######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0036191 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: مصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي (المتوفى: 1356هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1356 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: السمو الروحي الأعظم والجمال الفني في البلاغة النبوية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: شروح الحديث #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0036191 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-36191 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/36191 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: أبو عبد الرحمن البحيري وائل بن حافظ بن خلف #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار البشير للثقافة والعلوم #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # لما أردت أن أكتب هذا الفصل (1) وهممت به، عرضت لي مسألة نظرت فيها أطلب ~~جوابها، ثم قدرت أن يكون أبلغ فلاسفة البيان في أوربا لعهدنا هذا رجلا يحسن ~~العربية المبينة، وقد بلغ فيها مبلغ أئمتها علما وذوقا، ودرس تاريخ النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - درس الروح لأعمال الروح، وتفقه في شريعته فقه الحكمة ~~لأسرار الحكمة، واستوعب أحاديثه واعتبرها بفن النقد البياني الذي يبحث في ~~خصائص الكلام عن خصائص النفس؛ وتمثلت أني لقيت هذا الرجل فسألته: ما هو ~~الجمال الفني عندك في بلاغة محمد صلى الله عليه وسلم؟ PageV01P016 # وماذا تستخرج لك فلسفة البيان منه؟ وما سره الذي يجتمع فيه؟ # ولم يكد يخطر لي ذلك حتى انكشف الخاطر عن وجه آخر، وذلك أن يكون معنى هذا ~~السؤال بعينه قد وقع في شيء من حديث النفس لأبلغ أولئك العرب الذين رأوا ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وآمنوا به، واتبعوا النور الذي أنزل معه، ~~وقد صحبه فطالت صحبته، لا يفوته من كلامه في الملأ شيء، وخالطه حتى كان له ~~في الإحاطة بأحوال نفسه كبعض التاريخ، فتدبر ما عسى أن يكون سر الجمال في ~~بلاغته - صلى الله عليه وسلم -، وما مرجعه الذي يرد إليه؟ # لو دار السؤال دورتيه في هذه السليقة العربية المحكمة التي رجعت أن تكون ~~فلسفة تشعر وتحس، وفي تلك الفلسفة البيانية الملهمة التي بلغت أن تكون ~~سليقة تدرس وتفكر لما خلص من كلتيهما إلا برأي # PageV01P017 # واحد تلتقي عليه حقيقة البيان من طرفيها، وهو: أن ذلك الجمال الفني في ~~بلاغته - صلى الله عليه وسلم - إنما هو أثر على الكلام من روحه النبوية ~~الجديدة على الدنيا وتاريخها. # وبعد: # فأنا في هذه الصفحات لا أصنع شيئا غير تفصيل هذا الجواب وشرحه، باستخراج ~~معانيه، واستنباط أدلته، والكشف عن أسراره وحقائقه؛ ولقد درست كلامه - صلى ~~الله عليه وسلم -، وقضيت في ذلك أياما أتتبع السر الذي وقع في التاريخ ~~القفر المجدب فأخصب به، وأنبت للدنيا أزهاره الإنسانية الجميلة، فكانوا ~~ناسا إن عبتهم بشيء لم ms01 تعبهم إلا أنهم دون الملائكة؛ وكانوا ناسا، دارت ~~الكرة الأرضية في عدهم ثلاث دورات: واحدة حول الشمس، وثانية حول نفسها، ~~وثالثة حول أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. # PageV01P018 # ثم تركت الكلام النبوي يتكلم في نفسي ويلهمني ما أفصح به عنه، فلكأني به ~~يقول في صفة نفسه: إني أصنع أمة لها تاريخ الأرض من بعد، فأنا أقبل من هنا ~~وهناك، وأذهب هناك وهنا، مع القلوب والأنفس والحقائق، لا مع الكلام والناس ~~والوقت. # إن ههنا دنيا الصحراء ستلد الدنيا المتحضرة التي من ذريتها أوربا ~~وأمريكا؛ فالقرآن والحديث يعملان في حياة أهل الأرض بنور متمم لما يعمله ~~نور الشمس والقمر. # وقد كان المسلمون يغزون الدنيا بأسلحة هي في ظاهرها أسلحة المقاتلين، ~~ولكنها في معانيها أسلحة الأطباء؛ وكانوا يحملون الكتاب والسنة، ثم مضوا ~~إلى سبيلهم وبقي الكلام من بعدهم غازيا محاربا في العالم كله حرب تغيير ~~وتحويل إلى أن يدخل الإسلام على ما # PageV01P019 # دخل عليه الليل (1). PageV01P020 # هذا منطلق الحديث في نفسي. وقد كنت أقرؤه وأنا أتمثله مرسلا بتلك الفصاحة ~~العالية من فم النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث يمر إعجاز الوحي أول ما ~~يخرج به الصوت البشري إلى العالم، فلا أرى ثم إلا أن شيئا إلهيا عظيما ~~متصلا بروح الكون كله اتصال بعض السر ببعض السر، يتكلم بكلام إنساني هو هذا ~~الحديث الذي يجيء في كلمات قوية رائعة، فنها في بلاغتها كالشباب الدائم. # PageV01P021 # كنت أتأمله قطعا من البيان، فأراه ينقلني إلى مثل الحالة التي أتأمل فيها ~~روضة تتنفس على القلب، أو منظرا يهز جماله النفس، أو عاطفة تزيد بها الحياة ~~في الدم، على هدوء وروح وإحساس ولذة؛ ثم يزيد على ذلك أنه يصلح من الجهات ~~الإنسانية في نفسي، ثم يرزق الله منه رزق النور فإذا أنا في ذوق البيان ~~كأنما أرى المتكلم - صلى الله عليه وسلم - وراء كلامه. # وأعجب من ذلك أني كثيرا ما أقف عند الحديث الدقيق أتعرف أسراره، فإذا هو ~~يشرح لي ويهديني بهديه؛ ثم أحسه كأنما يقول لي ما يقول المعلم ms02 لتلميذه: ~~((أفهمت؟)). # وقفت عند قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن قوما ركبوا في سفينة، ~~فاقتسموا، فصار لكل رجل منهم موضع، فنقر رجل منهم موضعه بفأس، فقالوا له: ~~ما تصنع؟ قال: هو مكاني أصنع فيه ما شئت! فإن أخذوا على يده نجا # PageV01P022 # ونجوا، وإن تركوه هلك وهلكوا)) (1). PageV01P023 # فكان لهذا الحديث في نفسي كلام طويل عن هؤلاء الذين يخوضون معنا البحر ~~ويسمون أنفسهم بالمجددين، وينتحلون ضروبا من الأوصاف: كحرية الفكر، ~~والغيرة، والإصلاح؛ ولا يزال أحدهم ينقر موضعه من سفينة ديننا وأخلاقنا ~~وآدابنا بفأسه، أي بقلمه ... زاعما أنه موضعه من الحياة الاجتماعية يصنع ~~فيه ما يشاء، ويتولاه كيف أراد، موجها لحماقته وجوها من المعاذير والحجج، ~~من المدنية والفلسفة، جاهلا أن القانون في السفينة إنما هو قانون العاقبة ~~دون غيرها، فالحكم لا يكون على العمل بعد وقوعه كما يحكم على الأعمال ~~الأخرى؛ بل قبل وقوعه، والعقاب لا يكون على الجرم يقترفه المجرم كما يعاقب ~~اللص والقاتل وغيرهما، بل على الشروع فيه، بل على توجه النية إليه، فلا ~~حرية هنا في عمل يفسد خشب السفينة أو يمسه من قرب أو بعد # PageV01P024 # ما دامت ملججة في بحرها، سائرة إلى غايتها؛ إذ كلمة (الخرق) لا تحمل في ~~السفينة معناها الأرضي، وهنا لفظة (أصغر خرق) ليس لها إلا معنى واحد وهو ~~(أوسع قبر). # ففكر في أعظم فلاسفة الدنيا مهما يكن من حريته وانطلاقه، فهو ههنا محدود ~~على رغم أنفه بحدود من الخشب والحديد تفسرها في لغة البحر حدود الحياة ~~والمصلحة، وكما أن لفظة (الخرق) يكون من معانيها في البحر القبر والغرق ~~والهلاك، فكلمة (الفلسفة) يكون من بعض معانيها في الاجتماع الحماقة والغفلة ~~والبلاهة، وكلمة الحرية يكون من معانيها الجناية والزيغ والفساد (1). ~~PageV01P025 # وعلى هذا القياس اللغوي فالقلم في أيدي بعض الكتاب من معانيه الفأس، ~~والكاتب من معانيه المخرب، والكتابة من معانيها الخيانة؛ قال لي الحديث: ~~((أفهمت؟)). # هكذا يجب تأمل الجمال الفني في كلامه - صلى الله عليه وسلم -، فهو # PageV01P027 # كلام كلما زدته فكرا زادك معنى، وتفسيره قريب، قريب كالروح في ms03 جسمها ~~البشري، ولكنه بعيد بعيد كالروح في سرها الإلهي، فهو معك على قدر ما أنت ~~معه، إن وقفت على حد وقف، وإن مددت مد، وما أديت به تأدى، وليس فيه شيء مما ~~تراه لكل بلغاء الدنيا من صناعة عبث القول، وطريقة تأليف الكلام، واستخراج ~~وضع من وضع، والقيام على الكلمة حتى تبيض كلمة أخرى، والرغبة في تكثير سواد ~~المعاني، وترك اللسان يطيش طيشه اللغوي يتعلق بكل ما عرض له، ويحذر الكلام ~~على معاني ألفاظه، ويجتلب له منها ويستكرهها على أغراضه، ويطلب لصناعته من ~~حيث أدرك وعجز، ومن حيث كان ولم يكن .. # إنما هو كلام قيل؛ لتصير به المعاني إلى حقائقها، فهو من لسان وراءه قلب، ~~وراءه نور، وراءه الله (جل # PageV01P028 # جلاله)؛ وهو كلام في مجموعه كأنه دنيا أصدرها - صلى الله عليه وسلم - عن ~~نفسه العظيمة، لا تبرح ماضية في طريقها السوي على دين الفطرة؛ فلا تتسع ~~لخلاف، ولا يقع بها التنافر؛ والخلاف والتنافر إنما يكونان من الحيوانية ~~المختلفة بطبيعتها؛ لقيامها على قانون التنازع تعدو به وتجترم وتأثم، فهي ~~نازلة إلى الشر، والشر بعضه أسفل من بعض؛ أما روحانية الفطرة فمتسقة ~~بطبيعتها، لا تقبل في ذاتها افتراقا ولا اختلافا؛ إذ كان أولها العلو فوق ~~الذاتية، وقانونها التعاون على البر والتقوى؛ فهي صاعدة إلى الخير، والخير ~~بعضه أعلى من بعض. # فكلامه - صلى الله عليه وسلم - يجري مجرى عمله: كله دين وتقوى وتعليم، ~~وكله روحانية وقوة وحياة؛ وإنه يخيل إلي وقد أخذت بطهره وجماله أن من الفن ~~العجيب أن يكون هذا الكلام صلاة وصياما في الألفاظ. # PageV01P029 # أما أسلوبه - صلى الله عليه وسلم - فأجد له في نفسي روح الشريعة ونظامها ~~وعزيمتها، فليس له إلا قوة قوة أمر نافذ لا يختلف، وإن له مع ذلك نسقا ~~هادئا هدوء اليقين، مبينا بيان الحكمة، خالصا خلوص السر، واقعا من النفس ~~المؤمنة موقع النعمة من شاكرها. # وكيف لا يكون كذلك وهو أمر الروح العظيمة الموجهة بكلمات ربها ووحيه؛ ~~ليتوجه بها العالم كأنه منه مكان المحور: دورته بنفسه هي ms04 دورته بنفسه وبما ~~حوله، روح نبي مصلح رحيم، هو بإصلاحه ورحمته في الإنسانية، وهو بالنبوة ~~فوقها، وهو بهذه وتلك في شمائله وطباعه مجموع إنساني عظيم لو شبه بشيء لقيل ~~فيه: إنه كمجموع القارات الخمس لعمران الدنيا. # ومن درس تاريخه - صلى الله عليه وسلم - وأعطاه حقه من النظر والفكر ~~والتحقيق، رأى نسقا من التاريخ العجيب كنظام فلك # PageV01P030 # من الأفلاك موجه بالنور في النور من حيث يبدأ إلى حيث ينتهي. # فليس يمتري عاقل مميز أن هذه الحياة الشريفة، بذلك النظام الدقيق، في ذلك ~~التوجه المحكم - لا يطيقها بشر من لحم ودم على ناموس الحياة إلا إذا كان في ~~لحمه ودمه معنى النور والكهرباء على ناموس أقوى من الحياة. # ولم يكن مثله - صلى الله عليه وسلم - في الصبر والثبات واستقرار النفس ~~واطمئنانها على زلازل الدنيا، ولا في الرحمة ورقة القلب والسمو فوق معاني ~~البقاء الأرضي. # فهو قد خلق كذلك؛ ليغلب الحوادث ويتسلط على المادة؛ فلا يكون شأنه شأن ~~غيره من الناس: تدفنهم معاني التراب وهم أحياء فوق التراب، أو يحدهم الجسم ~~الإنساني من جميع جهاتهم بحدود طباعه ونزعاته؛ وبذلك فقد كان # PageV01P031 # (عليه الصلاة والسلام) منبع تاريخ في الإنسانية كلها دائما، ولرأس الدنيا ~~نظام أفكاره الصحيحة. # عن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: # ((انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت (1) إلى غار فدخلوه، ~~فانحدرت صخرة من PageV01P032 # الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن ~~تدعوا الله بصالح أعمالكم. # فقال رجل منهم: اللهم! كان لي أبوان شيخان # PageV01P033 # كبيران، وكنت لا أغبق (1) قبلهما أهلا ولا مالا (2)، فنأى بي (3) ~~PageV01P034 # في طلب شيء يوما فلم أرح (1) عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما ~~فوجدتهما نائمين، وكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي ~~أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم! إن كنت ~~فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة! فانفرجت شيئا لا ms05 ~~يستطيعون الخروج)). # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: # ((وقال الآخر: اللهم! كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي، فأردتها عن ~~نفسها فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة (2) من السنين، فجاءتني فأعطيتها ~~عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها! PageV01P035 # ففعلت، حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه (1)! ~~فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي ~~أعطيتها، اللهم! إن كنت فعلت ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه! فانفرجت ~~الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها)). # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: # ((وقال الثالث: اللهم! إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ~~ترك الذي له وذهب (2)، PageV01P036 # فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله! أد ~~إلي أجري. فقلت له: كل ما ترى من أجرك، من الإبل والبقر والغنم والرقيق! ~~فقال: يا عبد الله! لا تستهزئ بي! فقلت: إني لا أستهزئ بك! فأخذه كله ~~فاستاقه فلم يترك منه شيئا (1)، اللهم! فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج ~~عنا ما نحن فيه! فانفرجت الصخرة PageV01P037 # فخرجوا يمشون)) (1). # انتهى الحديث. # وأنا فلست أدري، أهذا هو النبي - صلى الله عليه وسلم - يتكلم في ~~الإنسانية PageV01P038 # وحقوقها بكلام بين صريح فلا فلسفة فيه، يجعل ما بين الإنسان والإنسان من ~~النية هو ما بين الإنسان وربه من الدين؛ أم هي الإنسانية تنطق على لسانه ~~بهذا البيان العالي، في شعر من شعرها ضاربة فيه الأمثال، مشيرة فيه إلى ~~الرموز، واضعة إنسانها بين شدة الطبيعة ورحمة الله، محكمة عناصر روايتها ~~الشعرية، محققة في بيانها المكشوف أغمض معانيها في فلسفة الحاسة الإنسانية ~~حين تتصل بأشيائها فتظهر الضرورة البشرية وتختفي الحكمة، وفلسفة الروح حين ~~تتصل بهذه الأشياء ذاتها فتظهر الحكمة وتختفي الضرورة، مبينة أثر هذه وتلك ~~في طبيعة الكون، مقررة أن الحقيقة الإنسانية العالية لن تكون فيما ينال ~~الإنسان من لذته، ولا فيما ينجح من أغراضه، ولا فيما يقنعه من منطقه، ولا ~~فيما يلوح ms06 من خياله، ولا فيما ينتظم من قوانينه؛ بل هي السمو على هذه ~~الحقائق الكاذبة كلها، وهي الرحمة التي تغلب على # PageV01P039 # الأثرة فيسميها الناس برا، والرحمة التي تغلب على الشهوة فيسميها الناس ~~عفة، والرحمة التي تغلب على الطمع فيسميها الناس أمانة؛ وهي في ضبط الروح ~~لثلاث من الحواس: حاسة الدعة التي يقوم بها حظ الخمول، وحاسة اللذة التي ~~يقوم بها حظ الهوى، وحاسة التملك التي يقوم بها حظ القوة. # وتزيد الإنسانية على ذلك في نسق شعرها أنها تثبت أن البر من العفة ~~والأمانة هو على إطلاقه كالأساس لهما؛ فمن نشأ على بر أبويه كان خليقا أن ~~يتحقق بالعفة والأمانة، وأن العفة من الأمانة والبر هي مساكهما وجامعتهما ~~في النفس، وأن الأمانة من البر والعفة هي كمال هذه الفضائل، وكلهن درجات ~~لحقيقة واحدة، غير أن بعضها أسمى من بعض في الشأن والمنزلة، وبعضها طريق ~~لبعض يجر سبب منها سببا منها، وأن الرحمة الإنسانية التي هي وحدها الحقيقة ~~الكبرى إنما # PageV01P040 # هي هذا الحب، بادئا من الولد لأبويه، وهو الحب الخاص؛ ثم من المحب ~~لحبيبته، وهو الحب الأخص، ثم من الإنسان للإنسانية، وهو الحب مطلقا بعمومه ~~وبغير أسبابه الملجئة من الحاجة والغريزة؛ وهي درجات كدرجات الحياة نفسها ~~من طفولتها إلى شبابها إلى الشيخوخة، ومن العاطفة إلى الرغبة إلى العقل. # ثم إنه ما دام كمال الفضيلة هو الأمانة، فما قبلها أنواع منها؛ فبر الولد ~~أمانة الطبع المتأدب، وعفة المحب أمانة القلب الكريم، والثالثة أمانة الخلق ~~العالي، وهي أسماهن؛ لأنها لن تكون خلقا ثابتا إلا وقد خضع لقانونها الطبع ~~والقلب، ودخل في أسبابها الأدب والكرم؛ فالأمانة الكاملة في هذه الفلسفة هي ~~الأمانة للإنسانية العامة المتصلة بالمرء من أبعد جهاته، دون الإنسانية ~~الخاصة بكل شخص من أب، أو أم، أو قريب؛ ودون التي هي أخص وهي إنسانية الحب. # PageV01P041 # ونرى في لفظ الحديث أن كل رجل من هؤلاء الذين مثلوا رواية الإنسانية ~~الفاضلة في فصولها الثلاثة، لا يقول إنه فعل ما فعل من صالح أعماله إلا ~~(ابتغاء وجه ms07 الله)، وقد تطابقوا جميعا على هذه الكلمة، وهي من أدق ما في ~~فلسفة الإنسانية في شعرها ذلك، فإن معناها أن الرجل في صالح عمله إنما كان ~~مجاهدا نفسه، يمنعها ما تحرص عليه من حظها أو لذتها أو منفعتها، أي: منخلعا ~~من طبيعته الأرضية المنازعة لسواها، المنفردة بذاتها، متحققا بالطبيعة ~~السماوية التي لا يرحم الله عبدا إلا بها، وهي: رحمة الإنسان غيره (1)، أي: ~~اندماجه PageV01P042 # باستطاعته وقوته، وإعطاؤه من ذات نفسه، ومعاونته كف أذاه. # والحديث كالنص على أن هذه الرحمة في النفس هي الدين عند الله، لا يصلح ~~دين بغيرها، ولا يقبل الله صرفا ولا عدلا من نفس تخلو منها؛ وإذا كانت بهذه ~~المنزلة، وكانت أساس ما يفرض على الإنسان من الخير والحق، فهي من ذلك في ~~معنى الحديث أساس ما يصلح هذه الإنسانية من الشر والباطل؛ وبهذا كله تكون ~~الغاية الفلسفية التي ينتهي إليها كلامه - صلى الله عليه وسلم -، أن تنشئة ~~الناس على البر والعفة والأمانة للإنسانية هي وحدها الطريقة العملية ~~الممكنة لحل معضلة الشر والجريمة في الاجتماع البشري. وانظر كيف جعل نهاية ~~السمو في رحمة المال الذي يصفونه بأنه شقيق الروح، فكأن الإنسان لا يخرج ~~فيها لغيره من بعض ماله، بل ينخلع من بعض روحه؛ # PageV01P043 # وهذا يقرر لك فلسفة أخرى أن السعادة الإنسانية الصحيحة في العطاء دون ~~الأخذ، وأن الزائفة هي في الأخذ دون العطاء؛ وذلك آخر ما انتهت إليه فلسفة ~~الأخلاق؛ فما المرء إلا ثمرة تنضج بموادها، حتى إذا نضجت واحلولت (1) كان ~~مظهر كمالها ومنفعتها في الوجود أن تهب حلاوتها، فإذا هي أمسكت الحلاوة على ~~نفسها لم يكن إلا هذه الحلاوة بعينها سبب في عفنها وفسادها من بعد. ~~((أفهمت؟)). # وما دمنا قد وصفنا رحمة المال، فإنا نتم الكلام فيها بهذا الحديث العجيب ~~في فن تمثيله وبلاغة فنه: # عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: # ((مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد، من ثديهما إلى ~~تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق ms08 إلا سبغت أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه ~~وتعفو أثره، PageV01P044 # وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا لزقت كل حلقة مكانها، فهو يوسعها ~~فلا تتسع)). انتهى (1). # فأنت ترى ظاهر الحديث، ولكن فنه العجيب في هذا الحديد الذي يراد به طبيعة ~~الخير والرحمة في الإنسان، فهي من أشد الطبائع جمودا وصلابة واستعصاء متى ~~اعترضتها حظوظ النفس الحريصة وأهواءها، ومع ذلك فإن السخاء بالمال يبسط ~~منها وينتهي في الطبع إلى أن يجعلها لينة، فلا تزال تمتد وتسبغ حتى يكون ~~كمال PageV01P045 # طبع السخاء هو كمال طبع الخير في النفس الكريمة، فمن ألزم نفسه الجود ~~والإنفاق راضها رياضة عملية كرياضة العضل بأثقال الحديد ومعاناة القوة في ~~الصراع ونحوه؛ أما الشح فلا يناقض تلك الطبيعة، ولكنه يدعها جامدة مستعصية ~~لا تلين ولا تستجيب ولا تتيسر. # وقد جعل الجبة من الثدي إلى التراقي، وهذا من أبدع ما في الحديث؛ لأن كل ~~إنسان فهو منفق على ضروراته، يستوي في ذلك الكريم والبخيل، فهما على قدر ~~سواء من هذه الناحية؛ وإنما التفاوت فيما زاد وسبغ من وراء هذا الحد، فههنا ~~يبسط الكريم بسطه الإنساني، أما البخيل فهو ((يريد))؛ لأنه إنسان، والإرادة ~~عمل عقلي لا أكثر، فإذا هو حاول تحقيق هذه الإرادة وقع من طبيعة نفسه الكزة ~~(1) فيما يعانيه من يوسع جبة من PageV01P046 # الحديد لزقت كل حلقة من حلقاتها في مكانها، فهي مستعصية متماسكة، فهو ~~يوسعها فلا تتسع. # ألا ترى كيف تتوجه الحجة، وكيف تدق الفلسفة وهي في أظهر البيان وأوضحه؟ ~~وهل تحسب طبيعة البخيل في دقائقها النفسية لو هي نطقت بالغة من وصف نفسها ~~هذا المبلغ من جمال الفن وإبداعه؟ وهو بعد وصف لو نقل إلى كل لغات الأرض ~~لزانها جميعا، ولكان في جميعها كالإنسان نفسه: لا يختلف تركيبه، فلن يكون ~~بثلاثة أعين، لا في بلاد شكسبير ولا في بلاد الزنوج. # إن كلام نبينا - صلى الله عليه وسلم - يجب أن يترجم بفلسفة عصرنا وآدابه، ~~فستراه حينئذ كأنما قيل مرة أخرى من فم النبوة، وستراه في شرحه ms09 الفلسفي ~~كالأزهار الناضرة: حياتها بشاشتها في النور؛ وتعرفه إنسانية قائمة تصحح بها # PageV01P047 # أغلاط الزمن في أهله، وأغلاط الناس في زمنهم؛ وتجده يرف على البشرية ~~المسكينة بحنان كحنان الأم على أطفالها، والناس الآن كالأطفال غابت أمهم، ~~فهم في تنافر صبياني. # وما الأم بطبيعتها إلا الميزان لاستبدادهم، والحكمة لطيشهم، والائتلاف ~~لتنافرهم، والنظام لعبثهم؛ وبالجملة فحنان قلبها الكبير هو القانون لكل ~~قضايا هذه القلوب الصغيرة. # وقد كتبنا في فلسفة الأدب وحقيقته، ومعانيه الإنسانية، وأن الأديب التام ~~الأداة هو الإنسان الكوني، وغيره هو الإنسان فقط، وأن علم الأديب هو النفس ~~الإنسانية بأسرارها المتجهة إلى الطبيعة، والطبيعة بأسرارها المتجهة إلى ~~النفس؛ ولذلك فموضعه من الحياة موضع فكرة حدودها من كل نواحيها الأسرار، # PageV01P048 # وأن الأديب مكلف بتصحيح النفس الإنسانية ونفي التزوير عنها، وإخلاصها مما ~~يلتبس بها على تتابع الضرورات، ثم تصحيح الفكرة الإنسانية في الوجود، ونفي ~~الوثنية عن هذه الفكرة، والسمو بها إلى فوق، ثم إلى فوق، ودائما إلى فوق ~~(1). # فإذا تدبرت هذا المقال، واعتبرت كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - على ~~ما بينا وشرحنا، وأخذته من عصره ومن العصر الذي نعيش فيه، ونظرت إلى ألفاظه ~~ومعانيه، واستبرأت ما بينها من خواص الفن بمثل ما نبهناك إليه من التأويل ~~الذي مر بك، وعلمت أن كل حقيقة فنية لا تكون كذلك إلا بخاصة فيها، وأن سر ~~جمالها في خاصتها - إذا PageV01P049 # جمعت ذلك لم تر مذهبا عن الإقرار بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ~~هو أعظم نبي وأعظم مصلح، فهو أعظم أديب؛ لأن فنه الأدبي أعظم فن يحقق ~~للإنسانية حياة أخلاقها، وهو بكل ذلك أعظم إنسان - صلى الله عليه وسلم -. # فالفن في هذه البلاغة هو في دقائقه أثر تلك الروح العليا بكل خصائصها ~~العظيمة التي يحتاج إليها الوجود الروحاني على هذه الأرض، ولذا ترى كلامه - ~~صلى الله عليه وسلم - يخرج من حدود الزمان، فكل عصر واجد فيه ما يقال له، ~~وهو بذلك نبوة لا تنقضي، وهو حي بالحياة ذاتها، وكأنما هو لون على وجه منها ~~كما ترى ms10 البياض مثلا هو اللون على وجه طائفة من الجنس البشري ... # فإذا نظرت في هذا الفن فانظره في حديثه، وفي عمله، وفي الدنيا التي ألفها ~~من التاريخ تأليف القطعة البليغة النادرة من الكلام، ورد كل ما تدبرته من ~~ذلك # PageV01P050 # إلى تلك الروح الجديدة على تاريخ الأرض؛ فلتعلمن حينئذ أن كل بليغ هو ~~شمعة مضيئة صنعت لها مادة النور نورا وجمالا بجانب هذه الشمس التي خلقت ~~فيها مادة النور نورا وجمالا وحياة وقوة؛ هناك نور لذي عينين، وهنا النور ~~لكل ذي عينين؛ وذاك يتخايل كالحلم، وهذا يفصح كالحقيقة؛ وذلك ضوء من حوله ~~الظلمة دانية، وهذا قد طرد الظلمة عن نصف الدنيا إلى نصف الدنيا؛ والأول ~~نور بلا روح، والثاني هو روح النور. # تلك في رأينا هي الطريقة التي كان يفهمه بها أصحابه - صلى الله عليه وسلم ~~-، كما يفهم الشاعر نور القمر في ليلة صيف بمعان من الزمان والمكان، ومن ~~النفس والحالة، ومن الهيئة والشكل، ومن العين والفكر، ومن السماء والأرض، ~~ففيه النور وزيادة، أي: الحقيقة وما ترتفع بها على # PageV01P051 # نفسها؛ وبهذه الطريقة كانوا معه كأعظم فلاسفة الفن مع الفن إعجابا وحبا ~~وانقيادا وطاعة، حتى انخلعوا من عصرهم ودنياهم، وخرجوا من أحوالهم ~~وطبائعهم، وانجذبوا إليه أشد انجذاب عرفه التاريخ، وأصبحوا مصرفين معه ~~تصريف الحوادث لا تصريف الأشخاص، وعادت أنفسهم وكأن تأثير الأرض يلتقي فيها ~~بتأثير السماء فيغسل في سحب عالية فلا يكون فيها كما يريده الناس، بل كما ~~يريد الله؛ ورجعت قلوبهم لا تلبس على دينها رأيا ولا هوى، وكأنما وضع لها ~~هذا الدين حرسا على كل سمع وعلى كل بصر؛ وبالجملة فأولئك قوم كأنما تناولهم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فأفرغهم ثم ملأهم، وما انتقلوا إلى منزلتهم ~~العالية في التاريخ إلا بعد أن نقلهم هو إلى منزلة من منازل نفسه الشريفة. # وناهيك من رجال يمثل لهم بهذا المثل الذي يضربه # PageV01P052 # لهم في الإيمان ليبلغوه أو يقاربوه؛ فعن خباب بن الأرت (رضي الله عنه) ~~قال: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms11 - وهو متوسد بردة له في ظل ~~الكعبة، قلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: # ((كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار ~~فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما ~~دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه))! (1). # فانظر يا هذا، فإنه لو اجتمعت قوى الكون فجاءت يشد بعضها بعضا فنزلت في ~~عبارة من الكلام لتملأ نفوس المؤمنين بقوتها لما وضعت إلا هذا الوضع من ~~PageV01P053 # هذا التمثيل بأمشاط المسامير وأسنان المنشار في عظم الإنسان الحي ولحمه. # وظاهر التمثيل على ما رأيت من العجب، ولكن له باطنا أعجب من ظاهره، وهو ~~البلاغة كل البلاغة والبيان حق البيان. # فإنما يريد - صلى الله عليه وسلم - أن الحديد لا يأكل ولا يمزع من أولئك ~~الأقوياء بإيمانهم عظما ولحما وعصبا، بل هو حديد يأكل حديدا مثله أو أشد ~~منه، فإن للروح المؤمنة المسلطة على جسمها قوة تصنع هذه المعجزة، فيمر ~~الحديد في العظم واللحم والعصب يسلبها الحياة، ولكنها تسلبه شدته وجلده ~~وصبره! # وكل ما جاء من التمثيل في كلامه - صلى الله عليه وسلم - ينطوي فيه من ~~إبداع الفن البياني وإعجازه ما يفوت حدود البلغاء، حتى لا تشك إذا أنت ~~تدبرته بحقه من النظر والعلم أن # PageV01P054 # بلاغته إنما هي شيء كبلاغة الحياة في الحي: هي البلاغة ولكنها أبدع مما ~~هي؛ لأنها الحياة أيضا. # وأنت خبير أن هذا النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - كانت تأخذه عند ~~نزول الوحي عليه أحوال وصفت في كتب الحديث: # قالت عائشة (رضي الله عنها): ((ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم ~~الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا)) (1). # وفي حديث آخر عنها قالت: ((فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ~~ليتحدر منه مثل الجمان من PageV01P055 # العرق في يوم شات)) (1). # وفي حديث زيد بن ثابت: ((فأنزل الله (تبارك وتعالى) على رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وفخذه على فخذي، فثقلت علي، حتى خفت أن ترض فخذي)) ms12 (2). # وفي حديث يعلى بن أمية حين قال لعمر: أرني النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~حين يوحى إليه: ((فأشار عمر إلي، فجئت وعلى PageV01P056 # رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثوب قد أظل به، فأدخلت رأسي، فإذا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محمر الوجه وهو يغط)) (1)، أي: يردد نفسه ~~من شدة ثقل الوحي. # فهذه كلها أحوال تصف عمل الدماغ بكل ما فيه من جهد القوى العصبية؛ ليرتفع ~~بالحياة إلى ما فوقها ويتركها لوعي الروح وحدها، لا يشاركها في هذا الوعي ~~فكر ولا هاجس، ولا يتصل به شيء من حياة الحي؛ فيتحقق للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وجود آخر غير وجوده المحدود بجسمه وطباعه ودنياه؛ ويخرج بوعيه من ~~هذه الجاذبية الأرضية إلى ما وراء حدود الطبيعة من قوى الغيب؛ وبذلك يتلقى ~~عن روح الكون، ثم يفصم عنه وقد وعى ما أوحي إليه. PageV01P057 # وما وصفه زيد بن ثابت (رضي الله عنه) من أن فخذه كادت ترض برهان قاطع على ~~أن روحه - صلى الله عليه وسلم - تنسرح من جسمه ساعة الوحي فيثقل الجسم؛ ~~لأنه إنما يخف بالروح وتبقى وظائف الحياة عاملة أعمالها بعسر وبطء؛ ~~لاتصالها بشعاع من الروح دون الروح بجملتها؛ ولسنا هنا بصدد الكلام عن ~~الوحي، فله موضع إن شاء الله في كتابنا "أسرار الإعجاز" (1). # وإنما نريد أن ندل على أن هذه التهيئة الإلهية لذلك الجهاز العصبي لها ~~أثرها العظيم في فن بلاغته - صلى الله عليه وسلم -، وبها امتاز عن كل بلغاء ~~الدنيا؛ فإن الملهم من أفذاذ العبقريين على هذه الأرض إنما يبلغ ما يبلغه ~~ببعض هذا الذي رأيت، وفي بعض هذا أبدع ما ورثت الدنيا من فنون البيان، وكأن ~~في الدماغ مادة في موضع منه يميز بها من تختارهم السماء لحكمتها ~~PageV01P058 # وإلهامها، وإذا كان فن العبقريين هو أسمى الكلام الإنساني؛ لما خصوا به ~~من هذه التهيئة، فإن فنه - صلى الله عليه وسلم - يكون ولا جرم من باب ~~الأكبر مما هو أكبر في إلهام الإنسانية كلها. # ولهذه القوة النادرة كان بيانه قويا ms13 على مزج معانيه بالنفس بما فيه من ~~صنعة الحياة، وإنما فلسفة البيان الفني أن تمتد الحياة من النفس إلى اللفظ، ~~فتصنع فيه صنعها، فتفصل العبارة الفنية عن كاتبها أو قائلها وهي قطعة من ~~كلامه؛ لتستحيل عند قارئها أو سامعها قطعة من الحياة في صورة من صور ~~الإدراك؛ فالبيان الفني هو الوسيلة لحمل الوجود وبعثرته في مواضع غير ~~مواضعه، وخلقه خلقا آخر في النفس الإنسانية؛ وبذلك يؤول قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: # PageV01P059 # ((إن من البيان لسحرا)) (1). # جعل نوعا من البيان هو السحر، لا البيان كله، فالحديث كالنص على ما تسميه ~~الفلسفة الأوروبية اليوم (بالبيان الفني)، كأنه قال: إن من البيان فنا هو ~~سحر من عمل النفس في اللغة تغير به الأشياء، وله عجب السحر وتأثيره وتصرفه؛ ~~وهذا معنى لم يتنبه إليه أحد، ولا يذكر معه كل ما قالوه في تفسير الحديث، ~~وبذلك PageV01P060 # التأويل يكون هذا الحديث قد احتوى أسمى حقيقة فلسفية للفن. # ومن أثر تلك القوة أيضا ما تراه من شدة الوضوح في كلامه - صلى الله عليه ~~وسلم -، ولقد رأينا هذه البلاغة النبوية العجيبة قائمة على أن كل لفظ هو ~~لفظ الحقيقة لا لفظ اللغة، فالعناية فيها بالحقائق، ثم الحقائق هي تختار ~~ألفاظها اللغوية على منازلها؛ وبذلك يأتي الكلام كأنه نطق للحقيقة المعبر ~~عنها، والكلمة الصادقة تنطق مرة واحدة؛ فصورتها اللغوية لا تكون إلا صريحة ~~منكشفة عن معناها المضيء كأنما ألقي فيها النور. # وهو معلوم أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يتكلف ولا يتعمل، ولم يكتب ولم ~~يؤلف، ومع هذا لا تجد في بلاغته موضعا يقبل التنقيح، أو تعرف له رقة من ~~الشأن كأنما بين الألفاظ ومعانيها في كل بلاغته مقياس وميزان، أو كأن هذه ~~البلاغة تنبثق بالكلام على طبيعة عاملة فيه بقواها # PageV01P061 # الدائبة الثابتة، ففنها الجميل هو التركيب الذي تجيء فيه كما ترى الشجر ~~مثلا كاسيا من ورقه وزهره، فأنت منه بإزاء عمل جميل لأنك بإزاء حقيقة ~~طبيعية قد انفردت في ذاتها، ومعنى انفرادها في ذاتها أنها كذلك هي، فليس ms14 ~~فيها موضع لشيء غير ما هو فيها. # ثم لا تنس أن النبوة أكبر السبب في ذلك الوضوح البياني العجيب؛ فإن ~~الحياة لا تستغلق في البلاغة بإنسان إلا وهي غنية عنه. # ولعل غموض بعض الفلاسفة وبعض الشعراء هو من دليل الطبيعة على أنهم زائدون ~~في الطبيعة .. ألا ترى أن من أساليبهم الفلسفية والشعرية ما يجعل معنى ~~الكلمة أحيانا هو نقض معناها (1)، إذ يتصنعون للفكر PageV01P062 # ويستجلبون له ويشققون فيه كما يفعل أهل صناعة الألفاظ بالألفاظ، فههنا ~~(البديع اللفظي)؛ وهناك (البديع الفكري) ولا طائل وراءهما إلا صناعة ~~وبهرجة. # ومتى كان النبي قسما من الحياة، بل مادة لمعانيها الجديدة، فلن يكون ~~بيانه إلا على ما وصفنا لك جمالا، ووضوحا، ومنفعة، ودقة، وسموا بقدر ذلك ~~كله. # وهنا معنى نريد أن ننبه إليه ونتكلم في سره وحقيقته: # فإنك تقرأ ما جمع من الكلام النبوي فلا تصيب فيه ما تصيبه في بلاغة أدباء ~~العالم مما فنه الكلام في المرأة، والحب، وجمال الطبيعة، وهو في بلاغة ~~الناس كالقلب في الجسم: لا تخلو منه ولا تقوم إلا به، حتى تجد الكلام في ~~المرأة وحدها شطر الأدب الإنساني، كما أن المرأة هي شطر الإنسانية. # PageV01P063 # ولا يعرف له - صلى الله عليه وسلم - في هذه الأغراض إلا كلمات بيانية ~~جاءت بما يفوق الوصف من الجمال والدقة، متناهية في الحسن، طاهرة في ~~الدلالة، يظهر في وجه بلاغتها ما يظهر في وجه العذراء من طبيعة الحياء ~~والخفر (1). # كقوله في النساء: ((رفقا بالقوارير)) (2). PageV01P064 # وقوله لأسامة بن زيد، وقد كساه قبطية (1) فكساها امرأته: ((أخاف أن تصف ~~حجم عظامها)) (2). PageV01P065 # قال الشريف الرضي في شرح هذه الكلمة: ((وهذه استعارة، والمراد أن القبطية ~~برقتها تلصق بالجسم، فتبين حجم الثديين، والرادفتين، وما يشتد من لحم ~~العضدين والفخذين، فيعرف الناظر إليها مقادير هذه الأعضاء، حتى تكون ~~كالظاهرة للحظه، والممكنة للمسه، فجعلها (عليه الصلاة والسلام) لهذه المحال ~~كالواصفة لما خلفها، والمخبرة عما استتر بها؛ وهذه من أحسن العبارات عن هذا ~~المعنى، ولهذا الغرض رمى عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في قوله: ms15 ((إياكم ~~ولبس القباطي؛ فإنها إلا تشف تصف)) (1). PageV01P066 # فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا عذرة هذا المعنى (1)، ومن ~~تبعه فإنما [سلك نهجه، وطلع] فجه)) (2). # قلنا: وهذا كلام حسن، ولكن في عبارة الحديث سرا هو من معجزات البلاغة ~~النبوية لم يهتد إليه الشريف، على أنه هو حقيقة الفن في هذه الكلمة ~~بخاصتها، ولا نظن أن بليغا من بلغاء العالم يتأتى لمثله، فإنه (عليه الصلاة ~~والسلام) لم يقل: أخاف أن تصف حجم أعضائها، بل قال: ((حجم عظامها))، مع أن ~~المراد لحم الأعضاء في حجمه وتكوينه، وذلك منتهى السمو بالأدب، إذ ذكر ~~(أعضاء) المرأة في هذا السياق، وبهذا المعرض، هو في الأدب الكامل أشبه ~~بالرفث، ولفظة PageV01P067 # (الأعضاء) تحت الثوب الرقيق الأبيض تنبه إلى صور ذهنية كثيرة هي التي ~~عدها الرضي في شرحه، وهي تومئ إلى صورة أخرى من ورائها، فتنزه النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن كل ذلك، وضرب الحجاب اللغوي على هذه المعاني السافرة، ~~وجاء بكلمة ((العظام))؛ لأنها اللفظة الطبيعية المبرأة من كل نزغة، لا تقبل ~~أن تلتوي، ولا تثير معنى، ولا تحمل غرضا؛ إذ تكون في الحي والميت، بل هي ~~بهذا أخص؛ وفي الجميل والقبيح، بل هي هنا أليق؛ وفي الشباب والهرم، بل هي ~~في هذا أوضح، والأعضاء لا تقوم إلا بالعظام، فالمجاز على ما ترى، والحقيقة ~~هي ما علمت. # ومن كلماته في الوصف الطبيعي قوله - صلى الله عليه وسلم - وهو يذكر أوقات ~~الصلاة: ((العصر إذا كان ظل كل شيء مثله، وكذلك: ما دامت الشمس حية، ~~والعشاء إذا غاب # PageV01P068 # الشفق إلى أن تمضي كواهل الليل)) (1)، وكواهل الليل: أوائله وفروعه ~~المتقدمة منه، كالذي يتقدم المطايا من أعناقها الممتدة بعض الامتداد. ~~PageV01P069 # وقوله وقد سأله رجل متى يصلي العشاء الآخرة، فقال (عليه الصلاة والسلام): ~~((إذا ملأ الليل بطن كل واد)) (1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ~~ترتفع)) (2). PageV01P070 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في ~~الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟ قال: ms16 بلى، ولكني أحب أن أزرع)). قال: ~~((فبذر فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده فكان أمثال الجبال)) (1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش، فنزل ~~بئرا، فشرب منها، ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: ~~لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي! فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، ثم رقي فسقى الكلب، ~~فشكر الله له، فغفر له))، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟ ~~PageV01P071 # قال: ((في كل كبد رطبة أجر)) (1). # فهذا ونحوه من الفن البديع النادر، وهو مع ذلك لا يأتي في كلامه - صلى ~~الله عليه وسلم - إلا في مثل ما رأيت، فلا يراد منه استجلاب العبارة، ولا ~~صناعة الخيال، فيظن من لا يميز ولا يحقق أن خلو البلاغة النبوية من فن وصف ~~الطبيعة والجمال والحب، دليل على ما ينكره أو يستجفيه، ويقول: بداوة وسذاجة ~~ونحو ذلك مما تشبهه الغفلة على جهلة المستشرقين ومن في حكمهم من ضعاف ~~أدبائنا وجهلة كتابنا، وإنما انتفى ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~PageV01P072 # لانتفاء الشعر عنه، وكونه لا ينبغي له كما بسطناه في موضعه (1)؛ فعمله أن ~~يهدي الإنسانية لا أن يزين لها، وأن يدلها على ما يجب في العمل لا ما يحسن ~~في صناعة الكلام، وأن يهديها إلى ما تفعله لتسمو به لا إلى ما تتخيله لتلهو ~~به. والخيال هو الشيء الحقيقي عند النفس في ساعة الانفعال والتأثر به فقط، ~~ومعنى هذا أنه لا يكون أبدا حقيقة ثابتة، فلا يكون إلا كذبا على الحقيقة. # ثم هو - صلى الله عليه وسلم - ليس كغيره من بلغاء الناس: يتصل بالطبيعة ~~ليستملي منها؛ بل هو نبي مرسل متصل بمصدرها الأزلي ليملي فيها، وقد كانت ~~آخر ابتسامة له في الدنيا ابتسامته للصلاة (2)، يتهلل لطهارة النفس ~~PageV01P073 # المؤمنة وجمالها قائمة بين يدي خالقها، منسكبا في طهارتها روح النور، وكل ~~إنسان إنما يبدو الكون في عينه على ما يرى مما يشبه ما في نفسه، فكل ما رآه ~~المصلي الخاشع في صلاته (1) يبدو له كأنه ms17 يصلي في ضرب من العبادة على نحو ~~من الدين، وكل ما رآه السكران في سكره يكاد يراه متخبطا يعربد ما يتماسك! ~~PageV01P074 # ثم إن الكلام في وصف الطبيعة والجمال والحب على طريقة الأساليب البيانية، ~~إنما هو باب من الأحلام؛ إذ لا بد فيه من عيني شاعر، أو نظرة عاشق؛ وهنا ~~نبي يوحى إليه، فلا موضع للخيال في أمره، إلا ما كان تمثيلا يراد به تقوية ~~الشعور الإنساني بحقيقة ما في بعض ما يعرض من باب الإرشاد والموعظة، كما مر ~~بك من أمثلته، وكقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه ~~قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه!)) ~~(1)، وهذا كلام أبلغ ما أنت واجد من تفسيره تلك النفس المؤمنة بإحساسها ~~الرقيق، PageV01P075 # كأنه حاسة من النور كبت في شعورها، وتلك النفس الفاجرة بإحساسها الغليظ، ~~كأنه حاسة من التراب ### | .... # ويكاد المؤمن الذي يسمع هذا الوصف يذكره ذنوبه، أن يحس بحركة جبل يهم أن ~~ينقلع فيميل عليه، أما الفاجر فيسمعه يذكره ذنوبه فإذا هي في خياله نقط سود ~~تمر مرور الذباب، ليس منه إلا الحس به، كما يحس من يضرب على أنفه برجل ~~ذبابة، وجعل الذباب يمر على أنفه دون عينه أو فمه، وذلك منتهى الجمال في ~~التصوير؛ لأن الذباب إذا وقع على الفم أو العين ثبت وألح، فإذا وقع على ~~قصبة الأنف لم يكد يقف ومر مروره. # الكون في نظر النبي - صلى الله عليه وسلم - آية الحكمة لا آية الفن، ~~ومنظر المستيقن لا منظر المتخيل، ومادة العبودية لله لا مادة التأله ~~للإنسان، وبذلك حرم الإسلام أشياء وكره أشياء لا يكون الفن بغيرها فنا، في ~~ضروب من الشعر # PageV01P076 # والتصوير والموسيقى والحب؛ لأنه إنما ينظر للإنسان واحدا وجمعا، وحاضرا ~~وآتيا؛ وواجبا ومنفعة، ولذة وألما؛ وهذه كلها لا إطلاق فيها إلا من أجل ~~القيد، على حين أن الفن لا قيد فيه إلا من أجل الإطلاق، وأساس الدين حظ ~~الجماعة وقيودها، وأساس الفن الفرد وحريته؛ وهذه الحياة لا ms18 تبدو في حالة ~~تركيب وانتظام إلا إذا كانت للكل، فإذا كانت لفرد ظهرت في هيئة انحلال ~~وانتقاض، وأصبحت في الكون كله عمر إنسان واحد. # ثم إن للفن ألوانا لا بد منها لتصويره الجميل الذي تعجب به النفس، ~~والشيطان هو اللون الأحمر فيها، أي هو أشدها زهوا وإشراقا وجمالا في ~~التصوير الفني لكل ما في المرأة والحب والجمال وشهوات النفس، ولسنا ننكر أن ~~الحياة القوية حين تمازجها هذه الفنون تكسب مرحا ونشاطا ويكون لها رونق، ~~وفيها متاع؛ ولكن # PageV01P077 # الحياة لا تكون بها كذلك إلا من أنها تحتسي خمرها، فلها بعد من عاقبة هذه ~~الفنون شبيه بما يكون للجسم القوي من عاقبة الخمر إذا تغلغلت الخمر في شعاب ~~كبده وأحاطت رطبتها يابسة، كما وقع في أطوار كثيرة من تاريخ الأمم؛ فليس ~~الاعتبار في هذا التشبيه بما يعرض من تأثير الساعة الزائلة بأفراحها وفن ~~حياتها، بل الشأن للعاقبة المحتومة متى جاءت ساعتها الباقية بأحزانها وفن ~~هلاكها، فالإسلام فيما حرم وكره من ذلك لم يزد على أن أراد للحياة أن تحيا؛ ~~لأنه لا يقر صورة من صور انتحارها. # ومن كان أكبر عمله إنشاء الحقائق الإنسانية وتقريرها شريعة وعاطفة ~~وأعمالا، فلا جرم كان فنه غير الذي أكبر عمله تمويه تلك الحقائق وزخرفتها؛ ~~ليقع الإحساس بها على غير وجهها، فتخف بالواقع منها على # PageV01P078 # النفس خفة الكذب في ساعة تصديقه، وهذا هو أكبر عمل الشعر. # وههنا سر دقيق لا يتم كلامنا إلا بشرحه؛ لنقطع القول في هذا المعنى، ~~فيظهر حقه من باطله، قلنا آنفا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس كغيره ~~من بلغاء الناس؛ يتصل بالطبيعة يستملي منها، بل هو نبي مرسل متصل بمصدرها ~~الأزلي ليملي فيها، ومعنى هذا: أنه لا يعرض له من زيغ النفس ما يعرض لغيره ~~من الناس، فأحكم حكماء الدنيا لا يستطيع أن يتبين جزءا صغيرا من الكون على ~~حقيقته؛ إذ كانت حواس الجسم غير مهيأة لذلك، ففهم جزء من الكون فهما صادقا ~~جزما لا يتم إلا بفهم الكون بأجمعه، فهو كله ms19 ذرة مكبرة إلى ما لا ينتهي ولا ~~يحد، وليست النبوة شيئا غير الاتصال بالسر. # PageV01P079 # والحاضر الذي يكون في إنسان من الناس، هو حاضر ليس غير؛ لأنه يتحول ~~ويفنى، فهو من الزيغ الذي يعتري النفس، ومنه كل أغراض الحياة البشرية ~~الفانية، ولهذا كان طابع الله على نبينا - صلى الله عليه وسلم - هو تجريده ~~من زيغ الهوى وسرف الطبيعة، فهو من الناس ولكنه متخلق بأخلاق الله ~~(سبحانه)، وله في هذا الباب ما ليس لأحد ولا يطيقه أحد، ويجب على من يقرأ ~~سيرته وشمائله وحديثه أن يبحث دائما عن طابع الله في كل شيء منها، فإنه ~~سيرى حينئذ كأنه يدرسها مع الملائكة لا مع الناس، وسيظهر له من تفسيرها أن ~~الدنيا لم تستطع تحقيق غايتها الأخلاقية العليا إلا فيها، وأنه - صلى الله ~~عليه وسلم - كان إنسانا، وكان أيضا حركة في تقدم الإنسانية؛ وأن من معجزاته ~~أنه أطاق في تاريخه ما عجزت عنه البشرية في تاريخها، وأن كل أموره - صلى ~~الله عليه وسلم - موضوعة وضعا إلهيا كأنها # PageV01P080 # صفات كونها الله وعلقها في التاريخ لمعاني الحياة، تعليق الشمس في السماء ~~لمواد الحياة. # إن الشهوات والمصالح إنما هي حصر النفس في جانب من الشعور محدود بلذات ~~وهموم وأحاسيس تجعل غرض الإنسان في الإنسان نفسه، فهو كما يملأ معدته ~~ويتأنق في الاختيار لها، يريد من كل ذلك أن يملأ شخصه على هذه الطريقة ~~بعينها، طريقة إشباع معدته .. وبهذا تسخر منه حقائق الكون؛ لأنها لا تحد ~~بشخص، ولا تنحصر في أحد، وكل من كانت حدوده الإنسانية جسمه ولذات جسمه، فهو ~~في مقدار هذا الكون كالميت المحدود من الأرض كلها بقبره وتراب قبره؛ وإنه ~~ليجد جسمه وأكاذيب الطبيعة عليه، ولكنه لن يجد الروح وحقائقها؛ وإذا لم يجد ~~هذه فلن يعرف الكون وأسراره؛ وإذا فقد هذا فهو الحاضر الضيق المشوه ~~المكذوب، ومن # PageV01P081 # ثم ففنه شهوة إحساسه وإن كان مخدوعا، وشهوة نظره وإن كان ملبسا عليه، ~~وشهوة خياله، وإن كان التمويه والزور والحاضر الضيق المشوه المكذوب الخادع ~~هو المسمى في لغة ms20 القرآن والحديث ((بالدنيا))، فإذا اتسع الإنسان لروحه ~~وأدرك حقيقتها، ووعى ما بينها وبين الكون؛ وأخذ يحقق هذه الروح السماوية في ~~أعماله، وتخطى حدود جسمه إلى فكرة الخلود؛ فهذا كله هو المسمى في لغة ~~القرآن والحديث ((بالآخرة))؛ فهما كلمتان في منتهى الإبداع من الفن ~~والفلسفة؛ وعلى ذلك يؤول قوله - صلى الله عليه وسلم - في خطبته: ((من كان ~~همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن ~~كان همه الدنيا فرق الله أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا ~~إلا ما كتب له)) (1). PageV01P082 # وأنت إذا فسرت هذه الكلمات بما وصفنا لك، ووجهتها على ذلك التأويل؛ ... ~~رأيت عجائب معانيها لا تنقضي، وأدركت سر قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~((إني على علم من الله علمنيه)) (1)، # فاتساع الذات الإنسانية وممادتها PageV01P083 # لحقائق الكون، يجعل الإنسان كالكون نفسه، مجتمعا غير مفرق على هموم ~~الحياة؛ ويجعل الغنى معنى لا مادة؛ ولو امتلك إنسان من الناس كل ما طلعت ~~عليه الشمس، وكان له كنز في الشرق وكنز في المغرب، لما بلغ شيئا قليلا من ~~لذة هذا المعنى في قلبه؛ وفي هذه الحالة تصبح الدنيا العريضة التي يهلك ~~الناس في تحصيلها وليست إلا ضرورة صغيرة، قد تكون في ثوب ولقيمات ونحوها ~~مما لا خطر له، وهذا هو إرغامها وهي مالكة الملوك، فإذا ضاق الإنسان عن ~~روحه أصبحت النفس كالمنخل يوضع الدقيق الناعم فيه؛ ليخرج منه فيمسكه كله ~~ولا يمسك منه شيئا، ووضع بين عينيها معنى الفقر، فهي تعمل أبدا لتمتلئ، ولا ~~تمتلئ أبدا؛ وإذا كان المنخل متخذا على الطريقة التي صنع بها، ففقره ولا ~~جرم معلق عليه من ذات تركيبه. # PageV01P084 # (أفهمت)؟ # ولما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - متساوقا مع الحقيقة، متصلا بها، ~~محدودا بربه لا بنفسه، كان لذلك خارجا من حاضر ما نحن فيه، ممتدا بمعناه ~~الإنساني الكامل إلى المستقبل الذي وراء الحياة، فما نحصره نحن بطبيعتنا في ~~بعض الأسماء لا يلتفت هو إليه بطبيعته، ومن ذلك أوصاف الغنى والحلية ~~والنعيم والمتاع ms21 والجمال والمطعم والمشرب، وما داخل الطبيعة من مثل ~~معانيها، وما جرى هذا المجرى، فهذا كله يراه الناس من جهة الحاجة إليه ~~والمطمع فيه؛ إذ كان ضعف إدراكهم وضيق وعيهم مما يبدع لهم أكاذيب الخيال، ~~فتجيء من ذلك أوصافهم وفنون أوصافهم؛ أما النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فيرى ذلك من ناحية الغنى عنه والسمو عليه؛ إذ كان لا ينظر بطبيعة روحه ~~العظيمة إلا أعلى النظرين وأطهرهما، # PageV01P085 # فآخر إدراكنا للحقيقة والطبيعة أول إدراكه هو الطبيعة والحقيقة، وما تعجز ~~عنه الإنسانية تبدأ منه النبوة. # وعلى هذا فإن من أقوى البراهين على كماله - صلى الله عليه وسلم - ونبوته ~~واتساع روحه ونفاذ إدراكه لحقائق الكون: أنه لم يتبسط في تلك الفنون كما ~~يصنع البلغاء، ولم يأخذ مأخذهم فيها؛ إذ كانت كلها من أكاذيب القلب والفكر ~~والعين. # وفي قانون الحقيقة أن الأشياء هي كل الأشياء، وهي كما هي، أما في قانون ~~الكذب فالأشياء كلها هي ما تختاره أنت منها، وكما تختاره. # بحسب الدنيا من جمال فنه - صلى الله عليه وسلم - ما يضيف إلى الحياة عظمة ~~الأشياء العظيمة، ويدفع الإنسانية في طريقها الواحد الذي هو بين الأب ~~والأم، طريق الأخ إلى أخيه، يكون في الدنيا بين الرجلين كما هو في الدم بين ~~القلبين # PageV01P086 # رحمة ومودة؛ وبحسبنا من جمال هذا الفن ما يهدي الإنسان إلى حقيقة نفسه؛ ~~فيقره في الحقيقي من وجوده الإنساني؛ ويجعل الفضائل كلها تربية للقلب؛ يكبر ~~بها، ثم يكبر، ثم لا يزال يكبر حتى يتسع لحقيقة هذه الكلمة الكبرى: ((الله ~~أكبر)). # تم بحمد الله PageV01P087 ms22