######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0021784 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: مصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي (المتوفى: 1356هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1356 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تحت راية القرآن #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0021784 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-21784 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/21784 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المكتبة العصرية - صيدا - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على رسله وأنبياء ### | بين يدي الكتاب # اللهم هيئ لنا الخير، واعزم لنا على الرشد، وآتنا من لدنك رحمة. # واكتب لنا السلامة في الرأي، وجنبنا فتنة الشيطان أن يقوى بها فنضعف، أو # نضعف لها فيقوى، ولا تدعنا من كوكب هداية منك في كل ظلمة شك منا. # واعصمنا أن تكون آراؤنا في الحق البين مكان الليل من نهاره، أو تنزل ~~ظنوننا # من اليقين النير منزلة الدخان من ناره، نسألك بوجهك، ونتوسل إليك بحمدك ~~وندعوك بأفئدة عرفتك حين كذب غيرها فأقرت، وآمنت بك فزلزل غيرها واستقرت. # وأما بعد، فإني قد نظرت فإذا كل ما كنت أريد أن أقوله في هذه الكلمة # قد كتبته في هذه المقالات، فهي لا تدع مسألة ولا تترك شبهة ولا تزال تأخذ # بيد القارئ فتضعها على غلطات أصحابنا المجددين، بل المبددين، واحدة بعد # واحدة، وشيئا بعد شيء، فهو منها في برهان لائح من حيث بدا إلى حيث # ينتهي، كالنجم لا يزال بعين منه أين مشى وكيف تلفت. # وما رأيت فئة يأكل الدليل الواحد أدلتها جميعا كهؤلاء المجددين في # العربية، فهم عند أنفسهم كالجمرة المتوقدة، لا يشبعها حطب الدنيا ولكن ~~غرفة من الماء تأكل الجمرة، وهم مخذولون بقوة الله، إذ ليس فيهم رجل فصيح ~~بليغ يكون لهم كالتعبير من الطبيعة عن هذا المذهب، حتى يثبت مذهبهم فلا ~~يدفع ويقوم فلا ينقص، ولن يأتي لهم هذا الرجل، فلو أنه اتفق لهم لكان أشد ~~أعدائهم، ولأغلظ فيهم النكاية، فما زال ينقصهم أبدا ولن يتموا به أبدا، ~~وذلك من عجيب تقدير الله في العربية، لمكان القرآن منها، حتى لا يدخل في ~~طمع أحد ولا تناله يد متناول، فهو محفوظ بالقدر كما ترى، (والله غالب على ~~أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (21) . # وإن طائفة من الذباب لو أصابت حاميا مدافعا من النسور فجاءت تطن # بأجنحتها لتلوذ به وتنضوي إليه، ثم قصف النسر قصفة بجناحيه لأهلكها أو # PageV01P007 # بعثرها وشردها، وهو كان في وهمها ملاذا وكان عندها حمى فذلك مثل ms001 القوم # وما يحتاجون إليه من الرجل البليغ إذا التمسوه فاصابوه! # * * * # أما إنه ليس يقوم العقل ما يسمى عقلا، ولكن على ما يسمى غرضا # وحاجة ورغبة واضطرارا، فأهواء امرئ من الناس جاعلة له عقلا غير عقل من لم ~~تدعه نفسه إلى مثل هذه الأهواء، وإن كان أمرهما واحدا بعد. # ومن هنا اختلافنا مع هؤلاء المجددين، فإن لهم أغراضا لا مناص أن تجعل لهم ~~عقولا بحسبها وعلى مقاديرها في المصلحة والمفسدة، وهم صور من ضمائرهم،فليس ~~- في الملحد يكون ضمير مؤمن، ولا في الفاجر ضمير تقي، ولا في المستهتر ضمير ~~ورع، ومن ثم وجب أن تتحذرهم الأمة وأن تقرهم في ذلك الحيز من تخيلاتهم ~~وأوهامهم، فهم من الأمة إذا غلبت هي عليهم وليسوا منها إذا غلبوا عليها، ~~وما مثلهم إلا كالرمل والحصى، تكون في مجرى الماء العذب فتكون شيئا من ~~طبيعته وتحدث فيه لونا من الحسن والرونق، وإذا هي خيال من شعر النهر، حتى ~~إذا خرجت مع الماء وانساغت في حلق من يجرعه كانت بلاء وأذى وانقلبت للماء ~~سبة ورمي بها ورميت به! # وهم يريدون بآرائهم الأمة ومصالحها ومراشدها، ويقولون في ذلك بما # يسعه طغيانهم على القول واتساعهم في الكلام واقتدارهم على الثرثرة، حتى ~~إذا فتشت وحققت لم تجد في أقوالهم إلا ذواتهم وأغراضهم وأهواءهم يريدون أن ~~يبتلوا بها الناس في دينهم وأخلاقهم ولغتهم، كالمسلول يصافحك ليبلغك تحيته ~~وسلامه فلا يبلغك إلا مرضه وأسباب موته! # ولقد كان من أشدهم عراما وشراسة وحمقا هذا الدكتور "طه حسين" # أستاذ الآداب العربية في الجامعة المصرية، فكانت دروسه الأولى "في الشعر # الجاهلي" كفرا بالله وسخرية بالناس، فكذب الأديان وسفه التواريخ "وكثر ~~غلطه وجهله، فلم تكن في الطبيعة توة تعينه على حمل كل ذلك والقيام به إلا # المكابرة واللجاجة، فمر يهذي في دروسه، ولا هو يثبت الحقيقة الخيالية ولا # يترك الحقيقة الثابتة، وأراد أن يسلب أهل العلم ما يعلمونه كما يسلبك ~~اللص ما تملك بالجرأة لا بالحق وبالحيلة لا بالإقناع، وعن غفلة لا عن بينة. ~~وما يضحكني إلا ms002 أن أرى هذا الأستاذ واثنين أو ثلاثة من أشباهه يريدون أن ~~يكونوا ثورة في الأدب العربي، ونسوا أنهم إنما يريدون ذلك لأنهم خلقوا ~~لذلك، فكان "طه" في الجامعة كالممثل، إنما وسيلته أن يتصنع ويجترئ ويزور. # فلما نزعنا # PageV01P008 # عنه ثوب الرواية، نزعنا في الثوب الحادثة والرواية والممثل جميعا، ورجع ~~طه # حسين وهو طه حسين. وأين هو أو مثله من وسائل القدرة، وما وسائلها إلا # القلم الذي لا يجارى، والفكر الذي لا ينقض، والخيال الذي لا يلحق، والقوة ~~المستحصدة، والطبع المستجيب، والكلام الذي تراه حيا. ساميا فتحسبه ينبع من ~~موضع يد الله في النفس الإنسانية. # على أن أستاذ الجامعة إنما يقلد الهدامين من جبابرة العقول في أوروبا. # وإنه منهم ولكن كما تكون هذه الكرة الجغرافية، المدرسية التي تصور عليها # القارات الخمس - من كرة الأرض التي تحمل القارات الخمس. . . ولأيسر # عليه أن يملك أوروبا أو أمريكا من أن يملك عقلا كتلك العقول التي يحاول # مثل عملها في غير هندستها ولا حكمتها ولا سموها ولا معانيها؛ وظنك أنت # قد غرست في جناح غراب ريشة من الطاووس لتكون زرعا ينبت الريش من مثله ~~فينقلب الغراب من ذلك يوما يزدهي ويتخايل ويبرق ويرف بألوانه وتحاسينه، ~~فإنه لينقلب طاووسا قبل أن تعد طه حسين عبقريا فيلسوفا..! فالرجل متخلف ~~الذهن تستعجم عليه الأساليب الدقيقة ومعانيها وأكبر ما معه أنه يتحذلق ~~ويتداهى ويتشبه بالمفكرين ولكن في ثوب الرواية. . .! # هو وأمثاله المجددون يسمون كتابا وعلماء وأدباء، إذ كان لا بد لهم من # نعت وسمة فى طبقات الأمة، غير أنهم على التحقيق غلطات إنسانية تخرجها # الأقدار في شكل علمي أو أدبي لتعارض بها صوابا كاد يهمله الناس، فيخشى # الناس أن يتحئف الخطأ صوابهم أو يذهب به، فيستمسكون بحبله ويشدون # عليه، ويعود ذلك الصواب بعد ظهور الخطأ الذي يقابله ووقوفه بإزائه موقف ~~العدو من العدو، كأنما ظهر دليله لا نقيضه، فيعرف الناس وجه الحاجة إليه، ~~ومكان الغناء فيه، وضرورة المنفعة به، وكان وشيكا أن يضيع، فكأنهم ~~استنقذوه، وكل ذلك مما يكبره ويرفعه ms003 ويبين عنه أحسن إبانة وأوضحها، وكل ذلك ~~مما يغري به الحرص على سنة طبيعية قاهرة لا تدافع؛ وما زالت هذه من عجائب ~~حكمة الله فيما يحوط به هذا الدين الإسلامي وكتابه العربي الخالد، فكلما ~~وهن عصر من عصوره رماه الله بزنديق فإذا الناس أشد ما كانوا طيرة وأبلغ ما ~~كانوا دفعا ومحاماة، وإذا الدين أقوى ما كان فيهم وأثبت، وإذا الزنديق # كأنما سيق إليهم من جهنم ليقول لهم: هلم إليها! فيقول ميسم النار عليه: ~~إياكم وإياها! # فالمجددون الملحدون هم جزء من الخطأ يخرج من عمله جزء من # PageV01P009 # الصواب، وما أشبههم بالمواد السامة يداف قليلها في الدواء لتكون قوته من # قوتها، فإذا مازجته عادت فيه غير ما كانت وهي في نفسها لا تزال كما هي. # وما نريد أن نزيد "طه " على ما قلنا فيه مما ستقرأه في هذا الكتاب، ولكنا # نرجو أن يهديه الله فيكون من أمته ويعود إليها، فإنه إن لم يكن بها لا ~~يكن # بغيرها، وإنها إن لم تكن به تكن بغيره. # وقد كان أمره وأمر أصحابه كما يكون من الوباء يمر بالدنيا مرة فيصيب # منها ولكنه يترك في أيدي أطبائها المصل الواقي منه أبد الدهر؛ ولقد تركوا ~~لنا هذا الكتاب؛ فالله نسأل أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، نافعا بهذه ~~النية، مثوبا بهذا النفع؛ وله الحمد في الأولى والآخرة. # مصطفى صادق الرافعي # PageV01P010 ### | المذهبان القديم والجديد # "كتب أحد الكتاب فصلا في مجلة الهلال" # الغراء، نحلنا فيه زعامة المذهب القديم، وسمي # جديدا وسمي قديما واحتج ونازع، فرددنا عليه # بهدا الفصل" # زعم الكاتب فيما كتب أن ما نقول به، من احتذاء العرب في أساليبهم # والارتياض بكلامهم، والحرص على لغتهم، وأن يكون الكاتب في هذه اللغة # حسن البيان، رشيق المعرض، رائع الخلابة، يتثبت في ألفاظه وينظر في # أعطاف كلامه ويفتن في أساليبه - كل هذا وما إليه "مذهب قديم". # "ووطنية أدبية" ترجع العلة فيها إلى ذلك العقل الباطن الذي يخلط بين ~~الدين والقومية والأدب العربي. # ثم قال: "وإن أهل المذهب القديم يهملون العلم، لأن ms004 العلوم # تتعارض ومعتقدات العرب،. وظاهر أنه يعني بالعرب المسلمين لا غيرهم، فإن ~~الجاهلية أصبحت من أكاذيب التاريخ وبليت معتقداتها بلى أدخلها في قبور ~~أهلها. # فالمذهب القديم إذا هو أن تكون اللغة لا تزال لغة العرب في أصولها # وفروعها، وأن تكون هذه الأسفار القديمة التي تحويها لا تزال حية تنزل من ~~كل زهن منزلة أمة من العرب الفصحاء، وأن يكون الدين العربي لا يزال هو هو ~~كأنما نزل به الوحي أمس لا يفتننا فيه علم ولا رأي، وأن يأتي الحرص على ~~اللغة من جهة الحرص على الدين، إذ لا يزال منهما شيء قائم كالأساس والبناء ~~لا منفعة فيهما معا إلا بقيامهما معا. # ولكن ما هو المذهب الجديد؛ أنأخذ بالمقابلة فنقول: إذا كان الأبيض هو # القديم فالأسود هو الجديد، وإذا كانت الفصاحة، وإذا كان الحرص على ميراث ~~التاريخ، وإذا كان القانون الطبيعي للفضيلة الاجتماعية، وإذا كنا نولد ~~بجلود كجلود آبائنا - فالركاكة، وإهمال القومية التاريخية، والتحلل من قيود ~~الواجبات، والانسلاخ من الجلد لأنها ليست أوروبية - كل هذا جديد لأن كل # PageV01P011 # ذلك قديم؟.. أم هناك حقيقة ثابتة محدودة خفيت على عظمها وخطرها في # هذه اللغة خفاء أمريكا في هول المحيط.. حتى بعث الله لها في أيامنا هذه ~~من # يرميها ببصره فكشفها وسماها وكان منها المذهب الجديد وكانت هي إياه. # لو تأمل أصحابنا تاريخ هذه اللغة وآدابها لرأوا في كل عصر من عصورها # شيئا كان يمكن أن يسمى مذهبا جديدا، ولكنا لم نجد أحدا سماه كذلك ولا # بناه على أنه شيء بنفسه إلا في هذه الأيام الأخيرة، ثم لم نجده إلا في ~~هؤلاء # الذين غلبت عليهم صناعة الترجمة ورجعوا من العربية إلى طبع ضعيف ومادة # واهنة، فورد عليهم من الصناعة ما لا تقوم به أداتهم وسال بهم الوادي ~~عجزا، فلم يكن بد من أن تدخل اللغات الأعجمية الضيم على عربيتهم، وصار ~~أكثرهم بلغتيه كالميزان ثقلت كفة منه فرجحت وخفت الأخرى فظهرت فارغة. . . ~~ولو هو وضع في هذه وزن ما في تلك وكافا بينهما لانقلب الأمر ms005 وكانتا على ~~سواء فلا واف ولا ناقص. # العلة في الحقيقة لا ترجع إلى مذهب قديم أو جديد، بل إلى الضعف في # لغة والقوة في أخرى، وإن صاحب المذهب الجديد.. أخذ بالحزم في واحدة # وبالتضييع في الثانية، وأكثر من الإقبال على شيء دون الآخر، فتعلق به ~~وأمضى أمره عليه وحسنت نيته فيه واستمكنت فصارت إلى نوع من العصبية للأدب ~~الأجنبي وأهله، فلما ضربت هذه العصبية واستحكمت وجهت الذوق في الأدب ~~وأساليبه إلى تفسير معين بحكم المذهب والهوى ثم جعلت الفهم من وراء الذوق. # وأنت تعلم أن الذوق الأدبي في شيء إنما هو عن فهمه، وأن الحكم على # شيء إنما هو أثر الذوق فيه، وأن النقد إنما هو الذوق والفهم جميعا، ومن # ههنا جاء ذلك الخطأ الذي يحسبونه صوابا، على أنك واجد في القوم من لا # تتهم فهمه ولكنك لا تبرئ إنصافه، ومن لا تتهم فيه هذا ولا ذاك ولكنه مع # ذلك يجيء فهمه خطأ لأنه لا يريد أن يجيء إلا هكذا. . . لمكان العصبية من # نفسه لرأي على رأي، أو شخص على شخص، أو دين على دين، مما لا يكون الشأن ~~فيه إلا للحس الباطن. # وقد قال علماء الأدب إنه لما اتسعت ممالك العرب وكثرت الحواضر # ونزعت البوادي إلى القرى وفشا التأدب والظرف، اختار الناس من الكلام ~~ألينه وأسهله، وعمدوا إلى كل شيء ذي أسماء كئيرة فاختاروا أحسنها مسمعا ~~وألطفها من القلب موقعا، وإلى ما للعرب فيه لغات فاقتصروا على أسلسها ~~وأشرفها، # PageV01P012 # كما رأشهم يختصرون (الطويل) ، فإنهم وجدوا للعرب فيه نحوا من ستين لفظة # أكثرها بشع شنع. . . فنبذوا جميع ذلك وتركوه واكتفوا بالطويل لخفته على # اللسان. وقع هذا ومثله في عصر بعد عصر، وما رأينا أحدا سماه مذهبا جديدا ~~أو زعمه، والقرآن نفسه مذهب جديد بكل معاني هذه الكلمة، وما قال فيه أحد ~~هذا القول لا من أهل اللغة ولا ممن دخلوا عليها؛ وقد نقل عبد الحميد الكاتب ~~أشياء من الأساليب الفارسية فأدخلها في كتابته، وترجم العلماء عن اللغات ~~المختلفة أكثر مما ms006 يترجم كتاب هذه الأيام، ومنهم من كان يرجع في التصحيح ~~وتحرير الألفاظ إلى رجال أهدفوهم لذلك من العلماء باللغة، وظهرت الأفكار ~~المتياينة، وتعددت الأساليب في الكتابة، وافتن المتأخرون من القرن الرابع ~~إلى التاسع في فنون من الجد والهزل، وفي نكت بديعية لم يعرفها العرب إلى أن ~~اختلط لسانهم، وفي كل ذلك لم يقل أديب ولا عالم ولا كاتب إن له مذهبا جديدا ~~من مذهب قديم، لأنهم كانوا أبصر باللغة وأقدر على تصريفها وأعلم بحكمة ~~الوضع فيها وأحرص على وجوه الفائدة منها والانتفاع بها، ثم كانت أسباب ~~اللغة ميسرة لهم، ينشأ الناشئ منهم على حفظ ورواية، ويتلقى عن أشياخ ثقات ~~قد أخلصوا نيتهم للعلم وناصحوا عن أنفسهم فيه وجمعوا واستوعبوا وكأنما عصرت ~~أرواحهم من الفنون عصرا، وكان في الواحد منهم روح مكتبة كبرى. # فلما تعطل الزمن وأصبح الأدب صحفيا.،. وآلت العربية وآدابها إلى # بضعة كتب مدرسية، وانزوى ذلك العلم المستطيل وأصبحت المكاتب له # كالقبور المملوءة بالتوابيت. . . "، وفشت العصبية بيتا للأجنبي وحضارته - ~~رجع الأمر على مقدار ذلك في صغر الشأن وضعف المنزلة، واجتاج أهل هذا القليل ~~من العربية إلى أن يعتبره كلا بنفسه لا جزءا من كله، فكان لذلك مذهبا وكان ~~مذهبا جديدا. . . # وإذا أنت لم تجد في كل علماء المتقدمين من استطاع أن يقول إنه صاحب # مذهب جديد في اللغة أو يرى لنفسه رأيا إلا أنه يعمل لحفظها ونمائها ~~ورونقها، وإلا أنه يرفق ما استطاع ويتصرف بما أطاق - فإنك واجد في أهل سنة # 1923. . . من يقول في هذه اللغة بعينها: "لك مذهبك ولي مذهبي. # PageV01P013 # ولك لغتك ولي لغتي. . . فمتى كنت يا فتى صاحب اللغة وواضعها ومنزل أصولها ~~ومخرج فروعها وضابط قواعدها ومطلق شواذها؛ ومن سلم لك بهذا حتى يسلم لك حق ~~التصرف "كما يتصرف المالك في ملكه!. # وحتى يكون لك من هذا حق الإيجاد، ومن الإيجاد ما تسميه أنت مذهبك ولغتك؛ ~~إنه لأهون عليك أن تولد # ولادة جديدة فيكون لك عمر جديد تبتدئ فيه الأدب على حقه من قوة # التحصيل وتستأنف دراسة ms007 اللغة بما يجعلك شيئا فيها - من أن تلد مذهبا ~~جديدا أو تبتاع لغة تسميها لغتك، فإنك عمر واحد في عصر واحد بين ملايين من ~~الأعمار في عصور متطاولة، وإن ما تحدثه على خطأ لا يبقى على أنه صواب، ولن ~~يبقى أبدا إلا كما تبقى العلة على أنها علة، فلا يقاس عليها أمر الصحيح ولا ~~يحكم بها فيمن لم يعتل. # إن أرادوا بالمذهب الجديد العلم والتحقيق وتمحيص الرأي والإبداع في # المعنى، على أن تبقى اللغة قائمة على أصولها، على أن يكون التفنن "طرائق ~~" # كما قيل مثلا في ابتداع القاضي الفاضل الذي سموه الطريقة الفاضلية. # لا مذاهب يراد بها إثبات ومحو - فإننا لا ندفع شيئا من هذا ولا ننازع ~~فيه، بل هو رأينا، بل هو رأي الحياة، بل هو قانون الطبيعة، ولكنا مع هذا ~~نزيد عليه أن الأصل في كل ذلك سلامة اللغة وسلامة القومية، فلا ننظر في ~~آراء الأمم إلا على أننا شرقيون، ولا ننقل من لغات الإفزنج إلا على أننا ~~أهل لغة لها خصائصها، ولا تصرفنا مدنيتهم عن أنفسنا، ولا تأتي بسيوفهم ~~لرقابنا. # وبنزغاتهم بقلوبنا، وكوكايينهم لأنوفنا..، بل يؤثر الفضيلة على الرأي وإن ~~كان من رأس المجنون "نيتشه" ونرغب في المصلحة الجافية الخشنة على المفسدة # اللينة الناعمة وإن كانت نعومة الأنوثة الباريسية. # وانظر كم بين من يسلم لفلان وغيره من علماء أوروبا لأنهم من علماء # أوروبا، وبين من لا يسلم إلا عن اقتناع وعن بينة من المصلحة والعائدة ~~وبعد # أن تبلغ الحجة مبلغها! فهذا فلان كاتب شرقي ينزع إلى الاشتراكية ويدين ~~بها # ويراها مائدة الخالق التي مدت في أرضه للناس جميعا، وينعى علينا أننا # نتجاهلها كأننا لم نلم بها، على أننا نراها تلك المائدة بعينها غير أننا ~~نزيد عليه # أنها ممدودة للناس جميعا ليتدافع عنها الناس جميعا فلا يصل إليها أحد. . ~~. # PageV01P014 # ونفضل على كل هذه المائدة الخيالية بما حفلت به من لذائذها وألوانها، تلك # اللقيمات التي يفرضها نظام الزكاة في الإسلام فرضا لا يتم الإسلام لأحد ~~إلا به وعلى هذا ms008 فاعتبر # ولا يفوتن صاحبنا أن كثرة الآراء في هذا العصر وكثرة العقول المفكرة # والاستقلال الفكري التام. . . بلا قيد ولا شرط، ثم الرغبة في أن يكون لكل ~~عقل أثر في الاجتماع، ولكل أثر دليل عليه، ولكل دليل اتباع - كل ذلك سينتهي ~~إلى أن تكون علة الاجتماع الإنساني لا برء منها إلا بالقيود الإلهية التي ~~تسمى " الأديان "، وها نحن أولاء نرى في أوروبا وأمريكا أن من الغفلة ما هو ~~مذهب، ومن الرقاعة مذهب، ومن تسفل الشهوات مذهب، ومن الجنون مذهب، ومن كل ~~شذوذ مذهب، ومن غير المذهب مذهب أيضا.. # تلك واحدة، والثانية: أنهم إن أرادوا بالمذهب الجديد أن يكتب # الكاتب في العربية منصرفا إلى المعنى والغرض، تاركا اللغة وشأنها، متعسفا # فيها، آخذا ما يتفق كما يتفق، وما يجري على قلمه كما يجري، معتبرا ذلك # اعتبار من يرى أن مخه بلا غلاف من عظام رأسه، وأن عظام رأسه كعظام # رجليه، وأن أصابع قدميه كأهداب عينيه، وأن مطلق التركيب هو مطلق النظام ~~والمناسبة، وأن اللغة أداة ولا بأس بالأداة ما اتفق منها، ولا بأس أن يمزع ~~الجراح مزعا من جلد العليل بأسنانه أو بأظافره أو بنصل الفأس. . . # ما دامت معقمة. وما دام ذلك بعينه هو فعل المبضع لا يزيد المبضع عليه إلا ~~في الدقة - # إن أرادوا بهذا أو أشباهه ما يسمونه المذهب الأدبي الجديد، قلنا: لا، ثم ~~لا، ثم لا - ثلاث مرات! # فأما الأولى فإن خيرا من ترك الجاهل في جهله أن يزجر عن جهله. # وإذا كان مذهب الضعف أن لا يحمل عليه إلا بقدره وفي طاقته، فهل يجعل ذلك ~~أصلا للقوة؛ والضعف إن هو إلا استثناء منها، وقاعدة الاستثناء أن يقيد بنصه ~~ولا يتوسع فيه. . . # ثم أيما خير لآدابنا وعلومنا وكتبنا: أن نحرص على الأصل الصحيح # القوي الذي في أيدينا ونحتمل فيه ضعف الضعفاء ونصبر على مدافعتهم عن # إفساده حتى ينشأ جيل أقوى من جيل وتخرج أمة خير من أمة فتجد الأصل # سليما فتبني عليه وتزيد فيه، أم ندع الصلاح للفساد ونتراخى في ms009 القوة حتى # تحول ضعفا فإذا جاء من بعدنا وجد الأصل فاسدا فزاده فسادا، ويعود مذهبنا # PageV01P015 # الجديد بعد حين من الدهر مذهبا قديما فيستحدث منه جديد على نمط آخر. # ثم يتقادم* هذا أيضا على السنة نفسها، وهلم إلى أن تصير هذه العربية في ~~بعض أزمانها لعنة على كل أزمانها، فتنسخ جملة واحدة ويصبح الكلام المأنوس ~~الذي تراه اليوم سهلا لينا وهو الجاسي الجلف الغليظ الذي يحسن ترجمته يومئذ ~~إلى عالم بصير بما كان يسمى من قبل فعلا واسما وحرفا.،. وإلا فليقل لنا ~~أصحاب المذهب الجديد. ما هو حد التجديد عندهم؛ ولم يقصرونه على حد معين؛ بل ~~كيف يقصرونه وفي الناس من هو أضعف من ضعيفهم فوجب أن يكون له جديد من ~~جديدهم على مقدار صعفه، ما دام شكل القياس واحدا والقضية فيه واحدة والعلة ~~لا تختلف! # وأما الثانية، فإن هذه العربية لغة دين قائم على أصل خالد هو القرآن # الكريم، وقد أجمع الأولون والآخرون على إعجازه بفصاحته، إلا من لا حفل # به من زنديق يتجاهل أو جاهل يتزندق. فإذا كان المعجز فى لغة من اللغات # بإجماع علمائها وأدبائها هو من قديمها خاصة، فهل يكون الجديد فيها كمالا # يسمو أم نقصا يتدلي؟ . . . # . . . ثم إن فصاحة القرآن يجب أن تبقى مفهومة، ولا يدنو الفهم منها إلا # بالمران والمزاولة ودرس الأساليب الفصحى والاحتذاء عليها وأحكام - اللغة # والبصر بدقائقها وفنون بلاغتها والحرص على سلامة الذوق فيها، وكل هذا مما ~~يجعل الترخص في هذه اللغة وأساليبها، ضربا من الفساد والجهل، فلا تزال ~~اللغة كلها مذهبا قديما، وإنما يكون المذهب الجديد فيها رجلا إلى حين. . . ~~ثم يدخل مذهبه القبر. . . # . . . وما عسى أن يصنع كاتب وعشرة ومائة وألف في لغة يخفق على # كتابها المعجز - أربعمائة مليون قلب؛ وكم من أسلوب ركيك أو ضعيف أو عامي ~~ظهر في هذه اللغة منذ دونوا وكتبوه، وكم، من فكر فاسد أو زائغ أو مدخول، ~~وكم من كتاب كان يصلح أن يسمى بلغة اليوم مذهبا جديدا - فأين كل ذلك وأين ~~أثره في اللغة ms010 وأساليبها بعد ثلاثة عشر قرنا؛ لقد ابتلعته ثلاث عشرة موجة ~~فانحدر إلى أعماق الموت الطامي! . . . . # . . . على أني رأيت لأصحاب "المذهب الجديد" أصلا في تاريخ الأدب # البربي، وكانت جذوره ممن انتحلوا الإسلام وهم يدينون بغيره، وممن كانوا # يدينون وتزندقوا فيه، حتى قال الجاحظ في بعض رسائله - يعني هؤلاء # PageV01P016 # وأولئك -: "فكل سخنة عين رأيناها في أحداثنا وأغبيائنا تأمل، فمن قبلهم ~~كان أولها" ورحم الله أبا عثمان، إن التاريخ ليعيد نفسه اليوم "بسخنة عين # جديدة". # وأما الثالثة فإن الخاصية في فصاحة هذه اللغة ليست في ألفاظها، ولكن في # تركيب ألفاظها، كما أن الهزة والطرب ليست في النعمات ولكن في وجوه ~~تأليفها. # وهذا هو الفن كل الفن في الأسلوب، لأنه يرجع إلى الذوق الموسيقي في حروف ~~هذه اللغة وأجراس حروفها، وأشهد ما رأيت قط كاتبا واحدا من أهل "المذهب ~~الجديد" يحسن شيئا من هذا الأمر، ولو هو أحسنه لانكشف له من إحسانه ما لا ~~يبقي عنده شكا في إبطال هذا المذهب وتوهيته، ولذا تراهم يعتلون لمذهبهم ~~الجديد بالفن والمنطق والفكر وبكل شيء إلا الفصاحة، وإذا فصحوا جاؤوا ~~بالكلام الفج الثقيل، والمجازات المستوخمة، والاستعارات الباردة، ~~والتشبيهات المجنونة.، والعبارات الطويلة المضطربة التي تقع من النفس كما ~~تقع الكرة المنفوخة من الأرض لا تزال تنبو عن موضع إلى موضع حتى تهمد!. # ولا نريد أن نطيل في هذا الوجه، فقد استوفينا أكثر الكلام عليه في الجزء # الثاني من "تاريخ آداب العرب "، وإنما نقول إن الكلام الوحشي الغريب ~~ينقسم إلى قسمين: ما كان خشنا مستغربا لا يعلمه إلا باحث مطلع. # وما كان مأنوسا واقعا في غير موقعه، كما ترى في أساليب بعض كتاب هذه ~~الأيام التي تنفجر بما لا يطاق على رقتها وتهب عليك هبوب النسيم ولكنه بين ~~موضع وموضع لا بد أن يكنس الأرض. . .! # فالقسم الأول نافر بنفسه،. فهو وحشي على حالة واحدة لا تختلف. # والثاني نافر بموضعه، فهو وحشي يعلو ويسفل على مقدار اضطرابه، ثم هي # وحشية المذهب الجديد اختص بها ولا يكادون يتنبهون إليها. # هذه كلمة ms011 لم نعرض في إجمالها للتفاصيل وإنما حدرناها حدرا، وإذا # أنت أردت تشبيها في مخاصمة المذهب الجديد للقديم وما يتوهمه هذا الجديد # وما ينتهي إليه أمره، قلنا لك التمس رجلا يرى ظل رأسه على حائط فيضربه ~~برأسه الذي على عنقه. -.! # ولكن اعلم أنا وإياك إلا نحذره ونمنعه فقد جنينا عليه وإن لم نمسه # بأذى، وإن كان هو برأسه فلق رأسه..! # PageV01P017 ### | الميراث العربي # كان أبو خالد النميري في القرن الثالث للهجرة، وكان ينتحل الأعرابية # ويتجافى في ألفاظه ويتبادى في كلامه ويذهب المذاهب المنكرة في مضغ الكلام # والتشدق به، ليتحقق أنه أعرابي وما هو به، وإنما ولد ونشأ بالبصرة، قالوا # فخرج إلى البادية فأقام بها أياما يسيرة ثم رجع إلى البصرة فرأى الميازيب ~~على # سطوح الدور فأنكرها وقال: ما هذه الخراطيم التي لا نعرفها في بلادنا. . ~~.؟ فهذا طرف من العربية يقابله التاريخ في زماننا هذا بطرف آخر من جماعة # قد رزقوا اتساعا في الكلام إلى ما يفوت حد العقل أحيانا، ووهبوا طبعا ~~زائغا # في انتحال المدنية الأوروبية إلى ما يتخطى العلل والمعاذير، ورأوا أنفسهم ~~أكبر # من دهرهم، ودهرهم أصغر من عقلهم، فتعرف منهم أبا خالد الفرنسي، وأبا خالد ~~الإنجليزي، وغيرهم من أجازوا إلى فرنسا وانجلترا فأقاموا بهما مدة ثم رجعوا ~~إلى بلادهم ومنبتهم ينكرون الميراث العربي بجملته في لغته وعلومه # وآدابه، ويقولون: ما هذا الدين القديم؛ وما هذه اللغة القديمة؟ وما هذه # الأساليب القديمة؟ ويمرون جميعا في هدم أبنية اللغة ونقض قواها وتفريقها. # وهم على ذلك أعجز الناس عن أن يضعوا جديدا أو يستحدثوا طريفا أو يبتكروا ~~بديعا، وإنما ذلك زيغ الطبع، وجنون الفكر، وانقلاب النفس عكسا على نشأتها، ~~حتى صارت علوم الأعاجم فيهم كالدم النازل إليهم من آبائهم وأجدادهم وصار ~~دخولهم في لغة خروجا من لغة، وإيمانهم بشيء كفرا بشيء غيره كأنه لا يستقيم ~~الجمع بين لغتين وأدبين، ولا يستوي لأحدهم أن يكون شرقيا وإن في لسانه لغة ~~لندن أو باريس! # ومنهم كتاب يكتبون بالعربية ويرتزقون منها - وأدباء يبحثون في آدابها # وفنونها، ms012 وكلهم مجيد محسن إلا حيث يكتب كاتبهم في إصلاح الكتابة ويبحث ~~باحثهم في إصلاح الأدب، فهنالك ترى أكثر هم الأول أن تسلم له عاميته # PageV01P018 # فلا ينكر عليه ضعف ولا لحن ولا يهجن له أسلوب ولا عبارة وأن يكون له كل ~~ما يعرض له من النقص معتبرا من الكمال العصري. . . # وترى هم الثاني أن يكره الآداب العربية على أساليب غيرها ويقتسرها جزا ~~وتلفيقا وتلزيقا ويبسط فيها المعاريض الكلامية، فهذا عنده كذب ولا دليل ~~عليه، وهذا محال ولا برهان فيه، وهذا قائم على الشك، وذاك على ما لا أدري ~~ولا يدري أحد. # حدثني كاتب شهير من هذه الفئة، فكان من أعجب ما قال: إن ابن # المقفع فصيح بليغ، وهو مع ذلك ليس بمسلم ولا عربي ولا شأن له بالحديث # ولا بالقرآن ولا بالدين، وساق ذلك ردا على ما قلته من أن لا فصاحة ولا ~~لغة إلا بالحرص على القرآن والحديث وكتب السلف وآدابهم. # ولا أدري والله كيف يفهم هذا وأمثاله، ولكنك تتبين في عبارته مبلغ الغفلة ~~التي تعتري هذه الفئة من نقص الاطلاع وضعف الفكر وبناء الأمر على بحث صحفي ~~بلا تحقيق ولا تنقيب، وترى كيف يذهبون عن الأصل الذي يقوم عليه الغرض ثم ~~يحاولون أن يؤصلوا له على قدر عقولهم وأفهامهم، وقد تفلح الفلسفة في كل شيء ~~إلا في # تعليل ما علته معروفة، وهل نشأ ابن المقفع إلا على اللغة العربية والأدب # العربي والرواية العربية، وكان من أقوى أسباب فصاحته المشهورة أخذه هذه # الفصاحة وهذا الأسلوب عن ثور بن يزيد الأعرابي الذي قالوا فيه إنه كان من # أفصح الناس لسانا. ولكن أين من ينقب عن هذا ونحوه في تلك الجماعة أو - ~~يتوهمه فيقف عفى حذه، وهل علموا أن ابن المقفع على انصرافه إلى النقل من ~~الفارسية ولليونانية اختار يوما أسلوب العامة في زمنه، أو استجاده للنقل # والترجمة، أو خرج على الأدب الذي تادب به أو حاول فيه محاولة، أو قال # بوجوب هدم القديم لأنه لا يرى للعرب مثل الذي لا يعرف ms013 لليونان من العلم # والحكمة والخيال وأساليب الحكاية الكتابية، أو نزل بأسلوبه وكتابته منزلة ~~من يمكر الحيلة في اللغة أو يكيد للأدب أو يساهل نفسه لغرض كالذي في نفوس ~~هؤلاء المجددين؟ # قال لي ذلك الكاتب في بعض كلامه؛ إن الميراث العربي القديم الذي # ورثناه يجب هدمه كله وتسويته بالعدم. تلت: أفتحدث أنت للناس لغة وأدبا ~~وتاريخا ثم طبائع متوارثة تقوم على حفظ اللغة والأدب والتاريخ أم تحسب أنك ~~تستطيع بمقالة عرجاء في صحيفة مقعدة. . . أن تهدم شيئا أنت بين أوله وآخره ~~كعود من القش يؤتى به لاقتلاع جبل من أصوله. # من أين جاء الميراث العربى وكيف اجتمع وتكامل إلا من القرآئح التي # PageV01P019 # جدت في إبداعه وإنمائه، وأضافت أعمارها صفحات فيه، واستخلصت له آداب ~~الفرس والهند واليونان وغيرهم، فأعربت كل ذلك ليندمج في اللغة لا لتندمج ~~اللغة فيه، وليكون من بعضها لا لتكون من بعضه، وليبقى بها لا لتذهب به؟ # ومن ذا الذي يزعم أن العرب هم كل الأرض، وأن آدابهم خلقت على # الكفاية لا تحتاج إلى تحرير أو تبديل؛ ولكن من ذا الذي يرضى أن يجعل لكل # أرض عربية لغة عربية قائمة بنفسها، ولكل مصر أدبا على حياله، ولكل طائفة ~~من الكتاب كتابة وحدها؛ ومن ذا الذي فعل ذلك أو حاوله في التاريخ الإسلامي ~~كله على طول ما امتد وتساوق؟ # لقد كانت القبائل العربية مادة هذه اللغة وسبب اتساعها واستفاضتها. # وكان فحول الشعراء من الجاهلية كأن كل واحد منهم قبيلة في التفنن ~~والإبداع مجازا واستعارة وبديعا، ثم جاء القرآن الكريم فكان الغاية كلها، ~~ثم تتابع الشعراء والكتاب والأدباء فمن لم يزد منهم على الموجود لم ينقص ~~منه، ثم جاء أدباء المترجمين وفيهم من جمع البراعة من أطرافها فكانوا هم ~~القبائل # الحديثة في معاني اللغة وفنونها، وكان مذهبهم في كل ما ترجموه وما ~~اقتبسوه # هذه الكلمة التي قالها العتابي " اللغة لنا والمعاني لهم" يريد العجم. # وكان ينسخ من كتبهم وقد يسافر في طلب الكتب شهرا، والعتابي من أبلغ من ~~أخرجتهم العربية وكان ms014 واحد دهره في الأجوبة المسكتة ولولا فصاحته لما بقي ~~اسمه. # فلو صنعت القبائل الحديثة من أبي خالد الفرنسي إلى أبي خالد الإنجليزي # هذا الصنيع لكان رأس أمرهم الحرص على اللغة، ثم إن شدوا عليها أيديهم # فسيحرصون على كتبها التي هي مادتها، ثم إن جمعوا هذه فيدرسونها # ويتناقلونها، ثم إن هم تدارسوها فقد رسخت فيهم الملكة واستحكم عندهم # الذوق وانقاد لهم الطبع واستفحصوا واستجادوا؛ فإذا انتهينا إلى هذا لم ~~يبق من موضوع يخالفون عليه، وصار أدباء اللغة جميعا جنسا واحدا ولم يبق إلا ~~النقد يبين شخصا من شخص وطريقة من طريقة، واللغة بعد محفوظة سليمة وإليها ~~المرجع كله ولها العمل كله وهي الأمر كله، وهذا ما تقوم عليه آداب الأمم ~~المستقلة المنفردة بجنسيتها ومقوماتها. # ألا يرى أبو خالد الإنجليزي وأبو خالد الفرنسي كيف تباهي كل أمة في # أوروبا بلغتها، وكيف يفخر الفرنسيون بلسانهم حتى إنهم ليجعلونه أول ما # يعقدون عليه الخنصر إذا عدوا مفاخرهم ومآثرهم، وهل أعجب من أن المجمع ~~العلمي الفرنسي يؤذن في قومه بإبطال كلمة إنجليزية كانت في الألسنة من أثر # PageV01P020 # الحرب الكبرى ويوجب إسقاطها من اللغة جملة، وهي كلمة "نظام الحصر # البحري "، وكانت مما جاءت مع نكبات فرنسا في الحرب العظمى، فلما ذهبت تلك ~~النكبات رأى المجمع العلمي أن الكلمة وحدها نكبة على اللغة كأنها جندي دولة ~~أجنبية في أرض دولة مستقلة بشارته وسلاحه وعلمه يعلن عن قهر أو غلبة أو ~~استعباد! وهل فعلوا ذلك إلا أن التهاون يدعو بعضه إلى بعض، وأن الغفلة تبعث ~~على ضعف الحفظ والتصون، وأن الاختلاط والاضطراب يجيء من الغفلة، والفساد ~~يجتمع من الاختلاط والاضطراب. # إنما الأمور بمقاديرها في ميزان الاصطلاح، لا بأوزانها في نفسها، فألف # جندي أجنبي بأسلحتهم وذخيرتهم في أرض هالكة بأهليها ربما كانوا غوثا # تفتحت به السماء، ولكن جنديا واحدا من هؤلاء في أمة قوية مستقلة، تنشق له ~~الأرض وتكاد السماء أن تقع، فالمذهب الجديد فساد اجتماعي ولا يدري أهله ~~أنهم يضربون به الذلة على الأمة. # وتلك جنايتهم على أنفسهم ms015 وجنايتهم على الناس بأنفسهم، وهم لا # يشعرون بالأولى فلا جرم لا يأنفون من الثانية! # PageV01P021 ### | الجملة القرآنية # نبهتني إحدى الصحف العربية التي تصدر في أمريكا عندما تناولت الكلام # على " رسائل الأحزان" بقول جاء في بعض معانيه أني لو تركت "الجملة # القرآنية" والحديث الشريف ونزعت إلى غيرهما لكان ذلك أجدى على ولملأت ~~الدهر ثم لحطمت في أهل المذهب الجديد حطمة لا يبعد في أغلب الظن أن تجعلني ~~في الأدب مذهبا وحدي! # ولقد وقفت طويلا عند قولها " الجملة القرآنية" فظهر لي في نور هذه # الكلمة ما لم أكن أراه من قبل، حتى لكأنها "المكرسكوب! وما يجهر به من # الجراثيم مما يكون خفيا فيستعلن ودقيقا فيستعظم، وما يكون كأنه لا شيء ~~ومع ذلك لا تعرف العلل الكبرى إلا به. # وإاذا أنا تركت الجملة القرآنية وعربيتها وفصاحتها وسموها، وقيامها في # تربية الملكة وإرهاف المنطق وحل الذوق مقام نشأة خالصة في أفصح قبائل # العرب، وردها تاريخنا القديم إلينا حتى كأننا فيه، وصلتنا به حتى كأنه ~~فينا. # وحفظها لنا منطق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومنطق الفصحاء من قومه ~~حتى لكان ألسنتهم، عند التلاوة هي تدور في أفواهنا وسلائقهم هي تقيمنا على ~~أوزانها - إذا أنا فعلت ذلك ورضيته، أفتراني أتبع أسلوب الترجمة في الجملة ~~الإنجيلية. . . # وأسف إلى هذه الرطانة الأعجمية المعربة، وارتضخ تلك اللكنة المعوجة. # وأعين بنفسي على لغتي وقوميتي، وأكتب كتابة تميت أجدادي في الإسلام ميتة ~~جديدة فتنقلب كلماتي على تاريخهم كالدود يخرج من الميت ولا يأكل إلا الميت، ~~وأنشئ على سنتي المريضة نشأة من الناس يكون أبغض الأشياء عندها هو الصحيح ~~الذي كان يجب أن يكون أحب الأشياء إليها؟ # كنت أعرف أن صاحبنا الكاتب البليغ المدقق الشيخ إبراهيم اليازجي لما # PageV01P022 # أرادوه على تصحيح ترجمة الأناجيل رغب إليهم أن يصرف قلمه في الترجمة # فينزلها منزلتها من اللسان ويتخير ألفاظها ويزيل عجمتها ويخلصها من فساد # التركيب وسوء التأليف ويفرغ عليها جزالة ويجعل لها حلاوة، فأبوا عليه كل # ذلك ومنعوه منه وأقاموه فيها بمنزلة من يعرب آخر ms016 الكلمة فعليه أن يترك ~~الكلمة إلا آخرها. . . # كنت أعرف ذلك وما فطنت يوما إلى سببه حتى قولة "الجملة القرآنية" # كالمنبهة عليه، فرأيت القوم قد أثمرت شجرتهم ثمرها المر وخلف من بعدهم # خلف أضاعوا العربية بعربيتهم وأفسدوا اللغة بلغتهم ودفعوا الأقلام في ~~أسلوب ما أدري أهو عبراني إلى العربية أم عربي إلى العبرانية لا يعرفون ~~غيره ولا يطيقون سواه، وترى أحدهم يهوي باللغة إلى الأرض وإنه عند نفسه ~~لطائر بها في طيارة من طراز زبلن. . .! # وليتهم اقتصروا على هذا في أنفسهم وأنصفوا منها، بل هم يدعون إلى # مذهبهم ذلك، ويعتدونه المذهب لا معدل عنه، ويسمونه الجديد لا رغبة عن ~~دونه، ويعتبرونه الصحيح لا يصح إلا هو، وكلهم يعلم أنه ليس بصاحب لغة ولا ~~هو معنى بها ولا كان ممن يتسمون بعلومها؛ ثم ينقلهم هذا العبث إلى آراء ~~كآراء الصغار في الأمور الكبيرة فيحاولون أن يختلقوا في اللغة فطرة جديدة ~~غير تلك الأولى التي وضعت عليها جبلتها واستقام بها أمرها وتحقق إعجاز ~~الفصاحة العربية بخصائصها. # ومرجع هذا البلاء كله أن عربية الجملة الإنجيلية تغزو عربية الجملة # القرآنية من حيث يدري أولئك أو لا يدرون، فما أشبه هذه الأساليب الركيكة ~~في مقرها من الآداب العربية بالمرض الموروث الكامن في الجسم الصحيح يتربص ~~غفلة أو علة أو تهاونا فيظهر فإذا هو مشغلة للصحة، ثم يستشري فإذا هو مفسدة ~~لها، ثم يضرب فيتمكن فإذا هو مزاج جديد، ثم إذا هو الموت بعد! # على أني لا أعرف من السبب في ضعف الأساليب الكتابية والنزول باللغة # دون منزلتها إلا واحدا من ثلاثة، مستعمرون يهدمون الأمة في لغتها وآدابها # لتتحول عن أساس تاريخها الذي هي أمة به ولن تكون أمة إلا به، وإما النشأة # في الأدب على مثل منهج الترجمة في الجملة الإنجيلية والانطباع عليها ~~وتعوج # اللسان بها، وإما الجهل من حيث هو الجهل أو من حيث هو الضعف فإنه ليس كل ~~كاتب يبلغ، ولا كل من ارتهن نفسه بصناعة نبغ فيها لان هو نسب إليها، # PageV01P023 # وإن عد ms017 في طبقة من أهلها. والكتابة صناعة لها أدواتها، وفيها النمط ~~الأعلى # والأوسط وما دون ذلك. # أفمن الرأي أن نعين المستعمرين على خصائصنا ومقوماتنا، أو نتخذ في # اللغة أديانا شتى، أو نجعل قياس العلم من الجهل في بعضه والضعف عن # بعضه؛ وإلا فماذا بقي بعد هذه الثلاثة مما ينفسح له جانب العذر إن نحن ~~قلنا # بمذهب جديد في اللغة؟ # أحسب إخواننا في مصر أنهم كانوا يحسنون اليوم شيئا من الكتابة # الفصيحة لو لم يكن في العصر الذي خلا من قبلهم أمثال السيد جمال الدين # ومحمد عبده وعلي يوسف والبارودي والمويلحي وغيرهم ممن دفعوا الاستعمار # عن اللغة ببلاغتهم، وردوا أساليب السياسة اللغوية بأساليب الفصاحة، ~~وأشرعوا دون الميراث العربي أقلامهم، وحاطوه بألسنتهم، وحفظوه بعقائدهم، ~~حتى أمنوا عليه أن ينتقص أو يمحق أو يزول. . . # ألا فليقرأوا هذه البلاغة الجديدة. . . التي أنقلها بحروفها عن صحيفة # عربية إسلامية تصدر في طنجة، وليتأملوا أكان فيهم من يكتب اليوم أبلغ ~~منها بعد أربعين سنة ونيف من الاحتلال الإنجليزي والاحتلال الآخر الأوروبي ~~في زيغ الطباع وفسادها، لولا تلك النفوس الشرقية العربية الكبيرة التي كانت ~~في هذا السييل كنفوس الأنبياء قائمة على أنها حمى للحق وشعار فيه ودعوة ~~إليه. وجهاد من دونه؟ # قالت الصحيفة وهي تبحث في تاريخ الحج وتكتب كلاما لم يبق منه معنى # ولا لفظ ولا صيغة إلا وردت في الكتب المختلفة بأفصح عبارة وأبلغ أسلوب، ~~بل هو من بعض دين ذلك الكاتب. # واقرا ماذا قالت: # "زيارة الكعبة المعظمة فريضة على كل مسلم ومسلمة، لو عندهم استطاعة # صحية ومالية، ومن مناسك الحج، سبع مرات طواف حول الكعبة كل عام، في المحل ~~المقدس المذكور يجتمع 200000 من المؤمنين والمؤمنات هم الحجاج الكرام، ~~ولابسين كلهم كسوة بيضاء، وسامعين الخطبة لمفتي الأنام في جبل عرفات، لبيك ~~اللهم لبيك. # الكعبة مبنية من طرف إبراهيم خليل الله. # ولكن بمرور الدهر والأزمان وبتأثير سيلان وأمطار قد خربت مرارا. # ولكن تصلحت من موادها القديمة وأحجارها الابتدائية، وحجر الأسود موضوعة ~~بمحلها بيد المبارك المحمدية - صلى الله ms018 عليه وسلم. # PageV01P024 # "نظرا للتواريخ القديمة إن ماء زمزم خرجت من ضربة قدم سيدنا إسماعيل # ومن المعاني والمعالي. . . زيارة بيت الله المقدس أهم المادة وهي اجتماع # مسلمين العالم في كل سنة في الأراضي المقدسة الحجازية بتأبيد الولاء # والمخالصة بين عالم الإسلامي ". # انتهي وأشهد أن لا إله إلا الله!. # وأما بعد، فهذه الألفاظ التي نقلناها إنما تنزل من أصولها الجزلة الفصيحة # منزلة أولئك الكتاب المفتونين من أصولهم في البلاغة والرأي والتدقيق، فلو # خلق اللفظ من هذه الجملة إنسانا لكان واحدا منهم، ولو مسخ الواحد منه # لفظا لكان كلمة منها، أفيقبل منا بعد ذلك أن نغفل عنهم أو نتسامح في ~~أمرهم أو نترخص معهم في أسلوب أو قاعدة أو كلمة؟. # ألا إن الأوزان إنما هي بمقاديرها في الميزان وفاء ونقصا، لا بمقاديرها # في أنفسها زعما ودعوى، فلا تزعمت لي أنك أنت من أنت وأن لغتك هي ما هي ~~وأن الرأي ما ترى والكتابة ما تكتب، بل هلم إلى ميزانك من علماء الكلام إلى ~~ميزان لغتك من اللغة وإلى رأيك من الحقيقة وإلى كتابتك من الكتابة، وأنت ~~بعد وقبل أيضا لا تستطيع أن تهجم على علم من العلوم فتقول فيه قولا إلا على ~~قياس من العلم نفسه ترد إليه قولك وتقيم به حجتك ثم لا يقبل قولك مع هذا ~~ولا يعد قولا حتى تكون من أهل هذا العلم وممن لابسوه وقتلوا مسائله درسا ~~وبحثا، وأنت كذلك إذا عرضت لك مسألة في فن من الفنون رجعت إلى كتبها وإلى ~~أهلها ففتشت أقوالهم قبل أن تقول شيئا، وعرفت حكمهم قبل أن تحكم بشيء؛ ~~واتقيت الخطأ بصوابهم، وتحاميت التقصير باجتهادهم؛ ثم ما هو إلا أن تنزل ~~على رأيهم في العلم والفن لا تحاول مكرا ولا تتكل على خداع من الرأي ولا ~~تتعلل بعذر من الأعذار، فليت شعري لم يكون ذلك منك في علم # وفي كل علم وفي كل فن ولا يكون كذلك في اللغة وأصولها والكتابة وأساليبها ~~والبلاغة ومذاهبها؟. # ثم ما هي اللغة؟ أفرأيت قط شعبا من ms019 الدفاتر قامت عليه حكومة من # المجلدات وتملك فيها ملك من المعجمات الضخمة. . . أم اللغة هي أنت وأنا # ونحن وهو وهي وهم وهن، فإذا أهملناها ولم نأخذها على حقها ولم نحسن # القيام عليها وجئت أنت تقول: هذا الأسلوب لا أسيغه فما هو من اللغة، ~~ويقول غيرك: وهذا لا أطيقه فما هو منها، وتقول الأخرى: وأنا امرأة أكتب ~~كتابة أنثى. . . وانسحبنا على هذا نقول بالرأي ونستريح إلى العجز ونحتج ~~بالضعف # PageV01P025 # ويتخذ كل منا ضعفه أو هواه مقياسا يحد به علم اللغة في أصله وفرعه، فما # عسى أن تكون لغتنا هذه بعد وما عسى أن يبقى منها وأين تكون نهايتها؛ ثم ~~أي علم من العلوم يصلح على مثل هذا أو يستقيم عليه؛ وفيم تكون المجاذبة # والمدافعة، وبم يقوم المراء والجدل إذا اتفقنا على أن بعض الجهل لا يمكن ~~أن # يكون قاعدة في بعض العلم؟ # إن هذه العربية بنيت على أصل سحري يجعل شبابها خالدا عليها فلا تهرم # ولا تموت، لأنها أعدت من الأزل فلكا دائرا للنيرين الأرضيين العظيمين. ~~كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن ثم كانت فيها قوة ~~عجيبة من الاستهواء كأنها أخذة السحر، لا يملك معها البليغ أن يأخذ أو يدع. # وأنا أتحدى كل أصحابنا الذين أشرت إليهم أن يأتوني بكاتب واحد تنقل # في منازل البلاغة وأطلق أساليب الكتابة العالية، ثم نزل عنها إلى الركاكة ~~أو # المذهب الجديد أو ما شئت من الأسماء ولزمها مذهبا وجعلها طريقة؛ وهذا # التاريخ بين أيديهم، وبعضهم بين أيدي بعض؛ فليأتوني بمثل واحد أسلم لهم # كل ما في يدي من الأدلة على سخفهم وأجعل واحدهم هذا بألف من عندي! # فأما أن لا تدري يا أبا خالد وتزعم العفة، وأن تعجز ثم تجنح إلى الرأي. # وأن تضعف ثم تتمدح بالسلامة؛ فهذه أساليب ابتدعها من قبلك من أذكياء # الثعالب. . . وزعموا أنه اقتصر على القول بأن العنقود حامض وأراه ما ~~اقتصر على ذلك إلا لأن زمنه كان أحسن من زمننا وأسلم وأقرب إلى الصدق. . . # فلو هو ms020 كان من ثعالبنا. . . لزعم أنه ابتاع زجاجة من الخل وصبها بيده في ~~حبات العنقود الحلو وبذا صار إلى الحموضة ولهذا تركه! # وكيف تريد ممن عجز عن الفصيح أن يثني عليه، وهو لو أثنى عليه # لطولب به، ولو طولب به لبان عجزه وتصوره، ولو ظهر الناس منه على العجز ~~والقصور لما عدوه في شيء ولذهب عندهم قليل ما لا يحسنه بالكثير الذي يحسنه؟ # لقد سألت بعضهم: ما هو هذا الجديد الذي تحامون عنه؟ # قال: هو ما يكتب به في الصحف. # قلت: فإن فيما يكتب الضعيف والساقط والمرذول، ثم # PageV01P026 # ما هو إلى الجزالة والفصاحة، ثم ما يلتحق بجيد الكلام، فأي هذه تريد؟ ~~وأيها ليس قياسا من أصله العربي المعروف؟ # أفتجعلون النقص مذهبا من كماله، ثم لا تكتفون بخطأ واحد وتدعون أن الكمال ~~في نفسه يجب أن يعد مذهبا من النقص؟ أم الجديد هو ما يكتب به في الصحف تعني ~~لأنك أنت تكتب في الصحف. . .؟ # أما إننا لا ندفع أسلوبهم، فهو على كل حال خير من العامية، ولسنا نقول # إن كل الناس يجب أن يخاطبوا في كل أمور دنياهم ودينهم من فوق المآذن. # ولكن الخلاف بيننا وبين هؤلاء جميعا ينحصر في أمر واحد وهو تفسير لكل # فروعه، وذلك أن هؤلاء الكتاب لا يريدون أبدا أن تسمى الغلطة # باسمها. . . . . . . فإذا أخطاوا فلا تقولن أخطأوا، ولكن قل: إنه صواب # جديد. # PageV01P027 ### | ما وراء الأكمة # حضرة الأستاذ العبقري نابغة الأدب وحجة العرب السيد مصطفى صادق # الرافعي نفع الله به. # أراك قد استغربت قول إحدى الجرائد العربية الصادرة في أمريكا إنك لو # تركت "الجملة القرآنية" والحديث الشريف لكنت الآن المرجع الذي لا ينازع، ~~ولبذ مذهبك في البلاغة المذاهب كلها من قديم وحديث. - # ويحق لك ولغيرك وأيم الله أن يستغربوا هذا التمني الدال على مرض # روحي عند بعض الناس، لأنه قد يجوز أن إنسانا لا يعتقد بتنزيل القرآن ولكن ~~يوجد عربي سليم الذوق لا يعتقد ببلاغة القرآن وحديث الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم -. # ولعمري إن الأمر لكما قال ذلك ms021 الذي سأله سائل: هل يقال # (فأذاقها الله لباس الجوع) ؟ # فأجابه: ويحك! هبك تتهم محمدا بأنه لم يكن نبيا، أتتهمه بأنه لم يكن ~~عربيا؟ # ولكنك لم تلبث أن فهمت مغزى هذه النزعة الغريبة، وعبرت عما ظهر # لك في تلك الجملة الموجزة من المرامي والمقاصد البعيدة، فقلت وأنت سيد # القائلين "فظهر لي في نور هذه الكلمة ما لم أكن أراه من قبل، حتى لكأنها # "المكرسكوب " وما يجهر به من بعض الجراثيم مما يكون خقيا فيستعلن، ودقيقا ~~فيستعظم، وما يكون كأنه لا شيء، ومع ذلك لا تعرف العلل الكبرى إلا به ". # نعم إن وراء الأكمة ما وراءها، إن هناك دسائس خفية تظهر بعض أطرافها # في هذه الجملة، ولكن دعني أقول لك إنه ليس مرادهم العدول إلى الركاكة، ~~ولا مناصبة القرآن العداوة لمجرد كونه فصيحا، وليس الأمر من قبل ما ذكره ~~أحمد فارس في (الفارياق) من أن بعض خدمة الدين ممن كان يتكلم عنهم يتبركون ~~بالركيك من القول ويستوحشون من العربي الجزل البليغ، ولا هو من نمط ما رواه ~~في "كشف المخبا عن فنون أوروبا" من أنه كان يعرب التوراة وهو في إنجلترا ~~فكان يقف على الترجمة العربية قسيس إنجليزي شدا شيئا من # PageV01P028 # العربية، فكان كلما رأى لأحمد فارس جملة شم منها رائحة الفصاحة مسخها، ~~واستبدل بها جملة ركيكة، فكان الشدياق يعجب من أمره، وقد نقل عنه من هذا ~~النسق جملا يستغرب لها الإنسان من الضحك، إذ يرى كيف كان ذلك القسيس يتعمد ~~قلب العالي بالساقط، والجيد بالرذل تعمدا، وتهافت على الركيك تهافت الذباب ~~على الحلواء، ويصرح بأنه إنما يتوخى بذلك إبعاد الكلام عن شبه القرآن. # كلا يا أيها الأخ، إن هذه الفئة لا تمج الفصاحة من حيث هي، ولا تدين # بالركاكة التي كان يدين بها قسوس أحمد فارس فيسخر بهم ما يسخر ولا # تحارب اللغة العربية نفسها ولكنها تحارب مها القرآن. . . القرآن. . . # إن هذه الفئة تحارب القرآن والحديث وجميع الآثار الإسلامية، وتريد أن # تتبدل بها من كلام الجاهلية وكلام فصحاء العرب حتى من ms022 المخضرمين # والمولدين، وكل كلام لا يكون عليه مسحة دينية، وهذه الفئة قد تعددت ~~غاياتها في هذا المنزع، ولكن قد اتفقت في الوسائل، فمنها من لا يجهل بلاغة ~~القرآن وجزالته، وكونه من العربية بمنزلة القطب من الرحى، ولكنه يدس ~~الدسائس من طرف خفي لإقصائه عن دائرة الأدب العربي وتزهيد النشء فيه، بحجة ~~كونه قديما وأن كل قديم هو بال، حتى إذا تم لهم ما يبتغون من غض مكانة ~~القرآن في صدور الناس يكونون قد طعنوا الإسلام طعنة سياسية في أحشائه. . . ~~على حين هم يزعمون أن الموضوع موضوع لغوي لا مدخل للسياسة فيه فيزلقون بهذه ~~الدعوى المدحاض كثيرين ممن لو تفطنوا لما وراء الدعاية البارزة في زي لغوي ~~أدبي من المآرب السياسية الخبيثة لكانوا منها على حذر، بل لانقلبوا عليها ~~وصاروا قرآنيين، ولكن مع الأسف نقول إن الحوادث الأخيرة، لا سيما ما جرى ~~قبيل الحرب الكبرى إلى ما بعدها قد أثبتت أنه ما زالت هناك فئة تلعب # بفئة وتسوقها إلى حيث تريد، فلا تستفيق هذه من سكرتها إلا وقد قضي الأمر ~~الذي فيه تستفتيان، وهذه الدسيسة التي ظهر لكم مكنونها من جملة واحدة، إن ~~هي إلا حلقة لغوية من سلسلة دسائس مقصود منها الإسلام لا القرآن من حيث ~~كونه قرآنا، ولا الفصاحة من حيث كونها فصاحة. . . # ولقد أشرتم إلى ذلك في مقالكم الجليل فقلتم: "لا أعرف من السبب في # ضعف الأساليب الكتابية، والنزول باللغة دون منزلتها إلا واحدا من ثلاثة. ~~فأما مستعمرون يهدمون الأمة في لغتها وآدابها لتتحول عن أساس تاريخها الذي ~~هي أمة به ولن تكون أمة إلا به وإما النشأة في الأدب على مثل نهج الترجمة ~~في # PageV01P029 # الجملة الإنجيلية والانطباع عليها وتعويج اللسان بها، وإما الجهل من حيث ~~هو الجهل أو من حيث هو الضعف ". # فأنا أقول إن الوجوه الثلاثة متوفرة في السبب ولكن الوجه الأول هو # أقواها، وأصحاب هذا الوجه منهم من يريدون هدم الأمة في لغتها وآدابها ~~خدمة لمبدأ الاستعمار الأوروبي، ومنهم من يشير باستعمال اللغة العامية بحجة ms023 ~~أنها أقرب إلى الأفهام، ولكن منهم من لا يحاول هدم الأمة في لغتها وآدابها ~~لا حبا باللغة والآداب، ولكن علما باستحالة تنصل العرب من لغتهم وآدابهم، ~~ولذلك ترى هؤلاء دعاة إلى اللغة والآداب على شرط أن لا يكون ثمة قرآن ولا ~~حديث، وأن تكون الصيغة لا دينية، وحجتهم في ذلك حب التجدد وكون القرآن ~~والحديث وكلمات السلف كلها من القديم الذي لا يتلاءم مع الروح العصرية في ~~شيء، وآخرون حجتهم في ذلك النزعة القومية التي هي بزعمهم تناقض النزعة ~~الدينية، وأصحاب النزعة القومية هؤلاء يقولون إنها من باب التجدد، وإن روح ~~القومية هي السائدة في هذا العصر، فالدين والمعاصرة نقيضان لا يجتمعان، ~~فأما إذا سألهم سائل قائلا إنكم وأنتم من دعاة التجدد ومن قراء الآداب ~~الأوروبية لا تنكرون أن كتاب أوروبا اليوم من فرنسيس وألمان وإنجليز وطليان ~~وإسبانيول وروس. . . الخ الخ إنما آدابهم كلها مأخوذة من اللغات القديمة ~~كاليونانية واللاتينية وأن آيات التوراة والإنجيل تدور على ألسنتهم ~~وأقلامهم جارية فيها مجرى الأمثال لا يكاد يخلو منها خطاب ولا كتاب حتى إن ~~المنفضين منهم من العقيدة يتكلمون بلغة من الإنجيل والتوراة، وهذا كليمنصو ~~الذي لا يوجد على الدين حرب أشد منه، كان يجاوب بعض من اعترض عليه # من أجل بعض نقاط في معاهدة فرساي قائلا: "ادخلوا في فرح المعاهدة # تجدوها كما تريدون " ومعروف أن جملة "دخل في الفرح " هي آية إنجيلية # "ادخل في فرح سيدك " وهذا شيء لا يمكن أن يحصى إلا إذا أحصيت رمال # يبرين وإنما نريد أن نثبت به كون التجدد والمعاصرة لم يمنعها بقاء لغات ~~أوروبا، وآدابها على صيغتها - القديمة ومآخذها من التوراة والإنجيل ومن ~~شعراء يونان وخطباء رومة، وأن أدباء أوروبا في هذا العصر يستهجنون اختراع ~~إنشاء جديد وأسلوب غير مألوف ويحسبونه مخالفا للذوق ويتمثلون بمعان غابرة ~~لم يبق لها أثر؛ أنظر هل بقي أثر للقوس والنشاب، في أوروبا، وهل يوجد أعرق ~~في # القدمة من القوس والنشاب؛ صهالى هذا اليوم يقولون: # [. . .] # PageV01P030 # ترجمتها: "يأخذ نشابا من كل خشب ms024 ومرادهم بها أنه يستعين بأي قوة # حصلت في يده، أفتراهم وقد أرادوا مراعاة الأحوال العصرية يقولون يعمل # بندقية من كل حديد، أو يصنع قنبلة من كل ديناميت؛ كلا لا يقولون ذلك، ولا ~~يرون الخلط بين العلوم والآداب، ولا يجدون التجدد في الفنون والصناعات ~~داعيا إلى تغيير أسلوب الكتابة بحجة أن هذه التعابير كانت يوم لم يكن ~~تلغراف ولا تليفون ولا أشعة رونتجن، أفرأيت كاتبا أوروبيا يقول: حلقت ~~بمنطاد الفكر في سماء الموضوع؛ كلا ولا ما أشبه ذلك؛ ولا ينكر أنه قد جدت ~~في أوروبا فرائد وجمل لم تكن مألوفة في الأعصر السابقة، كما وجدت اصطلاحات ~~في كل عصر من أعصر اللغة العربية، فليس جميع ما اصطلح عليه الناس في أيام ~~العباسيين كان معروفا في صدر الإسلام أو في الجاهلية، ولكن كل ما يتجدد هنا ~~أو هناك لا بد من أن يرجع إلى نصاب اللغة وينزل على حكمها، ولن تترك اللغة ~~فوضى لا في شرق ولا في غرب. # طالما ترنحت الأعطاف عند ذكر الكاتب الفرنسي العظيم " أناتول فرانس " # الذي توفي منذ بضعة أشهر، وكان هدا الكاتب هو الصدر المقدم في الإنشاء # عند قومه، لا يرون أحدا في منزلته بعد رنان، وكان مما تميز به النزوع إلى # المذاهب الاجتماعية الجديدة والغلو في كره العقائد الدينية والعادات ~~القديمة # والنفور من النصرانية بأجمعها، حتى لقد وصفه كثيرون من الشيوعيين، ~~وبالرغم من هذا فقد اتفق جميع من ترجموه لدن وفاته حتى من أدباء الفئة ~~الاشتراكية والشيوعية على أنه كان في إنشائه أصوليا أستاذيا مقلدا يحذو حذو ~~راسين الشاعر الذي عاش قبل هذا العهد بماثتي سنة، وأنه حافظ على الطريقة ~~الكتابية الأصولية المسماة عندهم "كلاسيكا أي الطريقة المدرسية وقيل للكاتب ~~المشهور موريس باريس - وكان من أنصار الديانة والكثلكة - أفلا ترى مبادئ # PageV01P031 # أناتول فرانس وغلوه في الاشتراكية الخ؛ فأجابهم: قولوا فيه من هذه الجهة ~~ما شئتم، إلا أنه حفظ اللغة. # وهي جملة شهيرة يحفظها الجميع في باريس. # نعم يقدر العربي أن لا يكون صحيح العقيدة ولا مسلما؛ ms025 ويكون نصاب اللغة ~~عنده القرآن والحديث وكلام السلف، لأنها هي الطبقة العليا التي تصح أن تكون ~~مثلا، ولكن ليس هذا مراد هذه الفئة التي تريد حربا وتوزي بغيرها، تبغي نقض ~~قواعد القرآن - التي هي السد الأمنع الحائل دون الاستعمار والثقافة ~~الإفرنجية وغيرها - وتأتي ذلك من طريق نبذ القديم والبالي والأخذ بالجديد ~~والحالي، ولا يوجد مع الأسف كثيرون ممن ينتبهون لهذه السفسطة ويعلمون مرمى ~~هذه الدعاية، بل إن كثيرا من نشئنا ومن عامتنا هم من فخ إلى فخ. . . ومن ~~جملة هذه الأشراك أن القرآن حائل دون القومية العربية لا يفسح لها مجالا، ~~فتراهم ينصبون لها العداوة. # وأمراض العقول كثيرة كأمراض الأبدان، ولكن أمراض القلوب هي التي لا حيلة ~~فيها. . . هذا لمان بعضا من أدعياء الجديد - لا دعاة الجديد - لا يحاربون ~~القرآن ولا الشرع عن بحث وتدقيق ومقايسة ومقابلة يتبعون المعقول قديما كان ~~أو جديدا ويرتادون المفيد معرقا كان أو محدثا كلا، بل هم قد اختاروا مذهبهم ~~من قبل فرجحوا كل جديد كيف كان وبدون محاكمة، وذلك ليقال إنهم رقاة عصريون، ~~أما نظرية أخذ الأحسن من كل شيء، واختيار الأوفق من أي جهة جاء، فهذه ليسوا ~~منها بسبيل، وإنما يؤثرون الشيء إذا علموا أن بعض أمم الإفرنجية أخذت به. # ولما وافقت هذه الفئة في تركيا على منع المسكرات لم يكن السبب في هذه ~~الموافقة ضرر المسكرات أو النهي الشرعي، بل حرموا الخمور لمجرد كون أمريكا ~~حرمتها! # وخذ لك هذا المثال: # كنا في مجلس المبعوثين في الآستانة، وكان من زملائنا زهراب أفندي # الأرمني الشهير، ولم يكن علمه وذكاؤه بأقل من شهرته، وكان يصعب على # PageV01P032 # مبعوث مهما كان قوي العارضة قاطع الحجة أن يخاصم زهراب لا سيما في # التشريع، فاتفق أن بعض مبعوثي الترك من المولعين بالجديد - لمجرد ادعاء # الرقي العصري - اختلفوا مع زهراب في سن مادة قانونية، فعقدوا لها مجلسا # خاصا؛ وانبرى لزهراب اثنان من هؤلاء العصريين يجادلانه ويحاولان أن # يحملاه على رأيهما، فبعد حوار طويل تغلب زهراب عليهما وألزمهما الحجة # ولم يبق ms026 أمامهما إلا السكوت، إلا أن زهراب أخطأ في شيء، وهو عدم معرفته ~~عقلية هذه الفئة، فبعد أن أخرسهما في الجدال عاد فقال لهم: وهذا أيضا وفق ~~أحكام شريعتكم (الإسلامية) التي تقول كذا وكذا. # حدثنا الأستاذ الفلكي الرياضي فطين أفندي مدير مرصد الآستانة، أنه لما ~~قال لهما زهراب هذا القول عادا فنبرا بغتة قائلين: إذا كان الأمر كذلك فلا ~~نقبل هذا الرأي! ومن بعد تلك الفلتة لم يعد زهراب قادرا أن يقنعهما بوجه من ~~الوجوه، فليس صواب الشيء وعدمه هو الحاكم عند هذه الفئة، بل هو مصدر الشيء ~~بدون نظر إلى أي اعتبار # آخر، فإن علموا كونه آتيا من طريق الدين أو ملائما لحكم وارد في الشرع # استمرأوا مذاقه قبل أن يذوقوه، وليس هذا منحصرا في الترك وفي الفئة ~~التورانية منهم، بل عندنا نحن من هذا النخل فسيل في مصر والشام وغيرهما. # ويا ليتك ترى هذه الفرقة على شيء من التحقق بالجديد فيما يلزم فيه # الأخذ بالجديد من علم نافع أو فن مفيد أو صناعة دارة، فإن العلم لا يجب ~~أن يكون فيه قديم وجديد، بل هو أصل يتفرع منه فروع كل يوم يتحتم على ~~الإنسان أن يتتبعها كلها ناظرا إلى حقيقتها وصدق تجربتها وفائدتها ~~للاجتماع. # كلا يا سيدي، قلما رأيت من هذه الفرقة إلا الادعاء الفارغ والنزوع إلى ~~الثورة على ما يسمونه بالقديم، وهم ينسون أن هناك مبادئ ثابتة وبديهيات ليس ~~فيها قديم وجديد، وأن الاثنين والاثنين أربعة من مائة ألف سنة فلا نقدر أن ~~نعمل على ذلك ثورة، وأن المقولات العشر مما لا تتناوله الثورة وأن الثورة ~~إنما هي واجبة على الجهل والوهم لا على الحق والعلم، وأن العلم لا يكون ~~قديما، وأن الأدب لا بد أن يراعى فيه ذوق الأمة وتاريخها وعاداتها وعرفها، ~~وأنه ليس بتجربة كيماوية. # هذا يا أخي هو المرمى الصحيح ممن أخذ عليك "الجملة القرآنية" فأما # الفئات الأخرى ممن عجز عن الفصيح فأبغضه، ومن يستأنس بالركيك لأنه هو ~~الشيء الوحيد - الذي يقدر عليه فهذه - خطبها ms027 يسير - وقلعتها أوهى من أن ~~يحمل مثل قلمك عليها. # لوزان 8 فبراير سنة 1925 م # شكيب أرسلان # PageV01P033 ### | الرأي العام في العربية الفصحى # هذا مذهب من الكلام في اللغة، كثيرا ما يشتبه فيه اليقين حتى لا ينفذ # إلى تمحيصه، ويلتوي الظن حتى لا يطاق على تخليصه، وأنت كيف مددت # عينيك في هذا الجيل فلست آمنا أن تقع من صغار نشئه الذين يطمحون إلى # مشيخة الكتاب. . . على كل ضيق المجم، ضئيل الهم، ألف اللسان # ملتف البيان، كالجبل عند نفسه ويوضع في بندقة. . . وكالبحر ويصب في # فستقة، وهو مع ذلك يسمع بالفصاحة والفصحاء، ويستطيل في البلاغة # والبلغاء، ويبسط في هذا الرهان من جلده على هزاله، ويفسح في هذا الميدان ~~من خطوه على كلاله، ومهما أخطأ فيما يعمى عليك من حقيقة أمره، ويكاتم مهب ~~ريحك من دخانه وجمره، فلا يخطئك أن تستبين منه رأيا كأنه في رأسه نزوة ألم، ~~وعقلا مدنفا لو هو مات لما قطرت له دمعة من قلم. # ومن آفة الجهل أنه على استواء واحد في نظر أهله على ما يتحزون # بزعمهم من النصفة والمعدلة: فلو تدسس أحدهم إلى كل مكروه وأصعد في # كل بلاء، لكان ذلك بعضه كبعضه سواء في بادئ الرأي وعند تقليب النظر، لا ~~يدرك فرو ما بين درجاته، ولا فصل ما بين صفاته، حتى إذا ضرب كل سبب في ~~غايته، واتصل كل مبدا بنهايته، ووقعت الواقعة بركن أمة كان قائما، وتعثرت ~~المصيبة بشعب كان متقدما. # عرف ذلك الجاهل من مقدار الرزيئة مقدار جهله، وعلم حينئذ أنه كان يملك من ~~الكف عن هذا البلاء مثل الذي ملك من # التسبب له وأشف من ذلك، ولكن بعد أن يكون السهم قد مرق والأمر قد # PageV01P034 # مضى، وبعد أن لا يكون قد أفاد من الجناية إلا معرفته كيف جناها، فكأن # المصيبة على هولها إنما حلت لتفهمه أنه جاهل؛ وما أعزها كلمة لا تفهم إلا # من مصيبة!. # وليس ينفك الجاهل بالشيء إذا رأى فيه رأيا من خصال: فأما واحدة # فاقتضابه الرأي، لا يغبه للخبرة، ms028 ولا يبلوه بالتثبت، ولا يكاد يرى فيه ~~مذهبا لتقليب النظر، لما هو إلا أن ينزو في رأسه نزوة أو نزوتين حتى يكون ~~قد وزنه ورازه وعرف مقداره صوابا من خطأ وخطأ من صواب فيصدره على أنه مما ~~أنبطه الزمن من قليب قلبه، وافتكه من عقال عقله على أنه الحق لا مراء فيه، ~~وعسى أن لا تجد في باب المراء مثلا أدل منه على الرأي القائل كيف يهلك أو ~~يقيل. # وأما الثانية فتزين ذلك الرأي له على سخفه حتى يدفع عنه كل الدفع. # ويحوطه بكل حجة، ملجلجة، وحتى يرى أن الكد في ذلك هو يثبته، وأن # الثبات على الكد هو يحققه، فلا يزال يخور بمقدار ما يشتد في أمره تعنتا ~~ثم لا # يصيب من وجه الأمر إلا ما يضل في مجاهله؛ فيكون قد تأتى من سبيل الثقة # إلى الغرور، ومن سبيل الغرور إلى الباطل، وكبر ذلك مقتا وساء سبيلا. # وأما الأخرى من تلك الخصال فإن الرأي متى تماسك بما يجم حوله # ويستمر عليه من الخواطر؛ فإنه سيكون منه عقد يخرج عن أن يكون رأيا # موضوعا إلى أن يصير وحيا مرفوعا، ويكبر عن أن يكون مضطربا في العقل بين ~~الحجج والبراهين، فينحدر إلى القلب عند مستقر العاطفة والدين ثم لا يكون من ~~هذا إلا ما تراه في كل جاهل من الرأي يصدره وكأنما يصدره شرعا معصوما # لا يزيغ عنه الزائغ إلا بخذلان من الله. . . فإن هو لم يتبع عليه ولم ~~يتشيع له فيه أحد كان هذا الجاهل نبئ نفسه، لا يبالي ما ترك الناس مما اتبع ~~هو ولا ما # اتبعوا مما ترك! # وتلك خصال في نسق واحد وعلى نظام مطرد لا هوادة بين أولها # وآخرها؛ فهي وإن تعددت إلا أنها كما يتعدد الموج للغريق، تنتصب منه أشباه ~~الجبال ثم لا يستند الغريق من جميعها إلا إلى الماء الذي يغرق فيه. # وهذا تفسير القول آنفا إن الجهل على استواء واحد في نظر أهله. # PageV01P035 # لا جرم كان العنت كل العنت والبلاء كل البلاء أن ms029 نفهم من لم يستجمع # أداة الفهم لما تلقي إليه، وأن تناظر صاحب الرأي وليس له مما قبلك إلا ~~أنه # يرى وإلا أنك تدفع، فإن الحجة في مثل هذا وإن وضحت واستبانت بيد أنها لا ~~تصيب من غرض يستهدف لها، فلا تلزم ولا تقنع، وإنما تستعرض كما # يستعرض السهم من الهواء يمر فيه منطلقا لا يلتوي؛ فمهما نلت من ذلك لا # تنال سببا إلى الإقناع وليس لك بعد إلا أن تطيب نفسا عن نتيجة أنت فرغت ~~من مقدماتها، وترتد عن غاية كنت في ظل قصباتها، لأن الحجج لا تنتهي إلى # الحق إلا إذا كانت متكافئة، فهي تختلف متدابرة ولكنها متى تواجهت وأخذت ~~كل حجة برقبة الأخرى فاختصمت ثم ارتفعت إلى العقل قضى بينها وكشف عن وجه ~~الحق فيها، أما الحجة الواهية التي لا يشد منها علم ولا ينهض بها يقين فهذه ~~تظل مدبرة، وإنما قوتها في إدبارها ولياذها بكل منطلق فأنت تجد في كل الناس ~~إلا في صاحبها مقنعا ومعدلا وما إن تزال مقبلا منه على مدبر عنك حتى تنكص ~~عنه غالبا كمغلوب، وتنقلب طالبا كمطلوب؛ وأنا لا أدري ولا جرم ما الذي زين ~~لفلان أن يكون صاحب رأي في العربية وآدابها، وأن يتمحل لرأيه ويشتد للنضال ~~عنه ولا يعدو بالخصومة فيه من لا يقازه عليه؛ أذلك حين بذلت له اللغة ~~مقادتها أم حين جمحت عنه؛ وحين استطاع له علمه أم حين طوع له وهمه؛ وما ~~فلان هذا والعربية وآدابها والمراء في كل ذلك، وهو بعد في حاجة من هذا ~~العلم إلى استئناف الطفولة كرة أخرى. . . إن التوى عليه أمر اللغة منذ # دارسه فيها طلبة يسمونهم معلمين فلم يفيدوه من المعرفة حتى ولا معرفة كيف # يعلم نفسه. . . رمى هذه اللغة بالنقص وجعل الكمال لله ثم له. # فأراد أن يحيلها عن وضع رآها منحرفة فيه، وما انحرف بها إلا حول عينه، ~~فذهب في طنطنته الضئيلة كل مذهب. وافترش لسانه البكيء فيما يسميه جديدا ~~وفلسفة جديدة وهل اللغة إلا علم بعد أن انقضت ms030 فينا الفطرة واختبلت الألسنة؛ ~~وهل يناظر في كل علم إلا أهله؟ # ولم لا ينصب هذا وأمثاله لمن يقوم على أداة من الآلات # البخارية فيقول له لو كانت هذه القطعة مكان تلك، ولو كان هذا التركب ~~القبيح أجمل - مما هو، ولو أخرت أو قدمت، ولو زدت أو أقللت، ولو نقضت أو ~~أقمت، فعلت وفعلت. . .؟ وليت شعري ما يكون أمره وأمر صاحبه ذاك وكيف يراه ~~ويرى فيه من قول كله في وحصر وعلم كله جهل وفضول. # ألم يأن أن يعلم هؤلاء أن من الرأي غررا، وأن راكب الخطر من ذلك # إنما يركب رأسه، وأن الأمة لم توقف شرعا على فرد ولا أفراد، وأن في # PageV01P036 # الصمت زاوية باردة مظلمة ثواري المخزيات لو عرف الجاهل معنى # المخزية. . .! # إن العجز مطواع؛ وإن كل ما يعني أهل الحزم يهم به العاجز ويراه سهلا. # لأن ذلك يحقق معنى عجزه؛ وما زال من يعجز عن الكتابة هو الذي يريد أن # يصلح لغتها وأساليبها، ومن يعجز عن الشعر هو الذي يقول في إصلاحه أوسع ~~القول، وهلم إلى أن تستوعب الباب كله فقد قالوا إننا نخاطب الدهماء # والأجلاف ومن يسف إلى منازلهم بكلام أهل نجد وألفاظ أهل السراة ونتوهم # من سبل الحضارة بوادي قيس وتميم وأسد، وبالجملة فنحن نضرب في حدود # الفوضى التي لا وجه فيها ولا مخرج منها، وفي ذلك مزأرة بالأدب ومضرة على ~~الأمة وفساد كبير. # قالوا هذا وما يجري مجراه ويذهب في نزعته ولم يستحوا أن يصدعوا به # وهم يرون إلى جانبهم من المستشرقين أعاجم قد فصحوا وأقبلوا على آدابنا # وتاريخنا فوسعوها بما اتسع لهم من العلم، وأحاطوا بها ما أطاقوا، بل ~~كادوا # يكونون أحق بها وأهلها: وقد كانوا في غنى عن كل ذلك بلغاتهم وآدابهم وما ~~أفاء الله عليهم ومكن لهم فيه، ثم لم يشفق أصحابنا أن يبتلوا تاريخهم ~~بالعقوق وهو الثكل الذي لا عزاء معه، فأرادونا على أن نخلع بأنفسنا هذا ~~التاريخ لا نعطيه طاعة، ولا نبايع له منا عن جماعة ثم نكون كزنوج أفريقيا ms031 ~~إذا غابت عنهم الشمس غاب عنهم التاريخ وإذا طلعت عليهم استأنفوا تاريخا ~~جديدا. . .! # أليسوا ينقمون منا أننا نشد أيدينا على لغة لسيت لنا، فلم لا ينقمون أننا # نصرف وجوهنا إلى قبلة ليست في أرضنا؟ ثم يقولون إنهم يهجنون التصرف في ~~اللغة وإرسال الألفاظ والأساليب على وجوهها العربية، ويريدون أن يزيلوا ~~التدبير في هذه الصناعة عن هذا الوجه، لأنهم لا يحسنونه ولا ينفذون فيه إذا ~~تعاطوه، ويريدون فوق ذلك أن يطرحوا عنا كذ الصناعة لتكون خاتمة عجائبنا في ~~هذا الجيل صناعة بلا كد. # ولعمري كيف يؤاتيهم هذا الأمر أو يستوسق لهم إذا قلبوا أوضاع الكلام # وزايلوا بين أوصاله وذهبوا فيه مذهب الترقيع في الخلق بالجديد وفي الجديد # بالخلق. # PageV01P037 # لقد أهملنا اللغة ثم أهملناها حتى صارت معنا إلى حال من الجفوة # جعلتها كالواعلة علينا والغريبة عنا، وجعلتنا من نقص فهمنا فيها بحيث ~~نضطر إلى التماس شيء غيرها نفهمه، فصار إصلاح اللغة كأنه دربة لإفسادنا ~~وإفسادها فيما نتوهم دربة لإصلاحنا، إنما هما خطتان لا تفضي كلتاهما إلى شر ~~من أختها مبدا أو منقلبا" وإن أقبح ما ترى من شيئين أن يكون أحسن الرأي ~~تركهما جميعا. # زعموا أنهم يريدون أن تسهل الألفاظ وتنكشف المعاني وتكون الكتابة في # استوائها وجمالها كصفحة السماء، فهل البلاغة العربية إلا تلك وهل هذا أمر # عربي؛ بلى وهل يعرفون - أصلحهم الله - أن الطفل يرى كل ما يدور في مسمعه ~~من ألفاظ والديه كأنه إنما يتفق لهما اغتصابا واعتسافا واستكراها، إذ لا ~~يفهم من كل ذلك شيئا إلا بمقدار ما يعتاد وعلى حسب ما تبلغ حاجته وإذ هي ~~لغة أوسع من لغته مادة وصناعة، فلم لا يكون الرأي أن ينزل الآباء إلى لغات ~~أطفالهم ويقتصر هذا المنطق الإنساني على المترادف المتوارد من أسماء ~~الألعاب الصبيانية وما يلتحق بها..؟ # ثم ما هو حكم العامي - وهو في كل أمة الطفل العلمي - بجانب أهل # العلوم: أتراه يلقف عنهم إلا بميزان تلك الغريزة الفطرية في الصغير مع ~~أبويه؛ فلم تمحى العلوم وألفاظها ومصطلحاتها وأساليب التعبير ms032 عنها ونحو ذلك ~~مما # تتراخى به شقه الفهم إذا تعاطاه ذلك العامي أو خاوله، ويكون جهد العلماء ~~فيما تطيقه العامة وسداد العامة فيما يطيقه الأطفال. . .؟ # وأنت إذا تخطيت أمر الطفل اللغوي والطفل العلمي وأسندت في الحد # الأعلى لهذه الطفولة لم تر إلا طراز أصحابنا وهم أطفال الأدب، فهل يكبر # عليهم أن يكبروا ويشتدوا أن يساوقوا الفطرة في مجراها، فيأخذوا الشيء # بأسبابه، ويأتوا الأمر من بابه، ويدعوا الرأي إلى يوم يكونون من ~~أربابه؟.. # يصدرون رأيهم على جهل، فإذا كشفت لهم معناه وبصرتهم بمصايره ووقفت # بهم على حدوده وأريتهم وجوههم في مرآة النصيحة، أنكروا ما جئت به # وحسبوك تفتري الكذب وأصروا واستكبروا استكبارا لأن رأس علمهم أن يظنوا لا ~~أن يحققوا ما يظنون، فالرأي عندهم هو الرأي في ذاته لا ما يتعلق به ولا ما ~~يتأدى إليه. # إنما اللغة مظهر من مظاهر التاريخ، والتاريخ صفة الأمة، والأمة تكاد # تكون صمة لغتها لأنها حاجتها الطبيعية التي لا تنفك عنها ولا قوام لها ~~بغيرها. # PageV01P038 # فكيفما قلبت أمر اللغة من حيث اتصالها بتاريخ الأمة واتصال الأمة بها ~~وجدتها الصفة الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية وانسلاخ الأمة من ~~تاريخها واشتمالها جلدة أمة أخرى، فلو بقي للمصريين شيء متميز من نسب ~~الفراعنة لبقيت لهم جملة مستعملة من اللغة الهيروغليفية، ولو انتزت بهم أمة ~~أخرى غير الأمة العربية لهجروا العربية لا محالة؛ وكذلك يتوجه هذا القياس ~~طردا وعكسا كما ترى؛ وإن في العربية سرا خالدا هو هذا الكتاب المبين ~~(القرآن) الذي يجب أن يؤدى على وجهه العربي الصريح ويحكم منطقا وإعرابا ~~بحيث يكون الإخلال بمخرج الحرف الواحد منه كالزيغ بالكلمة عن وجهها ~~وبالجملة عن مؤداها، وبحيث يستوي فيه اللحن الخفي واللحن الظاهر، ثم هذا ~~المعنى الإسلامي (الدين) المبني على الغلبة والمعقود على أنقاض الأمم ~~والقيم على الفطرة الإنسانية حيث توزعت وأين استقرت فالأمر أكثر من أن تؤثر ~~فيه سورة حمق أو تأخذ منه كلمة جهل، وأعضل من أن يزيله قلم كاتب ولو تناهت ~~به سن الدهر ms033 # حتى يلقى من الأمة أربعة عشر جيلا كالتي مرت منذ التاريخ الإسلامي إلى # اليوم!. # والقرآن الكريم ليس كتابا يجمع بين دفتيه ما يجمعه كتاب أو كتب # فحسب، إذ لو كان هذا أكبر أمره لتحللت عقده وإن كانت وثيقة، ولأتى عليه ~~الزمان، أو بالحري لنفس من أمره شيء كثير من الأمم، ولاستبان فيه مساغ ~~للتحريف والتبديل من غال أو مبطل، ولكانت عربيته الصريحة الخالصة عذرا ~~للعوام والمستعجمين في إحالته إلى أوضاعهم إذا ثابت لهم قدرة على ذلك. # ولو فعلوه لما كان بدعا من الرأي ولا مستنكرا في قياس أصحابنا. . . لأنهم ~~لم يعدوا منفعة طلبوها من سبيلها وخطة انتهجوها بدليلها. # وليس يقول هذا إلا ظنين قد انطوى صدره على غل واجتمع قلبه على # دخلة مكروهة وإلا جاهل من طراز أولئك لا يستطيل نظره بتجربة ولا ينفذ ~~بعلم وإنما هو آخذ بذنب الرأي لا يوجهه ولكن يتوجه معه، ولا يقبل به ولكن ~~يدبر به الرأي. # إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية، فلا يزال أهله # مستعربين به متميزين بهذه الجنسية حقيقة أو حكما حتى يتأذن الله بانقراض # الخلق وطي هذا البسيط، ولولا هذه العربية التي حفظها القرآن على الناس # وردهم إليها وأوجبها عليهم لما اطرد التاريخ الإسلامي ولا تراخت به ~~الأيام إلى ما شاء الله، ولما تماسكت أجزاء هذه الأمة ولا استقلت بها ~~الوحدة الإسلامية، # PageV01P039 # ثم لتلاحمت أسباب كثيرة بالمسلمين ونضب ما بينهم فلم يبق إلا أن تستلحقهم ~~الشعوب وتستلحمهم الأمم على وجه من الجنسية الطبيعية - لا السياسية - فلا ~~تتبين من آثارهم في أنفسهم بعد ذلك إلا كما يثبت من طرائق الماء إذا انساب ~~الجدول في المحيط. # إنما يصب الله علينا بلاء فتياننا لأنهم ينشأون في أرضنا نشأة المستعبد # الرقيق، وإن غنما لهم أن نحرص على ما بقي من جنسيتنا العربية، وأن نشعب ~~لحفظ هذه الصلة وتوثيق تلك العقدة بيننا وبين أسلافنا ونمد من ذلك سببا إلى ~~حاضرنا ثم إلى مستقبلنا فلا يكون في تاريخنا اقتضاب ولا بتر، ثم - لكيلا ~~نكون ms034 على ديننا ولغتنا ما كان أولئك الأوشاب والزعانف من الترك والديلم إلى ~~غيرهما من أصناف تلك الحمراء التي اجتاحت العرب منذ الدولة العباسية ورتعت ~~في أمور الناس وجعلت بأسهم بينهم لعلة المباينة في الجنسية اللغوية، حتى لم ~~يكن في ثمانمائة سنة من استبدادهم ما يعدل ثمانين سنة كانت منذ أول العهد ~~بالإسلام، ولكن أنى لفتياننا ذلك وهم لا يأخذون من لغتهم ولا يصيبون من ~~آدابها إلا كما يأخذ الإسفنج من الماء: ينتفخ بقليل منه ثم لا يلبث أن يمجه ~~أو يتطاير منه ولا يثبت فيه شيء. # على أنك لو اعترضت كل من يهجن العربية ويزري على سبكها لرأيته # أجهل الناس بتركيبها وحكمة اشتقاقها ووجوه تصريفها، ثم لرأيت له غرة في # تاريخ قومه، فهو إن عرف منه شيئا فقد تجرد من ثمرة المعرفة كأنه يحفظ # طلاسم لا يتخبط فيها حتى يتخبطه الشيطان من المس، ثم ترى الآفة الكبرى ~~أنه مستدرج من حيث لا يعلم، فهو يكافئ محبة لغة أجنبية أحكمها بعداوة لغته ~~التي جهلها ويجزي منفعة تاريخ علمه بمضرة التاريخ الذي لم يعلمه، والناس ~~أعداء ما يجهلون!. # نعم بقي لأصحابنا مذهب آخر ينتحلونه ويستدفعون به الظنة، وهو من أحسن ~~رأيهم الذي يعانون عليه، لو فهموه على الوجه الذي يفهم منه، ولو أبدوا لنا ~~صفحته دون قفائه. . . وذلك أنهم يقولون إننا أن نلائم بين حاجة الأمة من ~~الكلام وبين الكلام الذي تبلغ به هذه الحاجة، ونريد الإصلاح ما استطعنا، ~~فنلبس تاريخنا وعاداتنا ديباجا من الكلام بطراز وغير طراز ولا نترك أمتنا ~~على سوم بين # PageV01P040 # العربية واللغات الأجنبية ونحن نقول إن هذا أمر ليس له مترك ولا عنه ~~محيص، ولكن أين ما ينزعون إليه مما ينزعون به، وهم إنما خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا. # وإنما يؤتؤن من حساب العربية الفصحى لغة أثرية لا تماد الزمن ولا تشايع ~~روح التاريخ، فيرون أنها لا بد أن تكون قد انقرضت مع أهلها فلا تبقى إلا ~~لقوم في حكم أولئك المنقرضين، ثم يفضون من هذا الوهم إلى ms035 تلك المحرقة التي ~~أشرنا إليها في صدر الكلام، لأنهم لم يمارسوا هذه اللغة إنما علموها عن ~~عرض، وهذا ولا جرم ضرب من الجهل العلمي؛ ولو هم فقهوا سر العربية ووقفوا ~~على طرق تركيبها وجاذبوا من أزمتها وصرفوا من أعنتها واكتنهوا محاسنها ~~الفطرية التي خرجت بها من # ثلاثمائة تركيب إلى ثمانين ألف مادة كما فصلنا القول فيه لعرفوا كيف ~~يتسببون للإصلاح اللغوي الذي ينشدونه، وكيف يكشفون لفظ الإصلاح عن معنى غير ~~فاسد كما ذهبوا إليه، ولتقلدوا البلية من حيث يدفعونها لا من حيث تدفعهم ~~ولكنهم كما ترى يصفون لنا الفوضى وهم صفاتها، ويطبون للأمة وهم آفاتها، ~~ويبادرون حسم الأمور بما يتفاقم به صدعها، ويضعون أوزار النوائب بما يثور ~~به نقعها، وما عليهم إذا تبينوا أن يصيبوا قوما بجهالة أو يردوهم عن الهدى ~~إلى ضلالة، فاللهم بصرنا بأقدارنا، ولا تذلنا بصغارنا، ولا تخذلنا في الأمل ~~وأنت الرحيم، دون غاية أتحت لنا وقتها، ولا تجعلنا في العمل كأهل الجحيم، ~~(كلما دخلت أمة لعنت أختها) . . . # PageV01P041 ### | تمصير اللغة # نريد بهذا التمصير ما ذهبت إليه أوهام قوم فضلاء يرون أن تكون هذه # اللغة التي استخفظوا عليها مصرية بعد أن كانت مضرية، وأن تطرد لهم مع ~~النيل بعدد الترع وعداد القرى حتى ترسل الكلمة من الكلام فلا يجهلها في مصر ~~جاهل، ويصدر الكتاب من الكتب فيجري في أفهام القوم على طريقة واحدة ويأخذ ~~منهم مأخذا معروفا غير متباين بعضه من بعضه. # ولا ملتو على فئة دون فئة، ومن ثم يزين لهم الرأي أنه لا يبقى في هذا ~~الجم الغفير. . . من علمائنا وكتابنا وأدبائنا من لا يعرف أين يضع يده من ~~ألفاظ اللغة ومستحدثاتها إذا هو كتب أو مصر عن لغة أجنبية - ولا نقول عرب، ~~فإن هذا بالطبع غير ما نحن فيه # - بل يأخذ من تحت كل لسان، ويلقف عن كل شفة، ولا يبعد في التناول إلى ~~مضطرب واسع، ولا يمضي حيث يمضي إلا مخفا من هذه القواعد وتلك # الضوابط العربية، إذ تتهادن يومئذ العدوتان: هذه العامية وهذه ms036 الفصحى. # وتصلحان بينهما أن لا ترفع إحداهما في وجه الأخرى قلما ولا لسانا، وعلى ~~أن تبيح كلتاهما للثانية حرية الانتفاع بما يشبه حرية التجارة إلا في ~~"المواد" السامة التي يعبر عنها دهاة السياسة اللغوية بالألفاظ العلمية ~~المبتذلة والألفاظ العربية الغريبة، ثم على أن لا تحفل إحداهما ما تركت ~~الأخرى مما سوى ذلك، فتستمر العامية على ما هي وتذهب الفصحى على وجهها. # يقولون إن هذه هي شروط الصلح بين اللغتين، أو هي المعاني التي ترجع # إليها وتترادف بها متى أرادوا أن يبسطوا من هذه الشروط ويخرجوا بها إلى # التعدد والكثرة، وإنما تلك آراء كان يتعلق عليها بعض فتياننا إفراطا في ~~الحمية ومبالغة في الحفيظة لمصر وأملا مما يكبر في صدورهم على ما ترى من ~~تهافتها وضعف تصريفها واضطراب أولها وآخرها لأنهم لا يثبتون النظر فيها ولا ~~يحققون خطوة ما بين الإرادة والقدرة، وفوت ما بين الأمل والعمل، ثم لا ~~يعرفونها إلا أحلاما قريبة الأناة ساكنة الطائر فكان ذلك عذر العقلاء إذا ~~مروا بها # PageV01P042 # لماما، وتروحوا بالإعراض عنها سلاما، حتى تناولها الأستاذ مدير "الجريدة" # فحذفها وسواها وأخرج منها طائفة من الرأي تصلح أن تسمى عند المعارضة # رأيآ! فقال بالإصلاح بين العامية والفصحى على طريقة تجعل هذه تغتمر تلك # وتحيلها إليها فعسى أن يأتي يوم لا تكون العامية فيه شيئا مذكورا. # بيد أنه أخرج هذا الرأي البليغ من غير بابه، وتسبب إليه في النظر بما # ليس من أسبابه، وجاء به قولا إن يكن فيه صواب فهو ما آثره من تقريب ما ~~بين العامة والخاصة، وإزالة الجفوة بين هؤلاء وهؤلاء، وتوثيق العقدة ~~المنحلة بين الألسنة والأقلام، أو بين لغة الكتاب ولغة الكلام، ثم ما رآه ~~من التخطي بالعربية إلى الأمام، وإن يكن فيه خطأ فهو ما وراء ذلك مما أرسله ~~في أقواله البليغة سنادا لرأيه وتثبيتا لحجته. # وإن مجم هذا الرأي ومستجمعه أن الأستاذ يرى أخذ أسماء المستحدثات # من اللغة "اليومية" وإمرارها على الأوزان العربية بقدر الإمكان، فإن لم ~~يكن لها ثمة أسماء فمن ms037 معاجم اللغة وكتب العلم - لأن هذه عنده دون اللغة ~~اليومية - # فإن لم يصب في هذه أيضا وضع لها الواضع ما شاء، وأن في استعمال مفردات ~~العامة وتركيبها إحياء للغة الكلام وإلباسها لباس الفصاحة، إذ يكون من ذلك # رفع هذه اللغة إلى الاستعمال الكتابي والنزول بالضروري من اللغة المكتوبة ~~إلى # ميدان التخاطب والتعامل، ذلك وإن ما استعملته العامة إنما هو "قرارات " ~~الأمة في هذه الكلمات التي لا تريد النزول عنها، وأن الطريقة الوحيدة ~~لإحياء اللغة هي إحياء لغة الرأي العام من ناحية وإرضاء لغة القرآن من ~~ناحية أخرى، وإننا إذا أردنا الصلح بين اللغتين فأقرب الطرق لهذا الصلح أن ~~نتذرع إلى إحياء العربية باستعمال العامية، ومتى استعملناها في الكتابة.. ~~اضطررنا إلى تخليصها من الضعف وجعلنا العامة يتابعون الكتاب في كتاباتهم.. ~~الخ الخ. # هذا هو تحصيل رأي الأستاذ، وأكثر ما أوردناه إنما هو من ألفاظه # بحروفها، فإن طال عليك ذلك السرد وبرمت به جملة فإن لك أن تدمجه في # كلمتين. # ثم لا تكون قد أخللت من جميعه بشيء، وذلك أن الأستاذ يرى # "تمصير اللغة" لأننا إذا تابعناه فإننا نلتمس كل ما أشار إليه من العامية ~~المصرية # PageV01P043 # وحدها ونعطي هذه العامية سعة أنفسنا وبذل أقلامنا، فنلبسها بالفصيح # ونخلط منها عملا صالحا وآخر سيئا، ولعل هذا الرأي أن يشيع من ناحيتنا نحن ~~المصريين ويطمئن في كل أمة لها عربية فتأخذ مأخذنا في عاميتها وتنزع إلى # نزعنا إليه، فإذا أمكن أن يتفق ذلك وأن تتوافى عليه الأمم، كان لعمري ~~أسرع في فناء العربية ومحوها وجدا عليها شؤم هذا الرأي ما لا يجدو تألب ~~الأعداء ولو استأصلوا أهلها، وبلغ منها ما لا يبلغه الفاتحون ولو ملكوا تلك ~~الأرض كلها، ثم نتسامح في استعمال المفردات والتراكيب العامية، وسينقاد ~~لذلك من بعدنا ثم من بعدهم إلى أجيال كثيرة يتراخى بعضها عن بعض، فيوشك أن ~~يأتي يوم تكون نجيه تلك اللغة الفصحى في كتابها الكريم ضربا من اللغات ~~الأثرية، لأننا لا ننظر فيما يترخص فيه الآن من كلمات معدودة ms038 صدرت بها " ~~قراراتالأمة" أن لا تزال على وجه الدهر عامية، ولكنا ننظر إلى الأصل في ~~قاعدة التسامح والترخيص، فإذا أثبتناه وأخذ به غيرنا ولم يكن عندنا لذلك ~~نكير فما أشبهها أن تكون كالقاعدة الاستعمارية التي تبتدئ بالتسامح ~~للمستعمرة والغزاة في أخذ الشيء القليل، ثم تنتهي بالتسامح في كل شيء قل أو ~~كثر! # ونحن فإن كنا نفهم رأيا من هذه الآراء الحاضرة فإننا لا نفهم كيف يكون # إحياء العربية باستعمال العامية، وكيف يرضي لغة القرآن التي تأبى إلا أن ~~تتقيد بها اللهجات الأخرى كما محت من قبل لغات العرب جميعها على فصاحتها ~~وقوة الفطرة في أهلها وردتها إلى لغة واحدة هي القرشية، ثم نرضى من جهة ~~أخرى هذه اللهجات العامية التي تأبى أن تتقيد بشيء وهي أبدا دائمة التغير ~~بالأسباب المختلفة التي تؤثر فيها وتديرها في الألسنة حتى صارت في بعض قرى ~~مصر كأنها مالطية "متمصرة" وصار بعض هذه القرى لا يفهم عن بعض كما ترى بين ~~أقصى الدلتا وأقصى الصعيد. # وإذا حاولنا مذهب الإصلاح العامي فليت شعري من أي لهجة نأخذ، وأي # لهجة في مصر هي غير مصرية فننبذها؛ وإذا ابتغينا بهذا الإصلاح استدراج ~~العامة ليتابعوا الكتاب والخطباء فيما يكتبون ويخطبون فهل يتابعونهم على ~~العامي وحده حتى ينزل في الفصيح إذ يستمرئونه ويسيغونه حتى إذا عرض لهم ~~الفصيح خالصا أنكروه وغضوا به، أم تكون المتابعة على العامي والفصيح جميعا؛ ~~وإذا جاز على القوم أن يتابعوا الكتاب والخطباء على الفصيح الممزوج ~~بالعامي، فلم لا يكون ذلك # PageV01P044 # إذا كان الفصيح خالصا مأنوسا وكانت القرائن قائمة على ما فيه من جديد أو ~~غريب وكانت ألفاظه لا تبرا من معانيه ولا هذه تشق على تلك؟. # نحن لا نماري في وجوب الإصلاح اللغوي ووجوب أن يكون للغة في هذه # النهضة مجمع يحوطها ويصنع لها ولو على الأقل " كمصلحة الكنس والرش". ولا ~~نقول إن هذه العربية كاملة في مفرداتها، ولا إنه ليس لنا أن نتصرف فيها ~~تصرف أهلها، فإن من يذهب إلى ذلك لا يعدو باللغة ms039 وسيلة من وسائل العيش ~~وأداة من أدوات الاجتماع الفطري، وليت شعري ما يصنع أولئك إذا صارت العربية ~~لغة العلوم والفنون الحديثة وجاؤوا إلى طائفة واحدة من الحشرات يقسمها ~~العلماء إلى عشرين ألف ضرب اعتبروا في وضع أسمائها تباين ما بينها في طبقات ~~التشريح؛ ثم # ماذا يصنعون بضروب سائر الحيوان والنبات وغير النبات مما لا يأتي عليه ~~الإحصاء من متعلقات العلوم وفروعها، وهل تجزئ في ذلك كله ألفاظ لسان العرب ~~وكتب الحيوان والنبات العربية وما إليها مما أطلقت ألفاظه واضطربت أوضاعه ~~واختلفت معانيه واستفاضت حدوده حتى ليصح أن تعم اللفظة الواحدة بكثرة ما ~~تطلق عليه في هذه اللغة شطرا من معاني العلم التي هي فيه؟ # ألا وإن أعجب ما في أمرنا في المعروف والمنكر أن تختلف الأمم في # معاني الألفاظ واختراعها وتحديدها ووجوه الانتفاع بها ولا نختلف نحن إلا # على ألفاظ هذه المعاني، وأنها عربية أو معربة، وهل نتقبلها أو نردها، ~~ونثبتها أم ننفيها، ونننسخها أو نمسخها. . . وقد فاتنا أن العرب أنفسهم لم ~~يكونوا يعرفون شيئا يسمى لغة إنما كان همهم استيعاب أجزاء البيان في كل ما ~~ينطقون به على أصول الفطرة اللغوية التي ينشأون عليها، وقد ضبطت هذه الأصول ~~فيما انتهى إلينا من قواعد اللغة وما نقل من ألفاظها، فصار لنا حكمهم إذا ~~نحن تدبرناها ونفذنا في أسرارها وأحستا القيام عليها. # وليس عندنا في وجوه الخطأ اللغوي أكبر ولا أعظم من أن يظن امرؤ أن # اللغة بالمفردات لا بالأوضاع والتراكيب، فإن اللغات المرتقية هي تلك التي # تمتاز بوجوه تركيبها ونسق هذه الوجوه فيها، ولا يمكن ألبتة أن تكون لغة ~~من اللغات ذات وفر وثروة من الألفاظ إلا أن تدعو إلى ذلك وجوه أوضاعها # وتراكيبها، ولا تجد عندنا من الإنكار على من يقول بإباحة التصرف في ~~تراكيب العربية ثم التكذيب له والاستعظام لما جاء به إلا كما عندنا من الرد ~~لقول من يمنع التصرف في مفرداتها - بالتعريب وغير التعريب - ما دامت الحاجة ~~إلى ذلك ماسة، وما دام ذلك لا يخرج اللفظ ms040 الموضوع عن الشبه العربي الذي ~~يجريه في # PageV01P045 # اللغة ويجعله إليها ويلحقه بمادتها ثم ما دمنا نعمل هذا العمل فنقضيه ~~صريحا # محكما ونستن فيه سنة العرب في طريقة الوضع اللغوي وحكمة هذه الطريقة # ووجه هذه الحكمة. # فأنت ترى أنه لا ينقصنا من اللغة شيء وهي على ما هي من إحكام # الأوضاع والتراكيب والاتساع للمفردات ولو أقبلت كأعناق السيل، ولكن ينقص ~~هذه اللغة رجال يعملون ويحسنون إذا عملوا، ويعرفون كيف يتأتى عملهم إلى ~~الإحسان، وكيف يكون عملهم عملا. # ولقد كان من سوء الصنع لهذه العربية أن قامت لإحيائها "مجتمعات" كلها # كان يكدح في هذا العمل الجديد على قاعدة قديمة، فلا يعدون في طريقة # العمل وجهة القصد منه أن يبدلوا لفظا بلفظ وحرفا بحرف وينبهوا إلى خطأ في ~~بعض الاستعمال وصواب في بعض الإهمال مما يستخرجونه أو يقفون عليه أو يتفق ~~لهم اتفاقا؛ وهذا عمل تكون الجماعة فيه مهما اعتزمت واشتدت كأنها فرد واحد، ~~ويقوم الفرد المضطلع بالجماعة، بل قد يفي بها ويمسح وجهها ويكون منها مكان ~~الإمام ممن خلفه. # وإن كانوا صفوفا متراصة متقابلة، وهو أمر # كان قديما، فإن العلماء والكتاب كانوا يتلقون الرواة والحفاظ بالمسألة عن # صواب الكلمة وعن وجه استعمال الحرف من اللغة، وكان المأمون العباسي قد ~~أرصد من هؤلاء طائفة في "دار الحكمة" ليرجع إليها المترجمون، ثم ليتصفحوا ~~عليهم فيصلحوا خطأ أو يقيموا وزنا أو يغيروا كلمة، وكذلك فعل بعض الأمراء ~~المتأخرين في دواوين الإنشاء حين ضعف الأدباء عن اللغة والتوت الألسنة ~~وغلبت العامية، وقد تولى ذلك للفاطميين طاهر بن بابشاذ في القرن الخامس، ~~وابن بري في القرن السادس وتولاه كبرهما من بعد إلى هذه الغاية في عصور ~~ودول مختلفة. # على أن كل ذلك قد مضى مع أهله وبقيت اللغة تضرب في # حدودها مقبلة مدبرة لم يزد فيها ما زادوا ولم ينقص منها ما نقصوا. # ولسنا نرتاب على حال أنه لو قام في صباح كل يوم مجمع لغوي على هذه # الطريقة لانتقض في مساء كل يوم مجمع منها، لأن ms041 القوم يدعون الجهات ~~الملتبسة إلى الصريحة ويتخطون الأصول إلى الفروع، ويعملون في سد خلة محتملة ~~ويتكلفون لضرورة في الوسع والطاقة، واللغة وافية بكل ما يأتون به، لا يصد ~~عنها إلا الجهل والإهمال، وإلا سوء طلب الطالب وتحصيل المحصل، وهذا - أصلحك ~~الله - # PageV01P046 # أهون الخطب وأخف الضرر وأيسر ما التاث علينا من أمر هذه العربية فإن # المحنة فيها باقية أبدا ما بقي في الأرض معنى ليس له فيها لفظ، وما دمنا ~~لا نطرق فيها لهذه الألفاظ المحدثة بقواعد ثابتة وعلى طرق نهجته، وما دامت ~~في أيدينا جامدة لا نغمز منها ولا نعيدها سيرتها الأولى في الوضع والاشتقاق ~~بما لا يفسدها ولا يضار أصولها ولا يأتي بنيانها من " القواعد،. # وإن ذلك لأمر أول التبعة فيه على متقدمي العلماء ممن دونوا الأمهات في # اللغة وممن كتبوا في العلوم أو ترجموا من كتبها، لأنهم - عفا الله عنهم - ~~لم ينظروا لمن بعدهم، فلم يضعوا في ذلك ديوانا جامعا، ولا أمضوا فيه بإجماع ~~معروف ينتهي إليه علم أو يقف عليه طريق من طرق الرواية، إنما كان لكل واحد ~~منهم رأيه ونظره ومبلغ علمه وإحاطة روايته؛ فإن اضطر أحدكم إلى ما يعجله عن ~~الأناة وإحالة الرأي في اختيار اللفظ وتعريبه ودفع إلى الكتابة والتأليف من ~~هذه المضايق، لم يبال أن يتناول اللفظ كما هو في لسان أهله ولغة واضعه ما ~~دام لا يرسله إلا في أسلوب محكم من اللغة ولا يحيطه إلا بالتركيب العربي ~~المبين، وهم كانوا أبصر بما قررناه من أن اللغة بالأوضاع والتراكيب لا ~~بالمفردات بالغة ما بلغت، وأن الشأن # فيما ينتظم الكلمة الأعجمية انتظاما عربيا لا في الكلمة نفسها. # وهذا الجاحظ عالم كتاب هذه الأمة وفرد بلغائها المتسعين في الكتابة # تتصفح كتبه فتعثر بالشيء من أسماء الأدوات ومصطلحات الفنون، وبعض ذلك لا ~~سبيل إلى فهمه ومعرفة مدلوله إلا بالرجوع إليه في الفارسية والهندية ~~والرومية ونحوها، وإلا أن اتفق للباحث أن يعثر على بيانه وتفسيره في بعض ~~المعجمات العربية أو كتب الفنون، وقد كان دأب هذا ms042 البليغ أن لا يتوقف عند ~~اللفظة المحدثة يقليها ويشققها، ولا يتردد عند الكلمة الدخيلة ينظر فيها ~~ويحققها، وهو قد نص على ذلك في موضع من كتابه "الحيوان" فقال بعد أن ساق ~~ألفاظا من مصطلحات الزنادقة، كالساتر والغامر والبطلان وغيرها، وأنكر غرابة ~~الدلالة فيها وأنها مهجورة عند أهل دعوته وملته وعند العوام والجمهور: # "إن رأيي في هذا الضرب من هذا اللفظ أن أكون ما دمت في المعاني التي هي ~~عبارتها والمادة فيها، على أن ألفظ بالشيء العتيد الموجود الهتكليف لما عسى ~~أن لا يسلس ولا يسهل إلا بعد الرياضة الطويلة، وأرى أن ألفظ بالفاظ ~~المتكلمين ما دمت خائضا في صناعة الكلام مع خاص أهل الكلام، فإن ذلك أفهم ~~عندي وأخف لمؤنتهم علي. # ولكل صناعة ألفاظ قد جعلت لأهلها بعد امتحان سواها فلم تلزق # PageV01P047 # بصناعتهم إلا بعد أن كانت بينها وين معاني تلك الصناعة مشاكلات، وقبيح # بالمتكلم أن يفتقر إلى ألفاظ المتكلمين في خطبة أو رسالة، أو في مخاطبة # العوام والجار، أو في مخاطبة أهله وعبده وأمته، أو في حديثه إذا حدث أو # خبره إذا أخبر، وكذلك من الخطأ أن يجلب ألفاظ الأعراب وألفاظ العوام وهو ~~في صناعة الكلام داخل، ولكل مقام مقال ولكل صناعة شكل" اه. # على أننا لا نستقصي القول في هذه الجهة، فإن موقع النية أن نتكلم في # "تمصير اللغة" وإنما أفضينا إلى الكلام من هذه الناحية إذ كانت هي سبيلنا ~~إليه، فإن القائلين بهذا الرأي والغالين فيه والمكابرين عليه إنما يدعون به ~~الإصلاح # ويذهبون إلى أنه خير ما ينتهي إليه الصواب من رأي وخير ما يمكن لهم في # جانب تلك الغاية، فإنهم زعموا يريدون الإصلاح من أقرب السبيل، ويطلبون ~~الحاجة الراهنة والمنفعة الدانية؛ وقد رأوا سواد الأمة عاميا فلا بأس أن ~~يكون من هذا السواد ظل في اللغة أو على اللغة أو قريبا من اللغة، وفاتهم أن ~~من دون هذا السبيل سبلا أخرى هي أقرب في منحاهم وأدنى إلى غايتهم لو كانوا ~~يرمون إلى تعليم الأمة وإلى الغاية ms043 من هذا التعليم، فإن الزمن الذي تعرب ~~فيه الكتب أو تمصر ثم تطبع وتنشر ثم تقرأ وتدرس لا يذهب باطلا إذا هو ذهب ~~في تعليم لغة أجنبية من لغات العلوم ثم إلقاء هذه العلوم بها، ويكون في ذلك ~~أن الأمة تستفيد العلوم والفنون محققة وتربح معها فضلا كبيرا، وأن تربح إلى ~~لغتها لغة أخرى برمتها وتجمع إليها آدابها وفوائدها، وهذا ما لا يتيسر بعضه ~~إذا مصرنا العربية لتلك الغاية التي زعموا وما يطلبون بها من الكفاية ~~والإصلاح. # وقد أخذت بهذا الرأي جمهورية الصين الحديثة، فإنها فرضت اللغة # الإنجليزية على كل من يطلب علما أو صناعة، حرصا على الوقت أن تضيع به ~~الترجمة والطبع والدرس، وتفاديا مما تدخله الترجمة على مصطلحات العلوم # والفنون من الضيم في الشرح والتعيين وتحديد الدلالة ونحوها مما ليس منه ~~بد # في النقل بين اللغات المتباينة لغة إلى لغة. # على أنه إن يكن في رأي التمصير خير فليس يقوم خيره بشؤمه، وهب أن # أمرا من ذلك كائن، وأننا أجرينا التراكيب العامية في الفصيح، وأقحمنها ~~مفردات القوم في اللغة، ومكنا للعامة على ما يتوهمون من مقاليد الكلام ~~وأتبعناه مقادتهم، فما جداء ذلك عنهم وماذا يرد على الأمة، ونحن نعلم أن ~~جمهورها إذا احتاجوا إلى كتب في العلم فإنما هي كتب ألف باء تاء. . . # قبل كتب المصطلحات العلمية والفنية! # وإنه لعجيب أن نبدا بالتربية من آخرها، وإن نجيء إلى حال من الضعف # PageV01P048 # فنتوهم فيها القوة، ثم فمضي على ما نخيل نعتده حقا فنقرر الأحكام ونؤصل # الأصول ونقابل شيئا بشيء ونستخرج حالا من حال، وليس لنا مما قبل ذلك # جميعه إلا أنه ظن توهمناه يقينا، وفرض حسبناه قياسا، وإلا أنها العامية ~~جعلنا # لسومها ما ليس في طبيعتها وحسبناها أصلا بائنا بنفسه متميزا من سواه ~~بالصفات التي تجعل الأصل أصلا وتنفيه من صفات فروعه، مع أن أصل هذه العامية ~~لا يزال في ألسنتنا وأقلامنا، ولا نبرح نردها إليه ونحكمها به ونقيمها على ~~طريقه، ومع أن هذه العامية لا تصلح في تراكيمها ms044 وصيغها للكتابة ما لم تفضح ~~على وجه من الوجوه، وهي بعد لا وزن لها في كل ما ابتعدت به عن الفصيح إلا ~~في عبارات قليلة مما يكون أكبر حسنه أنه أخرج على نسق معروف في البلاغة ~~العربية: كضرب المجاز والكناية وما إلى ذلك، فإذا نافرت الفصيح لفظا أو ~~نسقا فلست واجدا فيها إلا أطلالا من كلمات عربية يأباها من يعرفها صحيحة ~~ماثلة، ويعدها من النقص يقيمها سوية كاملة، وكيفما أدرتها لا تعرف لها إلا ~~رقة الشأن - وسقوط المنزلة بإزاء أصلها الفصيح الذي خرجت منه ولا تزال فيها ~~مادته. # فما اختلافنا في لغة هي في طبيعتها اللغوية تأبى أن تكون أصلا وأن تعد ~~لغة # ومهما جهدت بها لا تتحول الا إلى أصلها المعروف المتميز، فإذا أريدت على # غير ذلك التاثت واضطربت وفرت إلى الأسواق والسبل! # فإن عارضنا القوم بأنهم يريدون تقريب الفصيح من العامة، لا من العامية # ليسهل عليهم أن يتأدبوا أو أن يتعلموا، قلنا: ذلك وجه وسبيله غير ما ~~يقولون به من تمصير هذا الفصيح العربي، فإن لهم مندوحة في طرق مختلفة ~~يفصحون بها العامية نفسها بردها إلى أصولها القريبة على نحو ما كانت عليه ~~أيام الأمويين والعباسيين، فإني لأحسب أن العامي من أهل ذلك الزمن لو بعث ~~اليوم لرأى أكثر أساليبنا الفصيحة دون عاميته. # وقد كنا بسطنا جانبا من القول في مقالتينا اللتين نشرتا في "البيان" عن ~~الرأي # العامي في العربية الفصحى والجنسية العربية في القرآن وأبنا ثمة فساد ~~الرأي في # إحالة الفصحى عن وجهها، فلا نعيد شيئا مما بسطناه وانما نرسل كلمة في ~~تحقيق استحالة هذا الرأي، وأن القائلين به مهما عملوا فإنهم لا يعدون أن ~~يجتذبوا إليهم طائفة من ضعاف شبابنا المتفرنجين يناصرونهم بما تعده الأمة ~~خذلانا، ويزيدون فيهم بما لا تشعر به الأمة زيادة أو نقصانا، وذلك أنهم ~~يغفلون عن الروح الدينية # PageV01P049 # التي ينشأ عليها المسلمون - أهل هذه العربية - في جهات الأرض، وأن هذه ~~الروح قائمة على نفي العصبية والوطنية كالمصرية وغيرها، فقد كانت هذه ~~العصبية ms045 عامة في قبائل العرب حتى محاها الإسلام، فأنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وجعلهم إخوة، ثم نفاها النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ونفى المؤمنين منها بقوله: # "ليس منا من دعا إلى عصبية. . . الحديث. # وما عصبية قبيلة وقبيلة في المعنى إلا كعصبية بلد وبلد ومصر ومصر، وما ~~يقولون به من تمصير اللغة لا يعدو أن يكون # وجها من وجوه هذه العصبية الممقوتة، فإنك لتجد المسلمين يختلفون في كل ~~شيء حتى في الدين نفسه ولا تجدهم إلا شعورا واحدا بالروح الدينية العربية ~~التي مساكها الكتاب والسنة في عربيتهما الفصيحة، وهي لا سبيل إلى التغيير ~~أو التبديل فيها، لا على وجه التمصير ولا على وجه آخر، وسواء أكان في ذلك ~~إصلاح بين العامية والفصحى أو لم يكن. # فإن شذ عن الجماعة فئة من شبابنا قد أخذوا بغير أخلاق هذا الدين # ونشأوا في غير قومه وعلى غير مبادئه فرأوا فيه بظنونهم وقالوا برأيهم ~~ورضوا له ما لا يرضاه لأهله، فهؤلاء مهما كثروا لا يستطيعون أن يحدثوا ~~حدثا، بل يفنون والجماعة باقية، وينقصون والأمة نامية، ويذهبون إلى رحمة ~~الله، ومن رحمة الله أنهم لا يعودون ثانية. # ولن تجد ذا دخلة خبيثة لهذا الدين إلا وجدت له مثلها في اللغة، وإن كنا # لا نقول بالعكس، فإن فينا من الفضلاء من يخطئ في الرأي يراه أو يعجل به # دون أن يطيل ترديده وتقليبه، فإذا بصرته بما فيه أعانك على نفسه وأحكم ~~ناحية الصواب منها وأعطاك عن رضا وكان في عمله خليقا أن تعرفه بالحكمة وأن ~~ترى تحوله عن الخطأ صوابا إن لم يكن أحسن من صوابك فليس بدونه. # هذا وإن أصحابنا لا يجهلون أن الأصل في التربية العامة بالحمل على # الأخلاق لا على العقول، وعلى روح الأمة التي تتميز بها وتتفق فيها لا على # صفاتها الأخرى، ونحن لا نجد في ذلك شيئا في المسلمين كافة من المصريين # وغيرهم إلا ما أومأنا إليه من الروح الدينية التي تشملهم جميعا والتي هي ~~أساس هذا الدين ms046 فلا سبيل لتمصير العربية واعتبار هذه المصرية أصلا لغويا ~~مجمعا عليه إلا بتمصير الدين الإسلامي الذي تقوم عليه هذه العربية، فإن بعض ~~ذلك سبب طبيعي إلى بعضه؛ فمن كشف لنا عن الوجه الذي يكون به الدين مصريا ~~وطنيا. . . وبصرنا باسباب ذلك ونتائجه قلنا له: أخطانا وأصبت (وكذلك أخذ ~~ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة) . # PageV01P050 ### | جلدة هرة # كان الأستاذ الكاتب البليغ الذي يكتب (ليالي رمضان) في جريدة السياسة # قد سئل: ما الجديد وما القديم وما مثل كل منهما وماذا يبين أحدهما من # الآخر؟ # فأحال في الجواب على قوم سماهم ممن يتسمون بهذا وذلك وعدنا # فيهم، فكتبنا إليه هذه الكلمة الموجزة: # إلى كوكب الليالي المباركة: # كنت قررت أن أمسك عن الجواب حتى أرى ما عسى أن يكتب الذين # سميتهم فأتعقب أقوالهم، فإن آرائي معروفة منشورة، ولكن حجة أهل الجديد لا ~~تزال هي كلمة الجديد. # أحسبك لا تظفر بشيء منهم بعد كلمة "الدكتور صبري " وهو يبين ذلك لا # إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وإن ظفرت بعد أيام بكلمة وكلمات فمن لك بليلة ~~أو ليال تزيدها يا شوال على رمضان. . . # أم تريد أن تتخذ لك في التاريخ الإسلامي مذهبا جديدا كمذهبهم في الأدب ~~العربي فتدعي لشيء ما ليس له وتنحل شهر رمضان من شهر يوليو. . . # لم أقرأ إلى يوم الناس هذا في معنى هذا (الجديد) كلاما يبلغ أن يصور منه # برهان أو تؤلف منه قضية صحيحة، وكل أقاويلهم ترجع إلى ثلاثة أبواب جديدة، ~~ومجدد، ولنجدد، فأما الأول فهو عندهم تقبيح القديم والزراية عليه والنفير ~~منه. # وأما الثاني فهو العائب والشاتم والمهزئ، وأما باب قولهم (ولنجدد) فهو لا ~~يزال إلى الآن مقصورا على قول كل واحد منهم للآخر (ولنجدد) . . . # على أن القديم هو الواقع الثابت الذي يقوم به الماضي والحاضر معا وقد # رأيت أن الجديد لا يعدو أمرا يتوهمونه أمرا وهو بعد لم يقع، فليس الممكن # أولى به من المستحيل ولا المستحيل أحق به من الممكن، وإنما أضيع الناس # في الناس رجلان: واحد يأتي قبل ms047 زمنه، والآخر لا يكون إلا وقد مضى زمنه، ~~أفلا ترى والحالة هذه أن كل السائغ الممكن لأهل الجديد هو أن يجادلوا أهل ~~المستقبل؟ # PageV01P051 # وأنا والله لا أعرف أهؤلاء القوم يجدون أم يسخرون؟ ولكن الذي لا # أجهله أن في بعض الناس أرواحا وأمزجة انطبعت فيها صور الاجتماع الأوروبي ~~بما يحوي من فضائله ورذائله - لأن هذه نتائج تلك، ما منها لهم بد - فتريد ~~هذه النفوس الرقيقة الجميلة أن تنسخ الرسم الإسلامي الشرقي وتقر كل ذلك ~~الأوروبي في مكأنه، وتلك هي نزعة الجديد. # وأنت فإذا كنت محاميا أفلا يكون من واجبك أن تلبس اللص إذا دافعت # يوما عن لص، فتقف الوقفة الشريفة وإن فكرك وذكاءك ومنطقك كل ذلك # يحتال احتيال اللصوص ويتصل بمعانيهم ويستنبط من الوسائل ما لعل اللص # نفسه يعجز عن بعضه. # هذا هو المثل لا غيره، ولأقل لك فى صراحة إن مساجد القاهرة ترى # ألف سائح كل سنة ولا ترى في السنة كلها واحدا من أهل الجديد، فهذا هو # مرد تلك النزعة، ثم إن هناك فئة قليلة من الصحفيين ترى في كلمة الجديد # معنى بديعا من معاني "لغة الإعلانات" وهذه اللغة لا تبالي ما ينفع مما ~~يضر. # ولا ما يصدق مما يكذب، ولكن ما يروج وما يكسد، وما يربح وما يخسر. # فالجديد العربي عند هؤلاء إنما هو كذلك في تسميته، أما في معناه فهو جديد # أمريكاني. # إن كان الخلط أيها الناس يسمى جديدا فقد كان في القوم من يخلط وإن # كانت الركاكة ففي القديم ما شئتم منها حتى ومن أساليب "جراميق الشام # وأمريكا" وإن كان التحامل والطعن والعيب فذلك كله قديم، وإن كانت # الإنسانية فهي قديمة، وإن كان العقل فإن أعظم العقول البشرية من القديم # وحده، فماذا إذا؟ # لعلكم تريدون الذوق، فكيف تصنعون وأنتم ترون لكل امرئ ذوقه # وتبصرون الأحوال تجري في ذلك بأشياء غريبة حتى في أجمل ما في الجمال. # فلقد يكون أثقل ما في الثقل على بعض الطباع كثقل الفصاحة على طباعكم، ~~وثقلكم أنتم على طباعنا فليس لكم في ms048 الذوق شيء لا يكون لنا مثله. # أم تريدون من الجديد تصوير الحياة العصرية بمذاهبها في الشعر والنثر؛ # PageV01P052 # فمن الذي يدفعكم عن هذا ومن الذي يقول بغيره منا أو منكم؟ # فنحن في ذلك سواء لا نختلف. # أم تريدون الأسلوب واللغة والسهولة في السبك والضعف في التأليف # والتسمح في القواعد وأخذ اللفظ من حيث يتفق وكيف قدر عليه كاتبه؛ فهذا لا ~~يسمى جديدا وإنما هو في الجملة ضرب من العجز واحتيال فقهي.. على جعل ما ليس ~~بقاعدة قاعدة. # لقد سئمت نفوسنا هذه الدعاوى الفارغة فاعملوا ثم سموا عملكم. # وصيدوا الدب ثم بيعوا للناس جلده، فلعلكم وأنتم تبيعون فروة دب لا # تحصلون إلا على جلدة هرة. # PageV01P053 ### | مقالات الأدب العربي في الجامعة المصرية # PageV01P055 ### | للتاريخ # ظهرت الجامعة المصرية في سنة 1908 للميلاد، وكانت يومئذ فكرة # وطنية سياسية انشق لها مكأنها في الحوادث فجاءت كما تجيء الحادثة الوطنية # قائمة - على ما قبلها ليقوم عليها ما بعدها، وبذلت فيها الأمة وشمرت لها ~~وجد بها الجد فإذا هي ما هي. # ولم يكن في ذلك العهد ما يعرف "بتاريخ آداب اللغة العربية" إلا كراسة # صغيرة الحجم لفقها بعض الأساتذة على طريقة المستشرقين، وكانت تدرس في ~~مدرسة دار العلوم، وإلا بعض فصول كان كتبها على هذه الطريقة صديقنا العلامة ~~جرجي زيدان صاحب "الهلال" ونشرها في مجلته، ثم كتابان في علوم اللغة ~~العربية الاثني عشر، أحدهما كتاب الوسيلة الأدبية للأستاذ الشهير الشيخ ~~حسين المرصفي، وهو كتاب قديم، إلى كتب أخرى مما يجمع من مختارات النظم ~~والتثر، أو مما يجمع من كل شيء كالمواهب الفتحية للأستاذ الحجة الكبير ~~الشيخ حمزة فتح الله، فكتبنا يومئذ في (الجريدة) مقالا تراه بعد، ولنسمه ~~"مقال الجريدة الأول" # وكان مدير الجريدة هو الأستاذ النابغة مدير الجامعة # اليوم فكان من أثر ذلك المقال أن نشرت اللجنة الفنية للجامعة دعوة على # الأدباء إلى تأليف كتاب في "أدبيات اللغة العربية" جعلت جائزة الفائز فيه ~~مائة # جنيه، وضربت أجلا لتقديمه إليها سبعة أشهر، فكتبنا المقال الثاني في # الجريدة، فعادوا ونشروا المسابقة ms049 لتأليف كتاب في "أدبيات اللغة العربية" # وجعلوا المدة سنتين والجائزة مائتي جنيه، وقالوا: (ولأجل مساعدة المؤلف # على نشر الكتاب تتعهد الجامعة بالطبعة الأولى على نفقتها. . . فإن لم ~~يستحق الجائزة أحد تتجدد الدعوة لهذه المسابقة مرة ثانية لميعاد آخر مدته ~~سنتان بهذه الشروط بعينها". # وكان ذلك من عملنا ولله الحمد والمنة - هو السبب في تدريس الآداب # العربية وتاريخها في الجامعة المصرية، وهو السبب كذلك في وضع ما وضع # PageV01P057 # من الكتب في هذا العلم، ولكن أحدا لم يعرض كتابه على الجامعة إلى اليوم. # ثم كان أسبق تلك المؤلفات ظهورا الجزء الأول من كتاب العلامة جرجي # زيدان، ثم الجزء الأول من كتابنا "تاريخ آداب العرب " سبقه ذاك بشهر أو # شهرين سبقا مطبعيا. # ثم ألحقت الجامعة بوزارة المعارف وفتحت سنة 1925 فاختاروا لتدريس # الأدب العربي فيها الأستاذ الدكتور طه حسين، وكنا نعلم أنه يلقي دروسه ~~"في الشعر الجاهلي ". # غير أنا لم نقف على شيء منها ولا أردنا ذلك ولا فكرنا فيه. # إذ لم يخطر لنا أن كائنا من كان يزين له الغرور أن يحمل كرة الأرض فيلقي ~~بها # في غير مدارها كما فعل طه شبيها من ذلك في الأدب، حتى نبهنا مقال الأستاذ ~~عباس فضلي الذي نشرته له "السياسة" ثم كتب بعده صديقنا الجليل كاتب الشرق ~~الأكبر الأمير شكيب أرسلان مقاله # "التاريخ لا يكون بالافتراض" في جريدة "كوكب الشرق"، فكتبنا نحن بعد ذلك ~~هذه المقالات في "الكوكب ". # وقد تركناها كما هي لم نمسسها إلا في الفرط والندرة والحمد لله على ما ~~وفق # من قبل ومن بعد. # PageV01P058 ### | مقال الجريدة الأول # الأدب العربي في الجامعة المصرية # قالوا إن فئة القائمين بامر هذه الجامعة قد تعجلوا لنا العمل في هذه ~~السنة # فلم يطيبوا ولم يتضجوا لمكان العجلة من تلك الحال، وعقم الأمة بالنابغين ~~من # الرجال. ولذلك جعلوا الدروس فيها محاضرات من مستطرف الأحاديث # ومستظرف النوادر والأمالي في تاريخ الحضارة والبلدان والآداب الأجنبية ~~وطرف مما تعتبر به اللغة، ثم هم في الغابر يستحدثون الجديد ويطرحون أيديهم ~~في العمل ms050 المفيد متى تمت لهم الأداة واجتمعت القوة ولف شملهم بأولئك ~~الفضلاء الذين أنفذوهم إلى أوروبا، وكذلك قالوا إنهم بادروا العمل وما ~~تلبثوا إلا يسيرا، تنزيها لعهدهم، وتفاديا من سوء المؤاخذة على الرسلة ~~ووناء الهمم، ولأن الفائدة لا ينفيها أن تكون من القليل إذا لم يتهيأ أكثر ~~منه، فإن لجلجة المضغة عند الجوع خير من جمود الفكين!. # ونحن نؤمن بكل ذلك ولا نحاول أن ندلس على عيب أمتنا ونكتم # نقائصها، فقد لا يستقيم هذا الأمر عندنا إذا ابتدأ كاملا، وإن من يركم ~~أحجار البناء كلها في فضاء الأرض لا يبلغ أن يكون بذلك قد رفع بناء، بل لا ~~بد من إمساك الحجر بالحجر على نسبة معينة في التنسيق والاطراد، وما قط ~~ابتغيت حاجة من غير مبغاتها. # ونزيدهم على هذا أيضا أننا أمة ترك بها الزمان ما ترك من عادة وخلق بين # سيئ وحسن، فلا تجتمع على بغض ولا رضا، ولا يزال بعضها حربا لبعض # في العادات والأخلاق، كما تكون الأمم في أول جهادها للتقدم، وتلك هي # المزلة التي يهوي فيها الأساة، والمنزلة التي يحار بها الهداة؛ فلو ~~قذفتنا المقابر # بمن فيها من الفلاسفة وحكماء المجتمع ما زادوا على أن يبتدئوا تعليمنا # بالقليل، ولكن ليس كل قليل لازما، بل أخر في ذلك أن يكون شيء ألزم من ~~شيء. # فلا سبيل إلى عذر القوم في إغفال الأدب العربي وهم قد نصوا في دستور # PageV01P059 # الجامعة على نوعين من الآداب الأجنبية. # فإما أن تكون هذه أحق من ذلك بالتقديم وأقرب إلى فائدة الأمة منه، أو هم ~~يمتهدون اليوم لحاجتهم فينشئون لنا في أوروبا أديبا ويخرجون بعلوم الأعاجم ~~عربيا صليبا، أو لا هذا ولا ذاك ولكنهم يمضون على غير هدى كما تخيل النفس ~~ما دامت هذه الأمة قد بذلت وتابعت على ما يريدون. # فإن كان الأول فهو الرأي الفائل والسوءة التي لا يسترها إحسانهم بأجمعه # إذ لا يكون ذلك في أمة لا يزال يغلط كبار كتابها غلطا قبيحا فيما ~~يستعملون من لغتهم، لا يرون ذلك هجنة ms051 ولا نقصا؛ حتى أصبحت اللغة في الأيدي ~~كالثياب المتداعية: كلما حيصت من جانب تهتكت من آخر. # وانظر كيف يتسمى الكتاب المسترسلون في الجرائد "بالمحررين"، وأنت # إذا سألت عن سواد الكتاب في الأمة قيل هم أولئك ولكنهم مع ذلك لا يعلمون ~~أنها مذمة لهم، فإن المحرر فيما سبق به الاصطلاح هو كاتب الخط لا غير # "الخطاط" لأنه يحرر الأصول ويضبط الأحرف ويراعي اعتدال النسب بين ما # يعزله من البياض في القرطاس أو الكاغد عن يمين الكتاب وشماله، وأعلاه # وأسفله، وتباعد ما بين السطور، وسعة الفصول وضيقها ومرجع ذلك جميعه # إلى مفاد لفظة "التحرير". # ولا أخوض في تفصيل الرأي الثالث وبسطه فإني أنزه رجال الجامعة عن # هذه الشبهات، إما أن يكونوا منتظرين أن ينشئوا في أوروبا من يدرس الأدب ~~العربي أو يستعين بما يدرسه عليه، فذلك ما نرمي إليه بهذه الكلمات وإن ~~علينا بيانه: # لا أعلم ماذا يراد بقولهم: "آداب اللغة العربية" إلا أن يكون ذلك إحاطة # الأديب بفصح اللغة وتمكنه من استعمالها في تنزيل الكلام، ومعرفة الإعراب # والأبنية والتصاريف، وبعد النظر في معاني البلاغة وأساليب الفصاحة ~~والاقتدار عليهما نظما ونثرا، ثم معرفة الرجال ومراتبهم وطبقات كلامهم ~~وآثارهم واختلاف العصور بهم، مع البصر بالنقد ومواضع المؤأخذة إلى الطبع ~~السمح # PageV01P060 # والفطنة المؤاتية، حتى لا يكون برما بالحجة إذا نزع بها، ولا ضعيف الدليل ~~إذا حاول الاستخراج والتعليل، ثم الإحاطة بذلك كله إحاطة تاريخية فلسفية ~~وتدبره على اختلاف وجوهه وأسبابه، وهو كله جملة واحدة لا يغني فيه بعضه عن ~~بعض، وعلى مقدار ما يبلغ منه الأديب يكون أدبه، فقد يقال للعالم باللغة ~~لغوي، ولصاحب النحو نحوي، ولمن يقرض الشعر شاعر، وبالجملة ينسب كل ذي علم ~~إلى علمه إلا الأديب، فلا علم له إلا مجموع تلك العلوم وإحسان المشاركة ~~فيها جميعا. # ولا أذهب بك بعيدا في انتزاع المثال، أو أحيلك على أن تتبع ذلك في # أوصاف الرجال، ولكي أسوق لك هذا الخبر عن ابن عبدون الأديب الشاعر # الأندلسي، لتستبين منه أصل الأدب فيمن كانوا يسمونه ms052 أديبا: # ذكروا أن أبا بكر بن زهر الوزير الأندلسي حضر إليه في داره - وهو فتى - # شيخ كان ينسخ له كتاب الأغاني، ومعه كراريس مما كتب ولكنه نسي أن يحضر ~~أصولها من الكتاب، فبينما هو يكلم شيخه إذ دخل عليه رجل بذ الهيئة، غليظ ~~الثياب، على رأسه عمامة قد لاثها من غير إتقان، فتقدم إليه أن يستأذن له ~~على أبيه الوزير أبي مروان، فحملته نزوة الصبي وما رأى من خشونة هيئته على ~~أن تكلف جوابه وكره له من وجهه، فسكت عنه الرجل ساعة ثم سأله عن الكتاب ~~الذي في يده وإلى أين بلغ الكاتب منه وما له لا يكتب، فعبث به أبو بكر وجعل ~~يسخر منه ويضحك على قالبه وشكله، ومع ذلك لا يتكلف له إلا النبذ من خبر ما ~~يسأل، فلما علم الرجل أن أصل الكتاب غير موجود لدى الناسخ ليعارض به، قال ~~له: يا بني، خذ كراريسك وعارض فإني كنت أحفظ الكتاب في صباي، فتبسم الفتى ~~ضاحكا من قوله، فقال الرجل بعد أن تراءى ذلك منه: يا بني أمسك على وجعل ~~يقرأ. # قال ابن زهر فوالله إن أخطأ واوا ولا فاء حتى قرأ نحوا من كراستين. # ثم أخذ له في وسط السفر وآخره، فإذا حفظه في ذلك # كله سواء، فقام مسرعا حتى دخل على أبيه وذكر له الخبر وصاحبه؛ فخف # الوزير أبو مروان من فوره، وكان ملتفا برداء ليس عليه قميص، وخرج حاسر ~~الرأس، حافي القدمين لا يرفه على نفسه، وابنه بين يديه وهو يقول: يا مولاي ~~اعذرني! فوالله ما أعلمنا هذا الجلف إلا الساعة! وجعل يسب ابنه والرجل # PageV01P061 # يخفض عليه ويقول: ما عرفني، فيقول الوزير: هبه ما عرفك. # فما عذره في حسن الأدب؟ # ثم أدخله الدار وأكرم مجلسه وخلا به فتحدثا طويلا حتى خرج # "الوزير" بين يديه على هيئته تلك، فلما أن ركب وانفصل قال الفتى لأبيه: ~~من هذا الذي عظمته هذا التعظيم؟ . . . # قال: اسكت ويحك! هذا أديب الأندلس # وإمامها وسيدها في "علم الآداب" هذا أبو محمد عبد ms053 المجيد بن عبدون أيسر # محفوظاته كتاب الأغاني - انتهى. # ومن ذلك نعرف كيف ابتذل هذا اللقب العظيم - لقب الأديب - في زمننا # حتى لم يحرم منه إلا العامة من الجهلاء، وإلا نفر ممن لا يدفعون ثمنه ~~للجرائد # في أخبار الهناء والعزاء. # وقد نظرت في كتب يقول أصحابها إنهم صنفوها في "آداب اللغة العربية" # وما أظن كتابا طبع في ذلك للمحدثين ولم أقف عليه، ولا أظن كأني وقفت من ~~ذلك على كتاب. . . فهم يثبتون في كتبهم بعض فصول في تاريخ اللغة ونظمها ~~ونثرها، ويومئون إلى طائفة من الكتاب والشعراء غير منتقدين ولا مميزين، ~~ويأتون بشيء من كلامهم يصيبونه - كما يقول النحاة - حيثما اتفق، وقد ~~يتكلمون في العلوم الاثني عشر ويسردون لك أسماء من الكتب المؤلفة فيها، ~~وإنك ما أصبت من فائدة في بعض كتبهم فذلك حكم الجمع ومما يطرده لك التأليف، ~~ولا أقبح من كتاب # تستعرض فيه العقول وتتصفح الآراء إلا عقل صاحبه ورأيه وهم وإن ذكروا أن ~~اختيار المرء قطعة من عقله إلا أن ذلك على جهة نوع المختار ومنزلتيه من ~~الأشباه والنظائر، لا على جهة أن للعقل في ذلك عملا يلزمه التبعة ويأخذه ~~بالعهد، إذا كان الاختيار على حسب ما تنبعث له الرغبة، وكانت الرغبة على ~~مقدار ما يهيئه الطبع وتعطيه القوة، فلا يحسن عند الفقيه مثلا اختيار ~~الطبيب من أهل الفقه، ولا عند اختيار صاحبه مما هو بسبيله، وهكذا. # وليت شعري أين من عهدنا طبقات الرواة والحفاظ وأهل النقد والجرح # والتعديل، فإنهم منا كطباق السماء مع الأرض، وما ذلك لانقطاع الرواية # وذهاب أثرها، فإن في دراسة الكتب وتصفح الأسفار بعض الغناء، ولكنه من ~~فساد التلقين وسوء التلقي بما نشأت عن موت الذين يصلحون للإفادة، ولقد كانت ~~الرواية في ذلك الصدر درسا من أحسن الدروس الجامعة، إذ يتناول مجلس الرواية ~~الأدبيات بأنواعها بحثا وشرحا وإيرادا وتمحيصا، فيعي الطالب من ذلك في ~~الساعة الواحدة ما لو ترك فيه لنفسه ومبلغ همته لدأب في تحصيله بضع سنين # PageV01P062 # وما أدري الجامعة مفلحة في الأدب ms054 إذ هي لم تحي ذلك العهد ولم تطو # الأيام إليه، فإن الأمة لا تحيا إذا ماتت لغتها، ولن تموت لغة أمة حية، ~~وما # دامت العربية على أصلها فأدبها ما أخرجه لنا السلف، لا ينقص منه ولكن ~~يزاد عليه بما تمثله الأيام وتبتدعه الأفهام وتستانفه القرائح وتتدبره ~~العقول ويمحصه التحقيق وتبدعه مذاهب النقد، وذلك منشأ الحاجة في الأدب ~~العربي إلى الآداب الأجنبية، وهي حاجة إذا مس إليها فضل الإتقان وزيادة ~~الإحسان فإنه! لا تبلغ أن تجعل أدبنا حميلة على غيره، لا يقوم إلا به ولا ~~يتعلق إلا عليه، وإنما شأننا في ذلك شأن أدباء الغربيين فيما أخذوه عن ~~اليونان والعرب وغيرهم إلى أن اتجهت لهم هذه الطريقة التي هم عليها اليوم. # فإن كان رجال الجامعة يتوخون تلك الطريقة التي أشرنا إليها فلا عذر لهم # فيما أهملوه، وإلا فهم قد أعذروا من أنفسهم، وهيهات يفيد من لا يعرفون # آداب لغتهم أن تلقى إليهم "المحاضرات عليها باعتبار علاقتها بأهل أوروبا # وخصوصا بإيطاليا". # فهذا رأينا قذمناه لرجالنا الفضلاء # "وإن تعتب الأيام فيهم فربما.. ". # PageV01P063 ### | مقال الجريدة الثاني # الأدب العربي في الجامعة # عزيزي. . . الرافعي: # لم تزل مقالتك "عن الأدب العربي والجامعة " - التي نشرتها الجريدة - في # مستقرها من الأذهان. # ولن تذهب هذه الفترة بين تنبيهك القائمين على ذلك # الأمر وإجابتهم مقترحك في هذه الأيام، بما لك من حسن الأثر وفضل السابقة. # قلت إنهم تعجلوا العمل فلم يطيبوا ولم ينضجوا لمكان العجلة من تلك # الحال، وعقم الأمة بالنابغين من الرجال. فهم اليوم قد طيبوا وأنضجوا ~~وفرضوا جائزتهم لمن يضع الكتاب الوافي في أدبيات اللغة العربية وتاريخها. # ولا أخالك إلا قد هيأت مادة هذا الكتاب وأخذت في إبرازه متثبتا في # اعتزامك، وإني لأعلم أن الزمن إلى موعدهم قصير، وأن العمل في اقتراحهم # كثير، وأن القلم لن يصبح من أجلهم طائرا يطير، ولكنها أيضا عجلة الفوز في ~~الزحام، ومثار الهمة من الهمام، وموضع الفصل بين التأخر والإقدام، فلعلك ~~محقق أملي في أدبك والسلام؟ # . . . إبراهيم # سيدي الفاضل: # أنت أعزك الله قسيم ms055 في المعرفة بأني لا أتكلف ما لا أحسن، ولا أحسن # ما لا أتقن عملا يضيق به وقته ولا تبلغ فيه وسائله، وإن استفرغت له الجهد # وأقمت فيه الوهج المتعب وجعلت الليل والنهار عليه أنفسا حرارا. # وهؤلاء الذين قرروا تعميم الدعوة على الأدباء لوضع كتاب واف في # أدبيات اللغة العربية وتاريخها، وجعلوا لذلك العمل إلى فصاله سبعة أشهر ~~إنما # مست بهم الحاجة إلى كتاب وأعوزهم مؤلفه فالتمسوه بتلك الدعوة يفتشون عنه ~~في ضوء الجائزة. . . ولو كان هذا الأمر على حكمهم لجاز أن يمضي على ~~إرادتهم، ولكنه على الخلاف، إلا أن يكون فى الأدب ما لا نظنه ولا نعلمه، # PageV01P064 # وفي الأدباء من لا نعرفه ولا نتوهمه، وفي ذلك الأمر ما أحكموه وليس في # الناس من يحكمه! # إني إذا أغمضت عيني فتمثلت لي الكتب هيأت لي منها خواطري كتابا # ممتعا في الآداب العربية يوفي على الغاية وأشف من الغاية، ولكني التمست # ذات مرة طرفا من أخبار الرواية والرواة عند العرب في فصل من هذا الباب # فجعلت أستقصي وأتصفح وأتقصص حتى نفضت على القلم سواد خمس عشرة ليلة، ولم ~~يكن هذا البحث مما جردت فيه رسالة أو أفردت له مقالة، فما بالك بكتاب يكون ~~هذا بعض فصوله وفرعا من أصوله؟ # وعندنا مباحث أخرى كمبحث التنظير والموازنة، ومبحث الصناعات # اللفظية وتحقيقها وتاريخها، وهي المادة الخبيثة التي لم يقم لها الأدب ~~بعد أن # فشت فيه وكانت مسقط البلاء عليه، وناهيك من مبحث لم يضبط منه كتاب في ~~الأدبيات إلا كما يحفظ الماء من أثر السابح وإن هو ضرب فيه بيديه ورجليه! # هذا إلى ما يعترض من أبواب كثيرة لا بد من كتابتها بما يستوفي حق التاريخ # وحق النقد وحق الأدب، وذلك مقذف الحصا والجمار والنصب الذي لا # يستخف به إلا من يقتحم على الرجال والأقدار، والرمض الذي لا يسار فيه إلا ~~على مثل حر النار، التراجم على طريقة النقد والتمحيص. # وأنت خبير بأن تاريخ العظماء إذا لم يكن في كتابته ابتسام العظمة وبشاشة ~~الحياة وأثر الأخلاق ms056 فإنما هو صور ميتة منهم، وإنك إذا كتبت أن فلانا ~~الشاعر الكبير ولد سنة كذا وتوفي سنة كذا. . . ومن شعره قوله، وقوله، ~~وقوله، وكان الناس لا يعلقون حساب أعمالهم على سنة ولادته ولا سنة وفاته، ~~فما عدوت أن نشرت لهم من ذلك الميت صورة ميتة أيضا! # ولعلك تذكر أيها العزيز ما بسطته في المقالة الأولى من نمط التأليف الذي # جرى عليه المعاصرون في ذلك، وكيف يجيئون بالطم والرم ولا يميزون # خبيثا من طيب، وهم مع ذلك يظهرون الاستبصار فيه ويتكلفون التبجح به، وقد ~~قيل في رجل محروم منحوس الحظ يتعاطى مثل هذا الشأو من الطمع والرغبة: # إنه ما رئي أحد عشق الرزق عشقه ولا أبغضه الرزق بغضه، وكذلك أرى # أصحابنا وأولى لهم! # ألم يكن في الأدب إلا بعض فصول التاريخ ومختارات النظيم والنثير، ثم # PageV01P065 # يمسح القلم ويرسل الكتاب وفي صدره اسم صاحبه يسعل به في الناس كما # يسعل المصدور، وأنت لو تصفحت الكتاب واعتبرت بعضه ببعض لرأيته على ما ~~احتفل فيه كورم الأنف في غير الكريم: يبلغ ما يبلغ به الغضب ثم ينحل بكلمة ~~للزجر والتأنيب، أو صفعة للمؤاخذة والتأديب! # ولقد أستشف أن القوم إنما يريدون في تأليف ذلك "الكتاب الوافي " هذا # النوع الذي يسميه الظرفاء من أهل الصحافة "التحرير بالمقص"، فمن كل كتاب ~~فصل إلى فصل حتى تجتمع كلها في كتاب. # فإن لم يكن مرماهم إلى هذا ولا إلى قريب منه، فما هذا الموعد الذي # ضربوه أجلا "للمسابقة" وما بالهم تعجلوا آخرا بقدر ما أبطاوا أولا دون أن ~~يزنوا صواب العجلة بخطأ الإبطاء. # ونحن إنما أخذنا عليهم أنهم - بدأوا - بتدريس # الآداب الأجنبية وحدها، فإما أن يكونوا قد انححطوا في هوى، أو شالت كفة ~~الرأي منهم أو لهم غرض يتربصون به أسبابه وذرائعه، فلو أنهم إذ أخطاوا في ~~الأولى أصابوا على قدر ذلك في الثانية، لكان الأمر بينهما ولخرج آخره كفارة ~~لأوله. # أما وقد نشروا الدعوة إلى أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا # يستقدمون، ووثقوا من أنفسهم بأول ms057 خاطر ظنوه صوابا، وأملوا في مهب الريح ~~أو غبرة توهموها سحابا - فقد صار لنا أن نظن أنهم لم يتبينوا مواضع النفرة ~~في ذلك النمط السخيف المبتذل فكان بعيدا عليهم أن يوافقوا مكامن الرغبة في ~~الممتع الممتنع. # اعتبر ذلك بأنهم على الأغلب سيعهدون بتدريس الكتاب لغيره مؤلفه. # فيكون الحاضر لديهم كالغائب عنهم، ولا فضل لدارهم إلا أنها مصدر التلقين، ~~فإذا طبع الكتاب صارت كل مكتبة في حكم الجامعة، لأن العلم هو الكتاب لا ~~الذي يلقيه، وإلا فما بالهم لا يعهدون بالتأليف لمن سيعهدون إليه بالتدريس؛ ~~وهل يقتصرون على أن يكون من كفاية الأستاذ القدرة على إلقاء درسه دون ~~القدرة على استنباط الدرس واستجماع مادته، حتى لا يزيد على أن يكون هو بين ~~تلامذته التلميذ الكبير. . .؟ # ثم من هم أولئك الذين سيحكمونهم في التفضيل والتنظير والمقايسة بين # الكتب الوافية التي تنتهي إليهم؟ # لا جرم أن أولى الناس بالحكم أبصرهم بالمحكوم فيه، وإلا كان حكمه في ~~الخصومة خصومة أخرى تحتاج إلى حكم # من غيره، وليس أولئك المحكمون في وزن من فرضت لهم الطاعة والتسليم # على الناس كفئة الفضاة في الشرع والنظام، فلا يكون ثمة دليل على كفايتهم # PageV01P066 # للحكم إلا تسليم الأدباء لهم بهذه الكفاية، وإذا كان ذلك فلم تنفض إدارة # الجامعة يدها من قوم هم رؤساء الصناعة وظهور مناصبها العالية وألسنة ~~الحكم فيها، ثم تلتمس من ضعف الأفراد ما لم تؤمله في قوة الجماعة، وهي تعلم ~~أن الحمل الذي تتوزعه الأكف يهون على الرقاب؟ # هذه - أصلحك الله - بعض أسباب الفساد في ذلك الاقتراح، فإن كانت # فيه جهة صالحة لم تنكشف لي فذلك لأن هذا الأمر عندي أمر ليل مشتبه # مظلم، وما أحتسبك الآن إلا وقد ضننت - بسبعة أشهر - من عمري وعرفت أني ~~سأكون من قراء الكتاب ومنتقديه إن شاء الله، لأني وإن كنت أحمل القلم غير ~~أني لم أعوده أن يكون ناسخا يتمسك بحرف الكلام، ويمشي في الكتاب مشية ~~الضرير لا يستفيد من ضوء ولا يستضيء من ظلام، فأما وقد أرادوا القلم على ms058 ما ~~أرادوه، فالسلام على الأقلام. # PageV01P067 ### | الدكتور طه حسين وما يقرره # تفضل الأستاذ الدكتور طه حسين بإلقاء محاضرته على تأثير الوثنية # واليهودية والنصرانية على الشعر العربي، وانتهى إلى نتيجتين: ### | 1 - # أن لا تأثير للوثنية واليهودية والنصرانية على الشعر العربي، والجاهلي # منه على الأخص. ### | 2 - # أن ما وجد من الشعر مشتملا على مبادئ الوثنية أو اليهودية أو # النصرانية إنما هو مدسوس على من نسب إليهم، وإنه لم يكن موجودا في # عصرهم. # وأرجع هاتين النتيجتين إلى ما يأتي: # ا - إن الحكام المسلمين منعوا تداول كل شعر اشتمل على مبادئ هذه # الديانات مما يخالف سنن الإسلام ومبادئه ومحوه جميعه. ### | 2 - # إن أهل هذه الملل بعد سكون حركة الفتوحات واستتباب السلم # وتيقظ الحركة الفكرية في ميدان الأدب والعلم قد دفعهم تعصبهم لشعراء ~~ملتهم السابقين إلى التقول عليهم بما لم يقولوه ونسبة أشعار إليهم لم تكن ~~من نسج بيانهم ولا هي من منتجات عقولهم. # وإننا نستمح الأستاذ الفاضل ونتقدم إليه بحق حرمة حرية البحث أن # يتفضل علينا بالإجابة على ما تلجلج في صدورنا من أثر ما قرره حضرته ~~ويفيدنا بما وسعه علمه الغزير عن المسائل الآتية: ### | 1 - # قرر حضرته أن لا أثر للوثنية واليهودية والنصرانية على الشعر العربي # لأن العرب بعد الإسلام محوا جميع الأشعار التي تشتمل على مبادئ هذه # الديانات أو على مبادئ تختلف مع الدين الإسلامي وتناقض أصوله، وهذه # تهمة لا يعزب عن فطنته أنها على جانب من الخطورة لا يصح السكوت عليها # على أنها من مقررات العلم المسلم بها، لأن الأبحاث العلمية ليست أساسها # PageV01P068 # المشاعر وقيام نزعات وميول خاصة عند من يقررها، وإنما أساسها دائما ~~اليقين الذي يطمئن إليه الباحث في بحثه ويقتنع به كل من يدلي إليه بهذا ~~البحث. # وإذا كان الأمر كذلك فليتفضل علينا الأستاذ ويقل لنا: # من من ملوك المسلمين وحكامهم هو الذي أمر بوأد الشعر الوثني # واليهودي والنصراني ومحوه؟ # من من أعوان هؤلاء الحكام الذى تولى ذلك؟ # وكيف كانت طريقة المحو؟ # وهل كتب لها النجاح في كل بلاد الإسلام؟ ms059 # وهل لم تجد لها في البلاد الأخرى ملجأ إليه؟ # وهنا نستلفت حضرته إلى أن الشعر كان يتناقل بالرواية وتعيه صدور # الحفاظ، وأن هؤلاء الحفاظ كانوا على ما وصل إليه علمنا في أكثرية ممن # يعرفون القراءة والكتابة، وأنه إذا كان لحاكم أيا كان أن يمحو ما حوته ~~بطون # الكتب فكيف السبيل له أن يذهب بما وعته صدور الحفاظ من أهل هاته الملل # وأن يعقل ألسنتهم عن أن ينقلوا إلى أهل ملتهم من بنيهم ومعاشريهم # ومخالطيهم وأصدقائهم والى غيرهم ممن لهم ضلع معهم من صداقة أو صلة # علمية؛ وهل بعد هذا يمكننا أن نسلم بأنه لم يتسرب إلينا من شعر هاته ~~الملل # شيء أصلا؟ # وهل بعد هذا يمكننا أن نسلم في راحة من الضمير أن ما نسب إلى شعراء # هاته الملل من الشعر المشتمل على مبادئ دياناتهم واعتقاداتهم ليس هو من # شعرهم وأنه ملفق كله ولا يشتمل أي مأثور من أقوالهم؟ # وإذا تجوزنا وقلنا باحتمال الشك فيما نقل إلينا من الأشعار المنسوبة إلى # هؤلاء القوم، فهل لا يحسن بالأستاذ أن يبين لنا مميزات الشعر الجاهلي # والأموي والعباسي بحيث يمكن التفريق بين كل منهم في كل فن من فنون # الشعر؟ # وهل له أن يبين لنا أن هاته الفروق هي من الأصول الثابتة لم يخرج عليها # أحد من أهل تلك العصور؟ # وهل لم يكن بينهم - على ما نعهده في رجال الأدب من معاصرينا من # PageV01P069 # ميل إلى الغريب والمهجور ويتعمد التعقيد في العبارة أو يميل إلى ~~الابتذال. # وأنه لم يكن ثم من بينهم المتعصب إلى القديم والثائر عليهم المتعشق لكل # جديد؟ - # وهل يحسن بالأستاذ أن يبين لنا ما طباع كل شاعر ممن نسب إليهم هذا # الشعو كالأعشى وزهير وعبيد بن الأبرص وغيرهم من أصحاب المعلقات # وشعراء الجاهلية؟ # وهل له أن يتنبأ لنا عما قام بنفسه وما كان يتملكه من الإحساس طول # حياته، في غضبه وحلمه، وزهده وتفاخره، وسرائه وضرائه، وما تكيفت به ~~نفسيته في حله وترحاله، وصحته ومرضه وجده ومجونه، وعبثه ولهوه، وفرحه ~~وحزنه، وعبادته ms060 وعمله، وشبابه وهرمه؟ # وأن يبين لنا وجه استحالة أن يصدر منه ما نسب إليه من الشعر؟ # أظن - وليعذرني الأستاذ في ذلك - أن الوصول إلى شيء من هذا الذي بيناه ~~ليس هو الشيء الهين إن لم يكن من المستحيل، وبعبارة أخرى أنه يستحيل الجزم ~~بحال من الأحوال بأنه لم يصدر من واحد من هؤلاء أي شعر مما هو منسوب إليه ~~الآن. # وإذا كان الأمر كذلك كان من المستحيل أن يقرر بطريقة علمية وعلى وجه # الجزم واليقين بعدم تسرب شعر أهل هاته الديانات إلينا، وأن الموجود منه ~~بين # أيدينا متقول على أصحابه. # وهناك دليل آخر نسوقه إلى حضرته، وهو أن دينا يحث على نشر العلم # ويزهو نبيه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "أنا مدينة العلم" # يستحيل عقلا أن يعمل على دثر آثار شعراء # هاته الديانات لمجرد مخالفة مبادئهم لمبادئه، فقد جاء في الكتاب العزيز # (لكم دينكم ولي دين) . # كما دلت الآثار على أن المسلمين كانوا على فهم تام لهذا # المبدأ، إذ بينما يحرم دينهم الخمر ويلعن رسولهم شاربها وحاملها وساقيها # تراهم قد وسعت صدورهم ما ضمنه الشعراء عنها في أشعارهم، بل زاد بهم # التسامح حتى أن زعيم المتصوفة والكثير منهم أتوا بخمريات في أشعارهم، في # حين أن هؤلاء من لا مطعن عليه في دينه ولا مطعن في أخذه بمبدأ تحليل # الخمر! # والأبلغ من ذلك تلك القصائد الكبيرة التي تضمنتها مجموعات الأدب # الكبرى والطبقات الوافية من كتبه المعتبرة، كالأغاني والأمالى والعقد ~~الفريد. # PageV01P070 # وغيرها، مما هو صريح في مسائل الملامسة والغزل. # وما ورد في المساحقة وغيرها من مسائل الاختلاط الشهواني والتعبير عن ~~وسائل هذا بألفاظ هي غاية في الصراحة، وبالأخص في خروجها على آداب الدين ~~ومبادئه وهي مع ذلك لم يمتنع تناولها ولا أمكن توقيف تيار تسربها من ~~قائليها إلينا مع طول الفترة التي تفصل بيننا وبينهم. # وسواء قلنا بأن هذه الأشعار وصلت إلينا بسبب تسامح المسلمين أو بسبب # استحالة عملية الوأد والمحو، فالنتيجة المنطقية لذلك واحدة، وهي أنه لا ~~يمكن التسليم بحال من ms061 الأحوال بما أراد حضرته أن يصل إليه وهو أن جميع ~~الشعر المنسوب إلى شعراء الملل غير الإسلامية في الجاهلية على الأخص هو شعر ~~مدخول عليهم مدسوس بحكم التعصب ونعرة الانتصار لأهل الملة. # هذا وإن مجرد القول بعدم وجود شعر لأهل الملل غير الإسلامية من # شعراء الجاهلية وعصور الخلفاء الراشدين ودولتي بني أمية وبني العباس هو ~~قول يناقضه الواقع، ويكفينا ما حكاه الأستاذ الفاضل في محاضرته بأن هناك ~~مجموعة كبيرة اسمها: شعراء النصرانية، وأن هناك طائفة أخرى منسوبة إلى ~~شعراء أهل الملل والديانات الأخرى، إذ الأصل في الناس إذا ما رووا أن ~~يحكموا الصدق، ولا يصح نسبة الكذب إليهم لغير علة ظاهرة. # وكل رواية لا تناقض العقل ولا تتنافى مع المشهور عن أخلاق من نسبت إليه ~~والمتعارف من عاداته وطباعه ووسطه الذي نشأ فيه وببيئته التي تربى في ~~أحضانها، لا يمكن ولا يصح أن يسلم بالشك فيها، كما أنه لا يتفق مع كرامة ~~العلم واعتلاء عرش الأستاذية أن يتبرع الأستاذ بسرد التهم جزافا إلى طوائف ~~وجماعات بغير حجة قائمة عليهم تبعث اليقين إلى كل من عرضت عليه من أهل ~~الحصانة، ومن باب أولى إن الأمانة تقضي بالتريث في الحكم بالإدانة في أية ~~تهمة لأن من ألزم اللزوميات لمبادئ العلم رجوعها إلى قضايا يقينية وإلا ~~فقدت قيمتها، لأن ما يرتكن على # قضايا تخمينية أو تصورية إنما يرتكن على أساس لا هو بالمأمون ولا هو محل # للثقة والاعتبار. # وإذا كانت هذه هي المبادئ الأولية المسلم بها في كل بحث علمي # الواجب اتباعها عند الحكم على أية مسألة من المسائل، فإن اتهام العرب من # المسلمين أو حكام دولهم بأنهم محوا الشعر المشتمل على مبادئ لأهل الوثنية # واليهودية والنصرانية تختلف عن مبادئ الدين الإسلامي - هو قول لا يرتكن # إلى شيء من الحقيقة اليقينية، وكان أيضا القول بتلفيق كل الموجود من شعر # PageV01P071 # هؤلاء القوم مما هو منسوب إلى العصر الجاهلي أو الأموي أو العباسي هو # الآخر قول لم يقم الدليل على صحته، فضلا عن مخالفته لمقتضى ms062 المعقول # الذي يجزم باستحاله منع تسرب شعر هؤلاء القوم. # وأظنني وقد وصلت إلى عكس ما ذهب إليه الأستاذ، ولم يطاوعني لا # ذمتي ولا ضميري على مشايعته في حكمه القاسي الذي حكمه، قد بينت # لحضرته مثار الشك في كل ما قرره. # عباس فضلي # القاضي بالمحاكم الأهلية # قلنا وقد نشرنا هذا المقال بحروفه لأنه كان سببا في أن الدكتور طه حسين # أسقط من كتابه ما كان قرره في الجامعة مما أشار إليه صاحب المقال حتى # لتستطيع أن تضع يدك على مكان التمزيق من تلك المرقعة. . . # ولم يرد "طه" على هذا المقال ولكن ردت الطاء من طه. . . # فكتب لأحد تلاميذه أو كتب أحد تلاميذه، وهو وتلميذه كما قيل في حمار ~~الأخطل: # هو وذيل حماره سواء! # PageV01P072 ### | التاريخ لا يكون بالافتراض ولا بالتحكم # لا أريد أن أناقش أحدا ولا أن أسمي أشخاصا ولا أن أحمل على باحث أديب # بتجهيل وإنما ألمح من خلال الكتابات التي يجود بها بعض أدباء، الوقت - ~~منزعا؛ وإن كان في حد ذاته محمودا فقد ينقلب في إساءة استعماله مذموما ~~ويصير ضلالا. # ولع بعض الأدباء باتهام التاريخ الإسلامي الذي لدينا وسلوك طريقة في # التعليل لم يسلكها الأولون، ارتيادا لوجوه جديدة وأسباب للحوادث لم تكن # معروفة، بحيث يقال: إنهم كشفوا حقائق تاريخية لم يعرفها غيرهم أو عرفوا # أسرارا أعماها التاريخ الديني أو عمتها السياسة وأهواؤها على الجمهور. # ويسمون ذلك تمحيصا وتحقيقا، ويظنون أن التمحيص والتحقيق هما مجرد # المخالفة والخروج عما عليه الرأي العام. # والحقيقة أنه إن كان مقصدهم مجرد المخالفة وتغيير الأسلوب لعدم الصبر على ~~طعام واحد فقد أصابوا الغرض. # ولكن إن كانوا يزعمون أن هذه التعليلات الغريبة هي الأصل في تلك الوقائع # فليسمحوا لنا أن نستعفيهم من التصديق لأننا نعرف التاريخ بالأدلة العقلية # والنقلية وملاحظة ما سبق وما لحق واستنباط النتائج من المقدمات، ولا ~~نعرفه # تخرصات وافتراضات وأبنية على غير أساس، فإن كان هذا هو التمحيص # التاريخي الذي يتوخى بعض العصريين أن يقلد به الإفرنج فلا كان هذا # التمحيص الذي هو عبارة ms063 عن قلب الحقائق لأجل الإتيان بالبدع، ويجهل علماء ~~الإفرنج عن أن يكون تمحيصهم من هذا النمط، وقد خلط منهم من خلط في معرض ~~التمحيص ولكن نبه المدققون منهم على أنهم خلطوا. # فعندما يقوم واحد فيذهب إلى أن تاريخ حرب اليمامة محاط بالغموض. # وأن مقاتلة أبي بكر لأهل الردة لم تكن من أجل إقامة الدين بل من أجل ~~تأسيس # PageV01P073 # الملك، وما أشبه ذلك من التوجيهات التي لم يقم عليها أدنى دليل - نعلم ~~أنه # حاول أن ينهج مناهج الممحصين فظن التمحيص مجرد الخروج عن الإجماع # ولو كان الإجماع صحيحا، فلم يصب المرمى. # وعندما يقوم آخر فيدعي أن السلف في صدر الإسلام وضعوا "سانسورا" # على الشعر الجاهلي المشرب مبادئ الوثنية أو النصرانية أو اليهودية - نعلم ~~أن هذه الدعوى مبنية على الافتراض والتخيل، وأنها لا تستند على دليل بل ~~الواقع يناقضها من كل الجهات. # أعجبتني جدا عبارة الذي رد على هذه الفئة فقال لهم: "من من ملوك # المسلمين وحكامهم أمر بوأد الشعر الوثني واليهودي والنصراني ومحوه؟ # من من أعوان هؤلاء الحكام تولى ذلك؟ وكيف كانت طريقة المحو؟ # وهل كتب لها النجاح في كل بلاد الإسلام؟ . . . الخ ". # والحقيقة أنه ليس لهم من جواب على هذا السؤال، ولا حيلة لهم في التخلص # منه إلا بإيراد أدلة واهية لا تدفع شيئا من حقيقة حرية الرواية في ذلك ~~العصر ومن كون بابها بقي مفتوحا على مصراعيه؛ ولا تنفي أن عصر الصحابة لم ~~يعرف "السانسور" ولا مراقبة الرواية، رلا كم الأفواه، ولا شيئا من أوضاع ~~"ديوان التفتيش ". # وإذا تأملت في كلام هذه الفرقة رأيتهم يشيرون من طرف خفي إلى نزول # درجة الحضارة التي كان عليها الصحابة، وأن شرائعهم وقوانينهم إنما كانت # شرائع قوم في طفولة المدنية، وأنها "لا تمس الحياة إلا قليلا"، وما أشبه ~~ذلك، ثم ينسون أن مراقبة الكتابات والروايات إن هي إلا من أوضاع الهيئات # الاجتماعية المتمدينة التي استبحر فيها العمران وتأثل الملك، وأن ~~"السانسور" # لا يأتي مع بداوة المجتمع ولا يعقل وجوده في أيام السذاجة كالتي ms064 عاش فيها # النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة رضوان الله عليهم. # فمراقبة الكتب والخطب كانت تقع في رومية والقسطنطينية لعهد عظمة # القياصرة، وفي أيام سلطة الباباوات، وفي عهد ملوك فاتحين ك لويس الرابع ~~عشر، وقد بالغ فيها نابليون الأول ثم الثالث، وقد وقعت من أيام العرب في ~~عهد العباسيين وغيرهم من ملوك الأعاجم، أو الملوك العرب الذين اتخذوا أطوار ~~الأعاجم، فأما القول بأنها كانت في عهد الخلفاء الراشدين وفي أيام الصحابة ~~فمحض تحكم ومكابرة. # PageV01P074 # نعم كان هؤلاء الناس من شديدي التحمس بالدين الجديد الذي جاءهم به # محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولكن حماستهم هذه لم تقلع ما في قلوبهم من ~~حب الحرية التي نشأوا عليها في الجاهلية والتي لا يوجد في الشرق ولا في ~~الغرب أمة بلغت شأو العرب فيها، ومن قال: # "إن العرب أعرق الأمم في الحرية" فغير مبالغ، لهذا تجدهم رووا # بألسنتهم وكتبوا بأقلامهم جميع مطاعن المشركين في النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وصحبه ولم يخفوا منها قليلا ولا كثيرا، ونقلوا الشبه والاعتراضات ~~التي كانت تقع على الرسول - صلى الله عليه وسلم - ورهطه، وذكروا كثيرا مما ~~كان يرد به بعض العرب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكيف أن اثنين ~~تخاصما إليه فحكم لأحدهما، فقال المحكوم عليه: هذا حكم لم يرد به وجه الله، ~~فقال عليه الصلاة والسلام: # " أوذي موسى من قبلي بأكثر من هذا" # وغير ذلك مما هو مستفيض في كتب السيرة النبوية وأخبار صدر الإسلام، ومما ~~رواه الرواة المسلمون وحرره الكتبة المسلمون وأقرأه العلماء المسلمون، ولم ~~يكن عندهم حرج في نقل تلك الأحاديث وإبرازها كما جاءت، لأنهم كانوا على ~~بينة من دينهم الذي دانوا به، وكانت قلوبهم مطمئنة بالإيمان، وكانت سيرة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - معلومة # عندهم بدقائقها، فلم يكونوا يحتاجون فيها إلى "السانسور" درءا للشبهات ~~عنها وخوفا من أن يفضي تدأول هذه الروايات إلى زعزعة عقيدة الإسلام التي لم ~~تكن منذ بها جاء بها صاحبها - صلى الله عليه وسلم - إلى اليوم على شفا ms065 جرف ~~هار. # إن الإسلام مولود رزق الصحة ووثاقة التركيب منذ ولادته. # نعم في هاتيك الأيام وما يليها كانوا يردون أهاجي بعض الشعراء للصحابة # والأنصار و "لبني النجار" وفي تلك الأيام كان يعاتب الرسول ويقال له: # ما كان ضرك لو عفوت فربما. . . من الفتى وهو المغيظ المحنق # في أيام السلف كان ينادي الأخطل: # ولست بصائم رمضان عمري. . . ولست بآكل لحم الأضاحي # ولست بقائل ما عشت يوما. . . قبيل الصبح حي على الفلاح # كان يقول هذا ويدخل على الخلفاء ويجيزونه الجوائز السنية، وكان هو # وغيره من النصارى واليهود يفتخرون بدينهم ويعلنونه في أشعارهم التي كان # يرويها المسلمون ويقيدونها في دفاترهم، ولما جاء الملك النعمان ابن ~~المنذر # رجل نصراني في اليوم الذي كان عنده يوم بؤس وأمر النعمان بقتله، استماحه ~~النصرانى مهلة أن يذهب ويودع أهله، فأذن له، على أن يقدم كفيلا يحل محله فى ~~القتل إذا هو لم يرجع، فرجع، وتعجب النعمان من وفائه، فسأله: # PageV01P075 # ما حملك على الوفاء؟ # فأجابه النصراني: حملني ديني! # فقال له النعمان: وما دينك؟ قال له: النصرانية. # وتنصر النعمان بعد هذه فكانت هذه الرواية مما حرره المسلمون ولم يغمطوا ~~النصرانية حقها، ولا غمطوا اليهودية أيضا حقها، وأجمع العرب المسلمون على ~~نقل مآثر السموأل وكان السموأل يهوديا، وما زال السموأل مضربا للأمثال في ~~علو النفس وكرم السجية إلى يومنا هذا، حتى قال شوقي - # شاعر العصر - منذ أيام قلائل: # كأ من السموأل فيه شيئا - فكل جهاته كرم وخلق # فكيف يكون المسلمون الأوائل حاولوا خنق كل صوت غير صوتهم ومحو # آثار النصرانية واليهودية والوثنية من شعر العرب؟ # ثم إن شعر شعراء النصرانية في الجاهلية يملأ الدواوين، وما منهم إلا من # حرص علماء الإسلام على التنبيه أنه كان نصرانيا، وقد نقلوا خطب قس بن # ساعدة الذي كان مطرانا، ونقلوا ثناء النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وأما كون ديوان شعراء النصرانية المطبوع في بيروت موضوعا وأن الشعراء # المروية أشعارهم فيه لم يكونوا نصارى بل جعلهم صاحب الديوان نصارى وهم ~~جاهليون لا غير، فمن يقول ms066 هذا، ومن يصل به المراء إلى إنكار أن أكثر أولئك ~~الشعراء كانوا نصارى؟ # غاية ما يقال إن بعض أولئك الشعراء لم تثبت نصرانيتهم. # وهذا لا ينفي أن شعراء كثيرين مثل العبادي والأخطل والقطامي كانوا نصارى ~~مجمعا على نصرانيتهم، وأن المسلمين نقلوا أشعارهم كما هي، ولم يحذفوا منها ~~شيئا، وكان الشعراء المسملمون يناقشونهم ويداعبونهم، وكان جرير يقول: # قال الأخيطل أن رأى راياتهم. . . يا مار سرجس لا نريد قتالا! # فالقول بأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه لم يبقوا على أي نزعة # تخالف دين الإسلام، وأنهم طووا شعر النصارى واليهود والمشركين محض تحكم ~~لم يقم عليه أدنى دليل، بل قام الدليل على حرية الإسلام وتساهله في الدين. # ونقل رواة المسلمين ليس شعر النصارى واليهود والمشركين فقط، بل # أهاجي كثيرة قالها هؤلاء في النبي وأصحابه وأنصاره. # يا إخواننا، إنه في صدر الإسلام كانوا يتناقلون مثل قوله: # لعبت هاشم بالدين وما. . . نبأ جاء ولا وحي نزل # PageV01P076 # ليت أشياخي ببدر شهدوا. . . جزع الخزرج من وقع الأسل # روى هذا المسلمون وما زالوا يروونه، وفي زمان بني أمية كان العهد # بسذاجة الجاهلية قريبا، فكانت الحرية في القول تامة والألسنة منطلقة، ~~ومما # عزي إلى يزيد يوم جيء برأس الحسين رضي الله عنه: # مذ أقبلت تلك الرؤوس وأشرقت. . . تلك الشموس على ربي جيرون # صاح الغراب فقلت صح أو لا تصح. . . إني قضيت من النبي ديوني # ثم عزي الوليد أنه قال وقد سكر ومزق القرآن: # إذا ما جئت ربك يوم حشر. . . فقل يا رب مزقني الوليد # نعم رويت هذه الأشعار وأمثالها مع لعن قائلها، ولكنها رويت وقيدت في # التواريخ ولم تمنع روايتها، ولا كان قلم مراقبة ولا ديوان تفتيش ولا كتب ~~جائزة ولا كتب ممنوعة. # وأما عدم حرمة النبي والصحابة للشعر وقولهم إن روايته ضلال، فهذا # زعم باطل مخالف للإجماع، فقد روى النبي - صلى الله عليه وسلم - الشعر ~~واستحسنه وقال: # "إن من الشعر لحكمة" # ورواه عمر وعلي وسائر الصحابة وتناشدوه وطربوا له # وكان فكاهة مجالسهم. # وقصة كعب بن زهير ms067 مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنشاده إياه # " بانت سعاد" واهتزاز النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذه القصيدة وإنعامه ~~على كعب ببردته الشريفة - كل ذلك لا يحتاج إلى بيان، ولكن الشعر كسائر ~~الأشياء إذا أسيء استعماله انقلب إلى الضرر، وإذا كان وقع من عمر رضي الله ~~عنه - وهو من أبصر الناس بنقد الشعر # وأشدهم اهتزازا لجيده - تضييق على الشعراء، فيكون في المواطن التي أسيء # فيها استعمال الشعر وصار بابا للمشاحنات والفتن، وكما أن للخليفة طبيعة # ينعش بها إلى الأدب، ويعجب بسحر البيان، فإن عليه واجبا هو حماية # الأعراض وحفظ السلام. # أما إزراء الشعراء بالعلماء وما قاله بعض هؤلاء في الإعراض عنه والتعوذ # منه فهو من باب التورع من بعض الفقهاء، وذلك لأنهم كانوا يرون فيه مبالغة ~~وغلوا وعبثا، فأشفقوا من أن يؤثر الاعتماد عليه في أخلاق النشء ويصرفهم عن ~~العبادة؛ ولكن هذا الزهد في الشعر لم يحملهم ولا حمل الخلفاء والسلاطين # PageV01P077 # على منع قرض الشعر وروايته والتأدب به، وذلك كما أن نصرانية الأخطل # والقطامي وأمثالهما لم تمنع متأدبي الإسلام من رواية أشعارهم وحفظها ~~والتأدب # بها، وأن وثنية أكثر شعراء الجاهلية لم تحل دون انطباع طلاب الفصاحة من # المسلمين بأساليبهم ونسجهم على منوالهم، ومق من العلماء والمؤرخين # المحققين يقدر أن يقول إن أدباء العرب بعد الإسلام رغبوا عن شعر الجاهلية # وأهملوا روايته من أجل أن قائليه كانوا شركين؛ أو أن المسلمين طووا كلام # قس بن ساعدة لأنه كان نصرانيا؛ أو لم يعجبوا بقصيدة "إذا المرء لم يدنس ~~من # اللؤم عرضه " لأن صاحبها كان يهوديا؛ من يا رب يقول هذا إلا الذين يبنون ~~التاريخ على الأهواء والخيالات؟ # وقع التشدد في مثل هذه الأمور في أيام الدولة العباسية؛ لبعد العهد # بسذاجة الدور الأول، وميل هذه الدولة إلى مناحي الأعاجم، وفشو الفلسفة ~~اليونانية والفارسية والهندية في دار السلام، مما أخاف الخلفاء ووزراءهم ~~على العقيدة الدينية وحفزهم على الاحتياط لعدم انحلالها، وهذا أشبه بما كان ~~في أوروبا في القرون الوسطى، لا بل في القرون ms068 الأخيرة، لا بل بما لا تزال ~~بقاياه إلى هذه الآونة، وبرغم ما كان من هذا الاحتياط في أيام العباسيين ~~ومن في عصرهم من ملوك الإسلام فقد كان الناس يروون أهاجيهم ومثالبهم ~~ويتناشدون المطاعن الفاحشة في أعراضهم حتى في مجالس أقرب الناس إليهم، وقد ~~قال المأمون للقاضي يحيى بن أكثم: من ذا الذي يقول: # قاض يرى الحد في الزناء. . . لا يرى على من يلوط من باس # يشير إلى أن هذا البيت قيل فيه، فأجابه: هو الذي يقول يا أمير # المؤمنين: # لا أرى الجور ينقضي وعلى الأمة. . . وال من بني العباس # وقد شاعت أقاويل التعطيل والإلحاد في هاتيك الأيام برغم الضبط # والمراقبة ودونت أقوال الملحدين والدهريين. # ورويت أشعار المعري ومن في سبيله حتى ما يخالف الدين الإسلامي مثل # قوله: # وقوم أتوا من أقاصي البلاد. . . لرمي الجمار ولثم الحجر # وكثير غير هذا من أقواله، ورسالة الغفران وصلت إلينا، ولولا أنها # PageV01P078 # تدوولت بالنسخ من قراب ألف سنة ما وصلت إلينا، ولو كان هناك "سانسور" ما ~~أبقى على رسالة الغفران. # وتجادل نصراني في الدين مع أحد بني العباس، ونال النصراني من # العقيدة الإسلامية، وبلغ المأمون ذلك فقال ما معناه، ما كان أغنى ابن ~~عمنا عن تعريض دينه للطعن! # والكتاب الذي كتبه أبو بكر الخوارزمي لشيعة نيسابور أشهر من " قفا نبك. # وليس بكتاب خاص أو رسالة مكتومة، بل هو خطاب لأهل بلدة كانت من أشهر ~~البلاد، وفيه من السب لمعاوية ما فيه، ومن النعوت لخلفاء بني أمية وبني ~~العباس والخوض في أعراضهم ما لا يرد في أقذع الجرائد وهو الذي يقول عن ~~الرشيد: "هارون بن الخيزران"، وعن المتوكل "المتوكل على الشيطان لا على ~~الرحمن " وهلم جرا، وكان أبو بكر الخوارزمي في زمن بني العباس، وكان إذا ~~قال أثر الناس قوله وتدارسوه. # ولا أنفي - مع ذلك - أن الدولة الإسلامية في القرون التالية كانت تحجر # أحيانا على الفلسفة التي يراد منها التعطيل أو الالحاد، ويسمونها ~~الزندقة، فأما إزالة شعر النصارى أو اليهود أو المشركين ومنع روايته فشيء ~~لم ms069 يقع لا في زمن الصحابة ولا في أيام بني أمية ولا أيام بني العباس. # وقد ألف النصارى في تعظيم دينهم في زمان بني العباس كتبا كثيرة # وتواريخ أيدوا بها مذهبهم، وما اعترضهم أحد ولا منعت الدولة كتبهم. # وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بأن لا يجتمع في جزيرة العرب ~~دينان، وأجلى عمر النصارى واليهود عنها، فلم يكن ذلك لينقص شيئا من حرية ~~النصارى واليهود في دينهم في سائر بلاد الإسلام، بل من حرية الصابئة ~~والمجوس، وما قال مؤرخ غربي ولا شرقي إن الإسلام أكره أحدا في الدين أو منع ~~كتب الملل الأخرى. # فيا إخواننا إن التاريخ لا يكون بالظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا. # وهذا نتف من كثير، ووشل من بحر؛ ولو كانت بيدنا الآن كتب لأحلناكم على ~~شواهد لا تنتهي، فإن كنتم مع هذا تصرون على المخالفة لأجل المخالفة فليس ~~هذا مما يزيد الثقة بعلمكم، بل هو مما ينقصها، وبدلا من أن يضع العلم على ~~قواعد اليقين يضعه على قواعد أوهى من بيت العنكبوت. . . # شكيب أرسلان # رومة في مارس سنة 1926 م # PageV01P079 ### | أسلوب طه حسين # لم ينفرد الأستاذ - طه حسين بانتحال الجديد والتجديد، ولا هو أول من # زعم ذلك أو حامى عنه أو كابر عليه، فقد سبقه آخرون لكنه أول من اجترأ على ~~الأدب العربي بالمسخ والتكلف،. وقال فيه بالرأي الأحمق، وأداره على الوهم ~~البعيد، وتناوله من حيث يأخذه علما ليتركه جهلا وهو يحسب أنه آخذه جهلا ~~وتاركه علما، ثم كان أول من استعمل الركاكة في أسلوب التكرار كأنه يمضغ ~~الكلام مضغا، فنزل به إلى أحط منازله، وابتلى العربية منه بالمكروه الذي لا ~~صبر فيه، والمرض الذي لا علاج منه، وصار ذلك طبعا بالإدمان عليه، فلا يأتي ~~- بالجملة الواحدة إلا انتزع منها الانتزاعات المختلفة، ودار بها أو دارت ~~به تعسفا وضعفا وإخلالا بشروط الفصاحة وقوانين العربية. # والآفة الكبرى أنه كان يحتسب ذلك إبداعا منه في الأسلوب وإحكاما في السبك ~~وطريقة بين المنطق والبلاغة! # وإن من ms070 عجزأن يعلو لا يعجز أن يسفل، بيد أنا لم نجد ولم نعرف غير # هذا الأستاذ أحدا يرضى لنفسه أن يتمدح بالعيب، ويتحسن بالقبح، ويرفع # المنازعة مما لا نزاع فيه، فكان يزعم أنه لا ينساغ لأديب أن يرد عليه هذه # الطريقة، وأنه هو لا يحصي من قلدوه فيها، حتى رميناه في جريدة "السياسة" # بهذه الكلمة التي تراها فجعل من بعدها يتحفظ على نفسه ويتوقى التكرار # بجهده، وقد أثبتنا الكلمة لأنها ستأتي الإشارة إليها، ثم لأنها مما يحسن ~~أن # يحفظ للتاريخ ليعرف من بعدنا كيف كان "جديد" من قبلهم.. وترى الكلمة # على طريقة السؤال والمداراة في وجه غير النقد أو التصريح، لأن الأستاذ ~~كان يتولى "صحيفة الأدب" في جريدة "السياسة" الغراء ويقوم على كل ما ينشر ~~فيها، فكان لا يجيز إلا ما أراد نشره أو وقع من نفسه موقعا، وليس مع رأيه ~~في ذلك رأى ألبتة، فاحتلنا عليه بتوجيه الخطاب وجهة لا ينفر منها وإن لم ~~يأنس إليها، ولا ينكر إن لم يقرها، وجازت عليه الحيلة فوقع فيها ثم فطن لها ~~من بعد، نبهه صديق كنا حكيناها له فأسرها في نفسه. # PageV01P080 # إلى الأستاذ الفاضل الدكتور طه حسين. # عرفنا أنك تدعو إلى نمط جديد في الكتابة تنتقل به أساليب الإنشاء أو # تتغير به رسوم هذه الأساليب أو تعفو طرائق هذه الرسوم، وأن هذا مما تبعث # عليه سنة التطور لأنه فصل ما بين القديم والحديث، ثم هو هو الذوق الأدبي # الجديد الذي تزعمه والذي يختلج إليه الطبع في هذا الزمن وتقتضيه ضرورة # العلم والاتساع فيه، والأدب والتحقق فيه، واللغة والرغبة في إحيائها. # وقد كشف لنا الأستاذ الفاضل ومن يجاهدون في سبيله ويكتبون على # طريقته أو يحتذونها - عن حقيقة ذلك النمط وعرضوا أمثلة، وحققوا معنى # مصاحبة الطبع ومفارقة التكلف في هذه اللغة الفصحى التي لا يولد أحد فيها # ولا ينشأ أحد عليها. . . وبينوا كيف يكون الكاتب حضريا في رأيهم وكيف # يتسمح لهذا الذوق ويترفق فيه، ويتظرف به، وكل ذلك بما كتبوا ويكتبون من ~~هذه المقالات ms071 السائغة اللينة الحلوة. . . التي تسرع في تلاوتها إلى الطبع ~~بأشد مما تسرع كتابتها إلى المطبعة، غير أني حفظك الله رجل قد جعل الله ~~فيما جعل من محنتي وبلائي أني داثب على الاستقراء لهذه اللغة والتتبع ~~لأساليب الكلام فيها، مما يسمح أو يلتوي، ومما يأبى أو ينقاد، ومما يتسهل ~~أو يتوغر، ومما يؤمن به عصر ويكفر به عصر آخر، لأن فلسفة ذلك باب من أبواب ~~كتاب أضعه، ولكني في كل ما قرأت من بدء اتصال الرواية بالعرب إلى اليوم لم ~~أصب مثل هذا الأسلوب الذي تكتب به. كقولك في صدر قصة المعلمين التي نشرتها ~~"السياسة" اليوم "نعم قصة المعلمين، فللمعلمين قصة وللمعلمين قضية، وكنا ~~نحب ألا تكون للمعلمين قصة وألا تكون للمعلمين قضية، لأننا نربأ بمقام ~~المعلمين عن أن تكون لهم قصة أو قضية، ولكن أراد الله ولا مرد لما أراد ~~الله أن يتورط المعلمون في قصة، وأن يتورط المعلمون في قضية، ليست قضيتهم ~~أمام المحاكم وإن كانت أوشكت في يوم من الأيام أن تصل إلى المحاكم. # وليست قصتهم مفزعة مهلعة (كذا كذا) وإن كانت أوشكت في يوم من الأيام أن ~~تكون مفزعة مهلعة". # فهذه عشرة أسطر صغيرة دار "المعلمين" فيها عدد أيام الحسوم. . . # وحكيت "القصة" ست مرات، وكان "للقضية" ست جلسات، غير ما هناك من مفزعة ~~ومهلعة قد أفزعت وأهلعت مرتين وكير ما بقي مما هو ظاهر بنفسه. # PageV01P081 # ولا ريب أن الأستاذ إما أن يكون قد نحا بهذا نحوا لا نعرفه وقصد إلى وجه ~~لم # نتبينه، فهو يدلنا عليه لنجريه فيما أجرينا من أساليب البلاغة ونؤرخ له ~~في الذوق الجديد، وإما أن يكون عند ظننا به في اعتبار هذه الكلمات رقى ~~وطلاسم للتسخير بقوتها وروحانيتها. . . فإذا قرأ المعلمون هذه المقالة عشر ~~مرات انحلت المشكلة وجاءهم الرزق وهم نائمون، ولكن يبقى يا سيدي أن تختم ~~الكلام بعد هذه الهمهمة والغمغمة بقولك. # الوحى الوحى العجل العجل الساعة الساعة. . . والسلام. # PageV01P082 ### | القنبلة الأولى # ولما أهدينا إلى جريدة " السياسة " كتابنا ### | "رسائل الأحزان في فلسفة الجمال ms072 # والحب"، # كتب عنه الدكتور طه حسين في صحيفة "الأدب" - بعد مجلس كان لنا معه عند ~~رئيس التحرير أغضبناه فيه بقولة الحق - فما زاد في كتابته على المماحكة ~~والسفه وما عرف به من التحامل وزعمه أنه لم يفهم الكتاب، وهذا الزعم حلة ~~قديمة فيه، لا يبالي معها أن يباهت بها نفسه ويزري على عقله ورأيه، فقد كتب ~~في سنة 1912 في "الجريدة" نقدا لكتابنا "حديث القمر" كان كله دائرا على أنه ~~لم يفهم من الكتاب شيئا، ولما جرى يومئذ في كلامه ذكر الجزء الأول في ~~كتابنا "تاريخ آداب العرب" قال فيه # "هذا الكتاب الذي نشهد الله على أننا لم نفهمه أيضا ثم جاء هو نفسه في ~~سنة 1926 فخص هذا الجزء الذي أشهد الله على أنه لم يفهمه، بأجمل الثناء ~~ونوه به أحسن تنويه في كتابه " الشعر الجاهلي " فتأمل وأعجب! # وقد رددنا في "السياسة " على نقده للرسائل بهذا الفصل، وهو أول ما # نشرته "السياسة" نقدا صريحا على الأستاذ الفاضل، وكانت قبل ذلك في يده # كالقلعة المحصنة، تخرج منها القذائف ولا تدخل إليها. . . # PageV01P083 ### | رسائل الأحزان في فلسفة الجمال والحب # إلى الأستاذ الفهامة الدكتور طه حسبن # يسلم عليك المتنبي ويقول لك: # وكم من عائب قولا صحيحا. . . وآفته من الفهم السقيم! # ولقد رووا أن كيسان مستملي أبي عبيدة كان يكتب غير - ما يسمع، ويقرأ # غير ما يكتب، ويفهم غير ما يقرأ؛ وكنت أحسب الخبر موضوعا يتملح به # للظرف والنكتة؛ أو معدولا به عن وجهه إلى ناحية المبالغة، ولكني رأيت فيك ~~دليلا على أنه إن لم يكن صحيحا فليس بعيدا، وإن لم يكن واقعا فليس يمتنع، ~~أكتب إليك فتفهم غير ما تقرأ، وأحدثك فتحسب غير ما تسمع، وأراك إذا انتقدت ~~كلامي دارت بك الأرض حول نفسك فأخذتك الغشية ولم يبق في الألفاظ ولا في ~~المعاني ولا في الأساليب ولا في الشعر ولا في النثر إلا صورة تمر بسرعة ~~دوران الأرض فلا تتبين منها شيئا ولا تفهم منها شيئا! # هن ثلاثة أيها الفاضل؛ فإما طبيعة في ms073 النفس مبنية على المكابرة والمراء # لا تبالي معها أن تحذف العقل وتسقط الخلق وتمتهن الكرامة، وتقول هذا # الذهب حجر وهذا الحجر ذهب، وتمضي في تعليل ذلك وإقامة الدليل عليه # والدفع عنه، ثم اللجاج والسفسطة وإثبات المنفي ونفي الثابت كما يفعل كل # أهل الجدل في غير طائل ولا منفعة إلا غلبة ثرثرة على ثرثرة، وإما طبع في # الكتاب مستوخم بارد تجذب إليه أصول ضعيفة في الخيال والفكر، فلا يرتفع # ارتفاعا ساميا وانما يسف ويخبط؛ وإما عقل لا كالعقول. # ونسأل الله السلامة. # فما من واحدة من هذه لك بد! # قرأت يا سيدي ما كتبته عن "رسائل الأحزان " مما أتسمح في تسميته # نقدا، وألممت بالغاية التي أجريت إليها كلامك، وما كان يخفى علي أن في # الحق ما يسمى تعسفا، وفى النقد ما يدعى تهجما، وفى المنطق ما يعرف # PageV01P084 # بالمغالطة، وفي كل صناعة ما هو انتحال ودعوى وتلفيق؛ وإلا ففيم يخالف # بعض الناس على بعضهم، وكيف ترى الرجل الذي لا بأس بعقله يكون عليه # الدين مؤكدا بالايمان والوثائق حتى لا سبيل إلى إنكاره ثم ينكره ويحلف ~~على # ذلك ويكابر فيه كان الذي حلف به عندما أخذ منك غير الذي يحلف به عندما ~~أنكر عليك، ثم يدبرك معه على كل أساليب الباطل ويمر بك في كل قضايا ~~المغالطة، وإن في دمه ولحمه لو شق عنه لأنطقه الله بأنه كاذب! ولعمري لقد ~~كنت تكتب غير ما كتبت لولا أنك سمعت مني ما سمعته في تخطئتك والرد عليك حين ~~قام الجدال بينك وبين الأستاذ هيكل؛ ورأيتك وقتئذ تكاد تبتلعك ثيابك، وكان ~~كلامي منك كالماء يسقي شجرة الحنظل المر فما يزيد إلا مرارة. # ولو عقلت أيها الشيخ لعرفت أني أغضبتك عامدا متعمدا، وأفرطت عليك حتى ~~اقتلعت نفسك من المجلس اقتلاعا، وما أردت بذلك إلا أن أعرف مبلغ # إنصافك، وأمتحن هذه الحرية التي تدعيها في كل ما تكتب، فإنه ليس ينفعني # أن تثني على، وليس يضرني أن تجهد في ذمي، ولا أنا أحفل بشيء من ذلك، وما ~~أحسبك تظنني ms074 ألتوي في يدك أو ألين لغمزاتك، فقد بلغ من إنصافك حين تغضب أن ~~تنفس علي كلمة واحدة من اللغة فلا تذكرني بها، فقلت فيما علقت على كتاب ~~الأستاذ هيكل "أنكرت عليه استعمال كلمة مهوب بالواو لا بالياء، ونبهني " ~~بعض الأدباء" إلى أن هذا الاستعمال صحيح، فرجعت إلى المعاجم، فمن الذي نبهك ~~وردك إلى المعاجم؟ ولماذا لم تذكر اسمه وحقدت عليه حتى في الصواب الذي ~~تعترف به، وأنت قد اندرأت عليه طعنا في ثلاثة أنهر من الصحيفة التي تقول ~~فيها هذا القول، أفيشق عليك أن تذكر لي حسنة واحدة في كلمة كنت لا تعرفها، ~~ثم تسمي نفسك بعد ناقدا حرا منصفا وتريد أن يقبل الناس منك ويستمعوا لك ولا ~~يعرفوا الذهب ذهبا صحيحا حتى ينظروا " دمغتك " # عليه، ولا الجوهر جوهرا كريما حتى يسمعوا شهادتك فيه. . .؟ # ثم أنزلت نفسك منزلة دون هذه وكنت والله أرفعك عنها، فقلت # "كنت أصف العقاد في فصل مضى بشدة الغموض أحيانا، وقد مضى الأستاذ الرافعي ~~عن هذا الفصل وأنباني أنه لم يرض عن شيء مما كتبت كما رضي عن هذا الفصل" ~~ولكن كيف أنبأتك هذا النبأ، بل متى تفهم دقائق الكلام وأغراضه وتكون حكيما ~~في سياسة المعاني وأساليب الفكر؟ لقد كتبت إليك وإنه لم يعجبني شيء مما ~~قرأت لك ما أعجبني ما كتبته في هذا الأسبوع والذي قبله " أي انتقادك من ~~انتقدت: فلانا وفلانا وفلانا والعقاد جميعا لا العقاد وحده كما # PageV01P085 # تزعم، وهذا هو ظاهر اللفظ، ولكن ما باطنه أيها الفهامة، فإنه يقال إن ~~للكلام ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا. # لو كنت تعرف هذا أو تفهمه أفلا تسأل نفسك لم لم تعجبني كل الفصول التي ~~كتبتها في الأدب وتاريخه وأنت تتخبط منذ سنتين # وتكتب كل أسبوع مرة، فإن سألتها فهل تستخرج من ذلك إلا أن هذه الفصول هي ~~في رأيي خلط مخلوط تركب فيها الشطط ثم تعتسف الطريق ثم تضع التاريخ كما ~~تخلقه أنت لا كما خلقه الله، وتصول على الأموات الذين لا يملكون دفعا ولا ~~ردا ولا ms075 حوارا ولا جوابا، فإذا استخرجت هذا فهل ينتج لك إلا أن إعجابي ~~بهذين الفصلين خاصة إنما كان لأنك تصادم الأحياء الذين # يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم وأن يردوك إلى الطريقة المسلوكة والنهج # القاصد إن كانوا على شيء مما يسمى به الكاتب كاتبا والأديب أديبا، ولم # يكونوا بهذا الجبن الهالع المخزي الذي ميز أبا حية بسيفه الخشبي. . . ~~وجعله # بطل المعركة، وأنت تعرف القصة بعد. # ثم رأيتك تنحط في منزلة دون المنزلتين مما يدل على بعدك من الإنصاف # وذهابك عن حقيقة النقد، فتزعم أن "كل جملة من جمل الكتب تبعث في # نفسك شعورا قويا أن الكاتب يلدها ولادة وهو يقاسي في هذه الولادة ما ~~تقاسيه الأم من آلام الوضع" كذا كذا، لقد نبغت في الخيال بعد أن قرأت ~~"رسائل الأحزان " وستنبغ أكثر من هذا بعد أن تقرأ "السحاب الأحمر" الذي ~~أهديتك إياه، على أني لو أردت أن آخذ معك في كتابتي هذا المأخذ لجعلتك ~~تتلوى من الكلام المؤلم على مثل أسنان الإبر، ولاستقبلتك بما لا تدري معه ~~أين تذهب ولا كيف تتوارى، كالإعصار الذي يأخذ عليك الجهات الأربع من ~~آفاقها، أفانت تقوم لي في باب الاستعارة والمجاز والتشبيه؛ ولكني أدع هذا ~~الآن، فحدثني من أين علمت أني أكتب على هذه الهيئة؟ # لعلك أخذت هذا المعنى البذيء من قولي لك "أتظن أني أكتب هذه الكتابة وأنا ~~نائم؟ ألا إني أتعب نفسي لتجديد الآثار الفنية في البيان العربي " # هذه هي كلماتي بالحرف الواحد، فأنا لا أكاد أنسى ما أقول وما يقال لي. # ولقد كتبت رسائل الأحزان في ستة وعشرين يوما فاكتب أنت مثلها في # ستة وعشرين شهرا، وأنت فارغ لهذا العمل وأنا مشغول بأعمال كثيرة لا تدع ~~لي # PageV01P086 # من النشاط ولا من الوقت إلا قليلا، وها أنا أتحداك أن تأتي بمثلها أو ~~بفصل من مثلها، وإن لم يكن الأمر عندك في هذا الأسلوب الشاق عليك إلا ولادة ~~وآلاما من آلام الوضع كما تقول فعلى نفقات القابلة والطبيبة متى ولدت ~~بسلامة الله. . . وإني لأتحداك وأنا ms076 أخبر الناس بما تطيق وما لا تطيق. ~~وسبحان من خلق النسر خلقة والديك الرومي خلقة أخرى. . . # ومنزلة رابعة هي أحط وأدنى من كل هذه الثلاث، فقلت "أنا أعلم أن # الأستاذ الرافعي قد تكلف مشقة لا تكاد تعدلها مشقة في وضع هذا الكتاب. . ~~. # وهو تكلف العناء في طبعه ونشره، وأنفق مالا في هذا الطبع والنشر، فقد ~~يكون من الإسراف في القسوة أن نعرض لعمل كهذا فيه مشقة وعناء ومال فنعلن ~~أنه غير جيد. . . الخ الخ ". # فما أنت والمال والطبع والنشر؟ ولكن اعلم أن هذا الكتاب لم يمض على # صدوره أربعون يوما معدودة حتى رد كل ما أنفق عليه غرشا غرشا، وسل كل ~~طابعي الكتب العربية وكل المؤلفين هل اتفق لهم حادث واحد مثل هذا؟.. ألا عد ~~عن هذا الأسلوب، أسلوب شفقة الضرة على الضرة، وأبق مثل هذا الكلام لكتبك ~~وأمثال كتبك. # إني والله - على إعجاب كان بك - أصبحت مستيقنا أن الله تعالى لم يهبك # إلى اليوم قلم الكاتب، ولا أودعك دهاء السياسي، ولا خصك بفهم الحكيم، ~~وكيف يكون لك من ذلك وأنت تصف رئيس تحرير "السياسة" في ظرف # ولطف. . . بأن يزدري القراء ويزدري الناس ويتخذ هذا قولا ومذهبا وفلسفة، ~~ففي أي شيء يكون عمل الرجل في الجريدة الكبرى في أمة هي أشد الأمم حاجة إلى ~~من يتألفها ويتولى إرشادها وهدايتها بأخلاق كأخلاق الأنبياء، تتسع كلما ~~ضاقت الصدور، وتنعطف كلما نفرت القلوب، ولا ترى في الناس طبيعة تزدرى، ولكن ~~خطأ يستصلح؟ # عساك تحسب هذا مني دهانا ومصانعة لرئيس التحرير، فسل أديب هذا # العصر الأمير شكيب أرسلان ماذا كتبت له منذ سنة خلت في ردي على بعض كتبه، ~~وهل أثنيت له على غير الدكتور هيكل، وهل وصفت غيره بالذكاء وعمق الفكر وحسن ~~الوصف وبلاغة التعبير، على حين لم تكن بيني وبينه شابكة، ولم يكن رآني ولا ~~رأيته إلا مرة واحدة جاء فيها إلى طنطا مع الأستاذ الجليل لطفي # PageV01P087 # السيد؛ ولكن الإنصاف يا سيدي إن لم يكن فوقه إلا الحق فذلك لأنه هو أساس ms077 ~~الحق، ولقد أخبرتك أن هذه الحرية التي تزعمونها في الكتابة والنقد إن لم ~~تكن مقيدة بالإنصاف وتواعده فهي سخافة ودعوى، وطلبت مني هذه القواعد ولعلي ~~أكتبها لك يوما إن شاء الله. # * * * # ولننظر الآن في نقدك "رسائل الأحزان"، والعلة في أنك لا تفهمها. # فأما النقد فليس هناك إلا أنك لا تفهم كما تدعي على نفسك، وماذا علي من ~~ذلك، ولقد قلت لك إن الذي لا تفهمه أنت يفهمه سواك، وإن الله خلق رؤوسا غير ~~رأسك وعقولا غير عقلك، وإنه ليس من أحد يعترف أنك مقياس العقل الإنساني في ~~الأرض؛ فمسخت هذا كله وزعمت أني قلت لك "لم تتخذ نفسك مقياسا للناس " ثم ~~رددت على هذه الكلمة بقولك: "إني أتخذ نفسي مقياسا لنفسي" ففسر لي أصلحك ~~الله كيف تكون نفسك مقياسا لنفسها؟ # أليس المقياس آلة لقياس غيره، فكيف يتأتى لك أن تكون نفسك التي تقيسها ~~غير نفسك التي تقيس عليها؟ أم أنت ستلجأ إلى أصول البلاغة وتجعل العبارة ~~على التجريد؟ # فلم لا تفهم الكلام البليغ على هذه الأصول بعينها؟ وما هذا التحذلق وما ~~هذا التداهي؟ (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم ~~(22) . # وإما أنك لم تفهم فلست أرد عليك بفلان وفلان ممن فهموا الكتاب # وأعجبوا به وأثنوا عليه، وأنت تعرفهم وتذعن لهم وتبالغ في تقديمهم، ولا ~~أرد عليك بأن الطلبة فهموه، ولا بأن النساء فهمنه؛ وانظر ماذا كتبت مجلة # "السيدات " في مصر وماذا كتبت مجلة "منيرفا" في سورية، فإنك لا تطمع في # سطر واحد من مثل هذه الكتابة. # لا أراد عليك بهذا ولا بنحوه، ولكني أقول لك إن العسكري روى عن الأنصاري ~~قال: قلت لبعض الكتاب - كتاب الخراج # وأشباههم من رجال الديوان -: ما فعل أبوك بحماره؟ قال باعه! # قلت: فلم تقول باعه؟ # قال: وأنت فلم تقول بحماره؟ # فقلت: أنا جررته بالباء. # قال: فمن الذي جعل باءك تجر وبائي أنا. . . لا تجر # "يعني الباء التي في فعل باع". . . # أليس هذا فهما يا دكتور، وقد اجتهد الرجل في القياس ms078 وانتهى إلى هذه # النتيجة؛ فما عسى أن تقول، ولمن تشكو مثل هذا الفهامة؟ إلى السلطان؟ إلى ~~أهل اللغة؟ إلى الأطباء؟ . . . ولكن هل كان فهمه أن الباء في "باعه " حرف ~~جر مما يفسد مقاييس النحو ويكره اللغة على أن تتسع لحكمه وتطرد على قياس # PageV01P088 # فهمه؛ وأنت أفلا ترى معي ومع الناس أن سوء الفهم وخطا الفهم وعدم الفهم. # كل ذلك في مرده إلى معنى واحد هو سقم الفهم. # إنك لتجمع الكتب وتحفظ التاريخ وتدرس الأدب، فهل نفعك ذلك في # قول الشعر حتى ذهب ديوان طه حسين بديوان المتنبي. . .؟ # وأنت تدرس البلاغة وتعرف قواعدها وأمثلتها، فهل أعانك ذلك في قطعة # بليغة يعرفها لك الناس ويتناقلونها ويرونها من البيان في موقع ومن الجمال ~~في # منزلة؛ وهل جئت قط في كتابك بشيء من الوصف، أو قضى لك الناس بخيال ~~ابتدعته أو مجاز اخترعته؟ وهل كتبت شيئا في الحب والجمال وفلسفتهما ~~وأوصافهما؟ فهذا كله من بعض العلة في أنك لا تفهم # "رسائل الأحزان " إن صح قولك أنك لا تفهم! # وعلة أخرى: لم تكرر الكلام دائما في غير حاجة إلى التكرار مع أن # أصحابك يرون هذا من أقبح العيوب، ويقولون إن المذهب الجديد. . . # قائم على الأسلوب التلغرافي، فإذا كتبت فقدر أنك سترسل المقالة بالتلغراف ~~وتدفع أجرة إرسالها، لقد كنت أفلست من زمن بعيد يا دكتور لو حققوا معك هذه ~~القاعدة وأرسلوا مقالاتك بالتلغراف.. ولكن لم تلتزم هذه الطريقة حتى أصبح ~~كالشعوذة المطبعية أن تكتب ستة أسطر وهي ثلاثة بعد حذف المكرر والحشو؟ # كنت أقرأ مقالة افتتاحية في "السياسة" ومعي أديب، فدفعتها إليه وقلت: # لمن ترى هذه المقالة؟ فنظر فلم يجد عليها توقيعا، فقلت له: لا يجب أن ~~يكون التوقيع في ذيل المقالة بل قد يكون في أثنائها! # قال: فأين هو؟ # قلت: اسمع: هذا هو التوقيع. # "فعلوا هذا، نعم فعلوه، فعلوه؛ أقسم لقد فعلوه، فعلوه. . . ". # أفمن يكتب هذا الهراء ونحوه يرتقي به الفهم إلى دقائق المجازات # والاستعارات والكناية والإشارة ونحوها مما قامت عليه هذه اللغة في بيانها ms079 # وبديعها، وما لو حذف منها لتعطلت من كل محاسنها ولما صح أن يكون فيها # كلام معجز ولا مقبول ألبتة؟ # وما العلة في هذا وما السبب في أنه لا ينفق لك أبدا خيال رائع، ولا تبدع # شيئا مما يبدعه الكتاب في كل الأمم، إلا مرة واحدة أردت أن تصف المرأة # الجميلة في رواية "الإغواء" منذ أسابيع فقلت: صورتها، حركاتها، ألفاظها. # زيها، مذهبها في الحوار والكلام: هي فتنة تتحرك ". # PageV01P089 # فتنة تتحرك! لا أعرف لك في كل كلامك أحسن ولا أبدع من هذه # الكلمة، وأنت تعرف من أين أخذتها وإن كنت لم تحسن السرقة، وإلا فما # قولك حين تكون هذه (الفتنة) نائمة؛ أفتريد أن أدل قراءك في أي رسالة # "من رسائل الأحزان " وصف الألفاظ والحركات والزي والمذهب في الجدال # والشكل والدل وأنها فتنة خلقت امرأة؟ # تقول في نقدك: "يجب أن أكون منصفا (كذا وكذا) فأنت تستطيع أن تقطع # كتاب الرافعي جملا جملا، وأن تجد من هذه الجمل طائفة غير قليلة # "اسمعوا. . . اسمعوا" فيها شيء من جمال اللفظ يخلبك ويستهويك "تنويم # مغناطيسي بالبلاغة" وفيها معان قيمة لا تخلو من نفع، ولكن المشقة كل ~~المشقة في أن تصل هذه الجمل بعضها ببعض وتستخرج منها شيئا". # إذن فالمشقة عليك ليست في الفهم ولكن في صلة الجمل بعضها ببعض. # وأظن هذه المشقة بعينها هي التي تجعل من طبعك تكرار الكلام دائما في غير # طائل ولا منفعة، وإذن فمن سبيلك أن تحسن فهم كتب التاريخ والحوادث # وحدها دون سواها مما لا يقع في الذهن متصلا بعضه ببعض، وإذن فلك # مذهب لا ينبغي أن نعرض له كما لا ينبغي لك أن تجعله قياسا تقيس عليه! # ثم كيف يكون في الكتاب "معان قيمة" وجمل تستهوي وتخلب وهي مع # ذلك طائفة غير قليلة، مع أنك تصرح قبل هذا الكلام بنصف سطر أبيض. . . - # يعني مباشرة بالكلام الذي تفهمه - فتقول "أتممت الكتاب " ولم تفهم منه ~~شيئا؟ # لا بد أن لك منطقا خاصا بك إذا كانت المقدمة فيه أنك أتممت كتابا برأسه ~~لا تفهم ms080 منه شيئا. # فالنتيجة من هذه المقدمة أن في الكتاب طائفة غير قليلة تستهوي # وتخلب وفيه معان قيمة أيضا. . .! # وهل هذا أقبح في التناقض أم قولك "ورأي في الكتاب أني لا أفهمه، فلا # "أستطيع " أن أقول إنه جيد أو رديء، بل "أستطيع" أن أقول إني لم أفهمه. # وإذن "فلا يمكن " أن يكون جيدا. . . لا. # فأية الاستطاعتين هي الكاذبة المردودة؟ وإذا كنت لا تفهمه وكان من أجل # ذلك (من أجل ذلك وحده) لا يمكن "يعني يستحيل " أن يكون جيدا، أفلا يعد ~~هذا اعترافا منك بما أنكرته من أنك تعتبر نفسك مقياسا للعقل الإنساني في ~~الأرض المؤمنة بالله وكتابه وسنة نبيه؟ # PageV01P090 # ألا يرى القراء كيف يتهافت الشيخ كان في جوفه شيئا يغلي على شيء # يتضرم وكيف تقول "لا يمكن " إلا إذا كنت أنت الممكن كله يا مولانا..؟ # * * * # ألا ليت شعري كيف يجمع الكلام العالي بعضه إلى بعض ويستخرج منه # شيئا وهو يراه ملء كتاب، إذا كان لا يستطيغ جمع كلامه هو في مقال صغير # حتى ينفي عنه مثل هذا التناقض العجيب الذي يأتيك بسطر مؤمن يلعنه سطر # كافر؟ # أنا لا أقول إن الأستاذ طه ليس شيئا في فضله وأدبه وعلمه، بل هو عندي # أشياء كثيرة، بل هو مكتبة تنطق كتبها، ولكنه لم يلابس صناعة الشعر ولا # أساليب الخيال، ولا أخذ نفسه في ذلك بمزاولة ولا عمل، فليس له أن ينقد # هذه الصناعة ولا أن يقول في هذه الأساليب إلا بعد أن يجيء بمثل ما يكتب # أهلها، فإن لم يكن ذلك في طبعه ولا في قوته ولم يستو له شيء منه فلا ~~يغرنه # أن يكون مؤرخا، ولا يخدعنه أن يكون منطيقا، ولا يحسبن فهم شيء هو فهم كل ~~شيء، ولو كان الأمر موضوعا في الأدب على الاتساع في الكلام والقدرة على ~~القول الكثير صوابا وخطأ، لما كان أكبر أديب هو أكبر الأدباء، ولكن أكبر ~~الثرثارين. . . # ويقول الأستاذ إنه يفهم القرآن وكذا وكذا ولا يفهم كتابي، وأنا لا أصدق # من هذا شيئا، وأين حقائق البلاغة ms081 المعجزة في القرآن ممن إذا انتقدت بيت # شوقي: # يا لطف أنت هو الصدى. . . من ذلك الصوت الرخيم # فهم أن والشاعر يقول إن أرسطو كان ذا صوت رخيم. . . وأورد على ذلك أنه لا ~~هو ولا شوقي سمع هذا الصوت. . . علم الله لو تقدم صاحب هذا القول إلى ~~الامتحان في الأزهر وفسر لهم في البلاغة هذا التفسير لأعطوه "المكعب " # كما يقول الأزهريون، والمكعب عندهم هو الصفر في درجات الامتحان! # أيفهم هذا حقائق البلاغة في القرآن ودقائق الإشارات التي فيه؟ # وقد قال صاحب المثل السائر وهو من كبار المجتهدين في علوم البلاغة ومن ~~أبلغ كتاب الدهر: " كنت أقرأ في اليوم ختمة، ثم في الشهر. # ثم في السنة، ثم ها أنا أقرأ # PageV01P091 # في ختمة واحدة منذ كذا وكذا سنة ولم أفرع منها، وكلما أعدت النظر ظهر لي ~~ما لم يكن ظهر من قبل". # هذه هي أصول البيان العربي المعجزة، وهذه هي طريقة فهمه، فخذ أو # فدع! # * * * # إن المجاز وهو أساس البيان يمنعك أن تفهم إلا بالقرينة والعلاقة، فلا # يطلق لك الفهم بل يقيده بهما، ولا يترك لك أن تقول أفهم ولا أفهم بل إحدى ~~اثنتين: إما أن تقر للكلام وإما أن تقر على نفسك. # وقد كان العرب أصحاب أذهان حديدة، وكانوا لا يكتبون، فاضطرهم # ذلك إلى الابداع في ألفاظهم وطئ المعاني الكثيرة في الكلمات القليلة ~~والاكتفاء باللمحة الدالة والإشارة الموجزة والكناية الرائعة والتفنن في ~~أساليب القول على وجوه شتى ومذاهب كثيرة؛ فليس يتولى هذا البيان العربي إلا ~~الذهن الدقيق والفطنة الحادة والبصيرة النقادة، وإلا من جرى مجرى العرب ~~أنفسهم، ينزعه طبع أو يجذبه أصل؛ فإن لم يكن هناك فابعده الله، والسلام! # PageV01P092 ### | إلى الجامعة المصرية # قرأت في بعض الحكم هذه الكلمة: "تحز من سكر السلطان وسكر # المال وسكر العلم وسكر المنزلة! ". # ولست أعرف أحدا قد سكر من هذه الأربعة حتى عربد وخرج إلى # السخف والهذيان غير الأستاذ المربع. . . الدكتور طه حسين، منذ ولي تدريس ~~تاريخ الأدب في الجامعة، ووالله ما ندري كيف لا يعهدون إليه ms082 مع درس تاريخ ~~الأدب بدرس آخر كشرح القانون المدني مثلا.. فإنه لقادر على هذا قدرته على ~~ذاك، إذا كان لا مادة له إلا أن يفكر فيما يقول، ثم يقول كما يفكر، ما هو ~~إلا الظن قبل العلم، وإلا الشك قبل اليقين، وإلا الوهم قبل الحقيقة، ولا ~~أكثر من الكلام عند كل رجل يسقط الخطأ والصواب من حسابه، ولا أيسر من ~~الإنكار على من يكون رأس المال في علمه العناد والمكابرة. # سكر الدكتور طه حسين لأنه سلم إلى وزارة المعارف مع الجامعة بعقد # واحد.. وهذا هو سكر السلطان، ثم حثوا له من خزانة الدولة قبل أن # يسمعوا منه حرفا في تاريخ الأدب أو يعرفوا له وزنا فيه أو يبلوا منه ~~بلاء، وتلك سكرة المال، ثم ابتدع للجامعة علما يلقيه على من يذهب إليه من ~~عرض الطريق وإن كان لا يميز بين أبي جهل وأبي زرع. . . فجاءت من ذلك سكرة ~~العلم، ورأى مع كل هذا أنه قار في منزلته، يريدون أن يجعلوه آمنا من العزل ~~ممنوعا من الصرف؛ فتم له سكر المنزلة. # لا نحسب هذه الجامعة تملك الأدب بعقد ولا وثيقة شرعية فتنزل عنه # لهذا الأستاذ، ولا نظنها تدعي حقا على التاريخ فتسوغ له أن يهدم فيه ~~ويبني، # PageV01P093 # فهي وحدها مأخوذة بعبثه، مسؤولة لخطئه، محاسبة على ما يجني، ونحن على # ذلك فرع إليها هذه المسائل التي نريد أن نناظرها فيها لنكشف لها عن حقيقة # أستاذها، ولتعلم إن كانت لما تعلم أن الرجل مفسد لا مصلح، وملفق لا محقق ~~وأن مأتى ذلك فيه من ضعف اطلاعه على مادة التاريخ الأدبي فهو يتوسع ~~بالثرثرة، ومن نقص خياله فهو يتزيد بالشك، ومن انحطاط قوته البيانية فهو ~~يتماسك بمحامل الجدل. # نسأل إدارة الجامعة: ### | 1 - # هل قرر أستاذها أن المسلمين محوا شعر النصارى واليهود ومنعوا # روايته خوفا على الإسلام، فمن أجل ذلك لم ينته إلينا من شعرهم شيء؟ ### | 2 - # وأنه لا يوجد شعر جاهلي بل هو مصنوع بعد الإسلام، وأن هذا # الجاهلي لا يستشهد به على القرآن ms083 بل القرآن هو الذي يحتج به للشعر؟ ### | 3 - # وأن العصر الجاهلي الذي ضاع شعره قد حفظ لأن القرآن الكريم # يمثله؟ . . . ### | 4 - # وأن الغزل المروي لامرئ القيس هو لعمر بن أبي ربيعة؛ ونقتصر # من خلط الرجل على هذه المسائل الأربع. # نسأل إدارة الجامعة هل قرر أستاذها كل ذلك في دروسه التي تأجره عليها # من مال الأمة أم لا؟ وما هي أدلته؟ بل ما هي أدلتها - فلم يعد الرجل ~~كاتبا في جريدة "السياسة" لا يجيب إلا بالشتم ولا يبالي وهي تنشر له ولا ~~تعبأ - ولا نظنه يملك أن يقول لمدير الجامعة كما قال لرئيس تحرير ~~"السياسة": أغضبتك في السنة الماضية فأثنيت على الرافعي في مقال صدرت به ~~كتابك، وهأنذا أعتذر إليك فانس السنة الماضية وانزل لي عن هذا الفصل. . . ~~أما إنه قد باعد الله بين صاحب هذا القول وبين الفهم، كان رئيس تحرير " ~~السياسة" لا يكتب للحق ولا يرى من رأي للحق، بل للغضب والرضا ولا ثالث ~~لهما؛ أليس من المضحك أن يكون صاحب هذا الكلام المعكوس هو أستاذ الأدب ~~العربي في الجامعة؟ # " وماذا بمصر من المضحكات. . . وحسبك طه حسين بها # "ولكنه ضحك كالبكا. . . على علمها وعلى كتبها # PageV01P094 ### | وإلى الجامعة أيضا. . . # كتبنا نسأل إدارة الجامعة في تلك المسائل الأربع مما يخلط فيه أستاذها # الدكتور طه حسين، لنناظرها فيما يقول الرجل، وما يقول إلا سخفا؛ وإنها # لتعلم وكأنها لا تعلم، وإنها لترى كأنها لا ترى؛ وإنها لعلى حال ننكرها ~~أشد # الإنكار فيما تسميه مجازا درس تاريخ الأدب، وما هو في الحقيقة إلا درس # نفسية طه بما يضطرب فيها من الزيغ والشك وما تضطرب فيه من سوء الفهم # وضعف الرأي وفساد القياس؛ فالجامعة تبتلي طلبتها بالرجل في درسه، ثم # درسه يبتليهم بطباعه، وطباعه تأتيهم بدواهيه، ومن دواهيه ما عرفنا من ~~جرأة في الباطل لا تعبأ بالحق، وحماقة في الرأي لا تعرف القصد، وإسراف في ~~الظن لا يصلح معه اليقين! # وعلى أنه لو كان أستاذ الجامعة بليغا معروفا وشاعرا معدودا وحكيما # متفلسفا، ثم كان فيه ms084 شيء من تلك الخلال السوء، لنزلت به وغضت منه # فكيف وهو هو ذلك الذي عرف الناس جميعا أنه سيئ الفهم في أساليب # البيان، إذ كان بطبعه لا يحسن منها شيئا؛ قاصر الذهن في معاني الشعر # ومناحي البلغاء، لأنه بعيد منهم؛ وليس فيه إلا أنه غليظ الحس، بليد # التصور، منطفئ الخيال؛ ثم هو مع هذا كله يجمع في كل هذا الدعوى # الفارغة والاستطالة والشر وبذاءة اللسان، حتى ليس في مصر سباب لعان # يعرف له من مقالات السب واللعن ما يعرف لاثنين أحدهما أستاذ الجامعة. # ولذلك من سوء الأثر في عقل الرجل ورأيه ما لا بد من مثله في مثله، حتى # ما نرى شذوذه وخروجه على الآراء المجمع عليها في التاريخ إلا أسلوبا من # أساليب شتم التاريخ نحن نقرر للجامعة أنه لا سبيل إلى تصديق الدكتور طه ~~حسين فيما يهرف به إلا على اعتبار واحد، وهو أن يكون هذا الرجل روحا ~~متناسخة لا تزال تنحدر في مهواة الزمن، فإذا هو استوى على كرسي الجامعة مرت ~~هذه الروح بأدوارها في التاريخ فذكرت صحبتها.. لامرئ القيس في سنة 200 # PageV01P095 # قبل الإسلام. . . ثم يكر شريط السينما. . . من دهر إلى دهر إلى يوم الناس # هذا، والأستاذ في كل ذلك يحكي عن عيان ويخبر عن مشاهدة وهو على # كرسي الجامعة في حلم مغناطيسي، نائم أشد ما كان يقظة، ويقظان أبعد ما # استغرق نوما، ولا سبيل في هذا إلا هذا، وعلى إدارة الجامعة أن تتبينه # فلعها ولعله. # إن مجلس الجامعة ليعرف أن هذا الذي يسميه الناس # "تاريخ الأدب العربي" إنما هو علم حديث النشأة، لم يتوله أهله، ولا وضع ~~في زمنه، ولا أصاب وسائله، ولا تنبه إليه أحد أيام كان العلماء والرواة، ~~وكانت مصادر النقل متوافرة، ولم يتناوله المعاصرون إلا تقليدا، وعلى قلة من ~~الكتب، وفي موت الرواية، وبعد انقطاع الدهر الإسلامي من مواضع كثيرة، ولو ~~أنه وجد بيننا رجل قرأ كل مطبوع ومخطوط من الكتب العربية المبعثرة في نواحي ~~الدنيا لم يفته منها ورقة ولا بعض ورقة، ms085 ثم استخرج منها العلم، لجاء به ~~ناقصا مضطربا ضعيفا، - لضياع أكثر الكتب في النكبات التاريخية المختلفة، ~~ولفساد طريقة التأليف في أكثر الكتب التي انتهت إلينا، فما هو كالعلوم التي ~~دونت وضبطت وفرغ منها وصار الكتاب الواحد يغني فيها عن الكتب الكثيرة، ~~كالنحو والصرف والبلاغة وأشباهها، ولا هو كالفنون التي يكشف منها الاختراع ~~وتستحدث الحاجة والتجربة، كالطب والقانون والكيمياء ونحوها. # فمن ثم لا تستطيع الجامعة أن تسمي أستاذها أستاذها كما تقول أستاذ # القانون وأستاذ الطب؛ ولا تعتبره كذلك أو تجري عليه حكم هؤلاء، بل هو # أستاذ على المجاز، ومدرس للضرورة، ويجب أن يستثنى بخصوصه من كل # ما يتمتع به الأساتذة، فقد ينكشف - يوما عن أقبح العجز وأفحش الخطأ. # وهو ما نعرفه ونؤكده ولا نرتاب فيه؛ ومن ثم يجب على الجامعة أن تسمع # لكل قول في الأستاذ وتحسن اعتبار أي قول كان وعلى أي وجه جاء ومن # أي شخص تلقته، وإنها لتعلم أن أستاذ الأدب يجب أن يكون من أوسع # الناس اطلاعا، لا في الروايات المثيلية الفرنسية، ولكن في كتب الأدب # العربي، وأن يكون على اطلاعه من أبلغ الناس كتابة وأشعرهم شعرا # PageV01P096 # وأسماهم خيالا وأدقهم حسا وأذكاهم فهما. # بيد أن هذه الصفات التي حرمها كلها الدكتور طه حسين، فهو أستاذ بالوظيفة ~~اسمها ومرتبها، لا بعلمها وحقها وكفايتها. # ومن أجل ذلك قلنا: إن الجامعة مأخوذة بعيثه، وملزمة أن # تجيب عنه، فإنه يدرس علما غير مدون ولا مجتمع الأسباب، ولا يزال # الرجل يمتاز فيه عن الرجل بنص أو بسطر أو بكلمة أو برأي كل ذلك أو # بعضه، فلتعلم الجامعة إن كانت لا تعلم! # PageV01P097 ### | وشهد شاهد من أهلها. . . # كتب قس فاضل في النسخة الأسبوعية من جريدة "السياسة" يذكر تاريخ # القديس "بفنوس" الذي تناوله أناتول فرانس في رواية "تاييس" فعبث به وسخر ~~من تقواه وصلاحه ورماه بامرأة بغي تركته في الإثم وسقوط النفس وليس بينه ~~وبين أمثالها منزلة ولا فرق، على حين سما بها الكاتب في آخر الرواية فجعلها ~~قديسة تنفتح لها أبواب السماء وتتلقاها الملائكة، ms086 وبين القس الفاضل أن ذلك ~~مما تعمد أناتول فرانس أن يفسد به التاريخ، وأنه كذب عمد وإفك صراح. # فعلق الدكتور هيكل على هذا بأن لكاتب فرنسا رأيا في التاريخ، فهو # يعتبره نوعا من القصص خاضعا لأهواء الناس وشهواتهم، وقد وضع لجان دارك ~~الفرنسية الشهيرة تاريخا بين فيه أن شيئا اسمه جان دارك لم يوجد، فحسبك أن ~~تظهر ما في الأدلة على وجود شيء في الأشياء من الضعف لتبعث إلى النفوس الشك ~~في وجوده. . . # ثم قال: وقد لا ترى في عمل أناتول فرانس موضعا للدهشة إذا أنت # رجعت إلى ما يأخذ به أساتذة الأدب في الجامعة المصرية. # فهذا صديقنا الدكتور طه حسين يرى رأي الذين يقولون إن غير واحد من ~~الشعراء الذين يقال إنهم وجدوا لم يوجد قط، فإن ذهب أناتول فرانس مثل هذا ~~المذهب مع الراهب "بفنوس" فذلك أنه أخذ بمثل النظريات التي أخذ بها كثير من ~~العلماء والكتاب، ومن بينهم صديقنا الدكتور طه في شأن الشعراء وغير الشعراء ~~ممن يتناقل الناس أخبارهم. انتهى ملخصا. # فعلم أستاذ الجامعة "ليس أهون منه" وهل أيسر من الإنكار؛ ولكن هل # أدل على الحمق من هذا الإنكار بعينه؛ وهل الإنكار بلا دليل إلا نوع آخر ~~من الكذب والاختلاق كما يخترع الوضاعون أشخاصا لا دليل على وجودهم؛ إنهم ~~يزعمون كذبا أن شاعرا وجد وقال كيت وكيت، وكان من خبره كذا وكذا، وأنت تزعم ~~أن شاعرا لم يوجد، فما الذي يجعل الكذب منهم صدقا منك؟ وكيف تريدون وأنتم ~~سواسية كأسنان الحمار أن تكون بعض هذه الأسنان ناب # PageV01P098 # الليث، فى حين لا تنسب الباقيات إلا للحمار وحده؛ لعمري ما أنت بأصدق ~~منهم ولا هم بأكذب منك، وفضل ما بينك وبينهم أنهم إلى وجه الكذب وأنت إلى - ~~قفاه. . . والكذب كله بينكما وجها وقفا. . . # يعبث أستاذ الجامعة برجال التاريخ العربي " من الشعراء وغير الشعراء" # عبث أناتول فرانس بذلك الراهب الفاضل، ولكن فات الأستاذ المقلد المنعكس ~~أن الغراب لا يصلح طاووسا ولا حمامة، فإن كاتب أوروبا إنما ألحد وسخر ~~وتماجن ms087 لأن هذه ألوان من ألوان بلاغته التي تضرب الكلام بعضه ببعض وتقوم ~~على المتناقض كما تقوم على المتلائم، فلو هو تركها لتكلف للكتابة وجرى فيها ~~على غير طبعه وفقد أحسن ما يميزه في القصص والرواية، ثم هو يرى التاريخ فنا ~~لا علما، لأنه كاتب لا مؤرخ، وقاص لا محقق، فيتولاه بالخيال لا بالحافظة، ~~ويأخذه من الروح أكثر مما يأخذه من الفكر، وبذلك انتهى في رأيه إلى أن ~~الأدلة التاريخية إنما هي منازع تختلف العواطف عندها، فأنكر ما شئت فلك ذلك ~~لأن لك عاطفة، وأثبت ما شئت فذلك إليك لأن لك عاطفة أيضا. . . # والتاريخ عنده هو كل شيء إلا الحقيقة، لأن الحقيقة بزعمه لا تلتمس فيه # ألبتة، ولهذا الكاتب آراء فاسدة ظاهرة البطلان، منها رأيه في التاريخ ~~ولكنه # يسوقها في عبارات بليغة إذا أنت كنت بصيرا بصناعة البيان ودققت فيها رأيت ~~فساد المعاني وحركة اضطرابها في ذهن هذا الرجل من ألطف أسباب بلاغته، كأنه ~~يريد أن يأتيك بالبلاغة في هيئة راقصة خليعة مبتذلة تتطوس لك في ألوانها ~~وخيلائها وتفحش عليك في دلها وغزلها فلا تشك في سقوطها وسفالها، ولكنك لا ~~تنكر أيضا أن هذا كله أجمل الجمال فيها، ثم إنه رجل ذو فكر واسع ينتظم ~~النقائض من أطرافها، ويأخذها على ما أرادها من معاني نفسه لا من معانيها، ~~ويعطيها قراءه على الوجه الذي يريده من معانيه كذلك لا من معانيها. # وما البلاغة إلا مثل هذا السحر إن لم يكن هو إياها. # ولكن ما بال أستاذ الجامعة في عبارته الركيكة وذهنه الفج وخياله # المطموس وقلبه المطبوع عليه وفلسفته الزائفة وتقليده الأعور؛ وما له يجهل # فرق ما بين التاريخ يتولاه كاتب للقصة والحكاية، وما بينه حين يتولاه ~~أستاذ # للتمحيص والتحقيق! ثم بين التاريخ على أنه مادة فلسفية من الأعمال # والحوادث، وبينه على أنه مادة علمية من الأنفس والعقول؛ وما عسى أن يكون ~~غناء الإنكار مع الحجج والنصوص المجمع عليها، إلا أن تكون تلك حيلة احتال ~~بها الأستاذ، وهو يعلم أنه قليل الاطلاع، فيجعل ms088 الكثير الذي لم يقف # PageV01P099 # عليه بسبيل من القليل الذي وقف عليه، ويبني للمعلوم والمجهول بناء واحدا # هو الشك الذي لا يدري أحد أين يقع ولا ماذا يمحو ولا كيف يكون، ولكنه مع ~~ذلك يمحو ويكون كما يريد طه حسين، ولا طه في الدنيا إلا طه الذي في ~~الجامعة. . . يعلم هذا من علم ويجهل من جهل! # يحتج الدكتور هيكل لمذهب أناتول فرانس بأستاذ الجامعة الذي عبر عنه # بأنه "أساتذة الجامعة".. ومنذ أيام احتج بعض المبشرين المسيحيين بأستاذ # الجامعة أيضا لأنه أثبت "رسميا في الجامعة التي أنشأتها دولة مسلمة" أن # الإسلام دين الحرج والتعصب وضيق الفكر، وإلا فما المعنى من أن المسلمين # وحكامهم يمحون في أول الإسلام شعر اليهود والنصارى والوثنيين إن لم يكن # هو هذا، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وغفر الله لك أيها المبشر طه حسين! # عجبا يقلد طه أناتول فرانس! ألا فجئنا أيها الرجل مرة واحدة في مثل # بلاغة من تقلده، ثم أظهر بعد ذلك مائة مرة في مثل سخافة آرائه، نغتفر لك # مائة بواحدة، فأما أن تكون ممن محق الله خيالهم ثم تكون مع ذلك ممن صرف # الله قلوبهم فتلك المصيبة لا مصيبة مثلها، وما نراك اتبعك فيها إلا الذين ~~هم # أراذلنا، وما نراك إلا كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران! # وإن لأناتول فرانس كلمة تنطبق على أستاذ الجامعة كأن الله ألهمه إياها # لتقع إلينا، فهو يسمي علم مثل هذا الأستاذ "بالضلالات المعقدة" كأنه يعني # أنهم يحسبون تعقيدها علما وحلها علما، مع أنها في نفسها ضلالة، والضلالة # في نفسها جهل، والجهل في نفسه ليس بعلم! # قرأنا مرة جريدة "البلاغ " الغراء بتوقيع "فرحات " أن محاضرة أستاذ # الجامعة في امرئ القيس مسروقة من دائرة المعارف الإسلامية المطبوعة في # ألمانيا، واليوم نرى في كلام "السياسة" أن الرجل مقلد تقليدا مضحكا، ~~يستعمل الغربال في مكان المنخل فيأتينا بالدقيق الترابي. . . وهذا كله مما ~~يزيدنا إصرارا على أسئلتنا التي رفعناها إلى الجامعة، فإن هذا الرجل إنما ~~هو بلاء على الأدب وفساد في التاريخ، ms089 وإن الجامعة لا تملك أن تضل الناس به، ~~وما دامت قد أعطتهم من كلامه فلتأخذ من كلامهم، وهي إن كانت على حق في آراء ~~أستاذها فلتذكر للناس باطلنا بالمناظرة التي ندعوها إليها، وإن كانت على ~~باطل فما سبيلها إلا أن تسألنا الحق. # PageV01P100 ### | فلسفة كمضغ الماء # قالوا: إن هذه الجامعة إنما أنشئت للبحث العلمي لا للعلم نفسه، إذ # العلم قليله وكثيره علم، وجيده ورديئه علم، وما صح فيه وما تشابه منه كل ~~ذلك علم؛ أما البحث العلمي فمداره على التحقيق والتمحيص، فهو فوق العلم ~~لأنه سببه وغايته والواسطة إليه، والبحث يتناول الباطل كما يتناول الحق ~~لأنه بحث، ولذلك وضع، وبذلك مادته، فلو أطبق الناس جميعا على رأي من الآراء ~~أو مذهب من المذاهب ثم قام أستاذ في هذه الجامعة فنقض ذلك الرأي وذهب خلاف ~~ذلك المذهب كان له أن يفعل ما وسعه وأن ينقض وأن يخالف، وهو مصيب وإن أخطأ، ~~وقريب من الحقيقة وإن بعد، وعالم وإن جهل الجهلة التي لا يلعن ما قبلها إلا ~~ما بعدها. # قالوا: فإنه إنما يبحث ليهتدي إلى شيء، فإن اهتدى فقد اهتدى، وإن # ضل شفع له أنه مجتهد، وأنه لم يسلب الرأي الصحيح إلا برأي ظن الصحة # غالبة عليه. # ومعنى هذه الفلسفة أن مضغ الماء كمضغ الخبز، كلاهما يحتاج إلى # الأسنان الحادة والأضراس الطاحنة والأنياب الشكسة، ما دام الذي يمضغ ~~الماء أستاذا في الجامعة وما دام المضغ عنده يسمى بحثا، إذ العبرة به وحده ~~إن تعاقل وإن تحامق، وإن صدق وإن كذب؛ وما الجامعة إلا مصنع ومختبر تكشف ~~فيه آراء وتصنع فيه آراء، وتزور فيه آراء، والأستاذ في الجامعة يقول ما ~~يشبهه رأيا وعقيدة وعلما وجهلا، ويمضي في "البحث" على ما يخيل له حقا أو ~~باطلا، فما رآه هو الصحيح فلا صحيح غيره ولا صحيح من قبله أو بعده. # فيا أيها الناس. . . وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره: (وجعل الله الكعبة # البيت الحرام قياما للناس) وجعل الله الجامعة الحرام قياما للناس! # على إنه إن صح شيء ms090 من ذلك أو قارب أن يصح فقد وجب أن لا يتولى # التدريس في الجامعة إلا رجل لا يوازن به أحد في علمه الذي يتولاه. # ويكون من أيسر صفاته أنه فوق كل صفة معروفة في نظائره وأنداده - قد تم من ~~حيث # PageV01P101 # يتمون وزاد عليهم أشياء ليست في المواهب المعروفة، بل تقع في أقصى ما # يبلغ العقل الإنساني عند الأفق القريب من الوحي والإلهام، فإن ظفرت ~~الجامعة بمثل هذا العقل الفذ كان لها أن تقول ما هي قائلة وأن تزعم ما شاء ~~لها الزعم، وهي في ذلك آمنة أن يرد عليها لأنها حينئذ تتكلم بما لا يسمو ~~إليه كلام آخر. # وتأتي للناس بما فيه زيادة على الناس ويكون ذلك مع حجتها عليهم، فيسكت ~~المتكلم، وينقطع المكابر، ولا يبقى إلا التسليم للأقوى، وعلى الأصل الذي ~~بنيت عليه الطبائع كلها. # ولقد يتفق للجامعة المصرية مثل هذا الأستاذ - الذي يأكل الأساتذة - # تجده في علم كالقانون أو الطب أو الفلسفة ونحوها مما تعاوره العلماء من # أجيال بعيدة وفرغوا منه تدوينا، وتعليقا وشرحا وتحققا ولم يبق إلا مثل ما # بقي مما تتفاوت به العقول وتختلف القرائح في حدة الذكاء وقوة الملاحظة # من رأي يزاد عليه أو ينقص منه، ولكن أين مثل ذلك في تاريخ الأدب # العربي وهو علم لا يزال يتخلق، ولا يزال كالجزائر البركانية: تظهر ~~الجزيرة # بحالها في البغتة والفجأة وتخسف الأخرى في مثل ذلك، وما علة ما يظهر # إلا علة ما يخسف، ولكن لا بد أن يقع الحدث ثم تجيء الفلسفة والتعليل # بعد ذلك. # ومن العجيب أن أستاذ الجامعة الدكتور طه حسين لم ينتهج إلا الطريقة # التي لا تلتئم مع طبيعة هذا التاريخ، فهو يبحث دائما عن العلة في أحد ~~شيئين: إما في غير معلولها، وذلك خطأ كبير؛ وإما في معلولها بعد أن يغيره ~~على ما # يتوهم، وذلك شر من الأول، ومثل هذا إن سمي بحثا وسمي فلسفة في التاريخ لا ~~يمكن ألبتة أن يسمى تاريخا، ولا يخرج منه إلا كلام مستفيض هو على كل ms091 حال ~~كلام قائله وعلى قدر من عقله وذكائه واطلاعه وطريقة فهمه، لا بحسب التاريخ ~~ورجاله وعلله، فيكون الأستاذ كأنه يدرس فنا من الكلام بعض مادته من ~~التاريخ، لا فنا من التاريخ بعض مادته من الكلام. # وهذه الطريقة التي تسمى علمية هي في التاريخ أجهل الطرق، لأنها # تختلف فيما تقرره باختلاف الرجال والأزمنة، مع أن التاريخ شيء ثابت لا # يختلف ولا يمكن أن يخلق مرة أخرى، لا بإنشاء الجامعة المصرية ولا بأمر # وزارة المعارف. . . ومتى ولد التاريخ لم يهرم ولم يمت، ثم تلك الطريقة هي # أيسر الطرق وخاصة على من كان قليل الاطلاع، فإنك لا تتقيد فيها بمعروف ~~تعرفه ولا بمنكر تنكره، إلا ما شئت وشاءت لك غفلة من حولك، ثم أنك # PageV01P102 # تركب إليها كل أسلوب فإذا جميع الطرق تؤدي إلى غايتها، لأنها لا غاية لها ~~إلا ما توهمته غاية وقلت إنه غاية. # والتاريخ نوعان: أحدهما طوي عليه الدهر وقد وقع وانقطع فلا تغني فيه # هذه الطريقة شيئا، والآخر تطوى عليه أدمغة مؤلفي الروايات ومن ينسجون في ~~العلم على منوالهم. . . ولا أفيد في كشف أسرار هذا النوع وإظهار حقائقه. . ~~. # من هذه الطريقة! # فالبحث في تاريخ الأدب على الأصل العلمي الذي أنشئت له الجامعة - # كما يقولون - إنما ينتهي بهذا التاريخ إلى أن يكون فنا من الكذب تلبسه ~~الجامعة صفتها العلمية فيصبح كذبا صحيحا، وهذا نصف الشر فيه، أما النصف ~~الآخر فإنه متى جرى مجرى الصحيح وتناوله الناس بهذا الاعتبار لم يبق إلا أن ~~تكون الكتب العربية التي بين أيدينا كذبا محضا، وهذا ما يرمي إليه الدكتور ~~طه حسين، كما بيناه. # فالجامعة تقيم له الأساس ثم هو يبني، هذا إن سكتت الجامعة عنه # وظلت تتحنف بهذا السكوت الفلسفي. # وقد حضرتني الآن أرجوزة صغيرة أحب أن أهديها لصاحبنا الدكتور طه حسين ~~ليتقاصر قليلا، فإنه لن يخرق الأرض ولن يبلغ الجبال طولا، وما هو إلا كما ~~هو: # يا عجبا (طه) أديب العصر # أصبح مثل انجلترا في مصر # أسطوله يراعة في شبر # وملكه متر بنصف متر ms092 # في مجلس للدرس بل للهتر # يجلس فيه مثل ضب الجحر # معقدا من ذنب لظهر # تعقيد من (قد) خلقوا للمكر # وهبطوا الدنيا لأمر نكر # يحتك في كل أديب حر # يخيفه بالشتم أو بالشر # PageV01P103 # كأن فيه روح حرف جر. . . # يا ويحه من واهم مغتر # يفزع الليث بوجه الهر. . . # إسفنجة جاءت لشرب البحر # وشمعة ضاءت لشمس الظهر # والشيخ طه في انتقاد الشعر # ثلاثة مضحكة لعمري! # (حاشية) بعد كتابة هذه الكلمة تلقيت كتاب الدكتور طه حسين # "في الشعر الجاهلي" فتجاوزت المقدمة وقرأت الفصل الذي سماه "مرآة الحياة ~~الجاهلية يجب أن تلتمس في القرآن" فيا عجبا، إنه والله لتهكم شديد من القدر ~~أن لا يكون مقر الجامعة إلا قريبا من مستشفى الأمراض العقلية. # وسنقرا هذا الكتاب فهو الجامعة التي رفعنا أسئلتنا إليها. . . # PageV01P104 ### | قال إنما أوتيته على (علم) بل هي فتنة # قرأت كتاب "الشعر الجاهلي " وقد كتب في عنوانه "تأليف طه حسين: # أستاذ الآداب العربية بكلية الآداب بالجامعة المصرية ". # فما أكثر أسماء الهر وما أقل الهر بنفسه. . . # إن معنى العبارة أن الرجل أستاذ الشعر والكتابة وأساليبهما # وما دخل في ذلك من تفسير ونقد ثم تاريخ الأدب وتحليله وتصحيح رواياته # وجميع مسائله والمقابلة بين نصوصه ثم علومه الأدب المعروفة، كفنون ~~البلاغة # وفنون الرواية، فهذه "الآداب العربية" ومهما ادعى أستاذها في الجامعة فلن # يدعي أنه شاعر ذو مكانة، ولا أنه كاتب ذو فن، واذا أسقطنا هذين فماذا ~~يبقى منه إلا ما يتمحل من بعض الأسباب التاريخية، ثم ما غناء هذه الأسباب ~~وتاريخ الأدب قائم على الشعراء والكتاب، وصاحبنا يرجع في ذلك إلى طبع ضعيف ~~لم تحكمه صناعة الشعر ولا راضته مذاهب الخيال، ولا عهد له بأسرار الإلهام ~~التي صار بها الشاعر شاعرا ونبغ الكاتب كاتبا، وما هو إلا ما ترى من خلط ~~يسمى علما، وجرأة تكون نقدا، وتحامل يصبح رأيا، وتقليد للمستشرقين يسميه ~~اجتهادا، وغض من الأئمة يجعل به الرجل نفسه إماما، وهدم أحمق يقول هو ~~البناء وهو التجديد. # وما كنا نعرف على التعيين ما الجديد أو التجديد ms093 في رأي # هذه الطائفة حتى رأينا أستاذ الجامعة يقرر في مواضع كثيرة من كتابه أنه ~~هو # الشك، ومعنى ذلك أنك إذا عجزت عن نص جديد تقرر به شيئا جديدا فشك في النص ~~القديم، فحسبك ذلك شيئا تعرف به ومذهبا تجادل فيه؛ لأن للمنطق قاعدتين: # إحداهما تصحيح الفاسد بالقياس والبرهان، والأخرى إفساد الصحيح # بالجدل والمكابرة # ومثل طه والقدماء مثل رجلين من أهل المنطق، أحدهما قال: هذا اللون # أسود فلا يجوز أن يكون أبيض. # والآخر - الحسينى. . . - قال: كلا بل هذا # PageV01P105 # اللون ليس بأبيض فيجوز أن يكون أسود، وما الفضل بين يجوز أن يكون ولا # يجوز أن يكون إلا موهبة من الله إذا هي لم توجد لم يغن البرهان من الحق # شيئا، ولا يزال أحد الرجلين مع الآخر في لجاج ومكابرة قد تهاترت بيناتهما # وسقطت، لأن المنطق لا يصح منه إلا ما صحح العقل منه، فحيث لا قيمة # للعقل فلا قيمة للمنطق. # وإنه لولا ضعف خيال الدكتور طه وبعده من الصناعة الفنية في الأدب # واستسلامه لتقليد الزنادقة وبعض المستشرقين الذين لا يوثق برأيهم ولا ~~بفهمهم في الآداب العربية، ثم لولا هذه العصبية الممقوتة التي نشأت فيه من ~~هاتين الصفتين إلى صفات أخرى يعرفها من نفسه حق المعرفة، لكان قريبا من ~~الصحة فيما يرى، ولتدبر الأمور بأسبابها القريبة منها، واستعان عليها بما ~~يصلحها. # ولتوقى بذلك جناية التهجم التي هي في أكثر أحوالها علم الجهلاء وقوة # الضغفى وكياسة الحمقى وعقل الممرورين. # على أن العصبية هي دائما نصف الجهل وإن كانت في أعلم الناس # وأذكاهم، وقديما أفسدت من تاريخ الأدب العربي أكثر مما أفسد الغلط والجهل ~~معا. # وقد نقحوا على أن ذهاب الواضح الجلي من الأدب الذي لا يمترى فيه # إنما يكون على اثنين، أحدهما: من لم يكن مرتاضا بالصناعة متدربا بالنقد # بصيرا بما يأتي ويدع، والثاني: الرجل العالم يعرف أنه يعرف ثم تحمله ~~العصبية # على دفع العيان وجحد المشاهد فلا يزيد على التعرض للفضيحة والاشتهار # بالجور والتحامل. # هذا في العالم المتدرب المرتاض، فكيف بالعصبية في ms094 العالم القائم على # ركن واحد من ثلاثة أركان؟ # فإن أستاذ الآداب يجب أن يجمع إلى الإحاطة بتاريخها وتقصي موادها ذوقا ~~فنيا مهذبا مصقولا، وليس يمكن أن يأتي له هذا # الذوق إلا من إبداع في صناعتي الشعر والنثر، ثم يجمع إلى هذين الإحاطة # والذوق تلك الموهبة الغريبة التي تلف بين العلم والفكر والمخيلة فتبدع من # المؤرخ الفيلسوف الشاعر العالم شخصا فوق هؤلاء جميعا هو الذي نسميه # الناقد الأدبي. # PageV01P106 # متى لم تجد الخيال القوي في مؤرخ الأدب، ومتى رأيت هذا المؤرخ لا # يتوكأ إلا على المنطق والمقاييس والأوزان، فاقذف به وبتاريخه وأدبه ~~وآدابه # حيث شئت؛ فإنه لا يمتنع في يدك ولا يستعصي عليك، لأن سكونه واستقراره - ~~ولو كانا على كرسي الجامعة - لا يأتيان من أنه وثيق ركين، ولا من أن أصوله ~~شابكة متصلة بل من سكون الريح من حوله وحياطته بالأستار من هنا وهناك. # فإن صاحب العلم رجل وصاحب الفن رجل غيره، والأصل في العلم العقل. # والأصل في الفن الغريزة، ودليل العقل المنطق والقياس، ودليل الغريزة الحس # والموهبة. # والأدب من العلوم كالأعصاب من الجسم، هي أدق ما فيه ولكنها مع # ذلك هي الحياة والخلق والقوة والإبداع، ولا تقاس بمقياس العظام المشبوحة # الغليظة، ولا توزن بميزان العضلات المكتنزة الشديدة، ولا ينفع فيها المتر ~~ولا # الكيلو.. فإن جاءك صاحب المتر أو الكيلو فاقذف به الطريق، وإن قال لك إن ~~المتر مقسم إلى مائة جزء وكل جزء إلى عشرة أجزاء. . . # * * * # قبل أن نخوض في كتاب الأستاذ طه حسين نشكر له ما تفضل به من الثناء # علينا في كتابه واستثناءه إيانا في بعض المعاني من كل من درسوا تاريخ ~~الآداب # العربية، ونحن، دون هذا في نفسنا ودون ما أبلغنا إياه مع بعض أصدقائنا ~~وإن كنا نعرف من صنيع الأستاذ الفاضل أنه لا ينصفنا مرة إلا بعد أن يظلمنا ~~مرارا، وأنه اتخذ الوقيعة فينا مذهبا عرف به وغلب عليه. # حتى لا يكاد يقول أنصار القديم أو يكتب أنصار القديم أو يذم أنصار القديم ~~إلا توجه ذلك عنده ms095 إلينا خالصا لنا من دون المؤمنين. . . وهو لو عافاه الله ~~من التعنت بعلمه على الناس، ورزقه نعمة الوقوف عند حده وحفظ عليه الفضيلة ~~الشرقية الإسلامية، لربحناه ربح الذهب والفضة، ولكننا كيفما عاملنا به في ~~سوق الشرق والغرب لم نجده في يد الشرق إلا نحاسا وفي يد الغرب إلا ذهبا، ~~فهو ولكن في الديون التي علينا، أما في الديون التي لنا فلا يحسب لنا إلا. ~~. . "بقرش خردة!. # التمسنا في كتاب الشعر الجاهلي تلك المسائل الأربع التي رفعناها إلى # الجامعة فإذا الأستاذ قد حذف منه أعظمها خطرا وأكبرها شأنا، وهي مسألة # PageV01P107 # محو المسلمين شعر النصارى واليهود، لم يقل فيها شيئا ولا أشار إليها إلا ~~إشارة خفيفة، كأن في الأمر أثرا من حزم الأستاذ الكبير مدير الجامعة. # فقال في صفحة 84 عن أمية بن أبي الصلت: "إنه وقف من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - موقف الخصومة هجا أصحابه وأيد مخالفيه. # ورثى قتلى بدر من المشركين، وكان هذا وحده يكفي للنهي عن رواية شعره، ~~وليضيع هذا الشعر كما ضاعت الكثرة المطلقة من الشعر الوثني الذي هجي فيه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حين كانت # الخصومة شديدة بينه وبين مخالفيه من العرب الوثنيين واليهود". # وقال في صفحة "5: "ليس إذن شعر أمية بن أبي الصلت بدعا في شعر # المتحنفين من العرب أو المتنصرين والمتهودين منهم. # وليس يمكن أن يكون المسلمون قد تعمدوا محوه إلا ما كان منه هجاء النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ونعيا على الإسلام؛ فقد سلك المسلمون فيه ~~مسلكهم في غيره من الشعر الذي أهمل حتى ضاع". # فأنت ترى أن ههنا شيئا من الإصلاح والحذف والاحتراس، وبقي أن # أستاذ الجامعة انخدع بقول كليمان هوار المستشرق الفرنسي فيما زعم من أن # النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن رواية شعر أمية، فتابعه طه وظن ذلك ~~صحيحا، غير أنه علل النهي بغير العلة الحمقاء السخيفة التي جاء بها هذا ~~المستشرق (1) . # ولكن ما الدليل على صحة خبر النهي وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ms096 - صلى ~~الله عليه وسلم - استنشد من شعر أمية وما زال يقول للمنشد " إيه إيه " حتى ~~استوفى مائة بيت! # إن هؤلاء المستشرقين أجرأ الناس على الكذب ووضع النصوص المبالغة # في العبارة متى تعلق الأمر بالإسلام أو بسبب يتصل به، وكل ما عرف من أمر ~~ذلك النهى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن رواية القصيدة التي رثى ~~بها أمية قتلى المشركين في بدر، وهي مع ذلك لا تزال مروية في كتب السيرة ~~إلى اليوم؛ فإن وقوع النهي لا يقتضي محو المنهى عنه ولا تركه عند من أراده. # وقد نهى الله عن أشياء كثيرة ما زالت تؤتى، وستبقى ما بقيت الفطرة ~~الإنسانية، فما أهمل شعر أمية ولا نهي عن روايته، ولكنه الكذب والغفلة من ~~الأستاذين. PageV01P108 # على أن الدكتور طه يقول في صفحة 54: كان الأنصار يكتبون هجاءهم # لقريش ويحرصون على أن لا يضيع. . . # فكيف ضاعت إذن " الكثرة المطلقة "؟ وما يمنع قريشا أن يكتبوا هجاءهم # كما فعل الأنصار؛ وإذا كانوا يكتبون مثل هذا فذلك نص على أنه لا حرج من ~~روايته! # لقدكتب شيخ الأدب صديقنا الأمير شكيب أرسلان مافيه الكفاية للرد # على أستاذ الجامعة في بناء التاريخ على التحكم والافتراض وزعمه أن ~~المسلمين محوا شعر النصارى واليهود أوتسببوا بمحوه؛ فلا نطيل في هذا ~~المعنى، غير أننا نضيف إلى ما قاله شيخنا الجليل أنه لما أسر سهيل بن عمرو ~~من مشركي قريش، وكان أعلم - أي مشقوق الشفة السفلى - وأرادت قريش فداءه، ~~قال عمر بن الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -: "انتزع ثنيتي سهيل بن ~~عمرو السفليين يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا! فأبى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وأطلق الرجل، فلو أنه # كان يمحو شيئا أو يأمر بشيء في توفي الكلام وإبطاله لمحا أكبر وسائل ~~الخطابة # في هذا الخطيب المشرك، ولتركه ما يبين حرفا من حرف ولا يقيم الكلام على ~~أصواته فلا يفلح بعدها في الخطابة أبدا. # وما يزال المسلمون يروون إلى اليوم قول ابن الزبغرى في الرد على # النبي ms097 - صلى الله عليه وسلم -: # حياة ثم موت ثم نشر. . . حديث خرافة يا أم عمرو! # وقول ذلك اليهودي حين ضلت ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم -: # يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لايدري أين ناقته! # وهنا نريد أن نقول للدكتور طه: إن بعده من صناعة الشعر هو الذي أوقعه # في هذا الرأي السخيف، فلو نظم اليهودي هذه الكلمة فما عسى أن تزيد على ما ~~قال؟ وهل شعر النصارى واليهود إلا كشعر سائر العرب في الفخر والهجاء والوصف ~~والنسيب وغيرها؟ # أم حسب الدكتور أن شعر النصراني يجب أن يكون # في عقائده وإنجيله، وشعر اليهودي في توراته وتجارته.. ولعله لا يعلم أن # أضعف ما يكون الشعر في الصناعة إذ هو تناول هذه المعاني وأشباهها كما يقع ~~في شعر العلماء والمتصوفة، حتى قالوا إن شعر حسان بن ثابت نزل في الإسلام # PageV01P109 # إلى دون ما كان عليه في الجاهلية. # قال الأصمعي: الشعر إذا أدخلته في باب # الخير لان - أي ضعف - ألا ترى أن حسان بن ثابت كان علا في الجاهلية # والإسلام؛ فلما دخل شعره في باب الخير من مراثي النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وحمزة وجعفر رضوان الله عليهما وغيرهما لأن شعره.. # وطريق الشعر هو طريق شعر الفحول، مثل امرئ القيس وزهير والنابغة. # صفات الديار والترجل والهجاء والمديح والتشبيب بالنساء وصفة الخمر والخيل ~~والحروب والافتخار، فإذا أدخلته في باب الخير لان. انتهى. # على أن شعر اليهود والنصارى بهان متميزا في الرواية فإن لم يكن وقع # إلينا فذلك لسقوط الرواية وضياع الكتب لا لضياع الشعر في نفسه بإهمال # المسلمين. # وقد ضاعت معان كثيرة من عادات الجاهلية وأعمالها مما أبطله # الإسلام أو لم يبطله، ومع ذلك أداها الشعر ولم يتحرج العلماء من - ~~روايته؛ وهذا ابن قتيبة يقول في كتاب " الميسر والقداح": إن الميسر أمر من ~~الجاهلية قطعه الله بالإسلام، فلم يبق عند الأعراب إلا النبذ اليسير منه، ~~وعند علمائنا إلا ما أدى - إليهم الشعر القديم. # وقد كتب الجاحظ فيما روى قال: "أدركت رواة المسجديين والمربذيين # ومن ms098 لم يرو أشعار المجانين ولصوص الأعراب ونسيب الأعراب والأرجاز # الأعرابية القصار وأشعار اليهود فإنهم كانوا لا يعدونه من الرواة، فهذا ~~نص على أن رواية شعر اليهود كانت في الإسلام بابا خاصا من أبواب الرواية ~~ونوعا متميزا من طرائف الشعر. # وللإمام المرزباني كتاب قالوا إنه في أكثر من خمسة آلاف ورقة، كسره # على اثني عشر بابا منها باب خاص بديانات الشعراء في أشعارهم ومنهم اليهود ~~والنصارى. # "إن أستاذ "الجامعة ليعلم علما لا يدخله الشك الذي يتباهى به. . . أن كتب # السلف لم تنته إلينا بجملتها، ولا انتهى أكثرها، ولا ما يقال فيه إنه ~~كثير، وأن الرواية لم تتأد إلينا بما كانت تحمل من ذلك العلم المستطيل من ~~الأشعار # والأخبار والنقد، فكيف يجوز له أن يحكم على شعر الجاهلية بأنه موضوع أو # محمول على أهله، أو الكثرة المطلقة منه موضوعة محمولة، وهو لا يروي هذا # PageV01P110 # الشعر، وهو لا يعرف ما مقداره، ولا يحيط بأقله فضلا عن أكثره، وقد قالوا ~~إن ابن الأعرابي أملى وحده من الشعر أحمالا، فأين هذه الأحمال اليوم حتى ~~يقابل ما فيها بعضه يبعض، ومن الذي يستطيع في عصرنا أن يقول في الشعر: هذا ~~يشبه شعر الجاهلية وهذا لا يشبهه، والتوليد في هذا بين، والصنعة في ذلك ~~ظاهرة، وهذا بقول فلان أشبه وهذا ليس من نسج فلان ولا من طبقته، وذلك منحول ~~رويناه في شعر فلان. . . الخ الخ؟ # وقد وضع ابن سلام كتابا في طبقات فحول شعراء الجاهليين لا يعرف إلا # اسمه، أفتحسب راوية مثله يضع في أوائل القرن الثالث كتابا في أسماء هؤلاء # " الفحول " وليس بين يديه من شعرهم الكثير الصحيح قد غربل ونخل ونفي منه ~~الموضوع والمنحول وما تقولته العشائر بأهوائها وما دسه الرواة بسبب من # أسبابهم؟ # نحن لا ندفع أن يكون فيما يعزى إلى الجاهلية شعر محمول على أهلها # حملا، وشعر قد نحلوهم إياه من كلام الشعراء المغمورين، وقد بينا ذلك في # "تاريخ آداب العرب" في باب الرواية والرواة من الجزء الأول، وهو الباب ~~الذي بنى عليه ms099 الدكتور طه كتابه في الشعر الجاهلي. # ولكن بيننا وبين الجاهلية ثم من نقلوا عنها أزمانا متناسخة كادت توفي # خمسة عشر قرنا، وقد باد أكثر الكتب وذهبت فيها أقوال الرواة وعلم العلماء ~~مما حققوه ونصوا علبه، وما تسامحوا فيه وتوسعوا به، فلا يجوز لكائن من كان ~~بين قطبي الأرض أن يثبت أو ينكر ويزيد أو ينقص إلا بنص عن المتقدمين؛ لأن ~~هذا العلم لا يمكن أن يستقيم على اتباع الظن ولا أن يصح على الشك، فإن محل ~~الشك والتخمين والحدس والاستنتاج إنما يجيء بعد أن تجتمع المادة من أطرافها ~~بحيث لا يشد منها إلا القليل الذي يفرض فيه لقلته أنه لا ينقض حكما ولا ~~يبطل رأيا، للاستغناء بالنصوص الأخرى المتوافرة التي تتحقق بها غلبة الظن ~~إن لم يأت منها اليقين، والأمر في يد أستاذ الجامعة المبتلى بالشك. # على النقيض من ذلك فلا هو يستطيع أن يرد ما ذهب من الكتب فيستوعبها، ولا ~~هو يمكنه أن يطلع على كل ما هو فبعثر في زوايا الدنيا من الكتب التي لم ~~تذهب، ولا هو اطلع على كل ما تناله أيدي الأدباء: ثلاث درجات يسفل بعضها عن ~~بعض، فالعجب الذي ليس مثله عجب أن يكون الأستاذ ناقصا هذا النقص كله ثم ~~يزعم أنه يدعو إلى الطريقة العلمية في تاريخ الأدب، وأنه يمحص ويحقق، ويثبت ~~وينفي، ويوقن ويشك، وهذا هو المضحك من أمره. # فإن أخص شروط # PageV01P111 # الطريقة العلمية في درس التاريخ وكتابته أن يستوعب المؤرخ كل ما قيل وكتب ~~في موضعه، مما يتعلق بحادث أو شخص أو موضوع، لا يفوته من ذلك شيء، فإذا هو ~~أتى على المادة ووضع يده منها حيث أراد وأمن أن يكون ند عنه أمر ذو بال جاء ~~الشرط الثاني لهذه الطريقة ووجب حينئذ أن ينتفي من أهوائه ونزعاته، ويتجرد ~~من شخصه الإنساني، ليصبح في عمله شخصا، كما يتجرد القاضي ليكون في قضائه ~~شخصا قانونيا ليس غير! بيد أن طه تجرد قبل أن يلبس. . . # وهذا نوع من الهزل إن احتمل من كاتب ms100 في صحيفة لا يحتمل من مدرس في # جامعة! # ومع أن الطريقة العلمية قائمة على استقراء المادة والإحاطة بها من جميع # جهاتها، فهي لا تخرج التاريخ نفسه كما هو في الواقع، وإنما تجيء برأي فيه # يكون معياره دائما ذكاء صاحبه وعقله وخياله، ولهذا اشترطوا في صاحب تلك ~~الطريقة أن يكون ممن رزقوا البراعة كل البراعة في إصابة الحدس وقوة الخاطر ~~وسمو الخيال، وإلا خرج عمله بلا معنى، أو بمعنى لا قيمة له، أو بقيمة ضعيفة ~~تنزل من التاريخ منزلة الهيكل العظمي من الجسم الحي. # وضع الإمام المرزباني كتابا غير الكتاب الذي أومأنا إليه آنفا. # قال ابن النديم إنه أكثر من خمسة آلاف ورقة أتى فيه على أخبار (الشعراء ~~المشهورين) من الجاهلية، وبدا بامرئ القيس وطبقته، ثم المخضرمين، ثم ~~الإسلاميين إلى أول الدولة العباسية، فهذه أخبار شعراء مائتي سنة من ~~التاريخ، بل المشهورين منهم، وقد كتبت في خمسة آلاف ورقة، أي عشرة آلاف ~~صفحة، لم ينته إلينا منها صفحة واحدة، فكيف مع ضياعها وضياع كثير من أمثال ~~هذا الكتاب الجامع الممتع يقبل عقلا من مؤرخ علمي يجلس في كرسي التحقيق أن ~~يقرر مثل هذا الهراء الذي جاءنا به الدكتور طه حسين في إنكار الشعر ~~وإثباته، على حين أنه مع هذا النقص الفاضح تنقصه كذلك ملكة الشعر فما هو ~~بشاعر يدرك # بالحس كما أدرك مثل ذي الرمة حين سئل عن شعر أنشده حماد الرواية في مدح ~~بلال بن أبي بردة فقال: إنه جيد وليس له، فلما عزم بلال على حماد ليخبرنه # قال: إن الشعر قديم ولا يرويه غيري وقد انتحلته. # ولجرير والفرزدق وغيرهما من الشعراء أخبار كثيرة من مثل هذا، يقرأون ~~بنفوسهم كما يقرأون بأعينهم، فلا يحسن أن يقول المؤرخ في الشعر إلا إذا كان ~~شاعرا يوثق بملكته، فإن الحس والملكة من أقوى أسباب الرأي في مثل ذلك. # ومع نقص النقص في أستاذ الجامعة فهو لا يحسن نقد الشعر، لأن النقد # PageV01P112 # قائم بالملكة والفهم لا بالفهم وحده، ولم ينتقد في كتابه الشعر الجاهلي ms101 ~~نقدا # فنيا إلا بيتا واحدا من قصيدة عمرو بن كلثوم المعروفة بالمعلقة، وهو ~~قوله: # ألا لا يجهلن أحد علينا. . . فنجهل فوق جهل الجاهلينا # قال الأستاذ: "قلت إن هذا البيت يمثل إباء البدوي للضيم، ولكني # أسرع. . . فأقول إنه لا يمثل سلاسة الطبع البدوي وإعراضه عن تكرار الحروف # إلى هذا الحد الممل فتمد كثرت هذه الجيمات والهاءات واللامات واشتد هذا # الجهل حتى مل " انتهى. # قلنا ليته لم يسرع ولم يفرح بهذا الخاطر فقد عثر من # إسراعه فامتلأ فمه ترابا، ومتى كان الأستاذ طه حسين يفطن إلى عيب تكرار # الحروف وهو الذي كانت تضرب به الأمثال في التكرار قبل أن نلقنه ذلك # الدرس في جريدة "السياسة"، وهو لم يبرأ بعد من هذه العلة، فقد رأينا له ~~مقالا في "مقتطف" شهر مارس من هذه السنة 1926 جاءت فيه هذه الشأشأة. . . # " يمضي حيث يشاء ويصور الأشياء كما يشاء لا كما تشاء الأشياء" فتأمل. # نقول لأستاذ الجامعة: إن التكرار في بيت عمرو بن كلثوم هو سر البلاغة # فيه، وهو اللون الذي نفضه الشاعر من ألوان روحه على المعنى ليخلقه خلقا # حيا بحيث لو لم يكن هذا التكرار لضعف المعنى وسقطت رتبة الشعر؛ فإن هذا ~~الشاعر يمثل في البيت غضب قومه وحفاظهم وقدرتهم على المجازاة والنقمة ~~والأخذ الشديد لمن عز وهان، فلم يقل: إذا جهل أحد علينا فعلنا وفعلنا، وكان ~~يستطيعه إذا جعل البيت: # متى ما يجهلن أحد علينا جهلنا. . . الخ، بل نبه أولا بقوله: # "ألا" ثم نهى بعد ذلك أن يجهل أحد عليهم، ليشعر أن لقومه الأمر # والنهي؛ فهذه واحدة، ثم كرر بعد ذلك لفظ الجهل بالفعل والمصدر واسم # الفاعل، ومضى به إلى منقطع الشعر جهلا بعد جهل، ليشعر النفوس أن # انتقامهم بلاء لا آخر له، يتتابع فيه الجهل الذي لا عقل معه فلا رحمة ~~فيه. # وكأنه يقول: إن الصاع بثلاثة، وإن من أساء إلينا واحدة رددناها عليه ~~ثلاثا؛ وكل ذلك إنما أفاده التكرار، وهذا هو غضب الطبع البدوي وحفيظته، فلا ~~تنتظر من هذا الطبع الحر ms102 سلاسة ولا رقة في موقف الغضب والتحذير وإنذاره ~~أعداءه البطشة الكبرى، بل ترقب الهول الهائل الذي تمثله لك الجيمات ~~والهاءات واللامات إذا ملأ بها شدقيه عربي جهير الصوت فخم الإنشاد ثائر ~~العاطفة # غضوب الدم يهدر بالكلام هديرا، أفرأيت يا أستاذ الجامعة؟ # * * * # PageV01P113 # من أقبح ما في كتاب الدكتور طه حسين أنه يعلن في مقدمته تجرده من # دينه عند البحث، يريد أن يأخذ النشء بذلك، اتباعا لمذهب ديكارت # الفلسفي الذي يقضي على الباحث بالتجرد من كل شيء عندما يبحث عن # الحقيقة. # قال الأستاذ: يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن # ننسى قوميتنا وكل مشخصاتها " وأن ننسى ديننا وكل ما يتصل به!. # وهذا لعمري هو منتهى الجهل، فإنه هناك فرقا بين البحث عن حقيقة # فلسفية عقلية محضة، وبين البحث عن حقيقة أدبية تاريخية قائمة على النص # وقول فلان وفلان، وإذا هو نسي دينه (وتأمل ما في هذه العبارة) فماذا يكون ~~من أثر هذا التاريخ ما دامت المادة التاريخية لم تجتمع له كما أسلفنا، وما ~~دام الأستاذ مبتلى بالنقص من كل جهة. # أما إنه قد نسي دينه حقيقة في رده على كليمان هوار المستشرق الفرنسي # الذي زعم أنه اهتدى إلى مصدر عربي من مصادر القرآن هو شعر أمية بن أبي # الصلت "الذي يجب أن يكون النبي قد استعان به كثيرا أو قليلا في نظم ~~القرآن " # كما جاء في كتاب طه، (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا (5) ~~. # وقد كان رد أستاذ الجامعة الذي نسي دينه أنه أنكر الاستعانة بشعر أمية ~~ولكنه لم يرد على حماقة هوار في زعمه أن القرآن من نظم النبي، بل سكت عن ~~ذلك، بل قال بالحرف الواحد في صفحة 83: "ليس يعنيني هنا أن يكون القرآن قد ~~تأثر بشعر أمية أو لا يكون" # فالأمر عنده على حد الجواز كما ترى، وليس يعينه أن # يكون دينه ودين أمته صحيحا أو كذبا. . . # ولو كان طه حسين بليغا من أئمة البلاغة لقلنا: رأي رآه وإن كان كفرا ~~وإلحادا، ولكنه هو ms103 هو هو. . . على أن # كلامه في هذا الكتاب عن القرآن الكريم كلام من "نسي دينه" بل كلام من لا ~~دين له، فليس في الأمر عنده معجزة ولا إعجاز ولا تنزيل. # وسيأتي هذا مفصلا بعد. # PageV01P114 # إن هذا الكتاب السخيف الذي جاءتنا به الجامعة مما تضيق به النفس # لكثرة ما فيه من الخطأ، حتى لا يطيقه إلا من كان في عقل صاحبه وضعف # حجته وتهافت آرائه وكثرة سقطه، وقد وجدنا أن أقوى ما يستند إليه المؤلف ~~في كذب ما روي من الشعر الجاهلي دليل واحد اجتهد فيه وكرره وسماه عقدة ~~لغوية وأيقن أن أنصار القديم لا يستطيعون فيه شيئا، وذلك ظنه أن اختلاف ~~لهجات العرب يجب أن يكون في أشعارها. # ولما كان شعر الجاهلية ليس فيه شيء منها فهو موضوع بعد الإسلام وبعد أن ~~صارت اللغة قرشية، قال: # "فهذا النوع من اختلاف اللهجات له أثره الطبيعي اللازم في الشعر، في ~~أوزانه وتقاطيعه وبحوره وقوافيه بوجه عام، وإذا لم يكن نظم القرآن وهو ليس ~~شعرا ولا مقيدا بما يتقيد به الشعر قد استطاع أن يستقيم في الأداء لهذه ~~القبائل "يريد اختلاف القراءات " فكيف استطاع الشعر، وكيف لم تحدث هذه ~~اللهجات المتباينة آثارها في وزن الشعر وتقطيعه الموسيقي "؟ # فما هي اللهجات يا أستاذ الجامعة؟ كان ينبغي أن تستقر بها قبل أن # تعترض بها، فإنك لو فعلت لرأيتها في الجملة لا تغير شيئا من أوزان الشعر. # فهي في معظمها بين إبدال حرف بحرف أو حركة بحركة أو مد بمد، وكل ذلك لا ~~يؤثر في إقامة الوزن كثيرا ولا قليلا، والاختلاف في الحقيقة هيئات في النطق ~~والصوت أكثر مما هو هيئات في الوضع واللغة، ومع ذلك فقد نصوا على أن العربي ~~الفصيح غير مقيد بلغة قبيلته إذا نافرت طبع الفصاحة فيه، فمنهم من يوافق ~~اللهجة ومنهم من يخالفها لسبب عند هذا وعند هذا راجع إلى الفطرة وقوتها، ~~ومن القبائل من تأخذ لهجة غيرها كما فعلت قريش، فقد كانت لا تهمز، فلما نزل ~~القرآن بالهمز اتخذت هذه ms104 اللهجة. # ويجب أن تعلم يا أستاذ الجامعة أن عندنا نصا عن ابن الكلبي أن العرب # لم ترو من شعر الجاهلية إلا ما كان إلى مائة سنة قبل الإسلام، أي عمر ~~رجلين # يروي أحدهما عن الآخر، وذلك هو الزمن الذي نهضت فيه اللغة وأخذ العرب ~~بعضهم عن بعض. # ومع كل هذا فهناك نص آخر على أن من اختلاف اللهجات ما يؤخذ به # في إنشاد الشعر إذا وجد في لغة من ترتضى عربيته، ومنه ما لا يؤخذ به إذا # وجد في لغة من لا ترضي عربيته، فذلك دليل قاطع على أن العلماء حذفوا # أشياء لم يرضوها وغيروا في إنشاد الشعر لا في نظمه، قال شاعر من بني ~~تميم: # ولا أكول لكدر الكوم قد نضجت. . . ولا أكول لباب الدار مكفول # PageV01P115 # يريد: لا أقول لقدر القوم الخ، وهي القاف المعقودة التي ينطقونها بين # القاف والكاف، وكانت شائعة في العرب، وهي غير القاف الخالصة التي يقرأ ~~بها القرآن، فهل روي كل شعر بني تميم على هذا الوجه؟ وماذا لو أبدلت الكاف ~~في البيت قافا لتوافق اللغة الفصحى في الإنشاد؟ # وفي الحديث من لغة حمير "ليس من امبر امصيام في امسفر" # إذ كان من لغتهم إبدال لام التعريف ميما، وهذه العبارة لو أشبعت فيها ~~حركة السين في " ليس " خرج منها شطر موزون من الرجز، فإذا أنشدته بالفصحى ~~وقلت "ليسا من البر الصيام في السفر" فأين تأثير اللهجات في الوزن والتقطيع ~~الموسيقي. . . والبحر والقافية؟ # فالدليل الذي حسب أستاذ الجامعة أنه ليس أقوى ولا أعضل منه في بابه # هو كما تراه أوهن أدلته وأسرعها اضمحلالا، فكيف بغيره مما تمحل فيه # وتكلف له التلفيق؟ # إذا أخذت قيس عليك وخندف. . . بأقطارها لم تدر من أين تسرح # PageV01P116 ### | أستاذ الآداب والقرآن # إلى هيئة كبار العلماء ومجلس إدارة الجامعة # لقينا صديق من أدباء المسيحيين فقال، ويحكم! أيها العلماء والكتاب # الذين أقاموا القيامة على رسالة الأستاذ الشيخ علي عبد الرزاق (1) فإن ~~هذه # الرسالة إنما هي تسبيح لله في جنب كتاب طه حسين الذي درسه ms105 في الجامعة. # فقلنا لهذا الأديب: وكتاب طه حسين هو تسبيح لله في جنب ما يكون في نفس طه ~~حسين، فلولا دين الحكومة والقضاء والنيابة - كما يقول هو في كتابه - لكان ~~قد هدم السماء والأرض وترك الآخر يلعن الأول، ولافترى بين يديه ورجليه ~~ويسرته ويمناه وما فوق وما تحت، سخطة على الدين وكتابه، والإسلام ونبيه، ~~وعلى الأمة وعلمائها؛ وهو على ما يعرف من دين الحكومة والقضاء والنيابة لا ~~تراه ينظر في معنى من معاني الإسلام إلا جاء بشر النظرين وأشدهما جهلا ~~وحمقا؛ وتراه يزهى في كتابه بأنه ممن "خلق الله لهم عقولا تجد من الشك لذة ~~وفي القلق والاضطراب رضا" - صفحة 5 - وأنه من فئة (حسبك أنهم يشكون فيما ~~كان الناس يرونه يقينا، وقد يجحدون ما أجمع الناس على أنه حق لا شك فيه - ~~صفحة 6 - فهو لا يعد نفسه من أولئك الذين قال الله فيهم: (ولكن الله حبب ~~إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان) بل كره ~~الله # الإيمان وزين في قلبه القلق والاضطراب والشك، ولو نعلم أن كتابه وإلحاده ~~PageV01P117 # حديث بينه وبين نفسه أو بينه وبين مثل "كازانوفا" لأهملناه، ثم لما كان # حكمه عندنا إلا ما قال الله تعالى: (فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها) ~~ولكن كتابه دروس ألقاها في الجامعة، على طلبة يقول هو إنهم زهاء مائتين؛ ~~فلقد أمر أمره إذن بقوة هذه الجامعة، وأصبحت الجامعة هي المتهمة بإزاغة ~~عقيدة مائتي طالب، وصارت في معناها العلمي كمستشفيات المبشرين في معناها ~~الطبي. . . ومن ثم وجب على أئمة الدين أن يحيطوا عقائد أبنائنا وإخواننا، ~~وأن يزعوا الجامعة ويردوا جماحها ويكسروا شرتها، وإلا شركوها في الإثم ~~وأعانوها عليه، وقد أبلغنا فاللهم اشهد؛ وإنما هلك من كان قبلكم باختلافهم ~~في الكتاب! # ولننظر الآن في حماقة طه وتكاذيبه التي زعمها في القرآن، ووقاحته # العجيبة فيما يكتب جهلا بأساليب الكتابة وذوقها واسترسالا مع طبعه الأحمق # السفيه. # يقول في صفحة 26 "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن # أن يحدثنا عنهما أيضا؛ ms106 ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا ~~يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة ~~إسماعيل وإبراهيم إلى مكة. . . # قال: ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعا من الحيلة في إثبات الصلة ~~بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية، والتوراة والقرآن من ~~جهة أخرى". انتهى. . . # فانظر هذه الوقاحة في قوله "للقرآن أن يحدثنا" كأنه زعم زاعم له أن يقول # وأن لا يقول؛ وإذا لم يكف النص في كتاب سماوي تدين له الأمة كلها لإثبات ~~وجود المنصوص عليه فما بقي معنى لتصديقه، وما بقي إلا أن يكون القرآن كما ~~يزعم المستشرقون أساتذة طه حسين وأولياؤه كلاما من كلام النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نفسه. # ومن نظمه وعمله كما نقل عن هذا الخرف المسمى كليمان هوار؛ فهو يدخله ما ~~يدخل كلام الناس من الخطأ والغفلة والحيلة والكذب، فله أن يزعم ما شاء ولكن ~~ليس علينا أن نصدق أو نطمئن، وإذا هو ذكر اثنين من الأنبياء، وإذا هو ورد ~~فيه قوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) فذلك غير ~~كاف # PageV01P118 # في رأي الجامعة المصرية لإثبات أن إبراهيم واسماعيل شخصان كان لهما # "وجود تاريخي "، ولا أنهما هاجرا إلى مكة ورفعا قواعد البيت الحرام وبنيا # الكعبة؛ وإذن فالقصة في رأي الجامعة المصرية من الأساطير الموضوعة ومما # يلتحق بحيل الروائيين التي يشدون بها المعاني الاجتماعية، والسياسية. # والتاريخية، ويؤتى بها في الرواية على أنها من الكذب الفني توصلا إلى سبك # حادثة أو تقرير معنى أو شرح عاطفة # أولا يعلم أستاذ الجامعة أن النصوص واردة بأن العرب لا يعذون اليهود # منهم (1) وإن كانت الدار واحدة واللغة واحدة، فما حاجتهم إلى حيلة روائية ~~سخيفة، وهم لم تفصل طباعهم على طباع طه حسين، ليكذبوا وينافقوا وهم يعلمون ~~أنهم كاذبون منافقون، على حين أنهم مستيقنون أن اليهود أهل كتاب وعلم فلا ~~يقبلون من أمة جاهلة أن تضع لهم التاريخ؛ ثم كيف دخل هذا الكذب واندست هذه ~~الحيلة في القرآن؟ نبئوني "بعلم ms107 " إن كنتم صادقين. # ويقول الأستاذ في صفحة 18: "فقريش إذن كانت في هذا العصر ناهضة # نهضة مادية تجارية، ونهضة دينية وثنية؛ وهي بحكم هاتين النهضتين كانت # تحاول أن توجد في البلاد العربية وحدة سياسية وثنية مستقلة. . . # قال: واذا كان هذا حقا، ونحن نعتقد أنه حق، فمن المعقول أن تبحث هذه ~~النهضة الجديدة لنفسها عن أصل تاريخي قديم يتصل بالأصول التاريخية الماجدة ~~التي تحدث عنها الأساطير، قال: وإذن فليس ما يمنع قريشا من أن تتقبل هذه ~~"الأسطورة" التي تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم. . . كما قبلت ~~روما قبل ذلك ولأسباب مشابهة " أسطورة" أخرى صنعها اليونان تثبت أن روما ~~متصلة بإينياس ابن بريام صاحب طروادة". # انتهى كلام الجامعة المصرية، ومعناه الصريح أن قريشا قبلت هذه # الأسطورة الخرافية التي تثبت أن الكعبة من بناء إسماعيل وإبراهيم، فأخذها ~~من وضع القرآن عن قريش لأنه منهم؛ وبذلك تجزم الجامعة المصرية أن في القرآن ~~كذبا وتلفيقا، لأن الأسطورة كما يقول أستاذها في صفحة 29 حديثة العهد ظهرت ~~قبل الإسلام واستغلها الإسلام لسبب ديني" أي فهي كذب صريح يعلم PageV01P119 # الإسلام أنه كذب ويتغفل به العرب لسبب ديني. # فماذا بقي من هذا الدين الذي يتناول الخرافة المخترعة قبل الإسلام بقليل ~~ويوردها في كتابه على أنها منزلة من # السماء وأنها وحي يوحى. # وتماما على هذه الخرافة يقول أستاذ الجامعة في صفحة 80 فهو - يعني # القرآن - يذكر التوراة والإنجيل ويجادل فيهما اليهود والنصارى، وهو يذكر ~~غير # التوراة والإنجيل شيئا آخر هو صحف إبراهيم، ويذكر غير دين اليهود ~~والنصارى # دينا آخر وهو ملة إبراهيم، هو هذه الحنيفية التي لم نستطع إلى الآن أن ~~نتبين # معناها الصحيح، وإذا كان اليهود قد استأثروا بدينهم وتأويله، وكان ~~النصارى قد استأثروا بدينهم وتأويله ولم يكن أحد قد احتكر ملة إبراهيم ~~(تأمل!) ولا زعم لنفسه الانفراد بتأويلها، فقد أخذ المسلمون يردون الإسلام ~~في خلاصته إلى دين إبراهيم" انتهى. # ولكن، أهم المسلمون الذين زعموا هذا، أم نزل ذلك في قرآنهم في قوله # تعالى: (ثم أوحينا إليك أن ms108 اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ~~(123) . # إلى آيات أخرى؟ # فإذا كان ذلك من فعل المسلمين فالقرآن كذلك من صنعهم عند أستاذ # الجامعة؛ وهذا الأستاذ يشير (بالحنيفية) التي لم يفهم معناها الصحيح إلى ~~ما # ورد في الحديث من قوله - صلى الله عليه وسلم -: # "بعثت بالحنيفية السمحة السهلة ". # وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث، فكيف سمعها العرب ورواها العلماء ولم ~~يفهموها، وكيف يكون ذلك وهي مبنية على آيات كثيرة وردت في القرآن، مثل قوله ~~تعالى: (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما) وقوله: ~~(ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا) . # إلى آيات كثيرة كلها نص قاطع في أن معنى الحنيف إنما هو الذي مال عن ~~الشرك والتشبيه والتجسيد مما يزعمه اليهود والنصارى والمشركون، والحنف في ~~اللغة: الميل، وكان العرب يقولون في كل من تعبد واعتزل الأوثان: إنه تحنف، ~~وكل من حج واستقبل البيت سموه حنيفا، لأنه بيت إبراهيم، ثم توسع الإسلام في ~~الكلمة على سنته في الألفاظ الإسلامية المعروفة، فالمعنى الصحيح للحنيفية ~~أنها الشريعة النقية التي لا شوب فيها من الإلحاد والشرك، والتي تعدل ~~بالناس إلى الله وتوجه الخلق إلى الخالق وحده. # وانظر كيف يقول الله: ((ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا) ثم يزعم ~~أستاذ الجامعة أن قصة إبراهيم "حيلة" فى إثبات الصلة بين # PageV01P120 # اليهود والعرب، وبين الإسلام واليهودية وبين التوراة والقرآن. . . فهل في # الجهل أوسع من هذا؟ # والعجب أن شيخ الجامعة مع كل هذا الخلط وكل هذه الحماقة يقول في # صفحة 126: "القرآن وحده هو النص العربي القديم الذي يستطيع المؤرخ أن ~~يطمئن إلى صحته ويعتبره مشخصا للعصر الذي تلي فيه، فأين الشك الذي ابتلي به ~~هذا الرجل، وكيف يستطيع على قاعدته في البحث والتحليل "ووضع علم المتقدمين ~~كفه موضع الشك" أن يثبت هذا القول؛ وهل هو يجهل أنه كان قبله بزمن بعيد قوم ~~"يجدون في الشك لذة وفي القلق والاضطراب رضا" وهم الرافضة، وقد شكوا في نص ~~القرآن وقالوا إنه ms109 وقع فيه نقص وزيادة وتغيير وتبديل؛ فإذا أخذ طلبة ~~الجامعة المصرية بقاعدة الشك التي يقررها أستاذهم ويريد أن ينشئهم عليها ~~فهل يصدقون طه حسين أم يصدقون الرافضة؟ # وما الذي يجعل طه أصدق منهم أو يجعلهم أكذب منه ما دام الأمر إلى الشك ~~والتعسف؟ # يعتقد الأستاذ أن القرآن يمثل العصر الجاهلي " ويشخصه"، وأنه أصدق # مرآة للحياة الجاهلية - ص 16 - وأن العصر الجاهلي القريب من الإسلام لم # يضع، وأنا نستطيع أن نصوره تصورا واضحا قويا صحيحا، بشرط أن لا نعتمد على ~~الشعر، بل على القرآن من ناحية والتاريخ والأساطير. . . # من ناحية أخرى - ص 8 - ومعنى هذا الخلط مضافا إلى ما تقدم وإلى قوله في ص ~~83: "ليس يعنيني أن يكون القرآن تأثر بشعر أمية - ابن أبي الصلت - أو لا ~~يكون، أن القرآن عند هذا الرجل كتاب أشبه بالكتب التي يضعها المؤلفون فتكون ~~تمثيلا للعصر الذي وضعت فيه لأنها صادرة عن فكر متأثر بالأسباب الكثيرة ~~التي أنشأت العصر نشأته الخاصة به والمميزة له، مؤثرة بهذه الأسباب عينها ~~فيما يضعه ويؤلفه، كما ترى في إلياذة هوميروس مثلا؛ وإذن فلم يبق معنى لما ~~ورد فيه من أنه (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم ~~حميد (42) . # ويلتحق هذا ومثله "بالأساطير التي استغلها الإسلام لسبب ديني" وتكون هذه ~~هي عقيدة الجامعة المصرية في القرآن لا عقيدة طه حسين وحده، ما دامت ~~الجامعة تدرس هذا وتقره وتمتحن الطلبة فيه وتجيزهم عليه. # هل يدري طه حسين معنى قوله تعالى: (من بين يديه) ومعنى قوله (ولا من ~~خلفه) ؟ وهل يفهم هذه البلاغة المعجزة التي يسجد لها البلغاء؛ إن معناها يا # أستاذ الجامعة أن القرآن لا يشخص عصرا ولا يمثله، بل هو كتاب كل عصر، وهو ~~الثابت على كل علم وكل بحث وكل اختراع واستكشاف على مدى الأزمنة # PageV01P121 # في أيها جاء مما سيستأنفه التاريخ؛ وهذا معنى (من بين يديه) وأيها ذهب ~~مما # يطويه الماضي، وهذا معنى (ولا من خلفه) ؛ وليس يخفى عليك أن العصور # يصحح بعضها بعضا ms110 ويكشف بعضها خطأ بعض، وقد يتقرر في زمن ما يثبت # بعد أزمان طويلة أنه كان خطأ فقوله: ((لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا ~~من خلفه) # من الكلمات التي لا تخطر بفكر إنساني يظن أنه يشخص العصر الجاهلي، بل # هي علم من لا يعلم غيره أن ستجد أمور وتحدث علوم وتمحص تواريخ وتنشأ ~~مخترعات، فلو فهم الجاهل لما تكلم إلا الفاهم؛ وقد قال الله في أشباه طه ~~حسين (وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا) . # ولقد عجبت لأستاذ الجامعة كيف يعتمد في تصور العصر الجاهلي على # التاريخ والأساطير وهو الذي يقول بالشك، وكيف تصح عنده الأساطير ويصح ~~التاريخ العربي دون الشعر الجاهلي؛ وهل جاء هذا الشعر إلا من الطريق التي ~~جاءت منها الأساطير والتاريخ، أي بالرواية والإسناد، ومن الحفظ والتلقين؟ # وإذا جاءت ثلاثتها من طريق واحدة وكان الكذب والوضع قد دخلها جميعها # ونص العلماء على أشياء من ذلك في الأبواب الثلاثة، فكيف يكون العصر # الجاهلي في اثنين منها دون الثالث مع أن الوضع فيهما أيسر من الوضع في # الشعر، إذ هما كلام كالكلام لا مؤونة فيه ولا تعب ولا صناعة ولا كذلك # الشعر، وخاصة ما يوضع منه على ألسنة فحول الجاهليين. # إنما جاء أستاذ الجامعة هذا العلم الغريب من جهله بالشعر وصناعته # وأغراضه، فهو يحسب أن الشعر الجاهلي لا يكون جاهليا ولا تصح نسبته إلى ~~الجاهلية إلا إذا مثل الحياة الدينية عند العرب، ولقد ذكر القرآن اليهود # والنصارى والمشركين والصابئة ولم يذكرهم الشعر الجاهلي، بل هو كما يقول ~~في ص 18: "يظهر حياة غامضة جافة بريئة أو كالبريئة من الشعور الديني القوي. ~~. . " فالقرآن عنده لذلك أصح تمثيلا، والشعر لذلك عنده غير صحيح. # قال في ص 19: "وقريش كانت متدينة قوية الإيمان بدينها، ولا يمثل لها ~~الشعر الجاهلي من ذلك إلا قليلا" # فليذكر لنا الأستاذ شعراء قريش من عهد امرئ القيس، وليقل لنا متى كان ~~الشعر في قريش وقد نصوا على أنها أقل القبائل شعرا وشعراء في الجاهلية، ثم ~~- ليذكر لنا هذا الباحث المحقق. ms111 . . كيف مثل # الشعر الإسلامي الحياة الدينية الإسلامية، وأين هذا في شعر جرير والفرزدق # والبحتري والمتنبي، وهل يحسب أستاذ الجامعة أن القرآن يجري مجرى الشعر # في الوضع والسبب والغاية؛ ألم يعلم طه حسين إلى سنة 1926 أن القرآن نزل # PageV01P122 # بشريعة تنسخ الشرائع، ودين يتمم الأديان وعبادة تمحو العبادات، فكان لا ~~بد من ذكر كل ذلك فيه بإجمال حين يجمل وتفصيل حين يفصل وقصص حين يقصى ~~وبرهان - حين يحتج وقياس حين يقايس، - وأنه ما هو عاطفة شاعر ولا وصف كاتب ~~ولا حكاية مؤرخ ولا حيلة قاص روائي، ولا هو بعلم على قياس فكر طه حسين مدرس ~~الجامعة المصرية. . . # لقد تناولت الآن هذا الكتاب الكريم عندما انتهيت في الكتابة إلى هذه # الكلمة وسألت الله أن يخرج لي آية تشير إلى طه حسين وغروره وحماقته # وتخاليطه، ثم فتحته على هذه النية فوالله لقد خرج قوله تعالى: # (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون (4) . # ويا أسفا ثم يا أسفا - ثلاث مرات، كما يقول الفرنسيون - لو فهم طه ما في ~~قوله: (زينا لهم أعمالهم) إذن لأكل نصف أصابعه عضا من الندم! # القرآن يا شيخ الجامعة يقارع أديانا فهو يذكرها ويصفها ويحتج عليها. # فماذا يقارع الشعر الجاهلي ليذكر الأديان والشعور الديني القوي؛ وهذا على ~~أنك لم تحط بهذا الشعر ولا بأكثره ولا بكثيره، وعلى أن ما انتهى إليك في ~~الكتب إنما هو ما اختاره الرواة والعلماء للغة والفن والصناعة، لا للتاريخ ~~ولا للبحث التاريخي ولا "لتشخيص" عصر من العصور، ولو هم أرادوا ذلك وفطنوا ~~له لجاءتك كتب وافرة مصنفة وتاريخ تام محفوظ ولكنهم أهملوا من أمر الشعر في ~~اتصاله بالتاريخ وأسبابه ومعانيه مثل الذين أهملوا في ذلك من أمر اللغة، ~~كما كانت تقتضيه طبيعة عصرهم وعلومهم. # أفليس الحمل على هذا المعنى أقرب إلى العقل من ذلك الهذيان؟ # * * * # وفي ص 20 من كتاب طه حسين ترى الجهل المركب تركيبا مزجيا # كبعلبك ومعديكرب. . . فهو يزعم أن القرآن يمثل للعرب حياة عقلية توية في ~~الجدال الديني والفلسفي، ms112 لأنه وصفهم بشدة الخصام. # قال: "وفيم كانوا يجادلون ويخاصمون ويحاورون؛ في الدين وفيما يتصل بالدين ~~من هذه المسائل المعضلة التي ينفق الفلاسفة. . . فيها حياتهم " # فيا فضيحة الجامعة المصرية في جامعات الأمم! ألا يتفضل أستاذها على الأدب ~~والتاريخ فيذكر لنا مجلسا واحدا من هذه المجالس العربية الفلسفية وما دار ~~فيه من البحث والتحقيق والجدل والخصام والمحاورة في معضلات الفلاسفة التي ~~ينفقون فيها حياتهم، لنصدق أن معنى اللدد والخصام الواردين في القرآن صفة ~~للعرب إنما هو الحوار في # PageV01P123 # مسائل الدين والجدال في معضلات الفلسفة؛ أمن حججهم الفلسفية كانت تلك ~~الحجارة التي نص التاريخ على أنهم كانوا يقذفون بها النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حتى يلجئوه إلى الحائط، وذلك التراب الذي كانوا ينثرونه على رأسه؟ ~~أم قولهم: شاعر وساحر وكذاب ومجنون، ونحوها مما يدخل في باب الحمق والسفاهة ~~والاستهزاء؟ # ومتى كانت هذه من صفات الفلاسفة يا شيخ الجامعة؟ أم كان من حججهم # الفلسفية حين عرض نفسه على قبائل العرب يدعوهم إلى الإسلام ويتلو عليهم ~~القرآن أن أتبعوه عمه عبد العزى يقول من ورائه: # "يا أيها الناس لا تسمعوا منه فإنه كذاب" # أو كانت مجالسهم العلمية والدينية والفلسفية حين كان - صلى الله عليه ~~وسلم - يجلس فيدعو الناس ويتلو عليهم القرآن ثم يقوم فيأتي عالمهم ومتكلمهم ~~النضر بن الحارث فيخلفه في مجلسه ويقص على الناس من أخبار ملوك فارس ويقول: ~~والله ما محمد بأحسن حديثا مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما ~~اكتتبتها!.. # إن معنى الخصام واللدد أنهم سفهاء أهل تكذيب وعناد ومكابرة وتأب # على من يريد هدايتهم وإرشادهم، لا يمكن صرفهم عن رأي يكون فيه الهوى، كما ~~لا يمكن مثل ذلك في الجاهل الأحمق المصر المبتلى بالاستهتار والشك. # فإن أصل الألد في اللغة الشديد اللدد أي صفحة العنق، فلا يلوي عنقه في # الصراع، وذلك من أكبر الأدلة على وثاقة تركيبه الجسماني فإن عنق المصارع ~~ثلث المصارع، ولقد كانت هذه الطباع الجاهلة الحمقاء المكابرة من أوضح ~~الأدلة على إعجاز القرآن، لأنه مع إصرارها بلغ ms113 منها، ومع عنادها أثر فيها ~~ببلاغته، فلو كانوا كما زعم طه " أصحاب علم وذكاء وأصحاب عواطف رقيقة وعيش ~~فيه لين ونعمة" لما كانت هدايتهم شيئا يذكر في باب المعجزة. # أولسنا نرى اليوم في الأمم المتحضرة الرقيقة ذات النغمة الفاشية من ~~ينقادون أسهل انقياد وأسرعه لكل ذي مذهب، حتى لعبادة الشيطان في أمريكا ~~بلاد كل شيء ذهبي. . .؟ # وكيف يكونون "أصحاب عيش فيه لين ونعمة " وهم أنفسهم حين اجتمع # أشرافهم من قبائل قريش ليكلموا النبي - صلى الله عليه وسلم - ويخاصموه ~~حتى يعذروا فيه قالوا له فيما قالوا: "قد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق ~~يدا ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا" # ولما نزل قوله تعالى: (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم (8) . # قال الزبير بن العوام عن أي النعيم نسأل يا رسول الله؟ إنما هما الأسودان ~~- التمر والماء # PageV01P124 # فقال - صلى الله عليه وسلم -: أما إنه سيكون فيا سبحان الله! جهل بالأدب ~~وجهل بالتاريخ وجهل باللغة # وجهل بالشعر ثم يكون من هذا كله علم الجامعة المصرية! # والطامة الكبرى في صفحة 22 إذ يزعم الأستاذ أن وجود سورة في القرآن # تسمى سورة الروم دليل على أن العرب لم يكونوا في عزلة سياسية بل هم # أصحاب سياسة متصلة بالسياسة العامة، وقد أخذت ذلك من قوله تعالى: (الم ~~(1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) في بضع ~~سنين) . # كأنه يعني أن هدا التاريخ كان معروفا في أهل السياسة من العرب وفي وزارة ~~خارجية قريش. . . فأخذه القرآن عنهم كما زعم الرجل في إبراهيم وإسماعيل، ~~وغفل أستاذ الجامعة الذي لا يفهم عن قوله تعالى: (وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون) # فلم يدر أن هذا إنباء بالغيب يدخل في باب المعجزة لا في باب التاريخ ولا # في باب السياسة. # فذكر الروم في القرآن وما يجري مجراها في قصص الأمم # إعجاز من النبي الأمي في هذه الأمة الأمية، فهو بذلك دليل على جهل تلك # الأمة وبدأوتها لا - على علمها وحضارتها، ولن يكون القرآن - دليلا - على ~~علم العرب وحضارتهم ms114 ومعرفتهم بالتاريخ واتصالهم بالسياسة كما يقرر طه حسين ~~في الجامعة إلا إذا كان القرآن كلام النبي الذي جاء به لم يكن وحيا ولا ~~تنزيلا، فلتنظر الجامعة أين يذهب أستاذها الخبيث في قوله في ص 23 # "وكيف يستطيع رجل عاقل أن يصدق أن القرآن قد ظهر في أمة جاهلة # همجية" وهل نصدق طه فيما يستنتج بفكره العقيم من أن العرب كانوا أمة # متحضرة راقية "وكانوا أصحاب علم ودين وسياسة متصلة بالسياسة العامة" # أو نصدق النبى - صلى الله عليه وسلم - في قوله: # "إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب " # ومن أين # PageV01P125 # تجيء الحضارة ويأتي العلم وتستقيم السياسة مع جهل (الأمة) بالكتابة # والحساب؟ # إن طه حسين هذا مجموعة أخلاق مضطربة وأفكار متناقضة وطباع زائغة. # وما من عالم في الأرض إلا وأنت واجد آراءه قائمة بمجموع أخلاقه أكثر مما # هي آتية من صفاته العقلية، ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في الحديث الصحيح: # "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان" # وطه رجل أرسلوا لسانه وقلبه إلى أوروبا، فرجع بلسانه وترك قلبه هناك في ~~خرائب روما. . . فيجب أن يكون نفاقه وثرثرته مقصورين على نفسه، ويجب أن ~~تحمي الجامعة طلبتها منها، ويجب أن ينهض علماؤنا في إلزام 1 هذه الجامعة أن ~~تعلن براءتها من آراء أستاذها حتى لا يزيغ به أحد فتبقى قيمته وقيمة آرائه ~~كما هو في نفسه وأهون به، لا كما هو بالجامعة وأعظم بها. # وإذا كان عميد كلية الآداب لا يحسن من العربية شيئا ولا يفقه من هذه # المباحث شيئا ولا هو من دين الأمة فى شيء فماذا نقول في الأستاذ الأديب # الذكي البليغ مدير الجامعة الذي اسمه: أحمد (1) . PageV01P126 ### | للتاريخ # بعد نشر المقالة التي سلفت نهض العلماء في جميع المعاهد الدينية، في # أسيوط وإسكندرية وطنطا ودمياط والزقازيق والقاهرة فحققوا إلحاد أستاذ # الجامعة وجهله وخطله، ثم أرسلوا البرقيات إلى جلالة ملك مصر ورئاسة # وزرائها ووزارة المعارف ونبهوا الأمة جمعاء، فخفق البرق من كل جهات القطر ~~بالاحتجاج على أستاذ الجامعة، ms115 وأصبح الرجل ملعنة هذه الأمة بأديانها ~~الثلاثة: # الإسلام، والنصرانية، واليهودية. # وإليك ما كتبه أحد علماء الأزهر ونشرته الصحف، وهو يصف ما كان من # الأزهر الشريف وحده دون سائر المعاهد التي أشرنا إليها آنفا، قال: # العلماء يطاردون الإلحاد # أهم علماء الأزهر الشريف طلائع تلك الحملة المدبرة ضد الأديان # السماوية التي في مقدمتها كتاب "في الشعر الجاهلي " تأليف طه حسين، فرأوا ~~بعد أن جودل بالحجة والبرهان فلم يخضع لسلطانها وأظهر عنادا وإصرارا على ~~الخروج والإلحاد، أن يرفعوا الأمر إلى جلالة الملك وحكومته المسؤولة عن ~~حماية دينها الرسمي، قياما بما يقضي به واجبهم نحو الدين الذي هم ممثلوه ~~ودعاته، فاجتمع منهم زهاء مائتي عالم بسكرتارية المعاهد الدينية، ومن هناك ~~يمموا "قصر عابدين " يتقدمهم فضيلة أستاذهم الأكبر شيخ الجامع الأزهر وهيئة ~~كبار العلماء، حيث قابلوا صاحب الدولة توفيق باشا نسيم وبسطوا له شيئا من ~~المطاعن التي وردت في ذلك الكتاب، فأبدى عظيم استيائه لهذا التبجح. # وأعلن دولته تضامنه مع العلماء في حفظ بيضة الدين والذود عن حياضه. # فخرجوا شاكرين لدولته هذه الروح العالية والنزعة النبيلة. # وقصدوا توا إلى صاحب الدولة زيور باشا رئيس الوزراء بوزارة الخارجية. # وهناك اجتمعوا بدولته وصاحبي المعالي وزيري الخارجية والمعارف مجتمعين. # فشرحوا لدولته ومعاليهما كذلك بعض ما في هذا المؤلف من كفر وإلحاد. # فعظم عليهم الأمر وأكبروه جد إكبار من شخص مسلم من أبوين مسلمين في أمة # PageV01P127 # متمدينة يطعم ويكسى من أموالها ويحسب في عداد أبنائها وهو أقبح أثرا ~~وأكبر إجراما من أعدائها. # وأعلنوا مجتمعين اتخاذ الوسائل الحاسمة في القريب العاجل، فحمد # العماء لهم هذه الهمة العالية والعناية الجليلة التي ستعقد لسان الأديان ~~السماوية وجميع معتنقيها على حمدهم والثناء عليهم، ويستوجبون بها عند الله ~~عظيم المثوبة وجزيل الأجر (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) # ولقد عاد العلماء من هذا التطواف ممتلئين ثقة وإيمانا بأن حضرة صاحب # الجلالة نصير الدين والعلم، وحكومته الرشيدة، سيضعان الحد الفاصل والسد ~~المنيع والعلاج الناجح لهذه الأوباء الفتاكة التي هي أولى بالمطاردة ~~والإفناء من الجراثيم المعدية. ms116 # حفظ الله دينه ورعى بعنايته جلالة مليكنا المعظم وولي عهده المحبوب. # إنه سميع الدعاء. # عبد ربه مفتاح # من علماء الأزهر # وكان الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر قد أمر، فتألفت لجنة من العلماء # لدرس كتاب طه حسين ورفع تقرير بما فيه، فرفعت إلى فضيلته هذا التقرير # الذي ترى نسخته، ثم نشرته في الصحف. # وهو: كتاب الشعر الجاهلي، ورأي لجنة العلماء فيه. # PageV01P128 ### | كتاب الشعر الجاهلي # رأي لجنة العلماء فيه # حضرة صاحب الفضيلة مولانا الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر. # السلام عليكم ورحمة الله: # وبعد، فقد اجتمعت اللجنة المؤلفة بأمر فضيلتكم من الموقعين عليه # لفحص كتاب طه حسين المسمى "في الشعر الجاهلي" بمناسبة ما قيل عنه من # تكذيب القرآن الكريم، واطلعت على الكتاب، وهذا ما نرفعه إلى فضيلتكم عنه ~~بعد فحصه واستقراء ما فيه: # يقع الكتاب في 183 صفحة، وموضوعه إنكار الشعر الجاهلي وأنه # منتحل بعد الإسلام لأسباب زعمها - وقال إنه بنى بحثه على التجرد من كل # شيء حتى من دينه وقوميته عملا بمذهب " ديكارت" الفرنسي. # والكتاب كله مملوء بروح الإلحاد والزندقة، وفيه مغامز عديدة ضد الدين # مبثوثة فيه لا يجوز بحال أن تلقى إلى تلامذة لم يكن عندهم من المعلومات # الدينية ما يتقون به هذا التضليل المفسد لعقائدهم والموجب للخلاف والشقاق ~~في الأمة وإثارة فتنة عنيفة دينية ضد دين الدولة ودين الأمة. # وترى اللجنة أنه إذا لم تكافح هذه الروح الإلحادية في التعليم ويقتلع هذا # الشر من أصله وتطهر دور التعليم من (اللادينية) التي يعمل بعض الأفراد ~~على نشرها بتدبير وإحكام تحت ستار حرية الرأي، اختل النظام وفشت الفوضى ~~واضطرب حبل الأمن لأن الدين هو أساس الطمأنينة والنظام. # الكتاب وضع في ظاهره لإنكار الشعر الجاهلي، ولكن المتأمل قليلا # يجده دعامة من دعائم الكفر ومعولا لهدم الأديان، وكأنه ما وضع إلا ليأتي # عليها من أصولها، وبخاصة الدين الإسلامي، فإنه تذرع بهذا البحث إلى # إنكار أصل كبير من أصول اللغة العربية من الشعر والنثر قبل الإسلام مما # يرجع إليه فى فهم القرآن والحديث، هذا ما ms117 يرمى إليه الكتاب فى جملته، # PageV01P129 # ولنذكر نبذا منه بعضها كفر صريح وبعضها يرمي إلى الإلحاد والزندقة # فنقول: # قال في صفحة 26 ما نصه: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل. # وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة ~~والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلا عن إثبات هذه القصة التي ~~تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة". # أنكر المؤلف بهذا هجرة سيدنا إبراهيم مع ولده إسماعيل عليهما السلام # وقال إن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما # التاريخي، وهو تكذيب صريح لقول الله تعالى في سورة إبراهيم حكاية عنه ~~عليه الصلاة والسلام # (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ~~(35) رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور ~~رحيم (36) ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ~~ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم ~~يشكرون (37) . # وقال في الصفحة نفسها "نحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة - يريد قصة ~~الهجرة - نوعا من الحيلة لإثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين ~~الإسلام واليهودية، والقرآن والتوراة من جهة أخرى". # وهو في هذا النص يصرح بأن القرآن اختلق هذه الصلة بين إسماعيل # والعرب ليحتال على جلب اليهود وتأليفهم، ولينسب العرب إلى أصل ماجد # زورا وبهتانا لأسباب سياسية أو دينية. # وهذا من منتهى الفجور والفحش والطعن على القرآن الكريم في إثباته أبوة ~~إبراهيم للعرب في قوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم ~~إبراهيم) الآية. # وقال في صفحة 27 "وقد كانت قريش مستعدة كل الاستعداد لقبول مثل # هذه الأسطورة - الهجرة المذكورة - في القرن السابع للمسيح. . . إلى أن ~~قال في صفحة 29 "إذا فليس ما يمنع قريشا من أن تقبل هذه الأسطورة التي - ~~تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم، كما قبلت روما قبل ذلك ولأسباب ~~مشابهة أسطورة أخرى صنعتها لها اليونان تثبت أن روما ms118 متصلة بإينياس بن ~~بريام صاحب طروادة، أمر هذه القصة إذا واضح. فهي حديثة العهد قبيل الإسلام، ~~واستغلها الإسلام لسبب ديني، وقبلتها مكة لسبب ديني وسياسي أيضا، وإذا ~~فيستطيع التاريخ الأدبى واللغوي ألا يحفل بها عندما يريد أن يتعرف أصل ~~اللغة العربية الفصحى" # PageV01P130 # وهو تكذيب صريح لقول الله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل) الآية سورة البقرة، ولقوله تعالى: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان ~~البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود (26) ~~وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (27) . # وقوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل ~~أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود (125) . # إلى غير ذلك من الآيات التي في هذا # الموضوع، وهو فوق تكذيبه للقرآن، يقول إن فيه تدليسا واحتيالا لأسباب # سياسية ودينية من أجلها اختلق هذه الأخبار - بهذا وأمثاله يقرر المؤلف أن # القرآن لا يوثق بأخباره ولا بما فيه من التاريخ. # وكم يترك هذا الكفر الفاحش في عقول الطلبة من أثر سيئ وهدم # لعقائدهم ودينهم وماذا بقي في القرآن من ثقة وحرمة في نفوسهم بعد هذا # التكذيب؟ # وقال في صفحة "33 وهناك شيء بعيد الأثر لو أن لدينا أو لدى غيرنا من # الوقت ما يمكننا من استقصائه أو تفصيل القول فيه، وهو أن القرآن الذي تلي ~~بلغة واحدة ولهجة واحدة هي لغة قريش ولهجتها لم يكد يتناوله القراء من # القبائل المختلفة حتى كثرت قراءاته وتعددت اللهجات فيه، وتباينت تباينا # كثيرا. . . إلى أن قال: إنما نشير إلى اختلاف آخر في القراءات يقبله ~~العقل # ويسيغه النقل وتقتضيه ضرورة اختلاف اللهجات بين قبائل العرب التي لم # تستطع أن تغير حناجرها وألسنتها وشفاهها لتقرأ القرآن كما يتلوه النبي ~~وعشيرته من قريش، فقرأته كما كانت تتكلم" إلى آخر ما قال. # وهذا تصريح منه بأن القراءات لم تكن منقولة كلها عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بل هي من اختلاف لهجات القبائل، فالسبع المتواترة ليست عنده ~~واردة عن النبي ms119 - صلى الله عليه وسلم -. # ومعلوم في أصول الدين أن السبع متواترة وأن طريقها الوحي فمنكرها كافر. # وعدا ما سردناه توجد صحائف عديدة فيها مغامز مؤلمة، منها ما قاله في # صفحة 81، وشاعت في العرب أثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أن الإسلام # يجدد دين إبراهيم. # وفي الصفحة التي قبلها "أما المسلمون فقد أرادوا أن يثبتوا # للإسلام أولية في بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبي، وأن خلاصة الدين # الإسلامي وصفوته هي خلاصة الدين الحق الذي أوحاه الله إلى الأنبياء من ~~قبل" # وهو في هذا يكذب قوله تعالى (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ~~وما كان من المشركين (123) . # PageV01P131 # وقوله تعالى: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ~~آمنوا) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا الموضوع، ومنها غير ذلك كثيرا # مما هو مبثوث في الكتاب. # ولا ريب في أن هذا هو عين ما يطعن به المشركون على القرآن في مبدأ # أمره، قال تعالى في سورة الفرقان (وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك ~~افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا (4) وقالوا أساطير ~~الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا (5) . # فاللجنة ترفع إلى فضيلتكم ما وصلت إليه على سرعة من الوقت مما # سطره المؤلف من الكفر الصريح، وتترك ما ينطوي في ثناياه من الإلحاد # والزندقة مما لا يخفى على الناظر. # نرفعه مطالبين فضيلتكم والحكومة بوضع حد لهذه الفوضى الإلحادية. # خصوصا التي تنبت في التعليم لهدم الدين بمعول الزندقة كل يوم، فما نفرغ ~~من حادثة إلا ونستقبل حوادث لا تدع المؤمن مطمئنا على دينه. # نطالب فضيلتكم والحكومة بذلك حرصا على أبناء الدولة أن يتفشى هذا # الداء فيهم، وهم رجال المستقبل وسيكون بيدهم الحل والعقد في مهام الأمور. # ونحن لا نفهم كيف تصرف أموال المسلمين وأوقافهم على تعليم نتيجة # هذا الإلحاد الذي يبثه الداعي ويتقاضى عليه مرتبا ضخما من هذه الأموال. # وهل بهذه الطريقة وعلى هذا النحو تخدم وزارة المعارف أبناء الأمة # ورجال الغد وتبني صرح التعليم والتربية؟.. # نسأل ms120 الله أن يوفقكم لما فيه المصلحة والسلام. # 26 شوال سنة 1344 # الإمضاءات # محمود الديناري. عبد المعطي الشرشيمي. محمد عبد السلام القباني. # عبد ربه مفتاح، عبد الحكم عطا. محمد هلالي الأبياري. عبد الرحمن # المحلاوي. محمد علي سلامة. # * * * # قلنا فما كان بعد ذلك إلا أن خنس أستاذ الجامعة وذهبت كل شجاعته # الأدبية فى رغيف من الخبز. . . # وأصبح دينه بين عقله وبطنه، فجعل له خوف # PageV01P132 # الجوع دينا، وخشي أن يخرجوه من الجامعة فرفع هذا الكتاب إلى مديرها # لينشره على الأمة، قال: # حضرة صاحب العزة الأستاذ الجليل مدير الجامعة المصرية # أتشرف بأن أرفع إلى عزتكم ما يأتي: # كثر اللغط حول الكتاب الذي أصدرته منذ حين باسم: " في الشعر # الجاهلي " وقيل إني تعمدت فيه إهانة الدين والخروج عليه، وإني أعلم ~~الإلحاد في الجامعة؛ وأنا أؤكد لعزتكم أني لم أرد إهانة الدين ولم أخرج ~~عليه، وما كان لي أن أفعل ذلك وأنا مسلم أؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر، وأنا الذي جاهد ما استطاع في تقوية التعليم الديني في وزارة ~~المعارف حين كففت العمل في لجنة هذا التعليم، ويشهد بذلك معالي وزير ~~المعارف وأعوانه الذين شاركوني في هذا العمل، وأؤكد لعزتكم أن دروسي في ~~الجامعة خلت خلوا تاما من التعرض للديانات، لأني أعرف أن الجامعة لم تنشأ ~~لمثل هذا. # وأنا أرجو أن تتفضلوا فتبلغوا هذا البيان من تشاؤون وتنشروه حيث # تشاؤون وأن تقبلوا تحياتي الخالصة وإجلالي العظيم. # طه حسين # فكتبنا المقالة الآتية: فلما أدركه الغرق. . . # PageV01P133 ### | فلما أدركه الغرق # . . . # عندي نسخة من كتاب " كليلة ودمنة " ليس مثلها عند أحد، ما شئت من # مثل إلا وجدته فيها، وقد رجعت إليها اليوم. (13 مايو سنه 1926) فأصبت ~~فيها هذه الحكاية. # قال كليلة: أما تضرب لي المثل الذي قلت يا دمنة؟ # قال دمنة: زعموا أن سمكة في قدر ذراع كانت في غدير، فلما سال به السيل ~~جرى بها الماء إلى نهر قريب، فدخلها الغرور فقالت: هذا لعمري ميراث أبي قد ~~كنت عنه غافلة، وما أكثر ما يضيع التهاون والعجز! ثم ms121 إنها لبثت في النهر ما ~~شاء الله حتى خرج بها # التيار إلى البحر، فقالت: يا ويلتا، أعجزت كل هذا العمر عن ميراث # أعمامي! . . . ثم ما زالت فى ميراث أعمامها حتى قذف بها الماء إلى المحيط # فاتسع لها منه ما يسعها. . . فقالت: قبح الله العجز ولو من كسل وهوينا، ~~لقد كدت أسلب ميراث أجدادي! . . . لولا أن من دمهم في لم يزل يدفعني ولم ~~يزل يسمو بي. ثم إنها طفت يوما على الماء فإذا الأسطول الإنجليزي يمخر ~~العباب إلى جبل طارق في عشر بوارج وعشرين مدرعة ومائة سفينة طوربيد وخمسين ~~غواصة، فطار بها الغيط قطعا وقالت: من هذا الوقح المتهجم على ميراث أجدادي ~~لا يخشى أن يقتحم علي وقد حميت هذا الملك من حيث يجري الماء إلى حيث يبلغ ~~الماء؛ ثم إنها شدت نحو الأسطول وهي تخبط بذنبها من الغيظ تريد أن تضربه ~~بهذا الذنب ضربة تلوي به، ولكن الأسطول كان بعيدا، ثم إنه كان سريعا، ~~ففاتها فقالت: أولى لك، ما نجا بك والله إلا حدة الهرب وسرعة الفرار. # قال دمنة: ثم اضطجعت على الماء تسكن من غضبها فنامت واسترخت. # فمر بها زورق صيد، فما أحست إلا الشبكة وقد أخذتها، فغاصت في الماء # وجعلت تختبط عالية سافلة لا ترى مذهبا ولا مفرا، فلما أعياها ذلك وبلغ ~~منها # PageV01P134 # الجهد قالت: أيتها الشبكة، دعيني، فوالله ما قلت إن المحيط ميراث أجدادي # ولا البحر ميراث أعمامي ولا النهر ميراث أبي! # قال كليلة: فمثل من هذا يا دمنة؟ # قال: مثل طه حسين في كتابه لمدير الجامعة. . . # * * * # قرأت اليوم هذا الكتاب وفيه يقول طه: "أؤكد لعزتكم أني لم أرد إهانة # الدين ولم أخرج عليه، وما كان لي أن أفعل ذلك وأنا مسلم أؤمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. . . وأرجو أن تتفضلوا فتبلغوا هذا ~~البيان من تشاؤون وتنشروه حيث تشاؤون ". # ونحن فقد أصبحنا من أتباع مذهب ديكارت، فوالله ما نصدق طه حسين # ولا سمكة دمنة حتى نبحث متجردين من كل عاطفة. # فليبحث معنا القراء: ### | 1 - # الكتاب مؤرخ ms122 12 مايو، فأين كان طه منذ اتهم بالإلحاد من كاتب # واحد ثم من علماء أسيوط ثم الإسكندرية ثم دمياط ثم الزقازيق ثم طنطا ثم # الأزهر ثم الأمة كلها ثم الحكومة! # أيقبل هذا كله على نفسه إلا متعنت كل التعنت مصر أشد الإصرار معاند بغاية ~~العناد؟ ### | 2 - # ألم يصرح في منهج البحث من كتابه أنه تجرد من دينه لهذا البحث # وأوجب ذلك على الأدباء، وقال في صفحة 45: إن عقليته اصطبغت بالصبغة ~~الغربية، وفي صفحة 46: إنه خلص شخصيته من الأوهام والأساطير وإن سخط الناس ~~على كتابه "لن يقلل من تأثيره في هذا الجيل الناشئ، فهذا سخط الناس على ~~كتابه فما باله اليوم؟ # وهل العقلية الغربية الباحثة على مذهب ديكارت # متجردة من الدين ومن العواطف تعقل الوحي وتقر به؟ ### | 3 - # هل يجد القراء في كتابه لمدير الجامعة أنه رجع عن إلحاده وتبرا من # آرائه في كتاب الشعر الجاهلي من نسبة الخرافة إلى القرآن وتكذيب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - والتهكم به وبحديثه الخ الخ؟ # أم كان أمره كما حكى الله عن فرعون (حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت) ؟ ### | 4 - # ما الغرض من الكتابة لمدير الجامعة؟ أكان الأستاذ المدير يجهل # منهج الدراسة في كلية الآداب إلى هذا التاريخ؟ أم كان لا يعرف أن كتاب ~~الشعر الجاهلي منسوب إلى أستاذ الجامعة وأن اسم الجامعة مطبوع في عنوائه؟ # PageV01P135 # أم كان لا يقرأ في الصفحة الأولى منه أن طه (تحدث بهذا البحث إلى طلابه ~~في # الجامعة وهم أكثر من مائتين" وأنه مصر على بحثه مكابر فيه " غير حافل ~~بسخط الساخط ولا مكترث بازورار المزور"؟ ### | 5 - # ألا تنطق عبارة الكتاب أنه ما كتب إلا لغرضين: أولهما أن "تبلغه" # الجامعة الحكومة كأنه حل حاسم للمشكلة معها؛ والثاني أن "تنشره" الجامعة # في الصحف كأنه حل لمشكلتها مع الأمة. # فهل مع مثل هذين الغرضين يكون للنية السليمة موضع أو للإيمان محل في هذا ~~الكتاب؟ ### | 6 - # كيف يصدق طه في أنه لم يرد إهانة الدين والإهانة في كتابه، وكتابه # لا يزال يباع ms123 ولا يزال الرجل مصرا عليه لم يتبرأ منه ولا تبرأت الجامعة. # وما وردت تلك الإهانة في كتابه إلا ليجعلها برهانا على نظريته في أن ~~العرب # العدنانية لم تتخذ لغة إسماعيل التي ورد في شأنها الحديث الشريف والتي هي # أساس لغة القرآن، فإذا لم يتبرأ من هذا الرأي ويعلن أنه رجع عنه وكانت # الإهانة هي البرهان الوحيد على هذا الرأي فكيف يقول إنه لم يردها؟ ### | 7 - # هل يظن طه أن الأمة وعلماءها وأدباءها من البلاهة والغفلة بحيث # يقنعهم هذا العذر البارد، عذر 12 مايو؟ # هذه سبعة اعتراضات لابد من ردها قبل أن نصدق سمكة دمنة! # PageV01P136 ### | موقف حرج لوزارة المعارف # قبل أن نكتب كلمتنا اليوم نسوق حرفين إلى معالي وزير المعارف، فإن # معاليه رجل عالم ذكي، بل نابغة في ذكائه وحدة خاطره؛ لا تخطئ الفراسة أن # تعرف منه رجلا أي رجل، وهو خير من يعلم أن لكل فن منهجا ولكل علم # طريقة؛ وأن نادرة الأذكياء في الطب وعالم الدنيا فيه لو هو سمت به همته # ونازعته نفسه لأن يطاول أهل القانون ويفسر لهم ويبصرهم بعلومهم ودقائق # علومهم لجعلوه سخرية بينهم، ولتناولوه من ألسنتهم بما يلقي في أعصابه كلل ~~آلاف المرضى في مستشفى طويل عريض كمستشفى المجاذيب. . . # والأستاذ طه حسين مدرس الآداب في الجامعة لا يمكن أن يعرفه معالي # الوزير في هذا الفن الأدبي معرفة ذات نسب بينهما، كمعرفته أستاذ القانون # الجنائي مثلا، أو معرفة التشريح لأستاذ الأمراض العصبية، أو مثل ذلك لمثل # ذلك، بل معرفة عامة غير محدودة بصفات مشتركة ولا متميزة بخصائص # متشابهة، بل معرفة أوسع وأشمل كمعرفة كل من يقرأ لكل من يكتب؛ فلا ريب ~~عندنا أن معالي الوزير يكون معنا فيما نقرره من وجوب نقد طه وتمحيص آرائه ~~وبيان أغاليطه وفيما نوجهه إلى الجامعة من ذلك، وليس هذا بحكم منصبه فقط، ~~بل بحكم ذكائه وعلمه أيضا، ثم بحكم إخلاصه لأمانة العلم فوق ذلك كله، لا ~~يمكن غير هذا ولا نصدق غير هذا إلا إذا اعتبرت الجامعة المصرية ملجأ أو ms124 في ~~حكم ملجأ للدكتور طه حسين، فذاك شيء آخر، والرجل بحيث ترى إن لم تعره ~~الجامعة عرها. # والآن يا معالي الوزير الكبير قد تناولك كتاب الأستاذ طه فحصرك في # موضع أحكم شد ثلاث من جهاته الأربع بحيث لا رجعة ولا تحول وليس إلا # المضى بعزيمة لا تنفع فيها الهوينا وحزم فرغت كل الحيل منه وفرغ منها؛ ~~ذلك أن وزارة المعارف تدرس هذا العلم الذي يسمى آداب اللغة في مدارسها ~~الثانوية ومدرسة دار العلوم والقضاء الشرعي، وقد جاءت المدرسة الكبرى التي ~~تسمى الجامعة فسفه أستاذها كل هذه المدارس ونفى ما يعلم فيها من ذلك الفن # PageV01P137 # وأفسده وقال بخطئه من أصوله إلى فروعه، فما يسمى في تلك المدارس شعر # امرئ القيس وعبيد وطرفة وعمرو بن كلثوم وغيرهم تسميه الجامعة كذبا # وتدليسا وخرافة، وما يقال له هناك إعجاز القرآن يوصف في الجامعة بأنه # خرافات وأكاذيب الأعراب واستغلال ديني أو سياسي وهكذا. . . # فوزارة المعارف بين اثنتين لا بد من إحداهما ولا تستطيع كل قوانين ~~الطبيعة # أن توجد لهما ثالثة: فإما أن تعلن الوزارة أن هذه الكتب التي تدرس في ~~مدارسها خطأ محض ليست لها ولا لأساتذتها قيمة، ثم تصحح علم طلبتها، ثم تنشر ~~ذلك في كل الصحف ليعلمه من ضلوا بهذه الوزارة وبعلومها قديما وهم لا يحصون ~~كثرة؛ وإما أن تعلن أن كتاب الجامعة المصرية سخيف وأن أستاذها قد ذل وضل ~~وقل، فأما أن يكون نصف العلم يكذب نصفه في وزارة واحدة بحيث يجيء الأعلى ~~نقضا على الأسفل فهذا ما لا نكاد نعقله، وهو إذا استمر كان صريحا في ~~الدلالة على أن وزارة المعارف المصرية ليست لها قيمة ولا ثقة بها ولا ~~بمدارسها # ولا أمانة فيها للعلم (1) ؛ ثم نرجو أن لا تنسى الوزارة - إذا صح عندها ~~كتاب طه حسين فأمرت بتصحيح العلم والتاريخ - لا تنسى أن تأمر وزارة الأوقاف ~~يومئذ بإنارة مآذن جامع القلعة.. ليعلم الأزهر الشريف أن ما أقيمت عليه ~~علوم العربية واللغة والبلاغة والتفسير من الشواهد الكثيرة المنسوبة إلى ~~شعراء الجاهلية، وأن ms125 # القرآن وبلاغته وإعجازه وأخباره، كل ذلك يجب الصوم عنه منذ اليوم، لأن ~~أستاذ الجامعة أثبت لوزارة المعارف أنه رأى "هلال "الشك ". . . # الوزارة موسومة الآن في العالم العربي كله بالنقص والخطأ في إحدى # جهتيها، ما يرتاب في ذلك أحد؛ ولسنا نكره أن يكون الأستاذ طه حسين نادرة ~~المشرق وفخر العربية، ولكنا نكره أن يكون فضيحة مصر، وأن يجعل الجامعة ~~المصرية معرضا للسخرية بهذه الدروس التي نقول من ناحيتنا إنها حماقة في ~~الرأي وفساد في الفهم وتعكس في التأويل والاستخراج، ونقول أكثر من ذلك إنها ~~تشبه رجلا به مس فزين له أن يخالف الناس لأن جنونه أوهمه أنهم مجانين وأن ~~العاقل مثله يجب أن يتميز منهم ليعرف بينهم فلا تجري عليه أوصافهم، ثم رأى ~~أنه لا يعرف بينهم إلا بالمخالفة حتى يبين منهم ف. . . ف. . . فوضع رأسه في ~~حذائه ومشى. . . PageV01P138 # ومن بعد؛ فالقول في أغاليط أستاذ الجامعة لا ينتهي، ونحن إنما نبحث # فيما نبحث عن أصول الخطأ في هذا الأستاذ لا عن فروعه، ونعد من ذلك مثلما ~~يعدون من الشجر فيقولون واحدة وفي الواحدة فروع كثيرة، لأنهم إنما ينظرون ~~إلى الجذع الذي يحمل ذلك ويخرجه، فكذلك أمرنا مع طه حسين؛ لماذا نحن كسرنا ~~الجذع فما نبالي ما عدد فروعه، لأنها مكسورة وإن بقيت في جذعها. # لقد عثرنا في كتاب أستاذ الجامعة على نوع غريب من الترجمة، وهو # ترجمة من أصول الخطأ في فكر الرجل أو فكره أصل فيه، ولا تحسبنها ترجمة # من الفرنسية أو اليونانية، بل هي من العربية، وذلك أشنع لها، فلو أنت ~~تدبرت النصوص التي ينقلها الأستاذ في كتابه ويحملها على أغراضه أو يحمل ~~أغراضه عليها وكنت فطنا باحثا نقابا لرأيت هذه النصوص تشكو إليك وتستجير بك ~~مما أصابها من القلة والذلة، فإن طه لا يجد النص أبدا في كتب العربية إلا ~~كلاما جزلا بليغا محكم السرد موثق التركيب قد نزلت فيه الألفاظ على منازلها ~~وجلبت لمعانيها وتلاءمت مع أشكالها وخرج منها أسلوب رصين مطبوع كمصنوع أو ~~مصنوع كمطبوع؛ فإذا ms126 أصابه في الكتب على هذه الصفة من البلاغة خشي منه على ~~أسلوبه وكتابته، ورأى أن أشد ما يفضح الثوب القذر أن تنزل فيه رقعة نظيفة ~~لها جدة ورونق، فلا يكون له من هم غير أن يعمد إلى النص فيمره لسانه ويديره ~~على أسلوبه ويرصفه كرصفه ويترجمه من عربية إلى عربية غيرها فيختل ويرك، ثم ~~يندمج في عبارة طه فإذا هو لا ينبه عليها ولا هي تنبه عليه، ثم يكون ل طه ~~من ذلك فائدتان غير هذه؛ أما واحدة: فإن النص إذا نقل على أصله # اختلفت فيه العقول وكانت حرية أن تتفاوت فيما تدرك منه ففهم كل إنسان # بمقدار ذكائه واطلاعه وعلى حسب ما تيسر له وسائله، ولا كذلك النص # المختلف عن أصله المزال عن جهته، فإنه لا يؤتي إلا معنى واحدا هو ما سيق # له، ثم لا يكاد يدرك أحد حقيقة ما وضع النص فيه. # ومما اتفق لي من ذلك أني وقفت في بعض الكتب على نص في تكذيب خبر المعلقات ~~وأنها كتبت أو علقت، ووقف عليه صاحب كتاب في آداب اللغة فإذا هو يسوقه في ~~كتابه نصا على خبر التعليق مع أنه برهان قاطع في خبر النفي، وإذا الخلاف ~~كله في أنه أخطأ قراءة فعل نقله على غير وجهه فانقلب المعنى وانتكس النص. # وأما الفائدة الثانية التي يرمي إليها طه فإنه إذا ترجم النص وحذف. . . # وحذف منه وغير وبدل استطاع أن يجد من ذلك سبيلا إلى صلة المعنى الذي # في الكلام بالغرض الذي في نفسه، وتسهل عليه القول الذي كان صعبا، وقرب # PageV01P139 # الرأي الذي كان بعيدا. # فربما كذب الأستاذ وهو عندك صادق، أو غلط وهو # عندك مصيب، أو نحل الناس ما لم يقولوه والنص يوهم أنهم قالوه؛ وأي ذلك قد ~~كان فإنما له نتيجة واحدة، هي أن يقهر النص على أداء معنى لا يراد به إلا ~~ما أراد طه؛ وما هذه بأمانة ولا هذا بصدق، فإنه يجب على كل عالم يحتج بكلام ~~غيره أو على كلام غيره أن يورد ms127 الكلام بحروفه وإن حذف دل على موضع الحذف، ~~وإن غير أو أبدل نبه إلى أنه تصرف وتعمل، وذلك واجب في العلم، ولهو في ~~التاريخ أوجب، إذ الكلمة التاريخية حادثتها أو معناها كالاسم في الناس على ~~مسماه: مهما بدلت فلا يجوز تبديله ومهما قلت فليس فيه إلا قول واحد إذا ~~أردته لحقيقته. # ونريد أن نبين للناس وللجامعة التي يظهر لنا أنها في غفلة مغطاة أن صنيع # طه حسين في بتر النصوص وترجمتها طريقة معروفة للطاعنين في الإسلام # وعلومه، سبقه إليها ابن الراوندي العالم الزنديق المشهور الذي كان يؤلف # الكتب لليهود والنصارى في الطعن على المسلمين ونبيهم - صلى الله عليه ~~وسلم - وقرآنهم وأئمة دينهم وأشياخ الكلام فيهم، إذ كان من شأنه الحكاية ~~للنص مبتورا، قالوا: يسمجه # ويوحش الناس منه، ثم ليتأتى له أن يستخرج الرأي الفاسد من كلام يظنه ~~الناس صحيحا متى عزاه إلى المصححين والثقات. # فإياكم ثم إياكم أيها الأدباء وأيها الطلبة أن تصدقوا أستاذ الجامعة فيما ~~يستخرجه من النصوص إلا إذا أورد هذه # النصوص بعبارتها وحروفها فإنه أحيانا مريض الذهن، وعسى من يفهم منكم ما ~~لا يفهمه؛ وإه دائما مريض النية، فهو بذلك جريء جراءة من خولط في ناحية من ~~عقله، لا يوفر إماما ولا يرضى رأيا ولا يتحرج ولا يقيد نفسه إلا بما يقيده ~~به قانون العقوبات فقط. . . وما دام يأمن (النيابة والقضاء) فما شيء أراد ~~أن يقوله إلا قاله! # وهنا معنى يحسن أن لا ندعه وأن نصل به الكلام، فإن أستاذ الجامعة # رجل شك، ولا يمكن أن يكون رجلا من غير شك. . . فإن لزمنا عنده العيب ~~والشتعة واتهمنا بالغفلة لأننا نصدق دلالة النصوص ونأخذ بها في التاريخ ~~لزمه عندنا أكثر من ذلك إذا هو احتج أو استخرج منه نتيجة علمية، ولم يكن له ~~شيء من الحجة إلا كان لنا عليه أضعافه، إذ ما يدريك يا أستاذ الشك أن هذا ~~النص الذي تحتج به وتسوقه لما تريد ليس من النصوص المكذوبة أو المشكوك ~~فيها. # وكيف تقطع على صحته ولعله ms128 أقواها وأضعفها صدقا؟ # وما كنت أنت من أبناء الدهر الأول فتشهد عليه شهادة العدل، ولا الذي رواه ~~أبوك أو أخوك أو # PageV01P140 # حموك.. فيكون لك إليه سبب من الصهر والقرابة يقوم دليلا في التعديل # والتجريح؛ وكيف يجوز الكذب والوضع على أكثر النصوص التي نحتج بها ولا ~~يكون النص الذي تحتج به أنت مما هذه سبيله. . .؟ # أفتراك يا طه في ريب بعد أو تشك في أن مذهب الشك في التاريخ # يهدمك قبل أن تهدم به شيئا، ويظهر الناس على غفلتك وأنت تتوهم أنك # ظهرت على غفلاتهم؟ # وهل في العلم أحمق من أن تقول إن الكثرة المطلقة في # الشعر الجاهلي موضوعة وأنت لا تعرف القلة الصحيحة منه ولا تستطيع تعيينها ~~ولا تعيين بعضها ولا الجزم ببيت واحد منها؟ # نحن لا نرجع عن رأينا في أن تقليد بعض المستشرقين هو الذي أفسد # طه، فقد صحبهم وأخذ عنهم ثم نزع إلى مذاهبهم وأقاويلهم، لأنه وإياهم سواء ~~أو متقاربون في الركاكة وسقم الفهم والوقوع بالبعد البعيد من أسرار الكلام ~~العربي ومعانيه؛ وقديما ما أفسد شيخ الرافضة هشام بن الحكم إلا صحبة أبي ~~شاكر الديصاني إمام الديصانية، وكان هذا أبو شاكر رجلا يظهر الإسلام ويبطن ~~الزندقة كما يظهر بعض المستشرقين الميل إلى العربية وينطوي على هدم الإسلام ~~بهذا الميل، وعلى استعمار أرضه واستعباد أهله. # والعجيب أن مذهب الرافضة هو بعينه مذهب هذه الفئة من المستشرقين. # فإن أكبر شأنهم جحد الرسالة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - والتكذيب ~~بالقرآن ورد ما أجمعت عليه الأمة، وهذا كله يدور عليه كتاب أستاذ الجامعة ~~إيماء وجهرة وتعريضا وتصريحا. # وأعجب ما عجبنا له أن الأستاذ تورط في الهلكة وطعن في القرآن وكذب # به واشتمل كتابه من ذلك على ما بيناه في المقال السابق، وهو كان في غنى ~~عن كل ما تكلف منه، وكان في عافية وسعة، لأن شيئا من ذلك لا يداخل موضع ~~الشعر الجاهلي، ولا هو من أدلته لا بالقرب ولا بالبعد، وما نحسبه أراد به ~~الحشد في كتابه وتكبير حجمه، فإن ms129 كتابه مع كل هذه الثرثرة ومع كل ما استعان ~~به من الكلام في الشعراء وتراجمهم ضئيل الحجم قليل الورق في تسعين ونيف من ~~القطع الصغيرة؛ فما بقي إلا أن يكون قد أراد غرضا علمه الله منه ففضحه به ~~وخذله فيه! # ولقد أخذ فكرة الشك في شعر الجاهلية عن المستشرقين أيضا، فقد كان # حدثنا الأستاذ العلامة الكبير صاحب مجلة "المقتطف" فى شهر سبتمبر من ~~السنة # PageV01P141 # الماضية أن مجلة الجمعية الأسيوية نشرت بحثا للشيخ. . . مرجليوث المستشرق ~~الإنجليزي المعروف، أنكر فيه صحة الشعر الجاهلي، ثم ساق لنا الأستاذ بعض ~~أدلته فلم نجد مقنعا ولا رضا، وقلنا هو رأي في العلم لا علم، ثم هو من ~~مستشرق وذلك أوهن له، وما كان لنا أن نأخذ عن القوم في الأدب العربي إلا ~~بتمريض واحتراس. # ولما فتحت الجامعة إذا المسشر. . . طه حسين ينتحل الفكرة ويدعيها # ويبوب لها أبوابا ويفصل فصولا ويدرس ذلك فى الجامعة، فباءت هذه الجامعة # المسكينة من عمله بالخزي والفضيحة، واستمتع هو بمنزلتها وأموالها؛ ~~والجامعة كما رأيناها مريضة يتحامل بعضها على بعض، حتى لو طنت عليها ذبابة ~~انتقاد لفزعت وخافت، أما الشيخ فلو قرضوا جلده بالمقاريض لما أحس شيئا، كأن ~~الله تعالى خلق نصف دمه من "الكلورفورم " فجلده مبنج في كل وقت. . . # ولنرجع إلى ما كنا فيه من النصوص، فانظر كيف يصنع شيخ الجامعة. # قال في صفحة 66: "ولابن سلام مذهب في الاستدلال لإثبات أن أكثر الشعر قد ~~ضاع، لا بأس أن نلم به، فهو يرى أن طرفة بن العبد وعبيد بن الأبرص من أشهر ~~الشعراء الجاهليين وأشدهم تقدما، وهو يرى أن الرواة المصححين لم يحفظوا ~~لهذين الشاعرين إلا قصائد بقدر عشر، فهو يقول: إن لم يكن هذان الشاعران قد ~~قالا إلا ما يحفظ لهما فهما لا يستحقان هذه الشهرة وهذا التقدم. # وإذن فقد قالا شعرا كثيرا ولكنه ضاع ولم يبق منه إلا هذا القليل، وشق على # الرواة أو على غير الرواة ألا يروى لهذين الشاعرين إلا قصائد بقدر عشر # فأضافوا إليهما ما لم يقولا". ms130 # انتهت الترجمة. . . أما الأصل في اللغة العربية فهو: "ومما يدل على # ذهاب العلم وسقوطه قلة ما بقي بأيدي الرواة والمصححين لطرفة وعبيد. # والذي صح لهما قصائد بقدر عشر، وإن لم يكن لهما غيرهن فليس موضعهما # حيث وضعا من الشهرة والتقدمة، وإن كان يروى من الغثاء لهما فليسا يستحقان ~~مكأنهما من أفواه الرواة، ونرى أن غيرهما قد سقط من كلامه كلام كثير. # غير أن الذي نالهما من ذلك أكثر، وكانا أقدم الفحول؛ فلعل ذلك لذلك، فلما ~~قل كلامهما حمل عليهما حمل "كثير". # انتهى النص، وعارض أنت بلاغة ببلاغة ولغة بلغة، وقابل بين ما ذهب # إليه طه وما أراد ابن سلام؛ فمهما أخطأ فلن يخطئك أن تعرف الفرق بين ~~الثرثرة والقصد، وبين هزيل الكلام وسمينه؛ وبين صحة الفكر وفساده وبين ~~الأخذ # PageV01P142 # من الدليل بقيده والاتساع في الدليل على إطلاقه، وما يرى ابن سلام إلا أن # كثرة ما ضاع من شعر طرفة وعبيد إنما كان لأنهما أقدم الفحول، فبعد العهد ~~به ومات بموت من علموه من عرب الجاهلية. # فهذا نص على بعض أسباب ضياع ما ضاع من الشعر إن كثيرا أو قليلا، ثم في ~~عبارته نص آخر ينقض كتاب الجامعة كله، وهو إثبات أن لنا "رواة مصححين"، ~~وأنهم صححوا لطرفة وعبيد # قصائد بقدر عشر، وأثبتوا أن ما عداها غثاء حمل عليها حملا. # ويلزم من هذا أنهم درسوا الشعر وجمعوه وحققوا روايته وأثبتوا الصحيح ~~ونصوا عليه وميزوا المنحول وردوه وفصلوا الشعراء وقالوا في كل منهم وعارضوا ~~بين الأقوال ورجحوا واستدلوا واحتجوا وناظروا، فوجب من ثم أن نصير إلى قول ~~أولئك المصححين ونأخذ بعلمهم ونقف عند ما نضوا عليه، لأنهم كانوا أهل هذا ~~العلم ولا أهل له من بعدهم إلا بصلة تنتهي إليهم؛ وهو ظاهر أن هؤلاء الرواة ~~لم يثبتوا في كتبهم إلا ما صح عندهم، وأنه ليس على الأرض اليوم من يستطيع ~~بعض ما فعلوه، لأننا بالإضافة إليهم أمة من الأعاجم؛ وبديهي أن ما يكون من ~~وسائل العلم والرواية والنقد بعد مائة سنة من ms131 تاريخ الجاهلية لا يكون مثله ~~ولا بعضه ولا بعض من بعضه بعد أربعمائة وألف سنة، وخاصة مع انقطاع الأسانيد # وضياع الكتب؛ فأين هذا كله مما يذهب طه إليه وما خرف به في كتابه؟ # ويقول شيخ الجامعة في صفحة 67 بعد أن بين أن العصبية كانت من أهم # الأسباب التي حملت العرب على وضع الشعر ونسبته إلى الجاهلية، قال: وقد ~~رأيت أن القدماء قد سبقونا إلى هذه النتيجة؛ وأريد أن ترى أنهم قد شقوا بها ~~شقاء كثيرا، فابن سلام يحدثنا بأن أهل العلم قادرون على أن يميزوا الشعر ~~الذي ينتحله الرواة (كذا وهو يريد الوضع لا الانتحال) (1) # في سهولة، ولكنهم يجدون مشقة وعسرا في تمييز الشعر الذي ينتحله العرب ~~أنفسهم!. # انتهت (الترجمة) أما الأصل المعرب العربي فهو: " ثم كانت الرواة بعد # فزادوا في الأشعار، وليس يشكل على أهل العلم زيادة ذلك ولا ما وضع # المولدون وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من أهل بادية من ولد الشعراء أو # الرجل ليس من ولدهم، فيشكل ذلك بعض الإشكال" اه. # فانظر إلى الفرق البعيد بين قول ابن سلام: "الرجل من أهل بادية" وبين ~~PageV01P143 # قول طه "الذي ينتحله العرب أنفسهم " وتأمل معنى (يشكل بعض الإشكال) # ومعنى "يجدون مشقة وعسرا". # وكلام ابن سلام صريح قاطع في أن الشعر الذي نسب إلى الجاهلية # وأشكل أمره على الرواة قليل جدا، ثم هو لا يشكل إلا "بعض الإشكال" # ثم لا يكون كذلك إلا حين يجيء من عربي قح له عرق في الشعر فتعينه الوراثة ~~أو عربي في حكم ذلك بالقريحة والقوة والطبع، أما الذي زاده الرواة والذي ~~صنعه المولدون فكل ذلك متميز معروف لا إشكال فيه، وهو بعض ما يقوم عليه ~~الرواة، لأنه من مادة علمهم ولا فائدة للرواية إن لم تتحقق به، فقل لي ~~بعيشك أين هذا مما ذهب إليه طه في الحكم بتزوير (الكثرة المطلقة) من الشعر؟ ~~وقال في صفحة 54: قال ابن سلام - كان الله لك يا ابن سلام. . . - وقد نظرت ~~قريش فإذا حظها من الشعر قليل ms132 في الجاهلية، فاستكثرت منه في # الإسلام. # قال: وليس من شك عندي في أنها استكثرت بنوع خاص من هذا # الشعر الذي يهجى فيه الأنصار. # وترجم هذا النص في صفحة 66 ترجمة أخرى فقال عن ابن سلام: (وهو # يحدثنا باكثر من هذا: يحدثنا أن قريشا كانت أقل العرب شعرا في الجاهلية. # فاضطرها ذلك - تأمل - إلى أن تكون أكثر العرب انتحالا للشعر في الإسلام) ~~. # أما ترى؟ أما تعي؟ أما تعجب؟ هل كان في النص الأول أن قريشا كانت # (أقل العرب) شعرا في الجاهلية فاضطرها ذلك اضطرارا لأن تكون (أكثر # العرب) انتحالا؟ # على أن كتاب ابن سلام مطبوع، ولم نعثر فيه على أصل النص، وإنما # الذي رأيناه من كلامه في الكتاب كله أنه علل قلة شعر قريش في الجاهلية ~~بأنهم لم يحاربوا ولم تكن بينهم نائرة، وإنما تكثر الأشعار في الحروب ~~والوقائع. # وقال في موضع آخر: وقريش تزيد في أشعارها تريد بذلك الأنصار والرد على ~~حسان. # ففي كلام أستاذ الجامعة كذب وسرقة: فأما الكذب فنسبته إلى ابن سلام # أنه قال إن قريشا "أكثر العرب انتحالا للشعر في الإسلام" # وأما السرقة فقوله: "وليس من شك عندي" في أنها استكثرت بنوع خاص. . . من ~~هذا الشعر الذي يهجى فيه الأنصار فذلك من عند ابن سلام لا من عند طه حسين، ~~ويبقى أن تعرف أن - ابن سلام الزيادة كلها من هذا النوع أما أستاذ - ~~الجامعة فجعلها # PageV01P144 # من أنواع كثيرة وهذا النوع هو " الخاص" منها؛ فكيف ترى الصنيع وكيف # تسميه؟ # والغريب أن هذا الأستاذ الذي يحاول ما لم تحاوله أمة كاملة من العلماء # والرواة وأهل الأدب، لا مرجع له في اللغة العربية في علمه ونقوله إلا ~~كتابان: أحدهما الأغاني والآخر طبقات ابن سلام (1) أفبكتابين يصبح في رأي ~~الجامعة # شيخ المتقدمين والمتأخرين ويمحو ويثبت - كلما شاء كما يشاء لا كما تشاء # الأشياء حينما تشاء الأشياء. . . -؟ # وسنتم القول في هذا المعنى وفي عقم استنتاج شيخ الجامعة وفساد آرائه # التي يقهر النصوص عليها في فصل آخر إن شاء الله. # (فذرهم في غمرتهم ms133 حتى حين (54) . PageV01P145 ### | طه حسين ابن الجامعة البكر. . .! # " روى المقطم أن الأستاذ الجليل مدير الجامعة حشد فيها لحفلة رياضية # جمعت الرؤساء والأساتذة والطلبة؛ وأنه خطب في الجميع فنصح للطلبة بالجد # والمثابرة. # قال: "وخطب حضرة الأستاذ الدكتور طه - حسين خطبة ممتعة ناقش # فيها برفق وأدب. . .! نصيحة صاحب السعادة "مدير الجامعة". # ثم كان ختام الحفلة كلمة لسعادة المدير ذكر فيها جلالة الملك المفدى أبا ~~الفاروق الأعظم نصر الله بحوله وقوته أعلامه، ونضر بفضله وكرمه أيامه، ~~وألقى من طالع يمنه السعيد على وجه الحياة المصرية أجمل ابتسامة. # قال المقطم: ثم ناقش خطبة الدكتور طه قائلا: إنه الابن البكر للجامعة ~~المصرية! ثم قال: يا بني الاعتدال. . . الاعتدال ". اه. # فأما اندفاع طه للرد على مدير الجامعة في حفلة رسمية أقيمت للألعاب # الرياضية على حين لم يزد المدير فيها على نصح الطلبة بالجد والمثابرة، ~~فهذا # هو الأصل في طه وذلك طبعه وخلقه، بني على المجاذبة والمماراة، فما من # كلمة إلا ولها عنده بنت عمة أو بنت خالة. . . # ولو أن الخطبة في هذه الحفلة كانت في تعليم المشي على الحبل. . . لرد # طه بنوع من الرد ولجأ بنبذ من الاعتراض، فإن العبرة عنده بما يهجس في # خاطره لا بما هو الحق ولا الواقع ولا مقتضى الحال، وتلك طريقته في العلم # وهي آفة من آفاته وأصل من أصول الخطأ فيه، ومثل هذا لا تزال الشبهة قائمة ~~على لسانه، ولا يزال معدا لكل قول قولا، فما يسمع شيئا إلا خيل له شيء آخر، ~~ولا يفكر في أمر إلا لبس عليه أمر غيره، ولا تفاتحه رأيا فيرضاه إلا إذا ~~أراد لأمر أن يرضاه، ولا تجادله فيقتنع إلا إذا شاء لغرض أن يقتنع؛ لأن ~~الأصل في تركيبه المراء، والحدة، واللجاجة، وطغيان القول وهي أربع مظاهرها ~~فيه الشك والاضطراب والقلق وفساد النية، ونتائجها الإنكار والخلط والسفه ~~والعناد، وكل ذلك يجمع طه حسين، وأما أنه ناقش مدير الجامعة (برفق وأدب) ~~فهذا هو الغريب عن طبعه، والنص هنا على الرفق والأدب يفهم شيئا، # PageV01P146 # ولا يمكن أن ms134 يقع المقطم في هذه الهفوة البيانية الدقيقة، فهو أستاذ هذا ~~الباب من البلاغة، وإنما كتبت العبارة في الجامعة، كتبها طه أو ذنبه أو ~~رأسه. . . وأتى المقطم بها فنشرها - # - نريد أن نستجيز لهذا القلم مناقشة الأستاذ الجليل لطفي بك السيد مدير # الجامعة، وهو عقل من العقول النادرة في مصر بل في الشرق كله، يكاد يكون ~~ملهما محدثا إذا كتب أو قرأ أو فكر، وهو كذلك شعاع ساطع من تلك المرآة ~~العلوية التي ترسل على آفاق الدنيا نور الذكاء والنبوغ والفلسفة، وقد كنا ~~نحسبه أول من يستجيب لرأينا في وجوب نقد طه وتمييز خطئه من صوابه ورد الرأي ~~عليه فيما لم يصح، فإنه يجب أن تكون الجامعة موضع الثقة في علمها، ويجب أن ~~تعرف الأستاذ بعلمه لا العلم بأستاذه، فإن أظهرها إنسان على غلطة أو نبهها # إلى زلة بحثت وحققت وسألت أهل الذكر وأهل الفكر ورجعت إلى كل ذي # فطنة، ثم أعلنت ما تنتهي إليه من خطأ أو صواب بحججه وأدلته ولم تصر ولم # تستكبر ذهابا بنفسها أو ممالأة لأستاذها أو تغطية لعيبها؛ لأنه إذا كان ~~طه حسين ابن الجامعة البكر فالأدب العربي ليس ابنها الثاني ولا الثالث. . . # وإذا كان طه ابن الجامعة البكر فماذا؟ أيترك لطيشه ولهوه وعبثه، ويخلى ~~لشكه وحيرته واضطرابه ويدلل حتى على العلم ويضحك له - حتى من أغاليطه، ~~ويكافأ حتى على ما يجنيه إذا كان ما يجنيه متصلا بحنان أهله ونازعتهم أكثر ~~مما هو متصل بأسباب الجناية ونتائجها؟ # لعمري إذا كان هذا كله لابن الجامعة البكر وكان - اسم الله عليه. . . - # يجعله من عذره في - نتف لحية أبيه وعمه وخاله ويعتده من أسباب الرضا عنه ~~إذا وقع في قبيح أو دخل في كبيرة - إذا كان هذا لابن الجامعة البكر فما بقي ~~على الجامعة إلا أن تضع له بجانب منبر التدريس حصانا من الخشب. . . ليلهو ~~على هذا وعلى هذا، فمن المنبر إلى الحصان ومن الحصان إلى المنبر. . . ولا ~~تلم الصبيان فيه على الرقص!. # ثم إن الأستاذ الكبير يقول ل طه. ms135 يا بني الاعتدال. . . الاعتدال: كلا يا # سيدي الأستاذ، لا محل للاعتدال، ولا نقبل منك هذه الكلمة ولا يقبلها طه، ~~أما هو فإنه يقول بوضع علم المتقدمين كله موضع الشك. فأين يعتدل وفيم وكيف؟ ~~وأما نحن فإننا نريد منك أن تقول له: يا بني التوبة التوبة! فقف خرج في ~~درسه على دين الأمة وكذب القرآن ونسب إليه الخرافات وجعل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - رجلا سياسيا يحتال الحيل ولا يؤمن فيما بلغ عن ربه، ثم جاء في ~~تاريخ الأدب # PageV01P147 # بأقبح الجهل ودل من نفسه على عجز وضعف وسوء فهم ونية مدخولة وذهن مريض؛ ~~فأين تريده أن يعتدل من ذلك كله؛ على أننا في هذا الكلام إنما نأخذ بظاهر ~~الرأي، أما في الحقيقة فنحن نعرف من بلاغة مدير الجامعة وغوره البعيد في ~~أنه بكلامه أراد النصيحة ل طه كما نصح الطلبة، جعله بذلك لا يزال في حكم ~~الطالب وإن كان أستاذا وأنزله هذه المنزلة على أعين الملأ، ثم إنه كأنه ~~يقول له: "يا بني إنك مائل فاعتدل، ومعوج فاستقم؛ ومجازف فتبصر، وحديد ~~الطبع فاستأن وكثير الخطأ فتعقل! # يا بني إنك مصغر مستصغر لا تستكفي بنفسك ولا تستقل بأمرك فاسمع # وأطع ". # (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في ~~الأرض يأت بها الله) فكيف بمثقال ستين كيلو جراما من إلحاد وخطأ هي في جلد ~~ولحم ودم؟ # ولقد فهمنا كلاما كثيرا من كلمتي الأستاذ البليغ الدقيق، ولكن يجب أن # يفهم طه وأمثاله، فقد ذهب بعضهم إلى أن مدير الجامعة يرد علينا بهذه ~~الكلمة. # كأنه يبلغنا أن طه مغفور له معفو عنه إذا قلب الأثاث أو كسر الصحون وأن # خطأه طلق، وأشد ما تعاقبه الجامعة به أن تقول له الاعتدال الاعتدال! لأنه ~~ابن الجامعة البكر! أي غزالها. . . (1) # هكذا قال لنا بعض الأدباء وهكذا فهم. # ولكنا على يقين من الأستاذ مدير بربخ الجامعة، وسيرى الناس أنه مرجع طه ~~إلى ما هو أليق به وأولى بسمعة الجامعة. . . # إن ms136 الذي يخشى من طه أمران: أولهما أنه يقلد المعري ويحتذيه ويسير # على أعقابه إما إلى الجنة وإما إلى النار، وقد صرح هو بهذا التقليد في ~~على # أعقابه إما إلى الجنة وإما إلى النار، وقد صرح هو بهذا التقليد في مدينة ~~بيروت # في خطبة له، وقال إن للمعري الفضل عليه في إظهاره كما هو. # فيريد الرجل أن قي يهدم كما هدم ذاك. # وليس له رواية المعري ولا حفظه ولا شعره ولا فلسفته PageV01P148 # ولا غيرها مما يصرفه إلى الكناية والإشارة والغميزة ويجعل بعض شره في بعض # خيره ويفسح له من أبواب البلاغة في باب التوجيه والتعاليل فلم يبق إلا ~~الخلط والخبط والحماقة والدعوة الفارغة ومحض التشبه وما يجري هذا المجرى. # وما علم هذا المقلد مع الفارق أن أكثر إلحاد المعري إلحاد شعري تجيء # به القافية ويحمل عليه التخيل، فهو من بعض الوجوه في باب الشعر كالقول في ~~الخمر والغزل والمجون والسفه وما يتصل بها؛ فلما فقدنا هذا من طه لم نر إلا ~~الحثالة والقشر، فهو المعري الذي بقي من المعري في منخل الأدب! # وهذا التصريح منه بالتقليد والاحتذاء يسقط الثقة به وبما يدعي من حرية ~~الفكر، لأن الحرية لا تأتي بتقليد الأحرار، ولكن بالاشتمال على وسائلهم ~~وأسبابهم ومواهبهم، وأما بغير ذلك فلا حرية وإنما هناك غرض من التقليد يقلد ~~الحرية حتى في اسمها، وكل أعمال المقلد تحمل منه على هذا الغرض الدنيء لا ~~على ذلك المبدأ السامي. # والأمر الثاني الذي نخشاه من طه أنه أداة أوروبية استعمارية تعمل في # إفساد أخلاق الأمة وحل عروتها الوثقى من دينها في أدبه ولغته وكتابه ~~وتحقير # كل من يتسم بشيء من ذلك عالما أو متعلما أو متورعا، فهو دائب في إزالة ما ~~وقر في نفوس المسلمين من تعظيم نبيهم وكتابهم وإيثار دينهم وفضيلتهم # وإجلال علمائهم وسلفهم، مرة بالتكذيب، ومرة بالتهكم ومرة بالزراية، ومرة ~~بإفساد التاريخ، ومرة بنقل الأخلاق الفاحشة المتعهرة من مدينة الفرنسيين، ~~وهلم جرا! حتى كأنه شيطان عاقبه الله فطمره في جلد إنسان، وتالله لو ms137 تم ~~لهذا وأمثاله ما أرادوا فاجترأ الناس على دينهم وكتابهم وعلمائهم، وسخروا ~~من تاريخهم وتقطع ما بينهم وبين أسلافهم، وخاطروا بما في أيديهم من دين ~~وعلم وتاريخ وفضيلة على ما تسميه صناعة الكتابة مدنية وفنا وفلسفة - إذن ~~تكون أوروبا قد بلغت منا بمدافعها وجنودها وحيلها ودهاتها بعض ما بلغت بهذه ~~الأدوات الإنسانية التي تسمى طه حسين وفلانا وفلانا. . . # أما إن هذه فئة من الناس، ولكنها كذلك فئة من المذاهب، والمصيبة أنهم # ما فيهم من فيلسوف ولا عالم ولا أديب ولا من يستطيع أن يقول هذه فلسفتي ~~وهذا علمي وهذا أدبي، بل كلهم عيال على أدب أوروبا وعلمها وفلسفتها وكلهم ~~مقلد وكلهم سارق وناقل؛ فإذا كانوا على هذه الصفة ثم رأيناهم قد زاغت ~~عقائدهم وفسدت طباعهم وانتقلت أهواؤهم أفيكونون بيننا إلا من وسائل التدمير ~~والخراب والاستعمار، شعروا أو لم يشعروا وأرادا أو لم يريدوا؛ وماذا # PageV01P149 # يجدي علينا صياحهم العلمي أو السياسي أو الأدبي وهم إنما يحترفون هذا # الصياح ويؤجرون عليه ويعيشون منه، كالرجل من أهل الغناء والموسيقى ربما # كان في نفسه مثال البؤس والهم والحزن ويستأجره الناس ليغني. . . # إن لشيطان طه سبلا كثيرة فهو يتراءى لنا في معان مختلفة تذهب بنا أحيانا # بعيدا عن كتابه. # ولكن هذا أيضا من شؤم كتابه، إذ يرجع هذا الكتاب إلى # أسباب في طباع مؤلفه قائمة على النكر والمراء والزيغ أكثر مما هو راجع ~~إلى # أشباب في التأليف قائمة على البحث والرأي والتحقيق. # فلنعد إلى ما نحن بصدده من القول في فساد رأيه وسوء استخراجه وأنه ليس ~~معه إلا الانتحال على غير توفيق، والخنط على غير هدى والجرأة على غير تحقيق ~~ولا استبصار. # لقد توارد أستاذ الجامعة مع الإمام الجاحظ في استخراج واحد من مسألة # واحدة، وكلاهما شك فيها، ونريد أن نعرض ذلك على الجامعة لنعلم صحة # قولنا إن العالم يأتي بالرأي من مجموع أخلاقه وطباعه أكثر مما يأخذه من ~~صفاته # العقلية، وأنه لو كان طه حسين أذكى الأدباء في الرأي والعقل، وأجمعهم في # المادة والحفظ، ms138 وأبلغهم في المنطق والأسلوب، ثم كان على بعض فساده # وزيغه - لوجب تنحيته عن التدريس الأدبي وحماية النشء منه؛ لأن تعليمه ~~ينقل إلى هؤلاء الأطهار الأغفال علمه وأهواءه جميعا فلا يقوم ما فيها من ~~طيب بما فيها من خبيث. # قال طه في صفحة 152: "وهناك لون من ألوان القصص كان الناس # يتحدثون به ويميلون إليه ميلا شديدا ويروون فيه الأكاذيب والأعاجيب وهو # أخبار المعمرين الذين مدت لهم الحياة إلى أبعد مما ألف الناس، رويت حول # هؤلاء المعمرين أخبار وأشعار قبلها العلماء الثقات في القرن الثالث # للهجر ة " انتهى. # وقال الجاحظ: "وقد ذكرت الرواة في المعمرين أشعارا وصنعت في ذلك # أخبارا، ولم نجد على ذلك شهادة قاطعة ولا دلالة قائمة ولا نقدر على ردها # لجواز معناها، ولا على تثبيتها إذ لم يكن معها دليل يثبتها". # فأنت ترى من الفرق بين الجاحظ وطه أن هذا يبالغ ويهول ويتعمد الكذب # فيزعم أن الناس كانوا يتحدثون بذلك النوع من الكذب ويميلون إليه ميلا # شديدا، كأنه كان شاهد أمرهم ورأى الناس يتحدثون ويميلون. # ثم يوهمك أن العلماء الثقات فى القرن الثالث قبلوا تلك الأخبار والأشعار # وما كان الجاحظ إلا # PageV01P150 # في القرن الثالث، ثم ينفي طه كل ما قيل من ذلك كأنه على ثقة من أن العرب ~~لم يعمر منهم أحد، مع أن في زماننا هذا من ارتفعت به السن إلى قرن ونصف، ~~فلو كان هذا شاعرا فماذا يمنعه أن يقول في هرمه وامتداد العمر به. # وثقل الحياة عليه وتبرمه بها ما قال أولئك أو شبيها بما قالوا؟ # ومن غفلة أستاذ الجامعة وهي من الأدلة الكثيرة على سوء فهمه وتعلقه # بأول خاطر وأنه لا يتبين أسباب المعاني ولا يحققها - أنه يقيسى على ظاهر # الرأي كيفما وقع له؛ فلا يذكر أن العرب قوم لا حساب عندهم ولا يؤرخون إلا ~~الحوادث الكبر، فإذا عمر شيخ منهم وبلغ خمسين ومائة سنة مثلا - وهو عمر ~~طبيعي - حسبها ثلاثمائة أو تزيد، وخاصة إذا خرف وأسرف وبعد ما بين فكره ~~ولسانه أو أراد التهويل ms139 على عصره وقبيلته؛ وكيف يعرف مثل هذا حقيقة سنة وما ~~يعد ولا يكتب ولا يحسب ولا عنده من يدون له، ولا في قبيلته من يحفظ # من التاريخ أو يرد منه شيئا إلى أصل بعيد.. # فالرواة إنما نقلوا من هذا ونحوه وما انتهى إليهم فإن كان فيه الكذب ففيه ~~الصدق، وإن كان فيه الموضوع ففيه الصحيح؛ وما كانت المبالغة سببا من أسباب ~~العدم، بل هي بعض أسباب # الوجود، ولا بد في المنحول من أصل يقاس عليه وصحيح يبالغ فيه، وهذا كله ~~فهمه الجاحظ، فهو لا يرد ما ورد من ذلك، لأن معناه غير بعيد ولا مستحيل. # ولا يثبته بعينه لأنه ليس معه دليل قاطع. # ولو كان الجاحظ ضعيف الفهم قليل # الاطلاع بعيدا من آداب العلماء لوافق في الرأي أستاذ # الجامعة وتحامق وكذب وسب الرواة وتهزأ بهم كما فعل هذا. # ومن العجائب أن طه يتوارد أيضا في طريقة الاستنتاج مع الرافضة # ويطابقها مطابقة النعل للنعل؛ ولا تستبعدن ذلك ما دام كلا الفريقين أسقط # الإيمان من حسابه "وتجرد من دينه" عند البحث والرأي؛ وكأن شيخ الجامعة # يقيس على نفسه فلا يصدق أنه كان في الأمة الإسلامية قوم يؤثرون الله ~~ورسوله على كل وساوس النفس وأهوائها، وليس عنده إلا العصبية والميل مع طبع ~~الجاهلية حتى في إمام أهل الحق عمر بن الخطاب، وقال الشيخ في صفحة 53 # وقد ذكر الرواة أن عمر مر ذات يوم فإذا حسان في نفر من المسلمين ينشدهم ~~شعرا في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذ بأذنه وقال: أرغاء كرغاء ~~البعير، قال حسان: # إليك عني يا عمر! فوالله لقد كنت أنشد في هذا المكان من هو خير منك! # فيرخي عنه عمر ويمضي.. # قال: وفقه هذه الرواية يسير لمن يلاحظ ما قدمنا من أن الأنصار كانوا # PageV01P151 # موتورين وأن عصبيتهم كانت لا تطمئن إلى انصراف الأمر عنهم فكانوا يتعززون ~~بنصرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وانتصافهم من قريش. . . وكان عمر ~~قرشيا تكره عصبيته أن تزدرى قريش، وينكر - كذا كذا - ما أصابها ms140 من هزيمة - ~~يعني في غزوة بدر - انتهى. # ولكن من أين لأستاذ الجامعة أن حسانا كان ينشد يومئذ في هجاء قريش # في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ليعزي الأنصار وينوح لهم كالنائحة ~~المستأجرة حتى ثارت # لذلك عصبية عمر ورجع وهو أمير المؤمنين إلى طبع الجاهلية! # ومن أين له أن عمر كان ينكر ما أصاب قريشا من الهزيمة في غزوة بدر أو # فتح مكة! # وهل كان عمر ك طه حسين يشك في التاريخ ويكذبه مع أن سيفه كان من # تلك السيوف التي هزمت قريشا؟ # ثم كيف يجوز لأستاذ الجامعة أن يكذب ويغير النص فيقول: "فيتركه عمر # ويمضي، وكل الروايات في الكتب متفقة على أنه قال لحسان: صدقت أو # صدقه. ولكن إذا قال عمر صدقت كان ذلك نصا على أنه لم ينكر ما أنكر، لا ~~حمية ولا عصبية لأن العصبية تأبى عليه أن يصدق، بل يكظم على غيظه # (ويتركه ويمضي) فانظروا أيها الناس ما يصنع الخبيث لرمي الرجل الذي أعز ~~الله به الإسلام واتهام إيمانه وصدقه مع ورود الحديث الشريف # " ليس منا من دعا إلى عصبية" # وقد رأيت كم تكرر لفظ العصبية في كلامه ثم إن قول عمر # لحسان: صدقت، يدل من جهة أخرى على أنه # لم ينكر عليه إلا هيئة الإنشاد. # كان ينشد الشاعر العربي فينتفخ ويربو في ثيابه # ويتكلف التفخيم والتشذق # وإدارة اللسان وتقليبه ويهدر كما يهدر البعير حين يستفحل ويرغو وكل ذلك ~~في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فذلك حيث يقول عمر أرغاء كرغاء ~~البعير؟ # على أن الأستاذ المخلط الذي يرمي عمر بالعصبية قال في الصفحة # نفسها: تحدثت الرواة "وهنا ترجم نصا فلننقله عن ابن سلام"، قال: قدم ضرار ~~بن الخطاب الفهري وعبد الله بن الزبعرى المدينة أيام عمر بن الخطاب فأتيا ~~أبا أحمد بن جحش. . . فقالا له: أتيناك لترسل إلى حسان فنناشده ونذاكره، ~~فإنه كان في الإسلام ويقول في الكفر - أي الجاهلية - فأرسل إليه فجاء، ~~فقال: يا أبا الوليد، أخواك تطربا إليك يذاكرانك وينشدانك. # قال: نعم، فأنشداه ms141 - أي # مما قالا في الأنصار - حتى إذا صار كالمرجل يفور قعدا على رواحلهما إلى # PageV01P152 # مكة، فخرج حسان حتى أتى عمر فأخبره خبرهما، فقال: لا جرم والله لا # يفوتانك! فإرسل في أثرهما فردا، وقال لحسان: أنشد؛ فأنشد حسان حاجته # حتى قال له: اكتفيت؟ قال: نعم! قال: شأنكما الآن إن شئتما فارحلا وإن ~~شئتما فأقيما. انتهى. # ترك الأستاذ هذا النص الواضح الجلي ونقل رواية الأغاني وفيها زيادة # وصنعة ولها توطئة وخاتمة، إذ جاءت بعد رواية ابن سلام بنحو مائة سنة # واستخرج منها أن الأنصار كانوا يكتبون هجاءهم لقريش! # ولكن يا أستاذ؛ كيف غفلت هذه الغفلة المطبقة بين صفحتين اثنتين.. # وأين ما قلت في عصبية عمر؟ وكيف مالأ حسانا على أكبر شعراء قريش وتركه ~~ينشد في هجاء قومه مما قاله في الجاهلية حتى اكتفى؛ أليس هذا هو العدل ~~والقصاص: إنشادا بإنشاد وكلاما بكلام وإن في قريش؟ # على أن ما قاله طه في عصبية عمر هو كاستنتاج الرافضة وعلى طريقهم # في الرأي والفكر؛ إذ يقولون إن الصحابة بايعوا أبا بكر وتركوا عليا، لا ~~طاعة ولا رغبة بل عصبية منهم على علي، ورجوعا إلى طباع الجاهلية؛ إذ كان ~~علي قتل من عشائرهم بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قتل في ~~الغزوات والفتوح؛ فليس يمحو الإسلام عندهم شيئا، ولا يكون المؤمن إلا على ~~أصله التاريخي وطبيعة # الجاهلية، ويسقطون ما عدا ذلك من مظاهر النفس الإنسانية التي من أعظمها ~~في الإسلام ذلك اليقين الديني وكان عجيبة العجائب وأنزل فيه الله تعالى: # (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو ~~كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه) . # وليت طه يفهم معنى قوله؛ (كتب في قلوبهم الإيمان) ولكن قلبه هو # لوح ممسوح، ونعوذ بالله من خذلانه. # ومتى تجرد الباحث في التاريخ الإسلامي "من دينه" فهو شيء واحد إن كان من ~~الرافضة أو كان أستاذا في الجامعة، لأن # هذا التاريخ إنما يقوم في ms142 أصله على معان لا يعقلها ولا يصدق بها من يجرد # نفسه منها، وكيف يعقل الجبان المنخوب القلب أفعال بطل من أبطال الدنيا # الذين شذت فيهم طبيعة القوة والجرأة فيقال في أحدهم إنه يحمل مائة قنطار # وأنه يقطع سلاسل من الحديد بيديه وأنه يصلب رجلا كطه حسين في # خنصره. . .؟ # PageV01P153 # إن التاريخ الإسلامي إذ حمل على غير طريقته وتولاه غير أهله لم يأت # منه إلا ما هو دخيل فيه، وتقل الروية ويكثر التكذيب ويخصل الخطأ ويقع # الخلل، لأن الأشياء بما كانت عليه لا بما تتوهم أنت أنها كانت عليه وذلك ~~هو السر في خلط المستشرقين والمسيحيين والديكارتيين من أمثال طه حسين إذا ~~هم تعاطوا الكلام في تاريخ الصدر الأول أو ما يتصلى به نوعا من الاتصال في ~~الأدب أو الشعر أو نحوهما. # وإذا كتبت الشياطين تاريخ الملائكة واتبعت مذهب ديكارت. . . # فتجردت من قوميتها ودينها فهل تراها تسلب طبيعتها وخبثها. # وهل يدخل عليها الخطأ إلا من ناحية هذه الطبيعة في تركيبها على غرائز # وأوصاف لا تتحول؟ # وانظر حمق العصبية في قول طه صفحة 55: "وأنت لا تنكر أن يزيد هو # صاحب وقعة الحرة التي انتهكت فيها حرمات الأنصار في المدينة والتي انتقمت ~~فيها قريش من الذين انتصروا عليها في بدر "لا حول ولا قوة إلا بالله " ~~والتي لم تقم للأنصار بعدها قائمة، ولأمر ما يقول الرواة حين يقضون وقعة ~~الحرة إنه قتل فيها ثمانون من الذين شهدوا بدرا " # أي من الذين أذلوا قريشا". # يا هذا، ألك ثأر على الأنصار أم كان أبوك من قريش، وأنا أعلم أن أباك # وأسرتك يتبرأون إلى الله منك ويخشون أن يقال في الآخرة يوم العرض: هؤلاء ~~أهل طه حسين! هب الإسلام ليس شيئا ولم يحدث أثرا ما في نفوس المسلمين إلى ~~زمن يزيد؛ وهب وقعة الحرة نقمة من غزوة بدر التي لم يغزها الأنصار إلا بين ~~يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هب ذلك معقولا في رأي رجل مسلم، ~~فيبقى أن الرواة والمؤرخين لا يقولون تلك الكلمة وهم ms143 يريدون التفسير الذي ~~جئت به إلا إذا كانوا هم أيضا متعصبين على - الأنصار، وكان إسلام الأنصار ~~عندهم غير # إسلام قريش، وكانوا مع ذلك أهل جبن ونفاق يخشون الأنصار بعد إذلالهم # وبعد أن لم تقم لهم قائمة؛ فيعبرون بكلمة مبهمة لا يفتح الله بتفسيرها ~~على أحد إلا بعد 1255 سنة وعلى طه حسين وحده. . . # ألا تفهم شيئا، وكيف صرت أستاذا في الجامعة وأنت بهذه الغباوة إنما # يريد الرواة أن وقعة الحرة كانت شديدة النكاية في الإسلام قبيحة الأثر ~~فيه. # وكانت مع ذلك عدوانا صرفا وجهلا محضا حتى قاتل فيها أهل بدر وقتل منهم ~~ثمانون، وأهل بدر بنص الحديث الصحيح أفضل المسلمين، وهم نجوم الأفق النبوي ~~بعد أن غاب كره الأزهر. # وما كل ما مر بك أيها القارئ بأشنع من قول طه فى صفحة 72: "ونوع # PageV01P154 # آخر من تأثير الدين في انتحال - كذا - الشعر وإضافته للجاهليين، وهو ما ~~يتصل بتعظيم شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ناحية أسرته ونسبه في ~~قريش؛ فلأمر ما اقتنع الناس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يجب أن يكون ~~صفوة بني هاشم، وأن يكون بنو هاشم صفوة بني # عبد مناف، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قصي، وأن تكون قصي صفوة قريش، ~~وقريش صفوة مضر، ومضر صفوة عدنان؛ وعدنان صفوة العرب، والعرب صفوة ~~الإنسانية كلها" انتهى. # فما هذا الأمر يا شيخ الجامعة؟ ثم ما هذا التهكم؟ وهل تتهكم أيها # الأحمق المغرور إلا بالحديث الصحيح: # "إن الله تعالى: اصطفبى كنانة من ولد # إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش. بني هاشم. # واصطفاني من بني هاشم " # ألا قبحك الله من شيخ سوء! وسيحيق بك ما كنت # تستهزئ؛ ومن عساك تظن أنك تبلغ ضره بهذه الحماقة فتضره؟ -. # PageV01P155 ### | عصبية طه حسين على الإسلام # قيلت لي عبارة لم أصدقها ولا أزال في ريب منها، وأرجو أن تكون # حديثا مفترى وكذبا صراحا، وأن يكون الشيخ طه بريئا منها براءة الذئب من ~~دم ابن يعقوب، إن الدم ليس غريبا من الذئب. # وليس ms144 الذئب إلا طبيبا دمويا، ولكن ابن يعقوب له دم غير دماء الناس، وقد ~~كان لا بد لهذا الدم الزكي أن ينشأ به ذلك الفكر النبوي المفهم فيستنقذ مصر ~~وأهلها من المجاعة والقحط. # فلو أن الذئب ولغ فيه لقتل به أمة كاملة، وبهذا كانت براءة الوحش من ذلك ~~الدم كأنها فضيلة نقلته من طبع الذئاب إلى طباع أهل النسك من عباد الله ~~المقربين وجعلت تهمته مثلا مضروبا في الظلم دائرا في الأفواه باقيا في ~~ميراث بني آدم من الحكمة والبلاغة، وعاد الذئب - وإنه لذئب بعد - كأنما ~~استشهد وكأنما وقعت عليه التهمة فقتله في سبيل الله فأصبح قديسا اخضرت ~~أظفاره من ريح الجنة فأنبتت ورق الريحان وانقلب ما كان سفكه من الدم فنبت ~~منه الورد، وبدا الذئب القديس في التاريخ كأنه طاقة زهر فيها الأخضر ~~والأحمر، وفيها أوراق الياسمين البيضاء من أنيابه وأضراسه. . . # وطه حسين إن لم يكن ذئبا، ولكنا نرجو أن يرحمه الله ببراءته من تهمة # كتهمة الذئب تعدو على النبوة وتمزق بأظفارها أديم الإسلام، وقد علمنا إن ~~كان لبريئا منها، ولكن يقال والله أعلم إن المبشرين وجدوا في كتاب "الشعر # الجاهلي " ما كانوا يحومون حوله فلا يصلون إليه (1) وما قضوا في البحث ~~عنه ستين سنة تحت شمس المشرق يلتمسون بعضه في كلام عالم من العلماء # المسلمين أو رجل ذي منصب فيهم أو أديب له شهرة ومكانة، فأصابوه اليوم في ~~PageV01P156 # دروس أكبر جامعة في أكبر مملكة إسلامية، وأصابوه من أستاذ كبير مصر عليه ~~معاند فيه تؤيده الجامعة وتحميه وتدفع من ورائه وتنصره، وإن خذلت فيه الأمة ~~كلها، وإن سفهت كل أهل العلم وأهل الأدب، وإن أهانت دين الأمة والحكومة ~~تأييدا - زعموا - لحرية الفكر، لا يبالون أكان هو الفكر الناضج الصحيح أم ~~الفكر العاجز المستهلك الذي يشبه أفكار الصبيان في إقامة ما يبنونه على ~~شاطئ البحر من قصورهم الشاهقة في أملاكهم الواسعة، أو أفكار البنات تبني ما ~~يلدن من الدمى والعرائس، أو أفكار طه حسين فيما زعم في القرآن والنبوة. # لقد ضاعت ms145 الثقة بهذه الجامعة فكأنها لا تفهم أن كلام طه ليس برهانا # واحدا عند المبشرين. # ولكنه برهان عليه براهين، فهو في نفسه دليل ونسبته إلى # الجامعة دليل، ومجيئه من بلاد الأزهر تقوية للدليلين معا، وإصرار الجامعة ~~عليه خاتمة للأدلة؛ ألا ليت شعري ما تملك الجامعة أن تصنع إذا ترجم ~~المبشرون خلاصة هذا الكتاب وشرحوه وبسطوه ونقلوه إلى الإنجليزية والفرنسية ~~والسنسكريتية والصينية واليابانية وغيرها، وطبعوا منه الملايين - ولهم ~~المطابع الكبيرة، ولديهم الأموال الطائلة المحبوسة على محاربة الإسلام، وفي ~~أيديهم الدعوة العريضة - وأذاعوا في أقطار الأرض أن الجامعة المصرية ~~الإسلامية لحكومة مصر قررت في دروسها أن القرآن وضع إنساني فيه الخرافة ~~وفيه الكذب، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل سياسي فلا نبوة ولا ~~رسالة (1) ، وأن أئمة المسلمين يكذبون في تأويل تاريخهم ويؤيدون هذا ~~التاريخ بقول الزور والانتحال. # ويستشهدون لقرآنهم وحديث نبيهم - وهما أصلا الدين كله - بشعر لفقوه ~~تلفيقا ونسبوه إلى أشخاص خلقوهم خلقا. # وأن هذا الكذب مرتفع ممتد يرتقى في عصورهم وأجيالهم إلى زمن الخلفاء ~~الراشدين، وأن ورود الأحاديث الصحيحة # عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وما يؤثر من كلام أصحابه عن شيء اسمه ~~امرؤ القيس وغير امرئ القيس لا يوثق به، إذ لم يكن من هذا شيء؛ فالأحاديث ~~الصحيحة كذب، وأسانيدها التي حققها العلماء وحفظوها وتناقلوها وأجاز بها ~~بعضهم بعضا زمنا بعد زمن إنما هو تواضع على الكذب من هذه الأمة. # وحسبكم بأمة يمضي عليها زهاء أربعة عشر قرنا ويكون عديدها ثلاثمائة # مليون وتنبث في أقطار الأرض كلها ثم لا ينبغ فيها رجل يعرف الصحيح ويفطن ~~PageV01P157 # له ويستعلن به للناس ويقرره ويعلمه إلا رجلا واحدا هو العلامة حجة # المبشرين.. الدكتور طه حسين!.. # " ما عسي أن تفعل الجامعة المصرية في هذا البلاء الداهم وهذه الفتنة # الآكلة، وكيف لها بسد الثلمة إدا انفجرت - وانبثق منها هذا الشر العظيم، ~~وهي إلى اليوم كأنها مأخوذة لا تعي، ومسحورة لا تفهم، وعميد الآداب فيها ~~رجل أعجمي لا يزال من العربية في المنزلة التي يقال له فيها: ms146 إذا نقلت ~~النقطة من تحت الباء إلى فوق صارت نونا. . . فما رأينا هذه الجامعة تبرأت ~~من هذا الكتاب. - ولا انتفت من نسبته إليها، ولا تزال تحسبه كتابا في الشعر ~~- الجاهلي. . . # وهو كتاب في التنكيل بالإسلام.. وهو في موضوعه شبه بالسلسلة صفحاته # حلقاته، " فلا تستهينن بحلقة لتقول إنما هي واحدة وإنما هي ضئيلة ولا خطر # لها، فإنه ليس الشأن في حلقة حلقة ولا في صفحة صفحة، بل في اتصال بعض ذلك ~~ببعضه واجتماع جملته من أجزائه وتفرق أجزائه على جملته. # وعلم الله ما كتبنا هذه المقالات إلا لنقنع الجامعة بجهل شيخها وفساد ~~رأيه ومرض نيته، ثم لنرد عليه " هذا الغل الذي في قلبه للمسلمين، وهذه ~~السخرية التي في لسانه وقلمه لدينهم وأئمتهم وعلمائهم، وهو على ذلك ضعيف ~~الفهم سخيف التقليد. # وهو في غاية تحصيله رجل حافظ كالأوراق المجموعة من كتاب إلى كتاب. # وفي غاية عمله رجل جريء يقع في الأشخاص وفي المعاني، ويستوحل في كل # وحل، وقد لبسه عقله الناقص الأهوج فلا يتثبت ولا يتحرج ولا تسوؤة السيئة ~~من نفسه ولا تسره الحسنة من أحد؛ وما زلنا نذكر له كلمة غريبة لو خلق الله ~~منها شيئا بعد موت طه لجاء منهما طه نفسه مرة أخرى. # فقد لقيناه في جريدة "السياسة" عند رئيس تحريرها وقلنا له فيما قلنا: إنك ~~لست بالعقل العام - ولا الحقيقة الكلية فيسوغ لك أن تظن أن ما لا تفهمه أنت ~~لا يفهمه أحد، وإن الناس خلقوا على درجات قد يبعد أعلاها من أسفلها حتى ~~ليكون العالم من عالم أذكى منه بموضع كموضع الجاهل من العالم، وروينا. له ~~قصة إمام عصره بهاء الدين العاملي حين اجتمع له العلماء في مجلس وفيهم ~~علامة الشام الإمام البوريني، فبدأ البهاء يتكلم في التفسير بكلام صريح ~~واضح فهمه كل من في المجلس من عالم وغير عالم، ثم دقق حتى لم يفهمه إلا ~~العلماء، ثم علا حتى لم يفهمه إلا البوريني وحده، ثم غمض غموض السر في ~~حقائق المعقولات حتى لم يفهمه ولا البوريني. ms147 # فما كان من جواب الأستاذ الأديب المهذب طه # حسين إلا هذه الجملة بحروفها "دا مغفل لازم ". . . # PageV01P158 # أما والله إن المغفل هو الذي يحسب أن سنن الكون تنشئ له أمة # جديدة بكتاب ككتاب الشعر الجاهلي، وتفسد له أمة قديمة بمجموعة # كمجموعة قصص السياسة، ثم لا يعلم أن الفاسق الفاجر يكون من الهوان # على الله بحيث لا يجعل الله أمره في هذه الأمة المسلمة يزيد شيئا على ~~حانة # في شارع في مدينة. # كلما نظرنا في كتاب "الشعر الجاهلي" لم نزدد إلا يقينا. بأن هذا الأستاذ # الذي يسبح بمذهب ديكارت هو أشد الناس خروجا في كتابه على هذا # المذهب، فإنه لا يكتب ولا يفكر إلا لغرض واحد - يبتغي له وسائله وأسبابه ~~بكل ما استطاع، وهو توهين أمر الإسلام وصدعه من مفاصله وتفكيك العقد # المحكمة التي يتماسك بها في تاريخه وناهيك به دائبا يجمع من هنا وهناك من # أثينا إلى مكة. . .! # فالأستاذ لا يبحث كما يدعي وكما هو الأصل في مذهب ديكارت، وإنما # يقرر تقريرا، وشتان بين بحث يراد منه ما ينتجه من غير تعيين لنتيجة ~~محتومة. # وبين تقرير النتيجة التي يساق لها البحث وتجمع لها الأدلة، فإن الأول ~~يصلع # على التجرد من الأسباب التي تؤثر في الرأي كالعاطفة والعصبية وغيرهما، ~~وأما الثاني فزعم التجرد فيه حماقة وسخرية؛ لأن النتيجة المعينة لا تجاذب ~~إلا # مقدماتها. وهذه المقدمات - لا تستدعي إلا أسبابها، وهذه الأسباب لا تقوم ~~إلا بأحوال مقررة منها الرأي والعصبية والميل والهوى ونحوها؛ وذلك ما حمل ~~طه في اقتحام هذه - الخطة وركوب - هذا النهج، على ما فعل من تحريف النصوص ~~وإرادتها لما ليس فيها؛ وعلى ذلك الخبط من سوء الفهم وفساد الاستنتاج، ومن ~~أجل ذلك تناول الدين بالتكذيب والرد، وتعصب تلك العصبية الحمقاء في تأويله ~~وسياق أدلته، وجعل الشبهة حجة والحجة شبهة. ليستوي له أن يخالف الإجماع، ~~فإذا خالفه نقضه، فإذا نقضه وظن أنه قد تهيأ له نسق تاريخي ولو مزورا ~~مكذوبا عاد بالهدم على التاريخ وعلى الأسباب الطبيعية الواشجة فيه وكسر كل ms148 ~~قياس كان العلماء يقيسون عليه، فيتم له. بذلك ما يسميه هو وأمثاله # جديدا وهو من السخف - بحيث ترى. # ولسنا نتحرج أن ننبه هنا إلى أصل هذا الجديد الذي يزعمونه ويتشدقون # به، فكل فاسق، وكل ملحد، وكل مقلد أحد هذين، وكل متهوس بإحدى هذه العلل ~~الثلاث - هو مجد إذا جرى في انتحال الأدب العربي وتعاطيه مجرى # PageV01P159 # التكذيب والرد والنقيصة والزراية عليه وعلى أهله والخبط ما بين أصوله # وفروعه، على أن لا يستخرج من بحثه إلا ما يخالف إجماعا، أو يعيب فضيلة، ~~أو يغض من دين، أو ينقض أصلا عربيا جزلا بسخافة إفرنجية ركيكة، أو يحقر ~~معنى من هذه المعاني التي يعظمها الجامدون أنصار القديم من القرآن فنازلا، ~~وبالجملة فالتجديد أن تكون لصا من لصوص الكتب الأوروبية، ثم لا تكون ذا ~~دين؛ أو لا يكون فيك من الدين إلا اسمك الذي ضرب عليك فلا حيلة لك فيه ولا ~~تستطيع أن تستدرج منه إلا في أولادك المساكين كما فعل أبو مرغريت الشيخ (1) ~~. . . ثم لا حاجة للجديد بإلحادك وزيغك إلا إذا طبعت بأحدهما أو كليهما ~~مسائل التاريخ الإسلامي والأدب العربي، وأفسدت الخالص بالممزوج. # وحقرت الناس والمعاني، وكنت حرا طليقا من قيود السماء والأرض إذا # صدرت أو وردت، فتقول على قدر عقلك، ثم تعقل على قدر زيغك، ثم تزيغ قدر ما ~~أنت قادر! # أما إن بحثت وقايست وتعقلت وكنت أذكى الناس وأبلغ الناس، ثم كنت # لا تستخرج من التاريخ والأدب إلا ما يزينهما ويزيدهما ويكشف عن أسرارهما ~~وحقائمهما الصحيحة، ولم تكن لص كتب أوروبية ومذاهب أوروبية فالويل لك فما ~~أنت إلا قديم وما أنت إلا نفس حجرية ولو المسلمون # تقديس الكعبة وحجرها، وإن العصر لفي غنى عنك وعن كتبك وآرائك لأن # خمسة أو ستة - أو خمسين أو ستين - هم العصر وهم الأمة وهم من التاريخ # المترامي إلى المستقبل كالقطار: فيه ما فيه من عربات تحمل من العروض على # أجناسها وأنواعها ومن الناس على درجاتهم وطبقاتهم، ولكن الخمسة أو الستة ~~هم وحدهم عربة الآلات والبخار وفحم ms149 نيوكاسل. . . # بل أيها المجددون، غير أنه ليس على الأرض معصوم من الخطأ، وغير # أننا نعرف أن غلطة العالم تدل على علمه كما يدل صوابه. # وأن شبهة الجاهل تدل على جهله كما يدل خطأه، إذ كان الأول متحرزا يتوقى ~~جهده، وكان الثاني متحمقا يسترسل جهده، فعلى قدر قوة الشبهة وضعفها، وبحسب ~~نوع الغلطة وشكلها، يعرف نوع الفكر وتتبين حالة العقل، وبهذين تعرف صفة ~~النفس، وبالنفس لا بغيرها يقوم التاريخ الإنساني. PageV01P160 # فتعالوا نسألكم لو أن عيسى عليه السلام كان معه مائة ألف من أمثال # الخواجة المجدد سلامة موسى أيكون معه إلا مائة ألف مكابر سخيف # يفسدون عليه ولا يغنون في أمره ما يغني رجل واحد من أولئك الصيادين الذين ~~كانت في أنفسهم الصافية روح الماء العذب! # ولو أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - كان معه خمسمائة ألف من أمثال الشيخ ~~المجدد طه حسين، أفيردون عليه ما رد عربي واحد قلبه روح سيفه؟ # أرأيتم الآن أيها الفضلاء جدا.. أن الأمم في غنى عنكم، وأن حاجتها # كل الحاجة إنما هي إيمانها وقديمها، وأنكم لا تنزلون منها ومن تاريخها # وأسباب تاريخها إلا منزلة الثرثرة في المعنى الصريح من المعنى الصريح، ~~وأن # مثلكم معها كمثل حادثة تاريخية عظيمة أخذت ما أخذت من الناس وتركت ما ~~تركت فيهم حتى مضت لسبيلها وصارت حديثا في الأحاديث، جاء رجل # متسكع متلكع فاحتسى ألف كأس من الخمر وأحرق ألف دخينة من التبغ # وأضرم النار وروح النار على دماغه ليخرج من دماغه رواية تمثيلية في تلك # الحادثة تزخرفها بالكذب وتزينها بالفلسفة وتزيدها بالتحليل والمنطق ~~وتجملها # بالخيال والشعر، ثم لا تكون مع هذا كله في جنب الأصل إلا ملهاة وهزءا # وسخرية ليس فيها إلا حسام لا يقطع، وبطل لا يمنع، ونار لا تحرق وبحر لا # يغرق؟ # أتظنون أن التجديد لا يقوم إلا بالهدم، وهل يبلغ ما أنتم فيه من الحماقة # وضعف البصر بعواقب الأمور وأسرار الأشياء أن تقولوا إن البناء الجديد لا ~~يقوم إلا بعد هدم القديم وإزاحة أنقاضه وإقرار الجديد في ms150 موضعه؛ أهو بناء ~~من الطوب والحجارة والأخشاب ترفعون هذا وتضعون هذا، أم هو بناء بالكلام على ~~أرض من الورق، فكل ما جاء ليبنى بنى وكل ما جاء ليهدم هدم؛ أفلا تعلمون أن ~~القديم لا يهدم ألبتة لأنه هو الذي يباع الجديد ويشقه؛ فإن هدم في أمة من ~~الأمم زال الجديد بزواله ولم يبق من الأمة إلا بقايا لا تستمسك على حادثة ~~ولا تقر على صدمة. # وأن سنة الكون في الجديد أنه ترميم في بعض نواحي القديم وتهذيب في بعضها ~~وزخرف في بعضها الآخر، وإلا لوجب أن # PageV01P161 # يتجدد التركيب الإنساني والتركيب العقلي، وهو ما لم يقع ولن يقع منه شيء. # فالشأن في الجديد أن تتصل المادة الجديدة بالقديم فإذا هو هو، ولكن # ببعض الزيادة أو بعض الزينة أو بعض القوة، وكل ذلك لإحداث بعض المنفعة، ~~فالرجل المجدد لا يوجد نفسه أيها الفضلاء جديدا، وما هو من الهوان على ~~الكون ونواميسه وعلله بحيث يقول ساكون فيكون؛ ولو أن كل أسود في مطعم أو ~~حانة كأسود بني عبس لفسدت الأرض ولم يبق للشجاعة تاريخ يحفظ، ولو أن كل لون ~~أحمر يقول أنا الورد لما بقي للورد معنى إلا أن يكون خجلا في وحه الدنيا. . ~~. # المجدد أيها الفضلاء جديدا لا تخرجه للأمة إلا أقوى عناصر القديم متى # اجتمعت فيه صحيحة متظاهرة يمد بعضها بعضا، فإن من انتهى إلى غاية من # الغايات كان هو الحري أن يستشرف لما بعدها وأن يأتي بما لا يستطيع من # دونه، ولكن الشرط أن يكون قد بلغ هذه الغاية، وما يبلغها إلا إذا كان ~~مهيأ بوسائلها، ولن تأتي له هذه الوسائل على أتمها وأكملها إلا إذا شاءت ~~الحكمة الإلهية أن تنقح شيئا في أسأليب الحياة والنظام القديم. # فالذي يحصل من كل ما تقدم أن لا جديد إلا حيث تباع الحكمة شيئا ثم # تتصل نواميس الحياة النفسية بهذا الشيء فإذا هي تفعل به ما اقتضته الحكمة ~~مما نسميه هدما أو بناء، فأنت إذا كنت مجددا في اللغة مثلا وكانت فيك ~~العناصر ms151 الكافية لاجتماع قوة من قوى الناموس العام فلا بد أن تباع شيئا غير ~~موجود لا يستطيعه غيرك كما تستطيعه أنت، فإذا أبدعت واستحدثت رأيت القديم ~~نفسه هو الدليل على أنك جددت فكنت بشهادته مجددا؛ وهي شهادة كما ترى لا ~~تنالها بأنك "محرر" صحيفة أو مترجم مجلة أو ملخص من بعض آراء الفلاسفة، بل ~~من حياة عصرك وطبيعته وقوانين وجوده، إذ تكون أنت زيادة في العصر وآية في ~~الطبيعة وكلمة جديدة في قوانين الأمة. PageV01P162 # كأن هذا بعيد عن موضوعنا، ولكن كيف نصنع وموضوعنا طه حسين. # وهو رجل كشبكة الصائد: كلها عيون وخروق، وبين كل خرق وخرق # عقدة. . . # رأينا عصبية طه على الإسلام تلبس ثلاثة وجوه: أولها عقيدته في القرآن # وأنه من وضع الذي جاء به لا من وحي ولا تنزيل ولا معجزة. # وثانيهما رأيه في النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه رجل سياسي فلا نبوة ~~ولا رسالة. # وثالثها عمله في توهين أمر الأئمة من الصحابة فمن بعدهم وقياسهم في # الإنسانية وأهوائها وشهواتها على قياس من نفسه وطباعه. . . # فأما القرآن فقد أفردنا له مقالا افتضح به أستاذ الجامعة أشد فضيحة # وأخزاها، ونزيد عليه هنا أن الأستاذ يقول في صفحة 85 في الرد على # المستشرق هوار الذي زعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ من شعر أمية ~~بن أبي الصلت واستعان به في نظم القرآن: "من الذي يستطيع أن ينكر أن كثيرا ~~من القصص القرآني كان معروفا بعضه عند اليهود وبعضه عند النصارى وبعضه عند ~~العرب أنفسهم، وكان من اليسير أن يعرفه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~تأملوا - كما كان من اليسير أن # يعرفه غير النبي؛ ثم كان النبي وأمية متعاصرين، فلم يكون النبي هو الذي ~~أخذ من أمية ولا يكون أمية هو الذي أخذ من النبي؟ # وهذه العبارة ناطقة برأي قائلها، حتى كأنه يقول إن القرآن لا ينقصه إلا ~~أن # يكتب عليه "تأليف فلان" ونعوذ بالله ونتوب إليه ونستغفره. # ويقول في صفحة 18 في بيان أن القرآن ليس في حاجة إلى ms152 شواهد من # الشعر على ألفاظه ومعانيها عند العرب: " نخالفهم أشد الخلاف، لأن أحدا لا ~~ينكر عربية النبي فيما نعرف. . . ". # PageV01P163 # يعني إذا لم ينكر أحد عربيته لم ينكر صحة كلامه؛ ونعوذ بالله ونتوب إليه # ونستغفره. # ثم يقول في صفحة 76 عن علماء الموالي وعلماء العرب: "وأرادوا هم - # علماء العرب - أو الموالي، أو أولئك وهؤلاء، أن يدرسوا القرآن درسا لغويا ~~ويثبتوا صحة ألفاظه ومعانيه؛ ولأمر ما شعروا بالحاجة إلى إثبات أن القرآن ~~كتاب عربي مطابق في ألفاظه للغة العرب، فحرصوا على أن يستشهدوا على كل كلمة ~~من كلمات القرآن بشيء من شعر العرب يثبت أن هذه الكلمة القرآنية عربية لا ~~سبيل إلى الشك في عربيتها" انتهى. # والرجل يكرر هذا المعنى ويطيل فيه، ولا يفهم أن الاستشهاد بالشعر لا # يراد منه إثبات عربية القرآن ولا مطابقة ألفاظه لألفاظ العرب، ولا هو من ~~شك في العربية ولا "من أمر ما. . . " # وإنما يراد به اتخاذ القرآن سببا في جمع مادة # اللغة وشواهدها، كما كان هو السبب في وضع العلوم العربية كلها؛ أفترى # وضع النحو كان لإثبات أن القرآن ليس فيه لحن، أم كان لإقامة الألسنة ~~الزائغة حتى يسهل عليها الأداء والقراءة؛ ثم يراد من تقييد تلك الشواهد ~~وجمعها وتدوينها تفسير كلمات القرآن ليفهمها من يجيئون بعد العرب كما فهمها ~~العرب أنفسهم، وظاهر أنه لا سبيل إلى ذلك إلا بالنص على معاني الكلمات ~~عندهم، ولا ثقة بهذا النص إن لم يكن عليه دليل من شعرهم، إذ هو وحده، ~~المحفوظ عنهم، وهو كان متن اللغة والخبر والأثر؛ ولعمري لولا صنيع العلماء ~~في جمع # هذه الشواهد لقام ألف زنديق يضيفون إلى مطاعنهم في القرآن أن فيه خطأ في # اللغة، فانظر، أين هذه الحكمة مما يخبط فيها أستاذ الجامعة. # ويقول في صفحة 91: "إن اليونان يقدسون الإلياذة والأوديسا ويعنون # بجمعهما وترتيبهما وروايتهما وإذاعتهما عناية المسلمين بالقرآن الكريم ". # ولم نفهم شيئا من هذا الكلام، لأنه يحتمل كل شيء، ولو فسر لنا فسرنا # له وأريناه مبلغ جهله وسوء أدبه! # وأما رأيه في ms153 النبي - صلى الله عليه وسلم - فمن أعجب ما عجبنا له أنه ما ~~من عالم أو كاتب مسلم يذكره - صلى الله عليه وسلم - إلا صلى عليه أو وضع ~~رمز الصيغة ولو هذا الحرف "ص" # وترى كتاب المسيحية يأخذون بهذا الأدب في كتبهم العربية، لأن المسلمين # يقراونها؛ أما أستاذ الجامعة فكأنه لا يتولى النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- ولا يحس عظمته ولا أثره. # فقد ذكره في كتابه مرارا تفوت العد فلم يتأدب معه ولا مرة واحدة، فلا ~~بعقيدة # PageV01P164 # المسلمين أخذ، ولا بمجاملة المسيحيين اقتدى، بل طريقته هي طريقة المبشرين # بعينها، تشعرك وقاحة الكاتب وغروره وانتشار عقده، مع أنهم قالوا إن هذه # الصلاة من الرجل المسلم إنما تكون دليلا على خلوص نيته وقوة عقيدته، وأنه ~~لا شوب فيها ولا شرك، وعلى أن بشاشة الإيمان قد خالطت قلبه، ولكن شيخ ~~الجامعة قد تجرد من دينه منذ الصفحة الأولى، وقد والله صدق فيه الحديث. # "رغم أنف عبد ذكرت عنده فلم يصل علي " # فما أنف أرغم من أنف طه حسين كمدا وذلا وخزيا ولعنة. # والأستاذ يكذب الحديث الصحيح ويتهكم به كما رأيت في بعض ما مر. # وما نظن أحدا يسلم من تكذيبه، بل هو يقول في صفحة 128: " فأنا لا أقدس ~~أحدا من الذين يعاصرونني ولا أبرئه من الكذب والانتحال". # فإذا كان هذا من رأيه فيمن يعاصرونه ويعرفهم حق المعرفة، فيهم أستاذه # وصديقه وأبوه وأمه، فكيف به فيمن لا يعرفهم إلا من الكتب، بل هو يكاد # يصرح في صفحة 101 أن كل شخص لا يعرفه فأكبر الظن عنده أنه من # أشخاص الأساطير لم يوجد قط؛ قال: "نحن لا نعرف من سعد ومن مالك ومن زيد ~~مناة، فأكبر الظن عندنا أنهم أشخاص أساطير لم يوجدوا قط ". # فهل تعرف يا أستاذ الجامعة أولئك الذي ألفوا كتب التاريخ؛ وإذا كنت لا # تعرفهم فليس ما يمنع أن يكونوا أشخاص أساطير، وإذن فالكتب قد ألفت # نفسها. . . إذ لو قلت: إن غير أولئك ألفوها قلنا لك: وهؤلاء لا تعرفهم؛ ~~فلا تزال تدور في ms154 محال لو أخذنا بقياسك الفاسد ورأيك السقيم! # قالوا: سعد ومالك وزيد مناة وفلان وفلان، وفسروهم وأخبرونا خبرهم. # فإن قلنا إننا لا نعرفهم ولم نثبتهم عيانا فيجوز لذلك أن يكونوا رجال ~~أساطير - صدق هذا على كل ما كان قبلنا، وسيصدق علينا وعلى تاريخنا إذا جاء ~~من بعدنا وورثتنا الدنيا، فلا يكون العلم التام إلا الجهل التام، وحسبك ~~بهذا جهلا ممن يقول به. # ثم إنه ليس في الطبيعة الإنسانية تواطؤ على نمط واحد من # الخلق، فإن وجد الكذب وجد معه الصدق، وإن كانت الغفلة كان التحزز، وإن ~~عرف التلفيق عرف النقد والتمحيص، وما قط وجدت أمة يجمع كل أدبائها وعلمائها ~~على الكذب. # ولقد امتازت الأمة الإسلامية دون كل الأمم بعلم الرواية وشروطه # الكثيرة، كما بسطنا الكلام عليه في الجزء الأول من تاريخ آداب العرب؛ # PageV01P165 # فإن كان عندنا الكذابون والوضاعون ومن لا ثقة بهم، فإن عندنا الناقدين # والمصححين والثقات؛ ولكن ما أنت صانع في رجل كطه حسين جهله أوسع # من علمه، ولسانه أوفى من عقله، ولا يدري إلى الآن أنه متى صار التاريخ ~~إلى الطريقة الجدلية فلا حاجة إلا اطلاع ولا فكر ولا علم، وكل عاقي هو ~~مؤرخ، إذ حسبه من العلم أن يقول فيما لم يكن إنه كان، وفيما كان: يجوز أنه ~~لم يكن، وعجيب أن تكون هذه هي طريقة أستاذ الأدب في الجامعة وأن يكون رجال ~~هذه الجامعة من الغفلة بحيث يظنون هذا علما أو تجديدا في العلم. . . # ويقول في صفحة 48 يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - أول أمره مع قريش: ~~"ولم يكن يطمع في ملك ولا تغلب ولا قهر، أو لم يكن ذلك في دعوته ". # وهذه العبارة الأخيرة يقلد فيها دهاة السياسة في لغتهم العملية التي # يجعلون لكل جملة منها بابين، غير أن طه سد في عبارته البابين والنافذة # أيضا. . . فإن معناها الصريح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أول أمره ~~لم يكن يطمع في ملك، أو كان يطمع، ولكنه كتم ذلك فلم يظهره في دعوته التي ~~دعا بها ms155 الناس إلى الله. # وإذن يا شيخ الجامعة فقد كان للدعوة بطن وظهر، ولا تكون كذلك إلا إذا # كانت من عنده هو لا من عند الله، وليتأمل القراء شنعة ما يخرج من هذا ~~القياس من إنكار النبوة والرسالة، نعوذ بالله ونتوب إليه ونستغفره. # ثم يقول في صفحة 55: "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحرض على ~~الهجاء ويثيب عليه أصحابه، ويتحدث أن جبريل كان يؤيد حسانا". # وهذا الجهل مما تضيق به الصدور فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ~~به الهجاء ولا الإقذاع، وإنما كانت تلك سنة عربية اضطرته إليها طبيعة العرب ~~لحماية أعراض المسلمين، فقد كان من هذه السنة عند العرب أنه إذا سكت ~~المشتوم صدق الشاتم فجرى كلامه مجرى التاريخ الصحيح، ثم كانت معارك الألسنة ~~لا يسكت فيها إلا الذليل فسكوته ذل، ولا يغلب فيها إلا العيي فعيه ذل آخر، ~~وكل ذلك من أمرهم فلم يكن بد من المصير إليه ليتعالمه العرب فلا يؤثر هجاء ~~قريش أثره # فيهم ويكون سببا لنفرتهم ولتوهين أمر المسلمين عليهم (1) . # وما كان جبريل PageV01P166 # يؤيد حسانا في الهجاء، ولكن في الكفاح عن نبيه كما ورد في الحديث: # "إن الله ليؤيد حسانا ما كافح عن نبيه" # والعبارة بهذه اللفظة (الكفاح) تفهم معاني كثيرة وليس منها معنى الهجاء، ~~وكأنه - صلى الله عليه وسلم - كشف له أن طه حسين # سيدعي عليه ويغض منه فقيد غرضه بها ليقول للناس: انظروا فإنه. . . # وافهموا فإنه.. # * * * # وأما عصبية الرجل على أئمة المسلمين فقد مر من ذلك نبذ، وانظر # كيف يقول في صفحة 51 عن أبي سفيان في فتح مكة: "فنظر فإذا هو بين # اثنتين: إما أن يمضي على المقاومة فتفنى مكة، وإما أن يصانع ويصالح # ويدخل فيما دخل فيه الناس "وينتظر. . . " لعل هذا السلطان "السياسي" # الذي انتقل من مكة إلى المدينة، ومن قريش إلى الأنصار، أن يعود إلى # قريش وإلى مكة مرة أخرى؛ قال: وألقى الرماد على هذه النار التي كانت # متأججة بين قريش والأنصار وأصبح الناس جميعا - في ظاهر الأمر ms156 - إخوانا # مؤتلفين في الدين" انتهى نصا. # وقد طال "انتظار" أبي سفيان في رأي الشيخ المأفون حتى قام حفيده يزيد # بن معاوية فانتقم من غزوة بدر في وقعة الحرة كما قال في صفحة 55، وفي # هذه الصفحة يقول: "إن يزيد صورة صادقة لجده أبي سفيان في السخط على # الإسلام وما سنه للناس من سنن (1) . # فأبو سفيان والصحابة أو أكثرهم منافقون في رأي الجامعة المصرية. # لأنهم لم يكونوا إخوانا مؤتلفين في الدين إلا - في ظاهر الأمر - وأبو ~~سفيان مع ذلك من كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد شهد معه حنينا ~~والطائف وفقئت عينه في هذه. # وهو القائل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد غزوة حنين: # "والله إنك لكريم فداك أبي وأمي، والله لقد حاربتك فنعم المحارب كنت، ~~ولقد سالمتك فنعم المسالم أنت" # أفهذا كلام منافق ينتظر ويتربص؟ PageV01P167 # على أن الذي ما يقضى العجب منه أن رأي طه حسين هذا هو بعينه ونصه # رأي الرافضة ومذهبهم، فقد زعموا أن الصحابة كانوا منافقين في حياة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح وجلة ~~المهاجرين وخيار الأنصار. # فكيف يتفق كل هذا في كتاب الجامعة، وهل الذي فيها أستاذ للآداب أم # هو أستاذ للفكر والرفض؟ # PageV01P168 ### | قد تبين الرشد من الغي # قبل أن يجري القلم في هذه الكلمة نصحح قولا جئنا به في بعض ما # كتبناه، فقد ظننا أن أستاذ الجامعة أخذ فكرة الشك في شعر الجاهلية عن # المستشرق مرجليوث، ولكن أحد الفضلاء نبهنا إلى أنه قبل جحا قد كان أبو # دلامة. . . فإن هذه الفكرة من آراء مستشرقي الألمان، وهي مبسوطة بكثير من ~~أدلة طه حسين في كتاب "الشعر العربي قبل الإسلام " المطبوع في باريس سنة ~~1880؛ فيسرنا والله أن نباهي الأمم كلها بجامعتنا المصرية التي جاءت في ~~تاريخ الدنيا بمعجزة فوق المعجزات، إذ ظفرت لتدريس الآداب العربية بأستاذ ~~عظيم تسرق آراؤه وتطبع وتنشر في أوروبا قبل أن يولد هو في مصر ببضع سنوات. ~~. . # وما زالت بلادنا هذه مرزأة مسكينة لا ms157 تبرح الأقدار تمسها في كنوزها # الغالية وترميها بالمتلصصة من آفاق الأرض، فما كفى أوروبا أن تسرق آثار # ملوكها وفراعنتها بعد موتهم، بل اجترأت كذلك فسرقت آراء الفرعون العظيم ~~طه حسين قبل ولادته. . . # أما بعد أيتها الجامعة، فإنما نخاطبك ونكتب لك وحدك، وإياك نعني. # وعلى قدرك ما أجملنا وفصلنا؛ لأنك مؤتمنة على عقائد أبنائنا ونراك خائنة. # وفيك مثابة العلم ونراك جاهلة، وإليك الرأي في هذا الأدب ثم لا يسف ولا ~~يسقط في الرأي غيرك؛ وقد كان الظن بك أن للعلم حرمة عندك وللأمانة موضعا ~~فيك، وأنك تعلمين الفرق بين علم مفروغ منه وعلم قد بدئ؛ فيه وبين العقل ~~العام الذي يجتمع من صواب العلماء جميعا وبين العقل الخاص الذي يحمله كل ~~عالم وكل جاهل، وكنا نرجو بذلك أن تدركي أن الأدب لا يلبس ثياب طه حسين ولا ~~يحيا بحياته ولا يموت بموته، وأن هذا الرجل هو مرآتك في الأمة، فهو رادك ~~إلى طبعه وخلقه، وممثلك بجهله وحمقه، ودامغك بزيغه وإلحاده؛ فتعالمت به حتى ~~فضحك جهله، وأمنت له حتى لبسك كفره؛ ثم أنت بعد ذلك لا خطأ نفيت ولا صوابا ~~أتيت، بل ذهبت بنفسك؛ غرورا منك بأن # PageV01P169 # اسمك الجامعة، وتعصبا لباطل أستاذك الملحد واستكبارا في الأرض ومكر # السيئ، فكنت ما كنت، إلى صلابة وعناد، وإلى شدة ونكاية؛ وملت إلى # ناحية الازدراء بالأمة والتهكم بدينها والتحقير لعلمائها وأدبائها، كأنه ~~ليس في كل أولئك عالم ولا أديب، وكان مجموعة الأمة المصرية لا توزن عندك ~~"بابن الجامعة البكر" لأن قلبك يزيد فيه حتى يصير جبلا، وينقص من الأمة حتى ~~ترجع حصاة، والميزان ميزان قلبك؛ ثم هو في يدك المتصلة بهذا القلب. # فسبحان الله! كأننا لا نجادلك في العلم والأدب ولكن نعذلك في العشق # والهوى، وأضيع شيء ما تقول العواذل! فما بك إلا الخلاف والمكابرة # والإصرار واعتداد كل سيئة من سيئات المحبوب حسنة من حسنات الحب. . . # فلقد صار لنا أن نفهم أن الأمر عندك إنما هو بين أشخاص وأمزجة # ومصالح تجعل علماء الدين في مصر بأسمائهم ms158 وألقابهم وإجازتهم كأنهم صفحة # مكتوبة تقرأ وترمى في سلة المهملات. # أما طه وحده فهو الحي العالم القادر المتكلم الابن البكر الذي تجعله ~~شهادة السوربون كأنه الآية الناسخة، ثم لا تكون الآية المنسوخة إلا الأزهر ~~الشريف، على حين لا يكون الخلاف إلا دينيا وفي كتاب الله. # وصار لنا أن نفهم أن هذه التي تسمى الجامعة المصرية لا تبالي حسن # أثرها على الأمة أو سوء أثرها عليها، ولا تعبأ بسمعة تمدح أم تذم كأنها ~~هي # وحدها مركز المخ من الجسم المصري، أما سائر الناس والطبقات فجلد وعظم ~~وأدوات وشيء كالصبغة فيما تغله على صاحبها، أو نحو من هذا التشبيه أو قريب ~~من نحوه، فإن سقط رجل فيها كطه حسين ونبذته الأمة كلها لم يكن للجامعة هم ~~إلا أن تشده إلى كرسيه ولو بالحبال، وتثبته ولو بالمسامير، كأنما وظيفته في ~~الجامعة أن لايتركها وحسب. . . # أما العلم والأدب فكل كلام هو علم وأدب ما دام قائله "ابن الجامعة # البكر" وما دام التمييز مفقودا والأهواء ملتبسة، إذ البغية عندهم كما وضح ~~لنا وللناس جميعا أن يجد أستاذ الأدب عيشه لا أن يجد الأدب أستاذه، ~~والأمران مختلفان جدا كماترى وبينهما بعد باعد لا تقريب فيه. # نسأل الجامعة سؤالا مكشوفا لتجيبنا عليه إن استطاعت أن تجيب بعد ذلك # السكوت منها: # من الذي يصلح من رجالها والقائمين عليها أن يكون حكما فيما شجر # PageV01P170 # بينها وبين الأدباء من خلاف؛ فهم يرمون أستاذها بالجهل في تاريخ الأدب # ويهدمون عليه دروسه ينقضون آراءه، وذلك إما حق فينفذ وإما باطل فيرد. # فمن عساه يقول هذه الكلمة الفاصلة من أساتذة الجامعة ورجالها؛ ومن هو هذا ~~الذي يرى في نفسه قوة في هذا العلم ويكون من أهله بهذا الموقع، وما علمنا ~~أن في الجامعة الأصمعى ولا أبا عبيدة ولا الجاحظ ولا من فيه من هؤلاء # وأمثالهم رائحة، وليس في الأرض كلها من يقول إن عالما بالقانون هو من أجل ~~ذلك عالم بالأدب، وأن فيلسوفا في العقليات هو بفلسفته مؤرخ للشعر # والكتابة، وما كل من ms159 يحسن شيئا يحسن كل شيء. # ولقد ادعى الأدباء والعلماء وجاؤوا بالبينة وساقوا الحجج وأثبتوا للجامعة # إلحاد شيخها وضعف رأيه وسوء فهمه وعقم استنباطه، وأنه على ذلك نزر # المادة يتوسع فيها بأشياء من نفسه يسميها التحليل والمنطق، لا بالأسباب ~~التي # تكون المادة نفسها مما يسمى بالنصوص والعلل ونحوها. # قد أقيمت الدعوى فأين القاضي؟ أتريد هذه الجامعة أن تتهزأ بالعلماء ~~والأدباء جميعا، وأن تتغفل الأمة كلها فتضع ل طه حسين لحية كثة على عارضيه ~~وفروة بيضاء على رأسه وتخرجه للناس يقول: نحن قاضي الجامعة، فتحت الجلسة ~~وحكمنا أن طه حسين لم يلحد في دين الله ولن يلحد فيه، ولم يخطئ في تاريخ ~~الأدب ولن يخطئ، ولم ولن عشر مرات على بياض..؟ ليضع فيها طه حسين ما شاء ~~كلما شاء؟ " # أيتها الجامعة، لا نسألك إنصافا ولا بعضا من الإنصاف، ما دمت تخصين # أستاذك بالمراعاة وبفضل من المراعاة، ولكن ويحك ما أنت صانعة في تاريخ # الأدب، ومن الذي ورثك إياه أو وفقه عليك حتى يكون علمك هو العلم # وحده، وأية قوة هذه التي تجعل الغلطة منك ذات عنصر ليس في الغلط حتى لا ~~يطمع أحد في تنبيهك إليها أو حسابك عليها، وفي هذا القياس من الذي يجعل ~~حديدك ذهبا، وثلجك البارد لهبا، وحطبك عود الند، وجزرك أعلى المد، سبحانك ~~بيدك الخير، وأستاذك ولا غير، وورثت ملك سليمان "بعفريت"، وملكت حرارة ~~الشمس في علبة كبريت. . . # أما إنه عزيز علينا والله أن يجري بنا القول إلى هذا المعنى، ولكن الكلام # لا مقادة له إلا من الواقع، وما كان لنا أن نرى في المرآة قفا عريضا ثم ~~نقول في وصفه تبارك الله ما أبدع سحر العين، وما أحلى ندى الابتسام على ورق # الشفتين، وهذا الخد، قافية في شعر الورد، وذاك الفم على وزن الدم، # PageV01P171 # ويا عليل الطرف أين منك الدواء، وما هذا الحاجب إلا حاجبا محكمة # الهوى. . . # * * * # وبعد فلندع الجامعة في أستاذها ولتسخر من الأمة ما شاءت، ولكنا نريد # أن نفهمها أن السماجة كل السماجة في أستاذها ms160 أنه يزعم في كتابه تصحيح # الحياة الأدبية الإسلامية، وقد علم أنه ما كان فيها ولا شارك أهلها ولا ~~أحاط # بأسبابها، ولا هو يتولاها بالذهن اللطيف والبصيرة النافذة والطبع الشعري ~~وما يشبه أفكار أهلها ومنازعهم وأغراضهم، بل يزعم في غرور أي غرور أنه تجرد ~~من العاطفة والدين ليدرس ويستثبت ويحقق، وهو لو كان على علم وبصر وكان قد ~~توفر على ما هو بسبيله من هذا الأدب للبس ولم يتجرد. فكان يكسو فكره وخياله ~~عواطف العرب وأذواقهم وعاداتهم وطبائع عصرهم، ويقارب أذهانهم # الحداد وقرائحهم القوية، ثم يقول بعد ذلك في تاريخهم، وتاريخ أدبهم وينكر # ويثبت. فإنه أحرى أن يقبل منه؛ إذ يكون كأنه اتصل بالحادثة التي يؤرخها ~~بمثل ما يرده العيان والمشاهدة على من عاين وشاهد، وكأنه شارك فيها بإيجاد # وخلق، فمن ثم لا يقول فيها من هو أصدق منه أو أقرب إلى الصدق؛ ويكون فيما ~~يحكيه أو يصفه أو يستنبطه كأنه بقية دهر تصف دهرها، فما ثم إلا القبول منه ~~والمصير إلى قوله ورأيه؛ وينزل عصره منه منزلة الفتى الناشئ الذي يسمع لقصة ~~الهرم الفاني الذي يقصها عن نفسه. # من أين للفكر المستفاد من عصرنا هذا عصر الشك والإلحاد أن يستبطن # خفايا العصور المؤمنة الغالية في إيمانها، ومن أين للعقل الذي تنشئه ~~أسباب # التخنث ويقوم على النعمة واللين والحياة الوادعة أن يمضي في أسرار الأعصر # المخربة المدمرة البالغة في جبروتها؛ وليت شعري عن أستاذ الجامعة إذ ~~يجانس # فكره الغربي الأوروبي ذلك الفكر الشرقي العربي حتى يقع التمازج بينهما. ~~هل يكون كلا الفكرين إلا سبا للآخر ونقضا عليه؟ كما ظهر في كتابه الذي سب ~~تاريخ الأدب به وسبه به تاريخ الأدب؟ # أنت يا راكب السيارة وممتطي القطار تزعم أن الحمق أشد الحمق أن # تمتطي الناقة أو تركب الجمل فتزري عليهما وتحقر شأنهما وتقول فيهما ما ~~يبلغ لؤم القول، ثم تجاوز بهذه السمة إلى أهل الناقة والجمل، ثم تتعداهم ~~إلى # عصرهم فتقول عصر البطء والبلادة والقلة وضياع الوقت والإسراف في إنفاق ~~العمر وكيت ms161 وكيت؛ ولكن أيها الأحمق غامر بنفسك مرة في الصحراء وارتم # PageV01P172 # هناك بين العرض والطول الملتبسين في خيط واحد، ثم اجمع شواهدك # وحججك واستعرضها حجة حجة ودليلا دليلا فإنك مشرى الجمل يهدم عليك ذلك ~~المنطق كله ببعره. . . وستتعلم هناك منطقا آخر تؤمن فيه أشد الإيمان بأن ~~الناقة والجمل ليسا من الحيوان، بل هما الكوكبان اللذان خلقهما الله بقدرته ~~لتلك السماء من الرمل. # إن أقوى أسباب الخطأ في تاريخ الأدب شيئان: ضعف الفكر عن النفاذ # في إدراك الأسرار التي انطوى عليها ذلك التاريخ، وضعف المادة التي تجمع # لك صور التاريخ وتعين أجزاء هذه الصورة وتحقق أوضاع هذه الأجزاء؛ أما # الفكر فلا نفاذ - له إلا - أن يكون فكر شاعر كاتب بليغ على أصل من ~~الفلسفة والذكاء الشفاف والعلم العربي، وأما المادة فلا قيمة لها ما لم تكن ~~من الاتساع بحيث تتناول عصرا عصرا ورجلا رجلا وما نقص من ذلك، فالنقص في ~~التاريخ بحسبه وعلى مقداره. # ولنضرب مثلا بأستاذ الجامعة؛ فقد صنع فصولا في أبي نواس جعل فيها # هذا الشاعر الماجن الخليع المتخنث دينا لعصره ومذهبا للحياة في زمنه فقال ~~إنه كان عصر شك وإلحاد وزندقة؛ وغفل عن قول الأصبهاني جامع شعر أبي # نواس: " إن تعاطيه لقول الشعر كان على غير طريق الشعراء لأن جل أشعاره في ~~اللهو والغزل والمجون والعبث كأشعاره في وصف الخمر ولغة النساء والغلمان، ~~وأقل أشعاره مدائحه، قال: وليس هذا طريق الشعراء الذين كانوا في زمانه". # فإذا كان هذا النص صريحا قاطعا في أن شعراء زمن أبي نواس كانوا على # غير طريقته فكيف يكون الزمن نفسه على طريقته. # وما دمنا في طه حسين فلنضرب به هو مثلا، فقد جاء في كتابه الشعر # الجاهلي بمخزيات كثيرة من الإلحاد والتهكم بالدين، فإذا مضت ألف سنة ثم # جاء أديب في مثل فكره وفهمه العجيب فوقف على كتابه أو نبذ منه أفلا يقطع ~~بهذا الدليل إذا لم يجد غير هذه المادة من التاريخ أن الجامعة المصرية كانت ~~في سنة 1926 معهد كفر وإلحاد، ثم ms162 ينساق به الفكر إلى الأمة المصرية فيستنبط ~~أنها كانت بقضها وقضيضها أمة كافرة ملحدة، لأن الجامعة هي أكبر مدارس ~~الحكومة، والحكومة أقوى مظاهر الأمة الدستورية، ولكن هذا الأحمق - مقدما ~~وسلفا. . . - إنما يقع في هذا الخلط الشنيع من ضعف استجماعه لمادة التاريخ ~~وإن كان سديد الرأي صحيح القياس، فلو هو اطلع على برقيات المعاهد الدينية # PageV01P173 # المذيلة بأسماء جميع علمائها، وعلى قرار علماء الأزهر، وعلى احتجاج الشعب ~~المصري، وعلى ما كتبه الأساتذة الكبار، وعلى مقالاتنا الضعيفة أيضا، لعلم ~~من كل ذلك فضيحة الجامعة فتغير رأيه، فتغير حكمه، فتغير التاريخ الذي يجيء ~~به ويؤلفه. # لا جرم كانت المادة المحفوظة هي التي تنشئ التاريخ إنشاء على حسبها # فلا تجزئ عنها الفلسفة ولا الفكر ولا مذهب ديكارت ولا مذهب طه حسين؛ إذ ~~هي وحدها سبيلنا إلى ما لا يمكن أن نلحق به أو يرجع إلينا، أما اتهام # الرواية والجرح والتعديل وما كان من الانتحال بزيادة أو نقص ولسبب وغير # سبب، فهذا وما يجرى مجراه عمل الفكر الذي أفيضت عليه تلك المادة لا # الذي انحسرت عنه، فعلى قدر ما يعجز المؤرخ عن استيعاب المادة يكون عجز ~~فكره، ويدخل رأيه من الخلل والاضطراب والنقص بمقدار ما عسى أن يكون في تلك ~~المواد التي سقطت عنه من الإحكام والضبط والزيادة وغيرها من أسباب الرأي، ~~ولن يسلم مؤرخ الأدب من ذلك ولن يكون لفكره نفاذ ولن يكون رأيه رأيا إلا ~~إذا أزاح هذه العلة بالاطلاع والجمع والاستقصاء؛ وذلك ما نبهنا إليه ~~الجامعة في غير موضع من كلامنا، لنعلم أن المطلب بعيد والطريق وعر، وأن ~~تاريخ الأدب ليس مقالة إلى مقالة ولا فكرة إلى فكرة، ولا هو من باب الكلام ~~الصحفي، ولكنه مادة إلى مادة وتحقيق إلى تحقيق؛ فلتعاير كتاب أستاذها بهذا ~~المعيار، ولتبحث فيه عن المادة قبل الرأي، لكنها ستراه كله خلطا أحدثه ~~تمازج # عصرين متناقضين، أحدهما: عصرنا هذا بما فيه مما يعرف الأستاذ عيانا # وتصديقا، والآخر: عصر العرب بما كان فيه مما لا يعرف إلا بعضه وهما # وتكذيبا، ms163 لأنه لا ينساغ في طبيعته المعتلة الزائغة التي أفسدتها العقلية ~~الأوروبية. # ومتى سلط الفكر التاريخي بالمشاهدة على الوهم وبالتصديق على # التكذيب وكان لا يجري في ذلك إلا بميل وهوى، لم يبق من التاريخ شيء. # فإن بقي شيء لم يكن تاريخا بل عملا كتابيا يكد فيه الذهن ويعنت الخاطر # لغرض من الإبداع أو الإغراب أو التفلسف أو التضليل ونحوها من الأغراض # العقلية - أيها كان إلا غرض التاريخ. # وانظر كيف يصنع هذا الخلط، قال أستاذ الجامعة في صفحة 52: وفي # الحق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكد يدع هذه الدنيا - هذا تعبير ~~المبشرين، كأنه حازها ثم تركها، أما التعبير الإسلامي فهو: لم يكد يلحق ~~بربه، أو بالرفيق الأعلى - حتى اختلف المهاجرون من قريش والأنصار فى ~~الخلافة أين تكون ولمن تكون؟ وكاد # PageV01P174 # الأمر يفسد بين الفريقين لولا بقية من دين "كذا كذا، بقية فقط في أصحاب # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحزم نفر من قريش، ولولا أن القوة ~~المادية كانت إذ ذاك إلى قريشا وهذا كذب على التاريخ؛ فما هي إلا أن أذعنت ~~الأنصار وقبلوا أن تخرج منهم الإمارة، وظهر أن الأمر قد استقر بين ~~الفريقين، وأنهم قد أجمعوا على ذلك لا يخالفهم فيه إلا سعد بن عبادة ~~الأنصاري الذي أبى أن يبايع أبا بكر وأن يبايع عمر وأن يصلي بصلاة المسلمين ~~وأن يحج بحجهم وظل يمثل # المعارضة قوي الشكيمة ماضي العزيمة حتى قتل غيلة في بعض أسفاره قتلته # الجن فيما يزعم الرواة انتهى. # ثم قال في صفحة 71: وأعجب من هذا أن السياسة نفسها قد اتخذت # الجن أداة من أدواتها "نهنئ الجامعة". . . وأنطقتها بالشعر في العصر ~~الإسلامي # نفسه، فقد أشرنا في الفصل السابق إلى ما كان من قتل سعد بن عبادة، ذلك # الأنصاري الذي أبى أن يذعن بالخلافة لقريش، وقلنا إنهم تحدثوا أن الجن # قتلته، وهم لم يكتفوا بهذا الحديث وإنما رووا شعرا قالته الجن تفتخر فيه ~~بقتل # سعد بن عبادة هذا: # قد قتلنا سيد الخز. . . رج سعد بن عباده # ورميناه ms164 بسهمي. . . ن فلم نخطئ فؤاده # انتهى كلام الشيغ. وسنقف هنا وقفة نبين لك فيها ضلالة هذا الرجل # وخلطه وتعمده الكذب وقلة تحفظه وأخذه على نفسه فيما يقوله ويراه، وستطلع ~~من ذلك على دخيلة نفسه الخبيثة وتعلم يقينا أن غايته تحقير الإسلام وتهوين ~~أمره، وأنه كالمكره على أن يسوق كلامه مساق الشبهة مع أنه في سعة من ~~التاريخ ونصوصه واللغة وأساليبها، وأنه دائما يتبع طريق الزنادقة في جعل ~~الكلام مقدمات فاسدة ثم الإمساك عن النتيجة الآتية منها فلا يصرح بها بل ~~يدع الطالب يستخرجها بفكره؛ ليجعل ذلك من عمله فيكون ألصق به وأشد تأثيرا ~~في نفسه وعقله، ويخرجه ذلك إلى أن يعتقد ما انتهى إليه ويتأدى به الشك إلى ~~التهمة، وتسلمه التهمة إلى ما لا يسلم عليه إيمان ولا يصح به يقين. # يصور الشيخ سعد بن عبادة كما تفهم أنت من موقف كموقف الحزب # الوطني في البرلمان مثلا، فهو يمثل "المعارضة" وظل يمثلها إلى أن قتل، أي # سنة خمس عشرة للهجرة على بعض الأقوال وبعد وفاة أبي بكر - رضي الله عنه - ~~بنحو سنتين، والمعارضة إنما كانت معارضة حين نشأت مسألة الخلافة فما # PageV01P175 # بقاؤها بعد أن استوثق الأمر وهل تسمى بعد إجماع الأمة عصيانا وخروجا أو # معارضة يمثلها رجل سياسي؛ ثم يقول إن سعدا هذا كان لا يصلي بصلاة # المسلمين الخ، فهل يفهم القارئ من هذه التعمية إلا أنه كان يصلي بصلاة # النصارى أو اليهود، مع أن صريح المعنى فيها أن الرجل كان يصلي بصلاة # المسلمين لم يغير ولم يبدل، ولكنه يصلي وحده وفي بيته لا مع الجماعة في # المسجد؟.. ثم يقبول إن الجن قتلته غيلة في بعض أسفاره، والرجل لم يقتل # وإنما"سار. إلى الشام وأقام بحوران إلى أن مات ووجدوه ميتا على مغتسله، ~~ولم يختلف المؤرخون في ذلك؛ وإنما يذهب شيخ الجامعة إلى جعل القتل سياسيا ~~لمكان "المعارضة" حتى يحسن التلفيق وهذا أفضح لجهله، فما حاجة المسلمين إلى ~~فتل رجل ضعيف مغترب وقد استقر الأمر وبويع أبو بكر ثم بويع عمر ms165 ومضت سنتان ~~على ذلك ولم يقتل، ولا فتنة ولا خلاف ولا شيء مما يدعو إلى القتل غيلة؟ # ثم يقول إن السياسة التي قتلته أنطقت الجن بذينك البيتين، وأنهم # تحدثوا ورووا؛ وكل ذلك جهل من الأستاذ؛ والخبر أن قريشا وضعت فيما # وضعت من الشعر بيتا نحلته الجن في سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، فزعموا # في أول الإسلام، أنهم لسمعوا صائحا يصييح ليلا على جبل أبي قبيس: # فإن يشلم السعدان يصبح محمد. . . بمكة لا يخشى خلاف مخالف # لما كان لهذين الرجلين من الشأن والخطر في قومهما، حتى إن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - اششارهمافي غزوة الخندق دون سائر الناس، فلما كانت هذه من ~~أولية سعد زعم ابن سيرين في قصصه أنه لما مات بالشام عرف خبر موته في ~~المدينة # "بالتلغزاف. . . " ولا تلغراف يومئذ إلا من الجن، فزعم أنهم لم يشعروا ~~بموته بالمدينة حتى سمعوا قائلا من بئر وأنشد البيتين؛ فأنت ترى لطف الصنعة ~~في هذه الواية ورقتها وحسن سبكها، فإن الصائح الأول قبل إسلام سعد كان على ~~ظهر - جبل والصائح الآخر بعد موته كان في قعر بئر. . . وكل ذلك تعظيم # لشان سعد، ولا سياسة ولا قتل ولا زندقة، وإنما قيل في الشعر - قد قتلنا - # لأن عبارة ابن سيرين في ذلك أن الرجل كان قائما يبول فاتكأ فمات، فهذه # الفجأة هي ما يسمونه قتلا من الجن، وهي كثيرة في أخبارهم؛ ولا يذهبن # عنك أنه إذا صح أن الرجل قتلته السياسة فما قتله إلا عمر بن الخطاب، وما # أشنعها تهما أخزى الله قائلها! # ويبقى بعد كل هذا أن شيخ الجامعة قد جانب الفكر وترك التحليل في # هذه الحادثة مع أنه كثيرا ما يقول في كتابه: "وفقه هذه الرواية "كيت ذيت" ~~فما # PageV01P176 # باله غفر الله له؟ ونحن نقول له إن "فقه هذه الرواية" أن سعد بن عبادة ~~كان سيد الأنصار وأجودهم وصاحب رايتهم في المشاهد كلها، وكان غيورا حتى ورد ~~في الحديث: # "إن سعدا لغيور وإني لأغير من سعد والله أغير منا وغيرة الله ms166 أن تؤتى ~~محارمه " وكان يرمي بهمته بعيدا، حتى كان من دعائه: "اللهم هب لي مجدا. # لا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، اللهم إنه لا يصلحني القليل ولا ~~أصلح # عليه". # فهذه كلها أخلاق الرجل وطباعه، فلما لحق النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بربه طمع في الخلافة لمكانته وسابقته، وكان وقتئذ مريضا لا يسمع صوته، حتى ~~إنه لما اجتمعت له الأنصار قال لابنه: لا أقدر لشكواي أن أسمع القوم كلهم ~~ولكن تلق مني قولي فاسمعهموه، فكان يتكلم ويحفظ الرجل قوله فيرفع صوته ~~فيسمع أصحابه، فلعل هذا المريض لو كان صحيحا لصح رأيه ولم تغلبه الفلتة ~~الجاهلية ودخل فيما دخل الناس فيه، وهو إن كان قد غضب بعد أن تولاها أبو ~~بكر فما غضب على المسلمين كافة ولكن على الأنصار بخاصتهم، لأنهم قومه الذين ~~خذلوه. وإذا كان هذا كان الزعم أنه "يمثل المعارضة" زعما مضحكا. # ثم يبقى قول أستاذ الجامعة "ولولا أن القوة المادية كانت إذ ذاك إلى # قريش " وما ندري من أين جاء بهذا إلا أن يكون سخافة من سخافاته، كأنه خيل ~~إليه أن الأنصار لو كانوا يملكون القوة المادية لذهبوا بالخلافة، فلما ذهبت ~~بها قريش كان ذلك نصا على أن القوة كانت فيهم. # وهذا الأشتاذ والله في حاجة شديدة إلى طبيب يحميه الاستنتاج كما يحمى # المريض الأطعمة الغليظة، ونحن نشير عليه أن يرحم نفسه فلا يحمل ذهنه على # هذا النوع الدقيق من معاناه الفكر، فإن لم يرحمها فليرحمنا. . . # كيف تكون القوة المادية في قريش، وفي خبر اختلاف الأنصار معهم أن # الحباب بن المنذر قال: يا معشر الأنصار، ملكوا على أيديكم فإن أبوا عليكم ~~ما سألئموه فأجلوهم عن هذه البلاد، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم، فإنه ~~بأسيافكم دان لهذا الدين من دان. # أفيكون هذا كلام الأنصار ومنطق أسيافهم ومبلغ عزيمتهم ثم تكون القوة # المادية إلى قريش ولا تذعن الأنصار إلا خوفا ورهبا من هذه القوة لا رغبة ~~ولا # إسلاما ولا إيمانا ولا إرادة وجه الله ولا تأثرا بعاطفة؛ ثم ms167 ما معنى ~~"القوة # المادية "، أكانت وزارة الحربية في قريش، أم كانت في أيديهم مصانع # الذخيرة. . . أم كان سلاحهم السيوف والرماح، وسلاح الأنصار العصي # والنبابيت. . .؟ # PageV01P177 ### | واضرب لهم مثلا # رجعت إلى النسخة العتيقة التي عندي من كتاب "كليلة ودمنة" وقد قلت # إنه ليس مثلها عند أحد غيري، وأنه لا تأبى عليها حكمة ولا تهولها حادثة ~~ولا # يتعاظمها مثل، وقد تصفحتها لعلني أصيب فيها مثلا للجامعة وشيخها صاحب ~~المعجزات والخوارق، فإذا كليلة يقول في بعض قوله: # فاضرب لي مثلا في الرجل تعجبه نفسه فتغره فتقحمه في الجهلة المنكرة # يراها وحده علما ولا يعرفها الناس أجمعون إلا حمقا وجهلا، فإنك أمسكت # عن الحديث آنفا عند مثل المدرسة التي زعموا أن اسمها الجامعة في إيمانها # بشيخها وتربصها أن تقع منه المعجزة، وقلت إنه كان رجلا مفتونا فجمعت عليه ~~بين الغرور فيه والغفلة منها، وزادت في حمقه بضعف تمييزها فانقلب لا يمسكه ~~عقل ولا دين، وإنه كان يتقي بعض السوء على نفسه، وكان يعتبر على علمه بعض ~~الاعتبار، فلما رأى الجامعة مهملة مخلاة ورأى أنه وحده فوق المئذنة # وأن المصلين وإمامهم على الأرض، أذن في المسلمين بلغة الروم، وقال: إذا # كان المصلون غربانا فالمؤذن ولا عجب من البوم. . . وزعمت يا دمنة أنها # كانت مدرسة كمدرسة الحمار، فما مثل مدرسة الحمار؟ # قال دمنة: زعموا أنه كان بأرض كذا حمار خيل إليه أنه عظيم الهامة حتى # لا يكبره الثور إلا بقرنيه، وغمه زيادة القرنين في الثور، فلما فكر وقايس ~~واعتبر صح عنده أن أذنا من أذنيه الطويلتين ترجح بالقرنين جميعا وكان حمارا ~~ذا قياس ومنطق عجيب، فزعم لنفسه أن رأسا في قدر رأسه لا بد أن ينشئ عقلا، ~~وأن عقلا كهذا العقل يباع إنسانا، وأن إنسانا لا يكون حمارا، فاهتدى من ذلك ~~إلى أنه خلق غير الحمير وقال: فما يمنعني أن آتي عملا لا يتعلق فيه أحد ~~بذيلي. # ثم يكون دليلا في الحمير على أني فوق الناس، فإنه يشبه أن أكون لهذا ~~خلقت، وما ينفعني أن أكون فخم ms168 النهيق، إن لم يكن معي من القدرة والتمكين ما # تحصل به الفضيلة على من لاينهق؟ # قال دمنة: وكان له صديق من الكلاب يأنس به جماعة من صبيان القرية # PageV01P178 # فيمسحونه ويطعمونه ويعبثون به، فأسر إليه الحمار يوما أنه ليس حمارا. # قال: وما عساك تكون؟ وما هذا الجلد؟ وما هذا الحافر؟ ثم اقتصه القصة فزعم ~~له الحمار أن هذا الجلد الذي هو فيه إنما أشبه به الحمير ليكون إرهاصا ~~للمعجزة التي بعث بها! # قال الكلب: وإنك لصاحب معجزة؟ قال: نعم فإياك أن يعتريك # شك أو تكذيب، وإنما بعثت حمارا لأن جنس الإنسان قد فطر على ضرائب من ~~اللؤم والخمسة والدناءة فليس أقرب إليه من الشك والحسد والجحود، وما تغني ~~فيه الآيات والنذر، ولا يجيئه من نبي ولا رسول بمعجزة إلا حسده فردها عليه ~~بالحسد فكفر بردها عليه، وكان في الأنبياء من فلق البحر ومن أحيا الموتى ~~ومن شق القمر نصفين، ثم لا يزال الكفر مع ذلك باقيا على الأرض فلم يغز كما ~~يغور الماء، ولم يمت كما يموت الحي، ولم يبل كما يبلى الميت، فلعمري ما بقي ~~في حكم العقل ولا في حيلة الظن لإيمان هذا الجنس الممقوت إلا أن تجيئه ~~المعجزة في جلد حمار! # قال الكلب: لعمري وعمر أبي إن هذا لهو الرأي، وإن أمرك لأمر له ما بعده، ~~وأنا حواريك في هذه الرسالة، أخبرني ما # أنت صانع فلعلي أن أقوم فيه مقاما، فإنك لتعلم ما عندي من الوفاء ~~والأمانة، وأنت حقيق أن يستكفيني بعض أمرك، فقد عرفنا معشر الكلاب بهذه ~~الخلال الفاضلة، حتى إن الناس لا يجدون لهم أمثالا يضربونها إلا منا كلما ~~ذكروا الوفاء أو تمثلوا فيه. # قال الحمار: أخزى الله هؤلاء الناس؛ يضربون بكم المثل # في الأمانة والوفاء ثم لا يسب بعضهم بعضا إلا قالوا يا كلب ويا ابن # الكلب. . .! # قال دمنة: ثم إنه قال للكلب: ادن مني حتى أعهد إليك، وإياك أن # يعتريك داء الكلام في الصياح لكل نبأة فتفشي ما ائتمنتك عليه؛ فقد قالت # العلماء إن ms169 أشقى الخلق من شقى بصاحب معجزة! # قال الكلب: وإن كان حمارا. . .؟ # قال: اعزب عني فعل الله بك وفعل، ما أنت بصاحبها وإن الكلاب # لكثيرة بعد؛ وتالله إن رأيت كلب سوء كاليوم؛ فانكسر الكلب وخشي أن يصيبه ~~ما قالت العلماء، وبصبص بذنبه قليلا ثم إنه دنا من الحمار وقال: ما أخطأ ~~الناس في تنابزهم بالكلاب فقد عرفت معرة جنسي، وأنا تائب إليك مما فرط مني، ~~فاعهد إلي بعهدك وخذني بما أحببت فلن تجدني إلا حيث يسرك أن # تجدني. # قال الحمار: بارك الله عليك " وأعظم " لك. . . فقد ترى هؤلاء الصبيان # الذين يألفونك ويلقون إليك بكسر الخبز، فانظر فيما تحتال به حتى تأتيني ~~بهم # فإن أول بدأتي في المعجزة أن أكون معلم صبيان. # فذهب الكلب فربض على # PageV01P179 # مزجر قريب منهم وهم يتعابثون ويلعبون، ثم قام فانسل أصغرهم فتمسح به، ثم ~~التقم خبزته فوثب بعيدا، ثم جعل يستطرد لهم ويعدو عدوا رفيقا وهم يتبعونه ~~يريدون أخذه وإمساكه، حتى إذا جاء موضع الحمار دفع بين رجليه، ورفع الحمار ~~راية ذيله فأصبح الكلب في حمايتها. . . وكان هذا الحمار قد رأى في بعض ~~أسفاره قرادا يرقص قردا وقد اجتمع له الصبيان، وعاين ما استخرجته حركات ~~القرد من عجبهم ولهوهم، فلما اجتمع أولئك الصبيان يريدون أخذ الكلب طفق ~~يصنع لهم كما رأى القرد يصنع، وبذل في ذلك غاية جهده وبلغ فيه منتهى ~~حماريته. . . فبهت الكلب وجعل ينظر كالمتعجب ويقول في نفسه: # أقرد هذا أم حمار؟ وأين ويحه المعجزة التي زعم، فإنما هذا رقص كالرقص. # وإذا كان الرقص أكبر أمره فما في أمره كبير عندنا؛ فإن أهون الكلاب لأقوى ~~عليه من أعظم الحمير. # قال دمنة: وكان في النظارة خبيث نقاد، فقال: ما لهذا الحمار وخفة # القرود ونزقها وما تصنع من الطيش؛ إن هذه الشياطين إنما تتخذ لمحض اللهو # والعبث، وهذا الغبي لا يرتبط إلا للحمل والمنفعة، فإذا هو ركبته هذه ~~الطبيعة وترك لها حتى تأخذ مأخذها فيه فوالله إن بقي أحد يأمنه على أولاده، ~~ويوشك أن يقمص بأحدهم هذا ms170 القماص فيرمي به فيدق عنقه أو يهشم عظما من ~~عظامه. # ثم إنه راغ إلى داره فجاء بهراوة غليظة والحمار في عمى مما يصنع. # وقد قام في نفسه أنه موحى إليه، وأنه أكبر معلم للعلم في أكبر مدرسة في ~~الدنيا. . . # فما راعه إلا الخبيث قائما يدق ظهره بالهراوة وأسرع الصبيان فتناولوا ما ~~أصابته أيديهم من عود وخشبة وجلدة وما خف وثقل وداروا بالأستاذ الحمار ~~فاعتوروه، وخرج الكلب يشتد عدوا حتى إذا نجا بعيدا أنحى على نفسه وقال: ~~ويحك يا نفس! ما كان أجهلك! لقد كدت والله تهلكينني، أفيمكن في عقل العاقل ~~أن تكون معجزة حمار إلا شيئا كتقليد القرد. . .؟ # * * * # وما دمنا في التقليد وانتظار المعجزة من وراء العجزة فإتا نقول إن # فلاسفتنا المضحكين من أمثال طه حسين يخرجون عجزهم مخرج الحيلة. # فيحكمون له التدبير ويأتون به في مثل أسلوب السحر والتلبيس والشعوذة، ~~فإذا امتهدوا له من صناعتهم وبذلوا فيه العفو والجهد ثم جاؤونا به، نظرنا ~~وحققنا فلم نر شيئا، فقلنا: ما أهون وما أضعف وما أسخف، ثم قلنا لهم إنكم ~~مقلدون مفضوحون؛ وإن أحدكم لهزيل ولا يرى إلا حلة البادن الغليظ، وقصير ثم ~~لا، # PageV01P180 # يلبس إلا ثياب المارد الطويل، ومفلس ثم لا ينفق على أعين الناس إلا ذهبا # أصفر فهو ماذا؛ ثم قلنا لهم إنكم علماء بالعلم الذي تسرقونه ولكنكم جهلاء ~~لما تتعاطون من السرقة، وإنكم فلاسفة بالآراء التي تنتحلونها ولكنكم أغبياء ~~لما تصنعون من سوء الانتحال، ومصلحون بالأقوال التي تزخرفونها ولكنكم ~~مفسدون لجهلكم عواقب هذا التمويه. # ثم قلنا إننا لا ننخدع ولا نغتر ولا نتعبد للأسماء، ولتأت الأسماء من # حيث هي آتية في المغرب والمشرق فهاتوا حققوا فلسنا في سرعة التقبل منكم # مثلكم في سرعة الأخذ من الأوروبيين، ولا نحن في الشراء من دين الغرب # مثلكم فيما بعتم من دين الشرق، وفصل ما بيننا وبينكم أن في أيدينا أصل # الفضيلة فهو قياس لرذائلكم عندنا كما هو قياس لفضائلنا عند أنفسنا؛ وفي # أيديكم أصل الهوى فهو قياس لكل شيء عندكم إلا ms171 ديننا وفضائلنا، ثم قلنا ~~لهم من علامة الضعف في عقولكم الجبارة. . . والاستخذاء في نفوسكم الراقية. ~~. . # أنكم تقدسون فلانا وفلانا من فلاسفة الأوروبيين حتى فيما يؤخذ عن سواهم، ~~وتحقرون فلانا وفلانا من فلاسفة الشرقيين حتى فيما لا يؤخذ إلا عنهم؛ فهل ~~هذه ويلكم إلا سمة المستعبدين والعجزة والمتواكلين، تجعلون الأسماء # الأوروبية كأنها أسماء الدول العظمى والأسماء الشرقية كأنها أسماء # المستعمرات، ولا تعلمون أيها الفلاسفة المغرورون أن هذا من شر ما تستعبد ~~به الأمم الضعيفة؛ لأن قديمنا الذي تزرون عليه يذهب في جديدهم الذي تدعون ~~إليه، ثم لا يكون جديدهم من بعد إلا مزجا بيننا وبينهم، ثم لا يكون هذا ~~المزج إلا لعاب السياسة في أشداق الاستعمار لإساغة اللقمة أولا وحدرها ~~ثانيا وهضمها بعد ذلك. # فإذا قلنا لهم هذا ونحوه قالوا: متحجرون، وقدماء، وأنصار القديم. # فنعم نعم؛ غير أننا مع ذلك نلين لما لا يكسرنا، ونتجدد بما لا يفنينا، ~~ونريد أن تبقى الأمة ولو هلك ألف من أمثال طه حسين، لا أن يبقى هؤلاء وتهلك ~~الأمة، وما هلاك الأمم بالانقراض ولا بالأوبئة ولا بما يجتاحها من اصطدام ~~النواميس، فإن مع كل شيء من هذه ونحوها عذره القائم وضرورته الملجئة، ولكن ~~الهلاك الذي لا هلاك غيره أن تضعف الضمائر المؤمنة وأجسامها ضارية، وتمحق ~~الفضائل والشهوات عنيفة، وتموت العقائد والحياة قتال ونزاع؛ فإن كان الشك ~~والزيغ ومذهب فلان وطريقة فلان ورواية فلان والجامعة المصرية وطه حسين ~~والبلاء الأسود - إن كان هذا مما يؤدي إلى ذلك أو بعض ذلك فالنجاة النجاة # PageV01P181 # أيتها الأمة والسلامة السلامة، فإن هذه الجامعة المشؤومة لا تصنع لك دينا # بدينك، ولا تؤلف لك فضيلة من فضائلك، ولا ترد عليك ما تسلبك من ذات نفسك، ~~وما حجتها إلا حجة الزنادقة في كل عصر، وما حجة الزنادقة إلا حرية الفكر ~~والبحث، ولو لم يكن في الإنسان إلا الفكر وحده لقلنا عسى. . . ولكن هناك ~~النية القائمة على الخلق، والخلق القائم على الطبع، والطبع الذي منه خبيث ~~لا يطيب وطيب قد يخبث! # النجاة النجاة أيتها ms172 الأمة، فلو استطاعت الجامعة المصرية أن تجعل هذا # المغرور طه حسين يرد على الميت عمره وينقله من قبره ويجعله تلميذا في # الجامعة يكفر بإبراهيم وإسماعيل ومحمد صلوات الله عليهم - لما أمكنها أن ~~ترد على ملحد إيمانه الضائع، وعلى شاك يقينه الذاهب، وهذا لو أنها تكفر ~~أبناء المسلمين بالعلم وللعلم، فكيف والأمر كله جهل في أستاذها وسقوط في ~~نفسه وضعف في عقله وسوء تقليد منه أو تقليد سوء، وهو رجل لا يعرف علته ~~الفلسفية ولا يدرك أنه منهزم أمام الحس، فهو يهدم ويخرب بقانون طبيعي فيه، ~~لأنه أشعل من داخله لينفجر من داخله ولما منعته الحياة أن يعبث بحواسه ذهب ~~عبثه كله إلى فكره وتسلط على لسانه، فهو رجل قانونه الطبيعي أنه مهما يأخذ ~~يفسد ومهما يدع يصلح. . . # ولقد أفسد مذهب ديكارت وعدا عليه، فإن هذا الفيلسوف لا يأخذ # بمذهبه إلا من يحسن التفكير ويقوى على أن ينتج فيه إنتاجا صحيحا ويستجمع ~~لذلك مادته الطبيعية من الذكاء والعلم والرأي. وإلا فديكارت إذن أحمق، بل ~~يكون أجهل الخلق، إذ لو أطلق لكل إنسان أن يشك ويذهب بفكره ما يذهب على قدر ~~ما يتهيأ له من الوسائل لانقلبت الأرض مارستانا للمجانين، ولخرجت كل حرية ~~عن وضعها في الطبيعة وفي الاجتماع وزاغت عن طريقها في نظام الدنيا القائم ~~على اختلاف أنواع الحرية لا لتتنافر بل لتلتقي في الغاية، وعلى اصطدامها لا ~~لتتناقض بل لتنتظم في ترتيب بعينه، ومن أجل ذلك يرجع ديكارت # PageV01P182 # فلسفته إلى الشخصية، وليس بهين أن يقال في هذه الشخصية إنها حيث يطمع # كل طامع. وإن ديكارت مع ذلك ليخشى على التكوين الاجتماعي من الشك، لأن ~~الشك لا حد له، إذ هو المجهول كله، فهو من أجل هذا يشترط أن لا تمس أصول ~~الدين ولا يجترأ على ما أنزله الناس في منزلتها من أصول العادات؛ وكل ذلك ~~على ما فيه من القيود لا يتفق على أحسنه إلا لمن كان عقله من الذكاء ~~والنفاذ كأنه قيد للمعاني والخواطر، فهو إطلاق لا يراد منه ms173 الإطلاق الأحمق ~~كما ظهر في كتاب أستاذ الجامعة، بل تقيد الحقيقة التي لا سبيل إليها إلا من ~~البصيرة، وما البصيرة أن تعمى عن الحق بشيء من العاطفة أو العصبية، ولا ~~بشيء من الجهل أو ضعف الذهن، فإن هذين كهذين، ومذهب ديكارت كفه تجده على ~~أسماه وأبعده من الاعتراض وما يدخله من الشبهة في قوله تعالى: (هذه سبيلي ~~أدعو إلى الله على بصيرة) وأنت فلا يذهبن عنك معنى "البصيرة" وأنها أذكى ~~الذكاء وأسمى العقل وأقوى الخلق وأصح الطباع، وكل ما نفذ بك إلى الحقيقة ~~المستكنة في حجبها وجنبك عمى النفس بدرجاته المختلفة، وهذه البصيرة كلمة ~~واحدة ولكن كل وسائل الحقيقة واليقين منطوية فيها فهي من الكلام الجامع ~~المعجز، ثم إنها قيد ينفي عن هذا المذهب من لم يكن قد جعلته الطبيعة من ~~أهله أو لم تكن الطبيعة هيأته بالأسباب التي بها يطيقه وبها يحسن القيام ~~عليه. # وأغرب ما في هذا القيد أنه يقيد السبيل أو المذهب بالدعوة إلى الحق # خاصة ولا يطلقه في كل دعوة، إذ كانت النفس الإنسانية لا تتعاطى هذا الشاو ~~البعيد إلا إذا قويت بالحق قوة بالغة وكانت من أسمى النفوس وأعظمها وأقربها ~~إلى الانسلاخ من جلدتها الأرضية، وفيما عدا ذلك فهذا المذهب الفلسفي وهم ~~وخيال وتجاوز لمقادير الحقائق في طلب هذه الحقائق وأنت خبير أن الصدق إذا ~~نقصت منه كلمة فغيرت من حقيقته استحال كذبا، وإذا زيدت فيه كلمة فغيرت من ~~حقيقته رجع كأنه نقص ولم يزد وما الزيادة والنقص إلا من هوى أو جهل والهوى ~~بعض أثر النفس، ولن تجد التهمة على الحقائق إلا حيث تجد هذا الأثر. # وانظر ماذا يقول أناتول فرانس في مثل ما يزعم طه حسين أنه ينتحله من # مذاهب النقد المجرد، فهو يقول: "إن النقد لا قيمة له إلا قيمة الناقد، ~~وهو # كالنوع من أنواع القصص، وما مرجع القصة على الحقيقة إلا سيرة من يقضها، ~~فبنفسه يكتب عن نفسه. # وهؤلاء الذين يباهون بأنهم يضعون في فنهم شيئا غير # PageV01P183 # أنفسهم لا تعدهم إلا ms174 في المغرورين، ولا يكبرن منهم أحد في وهمك، فإن # الإنسان لن يخرج من ذاته ". # ويقول الفيلسوف الإنجليزي جون تيودور مرتز: " إن هذه الطريقة التي # يعكف عليها من يزعمون التجرد للحقيقة تنتهي إلى أن ينظر إليها الناظر ~~فيراها طريقة لم يبتغ أهلها أن ينطلقوا من قيود التقليد، بل هم خدعوا ~~أنفسهم أو خدعتهم فظنوا أنهم أحرار فيما صنعوا وما كانوا قط إلا مقيدين ~~بخيالهم مستسلمين لوهمهم الذي يتحكم فيهم التحكم كله ". # ونحن لم نقل في طه حسين إلا هذا، فهو يتوهم على التاريخ وعلى # الحقائق، ثم يتسيب بالوهم إلى الحكم؛ وهو يطلق لنفسه كل قول عرض له، ثم ~~يجعل ذلك من العلم ويكره العلم على قبوله، وقد يكون جاهلا بالخبر # وأصله، ومع ذلك يقول صدقوني وكذبوا الناس، وتراه سقيم الفهم ضعيف # التخريج ثم يأبى إلا أن تكون الأذهان كلها على أساس من فهمه. # وهو بعد خبيث ملحد مستهزئ يقلد أناتول فرانس في السخرية، والمعري في ~~الإلحاد على بعد ما بينه وبينهما، ثم لا يريد إلا أن تكون نفسه هذه روح ~~التاريخ الإسلامي. # فإن امتنع أن يكون التاريخ قد جاء منه إذ كان قد سبقه في الوجود # لم يمتنع أن يخرج هو حقائقه وفلسفته مطبوعة بطباعه زائغة بزيغه، فلا ~~يأتينا إلا بما هو من جنسه، ولا يخرج لنا غير المضحكات التي لا تليق إلا ~~بأمة من # أمثاله، ولقد والله وإن تاريخ لا يصحح ولا يحقق إلا بمثل طه حسين، ولقد # والله ذلت أمة لا يكون القول في تاريخها إلا لمثل "عارورة الجامعة" كما ~~سماه # الأستاذ وحيد بك (1) . # وسنأتيك الآن بمضحكة عجيبة من مضحكات دروس الجامعة المصرية. # فقد تكلم أستاذها عن القصص عند المسلمين ليثبت أنه من أسباب الوضع في # الشعر، فزعم في صفحة 92 "أن الأدب لم يدرس في العصور الإسلامية الأولى ~~لنفسه، وإنما درس من حيث هو وسيلة إلى تفسير القرآن وتأويله واستنباط ~~الأحكام منه ومن الحديث، وكان هذا كله أدنى إلى الجد وألصق به من هذا ~~PageV01P184 # القصص الذي كان يمضي ms175 مع الخيال حيث أراد ويتقرب من نفس الشعب ويمثل له ~~أهواءه وشهواته ومثله العليا، فليس غريبا أن ينصرف عن القصص أصحاب الجد من ~~المسلمين " انتهى. # قلنا: وهذا عجيب جدا من أستاذ الجامعة، فإن معناه أنه لم يشتغل # بالقصص إلا أصحاب الهزل والرقاعة. # ونحن نقرر أنه لم يكن يقص في أولية هذا الفن الإسلامي إلا أصحاب الجد من ~~المسلمين وبه عرفوا وبهم نشأ وبفصاحتهم نبغ، وهذا الحسن البصري كان أشهر ~~قاص في زمنه، وهو من سادات التابعين وكانت أمه مولاة لأم سلمة زوج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وكانت أم سلمة # ترضعه أحيانا؛ وقد قالوا إنه جمع كل فن من علم وزهد وورع وعبادة، وقال ~~أبو عمرو بن العلاء إنه ما رأى في عصره أفصح منه؛ ولكن أستاذ الجامعة يخلط ~~في معنى القصص والقاص لأنه يريد بعد هذه العبارة التي كتبها أن يأخذ اسكندر ~~دوماس صاحب القصص الفرنسية المعروفة - وهو من أكبر المزورين والمدعين ~~والمنتحلين - فيقحمه في التاريخ الإسلامي ويشبه به علماءنا كما سيأتي بعد، ~~فيجعل القصص بذلك روايات وخيالات، أو كما يقول: " أهواء الشعب وشهواته ". . ~~. # ثم إننا نقرر له أن القاص لا يسمى قاصا عند المسلمين إلا إذا كان يقص # للتعليم والوعظ وللتذكير بالآخرة والتزهيد في الدنيا وحفظ الروح والخلق # ونحوهما، وأن أساس هذا الفن كان تحريض المؤمنين على الجهاد والترغيب # فيما عند الله وإيثاره على الحياة، فكان مرجع القاص في قصصه إلى التفسير # والحديث والحكمة وما تناوله من أخبار الماضين وما لا حرج عليه في وضعه # مما يراد به غرض من تلك الأغراض، وقد قرروا أن الحديث الضعيف يعمل به في ~~فضائل الأعمال، فكذلك القصة الموضوعة يؤخذ بها في الوعظ دون # التاريخ؛ لأنها إنما وضعت لذلك دون هذا؛ وما نشأت أهواء الشعب في # القصص إلا بعد أن تعاطاه الهفال المقتحمون عليه من غير أهله وجعلوه من # عملهم للحياة والعيش، ومع هذا فأمثال هؤلاء يعرفهم العلماء من أول ~~التاريخ ويعدون قصصهم بدعة ويحذرون منهم كما يحذر أهل كل علم من ms176 الواغلين ~~عليه. # وبعد أن ذكر الأستاذ مصادر القصص على زعمه قال: " إن القصص # العربي لا قيمة له ولا خطر في نفس سامعيه إذا لم يزنه الشعر من حين إلى # حين" (كذا، وإنما لحين الزمن) وضرب مثلا بألف ليلة وليلة وقصة عنتر، ثم # PageV01P185 # قال: "وإذن فقد كان القصص أيام بني أمية وبني العباس في حاجة إلى مقادير ~~لا حد لها من الشعر يزينون بها قصصهم ويدعمون بها مواقفهم المختلفة". # فتأمل بالله كيف يقاس أول الزمن أيام بني أمية على آخر الزمن أيام قصة # عنتر؛ ونحن نقرر للشيخ أن القصص أبعد أنواع الكلام عن اجتلاب الشعر وعن ~~الحاجة إليه ولا يدخله منه إلا مقادير قليلة حيث يراد الشاهد والدليل، ~~فسبيل الشعر في هذا سبيله في غيره من فنون الأدب جميعا. وإذا وضع القاص ~~شعرا أو وضع له شعر فإنما يكون قليلا على جهة التظرف وليستروح إليه من الجد ~~ويعلل به من يقص لهم استجماعا للنشاط، فهذه واحدة، والثانية أن يقصد إلى ~~الإغراب في الخبر الذي يقصه ليقال إنه واسع الحفظ، وهذه كانت سبيل الرواة ~~أيضا فيما وضعوه من الشعر، والثالثة أن يكون القاص قد وعظ ويريد المبالغة ~~في التأثير فيجري في كلامه قليلا من الشعر كما تتغرغر الأعين ببعض الدمع؛ ~~وليس غير هذه، ففي أيها تجد المقادير التي لا حد لها. # ثم يقول الشيخ طه: "وأكاد لا أشك في أن هؤلاء القصاص لم يكونوا # يستقلون (يريد يقومون) بقصصهم ولا بما يحتاجون إليه من الشعر، وإنما ~~كانوا يستعينون بأفراد من الناس يجمعون لهم من الأحاديث والأخبار ~~ويلفقونها، وآخرين ينظمون لهم القصائد (صارت قصائد لا أبياتا ومقاطع) . # قال: ولدينا نص يبيح لنا أن نفترض هذا الفرض، فقد يحدثنا (كذا) ابن سلام ~~أن ابن إسحاق كان يعتذر عما (كذا) كان يروي من غثاء الشعر فيقول: لا علم لي ~~بالشعر. # إنما أوتى به فأحمله" فقد كان هناك قوم إذن يأتون بالشعر وكان هو يحمله. # فمن هؤلاء القوم؟ انتهى خلط الرجل. # وهذه عجيبة من عجائب الفهم. # فإذا ms177 قال ابن إسحاق إنما أوتى بالشعر فأحمله، وكان ابن إسحاق من ~~المعروفين بالكذب، لم يكن كلامه عند طه إلا صدقا، ثم لم يكن معنى كلامه إلا ~~أن قوما يدقون عليه بابه ويهزأون به ويقولون يا ابن إسحاق خذ الشعر واروه؛ ~~ومن ترى يكون هؤلاء المجانين الذين يغنتون أنفسهم ويكدون الذهن ويتعبون ~~الخاطر في عمل الشعر ليسمعوه بعد ذلك مرويا # لعاد وثمود وفلان وفلان ممن هلكوا وبادوا. # إذا كان ابن إسحاق بهذه الغفلة وجب أن لا يصدق ولا يؤخذ كلامه مأخذ النص ~~ألبتة. # على أن عبارة ابن سلام هكذا: وممن هجن الشعر وأفسده وحمل - يعني # روى - منه كل غثاء: محمد بن إسحاق، وكان من علماء الناس بالسير، فقبل ~~الناس منه الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر إنما أوتى به # PageV01P186 # فأحمله؛ ولم يكن ذلك عذرا، فكتب في السيرة من أشعار الرجال الذين لم # يقولوا شعرا قط. . . الخ!. # فأنت ترى أن الكلام يدور على تهجين الشعر وإفساده، ومثل هذا لا يستقيم # في العقل أن يعتذر منه ابن إسحاق بقوله لا علم لي بالشعر، إلا إذا كان ~~رديئا فاسدا وكان من ساقط الكلام وما لا يجوز على أهل البصر بالشعر، فإذا ~~كان على هذه الصفة فلم لا يكون من عمل ابن إسحاق الذي لا علم له بالشعر ~~ويكون العذر تلفيقا من كذبه؛ وإن يكن أن هناك قوما يصنعون له الشعر ويأتونه ~~به، فيبقى أن ابن إسحاق # ليس أعجميا؛ بل عربيا بليغا؛ وكلامه في السيرة من الطبقة الأولى؛ ومن كان ~~بهذه المنزلة وكان في حاجة إلى الشعر وجب عليه أن يستجيد له فلم يهمل أن ~~يختار لعمل الشعر شعراء وهم كثيرون فيأتونه بالجيد لا السفساف، وإذن فلا ~~يكون ما يحمله غثا ضعيفا؛ وإذن فلا وجه لأن يعتذر منه بقوله لا علم لي ~~بالشعر. # فإن قلت إنه كان بليغا يميز جيد الكلام من رديئه وكان هو الذي يصنع الشعر ~~الهجين الفاسد وجب أن لا يرضاه لمكانه من الضعف، قلنا: هذه شيمة العلماء، ~~حتى ms178 إنهم جعلوا شعر العلماء طبقة على حدة، وهم يتسمحون في الرديء من شعرهم ~~لأنهم لا ينافسون به أحدا ولأنهم غير معدودين في الشعراء. # وطه حسين نفسه يقع في مثل هذا. فهو يميز الشعر؛ وإن له لشعرا في # منتهى الركاكة، سنطرف القراء بشيء منه في بعض ما يأتي: # فهما اثنتان في تأويل خبر ابن إسحاق لا ثالثة لهما، وكلتاهما نقض # للأخرى، وكلتاهما هدم على أستاذ الجامعة ودليل على سوء فهمه. # وهنا نمسك القلم خمس دقائق لنضحك من الجامعة كما نضحك من # شارلي شابلن، الممثل الهزلي المشهور، فقد كشفت الجامعة المصرية عن آثار # مصنع إسلامي عظيم للتلفيق والكذب رؤساؤه العمال من القصاص والعمال فيه ~~طائفتان عظيمتان، إحداهما لتلفيق الأخبار والأخرى لوضع الشعر، وكلما اجتمع ~~مقدار من إنتاج المصنع أرسل إلى الأسواق، وذلك حيث يقول طه في صفحة 96: ~~"أليس من الحق لنا أن نتصور أن هؤلاء القصاص لم يكونوا يتحدثون إلى الناس ~~فحسب، إنما كان كل واحد منهم - تأمل - يشرت على طائفة غير قليلة من الرواة ~~والملفقين ومن النطام والمنسقين، حتى إذا استقام لهم مقدار من تلفيق أولئك ~~وتنسيق هؤلاء طبعوه بطابعهم ونفخوا فيه من روحهم. . . وأذاعوه بين الناس، ~~ومثلهم لي هذا مثل القاصق الفرنسي المعروف # " إسكندر دوماس الكبير" اه. # PageV01P187 # ولكن يا سيدنا ومولانا أنت تعلم أنه كان من الرواة والعلماء والمتكلمين # قوم متعصبون على العرب قد نحتوا أثلتهم نحتا، كأبي عبيدة صاحب كتاب # المثالب الذي هتك فيه العرب وتناول أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ثم علماء الشعوبية؛ ثم متكلمي الزنادقة وأدبائهم، وكانوا كلهم معاصرين ~~للقصاص الذين تتكلم أنت فيهم؛ فكيف سكتوا ولم يفضحوا العرب وتاريخهم وأدبهم ~~بهذا المصنع العجيب، وكيف غفلوا كلهم عنه وتركوه لك لتكشفه بعد ألف ومائتي ~~سنة؛ أيكون سكوتهم عن ذكر ذلك إلا دليلا قاطعا على كذبك أنت فيه؟ # النص النص إن كان عندك رسم المصنع وحجته الشرعية. . . وإلا فاستر # على نفسك يرحمك الله! # PageV01P188 ### | وشعر طه هو طه الشعر # نريد أن نسجل في هذه المقالات كلمتين كبيرتين، ms179 فإننا إنما نكتبها لجيل # سينتهي وأجيال ستبئدئ، ولقد رسخ في يقيننا أن الله تعالى ما أشهر أستاذ # الجامعة بهذه الفضيحة التي نشرها في آفاق الأرض ملك الرعد. . . إلا ~~ليجعله خزيا لقوم ملحدين، وعبرة لقوم منافقين، ومثلا عند قوم مؤمنين، وما ~~لغير حكمة وتقدير كانت الفضيحة مدخرة حتى تفتح هذه الجامعة الكبرى لتبدأ ~~تاريخ العلم العالي في مصر ويرتقي طه منصبه فيها، وقد ملئ غرورا وزهوا ~~واستطال وبذخ وتوافرت له العلل من نفسه ومما حوله ورفعته في طويل أرادت أن ~~يكون # حبال المعالي وأراد الله أن يكون من حبال المشانق. . . فلو هو سقط هذه # السقطة في غير هذه الجامعة لوقع بالجناحين اللذين ارتفع، ولكنها الجامعة ~~التي # قالوا إنها أكبر من جبال الألب، فلما تمت صنعة الجبل في بضعة أشهر (1) ~~وأراد القدر أن يعلن في الناس مبلغ علوه وارتفاعه لم يكن القياس إلا طه ~~حسين يتدحرج من أعلاه إلى أسفله. . . # إن للأقدار مقاييس عجيبة لا يراد بها الكمية ولكن الكيفية، ولا يطلب # منها تحديد الشيء في ذاته ولكن تحديده في عواقبه. # ويكون القياس على هذا اليوم الذي نحن فيه مثلا، ولا يراد به إلا مقدار ما ~~سيكون في غد أو بعد غد أو أي الأزمنة مما يستقبل، ويأتي رجل كأبي جهل فيكون ~~في أول الإسلام قياسا للكفر والتعصب في الكفر واللجاج في التعصب، ولكن كل ~~ذلك مرده ليشد النبوة ويقيمها على طريقها ويسددها فيه، كان الأقدار تبني ~~بناء فإذا سألت ما الأساس قيل لك أوله هذه الحفرة. . . # والأستاذ طه حسين هو حفرة اليوم، وكان لا بد من حفرة إذا لم يكن بد # من أساس، فالله أعلم ماذا يبلغ هذا الأساس وماذا يحمل، أما الحفرة فأمرها ~~PageV01P189 # إلينا نتولاها كيف شئنا بعد أن غارت وانخسفت، وإنه من أجل ذلك نفيض فيما ~~نكتبه ولا نزال نتبسط في الشرح ونتسع في تحليل نفسية طه وإيراد معايبه ~~وبيان أغلاطه وأسبابها، ومن أجل ذلك نسجل هاتين الكلمتين كما أشرنا آنفا، ~~إذ هما عندنا باب من القول على حدة. ms180 # فالكلمة الأولى هي للدكتور طه حسين حديث له مع جريدة # " الأنفورماسيون " ترجمته "السياسة". # قال والإشارة في حديثه لحضرات علماء الدين: # "قيل لهؤلاء البسطاء. . . إني أطعن في الإسلام، فشهروا الحرب علي # جميعا، وعلى أني أقول عاليا إنه ليس في كتابي كلمة يمكن أن تؤول ضد # الدين، والعبارة الوحيدة التي يمكن أن أنتقد من أجلها تضع النصوص المقدسة # بعيدة عن قسوة المباحث التاريخية. . . ". # والكلمة الثانية للأستاذ الشيخ عبد ربه مفتاح من علماء الأزهر في مقالة # نشرها "الكوكب "، وهي قوله والخطاب ل طه حسين "وكيف تزعم أيها الدكتور أن ~~بعض العلماء أثار هذا الأمر - أمر كفرك - وهأنذا أصرح لك - والتبعة في ذلك ~~على وحدي - بأن العلماء أجمعين وعلى بكرة أبيهم يحكمون عليك بالكفر، ~~وبالكفر الصريح الذي لا تأويل فيه ولا تجوز؛ وأتحداك وأطلب منك بإلحاح أو ~~رجاء أن تدلني على واحد منهم # "وواحد فقط" يحكم عليك بالفسوق والعصيان دون الكفر. # أجل إني وأنا من بينهم أتهمك بالكفر وأتحمل تبعة هذا الاتهام. # وعليك تبرئة نفسك من هذا الاتهام الشائن والمطالبة بما لك من حقوق # نحوي. اه. # نسجل هاتين الكلمتين للعلم والتاريخ والأدب، ثم ليعلم الناس مبلغ # مصيبة الجامعة في أستاذها الذي كله مصائب، فالأعين ممتدة إليه في هذه ~~البلاد ولا يستحي أن يظن نفسه في أرض قفر، والأمة كلها توفر علماءها وتفزع ~~إليهم في أمر دينها وتراهم من رحمة الله بها ولا يخجل هو أن يسميهم ~~(البسطاء) وهو يعلم أنها كلمة عامية لا يراد بها في لسان العامة إلا ~~البلاهة والغفلة وما إليهما. # وكل العلماء إجماع على كفره الصريح حتى لا تأويل ولا تجوز ولا مطمع في # حكم دون الكفر ثم هو تبلغ به الرقاعة أن يدعي أنه ليس في كتابه (كلمة) ~~يمكن تأويلها ضد الدين، مع أنه لا يهدم دين من الأديان بأنكى ولا أخبث من ~~الطريقة التي انتهجها في كتابه وأدارها على إسقاط هيبة الدين وأهله في نفس ~~الطالب الناشئ، ثم الشك فيه، ثم التأدي بهذا الشك إلى الإنكار منه، ثم ~~التأدي ms181 بالإنكار إلى الهدم؛ وهذه درجات يركب بعضها بعضا كما ترى. # PageV01P190 # وتالله ما رأيت رجلا أعجب من هذا الأستاذ، ولكن كلامه إنما هو صورة # فكره، وفكره مظهر أخلاقه؛ وحسبك من أخلاقه هذا العناد وهذه المكابرة وهذا ~~الكذب وهذه السخرية كأنه ليس في الأمة كلها إلا هو وحده يعقل ويفهم، وإذا ~~نحن تابعناه على منطقه فكل الشهود الذين رأوا اللص بأعينهم وشهدوا على ~~جناية يده هم اللصوص، واللص وحده هو البريء! # فإن قيل له إن في هميانك ألف درهم مسروقة، ووضعوا أصابعهم عليها، قال: ~~وليس فيها واحد يمكن أن يقال إنه مسروق. . . فإن كان فيها فإنما ذلك إبعاد ~~للأموال المقدسة عن قسوة المباحث الشيوعية. # ألا ليت شعري لهذه الجامعة، ما الذي يمنعها أن تعلم هذا المنطق البديع # في دروس الحقوق، فإنها بذلك تخدم حرية الفكر والعمل، وإنها بذلك ترحم # كثيرا من اللصوص والمجرمين وأهل الكبائر والصغائر مما تدعوها إليه ~~الإنسانية # وتحمده لها بتلك الألسنة؟ # وأيم الله لو أمكن لصا من نوابغ اللصوص أن يكون أستاذا لقانون # العقوبات وأمكن مزورا أن يدرس القانون المدني وشيوعيا - أحمر. . . - أن # يكون أستاذا للقانون الدولي لما فعل أكل واحد منهم في دروسه إلا شبيها ~~بما # فعل طه حسين في درس الأدب، فلم تأتي الجامعة بالرجل الملحد يحكم بكفره # ألف عالم فتعهد إليه بدرس الفن العربي الذي معجزته القرآن، ولا تأتي ~~باللص # والمزور والشيوعي يتناولون القوانين ويفتحون فيها باب الرحمة بمفتاح # ديكارت؛ وهل هذا إلا جنس واحد بعضه من بعض؟ # فإن قالت الجامعة إن أستاذها ليس ملحدا ولا كافرا ولا زنديقا، قلنا وهذا ~~أشد خزيا ومقتا، فأيما أقرب إلى الصدق والسداد: قول رجل أو رجلين أو ثلاثة ~~لا سابقة لهم في الدين ولا صلة لهم بعلومه، أم قول ألف عالم يحملون ألف ~~شهادة دينية وعلى مقدمتهم شيخ الجامع الأزهر؟ # إنهما اثنتان عقمت أم المنطق فلم تلد لهما ثالثة: # فإما إباحة الخلط في كل علوم الجامعة وترك الطلبة أحرارا في التفكير ~~والاقتناع وفي الشك واليقين، فلا يؤخذ أحدهم بحفظ ms182 شيء لا يراه صحيحا، ولا ~~يسأل ما رأي فلان في كذا بل ما رأيك أنت. . . ولا يحاسب على خطأ ولا صواب، ~~لأنه لا خطأ ولا صواب في مذهب الشك، بل هو كله كالدائرة المفرغة ليس فيها ~~أطراف، وإنما لها المحيط لو شئت لقطعت العمر كله دائرا فيه بلا نهاية ولا ~~غاية معينة، وإن كان في باب المساحة لا تزيد رقعتها على دائرة ثور الساقية. # PageV01P191 # هذه واحدة، والثانية محق البدعة التي جاء بها طه حسين في الأدب # والبراءة من كتابه السخيف وإعلان فساده من الجامعة ذاتها. # فإن التهمة ليست على طه إلا بأنه في الجامعة، فالتهمة على الجامعة نفسها ~~وهي وحدها المتهمة بالإلحاد والجهل والخلط وفساد التأويل والاستهزاء بالأمة ~~وإصغار علمائها وأدبائها، لأنها هي وحدها الراضية بالكفر المعينة عليه ~~المشاركة فيه، والمقرة للجهل الداعية إليه المحققة له. # كان الفيلسوف أرسطو يرى بعض الرأي فينكر عليه لأن أفلاطون يذهب # خلاف مذهبه، فكان يقول: إذا اختلف أفلاطون والحق فأيهما أحق أن يتبع؛ ~~ونحن نقول للجامعة: إذا اختلف أفلاطونك. . . والدين ثم التاريخ، ثم العقل ~~ثم الفهم؛ فأي الفريقين أحق بالاتباع؟ # وفيم نحن أيتها الجامعة إلا في بيان سقطه وغلطه، وناهيك بهما سقطا وغلطا ~~لولا أنك في فلسفتك على شبيه مما يقول أناتول فرانس في فلسفة القوانين إذ ~~يقول: إن الاجتماع قائم على أصلين: # الأول أن السرقة محرمة، والثاني أن ثمرة السرقة مقدسة لأنها من حرية ~~العمل! # فأنت كذلك ترين أن الأدب قائم على أصلين: الأول أن الخطأ جهل مردود، ~~والثاني أن ثمرة الخطأ علم مقبول لأنها من حرية الفكر! # والآن نظهرك أيها القارئ على سر من أسرار الخطأ في أستاذ الجامعة. # وإليه يرجع أكبر السبب في كلال ذهنه وتعقد فهمه وتهافت آرائه وأنه إذا ~~تعاطى القول في الأدب لم يتمكن من معنى صحيح ولم يصب غرضا واقعا، ولا يزال ~~دأبا يلوذ بأطراف الكلام حتى كأنه لا يفكر إلا بنصف عقل، فلا يخرج نصف ~~كلامه إلا من لغو وعبث وخطأ، ولا يزال يعتريه ما يعتري ms183 كل من اتخذ الخلاف ~~مذهبا فيحيل أكثر الكلام عن جهته ويجعل الخطأ صوابا والصواب خطأ، ويستلب ~~الرأي من أهله ويفسده عليهم في ظاهره أو باطنه، ثم لا يرضى إذا فرط منه ~~الجهل أن تبين له العلم، وإذا وقع في الغفلة أن تكشف له عن الحقيقة، فإن ~~فعلت طار الغضب في رأسه فزلزله عليك زلزالا وفجره تفجيرا وجعله بركانا ~~فملأه نيرانا وبذلك تميز في أمثاله ومهر، وبان وظهر، وغلب وقهر، وكان والله ~~سبة لأدباء هذا العصر، فكل ما في الرجل من قوة وجرأة فإنما هو مما فيهم من ~~جبن وانكماش. . . # أما ذلك السر فهو أن طه لما عرف من نفسه ضعف المخيلة، ورأى أنه لا # يدرك ما يتعرض له ولا ينفذ إلى حقيقته، عدل في الأدب عن طبيعة الشعر إلى ~~طبيعة المنطق؛ إذ كان الأصل فى هذا المنطق الاتساع في الكلام وهو من # PageV01P192 # مميزات الأستاذ وخصائصه؛ غير أن المنطق أيضا لا يستقيم إلا بالقريحة # النفاذة، وهذه القريحة من بعض أسبابها الطبيعة الشعرية، فلما خذلته هذه # الطبيعة في المنطق كما خذلته في الشعر، عدل إلى طبيعة الجدل وهو فن من # الكلام قاعدته الأشكال والمقاييس، وبناؤه على التنظيم والترتيب، ومادته ~~الثرثرة والاستطالة؛ وأعظم مقوماته اللجاج والإصرار، ولا يسأل فيه ما ~~الحقيقة ولكن ماذا تريد أن تكون الحقيقة؟ ولا ما اليقين ولكن ما ظنك ~~باليقين ولا يقال فيه ما البرهان ولكن ما الاعتراض، ولا ما النص ولكن ما ~~التأويل وكل ذلك إن لم تقم به الجرأة والحماقة ولم يكن سبيله من السخرية ~~وعدم المبالاة ومن الشك والوساوس وما جرى هذا المجرى، لم يستو منه شيء ~~لصاحبه وخرج منه مخذولا لا هو في حجة ولا مغالطة. # فطه حسين مكره على طريقته في الأدب إكراها ما دام يريد أن يكون شيئا # مذكورا، وإنما كان سبيل مثله أن - يتبع - غيره ويقلد ويحتذي ولا يستنكف ~~أن ينزل على رأي من هو أذكى منه ولا يأنف أن يدخل في قوانين الناس، فلما ~~أبى ذلك وغلبته طبيعته وأراد أن يبتاع ms184 وما فيه من الابتداع شيء، كان كل ~~عمله أن يفسد عمل غيره؛ ولا طريقة إلى ذلك إلا أن ينقاد إلى الظن، ولا سبيل ~~لاتباع الظن إلا الشك، ولا برهان على الشك إلا من غاية صاحبه، وهذه الغاية ~~راجعة إلى الطبع والخلق وحالة الفكر، وكما يكون الشك أول اليقين في أهل ~~الطباع السليمة والأفكار القوية والأذهان المرهفة، يكون آخر اليقين في ذوي ~~الطباع المضطربة والأذهان البليدة. # فطه رجل عالم فاضل، تراه من أحسن أدبائنا إذا وقف عند الحفظ # والمراجعة، يقابل بين تواريخ الأمم ويستخرج ما فيها من أنواع المشابهة # والمباينة ويعمل في ترتيبها، وتصنيفها، وإذا وقف عند العقل فأخذ يجمع # الحواشي والمتون والتعاليق ويضم مسألة إلى مسألة وكلاما إلى كلام في أي ~~علم شاء مما يحسن انتحاله، ولكنك تراه من أسخف الأدباء إذا حاول التجديد ~~والإبداع، ثم من أضعفهم إذا تعاطى ما ليس في طبعه ولا قوته مما يحتاج إلى ~~الطبيعة الشعرية والذهن الحاد والرأي والاستنباط؛، ولا أدل على ذلك من ~~كتابه: الشعر الجاهلي، ثم من القصص التي نقلها عن الفرنسية. فقد كنت أقرأ ~~هذه القصص واحدة بعد واحدة، وهي لأعلام البيان الفرنسي، فلا أراها إلا ~~كعظام الموتى ليس فيها غير المادة - الفطرية ونظام - الهيكل وهيئته -، ولو ~~كانت كذلك - في أصل لغتها لم يكن الأدب الفرسسي إلا فضولا، وكان أدباء ~~فرنسا أضعف الأمم # PageV01P193 # خيالا وأبعدهم من الشعر ومعانيه. # ولقد نقل خلاصة من رواية الزنبقة الحمراء # لأناتول فرانس - وهي من أبلغ كتب هذا العبقري العظيم - فجاء بها كلاما ~~جافا لا ماء فيه ولا رونق له، وما ينقصها من أنواع النقص أن تكون من تأليف ~~طه حسين لا من ترجمته! # ولست أدري كيف يأتي لمن لا يكون الشعر من طبيعته أن يكون ناقدا # أديبا أو أستاذا للأدب، وفي أي أمة نجد مثل هذا، وهل كل من عرف الحساب ~~عرف منه الهندسة، لا نظن أحدا يزعم ذلك أو يكابر فيه إلا طه، فإنه وحده ~~يعرف من جدول الضرب. . . علوما كثيرة منها الهندسة والجبر وحساب ms185 المثلثات ~~والطبيعة والكيمياء وكل ما دخله العدد، ما دام الحساب هو العدد. # وتراه لا يجادل في شيء بما أوتي من قوة إلا في إثبات أن الناقد الأدبي لا # يجب أن يكون شاعرا، وأن المعرفة بالشعر ليست ضرورية فيه كضرورة الأداة في ~~الصنعة لمن يتصرف بها، ولو أن الشعر كان جدلا وقياسا وقواعد وحدودا لما ~~نازع في أمره، لكنه يعلم أنه الذوق والقريحة وهما من أسرار السموات، ويعلم ~~أن الشمعة إن كانت نورا فنورها غير أشعة رنتجن "فلا هم له من ثمة إلا أن ~~يزعم أن النقد الأدبي منطق وعلم وتأمل وفلسفة" # وفي بعض هذا كل وسائل النقد، وكل هذا بعض مواهبه هو فيما يدعي. # ولقد رأيت كلمة بليغة للآمدي كأنما كتبها للرد على أستاذ الجامعة منذ # أكثر من ألف سنة؛ أو لعله كان لهم في زمنهم طه كما لنا في زمننا، وكل ذلك ~~(الطاها) يظن أن رجله برق الأرض تطوي أقاصيها في بعض خطوات فقال له الآمدي: ~~(ولعلك أكرمك الله اغتررت بأن شارفت شيئا من تقسيمات المنطق وجملا من ~~الكلام والجدال، أو علمت أبوابا من الحلال والحرام (هذه نسيها طه. . .) أو ~~حفظت صدرا من اللغة، أو اطلعت على بعض مقاييس العربية؟ # وإنك لما أخذت بطرف نوع من هذه الأنواع بمعاناة ومزاولة ومتصل عناية # فتوحدت فيه وميزت، وظننت أن كل ما لا تلابسه من العلوم ولم تزاوله يجري ~~ذلك المجرى، وأنك متى تعرضت له وأمررت قريحتك عليه نفذت فيه وكشفت عن ~~معانيه؛ هيهات! لقد ظننت باطلا ورمت عسيرا، لأن العلم أي نوع كان لا يدركه ~~طالبه إلا بالانقطاع إليه، والإنكباب عليه، والحرص على معرفة أسراره ~~وغوامضه ثم قد يتأتى جنس من العلوم لطالبه ويسهل؛ ويمتنع عليه جنس آخر ~~ويتعذر لأن كل امرئ إنما يتيسر له ما في طبعه قبوله وما في طاقته فعله # PageV01P194 # فينبغي - أصلحك الله - أن تقف حيث وقف بك، وتقنع بما قسم لك، ولا # تتعدى إلى ما ليس من شأنك ولا صناعتك " انتهى. # وقد كان أحد أصدقاء طه يجادلنا ms186 ذات يوم؛ فرد علينا ما وصفناه به من أنه # لا حظ له في الشعر ولا يد له فيه، وقال: إن له فيه يدا ورجلا. . . وإنه ~~غير منسلخ من الشعر بل هو في جلد شاعرين معا، وإنه قد انبثت خواطره في كل ~~معنى وافتتح للناس طريقة الأدب الحديث التي جمع فيها بين بلاغة اليونان ~~والفرنسيس والعرب، فذهب في شعره بمحاسن هذه الأمم الثلاث؛ ودلنا على أبيات ~~كان نظمها في استقبال العام الهجري، وقال إنها نشرت في بعض أعداد "المقطم " ~~من زمن، فكتبنا إلى من جاءنا بها، فما منها إلا المعنى البكر والأسلوب ~~النادر واللفظ الموسيقي، وفيها الحلاوة والطلاوة ولها رفيف وعليها ماء، حتى ~~لو تليت على شجرة جافة لاخضرت ثم هي بعد آية في الدلالة على القريحة ~~الصافية والبلاغة المتمكنة والطبع البدوي السلس الرقيق الذي عرفه هو في ~~كتابه بأنه يعرض عن تكرار الحروف، فقال لا فض فوه، وبتعبير المذهب الجديد ~~لا أحوجه الله إلى تركيب أسنان: # ما لي وللبدر أطلب رده (1) . . . بل ما لأفلاك السماء وما لي # لا در در المال لو لم يدخر. . . لبناء مكرمة وحسن فعال # لا در در المال لو لم يدخر. . . إلا لذات الطوق والخلخال # لا در در المال لو لم يدخر. . . إلا لنيل مراتب الإجلال # والأغنياء على الملاهي عكف. . . صرعى اللواحظ والهوى الختال # ولا ريب عندنا أن هذه الأبيات من قصيدة طويلة ذهبت بقيتها في إحدى # الزلازل، لأنه بعد هذا الشعر لا يكون إلا الرجم وانقضاض الشهب وتمزق # الأرض. أفلا ترى الشيخ يقول: "بل ما لأفلاك السماء وما لي، فهذا نذير ~~بأنها توشك أن تنقض عليه وتتبعه شهابا رصدا، وتأمل البيت الرابع فإنه من ~~فرط سموه وإبداع معناه والتعميق فيه قد فسد، لأن الشاعر يلعن المال إن لم ~~يدخر إلا لنيل مراتب الإجلال. # فهل مراتب الإجلال إلا العلا والمكارم، وهل يدخر المال إلا لهذا؟ # أم تكون المراتب هي الرتب والنياشين؟ # وإذن فما كلمة "الإجلال " إلا سمو آخر لإفساد المعنى إذ رتب الإجلال هي ~~رتب العظماء ms187 في PageV01P195 # كل أمة. فيا صاحب هذا السمو إن كان ذلك شعرك فقد سلمنا لك ما تدعي من أن ~~الكثرة المطلقة في الشعر الجاهلي منحولة بل كل الشعر الجاهلي مكذوب موضوع ~~لما فيه من التوليد والسخف والركاكة، وأنه لا يمثل الحياة الجاهلية. # وإنما جاءك الدليل على هذا الرأي من أنك لو كنت أنت في ذلك العهد ولجأت ~~إليك القبائل تستكثر بك من وقائعها وأشعارها، وجاءك الرواة يحملون عنك ~~والقصاص لتخلق لهم ذلك الخلق - لوضعت على فحول الجاهلية من نمط أبياتك هذه ~~جزالة وقوة وإحكاما وذهابا في فنون الشعر، فعضل شعرك بأهل النقد والتمييز، ~~ولا تجريه في شعر إلا أشبهته وامتزجت به امتزاج الماء الصافي بالماء الصافي ~~وإن كانا من نبعين مختلفين فلا يعرف بعد امتزاجهما أيهما من هنا وأيهما من ~~ثم! . . . # إني والله أستحي ل طه حسين أن يكون هذا شعره ثم يتكلم في الشعر، فإن # هذا الكلام الركيك ما فصل عن نفسه إلا وبينهما شبه في الجفاء والغلظة # والاضطراب والتخرق؛ وما يسقط الأستاذ أكثر ما يسقط في كتابه الشعر # الجاهلي إلا من هذه العلة الشعرية في ذهنه، ومن تلك العلة الفلسفية في ~~رأيه # فما هو شاعر ولا هو فيلسوف، ولكن كتابه قائم على الشعر وإدراكه وتمييزه ~~وتصحيح نسبته من فحول كبار أئمة هذا الفن، وعلى الفلسفة في التاريخ ~~وتناولها الأشياء والحوادث والأشخاص من جهة عللها وأسرارها فلا جرم تهافت ~~وتعثر وأحال وتناقض بحيث لا يصيب في واحدة إلا أخطأ في عشر. # ولم يكن بدعا أن يجيء كتابه على مقداره فيغلب عليه الضعف ويفسده # التعسف - وتنزعه النزعات - الخبيثة لا يكون كتابه في حاجة إليها ولكنها ~~من حاجة نفسه فلا يزيد على أن يفتضح بها؛ ومن أغربها قوله في صفحة 74 إذ ~~نقل من الأغاني عن عبد العزيز بن أبي نهشل قال: إنه قال لي أبو بكر بن عبد ~~العزيز وجئته أطلب مغرما: يا خال، هذه أربعة آلاف درهم وأنشد هذه الأبيات ~~الأربعة # وقل: سمعت حسانا ينشدها رسول الله - صلى الله عليه ms188 وسلم - فقلت: أعوذ ~~بالله أن أفتري على الله ورسوله، ولكن إن شئت أن أقول سمعت عائشة تنشدها ~~فعلت. قال: لا. # إلا أن تقول سمعت حسانا ينشدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبى ~~علي وأبيت عليه، فأقمنا لذلك لا نتكلم عدة ليال. # فأرسل إلي وقال: قل أبياتا تمدح بها هشاما وبني # أمية واجعلها في عكاظ واجعلها لأبيك الخ الخ. # قال أستاذ الجامعة المتبع مذهب ديكارت: فانظر إلى ابن عبد الرحمن # كيف أراد صاحبه على أن يكذب وينتحل الشعر (كذا) على حسان. # ثم لا يكفيه # PageV01P196 # هذا الانتحال حتى يذيع صاحبه أنه سمع حسانا ينشد هذا الشعر بين يدي النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - كل هذا بأربعة آلاف درهم، ولكن صاحبنا كره أن يكذب ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم - # بهذا المقدار - واستباح أن يكذب على عائشة - رضي الله عنها - اه. # فهل تجد أنت في القصة مساومة أو ما يشير إليها حتى يكون الرجل # المسلم لم يكره الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا لقلة الثمن؛ ~~وهل فرق في الكذب بين أن يكون بأربعة آلاف أو بعشرة أو أقل أو أكثر إن لم ~~يكن الإيمان هو الذي منع الرجل منه للحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: (من كذب علي عامدا متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" غير أن فقه ~~الرواية أن نفس طه في جشعها وتكالبها على # المال حلالا وحراما وفى رقة دينها وإيمانها، هي التي أوحت إليه هذا ~~التعليل # السخيف البارد، فحسب أنه لو كان هو المسؤول أن يكذب لقال للسائل: يا هذا، ~~إن الكذب على عائشة بكذا وعلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكذا، فإذا ~~لم تبذل إلا أربعة آلاف فلا أكذب إلا على عائشة.. # والرواية في عبارتها صريحة واضحة لا لبس فيها، ولكن طه كما وصفنا # ثمرة لم تنضج إلا مرة شديدة المرارة، فليست تذاق أبدا إلا دلت على نفسها # وتركت طعما من مرارتها ينبئ عنها؛ ولو أن الجامعة المصرية ألحقت من أجل # ذلك بشركة السكر. ms189 . . لأفلست الشركة في إحلاء هذه الثمرة ولا تحلو! # ويقول في صفحة 56 "في عصبية قريش على الأنصار" إنه كان من قريش # من يتجاوز الاقتصاد في العصبية إلى شيء يشبه العطف على الأنصار والرثاء # لهم، ولعل الزبير بن العوام كان من هؤلاء العاطفين على "الأنصار" الراثين ~~لهم الحافظين لعهدهم والراعين لوصية النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم، ~~فقد يحدثنا - كذا - الرواة أنه مر بنفر من المسلمين فإذا فيهم حسان وهم غير ~~حافلين بما يقول فلامهم على ذلك وذكرهم موقع شعر حسان من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأثر ذلك في نفس حسان فقال # يمدحه: وأحب أن تلتفت إلى أول هذا الشعر. # فهو حسن الدلالة على ما أريد أن أثبته من دخول الحزن على نفوس "الأنصار" ~~لهذا الموقف الجديد الذي وقفته منهم قريش، وأول الشعر هو: # أقام على عهد النبي وهديه. . . حواريه والقول بالفعل يعدل # PageV01P197 # أقام على منهاجه وطريقه. . . يوالي ولي الحق والحق أعدل # قال طه: "فانظر إلى هذين البيتين في أول المقطوعة كيف يمثلان ذكر # حسان لعهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وحزنه عليه وأسفه على ما فات ~~"الأنصار" من موالاة النبي لهم وإنصافه إياهم " انتهى. # وبعد صفحة واحدة قال: كما كان الزبير من هذه الفئة القرشية التي كانت # تعطف على "الأنصار" ذكرا لعهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو # " احتفاظا بمودة الأنصار ليوم الحاجة. . . ". # والخبر من الأغاني في ترجمة حسان، وعبارته أن الزبير مر بمجلس من # أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحسان بن ثابت ينشدهم من شعره ~~وهم غير نشاط لما يسمعونه منه، فجلس معهم الزبير فقال: ما لي أراكم غير ~~آذنين لما تسمعونه من شعر ابن الفريعة، فلقد كان يعرض لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فيحسن استماعه ويجزل عليه # ثوابه ولا يشتغل عنه بشيء، فقال حسان وأنشد الأبيات. # فانظركم في أسباب الدلالة التاريخية بين قول الأغاني إنه مر بمجلس # من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقول طه مر بنفر من المسلمين ~~وهذا الخبر قد ms190 مر على كل علماء الأدب والتاريخ الإسلامي فما فطن أحد إلى ~~دلالته على حزن الأنصار وعطف الزبير عليهم "ليوم الحاجة"، إلا أستاذ ~~الجامعة وحده؛ فأين فيه ذكر الأنصار وحزنهم على ما فاتهم، وإنما يتكلم حسان ~~عن نفسه وإياها أراد بقوله: "ولي الحق" إذ كان يتولاه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وهو رجل شاعر كل # مجده في إقبال الناس عليه ونشاطهم لكلامه إن كانوا من قومه الأنصار أو # من غيرهم. # وأين النص يا أستاذ الجامعة على أن ذلك المجلس من الصحابة كان من # قريش، فإنه إذا جاز أن يكون من الأنصار فقد بطل ما جئت به؛ إذ يكون قوم ~~حسان هم الذين لم ينشطوا لسماعه، ثم كم من الفرق بين أن يكون سامع الشعر ~~غير ناشط له وبين أن يكون غير "حافل " به؛ ثم أين النص على أن ذلك المجلس ~~كان في تاريخ بعينه مع أنه يجوز أنه كان في زمن عمر بن الخطاب بعد أن ~~استقرت الأمور ولم يبق شيء من الخلاف بين قريش والأنصار، أو بعد ذلك بزمن ~~بعيد، فإن الزبير قتل في سنة ست وثلاثين للهجرة. # وإذا علمت أن الزبير هو ابن عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وحواريه وصفيه وقد شهد معه المشاهد كلها فلا تسألني أنا عن معنى قول ~~الأستاذ "ليوم الحاجة"، ولكن سل رجلا ملحدا زنديقا # PageV01P198 # لا يظن أن في النفوس نفسا مؤمنة، لأن الإيمان عنده خدعة من خدع السياسة ~~كإسلام نابليون في مصر! # وعجيب من طه بعد أن عرفت شعره ومبلغ فهمه للشعر أن تراه يقول في # صفحة 99: "وكل هذا الشعر إذا نظرت فيه سخيف سقيم ظاهر التكلف بين الصنعة. ~~. . ". # وفي صفحة 103: "ويروي لنا ابن سلام شعرا آخر ليس أقل من هذا # سخفا ولا تكلفا ولا انتحالا. . . ". # وفي صفحة 415 وقال دولة سعد باشا للورد لويد: ويحسن استشارة # لندن، فقال اللورد: أنا لندن في المسائل الحاضرة! وأنا أقول كذلك للرافعي # ولغير الرافعي: أنا الشعر، أنا الجامعة. . .! # PageV01P199 ### | خنفساء ذات لون أبيض. . . # إن من ms191 عادتي إذا جلست للكتابة أن أضع ساعتي ناحية إلى اليمين مرتفقة # ذراعي أسد مصنوع من الحديد قد ربض ربضة الكبرياء مستوفزا كأنما يجمع # الوثبة على فريسة وجد في الهواء ريحها، كاشرا كأنما يتهيأ لنقضها نفضة # الموت، مقشعرا يضم أجزاءه ليرسل منها حملته الفاتكة، وقد برز له صدر # ضخم مكتنز عضلة لا أحسبه إلا جحر ذلك الطاحون الحيواني الذي صنعه الله من ~~شدقيه وأنيابه. # وتأملت الآن هذا الأسد وهو يحمل ساعتي وأخذت أفكر فيما أكتب اليوم # عن الجامعة، فقلت: أسأل هذه الجامعة: ماذا عسى أن يدرك الأسد من معنى هذه ~~الساعة لو هو أبصرها ملقاة بين يديه في الصحراء ورأى عقاربها تدب دبيبها؛ ~~أتراه يظنها خنفساء ذات لون أبيض، أم يحسبها في أرقامها السوداء قرية صغيرة ~~من النمل، أم يخالها قطعة من العظم تفرق الذباب على أطرافها؟ # إنه ظان ما شاء أن يظن إلا أن يعرف أنها أداة لتعيين الوقت، فإن ساعة ~~الوقت عنده هي قرص الشمس يطلع أو يغيب، لا ليدل على أن الساعة واحدة أو ~~ثلاثة أو اثنتا عشرة، بل الساعة ظلام أو الساعة نور. # هذا في الأسد؛ أما في الإنسان فنسأل الجامعة: أكل امرئ يعرف قيمة الوقت ~~في تحريره وضبطه؟ أم كل إنسان في ذلك بحساب من عمله وطريقته في الحياة؟ ~~وماذا يفهم "المتشرد" في الطرقات من معنى قولك الساعة خمسة والساعة عشرة ~~إلا على نحو مما يفهم الأستاذ طه حسين من المعاني الدينية السامية في ~~التاريخ الإسلامي، إذ تعين له فضائل كريمة لا يألفها ولا يسيغها ولا ~~يعقلها، كما تعين الساعة مواقيت دقيقة لا محل لها في حياة المتشرد والمفلول ~~ولا وزن ولا قيمة. # وإذا نحن وضعنا هذه الساعة في ثوب هذا المتشرد وكانت عاملة محررة # ثم وضعناها يوما آخر وهي معطلة خربة. # فهل هذا اليوم عنده إلا كذاك اليوم؟ # وهل تكون ساعة مثل هذا الرجل إلا الرغيف # والقرش ونحوهما مما لا يدله على أن الساعة واحدة أو ثلاثة # أو اثنتا عشرة بل الساعة شبع والساعة جوع؟ ms192 # PageV01P200 # لا تعرف الجامعة ولا تريد أن تعرف أن مثل أستاذها في المبالاة بحقائق # المعاني العالية من التاريخ الإسلامي وفقهها مثل ذلك المتشرد في المبالاة # بمعاني الوقت، ومثل ذلك الأسد في المبالاة بمعاني الصناعة؛ ولكننا ~~أريناها # بعينيها وبأعين الناس جميعا أن كل المعاني الإسلامية في دروسها لم يدرك ~~منها # أستاذها إلا شبيها بما أدرك الأسد إذ فكر ثم قدر ثم تدبر ثم حكم أن ~~الساعة # خنفساء ذات لون أبيض. . . # كنا والله نرتاب في أن الجامعة المصرية مدرسة إلحاد، وأن طه حسين ما # أخذ لها دون سواه ممن كانوا في الجامعة القديمة (1) إلا لهذه العلة فيه، ~~ولأنه # أقوم بها وأقدر عليها، وكنا لا نظن هذا فضلا عن أن نحققه، غير أنا قرأنا ~~اليوم فصلا إضافيا لصديقنا الأستاذ العلامة الكبير السيد رشيد رضا كتبه في ~~" المنار" وأذاعته جريدة "البلاغ " وجعل عنوانه " دعاية الإلحاد في مصر" ~~وهو يقول فيه ليس الإلحاد بجديد في مصر، وإنما الجديد هو الدعوة إليه ~~وتأليف الجمعيات لبثه وهدم الإسلام، وتأليف الكتب في الطعن على أعلام ~~حكمائه المتقدمين الذين يعلي الإفرنج قدرهم كالغزالي وابن خلدون، والتنويه ~~بمن اتهموا بالكفر والإلحاد كالمعري، والإشادة بأدب من اشتهر بالفسق ~~والخلاعة كأبي نواس. # "وقد كنا ذكرنا من بضع عشرة سنة خبر تأليف أول جمعية إلحادية من # أعضائها معمم من خريجي الأزهر؛ ثم إنهم خلعوا العذار وجهروا بدعايتهم في # دروس "مدرسه الجامعة المصرية" ومحاضراتها. . . وإذ فطنوا في هذه الأيام ~~لما # في وطنيتهم ولا دينيتهم من الخسارة الأدبية والسياسية على مصر، وأنشأت # (جريدة السياسة) تعدهم وتمنيهم بأن ثقافتها الإلحادية الجديدة طفقت تتبوأ ~~مباءة تلك الزعامة الدينية من أنفس الشعوب الشرقية عامة والسورية خاصة، إذ ~~شعرت هذه الشعوب بأن الدين صار الأدنى والأضعف من جوامع الأقوام وروابط ~~الأمم، وأن "مدرسة الجامعة المصرية الإلحادية" وهي المظهر الأعلى للثقافة ~~الجديدة. . . قد خلفت الأزهر المتوفى غير مأسوف عليه وورثت مكانته ~~المعنوية. . . لقد صدقت جريدة (السياسة) - وقلما كانت صادقة - فيما صورته ~~من التنازع بين الجامعة الأزهرية الدينية، والجامعة المصرية الإلحادية، ~~فهذا ms193 أمر يعرفه البصيرون وإن غفل عنه الأكثرون، وأول من صرح به في مجالسنا ~~من غير PageV01P201 # المسلمين شاب إسرائيلي ذكي سمعنا نتكلم في مسألة كتاب الشيخ علي عبد # الرزاق عقب ظهوره، وكونه ينصر فيه دعاية الإلحاد الجديدة؛ فقال: ليست ~~المسألة مسألة كتاب ألفه شيخ مسلم في محاربة الإسلام، فلو كان هذا كل ما ~~تشكو منه لهان خطبه. ولكن المسألة كل المسألة - هي التنازع بين " الجامعة ~~المصرية" وجامعة الأزهر، فإذا غلبت الثانية بقيت هذه البلاد إسلامية، وإذا ~~انتصرت الأولى لحقت مصر بالبلاد التركية وانقضى عصر الإسلام فيها" انتهى ~~كلام السيد بحروفه. # وتقع هذه اللطمة وفيها قوة الأربعمائة مليون يد إلا تسعا. . . على وجه # الجامعة، فلا ترى هذه الجامعة الذليلة تغضب لدين أو كرامة أو أمانة. # ولا يكون منها إلا أن تدير القفا. . . وكنا والله نحسبها ساكتة في جدالنا ~~إياها عن عجز، لأننا على ما نعلم من وجوه الضعف الكثيرة في نفسنا نعلم ~~يقينا أنه ليس في هذه الجامعة من يقوم لنا في هذا الباب الذي نجادلها فيه، ~~وهي بعد مغرورة بأستاذها تحسب الأدباء يتحامونه لأن في فمه لجة من السب ~~والشتم يغرق فيها من يتصدى له، فليكن في فمه البحر فإن ذلك لا يعجزنا أن ~~نجيئه في وسط اللجة بتراب اليابسة يرغم أنفه. # والآن علمنا أن إيمان الجامعة أو إيمان طه حسين بالله وملائكته وكتبه # ورسله واليوم الآخر في ذلك الكتاب الذي أذاعته الجامعة إنما كان في بابه ~~تزينا كتجمل تلك المرأة السوداء التي سخر منها القدر حين ولدت فسماها أهلها ~~دنانير. . . ثم سخر منها حين كبرت فتزوجها أعشى سليم الشاعر. # ثم سخر منها الثالثة حين تجملت وتكحلت بالإثمد فانطق الأعشى بهذا البيت: # كأنها والكحل في مرودها. . . تكحل عينيها ببعض جلدها # كثيرا ما سألت نفسي: هل في مصر كلها رجل واحد يحق له أن يكفر؟ # وبمعنى آخر: هل في مصر كلها رجل عبقري شاذ يبلغ من سمو العقل وسعة # الإحاطة وحدة الذهن وغؤر النفس أن يكون له رأي خاص في الإيمان ينكسر ms194 به ~~ما أجمع الناس عليه؟ وبمعنى ثالث: هل في مصر ممن يقلدون بعض فلاسفة # الأوروبيين في الإلحاد من يعد في طبقة من يقلدهم بحيث لو كان في أوروبا # الملحدة لقلده أذكياء الأوروبيين وأساتذة الجامعات هناك. . .؟ # إن البلاء كله إنما يجيئنا من ناحية الأخلاق الضعيفة أو الأعراق الدساسة # PageV01P202 # أو العلم الناقص؛ فأما أثر الخلق الضعيف والعرق الهجين فليس له إلا ~~الحكومة بمدارسها، فإن أهملته في المدارس فلن يهملها هو في الأسواق وما ~~وراءها من الأماكن والجهات حين ينبت الملحدون المتعلمون في الأمة ويتعاطون ~~أمورها ويجارونها في أسباب الحياة؛ وأما العلم الناقص فأنت ترى أن صاحبه ما ~~إن يتناول شيئا من دقائق الفكر إلا انتهى إلى الحكم بأن فيها عجزا أو ضعفا ~~أو اضطرابا، كما يفعل طه حسين في دقائق التاريخ والشعر والدين، وذلك طبيعي ~~لا يكون غيره، فما العقل الناقص إلا كالعين المريضة: لا ترى أثر مرضها إلا ~~في الأشياء التي تراها والأشياء مع ذلك صحيحة لا مرض فيها. # واعلم أن الخطأ ولو في فكرة واحدة إن لم يكن إتلافا وإحالة وإفسادا فهو # تشويه ونقص، لأن الفكرة جزء من الأجزاء التي يتألف منها الكل المعنوي. # ومتى كثرت الفكر المخطئة بأي الأسباب من نقص العقل أو الذكاء أو الخلق، ~~فذلك أشنع ما أنت واجده في عمل هؤلاء الملحدين إذ يفسدون الإيمان وهم ~~يحسبون أنهم يصححونه، وما الإيمان إلا صورة معنوية كاملة لها أجزاء # ولأجزائها ألوان ولألوانها مقادير؛ فقل الآن في رجل أشل اليد أو سقيم ~~النظر أو فاسد الذوق تريده على أن يرسم صورة امرأة جميلة ويكون من بعض ~~آفاته أنه رجل منطق وتعليل وإبداع واختراع يزعمه، ثم لا يكون منطقه الذي ~~يلائم ذوقه وفكره وفنه إلا على هذا التمثيل. # إن الحاجب أسود، والأسود يضاده الأبيض. # والضد يظهر حسنه الضد، فالعين في الصورة يجب أن تكون بيضاء. . . والخد ~~أحمر! والأحمر لون النار وللنار دخان يزينها من حواشيها، فعارضا المرأة يجب ~~أن يكون لونهما في الصورة أسود ويمر في هذا المنطق ثم يخرج ms195 لك الصورة ~~الجميلة فإذا هي صورة امرأة عمياء ملتحية، لم يخرجها من الطبيعة ولا من ~~الفن بل من المنطق والحدس. # ثم من منطقه هو خاصة، ثم مما حدث بظنه على أنه # إبداع واختراع، وكل أولئك الذين تعرفهم ما منهم على الأمة إلا ذو مصيبة # واحدة، خلا الدكتور طه، فإنه ذو المصيبتين، لأنه وحده الذي يتناول الأدب ~~العربي من دون هذه الفئة ويريد أن يأتي الإسلام من دعائمه، أما سائرهم فأهل ~~سياسة وفلسفة؛ لا يقدم أجرؤهم على بحث أدبي فيديره على الإلحاد إلا جعله ~~على جهة النظر الاجتماعي أو السياسي. # فبذلك يهاجم الأدب وينهزم عن الأدباء. # لأنك إذا جادلته التوى عليك بأنه ينظر إلى غير ما تنظر، ويذهب في # غير مذهبك، وأخذ يكيلك الحصى وأنت توازنه الذر؛ فكلهم في الأدب مخادع ~~نفسه؛ ولذلك لم يشتغل بهم أحد من علمائنا وأدبائنا على ما يتسع من عيوبهم # PageV01P203 # ويتضاعف من زلاتهم؛ إلا ذا المصيبتين، فهو وإن كان من جملتهم فإنه # وحده. . . # وبهذا تقدم عليهم وبان منهم حتى رأينا فيهم من يصفه بأنه زعيم # المجددين، ولعله من أجل هذا لم تجد الجامعة غيره ولم تعدل به أحدا إذا صح # أن هذه الجامعة أداة من الأدوات كما هي مدرسة من المدارس؛ ونحن لا نزال # نتوقف في هذا فلا نبت الحكم عليه إلا بعد التثبت والاستبانة الصحيحة لأن # أثقال هذا الميزان من الرأي لا تزال ناقصة ولا يقع الرجحان فيه إلا بعد ~~أن يلقى في كفتيه عمل الأستاذ الكبير مدير الجامعة، فإن هو ظل ساكتا بعد ~~الآن فسكوته عمله وكفى، وسكوته ينطق غيره، فما هو وحده بذي اللسان ولا هو ~~يملك على أحد لسانه، وهو عندنا رجل للتاريخ فليحذر ألسنة التاريخ. # قلنا إن طه ذو المصيبتين على الأمة، ولكن الله تعالى يرعى دينه ويكلؤه # فيسر طه لما خلق له، ثم يسره لمن يصدمه، فهو حجر لكنه هش لين المكسر، إذ ~~كان من طبقاته التي يتألف منها طبقات متفتتة خلقت من كسارة الأحجار ودقاقها ~~كالطباشير، فهو ينطوي على ms196 طريقة كسره رحمة من الله بهذا الدين، وتلك سنة لن ~~تخطئها في أعداء الإسلام إذ أنت استعرضتهم وميزتهم فلا تتبدل ولا تتغير، ~~ولولا ذلك لما هلكوا وبقى الدين، ولا ذهبت كتبهم وبقي القرآن. # وترى ذا المصيبتين هذا يحمل أسلحة كثيرة من العلم والتاريخ والجراءة ~~والشك والحماقة، ولكنها كلها متفللة تكسرها في أصابعك لو شئت؛ فمعه إلى قوة ~~الكلام ضعف الفهم وإلى شدة الصولة خور الهزيمة، وهو سباق القلم لكنه أعرج ~~الخيال، سديد الجدل لكنه سيئ التاريخ؛ وقس على ذلك من فضائله وأسباب قوته ~~ما إن تدبرته رأيته لا يأتي أبدا إلا متعارضا متهاترا في بعضه إسقاط لبعضه. # وضع الأستاذ كتابه ليبحث في أن الشعر الجاهلي مصنوع محمول على # أهله، وأجمل هذه الفكرة وأسبابها ثم قال في صفحة ": "ولكني لن أقف عند # هذه المباحث، لأني لم أقف عندها فيما بيني وبين نفسي، بل جاوزتها وأريد # أن أجاوزها معك إلى نحو آخر من البحث أظنه أقوى دلالة وأنهض حجة من # المباحث الماضية كلها، ذلك هو البحث الفني واللغوي، فسينتهي بنا هذا # البحث إلا أن هذا الشعر الذي ينسب إلى امرأ القيس أو إلى الأعشى أو إلى # غيرهما من الشعراء الجاهليين لا يمكن من الوجهة اللغوية أو الفنية أن ~~يكون # لهؤلاء الشعراء" انتهى. # PageV01P204 # لا جرم كان "البحث الفني واللغوي لا هو الأساس الذي يقوم عليه مثل هذا # الكتاب؛ إذ لا معنى للتخرص والحدس وقولك أشد في هذا وأنكر هذا وأكبر # الظن كذا، فكل عافي وسوقي ونبطي وزنجي يستطيع أن يتناول الميزان الدقيق # فيميله ويجعله أكذب الموازين وأخبثها ولا يعجزه أن يسوغ فعله بعذر أو ~~دليل وإن لم يكن من القوة على ذلك والتوسع فيه بحيث يصلح أستاذا، ولكن ~~العجب أن شيخ الجامعة لما انتهى إلى البحث الفني واللغوي تخبط واختل وذاب ~~واضمحل، ورأينا هذا البحر العظيم الذي يقال له الفني واللغوي، مستنقعا ~~صغيرا يخوض منه الشيخ في ضحضاح من الماء الراكد، ويخرج مدعيا الغرق وما ~~يغرق أحد في مثله إلا إلى الكعبين. # وكان ms197 جديرا بمن يقول الفني واللغوي أن يدلنا على نمط كل شاعر # وطريقته ومذهبه وعمود شعره وأسباب التوليد عليه بخاصته ووجوه الصنعة في ~~كلامه وأن يعيد لنا من علمه الواسع ذلك العهد الأول الذي كان يقول فيه ~~الرواة لم يصح لامرئ القيس إلا كذا، ولم يصح لطرفة وعبيد إلا كذا. وهذه ~~الأبيات وضعها فلان أو زاد فيها فلان، بيد أن الأستاذ بعد أن وصف هو ~~الأوقيانوس الفني واللغوي وأنه سينتهي بنا إلى القارة الجديدة المسماة ~~أمريكا، اختصر الطريق إلى أمريكا هذه فجاء بها ووضعها في العدوة الأخرى من ~~المستنقع. . . # إذ يقول في صفحة 131: "وإذن فلنتناول مع الإيجاز الشديد شيئا من البحث عن ~~الشعر والشعراء في العصر الجاهلي، لنرى إلى أي شيء نستطيع أن نطمئن من هذه ~~الأشعار". # وفي صفحة 152 بعد أن روى مطلع قصيدة لعبيدة بن الأبرص: " لولا أننا # نؤثر الإيجاز ونحرص عليه لروينا لك هذا الشعر ووضعنا يدك على موضع # التوليد فيه. . . ". # قلنا: ففي أي شيء هذا الكتاب إذن ما دام " الإيجاز الشديد وإيثار الإيجاز # والحرص على الإيجاز" هو أساس البحث الفني واللغوي فيه، على حين أن # الكتاب هو البحث وكل ما عداه حشو واستعانة وأن امرأ القيس لا يمحى من # التاريخ "بالإيجاز الشديد"، ومهلهلا لا يكون من رجال الأساطير "بالحرص # على الإيجاز". . . وماذا يغني عنك - ويلك - أن تجمع لحرب أمة مصانع # كروب ومدافعها ومخترعاتها - عدة ملايين من المقاتلة إذا لم يكن لديك إلا # بضعة مدافع بالإيجاز الشديد. . .؟ # ألا تستحي يا طه أن تسقط بالجامعة هذا # PageV01P205 # السقوط كله؛ وأن تتغفل الناس إلى هذا الحد في بحث لم يخلق الله له أهلا ~~بعد # أن ذهب أهله؟ # على أن المسألة اللغوية في كتاب الشيخ هي مسألة اللهجات، وقد # أسقطناها في بعض ما مر بك، ثم كانت عقدتها قوله في صفحة 141 # "وقد يكون لنا أن نلاحظ قبل كل شيء ملاحظة لا أدري كيف يتخلص منها أنصار ~~القديم، وهي أن امرأ القيس - إن صحت أحاديث الرواة - يعني إن صح أنه خلق - ~~يمني ms198 وشعره قرشى اللغة. . . ولغة اليمن مخالفة كل المخالفة للغة الحجاز ~~فكيف نظم الشاعر اليمني شعره في لغة أهل الحجاز"؛ إلى أن يقول: # "وأعجب من هذا أنك لا تجد مطلقا في شعر امرئ القيس لفظا أو أسلوبا أو # نحوا من أنحاء القول يدل على أنه يمني، فمهما يكن امرؤ القيس قد تأثر ~~بلغة # عدنان فكيف نستطيع أن نتصور أن لغته قد محيت من نفسه محوا تاما ولم يظهر ~~لها أثر في شعره؛ نظن أن أنصار القديم سيجدون كثيرا من المشقة والعناء ~~ليحلوا هذه المشكلة ". انتهى. # فنحن مع الأستاذ في اثنتين: أن ينكر وجود امرئ القيس إنكارا صريحا. # وحجتنا عليه ذكر هذا الشاعر في الأحاديث المروية عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وفيما روي من كلام الصحابة كعمر وعلي وكلام الشعراء الأمويين ~~كالفرزدق وجرير. # وأخرى: أن يقر بوجوده إقرارا صريحا ولا يقول "نرجح أنه وجد" وتبقى # المشكلة اللغوية التي أوردها واعترض بها وتوهم فيها في أنصار القديم ما ~~توهم # وجعلها أقوى ما في كتابه من الأدلة، وقد أنذرنا غير مرة في جدالنا معه ~~أننا # "سنجد مشقة، وعسرا" في التخلص من مشكلاته، فوالله ما وجدنا في واحدة عسرا ~~ولا مشقة، ولكنه يرمي الناس بما فيه وذلك من أمره، ولو تثبت واستعان بغيره ~~لكان خيرا له وأقوم، ولكن فتنه الله بنفسه وبصره العيوب إلا عيبه. # وقبل أن نحل له المشكلة نقول: إننا رأينا في بعض كتب الجدل أن رجلا # ذكيا قال لجماعة من الناس: إن سقف البيت كان فوق زيد ثم صار تحت زيد، ~~فقال واحد منهم: لا جرم تهدم البيت ووقع السقف فلا حول ولا قوة إلا بالله! # وقال آخر: لا عجب مات الرجل شر ميتة فإنا لله! وقال ثالث: وليس يمشي # الناس في جنازته إلا متوجعين فرحمه الله! وانطلقوا في ذلك يفضي به بعضهم # إلى بعض ولا رجعة لمن مات فالمشكلة لا حل لها! # ألا دعونا أيها الناس من الموت والهدم ومما قام بأنفسكم من المعاني، # PageV01P206 # وانظروا في الكلمة ولا تجاوزوها ودققوا ms199 الفهم قبل أن تدققوا التخريج فإن # السقف كان فوق زيد حين كان زيد جالسا في الغرفة، ثم صار تحته حين صعد زيد ~~إلى السطح؛ وهذا حل المشكلة التي هدمت بيتا وقتلت رجلا! وهي بعينها مشكلة ~~أستاذ الجامعة، فلا تجد في هذه صعوبة إلا إذا جريت على طريقته في التاريخ ~~والاعتماد فيه على العقل والرأي دون المادة متجاهلا أن العقل ينتج في كل ~~العلوم فيصلحها إلا في التاريخ فإته يفسده إذ لا تنتج فيه إلا المادة، وإذ ~~حاجته إلى العقل المفسر منه لا إلى العقل المنتج فيه، والعقول أنواع ~~بطبائعها وخصائصها ودرجاتها، فإذا تحكمت في التاريخ نوعته وهو شيء واحد لا ~~يختلف ولا يقبل الزيادة، إذ كان وانتهى ووضع عليه خاتم الفناء. # انظر يا سيدنا ومولانا طه حسين في كتاب العمدة في صفحة 59 من # الجزء الأول. تجدهم حلوا مشكلتك منذ ألف سنة بقولهم إن امرأ القيس يماني # النسب نزاري الدار والمنشأ - يعني المولد والمربى. ولا تؤاخذنا، في ~~التفسير # لك - فقل أنت الآن يا سيدنا ومولانا، هل تريد أن تولد لغة اليمن في دمه # فيكون دمه معجما لغويا لا يجري كريات حمراء بل كلمات واشتقاقات # وأساليب؛ وهل العربية أية لهجة كانت إلا على الدار والمنشأ بالسماع # والمحاكاة؛ كان سبيلك يا سيدنا ومولانا أن تثبت لنا بديا أن امرأ القيس ~~ولد # ونشأ في اليمن ثم تنقل بعد ذلك في قبائل العرب، ثم يكون لك أن تقول: # فكيف نسي لغته؟ وماذا نرى في قول بعض الرواة إن الشعر يماني واحتجاجهم ~~لذلك في الجاهلية بامرئ القيس، وفي الإسلام بحسان بن ثابت، وفي المولدين ~~بأبي نواس وأصحابه مسلم بن الوليد وأبي الشيص ودعبل - وكلهم من اليمن - وفي ~~الطبقة التي تليهم بالطائيين أبي تمام والبحتري. # أكل هؤلاء وهم ينسبون إلى اليمن قد كانوا إلا على لغة الدار والمنشأ؟ # ذلك هو كل ما في كتاب طه من المسألة اللغوية، وبقي أنه يجعل من # أسباب وضع الشعر سهولة ألفاظه، ويطلق ذلك في كل الشعراء الجاهليين قياسا ~~واحدا، مع ms200 أن الرواة العلماء نصوا على أن الأعشى يحيل في لفظه كثيرا ويسفسف ~~دائما ويرق ويضعف، وقد جعلوه بإزاء النابغة، قالوا: وألفاظ النابغة في ~~الغاية من البراعة والحسن. # فإذا كان هذا الشعر وضعا وصنعة فما الذي شد النابغة وأرخى الأعشى؛ وقد ~~أدرك الأعشى الإسلام وكان جاهليا، وكان أهل # الكوفة يقدمونه على الشعراء، فلا شبهة في وجوده؛ وكان من شعراء ربيعة # PageV01P207 # كطرفة بن العبد، وإنهما لمتباينان في ألفاظ الشعر؛ فكيف اشتد واحد ولان # الآخر؟ # قالوا: وكان الأصمعي يزعم أن العرب لا تروي شعر أبي دؤاد وعدي بن # زيد، وعلل هذا بأن ألفاظهما ليست نجدية، أي ليست قوية متينة السبك في # الغاية من القوة والجزالة، ولقد كان الأصمعي أحق من طه حسين بما ذهب إليه ~~لو أن رقة الألفاظ تنفي نسبة الشعر إلى جاهلي أو مخضرم أو تثبته لمولد أو ~~محدث تكون سببا من أسباب الشك. # ومع رقة شعر عدي كان معاوية يفضله # على جماعة الشعراء، ومع رقة أبي دؤاد فضله الحطيئة وهو أعلم بالشعر من طه ~~ومن أجداده؛ فما أظن أن في سلسلته شاعرا وإلا فأين أثره؟ # إن الرقة والجزالة واللين والجفاء لا ترجع في الشعر إلى لغة الشاعر ولا # عصره ولكن لعواطفه ومعانيه وذوقه، وللطريقة التي نشأ عليها، وللشاعر الذي ~~يحتذيه؛ فإن الشاعرية لا تنبت شاعريته كما تنبت الشجرة، بل هو بروي شعر ~~غيره فيعمل عليه، ثم تعرض له أمور من نفسه ودهره وعيشه فتوثر فيه قوة ~~وضعفا، وقد كانوا لا يعذون الشاعر إلا من روى لغيره، لأنه متى روى استفحل. # وسئل رؤبة عن الفحل من الشعراء، فقال: هو الرواية. # قال يونس بن حبيب: وإنما ذلك لأنه يجمع إلى جيد شعره معرفة جيد غيره، فلا ~~يحمل نفسه إلا على بصيرة؛ وتأمل ما قالوا في حفظ الشعراء المولدين كأبي ~~نواس الذي لم يقل الشعر حتى روى لسبعين امرأة من النساء دون الرجال، وأبي ~~تمام الذي كان يحفظ ما لا يعد، والمتنبي الذي لم يفته شيء، والمعري الذي لم ~~تسقط عن حفظه كلمة ms201 الخ الخ. # ولو كان طه شاعرا لعرف كيف تختلف أساليب الشعراء وبم تختلف ولم # تختلف؟ ولكنه بعيد من هذا وهذا بعيد منه كما تعلم، ومتى ثبت أن الشاعر # عندهم هو الراوية - وذلك ثابت لا ريب فيه والنصوص عليه كثيرة وأسماء # الشعراء ورواتهم معروفة - فمن ذلك تعلم كيف تأدى الشعر الجاهلي إلى # الرواة؛ فأولئك هم كانوا الدواوين التي جمعت الشعر وأدته صحيحا محفوظا ثم ~~زيد، عليه بعد، ولكن كذب الزيادة لا ينفي صحة الأصل؛ والأمر في هذه الزيادة ~~إلى أهله الذين كانوا أهله لا إلى طه ولا أمثال طه، فإذا رأيناهم يقولون ~~مثلا: # كان امرؤ القيس كثير المعاني والتصرف لا يصح له إلا نيف وعشرون شعرا من ~~طويل وقطعة؛ فما بنا بعد هذا القول حاجة إلى طفيلي في الشعر وروايته # وتحقيقه كأستاذ الجامعة ينفي أو يثبت"، على مذهب ديكارت أو على مذهب # PageV01P208 # الشيطان؛ لأن المذهب هنا من أقوال العلماء والحفاظ وأهل البصر بالشعر # والحذق في نقده وتمييزه، وما على الأرض اليوم رجل واحد يقول إنه من # هؤلاء. # ومما نظن أن ألفا وثلاثمائة سنة تضحك منه ضحكا يهز قبور الأدباء، قول # شيخ الجامعة في تعيين تاريخ امرئ القيس صفحة 150 # "والذي نرى نحن - تأمل نحن - أنه عاش قبل القرن السادس، وربما عاش قبل ~~القرن الخامس أيضا. . . " فربما التي يقال فيها إنها للتقليل هي في حساب ~~التاريخ الحسيني بمائة سنة، لأن الذي يقال فيه إنه عاش قبل القرن السادس ~~للميلاد لا يمكن أن يتقدم على سنة 500 فإذا قيل فيه: ربما عاش قبل القرن ~~الخامس أيضا؛ فأيضا هذه لا يمكن أن تتقدم سنة 405 وما أنا من علماء الرياضة ~~فأجد من عقلي قوة على تخليص هذا الخلط، وإذا جاءنا فيثاغورس فخلصه فقد بقي ~~أنه يجوز أن يكون امرؤ القيس قد عاش قبل القرن الرابع وربما قبل الثالث ~~أيضا. . . # إن نصف الكذب من الكذاب يشبه أن يكون منه بمنزلة نصف الصدق. # فالحمد لله على أن أستاذ الجامعة قد أبقى لنا شيئا نفهمه من شيء ms202 كان اسمه ~~امرأ القيس! # PageV01P209 ### | أعمالهم كرماد اشتدت به الريح # قرأت في "الأهرام" حديئا كان مع أحد كتابها للأستاذ الفاضل مدير # الجامعة يصف ما تم في جامعته مدة عام ويؤرخها فيه، وقد رأينا الأستاذ ركب ~~فنا غريبا من الكلام لا يعمد إليه في طبيعة القول وأساليبه إلا من كان في ~~نفسه أشياء تناقض ما في لسانه، أو كان قوله على أصل مخترع؛ وسنعرض لحديثه ~~بعد قليل. # ولما استوفيت القراءة رجعت إلى نسختي القديمة من كتاب (كليلة ودمنة) # لعلي أجد فيها بيان الحديث أو تأويل هذه الفلسفة، فأصبت ما أقص عليك من ~~هذا المثل الغريب ### | ، قال دمنة: # وأنت يا كليلة بعد لا أراك تخرج من نحيزتك ولا تدع زهوك وفلسفتك # وما تبرح في لسانك دأبا كلمتان: واحدة تنحدر وأخرى تهم أن تنحدر. # وتحسب أن ما معك من هذه الخاصة ليس مع أحد مثله، كأن الله أفردك بها # وما يفرد إلا نبيا وما يميز إلا رسولا وما أنت بأحدهما؟ # وإن رجاء الأمور لا يكون بزخرف الكلام ولكن بصحته، ولا تجزئ منه كثرة ~~أساليب الباطل وإنما غناؤه في أسلوب واحد، إذ كانت الحقيقة الواحدة لا ~~تتعدد. # ولعمري لو نفعك شيء من ذلك لقد كان نفع الفيلسوفة الأمريكية، قال كليلة: ~~وكيف كان ذلك؟ # قال: زعموا أنه كان في أمريكا امرأة فيلسوفة أحكمت المنطق وجمعت # العلوم ونظمت الشعر وألفت الكتب، وكانت صلعاء منقشرة الرأس، يعرفون ذلك ~~منها ويتواصفونه، فكانت لا ترى امرأة جثلة الشعر واردة الفرع إلا قالت في ~~نفسها: # أما إني لا أعرف أحدا من العلماء والفلاسفة وأهل الأدب يقطعني جداله # وتعجزني مسألته، ولو قد جادلتني امرأة كهذه لأعجزتني بأول كلمة منها، ~~فإنها أول بدأتها لا تتكلم إلا في الصلع. . . ويا ويلك إن لم ينطق في قبحك ~~إلا لسان الحسن! # قال: ثم إن النساء يومئذ وقع نقص جديد في عقولهن فذهبت كل # PageV01P210 # حسناء تجمم وتقص شعرها تشبها بالغلمان والفتيان، وعمهن ذلك، فقالت # الصلعاء الفيلسوفة: لقد وإن أكثر الصبر العسير وقارب فن فنا، وما الشعر ~~الذي ms203 يسقط إلا أخو الشعر الذي لا ينبت. # قال دمنة: ثم إن الفيلسوفة أرادت أن تسبح وترى الأرض حتى تنتهي إلى # مصر فترى آثار الفرعون تتخمون، فلما جاوزت البحر ووقعت في الأرض # المسلمة رأت الناس في حيثما نزلت من مراكش إلى مصر يحلقون رؤوسهم # بالمواسي، فقالت: أما والله إن هذه لهي المدنية التي فتحت العالم ودوخت # الممالك، وغير مستنكر ممن ينشأون على حلق رؤوسهم بالموسى أن يحلقوا # أعناق الأمم بالسيف، وإن هذا لهو الرأي، وإني لموفقة أحسن التوفيق، ولن # أبرح الفرصة حتى أفعل وأفعل، إلى أن أحمل هذه المواسي على رؤوس # الأمريكيات، فلا يبقى من فرق بيني وبينهن إلا أنهن يحلقن مرة بعد مرة # وحلقت أنا بالموسى الإلهية التي ليس لها مر بعد! # قال كليلة: ويحك يا دمنة! فماذا صنعت هذه اللكعاء؟ # قال دمنة: سبحان الله! أقول لك فيلسوفة وتقول لكعاء؛ ثم إنها تعجلت # الرجوع إلى أرضها فعملت خطبة سمتها "من بلاد الموسى" ولم تدع فيها جهدا # من مثلها إلا بلغته، حتى أتت على آخر وسعها، فصنفتها أحسن تصنيف # وعدلت أقسامها وأحكمت فصولها وابتدأتها بأن في الشرق مذهبا فلسفيا جديدا ~~أبدعه مدير الجامعة المصرية، وهي مدرسة أفريقيا كلها، فما كان من عمل ولو ~~إنشاء جامعة كبرى في زمننا هذا زمن الجامعات (فسنته الأولى تجربة. . . " # يذهب خطأها في طلب صوابها فهو لا بد لاحق به، فهو من ثم معدود منه. # فهو ليس بخطأ، ولو أن الدنيا خربت به لم يمنعه ذلك أن يسمى في الفلسفة # الشرقية صواب تجربة. # ثم إنها حشدت الأمريكيات وخطبت فيهن خطبتها تلك وشرحت قضية # الموسى، ولم تدع أن تزينها وتقرظها وتدعو إليها، وقالت آخر ما قالت: هب ~~أنكن لا تعرفن عواقبها، فإن المذهب الفلسفي الشرقي يقضي "بسنة تجربة ". # فلا عليكن أن تكفرن بالمقص وتؤمن بالموسى! واعلمن - أصلحكن الله - أن # PageV01P211 # "سنة التجربة" ستكون الدين الجديد الذي يطبق الأرض فسارعن إلى تجربة # الحلق بالموسى ليأخذه عنا الأوروبيات والسابقة لنا قبل أن نأخذه عنهن ~~والسابقة لهن. # قال دمنة: فانتدبت لها امرأة ms204 من المجلس وضيئة حسناء، فلما وقفت # بإزائها أمسكت المشط فمرت في شعرها تفيئه يمينا وشمالا وقالت لها: يا ~~هناه! # لو كان على رأسك من هذا لما كان في لسانك هذا. # * * * # وقرأنا حديث الأستاذ مدير الجامعة، والأستاذ أول كاتب مصري جرت # في قلمه عبارة "سلطة الأمة" ولكنه في هذا الحديث سكت عن الأمة وشكواها # واحتجاجها كأنه لم يوجد من هذا شيء، أو كان الأستاذ يرى دين الأمة في # الجامعة كقطن الأمة في البورصة، يبعد السعر ويقرب ويرتفع وينزل ولا عليه # من ذلك، فإن كان اليسر فاليسر وإن كان إفلاس فإفلاس، إنما عمله هو نشر ~~السعر كما تجيء به المصادفات خرابا وعمارا! # قلنا: فلتكن الجامعة كافرة كفرا صريحا، ولتكن على هذا أديرت إن لم # تكن لهذا أنشئت، فيبقى أمر هذه الغلطات التاريخية والأدبية التي وقع فيها # أستاذها وأبان فيها عن حماقة تركت الجامعة سخرية في الألسنة؛ فما سكوت # الأستاذ المدير عن هذا وللعلم حق يقضي عليه بإحدى قضيتين: فإما أن يسلم # بالخطأ ويلتمس إصلاحه ويعمل في ذلك ويعلنه للأمة، وإما لا؛ فليدفع حجة # بحجة وليرد كلاما بكلام وليربأ بالجامعة أن تكون في موقف المعاند ~~المكابر. # فإن المعاند يحسب السكوت مما يغطي ويموه على الناس، ولا يعلم أنه متى # قام الدليل من أحد خصمين لم يكن لسكوت الخصم الآخر إلا معنى واحد لا # يختلف لا في القانون ولا في العرف ولا في الشرع، وهو الإقرار والإذعان ~~وإن كان لم يقر ولم يذعن. # يقول الأسنتاذ المدير: الجامعة تبتدئ، ولا شبهة في أن السنة الأولى # لإقامة معهد علمي كبير يراد به ترقية التعليم العالي من ناحية ونشر ~~المعلومات # التي تحبب العلم إلى الجماهير - كذا كذا - من ناحية أخرى ينبغي اعتبارها ~~"سنة تجربة". . . # قلنا: ولكن يا سيدي المدير، ما نحن من أخلاط الأمم المبعثرة، ولا # نحن في جهل من مجاهل الدنيا، ولا نحن مبتدعين في إنثاء الجامعة فتضيع # PageV01P212 # أموالنا وأعمار أبنائنا فى سنة تجربة؛ أو لو قام تاجر مقصر ينشئ مصرفا ~~ويعامل فيه الناس ثم خسر ms205 وانكسرت عليه أموالهم يكون عذره عندك وعند المحاكم ~~أنها سنة تجربة؟ # ويقول الأستاذ: "لا أحد يشك في أن البرلمان المصري بعد أن استقبل في # العام الماضي نبأ تأليف الجامعة بالتصفيق لا يتردد هذا العام - بهذا ~~الجزم - في # أن يقر قانون الجامعة ويحرص على إثبات شخصيتها المعنوية من غير أن ينقص # "من غير أن ينقص! " من مشخصاتها شيئا "ولو بعض الشيء. . . " بل ربما زاد ~~- الله الله - على قوة هذه الشخصية المعنوية ووسع في دائرة مظاهرها" انتهى. # ونحن نظن أن الحديث كله لم يوضع إلا ليستجر هذه العبارة وحدها. # فهي والله ثقيلة على كل نفس، بل هي كالإملاء على البرلمان يفرضها عليه # المدير فرضا، فلا أحد يشك حتى ولا يهمهم في نفسه؛ لا أحد عليه لا أحد، و ~~"لا" لنفي الجنس، ولكن أين مذهب ديكارت يا سعادة المدير؛ أتشكون في الدين ~~والعلم وتعلمون الشك وتحامون عنه وتحملون فيه سخط الأمة كلها، حتى إذا ~~انتهى أمركم إلى نواب الأمة قلتم " لا أحد يشك) .. أفلا تعلم يا سيدي ~~المدير أنك حقرت هذه الأمة، وإنك بعملك أنزلت الجامعة من الأمة منزلة عدو ~~من عدوه. # فكيف تريد البرلمان على أن يكون الخاضع وهو الحاكم، وكيف تريد أن # ينسى الأمة ليذكر الجامعة، وكيف تتقدم له "بسنة تجربة" ثم تقول إقرار ~~القانون وإثبات الشخصنية وتقويتها وتوسيع دائرة مظاهرها؟ # ونريد نحن أن نفهم كيف يكون التوسيع في دائرة مظاهر دروس الأدب. # أيامر البرلمان بحرق المصاحف توسيعا لمظهر الدائرة التي تدور على أن ~~القرآن # كتاب موضوع دخلته الخرافات العربية كما تعلمون في الجامعة؟ # حدثني عنك يا سيدي المدير، ألا تعلم وأنت مدير الجامعة أن طه حسين # أعلم الطلبة بعد أن احتج العلماء وثار الرأي العام وكادت تقع الفتنة، أن ~~دروس الأدب في السنة الآتية ستكون في "مناقشة القرآن من الوجهة الأدبية"؛ ~~أمثل طه يناقش القرآن إلا في مثل هذه الجامعة الممقوتة التي تتقدم إلى ~~البرلمان في سلاسلها وأغلالها من غضب الله والأمة وصالح المؤمنين ثم تفرض ~~عليه إثبات الشخصية وتوسيع ms206 دائرة المظاهر؟ # وحدثني عئك يا سيدي المدير، ألم تكن تعرف المسيو كازانوفا الذي # PageV01P213 # جئتم به للجامعة وما علمتم أن الله سيبطله (1) لأنه تعالى أرحم من أن ~~يجمع # على أبناء هذه الأمة المسكينة كازانوفا وتلميذه طه حسين في مدرسة واحدة - ~~ألم تكن تعلم أنه صاحب كتاب "محمد وانتهاء العالم" الذي يقرر فيه أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - لم يستخلف أحدا بعده إذ كان لا يعتقد أنه سيموت. . ~~. بل يرى أن الساعة قائمة في عهده، فلما مات كان موته تكذيبا صريحا لأصل ~~عقيدته، فاضطر أبو بكر الصديق أن يكذب ويزيد في القرآن آيتين إحداهما (وما ~~محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) والأخرى (إنك ميت وإنهم ميتون (30) . # ويقول بعد ذلك، هذه كذبة حلال نحن مدينون لها بقرآن أبي بكر. . . # غط يا سيدي على الناحية الحية من الجامعة فقد غطى القبر على الناحية # الميتة منها، ولقد أكثرتم الرماد فإذا أثارته الريح فلا تلوموها ولوموا ~~أنفسكم! # * * * # ولنأخذ الآن في كتاب طه فقد وقعت فيه جهلة لم نر مثلها لأجد إلا بعض # المستشرقين وهي تأويل سيرة امرئ القيس وإثبات الشيخ بالبحث الفني. . . أن ~~هذه القصة مكذوبة؛ ولقد رأينا في تاريخ الأدب قصة أخرى أراد العلامة ابن ~~أبي الحديد شارح نهج البلاغة أن يقول إنها موضوعة وبحث في ذلك بوسائل فنية. # فنريد أن نعرض عليك البحثين لتقابل بين هذا وذاك ولتعلم الجامعة في # أي منزلة من السخف تنزل دروسها. # قالوا: انه لما نشأت فتنة الخلافة أبى على أن يبايع لأبي بكر، فبعث # الصديق لأبي عبيدة وأنفذه إلى علي برسالة يؤديها وحمله عمر كلاما آخر، ~~فأدى ذلك إلى علي، فرد عليه السلام بكلام يعتذر فيه، ثم غدا فبايع؛ وتركه ~~أبو بكر مع عمر فتناقلا كلاما بليغا، والقصة طويلة يتراد فيها هؤلاء ~~الثلاثة: أبو بكر وعمر وعلي، كلاما من النمط العالي، فرواه ابن أبي الحديد ~~ثم قال: "قلت: الذي يغلب على ظني أن هذه المراسلات والمحاورات وهذا الكلام ~~كله مصنوع موضوع، وأنه من كلام أبي حيان ms207 التوحيدي، لأنه بكلامه ومذهبه في ~~الخطابة والبلاغة أشبه، وقد حفظنا كلام عمر ورسائله وكلام أبي بكر وخطبه. # فلم نجدهما يذهبان هذا المذهب ولا يسلكان هذا السبيل في كلامهما، وهذا ~~كلام عليه أثر التوليد ليس يخفى؛ وأين أبو بكر وعمر من البديع وصناعة ~~المحدثين؟ # "ومن تأمل كلام أبي حيان عرف أن هذا الكلام من ذلك المعدن خرج ~~PageV01P214 # ويدل عليه أنه أسنده إلى القاضي أبي حامد المروروزي، وهذه عادته في كتاب ~~البصائر: يسند إلى أبي حامد كل ما يريد أن يقوله هو من تلقاء نفسه إذا كان ~~كارها لأن ينسب اليه. # ومما يوضح لك أنه مصنوع، أن المتكلمين على اختلاف مقالاتهم من # المعتزلة والشيعة والأشعرية وأصحاب الحديث وكل من صنف في علم الكلام # والإمامية، لم يذكر أحد منهم كلمة واحدة من هذه الحكاية، ولقد كان الرضى ~~رحمه الله يلتقط من كلام أمير المؤمنين رضي الله عنه اللفظة الشاذة والكلمة ~~المفردة الصادرة عنه في معرض التألم والتظلم فيحتج بها ويعقد عليها، نحو ~~قوله. . . وقوله. . . وقوله. . . وكان الرضي إذا ظفر بكلمة من هذه فكأنما ~~ظفر بملك الدنيا ويودعها كتبه وتصانيفه، فأين كان الرضي عن هذا الحديث، ~~وهلا ذكر في كتاب الشافي في الإمامية كلام أمير المؤمنين رضي الله عنه هذا؟ # وكذلك من جاء من الإمامية، كابن النعمان وبني نوبخت وبني بويه وغيرهم. # وكذلك من جاء بعده من متأخري متكلمي الشيعة وأصحاب الأخبار والحديث منهم ~~إلى وقتنا هذا - وسط القرن السابع -؛ وهلا ذكره قاضي القضاة في المغني مع ~~احتوائه على ما جرى بينهم حتى إنه يمكن أن يجمع منه تاريخ كبير في أخبار ~~السقيفة؛ وهلا ذكره من كان قبل قاضي القضاة من مشايخنا وأصحابنا ومن جاء ~~بعده من متكلمينا ورجالنا؛ وكذلك القول في متكلمي الأشعرية وأصحاب الحديث، ~~كابن الباقلاني وغيره، وكان ابن الباقلاني شديدا على الشيعة عظيم العصبية ~~على أمير المؤمنين رضي الله عنه، فلو ظفر بكلمة من كلام أبي بكر وعمر في ~~هذا الحديث لملأ الكتب والتصانيف بها وجعلها هجيراه ودأبه. # "والأمر فيما ذكرناه ms208 من وضع هذه القصة ظاهر لمن عنده أدنى ذوق من # علم البيان ومعرفة كلام الرجال، ولمن عنده أدنى معرفة بعلم السير وأقل ~~أنس بالتواريخ" انتهى. # فتأمل كيف يكون بحث المطلع المستوعب للمادة التي يتكلم فيها حتى لا # يفوته كتاب من الكتب ولا كلام عالم من العلماء، حتى لا يحكم إلا بعلم ولا # يحكي إلا عن مقنع، ثم قابل هذا ببحث أستاذ الجامعة وركاكته، قال في صفحة ~~134: # وهنا يحسن أن نلاحظ أن الكثرة من هذه الأساطير والأحاديث لم تشع # PageV01P215 # بين الناس إلا في عصر متأخر، - وفي عصر الرواة - المدونين والقصاصين ~~فأكبر الظن أنها نشأت في هذا العصر ولم تورث من العصر الجاهلي؛ وأكبر الظن ~~أن الذي أنشأ هذه القصة ونفاها إنما هو ذلك المكان الذي احتلته قبيلة كندة ~~في الحياة الإسلامية إلى أواخر القرن الأول للهجرة. # "فنحن نعلم أن وفدا من كندة وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى ~~رأسه الأشعث بن قيس. . . وأن الأشعث - بعد الردة - تاب وأناب وأصهر إلى أبي ~~بكر فتزوج أخته أم فروة. . . وشهد مواقع المسلمين في حرب الفرس، وتولى عملا ~~لعثمان، وظاهر عليا على معاوية، وأكره عليا على قبول التحكيم في صفين. # " ونحن نعلم أن ابنه محمد بن الأشعث كان سيدا من سادات الكوفة، عليه # وحده اعتمد زياد حين أعياه أخذ حجر بن عدي الكندي ونحن نعلم أن قصة # حجر بن عدي هذا وقتل معاوية إياه في نفر من أصحابه قد تركت في نفوس # المسلمين عامة واليمنيين خاصة أثرا قويا عميقا مثل هذا الرجل في صورة # الشهيد؛ ثم نحن نعلم أن حفيد الأشعث بن قيس وهو عبد الرحمن بن محمد # قد ثار بالحجاج وخلع عبد الملك. . . ثم انهزم فلجأ إلى ملك الترك ثم أعاد # الكرة فتنقل في مدن فارس. ثم استيأس فعاد إلى ملك الترك، ثم غدر به هذا # الملك فأسلمه إلى عامل الحجاج، ثم قتل نفسه في طريقه إلى العراق. . . ~~أتظن أن أسرة كهذه الأسرة الكندية تنزل هذه المنزلة في الحياة الإسلامية لا ~~تصطنع ms209 القصص ولا تؤجر القصاص لينشروا لها الدعوة ويذيعوا عنها كل ما من ~~شأنه أن يرفع ذكرها ويبعد صوتها؟ # بلى، ويحدثنا الرواة أنفسهم أن عبد الرحمن بن الأشعث اتخذ القصاص وأجرهم. ~~. . وكان له قاص يقال له عمرو بن زر. # وقصة امرئ القيس بنوع خاص تشبه من وجوه كثيرة حياة عبد الرحمن بن # الأشعث، فهي تمثل لنا امرأ القيس مطالبا بثأر أبيه، وهل ثار عبد الرحمن ~~عند الذين يفقهون التاريخ إلا منتقما لحجر بن عدي، وهي تمثل لنا امرأ القيس ~~طامعا في الملك، وقد كان عبد الرحمن بن الأشعث يرى أنه ليس أقل من بني أمية ~~استئهالا للملك الذي كان يطالب به، وهي تمثل لنا امرأ القيس متنقلا في ~~قبائل العرب، وكان عبد الرحمن متنقلا في مدن فارس والعراق، وهي تمثل امرأ ~~القيس لاجئا إلى قيصر مستعينا به، وقد كان عبد الرحمن لاجئا إلى ملك الترك ~~مستعينا به، وهي تمثل لنا خبر امرئ القيس وقد غدر به قيصر بعد أن كاد له ~~أسدي في القصر، وقد غدر ملك الترك بعبد الرحمن بعد أن كاد له رسل الحجاج، ~~وهي تمثل لنا بعد هذا وذاك امرأ القيس وقد مات في طريقه عائدا من # PageV01P216 # بلاد الروم. وقد مات عبد الرحمن في طريقه عائدا من بلاد الترك. # قال الشيخ العلامة الطاهوي الحسيني. . . # "أليس من اليسير أن نفرض بل أن نرجح أن حياة امرئ القيس التي تد # تحدث بها الرواة ليست إلا لونا من التمثيل لحياة عبد الرحمن استحدثه # القصاص إرضاء لهوى الشعوب اليمنية في العراق، واستعاروا له اسم الملك # الضليل (1) اتقاء لعمال بن أمية من ناحية، واستغلالا لطائفة يسيرة من ~~الأخبار كنت تعرف عن هذا الملك الضليل من جهة أخرى؟ " انتهى كلامه بنصه. # وكل ما مر بك من تاريخ فهو من تاريخ الطبري، ليس فيه ل طه إلا # التحريف أو التخريف؛ فأين تقف من مثل ذلك على بحث أو اطلاع، وقد جهل ~~الشيخ أن التاريخ كله حوادث متشابهة؟ إذ تنشأ في الأصل من طباع متقاربة ~~محدودة ms210 في آثارها فتتشابه هذه الحوادث كما يتشابه الناس. # وسنقفك على ما فى كلام الشيخ من الكذب والخلط، فالأشعث بن قيس # لم يكره عليا على قبول التحكيم وإن كان قد تكلم في ذلك، إنما أكرهه ~~القراء الذين كانوا معه حين انخدعوا برفع المصاحف من جيش معاوية. # وزياد بن أبي سفيان لم يعتمد على محمد بن الأشعث في أخذ حجر بن # عدي، بل قال لمحمد: والله لتأتيني بحجر أو لا أدع لك نخلة إلا قطعتها ولا # دارا إلا هدمتها.، ثم لا تسلم مني حتى أقطعك إربا إربا ثم أمهله ثلاثا ~~وأرسله إلى السجن، فخرج محمد منتقع اللون يتل تلا عنيفا أفمثل هذا يقال فيه ~~"عليه وحده اعتمد زياد" أم هي سنة العرب في أخذ سيد بسيد والاستفادة من رجل ~~برجل، واستفزاز الحمية والإباء في نفس من يفوتهم هربا لكيلا يظلم فيه غيره ~~فإذا عرف من أخذ به أسلم نفسه؟ # والمضحك أن الشيخ يقول إن زيادا اعتمد على محمد بن الأشعث في # أخذ حجر بن عدي، ثم يقول بعد ذلك: "هل ثار عبد الرحمن بن محمد عند # من يفقهون التاريخ إلا منتقما لحجر؟ " أفليس الأقرب أن ينتقم لإهانة ~~أبيه؟ # ثم يقول إن قتل حجر مثله في صورة الشهيد؛ فمن هو الشهيد إذن إن لم ~~PageV01P217 # يكن مثل حجر؛ ولكن الشيخ فهم ذلك من قول الطبري: إن حجرا قال لمن # حضره من أهله: لا تطلقوا عني حديدا ولا تغسلوا عني دما فإني ألاقي معاوية # غدا على الجادة! ثم قدم فضرب عنقه، قال هشام: كان محمد بن سيرين إذا # سئل في الشهيد يغسل؛ حدثهم حديث حجر؛ فأنت ترى أنهم يسألون ابن # سيرين هل يغسل الشهيد كما يغسل الميت فيحدثهم حديث حجر، يعني أنه لا يغسل ~~بل يدفن بثيابه؛ ولكن الشيخ فهم أن السؤال وجوابه تصوير لحجر عند المسلمين ~~في صورة الشهيد. . . # ثم يقول إن أسرة هذا شأنها تتخذ القصاص لينشروا لها الدعوة،. فإن كان # هذا فكيف أمن الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث فأرسله قائدا على أربعين ms211 ألفا # لمحاربة الترك؟ وكيف يمكن أن يقع هذا من مثل الحجاج إذا كان قصاص هذه # الأسرة ينشرون لها الدعوة؟ ألا يدل صنيع ذلك الطاغية الحجاج على أن أولئك ~~القصاص لم يكونوا قد خلقوا بعد، إذ لم يخلقوا إلا في سنتنا هذه في رأس ~~شيخنا هذا؟ # قال العلامة الطاهوي: "ويحدثنا الرواة أنفسهم أن عبد الرحمن اتخذ # القصاص، وكان له قاص اسمه عمرو بن زر". # فسلوه من أين جاء بهذا ومن الذي حدثه به من الرواة؛ إنه رأى في # الطبري هذه العبارة. # قال أبو مخنف: حدثني غمرو بن زر القاص: أن أباه كان # معه هنالك (في بلاد الترك) وأن ابن محمد - عبد الرحمن - كان ضربه وحبسه ~~لانقطاعه إلى أخيه القاسم، فلما كان من أمره الذي كان من الخلاف - أي ~~الانتقاض على الحجاج وخلع عبد الملك - دعاه وكساه وأعطاة. فأقبل فيمن أقبل؛ ~~وكان قاصا خطيبا! اه. # فالعبارة صريحة في أن عمرا هذا كان قاصا، وأن أباه كان قاصا خطيبا # وأنهما كانا في بلاد الترك يقاتلان كما يقاتل قراء المصرين البصرة ~~والكوفة لأن هذا هو الجهاد في سبيل الله، حتى إن أقوى كتائب عبد الرحمن ~~كانت كتيبة كل جندها من القراء وأن عبد الرحمن كان ضرب زرا وحبسه لانقطاعه ~~إلى أخيه القاسم، فلما احتاج إلى المقاتلة دعاه فحمله، يعني فأركبه، وجعله ~~من فرسانه لا من قصاصه، فمن أين يؤخذ أن عمرو بن زر أو زرا أبا عمرو كان ~~قاصا لابن الأشعث اتخذه وأجره ليصنع له ولأسرته الأخبار كقصة امرئ القيس، ~~وبخاصة إذا علمنا أن الأب منهما ضرب وحبس. . . . # PageV01P218 # وليس ينتهي عجبنا من الخلط في التمثيل والمقابلة. بين سيرة ابن الأشعث # وسيرة امرئ القيس، فابن الأشعث ليس بشاعر، ولا ابن ملك، ولا قتل أبوه ~~فخرج يطلب الثأر كامرئ القيس؛ وابن الأشعث لم يكن في سيرته صعلوكا، ولا ~~متعهرا، ولا متفحشا كصاحبه، فإذا قابله القصاص برجل فلن يكون هذا الرجل ~~امرأ القيس في تبطله وانقطاعه لصعاليك العرب وذؤبانها وفي الخمر والنساء ~~والفحش ونحوها. # وابن الأشعث إن ms212 كان قد طلب الملك، فما طلب امرؤ القيس إلا ثأر # أبيه، ولهذا قال حملني دمه ولم يقل حملني ملكه. # وابن الأشعث لم يلجأ إلى ملك الترك مستعينا، بل منهزما، لأنه كان # صالحه على أن يكف عنه ثم يفرغ للحجاج، فإن ظهر أعفى ملك الترك من # الخراج ما بقي، وإن انهزم فأراده وجب على الملك أن يلجئه عنده، وقد وفى # الملك بذمته وعهده. # وابن الأشعث لم يكد له رسل الحجاج عند ملك الترك، وإنما هددوه ليسلمه # فأسلمه صاغرا، واشترط على الحجاج شروطا قبلها منه، وفي بعض الروايات أن ~~ابن الأشعث مات بالسل وجاء الملك فاحتز رأسه وأرسله إلى الحجاج. # وابن الأشعث لم يتنقل في مدن فارس والعراق مستنصرا مستجيشا كما # فعل امرؤ القيس في قبائل العرب، بل كان محاربا يرحل بالجيش وينزل # بالجيش، وامرؤ القيس كان سبب هلاكه أنه فتن بنت قيصر بجماله وغزله أو # على الأصح بمنظره العصبي، أما عبد الرحمن فكان سبب هلاكه أحد اثنين: إما ~~السل، وإما رغبة ملك الترك أن يتخذ له يدا عند الحجاج. # وإذا صحت رواية الموت بالسل - وبرهانها قوي - فلم يمت الرجل في طريقه إلى ~~بلاده ولم يقتل نفسه، وإذا صح أنه مات في طريقه فقد قالوا إنه وثب من فوق ~~قصر، وأين هذا من ميتة امرئ القيس في حلة مسمومة نثرت لحمه نثرا؟ وإذا أراد ~~قصاص بني الأشعث أن يكذبوا فيزيدوا قصة امرئ القيس في # مفاخرة كندة، فليس من الفخر أنهم جعلوه شاعرا طرده أبوه، ثم يوصف # بالتصعلك والعهر والفحش، ثم يجعلونه عاجزا ضائعا في القبائل لا يأخذ بثأر # أبيه، ثم يلجئونه إلى قيصر فيكون هناك فاحشا ويقتل بفحشه وليس في السب ~~عندهم أشنع من هذا ونحوه، وهو كما ترى أعجز العجز، لا يوافق أهواء شعب عربي ~~ولا عاداته # PageV01P219 # وكيف يخاف القصاص عمال بني أمية فيضطرهم هذا الخوف أن يكنوا # عن ابن الأشعث بامرئ القيس، وأن يلفقوا هذا التلفيق البعيد ويضعوا له هذه ~~القصة المخزية، وهم يرون المؤرخين وأصحاب الأخبار يذكرون خبر ابن ms213 # الأشعث ويدونون حروبه ويقصونها ويسندونها بالأسانيد، وهل كانت دولة بني ~~أمية من الضعف بالمنزلة التي تخاف فيها ابن الأشعث ميتا وهي التي كسرته حيا ~~ثائرا في مائة ألف مقاتل؟ ولو قد خاف القصاص عمال بني أمية لخافوهم في ~~الحسين بن علي، أو في عبد الله بن الزبير، وكانا يطلبان الخلافة بحقها، ولو ~~قد خافوهم لخافهم الشعبي وهو قاص محدث، وكان يقاتل مع ابن الأشعث، ثم لقي ~~الحجاج من بعد، ثم دخل على عبد الملك. # قال: فذهبت لأصنع معاذير لما كان من خلافي مع ابن الأشعث على الحجاج، ~~فقال الملك: مه! # لا نحتاج إلى هذا المنطق ولا تراه منا في قول ولا فعل حتى تفارقنا. . . # أينما يذهب طه حسين في تأويله فهو لا يرى إلا ما يهدم عليه رأيه، ولكن # أنى لمثله أن ينكر الهدم وفي رأسه مثل هذا الفهم الخراب!. # PageV01P220 ### | قال دمنة. . . # يكتب إقي بعض الأفاضل من العلماء، والكتاب يسألون عن نسختي من # "كليلة ودمنة" ويطلبون إلي أن لا أكتمها عنهم ولا أستبد بها من دونهم، ~~وأن # أفضي إليهم في كل مقالة بمثل منها؛ ويقولون هذا هو الجديد في الأدب ~~العربي لا ما يعللوننا به من فصول مترجمة ومقالات مسروقة وآراء منتحلة، ولا ~~ما يكتب أشباه السوقة والعامة في اللغة والتعبير والحكاية. # وقال أديب فاضل إنه سيدل وزارة المعارف على هذه النسخة لتنتزعها مني # ولو بمثاقلتها ذهبا، فإنه - زعم - لا يجوز أن يبقى هذا الكنز "لتوت عنخ # الرافعي". وقد ملكت الأمة كنز توت عنخ آمون. # وكتبت إلي سيدة معلمة تقول إن مثل الفيلسوفة الأمريكية الصلعاء قرئ # في جماعة من السيدات فكان رأيهن أن عشر قصص على هذه الطريقة تفيد في # نشر العربية الفصحى وتحبيبها إلى النفوس وإعادتها بعد شتات أمرها ما لا ~~تفيد عشر مدارس منها الجامعة. # وبعد فإني أستغفر الله وأقول إن كان هكذا فإنه لخير كان أصله من شر. # ولكن يا سبحان الله! ما لهذه الجامعة كأنها في سلاسل وأغلال ربضت بها إلى # الأرض وأعجزتها وحزت فيها وأكلت ms214 من جلدها؛ ألا تعلم أن باب الخطأ الذي ~~دخلت منه يقابله باب التوبة، وأن الطريق التي انحدرت فيها لم يخسف بها فما ~~جاءت فيه رجعت منه وما قطعته إلى الكفر تقطعه إلى الإيمان؟ بلى، ولكنهم ~~يقولون إن الأستاذ الفاضل مدير هذه الجامعة يذهب بنفسه بعيدا، ويجوز بها ~~فوق مبلغها، فكأنه ليس مديرا للجامعة بل هو مالكها المنفق عليها من ذات ~~يده، فلا يسأل عما يفعل ساءت ملكته أم حسنت، ويقولون فما إبراهيم وإسماعيل ~~والكعبة والقرآن والتوراة والأدب والتاريخ، وهذه الجامعة لو شاءت أن تزعم ~~أن الهرم الأكبر مبني باللبن لوسعها ذلك ولجعلته تاريخا مع وجود الهرم نفسه ~~قائما من الصخر؛ ثم إنه ليس لأحد أن يكرهها على أن تتكلم إذا # PageV01P221 # أرادت السكوت، لأنها مستقلة ولأنها تبحث بعقول أهلها وعلى قدر هذه العقول ~~في أهلها، فإن كان ثم تبعة من التبعات فعلى قوم غشوا الأمة في اختيار هذه ~~العقول وظنوا أن نقش كلمة الجامعة في صفيحة من النحاس ثم وضع الصفيحة على ~~باب دار يجعل الدار جامعة؛ ثم جروا هذا المجرى في الأساتذة، فرجعت الأشياء ~~بعد إلى طبائعها لأنها لا تكذب ولا تغش، فوقعت الفوضى والاختلال وظهر الجهل # والخطأ وجاء درس الأدب وهو درس الكفر والتخليط والتزوير والتكير والمنكر، ~~وسموا طه حسين أستاذا في الجامعة وأظهرته الجامعة محررا في السياسة على ~~بذاءته ومساخته وفساد باطنه، كما كان في عهده إذ يسب دولة سعد باشا زغلول ~~كل يوم بمقالة؛ وقس على طه من طرفيه إلى أعلى وإلى أسفل. . . (1) # قال دمنة: وكانت هذه الجامعة في إنشائها كالحلم: نقل من نوم إلى يقظة # في طرفة العين، فرأى الحالم الماهر. . . أن بحرا من البحار قد نفض قاعة # نفضه قذفت إلى الهواء أثمن لؤلؤة فيه، ثم اجتمع الهواء فرمى فى يده ~~اللؤلؤة # فانتبه فإذا يده مقبوضة، فقال لمن حوله: ألا ترون أطبقوا أيديكم؛ فلما ~~فعلوا قال: الآن في يد كل منكم لؤلؤة ثمنها مائة ألف؛ والآن أصبحتم من ~~سروات الدنيا ولهاميم العالم، وإن بلادا أنتم من ms215 أهلها لجمجمة الأرض، الآن # والآن. . . ومضى يعدهم ويمنيهم ويقول وإن في هذا لكم الغنى والمجد # والسؤدد. # ثم حلم الحالم الماهر. . . أن في جمع مدرسة إلى مدرسة ما يبدع # جامعة، فقال وإن في هذا لكم العلم الأعلى، والآن هذا مدير الجامعة، وذاك ~~أستاذ كذا، وذلك أستاذ كيت، وهذا وذاك وذلك يجتمع منهم هؤلاء، فاجتمعوا ~~فكان ماذا؟ # قال كليلة: فكان ماذا. # قال دمنة: كان منهم كالدار التي ظن بانيها أنها تلد. . . # قال كليلة: وكيف كان ذلك؟ # قال دمنة: زعموا أنه كان بمدينة كذا رجل عقيم، وكانت به لوثة (2) ، فقال ~~PageV01P222 # إني لم أرزق ولدا وما أرى من دار إلا وفيها أولاد، فلو قد بنيت دارا ~~لرجوت من العقب ما يرجو الناس، وقام ذلك بنفسه ورسخ في يقينه، وخيل إليه من ~~ظاهره باطن، فجاء بالعمال والبنائين وقال أبنوا ههنا ووسعوا وأكثروا ~~الغرفات، فإنهم عشرة غلمان وخمس بنات،. فذلك خمس عشرة غرفة؛ ثم لي وللعجوز ~~غرفتان، فقال رئيس البنائين: ومن أين الغلمان والبنات وأنت شيخ عقيم، وإنما ~~حاجة مثلك إلى الكن الدافئ والبيت الضيق يلفك وامرأتك ويمسك عظامكما أن ~~تتبعثر في الدار الواسعة! # قال صاحب الدار: يا سبحان الله! ما تصنع الغرارة وقلة المعرفة بأهلها.. ~~أيها الفسل، أما علمت أن كل غرفة تبنى لولد # تهيأ له وتسمى باسمه وتحبس عليه - فإن القدرة توحي إليها أن تصير "سنة # تجربة": فإن لم تلده أمه بعد السنة أوحت إليها القدرة أن تلده هي فيصبح ~~الشيخ مثلي وإذا ولده خمسة عشر مما تلد الدار. . . # قال كليلة: فقد زعمت يا دمنة أن هذه الجامعة الخرقاء كانت مستقلة. # ففسر لي استقلالها ما هو؟ # أكان أساتذتها يأكلون كتبا ويشربون حبرا ويلبسون # جدرانا وأبو ابا؟ # - قال دمنة: مثلها في ذلك مثل الخطيب الزنديق الأحمق الذي زعموا أنه # كان يبطن الكفر ويظهر الإسلام، فتعالم الناس ذلك منه فوسعوه إشفاقا عليه # ونظرا له، ثم أفشى طرفا منه في بعض حديثه فقالوا إن الملة سمحة وللتأويل # أبواب ولكل قول وجوه ومعان، فإن لم يكن في القول ms216 إلا جزء واحد من # الإيمان وكان فيه تسعة وتسعون من الكفر وجب حمله على الواحد دون التسعة ~~والتسعين، ثم غره ذلك منهم وحسبه ضعفا ومعجزة فتقخم في كفره وسولت له نفسه ~~أنه فوق الناس، فهو مستقل وهم التابعون، وهو الحر وهم العبيد، وقال إنه لن ~~يكون الكفر في مثل هؤلاء الجامدين كفرا إلا في المسجد "الجامع". # وعلى المنبر وفي يوم الجمعة، فليهمس هامسهم ولينطق ناطقهم، وسأرى ما # يكون من تلقائهم، فإني لخطيب صلاتهم ولكني مستقل أفكر برأسي لا # برؤوسهم، وإني لأرتزق منهم ولكني مستقل آكل ببطني لا ببطونهم. . . وإذا ~~قالوا كفر فإنما هذا إيماني، وإذا قلت آمنوا فإنما ذلك كفرهم، ولهم علي ~~كلام يسمعونه والكلام فنون وأجناس، ففي أن أقول ما هجس في قلبي، أخطات أو ~~أصبت، وغيرت أو بدلت، ورضوه أو كرهوه؛ وعليهم لي أجر يدفعونه لم يكن # PageV01P223 # يوما ولا يكون ولن يكون إلا من جنس واحد: ذهبا خالصا صحيحا يرن رنينا ~~صافيا لا أقبل فيه زائفا ولا ناقصا ولا مغيرا ولا مبدلا، ثم لا أرضى فيه ~~برأيي دون رأي الصيرفى الحاذق البصير، فكثير غشي إياهم ليس بغش، وأنا بعد ~~في عافية، وأنا مستقل، وأنا مختار، وأنا أفكر، فأنا موجود.،. وإن أهون الغش ~~منهم ولو في درهم وما دون الدرهم لهو الغش المفضوح والخيانة الأثيمة ~~والخيانة الموبقة، ولن يقلتهم القانون ولا الشرع ولا العرف، وهم مأخوذون به ~~فمعاقبون عليه. # قال دمنة: فلما كانت الجمعة والتقى الناس لأداء المكتوبة جاء # الخطيب. . . # قلت: وبقية هذه الصحيفة مقطوعة من النسخة التي عندي فلعل في قراء # الكوكب من عنده نسخة أخرى فليعارض عليها وليأتنا بباقي المثل. # قرأت في الأهرام مقالا لشيخنا وصديقنا نكتة الزمان وعلامة وادي النيل # أحمد زكي باشا قال فيه: " من بواعث الأسى في نفسي ودواعي الأسف في قلبي ~~أن بعض أنصاف العلماء في مصر وسوريا، وأن بعض أشباه المتعلمين وأشباه ~~الأشياخ في هذين القطرين الشقيقين قد أصابهم التفرنج بداء الحذلقة والتشكك، ~~فصاروا لا يرون لأجدادهم فضلا ولا يعرفون لهم مبرة ms217 ولا يذكرون عنهم مفخرة، ~~بل صار أولاد الحلال هؤلاء يطأطئون رؤوسهم أمام كل إفرنجي، ويخرون ساجدين ~~لكل وارد عليهم من بلاد الإفرنج أو باسم الإفرنج، حتى لقد أصبحوا وهم يرون ~~العلم كل العلم ما جاءهم ولو بطريق التحريف أو على سبيل التخريف عن ~~المستشرق فلان أو المسيو علان. . .؟ وإلا فالحجة الناطقة هي ما صدر عن شفاه ~~السنيور هان بن بيان " أو عن # "الهر جامان بن ألمان" انتهى. # فاولاد الح. . . . . . لال هؤلاء على مواطاة من بعضهم لبعض لا يرضيهم # من الرضا إلا أن ينسى الشرقيون آباءهم وأجدادهم ويصبحوا بددا متناثرين؛ ~~وهم لا يعلمون أنه ما من رجل حر يسره أن له باسم أبيه أو جده الشرقي اسم ~~أحد من الإفرنج ولو كان اسم دولة من الدول العظمى، ولئن كانت الجامعة قائمة # PageV01P224 # منهم على دعائم إنسانية تعمل في إضعاف الجنسية وإشراب الناس في قلوبهم ما ~~تمجه العقيدة والفضيلة - فإنها لمحقوقة بتركها واطراحها وتحذير الناس منها؛ ~~فلينظر نواب الأمة أين يضعون أيديهم من هذا الفساد لإصلاحه، وليبدأوا بهذا ~~العنصر السام المسمى في كيمياء التعليم "بالطاهوية". . . # وبعد: فلنتمم كلامنا على ما سماه أستاذ الجامعة "البحث الفني" # قال في صفحة 144: ولننظر في المعلقة نفسها "معلقة امرئ القيس". . . ولكنا ~~نلاحظ أن القدماء أنفسهم يشكون في بعض هذه القصيدة، فهم يشكون في صحة هذين ~~البيتين: # "ترى بعر الأرام في عرصاتها " # وهم يشكون في هذه الأبيات: # " وقربة أقوام حملت عصامها " # الأبيات الأربعة. . . ثم يقول: ونظن أن أنصار القديم لا يخالفون في أن # هذين البيتين قلقان في القصيدة، وهما: # وليل كموج البحر أرخى سدوله. . . علي بأنواع الهموم ليبتلي # فقلت له لما تمطى بصلبه. . . وأردف أعجازا وناء بكلكل # فقد وضغ هذان البيتان للدخول على الذي يليهما وهو: # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي. . . بصبح وما الأصباح منك بأمثل # قلنا: وعلى هذا فالقدماء شكوا في اثنتين واستخرج الشيخ الثالثة بفكره # الثاقب ومعرفته بالشعر كنه المعرفة. . . ونحن كنا نرفعه عن مثل هذا ~~التدليس والتمويه، فقد جاءت الرواية بأنه يقال إن هذين البيتين ms218 المضروبين ~~مثلا في الاستعارة مما وضع "خلف الأحمر" على امرئء القيس كما وضع من مثل ~~ذلك على غيره، ولم يجزموا أن خلفا صنعهما بل جاءت الرواية بصيغة التمريض ~~"يقال" ولو جاز لنا نحن أن نقول في ذلك لقلنا إن البيتين من شعر امرئ ~~القيس، وإنما نسبوهما إلى "خلف" على الظن، إذ كانوا يذهبون إلى أنه وضع على ~~كل شاعر فحل ما يجوز في شعره ولا يتميز فنه، مبالغة منهم في علمه بالشعر ~~ونفاذه فيه وأنه من ثقافته وصناعته، فإذا أرادوا أن ينسبوا إليه شنيئا من ~~قول شاعر بعينه عمدوا إلى الاختيار من أحسن ما يقول هذا الشاعر، لأن صنعة ~~(خلف) إنما كذلك تأتي. # PageV01P225 # ويقول الشيخ في صفحة 149: "ولنسرع إلى القول بأن وصف اللهو مع # العذارى وما فيه من فحش أشبه بأن يكون من انتحال الفرزدق منه بأن يكون # جاهليا، فالرواة يحدثوننا أن الفرزدق "تنبه! فإن النص مترجم. . . " # خرج في يوم مطير إلى ضاحية البصرة فاتبع آثارا حتى انتهى إلى غدير، وإذا ~~فيه نساء يستحممن - يريد يستنقعن - فقال، ما أشبه هذا اليوم بيوم دارة ~~جلجل. # ليس كذا قال وإنما هو: الم أر كاليوم قط ولا يوم دارة جلجل " # وولى منصرفا؛ فصاح النساء به: يا صاحب البغلة! فعاد إليهن، فسألنه وعزمن ~~عليه ليحدثهن بحديث "دارة جلجل" فقص عليهن قصة امرئ القيس وأنشدهن قوله: # ألا رب يوم لك منهن صالح. . . ولاسيما يوم بدارة جلجل # قال الشيخ والذين يقرأون شعر الفرزدق ويلاحظون فحشه وغلظته وأنه قد # ليم على هذا الفحش وهذه الغلظة، لا يجدون مشقة في أن يضيفوا إليه هذه # الأبيات، فهي بشعره أشبه" انتهى. # قلنا: ولكن الأستاذ قد كذب وزاد في النص، فإن الرواية في الأغاني في # أخبار الفرزدق وليس فيها أن الفرزدق أنشدهن الأبيات، فكيف تكون من شعره؟ # وعلى قياس طه فكل شاعر من شعراء الهجاء يمكن أن يلحق بشعره كل قول فيه ~~هجاء وسب وإقذاع ويقال إنه بشعره أشبه، فيكون هذا هو البرلمان. . . وكل ~~متغزل يضاف إليه شعر كل متغزل لأن ms219 طباعهما متشابهة وما يقوله هذا يقول هذا ~~مثله؛ على أنه وصف أغلب على امرئ القيس من أنه غوي عاهر متفحش، وهو يجري في ~~شعره من ذلك على خلق وطبيعة، وله جرأة عليه تشعرك أنه ابن ملك يرى لنفسه ~~كلمة فوق كلام الناس، فكلامه إنما يشاكل نفسه، وفحشه إنما يأتيه من قبل ~~الغزل والنسيب، لا كفحش الفرزدق فذاك من قبل الهجو واللؤم. # والفرزدق لا يعد من شعراء الغزل، وقد كان أهل الحجاز يقدمون # "جميلا" عليه وعلى جرير معا لموضع جميل من النسيب وقلة غنائهما فيه. # وكانا يعلمان ذلك من نفسيهما ولا يريان الشعر إلا في بابهما في الفخر # والهجاء، فروى أبو الزناد عن أبيه قال، قال لي جرير: يا أبا عبد الرحمن، ~~أنا أشعر أم هذا الخبيث؟ يعني الفرزدق، وناشدني لأخبرنه، فقلت: لا والله ما ~~يشاركك ولا يتعلق بك في النسيب: قال: أوه قضيت وال له له علي. أنا والله ~~أخبرك. ما دهاني إلا أني هاجيت كذا وكذا شاعرا وأنه تفرد لي وحده. # أما حديث الفرزدق الذي استدل به طه فهو عندنا موضوع، لأن الفرزدق # PageV01P226 # فضح فيه نفسه وترك النساء يسخرون منه ويضربن وجهه بالطين والحمأة ويملأن ~~منهما عينيه وثيابه ويتماجن به ويتركنه سطيحا على الأرض وبأسوأ حال ~~وأخزاها، وما نحسب مثل الفرزدق يروي ذلك عن نفسه أو يرضاه له وهو من هو في ~~الفخر، وإنما تلك أقاصيص توضع للنادرة والتظرف والسخرية، وهب الخبر صحيحا ~~أو هبه مكذوبا - فعلى أيهما - فإن الفرزدق لم يذكر شعر امرئ القيس، فلا ~~معنى لأن يكون قد وضع الشعر بعد، وكيف يضع الفرزدق على امرئ القيس وهو ~~يذكره في شعره ويقدمه ويعده أحد النوابغ الذين وهبوه الشعر؟ # ثم يقول طه: "أما وصف امرئ القيس لخليلته وزيارته إياها وتجشمه ما # تجشم للوصول إليها وتخوفها الفضيحة حين رأته وخروجها معه وتعفيتها ~~آثارهما بذيل مرطها وما كان بينهما من لهو، فهو أشبه بشعر عمر بن أبي ربيعة ~~منه بأي شيء آخر؛ فهذا النحو من القصص الغرامي في الشعر فن ms220 ابن أبي ربيعة ~~قد احتكره احتكارا لم ينازعه فيه أحد. # " ولقد يكون غريبا حقا أن يسبق امرؤ القيس إلى هذا الفن ويتخذ فيه هذا # الأسلوب ويعرف عنه هذا النحو ثم يأتي ابن أبي ربيعة فيقلده فيه ولا يشير ~~أحد من النقاد إلى أن ابن أبي ربيعة قد تأثر بامرئ القيس، مع أنهم قد ~~أشاروا إلى تأثير امرئ القيس في طائفة من الشعراء في أنحاء من الوصف، فكيف ~~يمكن أن يكون امرئ القيس هو منشئ هذا الفن من الغزل الذي عاش عليه ابن أبي # ربيعة والذي كون شخصية ابن أبي ربيعة الشعرية ولا يعرف له ذلك؟ . . . ~~ونحن نرجح أن هذا النوع من الغزل إنما أضيف إلى امرئ القيس، أضافه رواة ~~متأثرون بهذين الشاعرين الإسلاميين - الفرزدق وابن أبي ربيعة - " انتهى. # ونريد أن نسأل شيخ الجامعة عن قوله: "إن النقاد قد أشاروا إلى تأثير # امرئ القيس في طائفة في الشعراء في أنحاء من الوصف؛ فإن لم يكن هذا # كذبا فمن هم هؤلاء النقاد؟ ومن هم أولئك الشعراء؟ وما هي تلك الأنحاء من ~~الوصف؟ وأين وجد ذلك، أفي كتاب كازانوفا أم كتاب كذبنوفا. . .؟ هذه كلها من ~~ترهات الشيخ ولا أصل لها وإنما يأتفكها ليصل بعض الكلام ببعض في نظم # PageV01P227 # الدليل الذي يريده، وهي طريقة المستشرقين ولا قيمة لها في التاريخ وقد ~~نبهنا # إليها مرارا. # كل ما قاله النقاد: إن من يقدم امرأ القيس على الشعراء احتج له فقال # ليس أنه قال ما لم يقولوا، ولكنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها فاستحسنها # العرب واتبعته فيها الشعراء، منها استيقاف صحبه، والبكاء في الديار، ورقة ~~النسيب، وقرب المأخذ، وتشبيه النساء بالظباء والبيض وتشبيه الخيل بالعقبان ~~والعصي، وأنه أول من قيد الأوابد وأجاد في التشبيه وفصل بين النسيب وبين ~~المعنى. # وبهذا تقدم الشعراء لأنهم اتبعوه فيه ولم يتبع هو أحدا، وفن ابن أبي # ربيعة إنما هو داخل في رقة - النسيب، إذالنسيب جنس يشمل صفة النساء # وحكاية أقوالهن، والتسبب إلى مودتهن الخ؛ فإذا كان ابن أبي ربيعة قد ~~استحسن ms221 أسلوبا من أساليب امرئ القيس في النسيب فأكثر منه واستنفذ فيه جانبا ~~عن شعره فليس معنى ذلك أنه اخترع الطريقة ولا احتكر الفن؛ ومن الثابت أنه ~~لم يوضع شيء على الجاهلية بعد القرن الرابع، فلو عملوا على طريقة ابن أبي ~~ربيعة ونحوله امرأ القيس لما فات هذا مثل صاحب الأغاني ولجعله كل الفخر ~~لابن أبي ربيعة؛ والمعلقة كانت مدونة مروية في أوائل القرن الثاني. # أما أنهم لم يدلوا على أن ابن أبي ربيعة أخذ فنه من امرئ القيس فلأنهم # لم يكونوا يرون ذلك فنا ولا طريقة، إنما هو شعر كالشعر يعرف عندهم ~~بمعانيه لا بأسلوبه القصصي، ولم يسمه فنا إلا أستاذ الجامعة. " # وأنا أحسبني شاعرا أجد الشعر في طبعي وأفهمه وأنفذ في أغراضه وأقوله # وأحسن نقده وتمييزه، ولا أظن أحدا يكابر في هذا أو ينازعني عليه؛ وإني مع # ذلك لا أرى أثقل ولا أبرد ولا أسمج من شعر ابن أبي ربيعة هذا حين يفضح # النساء ويقول في شعره: قلت لها وقالت لي، وكان مني كذا وكان منها كذا. # وما هو عندي بفن؛ بل خلق سافل وطبع غوى ونفس عاهرة، بل هو فن هجو النساء ~~إذ كان ابن أبي ربيعة لا يحسن مدح رجل ولا هجوه فسسقط من هذه الناحية ~~ليرتفع من الناحية التي تقابلها في النساء، فكأنه ارتفع بقوتين؛ - ثم أراد ~~الرجل أن يسير شعر في الأفواه ولا أسير من أخبار النساء وأحاديثهن، فهذا ~~هذا. # وطريقته في شعره إنما تحسن حين تتفق في الأبيات القليلة والقصيدة # PageV01P228 # المفردة، وحين تجيء تظرفا وتماجنا وحين تخرج مخرج النادرة أو تبعث عليها # الفتوة وميعة الشباب في بعض الحب الشديد، كما فعل امرؤ القيس، فأما أن # يكون فيها أكثر شعره وعليها كل عمله ويتقلب الرجل وكأنه ليس في فمه إلا ~~لسان امرأة فهذا ما لا أراه فنا، إلا أن يقال فن الرجل اللص وفن المرأة ~~العاهرة كما يقال فن الشاعر وفن المصور مثلا! # وقد نصوا على أن امرأ القيس هو الذي افتتح تلك المعاني التي ms222 أومأنا # إليها وأن الشعراء اتبعوه، فأين النص أن ابن أبي ربيعة افتتح هذه الطريقة ~~- من: قلت لها وقالت لي، وكنت وكانت، وفعلت وفعلت؟ # ومن الذي اتبعه في هذا الباب وأنفذ فيه أكثر شعره ولو أنهم كانوا يرونه ~~مبتدعا لنصوا على ذلك كما نصوا على غيره. بل كان جرير يرى تلك الطريقة ~~هذيانا، حتى استحكمت # معاني ابن أبي ربيعة فرآه حينئذ قال الشعر. # وإن هناك أصلا مقررا في الأدب العربي، وذلك أن فحول الشعراء # يسبقون إلى ابتداع المعاني والأساليب فيتبعهم فيها من بعدهم، إذ لا يقول ~~أحد شعرا ولا يكون شاعرا إلا عن رواية وحفظ. # فقد يتفق المعنى لشاعر متقدم أو تستوي له الطريقة في بعض الأساليب فيأتي ~~بعده من يجد ذلك في طبعه ويكون قد اعتاد منه في أسباب عيشه ودهره ما لا ~~يجري به اعتبار شاعر آخر، فيحتذي # على حذو الأول ويتخذ كلامه أصلا يبني عليه فيكثر من ذلك ويقلبه على # وجوهه حتى يميته ولا يدع فيه شيئا لغيره، وليس ابن أبي ربيعة بدعا في ~~ذلك، فإن أبا نواس احتذى على الأعشى في الخمر ولكنه أكثر فيها حتى عرفت به ~~هذه الطريقة وحتى لم يكن يرى لغيره فيها معنى وهو حي، وهذا البحتري رأى بعض ~~شعراء المتقدمين يذكر طيف الحبيب وزيارته، وقد قالوا إن أول من سبق إلى هذا ~~المعنى " جران العود" في قوله: # سقيا لزورك من زور أتاك به. . . حديث نفسك عنه وهو مشغول # ثم أخذه العباس بن الأحنف وأخذه أبو تمام، فجاء البحتري فتعلق عليه # وأكثر منه وجعل وصف الخيال طريقة من طرائقه فعرف بها. # وكيف وضع فن البديع لو لم يكن مسلم بن الوليد قد جرى على هذا الأصل # فتتبع ما رآه في شعر الشعراء من استعارة وتشبيه ومجاز ثم قصدها في شعره ~~وعمل على أن يتكلفها حتى نهج الطريقة لأبي تمام من بعده فجاء هذا واستنفذ ~~فيها شعره # - حتى غرف بها وغرفت به والأصل - كما رأيت - من أبيات متفرقة وكلمات ~~مأثورة. # PageV01P229 # أفإن رأيناه استعارة أو ms223 مجازا في كلام جاهلي كامرئ القيس قلنا وضعهما # شاعر إسلامي متأثر بشعر مسلم بن الوليد وأبي تمام لأن هذا الفن احتكره ~~أبو # تمام احتكارا؟ # إن سيدنا ومولانا طه حسين في يده ميزان دقيق اسمه ميزان القمحة، وهو # مع ذلك يزن به الجبال والمدن والأقطار، وقد وزن قصر الزعفران "أي الجامعة ~~المصرية" فقال إنه عشرون ألف طن.. ولما قيل له إن وزارة الأشغال لا تقول ~~بهذا ولا يقرك عليه المهندسون وأنت لست مهندسا ولا وزارة أشغال، قال: كل ~~أولئك من أنصار القديم لأنهم يتبعون علوما قديمة يحتذي فيها بعضهم حذو بعض. ~~. . وقد وزن امرأ القيس في ميزان القمحة هذا فكان أقة واحدة إلا عشرة ~~دراهم. . . فلو اجتمع الإنس والجن على أن يثقلوا ميزان الشيخ ليزيدوا هذه ~~الدراهم العشرة ويجعلوا امرأ القيس المسكين أقة كاملة لما استطاعوا إلا إذا ~~كان في قدرتهم أن يزيدوا عقل الشيخ لأن التصحيح في عقله تصحيح في ميزانه. # وقال في صفحة 145 يكذب رحلة امرئ القيس إلى قيصر وأن شعره في # ذلك مصنوع: "وإذا لم يكن بد من التماس الأدلة الفنية على انتحال هذا ~~الشعر نحب أن نعرف كيف زار امرؤ القيس بلاد الروم وخالط قيصر ودخل معه ~~الحمام وفتن ابنته ورأى مظاهر الحضارة اليونانية في القسطنطينية ولم يظهر ~~لذلك أثر في شعره. # لم يصف القصر ولم يذكره ولم يصف كنيسة من كنائس # القسطنطينية. لم يصف الفتاة الامبراطورية التي فتنها، لم يصف الروميات، ~~لم # يصف شيئا مما يمكن أن يكون روميا حقا. # ومهما يكن من شيء فإن السذاجة وحدها هي التي تعيننا على أن نتصور أن ~~شاعرا عربيا قديما قال هذا الشعر الذي # يضاف إلى امرئ القيس في رحلته إلى بلاد الروم" انتهى. # فيا شيخ، أما تعلم أن المتنبي في الإسلام "كامرئ القيس في الجاهلية. # "وقد اجتمع له،، من أسباب الشعر ووسائله ما لم يجتمع لذاك، وأن المتنبي # جاء إلى مصر وعاش فيها وخالط أهلها؛ فقل لنا يا أستاذ الأدب: أين وصف ~~الهرم في شعر المتنبي؟ أم ms224 تحسب أن الهرم كان يومئذ صغيرا ثم كبر. . . # ومهما يكون من شيء فإن السذاجة وحدها هي التي تعيننا على أن نتصور # أن شاعرا كالمتنبي يقيم في مصر ولا يصف الهرم؛ ومع ذلك فقد أقام المتنبي # PageV01P230 # في مصر ولم يصف الهرم. # إن أنصار الجديد سيلقون مشقة وعسرا في حل هذه # المشكلة ولا بد من حل هذه المشكلة. . . # لقد سئمنا من جهل طه وسخافة رأيه وخلطه بين طبائع الناس وخصائص # الأزمنة، فما زاد المتنبي على أن ذكر في شعره لفظ - الهرمين - كما ذكر ~~امرؤ القيس لفظ - قيصر - فهذا من ذاك. # والعجب أن الشيخ كثيرا ما يضع رأسه في موضع ثم لا تكون إلا وثبة فإذا # رجلاه في موضع رأسه. # قال في صفحة 148: "ونحن نقبل أن امرأ القيس هو # أول من قيد الأوابد وشبه الخيل بالعصي والعقبان وما إلى ذلك، ولكنا نشك # أعظم الشك أن يكون قد قال هذه الأبيات التي يرويها الرواة". # وهنا كما ترى عقل الشيخ، ثم وثب إلى صفحة 155 فإذا هو يقول عن # عمرو بن قميئة الشاعر: " لميئعرف من أمره شيء إلا اسمه كما لم يعرف من # امرئ القيس ولا من أمر عبيد إلا اسمهما". # وهنا كما ترى حذاء الشيخ في مكان رأسه؛ وإلا فهل كان اسم امرئ # القيس هو الذي قيد الأوابد واخترع كل تلك المعاني؟ # الحق أن طه حسين للأدب العربي كالكسوف والخسوف. . . يحجب حتى # نور الشمس وحتى نور القمر. # PageV01P231 ### | حرية التفكير أم حرية التكفير. . . # مقالة مرفوعة إلى البرلمان المصري # طلعت جريدة "السياسة، بحديث جديد للأستاذ الفاضل مدير الجامعة ينزع # فيه إلى مذهبه في حديثه الأول من الإملاء على البرلمان وإلقاء العصا # الفلسفية. . . لا رغبة في أن تتحول ثعبانا كما تحولت عصا موسى من قبل، بل ~~محاميا يسحر على أبصار النواب وأسماعهم، بل منوما ينقل إليهم الإرادة # وينصها لهم نصا بقوة المغناطيس؛ بل سحابة تتنزل عليهم بالملك الموكل # بالهداية "كما تقول السياسة"، وإن عهد القراء بحديثه الأول لمنذ قريب. # ولنبدأ بكلمات الأستاذ لأن المذهب الجديد يجعلها من ms225 الحروف التي لها # الصدارة. # قال وهو يعني قانون الجامعة المطروح الآن بين أيدي النواب: الست # أعني بذلك أن هذا القانون هو المثل الأعلى، ولكنه عمل إنساني كبقية # الأعمال، يلحظ فيه التطور في المستقبل متى وجد لذلك ضرورة. # وعلى كل حال فإن في هذا القانون للقاعدة الأساسية الكبرى لنظام التعليم ~~العالي، وهي قاعدة أن الجامعة يجب أن تكون لها شخصية معنوية لتستطيع أن ~~تدير أحوالها بنفسها، واستقلال يكفل لها حرية التفكير التي هي الأساس ~~الأولي للتعليم العالي!. # إلى أن يقول: "ربما يرد على الخاطر أن الجامعة في نشأتها محتاجة إلى # وصاية الحكومة عن قرب وتدخلها في كل شؤونها إلى أن يشتد ساعدها # وتستطيع الوقوف قدمها اجتنابا لما عساه يقع من التخبط في الجامعة عند # بدايتها، ذلك التخبط الذي جرت العادة بأن يقترن دائما أو غالبا بكل ~~بداية، وعلى ذلك يمكننا أن نختار ضرر التدخل باعتباره أخف من ضرر التخبط في # البداية. # هذا اعتراض له حظه من الصواب لأول نظرة إذا كنت تسمي تدخل # السياسة " كذا، وهو يريد بالسياسة أينما وردت في حديثه الحكومة" # في كل شؤون الجامعة ضررا فحسب، ولكنه ليس ضررا بل هو هدم للجامعة من ~~أساسها، وبهذا التدخل لا جامعة ولا حرية للتفكير. . . أترى لو أنك تفكر # PageV01P232 # تحت وصاية الغير هل. أنت تفكر؟ # فإذا تعلقت منازع التدريس وكيفياته وطرائق # البحث بغير جماعة المدرسين، كان ما ترجوه البلاد من احتمال نصيبها من # التقدم العلمي في العالم خيالا في خيال، انتهى. # وظاهر من نص العبارة أن أخف الضررين عند الأستاذ، هو (التخبط) أي # فساد النظام، وإضاعة الأموال، وإزاغة العقائد، وإفساد العلم، والتدليس ~~على الناس. . . الخ الخ وليت شعري عنه ما الذي يضطر الأمة إلى كل هذا في ~~سبيل كلمة اسمها الجامعة؛ إما مدرسة تتسامى. إلى مقام الجامعات واما لا. . ~~. بيد أن جريدة "السياسة" نقلت تلك العبارة وجعلتها رأسا لجسم مقالة ~~افتتاحية أو رئيسية كما يقولون جاء فيها عن الجامعة: "وهذه ميزانيتها وهذا ~~قانونها - زد أنت: # وهذه سمعتها وهذا عملها.. سيعرض عما ms226 قريب على البرلمان، وسينظر # البرلمان في الأمر بغية الوصول إلى تحقيق مجد العلم ومجد مصر - زد أنت: # ومجد طه حسين - وإنا لسعداء حقا أن هذه الفرصة الحسنة لنشر حديث الأستاذ ~~مدير الجامعة قبيل نظر الميزانية وقانون الجامعة - تأملوا - ونشر هذه ~~الحكمة التي صدرنا بها حديث اليوم لتكون نبراسا وهاديا عند النظر في هذا ~~الموضوع الخطير". انتهى نصا. # أما الهادي فقد مر بك تفسيره آنفا، وهو الملك الذي سينزل في السحابة # الفلسفية. . . وأما النبراس فلا ريب أنه سينزل بملك البرق على النواب " ~~(كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا) . # وهذه الجامعة لا تملي على النواب فقط بل هي تحذرهم أن يهدموها وتنذرهم ~~بطشة التاريخ إذا حدث العالم أن # نواب الأمة المصرية صدوا عن ذكر الله في المسجد الجامع حين لم يطلقوا ~~حرية # الأذان فيه ولم يدعوا المؤذن أن يقول: حي على بوذا؛ حي على برهما، حي # على العجل أبيس. . . ونحن "فإنا سعداء حقا" أن وجدنا في نسختنا العتيقة ~~من كليلة ودمنة هذا الحديث: # قال كليلة: ويح لهذه النفس إذا لج بها منزعها وركبها سوء طبعها وكان # من ورائها قلب دوي أفسده داؤه وصرف همه وخواطره فيما تميل إليه؛ فقد # قالت العلماء: إن الرأي لا يكون رأيا حتى يمكن له في الطبع أشد التمكين. # لان المصلح لن يقبل عنه وفي طبعه ما عسى أن يتحول به عهده أو ينتكث، وما ~~مثله إلا مثل الزلزال الذي أراد أن يتعاطى الهندسة. # قال دمنة: وكيف كان ذلك؟ # قال: زعموا أن زلزالا كان صديقا لأحد البراكين، فقال له يوما: قد كثر # أذاك وإفسادك أيها البركان، فأنت دأبا غيظ للناس وهلاك ولعنة، وما تنفك ~~بين # PageV01P233 # حريق وتدمير، وإني لأرى لك حالا ما أحسبك فيها إلا قد بعثت من جهنم إلى ~~هذه المدينة، وما أظنك تفلح أبدا في تغبير طبعك ومذهبك، حئى لو كنت بحرا ~~لانقلبت على الناس طوفانا تهدم بالماء كما أنك تهدم بالنار، فقد سئمت صحبتك ~~وأنا ذاهب عنك ألتمس عملا أنفع به هؤلاء ms227 المساكين؛ لعلي أرد عليهم بعض ما ~~تأخذ منهم؛ فقد قالت العلماء إن خير ما يكون الخير إذا هو جاء بعد شر ما ~~كان من الشر. # قال البركان: أيها الزلزال، لا تغتر بالفلسفة والخيال، فإن الكلام أيسر # ما أنت آخذه وأهون ما أنت معطيه وإنه لن يكون قولك قولا ما لم يكن عليه # من طبعك دليل وشاهد، وإلا فإنما هو كلام بعضه كبعضه وحقه كباطله # وشريفه كخسيسه؛ ولو شئت أن أسمي هذا الحميم الذي أصهره في جوفي # من الصخور والمعادن خمرا سائغة للشاربين لفعلت وقلت، ثم لوصفتها # وزينتها بالشعر والحكمة وكابرت فيها وجادلت عليها، ولكن ذلك كله قول # هراء إذا أنا لم أجد من يقول اسقني، وما فلسفتك هذه إلا كفلسفة مدير # الجامعة التي في مصر. . . # قال الزلزال: وما ذاك؟ # قال: إنها كانت مدرسة تولاها هذا الرجل الفاضل المتكلم، وكان من # المعلمين فيها صخر إنساني عظيم اسمه طه حسين، أخذت طينته من بعض # أجدادنا.. وإذا تدحرج هذا الصخر فليس منه إلا الهدم والتخريب والدمامة # على الناس، فأرادت تلك الأمة إقرار هذه الصخرة في حفرتها وشدها إلى # موضعها؛ وأبى مدير الجامعة إلا إطلاقها وتركها حرة مستقلة ثم تحريرها مع # ذلك على الطرق العامرة والدور القائمة دون القفز واليباب، وذهب يدفع # عنها فكان فيما قاله "إن التخبط قد جرت العادة بأن يقترن دائما أو غالبا ~~بكل بداية، فدعوا الصخر (يتخبط) على طبيعته وعلى طريقته فلا عليكم منه، وما ~~أنصفتم والله إذ تقولون إنه يهدم عليكم الدور ثم تنسون أنه يوسع لكم # الشارع. . . . # قال الزلزال: دعني منك فوالله لأكونن غير ما في نفسك، وأنت تعلم حدة # طبعي وما قد خصصت به من تمام القوة والذكاء، فأنا غاد فمتعلم الهندسة. # لأنها لمن أوكد الأسباب فيما أريده من الإصلاح! # قال كليلة: وضرب الدهر ضربة فإذا هو مهندس قد برع وفاق وأحكم # PageV01P234 # وأتقن، ثم جعل يرتصد اليوم الذي يجيش فيه البركان ليعمر ما يخربه ويسد # معاقر أهل المدينة بعلمه وفضله؛ فلما كان اليوم الموعود لطف الله من ms228 لطفه # ليخرج للناس الموعظة من هذا الحمق، فهاج البركان غير طويل وشعث من # ههنا وههنا، ثم كظم على ما في قلبه فلم يدمر إلا ربع المدينة وبقي سائرها # قائما على نعمة وعلى سلامة وفي أمن ورضا؛ فقال "المهندس" لنفسه: إحدى ~~لياليك فهيسي هيسي (1) ! # وذهب ليعمر ما خرب صاحبه، فلما جاء تحت قواعد # المدينة هز أنقاض البيوت الخربة ليعيدها بزعمه قائمة فما زاد على أن هدم ~~كل البيوت القائمة فأرجعها خربة، وأتلف البركان المفسد ربع المدينة وهدم # المهندس المصلح. . . ثلاثة أرباعها. # فانظر يا دمنة، إنه الجوهر والأصل لا الظاهر والحلية، وإنه العمل لا # القول، وإانه الطبع لا الرأي، وإن الفاسد إذا كان معلما فوجد طلابا ~~يهديهم كان كالزلزال إذا صار مهندسا فوجد بيوتا يصلحها!. - # * * * # وننظر الآن إلى كلام مدير الجامعة، فإنا لا تعجبنا هذه السفسطة من هذا # الأستاذ الفاضل، وما هو وحده الرجل الذكي ولا البليغ المتكلم، وكان ينبغي ~~لمثله أن يتنزه عن مثل هذا، فإنا لنعلم أن من الكلام كلاما يأمر الناس وهو ~~في أسلوب النصيحة، ويكرههم على انتحال أخد الرأيين وهو على طريق التخيير ~~بينهما جميعا، كبعض ما يسمى في عرف السياسة مذكرة وهو إنذار، أو إنذارا وهو ~~حرب. # فكلام مدير الجامعة "مذكرة" للبرلمان أو في أسلوبها أو في # غايتها، ولكن يا سيدي المدير، قد كان لزلة الجامعة عذر يسعها؛ حتى أصررت ~~أنت وكابرت وازدريت الأمة وعلماءها وقبلت على الجامعة من الأراجيف والأقوال ~~والتهم ما لا يقبل ذو عمل على عمله، فلم تسع الجامعة عذرا بعد. # ولقد أصفقت الأمة كلها على أن إفساد الأدب والتاريخ والتهكم بالدين # وما جرى هذا المجرى - ليس شيئا منها يسمى علما، فإذا كان علما عندك وعند ~~شيعتك فما هو من حاجتها وليس لك أن تكرهها عليه ولا أن تعدو رغبتها فيه. # ثم انعقد الإجماع أو ما يسممى الرأي العام على أن هذه الجامعة مفسدة ~~تناولت PageV01P235 # ما كان موجودا كالحقوق والطب فزاغت بهما، كما زاغت الزلزلة بآلة الرصد في ~~حلوان (1) . # وكانت آلة الرصد هذه معيارا ms229 في دقة نظامها وضبطها ولكن ذلك لم # يمنع الزلزلة أن تدفعها عن موضعها وتوقع الخلل في أرقامها ودلالتها ~~وتبتليها # بفشل ما ابتليت به الجامعة، أي "سنة تجربة" على نص حديثكم الأول، أو "سنة ~~تخبط" على نص حديثكم الثاني # ثم تناولت الجامعة ما أرادت أن توجده، كتاريخ الأدب العربي، فأقسم # بالله قسما برا: ما عرفنا في كتب الأدباء أحمق ولا أجهل ولا أشد بلادة من # كتاب الجامعة، في الشعر الجاهلي، ففيم تريدون استقلال الجامعة بعد هذا ~~وإن أدنى ما في ذلك الاستقلال أن ينتفع قوم منكم "بسلطة وظائفهم" في إفساد ~~عقائد الطلبة، لأن ذلك من مذهبهم في الإصلاح الاجتماعي، ثم - العدول بالأدب ~~العربي إلى ناحية الجهل والفساد والسخرية، لأنه أساس في لغة القرآن؟ # ولأن القرآن أساس في الدين، لأن الدين ينافي مذهبهم في الحضارة الغربية ~~التي يعملون لها جهد طاقتهم. # وعندكم يا سيدي قوم وصفتهم أعمالهم وشهد عليهم # الأصحاب والأعداء؛ والأبرياء والأظناء؛ أفيجيز القانون استقلال هؤلاء # الموظفين ليسخروا سلطة وظيفتهم في مثل ذلك؟ # أتريدون الاستقلال في المحاسن أم في المساوئ؛ فإذا كانت الأولى فاين # هي محاسن الجامعة وما عند الناس أسوا من - سمعتها ولا أدعى إلى السخط من ~~اسمها، وإن كانت الأخرى فما هو يا مولانا مجرى الماء يأتي هذا بالإناء ~~فيملأه ويأتي الآخر بالقربة ويأتي الثالث بالفنطاس وتأتي الجامعة بعربة ~~الرش. . . إنه البرلمان يا سيدي الأستاذ وفيه عقول ذكية وقلوب حديدة ونفوس ~~مؤسسة وطباع مؤمنة، وهو الحفيظ على مصلحة الأمة، ولن يمكن بحال من الأحوال ~~أن يجعل أولادنا في هذه الجامعة غيظ قلوبنا في كفرهم وتمردهم، ولعنة ~~تاريخنا في تحقيرهم وزرايتهم وأعداء ديننا في شكهم وإباحتهم. # إنه إذا خرج ابن الجاهل عالما فقد توثق ما بينه وبين أبيه بزيادة عطفه ~~عليه # ورحمته له، وإذا خرج ابن المسلم كافرا مستهينا بنبيه وكتابه وعلماء دينه ~~وتاريخ - قومه، مرصدا لكل ذلك بكيده وعمله؛ فقد انقطع ما بينه وبين أبيه ~~وصار كلاهما لعنة على الآخر وأوجب الدين على الأب أن يبرأ من ابنه وينبذه، ms230 ~~فما PageV01P236 # نعطيكم أنسابنا لتقطعوها، ولا أرواحنا لتهلكوها، ولعنة الله على حرية ~~تفكير أول ما فيها أن أكون عدو أبي وأن يكون أبي عدوي! # إن هذه الجامعة بعد الذي قد بدا منها ومن مديرها لأحق بالمراقبة من # الأظناء والمتهمين "والمشبوهي"! حتى تستقيم على منهاجها وتخلص لها نية # الأمة ويثق بها العلماء والأدباء؛ فكما أعطيت الاستقلال "سنة تجربة" يجب ~~أن # تحرمه "سنة تجربة" إلى سنتين إلى ثلاث إلى مائة إلى آخر ما في عمر طه ~~حسين # وأمثاله ممن جاؤوا إلى هذه الجامعة من تاريخ دنس ملوث بالإلحاد ليس فيه # موضع ثقة ولا أمانة. # ألا وإن الأمة الإسلامية لتعلم حق العلم أنها مبتلاة في عداد مصائبها ~~بفئة # من أذكيائها يناقضونها الرأي في الدين والأخلاق واللغة والأدب، وهم في ~~ذلك قوم مرضى العقول أصيبوا بنحو مما يسمى بجنون الفكرة الثابتة، فلا تردهم ~~قوة من القوى عن آرائهم وأوهامهم في الإصلاح ما داموا آمنين مرزوقين؛ فبعض ~~هؤلاء يريد جعل اللغة عامية لتنتهي الأمة يوما إلى نسيان قرآنها وإهماله ~~والتفصي منه، وبعضهم يتعجل هذه العاقبة فيريد الانسلاخ من هذا الدين ضربة ~~واحدة بقرار من الحكومة أو بجنون حكومي كالذي وقع في تركيا، والعاقل من ~~أولئك من يتماسك ويتصابر ويتسبب إلى غايته في رفق وهينة ومكر وسياسة، فيذهب ~~إلى صوغ الأمة في عقولها في مدرسة كبرى كالجامعة. . .! # وشريطته في هذه المدرسة أن تكون للحكومة، لما يعلم من حاجة الناس إلى ~~مدارسها وشهاداتها، ثم أن تكون هي مستقلة عن الحكومة قائمة على حرية ~~التفكير بنص قانونها، وبمعنى أوضح من هذا، يريد هذا الفريق الذكي أن تكون ~~الحكومة في العاملة في تكفير الأمة من حيث تدري أو لا تدري، وبالمعنى ~~المكشوف الصريح: يريدون من نواب الأمة أن يهدموا الأمة التي أنابتهم عنها، ~~فيا شرها من قملة خبيثة تتوهم أنها ستلد أربعة عشر مليون قملة لتقع في رأس ~~كل مصري واحدة. . . ثم لا يكون الفوج الأول المقتحم إلا لرؤوس النواب خاصة. ~~. .! # هبوا الجامعة المصرية قائمة بنفسها وبما حبس عليها الواقفون ms231 ولا شأن # للحكومة بها ولم تستلحق مدرستي الحقوق والطب، واجعلوها على ذلك # مستقلة إلى أبعد ما في الاستقلال؛ قائمة على أوسع المعاني في حرية ~~التفكير # والتكفير، فماذا يجدي عليها كل ذلك وأضعاف ذلك؛ إنها يومئذ لا تكاد تنكر ~~إبراهيم وإسماعيل حتى لا ترى مسلما ولا يهوديا ولا نصرانيا، وحتى تصبح ~~خاوية على جذوعها من طه وأمثال طه، وهذه حقيقة لا شبهة. فيها، فليس الأمر # PageV01P237 # إذن إن هؤلاء الأذكياء يريدون تسخير النواب ليكرهوا الأمة إكراها على صدع ~~أساسها الاجتماعي وتخريب بنائها التاريخي، وهذا عملهم، وليس في الأمر إذن ~~حرية تفكير، بل حرية عمل، بل حرية هوس مكري، بل حرية استخدام سلطة الوظيفة! # لقد صاحت الأمة من حمق طه حسين وتهوره، فماذا فعل مدير الجامعة # بل ماذا فعل طه غير أنه زاد على ذلك إنذار الأمة في أبنائها أن دروس ~~السنة # الآتية سيكون في مناقشة القرآن من الوجهه الأدبية، ويقول هذا وهو هو الذي ~~كذب القرآن من الوجهة التاريخية، فإن صرح بعد أو خادع فما هو بمأمون ألبتة. # "استقلال الجامعة لأجل نظام التعليم العالي". # هذه عبارة يقولها الأستاذ المدير باللغة العربية القويمة، فإذا أنت أضفت # لها معنى الزمن الحادث كانت هكذا زرع الجامعة لقلع ما يمكن قلعه. . . ". # إن الباطل لا يجد أبدا قوته في طبيعته، بل تأتيه القوة من جهة أخرى # فتمسكه أن يزول، فإذا هي تراخت وقع وإذا زالت عنه اضمحل؛ أما الحق # فثابت بطبيعته قوي بنفسه، فالجامعة إنما تخشى على باطلها فتريد له قوة ~~القانون وحمايته، ولو كانت ذات حق لقالت للناس: هذا عملي فانقضوه إن ~~استطعتم، وهذا علمي فانقدوه إذا دخلكم منه شك! لكنها لجأت إلى هذا التمحل ~~العجيب في طلب الاستقلال وحرية التفكير؛ وإنما هي بهذا الطلب تسب الأمة ~~وتهينها في علمها كما أهانتها في دينها من قبل، كأن الأمة جاهلة غبية تعادي ~~الفكر الحر إذ لا تستطيع مجادلته ولا نقضه، فالجامعة من أجل ذلك تسأل ~~النواب أن يحموا تفكيرها ويفصلوا ما بين علمها العالي وبين جهل الأمة. ms232 # لقد جادلنا هذه الجامعة وأفحمناها حتى ما تبدئ ولا تعيد، فكأنها الآن # بما تطلب من حرية التفكير تريد أن تفز من كل مجادلة ومناظرة وتجعل ذلك # أصلا في قانونها حتى لا ينتقدها أحد ولا يطمع أحد منها في جواب. # وما عرفنا في تواريخ الأمم أن أمة يقرر نوابها حرية الجهل في أكبر مدرسة ~~فيها! # ما هي قيمة حرية التفكير وأنت لا تجدها على أعظم شأنها وأكبر أسبابها # وأوسع أشواطها إلا في المعتوهين والموسوسين وألفافهم؛ # إنما الشأن في سمو التفكير قبل حريته؛ فينبغي أن يكون الفكر قويا على # مصادمة النقد، إذ يكون صحيحا لا زائفا، وحقا لا باطلا؛ ومتى كان الفكر # PageV01P238 # كذلك فما هو في حاجة إلى قانون يحميه، لأن قانونه مناظرته، أما إن كان ~~على غير هذا فجاء ضعيفا متخاذل الحجة واهي الدليل لا يقدر على دفع ~~الاعتراض. # ثم كان قائما على أن يقول المفكر الباحث ما شاء ويقول المنتقدون ما شاؤوا # بلا نتيجة هنا ولا هنا، فلعمري إن هذه ليست حرية تفكير بل هي حرية الخطأ، ~~والخطأ دائما مقيد في أي الأساليب جاء ومن أي الناس وقع. # لقد حدت للفكر كل الشرائع قيودا وحدودا من بعضها الحجر ومن بعضها # العقوبة وهكذا؛ وفيم الشرطة والنيابة والمحاكم والقوامون والمحتسبون # والشرائع والقوانين، إلا أن تكون هذه كلها حدودا للأفكار والأعمال، كما ~~قلنا الخطأ من أن يجب أبدا أن لا يمشي إلا في قيد. # يظهر لنا أن الأستاذ مدير الجامعة لا يفهمنا حق الفهم، وإلا فنحن لا # نفهمه: إنه يقول حرية التفكير، ونقول قيمة التفكير؛ وهو يريد حرية الرأي، ~~ونريد صحة الرأي؛ وهو يريد إطلاق الألسنة، ونحن لا نرى إلا إطلاق الحقائق ~~المتكلمة؛ فإن صح رأيه وجب أن تطلق الحكومة كل من في مسششفى المجاذيب ممن ~~خرف وأهتر ولا ضرر إلا من لسانه؛ إذ يجب أن يكون لهم قسطهم من حرية التفكير ~~كما يكون للجامعة قسطها؛ وإن صح رأينا وجب أن يظلوا في قيود الطب، لأن لهذا ~~الطب الولاية الشرعية على عقولهم وأفكارهم ms233 كما أن للبرلمان الولاية الشرعية ~~على عقل الجامعة وتفكيرها. # هناك ضرب من التفكير هو شر على الناس من محق التفكير؛ فإن إهمال # الفكر وانقياد الإنسان إلى طباعه وغرائزه يبعث على غلطات مختلفة لا بد أن # تقع، لكنها تدل على نفسها بأنها غلطات، إذ ليس معها إلا حقائقها وهي ~~ظاهرة مكشوفة قد تعارفها الناس وعلموا علم عقولها أنها خطأ. # أما ذاك النوع من سوء التفكير فيورط أهله في غلطات لا بد أن تكون. # فإذا كانت فلا بد أن تكابر في أنها غلطات وتذهب تخدع الناس وتموه عليهم ~~وتغر ضعافهم، لأن معهم الجدل والعناد وسوء النية ومكر السيئ، وكل هذا مما ~~يكتم حقائقها ويظهرها في غير مظاهرها ويلبس باطلها من حلية الحق. وكتاب ~~الجامعة - الشعر الجاهلي - آخر مثل أخرجته الدنيا من هذا النوع كما علمته ~~مما أوردناه في الكسر عليه. # فإن كانت الجامعة إنما هذا تريد فهو تلبيس وغش وخداع وإن كان اسمه # الرأي والفكر والاجتهاد والجديد وما شاؤوا، وإذا أباحه البرلمان للجامعة ~~وجب أن يفرض عليها معه إنشاء درس تسميه درس الغلط. . . ليكسب هذا الدرس # PageV01P239 # تلاميذها المساكين دربة ومرانا على إدراك خطأ الأستاذ بأنفسهم، فيستطيعوا ~~أن يصححوا لمثل طه حسين غلطاته كلها أو أكثرها أو أفحشها على الأقل. # نحن لا ننكر على الجامعة ولا نعترضها إذا هي قدمت السم في زجاجة # السم، فلو أنها فعلت ذلك لهلك من هلك عن بينة - وما يشعر كما أن طلبها من ~~البرلمان ليس إلا طلب الترخيص لها في السموم الأدبية والعلمية - ولكن الذي ~~ننكره عليها أن تقدم السم في زجاجة الدواء فتغش، وتسقيه الناس فتقتل، وتأخذ ~~- على ذلك أجرا فتسرق، وهذا كله مما نجلها عنه إجلالا شديدا، ولكن هذا كله ~~قد وقع في درس طه حسين! # يقول الأستاذ المدير في حكمه الذهبية "أترى لو أنك تفكر تحت وصاية # الغير هل أنت تفكر؟ فإذا تعلقت منازع التدريس بغير جماعة المدرسين كان # التقدم العلمي خيالا من خيال". # ونحن - نقره على - هذا لأنه من حجتنا عليه، فلسنا نقول ms234 بترك منازع # التدريس في الجامعة لمصلحة التنظيم مثلا، بل نحن ممن يرون ترك كل صناعة # إلى أهلها ومن يثقفونها، ولنضرب الآن مثلا، بيننا وبين الجامعة، فهل كل # "جماعة المدرسين"، في الأدب هم طه حسين الذي ليس في الجامعة للأدب # سواه، أم تجد منهم في وزارة المعارف وفي - الأزهر وفي وظائف الحبهومة. # وفي الصحف وغيرها؛ إن كان الأول بطل كلامنا ولنكسر هذا القلم ولنرح # أنفسنا من مجادلة العالم الأصغر المسمى طه حسين.. وإن كان الثاني فدرس # الأدب في الجامعة يجب أن يكون مقيدا بآراء (جماعة المدرسين) ، فإن أبت # الجامعة فعليها مناظرة من يجادلها فيه. لا مناص من إحداهما ولكنها لا ~~تقبل # إحداهما! # ولو كانت هذه الجامعة ذات قيمة علمية. وكانت: لا تطوي تحت العلم نية # أخرى، لدعت هي الأدباء والعلماء إلى مناظرتها وأثابتهم على ذلك ولم تسكت ~~من مثلنا ولم تغلق بابها في وجه صديقنا الأستاذ الخضري بك (1) تعمل في ~~إسكاته وإسكات غيره، إما بكلامها ورجائها وإما بسكوتها وإهمالها. ~~PageV01P240 # بل الذي هو أخزى من هذا أن أستاذها نفسه يقول في أول كتابه صفحة # 15: "وأنت ترى أنني غير مسرف حين أطلب منذ الآن. . . إلى الذين لا # يستطيعون أن يبرأوا من القديم. . . أن لا يقرأوا هذه الفصول " هكذا بنصه. # وتالله لو أن الجامعة مدرسة كالمدارس تدرك معنى العلم وتعرف أنه أمانة # وعهد وميثاق، لأوجعت أستاذها بالعقوبة على هذه الكلمة وحدها، لأنه # يفضحها شر فضيحة وينفي الثقة بها وبعلمها؛ إذ لا ثقة برأي إلا بعد تمحيصه # ونقده، ولن يكون النقد نقدا إذا كان من أنصارك ومؤازريك، بل هو النقد إذا ~~جاء من المعارضين لك والمنكرين عليك، ثم لا يتم له معناه إلا إذا كان من ~~أقواهم فكرا وأصحههم رأيا وأبلغهم قلما؛ فإن لم ينتقدك هذا ومثله فادفعهم ~~إليك دفعا وتحدهم تحديا وارمهم بالعجز إذا لم يفعلوا؛ فإن الحجة ليست لك ~~ولا هي لهم وإنما تنحاز إلى الغالب منكما؛ وحتى الحجة الصحيحة فإنها أبدا ~~في حاجة ماسة إلى حجة أخرى تؤيدها أو تفسرها أو تحدها ms235 أو تمنع اللبس بينها ~~وبين غيرها، فكل شيء فإنما صحته وتمامه في معارضته ونقده، إذ المعارضة نصف ~~الحق وإن هي لم تكن حقا لأنها تبينه وتجلوه وتقطع عنه الألسنة وتنفى عنه ~~الظنة، ومن هنا يظهر لك السر المعجز الغريب البالغ منتهى الدقة في القرآن ~~الكريم، فإن هذا الكتاب من دون الكتب السماوية والأرضية هو وحده الذي انفرد ~~بتحدي الخلق وإثبات هذا التحدي فيه، وبذلك قرر أسمى قواعد الحق الإنساني ~~ووضع الأساس الدستوري الحر لإيجاد المعارضة وحمايتها، وأقام البرهان لمن ~~آمنوا على من كفروا، وكان العجز عنه حجة دامغة معها من القوة كالذي مع ~~الحجة الأخرى في إعجازه، فسما بالحجتين جميعا، وذلك هو المبدأ الذي لا ~~استقلال ولا حرية بغيره، وما الصواب إذا حققت إلا انتصار في معركة الآراء؛ ~~ولا الخطأ إلا اندحار فيها لا أقل ولا أكثر، وبهذا وحده يقوم الميزان ~~العقلي في هذه الإنسانية. # يقول الأستاذ المدير: "أترى لو أنك تفكر تحت وصاية الغير هل أنت # تفكر"؟ # فإذا لم أكن تحت وصاية الغير يا سيدي المدير ولكني أفكر تحت وصاية # رغبة مجنونة ونية خبيثة شهدت عليها الأمة كلها فهل أنا عندك أفكر؟ # ألا تراني حينئذ إذا كنت رجلا عادلا أني في أشد الحاجة إلى حمايتي من ~~وصاية ضارة بوصاية لا أقل من أن تمنع الضرر؛ وما الفرق بين رغبة تمسني من ~~غيري فتفسد # PageV01P241 # على تفكيري، وبين رغبة تمس غيري مني فتفسد عليه بتفكيري؟ # وهل كان طه يكفر في الجامعة لتكتب عنه الملائكة أم ليكتب عنه الطلبة؟ # إني أخشى يا سيدي الأستاذ الجليل من استقلال الجامعة وحرية تفكيرها؟ # فإن هذا الكلام إذا فسر بأعمال الجامعة كان معناه ومحصله أن البرلمان ~~سيضيف # إلى الامتيازات الأجنبية المضروبة على هذه الأمة، امتيازا لدولة قصر # الزعفران. . . # PageV01P242 ### | ذو الأقفال. . . # نحن نعرف أن الأستاذ الفاضل مدير الجامعة رجل صلب مستغلق # كالأبواب الحصينة بعضها من وراء بعض، إن أنت عالجت بابا منها فانفتح لك ~~بعد الكد والعناء وطول المزاولة تام من دونه باب آخر فاضطرك إلى مثل ms236 ما كنت ~~فيه واستأنفت ما فرغت منه، فما تظفر من الرجل بطائل، لأنه فيلسوف منطيق ~~أريب مطلع يرجع من طبعه الذكي إلى مثل كتب الفلاسفة، ومن كتب الفلاسفة إلى ~~مثل طبعه الذكي، فهو أبدا متحذر مستعد، ولا تبرح أقفاله الفلسفية على مد ~~يده، فإذا هو وضع الباب من أبواب الكلام بينك وبينه تناول القفل والقفلين ~~والثلاثة واستغلق وتعسر، فهو في الرجال كالشاذ في القاعدة. # أما القاعدة فتستفيض فى كثير، وأما الشاذ فهو قاعدة نفسه. # ولنا بالأستاذ صحبة قديمة، فما نعرف إلا أنه رجل منصف، ولا نظن فيه # إلا خيرا. # ولما أصدرنا الجزء الأول من "تاريخ آداب العرب " كتب عنه افتتاحية # "الجريدة" وقال لنا بلسانه إنه قضى أسبوعا يخطب مجالس العاصمة في هذا # الكتاب؛ وكان عمله وقوله: (وسبب آخر) مما أغار تلميذه الفاضل الدكتور # هيكل فاستقبلنا يومئذ بمحبرته ونضح الكتاب بمقالتين من العطر الأسود. . . ~~لم نرد عليهما إلى اليوم، وهما في كتابه الأخير الذي سماه "أوقات الفراغ " ~~فيحسن بالقراء أن ينظروا فيهما؛ لأنا نعجب من الأذكياء بذكائهم ولا نبالي ~~ما يصيبنا منهم؛ فإن الصدور تجيش والطباع تغلبنا وفي الناس ما فيهم، ونحن ~~إذا أمنا الخطأ من نفسنا لم يضرنا أن يخطئ الناس فينا؛ ولقد كلمنا يومئذ ~~صديقنا الأستاذ حفني بك ناصف في الرد على هاتين المقالتين، فقلنا له: متى ~~تم بناء - الهيكل - ظهر الحائط المنحرف! وكان الهيكل لا يزال يبنى! # نكتب هذا لأن أستاذا كبيرا من مدرسي الأدب العربي زعم لنا أن فكرة طه # حسين التي يعمل لها في الجامعة هي فكرة الأستاذ مدير الجامعة، وأن طه ليس # في كبير ولا صغير وإنما هو كالبوق ينسب إليه الصوت والصوت من غيره. # قال: وإن طه يدل بمنزلته من الأستاذ فهو تلميذه وصاحب رأيه وحامل فكرته، # PageV01P243 # وإن الأستاذ لذلك أخذ طه في الجامعة ورد سواه، ولبعض ذلك يدفع عنه كما ~~يدافع ذو العقيدة عما اعتقد؛ فالأمر بين الأمة والجامعة فى هذا الخلاف الذي ~~شجر بينهما أشبه بالمصادمة بين دينين لا بد من غلبة ms237 أحدهما، ثم إذا غلب عم؛ ~~فالأمة على مرحلة إلى جاهلية أو إسلام؛ وما ثم شيء اسمه حرية التفكير أو ~~استقلال الجامعة، إنما هذه ألفاظ سياسية جدلية توضع على مقادير ظاهرة وعلى ~~مقادير أخرى باطنة، ليكون الظاهر مما يلي القول، والباطن مما يلي العمل. # ولولا أن ذلك كذلك لكان في بعض غلطات طه حسين ما يقذف به من # فوق الحائط عجلة منهم في إخراجه والتبرؤ منه، إذ ينقطع صبرهم قبل أن يفتح ~~له الباب؛ ولكن أنى لهم وطه في ذلك فكرة لا رجل، وقد عرف من قبل سراء هذه ~~العاقبة وضراءها، وما ألقيت القنبلة من هذا المدفع وهي محشوة كفرا إلا ~~لتهدم الإيمان القائم، ومثل طه حسين ليس من مدافع العيد. . . بل هو مدافع ~~ميدان. # قال: وعندنا قوانين كثيرة، ولكن قانون الجامعة المصرية المعروض # على البرلمان وضع لكسر القوانين والتفلت منها! # عندنا قانون يسمونه قانون "المجلات المقلقة للراحة" ونحن الآن في # حاجة إلى قانون يسمونه قانون "المحال المقلقة للضمير" انتهى كلام ~~الأستاذ. # وأنا لا أعتقد هذا ولا أقول به، وإن كعنت ألممح فيه لمحات، ولكن ترى ما ~~سر هذا الصمت العجيب في مدير الجامعة فلا يجيب الأمة ولا يعتذر إليها ولا ~~يعبأ بها ولا يعرف لها حقا، وبينا هي تتلظى عليه وعلى جامعته وعلى أستاذ ~~جامعته نرى في يده مروحة وفي يدي طه مروحتين. . . # والعجب من هذا الأستاذ الفاضل كيف أصبحت الحوادث تنقله منزلة # إلى منزلة وهو يخف في يدها ولا يثقل به رأي ولا يرجح له عقل، وما يزال # يتنقل في هذه الحادثة من سيئ إلى أسوأ، وما زال يضيق على نفسه ولا يفسح # له ذكاؤه، فكان في غلطة صوابها قريب والعذر منها سهل والقول فيها يسير، ~~ولكنه أصر عليها؛ ومن نكد الدنيا أن الغلطات كالذباب: تكون الواحدة منها ~~فإذا هي بعد قليل صارت ألفا. # فما كان من إصرار مدير الجامعة إلا أن جعل للتهمة جذورا وفروعا وكانت ~~نبتة لا تتماسك وأنا لا يبلغ من ذكائي أن أنفذ إلى # ذلك ms238 السر أو أكتنه حقيقته، فإني رجل بليد إذا تطرق بي الفكر إلى صلابة # كصلابة الأستاذ لطفي السيد من أجل حمق كحمق طه حسين. # غير أن نسختي "من كليلة ودمنة" ليست بليدة، فقد رجعت إليها الساعة # فإذا الماكر دمنة يقول: ولا يغرنك أنك على ثقة من غفلة من حولك، فإنك إن # PageV01P244 # لم تكن على مسافة بعيدة عن عاقبة غفلتهم فأنت على مسافة دانية من عاقبة # مكرك، وإن القدر إن خلاك فلا يفلتك من يمينه إلا ليأخذك بيساره، فلا ~~تستنم إلى مسافة ما بين القبضتين إذا كان ما من الوقوع في إحداهما بد. # وقد كان يقال إنه لا أحمق من الغفلة في اثنين: الضارب في الصحراء # تلفحه شمسها ويتنفس النار من هجيرها، فيغتسل بما يحمل من الماء فيبترد # ويستزوح ويدفع عنه القيظ، وقد أنسته اللذة العاجلة ما أمامه وعمي عن # الصحراء ومعاطشها وظن أن قد غلبها في راحة نفسه والترفيه من أمره، فلن # يكون منها بعد أن شربت ماءه في موضع إلا أن تشرب روحه في موضع آخر، وغفلة ~~الماكر الغاش يطمئن إلى دحسه وغشه وهو يعامل فيهما أمة كاملة. # فيوشك أن يلقى ما لقي الرجل ذو الأقفال حين زم بأقفاله على فضيحتين فكانت ~~أقفاله الفضيحة الثالثة. # قال كليلة: وكيف كان ذلك؟ # قال دمنة: زعموا أن رجلا حازما فيلسوفا كان في بلد كذا، وكان مخلصا # للناس ما يبرح لهم حق يقضيه، فكتب وألف زمنا، ثم خطب وتكلم حينا، ثم حل ~~وعقد في حبال السياسة، ثم إنهم أنشاوا مدرسة لهذه الأمة فلم يجدوا غيره ~~يتولاها (إذ كانت الآمال فيها على قدر الثقة به، وأنه كان رجلا سليم دواعي ~~الصدر طيب النفس حسن الظن بمن يستخلصه، وكان من جماعته ومريديه رجل مغرور ~~ينتسب في آرائه وعلمه إلى هذا الأستاذ الجليل، كما تكون النواة في الثمرة ~~الناضجة، فهي مرارة تحت حلاوة، وهي من أثر طين الأرض في أثر ماء الجنة. # وهي شيء لولا موضعه من الثمرة لم يكن له موضع إلا بحيث ينبذ # ويهمل، ولكن ms239 الأقدار، هي وضعته بذلك المكان فكأنه غلطة يغطيها الصواب. # ثم إن هذا المغرور سعى سعيه وتحمل على الرجل الطيب بشفاعة غفلته # الفلسفية، فإنه يقال إن لكل فيلسوف خصالا يفوق بها الناس ولكنها لن تجتمع ~~له إلا أحدثت فيه خصلة يفوقه الناس بها، ما من ذلك بد، لأن المعنى الإنساني ~~المحض لم يخلص في أحد غير الأنبياء، فالإنسانية فيهم مصفاة وفيمن عداهم ~~كالماء: تصفيه وتتركه في سقائه فإن لم ينشئ الترك فيه كدرا أنشأ فيه معاني ~~الكدر، فأنت واجد بعد في قرارته من الهوائم والجراثيم، وهي معاني ما يحمله ~~الماء العكر من الأخلاط والغبار والطين أو هي شر منها، ولولا حكمة الله هذه ~~وأنه لا بد لكل فيلسوف من الغفلة والسقطة، وأن العلم لا يدفع من ذلك نوعا ~~إلا ليجلب نوعا آخر - لما رأيت عالما أسقط نفسا من جاهل، ولا فيلسوفا # PageV01P245 # يلعب به العامة في بعض أمور دنياه مما يتعامل عليه الناس كالبيع والشراء # وتعاطي أسباب العيش. # قال دمنة: ثم فاز المغرور وسهل له الفيلسوف تسهيلا عجيبا، فإذا هو # أستاذ في تلك المدرسة، فلما استوى له المنصب قال: ما أحرى الناس جميعا # أن يكونوا مغفلين إذا كان الفيلسوف صاحبي كما أرى، فلأصنع له من العلم # على نحو ما أدخلت عليه من الغش، فإنه لا يحسن مما أقول شيئا، وهو رقيق # الدين كما هو رقيق النفس، وما أراني معلنا عن نفسي بشيء كما يعلن عني # الكفر، فيقتحمني الدين وترد عني الفلسفة، فأجمع خلالا ما اجتمعن لأحد # قبلي، وأكون كالراية يسقط الناس من حولها وهي قائمة. # ثم إنه انحط على العلم والأدب وسفه كل من لا يجهل جهله ولا ينعب # نعيبه، وكان كالغراب الذي زعم أنه شاعر كاتب فيلسوف، فلما سألوه في الشعر ~~قال "غاق" فسألوه في الكتابة قال "غيق" فسألوه في الفلسفة قال # "غوق"! فقيل له: فلسنا معك إلا في غاق وغيق وغوق، فأين الشعر والكتابة ~~والفلسفة؟ # قال: قطع الله ألسنتكم أيها الناس، فلو أن الله بدلكم بها لسان غراب فصيح ~~مثلي ms240 لوعيتم ما أقول، ولكنكم قوم تجهلون! # قال دمنة: فلما غوق أستاذ المدرسة ذلك التغويق المنكر وأضحك الناس # منه ومن مدرسته وعلوم مدرسته، وطارلت السخرية ووقعت، ثم طارت # ووقعت، قال ذلك الفيلسوف: لقد احتجت الآن إلى عقلي وذكائي، فإن هذا ~~الأحمق أنا انخدعت به ثم خدعت به الناس، فأنا من فضيحته الواحدة بين # فضيحتين، وهو مني بمنزلة الذيل من الجواد. إن سبقت سبق وما جرى ولا # تعب ولم يعان شيئا مما أعانيه وليس إلا أنه لصيق بي! ولقد أوقعني حمقه في # هذه المنزلة، فلن تحملني قدماي إلا إذا جعلت ساقيهما عمودين من حجر # واستمسكت في الأرض بجذور تجعل أصابع قدمي عشر شجرات. # ثم أقوم بعد ذلك قومة جبل راسخ لا قعدة له إلا بشق الأرض من تحته # وأنا بعد ذو الأقفال. ما من كلمة تفتح علي إلا ولها عندي قفل، فجهل هذا # الأحمق قفله "حرية التفكير" إن فتحوا بذاك أقفلنا بهذا، وكفره نقفل عليه # "بحرية البحث " وغروره الشنيع ما له قفل ولكن لعل قولنا إنهم يحسدونه ~~يصلح قفلا، وسقوط المدرسة نجعل له قفلا من "سنة تجربة" وسوء النتيجة لا ~~يغلقه عنا إلا قفل "التخبط في البداية"، وتدخل الحكومة لتلافي الأمر قفله ~~"التفكير تحت وصاية الغير" # قال وجعل ذو الأقفال يضع لكل مخزية قفلا. . . فضج # PageV01P246 # الناس وفزعوا، وكان لهم دار ندوة، وكان فيها زعيم يغمر الناس جميعا ~~بذكائه، وكأنما أنشأ فيه القدر من أسباب القوة على قدر حاجة الأمة كلها، ~~فما تراه في لسانه وبيانه وذكائه وقلبه وهمته وعمله إلا قلت من ههنا ينبعث ~~التيار الإنساني ليعب به البحر كله في هذه الأمة! # قال: وجمع الفيلسوف أقفاله ووضع عليها كلها قفلا من معدن لا تذيبه # النار، اسمه "استقلال المدرسة" وبعث بها إلى دار الندوة ليقفل بها على ~~أفواه # الناس وعقولهم، فما هو إلا أن رماها ذلك الزعيم بنظراته وأدارها في يده ~~حتى جعلت تتهاوى وتتفلق، وإذا هي تنماث كما ينماث الملح ألقي في الماء، ~~وكان كل قفل لا يسقط إلا فتح عن ms241 سوءة أو غلطة أو مخزية من المخزيات، فقال ~~الفيلسوف: إنا لله ما يصنع العناد إلا صنعة واحدة أولها الحيلة وآخرها ~~الخيبة، ولقد كنت عن هذا في غنى لولا أن هيجني ذلك الأحمق وغلبني على الرأي ~~بمثل ما يغلب به الطفل أباه المخدوع، فقد والله فضحني بنفسه، ثم عا # ففضحني بنفسي، وأسقطني بجهله مرة وبعلمي مرة! ولقد سخرت مني # الحوادث فهيات لي أن أكون ذا الأقفال حتى إذا صرت ذا الأقفال رمتني بذي # المفاتيح! # * * * # لا جرم أن الأستاذ الجليل لطفي السيد قد تحول كل منطقه خيالا كالذي # يظن أن أصابع قدميه عشر شجرات، فلسنا نعرف له في حادثة الجامعة رأيا # صحيحا ولا حجة قوية، وقد أصبح إذا تكلم أخطا منطقه، وإذا سكت أخطأ سكوته، ~~وما ذلك من ضعف لسان ولا فيالة رأي ولا تهافت منطق، ولكنه يدافع ما لا ~~يدفع، ويتولى رجلا وقدت عليه الجحيم ولعنه الله والملائكة والناس. # وماذا يثلج لوح الثلج إذا لم يقع إلا بين ألوح الفحم المضطرمة. # كان للأستاذ لطفي السيد من عمله ورأيه وبعد نظره ما يعصمه أن ينزل # نفسه هذه المنزلة، وما هو بشاعر ولا أديب ولا صاحب لغة ولا مؤرخ أدب # فيعيبه أن يكون قد انخدع في طه حسين ويزري به سقوط هذا الشيخ أو الخواجة ~~ويلزمه من كل غلطة يقع فيها غلطتان إحداهما من أنه أديب والثانية من أنه ~~مدير للجامعة. # إن الأستاذ رجل قانوني وكاتب فاضل ومصلح اجتماعي، فما له ول طه # وعلم طه؛ لكنه أبى أن يكون مديرا للجامعة في عمل ليس فيه إلا أن يكون # مديرا؛ ومن هنا رأينا العالم الكبير يحتج بأوهى الحجج، ويتوكأ على كلمات # PageV01P247 # من القش، كحرية التفكير، والتفكير تحت الوصاية وهدم الجامعة الخ الخ. . . # ويقول هذا وهو يعلم أن أحدا لا ينازعه في هذه المعاني، وإنما النزاع في ~~جهل # الجامعة وسقوط الجامعة وكفر الجامعة وفوضى الجامعة، فيدع ما نحن فيه # ليجرنا إلى ما لسنا فيه، كأنه لا يعلم أن مثل هذا يعد في أساليب الكلام ~~من ms242 شر ما يقع فيه من توجهت عليه الحجة ولزمه الدليل، فيظن أنه يتخلص به وهو ~~لا يزيده إلا تورطا ولا يزيد الناس فيه إلا بيانا. # أنا أخطات في رأي من العلم فتنكر أنت علي وتردني، فتأخذني الحمية. # وأكبر ذلك منك ويشق على نفسي أنا أيها الأديب الكبير أن يقال عني أخطأ # وجهل، وأن يشيع ذلك في الناس فيكون سبة الأدبي غميزة في؛ فأدع رأيي # ورأيك وصوابك وخطئي وأقول: إنما أنت حسود وإنما تتحامل علي، وإنما هذا من ~~لؤمك وضغنك، وأذهب أتكلم في الحسد وما يتصل به، وأتناول المعاني من أصولها ~~البعيدة، ولا أزال أبتعد عما كنا فيه فما أصنع شيئا إلا أن أضيف إلى عجزي ~~عن الحجة عيب المكابرة فيها، وإلى جهلي بالرأي جهلا آخر بأساليب البرهان، ~~وأمد في النزاع مدا كلما طال بيني وبينك أخرج من سخرية الناس بي # ما كنت منه في أسبغ ستر وأوسع عافية. . . ولا أزال ألج وأتهافت، ولا يزال ~~الناس يضحكون ويسخرون، فإذا أنا من الغلطة الواحدة فيما لا أحصي، وإذا هي ~~ألوان كثيرة بعد أن كانت ولا لون لها، وأتكلم ألف كلمة فلا أجيء إلا بألف ~~خطأ، وتتكلم أنت واحدة فتجيء بألف صواب، لأن كل غلطة في حمقي وعنادي وجهلي ~~تنحاز إليك فتعد في صوابك، وإذا الناس بيننا على الأصل الذي كنا فيه من ~~الرأي العلمي لا على الأصل الذي نزعت أنا إليه من الكلام في الحسد والضغن ~~وما يخرج منهما. # نقول للجامعة: الأدب والدين والتاريخ، وهي تعرف أننا من ذلك في # موطن محاماة، وأنه لا منفعة لنا ولا غاية إلا الإصلاح، وأن الأمة بيننا ~~وبينها، وأن هذه الأمة معنا وعليها، فتلوذ بالصمت عن كل هذا ولا تتكلم إلا ~~في حرية التفكير وتوقي الهدم وكذا وكذا، ولو علمت لعلمت أنها ما تهدم نفسها ~~إلا بمثل هذا، الجامعة ليست مديرها ولا أستاذها وما إن لها في مصلحة الصحة ~~شهادة ميلاد ولا شهادة وفاة، وهي باقية وهما زائلان، وما لم يوفق إليه مدير ~~الجامعة اليوم فعسى ms243 أن يوفق إليه مدير آخر والأمور بحوادثها مرهونة، ~~والأشياء بأوقاتها، والطبيعة بعد على مساقها الذي تندفع فيه، فإن أكرهناها ~~على غيره لم نفسدها وأفسدنا أعمالنا وأخطأتنا الفائدة منها. # وكل هذا يعرفه الأستاذ مدير # PageV01P248 # الجامعة، بيد أن عمله يشعر بأنه يعتقد أن الجامعة هي هو، وأنه إن فاتها ~~صنيعه لم ينفعها صنيع أحد من بعده، فكأنها فكرة بعينها ليس لها غيره وغير ~~طه، فإذا لم يكونا لم تكن؛ لأن غيرهما لا يعمل فيها ثم، كأن الفكرة مع ذلك ~~لا تؤمن عليها الأمة ولا الحكومة. . . ولا تستقيم مع إشرافهما، إذ يرى ~~الأستاذ المدير أن تدخل الحكومة هدم هدم هدم. . . ولن يكون هذا الرأي ~~صحيحا، بل لا مخرج له في التأويل إلا إذا كان تدخل الحكومة هدما للفكرة ~~الشخصية، وإلا فجامعة من هي؟ وكيف تنشئها الحكومة لتهدمها؟ وماذا كانت ~~قيمتها قبل أن تستلحقها وزارة المعارف؟ # إن الذي يعلن أن تدخل الحكومة "هدم" لأمره لن يمكنه إدانة الحكومة # بأفصح ولا أبلغ من هذا الكلام هذا إذا كانت هذه الحكومة قائمة في رأيه ~~على عداوة الأمة والكيد لها وإفساد أعمالها النافعة، وما هكذا يحسن أن يعلن ~~مدير الجامعة المصرية عن الحكومة المصرية، ولكن العجيب أن الأمة هي التي ~~تطلب تدخل الحكومة، ومدير الجامعة وحده هو الذي يأبى ذلك وينتحل فيه ~~المعاذير الواهية ويضع له الأقفال الفلسفية. . . # فلقد صارت الأمة والحكومة جميعا عدوتين للجامعة في رأيه، وهذا على # أن الجامعة ليست له ولا هو خالد فيها، فلم يبق إذن إلا شيء واحد من ~~شيئين: # إما أن الأستاذ المدير هو وحده المخلص، وهو وحده ذو الرأي الصحيح، وهو ~~وحده رجل الأمة كلها. # وإما أن له وحده فكرة لا تقوم إلا به وحده ويريد # تسخير الجامعة لها! أروني كيف يكون المنطق الذي يخرج من هذين الرأيين # رأيا ثالثا وأنا ألقي هذا القلم تحت "وابور الزلط. . . " # ولا أعود أكتب حرفا عن الجامعة! # إن النواميس لا تعرف استثناء ولا تخضع له، وإنما يتغير وصف الشيء # فيتغير قانونه، هذا عاقل يتهم ms244 بعظيمة ويجنيها فيعاقب: وهذا معتوه يقترف ~~إثما فيترك، ولكل منهما حالة، ولكل حالة قانونها، ففي أي شيء يريد الأستاذ ~~مدير الجامعة أن يكون للحكومة إشراف عليها وتدخل فيها؛ أهو أنشاها وهو ~~يملكها وهو يرعاها؛ أم حين لا يكون هو في الأمة لا تكون للأمة جامعة؛ ألا ~~يجوز في "التجربة " إلا وجه واحد من الجهل والفوضى والكفر، فإن قيل جربوا ~~الإيمان والتدقيق والنظام لم بكن ذلك شيئا إلا عبثا من العبث! ما هو وجه ~~الاستثناء بعد الفضيحة والخزي وتبين المكتوم، وبعد سنة كاملة في "التخبط "، ~~ولا بد من وجه للاستثناء إذا كان لا بد من قانون غير قانون الحالة التي أنت ~~فيها، وإلا كان # PageV01P249 # هذا فسادا في أصل النظام وعكسا للنواميس، وكنا فيه كالذي ينقض من ركن في ~~بيته ليرم صدعا في ركن آخر منه، كأن كل ركن مستقل بنفسه مع أنها أربعة في ~~خراب أحدها خراب جميعها، لأنها لا تراد لنفسها بل لما يحمل عليها؛ ومرض ~~الخراب لا يعدي بيتا من بيت ولكنه يعدي ركنا من ركن. ومتى اختلفت الجامعة ~~المصرية والأمة المصرية واستحر النزاع بينهما فما بقي في حكم العقل أنها ~~جامعة كالجامعات، بل هي وحدة قانونية، كالأقلية في الأكثرية فإن لم تكن ~~فوحدة سياسية في الأمة كالجيش المحتل، فإن لم تكن فوحدة علمية كالطبيب في ~~المرضى، فإن لم تكن فوحدة عقلية كالعاقل في المجانين؛ وكل هذا سب للأمة في ~~ظاهره وهو في الحقيقة سب للجامعة ومهانة. # ولكن الأمة بخير. وفيها أهل الحزم وأهل الرأي وأهل العقل؛ فما قيمة # رجل أو رجلين أو بضعة رجال توظفهم الحكومة في الجامعة حتى يستبدوا # بالأمة هذا الاستبداد ويتخذوا الجامعة مرتعا، ويبلغ من غرورهم أن يسخروا ~~من ألف عالم من علماء الدين ويزدروا كل أدباء البلاد ويصروا على ما فعلوا # ويستكبروا استكبار إبليس ويهزأوا بالأمة ويلبسوا عليها ويزعموا لها ~~المزاعم # العريضة كذبا وزورا! # لقد نشرت جريدة "السياسة" أن هذه الجامعة التقية الصالحة اشترت كتاب # طه حسين وانتزعته من السوق فلا يباع ولا يقرأ، ms245 وبهذا أسقطته إسقاطا # ذهبيا. . . # قالت "السياسة": وقد رضي صاحب الفضيلة شيخ الجامع الأزهر بهذا # الحل وسكت، فلم يبق من معنى لشكوى العلماء وذهابهم هنا وهنا (1) # و"السياسة" ترمي شيخ الأزهر بالضعف في رأيه وعلمه، لأن ذلك إن صح # فالشيخ يعلم أن طه لم يستتب ويجدد إسلامه، وأن كتاب إيمانه. . . الذي # نشرته الجامعة إنما كان هزءا بالأزهر ومن فيه، ورميا لأهل هذا المعهد ~~الجليل # بأنهم مستعبدون للحروف والكلمات لا ينفذون إلى أغراضها ودواعيها؛ وقد كتب ~~في ذلك علامة الأزهر الشيخ يوسف الدجوي وسمى كتاب طه حيلة بلهاء لا تجوز ~~إلا على أبله! # وهل يجوز في رأي شيخ الأزهر أن تنفق الجامعة على تعليم الكفر من # أوقاف المسلمين، ثم تعود فتنفق من هذه الأموال على شراء الكفر من صاحبه. ~~PageV01P250 # وما هذا الشراء وما جدواه؟ ألم تعلم الأمة كلها بما في الكتاب بعد أن ~~نشرناه # ونشره العلماء أنفسهم في قرارهم الذي حكموا فيه؛ إنما خسرت الأمة مرتين # ليربح طه مرتين، وأخذ الكتاب من السوق وبقي المؤلف في الجامعة؛ وما # أهون السرقة مرتين على من يسرق مرة ما دام لصا بطباعه وأخلاقه! # ولكن أليس في شراء الجامعة الكتاب ودفع ثمنه ما يومئ إلى اتجاه الإبرة # المغناطيسية في هذه الجامعة، وأنها إلى الجهة الشخصية المحضة، ألا ~~فنبئوني # ما فائدة العدل فيما يسمى القانون إذا نحن لم نأمن الميل الشخصي فيمن ~~يسمى القاضي. # وإذا جعلنا شراء الكتاب قياسا فقل لي أنت إن الدجاجة قد باضت ورقة # بنك أقل لك أنا لا ريب أن في جوفها مطبعة. . . قل لي استقلال الجامعة أقل # لك إنه حماية بعض الأساتذة فيها. . . قل لي حرية التفكير أقل لك إنها ~~حماية # فكرة أثيمة. هي كما ترى أرجوحة منطقية لها صندوقان، فلن تقول إن أحدهما ~~قد علا إلا لقنتني الجواب بأن الآخر قد سفل. . . # لسنا من أمر هذه الجامعة في صندوقين، ولا شخصين؛ إنما نحن في # عمل له ما بعده؛ وقد قلنا للجامعة غير مرة إن علم الأدب الذي تخرجه سيكون ~~علم الأدب في ms246 الشرق العربي كله؛ فلم تفهم، فلما أفسدته أفسدناه علمها، ولو ~~لم نفعل لكنا مجرمين آثمين؛ وتالله لهدم الجامعة أخف ضررا من هدم التاريخ، ~~لأنها إن تغلق اليوم تفتح غدا، ولكن التاريخ لو هدم فمن الذي يبني "هرم ~~كيوبس" غير كيوبس؟ # PageV01P251 ### | فيلسوفة النمل. . . # لقد أضجرني بعض الناس وآذوني بإحسانهم، إذ جعلوا نسختي من "كليلة # ودمنة " أكبر همهم من الأدب وأكثر قولهم في الكتابة، فأنا كل يوم أتلقى ~~من # كتبهم ما لا أقضي منه عجبا، ولا يدرون أنهم بذلك يسبون الجامعة المصرية ~~إذ كيف يبلغ مثلي جسيما من الأمر في البيان والكتابة وعندنا هذه الجامعة ~~الكبرى وفيها شيء اسمه أستاذ الآداب العربية؛ فلم لا يسألون أستاذ الآداب ~~هذا أن يبدع لهم فنا من فنون الكتابة ليدل به على قيمة نفسه ويعلمهم موضعه، ~~ثم يدل بقيمة نفسه وموضعه على مكانة الجامعة؛ والعهد بكل جامعة في الدنيا ~~أن لا يدرس فيها الأدب إلا بليغ مخترع يحمل قلما كهربائيا في جمعه بين سلكي ~~الشعر والكتابة، وفي سطوع النور البياني منهما معا آخذا من هذا مادة ومن ~~هذا مادة، فيقذف بالعبارة المضيئة المشرقة تخطف خطف البرق وإن فيها بعد ~~لقوة السماء وروحا من روح الكون كله. # فإن قالوا إن إستاذ الأدب في الجامعة المصرية رجل سوقى الطبع غليظ # الروح مطموس على قلبه، تفضله العامة في النكتة البيانية وفي استعداد ~~الطبع # الشعري. وفي رقة الروح، وإنه لذلك يعادي البلاغة العربية بجهده لما يعرف ~~من الوهن في كلامه، ومن ذلك ما يزعم أنه "جديد" أي لا يقاس إلا بقياسه هو ~~لا بقياس من فلان وفلان - إن زعموا ذلك قلنا: فالجديد في كل هذا أن الجامعة ~~المصرية تحمل الشهادة على نفسها من هذا الرجل بأنها في إحدى اثنتين: إما ~~غاشة مخادعة، وإما مغفلة مخدوعة؛ فسلوها أيهما هي؟ # أما إن طه حسين جديد على الدنيا غريب فيها بنبوغه منفي من ملكوت # السماوات محروم لذات الجنة مرسل إلى مصر خاصة ليجدد هذه الأمة ثم يعود # إلى سمائه بعد هذا "الانتداب" الإلهي. ms247 . . فقد قال كليلة: وإن الجنون قد ~~يكون من بعض العقل، وذلك حين يقطع العقل بالظن الضعيف ويحكم بالرأي القائل # وليس مع هذا الظن برهان ولا مع ذلك الرأي دليل، كالذي كان من عقل # فيلسوفة النمل. # PageV01P252 # قال دمنة: وكيف كان ذلك؟ # قال: زعموا أن نملة خرجت تسعى فيما يسعى له النمل، فأبطات على # قبيلها أياما وافتقدها جماعتها، وكان يقال لها "طاحين" (1) فلما طال ~~غيابها قالت نملة: يا أيها النمل إن طاحين لبلاء علينا، وهي لصيقة فينا تعد ~~منا وليست هنا، فإنا نعمل فيما يسرنا الله له من الكدح والدأب على مذهب ~~أسلافنا وعلى العرق الذي فينا وهو ميزان فضائلنا وعيار مصالحنا، وطاحين هذه ~~أبدا تعمل على مذهب الزنابير فيما ليس تحته طائل ولا معه فائدة إلا الطنين ~~يذهب في الهواء فلا ينفعنا، واللسع يذهب في أجسامنا فيضرنا، وهي تزعم أنها ~~تريد الفائدة لنا # ولا تنفك تعمل بزعمها ثم لا تعمل إلا ضرا، فما أحراها أن تذهب بنا جميعا # في بعض حماقاتها، وإني أحذركن ما تتورط فيه بجهلها، فإن المصيبة الواقعة # بالناس من الرجل الأحمق يقع معها عذره فيكون مصيبة أخرى، وإنا نجد في # كتب الحكمة أنه متى اغتر العاقل بالأحمق فتابعه وسكن إليه واتخذه دليلا # لمراشد أموره، كان في الأحمق المأفون حماقة واحدة وفي ذلك العاقل # حماقتان! # قال: فانتدبت لهاكبيرة من النمل كانت من قبل أستاذة طاحين، وقالت: # ويلك أيتها الجاهلة المغرورة بقديمك وأهل قديمك! ألا تعلمين أن طاحين # عالمة هذه القرية ومعلمتها منذ كذا وكذا. # وأنها لم تبرح في ألم ومضض وعناء مما تفكر في تجديدنا وإلحاقنا بأمة ~~الزنابير والعصافير، لتكون لنا مملكة في # الأرض ومملكة في الهواء؛ أما إنه ليس من الهلاك أن نهلك معها في سبيل # التجديد، بل الهلاك والله أن نحيا معك ومع أمثالك في هذه المعيشة ~~المملولة # التي لا نن فيها ولا جمال ولا متاع من متاع الطباع الجديدة العابثة ~~الساخرة # الكافرة المستهترة بالفنون ولذاتها ومناعمها، فما نبرح ندأب الساعات ~~الطويلة في جر الحبة والذرة والهنة ms248 من الهنات، وبعد أن نكون أضعنا ساعات ~~أطول منها في التماسك والتفتيش عنها؛ ولو قد تشبهنا بغيرنا، ولو قد طرنا، ~~لكانت الحياة أضعاف ما نحيا، والأسباب مطلقة مباحة من غلب سلب، والأمور ~~متروكة مخلاة من أقدم لها سخرت له، وإن أعجز العجز أن لا نكون كلما نريد ~~ولا نريد أن نكون، ولو صدقت همة النملة منا ثم أرادتا أن تكون جوادا سابقا ~~أو فيلا عظيما لكانت! PageV01P253 # (قالت) : وما أرى طاحين إلا معدلة من طباعنا ومجددة في حياتنا، ثم # بالغة بنا أسمى منزلة في مصالح الدنيا، وهي لا تجشمنا إلا أن نتبعها، وما ~~في # اتباعها كبير تعب ولا صغيره، وهي فيلسوفة وأنتن جاهلات، فسبيلها ما شاءت ~~لنفسها وسبيلكن ما شاءت لكن! # قالت النملة العاقلة: إن هذا فرع ليس من أصله، وإنما نحن أمة من النمل # ومعنا من فضيلة الكد والصبر عليه، والدأب والمطاولة فيه، ومن صحة التقدير ~~وحسن التاني للعواتب البعيدة، ما لو وزن بمنافع الأجنحة كلها لرجح بعضه على ~~جميعها، وإذا كنا بطيئات وكنا نعمل أبدا فما ضرر ذلك إن كنا لا نسأم أبدا، ~~وإن البطء والقوة إلى زيادة، خير من السرعة والقوة إلى نقص، وإنما مثلنا # مثل الذي قال: هيهات إن عظمة لا تشترى بذهب الدنيا! # قالت النملة: وكيف كان ذلك؟ # قالت: زعموا أن رجلا فقيرا أيسر بعد الخلة الشديدة، وأقبلت عليه الدنيا # بعد إدبار طويل، فكانت كالنهر مقبلا على مصبه: إنما همته أن يندفع لا ~~يثنيه # عن ذلك شيء، وكانت لا تطلع شمس يوم إلا جاءته مع أشعتها أكياس # الدنانير، كان له شمسين إحداهما ذهب، وذلك من غنى الرجل وتيسيره. # وجعلت الأقدار الجليلة تطرق عليه بابه لا تهدأ ولا تنقطع، فما يستقبل ~~نعمة إلا طرقت عليه أخرى، واتخذ الدواب والحاشية والموكب، فركب ذات يوم ~~فنفرت به الدابة واعتراها ما يعتري أمثالها من الهيج والتقحم والمخاطرة، ~~فأذرته عن ظهرها ورمت به كما ترمي بخشبة أو حديدة، فأصابت قدمه حجرا فكسرت ~~كسرا لا انجبار له، فكان لا ينهض بعدها إلا ms249 متحاملا ولا يخرج إلا محمولا، ~~وتضاعفت النعمة وجعلت تفشو وتمد كأن فيها روح تيار شديد ينبعث من السماء. # قالت: ولما كان يوم العيد خرج على قومه في زينته، فرآه طالب عالم # فقير كان يمشي مع أستاذه - وكان أستاذه حكيما - فبهره ما عاين من حال ~~الرجل وقال: يا سيدي، ما أجمل النعمة وما أحسن أثرها على صاحبها، وإن الله ~~ليدير حركة الأرض ولكنه ترك للمال أن يدير حركة أهل الأرض فنحله بذلك شيئا ~~من الإلهية، وما أشقى المحروم وأكثر عناء الفقير، فهو المسخر ولا ريب، وليس ~~من البلاء أن مثلي لم يزل يحيا. # ولكن البلاء كيف يحيا! # فقال الأستاذ: هون عليك يا بني، فإن كل ما تراه فنعلك خير لك منه، لأنك ~~تنتعل على قدم صحيحة وهذا الرجل ما جاءه الغنى يجري إلا ليقعد هو فلا يمشي! ~~وأنت تظن # PageV01P254 # أنه يبتاع بذهبه كل ما أحب، على أنه لا يحب إلا عظمة لقدمه المكسورة. # وهيهات أن تبيعه الحياة عظمة بكل ذهب الأرض؟ # قال كليلة: وطال الخلاف بين النمل، فإذا "طاحين" مقبلة تسعى. # فقالت: ما كنتن فيه بعدي؟ فذكرن لها ما تراجعن فيه القول وما كان الجدال ~~عليه، قالت: ألا دعن مثل هذا النمل الدين وإنما نحن نمل الدنيا. وقد كشفت ~~لكن عن عالم جديد كان مجهولا، وسآخذكن إليه فنغمره ونملكه، فاتركن هذا ~~القديم وما كنا نتعايش عليه، وهلممن إلى العالم الجديد وافعلن ما آمركن به. # فقالت العاقلة: ما أنا بذاهبة، وما يكون الجديد جديدا باسمه ولكن # بمنفعته، ولا منفعة إلا عن يقين، ولا يقين إلا بعد تجربة، ولا تجربة إلا ~~في # ملاءمة ومصلحة، فإذا أنكر طبعي أنكرت، وقد قالت العلماء: إن ثلاثا لا # تصلح مع ثلاث: الحياة مع المرض، واليقين مع الشك، والطبع مع التقليد. # فأنا آخذة بظاهر العمل والحيطة، وتاركة لكن باطن العلم والفلسفة وسترين # وأرى. # قالت الكبيرة من النمل: إنما أنت من أنصار القديم ولن تفلحي أبدا. # ونحن ذاهبات على حبك وكرهك، وإنما الدنيا ما يأتي لا ما يمضي، وما ms250 يولد # لا ما يدفن، وستريننا في عالمنا الجديد أولات أجنحة مثنى وثلاث ورباع! # ثم إنها نظرت لطاحين وقالت: أما قلت آنفا إن هواء ذلك الإقليم ينبت # الأجنحه! # قالت: بلى، وإن هي لم تنبت فقد نظرت في هذا، وسنصنع كما صنع # الإنسان حين لم يطر فاتخذ الطيارات، وامتنعت عليه قدرة سخرت له قدرة # تكافئها، فكان من هذا تعديل لهذه، وسنحتال لبعوضة فنأسرها ونذللها تذليلة ~~الآلة في العمل، فتطير بنا مرة وتقع مرة، حتى إذا رضناها وانقادت لنا ~~وسوينا بين طباعها وطباعنا وأصبحت تطير وتنزل عن أمرنا وتطبعت على الطيران، ~~ولدت لنا من بعد طيارات كثيرة. . .! # قال: ثم إنهن تزاحمن صفوفا مرصوصة ومضين يتبعن "طاحين" وهن # يتهامسن أنه ما من منزلة في العلم بعيدة أو قريبة إلا ولهذه الفيلسوفة ~~خطوة هي بالغتها. . . قال: وينتهين إلى العالم الجديد فإذا. . . # وسكت كليلة. # قال دمنة: ويحك فإذا ماذا؟ # PageV01P255 # قال: فإذا كرة صبي ملقاة في ركن من الدار، فقالت طاحين: ههنا ههنا. # فهذه هي أرضنا الجديدة! # فلم يكن غير بعيد حتى غشينها من جميع جوانبها فإذا هي في رأي العين # كأنها مكتوبة بالخير. واستوت طاحين على حدبة الكرة تفكر فيما تجدد لهن من ~~واضح وخفي وظاهر ومخيل، وما لبث الصبي أن عاد من المدرسة وفي جلده لذعات ~~الضرب لأنه لم يحسن كتابة درسه، فأهوى إلى الكرة بيده ثم نظر فإذا هي سطور ~~فوق سطور، فقال: لعن الله الكتابة أدعها في المدرسة فتمشي حروفها إلى الدار ~~ثم ركض الكرة بقدمه ركضة شديدة أتت على نصف النمل وطحنت أسفله بأعلاه، ~~فتهارب الباقيات يسعين إلى نجائهن في كل وجه ومهرب، وهو يقتفيهن بحذائه ~~ويدوسهن حيث عرضن، فلم ينج منهن إلا قليل ذهبن متضعضعات إلى القرية، ~~فتلقتهن النملة العاقلة وقالت: ما أمر جاء بكن من العالم الجديد؟ # فتكلمت نملة وقالت: لعن الله الجديد ومجدده وآخذه ومعطيه، إن كان # والله إلا حذاء صبي خبيث ودوسا دوسا وحطما حطما، فمن لم تهلك فلن تنسى ~~أبدا أنها من الهلاك رجعت! # ولقد محصنا الامتحان ms251 والابتلاء فما كان لنا من جديد مع طاحين # المشؤومة إلا أن اشترينا حياة بعضنا بهلاك البقية، ولا جديد في عقل ~~المجنون # إلا جنون العاقل. # * * * # وبعد فسنفرغ لما كنا فيه من نقد كتاب طه حسين، فقد أبلغنا الحجة على # الجامعة حتى انقطعت ولبسها الخزي بإطراقه وذلته، وما كانت أمثال "كليلة # ودمنة" إلا من أجلها وعلى تفصيلها؛ فسندع تلك الأمثال لنتم القول في ذلك ~~الكتاب. # وما ندعي أننا نتعقب جميع مسائله وفصوله وإنما نختار منه اختيارا، إذ # الغرض أن نومئ إلى أصول الخطأ وندل على سقوط الكتاب وبلادة مؤلفه. # وأنه لا جديد عند هذه الفئة إلا الوقاحة في العلم. # ولو أن طه يقبل منا أو تقبل الجامعة أو تقبل وزارة المعارف لجعلنا لمن ~~يقبل أن يختار أربع صفحات من هذا الكتاب تكون متتابعة متصلة وليخترها كيف ~~شاء، فإن عجزنا عن إخراج غلط الصفحات الأربع فالكتاب كله صواب، وإن فعلنا ~~فالكتاب ساقط # PageV01P256 # دفعة واحدة؛ وهذه مخاطرة كما ترى، بل هي قمار في النقد، ولكنها تنهي # المعركة بضربة، وما نظن كتابا في الأدب لمتقدم أو متأخر مهما بلغ من ~~السخف يمكن أن يقامر عليه في النقد بمثل هذه الطريقة، على حين ذلك ممكن في ~~كتاب الجامعة المصرية، حتى ما من رأي فيه للمؤلف إلا هو خطأ من المؤلف، ولا ~~تميز الجامعة السها من القمر! قال في صفحة 145 وقد ذكر اختلاف الرواة في ~~معلقة امرئ القيس في بعض ألفاظها وبعض أبياتها: "وليس هذا الاختلاف مقصورا ~~على هذه القصيدة، وإنما يتناول الشعر الجاهلي "كأنه رواه كله. . . " # وهو اختلاف شنيع يكفي وحده لحملنا على الشك في قيمة هذا الشعر، وهو # اختلاف قد أعطى للمستشرقين صورة سيئة كاذبة من الشعر العربي، فخيل إليهم ~~أنه غير منسق ولا مؤتلف، وأن الوحدة لا وجود لها في القصيدة، وأن # الشخصية الشعرية لا وجود لها في القصيدة أيضا، وأنك تستطيع أن تقدم # وتؤخر، وأن تضيف إلى الشاعر شعر غيره؛ دون أن تجد في ذلك حرجا أو # جناحا ما دمت لم تخل ms252 بالوزن والقافية، وقد يكون هذا صحيحا في الشعر # الجاهلي، لأن كثرة هذا الشعر منتحلة مصطنعة، فأما الشعر الإسلامي الذي # صحت نسبته لقائليه فأنا أتحدى أي ناقد. . . أن يعبث به أقل عبث دون أن # يفسده، وأنا أزعم أن وحدة القصيدة فيه بينة، وأن شخصية الشاعر ليست أقل ~~ظهورا منها في أي شعر أجنبي، وإنما جاء هذا الخطأ من اتخاذ هذا الشعر # الجاهلي نموذجا للشعر العربي، مع أن هذا الشعر الجاهلي - كما قدمنا - لا # يمثل شيئا ولا يصلح إلا نموذجا لعبث القصاص وتكلف الرواة" انتهى. # وقد كنا نصحنا ل طه في حديثنا معه أن يتثبت إذا كتب في جملة جملة # ومعنى معنى، فإذا فرغ من الإملاء رجع إلى كلامه فعارض بعضه على بعض # ليتقي المناقضة، فإنه قد يبني ويهدم على نفسه في بضعة أسطر. # وأنت تراه هنا يزعم أن المستشرقين أنكروا الوحدة والشخصية في الشعر # العربي، ثم يزعم أن ذلك إنما جاءهم من اتخاذ الجاهلي نموذجا، فكان # المستشرقين هؤلاء لم يقعوا على الشعر الإسلامي، ولو اطلعوا عليه لوجدوا ~~فيه الوحدة والشخصية كما وجدهما طه. فإذا كان المستشرقون من الجهل بهذه ~~المنزلة فما قيمة حكمهم، وإذا كانوا قرأوا الدواوين الإسلامية وطبعوا بعضها ~~فما قيمة كلام طه؛ فإن قال إنهم اطلعوا على الشعر الإسلامي وجهلوا الوحدة ~~والشخصية فيه، قلنا: فكيف يكون الخطأ # "إنما جاءهم من اتخاذ الشعر الجاهلي نمودجا" # وهم يعمون الشعر العربي كله جاهليا وإسلاميا بالحكم؟ # PageV01P257 # ولو لم يكن من العجيب إلا أن أستاذ الأدب في الجامعة يجهل سبب # اختلاف الرواة في ألفاظ الشعر ومواضع أبياته، لقد كان في ذلك وحده ما # يخزي الجامعة أشد الخزي، فإن العرب إنما كانوا يحفظون ويتناقلون، وهم # قوم - كما قيل - أناجيلهم في صدورهم، فلم يكتبوا ولم يدونوا؛ ومع الحفظ ~~النسيان قليله وكثيره، فإذا نسي أحدهم الكلمة في بيت من الشعر وضع غيرها في ~~مكأنها ليقيمه؛ إذ لا بد أن يرويه أو يتمثل به، ثم يكون غيره لم ينس فيروي ~~الشعر على أصله، فتجتمع روايتان، فإذا كانوا ثلاثة ms253 فتلك ثلاث روايات كل ~~منها بلفظ غير الآخر، وهلم جرا. # وقد يحفظ أحدهم القصيدة فإذا ردها يوما على غيره قدم وأخر في بعض # أبياتها كما تتفق له حالة الذاكرة في ساعته تلك لا كما حفظها من قبل، إذ ~~ليس عنده أصل مكتوب يعارض عليه، ويصنع غيره مثل هذا الصنيع بضرب آخر من ~~التقديم والتأخير كما يتهيأ لذاكرته، ثم يكون غيرهما قد رواها وثبتت في ~~حفظه فلم تختلط، فيأتي من ذلك في القصيدة الواحدة ثلاث روايات متعارضة، ~~وإذا كثرت أبياتها كثرت رواياتها على حساب ذلك. وقد فصلنا أسباب هذا ~~الاختلاف على أكثر وجوهه في الجزء الأول من # "تاريخ آداب العرب" فلا محل لإعادته هنا. # وإذا كانت الوحدة والشخصية الشعرية لا توجدان في الشعر الجاهلي لأنه # من عمل القصاص وتكلف الرواة، وكانتا موجودتين في الشعر الإسلامي الذي صحت ~~نسبته لقائليه - فقد وجب إذن أن توجد في الشعر المصنوع على الجاهلية شخصية ~~صانعيه على الأقل، لأنه موضوع بعد الإسلام، ولأن نسبته إلى قائليه "صحيحة" ~~إذا لم تقله الحجارة دوإنما قاله شعراء علماء يضعون الجيد ويحسنون حوكه ~~وصنعته، ومن ذا يستطيع أن يضع على امرئ القيس والنابغة والأعشى وغيرهم ثم ~~ينخدع له علماء الشعر فيحملون كلامه ويروونه إلا إذا كان فحلا مجودا مبدعا ~~يعرف كيف يصنع وكيف يحتذي! فإذا كان كذلك فكيف يغفل هذا # الفحل عن الوحدة والشخصية فيما يقلده. # وإن غفل فأين تذهب شخصيته هو؟ # وما هي هذه الشخصية الشعرية عند طه؟ # يقول في صفحة 160 في ترجمة مهلهل الذي قيل إنه سمي بذلك لأنه # - " هلهل الشعر أي أرقه: (وليس من شك في أن شعر مهلهل مضطرب فيه # - هلهلة واختلاط، ولكنا نستطيع أن نجد هذه الهلهلة نفسها في شعر امرىء # القيس وعبيد وابن قميئة وكثير وغيرهم من شعراء العصر الجاهلي، فقد # PageV01P258 # كانوا جميعا مهلهلين إذن؛ غير أننا لا نستطيع أن نطمئن إلى أن يهلهل ~~شعراء # الجاهلية جميعا الشعر بحيث يصبح لكل واحد منهم شخصيات شعرية # مختلفة تتفاوت في القوة والضعف وفي الشدة واللين ms254 وفي الإغراب # والسهولة، وإذن فمن الذي هلهل الشعر؛ هلهله الذين وضعوه من القصاص # والمنتحلين " انتهى. # فالشخصية عنده هي الجزالة والفخامة أو الرقة والسهولة، كان كل شاعر # لا يكون شاعرا إلا إذا لزم نمطا واحدا بعينه، وهذا خطأ مبين وضلال بعيد. # فليس من شاعر قديم أو حديث، بل ليس شاعر يعد شاعرا إلا إذا أعطى # المعاني خير ألفاظها؛ جزلة في مقام الجزالة ورقيقة في مقام الرقة؛ ولا ~~تجد من # يلزم طريقة واحدة في اختيار اللفظ إلا إذا لزم فنا واحدا في المعنى، ~~كالشاعر # الغزل المتهالك في نسيبه، فإن هذا الغزل لا تحسن فيه إلا ألفاظ في رقة ~~الدموع والتنهدات، وأنت تعرف أن بشار بن برد هو القائل: # إذا ما غضبنا غضبة مضرية. . . هتكنا حجاب الشمس أوقطرت دما # إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة. . . ذرا منبر صلى علينا وسلما! # وهو القائل في جاريته "ربابة": # ربابة ربة البيت. . . تصب الخل في الزيت # لها عشر دجاجات. . . وديك حسن الصوت # قد قيل له في ذلك فقال: إن هذا في ربابة خير من قول امرئ القيس في # معلقته، وذلك قول صحيح، لأنه يعبث بربابة ويداعبها، ويكاد شعره يكون قرصة ~~رقيقة في جلدها. . . # وثم تعريف آخر للشخصية عند طه، فإن المضطرب لا يستقر على شيء. # قال في صفحة 177 وقد أورد شعر طرفة بن العبد: # ألا أيهذا الزاجري اخضر الوغى. . . وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي # فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي. . . فدعني أبادرها بما ملكت يدي # ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى. . . وجدك لم أحفل متى قام عودي # فمنهن سبقي العاذلات بشربة. . . كميت متى ما تغل بالماء تزبد. # وكري إذا نادى المضاف محنبا. . . كسيد الغضا نبهته المتورد. # وتقصير يوم الدجن والدجن معجب. . . ببهكنة تحت الخباء المعمد! # PageV01P259 # قال: "في هذا الشعر شخصية بارزة قوية لا يستطيع من يلمحها أن يزعم # أنها متكلفة منتحلة أو مستعارة. # وهي شخصية ظاهرة البداوة واضحة الإلحاد.. # بينة الحزن واليأس والميل إلى الإباحة.. في قصد واعتدال، هذه الشخصية # تمثل رجلا فكر والتمس الخير ms255 والهدى فلم بصل إلى شيء "سبحان الله" # ثم قال: ولست أدري أهذا الشعر قد قاله طرفة أم قاله رجل آخر، وليس يعنيني ~~أن يكون طرفة قائل هذا الشعر، بل ليس يعنيني أن أعرف اسم صاحب هذا الشعر. # إنما الذي يعنيني هو أن هذا الشعر صحيح.. لا تكلف فيه ولا انتحال! # انتهى. . . # فانظر كيف تفهم هذا الخبط، وهل كل شعر يقوله شاعر إلا هو صحيح لا # تكلف فيه ولا انتحال بالإضافة إلى قائله، ثم هو بعد ذلك إذا نسب إلى غير # قائله كان موضوعا على هذا الذي نسب إليه؛ وإذا نحن ذهبنا هذا المذهب في ~~كل ما يروى عن الجاهلية فقلنا لا يعنينا أن يكون قائل هذا الشعر فلانا أو ~~غيره ولم ننظر إلا في الشعر نفسه، فماذا يبقى من كتاب طه حسين وما فائدة ~~بحثه في الشعر الجاهلي، وإنما يقوم هذا البحث على إثبات الشعر لمن عزي ~~إليهم أو نفيه عنهم بعد الإدلال بالحجة على هذا وعلى ذاك، "ولا يعنيني" ~~تطلق البحث من هذين القيدين معا؟ # على أن معنى الشخصية هنا هو العاطفة والنزعة والفكرة الفلسفية، فإذا # قال طرفة هذه الأبيات كانت فيها شخصيثه الشعرية وإذا قال أبياتا مثلها ~~قوة # ورصانة في وصف الناقة لم يكن من سبيل إلى أن تكون فيها شخصيته عند طه، ~~إلا إذا كان الشاعر جملا من الجمال! . . . كل هذا وذاك خلط يقلد الرجل فيه ~~الإفرنج؛ لأنه لا يعرف ما هو الشعر العربي ولا كيف يصنع؟ # فإن الشخصية في هذا الشعر ليست شخصية أفراد ولكن شخصحية أحزاب وجماعات، ~~فجماعة يلزمون طريقة الجزالة والقوة فيقلد بعضهم بعضا في ذلك فيستوي شعرهم ~~في الطريقة على اختلافهم وتعدد أشخاصهم، وآخرون يؤثرون الرقة والسهولة ~~ويأخذ أحدهم مأخذ الآخر فيتشابه شعرهم كذلك. # وقل مثل هذا في الصناعة البيانية، ومثله في عمود الشعر، كشعراء الشيعة # وشعراء الفلسفة والحكم والأمثال.. الخ الخ، وكل نوع من هذه الأنواع يجمع ~~شخصية طائفة، فلست بمستطيع أبدا أن تقول: هذا غزل فلان وهذا غزل فلان، تعرف ~~ذلك ms256 من شخصية في كل منهما، أو هذه أمثال فلان وهذه أمثال فلان. # إنما تختلف الطريقة والصنعة؛ كبديع مسلم وأبي تمام وطبقتهما، وكطبع # PageV01P260 # البحتري وأشجع السلمي وجماعتهما، وأمثال ابن عبد القدوس والمتنبي ومن # يذهب مذهبهما، وفسق أبي نواس والخليع وأمثالهما، وزندقة المعري ومن # أعماه الله بعماه؛ وقس على ذلك، فإن الصناعة الواحدة تقارب بين أهلها إن ~~كانت بديعا أو لغة أو غيرهما. # ومن المضحك قول طه إنه يتحدى أي ناقد أن يعبث بالشعر الإسلامي # "أقل عبث" دون أن يفسده، فليأت هو بقصيدة واحدة لا يمكن فيها تغيير لفظ ~~بلفظ وتقديم بيت على موضعه أو تأخيره عن موضعه؟ # وإن كان هذا مما يفسد الشعر فأول من يعبث بالشعر قائله الذي وضعه، لأنك ~~ترى الشاعر يعمل القصيدة وفيها البيت من الأبيات وموقعه الثالث أو الرابع ~~مثلا، ثم يخرجها فإذا هذا البيت بعينه هو الثلاثون أو الأربعون، ولا يختل ~~نظم القصيدة ولا عمود الشعر إن كان هنا أو هنالك. # وما هي وحدة القصيدة إذا كانت تبدأ بالنسيب ثم تخرج إلى الوصف ثم # تميل إلى الحكمة ثم تنتهي إلى المدح، وأنت في كل ذلك تفصل الكلام بالمثل # بعد المثل. ولو حذفت النسيب والأمثال من قصائد المدح لاستقام المدح ولم # يفسد الشعر. # إن الشعر العربي خاضع لقوافيه ما من ذلك بعد، فالقافية واختلاف # معانيها قبل الشاعر وعمله وفكره وشخصيته، وانظر كيف يصنع هذا الشعر: قال ~~ابن رشيق: كان أبو تمام ينصب القافية للبيت ليعلق الأعجاز بالصدور؛ وذلك هو ~~التصدير في الشعر، ولا يأتي به كثيرا إلا شاعر متصنع كحبيب # ونظرائه، والصواب أن لا يصنع الشاعر بيتا لا يعرف قافيته. # قال: ومن الشعراء من يسبق إليه بيت واثنان وخاطره في غيرهما يجب أن يكونا ~~بعد ذلك بأبيات أو قبله بأبيات. وذلك لقوة طبعه وانبعاث مادته؛ ومنهم من ~~ينصب قافية بعينها لبيت بعينه من الشعر، مثل أن تكون ثالثة أو رابعة أو نحو ~~ذلك، لا يعدو بها ذلك الموضع إلا انحل عنه نظم أبياته. # "وذلك عيب في الصنعة ms257 شديد ونقص بيق ". . . # ومنهم من إذا أخذ في صنعة الشعر كتب من # القوافي ما يصلح لذلك الوزن الذي هو فيه، ثم أخذ مستعملها وشريفها وما # ساعد معانيه وما وافقها واطرح ما سوى ذلك، إلا أنه لا بد أن يجمعها # ليكرر فيها نظره ويعيد عليها تخيره في حين العمل وهذا الذي عليه حذاق # القوم. # قلنا: ولو كان شيخ الجامعة "من حذاق القوم" لعرف أنه لا يعيب # PageV01P261 # الشعر العربي ولا ينقصه إلا القافية، كما أنه لا يحسنه ويزينه إلا هذه ~~القافية # نفسها؛ فإذا قلنا الوحدة والشخصية، عابته القافية من جهة ما، وإذا قلنا # التأثير والتمكين والموسيقى والنغم وقوة السبك والاتساع في المعاني ~~ودلالة # بعض الكلام على بعض، كانت القافية هي تمام الحسن. # وهذه القافية الواحدة في القصيدة هي أعسر الأشياء في - الشعر الإفرنجي، ~~فلما انطلق شعراؤه منها جاؤوا بالشعر كما يجيء أحدنا بالمقالة من النثر: ~~جملا معلقة على جمل وسطورا مرتبطة بسطور؛ فمن ثم معنى الوحدة في الشعر ~~الإفرنجي وما هي بشيء عندنا لأن لغتهم قليلة الزخرف ضئيلة المادة، على أننا ~~إذا نوعنا القوافي والبحور جاريناهم وسبقناهم لو أن عندنا أمة تطلب الشعر؛ ~~فإن الشعر العربي بعد الأمويين لم يزل شعر فئة لا شعر أمة، وقد بينا هذا ~~المعنى في مقالة نشرها "المقتطف " الأغر. # إن للشعر العربي على طريقته المعروفة حيزا من النفوس يجب أن يقر فيه # ولا يعدوه، - فإن مداره على التأثير، فإذا أردته - على غير ذلك كنت كالذي ~~يتناول العود أو الكمنجة ليتخذ من أحدهما هراوة يضرب بها! # ونمسك الآن عن إتمام هذا البحث لأن له موضعا في الجزء الثالث من # كتابنا "تاريخ آداب العرب" ونحن ندخره لموضعه. # غير أنا نختم القول بطرفة بديعة في الشخصية قالوا: كان ابن أبي المولى # من شعراء المدينة، وكان موصوفا بالعفة وطيب الإزار؛ فأنشد عبد الملك بن # مروان شعرا رقيقا يقول فيه: # أبكي فلا ليلى بكت من صبابة. . . لباك ولا ليلى لذي البذل تبذل # واخنع بالعتبى إذا كنت مذنبا. . . وإن أذنبت كنت الذي أتنصل ms258 # فرق له عبد الملك وأخذته هذه الشخصية العاشقة المحترقة، فقال من # PageV01P262 # ليلى هذه؟ إن كانت حرة زوجتكها! # وإن كانت أمة لأشترينها لك بالغة ما بلغت. # قال الشاعر: كلا يا أمير المؤمنين، ما ليلى التي أنسب بها إلا قوسي هذه # سميتها ليلى. . .؟ لأن الشاعر لا بد له من النسيب. # فيا ليلى يا ليلى. # كل يغني على ليلاه متخذا. . . ليلى من الناس أو ليلى من الخشب! # PageV01P263 ### | مسلم لفظا لا معنى. . . # كنت أوردت في المقال الذي عنوانه "قال دمنة. . . " مثل الخطيب # الزنديق الذي غره الضعف من نفسه طيشا ولؤما، وغرته القوة من الناس حلما ~~وتكرما، فطاش ولؤم بمقدار ما تغافلوا وكرموا وزعم له شيطانه أن الكفر لن ~~يكون في مثل هؤلاء الجامدين كفرا إلا في المسجد الجامع، وعلى المنبر، وفي ~~يوم الجمعة. # ولما أوفى دمنة على مهوى المثل وأنشأ ينحدر إليه، كانت بقية # الصحيفة مقطوعة من نسختي، فقلت لعل في القراء من تكون عنده نسخة غيرها ~~فيعارض عليها ويأتينا بما يكمل هذا، فلم يتمه أحد إلى اليوم وقد كاد ينسلخ ~~الشهر! # ثم إن جريدة "السياسة" اليومية نشرت مقالا ل طه حسين يرمي فيه علماءنا # بالجمود والجهل، ويغري بهم نواب الأمة وشيوخها، ويخرجهم مخرج # المتطفلين على هذه الأمة وعلى التاريخ والعصر، وكأنه حسب - أصلحه الله - ~~أن البرلمانيين نسخ من نفسه أخرجتها مطبجة الجامعة. . . # أو كأنه لا يعلم أن نفسه هذه كتاب مهما تجهد الأبالسة في نشره لا تنشر ~~منه في أمة يكون فيها الأزهر وعلماؤه والعربية وأدباؤها أكثر من عشر نسخ ~~نصفها في الجامعة المصرية وحدها. . . # ثم خرجت "السياسة" الأسبوعية وفيها مقال آخر للشيخ (أبي مرغريت) # في فلسفة العلم والدين والجمع بينهما؛ فلم يعد يسعني في الدين وهو # ميثاق، ولا يجمل بي في الأدب وهو أمانة، إلا أن أجد بقية مثل الخطيب. # فنفضت بيت كتبي نفضا حتى أصبت القسيمة الضائعة من تلك الصحيفة. # فإذا فيها ما نسخته: # قال دمنة: فلما كانت الجمعة والتقى الناس لأداء المكتوبة، جاء الخطيب # - وكان رجلا ضريرا - فشق المسجد حتى ms259 صعد المنبر، فتنحنح وسعل، وقال: # أيها الناس، لقد وقع في قلبي الرثاء لكم، وداخلتني الشفقة عليكم؛ فما ~~أغشكم # PageV01P264 # بعد اليوم ولقد غششت من قبل إذ كنت لا أقول ما أعلم، فلن أجمع على نفسي ~~بين ما ترونه كفرا وما أراه غشا؛ لقد كنت أقول لكم: "عباد الله" وإنما أنتم ~~عباد أنفسكم، فإن رجلا عربيا وضع لكم شرعا وكتابا لفق فيه من خرافات ~~الأعراب الذين يبولون على أعقابهم، ثم مضى لسبيله فتوهمتم دينا وإلها، ~~وتعبدتم لهذا وتعلقتم بذلك، فوهمكم تعبدون، وأنفسكم تؤلهون، وزعمتم أن ~~الوحي كان ينزل كلاما، ولو نزل كلاما للمهتدين لنزل حجارة على الكافرين. . ~~. # ولما انتهى إلى هذه الكلمة من قوله، أصابته حصاة في وجهه، حصبه بها # رجل من عرض الناس، فقال: ها! كأنكم توهمونني أن السماء ترد علي بهذه # الحصاة، ولكن من أين جاءت؟ جاءت من ناحية الباب لا من ناحية السقف، وليس ~~أحد على الباب، وليس أحد إلا في المسجد، فمن المسجد أصبت. # وهذا هو المنطق. # فرماه أحدهم بنعل صكت وجه، فقال: وهذا دليل آخر، فما كانت # السماء لترسل نعالا؛ وهذه النعل كما أتحسسها نعل (مطينة) وليس في السماء ~~طين فمن أين جاء الطين؟ # جاء من الأرض، وكانت النعل في قدم أحدكم فالتاث # بها فمنكم أصبت، وهذا هو المنطق. # فتصايح الناس وقالوا: أيها الشيخ إن أول الغيث قطر وينسكب، وهذا هو # المنطق. . . " # ثم انهمرت عليه نعالهم حتى ملأت جوف المنبر ودفنوه فيها دفنا، ثم # تركوه وتركوها له ومشوا حفاة يرون أنهم يغبرون أقدامهم في سبيل الله. # قال دمنة: ثم إن شيخا كان معهم فخالفهم إلى المسجد وتسور المنبر # حتى علاه، فكشف عن وجه الخطيب المسكين وكان في برزخ بين الدنيا # والآخرة، فتنفس حتى ثابت إليه روحه، ثم قال له: أيها الغبي، لقد كنت ~~عالما تكفر في نفسك وفي رأيك، فتركوا لك رأيك ونفسك ولم يضطروك إلى ما تكره ~~وخلاك ذم؛ ولكنك كنت رجلا حمقا مخذولا، لا تعرف موضع رأسك من مواضع رؤوس ~~الناس، فلما أبيت إلا أن ms260 يكون على كل عنق مثل وجهك الدميم، وأبيت إلا حملهم ~~على كفرك، وجعلت باطلك أمير حقوقهم؛ وأبيت إلا أن تسمى فيهم رأسا وما ~~يعرفونك إلا ذيلا كان منهم ما رأيت، فعرفوك أيها العالم العظيم قيمة علمك، ~~إذ أهدوا إليك مكتبة عظيمة كل "مجلداتها" نعال. . . # PageV01P265 # فقال الخطيب: ولكنهم أهانوا المسجد وانتهكوا حرمته وأبطلوا # الصلاة. . . # فقال الشيخ: يا رقيع! ما أراك الساعة تتكلم إلا بلسان من نعل. . . # قم أخزاك الله! فلو أنهم عرفوك بهذا الثقل لأهدوا إليك مكتبة أخرى من ~~الحجارة! # قرأنا ما كتب طه في العلم والدين فإذا منزلة الأستاذ في العلم كمنزلته في # الأدب، وهو مقلد فيهما جميعا لا يصحح شيئا على وجهه، لأن ملكة التمييز ~~فيه ضعيفة، ومن ضعفها استطال على الحقائق غرورا ومكابرة وجرأة، يحسب في ذلك ~~تغطية لجهله وخطئه، إذ كان في منصب علمي كبير وليس معه من وسائل العلماء في ~~حدة الذكاء وصحة الاستنباط، ولا من أخلاقهم في الأناة والتثبت، ولا من ~~أوصافهم في الإقرار والتسليم إذا توجهت الحجة وقام الدليل، بل هو ما ترى من ~~خبط إلى هوج إلى حمق إلى سورة كسورة السكارى في الهذيان والعربدة. . . # ولقد يقتلع المرء جبلا من الأرض يمتلخه من عروقه فيفرغ منه، ولا يقتلع # غلطة من نفس طه وإن شهد الملأ من الناس على أنها غلطة وعلى أنه لا يقوم # فيها عذر؛ حدثني فلان قال: ناظرت هذا الشيخ طه يوما فلما ضيقت عليه # وانقطع وصار بين التسليم أو البهت، قال: لا أريد أن أقتنع! ، وانظر أنت ~~أي رأي يستقيم في هذه الدنيا مع "لا أريد أن أقتنع" وهي كلمة تأكل الأدلة # والبراهين كما تأكل الناس الحطب: كلما ازدادت من الأكل ازدادت من الجوع. # مهد طه لرأيه بأن أعلن لشيخ الأزهر ولعلماء الدين أنه مثلهم مسلم، ثم # قال: "والفرق بيني وبين الشيوخ أني مسلم حقا أفهم الإسلام على وجهه ": # فيا أرض ابلعي، فهذا مستنقع لا رجل؛ أهو مسلم حقا وشيخ الأزهر # والعلماء مسلمون "لاحقا" وهم لا يفهمون الإسلام على وجهه ms261 مثل طه لأنهم لم ~~يكذبوا القرآن ولم ينكروا النبوة مثل طه! . . . # لا يستقيم الكلام على ما تفهم من أوضاع اللغة العربية إلا إذا كان ل طه # شيء خاص يسميه إسلاما؛ فمن ثم تنشأ الفروق الكثيرة بينه وبين شيخ الأزهر ~~والعلماء؛ وهذا الشيء الخاص على ما يظهر هو حرية الفكر والرأي، يفهم على ~~قدر ضعفه ويعمل على قدر ميله، ويخطئ والخطأ عنده إسلام، ويضل والضلال ~~إسلام، ويفجر والفجور إسلام، ويكفر والكفر إسلام ويسب الإسلام وذلك إسلام ~~أيضا! # PageV01P266 # ليت شعري إلى كم يتنطع. هؤلاء المساكين في معنى حرية الفكر والرأي. # فاسمع يا طه: # قال دمنة: ثم إن هذه الدباجة كانت تزعم لنفسها حرية الفكر، وتنسى أن # للفكر شروطا كثيرة لم تجتمع لها، وأن حرية الفكر في مثلها هي حرية ~~الجناية # عليها وحرية الجناية منها، فرأت جملا بازلا كالقصر العظيم يقوده طفل ~~صغير، فهالها ما رأت من عظمه وقوته، ووقع من نفسها ما علمت من لينه ~~ومطاوعته. # فقالت للدحاج: إني قد فكرت في الترفيه عنا، فسنتخذ لنا خادما قويا نمتهنه # فأخذت في منقارها زمام الجمل وجاءت به تقوده، فلم يكد يضع خفه في تلك ~~التماريد " الأقفاص" حتى هشمها وتفلق البيض وهلكت الفراريج وطاح الدجاج في ~~كل ناحية، وفهمن من مصيبتهن ما لم يفهمن من عقولهن، وهذا كله على أن الجمل ~~لم يضع إلا رجله في بيت الدجاج، فكيف لو ذهب وجاء فيه كما يفعل الخادم في ~~الخدمة. . .؟ # ثم قال طه، "إن العالم ينظر إلى الدين كما ينظر إلى اللغة، وكما ينظر # إلى الفقه، وكما ينظر إلى اللباس، من حيث أن هذه الأشياء كلها ظواهر # اجتماعية يحدثها وجود الجماعة وتقع الجماعة في تطورها، وإذن فالدين في # نظر العلم الحديث ظاهرة كغيره من الظواهر الاجتماعية، لم ينزل من السماء # ولم يهبط به الوحي، وإنما خرج من الأرض كما خرجت الجماعة نفسها وإن # رأي "دوركيم" أن الجماعة تعيد نفسها، أو بعبارة أدق "أنها تؤله نفسها" ~~"يريد أنها تخترع الإله بفكرها ثم تعبده، فهي تعبد فكرها وتؤله ms262 نفسها" # وأن النصيحة أن يقال الحق للناس، وهو أن الدين في ناحية والعلم في ناحية ~~أخرى وليس إلى لقائهما سبيل. . . وأن العلم لا يقبل تأويلا، فهو إذا زعم لك ~~أن الأرض كرة وأنها تدور حول الشمس لن يقبل منك أن تؤوله أو تحوله عن وجهه، ~~كما أنه لن يقبل منك أن تؤول أو تحول قواعد الحساب وأصول الرياضة. # وإذن فالتأويل يتناول نصوص الدين وحدها، وهؤلاء المؤولون يفسدون نصوص ~~التوراة والقرآن ويحملونهما غير معناهما، ليوفقوا بينهما وبين العلم؛ هم ~~يأتون بتوراة جديدة وقرآن جديد، وهم يفهمون التوراة والقرآن # (لا يذكر إلا التوراة والقرآن) ، أما الإنجيل فيظهر لنا أنه في شفاعة ~~زوجه المسيحية. . .) فهما لو # PageV01P267 # سئل عنه السلف من المسلمين واليهود أما النصارى ففي شفاعة. . . " لأنكروه ~~أشد الإنكار. # ثم يرى طه أن من الممكن أن يكون الإنسان ذا دين يؤمن بما لم يثبته # العلم، ويكون عالما لا يقر ما لم يثبته العلم قال: فكل امرئ هنا يستطيع ~~إذا # فكر قليلا أن يجد في نفسه شخصيتين ممتازتين. # إحداهما عاقلة تبحث وتنتقد وتحلل "يعني وتكفر" وتغير اليوم ما ذهبت إليه ~~أمس، والأخرى شاعرة تلذ وتألم وتفرح وتحزن وترضى وتغضب في غير نقد ولا بحث ~~ولا تحليل، وكلتا الشخصيتين متصلة بمزاجنا وتكويننا، لا نستطيع أن نخلص من ~~إحداهما. # فما الذي يمنع أن تكون الشخصية الأولى عالمة باحثة نافذة، وأن تكون ~~الشخصية الثانية مؤمنة ديانة مطمئنة طامحة إلى المثل الأعلى؛ وأنا أؤكد أن ~~هذا اللون من الحياة النفسية وحده هو الذي يكفل السلم بين العلم والدين، ~~وهو أيسر على المسلم منه على اليهودي والنصراني. # فأما أن تقف موقف المؤولين فتغير النص وتحمله ما لا يطيق، فإنك لا تنصر ~~الدين ولا تؤيده، وإنما تفسده وتنزله عند # إرادة العلم، وتعترف بأن السلف كله كان خاطئا حين فهم الكتاب على غير ما ~~تفهم وعلى غير ما يفهم العلم.. ما لك لا تدع للعلم حركته وتغيره، وللدين ~~ثباته واستقراره؛ إنك إنما تجعل الدين هزءا وسخرية بإخضاعه لهذا النوع من ~~العبث ms263 الذي يسمى تأويلا، وخير من هذا النحو من العبث وإفساد النصوص الإلحاد ~~الصريح ". # انتهى، كلام طه بحروفه، وتلك خلاصة مقالة لم ندع منها إلا الحشو وإلا # ما هو زيادة في الكفر أو ما لا طائل تحته، وأنت تراه يدير الكلام على ~~نفسه # ويقيم لنفسه المعاذير مما فعل في دروس الجامعة ومما سيفعل، فإن مقاله هذا # مصارحة للأمة كلها بالعداء، وإصرار على ما أنكرته منه، وإعلان إليها أنه ~~لن يتغير، وأنه سيجحد ملء نفسه وعقله، وأنه مرصد لها ولدينها؛ ثم يزعم ~~للناس أنه مع ذلك مسلم مؤمن، والمقال بجملته تفسير وتوجيه وتعليل لكفر ~~الرجل بحجة العلم يريد أن يثبت فيه أنه من الممكن أن يكون مثله كافرا أشد ~~الكفر على اعتبار أنه عالم يبحث بعقله، ثم لا يمنع ذلك أن يكون مؤمنا أقوى ~~الإيمان على اعتبار أنه شاعر يحتوي الإيمان في شعوره! # وليس يخفى أن الشعور محل الغفلة. # PageV01P268 # كما أن العقل محل الخطأ، فلم يكون الشيخ كافرا ومؤمنا في عقله # وشعوره، ولا يكون في فلسفته هذه مغفلا من ناحية ومخطئا من ناحية أخرى؟ # وهل يجتمع هذا التناقض إلا في عقل واهن ضعيف كعقل الأستاذ؛ وإلا فمن # هذا الذي يعقل أن نفي النبوة والوحي وتكذيب الكتب السماوية هو على وصف من ~~الأوصاف علم وعقل، وعلى وصف آخر دين وإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، ~~ويكون اجتماع الوصفين في رجل واحد شخصيتين لهذا الرجل الواحد؟ # وفي أي عقل أن في النفي إثباتا لما تنفيه، وهما نقيضان ولا يجتمع نقيضان ~~معا # في هذا الكون كله، فإن هذا الكون نواميس لا تعرف حرية البحث ولا حرية ~~الرأي، وليس فيها ناموس مختل اسمه طه حسين، وحكم الشرع أنك متى كفرت فقد ~~كفرت، لا يقبل منك عدل ولا صرف حتى ترجع عن رأيك وتتوب منه وتجدد إسلامك. # ثم من الذي يسمي الشعور شخصية والعقل شخصية، وفي أي تفسيم # هذا؛ وعلى هذا القياس فالنسيان شخصية والذكر شخصية، والإنسان كله # شخصيات، أي كله أناس؛ إنما الشخصيتان في عرف العلماء أن ms264 يكون لامرئ من ~~الناس حالة معينة من عيشه وعمله فيؤخذ عن نفسه بضرب من الذهول يغيره # ويحيله إلى شخص آخر، فتراه ينكر اسمه ونفسه وأهله وعمله ويذهب في نحو # غير ذلك من الحياة كأنه رجل غير الذي كان بل كان روحا أخرى تقمصته؛ ثم ~~يزول ما اعتراه فيرجع إلى شخصه الأول ويعود إلى سيرته الأولى؛ وذلك عندنا ~~محض هذيان، فإنا لا نقول بالتقمص ولا بالتسربل، ولا نرى مثل هذا إلا قد ~~اعتراه شيء في مركز من مراكز المخ فجعل يقظته كأنها حلم، حتى إذا زال ~~العارض رجع إلى وعيه وثاب إلى نفسه (1) . # يخلط طه في معنى العلم ومعنى الدين فيذكر أنهما لا يلتقيان إلا إذا نزل # أحدهما للآخر عن شخصيته، ويزعم أن العلم لا يرى الدين إلا قد خرج من # الأرض كما تخرج الجماعة، فمتى قطع العلم على أن الجماعة الإنسانية خرجت ~~من الأرض وقد أخذ مذهب دارون يتصدع ويتخرب على زلازل القلم وانحياز ناموس ~~النشوء عن هذه الجهة الحيوانية؟ PageV01P269 # ومتى كان العلم يبحث في الأديان على أنه علم؛ وكيف له أن يبحث فيها # وهو مقصور بطبيعته وتحديد هذه الطبيعة على ما يدخل في "باب الأدلة ~~الحسية، ولا وسائل له إلا وسائل الحس المعروفة من البحث والاستقراء ~~والمقابلة والاستنباط، دون ما يتصل بالمعاني العقلية المحضة مما هو نظري ~~فلسفي كالمعاني التي يرجع إليها الدين؛ إنه ليس بعلم ما يجاوز تلك الحدود ~~المسورة بأسوار البحث والامتحان بحيث لا تخرج منه النتيجة الصريحة التي ~~برهانها الحس واليقين دون الظن والجدل. # وما العلم في حقيقته إلا سؤال هذا الكون الغامض بالوسائل التي يستطيع # الإنسان أن يسأله بها، ثم تلقي الجواب منه بالطريقة التي تجيب بها ~~الطبيعة من # إظهار منافعها ومضارها وعللها ونواميسها، وهذا الإنسان لا وسيلة له فيما ~~وراء عقله، فلن يستطيع أن يسأل الكون من ذلك عن شيء، وإن هو سأل كما ترى من ~~بعض الملحدين الذين ينتحلون العلم انتحالا فإن الطبيعة لن تجيبه بشيء، إذ ~~كان السؤال لا ينتهي إليها بالطريقة ms265 التي تستخرج منها جوابا أو تقتضيها ~~عملا. # ومن أجل ذلك لم تكن أمثال هذه الأسئلة الإلحادية إلا اضطرابا في عقول # أصحابها أو تعنتا منهم على الأديان وأهلها، وما هي من العلم ولا هو منها ~~في سبب ولا غاية، فقول طه مثلا إن قصة بناء الكعبة خرافة، وإن إبراهيم # وإسماعيل شخصان وهميان - لا يعد علما، بل حمق محض؛ فإذا اعتذر منه # بالعلم أضاف إلى حمقه جهلا، فإذا أصر على قوله واعتذاره زاد على الجهل # والحمق الغفلة! # إن فرقا بعيدا بين النظرين العلمي والعقلي، فللمذهب العلمي طرق ممهدة # إلى غايات بعينها قد انتهت إليها هذه الطرق، أو طرق أخرى لا تزال تمهد # ولكنها لا تتأدى إلا لمثل تلك الغايات، فهو حركة تدفعها الإرادة وتحددها # وتصرفها، أما المذهب العقلي فبينما هو يمشي إذا هو يطير إذا هو ينساح كما ~~ينساح الضوء، فلا ضابط له إلا من جهة كونه كلاما معقولا أو غير معقول، وقد ~~يكون هذا المذهب في بعض الناس هو انتظار المذهب، لأنهم مذبذبون لا يستقرون ~~على شيء، وقد يكون هو الشك في كل مذهب، وقد يكون في نقض مذهب معروف، وكل ~~هذا من تفاوت قوى العقل لا من تفاوت قوى العلم، كما ترى من التباين بين غير ~~المحدود وبين المحدود وقد كان عند أسلافنا من علماء الكلام تعبير لغوي بديع ~~يمثل لك المذهب العقلي كله، فيقولون: إن فلانا يتكلم في هذه المسألة على ~~البور والنظر، وهو يبورها وينظر فيها: إذا كان # PageV01P270 # يمتحنها امتحانا عقليا جدليا محضا بين استغلاق بدليل وفتح بدليل آخر ولا ~~غاية له من ذلك إلا التضريب بين الأدلة وتغليب بعضها على بعض والانتهاء ~~بالأقيسة المنطقية إلى منقطع الغاية؛ فالكفر بالشبهة عمل عقلي، والإيمان ~~بالدليل عمل عقلي آخر، والعلم عمل غير هذين؛ لكن إذا قوي العقل وتمكن وأصاب ~~وأمدته البصيرة النافذة والخيال اللامح الذي يلحق بالإلهام تبعه العلم فمال ~~إليه لا محالة، لأن هذا العلم لا يكشف عن شيء إلا هتك عن سر من أسرار ~~الطبيعة. # ولا يبين عن ms266 سر إلا أوضح منه ضربا من ضروب الكمال في الخليقة، والكمال في ~~نفسه دليل على المبدع، والأبداع الإلهي في كل معانيه إعجاز للعقل الإنساني ~~وإعجاز العقل هو وسيلة الإيمان الصحيح. # فالعلم على هذا من وسائل الإيمان التي تؤدي إليه في الغاية لا في # الطريقة، بشرط أن يكون العقل سليما صحيحا، فزعم طه أنه لا يلتقي مع الدين ~~وأنه ليس لالتقائهما من سبيل، إنما هو مبني على ما في عقله من التناقض أو ~~على ما في نفسه من المرض. # إن هناك حقيقتين تعلوان بالدين علوا كبيرا حتى يفوت العلم أو العقل معا # ويخضعهما جميعا، فالأولى: أن العقل لا يدري كيف يعقل ولا كيف يفهم. # وما العلم في هذا بأعلم منه، فعمل هذه الخارقة المجهولة هو الدليل على # وجودها، وهي بعد معرفة غير معروفة، والثانية: أننا نخضع لنواميس كثيرة # متضاربة لا يعرف العقل ولا العلم ما هي في كنهها وذاتها، ولكن ما يقع من # آثارها توازنا واختلالا هو الدليل على إثباتها وهي كذلك معرفة غير ~~معروفة. # فليس مع هاتين الحقيقتين ما يمنع العقل والعلم أن يخضعا للدين، وما الدين # إلا إقرار الإلهية والاستدلال عليها بآثارها، وهي معرفة غير معروفة ~~بالذات. # ومتى تناول الدين شؤون الناس والحياة وسن طرق الاجتماع والمعاملة كما # عندنا في ديننا الحنيف، فقد توثقت الصلة بينه وبين العلم ووجب التوفيق ~~بينهما فيما يختلفان عليه، وإلا كان أحدهما لغوا وعبثا. # وهذا يكشف لك خبث أستاذ الجامعة. فإنه يقول بترك الدين على # استقراره، ليكون العلم ردا عليه فيهدم الدين نفسه بهذا الجمود ويهدمه ~~العلم بالتغيير والتحول، فلا يبقى في الناس من يرى في هذا الدين الجامد ~~شيئا معقولا ولا شيئا صحيحا، ريصبح كأنه ضريبة على النفوس إن لم تكن وراءها ~~قوة الحكومة لا تجد من يحملها ولا من يؤديها، وما هي إلا أعوام بعد ذلك حتى ~~بصبح علماء هذا الدين في الأزهر كعلماء الآثار في دار الآثار. # PageV01P271 # والعلم وإن كان لا يعمل للدين ولكنه في أشد الحاجة إليه إذا اعتبرنا هذا ms267 # العلم ذريعة من ذرائع الإنسانية في نظامها ومصالحها، فهو يسخر لها ~~الطبيعة # ويؤتيها المنافع والمضار، غير أنه لن يستطيع أن يحمي المنفعة من تعادي ~~الناس # وتناحرهم عليها، ولن يستطيع أن يمسك المضرة حتى لا يقع بها التعادي # والتناحر؛ وهنا موضع الدين. فهو وحده القائم على النفس الإنسانية لحماية # المنفعة وإمساك المضرة، ولولا أن الإنسان حيوان تقي، وأن نظام اجتماعه ~~نظام دينه، وفي قانون جسمه قانون قلبه، لأكل الناس بعضهم بعضا. # وقد يقال إن الحكومات والقوانين تغني عن الدين في ذلك أو تغني غناءه، ~~وهذا وهم جربته الإنسانية لعصرنا في حكومة البلشفيك فأسقطت الدين وأقامت ~~القانون؛ فلم يكن من ذلك إلا سقوط الإنسانية نفسها، وصارت القوانين لحماية ~~الرذائل بعد أن كانت للحماية منها. # وما فشا الإلحاد في أمة من الأمم إلا مسخ من نفوس # أهلها - فنزل بها حالة بعد حالة حتى لتعرفها في عاقبة - الأمر نفوس حمير ~~وبغال وسباع وقردة ونحوها لا نفوسا إنسانية. # فعلماء الأديان مادة ضرورية في تركيب الاجتماع الإنساني، إن خلا # مكانها فيه لم يسده شيء، والدين الإسلامي خاصة بما فيه من الأعمال ~~والآداب التي لا تقوم الإنسانية على أفضل ولا أثبت ولا أقوى منها - كما ~~بيناه في كتابنا "إعجاز القرآن" - يجعل لعلمائه من الشأن ما لا يستطيع ~~إنكاره إلا أحمق مدخول العقل، أو مفسد مدخول النية. # قد يأتي لهذه الدنيا رجل ذكي فيلسوف يرى ما رأى الفيلسوف "روسو" # مثلا من أن رجال الدين قوم يعيشون في غير عصرهم، أو في عصر غيرهم. # ولكن مثل هذا الذكي الذي تقبله أوروبا ينقلب ذكاؤه بلادة أشد بلادة إذا ~~هو ظهر في العالم الإسلامي، فلن يستطيع أن يثبت أن علماء هذا الدين متطفلون ~~على الحياة، إذ الإسلام يقوم على أصول خمسة منها أربعة عملية اجتماعية، ~~ونحن متى أسقطنا علم الحلال والحرام ووسائله الكثيرة من علوم الأثر التفسير ~~والأصول والعربية وما يداخلها، لم يبق من الإسلام إلا ما يريد طه وأمثاله، ~~ولم يعد الإسلام إلا كلمة يسعها اللسان كما يسع نقيضها. # فإذا ms268 ذهب أربعة أخماس الدين لم يبق لعلماء الدين موضع؛ ولعل هذا هو الذي ~~شعر به طه فنطق به ففضح فيه نفسه، إذ هو لا يقيم من أعمال الإسلام شيئا، ~~فظهرت له فروق كثيرة بينه وبين شيخ الأزهر وعلماء الدين ورأى علومهم لغوا ~~وعبثا وغفلة من غفلات الأمة، وكل ذلك مما تتكلم به نفس الرجل عن الرجل وهو ~~لا يدري، كأنه # PageV01P272 # يقول إن المسلم لفظة، فما حاجة اللفظة إلى أحكام وإلى علماء بهذه ~~الأحكام، وكأنه يرى أن هذا الدين العظيم كان في تاريخه جسما، ثم صار الذراع ~~من # الجسم، ثم الكف من الذراع، ثم الإصبع من الكف، ثم الأنملة من الإصبع. # ثم الظفر من الأنملة، ثم القلامة من الظفر تقص اليوم وترمى ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله! # أما ما خبط الرجل من أن التأويل يفسد نصوص الدين، ويكون اعترافا منا # بأن السلف كله كان مخطئا في فهم الكتاب على غير ما تفهم وعلى غير ما يفهم ~~العلم، فهذا كله من جهله العجيب ومن أنه لا يدري معاني ما يقول، إذ يساهم ~~نفسه في كل ما يسنح له من فكر أو رأي بلا تمحيص، أو التمحيص ليس من قوته، ~~أفيريد هذا الأستاذ أن تتغير الدنيا والعقول والعلوم ثم نكون نحن الجامدين ~~على بعض معان لغوية قارة في ألفاظها؟ # ألا يعلم أستاذ الأدب في الجامعة أن من أوضح أسرار الإعجاز في القرآن # الكريم أن ألفاظه تكشف لكل عصر من المعاني بمقدار ما يتقدم العقل ~~الإنساني # في أسرار الأشياء، فكان فيها حياة أبدية، وكأنها مقدرة على طبقات العقل # والعصور. وهي مع ذلك لا تتغير، وأنه لولا هذا السر لماتت هذه الألفاظ من ~~زمن بعيد، فلم يكن السلف مخطئا في الفهم وإنما كانت الطبيعة مخطئة في # إفهامه، ولو كشفت له كما كشفت لنا وبقي على ذلك الفهم كما يريدنا الأستاذ ~~أن نبقى عليه لكان هذا بابا من الجهل ليس في الجهل أوسع منه. على أن مثل ~~هذه المسائل العلمية معدودة، والشأن كله فيما عداها ms269 من مسائل الإنسانية؛ ~~وقد أفضنا الكلام عليها في كتابنا (إعجاز القرآن) فلا حاجة بنا لأكثر من ~~الإشارة إليها. # وهنا سر من الأسرار العجيبة، وذلك أنه قد صح أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قبض ولم يفسر من القرآن إلا قليلا جدا، وتركه للعصور وعلومها ~~وآلاتها، فلو هو فسر لثبتت ألفاظ القرآن على معنى واحد فناقضت العلم ولكان ~~ذلك وجها يتطرق منه إلى الطعن في الإعجاز وفي الدين نفسه؛ إذ لا يسع الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - إلا أن يفسر # للعرب على قدر أفهامهم وذرائعهم القليلة، فإذا تقدم العقل وانكشفت ~~الحقائق أصبح ذلك لغوا. # أفلا يكفي هذا المعنى سببا لوجوب التأويل، كما هو معنى من أظهر # معاني الإعجاز! # PageV01P273 ### | رأيي في الحضارة الغربية # علم الله ما فتن المغرورين من شبابنا إلا ما أخذهم من هذه الحضارة، فإن # لها في زينتها ورونقها أخذة كالسحر، فلا يميزون بين خيرها وشرها، ولا # يفرقون بين مبادئها وعواقبها، ثم لا يفتنون منها إلا بما يدعوهم إلى ما ~~يميت # ويصدهم عما يحيي وما يحول بينهم وبين قلوبهم، فليس إلا المتابعة ~~والتقليد. # وسأوجز هذا الرأي ما استطعت، وسأجعل كلامي فيه أشبه بلغة النظر: تأتي # اللمحة القصيرة على ما تطول العبارة فيه وتمتد. # إن هذه الحضارة لا تظهر أبدا على حقيقتها، إذ كانت حقيقتها لم تجتمع # بعد، وقد أنشأها جيل قريب منا وورثها من بعده وترك معها أخلاقه وطباعه، ~~فما برح الناس يشبهون الناس، وإنما صبغت الحياة ولونت ودخلها التمويه # والزخرف والخطب في هذا يسير، إذ كان الأصل الإنساني لا يزال باقيا، ~~وأكثره لا يزال سليما، وبعض الرؤوس التي اخترعت ما غير الدنيا لا تزال بعد ~~في الدنيا. # ولكن الشأن حين تتناسخ الأجيال خلقا بعد خلق ويظفر على هذه # الأرض الإنسان الميكانيكي الوارث أخلاقه وطباعه من الآلات أكثر مما يرثها # من النفوس، فيومئذ لا يكون القول في الحضارة موضع حسبان وظن كما هو # الآن. # وعلى أن الدنيا لا تزال بخير، وعلى أن الحضارة الغربية لم تعد من # الإنسانية موقع الألوان ms270 والتحاسين؛ فقد غمر شرها وكثر أذاها وأخذ أهلها # يتدافعونها ويتذممون منها وألزموها الإثم وألحقوا بها الفساد وأبكى ~~عقلاءهم # وحكماءهم ما جلبت عليهم من الأخانيث والمضاحيك والمهازل والمفاسد # وكبائر الإثم والفواحش، ولم يقم خيرها بشرها ولا غطت مصالحها على # مفاسدها. # يحمل الإنسان في نفسه نقيضين، هما عقله وهواه، أو دافعه ووازعه. # فإذا أطلقهما معا أفسداه، وإذا قيدهما معا أفسداه كذلك، ولكن تمام ~~الإنسان # ونظامه أن يطلق العقل. - ويحد الهوى؛ فيصفي بعضه في بعض فإذا هو قد خلص # PageV01P274 # وتحرر؛ وما دامت الأهواء مقيدة في حدودها فليس في العقل إلا محض الخير. # فإذا تركا جميعا لغاياتهما طم شيء على شيء ورجعت الحياة صراعا حيوانيا. # واحتالت العقول لتغيير الوضع الإنساني، وتواضع الناس على الأخلاق ~~البهيمية الفاسدة يدخلونها في آدابهم فلا ينكرونها ولا يردونها ولا يرون ~~الأدب يكون بغيرها أدبا. # فالحضارة الغربية أطلقت العقول تجد وتبتاع، أطلقت من ورائها الأهواء # تلذ وتستمتع وتشتهي، فضرب الخير بالشر ضربة لم تقتل ولكنها تركت الآثار ~~التي هي سبب القتل، إذ لا تزال تمد مدها حتى تنتهي إلى غايتها، وذلك هو ~~السر في أنه كلما تقادمت الأزمنة على هذه الحضارة ضج أهلها وأحسوا عللا ~~اجتماعية لم تكن فيهم من قبل. # ولو قد عمت الحضارة وتغشت أوروبا كلها # فلم يبق في تلك الأرض سواد ريفي أقرب إلى الطبيعة وأشكل بها ولا يزال في # الحياة على إرثه القديم كالسواد الأعظم الذي يعمر قراها ويملأ صميمها في ~~كل مملكة منها - لرأيت أفظع ما ترى العين من بلاد متعادية متنابذة، لما ~~يتنازع أهلها من طلب المنافع الشخصية والتكالب عليها والاستهتار بالشهوات ~~والتناحر على تكاليف حياتهم الثقيلة المملولة المستوخمة. # بيد أن ريف أوروبا وقراها وما فيها من نزعة الدين ومن معاني الطبيعة ~~البيعدة عن الحضارة ومن الأخلاق السوية الصحيحة التي لم تزغها المدنية - كل ~~ذلك هو الذي يمسك هذه القارة # أن تنهار ويحفظها أن تتحلل، وهو كالبداوة المحضة بإزاء الحضارة في ~~معانيها # المستهلكة، فهو بذلك مادة التجديد الإنساني في أوروبا، على حين أن هذه ms271 # المدنية هي مادة التجديد الحيواني بما تصرف إليه الحواس من المتاع ~~واللذة. # والحواس رواد القلب فما أدت إليه أصلحه أو أفسده؛ ولقد قرأت في هذه ~~الأيام رواية يقال إن كاتبها نادرة أوروبا، فما فرغت منها إلا وأنا أعتقد ~~أن كاتب أوروبا هذا هو حيوان أوروبا. . . إن العقول الناضجة المميزة لا تهب ~~منها الحكمة الإلهية بقدر ما تهب من الأهواء ولا بعض ذلك، بل هي من قسط من ~~الأفراد الذين لا يبلغون فصلا في الكتاب الإنساني الكبير. # أما الشهوات فهي للجنس كله؛ إذ هي غايات طبيعية في تركيب الأجسام؛ ولذا ~~قامت الأديان على سنة حكيمة كافلة للمصلحة، وهي إبعاد الشهوات عن المجتمع ~~وإباحة القليل منها بشروط وقيود، واعتبار درء المفسدة مقدما على جلب ~~المصلحة، وذلك وإن لم يؤت الناس عقلا فإن العقل لا يؤتيهم غيره في آداب ~~الحياة، ولكن الحضارة قامت على إطلاق العقل والهوى، فاستباحت الدين فى ~~طوائف من # PageV01P275 # الناس وتركته بلا أثر في طوائف أخرى، فكانت تحكيما للشهوات في الخلق # وتمكينا لأسبابها في الاجتماع، ومن ثم أخذت تقتلع الأخلاق الإنسانية من # أصولها. # وما أعرف أكثر مظاهر المدنية إلا أمراضا مسماة بغير أسمائها. # وكلها جميلة سائغة مشرقة، لأنها كلها تؤلف حلما مريضا كأحلام الخمر # والأفيون. . . # يحسب هذا الغربي المتحضر أنه قهر الطبيعة وسخرها فانتصر عليها، ولا # يعلم أن الطبيعة تهزأ به، لأن هذا النصر بعينه هو الذي يسلطها عليه فتهزم # أخلاقه وتوهن قوته الروحية وتطحن لبه في قشرته وتمكن فيه لأعراض الانحلال ~~والسقوط، فهو لا يغير الطبيعة وإن انتصر عليها، وهي تغيره ثم تتركه يسمي ~~نفسه المنتصر، فتضيف إلى حماقاته حماقة الغرور! # أصبح الغربي المتحضر عصبيا ثائرا حساسا يدلف إلى الجنون بخطى بطيئة # لكنها سائرة متحركة، وابتلته المدنية بأمراضها التي لم تكن في أسلافه. # كالسرطان وغيره، وضربته الشهوات بخدر الحاسة الروحية وخمولها فأصبح # يعمل للغرض الأسمى بوسائل معكوسة لا تؤدي إلا إلى الغرض الأسفل. # ورجع كأنه غريب عن الطبيعة الخشنة التي لا بد له من خشونتها ليبقى قويا ~~بها وقويا ms272 فيها وقويا عليها، وتغير من كل ذلك تاريخ عقله وأعصابه. فضعف ~~النبوغ الفني وأصبح النمط العالي منه خاصا بالتاريخ القديم وحده، مع أنه ~~ليس بين القديم وبين الجديد إلا طبيعة هذه الحضارة وأثرها على العقول، أما ~~الإنسان فهو هو. # بيد أنه في الحضارة الأولى المتخشنة كان كالدينار الجديد رزينا # خشنا، فأصبح في هذه الحضارة الناعمة كالدينار الأملس مسحته الأيدي وأزالت ~~حرشته فهو إلى ضعف وإلى نقص! # اتخذت الحضارة المرأة الغربية من وسائلها في ترقيق الطباع وإرهاف # الملكات، ومع المرأة ما معها من فنون الدعابة والمغازلة والمفاكهة ~~والإغراء # وما تحت هذه من الطباع والأخلاق، فإذا العالم المتحضر في صبغة من الأنوثة # متى أخذ الدهر مأخذه فيها استحالت من بعد صبغة من الفجور يشمل هذا # العالم. # ويقولون: الجمال والفن! ولا يعلمون أنهما إذا استفاضا وعما جاء منهما # الخبال والهوس، وخرج من اجتماع كل ذلك الانحلال والسقوط، كما وقع في ~~التمدن الروماني والحضارة الغربية. # PageV01P276 # إني لا أرى أكثر مظاهر هذه الحضارة إلا أسلحة قاتلة تقتل الخير والرحمة # في قلوب الناس. فهي ترفع تكاليف الحياة وتزيد فيها وتعسر آمالها، فتنشىء # بذلك الفقر المدقع، وتخرج معه الفوضى والاختلال، وتحدث به الأخلاق # السافلة كالتلصص والدماء والخبث والحسد ونحوها ويزيد العالم كل يوم # بأسباب كثيرة تبدعها الحضارة؛ فلا تكون الزيادة إلا عبثا وشرا ومضايقة، ~~لأن ما كان يكفي الجماعة ذات العدد أصبح لا يكفي إلا فردا واحدا، ويومئذ لا ~~تستقيم الإنسانية إلا بأن يغتذي بعضها من بعض، فيكثر القتل والاستراق ~~والإباحة، ولكن في ألفاظ وتعابير مدنية. . . والآفة يومئذ أن الإنسانية ~~تكبر والأرض لا تكبر، فتضيق الحياة بأهلها وتزيدها مطامعهم ضيقا، فيتقرر ~~عندهم نطام التفتيل ويصبح قانونا إنسانيا عاما، وما أرى هذا القانون سينفذ ~~إلا في الأجنة في بطون أمهاتهن، بحيث يكون في كل أسرة ميزان للموت لا يعطي ~~الدنيا من إحدى كفتيه طفلا حيا إلا بعد أن يجتمع في الكفة الأخرى أربعة ~~موتى أو أقل أو أكثر. # ولن يجدوا علاجا من داء الحضارة إلا بالحمية منها، فيوشك ms273 إذا هم # تنبهوا إلى ذلك أن يمنعوا الناس من بعض فنون هذه الحضارة بقوة القانون، ~~وأن يفرضوا عليهم بعض الجهل فرضا يؤخذون به ليبقى تاريخ العالم متصلا وليجد ~~النوع الإنساني على هذه الأرض من يوجده بصفاته وخصائصه، فإن الأخلاق في تلك ~~الحضارة قائمة على خير قواعدها، إذ لم يكن من سبيل لتغيير البناء الإنساني ~~إلا بتغيير هذه القواعد. # وأنا أرى أنه لو انتزع من هذه المدنية أكثر حسناتها لذهب في ذلك أكثر # سيئاتها، إذ كانت الحسنة هي التي تخرج السيئة؛ فالغنى الواسع بإزاء الفقر # الأوسع، والرفاهية السرية بإزاء الشيوعية والفوضى وهكذا، ونعيم هذه ~~الحضارة نعيم في أقله وشقاء في أكثره، وهو يفسد من يناله بإضعاف أخلاقه ~~القوية الصالحة، ويفسد من لم ينله بتقوية أخلاقه الضعيفة الفاسدة؛ ذاك تسقط ~~به مؤاتاة الشهوات إياه، وهذا يسفل به امتناعها عليه وهي لغيره معرضة؛ ذاك ~~يفسده ما في نفسه، وهذا يفسده ما في نفسه وما في غيره. # ولا يذهبن عنك أن الحضارة تقرر في جميع الناس هذين الأصلين # العظيمين: الحرية والمساواة، فينشأ الناشئ عليهما ويترشح لهما في الحياة. # حتى إذا شب وانتهى إلى الواقع وجد تلك الحضارة بعينها هي التي تقتلع # الأصلين وترمي بهما في وجهه، فليس في الواقع إلا أشراف ووضعاء، وإلا # PageV01P277 # علية وسفلة، وإلا أفراد معدودون من كل طبقة يراغمون سائر الناس من العمال ~~والمهان والمساكين ونحوهم، كأن أساطين المال والسياسة هم وحدهم أصابع ~~الدنيا تأخذ بهم ما هي آخذة، وبذلك ترجع عقيدة المساواة وإنها لعقيدة ~~الظلم، وتعود فكرة الحرية وهي فكرة الاستعباد، فإذا سواد العالم المتحضر هو ~~الناقم على الحضارة المستريب بها، وهو على سخطه ونقمته مسخر لمعيشته الضيقة ~~المقسومة بالجرام من أيدي أصحاب القناطير، يعطيهم دمه بخبزه، ويشتري موته ~~بعيشه، وذلك كله مما يجعله متربصا بالفتن، سريعا فيها إذا وقعت، تابعا لكل ~~من يدعوه إليها أو يستجيشه عندها، متوثبا على ما يدري وما لا يدري، كما يقع ~~الآن في أوروبا! # فالكبير في هذه الحضارة ظالم هو أشبه بمظلوم، والصغير مظلوم ms274 وهو # أشبه بظالم، وكان الحقيقة نفسها خرجت من موضعها فكل شيء حقيقة وكل # شيء زور! # والروح الإنسانية متى أصبحت موتورة ساخطة متبرمة بأسباب مختلفة # كأسباب هذه المدنية من سياسية واجتماعية ووطنية - لم تكن روح الحياة ولكن ~~روح القتل وما في حكمه، ومن ثم فلا بد في هذه الحضارة من انفجارات حربية ~~مستمرة، ولا بد لها أن تجد من تقتله ومن تظلمه ومن تستعبده؛ وإذا تحاجزت ~~الدول وتتاركت زمنا فإنما يسمن بعضها بعضا في مراعي السلم والعيش وكل أمة ~~عينها على شحم الأخرى! . . . # ولقد كانت الحرب العظمى تنقيحا إلهيا عنيفا لهذه الحضارة الزائفة. # فوضع الله يده عليها فمحت أكثر حسناتها ورقائقها وطرفها البديعة، وأميتت # طباع الترف لتنبعث طباع القوة، وقر في الرجل معنى الرجل وفي المرأة معنى # المرأة وكانا قبل ذلك وإن الرجل نصف امرأة وإن المرأة ضعف نفسها. . . # فكان الحرب كانت مصفاة للحضارة ثقوبها الخرائب والخنادق والقبور، ومتى # جمعت الأوساخ بعد زمن فالمصفاة باقية. . . # لست أنكر أن الحضارة زينة الحياة الدنيا وبهجتها، ولكن آفتها أن غايتها # التي تجري إليها إنما هي المتعة واللذة وانتهاب العمر؛ فهي بذلك تؤتي ~~جميع # PageV01P278 # لذات الحياة، لمن أطاق واتسع؛ كما تؤتي جميع مكارهها لمن حرم وقتر عليه؛ ~~وبهذين توجد ألفا من السفلة والحشوة وسقاط الناس إذا هي أوجدت واحدا من أهل ~~الفضل والرحمة في الإنسانية، ولا قصد فيها بل هي إسراف من طرفيها لا يألو ~~أن يدفع الناس من حد إلى حد إلى غير حد علوا وسفلا؛ فالنزاع في المادة ~~والنزاع في العاطفة ذاهبان إلى ملتقى واحد، هو سخط الإنسان على الإنسان ~~سخطا شقيا مدنفا؛ إذ لا أشقى في الاجتماع من ساخط على من لا يترضاه، هي ~~حضارة على المجاز إذا توسعنا في العبارة لتعم الناس، فإذا حققنا في صريح ~~هذا المجاز رأينا فيها الذلة والمسكنة والتهلكة بوسائل هي العز والغنى ~~والحياة! # PageV01P279 ### | المجدد الجريء. . . # قال كليلة: واحذر يا دمنة مصارع الجرأة في الرأي وما يكون مثله من # الرجل الحمق إذا تكلمت حماقته في لسانه؛ فإن ms275 الرأي ميزان لغته على الوفاء # والنقص مما يوزن فيه لا من اليد التي تزن به، فإن هو ترك لما يلقى عليه ~~أبان # فصدق وحدد، وإذا عبثت به اليد إمالة أو تعويجا أبان فكذب وغش، وإن # الجراءة هي علم الجاهل حين يكون له علم، وجهل العالم حين يكون للعالم # جهل، وقد قالت الحكماء إن هذه الجراءة كانت امرأة فتزوجها العلم وتحفى ~~بها وبالغ في إكرامها ورعايتها وفلسف لها الحياة ما شاء، فلما ولدت ولدت له ~~الحمق، فقال: وا سوءتاه! نزع الولد إلى أمه الخبيثة، وسبقت حكمة الله أن لا ~~يخلق حيا إلا من اثنين، كي تلد الأمهات النعمة مضاعفة والمصيبة مضاعفة أو ~~لينقص شيء من شيء غيره، أو ليزيد أمر في أمر سواه، أو ليبطل عمل من عمل ~~آخر؛ وما يخرج النقيضان ولا المتجاذبان إلا من اثنين. ثم إنه بت عقدة ~~الجراءة وطلقها، فخلف عليها الجهل، وكان بعلا سيئا عنيفا جعل يمكر في أذاها ~~كل حيلة ويغلظ عليها بكل سوء ويعسفها عسف الأجير دابته، فلما ولدت ولدت له ~~السخرية، فقال: وا مصيبتاه! # جاءت نعل طباق نعل. # ثم شب الحمق والسخرية معا، فتشاتما يوما وتغالظا وأبت عليهما الطباع # إلا أن يكون لكل منهما القهر والغلبة، ففزع كلاهما إلى أبيه وجاء به، ~~فذهب العلم يحتج ومضى الجهل يخاصم، فأقبلت الجراءة على صوتهما وقالت: ~~ويحكما! فيم هذا النزاع؛ ثم أرادتهما على الصلح، فالتفت الجهل إلى العلم # وقال: يا أخي يا أبا الحمق، قال العلم: لا غرو يا أبا السخرية. . . فإنما ~~هي الجراءة اللئيمة ولدت لي وولدت لك فجمعتنا بولديها وجعلتني أخا سوء وأبا ~~سوء وعم سوء! # قال كليلة: وما أشبهك يا دمنة بالرجل الجريء الذي طوعت له الجرأة # وسولت له أنه أعلم الناس، فذهب يؤتيهم علمه وزعم لهم أن البناء ثمر. # قال دمنة: وكيف كان ذلك؟ # PageV01P280 # قال: زعموا أنه وقعت بمدينة كذا زلزلة فتصدع أكثر دورها، فجاء # أصحابها بالمهندسين فشدوها بعمد غليظة من الخشب ليصلحوا البناء من فوتها # وهو ثابت لا ينهار، فهبط المدينة ms276 شيخ جريء أحمق، فرأى الدور من كثرة # أعمدتها كأنها قائمة على شجر، ورأى البنائين يعملون أعمالهم، فقال لبعض # وجوه المدينة: إن بلدكم هذا إلى يوم الناس هذا لم ينزل به عالم غيري فيما # أرى، وإن لكم عندي رأيا إن تأخذوا به جاءتكم هذه الدور جديدة كيوم نشأت، ~~فإنكم تفسدونها بهذا الإصلاح وتغرمون فيها الغرامة الكثيرة ولا تزيدون على ~~هدمها، فاجمع لي الناس لأعرفكم ما تصنعون. # قال: فشاع ذلك عنه وتعالمه أهل المدينة، فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا: هذا ~~رجل عالم وما يكون ذلك # له رأيا إلا من خبرة وتجربة وعلى بصيرة ونظر، فلا يوحشن أنفسكم منه سوء # ظن به حتى تأتوه وتسمعوه وتعرفوا ما عنده. # ثم إنهم اجتمعوا للرجل وقالوا له: أيها الحكيم، قد رأيت ما صنعت # الزلزلة ونحن في سنة شديدة جمعت علينا بين قحط الأرض وارتفاع السعر # وخراب البناء، فلعل الله قد بعثك إلينا رحمة من هذه الثلاثة الآكلة. # قال: فإني إن شاء الله ما رجوتم، وإني فيئة لكم مما أصبتم به، تلوذون ~~بعلمي ورأيي، ولكن اتقوا الجهل من بعدي وتعلموا واعتبروا، فإن ذا العلم ~~حقيق أن لا يعدم في كل خطب حيلة، وإن ذا الجهل خليق أن لا يجد في أي خطب ~~حيلة. # ولم يزل يعظهم بهذا وشبهه حتى ضجوا، فقال قائلهم: أصلحك الله! # متى أقمنا الدور فرغنا لك فتعظنا وتعلمنا، أما الآن فهلم رأيك الذي ~~وعدتنا. # قال: فاسمعوا ويحكم! أما رأيتم شجرة ألقت ثمرها ثم جاءت به من قابل؟ # قالوا: كل الشجر يفعل ذلك. # قال: فما رأيتم الشجر جذوعا متى قطعت نبتت وبسقت فروعها وأثمرت؟ قالوا: ~~ثم ماذا؛ قال: أخزاكم الله! فكيف عميتم عن الرأي وذهبتم عن الحيلة! أفما ~~تنظرون هذه الجذوع التي تحمل بيوتكم؛ فلو قد # نشرتموها بالمناشير لتلقي ما فوقها من هذه الدور الخربة لنبتت والله من ~~قابل # تحمل بيوتا جديدة صفراء وحمراء وألوانا شتى. . . # * * * # نحن لا نرى في علم الأستاذ طه حسين وأمثاله إلا الجراءة، وهي خلة من # خلال المجانين، فإنها أقرب إلى ms277 التهور والحمق ما دام صاحبها لا يضبط على # رأيه ولا يأخذ على نفسه ولا يتوقى ولا يفهم شيئا على الأصل الذي كان عليه ~~بل على الأصل الذي يريد هو أن يكون عليه، وفصل ما بين المجنون الجريء # PageV01P281 # والمجدد الجريء. . . أن جراءة المجنون من عمل أعصابه المريضة، وجراءة # المجدد من عمل نفسه المريضة، وأمراض النفس كثيرة، منها التقليد، ومنها # حب الصيت والشهرة والمحمدة، ومنها الغرور والاستطالة والتعنت، ومنها # الكفر والإلحاد، فإذا رأيت مجددا من أصحابنا فثق أنك منه بإزاء رجل مريض ~~النفس، ولا يقذفن في روعك أنه فيلسوف أو علامة أو أديب، فهذه الصفات أو ~~أشباهها لا قيمة لها ألبتة إذا عريت من الخلق الذي يقوم به أمر الأمة وتصلح ~~الأمة عليه من دين وأدب وفضيلة. # والقوة المدمرة التي تعمل في نقض النظام # تفتك في كل معنى بسلاحه الذي هو أقطع فيه، فهي كما تظهر في أهل الفسق ~~والدعارة واللصوصية وأهل الظلم والتعسف، تظهر بمقادير أخرى في بعض الفلاسفة ~~والعلماء والأدباء، لأن هذه القوة تلون الرذائل كما تلون الأثمار. # وانظر ما الفرق بين ثمرة كالحة مرة وأخرى ناضرة مرة، أو بين حمراء وصفراء # تستويان في كراهة المذاقة ولؤم الطعم، أو بين عالم مفسد برأيه ولص مفسد # بعمله، أو بين فاجر ساقط النفس وبين أستاذ لئيم النفس؛ أما إنها كلها ~~أسلحة تعمل عملا متشابها وإن اختلفت في أنواع التمزيق ومقاديره، وليس يشفع ~~في إرادة الشر أنه جاء من رجل عالم أو أديب أو مدرس في الجامعة المصرية، ~~كما لا يزيد فيه مجيئه من فاجر أو عيار أو متشطر أو سفاح؛ إذ هو هو في ~~جميعهم! # وإنما هؤلاء وأولئك أساليب إنسانية ليس غير. # وقد أصبح طه حسين في زعمه حرية الرأي كالحيلة على القانون: تقع # معها الجريمة ثم تكون بها البراءة، وكم من لص ومزور وفاتك وأشباههم قد # برأتهم المحاكم كما برأت الجامعة المصرية طه حسين في أسلوب واحد. # لمكان الحيلة لا لموضع البراءة، وكم من غفلة جازت على القانون ما دام ~~قائما ms278 على إيجاد المجرم أولا ثم يجيء القاضي في المحل الثاني، وكان الوجه ~~أن # يقوم على رد الناس عن الجريمة قبل وقوعها، وهذا فرق ما بين القانون # والدين: فالدين قانون الأمة كلها وقانون الفضيلة الإنسانية عامة، وهو ~~العقل العام للخلق، أما القانون فهو للمجرمين وللرذيلة خاصة، وهو العقل ~~الخاص لبعض الخلق؛ وإذا أهملوا الأول وغنوا عنه بالثاني دفعوا بالأمة كلها ~~في سبيل الإجرام والرذيلة، ومن ثم تعرف مكان علماء الدين الأمة وهم هم ~~الذيى يعمل طه وأمثاله في تحقيرهم وتهوين أمرهم حماقة وجهلا وسوء نظر وسوء ~~دخلة. # يعتذرون ل طه بحرية الرأي، وكأنهم لا يعلمون أن بعض الحرية في التقييد # وبعضها في السلب، وأنه إذا تعارضت منفعة الفرد في إطلاق الحرية له ومنفعة # PageV01P282 # الأمة في حدها أو سلبها وجب " نزع ملكية، هذه الحرية ولو على الوجه الذي ~~تؤخذ به دور الناس لتطريق شارع. . . # وهذا كله يوضح لك غفلة الجامعة المصرية غفلة تحتاج إلى غسل عينيها # بمحلول مطهر. . . فالأمامة تنظر إلى الجامعة على أنها منها، والجامعة ~~تنظر إلى جمالها في مرآة من وجه طه حسين، فكل ما رأته الأمة شمالا رأته هي ~~في وجه طه يمينا، وما من هذا العكس بد ما دام النظران مختلفين، والعكس ~~ينشىء الغلط؛ فمن الطبيعي في أحد النظرين أن تكون الجامعة بوضع غلط الأمة ~~وفي النظر الآخر أن تكون الأمة موضع غلط الجامعة. # قلنا إن علم طه حسين جرأة، فهو لا يأتي بكلام فصل بل بكلام جريء. # وذلك إن كان غلطا لكنه غلط الجهل لا غلط العلم، فلا عذر منه ولا يجوز # الاحتجاج له، إذ كان العالم الحقيقي لا يعرف الجراءة ولا يتعاطاها، فإن # وجدت، من أمره ما تحمله عليها فاعلم أنها جراءة أدلته وقوة منطقه وشدة ~~يقينه. # فإن خلا من هذه وأصبته جريئا فهو الجاهل المغرور المتوقح الذي لا يعتمد # على قوته وعلمه بل على حماقته وشره وعلى ضعف الناس وغفلتهم، وما رأينا ~~قوة طه إلا من هذه الناحية، فهم كالثعابين تخيف بالوهم وإن لم تلدغ. ms279 وإن ~~كان السم قد فرغ من أنيابها؛ ولولا أن هذا من أمرها وأمر الناس للعب ~~الصبيان بها واتخذوها جبالا! # انظر كيف يجهل أستاذ الأدب في الجامعة المصرية هذا الجهل الغريب. # قال في صفحة 17 وهو يريد القرآن: # "كان كتابا عربيا لغته هي اللغة العربية الأدبية التي كان يصطنعها - كذا ~~- # الناس في عصره" أي في العصر الجاهلي. # وفي صفحة 35: "ولست أنكر أن اختلاف اللهجات كان حقيقة واقعة بعد # الإسلام، ولست أنكر أن الشعر قد استقام للقبائل كلها رغم هذا الاختلاف، ~~ولكني أظن أنك تنسى ما يحسن أن لا تنساه، وهو أن القبائل بعد الإسلام قد ~~اتخذت للأدب لغة غير لغتها وتقيدت في الأدب بقيود لم تكن لتتقيد بها لو # كتبت أو شعرت في لغتها الخاصة، فلم يكن التميمي أو القيسي حين يقول # الشعر في الإسلام يقوله بلغة تميم أو قيس ولهجتهما، إنما كان يقوله بلغة # قريش ولهجتها!. # ثم جاء الشيخ بمثل من أدب اليونان، ثم قال: "وكذلك فعل العرب بعد # PageV01P283 # الإسلام: عدلوا في لغتهم الأدبية عن كل ما كانت تمتاز بهم لغتهم ولهجتهم # الخاصة، إلى لغة القرآن ولهجتها". # ثم ضرب مثلا من موطنه الجديد. . . فرنسا، ثم قال: "وأنا أشعر # بالحاجة إلى أن أضرب مثلا آخر قد يدهش له الذين يدرسون الأدب العربي # لأنهم لم يتعودوا مثله من الباحثين عن تاريخ الأدب، ذلك أن في لغتنا ~~المصرية # المصرية لهجات مختلفة وأنحاء متباينة من أنحاء القول، فلأهل مصر العليا # لهجاتهم، ولأهل مصر الوسطى لهجاتهم، ولأهل القاهرة لهجتهم، ولأهل # مصر السفلى لهجاتهم، وهناك اتفاق مطرد بين هذه اللهجات وبين ما للمصريين ~~من شعر في لغتهم العامة، فأهل مصر العليا يصطنعون أوزانا لا يصطنعها أهل ~~القاهرة ولا أهل الدلتا، وهؤلاء يصطنعون أوزانا لا يصطنعها أهل مصر العليا. # وهذا ملائم لطبيعة الأشياء؛ فما كان للشعر أن يخرج عما ألف أصحابه من لغة ~~ولهجة في الكلام، ومع هذا كله فنحن حين ننظم الشعر الأدبي أو نكتب النثر ~~الأدبي والعلمي نعدل عن لغتنا ولهجتنا الإقليمية إلى هذه اللغة ms280 واللهجة ~~التي عدل إليها العرب بعد الإسلام، وهي لغة قريش ولهجة قريش " انتهى خلط ~~الشيخ. # وقد أثبت في كلامه أن لغة القرآن الكريم هي "اللغة الأدبية" التي كان # ينتحلها العرب في العصر الجاهلي، فإذا كان ذلك وكان في العصر الجاهلي لغة ~~أدبية للعرب فكيف ينكر طه على الشعر الجاهلي أن يكون متفق اللهجة، وكيف ~~يجزم أن عدم اختلاف اللهجات فيه دليل على أنه موضوع مكذوب كما مر بك في ~~موضعه، وكيف يتناقض هذه المناقضة المكشوفة. # على أن هذه "اللغة الأدبية " وهم سخيف من أوهام المستشرقين تبعهم فيه # طه لأنه رجل مقلد سروق؛ فإن اللغة الأدبية لا تنشأ ولن تستقيم إلا إذا ~~كانت مكتوبة مدونة متدارسة، إذ الكتابة قيد من التغيير والتبديل وهي نص في ~~عموم الاحتذاء والمحاكاة، لأنها في مكان ما هي في كل مكان غيره. # ولو لم تكن في مصر لغة واحدة مكتوبة متدارسة هي العربية الفصحى لما # كان لها شعر أدبي ولا نثر أدبي، ومن ههنا يريد الذين في قلوبهم أمل من # المستعمرين، والذين في قلوبهم مرض من المجددين، أن يجعلوا العامية لغة # الكتابة والدرس، لأنها متى دونت وتدارسها النشء محت الفصحى محوا وأتت # على كتبها وآدابها ودينها؛ وقد كتبنا في هذا فلا نطيل به.. # PageV01P284 # فهل يستطيع شيخ الجامعة أن يأتينا بدليل أو شبه دليل على أن القبائل في # العصر الجاهلي أو بعد الإسلام كانت تكتب وتدرس في باديتها باللغة الأدبية # التي يزعمها، حتى نصدق أنه كانت لكل قبيلة لغتان كما لنا في مصر. # والعجيب أن يخلط الشيخ هذا الخلط وهو قد قرأ الجزء الأول من "تاريخ # آداب العرب" وذكره في كتابه؛ فكيف ذهب عنه أن الرواة لم يكونوا يعبأون # بالعربي الذي ينطق بلحن غير لحن قومه ولا يعدونه حجة في اللغة، وأن ~~العربي القح السليم الفطرة لم يكن يستطيع أن يقيم لسانه إلا بلحن واحد ~~ولهجة واحدة، حتى أن سيبويه لما اختلف مع الكسائي في مسألة "ظننت أن العقرب ~~أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي أو ms281 فإذا هو إياها! وجاؤوا بالأعراب الذين ~~كانوا بباب يحيى البرمكي ورشوهم على أن يوافقوا الكسائي في جواز اللغتين - # لم يزيدوا على أن قالوا في الموافقة: إن القول ما قال الكسائي. # فلما رأى سيبويه ذلك منهم قال يحيى: مرهم أن ينطقوا فإن ألسنتهم لا تطوع ~~به! . . . # ولا بأس هنا أن ننقل هذه العبارة من الجزء الأول من "تاريخ آداب # العرب" في صفحة 348: # "ومهما جهدت بالأعرابي أن ينطق بغير لحن قومه وإن كان أفصح منه فإنه # لا يستطيع من ضعف، لأن تقليده في الصواب كتقليده في الخطأ، واللغة إنما # تؤخذ عن السليقة وهي سنة واحدة؛ قال الأصمعي: جاء عيسى بن عمر الثقفي ~~ونحن عند أبي عمرو بن العلاء فقال: يا أبا عمرو ما شيء بلغني عنك تجيزه؟ # قال: وما هو؟ قال: بلغني أنك تجيز: ليس الطيب الا المسك. # قال أبو عمرو: # نمت وأدلج الناس! ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب. # ولا في الأرض تميمي إلا وهو يرفع؛ ثم قال: قم يا يحيى - يعني اليزيدي - ~~وأنت يا خلف - يعني خلف الأحمر - فاذهبا إلى أبي المهدي "أعرابي الحجاز" ~~فلقناه الرفع فإنه لا يرفع، واذهبا إلى أبي المنتجع "أعرابي تميم" فلقناه ~~النصب فإنه لا ينسب. # قال: فذهبنا فأتينا أبا المهدي فإذا هو يصلي، فلما قضى صلاته التفت إلينا # وقال: ما خطبكما؟ قلنا: جئنا نسألك عن شيء من كلام العرب # قال: هاتيا. # فقلنا: كيف تقول: ليس الطيب إلا المسك - بالرفع - فقال: تأمرني بالكذب ~~على كبر سني! فقال له خلف: ليس الشراب إلا العسل - بالرفع - قال اليزيدي: ~~فلما رأيت ذلك منه قلت: ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل بها - بالرفع ~~- # PageV01P285 # فقال: هذا كلام لا دخل فيه. ثم أعادها بالنصب، فرفعا ثانية، فقال: ليس ~~هذا لحني ولا لحن قومي. # قالا: فكتبنا ما سمعنا منه، ثم أتينا أبا المنتجع فلقناه # النصب وجهدنا به فلم ينصب وأبى إلا الرفع ". انتهى. # وقد كان هذا منهم في أواخر القرن الثاني واللغة إلى ضعف واضطراب. # فأين تجد هذه اللغة الأدبية التي ms282 يهذي بها الشيخ، وانظر ما يبلغ الفرق ~~بين قول إمام العربية أبي عمرو "ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب وليس في # الأرض تميمي إلا وهو يرفع" وبين قول أبي مرغريت. . . "ولم يكن التميمي أو ~~القيسي حين يقول الشعر في الإسلام يقوله بلغة قيس أو تميم ولهجتهما" فأيما ~~أقرب إلى العلم والصدق: من كان في زمن العرب وحكى عنهم أم من يكون بينه ~~وبين العرب جهله وحماقته وأربعة عشر قرنا في الموتى؟ # ومما هو في هذا السبيل من كتاب طه، وهو أعجب مما تقدم، قوله في # صفحة 103: "والرواة أشد انخداعا حين يتصل الأمر بالبادية اتصالا شديدا، ~~وذلك في هذه الأخبار. التي يسمونها أيام العرب أو أيام الناس فهم سمعوا بعض ~~هذه الأخبار التي "بعضها فقط. . . " من الأعراب، ثم رأوها تقص مفصلة مطولة ~~فقبلوا ما كان يروى منها على أنه جد من الأمر ورووه وفسروه وفسروا به الشعر ~~واستخلصوا منه تاريخ العرب، مع أن الأمر فيه لا يتجاوز ما قدمناه، فليست ~~هذه الأخبار إلا المظهر القصصي لهذه الحياة العربية - القديمة، ذكره العرب ~~بعد # أن استقروا في الأمصار فزادوا فيه ونموه وزينوه بالشعر كما ذكر اليونان # قديمهم. . . فحرب البسوس وحرب داحس والغبراء وحرب الفجار وهذه الأيام ~~الكثيرة التي وضعت فيها الكتب ونظم فيها الشعر ليست في حقيقة الأمر - إن ~~استقامت نظريتنا - إلا توسيعا وتنمية لأساطير وذكريات كان العرب يتحدثون ~~بها بعد الإسلام" انتهى. # ولعلنا لم نر في كتاب طه كلمة تدل على العقل إلا قوله في هذه العبارة: # "إن استقامت نظريتنا" وتعليقه الرأي على هذا الشرط، وهو شرط بليغ، ثم هو ~~بعيد عما يأخذ فيه الشيخ من معاسف الرأي ومعاميه، وهو كذلك من أدب العلم: ~~إذا لا حكم إلا بيقين، فإن كان الشك ترك الحكم معلقا، غير أن طه لم يتجاوز ~~هذا العقل بعشرة أسطر حتى هاج به داؤه واعترته النوبة فإذا هو يقول: "وكل ~~ما يروى من أيام العرب وحروبها وخصوماتها وما يتصل بذلك من الشعر خليق أن ~~يكون موضوعا، والكثرة ms283 المطلقة منه موضوعة من غير شك" # فهذا رجل"معتوه يسخر - من نفسه كما ترى - # وكلامه إلى السماجة أقرب منه إلى # PageV01P286 # العلم، وكأن في هذا الشيخ طبعا غير طبع الإنسان، ففضله بكثرة عيوبه لا ~~بكثرة محاسنه. كم يوما من أيام العرب تعرف أيها الشيخ؟ # وفي كم كتاب هي؟ وكم ديوانا وضع فيها من الشعر؟ وما هي؟ # وأين هي؟ وما الذي وقفت عليه منها # حتى تقطع على كل ذلك بأنه من عمل القصاص وأنه زيادة وتوسعة في # الأساطير؟ # إن أيام العرب هي حروبهم ومغازيهم، ولو لم يصح لهم شيء من كل ما # روي عنهم لصحت أخبار هذه الأيام وحدها، ففيها نعيمهم ومصائبهم، ومنها ~~حياتهم وموتهم، ولها محامدهم ومثالبهم، وهي عندهم مادة التاريخ السياسي، ~~ولذا كان ذكرها في ألسنة شعرائهم، إذ كان شاعر القبيلة كأنه وزير الخارجية ~~فيها، على أنه لم توضع قصيدة واحدة - لا صدقا ولا كذبا - في وصف يوم من هذه ~~الأيام وقصة ما جرى فيه، وإنما كانوا يذكرون أيامهم في الفخر والمهاجاة ~~فيومئون إليها ويشيرون إلى مواضع الذم أو المدح لا يعدون ذلك، وبهذا استطاع ~~الرواة والعلماء أن يستخرجوا أسماء هذه الأيام ويستشهدوا على بعض ما كان ~~فيها من شعر النقائض، وهو ما يكون بين شعراء القبائل في الهجاء والفخر، ~~يقول أحدهم فينقض عليه الآخر، وأنت تراها في شعر جرير والفرزدق والأخطل ~~والطرماح وغيرهم من الإسلاميين كما تراها في شعر الجاهلية، مما يثبت أنها ~~تاريخ يتوارثونه بينهم، وماذا تورث القبيلة أبناءها إلا أنسابها وأخبار ~~سيوفها ومكارم أجوادها وأقوال شعرائها؛ وقد قال الأول: # ولو أن قومي أنطقتني رماحهم. . . نطقت ولكن الرماح أجرت # فهذه الرماح هي الألسنة التاريخية التي تكتب بالدم ذلك الشعر الأحمر. # وإذا لم يكن للقبيلة حروب ووقائع لم يكن لها بأس ولا فيها نجدة ولا عندها # منعة وسقطت بذلك أنسابها وذهبت مكارمها وقل شعرها إذ كانت هذه الثلاث هي ~~مادة الشعر المأثور فيهم الدائر على أفواههم، وكانوا قوما كان حياتهم ثمر ~~من زرع القتل. # قال ابن سلام: "وإنما كان يكثر ms284 الشعر بالحروب التي تكون بين الأحياء. # نحو حرب الأوس والخزرج، أو قوم يغيرون ويغار عليهم، ولذلك قلل شعر قريش ~~أنه لم يكن بينهم ثائرة ولم يحاربوا، وذلك الذي قلل شعر عمان والطائف". # مع كل هذا فقد سقط أكثر الشعر وأكثر الخبر، ولم تكن الأيام من علم # القصاص، بل محصها العلماء وتناقلوها وكانت تقرأ عليهم وكانوا يميزون ~~بينها # PageV01P287 # وبين الأقاصيص المولدة. # قال الجاحظ يذكر ما صنع الناس من أخبار عمرو بن ود فارس قريش الذي قتله ~~علي بن أبي طالب: "قرأت على العلماء كتاب # الفجار الأول والثاني والثالث وأمر المطيبين والأحلاف ومقتل أبي أزيهر ~~ومجيء # الفيل وكل يوم جمع كان لقريش، فما سمعت لعمرو هذا في شيء من ذلك # ذكر". # وكانت قصة عمرو كقصة عنترة مما يضعه العامة ولا يذهب عن العلماء # أنه موضوع لا خطر له. # وكل ما يعرف من أيام العرب أنواع ثلاثة: فمنها أيام قديمة وهي قليلة # جدا، كيوم خزاز؛ وأخبارها موجزة ومنها أيام وقعت بعد الإسلام، كيوم # الوقيظ، كان في فتنة عثمان بن عفان، ويوم الهراميت، كان في أيام عبد # الملك، ويوم الصريف، كان في أيام الرشيد، وكل ذلك يروون أخباره # ويذكرونه في شعرهم، ومنها أيام جاهلية، وهي المادة العظمى بين هذين # الطرفين الدقيقين، وترجع إلى ما قبل الإسلام بستين أو سبعين سنة أو ~~حواليها، وأبعدها لا يتجاوز في تاريخه مائة سنة، وهي رواية جيلين يلقيها ~~الأب إلى ابنه أو الجد إلى حفيده، على أن كل ما يعرف منها على إيجاز أخباره ~~لا يوفي # سبعين يوما، وقد نصوا على أن كبارها ثلاثة: يوم شعب جبلة، وكان قبل # الإسلام بسبع وخمسين سنة، ويوم ذي قار، وقد شهده النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - (1) ويوم كلام ربيعة، ولم نقف على تاريخه؛ فلو كانت هذه الأيام ~~أساطير وأقاصيص وكانت "كثرتها المطلقة موضوعة من غير شك" # كما يتوهم أستاذ الجامعة، لجعلوا هذه الثلاثة في حد الثلاثين ما داموا ~~يريدون أن يتكثروا ويكذبوا في تعظيم العرب. # * * * # وأما بعد، فإنا نتجاوز عما بقي لنا ms285 على أستاذ الجامعة في كتابه وحسابه - # وهو كثير - فقد أعسر أشد العسر، بل أنفض، بل أفلس؛ والذي نرجوه أن يكون ~~قد علم كيف يعلم وعقل كيف يعقل، وأن يكون قد استيقن أنه إذا كان معنا لم ~~يزدنا، وإذا كان علينا لم ينقصنا، وإنما نفسه ينقص ونفسه يزيد! # كفى بالمرء جهلا إذا أعجب برأيه، فكيف به معجبا ورأيه الجهل بعينه؟!! # سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله. # ونستغفر الله مما جمح فيه القلم أو طغى به الفكر، وآخر دعوانا أن الحمد ~~لله # رب العالمين. PageV01P288 ### | الجامعة في مجلس النواب # من كان يوم الأحد الثاني عشر منذ شهر سبتمبر سنة 1926، فعرضت # ميزانية الجامعة في مجلس النواب، فإذا غضب الله وإذا مقت الأمة كما ترى ~~فيما ننقله عن جريدة "الأهرام" الغراء بحروفه محصلا من مضبطة المجلس: # قال الأستاذ "صبري أبو علم" بعد أن أتى على تاريخ الجامعة وبدئها # وإلحاقها بوزارة المعارف وأنها بعد ذلك لم تكن إلا قانونا ومكانا وإعلانا ~~من # إعلانات السياسة: # . . . إن كل الظواهر تدل على أنها أخرجت المشروع بدون أن تستكمل # بحث الوسائل الفنية والإدارية التي يتم بها المشروع، ودليلي على ذلك أنه ~~عند البدء في إنشاء القسم العلمي كانت محاضرات الكيمياء لم يبدأ في تدريسها ~~إلا في أوائل نوفمبر بسبب اشتغال أستاذ الكيمياء في وظيفة سكرتير عام ~~الجامعة. # أما دروس الكيمياء العملية فلم تبدأ إلا في 3 يناير لعدم إعداد المعامل ~~اللازمة # لها، وكذلك تدريس علم الجيولوجيا لم يبدأ إلا في أوائل فبراير، وسبب ذلك ~~أن أستاذ ذلك العلم كان عميد الكلية، وقد استغرقت ظروف تنظيم كلية العلوم ~~وتكوينها كل أوقاته وجهوده ولم يكن هناك بناء خاص للمعامل كما أن الأدوات ~~العلمية اللازمة لم ترد إلا قبل الامتحان ببضعة أسابيع، من ذلك سيتضح أنه ~~كان سر خفي يدفع القائمين بالأمر إلى إعلان افتتاح الجامعة من غير تهيئة ~~الوسائل اللازمة لها من حيث استعداد الطلبة وأهليتهم لتلقي الدروس؛ ومن حيث ~~اختيار الأساتذة ms286 وفهمهم لأحوال الطلبة الذين سيتابعونهم في تلقي الدروس ~~منهم؛ مع أن القانون الصادر بتكوين الجامعة تكوينا جديدا صدر بتاريخ 11 ~~مارس سنة 1925 على أن يعمل به من يوم نشره. # أذكر أننا عند بحثنا في تصرفات وزير المعارف السابق سمعنا من سعادته # أن معظم الإصلاحات التي أشار بإدخالها على مناهج التعليم كان الغرض منها # تغذية الجامعة المصرية بطلبة يمكنهم أن يتابعوا دروسها. # ومعنى هذا أنه إذا كانت الفكرة من هذه الإصلاحات إعداد طبقة من الطلاب ~~تكون قادرة على تلقي # PageV01P289 # علوم الجامعة، فكان من الواجب أن يتأخر إنشاء هذه الأقسام حتى يتسنى # للطلاب الالتحاق بالجامعة، ولذا لا أفهم السر في إنشائها بمثل هذه ~~السرعة، وفي محاولة الهروب من رقابة البرلمان، في الوقت الذي تعيش فيه ~~الجامعة # على الأموال العامة. # ظهرت الجامعة وعليها طابع الاستعجال. # فمن سرعة في تقرير إنشائها، إلى اندفاع في تكوينها وفي تعيين المدرسين ~~اللازمين لها. # أنشئت بقرار من مجلس الوزراء، وهذا غير كاف من الوجهة العلمية، فلا # أظن أن جامعة تنشأ بين يوم وليلة، إذ إن الجامعات نتيجة تطور مستمر ~~للعلوم والمعارف؛ إنها تنمو وتتطور أو تتكون وتتشرب بالنظام الاجتماعي ~~والسياسي والاقتصادي. . . # ثم أفاض الخطيب فيما وقع من الخلط والخبط في الجامعة وتوظيف # رجالها. # PageV01P290 ### | جلسة يوم الاثنين # 13 سبتمبر سنة 1926 # خطبة الأستاذ عبد الخالق عطية # حضرات النواب # نصف مليون جنيه! نصف مليون جنيه! أجل نصف مليون جنيه احتملته # خزانة البلاد ثمنا لقصر الزعفران ومصروفات الجامعة المصرية التي لم تنشأ ~~على # صورتها الحاضرة إلا منذ سنة 1925 دون أن تقول البلاد كلمتها في هذا ~~الشأن، والآن يطلب منكم أن تصادقوا على ثلاثمائة ألف جنيه أخرى لتكون ~~مصروفات لهذه الجامعة في السنة الحالية. # مبالغ ضخمة وأرقام جسيمة يضج ويا طول ما يضج من ثقلها صغار الممولين ~~ودافعو الضرائب من هذه البلاد. # أقول ذلك ولا أراني مبالغا، ولكني أود أيضا ألا تستروحوا من كلامي # رائحة الكراهية للعلم أو للصد عن ورود مناهله ومعاهده، فإني أعتقد أن كل ~~مال وإن عز ms287 يهون في جانب الغاية العظمى والغرض الأسمى الذي من أجله أنشئ ~~وينشأ مثل هذا المعهد، ولكني أعود وأقول إن الشرط كل الشرط لذلك أن نبتدئ ~~في أعمالنا من حيث يجب الابتداء، والقيد كل القيد أن تكون الأنظمة التي ~~وضعت والأساليب التي روعيت من شأنها أن تؤدي إلى # هذه الغاية وتحقق ذلك الغرض. عند ذلك يستحب الإنفاق، بل يجب # السخاء. # يا حضرات النواب، بالأمس تكلم حضرة الزميل الأستاذ صبري أبو علم # عن الغرض من إنشاء الجامعة والغاية منها، ولكنه كان في بيانه مجملا، فقد ~~مر على ذلك مر النسيم، وإني أرجو وأستمحكم عذرا في أن أراني مضطرا اليوم ~~لإبداء شيء من التفصيل في هذا الموضوع، حتى تكون المقدمات مرتبطة مع ~~النتائج التي اقترحنا ارتباطا واضحا منسجما، وهذه النتائج هي ذات العلاقة ~~والرابطة فيما يتعلق بالمال المطلوب منا التصديق عليه اليوم. # PageV01P291 # إن الجامعة، في أي بلد من بلاد العالم، خاضعة دائما ككل كائن # لنواميس العمران، تبتدئ جنينا "أي فكرة" ثم تخرج طفلا، ومن هنا يبتدئ # دور الإنشاء ثم تترعرع فتصير صبيا بعناية أصحابها، ثم تنمو فتصبح شابا، ~~ثم كهلا؛ ثم شيخا يجمع اختبارات القرون وتجاريبها؛ وحينئذ تكون جديرة ~~بالبذل حرية بالإسعاد. # أيها السادة: كلنا نعرف أن ما ينفق على الطفل أقل مما ينفق على الصبي، ~~وما يقتضيه حال الصبي أقل مما يقتضيه حال الشاب، وهكذا الحال بالنسبة للكهل ~~والشيخ، خصوصا في مثل المسألة التي نحن في صددها. # إذا فهمنا ذلك ووعينا فماذا ينبغي أن أقول وما ينتظر أن أرمي إليه؛ دخلت # الجامعة في دور جديد فأصبحت أميرية منذ مارس سنة 1925 وأصبحت تعتمد في ~~حياتها الجديدة على الأموال المشتركة، أي على المال العام، وهو مال الأمة، ~~فيحق لحضراتكم بما لكم من الولاية على هذا المال ويقضي عليكم واجب التحري ~~والذمة - أن تعرفوا إذا طلب منكم أن تصرفوا، لماذا تصرفون وكم تصرفون؟ # الواجب أن نشجع عندما يجب التشجيع، وننتقد عندما يجب # الانتقاد، بحيث لا نترك مسألة تمر علينا دون تشجيعها أو انتقادها على ms288 حسب ~~ما تقضي به المصلحة. # لقد كنت أريد أيها السادة أن الذين أدخلوا الجامعة في الدور الجديد # يفطنون إلى أن الطبيعة تأبى الطفرة. كنت أرجو ذلك، ولكن بكل أسف أقرر أن ~~السياسة التي تملكتها شهوة التغيير والتبديل، والتي ركب أكنافها شيطان ~~العجلة فكانت تسعى إلى المظاهر لا إلى الحقائق، وإلى الأشكال لا إلى ~~الموضوعات، وهكذا أبرزت لنا وللبلاد جامعة في ثياب العمالقة، بينما هي لا ~~تزال قزما من الأقزام، وأرادت أن تقوم تلك الجامعة على أرجلها كأنها خلق ~~قوي بينما هي طفلة في المهد؛ ولو كان الأمر وقف عند هذا الحد لهان، ولكن ~~الذي لا يهون أننا احتملنا مبالغ ضخمة في سبيل الأشكال لا في سبيل ~~الموضوعات، وأننا مستهدفون - إذا لم نبادر إلى علاج حاسم - لمصروفات لا بد ~~أن تتضخم تضخما كبيرا. . . # ثم أفاض الأستاذ في الكلام على إدارة الجامعة ومدرسيها وإسرافها # وتخبطها ببيان مستفيض، ثم قال: # PageV01P292 ### | مسألة طه حسين # هذا فيما يختص بأمر التعليم. # بقيت هناك نقطة أخرى لا بد من التنبيه إليها. # حدث يا حضرات الأعضاء حادث بالجامعة المصرية، وقام من ناحيتها # صوت أفقدها عطف الكثيرين، قد أدى إلى فتنة أو كاد، والأشد والأنكى أن ~~البلاد لم ينلها حظ ولم تنلها مصلحة ظاهرة أو خفية من إثارة ذلك الموضوع ~~الذي تعرض له صاحب ذلك الصوت حتى كان يقال ولو من طريق التساهل: إن الحسنات ~~تكافأت مع السيئات. # وأظن أن حضراتكم بعد هذا البيان قد فطنتم # إلى ما أريد وتبينتم أن الصوت المعنى بقولي هذا هو كتاب "الشعر الجاهلي" # ذلك الذي تضمن طعنا ذريعا على الموسوية الكريمة والعيسوية الرحيمة، وعلى ~~الإسلام دين الدولة المصرية بنص الدستور. # أيها السادة، إن العقائد كانت وما زالت في الشرق وفي الغرب أيضا # عواطف حساسة متوثبة متيقظة متأججة ولو ظهرت خامدة؛ فالرجل العاقل يجب ~~عليه أن يبتعد عن كل ما يهيجها، والرجل العالم حقا الذي يفهم البيئة التي ~~يعيش فيها والوسط الذي يكتنفه، يجد من علمه متسعا لا نهاية له لمعالجة # الإصلاح والعيوب الكثيرة ms289 دون أن يجد نفسه مضطرا في وقت ما إلى أن يلج # هذا الباب الذي قد يترتب على ولوجه الكثير من الحوادث الجسام والأمور # العظام. # يا حضرات النواب، أرجو أن لا يتأول علينا متأؤل أو يتقول علينا متقول # أو يمتن علينا ممتن بأنه أشد منا غيرة على حرية العلم والتعليم وأعظم منا ~~رغبة # في تأييد حرية الرأي والتفكير. # إنه لا توجد في العالم حريات مطلقة، ولو كان الأمر كذلك لنهشت أعراض بحكم ~~حرية الرأي، ولو كان الأمر كذلك لقام في # البلاد من يهاجم نظام الحكم اعتمادا على حرية الرأي، ولو كان الأمر كذلك ~~لقام في البلاد من يبث مبادئ الفوضوية أو البلشفية استنادا إلى حرية الرأي، ~~ولكن الحرية - يا حضرات الأعضاء - محددة وتنتهي عندما تبتدئ بالتصادم مع ~~مقتضيات النظام والقانون. # أنت حر في كل ما تريد، ولكن حاذر أن تقع تحت سلطة القانون. # إن التعليم حر بنص الدستور، وليس منا من يعارض في ذلك؛ ولكن # الدستور قال أيضا: إن التعليم حر إلا إذا أخل بالنظام العام، إذا كان ~~منافيا # PageV01P293 # للأدب. والإخلال هنا معناه أن يترتب على تقرير الرأي حدوث فتنة أو احتمال ~~حدوثها، وعند ذلك يقف القانون حدا حائلا، لأن المصالح العامة مقدمة عن ~~الشهوة؛ فعلى الذين يفهمون حرية الرأي كما حددها القانون، وعلى الذين ~~يعقلون حرية التعليم كما يعنيها القانون، أن يفهموا أننا إذا تعرضنا لهذه ~~المسألة فإنما نريد"أن نكون دائما في دائرة القانون. # أيها السادة، إن تصرف هذا الشخص كان أيضا مخالفا للذوق، فإنه # مدرس بالجامعة المصرية، وهي معهد أميري يعيش من أموال الحكومة الممثلة # للأمة، فهو يتقاضى مرتبه من هذه الهيئة التي دينها الإسلام، فلم يكن من # المفهوم ولا من المعقول ولا من حسن الذوق أن يقوم هذا الشخص فيبصق في # وجه الحكومة التي يتقاضى مرتبه من أموالها بالطعن على دين رعيتها من ~~أقلية # أو أكثرية. # إننا إذ نسلم أولادنا للحكومة ليتعلموا في دورها نفعل ذلك معتمدين # على أن بيننا وبينها تعاقدا ضمنيا على أن الديانات محترمة؛ لا ms290 أقول ~~تعاقدا # ضمنيا فقط، بل صريحا، لأن الحكومة تعنى بتعليم الدين في مدارسها وتضعه # في مناهجها؛ وإذا كان الأمر كذلك فعلى الذين يريدون أن يحرقوا بخور ~~الإلحاد أن يحرقوه في قلوبهم، لأنهم أحرار في عقائدهم، أو أن يحرقوه في ~~منازلهم، لأنهم أحرار في بيئاتهم الخاصة، أما أن يطلقوه في أجواء دور العلم ~~ومنابر الجامعة فهذا لا يمكن أن نفهمه بأي حال من الأحوال "تصفيق حاد". ~~وأغرب ما في هذا التصرف إن صح ما بلغني من أن إدارة الجامعة اشترت من مؤلف ~~هذا الكتاب كتابه! اشترته يا حضرات النواب من أموال الأمة الموتورة؛ بهذا ~~العمل! فإن كان هذا الكتاب سيدرس في الجامعة فتلك ثالثة الأثافي، وليس لنا ~~على هذا الأمر تعليق؛ أما إذا كان الغرض من شراء الكتاب اتقاء ضرر انتشاره ~~فهذا أيضا تصرف غير معقول، لأن مال الأمة لا يجوز أن يدفع أجرا ومكافأة على ~~إساءة للأمة، ولأن هذا التصرف في حد ذاته من المكافأة، وهذه المكافأة قد ~~حلت حيث كانت تجب الإساءة وحيث كانت تجب المجازاة؛ هذا كله إن صح ما سمعته ~~من أن إدارة الجامعة قد اشترت هذا الكتاب. # وزير المعارف: أما فيما يختص بمسألة كتابا في الشعر الجاهلي " # فقد قلت لحضراتكم في الجلسة الماضية إننا نطمع في أن تكون الجامعة معهدا ~~طلقا للبحث العلمي الصحيح، وليس معنى هذا أننا نرضى أن تكون كراسي الأساتذة ~~منابر تلقى فيها المطاعن في أي دين من الأديان قصد النيل من كرامته أو ~~التهجم على حرمته وإنما واجب الأساتذة أن يتحاشوا ذلك في كتاباتهم ~~ومحاضراتهم، # PageV01P294 # وحادثة كتاب (في الشعر الجاهلي) حصلت كما تعلمون فى عهد الوزارة # السابقة، فلما توليت الوزارة أردت أن أقف - على حقيقة الأمر، فسألت سعادة ~~مدير الجامعة عن الإجراءات التي اتخذها إزاء هذه الحادثة، فأجاب بأن ~~الجامعة منعت انتشار الكتاب بشراء جميع النسخ من المكاتب وحصرتها في ~~مخازنها، كما اتخذت الإجراءات اللازمة لمنع طبع نسخ أخرى منه، وقد أكد لي ~~سعادته أن ما يؤاخذ عليه المؤلف لم يلقه على ms291 طلبته في الجامعة كما ظن، وأن ~~المؤلف صرح على صفحات الجرائد بأنه مسلم ولم يقصد الطعن في دين من الأديان ~~أو المس بكرامته (ضجة) . # هذا ما أكده لي مدير الجامعة، أما فيما يختص بالمبلغ الذي دفع ثمنا # للكتاب فإني أصرح بأني لو كنت مسؤولا لما رضيت بهذا التصرف، وإني # موافق على استرداده إذا كان لا يوجد مانع قانوني يحول دون ذلك. # أما فيما يختص بالإجراءات الأخرى فلا يخفى على حضراتكم أن المؤلف # مسافر إلى أوروبا منذ شهر يونيو عقب تأليف الوزارة مباشرة ولم يعد بعد؛ ~~فلا يمكن أن أتخذ من الآن إجراءات في غيابه، وعلى كل حال فإني أعد ببحث ~~المسألة. . . # الرئيش (1) : ترفع الجلسة للاستراحة. # فرفعت الجلسة. # ثم أعيدت. # خطبة الأستاذ القاياتي # الشيخ القاياتي: سادتي النواب، كان بودي أن تمر بنا ميزانية الجامعة # فنتقبلها هاتفين مصفقين؛ لأنها ميزانية أمنية طالما تمنيناها، وغاية ~~كثيرا ما # رجوناها، لأننا نعتقد أن وجود جامعة مصرية إنما هو طريق إلى الفلاح # المرجو، وإلى الحرية المطلوبة، وإلى الاستقلال الحقيقي المنشود. # ولكن الله تعالى أراد - أو أن غير الله ممن يجرؤون على ما لا يجوز لهم أن ~~يجرؤوا عليه أرادوا - أن تمر علينا هذه الميزانية ونحن نئن من الألم، ~~ونتضجر، من الحزن، ونبكي من المصيبة التي كنا نرجو أن تكون نعمة كبرى. # أنا لا أريد أن أتكلم عن الجامعة باعتبار إدارتها، ولا باعتبار ما يدرس ~~PageV01P295 # فيها. ولا باعتبار كفاية - مدرسيها وموظفيها بعد أن أدلى به حضرات ~~الأعضاء المحترمين من البيانات في هذا الشأن، ولكن الذي أريد الكلام فيه من ~~غير إطالة هو موضوع كتاب "في الشعر الجاهلي" الذي ألفه الدكتور طه حسين وهو ~~ابن الجامعة البكر الذي كانت تنفق عليه من مال الأمة وما كان يظن أبدا أن ~~يقابل هذا الإحسان بالعقوق إلى درجة أن يضربها بضرب دين الإسلام دين ~~الأغلبية. # ذكر حضرة النائب الأستاذ عبد الخالق عطية ملاحظات كثيرة عن هذا # الكتاب، وعن وقعه على الأمة، وتأثيره في قارئيه وسامعيه، حتى لقد قال # بحق: "إنه أثار ms292 فتنة أو كاد". # والحق أن يقال إنه ما كان من المظنون أن يوجد # بين المسلمين في مصر من يجرؤ على الدين إلى هذا الحد الذي بلغه الشيخ طه # حسين. # قبائح متعددة، ما بين تكذيب لصحيح التاريخ وتكذيب لنصوص القرآن. # ونسبة التحايل إلى الله وإلى النبي محمد وإلى موسى عليهما السلام. # وقبل أن أتعرض لسرد ما جاء في هذا الكتاب أو سرد شيء منه، أريد أن # أظهر لكم شدة اندهاشي مما نقله معالي وزير المعارف عن حضرة مدير # الجامعة، من أن هذا الكتاب لم يلق على الطلبة، يعني أن الدكتور طه حسين ~~لم يلق على طلبته ما جاء في هذا الكتاب. اندهشنا من هذا القول، لأن المؤلف ~~نفسه صرح في مقدمة كتابه أنه ألقاه على الطلبة؛ ولست أدري كيف يمكن أن يكون ~~حقا ما قيل من أنه لم يلقه على طلبته بعد أن يقرر هو بنفسه بأنه ألقاه ~~عليهم. # أصوات: ماذا قال؟ # الشيخ القاياتي: قال في مقدمة الكتاب: "هذا نحو من البحث في تاريخ # الشعر العربي - لم يألفه الناس عندنا من قبل، وأكاد أثق بأن فريقا منهم ~~سيلقونه ساخطين عليه، وبأن فريقا آخر سيزورون عنه ازورارا، ولكني على سخط ~~أولئك وازورار هؤلاء، أريد أن أذيع هذا البحث، أو بعبارة أصح، أريد أن ~~أقيده، فقد أذعته قبل اليوم حين تحدثت به إلى طلابي في الجامعة، وليس سرا ~~ما تحدثت به إلى أكثر من مائتي شخص". # هذا قول المؤلف في مقدمة الكتاب، ولست أفهم كيف يقال بعد ذلك إنه # لم يلق هذا الكتاب على طلبة الجامعة، وأن يترتب على ذلك ما رتبته الجامعة # PageV01P296 # من منع أستاذ أن يرد عليه في الجامعة بعد أن سمحت له بذلك، بعلة أن ~~الكتاب لم يلق على الطلبة حتى يرد عليه في نفس الجامعة. # لقد جاء في هذا الكتاب تكذيب صريح للقرآن، ونسبة صريحة للنبي عليه # الصلاة والسلام بأنه متحايل، وكذب صريح على التاريخ؛ لا يجوز أبدا أن # نهمل ولا أن نترك صاحبه دون تدقيق معه في البحث ms293 ويكون حسابنا معه عسيرا. # إنني أعرف أنه من الكرم والمروءة أن يعفو الإنسان عمن أساء إليه، ولكن من # الظلم والتهجم على المصلحة أن يعفو الإنسان عمن أساء إلى غيره، أو عمن # طعن في وطنه أو دينه "تصفيق". # إن الدولة أعلنت في دستورها أنها دولة إسلامية، وإن دولة إسلامية لا # تحافظ على دينها من أن يمس ولا على كرامتها أن تجرح لهي دولة أعوذ بالله ~~أن تكون مصر من أمثالها! # لقد بلغت الدرجة بالدكتور طه حسين أن يذكر في كتابه أن حادثة إبراهيم # وإسماعيل - التي نص الكتاب عليها - حادثة لا يعول عليها التاريخ ولا يمكن # التسليم بها، وإنما هي حادثة أرجعها المسلمون لسبب مخصوص هو سبب # سياسي أكثر منه دينيا. # وقد جاء في كتابه بالصفحة 26 ما يأتي: # "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل؛ وللقرآن أن يحدثنا عنهما # أيضا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما ~~التاريخي". # معنى هذا أن دعوى الله أن شيئا حصل لا ينهض دليلا على أن هذا الشيء # حصل؛ والله يعلم أن هذا يساوي في قوله إن الله كذاب فيما قال! # ثم جاء في الصفحة المذكورة: # ". . . فضلا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم # إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها. ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه # القصة نوعا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، والقرآن # والتوراة من جهة أخرى؛ وأقدم عصر يمكن أن تكون قد نشأت فيه هذه الفكرة ~~إنما هو هذا العصر الذي أخذ اليهود يستوطنون فيه شمال البلاد العربية ~~ويبثون فيه المستعمرات، فنحن نعلم أن حروبا عنيفة شبت بين هؤلاء اليهود ~~المستعمرين وبين العرب الذين كانوا يقيمون في هذه البلاد وانتهت بشيء من # PageV01P297 # المسألمة والملاينة ونوع من المحالفة والمهادنة؛ فليس ببعيد أن يكون هذا # الصلح الذي استقر عليه الرأي بين المغيرين وأصحاب البلاد منشأ هذه القصة # التي تجعل العرب واليهود أبناء أعمام، لا سيما وقد رأى أولئك وهؤلاء أن ~~بين الفريقين شيئا من ms294 التشابه غير قليل، فأولئك وهؤلاء ساميون". # وقد جاء بالصفحة 27 ما يأتي: # "وقد كانت قريش مستعدة كل الاستعداد لقبول مثل هذه الأسطورة في # القرن السابع للمسيح ". # كلمة "الأسطورة" يا حضرات الزملاء لا تقال إلا للخرافات أوالترهات. # فالقول بأن هذه القصة التي وردت في كتاب الله العزيز خرافة، يعني أن الله # يخرف ونحن نؤمن بتخريفه "مقاطعة". # أنا والله لا أريد التشنيع، ولكني أريد أن أذكر حقيقة، أريد أن أقول ~~لأقوام # لا يرون رأينا ويدعون أن البحث أمر واجب حر وأنه لا يجوز لنا أن نقيد ~~حرية الناس في آرائهم - أقول لهم إننا لا نقيد حريتهم في عقائدهم، ولكننا ~~نقيد آراء تلقن أولادنا وتشاع على أفراد الأمة ما بين متعلم وغير متعلم، ~~ولا بد أن يكون ذلك داعية الضلال والفسوق، فإذا لم أطل بينكم الليلة في سرد ~~النصوص الواردة في هذا الكتاب وذكر العبارات الشنيعة التي لا تدل إلا على ~~زندقة، فلأنني لا أريد إدخال الحزن على قلوبكم، ولأني لا أود أن أرى دموعكم ~~تسيل جزعا على دينكم وشرف دولتكم. # إننا لا نتكلم في هذا إلا بباعث المحافظة على الدين، وليس ذلك بالأمر # الذي يهم المسلم دون غيره، فإن كرامة الأديان على السواء يجب أن تكون # محفوظة. # إنني لا أسمح ولا أقبل أن يطعن أحد في دين المسيح عليه السلام ولا # أقبل أن يطعن في دين موسى عليه السلام، بالنسبة التي لا يرضى بها أحد أن # يطعن على دين محمد عليه السلام، فإن حرمات الأديان يجب أن تكون # موفورة. # إنني لا أخشى أن يقال إننا نتكلم متعصبين تعصبا دينيا، لأنه إذا كان # التعصب الديني هو المحافظة على كرامة الأديان جميعا فإنني أول المتعصبين. # كنت أود بعد أن قرأت لكم كلمات المؤلف أن أقرأ لكم كلمات الله فيما # كذبه المؤلف، ولكني لا أظن أنكم في حاجة إلى ذلك. # PageV01P298 # نريد أن نثبت في تاريخ عملنا أننا لا نقبل أبدا أن يتهور متهور على الدين # تهورا يحط كرامته وكرامة الدولة، فإن الطعن في دين الدولة ms295 طعن في الدولة. # هو طعن في كل فرد من أفرادها. لا نرض أن يسجل علينا التاريخ أنه قد فتح ~~بيننا هذا الباب، ونشر بيننا هذا الكتاب، وقامت عليه الضجة التي قامت، ثم ~~يمر علينا كما يمر السحاب دون أن ينال المسيء جزاء إساءته؛ لا أريد أن ~~يقال: طعن في الدين وشهر به ومر الأمر علي مجلس النواب وخرج الطاعن نظيفا ~~بدون جزاء! # إن الرحمة واجبة، ولكن ليس في الدين؛ وقد أوجب الدين أن يرجم # بعض من يرتكب الجرم. فما بالكم فيمن يدعي أن الله كاذب، وأن النبي كاذب ~~وأن المؤمنين جاهلون لا يفرقون بين الحق والباطل؟ # ولا يجوز أن يكتفى مطلقا بأن المؤلف صرح في الصحف أنه مسلم. # وإنني ألفت نظركم إلى أن الدكتور المؤلف لم تسمح له نفسه - مع أن الموقف # كان شديدا والإلحاح عليه كثيرا - أن يكتب كلمة يشرح بها ما قال وأن يؤوله ~~بمعنى يفهم منه خلاف ما فهمناه. # إذا كان قد ارتد بكتابه ثم رجع إلى الإسلام بعد ذلك فهو مسلم، ولكن # التوبة لا تغفر الذنب ولا تعفي من العقوبة؛ وقد كنت أريد أن أقترح ~~اقتراحا # خاصا ولكني اطلعت على اقتراح لحضرة عبد الحميد البنان بك ووافقته عليه. # الرئيس: تلا اقتراح حضرة عبد الحميد البنان بك ونصه: # " أقترح على المجلس الموقر تكليف الحكومة: # أولا - مصادرة وإعدام كئاب طه حسين المسمى "في الشعر الجاهلي" # بمناسبة ما جاء فيه من تكذيب القرآن الكريم، واتخاذ ما يلزم لاسترداد ~~المبلغ # المدفوع إليه من الجامعة ثمنا لهذا الكتاب. # ثانيا - تكليف النيابة العمومية رفع الدعوى العمومية على طه حسين مؤلف # هذا الكتاب لطعنه على الدين الإسلامي دين الدولة. # ثالثا - إلغاء وظيفته من الجامعة وذلك بتقرير عدم الموافقة على الاعتماد # المخصص لها". # ثم تلي اقتراح حضرة محمود لطيف بك وهذا نصه: # "أقترح بعد البيانات التي سمعها المجلس الموقر عن كتاب # " في الشعر الجاهلي" أن يقرر المجلس رغبته إلى الوزارة في معاقبة؛ مؤلف ~~هذا الكتاب الذي # PageV01P299 # أهان في مؤلفه الشرائع السماوية والأنبياء، وأهان فيه ms296 دين الدولة الرسمي، ~~وأن تتخذ الوزارة ما يحفظ المعاهد العلمية من أن تكون مقاما لمثل هذا ~~التهجم، مع اتخاذ اللازم لإعدام النسخ الموجودة من هذا الكتاب ". # الرئيس: هل يريد مقدم الاقتراح الأول أن يؤخذ الرأي على اقتراحه فقرة # فقرة. # عبد الحميد البنان أفندي: نعم. # محمود وهبة القاضي بك: أذكر أن الشيخ طه حسين كتب في الجرائد أنه # مؤمن بالله ونبيه وكتبه ورسله واليوم الآخر "ضجة". # معنى هذا أني ممتنع عن الكلام ما دمتم غير راغبين فيه. # بيان رئيس الحكومة (1) # رئيس مجلس الوزراء: أريد أن أقول كلمة في هذا الموضوع، فقد ذكر # معالي وزير المعارف العمومية أن هذا الكتاب طبع ونشر في عهد الوزارة # السابقة؛ وحين تشكلت هذه الوزارة وجدت برئاسة مجلس الوزراء خطابا من حضرة ~~صاحب الفضيلة شيخ الجامع الأزهر يطلب فيه من الحكومة أن تتخذ إجراءات خاصة ~~في موضوع هذا الكتاب، وأذكر منها رفع الدعوى الجنائية على المؤلف؛ فطلبت من ~~وزير المعارف بحث هذا الموضوع، فبحثه وكتب لي خطابا بين فيه نتيجة بحثه ~~باشتراك مدير الجامعة وما رأى اتخاذه من # التدابير اللازمة لمنع تكرار وتوع مثل هذا العمل في المستقبل. # وقد وافقته على ما ارتآه وكتبت لفضيلة شيخ الأزهر بما قرره وزير المعارف ~~ووافقته عليه، من حبس الكتاب، أي منع انتشاره، وبأن المؤلف قد اعتذر بما ~~بينه معالي وزير المعارف، وأخبرت فضيلته أيضا بما اعتزمته الحكومة من اتخاذ ~~التدابير لمنع تكرار وقوع مثل هذا العمل من أي أستاذ بالجامعة؛ فموافقتي ~~على ما قرره وزير المعارف يعتبر عملا حكوميا صدر من رئيس وزارة مسؤول عنه. # وإني أفهم أن يظهر المجلس استياءه من الكتاب، أو أن يترك # لوزير المعارف الحرية في اتخاذ إجراءات علاوة على ما اتخذ من قبل، أما # أن يقرر المجلس قرارا يخالف ما اتخذته الوزارة من الإجراءات، أو أن # يلزمها بالقيام بعمل معين زيادة على ما عملته وبما وعد به وزير المعارف. ~~PageV01P300 # فيكون هذا انتقادا لإجراءاتها في هذا الموضوع ويعرضها للمسؤولية # الوزارية. # الرئيس: لم أفهم القصد من هذا ms297 القول، فهل تريد ألا يتخذ المجلس # قرارا؟ # رئيس مجلس الوزراء: الاقتراح المعروض الآن يعتبر في نظري انتقادا # للوزارة ويعرضها لمسألة الثقة. # الرئيس: تريد إذن طرح مسألة الثقة بالوزارة. # رئيس مجلس الوزراء: نعم. # الرئيس: حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء يرى أنه إذا قرر # المجلس قرارا يخالف ما اتخذه من الإجراءات فإن ذلك يدعو إلى طرح الثقة # بالوزارة. # رئيس مجلس الوزراء: قلت إنه إذا قرر المجلس قرارا ما يخالف # الإجراءات التي اتخذت وما وعد به وزير المعارف العمومية، فإن ذلك يدل # على عدم ثقة المجلس بالوزارة. # وزير المعارف: قلت إن مؤلف هذا الكتاب غير موجود بمصر، ووعدت # أنه عند حضوره أبحث المسألة وأسأله فيها. # وبعد ذلك يتخذ ما يتراءى من الإجراءات ونعرض كل ذلك على المجلس. # الرئيس: ولكن المجلس ينظر الآن في إلغاء وظيفة. # رئيس مجلس الوزراء: لا شك أن من حق المجلس إلغاء أية وظيفة شاء # وهذا لا أعارض فيه مطلقا. # الرئيس: أنت إذن تعارض في إحالة المؤلف على النيابة؟ # رئيس مجلس الوزراء: أعتبر أن في تكليفنا بذلك عدم ارتياح لما قمنا به # من الإجراءات، وهذا يدعوني. . . # الرئيس: يعني أن الوزارة لا تود تكليف النيابة بالتحقيق؟ # وزير المعارف العمومية: لا تعارض الوزارة في ذلك بعد سؤاله، وإذا # تبين لها أن هناك جريمة؟ # الرئيس: يعني أن الوزارة تعد بتكليف النيابة بالتحقيق إذا اتضح لها بعد # سؤال المؤلف أن هناك جريمة؟ # PageV01P301 # رئيس مجلس الوزراء: قلت إننا اتخذنا ما يجب اتخاذه من الإجراءات. # الرئيس: ولكن للمجلس الحق في إبداء رغبات. # رئيس مجلس الوزراء: إذا كان الغرض إبداء رغبة فهذا شيء آخر. # أما تكليف الحكومة أمرا فلا يعد إبداء رغبة من المجلس. # الرئيس: يجوز للمجلس أن يكلف الحكومة بأشياء بما له عليها من حق # الرقابة الداخلة في اختصاصه؛ فهل تأبى الحكومة ذلك؛ فإذا كنتم تعدوننا ~~بقبول ذلك فهذا حسن، والا فإن ذلك يكون أساسا لمبدإ جديد يلزم بحثه. # رئيس مجلس الوزراء: هذه المسألة من اختصاص السلطة التنفيذية. # وللمجلس الحق في إبداء رغبات بخصوصها، فتبحث ms298 الحكومة هذه الرغبات # لترى إذا كان من الممكن تنفيذها أم لا، فإذا تأكد للحكومة أن هناك جريمة # أمكن معاقبته. # الرئيس: هل حضراتكم موافقون على الركبات التي تليت عليكم؛ أعني # المصادرة وتكليف النيابة العمومية برفع الدعوى وإلغاء الوظيفة. # محمود لطيف بك: إن الاقتراح الذي قدمته برغبة يوفق بين رأي المجلس # والوزارة. # الرئيس: "هناك اقتراح برغبة، فإما أن ترفضوه أو تقبلوه. # فكري أباظة بك: إن في نصوص هذه الرغبة متناقضات، مثلا: إنه غير # ممكن مصادرة الكتاب إلا بحكم. # الرئيس: قيل إن إدارة الجامعة اشترت هذا الكتاب وحبسته لتمنع بذلك # تداوله؛ فهل يكتفي حضرة مقدم الاقتراح بذلك أم يريد إعدامه؟ # عبد الحميد البنان أفندي: أريد إعدامه.. # الرئيس: هل تمانع وزارة المعارف في إعدام هذا الكتاب؟ # وزير المعارف: إن وزارة المعارف لا تمانع في ذلك. # الرئيس: بقيت النقطة الثانية، وهي تكليف النيابة العمومية بإقامة الدعوى # ضد المؤلف؛ فهل ترى الحكومة - إذا وافق المجلس على إبداء هذه الرغبة - # في ذلك اعتداء على اختصاصها؟ # عبد الخالق عطية أفندي: أرى أن المسألة تتعلق بالصيغة أكثر منها # بالموضوع، لأنه ربما يتبادر إلى الذهن أن المقصود بلفظة "تكليف" إلزام ~~النيابة # PageV01P302 # برفع الدعوى العمومية، فلذلك أقترح أن تستبدل بكلمة "تبليغا كلمة ~~"تكليف". # الرئيس: إذا استبدلت كلمة "تكليفا المذكورة بالاقتراح بكلمة "تبليغ " # فهل لدى الحكومة ما يمنعها من تنفيذ هذه الرغبة إذا وافق المجلس على # إبدائها؟ # رئيس مجلس الوزراء: لقد تصرفت الحكومة في هذا الموضوع بما رأته # مناسبا؛ فتكليف المجلس إياها بأن تقوم باكثر مما فعلت يفيد أن ما اتخذته ~~من # الإجراءات لم يكن كافيا؛ وأرى لهذا أنه يجب علي أن أعارض في ذلك! # الرئيس: لا يمكننا أن نقبل هذا مطلقا، لأن للمجلس اختصاصات # وحقوقا؛ فله أن يبدي رغبات، ويطلب طلبات، فإذا لم تستطع الحكومة تنفيذها ~~وجب عليها أن تبين له أسباب ذلك، أما إذا رأت الحكومة أنه ليس للمجلس ~~مبدئيا أن يكلفها أو يدعوها إلى العمل، فإننا لا نقبل ذلك ولا يمكنني أن ~~أرأس هذا المجلس إذا لم يكن ذلك ms299 من اختصاصه " تصفيق حاد". # لقد أبدى المجلس فيما مضى رغبات أهم من هذه بكثير، فلم تعترض # على تنفيذها؛ وبصفتي رئيس مجلس النواب لا يمكنني أن أقبل ما تقوله # الحكومة، من أنه ليس من اختصاص المجلس أن يبدي رغبة كهذه، خصوصا # وأنها ترمي إلى إعطاء القضاء ما هو من حقوق القضاء! # رئيس مجلس الوزراء: لا تقول الحكومة إنه ليس من اختصاص المجلس # إبداء رغبات، ولكنها تقول إنها تصرفت في الموضوع، فإذا وافق المجلس على ~~هذه الرغبة فكأنه يقول إن ما قامت به الحكومة لم يكن كافيا. # الرئيس: إذا كانت موافقة المجلس على إبداء هذه الرغبة تفيد أن تصرف # الحكومة في هذه المسألة لم يكن كافيا فإن له هذا الحق. # رئيس مجلس الوزراء: للمجلس الحق إلا أن هذا يعتبر اعتراضا على # تصرف الحكومة. # الرئيس: إنه اعتراض بلا شك، ولكن إذا رأى المجلس أن هذا الاعتراض # في محله فما رأي الحكومة في ذلك؟ # فكري أباظة بك: # حضرات الزملاء المحترمين! أشار حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس # الوزراء إلى تصرفات الحكومة في هذا الموضوع إجمالا. # ولكننا لم نطلع على تفاصيل هذه الإجراءات، ومع تمسكنا بما لنا من حق ~~إبداء رغبات، يهمنا أن # PageV01P303 # نطلع على تفاصيل ما قامت به من التصرفات حتى يمكننا أن نحكم عليها. # ولكن بما أن الفرصة لا تسمح لنا ولا تمكننا من أن نحكم فيما إذا كانت هذه # التصرفات كافية أم لا، فلذلك أقترح تأجيل النظر في هذا الموضوع حتى نطلع ~~على التفاصيل التي أشرت إليها. # الرئيس: إن الحكومة لم تبين لنا هذه التفاصيل، ولكنها تقول إن مطالبة # المجلس إياها بالقيام بغير ما قامت به يعتبر اعتراضا على تصرفاتها، حقيقة ~~إن # طلب المجلس يعتبر اعتراضا ولكنه في محله! # فكري أباظة بك: يمكنك استيفاء الموضوع في فترة التأجيل. # الرئيس: إن الموضوع مستوفى. # وزير الحقانية: يظهر لي أن المسألة تكاد تكون من اختصاص وزير الحقانية. # يريد المجلس الموقر أن يبدي رغبة بتقديم مؤلف كتاب (الشعر الجاهلي) # إلى المحاكمة. # وتقول الحكومة إنها تصرفت في هذه ms300 المسألة بطريقة مخصوصة قبل أن تثار # في المجلس، ويقول معالي وزير المعارف إن هذه المسألة محل نظر الوزارة ~~وإنها # ستتخذ فيها ما تراه من الإجراءات؛ فهل هناك فارق بين رغبة المجلس وما وعد ~~به معالي وزير المعارف؟ # لا أظن أن هناك فارقا للمجلس أن يبدي رغبة بتبليغ النيابة # العمومية لإقامة الدعوى ضد الكتاب، ولمعالي وزير المعارف أن ينظر في هذه # الرغبة ويتصرف فيها بما رآه، وأظن أن هذا أليق بكرامة المجلس، لأنه وهو ~~الهيئة التشريعية إذا أمر برفع الدعوى العمومية وجاء الحكم فيها مخالفا ~~لرأيه فيكون معنى هذا أن رأي المجلس لم يكن في محله، أما إذا تركت المسألة ~~للحكومة ورأت أن تقيم الدعوى العمومية ثم صدر الحكم ببراءة المؤلف فلا ~~يؤأخذ المجلس بشيء # وتتحمل الوزارة وحدها مسؤولية تصرفها. # الرئيس: يجوز أن يكون تبليغ النيابة من ضمن الإجراءات التي تتخذها # الوزارة في هذه المسألة، وتبليغ النيابة هذا لا علاقة له بالحكم في ~~الدعوى. # وزير الحقانية: الذي فهمته أن الاقتراح يومئ إلى تكليف النيابة برفع # الدعوى العمومية. # الرئيس: سنستبدل كلمة " تبليغ" بكلمة "تكليف"، وأظن أن تبليغ النيابة # عن جريمة ارتكبت حق واجب على كل فرد. # وزير الحقانية: لا نزاع في ذلك. # PageV01P304 # عبد الحميد البنان أفندي: أوافق على أن تستبدل بكلمة "تبليغ " كلمة # "تكليفا. # وزير الحقانية: يمكنني أن أقول إن سبب عدم تبليغ النيابة ربما كان مبنيا # على أن كتاب " الشعر الجاهلي " مكروه من الأصل، وكان من الواجب احتقاره ~~وعدم إذاعته بين الجمهور؛ ولما كان التبليغ يقتضي نشر الكتاب في الجرائد ~~وإذاعته بين أفراد الأمة، رأت الوزارة أن لا تبلغ النيابة؛ استهانة بما ~~احتواه الكتاب وتحقيرا لشأنه! # فإذا رأى المجلس مع ذلك ضرورة لتبليغ النيابة فلا مانع من أن يبدي هذه # الرغبة، على أن تكون من ضمن الإجراءات التي تتخذها الحكومة. # الرئيس: تقدم اقتراح برغبة؟ # عبد الحميد البنان أفندي: لا مانع عندي من أن تكون هذه الرغبة ضمن # ما تتخذه الوزارة من الإجراءات. # الرئيس: هل يعد معالي وزير المعارف بذلك؛ لأن هناك ms301 جريمة ارتكبت # ويريد المجلس التبليغ عنها؟ # وزير الحقانية: إننا نقدر رغبات المجلس حق قدرها، ولم يبد المجلس أي # رغبة إلا نفذتها الحكومة؛ فلماذا يطلب من معالي وزير المعارف أن يعد من ~~الآن؟ # الرئيس: ما الداعي لهذه المعارضة الشديدة؛ المسألة في غاية البساطة. # وهي: هل توافق الحكومة على تنفيذ هذه الرغبة أم لا؟ # عبد الحميد البنان أفندي: أعدل اقتراحي بأن يضع معالي وزير المعارف # هذه المسألة موضع البحث حتى إذا رأى.. # وزير المعارف: أوافق على هذا التعديل. # الرئيس: لقد تقدم الاقتراح ومن حق المجلس أن يصدر قرارا بخصوصه. # فهل يوافق معالي وزير المعارف على تبليغه النيابة. # وزير المعارف: إني موافق على تعديل حضرة عبد الحميد البنان أفندي. # الرئيس: التعديل هو أن يقوم معالي وزير المعارف بتبليغ النيابة؛ فهل تعد # بذلك؟ # الدكتور أحمد ماهر: أرجو أن ترفع الجلسة للاستراحة. # الرئيس: ترفع الجلسة للاستراحة عشر دقائق. # PageV01P305 ### | كلمة جريدة "الأهرام" الغراء # الوزارة تعرض مسألة الثقة # رشدي باشا وعدلي باشا في بيت الأمة ليلا # تفاصيل المسألة - تسويتها # عرضت أمس وأول من أمس على مجلس النواب ميزانية الجامعة، ومن # أسبوعين مضيا انتشرت في الجو إشاعات مختلفة عن الجامعة، فإن روح التذمر # والاستياء التي بدت بين النواب من تصرفات وزير المعارف السابق في شؤون # وزارة المعارف تناولت تصرفاته في أمر الجامعة أيضا، وهي تصرفات اجتمعت # الكلمة على أنها خرقت القانون في كثير من المسائل الهامة بل قامت على ~~أساس من الفوضى التي لم تراع فيه للقانون حرمة. . . # ومنذ ذلك الحين راجت إشاعات شتى، فقيل إن هناك فكرة ترمي إلى # إلغاء قانون الجامعة وترك كل مدرسة عالية أو كلية قائمة مستقلة، مع إبقاء ~~كليتي الآداب والعلوم كل كلية منهما على حدة إلى أن يتيسر إنشاء جامعة ~~بالمعنى الصحيح على أساس متين منظم؛ وراجت غير ذلك من الإشاعات، ورأينا ~~مدير الجامعة الأستاذ أحمد لطفي السيد بك يتردد على بيت الأمة عدة مرات ~~قابل فيها دولة الرئيس الجليل سعد باشا زغلول للدفاع عن الجامعة أو عن مصير ~~الجامعة. # ومن المسائل ms302 التي ثارت حولها الإشاعات أيضا مسألة كتاب "الشعر # الجاهلي" الذي أخرجه الدكتور طه حسين الأستاذ بالجامعة، واستنكر العلماء # وغير العلماء بعض ما احتواه من العبارات الماسة بالدين، فإن كثيرين من # النواب يستنكرون بقاء الدكتور طه أستاذا بالجامعة بعد أن اجتمعت كلمة ~~العلماء على خروجه على الدين. # وكان صاحب الفضيلة النائب المحترم الشيخ مصطفى # القاياني قد أعلن عزمه على استجواب رئيس الوزارة في هذا الشأن، ثم بذلت # مساع حثيثة لحمله على العدول عن الاستجواب، ثم أبدل الاستجواب بسؤال # نشرناه منذ أيام على أن يكون الرد عليه كتابة. # PageV01P306 # ولم يرد رئيس الوزراء على السؤال، وأشيع أن كثيرين من النواب # سيعرضون مسألة الدكتور طه حسين على المجلس أثناء بحث الميزانية، وقيل إن ~~بعضهم سيطلب إلغاء وظيفته. # فبذل أصدقاء الدكتور طه حسين مساعي حثيثة # للوصول إلى إقناع الذين ينوون المطالبة بإلغاء الوظيفة بالعدول عن ذلك؛ ~~على أن يكتفى في المجلس باستنكار عمل الأستاذ طه. # وحدث أمس أن ثارت المناقشة في مجلس النواب في شأن كتاب "الشعر # الجاهلي" ومؤلفه، وألقيت الخطب مما يراه القراء بنصه في محضر جلسة # المجلس المنشورة في غير هذا المكان. # وقد قدم النائب المحترم عبد الحميد البنان أفندي نائب الجمالية اقتراحا # من ثلاثة أقسام: ### | 1 - # إبادة كتاب الشعر الجاهلي. ### | 2 - # إحالة الدكتور طه حسين إلى النيابة. ### | 3 - # إلغاء وظيفته. # وقد سلم معالي وزير المعارف بالقسم الأول من الاقتراح، وتكلم دولة # عدلي باشا رئيس الوزراء عن القسم الثاني، وجرت بينه وبين دولة الرئيس # الجليل مناقشة اشترك فيها وزير المعارف والحقانية، انتهت بأن ذكر عدلي ~~باشا أن قرار المجلس بإحالة المؤلف إلى النيابة يكون بمثابة اعتراض على ~~تصرفات الحكومة وذكر مسألة الثقة بالوزارة! # وكان الأمر قد أبلغ إلى دولة رشدي باشا (1) فترك مجلس الشيوخ مسرعا # إلى مجلس النواب " # وكان جو المجلس مملوءا كهرباء، فاقترح النائب المحترم الدكتور أحمد # ماهر رفع الجلسة عشر دقائق للاستراحة، ولما رفعت ذهب الرئيس الجليل إلى ~~مكتبه بمجلس النواب وتبعه إليه عدلي باشا ورشدي باشا وبقيا معه عشر دقائق. ms303 # وكان دولة الرئيس الجليل سعد باشا متعبا فاستقل سيارته إلى داره. # واتفق بعض النواب على تأجيل الجلسة إلى غد، لأن الساعة كانت قد # أوشكت على العاشرة تقريبا، وليكون هناك متسع من الوقت لتسوية المسألة. # وأعيدت الجلسة في الساعة العاشرة وثلث برئاسة حضرة صاحب السعادة ~~PageV01P307 # مصطفى النحاس باشا، فطلب أعضاء كثيرون التأجيل لتأخر الوقت، فأجلت. # وعلى أثر انصراف دولة سعد باشا، قصد دولة عدلي باشا ومعه دولة # رشدي باشا إلى بيت الأمة، كما قصد إليه صاحبا المعالي فتح الله بركات ~~باشا # ومحمد محمود باشا، وتكلم عدلي باشا في ظروف الحادث، وذكر أنه قام على سوء ~~تفاهم، فإنه لم يقصد تحدي المجلس في سلطته، وظل عدلي باشا # ورشدي باشا في بيت الأمة إلى ما قبل منتصف الليل بثلثي ساعة. # وبعد انصرافهما سألنا بعض الوزراء عن النتيجة فقالوا لنا "إن الحادث # سوي وانتهى وأصبح كأنه لم يكن ". # وعلى أثر ذلك ذهب حضرة صاحب المعالي فتح الله بركات باشا إلى # النادي السعدي، حيث كان بعض أصحاب المعالي الوزراء وبقي هناك نحو # نصف ساعة مع كثيرين من أعضاء مجلس النواب والشيوخ يتسامرون. # ولا شك أنه كان مما يؤسف له كثيرا أن ينتهي الدور البرلماني الحاضر # بخلاف يقوم حول مسألة كمسألة أمس بعد أن سار مجلس النواب والوزارة في # مختلف شؤون الدولة الخطيرة بتمام الاتفاق والوئام، وأن تثير الحكومة ~~مسألة # الثقة بسبب كتاب سلمت - إذ أقرت مصادرته وقبلت إبادته - بضرر ما فيه، ~~كتاب نعرف أن الأغلبية العظمى من الأمة - وفي مقدمتهم العلماء والمتعلمون - ~~لا ترضى عنه ولا عن مؤلفه. # PageV01P308 ### | جلسة يوم الثلاثاء # الرئيس: ننتقل إلى استئناف النظر في ميزانية الجامعة. # عبد الحميد البنان أفندي: قدمت اليوم بلاغا إلى النيابة العمومية للتحقيق # مع الدكتور طه حسين فيما كتبه طعنا على الدين الإسلامي؛ وبناء على ذلك لم ~~يبق محل للقسم الثاني من اقتراحي الذي قدمته أمس في هذه المسألة، وبما أن ~~مصادرة الكتاب لا يمكن أن تكون إلا بحكم، وهذا تابع بطبيعة الحال للقضية ~~المطلوب تحقيقها، فإنه لم ms304 يبق محل للقسم الأول أيضا في اقتراحي؛ وأما فبما ~~يختص بالقسم الثالث فإني أكتفي بتصريح دولة رئيس الوزراء ومعالي وزير ~~المعارف بالنظر في هذه المسألة وبحثها بما تستحقه من العناية.. # وبناء على كل هذا سحبت اقتراحي. # الرئيس: وهو كذلك. # نقول: وتسلمت النيابة الدكتور طه حسين، وتم طبع هذا الكتاب وهو # معلق بعد في ميزانها إما إلى وإما إلى. . . . . . . . . (1) . ~~PageV01P309 ms305