######OpenITI# #META# URI: 1355MustafaSadiqRafici.SihabAhmar.Hindawi64285973 #META# Tags: literature #META# ID: 64285973 #META# Title: السحاب الأحمر #META# AuthorID: 53130362 #META# Author: مصطفى صادق الرافعي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة‏ # 1 - القمر الطالع‏ # 2 - النجمة الهاوية‏ # 3 - السجين‏ # 4 - الربيطة1‏ # 5 - المنافق‏ # 6 - الصغيران‏ # 7 - الشيخ علي‏ # 8 - الشيخ أحمد1‏ # 9 - الشيخ محمد عبده‏ # كلمة‏ # 1 - القمر الطالع‏ # 2 - النجمة الهاوية‏ # 3 - السجين‏ # 4 - الربيطة1‏ # 5 - المنافق‏ # 6 - الصغيران‏ # 7 - الشيخ علي‏ # 8 - الشيخ أحمد1‏ # 9 - الشيخ محمد عبده‏ # | السحاب الأحمر # | السحاب الأحمر # تأليف # مصطفى صادق الرافعي # | مقدمة الطبعة الأولى # بقلم مصطفى صادق الرافعي # لما كتبت «رسائل الأحزان» في فلسفة الجمال والحب كنت في تدبيره، والرأي فيه كمن ~~يؤرخ عهدا من شبابه بعد أن رقت سنه، # 1 # وذهب يقينه من الدنيا، ولم يبق إلا ظنه، فهو يكتب والكلام يحن لديه، ~~والقلم يئن في يديه، وكل وصف جاء به من الشباب قال رحمة الله عليه! وكنت أتعلق بأطراف ~~اللغة التي فرت من الحياة معانيها، وذهب نورها وظلامها في أيامها ولياليها، فكان قلمي ~~هو الذي يكتبها، ولكن قلبي هو الذي يمليها. # لغة الأحلام التي تعبر عن الحقائق على نحو ما وقعت يوما لا على نحو ما تقع كل يوم، ~~فهي تترجم للحياة في زمن من العمر تاريخ هذه الحياة نفسها في زمن آخر، وترجع الإنسان كله ~~لبقيته الباقية، وتأتي في الكلام لغير جدال، كما تأتي الأجوبة القاطعة على ~~أسئلتها. # وهي لغة الماضي التي تحمل ما حملت عليها؛ لأنها صافية كالحق، منزهة عن الريب ~~كالواقع؛ فإذا وصفت بها الخير كانت كالمرآة المجلوة، أشرق فيها وجه جميل؛ فملأ صفاءها ~~جمالا وفتنة. وإذا صورت بها الشر كانت كالمرآة، ووجه الزنجي؛ يملؤها سوادا، ولكنه لا ~~يطمس على شعاعها، وتضيف إلى سواده لمعان نورها ما دام فيها! ~~••• # كتبته بلغة الأحلام؛ والأحلام هذه إنما هي بعض ما مات منا، أو ما مات لنا؛ فإن استحال ~~رجوعنا في هذا العمر عودا على الماضي؛ فهي رجوع الماضي إلينا؛ ومن ثم كان في لغتها ~~شيء ظاهر من روعة الخلق، وكانت لها معان كأنها راجعة من سفر بعيد إلى شوق طال به ~~الصبر. # كتبت كتابة قال الغافلون: إني أتكلف لها خيالا ms01 ورواية؛ وقال العاشقون: إنها كلام ~~قلوبهم، وقال الذين يفهمون الكلام: إنه هو في كلامه! # ولقد كنت من نفسي يومئذ كمن لو ضربه الحب بقشة لجرحه جرحا يدمى، # 2 # وكنت أكتب عن ساحرة تبسم حتى لتظن أنها لم توت وجها تعبس به، ثم تكون مع ~~ذلك شر ما هي كائنة من حيث لا تظن أنت بها إلا الذي هو خير وأهدى! # وكنت في ذلك الكتاب شاعرا، وحب الشاعر لا يخلو من الوزن ...؛ وكنت متفلسفا؛ وهيهات إن ~~أصبت الحب أيها الفيلسوف إلا في امرأة معقدة، يؤلفها الله تأليفا من العسر بين فهمك ~~ومعانيها؛ فلا جرم كان الكتاب في نوع من الحب المتألم لا يكون مثله إلا بين اثنين مسح ~~الله يده على وجهه أحدهما، ثم مسح يده على قلب الآخر، ثم تراءيا بعد؛ فما لبث أن أشرق ~~الأثر الإلهي على الأثر، ووقع القضاء في الحب على القدر! # ألا إن كل باب يفتح ويغلق بمفتاح واحد هو يغلقه وهو يفتحه، إلا باب القلب ~~الإنساني؛ فقد جعل الله له مفتاحين: أحدهما يغلقه، ثم لا يغلقه سواه، وهو مفتاح اللذات؛ ~~والآخر يفتحه، ثم لا يفتحه غيره، وهو الألم! ~~••• # كنت أستوحي «الرسائل» من تلك النفس التي طارت بي طيرتها البطيء وقوعها؛ فإني ~~لأستعر بها فكرا، # 3 # وأشتعل منها خيالا، وكنت أرى الفصول تخلص في يدي حين أكتبها كما تخلص ~~سبائك الذهب بعناصرها لا بالصناعة؛ وكان هذا القلم كالحديد إذا أحمي عليه: ليست يد ~~لمسته من أيدي المعاني إلا وضع فيها سمة النار؛ ثم جاء الكتاب، وما أكاد أصدق أن الزمن ~~مر به، وتم قبل أن يتم القمر دورة شهر واحد، # 4 # فنبهني ذلك إلى أن أستوفي الكلام في الحب استمدادا من أرواح أخرى، فوضعت هذا ~~السحاب الأحمر. # 5 # وقد استوحيته من أرواح فيها الحبيب والبغيض والصديق والمظلوم والظالم لنفسه، ومن ~~عقله قلبه، ومن حبه منفعته؛ وفيها أضعف ما عرفت من العقول وأقواها؛ فمن هذه السماء ~~توكفت هذا السحاب؛ # 6 # وإني لأشهد أني في بعض فصوله كنت ms02 أحامي عن الحب أن ينتقص؛ # 7 # فأدير الكلام على ذلك فيلتوي، ثم أراه لا ينقاد، ولا يتابع إلا على خلاف ما ~~أريد؛ فإذا أخذت في المذهب الذي يعن لي اتفاقا وعرضا، # 8 # تحدر الكلام تحدر الدمع من حيث لا يملك أحد أن يفيضه أو يكفه؛ لأنه ~~عند أسبابه الباطنة، وفي فصل «الشيخ علي» خاصة كانت روح هذا الرجل الطبيعي كأنها هي التي ~~تكتب، وكان مريدا على طبعه وخلقه، # 9 # فما ملكت معه محاماة ولا دفعا. وفي فصل «الشيخ محمد عبده» كنت أشعر كأني ~~مرتق في صعداء مطلبها طويل بعيد، # 10 # فلا أخطو خطوة إلا مدافعا جاذبية الأرض، وشاعرا بأني أحمل نفسي حملا؛ ~~وكنت كالذي يطأ على أضراس الجبل الصخري وأسنانه متئدا حذرا أن يزل فيسقط سقوط ~~اللقمة الممضوغة ... ولا ينفعه في الصخر، وشموخه، وتعاليه أنه كان في عريض السهل عداء لا ~~يلحق! ~~••• # من الحب رحمة مهداة؛ فإذا كنت مع الله كانت كل أفكارك صورا روحانية؛ فأنت كالملك: ~~هو في الأرض ما هو في السماء. ومن الحب نقمة مسلطة؛ فإذا كنت مع الشياطين كانت كل ~~أفكارك صورا حيوانية، فأنت كهذا المتجهم الطياش # 11 # الذي لو نظر في كل مرائي الدنيا ما رأى في جميعها غير وجه القرد؛ لأنه القرد ~~! # والناس في هذا الحب أصناف: فواحد يجاهد زلات قد وقعت، وهو المحب الآثم؛ وآخر يجاهد ~~شهوات تهم أن تقع، وهو المحب الممتحن؛ وثالث أمن هذه وهذه، وإنما يجاهد خطرات ~~الفكر، وهو المحب ليحب فقط؛ ورابع كالقرابة والصديق: عجز الناس أن يجدوا في لغاتهم ~~لفظا يلبس هذه العاطفة فيهم؛ فألحقوها بأدنى الأشياء إليها في هذا المعنى، وهو الحب. وعلى ~~الثالث وحده بنيت «رسائل الأحزان»، وعلى بعض الرأي في الباقيات كسرت هذا الكتاب. # من للمحب ومن يعينه # والحب أهنأه حزينه! # أنا ما عرفت سوى قسا # وته فقولوا كيف لينه؟ # إن يقض دين ذوي الهوى # فأنا الذي بقيت ديونه # قلبي هو الذهب الكري # م فلا يفارقه رنينه # قلبي هو الألماس: يع # رف من أشعته ثمينه ms03 # قلبي يحب وإنما # أخلاقه فيه ودينه ~~••• # يا من يحب حبيبه # وبظنه أمسى يهينه # وتعف منه ظواهر # لكنه نجس يقينه # كالقبر غطته الزهو # ر وتحته عفن دفينه # ماذا يكون هواك لو # كل الذي تهوى يكونه؟ # دع في ظنونك موضعا # إن الحبيب له ظنونه # وخذ الجميل لكي تز # ين الحسن فيه بما يزينه # إن تنقلب لص العفا # ف لمن تحب فمن أمينه؟ # ما لذة القلب المدل # ه لا يطول به حنينه؟ # ما لذة العقل المح # ب ولم يجننه جنونه # الحب سجدة عابد # ما أرضه إلا جبينه # الحب أفق طاهر # ما إن يدنسه خؤونه # أفق الملائك نفسه # في البدء كان له لعينه # 12 ~~••• # ويلي على متدلل # ما تنقضي عني فنونه # كيف السلو وفي فؤا # دي لا تفارقني عيونه؟ # | هوامش # | كلمة # كانت درتان متجاورتين في حلية على صدر حسناء؛ وكلتاهما يتيمة إلا من أختها، # 1 # تمج ذلك الشعاع النادر الذي جاءه الحسن من كونه ضوءا لم يولد من شمس، ~~ولا من قمر! ولكن من ظلمات البحر؛ فتناجتا يوما، وكانت الجميلة قد استوفت كل زينتها، ~~وحملت الدرتين على صدرها كأنهما عينا قلبها الثمين؛ فقالت إحداهما للأخرى وهي تشير إلي ~~هذه الفتانة: انظري ... انظري، ما أحسن لؤلؤتنا! # صارت اللؤلؤة في هذا المنطق الشعري هي امرأة الأعماق المظلمة، وعادت المرأة الحسناء ~~لؤلؤة الأعماق السماوية المضيئة؛ فلا شيء يريد أن يكون كما هو في نفسه؛ إذ لا يزال موضع ~~الفصل من حكمة الله خفيا، لا يرى بل يتوهم، ولا يستيقن بل يظن؛ وكان خفاء هذه ~~الحكمة في سماواتها إيجادا للخيال في الإنسان؛ حتى لا يظل أبدا في حيوانيته، ولكن هذا ~~الخيال نفسه كثيرا ما أضاف إلى الإنسان حيوانية أخرى. # ولو كشف لك عن الحقيقة لرأيت أقبح ما في كل شيء أن لا يبرح أبدا محبوسا في حقيقة لا ~~يجاوزها؛ ومن ثم خفف الله عن الإنسان؛ فأودع فيه قوة التخيل، يستريح إليها من ~~الحقائق؛ فإذا ضجر أهل الخيال من الخيال، لم يصلحهم إلا الحب، فهو وحده ناموس التطور ~~للقوة ms04 المتخيلة، ولن تجد في الأشياء العجيبة أعجب منه، حتى كأنه أم تلد؛ فالمرأة هي تلد ~~الإنسان، ولكن حبها يلد النابغة. ~~••• # وليس يقع التعجب من الأمر؛ لأنه عجيب في نفسه، بل لأنه متصل من الإنسان بروعه ، # 2 # أو بعقله، أو بهواه، أو بمطامعه؛ فإن دهش الروع، أو تحير العقل، أو اشتهى ~~الهوى، أو تمكن المطمع من النفس، فهذه هي الألوان الأربعة التي تصور منها الطبيعة ~~الإنسانية كل معاني التعجب، والذي هو أعجب من جميعها أن الطبيعة لا تحتاج إلى جميعها في ~~تصوير شيء إلا واحدا، هو تصوير الحب الصحيح في قلب إنسان. # فهذا الحب ليس حقيقة واحدة عجيبة، بل هو أربع حقائق داخل بعضها بعضا، فلا يتميز لون ~~منها من لون منها. وما حقيقة الحب الصحيح إلا امتزاج نفسين بكل ما فيهما من الحقائق، حتى ~~قال بعضهم: لا يصلح الحب بين اثنين إلا إذا أمكن لأحدهما أن يقول للآخر: يا ~~أنا؛ # 3 # ومن هذه الناحية كان البغض بين الحبيبين - حين يقع - أعنف ما في الخصومة؛ إذ ~~هو تقاتل روحين على تحليل أجزائهما الممتزجة، وأكبر خصيمين في عالم النفس، متحابان ~~تباغضا! # وللحب العجيب جنس من النساء عجيب، خلقن جواسيس على القلوب يدخلن فيها، ويخرجن منها، ~~وقلما تجسمت الواحدة منهن إلا لتفضح للدنيا أسرار روح عظيمة؛ وهذا الجنس تهيئه ~~الطبيعة تهيئة المادة السحرية، وتولد المرأة منه مرتين؛ فإذا هي انحدرت إلى الدنيا ~~طفلة جعلت تأخذ في دمها الجذاب من شعاع الشمس يتوهج، ومن القمر يتندى، # 4 # وذهبت تنمو في ظاهرها نموا، وفي باطنها نموا غيره، حتى إذا بلغت مبلغها، ~~وانبعثت ملء شبابها، آن لها أن تولد الثانية، فولدت في قلب رجل! # والعجيب أنها في الولادة الأولى يكون أول وجودها هو أول وجودها؛ أما في الثانية فذلك ~~أول فنائها؛ لأن المرأة متى حلت من قلب الرجل محلا، جعل يفنيها معنى في كل معنى حتى ~~تفرغ، فلا يبقى منها إلا ذكرى زمن مضى ... # وكل امرأة من هذا الجنس هي معجزة عقلية ما دامت مخبوءة في ms05 الشعاع السماوي من جمالها، ~~وما دام هذا الشعاع يفعل فعله الذي عرفه الناس أوضح ما عرفوه في أديانهم، وعقائدهم، ~~وفيما أنزلوه منزلة الأديان والعقائد. # وآية مصداق هذا الإعجاز # 5 # في المرأة الساحرة المحبوبة ذلك النوع من الحب، أنه بينا يكون محبها ~~رزين الطبع، وازن الرأي # 6 # كالجبل الراسخ الوطأة، إذا هو من سخافة رأيه في بعض أهواء الحب ونزعاته، ~~كأنه جبل يطير بألف جناح، وقد ملأ الخوافق بين السماء والأرض أوهاما سحرية! # وهنا معضلة الحب التي لا حيلة في فهمها، ولا في تقريبها إلى الفهم، وهي تثبت أن ~~العاشق يعطى في ناحية خياله قبل الناس جميعا؛ ولكنه ينتقص من ناحية عقله مع حبيبته ~~وحدها؛ فهما سحران تظاهرا. # 7 # ولا يشبه تلك المعجزة إلا أن ترى إنسانا يقوم على ساحل البحر الملح؛ فيلقي فيه ~~رطلا سكرا، ثم يتذوق البحر؛ فإذا هو في مذاقه، وفي رأيه، وفي حكمه شراب سائغ، كأنما ~~ألقى الرجل فيه وزن كرة الأرض من هذا الطعم اللذيذ الحلو ... ومع ذلك فهو عاقل فيما عدا ~~ذلك! # | هوامش # الفصل الأول # | القمر الطالع # في يدي الآن هذا القلم الذي أكتب به، وهو سن قائمة في نصاب # 1 # من الزجاج أحمر صاف يشف عن داخله؛ فإذا طاف به النور أشع ~~فيه، # 2 # وانصبغ بلونه؛ فرمى على إصبعي ظلا مجروحا، # 3 # يريك الجلد كأنما جرحه من فوقه لا من تحته. # فإذا راوحته يدي، # 4 # وقلبته أناملي، رأيت له بريقا يستطير فيه كأنه شعلة من اللهب حبستها ~~معجزة في عود من الثلج. # فإذا استعرضته بين العين وبين الضوء الساطع، رأيت منه ياقوتة حمراء قد افتر فيها ~~نبع كالفم الحلو، يتنفس على قلبي الحزين بابتسامات تأتي إلي وفيها ألوان شفاهها ~~الوردية! # فإني لجالس ذات مرة في جوف الليل أكتب على ضوء الكهرباء، إذ طارت فيه نظرة من ~~نظراتي، وكان بإزاء الشعيلة؛ # 5 # فرأيت في خلاله من انعكاس الضوء شميسة صغيرة لم أر قط أحسن منها ~~حسنا، كأنها سبيكة تحترق، وتتناثر ضبابا من بخار الذهب؛ فمددت ms06 النظر؛ فإذا أنا بتلك ~~الشميسة كأنها إحدى عذارى الجنة انغمست في غدير صاف فحولها جمالها، فانقلب من معنى ~~الماء إلى معاني الجمال المستحي؛ فاحمر كأنه لون خد مورد! # وراعني ما أبصرت، فاستأنيت لحظة، ثم رفعت طرفي إلى ~~مدار هذا الكوكب، فجعل يرمي بمثل شقائق البرق # 6 # تلمح واحدة لواحدة، ثم انقلب يتضرم كالتنور المستعر، ثم عاد لجة من ~~«السحاب الأحمر» يموج بعضها في بعض كالحب المتوهج، يملأ فراغ قلب كبير؛ فاختلج الذي هو ~~في صدري؛ وحضرتني # 7 # حاضرة من الذكرى لم تكد تعرض للفكر حتى انفلق السحاب عن وجه فاتن كالقمر ~~الطالع، وكان متمثلا في نفسي مذ أبصرت تلك الشميسة، فكأنما أرى من السحاب مرآة ~~فانطبع فيها؛ وما تلبث إلا يسيرا ثم اختفى. # وغصت في هذه النفس أفكر فيما رأيت، وأنا أمسك على قلبي أن يطير، فإذا «السحاب ~~الأحمر» يمطر علي مطرة من الخواطر والكلمات، يتلاحق منها طرف بعد طرف، وتقبل طائفة ~~وراء طائفة؛ كأن متكلما يتحدث بها في نفسي، أو كأنه وحي يوحى من ملك الجمال؛ فأسرعت ~~أدونها، وأحصيها تحت عيني تلك الصورة الجميلة المشرقة علي، حتى امتلأ البياض سوادا، ~~واستفاضت روح الحبر الأسود بالهم، على صدوع القلب وعلى شعابه. # 8 # وجاءت بعد ذلك ليال كان فيها السحاب يعرض لي صورا أعرفها، فإذا مثلها فاستوخيتها ~~الفكرة سح علي الخواطر من روحها، فأقبلت كالمطر يفرغ إفراغا دفعة من غير ~~تلبث. # 9 ~~••• # رأيت وجه فتاة عرفتها قديما في ربوة من لبنان، ينتهي الوصف إلى جمالها، ثم ~~يقف؛ # 10 # كنت أرى الشمس كأنما تجري في شعرها ذهبا، وتتوقد في خدها ياقوتا، وتسطع في ~~ثغرها لؤلؤة، وكنت أرى الورد الذي يزرعه الناس في رياضهم، فإذا تأملت شفتيها رأيت ورقتين من ~~الورد الذي يزرعه الله في جنته؛ وكانت لها حينا خفة العصفور، وحينا كبرياء الطاووس، ~~ودائما وداعة الحمامة المستأنسة؛ وكانت روحها عطرة تنفح نفح المسك إذا تشامت ~~الأرواح الغزلة بالحاسة الشعرية التي فيها! # وكنت إذا رأيتها بجملة النظر من بعيد صور لها قلبي من ms07 الحسن والهوى ما يموت فيه ~~موتة ثم يحيا؛ فإذا جالستها، وأثبت النظر فيها رأيتها في التفصيل شيئا بعد شيء بعد ~~شيء، كما أنظر نجما بعد نجم بعد نجم: كلها شعاع، وكلها نور، وكلها حسن! # وما نظرت مرة إلى النساء حولها إلا وجدت من الفرق بينها وبينهن ما يتضاعف من جهتها ~~عاليا عاليا، ويتضاعف منهن نازلا نازلا؛ كأنه ليس في الأمر إلا أنها أخذت من ~~السماء، ووضعت بينهن! # هي كالفتنة المحتومة تنبعث إلى آخرها، فليس منها شيء إلا هو يحسن شيئا، ويشوق ~~إلى شيء، وبعضها يزين بعضها. ~~••• # لقد تراخى الزمن بي وبها! فلو عددت لأحصيت مائة وخمسين قمرا منذ فارقتها، وما ~~أحسب الأرض إلا انصدعت بيننا عن أقيانوس عظيم من الزمن تملؤه الأيام والليالي، فلا يخاض، ~~ولا يعبر، ولا ينظر فيه أهل ساحل أهل ساحل غيره. # وعلى أن هذا الزمن قد محا في قلبي من بعدها وأثبت، فلا تزال تنشق لها زفرة من ~~صدري كلما عرضت ذكراها، كأن القلب يسألني بلغته: أين هي؟ # والقلب الكريم لا ينسى شيئا أحبه، لا شيئا ألفه؛ إذ الحياة فيه إنما هي الشعور، ~~والشعور يتصل بالمعدوم اتصاله بالموجود على قياس واحد، فكأنما القلب يحمل فيما يحمل من ~~المعجزات بعض السر الأزلي الذي يحيط بالأبعاد كلها إحاطة واحدة؛ لأنها كلها كائنة فيه: ~~فليس بينك وبين أبعد ما مر من حياتك إلا خطوة من الفكر، هي للماضي أقصر من التفاتة ~~العين للحاضر. ~~••• # ليس بجمال إلا ذلك الروح الذي يرفع النفس إلى أفق الحقيقة الجميلة، ثم ينفخ فيها مثل ~~القوة التي يطير، ويدعها بعد ذلك تترامى بين أفق إلى أفق؛ فإما انتهى المحب إلى ~~حيث يصير هو في نفسه حقيقة من الحقائق، وإما انكفأ من أعاليه، وبه ما بالطيارة الهاوية: ~~رفعت راكبها إلى حيث ترمي به ميتا، أو كالمغشي عليه من مس الموت! # والذين ينكرون أن الجمال يقتل أحيانا، أو يجعل الحياة كالقتل، ثم يدعون مع ذلك هوى ~~وحبا، إنما هم أولئك الذين يعشقون بنفس العاطفة المادية الخسيسة التي ms08 يحبون بها الذهب، ~~والفضة، وورق البنك ... # وليس بحب إلا ما عرفته ارتقاء نفسيا، تعلو فيه الروح بين سماوين من البشرية فتلوح ~~منهما كالمصباح بين مرآتين: يكون واحدا وترى منه العين ثلاثة مصابيح؛ فكأن الحب هو تعدد ~~الروح في نفسها، وفي محبوبها. ~~••• # ولا سمو للنفس إلا بنوع من الحب مما يشتعل إلى ما يتنسم؛ من حب نفسك في حبيب تهواه، ~~إلى حب دمك في قريب تعزه، إلى حب الإنسانية في صديق تبره، إلى حب الفضيلة في إنسان ~~رأيته إنسانا؛ فأجللته وأكبرته. # فإذا أنت أصبت في الخليقة من أغفل الله قلبه # 11 # عن تلك الأربعة! فلا حب، ولا صلة! ولا يألف ولا يؤلف، فذلك هو الذي لا ~~نفس له من نفوس الناس، كأنه سبع من السباع الضارية، أو هو الذي كله نفس، كأنه نبي من ~~الأنبياء ... تجد الأول فيمن اعتزله العالم من شرار المجرمين، وأخلاط الشياطين الإنسية ~~الذين لا يسعهم الناس بعد أن انفصلوا من إنسانيتهم، وانحطوا انحطاطا في أشد العنف؛ ~~وتجد الثاني فيمن اعتزل هو العالم من خيار الأوابين، والشهداء الذين لا يسعون الناس ~~بعد أن اتصلوا بإنسانيتهم الكاملة؛ فارتفعوا عن الخلق ارتفاعا في أرق الرحمة! # الحب بعض الإيمان: وكما أن الطريق إلى الجنة من الإيمان بكل قوى النفس؛ فإن الطريق إلى ~~الحب من قوة لا تنقص عن الإيمان إلا قليلا؛ والخطوة التي تقطع مسافة قصيرة إلى القلب، ~~تقطع مسافة طويلة إلى السماء! # وكما ينشأ الفكر أحيانا من عمل العقل الإنساني إذا هو تحكم في الدين، يأتي البغض من هذا ~~العقل بعينه إذا هو تحكم في الحب. # وترى ما هذا الشبه بين المرأة وبين السماء؟ أكانت المرأة في أصل الخلقة مادة سماء ~~بدأت تتخلق في الغيب، فحبسها الله في ضلع الرجل عقابا لها، ثم عاقبها الثانية فأخرجها ~~للرجل تنظر إليه، كما ينظر السجين إلى سجنه ... ويكون الله سبحانه قد عاقبها مرتين؛ لتتعلم ~~هي بطبعها كيف تتجنى على الرجل، وتعاقبه مرارا لا تعد؟ # أيمكن أن يكون هذا الجمال الفتان في المرأة الجميلة ms09 خلاصة سماء من السماوات خلقت ~~عينين وخدين وشفتين؛ تضحك أحيان بالنور، وتلتهب أحيانا بالبرق، وتنفجر أحيانا ~~بالرعد؟ # لقد عرفنا أن في السماء جنة ونارا، وأقسم لو صغرت الجنة، وجعلت أرضية تلائم ~~حياة رجل من الناس، ثم عجلت له هذه الحياة الدنيا؛ لما كانت بمتاعها ولذاتها، وفنون ~~الجمال فيها إلا المرأة التي يحبها ! ... أما الجحيم فلا أراني في حاجة إلى برهان على أنها ~~صغرت وتجزأت، واندفقت على الأرض شعلا في أسماء من أسماء النساء! # لذلك أراني لا أستطيع أن أفهم المرأة الجميلة، بل لا أدري كيف أفهمها؛ فمن حيثما نظرت ~~إليها لا أراها تبتدئ إلا من فوق العقل، فأنظر إليها ساكتا على أنها هي لا تنظر في إلا ~~متكلمة. ~~••• # يا ملون السماء، والوجوه الجميلة؛ يا مصور الروعة والحب، يا مبدع هذه المعاني ~~الظاهرة إبداعا، جعلها لدقتها كأنها لم تظهر ... يا موجد القلب كما هو لتملأه السماء ~~إيمانا، والجمال حبا، والمعاني فكرا منهما معا ... # ويا خالق الإنسانية العالية في الإنسان الكامل من إيمانه، وحبه، وفكره ... ~~... نعرف هذه السماء بما وسعت للإيمان، وهذه الطبيعة بما رحبت للفكر؛ فهل المرأة ~~وحدها هي التي للحب؟ # تباركت إذ جعلت ما وراء الطبيعة فوق الفكر مهما سما، وجعلت الطبيعة حول الفكر مهما ~~اتسع، وأنزلت المرأة بين المنزلتين مهما كانت! # إن من النساء ما يفهم ثم يعلو في معانيه الجميلة إلى أن يمتنع، ومن النساء ما ~~يفهم ثم يسفل في معانيه الخسيسة إلى أن يبتذل! # إن من المرأة ما يحب إلى أن يلتحق بالإيمان، ومن المرأة ما يكره إلى أن يلتحق ~~بالكفر! ~~••• # من المرأة حلو لذيذ يؤكل منه بلا شبع، ومن المرأة مر كريه يشبع منه بلا أكل! # | هوامش # الفصل الثاني # | النجمة الهاوية # طائفة من الخواطر في طائفة من النساء # وترقرق السحاب فإذا هو كنضج الدم، # 1 # وإذا هو يفور فوره؛ # 2 # فبان كأنما يتدفق من طعنة أرى دمها، ولا أرى موضعها؛ لأن هذا الشلال ~~الأحمر يتفجر منها. # ورأيتها هي طالعة كالشمس حين تغرب محمرة يتغالب طرفا الليل ms10 والنهار عليها؛ ففيها ~~أواخر النور، وأوائل الظلمة، وسوادها يمشي في بياضها # 3 ~~... # قلت يوما في صفة إحدى القصائد البديعة: إنها فن من الشعر؛ وفي إحدى الصور المحكمة: ~~إنها فن من التصوير؛ وفي تلك الجميلة: إنها فن من المرأة! أما الآن فقد عرفنا أن اصفرار ~~الشمس إيذان بسواد نصف أرضها. # وتقول العرب: امرأة مجلوة؛ ويفسرون ذلك بأنك إذا رامقت فيها الطرف # 4 # جال؛ يعنون أنها من جمالها ذات شعاع، فيجول الطرف فيها لأجل شعاعها ~~وبريقها؛ أفلا يجوز لنا أن نزيد في هذه اللغة: وامرأة صدئة، ونفسرها بأنها هي التي إذا ~~اتصلت بها تركت مادة الصدأ على روحك اللامع؛ لأنها كهذا الصدأ طينت على ~~طينتها؟ # 5 ~~••• # لست أريد أن أصنع في هذا الفصل كتابة؛ حتى لا أدير الكلام على شيء، فقد مسخت تلك ~~النفس في نفسي فخلصت لي منها هذه الكلمة الجميلة: «تتم آمالنا حين لا نؤمل»، ولكني ~~مرسل مطرة سحابي تهطل ما هطلت؛ فالمرأة الأولى أضاعت على الرجل جنته، ومن نسلها ~~نساء يضيعن على الرجل الجنة وخيالها! ولو استطاعت الأرض أن تفر من تحت قدمي ~~مخلوق براءة منه، لكان أول من تنخزل تحت رجليه # 6 # واحدة من هذا النوع! # ملح الله لا يحلو أبدا؛ فماذا تصنع في نفس لو سالت لكانت ~~بحيرة؟ # سرورك من الصديق الطيب لا يكلفك إلا أن تستمتع به، وأنت لا تخسر فيه إذا ~~زال إلا أنه زال؛ فإذا لم يكن الطيب في نفسه طيبا كذلك في أثره فهو ~~الخبيث! # بعض النساء تنقص بها الحزن، وبعضهن تغير بها الحزن، وبعضهن ... تتم بها ~~حزنك! # لا يتقد الشجر الأخضر إلا من أشد النار سعيرا، وتتقد المرأة الجميلة ~~حتى من أشعة وهمها! # في قلب الرجل ألف باب، يدخل منها كل يوم ألف شيء؛ ولكن حين تدخل المرأة من أحدها ~~لا ترضى إلا أن تغلقها كلها! # النساء منجم السعادة؛ فرجل واحد لا يكاد يمد يده حتى يضعها على ~~الجوهرة المشرقة؛ ومائة رجل يغربلون حصى المرأة وترابها ليجدوا فيها شذرة ~~تلمع! # قال لي ms11 زوج عن امرأته: أنا وهي ينتج منهما أنا بلا أنا! # لم يخلق الله أحدا مكروها قط، وإنما نبغض من الناس الصور المكروهة التي ~~يحدثونها: فعملك شخصك الحقيقي! # كم من امرأة جميلة تراها أصفى من السماء، ثم تثور يوما، فلا تدل ثورتها على شيء ~~إلا كما يدل المستنقع على أن الوحل في قاعه؛ فأغضب المرأة ~~تعرفها! # الحبيب من تلتهمه بكل حواسك، فإذا رأيته فقد رأيته، وسمعته، وذقته، ولمسته، ~~وشممته؛ والبغيض من تقيئه من حواسك ... # في المرأة حقيقة، ولكنها لن تعرفها إلا بفكر رجل، فالكاملة من لا تسيء أحدا، ~~وإلا أساءت إلى حقيقتها! # كل ما يخطر ببالك فقدر معه ضده إذا كنت تفكر في الحب والبغض! # يجب على المدارس حين تعلم الفتاة كيف تتكلم، أن تعلمها أيضا كيف تسكت عن ~~بعض كلامها! # الخبيثات للخبيثين، قيل لأرض حطيبة: # 7 # من تشتهين أن يكون زوجك لو كنت امرأة؟ قالت: الفأس! # تجاورت شجرة من الحسك، # 8 # وشجرة من الورد؛ فزهت الوردة زهوا عاطرا بطبيعة العطر الذي في ~~مادتها. فقالت لها الحسكة: ويحك! ما هذا الزهو الذي أفسدت به محلك من نفسي؟ ~~قالت الوردة في كلام هو عطر آخر: لا تتعبي نفسك في تحقيري، فلست أفهم لغة ~~الشوك إلا إذا كان ينبت الورد! # قد يتغير الرجل في نظر امرأته حتى تقول له: يا أنت الأول، يا أنت ~~الثاني! # 9 ~~... ~~... ولكني عرفت رجلا قال لامرأته: يا أنت الخامسة والخمسين! # قيل لحية سامة: أكان يسرك لو خلقت امرأة؟ قالت: فأنا امرأة غير أن ~~سمي في الناب، وسمها في لسانها! # ما ألأم الشجرة التي لو نطقت لشتمت من يسقيها! # لا يفكر الرجل فيما لم يحدث على اعتبار أنه حادث، إلا في شيئين: المصيبة ~~التي يكرهها، والمرأة التي يحبها! # قال رجل حكيم: إذا بلغك عن أخيك ما تكره، فاطلب له من عذر واحد إلى سبعين ~~عذرا، فإن لم تجد فقل: ولعل له عذرا لا أعرفه! وقالت امرأة حكيمة: إذا ~~بلغك عن رجل ما تكرهين فاطلبي له من ذنب إلى سبعين ms12 ذنبا، ثم قولي: ولعل له ~~ذنوبا لا أعرفها ... زوجوا الحكمتين أيها الناس! # يخيل إلي أن عقل بعض النساء مثل وجوههن المزورة: تحته ما تحته، وليس ~~عليه إلا «غبار» من العقل! # من المستحيل أن تسكر النار وإن كان شررها ينطفئ كحبب الكأس، ومن المستحيل ~~أن تلذع الخمر وإن كان حببها يموج موج الشرر، ولكن من الممكن أن تجد في ~~امرأة واحدة لذع النار، وإسكار الخمر معا، وهي شيطانة النساء، يجتمع ممكنها من ~~مستحيلين! # شر النساء عندك وعندي هي التي تجعلك تتنبه إلى ما في النساء من الشر! # قال بعضهم لزاهد عظيم: إني رأيتك الليلة تمشي في الجنة؛ فقال له الزاهد: ~~ويحك أما وجد الشيطان أحدا يسخر منه غيري وغيرك؟ وقال رجل لامرأة: إني رأيتك ~~الليلة في الجنة؛ فقالت له: ويحك! تقولها من غير أن تشكر فضلي عليك مع أني أدخلتك ~~الجنة! # أشأم النساء على نفسها من لا تحب ولا تبغض، وأشأمهن على الناس من إذا عدت ~~مبغضيها لا تعد إلا الذين أحبوها! # يا هذه لا أدري ما تقولين؛ ولكن الحقيقة التي أعرفها أن نفس المرأة إذا ~~اتسخت كان كلامها في حاجة إلى أن يغسل بالماء والصابون، وهيهات! # يا من على الحب ينسانا ونذكره # لسوف تذكرنا يوما وننساكا # إن الظلام الذي يجلوك يا قمر # له صباح متى تدركه أخفاكا # | هوامش # الفصل الثالث # | السجين # وتغيم سحابي هذه المرة، وأطبقت في حواشيه سوداء على سوداء # 1 # كأنه يجمع هم قلب بات الألم من عناصر حياته. # رأيت في سوائه # 2 # رجلا ألبس الذلة وسيم الخسف، # 3 # وقد انتصب كالجذع المشتعل، وله فروع من الدخان، وهو هذا السجين الذي أقص ~~خبره. # ألا إنما الإنسان من الأقدار كالنبات بين الفأس التي تحرث له، والمنجل الذي يحصد ~~فيه؛ وما هذه الدنيا إلا هذان، فلا يحسبن العود الطالع أنه شيء غير العود ~~المقطوع! # كنت يوما في محكمة كذا، فجاء الجند بسجين قروي كالمارد، يزعمون أنه سبع من سباع ~~القرى، وشيطان من شياطين الليل، # 4 # وقد غلوا يديه بسلسلة من ms13 الحديد لعل فقار ظهره أصلب منها. # خلق في هيئة مستصعبة شديدة المراس كالجمرة المتقدة، ولكن الحياة ما زالت به من نكد ~~إلى أنكد منه حتى طمرته في رمادها؛ لأن له عثرة هو عاثرها يوما. # وخلق في مزاجه وعصبه من المادة المشتعلة، حتى إذا التهب رأت منه الحياة شكلها ~~القوي الجميل في الرجل المشبوب يرسل فروعه النارية على ما حوله: فإذا خمد رأى منه ~~الموت شكله العنيف الجميل في الجمرة العليلة الذابلة حين تمر أنفاس الهواء عليها. # رجل طوال إذا انتصب والناس وقوف حوله رأيتهم معه أشبه بهم قعودا، مما يفرعهم من ~~طوله، وامتداد قامته، مجدول الذراعين، مشبوح العظام # 5 # قد تباعد منكباه، وترامى بينهما صدر مصفح، كل ثدي من ثدييه يجمع ~~قوة أسد. # وهو في توثيق جسمه، وتفرع بعضه من بعض كأنه شجرة رجال: كل فرع منها بطل منكر؛ ~~وهو في إحكام تركيبه، واندماج بعضه في بعض كأنه تمثال أفرغ من حديد؛ فتوزعت فيه ~~الكتل هنا وهنا، وكل ما فيه من الإجمال والتفصيل أنه جسم آدمي يمثل للأعين ناموس «بقاء ~~الأنسب». # وجاءوا به والناس متقصفون عليه من ازدحامهم ينثني بعضهم على بعض لينظروا إلى الرجل ~~الكامل، بل الذي نقص حين كمل، وهو مطل عليهم ... كأنه عبارة مبهمة في صحيفة! وكأنهم من ~~حوله شروح وتفاسير رقمت على حاشيتها بخط دقيق، وقف كالشيء الغامض يروعهم بغموضه أضعاف ما ~~يعجبهم بروعته! وكانوا كالشعاع: خيطا يظهر من خيط؛ وكان كالظلمة: نسيجا من قطعة واحدة؛ ~~وأحسبه لو صاح بهم صيحة البأس لسقطت قلوبهم من علائقها سقوط أورق الشجر في قاصف من الريح، ~~وكأن ما بينهم وبينه في الروعة والقوة كالذي تقيسه بين ألف متر انخسفت تحت الأرض، وألف متر ~~انبثقت فوقها؛ فالبعد بين طرفيهما مضاعف كل منهما؛ وما زالت سنة الله أن تتضاعف الفروق ~~دائما بين الأشياء التي لا يمكن أن تتفق، حتى لا يمكن أبدا أن تتفق! # أما أنا فما يعجبني شيء ما تعجبني القوة السليمة في رجل شجاع، والضعف السليم في امرأة ~~جميلة، ms14 وكما أنظر أكثر الوقت بالنظر الساكن المفكر، أحب أن أنظر أحيانا بمثل البرق ~~المتطاير من عيني أسد مفترس، أو الازورار الزائغ في عيني جواد جموح، وخير الناس ~~في رأيي من غسله تاريخ أهله بضوء السماء، وضوء السيوف معا. # 6 ~~••• # وكان الرجل يظهر كأنما هو لا يمسكه الحديد الذي يعض على يديه؛ بل ذنبه الذي يعض ~~على قلبه: ولعله قتل ضعيفا مظلوما، فتحول ضعف القتيل، وذلته، ومسكنته إلى أرواح ~~منتقمة من كبريائه، تدس في ضميره عنصر الجبن البغيض إليه، وتربط الروح الميتة إلى ~~روحه؛ فلا ينزع ظلمتها عن قلبه كل ما في النهار من الضوء؛ ولا يجد النور إلا في الإقرار ~~والندم؛ فيسكن إليهما. # وتبينته فرأيته ساكنا سكون الاستهزاء؛ كأنه على ثقة مما خفي عنه، تشبه ثقته بما ~~وضح له؛ أو لتعاسته أخفق أكثر مما فاز. والإنسان متى كثر إخفاقه صارت الخيبة في ~~الأعمال هي الخطة التي يبني عليها؛ أو لا هذه ولا تلك، ولكنها الشجاعة تجعل المطمئن إلى ~~غاية الحياة لا يبالي بكل وسائل هذه الغاية المحتومة! # وقيل: إنه بعد أن غمس يده في الدم طار على وجهه تلفظه الأرض من جهة إلى جهة، حتى ~~أسلمته يد النقمة إلى يد العدل! ~~••• # ترى لو سألنا الوحش حين يفترس إنسانا: ماذا وقع في نفسك منه حتى ثرت به، وعدوت عليه؟ ~~أكان يقول - لو أنطقه الله - إلا أنه أبصر في هذا المخلوق وحشا ماكرا خبيثا إن لا يكن ~~في دقة ناب الثعبان، فهو في خطر سمه؛ وإنه لو رأى عليه سمت إنسان، وأبصر له نظرة ~~إنسان، وأحس منه قلب إنسان للجأ من وحشيته إلى الإنسانية التي فيه؛ إذ الإنسانية هي ~~حرم الأمن الإلهي الذي توضع عنده كل الأسلحة، حتى أسلحة الوحوش، وإذ الإنسان هو ~~محرابها الذي تصرع عنده كل القوى، حتى قوى الطبيعة. # كأنما كبرت الإنسانية حتى عن أن تكون شيئا إنسانيا؛ فما هي فيمن ترى ممن حشو ~~جلودهم ناس، وحشو نفوسهم بهائم؟ إنما الإنسانية هناك، بعد أن تخرج بنفسك من حدود الشهوات ms15 ~~الأرضية، وترفعها فوق هذه الطبيعة، وبعد أن تعاني في شق طبقات النفس الحريصة طبقا عن ~~طبق، مثل الذي يعانيه من يحفر في أصلب أحجار الأرض إلى غور بعيد! # فهناك لا تجد الأشياء، بل معانيها، وأسرارها، ولا الحوادث، بل أسبابها، وأقدارها، ولا ~~نيران النفس، بل أضواءها وأنوارها؛ فترجع من ثم وفيك الناموس الذي ينبت الخضرة من ~~العود المغبر، # 7 # ويخرج النار من الشجر المخضر، ويجعلك لبحر هذا الأزل كأنك مكان من ~~البر. ~~••• # كان السجين في بهو المحكمة، فصعد به الجند إلى غرفة «قاضي الإحالة»، # 8 # ووقفوه ساعة على مطل بين يديه فناء واسع أسفل منه، فتحول الناس إلى هذا ~~الفناء، وتحولت معهم، وكان البطل يلوح كطرف المئذنة؛ فما هو إلا أن أدار عينيه في ~~الناس حتى استقر بهما على ناحية، فنظرت حيث نظر؛ فإذا داء قلبه، وقلب كل من رأى ... ~~... ست نساء، وفتى، وطفلان، ورضيع؛ فأما واحدة فأمه، وأما الثانية فزوجه، والباقيات ~~أخواته، والفتى فرع أبيه، # 9 # ثم الطفلان والرضيع أولاده، وقد جاءوا يودعونه، ويستودعونه؛ وحسبوا أن ليس بين ~~رجلهم وبين الموت إلا هذا القاضي الذي مثل ببابه، فطرح الموت ظل فكره على وجوههم، ~~وأخذ الرعب مأخذه فيهم؛ فما كانوا إلا كما يجتمع أهل الميت حول الميت. # رأيت أمه المفجوعة جالسة لا تحملها رجلاها، وعلى صدرها ذلك الرضيع تضمه كأنه قطعة ~~من قلبها رجعت إليه، وتشد عليه بيديها شدة الجزع والحنان كما لو كانت تحسبه صلة ~~بينها وبين ابنها، تنقل هذه الشدة بعينها إليه كما تنقل الكهرباء حركة المتحرك، وقد ~~انطلقت دموعها، وفي كل نظرة إلى نكبة وحيدها مادة جديدة للبكاء! # وهي تنحني على قلبها حتى يداني وجهها الأرض، كأنها شعرت به ينكسر؛ فمالت ليلتئم صدع ~~منه على صدع، ثم تعود فتعتدل؛ فيكاد ينشق قلبها فتضغطه بانحناءة أخرى؛ وهي في كل ذلك ~~مرسلة عينيها تمطر مطرا، وكانت حين تنكف دمعها، # 10 # وتنحيه عن خديها، يتساقط من فروج أصابعها كأنه عدد أيام ~~شقائها! # وحسب الرضيع أن هذه الحركة هدهدة # 11 # من أمه ms16 لينام، فنام هنيئا على صدرها، وأدفأه غليان هذا الصدر فضاعف لذة ~~أحلامه! وإنما هو طفل سماوي لا يزال مس يد الله على جلده الرطب، فلو زفرت حوله ~~جهنم فأحرقته لكفنته نسمة من نسمات الجنة؛ ويا سعادة من يستطيع بطبيعته أن ينقطع ~~من وسائل نفسه إلى وسائل الله! # 12 # وأما زوجة الرجل - وهي شابة جزلة الخلق، ناضرة الصبا، تركها الحزن كالمرأة ~~المهملة: تدل أنوار بريقها على مواضع الصدأ منها؛ فكانت واقفة تحمل على رأسها برمة ~~أعدت فيها ما تعرف أن سيدها يشتهيه من طعامه، كأنها تريد أن تجعل من هذا الطعام الذي ~~يحبه رسالة من الحب بين نفسها ونفسه ترسلها إليه في سجنه! ولما استقرت عينه عليها، ~~أرسلت كل عواطفها في مجاري دمعها، وقد أيقنت أنه قطع بها دون عمادها، وزوجها، ~~ووالد ابنها، وكنزها الذهبي الذي لا تملك غيره؛ فكانت تبكي لكل معنى من هذه المعاني بكاء ~~بعينه، وتبكي على قدر وفائها الذي لا حد له، وحبها الذي لا صبر معه، ومصيبتها التي لا سبب ~~فيها من أسباب العزاء؛ وكل نظراتها كانت تقول لزوجها: لك ما أبكي. # 13 # وأحاط بها أخواته الأربع، صفر الوجوه، ساهمات الخدود، ذابلات الأعين! كأنما تدلين إلى ~~الأرض من مشنقة! والبنت قطعة من أمها، ولكنها في الحزن على أبيها أو أخيها بعدة أمهات؛ ~~فهل تراه لا يستوفي في بطن أمها إلا نصف حياتها كهيئتها في الدنيا ... ويبقى النصف الآخر في ~~أخيها، فإن مرض خامرها نصف الداء، وإن مات وقع عليها نصف الموت، ولا يكون حزنها عليه ~~إلا هدة في حياتها لا يمكن أن تبنى؟ # أما أخو السجين فوقف ناحية عن النساء، وجعل يبكي، ويعصر عينيه؛ ولا أدري إن كانت ~~الفطرة هي التي أبعدته عنهن حتى لا يشبههن بوجه من الشبه، ولو كان دقيقا كهذه الخيوط من ~~الدمع؟ أم هو انتحى جانبا كيلا تتصل به عدوى الضعف، وليستطيع أن يبكي على أعين الرجال ~~بكاء رجل في دمعه شيء من القوة؟ أم هو انتبذ مكانه ليتكلم مع آلامه؛ فإن ms17 الآلام ~~تتكلم، ولكن بإحساسنا؟ وكان له من أوجاع قلبه حديث طويل. # وأما الولدان فربض أحدهما في الأرض، ووقف الآخر؛ لأنه أكبر منه قليلا، وكلاهما ضامر ~~الوجه، متقبض، منكسر من هول ما يرى، وكانت عيونهما الحائرة تدل على أنهما بإزاء حالة ~~غير مفهومة، فأبوهما حي لم يمت، وعيونهما مكتحلة بعينيه، وليس بينهما وبينه إلا ارتفاع ~~شجرة ... فلم لا يصلان إليه، أو يصل إليهما؟ وعلام هذه المناحة ولا ميت؟ وفيم هذا الجمع ولا ~~معركة؟ # أخذا يدرسان الدنيا كلها في معضلتهما الأولى من حيث لا يفهمان شيئا، وبدأ العدل ~~الإنساني الرحيم يخشن صدرهما ليعلما ذات يوم معنى الظلم الذي يكون مرة باعثا على ~~العدل، ويكون مرة هو إياه! # ألا ويحك أيتها الإنسانية ظالمة أو مظلومة! إن أمامك من هذين الطفلين الموتورين آلتي ~~تصوير قد نقلتا هذه الصورة، وستحفظانها إلى يوم ما! # صورة بشعة على تلوينها؛ إذ لا سواد فيها إلا من الخطوط، ولا بياض إلا من الدموع، ولا ~~صفرة إلا من الوجوه، ولا حمرة إلا من لهب القلب، وسيمضي كل شيء لسبيله؛ فينسى ولا تنسى؛ ~~لأنها مادة علمية مصورة، كرسم تعليمي في جغرافيا الجريمة! # هي اليوم صورة طفل فهي للحفظ، وغدا صورة شاب فهي للعلم، وبعد غد صورة رجل فهي ... ~~للعمل. ~~••• # وكان السجين كالميت: تراه تحت أعين أهله وهو في عالم آخر، وبين أيديهم وكأنه حسرة بعد ~~أمل ضاع! وكان كلامهم سمع أذنيه، # 14 # ولكنه من معنى ما يحب على بعد ما بينه وبين المستحيل؛ ابتلاه الله بالجريمة، ~~ثم ابتلاه بالقصاص، ثم تمم عليهما بمصيبة في مقدار عذابهما معا، وهي رؤية أهله جميعا في ~~حالة لا يملك فيها قدرة، ولا صبرا! # إنما يمسك الإنسان قوتان: قدرة يمضي بها؛ فيدرك فيطمئن، أو صبر يقعد به فيعجز ~~فيطمئن؛ ولكنه متى امتحن بشيء لا يقدر عليه، وهو مع ذلك لا يصبر عنه، فقد وضعه الله من ~~ثمة في حالة لا إنسانية، ولا وحشية، ولا دونهما، ولا فوقهما؛ إذ يسلط عليه كل القوى ~~التي في داخله تدفعه ms18 بأشد العنف إلى القوى المحيطة به، ويغري المحيطة به ترميه إلى التي ~~في داخله؛ فما إن يزال مرتطما بين هذه وتلك، وكأنه لشدة وقعهما يحطم تحطيما بين ~~مطرقتين! # وهذه البلية من العذاب لا تتفق إلا في أشد ما يكره الإنسان حين لا يجد الإنسان منه ~~مفرا، ولا يطيق عليه مقرا، وفي أشد ما يحب حين لا يقدر إلى حد اليأس، ولا يصبر إلى حد ~~الجنون، وأحسب ما في الأرض منتحر قط أزهق روحه - إن لم يكن مجنونا ~~- إلا وهو في إحدى هاتين الحالتين؛ فإن وجدت من ~~يثبته الله على حالة منهما وجدته كالبقية من الحريق: إن لم تكن احترقت وذهبت، فقد ~~احترقت وبقيت! ~~••• # أجرم السجين فأخذ بذنبه، فما ذنوب هؤلاء جميعا؟ أهي إحدى الحقائق العليا الغامضة ~~التي من أجل غموضها، واستبهام حكمتها يقول الحائرون: «كل شيء هو كل شيء!» ويقول المنكرون: ~~«لا شيء في كل شيء!» ويقول المؤمنون: «كل شيء فيه شيء»؟ # أم هي الحقيقة السهلة الواضحة من كل جهاتها، وإن أصبح الناس لا يفهمونها؛ إذ لا تحتاج ~~إلى فهم، وإنما هم موكلون بما خفي ودق، كدأب هؤلاء العلماء والفلاسفة الذين يقطعون العمر ~~في دقيق المباحث، وعويص التراكيب، ثم لا ينتهون من نتائجها إلا إلى النواميس المكشوفة ~~انكشاف النور لكل ذي عين تبصر! # أهي الحقيقة السهلة التي تجزأت من أجلها آية الله، فيقول المنكرون: «لا علم!» ويقول ~~الحائرون: «لا علم لنا!» ويقول المؤمنون: «لا علم لنا إلا ما علمتنا!» # 15 # ألا أيها القلب الإنساني المعجز؛ إن أيامك كلها مضي في سبيل الموت الأول، كما هي ~~مضي في سبيل الحياة الأخرى؛ فأنت تسير في طريقين معا، وهذه هي معجزتك التي لا ~~تفهم! # 16 # ونحن من ظلام الدنيا، ومن بحثنا عن الحكمة الإلهية الصريحة بوسائلنا الإنسانية العاجزة، ~~كالذي يبغي أن تطلع عليه الشمس في ليله، ويبقى له مع ذلك ظلام الليل! يريد مستحيلين لا ~~مستحيلا واحدا، وهذا هو عقلنا الذي لا يعقل! # لو أراد الله بك خيرا أيها القلب المسكين لما جعل ms19 شقاءك يربى فيك تربية كما تربى ~~أنت في الإنسان، وكما يربى الإنسان في الحياة؛ فالحب، والرحمة، والشفقة، والصداقة، وكل ~~المعاني التي هي روابط الإنسانية في اشتباكها، هذه كلها هي وسائل مسرتك في حالة، وهي ~~بأعيانها أسباب عذابك في حالة أخرى! # جذور استسر بها الغيب، # 17 # وفي أيدينا فروعها، وأوراقها، وثمراتها: تلك هي شجرة الحياة، فلنا حلوها ~~ومرها، وما يفيء من ظلها، وما ينحسر، ونشذب # 18 # منهما؛ فتنمو وتزيد، ونغير من أشكالها، ونلوي أو نكسر من فروعها ما شئنا، ~~ونترك من ثمرها ما ينضج إلى أن ينضج، أو نتناوله فجا لا يساغ ولا يطعم، أما أن نجعل ~~مرها حلوا، أو نرسل المادة الحلوة بأيدينا في جذور الفروع المرة التي لا تؤتي ثمرها ~~إلا عللا، ومصائب ونكبات وموتا - فهذا ما لا سبيل إليه، ولا يغني فيه غناء، ولا تبلغ من ~~حيلة، إلا إذا استطعنا أن نطفئ الفرع الأحمر من النار؛ فيتحول في أيدينا إلى شيء آخر غير ~~الفرع الأسود من الفحم! # تأتي النعمة فتدني الأقدار من يدك فرع الثمر الحلو، وأنت لا ترى جذره، ولا تملكه، ثم ~~تتحول فإذا يدك على فرع الثمر المر، وأنت كذلك لا ترى ولا تملك؛ ألا فاعلم أن الإيمان ~~هو الثقة بأن الفرعين كليهما يصلانك بالله، فالحلو فرع عبادته بالحمد والشكر، وهو الأحلى ~~عندك حين تذوقه بالحس. والمر فرع عبادته بالصبر والرضا، وهو الأحلى حين تذوقه ~~بالروح! # القلب الإنساني ميدان تقتتل فيه القوى الأرضية والسماوية، فلا بد في النصر والخذلان ~~جميعا من الدم يذهب كله أو بعضه، والجراح تبرأ أو لا تبرأ، والآلام تنسى أو لا تنسى ~~... # لا بد؛ لا بد؛ لا بد! ~~••• # وجاءت حافلة السجن فركبها السجين، ومضت تجرها البغال طائعة منقادة، كما تنقاد إذا هي ~~جرت مركبة ملك، وذهبت وما تحفل بشيء من الدنيا، وسياستها، وآدابها، وأحكامها ما تحفل ~~بهذا السوط الدقيق المسلط على ظهورها ... أما أهل الرجل فتهالكوا وراء العربة؛ فالشاب ~~يخطف في عدوه منكرا؛ كأن قربه منها يوصل بعض أنفاس الحرية إلى أخيه، ms20 والنسوة ~~يهتلكن في جريهن، وكلما أبعدت الحافلة علا صراخهن ليبلغ السجين منهن شيء ما، أما ~~الطفلان وجدتهما فوقفوا من الضعف كأنما وقفت قلوبهم، ولكن نظرات الجدة ارتمت إلى ~~العربة، فلما غابت عنها ارتمت إلى السماء! # وأما الرضيع، هذا اليتيم في حياة أبيه، هذا المسكين الذي ابتدأ تاريخه بجريمة لا يد له ~~فيها، هذا الضعيف الذي لا يزال جلده أرق ديباجة من ورق الزهر، ومع ذلك تدق فيه منذ ~~الآن مسامير الفقر واليتم والضياع؛ أما الرضيع اليتيم المسكين الضعيف، فكان وحده بين ~~هذه المصائب الماحقة دليلا على الأمل الإنساني في رحمة الله، إذ فتح عينيه للنور ~~وابتسم! ~~••• # نزت كبدي # 19 # لما رأيت الحب الهالك يستنفض امرأة السجين، ويسوقها جامحة في عنان ~~الغيظ تترامى على وجهها. # كانت المرأة غريقة في يأسها، وكان شاطئ الأمل يفر أمام عينيها فرارا؛ لأن بينها ~~وبينه موجة دمعها. # وقد صدع الحب في قلبها صدعا ليغرز فيه الشوكة المستجدة من ألم الفراق ~~لمن تحبه؛ تلك الشوكة التي ما نفذت قلبا؛ فاستقرت فيه إلا جعلت الحياة كلها معاني ~~شائكة حتى تحطم أو تنتزع. # امرأة والهة، فيها نفسها المعذبة، وفي نفسها رجلها المعذب، وبين هذين طفلها ~~اليتيم الذي يقتضيها أن تظل حانية عليه حنو أبوين؛ فهي تجمع على قلبها عذاب ثلاثة ~~قلوب، وتتألم بنفسها الواحدة ألم الرثاء لزوجها الذي نزلت به العقوبة في جسمه وروحه، ~~وألم الإشفاق على مجدها الذي نصب على أعين الشامتين في موضع الذلة، وألم الرحمة لطفلها ~~الذي بلغ سن الهم، وهو لا يزال في الثدي، # 20 # وألم اللوعة لحياتها التي لم تعد الأيام تناجيها بغير لغة الدمع، وألم الأسى ~~على شبابها الذي تساقطت آماله كما تحط الشجرة الخضراء أوراقها لتجف! # ألا يا ماء البحر، ما أنت على أرض من الملح؛ فبماذا أصبحت زعافا # 21 # لا تحلو، ولا تساغ، ولا تشرب؟ إنك لست على أرض من الملح، ولكنك يا ماء ~~البحر ذابت فيك الحكمة الملحة! ~~••• # ما الفراق إلا أن تشعر الأرواح المفارقة أحبتها بمس الفناء؛ لأن أرواحا ms21 أخرى ~~فارقتها؛ ففي الموت يمس وجودنا ليتحطم، وفي الفراق يمس ليلتوي، وكأنه الذي يقبض الروح ~~في كفه حين موتها هو الذي يلمسها عند الفراق بأطراف أصابعه! # وإنما الحبيب وجود حبيبه؛ لأن فيه عواطفه، فعند الفراق تنتزع قطعة من وجودنا؛ فنرجع ~~باكين، ونجلس في كل مكان محزونين، كأن في القلوب معنى من المناحة على معنى من الموت! # وكل ما فيه الحب فهو وحده الحياة، ولو كان صغيرا لا خطر له، ولو كان خسيسا لا قيمة ~~له، كأن الحبيب يتخذ في وجودنا صورة معنوية من القلب! والقلب على صغره يخرج منه كل الدم، ~~ويعود إليه كل الدم. # في الحب يتعلم القلب كيف يتألم بالمعاني التي يجردها من أشخاصها المحبوبة، وكانت ~~كامنة فيهم، وبالفراق يتعلم القلب كيف يتوجع بالمعاني التي يجردها هو من نفسه، وكانت كامنة ~~فيه. # فترى العمر يتسلل يوما فيوما، ولا نشعر به، ولكن متى فارقنا من نحبهم نبه القلب ~~فينا بغتة معنى الزمن الراحل، فكان من الفراق على نفوسنا انفجار كتطاير عدة سنين من ~~الحياة. # وترى العمر يمتلئ شيئا فشيئا، ولا نحس الزيادة كيف تزيد: فإذا فارقنا من نحبهم نبه ~~القلب فينا معني الفراغ؛ فكان من الفراق على أكبادنا ظمأ كظمأ السقاء الذي فرغ ماؤه فجف، ~~وكان الفراق جفافه. # ألا يا طائر الحب، إن لك إذا طرت جناحين؛ فما أقرب من هو على جناح الفراق ممن هو على ~~جناح الهجر. # | هوامش # الفصل الرابع # | الربيطة1 # واطلع في سحابي هذا الشيطان الذي تتلألأ على وجهه مسحة ملك، # 2 # فهو أخبث الشياطين؛ لأنه يسوق إلى الهلاك في نزهة على شاطئ نهر ~~الحياة. # هي فلانة؛ كانت امرأة فرنسية ربيطة لرجل عرفته قديما لأعرفها منه فأكتب عنها رأي ~~العين، وأكون أفهم بها، وأدنى إلى حقيقتها؛ كما يريد عالم الطبيعة أن يكتب عن بركان ~~يتأجج؛ فهو يدلف إليه # 3 # يطأ على أرض كأن ترابها حريق يتنفس آخر أنفاسه! # ما ساح رجل في العمران، ولا ضرب في مجهل من الأرض، ولا ضل فيه تيه منها، ولا ~~كشف ms22 للناس غمضا من غموضها، # 4 # ولا تطوح في بحر من أبحارها؛ إلا وأنت واجد من مثل ذلك معاني في نفوس النساء؛ ~~كأن هذه المرأة تمثال مصغر خلق بمعانيه في مقابلة الأرض بمعانيها؛ فهي في روح الرجل إما ~~الخصب أو الجدب، وهي له في الحياة إما الملح أو العذب، وهي منه العامر والخراب، ~~ولكن في القلب! ~~••• # كان صاحبنا فتى تلمع عليه غرة الشباب، وقد رق حتى كاد يخالط حد الأنوثة، ولان ~~حتى قارب أن يفوت معنى الرجولة، وظرف حتى أوشك أن يكون إنسانا تتفتح في روحه معاني ~~الزهر، ولكنك إذا كنت رجلا صحيحا أمررته على عينيك كما تمر كتابا لا تريد أن ~~تقرأه! # فقد تمدن في أوروبا، ولبث عن قومه ما شاء الله، # 5 # ثم رجع إليهم كأن أمه لم تلده، وكأن أباه جده الأعلى ... فبينه وبين أبيه هذا ~~بضعة أجداد، منهم المسيو أو المستر أو السنيور أو (الهر ...)، وأصبح يحس أن كل شيء في هذا ~~الاجتماع الشرقي مسلط على نفسه الرقيقة النحيلة بالغلظة والجفاء، والعنت والأذى، كأنه ~~(رحمه الله ...) ابن الضباب، فلما برز إلى هذه الشمس، وضحا في أشعتها الحامية جعل يذوب ~~ويتبخر! # وكان من هؤلاء الفتيان الذين إذا تعلموا في أوروبا نفوا جهلهم بالعلم، ثم نفوا علمهم ~~بجهل آخر ... ثم جاءوا كحرفي النفي: ما، ولا ... فليس منهم إلا التكذيب، والإنكار، والشك. ~~وتراهم أظرف وأجمل وأزهى من فراشة الربيع، لا يريدون الحياة إلا أزهارا، ولا يطيقونها ~~إلا ربيعا، وعلى أزهارهم وربيعهم، فليس لنا منهم إلا نقط من الألوان، وأصوات من الطين ~~... وأجسام ليس فيها رجالها! ~~••• # سألت هذا الفتى مرة: أنت مصري؟ # قال: ووطني صميم! # قلت: أفترى أنك تصلح في علمك وتهذيبك أن تكون مثالا يتأسى بك نشء بلادك؟ # قال: إني لأرجو ذلك. # قلت: وأنت من القائلين بتحرير المرأة الشرقية، ومساواتها بالرجل في الحرية المطلقة، ~~وبعثها من هذه القبور التي تسمى المنازل؟ # قال: ذلك مذهبي! # قلت: فكيف ترى إذا اقتدى بك المصريون فأصهروا إلى الأوروبيين، وخلطوا الشمل ~~بالشمل؟ # قال: لعل ذلك ms23 خير الطب لبلادنا، فلا معدل عنه في رأيي؛ إذ يأتيها بالدم الجديد، ~~ويدمج في طباعها النظام والدقة، ويبني البيوت من داخلها. # قلت: أحسنت بارك الله عليك؛ فكيف ترى إذا سألناك التسوية، وقلنا لك: دع أختك تصب إلى ~~رجل أوروبي، وتتزوج منه إجارة ... وتأت به إلى مصر كما أتيت أنت بصاحبة بيتك! ثم لتفعل ~~كل امرأة مصرية فعلها، فيكون لكم أوروبيات، ويقوم عليهن أوروبيون ...؟ # قال: أعوذ بالله! # قلت: فعل الله بك وفعل! أفيبلغ من غفلتك أن لا تعرف لعنة الله إلا إذا رأيتها ملء مملكة، ~~ولا تعرف حق وطنك فيك إلا حين تراه غريبا منقطعا، لا حق له في واحد من أهله، ولا تدرك ~~واجب التضحية بلذاتك وشهوات نفسك إلا بعد أن ترى الوطن من اضطراب الموت في مثل حال ~~الذبيحة تدحض برجلها تحت سكين الذابح؟ # قال: فما أنا وأمثالي إلا شذوذ من القاعدة التي يجب أن تبقى أبدا قاعدة ... # قلت: فعليكم غضب القاعدة، ومقتها وسخطتها، والله لأن تفجع البلاد فيكم ~~جميعا، وتستركم بالقبور رمة بعد رمة، خير من أن تتقلد منكم بلية الحياة في اختلاط ~~الأنساب، وارتداد الأسماء العربية عن دينها، # 6 # وكساد النساء الشرقيات، وتخنث الرجال الشرقيين، وتدسس هذه العروق الفاحشة ~~اللئيمة في ذرية الوطن. # قال: فكم من امرأة وطنية هي حمل على ظهر زوجها!؟ # قلت: وكم من امرأة إفرنجية هي كية على قفا صاحبها # 7 ~~...؟ # قال: فماذا نصنع ونساؤنا جاهلات لا صبر عليهن؟ # قلت: أفتزهق روحك إذا مرضت أم تطب لمرضك في أناة وصبر؟ وهل تفر من وطنك إذا ابتلاك ~~بتضحية، أم تثبت وتتجلد؟ ثم ماذا أفدنا من علومكم إذا لم يحمل كل عالم منكم جاهلة منهن؛ ~~فيعلمها، ويثقفها، ويخلصها إخلاص الذهب الصافي، ويربح ثواب الوطن فيها؟ وإذا كنتم تهملون ~~نساء بلادكم؛ لأنهن جاهلات، فحدثني أفلا يزيدهن ذلك جهلا وضياعا، ويضاعف مصيبة البلاد ~~فيهن وفيكم، ويكون تركهن الذي قد يستصلح سببا لما وراءه من الفساد الذي لا صلاح ~~له؟ # وهل ترون المرأة الوطنية منكم إلا كالزهرة: نضرتها في ms24 غصونها وأوراقها، فإذا طرحتها ~~غصونها عمل منبتها الاجتماعي فيها - وهو التراب - حين تتصل به عكس ما كان يعمل حين لم ~~يكن يصل إليها من فروعها، وأوراقها غذاء يحمل روح الماء، وروح الشمس؟ # أما والله إنكم فئة لا تعد إلا في مصائب وطنها، وإنكم لكالأجنبي، ما دام أحدكم لا ~~يصل أمومة أولاده بتاريخ أمه، وإنكم لكالغاصب، ما دمتم تغصبون حتى نساء الوطن في رجال ~~الوطن، وإنكم لكالعدو، ما دام كل واحد منكم حربا على بيت ... ألا فدعونا من الجاهلين، فقد ~~يكون من بعض عذرهم الجهل، ومن المتلصصين، فمن عذرهم الحاجة ، ومن المفسدين، فمن عذرهم ~~سوء التربية، ومن الساقطين، فعذرهم ضعف النفس، ومن الخاملين، فعذرهم الترك والإهمال، ~~ثم اعطفوا على هؤلاء مائة واو أخرى، فكلها مسوغة أعذارها المحمولة على محاملها، وكلها ~~أقرب إلى الدهماء منها إلى المتعلمين، وإلى أخلاط الناس منها إلى الخاصة، وإلى السفلة ~~منها إلى العلية ... ولكن ما عذركم أنتم عن شهوات أنفسكم، وإيثاركم هذه الشهوات، واستهتاركم ~~في هذه الأثرة؛ يعجز أحدكم أن يكسر جماح نفسه؛ فيجني على نفس من نساء وطنه، هي التي زهد ~~فيها، واستبدل منها، وعلى نفوس من أبناء وطنه! هم الذين سيعقبهم من ذريته، ويأتي بهم ~~للبلاد أجساما غابت قلوبها، ونفوسا بردت دماؤها؛ ينزعهم العرق الأجنبي من أمهاتهم ~~اللائي ولدنهم إذا حمي دم البلاد لبعض أغراضها، ويكونون في أمراضها من أسباب موتها، ~~وفي صحتها من أسباب أمراضها! # ما لكم تنزلون أنفسكم منزلة الطفل البكر من أهله: ليس له إلا حظوظه وشهواته؛ ~~مسوغا كل ما يقترحه عليهم؛ لأنه هو كان اقتراحهم على الله؛ محمولا على قلوبهم؛ لأنه ~~بعض قلوبهم؛ يفسد المتاع، ويحطم الآنية، وتنزو به النعمة نزوتها؛ فتجعل نصف عقله ~~جنونا، ونصف أدبه حمقا، ونصف المنفعة به ضررا، ونصف ظرفه عنتا، ونصف لينه مشقة؛ ~~ويكون خيره نصف الخير، أما شره فشر اثنين؛ فهلا كنتم من أهل بلادكم كالأب من أولاده: يرى ~~حق ضعفهم أكبر من الحق الذي لقوته، وواجب مرضهم فوق الواجب لصحته؟ فهو يبذل سعة نفسه ms25 ~~في ضيق أنفسهم، ويحملهم صغارا ليجعلهم كبارا، ويصبر عليهم حمقى ليجعلهم عقلاء، ويرى عمره ~~كأنه من بعض أرزاقهم، وهو لا يستخلف من العمر شيئا، وحواسه كأنها من بعض خدمهم، وما له ~~غير حواسه، ويراهم كأنما جاءوا إليه من السماء بعد أن اشتروه من الله، وباعه الله منهم ~~بتلك النقطة الشابكة فيهم من دمه! # ألا ليتكم جئتم للبلاد من أوروبا بمحاريث، بدلا من هذه المواريث، وجئتم بالسماد بدلا ~~من هذا الوساد، # 8 # وبالبهائم للسواني، لا بالحلائل والغواني، # 9 # وببضائع الحوانيت، لا ببضائع أنطوانيت ... وليتكم إذ كنتم رجالنا لم تغلبكم ~~نساؤهم، وإذ كنتم سيوفنا لم تأسركم دماؤهم، ويا ليتكم لم تتنعموا وتتأنثوا، فكانت البلاد ~~تجد منكم أهل البأس، ولم تتعلموا وتتخنثوا، فكانت الأرض على الأقل تعرف منكم أهل ~~الفأس! ~~••• # ذلك هو الرجل، أما صاحبته فامرأة فرنسية، جميلة الوجه في طلعة الصبح، شابة الجسم شباب ~~الضحى، ملتهبة الأنوثة كشعاع الظهيرة، رقيقة الطبع رنة الأصيل، زاهية المنظر في مثل شفق ~~المغرب من تأنقها، ثم هي تنتهي من كل ذلك إلى مخير أشد ظلمة من سواد الليل ... ومن أين ~~اعتبرتها ألفيتها رذيلة مهذبة، يترقرق فيها ماء العلم، ويجول في حسنها شعاع الفلسفة، ~~كأنها عين فاتنة تدور فيها دمعة دلال! # ولم أكد أراها حتى أخذني جمالها؛ فإن لها عينين ركبتا تركيبا يجر المصائب على ~~القلب، تلهبان أشعة ضاحكة أو عابسة، يخلق منها للقلوب حوادث وتواريخ، وترمى بنظرات ~~تبرئ الصدور أو تمرضها، وتبسم بوجهها كله نوعا من الابتسام يكاد يسيل من كل ناحية في ~~وجهها قبلات؛ أما افترار شفتيها فهو جمال على حدة يشبه نقل معاني الخمر من فم إلى فم ~~... # امرأة ساحرة لا أدري إن كانت بنيت على السحر، أو على الحب، ولا إن كان هذا الحب قد ~~خلق لعنة عليها أم هي خلقت لعنة عليه، والحب دائما بركة امرأة، ولعنة امرأة! والتي ~~تزرعه في كل مكان هي التي لا تحصد منه شيئا، فإن نالها شيء منه كان تعبا عليها، روحا ~~لسواها. # وأشد ما في هذه ms26 المرأة الجميلة من الفتنة، اجتماع شهواتها في صوتها الندي المستطرب ~~المتحزن، # 10 # الذي لا يخلو أبدا من حرف تسمع فيه همس قبلة من قبلاتها! # بيد أني مع كل ذلك استعصمت بفلسفتي وحكمتي؛ فلم أرها إلا في مثل حريرة التفاحة إذا أفرط ~~عليها النضج فابيضت، واحمرت، وفاحت، ولمعت، وإن العفن لباد من تحتها، يحذر منها ~~وينذر، وفي مثل فروة الدب: استرسلت ولانت في نعومتها، ولكن لا منفعة منها إلا بقتل ~~لابسها، وإزهاق الحيوان كله في سبيل الجمال الظاهر من جلده. # ونظرت إليها نظرة تخطت بها الشباب وأيامه، فإذا هي بائسة أملق الدهر ~~حسنها ، # 11 # وكان ذهبا على جسمها وفضة، وإذا هي عجوز هالكة قد انحنت تحت لعنات ماضيها، ~~وتركتها دنياها كالسجن المتهدم: لا يذكر مع انتفاضه إلا بلصوصه ومجرميه، وعقابهم ~~وآثامهم، وتشقى بمعانيه بعد الخراب حتى حجارته، وحتى ترابه! # وأبصرت في هذه الحسناء اللعوب التي تستوقدها الضحكة بعد الضحكة، تلك الهامدة المريضة ~~التي تطفئها الحسرة بعد الحسرة، وسقطت الشجرة الخضراء النامية، فإذا في مكانها جذع خشبي ~~ملقى، زهد فيه نور السماء وطين الأرض معا! # وتمثلت لي هذه المتكئة على طرازها وأرائكها تتبرج في سندسها وحريرها، فرأيتها ~~ممدودة في حفرتها، مسجاة بأكفانها، قد هيل عليها ترابها، ولم يرحمها راحم، ولا ~~النسيان يستر رذائلها عند من عرفوها، وقد اجتمع عليها بعد عشاقها من دود الناس ~~... عشاق آخرون من دود الأرض، ويفنى جسمها حين يفنى، ويبقى ~~ضميرها الروحي إلى الأبد ضمير مومس! # فلما وضعت أمرها على ما خيل إلي من عاقبتها، إذا هي تفور كما يفور النبع القذر ~~بالحمأة التي فيه، # 12 # وإذا هي كالخشبة المتقدة في حريقها: من فوقها ظلل من النار، ومن تحتها ~~ظلل، # 13 # وإذا جمالها قد استحال في عيني، وانفصل منها؛ فأظهرها، وظهر معها في بريق ~~الزجاجة من الخمر بجانب السكير المتحطم، تتساقط نفسه مرضا وسكرا، فكل ما كان ~~فيها # 14 # جمالا فهو فيه أقبح القبح! # ورثيت لها أشد رثاء وأبلغه في الرحمة والرقة، حتى عادت نظراتها تقطر على نفسي ms27 دموعا ~~سخينة كدموع الذل! ويا حرة قلبي من الإشفاق عليها، وأنا أرى في احمرار جمرتها سواد ~~فحمها، وفي أسباب سرورها أسباب همها! ويا لهفي عليها إذ أرى هذه الجميلة التي لم تنظر أكثر ~~ما نظرت إلا إلى الخطيئة، ترفع نظرها أحيانا إلى السماء بقوة في داخلها، كأنها تقول لمن ~~يفهم عنها: إن هنا القدر، وهناك المقدر! ويا بؤسها حين لم تعد تظهر في روحي إلا كما ~~يتخايل ظل القمر في الماء؛ أنظر فيه الصورة من غير معنى، والضوء من غير قبس، وأرى ~~فيه الخيال، وليس فيه القمر! ~~••• # وألمت بما في نفسي، وكانت تقرأ في وجهي قراءة ؛ فإنه ليس ذو عينين، ينكشف لعينيه سر ~~العاطفة الذي يترقرق في الدم إلا من خالط القلوب، وغلب عليها بخير ما في الخير، أو شر ما ~~في الشر، فهو يتدسس إليها مع ملائكتها، أو مع شياطينها، وإنما خلقت هذه المرأة وأمثالها في ~~هذا الجمال، وهذا الظرف وهذا الفساد؛ لتستطيع أن تمزج الشيطان بقلب من تغتره # 15 # مزج المادة والمادة بواسطة بينهما من قوة ثالثة متهيئة لهما معا، فهي ~~بجوهرها مسلطة على القلب، غالبة على أمره كتسلط السرور والكآبة، وغلبتهما طبعا بما فطر ~~الإنسان عليه. # وقلما لصق الشيطان بقلب ما لم تكن في هذا القلب مادة من اللذة أو الكآبة، فكلتاهما ~~كيمياء الخطيئة، والمعصية، والشك، ولرب عابد زاهد طاحت به كآبته فقذفته إلى النار كما ~~تقذف بالفاجر لذاته، فيلتقيان منها في غمرة واحدة، # 16 # وإن كانا في العمل على طريقين متدابرين، # 17 # وما أشبه إسراف اللذة أن يكون الرجاء اليائس؛ فالمستهتر بهذه اللذة ~~يغلو في استمتاعه غلو من ظلم نفسه، لا يتحرج، ولا يتورع. # 18 # وما أشبه إعنات الكآبة # 19 # أن يكون اليأس الراجي؛ فالمبتلى بالكآبة يجفو عما عداها جفاء من ظلم نفسه، ~~لا يتسمح، ولا يترخص، # 20 # والنفس الغالية التي جاوزت قدرها، كالنفس الجافية التي انحطت عن قدرها: ~~كلتاهما على طرف يمين الشر وشماله. ~~••• # ونظرت إلي تلك المرأة نظرة حزت في قلبي؛ لأنها لا تسألني ms28 المدح، وكذلك لا تريد ~~مني الذم؛ وبعد أن رضيت أن تسمع لي كأنها تقرأ كلامي في كتاب، وواثقتني على أن تعتبرني ~~مخاطبا فكرها دون شخصها، ومحاورا فلسفتها دون تاريخها، قالت: أحسبك لست كغيرك من ~~الناس. # قلت: ولا أنا كالملائكة. # قالت: فتعرف الخطيئة الإنسانية، وتقدر قدرها؟ # قلت: وأعوذ بالله منها وأتحاماها! # قالت: وتعرف ضعف الطبيعة؟ # قلت: ومعاندتها وصلابتها أيضا. # قالت: فكيف تراني: ألست نصف المسألة السماوية على الأرض؟ وهل أنا إلا معنى متجسم من ~~معاني القدر؟ وهل خرجت من سلالتي إلا كما خرجت الخمرة من عناقيدها؟ وهل خلقت جميلة ~~غالية كالدينار إلا لتشترى بي بعض أوقات السعادة؟ # قلت: أما المسألة السماوية فإن كنت نصفها، فقد كان الشيطان نصفها كذلك، وأما ~~القدر المتجسم، فلعل الحريق في بيت من نكب به أجمل وأخف احتمالا، وهو مع ألوانه ~~الفنية ... حريق، ولا يسمى أبدا إلا حريقا، وأما الخمر فهل هي إلا عفونة أسكرت؛ لأنها ~~عفونة، وأما الدينار الذي تشتري به أوقات السعادة فهو نفسه الذي يغري اللصوص ويوجدهم، ~~وإذا كانت السعادة - كما تصفينها - في نشوة الخمر، فهل تشترى الخمر إلا وفيها سكرها، ~~ومرضها، وجنونها؟ # قالت: فحدثني لم كان الحب إذن؟ وهل خلق إلا للاستمتاع به من حيث يتفق، وعلى أحسن ما ~~يتفق؟ # فقلت: إنما خلق الحب قوة ليقيد بقيوده كسائر القوى الطبيعية: فأنت تصدعين عنه كل ~~قيوده، وتتخذينه تجارة في النفوس، فلا تردين يد لامس، ولا تمتنعين على دعوى فيها ثمنها ~~... وبذلك تجرين مجرى القوة المدمرة؛ ومن هنا كان لك في الاجتماع الإنساني شأن ليس كشأن ~~المرأة، بل كشأن المادة، وكان بعض الآداب والقوانين ينزل منك منزلة المطافئ المعدة ~~للحرائق، وبعضها بمنزلة السجون المرصدة للجرائم، وبعضها بمنزلة الاحتقار المهيأ للتاريخ ~~السيئ، وما ظلمك الاجتماع في شيء؛ لأنك أنت في نفسك ظلم له، وإن الدواء الذي يبرئ من ~~المرض لا يعد مرضا للمرض، وأهون بذلك إذا عد ما دام يبرئ من العلة، فإن درء ~~المفاسد قبل جلب المنافع، ودرء المفسدة هو في نفسه منفعة! # قالت: فكأنك ms29 تذهب إلى القول بأن مثلي مثل العقرب والحية، وغيرهما مما لدغ أو نهش أو ~~سم، وأن دأبي في الاجتماع كدأبهما، فليس لها إلا القتل حيث وجدت، ومثل الأوبئة ~~والحميات، وما قتل، وما أعدى، فليس إلا مدافعتها، أو الفرار منها فرارا بالحياة لا بشيء ~~دونها، وكأني في رأيك لست مخلوقة كالمرأة، بل كحيوان للأذى والمقت والخوف؟ # قلت: بل مخلوقة مثل كل امرأة كانت، وكل امرأة تكون أو هي كائنة، ولكن فيك من الزيادة ~~عليها زيادة ماء السيل على ماء النهر، وزيادة الحدة على الطبع الرزين، وزيادة الطيش ~~على العقل، أفإذا طغى النهر فأفسد وخرب، وفارت النفس فحمقت واعتدت، وطاش العقل فزل ~~وأخطأ؛ نهض ذلك عندك عذرا في وجوب التخريب والاعتداء والخطأ، وتسويغها، ووجب من ثم أن ~~تعتدل هذه الصفات الجائرة على قلوب الناس، وأن يطمئنوا إليها، ويرضوها مذعنين، فلا ~~يقيموا على النهر العاتي جبالا من السدود، ولا يجعلوا للنفس الطائشة سجنا من الحدود، ولا ~~يقولوا لمن يجنيها عليهم: إن كان عندك الفرار فعندنا القيود؟ # قالت: كلا، ما تبلغ بي الغفلة هذا المبلغ، ولقد درست وبحثت، وفي هذا الرأس ما في رأس رجل ~~عالم فلا تظن غيره، ولكني إن أجن لا أجن إلا على نفسي، وهي لي وحدي، وأنا حرة كيف ~~أتولاها، أفأنت رادي إلى العبودية؟ # قلت: أنت حرة ما شئت، وما وسعتك الأرض إذا كنت لنفسك، وإذا كنت لا تتصلين بأحد من الناس ~~اتصال العلة المهلكة، أو المعجزة، أو المذهلة، أو اتصال الرذيلة السامة بالدم ~~النقي! # قالت: فإني لا أتصل بأحد، ولكنهم يغرمون بي، ويتنافسون علي؛ فأجد في تنافسهم لذة من ~~أمتع لذاتي. # قلت: وكذلك نردم الحفرة إذا اعترضت طريق السابلة وقاية لمن عساه يغفل فيعثر بها، فإن ~~بلغت أن تكون هاوية طبيعية لا حيلة فيها، ومردت بها طبيعتها المنخسفة، ميزناها ~~بالعلامات، وضبطناها بالحدود، وسميناها بالأسماء، وجعلناها آية التحذير من الهلاك؛ حتى لا ~~يزل أحد فيتردى فيها، وإذا كان من لذتك أن تشهدي اقتتالهم عليك، فهذا حسبك في أن ~~تعاستهم أن ms30 يقتتلوا، وكنت ولا جرم في لغة الاجتماع من بعض معاني الشقاء والتعاسة! ~~... ثم إن في تلك اللذة منك دليلا حيوانيا على أن في طبعك منك إناث البهائم الشاردة، ~~التي تقف ليتناحر عليها ذكورها وقوف المملكة المباحة تنتظر المنتصر؛ فتقتل بإباحتها ~~كل النفوس التي زهقت حولها، ولو هي لم تكن كذلك لم يكن شيء من ذلك؛ فكنت ولا جرم في ~~لغة الاجتماع من بعض معاني البهيمة! ~~... ثم إن هذا وذلك فيك نذير بانقلاب الإنسانية، ونزولها دون حدها، وتراجعها في سبيل ~~الجاهلية الأولى، واتصالها من كل ذلك بوحشيتها الغابرة كأن لم يكن علم ولا دين، ولا ~~تهذيب، فكنت ولا جرم في لغة الاجتماع من بعض معاني الرذيلة والسقوط! # قالت: هم لا يتناحرون علي بأنيابهم، ولا مخالبهم، ولا قرونهم، وإنما يفعلون ذلك ~~بأموالهم. # قلت: فلا جرم كنت بهذا في لغة الاجتماع معنى من معاني السفه، والفقر، والخراب! # قالت: ولكن كم من رجل أحبني، فرأى في آية الإبداع الإلهي، فكان لا ينالني إلا كما ينال ~~المؤمن لذة قلبه. # قلت: فمن ذا أبدع الأصنام، وسلطها على الهوى، ثم سلطها بالهوى على كهنتها وعابديها، ~~فما يرون الحجر المعبود حجرا إلا لأن عليه بناء ملكوت السماوات ... ولا البقرة المؤلهة ~~بقرة إلا لأنها تجر محراث الوجود ... ولا الحشرة المقدسة حشرة تدب دبيبها البطيء إلا ~~لأنها تحمل الخليقة ... لا جرم كنت بذلك في لغة الاجتماع معنى من معاني الضلالة! # قالت: أتحسب أنك أعيبتني في مأخذ الحجج، واستنباط البراهين؟ # قلت: فماذا؟ # قالت: إني أعد الزواج أسرا واستعبادا، وقد بلغت من العلم مبلغا لا أرى فيه أن تكون ~~حريتي محدودة بسلطة رجل بين كلمتين: لا، ونعم، فآثرت أن أتخلص من الحب بالوقوع فيه ~~لأعرفه، وعرفته لأتقيه على نفسي، وأتقيه لأبتلي به، ولأصرفه في منافعي؛ فليس لي في ~~الاجتماع زوج، ولكن لي الحب، وليس لي فيه أهل، ولكن لي الجمال. # قلت: أفلا يتسلط على حريتك الدينار والدرهم ... وإذا أنت بقيت للجمال، فهل الجمال سيبقى ~~لك؟! وإذا كانت لك مدة في الحب، فهل ms31 هو خالد عليك؟ ... ألا ترين أنك تزرعين في أيام الحب ~~بذور أيام الحسرة، وأنك متى كبرت عن سن المرآة # 21 ~~... فستنتهين لا محالة إلى أمد من العمر يخيم عليك في مظلمة كالقبر؛ لا نهار ~~فيه ولا ليل؟ وهل أنت من المجتمع الإنساني إلا مقام الصبي من أهله؛ إذ لا مذهب لك من دونه، ~~ولا غناء في نفسك إلا به؟ أفترين للصبي أن يتفلت من نظام أهله، ويتحلل من آدابهم، ثم لا ~~تكون وسيلته إلى ذلك إلا أن ينقلب لصا بيته بيوت الناس جميعا، فليس له في الاجتماع ~~مال، ولكن له السرقة ... وليس له فيه أهل، ولكن له الحيلة ... بذلك، ولا جرم كنت في لغة هذا ~~الاجتماع معنى من معاني السخرية والمقت! # قالت: فأنا في الاجتماع تعاسة، وبهيمة، ورذيلة، وفقر، وضلالة، وسخرية؟ ولكن ألست ترى ~~هذه الصفات بعينها في كل الناس على بعض التفاوت في مقاديرها، والتنوع في أشكالها، والاختلاف ~~في أسبابها؟ وهل الرجل الفاجر إلا كالمرأة الفاجرة؟ # قلت: لقد فجر من الرجال من لا تحصيهم الملايين، فهل علمت أن فاجرا منهم حمل تسعة أشهر ~~ووضع! ألا ترين أن الطبيعة جعلت لكل حكما، وهيأت لكل موضعا! وهل سواء في الطبيعة ~~الألم وخطره، وعاقبته على الحياة أن يكون الدمل على ظاهر الجلد؛ حيث يتلذع على نفسه، ~~ويرى ويحد، وأن يكون في باطن الجوف؛ حيث يخشى منه على غيره أكثر مما يخاف على ~~موضعه؟ # قالت: فكأن الرجل عندك أطهر فجورا ... من المرأة؟ # قلت: بل هو هي في اللعنة والسقوط، والنعل أخت النعل ... واثنتاهما على طراق ~~واحد، # 22 # ولكنه إن لم يكن أعقل من المرأة بفكره؛ فهي أعقل منه بحواسها، وإن يكن أقدر ~~في قوته؛ فهي أقدر في عواطفها، وإن يكن في البلية عود الثقاب # 23 ~~... فهي بعد الحريق كله! ولذا كان من الطبيعي أن تحاط المرأة في الاعتبار ~~بالمعاني الاجتماعية الكبرى؛ إذ كانت هي الغرض الذي تمتثله القسي الرامية؛ # 24 # فهي في معنى الكمال الأصل؛ لأنها الأمومة، وهي في العفة الأصل؛ لأنها الزوجية، ms32 ~~وهي في الحياء الأصل؛ لأنها العرض، وكذلك هي الأصل في المعركة الجنسية؛ لأنها المقاومة ~~والمدافعة للرجل، والأصل في الفضيلة الإنسانية؛ لأنها المنشأ والمربى للطفل، والأصل في ~~الشرف الاجتماعي؛ لأنها المثال الأدبي للجميع ... ومن ثم كان سقوطها سقوطا لهذه المعاني ~~كلها، فهو تهدم الأساس لا الحائط، وفساد الجذع لا الفرع، وعلة نفس الاجتماع لا علة ~~جسمه. # هيهات هيهات، فلن تشعر المرأة الساقطة إلا شعور من فقدت نفسها التي كانت نفسها، ~~وبدلت أخرى لا تلائمها؛ فهي أبدا هائمة وراء نفسها الأولى تبحث عنها، ولا تنساها؛ لأن ~~ذلك الأصل الطبيعي لا يزال يناجيها في قلبها بلغة الأمومة، والزوجية، والحياء، والفضيلة، ~~وما نفسها الشريفة إلا جواب هذه اللغة، وهي ليست فيها، فكأنها تحمل على حياتها أربع ~~جرائم في جريمة؛ هي أشقى النساء، ترى في ذات عقلها الرهان العقلي على أنها امرأة ~~ساقطة! ~~••• # فتغررت عيناها بندى رقيق من الدمع، وقالت: لما كنت فتاة ... # فقطعت عليها الكلام وقلت: في تلك الفتاة كل البراهين فسليها، إنها هي نفسك الهاربة ~~منك! # فوجمت هنيهة لهذه الكلمة، ثم انهملت عيناها انهمالا، وجاءها الدمع الطاهر يجري من ~~أقصى الطفولة؛ فخالطني بثها وحزنها كأن دموعها تسقط على مواقع من نفسي! # فقلت: أتأذنين في كلمة؟ # قالت: بل أسألك أن تتكلم، فإن مدامعي هذه عرضت لي كالمطرة السانحة في حميم القيظ من صميم ~~الصيف على أرض مغبرة مقشعرة، تثور سخطا على كل قدم تطؤها؛ وإن فكري ليكلمني الساعة ~~بلسانك كما يدوي الناقوس بصوته العالي الرنان بعد أن كان هذا الناقوس مختنقا في بما يطيف ~~به من الضغط؛ فكان لا يدق إلا دقات مصمتة لا رنين فيها، كأنه ناقوس من الخشب! # آه! لقد كنت كالغدير الصافي: لا يعرف ماؤه إلا وجه السماء، وضوء القمرين، وأخيلة ~~النجوم، وظلال الشجر والنبات، فأصبحت كالماء الذي كثرت واردته من البهائم؛ فهي تختبطه ~~بأرجلها، وتضيف إلى وحوله وحولها، ولا تستعذبه إلا أن تغشي أعلاه بطبقة من ~~أسفله، # 25 # وكلما تراءت صورها في كدورة الماء حسبت ذلك عشقا من الماء لصورها ms33 ~~البهيمية، ولا تعلم أنه يلعنها بإظهار بهيميتها لأعينها لو أنها تعقل أو تعي! # أيحسبون أن قلب المرأة حين يشترى بالمال يكون أطهر من خرقة قذرة تتناولها يد أقذر ~~منها؛ أو أثمن من فتات مائدة يترك لحيوان أعجم؟ ... ألا إن قلب المرأة لا يباع أبدا، ~~وإنما هي حين تبيعهم: تبيعهم معدتها باسم القلب ... إنك إن لم تأخذ القلب هبة ممن تحب، ~~فما أنت من حبها في (خذ)، ولكن في (هات) وأخواتها ... # يحسب الناس أنه لا تفرط امرأة في الحب ما تفرط المرأة الساقطة، وما علموا أنها لا تجد ~~الرجل فتجد الحب! إنما الرجال في عين هذه المرأة رجال مصنوعون، فهي معهم امرأة مصنوعة ~~يملك كل رجل إغضابها؛ لأن صناعتها إرضاء كل رجل، ولعل هذا من رحمة الله بها؛ فإن أكبر ~~شقائها أن تجمع الأقدار بينها وبين رجل تحبه، وتستهيم به؛ إذ تألم لذلك ألما خاصا ~~فيه تهكم الرذيلة والفضيلة معا. إن هذا الرجل هو البطل الفذ الذي يكون في قدرته أن ~~يرجع لها ذلك العالم الذي اطرحها ونبذها، فهو عندها يغمر الناس أجمعين، # 26 # ولكنها قلما وجدته إلا لتعرف به حقيقة عارها، وإذا قدر للأعمى أن يبصر ساعة ~~واحدة، ثم يرتد إلى ظلامه، فما أبصر، ولكن تضاعف له العمى! # المرأة الساقطة يائسة من البعولة، # 27 # وذلك عقاب حياتها، ثم هي لا تندفع إلا في الطريق التي تكرهها، وذلك عقاب ~~نفسها؛ فالله أرحم من أن يزيدها بلاء الحب الذي هو عقاب شرفها وفضيلتها؛ فإن ابتليت ~~فقليلا ما يتفق ذلك، حتى إن الساقطة العاشقة عشقا صحيحا، وتبقى ساقطة أندر وجودا من ~~البغي التائبة توبة صحيحة، وتبقى بغيا. ~~••• # يا عجبا لضمير المرأة يضل في ليل دامس من ذنوبها، ثم تلمع له دمعة طاهرة في عينيها، ~~فتكون كنجمة القطب؛ يعرف بها كيف يتجه، وكيف يهتدي، وكيف كان ضلاله، وكأن الله ما سلط ~~الدموع على النساء، وجعلها طبيعية فيهن إلا لتكون هذا الدموع ذريعة من ذرائع الإنسانية، ~~تحفظ الرقة في مثال الرقة، كما جعل البحار في ms34 الأرض وسيلة من وسائل الحياة عليها # 28 # تحفظ الروح والنشاط لها. # ثم قلت: كانت المرأة نصف الإنسانية؛ فصارت ربعها. # قالت: وكيف؟ # قلت: ألا ترينها انقسمت في هذه المدينة إلى قسمين متناقضين: الزوجة، وال ... # قالت: حسبك، خذ في غير هذا فقد أبثثتك ذات نفسي، وما ينفعك ولا ينفعني أن تنقض ~~السور الذي أقمته حول حقيقتي؛ فإن كل قوى الكون عاجزة عن إرجاع ورقة واحدة انتثرت من ~~زهرتها! # ثم وثبت إلى البيانة # 29 # فصدحت عليها بلحن من ألحانها كأن صرخة من ضميرها صاعدة إلى عرش الله في صوت ~~الإنسانية الباكي! # ثم ابتسمت وسلمت، فانصرفت وكأني ما تكلمت ولا تكلمت، وبقيت الأقدار مكانها فما ~~تأخرت، ولا تقدمت. ~~••• # ليس على الهاوية أرض تغطيها، فهل تغطيها الفلسفة؟ # وقد خسف بها قلبها في الأرض، # 30 # فهل تسويها الحجج والمعاذير؟ # ولو كانت الحصباء فيها بين لؤلؤة، وزمردية، وياقوته، فهل من يدق عنقه في الهاوية ليموت ~~على أرض من الجوهر؟ # الهاوية في الطبيعة، والساقطة في الإنسانية: كلتاهما أرض كالمرأة، وامرأة كالأرض! # وكذلك يخلق الطيب والخبيث # ليميز الله الخبيث من ~~الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض ~~! # | هوامش # الفصل الخامس # | المنافق # وهذا فلان المنافق، لا يرى في الحب أكبر من باء تنافق للحاء، فهي تنزل عند تقديمها، ~~وتتأخر للمتأخر، # 1 # كما ينحط الرجل العاشق عن رتبته، ويقدم على نفسه المرأة، وعنده أن هذا برهان ~~طبيعي على أن الحب من غير نفاق هو حب من غير حب؛ فالنفاق هو الأصل، وحسبك به! # أعرف هذا الرجل كالحائط المبهم: # 2 # من أين جئته استغلق عليك، ورأيته ردما واحدا، فلا منفذ لك فيه إلا أن ~~تكون قنبلة آدمية في القوة والشر؛ لأنه رجل المادة لا غيرها، وهو كالمرأة الغادرة: حبها ~~الرجل كلمة على طرف لسانها، ولسانها عمل في طريق منفعته، وهو كاللص: حبه المال حاسة ~~في يده، ويده على ما يملك الناس! # لونه في الحوادث ألوان، ودينه في المنافع أديان، ونفسه من الناس حشرة في إنسان، ~~وإذا عرفته نظرت إليه كما ينظر المهموم لما ms35 جر عليه الهم، وإذا جهلته كان كالدواء ~~المغشوش ذهب منه صواب العلاج، ووقع فيه خطأ السم! # والمنافق هو سياسي الحب والصداقة: يضع المنفعة بن عينيه، ثم تتوزع على جوارحه كل ~~أساليب الكلام والحركة والعاطفة، لا مخرج لك من عقدته إلا أن يعقد هو بأسلوب، وتحل ~~أنت بأسلوب آخر؛ وترى صداقته تنتهي أكثر ما ينتهي إلى مثل المقاطعة الحربية بين فراعنة ~~السياسة، وشياطينها: يرمي الداهية منهم داهية آخر «بإنذار نهائي» حاسم، يحمل الزلازل في ~~كلماته، وينصب للحساب ميزان الهوان والهلاك، ثم يقول له في آخره: «وإني أغتنم هذه الفرصة ~~لأؤكد لكم احترامي الفائق»! # ولن تجد شرا من هذا الأسلوب ينتحله رجل إلا الأسلوب عينه تنتحله امرأة! ... # والله الذي لا إله إلا هو، ما رأيت كالمنافق رجلا، إلا ذلك الواقف يدير وجهه بين مرائي ~~عن يمينه وشماله، ومن ورائه، وبين يديه؛ فله في كل واحدة وجه، ويتعدد الرجل وهو شيء ~~واحد. # يخلق الله كل شيء ليكون شيئا على الأصل البين الذي خلق عليه، وللأمر الميسر الذي ~~خلق له، وهو صريح واضح من جهتيه؛ فالأشياء في الطبيعة هي ما ظهرت به مشيئة الله، تضر لأنها ~~ضارة، وتنفع لأنها نافعة، ولكن المنافق كأنما خفيت مشيئة الله فيه؛ فهو من ناحية الإنسانية ~~مخلوق للنفع فضر، ومن جهة الحيوانية خلق للضر فنفع، وفي الرذيلة خلق تلوينا للرذيلة، ~~وعند نفسه خلق لأنه خلق! فأنت تعرفه من جهة على قدر ما تنكره من الأخرى، ولو كانت الجهتان ~~متقابلتين؛ فهو دائما في نفاقه مختلف على السر والعلانية، وعلى المذهب والغاية، وعلى ~~المدخل والمخرج، وعلى القول والعمل، ومختلف حتى في كونه مختلفا أو مستقيما! # ولو مددت عينيك في عينيه لرأيته يتخاوص لك بإحداهما، # 3 # كأنك أبيض من شعاع الشمس، وإن كنت قد خرجت من مصنع التجليد الإلهي في جلد ~~أسود؛ إذ تأبى إحدى عينيه على كل حالة إلا أن تنافق ليظهر النفاق عليها، وهو من الذين ~~يمكرون السيئات؛ # 4 # لينتهوا منها إلى حسناتهم، ويقاربون الذم ليخلصوا منه إلى الحمد، ويسفلون ms36 ~~ليرتفعوا كما يبتدئ المقلاع دورته من الأسفل ليرمي بحجره رمية عالية، ومهما انتحلوا من ~~العلل، واختلقوا من المعاذير، وقولهم: إن ذلك سياسة ومخالقة، # 5 # وظرف وأدب من الذوق؛ فهم لا يأتون كل ذلك إلا لأن كل ذلك - علم الله - هو ~~النفاق. # ويا ليت علم الأخلاق كعلم الجغرافيا؛ إذن لكان له من وجوه المنافقين مصورات ملونة ... ~~ولاضطر العلماء أن يجمعوا من بعض السادة الكبراء مجاميع، ويقيموا لهم معارض! وتلك حقيقة ~~لم يفطن لها علامة القرود الفيلسوف (دارون)، ولو هو فطن لها فكيف له بمجموعة أقبح ما ~~فيها وجوه عظماء الناس؟ ~~••• # إن المنافقين من العامة، وأشباه العامة بجانب المنافقين من الخاصة، وأشباه الخاصة ~~لكالشر يتطاير عن الجمر: إن هو لذع لم يحرق، وإن لم يلذع انطفأ؛ فإن خبثت منه شرارة ~~جهنمية، وتلذعت، ووقعت فيما تستوقده، وردته حريقا، فما يجيء ذلك من كونها شرارة كبيرة، ~~بل من كونها جمرة صغيرة؛ فالشأن إذن في هذا الجمر الذي يتلظى بمادته؛ لأن له مادة ~~استفادها من عناصر الأرض، واجتمع منها غذاء النار فيه، كما يفيد أولئك من المال، والجاه، ~~والعلم، والأدب، وما إليها. وإن شر النفاق ما داخلته أسباب الفضيلة، وشر المنافقين قوم ~~لم يستطيعوا أن يكونوا فضلاء بالحق؛ فصاروا فضلاء بشيء جعلوه يشبه الحق! # ولعل هذا النفاق هو أصغر رذائل الصغار، وأكبر رذائل الكبار؛ لأن للحاجة في أولئك شرعة ~~ومنهاجا، وللضرورة أحكاما وقانونا، فالعامي حين ينافق لكبير من العظماء، وينخضع له، إنما ~~يوازن بين ما يعرفه في ذات نفسه من الصغار والضعة، وبين ما يتوهم في صاحبه من الغلبة ~~والقهر؛ فهو يترقى إليه ليدنو منه، أو يترقى إلى خديعته # 6 # ليناله، أو يترقى إلى كبريائه ليأمنه، ثم هو في كل ذلك نازل على حكم الحاجة ~~والضرورة، ولو اعتبرت الرجلين على الحقيقة، ووزنتهما في ميزان الأسباب، لرأيت ~~المنافق منهما من لم ينافق؛ لأن ما لا يخاض إليه إلا في الوحل، لا سبيل إليه إلا من ~~الوحل، وذلك العظيم رجل بناه النفاق؛ فجعل باب نفسه عند قدميه، ms37 فإذا أردت مفتاح هذا الباب ~~فاخفض رأسك، ما من ذلك بد، غير أن نفاق الكبار للكبار شيء أكبر من النفاق في نفسه، وإنما ~~سمي به تسامحا وتجوزا، أو لأن اللغة تنافق هي ~~أيضا ... وإلا فنفاقهم إن كان صدقا فأكبر فضيلته الكذب، وإن كان حقيقة فأعظم أدلتها ~~الوهم، وإن كان علما فأكبر شرفه الجهل، وهو التخشع ينقلب ضربا من العبادة، وهو الوصف ~~المزور يرجع نوعا من الخلق الذي لم يخلقه الله، ثم هم طبقات، ولكل نفاقها، ولا تدري ~~أعلاها أسفلها، أم أسفلها الأعلى، ولكن الشر دائما بالجملة، وهم في الجملة يتخلقون، ~~ويتصنعون بما نعرف وما لا نعرف، والكبراء هم موضع الفصل والوصل في بلاغة الاجتماع، وكل رأس ~~منهم فهو كرأس الشارع: لا بد لك أن تلتوي، أو تنحرف إذا أنت بلغته، فإما أرسلك في طريق ~~خير أو شر، وإذا كان هذا فإن كل واحد من كبار المنافقين، ومنافقي الكبار هو على التحقيق ~~نقطة انقلاب في أخلاق من حوله من الناس. # إن مادة حوادث التاريخ هم أولئك العظماء، فإنك لتجد الرجل العظيم في أخلاقه العالية، ~~وسجاياه الكريمة، وفي تأثير هذه الأخلاق والسجايا على الناس - أشبه بالفتح التاريخي ~~المبين، وبالنصر القوي العزيز، ويكون الرجل إنسانا، ولكنه تاريخ، وتجد إلى جانبه المنافق ~~العظيم ... في أخلاقه السيئة، وطباعه اللئيمة، وفي تأثير هذه الأخلاق والطباع على الناس - ~~أشبه بتاريخ ضربة من ضربات الله، # 7 # أو مجزرة من مجازر الحروب، ويكون إنسانا، ولكنه على ذلك تاريخ! # ولا أعلم في هذه الدنيا شيئا لا يستطيع أن يوجد شيئا آخر؛ إذ الموجودات كلها مبنية ~~على التحاليل والتركيب، وهذا النفاق في أصله مبني على الكذب السافل، فإذا خرج منه شيء خرج ~~منه الكذب العالي ... فترى السياسي يبالغ في النفاق، ويزعم أنه يتكلم بلسان المستقبل، وينافق ~~الأديب، فيقال زخرف من القول، ومبالغة في البلاغة، ونفاق ذي السلطة تواضع، والنفاق ~~من العالم مسلك من دقائق علم النفس، ومن الغني مال يجذب مالا، ومن السفيه اللئيم ~~شر يطلب خيرا، فإن هو كان من ms38 امرأة قيل حب، أو من طفل قيل تحبب ... وكما ترد ~~المركبات كلها إلى أجزائها المفردة، فإن نفاق أهل الأرض جميعا يرجع إلى الطفل الصغير ~~كما ينبثق النهر العظيم على مد مجراه من المنبع، وينتهي إلى مصبه، وقد جمع من ~~أقذار طريقه على طول ما يمتد! فنفاق الطفل يكون في أصله مكافأة عن محبة أهله وذويه، ثم ~~يكبر فيصبح توددا إليهم، ثم يعظم فينقلب حيلة يحتالها العقل الصغير ليخضع بها العقل ~~الكبير لهناته وهيناته؛ ثم لا تزال تداخله بعد ذلك الأهواء والشهوات حتى ينعصر نفاقا؛ ~~فإذا هو ما هو. # بيد أن ما يكون من نفس الطفل يكون معفوا عنه في الأغلب، كأنه ليس من نفس، أو كأن ~~هؤلاء الأطفال حين يتواثبون ويقفزون في اللعب واللهو يقفزون كذلك من حدود الشرائع ... فللرجل ~~من كل قاعدة حد محدود ليس وراءه إذا هو تخطاه، وتعمد مجاوزته إلا حائط من السجن، أو ~~حائط من اللعبة، أو حائط من جهنم، ولكن الطفل يتخطى ذلك الحد وثبا، ويكون قد وثب على ~~السجن وجهنم بطبقاتها السبع، ولا يقع في واحدة منها؛ فمهما نافق الصغير فهو ذكي خبيث، ~~ولكن نفاقه ينتهي بقبلة على خديه أو لطمة ... # لا الصغار في منازل العمر من الأطفال، ولا الصغار في مراتب العمران من العامة، يصلحون ~~أن يقوم بهم النفاق؛ لأنهم جميعا ينسحبون على أصل واحد من الطبيعة، وهو صغر النفس، ~~وانصرافها إلى معاني الجسم دون معاني العقل: فلو أنك رأيت طفلا ينافق لطفل مثله، أو شهدت ~~عاميا من الناس يصانع رجلا من قياسه المنطقي ... لرأيت ~~في ذينك نوعا من الضحك الساكت، وفي هذين ضربا من الوقار الذي يضحك منه ... إن عظمة ~~النفاق هي نفسها في عظمة أهله الكبراء، وكل شيء قد يصلح موضعا للبحث والنظر والجدال، إلا ~~ما يعتقد الرجل العظيم أنه عظيم به، وهنا موضع التأله الذي شرع من أجله سجود النفاق، ~~وركوعه، وتهليله، وتسبيحه، فصغار العظماء كأنهم في حاجة إلى النفاق؛ لأن فيهم شيئا ~~عاليا لا يظهر حد علوه إلا إذا ms39 قيس من نقطة سافلة ... فإذا أنت عرضت لهم على شرطهم، ~~فنافقت واستخذيت ونزلت عن كرامتك، رأوك مع ذلك منافقا عند نفسك فقط، واحتجت بعد كل هذا ~~إلى ضروب أخرى من العنت الشاق على النفس، حتى يعرفوا بعد أن يجهدك النفاق أنك منافق، ~~فلا تبلغ إليهم رذيلتك إلا وقد صرت في جملتك مجموعة من الرذائل! ~~••• # وإني لأحسب أن النفاق هو بقية ما وقر في النفوس الجاهلة من عهدها الأول، عهد التعبد ~~لكل ما يضر، أو يتوهم فيه الضرر، والتقديس لكل ما ينفع، أو يظن فيه النفع، وتكون ~~أرواح الأصنام، والأوثان، والعجول، والبقر، والحشرات، والعواصف، والصواعق - وغيرها مما كان ~~يخص بالعبادة قديما - هي بأعيانها ما تتمثل فيه أرواح أولئك السادة الكبراء الذين يثقل ~~ظلهم على الروح ثقل الضباب، ويتراكم على القلب تراكم السحاب، ولا يرضون بابا من النفاق ~~إلا أن يفضي إلى باب ... ثم تكون أفعال المنافقين في دهانهم، ومصانعتهم، وما تتروح به ~~أرواحهم، هي في ذاتها بقايا تلك الرعدة، والفزع، والضراعة، وتمريغ الوجوه، والتمسح، ~~وما إليها مما صغرت به أحلام لتكبر أوهام، وكان عبادة أجسام لأرواح، فصار عبادة ~~أرواح لأجسام! # والعظيم الذي تنافق له، ولا ينكر عليك، ولا يردك، ثم لا يرضاك، ولا ترضيه إلا على هذا ~~النحو، هو في رأيي رجل خرافي من المعبودات الأولى يحتاج إلى نبي يمحوه، فإن لم يكن نبي ~~فرجل حكيم يكشف للناس عن وجه الخرافة فيه، فإن لم يكن فذو عزيمة يصول به، أو يستطيل عليه، ~~فإن لم يكن فذو دين وتقوى، يريه وجه السماء من دينه وزهده، فإن لم يكن فذو علم يقنعه أنه ~~كان ترابا، وسيكون عظاما ورفاتا ... فإن خلا قومه من كل أولئك فقد # زين لهم الشيطان أعمالهم ~~، وقد رفع الله عنهم يده؛ فلا يبالي ~~في أي وجه هلكوا! ~~••• # أما إنه لا ينافق إلا الخبيث الذي يحاول أن يقتحم النفوس، وهي غافلة عن أبوابها ~~ومنافذها، فنفاقه من التلصص، وإلا الضعيف الذي يريد أن يقوى بضعفه، فهو يحتال على أن ~~يأخذ القوي من ms40 أضعف مكان فيه، ونفاقه من المكر والخداع، وإلا الغاصب الذي يطمع أن يكون ~~الشيء له وليس له، ونفاقه من الظلم، وإلا القوي متى أراد أن يسوق بقوته مساق الضعف ~~لينال بها من غير أن يؤذي، فنفاقه من الكبرياء، والخامسة أن روعة الحب في عاشق تنافق لروعة ~~الحسن في معشوق! # وكذلك لا يرضى عن النفاق، ولا يقره إلا جاهل اكتفى من العلم قبل أن يعلم ما هو العلم، ~~أو مستكبر عميت نفسه عما حولها، وعما فوقها، أو غبي يعرف عقله في وهمه، ووهمه في ~~عقله، ولا يعرف عقول الناس، أو ذو سلطان دنت محنته، وأظلت ملكه النقمة؛ فهي تسلك إليه ~~سبلا مختلفة، منها فساد الناس، ومنها النفاق، والخامسة أن يمتلئ نظر الجميلة رضا ~~وسحرا حين يمتلئ فم المحب نفاقا في هواها! # وأنت فكيف اعتبرت النفاق رأيته كذبا وخداعا، ثم مكرا ومصانعة في الحق؛ فإن هو فشا في ~~طائفة من الناس ألفيتهم في الجملة كأنما تعاهدوا بينهم على ألا يصدقوا، ولا ينصحوا، ولا ~~يأنفوا، ولا يقاربوا الحق؛ فإذا كثر هذا السواد في شعب رأيته، ولا يحسن من الحياة إلا ~~الأسباب الذي يقتل بها نفسه إن كان قويا، ولا يهتدي لغير طرق الفقر إن كان غنيا، ولا ~~ينفع إلا أعداءه إن كان شعبا ذكيا، ولا يعمل إلا على السخرة لغيره إن كان عاملا ~~فتيا! ~~••• # وكل منافق وصاحبه الذي ينافق له، رجلان لا يفهم أحدهما الآخر، أو تكون بلادة الحس قد ~~بلغت من أحدهما أن يتظاهر بأنه لا يفهم، وبلغت الغلظة من صاحبه أن يظهر كأنه غير ~~مفهوم، وكلاهما غطاء مكفأ على حقيقته، ولكن الحقائق المغطاة بأغطية الكذب موضوعة أبدا ~~على نار تتقد من عزائم المصلحين، ونفوس الحكماء، وقلوب الأحرار، فلا تزال تغلي كلما طال ~~بها العهد حتى تنفجر من أغطيتها، فإذا الزور قد طاح به ما انكفأ عليه، وكان ذلك من سنة ~~الله في إصلاح الناس، وكان من سنة الله كذلك أن تجد الناس ينافقون جميعا، إلا مصلحا، ~~أو حكيما، أو رجلا حر ms41 النفس! # | هوامش # الفصل السادس # | الصغيران # والآن أرى السحاب رقيقا مهلهلا كأنه في سرقة من حرير أحمر، # 1 # يشرق إشراق الروح في الطفل الصغير الذي كفلته رحمة الله فتركته إذا ضحك ~~استوضحت له من الضحك معان لا نهاية لها، ولا يعرفها الناس، فما ينفك من شيء تضحكه أو يسره، ~~وإذا بكى لم يجد للبكاء إلا معنى واحدا من تلك المعاني الكثيرة التي يعرفها الناس؛ فهم لا ~~ينفكون من البكاء، أو معانيه في هموم الحياة! # تقوم الطفولة في روحها، وعهدها، وحوادثها على عقيدة واحدة، هي أن كل ما كان فسيكون غيره، ~~وهي تعرف ذلك يقينا جزما لا شك فيه، وحكما لا معدل عنه؛ فالصغار على أي أحوالهم هم ~~كبار الناس في هذا المعنى. # إنك لتعرف الرجل لا بأس بعقله، ثم تراه فيما ينزل به من الحوادث فإذا هو من النفرة ~~والهم، والقلق صورة كاملة من اضطراب فكره في حكمة ما ابتلي به، فإذا نظرت إلى الطفل في ~~مثل ذلك رأيته صورة أخرى من نفس حزينة راضية مستسلمة، قد أقرت فيها رحمة الله بحكمة الله؛ ~~فالحزن فيها سبب الهم، ولكنه كذلك سبب الأمل! ~~••• # جلست ليلة مع صحبة من الأدباء في ندي # 2 # على عنق شارع كذا بالقاهرة، وكنا في الوقت الذي يقبل فيه الليل على أعماقه ~~قبل أن ينتصف بمنزلة واحدة، # 3 # تلك الساعة التي هي أول عهد الليل بالتنفس تحت الأجنحة السماوية، # 4 # تنزل لتختم على أعمال الأرض في يومها الغابر، ثم تأخذ في تهيئة الجمال ~~السماوي البديع الذي سيخلق منه الفجر. # وكان إلى جانبي أديب سكير، نسميه «دمياط الحانة» ... لأن فرعا من نهر الخمر ينصب فيه ~~كما ينصب فرع النيل عند (دمياط)! وقد عودته الكأس أن يتخذ الليل نهارا، والنهار ليلا، ~~فما ينصرف إلى بيته إلا في فروع الصبح، # 5 # ولا ينام إلا والعالم كله متيقظ، ويزعم أنه لا يهتدي إلى عقله إلا إذا أضاعه ~~ساعة أو ساعتين، # 6 # ولا يحسن تصفية الكلام، وترقيق المعاني إلا إذا نضج جوفه بماء الشعر! ms42 # 7 # وكان في تلك الساعة قد حط عليه الساقي حتى انتهى في سماواته الوهمية إلى الأفق الزجاجي، ~~فعاد كلامه رنينا، وطنطنة لا يفهمه إلا صاحب الحانة وحده ... فلما دهته الداهية من كرب ~~الخمر تخطى حد إنسانيته إلى البهيمية السائمة، وما كاد يرتفع الستار الإنساني عن مسرح ~~أخلاقه، حتى رأيتني في رواية عجيبة يمثلها أربعة اجتمعت أرواحها في شخص واحد: سفيه، ~~ومعتوه، وأحمق، وأديب ... # وجعلت أتأمل على يقين الخبرة، أشهد على حق النظر عجيبة هذا العقل الإنساني الذي يسبح في ~~الأفلاك، ويتطوح من شاطئ المجهول إلى شاطئ المعلوم بوثبة أسرع من ضربة الجناح، ثم هو مع ~~ذلك يغرق في زجاجة خمر، وصرت أرى كيف يتحول النبوغ العقلي في بعض ساعاته إلى صناعة خسيسة، ~~هي صناعة الأديب نفسه الشريفة بهيمة من البهائم، وعلمت علم هؤلاء الأدباء الذين يحسبون ~~الخمر توحي إليهم، وما في ملء الدن منها ما يعدل فائدة واحدة من قوة الإرادة. # لقد رأيت وعلمت وشهدت بعيني رأسي كيف يبوء هؤلاء بالمأثم والمغرم جميعا؛ # 8 # وتالله إنه لأيسر على الباحث أن يجد الشراب الذي يغترف منه الظمآن بكفيه ~~ماء زلالا، من أن يعثر على الكأس التي يقتبس منها السكير فضيلة أو فائدة. # ولو رجع الأمر إلي ما جعلت عقوبة الخمر إلا تحطيم الزجاجات على رءوس شاربيها؛ وهب أن ~~رأس الأديب السكير هو رأس أرسطو علما وذكاء؛ فذلك أدعى لتحطيمه؛ لأنه لن يكون في ~~عربدته، وسكره، وانحطاطه، وسقوط همته إلا رذيلة يدافع العلم والذكاء عن وجودها، ~~فينصبها الشيطان مثلا للتقليد، ويتخذها الأغرار والضعفاء قاعدة للباطل المتبع، يعملون ~~على احتذائها، ويتحولون عن فضيلتهم بحجتها؛ فيصبح هذا الرأس الواحد كالمطبعة: متى حبرها ~~الطابع نقلت ما فيها «بحروفه» إلى كل الصحف البيضاء التي تلامسها! ~~••• ~~... وفي تلك الساعة كانت الأرض قد عريت إلا من أواخر الناس، وطوارق الليل، وبقية من ~~يقظة النهار، تحبو في الطرق ذاهبة إلى مضاجعها: فبينا أمد عيني وأديرهما في مفتتح ~~الطريق ومنقطعه، إذ انتفضت انتفاضة الذعر، ووثبت رجة القلب بجسمي كله كما ms43 تثب ~~اللسعة بملسوعها؛ ذلك حين أبصرت الطفلين ... # صغيران ضلا من أهلهما في هذا الليل، يمشيان على حيد الطريق # 9 # في ذلة وانكسار، وتحسب أقدامهما من البطء والتخاذل لا تمشي، بل تزحزح قليلا ~~قليلا فكأنهما واقفان، أكبرهما طفلة تعد عمرها على خمس أصابعها، والآخر طفل يبلغ ثلاث ~~سنوات؛ ينحدران في أمواج الليل، وقد نزل بهما من الهم في البحث عن بيتهما ما ينزل مثله بمن ~~تطوح به الأقدار، إذا ركب البحر المظلم ليكشف عن أرض جديدة. # تتبين الخوف في عيونهما الصغيرة، وتراه يفيض منهما على ما حولهما، حتى ليحسب كلاهما أن ~~المنازل عن يمينه وشماله أطفال مذعورة! # ويتلفتان كما تتلفت الشاة الضالة من قطيعها: لا يتحرك في دمها بالغريزة إلا خوف ~~الذئب! # ويتسحبان معا وراء الأشعة المنبثة في الطرق، كأن أضواء المصابيح هي طريق قلبيهما ~~الصغيرين. # منقطعان في ظلام الليل، وليس على الأرض أهنأ من ليل الطفل النائم، فهل يكون فيها أشقى من ~~ليل طفل ضائع؟! نامت أحلامهما، واستيقظت أعينهما للحقائق المظلمة الفظيعة، وضاعا من البيت، ~~ويحسبان أن البيت هو الضائع منهما ... طفلان في وزن مثقالين من الإنسانية، ولكنهما يحملان ~~وزن قناطير من الرعب. # يا من لا إله إلا هو، من سواك لهاتين النملتين في جنح هذا الليل الذي يشبه نقطة من ~~غضبك؟ لقد أخرجتهما في هذا الضياع مخرج أصغر موعظة للعين تنبه أكبر حقيقة في القلب، ~~وعرضت منها للإنسانية صورة لو وفق مخلوق عبقري فرسمها لجذب إليها كل أحزان ~~النفس! # صورة الحب يمشي متساندا إلى صدر الرحمة في طريق المصادفة المجهولة من أوله إلى آخره، ~~وعليهما ذل اليتم من الأهل، ومسكنة الضياع بين الناس، وظلام الطبيعة وكآبتها! # رأيت الطفلة وقد تنبهت فيها لأخيها الصغير غريزة أم كاملة، فهي تشد على يده بيديها ~~معا كأنها مذ علمت أنها ضائعة، تحاول أن يطمئن أخوها إلى أنه معها، ولن يضيع، وإنه ~~معها! # 10 # فيا لرحمة الله! # وقد أسندت منكبه على صدرها وهي تمشي، فلا أدري إن كان ذلك لتحمل عنه بعض تعبه فلا ms44 ~~يتساقط، أو ليكون بها أكبر من جسمه الضئيل فلا يخاف، أو لأنها حين لم تستطع أن تفهمه ما ~~في قلبها بلغة اللسان أفاضته على جسمه بلغة اللمس، أو لا هذا ولا ذاك، إنما هي تستمد من ~~رجولته الصغيرة حماية لأنوثتها بوحي الطبيعة التي رسخت فيها! # أما الطفل فمستذل خاشع، لو ترجمت نظراته لكانت هذه عبارتها: اللهم إن هذا العمر يوم ~~بعد يوم، فأنقذنا من بلاء يومنا! # ولما وقفا بإزائنا كان هذا الصغير يقلب في وجوه الناس نظرات يتيمة، ترتد على قلبه ~~آلاما لا رحمة فيها؛ إذ يشهد وجوها كثيرة ليس لها ذلك الشكل الإنساني المحبوب الذي لا ~~يعرفه الطفل من كل خلق الله إلا في اثنين: أمه، وأبيه! # وما أسرع ما تناهض الناس، وأطافوا بهما، وما أسرع ما لاذ المسكين بأخته، واستمسك بها؛ كأن ~~وسائل الرحمة تخيف كما تخيف أسلحة «الجراح»، # 11 # أو كأن الأصل في هذا الإنسان هو العدوان على أخيه، وظلمه، واجتياحه، فكل حركة ~~إنسانية مشكوك فيها حتى يقع أثرها؛ لأن الإنسان نفسه ستار منسدل على نيته، وهذه النية آلة ~~للأطماع، فلا تزال في يد الكذب دائما، لا يدعها للصدق إلا فيما لا «ينفع» ... # وكان الطفل المسكين في جملة النظر إليه، خلقا من الحب المؤلم الذي يلهب الدم، يرسل من ~~عينيه الدعجاوين سحر المذلة الفاتنة، تلك المذلة التي أعرفها أقوى ما في الحب إذا تذللت ~~الحبيبة في نظرة ضارعة ترسلها لمحبها المفتون، فلا تبقي في رأسه رأيا، ولا في قلبه نية، ~~وتذل له ليذل هو لا غير، كأن أحب العز في أحب الذل! # ونظر إلي أنا أول رمقة، فذكرت أطفالي فتزلزل قلبي، وأحسست أن دمي استحال إلى بارود وقع ~~فيه الشرر! # وهؤلاء الأطفال الصغار هم إنسانية على حدة، فكل أب هو أبو هذه الإنسانية كلها، ولن يطيق ~~من كان له طفل أن يرى صغيرا ضائعا في الطريق يستهدي الناس إلى أهله، ويبكي عليهم، أو ~~طفلا جائعا يعرض على الناس وجهه المنكسر، ويستعطفهم بصوته المريض أن يطعموه، أو طفلا ms45 ~~يتيما قد ثكل أهله، وضاق بقسوة أوليائه، فانطرح في ناحية يبكي، ويتفجع، ويسأل من يعرفون ~~الموت: أين أبي؟ أين أمي؟ # هؤلاء جميعا ليس بينهم وبين قلوب الآباء والأمهات حجاب؛ إذ ليس فيهم من الناس إلا ~~اضطرارهم إلى الناس؛ فهم الإنسانية الرضيعة التي خلق من أجلها القلب الإنساني في شكل ~~ثدي. ~~••• # واطمأن ذلك الطفل إلى صدر أخته، ومال برأسه عليها، ثم أطلق عينيه فينا جميعا، فما حسبته ~~أراد إلا أن يخبأ في قلبها أفكاره الصغيرة، ثم ينظر إلى هؤلاء الناس نظرات مجردة بلهاء كما ~~ينظرون هم إليه؛ إذ لم ير فيهم من فتح له ذراعيه، ولا من حمله، ولا من تحنى عليه، ولا من ~~ضحك له، ولا من أعطاه شيئا يأكله! # ألا إنما الناس صور الفكر، وصور القلب، فمن لم نر فيه صورة من أفكارنا التي نلتمسها، ~~أو من أهوائنا التي نحبها، فذلك ليس منا، ولسنا منه، وإن سمي أخا في لغة النفاق، وإن دعي ~~حبيبا في لغة المجاملة، بل هو مخلوق ليكون النموذج الذي نتعلم عليه البغض إن كان متصلا ~~بنا، أو التسامح إن كان بعيدا عنا، ولم تتصل بنا، ولا أخباره ... # وكم بين الناس من اسم تعرفه على صاحبه كهذا النور الأحمر الذي يضعونه في الطرق؛ فيضيئونه ~~من الليل فوق الحفر ... لينذر الناس ما وراءه، ويقول لهم بصوت النور: ههنا ما ينبغي أن ~~تحذروه، ههنا حفرة ... # إنما الناس صور الفكر، أو صور القلب، فهم منقسمون حين يولدون أسباطا أسباطا باختلاف ~~الدم في كل أسرة، وهم متفرقون حين ينشئون أفواجا أفواجا باختلاف الصحبة في كل فئة، وهم ~~متباينون حين يتدفعون أحزابا أحزابا باختلاف الهوى في كل طائفة، وهم متناكرون حين ~~يتنازعون أمما أمما باختلاف المنفعة في كل أمة، فتلك أربعة وجوه تلبسها الإنسانية فيهم، ~~ومن ثم قضي على هذه الإنسانية المسكينة في الأرض أن تكون ثلاثة أرباعها عداوة، كالأرض ~~نفسها: ثلاثة أرباعها ماء ملح لا يساغ ولا يشرب، وإنما منفعته للكون كله في الجملة! ولعل ~~شيخا من الشيوخ لو تدبر ms46 حياته، وأحصى أقدارها، وميز أنواع حوادثها، وما أتي عليه فيها ~~من أولها إلى آخرها، لرأى ثلاثة أرباعها ملحا أيضا ... # إنما الناس صور الفكر، أو صور القلب، فليس يأتي للوالدين أن يربوا من أولادهم ناسا، بل ~~أهواء ومطامع يناقض بعضها بعضا: مطامع تتبع أسبابها، وأهواء ترجع إلى غرائزها؛ فلو أن أهل ~~هذه الأرض بلغوا بما لا نعلم من الوسائل أن ينظموا ظاهر دنياهم حتى يكون سواء لا يخالف شيء ~~منه على شيء؛ لبقي الانتقاض والاختلال في باطن الإنسان، حتى لكأن بعض الدم يخلق غالبا على ~~بعض الدم. وإنه لا شيء في هذه الحياة إلا وقد خلق معه ضده، فإذا استقامت الأمور فلمن تكون ~~الأضداد لعمري؟ # إنما الناس صور الفكر، أو صور القلب، فدنيا كل إنسان في شيئين: ما ينزع إليه بفكره، وما ~~يميل إليه بقلبه، والإنسان من كل إنسان أحد اثنين : من ترجى به المنفعة، ومن تكون فيه ~~المحبة، والإنسانية من كل إنسان في منزلتين: أدنى الحب، وتلك منزلة الصداقة، وأعلى الصداقة، ~~وهي منزلة الحب؛ فأما وراء ذلك فصحراء الإنسانية الكبرى المقفرة من قلب الشخص وفكره. ولولا ~~الأديان لخربت الدنيا، فإن هذه الأديان قد عمرت هذه الصحراء بعنصرين جليلين أنبتا فيها ~~القلب والفكر، وهما: خوف الله في خلقه، ومحبة الله فيهم؛ فحيث وجد هذا الخوف، وهذه المحبة ~~وجدت الإنسانية، وعلى ذلك فالإنسانية العامة الحقيقية هي الإيمان، والإنسان العام الصحيح ~~هو المؤمن، والسلام العام الكامل هو الله جل جلاله. # ولكن يا لشقاء الإنسان التعس! إن أعجب ما في الشر أن اختلاف الناس في فهم هذه الثلاثة ~~هو أصل الشر! # وسألوا الطفلين أسئلة سياسية ... ما وطنهما؟ وما جنسهما؟ أي من أي شارع، ومن أي ~~والد؟ # ألا ضل ضلالكم أيها الناس! فلو أنهما يعرفان من أي شارع، ومن أي والد لما كان منهما ما ~~ترون، على أن الطفلة لجلجت في بعض كلمات تشبه اضطراب قلبها، وكان الصواب كله ماثلا ~~لعينيها مجتمعا في ذهنها، فالبيت، والشارع، والأب، والأم كل ذلك واضح في خيالها، ولكن الذي ms47 ~~استبهم عليها هو تحديد نسبته إلى هذا الوجود الذي تراه كله بيوتا، وشوارع، ورجالا، ونساء، ~~وإنما تحديد الشيء هو تعبير الطبيعة عنه، وإنما تعيين نسبته من غيره هو تعبير الشيء نفسه عن ~~خصائصه؛ فإذا أنت عرفت نسبتك من سواك، وحصرت هذه النسبة في حدودها وأسوارها، فقد أمنت الخطأ ~~في سعادة نفسك، وأصبحت بتلك المعرفة أسعد إنسان. # ولكن من لك بهذه المعرفة، وبهذا التحديد، وقلوب الناس كافة كأمواج البحر في البحر: تظهر ~~كل واحدة قائمة بنفسها في رأي العين، وهي راجعة في جميعها إلى أصل واحد، هو هذا السيال ~~المتحرك الذي يتضرب بعضه في بعض ليوجد الأمواج ويفنيها. # ما أراني أعرف بعد طول الفكر سببا للشقاء الإنساني، يجمع كل ضروبه إلا سببا واحدا؛ هو ~~أننا معدون لكل الحالات المختلفة التي تطرأ على الحياة بقلب من نوع واحد، فإذا استطعنا أن ~~نجعل ظواهرنا موضع الترتيب، فإن بواطننا أبدا موضع الاختلاط، والألم والنكد! ~~••• # ولما رأيت حيرة الطفلين ضممتهما إلي، وألهيتهما عن كآبة القلب بسرور البطن، فدفنت كل ~~آلامهما في بعض قطع من الحلواء؛ فطعما واستضحكا، وتطعما الحياة جديدة آمنة. # والطفل لا يعرف مستقبلا ولا ماضيا، وما هو إلا حاضره؛ فإن عييت بأمره فأوجده ما ~~يلهو به، فهذه هي سعادة الطفولة، ولقد سرهما من الأديب السكير الذي كان إلى جانبي ~~أضعاف ما سرهما من الحلواء، بل كان زيادة في حلاوتها؛ فحسباه يتعمد بسطهما، وإيناسهما ~~بحركاته وبكلامه الذي يطن في السماوات الزجاجية؛ فكانا يضحكان منه، وكلما تكلم أو أشار أو ~~تحرك أو أنكر عليهما، استخرج بذلك منهما مثل تغريد العصافير؛ فكانت كل الفائدة من سقوطه، ~~وضياع عقله أنه أضحك طفلين! # وقدرت في نفسي أنهما من هذا الشارع الذي نحن فيه، أو من فصيلته في الطرق التي تخالطه أو ~~تقاربه، وقلت إن أهلهما على أثرهما؛ فجعلت أستأني وأنتظر، وبينما نحن على ذلك، إذ ارتفع ~~سواد مقبل كأنه روح ليلة مظلمة تغشى الطريق؛ فتبينت فإذا امرأة تهفو كذات الجناحين، ~~وكأنها تنساق بقوة تحترق في داخلها، ثم أخذتنا ms48 عيناها فإذا هي أم الطفلين، تبدو من ~~لهفتها، واستطارتها لولديها كأنما تحاول أن تخطفهما من بعيد بقوة قلبها، وما عرفت أنها هي ~~إلا بأن روحها كانت منتشرة على وجهها، ملموسة في نظراتها إلى الصغيرين، لها هيئة هيئة ~~أم # 12 # وضعت الجنة تحت قدميها، فترى في وجهها معاني ليست من هذا العالم، وليست من ~~الجنة نفسها؛ إذ تزيد على كل مسرات الدنيا هناءة الاطمئنان السعيد المفاجئ الذي لا يكون في ~~الحياة إلا هنيهة ثم ينقطع، وتزيد على ما هناك هذه اللهفة اللذيذة التي لا توجد إلا هنا ~~على أرض حينما تفجأ السعادة بعد شقاء لا يحتمل. # إن من لم ير أما أشفى طفلها على الموت في حادثة أخذته بغتة، ثم نهض سليما معافى، أو ~~ضل عنها مدة حتى يئست منه، ثم اهتدت إليه؛ لا يكون قد رأى شيئا من سعادة الإنسانية ~~العالية النادرة التي لا تكون إلا في الأمهات خاصة، ولا يشهدها الناس إلا في ساعة حرجة، ~~تلمس فيها يد الله قلب الأم! ~~••• # وهل الطفلان # 13 # لما أبصرا أمهما، ونفضا أيديهما نفض الأجنحة، ثم أكبت هي عليهما بجسمها، ~~ومدامعها، وقبلاتها، والتحما بها التحام الجزء بكله، واشتبكت الأذرع في الأذرع حتى لا ~~تفرق بين ثلاثتهم في معاني الحب إلا بالكبر والصغر، ورجعت معهما طفلة كأن تاريخها ابتدأ ~~جديدا في ساعة من الساعات الفاصلة التي يتحول عندها التاريخ. # وإذا كانت القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها، فلقد كانت هذه القلوب الثلاثة ~~في تلك اللحظة تنطق وجوهها بأنها في يد الله يهزها هزا! ولكم وددت لو أستطيع أن أخلط ~~بها قلبي المسكين في لمسة واحدة ليشعر ولو لحظة في هذه الحياة أنه سما بروحه فوق العالم ~~كله! # لو أصابك الهم لحبيبك إذ تراه مهموما متألما لذقت أحلى أنواع الآلام السعيدة؛ ~~فكيف بك لو تبدل همه بغتة، فأقبلت عليك قبلاته وضحكاته تزحزح عن قلبك ناموس ~~الكآبة؟ # الحب! وما الحب إلا لهفة تهدر هديرها في الدم، وما خلقت لهفة الحب أول ما خلقت إلا ~~في ms49 قلب الأم على طفلها ترأمه وتحنو عليه، ولن يحفظها للعالم إلا هذا القلب نفسه. ولقد ~~يكون عمر الطفل يومين، ولكن لهفة أمه عليه، وحفظها إياه حفظ عينيها، تجعل له من الحب عمرا ~~متطاولا، ولا يقاوم به الأقدار العادية عليه في مسارحها، ولولا ذلك لحطمته هذه ~~الأقدار كما تحطم كل طفل أهمله ذوو عنايته، # 14 # فلهفة الأم على طفلها كأنها قوة سنين عددا في جسم هذا الطفل، ومن ثم لم ~~يكن الحب الصحيح في أسمى مظاهره إلا حب المرأة لبني بطنها، # 15 # وإنما يسمى غرام العاشقين حبا؛ لأن في العاشق دائما مع حبيبته أكبر معاني ~~الطفولة، وفي العاشقة دائما مع حبيبها أصغر معاني الأمومة. # وما كان هذا الغرام ليسمى حبا لولا ذلك، ولولا أن في اللغات لصوصا من الألفاظ تسرق ~~معاني غيرها ... # حب الأم في التسمية كالشجرة: تغرس من عود ضعيف، ثم لا تزال بها الفصول وآثارها، ولا تزال ~~تتمكن بجذورها، وتمتد بفروعها، حتى تكتمل شجرة بعد أن تفني عداد أوراقها ليالي ~~وأياما. # وحب العاشقين كالثمرة: ما أسرع ما تنبت، وما أسرع ما تنضج، وما أسرع ما تقطف! ولكنها ~~تنسي الشفاه التي تذوقها ذلك التاريخ الطويل من عمل الأرض، والشمس، والماء في الشجرة ~~القائمة. # لا لذة في الشجرة، ولكنها مع ذلك هي الباقية، وهي المنتجة، ولا بقاء للثمرة، ولكنها على ~~ذلك هي الحلوة، وهي اللذيذة، وهي المنفردة باسمها. # وهكذا الرجل: أغواه الشيطان في السماء بثمرة فنسي الله حينا، ويغويه الحب في الأرض ~~بثمرة أخرى فينسى معها الأم أحيانا! ~~••• # وذهبت المرأة بالصغيرين بعد أن شهدت منها ومنهما مواقع رحمة الله في القوى المسكينة ~~التي لم تجئها المسكنة إلا من كونها أطهر القوى وألطفها، وانفجر قلبي آلاما وسرورا ورحمة ~~في ساعة واحدة، ثم كاد ينفجر آخر الأمر من الضحك ... حين أراد الطفلان أخذ الأديب السكير ~~معهما؛ لأنه مضحك! # | هوامش # الفصل السابع # | الشيخ علي # وكأنما أنظر الآن في قلب رجل لا في وجهه، إذ تهلل على السحاب وجه «الشيخ علي» شيخ ~~المساكين. # 1 # أراه ms50 كما كنت أعرفه ضاحكا غير الضحك الذي يلبس وجوه الناس، فلا يضحك لشيء إنساني، بل ما ~~هو إلا أن تراه قد تهلل فرفع وجهه إلى السماء، وأرسل من فمه مثل نور التسبيح في إشراق جميل، ~~حتى لقد كان يخيل إلي حين أبصره على تلك الهيئة أنه لا يضحك، ولكن قلبه يرتعش بعضلات ~~وجهه! # لو أراد الله بالناس خيرا لوضع في أبصارهم أشعة تنبث في أطواء القلوب؛ فتعرف ألوان ~~العواطف، وتميزها لونا من لون، ولكنه جعل الوجه غطاء على معاني القلب، ثم سلط الفكر على ~~معاني الوجه ومعارفه، يصور فيها ما شاء مما له أصل في الحس، وما لا أصل له حتى ليختبئ ~~الإنسان عن الإنسان، وهو مكشوف لعينيه ... وإذا كان الله سبحانه قد أوجد الخير والشر صريحين، ~~فقد أوجد الإنسان ثالثا لهما، وهو تلبيس أحدهما بالآخر، وأراد الخالق ذلك، ويسره ~~للإنسان، فجعل فيه آلة واحدة للصدق، وهي القلب، وآلتين للكذب: وجهه، ولسانه! ~~••• # كان «الشيخ علي» يشبه إنسانية قائمة بغير إنسانها، على حين ترى أكثر الناس كأنه إنسان ~~قائم بغير إنسانيته، # 2 # وكانت الدنيا كأنما نسيت أنه فيها، فتركت له روحه صافية منطلقة، تتطعم الحياة ~~غير مستقرة في شيء، كما يتطعم النسيم رائحته من ورق الزهر؛ فهو يتسحب عليه، ولا يستقر فيه، ~~ولو أنه ورق الزهر. # وما زالت روح هذا الرجل مني منذ عرفته كأنها نضاحة عطر، # 3 # تمج رشاشها على حياتي روحا وعبيرا وندى، وكأن الرجل طفل عزيز من أطفال ~~قلبي، يملأ ما حوله ابتساما، وطفولة، ورقة، ولو أن أحدا خلق من عيني الطفل الضاحكتين ~~لكان هو «الشيخ علي» رحمه الله، على أنه كان رجلا من سوسه القوة، معصوبا ~~متكدسا، # 4 # يملأ جلده جذل من أجذال الشجر. # 5 ~~••• ~~... وانقبضت نفسي انقباضة شديدة، إذ تغير الرجل في خيالي؛ فنظر إلي نظرة ينقدح منها شرر ~~الغيظ، فلو أبصرت عيناك طائرا ضعيفا أراغه نسر، فاستطرده في نواحي الجو هكذا ~~وهكذا، # 6 # ثم أهوى له بمخالبه، ثم سدد إليه نظرة غرزت هذه المخالب، وانفجرت ms51 بآلام لحمه ~~ودمه - فاعلم أن تلك هي كنظرة الشيخ إلي، ولقد تبعثرت لها شياطين نفسي، فانطلقت يحاول ~~كل شيطان منها مهربا، وكانت توسوس في صدري أن أستمد من روح الشيخ قوله في الحب، هذا ~~الحب الذي مهما اعتبرته لم تجده إلا كإحياء الخيالات بقتل حقائقها. ~~... ثم ما لبث أن استضحك، وأطلق لي نفسي، وجاشت عيناه بنظراتهما الحكيمة، فقلت: ويحك يا ~~نفس! إن عين الشيخ ترى من الجمال غير ما نرى، ثم تعلم علمها مما نظرت فيه، ثم تقدره على ~~حساب ما تعلم منه؛ فما يدرك لعل هذا الرجل الروحاني لا يرى إلا ما وراء تلك البشرة ~~الجميلة التي تكسو وجوه النساء الجميلات، كما نبصر نحن من وجوه الموتى، وقد تأكل ~~جلدها، وتناثر لحمها، وبرزت عظما كسائر العظم من كل حيوان؛ فلا موضع قبلة، ولا سحر نظرة، ~~ولا إشراق بسمة، وما هو إلا تركيب من العظم صنع هذه الصنعة؛ تيسيرا لما خلق له ... ولعله ~~يا نفس لو حشر الله لعينيك أجمل الجميلات في صعيد واحد، وحشر معهن إناث البهائم صنفا ~~صنفا، ثم نزع عن تلك الوجوه كلها ذلك الطراز من الجلد، وما وراءه من اللحم مزعة بعد ~~مزعة، # 7 # حتى لا يبقى إلا الوضع في بناء العظام وهندستها؛ فما يدريك لعل أجمل الجمال ~~عندنا هنا لا يكون حينئذ إلا أقبح القبح هناك؟ # أفمن جلدة على وجه امرأة يجيء الشعر والجنون معا، ويجتمعان في هذا الخيال الذي يسمى ~~الحب، ويستنزلان معاني التقديس من أعلى السماوات إلى عين تلحظ لحظة، وشفة تبسم بسمة؟ # إنه القلم الإلهي المبدع الحكيم هو الذي صور ولون، وافتن ما شاء؛ فإن رزقت امرأة جلدة ~~جميلة مشرقة كأنما تجري فيها الشمس، وألبست أخرى جلدة قبيحة سفعاء، # 8 # تجول فيها رهبة الظلمة؛ فكلتاهما صبورة من صنع الله، وكلتاهما تظهر لونا من ~~ألوان الحكمة، وكلتاهما جاءت لمعنى، وكلتاهما بعد غشاء زائل على وضع ثابت لا يختلف في هذه، ~~ولا في تلك: وضع الحقيقة الجسيمة التي تحمل الحياة بأدواتها الكثيرة، والحياة لا ms52 تعرف ~~البشرة إلا غطاء على ما وراءها، اسود أو ابيض، وكان من لون المرمر، أو من هيئة ~~الطير! # ولو أن كل وجه في نساء الدنيا خلق دميما نافرا على أبشع ما نتصوره من القبح، لكان ~~كل نساء الدنيا جميلات؛ إذ يألف الطبع الإنساني تلك الصورة الواحدة، ويتقرر بها الذوق ~~في الجمال، وتستمر بها العادة، فلا يستبين وجه من وجه آخر في صفة، ولا يخالف مذهب مذهبا ~~في حالة. # ولكن هذا الإنسان كتب عليه الشقاء، فخلق وخلق معه ما يطغيه، وما يستفزه، وما يخرجه ~~عن طوقه، كما خلق له ما يزهده، وما يطمئن به، وما يحصره في إنسانيته. فالجميلات ~~والقبيحات كلهن سواء في أنهن نساء هذه الإنسانية، لا تقصر في ذلك واحدة عن واحدة، وإنما ~~يتفاوتن في أسباب الشقاء الإنساني الذي يبتلي الرجل بالمرأة، ويمتحن المرأة بالرجل. # ولو سما عقل الرجل إلى الغاية العليا من كماله؛ لرأى المرأة الجميلة الفاتنة في نصف جمال ~~المرأة القبيحة، ولبانت الواحدة عنده من الأخرى بأن الدميمة مهيأة في نفسها لمعاني ~~الأخلاق، والجميلة مهيأة لسفسافها، # 9 # ولرأى مع هذه بعض طباعها، ونزغاتها شرا مما تقدم بها من جمال وجهها، ومع تلك ~~من أكثر طباعها، وصفاتها خيرا مما قصر بها من حسن صورتها. # بيد أن من شقوة الطبع الإنساني أنه سخط القبح فأحاله فسادا، وعبد الجمال فأحاله ~~فسادا من نوع آخر؛ إذ كان في نفرته وحبه لا يعتبر المنافع والحقائق، ولكن الأهواء ~~والشهوات، والمنفعة والحقيقة كلتاهما لا تكون إلا في قيودها، أما الأهواء والشهوات فهي ~~دائما لا تقع إلا متخطية حدود العقل، إما إلى النقص، وإما إلى الزيادة، ولا تغري بشيء ~~إلا أوقعت به السوء، إذ لا يستوي في القصد ما خرج عن الحقيقة، وما هو مقيد ~~بالحقيقة. ~~••• # كان هذا وحي «الشيخ علي» في نفسي، غير أني رددته عليه، وأزلني شيطان الحب مرة أخرى، ~~فقلت: أفترى الشوهاء على ما بها مما ركع للدهر وسجد، # 10 # ثم تلك المرأة التي سمج تركيبها فتحامتها العيون، ثم الأخرى التي قمعت ms53 في ~~بيتها تختبئ فيه من القبح؛ # 11 # فصارت سرا في صدر الحيطان، ثم تلك التي تلوح في النساء كالسطر المضرب عليه ~~أفسده الخطأ، ثم المهزولة التي أدبر جسمها، # 12 # وتقبضت أعضاؤها، وأصبحت جلدة تمشي وتتكلم ... أفترى هؤلاء أو إحداهن كتلك ~~الغانية المتشكلة في ألوان الثياب كأنما تلبس بدنها الجميل بدنا معنويا يدل على ~~معانيه، أو الأخرى التي تظهر في جمالها الفتان عاطلة من كل حيلة، ومع ذلك ترف على حسنها ~~روح الياقوت، والألماس، واللؤلؤ مما عليها من البريق والشعاع، أو المطوية الممشوقة ~~المسترسلة، كأنها في قوامها ووجهها غصن الجمال وزهرته، أو الحسناء اللعوب المزاحة، كأنما ~~اجتمعت طباعها من نور القمر أطل في ليلة من ليالي الربيع يداعب أوراق الورد النائمة، أو ... ~~أو تلك يا شيخ علي ...؟ # قال الشيخ علي: فيا ويلك! إني والله بك من رجل لخبير، # 13 # أفمن أجل واحدة؟ أما إنه لعل الذي جعلها حقا عندك هو الذي يجعلها باطلا عند ~~سواك، ولعله ما حسنها في عينك إلا أن طبعا من الجد فيك استملح طبعا من الهزل فيها، كما ~~ترى معنى مكدودا في إنسان يستروح إلى نقيضه في إنسان آخر. ولعل من أمتع اللذات وأبهجها ~~لقلب المهموم أن يتصور في همه من يعرفه طروبا فرحا، وإن كان كلا الرجلين لا يسكن ~~لعشرة الآخر لو تعاشرا واختلطا. وهذه القلوب لا تؤتى من مأتى هو أدق وأخفى من توهم ما ~~فيه اللذة؛ فإن النفس ترجع عند ذلك بكل حقائقها إلى نوع واحد من الوهم، ينصرف بها إلى تمثل ~~هذه اللذة التي استشرفت لها، وطمعت فيها، فإذا طعمها في الدم يهيج له سعار # 14 # الجوع العصبي ... وما هي السرقة مثلا إلا أن يضع اللص عينه على المال أو المتاع، ~~ويتذوق طعم اليسر والفائدة، فتجن أعصابه جنون الحاجة، فلا يرعوي إلى شيء من الرأي يزجره، ~~أو يمنعه، أو يكفه، ويكون في الحقيقة سارقا من قبل أن يسرق، وكذلك يكون الفاسق متى نظر إلى ~~المرأة واشتهاها، ونبه معانيها في نفسه، وقل مثل هذا ms54 في كل من طار قلبه، وطار ~~صوابه. # أله عن وهمك يا بني، وضع الأمر على قاعدته، وسدد نظرك إلى حقيقته، ودعني من حبل الباطل ~~الذي تجر فيه شيطان هواك، أو يجرك هو فيه، وما تتكلم عن اثنين من الخليقة: أنت، وهي، ولو ~~أن الأمر قد انحصر فيكما، وفنيت بالحب فيها لكانت هي الكون كله، ولو فنيت هي فيك لكنت أنت ~~ذلك الكون، وهذا - حرسك الله - موضع النقص في النفوس العاشقة؛ إذ تنقطع إحدى نفسين من ~~العالم إلى نفسها الأخرى: وهو نقص أشبه بجنون المجانين، بل هو متمم له؛ فإنما ذهاب العقل في ~~المجنون المختبل هو نصف الجنون الإنساني، أما النصف الآخر فهو تجرد العقل في العاشق ~~المتدله. # نصف الجنون في العاشق الذي يتجرد من الناس إلا من أحب، ونصفه في المعتوه الذي يتجرد من ~~الزمن إلا الحاضر! # إنه ليس للمجنون عند نفسه ماض ولا مستقبل؛ إذ لا يأمل هذا، ولا يذكر ذاك، وكل سعادة نفسه ~~في هذا النسيان الذي طمس عليها، وتركها كأنما تعيش في غير عمرها، بل في كل أعمار الإنسانية، ~~بل بغير عمر، وكذلك ليس للعاشق مع الحبيب شخص آخر ممن مضى، وممن يأتي، مادام الحب قائما؛ ~~فالحبيب هو الحبيب، وكل الناس بعده أدوات، وشخص واحد هو الألف واللام، والحاء والباء، ~~والناس جميعا نقطة صغيرة ملقاة تحت الباء فقط ... ~~(قال الشيخ علي): ثم يبرأ المجنون، ويثوب إليه عقله؛ فيعرف أنه كان مجنونا، ويبغض ~~المحب، أو يسلو ويبرأ من وهمه في تلك المرأة، فلا يرى إلا أنه كان بها مجنونا، أفلا يكفي ~~هذا - ويحك - في الدلالة على أن الحب والجنون من أم واحدة وإن اختلف أبواهما؟ ... وإن رأي ~~العاشق في كل النساء كرأي المجنون في كل الناس: لا يجوز أن نأخذ بواحد منهما إلا إذا أخذنا ~~بالآخر، وأقررناه في باب الصواب والعقل؛ إذ كلاهما حاصل من حالة متى تغيرت فانقلبت اعترف ~~صاحبها عليها بالجنون، وإن كانت إحدى الحالتين في طبيعتها، ووصفها غير الأخرى؟ ويلمه ~~وصفا من العاشق لو كان ms55 مع صاحبه رأي وويلمه # 15 # رأيا من المجنون لو كان مع صاحبه عقل! ~~••• ~~(قال الشيخ علي): سئل الحلاج # 16 # وهو مصلوب يعاني غصة الموت: ما التصوف؟ فقال لسائله: أهونه ما ترى ... فهذا رجل ~~يموت في سبيل حقيقة تقتله بغموضها السماوي العجيب، وعلى أنها قد دقت المسامير في أطرافه، ~~وجمعت لموته آلام الحياة كلها، وأنبتت في كبده من وخزات الجوع شجرة من الشوك، وأطلقت في ~~عروقه من لذعات العطش لهيبا من النار، وتركته على صليبه ممدودا تتساقط نفسه كما ينشر ~~الثوب الذي بلي وانسحق، فهو يتمزق من كل نواحيه؛ على هذا البلاء كله، لم تتغير الحقيقة في ~~رأي الرجل، ولا فساد موضعها في نفسه، ولا أرى ما يكرهه الناس من الألم مكروها في ذاته ~~فيميل عنه، ولا ما يحبونه من اللذة محبوبا فيميل إليه، ولا تسحب قلبه حركة واحدة في ~~السخط على الحكمة الإلهية فانتقصها برأي، أو اغتمز فيها بكلمة، بل نظر نظرة الحكيم من وراء ~~الحد الإنساني المنتهي فيه، إلى ما يبدأ عنده الحد الإلهي الذي لا ينتهي، ورجع آخره إلى ~~أوله، فكأنما يقول بلسان حكمته فيما نزل به: اللهم إنك بدأتني طفلا غرا جعله فقدان ~~العقل لا يملك مع أحد إلا صياحه، فخذني إليك طفلا عاقلا جعله العقل لا يملك مع أحد، ولا ~~صياحه! # واذكر الطفل يا بني، فرب معضلة من أمور هذه الدنيا يحار الناس في آخرها، وهي محلولة ~~من أولها. وما هؤلاء الأطفال إلا الأساتذة الذين يعلموننا وهم يتعلمون منا؛ غير أننا لا ~~نأخذ عنهم فلا نصلح، ويأخذون عنا فيفسدون! أفرأيت ولد الشوهاء تعرف عيناه في كل ما طلعت ~~عليه الشمس أجمل من وجه أمه، أو يرى طائلا في وجه سواها، أو يحن إلى غير طلعتها، أو يسكن ~~إلى صدر غير صدرها، حتى كأن الله لم يخلق وجه حبيب لقبلات محبه إلا وجهها هي ~~لقبلاته؟ # 17 # إنه في ذلك ينظر من ناحيتين؛ الأولى: ناحية صفاته هو، فإن القلب إذا لم يكن بهيميا ~~منعكسا أشرق صفاؤه فيما حوله؛ ms56 فلا يرى إلا خيرا، ولبست المرئي صفة الرائي فلا ينظر إلا ~~جمالا، واتصل الشعور الطيب الرقيق الجميل بين نظر النفس وبين ذات النفس، كما يصل الشعاع ~~الذي يلقى على حائط من المصباح بين هذا الحائط وبين المصباح، فيغشيه النور وإن كان ~~الحائط نفسه من الطين ... فإذا كان القلب بهيميا زائغا عن الإنسانية إلى حيوانيته، استفاضت ~~ظلمته وشهواته على ما حوله، فلن يشهد من صفات الجمال شيئا، بل يرى في كل شيء من صفات نفسه ~~هو؛ حتى ليكون الوجود كله في عين بعض الناس كما يكون الطعام كله في فم المريض ... ومثل هذا ~~يعشق أجمل النساء فلا يرى فيها جمالا ألبتة، وإن هو خدع نفسه في ذلك، واختدع الناس، ~~وإنما يرى شهوات، شهوات جميلة ليس غير! # أما القلب البهيمي غير المنعكس - وهو ذاك الذي تحمله البهائم، فلا يحتمل فيه عقل، ولا ~~يحتشد فيه خيال، وما هو إلا أن ينصب الحيوان به على محض المنفعة؛ لأنه عامل في الطبيعة، ~~يعد من عمالها لا من شعرائها - فليس عنده جمال يقع في ظاهر الروح، وآخر يقع في باطنها، ~~وثالث متوهم لا يقع ولا يمتنع أن يقع، # 18 # وليس يعرف من معنى القبح إلا أن تكون الأنثى قد طاش بها المرض، فما تستقل إعياء ~~وضعفا، وبذلك سلمت إناث البهائم من شر كثير يملأ لغة الحياة النسائية بمعانيه، وتجمعه ~~كلمتان: الجمال، والقبح! # والناحية الأخرى التي ينظر منها الطفل لأمه الدميمة الشوهاء، ناحية الصفات الإلهية، فإن ~~الحب الصحيح الذي يمكن أن يسمى حبا، لا يكون فيما ترى من لون وشكل وتركيب وتناسق، وغيرها ~~مما يظهر البشرية على أتمها، وأحسنها في الشخص المحبوب كما يظن الناس خطأ، بل هو في عكس ~~ذلك، أي فيما يخفي البشرية بمحاسنها وعيوبها جميعا، ويظهر في أمكنتها خصائص الروح المحبوبة ~~وحدها؛ فمن ثم يبدو لك شخص المحبوب على أي أشكاله وهيآته كأنه تمثال سماوي وضع لروحك ~~خاصة، فهو مجبول من مادة واحدة، هي مادة الفتنة، ولو كان في أعين الناس كافة تمثال الأرض ms57 ~~السفلي، يصور كل ما تشتت فيها من القبح! # فإذا لم تظهر لك خصائص روح المرأة ظهورا يستفيض على وجهها وجسمها، ويجعل كل شيء فيها ذا ~~معنى منه، وكل معنى منه ذا معنى فيك، فما أنت من حبها في شيء ولو ذهبت من جمالها بعقول ~~الناس، ولا هي عندك من الجمال في شيء، ولو كانت في النساء كليلة البدر في الليالي، ومن أجل ~~ذلك لا يخلو الحب من بعض معاني الوحي، ولا تخلو الحبيبة من بعض المادة الملائكية # 19 # في النفس التي تعشقها، وهل ملك الوحي إلا قوة المزج السماوي في نفوس ~~الأنبياء، وهل روح الحبيبة إلا على قدر من مثل هذه القوة في نفس محبها؟ ولعل هذا يفسر لك ~~سرا من أسرار احتراق في بعض الأرواح العاشقة التي تيمها الحب؛ فإن تلك القوة المزجية ~~متى أفرطت على نفس رقيقة حساسة أذابتها، واشتعلت فيها فأكلتها أكل النار للهشيم، وتركتها ~~تحترق أسرع ما تحترق لتنطفئ أسرع ما تنطفئ! ~~••• ~~(قال الشيخ علي): تلك هي الحقيقة يا بني، فلن يأتي لكائن من كان أن يقسم النساء إلى ~~جميلات وقبيحات، إلا إذا طوى في ذلك معنى القسمة إلى شهوات جميلة، وشهوات قبيحة، ومتى ~~انتهينا إلى هذا فقد خرجنا إلى المخاطبة بلغة لا هي من لغة البهائم، ولا هي من لغة ~~الإنسانية. # أفرأيت قط ألفاظ الجمال والقبح تشيع في أمة من الأمم، وتعلو بالأعين عن النساء، ~~وتنزل، # 20 # وتمتد بها وتنقبض، إلا أن تكون أمة ضعيفة القوة قد اختلت أجسامها، أو ضعيفة ~~الدين قد اختلت أرواحها؟ # انكشف القمر ذات ليلة لرجل اسمه «من عباد الله المقربين» # 21 ~~؛ فإذا البدر أسود كالحبر، وإذا مكتوب في وسطه بالنور: «أنا وحدي»؛ فالقمر نفسه ~~لم يمنعه كل ضياء الشمس عليه أن يسود في عين الرجل الكامل الذي ينظر لروحه، فما الذي ~~يمنع من ينظر لروحه وخصائصها أن تصير المرأة القبيحة في عينه كالقمر الأزهر؟ ~~••• # في البدر ظهرت كلمة الألوهية «أنا وحدي». # في وجه الحسناء تقرأ كلمة الألوهية «أنا وحدي». # فهل ms58 يمكن أن تقع الدميمة من الحسناء أقبح ما يقع ظلام القمر من نوره، فلا تكون في وجهها ~~هي أيضا كلمة الألوهية «أنا وحدي؟». ~~••• # لم يبق في البدر مع الحكمة العليا شيء يسمى الجمال، ولا المرأة الحسناء يكون فيها شيء ~~أجمل من القمر؛ فهي مثله ليس فيها مع تلك الحكمة شيء اسمه الجمال؛ أفيمكن أن يكون مع الحكمة ~~نفسها في وجه القبيحة شيء اسمه «القبح؟». ~~••• # القمر طالع مشرق كما كان. # والجميلة الحسناء لا تزال فاتنة. # والدميمة ظاهرة كما هي. # لم ينقص الكون من ثلاثتها شيء. # ولكن أين أعين الرجل الكامل؟. # | هوامش # الفصل الثامن # | الشيخ أحمد1 # والساعة أرى سحابي أصفى ما تمثل لي وأرقه، كالسماء في صبيحة سارية # 2 # إذا غسلها الليل، وأصبحت لابسة حريرها من شفق الصبح الأحمر، وأراني أنظر إليه، ~~وأهتف له، وأستشرق في ضوئه، كالطائر: لا يسعه جلده مرحا، وتقلبا، وحنينا متى أصبح من ~~الليلة الممطرة إصباح الشمس، بعد أن أباته بيته كأنها في عش السحاب. # وأشرق عليه صديقي هذا، ولا ومصرف القلوب، # 3 # إن ذكرته منذ لحق بربه إلا أخذني من الحنين إليه ما لا يكون مثله لصديق ميت، بل ~~لحبيب هاجر يشعرك موت الأيام كيف يكون. # كانت صحبته إياي من أطراف الطفولة إلى آخر الشباب إلى تخوم الكهولة، وهي أيام شبع العمر، ~~لا يطعم فيها من شيء إلا طعم من لذة، وما بعدها من تقاصر الحياة، واختلالها إلا كأيام سوء ~~الهضم؟ # إذا كان في امرئ من الناس باق بعد شبابه، فما أشبه هذا الباقي في جانب ما قبله بنواة ~~الثمرة الحلوة من لبابها: تنتهي فيما تأكل إلى النواة، ولكن بعد أن يكون أطيب ما في ~~الثمرة قد انتهى، وتفضي مما ينعصر في الريق حلاوة، ويسيل في الحلق لذة إلى بقية من الخشب ~~رطبه أو يابسه، فلو كانت النواة من الذهب ما رجعت لك من ثمرتها رجعة. # 4 # يا أيام الشباب! أنت وحدك نور الحياة؛ لأنك منذ الفجر، وأنت وحدك نهار العمر؛ لأنك إلى ~~أن تصفر الشمس، وليس ms59 وراءك إلا كآبة الليل تتقدم ليلها باسمة في شفق المغرب! # يا أيام الصبا! أنت وحدك الحب؛ لأن فيك ما في العيون الحبيبات، أشخاصا روحية ظاهرة ~~بمعانيها الفتانة، فهي تلقي أشعة الجمال على كل ما تنظر إليه. # يا أيام الرجولة الأولى! إن في زمنك وحده تحل السعادة في العقل، إذ يكون العقل في عهدك ~~ما يكون الطفل في عهده: لغته تجري من معاني الدموع والابتسام والضحك، ولا يستدير به إلا ~~الأفواه الحبيبة التي تقبله أكثر مما تزجره، وحتى لو ضرب لكان الضرب سببا من أسباب ~~تقبيله فيما بعد ... # يا أيام الشباب! أنت وحدك العمر، ومن بعد الشباب كل شيء يكون ففيه من الماضي فعل مستتر ~~تقديره: كان! ~~••• # يرحمك الله يا صديقي الكريم، تركتنا مصعدا إلى الله في سلم كانت الأولى من درجاتها ~~عتبة هذا البيت في مصر، وكانت الأخرى تلك العتبة الطاهرة من بيت الله في مكة. # وذهبت عنا، وما علمنا أنك طائر يغطي تحت ريشه سر الجاذبية العليا. # واستودعتنا الله واستودعناك؛ فاشتبكت دموع في دموع، وما حسبنا أن أرواحنا تقيم من ذلك ~~مناحتها قبل الفراق الأبدي. # وخاطبناك عند البين وخاطبتنا، وما عرفنا أن السماء كانت وقتئذ تكلم الأرض من شفتيك ~~بألفاظ لها ما بعدها. # ونظرت إلينا طويلا تلك النظرة التي لا تكون إلا ممن يعرف حتى لا ينكر شيئا، أو ممن ~~ينكر حتى لا يعرف شيئا، فإذا أنت تنكر من أعماق الأزل في تراب هذا العالم، ونحن لا ~~ندري. # وسألنا الله أن يردك علينا أيها العزيز، فأثبت لنا أنك من أعز ما في الحياة حتى سقط دونك ~~الأمل، فلا يتمثلك إلا الفكر وحده. ~~••• # وذهبت إلى بيت الله متجردا من الدنيا ليس لك منها إلا جسمك؛ لتخف إلى محبته ورضاه، فلما ~~شاهدت التجلي الأعلى تجردت من جسمك أيضا، واتصلت بنوره - سبحانه وتعالى - فلقد خلعت الدنيا ~~مرتين، ومات بعضك في مصر، وباقيك في الحجاز، وخلصت روحك إلى ربها كما تخلص الجوهرة صافية ~~متلألئة بعد استخراجها من معدنها مرة، وصقلها للرونق مرة أخرى. ms60 # وأبى الله لروحك الطيبة إلا أن تمر في بيته قبل أن تمر إليه، فتسبح في نور الملائكة، ~~وتتنسم ناحية مهبها وهي تصعد أو تنزل بالرحمة على الحجيج، # 5 # وتستضيء بتلك الشعلة القدسية التي أضاءت في الكعبة من وجه رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~ثم من سرائر أصحابه الطيبين، ولا يزال ضوؤها هناك كضوء الكوكب ملتمعا في سواد الحجر ~~الأسود. ~~••• # واختار الله لك بعد إذ انغمست في نوره أن تصعد إليه فلا ترجع من ذلك النور الأزلي إلى ~~ظلام الدنيا، ولا تعود من النبع السماوي إلى حمأة الأرض، ولا تحل في بيت من بيوت الخلق بعد ~~بيته هو، عز وجل! # واختار لك ما عنده على ما عندنا؛ فما في أيام هذه الحياة إلا غبار يثور على غبار، ولا في ~~الناس إلا أحجار تتحطم على أحجار، ولا في أخلاقهم إلا أقذار تنصب على أقذار، ولا بين ~~الحوادث والناس إلا كما بين الرياح والقفار، ولا بين الإخوان والإخوان إلا كما تجمع ~~الأصفار من الأصفار ... # واختارك الله إذ اختار لك فما تركت (يرحمك الله) إلا علانية مشهودة، وسريرة محمودة، ~~وآثارا في الصالحات معدودة، وأفراخا في شجرة الحياة كصغار الطير إذا رأت أباها فارق ~~عوده. # يرحمك الله، إن أول ما يشهد لك عند الله كعبته؛ إذ كانت آخر ما عرفت من الدنيا، وإن الذي ~~يدخل السماء من باب الكعبة لحقيق أن تضع له الملائكة أجنحتها: سلاما وتحية؛ فهنيئا لك إذ ~~فتحت باب السماء بتلك القبلة الزكية التي وضعتها على أستار الكعبة، وهنيئا لك إذ ذهبت ~~لتقول: «لبيك اللهم لبيك»؛ فانطلقت روحك الطاهرة فيها، وكانت أول كلماتك في السماء! ~~وهنيئا لك، ثم هنيئا إذ قطعت البحر والبر إلى خير بقاع الدنيا لتقول لله من هناك: ها أنا ~~يا إلهي. ~~••• # إن الحقيقة لا تسأل كيف يحيا الحي، ولكن كيف يموت، ولا تتعرف ما قدرته على الإقامة، ~~ولكن ما قدرته على الرحيل، ولا تبالي ما قوته على الرسوخ كالجبل، ولكن ما قوته على الوثوب ~~كالطائر! فهناك بين ms61 حدود الدنيا وحدود الآخرة موضع هاو لا يتخطاه إلا ذو جناحين، قد اشتد ~~كل منهما ووفى. # 6 # وهناك متى انتهى الإنسان وجد عقله وضميره قد امتدا من جانبيه كالجناحين، ورأى ~~كل عمل من أعمالهما - في السيئة والحسنة - إما ريشة قد نسلها من جناحه، وإما ريشة قد أنبتها ~~فيه. # القدرة على جو السماء في جناح الطائر، وفي ريش هذا الجناح، وفي قوة هذا الريش، والقدرة ~~على السماء نفسها في عمل الإنسان، وقيمة هذا العمل، وصحة هذه القيمة. ~~••• # لسنا نبكي عليك أيها العزيز، وإنما على أنفسنا؛ فإن ما أمامنا لا يمكن أن يكون دنيا غير ~~الدنيا، يفتح لها تاريخ غير التاريخ، والحقيقة التي ضمتها ملايين «المجلدات» المحفوظة في ~~القبور، # 7 # هي هي بعينها لن تتغير ولن تتبدل؛ فإذا بكينا الميت فما بكينا ذهابه عنا، ولكنا ~~نبكي لبقائنا بدونه، كما اجتمع نفر من الغرباء في البلد النائي فيخترم أحدهم، # 8 # فما يرونه إلا معنى من أنسهم قد زال، وركنا من قوتهم قد مال، وجانبا من ~~نظامهم قد أفسده الاختلال! وما دام في الأرض باك على ميت ، فالأرض دار الغربة لكل من عليها، ~~وهي لن تكون وطنا لمن سيفارقها إلا إذا عد بطن الأم وطنا لابنها. # من وطن الأشهر المعدودة ينحدر الإنسان إلى وطن السنين المعدودة؛ أما الأزل والخلود، ~~والوطن الإنساني الكبير، فهناك هناك حيث لا تساوي كرة الأرض بما فيها أكثر مما تساويه ذرة ~~من التراب تصعد أو تهبط. # وهذا الذي نكرهه عقلا من أمر الدنيا الذي نرانا مضطرين إلى أن نعقله كرها شئنا أو ~~أبينا. # فابكي أيتها الأعين الإنسانية، وتهيئي للبكاء ما دمت باقية؛ إن تيار هذا البحر الذي تنصب ~~فيه الأحزان لا يعب من دموعنا # 9 # التي نبكي بها المكابدة الموت، ولكن من دموعنا في منازعة البقاء. ~~••• # لهفي لذكراه صديقا كانت لنفسه العالية كالنجمة وهبت قوة النزول إلى الأرض، وحبيبا لو ~~انقسمت روحي في جسمين لكان جسمها الثاني. # كان دائما كالذي يشعر أنه لا بد ميت، وتارك ميراث مودته، فلا أعرف ms62 أني رأيت منه إلا أحسن ~~ما فيه، وكأنما كان يضاعف حياتي بحياته، ويجعلني معه إنسانين. # وكان له دين غض كعهد الدين بأيام الوحي؛ لا تزال تحثه رقة قلب المؤمن، وفوقه رقة جناح ~~الملك يخالط نوره القلوب. # وكان حييا صريح الحق، ترى صدق نيته في وجهه، كما يريك الحق صدق فكره في لسانه؛ ساميا في ~~مروءته ليس لها أرض تسفل عندها، # 10 # وإنما هي إلى وجه الله فلا تزال ترتفع؛ ودودا لا يعرف البغض، محبا لا يتسع ~~للحقد، ألوفا لا يسر الموجدة على أحد! # وكان رحيب الصدر كأن الله زاد فيه سعة الأعوام التي سينتقصها من حياته، ففي قلبه قوة ~~عمرين، وكان طيب النفس، فكأن الله لم يمد في عمره طويلا؛ لأنه نفى منه الأيام الهالكة ~~التي يكون فيها الإنسان معنى من معاني الموت. # 11 ~~••• # آه لو عرف الحق أحد لما عرف كيف ينطق بكلمة تسيء، ولو عرف الحب أحد لما عرف كيف يسكت ~~عن كلمة تسر، ولن يكون الصديق صديقا إلا إذا عرف لك الحق، وعرف لك الحب! # لا أريد بالصديق ذلك القرين الذي يصحبك كما يصحبك الشيطان: لا خير لك إلا في معاداته ~~ومخالفته ... ولا ذلك الرفيق الذي يتصنع لك، ويماسحك متى كان فيك طعم العسل؛ لأن فيه روح ~~ذبابة ... ولا ذلك الحبيب الذي يكون لك في هم الحب كأنه وطن جديد، وقد نفيت إليه نفي المبعدين ~~... ولا ذلك الصاحب الذي يكون كجلدة الوجه: تحمر وتصفر؛ لأن الصحة والمرض يتعاقبان عليها؛ ~~فكل أولئك الأصدقاء لا تراهم أبدا إلا على أطراف مصائبك، كأنهم هناك حدود تعرف بها من أين ~~تبتدئ المصيبة، لا من أين تبتدئ الصداقة، ولكن الصديق هو الذي إذا حضر رأيت كيف تظهر لك ~~نفسك لتتأمل فيها، وإذا غاب أحسست أن جزءا منك ليس فيك، فسائرك يحن إليه؛ فإذا أصبح من ~~ماضيك بعد أن كان من حاضرك، وإذا تحول عنك ليصلك بغير المحدود كما وصلك بالمحدود، وإذا مات ~~... يومئذ لا تقول: إنه مات لك ميت، بل مات فيك ms63 ميت، ذلك هو الصديق. # وكنا ذات يوم على شاطئ النيل، وبزغ الهلال كأنه إصبع ملك من الملائكة، خرقت ستار السماء ~~لتحدث فيه ثقبا تنظر منه إلى نجمة ستهوي؛ فقلت له: هذا الهلال ما انفك يتلقى نور الشمس منذ ~~خلق، وهو في نفسه مظلم أبدا، ولكنه من صحبته للنير قد أنار، وصار مع الشمس شمسا ~~بيضاء، فما أكرم الصداقة من نعمة لو أصابها المرء على حقها فيمن خلق لها! كان أهل الكيمياء ~~القديمة يسمونها «علم زراعة الذهب»، وأنا أسمي كيمياء الشمس في هذا القمر «زراعة الفضة»، ~~فماذا تسمي أنت كيمياء الصداقة في معادن القلوب؟ # قال: أسميها «زراعة الخير». # قلت: فإن لم ينبت، وأكله لؤم أرضه ...؟ # قال: ذلك إلى الله لا إلينا؛ فإن في هذا الوجود قانونا دقيقا للخيبة لا يتسامح في شيء، ~~وما يعرف منه الناس إلا حكمه حين يقضي فينفذ قضاؤه بدرك الشقاء. ألا إنه ما من الخيبة في ~~الحياة بد؛ فإنها رد الأقدار علينا حين تقول «لا»، وهذه الخيبة هي العلم الذي موضوعه أن ~~يعلم هذا الإنسان المغرور أنه شيء في الحياة، لا كل شيء فيها، فإذا كذبك صديقك مما قبله، ~~وغمك بكثرة خطئه وزلله؛ فلا تزرعه مقتا وبغضا بعد أن زرعته خيرا وحبا، ولا تقطعه، بل ~~انتظر فيأته، # 12 # فإن فتنة الصدر غامضة، ولقد يكون أشد البغض من أشد الحب، وليس لنا مع سفن ~~القلوب إذا اختلفت رياحها، وهبت عواصفها إلا أن نطوي الشراع، ولكن إلى وقت. # فإذا جهدك البلاء من صاحبك، وبلغ منك اليأس، فما يسوغ لك أن تكون معه إلا كالذي حفر ~~الحفرة، ثم طمها بترابها، # 13 # ألقى فيها ما كان فيها من قبل، ومضى كأن لم يكشفها! # قلت: آه! فإذا كانت الحفرة من شرها في عمق البئر ذاهبة إلى الأغوار البعيدة، أفأقضي شطر ~~العمر أردم فيها بعد أن قضيت شطره أحتفر منها؟ # قال: فمن ذا جعلها بئرا سواك؟ # قلت: ولم لا أدعها بئرا خسيفة # 14 # يلعنها عمقها الغائر فيها بأنها فارغة مظلمة، ويلعنها ترابها القائم ms64 عليها ~~بأنها متروكة مهملة؟ # قال: سبيل الفضيلة غير هذا؛ فكن مع الناس في حال تشبه محل نفسك لا محل أنفسهم، وما أنكر ~~أن من الناس من يوقعون في نفسك الظنة # 15 # بكيت وكيت من سوء خلقهم، وكذا وكذا من قبح أعمالهم، حتى لتكون صداقة أحدهم ~~كأنها نصف معركة حربية ... ولكن الهزيمة عن صديقك وأنت صديق خير من النصرة عليه وأنت عدو ... ~~فتحصن من كيد هؤلاء، وأشباههم بالانهزام عنهم لا بمدافعتهم؛ فذلك إن لم يقعدهم عنك لم ~~يلحقهم بك، ثم إن ردك إليهم راد بعد كنت الأكرم. # واعلم أن أرفع منازل الصداقة منزلتان: الصبر على الصديق حين يغلبه طبعه فيسيء إليك، ثم ~~صبرك على هذا الصبر حين تغالب طبعك لكيلا تسيء إليه! # وأنت لا تصادق من الملائكة؛ فاعرف للطبيعة الإنسانية مكانها، فإنها مبنية على ما تكره، ~~كما هي مبنية على ما تحب، فإن تجاوزت لها عن بعض ما لا ترضاه ضاعفت لك ما ترضاه؛ فوفت ~~زيادتها بنقصها، وسلم رأس مالك الذي تعامل الصديق عليه! ~~••• # قلت: فإني لا أعني ذلك الذي أضع «رأس» المال بيني وبينه، ولكن شخصا آخر وضعت «قلب» المال ~~بيني وبينه ... # قال: فههنا إذن! وما هنا صارت الحفرة بئرا ... ولكن أفتني فإني لا أعرف هذا الذي تسميه ~~الحب: فهل بين النفسين شيء غير الصداقة؟ # قلت: هو هي إلا فرقا واحدا. # قال: إن كان واحدا فلقد هان، فما هو؟ # قلت: الفرق بينهما أنك ترضى أن يكون الصديق لنفسه أكثر مما هو لك، ولكنك لا ترضى إلا أن ~~يكون الحبيب لك أكثر مما هو لنفسه. # قال: فذاك رق لا حب. # قلت: وهذا هو الذي يجعل الحفرة بئرا، فالصداقة في المودة تجذب الطبع من الطبع ليتفقا، ~~ولكنها في الحب تجذب الطبعين ليكونا دائما عند النقطة التي يتناقضان منها، وأعظم ما يسوءك ~~من الصديق لا يزيد على أن يردك إلى نفسك وحسب، ولكن أيسر ما يغضبك من الحبيب يسلط نفسك ~~عليك بسوء التحكم، والإعنات، والآراء الفاسدة، حتى يترك دمك، وكأنه تيار من الغيظ، ms65 فإذا ~~حبيب نفسك أعدى أعدائها، وإذا هو قد أصبح العدو؛ لأنه لا يزال الحبيب! # قال: أما إن هذا تعقيد على النفس، وهو العلة في أن المحب المغيظ لا يسكن غيظه، ولا يهدأ ~~فوره؛ لأنه يحل العقدة الواحدة بطريقة تجعلها عقدتين، ولكن ... أوليس خيرا لك إذا أنت ~~دفعت إلى العداوة في الحب أن تستشعر بكرم الملك الذي في نفسك لؤم الحيوان الذي في صاحبك، ~~فترجع بنفسك أنت إلى ملكيتها، وترده هو إلى حيوانيته؟ # أما إني أعرف لأهل الحب دواء ما يمرض بعده رجل من امرأة أساءت إليه: أيها العاشق، أما ~~صدمتك بهيمة من البهائم، أو رمحتك، # 16 # أو جمحت بك فأوجعتك بلا غيظ، وأساءت إليك بلا حقد، وكسرتك بلا انتقام، ولم ~~يتعاظمك من أمرها شيء في الوهم، ولا في الحقيقة ... ألا ويحك، ألبسها جلدها ~~وحوافرها # 17 ~~... ولا تتمثلها في مخيلتك إلا وجها جميلا على جسم حيوان؛ فإنك إن تفعل ذلك، ~~وتأخذ نفسك به: تطمس عليها في محبتك طمسا، ولا تجد لها في قلبك إلا النفرة والاشمئزاز، ~~وتعجز فيها الشيطان، لا يدري من أين يأتيك، ولا كيف يتدسس بها إلى دواهيك، ما دام لها ~~عندك الجلد والحافر ... # ولعل الناس لم يعتادوا فيما بينهم أن يتنابزوا ويتسابوا في عبارات السقوط، والتحقير ~~بأسماء من أسماء البهائم: كالكلب، والخنزير، والحمار - إلا على هذا الأصل الذي بينته لك، ~~توحي به غريزة الكراهة، والسقوط من حيث يدرون أو لا يدرون. # الحب ليس شيئا غير الجمع بين أعلى الصداقة وأسفلها؛ ألا ترى أنه ما دام الحبيبان على ~~أسباب الرضا فكلاهما أو أحدهما يتمثل الآخر كما يتمثل ملكا من الملائكة، بل ويسميه الملك ~~الحارس، أو الملك الموحي، أو الملك المقدس. # فإذا صار إلى الخلاف، واستحكم بينهما، لم يغن طلب المعاذير تتعزى بها الصداقة! ولا طلب ~~العثرات تشتد بها العداوة، وليس للمغيظ منهما شيء دون أن يعمد إلى تلك الصداقة؛ فيجعل ~~عاليها سافلها، فلم يبق حينئذ إلا أن يكون صواب الحب في هذه الحالة قائما على عكس الحالة ~~الأولى؛ فما ms66 كان في صورة ملكية ليثبت عليه الحب وجب أن ينقلب في صورة حيوانية ليزول عنه ~~الحب. ~~••• # يا من أسكره الغرام، إن عربد حبك فاحطم كأسه، وأرق خمرها، ولا ترها إلا سما، فإن ~~أكبر البلاء على السكير أن يلبس الحقائق المهلكة أثواب زينتها، فيزعم بينه وبين نفسه أنه ~~لا يشرب الخمر، ولكنه ينقع غلة أحزانه بكأس من ماء السرور! ولا يتوحل في السكر، ولكنه ~~يستمطر على خموله سحابة النشاط، ولا يتجرع الجنون، ولكنه يذيب همومه في جرعة من النسيان ~~... # ألا ما أصدق الخمر في السكير وهي صامتة، وأكذب السكير على الخمر وهو يتكلم! # | هوامش # الفصل التاسع # | الشيخ محمد عبده # وشف سحابي عن جلال رائع يضطرب القلب له! أذكرني روعة السحاب التي كان يهبط فيها ملك ~~الوحي، ليست في نفسها آية، ولكن الآية فيها. # وظهر لي وجه الشيخ، وما أدراك من الشيخ؟ ثم ما أدراك من هو؟ # 1 # رجل كان في تركيب العالم الإسلامي أشبه بالجبهة من جسم المؤمن: هي مجلى نور ~~الإيمان، وأعلى ما يرتفع للأعين، ولكنها مع ذلك أول ما يسجد لله من هذا الجسم كله! # خلق فصيحا مبين اللهجة؛ لأن لسانه أعد لتفسير معجزة الدنيا في هذه اللغة، فكان ~~لسانه - ولا غرو - معجزة في الألسنة، وكان له بيان ينبث من طبعه المصقول كالشعاع الذي ~~توامضك به المرأة إذا انقدحت جمرة الفلك عليها. # 2 # وكان له عقل لو وزن في رجحانه لعد بين العقول من موازين التاريخ، وقلب إن يكن في ~~جنبيه كالقلوب التي وضعت على منحدر المعاني الأرضية، فإنه كان دون القلوب على مهبط ~~السماوات. # 3 # رجل لم يخلق من قبل زمنه؛ لأن الأقدار المصرفة ذخرته للقرن الرابع عشر تجعله وأصحابه ~~النهضة الثالثة في الإسلام، # 4 # وكتبت له أن يكون الكنز الثمين الذي يفجأ العالم بانكشافه؛ ليعود القديم ~~المبدع الذي كاد ينسى؛ فيتمكن في الأرض بأسلوب جديد، وما يدريك، لعل هذا الحكيم الفذ ~~في علمه وعمله، وذكائه وإصلاحه سيكون التمثال العقلي المشرف على الأجيال، يفصل في تاريخ ~~الإسلام بين ms67 ثلاثة عشر قرنا مضت، وثلاثة عشر قرنا تأتي؟ # ولقد كان في تفسير كتاب الله رجلا وحده، على بعد عصره من فجر الإسلام؛ فكان يحمل في ~~رأسه ذهنا كآلة اللاسلكي، تهبط عليه من أقاصي الدهر شرارة النبوة، فإذا تكلم في آية رأيت ~~كأنما تتكلم الآية نفسها على ملأ العقل بين مشارق الأرض ومغاربها. # ولست أدري على أي روح نبت هذا الرجل؟ ولكن الذي أعرفه أنه حين أثمر فنضج فحلا، أذاق ~~الناس من ثمره طعم معجزة الفكر العربي. ~~••• # نظرت إلى عينيه ذات مرة فخيل إلي أن فيهما رهبة الأسد حين يجلي بنظرة كبريائه # 5 # ليدل على أنه الأسد لا غيره، فمددت النظر إليهما، فإذا روعة إنسان هو أرفع من ~~إنسانيتنا، وإذا أنا ألمح فيهما ذلك الشعاع الغريب الذي ينبعث من أعين الحكماء ليصل بين ~~السر الكامن في العقول، والسر الكامن في العقل، وكأنه استشعر ذلك فتبسم، فكان لنظرته جلال ~~سماوي رحيم، أشرق على نفسي كما تشرق على روح الطفل ابتسامة أصله الإنساني. كان منطويا على ~~حقيقة روحانية يسطع ضياؤها في عينيه، وينتشر على ما حوله، فلا يشعر من يجلس إليه أنه جالس ~~مع الرجل، ولكن مع النفس العالية التي هي فيه؛ # 6 # وكان أعظم هيبة من الملوك؛ لأن هؤلاء يحيطون أنفسهم بالديوان، والمواكب، ~~والأسلحة، وكثير من ضروب التوقير والتعظيم، أما الشيخ فكنت تراه حيث رأيته كالمحراب حيث ~~يكون: لا يقف عنده إلا من وقف ليتخشع، وما ذكرته إلا ذكرت قول القائل: في هذه الصورة ~~الآدمية آدم، والملائكة له ساجدون! # كان هذا الإمام الفذ في قوة من ربه كقوة الجبل؛ يحمل ما يحمل، ولا يتلوى، وفي سعة من ~~طبعه كاستفاضة البحر؛ يغمر ما يغمر، ولا يتغير، وفي صراحة من نفسه كاستطارة النهار؛ يطلع ~~كما يطلع، ولا يخفى، فهو رجل، لكنه فكر من أفكار السماء، وهو جسم، لكنه عضلة من عضلات ~~الطبيعة، وهو إنسان، لكنه حقيقة من حقائق الكون. # يصفه الناس بأنه الرجل الحكيم الذي أتي سر الحكمة لينبغ به، ويصفه التاريخ بأنه الحياة ms68 ~~المجددة التي وهبت سر العظمة لتعمل لها، وتصفه الحقيقة بأنه العقل المفسر الذي اتصل به طرف ~~السر الأعلى ليتكلم عنه، وليعمل له، ولينبغ فيه. # إذا كان في بعض جوانح الأرض أمكنة نادرة مقدسة هي قلب الدنيا الذي أودعه الله سر التأله، ~~ففي بعض جوانح الناس قلوب نادرة هي كتلك الأمكنة، ولقد كان العالم الإسلامي كله يتصل من قلب ~~الشيخ العظيم بمنسك # 7 # فيه معنى كمعنى الكعبة إذ تولي شطرها كل وجوه المؤمنين. ~~••• # وأما بعد: فكأنما أفرط علي القلم فيما كتبت عن الحب؛ فإنه يخيل إلي الساعة أن روح ~~شيخنا الجليل تريد أن تغسل هذا الكتاب كله، وتدعه ورقا أبيض، # 8 # ويخيل إلي كذلك أني كنت ماضيا فيما أكتبه كما تتعكس الأفعى # 9 # في مشيتها، إذ يندفع نصفها ليجر النصف الآخر، فلا تدري إن كان آخرها معلقا ~~بأولها، أو الأول هو معلق بالآخر. # وكذلك كنت أكتب، فمرة أجد الفكر يجره القلب جرا، ومرة أجد القلب ينسحب للفكر، وبين ~~ظهري ذلك # 10 # أراني ساعة ممتلخ القلب، وساعة مدله العقل # 11 # كأني لم أحب إلا لأتحول رجلا شاذا، تراه في الحب والبغض، وفي الصواب والخطأ، ~~وفي الفكر والحس، على حد مما يعرف، وحد مما لا يعرف ، فليس كله من هذا، ولا كله من ذاك، ~~وهو محب إلا أنه يبغض، ومبغض لكنه يحب! # إن زفرة من جهنم، ونفحة من الجنة جاءتا إلى هذه الدنيا، فرأتا من خبث الناس بدعا ~~مبدعا # 12 # حتى لا يخلصون بأعمالهم إلى جنة ولا نار، فلا هم من أهل هذه وحدها، ولا أهل تلك ~~على حدة، فاختلط نفس الجنة بزفير النار، وامتزجا حرا يستوقد الضلوع ببرد تثلج عليه ~~الصدور، واجتمعا نعيما ببؤس، وراحة بتعب، وسرورا بهم، ثم وقعا في القلوب معا، فإذا هما ~~الحب! # كذلك توحي إلي روح الشيخ. # أنت يا هذا إن أحببت امرأة فهي كما تثير كل ما فيك من الكمال تنبه كل ما فيك من النقص، ~~بيد أنها تجعل هذا النقص علويا، وهو أفسد له، كالزوبعة إذ ms69 ترتفع من الأرض خلقا ماردا ~~من الغبار ملتفا بالنور، ذاهبا إلى السماء، فيكون ارتفاع الغبار شرا طائرا لم يكن في ~~الغبار الساكن ... أفتحسب أن حبك إياها هو الحب؟ كلا بل هو بادئ الأمر حبك أن تعجب بك، ثم ~~بزيد فإذا هو الحب أن تميل إليك، ثم يبلغ فإذا هو حبك أن تخضع لك؛ هذه ثلاث كلهن مفسدة، فإن ~~هي أدت في رجل واحد من الإنسان إلى فضيلة واحدة أدت إلى ألف رذيلة في ألف رجل من هذا ~~الحيوان. # 13 # كل شيء يمكنك أن تضع ضميرك في أوله فتمضي فيه على بصيرة، إلا هذا الحب؛ فإن ضميرك لا يأتي ~~موضعه فيه إلا آخرا، فإذا أنت أردت أن يحكم قلبك على من تحبها، وأن تأخذ عليها حكم ~~قلبها، # 14 # فإنما تريد بنفسك الألم لا الحب، تريد أن تستوحي الدموع، وتخرج منها كلاما ~~يبكي، تريد أن تزدرع شجرة الجنون التي ينبت فيها زهر الشعر ... وهذا لا يسمى حبا لحبيبة، ~~ولا يؤمن إلا على كبار الحكماء، كما لا يؤمن فحص الآلة المهلكة ... إلا على كبار العلماء ~~والمخترعين! # أنت يا هذا إن أحببت خاضع لقلبك، ولكنك أنت وقلبك سائران في طريق قلبها ... يقول كل محب في ~~حبيبته: لا هي إلا هي ، أفلا يدل ذلك على ضلال الحب، وإفساده ملكة التمييز، وأنه شيء من ~~الخبل يعتري فكرة بعينها في العقل، ويخرجها إلى الهوج والبله؟ وإذا ساغ لكل محب أن ~~يقول في صاحبته: لا هي إلا هي؛ فمعنى ذلك أن (الهيات) ... ~~كلهن عبث وباطل، وتكون الحقيقة الطبيعية التي يصرح عنها هذا القياس، أن كل (هي) مثل كل ~~(هي) في الواقع، ولا انفراد لها إلا في عقل مجنون لا مساك له من المنطق، ولا عبرة به في ~~القياس. # من أعجب الأمور أن الصفات التي يعد بها الإنسان إنسانا تخضع كلها أحيانا لصفة واحدة ~~من تلك الصفات التي يعد بها الإنسان حيوانا، فإن خدعك بائع مثلا في دراهم معدودات، لا ~~تمض الأمر على أنه خدعك، بل تعرف أنه غشك، ms70 ثم لا ترى أنه غشك، بل ازدراك، ثم لا تقول إنه ~~ازدراك، بل تهزأ بك، وهذه حركة للنفس في اندفاعها إذا تركت تندفع، وتركت المعاني الغضبية ~~تخوض في دمها. # ومن ثم فلا يكون البائع في رأي نفسك قد سلبك بعض الدراهم، بل شيئا من القوة التي بها ~~حولك وحيلتك، ومن الذكاء الذي تعامل الناس عليه، وسلبك بعض الشأن الذي يجعلك رجلا ذا بصر ~~ومعرفة، وعلى قدر ما يتحرك من ذلك في نفسك يتحرك من الغيظ والحقد إن كنت رجلا داهية ~~ذكيا، وبخاصة إذا رأيت البائع لا يبالي أن تعرف أنه تغفلك، بل يجعل من همه أن تعرف ذلك؛ ~~فلا تعود الدراهم أشياء كما هي في نفسها من ضعف الخطر والقيمة، بل كما هي في نفسك مما وضع ~~أمرها عليه؛ فلا تنحط قيمتها إلا بانحطاط قيمة النفس، وتلتحق بمعاني القهر والغلبة، وما ~~كانت إلا من بعض معاني الربح والخسارة. # وعلى هذا المثل يقاس أمر الحب ونكده وجنونه؛ فما هو على قدر المرأة، ولا بمقدار مما ~~تعطيه، وإنما هو استخذاء المعاني الإنسانية، وخضوعها لصفة حيوانية واحدة ينصرف كل ما في هذا ~~الإنسان إليها، والأمر بعد كما قال أحد الأطباء في تعليل الجوع إذ قال: إن المعدة متى ~~خوت ، # 15 # وفرغت من طعامها الذي كان فيها بعثت أعصابها الباطنة برسائلها العصبية إلى ساقة ~~المخ، # 16 # وإلى مركز الأعصاب في العمود الفقري؛ تؤذن بأنه صار من الممكن إرسال طعام آخر. ~~قال: فتترجم مراكز الأعصاب السفلى هذه الرسائل إلى جوع ... # وقل أنت مثل ذلك في القلب، فإنه متى وقعت امرأة من حاجته موقعا، ظمئ إليها؛ فأرسل رسائله ~~العصبية إلى المخ بأنه من الواجب ... إطفاء هذا الغليل المحرق، فتترجم مراكز الأعصاب هذه ~~الرسائل إلى حب! # وأنت أعلى عينا # 17 # بأن هذا كله نقل للمعاني الحيوانية إلى اللغة التي تحرك النفس فتلجئها إلى ~~تسخير قواها في دفع الألم إن كان حقيقة أو خيالا؛ فإذا أضلعك أمر الحب، وضقت به، وعجزت أن ~~تصرف القلب عن رسائله، فأشغل العقل ms71 عن ترجمتها، وأحكم معاقد هذه الخيالات ومقاصدها، ~~وازدر تلك الحيوانية، وأبق الدرهم على قيمته ... ولا تحسبن المرأة مطيعة أكثر مما فيها، ولا ~~تتوهمن أحسن ما يبدو لك منها إذا سحرت به على عينك إلا صورة مسحورة من أقبح ما فيك ~~أنت، فإن قررت في نفسك هذه القواعد، وأجريت عليها ما يترجم لك العقل من رسائل القلب، جاءك ~~من هذه الرسائل الحكمة، والفلسفة، والكبرياء، والأنفة، أو الصبر والأناة، وخضت ~~الغمرة # 18 # بذراعين فيهما السباحة والنجاة، لا الاختباط والغرق! # كذلك أوحت إلي روح الشيخ! ~~••• # في منطق الحس: متى وجدت الأسباب جاءت النتيجة من تلقاء نفسها؛ لأنها تدور مع أسبابها ~~وجودا وعدما، فاحذف الأسباب تسقط النتيجة، ولكن الأمر عكس ذلك في منطق الحب: احذف النتيجة ~~تسقط الأسباب كلها، فإنك إن لا تفكر في لذة ترجوها، أو تحرص عليها، نسيك الحب قبل أن تنساه، ~~وهل علمت قط عجوزا تعشق لأنها عجوز ليس فيها إلا حطام العمر، أو عرفت إنسانا يحدس ~~عليها ظنا من ظنون الحب، أو يصل بها سببا من أسباب المطمعة؟ أما إن هذه الفانية منطق ~~سقطت نتيجته فلا يمكن في الطبع أن تقوم أسبابها؛ فإذا أنت محقت النتيجة وخيالها لم يبق بينك ~~وبين المرأة ماسة # 19 # منك أو منها، واستحالت إلى منظر من مناظر الجمال يفهمك أو يلهمك أو يفسر لك، ~~فلا تنزل منها منزلة الرجل، بل منزلة الفكر، ولا تكون هي منك بمقام المرأة! بل منزلة ~~المعنى! # المصائب والنساء من شقاء الشقي أن يبالغ فيهن؛ فإن ما ينالك من خوف المصيبة ليس منها، ~~ولكنه منك، وما يذهلك من حب المرأة ليس فيها، ولكنه فيك؛ فأنت من ذلك كالذي ينحت صنما من ~~الحجر، ثم يصله بمكان الرغبة والرهبة من نفسه، فإذا القدرة كلها قد استفاضت عليه، وإذا ~~الحجر الذي لا يملك ولا حشرة من حشرات الأرض قد تملك رجلا بعقله وقلبه وحواسه وحيزه من ~~الدنيا، وإذا هذا الرجل يتعبد بحقيقته لخياله، وبعقله لوهمه، وبعلمه لجهله، وبما يصدق فيه ~~لما يكذب عليه، ولا ms72 يبقى الحجر حجرا، ولا يبقى الرجل رجلا، وكذلك يصنع عاشق المرأة ~~بالمرأة، وهي عند نفسه كأنما نبت جسمها على صنم معبود؛ يحسب فيها السماء والجنة، وما فيها ~~أكثر من امرأة، ويكون منها في الحب والرضا كحجر الألماس: يلقي عليه الضوء لونا واحدا ~~فيخرجه من قلبه ألوانا ذوات عدد في بريق وبصيص، وفي البغض والنفرة كالجسم المحترق: تحول ~~كله نارا من شرارة، أو جمرة، أو شعلة، وهو في كلتا الحالتين يسر ويألم بمادته كلها لقليل ~~طرأ عليه من مادتها هي، فهي شيء واحد، ولكنها بمادته تنقلب جمالا ملء عينه، وفتنة ملء ~~صدره، وفكرا ملء عقله، وكذا وكذا مع هن وهن وهنات. # 20 # إنما هذه سبيل اللذات في الأنفس المريضة التي تزدلف بما فيه لذتها إلى ما فيه هلكها، ولا ~~تكسبها اللذة شعورا إلا لتسلبها شعورا غيره، ولا تهيج فيها خيالا إلا لتطمس به على ~~حقيقة، ولا تبتعث حرصا إلا لتغلب به على قصد؛ فالخمر فيمن يبتلى بها تسلب الشعور بفضيلة ~~العقل، لتنشئ اللذات الخيالية التي هي من بواعث الجنون، والمال فيمن يحرص عليه يستلب ~~الشعور بفضيلة الخلق ليحدث له اللذات الوهمية التي هي من بواعث السقوط، والمرأة فيمن ~~يمتحن بها تنتزع الشعور بفضيلة التمييز؛ لتؤتيه اللذات الغريبة التي يكون منها الجنون ~~والسقوط، ضرب من هذا، وضرب من ذاك! # ولن تجد كل جرائر الحب إلا متفرعة من هذين الأصلين، فهي بجملتها داخلة في باب سلب العقل ~~بعضه أو أكثر، وفي باب سلب الخلق بعضه أو كله. # وفي النفس الإنسانية لا تمرض الحقيقة إلى من سوء التخيل فيها، كأن نعمة الخيال إنما وهبت ~~للإنسان لتخرجه من حدود الحقائق؛ فيفسدها، ويفسد آثارها فيه، فتنقلب من مادة شقائه، وهي ~~مادة سعادته! فالخيال هو القوة التي يثبت بها الإنسان إلى المجهول، وهو نفسه القوة التي ~~يسقط بها إذا تقاصرت الوثبة، أو طاشت، وقلما جاءت إلا من هاتين، والخيال هو العنصر الذي ~~تمزجه بالحقائق ليحدث فيها التنويع؛ فيخرج ثلاث حقائق من اثنتين، وهو نفسه العنصر الذي ~~يستخرج ms73 الضرر الكامن في هذه الحقائق متى أسرف عليها، فيخرج من المنفعة الواحدة مضرتين: ~~للحقيقة وللإنسان معا! # فالمنهوم الذي ينتهي بطنه، ولا تنتهي نفسه، # 21 # والحريص الذي يفرغ عمره، ولا يفرغ أمله، والفاجر الذي تذهب مروءته، ولا تذهب ~~لذته، والمدمن الذي يسقط عقله وخياله لا يزال يعلو، والمقامر الذي لا ينفك يطمع في الغنى ~~وهو فقير حتى من الفقر # 22 ~~... كل واحد من هؤلاء مريض بمرض خيالي واحد، ~~أما الذي هو مريض بشيء من كل شيء، فهو العاشق المريض بامرأة يهواها! # وهل في شقوة الخيال، وشدة غلوائه أعجب من خيال هذا العاشق؛ إذ يرى الجمال المخلوق كله لا ~~يبلغ مبلغ القبلة الأولى التي لا تزال في شفتي حبيبته لم تخلق بعد؟ # المرأة في النساء امرأة، كالواحد في العدد واحد، بيد أن خيال العاشق يرقم إلى هذا الرقم ~~الفرد صفا طويلا لا يراه أحد غيره، فالواحد اسمه واحد، ومعناه ملايين كثيرة ... وبهذا يصبح ~~العاشق مع المرأة الخيالية كالنسر حطمت مخالبه، وصدع منقاره، ونسل جناحاه، فاسمه نسر، ~~ومعناه دجاجة ... # أف للشعر! يعلو بالأشياء كلها علو الأسرار الإلهية التي فيها، ويعلو بالشاعر على كل ~~الناس؛ إذ كان فيه من روح الله أكثر مما فيهم، ثم لا يكون عقابه على هذا التأله إلا أن يرمي ~~بصاحبه من فوق سماواته تحت قدمي امرأة إن كان في الشاعر روح رجل تام، أو بين سفلة الخلق، ~~وسفاسف الأشياء، إن كان الشاعر مؤنث النفس أو ساقطها. # آه ... آه! إن الله لا ينعم قلبا في الدنيا على أسلوب النعيم في الآخرة، ولكنه ترك ~~للناس أن يعذبوا أنفسهم هنا على نحو مما هنالك، فكلما طفئت لهم نار أوقدوا غيرها يحترقون ~~فيها ليذوقوا العذاب لا ليموتوا! # إن لنار الآخرة سبعة أبواب، وكأن كل باب منها ألقى جمرة على الأرض، فباب ألقى الوهم، ~~وآخر قذف الخوف، وثالث رمى بالطمع، والرابع بالحرص، والخامس بالألم، والسادس بالبغض، أما ~~السابع فرمى بالشر الذي يجمع هذه الستة كلها، وهو الحب! # النار في الآخرة، ولكن أرواحها في الناس ms74 لتسوق أرواح الناس إليها! # | هوامش ms75