألت أحفى مسألة، # 10 # واستعنت بالفنون والأدوات جميعا لتعرف ما هو ذلك الموضع المعين الذي يصل بين ~~منبعه ومصبه لكان الجهل والعلم في ذلك سواء؛ إذ الموضع في النهر هو كل موضع فيه على طول ما ~~يجري ويمتد. # كذلك حيرة الحياة والحب يجاب عنهما بجواب واحد هو نفسه حيرة أخرى؛ ولكني اكتب الآن وقد ~~تركت الحب وتركني، خرجت من المعركة فنشبت نفسي في معركة أخرى لا أدري أهي قائمة بين الحب ~~والبغض أم بين الحب والحب؟ # أرأيت قط ذئبا قد افترس شاة وجعل يفرفرها # 11 # بأظافره وأنيابه، وهي تنتفض يائسة هالكة؟ إن تكن رأيته فذلك ذئب رحيم لو أنت ~~كنت عاشقا فرجعت لك من تهواها مما تحب إلى ما تكره فرأيت البغض وما يصنع بقلبك، إنما الذئب ~~ناب وظفر وسورة وحش # 12 # يعتري أكيلته فيسطو بها فيذهلها عن نفسها، ثم لا يزيد بعد ذلك على طبيب جاهل في ~~«عملية جراحية» ... أما ms11 البغض فذئب الدم؛ يساورك سورة الحمى فإذا هو شعلة طائرة في عروقك لا ~~تدع منك موضعا إلا مسته، ولا تمس منك موضعا إلا نقعت فيه # 13 # مثل ناب الأفعى من وهج الحب وسمه وغيظه وألمه، فما تدري في أي ناحية عذابك من ~~هذا البغض ولا من أي الآلام هو؟ # ولن تظهر قدرة الجمال وما فيه من القوة الأزلية إلا إذا حملك على بغضه بعد أن يحملك على ~~حبه فيقتلك مرتين كل مرة بسلاح، وكل مرة على أسلوب، وكل مرة بنوع من الألم، وذلك ضرب من ~~العذاب لا تملكه قوة في الأرض لا في الملوك ولا في الجبابرة، ولكن تملكه بعض النساء ~~الضعيفات، ويعذبن به حتى الملوك والجبابرة. # مهما يبلغ الألم في عذاب إنسان فلن يجاوز حالة معينة، ثم يغمى على المتألم ويستريح ولو ~~دقت في عظامه المسامير؛ كالماء مهما توقد عليه فلن يعدو درجة معروفة في غليانه ثم يثبت ~~عندها ولو أضرمت عليه من النار التي وقودها الناس والحجارة، غير أن ألم الحب الشديد حين ~~يكرهك على بغضه نوع منفرد في كل آلام بني آدم كانفراد «ذئب الدم» في جميع ما خلق الله من ~~المعاني الوحشية. ~~••• # لم أر وصفا كهذا أفظع ولا أبعث على الرعب؛ لأنه إنما هو موصوفه ... فسأخفف عليك فيما يلي ~~هذه الرسالة، ولا أذكر لك ثمت إلا ما يكون كوصف الجنة تزخرفت له ما بين خوافق السموات والأرض، # 14 # ولكن دعني أقل لك إني أبغض من أحبها، على أنك لو رأيتها لرأيت نفسها تلوح في ~~وجهها، جميلة كجماله رقيقة كرقته محبوبة كحبه، ولكني مع ذلك أبغضها والله بغض المحرور لما يتلذع # 15 # من أشعة الشمس، وبغض العين الرمداء لما يتلألأ من إشراق الضحى؛ فلا يداخلك في ~~ذلك ريب ولا شك، وسيبقى سبب هذا البغض من سر الحب الذي لا يعرف، إن بعض الأسرار فيه ضربة العنق # 16 # فلا يباح به وبعضها يكون فيه ألم النفس الكبيرة فلا يباح به كذلك: ولكن اعلم ~~أنها هي هي وأنه أنا ms12 هو، هي الكبرياء كلها لا تستعذرها من شيء فتعذر، ولا تسمح بشيء إلا ~~التوت به، # 17 # وأنا كبرياء الكبرياء ما خلقت ألا محكم المعاقد لا أتثلم ولا أتحطم، وتقلبني ~~في يدك ما تقلب عضلة الحديد فلا تراها من كل جهة إلا حديدا، هي يمين حلف الدهر بها ليكذبن ~~كذبة بيضاء مغشاة يغر بريقها ويلتمع ماؤها لمع السراب؛ فتبصر فيها الروح معنى الري لتلتهب ~~منها بالظمأ القاتل يفيضها على رمل ذهبي صبغته الشمس ... وأنا؟ أنا كلمة قد استوى ظاهرها ~~وباطنها فإما أن تصدق كلها، وإما أن تكذب كلها، كلمة ليس فيها جزء محبوب وجزء مكروه فلا ~~تحتمل أبدا معنيين، هي كالسيل تنحل به السحب؛ وأنا قمة من الصخر الصلد تغسلها السيول ولا ~~تشققها. # ثم هي من وراء ذلك كله فيها روح بلبل يفر بأغانيه من ظل إلى ظل في رياض الجمال؛ وأما أنا ~~ففي روح نسر يترامى بصفيره من جبل إلى جبل في قفار الحب، حاول العصفور الصغير الظريف أن ~~يطوي النسر في جناحيه وهو لا يبلغ فصبة في ريشة في جناح هذا النسر، ولكنه ... آه ولكنه طواه ~~في غير جناحيه. ~~••• # أين العقل في الحب والبغض وبخاصة إذا أفرطت عليك أسبابهما؟ أما إن كل طريق لينفد فيه ~~الإنسان على بصيرة إلا هذين؛ فإن أحدهما إذا احتواك لم يفلتك وأصبحت فيه كالذي يطاف به ~~الدنيا ويداه في قيد، فمهما سوغ # 18 # من الحركة والاضطراب ومهما انفسحت له الآفاق فإن قدر ذراع من وثاق حريته الذي ~~يشد يديه هو قياس دنياه في طولها وعرضها ما بلغت، فأنا على ما كنت أشعر من أن لي عقلين كنت ~~أراني في ذلك الحب كأني بلا عقل، بل كأني مجنون من ناحيتين ... ويسرف علي بغضها أحيانا، ~~فأتلهب عليها في زفرات كمعمعة الحريق # 19 # حين ينطبق مثل الفك من جهنم على مدينة قائمة فيمضغ جدرانها مضغ الخبز اليابس، ~~ثم يسرف علي حبها أحيانا فينحط قلبي في مثل غمرات الموت وسكراته يتطوح من غمرة إلى غمرة، ~~فأنا بين نقمة ms13 تفجأ وبين عافية تتحول، وكأنه لا عمل لي إلا أن أصعد مئة درجة لأهبط مئة درجة ~~... أما ماذا يرد علي الصعود والنزول فسل قصبة الزئبق # 20 # ولا تسلني، إنه سيال يترجرج في القلب بين شيء مني وشيء منها؛ وكانت عروقي ~~كأنما ينصب فيها أحيانا دم قتيل فيهجم بالموت (الأحمر) على حياتي يريد أن يغولها. # إن تلك الفتاة لتغضب الملائكة الذين لا يغضبون؛ وقد خلق النساء لامتحان جنون الرجال وخلق ~~الرجال لامتحان عقول النساء؛ وخلقت هي وحدها لجلب الجنون لا لامتحانه ... ~~••• # أراني سأبتدئ أيامي من آخرها فإني لا أقصها عليك وهي تولد بل وهي تموت بعد أن تركتني ~~كالقنبلة فرغ الحب من حشوها وتريد أن تنفجر، لم اكتب لك؛ إذ كان هواها ناشئا يرتع ويلعب، ~~وإذ كان ينكسر انكسار فرخ الطائر حين يهدل جناحيه # 21 # لتمسحه أمه بجناحيها، ولا كتبت إذ كان هواها الجد أشد الجد، وإذ كان كالريح ~~المرسلة لا تقف ولا تنكسر إلا إذا تدلى من السماء جدار يبلغ الأرض أو رفع من الأرض حائط ~~يبلغ السماء، ولا حين كان الهوى يركض بي ركض المجنون الذي يجري وكأنه يجري وراء عقله الذاهب ~~على غير طريق ولا جادة ولا علم، # 22 # فلا عقله يقف له ولا هو يدرك عقله، ولكني سأكتب وقد ركد الهوى؛ وقد ماسحت قلبي ~~حتى الآن من غضبه؛ وقد اجتمع إلي رأيي الذاهب، ولا تحسبن أني سأخط لك قصة فيها اليوم ~~والشهر والسنة، وفيها الزمان والمكان، وذلك السخف الذي يطولون ويعرضوه به إذ يستنهجون ~~سبيل الحادثة من حيث تبتدئ إلى حيث تنحدر، فإن هذا مما يحسن في تاريخ صخرة تتدحرج، أما أنا ~~فسأقدم إليك تاريخ لؤلؤة فريدة، هم يغطونك بقبة الليل تلمع في بعض جوانبها نور كوكب يظهر ~~ويغيب، أما أنا أضعك في ساعة من السحر بين نسيمها وجمالها ورقتها ذيول الليل فيها، ثم ينشق ~~لك الأبيض ذو الحواشي. # 23 ~~••• # ودعني أذكر البغض مرة أخرى قبل أن أنساه إن اللين في القوة الرائعة أقوى من القوة نفسها؛ ms14 ~~لأنه يظهر لك موضع الرحمة فيها، والتواضع في الجمال أحسن من الجمال؛ لأنه ينفي الغرور عنه؛ ~~وكل شيء من القوة لا مكان فيه لشيء من الرحمة فهو مما وضع الله على الناس من قوانين ~~الهلاك. # اجمع يا عزيزي إن استطعت سربا من الوحوش الضارية وصففها لونا إلى لون، وصنفها شيئا ~~إلى شيء فإنك سترى في «جلودها» مكتبة ضخمة من هذه القوانين ... والوباء الذي يحلق الناس حلق ~~الشعر فيتساقطون ألوفا ألوفا بجرة من يد الموت، والزلزال الذي يرجهم في سربال الأرض رج ~~الحصى ينفيه من هنا وهنا، والمصائب التي تبسط العقوبة على النعم في سطوة كهدير الموجة ~~العاتية حين تصارع العاصفة، والجميلة المغرورة التي تراها في أخلاقها من طراز كدماغ السكير ~~الفارغ مزينا بخيالات الخمر وسورتها، كل تلك من «قوانين العقوبات» في العالم الذي خلق ~~متهمين وقضاة ولا من يحامي ... # هذه التي سأقص عليك منها فلسفة الجمال والحب، قوة من القوى لم يجعل الله القسوة فيها إلا ~~لعلمه بها؛ وما ابتساماتها الفاتنة إلا كسجن من البلور الصافي يختنق من يحبس فيه وهو يتلألأ ~~... وكنت أراها أحيانا في جمالها وتأثير جمالها كأنها طاووس من طواويس الجنة على ريشة فيه ~~لون من ألوان النار. # نصيحتي لكل من أبغض من حب أن لا يحتفل بأن صاحبته غاظته، وأن يكبر نفسه عن أن يغيظ امرأة، ~~إنه متى أرخى هذين الطرفين سقطت هي بعيدا عن قلبه فإنها معلقة إلى قلبه في هذين الخيطين من ~~نفسه. # ما من قفل بلا مفتاح وإلا فما هو بقفل؛ والإهمال والازدراء وسمو النفس ثلاثة مفاتيح لقفل ~~واحد هو قفل الغيظ. # | الرسالة الثانية # لقد هولت علي في كتابك حتى أخرجتني عن غيظي إلى غيظ آخر، تقول: «ويحك أراك أخرجت القمر ~~من دراته وجئت به على أعين الناس؛ وإلا فمن تلك التي لمست الفلك الأعلى حين لمست قلبها ~~فكأنما اجترأت على القدر فيها حلف ليتيحنك فتنة # 1 # تدعك وما يلوي منك شيء على شيء، ومن عساها تكون هذه التي ليس فيها إلا ما ms15 في ~~الطاووس الميت من ريشه الجميل، وهي مع ذلك رضاك # 2 # في الحب وفي البغض سواء»، ثم تقول: «ولعلها رفعتك إلى الشمس والقمر والنجوم؛ ~~لأنهم عشيرتها وأهلها ... فأنت تخاطبني في رسالتك الأولى وكأنك مرتفق # 3 # تحت جناح جبريل أو متكئ على بساط الريح، فتصف ما لا عهد لنا به من كلام مفوف ~~كأنه غرف الجنة تفويفها لبنة من ذهب وأخرى من فضة، وتفويف كلامك جملة من الحب وجملة من ~~البغض، وتنعت غراما كأنما فصل لك ثوبه من سحابة يمر فيها مقراض البرق، ففي كل ناحية منه ~~فتق من النار»، وتسألني: كيف أجعل نفسي كالميت فلا أكتب إليك إلا يوم تحين الوصية ... ولا ~~أخبرك إلا وقد حلت عقدة القلبين وانفسخت ألفة ما بينهما؟ ~~••• # فيا ويحك ألا تعلم أن مرجل الباخرة حين ينقلب ماؤه لهبا أبيض فوق اللهب الأحمر؛ ينفث ~~نفثة المارد الممدود بسلاسله في قاع الجحيم، فيرمي بسهام من الذر المحرق لو كان في جهنم ~~رهج يثور لما كان إلا دقاق ترابها، # 4 # أم تراك لم تدرك من رسالتي أني أسع من بغض من أحببت فوق ما يملأني، و،ن هذا ~~البغض وجه آخر من الحب كالجرح ظاهره له ألم وباطنه له ألم، وما يمسه من ظاهره غير ما ينكت ~~فيه من باطنه، أم حسبت أني أزين لك صور الكلام وأزخرفها بألوان لا تلتمس إلا لرونقها ~~وانسجامها وحسن تآلفها فمنها الأسود؛ لأنه أسود، ومنها الأحمر؛ لأنه أحمر، ومنها لون قلبها؛ ~~لأنه لون قلبها ...؟ # كلا ثم كلا فلا تنهدم علي # 5 # بمثل ما كتبت، واعلم أنه هو ما وصفت لك، وأن السحابة التي تراها تدمع حينا لا ~~يبعد أن تراها قد تلففت على صاعقتها ثم اجتمعت أرحاؤها وبواسقها # 6 # ثم ارتجت ثم ... تنفجر. # ولم أكتب إليك من قبل؛ لأني أحب بلا غاية أباهيك بها، ولا غرض أستعينك عليه، ولا سر ~~أستودعك إياه، وهل رأيت الحب ينكشف إلا في واحدة من هذه الثلاث، وهل انكشف قط إلا تتابعت ~~عليه أمور وأمور، وامتلأت منه الأنفس ms16 بالظنون والغفلات؟ # لقد أحببت فتاة كأنها قصيدة غزلية في ديوان شعر لا خطبة سياسية في حفلة ... فما ثم إلا ~~معنى دقيق لطيف خلاب ساحر؛ كل قولي له: أريد أن أفهمك قوله لي تأمل تفهم. # إن ألذ المعاني في هذا الجمال ما جعل ينبو في يديك كلما ألقيتهما عليه كيلا تستمكن منه؛ ~~ففي كل نبوة يظهر لك منه جانب وأنت معه في ارتفاع وانخفاض أبدا، ولا تزال تجري ويجري، ~~أما أنت فتشتد جهدا في سبيله، وأما هو ففي سبيل منبعه من الجمال الأعلى الذي أفاضه موجة ~~منه، فكأنك ذاهب إلى الجنة حيا، لا يمر بك إلا في روح، وريحان على طريق من لذة النفس لا ~~تنتهي؛ إذ هي من حيث لا نعرف إلى حيث لا نعرف، وتغدو كأنك في تلك اللذات الروحية طفل لا يكل ~~ما دام في عمر الحب، والحب الروحي الصحيح إنما هو كالطفولة لا تعرف وجه الفتى إلا شبيها ~~بوجه الفتاة فليس فيه تذكير وتأنيث، بل حالة متشابهة كاخضرار الشجر تبعث عليها الحياة حين ~~لا يجيء الحسن فيها إلا من جهة القلب، وما أرى الشجرة حين تخضر إلا قد نبتت فيها كلمة من ~~قدرة الله ذات حروف كثيرة؛ ولا الزهرة حين تتعطر إلا قد لاح في جمالها معنى بديع من حكمة ~~الكلمة الإلهية، ولا الإنسان حين يعشق عشقا صحيحا كما تروح الشجرة وتنفطر، # 7 # إلا قد صار قلبه كتابا من تلك الحكمة النقية الجميلة المعطرة. # كذلك يكون هذا الحب عند الذين خلقوا للشعر والحكمة إذا هم اتصلوا به فإنه لا يهبط إليهم ~~من السماء إلا ليملأ أوعيتهم؛ وفي هؤلاء خاصة يكون الحب الإنساني هو السرب # 8 # الذي يتخذونه سبيلهم إلى غور ما # 9 # في الأمواج الإلهية العظمى التي لا تنتهي أعماقها؛ فيغوصون ويخرجون وفي أيديهم ~~أفلاذ الحكمة ولآلئها؛ ومن شفتي المرأة الجميلتين يخرجون للناس كلام السموات. # أما الآخرون ... فتلك عقول كادها بارئها. # 10 # عقول الناموس الأصغر العامل في حرث الأرض # 11 ~~... يضم أحدهم يديه على الجمال فيتلقفه فيجعل ms17 أصابعه أعواد القفص لهذا الطائر ~~ويقول له: لطالما التمستك في جو السموات، وطالما كنت وكنت فهاهنا فاستقر، ولا يراه بعد قليل ~~إلا كما اغترف غرفة من الموجة؛ كانت حركة تفور فأصبحت سكونا هامدا، وكانت ملء البحر فصارت ~~ملء الكف، وكانت موجة فصارت ... آه فصارت بصقة ... ~~••• # أقول لك أحببتها لا كهذا الحب الذي تراه وتسمع به في رواية تبتدئ وتنتهي في جزأين من رجل ~~وامرأة؛ ولا كالحب الذي يؤلفه الكتاب والشعراء حين يجمعون عشرين معنى في كلمة، أو يرسلون ~~عشرين كلمة لمعنى ... ولا كالحب الذي يباع ويشرى فتأخذ منه بالدينار أكثر مما تأخذ بالدرهم ~~... ولا كالذي تجيئه وأنت من الإشراق والنور كزجاجة الخمر فيعيدك وأنت من الظلمة والسواد ~~كزجاجة الحبر ... أحببتها ولا كالحب نفسه، منذا الذي قال: «من يهلك نفسه من أجلي يجدها»؟ ~~أظنه المسيح، وقد كانت هي تتمثل بها كثيرا؛ # 12 # ولكن هذه الكلمة بعد كلمة الحياة الأزلية التي تقول للناس حين يشكون فيها: ~~موتوا لتعرفوا، كلمة الجمال الأعلى الذي يقول للشمس حين تصفر: أغربي لتصبحي بيضاء حية في ~~النهار، كلمة الحب الصحيح الذي يقول للمبتلى به: تعذب لتعرف كيف تتخيل السعادة وتتمناها، ~~كذلك تراني لا أحب إلا لثلاث: لأعرف وأحس وأتخيل؛ ولا أهلك بالحب إلا لثلاث: لأوجد في ~~نفسي وأبقى في نفسي وأضم نفسا إلى نفسي. ~~••• # أفهمت أيها الصديق أم أزيدك؟ هأنا أهبط عليك من الفلك الذي تقول إني لمسته حين لمست ~~قلبها، فاعلم أني لا أحب فيها شيئا معينا أستطيع أن أشير إليه بهذا أو هذه أو ذلك أو تلك؛ ~~حتى ولا «بهؤلاء» كلها ... إنما أحبها؛ لأنها هي هي كما هي هي، فإن في كل عاشق معنى مجهولا ~~لا يحده علم ولا تصفه معرفة، وهو كالمصباح المنطفئ ينتظر من يضيئه ليضيء فلا ينقصه إلا من ~~فيه قدحة النور # 13 # أو شرارة النار، وفي كل امرأة جميلة واحدة من هذين، ولكن الشأن في تحرك القلب ~~حتى يدني مصباحه لتعلق به الشعلة فيتقد وما يحركه لذلك إلا القدر، وما أحكم ms18 الناس؛ إذ ~~يقولون في بعض حوادث الحريق أنها «وقعت قضاء وقدرا» فكل حريق القلوب لا يقع إلا هكذا ... # ومتى قدحت الجميلة على قلب رجل أضاءته فيضيئها نوره بأمان من الحسن لا يراها ولا يدركها، ~~ولا يصدق بها إلا صاحب هذا القلب، فلو أن الشمس دامت تصب أشعتها على طلعة هذه المرأة ألف ~~سنة تحياها جميلة شابة لا تضعف ولا ترق سنها # 14 # لما كشفت لأعين الناس شيئا من تلك المعاني السحرية التي يكشفها ضوء قلب عاشقها ~~لعينيه؛ وما ضوء قلبه إلا منها فلن تكون فيه إلا ما أحبت أن تكون فيه. # بيد أن مصائب المحبين إنما تأتي من انقلاب المصباح فيستطير حريقا لا ضوءا، وترى النار ~~تعتلج في القلب وذؤابتها تتلوى في الرأس ويصبح العاشق مرنحا، # 15 # بما اعتراه من الوهن والضعف كأنه في جملته وفيما لبسه من الهم والسواد ما تراه ~~من بقية بيت محروق. ~~••• # رأيتها مرة في مرآتها وكانت قد وقفت إليها تسوي خصلة من شعرها الأسود الفاحم المتدلي ~~عناقيد عناقيد، ولم يكن بها ذلك كما علمت بعد؛ وإنما أرادت أن تطيل نظرها في من حيث لا ~~أستطيع أن أقول إنها هي التي تنظر؛ فإن ذلك الذي ينظر كان خيالها ... فلما انتصبت إلى المرآة ~~خيل إلي أني أرى ملكا من الملائكة قد تمثل في هيئتها وأقبل يمشي في سحابة قائمة من ~~الضوء؛ أو أن يد الله في لمح النظرة قد رسمت هذا الجمال على تلك الصحيفة يتموج في ألوانه ~~الزاهية؛ أو هي قد أرادت أن تبعث إلي بكتاب يحتويها كلها، ولا يكون في يدي منه شيء فأرتني ~~مرآتها. # ألا فاعلم أن هذه التي في المرأة، وهذه التي أمام المرأة، وهذه التي هي في قلبي؛ ثلاثة في ~~واحدة، لو هممت أن أضع يدي عليها فرت من يدي لتختبئ في مرآتها، وتفر من المرآة لتختبئ في ~~قلبي، فكأنما كنت أعشق مخلوقة من مخلوقات الأحلام لا تدرك بجميع أجزائها، وإذا أدركت بقيت ~~وهما لا تناله يد، وهي كالملائكة قادرة على التشكل ms19 إلا أنها تتشكل في الذهن فبينا تراها ~~شخصا جميلا إذا هي فكرة جميلة تتعطف عليها حواشي النفس، وبذلك تستطيع أن تشعرني أنها ~~في، وإن كان بيننا من الهجر بعد المشرقين؛ وأن تنزل بالسلام على قلبي وإن كانت هي نفسها ~~الحرب؛ وأن تجعلني أحبها وإن كان بغضها يأكل من جوانحي. # تراها مع أي أحوالها كالسعادة تخيلها هو هي . # ولولا ذلك ما احتملت غضبها وإن لها لغضبا تجمح فيه فتملأ جو النفس بمثل الغبار الذي ~~يثيره الجواد الكريم إذا انجرد للسبق وترك أعناق الخيل تتقطع عليه ولا تلحقه، فتراه يغضب ~~ويتميز ويحاول أن يسبق جلده، وأن يخطف أرض الله كلها في حوافره، تغضب على أسلوب من هذا ~~الطراز أو من طراز البحر الزاخر حين ينقلع في أيدي الأعاصير، أو من طراز الأرض حين تتخلع في ~~أيدي الزلازل، وأحيانا من الطراز الرقيق حين تتجاهل في غضبها محبا هي بعض تاريخه فتدعه ~~يشعر أن فيه مكانا مجهولا، وأن من قلبه قطعة منزوعة، ومرة من الطراز العسير حين تلوي ~~وتعقد حتى تتركني وكأني ما أجد في الدنيا مكانا هي فيه. # وكل هذه الأساليب شروح وتفاسير؛ أما المعنى الذي تدور عليه فهو هذا: داء الحب نقدا ~~والدواء عند السين وسوف ... عند هذه الجميلة التي هي أكذب ما في الصدق عند محبها، وأصدق ما في ~~الكذب على محبها. # | الرسالة الثالثة # حيلة مرآتها # حسناء، خالقها أتم جمالها # سألته معجزة الهوى فأنالها # لما حباها الله جل جلاله # بالحسن منفردا أجل جلالها # تضني المحب كأنما أجفانها # ألقت عليه فتورها وملالها # هيفاء قد حسب النسيم قرامها # غصنا فإن خطر التسجيل أمالها # سيالة الأعطاف أين ترنحت # تطلق لكهربة الهوى سيالها # طلبوا لها شبها ويضيء ضياءها # لهوى النواظر أو يدل دلالها # أما السما فجلت عليهم بدرها # والأرض قد عرضت لذاك غزالها # لكنها نظرت فأخجلت الظبا # وتلفتت للبدر فاستحيى لها # هم يطلبون مثالها فليرقبوا # مرآتها يجدوا هناك مثالها ~~••• # مرآة فاتته النفوس وصفحة # تتلو بها أرواحنا آمالها # لما عجزنا أن نفصل وصفها # جمعت لنا مرآتها ms20 إجمالها # واها لمرآة البخيلة لو رثت # يوما فأهدت في الجفاء خيالها # تلألأ الضحكت في جنباتها # فتخال ضوء الشمس هز صقالها # 1 # من ثغرها؛ من منبع النور الذي # نبعت به ضحكاتها فأسالها # تتنقل اللحظات في أنحائها # قتالها مستتبع قتالها # جرحت بها وبهدبها وكذا الهوى # أبدا يعد من السيوف ظلالها # حورية شهدت لها جنيتها # وجمال عينيها شهادتها لها # وكأنما المرآة من أفق السما # وكأنها ملك يلوح خلالها ~~••• # وقفت لها يوما فألقت نظرة # حيرى تشابه وعدها ومطالها # نظرت بلحظ نافذ لو أنه # لقي الإرادة نفسها لاغتالها # نظرات حواء التي أوهت بها # عزمات آدم يوم ضل ضلالها # فرأت على المرآة وجها، ظنه # ملك الجمال يحاول استقبالها # راع المليحة منه فرط جماله # أم راعها أن لا يكون جمالها؟ # فرت بنظرتها إليه تطيلها # ورنا بنظرته لها فأطالها # لحظان لو رجفا عليك تراجفت # كرة الفؤاد فزلزلت زلزالها ~~••• # نظرت لها حسنا إذا ما احتل في # دول النهى سلب النهى استقلالها # ورأت لسحر جفونها ما راعها # ورأت لفتك لحاظها ما هالها # فتذكرت شمس الجمال متيما # تركته من فرط النحول «هلالها» # ما زال يشكو «الصد» حتى بغضت # في نفسه «صاد» الحروف «ودالها» # ورأت صفا المرآة يشبه قلبه # مهما تحمله يكن حمالها # فتنهدت أسفا عليه وأنشأت # عبرات رحمتها تجول مجالها # جزعت له يعنى العناية كلها # وترية كل ثوابه إهمالها # حالان خيرهما وشرهما سوى # ومن المنافع ما يجر وبالها # جهد المقامر أن يحاول حيلة # ولكم أضرت حيلة محتالها # والعمر آمال وما جلب الشقا # إلا ابتغاء الطامعين محالها # إن الذي أعطى النفوس عقولها # جعل القناعة للنفوس عقالها ~~••• # جرت الخواطر بالمليحة لحظة # شغلت بأحزان المتيم بالها # فبدا عليها بعض ما قد ناله # وبدا على المرآة ما قد نالها # ورأت لها وجها تغشاه الأسى # والحسن قد منع الأسى أمثالها # كادت القول «رضيت عنه» فأمسكت # ومضت على عجل لتخفي حالها # أواه لو مرآتها نجحت ... ولو # فمها تبسم عند ذاك «وقالها» # | الرسالة الرابعة # ما أحلاه كلاما وأنداه على كبدي هذا الذي تقوله في كتابك: «لو كانت تلك ms21 الفتاة الساحرة ~~شجرة يابسة قد تحاتت، # 1 # وكان النساء كلهن شجرا أخضر لأورقت عليك وأثمرت، فإن فيك وفيها القوة والسبب، ~~ومن مثل هذه القوة وهذا السبب تخرج معجزات الحب»، آه لو صح ذلك، إن بعض الرجال يكون في ~~صفاته كذبا على الرجال فهذه والله كذب على النساء، ولو جاز لقلت: إنها ولدت خطأ في هذا ~~الجلد؛ بل ما وضعها الله فيه إلا لعلمه بها، وليجعل منها علما لمن شاء أن يدرس بروح الرجل ~~المحب أو المبغض جمالا شاذا في روح امرأة تحتمل الحب والبغض معا، لم يكن في وفيها ~~القوة والسبب بل القوة والقوة، وما كنا إلا كدولتين متحالفتين تمنع قوتهما أن تعتدي واحدة ~~على واحدة، ويشق ذلك عليهما فتعبران عن لفظ القوة بلفظ أرق وأجمل وهو المحالفة؛ ثم يرق هذا ~~اللفظ فتخرج منه الصداقة، ثم ترق هذه فيجيء منها الحب، ولا حب هناك ولا صداقة ولا محالفة، ~~بل هي أساليب سياسية في لغة القوة حين تخشى وحين تطمع. # لقد أذكرتني بالشجرة اليابسة يوما جميلا وكلاما أجمل منه فإنا باعث به إليك، وإن كان ~~قد بعد به العهد؛ إذ وقع أول معرفتي بها في قرية ... بلبنان، هناك زهر أصفر يلوح للعين كوجوه ~~الدنانير يسمونه «الوزال» وهو طيب الرائحة، ولكنه خبيث النبتة لا يكون إلا في مثل الرماح من ~~الشوك، وكان لها ولع شديد بهذا الزهر لطبع من أشواكها وأشواكه فقد نلت من كليهما ... وسنحت ~~لها على زهرة منه فراسة زاهية مصبوغة فوثبت إليها واشتدت وراءها، وكانت الفراشة تفوتها ~~وتستطرد لها، وتعبث بها عبثا بين أن تلوح وتختبئ، ثم رجعت «الفراشة الكبيرة» بعدما انقطعت ~~وقد تزاحمت الأنفاس على صدرها، وجعل قلبها يغيظني بدقاته غيظا شديدا؛ إذ كان يخفق من ~~البهر والإعياء لا من شيء آخر ... وتساقطت تحت شجرة من التين فلما أراحت وثابت إليها نفسها ~~قالت: فراشة لا تبلغ عقدة إصبع من ثوبي وتعنيني هذا العناء كله ثم أرتد عنها خائبة؟ قلت: بل ~~خائبة خيبة المفلس يعدو يومه وراء «الدينار الطائر» ms22 فلا يدركه، فاجتذبتها إلي كلمة ~~«الدينار الطائر»، ومن خصائصها أنها لا تعجب بشيء إعجابها بدقة التعبير الشعري، وسأستوفي لك ~~هذا في رسالة أخرى، إنها تريد أن تجمع إلى صفاء وجهها وإشراق خديها وخلابتها وسحرها؛ صفاء ~~اللفظ وإشراق المعنى وحسن المعرض، وجمال العبارة، وهذا هو الحب عندها؛ تحبك كما تحب كلمة ~~تكتبها أو معنى تتخيله، فإذا سئمتك لم تكن عندها إلا الثالثة ... إلا صحيفة تمزقها ... ~~••• # ورفعت رأسها إلى الخيمة الخضراء ثم قالت: هذه شجرة تين، قلت: وماذا في أنها شجرة تين؟ ~~قالت: ألا تعرف تينة الإنجيل؟ قلت: وإن في الإنجيل لتينة ليست كغيرها؟ قالت: كان من خبرها # 2 # أن المسيح مر في جماعته وهو جائع فرآها من بعيد فينانة خضراء تهتز كأنها ~~تدعوه ولم يكن إبان هذه الفاكهة؛ فعدل إليها لعله يجد فيها شيئا يطعمه فلم يجد غير ورقها ~~الذي لا يؤكل، فقال لها: خسئت لا يأكلن منك أحد ثمرا بعد اليوم، وانحدروا إلى أورشليم؛ ~~ولما أصبحوا انقلبوا فمروا بشجرة التين فإذا هي خاوية قد نزعت ثوب نضرتها والتفت في كفن من ~~اليبس وماتت واقفة، فرماها بطرس بعينيه وقال: انظر يا سيد إن هذه التينة التي مردت عليك ~~فلعنتها قد ماتت وثراها حي بعد. # قلت: هذه لعمري هي المعجزة، تموت الشجرة وثراها حي، وتجري اللعنة في أعوادها فتتشرب ماءها ~~وتتركها يبسا لا تصلح إلا للحريق، وتنقلب الشجرة الخضراء في ليلة من خشب الله إلى خشب ~~الناس، ولكن ما ذنب الشجرة المسكينة إذا لم يكن موعد فاكهتها ويريدها المسيح على غير ~~طبيعتها؟ قالت: فإن الذنب في إخضرارها كأنها ذات ثمر، قلت: أوليس للثمر وقت قد مضى وهل ~~الشجرة إلا شجرة؟ أم تحسبينها تدير الشمس وتقلب الفصول لتعقد الماء ثمرا حلوا؟ ألا إن ~~الشمس تدور ثم يحين الفصل ثم ينعقد الماء ثم يحلو التين فينضج فيؤكل، قالت: إنك لتجيء ~~بالدواهي فماذا تقول أنت؟ # أقول: اعلمي أن فيلسوفا يونانيا كان قبل المسيح، # 3 # وكان يرى أن تلك الشجرة ومثلها مما سفل وعلا من قدم ms23 الكون إلى ذؤابته إنما هي ~~الإرادة البشرية بعينها إلا أنها لم تكتمل لعلة ما، فكأن العالم عند هذا الفيلسوف إنسان غير ~~سوي ذهب طوله في عرضه فلم يعرف شيء من شيء، وكأن الإنسان هو العالم الذي نما وتم، فالشجرة ~~إن لم تكن من الإرادة كما يقول هذا الفيلسوف فهي من الحياة، وقد التقى منها ومن المسيح ~~إنسان حي وشيء حي؛ والتقيا على خلاف انقلبت فيه إلى حياة ذات إرادة، وإرادة ذات كبرياء، ~~وكبرياء في رعونة يختال بها جذع خشبي غائر في الأرض على جذع روحاني باسق في السماء؛ وتتيه ~~عشبة الطين على زهرة الفلك الأعلى، والكبرياء كانت من شرها أول ما تمرد به الشيطان على الله، # 4 # وأول ما لعن الله به الشيطان، وحسبها من الشر أنها ذهبت بجميع حسنات شيخ ~~الملائكة (كان # 5 ~~...) فهوى بعدها من لعنة الله في أعماق لا تنتهي، ولا يزال فيها طائرا إلى أسفل ~~... وما برحت هذه الكبرياء ثقيلة على الأرواح الصافية الكريمة ولو كانت ممن تحق له، ولو كانت ~~من شجرة تحييها الشمس ويقوم على حفظها ناموس الكون، والمسيح لم يفر إلى ظلها من حر بل إلى ~~ثمرها من جوع؛ فلما أتاها بجوعه تلقته بزهوها، قال لها بلسان قلبه العظيم: هأناذا، فقالت ~~له: وهأناذه أخرى غير التي تريد، ظل جائعا وظلت خضراء تتموج لعينيه شبعا وريا ما تستحي ~~ولا تتواضع بجفاف ورقة منها تسقط عذرا عند قدميه، كانت في غير حالته القائمة بروحه، وكان ~~في غير حالتها القائمة بروحها؛ فكل ذنبها في روحه هو وفي حالته هو وفي حسه هو؛ فاشمأز منها ~~فيبست ولعنها فماتت ورآها ظلاما فأطفأ سنتها إلى الأبد، هكذا يفعل الروح الأقوى بالروح ~~الأضعف حين يختلفان، والمتكبر دائما هو الأضعف وإن ظهر أنه الأقوى؛ فلو صدمته روح عاتية ~~بما فيها من بغضه وازدرائه لوقعت منه موقع أظلاف الفيل من النملة الضعيفة؛ فإن فوق كبرياء ~~المخلوق ناموسا ثابتا من كبرياء الخالق ما لجأ إليه مكسور القلب بكاسر قلبه إلا وضعه ~~والله ثمت ms24 موضع حبة القمح تحت حجر الطاحون الضخم لا يبقي ولا يذر. ~~••• # وكنت اتكلم وكأني مرتفق تحت جناح جبريل كما قلت وإن الكلام لينفذ إلى دمها مع أنفاسها؛ ~~فما أتيت على آخره حتى رأيتها قد اصفرت وارتاعت وقالت: ويلي منك فهل أنت مسيح جديد؟ إني ~~لأسمع ألفاظك هذه وكأني أسمعها من يوم بعيد لم يأت بعد ولكنه آت؛ لأنه يتكلم ويقول بكلامه ~~أنا موجود وإن كنت بعيدا عنك، فأردت أن أخفف عنها فرفعت طرفي إلى خيمتنا وقلت: اسمعي يا ~~شجرة التين ... فانفجرت ضاحكة وقالت كم قلت لي أنت دويهية، وزعمت أن هذا يسمونه تصغير ~~التعظيم فأنت دويهتان، فضحكت وقلت: أولست معي ... # لقد حل ذلك اليوم الذي سمعته يتكلم في الغيب، وآه من تلك الدويهية ومن كبريائها وفلسفتها، ~~آه من فتاة تقول لك فيما تقول: إن أمي ولدت نفسي ونفسي هي ولدتني؛ فلا ترج أن تصيب في ~~طباع أنثى وإلا ضل ضلالك أيها الحبيب ... قلت فماذا بقي من معنى أيها الحبيب إذن؟ # فضحكت من عبوسها - وهي حين تتفلسف تظللها سحب من الفكر فتراها قد غامت فيها، ولا يبقى لك ~~أمل إلا في وميض من ابتسامتها يتمزق ثم يسرع فيلتئم - أتدري ماذا كان جوابها؟ قالت: خلقنا ~~لهذا الحب من قبل يومنا؛ ولعل يومنا إذا جاء كان يوم بغض منك أو مني، قلت: فمعنى «أيها ~~الحبيب» في فلسفتك أيها البغيض ...؟ # قالت: كلا كلا لا أدري، ولكني أتكلم بلغة النطق؛ وفي ناموس الفهم الإنساني لغة غيرها وفي ~~ناموس الأقدار لغة غير اللغتين، فإنك لتراني ولكني أرى في أخرى، والأخرى ترى فيها ثالثة، ~~هذا أشعر به ولا أدري كيف أصفه فإن عبرت عنه بلغة النطق انقلب كلامي عن جهته فصار من كلام ~~الموسوسين والممرورين والمجانين، أنا أحسن الكلام مع السماء وأنت تحسن الفهم عن السماء، ~~فحاجتي إليك هي أن تتكلم في روحي وحاجتك إلي هي أن أتكلم في قلبك. # أتستطيع أن تلبسني جلدك وتخيطه علي و... فقلت مهلا مهلا أنك أنت الآن لا تتكلمين ولا ~~التي ms25 فيك بل تلك الثالثة ... وإذا كان استهلال كلامها سلخ جلدي ... وهنا وضعت يدها على فمها ~~وجعل يغت ضحكها ويتكسر على صلابة قلبها تكسر قطع البلور الثمين في غير نظام ولا ~~مهل. # ولما سكنت مما غشيها قالت: أنت برهمي؟ قلت: وهذه شر من الأولى فهل خطر لك أني أعبد بقرة؟ ~~قالت: وهذه شر من الاثنتين فقد انتقمت مني بلطف ... ولكن ألا تعرف أن الحب في رأي أكثر الناس ~~كزواج البراهمة، إذا اقترن الرجل منهم بامرأة فقد أعدها للحرق إن بقيت بعده وللموت إن بقي ~~بعدها؟ قلت: أعرف هذا في عقد البراهمة وحسب فلا تنز بك الفلسفة نزوتها فلسنا في النار ولا ~~في دخانها، قالت: وما تقول في نار تعرفها؟ ولفظت هذه العبارة بصوت خرج يرتجف كأنه جاذب ~~قلبها وفر إلي فرارا؛ وأنزلت في مقطعها نبرة استفهام حلو رقيق يمازجه شيء من التوبيخ في ~~منتهى الظرف. # فأطرقت شيئا وقلت: اسمعي؛ ما أنت محاطة بست جهات بل بست علامات استفهام؛ وإن فلسفتك هذه ~~جعلتك ما لا أدري ألغزا في إنسانة أم إنسانة في لغز؛ وعلى أيهما فإن العمر يذهب في فهمك ~~وأحتاج بعد إلى عمر جديد في حبك، ولن تبعثني فلسفتك من قبري يوما إذا سويت بجسدي الحفرة، ~~لقد وضعك حسنك في طريقي موضع البدر يرى ويحب ولا تناله يد ولا تعلق بنوره ظلمة نفس، لكن ~~كبرياءك نصبتك نصبة الجبل الشامخ كأنه ما خلق ذلك الخلق المنتثر الوعر إلا لتدق به قلوب ~~المصعدين فيه، وتهتز أجراسها اهتزازا عنيفا متصلا في حبال الأنفاس والزفرات، كوني من شئت ~~أو ما شئت؛ خلقا مما يكبر في صدرك أو مما يكبر في صدري، كوني ثلاثا من النساء كما قلت أو ~~ثلاثة من الملائكة، ولكن لا تكوني ثلاثة آلام، انفحي نفح العطر الذي يلمس بالروح واظهري ~~مظهر الضوء الذي يلمس بالعين، ولكن دعيني في جوك وفي نورك، اصعدي إلى سمائك العالية ولكن ~~ألبسيني قبل ذلك جناحين، كوني ما أرادت نفسك ولكن أشعري نفسك هذه أني إنسان. ~~••• # أي حب ms26 هذا؟ لقد امتحنت منها بفتاة أبحث عنها في النساء فلا أجدها، وأبحث عنها في نفسها ~~فلا أجدها؛ وكل تاريخ هواها كالرحلة في أغفال الأرض ومجاهلها؛ # 6 # يأخذ الرحالة رجليه بالمشي على قبر في عرض الصحراء، ويكون له من الحذر في كل ~~بادرة عقل؛ ولا يزال يلفظه مجهل إلى مجهل، ولا يزال يتتابع في تلك الأرض التي تغول سالكيها # 7 # حتى يقطع إلى معروفها منكراتها جميعا ... # | الرسالة الخامسة # أيام لبنان # فجر الهوى من ثغرها البسام # متطاير اللمحات فوق ظلامي # رفت علي ظلاله وتنفست # بندى الشباب على فؤادي الظامي # ذهبت هموم حرت في أسمائها # وأتت هموم ما لهن أسامي # في حبها والحب في بأسائه # أهنا لأهليه من الإنعام # حسناء صورها الهوى في صورة # كادت تعيد عبادة الأصنام # في منظر الأقمار ألمح وجهها # وتحس في لمس النسيم غرامي # ولكهرباء الحب من لحظاتها # سيالها المتدافع المترامي # ينساب في مجرى دمي متلهبا # فكأنه تيار بحر ضرام # يا كهرباء الحب رفقا إنما # هذي «الأنابيب» الضعاف عظامي ~~••• # ذهب المنام ومن يذكره الهوى # قمرا فلا يلقى الدجي بمنام # يا ليل أنت صحيفة ملء الفضا # ء وما بها سطر من الأحلام # في كل نجم من نجومك بسمة # وقفت تشير إلى الهوى بسلام # وكأن أفقك والنجوم سطوره # تاريخ ما أسلفت من أيامي # متألق الجنبات مشبوب الضيا # خضل الندى صافي الشمائل سامي # يا ليل أين الفجر أين زمامه # أيام يمسكه الهوى بزمام # أيام «لبنان» وكانت ساعة # غفرت ذنوب الدهر في أعوام # غفل الزمان هناك من غفلاته # ففررت للذات من آلامي # وقطعت من ثوب الشباب عصابة # وربطت من جرح الحياة الدامي # ومضيت أصعد ذروة في ذروة # كالنجم مشتملا علي غمامي # في كل منزلة وكل ثنية # يضع الهوى قمرا يضيء أمامي # وعلوت حتى عن أماني الحيا # ة وغبت حتى غبت عن أوهامي # وسموت في أفق يذوب نسيمه # شغفا إذا ما اهتز غصن قوام # أفق يطل على الحياة وهمها # إطلال مغفرة على الآثام # لبنان فن في الطبيعة قائمة # دقت محاسنه على الأفهام # متكبر حتى ms27 على إكبارها # متعظم حتى على الإعظام # قمم تغطى بالسماء كأنها # في الكون أمثلة على الإبهاء # شم فوارع علمت أبناءها # عند الحوادث كيف رفع الهام # ومدارج تنبيك منحدراتها # أن الحياة مذاهب ومرامي # تركت بنيها أينما حكمت بهم # نفذوا على الأسباب كالأحكام # وترى هنالك كل شيء ناطقا # أن لا يعيش هنا سوى المقدام # جبل تمنع في الطبيعة عزة # ومهابة كالناب في الضرغام # يتقلب التاريخ من أبنائه # في الغر بين فوارس وكرام # فالنور لم يبرح على أرجائه # من مبسم أو من فرند حسام # جبل إذا وصفوا الرواسي لم يكن # أبدا لصدر الأرض غير وسام ~~••• # يا نفحة الجنات من تلك الربي # كم ذا يطول تلهفي وهيامي # يبني وبينك بحر دمع يرتمي # من عين مهجور وبر خصام # لهفي على ريح الشآم ونظرة # من أرضها لهوى هنالك نامي # أرض بنوها الصيد كيف تواثبوا # عنت الحياة لهم بكل مرام # حملوا النبوة وهي روح بلادهم # ومضوا بوحي العزم والإقدام # فهم بأي الأرض حل نزيلهم # قوم قضت لهم السما بمقام # أرض كساها الوحي جوا عاطرا # وبنى لها أفقا من الأنغام # الله زينها بكل بديعة # باحت بأسرار من الإلهام # فهنا يريك الحسن صفحة شاعر # وهنا يريك صحيفة الرسام # والحسن مختلف المواطن في الوارى # لكنما حسن الطبيعة «شامي» # | الرسالة السادسة # تقول أيها العزيز: «فصفها لي على حقها # 1 # وصفها على هواك بما يزخرف الهوى من كذبه، وانقلها إلي من مرآتها نقلا، ~~ووافني عنها برسالة كليلة من ليالي القمر في الصيف تتنفس كل ساعة منها برائحة الفجر»، آه ما ~~كان لي ولهذا البلاء الجميل ... فإن عهدي بهذه النفس أنها مصممة حكيمة إذا فزعت تفزع إلى ضرس ~~حديد، وإذا همت أمضت عزيمتها فما يند منها شيء إلا ضبطته # 2 # وأحكمته؛ وأن عهدي بهذا العقل أنه نافذ دهي ذو حرب وسلم في أساليب الحكمة ~~والسياسة، ولكن الإنسان يبتلى ثم يبتلى ليعرف أن كل ما فيه إن هو إلا وديعة الغيب فيه؛ فما ~~شاء الله نفع وإن كان سببا من الضر، وما شاء الله ضر ms28 وإن لم يكن إلا نفعا؛ والأسباب ~~كالعمر لا يملك الإنسان استمراره لحظة واحدة وقد يستمر على ذلك ما يستمر. # إن وصفها لهم جديد وإنها الآن في نفسي غير من كانت، فالكتابة عنها ضرب من العنت كالترجمة ~~من لغة إلى لغة فلولا كان ذلك والهوى متفق؟ ولكن يا شمس السماء مجي من ريقك على هذا القلم ~~حتى ينسج وشيه وزخرفه، واجمعي في هذه الصحيفة نور الابتسام وماء الدمع ، وأخرجي منهما ما ~~يخرج النبات من الضوء والماء زهرا وثمرا وورقا أخضر ... وحطبا يابسا بعد ... ~~••• # أما إنها فتنة خلقت امرأة فإذا نظرت إليك نظرتها الفاترة فإنما تقول لقلبك إذا لم تأت ~~إلي فأنا آتية إليك؛ خلقت مقدرة تقديرا كأن كل شيء فيها وضع قبل خلقه في ميزان الجمال ~~ووزن هناك بأهواء القلوب ومحابها، وكأنها بعد أن تم تكوينها أرسلت الملائكة في دمها نقطة ~~عطر فهي تنفح على القلوب برائحة الجنة، وهي أبدا تشعر أن في دمها شيئا لا يوصف ولا يسمى، ~~ولكنه يجذب ويفتن فلا نراها إلا على حالة من هذين حتى ليظنها كل من حادثها أنها تحبه وما ~~بها إلا أنها تفتنه. # رشيقة جذابة تأخذك أخذ السحر؛ لأن عطر قلبها ينفذ إلى قلبك من الهواء؛ فإذا تنفست ~~أمامها فقد عشقتها. # وتراها ساكنة وادعة أمام عينيك، ولكن قلبك يشعر أنها تهتز فيه وتضطرب فلا يزال قلقا ~~نافرا يتململ. # أما أنوثتها فأسلوب في الجمال على حدة؛ فإذا لقيتها لا تلبث أن ترى عينيك تبحثان في ~~عينيها عن سر هذا الأسلوب البديع فلا تعثر فيهما بالسر ولكن بالحب، وإذا كنت ذكيا فأضافت ~~إلى ما فيها من بواعث الهوى إعجابها بك فقد أحكمت لك العقدة التي لا حل لها. # ومهما تكن من رجل باذخ فإنك بإزائها ترى كيف ينقاد جزء من الطبيعة لجزء من الطبيعة فلا ~~براءة لك ولا مخرج من حبها؛ ومهما تكن من جبل شامخ فإنك تتهافت تحت أشعة عينيها كما تتدحرج ~~جبال الثلج في القطب إذا زاحها عما حولها شعاع رقيق من أشعة ms29 الشمس تتنهد فيه نسمة ~~ضعيفة. # وهي في لونها ذات بياض أسمر محمر وضيء يغترق العين حسنا، وكأن ائتلاف الألوان الثلاثة ~~فيها جملة مركبة من لغة النور والهواء والحرارة، معناها الجمال القوي الصحيح، هيفاء ملتفة ~~لم يهبط جسمها ولم يرب # 3 # تملأ قلبك كما تملأ ثوبها، وتتمايل أعطافها فلو خلق غصن البان امرأة لمشى ~~يتهادى في مثل مشيتها، وتنظر نظرة الغزال المذعور ألهم أنه جميل ظريف فلا يزال مستوفزا يتوجس # 4 # في كل حركة صائدا يطلبه ... وتنفجر لعينيك في حركاتها وكلماتها كما يتفجر أمام ~~الظمآن ينبوع الماء العذب، وما رأيتها مرة إلا أحسست نفسي تصورها تصويرا كأن الشمس والقمر ~~قد صنعاها في الحسن صنعة جديدة، وتنتحل هذه الظبية أحيانا كبرياء الأسد فيكون ذلك منها في ~~باب الدلال مخاشنة بين طبعي وطبعها تبث بها في الحب قوة تبلغ قوة الافتراس في أسد ~~جريح. # تريد الهوى وتعرفه وتنفخ في ناره وتذكي ضرامها بما لا يخمد ولا ينطفئ، ولكن ... ولكن لترى ~~من كل ذلك كيف أحترق. # تلك هي أيها العزيز؛ من أي الجهات اعتبرتها لا ترى أوصافها تنتهي إلا كما تنتهي أطراف ~~الواحة الخضراء في رمال كالأقيانوس الجاف تقحمك المتالف، # 5 # وتبث لك مصايد الموت في كل جهة، ولا يخرجك منها إلا أن يكون عمرك أوسع منها؛ ~~ومع ذلك فلا تخرج إلا حيا نصفه موت أو ميتا نصفه حياة، إن عاشقها المسكين في كل ما يناله ~~من حبها ليمشي إلى الجدب بخطوات خضر تعد عليه واحدة واحدة؛ فههنا نبع يروي وهناك روضة ~~تتنفس، وثم سرحة تفيء بظلها؛ وما شئت من متاع أحسن ما تنظر، ومن روح أجمل ما تبتغي، ومن ~~نعمة أبدع ما تتحفى بك النعمة؛ ثم تنتهي من الواحة؛ لأنك كنت تندفع ولا تحس ويسار بك ولا ~~تدري؛ وتنتهي بعد الفضاء الجميل الأخضر إلى ذلك الفضاء المخيف الأبيض بياض عظام الموتى ... ~~فضاء الصحراء المهلكة التي تقول لك أول ما تتلقاك: ليس من يحس بك ههنا فحيث شئت فمت ... # كانت والله قدرا مقدورا لو ms30 علمت كيف تنتهي لاتقيت كيف بدأت، ولكني جئتها وأنا أقدر أن ~~أراها كما هي وأدعها كما هي، فإذا القدر مخبوء فيها، وإذا هو قد طلع علي في ألحاظها، وإذا ~~أنا أراها فلا أدعها، وكان طريقي إليها بين رؤيتها وتركها، أبدأ وأعود؛ فلما تخطيت أولها لم ~~أر لها آخرا، ولما بدأت عدلت بي إلى الناحية التي كنت أجهلها فلم أدر كيف أعود. ~~••• # وهي شاعرة تغمر أفقا واسعا بأشعة خيالها، ولو أن نجمة سألت الله أن يخلقها امرأة فتنزل ~~على الشعراء بوحي السماء وخيال السماء وأسرار السماء لكانتها، غير أنها لا تحسن عربية ~~الكتابة الفصحى فإذا كتبت وقليلا ما تكتب # 6 # اختبطت في مثل البحر اللجي ففرت إلى الساحل ورقصت هناك على رشاش الموج، وهي ~~تألم لذلك النقص فيها وما أظرف ما تراه في سببه؛ إذ تقول: إن المصري والسوري ومن يشبههما قد ~~بلغوا من ضعف القومية التاريخية بحيث يريد أكثرهم الكمال لشخصه لا لتاريخه، ولنفسه لا ~~لأمته؛ فينسل أحدهم من تاريخه ويغامر في آداب أمة حية كالفرنسية والإنجليزية، ويستفرغ فيها ~~كل همه فيدرك في خمس سنوات ما لا يأتيه به التاريخ المصري أو السوري في خمسين سنة لو بقي في ~~أمته وادعا يترقب نضج تاريخها، والشرقي إذا خرج من الشرق أحس أنه ترك وراءه بلاد القبور ~~والمدافن والجثث المحنطة، واستقبل بلادا أصبحت الطبيعة فيها أسرع من أهلها في العمل للحياة ~~والأحياء فهم يخدمون نواميس الكون لتخدمهم على الأرض لا في السماء، وكانت إذا انتهت إلى مثل ~~هذا قلت لها: إنك لتتكلفين أن تجعلي للانهاية حدودا أربعة ... بل أربعة ذات قياس ومساحة وإلا ~~فابتلي أوروبا بمثل ما بلي الشرق منها أربعين سنة في جد السياسة وهزلها فإنك والله لا ترين ~~منهم يومئذ إلا الزنوج البيض ... وكانت تقول ما أعجزني في أجناس الكتب إلا كتب اللغة العربية؛ ~~لقد أحضرت شيخا يدارسني كتابا منها فكانا كتابين ... الذي أراه هو الذي أسمعه والذي أسمعه ~~هو الذي أراه، ثم تغرق في الضحك وتقول في كلام ظريف ms31 كأنه يضحك ضحكا آخر: فأنا والله في ~~حاجة لإتقان هذه اللغة إلى عمامة وعشرين سنة في الأزهر ... ~~••• # قلت لك: إنها شاعرة تملأ سماء من السموات فتكاد لا ترى فيها من جهات الأرض شيئا # 7 # كأنما تركت المادة الإنسانية في أبويها وخرجت من ذلك الحطب والورق ... مخرج ~~الزهرة الناعمة، بنية من اللون وجسما من العطر ونسيجا متماسكا من الشعاع، خرجت عاطفة ~~مولودة تكبر وتنمو لتبلغ في العواطف سن شباب القلب؛ لا يتصل بروحها شيء إلا نبت واخضر ثم ~~نور وأزهر # 8 # كأن طبيعة الجمال خبأت في قلبها سر الربيع، وهي الصافية كرقة النسيم والناعمة ~~كملمس الماء والضاحية كطلعة الشمس؛ فإن غضبت بدلت النسيم قيظا والماء ظمأ والشمس الطالعة ~~غيما يلف نهار الحب في ملاءة ليل أسود. # ولا يستخرج عجبها شيء كما يعجبها الكلام المفتن المشرق المضيء بروح الشعر فهو حلاها ~~وجواهرها، وما لسوق حبها من دنانير غير المعاني الذهبية فإنها لا تبايعك صفقة يد بيد، ولكن ~~خفقة قلب على قلب. # وما عسى أن أقول في فلسفتها واهتدائها إلى موضع السر من الأشياء ونزولها وراء الحجة ~~إلى الأعماق البعيدة التي تغوص الحجة فيها واستبانة المشكل باللمح، وتقليب المعاني في ~~أصابعها كأنها ملقنة ما تحاوله؛ وأخذها في سبيل البرهان حين تجادل مأخذا لا يقام له، ~~وإظهار خيالها البديع في معان لامعة كأنما تتدلى عليها الشمس، فلو كنا نقول بالرجعة # 9 # لقلت: إن (أرسطو) قد رجع بفكره الجبار إلى هذه الدنيا ليمارس حياة الأنوثة ويتم ~~امرأة كما تم من قبل رجلا فينتظم كمال الجنسين في نفسه. # على أن فلسفتها هذه قد جعلت من بعض قواها ذلك الجمود الذي تستعين به على الحب «جمود إحساس ~~الكتب ...» حتى ملأت نفسي بمثل البحر ملحا ومرارة. # الجمال هبة الله فليس لامرأة فيه عمل، ولكن العجيب أن أكثر ما يكون من عمل المرأة إنما ~~يكون في إفساد هذه الموهبة كأن الجمال غريب حتى عن صاحبته، تفسدها بالجهل إذا كانت جاهلة، ~~وتفسدها بالعلم إذا كانت عالمة، وتفسدها بلا شيء إن ms32 كانت هي لا شيء ... ~~••• # على أنها كانت تزعم أنها تبغض الفلسفة وأهلها وتقول: ينبغي أن تتحول الفلسفة إلى شعر ~~كالتراب نعالجه ليستوي مخضرا فإذا هو لم ينبت فاردم به المستنقعات واملأ منه الحفر وافتح ~~فيه القبور، والفلسفة وإن كانت من ضرورات الحياة والأحياء ولكنها عند بعض الناس أعجب شيء، ~~وعند آخرين شيء عجيب، وعند الشعراء لا شيء عجيب ... أعرف العلم والمنطق ولكن الطباع غير ~~العقول فمن كان في سن العقل استطاع أن يحمل في فلك رأسه السموات السبع والأرض ومن فيهن وذلك ~~هو الفيلسوف في سمته وهيبته ووقاره كأن فيه مكتبة كبيرة أو كأن فيه ثقلا خاصا ...؛ ومن كان ~~في سن الطبع فلا يعرف إلا ما يميل إليه طبعه، فإن يكن هناك منطق وعلم فهما في كيفية إيجاد ~~الميل في نفسه، ثم في استخراج اللذاذة الروحية لنفسه من هذا الميل، ثم في تهيئة الاستمتاع ~~من هذه الروحانية بكل ما فيها لكل ما فيه. # هذا هو رأيها ولكن لا تنس أنه رأيها الفلسفي ... وأنه لن يكون لها رأيا إلا إذا كان لها بديا # 10 # فلسفة قد جعلت من طباعها «جمود إحساس الكتب»؛ وههنا المصيبة فإنها إن عمدت إلى ~~غيظك اختبأت نفسها في كتبها وأوراقها، ورأت هذه الكتب والأوراق دنيا غير الدنيا لها أشخاص ~~غير الأشخاص، أما بين الكتب والأوراق فهي تحمل في رأسها السموات السبع والأرض فكيف تشعر بك ~~إذا أنت وحدك وقعت من السموات السبع والأرض ...؟ # ولكن هل أنت إلا أنت وحدك؟ # | الرسالة السابعة # نالت مني رسالتك يا عزيزي وما كنت ظالما ولقد ظلمت، جاءتني سطورك جملا جملا فانصبت ~~على قلبي انصبابا فغشيته من حروفها بموج أسود كالظلم، لك الله أن تحسبني هالكا وتقول: إن ~~روحي محمومة بتلك الفتاة، وإني في حاجة منك إلى علاج مر؛ إلى بضع نصائح من الكينا ... # فأما إني محموم بها فلا وما أبعدت؛ ولكن هي كانت أشبه بالهذيان في الحب، وإن الدهر ليحم ~~مرارا عدة متى ركبته الأقدار الملتهبة؛ فإذا هو حم جاء من هذيانه ms33 نابغة يهذي في رجل أو ~~امرأة، وكان من علامة نبوغ تلك الفتاة أن فيها من برد الدنيا وسخونتها ... فيها والله برد ~~شديد ويكفي أنه برد الفلسفة ... # قالوا: جلت الحقيقة أن تكون البشرية محلا لتلقيها؛ وأقول: جلت مرة أخرى أن تكون المرأة ~~هي هذا المحل؛ فما للمرأة الجميلة والفلسفة؟ أللهم لا تبتل بها من النساء إلا كل ذات وجه غضن # 1 # لا يضره ولا يضر أحدا أن تزيد فيه كربه أو عقدة أو مسألة حسابية ... # ولكن ما أجمل الحقيقة ترسل أشعتها وألوانها في قلب الجميلة فتمتهد لها فيه أرضا من ~~الشعاع، ثم تهبط من السماء الكبرى إلى هذه السماء الصغرى جمالا في جمال وحقيقة على حقيقة ~~وشعرا على شعر، ومعنى يوحى به إلى من هي تفسير له، تلك حقيقة الجمال الذي لا يفهم إلا ~~بمثال عليه من امرأة؛ وإن من النساء تفسيرا بديعا لهذه الحقيقة، ومنهن تفسير ناقص، وبعضهن ~~مغالطة في التفسير، وبعضهن مسخ، وبعضهن كالتضريب والشطب لا يفسر شيئا ولا يصحح شيئا، ولكن ~~يمحو ويطمس ... ~~••• # سآتيك بها الآن من جهة الشعر وقد وصلت جناحها بجناحي بعد مقدمها إلى مصر بأيام وخرجنا متنديين # 2 # ذات صباح في طريق تبعثرت فيه الشمس على الندى وعلينا، كانت هي صبحا في ذلك ~~الصبح، وقد وافت كعادتها متكسرة وللفتور مس فيها؛ فتورها النسائي # 3 # البديع الذي ينبئك في لطف أي لطف أن عواطفها تبعدك عنها، ولكن بشرط أن لا ~~تبتعد؛ فتور في الجسم تظهره الأنوثة التي نراها لنطلع منه على سر الأنوثة التي لا نراها، ~~وفتور في اللحظات تدل به على أن في قلبها منك شيئا تحب أن لا يظهر لك وتحب كذلك أن لا يخفى ~~عليك ... # ومشينا بين الجمال المنظور وبين الجمال المعقول وهي تجمعهما في شخصها ومعانيها، على حين ~~أن الطبيعة لا تكاد ترضيك من هذه الجهة إلا إذا عرضت لك ألف شيء جميل، ثم فئنا إلى روضة على ~~شاطئ النيل يسافر النظر في أرجائها وتتموج للعين كأنها بحر أخضر تهتز عليه هنا ms34 وهناك أمواج ~~ملونة من الزهر. # وقلت فلأكن آدم هذه الجنة اليوم، قالت: ثم تخرج منها كما خرج ... قلت: فإن الخروج لا يأزف ~~إلا عند غروب الشمس «كقانون المجلس البلدي» ... فضحكت وحضرتها النفس الثالثة # 4 # ثم مدت عينيها الذابلتين في شواطئ ذلك البحر الأخضر وقالت: ألا تظن يا آدم ~~الصغير أن إدراك الجمال الطبيعي في الأرض هو بقية فينا من نفسية آدم الكبير لدن كان في ~~السماء وقد ورثناها عنه، قلت: لا أظن ظنا بل أنا مستيقن فإننا طردنا من الجنة ولكنا ~~استرقنا منها قدر ما وسع خيالنا؛ فإدراك الجمال في أي أشكاله وبأي طرقه إنما هو متاع الروح ~~الإنسانية على طريقها الأولى في عهدها الأول، إن هذا الجمال لم يخلق إلا للحس والتخيل فهو ~~كلام بين السماء وباطن الإنسان، قالت: فأنت الساعة تكلمك السماء؟ قلت وتقول لي ... قالت: يا ~~وحي ماذا تقول لك السماء؟ قلت: فإنها تقول ما لك منصرفا عني بملك من ملائكتي ونسيت حتى ~~الشمس فلم تنظر إليها، قالت: وجوابك؟ قلت: جوابي هو أن بعض الأسرار الإلهية يبحث في العلم ~~عنها، وبعضها يكون من الجلال والإشراق والسمو بحيث يبحث فيها هي عن العلم؛ فالسر الكامن ~~في هاتين العينين وفي هذا التكوين وفي هذه الطلعة هو الذي أبحث فيه عن علم قلبي، قالت: أنت ~~شاعر يعد قلبك شيئا عجيبا، وكثيرا ما أحاول الابتعاد عن ألفاظك، قلت: ولمه؟ أيكون فيها ~~أحيانا صوت شفة يمسك؟ فسكتت وجعلت تنكت الأرض، ومضيت أقول: إن الجمل يستروح الماء # 5 # مسيرة ميل، وإن بعض الحيوان يحمل إليه الهواء رائحة ما يخشاه أو يحبه فكيف لا ~~تحمل إلي ألفاظك عطر خديك وشفتيك فتستحيل ألفاظي كلها قبلات؟ إن السائل المسكين حين يدعو ~~لمن يحسن إليه يقبل يده بألفاظ الدعاء؛ لأن كلماته لا ترتفع إلى السماء إلا بعد أن تمس هذه ~~اليد الكريمة المحسنة من كل لفظة دعاء بقبلة شكر؛ والمحب حين ينظر في وجه من يهوى نظرات ~~كالألفاظ وحين يتكلم بألفاظ كالنظرات ... وهنا لمست كتفي وانتهضت وقد ms35 أشارت إلى زهرة حمراء ~~كوجه المستحيي ثم مشت إليها فاقتطفتها ورجعت؛ فعملت أن الكلام كان سقطة منى فتداركته وأردت ~~أن أقلبه عن جهته، ولكنها تنهدت ثم قالت: ما أحببتك شخصا بل شعرا ولا إنسانا بل فكرا، ~~ولولا أسباب القدر التي باعدت ذات بيننا ... وأخذ كلامها يرق ثم يرق حتى خرج من معانيه كلام ~~لا يتلقى إلا بالشفاه، وخيل إلي أن نسيم الروضة يرتمي عليها ليتخطف تنهدها فجعلت أتخطف ~~هذا النسيم وكأني لا أتنفسه، بل أشربه شربا. ~~••• # في تلك الساعة ذكرت هي الشعر وقالت: إنه يخرجنا الآن من حدود العمر الأرضي؛ فإن في هذا ~~العمر ساعات لا تحسب منه إما لأنها أبدع وأجمل فلا يلائمها، وإما لأنها أقبح وأسخف فلا ~~تلائمه؛ أفتراها أقبح وأسخف ...؟ قلت: يا شاعرتي العزيزة إن اللغة أيضا تخرج من حدود الأرض ~~أحيانا فهي في مثل هذه الساعة في مثل هذه الروضة في مثل هذه الجميلة لا تؤدي إلا معنى ~~الجمال والحب، أما الأقبح والأسخف فلا يدخلان هنا إلا بعد أن نخرج نحن ويدخل غيرنا ... # قالت: يا لك من «عقل جميل» كما يسمي الفرنسيون ظرفاءهم، ثم تناولت من المثبنة # 6 # في يدها أنبوب قلمها الرصاصي المصنوع من الذهب وأخرجت دفترا صغيرا، وغمست سن ~~القلم في ثناياها وفكرت لحظة ثم غمسته ثانية، ثم كتبت في طرة الصفحة هذه الكلمة «الشعر»، ~~ونظرت إلي باسمة وقالت: خذ هذا القلم واكتب كلمة صغيرة في الشعر؛ لأنقلها إلى الفرنسية في ~~مقالة لي ... # آه لو أن الكهرباء اجتذبت القلم من يدها ما كانت أسرع مني في اختطافه، وجعلت أغمسه في ~~شفتي مرة بعد مرة بعد مرة ولا اكتب شيئا، وهي تضحك وتقول: ما لك لا تكتب؟ فأقول: هكذا ~~اعتدت في المدرسة وكنت بليدا ... # ثم كتبت ولكن بعد أن خالط فمي طعم الرصاص من كثرة ما غمست القلم ... وكتبت وأنا أشعر ~~بأنفاسها وعطرها ومعاني لحظها يتحولن في نفسي إلى كلمات: # ما هي العاطفة المهتاجة في نفس الإنسان اهتياجا لا يريه الحياة أبدا إلا ~~أكبر أو ms36 أصغر مما هي؟ # ما هو المعنى الساحر الذي يأتي من القلب والفكر معا، ثم لا يأتي إلا ليحدث ~~شيئا من الخلق في هذه الطبيعة؟ # ما هو ذلك الأثر الإلهي الكامن في بعض النفوس مستكنا يتوثب بها، ويحاول ~~دائما أن يعلو إلى السماء؛ لأنه غريب في الأرض؟ # وما هو الشعر؟ # هذه الأسئلة الأربعة يختلف بعضها عن بعض وينزع كل منها إلى منزع، ولا جواب عليها بالتعيين ~~والتحديد في عالم الحس؛ لأن مردها إلى النفس والنفس تعرف ولا تنطق؛ وشعورها إدراك مخبوء ~~فيها وهي نفسها مخبوءة عنا، ولكن العجيب أن كل سؤال من هذه الأربعة هو جواب للثلاثة ~~الباقيات؛ فالعاطفة هي ذلك المعنى وهي ذلك الأثر وهي الشعر، والشعر هو العاطفة بعينها، وهو ~~الأثر وهو المعنى؛ وهلم جرا. ~~••• # سبحانك يا من لا يقال لغيره سبحانك، خلقت الإنسان سؤالا عن نفسه وخلقت نفسه سؤالا عنه ~~وخلقت الاثنين سؤالا عنك، وما دام هذا الإنسان لا يحيط به إلا المجهول فلا يحيط به من كل ~~جهة إلا سؤال من الأسئلة؛ ولا عجب إذن أن يكون له من بعض المسائل جواب عن بعضها. # هذه هي الطريقة الإلهية في دقائق الأمور، تجيب الإنسان الضعيف عن سؤال بسؤال آخر. # ولقد أكثروا في تعريف الشعر وجاءوا فيه بكل ألوان القول، ولكن كثرة الأجوبة جعلته كأنه لا ~~جواب عليه، بالغوا في تقريبه إلى الروح فأجروا في حده كل عناصر الجمال والفضيلة ودلوا ~~بالخيال على حقيقته؛ إذ رأوا أنه لا يدل على حقيقته إلا الروح وحدها وهي غامضة فهو غامض ~~وتفسيره في مئة تفسير. # الشعر وراء النفس والنفس وراء الطبيعة والطبيعة من ورائها الغيب؛ فلو جمع ما قيل في الشعر ~~لرأيته يصلح في أكثر معانيه أن يقال في النفس، ثم لرأيته مفهوما من جهتنا وغير مفهوم من ~~جهته، وما الشعر إلا أول المعاني المبهمة والدرجة الأولى من سلم السماء الذاهبة إلى عرش ~~الله؛ وهو كذلك أول ما في الإنسان من الإنسانية. # في هذا الكون مادة عامة يسبح الكون فيها وتنبعث من ms37 قوة الله وإرادته وهي دائمة التركيب ~~والتحليل إيجادا وفناء، وما أرى الشعر إلا تأثير هذه المادة في بعض النفوس العالية الكبيرة ~~التي تصلح أن يسبح خيال الكون فيها. # بهذه المادة تمتزج نفس الشاعر بكل ما تراه؛ ومن هذا الامتزاج يتكون الشعر، فإذا أردت أن ~~تتحقق ذلك فانظر إلى نفس الشاعر العظيم تمتزج بالجمال الرائع في نفس الجميلة، وبالحب في نفس ~~الحبيبة، وبالطبيعة في المعنى الطبيعي؛ وانظر إليها حين تتصل بأسباب اللذات والآلام، حين ~~تثيرها اللحظة والابتسامة، ويهيجها الصد والإعراض، ويحزنها المحزن ويسرها السار؛ حين تخترق ~~بالفكر حجاب هذه الإنسانية وتثب بالعاطفة فوق الطباق العليا، وتستمد من الشعلة الأزلية ~~لونا من ذلك الضرام الذي اشتعل في أصل الخلقة كل كوكب يتلهب. ~~••• # ما أشقى نفس الشاعر؛ فإنها لسموها تجهل ما هي من هذا العالم فلا تزال تمتزج في أرضنا بكل ~~ما يحزنها ويسرها لتعرف ما هي؛ ولن يكون الشعر العالي أبدا إلا التقاء بين نفس سامية ~~وحقيقة سامية، ومن ثم كان الشاعر العظيم يحب ويبغض ويضحك ويبكي ويرضى ويغضب؛ ولا يحس من كل ~~ذلك وما إليه إلا أن السماء تحكم من داخله على الأرض. # وعلة شقائه هي نفسها علة سروره بشعره وإن نثر هذا الشعر من عينيه بكاء ودموعا، وإن انفجر ~~به أحزانا وآلاما قاتلة. # كل النوابغ لا يرضيهم إلا أن يرتفعوا فإن من كان له جناحان للطيران لا يسر إلا إذا طار؛ ~~وما جناحا الطائر إلا كتابان من الله يملكه في أحدهما على الشرق وفي الآخر على الغرب؛ بيد ~~أن الشاعر لا يرضيه أن يرتفع عن الأرض وحدها فإن خياله لا يقع إلا ساجدا عند عرش الله؛ ~~وذلك سبب آخر من أسباب شقائه في الدنيا، فأيما شر مس كبرياء روحه وأمسك من جناحيها رأيت ~~أثره في نفسه الرقيقة وكأنما صدمه الصدمة ترمي به من فوق السماء إلى الأرض في سقطة ~~واحدة. # يا للعجائب أن سرور الشاعر الملهم سرور نفسه وحدها، ولكن حزنه حزن العالم كله. ~~••• # قيل في أحد القديسين: إنه ما ms38 وجد السبيل إلى الكمال الإنساني الأعلى ولا استطاع أن يكمل ~~حتى كانت له نفس شاعر عظيم في جسم فقير بائس محزون، فضرب الله بتلك النفس على هذا الجسم، ~~وبهذا الجسم على تلك النفس واستضاء منهما القمر الإنساني في ليل حالك من سواد أحزانه ~~وهمومه. # فواها لك يا شعر الشعراء؛ أنت النقص كله مع لذات الدنيا وأنت الكمال كله مع آلامها. ~~«انتهى» ~~••• # واستوعبت هذه الكلمة يا عزيزي في دفترها الجميل عشر صفحات، فعدتها واحدة واحدة ونظرت ~~إلي أظرف ما رأيتها ثم شكرتني وقالت: آه ماذا قالت؟ لقد كنت أكتب وهي تدير فكرها في ~~اختراع بديع لمكافأتي. # فكر أنت أيها الصديق، أحسبك تسمع الآن صوت النقد اللؤلؤي الثمين؛ صوت عشر قبلات. # كلا كلا لقد كذب عليك الحسن وكذب عليك القمر، قالت ... لم يبق إلا عشر دقائق ... وانفتلت ~~ضاحكة ونهضت لا تلوي. ~~••• # وملء شعاع هذا السيف قتل # وملء جمال هذا الحسن ذل # ولولا سطوة الأقدار فيما # يحب الناس كان الناس ملوا # فإن كثروا يقلوا كي يعودوا # كثارا، ثم إن كثروا يقلو # مسائل ما لها حل ولكن # إذا نسيت ففي النسيان حل # وسأنسى يا عزيزي سأنسى # | الرسالة الثامنة # وادي هواك كأن مطلع شمسه # يلقي على يأسي شعاع أماني # وكأن هذا البدر في ظلمائه # يد راحم مسحت على أحزاني # وكأن أنجم أفقه في ليلها # ذكرى وعودك لحن في نسياني # يا ظبية الوادي الذي نبت الهوى # بثراه بين الزهر والريحان # واديك من طول التدلل قد بدا # شبه القدود به على الأغصان # وكأن طيب نسيمه قد مس من # شفتيك موضع قبلة وأتاني # هو جنة كل النعيم بأرضها # إلا رضاك؛ فذاك من نيراني # دان وما يدنو؛ بعيد ما نأى # يا شد ما يضني البعيد الداني ~~••• # أنا من علمت فتى كأن مهزه # في الروع مسنون الغرار يماني # كل الحوادث حمرهن وسودها # في صفحة الأيام من ألواني # نفسي من الملإ العلى وسجيتي # تأبى علي مذلة الإنسان # ولقد أراع إذا لحاظك لامست # قلبي كأني في هواك اثنان ~~••• # ألحسن ألوان يمازج بعضها ms39 # بعضا لتصوير الهوى الفتان # وأرى الجوى والسحر والإيمان قد # مزجت فمنها هذه العينان # وآه لو رأيت عينيها أيها الصديق تغزلان غزل السحر خيوطا خيوطا تلتمع واحدا من شعاع ~~الحرير في واحد من شعاع الشمس، آه لو يتبين لك مكتومها في بعض نظراتها الساجية الطويلة ~~التي تغفل فيها عن كل حذر، وترسل فيها كل خواطر الحب، وتمدها إليك وكأنها تقول: خذ هذه ~~النظرة وانظرني أنت بها لتطلع على ما في قلبي، ثم ترخيها بفتور لين كأنما تصارحك أنها ~~سئمت مقاومة فكرها، وتريد أن تميل إلى صدرك ولو بلحظة من عينيها ... كل شيء فيها من نتائج ~~فكرها إلا تلك النظرات فإنها وحدها نتائج قلبها. # تنكر علي أيها العزيز وصفي إياها بالفلسفة ونعتها بالذكاء النادر والشعر العجيب ~~وتقول: «إن هذا من سحرها فيك، وإنها لو بلغت مبلغا مما وصفت أو دونه لتوكدت بينك وبينها ~~علائق من تحت النفس ومن فوق القلب، ولكنك تصفها بما لا يتصور في وهم ولا يهجس في ظن إلا ~~وهمك أنت وظنك أنت لأنك أنت ...». # فوالله ما كان أمرها على ما رجمت، # 1 # وإنها لأبلغ ذات لسان وأبرع ذات فكر وأروع ذات نفس؛ ولو كنا سليلي أبوة # 2 # ما شهدت لها بأكثر من هذا حرفا، ولو كان دمي من أعدائها ما نقصتها من هذا ~~حرفا؛ وعلم الله ما أبغض فيها إلا هذه التي أشهد لها ... ولو أن الله مكنها من لغة كتابه ~~الكريم لغص منها في هذا الشرق العربي كل كاتب وكاتبة غصة لا تساغ ولا تتنفس. # وإني لأكتب إليك رسائلي هذه والقلب ينفض في أضعافها # 3 # ما لو قرأته أورد عليك من أضواء المعاني في جمالها وحبها وأوصافها ما يملأ ~~نهارا بين صبحه ومغربه يبدؤه بشمس ويختمه بقمر. ~~••• # لقد كنت إذا جاش بي حبها وثار منه ثائره فحاولت أن تربط على قلبي وتثبت هذا الفؤاد ~~القلق؛ جاءت بكلام نضر تنبت منه السلوة في الحب القفر الذي لا ينبت شيئا؛ وجعلت الملائكة ~~تنزل في العش الذي بناه الشيطان لنفسه ms40 في القلب وعشش فيه؛ فلو أن كل حبيبة مثلها وكل محب ~~مثلي لكان الحب تغييرا في الإنسانية، ولما احتاج الناس إلى قوانين وملوك، ولكن إلى حبيبات ~~وإلى حب. # إن الرذيلة واحدة ويتعدد أهلها فمهما كثروا ألوفا وملايين فهم واحد في المعنى؛ إذ يتلو ~~كل منهم تلو صاحبه ويقتاس به فكأنهم صور متكررة؛ لأنهم في الرتبة المنحطة كالنبات تخرج ~~الحبة منه ألف حبة مثلها لا تمتاز واحدة من واحدة؛ ولكن كل من قام بفضيلة فهو فضيلة قائمة ~~بنفسها، فمهما قل الفضلاء فهم كثيرون؛ لأنهم في الرتبة العليا ولأنهم وحدهم الناس، فلو صح ~~الحب وأضاءه أهله وصبروا على ما يجز في الصدور منه وتوجروا العلاج المر # 4 # إلى ساعة الشفاء لكان كل متحابين عالما قائما من اثنين لإنشاء عالم لا يعد من ~~صفات الفضائل وأنواعها. # كانت تقول لي: إن القلوب الضعيفة هي التي تصدأ في فكرة واحدة تلح عليها حتى تتأكل صدأ ثم ~~تتفتت؛ فإذا حدثت عليها الحادثة انكسرت ولم تقم لها، وبقيت زمنا طويلا في الهموم حتى تتعب ~~الحوادث والأقدار المختلفة في أيام تتصرم بعد أيام إلى أن تجمع حطام القلب قلبا ~~متحطما. # ولكن القلوب القوية الصارمة ذات الصدور الجريئة الواسعة تكونها القوى المختلفة من العمل ~~والفكر وعدم المبالاة على هيئة تجعلها مرنة في صلابة فهي تلتوي ولا تنكسر، وما أسرع ما ترجع ~~كما كانت إذا لوتها الخيبة أو نجمت لها قاصمة من الحوادث التي هي مطارق القلوب لا تضرب إلا ~~عليها ولا تحطم إلا فيها. # أقول لك «عدم المبالاة» فافهم عني فإني أريد أن تحفظ هذه الكلمة وتعيها من بوادي هذا الحب ~~إلى تواليه إلى أعقابه، # 5 # إن عدم المبالاة يكون في بعض الأحيان وفي بعض الأمور هو كل ما تكلفنا به الطاقة ~~البشرية من المبالاة ... # ثم تقول: إنما أنت مني في باب من أبواب الفكر فإياك لا تتسلط عليك حاسة من حواسك، فإن ~~لهذه الحواس ضراوة السباع وكلبها؛ # 6 # والعاطفة تجعل الإنسان أشكل بالملائكة والحاسة تجعله أقرب للشياطين، والحب ms41 ~~كالخمر كلاهما نشوة وكلاهما دواء فلا تجاوز حد الطب فيما ترى ولا حد الشعر فيما تفهم، وإلا ~~كنت كالمدمن لا يكفيه إلا ملء جوفه حرة وظمأ ومرضا وجنونا، وإذا هو ملأه توهم أنه يسع ~~بحرا من الخمر، ولا يزال يطمع في الانتشاء، ولا يزال يسرف على نفسه حتى يذهب عقله وينكفئ، ~~وما به قدره على شيء ولا على أن يتوهم شيئا، اجعل الحب تعللا ودع مكارهه في ناحية، وميز ~~بين ما يجب أن يبقى خيالا وما يجوز أن يكون واقعا، فإن أردت أن تخرج من كل صورة في خيالك ~~صورة من الواقع أشقيت نفسك، واستفرغت كل همك وقواك في باطل وعبث ليس مثلهما باطل ولا عبث، ~~دع المعاني في ألفاظها إن لم تؤاتك الأسباب وعلل الأقدار على خلقها أعمالا فإنك إن داريتها ~~ولم تجئك بالمسرة التي تريدها جاءتك بغيرها، وخرج منها على العلات شيء ما يكون منه أمر ما ... ~~وكن في قوة عواطفك وإحكامها وضبطها كالمصارع الجبار الذي لا يوضع جنبه # 7 # فإنه كما تعلم تعرك بكل جهة من جهاته أنواعا من أقوى القوة ممثلة في أجسام من ~~أعنف العنف؛ فصدره الذي لا يعطف وظهره الذي لا يضغط وأطرافه التي لا تهن ولا تكل، وكل لوح ~~فيه إنما هو رجل تام الخلقة وثيق التركيب؛ لأن كل ما فيه قوة بالغة في قوة بالغة، ولأن ~~الرجل لم يجتمع كذلك إلا من المكارة والغمرات التي خاضها وثبت عليها حتى كأنما خرج بها من ~~وزن رجل إلى وزن جبل. # ثم تقول؛ دع الدماغ يحلم نائما أو منتبها، ولكن متى انعدل الليل راجعا إلى مآبه ~~واستدار النصف المضيء من الكرة فلا تجعل حلم الرأس الذي هو أداة الخيال سببا في عذاب ~~الحواس التي هي أدوات الواقع، واقطع من نفسك أسباب المطمعة الخيالية تجد كل شيء قارا في ~~موضعه لا ينحرف ولا يضطرب ولا يتململ؛ وتذهب أحلام النوم في النوم، وتأتي حقائق اليقظة مع ~~اليقظة وكنا في انتظارها فلا يفجأنا منها شيء، إنك ربما تأتي ms42 في أحلامك ما لا يسوغه عذر، ~~وترى وتسمع ما لا وجود له، وتجد منزعا من أمور ليس فيها منزع، وتموج بك العوالم كلها وأنت ~~ساكن في نومك مستثقل حتى على الحركة الضعيفة، وحسبك بعض هذا في الدلالة على أن الدماغ لا ~~يسكن إلى نزواته عاقل؛ لأنه مصنع المستحيلات كما هو مصنع الممكنات. ~~••• # آه يا عزيزي لو رأيت كيف تختلط المعاني بأنفاس شفتيها، وكيف تقبل عليك ألفاظها وفيها من ~~اللطف واللين والرقة وألوان النفس أكثر مما في خدي عذراء سافرة بين عشاقها لا يفارقها ~~الحياء من الألحاظ ولا تفارقها الألحاظ، إنها لتميت داء الصدر من الوساوس والشهوات إذا هي ~~كلمتك بتلك اللغة القلبية التي تمحق حواسك محقا إن كنت رجلا كريم النفس، وإذا هي استسلمت ~~بكلماتها إليك ولكن في حماية ضميرك، تسمعك صوت ضعفها ملتجئا إلى قوتك وكأنها تقول لك: إن ~~نصف كلامي هو هذا والنصف الآخر هو ثقتي بشرفك. # في المرأة الجميلة أشياء كثيرة تقتل الرجل قتلا وتخلجه عن كل ما في دنياه كما تخلجه ~~المنية عن الدنيا؛ وليس فيها شيء واحد ينقذه منها إذا أحبها، بل تأتيه الفتنة من كل ما ~~يعلن وما يضمر ومن كل ما يرى وما يسمع، ومن كل ما يريد وما لا يريد؛ وتأتيه كالريح لو جهد ~~جهده ما أمسك من مجراها ولا أرسل، ولكن في الرجل شيئا ينقذ المرأة منه وإن هلك بحبها وإن ~~هدمت عيناها من حافاته وجوانبه فيه الرجولة إذا كان شهما، وفيه الضمير إذا كان شريفا، ~~وفيه الدم إذا كان كريما، فوالذي نفسي بيده لا تعوذ المرأة بشيء من ذلك ساعة تجن عواطفه ~~وينفر طائر حلمه من صدره إلا عاذت والله بمعاذ يحميها ويعصمها ويمد على طهارتها جناح ملك من ~~الملائكة. # الرجولة والضمير والدم الكريم: ثلاثة إذا اجتمعن في عاشق هلك بثلاث: بتسليط الحبيبة عليه ~~وهو الهلاك الأصغر؛ ثم فتنته بها فتنة لا تهدأ وهو الهلاك الأوسط؛ ثم إنقاذها منه وهو ~~الهلاك الأكبر ... ألا إن شرف الهلاك خير من نذالة الحياة. ms43 # | الرسالة التاسعة # القلب الكريم المتألم # إن رسائلي إليك أيها العزيز لتنتزع مني دواعي هذا الصدر المحزون # 1 # فإنها كفيضة الملآن، # 2 # ولكني أراها لا تذهب بهم أستريح إليه، إلا رجعت بهم ألتوي عليه؛ وقد يكون بعض ~~العزاء عن المصيبة تفننا من المصيبة نفسها؛ كدمعة من يرثي لك من النكبة يجيئك بها تعزية ~~ولها على نفسك الأبية غمز مؤلم قد يكون أشد من ابتسامة العدو الذي يشمت بك. # أكتب إليك في أحزاني اضطرارا أيها الصديق فأنت الجسم الثاني لروحي وقد هدم ذلك الحب ~~صورتي الأولى فسكنت منك لصورتي الثانية، وما أعجب رحمة الله؛ إذ تحيل كل هم في هذا الإنسان ~~الضعيف إلى قوة تبعثه على التماس العطف والرقة من كل النواحي الإنسانية؛ كأن في النفس بجانب ~~كل شيطان ملكا إن لم يستطع تحويل الشر إلى خير أخرج منه نزعة من نزعات الخير. # واها لهذا القلب الذي أحمله فإنما هو عقل فيلسوف خلق على شكل القلوب؛ فهو يأتيني من كل ~~شيء بشيء غيره حتى تلك التي أحبها جاءني منها بهذه التي أبغضها وبقي مع ذلك يتفلسف في حبها ~~... ولكنه قلب جليل سامي النزعة قار كالصبر مجتمع كالإيمان؛ يقول لكل حاسة أو عاطفة أرادت أن ~~تتهضم في أو تستذل: يا سرحة الوادي لا يزال هناك جبل لا ينحني لعاصفتك. # قلب لا أدري أوهبني الله له أم وهبه لي فهو مثار الألم ومهبط الرحمة جميعا، ولقد ورد في ~~أثر من الآثار إن العبد إذا دعا لأنسان قد اشتد بلاؤه فقال: اللهم ارحمه؛ يقول الله: كيف ~~أرحمه من شيء به أرحمه، وكيف يرحمني الله من هذا القلب وقد رحمني به في ذات نفسي؟ # إنما علة البلاء من ناحيتنا نحن، ثم من هذه الجهة الفانية جهة الجسم الذي يستيقن أنه يعيش ~~ليموت، وهو مع ذلك يقبل المقدمات وحدها ويحاول دائما أن يفر من نتائجها كأن النتيجة ليست ~~في المقدمة والآخرة ليست في الأولى؛ أما تلك الناحية الخالدة ناحية الروح فهي كما قيل في ~~شجرة الصندل: تعطر ms44 الفأس التي تضربها وتحطم فيها. # هذا القلب هو سر الجمال الإنساني؛ لأن فيه بركة النفس وزينتها وسكنها؛ فالبركة تنبت من ~~الخلق الطيب والزينة تخرج من الفكر الجميل والسكن يثبت بالإيمان واليقين؛ وما جمال النفس ~~الإنسانية إلا خلق وفكرة وفضيلة مؤمنة. ~~••• # ما زلت منذ وعيت كأنما أفرغ في قلبي هذا قلوب الناس بتوجعي لهم وحناني عليهم، وكأنما أعيش ~~في هذه الأرض عيش من وضع رجلا في الدنيا ورجلا في الآخرة؛ أحفظ الله في خلقه؛ لأني أحفظ ~~في نفسي الرحمة لهم وإن كان فيهم من يشبه في التلفف على دواهيه بابا مقفلا على مغارة ~~مظلمة في ليل دامس ... وأتقى طائلة قلوبهم، # 3 # وألبسهم على تفصيلهم قصارا أو طوالا كما خرجوا من شقي المقص المجتمعين من ~~الليل والنهار تحت مسمار الشمس؛ وأصدرهم من نفسي مصدرا واحدا؛ لأني أعلم أن ميزان الله ~~الذي يشيل ويرجح بالخفيف والثقيل ليس في يدي فلا استخف ولا استثقل، وأعرف أن الفضيلة ليست ~~شيئا في نفسها، وإنما هي بالاعتبار فلا أدري إن كانت عند الله في فلان الذي يحقر الناس أو ~~فلان الذي يحقره الناس، وليس من طبعي أن أتصفح على الخلق # 4 # فإن من وضع نفسه هذا الموضع هلك بالناس ولا يحيون به، وتعقدوا في صدره كما ~~يتعقد الماء العذب بالغصص المؤلمة، ورموه بذنوبهم من حيث لا يمحص عنهم شيئا، # 5 # وقد خلقهم من علمهم كيف يجيئون وكيف يذهبون؛ وما تقذف بطون الأمهات في هذه ~~الأرض إلا تواريخ كتبت في الأزل كما قدر الله ولما قضاة فمن استقام فعلى الخط الذي امتد له، ~~ومن زاغ فللدائرة التي انحرف به محيطها المائل من طرفيه إن سفل وإن علا. # لقد أقمت من نفسي لهذا الخلق جبلا، وإن هذا الجبل ليتدحرج عليه الصخر الصلد ويلصق به ~~الحصي المسنون، وينغرز فيه الشوك الدامي، وتنبت منه الفروع المرة وترسو بين أطباقه العروق ~~الضاربة؛ ولكنه على ذلك جبل وهو بذلك أتم روعة ورهبة، ولكل شيء مما عددت معنى في نفسي، ~~ولكلها مجتمعة وحدها معنى ms45 آخر، ولجميعها مبعثرة يتخطى المعنيين في الجبل معنى ثالث. # فما أضيق بالناس ولا أتبرم، # 6 # ولي أبدا مع الضعفاء والأقوياء سفح ظليل مخضر وقمة عالية # 7 # متمردة؛ وإني على ما وصفت لأرى في أعماق هذا الطود الراسي بركانا يتزلزل به ~~كلما اضطرم جاحمه؛ ذائبا في الأغوار البعيدة تمسكه الأرض إمساك العزيمة وتشد عليه شدة ~~الصبر على أنه لجج من النار؛ فترى الطود الشامخ قائما على الأرض كأنه أرض مستقلة وفي جوفه ~~ما يحطمه مما يمور ويضطرب، # 8 # وكأني إذ لا أحاسب الناس أحاسب نفسي بكل ذنوبهم إلي فأفجر عروق دمي عليهم، ~~وكأن ذلك الكمال الإنساني الذي لا يزال بعيدا عني يحاول أن يقتلعني من أساسي لأثب إليه في ~~أقاصي علوه. # إن النملة من النمل لتخاف على قريتها من قدم الطفل الرضيع ما نخاف نحن على كرة الأرض من ~~أكبر نجوم السماء متى خشينا أن يتنفس عليها فيرسلها زفرة في صدر الأبد، وكم بين قرية النمل ~~وبين كرة الأرض؛ وأين وطأة الرضيع من صدمة النجم؟ ولكن كل شيء فإنما هو باعتباره في نفسه ~~وباعتباره لنفسه؛ ألا وإن الزلزلة التي يضرب بها ذلك الجبل القائم من نفسي إنما هي رقة ~~الحب. ~~••• # وإن تعجب فعجب ما ترى أن هذا القلب الإنساني لا يصبح هشيمة # 9 # في جنبي صاحبه يأخذ الناس منه ويدعون كيف شاءوا إلا إذا أنبت الله صاحبه ~~المسكين من نبعة باسقة في مغرس طيب، # 10 # وأخرجه في صيغة كريمة وأودع في أعصابه ميراثا ساميا من الدم، ولقد تجد هذا ~~الرجل الكريم ملء ذكائه دهاء ونكرا # 11 # ونفاذا في أعضل الأمور ينقع في الحوادث فكره كما ينقع الثعبان نابه المسموم، ~~وقد تجده في بدنه شديد الفحلة معصوبا عصبا كأنه من عضلاته في لفائف الحديد؛ # 12 # ولكنك تجد قلبه شيئا غير هذا كله، لا يسرع إلا في هدمه ولا يتركه يدور كما ~~يدور غيره على الخطوط والأضلاع الطويلة من زوايا الحياة، بل ينفذ به إلى الهموم من أقطارها ~~على استقامة؛ فما أسرع ما ms46 يتهدم وتتقصف سنه بعضها على بعض، # 13 # وربما كان في الأربعين فلا ترى إلا أن العمر يخيط في ثوب همه بأربعين ~~إبرة. # بهذا القلب رأيتني كلما كبرت صغرت الدنيا في عيني، وكلما تقدمت دانيت أطرافها العليا ~~فأصبحت أشعر حقا أن هذا العمر إنما هو سلم إلى السماء لا إلى غيرها؛ ومن هذا القلب اعتادت ~~بعض سفن الأقدار أن تجد فيه حلقة ثابتة متينة تشد إليها حبالها إذا هي أرست على شاطئ الدهر ~~بأحمالها، فالناس يتناولون منها خفافا وثقالا، ولكن الحلقة المعذبة لا عمل لها إلا أن ~~تهتز وترتج من الألم والشدة والعنف. # وفي هذا القلب أعرف موضع كل شيء إلا نفسي ، فما أدري أهو من الضعة بحيث صارت فوق أن تنزل ~~فيه، أم هو من السمو بحيث صار نفسا وحدها؟ # ولكنه على الحالين أشقاني بهذه النفس وطوح بي وبها في مهاوي الأحزان إلى قرار ~~بعيد. ~~••• # في قلب كل إنسان معنى من الأزل؛ لأنه كان ذرة في يد الله، بيد أن هذه الذرة تمحق في بعض ~~الناس أنواعا من المحق، فتصيب الرجل وأنه لعظيم جليل، ولكنه في ميزان الله لا يعدل مثقال ~~ذرة من حسنة من رجل حقير؛ وتربو في بعض الناس وتتنفخ فإذا هي في وزن الجبل الراسخ بأعضاده # 14 # المترامي بنواحيه؛ فيا قلبي المسكين ما أنت منهما؟ لقد تعذبت بك طويلا وتقلدت ~~منك بليتي فما تغمز بعللك ونزعاتك إلا في صميم الروح غمزا كوخز الإبر، ولا تضرب عروقي التي ~~تستقي منك إلا على ألم تأتيني به؛ إذ كنت لا ترميني إلا بشر ما تجد من هموم الناس؛ وإذ ترى ~~أن درس الشر والآلام إنما هو عنصر الفلسفة الأسمى، وإنما هو الفضيلة المنحلة لمن يريد أن ~~يعلم ويرى كيف تتألف أجزاء الفضيلة في باطنها، فأنت تنتشط # 15 # الحزن من كل شيء وتأتيني به لأتحزن وأتألم فألمس بالحزن والألم مصراعي باب ~~السماء، وأنت تبسط على رواق المعاني المظلمة من الآلام والأحزان لأرى في ظلماتها أشعة روحي ~~المضيئة بالإيمان والرضا. # رضيت يا ms47 قلبي المسكين أن تجتمع من حطامي المتناثرة وأن تكون سويا تاما، وأكون أنا ~~الجسم الحيواني أشلاء وبقايا؛ # 16 # فإني رأيت شر أهل الدنيا ذلك الذي هو أهنأهم بمتاعها حتى كأنه في شهواته ولذاته ~~لم يجتمع إلا من حطام قلبه المتبدد، الشهوات واللذات تبني عالما والآلام والأحزان تبني ~~عالما آخر، وهما يتجاوران كما يلتصق حائط الليل بحائط النهار؛ وأنت يا قلبي المتألم لا ~~تشرف على العالم الأول إلا ما يشرف النظر العالي من البعيد البعيد؛ لأنك طود باذخ رسخت ~~جذوره في العالم الثاني. # إن الإبرة الممغنطة # 17 # التي تهدي السفن باتجاهها لهي القلب الذي تحمل فيه السفينة روح الأرض؛ والقلب ~~الإنساني هو كتلك الإبرة غير أنه يحمل روح السماء، ولولا حاسة الاتجاه الإلهي فيه لتمزقت ~~علينا جهات الأرض # 18 # في أنفسنا فضللنا فيها وارتبكنا في فتوقها الواسعة حتى لا يهتدي إنسان إلى ~~الجهة الإنسانية، ولكنا نتغافل عن هذه الحاسة فيه، وترى أكثر الناس لا يقبلون بأنفسهم إلا ~~على جهة أجسامهم ويطوي أحدهم الدهر الفسيح من عمره وما ارتفع قليلا ولا كثيرا، بل يكون ~~كالطير في قفصه يتخبط بين أرض وسماء، وما بين سمائه وأرضه إلا علو ذراع ... وإن أشد ما كانت ~~الحياة وأشد ما هي كائنة على من لا يجد لذة قلبه فيها؛ وأصعب ما تكون الإنسانية على من يعظم ~~بحيوانيته وحسب؛ # 19 # فتراه وكأن مئة حمار ركبت منه في حمار واحد ولكنه حمار عظيم ... # وما رأيت قلبي يلتمس لذة من بعد إيمانه إلا في ثلاث: الفكر الإنساني الذي يهبط في أدمغة ~~الفلاسفة والشعراء من أعلى السموات أو ينبع من أغوار النفس؛ والفكر الطبيعي الذي يملأ ~~السماء والأرض نورا وألوانا وجمالا؛ والفكر الروحي الذي يتلألأ لخيالي في عيني الحبيبة ~~الجميلة. # | الرسالة العاشرة # لقد وصفتها لك أيها العزيز وملأت رسائلي منها؛ غير أني والله ما أدري أوصفتها أم وصفت ~~بها، وكتبت منها أم كتبت عنها، فإنما ذلك مطلب دونه أن تجعل وصف الجمر يلذع لذع الجمر؛ ~~ومهما أكتب فإنها باقية في نفسي ms48 لا تنقص على قدر ما تزيد ... إن فيها شيئين هما الفكر ~~والجمال، وفي شيئان هما الخيال والحب، وهذه الأربعة تنشئها في نفسي خلقا بديعا لم أره ~~لامرأة قط، ففيها وحدها زيادة عن النساء؛ لأن فيها وحدها نفسي. # أما سمعت بذلك الأعرابي الذي قيل له ما بلغ من حبك لفلانة؟ فقال: والله إني لأرى الشمس ~~على حائطها أحسن منها على حيطان جيرانها ... قد والله صدق وبرت يمينه فإن في كلماته الشعرية ~~لأثرا من عينيه؛ إذ يرى الشمس على حائطها كالشمس على البلور الصافي لا على الحجر والمدر؛ ~~فهناك أشعة أخرى من تلك التي وراء الحائط تنفذ إلى قلب هذا المسكين، فإذا هي سطعت لخياله في ~~نور الشمس أضافت إلى النور ألوانا مختلفة من ذلك المعنى الجميل الحي فلا تكون الشمس في ~~عينيه أحسن مما هي وقتئذ ولو أنها طلعت على حائط من اللؤلؤ. # ليس الجمال ما يعلم الكاتب أو يدرسه الفيلسوف، ولا هو مذهب من مذاهب التلفيق في الجمل ~~والألفاظ، ولا هو كما صنع علماء الرياضيات الذين جعلوا الفلك كله بألوانه وجماله وما فيه من ~~غموض الأبد مسألة حسابية ... والأرض بما انبسط عليها من جمال الطبيعة مسألة هندسية ... كأن ~~الأزل كله خطوط وزوايا وأرقام؛ وتركوا جانبا حركة الفكر الأعظم القائم بالإرادة الأزلية؛ ~~وهي التي تطالع العقل من كل شيء بمعنى والخيال بمعنى آخر ثم تكون هي في حقيقتها المجهولة ~~معنى ثالثا، ولكنك مع ذلك واجد في الأرض من يتسكع ويحمل الشمعة ليفتش في ضوئها عن النجم ~~العظيم ... ~~••• # لو أني سئلت تسمية لعلم الجمال لسميته «علم تجديد النفس» فإن الجميل الذي لا يجدد ~~بمعانيه حواسك وعواطفك ويعيدها غضة طرية كما فطرت من قبل؛ لا يسمى جميلا إلا على هذا ~~المجاز الذي سمى به أحد القواد كتابه في الصناع الفقراء: «غزو الخبز» ... لا تسل عن الجمال ~~من يحسن الفكر والإبانة عن فكره، ولكن سل عاشقا يحسن الشعور والتعبير عن شعوره؛ فذلك هو ~~الشاعر من جهاته الأربع: جهة قلبه وفكره وحوادثه وحبيبته، وذلك هو ms49 تاريخ الجمال الذي يتكرر ~~على الأرض أبدا، وإلى منقطع الحياة في صورة واحدة كالحياة نفسها. # ألا ما أتعب الإنسان بحياته وموته؛ إن هذه الحياة مصيبة كتبت على الأرواح لإيجاد عيوبها ~~في عالم العيوب؛ والموت مصيبة كتبت عليها لنقل هذه العيوب معها إلى العالم الآخر؛ فما عسى ~~أن يكون الجمال والحب إلا تخفيفا من مصيبتين أو ... أو زيادة فيهما؟ # سأحدثك عن هذا الجمال كما أوحته إلي عواطفي التي ما تزال تدأب لا تأتلي كالنحل على ~~الأزهار والألوان، وكما رأيته في تلك الحقائق الساحرة التي كانت تفيض بمعانيها على الجميلة ~~فتكسبها غرابة الجمال وتمثلها لعيني في ثلاثة ألوان: لون من وجهها ولون من دمها ولون من ~~قلبي، سأنثر لك الجميلة وأسرار جمالها وتأثير جمالها نثرا ألفني والله قبل أن أؤلفه؛ وما ~~صعد إلى فكري وانحدر من قلمي إلا بعد أن وفدت عليه الجمرات الحمر فغلى في القلب وتبخر ~~واندفع وطار إليك في كلام كالندى على الورق الأخضر. ~~••• # إن في نفس هذا الإنسان أعماقا بعيدة تنحدر أغوارها من مهوى إلى مهوى إلى ما لا نعلم؛ لأن ~~النفس ما برحت جزءا من الأزل كبعض النور من النور، ينفصل عنه وهو مستقر فيه. # وقد نثر الله في أعماق الفضاء هذه المصابيح المتقدة التي اهتدى في ضوئها الفكر الإنساني ~~إلى شيء من الإدراك الأسمى؛ من ذلك النور الذي يشتعل ويتوهج في أقطار السموات كلها، وكما ~~ترى في أعماق الفضاء ترى في أغوار النفس؛ فلا بد لهذه مما لا بد منه لتلك من معاني النور ~~الإلهي؛ فالكوكب يضيء في أعماق الفضاء، والوجه الجميل يضيء في أعماق النفس. # ألم تر إلى المحب الذي أدنفه الحب كيف يشعر أنه متصل بالنور الأزلي من الحسن الذي يعشقه؛ ~~وكيف يرى في أطواء نفسه أخفى الوساوس وأدقها كأنها مكشوفة لعينه على الضوء؛ وكيف يظل أبدا ~~في حبه كأنما يبحث في الأرض عما ليس في الأرض، ويحاول أن يجد في قلبه ما لا يخلق في القلب، ~~وكأنه وحده الذي يعلم من نفسه أن ms50 فوق كل طبقة طبقة أعلى، وتحت كل عمق عمقا أسفل، فلا يقنع ~~بشيء لا من عاليها ولا من سافلها؟ وانظر كيف يجعله حبه العظيم يرى العالم كله صغيرا ~~حقيرا؛ وإذا اتفقت له ساعة من حبيبته رآها عجيبة كأنها ليست من الحياة أو ليست إلا ~~بالحياة؛ فهل وسعت نفسه من الحب شيئا لا سبيل لأن يقاس معنى العالم به؛ أم صارت أعماقها ~~تطاول أعماق الفضاء؛ فهو بالحب كائن فيما حوله وما حوله كائن فيه؟ ~~••• # لا أرى سر الجمال إلا أنه شيء حقيقي من تلك القوة السماوية التي نسميها الجاذبية؛ فكأن ~~الله حين يبدع الجميل يرسل في دمه مع الذرة الإنسانية ذرة من مادة الكواكب هي سر عشقه ~~وجاذبيته ، وهي بعينها معنى تلك القوة التي لا يزال الجميل يخضع بها كما يخضع الفلك المدار، ~~ويتسلط على عاشقه كما تتسلط الأقدار، ويبث في الدم الإنساني مع مادة الدم مادة من ~~النار. # وما أساليب الدلال أو ما نراه دلالا في الجميل المعشوق إلا اضطراب تلك الذرة من سكونها؛ ~~فإنها متى تحركت للجاذبية جعلت الجميل يتلألأ من كل جهاته وانبعثت في كل ناحية منه نورا ~~فوضعت لكل شيء فيه معنى من المعاني الخيالية؛ إذ هي معنى كل شيء فيه. # ولو أنك سألت عاشقا أن يصادم من يحب ويتسع لهجرها ونبذها ويتجافى عن هواها لكانت عاقبة ~~ذلك في نفسه ويقينه ما يعلم من العاقبة في مصادمة الأرض لكوكب من الكواكب؛ إذ يتحطم ولا ~~يغني شيئا في تعطيل قوة الجذب المنصبة من قمره الجميل على كرة قلبه الضعيفة. # وكما نجد للكواكب في نظام السماء نعرف نحوا من ذلك لكواكب الجمال في نظام النفس، فليس كل ~~ظريف جميل يجذب حسنه في كل دائرة على ما شاء وشاء الهوى، وإلا فسدت الأرض وأصبح الجنسان ~~فيها كحجري الطاحون لا عمل للأعلى إلا أن يطحن على الأسفل ... بل إن لكل جميل فلكا لا تعدوه ~~قوة جذبه فإذا هي تخطته إلى فلك غيره بطل عملها أو عملت على ضعف أو وقعت ثم ms51 موقع صوت ~~القنبلة، يخرج منها وليس فيه شيء منها، ذلك بأن الله قد سلط على هذه الأرواح السماوية مواد ~~مختلفة من ثقل الأرض لا تبرح تدافع تلك المادة من جاذبية السماء فإما أبطلتها وإما كسرت من ~~حدتها وإما أضعفتها وإما طمست عليها؛ ما لم تكن النفسان العاشقة والمعشوقة من فلك واحد في ~~القدر الجاري عليهما. # فلو أن أرق من غمز الحب على قلبه من الشعراء الذين يجعلون الكلمة الواحدة كلاما طويلا، ~~يحدثك يوما عن تلك الجميلة التي كلف بها واختبلته بحبها # 1 # فأرسلته على وجهه في كل مذهب من مذاهب الهوى؛ ثم يتفتح لك في صفتها بكل ما تخيل ~~حسه وأحس خياله فيفرغها في القالب الذي لم يخلق الله فيه امرأة قط، ويصبها لعينيك ممثلة من ~~النور السماوي المحض تضيء كل قطرة منه وجه ملك من الملائكة، ثم يجري كلامه فيها شعرا ~~خالدا مطردا كنهر الكوثر في رياض الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت، ثم يتفق ~~لك بعد أن تراها وتجلس إليها وتطارحها ولست من فلكها الذي تعمل فيه جاذبيتها، إذن لرأيته قد ~~غار من أوصافها في بئر من الكذب وتعلق في الحديث عن جمالها بخيوط من الباطل، ونزل من ~~الحقيقة التي كان يذكرها لك منزلة المفلس يظل متسكعا فارغا يتبع نفسه هواها ويتمنى ~~الأماني ولا حقيقة، ولرأيته كالعنكبوت تقضي الأيام الطويلة في نصب أشراكها وحبائلها لأجمل ~~ظبية في عينها ... ثم لا تكون ظبيتها إلا ذبابة، وترد عليه سواد أمره وبياضه كذبا وزورا ~~وتتهم ذوقه وتهجن طبعه وتتقي عليه أن يكون قد تخبطه مس من الشيطان؛ وأنت على ذلك مستيقن أنك ~~تكلمه فيها بأصح لفظ وأوضح معنى وأصدق نصيحة، وأنك تلقي في أذنه براهين المنطق وحجج ~~الفلاسفة، وتصحح له خطأه في رائحة الزهرة بالزهرة نفسها تقول له: ها هي ذه في رياها ونسيمها ~~فأين ما زعمت لها؟ على أنه هو في كل ذلك لا يراك إلا كالأقطع الذي يقدر قياس الباع الطويل ~~ببقايا ذراعيه، والمقعد الذي يضبط قياس ms52 الخطوة الفسيحة بمد رجليه؛ والأعمى الذي يفاضل بين ~~لونين؛ ويكذب في رأيه ذا العينين، ويراك مجنونا فاسد العقل أو سخيفا فاسد الذوق أو أحمق ~~فاسد الرأي: وما بك ولا به بأس غير أنك تنظر مدبرا وينظر مقبلا، وتهزأ بتيار البحر؛ لأن ~~قدميك في الشاطئ ويرهبه هو؛ لأنه مندفع فيه منخلع القلب من فورانه وهديره، وأنت تروي فيما ~~وصفت له بلسانك عن عينك عن هذه المرأة؛ وهو يروي فيما صور لك بالسند الطويل: بلسانه عن عينه ~~عن خياله عن آماله عن قلبه عن روحه عن القدر المحتوم عن هذه الحبيبة، وأنت في نفسك كأنما ~~تنظر من الأرض إلى النجم فلا تراه بعلم ولا يقين؛ وهو في نفسه إنما ينظر من فلك النجم إلى ~~النجم ذاته فإذا الكوكب ما هو، وإذا فضاء واسع من النار وجو عميق من المغناطيس ومظهر من ~~القدرة العظمى جماله في هيبته وهيبته في قوته وقوته في جماله، فهو شيء واحد بعضه من ~~بعض. ~~••• # وإذا رحم الله إنسانا من هذا الحب ومن التعلق بالجمال كدر طينته وأغلظ على نفسه بمواد ~~ثقيلة من هموم الحياة وأكدار العيش؛ أو أفرط عليه بآمال النفس وأطماع الحاسة فيشغله بكل ذلك ~~أو بعضه، ويحوطه منه بمثل أكياس الرمل التي يتحصن وراءها المقاتلة فلا تنفذها الطائرات الحمر، # 2 # بل تنطفئ فيها، ويجعل له من دون العيون الذابلة وألحاظها صدرا مصفحا بما ~~يتساقط في داخله من جوانب نفسه، وما يتصدع من أركان قلبه بين الكمد والهم أو الأمل والطمع ~~أو الجهد والتعب أو الثقل والغلظة أو غيرها من هزاهز العيش ودواهيه؛ فتذهب سطوة الجمال في ~~سطوة المادة؛ وتخضع الإنسان قوة بإفلاته من قوة أخرى، ويهدم من أعلاه ليشد بناؤه من ~~أسفله. # وما من أحد في الأرض يستقيم طبعه على الجمع بين هم الحب وهم الحياة، فإن قام بواحد زاغ من ~~الآخر، لا يبالي به؛ إذ هما حقيقتان متدافعتان كتياري الكهرباء، لو أمكن شيء من المستحيل ~~لما أمكن أن يطردا في سلك واحد أطرادهما في السلكين، ms53 فإن لم تكن محامل هذا الجسد # 3 # خفيفة على النفس من جهات الفكر والهم، وإلا انصبغ الذوق فالتبست ألوانه وخالط ~~بعضها بعضا، وضعفت موهبة التمييز بين المعاني المضيئة، وصار الإنسان هما كافيا لنفسه ~~وعادت النفس هما كافيا لصاحبها فليس بينهما على ذلك موضع لما ليس منهما، وتحول مادة ذلك ~~الهم بغلظتها وجفائها بين السر المعشوق في الجمال والسر العاشق في الروح فلا يدرك منهما شيء ~~شيئا. # فهذا الجمال إن شئت قدرة لا قوة فيها، وإن شئت قوة لا قدرة لها؛ ولو أن الله جعله مجموعا ~~من القوة والقدرة معا لأبطل سنن الطبيعة الإنسانية، ولصار لكل إنسان كون وحده في القلب ~~الذي يرف ليخفق على قلبه؛ ووطن على حياله في الجسم الذي يحن لينضم إلى جسمه؛ ودين على حدة ~~يهبط الوحي فيه نظرات من عينين إلى عينين، وقانون مستقل لا تكون مواده إلا قبلات من شفتين ~~على شفتين، واعلم أن أشقى المخلوقات هم أولئك التعساء الذين يشذون في تاريخ الناس أحيانا، ~~وينفردون دونهم بجنون الحب كما حدثوا عن «مجنون ليلى» # 4 # إذ يتسلط عليهم الجمال بضرب ممتزج من القوة والقدرة يغمر الطاقة الإنسانية، ثم ~~تجيء أقدار غريبة بين الرحمة والقسوة فتجذب الحب إلى الحب، ولكنها تدفع المحب عن الحبيب، ~~فلا يزال الجمال يسوقهم سوقا عنيفا من ناره إلى باب جنته، ثم يردهم عن باب الجنة إلى ~~النار حتى يصبح الواحد منهم بين العناصر والنواميس المنتظمة في هذا الكون الإنساني كأنه ~~عنصر مجنون أو ناموس مختل. ~~••• # إن هذا الإنسان وعاء من الأوعية لا يملؤه إلا الأفكار والنزعات، ومتى احتل الفكر وتمدد، ~~ثم ضرب فتمكن، ثم غار بجذوره وانشعب بفروعه صبغ الأشياء كلها في عيني صاحبه بألوان منه حتى ~~كأنه لا ينبعث في أشعة النظر إلا ليلبس كل ما تنظره العين، فلا يرى المرء فيما يرى إلا ~~صورا من فكره كما تنبعث أخيله السيما # 5 # في أنوارها على حائطها؛ فإذا هو تاريخ وحكاية وعمل وحياة، وإذا هو هي على أنه ~~حائط، ولم يخلق ms54 الله فيما أعرف غير الحب فكرا يتمكن من الإنسان ويضرب الضربات الثقيلة ~~فيستطير في قلبه استطارة الصدع الشادخ في لوح الزجاج، يشقه على مد ما تتصل إليه حركته، ~~ويثلمه على غير قاعدة من هنا وههنا، ويدعه فلولا تتشظى # 6 # وما هذا الحب إلا فكر الجمال وأثر عمله في النفس؛ إذ كان الجمال الفاتن لا ~~يخلق على ذلك الأسلوب الذي هو عليه إلا ليستحوز على التخيل والحس معا؛ فهو نوع من جور ~~الطبيعة على الإنسان يجيء من اتصال أحسن ما ظهر في شخص بأحسن ما كمن في شخص آخر؛ وهو كذلك ~~نوع من استثارة هذه الطبيعة لكل ما في أعماق النفس الإنسانية ببعض ما في أعماقها هي، ~~فالعاشق مقتتل # 7 # بأسلحة طبيعية منها كل نظرة من حبيبه وكل كلمة وكل حركة وكل ما مسه أو اتصل به ~~منه؛ وذلك لأن قوة طبيعية عجيبة تنفثها رهبة الكون وتحصرها بين نفسه ونفس حبيبته لتجعل ~~منهما طريقي سلبها وإيجابها؛ هذه القوة هي الفكر؛ هي ذلك الحب، هي الكهرباء المتألفة من ~~نفسين، ومثل ذلك بعينه في الضرب على قلب الإنسان ما يتملك هذا القلب من هموم الدنيا وشدات ~~مصائبها، كلا الفكرين قتل من الطبيعة غير أنها في أحدهما باسمة وفي الآخر عابسة، تقتل ~~الإنسان بما يحب كما تقتله بما يكره، وهما طريقتان لا تسلك غيرهما إذا أرادت أن تنفذ بقدر ~~من الأقدار الماحقة إلى باطن النفس لتترك هذا الإنسان المعذب يحس بغمز القوى الخفية على ~~فؤاده. # | الرسالة الحادية عشرة # تقول أيها الصديق: «ألا زدني ثم زدني فإن ليلك الحزين قد تفجر لك بصبح من تلك الشمس، وإن ~~قلمك ليجمع أشعة النجوم ويصور منها ذلك القمر، وإنك لأنت المحب الذي يخرج من جنونه العقل ~~الكامل، ولئن كانت تلك الحبيبة قد اختلجت نفسها # 1 # من يدك فما ذلك إلا أنها ملك مد إليك جناحه وأمكنك منه، ثم انفلت ليدع في يدك ~~الريشة السماوية التي تصوره بها». # كذلك كانت تقول هي: «أنا لا أخشى غضبك فإن غضبك علي ms55 لا يكون إلا السحابة المطرزة بخيوط ~~البرق تهبط في ألوانها مذهبة وتجلجل بأجراسها من بعيد؛ لأنها تحمل إليك ملك الوحي الذي لا ~~ينزل عادة إلا في جو من البرق والرعد». ~~••• # ما كثرت أمراض التأويل في شيء كثرتها في تعرف حقيقة الجمال؛ على أن هذه الحقيقة لا ~~تستخرج إلا من الدم، فلو فتشت عنها السماء والأرض فلسفة لجئت فيها بملء السماء والأرض ~~كلاما كذبا. # الجمال في حقيقته التي لا تختلف إنما هو معنى من المعاني الحبيبة يعلق بالنفس فيحدث ~~فكرا متمكنا تتطاوع له هذه النفس العاشقة حتى ينطبع في أعصابها فيستولي على الإنسان كله ~~بجزء من عقله؛ ومن ثم يتقيد المحب بقيد لا فكاك له؛ إذ لا يجد ما ينتزعه من عقله أو ينتزع ~~عقله منه إلا أن يموت أو يجن، وهو من ذلك المعنى محتبس في قفل لو ضغطت عليه السموات والأرض ~~لما تسنى ولا انكسر، وليس إلا الحبيبة وحدها هي فتحه وإغلاقه. # بهذا يكون الجمال على مقدار ما يحسن الإنسان أن يفهم منه، ثم على مقدار ما يؤثر من هذا ~~الفهم، ثم على مقدار ما يثبت من هذا التأثير، وتلك هي درجاته الثلاث: فجمال تستحسنه، وآخر ~~تعشقه، وجمال تجن به جنونا. # والأول تجود به الطبيعة في أشياء كثيرة، بل هو الأصل في الخلق، ولكنا لا نتنبه منه إلا ~~لما نجد فيه روحا على القلب ورقة للنفس وترفيها لهما؛ وهذا الجمال خاضع للإنسان، ومن ثم ~~فلا سلطان له إلا بعض الميل والرغبة في النفس، ومنه كل مناظر الطبيعة. # والثاني تعلو به الطبيعة عن هذه الطبقة وتنزله منزلة أعلاقها وذخائرها النفيسة، وتتسلط ~~به على بعض النظام الإنساني كما تتسلط بهذا النظام على بعضه فيحب الإنسان ويسلو، ويمرض ~~بالحب ثم يصنع بيده دواء مرضه ويشرب منه السلوان والعافية ... إذ هو بإزاء الجمال الذي يتسلط ~~من ناحية ويخضع من ناحية تقابلها. # والثالث لا يجده من يجده إلا مرة واحدة كما أنه لا يموت إلا مرة واحدة، وهو من خوارق ~~الطبيعة التي كل نظامها ms56 أن العقل لا يعرف لها نظاما؛ وما هو إلا أن يصوب الإنسان رأسه فإذا ~~هو عند جنون الحب، وإذا هو بجنونه فوق العقل والمعقول. # فالمرأة في عين محبها المفتون أجمل من مسحت يد الله على وجهها من النساء فتركت الأثر ~~الإلهي يتسلط في سحر عينيها، وطبعت المعنى الناري يتلهب في شعاع خديها، وأودعت روح الجنة ~~أمانة بين شفتيها؛ ووصلت بين الرحمة والنفوس بذلك النور المتلألئ في ثغرها؛ وبين النقمة ~~والقلوب بتلك النار المستعرة من هجرها، وأضافت إلى النواميس النافذة في الكون فتور عينيها ~~وتنهدات صدرها. # ويراها المحب فما يحسب إلا أن قطعة من السماء قد صارت ثوبا لجسمها، وأن قدرا من الأقدار ~~قد نشأ على الأرض وسمي باسمها؛ وإذا نظر إليها علم بدلالة وجهها أنها من القمر، وإذا ~~نظرت هي إليه أعلمته بدلالة لحظها أنها من القدر. # وتسالمه فيحل سلام الدنيا كلها في قلبه، وتغاضبه فيقع في حرب هذه الحياة وتقع الحياة في ~~حربه، وإذا ضاقت الجميلة به ساعة واحدة لم يبق له بالعمر استطاعة، وإذا كان الهرم بالسنين ~~الطويلة هرم في هجرها بالدقيقة والساعة. # ويرى لو أن الجمال نفسه خلق امرأة لكانها، ولو جادل أحد في المحاسن لجعلتها المحاسن ~~برهانها، فهي تقبل بوجهها الفتان كما تقبل السعادة بالأمل الوسيم، وتختال بمعانيها ~~النسائية كما تهب روائح الأزهار في النسيم؛ رفافة على الحب كأنها خلقت في جنة الحب ~~ريحانة، مسكرة للعاشقين كأن نهر الخمر في الجنة جعل فمها لهذا العاشق حانة، صافية يترقرق في ~~حسنها ماء دلالها، وتشرق بالقمر الأزهر من وجهها سماء جمالها، ولا تشبه إلا نفسها كما لا ~~يشبهها إلا ما تبدي المرآة من خيالها. # ويغلو فيفسر النظرة منها تفسير الفقيه المتكلم للآية، ويقف عند الابتسامة وقوف السابق إذا ~~فاز عند الغاية، وينظر إليها في ثوبها ولكن كما ينظر القائد إلى مجد وطنه في الراية، ويسمع ~~صمتها كأنه كلام بين نفسه وبينها، ويعي كلامها فلا تدري أأنطقت به فمها أم أنطقت به عينها؛ ~~فهي بجملتها ليس فيها من الحسن ms57 إلا وحي وتنزيل، وهو بجملته ليس فيه من الحب إلا تفسير ~~وتأويل، ثم هي وحدها القاعدة العامة في الجمال وهو وحده البرهان والدليل. # وتراه ينظر إليها ولكنه من سحر جمالها كأنه يتوهمها، ويعرفها ولكنه من سطوة جلالها كأنه ~~لا يفهمها، ثم تعلو فما يشرق حسنها عليه إلا كالمعنى الأزلي من جانب في الغيب، ثم تعظم فلا ~~يدرك ما فيها من الحقيقة السماوية إلا على طريقة أهل الأرض في إدراك الحقائق العظمى ~~بالإيمان والريب. ~~••• # تلك هي الحبيبة الجميلة لا تعرف إن كان الجمال في شخصها أو في الجزء المتصل منك بشخصها، ~~أو في الذي هو متصل بك من شخصها، فهي جميلة من ناحيتك ومن ناحيتها ومما بينهما؛ وهذا هو ~~الذي يجعلها فوق الجمال الإنساني بطبقتين لا تسمو امرأة إلى واحدة منهما؛ ويجعلك ترى ما ~~فيها من الإبهام جمالا لا تفسير له وما فيهما من التفسير جمالا مبهما؛ فكأنها في كل ذلك ~~دائرة مرسومة من الفكر لا يهديك البحث إلى موضع طرفيها، وهي محيطة بروحك من ثلاث جهات فلم ~~يبق لك إلا الجهة التي تتصل روحك منها بيد الله، وهذا هو موضع التأليه في الجمال المعشوق؛ ~~إذ لا يدعك الحب معه إلا بين شيئين اثنين: الحبيبة والخالق. # ألم تر إلى شعراء الدنيا وهم أنبياء الجمال الذي لا تتصل ملائكته بغيرهم ولا يفهم غيرهم ~~ما يفهمون منها؛ كيف يشبهون الحسن الرائع بكل ما في الخليقة من مظاهر الروعة، فيتناولون من ~~الآفاق والسحب والبروق والرعود ومن الشمس والقمر والنجوم والأفلاك، ومن الخلد والجنة ~~والنار؛ ويأخذون من الجبال والبحار والأنهار ومن الرياض والأزهار، ثم من الطير والوحش ثم من ~~المعادن وأفلاذ الأرض، ومن كل ما ختمت عليه يد الله بروعة أو طبعت عليه برهبة؛ ويجمعون ذلك ~~ثم يفيضونه في أوصاف الجميلة وجمالها حتى لكأنها ذلك السر الذي قام به حسن الخليقة، وحتى ~~كأنه الله لم يخلقها إلا ليكون كل شيء فيها تفسيرا لشيء ما في آية من آياته، وما ذلك ~~بمبالغة من الشعراء ولكن أرواحهم ms58 الجميلة قد أحيط بها من هذا الجمال النسائي، فأينما أحسوا ~~رأوا له صلة بإحساسهم وضرب في أفئدتهم عرق منه فانقدح له شعاع يطير إلى الفكر؛ لأنه بعض ~~القوة الموجهة إليه من الروح المفكر. # إن الجميلات إنما هن كواكب الأرض يدرن في أفلاك القلوب؛ ولست ترى فلكيا يرصد نجوم ~~السماء إلا ولعينيه منظار تكبر فيه الأشياء # 2 # أضعافا إلى أضعافها فيدنو بالبعيد ويجهر بالخفي، وعاشق الجميلة حين يهيم بها ~~ويرصد منها نجم خياله في فلك أمانيه لا يلبث أن يرى الجمال قد جسم فيه الحس وبسط له ضوء ~~الفكر، فإذا عينه في تكبير نجمة الأرض كذلك المنظار بعينه في تكبير نجمة السماء، وإذا ملء ~~العين حبيبها. # فيا كبدي مما ألاقي من الهوى ~~... ... ... ... ... # | الرسالة الثانية عشرة # وهنا مغاص الذرة في لجج الحب فألق على نفسك قبل أن تقرأ هذه الرسالة معنى من رقة ~~قلبي حتى تواثقني على أنها لا تخرج من نفسي إلا كما أريد أن تتلقاها فلا أتبسط ولا أتسرح ~~بكلامي هذا إلا في مكان من نفسك. # في موضع من شاطئ النيل ندي # 1 # فلان اليوناني، وهو رجل في رقة المرأة ينهض في خدمة المحبين بفن من الذوق امتزج ~~فيه ما تقتحمه جرأة العاشق بما يختلج إليه حياء المعشوق؛ فترى من رقعة نديه طرازا أخضر مفوفا # 2 # على ثوب الماء، وفيه حبك بديع من أغصان الشجر يلوح طرائق طرائق وحبكا حبكا # 3 # كهذا الانكماش الذي تراه طرازا لأثواب الغانيات، وتجد في أطراف الندي أشجارا ~~متعانقة كل لفيف منها يبني بيتا أخضر ستائره من الأغصان المتدلية، وجدرانه من الفروع ~~المعروشة، وكأنما زخرف وطلي وفضض وذهب بألوان الظل والماء والسماء وما يتسحب ~~فيها. # وترى الناس يستكفون # 4 # حول هذه البيوت الخضر، ولكنك إذا احتجرت في عريش منها وكنت منفردا أشعرك بكل ~~المعاني أنك وحدك فلا تصلح للجلوس فيه؛ وتساقطت عليك ظلاله أرواحا عنيفة تطردك طردا ~~ونالتك من كل ظل ثقلة # 5 # لا تحتمل كأنما تناجيك أن هذه الأشجار التي تشبه الضلوع ما غرست ms59 إلا لقلب ~~وكبد ... وأن هذا البيت هو بيت الحب لا يتكنن # 6 # إلا عاشقين ... وهدتني قدماي يوما إلى ذلك الندي بعد أن ضربت ساعة في بياض تلك ~~الأرض وسوادها # 7 # فملت إليه أريح فيه من الإعياء والحر؛ فإذا هو يهبط على نفسي بمعانيه، وإذا أنا ~~من الطرب كبعض شجرة أميل وأصفر وأتغنى، وأدرت عيني فأبصرت في سرارة المكان # 8 # شجرات يدعونني فقمت إليهن وما هناك أحد غيري وغير الطير؛ فإذا غرس قد تسطح وآخر ~~قد تفنن، # 9 # وثالث على ساقه كما تقيم الخيمة وتسدل عليها حجابا من هنا وحجابا من هناك، ~~وإذا رائحة من نفح الحب وبقايا التنهد والتشاكي ما يكذبني الحس فيها أبدا فاستخفتني ~~الأشواق، وجعلت قلبي المتلهف ينتفض في علائقه كما ينزو الفارس في السرج والجواد يخب به ~~ويعدو. ~~••• # ثم تكور النهار على الليل والليل على النهار # 10 # حتى أتت ساعة موعد لها بعد أن تقدمتها حاشية عريضة من المواعيد المكذوبة ~~والمعاذير الملفقة، والكلام الذي لا تحل معانيه في ألفاظه أبدا ... لأنه لغة شفتيها. # وكنا نمشي وقد انتفخ النهار # 11 # وبدأت الهاجرة ترتجل «معانيها الذهبية» في مدح الظل والماء والنسيم؛ وقلق بنا ~~ظهر الطريق لأمر ما فقالت وأبصرت الندي: نجوز إلى تلك الواحة، وتحفى بها المكان حين جاءته ~~كأن أرواح الأشجار تعرفها، فهب النسيم الراكد يجري، وجعلت الأشجار يصفق بعضها لبعض حتى خيل ~~إلي أن هذه ملكة الطبيعة دخلت إلى قصرها. # ومشيت إلى تلك العريشة بعينها فلما احتوتنا قلت: هذا مجلس السلام # 12 # في هذا البيت، قالت: وما باعث هذه الكلمة؟ قلت: إن كل شيء فيك ليتكلم من غير أن ~~يضطرب به صوت، ولقد يكون من بعض خواطري وخواطرك ما أسمع منه في قلبي صوتا كصلصلة الدرع ~~حين يقع عليها السيف، وإنك لا تدرين كيف أفهمك؟ قالت: فكيف؟ قلت: إني أفهمك سعادة أخشى منها ~~وأخافها، فإن السعادة إن لم تتحقق لا تضر إلا في الحب؛ فشر أنواع السعادة فيه تلك التي لا ~~تتحقق، قالت: فإذن أنت تخافني؟ قلت: ms60 ولكن ذلك ليس معناه أني أخافك بل معناه أني ~~أرجوك. # قالت: وعلى هذا يكون لقولك إني أرجوك معنى آخر؟ قلت: بل معان عدة منها أني ... قالت: ~~وماذا أفهم من أني؟ قلت: أليس فيها ياء المتكلم؟ فقالت: وأي شيء في ياء المتكلم؟ قلت: بربك ~~لا تتعنتي أليس فيها المتكلم نفسه ...؟ فضحكت وقالت: ولكن ما معنى أنك ترجوني؟ قلت: إن النبات ~~لا ينبت إلا حيث يجد عناصر غذائه، وروحي قد وجدت في جمالك كل عناصر الحب فنبتت فيها نبتة ~~جديدة أخاف أن لا تتعهديها فتذوي؛ ومن هذا الخوف أرجوك. # وقلبي يخشى منك على ما فيه منك فإن لكل شخص ظلا، ولكن هواك نقل ظلك إلى قلبي كما ~~تنقله آلة التصوير؛ فإن غضبت وتحولت مزق ظلك هذا القلب ليغضب ويتحول، ومن خوفي هذا ~~أرجوك. # وكل شيء في عالم الموت يموت وينسى فإذا أنت نسيتني فهذا موتي عندك، وكل من يحب الحياة ~~يخاف الموت فمن هذا الخوف أرجوك. # وكلماتي هذه تخاف أن تحمليها محمل الجرأة عليك فهي كذلك من الخوف ترجوك. # قالت: أفليس في الحب إلا الخوف؟ قلت: فيه الرجاء ولكنه هو الخوف بعينه، وللعرب خرافة ~~جميلة في سلحفاة يسمونها «بنت طبق» فيزعمون أنها تبيض تسعا وتسعين بيضة كلها سلاحف وكلها ~~بناتها وكلها من جنسها؛ ثم تبيض بيضة واحدة تنقف عن حية تأكل التسعة والتسعين كلها ... ~~قالت: آه، قلت: وآه فلو كان لي في حبك تسعة وتسعون رجاء مائة إلا واحدا ثم خوف واحد ~~لمحاها كلها، فاسترسلت في إطراقة جميلة، ثم قالت: لقد جئت معي بالنسخة الإنجليزية، من ديوان ~~«عمر الخيام»؛ إن هذا الشاعر - ونظرت إلي باسمة - حبيب إلى قلبي وهو مني كالسعادة إن لم ~~أطمع في نيلها لم أيأس من قربها ولا من الفكر فيها، كل قصيدة من قصائده تنشئ في حبا ~~جديدا، ففي قلبي له أنواع كثيرة من الحب لا أدري ما هي، ولا ما الفرق بين نوع منها ونوع ~~منها، ولكن كلها حب كلها حب، وهو نجم بعيد عني غير أني ms61 أراه ساطعا، وأعلم أن في قلبي ~~دما يحن إليه، وفي هذا الدم ينغمس شعاعه الآتي من السماء؛ هو حيث يكون وحيث يكن فهو في ~~قلبي. # قلت: وإذن فلا ينبغي (للخيام) أن يسلط الخوف على رجائه ...؟ فتلألأ ثغرها ضحكا وقالت: ~~«الخيام» إنما هو هذا الكتاب في هذا الجلد المذهب، قلت: فأنا أستنزل روحه إلينا فإن في ~~هذه القوة فلا بد له من أن يجيء. # ثم أطرقت وجعلت ألمح ابتسامها حين أدوم عيني # 13 # يمنة ويسرة ثم انتبهت ورميتها بنظرة ارتاعت لها روعا ظاهرا وقلت: إن روح ~~الخيام تجيش في منذ الساعة وهو يسألك هل تحبينه؟ قالت: بلى؛ ولكن على سائلنا أن نسأله، ~~فماذا يرى هو في؟ قلت: إن كل ما احتساه من الخمر فكان لذته في الدنيا يراه الآن قد خلق ~~جسما جميلا رائع الجمال فهو يسكر منه، ولكن سكر أهل الجنة في الجنة، قالت: أفلم ينس الخمر ~~بعد؟ قال «الخيام» ... وهل الكتاب الذي في يدك إلا أسطر من شعاع الكئوس، قالت: والحبيبة الذي ~~يذكرها فيه؟ فقال الخيام لو كانت مثلك لما ساغ لي أن أذكر معها الكأس، ولكني كنت أستجمع بها ~~مناظر الجمال فإن الطبيعة تتزين لعين الشاعر إذا رأت معه امرأة جميلة كأنها تغار، قالت: إذن ~~كان يريد الطبيعة لا الحبيبة، قال الخيام: بل أردت أن يكون موضع تأملي جميلا بالجمال ~~وحبيبا بالحب، وتوخيت أن تكون فيه كل عناصر الهوى، أن المسجد لا يبنى في أي الأمكنة، بل ~~يختار له المكان الذي فيه عنصر الصلاح والمنفعة، والمسجد نبات مغروس في تربة خاصة تجمع ~~عناصر الصلاة والتسبيح والتهليل، والخيام نبات مغروس كذلك ولكن في الورود والرياحين ~~والألحاظ وشعاع الخمر. # قالت: وهل يتقبل الخيام مني إذا سألته أبياتا جديدة، قال الخيام: لقد جئت بي إلى الأرض ~~فإن لم تسوغيني طباع أهل الأرض في الحب والهوى والحنين لا أستطيع شيئا، وإن كان في ~~وسعي أن أجعل كل شجرة في هذا المكان تنشد قصيدة خضراء بلغتها لا بلغتك. # قالت: بل أريد لغتنا فإني ms62 لا أفهم منطق الشجر. # قال الخيام: فهاتي الديوان، ثم جعل يزمزم زمزمة العجم # 14 # وقلب غلاف الديوان وكتب: # صب كأسا على الثرى فتراه # عاد قلبا يطير فيه احتراق # يتلوى بها ويهتز منها # إنه كان أكبدا تشتاق # ويح من أسكرت إذا تسكر الكأ # س ويا ويحهم إذا ما أفاقوا # تنسج النور والشعاع خيوطا # كل خيط للهم منه وثاق # وتريني السماء في سعة الصد # ر وصدري بشمسها # 15 # آفاق # أحتسيها كالفجر يعقب ليلا # أو كليل للفجر فيه انبثاق # هاتها فهي في فمي قبلات # واصطدام الكؤس منها عناق # وقرأت الأبيات وأنا أترجرج كأن في الكرسي زلزلة أو كأن في روحا يضطرب ويتقلقل؛ فما ~~انتهيت إلى «القبلات والعناق» حتى انقلب الكرسي بي فاصطدمت بها ولم أقع ولكن ... آه ولكن وقع ~~فمي على خدها. # وجعلنا (الخيام) كأسين في يديه فقرع كأسا بكأس ليسمع منهما في صوت القبلة رنة مسكرة ... # | الرسالة الثالثة عشرة # تلك ساعة لا تطلع علي ذكراها إلا طلوع الفجر في نور وألوان ونسيم وندى؛ فإذا أطرقت فيها ~~وتمثلتها رأيت ذلك الفجر يمتد ويضطرم، وإذا الشمس قد بزغت منه تطوح بشعاعها من بعيد تحية ~~للأرض وأهلها؛ ثم أمعن فيها فترتفع وينساح # 1 # ضوءها، وإذا بتلك الفاتنة قد طلعت لي من الشمس؛ وإذا نحن على تلك الطريق، وإذا ~~المكان والزمان والسحر والجمال؛ وإذا نور وجهها قد نبع فيه الضوء الأحمر من لون الحياة؛ ~~وإذا هي واقفة وعلى خدها القبلة الأولى. # لمست روحي روحها؛ ذلك هو معنى القبلة، ولكنها وقفت ذابلة يعرف فيها الحزن، وكان في صدرها ~~التنهد وكان في لحظها معناه؛ أما لون التنهد فبقي على خدها. # يالله ما كانت إلا تمثالا يريني منها صورة الاطمئنان الخائف، وما كنت بإزائها إلا ~~تمثالا آخر يريها مني صورة البراءة المتهمة، وكنت أقول لها منذ هنيهة إن الحب هو الخوف؛ ~~فعلمت أن من الخوف أشياء لا شيئا واحدا كلها من نكد الحب: الخوف نفسه ثم رجاء ذهابه ثم ~~خشية قدومه ثم خوف ليس فيك ولكنه في النفس التي ms63 تحبها؛ والإنسان حين يرجو الأقدار يشعر بها ~~بعيدة عنه، ولكنه حين يخافها يراها قد خالطته وكأنما تعتلج في جنبيه وتعركه بكل أثقالها، ~~ليس ما يخيفنا هو ما نخشاه في الحقيقة، إنما هو قوة خفية في الغيب تعتري القلب فتتناول ~~منفذ الحياة منه فترسل فيه ما ترسل من الآلام الحكيمة كما ترى اللافظة من أنثى الطير حين ~~تزق فرخها وعنقه المرن الغض ينتفض في منقارها؛ وهو يكاد يختنق من طريقة إطعامه الحياة؛ ~~وكذلك نتناول من السماء حكمة الألم. ~~••• # ولما تصرمت تلك الوهلة # 2 # التي اعترتها مزقت بشفتي ذلك الصمت الذي كان يغرز أنفاسي في قلبي كأن في كل نفس ~~إبرة نافذة وأردت الكلام فجعلت أجمجم في عذري، # 3 # وأرسل ما يحضرني من نفس الشفتين المتهمتين بالذنب ... وهي غافلة أو متغافلة لا ~~تأذن لكلامي أن يمر بها، ثم نظرت فإذا في أجفانها دمعة تترقرق وتهم أن تنحدر، وكأنما لم أكن ~~عرفت ظرفها ومزاحها وميلها إلى النادرة، وأنه لا يسري الهم شيء عندها كالكلمة الشاعرة، وأن ~~الجبل من جبال غيظها وغضبها تنسفه جملة مفرقعة من الضحك، وأسعدني طبعي الجريء الذي أنكرته ~~من يومئذ فلمع لعيني معنى جميل في دمعتها فأمسكت يدها وقلت: إن عذري إليك في اضطراب الكرسي ~~بي وما تعمدت نية، وهذه يدي لك بأن حكمك في نافذ إذا لم تنشر الصحف اليوم أو غدا: «حدثت ~~زلزلة خفيفة لم تلحق ضررا بأحد ...». # فتدافعت تتبسم وغمر وجهها معنى رقيق كالنور الذي يسطع من خلال سحابة كانت مجتمعة ثم ~~تسايرت تجر سوادها، واستتبعت فقلت: ذلك عهدي وأنا مرتهن بكلامي مأخوذ بأقوالي فهذا توقيعي ~~عليها، وأسرعت فقبلت يدها الجميلة، وحلت هذه الجرأة عقدة صمتها فقالت: والعذر ذنب آخر؟ ~~قلت: فإذا كان ذنبا فإن منه عذرا ثانيا ... ولكنها أسرعت فاختلجت يدها وما تتماسك ~~ضحكا. ~~••• # القبلة الأولى هي تلك النظرات الطويلة الحائرة في أعين المحبين وقد ضاقت بالصمت والإبهام ~~وكثرة ما تتردد بين معنى يسأل ومعنى يجيب؛ فانحدرت إلى الشفاه لتخلق حركة وتتمثل صوتا ~~وتستعلن للحب بكل ms64 معانيها، فالعواطف المشبوبة والنظرات المتكلمة والابتسامات المترجمة تأخذ ~~كلها في تأليف تاريخ الحب زمنا يقصر أو يطول، ومتى بدأت في تدوين هذا التاريخ كانت الكلمة ~~الأولى هي القبلة الأولى. # واللغات تعجز أحيانا بما نحملها فلا تحسن التعبير إذا كانت العاطفة قوية مهتاجة وقد ~~نشبت في عاطفة أخرى مثلها، فإذا ضاقت الروح بهذا العي عمدت إلى لغتها الأولى فأرسلت العاطفة ~~لونا في الوجه إذا كانت حياء أو خوفا؛ ورعدة في الجسم إذا كانت فزعا أو محقا؛ ودمعا في ~~العين إن كانت حزنا أو قهرا؛ وضحكا وابتساما إن كانت إعجابا وطربا، فإذا كانت العاطفة ~~وجدا ولوعة وقد استفاضت بين روحين؛ دنت إحداهما من الأخرى فمستها بشفتيها فيكون هذا اللمس ~~بأداة النطق هو أبلغ النطق. # إنما تحية الفكر رد كلمة بكلمة؛ وتحية النفس هز يد بيد؛ وتحية القلب لمس شفة ~~بشفة. # | الرسالة الرابعة عشرة # كم أسأل الدر عن معناك باسمة # والورد عن لفظة قد أطبقت فاك # لا الدر يدري ولا في الورد لي خبر # أروية عن شفتيك أو ثناياك # يا نجمة أنا في أفلاكها قمر # من جذبها لي قد أضللت أفلاكي # النار بالنار لا تطفا إذا اتصلت # فكيف أصنع في قلبي لينساك؟ # آه أيها العزيز إن صدري لينشق لهذه الأبيات، وإن لها لغمزا على فؤادي لا يسكن، وإني ~~لأرتمض بها كأن في كل بيت منها نوعا من أنواع الحمى، هي ألحاظها أول اللقاء بيني ~~وبينها ساعة كانت تنتزع ألفاظها من قلبي فألتوي عليه لأنتزعه من ألفاظها؛ وكنت ساهيا عن ~~القدر وعين القدر ذاكية علي في تلك الساعة ولا أدري. # لقيتها وما أريد الهوى ولا تعمده قلبي ولا أحسب أن فيها أمورا ستئول مآلها؛ # 1 # وكنت أظن أن المستحيل قسمان: ما يستحيل وقوعه فلا تفضي إليه وما يمكن وقوعه ~~فتهمله فلا يفضي إليك، ولكن حين توجد المعجزة تبطل الحيلة، ومتى استطردك # 2 # القدر الذي لا مفر منه أقبل بك على ما كنت منه تفر. # إن لهذا العقل جمحات ترده أحيانا إلى طبيعته الأولى من ms65 الطفولة التي غشيتها الأيام ~~والليالي والأفكار والحواس فيرجع الرجل طفلا صغيرا لا يدري كيف يميز؛ ولقد يكون وما يشبه ~~رأيه رأي ولا يتعلق بصوابه صواب، وإن عقله لكالنجم من أي أقطاره اقتحمته عيناك رأيته نارا ~~وشعاعا، غير أنه متى بلغ تلك السورة فجمح عقله أسرعت منه الفيأة # 3 # إلى حالته الأولى فانتبهت الطفولة فيه فعاد كالطفل، فإذا فجأه الحب في عين ~~امرأة رأيته لا يبالي إلا ما عرف في عهده الأول من تحني المرأة عليه وانعطافها له، ورجع ~~إلى «عصره النسائي» فترى الدنيا بما وسعت لا تعدل في عينه الصدر الجميل الذي يترامى عليه؛ ~~وتموت المطامع فيه وترجع كلها إلى محصول واحد من ذلك الفم الذي يحبه، وتعود لغة الحياة عنده ~~كلغتها الأولى في إشارة أو كلمة أو ابتسامة أو قبلة. # إن الطفولة تكبر فينا ولا ندري؛ ودع الناس يسمون حماقة الإنسان بما شاءوا فهي هي انتباه ~~الطفولة فيه ومحاجزتها في ساعة من الساعات التي يجمح فيها العقل بين ذات نفسه وبين صفات ~~نفسه. ~~••• # لا يريد الهم منك أكثر من أن تريده فيأتي؛ وحتى لو زويت جلده وجهك # 4 # حكاية وتمثيلا لطلع مما بين عينيك فهو مقيم في أعصاب كل إنسان؛ لا يبرح ~~الإنسان يؤدي إليه شيئا ويحمل منه شيئا يؤديه، بل هو نصف مكروبات الدم الإنساني ... ولذلك ~~قالوا: إن القلب المبتهج يقتل من المكروبات أكثر مما يقتل أقوى المطهرات، وهم الحب هم ~~على حدة؛ لأنه لا يكون فيك بل يتصل بك من أعصاب أخرى ودم آخر، وما أحسب أن ألحاظ المرأة ~~الجميلة يكون فيها ذلك الفتور وذلك التكسر إلا بما تحمل من الأشعة المسمومة؛ تلك الأشعة ~~التي متى وقعت في الدم الذي يقبلها ويتأثر لها طبعت في كل ذرة منه صورة من صورة تلك ~~المرأة. # هذا هم الحب ولكن مجيئه هم آخر؛ لأنه يتهكم بالناس فلا يأتيهم بكنهه وحقيقته إلا في ~~أسلوب الحظ والسعادة ثم لا يأتي إلا اتفاقا ومصادفة في ساعة ترتجف كأنها وقعت إلى هذا ~~الزمن خطأ، ms66 أو كأنها تحس بما فيها من الجور والقتل، أو كأنها خلقت مرتجفة متزلزلة ليتأتى ~~لها أن تزحزح الطبيعة الإنسانية وتطيش بها حتى في جبابرة العقول الذين رسخت طباعهم بجبال من ~~الأخلاق الراسية تمنعها أن تميد أو تتزحزح، السرور والحب كلاهما يأتي اتفاقا؛ ولعلك لا تجد ~~في كل ما عرفوا به السعادة أصح ولا أوفى من أن تقول: إن السعادة هي نفس هذا الاتفاق حين ~~يتفق السرور أو الحب. ~~••• # والجناح الكبير إنما خلق كبيرا ليأكل الأجنحة الصغيرة، ولما لقيتها كانت ألحاظها تقول لي ~~بفصاحة أوضح من نور الصبح: أنت فريستي؛ وكانت ترفرف علي فأتنسم منها هواء يذهلني كما ~~تذهل العصافير الصغيرة للجارح المنقض عليها، وتحولت أسرع مما أرادت بي وكنت ذا عزيمة قوية ~~مضيئة كالنهار الذي يتغذى من دم الشمس؛ فما أسرع ما فتح هذا القمر باب سمائه وطلع علي من ~~سحره بمثل ما يطلع قمر الأرض على الأرض فيبدلها من نهارها ذلك الصبح الرطب المريض الذي ~~تتخايل فيه الظلال والنسمات حتى يأذن الله فتمحى آية الليل الأسود وتطوى آية القمر ~~الأبيض. # كنت كذلك البطل الذي أكدى مرة في قتال خصمه ورجع كما يرجع الجبان فيعيروه فقال: والله ~~ما كنت جبانا ولكني زاولت أمرا مؤجلا، # 5 # وتالله ما كنت ضعيفا ولكني دفعت قدرا معجلا لا يدفع. ~~••• # وحاولت أيها العزيز أن أكتب إليك وأنا في هذا الموت فصنفت كلمات ثم خشيت أن أرتاد أحدا ~~لسري فحفظته فيها وتركتها بين أوراقي؛ وكان قلبي يحدثني أنه يستروح من هذه الصحيفة رائحة ~~صفحات كثيرة سأكتبها؛ وقلت: إنه حب أبيض لا ينبغي إلا أن يكون منسيا أو سرا مضمرا أو ~~على الأقل شيئا غير ظاهر، أما الآن فإني مرسل إليك ما كتبت؛ ولتجدن هذه الأسطر وما ~~فيها إلا قلب يتمزق ونفس مضعضعة وكأنما هي من بكاء أعصابي المتألمة، وإذا رأيت بلدا سال ~~بها السيل أو مدينة جاش بها البحر فاعلم أن لهما ثالثا في معنى الخراب وهو العاشق الذي ~~يغمره الدمع، وهاهي الرسالة: # أكتب إليك وأنا ms67 في حال هي من شدة الوضوح قد صارت في شدة الغموض وأية حال تظنها؟ ~~سيذهب بك الظن إلى الموت فهو أخفى ما ظهر من أسرار الإنسانية، ولكن هناك موتا لا ~~ينقل من الدنيا إلى الآخرة، بل من نصف الدنيا إلى نصفها الآخر ... وهو في أسرار ~~الإنسانية عكس ذلك؛ لأنه أظهر ما خفي، وهو الحب. # علامة هذا الموت الصغير أن يقع كل شيء منك في غير موقعه حتى لو جاءك اليقين لانقلب شكا، ~~ولو لمست الحقيقة لاستحالت شبهة، ثم تجد في أسباب الحياة ما يجد المريض في أصناف الطعام؛ ~~لأن العلة المستقرة فيه تجعل في كل شيء له علة منها، وترى كل ما أنت ناظره يوسوس في نفسك ~~بلغة ما ولمعنى ما حتى لا يترامى أمرك إلا إلى الوساوس والأباطيل كأن جماعة من الشياطين ~~ارتجت في صدرك فلا يهدأ أبدا، وتحسب الأرض قد نبت بك وثقلت عليها كأنها لا تستطيع أن ~~تحملك أنت واعتقادك الجديد ... وما اعتقادك هذا إلا أنك ترى الناس جميعا قد تغيروا فلا تصيب ~~بينهم موضعا تكون نفسك فيه هي نفسك إلا ذلك الموضع الذي يضم من تهواها؛ أما سائر الأمكنة ~~وأما سائر الناس فأنت منهم في رأي نفسك كالمصحف في بيت الزنديق الملحد، يظلم في كل شيء في ~~الوضع وفي الاستعمال وفي الاعتقاد وحتى في النظر إليه ... وتستحيل فيهم بشخصك الواحد إلى ~~اثنين معهما خيال شخص ثالث ... فلا ترى إلا أن نصفك يتحزن للنصف الآخر في كل ما تراه، وهذا ~~النصف الآخر يكون في بلائه كالطائر الذي وقع من الجو بسهم فلما أحس الأرض جعل يهم ويدارك ~~الضرب بجناحيه ويكد ويعنف على نفسه، ولكنه لا يطير؛ وكلما أراد أن يثب إلى السماء وجد آلتها ~~فيه مختلة ترجف وتضطرب، ولكنها لا تعلو؛ وقصر جناحه فلصق بالأرض وجاءه الموت من كل مكان وما ~~هو بميت. # تبغض العيش وتبغض الحياة وتبغض الناس؛ تبغض ثلاث مرات؛ لأنك أحببت مرة واحدة، وهذا كله ~~إذا كانت من تحبها لا تدري بهواك أو كانت ms68 تدري ولكنها لا تستطيع أو كانت تستطيع ولكن ... آه ~~يا عزيزي لا بد في لغة الحب من «لكن» إذا كانت المرأة تعرف لغة الحب. # يا ويلتا لقد انتبهت إلى أني أخاطبك كأنك أنت المبتلى ... فلعلك عاذري فإن هذه طبيعة النفس ~~الحزينة تريد أن تكون مصائبها في سواها ولو على ورقة ... لم يبق مني إلا جزء قليل من شخصيتي ~~القديمة أما أكثرها فضاع ضياعه أو أصبحت لا أملكه، ولكن هذا الجزء الباقي يفسح لي مذاهب ~~النفس فأراني كأنما أستقبل السموات وأحويها في صدري، وأرى بعيني مجموعي الإنساني كله واضحا ~~يتسامى، وأشعر أني عقل من هذه العقول التي تشرف على الدنيا وتعمل في نظامها. # ولا أثقل على نفسي من الناس فإن ظلالهم تهبط على قلبي المتألم بأشباح ممسوخة وأراهم على ~~وتيرة واحدة في ثقل الروح وسواد الظل؛ ولا ذنب لهم غير أن وليا من أصفياء الله خرج يتوضأ ~~يوما وقد أقبل الناس على وضوئهم فكشف الله عنه حجاب الحيوانية فنظر؛ فإذا لكل رجل وجه ولكل ~~وجه سحنة حيوان ولكل حيوان معنى، وإذا شهوات أنفسهم قد مسختهم مسخا وفاءت ظلالها على ~~وجوههم بجلود الحمير والبغال والقردة والخنازير وما دب ودرج، فاللهم غواثك لأهل النفوس. # 6 # وهذا الحب حاسة في الروح فهو ولا ريب يستثقل كل ما ينافره من الطبائع، طبائع هؤلاء الذين ~~يترفقون للعيش # 7 # بأيديهم وأرجلهم وأبدانهم وقلوبهم وأنفسهم فيثيرون في كل سبيل غبار الحيوانية ~~على كل قلب روحاني فلا يكونون عليه إلا ألما ومضضا وشدة من الشدة؛ وكثيرا ما يخيل إلي ~~فيمن حولي ممن أخالطهم اضطرارا أنهم ثعالب أطلع عليهم برائحة الأسد الضاري. # أن عواطفي تغلي وتستفز في مثل المرجل من إرادتي العنيفة المصبوبة من فولاذ الكبرياء، ولست ~~أخشى في هذا الحب إلا انفجار هذه الإرادة التي هي وعاء النفس فإنها إن تتفجر ذهبت قطعا ~~مبعثرة على كل كسر منها كسر مني، فهل تنفجر يوما؟ # ما أشد هذه الأيام الحادة، إنها كسلم نصبت لي درجاتها من سيوف مسنونة؛ في كل يوم ms69 جرح ~~ينفجر بالدم، ولكل يوم عذاب وتقطيع في الجرح نفسه؛ لا راحة في الصعود ولا في الوقوف ولا في ~~النزول، وكل يوم يقول لي حبها تعلق بيديك الممزعتين على حد هذا السيف، وضع قدميك ~~الممزقتين على حد ذاك السيف؛ واصعد. # | الرسالة الخامسة عشرة # 17 فبراير سنة 1924 # إن كل ما سطرت في هذه الرسائل قد انعقد همه وسواده فكان عجاجة ثائرة من حرب الهوى؛ ليس ~~تحتها في حومة القلب إلا ألم كضربة سيف أو طعنة رمح أو كية برصاصة ملتهبة حمراء، احتلت نفسي # 1 # عما كانت فيه من الغيظ والموجدة ودافعتها وغالبتها حتى وقفت بها على صراط ~~النسيان، ولكني في ذلك إنما كنت كناقش الشوكة بالشوكة # 2 # يعالج وخزة واحدة بوخزات كثيرة، ويكشف عن حمة العقرب النباتية بحمة مثلها؛ ~~وما زلت أنكت بسن هذا القلم في صميم هذا القلب حتى فاض في صفحات هذا الكتاب. # قبضة من هذه الأوراق جعلت بيني وبين تلك الحبيبة ما تجعل قبضة من التراب بين الحي والميت؛ ~~إذ تنثر يد الموت من ذراتها عوالم أبدية بينك وبين من تحب أو من كنت تحب ... # حسوت كأس الحب فدارت في دمي وانحدرت إلى قلبي وصعدت إلى رأسي، وهذه الرسائل هي الحقيقة ~~التي كانت في خمرها قطرت من القلم كلاما ومعاني، ومنذ اليوم سأضع العقل بيني وبين تلك ~~الكأس فلا أراها إلا جنونا ملونا ومرضا مزخرفا، ثم لا أراها إلا حلما خمريا زاهيا ~~إن حسن بالنائم أن يستغرق فيه لا يحسن بالمتيقظ أن يلم به؛ ثم لا أعرفها إلا شيئا يجب ~~اطراحه إن لم تدعه؛ لأنه إثم فلتدعه؛ لأنه ذم. # اضطرمت النار فأكل بعضها بعضا، وهذه الرسائل هي صوت الماء الذي صب عليها ليطفئها فزفرت ~~به الزفرة الأخيرة؛ ومات الهوى لما أصيبت مقاتله. ~~••• # تلك مسألة امتحنتني الحياة بها فما كان أجهلني؛ إذ ركبت فيها الشبهة أصرفها بعنان الحيرة ~~فمضت تتخبط بي، إن إعجابي المجنون أخرج لي من الحقيقة الصغيرة على الأرض خيالا في قدر ~~السماء يتلألأ في عين ms70 الشمس على أجنحة الملائكة، وكذلك الجهل في الإنسان يخرج له من كل ~~مسألة سهلة الحل مسألة لا تحل أبدا فلا يبرح الفكر يضرب فيها مقبلا ومدبرا، ولا ينفذ ~~إليها إلا من الجهات المستحيلة التي لا يخرج الصواب لا من واحدة منها ولا منها كلها. # والخطأ ههنا من لا شيء وليكن اسمه بعد ذلك ما يسمى، سمه مسألة فارغة أو مشكلة دقيقة أو ~~رذيلة جميلة أو حبا أو امرأة ... أو ما شئت؛ هو على كل ذلك خطأ من لا شيء. ~~••• # إن مس استقلال دولة من الدول العظمى قد يكون أحيانا أيسر وأهون من مس استقلال نفس من ~~النفوس الكبيرة. # وفي الدم الكريم قانون أزلي يرثه المرء من سلسلة طويلة من أجداد كرام؛ فإذا انتهك هذا ~~القانون الإلهي وخاضت في ذلك الدم مهانة أو مخزاة، انتفض أولئك الأموات العظماء فيه ~~واضطربوا كأمواج البحر في البحر، وتحولت قطرات الدم العريق إلى لمح باصر # 3 # كأن كل قطرة منه تفور على حد سيف مجرد من غمده؛ وامتلأت عروق الحي أصواتا ~~داوية كصلصلة السلاح في المعركة؛ وترى ذلك الدم الكريم يترقرق ثم يتعقد ثم يلتف على ~~الجرثومة التي دنسته فينفجر بها انفجارة البركان، لا يدع الصخر صخرا ولا الحديد حديدا ولا ~~التراب ترابا، بل يذيبها كلها في حميم # 4 # واحد يجمع صورها النافعة المختلفة في صورة بغيضة مهلكة تدمر كل شيء. # كذلك حكم قانون الدم؛ وكذلك حكم هذا القانون فقضى في دمي ودمها. # أيها الجميل الذي يحسب كل شيء موطئ قدميه، إن ذل لك الحي بدموعه لم يذل لك الأموات ~~العظماء الذين استودعوا لآلئ كبريائهم الكريمة في الأصداف من عظامه تحت الأمواج الجياشة من ~~دمه الحر، ومن لم تعزه نفسه فلا يصلح إلا أن يكون رجلا لا يصلح. ~~••• # والآن سأدع صمتي يتمم كلامي، وإنه لصمت قاتم الأعماق أسود النواحي؛ لأنه مملوء بفكرة ~~التوبيخ، مظلم شديد الحلك؛ لأن شمس الحب لا تسطع فيه، مبهم مستغلق؛ لأنه صورة الظن السيئ، ~~موحش مقفر؛ لأنه رسم قلب حزين. # | خاتمة ms71 الكتاب # اجتمعت في هذه الرسائل عواطف الحب تتساوق معانيها دون حوادثها على نسق الشعر والفكرة لا ~~على سرد التاريخ والرواية؛ إذ لم يكن الغرض منها حكاية نفسين، بل صفة نفس صريحة لنفس ~~معقدة ... فلما ضممت ألفتها وهيأتها للطبع أدرت الرأي فيما أرضاه منها وما لا أرضاه، وما ~~زلت بها على ما يختلط فيها من الحب والبغض حتى خرجت كما يخرج الماء الصافي من الماء الكدر، ~~وجاءت كما ترى نقية بيضاء ليلها كنهارها. ~~••• # إن ساعة من ساعات هذا الضعف الإنساني الذي نسميه «الحب» تنشئ للقلب تاريخا طويلا من ~~العذاب إن لم تكن آلامه هي لذاته بعينها فهي أسباب لذاته؛ ومن ثم يشتبه الأمر على المحبين ~~إذا استفزتهم فورة الغضب ممن أحبوا، فلا تجد في البغضاء عندهم أبغض من طريقة إظهارها حتى إن ~~نيران قلوبهم لتخلق منها الشياطين؛ ولقد كان في هذه الرسائل كلام يدوي كهزيز # 1 # السحابة الحمراء تنطلق من الرصاص في معركة حامية لتمطر مطر الموت والألم ~~والوجع ، فلم أثبت منه إلا كما ترى من ضبابة البخار فوق المرجل الذي يغلي، ومن ألوان البرق ~~تلمح من صواعقها لمحا. # ألا كم في هذا الحب من العجائب المتناقضة حتى إن فضيلة الصبر في العاشق هي نفسها رذيلة ~~الغضب فيه، كلما طال صبره طال غضبه؛ وتراه يبغض بأقوى ما في نفسه فلا يكون ذلك إلا إخفاء ~~لأضعف ما في قلبه، وإذا ترامى في أطراف الأرض لينأى عن حبيبه رأيته من أي عطفيه التفت # 2 # لا يجد إلا خيال حبيبه؛ ومهما تطرح قلبه في مطارح السلوان فلن يكون إلا ~~كعقرب الساعة تعمل كل قواها في إبعاده عن «الثانية عشرة» ليرجع دائما بنفس هذه القوى إلى ~~الثانية عشرة نفسها. # والعاشق هو وحده المخلوق الغريب الذي ترى الأحلام في عينيه وهو يقظان يعقل ويعي، فليست ~~الحبيبة في عينه امرأة كغيرها من الناس، وإنما تخرجها له جملة من الصفات الغريبة التي فيها ~~لتقابل جملة أخرى من الصفات الغريبة التي فيه؛ ومتى كان الأمر غريبا نادرا من طرفيه ms72 في ~~النظر والاعتقاد لم يبق فيه موضع يمكن الحكم عليه بأنه من الأشياء المألوفة التي جرت بها ~~العادة، وتلك هي معضلة الحب التي جعلت من بعض النساء الضعيفات هزلا أروع من الجد، ومن ~~بعض الرجال الأقوياء جدا أسخف من الهزل؛ معضلة لا تحل أبدا ما دامت بين الحبيب ومحبه؛ إذ ~~لا تجيء ولا تكون ولا تستمر إلا كما تجيء وتكون وتستمر؛ وإنما مثلها كذلك الانعكاس الذي لا ~~يستوي له بحال من الأحوال أن يظهر الكتابة على المرآة إلا مقلوبة أبدا. ~~••• # كل معنى إنساني في الحبيب يكون دائما وراءه معنى غير إنساني في وهم المحب؛ فالمعشوق ~~مجتمع من إنسانيتين متباينتين، وهذا هو كل السر في انفراده عند من يهواه ما دام ~~يهواه. # وأظهرني صديقي على رسم صاحبته التي يصفها في هذه الرسائل أوصافا كثغور الحسان لا تفتر ~~إلا عن لؤلؤ؛ فما رأيتها في الجمال خارجة من الجنة ولا سابحة مع الملائكة، إن هي إلا واحدة ~~من خمسين من كل مئة في النساء، # 3 # ولكني أشهد أن عينيها كأنهما غير إنسانيتين، لو كانتا في أسد ضار لارتمى عليه ~~العاشق من تلقاء نفسه ليفترسه، فيهما بينة صريحة على أن هذه المرأة الشاذة إن أحبت لم ~~يعرف أحد غيرها كيف تظهر حبها؛ فربما آنست منها النفرة أو الإعراض أو البغض ملالة فما ~~فوقها، ومع ذلك يكون هذا هو حبها الذي ابتليت بكتمانه أكثر مما ابتليت به. # وإذا كانت القدرة الأزلية تصطفي من نوابغ العقل والشعور من تكاشفهم ببعض أسرار التعبير ~~في ملكوت السموات والأرض؛ جاعلة وسيلتها إلى ذلك ملكا أو شيطانا أو امرأة كأحدهما ... فتلك ~~التي رأيتها امرأة كأحدهما، ولكن لا تدعك أسرار عينيها تعرف أيهما هي؟ ... ~~••• # ليس ببعيد أن تكون هذه القلوب الإنسانية ينظر بعضها في بعض أحيانا على شعاع الروح كما ~~يتراءى الوجه للوجه في سراج العين، ومن ثم يكون اختلاف كل عاشق مع الناس أجمعين في تقدير ~~الجمال الذي يعشقه واعتباره؛ إذ لا يقدر بعينه ولا بعقله ولكن بقلبه، ولقد حاورت ms73 الصديق ~~يوما في جمال صاحبته تلك فقال: إني أرى ما لا ترى، فإن قلبي ينظر في قلبها كما تنظر أنت في ~~وجهها؛ ومتى جادلت محبا في هواه صارت الحبيبة في جدالكما كالفلسفة تراها عند أهلها ~~إيضاحا لشيء معقد، فإذا تناولها غير أهلها انقلبت تعقيدا لشيء واضح ... وإن المرأة الجميلة ~~في رأيي هي تلك التي أرفع روحي إليها؛ إذ لست أفهم من معنى الحب إلا أن الروح اهتدت إلى شيء ~~من سر الإنسانية في إنسان جميل قد استطاع بجمالة أن يهديها إلى هذا السر. # ولما يبس ما بينه وبينها ولج في غضبه منها سألته رأيه في «إيضاح المعقد ...» # 4 # فقال أيها الرجل! إذا مدحت امرأة جميلة فلا تقل: ما أجملها، بل قل: ما أجمل ~~الشر. ~~••• # آه من الدنيا ومن # قدر على الدنيا حكم # البغض شيء مؤلم # والحب شيء كالألم # | تنبيه # هذا الذي أصدرناه من «رسائل الأحزان» إنما هو نصف كتاب الحب، وبقي نصفه الآخر الذي يحتوي ~~رسائله إليها ورسائلها إليه، وسنخرجه إن شاء الله كتابا على حدة إن أذنت هي في نشر ~~رسائلها، فإن لم تأذن طويناه وبقي النهار مشرقا على نصف الأرض والليل مظلما على نصفها ~~الثاني ... ms74