######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011755 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: مصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي (المتوفى: 1356هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1356 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: وحي القلم #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 3 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011755 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11755 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11755 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى 1421هـ-2000م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المجلد الأول ### | مقدمات ### | مقدمة المؤلف # ... # مقدمة المؤلف: # مصطفى صادق الرافعي: 1298-1356ه/ 1881-1937م # هو مصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي. ولد ~~في "بهتيم" بمصر سنة 1881م من أب طرابلسي1 الأصل وأم حلبية. وأخذ علوم ~~الدين عن أبيه، ثم دخل المدرسة الابتدائية وهو في نحو الثانية عشرة من ~~عمره؛ وقد أصيب بالصمم وهو في الثلاثين من عمره, فكان يكتب له ما يراد ~~مخاطبته به. وفي سنة 1899 عين كاتبا في محكمة "طلخا" الابتدائية، ثم نقل ~~إلى محكمة "إيتاي البارود" الشرعية، ثم إلى طنطا حيث نقل إلى المحكمة ~~الأهلية وتوفي سنة 1937م. # خص الرافعي قسما كبيرا من مقالاته للدفاع عن الإسلام ومصر والشرق. وكانت ~~نزعته في كتاباته نزعة إسلامية شديدة فيها من التدين والاندفاع الشيء ~~الكثير, وكان غزير الفكر، يملي عليه العقل والتدين كثيرا من الحكم والمواعظ ~~الخلقية ويوجهانه في كتاباته توجيها اجتماعيا. # شعره نقي الديباجة على جفاف في أكثره, ونثره من الطراز الأول، إلا أنه لا ~~يخلو من بعض الغموض. أما قصصه ففيه طرافة؛ ولكن فيه أيضا بعض الثقل والضعف ~~الفني. # مؤلفاته: # - ديوان شعر، في ثلاثة أجزاء. # - تاريخ آداب العرب، ثلاثة أجزاء. # - إعجاز القرآن والبلاغة النبوية. # - تحت راية القرآن. PageV01P003 # - رسائل الأحزان. # - على السفود؛ وهو رد على العقاد. # - وحي القلم، ثلاثة أجزاء. # - ديوان النظرات. # - السحاب الأحمر، في فلسفة الحب والجمال. # - حديث القمر. # - المعركة؛ في الرد على كتاب الدكتور طه حسين في الشعر الجاهلي. # - المساكين. # - أوراق الورد. # وقد ألف محمد سعيد العريان كتابا عن حياة الرافعي. ولمحمود أبي رية ~~"رسائل الرافعي" وهي رسائل خاصة مما كان يبعث به إليه، اشتملت على كثير من ~~آرائه في الأدب والسياسة ورجالهما. # PageV01P004 ### | نص كتاب الأستاذ الإمام: # ولدنا الأديب الفاضل مصطفى أفندي صادق الرافعي, زاده الله أدبا. # ما أثمر أدبك، ولله ما ضمن لي قلبك، لا أقارضك ثناء بثناء، فليس ذلك شأن ~~الآباء مع الأبناء، ولكني أعدك من خلص الأولياء، وأقدم صفك على صف ~~الأقرباء. وأسأل الله أن يجعل للحق من لسانك ms001 سيفا يمحق الباطل، وأن يقيمك ~~في الأواخر مقام حسان في الأوائل, والسلام. # 5 شوال سنة 1321* # محمد عبده PageV01P007 ### | تصدير # بقلم: محمد سعيد العريان # " ... ربما عابوا السمو الأدبي بأنه قليل، ولكن الخير كذلك، وبأنه مخالف، ~~ولكن الحق كذلك، وبأنه محير، ولكن الحسن كذلك، وبأنه كثير التكاليف، ولكن ~~الحرية كذلك". # الرافعي # هذا كتاب، آخر كتاب أنشأه الرافعي، ففيه النفحة الأخيرة من أنفاسه، ~~والنبضة الأخيرة من قلبه، والومضة الأخيرة من وجدانه ... أفرأيت الليل ~~المطبق كيف تتروح نسماته الأخيرة بعبير الشجر وتتندى أزهاره في نسيم السحر؟ # ألا وإنه إلى ذلك أول كتاب أنشأه على أسلوبه وطريقته، فقد عاش الرافعي ما ~~عاش يكتب لنفسه وينشر لنفسه، لا يعنيه مما يكتب وينشر إلا أن يحيل فكرة في ~~رأسه أو لمحة في خاطره أو خفقة في قلبه, إلى تعبير في لسانه أو معنى في ~~ديوانه، ولا عليه بعد ذلك أن يتأدى معناه إلى قارئه كما أراده أو يغلق ~~دونه، فلما اتصل سببه بمجلة "الرسالة"* رأى لقارئه عليه حقا أكثر من حق ~~نفسه، فكان أسلوبه الجديد الذي أنشأ به الكتاب. # على أن هذا الكتاب -وشأنه ما قدمت- يجمع كل خصائص الرافعي الأدبية متميزة ~~بوضوح، فمن شاء فليقرأه دون سائر كتبه، فسينكشف له الرافعي في سائر كتبه. ~~والأديب الحق تستعلن نفسه بطريقتها الخاصة في كل زمان ومكان على اختلاف ~~أحواله وما يحيط به. PageV01P009 # والرافعي عند طائفة من قراء العربية أديب عسر الهضم، وهو عند كثير من هذه ~~الطائفة متكلف لا يصدر عن طبع، وعند بعضهم غامض معمى لا تخلص إليه النفس، ~~ولكنه عند الكثرة من أهل الأدب وذوي الذوق البياني الخالص، أديب الأمة ~~العربية المسلمة، يعبر بلسانها، وينطق عن ذات نفسها، فما يعيب عليه عائب ~~إلا من نقص في وسائله، أو كدرة في طبعه، أو لأن بينه وبين طبيعة النفس ~~العربية المسلمة التي ينطق الرافعي بلسانها حجابا يباعد بينه وبين ما يقرأ ~~روحا ومعنى. # فمن شاء أن يقرأ ما كتب الرافعي ليتذوق أدبه فيأخذ عنه أو يحكم عليه، ~~فليستوثق من نفسه ms002 قبل، ويستكمل وسائله، فإن اجتمعت له أداته من اللغة ~~والذوق البياني، وأحس إحساس النفس العربية المسلمة فيما تحب وما تكره وما ~~يخطر في أمانيها؛ فذوقه ذوق وحكمه حكم، وإلا فليسقط الرافعي من عداد من ~~يقرأ لهم, أو فليسقط نفسه من عداد هذه الأمة. # على أنه إذا حق لنا أن نرتب كتب الرافعي ترتيبا يعين قارئه على تذوقه أو ~~دراسة أدبه فإن "وحي القلم" في رأس هذا الثبت, هو آخر ما أنشأ ولكنه أول ما ~~ينبغي أن يقرأ له، وإن البدء به لحقيق أن يعود قارئه أسلوب الرافعي فيسلس ~~له صعبه وينقاد. # ذلك مجمل الرأي في أسلوب هذا الكتاب، على أن قارئه قد يقف منه عند مواضع ~~فليسأل نفسه: كيف تأتى للرافعي أن يعالج موضوعه على هذا الوجه؟ وكيف تهيأ ~~له ذلك المعنى؟ وأين ومتى اجتمعت له هذه الخواطر؟ وفي أي أحواله كان يكتب؟ ~~وعلى أي نسق كان يؤلف موضوعه ويجمع أشتاته ويحشد خواطره ويصنف عبارته؟ # ... ولست أرى من حقي أن أطيل القول هنا في هذا الكتاب وقد ذكرته في كتاب ~~"حياة الرافعي"، وإن موضوع هذا الكتاب لهو الحقيق بالدرس والعناية. # والكتاب كما يشعر به عنوانه، هو مجموعة فصول ومقالات وقصص، من وحي القلم ~~وفيض الخاطر في ظروف متباينة، وأكثره ما كتبه لمجلة الرسالة بين سنتي 1934 ~~و1937، ولكل فصل أو مقالة أو قصة من هذه المجموعة سبب أوحى إليه موضوعها ~~وأملى عليه القول فيها، ولقد كان علي أن أثبت عند رأس كل # PageV01P010 # موضوع منها باعثه وحادثته، لعل من ذلك نورا يكشف عن معنى مغلق أو يوضح ~~فكرة يكتنفها بعض الغموض، ولكن بعض الضرورات قد ألزمتني أن أقتصد في البيان ~~هنا اكتفاء بما بينته في موضعه, وأشرت إليه في هامش موضوعه. # ولقد يقرأ القارئ بعض القصص في هذا الكتاب، فيسأل عن بعضها: أهذا حق ~~يرويه أم باطل يدعيه؟ ويسأل عند بعضها: أهذا مما ينقل من مأثورات الأدب ~~والتاريخ القديم، أم إنشاء مما يبدعه الخيال وتوشيه الصنعة؟ ثم يقرأ رأي ~~الرافعي في ms003 القصة وكتاب القصة* فيقول: أين رأيه من حقيقته؟ وأين عمله من ~~دعواه؟ # ولهذه القصص حديث طويل، ولكن حسبي أن أقول: إن الرافعي -وإن هجر القصة ~~ولم يحفل بها زمانا- كانت القصة في أدبه, وفي طبعه. # وكما قلت من قبل: إن هذا الكتاب يجمع كل خصائص الرافعي الأدبية متميزة ~~بوضوح في أسلوبه، كذلك أقول هنا: إنه يجمع كل خصائصه العقلية والنفسية ~~متميزة بوضوح في موضوعه، ففيه خلقه ودينه، وفيه شبابه وعاطفته، وفيه تزمته ~~ووقاره، وفيه فكاهته ومرحه، وفيه غضبه وسخطه، فمن شاء أن يعرف الرافعي ~~عرفان الرأي والفكرة والمعاشرة فليعرفه في هذا الكتاب. # أما الجزء الثالث من هذا الكتاب فقد خلفه المؤلف -رحمه الله- على مكتبه ~~قصاصات من صحف وصفحات من كتب ومجلات، فعاد كتابا بين دفتين، وقد رتبت فصوله ~~على ما بدا لي، إذ لم أجد فيما خلف المؤلف من أوراق ما يشير إلى رأيه في ~~ترتيبه، ولكن جمع أكثر مواده في غلاف وأودعه درج مكتبه إلى ميعاد، ثم ~~عاجلته منيته. وقد جمعت ما قدرت عليه بعد، فأضفته إلى ما جمع المؤلف، ورتبت ~~كل ذلك وهيأته للمطبعة فإن كان قد فاتني شيء مما ينبغي إضافته إلى ذلك ~~الجزء, أو قصر بي الجهد عن ترتيبه على الوجه الأمثل، فمعذرة إلى قارئه. # وللمؤلف في ذيل بعض الصحائف تعليقات، ولي تعليقات غيرها اقتضاها مكانها ~~وموضوعها، فإذا رأى القارئ رمز التعليق في الصلب وفي الهامش نجما أو ~~PageV01P011 # نجوما "*" "* *" فهو ما علقته، وإن كان الرمز رقما فهو مما علقه المؤلف ~~-رحمه الله- لبيان معنى أو تفسير كلمة. # وإن في الكتاب لفنا وفكرا وبيانا، وإن فيه لمواضع تقتضي البسط والتطويل ~~في الحديث، وإن فيه لمذاهب في الإنشاء حقيقة بالدرس والنظر، ولكني أجتزئ من ~~ذلك كله بالعرض دون البيان؛ لأدع لقارئه أن يقول ما يشاء ويحكم، ثم لأفسح ~~المكان لمنشئ الكتاب أن يتحدث عن مذهبه في البيان وهو عليه أقدر. # محمد سعيد العريان # PageV01P012 ### | صدر الكتاب # : البيان # لا وجود للمقالة البيانية إلا في المعاني التي اشتملت عليها يقيمها ~~الكاتب على حدود ms004 ويديرها على طريقة، مصيبا بألفاظه مواقع الشعور، مثيرا بها ~~مكامن الخيال، آخذا بوزن تاركا بوزن لتأخذ النفس كما يشاء وتترك. # ونقل حقائق الدنيا نقلا صحيحا إلى الكتابة أو الشعر, هو انتزاعها من ~~الحياة في أسلوب وإظهارها للحياة في أسلوب آخر يكون أوفى وأدق وأجمل، لوضعه ~~كل شيء في خاص معناه وكشفه حقائق الدنيا كشفة تحت ظاهرها الملتبس. وتلك هي ~~الصناعة الفنية الكاملة؛ تستدرك النقص فتتمه، وتتناول السر فتعلنه، وتلمس ~~المقيد فتطلقه، وتأخذ المطلق فتحده، وتكشف الجمال فتظهره، وترفع الحياة ~~درجة في المعنى وتجعل الكلام كأنه وجد لنفسه عقلا يعيش به. # فالكاتب الحق لا يكتب ليكتب؛ ولكنه أداة في يد القوة المصورة لهذا ~~الوجود، تصور به شيئا من أعمالها فنا من التصوير. الحكمة الغامضة تريده على ~~التفسير، تفسير الحقيقة؛ والخطأ الظاهر يريده على التبيين، تبيين الصواب؛ ~~والفوضى المائجة تسأله الإقرار, إقرار التناسب؛ وما وراء الحياة، يتخذ من ~~فكره صلة بالحياة؛ والدنيا كلها تنتقل فيه مرحلة نفسية لتعلو به أو تنزل. ~~ومن ذلك لا يخلق الملهم أبدا إلا وفيه أعصابه الكهربائية، وله في قلبه ~~الرقيق مواضع مهيأة للاحتراق تنفذ إليها الأشعة الروحانية, وتتساقط منها ~~بالمعاني. # وإذا اختير الكاتب لرسالة ما، شعر بقوة تفرض نفسها عليه؛ منها سناد رأيه، ~~ومنها إقامة برهانه، ومنها جمال ما يأتي به، فيكون إنسانا لأعماله وأعمالها ~~جميعا، له بنفسه وجود ولد بها وجود آخر؛ ومن ثم يصبح عالما بعناصره للخير ~~أو الشر كما يوجه؛ ويلقى فيه مثل السر الذي يلقى في الشجرة لإخراج ثمرها ~~بعمل طبيعي يرى سهلا كل السهل حين يتم، ولكنه صعب أي صعب حين يبدأ. # هذه القوة التي تجعل اللفظة المفردة في ذهنه معنى تاما، وتحول الجملة ~~الصغيرة # PageV01P013 # إلى قصة، وتنتهي باللمحة السريعة إلى كشف عن حقيقة، وهي تخرجه من حكم ~~أشياء ليحكم عليها، وتدخله في حكم أشياء غيرها لتحكم عليه؛ وهي هي التي ~~تميز طريقته وأسلوبه؛ وكما خلق الكون من الإشعاع تضع الإشعاع في بيانه1. # ولا بد من البيان في الطبائع الملهمة ليتسع به ms005 التصرف، إذ الحقائق أسمى ~~وأدق من أن تعرف بيقين الحاسة أو تنحصر في إدراكها. فلو حدت الحقيقة لما ~~بقيت حقيقة، ولو تلبس الملائكة بهذا اللحم والدم أبطل أن يكونوا ملائكة؛ ~~ومن ثم فكثرة الصور البيانية الجميلة، للحقيقة الجميلة، هي كل ما يمكن أو ~~يتسنى من طريقة تعريفها للإنسانية. # وأي بيان في خضرة الربيع عند الحيوان من آكل العشب، إلا بيان الصورة ~~الواحدة في معدته؟ غير أن صور الربيع في البيان الإنساني على اختلاف الأرض ~~والأمم، تكاد تكون بعدد أزهاره، ويكاد الندى ينضرها حسنا كما ينضره. # ولهذا ستبقى كل حقيقة من الحقائق الكبرى -كالإيمان, والجمال، والحب، ~~والخير, والحق- ستبقى محتاجة في كل عصر إلى كتابة جديدة من أذهان جديدة. # وفي الكتاب الفضلاء باحثون مفكرون تأتي ألفاظهم ومعانيهم فنا عقليا غايته ~~صحة الأداء وسلامة النسق، فيكون البيان في كلامهم على ندرة كوخز الخضرة في ~~الشجرة اليابسة هنا وهنا. ولكن الفن البياني يرتفع على ذلك بأن غايته قوة ~~الأداء مع الصحة، وسمو التعبير مع الدقة، وإبداع الصورة زائدا جمال الصورة. ~~أولئك في الكتابة كالطير له جناح يجري به ويدف ولا يطير، وهؤلاء كالطير ~~الآخر له جناح يطير به ويجري. ولو كتب الفريقان في معنى واحد لرأيت المنطق ~~في أحد الأسلوبين وكأنه يقول: أنا هنا في معان وألفاظ؛ وترى الإلهام في ~~الأسلوب الآخر يطالعك أنه هنا في جلال وجمال, وفي صور وألوان. # ودورة العبارة الفنية في نفس الكاتب البياني دورة خلق وتركيب، تخرج بها ~~الألفاظ أكبر مما هي، كأنها شبت في نفسه شبابا؛ وأقوى مما هي، كأنما كسبت ~~من روحه قوة؛ وأدل مما هي، كأنما زاد فيها بصناعته زيادة. فالكاتب العلمي ~~تمر اللغة منه في ذاكرة وتخرج كما دخلت عليها طابع واضعيها؛ ولكنها من ~~الكاتب البياني تمر في مصنع وتخرج عليها طابعه هو. أولئك أزاحوا اللغة عن ~~مرتبة PageV01P014 # سامية، وهؤلاء علوا بها إلى أسمى مراتبها؛ وأنت مع الأولين بالفكر، ولا ~~شيء إلا الفكر والنظر والحكم؛ غير أنك مع ذي الحاسة البيانية لا تكون إلا ~~بمجموع ms006 ما فيك من قوة الفكر والخيال والإحساس والعاطفة والرأي. # وللكتابة التامة المفيدة مثل الوجهين في خلق الناس: ففي كل الوجوه تركيب ~~تام تقوم به منفعة الحياة، ولكن الوجه المنفرد يجمع إلى تمام الخلق جمال ~~الخلق، ويزيد على منفعة الحياة لذة الحياة، وهو لذلك وبذلك، يرى ويؤثر ~~ويعشق. # وربما عابوا السمو الأدبي بأنه قليل، ولكن الخير كذلك؛ وبأنه مخالف، ولكن ~~الحق كذلك؛ وبأنه محير، ولكن الحسن كذلك، وبأنه كثير التكاليف، ولكن الحرية ~~كذلك. # إن لم يكن البحر فلا تنتظر اللؤلؤ، وإن لم يكن النجم فلا تنتظر الشعاع، ~~وإن لم تكن شجرة الورد فلا تنتظر الورد، وإن لم يكن الكاتب البياني فلا ~~تنتظر الأدب. # مصطفى صادق الرافعي # PageV01P015 ### | اليمامتان # جاء في تاريخ الواقدي "أن "المقوقس" عظيم القبط في مصر، زوج بنته ~~"أرمانوسة" من "قسطنطين بن هرقل" وجهزها بأموالها حشما لتسير إليه، حتى ~~يبني عليها في مدينة قيسارية1؛ فخرجت إلى بلبيس وأقامت بها ... وجاء عمرو ~~بن العاص إلى بلبيس فحاصرها حصارا شديدا، وقاتل من بها، وقتل منهم زهاء ألف ~~فارس، وانهزم من بقي إلى المقوقس، وأخذت أرمانوسة وجميع ما لها، وأخذ كل ما ~~كان للقبط في بلبيس. فأحب عمرو ملاطفة المقوقس، فسير إليه ابنته مكرمة في ~~جميع ما لها، "مع قيس بن أبي العاص السهمي"؛ فسر بقدومها ... ". # هذا ما أثبته الواقدي في روايته، ولم يكن معنيا إلا بأخبار المغازي ~~والفتوح، فكان يقتصر عليها في الرواية؛ أما ما أغفله فهو ما نقصه نحن: # كانت لأرمانوسة وصيفة مولدة تسمى "مارية"، ذات جمال يوناني أتمته مصر ~~ومسحته بسحرها، فزاد جمالها على أن يكون مصريا، ونقص الجمال اليوناني أن ~~يكونه؛ فهو أجمل منهما، ولمصر طبيعة خاصة في الحسن؛ فهي قد تخمل شيئا في ~~جمال نسائها أو تشعث منه، وقد لا توفيه جهد محاسنها الرائعة؛ ولكن متى نشأ ~~فيها جمال ينزع إلى أصل أجنبي أفرغت فيه سحرها إفراغا، وأبت إلا أن تكون ~~الغالبة عليه، وجعلته آيتها في المقابلة بينه في طابعه المصري، وبين أصله ~~في طبيعة أرضه كائنة ما ms007 كانت؛ تغار على سحرها أن يكون إلا الأعلى. # وكانت مارية هذه مسيحية قوية الدين والعقل، اتخذها المقوقس كنيسة حية ~~لابنته، وهو كان واليا وبطريركا على مصر من قبل هرقل؛ وكان من عجائب صنع ~~الله أن الفتح الإسلامي جاء في عهده، فجعل الله قلب هذا الرجل مفتاح القفل ~~القبطي، فلم تكن أبوابهم تدافع إلا بمقدار ما تدفع، تقاتل شيئا من القتال ~~غير PageV01P016 # كبير، أما الأبواب الرومية فبقيت مستغلقة حصينة لا تذعن إلا للتحطيم، ~~ووراءها نحو مائة ألف رومي يقاتلون المعجزة الإسلامية التي جاءتهم من بلاد ~~العرب أول ما جاءت في أربعة آلاف رجل، ثم لم يزيدوا آخر ما زادوا على اثني ~~عشر ألفا. كان الروم مائة ألف مقاتل بأسلحتهم -ولم تكن المدافع معروفة- ~~ولكن روح الإسلام جعلت الجيش العربي كأنه اثنا عشر ألف مدفع بقنابلها، لا ~~يقاتلون بقوة الإنسان، بل بقوة الروح الدينية التي جعلها الإسلام مادة ~~منفجرة تشبه الديناميت قبل أن يعرف الديناميت! # ولما نزل عمرو بجيشه على بلبيس، جزعت مارية جزعا شديدا؛ إذ كان الروم قد ~~أرجفوا أن هؤلاء العرب قوم جياع ينفضهم الجدب على البلاد نفض الرمال على ~~الأعين في الريح العاصف؛ وأنهم جراد إنساني لا يغزو إلا لبطنه؛ وأنهم غلاظ ~~الأكباد كالإبل التي يمتطونها؛ وأن النساء عندهم كالدواب يرتبطن على خسف؛ ~~وأنهم لا عهد لهم ولا وفاء، ثقلت مطامعهم وخفت أمانتهم؛ وأن قائدهم عمرو بن ~~العاص كان جزارا في الجاهلية، فما تدعه روح الجزار ولا طبيعته؛ وقد جاء ~~بأربعة آلاف سالخ من أخلاط الناس وشذاذهم، لا أربعة آلاف مقاتل من جيش له ~~نظام الجيش! # وتوهمت مارية أوهامها، وكانت شاعرة قد درست هي وأرمانوسة أدب يونان ~~وفلسفتهم، وكان لها خيال مشبوب متوقد يشعرها كل عاطفة أكبر مما هي، ويضاعف ~~الأشياء في نفسها، وينزع إلى طبيعته المؤنثة، فيبالغ في تهويل الحزن خاصة، ~~ويجعل من بعض الألفاظ وقودا على الدم. # ومن ذلك استطير قلب مارية وأفزعتها الوساوس، فجعلت تندب نفسها, وصنعت في ~~ذلك شعرا هذه ترجمته: # جاءك أربعة آلاف جزار أيتها ms008 الشاة المسكينة! # ستذوق كل شعرة منك ألم الذبح قبل أن تذبحي! # جاءك أربعة آلاف خاطف أيتها العذراء المسكينة! # ستموتين أربعة آلاف ميتة قبل الموت! # قوني يا إلهي؛ لأغمد في صدري سكينا يرد عني الجزارين! # يا إلهي، قو هذه العذراء؛ لتتزوج الموت قبل أن يتزوجها العربي ... ! # وذهبت تتلو شعرها على أرمانوسة في صوت حزين يتوجع؛ فضحكت هذه # PageV01P017 # وقالت: أنت واهمة يا مارية؛ أنسيت أن أبي قد أهدى إلى نبيهم بنت ~~"أنصنا"1، فكانت عنده في مملكة بعضها السماء, وبعضها القلب؟ لقد أخبرني أبي ~~أنه بعث بها لتكشف له عن حقيقة هذا الدين وحقيقة هذا النبي؛ وأنها أنفذت ~~إليه دسيسا يعلمه أن هؤلاء المسلمين هم العقل الجديد الذي سيضع في العالم ~~تمييزه بين الحق والباطل، وأن نبيهم أطهر من السحابة في سمائها، وأنهم ~~جميعا ينبعثون من حدود دينهم وفضائله، لا من حدود أنفسهم وشهواتها؛ وإذا ~~سلوا السيف سلوه بقانون، وإذا أغمدوه أغمدوه بقانون. وقالت عن النساء: لأن ~~تخاف المرأة على عفتها من أبيها أقرب من أن تخاف عليها من أصحاب هذا النبي؛ ~~فإنهم جميعا في واجبات القلب وواجبات العقل، ويكاد الضمير الإسلامي في ~~الرجل منهم, يكون حاملا سلاحا يضرب صاحبه إذا هم بمخالفته. # وقال أبي: إنهم لا يغيرون على الأمم، ولا يحاربونها حرب الملك؛ وإنما تلك ~~طبيعة الحركة للشريعة الجديدة، تتقدم في الدنيا حاملة السلاح والأخلاق، ~~قوية في ظاهرها وباطنها، فمن وراء أسلحتهم أخلاقهم؛ وبذلك تكون أسلحتهم ~~نفسها ذات أخلاق! # وقال أبي لها: إن هذا الدين سيندفع بأخلاقه في العالم اندفاع العصارة ~~الحية في الشجرة الجرداء؛ طبيعة تعمل في طبيعة؛ فليس يمضي غير بعيد حتى ~~تخضر الدنيا وترمي ظلالها؛ وهو بذلك فوق السياسات التي تشبه في عملها ~~الظاهر الملفق ما يعد كطلاء الشجرة الميتة الجرداء بلون أخضر ... شتان بين ~~عمل وعمل، وإن كان لون يشبه لونا ... # فاستروحت مارية واطمأنت باطمئنان أرمانوسة، وقالت: فلا ضير علينا إذا ~~فتحوا البلد، ولا يكون ما نستضر به؟ # قالت أرمانوسة: لا ضير يا مارية، ولا يكون إلا ما ms009 نحب لأنفسنا؛ فالمسلمون ~~ليسوا كهؤلاء العلوج من الروم، يفهمون متاع الدنيا بفكرة الحرص عليه، ~~والحاجة إلى حلاله وحرامه، فهم القساة الغلاظ المستكلبون كالبهائم؛ ولكنهم ~~يفهمون متاع الدنيا بفكرة الاستغناء عنه والتمييز بين حلاله وحرامه، فهم ~~الإنسانيون الرحماء المتعففون. PageV01P018 # قالت مارية: وأبيك يا أرمانوسة، إن هذا لعجيب! فقد مات سقراط وأفلاطون ~~وأرسطو وغيرهم من الفلاسفة والحكماء، وما استطاعوا أن يؤدبوا بحكمتهم ~~وفلسفتهم إلا الكتب التي كتبوها ... ! فلم يخرجوا للدنيا جماعة تامة ~~الإنسانية، فضلا عن أمة كما وصفت أنت من أمر المسلمين؛ فكيف استطاع نبيهم ~~أن يخرج هذه الأمة وهم يقولون: إنه كان أميا؟ أفتسخر الحقيقة من كبار ~~الفلاسفة والحكماء وأهل السياسة والتدبير؛ فتدعهم يعملون عبثا أو كالعبث، ~~ثم تستسلم للرجل الأمي الذي لم يكتب ولم يقرأ ولم يدرس ولم يتعلم؟ # قالت أرمانوسة: إن العلماء بهيئة السماء وأجرامها وحساب أفلاكها، ليسوا ~~هم الذين يشقون الفجر ويطلعون الشمس؛ وأنا أرى أنه لا بد من أمة طبيعية ~~بفطرتها يكون عملها في الحياة إيجاد الأفكار العلمية الصحيحة التي يسير بها ~~العالم، وقد درست المسيح وعمله وزمنه، فكان طيلة عمره يحاول أن يوجد هذه ~~الأمة، غير أنه أوجدها مصغرة في نفسه وحوارييه، وكان عمله كالبدء في تحقيق ~~الشيء العسير؛ حسبه أن يثبت معنى الإمكان فيه. # وظهور الحقيقة من هذا الرجل الأمي هو تنبيه الحقيقة إلى نفسها؛ وبرهانها ~~القاطع أنها بذلك في مظهرها الإلهي. والعجيب يا مارية، أن هذا النبي قد ~~خذله قومه وناكروه وأجمعوا على خلافه، فكان في ذلك كالمسيح، غير أن المسيح ~~انتهى عند ذلك؛ أما هذا فقد ثبت ثبات الواقع حين يقع؛ لا يرتد ولا يتغير؛ ~~وهاجر من بلده، فكان ذلك أول خطا الحقيقة التي أعلنت أنها ستمشي في الدنيا، ~~وقد أخذت من يومئذ تمشي1. ولو كانت حقيقة المسيح قد جاءت للدنيا كلها لها ~~جرت به كذلك، فهذا فرق آخر بينهما. والفرق الثالث أن المسيح لم يأت إلا ~~بعبادة واحدة هي عبادة القلب، أما هذا الدين فعلمت من أبي أنه ثلاث عبادات ~~يشد بعضها ms010 بعضا: إحداها للأعضاء, والثانية للقلب، والثالثة للنفس؛ فعبادة ~~الأعضاء طهارتها واعتيادها الضبط؛ وعبادة القلب طهارته وحبه الخير؛ وعبادة ~~النفس طهارتها وبذلها في سبيل الإنسانية. وعند أبي أنهم بهذه الأخيرة ~~سيملكون الدنيا؛ فلن تقهر أمة عقيدتها أن الموت أوسع الجانبين وأسعدهما. # قالت مارية: إن هذا والله لسر إلهي يدل على نفسه؛ فمن طبيعة الإنسان ألا ~~تنبعث نفسه غير مبالية الحياة والموت إلا في أحوال قليلة، تكون طبيعة ~~الإنسان PageV01P019 # فيها عمياء؛ كالغضب الأعمى، والحب الأعمى، والتكبر الأعمى؛ فإذا كانت هذه ~~الأمة الإسلامية كما قلت منبعثة هذا الانبعاث، ليس فيها إلا الشعور ~~بذاتيتها العالية, فما بعد ذلك دليل على أن هذا الدين هو شعور الإنسان بسمو ~~ذاتيته، وهذه هي نهاية النهايات في الفلسفة والحكمة. # قالت أرمانوسة: وما بعد ذلك دليل على أنك تتهيئين أن تكوني مسلمة يا ~~مارية! # فاستضحكتا معا وقالت مارية: إنما ألقيت كلاما جاريتك فيه بحسبه، فأنا ~~وأنت كافرتان لا مسلمتان. # قال الراوي: وانهزم الروم عن بلبيس، وارتدوا إلى المقوقس في "منف"، وكان ~~وحي أرمانوسة في مارية مدة الحصار -وهي نحو الشهر- كأنه فكر سكن فكرا وتمدد ~~فيه؛ فقد مر ذلك الكلام بما في عقلها من حقائق النظر في الأدب والفلسفة، ~~فصنع ما يصنع المؤلف بكتاب ينقحه، وأنشأ لها أخيلة تجادلها وتدفعها إلى ~~التسليم بالصحيح لأنه صحيح، والمؤكد لأنه مؤكد. # ومن طبيعة الكلام إذا أثر في النفس، أن ينتظم في مثل الحقائق الصغيرة ~~التي تلقى للحفظ؛ فكان كلام أرمانوسة في عقل مارية هكذا: "المسيح بدء ~~وللبدء تكملة، ما من ذلك بد. لا تكون خدمة الإنسانية إلا بذات عالية لا ~~تبالي غير سموها. الأمة التي تبذل كل شيء وتستمسك بالحياة جبنا وحرصا لا ~~تأخذ شيئا، والتي تبذل أرواحها فقط تأخذ كل شيء". # وجعلت هذه الحقائق الإسلامية وأمثالها تعرب هذا العقل اليوناني؛ فلما ~~أراد عمرو بن العاص توجيه أرمانوسة إلى أبيها، وانتهى ذلك إلى مارية قالت ~~لها: لا يجمل بمن كانت مثلك في شرفها وعقلها أن تكون كالأخيذة، تتوجه حيث ~~يسار بها؛ والرأي أن ms011 تبدئي هذا القائد قبل أن يبدأك؛ فأرسلي إليه فأعلميه ~~أنك راجعة إلى أبيك، واسأليه أن يصحبك بعض رجاله؛ فتكوني الآمرة حتى في ~~الأسر، وتصنعي صنع بنات الملوك! # قالت أرمانوسة: فلا أجد لذلك خيرا منك في لسانك ودهائك؛ فاذهبي إليه من ~~قبلي، وسيصحبك الراهب "شطا"، وخذي معك كوكبة من فرساننا. # PageV01P020 # قالت مارية وهي تقص على سيدتها: لقد أديت إليه رسالتك فقال: كيف ظنها ~~بنا؟ قلت: ظنها بفعل رجل كريم يأمره اثنان: كرمه، ودينه. فقال: أبلغيها أن ~~نبينا -صلى الله عليه وسلم- قال: "استوصوا بالقبط خيرا؛ فإن لهم فيكم صهرا ~~وذمة" وأعلميها أننا لسنا على غارة نغيرها، بل على نفوس نغيرها. # قالت: فصفيه لي يا مارية. # قالت: كان آتيا في جماعة من فرسانه على خيولهم العراب، كأنها شياطين تحمل ~~شياطين من جنس آخر؛ فلما صار بحيث أتبينه أومأ إليه الترجمان -وهو "وردان" ~~مولاه- فنظرت، فإذا هو على فرس كميت أحم1 لم يخلص للأسود ولا للأحمر، طويل ~~العنق مشرف له ذؤابة أعلى ناصيته كطرة المرأة، ذيال يتبختر بفارسه ويحمحم ~~كأنه يريد أن يتكلم، مطهم ... # فقطعت أرمانوسة عليها وقالت: ما سألتك صفة جوده ... # قالت مارية: أما سلاحه ... # قالت: ولا سلاحه، صفيه كيف رأيته "هو"؟ # قالت: رأيته قصير القامة علامة قوة وصلابة، وافر الهامة علامة عقل ~~وإرادة، أدعج العينين ... # فضحكت أرمانوسة وقالت: علامة ماذا؟ # ... أبلج يشرق وجهه كأن فيه لألاء الذهب على الضوء، أيدا، اجتمعت فيه ~~القوة حتى لتكاد عيناه تأمران بنظرهما أمرا ... داهية كتب دهاؤه على جبهته ~~العريضة يجعل فيها معنى يأخذ من يراه, وكلما حاولت أن أتفرس في وجهه رأيت ~~وجهه لا يفسره إلا تكرر النظر إليه ... # وتضرجت وجنتاها، فكان ذلك حديثا بينها وبين عيني أرمانوسة ### | .... # وقالت هذه: كذلك كل لذة لا يفسرها للنفس إلا تكرارها ... # فغضت مارية من طرفها وقالت: هو والله ما وصفت، وإني ما ملأت عيني منه، ~~وقد كدت أنكر أنه إنسان لما اعتراني من هيبته. # قالت أرمانوسة: من هيبته أم عينيه الدعجاوين؟ PageV01P021 # ورجعت بنت المقوقس إلى أبيها في صحبة "قيس"، فلما ms012 كانوا في الطريق وجبت ~~الظهر، فنزل قيس يصلي بمن معه والفتاتان تنظران؛ فلما صاحوا: "الله أكبر ~~... " ارتعش قلب مارية، وسألت الراهب "شطا": ماذا يقولون؟ قال: إن هذه كلمة ~~يدخلون بها صلاتهم، كأنما يخاطبون بها الزمن أنهم الساعة في وقت ليس منه ~~ولا من دنياهم، وكأنهم يعلنون أنهم بين يدي من هو أكبر من الوجود؛ فإذا ~~أعلنوا انصرافهم عن الوقت ونزاع الوقت وشهوات الوقت، فذلك هو دخولهم في ~~الصلاة؛ كأنهم يمحون الدنيا من النفس ساعة أو بعض ساعة؛ ومحوها من أنفسهم ~~هو ارتفاعهم بأنفسهم عليها؛ انظري، ألا ترين هذه الكلمة قد سحرتهم سحرا فهم ~~لا يلتفتون في صلاتهم إلى شيء؛ وقد شملتهم السكينة، ورجعوا غير من كانوا، ~~وخشعوا خشوع أعظم الفلاسفة في تأملهم1؟ # قالت مارية: ما أجمل هذه الفطرة الفلسفية! لقد تعبت الكتب لتجعل أهل ~~الدنيا يستقرون ساعة في سكينة الله عليهم فما أفلحت، وجاءت الكنيسة فهولت ~~على المصلين بالزخارف والصور والتماثيل والألوان؛ لتوحي إلى نفوسهم ضربا من ~~الشعور بسكينة الجمال وتقديس المعنى الديني، وهي بذلك تحتال في نقلهم من ~~جوهم إلى جوها، فكانت كساقي الخمر؛ إن لم يعطك الخمر عجز عن إعطائك النشوة, ~~ومن ذا الذي يستطيع أن يحمل معه كنيسة على جواد أو حمار؟ # قالت أرمانوسة: نعم, إن الكنيسة كالحديقة؛ وهي حديقة في مكانها، وقلما ~~توحي شيئا إلا في موضعها؛ فالكنيسة هي الجدران الأربعة، أما هؤلاء فمعبدهم ~~بين جهات الأرض الأربع. # قال الراهب شطا: ولكن هؤلاء المسلمين متى فتحت عليهم الدنيا وافتتنوا بها ~~وانغمسوا فيها؛ فستكون هذه الصلاة بعينها ليس فيها صلاة يومئذ. # قالت مارية: وهل تفتح عليهم الدنيا, وهل لهم قواد كثيرون كعمرو؟ # قال: كيف لا تفتح الدنيا على قوم لا يحاربون الأمم, بل يحاربون ما فيها ~~من الظلم والكفر والرذيلة، وهم خارجون من الصحراء بطبيعة قوية كطبيعة الموج ~~في المد المرتفع؛ ليس في داخلها إلا أنفس مندفعة إلى الخارج عنها؛ ثم ~~يقاتلون بهذه الطبيعة أمما ليس في الداخل منها إلا النفوس المستعدة أن تهرب ~~إلى الداخل! PageV01P022 # قالت ms013 مارية: والله لكأننا ثلاثتنا على دين عمرو. # وانفتل قيس من الصلاة, وأقبل يترحل، فلما حاذى مارية كان عندها كأنما ~~سافر ورجع؛ وكانت ما تزال في أحلام قلبها؛ وكانت من الحلم في عالم أخذ ~~يتلاشى إلا من عمرو وما يتصل بعمرو. وفي هذه الحياة أحوال "ثلاث" يغيب فيها ~~الكون بحقائقه؛ فيغيب عن السكران، والمخبول، والنائم؛ وفيها حالة رابعة ~~يتلاشى فيها الكون إلا من حقيقة واحدة تتمثل في إنسان محبوب. # وقالت مارية للراهب شطا: سله: ما أربهم من هذه الحرب، وهل في سياستهم أن ~~يكون القائد الذي يفتح بلدا حاكما على هذا البلد؟ # قال قيس: حسبك أن تعلمي أن الرجل المسلم ليس إلا رجلا عاملا في تحقيق ~~كلمة الله، أما حظ نفسه فهو في غير هذه الدنيا. # وترجم الراهب كلامه هكذا: أما الفاتح فهو في الأكثر الحاكم المقيم، الحرب ~~فهي عندنا الفكرة وأما المصلحة تريد أن تضرب في الأرض وتعمل، وليس حظ النفس ~~شيئا يكون من الدنيا؛ وبهذا تكون النفس أكبر من غرائزها، وتنقلب معها ~~الدنيا برعونتها وحماقاتها وشهواتها كالطفل بين يدي رجل، فيهما قوة ضبطه ~~وتصريفه, ولو كان في عقيدتنا أن ثواب أعمالنا في الدنيا لانعكس الأمر. # قالت مارية: فسله: كيف يصنع "عمرو" بهذه القلة التي معه والروم لا يحصى ~~عددهم؛ فإذا أخفق "عمرو" فمن عسى أن يستبدلوه منه؟ وهل هو أكبر قوادهم، أو ~~فيهم أكبر منه؟ # قال الراوي: ولكن فرس قيس تمطر وأسرع في لحاق الخيل على المقدمة, كأنه ~~يقول: لسنا في هذا. وفتحت مصر صلحا بين عمرو والقبط، وولى الروم مصعدين إلى ~~الإسكندرية، وكانت مارية في ذلك تستقرئ أخبار الفاتح تطوف منها على أطلال ~~من شخص بعيد؛ وكان عمرو من نفسها كالمملكة الحصينة من فاتح لا يملك إلا حبه ~~أن يأخذها؛ وجعلت تذوي وشحب لونها وبدأت تنظر النظرة التائهة, وبان عليها ~~أثر الروح الظمأى؛ وحاطها اليأس بجوه الذي يحرق الدم؛ وبدت مجروحة المعاني؛ ~~إذ كان يتقاتل في نفسها الشعوران العدوان: شعور أنها عاشقة، وشعور أنها ~~يائسة! # PageV01P023 # ورقت لها أرمانوسة، ms014 وكانت هي أيضا تتعلق فتى رومانيا، فسهرتا ليلة تديران ~~الرأي في رسالة تحملها مارية من قبلها إلى عمرو كي تصل إليه، فإذا وصلت ~~بلغت بعينيها رسالة نفسها. # واستقر الأمر أن تكون المسألة عن مارية القبطية وخبرها ونسلها وما يتعلق ~~بها مما يطول الإخبار به إذا كان السؤال من امرأة عن امرأة. فلما أصبحتا ~~وقع إليها أن عمرا قد سار إلى الإسكندرية لقتال الروم، وشاع الخبر أنه لما ~~أمر بفسطاطه أن يقوض أصابوا يمامة قد باضت في أعلاه، فأخبروه فقال: "قد ~~تحرمت في جوارنا، أقروا الفسطاط حتى تطير فراخها" فأقروه! # ولم يمض غير طويل حتى قضت مارية نحبها، وحفظت عنها أرمانوسة هذا الشعر ~~الذي أسمته نشيد اليمامة: # على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها. # تركها الأمير تصنع الحياة، وذهب هو يصنع الموت! # هي كأسعد امرأة؛ ترى وتلمس أحلامها. # إن سعادة المرأة أولها وآخرها بعض حقائق صغيرة كهذا البيض. # على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها. # لو سئلت عن هذا البيض لقالت: هذا كنزي. # هي كأهنأ امرأة، ملكت ملكها من الحياة ولم تفتقر. # هل أكلف الوجود شيئا إذا كلفته رجلا واحدا أحبه! # على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها. # الشمس والقمر والنجوم، كلها أصغر في عينها من هذا البيض. # هي كأرق امرأة؛ عرفت الرقة مرتين: في الحب، والولادة. # هل أكلف الوجود شيئا كثيرا إذا أردت أن أكون كهذه اليمامة! # على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها. # تقول اليمامة: إن الوجود يحب أن يرى بلونين في عين الأنثى؛ # مرة حبيبا كبيرا في رجلها، ومرة حبيبا صغيرا في أولادها. # PageV01P024 # كل شيء خاضع لقانونه، والأنثى لا تريد أن تخضع إلا لقانونها. # أيتها اليمامة، لم تعرفي الأمير وترك لك فسطاطه! # هكذا الحظ: عدل مضاعف في ناحية، وظلم مضاعف في ناحية أخرى. # احمدي الله أيتها اليمامة، أن ليس عندكم لغات وأديان، # عندكم فقط: الحب والطبيعة والحياة. # على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها. # يمامة سعيدة، ستكون في التاريخ كهدهد سليمان. # نسب الهدهد إلى سليمان، وستنسب اليمامة إلى ms015 عمرو. # واها لك يا عمرو! ما ضر لو عرفت "اليمامة الأخرى"! # PageV01P025 ### | اجتلاء العيد # جاء يوم العيد، يوم الخروج من الزمن إلى زمن وحده لا يستمر أكثر من يوم. # زمن قصير ظريف ضاحك، تفرضه الأديان على الناس؛ ليكون لهم بين الحين ~~والحين يوم طبيعي في هذه الحياة التي انتقلت عن طبيعتها. # يوم السلام، والبشر, والضحك، والوفاء، والإخاء، وقول الإنسان للإنسان: ~~وأنتم بخير. # يوم الثياب الجديدة على الكل؛ إشعارا لهم بأن الوجه الإنساني جديد في هذا ~~اليوم. # يوم الزينة التي لا يراد منها إلا إظهار أثرها على النفس ليكون الناس ~~جميعا في يوم حب. # يوم العيد؛ يوم تقديم الحلوى إلى كل فم لتحلو الكلمات فيه. # يوم تعم فيه الناس ألفاظ الدعاء والتهنئة مرتفعة بقوة إلهية فوق منازعات ~~الحياة. # ذلك اليوم الذي ينظر فيه الإنسان إلى نفسه نظرة تلمح السعادة، وإلى أهله ~~نظرة تبصر الإعزاز، وإلى داره نظرة تدرك الجمال، وإلى الناس نظرة ترى ~~الصداقة. # ومن كل هذه النظرات تستوي له النظرة الجميلة إلى الحياة والعالم؛ فتبتهج ~~نفسه بالعالم والحياة. # وما أسماها نظرة تكشف للإنسان أن الكل جماله في الكل! # وخرجت أجتلي العيد في مظهره الحقيقي على هؤلاء الأطفال السعداء. # على هذه الوجوه النضرة التي كبرت فيها ابتسامات الرضاع فصارت ضحكات. # وهذه العيون الحالمة, الحالمة إذا بكت بكت بدموع لا ثقل لها. # وهذه الأفواه الصغيرة التي تنطق بأصوات لا تزال فيها نبرات الحنان من ~~تقليد لغة الأم. # PageV01P026 # وهذه الأجسام الغضة القريبة العهد بالضمات واللثمات فلا يزال حولها جو ~~القلب. # على هؤلاء الأطفال السعداء الذين لا يعرفون قياسا للزمن إلا بالسرور. # وكل منهم ملك في مملكة، وظرفهم هو أمرهم الملوكي. # هؤلاء المجتمعون في ثيابهم الجديدة المصبغة اجتماع قوس قزح في ألوانه. # ثياب عملت فيها المصانع والقلوب، فلا يتم جمالها إلا بأن يراها الأب ~~والأم على أطفالهما. # ثياب جديدة يلبسونها, فيكونون هم أنفسهم ثوبا جديدا على الدنيا. # هؤلاء السحرة الصغار الذين يخرجون لأنفسهم معنى الكنز الثمين من قرشين, ~~ويسحرون العيد فإذا هو يوم صغير مثلهم ms016 جاء يدعوهم إلى اللعب. # وينتبهون في هذا اليوم مع الفجر، فيبقى الفجر على قلوبهم إلى غروب الشمس. # ويلقون أنفسهم على العالم المنظور، فيبنون كل شيء على أحد المعنيين ~~الثابتين في نفس الطفل: الحب الخالص، واللهو الخالص. # ويبتعدون بطبيعتهم عن أكاذيب الحياة, فيكون هذا بعينه هو قربهم من ~~حقيقتها السعيدة. # هؤلاء الأطفال الذين هم السهولة قبل أن تتعقد. # والذين يرون العالم في أول ما ينمو الخيال ويتجاوز ويمتد. # يفتشون الأقدار من ظاهرها؛ ولا يستبطنون كيلا يتألموا بلا طائل. # ويأخذون من الأشياء لأنفسهم فيفرحون بها، ولا يأخذون من أنفسهم للأشياء ~~كيلا يوجدوا لها الهم. # قانعون يكتفون بالتمرة، ولا يحاولون اقتلاع الشجرة التي تحملها. # ويعرفون كنه الحقيقة، وهي أن العبرة بروح النعمة لا بمقدارها. # فيجدون من الفرح في تغيير ثوب للجسم، أكثر مما يجده القائد الفاتح في ~~تغيير ثوب للمملكة. # هؤلاء الحكماء الذين يشبه كل منهم آدم أول مجيئه إلى الدنيا، # PageV01P027 # حين لم تكن بين الأرض والسماء خليقة ثالثة معقدة من صنع الإنسان المتحضر. # حكمتهم العليا: أن الفكر السامي هو جعل السرور فكرا وإظهاره في العمل. # وشعرهم البديع: أن الجمال والحب ليسا في شيء إلا في تجميل النفس وإظهارها ~~عاشقة للفرح. # هؤلاء الفلاسفة الذين تقوم فلسفتهم على قاعدة عملية، وهي أن الأشياء ~~الكثيرة لا تكثر في النفس المطمئنة. # وبذلك تعيش النفس هادئة مستريحة كأن ليس في الدنيا إلا أشياؤها الميسرة. # أما النفوس المضطربة بأطماعها وشهواتها فهي التي تبتلى بهموم الكثرة ~~الخيالية، ومثلها في الهم مثل طفيلي مغفل يحزن لأنه لا يأكل في بطنين. # وإذا لم تكثر الأشياء الكثيرة في النفس، كثرت السعادة ولو من قلة. # فالطفل يقلب عينيه في نساء كثيرات، ولكن أمه هي أجملهن وإن كانت شوهاء. # فأمه وحدها هي هي أم قلبه، ثم لا معنى للكثرة في هذا القلب. # هذا هو السر؛ خذوه أيها الحكماء عن الطفل الصغير! # وتأملت الأطفال، وأثر العيد على نفوسهم، التي وسعت من البشاشة فوق ملئها؛ ~~فإذا لسان حالهم يقول للكبار: أيتها البهائم، اخلعي أرسانك ولو يوما. ms017 # أيها الناس، انطلقوا في الدنيا انطلاق الأطفال يوجدون حقيقتهم البريئة ~~الضاحكة، لا كما تصنعون إذ تنطلقون انطلاق الوحش يوجد حقيقته المفترسة. # أحرار حرية نشاط الكون ينبعث كالفوضى، ولكن في أدق النواميس. # يثيرون السخط بالضجيج والحركة، فيكونون مع الناس على خلاف؛ لأنهم على ~~وفاق مع الطبيعة. # وتحتدم بينهم المعارك، ولكن لا تتحطم فيها إلا اللعب. # أما الكبار فيصنعون المدفع الضخم من الحديد، للجسم اللين من العظم. # أيتها البهائم، اخلعي أرسانك ولو يوما. # لا يفرح أطفال الدار كفرحهم بطفل يولد؛ فهم يستقبلونه كأنه محتاج إلى ~~عقولهم الصغيرة. # PageV01P028 # ويملؤهم الشعور بالفرح الحقيقي الكامن في سر الخلق، لقربهم من هذا السر. # وكذلك تحمل السنة ثم تلد للأطفال يوم العيد؛ فيستقبلونه كأنه محتاج إلى ~~لهوهم الطبيعي، ويملؤهم الشعور بالفرح الحقيقي الكامن في سر العالم لقربهم ~~من هذا السر. # فيا أسفا علينا نحن الكبار! ما أبعدنا عن سر الخلق بآثام العمر! # وما أبعدنا عن سر العالم بهذه الشهوات الكافرة التي لا تؤمن إلا بالمادة! # يا أسفا علينا نحن الكبار! ما أبعدنا عن حقيقة الفرح! # تكاد آثامنا -والله- تجعل لنا في كل فرحة خجلة. # أيتها الرياض المنورة بأزهارها، # أيتها الطيور المغردة بألحانها، # أيتها الأشجار المصفقة بأغصانها، # أيتها النجوم المتلألئة بالنور الدائم، # أنت شتى؛ ولكنك جميعا في هؤلاء الأطفال يوم العيد! # PageV01P029 ### | المعنى السياسي في العيد # ما أشد حاجتنا نحن -المسلمين- إلى أن نفهم أعيادنا فهما جديدا، نتلقاها ~~به ونأخذها من ناحيته، فتجيء أياما سعيدة عاملة، تنبه فينا أوصافها القوية، ~~وتجدد نفوسنا بمعانيها، لا كما تجيء الآن كالحة عاطلة ممسوحة من المعنى، ~~أكبر عملها تجديد الثياب، وتحديد الفراغ، وزيادة ابتسامة على النفاق. # فالعيد إنما هو المعنى الذي يكون في اليوم لا اليوم نفسه، وكما يفهم ~~الناس هذا المعنى يتلقون هذا اليوم؛ وكان العيد في الإسلام هو عيد الفكرة ~~العابدة، فأصبح عيد الفكرة العابثة؛ وكانت عبادة الفكرة جمعها الأمة في ~~إرادة واحدة على حقيقة عملية، فأصبح عبث الفكرة جمعها الأمة على تقليد بغير ~~حقيقة؛ له مظهر المنفعة وليس له معناها. # كان العيد ms018 إثبات الأمة وجودها الروحاني في أجمل معانيه، فأصبح إثبات ~~الأمة وجودها الحيواني في أكثر معانيه؛ وكان يوم استرواح من جدها، فعاد يوم ~~استراحة الضعف من ذله؛ وكان يوم المبدأ، فرجع يوم المادة! # ليس العيد إلا إشعار هذه الأمة بأن فيها قوة تغيير الأيام، لا إشعارها ~~بأن الأيام تتغير؛ وليس العيد للأمة إلا يوما تعرض فيه جمال نظامها ~~الاجتماعي، فيكون يوم الشعور الواحد في نفوس الجميع، والكلمة الواحدة في ~~ألسنة الجميع؛ يوم الشعور بالقدرة على تغيير الأيام، لا القدرة على تغيير ~~الثياب, كأنما العيد هو استراحة الأسلحة يوما في شعبها الحربي. # وليس العيد إلا تعليم الأمة كيف تتسع روح الجوار وتمتد، حتى يرجع البلد ~~العظيم وكأنه لأهله دار واحدة يتحقق فيها الإخاء بمعناه العملي، وتظهر ~~فضيلة الإخلاص مستعلنة للجميع، ويهدي الناس بعضهم إلى بعض هدايا القلوب ~~المخلصة المحبة؛ وكأنما العيد هو إطلاق روح الأسرة الواحدة في الأمة كلها. # وليس العيد إلا إظهار الذاتية الجميلة للشعب مهزوزة من نشاط الحياة؛ وإلا # PageV01P030 # ذاتية للأمم الضعيفة؛ ولا نشاط للأمم المستعبدة. فالعيد صوت القوة يهتف ~~بالأمة: اخرجي يوم أفراحك، اخرجي يوما كأيام النصر! # وليس العيد إلا إبراز الكتلة الاجتماعية للأمة متميزة بطابعها الشعبي، ~~مفصولة من الأجانب، لابسة من عمل أيديها، معلنة بعيدها استقلالين في وجودها ~~وصناعتها، ظاهرة بقوتين في إيمانها وطبيعتها، مبتهجة بفرحين في دورها ~~وأسواقها؛ فكأن العيد يوم يفرح الشعب كله بخصائصه. # وليس العيد إلا التقاء الكبار والصغار في معنى الفرح بالحياة الناجحة ~~المتقدمة في طريقها، وترك الصغار يلقون درسهم الطبيعي في حماسة الفرح ~~والبهجة، ويعلمون كبارهم كيف توضع المعاني في بعض الألفاظ التي فرغت عندهم ~~من معانيها، ويبصرونهم كيف ينبغي أن تعمل الصفات الإنسانية في الجموع عمل ~~الحليف لحليفه، لا عمل المنابذ لمنابذه؛ فالعيد يوم تسلط العنصر الحي على ~~نفسية الشعب. # وليس العيد إلا تعليم الأمة كيف توجه بقوتها حركة الزمن إلى معنى واحد ~~كلما شاءت؛ فقد وضع لها الدين هذه القاعدة لتخرج عليها الأمثلة، فتجعل ~~للوطن عيدا ماليا اقتصاديا تبتسم فيه الدراهم ms019 بعضها إلى بعض، وتخترع ~~للصناعة عيدها، وتوجد للعلم عيده، وتبتدع للفن مجالي زينته، وبالجملة تنشئ ~~لنفسها أياما تعمل عمل القواد العسكريين في قيادة الشعب، يقوده كل يوم منها ~~إلى معنى من معاني النصر. # هذه المعاني السياسية القوية هي التي من أجلها فرض العيد ميراثا دهريا في ~~الإسلام، ليستخرج أهل كل زمن من معاني زمنهم فيضيفوا إلى المثال أمثلة مما ~~يبدعه نشاط الأمة، ويحققه خيالها، وتقتضيه مصالحها. # وما أحسب الجمعة قد فرضت على المسلمين عيدا أسبوعيا يشترط فيه الخطيب ~~والمنبر والمسجد الجامع, إلا تهيئة لذلك المعنى وإعدادا له؛ ففي كل سبعة ~~أيام مسلمة يوم يجيء فيشعر الناس معنى القائد الحربي للشعب كله. # ألا ليت المنابر الإسلامية لا يخطب عليها إلا رجال فيهم أرواح المدافع، ~~لا رجال في أيديهم سيوف من خشب1. PageV01P031 ### | الربيع # خرجت أشهد الطبيعة كيف تصبح كالمعشوق الجميل، لا يقدم لعاشقه إلا أسباب ~~حبه! # وكيف تكون كالحبيب، يزيد في الجسم حاسة لمس المعاني الجميلة! # وكنت كالقلب المهجور الحزين وجد السماء والأرض، ولم يجد فيهما سماءه ~~وأرضه. # ألا كم آلاف السنين وآلافها قد مضت منذ أخرج آدم من الجنة! # ومع ذلك, فالتاريخ يعيد نفسه في القلب؛ لا يحزن هذا القلب إلا شعر كأنه ~~طرد من الجنة لساعته. # يقف الشاعر بإزاء جمال الطبيعة، فلا يملك إلا أن يتدفق ويهتز ويطرب. # لأن السر الذي انبثق هنا في الأرض، يريد أن ينبثق هناك في النفس. # والشاعر نبي هذه الديانة الرقيقة التي من شريعتها إصلاح الناس بالجمال ~~والخير. # وكل حسن يلتمس النظرة الحية التي تراه جميلا لتعطيه معناه. # وبهذا تقف الطبيعة محتفلة أمام الشاعر، كوقوف المرأة الحسناء أمام ~~المصور. # لاحت لي الأزهار كأنها ألفاظ حب رقيقة مغشاة باستعارات ومجازات. # والنسيم حولها كثوب الحسناء على الحسناء، فيه تعبير من لابسته. # وكل زهرة كابتسامة، تحتها أسرار من معاني القلب المعقدة. # أهي لغة الضوء الملون من الشمس ذات الألوان السبعة؟ # أم لغة الضوء الملون من الخد؛ والشفة؛ والصدر؛ والنحر؛ والديباج؛ والحلى؟ # وماذا يفهم العشاق من رموز الطبيعة في ms020 هذه الأزاهر الجميلة؟ # أتشير لهم بالزهر إلى أن عمر اللذة قصير، كأنها تقول: على مقدار هذا؟ # PageV01P032 # أتعلمهم أن الفرق بين جميل وجميل، كالفرق بين اللون واللون، وبين الرائحة ~~والرائحة؟ # أتناجيهم بأن أيام الحب صور أيام لا حقائق أيام؟ # أم تقول الطبيعة: إن كل هذا؛ لأنك أيتها الحشرات لا تنخدعين إلا بكل ~~هذا1؟ # في الربيع تظهر ألوان الأرض على الأرض، وتظهر ألوان النفس على النفس. # ويصنع الماء صنعه في الطبيعة؛ فتخرج تهاويل النبات، ويصنع الدم صنعه ~~فيخرج تهاويل الأحلام, # ويكون الهواء كأنه من شفاه متحابة يتنفس بعضها على بعض، # ويعود كل شيء يلتمع؛ لأن الحياة كلها ينبض فيها عرق النور، # ويرجع كل حي يغني؛ لأن الحب يريد أن يرفع صوته. # وفي الربيع لا يضيء النور في الأعين وحدها، ولكن في القلوب أيضا. # ولا ينفذ الهواء إلى الصدور فقط، ولكن إلى عواطفها كذلك. # ويكون للشمس حرارتان إحداهما في الدم. # ويطغى فيضان الجمال كأنما يراد من الربيع تجربة منظر من مناظر الجنة في ~~الأرض. # والحيوان الأعجم نفسه تكون له لفتات عقلية فيها إدراك فلسفة السرور ~~والمرح. # وكانت الشمس في الشتاء كأنها صورة معلقة في السحاب. # وكان النهار كأنه يضيء بالقمر لا بالشمس. # وكان الهواء مع المطر كأنه مطر غير سائل. # وكانت الحياة تضع في أشياء كثيرة معنى عبوس الجو. # فلما جاء الربيع كان فرح جميع الأحياء بالشمس كفرح الأطفال, رجعت أمهم من ~~السفر. PageV01P033 # وينظر الشباب, فتظهر له الأرض شابة. # ويشعر أنه موجود في معاني الذات أكثر مما هو موجود في معاني العالم. # وتمتلئ له الدنيا بالأزهار، ومعاني الأزهار، ووحي الأزهار. # وتخرج له أشعة الشمس ربيعا, وأشعة قلبه ربيعا آخر. # ولا تنسى الحياة عجائزها، فربيعهم ضوء الشمس. # ما أعجب سر الحياة! كل شجرة في الربيع جمال هندسي مستقل. # ومهما قطعت منها وغيرت من شكلها أبرزتها الحياة في جمال هندسي جديد كأنك ~~أصلحتها. # ولو لم يبق منها إلا جذر حي أسرعت الحياة فجعلت له شكلا من غصون وأوراق. # الحياة الحياة, إذا أنت لم تفسدها جاءتك ms021 دائما هداياها. # وإذا آمنت لم تعد بمقدار نفسك، ولكن بمقدار القوة التي أنت بها مؤمن. # {فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيي الأرض} [الروم: 50] . # وانظر كيف يخلق في الطبيعة هذه المعاني التي تبهج كل حي، بالطريقة التي ~~يفهمها كل حي. # وانظر كيف يجعل في الأرض معنى السرور، وفي الجو معنى السعادة. # وانظر إلى الحشرة الصغيرة كيف تؤمن بالحياة التي تملؤها وتطمئن؟ # انظر انظر! أليس كل ذلك ردا على اليأس بكلمة: لا؟ # PageV01P034 ### | عرش الورد # *: # كانت جلوة العروس كأنها تصنيف من حلم، توافت عليه أخيلة السعادة فأبدعت ~~إبداعها فيه، حتى إذا اتسق وتم، نقلته السعادة إلى الحياة في يوم من أيامها ~~الفردة التي لا يتفق منها في العمر الطويل إلا العدد القليل، لتحقق للحي ~~وجود حياته بسحرها وجمالها، وتعطيه فيما ينسى ما لا ينسى. # خرج الحلم السعيد من تحت النوم إلى اليقظة، وبرز من الخيال إلى العين، ~~وتمثل قصيدة بارعة جعلت كل ما في المكان يحيا حياة الشعر؛ فالأنوار نساء، ~~والنساء أنوار، والأزهار أنوار ونساء، والموسيقى بين ذلك تتمم من كل شيء ~~معناه، والمكان وما فيه، وزن في وزن، ونغم في نغم، وسحر في سحر. # ورأيت كأنما سحرت قطعة من سماء الليل، فيها دارة القمر، وفيها نثرة من ~~النجوم الزهر، فنزلت فحلت في الدار، يتوضحن ويأتلقن من الجمال والشعاع، وفي ~~حسن كل منهم مادة فجر طالع، فكن نساء الجلوة وعروسها. # ورأيت كأنما سحر الربيع، فاجتمع في عرش أخضر، قد رصع بالورد الأحمر، ~~وأقيم في صدر البهو ليكون منصة للعروس، وقد نسقت الأزهار في سمائه وحواشيه ~~على نظمين: منهما مفصل ترى فيه بين الزهرتين من اللون الواحد زهرة تخالف ~~لونهما؛ ومنهما مكدس بعضه فوق بعض، من لون متشابه أو متقارب، فبدا كأنه عش ~~طائر ملكي من طيور الجنة أبدع في نسجه وترصيعه بأشجار سقى الكوثر أغصانها. # وقامت في أرض العرش تحت أقدام العروسين، ربوتان من أفانين الزهر المختلفة ~~ألوانه، يحملهما خمل من ناعم النسيج الأخضر على غصونه اللدن تتهافت من ~~رقتها ونعومتها. PageV01P035 # وعقد ms022 فوق هذا العرش تاج كبير من الورد النادر، كأنما نزع عن مفرق ملك ~~الزمن الربيعي؛ وتنظر إليه يسطع في النور بجماله الساحر، سطوعا يخيل إليك ~~أن أشعة من الشمس التي ربت هذا الورد لا تزال عالقة به، وتراه يزدهي جلالا، ~~كأنما أدرك أنه في موضعه رمز مملكة إنسانية جديدة، تألفت من عروسين كريمين, ~~ولاح لي مرارا أن التاج يضحك ويستحي ويتدلل، كأنما عرف أنه وحده بين هذه ~~الوجوه الحسان يمثل وجه الورد. # ونص على العرش كرسيان يتوهج لون الذهب فوقهما، ويكسوهما طراز أخضر تلمع ~~نضارته بشرا، حتى لتحسب أنه هو أيضا قد نالته من هذه القلوب الفرحة لمسة من ~~فرحها الحي. # وتدلت على العرش قلائد المصابيح، كأنها لؤلؤ تخلق في السماء لا في البحر، ~~فجاء من النور لا من الدر؛ وجاء نورا من خاصته أنه متى استضاء في جو العروس ~~أضاء الجو والقلوب جميعا. # وأتى العروسان إلى عرش الورد، فجلسا جلسة كوكبين حدودهما النور والصفاء؛ ~~وأقبلت العذارى يتخطرن في الحرير الأبيض كأنه من نور الصبح، ثم وقفن حافات ~~حول العرش، حاملات في أيديهن طاقات من الزنبق، تراها عطرة بيضاء ناضرة ~~حيية، كأنها عذارى مع عذارى، وكأنما يحملن في أيديهن من هذا الزنبق الغض ~~معاني قلوبهن الطاهرة؛ هذه القلوب التي كانت مع المصابيح مصابيح أخرى فيها ~~نورها الضاحك. # واقتعدت درج العرش تحت ربوتي الزهر ودون أقدام العروسين, طفلة صغيرة ~~كالزهرة البيضاء تحمل طفولتها، فكانت من العرش كله كالماسة المدلاة من ~~واسطة العقد، وجعلت بوجهها للزهر كله تماما وجمالا، حتى ليظهر من دونها ~~كأنه غضبان منزو لا يريد أن يرى. # وكان ينبعث من عينيها فيما حولها تيار من أحلام الطفولة جعل المكان بمن ~~فيه كأن له روح طفل بغتته مسرة جديدة. # وكانت جالسة جلسة شعر تمثل الحياة الهنيئة المبتكرة لساعتها ليس لها ماض ~~في دنيانا. # ولو أن مبدعا افتن في صنع تمثال للنية الطاهرة، وجيء به في مكانها، وأخذت ~~هي في مكانه لتشابها وتشاكل الأمر. # PageV01P036 # وكان وجودها على العرش دعوة للملائكة أن ms023 تحضر الزفاف وتباركه. # وكانت بصغرها الظريف الجميل تعطي لكل شيء تماما، فيرى أكبر مما هو، وأكثر ~~مما هو في حقيقته. كانت النقطة التي استعلنت في مركز الدائرة، ظهورها على ~~صغرها هو ظهور الإحكام والوزن والانسجام في المحيط كله. # لا يكون السرور دائما إلا جديدا على النفس، ولا سرور للنفس إلا من جديد ~~على حالة من أحوالها؛ فلو لم يكن في كل دينار قوة جديدة غير التي في مثله ~~لما سر بالمال أحد، ولا كان له الخطر الذي هو له؛ ولو لم يكن لكل طعام جوع ~~يورده جديدا على المعدة لما هنأ ولا مرأ؛ ولو لم يكن الليل بعد نهار، ~~والنهار بعد ليل، والفصول كلها نقيضا على نقيضه، وشيئا مختلفا -على شيء ~~مختلف- لما كان في السماء والأرض جمال، ولا منظر جمال، ولا إحساس بهما؛ ~~والطبيعة التي لا تفلح في جعلك معها طفلا تكون جديدا على نفسك, لن تفلح في ~~جعلك مسرورا بها لتكون هي جديدة عليك. # وعرش الورد كان جديدا عند نفسي على نفسي، وفي عاطفتي على عاطفتي، ومن ~~أيامي على أيامي؛ نزل صباح يومه في قلبي بروح الشمس، وجاء مساء ليلته لقلبي ~~بروح القمر؛ وكنت عنده كالسماء أتلألأ بأفكاري كما تتلألأ بنجومها؛ وقد ~~جعلتني أمتد بسروري في هذه الطبيعة كلها، إذ قدرت على أن أعيش يوما في ~~نفسي؛ ورأيت وأنا في نفسي أن الفرح هو سر الطبيعة كلها، وأن كل ما خلق الله ~~جمال في جمال، فإنه تعالى نور السموات والأرض، وما يجيء الظلام مع نوره، ~~ولا يجيء الشر مع أفراح الطبيعة إلا من محاولة الفكر الإنساني خلق أوهامه ~~في الحياة، وإخراجه النفس من طبائعها، حتى أصبح الإنسان كأنما يعيش بنفس ~~يحاول أن يصنعها صناعة، فلا يصنع إلا أن يزيغ بالنفس التي فطرها الله. # يا عجبا! ينفر الإنسان من كلمات الاستعباد، والضعة، والذلة، والبؤس، ~~والهم، وأمثالها، وينكرها ويردها، وهو مع ذلك لا يبحث لنفسه في الحياة إلا ~~عن معانيها. # إن يوما كيوم عرش الورد لا يكون من أربع وعشرين ساعة، ms024 بل من أربعة وعشرين ~~فرحا؛ لأنه من الأيام التي تجعل الوقت يتقدم في القلب لا في الزمن، ويكون ~~بالعواطف لا بالساعات، ويتواتر على النفس بجديدها لا بقديمها. # PageV01P037 # كان الشباب في موكب نصره، وكانت الحياة في ساعة صلح مع القلوب، حتى اللغة ~~نفسها لم تكن تلقي كلماتها إلا ممتلئة بالطرب والضحك والسعادة، آتية من هذه ~~المعاني دون غيرها، مصورة على الوجوه إحساسها ونوازعها، وكل ذلك سحر عرش ~~الورد، تلك الحديقة الساحرة المسحورة، التي كانت النسمات تأتي من الجو ~~ترفرف حولها متحيرة كأنما تتساءل: أهذه حديقة خلقت بطيور إنسانية؛ أم هي ~~شجرة ورد من الجنة بمن يتفيأن ظلها ويتنسمن شذاها من الحور؛ أم ذاك منبع ~~وردي عطري نوراني لحياة هذه الملكة الجالسة على العرش! # يا نسمات الليل الصافية صفاء الخير، أسأل الله أن تنبع هذه الحياة ~~المقبلة في جمالها وأثرها وبركتها من مثل الورد المبهج، والعطر المنعش، ~~والضوء المحيي؛ فإن هذه العروس المعتلية عرش الورد: # هي ابنتي. # PageV01P038 ### | أيها البحر # *! # إذا احتدم الصيف، جعلت أنت أيها البحر1 للزمن فصلا جديدا يسمى "الربيع ~~المائي". # وتنتقل إلى أيامك أرواح الحدائق، فتنبت في الزمن بعض الساعات الشهية ~~كأنها الثمر الحلو الناضج على شجره. # ويوحي لونك الأزرق إلى النفوس ما كان يوحيه لون الربيع الأخضر، إلا أنه ~~أرق وألطف. # ويرى الشعراء في ساحلك مثل ما يرون في أرض الربيع، أنوثة طاهرة، غير أنها ~~تلد المعاني لا النبات. # ويحس العشاق عندي ما يحسونه في الربيع: أن الهواء يتأوه. # في الربيع، يتحرك في الدم البشري سر هذه الأرض؛ وعند "الربيع المائي" ~~يتحرك في الدم سر هذه السحب. # نوعان من الخمر في هواء الربيع وهواء البحر، يكون منهما سكر واحد من ~~الطرب. # وبالربيعين الأخضر والأزرق ينفتح بابان للعالم السحري العجيب؛ عالم ~~الجمال الأرضي الذي تدخله الروح الإنسانية كما يدخل القلب المحب في شعاع ~~ابتسامة ومعناها. # في "الربيع المائي" يجلس المرء, وكأنه جالس في سحابة لا في الأرض. # ويشعر كأنه لابس ثيابا من الظل لا من القماش؛ ويجد الهواء قد تنزه ms025 عن أن ~~يكون هواء التراب. PageV01P039 # وتخف على نفسه الأشياء، كأن بعض المعاني الأرضية انتزعت من المادة. وهنا ~~يدرك الحقيقة: أن السرور إن هو إلا تنبه معاني الطبيعة في القلب. # وللشمس هنا معنى جديد ليس لها هناك في "دنيا الرزق". # تشرق الشمس هنا على الجسم؛ أما هناك فكأنما تطلع وتغرب على الأعمال التي ~~يعمل الجسم فيها. # تطلع هناك على ديوان الموظف لا الموظف، وعلى حانوت التاجر لا التاجر، ~~وعلى مصنع العامل، ومدرسة التلميذ، ودار المرأة. # تطلع الشمس هناك بالنور، ولكن الناس -وا أسفاه- يكونون في ساعاتهم ~~المظلمة. # الشمس هنا جديدة، تثبت أن الجديد في الطبيعة هو الجديد في كيفية شعور ~~النفس به. # والقمر زاه رفاف من الحسن؛ كأنه اغتسل وخرج من البحر. # أو كأنه ليس قمرا، بل هو فجر طلع في أوائل الليل؛ فحصرته السماء في مكانه ~~ليستمر الليل. # فجر لا يوقظ العيون من أحلامها، ولكنه يوقظ الأرواح لأحلامها. # ويلقي من سحره على النجوم فلا تظهر حوله إلا مستبهمة كأنها أحلام معلقة. # للقمر هنا طريقة في إبهاج النفس الشاعرة، كطريقة الوجه المعشوق حين تقبله ~~أول مرة. # و"للربيع المائي" طيوره المغردة وفراشه المتنقل. # أما الطيور فنساء يتضاحكن، وأما الفراش فأطفال يتواثبون. # نساء إذا انغمسن في البحر، خيل إلي أن الأمواج تتشاحن وتتخاصم على بعضهن. # رأيت منهن زهراء فاتنة قد جلست على الرمل جلسة حواء قبل اختراع الثياب، ~~فقال البحر: يا إلهي! قد انتقل معنى الغرق إلى الشاطئ. # إن الغريق من غرق في موجة الرمل هذه. # والأطفال يلعبون ويصرخون ويضجون كأنما اتسعت لهم الحياة والدنيا. # PageV01P040 # وخيل إليهم أنهم أقلقوا البحر كما يقلقون الدار، فصاح بهم: ويحكم يا ~~أسماك التراب! ورأيت طفلا منهم قد جاء فوكز البحر برجله! فضحك البحر وقال: ~~انظروا يا بني آدم!! # أعلى الله أن يعبأ بالمغرور منكم إذا كفر به؟ أعلي أن أعبأ بهذا الطفل ~~كيلا يقول: إنه ركلني برجله؟ # أيها البحر، قد ملأتك قوة الله لتثبت فراغ الأرض لأهل الأرض. # ليس فيك ممالك ولا حدود، وليس عليك سلطان لهذا الإنسان ms026 المغرور. # وتجيش بالناس وبالسفن العظيمة، كأنك تحمل من هؤلاء وهؤلاء قشا ترمي به. # والاختراع الإنساني مهما عظم لا يغني الإنسان فيك عن إيمانه. # وأنت تملأ ثلاثة أرباع الأرض بالعظمة والهول، ردا على عظمة الإنسان وهوله ~~في الربع الباقي؛ ما أعظم الإنسان وأصغره! # ينزل في الناس ماؤك فيتساوون حتى لا يختلف ظاهر عن ظاهر. # ويركبون ظهرك في السفن فيحن بعضهم إلى بعض حتى لا يختلف باطن عن باطن. # تشعرهم جميعا أنهم خرجوا من الكرة الأرضية ومن أحكامها الباطلة. # وتفقرهم إلى الحب والصداقة فقرأ يريهم النجوم نفسها كأنها أصدقاء، إذ ~~عرفوها في الأرض. # يا سحر الخوف، أنت أنت في اللجة كما أنت أنت في جهنم. # وإذا ركبك الملحد أيها البحر، فرجفت من تحته، وهدرت عليه وثرت به، وأريته ~~رأي العين كأنه بين سماءين ستنطبق إحداهما على الأخرى, فتقفلان عليه, تركته ~~يتطأطأ ويتواضع، كأنك تهزه وتهز أفكاره معا، وتدحرجه وتدحرجها. # وأطرت كل ما في عقله, فيلجأ إلى الله بعقل طفل. # وكشفت له عن الحقيقة: أن نسيان الله ليس عمل العقل، ولكنه عمل الغفلة ~~والأمن وطول السلامة. # PageV01P041 # ألا ما أشبه الإنسان في الحياة بالسفينة في أمواج هذا البحر! # إن ارتفعت السفينة، أو انخفضت، أو مادت، فليس ذلك منها وحدها، بل مما ~~حولها. # ولن تستطيع هذه السفينة أن تملك من قانون ما حولها شيئا، ولكن قانونها هي ~~الثبات، والتوازن، والاهتداء إلى قصدها، ونجاتها في قانونها. # فلا يعتبن الإنسان على الدنيا وأحكامها، ولكن فليجتهد أن يحكم نفسه. # PageV01P042 ### | في الربيع الأزرق *: خواطر مرسلة # 1 # ما أجمل الأرض على حاشية الأزرقين: البحر والسماء؛ يكاد الجالس هنا يظن ~~نفسه مرسوما في صورة إلهية. # نظرت إلى هذا البحر العظيم بعيني طفل يتخيل أن البحر قد ملئ بالأمس، وأن ~~السماء كانت إناء له، فانكفأ الإناء فاندفق البحر، وتسرحت مع هذا الخيال ~~الطفلي الصغير فكأنما نالني رشاش من الإناء. # إننا لن ندرك روعة الجمال في الطبيعة إلا إذا كانت النفس قريبة من ~~طفولتها، ومرح الطفولة، ولعبها، وهذيانها. # تبدو لك السماء على البحر ms027 أعظم مما هي، كما لو كنت تنظر إليها من سماء ~~أخرى لا من الأرض. # إذا أنا سافرت فجئت إلى البحر، أو نزلت بالصحراء، أو حللت بالجبل، شعرت ~~أول وهلة من دهشة السرور بما كنت أشعر بمثله لو أن الجبل أو الصحراء أو ~~البحر قد سافرت هي وجاءت إلي. # في جمال النفس يكون كل شيء جميلا، إذ تلقي النفس عليه من ألوانها, فتنقلب ~~الدار الصغيرة قصرا لأنها في سعة النفس لا في مساحتها هي، وتعرف لنور ~~النهار عذوبة كعذوبة الماء على الظمأ، ويظهر الليل كأنه معرض جواهر أقيم ~~للحور PageV01P043 # العين في السموات، ويبدو الفجر بألوانه وأنواره ونسماته كأنه جنة سابحة ~~في الهواء. # في جمال النفس ترى الجمال ضرورة من ضرورات الخليقة؛ ويكأن الله أمر ~~العالم ألا يعبس للقلب المبتسم. # أيام المصيف هي الأيام التي ينطلق فيها الإنسان الطبيعي المحبوس في ~~الإنسان؛ فيرتد إلى دهره الأول، دهر الغابات والبحار والجبال. # إن لم تكن أيام المصيف بمثل هذا المعنى، لم يكن فيها معنى. # ليست اللذة في الراحة ولا الفراغ، ولكنها في التعب والكدح والمشقة حين ~~تتحول أياما إلى راحة وفراغ. # لا تتم فائدة الانتقال من بلد إلى بلد إلا إذا انتقلت النفس من شعور إلى ~~شعور؛ فإذا سافر معك الهم فأنت مقيم لم تبرح. # الحياة في المصيف تثبت للإنسان أنها إنما تكون حيث لا يحفل بها كثيرا. # يشعر المرء في المدن أنه بين آثار الإنسان وأعماله، فهو في روح العناء ~~والكدح والنزاع؛ أما في الطبيعة فيحس أنه بين الجمال والعجائب الإلهية، فهو ~~هنا في روح اللذة والسرور والجلال. # إذا كنت في أيام الطبيعة فاجعل فكرك خاليا وفرغه للنبت والشجر، والحجر ~~والمدر، والطير والحيوان، والزهر والعشب، والماء والسماء، ونور النهار ~~وظلام الليل، حينئذ يفتح العالم بابه ويقول: ادخل. # لطف الجمال صورة أخرى من عظمة الجمال؛ عرفت ذلك حينما أبصرت قطرة من ~~الماء تلمع في غصن، فخيل إلي أن لها عظمة البحر لو صغر فعلق على ورقة. # في لحظة من لحظات الجسد الروحانية حين يفور ms028 شعر الجمال في الدم، # PageV01P044 # أطلت النظر إلى وردة في غصنها زاهية عطرة، متأنقة، متأنثة؛ فكدت أقول ~~لها: أنت أيتها المرأة، أنت يا فلانة. # أليس عجيبا أن كل إنسان يرى في الأرض بعض الأمكنة كأنها أمكنة للروح ~~خاصة؛ فهل يدل هذا على شيء إلا أن خيال الجنة منذ آدم وحواء، لا يزال يعمل ~~في النفس الإنسانية؟ # الحياة في المدينة كشرب الماء في كوب من الخزف؛ والحياة في الطبيعة كشرب ~~الماء في كوب من البلور الساطع؛ ذاك يحتوي الماء وهذا يحتويه ويبدي جماله ~~للعين. # وا أسفاه، هذه هي الحقيقة: إن دقة الفهم للحياة تفسدها على صاحبها كدقة ~~الفهم للحب، وإن العقل الصغير في فهمه للحب والحياة، هو العقل الكامل في ~~التذاذه بهما. وا أسفاه، هذه هي الحقيقة! # في هذه الأيام الطبيعية التي يجعلها المصيف أيام سرور ونسيان، يشعر كل ~~إنسان أنه يستطيع أن يقول للدنيا كلمة هزل ودعابة. # من لم يرزق الفكر العاشق لم ير أشياء الطبيعة إلا في أسمائها وشياتها، ~~دون حقائقها ومعانيها، كالرجل إذا لم يعشق رأى النساء كلهن سواء، فإذا عشق ~~رأى فيهن نساء غير من عرف، وأصبحن عنده أدلة على صفات الجمال الذي في قلبه. # تقوم دنيا الرزق بما تحتاجه الحياة، أما دنيا المصيف فقائمة بما تلذه ~~الحياة، وهذا هو الذي يغير الطبيعة ويجعل الجو نفسه هناك جو مائدة ظرفاء ~~وظريفات. # تعمل أيام المصيف بعد انقضائها عملا كبيرا، هو إدخال بعض الشعر في حقائق ~~الحياة. # PageV01P045 # هذه السماء فوقنا في كل مكان، غير أن العجيب أن أكثر الناس يرحلون إلى ~~المصايف ليروا أشياء, منها السماء. # إذا استقبلت العالم بالنفس الواسعة رأيت حقائق السرور تزيد وتتسع، وحقائق ~~الهموم تصغر وتضيق، وأدركت أن دنياك إن ضاقت فأنت الضيق لا هي. # في الساعة التاسعة أذهب إلى عملي، وفي العاشرة أعمل كيت، وفي الحادية ~~عشرة أعمل كيت وكيت؛ وهنا في المصيف تفقد التاسعة وأخواتها معانيها الزمنية ~~التي كانت تضعها الأيام فيها، وتستبدل منها المعاني التي تضعها فيها النفس ~~الحرة. # هذه هي الطريقة التي ms029 تصنع بها السعادة أحيانا، وهي طريقة لا يقدر عليها ~~أحد في الدنيا كصغار الأطفال. # إذا تلاقى الناس في مكان على حالة متشابهة من السرور وتوهمه والفكرة فيه، ~~وكان هذا المكان معدا بطبيعته الجميلة لنسيان الحياة ومكارهها, فتلك هي ~~الرواية وممثلوها ومسرحها1، أما الموضوع فالسخرية من إنسان المدينة ومدنية ~~الإنسان. # ما أصدق ما قالوه: إن المرئي في الرائي. مرضت مدة في المصيف، فانقلبت ~~الطبيعة العروس التي كانت تتزين كل يوم إلى طبيعة عجوز تذهب كل يوم إلى ~~الطبيب. PageV01P046 ### | حديث قطين: # جاء في امتحان شهادة إتمام الدراسة الابتدائية لهذا العام "1934" في ~~موضوع الإنشاء ما يأتي: # "تقابل قطان: أحدهما سمين تبدو عليه آثار النعمة، والآخر نحيف يدل منظره ~~على سوء حاله؛ فماذا يقولان إذا حدث كل منهما صاحبه عن معيشته؟ ". # وقد حار التلاميذ الصغار فيما يضعون على لسان القطين، ولم يعرفوا كيف ~~يوجهون الكلام بينهما، وإلى أي غاية ينصرف القول في محاورتهما؛ وضاقوا ~~جميعا وهم أطفال, أن تكون في رءوسهم عقول السنانير؛ وأعياهم أن تنزل ~~غرائزهم الطيبة في هذه المنزلة من البهيمية ومن عيشها خاصة، فيكتنهوا تدبير ~~هذه القطاط لحياتها، وينفذوا إلى طبائعها، ويندمجوا في جلودها، ويأكلوا ~~بأنيابها، ويمزقوا بمخالبها. # قال بعضهم: وسخطنا على أساتذتنا أشد السخط، وعبناهم بأقبح العيب؛ كيف لم ~~يعلمونا من قبل أن نكون حميرا، وخيلا، وبغالا، وثيرانا، وقردة، وخنازير، ~~وفئرانا، وقططة، وما هب ودب، وما طار ودرج، وما مشى وانساح؛ وكيف -ويحهم- ~~لم يلقنونا مع العربية والإنجليزية لغات النهيق، والصهيل، والشحيج، ~~والخوار، وضحك القرد، وقباع الخنزير، وكيف نصيء ونموء، ونلغط لغط الطير، ~~ونفح فحيح الأفعى، ونكش كشيش الدبابات1، إلى ما يتم به هذا العلم اللغوي ~~الجليل، الذي تقوم به بلاغة البهائم والطير والحشرات والهمج أشباهها؟ # وقال تلميذ خبيث لأستاذه: أما أنا فأوجزت وأعجزت. قال أستاذه: أجدت ~~وأحسنت، ولله أنت! وتالله لقد أصبت! فماذا كتبت؟ قال: كتبت هكذا: # يقول السمين: ناو، ناو، ناو, فيقول النحيف: نو، ناو, نو, فيرد عليه ~~PageV01P047 # السمين: نو، ناو، ناو, فيغضب النحيف ويكشر عن أسنانه، ويحرك ذيله ms030 ويصيح: ~~نو، نو, نو؛ فيلطمه السمين فيخدشه ويصرخ: ناو, فيثب عليه النحيف ويصطرعان، ~~وتختلط "النونوة" لا يمتاز صوت من صوت، ولا يبين معنى من معنى، ولا يمكن ~~الفهم عنهما في هذه الحالة إلا بتعب شديد، بعد مراجعة قاموس القطاط! # قال الأستاذ: يا بني، بارك الله عليك! لقد أبدعت الفن إبداعا، فصنعت ما ~~يصنع أكبر النوابغ، يظهر فنه بإظهار الطبيعة وإخفاء نفسه، وما ينطق القط ~~بلغتنا إلا معجزة لنبي، ولا نبي بعد محمد -صلى الله عليه وسلم- فلا سبيل ~~إلا ما حكيت ووصفت، وهو مذهب الواقع، والواقع هو الجديد في الأدب؛ ولقد ~~أرادوك تلميذا هرا، فكنت في إجابتك هرا أستاذا، ووافقت السنانير وخالفت ~~الناس، وحققت للممتحنين أرقى نظريات الفن العالي، فإن هذا الفن إنما هو في ~~طريقة الموضوع الفنية، لا في تلفيق المواد لهذا الموضوع من هنا وهناك، ولو ~~حفظوا حرمة الأدب ورعوا عهد الفن لأدركوا أن في أسطرك القليلة كلاما طويلا ~~بارعا في النادرة والتهكم، وغرابة العبقرية، وجمالها وصدقها، وحسن تناولها، ~~وإحكام تأديتها لما تؤدي1؛ ولكن ما الفرق يا بني بين "ناو" بالمد، و"نو" ~~بغير مد؟ قال التلميذ: هذا عند السنانير كالإشارات التلغرافية: شرطة ونقطة ~~وهكذا. # قال: يا بني، ولكن وزارة المعارف لا تقر هذا ولا تعرفه، وإنما يكون ~~المصحح أستاذا لا هرا, والامتحان كتابي لا شفوي. # قال الخبيث: وأنا لم أكن هرا بل كنت إنسانا، ولكن الموضوع حديث قطين، ~~والحكم في مثل هذا لأهله القائمين به, لا المتكلفين له، المتطفلين عليه؛ ~~فإن هم خالفوني قلت لهم: اسألوا القطاط؛ أو لا فليأتوا بالقطين: السمين ~~والنحيف، فليجمعوا بينهما، وليحرشوهما، ثم ليحضروا الرقباء هذا الامتحان، ~~وليكتبوا عنهما ما يسمعونه، وليصفوا منهما ما يرونه، فوالذي خلق السنانير ~~والتلاميذ والممتحنين والمصححين جميعا, ما يزيد الهران على "نو، وناو"، ولا ~~يكون القول بينهما إلا من هذا، ولا يقع إلا ما وصفت، وما بد من المهارشة ~~والمواثبة بما في طبيعة القوي والضعيف، ثم فرار الضعيف مهزوما، وينتهي ~~الامتحان! PageV01P048 # إن مثل هذا الموضوع يشبه تكليف الطالب الصغير خلق ms031 هرتين لا الحديث عنهما؛ ~~فإن إجادة الإنشاء في مثل هذا الباب ألوهية عقلية تخلق خلقها السوي الجميل ~~نابضا حيا، كأنما وضعت في الكلام قلب هر، أو جاءت بالهر له قلب من الكلام ~~وأين هذا من الأطفال في الحادية عشرة والثانية عشرة وما حولهما؛ وكيف لهم ~~في هذه السن أن يمتزجوا بدقائق الوجود، ويداخلوا أسرار الخليقة، ويصبحوا مع ~~كل شيء رهنا بعلله، وعند كل حقيقة موقوفين على أسبابها؟ وقد قيل لهم من قبل ~~في السنوات الخالية: "كن زهرة وصف, واجعل نفسك حبة قمح وقل". وإنما هذا ~~ونحوه غاية من أبعد غايات النبوة أو الحكمة؛ إذ النبي تعبير إلهي تتخذه ~~الحقيقة الكاملة لتنطق به كلمتها التي تسمى الشريعة، والحكيم وجه آخر من ~~التعبير، تتخذه تلك الحقيقة لتلقي منه الكلمة التي تسمى الفن. # وقد كان في القديم امتحان مثل هذا، لم ينجح فيه إلا واحد فقط من آلاف ~~كثيرة؛ وكان الممتحن هو الله جل جلاله؛ والموضوع حديث النملة مع النمل، ~~والناجح سليمان -عليه السلام: # {قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم ~~لا يشعرون، فتبسم ضاحكا من قولها} [النمل: 18، 19] . # إن الكون كله مستقر بمعانيه الرمزية في النفس الكاملة؛ إذ كانت الروح في ~~ذاتها نورا، وكان سر كل شيء هو من النور، والشعاع يجري في الشعاع كما يجري ~~الماء في الماء، وفي امتزاج الأشعة من النفس والمادة تجاوب روحاني هو بذاته ~~تعبير في البصيرة وإدراك في الذهن، وهو أساس الفن على اختلاف أنواعه: في ~~الكلمة والصورة، والمثال والنغمة؛ أي: الكتابة والشعر والتصوير والحفر ~~والموسيقى. # ومن ذلك لا يكون البيان العالي أتم إشراقا إلا بتمام النفس البليغة في ~~فضيلتها أو رذيلتها على السواء؛ فإن من عجائب السخرية بهذا الإنسان أن يكون ~~تمام الرذيلة في أثره على العمل الفني، هو الوجه الآخر لتمام الفضيلة في ~~أثره على هذا العمل؛ والنقطة التي ينتهي فيها العلو من محيط الدائرة هي ~~بعينها التي يبدأ منها الانحدار إلى السفل؛ ومن ثم كانت الفنون لا تعتبر ~~بالأخلاق، ms032 حتى قال علماؤنا: إن الدين عن الشعر بمعزل. فالأصل هناك سمو ~~التعبير وجماله، وبلاغة الأداء وروعتها؛ ولا يكون السؤال الفني ما هي قيمة ~~هذه النفس, ولكن ما طريقتها الفنية؟ وأي عجيب في ذلك؟ أليس لجهنم حق في ~~كبار أهل الفن، كما للجنة حق في نوابغه؟ وإذا قالت الجنة: هذه # PageV01P049 # فضائلي البليغة. أفلا تقول الجحيم: وهذه بلاغة رذائلي؟ وكيف لعمري يستطيع ~~إبليس أن يؤدي عمله الفني, ويصور بلاغته العالية إلا في ساقطين من أهل ~~الفكر الجميل, وساقطات من أهل الجسم الجميل؟ # لقد بعدنا عن القطين، وأنا أريد أن أكتب من حديثهما وخبرهما. # كان القط الهزيل مرابطا في زقاق، وقد طارد فأرة فانجحرت في شق، فوقف ~~المسكين يتربص بها أن تخرج، ويؤامر نفسه كيف يعالجها فيبتزها، وما عقل ~~الحيوان إلا من حرفة عيشه لا من غيرها. وكان القط السمين قد خرج من دار ~~أصحابه يريد أن يفرج عن نفسه بأن يكون ساعة أو بعض ساعة كالقططة بعضها مع ~~بعض، لا كأطفال الناس مع أهليهم وذوي عنايتهم، وأبصر الهزيل من بعيد فأقبل ~~يمشي نحوه، ورآه الهزيل وجعل يتأمله وهو يتخلع تخلع الأسد في مشيته، وقد ~~ملأ جلدته من كل أقطارها ونواحيها، وبسطته النعمة من أطرافه، وانقلبت في ~~لحمه غلظا، وفي عصبه شدة، وفي شعره بريقا، وهو يموج في بدنه من قوة وعافية، ~~ويكاد إهابه ينشق سمنا وكدنة. فانكسرت نفس الهزيل، ودخلته الحسرة، وتضعضع ~~لمرأى هذه النعمة مرحة مختالة. وأقبل السمين حتى وقف عليه، وأدركته الرحمة ~~له، إذ رآه نحيفا متقبضا، طاوي البطن، بارز الأضلاع، كأنما همت عظامه أن ~~تترك مسكنها من جلده لتجد لها مأوى آخر. # فقال له: ماذا بك، وما لي أراك متيبسا كالميت في قبره غير أنك لم تمت، ~~وما لك أعطيت الحياة غير أنك لم تحي، أوليس الهر منا صورة مختزلة من الأسد، ~~فما لك -ويحك- رجعت صورة مختزلة من الهر؛ أفلا يسقونك اللبن، ويطعمونك ~~الشحمة واللحمة، ويأتونك بالسمك، ويقطعون لك من الجبن أبيض وأصفر، ويفتون ~~لك الخبز في المرق، ويؤثرك ms033 الطفل ببعض طعامه، وتدللك الفتاة على صدرها، ~~وتمسحك المرأة بيديها، ويتناولك الرجل كما يتناول ابنه؟ وما لجلدك هذا ~~مغبرا كأنك لا تلطعه بلعابك، ولا تتعهده بتنظيف، وكأنك لم تر قط فتى أو ~~فتاة يجري الدهان بريقا في شعره أو شعرها، فتحاول أن تصنع بلعابك لشعرك ~~صنيعهما؛ وأراك متزايل الأعضاء متفككا حتى ضعفت وجهدت، كأنه لا يركبك من حب ~~النوم على قدر من كسلك وراحتك، ولا يركبك من حب الكسل على قدر من نعيمك ~~ورفاهتك، وكأن جنبيك لم يعرفا طنفسة ولا حشية ولا وسادة ولا بساطا ولا ~~طرازا، وما أشبهك بأسد أهلكه ألا يجد إلا العشب الأخضر # PageV01P050 # والهشيم اليابس، فما له لحم يجيء من لحم، ولا دم يكون من دم، وانحط فيه ~~جسم الأسد، وسكنت فيه روح الحمار! # قال الهزيل: وإن لك لحمة وشحمة، ولبنا وسمكا، وجبنا وفتاتا، وإنك لتقضي ~~يومك تلطع جلدك ماسحا وغاسلا، أو تتطرح على الوسائد والطنافس نائما ~~ومتمددا, أما والله لقد جاءتك النعمة والبلادة معا، وصلحت لك الحياة وفسدت ~~منك الغريزة، وأحكمت طبعا ونقضت طباعا، وربحت شبعا وخسرت لذة، عطفوا عليك ~~وأفقدوك أن تعطف على نفسك، وحملوك وأعجزوك أن تستقل، وقد صرت معهم كالدجاجة ~~تسمن لتذبح، غير أنهم يذبحونك دلالا وملالا. # إنك لتأكل من خوان أصحابك، وتنظر إليهم يأكلون، وتطمع في مؤاكلتهم، فتشبع ~~بالعين والبطن والرغبة ثم لا شيء غير هذا، وكأنك مرتبط بحبال من اللحم تأكل ~~منها وتحتبس فيها. # إن كان أول ما في الحياة أن تأكل فأهون ما في الحياة أن تأكل، وما يقتلك ~~شيء كاستواء الحال، ولا يحييك شيء كتفاوتها؛ والبطن لا يتجاوز البطن ولذته ~~لذته وحدها، ولكن أين أنت عن إرثك من أسلافك، وعن العلل الباطنة التي ~~تحركنا إلى لذات أعضائنا، ومتاع أرواحنا، وتهبنا من كل ذلك وجودنا الأكبر، ~~وتجعلنا نعيش من قبل الجسم كله، لا من قبل المعدة وحدها؟ # قال السمين: تالله, لقد أكسبك الفقر حكمة وحياة، وأراني بإزائك معدوما ~~بزوال أسلافي مني، وأراك بإزائي موجودا بوجود أسلافك منك. ناشدتك الله إلا ms034 ~~ما وصفت لي هذه اللذات التي تعلو بالحياة عن مرتبة الوجود الأصغر من الشبع, ~~وتستطيل بها إلى مرتبة الوجود الأكبر من الرضى؟ # فقال الهزيل: إنك ضخم ولكنك أبله، أما علمت -ويحك- أن المحنة في العيش هي ~~فكرة وقوة، وأن الفكرة والقوة هما لذة ومنفعة، وأن لهفة الحرمان هي التي ~~تضع في الكسب لذة الكسب، وسعار الجوع هو الذي يجعل في الطعام من المادة ~~طعاما آخر من الروح، وأن ما عدل به عنك من الدنيا لا تعوضك منه الشحمة ~~واللحمة، فإن رغباتنا لا بد لها أن تجوع وتغتذي كما لا بد من مثل ذلك ~~لبطوننا؛ ليوجد كل منهما حياته في الحياة, والأمور المطمئنة كهذه التي أنت ~~فيها هي للحياة أمراض مطمئنة، فإن لم تنقص من لذتها فهي لن تزيد في لذتها، ~~ولكن مكابدة الحياة زيادة في الحياة نفسها. # PageV01P051 # وسر السعادة أن تكون فيك القوى الداخلية التي تجعل الأحسن أحسن مما يكون، ~~وتمنع الأسوأ أن يكون أسوأ مما هو، وكيف لك بهذه القوة وأنت وادع قار محصور ~~من الدنيا بين الأيدي والأرجل؟ إنك كالأسد في القفص، صغرت أجمته ولم تزل ~~تصغر حتى رجعت قفصا يحده ويحبسه، فصغر هو ولم يزل يصغر حتى أصبح حركة في ~~جلد؛ أما أنا فأسد على مخالبي ووراء أنيابي، وغيضتي أبدا تتسع ولا تزال ~~تتسع أبدا، وإن الحرية لتجعلني أتشمم من الهواء لذة مثل لذة الطعام، ~~وأستروح من التراب لذة كلذة اللحم، وما الشقاء إلا خلتان من خلال النفس: ~~أما واحدة فأن يكون في شرهك ما يجعل الكثير قليلا، وهذه ليست لمثلي ما دمت ~~على حد الكفاف من العيش؛ وأما الثانية فأن يكون في طمعك ما يجعل القليل غير ~~قليل، وهذه ليس لها مثلي ما دمت على ذلك الحد من الكفاف. والسعادة والشقاء ~~كالحق والباطل، كلها من قبل الذات، لا من قبل الأسباب والعلل، فمن جاراها ~~سعد بها، ومن عكسها عن مجراها فبها يشقى. # ولقد كنت الساعة أختل فأرة انجحرت في هذا الشق، فطمعت منها لذة وإن لم ~~أطعم ms035 لحما، وبالأمس رماني طفل خبيث بحجر يريد عقري فأحدث لي وجعا، ولكن ~~الوجع أحدث لي الاحتراس، وسأغشى الآن هذه الدار التي بإزائنا، فأية لذة في ~~السلة والخطفة والاستراق والانتهاب ثم الوثب شدا بعد ذلك؟ هل ذقت أنت بروحك ~~لذة الفرصة والنهزة، أو وجدت في قلبك راحة المخالسة واستراق الغفلة من فأرة ~~أو جرذ، أو أدركت يوما فرحة النجاة بعد الروغان من عابث أو باغ أو ظالم؟ ~~وهل نالتك لذة الظفر حين هولك طفل بالضرب، فهولته أنت بالعض والعقر، ففر ~~عنك منهزما لا يلوي؟ # قال السمين: وفي الدنيا هذه اللذات كلها وأنا لا أدري, هلم أتوحش معك، ~~ليكون لي مثل نكرك ودهائك واحتيالك، فيكون لي مثل راحتك المكدودة، ولذتك ~~المتعبة، وعمرك المحكوم عليه منك وحدك وسأتصدى معك للرزق أطارده وأواثبه، ~~وأغاديه وأراوحه. فقطع عليه الهزيل وقال: # يا صاحبي، إن عليك من لحمك ونعمتك علامة أسرك، فلا يلقانا أول طفل إلا ~~أهوى لك فأخذك أسيرا، وأهوى علي بالضرب لأنطلق حرا، فأنت على نفسك بلاء، ~~وأنت بنفسك بلاء علي. # وكانت الفأرة التي انجحرت قد رأت ما وقع بينهما، فسرها اشتغال الشر # PageV01P052 # بالشر. وطالت مراقبتها لها حتى ظنت الفرصة ممكنة، فوثبت وثبة من ينجو ~~بحياته ودخلت في باب مفتوح، ولمحها الهزيل، كما تلمح العين برقا أومض ~~وانطفأ. فقال للسمين: اذهب راشدا، فحسبك الآن من المعرفة بنفسك وموضعها من ~~الحياة، أن الوقوف معك ساعة هو ضياع رزق، وكذلك أمثالك في الدنيا، هم ~~بألفاظهم في الأعلى وبمعانيهم في الأسفل. # PageV01P053 ### | بين خروفين # "اجتمع ليلة الأضحى خروفان من أضاحي العيد، فتكلما؛ فماذا يقولان؟ ". # هذا هو الموضوع الذي استخرجه أصغر أولادي "الأستاذ" عبد الرحمن، وسألني ~~أن أكتب فيه للرسالة، وهو أصغر قرائها سنا، ترف عليه النسمة الثالثة عشرة ~~من ربيع حياته* بارك الله له فيها حاضرة ومقبلة. # ولأستاذنا هذا كلمة هي شعاره الخاص به في الحياة، يحفظها لتحفظه، فلا ~~يميل عن مدرجتها، ولا يخرج من معناها، وهي هذه الكلمة العربية: "كالفرس ~~الكريم في ميعة حضره1، كلما ذهب منه شوط ms036 جاء شوط". فهو يعلم من هذا أن كرم ~~الأصل في كرم الفعل، ولا يغني شيء منهما عن شيء؛ وأن الدم الحر الكريم يكون ~~مضاعف القوة بطبيعته، عظيم الأمل بهذه القوة المضاعفة، نزاعا إلى السبق ~~بمقدار أمله العظيم، مترفعا عن الضعف والهوينا بهذا النزوع، متميزا في نبوغ ~~عمله وإبداعه باجتماع هذه الخصال فيه على أتمها وأحسنها. فمن ثم لا يرمي ~~الحر الكريم إلا أن يبلغ الأمد الأبعد في كل ما يحاوله، فلا يألو أن يبذل ~~جهده إلى غاية الطاقة ومبلغ القدرة، مستمدا قوة بعد قوة، محققا السحر ~~القادر الذي في نفسه، متلقيا منه وسائل الإعجاز في أعماله، مرسلا في نبوغه ~~من توهج دمه أضواء كأضواء النجم، تثبت لكل ذي عينين أنه النجم لا شيء آخر. # ولما قدم إلي "الأستاذ" موضوعه في هذا الوزن المدرسي -وأظنه قد نزعته ~~حاجة مدرسية إليه- قلت: حبا وكرامة. وها أنا ذا أكتبه منبعثا فيه "كالفرس ~~الكريم في ميعة حضره". ولعل الأستاذ حين يقرؤه لا يثور فيه علامات كثيرة ~~بقلمه الأحمر! # اجتمع ليلة الأضحى خروفان من الأضاحي في دارنا: أما أحدهما فكبش ~~PageV01P054 # أقرن، يحمل على رأسه من قرنيه العظيمين شجرة السنين، وقد انتهى سمنه حتى ~~ضاق جلده بلحمه، وسح بدنه بالشحم سحا، فإذا تحرك خلته سحابة يضطرب بعضها في ~~بعض، ويهتز شيء منها في شيء؛ وله وافرة1 يجرها خلفه جرا، فإذا رأيتها من ~~بعيد حسبتها حملا يتبع أباه؛ وهو أصوف، قد سبغ صوفه واستكثف وتراكم عليه، ~~فإذا مشى تبختر فيه تبختر الغانية في حلتها، كأنما يشعر مثل شعورها أنه ~~يلبس مسرات جسمه لا ثوب جسمه؛ وهو من اجتماع قوته وجبروته أشبه بالقلعة، ~~ويعلوها من هامته كالبرج الحربي فيه مدفعان بارزان, وتراه أبدا مصعرا خدا ~~كأنه أمير من الأبطال، إذا جلس حيث كان شعر أنه جالس في أمره ونهيه، لا ~~يخرج أحد من نهيه ولا أمره. # وأما الآخر فهو جذع في رأس الحول الأول من مولده، لم يدرك بعد أن يضحى، ~~ولكن جيء به للقرم إلى لحمه الغض؛ فالأول ms037 أضحية وهذا أكولة؛ وذاك يتصدق ~~بلحمه كله على الفقراء، وهذا يتصدق بثلثيه ويبقى الثلث طعاما لأهل الدار. # وكان في لينه وترجرجه وظرف تكوينه ومرح طبعه، كأنما يصور لك المرأة آنسة ~~رقيقة متوددة. أما ذاك الضخم العاتي المتجبر الشامخ، فهو صورة الرجل الوحشي ~~أخرجته الغابة التي تخرج الأسد والحية وجذوع الدوحة الضخمة، وجعلت فيه من ~~كل شيء منها شيئا يخاف ويتقى. # وكان الجذع يثغو لا ينقطع ثغاؤه، فقد أخذ من قطيعه انتزاعا فأحس الوحشة، ~~وتنبهت فيه غريزة الخوف من الذئب، فزادته إلى الوحشة قلقا واضطرابا، وكان ~~لا يستطيع أن ينفلت، فهو كأنما يهرب في الصوت ويعدو فيه عدوا. # أما الكبش فيرى مثل هذا مسبة لقرنيه العظيمين، وهو إذا كان في القطيع كان ~~كبشه وحاميه والمقدم فيه، فيكون القطيع معه وفي كنفه ولا يكون هو عند نفسه ~~مع القطيع؛ فإذا فقد جماعته لم يكن في منزلة المنتظر أن يلحق بغيره ليحتمي ~~به فيقلق ويضطرب، ولكنه في منزلة المرتقب أن يلحق به غيره طلبا لحمايته ~~وذماره، فهو ساكن رابط الجأش مغتبط النفس، كأنما يتصدق بالانتظار. # فلما أدبر النهار وأقبل الليل، جيء للخروفين بالكلأ من هذا البرسيم ~~يعتلفانه، فأحس الكبش أن في الكلأ شيئا لم يدر ما هو، وانقبضت نفسه لما ~~كانت PageV01P055 # تنبسط إليه من قبل، وعرته كآبة من روحه، كأنما أدركت هذه الروح أنه آخر ~~رزقه على الأرض، فانكسر وظهر على وجهه معنى الذبح قبل أن يذبح، وعاف أن ~~يطعم، ورجع كأول فطامه عن أمه لا يعرف كيف يأكل، ولا يتناول من أكله إلا ~~أدنى تناول. # وكأنما جثم الظلام على شحمه ولحمه؛ فإنه متى ثقل الهم على نفس من الأنفس، ~~ثقل على ساعتها التي تكون فيها، فتطول كآبتها ويطول وقتها جميعا. فأراد ~~الكبش أن يتفرج مما به، وينفس عن صدره شيئا، وكان الصغير قد أنس إلى المكان ~~والظلمة، وأقبل يعتلف ويخضم الكلأ، فقال له الكبش: أراك فارها يابن أخي، ~~كأنك لا تجد ما أجد؛ إني والله أعلم علما لا تعلمه، وإني لأحس أن ms038 القدر ~~طريقه علينا في هذه الليلة، فهو مصبحنا ما من ذلك بد. # قال الصغير: أتعني الذئب؟ # قال: ليته هو، فأنا لك به لو أنه الذئب؛ إن صوفي هذا درع من أظافره، وهو ~~كالشبكة ينشب فيها الظفر ولا يتخلص، ومن قرني هذين ترس ورمح، فأنا واثق من ~~إحراز نفسي في قتله، ومن أحرز نفسه من عدوه فذاك قتل عدوه، فإن لم يقتله ~~فقد غاظه بالهزيمة، وذاك عند الأبطال فن من القتل. وهذا القرن الملتف ~~الأعقد المذرب كالسنان، لا يكاد يراه الذئب حتى يعلم أنه حاطمة عظامه، ~~فيحدث له من الفزع ما تنحل به قوته، فما يواثبني إلا متخاذلا، ولا يقدم علي ~~إلا توهم الذئبية للخروفية، فإن أساس القوة والضعف كليهما في السوس ~~والطبيعة، غير أنه لا يعلم أني خرجت من الخروفية إلى الجاموسية! فما يعلمه ~~ذلك إلا بقر بطنه أو التطويح به من فوق هذا القرن، أقذفه قذفة عالية تلقيه ~~من حاليق، فتدق عظامه وتحطم قوائمه! # قال الصغير: فماذا تخشى بعد الذئب؟ إذا كانت العصا فهي إنما تضرب منك ~~الصوف لا الظهر. # قال الكبش: ويحك! وأي خروف يخشى العصا؟ ويه, إنما تكون عصا من يعلفه ~~ويرعاه، فهي تنزل عليه كما تنزل على ابن آدم أقدار ربه، لا حطما ولكن ~~تأديبا أو إرشادا أو تهويلا؛ ومن قبلها النعمة، وتكون معها النعمة، وتجيء ~~بعدها النعمة؛ أفبلغ الكفر ما يبلغ كفر الإنسان بنعمة ربه: إذا أنعم عليه ~~أعرض ونأى بجانبه، وإذا مسه الشر انطلق ذا صراخ عريض؟ # PageV01P056 # وكيف تراني "ويحك" أخشى الذئب أو العصا، وأنا من سلالة الكبش الأسدي؟ # قال الصغير: وما الكبش الأسدي، وكيف علمت أنك من نجله، ولا علم لي أنا ~~إلا هذا الكلأ والعلف والماء والمراح والمغدى؟ # قال الكبش: لقد أدركت أمي وهي نعجة قحمة كبيرة، وأدركت معها جدتي وقد ~~أفرط عليها الكبر حتى ذهب فمها، وأدركت معهما جدي وهو كبش هرم متقدد أعجف ~~كأنه عظام مغطاة، فعن هؤلاء أخذت ورويت وحفظت: # حدثتني أمي، عن أبيها، عن أبيه، قالت: إن فخر ms039 جنسنا من الغنم يرجع إلى ~~كبش الفداء الذي فدى الله به إسماعيل بن إبراهيم -عليهما السلام- وكان كبشا ~~أبيض أقرن أعين، اسمه حرير. # "قال": واعلم يابن أخي أن مما انفردت أنا به من العلم فلم يدركه غيري، أن ~~جدنا هذا كان مكسوا بالحرير لا بالصوف، فلذلك سمي حريرا. # "قالت أمي": والمحفوظ عند علمائنا أن ذاك هو الكبش الذي قربه هابيل حين ~~قتل أخاه، لتتم البلية على هذه الأرض بدم الإنسان والحيوان معا. # "قالوا": فتقبل منه وأرسل الكبش إلى الجنة, فبقي يرعى فيها حتى كان اليوم ~~الذي هم فيه إبراهيم أن يذبح ابنه تحقيقا لرؤيا النبوة، وطاعة لما ابتلي به ~~من ذلك الامتحان، وليثبت أن المؤمن بالله إذا قوي إيمانه لم يجزع من أمر ~~الله, ولو جر السكين على عنق ابنه، وهو إنما يجرها على ابنه وعلى قلبه! # "قالت": فهذا هو فخر جنسنا كله. # أما فخر سلالتي أنا، فذاك ما حدثتني به جدتي، ترويه عن أبيها، عن جدها، ~~وذاك حين توسمت في مخايل البطولة، ورجت أن أحفظ التاريخ. قالت: إن أصلنا من ~~دمشق، وإنه كان في هذه المدينة رجل سباع، قد اتخذ شبل أسد فرباه وراضه حتى ~~كبر، وصار يطلب الخيل، وتأذى به الناس، فقيل للأمير1: هذا السبع قد آذى ~~الناس، والخيل تنفر منه وتجد من ريحه ريح الموت، وهو ما يزال رابضا ليله ~~ونهاره على سدة بالقرب من دارك. فأمر فجاء به السباع وأدخله إلى القصر، ثم ~~أمر بخروف مما اتخذ في مطبخه للذبح، PageV01P057 # وأدخلوه إلى قاعة, وجاء السباع فأطلق الأسد عليه، واجتمعوا يرون كيف يسطو ~~به ويفترسه. # قالت جدتي: فحدثني أبي، قال: حدثني جدك، أن السباع أطلق الأسد من ساجوره1 ~~وأرسله، فكانت المعجزة التي لم يفز بها خروف ولم تؤثر قط إلا عن جدنا، فإنه ~~حسب الأسد خروفا أجم لا قرون له، ورأى دقة خصره، وضمور جنبيه، ورأى له ذيلا ~~كالألية المفرغة الميتة، فظنه من مهازيل الغنم التي قتلها الجدب، وكان هو ~~شبعان ريان، فما كذب أن حمل على الأسد ms040 ونطحه، فانهزم السبع مما أذهله من ~~هذه المفاجأة وحسب جدنا سبعا قد زاده الله أسلحة من قرنيه، فاعتراه الخوف ~~وأدبر لا يلوي. وطمع جدنا فيه فاتبعه، وما زال يطارده وينطحه، والأسد يفر ~~من وجهه ويدور حول البركة، والقوم قد غلبهم الضحك، والأمير ما يملك نفسه ~~إعجابا وفخرا بجدنا. فقال: هذا سبع لئيم، خذوه فاخرجوه، ثم اذبحوه، ثم ~~اسلخوه. فأخذ الأسد وذبح، وأعتق جدنا من الذبح، وكان لنا في تاريخ الدنيا: ~~إنسانها وحيوانها أثران عظيمان؛ فجدنا الأول كان فداء لابن نبي، وجدنا ~~الثاني كان الأسد فداءه! # قال الصغير للكبش: قلت: الذبح، والفداء من الذبح؛ فما الذبح؟ # قال الكبش: هذه السنة الجارية بعد جدنا الأعظم، وهي الباقية آخر الدهر؛ ~~فينبغي لكل منا أن يكون فداء لابن آدم! # قال الصغير: ابن آدم هذا الذي يخدمنا ويحتز لنا الكلأ، ويقدم لنا العلف، ~~ويمشي وراءنا فنسحبه إلى هنا وههنا؟ تالله ما أظن الدنيا إلا قد انقلبت، أو ~~لا، فأنت يا أخا جدي قد كبرت وخرفت! # قال الكبش: ويحك يا أبله! متى تتحلل هذه العقدة التي في عقلك؟ إنك لو ~~علمت ما أعلم لما اطمأنت بك الأرض، ولرجعت من القلق والاضطراب كحبة القمح ~~في غربال يهتز وينتفض! # قال الصغير: أتعني ذلك الغربال وذلك القمح وما كان في القرية، إذ تناولت ~~ربة الدار غربالها تنفض به قمحها، فغافلتها ونطحت الغربال فانقلب عن يدها ~~وانتثر الحب، فأسرعت فيه التقاطا حتى ملأت فمي قبل أن تزيحني المرأة عنه؟ ~~PageV01P058 # فهز الكبش رأسه فعل من يريد الابتسام ولا يستطيعه، وقال: أرأيت حانوت ~~القصاب، ونحن نمر اليوم في السوق؟ # قال: وما حانوت القصاب؟ # قال: أرأيت ذلك السليخ من الغنم البيض المعلقة في تلك المعاليق، لا جلد ~~عليها ولا صوف، وليس لها أرؤس ولا قوائم؟ # قال الصغير: وما ذاك السليخ؟ إنه إن صح ما حدثتني به عن أمك، فهذه غنم ~~الجنة، تبيت ترعى هناك ثم تجيء إلى الأرض مع الصبح، وإني لمترقب شمس الغد، ~~لأذهب فأراها وأملأ عيني منها. # قال: اسمع أيها الأبله! ms041 إن شمس الغد ستشعر بها من تحتك لا من فوقك. لقد ~~رأيت أخي مذ كنت جذعا مثلك؛ ورأيت صاحبنا الذي كان يعلفه ويسمنه قد أخذه، ~~فأضجعه، فجثم على صدره شرا من الذئب، وجاء بشفرة بيضاء لامعة، فجرها على ~~حلقه، فإذا دمه يسخب ويتفجر، وجعل المسكين ينتفض ويدحص برجليه، ثم سكن ~~وبرد؛ فقام الرجل ففصل عنقه، ثم نخس في جلده ونفخه حتى تطبل ورجع كالقربة ~~التي رأيتها في القرية مملوءة ماء فحسبتها أمك؛ ثم شق فيه شقا طويلا. ثم ~~أدخل يده بين الجلد والصفاق، ثم كشطه وسحف الشحم عن جنبيه، فعاد المسكين ~~أبيض لا جلد له ولا صوف عليه، ثم بقر بطنه وأخرج ما فيه، ثم حطم قوائمه، ثم ~~شده فعلقه فصار سليخا كغنم الجنة التي زعمت! وهذا -أيها الأبله- هو الذبح ~~والسلخ! # قال الصغير: وما الذي أحدث هذا كله؟ # قال: الشفرة البيضاء التي يسمونها السكين! # قال الصغير: فقد كانت الشفرة عند حلقه حيال فمه؛ فلماذا لم ينتزعها ~~فيأكلها؟ # قال الكبش: أيها الأبله الذي لا يعلم شيئا ولا يحفظ شيئا، لو كانت خضراء ~~لأكلها! # قال: وما خطب أن تجيء الشفرة على العنق, أفلم يكن الحبل في عنقك أنت ~~فجعلت تجاذب فيه الرجل حتى أعييته، ولولا أني مشيت أمامك لما انقدت له؟ # قال الكبش: ما أدري والله كيف أفهمك أن هذا كله سيجري عليك، فسترى أمورا ~~تنكرها، فتعرف ما الذبح والسلخ، ثم تصير أشلاء في القدور تضرم عليها النار، ~~فيأكلك ابن آدم كما تأكل أنت هذا الكلأ! # قال الصغير: وماذا علي أن يأكلني ابن آدم، ألا تراني آكل العشب، فهل سمعت ~~عودا منه يقول: الرجل والسكين، والذبح والسلخ؟ # PageV01P059 # قال الكبش في نفسه: لعمري إن قوة الشباب في الشباب أقوى من حكمة الشيوخ ~~في الشيوخ، وما نفع الحكمة إذا لم تكن إلا رأيا له ما يمضيه، كرأي الشيخ ~~الفاني، يرى بعقله الصواب حين يكون جسمه هو الخطأ مركبا في ضعفه غلطة على ~~غلطة لا عضوا على عضو؟ وهل الرأي الصحيح للعالم الذي نعيش فيه ms042 إلا بالجسم ~~الذي نعيش به؛ وما جدوى أن يعرف الكبير حكمة الموت، وهو من الضعف بحيث ~~تنكسر نفسه للمرض الهين، فضلا عن المرض المعضل، فضلا عن المرض المزمن، فضلا ~~عن الموت نفسه؛ وما خطر أن يجهل الشباب تلك الحكمة، وهو من قوة النفس بحيث ~~لا يبالي الموت، فضلا عن المرض؟ # لو أذن الشاب من الفتيان بيوم انقطاع أجله، وعلم أن مصبحه أو ممسيه, ~~لأمدته نفسه بأرواح السنين الطويلة، حتى ليرى أن صبح الغد كأنما يأتي من ~~وراء ثلاثين أو أربعين سنة؛ فما يتبينه إلا كالفكر المنسي مضى عليه ثلاثون ~~سنة أو أربعون. ولو أذن الشيخ بيوم مصرعه، وأيقن أن له مهلة إلى تمام ~~الحول، لطار به الذعر واستفرغه الوجل من ساعته؛ ورأى يومه البعيد أقرب إليه ~~من الصبح، وابتلته طبيعة جسمه المختل بالوساوس الكثيرة، تجتلبها كما تجتلب ~~الرياح صدوع المنزل الخرب. فذاك بالشباب يقبض على الزمن؛ فيعيش في اليوم ~~القصير مثل العام رخيا ممدودا، فهو رابط جلد؛ وهذا بالكبر يقبض الزمن عليه ~~فيعيش في العام الطويل مثل اليوم متلاحقا آخره بأوله، فهو قلق طائر. ولا ~~طبيعة للزمن إلا طبيعة الشعور به، ولا حقيقة للأيام إلا ما تضعه النفس في ~~الأيام. # ثم إن الكبش نظر فرأى الصغير قد أخذته عينه واستثقل نوما، فقال: هنيئا ~~لمن كان فيه سر الأيام الممدودة. إن هذا السر هو كسر النبات الأخضر، لا ~~يقطع من ناحية إلا ظهر من غيرها ساخرا هازئا، قائلا على المصائب: ها أنا ~~ذا. # فهذا الصغير ينام ملء عينيه والشفرة محدودة له، والذبح بعد ساعات قليلة؛ ~~كأنما هو في زمنين؛ أحدهما من نفسه، فبه ينام، وبه يلهو، وبه يسخر من الزمن ~~الآخر وما فيه وما يجلبه. # إن الألم هو فهم الألم لا غير. فما أقبح علم العقل إذا لم يكن معه جهل ~~النفس به وإنكارها إياه. حسب العلم والعلماء في السخرية بهم وبه هذه ~~الحقيقة من النفس. أنا لو ناطحت كبشا من قروم الكباش، ووقفت أفكر وأدبر ~~وأتأمل، وأعتبر شيئا بشيء؛ ذهب ms043 فكري بقوتي، واسترخى عصبي، وتحلل غضبي كله، # PageV01P060 # وكان العلم وبالا علي؛ فإن حاجتي حينئذ إلى الروح وقواها وأسبابها أضعاف ~~حاجتي إلى العلم. والروح لا تعرف شيئا اسمه الموت، ولا شيئا اسمه الوجع؛ ~~وإنما تعرف حظها من اليقين، وهدوءها بهذا الحظ، واستقرارها مؤمنة ما دامت ~~هادئة مستيقنة. # وقد, والله, صدق هذا الجذع الصغير؛ فما على أحدنا أن يأكله الإنسان, وهل ~~أكلنا نحن هذا العشب، وأكل الإنسان إيانا، وأكل الموت للإنسان, هل كل ذلك ~~إلا وضع للخاتمة في شكل من أشكالها؟ # يشبه, والله, إن أنا احتججت على الذبح واغتممت له، أن أكون كخروف أحمق لا ~~عقل له، فظن إطعام الإنسان إياه من باب إطعامه ابنه وابنته وامرأته ومن تجب ~~عليه نفقته! وهل أوجب نفقتي على الإنسان إلا لحمي؟ فإذا استحق له, فلعمري ~~ما ينبغي لي أن أزعم أنه ظلمني اللحم إلا إذا أقررت على نفسي بديا أني أنا ~~ظلمته العلف وسرقته منه. # كل حي فإنما هو شيء للحياة أعطيها على شرطها، وشرطها أن تنتهي، فسعادته ~~في أن يعرف هذا ويقرر نفسه عليه حتى يستيقنه، كما يستيقن أن المطر أول فصل ~~الكلأ الأخضر. فإذا فعل ذلك وأيقن واطمأن، جاءت النهاية متممة له لا ناقصة ~~إياه، وجرت مع العمر مجرى واحدا وكان قد عرفها وأعد لها. أما إذا حسب الحي ~~أنه شيء في الحياة، وقد أعطيها على شرطه هو، من توهم الطمع في البقاء ~~والنعيم، فكل شقاء الحي في وهمه ذاك, وفي عمله على هذا الوهم, إذ لا تكون ~~النهاية حينئذ في مجيئها إلا كالعقوبة أنزلت بالعمر كله، وتجيء هادمة ~~منغصة، ويبلغ من تنكيدها أن تسبقها آلامها؛ فتؤلم قبل أن تجيء، شرا مما ~~تؤلم حين تجيء! # لقد كان جدي والله حكيما يوم قال لي: إن الذي يعيش مترقبا النهاية يعيش ~~معدا لها؛ فإن كان معدا لها عاش راضيا بها، فإن عاش راضيا بها كان عمره في ~~حاضر مستمر، كأنه في ساعة واحدة يشهد أولها ويحس آخرها، فلا يستطيع الزمن ~~أن ينغص عليه ما دام ms044 ينقاد معه وينسجم فيه، غير محاول في الليل أن يبعد ~~الصبح، ولا في الصبح أن يبعد الليل. قال لي جدي: والإنسان وحده هو التعس ~~الذي يحاول طرد نهايته, فيشقى شقاء الكبش الأخرق الذي يريد أن يطرد الليل, ~~فيبيت ينطح الظلمة المتدجية على الأرض، وهو لحمقه يظن أنه ينطح الليل ~~بقرنيه ويزحزحه! # PageV01P061 # وكم قال لي ذلك الجد الحكيم وهو يعظني: إن الحيوان منا إذا جمع على نفسه ~~هما واحدا، صار بهذا الهم إنسانا تعسا شقيا، يعطى الحياة فيقلبها بنفسه على ~~نفسه شيئا كالموت، أو موتا بلا شيء! # وتحرك الصغير من نومه، فقال له الكبش: إنه ليقع في قلبي أنك الساعة كنت ~~في شأن عظيم، فما بالك منتفخا وأنت ههنا في المنحر لا في المرعى! # قال الصغير: يا أخا جدي, لقد تحققت أنك هرمت وخرفت، وأصبحت تمج اللعاب ~~والرأي! # قال الكبش: فما ذلك, ويلك؟ # قال: إنك قلت: إن هذا الإنسان غاد علينا بالشفرة البيضاء، ووصفت الذبح ~~والسلخ والأكل؛ وأنا الساعة قد نمت فرأيت فيما أرى، أنني نطحت ذاك الرجل ~~الذي جاء بنا إلى هنا، وهجت به حتى صرعته، ثم إني أخذت الشفرة بأسناني، ~~فثلمته في نحره حتى ذبحته، ثم افتلذت منه مضغة فلكتها في فمي؛ فما عرفت ~~والله فيما عرفت لخنا ولا عفنا في الكلأ هو أقبح مذاقا منه! # إن الإنسان يستطيب لحمنا، ويتغذى بنا، ويعيش علينا, فما أسعدنا أن نكون ~~لغيرنا فائدة وحياة، وإذا كان الفناء سعادة نعطيها من أنفسنا، فهذا الفناء ~~سعادة نأخذها لأنفسنا. وما هلاك الحي لقاء منفعة له أو منفعة منه إلا ~~انطلاق الحقيقة التي جعلته حيا، صارت حرة فانطلقت تعمل أفضل أعمالها. # قال الكبير: لقد صدقت والله، ونحن بهذا أعقل وأشرف من الإنسان؛ فإنه يقضي ~~العمر آخذا لنفسه، متكالبا على حظها، ولا يعطي منها إلا بالقهر والغلبة ~~والخوف. تعال أيها الذابح، تعال خذ هذا اللحم وهذا الشحم؛ تعال أيها ~~الإنسان لنعطيك؛ تعال أيها الشحاذ! # PageV01P062 ### | الطفولتان # "عصمت" بن فلان باشا طفل مترف يكاد ينعصر لينا، وتراه يرف رفيفا ms045 مما نشأ ~~في ظلال العز، كأن لروحه من الرقة مثل ظل الشجرة حول الشجرة. وهو بين لداته ~~من الصبيان كالشوكة الخضراء في أملودها الريان، لها منظر الشوكة؛ على مجسة ~~لينة ناعمة تكذب أنها شوكة إلا أن تيبس ونتوقح. # وأبوه "فلان" مدير لمديرية كذا، إذا سئل عنه ابنه قال: إنه مدير ~~المديرية. لا يكاد يعدو هذا التركيب، كأنه من غرور النعمة يأبى إلا أن يجعل ~~أباه مديرا مرتين. وكثيرا ما تكون النعمة بذيئة وقاحا سيئة الأدب في أولاد ~~الأغنياء، وكثيرا ما يكون الغنى في أهله غنى من السيئات لا غير! # وفي رأي "عصمت" أن أباه من علو المنزلة كأنه على جناح النسر الطائر في ~~مسبحه إلى النجم، أما آباء الأطفال من الناس فهم عنده من سقوط المنزلة على ~~أجنحة الذباب والبعوض! # ولا يغدو ابن المدير إلى مدرسته ولا يتروح منها إلا وراءه جندي يمشي على ~~أثره في الغدوة والروحة إذا كان ابن المدير، أي: ابن القوة الحاكمة، فيكون ~~هذا الجندي وراء الطفل كالمنبهة له عند الناس، تفصح شارته العسكرية بلغات ~~السابلة جمعاء أن هذا هو ابن المدير. فإذا رآه العربي أو اليوناني، أو ~~الطلياني أو الفرنسي، أو الإنجليزي أو كائن من كان من أهل الألسنة ~~المتنافرة التي لا يفهم لسان منها عن لسان, فهموا جميعا من لغة هذه الشارة ~~أن هذا هو ابن المدير؛ وأنه من الجندي الذي يتبعه كالمادة من القانون ~~وراءها الشرح! # ولقد كان يجب لابن المدير هذا الشرف الصبياني. لو أنه يوم ولد لم يولد ~~ابن ساعته كأطفال الناس، بل ولد ابن عشر سنين كاملة لتشهد له الطبيعة أنه ~~كبير قد انصدعت به معجزة! وإلا فكيف يمشي الجندي من جنود الدولة وراء طفل ~~فيتبعه ويخدمه وينصاع لأمره؛ وهذا الجندي لو كان طريد هزيمة قد فر في معركة ~~من معارك الوطن، وأريد تخليده في هزيمته وتخليدها عليه بالتصوير, لما صور # PageV01P063 # إلا جنديا في شارته العسكرية منقادا لمثل هذا الطفل الصغير كالخادم؛ في ~~صورة يكتب تحتها: "نفاية عسكرية! ". # ليس لهذا ms046 المنظر الكثير حدوثه في مصر إلا تأويل واحد: هو أن مكان ~~الشخصيات فوق المعاني، وإن صغرت تلك وجلت هذه؛ ومن هنا يكذب الرجل ذو ~~المنصب، فيرفع شخصه فوق الفضائل كلها؛ فيكبر عن أن يكذب فيكون كذبه هو ~~الصدق، فلا ينكر عليه كذبه أي: صدقه! ويخرج من ذلك أن يتقرر في الأمة أن ~~كذب القوة صدق بالقوة! # وعلى هذه القاعدة يقاس غيرها من كل ما يخذل فيه الحق. ومتى كانت الشخصيات ~~فوق المعاني السامية طفقت هذه المعاني تموج موجها محاولة أن تعلو، مكرهة ~~على أن تنزل؛ فلا تستقيم على جهة ولا تنتظم على طريقة؛ وتقبل بالشيء على ~~موضعه، ثم تكر كرها فتدبر به إلى غير موضعه، فتضل كل طبقة من الأمة ~~بكبرائها، ولا تكون الأمة على هذه الحالة في كل طبقاتها إلا صغارا فوقهم ~~كبارهم؛ وتلك هي تهيئة الأمة للاستعباد متى ابتليت بالذي هو أكبر من ~~كبارها؛ ومن تلك تنشأ في الأمة طبيعة النفاق يحتمي به الصغر من الكبر، ~~وتنتظم به ألفة الحياة بين الذلة والصولة! # وتخلف الجندي ذات يوم عن موعد الرواح من المدرسة، فخرج "عصمت" فلم يجده، ~~فبدا له أن يتسكع في بعض طرق المدينة لينطلق فيه ابن آدم لا ابن المدير، ~~وحن حنينه إلى المغامرة في الطبيعة، ولبست الطرق في خياله الصغير زينتها ~~الشعرية بأطفال الأزقة يلعبون ويتهوشون ويتعابثون ويتشاحنون، وهم شتى ~~وكأنهم أبناء بيت واحد مست بكل من كل رحم، إذ لا ينتسبون في اللهو إلا إلى ~~الطفولة وحدها. # وانساق "عصمت" وراء خياله، وهرب على وجهه من تلك الصورة التي يمشي فيها ~~الجندي وراء ابن المدير، وتغلغل في الأزقة لا يبالي ما يعرفه منها وما لا ~~يعرفه، إذ كان يسير في طرق جديدة على عينه كأنما يحلم بها في مدينة من مدن ~~النوم. # وانتهى إلى كبكبة من الأطفال قد استجمعوا لشأنهم الصبياني، فانتبذ ناحية # PageV01P064 # ووقف يصغي إليهم متهيبا أن يقدم، فاتصل بسمعه ونظره كالجبان، وتسمع فإذا ~~خبيث منهم يعلم الآخر كيف يضرب إذا اعتدى أو اعتدي عليه، ms047 فيقول له: اضرب ~~أينما ضربت، من رأسه، من وجهه، من الحلقوم، من مراق البطن؛ قال الآخر: وإذا ~~مات؟ فقال الخبيث: وإذا مات فلا تقل: إني أنا علمتك! # وسمع طفلا يقول لصاحبه: أما قلت لك: إنه تعلم السرقة من رؤيته اللصوص في ~~السيما؟ فأجابه صاحبه: وهل قال له أولئك اللصوص الذين في السيما: كن لصا ~~واعمل مثلنا؟ # وقام منهم شيطان فقال: يا أولاد البلد، أنا المدير! تعالوا وقولوا لي: ~~"يا سعادة الباشا، إن أولادنا يريدون الذهاب إلى المدارس، ولكنا لا نستطيع ~~أن ندفع لهم المصروفات" فقال الأولاد في صوت واحد: "يا سعادة الباشا، إن ~~أولادنا يريدون الذهاب إلى المدارس، ولكنا لا نستطيع أن ندفع لهم ~~المصروفات" فرد عليهم "سعادته": اشتروا لأولادكم أحذية وطرابيش وثيابا ~~نظيفة، وأنا أدفع لهم المصروفات. # فنظر إليه خبيث منهم وقال: يا سعادة المدير، وأنت فلماذا لم يشتر لك أبوك ~~حذاء؟ # وقال طفل صغير: أنا ابنك يا سعادة المدير، فأرسلني إلى المدرسة وقت الظهر ~~فقط! # وكان "عصمت" يسمع ونفسه تهتز وترف بإحساسها، كالورقة الخضراء عليها طل ~~الندى، وأخذ قلبه يتفتح في شعاع الكلام كالزهرة في الشمس؛ وسكر بما يسكر به ~~الأطفال حين تقدم لهم الطبيعة مكان اللهو معدا مهيأ، كالحانة ليس فيها إلا ~~أسباب الشكر والنشوة، وتمام لذتها أن الزمن فيها منسي، وأن العقل فيها ~~مهمل. # وأحس ابن المدير أن هذه الطبيعة حين ينطلق فيها جماعة الأطفال على سجيتهم ~~وسجيتها, إنما هي المدرسة التي لا جدران لها، وهي تربية الوجود للطفل تربية ~~تتناوله من أدق أعصابه فتبدد قواه ثم تجمعها له أقوى ما كانت، وتفرغه منها ~~ثم تملؤه بما هو أتم وأزيد وبذلك تكسبه نمو نشاطه، وتعلمه كيف ينبعث لتحقيق ~~هذا النشاط، فتهديه إلى أن يبدع بنفسه ولا ينتظر من يبدع له، وتجعل خطاه ~~دائما وراء أشياء جديدة، فتسدده من هذا كله إلى سر الإبداع # PageV01P065 # والابتكار، وتلقيه العلم الأعظم في هذه الحياة، علم نضرة نفسه وسرورها ~~ومرحها، وتطبعه على المزاج المتطلق المتهلل المتفائل، وتتدفق به على دنياه ~~كالفيضان ms048 في النهر، تفور الحياة فيه وتفور به، لا كأطفال المدارس الخامدين، ~~تعرف للواحد منهم شكل الطفل وليس له وجوده ولا عالمه، فيكون المسكين في ~~الحياة ولا يجدها، ثم تراه طفلا صغيرا، وقد جمعوا له هموم رجل كامل! # ودبت روح الأرض دبيبها في "عصمت" وأوحت إلى قلبه بأسرارها، فأدرك من ~~شعوره أن هؤلاء الأغمار الأغبياء من أولاد الفقراء والمساكين، هم السعداء ~~بطفولتهم، وأنه هو وأمثاله هم الفقراء والمساكين في الطفولة؛ وأن ذلك ~~الجندي الذي يمشي وراءه لتعظيمه إنما هو سجن؛ وأن الألعاب خير من العلوم، ~~إذ كانت هي طفلية الطفل في وقتها، أما العلوم فرجولة ملزقة به قبل وقتها ~~توقره وتحوله عن طباعه، فتقتل فيه الطفولة وتهدم أساس الرجولة، فينشأ بين ~~ذلك إلا إلى هذه ولا إلى هذه، ويكون في الأول طفلا رجلا، ثم يكون في الآخر ~~رجلا طفلا. # وأحس مما رأى وسمع أن مدرسة الطفل يجب أن تكون هي بيته الواسع الذي لا ~~يتحرج أن يصرخ فيه صراخه الطبيعي، ويتحرك حركته الطبيعية، ولا يكون فيه ~~مدرسون ولا طلبة، ولا حاملو العصي من الضباط؛ بل حق البيت الواسع أن تكون ~~فيه الأبوة الواسعة، والأخوة التي تنفسح للمئات؛ فيمر الطفل المتعلم في ~~نشأته من منزل إلى منزل إلى منزل، على تدريج في التوسع شيئا فشيئا، من ~~البيت، إلى المدرسة، إلى العالم. # وكان "عصمت" يحلم بهذه الأحلام الفلسفية، وطفولته تشب وتسترجل، ورخاوته ~~تشتد وتتماسك؛ وكانت حركات الأطفال كأنها تحركه من داخله، فهو منهم كالطفل ~~في السينما حين يشهد المتلاكمين والمتصارعين، يستطيره الفرح، ويتوثب فيه ~~الطفل الطبيعي بمرحه وعنفوانه، وتتقلص عضلاته، ويتكشف جلده، وتجتمع قوته؛ ~~حتى كأنه سيظاهر أحد الخصمين ويلكم الآخر فيكوره ويصرعه، ويفض معركة الضرب ~~الحديدي بضربته اللينة الحريرية! # فما لبث صاحبنا الغرير الناعم أن تخشن، وما كذب أن اقتحم، وكأنما أقبل ~~على روحه الشارع والأطفال ولهوهم وعبثهم، إقبال الجو على الطير الحبيس ~~المعلق في مسمار إذا انفرج عنه القفص؛ وإقبال الغابة على الوحش # PageV01P066 # القنيص إذا وثب وثبة الحياة فطار بها؛ وإقبال ms049 الفلاة على الظبي الأسير ~~إذا ناوص فأفلت من الحبالة. # وتقدم فأدغم في الجماعة وقال لهم: أنا ابن المدير. فنظروا إليه جميعا، ثم ~~نظر بعضهم إلى بعض، وسفرت أفكارهم الصغيرة بين أعينهم، وقال منهم قائل: إن ~~حذاءه وثيابه وطربوشه كلها تقول: إن أباه المدير. # فقال آخر: ووجهه يقول: إن أمه امرأة المدير. # فقال الثالث: ليست كأمك يا بعطيطي ولا كأم جعلص1! # قال الرابع: يا ويلك لو سمع جعلص، فإن لكماته حينئذ لا تترك أمك تعرف ~~وجهك من القفا! # قال الخامس: ومن جعلص هذا؟ فليأت لأريكم كيف أصارعه، فأجتذبه فأعصره بين ~~يدي، فأعتقل رجله برجلي، فأدفعه، فيتخاذل، فأعركه، فيخر على وجهه؛ فأسمره ~~في الأرض بمسمار! # فقال السادس: ها ها! إنك تصف بأدق الوصف ما يفعله جعلص لو تناولك في يده! # فصاح السابع: ويلكم! ها هو ذا, جعلص، جعلص، جعلص! # فتطاير الباقون يمينا وشمالا كالورق الجاف تحت الشجر ضربته الريح العاصف, ~~وقهقه الصبي من ورائهم، فثابوا إلى أنفسهم وتراجعوا. وقال المستطيل منهم: ~~أما أني كنت أريد أن يعدو جعلص ورائي، فأستطرد إليه قليلا أطمعه في نفسي، ~~ثم أرتد عليه فآخذه كما فعل "ماشيست الجبار"2 في ذلك المنظر الذي شاهدناه. # وقهقه الصبيان جميعا! ثم أحاطوا "بعصمت" إحاطة العشاق بمعشوقة جميلة، ~~يحاول كل منهم أن يكون المقرب المخصوص بالحظوة، لا من أجل أنه ابن المدير ~~فحسب، ولكن من أجل أن ابن المدير تكون معه القروش. فلو وجدت القروش مع ابن ~~زبال لما منعه نسبه أن يكون أمير الساعة بينهم إلى أن تنفد قروشه فيعود ابن ~~زبال! # وتنافسوا في "عصمت" وملاعبته والاختصاص به، فلو جاء المدير نفسه ~~PageV01P067 # يلعب مع آبائهم ويركبهم ويركبونه، وهم بين نجار وحداد، وبناء وحمال، ~~وحوذي وطباخ؛ وأمثالهم من ذوي المهنة المكسبة الضئيلة, لكانت مطامع هؤلاء ~~الأطفال في ابن المدير، أكبر من مطامع الآباء في المدير. # وجرت المنافسة بينهم مجراها، فانقلبت إلى ملاحاة، ورجعت هذه الملاحاة إلى ~~مشاحنة، وعاد ابن المدير هدفا للجميع يدافعون عنه وكأنما يعتدون عليه، إذ ~~لا يقصد أحد منهم ms050 أحدا بالغيظ إلا تعمد غيظ حبيبه، ليكون أنكأ له وأشد ~~عليه! # وتظاهروا بعضهم على بعض، ونشأت بينهم الطوائل، وأفسدهم هذا الغني المتمثل ~~بينهم. ويا ما أعجب إدراك الطفولة وإلهامها! فقد اجتمعت نفوسهم على رأي ~~واحد، فتحولوا جميعا إلى سفاهة واحدة أحاطت بابن المدير، فخاطره أحدهم في ~~اللعب فقمره، فأبى إلا أن يعلو ظهره ويركبه؛ وأبى عليه ابن المدير ودافعه، ~~يرى ذلك ثلما في شرفه ونسبه وسطوة أبيه؛ فلم يكد يعتل بهذه العلة ويذكر ~~أباه ليعرفهم آباءهم, هاجت حتى كبرياؤهم، وثارت دفائنهم، ورقصت شياطين ~~رءوسهم؛ وبذلك وضع الغبي حقد الفقر بإزاء سخرية الغنى؛ فألقى بينهم مسألة ~~المسائل الكبرى في هذا العالم وطرحها للحل! # وتنفشوا للصولة عليه، فسخر منه أحدهم، ثم هزأ به الآخر، وأخرج الثالث ~~لسانه؛ وصدمه الرابع بمنكبه، وأفحش عليه الخامس؛ ولكزه السادس؛ وحثا السابع ~~في وجهه التراب! # وجهد المسكين أن يفر من بينهم فكأنما أحاطوه بسبعة جدران فبطل إقدامه ~~وإحجامه، ووقف بينهم كما كتب الله, ثم أخذته أيديهم فانجدل على الأرض, ~~فتجاذبوه يمرغونه في التراب! # وهم كذلك إذ انقلب كبيرهم على وجهه، وانكفأ الذي يليه، وأزيح الثالث، ~~ولطم الرابع، فنظروا فصاحوا جميعا: "جعلص، جعلص! " وتواثبوا يشتدون هربا. ~~وقام "عصمت" ينتخل التراب من ثيابه وهو يبكي بدمعه، وثيابه تبكي بترابها! ~~ووقف ينظر هذا الذي كشفهم عنه وشردتهم صولته، فإذا جعلص وعليه رجفان من ~~الغضب، وقد تبرطمت شفته، وتقبض وجهه، كما يكون "ماشيست" في معاركه حين يدفع ~~عن الضعفاء. # وهو طفل في العاشرة من لدات "عصمت"، غير أنه محتنك في سن رجل # PageV01P068 # صغير؛ غليظ عبل شديد الجبلة متراكب بعضه على بعض1، كأنه جني متقاصر يهم ~~أن يطول منه المارد، فأنس به "عصمت"، واطمأن إلى قوته، وأقبل يشكو له ~~ويبكي! # قال جعلص: ما اسمك؟ # قال: أنا ابن المدير‍! # قال جعلص: لا تبك يابن المدير. تعلم أن تكون جلدا، فإن الضرب ليس بذل ولا ~~عار، ولكن الدموع هي تجعله ذلا وعارا؛ إن الدموع لتجعل الرجل أنثى. نحن ~~يابن المدير نعيش طول حياتنا إما ms051 في ضرب الفقر أو ضرب الناس، هذا من هذا؛ ~~ولكنك غني يابن المدير، فأنت كالرغيف "الفينو" ضخم منتفخ، ولكنه ينكسر ~~بلمسة، وحشوه مثل القطن! # ماذا تتعلم في المدرسة يابن المدير إذا لم تعلمك المدرسة أن تكون رجلا ~~يأكل من يريد أكله؛ وماذا تعرف إذا لم تكن تعرف كيف تصبر على الشر يوم ~~الشر، وكيف تصبر للخير يوم الخير، فتكون دائما على الحالتين في خير؟ # قال عصمت: آه لو كان معي العسكري! # قال جعلص: ويحك؛ لو ضربوا عنزا لما قالت: آه لو كان معي العسكري! # قال عصمت: فمن أين لك هذه القوة؟ # قال جعلص: من أني أعتمل بيدي, فأنا أشتد وإذا جعت أكلت طعامي؛ أما أنت ~~فتسترخي، فإذا جعت أكلك طعامك؛ ثم من أني ليس لي عسكري! # قال عصمت: بل القوة من أنك لست مثلنا في المدرسة؟ # قال جعلص: نعم، فأنت يابن المدرسة كأنك طفل من ورق وكراسات لا من لحم، ~~وكأن عظامك من طباشير! أنت يابن المدرسة هو أنت الذي سيكون بعد عشرين سنة، ~~ولا يعلم إلا الله كيف يكون، وأما أنا ابن الحياة، فأنا من الآن، وعلي أن ~~أكون "أنا" من الآن! # أنت. # وهنا أدركهما العسكري المسخر لابن المدير، وكان كالمجنون يطير على ~~PageV01P069 # وجهه في الطرق يبحث عن "عصمت"، لا حبا فيه، ولكن خوفا من أبيه؛ فما كاد ~~يرى هذا العفر على أثوابه حتى رنت صفعته على وجه المسكين جعلص. # فصعر هذا خده، ورشق عصمت بنظره، وانطلق يعدو عدو الظليم! # يا للعدالة! كانت الصفعة على وجه ابن الفقير، وكان الباكي منها ابن ~~الغني! # وأنتم أيها الفقراء، حسبكم البطولة؛ فليس غنى بطل الحرب في المال ~~والنعيم، ولكن بالجراح والمشقات في جسمه وتاريخه. # PageV01P070 ### | أحلام في الشارع # *1: # على عتبة "البنك" نام الغلام وأخته يفترشان الرخام البارد، ويلتحفان جوا ~~رخاميا في برده وصلابته على جسميهما. # الطفل متكبكب في ثوبه كأنه جسم قطع وركمت أعضاؤه بعضها على بعض، وسجيت ~~بثوب، ورمي الرأس من فوقها فمال على خده. # والفتاة كأنها من الهزال رسم مخطط لامرأة، ms052 بدأها المصور ثم أغفلها إذ لم ~~تعجبه. كتب الفقر عليها للأعين ما يكتب الذبول على الزهرة: إنها صارت قشا. # نائمة في صورة ميتة، أو كميتة في صورة نائمة؛ وقد انسكب ضوء القمر على ~~وجهها، وبقي وجه أخيها في الظل؛ كأن في السماء ملكا وجه المصباح إليها ~~وحدها، إذ عرف أن الطفل ليس في وجهه علامة هم؛ وأن في وجهها هي كل همها وهم ~~أخيها. # من أجل أنها أنثى قد خلقت لتلد, خلق لها قلب يحمل الهموم ويلدها ويربيها. # من أجل أنها أعدت للأمومة، تتألم دائما في الحياة آلاما فيها معنى انفجار ~~الدم. # من أجل أنها هي التي تزيد الوجود، يزيد هذا الوجود دائما في أحزانها. # وإذا كانت بطبيعتها تقاسي الأم لا يطاق حين تلد فرحها، فكيف بها في ~~الحزن! # وكان رأس الطفل إلى صدر أخته، وقد نام مطمئنا إلى هذا الوجود النسوي، ~~الذي لا بد منه لكل طفل مثله، ما دام الطفل إذا خرج من بطن أمه خرج إلى ~~الدنيا وإلى صدرها معا. PageV01P071 # ونامت هي ويدها مرسلة على أخيها كيد الأم على طفلها. يا إلهي! نامت ويدها ~~مستيقظة! # أهما طفلان؟ أم كلاهما تمثال للإنسانية التي شقيت بالسعداء فعوضها الله ~~من رحمته ألا تجد شقيا مثلها إلا تضاعفت سعادتها به؟ # تمثالان يصوران كيف يسري قلب أحد الحبيبين في الجسم الآخر، فيجعل له ~~وجودا فوق الدنيا، لا تصل الدنيا إليه بفقرها وغناها، ولا سعادتها وشقائها؛ ~~لأنه وجود الحب لا وجود العمر؛ وجود سحري ليس فيه معنى للكلمات، فلا فرق ~~بين المال والتراب، والأمير والصعلوك؛ إذ اللغة هناك إحساس الدم، وإذ ~~المعنى ليس في أشياء المادة ولكن في أشياء الإرادة. # وهل تحيا الألفاظ مع الموت، فيكون بعده للمال معنى وللتراب معنى؟ هي كذلك ~~في الحب الذي يفعل شبيها بما يفعله الموت في نقله الحياة إلى عالم آخر، بيد ~~أن أحد العالمين وراء الدنيا، والآخر وراء النفس. # تحت يد الأخت الممدودة ينام الطفل المسكين، ومن شعوره بهذه اليد، خف ثقل ~~الدنيا على قلبه. # لم ms053 يبال أن نبذه العالم كله، ما دام يجد في أخته عالم قلبه الصغير, وكأنه ~~فرخ من فراخ الطير في عشه المعلق، وقد جمع لحمه الغض الأحمر تحت جناح أمه، ~~فأحس أهنأ السعادة حين ضيق في نفسه الكون العظيم، وجعله وجودا من الريش. # وكذلك يسعد كل من يملك قوة تغيير الحقائق وتبديلها، وفي هذا تفعل الطفولة ~~في نشأة عمرها ما لا تفعل بعضه معجزات الفلسفة العليا في جملة أعمار ~~الفلاسفة. # وما صنع الذين جنوا بالذهب، ولا الذين فتنوا بالسلطة، ولا الذين هلكوا ~~بالحب، ولا الذين تحطموا بالشهوات, إلا أنهم حاولوا عبثا أن يرشوا رحمة ~~الله لتعطيهم في الذهب والسلطة والحب والشهوات ما نولته هذا الطفل المسكين ~~النائم في أشعة الكواكب تحت ذراع كوكب روحه الأرضي. # ألا إن أعظم الملوك لن يستطيع بكل ملكه أن يشتري الطريقة الهنيئة التي ~~ينبض بها الساعة قلب هذا الطفل. # PageV01P072 # وقفت أشهد الطفلين وأنا مستيقن أن حولهما ملائكة تصعد وملائكة تنزل! ~~وقلت: هذا موضع من مواضع الرحمة، فإن الله مع المنكسرة قلوبهم، ولعلي أن ~~أتعرض لنفحة من نفحاتها، ولعل ملكا كريما يقول: وهذا بائس آخر، فيرفني ~~بجناحه رفة ما أحوج نفسي إليها، تجد بها في الأرض لمسة من ذلك النور ~~المتلألئ فوق الشمس والقمر. # وظهر لي بناء "البنك" في ظلمة الليل من مرأى الغلامين, أسود كالحا، كأنه ~~سجن أقفل على شيطان يمسكه إلى الصبح، ثم يفتح له لينطلق معمرا، أي: مخربا, ~~أو هو جسم جبار كفر بالله وبالإنسانية ولم يؤمن إلا بنفسه وحظوظ نفسه فمسخه ~~الله بناء، وأحاطه من هذا الظلام الأسود بمعاني آثامه وكفره. # يا عجبا! بطنان جائعان في أطمار بالية يبيتان على الطوى والهم، ثم لا ~~يكون وسادهما إلا عتبة البنك! ترى من الذي لعن "البنك" بهذه اللعنة الحية؟ ~~ومن الذي وضع هذين القلبين الفارغين موضعهما ذلك ليثبت للناس أن ليس البنك ~~خزائن حديدية يملؤها الذهب، ولكنه خزائن قلبية يملؤها الحب؟ # وقفت أرى الطفلين رؤية فكر ورؤية شعر معا، فإذا الفكر والشعر يمتدان بيني ~~وبين ms054 أحلامهما، ودخلت في نفسين مضهما الهم واشتد عليهما الفقر، وما من شيء ~~في الحياة إلا كادهما وعاسرهما؛ ونمت نومتي الشعرية. # قال الطفل لأخته: هلمي فلنذهب من هنا فنقف على باب "السينما" نتفرج مما ~~بنا، فنرى أولاد الأغنياء الذين لهم أب وأم. # انظري ها هم أولاء يرى عليهم أثر الغنى، وتعرف فيهم روح النعمة؛ وقد ~~شبعوا. إنهم يلبسون لحما على عظامهم؛ أما نحن فنلبس على عظامنا جلدا كجلد ~~الحذاء؛ إنهم أولاد أهليهم؛ أما نحن فأولاد الأرض؛ هم أطفال، ونحن حطب ~~إنساني يابس؛ يعيشون في الحياة ثم يموتون؛ أما نحن فعيشنا هو سكرات الموت، ~~إلى أن نموت؛ لهم عيش وموت، ولنا الموت مكررا. # ويلي على ذلك الطفل الأبيض السمين، الحسن البزة، الأنيق الشاردة، ذاك ~~الذي يأكل الحلوى أكل لص قد سرق طعاما فأسرع يحدر في جوفه ما سرق؛ هو الغنى ~~الذي جعله يبتلع بهذه الشراهة، كأنما يشرب ما يأكل، أو له حلق غير الحلوق؛ ~~ونحن -إذا أكلنا- نغص بالخبز لا أدم معه، وإذا ارتفعنا عن هذه الحالة # PageV01P073 # لم نجد إلا البشيع من الطعام، وأصبناه عفنا أو فاسدا لا يسوغ في الحلق، ~~فإذا انخفضنا فليس إلا ما نتقمم من قشور الأرض ومن حتات الخبز كالدواب ~~والكلاب؛ وإن لم نجد ومسنا العدم وقفنا نتحين طعام قوم في دار أو نزل، ~~فنراهم يأكلون فنأكل معهم بأعيننا، ولا نطمع أن نستطعمهم وإلا أطعمونا ضربا ~~فنكون قد جئناهم بألم واحد فردونا بألمين، ونفقد بالضرب ما كان يمسك رمقنا ~~من الاحتمال والصبر. # هؤلاء الأطفال يتضورون شهوة كلما أكلوا، ليعودوا فيأكلوا؛ ونحن نتضور ~~جوعا ولا نأكل، لنعود فنجوع ولا نأكل؛ وهم بين سمع أهليهم وبصرهم؛ ما من ~~أنة إلا وقعت في قلب، وما من كلمة إلا وجدت إجابة؛ ونحن بين سمع الشوارع ~~وبصرها، أنين ضائع، ودموع غير مرحومة! # - آه لو كبرت فصرت رجلا عريضا؟ أتدرين ماذا أصنع؟ # - ماذا تصنع يا أحمد؟ # - إنني أخنق بيدي كل هؤلاء الأطفال! # - سوءة لك يا أحمد، كل طفل من هؤلاء له أم مثل أمنا التي ms055 ماتت، وله أخت ~~مثلي؛ فما عسى ينزل بي لو ثكلتك إذا خنقك رجل طويل عريض؟ # - لا، لا أخنقهم؛ بل سأرضيهم من نفسي؛ أنا أريد أن أصير رجلا مثل ~~"المدير" الذي رأيناه في سيارته اليوم على حال من السطوة تعلن أنه المدير, ~~أتدرين ماذا أصنع؟ # - ماذا تصنع يا أحمد؟ # - أرأيت عربة الإسعاف التي جاءت عند الظهر فانقلبت نعشا للرجل الهرم ~~المحطم الذي أغمي عليه في الطريق؟ سمعتهم يقولون: إن المدير هو الذي أمر ~~باتخاذ هذه العربة، ولكنه رجل غفل لم يتعلم من الحياة مثلنا، ولم تحكمه ~~تجارب الدنيا؛ فالذي يموت بالفجاءة أو غيرها لا يحييه المدير ولا غير ~~المدير، والذي يقع في الطريق يجد من الناس من يبتدرونه لنجدته وإسعافه ~~بقلوب إنسانية رحيمة، لا بقلب سواق عربة ينتظر المصيبة على أنها رزق وعيش. # إن عربات الإسعاف هذه يجب أن يكون فيها أكل, ويجب أن تحمل أمثالنا من ~~الطرق والشوارع إلى البيوت والمدارس؛ وإن لم يكن للطفل أم تطعمه وتؤويه ~~فلتصنع له أم. # PageV01P074 # كل شيء أراه لا أراه إلا على الغلط، كأن الدنيا منقلبة أو مدبرة إدبارها، ~~وما قط رأيت الأمور في بلادنا جارية على مجاريها؛ فهؤلاء الحكام لا ينبغي ~~أن يكونوا إلا من أولاد صالحي الفقراء، ليحكموا بقانون الفقر والرحمة، لا ~~بقانون الغنى والقسوة، وليتقحموا الأمور العظيمة المشتبهة بنفوس عظيمة ~~صريحة قد نبتت على صلابة وبأس، وخلق ودين ورحمة؛ فإنه لا ينهزم في معركة ~~الحوادث إلا روح النعمة في أهل النعمة، وأخلاق الدين في أهل اللين؛ وبهؤلاء ~~لم يبرح الشرق من هزيمة سياسية في كل حادثة سياسية. # إن للحكم لحما ودما هم لحم الحاكم ودمه, فإن كان صلبا خشنا فيه روح الأرض ~~وروح السماء فذاك، وإلا قتل اللين والترف الحكم والحاكم جميعا. وهؤلاء ~~الحكام من أولاد الأغنياء لا يكون لهم هم إلا أن يرفعوا من شأن أنفسهم، إذ ~~السلطة درجة فوق الغنى, ومن نال هذه استشرف لتلك، فإذا جمعوهما كان منهما ~~الخلق الظالم الذي يصور لهم الاعتداء قوة وسطوة وعلوا، من ms056 حيث عدموا الخلق ~~الرحيم الذي يصور لهم هذه القوة ضعفا وجبنا ونذالة. إن أحدهم إذا حكم وتسلط ~~أراد أن يضرب، ثم لم تكن ضربته الأولى إلا في المبدأ الاجتماعي للأمة، أو ~~في الأصل الأدبي للإنسانية. يحرصون على ما به تمامهم، أي: على السلطة، أي: ~~على الحكم، فيحملهم ذلك على أن يتكلفوا للحرص أخلاقه، وأن يجمعوا في أنفسهم ~~أسبابه؛ من المداراة والمصانعة والمهاونة، نازلا فنازلا إلى درك بعيد، ~~فينشروا أسوأ الأخلاق بقوة القانون ما داموا هم القوة. # - وماذا تريد أن يصنع أولاد الأغنياء يا أحمد؟ # - أما أولاد الأغنياء فيجب أن يباشروا الصناعة والتجارة، ليجدوا عملا ~~شريفا يصيبون منه رزقهم بأيديهم لا بأيدي آبائهم، فإنه والله لولا العمى ~~الاجتماعي لما كان فرق بين ابن أمير متبطل في أملاك أبيه من القصور ~~والضياع، وابن فقير متبطل في أملاك المجلس البلدي من الأزقة والشوارع. # وابن الأمير إذا كان نجارا أو حدادا أصلح السوق والشارع بأخلاقه الطيبة ~~اللينة، وتعففه وكرمه، فيتعلم سواد الناس منه الأمانة والصدق، إذ هو لا ~~يكذب ولا يسرق ما دام فوق الاضطرار، ولا كذلك ابن الفقير الذي يضطره العيش ~~أن يكون تاجرا أو صانعا، فتكون حرفته التجارة وهي السرقة، أو الصناعة وهي ~~الغش، ويكون في الناس أكثر عمره مادة كذب وإثم ولصوصية. # PageV01P075 # - آه لو صرت مديرا! أتدرين ماذا أصنع؟ # - ماذا تصنع يا أحمد؟ # - أعمد إلى الأغنياء فأردهم بالقوة إلى الإنسانية، وأحملهم عليها حملا، ~~أصلح فيهم صفاتها التي أفسدها الترف واللين والنعمة, ثم أصلح ما أخل به ~~الفقر من صفات الإنسانية بالفقراء، وأحملهم على ذلك حملا، فيستوي هؤلاء ~~وهؤلاء، ويتقاربون على أصل في الدم إن لم يلده آباؤهم ولده القانون. ألا إن ~~سقوط أمتنا هذه لم يأت إلا من تعادي الصفات الإنسانية في أفرادها، فتقطع ما ~~بينهم، فهم أعداء في وطنهم، وإن كان اسمهم أهل وطنهم. # ومتى أحكمت الصفات الإنسانية في الأمة كلها ودانى بعضها بعضا؛ صار قانون ~~كل فرد كلمتين، لا كلمة واحدة كما هو الآن. القانون الآن "حقي" ونحن نريد ms057 ~~أن يكون "حقيا وواجبيا" وما أهلك الفقراء بالأغنياء، ولا الأغنياء ~~بالفقراء, ولا المحكومين بالحكام, إلا قانون الكلمة الواحدة. # أنا أحمد المدير, لست المدير بما في نفس أحمد، ولا بمعدته وبطنه، ولا بما ~~يريد أحمد لنفسه وأولاده, كلا، أنا عمل اجتماعي منظم يحكم أعمال الناس ~~بالعدل، أنا خلق ثابت يوجه أخلاقهم بالقوة، أنا الحياة الأم مع الحياة ~~الأطفال الأخوة في هذا البيت الذي يسمى الوطن، أنا الرحمة, عندي الجنة ولكن ~~عندي جهنم أيضا ما دام في الناس من يعصي، أنا بكل ذلك لست أحمد، لكني ~~الإصلاح. # ها أنا ذا قد صرت مديرا أعس في الطريق بالليل وأتفقد الناس ونوائبهم. # من أرى؟ هذا طفل وأخته على عتبة البنك في حياة كأهدامهما المرقعة، في ~~دنيا تمزقت عليهما، قم يا بني، لا ترع إنما أنا كأبيك، تقول: اسمك أحمد, ~~واسم أختك أمينة؟ # تقول: إنك ما نمت من الجوع، ولكن مضمضت عينك بشعاع النوم؟ # يا ولدي المسكينين, بأي ذنب من ذنوبكما دقتكما الأيام دقا وطحنتكما طحنا، ~~وبأي فضيلة من الفضائل يكون ابن فلان باشا، وبنت فلان باشا في هذا العيش ~~اللين يختاران منه ويتأنقان فيه، ما الذي ضر الوطن منكما فتموتا، وما الذي ~~نفع الوطن منهما فيعيشا؟ # إن كنت يا بني لا تملك لنفسك الانتصار من هذه الظليمة فأنا أملكها لك، # PageV01P076 # وإنما أنا المظلوم إلى أن تنتصر، وإنما أنا الضعيف إلى أن آخذ لك الحق. # إلي يابن فلان باشا وبنت فلان باشا. # يا هذا عليك أخاك أحمد ولتكن به حفيا، ويا هذه، عليك أختك الآنسة أمينة. # أتأبيان، أنفرة من الإنسانية، وتمردا على الفضيلة، أحقا بلا واجب، دائما ~~قانون الكلمة الواحدة؟! خلقتما أبيضين سخرية من القدر وأنتما في النفس من ~~أحبوشة الزنج ومناكيد العبيد. # ورفع أحمد يده. # وكان الشرطي الذي يقوم على هذا الشارع، وإليه حراسة البنك، قد توسنهما1 ~~ودخلته الريبة، فانتهى إليهما في تلك اللحظة، وقبل أن تنزل يد سعادة المدير ~~بالصفعة على وجه ابن الباشا وبنت الباشا كان هذا الشرطي قد ركله برجله، ~~فوثب ms058 قائما واجتذب أخته وانطلقا عدو الخيل من ألهوب السوط. # وتمجدت الفضيلة كعادتها! أن مسكينا حلم بها. PageV01P077 ### | أحلام في قصر # *: # كان فلان ابن الأمير فلان يتنبل في نفسه بأنه مشتق ممن يضع القوانين لا ~~ممن يخضع لها، فكان تياها صلفا يشمخ على قومه بأنه ابن الأمير، ويختال في ~~الناس بأن له جدا من الأمراء، ويرى من تجبره أن ثيابه على أعطافه كحدود ~~الملكة على المملكة لأن له أصلا في الملوك. # وكان أبوه من الأمراء الذين ولدوا وفي دمهم شعاع السيف، وبريق التاج، ~~ونخوة الظفر، وعز القهر والغلبة؛ ولكن زمن الحصار ضرب عليه، وأفضت الدولة ~~إلى غيره، فتراجعت فيه ملكات الحرب من فتح الأرض إلى شراء الأرض، ومن تشييد ~~الإمارات إلى تشييد العمارات، ومن إدارة معركة الأبطال إلى إدارة معركة ~~المال؛ وغبر دهره يملك ويجمع حتى أصبحت دفاتر حسابه كأنها "خريطة" مملكة ~~صغيرة. # وبعض أولاد الأمراء يعرفون أنهم أولاد أمراء، فيكونون من التكبر والغرور ~~كأنما رضوا من الله أن يرسلهم إلى هذه الدنيا ولكن بشروط. # وانتقل الأمير البخيل إلى رحمة الله، وترك المال وأخذ معه الأرقام وحدها ~~يحاسب عنها، فورثه ابنه وأمر يده في ذلك المال يبعثره؛ وكانت الأقدار قد ~~كتبت عليه هذه الكلمة: غير قابل للإحسان. فمحتها بعد موت أبيه، وكتبت في ~~مكانها هذه الكلمة: جمع للشيطان. # أما الشيطان فكان له عمل خاص في خدمة هذا الشاب، كعمل خازن الثياب لسيده، ~~غير أنه لا يلبسه ثيابا بل أفكارا وآراء وأخيلة. وكان يجهد أن يدخل الدنيا ~~كلها إلى أعصابه ليخرج منها دنيا جديدة مصنوعة لهذه الأعصاب خاصة، وهي ~~أعصاب مريضة ثائرة متلهبة لا يكفيها ما يكفي غيرها فلا تبرح PageV01P078 # تسأل الشيطان بين الحين والحين: ألا توجد لذة جديدة غير معروفة؟ ألا ~~يستطيع إبليس القرن العشرين أن يخترع لذة مبتكرة؟ ألا تكون الحياة إلا على ~~هذه الوتيرة من صبحها لصبحها؟ # كان الشاب كالذي يريد من إبليس أن يخترع كأسا تسع نهرا من الخمر، أو يجد ~~له امرأة واحدة وفيها كل فنون النساء واختلافهن. ms059 وكان يريد من الشيطان أن ~~يعينه في اللذة على الاستغراق الروحاني ويغمره بمثل التجليات القدسية التي ~~تنتهي إليها النفس من حدة الطرب وحدة الشوق، وذلك فوق طاقة إبليس، ومن ثم ~~كان معه في جهد عظيم حتى ضجر منه ذات مرة فهم أن يرفع يده عنه ويدعه يدخل ~~إلى المسجد فيصلي مع بعض الأمراء الصالحين. # وهؤلاء الفساق الكثيرو المال إنما يعيشون بالاستطراف من هذه الدنيا؛ ~~فهمهم دائما الألذ والأجمل والأغلى؛ ومتى انتهت فيهم اللذة منتهاها ولم تجد ~~عاطفتهم من اللذات الجديدة ما يسعدها، ضاقت بهم فظهرت مظهر الذي يحاول أن ~~ينتحر؛ وذلك هو الملل الذي يبتلون به. والفاسق الغني حين يمل من لذاته يصبح ~~شأنه مع نفسه كالذي يكون في نفق تحت الأرض, ويريد هناك سماء وجوا يطير ~~فيهما بالطيارة. # قالوا: واعترض ابن الأمير ذات يوم شحاذ مريض قد أسن وعجز, يتحامل بعضه ~~على بعض, فسأله أن يحسن إليه وذكر عوزه واختلاله، وجعل يبثه من دموعه ~~وألفاظه. وكان إبليس في تلك الساعة قد صرف خواطر الشاب إلى إحدى الغانيات ~~الممتنعات عليه، وقد ابتاع لها حلية ثمينة اشتط بائعها في الثمن حتى بلغ به ~~عشرة آلاف دينار، فهو يريد أن يهديها إليها كأنها قدر من قادر. وقطع عليه ~~الشحاذ المسكين أفكاره المضيئة في الشخص المضيء، فكان إهانة لخياله السامي. ~~ووجد في نفسه غضاضة من رؤية وجهه، واشمأز في عروقه دم الإمارة، وتحركت ~~الوراثة الحربية في هذا الدم. # ثم ألقى الشيطان إلقاءه عليه، فإذا هو يرى صاحب الوجه القذر كأنما يتهكم ~~به يقول له: أنت أمير يبحث الناس عن الأمير الذي فيه فلا يجدون إلا الشيطان ~~الذي فيه. وليس فيك من الإمارة إلا مثل ما يكون من التاريخ في الموضع ~~الأثري الخرب. ولن تكون أميرا بشهادة عشرة آلاف دينار عند مومس، ولكن ~~بشهادة هذا المال عند عشرة آلاف فقير. أنت أمير, فهل تثبت الحياة أنك أمير ~~أو هذا معنى في # PageV01P079 # كلمة من اللغة؟ إن كانت الحياة فأين أعمالك، وإن اللغة فهذه لفظة بائدة ms060 ~~تدل في عصور الانحطاط على قسط حاملها من الاستبداد والطغيان والجبروت، كأن ~~الاستبداد بالشعب غنيمة يتناهبها عظماؤه، فقسم منها في الحاكم وقسم في شبه ~~الحاكم يترجم عنه في اللغة بلقب أمير. # ألا قل للناس أيها الأمير: إن لقبي هذا إنما هو تعبير الزمن عما كان ~~لأجدادي من الحق في قتل الناس وامتهانهم. # وكان هذا كلاما بين وجه الشحاذ وبين نفس ابن الأمير في حالة بخصوصها من ~~أحوال النفس، فلا جرم أهين الشحاذ وطرد ومضى يدعو بما يدعو. # ونام ابن الأمير تلك الليلة فكانت خيالته1 من دنيا ضميره وضمير الشحاذ, ~~فرأي فيما يرى النائم أن ملكا من الملائكة يهتف به: # ويلك! لقد طردت المسكين تخشى أن تنالك منه جراثيم تمرض بها، وما علمت أن ~~في كل سائل فقير جراثيم أخرى تمرض بها النعمة؛ فإن أكرمته بقيت فيه، وإن ~~أهنته نفضها عليك. لقد هلكت اليوم نعمتك أيها الأمير، واسترد العارية ~~صاحبها، وأكلت الحوادث مالك فأصبحت فقيرا محتاجا تروم الكسرة من الخبز فلا ~~تتهيأ لك إلا بجهد وعمل ومشقة؛ فاذهب فاكدح لعيشك في هذه الدنيا، فما لأبيك ~~حق على الله أن تكون عند الله أميرا. # قالوا: وينظر ابن الأمير فإذا كل ما كان لنفسه قد تركه حين تركه المال، ~~وإذا الإمارة كانت وهما فرضه على الناس قانون العادة، وإذا التعاظم ~~والكبرياء والتجبر ونحوها إنما كانت مكرا من المكر لإثبات هذا الظاهر ~~والتعزز به. وينظر ابن الأمير، فإذا هو بعد ذلك صعلوك أبتر معدم رث الهيئة ~~كذلك الشحاذ، فيصيح مغتاظا: كيف أهملتني الأقدار وأنا ابن الأمير؟ # قالوا: ويهتف به ذلك الملك: ويحك, إن الأقدار لا تدلل أحدا، لا ملكا ولا ~~ابن ملك، ولا سوقيا ولا ابن سوقي، ومتى صرتم جميعا إلى التراب فليس في ~~التراب عظم يقول لعظم آخر: أيها الأمير. PageV01P080 # قالوا: وفكر الشاب المسكين في صواحبه من النساء، وعندهن شبابه وإسرافه، ~~ونفقاته الواسعة، فقال في نفسه: أذهب لإحداهن؛ وأخذ سمته إليها، فما كادت ~~تعرفه عيناها في أسماله وبذاذته وفقره حتى أمرت به فجر ms061 بيديه ودفع في قفاه. ~~ولكن دم الإمارة نزا في وجهه غضبا، وتحركت فيه الوراثة الحربية، فصاح وأجلب ~~واجتمع الناس عليه واضطربوا، وماج بعضهم في بعض. فبينا هو في شأنه حانت منه ~~التفاتة فأبصر غلاما قد دخل في غمار الناس، فدس يده في جيب أحدهم فنشل كيسه ~~ومضى. # قالوا: وجرى في وهم ابن الأمير أن يلحق بالغلام فيكبسه كبسة الشرطي ~~وينتزع منه الكيس وينتفع بما فيه، فتسلل من الزحام وتبع الصبي حتى أدركه ثم ~~كبسه وأخذ الكيس منه وأخرج الكنز، فإذا ليس فيه إلا خاتم وحجاب وبعض خرزات ~~مما يتبرك العامة بحمله، ومفتاح صغير. # فامتلأ غيظا وفار دم الإمارة وتحركت الوراثة الحربية التي فيه. وألم ~~الصبي بما في نفسه، وحدس على أنه رجل أفاق متبطل، ولا نفاذ له في صناعة ~~يرتزق منها، فرثى لفقره وجهله ودعاه إلى أن يعلمه السرقة وأن يأخذه إلى ~~مدرستها. وقال: إن لنا مدرسة، فإذا دخلت القسم الإعدادي منها تعلمت كيف ~~تحمل المكتل1 فتذهب كأنك تجمع فيه الخرق البالية من الدور حتى إذا سنحت لك ~~غفلة انسللت إلى دار منها، فسرقت ما تناله يدك من ثوب أو متاع، ولا تزال في ~~هذا الباب من الصنعة حتى تحكمه، ومتى حذقته ومهرت فيه انتقلت إلى القسم ~~الثانوي. # فصاح ابن الأمير: اغرب عني، عليك وعليك، أخزاك الله! ولعن الله الإعدادي ~~والثانوي معا. # ثم إنه رمى الكيس في وجه الغلام وانطلق، فبينا هو يمشي وقد توزعته ~~الهموم، أنشأ يفكر فيما كان يراه من المكدين، وتلك العلل التي ينتحلونها ~~للكدية كالذي يتعامى والذي يتعارج والذي يحدث في جسمه الآفة؛ ولكن دم ~~الإمارة اشمأز في عروقه وتحركت فيه الوراثة الحربية! وبصر بشاب من أبناء ~~الأغنياء تنطق عليه النعمة فتعرض لمعروفه، وأفضى إليه بهمه، وشكا ما نزل به ~~ثم قال: وإني قد أملتك وظني بك أن تصطفيني لمنادمتك أو تلحقني بخدمتك، وما ~~أريد إلا الكفاف PageV01P081 # من العيش، فإن لم تبلغ بي، فالقليل الذي يعيش به المقل. وصعد فيه الشاب ~~وصوب ثم قال له: أتحسن ms062 أن تلطف في حاجتي؟ قال: سأبلغ في حاجتك ما تحب. قال ~~الشاب: ألك سابقة في هذا؟ أكنت قوادا؟ أتعرف كثيرات منهن؟ # فانتفض غضبا وهم أن يبطش بالفتى لولا خوفه عاقبة الجريمة، فاستخذى ومضى ~~لوجهه، وكان قد بلغ سوقا فأمل أن يجد عملا في بعض الحوانيت، غير أن أصحابها ~~جعلوا يزجرونه مرة ويطردونه مرة، إذ وقعت به ظنة التلصص، وكادوا يسلمونه ~~إلى الشرطي فمضى هاربا، وقد أجمع أن ينتحر ليقتل نفسه ودهره وإمارته وبؤسه ~~جميعا. # قالوا: ومر في طريقه إلى مصرعه بامرأة تبيع الفجل والبصل والكراث، وهي ~~بادنة وضيئة ممتلئة الأعلى والأسفل، وعلى وجهها مسحة إغراء، فذكر غزله ~~وفتنته واستغواءه للنساء، ونازعته النفس، وحسب المرأة تكون له معاشا ولهوا، ~~وظنها لا تعجزه ولا تفوته وهو في هذا الباب خراج ولاج منذ نشأ. غير أن ما ~~كاد يراودها حتى ابتدرته بلطة أظلم لها الجو في عينه ثم هرت في وجهه هريرا ~~منكرا واستعدت عليه السابلة فأطافوا به وأخذه الصفح بما قدم وما حدث، وما ~~زالوا يتعاورونه حتى وقع مغشيا عليه. # ورأى في غشيته ما رأى من تمام هذا الكرب، فضرب وحبس وابتلي بالجنون وأرسل ~~إلى المارستان، وساح في مصائب العالم، وطاف على نكبات الأمراء والسوقة بما ~~يعي وما لا يعي، ثم رأى أنه أفاق من الإغماء, فإذا هو قد استيقظ من نومه ~~على فراشه الوثير. # ويا ليت من يدري بعد هذا! أغدا ابن الأمير على المسجد وأقبل على الفقراء ~~يحسن إليهم، أم غدا على صاحبته التي امتنعت عليه فابتاع لها الحلية بعشرة ~~آلاف دينار؟ # يا ليت من يدري! فإن الكتاب الذي نقلنا القصة عنه لم يذكر من هذا شيئا, ~~بل قطع الخبر عندما انقطع الصفع. # PageV01P082 ### | بنت الباشا # *: # كانت هذه المرأة وضاحة الوجه، زهراء اللون كالقمر الطالع، تحسبها لجمالها ~~غذتها الملائكة بنور النهار، وروتها من ضوء الكواكب. # وكانت بضة مقسمة أبدع التقسيم، يلتف جسمها شيئا على شيء التفافا هندسيا ~~بديعا، يرتفع عن أجسام الغيد الحسان؛ أفرغ فيها الجمال بقدر ما يمكن إلى ~~أجسام ms063 الدمى العبقرية التي أفرغ فيها الجمال والفن بقدر ما يستحيل. # وكانت باسمة أبدا ما يتلألأ الفجر، حتى كأن دمها الغزلي الشاعر يصنع ~~لثغرها ابتسامتها، كما يصنع لخديها حمرتهما. # ما لها جلست الآن تحت الليل مطرقة كاسفة ذابلة، تأخذها العين فما تشك أن ~~هذا الوجه قد كان فيه منبع نور وغاض! وأن هذا الجسم الظمآن المعروق هو بقعة ~~من الحياة أقيم فيها مأتم! # ما لهذه العين الكحيلة تذري الدمع وتسترسل في البكاء وتلج فيه، كأن ~~الغادة المسكينة تبصر بين الدموع طريقا تفضي منه نفسها إلى الحبيب الذي لم ~~يعد في الدنيا؛ إلى وحيدها الذي أصبحت تراه ولا تلمسه، وتكلمه ولا يرد ~~عليها؛ إلى طفلها الناعم الظريف الذي انتقل إلى القبر ولن يرجع، وتتمثله ~~أبدا يريد أن يجيء إليها ولا يستطيع، وتتخيله أبدا يصيح في القبر يناديها: ~~"يا أمي، يا أمي". # قلبها الحزين يقطع فيها ويمزق في كل لحظة؛ لأنه في كل لحظة يريد منها أن ~~تضم الطفل إلى صدرها؛ ليستشعره القلب فيفرح ويتهنأ إذ يمس الحياة الصغيرة ~~الخارجة منه ولكن أين الطفل؟ أين حياة القلب الخارجة من القلب؟ # لا طاقة للمسكينة أن تجيب قلبها إلى ما يطلب، ولا طاقة لقلبها أن يهدأ ~~عما PageV01P083 # يطلب؛ فهو من الغيظ والقهر يحاول أن يفجر صدرها، ويريد أن يدق ضلوعها؛ ~~ليخرج فيبحث بنفسه عن حبيبه! # مسكينة تترنح وتتلوى تحت ضربات مهلكة من قلبها، وضربات أخرى من خيالها، ~~وقد باتت من هذه وتلك تعيش في مثل اللحظة التي تكون فيها الذبيحة تحت ~~السكين. ولكنها لحظة امتدت إلى يوم، ويوم امتدت إلى شهر. يا ويلها من طول ~~حياة لم تعد في آلامها وأوجاعها إلا طول مدة الذبح للمذبوح. # ولو كان للموت قطار يقف على محطة في الدنيا، ليحمل الأحباب إلى الأحباب، ~~ويسافر من وجود إلى وجود، وكانت هذه الأم جالسة في تلك المحطة منتظرة ~~تتربص، وقد ذهلت عن كل شيء، وتجردت من كل معاني الحياة، وجمدت جمود ~~الانتقال إلى الموت؛ لما كانت إلا بهذه الهيئة في مجلسها ms064 الآن في شرفتها من ~~قصرها؛ تطل على الليل المظلم وعلى أحزانها! # هي فلانة بنت فلان باشا وزوجة فلان بك. ترادفت النعم على أبيها فيما يطلب ~~وما لا يطلب، وكأنما فرغ من اقتراحه على الزمان واكتفى من المال والجاه، ~~فلم يعجب الزمان ذلك، فأخذ يقترح له ويصنع ما يقترح، ويزيده على رغمه نعما ~~تتوالى! # وكان قد تقدم إلى خطبة ابنته شاب مهذب، يملك من نفسه الشباب والهمة ~~والعلم، ومن أسلافه العنصر الكريم والشرف الموروث؛ ومن أخلاقه وشمائله ما ~~يكاثر به الرجال ويفاخر. بيد أنه لا يملك من عيشه إلا الكفاف والقلة، وأملا ~~بعيدا كالفجر وراء ليل لا بد من مصابرته إلى حين ينبثق النور. # وتقدم صاحبنا إلى الباشا فجاءه كالنجم عاريا؛ أي: في أزهى نورانيته ~~وأضوئها. وكان قد علق الفتاة وعلقته، فظن عند نفسه أن الحب هو مال الحب، ~~وأن الرجولة هي مال الأنوثة، وأن القلوب تتعامل بالمسرات لا بالأموال، ونسي ~~أنه يتقدم إلى رجل مالي جعلته حقارة الاجتماع رتبة، أو إلى رتبة مالية ~~جعلتها حقارة الاجتماع رجلا, وأن كلمة "باشا" وأمثالها إنما تخلفت عن ذلك ~~المذهب القديم: مذهب الألوهية الكاذبة التي انتحلها فرعون وأمثاله، ~~ليتعبدوا الناس منها بألفاظ قلوبهم المؤمنة؛ فإذا قيل "إله" كان جواب ~~القلب: "عز وجل"، "سبحانه". # PageV01P084 # ولما ارتقى الناس عن عبادة الناس، تلطفت تلك الألوهية ونزلت إلى درجات ~~إنسانية، لتتعبد الناس بألفاظ عقولهم الساذجة؛ فإن قيل "باشا" كان جواب ~~العقل الصغير: "سعادتلو أفندم! "1. # نسي الشاب أنه "أفندي" سيتقدم إلى "باشا" وأعماه الحب عن فرق بينهما؛ ~~وكان سامي النفس، فلم يدرك أن صغائر الأمم الصغيرة لا بد لها أن تنتحل ~~السمو انتحالا، وأن الشعب الذي لا يجد أعمالا كبيرة يتمجد بها، هو الذي ~~تخترع له الألفاظ الكبيرة ليتلهى بها؛ وأنه متى ضعف إدراك الأمة لم يكن ~~التفاوت بين الرجال بفضائل الرجولة ومعانيها، بل بموضع الرجولة من تلك ~~الألفاظ؛ فإن قيل "باشا" فهذه الكلمة هي الاختراع الاجتماعي العظيم في أمم ~~الألفاظ؛ ومعناها العلمي: قوة ألف فدان أو أكثر أو ms065 أقل؛ ويقابلها مثلا في ~~أمم الأعمال الكبيرة لفظ "الآلة البخارية" ومعناها العلمي قوة كذا وكذا ~~حصانا أو أقل أو أكثر2! # نسي هذا الشاب أن "أمم الأكل والشرب" في هذا المشرق المسكين، لا تتم ~~عظمتها إلا بأن تضع لأصحاب المال الكثير ألقابا هي في الواقع أوصاف ~~اجتماعية للمعدة التي تأكل الأكثر والأطيب والألذ، وتملك أسباب القدرة على ~~الألذ والأطيب والأكثر. # وتقدم "الأفندي" يتودد إلى "الباشا" ما استطاع، ويتواضع وينكمش، ولا ~~يألوه تمجيدا وتعظيما؛ ولكن أين هو من الحقيقة؟ إنه لم يكن عند الباشا إلا ~~أحمق؛ إذ لم يعرف أن تقدمه إلى ذلك العظيم كان أول معانيه أن كلمة "أفندي" ~~تطاولت إلى كلمة "باشا" بالسب علنا! # وانقبضوا عن "الأفندي" وأعرضوا عنه إعراضا كان معناه الطرد؛ ثم جاء ~~"البك" يخطب الفتاة. # و"بك" منبهة للاسم الخاطب، وشرف وقدر وثناء اجتماعي، وذكر شهير، وإرغام ~~على التعظيم بقوة الكلمة، ودليل على الحرمات اللازمة للاسم لزوم السواد ~~للعين، ولو لم يكن تحت "بك" رجل، فإن تحتها على كل حال "بك"! وأنعم ~~PageV01P085 # له الباشا، ووصل يده بيد ابنته فألبسها وألبسته، وأعلمها أبوها أنه قد ~~فحص عن البك فإذا هو "بك" قوة مائتي فدان. أما الأفندي فظهر من الفحص ~~الهندسي الاجتماعي أنه "أفندي" قوة خمسة عشر جنيها في الشهر! # وخنس الأفندي وتراجع منخزلا، وقد علم أن "الباشا" إنما زوج لقبه قبل أن ~~يزوج ابنته، وأنه هو لمن يملك مهر هذا اللقب إلا إذا ملك أن يبدل أسباب ~~التاريخ الاجتماعي في الأمم الضعيفة، فينقل إلى العقل أو النفس ما جعلته ~~"أمم الأكل والشرب" من حق المعدة، فلا يكون "باشا" إلا مخترع شرقي مفلس أو ~~أديب عظيم فقير، أو من جرى هذا المجرى في سمو المعنى لا في سمو المال. # وقدمت مائتا الفدان مهرها "الطيني" العظيم بما تعبيره في اللغة الطينية: ~~ثمن عشرين ثورا، ومثلها جاموسا، ومثلها بغالا وأحمرة، وفوقها مائة قنطار ~~قطنا، ومائة إردب قمحا؛ ثم ذرة، ثم شعيرا. والمجموع الطيني لذلك ألف جنيه، ~~وعزى الباشا أنه مستطيع أن يقول ms066 للناس: إنها خمسة آلاف، اختزلتها الأزمة ~~قبحها الله! # ثم زفت "بنت الباشا" زفافا طينيا بهذا المعنى أيضا، كان تعبيره: أنه أنفق ~~عليه ثمن ألف قنطار بصلا، ومائة غرارة من السماد الكيماوي، كأنما فرش بها ~~الطريق! # وطفق الباشا يفاخر ويتمدح، ويتبذخ على الأفندي وأمثال الأفندي بالطين ~~ومعاني الطين؛ فردت الأقدار كلامه، وجعلت مرجعه في قلبه، وهيأت لبنت الباشا ~~معيشة "طينية" بمعنى غير ذلك المعنى. # ومات الطفل؛ فردت هذه النكبة بنت الباشا إلى معاني انفرادها بنفسها قبل ~~الزواج، وزادتها على انفرادها الحزن والألم؛ وألقت الأقدار بذلك في أيامها ~~ولياليها التراب والطين. # ولج الحزن ببنت الباشا فجعلت لا ترى إلا القبر، ولا تتمنى إلا القبر، ~~تلحق فيه بولدها؛ فوضعت الأقدار من ذلك في روحها معنى الطين والتراب. # وأسقم الهم بنت الباشا وأذابها؛ فنقلت الأقدار إلى لحمها عمل الطين، في ~~تحليله الأجسام وإذابتها تحت البلى. # PageV01P086 # وكان وراء قصرها حواء1 يأوي إليه قوم من "طين الناس" بنسائهم وعيالهم، ~~وفيهم رجل "زبال" له ثلاثة أولاد، يراهم أعظم مفاخره وأجمل آثاره، ولا يزال ~~يرفع صوته متمدحا بهم, ويخترع لذلك أسبابا كثيرة لكي يسمعه جيرانه كل ليلة ~~مفاخرا، مرة بأحمد، ومرة بحسن، ومرة بعلي، وأعجب أمره أنه يرى أولاده هؤلاء ~~متممين في الطبيعة لأولاد "الباشوات". وهو يحبهم حب الحيوان المفترس ~~لصغاره؛ يرى الأسد أشباله هم صنعة قوته، فلا يزال يحوطهم ويتممهم ويرعاهم، ~~حتى إنه ليقاتل الوجود من أجلهم؛ إذ يشعر بالفطرة الصادقة أنه هو وجودهم، ~~وأن الطبيعة وهبت له منهم مسرات قلبه، ذلك القلب الذي انحصرت مسراته في ~~النسل وحده، فصار الشعور بالنسل عنده هو الحب إلى نهاية الحب, وكذلك الزبال ~~الأسد2. # ومن سخرية القدر أن زبالنا هذا لم يسكن الحواء إلا في تلك الليلة التي ~~جلست فيها بنت الباشا على ما وصفنا، وفي ضلوعها قلب يفتت من كبدها، ويمزق ~~من أحشائها. # وبينا تناجي نفسها وتعجب من سخرية الأقدار بالباشا والبك، وتستحمق أباها ~~فيما أقدم عليه من نبذ كفئها لعجزه عن مهر باشا، وإيثار هذا المهر الطيني، ~~وتباهيه ms067 به أمام الناس، واندرائه بالطعن على من ليس له لقب من ألقاب الطين, ~~بينا هي كذلك إذا بالزبال؛ كانس التراب والطين يهتف في جوف الليل ويتغنى: # يا ليل، يا ليل، يا ليل ... ما تنجلي يا ليل # القلب3 أهو راضي ... لك حمدي يا ربي # من الهموم فاضي ... افرح لي يا قلبي # يا دوب كدا يا دوب ... زي الحمام عايش PageV01P087 # ما يمتلك غير توب ... طول عمره فيه نافش # يا ليل، يا ليل، يا ليل ... ما تنجلي يا ليل # إن قلت أنا فرحان ... ذا مين يكديني # واكتر من السلطان ... فرحان أنا بابني # بين السيوف يا ناس ... لم انكسر سيفي # وابن الغنى محتاس ... وأنا على كيفي # يا ليل، يا ليل، يا ليل ... ما تنجلي يا ليل # وابن الغنى ف هموم ... والخالي خالي البال # والفقر ما بيدوم ... وتدوم هموم المال # يا طير, يا طير، يا طير ... الحر فوق اللوم # والخير، جميع الخير ... لقمه، وعافيه، ونوم # يا ليل، يا ليل، يا ليل ... ما تنجلي يا ليل # ولم تختر الأقدار إلا زبالا ترسل في لسانه سخريتها بذلك الباشا وبنت ذلك ~~الباشا! # وكسر قلب بكسر قلب ... وحطم نفس بحطم نفس # ورب عز تراه أمسى ... كناسة هيئت لكنس # PageV01P088 ### | ورقة ورد # *: # "وضعنا كتابنا "أوراق الورد" في نوع من الترسل لم يكن منه شيء في الأدب ~~العربي على الطريقة التي كتبناه بها، في المعاني التي أفردناه لها؛ وهو ~~رسائل غرامية تطارحها شاعر فيلسوف وشاعرة فيلسوفة على ما بيناه في مقدمة ~~الكتاب. وكانت قد ضاعت "ورقة ورد" وهي رسالة كتبها العاشق إلى صديق له، يصف ~~من أمره وأمر صاحبته، ويصور له فيها سحر الحب كما لمسه وكما تركه. وقد ~~عثرنا عليها بعد طبع الكتاب، فرأينا ألا ننفرد بها، وهي هذه:" # كانت لها نفس شاعرة، من هذه النفوس العجيبة التي تأخذ الضدين بمعنى واحد ~~أحيانا؛ فيسرها مرة أن تحزنها وتستدعي غضبها، ويحزنها مرة أن تسرها وتبلغ ~~رضاها، كأن ليس في السرور ولا في الحزن معان من الأشياء ولكن من نفسها ~~ومشيئتها. # وكان خيالها ms068 مشبوبا، يلقي في كل شيء لمعان النور وانطفاءه؛ فالدنيا في ~~خيالها كالسماء التي ألبسها الليل، ملئت بأشيائها مبعثرة مضيئة خافتة ~~كالنجوم. # ولها شعور دقيق، يجعلها أحيانا من بلاغة حسها وإرهافه كأن فيها أكثر من ~~عقلها؛ ويجعلها في بعض الأحيان من دقة هذا الحس واهتياجه كأنها بغير عقل. # وهي ترى أسمى الفكر في بعض أحوالها ألا يكون لها فكر؛ فتترك من أمورها ~~أشياء للمصادفة، كأنها واثقة أن الحظ بعض عشاقها. على أن لها ثلاثة أنواع ~~من الذكاء، في عقلها وروحها وجسمها: فالذكاء في عقلها فهم، وفي روحها فتنة، ~~وفي جسمها خلاعة. # وكنت أراها مرحة مستطارة مما تطرب وتتفاءل، حتى لأحسبها تود أن يخرج ~~PageV01P089 # الكون من قوانينه ويطيش؛ ثم أراها بعد متضورة مهمومة تحزن وتتشاءم، حتى ~~لأظنها ستزيد الكون هما ليس فيه! # وكانت على كل أحوالها المتنافرة جميلة ظريفة، قد تمت لها الصورة التي ~~تخلق الحب، والأسرار التي تبعث الفتنة؛ والسحر الذي يميز روحها بشخصيتها ~~الفاتنة كما تتميز هي بوجهها الفاتن. # وكان حبي إياها حريقا من الحب, فمثل لعينيك جسما تناول جلده مس من لهب، ~~فتسلع هذا الجلد1 هنا وهناك من سلخ النار، وظهر فيه من آثار الحروق لهب ~~يابس أحمر كأنه عروق من الجمر انتشرت في هذا الجسم. إنك إن تمثلت هذا الوصف ~~ثم نقلته من الجلد إلى الدم, كان هو حريق ذلك الحب في دمي! # والحب -إن كان حبا- لم يكن إلا عذابا؛ فما هو إلا تقديم البرهان من ~~العاشق على قوة فعل الحقيقة التي في المعشوق، ليس حال منه في عذابه، إلا ~~وهي دليل على شيء منها في جبروتها. # ولقد أيقنت أن الغرام إنما هو جنون شخصية المحب بشخصية محبوبه، فيسقط ~~العالم وأحكامه ومذاهبه مما بين الشخصيتين؛ وينتفي الواقع الذي يجري الناس ~~عليه، وتعود الحقائق لا تأتي من شيء في هذه الدنيا إلا بعد أن تمر على ~~المحبوب لتجيء منه، ويصبح هذا الكون العظيم كأنه إطار في عين مجنون لا يحمل ~~شيئا إلا الصورة التي جن بها! # وتالله لكأن قانون ms069 الطبيعة يقضي ألا تحب المرأة رجلا يسمى رجلا، وألا ~~تكون جديرة بمحبها، إلا إذا جرت بينهما أهوال من الغرام تتركها معه كأنها ~~مأخوذة في الحرب. تلك الأهوال يمثلها الحيوان المتوحش عملا جسميا بالقتال ~~على الأنثى، ثم ترق في الإنسان المتحضر فيمثلها عملا قلبيا بالحب. # أحببتها جهد الهوى حتى لا مزيد فيه ولا مطمع في مزيد، ولكن أسرار فتنتها ~~استمرت تتعدد فتدفعني أن يكون حبي أشد من هذا؛ ولا أعرف كيف يمكن في الحب ~~أشد من هذا؟ PageV01P090 # ولقد كنت في استغاثتي بها من الحب كالذي رأى نفسه في طريق السيل ففر إلى ~~ربوة عالية, في رأسها عقل لهذا السيل الأحمق، أو كالذي فاجأه البركان ~~بجنونه وغلظته فهرب في رقة الماء وحلمه، ولا سيل ولا بركان إلا حرقتي ~~بالهوى وارتماضي من الحب. # أما والله, إنه ليس العاشق هو العاشق، ولكن هي الطبيعة، هي الطبيعة في ~~العاشق. # هي الطبيعة, بجبروتها، وعسفها، وتعنتها. إذا استراح الناس جميعا قالت ~~للعاشق: إلا أنت! # إذا عقل الناس جميعا قالت في العاشق: إلا هذا. # إذا برأت جراح الحياة كلها قالت: إلا جرح الحب! # إذا تشابهت الهموم كالدمعة والدمعة، قالت: إلا هم العشق! # إذا تغير الناس في الحالة بعد الحالة، قالت في الحبيب: إلا هو! # إذا انكشف سر كل شيء، قالت: إلا المعشوق؛ إلا هذا المحجب بأسرار القلب! # ولما رأيتها أول مرة، ولمسني الحب لمسة ساحر، جلست إليها أتأملها وأحتسي ~~من جمالها ذلك الضياء المسكر، الذي تعربد له الروح عربدة كلها وقار ظاهر. ~~فرأيتني يومئذ في حالة كغشية الوحي، فوقها الآدمية ساكنة، وتحتها تيار ~~الملائكة يعب ويجري. # وكنت ألقى خواطر كثيرة، جعلت كل شيء منها ومما حولها يتكلم في نفسي، كأن ~~الحياة قد فاضت وازدحمت في ذلك الموضع تجلس فيه، فما شيء يمر به إلا مسته ~~فجعلته حيا يرتعش، حتى الكلمات. # وشعرت أول ما شعرت أن الهواء الذي تتنفس فيه يرق رقة نسيم السحر، كأنما ~~انخدع فيها فحسب وجهها نور الفجر! # وأحسست في المكان قوة عجيبة في قدرتها على ms070 الجذب، جعلتني مبعثرا حول هذه ~~الفتانة، كأنها محدودة بي من كل جهة. # وخيل إلي أن النواميس الطبيعية قد اختلت في جسمي إما بزيادة وإما بنقص؛ ~~فأنا لذلك أعظم أمامها مرة، وأصغر مرة. # PageV01P091 # وظننت أن هذه الجميلة إن هي إلا صورة من الوجود النسائي الشاذ, وقع فيها ~~تنقيح إلهي لتظهر للدنيا كيف كان جمال حواء في الجنة. # ورأيت هذا الحسن الفاتن يشعرني بأنه فوق الحسن؛ لأنه فيها هي؛ وأنه فوق ~~الجمال والنضرة والمرح؛ لأن الله وضعه في هذا السرور الحي المخلوق امرأة. # والتمست في محاسنها عيبا، فبعد الجهد قلت مع الشاعر: # إذا عبتها شبهتها البدر طالعا ... ! # ورأيتها تضحك الضحك المستحي, فيخرج من فمها الجميل كأنما هو شاعر أنه ~~تجرأ على قانون. # وتبسم ابتسامات تقول كل منها للجالسين: انظروها! انظروها! # ويغمرها ضحك العين والوجه والفم, وضحك الجسم أيضا باهتزازه وترجرجه في ~~حركات كأنما يبسم بعضها ويقهقه بعضها. # وتلقي نظرات جعل الله معها ذلك الإغضاء وذلك الحياء ليضع شيئا من الوقاية ~~في هذه القوة النسوية، قوة تدمير القلب. # وهي على ذلك متسامية في جمالها حتى لا يتكلم جسمها في وساوس النفس كلام ~~اللحم والدم، وكأنه جسم ملائكي ليس له إلا الجلال طوعا أو كرها. # جسم كالمعبد، لا يعرف من جاءه أنه جاءه إلا ليبتهل ويخشع. # وتطالعك من حيث تأملت فكرة الحياة المنسجمة على هذا الجسم، تطلب منك ~~الفهم وهي لا تفهم أبدا, أي: تريد الفهم الذي لا ينتهي؛ أي: تطلب الحب الذي ~~لا ينقطع. # وهي أبدا في زينة حسنها كأنها عروس في معرض جلوتها؛ غير أن للعروس ساعة، ~~ولها هي كل ساعة. # أما ظرفها فيكاد يصيح تحت النظرات: أنا خائف، أنا خائف! # ووجهها تتغالب عليه الرزانة والخفة، لتقرأ فيه العين عقلها وقلبها. # وهي مثل الشعر، تطرب القلب بالألم يوجد في بعض السرور، وبالسرور الذي يحس ~~في بعض الألم. # PageV01P092 # وهي مثل الخمر، تحسب الشيطان مترقرقا فيها بكل إغرائه! # وكلما تناولت أمامي شيئا أو صنعت شيئا خلقت معه شيئا؛ أشياؤها لا تزيد ~~بها الطبيعة، ولكن ms071 تزيد بها النفس. # فيا كبدا طارت صدوعا من الأسى! # ورأيتني يومئذ في حالة كغشية الوحي، فوقها الآدمية ساكنة، وتحتها تيار ~~الملائكة يعب ويجري. # يا سحر الحب! تركتني أرى وجهها من بعد هو الوجه الذي تضحك به الدنيا، ~~وتعبس وتتغيظ وتتحامق أيضا. # وجعلتني أرى الابتسامة الجميلة هي أقوى حكومة في الأرض! # وجعلتني يا سحر الحب؛ وجعلتني يا سحر الحب مجنونا! # PageV01P093 ### | سمو الحب # *: # صاح المنادي في موسم الحج: "لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح"1 وكذلك ~~كان يفعل خلفاء بني أمية؛ يأمرون صائحهم في الموسم، أن يدل الناس على مفتي ~~مكة وإمامها وعالمها، ليلقوه بمسائلهم في الدين، ثم ليمسك غيره عن الفتوى، ~~إذ هو الحجة القاطعة لا ينبغي أن يكون معها غيرها مما يختلف عليها أو ~~يعارضها، وليس للحجج إلا أن تظاهرها وتترادف على معناها. # وجلس عطاء يتحين الصلاة في المسجد الحرام، فوقف عليه رجل وقال: يا أبا ~~محمد، أنت أفتيت كما قال الشاعر: # سل المفتي المكي: هل في تزاور ... وضمة مشتاق الفؤاد جناح؟ # فقال: معاذ الله أن يذهب التقى ... تلاصق أكباد بهن جراح! # فرفع الشيخ رأسه وقال: والله ما قلت شيئا من هذا، ولكن الشاعر هو نحلني ~~هذا الرأي الذي نفثه الشيطان على لسانه، وإني لأخاف أن تشيع القالة في ~~الناس، فإذا كان غد وجلست في حلقتي فاغد علي، فإني قائل شيئا. # وذهب الخبر يؤج كما تؤج النار، وتعالم الناس أن عطاء سيتكلم في الحب، ~~وعجبوا كيف يدري الحب أو يحسن أن يقول فيه من غبر عشرين سنة فراشه المسجد، ~~وقد سمع من عائشة أم المؤمنين، وأبي هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وابن عباس بحر العلم. # وقال جماعة منهم: هذا رجل صامت أكثر وقته، وما تكلم إلا خيل إلى الناس ~~أنه يؤيد بمثل الوحي، فكأنما هو نجي ملائكة يسمع ويقول، فلعل السماء موحية ~~إلى الأرض بلسانه وحيا في هذه الضلالة التي عمت الناس وفتنتهم بالنساء ~~والغناء. PageV01P094 # ولما كان غد جاء الناس أرسالا إلى المسجد، حتى اجتمع منهم ms072 الجمع الكثير. ~~قال عبد الرحمن بن عبد الله أبي عمار: وكنت رجلا شابا من فتيان المدينة، ~~وفي نفسي ومن الدنيا ومن هوى الشباب، فغدوت مع الناس، وجئت وقد تكلم أبو ~~محمد وأفاض، ولم أكن رأيته من قبل، فنظرت إليه فإذا هو في مجلسه كأنه غراب ~~أسود، إذ كان ابن أمة سوداء تسمى "بركة" ورأيته مع سواده أعور أفطس أشل ~~أعرج مفلفل الشعر، لا يتأمل المرء منه طائلا، ولكنك تسمعه يتكلم فتظن منه ~~ومن سواده -والله- أن هذه قطعة ليل تسطع فيها النجوم، وتصعد من حولها ~~الملائكة وتنزل. # قال: وكان مجلسه في قصة يوسف عليه السلام، ووافقته وهو يتكلم في تأويل ~~قوله تعالى: {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك ~~قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون، ولقد همت به وهم ~~بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء} . # قال عبد الرحمن: فسمعت كلاما قدسيا تضع له الملائكة أجنحتها من رضى ~~وإعجاب بفقيه الحجاز. حفظت منه قوله: # عجبا للحب! هذه ملكة تعشق فتاها الذي ابتاعه زوجها بثمن بخس؛ ولكن أين ~~ملكها وسطوة ملكها في تصوير الآية الكريمة؟ لم تزد الآية على أن قالت: ~~{وراودته التي} و {التي} هذه كلمة تدل على كل امرأة كائنة من كانت؛ فلم يبق ~~على الحب ملك ولا منزلة؛ وزالت الملكة من الأنثى! # وأعجب من هذا كلمة {وراودته} وهي بصيغتها المفردة حكاية طويلة تشير إلى ~~أن هذه المرأة جعلت تعترض يوسف بألوان من أنوثتها, لون بعد لون؛ ذاهبة إلى ~~فن، راجعة من فن؛ لأن الكلمة مأخوذة من رودان الإبل في مشيتها؛ تذهب وتجيء ~~في رفق. وهذا يصور حيرة المرأة العاشقة، واضطرابها في حبها؛ ومحاولتها أن ~~تنفذ إلى غايتها؛ كما يصور كبرياء الأنثى إذ تختال وتترفق في عرض ضعفها ~~الطبيعي كأنما الكبرياء شيء آخر غير طبيعتها؛ فمهما تتهالك على من تحب وجب ~~أن يكون لهذا "الشيء الآخر" مظهر امتناع أو مظهر تحير أو مظهر اضطراب، وإن ~~كانت ms073 الطبيعة من وراء ذلك مندفعة ماضية مصممة. # ثم قال: {عن نفسه} ليدل على أنها لا تطمع فيه، ولكن في طبيعته البشرية، ~~فهي تعرض ما تعرض لهذه الطبيعة وحدها، وكأن الآية مصرحة في أدب سام كل ~~السمو، منزه غاية التنزيه بما معناه: "إن المرأة بذلت كل ما تستطيع في ~~إغرائه # PageV01P095 # وتصبنيه، مقبلة عليه ومتدللة ومتبذلة ومنصبة من كل جهة، بما في جسمها ~~وجمالها على طبيعته البشرية، وعارضة كل ذلك عرض امرأة خلعت -أول ما خلعت- ~~أمام عينيه ثوب الملك". # ثم قال: {وغلقت الأبواب} ولم يقل "أغلقت" وهذا يشعر أنها لما يئست، ورأت ~~منه محاولة الانصراف، أسرعت في ثورة نفسها مهتاجة تتخيل القفل الواحد ~~أقفالا عدة، وتجري من باب إلى باب، وتضطرب يدها في الأغلاق، كأنما تحاول سد ~~الأبواب لا إغلاقها فقط. # {وقالت هيت لك} ومعناها في هذا الموقف أن اليأس قد دفع بهذه المرأة إلى ~~آخر حدوده, فانتهت إلى حالة من الجنون بفكرتها الشهوانية، ولم تعد لا ملكة ~~ولا امرأة، بل أنوثة حيوانية صرفة، متكشفة مصرحة، كما تكون أنثى الحيوان في ~~أشد اهتياجها وغليانها. # هذه ثلاثة أطوار يترقى بعضها من بعض، وفيها طبيعة الأنوثة نازلة من ~~أعلاها إلى أسفلها. فإذا انتهت المرأة إلى نهايتها ولم يبق وراء ذلك شيء ~~تستطيعه أو تعرضه بدأت من ثم عظمة الرجولة السامية المتمكنة في معانيها، ~~فقال يوسف: {معاذ الله} ثم قال: {إنه ربي أحسن مثواي} [يوسف: 23] ثم قال: ~~{إنه لا يفلح الظالمون} [يوسف: 23] . وهذه أسمى طريقة إلى تنبيه ضمير ~~المرأة في المرأة، إذ كان أساس ضميرها في كل عصر هو اليقين بالله، ومعرفة ~~الجميل، وكراهة الظلم. ولكن هذا التنبيه المترادف ثلاث مرات لم يكسر من ~~نزوتها، ولم يفثأ تلك الحدة، فإن حبها كان قد انحصر في فكرة واحدة اجتمعت ~~بكل أسبابها في زمن, في مكان, في رجل. فهي فكرة محتبسة كأن الأبواب مغلقة ~~عليها أيضا؛ ولذا بقيت المرأة ثائرة ثورة نفسها. وهنا يعود الأدب الإلهي ~~السامي إلى تعبيره المعجز فيقول: {ولقد همت به} [يوسف: 24] كأنما يومئ ms074 بهذه ~~العبارة إلى أنها ترامت عليه، وتعلقت به، والتجأت إلى وسيلتها الأخيرة، وهي ~~لمس الطبيعة بالطبيعة لإلقاء الجمرة في الهشيم! # جاءت العاشقة في قضيتها ببرهان الشيطان يقذف به في آخر محاولته. وهنا يقع ~~ليوسف -عليه السلام- برهان ربه كما وقع لها هي برهان شيطانها. فلولا برهان ~~ربه لكان رجلا من البشر في ضعفه الطبيعي. # قال أبو محمد: وههنا ههنا المعجزة الكبرى؛ لأن الآية الكريمة تريد ألا # PageV01P096 # تنفي عن يوسف -عليه السلام- فحولة الرجولة، حتى لا يظن به، ثم هي تريد من ~~ذلك أن يتعلم الرجال، وخاصة الشبان منهم، كيف يتسامون بهذه الرجولة فوق ~~الشهوات، حتى في الحالة التي هي نهاية قدرة الطبيعة؛ حالة ملكة مطاعة فاتنة ~~عاشقة مختلية متعرضة متكشفة متهالكة. هنا لا ينبغي أن ييأس الرجل، فإن ~~الوسيلة التي تجعله لا يرى شيئا من هذا, هي أن يرى برهان ربه. # وهذا البرهان يؤوله كل إنسان بما شاء، فهو كالمفتاح الذي يوضع في الأقفال ~~كلها فيفضها كلها؛ فإذا مثل الرجل لنفسه في تلك الساعة أنه هو وهذه المرأة ~~منتصبان أمام الله يراهما، وأن أماني القلب التي تهجس فيه ويظنها خافية ~~إنما هي صوت عال يسمعه الله؛ وإذا تذكر أنه سيموت ويقبر، وفكر فيما يصنع ~~الثرى في جسمه هذا, أو فكر في موقفه يوم تشهد عليه أعضاؤه بما كان يعمل, أو ~~فكر في أن هذا الإثم الذي يقترفه الآن سيكون مرجعه عليه في أخته أو بنته, ~~إذا فكر في هذا ونحوه رأى برهان ربه يطالعه فجأة، كما يكون السائر في ~~الطريق غافلا مندفعا إلى هاوية، ثم ينظر فجأة فيرى برهان عينه؛ أترونه ~~يتردى في الهاوية حينئذ، أم يقف دونها وينجو؟ احفظوا هذه الكلمة الواحدة ~~التي فيها أكثر الكلام, وأكثر الموعظة، وأكثر التربية، والتي هي كالدرع في ~~المعركة بين الرجل والمرأة والشيطان، كلمة {رأى برهان ربه} . # قال عبد الرحمن بن عبد الله وهو يتحدث إلى صاحبه سهيل بن عبد الرحمن: ~~ولزمت الإمام بعد ذلك، وأجمعت أن أتشبه به، وأسلك في طريقه من الزهد ~~والمعرفة؛ ms075 ثم رجعت إلى المدينة وقد حفظت الرجل في نفسي كما أحفظ الكلام، ~~وجعلت شعاري في كل نزعة من نزعات النفس هذه الكلمة العظيمة: {رأى برهان ~~ربه} [يوسف: 24] ، فما ألممت بإثم قط، ولا دانيت معصية، ولا رهقني مطلب من ~~مطالب النفس إلى يوم الناس هذا، وأرجو أن يعصمني الله فيما بقي، فإن هذه ~~الكلمة ليست كلمة، وإنما هي كأمر من السماء تحمله، تمر به آمنا على كل ~~معاصي الأرض، فما يعترضك شيء منها، كأن معك خاتم الملك تجوز به. # قال سهيل: فلهذا لقبك أهل المدينة "بالقس" لعبادتك وزهدك وعزوفك عن ~~النساء، وقليل لك -والله- يا أبا عبد الله، فلو قالوا: ما هذا بشرا إن هذا ~~إلا ملك، لصدقوا. # PageV01P097 # قالت سلامة جارية سهيل بن عبد الرحمن المغنية، الحاذقة الظريفة، الجميلة ~~الفاتنة، الشاعرة القارئة، المؤرخة المتحدثة، التي لم يجتمع في امرأة مثلها ~~حسن وجهها، وحسن غنائها، وحسن شعرها, قالت: واشتراني أمير المؤمنين يزيد بن ~~عبد الملك بعشرين ألف دينار "عشرة آلاف جنيه" وكان يقول: ما يقر عيني ما ~~أوتيت من الخلافة حتى أشتري سلامة؛ ثم قال حين ملكني: ما شاء بعد من أمر ~~الدنيا فليفتني! قالت: فلما عرضت عليه أمرني أن أغنيه، وكنت كالمخبولة من ~~حب عبد الرحمن القس، حبا أراه فالقا كبدي، آتيا على حشاشتي. فذهب عني والله ~~كل ما أحفظه من أصوات الغناء، كما يمسح اللوح مما كتب فيه، وأنسيت الخليفة ~~وأنا بين يديه، ولم أر إلا عبد الرحمن ومجلسه مني يوم سألني أن أغنيه بشعره ~~في، وقولي له يومئذ: حبا وكرامة وعزاة لوجهك الجميل. وتناولت العود وجسسته ~~بقلبي قبل يدي، وضربت عليه كأني أضرب لعبد الرحمن، بيد أرى فيها عقلا يحتال ~~حيلة امرأة عاشقة. ثم اندفعت أغني بشعر حبيبي: # إن التي طرقتك بين ركائب ... تمشي بمزهرها وأنت حرام # لتصيد قلبك، أو جزاء مودة ... إن الرفيق له عليك ذمام # باتت تعللنا وتحسب أننا ... في ذاك أيقاظ، ونحن نيام # وغنيته والله غناء والهة ذاهبة العقل كاسفة البال، ورددته كما رددته لعبد ~~الرحمن، وأنا ms076 إذ ذاك بين يديه كالوردة أول ما تتفتح. وأنا أنظر إليه وأتبين ~~لصوتي في مسمعيه صوتا آخر. وقطعته ذلك التقطيع، ومددته ذلك التمديد، وصحت ~~فيه صيحة قلبي وجوارحي كلها كما غنيت عبد الرحمن لكيما أؤدي إلى قلبه ~~المعنى الذي في اللفظ والمعنى الذي في النفس جميعا، ولكيما أسكره -وهو ~~الزاهد العابد- سكر الخمر بشيء غير الخمر! # وما أفقت من هذه إلا حين قطعت الصوت، فإذا الخليفة كأنما يسمع من قلبي لا ~~من فمي وقد زلزله الطرب، وما خفي علي أنه رجل قد ألم بشأن امرأة، وخشيت أن ~~أكون قد افتضحت عنده؛ ولكن غلبته شهوته، وكان جسدا بما فيه يريد جسدا لما ~~فيه، فمن ثم لم ينكر ولم يتغير. # واشتراني وصرت إليه، فلما خلونا سألني أن أغني, فلم أشعر إلا وأنا أغنيه ~~بشعر عبد الرحمن: # ألا قل لهذا القلب: هل أنت مبصر ... وهل أنت عن سلامة اليوم مقصر # PageV01P098 # إذا أخذت في الصوت كاد جليسها ... يطير إليها قلبه حين تنظر # وأديته على ما كان يستحسنه عبد الرحمن ويطرب له، إذ يسمع فيه همسا من ~~بكائي، ولهفة مما أجد به، وحسرة على أنه ينسكب في قلبي وهو يصد عني ~~ويتحاماني، وما غنيت: "وهل أنت عن سلامة اليوم مقصر" إلا في صوت تنوح به ~~سلامة على نفسها, وتندب وتتفجع! # فقال لي يزيد وقد فضحت نفسي عنده فضيحة مكشوفة: يا حبيبتي, من قائل هذا ~~الشعر؟ # قلت: أحدثك بالقصة يا أمير المؤمنين؟ # قال: حدثيني. # قلت: هو عبد الرحمن بن أبي عمار الذي يلقبونه بالقس لعبادته ونسكه، وهو ~~في المدينة يشبه عطاء بن أبي رباح، وكان صديقا لمولاي سهيل، فمر بدارنا ~~يوما وأنا أغني فوقف يسمع، ودخل علينا "الأحوص"1، فقال: ويحكم! لكأن ~~الملائكة والله تتلو مزاميرها بحلق سلامة، فهذا عبد الرحمن القس قد شغل بما ~~يسمع منها، وهو واقف خارج الدار، فتسارع مولاي فخرج إليه ودعاه إلى أن يدخل ~~فيسمع مني، فأبى! فقال له: أما علمت أن عبد الله بن جعفر، وهو من هو في ~~محله وبيته وعلمه ms077 قد مشى إلى جميلة أستاذة سلامة حين علم أنها آلت ألية ألا ~~تغني أحدا إلا في منزلها؛ فجاءها فسمع منها، وقد هيأت له مجلسها، وجعلت على ~~رءوس جواريها شعورا مسدلة كالعناقيد، وألبستهن أنواع الثياب المصبغة، ووضعت ~~فوق الشعور التيجان، وزينتهن بأنواع الحلى، وقامت هي على رأسه، وقام ~~الجواري صفين بين يديه، حتى أقسم عليها فجلست غير بعيد، وأمرت الجواري ~~فجلسن، ومع كل جارية عودها؛ ثم ضربن جميعا وغنت عليهن، وغنى الجواري على ~~غنائها، فقال عبد الله: ما ظننت أن مثل هذا يكون! # وأنا أقعدك في مكان تسمع من سلامة ولا تراها، إن كنت عند نفسك بالمنزلة ~~التي لم يبلغها عبد الله بن جعفر! # قالت سلامة: وكانت هذه والله -يا أمير المؤمنين- رقية من رقى إبليس؛ فقال ~~عبد الرحمن: أما هذا فنعم. ودخل الدار وجلس حيث يسمع، ثم أمرني مولاي فخرجت ~~إليه خروج القمر مشبوبا من سحابه كانت تغطيه؛ فأما هو فما رآني PageV01P099 # حتى علقت بقلبه، وسبح طويلا طويلا؛ وأما أنا فما رأيته حتى رأيت الجنة ~~والملائكة، ومت عن الدنيا وانتقلت إليه وحده. # قالت سلامة: وافتضحت مرة أخرى، فتنحنح يزيد, فضحكت وقلت: يا أمير ~~المؤمنين، أحدثك أم حسبك؟ قال: حدثيني ويحك! فوالله لو كنت في الجنة كما ~~أنت لأعدت قصة آدم مع واحد واحد من أهلها حتى يطردوا جميعا من حسنها إلى ~~حسنك! فما فعل القس ويحك؟ # قلت: يا أمير المؤمنين، إنه يدعى القس قبل أن يهواني. # فقال يزيد: وهل عجب وقد فتنته أن يطرده "البطريق"؟ # قلت: بل العجب وقد فتنته أن يصير هو البطريق! # فضحك يزيد وقال: إيه، ما أحسب الرجل إلا قد دهي منك بداهية! فحدثيني فقد ~~رفعت الغيرة؛ إني والله ما أرى هذا الرجل في أمره وأمرك إلا كالفحل من ~~الإبل، قد ترك من الركوب والعمل، ونعم وسمن للفحلة فند يوما, فذهب على ~~وجهه، فأقحم في مفازة، وأصاب مرتعا فتوحش واستأسد، وتبين عليه أثر وحشيته، ~~وأقبل قبال الجن من قوة ونشاط ويأس شديد؛ فلما طال انفراده وتأبده عرضت له ms078 ~~في البر ناقة كانت قد ندت من عطنها، وكانت فارهة جسيمة قد انتهت سمنا، ~~وغطاها الشحم واللحم، فرآها البازل الصئول، فهاج وصال وهدر، يخبط بيده ~~ورجله، ويسمع لجوفه دوي من الغليان، وإذا هي قد ألقت نفسها بين يديه! # أما والله لو جعل الشيطان في يمينه رجلا فحلا قويا جميلا، وفي شماله ~~امرأة جميلة عاشقة تهواه؛ ثم تمطى متدافعا ومد ذراعيه فابتعدا؛ ثم تراجع ~~متداخلا وضم ذراعيه فالتقيا؛ لكان هذا شأن ما بينك وبين القس! # قلت: لا والله يا أمير المؤمنين؛ ما كان صاحبي في الرجال خلا ولا خمرا، ~~وما كان الفحل إلا الناقة! وما أحسب الشيطان يعرف هذا الرجل، وهل كان ~~للشيطان عمل مع رجل يقول: إني أعرف دائما فكرتي وهي دائما فكرتي لا تتغير. ~~ذاك رجل أساسه كما يقول: {برهان ربه} [يوسف: 24] ولقد تصنعت له مرة يا أمير ~~المؤمنين، وتشكلت وتحليت وتبرجت، وحدثت نفسي منه بكثير، وقلت: إنه رجل قد ~~غبر شبابه في وجود فارغ من المرأة، ثم وجد المرأة في وحدي. وغنيته يا أمير ~~المؤمنين غناء جوارحي كلها، وكنت له كأني خرير ناعم يترجرج وينشر # PageV01P100 # أمامه ويطوى. وجلست كالنائمة في فراشها وقد خلا المجلس، وكنت من كل ذلك ~~بين يديه كالفاكهة الناضجة الحلوة تقول لمن يراها: "كلني! ". # قال يزيد: ويحك ويحك! وبعد هذا؟ # قلت: بعد هذا يا أمير المؤمنين، وهو يهواني الهوى البرح، ويعشقني العشق ~~المصني, لم ير في جمالي وفتنتي واستسلامي إلا أن الشيطان قد جاء يرشوه ~~بالذهب الذي يتعامل به! # فضحك يزيد وقال: لا والله، لقد عرض الشيطان منك ذهبه ولؤلؤه وجواهره ~~كلها، فكيف لعمري لم يفلح؛ وهو لو رشاني من هذا كله بدرهم لوجد أمير ~~المؤمنين شاهد زور! # قلت: ولكني لم أيأس يا أمير المؤمنين، وقد أردت أن أظهر امرأة فلم أفلح، ~~وعملت أن أظهر شيطانة فانخذلت, وجهدت أن يرى طبيعتي فلم يرني إلا بغير ~~طبيعة, وكلما حاولت أن أنزل به عن سكينته ووقاره رأيت في عينيه ما لا يتغير ~~كنور النجم, وكانت بعض نظراته ms079 والله كأنها عصا المؤدب، وكأنه يرى في جمالي ~~حقيقة من العبادة، ويرى في جسمي خرافة الصنم، فهو مقبل علي جميلة، ولكنه ~~منصرف عني امرأة. # لم أيأس على كل ذلك يا أمير المؤمنين، فإن أول الحب يطلب آخره أبدا إلى ~~أن يموت. وكان يكثر من زيارتي، بل كانت إلي الغدوة والروحة، من حبه إياي ~~وتعلقه بي؛ فواعدته يوما أن يجيء مني وأرى الليل أهله لأغنيه: "ألا قل لهذا ~~القلب ... " وكنت لحنته ولم يسمعه بعد. ولبثت نهاري كله أستروح في الهواء ~~رائحة هذا الرجل مما أتلهف عليه، وأتمثل ظلام الليل كالطريق الممتد إلى شيء ~~مخبوء أعلل النفس به. وبلغت ما أقدر عليه في زينة نفسي وإصلاح شأني، وتشكلت ~~في صنوف من الزهر، وقلت لأجملهن وهي الوردة التي وضعتها بين نهدي: يا أختي، ~~اجذبي عينه إليك، حتى إذا وقف نظره عليك فانزلي به قليلا أو اصعدي به ~~قليلا. # قال يزيد وهو كالمحموم: ثم ثم ثم؟ # قلت: يا أمير المؤمنين، ثم جاء مع الليل، وإن المجلس لخال ما فيه غيري ~~وغيره، بما أكابد منه وما يعاني منه فغنيته أحر غناء وأشجاه، وكان العاشق ~~فيه يطرب لصوتي، ثم يطرب الزاهد فيه من أنه استطاع أن يطرب، كما يطيش الطفل ~~ساعة ينطلق من حبس المؤدب. # PageV01P101 # وما كان يسوءني إلا أنه يمارس في الزهد ممارسة، كأنما أنا صعوبة إنسانية ~~فهو يريد أن يغلبها، وهو يجرب قوى نفسه وطبيعته عليها؛ أو كأنه يراني خيال ~~امرأة في مرآة، لا امرأة مائلة له بهواها وشبابها وحسنها وفتنتها، أو أنا ~~عنده كالحورية من حور الجنة في خيال من هي ثوابه، تكون معه، وإن بينها ~~وبينه من البعد ما بين الدنيا والآخرة، فأجمعت أن أحطم المرآة ليراني أنا ~~نفسي لا خيالي، واستنجدت كل فتنتي أن تجعله يفر إلي كلما حاول أن يفر مني. # فلما ظننتني ملأت عينيه وأذنيه ونفسه وانصببت إليه من كل جوارحه، وهجت ~~التيار الذي في دمه ودفعته دفعا, قلت له: "أنت يا خليلي شيء لا يعرف، أنت ~~شيء متلفف ms080 بإنسان، ومن التي تعشق ثوب رجل ليس فيه لابسه؟ ". # ورأيته والله يطوف عند ذلك بفكره، كما أطوف أنا بفكري حول المعنى الذي ~~أردته. فملت إليه وقلت1: "أنا والله أحبك! ". # فقال: "وأنا والله الذي لا إله إلا هو". # قلت: "وأشتهي أن أعانقك وأقبلك! ". # قال: "وأنا والله! ". # قلت: "فما يمنعك؟ فوالله إن الموضع لخال! ". # قال: "يمنعني قول الله عز وجل: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين} [الزخرف: 67] فأكره أن تحول مودتي لك عداوة يوم القيامة". # إني أرى {برهان ربه} [يوسف: 24] يا حبيبتي، وهو يمنعني أن أكون من سيئاتك ~~وأن تكوني من سيئاتي، ولو أحببت الأنثى لوجدتك في كل أنثى، ولكني أحب ما ~~فيك أنت بخاصتك، وهو الذي لا أعرفه ولا أنت تعرفينه، هو معناك يا سلامة لا ~~شخصك. # ثم قال وهو يبكي، فما عاد بعد ذلك يا أمير المؤمنين ما عاد بعد ذلك، وترك ~~لي ندامتي وكلام دموعه؟ وليتني لم أفعل، ليتني لم أفعل، فقد رأى أن المرأة ~~-في بعض حالاتها- تكشف وجهها للرجل، وكأنها لم تلق حجابها بل ألقت ثيابها. ~~PageV01P102 ### | قصة زواج * وفلسفة المهر: # قال رسول عبد الملك: ويحك "يا أبا محمد" لكأن دمك والله من عدوك؛ فهو ~~يفور بك لتلج في العناد فتقتل، وكأني بك والله بين سبعين قد فغرا عليك؛ هذا ~~عن يمينك وهذا عن يسارك، ما تفر من حتف إلا إلى حتف، ولا ترحمك الأنياب إلا ~~بمخاليبها. # ههنا هشام بن إسماعيل عامل أمير المؤمنين، إن دخلته الرحمة لك استوثق منك ~~في الحديد، ورمى بك إلى دمشق، وهناك أمير المؤمنين، وما هو والله إلا أن ~~يطعم لحمك السيف يعض بك عض الحية في أنيابها السم؛ وكأني بهذا الجنب مصروعا ~~لمضجعه، وبهذا الوجه مضرجا بدمائه، وبهذه اللحية معفرة بترابها، وبهذا ~~الرأس محتزا في يد "أبي الزعيزعة" جلاد أمير المؤمنين، يلقيه من سيفه رمي ~~الغصن بالثمرة قد ثقلت عليه. # وأنت "يا سعيد" فقيه أهل المدينة وعالمها وزاهدها، وقد علم أمير المؤمنين ~~أن عبد الله بن عمر قال فيك لأصحابه: "لو رأى ms081 هذا رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- لسره" فإن لم تكرم عليك نفسك فليكرم على نفسك المسلمون؛ إنك إن هلكت ~~رجع الفقه في جميع الأمصار إلى الموالي؛ ففقيه مكة عطاء، وفقيه اليمن طاوس، ~~وفقيه اليمامة يحيى بن أبي كثير، وفقيه البصرة الحسن، وفقيه الكوفة إبراهيم ~~النخعي، وفقيه الشام مكحول، وفقيه خراسان عطاء الخراساني. وإنما يتحدث ~~الناس أن المدينة من دون الأمصار قد حرسها الله بفقيهها القرشي العربي "أبي ~~محمد بن المسيب" كرامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد علم أهل الأرض ~~أنك حججت نيفا وثلاثين حجة، وما فاتتك التكبيرة الأولى في المسجد منذ ~~أربعين سنة، وما قمت إلا في موضعك من الصف الأول، فلم تنظر قط إلى قفا رجل ~~في الصلاة؛ ولا وجد الشيطان ما يعرض لك من قبله في صلاتك ولا قفا رجل؛ ~~فالله الله يا أبا محمد، إني والله ما أغشك PageV01P103 # في النصيحة؛ ولا أخدعك عن الرأي، ولا أنظر لك إلا خير ما أنظر لنفسي؛ وإن ~~عبد الملك بن مروان من علمت؛ رجل قد عم الناس ترغيبه وترهيبه، فهو آخذك على ~~ما تكره إن لم تأخذه أنت على ما يحب؛ وإنه والله يا أبا محمد، ما طلب إليك ~~أمير المؤمنين إلا وأنت عنده الأعلى، ولا بعثني إليك إلا وكأنه يسعى بين ~~يديك، رعاية لمنزلتك عنده، وإكبارا لحقك عليه؛ وما أرسلني أخطب إليك ابنتك ~~لولي عهده إلا وهو يبتذل نفسه ابتذالا ليصل بك رحمه، ويوثق آصرته؛ وإن يكن ~~الله قد أغناك أن تنتفع به وبملكه ورعا وزهادة، فما أحوج أهل مدينة رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- أن ينتفعوا بك عنده، وأن يكونوا أصهار "الوليد" ~~فيستدفعوا شرا ما به عنهم غنى، ويجتلبوا خيرا ما بهم غنى عنه، ولست تدري ما ~~يكون من مصادر الأمور ومواردها. وإنك والله إن لججت في عنادك وأصررت أن ~~تردني إليه خائبا، لتهيجن قرم سيوف الشام إلى هذه اللحوم ولحمك يومئذ من ~~أطيبها، ولأمير المؤمنين تارتان: لين وشدة؛ وأنا إليك رسول الأولى، فلا ~~تجعلني رسول الثانية. ms082 # وكان أبو محمد يسمع هذا الكلام وكأن الكلام لا يخلص إلى نفسه إلا بعد أن ~~تتساقط معانيه في الأرض، هيبة منه وفرقا من إقدامها عليه؛ وقد لان رسول عبد ~~الملك في دهائه حتى ظن عند نفسه أنه ساغ من الرجل مساغ الماء العذب في ~~الحلق الظامئ، واشتد في وعيده حتى ما يشك أنه قد سقاه ماء حميما فقطع ~~أمعاءه؛ والرجل في كل ذلك من فوقه كالسماء فوق الأرض، لو تحول الناس جميعا ~~كناسين يثيرون من غبار هذه على تلك لما كان مرجع الغبار إلا عليهم، وبقيت ~~السماء ضاحكة صافية تتلألأ. # وقلب الرسول نظره في وجه الشيخ، فإذا هو هو ليس فيه معنى رغبة ولا رهبة، ~~كأن لم يجعل له الأرض ذهبا تحت قدميه في حالة، ولم يملأ الجو سيوفا على ~~رأسه في الحالة الأخرى؛ وأيقن أنه من الشيخ العظيم كالصبي الغر قد رأى ~~الطائر في أعلى الشجرة فطمع فيه، فجاء من تحتها يناديه: أن انزل إلي حتى ~~آخذك وألعب بك. # وبعد قليل تكلم أبو محمد فقال: # يا هذا، أما أنا فقد سمعت، وأما أنت فقد رأيت، وقد روينا أن هذه الدنيا ~~لا تعدل عند الله جناح بعوضة، فانظر ما جئتني أنت به، وقسه إلى هذه الدنيا ~~كلها، # PageV01P104 # فكم -رحمك الله- تكون قد قسمت لي من جناح البعوضة؟ ولقد دعيت من قبل إلى ~~نيف وثلاثين ألفا لآخذها، فقلت: لا حاجة لي فيها ولا في بني مروان، حتى ~~ألقى الله فيحكم بيني وبينهم "وها أنا ذا اليوم أدعى إلى أضعافها وإلى ~~المزيد معها؛ أفأقبض يدي عن جمرة ثم أمدها لأملأها جمرا؟ لا والله ما رغب ~~عبد الملك لابنه في ابنتي، ولكنه رجل من سياسته إلصاق الحاجة بالناس ~~ليجعلها مقادة لهم فيصرفهم بها؛ وقد أعجزه أن أبايعه؛ لأن رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- نهى عن بيعتين، وما عبد الملك عندنا إلا باطل كابن الزبير، ~~ولا ابن الزبير إلا باطل كعبد الملك، فانظر فإنك ما جئت لابنتي وابنه، ولكن ~~جئت تخطبني أنا لبيعته. # قال الرسول: ms083 أيها الشيخ، دع عنك البيعة وحديثها، ولكن من عسى أن تجد ~~لكريمتك خيرا من هذا الذي ساقه الله إليك؟ إنك لراع وإنها لرعية وستسأل ~~عنها، وما كان الظن بك أن تسيء رعيتها وتبخس حقها، وأن تعضلها وقد خطبها ~~فارس بني مروان، وإن لم يكن فارسهم فهو ولي عهد المسلمين؛ وإن لم يكن هذا ~~ولا ذاك فهو الوليد ابن أمير المؤمنين؛ وأدنى الثلاث أرفع الشرف فكيف بهن ~~جميعا، وهن جميعا في الوليد؟ # قال الشيخ: أما أني مسئول عن ابنتي، فما رغبت عن صاحبك إلا لأني مسئول عن ~~ابنتي. وقد علمت أنت أن الله يسألني عنها في يوم لعل أمير المؤمنين وابن ~~أمير المؤمنين وألفافهما لا يكونون فيه إلا وراء عبيدها وأوباشها ودعارها ~~وفجارها1. يخرجون من حساب الفجرة إلى حساب القتلة، ومن حساب هؤلاء إلى ~~الحساب على السرقة والغصب، إلى حساب أهل البغي، إلى حساب التفريط في حقوق ~~المسلمين. ويخف يومئذ عبيدها وأوباشها ودعارها وفجارها في زحام الحشر، ~~ويمشي أمير المؤمنين وابن أمير المؤمنين ومن اتصل بهما، وعليهم أمثال ~~الجبال من أثقال الذنوب وحقوق العباد. # فهذا ما نظرت في حسن الرعاية لابنتي، لو لم أضن بها على أمير المؤمنين ~~وابن أمير المؤمنين لأوبقت. لا والله ما بيني وبينكم عمل، وقد فرغت مما على ~~الأرض فلا يمر السيف مني في لحم حي. # ولما كان غداة غد جلس الشيخ في حلقته في مسجد رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- للحديث PageV01P105 # والتأويل، فسأل رجل من عرض المجلس، فقال: يا أبا محمد، إن رجلا يلاحيني ~~في صداق بنته ويكلفني ما لا أطيق. فما أكثر ما بلغ إليه صداق أزواج رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- وصداق بناته؟ # قال الشيخ: روينا أن عمر "رضي الله عنه" كان ينهى عن المغالاة في الصداق, ~~ويقول: "ما تزوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا زوج بناته بأكثر من ~~أربعمائة درهم"1، ولو كانت المغالاة بمهور النساء مكرمة لسبق إليها رسول ~~الله, صلى الله عليه وسلم. # وروينا عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "خير ms084 النساء أحسنهن وجوها, ~~وأرخصهن مهورا". # فصاح السائل: يرحمك الله يا أبا محمد، كيف يأتي أن تكون المرأة الحسناء ~~رخيصة المهر، وحسنها هو يغليها على الناس؛ تكثر رغبتهم فيها فيتنافسون ~~عليها؟ # قال الشيخ: انظر كيف قلت, أهم يساومون في بهيمة لا تعقل، وليس لها من ~~أمرها شيء إلا أنها بضاعة من مطامع صاحبها يغليها على مطامع الناس؟ إنما ~~أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن خير النساء من كانت على جمال ~~وجهها، في أخلاق كجمال وجهها، وكان عقلها جمالا ثالثا؛ فهذه إن أصابت الرجل ~~الكفء، يسرت عليه، ثم يسرت، ثم يسرت؛ إذ تعتبر نفسها إنسانا يريد إنسانا، ~~لا متاعا يطلب شاريا، وهذه لا يكون رخص القيمة في مهرها، إلا دليلا على ~~ارتفاع القيمة في عقلها ودينها؛ أما الحمقاء فجمالها يأبى إلا مضاعفة الثمن ~~لحسنها، أي: لحمقها, وهي بهذا المعنى من شرار النساء، وليست من خيارهن. # ولقد تزوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعض نسائه على عشرة دراهم ~~وأثاث بيت، وكان الأثاث: رحى يد، وجرة ماء، ووسادة من أدم حشوها ليف. وأولم ~~على بعض نسائه بمدين من شعير، وعلى أخرى بمدين من تمر ومدين من سويق, وما ~~كان به -صلى الله عليه وسلم- الفقر، ولكنه يشرع بسنته ليعلم الناس من عمله ~~أن المرأة للرجل نفس لنفس، لا متاع لشاريه؛ والمتاع يقوم بما بذل فيه إن ~~غاليا وإن رخيصا، ولكن الرجل يقوم عند المرأة بما يكون منه؛ فمهرها الصحيح ~~ليس هذا الذي تأخذه قبل أن تحمل إلى داره، ولكنه الذي تجده منه بعد أن تحمل ~~إلى داره؛ مهرها معاملتها، تأخذ منه يوما فيوما، فلا تزال بذلك عروسا على ~~نفس رجلها ما دامت في معاشرته. أما ذلك الصداق من الذهب والفضة، فهو صداق ~~العروس الداخلة على الجسم لا على PageV01P106 # النفس؛ أفلا تراه كالجسم يهلك ويبلى، أفلا ترى هذه الغالية -إن لم تجد ~~النفس في رجلها- قد تكون عروس اليوم ومطلقة الغد؟! # وما الصداق في قليله وكثيره، إلا كالإيماء إلى الرجولة وقدرتها, فهو ~~إيماء، ولكن الرجل قبل. ms085 إن كل امرئ يستطيع أن يحمل سيفا، والسيف إيماء إلى ~~القوة، غير أنه ليس كل ذوي السيوف سواء، وقد يحمل الجبان في كل يد سيفا، ~~ويملك في داره مائة سيف, فهو إيماء، ولكن البطل قبل، ولكن البطل قبل. # مائة سيف يمهر بها الجبان قوته الخائبة، لا تغني قوته شيئا، ولكنها ~~كالتدليس على من كان جبانا مثله. ويوشك أن يكون المهر الغالي كالتدليس على ~~الناس وعلى المرأة، كي لا تعلم ولا يعلم الناس أنه ثمن خيبتها؛ فلو عقلت ~~المرأة لباهت النساء بيسر مهرها، فإنها بذلك تكون قد تركت عقلها يعمل عمله، ~~وكفت حماقتها أن تفسد عليه. # فصاح رجل في المجلس: أيها الشيخ، أفي هذا من دليل أو أثر؟ # قال الشيخ: نعم؛ أما من كتاب الله فقد قال الله تعالى: {خلقكم من نفس ~~واحدة ثم جعل منها زوجها} [النساء: 1] . فهي زوجه حين تجده هو لا حين تجد ~~ماله؛ وهي زوجه حين تتممه لا حين تنقصه، وحين تلائمه لا حين تختلف عليه؛ ~~فمصلحة المرأة زوجة ما يجعلها من زوجها، فيكونان معا كالنفس الواحدة، على ~~ما ترى للعضو من جسمه؛ يريد من جسمه الحياة لا غيرها. # وأما من كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد روينا: "إذا أتاكم من ~~ترضون دينه وأمانته فزوجوه؛ إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير". # فقد اشترط الدين، على أن يكون مرضيا لا أي الدين كان؛ ثم اشترط الأمانة، ~~وهي مظهر الدين كله بجميع حسناته, وأيسرها أن يكون الرجل للمرأة أمينا، ~~وعلى حقوقها أمينا، وفي معاملتها أمينا؛ فلا يبخسها ولا يعنتها، ولا يسيء ~~إليها؛ لأن كل ذلك ثلم في أمانته؛ فإن ردت المرأة من هذه حاله وصفته من أجل ~~المهر, تقدم إليها بالمهر من ليست هذه حاله وصفته، فوقعت الفتنة، وفسدت ~~المرأة بالرجل، وفسد هو بها، وفسد النسل بهما جميعا، وأهمل من لا يملك، ~~وتعنست من لا تجد، ويرجع المهر الذي هو سبب الزواج سببا في منعه، ويتقارب ~~النساء والرجال على رغم المهر والدين والأمانة؛ فيقع معنى الزواج، ms086 ويبقى ~~المعطل منه هو اللفظ والشرع. # PageV01P107 # هل علمت المرأة أنها لا تدخل بيت رجلها إلا لتجاهد فيه جهادها، وتبلو فيه ~~بلاءها؟ وهل يقوم مال الدنيا بحقها فيما تعمل وما تجاهد، وهي أم الحياة ~~ومنشئتها وحافظتها؟ فأين يكون موضع المال ومكان التفرقة في كثيره وقليله، ~~والمال كله دون حقها؟ # ولن يتفاوت الناس بالمال تختلف درجاتهم به، وتكون مراتبهم على مقداره، ~~تكثر به مرة وتقل مرة, إلا إذا فسد الزمان، وبطلت قضية العقل، وتعطل موجب ~~الشرع, وأصبحت السجايا تتحول, يملكها من يملك المال, ويخسرها من يخسره؛ ~~فيكون الدين على النفوس كالدخيل المزاحم لموضعه، والمتدلي في غير حقه؛ ~~وبهذا يرجع باطل الغني دينا يتعامل الناس معه، ودين الفقير بهرجا لا يروج ~~عند أحد؛ وليس هذا من ديننا، دين النفس والخلق، وإن ألف بعير يقنوها الرجل ~~خالصة عليه، ثابتة له، لا تزيد في منزلة دينه قدر نملة ولا ما دونها. ~~والحجران: الذهب والفضة, قد يكون شعاعهما في هذه الدنيا أضوأ من شمسها ~~وقمرها، ولكنهما في نور النفس المؤمنة كحصاتين يأخذهما من تحت قدميه، ويذهب ~~يزعم لك أنهما في قدر الشمس والقمر. # وهلاك الناس إنما يقضى بمحاولتهم أن يكونوا أناسا بعيوبهم وذنوبهم؛ فهذا ~~هو الإنسان المدبر عن الله وعن نفسه وعن جنسه؛ لا يكون أبوه أبا في عطفه، ~~ولا أمه أما في محبتها، ولا ابنه ابنا في بره، ولا زوجته زوجة في وفائها؛ ~~وإنما يكونون له مهالك، كما روينا عن رسول الله, صلى الله عليه وسلم: "يأتي ~~على الناس زمان يكون هلاك الرجل على يد زوجته وأبويه وولده؛ يعيرونه ~~بالفقر، ويكلفونه ما لا يطيق؛ فيدخل المداخل التي يذهب فيها دينه فيهلك". # وصاح المؤذن، فقطع الشيخ مجلسه وقام إلى الصلاة، ثم خرج إلى داره، فتلقته ~~ابنته وعلى وجهها مثل نوره، قالت: يا أبت كنت أتلو الساعة قوله تعالى: ~~{ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة} [البقرة: 201] فما حسنة ~~الدنيا؟ قال: يا بنية، هي التي تصلح أن تذكر مع حسنة الآخرة، وما أراها ~~للرجل إلا الزوجة ms087 الصالحة، ولا للمرأة ... # وطرق الباب، فذهب الشيخ يفتح، فإذا الطارق "عبد الله بن أبي وداعة"؛ وكان ~~يجالسه ويأخذ عنه ويلزم حلقته، ولكنه فقده أياما؛ فدخل فجلس. قال الشيخ: ~~"أين كنت؟ ". # PageV01P108 # قال: "توفيت أهلي فاشتغلت بها". # قال الشيخ: "هلا أخبرتنا فشهدناها". ثم أخذ يفيض في الكلام عن الدنيا ~~والآخرة؛ وشعر ابن أبي وداعة أن القبر ما يزال في قلبه حتى في مجلس الشيخ، ~~فأراد أن يقوم، فقال "سعيد": # "هل استحدثت امرأة غيرها؟ ". # قال: "يرحمك الله، أين نحن من الدنيا اليوم، ومن يزوجني وما أملك إلا ~~درهمين أو ثلاثة؟ ". # قال الشيخ: "أنا ### | ..... # ". # أنا، أنا، أنا. دوى الجو بهذه الكلمة في أذن طالب العلم الفقير، فحسب كأن ~~الملائكة تنشد نشيدا في تسبيح الله يطن لحنه: "أنا، أنا، أنا". # وخرجت الكلمة من فم الشيخ ومن السماء لهذا المسكين في وقت واحد، وكأنها ~~كلمة زوجته إحدى الحور العين. # فلما أفاق من غشية أذنه, قال: "وتفعل؟ ". # قال "سعيد": "نعم" وفسر "نعم" بأحسن تفسيرها وأبلغه؛ فقال: قم فادع لي ~~نفرا من الأنصار, فلما جاءوا حمد الله وصلى على النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~وزوجه على ثلاثة دراهم "خمسة عشر قرشا". # ثلاثة دراهم مهر الزوجة التي أرسل يخطبها الخليفة العظيم لولي عهده ~~بثقلها ذهبا لو شاءت. # وغشى الفرح هذه المرة عيني الرجل وأذنيه، فإذا هو يسمع نشيد الملائكة يطن ~~لحنه: "أنا، أنا، أنا". # ولم يشعر أنه على الأرض، فقام يطير، وليس يدري من فرحه ما يصنع، وكأنه في ~~يوم جاءه من غير هذه الدنيا يتعرف إليها بهذا الصوت الذي لا يزال يطن في ~~أذنيه: "أنا، أنا، أنا". # وصار إلى منزله وجعل يفكر: ممن يأخذ؟ ممن يستدين؟ فظهرت له الأرض خلاء من ~~الإنسان، وليس فيها إلا الرجل الواحد الذي يضطرب صوته في أذنيه: "أنا، أنا، ~~أنا". # وصلى المغرب وكان صائما، ثم قام فأسرج، فإذا سراجه الخافت الضئيل يسطع ~~لعينيه سطوع القمر، وكأن في نوره وجه عروس تقول له: "أنا، أنا، أنا". # PageV01P109 # وقدم عشاءه ليفطر، وكان خبزا وزيتا، فإذا الباب يقرع؛ ms088 قال: من هذا؟ قال ~~الطارق: سعيد. # سعيد؟ سعيد؟ من سعيد؟! أهو أبو عثمان؛ أبو علي؛ أبو الحسن؟ فكر الرجل في ~~كل من اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب؛ إلا الذي قال له: "أنا". # لم يخالجه أن يكون هو الطارق، فإن هذا الإمام لم يطرق باب أحد قط، ولم ير ~~منذ أربعين سنة إلا بين داره والمسجد. # ثم خرج إليه، فإذا به سعيد بن المسيب، فلم تأخذه عينه حتى رجع القبر فهبط ~~فجأة بظلامه وأمواته في قلب المسكين، وظن أن الشيخ قد بدا له، فندم، فجاءه ~~للطلاق قبل أن يشيع الخبر، ويتعذر إصلاح الغلطة! فقال: "يا أبا محمد، لو ~~... لو ... لو أرسلت إلي لأتيتك! ". # قال الشيخ: "لأنت أحق أن تؤتى". # فما صكت الكلمة سمع المسكين حتى أبلس الوجود في نظره، وغشي الدنيا صمت ~~كصمت الموت، وأحس كأن القبر يتمدد في قلبه بعروق الأرض كلها! ثم فاء لنفسه، ~~وقدر أن ليس محل شيخه إلا أن يأمر، وليس محله هو إلا أن يطيع، وأن من ~~الرجولة ألا يكون معرة على الرجولة، ثم نكس وتنكس وقال بذلة ومسكنة: "ما ~~تأمرني؟ ". # تفتحت السماء مرة ثالثة، وقال الشيخ: "إنك كنت رجلا عزبا فتزوجت، فكرهت ~~أن تبيت الليلة وحدك؛ وهذه امرأتك! ". # وانحرف شيئا، فإذا العروس قائمة خلفه مستترة به، ودفعها إلى الباب وسلم ~~وانصرف. # وانبعث الوجود فجأة، وطن لحن الملائكة في أذن أبي وداعة: "أنا، أنا، ~~أنا". # دخلت العروس الباب وسقطت من الحياء، فتركها الرجل مكانها، واستوثق من ~~بابه، ثم خطا إلى القصعة التي فيها الخبز والزيت، فوضعها في ظل السراج كي ~~لا تراها؛ وأغمض السراج عينه ونشر الظل. # ثم صعد إلى السطح ورمى الجيران بحصيات؛ ليعلموا أن له شأنا اعتراه، وأن ~~قد وجب حق الجار على الجار "وكانت هذه الحصيات يومئذ كأجراس التليفون ~~اليوم" فجاءوه على سطوحهم وقالوا: "ما شأنك؟ ". # PageV01P110 # قال: "ويحكم! زوجني سعيد بن المسيب ابنته اليوم؛ وقد جاء بها الليلة على ~~غفلة". # قالوا: "وسعيد زوجك! أهو سعيد الذي زوجك! أزوجك سعيد؟ ". # قال: "نعم". # قالوا: ms089 "وهي في الدار؟ أتقول: إنها في الدار؟ ". # قال: "نعم". # فانثال النساء عليه من هنا وههنا حتى امتلأت بهن الدار. وغشيت الرجل غشية ~~أخرى، فحسب داره تتيه على قصر عبد الملك بن مروان، وكأنما يسمعها تقول: ~~"أنا، أنا، أنا". # قال عبد الله بن أبي وداعة: "ثم دخلت بها، فإذا هي من أجمل الناس وأحفظهم ~~لكتاب الله تعالى، وأعلمهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعرفهم بحق ~~الزوج. لقد كانت المسألة المعضلة تعيي الفقهاء فأسألها عنها فأجد عندها ~~منها علما". # قال: ومكثت شهرا لا يأتيني سعيد ولا آتيه، فلما كان بعد الشهر أتيته وهو ~~في حلقته فسلمت، فرد علي السلام، ولم يكلمني حتى تفرق الناس من المجلس وخلا ~~وجهه، فنظر إلي وقال: # "ما حال ذلك الإنسان؟ ". # أما ذلك "الإنسان" فلم يعرف من الفرق بين قصر ولي العهد ابن أمير ~~المؤمنين، وبين حجرة ابن أبي وداعة التي تسمى دارا! إلا أن هناك مضاعفة ~~الهم، وهنا مضاعفة الحب. # وما بين "هناك" إلى القبر مدة الحياة, ستخفت الروح من نور بعد نور، إلى ~~أن تنطفئ في السماء من فضائلها. # وما بين "هنا" إلى القبر مدة الحياة, تسطع الروح بنور على نور، إلى أن ~~تشتغل في السماء بفضائلها. # وما عند أمير المؤمنين لا يبقى، وما عند الله خير وأبقى. # ولم يزل عبد الملك يحتال "لسعيد" ويرصد غوائله حتى وقعت به المحنة، # PageV01P111 # فضربه عامله على المدينة خمسين سوطا في يوم بارد، وصب عليه جرة ماء، ~~وعرضه على السيف، وطاف به الأسواق عاريا في تبان1 من الشعر، ومنع الناس أن ~~يجالسوه أو يخاطبوه. وبهذه الوقاحة، وبهذه الرذيلة، وبهذه المخزاة، قال عبد ~~الملك بن مروان: "أنا؟ ". PageV01P112 ### | ذيل القصة وفلسفة المال # ذهب الناس يمينا وشمالا فيما كتبناه من خبر الإمام سعيد بن المسيب ~~وتزويجه ابنته من طالب علم فقير، بعد إذ ضن بها أن تكون زوجا لولي عهد أمير ~~المؤمنين عبد الملك بن مروان؛ وقد جعلت قلوب بعض النساء العصريات المتعلمات ~~تصيح وتولول ... وحدثنا أديب ظريف أن إحداهن سألت ms090 عن عنوان عبد الملك بن ~~مروان!. # أفتراها ستكتب إليه أنها تقبل الزواج من ولي عهده؟ # على أن للقصة ذيلا، فإن الطبيعة الآدمية لا عصر لها، بل هي طبيعة كل عصر؛ ~~والفضيلة الإنسانية يبدأ تاريخها من الجنة، فهي هي لا تتجدد ولا تزال تلوح ~~وتختفي؛ أما الرذيلة فأول تاريخها من الطبيعة نفسها، فهي هي لا تتغير ولا ~~تزال تظهر وتستسر. # لما زوج الإمام ابنته من ابن أبي وداعة، أخذها بنفسه إليه في يوم زوجها ~~منه، ومشى بها في طريق حصاه عنده أفضل من الدر، وترابه أكرم من الذهب. طارت ~~الحادثة في الناس، واستفاض لهم قول كثير: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا ~~وهم يستبشرون} [التوبة: 124] وقد قال جماعة منهم: تالله لئن انقطع الوحي، ~~إن في معانيه بقية ما تزال تنزل على بعض القلوب التي تشبه في عظمتها قلوب ~~الأنبياء؛ وما هذه الحادثة على الدنيا إلا في معنى سورة من السور قد انشقت ~~لها السماء، ونزل بها جبريل يخفق على أفئدة المؤمنين خفقة إيمان. # {وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم} [التوبة: 125] . وقال ~~أناس منهم: أما والله لو تهيأ لأحدنا أن يكون لصا يسرق أمير المؤمنين، أو ~~ابن أمير المؤمنين، لركب رأسه في ذلك، ما يرده عن السرقة شيء؛ فكيف بمن ~~تهيأ له الصهر والحسب، وجاءه الغنى يطرق بابه, ما باله يرد كل ذلك ويخزي ~~ابنته برجل فقير تعيش في داره بأسوأ حال؛ وكيف تثقل همته وتبطؤ وتموت، إذا # PageV01P113 # كان الدر والجوهر والذهب والخلافة، ثم ينبعث ويمضي لا يتلكأ عزمه، إذا ~~كان العلم والفقر والدين والتقوى؟ # وانتهى كلام الناس إلى الإمام العظيم، فلم يجئه إلا من الظن خفيا خفيا، ~~كأنما هي أقوال حسبها ثقال عنه بعد خمسين وثلاثمائة وألف سنة "في زمننا ~~هذا" حين يكون هو في معاني السماء، ويكون القائلون في معاني التراب النجس ~~الذي نفضته على الشرق نعال الأوروبيين؟ # قال الراوي: ولم يستطع أحد من الناس أن يواجه الإمام بشفة أو بنت شفة، لا ~~مضيقا عليه من قلبه ولا ms091 موسعا، حتى كان يوم من أيام الجمعة, وقد مال الناس ~~بعد الصلاة إلى حلقة الشيخ، وتقصفوا بعضهم على بعض، فغص بهم المسجد، وكان ~~إمامنا يفسر قوله تعالى: {وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ~~ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون} [إبراهيم: 12] . # قال الراوي: فكان فيما قاله الشيخ: # إذا هدي المرء سبيله كانت السبل الأخرى في الحياة إما عداء له، وإما ~~معارضة، وإما ردا، فهو منها في الأذى، أو في معنى الأذى، أو عرضة للأذى. ~~لقد وجد الطريق ولكنه أصاب العقبات أيضا، وهذه حالة لا يمضي فيها الموفق ~~إلى غايته، إلا إذا أعانه الله بطبيعتين: أولاهما العزم الثابت، وهذا هو ~~التوكل على الله؛ والأخرى اليقين المستبصر، وهذا هو الصبر على الأذى. # ومتى عزم الإنسان ذلك العزم، وأيقن ذلك اليقين؛ تحولت العقبات التي تصده ~~عن غايته، فآل معناها أن تكون زيادة في عزمه ويقينه، بعد أن وضعن ليكن نقصا ~~منهما؛ فترجع العقبات بعد ذلك وإنها لوسائل تعين على الغاية. وبهذا يبسط ~~المؤمن روحه على الطريق، فما بد أن يغلب على الطريق وما فيها, ينظر إلى ~~الدنيا بنور الله فلا يجد الدنيا شيئا -على سعتها وتناقضها- إلا سبيله وما ~~حول سبيله، فهو ماض قدما لا يتراد ولا يفتر ولا يكل، وهذه حقيقة العزم ~~وحقيقة الصبر جميعا. # ومن ثم لا تكون الحياة لهذا المؤمن مهما تقلبت واختلفت, إلا نفاذا من ~~طريق واحدة دون التخبط في الطرق الأخرى، ثم لا يكون العمر مهما طال إلا مدة ~~صبر في رأي المؤمن. # وعزيمة النفاذ وعزيمة الصبر، هما الضوء الروحاني القوي، الذي يكتسح # PageV01P114 # ظلمات النفس، مما يسميه الناس خمولا ودعة وتهاونا وغفلة وضجرا ونحوها. # قال: ولكن كيف يعان المؤمن على هذه المعجزة النفسية؟ هنا يتبين إعجاز ~~الآية الكريمة؛ فقد ذكر فيها التوكل ثلاث مرات، وافتتحت به وختمت؛ والتوكل ~~هو العزم الثابت كما أوضحنا. وذكرت في الآية بين ذلك هداية المرء سبيله؛ ~~وهذه الإضافة {سبلنا} تعين أنها هداية الإنسان إلى سبيل نفسه؛ أي: سبيله ~~الباطني الذي ms092 هو مناط سعادته في الشعور بالسعادة1. ثم ذكر الصبر على أذى ~~الناس، والأذى لا يقع إلا في حيوانية الإنسان، ولا يؤثر إلا فيها. فكأن ~~الآية مصرحة أن نجاح المؤمن ونفاذه في الحياة لا يكونان أول الأشياء وآخرها ~~إلا بثلاث: العزم الثابت، ثم العزم الثابت، ثم العزم الثابت, وأن الصبر ليس ~~شيئا يذكر، أو شيئا يجدي، إن لم يكن صبرا على أذى الحيوانية في أفظع ~~وحشيتها؛ فالروح لا تؤذي الروح، ولكن الحيوان يؤذي الحيوان, وأن ما يقع من ~~هذه الحيوانية فيسمى اعتداء من غيرك، ويسمى أذى لك، هو شيء ينبغي أن يجعله ~~العزم فخرا لقوة الاحتمال فيك، كما جعله البطش فخرا للقدرة عند المعتدي. # وبهذا يكون العزم قد فصل بين نفسك الروحية وبين شخصك الحيواني، ووهبك ~~حقيقة الشعور، وصحح بمعاني روحيتك معاني حيوانيتك، وحينئذ ترى السعادة حق ~~السعادة ما كان هداية لنفسك أو هداية بها، ولو انقلب في الشخص الحيواني منك ~~أذى وألما. ذلك صبر أولي العزم من الرسل. # قال الراوي: وعند ذلك صاح رجل كان في المجلس دسه عامل الخليفة، ليسأل ~~الشيخ سؤالا على ملأ الناس، يكون كالتشنيع عليه والتشهير به؛ وقد مكر ~~العامل فاختاره شيخا كبيرا أعقف، ليرحم الناس رقة عظمه وكبر سنه فلا يعرضون ~~له بأذى، ثم ليكون صوته كأنه صوت الدهر من بعيد. قال الصائح: ذلك أيها ~~الشيخ صبر أولي العزم من الرسل، أو صبر ابنتك على مكاره العيش مع ابن أبي ~~وداعة، لا يجد إلا رمقة يمسك بها الرمق عليها، وقد كانت النعمة لها معرضة، ~~فدفعتها إليه -زعمت- لتهلك به شخصها الحيواني، وتوكلت على الله وألقيت ~~ابنتك في اليم؟ # فتربد وجه الشيخ وأطرق هنيات، ثم رفع رأسه وقال: أين المتكلم آنفا؟ ~~PageV01P115 # فارتفع الصوت: ها أنا ذا. قال: ادن مني, فتقاعس الرجل كأنما تهيب ما فرط ~~منه. فاستدناه الثانية؛ فقام يتخطى الناس حتى وقف بإزائه ثم جلس؛ فقرأ ~~الشيخ قوله تعالى: {وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا ~~لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب ms093 الله من شيء قالوا لو هدانا الله ~~لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص} [إبراهيم: 21] . # ثم قال: أيها الرجل، لا تسمعني بأذنك وحدها, أرأيتك1 لو سمعت خبرا ليس في ~~نفسك أصل من معناه، أو ورد عليك الخبر ونفسك عنه في شغل قد أهمها؛ أفكنت ~~تنشط له نشاطك للخبر احتفلت له نفسك أو أصاب هوى منك أو رأيته موضع اعتبار؟ # قال: لا. # قال الشيخ: فإذا سمعت بأذنك وحدها فإنما سمعت كلاما يمر بأذنك مرا، وإذا ~~أردت الكلام لنفسك سمعت بأذنك ونفسك معا؟ # قال: نعم. # قال الشيخ: فكل ما لا تنفرد به حاسة واحدة، بل تشارك فيه الحواس كلها أو ~~أكثرها, لا يكون إلا موضع اهتمام للنفس؟ # قال: نعم. # قال الشيخ: فمن هنا يكثر الفرح والحزن كلاهما إذا شاركت فيهما الحواس ~~فيأتي كل منهما كثيرا مهما قل، وتزيد كل حاسة في اللذة لذة وفي الألم ألما، ~~فتعمل النفس في ذلك أعمالا تسحر بها، فيكون الشيء لصاحبه غير ما هو للناس، ~~كالصوت الباكي أو الضاحك في لسان طفلك، تسمعه أنت منه بكل حواسك، فإذا أنت ~~سمعت الصوت عينه من لسان رجل في الناس رأيته غير ذاك أكذلك هو؟ # قال: نعم. # قال الشيخ: أفيكون السرور بالغا عجيبا أكثر ما هو بالغ، حين يجد المال ~~والغنى في الإنسان، أم حين يجد القوة النفسية وطبيعة المرح والرضى؟ # قال: بل حين يجد في النفس ... PageV01P116 # قال الشيخ: أرأيت الإنسان يكون سعيدا بما يتوهم الناس أنه به غني سعيد، ~~أم بشعوره هو وإن كان بعد فيما لا يتوهم الناس فيه الغنى والسعادة؟ # قال: بل بشعوره. # قال الشيخ: أفلا توجد في الدنيا أشياء من النفس تكون فوق الدنيا وفوق ~~الشهوات والمطامع؛ كالطفل عند أمه، كل ما تعلق به من شيء وزن به هو لا ~~بغيره، وكان الاعتبار عليه لا على سواه، أتعرف أما ترضى أن يذبح ابنها في ~~حجرها لقاء أن يملأ حجرها ذهبا وإن كانت فقيرة معدمة؟ قال: لا. # قال الشيخ: فإذا كانت النفس تشعر أكثر ms094 مما ترى؛ أفيذهب ما تراه فيما تشعر ~~به، ويكون شعورها هو وحده الذي يلبس ما حولها ويصوره ويصرفه؟ # قال: نعم. # قال الشيخ: أفتعرف أن لكل نفس قوية من هذا العالم الذي نعيش فيه عالما ~~آخر هو عالم أفكارها، وإحساسها، وفيه وحده لذات إحساسها وأفكارها؟ # قال: نعم. # قال الشيخ: أفرأيت المرأة إذا صح حبها أو فرحها أو عزمها، أرأيتها تكون ~~إلا في عالم أفكارها؟ أرأيت كل ما يتصل برغبتها حينئذ يكون إلا من أشياء ~~قلبها لا من أشياء الدنيا؟ أرأيتها لا تعيش في هذه الحالة إلا بالمعاملة مع ~~قلبها الذي لا يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يجمع المال ولا يريد إلا الشعور ~~فقط؟ # قال: نعم هو ذاك. # قال الشيخ: أرأيت إذا كان الإيمان قد ولد ونشأ وترعرع في قلب المرأة، ألا ~~يكون هو طفل قلبها؟ # قال: نعم. # قال الشيخ: أرأيت إذا كانت الخمر عند مدمنها شيئا عظيما، وكانت ضرورة من ~~ضرورات وجوده الضعيف المختل، فلا يستقيم وجوده ولا سفه وجوده إلا بها؛ ~~أفيلزم من ذلك أن تكون الخمر من ضرورات صاحب الوجود القوي المنتظم؟ # قال: لا. # قال الشيخ: أفموقن أنت لا بد من آخر لأيام الإنسان ولياليه في هذه ~~الدنيا, فينقطع به العيش؟ # PageV01P117 # قال: نعم. # قال الشيخ: أفيؤرخ الإنسان يومئذ بتاريخ معدته وما حولها، أم بتاريخ نفسه ~~وما فيها؟ # قال: بل بتاريخ نفسه. # قال الشيخ: فإذا كنت صاحب حرب، وكنت بطلا من الأبطال، ومسعرا من ~~المساعير، وأيقنت الموت في المعركة؛ أيكون الحقيقي عندك في هذه الساعة هو ~~الموت أم الحياة؟ # قال: بل الحياة عندئذ وهم وباطل. # قال الشيخ: فتفر في تلك الساعة إلى الحياة ولذاتها في خيالك، أم تفر منها ~~ومن لذاتها؟ # قال: بل الفرار منها، فإن خيالها يكون خبالا. # قال الشيخ: ففي تلك الساعة التي هي عمر نفسك، وعمل نفسك، ورجاء نفسك؛ ~~تستشعر اللذة في موتك بطلا، أم تحس الكرب، والمقت من ذلك؟ # قال: بل أستشعر اللذة. # قال الشيخ: إذن فهي كبرياء الروح العظيمة على مادة التراب والطين في ms095 أي ~~أشكالها ولو في الذهب. # قال: هي تلك. # قال الشيخ: إذن فبعض أشياء النفس تمحو في بعض الأحوال كل أشياء الدنيا، ~~أو الأشياء الكثيرة من الدنيا. # قال: نعم. # قال الإمام: يرحمك الله؛ كذلك محي عندنا أمير المؤمنين وابن أمير ~~المؤمنين، ومحي المال والغنى، ولم يكن ذلك عندنا إلا سعادة؛ ومن رحمة الله ~~أن كل من هدي سبيله بالدين أو الحكمة، استطاع أن يصنع بنفسه لنفسه سعادتها ~~في الدنيا، ولو لم يكن له إلا لقيمات؛ فإن السعة سعة الخلق لا المال، وإن ~~الفقر فقر الخلق لا العيش. # قال الراوي: ثم إن الإمام العظيم التفت إلى الناس وقال: أما إني -علم ~~الله- ما زوجت ابنتي رجلا أعرفه فقيرا أو غنيا، بل رجلا أعرفه بطلا من ~~أبطال # PageV01P118 # الحياة، يملك أقوى أسلحته من الدين والفضيلة. وقد أيقنت حين زوجتها منه ~~أنها ستعرف بفضيلة نفسها فضيلة نفسه، فيتجانس الطبع والطبع, ولا مهنأ لرجل ~~وامرأة إلا أن يجانس طبعه طبعها، وقد علمت وعلم الناس أن ليس في مال الدنيا ~~ما يشتري هذه المجانسة، وأنها لا تكون إلا هدية قلب لقلب يأتلفان ويتحابان. # ثم قال الإمام: وأنا فقد دخلت على أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم1- ~~ورأيتهن في دورهن يقاسين الحياة، ويعانين من الرزق ما شح دره فلا يجيء إلا ~~كالقطرة بعد القطرة، وهن على ذلك، ما واحدة منهن إلا هي ملكة من ملكات ~~الآدمية كلها، وما فقرهن إلا كبرياء الجنة نظرت إلى الأرض فقالت: لا ... ! ~~2. # يجاهدن مجاهدة كل شريف عظيم النفس، همه أن يكون الشرف أو لا يكون شيء؛ ~~ويرى الغافل أن مثلهن هالكات في تعب الجهاد، ويعلمن من أنفسهن غير ما يري ~~ذلك المسكين, يعلمن أن ذلك التعب هو لذة النصر بعينها. # كانت أنوثتهن أبدا صاعدة متسامية فوق موضعها بهذه القناعة وبهذه التقوى، ~~ولا تزال متسامية صاعدة، على حين تنزل المطامع بأنوثة المرأة دون موضعها، ~~ولا تزال أنوثتها تنحدر ما بقيت المرأة تطمع؛ ورب ملكة جعلتها مطامع الحياة ~~في الدرك الأسفل، وهي باسمها في الوهم الأعلى! ms096 # وقد روينا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "اطلعت في الجنة فإذا ~~أقل أهلها النساء، فقلت: أين النساء؟ قال: شغلهن الأحمران: الذهب ~~والزعفران" 3 أي: الطمع في الغنى والعمل له، والميل إلى التبرج والحرص ~~عليه. PageV01P119 # ونفس الأنثى ليست أنثى، ولكن شغلها بذلك التبرج وذلك الحرص وذلك الطمع هو ~~يخصصها بخصائص الجسد، ويعطيها من حكمه، وينزلها على إرادته؛ وهذه هي ~~المزلة، فتهبط المرأة أكثر مما تعلو، وتضعف أكثر مما تقوى، وتفسد أكثر مما ~~تصلح. إن نفس الأنثى لرجل واحد، لزوجها وحده. # رأيت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- فقيرات مقتورا عليهن الرزق، غير ~~أن كلا منهن تعيش بمعاني قلبها المؤمن القوي، في دار صغيرة فرشتها الأرض ~~ولكنها من معاني ذلك القلب كأنها سماء صغيرة مختبئة بين أربعة جدران. إنهن ~~لم يبتعدن عن الغنى إلا ليبعدن عن حماقة الدنيا التي لا تكون إلا في الغنى. # أف أف! أتريدون أن أزوج ابنتي من ابن أمير المؤمنين فيخزيها الله على ~~يدي، وأدفعها إلى القصر وهو ذلك المكان الذي جمع كل أقذار النفس ودنس ~~الأيام والليالي؛ أأزوجها رجلا تعرف من فضيلة نفسها سقوط نفسه، فتكون زوجة ~~جسمه ومطلقة روحه في وقت معا؟ # ألا كم من قصر هو في معناه مقبرة، ليس فيها من هؤلاء الأغنياء رجالهم ~~ونسائهم إلا جيف يبلي بعضها بعضا! # قال الراوي: وضج الناس لحمامة صغيرة قد جنحت من الهواء, فوقعت في حجر ~~الشيخ لائذة به من مخافة، وجعلت تدف بجناحيها وتضطرب من الفزع، ومر الصقر ~~على أثرها وقد أهوى لها، غير أنه تمطر ومرق في الهواء إذ رأى الناس. # وتناولها الإمام في يده وهي في رجفتها من زلزلة الهواء، وكانت كالعروس ~~مسرولة قد غابت ساقاها في الريش, وعلى جسمها من الألوان نمنمة وتحبير، ولها ~~روح العروس الشابة يهدونها إلى من تكره ويزفونها على قاتلها الذي يسمى ~~زوجها. # وأدناها الشيخ من قلبه، ومسح عليها بيده، ونظر في الهواء نظرة, وهو يقول: ~~نجوت نجوت يا مسكينة! # PageV01P120 ### | زوجة إمام # جلس جماعة أصحاب الحديث في مسجد ms097 الكوفة، يتنظرون قدوم شيخهم الإمام "أبي ~~محمد سليمان الأعمش"1 ليسمعوا منه الحديث، فأبطأ عليهم؛ فقال منهم قائل: ~~هلموا نتحدث عن الشيخ فنكون معه وليس معنا، فقال أبو معاوية الضرير: إلى أن ~~يكون معنا ولسنا معه! فخطرت ابتسامة ضعيفة تهتز على أفواه الجماعة، لم تبلغ ~~الضحك، ومرت لم تسمع، وكأنها لم تر، وانطلقت من المباح المعفو عنه. ولكن ~~أكبرها أبو عتاب منصور بن المعتمر. فقال: ويلك يا أبا معاوية! أتتندر ~~بالشيخ وهو منذ الستين سنة لم تفته التكبيرة الأولى في هذا المسجد، وعلى ~~أنه محدث الكوفة وعالمها، وأقرأ الناس لكتاب الله، وأعلمهم بالفرائض، وما ~~عرفت الكوفة أعبد منه ولا أفقه في العبادة؟ # فقال محمد بن جحادة2: أنت يا أبا عتاب، رجل وحدك، تواصل الصوم منذ أربعين ~~سنة، فقد يبست على الدهر، وأصبح الدهر جائعا منك، وما برحت تبكي من خشية ~~الله، كأنما اطلعت على سواء الجحيم، ورأيت الناس يتواقعون فيها وهي لهب ~~أحمر يلتف على لهب أحمر، تحت دخان أسود يتضرب في دخان أسود؛ يتغامس الإنسان ~~فيها وهي ملء السموات، فما يكون إلا كالذبابة أوقدوا لها جبلا ممتدا من ~~النار، ينطاد بين الأرض والسماء، وقد ملأ ما بينهما جمرا وشعلا ودخانا، حتى ~~لتتهارب السحب في أعلى السماء من حره، وهو على هوله وجسامته لحرق ذبابة لا ~~غيرها، بيد أنها ذبابة تحرق أبدا ولا تموت أبدا، فلا تزال ولا يزال الجبل! # فصاح أبو معاوية الضرير: ويحك يا محمد! دع الرجل وشأنه؛ إن لله عبادا ~~متاعهم مما لا نعرف، كأنهم يأكلون ويشربون في النوم، فحياتهم من وراء ~~حياتنا، وأبو عتاب في دنيانا هذه ليس هو الرجل الذي اسمه "منصور"، ولكنه ~~العمل الذي يعمله "منصور". هل أتاكم خبر قارئ المدينة "أبي جعفر الزاهد؟ ". ~~PageV01P121 # قال الجماعة: ما خبره يا أبا معاوية؟ قال: لقد توفي من قريب، فرئي بعد ~~موته على ظهر الكعبة؛ وسترون أبا عتاب -إذا مات- على منارة هذا المسجد! # فصاح أبو عتاب: تخلل يا أبا معاوية؛ أما حفظت خبر ابن مسعود: "كنا عند ~~النبي ms098 -صلى الله عليه وسلم- فقام رجل، فوقع فيه رجل من بعده، فقال النبي ~~-صلى الله عليه وسلم: "تخلل" قال: "مم أتخلل؟ ما أكلت لحما؟ " قال: "إنك ~~أكلت لحم أخيك! " ". # فتقلقل الضرير في مجلسه، وتنحنح، وهمهم أصواتا بينه وبين نفسه, وأحس ~~الجماعة شأنه، وقد عرفوا أن له شرا مبصرا، كالذي كان فيه من المزح ~~والدعابة، وشرا أعمى هذه بوادره؛ فاستلب ابن جحادة الحديث مما بينهما وقال: ~~يا أبا معاوية، أنت شيخنا وبركتنا وحافظنا، وأقربنا إلى الإمام، وأمسنا به؛ ~~فحدثنا حديث الشيخ كيف صنع في رده على هشام بن عبد الملك1، وما كان بينك ~~وبين الشيخ في ذلك، فإن هذا مما انفردت أنت به دون الناس جميعا، إذ لم ~~يسمعه غير أذنيك، فلم يحفظه غيرك وغير الملائكة. # فأسفر وجه أبي معاوية، وسري عنه، واهتز عطفاه، وأقبل عليهم بعفو القادر, ~~وأنشأ يحدثهم, قال: # إن هشاما -قاتله الله- بعث إلى الشيخ: أن اكتب لي مناقب عثمان ومساوئ ~~علي. فلما قرأ كتابه كانت داجنة إلى جانبه، فأخذ القرطاس وألقمه الشاة, ~~فلاكته حتى ذهب في جوفها، ثم قال لرسول الخليفة: قل له: هذا جوابك! فخشي ~~الرسول أن يرجع خائبا فيقتله هشام، فما زال يتحمل بنا، فقلنا: يا أبا محمد, ~~نجه من القتل. فلما ألححنا عليه كتب: "بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد يا ~~أمير المؤمنين، فلو كانت لعثمان "رضي الله عنه" مناقب أهل الأرض ما نفعتك، ~~ولو كانت لعلي "رضي الله عنه" مساوئ أهل الأرض ما ضرتك, فعليك بخويصة نفسك، ~~والسلام". # فلما فصل الرسول قال لي الشيح: إنه كان في خراسان محدث اسمه "الضحاك بن ~~مزاحم الهلالي" وكان فقيه مكتب عظيم فيه ثلاثة آلاف صبي يتعلمون؛ فكان هذا ~~الرجل إذا تعب ركب حمارا ودار به في المكتب عليهم، فيكون إقبال الحمار على ~~الصبي هما وإدباره عنه سرورا. وما أرى الشيطان إلا قد PageV01P122 # تعب في مكتبه وأعيا، فركب أمير المؤمنين ليدور علينا نحن يسألنا: ماذا ~~حفظنا من مساوئ علي؟ # قلت: فلماذا ألقمت كتابه الشاة, ولو غسلته أو أحرقته كان ms099 أفهم له وكان ~~هذا أشبه بك؟ فقال: ويحك يا أبله! لقد شابت البلاهة في عارضيك؛ إن هشاما ~~سيتقطع منها غيظا، فما يخفي عنه رسوله أني أطعمت كتابه الشاة، وما يخفي عنه ~~دهاؤه أن الشاة ستبعره من بعد! # قلت: أفلا تخشى أمير المؤمنين؟ # قال: ويحك! هذا الأحول عندك أمير المؤمنين؟ أبما ولدته أمه من عبد الملك؟ ~~فهبها ولدته من حائك أو حجام! إن إمارة المؤمنين يا أبا معاوية، هي ارتفاع ~~نفس من النفوس العظيمة إلى أثر النبوة؛ كأن القرآن عرض المؤمنين جميعا ثم ~~رضي منهم رجلا للزمن الذي هو فيه، ومتى أصيب هذا الرجل القرآني، فذاك وارث ~~النبي في أمته وخليفته عليها، وهو يومئذ أمير المؤمنين، لا من إمارة الملك ~~والترف، بل من إمارة الشرع والتدبير والعمل والسياسة. # هذا الأحول الذي التف كدودة الحرير في الحرير، وأقبل على الخيل لا للجهاد ~~والحرب، ولكن للهو والحلبة، حتى اجتمع له من جياد الخيل أربعة آلاف فرس لم ~~يجتمع مثلها لأحد في جاهلية ولا إسلام، وعمل الخز وقطف الخز، واستجاد الفرش ~~والكسوة، وبالغ في ذلك وأنفق فيه النفقات الواسعة، وأفسد الرجولة بالنعيم ~~والترف، حتى سلك الناس في ذلك سنته، فأقبلوا بأنفسهم على لهو أنفسهم, ~~وصنعوا الخير صنعة جديدة بصرفه إلى حظوظهم، وتركوا الشر على ما هو في ~~الناس، فزادوا الشر وأفسدوا الخير، ولم يعد الفقراء والمساكين عندهم هم ~~والفقراء والمساكين من الناس، بل بطونهم وشهواتهم! ولقد كان الرجل من ~~أغنياء المسلمين يقتصد في حظ نفسه ليسع ببره مائة أو مائتين أو أكثر من ~~إخوانه وذوي حاجته، فعاد هذا الغني يتسع لنفسه ثم يتسع، حتى لا يكفيه أن ~~يأكل رزقه مائة أو مائتين أو أكثر! # إن هذا الإسلام يجعل أحسن المسرات أحسنها في بذلها للمحتاجين، لا في ~~أخذها والاستئثار بها، فهي لا تضيع على صاحبها إلا لتكون له عند الله، وكأن ~~الفقر والحاجة والمسكنة والإنفاق في سبيل الله, كأن هذه أرضون يغرس فيها ~~الذهب والفضة غرسا لا يؤتي ثمره إلا في اليوم الذي ينقلب فيه ms100 أغنى الأغنياء ~~على # PageV01P123 # الأرض، وإنه لأفقر الناس إلى درهم من رحمة الله وإلى ما دون الدرهم؛ ~~فيقال له حينئذ: خذ من ثمار عملك، وخذ ملء يديك! # والسلطان في الإسلام هو الشرع مرئيا يتابعه، متكلما يفهمه الناس، آمرا ~~ناهيا يطيعه الناس. ولقد رأى المسلمون هذا الأحول، وتابعوه وسمعوا له ~~وأطاعوا؛ فمنعوا ما في أيديهم، فانقطع الرفد، وقل الخير، وشحت الأنفس، ~~وأصبح خيرهم لبطنه وشهواته، وصار الزمان أشبه بناسه، والناس أشبه بملكهم, ~~وملكهم في شهواته "فقير المؤمنين" لا أمير المؤمنين! # إن هذه الإمارة يا أبا معاوية، إنما تكون في قرب الشبه بين النبي ومن ~~يختاره المؤمنون للبيعة. وللنبي جهتان: إحداهما إلى ربه، وهذه لا يطمع أحد ~~أن يبلغ مبلغه؛ والأخرى إلى الناس، وهذه هي التي يقاس عليها "وهي كلها رفق ~~ورحمة وعمل، وتدبير وحياطة وقوة، إلى غيرها مما يقوم به أمر الناس؛ وهي ~~حقوق وتبعات ثقيلة تنصرف بصاحبها عن حظ نفسه، وبهذا الانصراف تجذب الناس ~~إلى صاحبها. فإمارة المؤمنين هي بقاء مادة النور النبوي في المصباح الذي ~~يضئ للإسلام، بإمداده بالقدر بعد القدر من هذه النفوس المضيئة. فإن صلح ~~التراب أو الماء مكان الزيت في الاستضاءة، صلح هشام وأمثاله لإمارة ~~المؤمنين! # ويل للمسلمين حين ينظرون فيجدون السلطان عليهم بينه وبين النبي مثل ما ~~بين دينين مختلفين. ويل يومئذ للمسلمين! ويل يومئذ للمسلمين! # فلما أتم الضرير حديثه قال ابن جحادة: إن شيخنا على هذا الجد ليمزح، ~~وسأحدثكم غير حديث أبي معاوية، فقد رأيت الدنيا كأنما عرفت الشيخ ووقفت على ~~حقيقته السماوية فقالت له: اضحك مني ومن أهلي. ولكن وقاره ودينه ارتفعا به ~~أن يضحك بفمه ضحك الجهلاء والفارغين, فضحك بالكلمة بعد الكلمة من نوادره. # لقد كنت عنده في مرضته، فعاده "أبو حنيفة" صاحب الرأي، وهو جبل علم شامخ، ~~فطول القعود مما يحبه ويأنس به، إذ كانت الأرواح لا تعرف مع أحبابها زمنا ~~يطول أو يقصر. فلما أراد القيام قال له: ما كأني إلا ثقلت عليك. فقال ~~الشيخ: إنك لثقيل علي وأنت في بيتك! ms101 وضحك أبو حنيفة كأنه طفل يناغيه أبوه ~~بكلمة ليس فيها معناها، أو أب داعبه طفله بكلمة فيها غير معناها. # PageV01P124 # وجاءه في الغداة قوم يعودونه، فلما أطالوا الجلوس عنده أخذ الشيخ وسادته ~~وقام منصرفا، وقال لهم: قد شفى الله مريضكم! # فقال الضرير: تلك روحة من هواء دنباوند1، فإن أبا الشيخ كان من تلك ~~الجبال، وقدم إلى الكوفة وأمه حامل؛ فولد هنا؛ فكأن في دمه ذلك النسيم تهب ~~منه النفحة بعد النفحة في مثله هذه الكلمات المتنسمة؛ ثم هي روحه الظريفة ~~الطيبة تلمس بعض كلامه أحيانا، كما تلمس روح الشاعر بعض كلام الشاعر؛ وما ~~رأيت أدق النوادر الساخرة وأبلغها وأعجبها يجيء إلا من ذوي الأرواح الشاعرة ~~الكبيرة البعيدة الغور، كأنما النادرة من رؤية النفس حقيقتان في الشيء ~~الواحد. والإمام في ذلك لا يسخر من أحد، إلا إذا كانت الأرض حين تخرج ~~الثمرة الحلوة تسخر بها من الثمرة المرة. # والعجيب أن النادرة البارعة التي لا تتفق إلا لأقوى الأرواح، يتفق مثلها ~~لأضعف الأرواح؛ كأنها تسخر من الناس كما يسخرون بها فهذا "أبو حسن" معلم ~~الكتاب، جاءه غلامان من صبيته قد تعلق أحدهما بالآخر؛ فقال: يا معلم، هذا ~~عص أذني. فقال الآخر: ما عضضتها، وإنما عض أذن نفسه. فقال المعلم: وتمكر بي ~~يابن الخبيثة؟ أهو جمل طويل العنق حتى ينال أذن نفسه فيعضها! # وطلع الشيخ عليهم وكأنما قرأ نفس أبي معاوية في وجهه المتفتح. ومن عجائب ~~الحكمة أن الذي يلمح في عيني المبصر من خوالج نفسه، يلمح على وجه الضرير ~~مكبرا مجسما. وكان الشيخ لا يأنس بأحد أنسه بأبي معاوية؛ لذكائه وحفظه ~~وضبطه، ولمشاكلة الظرف الروحي بينهما؛ فقال له: # - "فيم كان أبو معاوية؟ ". # - "كان أبو معاوية في الذي كان فيه! ". # - "وما الذي كان فيه؟ ". # - "هو ما تسأل عنه؟ ". # - "فأجبني عما أسأل عنه". # - "قد أجبتك! ". # - "بماذا أجبت؟ ". # - "بما سمعت! ". PageV01P125 # فقبض وجه الشيخ وقال: "أههنا وهناك معا؟ لو أن هذا من امرأة غضبى على ~~زوجها لكان له معنى، بل لا معنى له ولا من امرأة غضبى ms102 على زوجها. أحسب لولا ~~أن في منزلي من هو أبغض إلي منكم ما خرجت؟ " فقال الضرير: "يا أبا محمد، ~~كأننا زوجات العلم، فأيتنا التي حظيت وبظيت". # فغطى الجماعة أفواههم يضحكون، وتبسم الشيخ، ثم شرع يحدث فأفضى من خبر إلى ~~خبر، وتسرح في الرواية حتى مر به هذا الحديث: # عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن هلاك الرجال طاعتهم ~~لنسائهم". # قال الشيخ: كان الحديث بهذا اللفظ، ولم يقل النبي -صلى الله عليه وسلم: ~~"هلاك الرجل طاعته لامرأته"؛ فإن هذا لا يستقيم؛ إذ يكون بعض النساء أحيانا ~~أكمل من بعض الرجال، وأوفر عقلا وأسد رأيا، وقد تكون المرأة هي الرجل في ~~الحقيقة عزما وتدبيرا وقوة نفس، ويتلين الرجل معها كأنه امرأة. وكثير من ~~النساء يكن نساء بالحلية والشكل دون ما وراءهما، كأنما هيئن رجالا في الأصل ~~ثم خلقن نساء بعد، لإحداث ما يريد الله أن يحدث بهن، مما يكون في مثل هذه ~~العجيبة عملا ذا حقيقتين في الخير أو الشر. # وإنما عم الحديث ليدل على أن الأصل في هذه الدنيا أن تستقيم أمور التدبير ~~بالرجال؛ فإن البأس والعقل يكونان فيهم خلقة وطبيعة أكثر مما يكونان في ~~النساء, كما أن الرقة والرحمة في خلقة النساء وطبيعتهن أكثر مما هما في ~~الرجال، فإذا غلبت طاعة النساء في أمة من الأمم، فتلك حياة معناها هلاك ~~الرجال، وليس المراد هلاك أنفسهم، بل هلاك ما هم رجال به، والحديد حديد ~~بقوته وصلابته، والحجر حجر بشدته واجتماعه؛ فإن ذاب الأول أو تفلل، وتناثر ~~الآخر أو تفتت، فذاك هلاكهما في الحقيقة، وهما بعد لا يزالان من الحجر ~~والحديد. # والمرأة ضعيفة بفطرتها وتركيبها، وهي على ذلك تأبى أن تكون ضعيفة أو تقر ~~بالضعف، إلا إذا وجدت رجلها الكامل، رجلها الذي يكون معها بقوته وعقله ~~وفتنته لها وحبها إياه، كما يكون مثال مع مثال. ضع مائة دينار بجانب عشرة ~~دنانير، ثم اترك للعشرة أن تتكلم وتدعي وتستطيل؛ قد تقول: إنها أكثر ~~إشراقا، أو أظرف شكلا، أو أحسن وضعا وتصفيفا؛ ولكن ms103 الكلمة المحرمة هنا أن ~~تزعم أنها أكبر قيمة في السوق! # قال الشيخ: ومن من النساء تصيب رجلها الكامل أو القريب من كماله # PageV01P126 # عندها، أي: طبيعته بالقياس إلى طبيعتها، كمال جسم مفصل لجسم تفصيل الثوب ~~الذي يلبسه ويختال فيه؟ أما إن هذا من عمل الله وحده, كما يبسط الرزق لمن ~~يشاء من عباده ويقدر، يبسط مثل ذلك للنساء في رجالهن ويقدر. # فإذا لم تصب المرأة رجلها القوي -وهو الأعم الأغلب- لم تستطع أن تكون معه ~~في حقيقة ضعفها الجميل، وعملت على أن يكون الرجل هو الضعيف، لتكون معه في ~~تزوير القوة عليه وعلى حياته، وبهذا تخرج من حيزها؛ وما أول خروج النساء ~~إلى الطرقات إلا هذا المعنى؛ فإن كثر خروجهن في الطريق، وتسكعن ههنا وههنا، ~~فإنما تلك صورة من فساد الطبيعة فيهن ومن إملاقها أيضا. # قال الشيح: وكأن في الحديث الشريف إيماء إلى أن بعض الحق على النساء أن ~~ينزلن عن بعض الحق الذي لهن إبقاء على نظام الأمة، وتيسيرا للحياة في ~~مجراها؛ كما ينزل الرجل عن حقه في حياته كلها إذا حارب في سبيل أمته، إبقاء ~~عليها وتيسيرا لحياتها في مجراها. فصبر المرأة على مثل هذه الحالة هو نفسه ~~جهادها وحربها في سبيل الأمة، ولها عليه من ثواب الله مثل ما للرجل يقتل أو ~~يجرح في جهاده. # ألا وإن حياة بعض النساء مع بعض الرجال تكون أحيانا مثل القتل، أو مثل ~~الجرح، وقد تكون مثل الموت صبرا على العذاب! ولهذا قال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- لمزوجة يسألها عن حالها وطاعتها وصبرها مع رجلها: "فأين أنت ~~منه؟ " قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه! قال: "فكيف أنت له؟ فإنه جنتك ~~ونارك". # آه! آه! حتى زواج المرأة بالرجل هو في معناه مرور المرأة المسكينة في ~~دنيا أخرى إلى موت آخر، ستحاسب عنده بالجنة والنار، فحسابها عند الله ~~نوعان: ماذا صنعت بدنياك ونعيمها وبؤسها عليك؟ ثم ماذا صنعت بزوجك ونعيمه ~~وبؤسه فيك؟ # وقد روينا أن امرأة جاءت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا ms104 رسول ~~الله، إني وافدة النساء إليك؛ ثم ذكرت ما للرجال في الجهاد من الأجر ~~والغنيمة؛ ثم قالت: فما لنا من ذلك؟ # فقال صلى الله عليه وسلم: "أبلغي من لقيت من النساء أن طاعة للزوج، ~~واعترافا بحقه يعدل ذلك, وقليل منكن من يفعله! ". # وقال الشيخ: تأملوا, اعجبوا من حكمة النبوة ودقتها وبلاغتها؛ أيقال في ~~المرأة المحبة لزوجها المفتتنة به المعجبة بكماله: إنها أطاعته واعترفت ~~بحقه؟ أوليس ذلك طبيعة الحب إذا كان حبا؟ فلم يبق إذن إلا المعنى الآخر، ~~حين لا # PageV01P127 # تصيب المرأة رجلها المفصل لها، بل رجلا يسمى زوجا؛ وهنا يظهر كرم المرأة ~~الكريمة، وههنا جهاد المرأة وصبرها، وههنا بذلها لا أخذها؛ ومن كل ذلك ههنا ~~عملها لجنتها أو نارها. # فإذا لم يكن الرجل كاملا بما فيه للمرأة، فلتبقه هي رجلا بنزولها عن بعض ~~حقها له، وتركها الحياة تجري في مجراها، وإيثارها الآخرة على الدنيا، ~~وقيامها بفريضة كمالها ورحمتها، فيبقى الرجل رجلا في عمله للدنيا، ولا يمسخ ~~طبعه ولا ينتكس بها ولا يذل، فإن هي بذأت وتسلطت وغلبت وصرفت الرجل في ~~يدها, فأكثر ما يظهر حينئذ في أعمال الرجال من طاعتهم لنسائهم, إنما هو طيش ~~ذلك العقل الصغير وجرأته، وأحيانا وقاحته؛ وفي كل ذلك هلاك معاني الرجولة، ~~وفي هلاك معاني الرجولة هلاك الأمة!! # قال الشيخ: والقلوب في الرجال ليست حقيقة أبدا، بطبيعة أعمالهم في الحياة ~~وأمكنتهم منها، ولكن القلب الحقيقي هو في المرأة؛ ولذا ينبغي أن يكون فيه ~~السمو فوق كل شيء إلا واجب الرحمة؛ ذلك الواجب الذي يتجه إلى القوي فيكون ~~حبا، ويتجه إلى الضعيف فيكون حنانا ورقة، ذلك الواجب هو اللطف؛ ذلك اللطف ~~هو الذي يثبت أنها امرأة. # قال أبو معاوية: وانفض المجلس، ومنعني الشيخ أن أقوم مع الناس، وصرف ~~قائدي؛ فلما خلا وجهه قال: يا أبا معاوية قم معي إلى الدار, قلت: ما شأنك ~~في الدار يا أبا محمد؟ قال: إن "تلك" غاضبة علي، وقد ضاقت الحال بيني ~~وبينها، وأخشى أن تتباعد، فأريد أن تصلح بيننا صلحا. # قلت: ms105 فمم غضبها؟ قال: لا تسأل المرأة مم تغضب، فكثيرا ما يكون هذا الغضب ~~حركة في طباعها، كما تكون جالسة وتريد أن تقوم فتقوم، وتريد أن تمشي فتمشي! # قلت: يا أبا محمد، هذا آخر أربع مرات1 تغضب عليك غضب الطلاق، فما يحبسك ~~عليها والنساء غيرها كثير؟ # قال: ويحك يا رجل! أبائع نساء أنا، أما علمت أن الذي يطلق امرأة لغير ~~PageV01P128 # ضرورة ملجئة، هو كالذي يبيعها لمن لا يدري كيف يكون معها وكيف تكون معه؟ ~~إن عمر الزوجة لو كان رقبة وضربت بسيف قاطع لكان هذا السيف هو الطلاق! # وهل تعيش المطلقة إلا في أيام ميتة؟ وهل قاتل أيامها إلا مطلقها؟ # قال أبو معاوية: وقمنا إلى الدار، واستأذنت ودخلت على "تلك". # PageV01P129 ### | زوجة إمام بقية الخير # قال أبو معاوية الضرير: وكنت في الطريق إلى دار الشيخ، أروئ في الأمر، ~~وأمتحن مذاهب الرأي، وأقلبها على وجوهها، وأنظر كيف احتال في تأليف ما ~~تنافر من الشيخ وزوجته؛ فإن الذي يسفر بين رجل وامرأته إنما يمشي بفكره بين ~~قلبين، فهو مطفئ نائرة1 أو مسعرها، إذ لا يضع بين القلبين إلا حمقه أو ~~كياسته، وهو لن يرد المرأة إلى الرأي إلا إذا طاف على وجهها بالضحك، وعلى ~~قلبها بالخجل، وعلى نفسها بالرقة، وكان حكيما في كل ذلك؛ فإن عقل المرأة مع ~~الرجل عقل بعيد، يجيء من وراء نفسها، من وراء قلبها. # وجعلت أنظر ما الذي يفسد محل الشيخ من زوجته، ومثلت بينه وبينها، فما ~~أخرج لي التفكير إلا أن حسن خلقه معها دائما هو الذي يستدعي منها سوء الخلق ~~أحيانا؛ فإن الشيخ كما ورد في وصف المؤمن: "هين لين كالجمل الأنف 2، إن قيد ~~انقاد، وإن أنيخ على صخرة استناخ"، والمرأة لا تكون امرأة حتى تطلب في ~~الرجل أشياء, منها: أن تحبه بأسباب كثيرة من أسباب الحب؛ ومنها: أن تخافه ~~بأسباب يسيرة من أسباب الخوف، فإذا هي أحبته الحب كله، ولم تخف منه شيئا، ~~وطال سكونه وسكونها، نفرت طبيعتها نفرة كأنها تنخيه وتذمره، ليكون معها ~~رجلا فيخيفها الخوف ms106 الذي تستكمل به لذة حبها، إذ كان ضعفها يحب فيما يحبه ~~من الرجل، أن يقسو عليه الرجل في الوقت بعد الوقت، لا ليؤذيه ولكن ليخضعه؛ ~~والآمر الذي لا يخاف إذا عصي أمره، هو الذي لا يعبأ به إذا أطيع أمره. # وكأن المرأة تحتاج طبيعتها أحيانا إلى مصائب خفيفة، تؤذي برقة أو تمر ~~PageV01P130 # بالأذى من غير أن تلمسها به؛ لتتحرك في طبيعتها معاني دموعها من غير ~~دموعها؛ فإن طال ركود هذه الطبيعة، أوجدت هي لنفسها مصائبها الخفيفة، فكان ~~الزوج إحداها. # وهذا كله غير الجرأة أو البذاء فيمن يبغضن أزواجهن، فإن المرأة إذا فركت ~~زوجها لمنافرة الطبيعة بينها وبينه، مات ضعفها الأنثوي الذي يتم به جمالها ~~واستمتاعها والاستمتاع بها، وتعقد بذلك لينها أو تصلب أو استحجر، فتكون مع ~~الرجل بخلاف طبيعتها، فينقلب سكرها النسائي بأنوثتها الجميلة عربدة وخلافا ~~وشرا وصخبا، ويخرج كلامها للرجل وهو من البغض كأنه في صوتين لا في صوت ~~واحد. ولعل هذا هو الذي أحسه الشاعر العربي بفطرته, من تلك المرأة الصخابة ~~الشديدة الصوت البادية الغيظ، فضاعف لها في تركيب اللفظ حين وصفها بقوله: # صلبة الصيحة صهصليقها1 # قال أبو معاوية: واستأذنت على "تلك"، ودخلت بعد أن استوثقت أن عندها بعض ~~محارمها؛ فقلت: أنعم الله مساءك يا أم محمد. قالت: وأنت فأنعم الله مساءك. # فأصغيت للصوت، فإذا هو كالنائم قد انتبه يتمطى في استرخاء، وكأنها تقبلني ~~به وتردني معا، لا هو خالص للغضب ولا هو خالص للرضى. # فقلت: يا أم محمد، إني جائع لم ألم اليوم بمنزلي. فقامت فقربت ما حضر ~~وقالت: معذرة يا أبا معاوية، فإنما هو جهد المقل، وليس يعدو إمساك الرمق. ~~فقلت: إن الجوعان غير الشهوان؛ والمؤمن يأكل في معى واحد2 ولم يخلق الله ~~قمحا للملوك وقمحا غيره للفقراء. # ثم سميت ومددت يدي أتحسس ما على الطبق، فإذا كسر من الخبز، معها شيء من ~~الجزر المسلوق، فيه قليل من الخل والزيت؛ فقلت في نفسي: هذا بعض أسباب ~~الشر؛ وما كان بي الجوع ولا سده، غير أني أردت ms107 أن أعرف حاضر الرزق في دار ~~الشيخ، فإن مثل هذه القلة في طعام الرجل هي عند المرأة قلة من PageV01P131 # الرجل نفسه؛ وكل ما تفقده من حاجاتها وشهوات نفسها، فهو عندها فقر ~~بمعنيين: أحدهما من الأشياء، والآخر من الرجل. كلما أكثر الرجل من إتحافها ~~كثر عندها، وإن أقل قل. وإنما خلقت المرأة بطنا يلد، فبطنها هو أكبر ~~حقيقتها، وهذه غايتها وغاية الحكمة فيها؛ لا جرم كان لها في عقلها معدة ~~معنوية؛ وليس حبها للحلي والثياب والزينة والمال، وطماحها إليها، ~~واستهلاكها في الحرص والاستشراف لها, إلا مظهرا من حكم البطن وسلطانه؛ فذلك ~~كله إذا حققته في الرجل لم تجده عنده إلا من أسباب القوة والسلطة، وكان ~~فقده من ذرائع الضعف والقلة؛ فإذا حققته في المرأة ألفيته عندها من معاني ~~الشبع والبطر، وكان فقده عندها كأنه فن من الجوع، وكانت شهوتها له كالقرم ~~إلى اللحم عند من حرم اللحم؛ وهذا بعض الفرق بين الرجال والنساء؛ فلن يكون ~~عقل المرأة كعقل الرجل لمكان الزيادة في معانيها "البطنية" فحسبت لها ~~الزيادة ههنا بالنقص هناك؛ فهن ناقصات عقل ودين كما ورد في الحديث. أما نقص ~~العقل فهذه علته؛ وأما الدين فلغلبة تلك المعاني على طبيعتها كما تغلب على ~~عقلها؛ فليس نقص الدين في المرأة نقصا في اليقين أو الإيمان، فإنها في هذين ~~أقوى من الرجل؛ وإنما ذاك هو النقص في المعاني الشديدة التي لا يكمل الدين ~~إلا بها؛ معاني الجوع من نعيم الدنيا وزينتها، وامتداد العين إليها، ~~واستشراف النفس لها؛ فإن المرأة في هذا أقل من الرجل؛ وهل لهذه العلة ما ~~برحت تؤثر دائما جمال الظاهر وزينته في الرجال والأشياء، دون النظر إلى ما ~~وراء ذلك من حقيقة المنفعة. # قال أبو معاوية: وأريتها أني جائع، فنهشت نهش الأعرابي، كيلا تفطن إلى ما ~~أردت من زعم الجوع؛ ثم أحببت أن أستدعي كلامها وأستميلها لأن تضحك وتسر، ~~فأغير بذلك ما في نفسها، فيجد كلامي إلى نفسها مذهبا؛ فقلت: يا أم محمد، قد ~~تحرمت بطعامك، ووجب حقي عليك، فأشيري ms108 علي برأيك فيما أستصلح به زوجتي، ~~فإنها غاضبة علي، وهي تقول لي: والله ما يقيم الفأر في بيتك إلا لحب الوطن, ~~وإلا فهو يسترزق من بيوت الجيران. # قالت: وقد أعدمت حتى من كسر الخبز والجزر المسلوق؟ الله منك! لقد ~~استأصلتها من جذورها؛ إن في أمراض النساء الحمى التي اسمها الحمى، والحمى ~~التي اسمها الزوج. # فقلت: الله الله يا أم محمد؛ لقد أيسرت بعدنا، حتى كأن الخبز والجزر # PageV01P132 # المسلوق شيء قليل عندك من فرط ما يتيسر؛ أوما علمت أن رزق الصالحين ~~كالصالحين أنفسهم، يصوم عن أصحابه اليوم واليومين. وكأنك سمعت شيئا من ~~أخبار أمهات المؤمنين، أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونساء أصحابه ~~-رضوان الله عليهم- فما خير امرأة مسلمة لا تكون بأدبها وخلقها الإسلامي ~~كأنها بنت إحدى أمهات المؤمنين؟ # أفرأيت لو كنت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم؛ أفكان ينقلك هذا إلى ~~أحسن مما أنت فيه من العيش؛ وهل كانت فاطمة بنت ملك تعيش في أحلام نفسها، ~~أو بنت نبي تعيش في حقائق نفسها العظيمة؟ # تقولين: إنني استأصلت أم معاوية من جذورها؛ فما أم معاوية وما جذورها؟ ~~أهي خير من أسماء بنت أبي بكر صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد ~~قالت عن زوجها البطل العظيم: تزوجني وما له في الأرض من مال ولا مملوك، ولا ~~شيء غير فرسه وناضحه1، فكنت أعلف فرسه وأكفيه مؤنته وأسوسه، وأدق النوى ~~لناضحه وأعلفه، وأستقي الماء وأخرز غربه2 وأعجن، وكنت أنقل النوى على رأسي ~~من ثلثي فرسخ، حتى أرسل إلي أبو بكر بجارية، فكفتني سياسة الفرس، فكأنما ~~أعتقني. # هكذا ينبغي لنساء المسلمين في الصبر والإباء والقوة، والكبرياء بالنفس ~~على الحياة كائنة ما كانت، والرضا والقناعة ومؤازرة الزوج وطاعته، واعتبار ~~ما لهن عند الله لا ما لهن عند الرجل، وبذلك يرتفعن على نساء الملوك في ~~أنفسهن، وتكون المرأة منهن وما في دارها شيء، وعندها أن في دارها الجنة. ~~وهل الإسلام إلا هذه الروح السماوية التي لا تهزمها الأرض أبدا، ولا تذلها ~~أبدا، ما دام يأسها ms109 وطمعها معلقين بأعمال النفس في الدنيا، لا بشهوات الجسم ~~من الدنيا؟ # هل الرجل المسلم الصحيح الإسلام، إلا مثل الحرب يثور حولها غبارها، ويكون ~~معها الشظف والبأس والقوة والاحتمال والصبر, إذ كان مفروضا على المسلم أن ~~يكون القوة الإنسانية لا الضعف، وأن يكون اليقين الإنساني لا الشك، وأن ~~يكون الحق في هذه الحياة لا الباطل؟ # وهل امرأة المسلم إلا تلك المفروض عليها أن تمد هذه الحرب بأبطالها، ~~PageV01P133 # وعتاد أبطالها، وأخلاق أبطالها؛ ثم ألا تكون دائما إلا من وراء أبطالها؟ ~~وكيف تلد البطل إذا كان في أخلاقها الضعة والمطامع الذليلة والضجر والكسل ~~والبلادة؟ ألا إن المرأة كالدار المبنية، لا يسهل تغيير حدودها إلا إذا ~~كانت خرابا. # فاعترضته امرأة الشيخ وقالت: وهل بأس بالدار إذا وسعت حدودها من ضيق؟ ~~أتكون الدار في هذا إلى نقصها أو تمامها؟ # قال أبو معاوية: فكدت أنقطع في يدها، وأحببت أن أمضي في استمالتها، ~~فتركتها هنيهة ظافرة بي، وأريتها أنها شدتني وثاقا، وأطرقت كالمفكر؛ ثم قلت ~~لها: إنما أحدثك عن أم معاوية لأبي معاوية؛ وتلك دار لا تملك غير أحجارها ~~وأرضها, فبأي شيء تتسع؟ # زعموا أنه كان رجل عامل يملك دويرة قد التصقت بها مساكن جيرانه، وكانت له ~~زوجة حمقاء، ما تزال ضيقة النفس بالدار وصغرها، كأن في البناء بناء حول ~~قلبها, وكانا فقيرين، كأم معاوية وأبي معاوية؛ فقالت له يوما: أيها الرجل، ~~ألا توسع دارك هذه؛ ليعلم الناس أنك أيسرت وذهب عنك الضر والفقر؟ قال: ~~فبماذا أوسعها وما أملك شيئا، أأمسك بيميني حائطا وبشمالي حائطا فأمدهما ~~أباعد بينهما؟ وهبيني ملكت التوسعة ونفقتها، فكيف لي بدور الجيران وهي ~~ملاصقة لنا بيت بيت؟ # قالت الحمقاء: فإننا لا نريد إلا أن يتعالم الناس أننا أيسرنا؛ فاهدم أنت ~~الدار، فإنهم سيقولون: لولا أنهم وجدوا واتسعوا وأصبح المال في يدهم لما ~~هدموا! # قال أبو معاوية: وغاظتني زوجة الشيخ فلم أسمع لها همسة من الضحك لمثل ~~الحمقاء، وما اخترعته إلا من أجلها تريد أن يذهب عملي باطلا؛ فقلت: وهل ~~تتسع أم معاوية من ms110 فقرها إلا منا كما اتسع ذلك الأعرابي في صلاحه؟ # قالت: وما خبر الأعرابي؟ # قلت: دخل علينا المسجد يوما أعرابي جاء من البادية، وقام يصلي فأطال ~~القيام والناس يرمقونه، ثم جعلوا يتعجبون منه، ثم رفعوا أصواتهم يمدحونه ~~ويصفونه بالصلاح؛ فقطع الأعرابي صلاته وقال لهم: مع هذا إني صائم. # قال أبو معاوية: فما تمالكت أن ضحكت، وسمعت صوت نفسها، وميزت فيه الرضى ~~مقبلا على الصلح الذي أتسبب له. ثم قلت: # PageV01P134 # وإذا ضاقت الدار فلم لا تتسع النفس التي فيها؟ المرأة وحدها هي الجو ~~الإنساني لدار زوجها، فواحدة تدخل الدار فتجعل فيها الروضة ناضرة متروحة ~~باسمة، وإن كانت الدار قحطة مسحوتة ليس فيها كبير شيء؛ وامرأة تدخل الدار ~~فتجعل فيها مثل الصحراء برمالها وقيظها وعواصفها، وإن كانت الدار في رياشها ~~ومتاعها كالجنة السندسية؛ وواحدة تجعل الدار هي القبر. والمرأة حق المرأة ~~هي التي تترك قلبها في جميع أحواله على طبيعته الإنسانية، فلا تجعل هذا ~~القلب لزوجها من جنس ما هي فيه من عيشة: مرة ذهبا، ومرة فضة، ومرة نحاسا أو ~~خشبا أو ترابا، فإنما تكون المرأة مع رجلها من أجله ومن أجل الأمة معا؛ ~~فعليها حقان لا حق واحد، أصغرها كبير. ومن ثم فقد وجب عليها إذا تزوجت أن ~~تستشعر الذات الكبيرة مع ذاتها، فإن أغضبها الرجل بهفوة منه، تجافت له ~~عنها، وصفحت من أجل نظام الجماعة الكبرى، وعليها أن تحكم حينئذ بطبيعة ~~الأمة لا بطبيعة نفسها، وهي طبيعة تأبى التفرق والانفراد، وتقوم على ~~الواجب، وتضاعف هذا الواجب على المرأة بخاصة. # والإسلام يضع الأمة ممثلة في النسل بين كل رجل وامرأته، ويوجب هذا المعنى ~~إيجابا؛ ليكون في الرجل وامرأته شيء غير الذكورة والأنوثة، ويجمعهما ويقيد ~~أحدهما بالآخر، ويضع في بهيميتهما التي من طبيعتها أن تتفق وتختلف، إنسانية ~~من طبيعتها أن تتفق ولا تختلف. # ومتى كان الدين بين كل زوج وزوجته، فمهما اختلفا وتدابرا وتعقدت نفساهما، ~~فإن كل عقدة لا تجيء إلا ومعها طريقة حلها، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، ~~وهو اليسر والمساهلة، ms111 والرحمة والمغفرة، ولين القلب وخشية الله؛ وهو العهد ~~والوفاء، والكرم والمؤاخاة والإنسانية؛ وهو اتساع الذات وارتفاعها فوق كل ~~ما تكون به منحطة أو ضيقة. # قال أبو معاوية: فحق الرجل المسلم على امرأته المسلمة، هو حق من الله، ثم ~~من الأمة، ثم من الرجل نفسه، ثم من لطف المرأة وكرمها، ثم مما بينهما معا. ~~وليس عجيبا بعد هذا ما روينا عن النبي -صلى الله عليه وسلم: "لو كنت آمرا ~~أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن؛ لما جعل الله لهم ~~عليهن من الحق". # وهذه عائشة أم المؤمنين قالت: يا معشر النساء، لو تعلمن بحق أزواجكن ~~عليكن، لجعلت المرأة منكن تمسح الغبار عن قدمي زوجها بحر وجهها. # PageV01P135 # قال أبو معاوية: وكان الشيخ قد استبطأني وقد تركته في فناء الدار، وكنت ~~زورت في نفسي كلاما طويلا عن فروته الحقيرة التي يلبسها، فيكون فيها من ~~بذاذة الهيئة كالأجير الذي لم يجد من يستأجره، فظهر الجوع حتى على ثيابه. ~~وقد مر بالشيخ رجل من المسودة1 وكان الشيخ في فروته هذا جالسا في موضع فيه ~~خليج من المطر، فجاءه المسود فقال: قم فاعبر بي هذا الخليج, وجذبه بيده ~~فأقامه وركبه والشيخ يضحك. # وكنت أريد أن أقول لأم محمد: إن الصحو في السماء لا يكون فقرا في السماء، ~~وإن فروة الشيخ تعرف الشيخ أكثر من زوجته، وإن المؤمن في لذات الدنيا ~~كالرجل الذي يضع قدميه في الطين ليمشي، أكبر همه ألا يجاوز الطين قدميه. # ولكن صوت الشيخ ارتفع: هل عليكم إذن؟ # قال معاوية: فبدرت وقلت: باسم الله أدخل؛ كأني أنا الزوجة, وسمعت همسا من ~~الضحك؛ ودخل أبو محمد إلى جانبي، وغمزني في ظهري غمزة؛ فقلت: يا أم محمد, ~~إن شيخك في ورعه وزهده ليشبعه ما يشبع الهدهد، ويرويه ما يروي العصفور، ~~ولئن كان متهدما فإنه جبل علم، "ولا تنظري إلى عمش عينيه، وحموشة ساقيه، ~~فإنه إمام وله قدر"2. # فصاح الشيخ: قم أخزاك الله، ما أردت إلا أن تعرفها عيوبي! # قال أبو معاوية: ولكني لم أقم، ms112 بل قامت زوجة الشيخ فقبلت يده. ~~PageV01P136 ### | قبح جميل # دخل أحمد بن أيمن "كاتب ابن طولون" البصرة، فصنع له مسلم بن عمران التاجر ~~المتأدب صنيعا دعا إليه جماعة من وجوه التجار وأعيان الأدباء، فجاء ابنا ~~صاحب الدعوة وهما غلامان، فوقفا بين يدي أبيهما، وجعل ابن أيمن يطيل النظر ~~إليهما، ويعجب من حسنهما وبزتهما وروائهما، حتى كأنما أفرغا في الجمال ~~وزينته إفراغا، أو كأنما جاءا من شمس وقمر لا من أبوين من الناس، أو هما ~~نبتا في مثل تهاويل الزهر من زينته التي تبدعها الشمس، ويصقلها الفجر، ~~ويتندى بها روح الماء العذب؛ وكان لا يصرف نظره عنهما إلا رجع به النظر، ~~كأن جمالهما لا ينتهي فيما ينتهي الإعجاب به. # وجعل أبوهما يسارقه النظر مسارقة، ويبدو كالمتشاغل عنه، ليدع له أن يتوسم ~~ويتأمل ما شاء، وأن يملأ عينيه مما أعجبه من لؤلؤتيه ومخايلهما؛ بيد أن ~~الحسن الفاتن يأبى دائما إلا أن يسمع من ناظره كلمة الإعجاب به، حتى لينطق ~~المرء بهذه الكلمة أحيانا، وكأنها مأخوذة من لسانه أخذا، وحتى ليحس أن ~~غريزة في داخله كلمها الحسن من كلامه فردت عليه من كلامها. # قال ابن أيمن: سبحان الله؛ ما رأيت كاليوم قط دميتين لا تفتح الأعين على ~~أجمل منهما؛ ولو نزلا من السماء وألبستهما الملائكة ثيابا من الجنة، ما ~~حسبت أن تصنع الملائكة أظرف ولا أحسن مما صنعت أمهما. # فالتفت إليه مسلم وقال: أحب أن تعوذهما. فمد الرجل يده ومسح عليهما، ~~وعوذهما بالحديث المأثور، ودعا لهما، ثم قال: ما أراك إلا استجدت الأم فحسن ~~نسلك، وجاء كاللؤلؤ يشبه بعضه بعضا، صغاره من كباره؛ وما عليك ألا تكون قد ~~تزوجت ابنة قيصر فأولدتها هذين، وأخرجتهما هي لك في صيغتها الملوكية1 من ~~PageV01P137 # الحسن والأدب والرونق، وما أرى مثلهما يكونان في موضع إلا كان حولهما ~~جلال الملك ووقاره، مما يكون حولهما من نور تلك الأم. # فقال مسلم: وأنت على ذلك غير مصدق إذا قلت لك: إني أحب المرأة الجميلة ~~التي تصف، وليس بي هوى إلا في امرأة ms113 دميمة هي بدمامتها أحب النساء إلي، ~~وأخفهن على قلبي، وأصلحهن لي، ما أعدل بها ابنة قيصر ولا ابنة كسرى. # فبقي ابن أيمن كالمشدوه من غرابة ما يسمع، ثم ذكر أن من الناس من يأكل ~~الطين ويستطيبه لفساد من طبعه، فلا يحلو السكر في فمه وإن كان مكررا خالص ~~الحلاوة؛ ورثى أشد الرثاء لأم الغلامين أن يكون هذا الرجل الجلف قد ضارها1 ~~بتلك الدميمة أو تسرى بها عليها؛ فقال وما يملك نفسه: أما والله لقد كفرت ~~النعمة، وغدرت وجحدت وبالغت في الضر، وإن أم هذين الغلامين لامرأة فوق ~~النساء، إذ لم يتبين في ولديها أثر من تغير طبعها وكدور نفسها، وقد كان ~~يسعها العذر لو جعلتهما سخنة عين لك وأخرجتهما للناس في مساوئك لا في ~~محاسنك، وما أدري كيف لا تند عليك، ولا كيف صلحت بمقدار ما فسدت أنت، ~~واستقامت بمقدار ما التويت، وعجيب والله شأنكما! إنها لتغلو في كرم الأصل ~~والعقل والمروءة والخلق، كما تغلو أنت في البهيمية والنزق والغدر وسوء ~~المكافأة. # قال مسلم: فهو والله ما قلت لك، وما أحب إلا امرأة دميمة قد ذهبت بي كل ~~مذهب، وأنستني كل جميلة في النساء، ولئن أخذت أصفها لك لما جاءت الألفاظ ~~إلا من القبح والشوهة والدمامة؛ غير أنها مع ذلك لا تجيء إلا دالة على أجمل ~~معاني المرأة عند رجلها في الحظوة والرضى وجمال الطبع؛ وانظر كيف يلتئم أن ~~تكون الزيادة في القبح هي زيادة في الحسن وزيادة في الحب وكيف يكون اللفظ ~~الشائه، وما فيه لنفسي إلا المعنى الجميل، وإلا الحس الصادق بهذا المعنى، ~~وإلا الاهتزاز والطرب لهذا الحس؟ # قال ابن أيمن: والله إن أراك إلا شيطانا من الشياطين، وقد عجل الله لك من ~~هذه الدميمة زوجتك التي كانت لك في الجحيم، لتجتمعا معا على تعذيب تلك ~~الحوراء الملائكية أم هذين الصغيرين، وما أدري كيف يتصل ما بينكما بعد هذا ~~الذي أدخلت من القبح والدمامة في معاشرتها ومعايشتها، وبعد أن جعلتها لا ~~تنظر PageV01P138 # إليك إلا بنظرتها إلى تلك. أفبهيمة ms114 هي لا تعقل، أم أنت رجل ساحر، أم فيك ~~ما ليس في الناس، أم أنا لا أفقه شيئا؟ # فضحك مسم وقال: إن لي خبرا عجيبا: كنت أنزل "الأبلة" وأنا متعيش1 فحملت ~~منها تجارة إلى البصرة فربحت، ولم أزل أحمل من هذه إلى هذه فأربح ولا أخسر، ~~حتى كثر مالي، ثم بدا لي أن أتسع في الآفاق البعيدة لأجمع التجارة من ~~أطرافها، وأبسط يدي للمال حيث يكثر وحيث يقل، وكنت في ميعة الشباب وغلوائه، ~~وأول هجمة الفتوة على الدنيا، وقلت: إن في ذلك خلالا؛ فأرى الأمم في بلادها ~~ومعايشها، وأتقلب في التجارة، وأجمع المال والطرائف، وأفيد عظة وعبرة، ~~وأعلم علما جديدا، ولعلني أصيب الزوجة التي أشتهيها وأصور لها في نفسي ~~التصاوير، فإن أمري من أوله كان إلى علو فلا أريد إلا الغاية، ولا أرمي إلا ~~للسبق، ولا أرضى أن أتخلف في جماعة الناس. وكأني لم أر في الأبلة، ولا في ~~البصرة امرأة بتلك التصاوير التي في نفسي، فتأخذها عيني، فتعجبني، فتصلح ~~لي، فأتزوج بها، وطمعت أن أستنزل نجما من تلك الآفاق أحرزه في داري؛ فما ~~زلت أرمي من بلد إلى بلد حتى دخلت "بلخ"2 من أجل مدن خراسان وأوسعها غلة؛ ~~تحمل غلتها إلى جميع خراسان وإلى خوارزم؛ وفيها يومئذ -كان- عالمها وإمامها ~~"أبو عبد الله البلخي" وكنا نعرف اسمه في البصرة؛ إذ كان قد نزلها في رحلته ~~وأكثر الكتابة بها عن الرواة والعلماء؛ فاستخفتني إليه نزية من شوقي إلى ~~الوطن، كأن فيه بلدي وأهلي؛ فذهبت إلى حلقته، وسمعته يفسر قول النبي -صلى ~~الله عليه وسلم: "سوداء ولود خير من حسناء لا تلد". فما كان الشيخ إلا في ~~سحابة، وما كان كلامه إلا وحيا يوحى إليه. سمعت -والله- كلاما لا عهد لي ~~بمثله, وأنا من أول نشأتي أجلس إلى العلماء والأدباء، وأداخلهم في فنون من ~~المذاكرة، فما سمعت ولا قرأت مثل كلام البلخي، ولقد حفظته حتى ما تفوتني ~~لفظة منه، وبقي هذا الكلام يعمل في نفسي عمله، ويدفعني إلى معانيه دفعا، ~~حتى أتى علي ms115 ما سأحدثك به. إن الكلمة في الذهن لتوجد الحادثة في الدنيا. # وقال ابن أيمن: اطو خبرك إن شئت، ولكن اذكر لي كلام البلخي، فقد تعلقت ~~نفسي به. PageV01P139 # قال: سمعت أبا عبد الله يقول في تأويل ذلك الحديث: أما في لفظ الحديث فهو ~~من معجزات بلاغة نبينا -صلى الله عليه وسلم- وهو من أعجب الأدب وأبرعه، ما ~~علمت أحدا تنبه إليه؛ فإنه -صلى الله عليه وسلم- لا يرد السوداء بخصوصها، ~~ولكنه كنى بها عما تحت السواد؛ وما فوق السواد، وما هو إلى السواد، من ~~الصفات التي يتقبحها الرجال في خلقة النساء وصورهن، فألطف التعبير ورق به، ~~رفعا لشأن النساء أن يصف امرأة منهن بالقبح والدمامة، وتنزيها لهذا الجنس ~~الكريم، وتنزيها للسانه النبوي؛ كأنه -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن ذكر ~~قبح المرأة هو في نفسه قبيح في الأدب، فإن المرأة أم أو في سبيل الأمومة؛ ~~والجنة تحت أقدام الأمهات؛ فكيف تكون الجنة التي هي أحسن ما يتخيل في الحسن ~~تحت قدمي امرأة، ثم يجوز أدبا أو عقلا أن توصف هذه المرأة بالقبح. # أما إن الحديث كالنص على أن من كمال أدب الرجل إذا كان رجلا ألا يصف ~~امرأة بقبح الصورة البتة، وألا يجري في لسانه لفظ القبح وما في معناه، ~~موصوفا به هذا الجنس الذي منه أمه, أيود أحدكم أن يمزق وجه أمه بهذه الكلمة ~~الجارحة؟ # وقد كان العرب يفصلون لمعاني الدمامة في النساء ألفاظا كثيرة؛ إذ كانوا ~~لا يرفعون المرأة عن السائمة والماشية؛ أما أكمل الخلق -صلى الله عليه ~~وسلم- فما زال يوصي بالنساء ويرفع شأنهن حتى كان آخر ما وصى به ثلاث كلمات، ~~كان يتكلم بهن إلى أن تلجلج لسانه وخفي كلامه؛ جعل يقول: "الصلاة الصلاة, ~~وما ملكت أيمانكم, لا تكلفوهم ما لا يطيقون؛ الله الله في النساء". # قال الشيخ: كأن المرأة من حيث هي إنما هي صلاة تتعبد بها الفضائل، فوجبت ~~رعايتها وتلقيها بحقها؛ وقد ذكرها بعد الرقيق؛ لأن الزواج بطبيعته نوع رق؛ ~~ولكنه ختم بها وقد بدأ بالصلاة؛ لأن الزواج في ms116 حقيقته نوع عبادة. # قال الشيخ: ولو أن أما كانت دميمة شوهاء في أعين الناس، لكانت مع ذلك في ~~عين أطفالها أجمل من ملكة على عرشها؛ ففي الدنيا من يصفها بالجمال صادقا في ~~حسه ولفظه، لم يكذب في أحدهما؛ فقد انتفى القبح إذن، وصار وصفها به في رأي ~~العين تكذيبا لوصفها في رأي النفس، ولا أقل من أن يكون الوصفان قد تعارضا ~~فلا جمال ولا دمامة. # قال الشيخ: وأما في معنى الحديث, هو -صلى الله عليه وسلم- يقرر للناس أن ~~كرم المرأة # PageV01P140 # بأمومتها، فإذا قيل: إن في صورتها قبحا، فالحسناء التي لا تلد أقبح منها ~~في المعنى. وانظر أنت كيف يكون القبح الذي يقال: إن الحسن أقبح منه! # فمن أين تناولت الحديث رأيته دائرا على تقدير أن لا قبح في صورة المرأة, ~~وأنها منزهة في لسان المؤمن أن توصف بهذا الوصف، فإن كلمات القبح والحسن ~~لغة بهيمية تجعل حب المرأة حبا على طريقة البهائم، من حيث تفضلها طريقة ~~البهائم بأن الحيوان على احتباسه في غرائزه وشهواته، لا يتكذب في الغريزة ~~ولا في الشهوة بتلوينهما ألوانا من خياله، ووضعهما مرة فوق الحد، ومرة دون ~~الحد1. # فأكبر الشأن هو للمرأة التي تجعل الإنسان كبيرا في إنسانيته، لا التي ~~تجعله كبيرا في حيوانيته، فلو كانت هذه الثانية هي التي يصطلح الناس على ~~وصفها بالجمال فهي القبيحة لا الجميلة، إذ يجب على المؤمن الصحيح الإيمان ~~أن يعيش فيما يصلح به الناس، لا فيما يصطلح عليه الناس؛ فإن الخروج من ~~الحدود الضيقة للألفاظ، إلى الحقائق الشاملة، هو الاستقامة بالحياة على ~~طريقها المؤدي إلى نعيم الآخرة وثوابها. # وهناك ذاتان لكل مؤمن: إحداهما غائبة عنه، والأخرى حاضرة فيه، وهو إنما ~~يصل من هذه إلى تلك، فلا ينبغي أن يحصر السماوية الواسعة في هذه الترابية ~~الضيقة؛ والقبح إنما هو لفظ ترابي يشار به إلى صورة وقع فيها من التشويه ~~مثل معاني التراب، والصورة فانية زائلة، ولكن عملها باق؛ فالنظر يجب أن ~~يكون إلى العمل؛ فالعمل هو لا غيره الذي تتعاوره ms117 ألفاظ الحسن والقبح. # وبهذا الكمال في النفس، وهذا الأدب، قد ينظر الرجل الفاضل من وجه زوجته ~~الشوهاء الفاضلة، لا إلى الشوهاء، ولكن إلى الحور العين. إنهما في رأي ~~العين رجل وامرأة في صورتين متنافرتين جمالا وقبحا؛ أما في الحقيقة والعمل ~~وكمال الإيمان الروحي، فهما إرادتان متحدتان تجذب إحداهما الأخرى جاذبية ~~عشق، وتلتقيان معا في النفسين الواسعتين، المراد بهما الفضيلة وثواب الله ~~والإنسانية؛ ولذلك اختار الإمام أحمد بن حنبل عوراء على أختها، وكانت أختها ~~جميلة، فسأل: من أعقلهما؟ فقيل: العوراء, فقال: زوجوني إياها. فكانت ~~العوراء في رأي الإمام وإرادته هي ذات العينين الكحيلتين، لوفور عقله وكمال ~~إيمانه. PageV01P141 # قال أبو عبد الله: والحديث الشريف بعد كل هذا الذي حكيناه يدل على أن ~~الحب متى كان إنسانيا جاريا على قواعد الإنسانية العامة، متسعا لها غير ~~محصور في الخصوص منها, كان بذلك علاجا من أمراض الخيال في النفس، واستطاع ~~الإنسان أن يجعل حبه يتناول الأشياء المختلفة، ويرد على نفسه من لذاتها، ~~فإن لم يسعده شيء بخصوصه، وجد أشياء كثيرة تسعده بين السماء والأرض، وإن ~~وقع في صورة امرأته ما لا يعد جمالا، رأى الجمال في أشياء منها غير الصورة، ~~وتعرف إلى ما لا يخفى، فظهر له ما يخفى. # وليست العين وحدها هي التي تؤامر في أي الشيئين أجمل، بل هناك العقل ~~والقلب، فجواب العين وحدها إنما هو ثلث الحق. ومتى قيل: "ثلث الحق" فضياع ~~الثلثين يجعله في الأقل حقا غير كامل. # فما نكرهه من وجه، قد يكون هو الذي نحبه من وجه آخر، إذ نحن تركنا ~~الإرادة السليمة تعمل عملها الإنساني بالعقل والقلب، وبأوسع النظرين دون أن ~~أضيقهما {فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} [النساء: 19] . # فوثب ابن أيمن، وأقبل يدور في المجلس مما دخله من طرب الحديث ويقول: ما ~~هذا إلا كلام الملائكة سمعناه منك يابن عمران. قال مسلم: فكيف بك لو سمعته ~~من أبي عبد الله؛ إنه -والله- قد حبب إلي السوداء والقبيحة والدميمة، ونظرت ~~لنفسي بخير النظرين، وقلت: إن تزوجت ms118 يوما فما أبالي جمالا ولا قبحا، إنما ~~أريد إنسانية كاملة مني ومنها ومن أولادنا، والمرأة في كل امرأة، ولكن ليس ~~العقل في كل امرأة. # قال: ثم إني رجعت إلى البصرة، وآثرت السكنى بها، وتعالم الناس إقبالي، ~~وعلمت أنه لا يحسن بي المقام بغير زوجة، ولم يكن بها أجل قدرا من جد هذين ~~الغلامين، وكانت له بنت قد عضلها وتعرض بذلك لعداوة خطابها؛ فقلت: ما لهذه ~~البنت بد من شأن، ولو لم تكن أكمل النساء وأجملهن، ما ضن بها أبوها رجاوة ~~أن يأتيه من هو أعلى. فحدثتني نفسي بلقائه فيها، فجئته على خلوة. # فقطع عليه ابن أيمن، وقال: قد علمنا خبرها من منظر هذين الغلامين، وإنما ~~نريد من خير تلك الدميمة التي تعشقتها. # قال: مهلا فستنتهي القصة إليها, ثم إني قلت: يا عم، أنا فلان بن فلان # PageV01P142 # التاجر. قال: ما خفي عني محلك ومحل أبيك. فقلت: جئتك خاطبا لابنتك. قال: ~~والله, ما بي عنك رغبة، ولقد خطبها إلي جماعة من وجوه البصرة وما أجبتهم، ~~وإني لكاره إخراجها من حضني إلى من يقومها تقويم العبيد. فقلت: قد رفعها ~~الله عن هذا الموضع، وأنا أسألك أن تدخلني في عددك، وتخلطني بشملك. # فقال: ولا بد من هذا؟ قلت: لا بد. قال: اغد علي برجالك. # فانصرفت عنه إلى ملأ من التجار ذوي أخطار، فسألتهم الحضور في غد، فقالوا: ~~هذا رجل قد رد من هو أثرى منك، وإنك لتحركنا إلى سعي ضائع. # قلت: لا بد من ركوبكم معي. فركبوا على ثقة من أنه سيردهم. # فصاح ابن أيمن، وقد كادت روحه تخرج: فذهبت، فزوجك بالجميلة الرائعة أم ~~هذين؛ فما خبر تلك الدميمة؟ # قال مسلم: يا سيدي قد صبرت إلى الآن، أفلا تصبر على كلمات تنبئك من أين ~~يبدأ خبر الدميمة، فإني ما عرفتها إلا في العرس! # قال: وغدونا عليه فأحسن الإجابة وزوجني، وأطعم القوم ونحر لهم، ثم قال: ~~إن شئت أن تبيت بأهلك فافعل، فليس لها ما يحتاج إلى التلوم عليه وانتظاره. # فقلت: هذا يا سيدي ما ms119 أحبه. فلم يزل يحدثني بكل حسن حتى كانت المغرب، ~~فصلاها بي، ثم سبح وسبحت، ودعا ودعوت، وبقي مقبلا على دعائه وتسبيحه ما ~~يلتفت لغير ذلك. فأمضني -علم الله- كأنه يرى أن ابنته مقبلة مني على مصيبة، ~~فهو يتضرع ويدعو! # ثم كانت العتمة فصلاها بي، وأخذ بيدي فأدخلني إلى دار قد فرشت بأحسن فرش، ~~وبها خدم وجوار في نهاية من النظافة؛ فما استقر بي الجلوس حتى نهض وقال: ~~أستودعك الله، وقدم الله لكما الخير وأحرز التوفيق. # واكتنفني عجائز من شمله، ليس فيهن شابة إلا من كانت في الستين, فنظرت ~~فإذا وجوه كوجوه الموتى، وإذا أجسام بالية يتضام بعضها إلى بعض، كأنها ~~أطلال زمن قد انقض بين يدي. # فصاح ابن أيمن: وإن دميمتك لعجوز أيضا؟ ما أراك يابن عمران إلا قتلت أم ~~الغلامين! # PageV01P143 # قال مسلم: ثم جلون ابنته علي وقد ملأن عيني هرما وموتا وأخيلة شياطين ~~وظلال قرود؛ فما كدت أستفيق لأرى زوجتي، حتى أسرعن فأرخين الستور علينا؛ ~~فحمدت الله لذهابهن، ونظرت. # وصاح ابن أيمن وقد أكله الغيظ: لقد أطلت علينا، فستحكي لنا قصتك إلى ~~الصباح، قد علمناها ويلك، فما خبر الدميمة الشوهاء؟ # قال مسلم: لم تكن الدميمة الشوهاء إلا العروس ### | .... # فزاغت أعين الجماعة، وأطرق ابن أيمن إطراقة من ورد عليه ما حيره, ولكن ~~الرجل مضى يقول: # ولما نظرتها لم أر إلا ما كنت حفظته عن أبي عبد الله البلخي، وقلت: هي ~~نفسي جاءت بي إليها، وكأن كلام الشيخ إنما كان عملا يعمل في ويديرني ~~ويصرفني؛ وما أسرع ما قامت المسكينة فأكبت على يدي وقالت: # "يا سيدي، إني سر من أسرار والدي، كتمه عن الناس وأفضى به إليك، إذ رآك ~~أهلا لستره عليه، فلا تخفر ظنه فيك، ولو كان الذي يطلب من الزوجة حسن ~~صورتها دون حسن تدبيرها وعفافها لعظمت محنتي، وأرجو أن يكون معي منهما أكثر ~~مما قصر بي في حسن الصورة؛ وسأبلغ محبتك في كل ما تأمرني؛ ولو أنك آذيتني ~~لعددت الأذى منك نعمة، فكيف إن وسعني كرمك وسترك؟ إنك لا ms120 تعامل الله بأفضل ~~من أن تكون سببا في سعادة بائسة مثلي, أفلا تحرص يا سيدي، على أن تكون هذا ~~السبب الشريف". # ثم إنها وثبت فجاءت بمال في كيس، وقالت: يا سيدي، قد أحل الله لك معي ~~ثلاث حرائر، وما آثرته من الإماء؛ وقد سوغتك تزويج الثلاث وابتياع الجواري ~~من مال هذا الكيس، فقد وقفته على شهواتك، ولست أطلب منك إلا ستري فقط! # قال أحمد بن أيمن: فحلف لي التاجر أنها ملكت قلبي ملكا لا تصل إليه حسناء ~~بحسنها؛ فقلت لها: إن جزاء ما قدمت ما تسمعينه مني: "والله, لأجعلنك حظي من ~~دنياي فيما يؤثره الرجل من المرأة، ولأضربن على نفسي الحجاب، ما تنظر نفسي ~~إلى أنثى غيرك أبدا". ثم أتممت سرورها، فحدثتها بما حفظته عن أبي عبد الله ~~البلخي. فأيقنت -والله يا أحمد- أنها نزلت مني في أرفع # PageV01P144 # منازلها وجعلت تحسن وتحسن، كالغصن الذي كان مجرودا، ثم وخزته الخضرة من ~~هنا ومن هنا. # وعاشرتها، فإذا هي أضبط النساء، وأحسنهن تدبيرا، وأشفقهن علي، وأحبهن لي؛ ~~وإذا راحتي وطاعتي أول أمرها وآخره؛ وإذا عقلها وذكاؤها يظهران لي من جمال ~~معانيها ما لا يزال يكثر ويكثر، فجعل القبح يقل ويقل، وزال القبح باعتيادي ~~رؤيته، وبقيت المعاني على جمالها؛ وصارت لي هذه الزوجة هي المرأة وفوق ~~المرأة. # ولما ولدت لي، جاء ابنها رائع الصورة، فحدثتني أنها كانت لا تزال تتمنى ~~على كرم الله وقدرته أن تتزوج وتلد أجمل الأولاد، ولم تدع ذلك من فكرها قط, ~~وألف لها عقلها صورة غلام تتمثله وما برحت تتمثله؛ فإذا هي أيضا كان لها ~~شأن كشأني، وكان فكرها عملا يعمل في نفسها، ويديرها ويصرفها. # ورزقني الله منها هذين الابنين الرائعين لك، فانظر؛ أي معجزتين من معجزات ~~الإيمان! # PageV01P145 ### | الطائشة # 1: # قال صاحبها وهو يحدثني من حديثها: # كانت فتاة متعلمة، حلوة المنظر، حلوة الكلام، رقيقة العاطفة، مرهفة الحس، ~~في لسانها بيان ولوجهها بيان غير الذي في لسانها، تعرف فيه الكلام الذي لا ~~تتكلم به. # ولها طبع شديد الطرب للحياة، مسترسل في مرحه، خفيف ms121 طياش، لو أثقلته بجبل ~~لخف بالجبل؛ تحسبها دائما سكرى تتمايل من طربها، كأن أفكارها المرحة هي في ~~رأسها أفكار وفي دمها خمر. # وكان هذا الطبع السكران بالشباب والجمال والطرب يعمل عملين متناقضين؛ فهو ~~دلال متراجع منهزم، وهو أيضا جرأة مندفعة متهجمة. # وهزيمة الدلال في المرأة إن هي إلا عمل حربي، مضمرة فيه الكرة والهجوم؛ ~~وكثيرا ما ترى فيها النظرة ذات المعنيين نظرة واحدة؛ بها تؤنبك المرأة على ~~جراءتك معها، وبها أيضا تعذلك على أنك لست معها أجرأ مما أنت! # قلت: ويحك يا هذا! أتعرف ما تقول؟ # قال: فمن يعرف ما يقول إذا أنا لم أعرف؟ لقد أحببت خمس عشرة فتاة؛ بل هن ~~أحببنني وفرغن قلوبهن لي، ما اعتزت علي منهن واحدة، وقد ذهبن بي مذهبا، ~~ولكني ذهبت بهن خمسة عشر! # قلت: فلا ريب أنك تحمل الوسام الإبليسي الأول من رتبة الجمرة, فكيف ~~استهام بك خمس عشرة فتاة؛ أجاهلات هن، أعمياوات هن؟ # قال: بل متعلمات مبصرات يرين ويدركن، ولا تخطئ واحدة منهن في فهم أن رجلا ~~وامرأة قصة حب, وما خمس عشرة فتاة؟ وما عشرون وثلاثون من فتيات هذا الزمن ~~الحائر البائر، الذي كسد فيه الزواج، ورق فيه الدين، وسقط الحياء، والتهبت # PageV01P146 # العاطفة, وانتشر اللهو، وكثرت فنون الإغراء, واصطلح فيه إبليس والعلم ~~يعملان معا؛ وأطلقت الحرية للمرأة، وتوسعت المدارس فيما تقدم للفتيات، ~~وأظهرت من الحفاوة بهن أمرا مفرطا حتى أخذن منها ربع العلم؟ # قلت: وثلاثة أرباع العلم الباقية؟ # قال: يأخذنها مع الروايات والسينما. # علم المدارس، ما علم المدارس؟ إنهن لا يصنعن به شيئا إلا شهادات هي ~~مكافأة الحفظ وإجازة النسيان من بعد؛ أما علم السينما والروايات فيصنعن به ~~تاريخهن. ورب منظر يشهده في السينما ألف فتاة بمرة واحدة، فإذا استقر في ~~وعيهن، وطافت به الخواطر والأحلام؛ سلبهن القرار والوقار فمثلنه ألف مرة ~~بألف طريقة في ألف حادثة! # يظنون أننا في زمن إزاحة العقبات النسائية واحدة بعد واحدة، من حرية ~~المرأة وعلمها؛ أما أنا فأرى حرية المرأة وعلمها لا يوجدان إلا العقبات ms122 ~~النسائية عقبة بعد عقبة. وقد كان عيب الجاهلة المقصورة في دارها أن الرجل ~~يحتال عليها، فصار عيب المتعلمة المفتوح لها الباب أنها هي تحتال على ~~الرجل؛ فمرة بإبداع الحيلة عليه، ومرة بتلقينه الحيلة عليها. والغريب في ~~أمر هذا العلم أنه هو الذي جعل الفتاة تبدأ الطريق المجهول بجهل! # قلت: وما الطريق المجهول؟ # قال: الطريق المجهول هو الرجل، وإطلاق الحرية للفتاة أطلق ثلاث حريات: ~~حرية الفتاة، وحرية الحب؛ والأخرى حرية الزواج، ولما انطلق ثلاثتهن معا، ~~تغير ثلاثتهن جميعا إلى فساد واختلال. # أما الفتاة فكانت في الأكثر للزواج، فعادت للزواج في الأقل وفي الأكثر ~~للهو والغزل؛ وكان لها في النفوس وقار الأم وحرمة الزوجة، فاجترأ عليها ~~الشبان اجتراءهم على الخليعة والساقطة؛ وكانت مقصورة لا تنال بعيب ولا ~~يتوجه عليها ذم، فمشت إلى عيوبها بقدميها، ومشت إليها العيوب بأقدام كثيرة, ~~وكانت بجملتها امرأة واحدة، فعادت مما ترى وتعرف وتكابد كأن جسمها امرأة، ~~وقلبها امرأة أخرى، وأعصابها امرأة ثالثة. # وأما الحب، فكان حبا تتعرف به الرجولة إلى الأنوثة في قيود وشروط، فلما ~~صار حرا بين الرجولة والأنوثة، انقلب حيلة تغتر بها إحداهما الأخرى؛ ومتى ~~صار # PageV01P147 # الأمر إلى قانون الحيلة، فقد خرج من قانون الشرف، ويرجع هذا الشرف نفسه ~~كما نراه، ليس إلا كلمة يحتال بها. # وأما الزواج، فلما صار حرا جاء الفتاة بشبه الزوج لا بالزوج, وضعفت ~~منزلته، وقل اتفاقه، وطال ارتقاب الفتيات له، فضعف أثره في النفس المؤنثة؛ ~~وكانت من قبل لفظتا "الشاب، والزوج" شيئا واحدا عند الفتاة وبمعنى واحد، ~~فأصبحتا كلمتين متميزتين؛ في إحداهما القوة والكثرة والسهولة، وفي الأخرى ~~الضعف والقلة والتعذر؛ فالكل شبان وقليل منهم الأزواج؛ وبهذا أصبح تأثير ~~الشباب على الفتاة أقوى من تأثير الشرف، وعاد يقنعها منه أخس برهاناته، لا ~~بأنه هو مقنع، ولكن بأنها هي مهيأة للاقتناع. # وفي تلك الأحوال لا يكون الرجل إلا مغفلا في رأي المرأة, إذا هو أحبها ~~ولم يكن محتالا حيلة مثله على مثلها، ويظل في رأيها مغفلا حتى يخدعها ~~ويستزلها؛ فإذا فعل كان ms123 عندها نذلا لأنه فعل, وهذه حرية رابعة في لغة ~~المرأة الحرة والزواج الحر والحب الحر! # وانظر -بعيشك- ما فعلت الحرية بكلمة "التقاليد"، وكيف أصبحت هذه الكلمة ~~السامية من مبذوء الكلام ومكروهه حتى صارت غير طبيعية في هذه الحضارة، ثم ~~كيف أحالتها فجعلتها في هذا العصر أشهر كلمة في الألسنة، يتهكم بها على ~~الدين والشرف وقانون العرف الاجتماعي في خوف المعرة والدنيئة والتصاون من ~~الرذائل والمبالاة بالفضائل؛ فكل ذلك "تقاليد". # وقد أخذت الفتيات المتعلمات هذه الكلمة بمعانيها تلك، وأجرينها في ~~اعتبارهن مكروهة وحشية، وأضفن إليها من المعاني حواشي أخرى، حتى ليكاد الأب ~~والأم يكونان عند أكثر المتعلمات من "التقاليد" أهي كلمة أبدعتها الحرية، ~~أم أبدعها جهل العصر وحماقته، وفجوره وإلحاده؟ أهي كلمة تعلقها الفتيات ~~المتعلمات لأنها لغة من اللغة، أم لأنها من لغة ما يحببن؟ # "تقاليد"؟ فما هي المرأة بدون التقاليد؟ إنها البلاد الجميلة بغير جيش، ~~إنها الكنز المخبوء معرضا لأعين اللصوص، تحوطه الغفلة لا المراقبة. هب ~~الناس جميعا شرفاء متعففين متصاونين؛ فإن معنى كلمة "كنز" متى تركت له ~~الحرية وأغفل من تقاليد الحراسة، أوجدت حريته هذه بنفسها معنى كلمة "لص". # قال صاحبنا: أما الفتاة المحررة من "التقاليد" كما عرفتها فهي هذه التي # PageV01P148 # أقص عليك قصتها، وهي التي جعلتني أعتقد أن لكل فتاة رشدين, يثبت أحدهما ~~بالسن، ويثبت الآخر بالزواج. ولو أن عانسا ماتت في سن الخمسين أو الستين ~~لوجب أن يقال: إنها ماتت نصف قاصر! ولعل هذا من حكمة الشريعة في اعتبار ~~المرأة نصف الرجل، إذ تمام شرفها الاجتماعي أن يكون الرجل مضموما إليها في ~~نظام الاجتماع وقوانينه؛ فالزوج على هذا هو تمام رشد الفتاة بالغة ما بلغت. # وأساس المرأة في الطبيعة أساس بدني لا عقلي، ومن هذا كانت هي المصنع الذي ~~تصنع فيه الحياة، وكانت دائما ناقصة لا تتم إلا بالآخر الذي أساسه في ~~الطبيعة شأن عقله وشأن قوته. # واعتبر ذلك بالمرأة تدرس وتتعلم وتنبغ، فلو أنك ذهبت تمدحها بوفور عقلها ~~وذكائها، وتقرظها بنبوغها وعبقريتها، ثم رأتك لم تلق كلمة ms124 ولا إشارة ولا ~~نظرة على جسمها ومحاسنها؛ لتحول عندها كل مدحك ذما، وكل ثنائك سخرية؛ فإن ~~النبوغ ههنا في أعصاب امرأة تريد أن تعرف مع أسرار الكون أسرار كونها هي، ~~هذا الكون البدني الفاتن، أو الذي تزعمه هي فاتنا، أو الذي لا ترضاه ولا ~~ترضى أن تكون صاحبته إلا إذا وجدت من يزعم لها أنه كون فاتن بديع، مزين ~~بشمسه وقمره وطبيعته المتنضرة التي تجعل مسه مس ورق الزهر. # مثل هذه إنما يكون الثناء عندها حينما يكون أقله باللسان العلمي ولغته، ~~وأكثره بالنظر الفني ولغته. وهذا على أنها عالمة الجنس ونابغته، ودليل ~~شذوذه العقلي، والواحدة التي تجيء كالفلتة المفردة بين الملايين من النساء؛ ~~فكيف بمن دونها، وكيف بالنساء فيما هن نساء به؟ # دع جماعة من العلماء يمتحنون هذا الذي بينت لك، فيأتون بامرأة جميلة ~~نابغة, فيضعونها بين رجال لا تسمع من جميعهم إلا: ما أعقلها، ما أعقلها، ما ~~أعقلها! ولا ترى في عيني كل منهم من أنواع النظر وفنونه إلا نظر التلميذ ~~لمعلمة في سن جدته. فهذه لن تكون بعد قريب إلا في حالة من اثنتين: إما أن ~~يخرج عقلها من رأسها، أو ... أو تخرج في وجهها لحية! # "ما أعقلها! " كلمة حسنة عند النساء لا يأبينها ولا يذممنها، غير أن ~~الكلمة البليغة العبقرية الساحرة، هي عندهن كلمة أخرى، هي: "ما أجملها! "؛ ~~إن تلك تشبه الخبز القفار لا شيء معه على الخوان، أما هذه فهي المائدة ~~مزينة كاملة بطعامها وشرابها وأزهارها وفكاهتها وضحكها أيضا. # وكأن العقل الإنساني قد غضب لمهانة كلمته وما عرها به النساء، فأراد أن # PageV01P149 # يثبت أنه عقل، فاستطاع بحيلته العجيبة أن يجعل لكلمة: "ما أعقلها" كل ~~الشأن والخطر، وكل البلاغة والسحر، عند ... عند الطفلة ### | .... # تفرح الطفلة أشد الفرح، إذا قيل: ما أعقلها! # فقلت لمحدثي: كأنك صادق يا فتى! لقد جلست أنا ذات يوم إلى امرأة أديبة ~~لها ظرف وجمال، وجاءت كبريائي فجلست معنا, وكانت "التقاليد" كالحاشية لي؛ ~~فعلمت بعد أنها قالت لصاحبة لها: "لا أدري كيف استطاع أن ms125 ينسى جسمي وأنا ~~إلى جانبه، أذكره أني إلى جانبه! لكأنما كانت لقلبه أبواب يفتح ما شاء منها ~~ويغلق". # قال محدثي: فهذا هذا؛ إن إحساس المرأة بالعالم وما فيه من حقائق الجمال ~~والسرور, إنما هو في إحساسها بالرجل الذي اختارته لقلبها، أو تهم أن ~~تختاره، أو تود أن تختاره؛ ثم إحساسها بعد ذلك بالصور الأخرى من رجلها في ~~أولادها. وحياة المرأة لا أسرار فيها البتة، حتى إذا دخلها الرجل عرفت بذلك ~~أن فيها أسرارا، وتبينت أن هذا الجسم الآخر هو فلسفة لجسمها وعقلها. # قال: وقد جلست مرة مع صاحبة القصة، وأنا مغضب أو كالمغضب, ثم تلاحينا ~~وطال بيننا التلاحي؛ فقالت لي: أنت بجانبي وأنا أسأل: أين أنت؟ فإنك لست ~~كلك الذي بجانبي! # قال: ومذهبي في الحب، الكبرياء، كما قلت أنت, غير أنها الكبرياء التي ~~تدرك المرأة منها أني قوي لا أني متكبر؛ كبرياء الرجل إما مهيب مرح يملك ~~أفراح قلبها، وإما حزين مهيب يملك أحزان هذا القلب. # إن المرأة لا تحب إلا رجلا يكون أول الحسن فيه حسن فهمها له، وأول القوة ~~فيه قوة إعجابها به، وأول الكبرياء فيه كبرياءها هي بحبه وكبرياءها بأنه ~~رجل. هذا هو الذي يجتمع فيه للمرأة اثنان: إنسانها الظريف، ووحشها الظريف! # قلت: لقد بعدنا عن القصة, فما كان خبر صاحبتك تلك؟ # قال: كانت صاحبتي تلك تعلم أني متزوج، ولكن إحدى صديقاتها أنبأتها ~~بكبريائي في الحب، ووصفتني لها صفة الإحساس لا وصف الكلام؛ فكأنما تنبهت ~~فيها طبيعة زهو الفتاة بأنها فتاة، وغريزة افتتان الأنثى بأن تكون فاتنة؛ ~~فرأت في إخضاعي لجمالها عملا تعمله بجمالها. # ومتى كانت الفتاة مستخفة "بالتقاليد" كهذه الأديبة المتعلمة؛ رأيت كلمة # PageV01P150 # "الزوج" لفظا على رجل كلفظ الحب عليه، فهما سواء عندها في المعنى, ولا ~~يختلفان إلا في "التقاليد". # وعرضت لي كما يعرض المصارع للمصارع؛ إذ كانت من الفتيات المغرورات، ~~اللواتي يحسبن أن في قوتهن العلمية تيارا زاخرا لنهرنا الاجتماعي الراكد؛ ~~فتاة تخرجت في مدرسة أو كلية، أو جاءت من أوروبا بالعالمية, أفتدري أية ~~معجزة ms126 مصرية في هذا تباهي بها مصر؟ # إن المعجزة أن هذه الفتاة صارت مدرسة، أو مفتشة، أو ناظرة في وزارة ~~المعارف؛ أو مؤلفة كتب وروايات، أو محررة في صحيفة من الصحف. ولا يصغرن ~~عندك شأن هذه المعجزة، فهي -والله- معجزة ما دام يتحقق بها خروج الفتاة من ~~حكم الطبيعة عليها، وبقاؤها في الاجتماع المصري امرأة بلا تأنيث، أو ~~انقلابها فيه رجلا بلا تذكير! # وكيف لا يكون من المعجزات أن تأليف رواية قد أغنى عن تأليف أسرة؛ وأن ~~فتاة تعيش وتموت وما ولدت للأمة إلا مقالات؟ # فقلت: يا صاحبي، دع هؤلاء وخذ الآن في حديث الطائشة الخارجة على ~~التقاليد، وقد قلت: إنها عرضت لك كما يعرضا لمصارع للمصارع. # قال: عرضت لي تريد أن تصرفني كيف شاءت، فنبوت في يدها؛ فزادت إلى رغبتها ~~إصرارها على هذه الرغبة، فالتويت عليها؛ فزادت إليهما خشية اليأس والخيبة، ~~فتعسرت معها؛ فزادت إلى هذه كلها ثورة كبريائها, فلم أتسهل؛ فانتهت من كل ~~ذلك بعد الرغبة الخيالية التي هي أول العبث والدلال، إلى الرغبة الحقيقية ~~التي هي أول الحب والهوى؛ رغبة تعذيبي بها لأنها متعذبة بي. # ثم ردتها الطبيعة صاغرة إلى حقائقها السلبية، فإذا الكبرياء فيها إنما ~~كانت خضوعا يتراءى بالعصيان وإذا الرغبة في تعذيب الرجل إنما كانت التماسا ~~لأن تنعم به، وإذا الإصرار على إخضاع الرجل وإذلاله إنما كان إصرارا على ~~تجرئته ودفعه أن يستبد ويملك؛ وردتها الطبيعة إلى هذه الحقيقة النسوية ~~الصريحة التي بنيت المرأة عليها, شاءت أم أبت، وهي أن تعاني وتصبر على ما ~~تعاني! # أما أنا فأحببتها حبا عقليا، وكان هذا يشتد عليها؛ لأنه إشفاق لا حب؛ ~~وكانت إذا سألتني عن أمر ترتاب فيه، قالت: أجبني بلسان الصدق لا بلسان ~~الشفقة. وكانت تقول: إن في عينيها بكاء لا تستطيع أن تزيله مع الدمع, ~~وسيقتلها هذا البكاء الذي لا يبكى، وقد اتخذت لها في دارها خلوة سمتها: ~~"محراب # PageV01P151 # الدمع! " قالت: لأنها تبكي فيها بكاء صلاة وحب، لا بكاء حب فقط! # ثم طاشت الطيشة الكبرى! # قلت: وما الطيشة ms127 الكبرى؟ # قال: إنها كتبت إلي هذه الرسالة: # "عزيزي رغم أنفي ... # لقد أذللتني بشيئين: أحدهما أنك لم تذل لي، وجعلتني -على تعليمي- أشد ~~جهلا من الجاهلة؛ وقد نسيت أن المرأة المتعلمة تعرف ثم تعرف مرتين: تعرف ~~كيف تخطئ إذا وجب أن تخطئ، وهذه هي المعرفة الأولى؛ أما المعرفة الثانية ~~فتوهمها أنت، فكأني قلتها لك". # "اعلم -يا عزيزي رغم أنفي- أني إذا لم أكن عزيزتك رغم أنفك، فسآتي ما ~~يجعلك سلفا ومثلا، وستكتب الصحف عنك أول حادث يقع في مصر عن أول رجل ~~اختطفته فتاة! " # "وبعد، فقد أرسلت روحي تعانق روحك، فهل تشعر بها؟ ". # قال: فوجمت ساعة وتبينت لي خفتها، وظهر لي سفاهها وطيشها، فأسرعت إليها ~~فجئتها فأجدها كالقاضي في محكمته، لا عقل له إلا عقل الحكم القانوني الذي ~~لا يتغير، ولا إنسان فيه إلا الإنسان المقيد بمادة كذا إذا حدث كذا، ~~والمادة كذا حين يكون وصف المجرم كذا! # فقلت لها: أهذا هو العلم الذي تعلمته؟ ألا يكون علم المرأة خليقا أن يجعل ~~صاحبته ذات عقلين إذا كانت الجاهلة بعقل واحد؟ # قالت: العلم؟ # قلت: نعم، العلم. # قالت: يا حبيبي، إن هذا العلم هو الذي وضع المسدس في يد المرأة الأوروبية ~~لعاشقها، أو معشوقها! ثم أطرقت قليلا وتنهدت وقالت: والعلم هو الذي جعل ~~الفتاة هناك تتزوج بإرشاد الرواية التي تقرؤها ولو انقلب الزواج رواية, ~~والعلم هو الذي كشف حجاب الفتاة عن وجهها، ثم عاد فكشف حياء وجهها، وأوجب ~~عليها أن تواجه حقائق الجنس الآخر وتعرفها معرفة علمية, والعلم هو الذي جعل ~~خطأ المرأة الجنسي معفوا عنه ما دام في سبيل مواجهة الحقائق لا في سبيل ~~الهرب منها, والعلم هو الذي جعل المرأة مساوية للرجل، # PageV01P152 # وأكد لها أن واحدا وواحدا هما واحد وكلاهما أول. والعلم هو الذي عرى ~~أجسام الرجال والنساء ببرهان أشعة الشمس, والعلم - يا عزيزي- هو العلم الذي ~~محا من العالم لفظة "أمس" لا يعرفها وإن كانت فيها الأديان والتقاليد. # قال صاحبها: فقلت لها: كأن العلم إفساد للمرأة! وكأنه تعليم معراتها ~~ونقائصها، لا تعليم فضائلها ms128 ومحاسنها. # قالت: لا، ولكن عقل المرأة هو عقل أنثى دائما، ودائما عقل أنثى؛ وفي ~~رأسها دائما جو قلبها، وجو قلبها دائما في رأسها؛ فإذا لم تكن مدرستها ~~متممة لدارها وما في دارها، تممت فيها الشارع وما في الشارع. # العلم للمرأة؛ ولكن بشرط أن يكون الأب وهيبة الأب أمرا مقررا في العلم، ~~والأخ وطاعة الأخ حقيقة من حقائق العلم، والزوج وسيادة الزوج شيئا ثابتا في ~~العلم، والاجتماع وزواجره الدينية والاجتماعية قضايا لا ينسخها العلم. بهذا ~~وحده يكون النساء في كل أمة مصانع علمية للفضيلة والكمال والإنسانية، ويبدأ ~~تاريخ الطفل بأسباب الرجولة التامة؛ لأنه يبدأ من المرأة التامة. # أما بغير هذا الشرط، فالمرأة الفلاحة في حجرها طفل قذر، هي خير للأمة من ~~أكبر أديبة تخرج ذرية من الكتب. # انظر يا عزيزي برغم أنفي، هذه رسالة جاءتني اليوم من صديقتي فلانة ~~الأديبة ال ... فاسمع قولها: # "وأنا أعيش اليوم في الجمال؛ لأني أعيش في بعض خفايا الحبيب ... ". # "وفي الحياة موت حلو لذيذ؛ عرفت ذلك حينما نسيت نفسي على صدره القوي، ~~وحينما نسيت على صدره القوي صدري ... ". # أسمعت يا عزيزي؟ إن كنت لما تعلم أن هذا هو علم أكثر الفتيات المتعلمات ~~حين يكسد الزواج, فاعلمه. ومتى عمي الشعب والحكومة هذا العمى، فإن حرية ~~المرأة لا تكون أبدا إلا حرية الفكرة المحرمة! # قلت لصاحبنا: ثم ماذا؟ # قال: ثم هذا. ودس يده في جيبه فأخرج أوراقا كتب فيها رواية صغيرة أسماها: ~~"الطائشة". # PageV01P153 # الطائشة 2: # وهذا محصل رواية "الطائشة"، نقلناه من خط الكاتب على مساق ما دونه في ~~أوراقه، وعلى سرده الذي قص به الخبر؛ وقد أعطانا من البرهان ما نطمئن إليه ~~أن هذه "الطائشة" هي من تأليف الحياة لا من تأليفه، وأنه لم يخترع منها ~~حادثة، ولم يأتفك حديثا، ولم يزدها بفضيلة، ولم يتنقصها بمعرة؛ ثم أشهد على ~~قوله كتب صاحبته الأدبية المستهترة التي لا تبالي ما قالت ولا ما قيل فيها؛ ~~وهذه الكتب رسائل: منها الموجز ومنها المستفيض، وهي بجملتها تنزل من ~~الرواية منزلة الشروح المفننة، وتنزل ms129 الرواية منها منزلة اللمع المقتضبة ~~وكل ذلك يشبه بعضه بعضا، فكل ذلك بعضه شاهد على بعض. # قال كاتب "الطائشة": # كنت رجلا غزلا ولم أكن فاسقا، ولست كهؤلاء الشبان أصيبوا في إيمانهم ~~بالله فأصيبوا في إيمانهم بكل فضيلة، وذهبوا يحققون المدينة فحققوا كل شيء ~~إلا المدينة. # ترى أحدهم شريفا يأنف أن يكون لصا وأن يسمى لصا، ثم لا يعمل إلا عمل اللص ~~في استلاب العفاف وسرقة الفتيات من تاريخهن الاجتماعي، وتراه نجدا يستنكف ~~أن يكون في أوصاف قاطع الطريق، ثم يأبى إلا أن يقطع الطريق في حياة العذارى ~~وشرف النساء. # أكثر أولئك الشبان المتعلمين يعرضون للفتيات المتعلمات بوجوه مصقولة ~~تحتمل شيئين: الحب والصفع. ولكن أكثر هؤلاء المتعلمات يضعن القبلة في مكان ~~الصفعة، إذ كان العلم قد حلل الغريزة التي فيهن فعادت بقايا لا تستمسك؛ ~~وبصرهن بأشياء تزيد قوة الحياة فيهن خطرا، وتوحي إليهن وحيها من حيث يشعرن ~~ولا يشعرن؛ وصور في أوهامهن صورا محت الصور التي كانت في عقائدهن؛ وأخرجهن ~~من السلب الطبيعي الذي حماهن الله به، فلهن العفة والحياء، ولكن ليس لهن ~~ذلك العقل الغريزي الذي يجيء من الحياء والعفة؛ وكثيرات منهن يخشين العار # PageV01P154 # وسمته الاجتماعية ولكن خشية فقهاء الحيل الشرعية، قد أرصدوا لكل وجه من ~~التحريم وجها من التحليل، فأصبح امتناع الإثم هو ألا تكون إليه حاجة. # والعقل الذي به التفكير يكون أحيانا غير العقل الذي به العمل؛ ففي بعض ~~الجاهلات يكون عقل الحياء والعفة والشرف والدين, غريزة كغرائز الوحش، هي ~~الفكرة وهي العمل جميعا، وهي أبدا الفكرة والعمل جميعا لا تتغير ولا تتبدل، ~~ولا يقع فيها التنقيح الشعري ولا الفلسفي. وما غريزة الوحش إلا إيمانه بمن ~~خلقه وحشا؛ وكذلك غريزة الشرف في الأنثى هي عندي حقيقة إيمانها بمن خلقها ~~أنثى. # وشرف المرأة رأس مال للمرأة، ومن ذلك كان له في أوهام العلم اشتراكية ~~بحسبه تنظر فيه نظرها وتزيغ زيغها وتقضي حكمها؛ وأكثر من عرفت من المتعلمين ~~والمتعلمات قد انتهوا بطبيعتهم العلمية إلى الرضى بهذه الاشتراكية، وإلى ~~التسامح في ms130 كثير، وإلى وضع الاعتذار فيما لا يقبل عذرا، ومن ههنا كان بعض ~~الجاهلات كالحصن المغلق في قمة الجبل الوعر، وكان بعض المتعلمات دون الحصن، ~~ودون القمة، ودون الجبل، حتى تنزل إلى السهل فتراهن ثمة. # لقد غفلت الحكومات عن معنى الدين وحقيقته، فلو عرفت لعرفت أن الإنسانية ~~لا تقوم إلا بالدين والعلم كليهما؛ فإن في الرجل إنسانا عاما ونوعا خاصا ~~مذكرا، وفي المرأة إنسانا عاما كذلك ونوعا خاصا مؤنثا. والدين وحده هو الذي ~~يصلح النوع بتحقيق الفضيلة وتقرير الغاية الأخلاقية، وهو الذي يحاجز بين ~~الغريزتين، وهو الذي يضع القوة الروحية في طبيعة المتعلم؛ فإن كانت طبيعة ~~التعليم قوية، كانت الروحية زيادة في القوة؛ وإن كانت ضعيفة كما هي الحال ~~في هذه المدنية، لم تجمع الروحية على المتعلم ضعفين، يبتلي كلاهما الآخر ~~ويزيده. # فلان وفلان تعلقا فتاتين جاهلة ومتعلمة؛ وكلتاهما قد صدت صاحبها وامتنعت ~~منه؛ فأما الجاهلة فيقول "فلانها": إنها كالوحش، وإن صدودها ليس صدودا حسب، ~~بل هو ثورة من فضيلتها وإيمانها، فيها المعنى الحربي مجاهدا متحفزا للقتل. # وأما المتعلمة فيقول "فلانها": إنها ككل امرأة، وإن صدودها ثورة، ولكن من ~~دلالها ترضي به أول ما ترضي وآخر ما ترضي, كبرياء الجمال فيها لا الإيمان ~~ولا الفضيلة. فكأنها إيحاء للطامع أن يزيد طمعا أو يزيد احتيالا. # PageV01P155 # وفلان هذا يقول لي: إن ضعفاء الإيمان من الشبان المتعلمين -وأكثرهم ضعفاء ~~الإيمان- لو حققت أمرهم وبلوت سرائرهم، لتبينت أنهم جميعا لا يرون قلب ~~الفتاة المتعلمة إلا كالدار الخالية كتب عليها: "للإيجار"! # يقول كاتب "الطائشة": # أما أنا, فقد صح عندي أن سياسة أكثر المتعلمات هي سياسة فتح العين حذرا ~~من الشبان جميعا؛ وإغماض العين لواحد. # وهذا الواحد هو البلاء كله على الفتاة، فإنها بطبيعتها تتقيد ولا تنفصل ~~إلا مكرهة، وهو بطبيعته قيده لذته، فيتصل وينفصل؛ غير أنها لا بد لها من ~~هذا الواحد، ففكرها المتعلم يوحي إليها بالحياة لا يجعل في ذلك موضعا ~~للنكير عندها، والحياة نصف معانيها النفسية في الصديق؛ فالأنوثة بغيره ~~مظلمة في حياتها، راكدة في ms131 طباعها، ثقيلة على نفسها، ما دام "الشعاع" لا ~~يلمسها. # والدين يأبى أن يكون ذلك الصديق إلا الزوج في شروطه وعهوده، كيلا تتقيد ~~المرأة إلا بمن يتقيد بها؛ والعلم لا يأبى أن يكون الصديق هو الحب؛ والفن ~~يوجب أن يكون هو الحب؛ وليس في الحب شروط ولا عهود، إلا وسائل تختلق ~~لوقتها، وأكثرها من الكذب والنفاق والخديعة؛ ولفظ الحب نفسه لص لغوي خبيث، ~~يسرق المعاني التي ليست له وينفق مما يسرق. وليس من امرأة يخدعها عاشق إلا ~~انكشف لها حبه كما ينكشف اللص حين يمسك. # يقول كاتب "الطائشة": # تلك فلسفة لا بد منها في التوطئة للكتابة عن "عزيزتي رغم أنفي". ومن كانت ~~مثلها في أفكارها واستدلالها وحججها وطريقتها, كان خليقا بمن يكتب قصتها أن ~~يجعل القصة من أولها مسلحة. # لقد تكارهت على بعض ما أرادت مني ما دام الحب "رغم أنفي"، وما دامت ~~السياسة أن أداريها وأتبع محبتها؛ غير أني صارحتها بكلمة شمسية تلمع تحت ~~الشمس، أنها الصداقة لا الحب، وأنما هو اللهو البريء لا غيره، وأن ذلك جهد ~~ما أنا قوي عليه وفي به. # قالت: فليكن، ولكن صداقة أعلى قليلا من الصداقة, ولو من هذا الحب المتكبر ~~الذي لا يصدق كيلا يكذب. إن هذا النوع من الحب يطيش بعقل # PageV01P156 # المرأة، ولكنه هو أول ما يستهيمها ويعجبها ويورثها التياع الحنين والشوق. # كتبت لي: "أنا لا أتألم في هواك بالألم، ولكن بأشياء منك أقلها الألم؛ ~~ولا أحزن بالحزن، ولكن بهموم بعضها الحزن". # "إنك صنعت لي بكاء ودموعا وتنهدات، وجعلت لي ظلاما منك ونورا منك يا ~~نهاري وليلي. ترى ما اسم هذا النوع من الصداقة؟ # اسمه الحب؟ لا. # اسمه الكبرياء؟ لا. # اسمه الحنان؟ لا. # اسمه حبك أنت، أنت أيها الغامض المتقلب. ألا ترى ألفاظي تبكي، ألا تسمع ~~قلبي يصرخ، بأي عدلك أو بأي عدل الناس تريد أن أحيا في عالم شمسه باردة. ~~هذا قتل، هذا قتل". # فكتبت إليها: "إن لم يكن هذا جنونا, فإنه لقريب منه". # فردت على هذه الرسالة: # "أتكاتبني بأسلوب التلغراف؟ ms132 لو أهديت إلي عقدا من الزمرد حباته بعدد هذه ~~الكلمات لكنت بخيلا، فكيف وهي ألفاظ؟ إني لأبكي في غمضة واحدة بدموع أكثر ~~عددا من كلماتك، وهي دموع من آلامي وأحزاني؛ وتلك ألفاظ من لهوك وعبثك! " # "ما كان ضرك لو كتبت لي بضعة أسطر تنسخها من تلغرافات روتر, ما دمت تسخر ~~مني؟ أأنت الشباب وأنا الكهولة، فليس لك بالطبيعة إلا الانصراف عني، وليس ~~لي بالطبيعة إلا الحنين إليك؟ ". # لا أدري كيف أحببتها، ولا كيف دعتني إليها نفسي؛ ولكن الذي أعلمه أني ~~تخادعت لها وقلت: إن المستحيل هو منع الشر، والممكن هو تخفيفه؛ ثم أقبلت ~~أرثي لها، وأخفف عنها، وأقبلت هي تضاعف لي مكرها وخديعتها وكان الأمر بيننا ~~كما قالت: "في الحب والحرب لا يكون الهجوم هجوما وفيه رفق أو تراجع". # إن المرأة وحدها هي التي تعرف كيف تقاتل بالصبر والأناة؛ ولا يشبهها في ~~ذلك إلا دهاة المستبدين. # PageV01P157 # سألتني أن أهدي إليها رسمي؛ فاعتللت عليها بأن قلت لها: إن هذا الرسم ~~سيكون تحت عينيك أنت رسم حبيب، ولكنه تحت الأعين الأخرى سيكون رسم متهم. # وظننتني أبلغت في الحجة وقطعتها عني؛ فجاءتني من الغد بالرد المفحم؛ ~~جاءتني بإحدى صديقاتها لتظهر في الرسم إلى جانبي كأنني من ذوي قرابتها؛ ~~فيكون الرسم رسم صديقتها، ويكون مهدى منها لا مني، وكأنني فيه حاشية جاءت ~~من عمة أو خالة. # وأصررت على الإباء، ونافرتني القول في ذلك، ترد علي وأرد عليها، وتغاضبنا ~~وانكسرت حزنا وذهبت باكية؛ ثم تسببت إلى رضاي فرضيت. # حدثتني أن صديقتها فلانة الأدبية استطاعت أن تستزير صاحبها فلانا في ~~مخدعها, في دارها، بين أهلها، منتصف الليل. قلت: وكيف كان ذلك؟ # قالت: إنها تحمل شهادة, وهي تلتمس عملا وقد طال عليها؛ فزعمت لذويها أنها ~~عثرت في كتاب كذا على رقية من رقى السحر، فتريد أن تتعاطى تجربتها بعد نصف ~~الليل إذا محق القمر؛ وأنها ستطلق البخور وتبقى تحت ضبابته إلى الفجر تهمهم ~~بالأسماء والكلمات. # ثم إنها اتعدت وصاحبها ليوم، وأجافت باب دارها ولم تغلقه، وأطلقت البخور ms133 ~~في مجمر كبير أثار عاصفة من الدخان المعطر، وجعل مخدعها كمخدع عروس من ~~ملكات التاريخ القديم؛ وبقي صاحبها تحت الضبابة يهمهم وتهمهم. ثم خرج في ~~أغباش السحر. # هكذا قالت؛ وما أدري أهو خبر عن تلك الصديقة وفلانها، أم هو اقتراح علي ~~أنا من "فلانتي" لأكون لها عفريت الضبابة؟ # لم يخف عليها أن لذعة حبها وقعت في قلبي، وأن صبرها قد غلب كبريائي، وأن ~~كثرة التلاقي بين رجل وامرأة يطمع أحدهما في الآخر. لا بد أن ينقل روايتهما ~~إلى فصلها الثاني، ويجعل في التأليف شيئا منتظرا بطبيعة السياق. وإلحاح ~~امرأة على رجل قد خلبها وجفا عن صلتها، إنما هو تعرضها للتعقيد الذي في ~~طبيعته الإنسانية؛ فإن هي صابرته وأمعنت، فقلما يدعها هذا التعقيد من حل ~~لمعضلتها. وبمثل هذه العجيبة كان تعقيدا وكان غير مفهوم ولا واضح؛ وقد # PageV01P158 # ينقلب فيه أشد البغض إلى أشد الحب، وقد تعمل فيه حالة من حالات النفس ما ~~لا يعمل السحر؛ وكذلك يقع للرجل إذا أحب المرأة فنبت عن مودته فعرض للتعقيد ~~الذي في طبيعتها, وأمعن وثبت وصابر. # رأت الجمرة الأولى في قلبي فأضرمت فيه الثانية، حين جاءتني اليوم بكتاب ~~زعمت أن فلانا أرسله إليها يطارحها الهوى ويبثها وله الحنين والتياع الحب. # ويقول لها في هذا الكتاب: "أنا لم أشرب خمرا قط، ولكني لا أراني أنظر إلى ~~مفاتنك ومحاسنك إلا وفي عيني الخمر، وفي عقلي السكر، وفي قلبي العربدة. ~~جعلت لي -ويحك- نظرة سكير فيها نسيان الدنيا وما في الدنيا ما عدا ~~الزجاجة". # ويختمه بهذه العبارة: # "آه, لو استطعت أن أجعل كلامي في نفسك ناعما، ساحرا، مسكرا، مثل كلام ~~الشفة للشفة حين تقبلها! ". # عند هذا وقع الشيء المنتظر في الفصل الثاني من الرواية، وختم هذا الفصل ~~بأول قبلة على شفتي "الممثلة". # قالت: هذه القبلة كانت "غلطة مطبعية"، ومضت تسميها كذلك، واستمرت المطبعة ~~تغلط. وما علمت إلا من بعد أن ذلك الكتاب الذي استوقدت به غيرتي إنما كان ~~من عملها ومكرها. # وجاءتني اليوم بآبدة من أوابدها، قالت: # أنت رجعي ms134 محافظ على التقاليد. قلت: لأني أرى هذه التقاليد كالصباح الذي ~~يتكرر في كل يوم, وهو في كل يوم ضياء ونور. # قالت: أو كالمساء الذي يتكرر, وهو في كل يوم ظلام وسواد! # قلت: ليس هذا إلي ولا إليك، بل الحكم فيه للنفع أو الضرر. # قالت: بل هو إلى الحياة، والحياة اليوم علمية أوروبية، والزمن حثيث في ~~تقدمه، وأصحاب "التقاليد" جامدون في موضعهم قد فاتهم الزمن؛ ولذلك يسمونهم ~~"متأخرين". أما علمت أن الفضيلة قد أصبحت في أوروبا زيا قديما، فأخذ المقص ~~يعمل في تهذيبها، يقطع من هنا ويشق من هنا؟! # اسمع أيها "المتأخر"، وتأمل هذا البرهان الأوروبي العصري: # PageV01P159 # أخبرتني صديقتي فلانة حاملة شهادة, أنها كانت في القطار بين الإسكندرية ~~والقاهرة، وكانت معها فتاة من جيرتها تحمل الشهادة الابتدائية؛ فجمعهما ~~السفر بشاب وسيم ظريف يشارك في الأدب، غير أنه رجعي "متأخر"، وصديقتي تعرف ~~من كل شيء شيئا، وتأخذ من كل فن بطرف؛ فجرى الحديث بينهما مجراه، وتركت ~~الصديقة نفسها لدواعيها، وانطلقت على سجيتها الظريفة، ووضعت فن لسانها في ~~الكلام فجعلت فيه روح التقبيل! # ولم تبلغ إلى القاهرة حتى كانت قد سحرت ذلك "المتأخر" ووقعت من نفسه، ~~ودفعته إلى الزمن الذي هو فيه, فلما همت بوداعه سألهما: أين تذهبان؟ # فأغضت صاحبة الشهادة الابتدائية، وأطرقت حياء، ورأت في السؤال تهمة ~~وريبة، فأنبتها الصديقة وأيقظتها من حيائها، وقالت لها: ألا تزالين شرقية ~~متأخرة؟ إن لم يسعدنا الحظ أن تكون لنا حرية المرأة الأوروبية في المجتمع ~~وفي أنفسنا؛ أفلا يسعنا أن تكون لنا هذه الحرية ولو في أنفسنا؟ # ثم ردت على الشاب فأنبأته بمكانها وعنوانها، فأطمعه ردها، فسألها أن ~~تتنزه معه في بعض الحدائق، فأبت صاحبة الابتدائية ولجت عمايتها الشرقية ~~المتأخرة، ورأت في ذلك مسقطة لها، فلوت إلى دارها وتركتهما إنسانا وإنسانا ~~لا فتى وفتاة؛ وتنزها معا، وعرف الشاب الرجعي الحب، والخمر التي هي تحية ~~الحب! # ولم تستطع الفتاة الماكرة أن ترجع إلى دارها وهي سكرى كما زعمت للشاب, ~~فأوت إلى فندق، وختمت روايتهما بإعراض من الشاب, ms135 أجابت هي عليه بقولها: ألا ~~زلت "متأخرا"؟ # قالت "الطائشة": # نعم يا عزيزي "المتأخر"، إن مذهب المرأة الحرة في الفرق بين الزوج وغير ~~الزوج؛ إن الأول رجل ثابت، والآخر رجل طارئ. والثابت ثابت معها بحقه هو؛ ~~والطارئ طارئ عليها بحقها هي. فإن كانت حرة فلها حقها. # قال كاتب الطائشة: وهنا، هنا، هنا, كاد الشيطان يرفع الستار عن فصل ثالث ~~في هذه الرواية، رواية "الطائشة". # نقول نحن: وإلى هنا ينتهي نصف الرواية؛ أما النصف الآخر فيكاد يكون قصة ~~أخرى اسمها: "الطائش والطائشة". # PageV01P160 ### | دموع من رسائل الطائشة # 1: # ورسائل هذه الطائشة إلى صاحبها، تقرأ في ظاهرها على أنها رسائل حب، قد ~~كتبت في الفنون التي يترسل بها العشاق؛ ولكن وراء كلامها كلاما آخر، تقرأ ~~به على أنها تاريخ نفس ملتاعة لا تزال شعلة النار فيها تتنمى وترتفع؛ وقد ~~فدحتها بظلمها الحياة إذ حصرتها في فن واحد لا يتغير، وأوقعتها تحت شرط ~~واحد لا يتحقق، وصرفتها بفكرة واحدة لا تزال تخيب. # وأشد سجون الحياة فكرة خائبة يسجن الحي فيها، لا هو مستطيع أن يدعها، ولا ~~هو قادر أن يحققها؛ فهذا يمتد شقاؤه ما يمتد ولا يزال كأنه على أوله لا ~~يتقدم إلى نهاية؛ ويتألم ما يتألم ولا تزال تشعره الحياة أن كل ما فات من ~~العذاب إنما هو بدء العذاب. # والسعادة في جملتها وتفصيلها أن يكون لك فكر غير مقيد بمعنى تتألم منه، ~~ولا بمعنى تخاف منه، ولا بمعنى تحذر منه؛ والشقاء في تفصيله وجملته انحباس ~~الفكر في معاني الألم والخوف والاضطراب. # وقد اخترنا من رسائل "الطائشة" هذه الرسالة المصورة التي يبرق شعاعها ~~وتكاد تقوم مدة بإزاء نفسها كالمرآة بإزاء الوجه؛ وهي فيها عذبة الكلام من ~~أنها مرة الشعور، متسقة الفكر من أنها مختلة القلب، مسددة المنطق من أنها ~~طائشة النفس؛ تلك إحدى عجائب الحب؛ كلما كان قفرا ممحلا اخضرت فيه البلاغة ~~وتفننت والتفت؛ وعلى قلة المتعة من لذاته تزيد فيه المتعة من أوصافه؛ ولكأن ~~هذا PageV01P161 # الحب طبيعة غريبة تروى بالنار فتخصب عليها وتتفتق بمعانيها، ms136 كما تروى ~~الأرض بالماء فتخصب وتتغطى بنباتها؛ فإن روي الحب من لذاته وبرد عليها، لم ~~ينبت من البلاغة إلا أخفها وزنا وأقلها معاني، كأول ما يبدو النبات حين ~~يتفطر الثرى عنه، تراه فتحسبه على الأرض مسحة لون أخضر؛ أو لم ينبت إلا ~~القليل القليل كالتعاشيب1 في الأرض السبخة. # إن قصة الحب كالرواية التمثيلية، أبلغ ما فيها وأحسنه وأعجبه ما كان قبل ~~"العقدة"، فإذا انحلت هذه العقدة فأنت في بقايا مفسرة مشروحة تريد أن ~~تنتهي، ولا تحتمل من الفن إلا ذلك القليل الذي بينها وبين النهاية. # وهذه هي رسالة الطائشة إلى صاحبها: # " ... # ماذا أكتب لك غير ألفاظ حقيقتي وحقيقتك؟ # يخيل إلي أن ألفاظ خضوعي وتضرعي متى انتهت إليك انقلبت إلى ألفاظ شجار ~~ونزاع! # أي عدل أن تلمسك حياتي لمسة الزهرة الناعمة بأطراف البنان، وتقذفني أنت ~~قذف الحجر بملء اليد الصلبة متمطية فيها قوة الجسم؟ # جعلتني في الحب كآلة خاضعة تدار فتدور، ثم عبثت بها فصارت متمردة توقف ~~ولا تقف؛ والنهاية -لا ريب فيها- اختلال أو تحطيم! # وجعلت لي عالما؛ أما ليله فأنت والظلام والبكاء، وأما نهاره فأنت والضياء ~~والأمل الخائب. هذا هو عالمي: أنت أنت! # سمائي كأنها رقعة أطبقت عليها كل غيوم السماء، وأرضي كأنها بقعة اجتمعت ~~فيها كل زلازل الأرض! لأنك غيمة في حياتي، وزلزلة في أيامي. # يا بعد ما بين الدنيا التي حولي, وبين الدنيا التي في قلبي! # ما يجمل منك أن تلزمني لوم خطأ أنت المخطئ فيه. سلني عن حبي أجبك عن ~~نكبتي، وسلني عن نكبتي أجبك عن حبي! # كان ينبغي أن تكون لي الكبرياء في الحب، ولكن ماذا أصنع وأنت منصرف ~~PageV01P162 # عني؟ ويلاه من هذا الانصراف الذي يجعل كبريائي رضى مني بأن تنسى! فتنسى. # ليس لي من وسيلة تعطفك إلا هذا الحب الشديد الذي هو يصدك، فكأن الأسباب ~~مقلوبة معي منذ انقلبت أنت. # ويخيل إلي من طغيان آلامي أن كل ذي حزن فعندني أنا تمام حزنه! # ويخيل إلي أني أفصح من نطق بآه! # عذابي عذاب الصادق الذي لا ms137 يعرف الكذب أبدا أبدا، بالكاذب الذي لا يعرف ~~الصدق أبدا أبدا! # كم يقول الرجال في النساء، وكم يصفونهن بالكيد والغدر والمكر، فهل جئت ~~أنت لتعاقب الجنس كله في أنا وحدي؟ # ما لكلامي يتقطع كأنما هو أيضا مختنق؟ # لشد ما أتمنى أن أشتري انتصاري، ولكن انتصاري عليك هو عندي أن تنتصر أنت. # إن المرأة تطلب الحرية وتلج في طلبها, ولكن الحياة تنتهي بها إلى يقين لا ~~شك فيه هو أن ألطف أنواع حريتها في ألطف أنواع استعبادها! # حتى في خيالي أرى لك هيئة الآمر الناهي أيها القاسي. لا أحب منك هذا، ~~ولكن لا يعجبني منك إلا هذا! # ويزيدك رفعة في عيني أنك تحاول قط أن تزيد رفعة في عيني. # فالمرأة لا تحب الرجل الذي يعمل على أن يلفتها دائما ليرفع من شأنه ~~عندها. # إن الطبيعة قد جعلت الأنوثة "في الإنسان" هي التي تلفت إلى نفسها بالتصنع ~~والتزيد، وعرض ما فيها وتكلف ما ليس فيها؛ فإن يصنع الرجل صنيعها فما هو في ~~شيء إلا تزيين احتقاره! # التزيد في الأنوثة زيادة في الأنثى عند الرجل، ولكن التزيد في الرجولة ~~نقص في الرجل عند الأنثى! # ارفع صوتك بكلماتي تسمع فيها اثنين: صوتك وقلبي. # PageV01P163 # ليست هي كلماتي لديك أكثر مما هو أعمالك لدي. # وليس هو حبي لك أكبر مما هو ظلمك لي! # ما أشد تعسي إذا كنت أخاطب منك نائما يسمع أحلامه ولا يسمعني! # ما أتعس من تبكيه الحياة بكاءها المفاجئ على ميت لا يرجع، أو بكاءها ~~المألوف على حبيب لا ينال! # ولكن, فلأصبر ولأصبر على الأيام التي لا طعم لها؛ لأن فيها الحبيب الذي ~~لا وفاء له! # إن المصاب بالعمى اللوني يرى الأحمر أخضر، والمصاب بعمى الحب يرى الشخص ~~القفر كله أزهارا. # عمى مركب أن تكون أزهارا من الأوهام ولها مع ذلك رائحة تعبق. # وعمى في الزمن أيضا أن ينظر إلى الساعة الأولى من ساعات الحب، فيرى ~~الأيام كلها في حكم هذه الساعة. # وعمى في الدم أن يشعر بالحبيب يوما, فلا يزال من بعدها ms138 يحيي خياله ويغذيه ~~أكثر مما يحيي جسم صاحبه. # وعمى في العقل أن يجعل وجه إنسان واحد كوجه النهار على الدنيا، تظهر ~~الأشياء في لونه، وبغير لونه تنطفئ الأشياء. # وعمى في قلبي أنا، هذا الحب الذي في قلبي! # ليس الظلام إلا فقدان النور، وليس الظلم في الناس إلا فقدان المساواة ~~بينهم. # وظلم الرجال للنساء عمل فقدان المساواة, لا عمل الرجال. # كيف تسخر الدنيا من متعلمة مثلي، فتضعها موضعا من الهوان والضعف بحيث لو ~~سئلت أن تكتب "وظيفتها" على بطاقة، لما كتبت تحت اسمها إلا هذه الكلمة: ~~"عاشقة فلان"؟! # وحتى في ضعف المرأة لا مساواة بين النساء في الاجتماع، فكل متزوجة ~~وظيفتها الاجتماعية أنها زوجة؛ ولكن ليس لعاشقة أن تقول: إن عشقها وظيفتها. # وحتى في الكلام عن الحب لا مساواة، فهذه فتاة تحب فتتكلم عن حبها, فيقال: ~~فاجرة وطائشة. ولا ذنب لها غير أنها تكلمت؛ وأخرى تحب # PageV01P164 # وتكتم، فيقال: طاهرة عفيفة, ولا فضيلة فيها إلا أنها سكتت. # أول المساواة بين الرجال والنساء أن يتساوى الكل في حرية الكلمة ~~المخبوءة. # لا لا، قد رجعت عن هذا الرأي. # إن القلق إذا استمر على النفس انتهى بها آخر الآمر إلى الأخذ بالشاذ من ~~قوانين الحياة. # والنساء يقلقن الكون الآن مما استقر في نفوسهن من الاضطراب، وسيخربنه ~~أشنع تخريب. # ويل للاجتماع من المرأة العصرية التي أنشأها ضعف الرجل! إن الشيطان لو ~~خير في غير شكله لما اختار إلا أن يكون امرأة حرة متعلمة خيالية كاسدة لا ~~تجد الزوج! # ويل للاجتماع من عذراء بائرة خيالية، تريد أن تفر من أنها عذراء! لقد ~~امتلأت الأرض من هذه القنابل, ولكن ما من امرأة تفرط في فضيلتها إلا وهي ~~ذنب رجل قد أهمل في واجبه. # هل تملك الفتاة عرضها أو لا تملك؟ هذه في المسألة. # إن كانت تملك، فلها أن تتصرف وتعطي؛ أو لا، فلماذا لا يتقدم المالك؟ # هذه المدنية ستنقلب إلى الحيوانية بعينها؛ فالحيوان الذي لا يعرف النسب ~~لا تعرف أنثاه العرض! # وهل كان عبثا أن يفرض الدين في ms139 الزواج شروطا وحقوقا للرجل والمرأة ~~والنسل؟ ولكن أين الدين؟ وا أسفاه! لقد مدنوه هو أيضا! # طالت رسالتي إليك يا عزيزي، بل طاشت، فإني حين أجدك أفقد اللغة، وحين ~~أفقدك أجدها. # ولقد تكلمت عن الدين؛ لأني أراك أنت بنصف دين! # فلو كنت ذا دين كامل لتزوجت اثنتين! # لا لا، قد رجعت عن الرأي. # "طبق الأصل". # PageV01P165 ### | فلسفة الطائشة # ... وهذا مجلس من مجالس "الطائشة" مع صاحبها، مما تسقطه من حديثها؛ فقد ~~كان يكتب عنها ما تصيب فيه وما تخطئ، كما يكتب أهل السياسة بعضهم عن بعض ~~إذا فاوض الحليف حليفه، أو ناكر الخصم خصمه؛ فإن كلام الحبيب والسياسي ~~الداهية ليس كلام المتكلم وحده، بل فيه نطق الدولة, وفيه الزمن يقبل أو ~~يدبر. # وصاحب الطائشة كان يراها امرأة سياسية كهذه الدول التي تزعم صديقا على ~~الصداقة؛ لأنه في طريقها أو طريق حوادثها؛ وكان يسميها "جيش احتلال" إذ حطت ~~في أيامه واحتلتها فتبوأت منها ما شاءت على رغمه، واستباحت ما أرادت مما ~~كان يحميه أو يمنعه. وقد كان في مدافعته حبها واستمساكه بصداقتها كالذي رأى ~~ظل شيء على الأرض, فيحاول غسله أو كنسه أو تغطيته. فهذا ليس مما يغسل ~~بالماء، ولا يكنس بالمكنسة، ولا يغطى بالأغطية؛ إنما إزالته في إزالة الشبح ~~الذي هو يلقيه، أو إطفاء النور الذي هو يثبته. # في كل شيء على هذه الأرض سخرية، والسخرية من الحسن الفاتن الذي تقدسه، ~~تأتي من اشتهاء هذا الحسن؛ فذاك إسقاطه سقوطا مقدسا, أو ذاك تقديسه إلى أن ~~يسقط، أو هو جعل تقديسه بابا من الحيلة في إسقاطه. لا بد من سفل مع العلو ~~يكون أحدهما كالسخرية من الآخر؛ فإذا قال رجل لامرأة قد فتنته أو وقعت من ~~نفسه: "أحبك" أو قالتها المرأة لرجل وقع من نفسها أو استهامها, ففي هذه ~~الكلمة الناعمة اللطيفة كل معاني الوقاحة الجنسية، وكل السخرية بالمحبوب ~~سخرية بإجلال عظيم. وهي كلمة شاعر في تقديس الجمال والإعجاب به، غير أنها ~~هي بعينها كلمة الجزار الذي يرى الخروف في جماله اللحمي الدهني، فيقول: ms140 ~~"سمين! ". # لهذا يمنع الدين خلوة الرجل بالمرأة، ويحرم إظهار الفتنة من الجنس للجنس، ~~ويفصل بمعاني الحجاب بين السالب والموجب، ثم يضع لأعين المؤمنين والمؤمنات # PageV01P166 # حجابا آخر من الأمر بغض البصر، إذ لا يكفي حجاب واحد، فإن الطبيعة ~~الجنسية تنظر بالداخل والخارج معا؛ ثم يطرد عن المرأة كلمة الحب إلا أن ~~تكون من زوجها، وعن الرجل إلا أن تكون من زوجته؛ إذ هي كلمة حيلة في ~~الطبيعة أكثر مما هي كلمة صدق في الاجتماع، ولا يؤكد في الدين صدقها ~~الاجتماعي إلا العقد والشهود لربط الحقوق بها، وجعلها في حياطة القوة ~~الاجتماعية التشريعية، وإقرارها في موضعها من النظام الإنساني؛ فليس ما ~~يمنع أن يكون العاشق من معاني الزوج، إما أن يكون من معنى آخر أو يكون بلا ~~معنى فلا؛ وكل ذلك لصيانة المرأة، ما دامت هي وحدها التي تلد، وما دامت لا ~~تلد للبيع. # وفلسفة هذه الطائشة فلسفة امرأة ذكية مطلعة محيطة مفكرة، تبصر لكتب العقل ~~والحوادث جميعا، وقد أصبحت بعد سقطة حبها ترى الصواب في شكلين لا شكل واحد؛ ~~فتراه كما هو في نفسه، وكما هو في أغلاطها. # وقد أسقطنا في رواية مجلسها ما كان من مطارحات العاشقة، واقتصرنا على ما ~~هو كالإملاء من الأستاذة. # قال صاحب الطائشة: ذكرت لها "قاسم أمين" وقلت: إنها خير تلاميذه ~~وتلميذاته, حتى لكأنها تجربة ثلاثين سنة لآرائه في تحرير المرأة. فقالت: ~~إنما كان قاسم تلميذ المرأة الأوروبية، وهذه المرأة بأعيننا فما حاجتنا نحن ~~إلى تلميذها القديم؟ # قالت: وأبلغ من يرد على قاسم اليوم هي أستاذته التي شبت بها أطوار الحياة ~~بعد، فقد أثبت قاسم -غفر الله له- أنه انحصر في عهد بعينه ولم يتبع الأيام ~~نظره، ولم يستقرئ أطوار المدنية؛ فلم يقدر أن هذا الزمن المتمدن سيتقدم في ~~رذائله بحكم الطبيعة أسرع وأقوى مما يتقدم في فضائله، وأن العلم لا يستطيع ~~إلا أن يخدم الجهتين بقوة واحدة، فأقواهما بالطبيعة أقواهما بالعلم، وكأن ~~الرجل كان يظن أنه ليس تحت الأرض زلازل, ولا تحت الحياة مثلها. # مزق البرقع ms141 وقال: "إنه مما يزيد في الفتنة، وإن المرأة لو كانت مكشوفة ~~الوجه لكان في مجموع خلقها -على الغالب- ما يرد البصر عنها". فقد زال ~~البرقع، ولكن هل قدر قاسم أن طبيعة المرأة منتصرة دائما في الميدان الجنسي ~~بالبرقع وبغير البرقع، وأنها تخترع لكل معركة أسلحتها، وأنها إن كشفت برقع ~~الخز فستضع في مكانه برقع الأبيض والأحمر؟ # PageV01P167 # وزعم أن "النقاب والبرقع من أشد أعوان المرأة على إظهار ما تظهر, وعمل ما ~~تعمل لتحريك الرغبة؛ لأنهما يخفيان شخصيتها فلا تخاف أن يعرفها قريب أو ~~بعيد, فيقول: فلانة، أو بنت فلان، أو زوج فلان كانت تفعل كذا؛ فهي تأتي كل ~~ما تشتهيه من ذلك تحت حماية البرقع والنقاب". فقد زال البرقع والنقاب، ولكن ~~هل قدر قاسم أن المرأة السافرة ستلجأ إلى حماية أخرى، فتجعل ثيابها تعبيرا ~~دقيقا عن أعضائها، وبدلا من أن تلبس جسمها ثوبا يكسوه، تلبسه الثوب الذي ~~يكسوه ويزينه ويظهره ويحركه في وقت معا، حتى ليكاد الثوب يقول للناظر: هذا ~~الموضع اسمه ... وهذا الموضع اسمه ... وانظر هنا وانظر ههنا ... ما زادت ~~المدنية على أن فككت المرأة الطيبة ثم ركبتها في هذه الهندسة الفاحشة! # وأراد قاسم أن يعلمنا الحب لنربط به الزوج معنا، فلم يزد على أن جرأنا ~~على الحب الذي فر به الزوج منا، وقد نسي أن المرأة التي تخالط الرجل ~~ليعجبها وتعجبه فيصيرا زوجين, إنما تخالط في هذا الرجل غرائزه قبل ~~إنسانيته، فتكون طبيعته وطبيعتها هي محل المخالطة قبل شخصيهما، أو تحت ستار ~~شخصيهما؛ وهو رجل وهي امرأة، وبينهما مصارعة الدم ... وكثيرا ما تكون ~~المسكينة هي المذبوحة. وقد انتهينا إلى دهر يصنع حبه ومجالس أحبابه في ~~"هوليود" وغيرها من مدن السينما، فإن رأى الشباب على الفتاة مظهر العفة ~~والوقار قال: بلادة في الدم، وبلاهة في العقل، وثقل أي ثقل؛ وإن رأى غير ~~ذلك قال: فجور وطيش، واستهتار أي استهتار, فأين تستقر المرأة ولا مكان لها ~~بين الضدين؟ # أخطأ قاسم في إغفال عامل الزمن من حسابه، وهاجم الدين بالعرف؛ وكان من ~~أفحش ms142 غلطه ظنه العرف مقصورا على زمنه، وكأنه لم يدر أن الفرق بين الدين ~~وبين العرف، هو أن هذا الأخير دائم الاضطراب، فهو دائم التغير، فهو لا يصلح ~~أبدا قاعدة للفضيلة؛ وها نحن أولاء قد انتهينا إلى زمن العري، وأصبحنا نجد ~~لفيفا من الأوروبيين المتعلمين، رجالهم ونسائهم، إذا رأوا في جزيرتهم أو ~~محلتهم أو ناديهم رجلا يلبس في حقويه تباتا قصيرا كأنه ورق الشجر على موضعه ~~ذاك من آدم وحواء, إذا رأوا هذا المتعفف بخرقة؛ أنكروا عليه وتساءلوا ~~بينهم: من؛ من هذا الراهب؟ # ونسي قاسم -غفر الله له- أن للثياب أخلاقا تتغير بتغيرها، فالتي تفرغ ~~الثوب على أعضائها إفراغ الهندسة، وتلبس وجهها ألوان التصوير, لا تفعل ذلك ~~إلا وهي قد تغير فهمها للفضائل؛ فتغيرت بذلك فضائلها، وتحولت من آيات دينية ~~إلى آيات شعرية. وروح المسجد غير روح الحانة، وهذه غير روح المرقص، وهذه ~~غير روح # PageV01P168 # المخدع، ولكل حالة تلبس المرأة لبسا فتخفي منها وتبدي. وتحريك البيئة ~~لتتقلب هو بعينه تحريك النفس لتتغير صفاتها. وأين أخلاق الثياب العصرية في ~~امرأة اليوم, من تلك الأخلاق التي كانت لها من الحجاب؟ تبدلت بمشاعر ~~الطاعة، والصبر، والاستقرار، والعناية بالنسل، والتفرغ لإسعاد أهلها ~~وذويها, مشاعر أخرى، أولها كراهية الدار والطاعة والنسل؛ وحسبك من شر هذا ~~أوله وأخفه! # كان قاسم كالمخدوع المغتر بآرائه، وكان مصلحا فيه روح القاضي، والقاضي ~~بحكم عمله مقلد متبع، أليس عليه أن يسند رأيه دائما إلى نص لم يكن له فيه ~~شأن ولا عمل؟ من ثم كثرت أغلاط الرجل حتى جعل الفرق بين فساد الجاهلة وفساد ~~المتعلمة، أن الأولى "لا تكلف نفسها عناء البحث عن صفات الرجل الذي تريد أن ~~تقدم له أفضل شيء لديها، هو نفسها، وعلى خلاف ذلك يكون النساء المتعلمات، ~~إذا جرى القدر عليهن بأمر مما لا يحل لهن، لم يكن ذلك إلا بعد محبة شديدة ~~يسبقها علم تام بأحوال المحبوب " ... " وشمائله وصفاته، فتختاره من بين ~~مئات وألوف ممن تراهم في كل وقت "!!!! " وهي تحاذر أن تضع ثقتها في شخص لا ms143 ~~يكون أهلا لها، ولا تسلم نفسها إلا بعد مناضلة يختلف زمنها وقوة الدفاع ~~فيها حسب الأمزجة "؟؟؟؟ " وهي في كل حال تستتر بظاهر من التعفف "؟؟؟؟ "1. # أليس هذا كلام قاض من القضاة المدنيين المتفلسفين على مذهب "لمبروزو" ~~يقول لإحدى الفاجرتين: أيتها الجاهلة الحمقاء، كيف لم تتحاشي ولم تتستري ~~فلا يكون للقانون عليك سبيل؟ # وحتى في هذا قد أثبت قاسم أنه لا يعرف الأرنب وأذنيها2 وإلا فمتى كان في ~~الحب اختيار، ومتى كان الاختيار يقع "فيما يجري به القدر" ومتى كان نظر ~~العاشقة إلى الرجال نظرا سيكولوجيا كنظر المعلمة إلى صبيانها, فتدرس الصفات ~~والشمائل في مئات وألوف ممن تراهم في كل وقت لتصفيها كلها في واحد تختاره ~~من بينهم؟ هذا مضحك! هذا مضحك! # إليك خبرا واحدا مما تنشره الصحف في هذه الأيام: كفرار بنت فلان باشا ~~خريجة مدرسة كذا مع سائق سيارتها؛ ففسر لي أنت كلام قاسم، وأفهمني كيف ~~PageV01P169 # يكون اثنان واثنان خمسة وعشرين؟ وكيف يكون فرار متعلمة أصيلة مع سائق ~~سيارة هو محاذرة وضع الثقة فيمن لا يكون أهلا لها؟ # لقد أغفل قاسم حساب الزمن في هذا أيضا، فكثير من المنكرات والآثام قد ~~انحل منها المعنى الديني، وثبت في مكانه معنى اجتماعي مقرر، فأصبحت ~~المتعلمة لا تتخوف من ذلك على نفسها شيئا، بل هي تقارفه وتستأثر به دون ~~الجاهلة، وتلبس له "السواريه"، وتقدم فيه للرجال المهذبين مرة ذراعها، ومرة ~~خصرها. # أقرأت "شهرزاد"؟ إن فيها سطرا يجعل كتاب قاسم كله ورقا أبيض مغسولا ليس ~~فيه شيء يقرأ: # قالت شهرزاد المتعلمة، المتفلسفة، البيضاء، البضة، الرشيقة، الجميلة؛ ~~للعبد الأسود الفظيع الدميم الذي تهواه: "ينبغي أن تكون أسود اللون؛ وضيع ~~الأصل؛ قبيح الصورة؛ وتلك صفاتك الخالدة التي أحبها"1. # فهذا كلام الطبيعة لا كلام التأليف والتلفيق والتزوير على الطبيعة. # قال صاحب الطائشة: # فقلت لها: فإذا كان قاسم لا يرضيك، وكان الرجل مصلحا دخلته روح القاضي، ~~فخلط رأيا صالحا وآخر سيئا، فلعل "مصطفى كمال" همك من رجل في تحرير المرأة ~~تحريرا مزق الحجاب وال ... ؟ # قالت: إن مصطفى كمال ms144 هذا رجل ثائر، يسوق بين يديه الخطأ والصواب بعصا ~~واحدة، ولا يمكن في طبيعة الثورة إلا هذا، ولا يبرح ثائرا حتى يتم انسلاخ ~~أمته. وله عقل عسكري كان يمكر به مكر الألمان، حين أكرههم الحلفاء على ~~تحويل مصانع "كروب"، فحولوها تحويلا يردها بأيسر التغيير إلى صنع المدافع ~~والمهلكات. وليس الرجل مصلحا البتة، بل هو قائد زهاه النصر الذي اتفق له، ~~فخرج من تلك الحرب الصغيرة وعلى شفتيه كلمة: "أريد" وجعل بعد ذلك إذا غلط ~~غلطة أرادها منتصرة، فيفرضها قانونا على المساكين الذين يستطيع أن يفرض ~~عليهم، فيقهرهم عليها ولا يناظرهم فيها، ويأخذهم كيف شاء، ويدعهم كيف أحب؛ ~~وبكلمة واحدة: هو مؤلف الرواية، والقانون نفسه أحد الممثلين. # وحقده على الدين وأهل الدين هو الدليل على أنه ثائر لا مصلح, فإن أخص ~~PageV01P170 # أخلاق الثورة حقد الثائرين، وهذا الحقد في قوة حرب وحدها، فلا يكون إلا ~~مادة للأفعال الكثيرة المذمومة. والرجل يحتذي أوروبا ويعمل على أعمال ~~الأوروبيين في خيرها وشرها، ويجعل رذائلهم من فضائلهم على رغم أنفهم، ~~يتبرءون منها ويلحقها هو بقومه، فكأنه يعتنف الآراء ويأخذها أخذا عسكريا، ~~ليس في الأمر إلا قوله "أريد" فيكون ما يريد. هو لم يحكم على شبر من أوروبا ~~يجعله تركيا، ولكنه جعل رذائل أوروبا تتجنس بالجنسية التركية. # وتالله, إنه لأيسر عليه أن يجيء بملائكة أو شياطين من المردة، ينفخون أرض ~~تركيا فيمطونها مطا فيجعلونها قارة، من أن يكره أوروبا على اعتبار قومه ~~أوروبيين بلبس قبعة وهدم مسجد. إنه لا يزال في أول التاريخ, وهذا الشعب ~~الذي انتصر به لم تلده مبادئه، ولا أنشأه هدم العلماء؛ بل هو الذي ولدته ~~تلك الأمهات، وأخرجه أولئك الآباء، وما كان يعوزه إلا القائد الحازم ~~المصمم، فلما ظفر بقائده جاء بالمعجزة؛ فإذا فتن القائد بنفسه وأبى إلا أن ~~يتحول نبيا، فهذا شيء آخر له اسم آخر. # ولنفرض "الأثير" كما يقول العلماء؛ لنستطيع أن نجعل مسألتنا هذه علمية، ~~وأن نبحثها بحثا علميا، فليكن مصطفى كمال هو اللورد كتشنر في إنجلترا؛ ~~فيكسب اللورد كتشنر ms145 تلك الحرب العظمى لا حرب الدويلة الصغيرة، وينتصر على ~~البراكين من الجيوش لا على مثل براميل النبيذ. ثم يستعز الرجل بدالته على ~~قومه، ويدخله الغرور، فيتصنع لهم مرة، ويتزين لهم مرة، ثم يأتيهم بالآبدة ~~فيسفه دينهم، ويريدهم على تعطيل شعائرهم وهدم كنائسهم؛ لأن هذا هو الإصلاح ~~في رأيه. أفترى الإنجليز حينئذ يضوون إليه ويلتفون حوله ويقولون: قائدنا في ~~الحرب، ومصلحنا في السلم, وقد انتصرنا به على الناس فسننتصر به على الله، ~~وظفرنا معه بيوم من التاريخ فسنظفر معه بالتاريخ كله؟ أم تحسب كتشنر كان ~~يجسر على هذا وهو كتشنر لم يتغير عقله؟ # إنه -والله- ما يتدافع اثنان أن هدم كنيسة واحدة يومئذ لا يكون إلا هدم ~~كتشنر وتاريخ كتشنر، ولكن العجز ممهد من تلقاء نفسه، والأرض المنخسفة هي ~~التي يستنقع فيها الماء، فله فيها اسم ورسم؛ أما الجبل الصخري الأشم، فإذا ~~صب هذا الماء عليه أرسله من كل جوانبه، وأفاضه إلى أسفل! 1. PageV01P171 # قال صاحب الطائشة: فأقول لها: إذا كان هذا رأيك للنساء، فكيف لا ترين مثل ~~هذا لنفسك؟ # فتضعضعت لهذه الكلمة، ولجلجت قليلا ثم قالت: أنت سلبتني الرأي لنفسي، ~~ووضعتني في الحقيقة التي لا تتقيد بقانون الخير والشر. # قلت: فإذا كانت كل امرأة تغلط لنفسها في الرأي، وتنصح بالرأي الصائب ~~غيرها، فيوشك ألا يبقى في نساء الأرض فضيلة, ولا يعود في المدرسة كلها عاقل ~~إلا الكتاب. # فتضاحكت وقالت: لهذا يشتد ديننا الإسلامي مع المرأة، فهو يخلق طبائع ~~المقاومة في المرأة، ويخلقها فيما حولها، حتى ليخيل إليها أن السماء عيون ~~تراها، وأن الأرض عقول تحصي عليها؛ وهل أعجب من أن هذا الدين يقضي قضاء ~~مبرما أن تكون ثياب المرأة أسلوب دفاع لا أسلوب إغراء، وأن يضعها من النفوس ~~موضعا يكون فيه حديثها بينها وبين نفسها كالحديث في "الراديو" له دوي في ~~الدنيا، فيقيم عليها الحجاب، وغيرة الرجل، وشرف الأصل؛ ويؤاخذها بروح ~~طبيعتها، فيجعل الهفوة منها كأنها جنين يكبر, ولا يزال يكبر حتى يكون عار ~~ماضيها وخزي مستقبلها. # هذه كلها حجب مضروبة لا ms146 حجاب واحد، هي كلها لخلق طبائع المقاومة، لتيسير ~~المقاومة، ومتى جاء العلم مع هذه لم يكن أبدا إطلاقا، ولم يكن أبدا إلا ~~الحجاب الأخير كالسور حول القلعة؛ ولكن قبح الله المدنية وفنها؛ إنها أطلقت ~~المرأة حرة، ثم حاطتها بما يجعل حريتها هي الحرية في اختيار أثقل قيودها لا ~~غير. أنت محمل بالذهب، وأنت حر ولكن بين اللصوص؛ كأنك في هذا لست حرا إلا ~~في اختيار من يجني عليك! # لم تعد المرأة العصرية انتصار الأمومة، ولا انتصار الخلق الفاضل، ولا ~~انتصار التعزية في هموم الحياة؛ ولكن انتصار الفن، وانتصار اللهو، وانتصار ~~الخلاعة. # قال صاحب الطائشة: فضحكت وقلت: وانتصاري! # "طبق الأصل". # تنبيه: # ليست الطائشة كل النساء ولا كل المتعلمات، ونحن إنما نروي قصة هي في ~~الدنيا؛ ليس فيها كلمة من المريخ ولا من زحل؛ فأما الصالح فيرى ويفهم، ~~ولعله يصون بها نفسه؛ أما الفاسد فيرى ويعتبر ولعله يرد بها نفسه. ومذهبنا ~~دائما وجوب كشف الحقيقة، وإذا أردت أن تأخذ الصواب فخذه عمن أخطأ. # PageV01P172 ### | تربية لؤلؤية # كتبت إلي سيدة فاضلة بما هذه ترجمته, منقولا إلى أسلوبي وطريقتي: # ... أما بعد, فهذا الذي كنا ظننا وظنت، فاقرأ الفصل الذي انتزعته لك من ~~مجله* ... وستعرف منه وتنكر، وترى فيه النهار مبصرا والليل أعمى ... وتجد ~~فتاة اليوم على ما وقع بها من الظنة، وكثر فيها من أقوال السوء, لا تشمس ~~على الريبة ولا تريد أن تنتفي منها، بل هي تعمل لتحقيقها، وتبغي مع تحقيقها ~~أن يتعالم الناس ذلك منها، وتريد مع هذين أن يطلقوا لها ما شاءت، ويسوغوها ~~مقارفة الإثم، ويقروها على منكراتها. # أما إنه إذا كانت أمهاتنا الجاهلات هن أمسنا الذاهب بلا فائدة، فإن ~~فتياتنا المتعلمات هن يومنا الضائع بلا فائدة، غير أن الجاهلة لم تكن تكسد ~~ومعها الفضيلة، فأصبحت المتعلمة لم تكد تنفق ومعها الرذيلة، ولتاجر أمي ~~طاهر الاسم تتحرك سوقه وتحيا, خير من تاجر متعلم نجس الاسم قد قامت سوقه ~~وخمدت، فما تتنفس من درهم ولا دينار. # لقد احتذينا على مثال المرأة الأوروبية، فلما ms147 أحكمته المتعلمات منا، كن ~~بين الشرق والغرب كالسبخة النشاشة من الأرض، طرف لها بالفلاة وطرف بالبحر؛ ~~فهي رمل في ماء في ملح، لا تخلص لفساد ولا صحة، فاعتبر هذه وهذه فستجدهما ~~بحكاية واحدة أصلا, وطبق الأصل. # وقرأت الفصل الذي أومأت إليه السيدة، وكان في كتابها، فإذا هو لكاتبه ~~تزعم "أنها ممن رفعن علم الجهاد لحرية المرأة"، وإذا في أوله: # كتبت آنسة أديبة في عدد سابق من ... الأغر تقول: "أجل، لنفتش عن هذا ~~الرجل كما يفتشون هم عن المرأة، فإن أخطأناهم أزواجا فلن نخطئهم أصدقاء!!! ~~". PageV01P173 # وكتب بعد هذا أديب فاضل، كما كتبت آنسة فاضلة ينحيان "كذا" هذا المنحى، ~~ويطرقان نفس السبيل "كذا" التي اختطتها الآنسة الجريئة في غير حق، الثائرة ~~في نزق. ثم قالت بعد ذلك: "قرأت مقال الآنسة الثائرة في حيوية صارخة!!!! ~~فجزعت؛ لأن "قاسم أمين" عندما رفع علم الجهاد من أجل حرية المرأة، و"ولي ~~الدين يكن" عندما جاهر بعده في سبيل السفور، و"هدى شعراوي" عندما رفعت ~~صوتها عاليا تطالب بحرية المرأة, ما ظنت وما ظن واحد من هذين الرجلين أن ~~ثورة المرأة ستتطور إلى حد أن تقف آنسة مهذبة، تكشف عن رأسها تبكي وتستبكي ~~سواها معها، من أجل الزواج". # وأنا فلست أدري -والله- مم تعجب هذه الكاتبة، وإني لأعجب من عجبها، ~~وأراها كالتي تكتب عبثا وهزلا وهوينا، مظهرة الجد والقصد والغضب. أئن أطلق ~~للنساء أن يثرن كما تقول الكاتبة، وجاهد فلان وفلان في هذه الثورة فأخذت ~~مأخذها، فانطلقت لشأنها، فأوغلت في حريتها، فامتد بها أمدها شوطا بعد شوط, ~~ثم جاء خلق من أخلاق المرأة يسفر سفوره ويرفع الحجاب عن طبيعته ثائرا هو ~~أيضا في غير مداراة ولا حذق ولا كياسة، يريد أن يقتحم طريقه ويسلك سبيله، ~~ثم وقف على رغمه في الطريق منكسرا مما به من اللفة والوثبة يتوجع، يتنهد، ~~يتلذع بهذه المعاني وهذه الكلمات. أئن وقع ذلك جاءت كاتبة من كاتبات السفور ~~تقول للمرأة: جرى عليك وكنت حرة، وتزعزعت وكنت ثابتة، وأفحشت وكنت عفيفة، ~~وتعهرت وكنت طاهرة؟ # أفلا تقول ms148 لها: سفرت أخلاقك إذ كنت سافرة بارزة، وضاع حياؤك إذ كنت مخلاة ~~مهملة, وغلوت إذ كنت في المبالغة من البدء؟ # أفلا تقول لها: لقد تلطفت فجئت بالمعنى المجازي لكلمة "العري"، ولقد ~~أبدعت فكنت امرأة ظريفة اجتماعية مخيلة للشعر والفن، وحققت أن واجب الظريفة ~~الجميلة إعطاء الفن غذاء من ### | .... # ومن ### | .... # ومن لحمها ... ؟ # نعم, إن قاسم أمين "رحمه الله" لم يكن يظن ... ولكن أما كان ينبغي أن يظن ~~أن بعض الصواب في الخطأ لا يجعل الخطأ صوابا؟ بل هو أحرى أن يلبسه على ~~الناس فيشبهه عليهم بالحق وما هو به، ويجعلهم يسكنون إليه ويأمنون جانبه ~~فينتهي بهم يوما إلى أن ينتسف خطؤه صوابه، ويغطي باطله على حقه, ثم تستطرق ~~إليه عوامل لم تكن فيه من قبل، ولا كانت تجد إليه السبيل وهو خطأ محض، # PageV01P174 # فتمد له في الغي مدا. ثم تنتهي هي أيضا إلى نهايتها، وتئول إلى حقائقها؛ ~~فإذا كل ذلك قد داخل بعضه، وإذا الشر لا يقف عندما كان عليه، وإذا البلاء ~~ليس في نوع واحد بل أنواع. # ما يرتاب أحد في نية قاسم أمين، ولا نزعم أن له خفية سوء أو مضمر شر فيما ~~دعا إليه من تلك الدعوة، ولكني أنا أرتاب في كفايته لما كان أخذ نفسه به ~~وأراه قد تكلف ما لا يحسن، وذهب يقول في تأويل القرآن وهو لا ينفذ إلى ~~حقائقه، ولا يستبطن أسرار عربيته، وكان مناظروه في عصره قوما ضعفاء, ~~فاستعلاهم بضعفهم لا بقوته، وكانت كلمة الحجاب قد انتفخت في ذهنه بعد أن ~~أفرغت معانيها الدقيقة، فأخذها ممتلئة وجاء بها فارغة، وقال للنساء: غيرن ~~وبدلن. فلما أطعنه وبدلن وغيرن، وجاء الزمن بما يفسر الكلمة من حقائقه ~~وتصاريفه لا من خيالات المتخيل أو المتشيع, إذا معنى التغيير والتبديل هو ~~ما رأيت، وإذا الحجاب الأول على ضلاله كان نصف الشر، وإذا المرأة التي ربحت ~~الشارع هي التي خسرت الزوج! وإذا تلك الدعوة لم تكن نفيا للحجاب عن المرأة، ~~ولكن نفيا للمرأة ذاتها وراء حدود الأسرة، كأنها مجرمة ms149 عوقبت على فساد ~~سياستها؛ وهي قارة في بيتها ولكنها مع ذلك منفية من مستقبلها. # كانوا يحتجون لنفي الحجاب بالفلاحات في سفورهن؛ وغفلوا أقبح الغفلة عن ~~السبب الطبيعي في ذلك, وهو أن السفور إنما عمهن من كونهن لسن في المنزلة ~~الاجتماعية أكثر من بهائم إنسانية مؤنثة؛ ومثل هذا السفور لا يكون على ~~طبيعته تلك إلا في اجتماع طبيعي فطري أساسه الخلط في الأعمال لا التمييز ~~بينها، والاشتراك في شيء واحد هو كسب القوت1 لا الانفراد بما فوق ذلك من ~~أشياء النفس. # ولست أرى هذه اللجاجة، أو "الحيوية الصارخة" التي ثارت بفتياتنا, إلا ~~تمردا من طبيعتهن على الأحوال الظالمة المتصرفة بها؛ ويحسبنه توسعا من ~~الطبيعة في الحرية، وطلبا للعالم كله بعد الشارع، وللحقوق كلها بعد نبذ ~~الحجاب؛ وهو في الحقيقة ليس إلا ثورة الطبيعة النسوية على خيبتها مما أصابت ~~من الحرية والشارع والعالم والحقوق، ورغبة منها في أن تحد بحدودها ويؤخذ ~~منها العالم كله بما فيه، وتعطى البيت وحده بما فيه. PageV01P175 # إذا أنت كشفت جذور الشجرة لتطلقها بزعمك من حجابها، وتخرجها إلى النور ~~والحرية، فإنما أعطيتها النور، ولكن معه الضعف والحرية، ومعها الانتقاض؛ ~~وتكون قد أخرجتها من حجابها ومن طبيعتها معا؛ فخذها بعد ذلك خشبا لا ثمرا، ~~ومنظر شجرة لا شجرة، لقد أعطيتها من علمك لا من حياتها، وجهلت أنها من ~~أطباق الثرى في قانون حياتها، لا في قانون حجابها. أفليست كذلك جذور الشجرة ~~الإنسانية؟ # كل ما يتغير يسهل تغييره على من شاء، ولكن النتائج الآتية من التغيير لا ~~تكون إلا حتما مقضيا كما يقضى، فلن يسهل تبديلها ولا تحويلها ولا ردها أن ~~تقع. وقد أخطأ جماعة السفور، بل أنا أقول: إنهم جاءونا بالجاهلية الثانية، ~~وإنهم طبوا للمرأة المسلمة كذلك الطب الذي أساسه الرائحة الزكية في البخور ~~... 1! # وما هو الحجاب إلا حفظ روحانية المرأة للمرأة، وإغلاء سعرها في الاجتماع, ~~وصونها من التبذل الممقوت؛ لضبطها في حدود كحدود الربح من هذا القانون ~~الصارم، قانون العرض والطلب؛ والارتفاع بها أن تكون سلعة بائرة ينادى ms150 عليها ~~في مدارج الطرق والأسواق: العيون الكحيلة، الخدود الوردية، الشفاه ~~الياقوتية، الثغور اللؤلؤية، الأعطاف المرتجة، النهود ال ... ال ... أوليس ~~فتياتنا قد انتهين من الكساد بعد نبذ الحجاب إلى هذه الغاية، وأصبحن إن لم ~~ينادين على أنفسهن بمثل هذا فإنهن لا يظهرن في الطرق إلا لتنادي أجسامهن ~~بمثل هذا؟ # وهذه التي كتبت اليوم تطلبهم مخادنين إن أخطأتهم أزواجا، وتفتش عليهم ~~تفتيشا بين الزوجات والأمهات والأخوات! هل تريد إلا أن تثب درجة أخرى في ~~مخزيات هذا التطور، فتمشي في الطريق مشي الأنثى من البهائم طموحا مطروفة، ~~تذهب عيناها هنا وههنا تلتمس من يخطو إليها الخطوة المقابلة؟ # ما هو الحجاب الشرعي إلا أن يكون تربية عملية على طريقة استحكام العادة ~~لأسمى طباع المرأة وأخصها الرحمة, هذه الصفة النادرة التي يقوم الاجتماع ~~الإنساني على نزعها والمنازعة فيها ما دامت سنة الحياة نزاع البقاء، فيكون ~~البيت اجتماعا خاصا مسالما للفرد تحفظ المرأة به منزلتها، وتؤدي فيه عملها، ~~وتكون مغرسا للإنسانية وغارسة لصفاتها معا. PageV01P176 # لقد رأينا مواليد الحيوان تولد كلها: إما ساعية كاسبة لوقتها، وإما ~~محتاجة إلى الحضانة وقتا قليلا, لا يلبث أن ينفضي فتكدح لعيشها؛ إذ كانت ~~غاية الحيوان هي الوجود في ذاته لا في نوعه، وكان بذلك في الأسفل لا في ~~الأعلى. غير أن طفل المرأة يكون في بطنها جنينا تسعة أشهر، ثم يولد ليكون ~~معها جنينا في صفاتها وأخلاقها ورحمتها أضعاف ذلك، سنة بكل شهر. فهل الحجاب ~~إلا قصر هذه المرأة على عملها، لتجويده وإتقانه وإخراجه كاملا ما استطاعت؟ ~~وهل قصرها في حجابها إلا تربية طبيعية لرحمتها وصبرها، ثم تربية بعد ذلك ~~لمن حولها برحمتها وصبرها؟ # أعرف معلمة ذات ولد، تترك ابنها في أيدي الخدم بعد وصاة علمية سيكولوجية, ~~وتمضي ذاهبة عن يمين الصباح ويمضي زوجها عن شماله. وقد رأيت هذا الطفل مرة، ~~فرأيته شيئا جديدا غير الأطفال، له سمة روحانية غير سماتهم، كأنما يقول لي: ~~إنه ليس لي أب وأم، ولكن أب رقم "1"، وأب رقم "2"! # وقد كنت كتبت كلمة عن الحجاب الإسلامي ms151 قلت فيها: "ما كان الحجاب مضروبا ~~على المرأة نفسها، بل على حدود من الأخلاق أن تجاوز مقدارها أو يخالطها ~~السوء أو يتدسس إليها؛ فكل ما أدى إلى هذه الغاية فهو حجاب، وليس يؤدي ~~إليها شيء إلا أن تكون المرأة في دائرة بيتها، ثم إنسانا فقط فيما وراء هذه ~~الدائرة إلى آخر حدود المعاني". # وهذا هو الرأي الذي لم يتنبه إليه أحد، فليس الحجاب إلا كالرمز لما وراءه ~~من أخلاقه ومعانيه وروحه الدينية المعبدية، وهو كالصدفة لا تحجب اللؤلؤة ~~ولكن تربيها في الحجاب تربية لؤلؤية؛ فوراء الحجاب الشرعي الصحيح معاني ~~التوازن والاستقرار والهدوء والاطراد، وأخلاق هذه المعاني وروحها الديني ~~القوي، الذي ينشئ عجيبة الأخلاق الإنسانية كلها؛ أي: صبر المرأة وإيثارها. ~~وعلى هذين تقوم قوة المدافعة, وهذه القوة هي تمام الأخلاق الأدبية كلها، ~~وهي سر المرأة الكاملة؛ فلن تجد الأخلاق على أتمها وأحسنها وأقواها إلا في ~~المرأة ذات الدين والصبر والمدافعة. إنها فيها تشبه أخلاق نبي من الأنبياء. # وقد محق الدين والصبر، وتراخت قوة المدافعة في أكثر الفتيات المتعلمات، ~~فابتلين من ذلك بالضجر والملل، وتشويه النفس؛ ووقع فيهن معنى كمعنى العفن ~~في الثمرة الناضجة؛ وجهلن بالعلم حتى طبيعتهن، فما منهن من عرفت أن طبيعتها # PageV01P177 # سلبية في ذاتها، وأنه لا يشدها ويقيمها إلا الصفات السلبية، وملاكها ~~الصبر فروعه وأصوله، وجمالها الحياء والعفة، ورمزها وحارسها والمعين عليها ~~هو الحجاب وحده. إنه إن لم يكن في المرأة هذا فليست المرأة إلا بهذا. # وما تخطئ المرأة في شيء خطأها في محاولة تبديل طبيعتها وجعلها إيجابية، ~~وانتحالها صفات الإيجاب، وتمردها على صفات السلب، كما يقع لعهدنا؛ فإن هذا ~~لن يتم للمرأة، ولن يكون منه إلا أن تعتبر هذه المرأة نقائض أخلاقها من ~~أخلاقها، كما نرى في أوروبا، وفي الشرق من أثر أوروبا؛ فمن هذا تلقي الفتاة ~~حياءها وتبذؤ وتفحش، إن لم يكن بالألفاظ والمعاني جميعا فبالمعاني وحدها، ~~وإن لم يكن بهذه ولا بتلك فبالفكر في هذه وتلك، وكانت الاستجابة لهذا ما ~~فشا من الروايات الساقطة، والمجلات العارية؛ ms152 فإن هذه وهذه ليست شيئا إلا أن ~~تكون علم الفكر الساقط. # وعادت الفتاة من ذلك لا تبتغي إلا أن تكون امرأة رواية: إما فوق الحياة، ~~وإما في حقائق جميلة تختارها اختيارا وتفرضها فرضا على القدر! تنسى الحمقاء ~~أنها أحد الطرفين، وليست الطرفين جميعا؛ فتحاول أن تقرر للحياة الجديدة ~~تأويلا جديدا لمعاني الشرف والكرامة والعرض والنسب وما إليها؛ فانسلخت من ~~كل شيء، ثم لما أعجزها أن تنسلخ من غريزة الأنوثة طاشت طيشها الأخير، ~~فانسلخت من إنسانية الغريزة. # أما إن غلطة الرجل في المرأة لا تكون إلا من غلطة المرأة في نفسها. وهي ~~قد أعطيت في طبيعتها كل معاني حجابها؛ فإحساسها محتجب مختبئ أبدا كأنه في ~~إتب1 وملاءة وبرقع، وأفكارها طويلة الملازمة لها لا تكاد تتركها، كأنها ~~منها في بيت؛ وطبيعة الحذر لا تبرحها كأنها الحارس الثابت في موضعه، القائم ~~بسلاحه على حفظ هذا الجسم الجميل؛ وطول التأمل موكل بها كأن عمله مصاحبة ~~وحدتها لتخفيفها على نفسها والترفيه منها؛ والدنيا حول المرأة بمذاهب ~~أقدارها، ولكن لها دنيا في داخلها هي قلبها تذهب الأقدار فيه مذاهب أخرى؛ ~~وضغطة الحياة طبيعية فيها، حتى لا يساورها هم من الهموم إلا صار كأنه من ~~عادتها. والتي تمزقها الحياة كلما ولدت لا تكون الحياة إلا رحيمة بها إذا ~~ضغطتها! PageV01P178 # فخروج المرأة من حجابها خروج من صفاتها، فهو إضعاف لها، وتضرية للرجال ~~بها. وماذا تجدي عادة الحذر إذا أفسدتها عادة الاسترسال والاندفاع؟ فيكون ~~حذرا ليكون إغفالا، ثم يكون إغفالا ليعود الزلة والغلطة؛ ومتى رجع غلطة ~~فهذا أول السقوط، ومبدأ الانقلاب والتحول. وليس الفرق بين امرأة نفور من ~~الريبة، شموس لا تطلع الرجال ولا تطمعهم؛ وبين امرأة قرور على الريبة، هلوك ~~فاجرة, ليس الفرق إلا حجاب الحذر أسدل على واحدة، وانكشف عن أخرى. # وإذا قرت المرأة في فضائلها، فإنما هي في حجابها ودينها، وإنما ذلك ~~الحجاب ضابط حريتها الصحيحة، باعتبارها امرأة غير الرجل؛ فهو مسمى بالحجاب ~~لاتصاله بالحرية وضبطه لها، ولكن الضعفاء الذين يعرفون ظاهرا من الرأي لا ~~يدركون ms153 مذهبه، ولا يحققون ما ينتهي إليه، وينفذون في حكمهم على الظاهر لا ~~على البصيرة, هؤلاء لا يعرفون معنى الحجاب إلا في القماش والكساء والأبنية، ~~كأن حجاب الأخلاق النسوية شيء يصنعه الحائك والباني والمستعبد، ولا تصنعه ~~الشريعة والأدب والحياة الاجتماعية؛ فهم كما ترى حين يأتون بنصف العلم، ~~يأتون بنصف الجهل. # لم يخلق الله المرأة قوة عقل فتكون قوة إيجاب، ولكنه أبدعها قوة عاطفة ~~لتكون قوة سلب؛ فهي بخصائصها والرجل بخصائصه؛ والسلب بطبيعته متحجب صابر ~~هادئ منتظر، ولكنه بذلك قانون طبيعي تتم به الطبيعة. # وينبغي أن يكون العلم قوة لصفات المرأة لا ضعفا، وزيادة لا نقصا؛ فما ~~يحتاج العالم إذا خرج صوتها في مشاكله أن يكون كصوت الرجل صيحة في معركة, ~~بل تحتاج هذه المشاكل صوتا رقيقا مؤثرا محبوبا مجمعا على طاعته, كصوت الأم ~~في بيتها. # أيتها الفتاة، إن صدق الحياة تحت مظاهرها, لا في مظاهرها التي تكذب أكثر ~~مما تصدق؛ فساعدي الطبيعة واحجبي أخلاقك عن الرجل؛ لتعمل هذه الطبيعة فيه ~~بقوتين دافعتين: منها ومنك، فيسرع انقلابه إليك وبحثه عنك؛ وقد يجد الفاسق ~~فاسقات وبغايا، ولكن الرجل الصحيح الرجولة لن يجد غيرك. # وإنما سفورك وسفور أخلاقك إفساد لتدبير الطبيعة، وتمكين للرجل نفسه أن ~~يرجف بك الظن، ويسيء فيك الرأي؛ وعقابك على ذلك ما أنت فيه من الكساد ~~والبوار؛ عقاب الطبيعة لمستقبلك بالحرمان، وعقاب أفكارك لنفسك بالألم! # PageV01P179 ### | س. ا.ع # 1: # هؤلاء ثلاثة من الأدباء تجمعهم صفة العزوبة، ويحبون المرأة حبا خائفا ~~يقدم رجلا ويؤخر أخرى؛ فلا يقبل إلا أدبر، ولا يعزم إلا انحل عزمه. بلغوا ~~الرجولة وكأن ليست فيهم؛ وتمر بهم الحياة مرورها بالتماثيل المنصوبة، لا ~~هذه قد ولد لها ولا أولئك؛ وما برحوا يجاهدون ليحتملوا معاني وجودهم، لا ~~ليطلبوا سعادة وجودهم، ويمخرقون في شعوذة الحياة بالنهار على الليل، ~~وبالليل على النهار، يحاولون أن يجدوا كالناس أياما وليالي، إذ لا يعرفون ~~لأنفسهم من العزوبة إلا نهارا واحدا، نصفه أسود مقفر مظلم! # فأما "س" فرجل "كشيخ المسجد" يكاد يرى حصير المسجد حيث وطئت قدماه من ms154 ~~الأرض, ذو دين وتقوى، ما يزال ينقبض وينكمش ويتزايل حتى يرجع طفلا في ~~ثلاثين من عمره. وهو حائر بائر لا يتجه لشيء من أمر المرأة، وقد فقد منها ~~مما يحل وما يحرم، ولا جرأة لنفسه عليه، فلا جرأة له على الموبقات، ولا ~~يزين له الشيطان ورطة منها إلا املس منها، فإن له ثلاثة أبواب مفتوحة ~~للهرب: إذ يخشى الله، ويتوقى على نفسه، ويستحيي من ضميره. # وأما "ا" فرجل معزابة ولكنه كالإسفنجة، امتلأت حتى ليس فيها خلاء لقطرة، ~~ثم عصرت حتى ليس فيها بلال من قطرة؛ وقد بلغ ما في نفسه وقضى نهمته حتى مما ~~أراد؛ ثم قلب الثوب. فإذا له داخلة ناعمة من الخز والديباج، وإذا هو "الرجل ~~الصالح" العفيف الدخلة، ما تنطلق له نفس إلى مأثم، ولا يعرف الشيطان كيف ~~يتسبب لصلحه ومراجعته الود. # وأما "ع" فهو كالأعرج؛ إذا مشي إلى الخير أو الشر مشي بطيئا برجل واحدة، ~~ولكنه يمشي ### | .... # وهو "ملك الشوارع" لا يزال فيها مقبلا مدبرا طرفا من النهار وزلفا من ~~الليل؛ فإذا لم يكن في الشارع نساء ظن الشارع قد هرب من المدينة، وخرج من ~~طاعته ... ولهذه الشوارع أسماء عنده غير أسمائها التي يتعارفها الناس ~~PageV01P180 # ويستدلون بها. فقد يكون اسم الشارع مثلا: "شارع طه* الحكيم" ويسميه هو ~~"شارع ماري". ويكون اسم الآخر: "شارع كتشنر" فيسميه "شارع الطويلة" ودرب ~~اسمه "درب الملاح" واسمه عنده "درب المليحة" وهلم جرا ومسخا. # وإذا أراد صاحبنا هذا أن يسخر من الشيطان دخل المسجد فصلى، وإذا أراد ~~الشيطان أن يسخر منه دحرجه في الشوارع! # وافيت هؤلاء الثلاثة مجتمعين يتدارسون مقالة "تربية لؤلؤية"، يناقشونها ~~بثلاثة عقول، ويفتشونها بست عيون؛ فأجمعوا على أن المرأة السافرة التي نبذت ~~"حجاب طبيعتها" على ما بينته في تلك المقالة, إن هي إلا امرأة مجهولة عند ~~طالبي الزواج، بقدر ما بالغت أن تكون معروفة، وأنها ابتعدت من حقيقتها ~~الصحيحة، قدر ما اقتربت من خيالها الفاسد؛ وأتقنت الغلط ليصدقها فيه الرجل، ~~فلم يكذبها فيه إلا الرجل؛ وجعلت أحسن معانيها ما ms155 ظهرت به فارغة من أحسن ~~معانيها! # وأردت أن أعرف كيف تنتصف الطبيعة من الرجل العزب للمرأة التي أهملها أو ~~تركها مهملة ... وأين تبلغ ضرباتها في عيشه، وكيف يكون أثرها في نفسه، وكيف ~~تكون المرأة في خائنة الأعين؛ فتسرحت مع أصحابنا في الكلام فنا بعد فن، ~~وأزلت حذارهم الذي يحذرون، حتى أفضوا إلي بفلسفة عقولهم وصدورهم في هذه ~~المعاني. # قال "س": حسبي والله من الآلام وآلام معها شعوري بحرماني المرأة؛ فهو ~~بلاء منعني القرار، وسلبني السكينة؛ وكأنه شعور بمثل الوحدة التي يعاقب ~~السجين لها مصروفا عن الحياة مصروفة عنه الحياة؛ تجعله جدران سجنه يتمنى لو ~~كان حجرا فيها فينجو من عذاب إنسانيته الذليلة المجرمة، المحلى بينها وبينه ~~توسعه مما يكره؛ شعور بالوحدة والعزلة حتى مع الناس وبين الأهل, فما في إلا ~~عواطف خرس لا تستجيب لأحد ولا يجاوبها أحد في "ذلك المعنى". # وتمام الذلة أن يجد العزب نفسه أبدا مكرها على الحديث عن آلامه لكل من ~~يخالطه أو يجلس إليه، كأنه يحمل مصيبة لا ينفس منها إلا كلامه عنها. وهذا ~~هو السر في أنك لا تجد عزبا إلا عرفته ثرثارا لا تزال في لسانه مقالة عن ~~معنى أو رجل أو امرأة، وأصبته كالذباب لا يطير عن موضع إلا ليقع على موضع. ~~PageV01P181 # ومع جهد الحرمان جهد شر منه في المقاومة وكف النفس؛ فذلك تعب يهلك به ~~الآدمي، إذ لا يدعه يتقار على حالة من الضجر فيما تنازعه الطبيعة إليه، وهو ~~كالمزع في أعصابه، يحسها تشد لتقطع، ودائما تشد لتقطع. # وقد رهقني من ذلك الضنى النسوي ما عيل به صبري وضعف له احتمالي؛ فما ~~أراني يوما على جمام من النفس، ولا ارتياح من الطبع؛ وكيف وفي القلب مادة ~~همه، وفي النفس علة انقباضها، وفي الفكر أسباب مشغلته؟ وقد أوقدت سورة ~~الشباب نارها على الدم، تلتعج في الأحشاء؛ وتطير في الرأس، وتصبغ الدنيا ~~بلون دخانها، وفي كل يوم يتخلف منها رماد هو هذا السواد الذي ران على قلبي. # وما حال رجل عذابه أنه رجل، ms156 وذله أنه رجل؟ يلبس ثيابه الإنسانية على مثل ~~الوحش في سلاسله وأغلاله، ويحمل عقلا تسبه الغريزة كل يوم، وتراه من العقول ~~الزيوف لا أثر للفضيلة فيه؛ إذ هو مجنون بالمرأة جنون الفكرة الثابتة، فما ~~يخلو إلى نفسه ساعة أو بعض ساعة إلا أخذته الغريزة مجترحا جريمة فكر. # وفي دون هذا ينكر المرء عقله؛ وأي عقل تراه في رجل عزب يقع في خياله أنه ~~متزوج، وأنه يأوي إلى "فلانة"، وأنها قائمة على إصلاح شبابه ونظام بيته، ~~وأنه من أجلها كان عزوفا عن الفحشاء بعيدا من المنكر؛ وفاء لها وحفاظا لعهد ~~الله فيها، وقد دلهته بفنونها التي يبتدعها فكره؛ وهي ساعة تؤاكله على ~~الخوان، وساعة تضاحكه، ومرة تعابثه، وتارة تجافيه، وفي كل ذلك هو ناعم بها، ~~يحدثها في نفسه، ويسمر معها، ويتصنع لها؛ ويعاتبها أحيانا في رقة، وأحيانا ~~في جفاء وغلظة, وقد ضربها ذات مرة. # ألا إن فكرة المرأة عندي هي هذا الجنون الذي يرجع بي إلى عشرة آلاف سنة ~~من تاريخ الدنيا، فيرمي بي في كهف أو غابة، فأراني من وراء الدهور كأني ~~أبدأ الحياة منفردا, وأجدني رجلا عاريا متوحشا متأبدا ليس من الحيوان ولا ~~من الإنس، دنياه أحجار وأشجار، وهو حجر له نمو الشجر. # لقد توزعت المرأة عقلي فهو متفرق عليها وهي متفرقة فيه، لا أستطيع والله ~~أن أتصورها كاملة، بل هي في خيالي أجزاء لا يجمعها كل؛ هي ابتسامة، هي ~~نظرة، هي ضحكة، هي أغنية، هي جسم، هي شيء، هي هي هي. # أكل تلك المعاني هي المرأة التي يعرفها الناس، أم أنا لي امرأة وحدي؟ # وإني على ذلك لأتخوف الزواج وأتحاماه؛ إذ أرى الشارع قد فضح النساء # PageV01P182 # وكشفهن؛ فما يريني منهن إلا امرأة تزهى بثيابها وصنعة جمالها، أو امرأة ~~كالهاربة من فضائلها؛ والبيت إنما يطلب الزوجة الفاضلة الصناع، تخيط ثوبها ~~بيدها فتباهي بصنعته قبل أن تباهي بلبسه، وتزهى بأثر وجهها في، لا بأثر ~~المساحيق في وجهها. وإن مكابدة العفة، ومصارعة الشيطان، وتوهج القلب بناره ~~الحامية، وإلمام الطيرة الجنونية بالعقل, ms157 كل ذلك ومثله معه أهون من مكابدة ~~زوجة فاسدة العلم أو فاسدة الجهل، أبتلى منها في صديق العمر بعدو العمر. # إن أثر الشارع في المرأة هو سوء الظن بها، فهي تحسب نفسها معلنة فيه ~~أنوثتها, وجمالها، وزينتها؛ ونحن نراها معلنة فيه سوء أدب، وفساد خلق، ~~وانحطاط غريزة. ومن كان فاسقا أساء الظن بكل الفتيات، ووجد السبيل من واحدة ~~إلى قول يقوله في كل واحدة؛ ومن كان عفيفا سمع من الفاسق فوجد من ذلك ~~متعلقا يتعلق به، وقياسا يقيس عليه؛ والفتنة لا تصيب الذين ظلموا خاصة، بل ~~تعم. آه لو استطعت أن أوقظ امرأة من نساء أحلامي! # وقال "ا": لقد كانت معاني المرأة في ذهني صورا بديعة من الشعر تستخفني ~~إليها العاطفة، ولا يزال منها في قلبي لكل يوم نازية تنزو. وكانت المرأة ~~بذلك حديث أحلامي ونجي وساوسي، وكنت عفيف البنطلون1؛ ولكن النساء أيقظنني ~~من الحلم، وفجعنني فيه بالحقيقة، ووضعن يدي على ما تحت ملمس الحية. ولو ~~حدثتك بجملة أخبارهن، وما مارست منهن لتكرهت وتسخطت، ولأيقنت أن كلمة ~~"تحرير المرأة" إنما كانت خطأ مطبعيا، وصوابها: "تجرير المرأة". فهؤلاء ~~النساء أو كثرتهن, لم يذلن الحجاب إلا لتخرج واحدة مما تجهل إلى ما تريد أن ~~تعرف، وتخرج الأخرى مما تعرف إلى أكثر مما تعرفه، وتخرج بعضهن من إنسانة ~~إلى بهيمة. # لقد عرفت فيمن عرفت منهن الخفيفة الطياشة، والحمقاء المتساقطة، والفاحشة ~~ذات الريبة؛ وكل أولئك كان تحريرهن, أي: تحريرهن, تقليدا للمرأة الأوروبية؛ ~~تهالكن على رذائلها دون فضائلها، واشتد حرصهن على خيالها الروائي دون ~~حقيقتها العلمية، ومن مصائبنا نحن الشرقيين أننا لا نأخذ الرذائل كما هي، ~~بل نزيد عليها ضعفنا فإذا هي رذائل مضاعفة. # كان الحلم الجميل في الحجاب وحده، وهو كان يسعر أنفاسي ويستطير قلبي، ~~ويرغمني مع ذلك على الاعتقاد أن ههنا علامة التكرم، ورمز الأدب، وشارة ~~PageV01P183 # العفة، وأن هذه المحصنة المخدرة -عذراء أو امرأة- لم تلق الحجاب عليها ~~إلا إيذانا بأنها في قانون عاطفة الأمومة لا غيرها؛ فهي تحت الحجاب لأنه ~~رمز الأمانة لمستقبلها، ms158 ورمز الفصل بين ما يحسن وما لا يحسن، ولأن وراءه ~~صفاء روحها الذي تخشى أن يكدر، وثبات كيانها الذي تخشى أن يزعزع. # قال حكيم لأولئك الذين يستميلون النساء بأنواع الحلى وصنوف الزينة ~~والكسوة الحسنة: "يا هؤلاء, إنكم إنما تعلمونهن محبة الأغنياء لا محبة ~~الأزواج"، وأحكم من هذا قول الرجل الإلهي الصارم عمر بن الخطاب: "اضربوهن ~~بالعرى" فقد عرف من ألف وثلاثمائة سنة أن تحرير المرأة هو تجريرها، وأنها ~~لا تخرج لمصلحة أكثر مما تخرج لإظهار زينتها. فلو منعت الثياب الجميلة ~~حبستها طبيعتها في بيتها, فماذا تقول الشوارع لو نطقت؟ إنها تقول: يا ~~هؤلاء، إنما تعلمونهن معرفة الكثير لا معرفة الواحد! # لقد -والله- أنكرت أكثر ما قرأت وسمعت من محاسنهن وفضائلهن وحياتهن، ولقد ~~كان الحجاب معنى لصعوبة المرأة واعتزازها، فصار الشارع معنى لسهولتها ~~ورخصها؛ وكان مع تحقق الصعوبة أو توهمها أخلاق وطباع في الرجل، فصار مع ~~توهم السهولة أو تحققها أخلاق وطباع أخرى على العكس من تلك؛ ما زالت تنمي ~~وتتحول حتى ألجأت القانون أخيرا أن يترقى بمن لمس المرأة في الطريق من ~~"الجنحة" إلى "الجناية". # وتخنث الشبان والرجال، ضروبا من التخنث بهذا الاختلاط وهذا الابتذال، ~~وتحللت طباع الغيرة، فكان هذا سريعا في تغيير نظرتهم إلى النساء، وسريعا في ~~إفساد اعتقادهم، وفي نقض احترامهم، فأقبلوا بالجسم على المرأة، وأعرضوا ~~عنها بالقلب؛ وأخذوها بمعنى الأنوثة، وتركوها بمعنى الأمومة؛ ومن هذا قل ~~طلاب الزواج، وكثر رواد الخنا. # ولقد جاءت إلى مصر كاتبة إنجليزية، وأقامت أشهرا تخالط النساء المتحجبات ~~وتدرس معاني الحجاب، فلما رجعت إلى بلادها كتبت مقالا عنوانه: "سؤال أحمله ~~من الشرق إلى المرأة الغربية" قالت في آخره: "إذا كانت هذه الحرية التي ~~كسبناها أخيرا، وهذا التنافس الجنسي، وتجريد الجنسين من الحجب المشوقة ~~الباعثة التي أقامتها الطبيعة بينهما, إذا كان هذا سيصبح كل أثره أن يتولى ~~الرجال عن النساء، وأن يزول من القلوب كل ما يحرك فيها أوتار الحب الزوجي, ~~فما الذي # PageV01P184 # نكون قد ربحناه؟ لقد والله تضطرنا هذه الحال إلى تغيير خططنا، بل ms159 قد ~~نستقر طوعا وراء الحجاب الشرقي؛ لنتعلم من جديد فن الحب الحقيقي". # وقال "ع": لست فيلسوفا، ولكن في يدي حقائق من علم الحياة لا تأتي الفلسفة ~~بمثلها، وكتابي الذي أقرأ فيه هو الشارع. # فاعلم أن العزاب من الرجال يتعلم بعضهم من بعض، وهم كاللصوص لا يجتمع ~~هؤلاء ولا هؤلاء إلا على رذيلة أو جريمة. وحياة اللص معناها وجود السرقة، ~~وحياة العزب معناها وجود البغاء والفسق. # ومن حكم الطبيعة على الجنسين أن الفاسق يباهي بإظهار فسقه قدر ما تخاف ~~الفاسقة من ظهور أمرها, وهذه إشارة من الطبيعة إلى أن المرأة مسكينة ~~مظلومة. فما ابتذال الحجاب، ولا استهتاك النساء إلا جواب على انتشار ~~العزوبة في الرجال، وكيف يتحول الماء ثلجا لولا الضغط نازلا فنازلا إلى ما ~~دون الصفر؟ فهذا الثلج ماء يعتذر من تحوله وانقلابه بعذر طبيعي قاهر، له ~~قوة الضرورة الملجئة، وكذلك المرأة المذالة أو الطامحة أو المتبذلة أو ~~المتهتكة, ما صفاتهن إلا توكيد لأعذارهن. # وكان على الحكومة أن تضرب العزوبة ضربة قانون صارم، فالعزب وإن كان رجلا ~~حرا في نفسه، ولكن رجولته تفرض للأنوثة حقها فيه؛ فمتى جحد هذا الحق، ~~واستكبر عليه، رجع حاله مع المرأة إلى مثل شأن الغريم مع غريمه؛ ليس للفصل ~~فيه إلا الدولة أو حكامها وقوتها التنفيذية. # وإذا أطلقت الحرية للرجال فصاروا كلهم أو أكثرهم أعزابا، فماذا يكون إلا ~~أن تمحى الدولة، وتسقط الأمة، وتتلاشى الفضائل؟ فالعزوبة من هذا جريمة ~~بنفسها، ولا ينبغي أن تتربص بها الحكومة حتى تعم، بل يجب اعتبارها باعتبار ~~الجرائم من حيث هي، ويجب تفسير كلمة "العزب" في اللغة بمثل هذا المعنى. ~~إنها شخصية مذكرة ساخطة متمردة على حقوق مختلفة للمرأة والنسل والأمة ~~والوطن. # وما ساء رأي العزاب في النساء والفتيات إلا من كونهم بطبيعة حياتهم ~~المضطربة لا يعرفون المرأة إلا في أسوأ أحوالها وأقبح صفاتها، وهم وحدهم ~~جعلوها كذلك. # إن لهم وجودا محزنا يستمتعون فيه، ولكنهم يهلكون ويهلكون به. هم والله # PageV01P185 # لأساتذة الدروس السافلة في كل أمة، وهم والله بغاة من ms160 الرجال في حكم ~~البغايا من النساء، يجرون جميعا مجرى واحدا. ومن هي البغي في الأكثر إلا ~~امرأة فاجرة لا زوج لها؟ ومن هو العزب في الأكثر إلا رجل فاسق لا زوجة له؟ ~~على أن مع المرأة عذر ضعفها أو حاجتها، ولكن ما عذر الرجل؟ # ماذا تفيد الدولة أو الأمة من هذا العزب الذي اعتاد فوضى الحياة، وسيرها ~~على نظامها، وتحققها على أسخف ما فيها من الخيال والحقيقة, وأي عزب يجد ~~الاستقرار, أو تجتمع له أسباب الحياة الفاضلة وهو قد فقد تلك الروح التي ~~تتم روحه، وتنقحها، وتمسكها في دائرتها الاجتماعية على واجباتها وحقوقها، ~~وتجيئه بالأرواح الصغيرة التي تشعره التبعة والسيادة معا، وتمتد به ويمتد ~~بها في تاريخ الوطن؟ # كيف يعتبر مثل هذا موجودا اجتماعيا صحيحا وهو حي مختل في وجود مستعار، ~~يقضي الليل هاربا من حياة النهار، ويقضي النهار نافرا من حياة الليل؛ فيقضي ~~عمره كله هاربا من الحياة، وكأنه لا يعيش بروحه كاملة، بل ببعضها، بل ~~بالممكن من بعضها! # أية أسرة شريفة تقبل أن يساكنها رجل عزب، وأية خادم عفيفة تطمئن أن تخدم ~~رجلا عزبا؟ هذه هي لعنة الشرف والعفة لهؤلاء الأعزاب من الرجال! # قال الراوي: وهنا انتفض "س" و"ا" وحاولا أن يقبضا على هذه اللعنة ويرداها ~~إلى حلق "ع". ثم سألني ثلاثتهم أن أسقطها من المقال، بيد أني رأيت أن خيرا ~~من حذفها أن تكون اللعنة لأعزاب الرجال إلا "س" و"ا" و"ع". # PageV01P186 ### | استنوق الجمل # قال الشاب: لا قبل لي بهذا التعب المعني الذي يسمونه "الزواج" فما هو إلا ~~بيت ثقله على شيئين: على الأرض، وعلى نفسي؛ وامرأة همها في موضعين: في ~~دارها، وفي قلبي؛ وما هو إلا أطفال يلزمونني عمل الأيدي الكثيرة من حيث لا ~~أملك إلا يدين اثنتين، وأتحمل فيهم رهقا شديدا كأنما أبنيهم بأيامي، وأجمع ~~هموم رءوسهم كلها في رأس واحد هو رأسي أنا. # يولد كل منهم بمعدة تهضم لتوها وساعتها، ثم لا شيء معها من يد أو رجل أو ~~عقل إلا هو عاجز لا يستقل، ms161 متخاذل لا يطيق ولا يقدر. # قال: وإذا كان أول الزواج أي: عسله وحلواه أنه امرأة تذهب عزوبتي, فأنا ~~وأمثالي ما نزال في عسل وحلوى ... ولكل وقت زواج، ولكل عصر أفكار، وما أسخف ~~الليالي إذا هو ترادفت على ضرب واحد من أحلامها، فهذا يجعل النوم حكما ~~بالسجن عشر ساعات! # قال: وإذا أردت أن تستكشف القصة فاعلم أننا -نحن العزاب- قوم كرجال الفن؛ ~~رذيلتهم فنية، وفضيلتهم فنية، فتلك وهذه بسبيل؛ وكل شيء في الفن هو لموضعه ~~من الفن لا من غيره؛ فإذا قلت: هذا خال من الفضيلة، عار من الأدب؛ وعبت ~~الفن لذلك, فما هو إلا كعيبك وجه المرأة الجميلة لأنه خال من لحية! هات ~~الظلام وسواده، فإنه لون كالنور وإشراقه، لا بد من كليهما؛ إذ المعنى الفني ~~إنما يكون في تناسب الأشياء لا في الأشياء ذاتها؛ ويد الفني كيد الغني؛ هذه ~~لا يقع فيها الذهب إلا ليعدد ثم يتعدد؛ وتلك لا تقع فيها المرأة إلا لتتعدد ~~ثم تتعدد؛ وفي كل دينار قوة جديدة، وفي كل امرأة فن جديد. # قال: ومذهبنا في الحياة أن نستمتع بها ضروبا وأفانين؛ من أطاق لم يقتصر ~~على نوعين، ومن قدر على نوعين لم يرض الواحد؛ ولو أن زوجة كانت من أشعة ~~الكواكب أو من قطرات الندى، لثقل منها على حياتنا ما يثقل من الحديد ~~والصوان؛ إذ هي لا تلد أشعة كواكب، ولا قطرات ندى؛ وحسب الجسد برأس واحد ~~حملا. # PageV01P187 # قال: ومن الذي تعرض عليه الحياة سلامها وتحياتها وأشواقها في مثل رسالة ~~غرام، ثم يدع هذا ويسألها غضبها وخصامها ولجاجتها في مثل قضية من قضايا ~~المحاكم كل ورقة فيها تلد ورقة؟ # ثم قال الشاب: لا تحسبن أن المرأة هي السافرة عندنا، ولكن اللذة هي ~~السافرة؛ وما أحكم الشرع! أقول لك وأنا محام يقرر الحقيقة: ما أحكم الشرع ~~الذي لم يرخص في كشف وجه المرأة إلا لضرورة، فإن الواقع في الحياة أن هذا ~~الكشف كثير ما يكون كنقب اللص على ما وراء النقب؛ وإذا كسر ما فوق القفل من ms162 ~~الخزانة المكتنز فيها الذهب والجوهر، فالباب الجديد كله سخرية وهزؤ من بعد! # هذه عقلية شاب محام طوي عقله على الكتب القانونية، وطوي قلبه على مثلها ~~من غير القانونية, وليس يمتري أحد في أنها عقلية السواد من شبابنا المثقف ~~الذي لبس الجلد الأوروبي. ومن البلاء على هذا الشرق أنه ما برح يناهض ~~المستعمرين ويواثبهم، غافلا عن معانيهم الاستعمارية التي تناهضه وتواثبه، ~~جاهلا أن أوروبا تستعمر بالمذاهب العلمية كما تستعمر بالوسائل الحربية؛ ~~وتسوق الأسطول والجيش، والكتاب والأستاذ، واللذة والاستمتاع، والمرأة ~~والحب. # ولو أن عدوا رماك بالنار فاستطارت في ثيابك أو متاعك لما دخلك الشك أن ~~عدوك هو النار حتى تفرغ من أمرها. فكيف -لعمري- غفل الشرقيون عن أخلاق ~~نارية حمراء يأكلهم بها المستعمرون أكلا كأنما ينضجونهم عليها ليكونوا أسهل ~~مساغا، وألين أخذا، وأسرع في الهضم! # لم أفهم أنا من كلام صاحبنا الشاب ومعانيه إلا أن أوروبا في أعصابه، وأما ~~مصر ونساؤها ورجالها فعلى طرف لسانه لا تكون إلا صيحة، وليس بينه وبينها في ~~الحياة عمل إلا من ناحية لذته بها، لا من ناحية فائدتها منه. # وتلك المعاني كلها مشتق بعضها من بعض، ومرجعها إلى أصل واحد، كالأمراض ~~التي تبتلي الجسم يمهد شيء منها لشيء، ما دامت طبيعة هذا الجسم زائغة أو ~~مختلة، أو متراجعة إلى الضعف، أو ذاهبة إلى الموت. # وأولئك شبان وقف بهم الشباب موقف بلادة، فلا يخطو إلى الرجولة، ولا يكمل ~~بنموه الاجتماعي كما يكمل الرجل الوطني؛ فمن ثم يكون خوارا لا يستطيع أن ~~يحمل أثقالا مع أثقاله، ويستوطئ العجز والخمول؛ فلا يكون إلا قاعد الهمة، # PageV01P188 # رخو العزيمة، قد استنام إلى أسباب عجزه وتخاذله، ولا يكون في بعض ~~الاعتبار إلا كالمريض يعيش بمرضه حميلة على ذويه، ضجعة لا يمشي، نومة لا ~~ينتهض، مستريحا لا يعمل. # وبهذه المكسلة الاجتماعية في الشبان يبدأ الشعب يتحول من داخله فينصرف عن ~~فضائله، ويتخذ في مكانها فضائل استعارة يقلد فيها قوما غير قومه، ويجلبها ~~لبيئة غير بيئته، ويقسرها على أن تصلح له وهي فساد، ويكرهها على ms163 أن تنفعه ~~وهي ضرر، وتلك حالة يغامر فيها الشعب بكيانه فلا تلبث أن تصدعه وتفرقه. # ولو أن في السحاب مطرا وغيثا لما كان له في كل ساعة لون مصبوغ، ولو أن في ~~الشباب دينا لما صبغته تلك الأخلاق الفاسدة، وما ذهاب الحارس عن مكان إلا ~~دعوة للصوص إليه، وهل كان الدين إلا واجبات وتبعات وقيودا يراد من جميعها ~~إعداد الإنسان لأمثالها في الاجتماع، حتى يقر في إنسانيته الصحيحة على ~~النحو الذي يصلح له منفردا, ويصلح له مجتمعا؟ فليست الزوجة وحدها هي التي ~~خسرت الشاب بل خسره معها الوطن والدين والفضيلة جميعا، وبهذا انعكس وضعة من ~~الجماعة، فوجب في رأيه أن تسخر الجماعة له، وأن يستقل هو بنفسه، وبهذا ~~العكس, وهذا السقوط، وهذا الاستمتاع الذي يجد سعادته في نفسه؛ أصبح أولئك ~~الشبان كأنما حقهم على المجتمع أن يقدم لهم بغايا لا زوجات, بغايا حتى من ~~الزوجات! # قبح الله عصرا يجهل الشاب فيه أن الرجل والمرأة في الوطن كلمتان تفسر ~~الإنسانية إحداهما بالأخرى تفسيرا إنسانيا دينيا بالواجبات والقيود ~~والأحمال، لا بالأهواء والشهوات والانطلاق كما تفسر الحيوانية الذكر ~~والأنثى. # والنفس الدنيئة أو المنحطة في أخلاقها ومنازعها من الحياة لا تكون إلا ~~دنيئة أو منحطة في أحلامها وأخيلتها الروحية، دنيئة كذلك في طاعتها إن قضت ~~عليها الحياة بموضع الخضوع, دنيئة في حكمها إن قضت لها الحياة بمنزلة من ~~السلطة. ولو تنبهت الحكومة لطردت من عملها كل موظف غير متأهل، فإنها إنما ~~تستعمل شرا لا رجلا يمنع الشر، وكل شاب تلك حاله هو حادثة ترتدف الحوادث ~~وتستلزمها، وما يأتي السوء إلا بمثله أو بأسوأ منه. # ليس للزواج معنى إلا إقرار طبيعة الرجل وطبيعة المرأة في طبيعة ثالثة ~~تقوم بالاثنتين معا، وهي طبيعة الشعب. فمن سقوط النفس ولؤمها ودناءتها أن ~~يفر # PageV01P189 # الشاب القوي من تبعة الرجولة، فلا يحمل ما حمل أبوه من واجبات الإنسانية؛ ~~ولا يقيم لوطنه جانبا من بناء الحياة في نفسه وزوجه وولده، بل يذهب يجعل حظ ~~نفسه فوق نفسه، وفوق الإنسانية والفضيلة والوطن ms164 جميعا؛ ولا يعرف أن انفلاته ~~من واجبات الزواج هو إضعاف في طبيعته لمعنى الإخلاص الثابت، والصبر الدائب، ~~والعطف الجميل في أي أسبابها عرضت. # ومن فسولة الطبع ولؤمه ودناءته أن يهرب هذا الجندي من ميدانه الذي فرضت ~~عليه الطبيعة الفاضلة أن يجاهد فيه لأداء واجبه الطبيعي, متعللا لفراره ~~المخزي بمشقة هذا الواجب, وما عسى أن يعاني فيه كما يحتج الجبان بخوف ~~الهلاك وعناء الحرب. # ومن سقوط النفس أن يرضى الشبان كساد الفتيات, وبوارهن على الوطن؛ وأن ~~يتواطئوا على نبذ هذه الأحمال، وإلقائها في طرق الحياة، وتركها لمقاديرها ~~المجهولة. كأنهم -أصلحهم الله- لا يعلمون أن ذلك يضيع بأخواتهم بين ~~الفتيات، ويضيع بوطنهم في أمهات الجيل المقبل، ويضيع بالفضيلة في تركهم ~~حمايتها وتخليهم عن حمل واجباتها وهمومها السامية. # إن الجمل إذا استنوق تخنث ولان وخضع، ولكنه يحمل؛ وهؤلاء إذا استنوقوا ~~تخنثوا ولانوا وخضعوا وأبوا أن يحملوا. # ومن سقوط النفس في الرجل النكس العاجز المقصر أن يحتج لعزوبته بعلمه وجهل ~~الفتيات؛ أو تمدنه وزعمه أنهن لم يبلغن مبلغ الأوروبية، ولا يدري هذا ~~المنحط النفس أن الزواج في معناه الإنساني الاجتماعي هو الشكل الآخر ~~للاقتراع العسكري، كلاهما واجب حتم لا يعتذر منه إلا بأعذار معينة، وما ~~عداها فجبن وسقوط وانخذال ولعنة على الرجولة. # ومن سقوط النفس أن يغنى الشاب عن الزواج لفجوره فيقره، ويمكن له، وكأنه ~~لا يعلم أنه بذلك يحطم نفسين، ويحدث جريمتين، ويجعل نفسه على الدنيا ~~لعنتين. # ومن سقوط النفس أن يغتر الشاب فتاة حتى إذا وافق غرتها مكر بها وتركها ~~بعد أن يلبسها عارها الأبدي؛ فما يحمل هذا الشاب إلا نفس لص خبيث فاتك، هو ~~أبدا عند من يسرقهم في باب الخسائر والنكبات، لا في باب الربح والمكسب؛ ~~وعند المجتمع في باب الفساد والشر، لا في باب المصلحة والخير؛ وعند نفسه في ~~باب الجريمة والسرقة، لا في باب العمل والشرف. # PageV01P190 # فسقوط النفس وانحطاطها هو وحده نكبة الزواج في أصلها وفروعها الكثيرة ~~التي منها المغالاة والشطط في المهور, ومنها بحث الشاب عن الزوجة الغنية، ms165 ~~وإهمال ذات الدين والأصل الكريم لفقرها، ومنها ابتغاء الزوجة رجلا ذا جاه ~~أو ثراء، وعزوفها عن الفاضل ذي الكفاف أو اليسير على غنى في رجولته ~~وفضائله، كأنما هو زواج الدينار بالسبيكة، والسبيكة بالدينار، وكأن الطبيعة ~~قد ابتليت هي أيضا بالسقوط، فأصبحت تعتبر الغنى والفقر، فتجعل في دم أولاد ~~الأغنياء روح الذهب واللؤلؤ والماس، وتلقي في دم أولاد الفقراء روح النحاس ~~والخشب والحجارة, على حين أن الجميع مستيقنون -لا يتدافع اثنان منهم- في أن ~~الطبيعة لا تبالي إلا بوراثة الآداب والطباع. # وأعظم أسباب هذا السقوط في رأيي هو ضعف التربية الدينية في الجنسين، ~~وخاصة الشبان، ظنا من الناس أن الدين شأن زائد على الحياة، مع أنه هو لا ~~غيره نظام هذه الحياة وقوامها في كل ما يتصل منها بالنفس. وليست المدنية ~~الصحيحة -كما يحسب المفتونون- هي نوع المعيشة للحياة ومادتها، بل نوع ~~العقيدة بالحياة ومعانيها؛ وإلى هذا ترمي كل مبادئ الإسلام، فإن هذا الدين ~~القوي الإنساني لا يعبأ بزخارف كهذه التي تتلبس بها المدنية الأوروبية ~~القائمة على الاستمتاع، وفنون اللذات، وانطلاق الحرية بين الجنسين؛ فهذا ~~بعينه هو التحطيم الإنساني الذي ينتهي بتهدم تلك المدنية وخرابها. وإنما ~~يعبأ الإسلام بالعقيدة التي تنظم الحياة تنظيما صحيحا متساوقا وافيا ~~بالمنفعة، قائما بالفضيلة, بعيدا من الخلط والفوضى. # ويقابل ضعف التربية الدينية مظهر آخر هو سبب من أكبر أسباب السقوط، وهو ~~ضعف التربية الاجتماعية في المدرسة، وإلى هذا الضعف يرجع سبب آخر هو تخنث ~~الطباع واسترسالها إلى الدعة والراحة، وفرارها من حمل التبعة "المسئولية" ~~التي هي دائما أساس كل شخصية قائمة في موضعها الاجتماعي. # وبذلك الضعف وذلك السقوط وضعت المرأة البغي العاهرة في الموضع الطبيعي ~~للأم، ونزل الرجل السافل المنحط في المكان الطبيعي للأب، وتحللت قوى الوطن ~~بانحراف عنصريه العظيمين عن طبيعتهما، وجعلت فضيلة الفتيات المسكينات تتأكل ~~من طول ما أهملت، وأخذ سوس الدم يتركها فضائل نخرة. # ولا عاصم ولا دافع إلا قوة القانون وسطوته، ما دامت الفضيلة في حكم الناس ~~وتصريفهم قد تركت مكانها للقوانين، وما دامت ms166 قوة النفس قد أخلت موضعها ~~للقوة التنفيذية. # PageV01P191 # لقد قتلت روحية الزواج، وهي على كل حال جريمة قتل، فمن القاتل يا صاحبنا ~~المحامي؟ # قال الشاب: هو كل رجل عزب. # قلت: فما عقابه؟ # فسكت, ولم يرجع إلي جوابا. # قلت: كأني بك قد تأهلت وخلاك ذم, فما عقابه؟ # قال: إلى أن تبلغ الحكومة أو أن تعاقب هؤلاء العزاب، فليعاقبهم الشعب ~~بتسميتهم "أرامل الحكومة" واحدهم: رجل أرملة حكومة. # ثم قال: اللهم يسرها ولا تجعلني رجلا بغلطتين: غلطة في نساء الأمة، وغلطة ~~في ألفاظ اللغة. # PageV01P192 ### | أرملة حكومة # "أرملة الحكومة" فيما تواضعنا عليه بيننا وبين قرائنا1 هو الرجل العزب، ~~يكون مطيقا للزواج، قادرا عليه، ولا يتزوج؛ بل يركب رأسه في الحياة، ويذهب ~~يموه على نفسه كذبا وتدليسا، وينتحل لها المعاذير الواهية، ويمتلق العلل ~~الباطنة، يحاول أن يلحق نفسه بمرتبة الرجل المتزوج من حيث يحط الرجل ~~المتزوج إلى مرتبته هو؛ ويضيف شؤمه على النساء إلى هؤلاء النساء المسكينات، ~~يزيدهن على نفسه شر نفسه، ويرميهن بالسوء وهو السوء عليهن، ويتنقصهن ومنه ~~جاء النقص، ويعيبهن وهو أكبر العيب؛ لا يتذكر إلا الذي له، ولا يتناسى إلا ~~الذي عليه، كأنما انقلبت أوضاع الدنيا، وتبدلت رسوم الحياة، فزالت الرجولة ~~بتبعاتها عن الرجل إلى المرأة, وانفصلت الأنوثة بحقوقها من المرأة إلى ~~الرجل، فوجب أن تحمل تلك ما كان يحمل هذا، فتقدم ويقر وادعا، وتتعب ~~ويستريح، وتعاني الهموم السامية في الحياة الاجتماعية، ويعاني المخنث ~~ابتساماته ودموعه، متكئا في مجلسه النسيمي تحت جناح المروحة. فأما المرأة ~~فتشرف على هلكتها، وتخاطر بحاضرها ومستقبلها، وأما هو فيبقى من ثيابه في ~~مثل الخدر المصون! # "أرملة الحكومة" هو ذلك الشاب الزائف المبهرج، يحسب في الرجال كذبا ~~وزورا؛ إذ لا تكمل الرجولة بتكوينها حتى تكمل بمعاني تكوينها, وأخص هذه ~~المعاني إنشاء الأسرة والقيام عليها، أي: مغامرة الرجل في زمنه الاجتماعي ~~ووجوده القومي، فلا يعيش غريبا عنه وهو معدود فيه، ولا طفيليا فيه وهو ~~كالمنفي منه، ولا يكون مظهرا لقوة الجنس القوي هاربة هروب الجبن من حمل ضعف ~~الجنس الآخر ms167 المحتمي بها، ولا لمروءة العشير متبرئة تبرؤ النذالة من مؤازرة ~~العشير الآخر PageV01P193 # المحتاج إليها؛ ولا يرضى لنفسه أن يكون هو والذل يعملان في نساء أمته ~~عملا واحدا، وأن يصبح هو والكساد لا يأتي منهما إلا أثر متشابه، وأن يبيت ~~هو والفناء في ظلمة واحدة كظلمات القبر، تنقل الأجداث إلى الدور، فتجعل ~~البيت -الذي كان يقتضيه الوطن أن يكون فيه أب وأم وأطفال- بيتا خاويا كأنما ~~ثكل الأم والأطفال، وبقيت فيه البقية من هذا الرجل العزب الميت أكثر ~~تاريخه! # لقد رأيت بعيني أداة العزب وأثاثه في بيته، كأنما يقص عليه كل ذلك قصة ~~شؤمه ووحدته، وكأنما يقول له الفرش والنجد والطراز: "بعني يا رجل وردني إلى ~~السوق؛ فإني هنالك أطمع أن يكون مصيري إلى أب وأم وأولاد، أجد بهم فرحة ~~وجودي، وأصيب من معاشرتهم بعض ثوابي، وأبلي تحت أيديهم وأرجلهم فأكون قد ~~عملت عملا إنسانيا. أما عندك، فأنت خشبة مع الخشب، وأنت خرقة بين الخرق, ~~واسمع الكرسي, إنه يقول: أف, وأصغ إلى فراشك, إنه يقول: تف". # شهد العزب -ورب الكعبة- على نفسه أنه مبتلى بالعافية، مستعبد بالحرية، ~~مجنون بالعقل، مغلوب بالقوة، شقي بالسعادة، وشهدت الحياة عليه -ورب البيت- ~~أنه في الرجولة قاطع طريق؛ يقطع تاريخها ولا يؤمنه، ويسرق لذاتها ولا ~~يكسبها ويخرج على شرعها ولا يدخل فيه، ويعصي واجباتها ولا ينقاد لها. وشهد ~~الوطن -والله- عليه أنه مخلوق فارغ كالواغل على الدنيا؛ إن كان نعمة ~~بصلاحه، انتهت النعمة في نفسها لا تمتد؛ وإن كان بفساده مصيبة امتدت في ~~غيرها لا تنقطع, وأنه شحاذ الحياة أحسن به الأجداد نسلا باقيا، ولا يحسن هو ~~بنسل يبقى, وأنه في بلاده كالأجنبي، مهبطه على منفعة وعيش لا غيرهما؛ ثم ~~يموت وجود الأجنبي بالنقلة إلى وطنه، ويموت وجود العزب بالانتقال إلى ربه؛ ~~فيستويان جميعا في انقطاع الأثر الوطني، ويتفقان جميعا في انتهاب الحياة ~~الوطنية؛ وأن كليهما خرج من الوطن أبتر لا عقب له، ويذهبان معا في لجج ~~النسيان: أحدهما على باخرة، والآخر على النعش. # جاءني بالأمس "أرملة حكومة" وهو مهندس ms168 موظف. ومعنى الهندسة الدقة البالغة ~~في الرقم والخط والنقطة وما احتمل التدقيق؛ ثم الحذر البالغ أن يختل شيء أو ~~ينحرف، أو يتقاصر أو يطول، أو يزيد أو ينقص، أو يدخله السهو أو يقع فيه ~~الخطأ؛ إذا كان الحاضر في العمل الهندسي إنما هو للعاقبة، وكان الخيال ~~للحقيقة؛ وكان الخرق هنا لا يقبل الرقعة. ومتى فصلت الأرقام الهندسية من # PageV01P194 # الورق إلى البناء مات الجمع والطرح والضرب والقسمة، ورجع الحساب حينئذ ~~وهو حساب عقل المهندس؛ فإما عقل دقيق منتظم، أو عقل مأفون مختل. # بيد أن المهندس -على ما ظهر لي- قد خلت حياته من الهندسة, وانتهى فيها من ~~التحريف المضحك -حتى فيما لا يخطئ الصغار فيه- إلى مثل التحريف الذي قالوا: ~~إنه وقع في الآية الكريمة: {إياك نعبد وإياك} [الفاتحة: 5] فقد رووا أن ~~إمام قرية من القرى في الزمن القديم كان يخطب أهل قريته ويصلي في مسجدها، ~~فنزل به ضيف من العلماء فقال له الخطيب: إن لي مسائل في الدين لم يتوجه لي ~~وجه الحق فيها، ولا أزال متحير الرأي، وكنت من زمن أتمنى أن ألقى بها ~~الأئمة، فأريد أن أسألك عنها. قال العالم: سل ما أحببت. # قال الخطيب: أشكل علي في القرآن بعض مواضع، منها في سورة الحمد: {إياك ~~نعبد وإياك} أي شيء بعده "تسعين أو سبعين"؟ أشكلت علي هذه فأنا أقرؤها: ~~تسعين؛ أخذا بالاحتياط! # كذلك مهندسنا فيما أشكل عليه من حسابه للحياة، فهو عزب آخذا بالاحتياط. ~~قال وهو يحاورني: # كيف تكلفني الزواج وتكرهني عليه، وتعنفني على العزوبة وتعيبني بها؛ وإنما ~~أنت كالذي يقول: دع الممكن وخذ المستحيل؛ إن استحالة الزواج هي التي جعلتني ~~عزبا، والعزوبة هي التي جعلتني فاسدا, وفي هذا الجو الفاسد من حياة الشباب، ~~إما أن تكسد الفتاة، وإما أن تتصل بها العدوى. والعزب لا يأبى أن يقال فيه: ~~إنه للنساء طاعون أحمر أو هواء أصفر؛ فهو والله مع ذلك موت أسود وبلاء ~~أزرق. # قلت: لقد هولت علي؛ فما مستحيلك يا هذا، ولم استحال عليك ما أمكن غيرك، ~~وكيف بلغت ms169 مصر خمسة عشر مليونا؟ أمن غير آباء خلقوا، أو زرعوا زرعا في أرض ~~الحكومة؟ اسمع -ويحك- ألا يكون الرجال قد أقبلوا وتراجعت، وتجلدوا وتوجعت، ~~أو أقدموا وخنست، واسترجلوا وتأنثت؟ # قال: ليس شيء من هذا. # قلت: فإن المسألة هي كيف ترى الفكرة، لا الفكرة نفسها، فما حملك على ~~العزوبة وأنت موظف وظيفتك كذا وكذا دينارا، وأنت مهندس يصدق عليك ما قالوه ~~في الرجل المجدود: لو عمد إلى حجر لانفلق له عن رزق؟! # قال: أليس مستحيلا ثم مستحيلا أن يجمع مثلي يده على مائة جنيه يدفعها # PageV01P195 # مهرا؛ وإن طرقت -علم الله- بابا إلا استقبلوني بما معناه: هل أنت معجزة ~~مالية؟ هل أنت مائة جنيه؟ # قلت: فإن عملك في الحكومة يغل عليك في السنة مائة وثمانين دينارا, فلم لا ~~تعيش سنة واحدة بثمانين فتقع المعجزة؟ # قال: "بكل أسف" لا يستطيع الرجل العزب أن يدخر أبدا؛ فهو في كل شيء مبدد ~~ضائع متفرق. # قلت: فهذه شهادتك على نفسك بالسفه والخرق والتبذير؛ تنفق ما يكفي عددا ~~وتضيق بواحدة، وماذا يرتئي مثلك في الحياة؟ أعند نفسه وفي يقينه أن يتأبد ~~فيبقى عزبا فهو ينفق ما جمع في شهوات حياته، ويتوسع فيها ضروبا وألوانا ~~ليكون وهو فرد كأنه وهو في إنفاقه جماعة، كل منهم في موضع رذيلة أو مكان ~~لهو؛ وكأن منه رجالا هو كاسبهم وعائلهم، ينفق على هذا في القهوة، وعلى هذا ~~في الحانة، وعلى ذلك في الملاهي، وعلى الرابع في المواخير، وعلى الخامس في ~~المستشفى؟ إن كان هذا هو أصل الرأي عند العزب، فالعزب سفيه مجرم، وهو إنسان ~~خرب من كل جهة إنسانية، وهو في الحقيقة ليس المتسع لنفقات خمسة، بل كأنه ~~قاتل من أبناء وطنه؛ إذ كان بهذا مطيقا أن يكون أبا ينفق على أبنائه، لا ~~سفيها ينفق على شياطينه. # فإن كان قد بني رأيه على أن يتعزب مدة ثم يتأهل، فهذا أحرى أن يعينه على ~~حسن التدبير، وهو مضراة له على شهوة الجمع والادخار؛ إذ يكون عند نفسه ~~كأنما يكدح لعياله وهو في سعة منهم ms170 بعد، وهم لا يزالون في صلبه على الحال ~~التي لا يسألونه فيها شيئا إلا أخلاقا طيبة وهمما وعزائم يرثونها من دمه ~~فتجيء معهم إلى الدنيا متى جاءوا. # إنما العزب أحد رجلين: رجل قد خرج على وطنه وقومه وفضائل الإنسانية، ~~قاعدته: جر الحبل ما انجر لك. وهذا داعر فاسق، مبذر متلاف إن كان من ~~المياسير، أو مريب دنيء حقير النفس إن كان من غيرهم ... ورجل غير ذلك، فهو ~~في وثاق الضرورة إلى أن تطلقه الأسباب، ومن ثم فهو يعمل أبدا للأسباب التي ~~تطلقه, ويعرف أنه وإن لم يكن آهلا فلا تزال ذمته في حق زوجة سيعولها، وفي ~~حقوق أطفال يأبوهم، وواجبات ووطن يخدمه بإنشاء هذه الناحية الصغيرة من ~~وجوده، والقيام على سياستها، والنهوض بأعبائها, فانظر ويحك أي الرجلين أنت؟ # PageV01P196 # قال: فتريدني أن أقامر بتعب سنة وأنا بعد ذلك ما يقدر لي، قد أشتري بتعب ~~سنة من العمر تعب العمر كله؟ # قلت: فهذه هي خسة الفردية، ودناءتها الوحشية في جنايتها على أهلها، وسوء ~~أثرها في طباعهم وعزائمهم؛ فهي فردية تضرب فيهم العاطفة الاجتماعية ضرب ~~التلف1، وتبتليهم بالخوف من التبعات حتى ليتوهم أحدهم أنه إن تزوج لم يدخل ~~على امرأة، ولكن على معركة. وهي تصيبهم بالقسوة والغلظة؛ فما دام الواحد ~~منهم واحدا لنفسه، فهو في تصريف حكم الأثرة، وفي قانون الفتنة بأهواء النفس ~~ومنافعها؛ كأنما يعامله الناس رجلا كله معدة، أو هو فيهم قوة هضم ليس غير. # قال: ولكن الزواج عندنا حظ مخبوء "لوترية" والنساء كأوراق السحب، منهن ~~ورقة هي التوفيق والغنى بين آلاف هن الفقر والخيبة المحققة. # قلت: هل اعتدت أن تتكلم وأنت نائم؟ فلعلك الآن في نومة عقل، أو لا فأنت ~~الآن في غفلة عقل. # إن هذا المسكين الذي يمسح الأحذية ويشتري من تلك الأوراق لا يخلو منها؛ ~~يعلم علما أكثر من اليقين أن عيشه هو من مسح الأحذية لا من الأخيلة التي في ~~هذه الأوراق؛ فهو لا يعتد بها في كبير أمر ولا صغيره، وما ينزلها في حساب ~~رغيفه وثوبه ms171 إلا يوم يخالط في عقله فيتنزه أن يمسح أحذية الناس، ويرى أن ~~عظيما مثله لا يمسح إلا أحذية الملائكة. # أنت يا هذا مهندس، ولك بعض الشأن وبعض المنزلة، فهبك ارتأيت أنه لا يحسن ~~بك أو لا يحسن لك إلا أن تتزوج بنت ملك من الملوك، فهذه وحدها هي عندك ~~"النمرة الرابحة"، وسائر النساء فقر وخيبة، ما دام الأمر أمر رأيك وهواك؛ ~~غير أنك إذا عرضت لتلك "النمرة الرابحة" لم تعرفك هي إلا صعلوكا في ~~الصعاليك، وأحمق بين الحمقى. # إن تلك الأوراق تصنع صنعتها على أن تكون جملتها خاسرة إلا عددا قليلا ~~منها؛ فإذا تعاطيت شراءها فأنت على هذا الأصل تأخذها، وبهذا الشرط تبذل ~~فيها؛ وما تمتري أنت ولا غيرك أن القاعدة ههنا هي الخيبة، وشذوذها هو ~~الربح؛ وليس في الاحتمال غير ذلك؛ ومن ثم فقد برئ إليك الحظ إن لم يصبك شيء ~~منه؛ وأين هذا وأين النساء، وما منهن واحدة إلا وفيها منفعة تكثر أو تقل، ~~بل PageV01P197 # الرجال للنساء هم أوراق السحب في اعتبارات كثيرة، ما دامت طبيعة اتصالهما ~~تجعل المرأة هي في قوانين الرجل أكثر مما تجعل الرجل في قوانينها، وهل ضاعت ~~امرأة إلا من غفلة رجل أو قسوته أو فسولته أو فجوره؟ # قال المهندس: فإني أعلم الآن -وكنت أعلم- أن لا صلاح لي إلا بالزواج، وأن ~~طريقي إلى الزوجة هو كذلك طريقي إلى فضيلتي وإلى عقلي. وتالله ما شيء أسوأ ~~عند العزب ولا أكره إليه من بقائه عزبا؛ غير أنه يكابر في المماراة كلما ~~تحاقرت إليه نفسه، وكلما رأى أن له حالا ينفرد بها في سخط الله وسخط ~~الإنسانية. ولا مكذبة، فقد والله أنفقت في رذائلي ما يجتمع منه مهر زوجة ~~سرية تشتط في المهر وتغلو في الطلب، ولكن كيف بي الآن وما جبرني من قبل ~~إصلاح، ولا أعانني اقتصاد، ومن لي بفتاة من طبقتي بمهر لا أتحمل منه رهقا، ~~ولا تتقاصر معه أموري، ولا تختل معيشتي؟ # قلت: فإذا لم يحملك الحمار من القاهرة إلى الإسكندرية؛ فإنه يحملك إلى ms172 ~~قليوب أو طوخ. وفي النساء إسكندرية، وفيهن شبرا، وقليوب، وطوخ؛ وما قرب ~~وبعد، وما رخص وغلا. # قال: ولكن بلدي الإسكندرية. # قلت: ولكنك لا تملك إلا حمارا ... وللمرأة من كل طبقة سعرها في هذا ~~الاجتماع الفاسد؛ ولو تعاون الناس وصلحوا وأدركوا الحقيقة كما هي، لما ~~رأينا الزواج من فقر المهور كأنما يركب سلحفاه يمشي بها, ونحن في عصر ~~القطار والطيارة، وقد كان هذا الزواج على عهد أجدادنا في عصر الحمار ~~والجمل, كأنه وحده من السرعة في طيارة أو قطار. # حين يفسد الناس لا يكون الاعتبار فيهم إلا بالمال، إذ تنزل قيمتهم ~~الإنسانية ويبقى المال وحده هو الصالح الذي لا تتغير قيمته. فإذا صلحوا كان ~~الاعتبار فيهم بأخلاقهم ونفوسهم، إذ تنحط قيمة المال في الاعتبار، فلا يغلب ~~على الأخلاق ولا يسخرها. وإلى هذا أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله ~~لطالب الزواج: "التمس ولو خاتما من حديد" 1. يريد بذلك نفي المادية عن ~~الزواج، وإحياء الروحية فيه، وإقراره في معانيه الاجتماعية الدقيقة، وكأنما ~~يقول: إن كفاية الرجل في أشياء إن يكن منها PageV01P198 # المال فهو أقلها وآخرها. حتى إن الأخس الأقل فيه ليجزئ منه كخاتم الحديد؛ ~~إذ الرجل هو الرجولة بعظمتها وجلالها وقوتها وطباعها، ولن يجزئ منه الأقل ~~ولا الأخس مع المال، وإن ملء الأرض ذهبا لا يكمل للمرأة رجلا ناقصا؛ وهل ~~تتم الأسنان الذهبية اللامعة؛ يحملها الهرم في فمه؛ شيئا مما ذهب منه؟ وما ~~عسى أن تصنع قواطع الذهب الخالص وطواحنه لهذا المسكين بعد أن نطق تحات ~~أسنانه العظمية وتناثرها أنه رجل حل البلى في عظامه؟ # PageV01P199 ### | رؤيا في السماء # قال أبو خالد الأحول الزاهد: لما ماتت امرأة شيخنا أبي ربيعة الفقيه ~~الصوفي، ذهبت مع جماعة من الناس فشهدنا أمرها؛ فلما فرغوا من دفنها وسوي ~~عليها، قام شيخنا على قبرها، وقال: يرحمك الله يا فلانة؟! الآن قد شفيت أنت ~~ومرضت أنا، وعوفيت وابتليت، وتركتني ذاكرا وذهبت ناسية، وكان للدنيا بك ~~معنى، فستكون بعدك بلا معنى؛ وكانت حياتك لي نصف القوة، فعاد موتك لي نصف ms173 ~~الضعف؛ وكنت أرى الهموم بمواساتك هموما في صورها المخففة، فستأتيني بعد ~~اليوم في صورها المضاعفة! وكان وجودك معي حجابا بيني وبين مشقات كثيرة، ~~فستخلص كل هذه المشاق إلى نفسي؛ وكانت الأيام تمر أكثر ما تمر رقتك وحنانك، ~~فستأتيني أكثر ما تأتي متجردة في قسوتها وغلظتها. أما إني -والله- لم أرزأ ~~منك في امرأة كالنساء، ولكني رزئت في المخلوقة الكريمة التي أحسست معها أن ~~الخليقة كانت تتلطف بي من أجلها! # قال أبو خالد: ثم استد مع الشيخ، فأخذت بيده ورجعنا إلى داره، وهو كان ~~أعلم بما يعزي الناس بعضهم بعضا، وأحفظ لما ورد في ذلك؛ غير أن للكلام ~~ساعات تبطل فيها معانيه أو تضعف، إذ تكون النفس مستغرقة الهم في معنى واحد ~~قد انحصرت فيه، إما من هول الموت، أو حب وقع فيه من الهول ظل الموت، أو ~~رغبة وقع فيها ظل الحب، أو لجاجة وقع فيها ظل الرغبة. فكنت أحدثه وأعزيه، ~~وهو بعيد من حديثي وتعزيتي؛ حتى انتهينا إلى الدار فدخلنا وما فيها أحد؛ ~~فنظر يمنة ويسرة، وقلب عينيه ههنا وههنا، وحوقل واسترجع، ثم قال: الآن ماتت ~~الدار أيضا يا أبا خالد! إن البناء كأنما يحيا بروح المرأة التي تتحرك في ~~داخله؛ وما دام هو الذي يحفظها للرجل، فهو في عين الرجل كالمطرف1 تلبسه فوق ~~ثيابها من فوق جسمها. وانظر كم بين أن ترى عيناك ثوب امرأة في يد الدلال في ~~السوق، وبين أن تراه عيناك يلبسها وتلبسه! ولكنك يا أبا خالد لا تفقه من ~~هذا PageV01P200 # شيئا، فأنت رجل آليت لا تقرب النساء ولا يقربنك، ونجوت بنفسك منهن ~~وانقطعت بها لله؛ وكأن كل نساء الأرض قد شاركن في ولادتك فحرمن عليك! وهذا ~~ما لا أفهمه أنا إلا ألفاظا، كما لا تفهم أنت ما أجد الساعة إلا ألفاظا؛ ~~وشتان بين قائل يتكلم من الطبع، وبين سامع يفهم بالتكلف. # فقلت له: يا أبا ربيعة، وما يمنعك الآن وقد اطرحت أثقالك وانبتت أسبابك ~~من النساء, أن تعيش خفيف الظهر، وتفرغ للنسك والعبادة، وتجعل قلبك ms174 كالسماء ~~انقشع غيمها فسطعت فيها الشمس؛ فإنه يقال: إن المرأة ولو كانت صالحة قانتة, ~~فهي في منزل الرجل العابد مدخل الشيطان إليه، ولو أن هذا العابد كان يسكن ~~في حسناته لا في دار من الطوب والحجارة لكانت امرأته كوة يقتحم الشيطان ~~منها. ولقد كان آدم في الجنة، وبينها وبين الأرض سموات وأفلاك، فما منع ذلك ~~أن تتعلق روح الأرض بالشيطان، فيتعلق الشيطان بحواء، وتتعلق هي بآدم؛ ومكر ~~الشيطان فصورها لهما في صيغة مسألة علمية، ومكرت حواء فوضعت فيها جاذبية ~~اللحم والدم، فلم تعد مسألة علم ومعرفة، بل مسألة طبع ولجاجة. فأكلا منها ~~فبدت لهما سوءاتهما. # وهل اجتمع الرجل والمرأة من بعدها على الأرض إلا كانا من نصب الحياة ~~وهمومها، وشهواتها ومطامعها، ومضارها ومعايبها, في معنى {بدت لهما سوآتهما} ~~؟ # كلانا يا أبا ربيعة ممن لهم سير بالباطن في هذا الوجود غير السير ~~بالظاهر، وممن لهم حركة بالكفر غير الحركة بالجسم، فقبيح بنا أن نتعلق أدنى ~~متعلق بنواميس هذا الكون اللحمي الذي يسمى المرأة، فهو تدل وإسفاف منا. # ولعلك تقول: "النسل وتكثير الآدمية" فهذا إنما كتب على إنسان الجوارح ~~والأعضاء، أما إنسان القلب فله معناه وحكم معناه؛ إذ يعيش بباطنه، فيعيش ~~ظاهره في قوانين هذا الباطن، لا في قوانين ظاهر الناس. وإنه لشر كل ما نقلك ~~إلى طبع أهل الجوارح وشهواتهم، فزين لك لما يزين لهم، وشغلك بما يشغلهم؛ ~~فهذا عندنا -يرحمك الله- باب كأنه من أبواب المجون الذي ينقل الرجل إلى طبع ~~الصبي. # فاطمس يا أخي على موضعها من قلبك، وألق النور على ظلها؛ فالنور في قلب ~~العابد نور التحويل إن شاء، ونور الرؤية إن شاء؛ يرى به المادة كما يريد أن ~~تكون لا كما تكون. وأنت قد كانت فيك امرأة، فحولها صلاة، واعمل بنورك عكس # PageV01P201 # ما يعمل أهل الجوارح بظلامهم، فقد تكون في أحدهم الصلاة فيحولها امرأة. # قال أبو ربيعة: تالله إنه لرأي؛ والوحدة بعد الآن أروح لقلبي، وأجمع ~~لهمي؛ وقد خلعني الله مما كنت فيه، وأخذ القبر امرأتي وشهواتي معا، ms175 فسأعيش ~~ما بقي لي فيما بقي مني, وزوال شيء في النفس هو وجود شيء آخر. ولقد انتهيت ~~بالمرأة ومعانيها وأيامها إلى القبر، فالبدء الآن من القبر ومعانيه وأيامه. # وتواثقا على أن يسيرا معا في "باطن" الوجود! وأن يعيشا في عمر هو ساعة ~~معدودة اللحظات، وحياة هي فكرة مرسومة مصورة. # قال أبو خالد: ورأيت أن أبيت عنده وفاء بحق خدمته، ودفعا للوحشة أن ~~تعاوده فتدخل على نفسه بأفكارها ووساوسها. وكان قد غمرنا تعب يومنا، وأعيا ~~أبو ربيعة، وخذلته القوة؛ فلما صلينا العشاء قلت: يا أبا ربيعة، أحب لك أن ~~تنعس فتريح نفسك ليذهب ما بك، فإذا استجممت أيقظتك فقمنا سائر الليل. # فما هو إلا أن اضطجع حتى غلبه النعاس, وجلست أفكر في حاله وما كان عليه ~~وما اجتهدت له من الرأي؛ وقلت في نفسي: لعلني أغريته بما لا قبل له به، ~~وأشرت عليه بغير ما كان يحسن بمثله، فأكون قد غششته. وخامرني الشك في حالي ~~أنا أيضا، وجعلت أقابل بين الرجل متزوجا عابدا، وبين الرجل عابدا لم يتزوج؛ ~~وأنظر في ارتياض أحدهما بنفسه وأهله وعياله، وارتياض الآخر بنفسه وحدها؛ ~~وأخذت أذهب وأجيء من فكر إلى فكر، وقد هدأ كل شيء حولي كأن المكان قد نام، ~~فلم ألبث حتى أخذتني عيني فنمت واستثقلت كأنما شددت شدا بحبال من النوم لم ~~يجئ من يقطعها. # ورأيت في نومي كأنها القيامة وقد بعث الناس، وضاق بهم المحشر، وأنا في ~~جملة الخلائق، وكأننا من الضغطة حب مبثوث بين حجري الرحى. هذا والموقف يغلي ~~بنا غليان القدر بما فيها، وقد اشتد الكرب وجهدنا العطش، حتى ما منا ذو كبد ~~إلا وكأن الجحيم تتنفس على كبده، فما هو العطش بل هو السعار واللهب يحتدم ~~بهما الخوف ويتأجج. # فنحن كذلك إذا ولدان يتخللون الجمع الحاشد، عليهم مناديل من نور، ~~وبأيديهم أباريق من فضة وأكواب من ذهب، يملئون هذه من هذه بسلسال برود عذب، ~~رؤيته عطش مع العطش، حتى ليتلوى من رآه من الألم، ويتلعلع كأنما كوي به على ~~أحشائه. ms176 # PageV01P202 # وجعل الولدان يسقون الواحد بعد الواحد ويتجاوزون من بينهما، وهم كثرة من ~~الناس؛ وكأنما يتخللون الجمع في البحث عن أناس بأعيانهم، ينضحون غليل ~~أكبادهم بما في تلك الأباريق من روح الجنة ومائها ونسيمها. # ومر بي أحدهم، فمددت إليه يدي وقلت: "اسقني, فقد يبست واحترقت من العطش! ~~". # قال: "ومن أنت؟ ". # قلت: "أبو خالد الأحول الزاهد". # قال: "ألك في أطفال المسلمين ولد افترطته صغيرا فاحتسبته عند الله؟ ". # قلت: "لا". # قال: "ألك ولد كبر في طاعة الله؟ ". # قلت: "لا". # قال: "ألك ولد نالتك منه دعوة صالحة جزاء حقك عليه في إخراجه إلى الدنيا؟ ~~". # قلت: "لا". # قال: "ألك ولد من غير هؤلاء ولكنك تعبت في تقويمه, وقمت بحق الله فيه؟ ". # قلت: "يرحمك الله، إني كلما قلت "لا" أحسست "لا" هذه تمر على لساني ~~كالمكواة الحامية". # قال: "فنحن لا نسقي إلا آباءنا؛ تعبوا لنا في الدنيا، فاليوم نتعب لهم في ~~الآخرة، وقدموا بين يديهم الطفولة، وإنما قدموا ألسنة طاهرة للدفاع عنهم في ~~هذا الموقف الذي قامت فيه محكمة الحسنة والسيئة. وليس هنا بعد ألسنة ~~الأنبياء أشد طلاقة من ألسنة الأطفال، فما للطفل معنى من معاني آثامكم ~~يحتبس فيه لسانه أو يلجلج به". # قال أبو خالد: فجن جنوني، وجعلت أبحث في نفسي عن لفظة "ابن" فكأنما مسحت ~~الكلمة من حفظي كما مسحت من وجودي؛ وذكرت صلاتي وصيامي وعبادتي، فما خطرت ~~في قلبي حتى ضحك الوليد ضحكا وجدت في معناه بكائي وندمي وخيبتي. # وقال: يا ويلك! أما سمعت: "إن من الذنوب ذنوبا لا تكفرها الصلاة ولا ~~الصيام، ويكفرها الغم بالعيال" أتعرف من أنا يا أبا خالد؟ # قلت: من أنت يرحمنا الله بك؟ # قال: أنا ابن ذاك الرجل الفقير المعيل، الذي قال لشيخك إبراهيم بن أدهم # PageV01P203 # العابد الزاهد: "طوبى لك! فقد تفرغت للعبادة بالعزوبة" فقال له إبراهيم: ~~"لروعة تنالك بسبب العيال أفضل من جميع ما أنا فيه" وقد جاهد أبي جهاد قلبه ~~وعقله وبدنه، وحمل على نفسه من مقاساة الأهل والولد حملها الإنساني العظيم، ~~وفكر لغير نفسه، واغتم ms177 لغير نفسه، وعمل لغير نفسه، وآمن وصبر، ووثق بولاية ~~الله حين تزوج فقيرا، وبضمان الله حين أعقب فقيرا؛ فهو مجاهد في سبل كثيرة ~~لا في سبيل واحدة كما يجاهد الغزاة؛ هؤلاء يستشهدون مرة واحدة، أما هو ~~فيستشهد كل يوم مرة في همومه بنا، واليوم يرحمه الله بفضل رحمته إيانا في ~~الدنيا. # أما بلغك قول ابن المبارك وهو مع إخوانه في الغزو: "أتعلمون عملا أفضل ~~مما نحن فيه؟ قالوا: ما نعلم ذلك. قال: أنا أعلم. قالوا: فما هو؟ قال: رجل ~~متعفف على فقره، ذو عائلة قد قام من الليل، فنظر إلى صبيانه نياما متكشفين، ~~فسترهم وغطاهم بثوبه؛ فعمله أفضل مما نحن فيه". # يخلع الأب المسكين ثوبه على صبيته ليدفئهم به ويتلقى بجلده البرد في ~~الليل، إن هذا البرد -يا أبا خالد- تحفظه له الجنة هنا في حر هذا الموقف ~~كأنما مؤتمنة عليه إلى أن تؤديه. وإن ذلك الدفء الذي شمل أولاده يا أبا ~~خالد هو هنا يقاتل جهنم ويدفعها عن هذا الأب المسكين. # قال أبو خالد: ويهم الوليد أن يمضي ويدعني، فما أملك نفسي، فأمد يدي إلى ~~الإبريق فأنشطه من يده، فإذا هو يتحول إلى عظم ضخم قد نشب في كفي وما يليها ~~من أسلة الذراع1. فغابت فيه أصابعي، فلا أصابع لي ولا كف, وأبى الإبريق أن ~~يسقيني وصار مثلة بي، وتجسدت هذه الجريمة لتشهد علي، فأخذني الهول والفزع، ~~وجاء إبريق من الهواء، فوقع في يد الوليد، فتركني ومضى. # وقلت لنفسي: ويحك يا أبا خالد! ما أراك إلا محاسبا على حسناتك كما يحاسب ~~المذنبون على سيئاتهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله! # وبلغتني الصيحة الرهيبة: أين أبو خالد الأحول الزاهد العابد؟ # قلت: ها أنا ذا. # قيل: طاوس من طواويس الجنة قد حص2 ذيله فضاع أحسن ما فيه! أين ~~PageV01P204 # ذيلك من أولادك؟ وأين محاسنك فيهم؟ أخلقت لك المرأة لتتجنبها، وجعلت نسل ~~أبويك لتتبرأ أنت من النسل؟ # جئت من الحياة بأشياء ليس فيها حياة؛ فما صنعت للحياة نفسها إلا أن هربت ~~منها، وانهزمت عن ms178 ملاقاتها؛ ثم تأمل جائزة النصر على هزيمة! # عملت الفضيلة في نفسك ونشأتك، ولكنها عقمت فلم تعمل بك. لك ألف ألف ركعة ~~ومثلها سجدات من النوافل، ولخير منها كلها أن تكون قد خرجت من صلبك أعضاء ~~تركع وتسجد. # قتلت رجولتك، ووأدت فيها النسل، ولبثت طوال عمرك ولدا كبيرا لم تبلغ رتبة ~~الأب! فلئن أقمت الشريعة، لقد عطلت الحقيقة، ولئن ... # قال أبو خالد: ووقعت غنة النون الثانية في مسمعي من هول ما خفت مما بعدها ~~كالنفخ في الصور؛ فطار نومي وقمت فزعا مشتت القلب، كمن فتح عينيه بعد غشية، ~~فرأى نفسه في كفن في قبر سد عليه! # وما كدت أعي وأنظر حولي وقد برق الصبح في الدار حتى رأيت أبا ربيعة يتقلب ~~كأنما دحرجته يد، ثم نهض مستطار القلب من فزعه وقال: أهلكتني يا أبا خالد، ~~أهلكتني والله. # قلت: ما بالك يرحمك الله! # قال: إني نمت على تلك النية التي عرفت أن أجمع قلبي للعبادة، وأخلص من ~~المرأة والولد، ومن المعاناة لهما في مرمة المعاش والتلفيق بين رغيف ورغيف، ~~وأن أعفي نفسي من لأوائهم وضرائهم وبلائهم، لأفرغ إلى الله وأقبل عليه ~~وحده. وسألت الله أن يخير لي في نومي؛ فرأيت كأن أبواب السماء قد فتحت، ~~وكأن رجالا ينزلون ويسيرون في الهواء يتبع بعضهم بعضا، أجنحة وراء أجنحة؛ ~~فكلما نزل واحد نظر إلي, وقال لمن وراءه: هذا هو المشئوم! # فيقول الآخر: نعم هو المشئوم! # وينظر هذا الآخر إلي ثم يلتفت لمن وراءه ويقول له: هذا هو المشئوم! # فيقول الآخر: نعم هو المشئوم! # وما زالت "المشئوم، المشئوم" حتى مروا؛ لا يقولون غيرها ولا أسمع غيرها، ~~وأنا في ذلك أخاف أن أسألهم؛ هيبة من الشؤم، ورجاء أن يكون المشئوم # PageV01P205 # إنسانا ورائي يبصرونه ولا أبصره. ثم مر بي آخرهم، وكان غلاما فقلت له: يا ~~هذا، من هو المشئوم الذي تومئون إليه؟ # قال: أنت! # فقلت: ولم ذاك؟ # قال: كنا نرفع عملك في أعمال المجاهدين في سبيل الله، ثم ماتت امرأتك ~~وتحزنت على ما فاتك من القيام بحقها، ms179 فرفعنا عملك درجة أخرى؛ ثم أمرنا ~~الليلة أن نضع عملك مع الخالفين الذين فروا وجبنوا! # إن سمو الرجل بنفسه عن الزوجة والولد طيران إلى الأعلى, ولكنه طيران على ~~أجنحة الشياطين! # طيران بالرجل إلى فوهة البركان الذي في الأعلى! # PageV01P206 ### | ### | بنته الصغيرة # "1": # فرغ أبو يحيى مالك بن دينار، زاهد البصرة وعالمها، من كتابة المصحف؛ وكان ~~يكتب المصاحف للناس، ويعيش مما يأخذ من أجرة كتابته؛ تعففا أن يطعم إلا من ~~كسب يده, ثم خرج من داره وجهه المسجد، فأتاه فصلى بالناس صلاة العصر، ~~وجلسوا ينتظرونه، واستوى هو قائما، فركع وسجد ما شاء الله حتى قضى نافلته، ~~ثم انفتل من صلاته فقام إلى أسطوانته1 التي يستند إليها، وتحلق الناس حوله ~~جموعا خلف جموع خلف جموع، يذهب فيهم البصر مرة هنا ومرة هنا من كثرتهم ~~وامتدادهم، حتى تغطى بهم المسجد على رحبه. ومد الإمام عينه فيهم ثم أطرق ~~إطراقة طويلة، والناس كأن عليهم الطير مما سكنوا لهيبته، ومما عجبوا ~~لخشوعه؛ ثم رفع الشيخ رأسه وقد تندت عيناه، فما نظر إليهم حتى كأنما اطلع ~~على أرواحهم فجر رطب من سحر ذلك الندى. # وبدر شاب حدث فسأله: ما بكاء الشيخ؟ وكان قريبا يجلس من الإمام في سمت ~~بصره2 فتأمله الشيخ طويلا يقلب فيه الطرف كالمتعجب، ولبث لا يجيبه كأنما ~~عقد لسانه أو أخذته من نفسه حال، فما يثبت شيئا مما يرى. # وازداد الناس عجبا؛ فما جربوا على الشيخ من قبلها حصرا ولا عيا، ولا قطعه ~~سؤال قط، ولا تخلف عن جواب؛ وقالوا: إن له لشأنا، وما بد أن تكون من وراء ~~حبسته شعاب في نفسه تهدر بسيلها وتعتلج؛ فما أسرع ما يلتقي السيل، فيجتمع، ~~فيصوب إلى مجراه، فيتقاذف. # وتبسم الإمام وقال: أما إني قد ذكرت ذكرى فبكيت لها، ورأيت رؤيا فتبسمت ~~لها؛ أما الذكرى، فهل تعلمون أن هذا المسجد الذي يفهق بهذا الحشد ~~PageV01P207 # العظيم، وتقع فيه المدينة لكل أذان وتطير, هل تعلمون أنه خلا قط من الناس ~~وقد وجبت الفريضة؟ قالوا: ما نعلمه. # قال: فقد كان ms180 ذلك لعشرين سنة خلت في موت الحسن1، فقد مات عشية الخميس، ~~وأصبحنا يوم الجمعة ففرغنا من أمره، وحملناه بعد صلاة الجمعة، فتبع أهل ~~البصرة كلهم جنازته واشتغلوا به، فلم تقم صلاة العصر بهذا المسجد، وما تركت ~~منذ كان الإسلام إلا يومئذ؛ ومثل الحسن لا تموت ساعة موته من عمر من شهدها، ~~فذلك يوم عجيب قد لف نهاره البصرة كلها في كفن أبيض، فما بقيت في نفس رجل ~~ولا امرأة شهوة إلى الدنيا، وفرغ كل إنسان من باطله، كما يفرغ من أيقن أن ~~ليس بينه وبين قبره إلا ساعة؛ وظهر لهم الموت في حقيقة جديدة بالغة الروع ~~لا يراها الأبناء في موت آبائهم وأمهاتهم، ولا الآباء والأمهات في موت من ~~ولدوا، ولا المحب في موت حبيبه، ولا الحميم في موت حميمه؛ فإن الجميع فقدوا ~~الواحد الذي ليس غيره في الجميع؛ وكما يموت العزيز على أهل بيت فيكون الموت ~~واحدا وتتعدد فيهم معانيه، كذلك كان موت الحسن موتا بعدد أهل البصرة! # ذاك يوم امتد فيه الموت وكبر، وانكمشت فيه الحياة وصغرت، وتحاقرت الدنيا ~~عند أهلها، حتى رجعت بمقدار هذه الحفرة التي يلقى فيها الملوك والصعاليك ~~والأخلاط بين هؤلاء وأولئك، لا يصغر عنها الصغير، ولا يكبر عنها الكبير؛ لا ~~بل دون ذلك، حتى رجعت الدنيا على قدر جيفة حيوان بالعراء، تنكشف للأبصار عن ~~شوهاء نجسة قد أرمت2 لا تطاق على النظر، ولا على الشم، ولا على اللمس؛ وما ~~تتفجر إلا عن آفة، وما تتفجر إلا لهوام الأرض. # تلك هي الذكرى، وأما الرؤيا فقد طالعتني نفسي من وجه هذا الفتى، فأبصرتني ~~حين كنت مثله يافعا مترعرعا داخلا في عصر شبابي، فكأنما انتبهت عيني من هذه ~~النفس على فاتك خبيث كان في جناياته في أغلاله في سجنه، ومات طويلا ثم بعث! # إني مخبركم عني بما لم تحيطوا به، فأرعوه أسماعكم، وأحضروه أفهامكم، ~~PageV01P208 # واستجمعوا له، فإنه كان غيب شيخكم، وأنا محدثكم به كيلا ييأس ضعيف، ولا ~~يقنط يائس، فإن رحمة الله قريب من المحسنين. # لقد كنت ms181 في صدر أيامي شرطيا، وكنت في آنفة الحداثة من قبلها أتفتى ~~وأتشطر، وكنت قويا معصوبا في مثل جبلة الجبل من غلظ وشدة، وكنت قاسيا كأن ~~في أضلاعي جندلة لا قلبا، فلا أتذمم ولا أتأثم؛ وكنت مدمنا على الخمر؛ ~~لأنها روحانية من عجز أن تكون فيه روحانية، وكأنها إلهية يزورها الشيطان ~~-لعنه الله- فيخلق بها للنفس ما تحب مما تكره، ويثيبها ثواب ساعة ليست في ~~الزمن بل في خيال شاربها. وكأن جهل العقل نفسه في بعض ساعات الحياة، هو -في ~~علم الشيطان وتعليمه- معرفة العقل نفسه في الحياة! # فبينا أنا ذات يوم أجول في السوق، والناس يفورون في بيعهم وشرائهم، وأنا ~~أرقب السارق، وأعد للجاني، وأتهيأ للنزاع, إذ رأيت اثنين يتلاحيان، وقد لبب ~~أحدهما الآخر، فأخذت إليهما، فسمعت المظلوم يقول للظالم: لقد سلبتني فرح ~~بنياتي، فسيدعون الله عليك فلا تصيب من بعدها خيرا، فإني ما خرجت إلا ~~اتباعا لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "خرج إلى سوق من أسواق ~~المسلمين، فاشترى شيئا، فحمله إلى بيته، فخص به الإناث دون الذكور؛ نظر ~~الله إليه". # قال الشيخ: وكنت عزبا لا زوجة لي، ولكن الآدمية انتبهت في، وطمعت في دعوة ~~صالحة من البنيات المسكينات، إذا أنا فرحتهن؛ ودخلتني لهن رقة شديدة, فأخذت ~~للرجل من غريمه حتى رضي، وأضعفت له من ذات يدي لأزيد في فرح بناته, وقلت له ~~وهو ينصرف: عهد يحاسبك الله عليه، ويستوفيه لي منك، أن تجعل بناتك يدعون لي ~~إذا رأيت فرحهن بما تحمل إليهن، وقل لهن: مالك بن دينار. # وبت ليلتي أتقلب مفكرا في قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعانيه ~~الكثيرة، وحثه على إكرام البنات، وأن من أكرم بناته كرم على الله، وحرصه أن ~~ينشأن كريمات فرحات؛ وحدثني هذا الحديث ليلتي تلك إلى الصبح، وفكرت حينئذ ~~في الزواج، وعلمت أن الناس لا يزوجونني من طيباتهم ما دمت من الخبيثين؛ ~~فلما أصبحت غدوت إلى سوق الجواري، فاشتريت جارية نفيسة، ووقعت مني أحسن ~~موقع، وولدت لي بنتا فشغفت بها، وظهرت لي فيها ms182 الإنسانية الكبيرة التي ليست ~~في، فرأيت بعد ما بيني وبين صورتي الأولى، ورأيتها سماوية لا تملك شيئا ~~وتملك أباها وأمها، وليس لها من الدنيا إلا شبع بطنها وما أيسره، ثم لها ~~بعد ذلك سرور نفسها كاملا تشب عليه أكثر مما تشب # PageV01P209 # على الرضاع؛ فعلمت من ذلك أن الذي تكتنفه رحمة الله يملك بها دنيا نفسه، ~~فما عليه بعد ذلك أن تفوته دنيا غيره؛ وأن الذي يجد طهارة قلبه يجد سرور ~~قلبه وتكون نفسه دائما جديدة على الدنيا؛ وأن الذي يحيا بالثقة تحييه ~~الثقة؛ والذي لا يبالي الهم لا يبالي الهم به؛ وأن زينة الدنيا ومتاعها ~~وغرورها وما تجلب من الهم, كل ذلك من صغر العقل في الإيمان حين يكبر العقل ~~في العلم! # كانت البنية بدء حياة في بيتي وبدء حياة في نفسي، فلما دبت على الأرض ~~ازددت لها حبا، وألفتني وألفتها، فرزقت روحي منها أطهر صداقة في صديق، ~~تتجدد للقلب كل يوم، بل كل ساعة، ولا تكون إلا لمحض سرور القلب دون مطامعه، ~~فتمده بالحياة نفسها لا بأشياء الحياة، فلا تزيد الأشياء في المحبة ولا ~~تنقص منها، على خلاف ما يكون في الأصدقاء بعضهم من بعض واختلافهم على ~~المضرة والمنفعة. # قال الشيخ: وجهدت أن أترك الخمر فلم يأت لي ولم أستطعه؛ إذ كنت منهمكا ~~على شربها، ولكن حب ابنتي وضع في الخمر إثمها الذي وضعته فيها الشريعة، ~~فكرهتها كرها شديدا، وأصبحت كالمكره عليها، ولم تعد فيها نشوتها ولا ريها، ~~وكانت الصغيرة في تمزيق أخيلتها أبرع من الشيطان في هذه الأخيلة، وكأنما ~~جرتني يدها جرا حتى أبعدتني عن المنزلة الخمرية التي كان الشيطان وضعني ~~فيها، فانتقلت من الاستهتار والمكابرة وعدم المبالاة إلى الندم والتحوب ~~والتأثم، وكنت من بعدها كلما وضعت المسكر، وهممت به دبت ابنتي إلى مجلسي؛ ~~فأنظر إليها وتنتشر عليها نفسي من رقة ورحمة، فأرقب ما تصنع، فتجيء ~~فتجاذبني الكأس حتى تهرقها على ثوبي، وأراني لا أغضب، إذ كان هذا يسرها ~~ويضحكها، فأسر لها وأضحك. # ودام هذا مني ومنها، فأصبحت ms183 في المنزلة بين المنزلتين؛ أشرب مرة وأترك ~~مرارا، وجعلت أستقيم على ذلك، إذ كانت النشوة بابنتي أكبر من النشوة ~~بالزجاجة، وإذ كنت كلما رجعت إلى نفسي وتدبرت أمري، أستعيذ بالله أن تعقل ~~ابنتي معنى الخمر يوما, فأكون قد نجست أيامها، ثم أتقدم إلى الله وعلي ~~ذنوبها فوق ذنوبي، ويترحم الناس على آبائهم وتلعنني إذ لم أكن لها كالآباء، ~~فأكون قد وجدت في الدنيا مرة واحدة وهلكت مرتين. # ومضيت على ذلك وأنا أصلح بها شيئا فشيئا وكلما كبرت كبرت فضليتي، فلما تم ~~لها سنتان، ماتت! # PageV01P210 # قال الراوي: وسكت الشيخ، فعلقت به الأبصار، ووقفت أنفاس الناس على ~~شفاههم، وكأنما ماتت لحظات من الزمن لذكر موت الطفلة، وخامر المجلس مثل ~~السكر بهذه الكأس المذهلة؛ ولكن الطفلة دبت من عالم الغيب كما كانت تصنع، ~~وجذبت الكأس وأهرقتها، فانتبه الناس وصاحوا: ماتت فكان ماذا؟ # قال الشيخ: فأكمدني الحزن عليها، ووهن جأشي، ولم يكن لي من قوة الروح ~~والإيمان ما أتأسى به، فضاعف الجهل أحزاني، وجعل مصيبتي مصائب. والإيمان ~~وحده هو أكبر علوم الحياة، يبصرك إن عميت في الحادثة، ويهديك إن ضللت عن ~~السكينة، ويجعلك صديق نفسك تكون وإياها على المصيبة، لا عدوها تكون المصيبة ~~وإياها عليك، وإذا أخرجت الليالي من الأحزان والهموم عسكر ظلامها لقتال نفس ~~أو محاصرتها، فما يدفع المال ولا ترد القوة ولا يمنع السلطان، ولا يكون شيء ~~حينئذ أضعف من قوة القوي، ولا أضيع من حيلة المحتال، ولا أفقر من غنى ~~الغني، ولا أجهل من علم العالم، ويبقى الجهد والحيلة والقوة والعلم والغنى ~~والسلطان للإيمان وحده؛ فهو يكسر الحادث ويقلل من شأنه، ويؤيد النفس ويضاعف ~~من قوتها، ويرد قدر الله إلى حكمة الله؛ فلا يلبث ما جاء أن يرجع، وتعود ~~النفس من الرضا بالقدر والإيمان به، كأنما تشهد ما يقع أمامها لا ما يقع ~~فيها. # قال الشيخ: ورجعت بجهلي إلى شر مما كنت فيه، وكانت أحزاني أفراح الشيطان؛ ~~وأراد -أخزاه الله- أن يفتن في أساليب فرحه، فلما كانت ليلة النصف من شعبان ~~-وكانت ms184 ليلة جمعة، وكانت كأول نور الفجر من أنوار رمضان- سول لي الشيطان أن ~~أسكر سكرة ما مثلها؛ فبت كالميت مما ثملت، وقذفتني أحلام إلى أحلام, ثم ~~رأيت القيامة والحشر, وقد ولدت القبور من فيها, وسيق الناس وأنا معهم، وليس ~~وراء ما بي من الكرب غاية؛ وسمعت خلفي زفيرا كفحيح الأفعى، فالتفت فإذا ~~بتنين عظيم ما يكون أعظم منه؛ طويل كالنخلة السحوق، أسود أزرق، يرسل الموت ~~من عينيه الحمراوين كالدم، وفي فمه مثل الرماح من أنيابه، ولجوفه حر شديد ~~لو زفر به على الأرض ما نبتت في الأرض خضراء، وقد فتح فاه ونفخ جوفه وجاء ~~مسرعا يريد أن يلتقمني، فمررت بين يديه هاربا فزعا؛ فإذا أنا بشيخ هرم يكاد ~~يموت ضعفا، فعذت به وقلت: أجرني وأغثني. فقال: أنا ضعيف كما ترى، وما أقدر ~~على هذا الجبار، ولكن مر وأسرع، فلعل الله أن يسبب لك أسبابا بالنجاة. # فوليت هاربا وأشرفت على النار وهي الهول الأكبر، فرجعت أشتد هربا والتنين ~~على أثري؛ ولقيت ذلك الشيخ مرة أخرى، فاستجرت به فبكى من الرحمة # PageV01P211 # لي وقال: أنا ضعيف كما ترى، وما أقدر على هذا الجبار، ولكن اهرب إلى هذا ~~الجبل، فلعل الله يحدث أمرا. # فنظرت فإذا جبل كالدار العظيمة، له كوى عليها ستور، وهو يبرق كشعاع ~~الجوهر؛ فأسرعت إليه والتنين من ورائي، فلما شارفت الجبل فتحت الكوى, ورفعت ~~الستور، وأشرفت علي وجوه أطفال كالأقمار، وقرب التنين مني، وصرت في هواء ~~جوفه وهو يتضرم علي، ولم يبق إلا أن يأخذني؛ فتصايح الأطفال جميعا: يا ~~فاطمة! يا فاطمة! # قال الشيخ: فإذا ابنتي التي ماتت قد أشرفت علي، فلما رأت ما أنا فيه صاحت ~~وبكت، ثم وثبت كرمية السهم، فجاءت بين يدي، ومدت إلي شمالها فتعلقت بها، ~~ومدت يمينها إلى التنين فولى هاربا، وأجلستني وأنا كالميت من الخوف والفزع، ~~وقعدت في حجري كما كانت تصنع في الحياة، وضربت بيدها إلى لحيتي وقالت: يا ~~أبت ... {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق} ~~[الحديد: 16] . # فبكيت ms185 وقلت: يا بنية، أخبريني عن هذا التنين الذي أراد هلاكي. قالت: ذاك ~~عملك السوء الخبيث، أنت قويته حتى بلغ هذا الهول الهائل، والأعمال ترجع ~~أجساما كما رأيت. قلت: فذاكالشيخ الضعيف الذي استجرت به ولم يجرني؟ قالت: ~~يا أبت، ذاك عملك الصالح، أنت أضعفته فضعف حتى لم يكن له طاقة أن يغيثك من ~~عملك السيئ؛ ولو لم أكن لك هنا، ولو لم تكن اتبعت قول رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- فيمن فرح بناته المسكينات الضعيفات؛ لما كانت لك هنا شمال تتعلق ~~بها، ويمين تطرد عنك. # قال الشيخ: وانتبهت من نومي فزعا ألعن ما أنا فيه، ولا أراني أستقر، كأني ~~طريدة عملي السيئ؛ كلما هربت منه هربت به؛ وأين المهرب من الندم الذي كان ~~نائما في القلب واستيقظ للقلب؟ # وأملت في رحمة الله أن أربح من رأس مال خاسر، وقلت في نفسي: إن يوما ~~باقيا من العمر هو للمؤمن عمر ما ينبغي أن يستهان به؛ وصححت النية على ~~التوبة, لأرجع الشباب إلى ذلك الشيخ الضعيف، وأسمن عظامه، حتى إذا استجرت ~~به أجارني ولم يقل: "أنا ضعيف كما ترى! ". # وسألت فدللت على أبي سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري، سيد البقية من ~~التابعين؛ وقيل لي: إنه جمع كل علم وفن إلى الزهد والورع # PageV01P212 # والعبادة، وإن لسانه السحر، وإن شخصه المغناطيس، وإنه ينطق بالحكمة كأن ~~في صدره إنجيلا لم ينزل، وإن أمه كانت مولاة لأم سلمة زوج النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- فكانت ربما غابت أمه في حاجة فيبكي، "فترضعه أم سلمة تعلله ~~بثديها فيدر غلته، فكانت بينه وبين بركة النبوة صلة". # وغدوت إلى المسجد والحسن في حلقته يقص ويتكلم، فجلست حيث انتهى بي ~~المجلس، وما كان غير بعيد حتى عرتني نفضة كنفضة الحمى، إذ قرأ الشيخ هذه ~~الآية: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق} ~~[الحديد: 16] ؛ فلو لفظتني الأرض من بطنها، وانشق عني القبر بعد الموت ما ~~رأيت الدنيا أعجب مما طالعتني في تلك الساعة؛ وأخذ الشيخ يفسر ms186 الآية، فصنع ~~بي كلامه ما لو بعث نبي من أجلي خاصة لما صنع أكثر منه. # وكلام الحسن غير كلام الناس، وغير كلام العلماء؛ فإنه يتكلم من قلبه ومن ~~روحه ومن وجهه ولسانه، وناهيكم من رجل خاشع متصدع من خشية الله، لم يكن يرى ~~مقبلا إلا وكأنه أسير أمروا بضرب عنقه، وإذا ذكرت النار فكأنها لم تخلق إلا ~~له وحده؛ رجل كان في الحياة لتتكلم الحياة بلسانه أصدق كلماتها. # فصاح صائح: يا أبا يحيى، التفسير! وصاح المؤذن: الله أكبر, فقطع الشيخ ~~وقال: التفسير إن شاء الله في المجلس الآتي. # PageV01P213 ### | بنته الصغيرة # "2": # ... وجاء من الغد أبو يحيى مالك بن دينار إلى المسجد، فصلى بالناس، ثم ~~تحول إلى مجلس درسه وتعكفوا حوله؛ وكانوا إلى بقية خبره في لهفة كأن لها ~~عمرا طويلا في قلوبهم، لا ظمأ ليلة واحدة. # وقال منهم قائل: أيها الشيخ، جعلت فداك، ما كان تأويل الحسن لتلك الآية ~~من كلام الله تعالى؟ وكيف رجع الكلام في نفسك مرجع الفكر تتبعه، وأصبح ~~الفكر عندك عملا تحذو عليه، واتصل هذا العمل فكان ما أنت في ورعك و ... ؟ # فقطع الإمام عليه وقال: هون عليك يا هذا؛ إن شيخك لأهون من أن تذهب في ~~وصفه يمينا أو شمالا، وقد روى لنا الحسن يوما ذلك الخبر الوارد فيمن يعذب ~~في النار ألف عام من أعوام القيامة، ثم يدركه عفو الله فيخرج منها، فبكى ~~الحسن وقال: "يا ليتني كنت ذلك الرجل! " وهو الحسن يا بني، هو الحسن ### | .... # فضج الناس وصاح منهم صائحون: يا أبا يحيى قتلتنا يأسا. وقال الأول: إذا ~~كان هذا فأوشك أن يعمنا اليأس والقنوط، فلا ينفعنا عمل، ولا نأتي عملا ~~ينفع. # قال الشيخ: هونوا عليكم، فإن للمؤمن ظنين: ظنا بنفسه، وظنا بربه؛ فأما ~~ظنه بالنفس فينبغي أن ينزل بها دون جمحاتها ولا يفتأ ينزل؛ فإذا رأى لنفسه ~~أنها لم تعمل شيئا أوجب عليها أن تعمل، فلا يزال دائما يدفعها؛ وكلما أكثرت ~~من الخير قال لها: أكثري. وكلما أقلت من الشر قال لها: أقلي. ms187 ولا يزال هذا ~~دأبه ما بقي؛ وأما الظن بالله فينبغي أن يعلو به فوق الفترات والعلل ~~والآثام، ولا يزال يعلو؛ فإن الله عند ظن عبده به، إن خيرا فله وإن شرا ~~فله. ولقد روينا هذا الخبر: "كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعا وتسعين نفسا، ~~فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب فأتاه، فقال: إنه قتل تسعا وتسعين ~~نفسا، فهل له من توبة؟ قال: لا! فقتله فكمل به مائة! ثم سأل عن أعلم أهل ~~الأرض، فدل على رجل عالم، فقال له: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ قال: ~~نعم؛ ومن يحول بينك وبين # PageV01P214 # التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا, فإن بها أناسا يعبدون الله عز وجل، ~~فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء. # فانطلق، حتى إذا نصف الطريق أتاه ملك الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة ~~وملائكة العذاب؛ فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله. ~~وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط. فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه ~~حكما بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أدنى فهو له. ~~فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة! ". # قال الشيخ: فهذا رجل لما مشى بقلبه إلى الله حسبت له الخطوة الواحدة، بل ~~الشبر الواحد؛ ولو أنه طوف الدنيا بقدميه ولم يكن له ذلك القلب، لكان ~~كالعظام المحمولة في نعش؛ قبرها في المشرق هو قبرها في المغرب، وليس لها من ~~الأرض ولا للأرض منها إلا معنى واحد لا يتغير؛ هو أنه بجملته ميت، وأنها ~~بجملتها حفرة. # والإنسان عند الناس بهيئة وجهه وحليته التي تبدو عليه، ولكنه عند الله ~~بهيئة قلبه وظنه الذي يظن به؛ وما هذا الجسم من القلب إلا كقشرة البيضة1 ~~مما تحتها. فيا لها سخرية أن تزعم القشرة لنفسها أن بها هي الاعتبار عند ~~الناس لا بما فيها، إذ كان ما تحويه لا يكون إلا فيها هي؛ ومن ثم تبعد في ~~حماقتها فتسأل: لماذا يرميني الناس ولا يأكلونني؟ ms188 # إن هذه الأخلاق الفاضلة في هذا الإنسان لا تجد تمام معناها إلا في حالة ~~بعينها من أحوال القلب، وهي حالة خشوعه على وصفها الذي شرحته الآية ~~الكريمة: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق} ~~[الحديد: 16] . # فالأخلاق الفاضلة محدودة بالله والحق معا، وهي كلها في خشوع القلب لهذين؛ ~~فإن من القلب مخارج الحياة النفسية كلها. # قال الشيخ: وأنا منذ حفظت عن الحسن تأويل هذه الآية، واستننت بها، مضيت ~~أعيش من الدنيا في تاريخه قلبي لا في تاريخ الدنيا، وأدركت من يومئذ أن ليس ~~حفظ القرآن حفظه في العقل، بل حفظه في العمل به؛ فإن أنت أثبت الآية منه، ~~وكنت تعمل بغير معناها، وتعيش في غير فضيلتها، فهذا -ويحك- نسيانها ~~PageV01P215 # لا حفظها. وقد كان قومنا الأولون بمعانيه كالشجرة الخضراء النامية؛ فيها ~~ورقها الأخضر وزهرها، وعلى ظاهرها حياة باطنها، فلما ثبت الناس على الشكل ~~وحده، ولم يبالوا القلب وأحواله، أصبحوا كالشجرة اليابسة، عليها ورقها ~~الجاف، ليس في بقائه ولا سقوطه طائل. # ما أصبحت ولا أمسيت منذ حفظت تفسير الآية إلا في حياة منها، وهذه الآية ~~هي التي دلتني بمعانيها أن ليست الحياة الأرضية شيئا إلا ثورة الحي على ظلم ~~نفسه، يستكف عنها أكثر مما يستجر لها، والناس من شقائهم على العكس، يستجرون ~~أكثر مما يستكفون، وإنما السعيد من وجد كلمات روحانية إلهية يعش قلبه فيهن، ~~فذاك لا يعمل أعماله كما يأتي ويتفق، بل يحذو على أصل ثابت في نفسه، ويختار ~~فيما يعمل أحسن ما يعمل، ومن ثم لا يكون جهاده مراغمة أو خضوعا في سيل ~~الوجود كالحيوان، بل في سبيل صحة وجوده؛ ولا يكون غرضه أن يلابس الحياة كما ~~تأخذه هي وتدعه، بل أن يحيا في شرف الحياة على ما يأخذها هو ويدعها. # إن الشقاء في هذه الدنيا إنما يجره على الإنسان أن يعمل في دفع الأحزان ~~عن نفسه بمقارفته الشهوات، وبإحساسه غرور القلب؛ وبهذا يبعد الأحزان عن ~~نفسه ليجلبها على نفسه في صور أخرى! # قال الشيخ: وكان ms189 مما حفظته من تفسير الحسن قوله: # إن كل كلمة في الآية تكاد تكون آية، وليست الكلمة في القرآن كما تكون في ~~غيره، بل السمو فيها على الكلام، أنها تحمل معنى، وتومئ إلى معنى، وتستتبع ~~معنى؛ وهذا ما ليس في الطاقة البشرية، وهو الدليل على أنه {كتاب أحكمت ~~آياته ثم فصلت} [هود: 1] 1. # يقول الله تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل ~~من الحق} [الحديد: 16] . PageV01P216 # {ألم يأن} [الحديد: 16] هذه الكلمة حث، وإطماع، وجدال، وحجة؛ وهي في ~~الآية تصرح أن خشوع القلب الذي تلك صفته هو كمال للإيمان، وأن وقت هذا ~~الخشوع هو كمال العمر، وكيف يعرف المؤمن أنه "سيأنى" له أن يعيش ساعة أو ما ~~دونها؟ إذن فالكلمة صارخة تقول: الآن الآن قبل ألا يكون آن. أي: البدار ~~البدار ما دمت في نفس من العمر؛ فإن لحظة بعد "الآن" لا يضمنها الحي. وإذا ~~فني وقت الإنسان انتهى زمن عمله فبقي الأبد كله على ما هو؛ ومعنى هذا أن ~~الأبد للمؤمن الذي يدرك الحقيقة، وإن هو إلا اللحظة الراهنة من عمره التي ~~هي "الآن". فانظر -ويحك- وقد جعل الأبد في يدك؛ انظر كيف تصنع به؟ # تلك هي حكمة اختيار اللفظة من معنى "الآن" دون غيره، على كثرة المعاني. # ثم قال: {للذين آمنوا} [الحديد: 16] وهذا كالنص على أن غير هؤلاء لا تخشع ~~قلوبهم لذكر الله ولا للحق، فلا تقوم بهم الفضيلة، ولا تستقيم بهم الشريعة، ~~وعالمهم وجاهلم سواء؛ لا يخشعان إلا للمادة؛ وكأن إنسانهم إنسان ترابي، لا ~~يزال يضطرب على مكر الليل والنهار بين طرفين من الحيوان: عيشه وموته؛ وما ~~تقسو الحياة قسوتها على الناس إلا بهم، وما ترق رقتها إلا بالمؤمنين. # وجعل الخشوع للقلوب خاصة، إذ كان خشوع القلب غير خشوع الجسم، فهذا الأخير ~~لا يكون خشوعا، بل ذلا، أو ضعة، أو رياء أو نفاقا، أو "ما كان" أما خشوع ~~القلب فلن يكون إلا خالصا مخلصا محض الإرادة. # واشترط "القلب" كأنه يقول: إنما القلب أساس المؤمن، وإن المؤمن ينبع ms190 من ~~قلبه لا من غيره، متى كان هذا القلب خاشعا لله وللحق. فإن لم يكن قلبه على ~~تلك الحال، نبع منه الفاسق والظالم الطاغية وكل ذي شر. ما أشبه القلب تتفرع ~~منه معاني الخلق، بالحبة تنسرح منها الشجرة؛ فخذ نفسك من قلبك كما شئت؛ ~~حلوا من حلو، ومرا من مر. # وخشوع القلب لله وللحق، معناه السمو فوق حب الذات، وفوق الأثرة والمطامع ~~الفاسدة؛ وهذا يضع للمؤمن قاعدة الحياة الصحيحة، ويجعلها في قانونين لا ~~قانون واحد؛ ومتى خشع القلب لله وللحق، عظمت فيه الصغائر من قوة إحساسه ~~بها، فيراها كبيرة وإن عمي الناس عنها، ويراها وهي بعيدة منه بمثل عين ~~العقاب, يكون في لوح الجو ولا يغيب عن عينه ما في الثرى. # وقد تخشع القلوب لبعض الأهواء خشوعا هو شر من الطغيان والقسوة؛ # PageV01P217 # فتقيد خشوع القلب "بذكر الله" هو في نفسه نفي لعبادة الهوى، وعبادة الذات ~~الإنسانية في شهواتها. وما الشهوة عند المخلوق الضعيف إلا إله ساعتها, فيا ~~ما أحكم وأعجب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا يزني الزاني حين يزني ~~وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها ~~وهو مؤمن". جعل نزع الإيمان موقوتا "بالحين" الذي تقترف فيه المعصية؛ إذ لم ~~يكن الله عند هذا الشقي هو إله ذلك "الحين". # والخشوع لما "نزل من الحق" هو في معناه نفي آخر للكبرياء الإنسانية التي ~~تفسد على المرء كل حقيقة، وتخرج به من كل قانون؛ إذ تجعل الحقائق العامة ~~محدودة بالإنسان وشهواته لا بحدودها هي من الحقوق والفضائل. # ويخرج من هذا وذلك تقرير الإرادة الإنسانية، وإلزامها الخير والحق دون ~~غيرهما، وقهرها للذات وشهواتها، وجعلها الكبرياء الإنسانية كبرياء على ~~الدنايا والخسائس، لا على الحقوق والفضائل؛ وإذا تقرر كل ذلك انتهى بطبيعته ~~إلى إقرار السكينة في النفس، ومحو الفوضى منها, وجعل نظامها في إحساس القلب ~~وحده؛ فيحيا القلب في المؤمن حياة المعنى السامي، ويكون نبضه علامة الحياة ~~في ذاتها، وخشوعه لله وللحق علامة الحياة في كمالها. # وقال: ms191 {وما نزل من الحق} [الحديد: 16] كأنه يقول: إن هذا الحق لا يكون ~~بطبيعته ولا بطبيعة الإنسان أرضيا، فإذا هو ارتفع من الأرض وقرره الناس ~~بعضهم على بعض، لم يجاوز في ارتفاعه رأس الإنسان، وأفسدته العقول؛ إذ كان ~~الإنسان ظالما متمردا بالطبيعة، لا تحكمه من أول تاريخ إلا السماء ~~ومعانيها، وما كان شبيها بذلك مما يجيئه من أعلى, أي: بالسلطان والقوة؛ ~~فيكون حقا "نازلا" متدفعا كما يتصوب الثقل من عال ليس بينه وبين أن ينفذ ~~شيء. # والخشوع لما نزل من الحق ينفي خشوعا آخر هو الذي أفسد ذات البين من ~~الناس، وهو الخشوع لما قام من المنفعة وانصراف القلب إليها بإيمان الطمع لا ~~الحق. # وبحمل الآية على ذلك الوجه يتحقق العدل والنصفة بين الناس؛ فيكون العدل ~~في كل مؤمن شعورا قلبيا، جاريا في الطبيعة لا متكلفا من العقل؛ وبهذا وحده ~~يكون للإنسان إرادة ثابتة عن الحق في كل طريق، لا إرادة لكل طريق، وتستمر ~~هذه الإرادة متسقة في نظامها مع إرادة الله، لا نافرة منها ولا متمردة ~~عليها؛ وهذا ذلك يثبت القلب مهما اختلفت عليه أحوال الدنيا، فلا يكون من # PageV01P218 # إيمانه إلا سموه وقوته وثباته، وينزل العمر عنده منزلة اللحظة الواحدة، ~~وما أيسر الصبر على لحظة! وما أهون شر "الآن" إن كان الخير فيما بعده. # ألم يأن؛ ألم يأن؛ ألم يأن. # قال الشيخ: وكان الحسن في معانيه الفاضلة هو هذه الآية بعينها؛ فما كانت ~~حياته إلا إسلامية كهذا الكلام الأبيض المشرق الذي سمعته منه؛ شعاره أبدا: ~~"الآن قبل ألا يكون آن" وإمامه: "خذ نفسك من قلبك" وطريقته: "شرف الحياة لا ~~الحياة نفسها". # وكان يرى هذه الحياة كوقعة الطائر؛ هي جناحين مستوفزين أبدا لعمل آخر هو ~~الأقوى والأشد، فلا ينزلان بطائرهما على شيء إلا مطويين على قدرة الارتفاع ~~به، ولا يكونان أبدا إلا هفهافين خفيفين على الطيران؛ إذ كانا في حكم الجو ~~لا في حكم الأرض. # وآلة الوقوع والطيران بالإنسان شهواته ورغباته؛ فإن حطته شهوة لا ترفعه، ~~فقد أوبقته وأهلكته وقذفت به ms192 ليؤخذ. # لقد روينا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا يبلغ العبد أن يكون من ~~المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس"، وهذا ضرب من خشوع القلب ~~المؤمن فيما يحل له: يدع أشياء كثيرة لا بأس عليه فيها لو أتاها؛ ليقوى على ~~أن يدع ما فيه بأس، فإن الذي يترك ما هو له يكون أقوى على ترك ما ليس له. # والنفس لا بد راجعة يوما إلى الآخرة، وتاركة أداتها؛ فقوام نظامها في ~~الحياة الصحيحة أن تكون كل يوم كأنها ذهبت إلى الآخرة وجاءت. وتلك هي ~~الحكمة فيما فرضته الشريعة الإسلامية من عبادة راتبة تكون جزءا من عمل ~~الحياة في يومها وليلتها. فإذا لم تكن النفس في حياتها كأنها دائما تذهب ~~إلى مصيرها وترجع منه، طمسها الجسم وحبسها في إحدى الجهتين، فلم يبق لها ~~فيه إلا أثر ضئيل لا يتجاوز النصح، كاعتراض المقتول على قاتله؛ يحاول أن ~~يرد السيف بكلمة! وبذلك يتضاعف الجسم في قوته، ويشتد في صولته، ويتصرف في ~~شهواته، كأن له بطنين يجوعان معا, فتستهلك شهوات المرء دينه, وتقذف به ~~يمينا وشمالا، على قصد وعلى غير قصد، وتمضي به كما شاءت في مدرجة, مدرجة من ~~الشر. # ومثل هذا المسرف على نفسه لا يكون تمييزه في الدين، ولا إحساسه # PageV01P219 # بالخير، إلا كذلك السكير الذي زعموا أنه أراد التوبة، وكانت له جرتان من ~~الخمر، فلما اتعظ وبلغ في النظر إلى نفسه وحظ إيمانه، وأراد أن يطيع الله ~~ويتوب, نظر إلى الجرتين ثم قال: أتوب عن الشرب من هذه حتى تفرغ هذه! # قال الشيخ: ثم إني تبت على يد الحسن، وأخلصت في التوبة وصححتها، وعلمت من ~~فعله وقوله أن حقيقة الدين هي كبرياء النفس على شرها وظلمها وشهواتها، وأن ~~هذه الكبرياء القاتلة للإثم، هي في النفس أخت الشجاعة القاتلة للعدو ~~الباغي: يفخر البطل الشجاع بمبلغه من هذه، ويفخر الرجل المؤمن بمبلغه من ~~تلك؛ وأن خشوع القلب هو في معناه حقيقة هذه الكبرياء بعينها. # وحدثت الحسن يوما حديث رؤياي1، ms193 وما شبه لي من عملي السيئ وعملي الصالح، ~~فاستدمعت عيناه، وقال: # إن البنت الطاهرة هي جهاد أبيها وأمها في هذه الدنيا، كالجهاد في سبيل ~~الله، وإنها فوز لهما في معركة من الحياة، يكونان هما والصبر والإيمان في ~~ناحية منها قبيلا، ويكون الشيطان والهم والحزن في الجهة المناوحة قبيلا ~~آخر. # إن البنت هي أم ودار، وأبواها فيما يكابدان من إحسان تربيتها وتأديبها ~~وحياطتها والصبر عليها واليقظة لها, كأنما يحملان الأحجار على ظهريهما حجرا ~~حجرا؛ ليبتنيا تلك الدار في يوم يوم إلى عشرين سنة أو أكثر، ما صحبته وما ~~بقيت في بيته. # فليس ينبغي أن ينظر الأب إلى بنته إلا على أنها بنته, ثم أم أولادها، ثم ~~أم أحفاده؛ فهي بذلك أكبر من نفسها، وحقها عليه أكبر من الحق، فيه حرمتها ~~وحرمة الإنسانية معا؛ والأب في ذلك يقرض الله إحسانا وحنانا ورحمة، فحق على ~~الله أن يوفيه من مثلها، وأن يضعف له. # والبنت ترى نفسها في بيت أهلها ضعيفة كالمنقطعة وكالعالة، وليس لها إلا ~~الله ورحمة أبويها؛ فإن رحماها, وأكرماها فوق الرحمة، وسراها فوق الكرامة، ~~وقاما بحق تأديبها وتعليمها وتفقيهها في الدين, وحفظا نفسها طاهرة كريمة ~~مسرورة مؤدبة؛ فقد وضعا بين يدي الله عملا كاملا من أعمالها الصالحة، كما ~~وضعاه بين PageV01P220 # يدي الإنسانية. فإذا صارا إلى الله كان حقا لهما أن يجدا في الآخرة يمينا ~~وشمالا يذهبان بينهما إلى عفو الله وكرمه، وكما قال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-: "من كان له ابنة فأدبها فأحسن تأديبها، وغذاها فأحسن غذاءها، ~~وأسبغ عليها من النعمة التي أسبغ الله عليه؛ كانت له ميمنة وميسرة من النار ~~إلى الجنة". # فهذه ثلاث لا بد منها معا، ولا تجزئ واحدة عن واحدة في ثواب البنت: تربية ~~عقلها تربية إحسان، وتربية جسمها تربية إحسان وإلطاف، وتربية روحها تربية ~~إكرام وإلطاف وإحسان. # قال الشيخ: والله أرحم أن تضيع عنده الرحمة؛ والله أكرم أن يضيع الإحسان ~~عنده، والله أكبر ... # وهنا صاح المؤذن: الله أكبر. # فتبسم الشيخ وقام إلى الصلاة. # PageV01P221 ### | الأجنبية ms194 # *: # أحبها وأحبته، حتى ذهب بها في الحب مذهبا قالت له فيه: "لو جاءني قلبي في ~~صورة بشرية لأراه كما أحسه، لما اختار غير صورتك أنت في رقتك وعطفك وحنانك" ~~وحتى ذهبت به في الحب مذهبا قال لها فيه: "إن الجنة لا تكون أبدع فنا ولا ~~أحسن جمالا، ولا أكثر إمتاعا -لو خلقت امرأة يهواها رجل- إلا أن تكون هي ~~أنت! " فقالت له: "ويكون هو أنت! ". # وتدلهت فيه، حتى كأنما خلبها عقلها ووضع لها عقلا من هواه؛ فكانت تقول له ~~فيما تبثه من ذات نفسها: "إن حب المرأة هو ظهور إرادتها متبرئة من أنها ~~إرادة، مقرة أنها مع الحبيب طاعة مع أمر، مذعنة أنها قد سلمت كبرياءها لهذا ~~الحبيب؛ لتراه في قوته ذا كبرياءين". # وافتتن بها حتى أخذت منه كل مأخذ، فملأت نفسه بأشياء، وملأت عينه من ~~أشياء، فكان يقول لها في نجواه: "إني أرى الزمن قد انتسخ مما بيني وبينك، ~~فإنما نحن بالحب في زمن من نفسينا العاشقتين، لا يسمى الوقت ولكن يسمى ~~السرور؛ وإنما نعيش في أيام قلبية، لا تدل على أوقاتها الساعة بدقائقها ~~وثوانيها، ولكن السعادة بحقائقها ولذاتها". # وتحابا ذلك الحب الفني العجيب، الذي يكون ممتلئا من الروحين يكاد يفيض ~~وينسكب، وهو مع ذلك لا يبرح يطلب الزيادة، ليتخيل من لذتها ما يتخيل السكير ~~في نشوته إذا طفحت الكأس، فيرى بعينيه أنها ستتسع لأكثر ما امتلأت به، ~~فيكون له بالكأس وزيادتها سكر الخمر وسكر الوهم. # وتحابا ذلك الحب الفوار في الدم، كأن فيه من دورته طبيعة الفراق والتلاقي ~~بغير تلاق ولا فراق؛ فيكونان معا في مجلسهما الغزلي، جنبه إلى جنبها وفاها ~~إلى فيه1 PageV01P222 # وكأنما هربت ثم أدركها، وكأنما فرت ثم أمسكها. وبين القبلة والقبلة هجران ~~وصلح، وبين اللفتة واللفتة غضب ورضى. # وهذا ضرب من الحب يكون في بعض الطبائع الشاذة المسرفة، التي أفرطت عليها ~~الحياة إفراطها فيلف الحيوانية بالإنسانية، ويجعل الرجل والمرأة كبعض ~~الأحماض الكيماوية مع بعضها؛ لا تلتقي إلا لتتمازج، ولا تتمازج إلا لتتحد ~~ولا تتحد إلا ليبتلع ms195 وجود هذا وجود ذاك. # وضرب الدهر من ضرباته في أحداث وأحداث؛ فأبغضته وأبغضها، وفسدت ذات ~~بينهما، وأدبر منها ما كان مقبلا؛ فوثب كلاهما من وجود الآخر وثبة فزع على ~~وجهه, أما هو فسخطها لعيوب نفسها، وأما هي ... وأما هي فتكرهته لمحاسن ~~غيره! # وانسربت أيام ذلك الحب في مساريها تحت الزمن العميق الذي طوى ولا يزال ~~يطوي ولا يبرح بعد ذلك يطوي؛ كما يغور الماء في طباق الأرض. فأصبح الرجل ~~المسكين وقد نزلت تلك الأيام من نفسه منزلة أقارب وأصدقاء وأحباء ماتوا ~~بعضهم وراء بعض، وتركوه ولكنهم لم يبرحوا فكره، فكانوا له مادة حسرة ولهفة. ~~أما هي ... أما هي فانشق الزمن في فكرها برجة زلزلة، وابتلع تلك الأيام ثم ~~التأم! # فحدثنا "الدكتور محمد"* رئيس جماعة الطلبة المصريين في مدينة ... بفرنسا، ~~قال: "وانتهى إلي أن صاحبنا هذا جاء إلى المدينة وأنه قادم من مصر، ~~فتخالجني الشوق إليه، ونزعت إلى لقائه نفسي، وما بيننا إلا معرفتي أنه مصري ~~قدم من مصر؛ وخيل إلي في تلك الساعة مما اهتاجني من الحنين إلى بلادي ~~العزيزة، أن ليس بيني وبين مصر إلا شارعان أقطعهما في دقائق؛ فخففت إليه من ~~أقرب الطرق إلى مثواه، كما يصنع الطير إذا ترامى إلى عشه فابتدره من قطر ~~الجو. # قال: وأصبته واجما يعلوه الحزن، فتعرفت إليه، فما أسرع ما ملأ من نفسي ~~وما ملأت من نفسه. وكما يمحي الزمان بين الحبيبين إذا التقيا بعد فرقة, ~~يتلاشى المكان بين أهل الوطن الواحد إذا تلاقوا في الغربة. فدابت المدينة ~~الكبيرة التي PageV01P223 # نحن فيها، كأن لم تكن شيئا؛ وتجلى سحر مصر في أقوى سطوته وأشدها فأخذنا ~~كلينا، فما استشعرنا ساعتئذ إلا أن أوروبا العظيمة كأنما كانت موسومة على ~~ورقة، فطويناها وأحللنا مصر في محلها. # وطغى علينا نازع الطرب طغيانا شديدا، فأرسلت من يجمع الإخوان المصريين، ~~واخترت لذلك صديقا شاعر الفطرة، فنزا به الطرب، فكان يدعوهم وكأنه يؤذن ~~فيهم لإقامة الصلاة. وجاءوا يهرولون هرولة الحجيج، فلو نطقت الأرض الفرنسية ~~التي مشوا عليها تلك المشية لقالت: ms196 هذه وطأة أسود تتخيل خيلاءها من بغي ~~النشاط والقوة. # ألا ما أعظمك يا مصر، وما أعظم تعنتك في هذا السحر الفاتن! أينبغي أن ~~يغترب كل أهلك حتى يدركوا معنى ذلك الحديث النبوي العظيم: "مصر كنانة الله ~~في أرضه" فيعرفوا أنك من عزتك معلقة في هذا الكون تعليق الكنانة في دار ~~البطل الأروع؟ # قال "الدكتور محمد": واجتمعنا في الدار التي أنزل فيها، فراع ذلك صاحبة ~~مثواي1. فقلت لها: إن ههنا ليلة مصرية ستحتل ليلتكم هذه في مدينتكم هذه، ~~فلا تجزعوا. ثم دعوتها إلى مجلسنا لتشهد كيف تستعلن الروح المصرية ~~الاجتماعية برقتها وظرفها وحماستها، وكيف تفسر هذه الروح المصرية كل جميل ~~من الأشياء الجميلة بشوق من أشواقها الحنانة، وكيف تكون هذه الروح في جو ~~موسيقيتها الطبيعية حتى تناجي أحبابها، فيجيء حديثها بطبيعته كأنه ديباجة ~~شاعر في صفائها وحلاوتها ورنين ألفاظها؟ # وقالت السيدة الظريفة: يا لها سعادة! سأتخذ زينتي، وأصلح من شأني، وأكون ~~بعد خمس دقائق في مصر! # قال الدكتور: وأخذنا في شأننا، وكان معنا طالب حسن الصوت، فقام إلى ~~البيانة2 وغنى مقطوعة "طقطوقة" مصرية من هذه المقاطيع التي تطقطق فيها ~~النفس، فجعل يمطل صوته بآه وآه ودار اللحن دورة تأوهت فيها الكلمات كلها. ~~ثم اعتور البيانة طالب آخر فما شذ عن هذه السنة، وكان بعد الأول كالنائحة ~~PageV01P224 # تجاوب النائحة! فمالت علي السيدة الفرنسية وأسرت إلي: أهاتان امرأتان أم ~~رجلان؟ فقلت لها: إن هذا لحن تاريخي ذو مقطوعتين، كانت تتطارحه كيلوباترا ~~وأنطونيو، وأنطونيو وكيلوباترا. فأعجبت المرأة أشد الإعجاب، وأكبرت منا هذا ~~الذوق المصري أن نكرمها لوجودها في مجلسنا بألحان الملكة المصرية الجميلة، ~~وطربت لذلك أشد الطرب، وملكها غرور المرأة، فجعلت تستعيد: "يا لوعتي يا ~~شقاي يا ضنى حالي" وتقول: ما كان أرق كيلوباترا! ما كان أرق أنطونيو! يا ~~لفتنة الحب الملكي! # قال "الدكتور محمد": ثم خجلت والله من هذا الكلام المخنث، ومن تلفيقي ~~الذي لفقته للمرأة المخدوعة، فانتفضت انتفاضة من يملؤه الغضب، وقد حمي دمه، ~~وفي يده السيف الباتر، وأمامه العدو الوقح؛ وثرت ms197 إلى البيانة فأجريت عليها ~~أصابعي، وكأن في يدي عشرة شياطين لا عشر أصابع، ودوى في المكان لحن: "اسلمي ~~يا مصر" وجلجل كالرعد في قبة الدنيا، تحت طباق الغيم، بين شرار البرق. ~~فكأنما تزلزل المكان على السيدة الفرنسية وعلينا جميعا وصرخ أجدادنا يزأرون ~~من أعماق التاريخ: "اسلمي يا مصر"1. # ولما قطعت التفت إليها في كبرياء تلك الموسيقى وعظمتها, وقلت لها: هذا هو ~~غناؤنا نحن الشبان المصريين. # ثم راجعنا صاحبنا الضيف، وأحفيناه بالمسألة، فقال بعد أن دافعنا طويلا: ~~إنه يحسن شيئا من الموسيقى, وإن له لحنا سيطارحنا به لنأخذه عنه. فطرنا ~~بلحنه قبل أن نسمعه، وقلنا له: افعل متفضلا مشكورا, وما زلنا حتى نهض ~~متثاقلا، فجلس إلى البيانة وأطرق شيئا، كأنه يسوي أوتارا في قلبه، ثم دق ~~يتشاجى بهذا الصوت: # أضاع غدي من كان في يده غدي ... وحطمني من كان يجهد في سبكي! # فإن كنت لا آسى لنفسي فمن إذن؟ ... وإن كنت لا أبكي لنفسي فمن يبكي؟ 2 # قال "الدكتور محمد": فكان الغناء يعتلج في قلبه اعتلاجا، وكانت نفسه تبكي ~~فيه بكاءها وتغص من غصتها، وكأن في الصوت فكرا حزينا يستعلن في هم موسيقى، ~~وخيل إلينا بين ذلك أن البيانة انقلبت امرأة مغنية تطارح هذا الرجل ~~PageV01P225 # عواطفها وأحزانها، فاجتمع من صوتهما أكمل صوت إنساني وأجمله وأشجاه ~~وأرقه. # فأطفنا به وقلنا له: لقد كتمتنا نفسك حتى نم عليها ما سمعنا، وما هذا ~~بغناء، ولكنه هموم ملحنة تلحينا، فلن ندعك أو تخبرنا ما كان شأنك وشأنها. # فاعتل علينا ودافعنا جهده، فقلنا له: هيهات؛ والله لن نفلتك وقد صرت في ~~أيدينا، وإنك ما تزيد على أن تعظنا بهذه القصة؛ فإن أمسكت عنها فقد أمسكت ~~عن موعظتنا، وإن بخلت فما بخلت بقصتك بل بعلم من علم الحياة نفيده منك؛ ~~وأنت ترانا نعيش ههنا في اجتماع فاسد كأنه قصص قلبية، بين نساء لا يلبسن ~~إلا ما يعري جمالهن، وفي رجال أفرطت عليهم الحرية، حتى دخل فيها مخدع ~~الزوجة! # قال الدكتور: ونظرت فإذا الرجل كاسف قد تغير لونه ms198 وتبين الانكسار في ~~وجهه، فألممت بما فينفسه، وعلمت أنه قد دهى في زوجة، من هؤلاء الأوروبيات، ~~اللواتي يتزوجن على أن يكون مخدع المرأة منهن حرا أن يأخذ ويدع، ويغير ~~ويبدل، ويقسم كلمة "زوج" قسمين وثلاثة وأربعة وما شاء. # وكأنما مسست البارود بتلك الشرارة، فانفجرت نفس الرجل عن قصة ما أفظعها! # قال: يا إخواني المصريين، قبل أن أنفض لكم ذلك الخبر أسديكم هذه النصيحة ~~التي لم يضعها مؤلف تاريخي لسوء الحظ، إلا في الفصل الأخير من رواية شقائي: # إياكم إياكم أن تغتروا بمعاني المرأة، تحسبونها معاني الزوجة؛ وفرقوا بين ~~الزوجة بخصائصها، وبين المرأة بمعانيها، فإن في كل زوجة امرأة، ولكن ليس في ~~كل امرأة زوجة. # واعلموا أن المرأة في أنوثتها وفنونها النسائية الفردية، كهذا السحاب ~~الملون في الشفق حين يبدو؛ له وقت محدود ثم يمسخ مسخا؛ ولكن الزوجة في ~~نسائيتها الاجتماعية كالشمس؛ قد يحجبها ذلك السحاب، بيد أن البقاء لها ~~وحدها، والاعتبار لها وحدها، ولها وحدها الوقت كله. # لا تتزوجوا يا إخواني المصريين بأجنبية؛ إن أجنبية يتزوج بها مصري, هي ~~مسدس جرائم فيه ست قذائف: # الأولى: بوار امرأة مصرية وضياعها بضياع حقها في هذا الزوج؛ وتلك جريمة ~~وطنية فهذه واحدة. # PageV01P226 # والثانية: إقحام الأخلاق الأجنبية عن طباعنا وفضائلنا في هذا الاجتماع ~~الشرقي، وتوهينه بها وصدعه وهي جريمة أخلاقية. # والثالثة: دس العروق الزائغة في دمائنا ونسلنا؛ وهي جريمة اجتماعية. # والرابعة: التمكين للأجنبي في بيت من بيوتنا، يملكه ويحكمه ويصرفه على ما ~~شاء؛ وهي جريمة سياسية. # والخامسة: للمسلم منا إيثاره غير أخته المسلمة، ثم تحكيمه الهوى في ~~الدين، ما يعجبه وما لا يعجبه؛ ثم إلقاؤه السم الديني في نبع ذريته ~~المقبلة، ثم صيرورته خزيا لأجداده الفاتحين الذين كانوا يأخذونهن سبايا، ~~ويجعلونهن في المنزلة الثانية أو الثالثة بعد الزوجة؛ فأخذته هي رقيقا لها، ~~وصار معها في المنزلة الثانية أو الثالثة بعد1 ... وهذه جريمة دينية. # والسادسة بعد ذلك كله: أن هذا المسكين يؤثر أسفله على أعلاه ... ولا ~~يبالي في ذلك خمس جرائم فظيعة. # وهذه السادسة جريمة ms199 إنسانية! # ما كنت أحسب يا إخواني، وقد رجعت بزوجتي الأوروبية إلى مصر، أني أحضرت ~~معي من أوروبا آلة تصنع أحزاني ومصائبي! ولم يكن وعظني أحد بما أعظكم به ~~الآن، ولا تنبهت بذكائي إلى أن الزوجة الأجنبية تثبت لي غربتي في بلادي! ~~وتثبت علي أني غير وطني أو غير تام الوطنية، ثم تكون مني حماقة تثبت للناس ~~أني أحمق فيما اخترت؛ ثم تعود مشكلة دولية في بيتي، يزورها أبناء جنسها ~~ويستزيرونها رغم أنفي وفمي ووجهي كله! ويستطيلون بالحماية، ويستترون ~~بالامتيازات، ويرفعون ستارا عن فصل، ويرخون ستارا على فصل ... وأنا وحدي ~~أشهد الرواية! # إن الشيطان في أوروبا شيطان عالم مخترع. فقد زين لي من تلك الزوجة ثلاث ~~نساء معا: زوجة عقلية، وزوجة قلبية، وزوجة نفسية؛ ثم نفث اللعين في روعي أن ~~المرأة الشرقية ليس فيها إلا واحدة، وهي مع ذلك ليست من هؤلاء الثلاث ولا ~~واحدة. قال الخبيث: لأنها زوجة الجسم وحده، فلا تسمو إلى العقل، ولا تتصل ~~بالقلب، ولا تمتزج بالنفس؛ وأنها بذلك جاهلة، غليظة الحسن، PageV01P227 # خشنة الطبع، لا تكون مع المصري إلا كما تكون الأرض المصرية مع فلاحها. # لعنة الله على ذلك الشيطان الرجيم العالم المخترع! وما علمت إلا من بعد ~~أن هذه الشرقية الجاهلة الخشنة الجافية، هي كالمنجم الذي تبره في ترابه، ~~وماسه في فحمه، وجوهره في معدنه؛ وأن صعوبتها من صعوبة العفة الممتنعة، وأن ~~خشونتها من خشونة الحب المعتز بنفسه، وأن جفاءها من جفاء الدين المتسامي ~~على المادة؛ وأنها بمجموع ذلك كان لها الصبر الذي لا يدخله العجز، وكان لها ~~الوفاء الذي لا تلحقه الشبهة، وكان لها الإيثار الذي لا يفسده الطمع. # هي جاهلة، ولها عقل الحياة في دارها، وغليظة الحس ولها أرق ما في الزوجة ~~لزوجها وحده؛ وخشنة الطبع؛ لأنها تتنزه أن تكون ملمسا ناعما لهذا وذاك ~~وهؤلاء وأولئك ... لا كامرأة الحب الأوروبية، التي تجعل نفسها أنثى الفن، ~~ويريد أن تعيش دائما مع زوجها الشرقي من التفضيل والإيثار والإجلال ~~والإباحة, في كلمة "أنا" قبل كلمة "أنت" ... امرأة ms200 أنشأتها الحرب العظمى ~~بأخلاق مخربة مد مرة تنفجر بين الوقت والوقت. # عندنا يا إخواني تعدد الزوجات، يتهموننا به من عمى وجهل وسخافة. انظروا، ~~هل هو إلا إعلان لشرعية الرجولة والأنوثة، ودينية الحياة الزوجية في أي ~~أشكالها؛ وهل هو إلا إعلان بطولة الرجل الشرقي الأنوف الغيور، أن الزوجة ~~تتعدد عند الرجل ولكن ... ولكن ليس كما يقع في أوروبا من أن الزوج يتعدد ~~عند المرأة! # يتهموننا بتعدد المرأة على أن تكون زوجة لها حقوقها وواجباتها -بقوة ~~الشرع والقانون- نافذة مؤداة؛ ثم لا يتهمون أنفسهم بتعدد المرأة خليلة ~~مخادنة ليس لها حق على أحد، ولا واجب من أحد، بل هي تتقاذفها الحياة من رجل ~~إلى رجل، كالسكير يتقاذفه الشارع من جدار إلى جدار. # لعنة الله على شيطان المدنية العالم المخترع المخنث، الذي يجعل للمرأة ~~الأوروبية بعد أن يتزوجها الرجل الشرقي أصابع "أوتوماتيكية"، ما أسرع ما ~~تمتد في نزوة من حماقاتها إلى رجلها بالمسدس، فإذا الرصاص والقتل؛ وما أسرع ~~ما تمتد في نزوة من عواطفها إلى عاشقها بمفتاح الدار، فإذا الخيانة ~~والعهر!! # ماذا تتوقعون يا إخواني من تلك الرقيقة الناعمة، المتأنثة بكل ما فيها من ~~أنوثة تكفي رجالا لا رجلا واحدا، وقد ضعفت روحية الأسرة في رأيها، وابتذلت ~~الروحية # PageV01P228 # في مجتمعها ابتذالا، فأصبح عندها الزواج للزواج على إطلاقه، لا لتكون ~~امرأة واحدة لرجل واحد مقصورة عليه؛ وبذلك عاد الزواج حقا في جسم المرأة ~~دون قلبها وروحها؛ فإن كان الزوج مشئوما منكوبا لم يستطع أن يكون رجل ~~قلبها, فعليه أن يدع لها الحرية لتختار زوج قلبها! ومعنى ذلك أن تكون هذه ~~المرأة مع الزوج الشرعي بمنزلة المرأة مع فاسق؛ ومع الفاسق بمنزلة المرأة ~~مع الزوج الشرعي! وإن كان الرجل منحوسا مخيبا، وكان قد بلغ إلى قلبها زمنا ~~ثم مله قلبها, فعليه أن يدع لها الحرية لتتنقل وتلذ بلذات الهوى، ويقول ~~لها: شأنك بمن أحببت! فإن هذا المنحوس المخيب ليس عندها إنسانا، ولكنه ~~رواية إنسانية انتهى الفصل الجميل منها بمناظره الجميلة، وبدأ فصل آخر ~~بحوادث غير تلك. ms201 فلمن يشهد الرواية أن يتبرم ما شاء، ويستثقل كما يشاء، ~~ومتى شاء انصرف من الباب! # امرأة هذه المدنية هي امرأة العاطفة؛ تتعلق باللفظ حين تلبسه العاطفة من ~~زينتها، وإن ضاع فيه المعنى الكبير من معاني العقل، وإن فاتت به النعمة ~~الكبيرة من نعم الحياة. # تقوى العاطفة فتجيء بها إلى رجل، ثم تقوى الثانية فتذهب بها مع رجل آخر! ~~وتفيد نفسها إن شاءت وتسرح نفسها إن شاءت؛ وما بد من أن تبلو الحياة كما ~~يبلوها الرجل وأن تخوض في مشاكلها؛ وإذا شاءت جعلت نفسها إحدى مشاكلها! ولا ~~مندوحة من أن تتولى شأن نفسها بنفسها، فإذا خاست أو غدرت فكل ذلك عندها من ~~أحكام نفسها، وكل ذلك رأي وحق، إذ كان محورها الذي تدور عليه هو عاطفتها ~~وحرية هذه العاطفة، فمن هذا يقرر لها خطتها، ويملي عليها واجباتها، ويزور ~~لها الأسماء على إرادته دون إرادتها، فيسمي لها نكد قلبها باسم فضيلة ~~المرأة، وحرمان عاطفتها باسم واجب الزوجة الشريفة! # ومنذ خوله الحق أن يقرر وأن يملي! # وهذا الشرقي العتيق المأفون الذي قبلها سافرة لا تعرف روحها ولا جسمها ~~الحجاب؛ ما باله يريد أن يضرب الحجاب على عاطفتها، ويتركها محبوسة في شرفه ~~وحقوقه وواجباته، وإن لم تكن محجوبة في الدار؟! # ما علمت يا إخواني إلا من بعد، أن الزوجة الغربية قد تكون مع زوجها ~~الشرقي كالسائحة مع دليلها. هيهات هيهات، إنه لن يمسكها عليه، ولن يكرهها ~~على الوفاء له، إلا أن تكون حثالة يزهد فيها حتى ذباب الناس؛ فيأسها هو ~~يجعل # PageV01P229 # هذا المسكين مطمعها، وهي مع ذلك لو خلطته بنفسها لبقيت منها ناحية لا ~~تختلط، إذ ترى أمته دون أمتها، وجنسه دون جنسها؛ فما تسب أمة زوجها وبلاده ~~بأقبح من هذا! # أما والله إن الرجل الشرقي حين يأتي بالأجنبية لتلوين حياته بألوان ~~الأنثى, لا يكون اختار أزهى الألوان إلا لتلوين مصائب حياته! وقد يكون هناك ~~ما يشذ، ولكن هذه هي القاعدة. # أما قصتي يا إخواني ... # قال الدكتور محمد: قد حكيتها "يرحمك الله". # PageV01P230 ### | قصيدة مترجمة ms202 عن الشيطان: لحوم البحر # لكأنما والله تمدد على سيف البحر في الإسكندرية شيطان مارد من شياطين ما ~~بين الرجل والمرأة، يخدع الناس عن جهنم بتبريد معانيها, وقد امتلأ به ~~الزمان والمكان؛ فهو يرعش ذلك الرمل بذلك الهواء رعشة أعصاب حية؛ ويرسل في ~~الجو نفخات من جرأة الخمر في شاربها ثار فعربد، ويطلع الشمس للأعين في منظر ~~حسناء عريانة ألقت ثيابها وحياءها معا، ويرخي الليل ليغطي به المخازي التي ~~خجل النهار أن تكون فيه. # ولعمري إن لم يكن هو هذا المارد، ما أحسبه إلا الشيطان الخبيث الذي ابتدع ~~فكرة عرض الآثام مكشوفة في أجسامها تحت عين التقي والفاجر؛ لتعمل عملها في ~~الطباع والأخلاق؛ فسول للنساء والرجال أن ذلك الشاطئ علاج الملل من الحر ~~والتعب، حتى إذا اجتمعوا، فتقاربوا، فتشابكوا، سول لهم الأخرى أن الشاطئ هو ~~كذلك علاج الملل من الفضيلة والدين! # وإن لم يكن اللعينان فهو الرجيم الثالث، ذلك الذي تألى أن يفسد الآداب ~~الإنسانية كلها بفساد خلق واحد، هو حياء المرأة؛ فبدأ يكشفها للرجال من ~~وجهها، ولكنه استمر يكشف ... وكانت تظنه نزع حجابها فإذا هو أول عريها ... ~~وزادت المرأة، ولكن بما زاد فجور الرجال؛ ونقصت، ولكن بما نقص فضائلهم؛ ~~وتغيرت الدنيا وفسدت الطباع؛ فإذا تلك المرأة ممن يقرونها على تبذلها بين ~~رجلين لا ثالث لهما: رجل فجر ورجل تخنث. # هناك فكرة من شريعة الطبيعة هي عقل البحر في هؤلاء الناس، وعقل هؤلاء ~~الناس في البحر؛ إذا أنت اعترضتها فتبينتها فتعقبتها، رأيتها بلاغة من ~~بلاغة PageV01P231 # الشيطان في تزيينه وتطويعه، وأصبت فكره مستقرا فيها استقرار المعنى في ~~عبارته، آخذا بمداخلها ومخارجها. وما كان الشيطان عييا ولا غبيا، بل هو ~~أذكى شعراء الكون في خياله، وأبلغهم في فطنته، وأدقهم في منطقه، وأقدرهم ~~على الفتنة والسحر؛ وبتمامه في هذا كله كان شيطانا لم تسعه الجنة إذ ليس ~~فيها النار، ولم ترضه الرحمة إذ ليس معها الغضب، ولم يعجبه الخضوع الملائكي ~~إذ ليس فيه الكبرياء، ولم يخلص إلى الحقيقة إذ لا تحمل الحقيقة شعر أحلامه. ms203 # وما أتى الشيطان أحدا، ولا وسوس في قلب، ولا سول لنفس، ولا أغوى من ~~يغويه, إلا بأسلوب شعري ملتبس دقيق، يجعل المرء يعتقد أن اطراح العقل ساعة ~~هو عقل الساعة، ويفسد برهانه مهما كان قويا؛ إذ يرتد به من النفس إلى أخيلة ~~لا تقبل البرهانات، ويقطع حجته مهما كانت دامغة؛ إذ يعترضها بنزعة من ~~النزعات توجهها كيف دار بها الدم, لا كيف دار بها المنطق. # فكرة من شريعة الطبيعة، ظاهرها لبعض الأمر من الشمس والهواء والبحر وما ~~لا أدري، وباطنها لبعض الأمر من فن الشيطان وبلاغته وشعره وما لا أدري؛ وما ~~كانت الشرائع الإلهية والوضعية إلا لإقرار العقل في شريعة الطبيعة كي تكون ~~إنسانية لإنسانها كما هي الحيوانية لحيوانها، وليجد الإنسان ما يحفظ به ~~نفسه من نفسه التي هي دائما فوضى، ولا غاية لها لولا ذلك العقل إلا أن تكون ~~دائما فوضى. # وبالشرائع والآداب استطاع الإنسان أن يضع لكلمة الطبيعة النافذة عليه ~~جوابا, وأن يرى في هذه الطبيعة أثر جوابه؛ فكلمتها هي: أيها الإنسان، أنت ~~خاضع لي بالحيواني فيك, وكلمته هي: أيتها الطبيعة, وأنت لي خاضعة بالإلهي ~~في. # والآن سأقرأ لك القصيدة الفنية التي نظمها الشيطان على رمل الشاطئ في ~~الإسكندرية؛ وقد نقلتها أترجمها فصلا بعد فصل عن تلك الأجسام عارية وكاسية، ~~وعن معانيها مكشوفة ومغطاة، وعن طباعها بريئة ومتهمة، حتى اتسقت الترجمة ~~على ما ترى: # قال الشيطان: # ألا إن البهيمة والعقلية في هذا الإنسان, مجموعهما شيطانية. # ألا وإنه ما من شيء جميل أو عظيم إلا وفيه معنى السخرية به. # هنا تتعرى المرأة من ثوبها، فتتعرى من فضيلتها. # PageV01P232 # هنا يخلع الرجل ثوبه، ثم يعود إليه فيلبس فيه الأدب الذي خلعه. # رؤية الرجل لحم المرأة المحرمة نظر بالعين والعاطفة. # يرمي ببصره الجائع كما ينظر الصقر إلى لحم الصيد. # ونظر المرأة لحم الرجل رؤية فكر فقط. # تحول بصرها أو تخفضه، وهي من قلبها تنظر. # يا لحوم البحر! سلخك من ثيابك جزار! # يا لحوم البحر! سلخك جزار من ثيابك. # جزار لا يذبح بألم ms204 ولكن بلذة. # ولا يحز بالسكين ولكن بالعاطفة. # ولا يميت الحي إلا موتا أدبيا. # إلى الهيجاء يا أبطال معركة الرجال والنساء. # فهنا تلتحم نواميس الطبيعة, ونواميس الأخلاق. # للطبيعة أسلحة العري، والمخالطة، والنظر، والأنس، والتضاحك، ونزوع المعنى ~~إلى المعنى. # وللأخلاق المهزومة سلاح من الدين قد صدئ؛ وسلاح من الحياء مكسور! # يا لحوم البحر! سلخك من ثيابك جزار. # الشاطئ كبير كبير، يسع الآلاف والآلاف. # ولكنه للرجل والمرأة صغير صغير، حتى لا يكون إلا خلوة. # وتقضي الفتاة سنتها تتعلم، ثم تأتي هنا تتذكر جهلها وتعرف ما هو. # وتمضي المرأة عامها كريمة، ثم تجيء لتجد هنا مادة اللؤم الطبيعي. # لو كانت حجاجة صوامة، للعنتها الكعبة لوجودها في "إستانلي". # الفتاة ترى في الرجال العريانين أشباح أحلامها، وهذا معنى من السقوط. # والمرأة تسارقهم النظر تنويعا لرجلها الواحد، وهذا معنى من المواخير. # أين تكون النية الصالحة لفتاة أو امرأة بين رجال عريانين؟! # يا لحوم البحر! سلخك من ثيابك جزار! # هناك التربية، وهنا إعلان الإغفال والطيش. # PageV01P233 # وهناك الدين، وهنا أسباب الإغراء والزلل. # هناك تكلف الأخلاق، وهنا طبيعة الحرية منها. # وهناك العزيمة بالقهر يوما بعد يوم، وهنا إفسادها بالترخص يوما بعد يوم. # والبحر يعلم اللائي والذين يسبحون فيه كيف يغرقون في البر. # لو درى هؤلاء وهؤلاء معرة اغتسالهم معا في البحر، لاغتسلوا من البحر. # فقطرة الماء التي نجستها الشهوات قد انسكبت في دمائهم. # وذرة الرمل النجسة في الشاطئ، ستكبر حتى تصير بيتا نجسا لأب وأم. # يا لحوم البحر! سلخك من ثيابك جزار! # يجيئون للشمس التي تقوى بها صفات الجسم؛ # ليجد كل من الجنسين شمسه التي تضعف بها صفات القلب. # يجيئون للهواء الذي تتجدد به عناصر الدم؛ # ليجدوا الهواء الآخر الذي تفسد به معاني الدم. # يجيئون للبحر الذي يأخذون منه القوة والعافية؛ # ليأخذوا عنه أيضا شريعته الطبيعية: سمكة تطارد سمكة. # ويقولون: ليس على المصيف حرج، # أي: لأنه أعمى الأدب، وليس على الأعمى حرج. # يا لحوم البحر! سلخك من ثيابك جزار! # المدارس، والمساجد، والبيع، والكنائس، ووزارة الداخلية؛ # هذه كلها لن تهزم الشاطئ. ms205 # فأمواج النفس البشرية كأمواج البحر الصاخب، تنهزم أبدا لترجع أبدا. # لا يهزم الشاطئ إلا ذلك "الجامع الأزهر"، لو لم يكن قد مسخ مدرسة! # فصرخة واحدة من قلب الأزهر القديم، تجعل هدير البحر كأنه تسبيح. # وترد الأمواج نقية بيضاء1، كأنها عمائم العلماء. PageV01P234 # وتأتي إلى البحر بأعمدة الأزهر للفصل بين الرجال والنساء. # ولكني أرى زمنا قد نقل حتى إلى المدارس روح "الكازينو"! # يا لحوم البحر! سلخك من ثيابك جزار! # "هنا على رغم الآداب، مملكة للصيف والقيظ، سلطانها الجسم المؤنث العاري. # أجسام تعرض مفاتنها عرض البضائع؛ فالشاطئ حانوت للزواج! # وأجسام تعرض أوضاعها كأنها في غرفة نومها في الشاطئ. # وأجسام جالسة لغيرها، تحيط بها معانيها ملتمسة معانيه؛ فالشاطئ سوق ~~للرقيق. # وأجسام خفرة جالسة للشمس والهواء؛ فالشاطئ كدار الكفر لمن أكره1. # وأجسام عليلة تقتحمها الأعين فتزدريها؛ لأنها جعلت الشاطئ مستشفى. # وأجسام خليعة أضافت من "إستانلي" وأخواتها إلى منارة الإسكندرية ومكتبة ~~الإسكندرية, مزبلة الإسكندرية. # كان جدال المسلمين في السفور، فأصبح الآن في العري. # فإذا تطور، فماذا بقي من تقليد أوروبا إلا الجدال في شرعية جمع المرأة ~~بين الزوج وشبه الزوج2؟ ". # انتهى ما استطعت ترجمته، بعد الرجوع في مواضع من القصيدة إلى بعض ~~القواميس الحية ... إلى بعض شبان الشاطئ. PageV01P235 ### $ قصيدة مترجمة عن الملك: احذري ... ! # ترجمنا عن الشيطان قصيدة "لحوم البحر" وهذه ترجمة عن أحد الملائكة, رآني ~~جالسا تحت الليل وقد أجمعت أن أضع كلمة للمرأة الشرقية فيما تحاذره أو ~~تتوجس منه الشر؛ فتخايل الملك بأضوائه في الضوء, وسنح لي بروحه، وبث في من ~~سره الإلهي، فجعلت أنظر في قلبي إلى فجر من هذا الشعر ينبع كلمة كلمة, ~~ويشرق معنى معنى، ويستطير جملة جملة، حتى اجتمعت القصيدة وكأنما سافرت في ~~حلم من الأحلام فجئت بها. # وانطلق ذلك الملك وتركها في يدي لغة من طهارته للمرأة الشرقية في ~~ملائكيتها: # احذري ... ! # احذري أيتها الشرقية وبالغي في الحذر، واجعلي أخص طباعك الحذر وحده. # احذري تمدن أوروبا أن يجعل فضيلتك ثوبا يوسع ويضيق؛ فلبس الفضيلة على ذلك ~~هو لبسها وخلعها. # احذري فنهم ms206 الاجتماعي الخبيث الذي يفرض على النساء في مجالس الرجال أن ~~تؤدي أجسامهن ضريبة الفن. # احذري تلك الأنوثة الاجتماعية الظريفة؛ إنها انتهاء المرأة بغاية الظرف ~~والرقة إلى ... إلى الفضيحة. # احذري تلك النسائية1 الغزلية؛ إنها في جملتها ترخيص اجتماعي للحرة أن ... ~~أن تشارك البغي في نصف عملها. PageV01P236 # أيتها الشرقية! احذري احذري! # احذري التمدن الذي اخترع لقتل لقب الزوجة المقدس, لقب "المرأة الثانية". # واخترع لقتل لقب العذراء المقدس، لقب "نصف عذراء". # واخترع لقتل دينية معاني المرأة، كلمة "الأدب المكشوف". # وانتهى إلى اختراع السرعة في الحب, فاكتفى الرجل بزوجة ساعة. # وإلى اختراع استقلال المرأة، فجاء بالذي اسمه "الأب" من الشارع، لتلقي ~~بالذي اسمه "الابن" إلى الشارع. # أيتها الشرقية؛ احذري احذري! # احذري, وأنت النجم الذي أضاء منذ النبوة، أن تقلدي هذه الشمعة التي أضاءت ~~منذ قليل. # إن المرأة الشرقية هي استمرار متصل لآداب دينها الإنساني العظيم. # هي دائما شديدة الحفاظ, حارسة لحوزتها؛ فإن قانون حياتها دائما هو قانون ~~الأمومة المقدس. # هي الطهر والعفة، هي الوفاء والأنفة، هي الصبر والعزيمة، وهي كل فضائل ~~الأم. # فما هو طريقها الجديد في الحياة الفاضلة، إلا طريقها القديم بعينه. # أيتها الشرقية! احذري احذري! # احذري "ويحك" تقليد الأوروبية التي تعيش في دنيا أعصابها, محكومة بقانون ~~أحلامها. # لم تعد أنوثتها حالة طبيعية نفسية فقط، بل حالة عقلية أيضا تشك وتجادل. # أنوثة تفلسفت فرأت الزوج نصف الكلمة فقط, والأم نصف المرأة فقط. # ويا ويل المرأة حين تنفجر أنوثتها بالمبالغة، فتنفجر بالدواهي على ~~الفضيلة. # إنها بذلك حرة مساوية للرجل، ولكنها بذلك ليست الأنثى المحدودة بفضيلتها. # أيتها الشرقية! احذري احذري! # احذري خجل الأوروبية المترجلة من الإقرار بأنوثتها. # PageV01P237 # إن خجل الأنثى يجعل فضيلتها تخجل منها. # إنه يسقط حياءها ويكسو معانيها رجولة غير طبيعية. # إن هذه الأنثى المترجلة تنظر إلى الرجل نظرة رجل إلى أنثى. # والمرأة تعلو بالزواج درجة إنسانية، ولكن هذه المكذوبة تنحط درجة إنسانية ~~بالزواج. # أيتها الشرقية! احذري احذري! # احذري تهوس الأوروبية في طلب المساواة بالرجل. # لقد ساوته في الذهاب إلى الحلاق، ولكن الحلاق لم ms207 يجد في وجهها اللحية. # إنها خلقت لتحبيب الدنيا إلى الرجل، فكانت بمساواتها مادة تبغيض. # العجيب أن سر الحياة يأبى أبدا أن تتساوى المرأة بالرجل إلا إذا خسرته. # والأعجب أنها حين تخضع، يرفعها هذا السر ذاته عن المساواة بالرجل إلى ~~السيادة عليه. # أيتها الشرقية! احذري احذري! # احذري أن تخسري الطباع التي هي الأليق بأم أنجبت الأنبياء في الشرق. # أم عليها طابع النفس الجميلة، تنشر في كل موضع جو نفسها العالية. # فلو صارت الحياة غيما ورعدا وبرقا، لكانت هي فيها الشمس الطالعة. # ولو صارت الحياة قيظا وحرورا واختناقا، لكانت هي فيها النسيم يتخطر. # أم لا تبالي إلا أخلاق البطولة وعزائمها؛ لأن جداتها ولدن الأبطال. # أيتها الشرقية! احذري احذري! # احذري هؤلاء الشبان المتمدنين بأكثر من التمدن. # يبالغ الخبيث في زينته، وما يدري أن زينته معلنة أنه إنسان من الظاهر. # ويبالغ في عرض رجولته على الفتيات، يحاول إيقاظ المرأة الراقدة في ~~العذراء المسكينة! # ليس لامرأة فاضلة إلا رجلها الواحد؛ فالرجال جميعا مصائبها إلا واحدا. # وإذ هي خالطت الرجال، فالطبيعي أنها تخالط شهوات، ويجب أن تحذر وتبالغ. # أيتها الشرقية! احذري احذري! # PageV01P238 # احذري؛ فإن في كل امرأة طبائع شريفة متهورة؛ وفي الرجال طبائع خسيسة ~~متهورة. # وحقيقة الحجاب أنه الفصل بين الشرف فيه الميل إلى النزول، وبين الخسة ~~فيها الميل إلى الصعود. # فيك طبائع الحب، والحنان، والإيثار، والإخلاص، كلما كبرت كبرت. # طبائع خطرة، إن عملت في غير موضعها؛ جاءت بعكس ما تعمله في موضعها. # فيها كل الشرف ما لم تنخدع، فإذا انخدعت فليس فيها إلا كل العار. # أيتها الشرقية! احذري احذري! # احذري كلمة شيطانية تسمعينها: هي فنية الجمال أو فنية الأنوثة. # وافهميها أنت هكذا: واجبات الأنوثة وواجبات الجمال. # بكلمة يكون الإحساس فاسدا، وبكلمة يكون شريفا. # ولا يتسقط الرجل امرأة إلا في كلمات مزينة مثلها. # يجب أن تتسلح المرأة مع نظرتها، بنظرة غضب ونظرة احتقار. # أيتها الشرقية! احذري احذري! # احذري أن تخدعي عن نفسك؛ إن المرأة أشد افتقارا إلى الشرف منها إلى ~~الحياة. # إن الكلمة الخادعة إذ تقال ms208 لك، هي أخت الكلمة التي تقال ساعة إنفاذ الحكم ~~للمحكوم عليه بالشنق. # يغترونك بكلمات الحب والزواج والمال، كما يقال للصاعد إلى الشناقة1: ماذا ~~تشتهي؟ ماذا تريد؟ # الحب؟ الزواج؟ المال؟ هذه صلاة الثعلب حين يتظاهر بالتقوى أمام الدجاجة. # الحب؟ الزواج؟ المال؟ يا لحم الدجاجة! بعض كلمات الثعلب هي أنياب الثعلب. # أيتها الشرقية! احذري احذري. PageV01P239 # احذري السقوط؛ إن سقوط المرأة لهوله وشدته ثلاث مصائب في مصيبة: سقوطها ~~هي, وسقوط من أوجدوها، وسقوط من توجدهم! نوائب الأسرة كلها قد يسترها ~~البيت، إلا عار المرأة. # فيد العار تقلب الحيطان كما تقلب اليد الثوب, فتجعل ما لا يرى هو ما يرى. # والعار حكم ينفذه المجتمع كله، فهو نفي من الاحترام الإنساني. # أيتها الشرقية! احذري احذري! # "لو كان العار في بئر عميقة لقلبها الشيطان مئذنة, ووقف يؤذن عليها. # يفرح اللعين بفضيحة المرأة خاصة، كما يفرح أب غني بمولود جديد في بيته. # واللص، والقاتل، والسكير، والفاسق، كل هؤلاء على ظاهر الإنسانية كالحر ~~والبرد. # أما المرأة حين تسقط, فهذه من تحت الإنسانية هي الزلزلة. # ليس أفظع من الزلزلة المرتجة تشق الأرض، إلا عار المرأة حين يشق الأسرة. # أيتها الشرقية! احذري احذري! ". # PageV01P240 ### | ### | الجمال البائس *: " # 1" # "وكيف يشعب صدع الحب في كبدي"، كيف يشعب صدع الحب؟ # لعمري ما رأيت الجمال مرة إلا كان عندي هو الألم في أجمل صوره وأبدعها؛ ~~أتراني مخلوقا بجرح في القلب؟ # ولا تكون المرأة جميلة في عيني، إلا إذا أحسست حين أنظر إليها أن في نفسي ~~شيئا قد عرفها، وأن في عينيها لحظات موجهة، وإن لم تنظر هي إلي. # فإثبات الجمال نفسه لعيني، أن يثبت صداقته لروحي باللمحة التي تدل ~~وتتكلم: تدل نفسي وتتكلم في قلبي. # كنت أجلس في "الإسكندرية" بين الضحى والظهر، في مكان على شاطئ البحر، ~~ومعي صديقي الأستاذ "ح"** من أفاضل رجال السلك السياسي، وهو كاتب من ذوي ~~الرأي، له أدب غض ونوادر وظرائف؛ وفي قلبه إيمان لا أعرف مثله في مثله، قد ~~بلغ ما شاء الله قوة وتمكنا، حتى لأحسب أنه رجل ms209 من أولياء الله قد عوقب ~~فحكم عليه أن يكون محاميا، ثم زيد الحكم فجعل قاضيا، ثم ضوعفت العقوبة فجعل ~~سياسيا. # وهذا المكان ينقلب في الليل مسرحا ومرقصا وما بينهما, فيتغاوى فيه الجمال ~~والحب، ويعرض الشيطان مصنوعاته في الهزل والرقص والغناء1، فإذا دخلته في ~~النهار رأيت نور النهار كأنه يغسله ويغسلك معه، فتحس للنور هناك عملا في ~~نفسك. PageV01P241 # ويرى المكان صدرا من النهار كأنه نائم بعد سهر الليل، فما تجيئه من ساعة ~~بين الصبح والظهر، إلا وجدته ساكنا هادئا كالجسم المستثقل نوما؛ ولهذا كنت ~~كثيرا ما أكتب فيه، بل لا أذهب إليه إلا للكتابة. # فإذا كان الظهر أقبل نساء المسرح ومعهن من يطارحهن الأناشيد وألحانها, ~~ومن يثقفهن في الرقص، ومن يرويهن ما يمثلن إلى غير ذلك مما ابتلتهن به ~~الحياة لتساقط عليهن الليالي بالموت ليلة بعد ليلة. # وكن إذا جئن رأينني على تلك الحال من الكتابة والتفكير، فينصرفن إلى ~~شأنهن، إلا واحدة كانت أجملهن*، وأكثر هؤلاء المسكينات يظهرن لعين المتأمل ~~كأن منهن مثل العنز التي كسر أحد قرنيها، فهي تحمل على رأسها علامة الضعف ~~والذلة والنقص، ولو أن امرأة تتبدد حينا فلا تكون شيئا، وتجتمع حينا فتكون ~~مرة شيئا مقلوبا، وأخرى شكلا ناقصا، وتارة هيئة مشوهة؛ لكانت هي كل امرأة ~~من هؤلاء المسكينات اللواتي يمشين في المسرات إلى المخاوف، ويعشن ولكن ~~بمقدمات الموت، ويجدن في المال معنى الفقر، ويتلقين الكرامة فيها ~~الاستهزاء، ثم لا يعرفن شابا ولا رجلا إلا وقعت عليهن من أجله لعنة أب أو ~~أم أو زوجة. # وتلك الواحدة التي أومأت إليها كانت حزينة متسلبة1, فكأنما جذبها حزنها ~~إلي، وكانت مفكرة فكأنما هداها إلي فكرها، وكانت جميلة فدلها علي الحب، وما ~~أدري -والله- أي نفسينا بدأت فقالت للأخرى: أهلا. # ورأيتها لا تصرف نظرها عني إلا لترده إلي، ولا ترده إلا لتصرفه؛ ثم ~~رأيتها قد جال بها الغزل جولة في معركته, فتشاغلت عنها لا أريها أني أنا ~~الخصم الآخر في المعركة. # بيد أني جعلت آخذها في مطارح النظر، وأتأملها خلسة بعد ms210 خلسة في ثوبها ~~الحريري الأسود، فإذا هو يشب لونها2 فيجعله يتلألأ، ويظهر وجهها بلون البدر ~~في تمه، ويبديه لعيني أرق من الورد تحت نور الفجر. # ورأيت لها وجها فيه المرأة كلها باختصار، يشرق على جسم بض ألين من ~~PageV01P242 # خمل النعام، تعرض فيه الأنوثة فنها الكامل؛ فلو خلق الدلال امرأة ~~لكانتها. # وتلوح للرائي من بعيد كأنها وضعت في فمها "زر ورد" أحمر منضما على نفسه. ~~شفتان تكاد ابتسامتهما تكون نداء لشفتي محب ظمآن! # أما عيناها فما رأيت مثلهما عيني امرأة ولا ظبية؛ سوادهما أشد سوادا من ~~عيون الظباء؛ وقد خلقتا في هيئة تثبت وجود السحر وفعله في النفس؛ فهما ~~القوة الواثقة أنها النافذة الأمر، يمازجها حنان أكثر مما في صدر أم على ~~طفلها؛ وتمام الملاحة أنهما هما بهذا التكحيل، في هذه الهيئة، في هذا الوجه ~~القمري. # يا خالق هاتين العينين! سبحانك سبحانك! # قال الراوي: # وأتغافل عنها أياما؛ وطال ذلك مني وشق عليها، وكأني صغرت إليها نفسها، ~~وأرهقتها بمعنى الخضوع، بيد أن كبرياءها التي أبت لها أن تقدم، أبت عليها ~~كذلك أن تنهزم. # وأنا على كل أحوالي إنما أنظر إلى الجمال كما أستنشي العطر يكون متضوعا ~~في الهواء: لا أنا أستطيع أن أمسه ولا أحد يستطيع أن يقول: أخذت مني. ثم لا ~~تدفعني إليه إلا فطرة الشعر والإحساس الروحاني، دون فطرة الشر والحيوانية1, ~~ومتى أحسست جمال المرأة أحسست فيه بمعنى أكبر من المرأة، أكبر منها؛ غير ~~أنه هو منها. # قال الراوي: # فإني لجالس ذات يوم وقد أقبلت على شأني من الكتابة، وبإزائي فتى ريق ~~الشباب، في العمر الذي ترى فيه الأعين بالحماسة والعاطفة، أكثر مما ترى ~~بالعقل والبصيرة، ناعم أملد تم شبابه ولم تتم قوته، كأنما نكصت الرجولة عنه ~~إذ وافته فلم تجده رجلا ... أو تلك هي شيمة أهل الظرف والقصف من شبان ~~اليوم: ترى الواحد منهم فتعرف النضج في ثيابه أكثر مما تعرفه في جسمه، ~~وتأبى الطبيعة عليه أن يكون أنثى فيجاهد ليكون ضربا من الأنثى! إني لجالس ~~إذا وافت الحسناء ms211 فأومأت إلى الفتى بتحيتها، ثم ذهبت فاعتلت المنصة مع ~~الباقيات، ورقصت PageV01P243 # فأحسنت ما شاءت، وكأن في رقصها تعبيرا عن أهواء ونزعات تريد إثارتها في ~~رجل ما, فقلت لصاحبنا الأستاذ "ح": إن كلمة الرقص إنما هي استعارة على مثل ~~هذا، كما يستعرن كلمة الحب لجمع المال؛ ولا رقص ولا حب إلا فجور وطمع. # ثم إنها فرغت من شأنها فمرت تتهادى حتى جاءت فجلست إلى الفتى ... فقال ~~الأستاذ "ح" وكان قد ألم بما في نفسها: أتراها جعلته ههنا محطة؟ # قال الراوي: أما أنا فقلت في نفسي: لقد جاء الموضوع ... وإني لفي حاجة ~~-أشد الحاجة- إلى مقالة من المكحولات، فتفرغت لها أنظر ماذا تصنع، وأنا ~~أعلم أن مثل هذه قليلا ما يكون لها فكر أو فلسفة؛ غير أن الفكر والفلسفة ~~والمعاني كلها تكون في نظرها وابتساماتها وعلى جسمها كله. # وكان فتاها قد وضع طربوشه على يده؛ فقد انتهينا إلى عهد رجع حكم الطربوش ~~فيه على رأس الشاب الجميل، كحكم البرقع على وجه الفتاة الجميلة. # فأسفر ذاك من طربوشه، وأسفرت هذه من نقابها. قال الراوي: فما جلست إلى ~~الفتى حتى أدنت رأسها من الطربوش، فاستنامت إليه، فألصقت به خدها. # ثم التفتت إلينا التفاتة الخشف المذعور استروح السبع1 ووجد مقدماته في ~~الهواء، ثم أرخت عينيها في حياء لا يستحي. # وأنشأت تتكلم وهي في ذلك تسارقنا النظر، كأن في ناحيتنا بعض معاني ~~كلامها. # ثم لا أدري ما الذي تضاحكت له، غير أن ضحكتها انشقت نصفين، رأينا نحن ~~أجملهما في ثغرها. # ثم تزعزعت في كرسيها كأنما تهم أن تنقلب؛ لتمتد إليها يد فتمسكها أن ~~تنقلب. # ثم تساندت على نفسها، كالمريضة النائمة تتناهض من فراشها فيكاد يئن بعضها ~~من بعضها، وقامت فمشت، فحاذتنا، وتجاوزتنا غير بعيد، ثم رجعت إلى موضعها ~~متكسرة كأن فيها قوة تعلن أنها انتهت. # قال الراوي: # ونظرت إليها نظرة حزن؛ فتغضبت واغتاظت، وشاجرت هذه النظرة من PageV01P244 # عينيها الدعجاوين بنظرات متهكمة، لا أدري أهي توبخنا بها، أم تتهمنا ~~بأننا أخذنا من حسنها مجانا؟ # فقلت للأستاذ "ح"، وأنا ms212 أجهر بالكلام ليبلغها: # أما ترى أن الدنيا قد انتكست في انتكاسها، وأن الدهر قد فسد في فساده، ~~وأن البلاء قد ضوعف على الناس، وأن بقية من الخير كانت في الشر القديم ~~فانتزعت؟ # قال: وهل كان في الشر القديم بقية خير وليس مثلها في الشر الحديث؟ # قلت: ههنا في هذا المسرح قيان لو كانت إحداهن في الزمن القديم، لتنافس في ~~شرائها الملوك والأمراء سراة الناس وأعيانهم، فكان لها في عهارة الزمن صون ~~وكرامة، وتتقلب في القصور فتجعل لها القصور حرمة تمنعها ابتذال فنها لكل من ~~يدفع خمسة قروش، حتى لرذال الناس وغوغائهم وسفلتهم؛ ثم هي حين يدبر شبابها ~~تكون في دار مولاها حميلة على كرم يحملها، وعلى مروءة تعيش بها. # وقديما أخذت سلامة الزرقاء في قبلتها لؤلؤتين بأربعين ألف درهم، تبلغ ~~ألفي جنيه. فهل تأخذ القينة من هؤلاء إلا دخينة1 بمليمين؟ # قال الأستاذ "ح": ما أبعدك يا أخي عن "بورصة" القبلة وأسعارها, ولكن ما ~~خبر اللؤلؤتين؟ # قال الراوي: # كانت سلامة هذه جارية لابن رامين2، وكانت من الجمال بحيث قيل في وصفها: ~~كأن الشمس طالعة من بين رأسها وكتفيها؛ فاستأذن عليها في مجلس غنائها ~~الصيرفي الملقب بالماجن، فلما أذنت له، دخل فأقعى بين يديها، ثم أدخل يده ~~في ثوبه فأخرج لؤلؤتين، وقال: انظري يا زرقاء جعلت فداك. ثم حلف أنه نقد ~~فيهما بالأمس أربعين ألف درهم. قالت: فما أصنع بذاك؟ قال: أردت أن تعلمي. # ثم غنت صوتا وقالت: يا ماجن هبهما لي, ويحك. قال: إن شئت - PageV01P245 # والله- فعلت. قالت: قد شئت. قال: واليمين التي حلفت بها لازمة لي إن ~~أخذتهما إلا بشفتيك من شفتي. # قال الراوي: # ورأيتها قد أذنت لي، وأنصتت لكلامي، وكأنما كانت تسمعني أعتذر إليها، ~~واستيقنت أن ليس بي إلا الحزن عليها والرثاء لها، فبدت أشد حياء من العذراء ~~في أيام الخدر. # ثم قلت: نعم كان ذلك الزمن سفيها، ولكنها سفاهة فن لا سفاهة عربدة وتصعلك ~~كما هي اليوم. # فنظرت إلي نظرة لن أنساها؛ نظرة كأنها تدمع، نظرة تقول بها: ألست ms213 إنسانة؟ ~~فلم أملك أن قلت لها: تعالي تعالي. # وجاءت أحلى من الأمل المعترض سنحت به الفرصة، ولكن ماذا قلت لها وماذا ~~قالت؟ # PageV01P246 ### | ### | الجمال البائس: " # 2" # جاءت أحلى من الأمل المعترض سنحت به فرصة؛ وعلى أنها لم تخط إلينا إلا ~~خطوة وتمامها، فقد كانت تجد في نفسها ما تجده لو أنها سافرت من أرض إلى ~~أرض، ونقلها البعد النازح من أمة إلى أمة. # يا عجبا! إن جلوس إنسان إلى إنسان بإزائه، قد يكون أحيانا سفرا طويلا في ~~عالم النفس. فهذه الحسناء تعيش في دنيا فارغة من خلال كثيرة: كالتقوى، ~~والحياء، والكرامة، وسمو الروح، وغيرها؛ فإذا عرض لها من يشعرها بعض هذه ~~الخلال، وينتزعها من دنيا اضطرارها وأخلاق عيشها ولو ساعة؛ فما تكون قد ~~وجدت شخصا، بل كشفت عالما تدخله بنفس غير النفس التي تدبرها في عالم رزقها. # ولا أعجب من سحر الحب في هذا المعنى؛ فإن العاشق ليكون حبيبه إلى جانبه، ~~ثم لا يحس إلا أنه طوى الأرض والسموات ودخل جنة الخلد في قبلة. # جلست إلينا كما تجلس المرأة الكريمة الخفرة, تعطيك وجهها وتبتعد عنك ~~بسائرها، وتريك الغصن وتخبأ عنك أزهاره. فرأيناها لم تستقبل الرجل منا ~~بالأنثى منها كما اعتادت؛ بل استقبلت واجبا برعاية، وتلطفا بحنان، وأدبا من ~~فن بأدب من فن آخر؛ وكان هذا عجيبا منها؛ فكلمها في ذلك الأستاذ "ح" فقالت: ~~أما واحدة, فإننا نتبع دائما محبة من نجالسهم، وهذه هي القاعدة. وأما ~~الثانية, فإننا لا نجد الرجل إلا في الندرة؛ وإنما نحن مع هؤلاء الذين ~~يتسومون بسيما الرجال، كحيلة المحتال على غفلة المغفل؛ وهم معنا كالقدرة ~~بالثمن ما يشتريه الثمن، ليسوا علينا إلا قهرا من القهر؛ ولسنا عليهم إلا ~~سلبا من السلب، مادة مع مادة، وشر على شر؛ أما الإنسانية منا ومنهم فقد ~~ذهبت أو هي ذاهبة. # قال "ح": ولكن. # فلم تدعه يستدرك بل قالت: "إن "لكن" هذه غائبة الآن, فلا تجيء في # PageV01P247 # كلامنا, أتريد دليلا على هذا الانقلاب؟ إن كل إنسان يعلم أن الخط ~~المستقيم هو أقرب ms214 مسافة بين نقطتين؛ ولكن كل امرأة منا تعلم أن الخط المعوج ~~هو وحده أقرب مسافة بينها وبين الرجل. # قالت: فإذا وجدت إحدانا رجلا بأخلاقه لا بأخلاقها, ردتها أخلاقه إلى ~~المرأة التي كانت فيها من قبل، وزادتها طبيعتها الزهو بهذا الرجل النادر، ~~فتكون معه في حالة كحالة أكمل امرأة، بيد أنه كمال الحلم الذي يستيقظ ~~وشيكا؛ فإن الرجل الكامل يكمل بأشياء، منها وا أسفا! منها ابتعاده عنا. ثم ~~قالت: وصاحبك هذا منذ رأيته، رأيته كالكتاب يشغل قارئه عن معاني نفسه ~~بمعانيه هو. # وضحكت أنا لهذا التشبيه، فمتى كان الكتاب عند هذه كتابا يشغل بمعانيه؟ ~~غير أني رأيتها قد تكلمت واحتفلت، وأحسنت وأصابت؛ فتركتها تتحدث مع الأستاذ ~~"ح"، وغبت عنهما غيبة فكر؛ وأنا إذا فكرت انطبق علي قولهم: خل رجلا وشأنه, ~~فلا يتصل بي شيء مما حولي. وكان كلامها يسطع لي كالمصباح الكهربائي ~~المتوقد، فقدمها فكرها إلي غير ما قدمتها إلي نفسها، ورأيت لها صورتين في ~~وقت معا، إحداهما تعتذر من الأخرى. # وكنت قبل ذلك بساعة قد كتبت في تذكرة خواطري هذه الكلمة التي استوحيتها ~~منها؛ لأضعها في مقالة عنها وعن أمثالها، وهي: # إذا خرجت المرأة من حدود الأسرة وشريعتها، فهل بقي منها إلا الأنثى مجردة ~~تجريدها الحيواني المتكشف، المتعرض للقوة التي تناله أو ترغب فيه؟ وهل تعمل ~~هذه المرأة عند ذلك إلا أعمال هذه الأنثى؟ # "وما الذي استرعاها الاجتماع حينئذ فترعاه منه وتحفظه له، إلا ما استرعى ~~أهل المال أهل السرقة! إن الليل ينطوي على آفتين: أولئك اللصوص، وهؤلاء ~~النساء". # وكيف ترى هذه المرأة نفسها إلا مشوهة ما دامت رذائلها دائما وراء عينيها، ~~وما دام بإزاء عينيها دائما الأمهات والمحصنات من النساء، وليس شأنها، من ~~شأنهن؟ إن خيالها يحرز في وعيه صورتها الماضية من قبل أن تزل؛ فإذا خلت إلى ~~نفسها كانت فيها اثنتان، إحداهما تلعن الأخرى، فترى نفسها من ذلك على ما ~~ترى. # "وهي حين تطالع مرآتها لتتبرج وتحتفل في زينتها، تنظر إلى خيالها في ~~المرآة بأهواء الرجال لا بعيني ms215 نفسها؛ ولهذا تبالغ أشد المبالغة؛ فلا تعنى ~~بأن تظهر # PageV01P248 # جميلة كالمرأة، بل مثمرة كالتاجر, وتكسبها بجمالها يكون أول ما تفكر فيه؛ ~~ومن ذلك لا يكون سرورها بهذا الجمال إلا على قدر ما تكسب منه؛ بخلاف الطبع ~~الذي في المرأة، فإن سرورها بمسحة الجمال عليها هو أول فكرها وآخره". # "إن الساقطة لا تنظر في المرآة -أكثر ما تنظر- إلا ابتغاء أن تتعهد من ~~جمالها ومن جسمها مواقع نظرات الفجور وأسباب الفتنة، وما يستهوي الرجل وما ~~يفسد العفة عليه؛ فكأن الساقطة وخيالها في المرآة، رجل فاسق ينظر إلى ~~امرأة، لا امرأة تنظر إلى نفسها". # ذهبت أفكر في هذه الكلمة التي كتبتها قبل ساعة، ولم أستطع أن ألمس في هذه ~~القضية وجه القاضي؛ فدخلتني رقة شديدة لهذا الجمال الفاتن، الذي أراه يبتسم ~~وحوله الأقدار العابسة؛ ويلهو وبين يديه أيام الدموع؛ ويجتهد في اجتذاب ~~الرجال والشبان إلى نفسه، والوقت آت بالرجال والشبان الذين سيجتهدون في ~~طرده عن أنفسهم. # وتغشاني الحزن، ورأت هي ذلك وعرفته؛ فأخرجت منديلها المعطر ومسحت وجهها ~~به، ثم هزته في الهواء، فإذا الهواء منديل معطر آخر مسحت به وجهي. # وقال الأستاذ "ح": آه من العطر! إن منه نوعا لا أستنشيه مرة إلا ردني إلى ~~حيث كنت من عشرين سنة خلت، كأنما هو مسجل بزمانه ومكانه في دماغي. # فضحكت هي وقالت: إن عطرنا نحن النساء ليس عطرا, بل هو شعور نثبته في شعور ~~آخر. # فقلت أنا: لا ريب أن لهذه الحقيقة الجميلة وجها غير هذا. قالت: وما هو؟ # قلت: إن المرأة المعطرة المتزينة، هي امرأة مسلحة بأسلحتها. أفي ذلك ريب؟ ~~قالت: لا. # قلت: فلماذا لا يسمى هذا العطر بالغازات الخانقة الغرامية؟ # فضحكت فنونا؛ ثم قالت: وتسمى "البودرة" بالديناميت الغرامي. # ونقلني ذلك إلى نفسي مرة أخرى، فأطرقت إطراقة؛ فقالت: ما بك؟ قلت: بي ~~كلمة الأستاذ "ح"، إنها ألهبت في قلبي جمرة كانت خامدة. # قالت: أو حركت نقطة عطر كانت ساكنة! # فقلت: إن الحب يضع روحانيته في كل أشيائه، وهو يغير الحالة النفسية ~~للإنسان، فتتغير ms216 بذلك الحالة للأشياء في وهم المحب. "فعطر كذا" مثلا هو # PageV01P249 # نوع شذي من العطر، طيب الشميم، عاصف النشوة، حاد الرائحة؛ لكأنه ينشر في ~~الجو روضة قد ملئت بأزهاره تشم ولا ترى؟ وإنه ليجعل الزمن نفسه عبقا بريحه, ~~وإنه ليفعم كل ما حوله طيبا، وإنه ليسحر النفس فيتحول فيها. # وهنا ضحكت وقطعت علي الكلام قائلة: يظهر لي أن "عطر كذا" هاجر أو مخاصم. # قلت: كلا، بل خرج من الدنيا وما انتشقت أرجه مرة إلا حسبته ينفح من ~~الجنة. # فما أسرع ما تلاشى من وجهها الضحك وهيئته، وجاءت دمعة وهيئتها, ولمحت في ~~وجهها معنى بكيت له بكاء قلبي. # جمالها، فتنتها، سحرها، حديثها، لهوها؛ آه حين لا يبقى لهذا كله عين ولا ~~أثر، آه حين لا يبقى من هذا كله إلا ذنوب، وذنوب، وذنوب! # وأردنا أنا و"ح" بكلامنا عن الحب وما إليه، ألا نوحشها من إنسانيتنا، وأن ~~نبل شوقها إلى ما حرمته من قدرها قدر إنسانة فيما نتعاطاه بيننا. والمرأة ~~من هذا النوع إذا طمعت فيما هو أغلى عندها من الذهب والجوهر والمتاع؛ طمعت ~~في الاحترام من رجل شريف متعفف، ولو احترام نظرة، أو كلمة. تقنع بأقل ذلك ~~وترضى به؛ فالقليل مما لا يدرك قليله، هو عند النفس أكثر من الكثير الذي ~~ينال كثيره. # ومثل هذه المرأة، لا تدري أنت: أطافت بالذنب أم طاف الذنب بها؟ فاحترامها ~~عندنا ليس احتراما بمعناه، وإنما هو كالوجوم أمام المصيبة في لحظة من لحظات ~~رهبة القدر, وخشوع الإيمان. # وليست امرأة من هؤلاء إلا وفي نفسها التندم والحسرة واللهفة مما هي فيه، ~~وهذا هو جانبهن الإنساني الذي ينظر إليه من النفس الرقيقة بلهفة أخرى، ~~وحسرة أخرى، وندم آخر. كم يرحم الإنسان تلك الزوجة الكارهة المرغمة على أن ~~تعاشر من تكرهه، فلا يزال يغلي دمها بوساوس وآلام من البغض لا تنقطع! وكم ~~يرثي الإنسان للزوجة الغيور، يغلي دمها أيضا ولكن بوساوس وآلام من الحب! ~~ألا فاعلم أن كل من مثل هذه الحسناء تحمل على قلبها مثل هم مائة زوجة ms217 كارهة ~~مرغمة مستعبدة، يخالطه مثل هم مائة زوجة غيور مكابدة منافسة؛ ولقد تكون ~~المرأة منهن في العشرين من سنها وهي مما يكابد قلبها في السبعين من عمر ~~قلبها أو أكثر. # وهذه التي جاءتنا إنما جاءتنا في ساعة منا نحن لا منها هي، ولم تكن معنا ~~لا في زمانها ولا في مكانها ولا في أسبابها، وقد فتحت الباب الذي كان مغلقا ~~في # PageV01P250 # قلبها على الخفر والحياء، وحولت جمالها من جمال طابعه الرذيلة، إلى جمال ~~طابعه الفن، وأشعرت أفراحها التي اعتادتها روح الحزن من أجلنا، فأدخلت بذلك ~~على أحزانها التي اعتادتها روح الفرح بنا. # من ذا الذي يعرف أن أدبه يكون إحسانا على نفس مثل هذه ثم لا يحسن به1؟ # تتجدد الحياة متى وجد المرء حالة نفسية تكون جديدة في سرورها. وهذه ~~المرأة المسكينة لا يعنيها من الرجل من هو, ولكن كم هو ... لم تر فينا نحن ~~الرجل الذي هو "كم"، بل الذي هو "من". وقد كانت من نفسها الأولى على بعد ~~قصي كالذي يمد يده في بئر عميقة ليتناول شيئا قد سقط منه؛ فلما جلست إلينا، ~~اتصلت بتلك النفس من قرب؛ إذ وجدت في زمنها الساعة التي تصلح جسرا على ~~الزمن. # قال الراوي: # كذلك رأيتها جديدة بعد قليل، فقلت للأستاذ "ح": أما ترى ما أراه؟ # قال: وماذا ترى؟ فأومأت إليها وقلت: هذه التي جاءت من هذه. إن قلبها ينشر ~~الآن حولها نورا كالمصباح إذا أضيء، وأراها كالزهرة التي تفتحت؛ هي هي التي ~~كانت، ولكنها بغير ما كانت. # فقالت هي: إني أحسبك تحبني؛ بل أراك تحبني؛ بل أنت تحبني, لم يخف علي منذ ~~رأيتك ورأيتني. # قلت: هبيه صحيحا، فكيف عرفته ولم أصانعك، ولم أتملق لك، ولم أزد علي أن ~~أجيء إلى هنا لأكتب؟ # قالت: عرفته من أنك لم تصانعني، ولم تتملق لي، ولم تزد على أن تجيء إلى ~~هنا لتكتب. # قلت: ويحك، لو كحلت عين "الميكرسكوب" لكانت عينك. وضحكنا جميعا؛ ثم أقبلت ~~على الأستاذ "ح" فقلت له: إن القضايا إذا كثر ورودها ms218 على القاضي جعلت له ~~عينا باحثة. PageV01P251 # قال الراوي: # وأنظر إليها، فإذا وجهها القمري الأزهر قد شرق لونه، وظهر فيه من الحياء ~~ما يظهر مثله على وجه العذراء المخدرة إذا أنت مسستها بريبة1؛ فما شككت ~~أنها الساعة امرأة جديدة قد اصطلح وجهها وحياؤها، وهما أبدا متعاديان في كل ~~امرأة مكشوفة العفة. # وذهبت أستدرك وأتأول، فقلت لها: ما ذلك أردت، ولا حدست على هذا الظن، ~~وإنما أنا مشفق عليك متألم بك، وهل يعرض لك إلا الطبقة النظيفة من المجرمين ~~والخبثاء وأهل الشر؛ أولئك الذين أعاليهم في دور الخلاعة والمسارح، ~~وأسافلهم في دور القضاء والسجون؟ # فقالت: أعترف بأنك لم تحسن قلب الثوب، فظهر لكل عين أنه مقلوب، لكنك ~~تحبني وهذا كاف أن ينهض منه عذر! # قال الأستاذ "ح": إنه يحبك، ولكن أتعرفين كيف حبه؟ هذا باب يضع عليه ~~دائما عدة من الأقفال. # قالت: فما أيسر أن تجد المرأة عدة من المفاتيح. # قال: ولكنه عاشق ينير العشق بين يديه؛ فكأنه هو وحبيبته تحت أعين الناس: ~~ما تطمع إلا أن تراه، وما يطمع إلا أن يراها، ولا شيء غير ذلك؛ ثم لا يزال ~~حسنها عليه ولا يزال هواه إليها، وليس إلا هذا. # قالت: إن هذا لعجيب. # قال: والذي هو أعجب أن ليس في حبه شيء نهائي، فلا هجر ولا وصل؛ ينساك بعد ~~ساعة، ولكنك أبدا باقية بكل جمالك في نفسه. والصغائر التي تبكي الناس ~~وتتلذع في قلوبهم كالنار ليجعلوها كبيرة في همهم ويطفئوها وينتهوا منها ككل ~~شهوات الحب, تبكيه هو أيضا وتعتلج في قلبه، ولكنها تظل عنده صغائر ولا ~~يعرفها إلا صغائر؛ وهذا هو تجبره على جبار الحب. # قال الراوي: # ونظرت إليها ونظرت، وعاتبت نفس نفسا في أعينهما، وسألت السائلة وأجابت ~~المجيبة، ولكن ماذا قلت لها وماذا قالت؟ PageV01P252 ### | ### | الجمال البائس: " # 3" # قال الراوي: # نظرت إليها ونظرت: أما هي، فرنت إلي في سكون، وكانت نظرتها معاتبة طويلة ~~التملق والتوجع, وفيها الانكسار والفتور، وفيها الاسترخاء والدلال. # وبينا كان طرفها ساجيا فاترا كأنه ينظر أحلامه، إذ حددته إلي ms219 فجأة ونظرت ~~نظرة مدهوش، فبدت عيناها فزعتين ولكن في وجه مطمئن. # ثم لم تكد تفعل حتى ضيقت أجفانها وحدقت النظر متلألئا بمعانيه، فبدت ~~عيناها ضاحكتين ولكن في وجه متألم. # ثم ابتسمت بوجهها وعينيها معا، وأتمت بذلك أجمل أساليب المرأة الجميلة ~~المحبوبة في اعتراضها على من تحبه، وجدالها مع فكره، وكسر حجته في كبريائه، ~~وانتزاع الفكرة المستقلة من نفسه. # وأما أنا؛ فكان نظري إليها ساكنا متألما يقر أنه عجز عن جواب عينيها, ~~وسيبقى عاجزا عن جواب عينيها. # إن وجهها هو الابتسام وروح الابتسام، وجسمها هو الإغراء وروح الإغراء، ~~وفنها هو الفتنة وروح الفتنة, وهي بهذا كله هي الحب وروح الحب؛ غير أن ~~فهمها على حقيقتها في الناس يجعل ابتسامها عداوة من وجهها، وإغراءها جريمة ~~لجسمها، وفنها رذيلة في جمالها؛ وهي بهذا كله هي الشقاء وروح الشقاء. # أما أني أحب فنعم ونعما، بل أراه حبا فالقا كبدي، وليس يخلو فؤادي أبدا ~~من سوالف حب مضى؛ وأما أني أسترذل في الحب وأمتهن فضيلتي وأنزل بها، فلا ~~وأبدا. # إن ذلك الحب هو عندي عمل فني من أعمال النفس، ولكن الفضيلة هي النفس ~~ذاتها؛ الحب أيام جميلة عابرة في زمني؛ أما الفضيلة فهي زمني كله؛ وذلك # PageV01P253 # الجمال هو قوة من جاذبية الأرض في مدتها القصيرة، ولكن الفضيلة جاذبية ~~السماء في خلودها الأبدي. # على أنه لا منافرة بين الحب والفضيلة في رأيي، فإن أقوى الحب وأملأه ~~بفلسفة الفرح والحزن، لا يكون إلا في النفس الفاضلة المتورعة عن مقارفة ~~الإثم. وههنا يتحول الحب إلى ملكة سامية في إدراك معاني الجمال، فيكون ~~الوجه المعشوق مصدر وحي للنفس العاشقة؛ وبهذا الوحي والاستمداد منه ينزل ~~المحب من المحبوب منزلة من يرتفع بالآدمية إلى الملائكية1؛ ليتلقى النور ~~منها فنا بعد فن، والفرح معنى بعد معنى، والحزن السماوي فضيلة بعد فضيلة. # فهذا الحب هو طريقة نفسية لاتساع بعض العقول المهيأة للإلهام، كي تحيط ~~بأفراح الحياة وأحزانها، فتبدع للدنيا صورة من صور التعبير الجميلة التي ~~تثير أشواق النفس؛ كأن كل محل وحبيبته من ms220 هؤلاء الملهمين، هما صورة جديدة ~~من آدم وحواء، في حالة جديدة من معنى ترك الجنة، لإيجاد الصورة الجديدة من ~~الفرح الأرضي, والحزن السماوي. # والخطر في الحب ألا يكون فيه خطر, فهو حينئذ نداء الجنس، لا يكون إلا ~~دنيئا ساقطا مبذولا، فلا قيمة له ولا وحي فيه؛ إذ يكون احتيالا من عمل ~~الغريزة جاءت فيه لابسة ثوبها النوراني من شوق الروح لتخدع النفس الأخرى ~~فيتصل بينهما، حتى إذا اتصل بينهما خلعت الغريزة هذا الثوب واستعلنت أنها ~~الغريزة، فانحصر الحب في حيوانيته، وبطلت أشواقه الخيالية أجمع. # قال الراوي: # وعرفت الحسناء هذا كله من عرضها نظرة وتلقيها نظرة غيرها، فقالت للأستاذ ~~"ح": أما أن يكون مع أثر الشعر والفكر في الجمال ودعوى الحب، أثر الزهد في ~~الجسم الجميل وادعاء الفضيلة؛ فإن بعيدا أن يجتمعا. # قال "ح": وأين تبعدينه -ويحك- عن هذه المنزلة؟ إني لأعرف من هو أعجب من ~~هذا!! # قالت: وماذا بقي من العجب فتعرفه؟ PageV01P254 # قال: أعرف متزوجا، أحب أشد الحب وأمضه، حتى استهام وتدله، فكان مع هذا لا ~~يكتب رسالة إلى حبيبته حتى يستأذن فيها زوجته، كيلا يعتدي على شيء من حقها. ~~وزوجته كانت أعرف بقلبه وبحب هذا القلب، وهي كانت أعلم أن حبه وسلوانه إنما ~~هما طريقتان في الأخذ والترك بين قلبه وبين المعاني، تارة من سبيل المرأة ~~وجمالها، وتارة من سبيل الطبيعة ومحاسنها. فتنهدت وقالت: يا عجبا! وفي ~~الدنيا مثل هذا الزوج الطاهر، وفي الدنيا مثل هذه الزوجة الكريمة؟ # ثم إنها وجمت هنيهة تجتمع في نفسها اجتماع السحابة، ثم استدمعت، ثم أرسلت ~~عينيها تبكي؛ فبدرت أنا أرفه عنها حتى كفكفت من دمعها، وكأن "ح" قد وخزها ~~في قلبها وخزة أليمة بذكره لها الزوجة, ثم الزوجة الطاهرة، ثم الطاهرة حتى ~~في وسوسة شيطان الغيرة. ارتفع ثلاث مرات بالزوجة، لترى هذه المسكينة أنها ~~سافلة ثلاث مرات, وكأنه بهذا لم يكلمها، بل رسم لها صورتها في عيشها ~~المخزي, وقال لها: انظري. # ويا ما كان أجملها يترقرق الدمع في عينيها الفاتنتين الكحيلتين، فيبث ~~منهما حزنا ms221 يخيل لمن رآه، أنه من أجلها سيحزن الوجود كله! # ليس البكاء من هاتين العينين بكاء عند من يراه إذا كان من العاشقين، بل ~~هو فن الحزن يضع جمالا جديدا في فن الحسن. وأكاد أعجب كيف وجد الدمع مكانا ~~بين المعاني الضاحكة في وجهها، لو لم يكن هذا الدمع قد جاء ليظهر على وجهها ~~الفن الآخر من جمال المعاني الباكية. # وسألتها: ما الذي خامر قلبك من كلام الأستاذ "ح" فأبكاك، وأنت كما أرى ~~يتألق النور على جدران المكان الذي تحلين به، فيظهر المكان وكأنه يضحك لك؟ # فتشككت لحظة ثم قالت: أبك ما تقول أم أنت تتهكم بي؟ # قلت: كيف يخطر لك هذا وأنا أحترم فيك ثلاث حقائق: الجمال، والحب، والألم ~~الإنساني؟ # قالت: لا تثريب عليك1 ولكن صور إلي ببلاغتك كيف أحببتك وأنت غير متحبب ~~إلي، وكيف جادلت نفسي فيك وداورتها، وكلما عزمت انحل عزمي؟ فهذا ~~PageV01P255 # ما لا أكاد أعرف كيف وقع، ولكنه وقع. هذه قطرة من الماء الصافي العذب، ~~فضع عليها "الميكرسكوب" يا سيدي، وقل لي ماذا ترى؟ # قلت: إنك تخرجين من السؤال سؤالا, فما الذي خامر قلبك من كلام "ح" فبكيت ~~له؟ # قالت: إذن فليست هي قطرة من الماء، بل تلك دمعة من دموعي، فضع عليها ~~الميكرسكوب يا سيدي. # قال الراوي: # وكانت حزينة كأنها لم تسكت عن البكاء إلا بوجهها، وبقيت روحها تبكي في ~~داخلها. فأراد الأستاذ "ح" أن يستدرك لغلطته الأولى فقال: إنك الآن تسألينه ~~حقا من حقوقك عليه، فكل امرأة يحبها هي عروس قلمه ولها على هذا القلم حق ~~النفقة. # فضحكت نوعا من الضحك الفاتر، كأنما ابتكره ثغرها الجميل لساعة حزنها؛ ~~ونظرت إلي، فقلت: إن كان الأمر من نفقة العروس على القلم, فما أشبه هذا ~~"بلا شيء" جحا. # فضحكت أظرف من قبل، وخيل إلي أن ثغرها انطبق بعد افتراره على قبلة أفلتت ~~منه, فأمسكها من آخرها. # ثم قالت: ما هو "لا شيء" جحا؟ # قلت: زعموا أن جحا ذهب يحتطب، وحمل فوق ما يطيق، فبهظه الحمل وبلغ به ~~المشقة، ms222 ثم رأى في طريقه رجلا أبله فاستعان به، فقال الرجل: كم تعطيني إذا ~~أنا حملت عنك؟ قال: أعطيك "لا شيء". قال: رضيت. # ثم حمل الأبله وانطلق معه حتى بلغ الدار، فقال: أعطني أجري, قال جحا: لقد ~~أخذته. واختلفا: هذا يقول: أعطني، وهذا يقول: أخذت؛ فلببه الرجل1 ومضى ~~يرفعه إلى القاضي، وكانت بالقاضي لوثة، وعلى وجهه روءة الحمق2 تخبرك عنه ~~قبل أن يخبرك عن نفسه، فلما سمع الدعوى قال لجحا: أنت في الحبس أو تعطيه ~~"اللا شيء". PageV01P256 # قال جحا في نفسه: لقد احتجت لعقلي بين هذين الأبلهين؛ ثم إنه أدخل يده في ~~جيبه وأخرجها مطبقة، وقال للرجل: تقدم وافتح يدي, فتقدم وفتحها. قال جحا: ~~ماذا فيها؟ قال الرجل: "لا شيء". # فقال له جحا: خذ "لا شيئك" وامض, فقد برئت ذمتي. # قالوا: فذهب الرجل يحتج، فقال له القاضي: مه! أنت أقررت أنك رأيت في يده ~~"لا شيء"، وهو أجرك فخذه ولا تطمع في أزيد من حقك! # وضحكت وضحكنا، ثم قالت: أنا راضية أن أكون عروس القلم، فليجر علي القلم ~~نفقتي، وليصور لي كيف أحببت، وكيف آمرت نفسي وجادلتها؟ # قلت: لا أتكلم عنك أنت ولا أستطيعه. بيد أنني لو صنفت رواية يكون فيها ~~هذا الموقف، لوضعت على لسان العاشقة هذا الكلام تحدث به نفسها. # تقول: كيف كنت وكيف صرت؟ لقد رأيتني أعاشر مائة رجل فأخالطهم في شتى ~~أحوالهم، وأصرفهم في هواي، وكلهم يجهد جهده في استمالتي، وكلهم أهل مودة ~~وبذل، وما منهم إلا جميل مخلص، قد أنق وتجمل وراع حسنه؛ كأنما هرب إلي في ~~ثياب عرسه ليلة زفافه، وترك من أجلي عروسا تبكي وتصيح بويلها. ثم أنا مع ~~ذلك مغلقة القلب دونهم جميعا: أصدقهم المودة والصحبة، وأكذبهم الحب والهوى؛ ~~فلست أحبهم إلا بما أنال منهم، ولست أتحبب إليهم إلا ما أنولهم مني، وهم ~~بين عقلي وحيلتي رجال لا عقول لهم، وأنا بين أهوائهم وحماقاتهم امرأة لا ~~ذات لها. # ثم أرى بغتة رجلا فردا, أكاد أنظر إليه وينظر إلي حتى يضع في قلبي مسألة ms223 ~~تحتاج إلى الحل. # وأرتاع لذلك فأحاول تناسيه والإغضاء عنه، فتلج المسألة في طلب حلها، ~~وتشغل خاطري، وتتمدد في قلبي؛ وهو هو المسألة. # فأفزع لذلك وأهتم له، وأجهد جهدي أن أكون مرة حازمة بصيرة، كرجال المال ~~في حق الثروة عليهم؛ ومرة قاسية عنيدة، كرجال الحرب في واجبها عندهم؛ ومرة ~~خبيثة منكرة، كرجال السياسة في عملها بهم؛ ولكني أرى المسألة تلين لي ~~وتتشكل معي وتحتمل هذه الوجوه كلها، لتبقى حيث هي في قلبي؛ فإنه هو هو ~~المسألة. # PageV01P257 # وأغتم لذلك غما شديدا، وأراني سأسقط بعد سقوطي الأول وأقبح منه؛ إذ ~~الحياة عندنا قائمة بالخداع، وهذا يفسده الإخلاص؛ وبالمكر، وهذا يعطله ~~الوفاء؛ وبالنسيان، وهذا يبطله الحب؛ وإذ عواطفنا كلها متجردة لغرض واحد، ~~هو كسب المال وجمعه وادخاره؛ وفضيلتنا عملية لا تتخيل، حسابية لا تختل؛ ~~فيستوي عندنا الرجل بلغ جماله القمر في سمائه، والرجل بلغت دمامته الذباب ~~في أقذاره؛ والحب معنا هو: كم في كم ويبقى ماذا, أو كما يقول أهل السياسة: ~~هو "النقطة العملية في المسألة". ولكن المسألة التي في قلبي لا ترى هذا حلا ~~لها؛ لأنه هو هو المسألة. # فيزيد بي الكرب، ويشتد علي البلاء، وأحتال لقلبي وأدبر في خنقه، وأذهب ~~أقنعه أن الرجل إذا كان شريفا لم يحب المرأة الساقطة؛ إذ يعاب بصحبتها ~~والاختلاف إليها، فإذا كان ساقطا لم تحبه هي، فإنما هو صيدها وفريستها، ~~وموضع نقمتها من هذا الجنس؛ وأشرف على قلبي في الملامة والتعذيل فأقول له: ~~ويحك يا قلبي! إن المرأة منا إذا تفتح قلبها لحبيب، تفتح كالجرح لينزف ~~دماءه لا غير. فيقتنع القلب ويجمع على أن ينسى، وأن يرجع عن طلبه الحب؛ ~~وأرى المسألة قد بطلت وكان بطلانها أحسن حل لها، وأنام وادعة مطمئنة، فيأتي ~~هو في نومي ويدخل في قلبي، ويعيد المسألة إلى وضعها الأول، فما أستيقظ إلا ~~رأيته هو هو المسألة. # فأتناهى في الخوف على نفسي من هذا الحب، وأراه سجنها وعقابها، وقهرها ~~وإذلالها، فأقول لها: ويلك يا نفسي! إنما همك في الحياة وسائل الفوز ~~والغلب، فأنت ms224 بهذا عدوة مسماة في غفلة الرجال صديقة، وقد وضعت في موضع ~~تعيشين فيه بإهانات من الرجال، يسمونها في نذالتهم بالحب؛ فأنت عدوة الرجال ~~بمعنى من الدهاء والخبث، وعدوة الزوجات بمعنى من الحقد والضغينة، وعدوة ~~البغايا أيضا بمعنى من المغالبة والمنافسة، وكل ما يستطيع الدهاء أن يعمله ~~فهو الذي علي أنا أن أعمله، فماذا أصنع وأنا أحب؟ وكيف أنجح وأنا أحب؟ ولكن ~~النفس تجيبني على كل هذا بأن هذا كله بعيد عن المسألة, ما دام هو هو في ~~المسألة. # قال الراوي: # وكانت كالذاهلة مما سمعت، ثم قالت: ألك شيطان في قلبي؟ فهذا كله هو الذي ~~حدث في سبعة أيام. # قال "ح": ولكن كيف يقع هذا الحب؟ وهبك صنفت تلك الرواية، ووضعت # PageV01P258 # على لسان العاشقة ذلك الكلام، فبماذا كنت تنطقها في وصف حبها وما اجتذبها ~~من رجل فاز بقلبها ولم يداورها، بعد مائة رجل كلهم داورها ولم يفز منهم ~~أحد؟ أتكون في وجه هذا الرجل أنوار كتباشير الصبح تدل على النهار الكامن ~~فيه؟ # قالت هي: نعم نعم. بماذا كنت تنطقها؟ # قلت: كنت أضع في لسانها هذا الكلام تجيب به عاذلة تعذلها: # تقول: لا أدري كيف أحببته، ولكن هذه الشخصية البارزة منه جذبتني إليه، ~~وجعلت الهواء فيما بيني وبينه مفعما بالمغناطيس مصدره، ومعناه هو، ولا شيء ~~فيه إلا هو. # عرضته لي شخصيته ظاهرا لأن جواب شخصيته في، وأصبح في عيني كبيرا لأن جواب ~~شخصيتي فيه، ومن ذلك صارت أفكاري نفسها تزيده كل يوم ظهورا, وتزيدني كل يوم ~~بصرا، وأعطاه حقه في الكمال عندي حقه في الحب مني؛ وبتلك الشخصية التي ~~جوابها في نفسي، أصبح ضرورة من ضرورات نفسي. # قال الراوي: # ولما رأيتها في جوي كنسيمه وعاصفته، أردتها على قصتها وشأنها، فماذا قلت ~~لها وماذا قالت؟ # PageV01P259 ### | ### | الجمال البائس: " # 4" # قلت لها: إن قلبي وقلبك يتجاليان1 في هذه الساعة ويتباكيان؛ أتدرين ماذا ~~يقول لك قلبي؟ # إنه ليقول عني: أعزز علي بأن تكوني ههنا، وأن تتألف منك هذه القصة التي ~~تبدأ بالوصمة وتنتهي بالاستخذاء، فتنطلق المرأة ms225 في متالفها ومهاويها ليبلغ ~~بها القدر ما هو بالغ؛ وليس إلا الضرورة وسطوتها بها، والإذلال ومهانته ~~لها، والاجتماع وتهكمه عليها، والابتذال واستعباده إياها؛ ومهما يأت في ~~القصة من معنى فليس فيها معنى الشرف؛ ومهما يكن من موقف فليس فيها موقف ~~الحياء؛ ومهما يجر من كلام فليس فيها كلمة الزوجة، وأعزز علي بأن أرى ~~المصباح الجميل المشبوب الذي وضع ليضيء ما حوله، قد انقلب فجعل يحرق ما ~~حوله؛ وكان يتلألأ ويتوقد، فارتد يتسعر ويتضرم ويجني ما يتصل به، وسقط بذلك ~~سقطة حمراء. # أفتدرين ماذا يقول لي قلبك؟ # إنه يقول عنك: يا بؤسنا من نساء! لقد وضعنا وضعا مقلوبا، فلا تستقيم ~~الإنسانية معنا أبدا، وكل شيء منقلب لنا متنكر؛ والشفقة علينا تنقلب من ~~تلقاء نفسها تهكما بنا؛ فنبكي من شفقة بعض الناس، كما نبكي من ازدراء بعض ~~الناس. يا بؤسنا من نساء! # قالت: صدقت، وكذلك تنقلب أسباب الحياة معنا أسبابا للمرض والموت؛ فاليقظة ~~ليس لها عندنا النهار بل الليل، والصحو لا يكون فينا بالوعي بل بالسكر، ~~والراحة لا تكون لنا في السكون والانفراد، بل في الاجتماع والتبذل؛ وماذا ~~يرد على امرأة من واجباتها السهر والسكر والعربدة، والتبذل، وتدريب الطباع ~~PageV01P260 # بالوقاحة، وتضرية النفس على الاستغواء، والتصدي بالجمال للكسب من رذائل ~~الفساق وأمراضهم، والتعرض لمعروفهم بأساليب آخرها الهوان والمذلة, ~~واستماحتهم بأساليب أولها الخداع والمكر؟ # إن حياة هذه هي واجباتها، لا يكون البكاء والهم إلا من طبيعة من يحياها، ~~وكثيرا ما نعالج الضحك لنفتح لأنفسنا طرقا تتهارب فيها معاني البكاء؛ فإذا ~~أثقلنا الهم وجل عن الضحك وعجزنا عن تكلف السرور، ختلنا العقل نفسه بالخمر؛ ~~فما تسكر المرأة منا للسكر أو النشوة، بل للنسيان، وللقدرة على المرح ~~والضحك، ولإمداد محاسنها بالأخلاق الفاجرة، من الطيش والخلاعة والسفه ~~وهذيان الجمال الذي هو شعره البليغ, عند بلغاء الفساق. # قال الأستاذ "ح": أهذا وحاضر الغادة منكن هو الشباب والصبى والجمال ~~وإقبال العيش، فكيف بها فيما تستقبل؟ # قالت: إن المستقبل هو أخوف ما نخافه على أنفسنا، وليس من امرأة في هذه ms226 ~~الصناعة إلا وهي معدة لمستقبلها: إما نوعا من الانتحار، وإما ضربا من ضروب ~~الاحتمال للذل والخسف؛ وليس مستقبلنا هذا كمستقبل الثمار النضرة إذا بقيت ~~بعد أوانها، فهو الأيام العفنة بطبيعة ما مضى، بلى إن مستقبل المرأة البغي ~~هو عقاب الشر. # قال "ح": هذا كلام ينبغي أن تعلمه الزوجات؛ فالمرأة منهن قد تتبرم بزوجها ~~وتضجر وتغتم، وتزعم أنها معذبة؛ فتتسخط الحياة، وتندب نفسها؛ ثم لا تعلم ~~أنه عذاب واحد برجل واحد، تألفه، فتعتاده، فترزق من اعتياده الصبر عليه، ~~فيسكن بهذا نفارها؛ وتلك نعمة واجبها أن تحمد الله عليها، ما دام في النساء ~~مثل الشهيدات، تتعذب الواحدة منهن فنونا من العذاب بمائة رجل، وبألف رجل، ~~وهم مع ذلك يبتلون روحها بعددهم من الذنوب والآثام. # وقد تستثقل الزوجة واجباتها بين الزوج والنسل والدار، فتغتاظ وتشكو من ~~هذه الرجرجة اليومية في الحياة؛ ثم لا تعلم أن نساء غيرها قد انقلبت بهن ~~الحياة في مثل الخسف بالأرض. # وقد تجزع للمستقبل وتنسى أنها في أمان شرفها، ثم لا تعلم أن نساء يترقبن ~~هذا الآتي كما يترقب المجرم غد الجريمة، من يوم فيه الشرطة والنيابة ~~والمحكمة وما وراء هذا كله. # PageV01P261 # فقلت: وهناك حقيقة أخرى فيها العزاء كل العزاء للزوجات، وهي أن الزوجة ~~امرأة شاعرة بوجود ذاتها، والأخرى لا تشعر إلا بضياع ذاتها. # والزوجة امرأة تجد الأشياء التي تتوزع حبها وحنان قلبها، فلا يزال قلبها ~~إنسانيا على طبيعته، يفيض بالحب، ويستمد من الحب؛ والأخرى لا تجد في هذا ~~شيئا، فتنقلب وحشية القلب، يفيض قلبها برذائل، ويستمد من رذائل؛ إذ كان لا ~~يجد شيئا مما هيأته الطبيعة ليتعلق به من الزوج والدار والنسل. # والزوجة امرأة هي امرأة خالصة الإنسانية، أما الأخرى فمن امرأة ومن حيوان ~~ومن مادة مهلكة. # وتمام السعادة أن النسل لا يكون طبيعيا مستقرا في قانونه إلا للزوجات ~~وحدهن؛ فهو نعمتهن الكبرى، وثواب مستقبلهن وماضيهن، وبركتهن على الدنيا؛ ~~ومهما تكن الزوجة شقية بزوجها، فإن زوجها قد أولدها سعادتها، وهذه وحدها ~~مزية ونعمة؛ أما أولئك فليس لهن عاقبة1؛ ms227 إذ النسل قلب لحالتهن كلها؛ وهو ~~غنى إنساني، ولكنه عندهن لا يكون إلا فقرا؛ وهو رحمة، ولكنها لا تكون إلا ~~لعنة عليهن وعلى ماضيهن. وقد وضعت الطبيعة في موضع حب الولد الجديد من ~~قلوبهن، حب الرجل الجديد، فكانت هذه نقمة أخرى. # قال "ح": أتريد من الرجل الجديد من يكون عندهن الثاني بعد الأول، أو ~~الثالث بعد الثاني، أو الرابع بعد الثالث؟ # قلت: ليس الجديد عليهن هو الواحد بعد الواحد إلى آخر العدد، ولكنه الرجل ~~الذي يكون وحده بالعدد جميعا؛ إذ هو عندهن يشبه الزوج في الاختصاص وفي شرف ~~الحب، فهو الحبيب الشريف الذي تتعلقه إحداهن وتريد أن تكون معه شريفة, ~~ولكنه من نقمة الطبيعة أن ممن وجدته منهن لا تجده إلا لتعاني ألم فقده. # يا عجبا! كل شيء في الحياة يلقي شيئا من الهم أو النكد أو البؤس على ~~هؤلاء المسكينات، كأن الطبيعة كلها ترجمهن بالحجارة. # قالت هي: وليست الحجارة هي الحجارة فقط، بل منها ألفاظ ترجم بها المسكينة ~~كألفاظك هذه, وكتسمية الناس لها "بالساقطة"؛ فهذه الكلمة وحدها صخرة لا ~~حجر. PageV01P262 # ثم تنهدت وقالت: من عسى يعرف خطر الأسرة والنسل والفضيلة كما تعرفها ~~المرأة التي فقدتها؟ إننا نحسها بطبيعة المرأة، ثم بالحنين إليها، ثم ~~بالحسرة على فقدها، ثم برؤيتها في غيرنا؛ نعرفها أربعة أنواع من المعرفة ~~إذا عرفتها الزوجة نوعا واحدا, ولكن هل ينصفنا الرجال وهم يتدافعوننا؟ هل ~~يرضون أن يتزوجوا منا؟ # قلت: ولكن الأسرة لا تقوم على سواد عيني المرأة وحمرة خديها، بل على ~~أخلاقها وطباعها؛ فهذا هو السبب في بقاء المرأة الساقطة حيث ارتطمت؛ وهي ~~متى سقطت كان أول أعدائها قانون النسل. # ومن ثم كانت الزلة الأولى ممتدة متسحبة إلى الآخر؛ إذ الفتاة ليست شخصا ~~إلا في اعتبارها هي، أما في اعتبار غيرها فهي تاريخ للنسل، إن وقعت فيه ~~غلطة فسد كله وكذب كله فلا يوثق به. # وهذه الزلة الأولى هي بدء الانهيار في طباع رقيقة متداخلة متساندة، لا ~~يقيمهما إلا تماسكها جملة؛ وما لم يتماسك إلا بجملته ms228 فأول السقوط فيه هو ~~استمرار السقوط فيه؛ ولهذا لا يعرف الناس جريمة واحدة تعد سلسلة جرائم لا ~~تنتهي، إلا سقطة المرأة؛ فهي جريمة مجنونة كالإعصار الثائر يلفها لفا؛ إذا ~~تتناول المرأة في ذاتها، وترجع على أهلها وذويها، وترعى إلى مستقبلها ~~ونسلها؛ فيهتكها الناس هي وسائر أهلها من جاءت منهم ومن جاءوا منها. # والمرأة التي لا يحميها الشرف لا يحميها شيء، وكل شريفة تعرف أن لها ~~حياتين إحداهما العفة، وكما تدافع عن حياتها الهلاك, تدافع السقوط عن ~~عفتها؛ إذ هو هلاك حقيقتها الاجتماعية؛ وكل عاقلة تعرف أن لها عقلين تحتمي ~~بأحدهما من نزوات الآخر، وما عقلها الثاني إلا شرف عرضها. # قال الأستاذ "ح": إن هذه هي الحقيقة، فما تسامح الرجال في شرف العرض إلا ~~جعلوا المرأة كأنها بنصف عقل, فاندفعت إلى الطيش والفجور والخلاعة، أرادوا ~~ذلك أم لم يريدوه. # قلت: وهذا هو معنى الحديث: "عفوا تعف نساؤكم" فإن عفاف المرأة لا تحفظه ~~المرأة بنفسها، ما لم تتهيأ لها الوسائل والأحوال التي تعين نفسها على ذلك؛ ~~وأهم وسائلها وأقواها وأعظمها، تشدد الرجال في قانون العرض والشرف. # فإذا تراخى الرجال ضعفت الوسائل، ومن بين هذا التراخي وهذا الضعف تنبثق ~~حرية المرأة متوجهة بالمرأة إلى الخير أو الشر، على ما تكون أحوالها # PageV01P263 # وأسبابها في الحياة. وهذه الحرية في المدنية الأوروبية قد عودت الرجال أن ~~يغضوا ويتسمحوا، فتهافت النساء عندهم، تنال كل منهن حكم قلبها ويخضع الرجل. # على أن هذا الذي يسميه القوم حرية المرأة، ليس حرية إلا في التسمية، أما ~~في المعنى فهو كما ترى: # إما شرود المرأة في التماس الرزق حين لم تجد الزوج الذي يعولها أو يكفيها ~~ويقيم لها ما تحتاج إليه، فمثل هذه هي حرة حرية النكد في عيشها؛ وليس بها ~~الحرية، بل هي مستعبدة للعمل شر ما تستعبد امرأة. # وإما طلاق المرأة في عبثاتها وشهواتها, مستجيبة بذلك إلى انطلاق حرية ~~الاستمتاع في الرجال، بمقدار ما يشتريه المال، أو تعين عليه القوة، أو ~~يسوغه الطيش، أو يجلبه التهتك، أو تدعو إليه ms229 الفنون؛ فمثل هذه هي حرة حرية ~~سقوطها؛ وما بها الحرية، بل يستعبدها التمتع. # والثالثة حرية المرأة في انسلاخها من الدين وفضائله، فإن هذه المدنية قد ~~نسخت حرام الأديان وحلالها بحرام قانوني وحلال قانوني، فلا مسقطة للمرأة ~~ولا غضاضة عليها قانونا ... فيما كان يعد من قبل خزيا أقبح الخزي وعارا أشد ~~العار؛ فمثل هذه هي حرة حرية فسادها، وليس بها الحرية، ولكن تستعبدها ~~الفوضى. # والرابعة غطرسة المرأة المتعلمة، وكبرياؤها على الأنوثة والذكورة معا؛ ~~فترى أن الرجل لم يبلغ بعد أن يكون الزوج الناعم كقفاز الحرير في يدها، ولا ~~الزوج المؤنث الذي يقول لها: نحن امرأتان, فهي من أجل ذلك مطلقة مخلاة كيلا ~~يكون عليها سلطان ولا إمرة؛ فمثل هذه حرة بانقلاب طبيعتها وزيغها، وهي ~~مستعبدة لهوسها وشذوذها وضلالتها. # حرية المرأة في هذه المدنية أولها ما شئت من أوصاف وأسماء، ولكن آخرها ~~دائما إما ضياع المرأة, وإما فساد المرأة. # والدليل على التواء الطبيعة في المدنية، استواء الطبيعة في البادية؛ ~~فالرجال هناك قوامون على النساء، والنساء بهذا قوامات على أنفسهن؛ إذ ~~ينتقمون للمنكر انتقاما يفور دما؛ وبهذه الوحشية يقررون شرف العرض في ~~الطبيعة الإنسانية، ويجعلونه فيها كالغريزة، فيحاجزون بين الرجال والنساء ~~أول شيء بالضمير الشريف الذي يجد وسائله قائمة من حوله. # PageV01P264 # قال الراوي: # وغطت وجهها بيديها, وقالت: إنك لا تزال ترجم بالحجارة, إن فيك متوحشا. # قلت: بل متوحشة. # إنك أنت قد تكلمت في، فجمالك الذي يضع الإنسان في ساعة مجنونة ليمتعه ~~بطيشها، قد وضعنا نحن في ساعة مفكرة وأمتعنا بعقلها؛ وإذا قلت: جمالك، فقد ~~قلت: وحيك، إذ لا جمال عندي إلا ما فيه وحي. # أما قلت: إنك لو خيرت في وجودك لما اخترت إلا أن تكوني رجلا نابغة يكتب ~~ويفكر ويتلقى الوحي من الوجوه الجميلة؟ # فدقت صدرها بيدها وقالت: أنا؟ أنا لم أقل هذا. ثم أفكرت لحظة وقالت: إذا ~~كنت أنت تزعم أنني قلته، فأظن أنني قلته. # قال "ح": رجل؛ ويكتب؛ ويفكر؛ ولم تقل هي شيئا من هذا؟ أربع غلطات شنيعة ~~من فساد ms230 الذوق. # قالت: بل قل: أربع غلطات جميلة من فن الذوق؛ إن الرجل الظريف القوي ~~الرجولة، يجب عليه أن يغلط إذا حدث المرأة. # قال "ح": لتضحك منه؟ # قالت: لا، بل لتضحك له. # قلت: فلي إليك رجاء. # قالت: إن صوتك يأمر، فقل. # فماذا قلت لها وماذا قالت؟ # PageV01P265 ### | الجمال البائس: "5" # قلت لها: إن كلمة الكفر لا تكون كافرة إذا أكره عليها من أكره وقلبه ~~مطمئن بالإيمان، وكلمة الفجور أهون منها وأخف وزنا وشأنا، ثم لا تكون إلا ~~فاجرة أبدا، إذ لا إكراه على هذه الدعارة إكراها لا خيار فيه. وما أول ~~الدعارة إلا أن تمد المرأة طرفها من غير حياء، كما يمد اللص يده من غير ~~أمانة. # ومن اضطر إلى الكفر استطاع أن يخبأ محراب المسجد في أعماقه فيصلي ثمة، ~~ولكن الفجور لا يترك في النفس موضعا لدين ولا إيمان؛ إذ هو دائب في إثارة ~~الغرائز الطبيعية الحيوانية المسترسلة بلا ضابط، فيجعل المرأة تحيا بعيدة ~~عن ضميرها؛ فيضعف منها أول ما يضعف آثار الآداب والأخلاق، فيهلك فيها أول ~~ما يهلك إحساسها بمعنى المرأة الإنسانية وشعورها بمجد هذا المعنى. # فإذا انتهت المرأة إلى هذا، لم يكن لها مبدأ ولا عقيدة إلا أن على غيرها ~~أن يتحمل عواقب أعمالها، وهذه بعينها هي حالة المجنون جنون عقله؛ أفلا تكون ~~المرأة حينئذ مجنونة جنون جسمها؟ # فساءها ذلك وبان فيها، ولكنها أمسكت على ما في نفسها؛ والمرأة من هؤلاء ~~لا يمشي أمرها في الناس ولا يتصل عيشها، إلا إذا كثرت طباعها كثرة ثيابها، ~~فهي تخلع وتلبس من هذه وتلك لكل يوم ولكل حالة ولكل رجل؛ فينبعث منها الغضب ~~وهي في أنعم الرضى، كما ينبعث الرضى وهي في أشد الغيظ، كأن لم تغضب ولم ترض ~~لأنها ليست لأحد ولا لنفسها. # وتساير غضبها ثم قالت: كأن كلامك أن لك رجاء إلي، فأنا أحب, أحب أن أعلم. # قلت: وأنا كذلك أحب, أحب أن أعلم. # PageV01P266 # فضحكت وسري عنها، وثبتت على شفتيها ابتسامة لو جاء ملك من السماء ليضع في ~~ثغرها ابتسامة أجمل ms231 منها، لما وجد أجمل منها. # ثم قالت: تحب أن تعلم ماذا؟ # قلت: أحب أن أعلم منك قصة هذه الحياة ما كان أولها؟ # قالت: لقد قضيت من حكمك فينا، ولكنك أخطأت، فلكل ليل مظلم كوكبه؛ والكوكب ~~الوقاد المعلق فوق ليل المرأة منا هو إيمانها؛ نعم إنه ليس كإيمان الناس في ~~واجباته، لكنه كإيمان الناس في تعزيته، والله ربنا وربكم! # قلت: لو أطيع الله بمعصيته لاستقام لك هذا, وإنما أن تصفي الإيمان الأول ~~الذي كان عملا، فصار ذكرى، فصارت الذكرى أملا، فظننت الأمل هو الإيمان. # قالت: ثم إننا جميعا مكرهات على هذه الحياة، فما نحن إلا صرعى المصادمة ~~بين الإرادة الإنسانية وبين القدر. # قلت: ولكن لم تهف واحدة منكن في غلطتها الأولى وهي مستكرهة على غلطة؛ بل ~~هي راغبة في لذة، أو مبادرة لشهوة، أو طالبة لمنفعة. # قالت: هذا أحد الوجهين؛ أما الآخر فالتماس الرزق وصلاح العيش؛ فالرجل مع ~~الرجل رأس ماله قوته، وعمله بقوته؛ ولكن المرأة مع الرجل رأس مالها أنوثتها ~~وعمل أنوثتها. وفي الوجه الأول -وجه اللذة والمنفعة- تحتال كلمة الفجور على ~~المرأة بكلمات رقيقة ساحرة، منها الحب والزواج والسعادة، فتستسلم المرأة ~~مضطرة ليقع شيء من هذا. وفي الوجه الثاني -وجه الرزق والعيش- تحتال الكلمة ~~الخبيثة الفاجرة على المرأة المسكينة المستضعفة بكلمات رهيبة قاتلة، منها ~~الجوع والفقر والشقاء، فتسقط المرأة مضطرة خيفة أن يقع شيء من هذا؛ وفي أحد ~~الوجهين يكون الرجل هو الفاجر لفساد آدابه، وفي الوجه الآخر يكون الفاجر هو ~~المجتمع لفساد مبادئه. # قلت: أنا لا أنكر أن المرأة إذا سقطت في هذه المدنية، لم تقع أبدا إلا في ~~موضع غلطة من غلطات القوانين؛ وآفة هذه القوانين أنها لم تسن لمنع الجريمة ~~أن تقع، ولكن للعقاب عليها بعد وقوعها, وبهذا عجزت عن صيانة المرأة وحفظها، ~~وتركتها لقانون الغريزة الوحشي في هؤلاء الوحوش الآدميين، الذين يأخذهم ~~السعار من هذه الرائحة التي لا يعرفونها إلا في اثنين: المرأة الجميلة ~~والذهب. فما # PageV01P267 # ألجأت المرأة حاجتها أو فقرها إلى أحدهم ورأى عليها جمالا، إلا ms232 ضربه ذلك ~~السعار؛ فإن استخفت بنزواته وتعسرت عليه، طردها إلى الموت، ومنعها أن تعيش ~~من قبله؛ وإن صلحت له وتيسرت، آواها هي وطرد شرفها. # وبخلاف ذلك الدين؛ فإنه قائم على منع الجريمة وإبطال أسبابها، فهو في أمر ~~المرأة يلزم الرجل واجبات، ويلزم المجتمع واجبات غيرها، ويلزم الحكومة ~~واجبات أخرى: # أما الرجل فينبغي له أن يتزوج، ويتحصن، ويغار على المرأة، ويعمل لها؛ ~~وأما المجتمع فيجب عليه أن يتأدب، ويستقيم، ويعين الفرد على واجبات ~~الفضيلة، ويتدامج ويشد بعضه بعضا؛ وأما الحكومة فعليها أن تحمي المرأة، ~~فتعاقب على إسقاطها عقاب الموت والألم والتشهير؛ لتقيم من الثلاثة حراسا ~~جبابرة، من لا يخش الله خشيها؛ فليس يمكن أبدا أن يكون في ديننا موضع غلطة ~~تسقط فيه المرأة. # قال الأستاذ "ح": صدقت، فالحقيقة التي لا مراء فيها، أن فكرة الفجور فكرة ~~قانونية؛ وما دام القانون هو أباحها بشروط، فهو هو الذي قررها في المجتمع ~~بهذه الشروط؛ ومن هذا التقرير يقدم عليها الرجل والمرأة كلاهما على ثقة ~~واطمئنان؛ ومن ثم تأتي الجرأة على اندفاع الناس إلى ما وراء حدود القانون، ~~ومن هذا الاندفاع تأتي الساقطة بآخر معانيها وأقبح معانيها. # وتقرير سيادة المرأة في الاجتماع الأوروبي، وتقديمها على الرجال، والتأدب ~~معها؛ كل ذلك يجعل جراءة السفهاء عليها جراءة متأدبة، حتى كأن المتحكك منهم ~~في امرأة يقول لها: من فضلك كوني ساقطة, أما هنا فجراءة السفهاء جراءة ~~ووقاحة معا، وذلك هو سرها. # القانون كأنما يقول للرجال: احتالوا على رضى النساء، فإن رضين الجريمة ~~فلا جريمة؛ ومن هذا فكأنه يعلمهم أن براعة الرجل الفاسق إنما هي في الحيلة ~~على المرأة وإيقاظ الفطرة في نفسها، بأساليب من الملق والرياء والمكر، ~~تتركها عاجزة لا تملك إلا أن تذعن وترضى؛ وبهذا ينصرف كل فاجر إلى إبداع ~~هذه الأساليب التي تطلق تلك الفطرة من حيائها، وتخرجها من عفتها، "تطبيقا ~~للقانون". # ولا سيادة في اجتماعنا للمرأة، ولكن القانون جعلها سيدة نفسها، وجعلها ~~فوق الآداب كلها، وفوق عقوبة القانون نفسه إذا رضيت؛ إذا رضيت ماذا؟ # PageV01P268 # قلت: ms233 فإذا كان القانون هنا في مسألتنا هذه يعدل بالظلم، ويحمي الفضيلة ~~بإطلاق حرية الرذيلة؛ فهو إنما يفسد الدين، ويصرف الناس عن خوف الله إلى ~~خوف ما يخاف من الحكومة وحدها؛ وبهذا لا يكون عمله إلا في تصحيح الظاهر من ~~الرجل والمرأة، ويدع الباطن يسر ما شاء من خبثه وحيلته وفساده؛ فكأنه ليس ~~قانونا إلا لتنظيم النفاق وإحكام الخديعة؛ فلا جرم كان قانونا لحالة ~~الجريمة لا للجريمة نفسها؛ فإذا أخذت المرأة ملاينة ورضى فهذا فجور قانوني. ~~وإن كانت الملاينة هي عمل الحيلة والتدبير، وإن كان الرضى هو أثر الخداع ~~والمكر، وإن ضاعت المرأة وسقطت، وذهب شرفها باطلا، وألحقه الناس بما لا ~~يكون من توبة إبليس فلا يكون أبدا. أما إذا أخذت المرأة مكارهة وغصبا، فهذه ~~هي الجريمة في القانون؛ ويسميها القانون جريمة الاعتداء على العرض، وهي بأن ~~تسمى جريمة العجز عن إرضاء المرأة، أحق وأولى. # على أن المسكينة لم تؤخذ في الحالتين إلا غصبا، ولكن اختلفت طريقة الرجل ~~الغاصب؛ فإن كلتا الحالتين لم تتأد بالمرأة إلا إلى نتيجة واحدة، هي ~~إخراجها من شرفها، وحرمانها حقوق إنسانيتها في الأسرة، وطردها وراء حدود ~~الاعتبار الاجتماعي، وتركها ثمة مخلاة لمجاري أمورها، فلا يتيسر لها العيش ~~إلا من مثل الرجل الفاجر، فلا تكون لها بيئة إلا من أمثاله وأمثالها, كما ~~يجتمع في الموضع الواحد أهل المصير الواحد، على طريقة القطيع في المجزرة. # فقالت هي: الحق أن هذه الجريمة أولها الحب؛ وهي لا تقع إلا من بين نقيضين ~~يجتمعان في المرأة معا: كبر حبها إلى ما يفوت العقل، وصغر عقلها إلى ما ~~ينزل عن الحب. والمرأة تظل هادئة ساكنة رزينة، حتى تصادفها اللحاظ النارية ~~من العين المقدرة لها، فلا يكون إلا أن تملأها نارا ولهبا؛ ولتكن المرأة من ~~هي كائنة، فإنها حينئذ كمستودع البارود، يهول عظمه وكبره، وهو لا شيء إذا ~~اتصلت به تلك الشرارة المهاجمة. # وليست حراسة المرأة شيئا يؤبه به أو يعتد به أو يسمى حراسة، إلا إذا كانت ~~كالتحفظ على مستودع البارود من ms234 النار؛ فيستوي في وسائلها الخوف من الشرارة ~~الصغيرة، والفزع من الحريق الأعظم؛ فيحتاط لاثنيهما بوسائل واحدة في قدر ~~واحد, واعتبار واحد. # PageV01P269 # وإذا تركت المرأة لنفسها تحرسها بعقلها وأدبها وفضلها وحريتها، فقد ترك ~~لنفسه مستودع البارود تحرسه جدرانه الأربعة القوية. # والرجال يعلمون أن للمرأة مظاهر طبيعية، من الخيلاء والكبرياء والاعتداد ~~بالنفس والمباهات بالعفة؛ لكن هؤلاء الرجال أنفسهم يعلمون كذلك، أن هذا ~~الظاهر مخلوق مع المرأة كجلد جسمها الناعم، وأن تحته أشياء غير هذه تعمل ~~عملها وتصنع البارود النسائي الذي سينفجر. # قلت: إذا كان هذا, فقبح الله هذه الحرية التي يريدونها للمرأة. هل تعيش ~~المرأة إلا في انتظار الكلمة التي تحكمها بلطف، وفي انتظار صاحب هذه ~~الكلمة؟ # قالت: إنه هذا حق لا ريب فيه، وأوسع النساء حرية أضيعهن في الناس؛ وهل ~~كالمومس في حريتها في نفسها؟ # ولكن يا شؤمها على الدنيا! إنها هي بعينها كما قلت أنت حرية المخلوق الذي ~~يترك حرا كالشريد، لتجرب فيه الحياة تجاريبها. وماذا في يد المرأة من حرية ~~هي حرية القدر فيها؟ # قلت: ولهذا لا أرجع عن رأيي أبدا, وهو أنه لا حرية للمرأة في أمة من ~~الأمم، إلا إذا شعر كل رجل في هذه الأمة بكرامة كل امرأة فيها، بحيث لو ~~أهينت واحدة ثار الكل فاستفادوا لها، كأن كرامات الرجال أجمعين قد أهينت في ~~هذه الواحدة؛ يومئذ تصبح المرأة حرة لا بحريتها هي، ولكن بأنها محروسة ~~بملايين من الرجال. # فضحكت وقالت: "يومئذ"! هذا اسم زمان أو اسم مكان؟ # قال الأستاذ "ح": ولكنا أبعدنا عن قصة هذه الحياة، ما كان أولها؟ قالت: ~~إن الشبان والرجال علم يجب أن تعلمه الفتاة قبل أوان الحاجة إليه؛ ويجب أن ~~يقر في ذهن كل فتاة، أن هذه الدنيا ليست كالدار فيها الحب، ولا كالمدرسة ~~فيها الصداقة، ولا كالمحل الذي تبتاع منه منديلا من الحرير أو زجاجة من ~~العطر، فيه إكرامها وخدمتها. # وأساس الفضيلة في الأنوثة الحياء؛ فيجب أن تعلم الفتاة أن الأنثى متى ~~خرجت من حيائها وتهجمت، أي: توقحت، أي: تبذلت، ms235 استوى عندها أن تذهب يمينا ~~أو تذهب شمالا، وتهيأت لكل منهما ولأيهما اتفق؛ وصاحبات # PageV01P270 # اليمين في كنف الزوج وظل الأسرة وشرف الحياة، وصاحبات الشمال ما صاحبات ~~الشمال. # قلت: هذا هذا, إنه الحياء، الحياء لا غيره؛ فهل هو إلا وسيلة أعانت ~~الطبيعة بها المرأة لتسمو على غريزتها متى وجب أن تسمو، فلا تلقى رجلا إلا ~~وفي دمها حارس لا يغفل. وهل هو إلا سلب جمعته الطبيعة إلى ذلك الإيجاب الذي ~~لو انطلق وحده في نفس المرأة لاندفعت في التبرج والإغراء، وعرض أسرار ~~أنوثتها في المعرض العام؟ # قالت: ذاك أردت، فكل ما تراه من أساليب التجميل والزينة على وجوه الفتيات ~~وأجسامهن في الطرق، فلا تعدنه من فرط الجمال، بل من قلة الحياء. # واعلم أن المرأة لا تخضع حق الخضوع في نفسها إلا لشيئين: حيائها ~~وغريزتها. # قلت: يا عجبا! هذا أدق تفسير لقول تلك المرأة العربية: "تجوع الحرة ولا ~~تأكل بثدييها". فإن اختضعت المرأة للحياء كفت غريزتها. # قالت: ... وجعلها الحياء صادقة في نفسها وفي ضميرها، فكانت هي المرأة ~~الحقيقية الجديرة بالزوج والنسل وتوريث الأخلاق الكريمة وحفظها للإنسانية. # قلت: ومن هذا يكون الإسراف في الأنوثة والتبرج أمام الرجال كذبا من ضمير ~~المرأة. # قالت: ومن أخلاقها أيضا؛ ألا ترى أن أشد الإسراف في هذه الأنوثة وفي هذا ~~التبرج لا يكون إلا في المرأة العامة؟ # قلت: والمرأة العامة امرأة تجارية القلب. فكأن المسرفة في أنوثتها ~~وتبرجها، هذه سبيلها, فهي لا تؤمن على نفسها. # قالت: قد تؤمن على نفسها، ولكنها أبدا مومس الفكر في الرجال، فيوشك ألا ~~تؤمن؛ وهي رهن بأحوالها وبما يقع لها، فقد يتقدم إليها الجريء وقد لا ~~يتقدم، ولكنها بذلك كأنها معلنة عن نفسها أنها "مستعدة ألا تؤمن". # قال "ح": لكن يقال: إن المرأة قد تتبرج وتتأنث لترى نفسها جميلة فاتنة، ~~فيعجبها حسنها، فيسرها إعجابها. # قالت: هذا كالقول: إن أستاذ الرقص الذي رأيته هنا، ينظر إلى نفسه كما ~~ينظر رجل إلى راقصة تتأود وتهتز وتترجرج. إن هذا الرقاص فيه الحركة الفنية ~~كما هي # PageV01P271 # حركة ms236 ليس غير؛ فهو كالميزان أو القياس أو أي آلات الضبط؛ أما فتنة الحركة ~~وسحرها ومعناها من المرأة الفاتنة في وهم الرجل المفتون بها؛ فهذا كله لا ~~يكون منه شيء في أستاذ الرقص؛ وإن كان أستاذ الرقص. # إن أجمل امرأة تبصق بفمها على وجهها في المرآة، إذا محي الرجل من ذهنها، ~~أو لم يطل بعينيه من وراء عينيها، أو لم تكن ممتلئة الحواس به، أو بإعجابه، ~~أو بالرغبة في إعجابه؛ فمهما يكن من جمال هذه فإنها لا ترى وجهها حينئذ إلا ~~كالدنيا إذا خلت من العدل. # قلت: ولكنا أبعدنا عن "قصة هذه الحياة ما كان أولها؟ ". # قالت: سأفعل ذلك لموضعك عندي: إن قصتي في الفصل الأول منها هي قصة جمالي؛ ~~وفي الفصل الثاني هي قصة مرض العذراء؛ وفي الفصل الثالث هي قصة الغفلة ~~والتهاون في الحراسة؛ وفي الفصل الرابع هي قصة انخداع الطبيعة النسوية ~~المبنية على الرقة وإيجاد الحب وتلقيه والرغبة في تنويعه أنواعا للأهل ~~والزوج والولد؛ ثم في الفصل الخامس هي قصة لؤم الرجل: كان محبا شريفا يقسم ~~بالله جهد أيمانه، فإذا هو كالمزور والمحتال واللص وأمثالهم ممن لا يعرفون ~~إلا بعد وقوع الجريمة. # ثم سكتت هنيهة، فكان سكوتها يتم كلامها. # وقال "ح": فما هو مرض العذراء الذي كان منه الفصل الثاني في الرواية؟ # قالت: كل عذراء فهي مريضة إلى أن تتزوج؛ فيجب أن يعلمها أهلها أن العلاج ~~قد يكون مسموما؛ وينبغي أن يحوطوها بقريب من العناية التي يحاط المريض بها، ~~فلا يجعل ما حوله إلا ملائما له، ويمنع أشياء وإن أحبها ورغب فيها، ويكره ~~على أشياء وإن عافها وصدف عنها. # قال "ح": فيكون القانون الاجتماعي تصديقا للقانون الديني من أن الذكورة ~~هي في نفسها عداوة للأنوثة، وأن كل رجل ليس ذا رحم محرم1 يجب أن يكون ~~مرفوضا إلا في الحالة الواحدة المشروعة، وهي الزواج. # قالت: فتكون المشكلة الاجتماعية هي: من ذا يرغم الذكورة على هذه الحالة ~~الواحدة المشروعة كيلا تضيع الأنوثة؟ PageV01P272 # قال: ولكن إذا كان سقوط الفتاة هو جناية ms237 "الزواج المزور"، فما عسى أن ~~يكون سقوط بعض المتزوجات؟ # قالت: هو جناية "الزواج المنقح" ... تريد أنفسهن الخبيثة تنقيح الزوج؛ ~~والمومسات أشرف منهن، إذ لا يعتدين على حق ولا يخن أمانة. # ورف على وجهها في هذه اللحظة شعاع من الشمس كان على جبينها كصفاء اللؤلؤ، ~~ثم تحول على خدها كإشراق الياقوت؛ ورأتني أتأمله، فقالت: أنا منتشية بحظي ~~في هذه الساعات؛ وهذا الشعاع إنما جاء يختم نورها. # ثم كانت السخرية العجيبة أنها لم تتم كلمة النور حتى جاء حظها الحقيقي من ~~حياتها ... وهو رجل يتحظاها؛ كلما أخذته عينها ابتسمت له ابتساما من الذل، ~~لو لم تجعله هي ابتساما لكان دموعا؛ ثم وقفت وما تتماسك من الهم، كأنها ~~تمثال "للجمال البائس"؛ ثم حيت وسلمت وودعت؛ وبعد "واوات" أخرى مشت ساكنة, ~~ومرآها يضج ويبكي. # فوداعا يا أوهام الذكاء التي تلمس الحقائق بقوة خالقة تزيد فيها! # ووداعا يا أحلام الفكر التي تضع مع كل شيء شيئا يغيره! # ووداعا يا حبها. # PageV01P273 ### | عروبة اللقطاء *: # جلست على ساحل الشاطبي في "إسكندرية" أتأمل البحر، وقد ارتفع الضحى، ولكن ~~النهار لدن ناعم رطيب كأن الفجر ممتد فيه إلى الظهر. # وجاءت عربة اللقطاء فأشرفت على الساحل، وكأنها في منظرها غمامة تتحرك, إذ ~~تعلوها ظلة كبيرة في لون الغيم. وهي كعربات النقل، غير أنها مسورة بألواح ~~من الخشب كجوانب النعش تمسك من فيها من الصغار أن يتدحرجوا منها إذ هي تدرج ~~وتتقلقل. # ووقفت في الشارع لتنزل ركبها إلى شاطئ البحر؛ أولئك ثلاثون صغيرا من كل ~~سفيج لقيط ومنبوذ، وقد انكمشوا وتضاغطوا إذ لا يمكن أن تمط العربة فتسعهم، ~~ولكن يمكن أن يكبسوا ويتداخلوا حتى يشغل الثلاثة أو الأربعة منهم حيز ~~اثنين. ومن منهم إذ تألم سيذهب فيشكو لأبيه ... ؟ # وترى هؤلاء المساكين خليطا ملتبسا يشعرك اجتماعهم أنهم صيد في شبكة لا ~~أطفال في عربة، ويدلك منظرهم البائس الذليل أنهم ليسوا أولاد أمهات وآباء، ~~ولكنهم كانوا وساوس وآباء وأمهات. # هذه العربة يجرها جوادان أحدهما أدهم والآخر كميت1, فلما وقفت لوى الأدهم ~~عنقه والتفت ينظر: ms238 أيفرغون العربة أم يزيدون عليها؟ أما الكميت فحرك رأسه ~~وعلك لجامه كأنه يقول لصاحبه: إن الفكر في تخفيف العبء الذي تحمله يجعله ~~أثقل عليك مما هو، إذ يضيف إليه الهم، والهم أثقل ما حملت نفس؛ فما دمت في ~~العمل فلا تتوهمن الراحة، فإن هذا يوهن القوة، ويخذل النشاط، ويجلب السأم؛ ~~وإنما روح العمل الصبر، وإنما روح الصبر العزم. PageV01P274 # ورآهم الأدهم ينزلون اللقطاء، فاستخفه الطرب، وحرك رأسه كأنما يسخر ~~بالكميت وفلسفته، وكأنما يقول له: إنما هو النزوع إلى الحرية، فإن لم تكن ~~لك في ذاتها، فلتكن لك في ذاتك، وإذا تعذرت اللذة عليك، فاحتفظ بخيالها، ~~فإنه وصلتك بها إلى أن تمكن وتتسهل؛ ولا تجعلن كل طباعك طباعا عاملة كادحة، ~~وإلا فأنت أداة ليس فيها إلا الحياة كما تريدك، وليكن ذلك طبعا شاعرا مع ~~هذه الطباع العاملة، فتكون لك الحياة كما تريدك وكما تريدها. # إن الدنيا شيء واحد في الواقع؛ ولكن هذا الشيء الواحد هو في كل خيال دنيا ~~وحدها. # وفي العربة امرأتان تقومان على اللقطاء؛ وكلتاهما تزوير للأم على هؤلاء ~~الأطفال المساكين؛ فلما سكنت العربة انحدرت منهما واحدة وقامت الأخرى ~~تناولها الصغار قائلة: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة ... إلى أن تم العدد وخلا ~~قفص الدجاج من الدجاج! # ومشى الأطفال بوجوه يتيمة، يقرأ من يقرأ فيها أنها مستسلمة، مستكينة، ~~معترفة أن لا حق لها في شيء من هذا العالم، إلا هذا الإحسان البخس القليل. # جاءوا بهم لينظروا الطبيعة والبحر والشمس، فغفل الصغار عن كل ذلك وصرفوا ~~أعينهم إلى الأطفال الذين لهم آباء وأمهات. # وا كبدي! أضنى الأسى كبدي؛ فقد ضاق صدري بعد انفساحه, ونالني وجع الفكر ~~في هؤلاء التعساء، وعرتني منهم علة كدس الحمى في الدم؛ وانقلبت إلى مثواي، ~~والعربة وأهلها ومكانها وزمانها في رأسي. # فلما طاف بي النوم طاف كل ذلك بي، فرأيتني في موضعي ذاك، وأبصرت العربة ~~قد وقفت، وتحاور الأدهم والكميت؛ فلما أفرغوها وشعر الجوادان بخفتها التفتا ~~معا، ثم جمعا رأسيهما يتحدثان! # قال الكميت: كنت قبل هذا أجر عربة الكلاب ms239 التي يقتلها الشرطة بالسم، فآخذ ~~الموت لهذه الكلاب المسكينة، ثم أرجع بها موتى؛ وكنت أذهب وأجيء في كل مراد ~~ومضطرب من شوارع المدينة وأزقتها وسككها، ولا أشعر بغير الثقل الذي أجره؛ ~~فلما ابتليت بعربة هؤلاء الصغار الذين يسمونهم اللقطاء، أحسست ثقلا آخر وقع ~~في نفسي # PageV01P275 # وما أدري ما هو؟ ولكن يخيل إلي أن ظل كل طفل منهم يثقل وحده عربة. # قال الأدهم: وأنا فقد كنت أجر عربة القمامة والأقذار، وما كان أقذرها ~~وأنتنها، ولكنها على نفسي كانت أطهر من هؤلاء وأنظف؛ كنت أجد ريحها الخبيثة ~~ما دمت أجرها؛ فإذا أنا تركت العربة استروحت النسيم واستطعمت الجو، أما ~~الآن فالريح الخبيثة في الزمن نفسه، كأن هذا الزمن قد أروح وأنتن منذ قرنت ~~بهؤلاء وعربتهم. # قال الكميت: إن ابن الحيوان يستقبل الوجود بأمه, إذ يكون وراءها كالقطعة ~~المتممة لها، ولا تقبل أمه إلا هذا، ولا يصرفها عنه صارف، فترغم الوجود على ~~أن يتقبل ابنها، وعلى أن يعطيه قوانينه؛ أما هؤلاء الأطفال فقد طردهم ~~الوجود منه كما طرد الله آباءهم وأمهاتهم من رحمته؛ وقد هديت الآن إلى أن ~~هذا هو سر ما نشعر به؛ فلسنا نجر للناس ولكن للشياطين. # وهنا وقف على حوذي العربة صديق من أصدقائه فقال: من هؤلاء يا أبا علي؟ # قال الحوذي: هؤلاء هؤلاء يا أبا هاشم. # قال أبو هاشم: سبحان الله, أما تترك طبعك في النكتة يا شيخ؟ # قال الحوذي: وهل أعرفهم أنا؟ هم بضاعة العربة والسلام, اركبوا يا أولاد، ~~انزلوا يا أولاد, هذا كل ما أسمع. # قال أبو هاشم: ولكن ما بالك ساخطا عليهم، كأنهم أولاد أعدائك؟ # قال الحوذي: ليت شعري من يدري أي رجل سيخرج من هذا الطفل، وأية امرأة ~~ستكون من هذه الطفلة؟ # انظر كيف تعلقت هذه البنت وعمرها سنتان، في عنق هذا الولد الذي كان من ~~سنتين ابن سنتين1, لا أراني أحمل في عربتي أطفالا كالأطفال الذين تحملهم ~~العربات إلى أبواب دورهم؛ فإن هؤلاء اللقطاء يحملون إلى باب الملجأ، وهو ~~باب للحارات والسكك لا يأخذ ms240 إلا منها، فلا يرسل إلا إليها. # أنا -والله- يا أبا هاشم، ضيق الصدر، كاسف البال من هذه المهنة؛ ويخيل ~~إلي أني لا أحمل في عربتي إلا الجنون والفجور والسرقة والقتل والدعارة ~~والسكر وعواصف وزوابع. PageV01P276 # قال أبو هاشم: ولكن هؤلاء الأطفال مساكين، ولا ذنب لهم. # قال الحوذي: نعم لا ذنب لهم، غير أنهم هم في أنفسهم ذنوب؛ إن كل واحد من ~~هؤلاء إن هو إلا جريمة تثبت امتداد الإثم والشر في الدنيا؛ ولدتهم أمهاتهم ~~لغية1. # فقطع صاحبه عليه وقال: هل ولدنهم إلا كما تلد سائر الأمهات أولادهن؟ # قال: نعم، إنه عمل واحد، غير أن أحواله في الجهتين مختلفة لا تتكافأ؛ وهل ~~تستوي حال من يشتري المتاع، ومن يسرق المتاع؟ # ههنا باعث من الشهوة قد عجز أن يسمو سموه -وما سموه إلا الزواج- فتسفل ~~وانحط، ورجع فسقا، وعاد أوله على آخره. كان أوله جرما فلا يزال إلى آخره ~~جرما، ولا يزال أبدا يعود أوله على آخره؛ فلما حملت المرأة وفاءت إلى ~~أمرها، وذهب عنها جنون الرجل والرجل معا؛ انطوت للرجال على الثأر والحقد ~~والضغينة؛ فلا يكون ابن العار إلا ابن هذه الشرور أيضا. # والأمهات يعددن لأجنتهن الثياب والأكسية قبل أن يولدوا، ويهيئن لهم ~~بالفكر آمالا وأحلاما في الحياة، فيكسبنهم في بطونهن شعور الفرح والابتهاج، ~~وارتقاب الحياة الهنيئة، والرغبة في السمو بها؛ ولكن أمهات هؤلاء يعددن لهم ~~الشوارع والأزقة منذ البدء، ولا تترقب إحداهن طول أشهر حملها أن يجيئها ~~الوليد، بل أن يتركها حيا أو مقتولا؛ فيورثنهم بذلك وهم أجنة شعور اللهفة ~~والحسرة والبغض والمقت، ويطبعنهم على فكرة الخطيئة والرغبة في القتل، فلا ~~يكون ابن العار إلا ابن هذه الرذائل أيضا. # وتظل الفاسقة مدة حملها تسعة أشهر في إحساس خائف، مترقب، منفرد بنفسه، ~~منعزل عن الإنسانية، ناقم، متبرم، متستر، منافق؛ فلو كان السفيح من أبوين ~~كريمين لجاء ثعبانا آدميا فيه سمه من هذا الإحساس العنيف. ومتى ألقت ~~الفاسقة ذا بطنها2 قطعته لتوه من روابط أهله وزمنه وتاريخه ورمت به ليموت؛ ~~فإن هلك فقد هلك، وإن ms241 عاش لمثل هذه الحياة فهو موت آخر شر من ذلك؛ ومهما ~~يتوله الناس والمحسنون، فلا يزال أوله يعود على آخره؛ مما في دمه ~~PageV01P277 # وطباعه الموروثة؛ ولا يبرح جريمة ممتدة متطاولة، ولا ينفك قصة فيها زان ~~وزانية، وفيها خطيئة ولعنة. # فهؤلاء -كما رأيت- أولاد الجرأة على الله، والتعدي على الناس، والاستخفاف ~~بالشرائع، والاستهزاء بالفضائل؛ وهم البغض الخارج من الحب، والوقاحة الآتية ~~من الخجل، والاستهتار المنبعث من الندامة؛ وكل منهم مسألة شر تطلب حلها أو ~~تعقيدها من الدنيا، وفيهم دماء فوارة تجمع سمومها شيئا فشيئا كلما كبروا ~~سنة فسنة. # قال أبو هاشم: ألا لعنة الله على ذلك الرجل الفاسق الذي اغتر تلك المرأة ~~فاستزلها وهورها في هذه المهواة, أكان حق الشهوة عليه أعظم من حق هذا ~~الآدمي. أما كان ينبغي أن يكون هذا الآخر هو الأول في الاعتبار، فيعلم أن ~~هذا اللقيط المسكين هو سبيله إلى صاحبته، وهو البلاغ إلى ما يحاوله منها؛ ~~فيكون كأنما دخل بين الاثنين ثالث يراهما ... فلعلهما يستحيان. # قال الحوذي الفيلسوف: لعنة الله على ذلك الرجل، ولعنات الله كلها، ولعنات ~~الملائكة والناس أجمعين على تلك المرأة التي انقادت له واغترت به. إن الرجل ~~ليس شيئا في هذه الجريمة، فقد كانت بصقة واحدة تغرقه، وكانت صفعة واحدة ~~تهزمه، وكان مع المرأة الحكومة والشرائع والفضائل، ومعها جهنم أيضا. # ألم تعلم الحمقاء أن الرجل الذي ليس زوجا لها ليس رجلا معها، وأن الشريعة ~~لو أيقنت أنه رجل لما حرمت عليها أن تخالطه؟ إنه ليس الرجل هو الذي ساور ~~هذه المرأة، بل مادة الحياة التي رأت في المرأة مستودعها، فتريد أن تقتحم ~~إلى مقرها عنوة أو خداعا أو رضى أو كما يتفق؛ إذ كان قانون هذه المادة أن ~~توجد، ولا شيء إلا أن توجد؛ فلا تعرف خيرا ولا شرا، ولا فضيلة ولا رذيلة. # لأيهما يجب التحصين: أللصاعقة المنقضة, أم للمكان الذي يخشى أن تنقض ~~عليه؟ لقد أجابت الشريعة الإسلامية: حصنوا المكان, ولكن المدنية أجابت: ~~حصنوا الصاعقة! # وكانت المرأتان المصاحبتان لجماعة اللقطاء تتناجيان، فقالت ms242 الكبرى منهما: ~~يا حسرتا على هؤلاء الصغار المساكين! إن حياة الأطفال فيما فوق مادة ~~الحياة، أي: في سرورهم وأفراحهم؛ وحياه هؤلاء البائسين فيما هو دون مادة ~~الحياة، أي: في وجودهم فقط. # PageV01P278 # وكبر الأطفال يكون منه إدخالهم في نظام الدنيا، وكبر هؤلاء إخراجهم من ~~"الملجأ" وهو كل النظام في دنياهم، ليس بعده إلا التشريد والفقر وابتداء ~~القصة المحزنة. # فقالت الصغرى: ولم لا يفرحون كأولاد الناس، أليست الطبيعة لهم جميعا، وهل ~~تجمع الشمس أشعتها عن هؤلاء لتضاعفها لأولئك؟ # قالت الأخرى: الطبيعة؟ تقولين الطبيعة؟ إنك يا ابنتي عذراء لم تبدأ في ~~حياتك حياة بعد، ولم تجاوبي بقلبك القلب الصغير الذي كان تحت قلبك تسعة ~~أشهر؛ وإنما أنت مع هؤلاء "موظفة" لا تعرفين منهم إلا جانب النظام وقانون ~~الملجأ. # لقد ولدت يا ابنتي خمسة أطفال، وبالعين البليغة التي أنظر بها إليهم أنظر ~~إلى هؤلاء، فما أراهم إلا منقطعين من صلة القلب الإنساني. يعبس لهم حتى ~~الجو، ويظلم عليهم حتى النور؛ ويبدو الطفل منهم على صغره كأنه يحمل الغم ~~المقبل عليه طول عمره. # يا لهفي على عود أخضر ناعم ريان كان للثمر فقيل له: كن للحطب! # الفرح يا ابنتي هو شعور الحي بأنه حي كما يهوى، ورؤيته نفسه على ما يشاء ~~في الحياة الخاصة به. وهؤلاء اللقطاء في حياة عامة قد نزعت منها الأم والأب ~~والدار، فليس لهم ماض كالأطفال، وكأنهم يبدءون من أنفسهم لا من الآباء ~~والأمهات. # قالت الصغيرة: ولكنهم أطفال. # قالت تلك: نعم يا ابنتي هم أطفال، غير أنهم طردوا من حقوق الطفولة كما ~~طردوا من حقوق الأهل. وحسبك بشقاء الطفل الذي لم يعرف من حنان أمه إلا أنها ~~لم تقتله، ولا من شفقتها إلا أنها طرحته في الطريق. # إن الطبيعة كلها عاجزة أن تعطي أحدهم مكانا كالموضع الذي كان يتبوءوه بين ~~أمه وأبيه. # ليس الأطفال يا ابنتي إلا صورا مبهمة صغيرة من كل جمال العالم، تفسرها ~~أعين ذويهم بكل التفاسير القلبية الجميلة؛ فأين أين العيون التي فيها تفسير ~~هذه الصور اللقيطة؟ # ألا ms243 لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على أولئك الرجال الأنذال الطغام # PageV01P279 # الذين أولدوا النساء هؤلاء المنبوذين! يزعمون لأنفسهم الرجولة، فهذه هي ~~رجولتهم بين أيدينا، هذه هي شهامتهم، هذه هي عقولهم، هذه هي آدابهم! # عجبا، إن سيئات اللصوص والقتلة كلها ينسى ويتلاشى، ولكن سيئات العشاق ~~والمحبين تعيش وتكبر. # أكان ذنب المرأة أنها صادقة فصدقت، وأنها مخلصة فأخلصت، وأنها رقيقة ~~فلانت، وأنها محسنة فرحمت، وأنها سليمة القلب فانخدعت؟ # وا كبدي للمسكينة! هل انخدعت إلا من ناحية الأمومة التي خلقت لها؟ هل ~~انخدعت إلا الأم التي فيها؟ وهل خدعها من ذلك اللئيم إلا الأب الذي فيه؟ # وا كبدي لمن تفجع بالنكبة الواحدة ثلاث فجائع: في كرامتها التي ابتذلت، ~~وفي الحبيب الذي تبرأ منها، وفي طفلها الذي قطعته بيدها من قلبها وتركته ~~لما كتب عليه! # إن هذا لا يعوضه في الطبيعة إلا أن يكون لكل رجل من أولئك الأنذال ثلاث ~~أرواح، فيقتل ثلاث مرات: واحدة بالشنق، والثانية بالحرق، والثالثة بالرجم ~~بالحجارة. # وكان اللقطاء قد تبعثروا على الساحل جماعات وشتى، فوقف أحدهم على طفل ~~صغير يلعب بما بين يديه، وأمه على كثب منه، وهي تتلهى بالمخرم تتلوى فيه ~~أصابعها. # فنظر الطفل إلى اللقيط, وأومأ إلى جماعته ثم قال له: أأنتم جميعا أولاد ~~هاتين المرأتين أم إحداهما؟ # قال اللقيط: هما المراقبتان؛ وأنت أفليست هذه التي معك مراقبة؟ # قال الطفل: ما معنى مراقبة؟ هذه ماما! # قال الآخر: فما معنى ماما؟ هذه مراقبة. # قال الطفل: وكلكم أهل دار واحدة؟ # قال: نحن في الملجأ، ومتى كبرنا أخذونا إلى دورنا. # فقال الطفل: وهل تبكي في الملجأ إذا أردت شيئا ليعطوك؛ ثم تغضب إذا أعطوك ~~ليزيدوك؟ وهل يسكتونك بالقرش والحلوى؟ والقبلة على هذا الخد وعلى # PageV01P280 # هذا الخد؟ إن كان هذا فأنا أذهب معكم إلى الملجأ؛ فإن أبي قد ضربني ~~اليوم، وقد أمر "ماما" ألا تعطيني شيئا إذا بكيت، ولا تزيدني إذا غضبت، ولا ### | .... # وهنا صاحت المراقبة الصغيرة: تعال يا رقم عشرة ... فلوى اللقيط المسكين ~~وجهه، وانصاع وأدبر. # "ومشى الأطفال بوجوه يتيمة، يقرأ ms244 من يقرأ فيها أنها مستسلمة، مستكينة، ~~معترفة أن لا حق لها في شيء من هذا العالم إلا هذا الإحسان البخس القليل". # PageV01P281 ### | الله أكبر # *: # جلست وقد مضى هزيع من الليل، أهيئ في نفسي بناء قصة أديرها على فتى كما ~~أحب ... وخبيث داعر، وفتاة كما أحبت ... عذراء متماجنة؛ كلاهما قد درس ~~وتخرج في ثلاثة معاهد: المدرسة، والروايات الغرامية، والسينما. وهو مصري ~~مسلم، وهي مصرية مسيحية. وللفتى هنات وسيئات لا يتنزه ولا يتورع؛ وهو من ~~شبابه كالماء يغلي، ومن أناقته بحيث لم يبق إلا أن تلحقه تاء التأنيث, وقد ~~تشعبت به فنون هذه المدنية، فرفع الله يده عن قلبه لا يبالي في أي أوديتها ~~هلك؛ وهو طلب نساء، دأبه التجوال في طرقهن، يتبعهن ويتعرض لهن، وقد ألفته ~~الطرق حتى لو تكلمت لقالت: هذا ضرب عجيب من عربات الكنس! # وللفتاة تبرج وتهتك، يعبث بها العبث نفسه، وقد أخرجتها فنون هذا التأنث ~~الأوروبي القائم على فلسفة الغريزة، وما يسمونه "الأدب المكشوف" كما يصوره ~~أولئك الكتاب الذين نقلوا إلى الإنسانية فلسفة الشهوات الحرة عن البهائم ~~الحرة. فهي تبرز حين تخرج من بيتها، لا إلى الطريق، ولكن إلى نظرات الرجال؛ ~~وتظهر حين تظهر، مصورة لا بتلوين نفسها مما يجوز وما لا يجوز، ولكن بتلوين ~~مرآتها مما يعجب وما لا يعجب. # وكلا اثنيهما لا يقيم وزنا للدين، والمسلم والمسيحي منهما هو الاسم وحده؛ ~~إذ كان من وضع الوالدين "رحمهما الله! "؛ والدين حرية القيد لا حرية ~~الحرية؛ فأنت بعد أن تقيد رذائلك وضراوتك وشرك وحيوانيتك, أنت من بعد هذا ~~حر ما وسعتك الأرض والسماء والفكر؛ لأنك من بعد هذا مكمل للإنسانية، مستقيم ~~على طريقتها؛ ولكن هب حمارا تفلسف وأراد أن يكون حرا بعقله الحماري؛ أي: ~~تقرير المذهب الفلسفي الحماري في الأدب، فهذا إنما يبتغي إطلاق حريته، أي: ~~تسليط حماريته الكاملة على كل ما يتصل به من الوجود. # وتمضي قصتي في أساليب مختلفة تمتحن بها فنون هذه الفتاة شهوات هذا ~~PageV01P282 # الفتى، فلا يزال يمشي من حيث لا يصل، ولا تزال ms245 تمنعه من حيث لا ترده؛ وما ~~ذلك من فضيلة ولا امتناع، ولكنها غريزة الأنوثة في الاستمتاع بسلطانها، ~~وإثباتها للرجل أن المرأة هي قوة الانتظار، وقوة الصبر؛ وأن هذه التي تحمل ~~جنينها تسعة أشهر في جوفها، تمسك رغبتها في نفسها مدة حمل فكري إذا هي ~~أرادت الحياة لرغبتها؛ ليكون لوقوعها وتحققها مثل الميلاد المفرح. # ولكن الميلاد في قصتي لا يكون لرذيلة هذه الفتاة، بل لفضيلتها؛ فإن ~~المرأة في رأيي -ولو كانت حياتها محدودة من جهاتها الأربع بكبائر الإثم ~~والفاحشة- لا يزال فيها من وراء هذه الحدود كلها قلب طبيعته الأمومة، أي: ~~الاتصال بمصدر الخلق، أي: كل فضائل العقيدة والدين؛ وما هو إلا أن يتنبه ~~هذا القلب بحادث يتصل به فيبلغ منه، حتى تتحول المرأة تحول الأرض من فصلها ~~المقشعر المجدب، إلى فصلها النضر الأخضر. # ففي قصتي تذعن الفتاة لصاحبها في يوم قد اعترتها فيه مخافة، ونزل بها هم، ~~وكادتها الحياة من كيدها؛ فكانت ضعيفة النفس بما طرأ عليها من هذه الحالة. ~~وتخلو بالفتى وفكرها منصرف إلى مصدر الغيب، مؤمل في رحمة القدر؛ ويخلبها ~~الشاب خلابة رعونته وحبه ولسانه، فيعطيها الألفاظ كلها فارغة من المعاني، ~~ويقر بالزواج وهو منطو على الطلاق بعد ساعة؛ فإذا أوشكت الفتاة أن تصرع تلك ~~الصرعة دوى في الجو صوت المؤذن: "الله أكبر! ". # وتلسع الفتاة في قلبها، وتتصل بهذا القلب روحانية الكلمة، فتقع الحياة ~~السماوية في الحياة الأرضية، وتنتبه العذراء إلى أن الله يشهد عارها، ~~ويفجؤها أنها مقدمة على أن تفسد من نفسها ما لا يصلحه المستحيل فضلا عن ~~الممكن، وترنو بعين الفتاة الطاهرة من نفسها إلى جسم بغي ليست هي تلك التي ~~هي؛ وتنظر بعين الزوجة من صاحبها إلى فاسق ليس هو ذاك الذي هو؛ ويحكي لها ~~المكان في قلبها المفطور على الأمومة, حكاية تثور منها وتشمئز؛ ويصرخ الطفل ~~المسكين صرخته في أذنها قبل أن يولد ويلقى في الشارع! # الله أكبر! صوت رهيب ليس من لغة صاحبها ولا من صوته ولا من خسته، كأنما ~~تفرغ السماء فيه ملء ms246 سحابة على رجس قلبها فتنقيه حتى ليس به ذرة من دنسه ~~الذي ركبه الساعة. كان لصاحبها في حس أعصابها ذلك الصوت الأسود، المنطفئ، ~~المبهم، المتلجلج مما فيه من قوة شهواته؛ للمؤذن صوت آخر في # PageV01P283 # روحها؛ صوت أحمر، مشتعل كمعمعة الحريق، مجلجل كالرعد، واضح كالحقيقة فيه ~~قوة الله! # سمعت صوت السلسلة وقعقعتها تلوى وتشد عليها، ثم سمعت صوت السلسلة بعينها ~~يكسر حديدها ويتحطم. # كانت طهارتها تختنق فنفذت إليها النسمات؛ وطارت الحمامة حين دعاها صوت ~~الجو، بعد أن كانت أسفت حين دعاها صوت الأرض. طارت الحمامة؛ لأن الطبيعة ~~التفتت فيها لفتة أخرى. # ويكرر المؤذن في ختام أذانه: "الله أكبر الله أكبر! " فإذا ... # وتبلد خاطري، فوقفت في بناء القصة عند هذا الحد، ولم أدر كيف يكون جواب ~~"إذا" فتركت فكري يعمل عمله كما تلهمه الواعية الباطنة، ونمت. # ورأيت في نومي أني أدخل المسجد لصلاة العيد وهو يعج بتكبير المصلين: ~~"الله أكبر الله أكبر! " ولهم هدير كهدير البحر في تلاطمه. وأرى المسجد قد ~~غص بالناس فاتصلوا وتلاحموا؛ تجد الصف منهم على استوائه كما تجد السطر في ~~الكتاب: ممدودا محتبكا ينتظمه وضع واحد، وأراهم تتابعوا صفا وراء صف، ونسقا ~~على نسق، فالمسجد بهم كالسنبلة ملئت حبا ما بين أولها وآخرها؛ كل حبة هي في ~~لف من أهلها وشملها، فليس فيهن على الكثرة حبة واحدة تميزها السنبلة فضل ~~تمييز، لا في الأعلى ولا في الأسفل. # وأقف متحيرا متلددا ألتفت ههنا وههنا، لا أدري كيف أخلص إلى موضع أجلس ~~فيه؛ ثم أمضي أتخطى الرقاب أطمع في فرجة أقتحمها وما تنفرج، حتى أنتهي إلى ~~الصف الأول؛ وأنظر إلى جانب المحراب شيخا بادنا يملأ موضع رجلين، وقد نفح ~~منه ريح المسك، وهو في ثياب من سندس خضر؛ فلما حاذيته جمع نفسه وانكمش، ~~فكأنما هو يطوى طيا، ورأيت مكانا وسعني فحططت فيه إلى جانبه، وأنا أعجب ~~للرجل كيف ضاق ولم أضيق عليه، وأين ذهب نصفه الضخم وقد كان بعضه على بعضه ~~زيما على زيم1 وامتلاء على امتلاء. # وجعلت أحدس عليه ms247 ظني، فوقع في نفسي أنه ملك من ملائكة الله قد تمثل في ~~الصورة الآدمية فاكتتم فيها لأمر من الأمر. PageV01P284 # وضج الناس: "الله أكبر الله أكبر! " في صوت تقشعر منه جلود الذين يخشون ~~ربهم، غير أن الناس مما ألفوا الكلمة ومما جهلوا من معناها, لا يسمعونها ~~إلا كما يسمعون الكلام؛ أما الذي إلى جانبي فكان ينتفض لها انتفاضة رجتني ~~معه رجا، إذ كنت ملتصقا به مناكبا له؛ وكأن المسجد في نفضه إيانا كان قطارا ~~يجري بنا في سرعة السحاب، فكل ما فيه يرتج ويهتز. ورأيت صاحبي يذهل عن ~~نفسه، ويتلألأ على وجهه نور لكل تكبيرة، كأن هناك مصباحا لا يزال ينطفئ ~~ويشتعل؛ فقطعت الرأي أنه من الملائكة. # ثم أقيمت الصلاة وكبر أهل المسجد، وكنت قرأت أن بعضهم صلى خلف رجل من ~~عظماء النفوس الذين يعرفون الله حق معرفته؛ قال: فلما كبر قال: "الله" ثم ~~بهت وبقي كأنه جسد ليس به روح من إجلاله الله تعالى؛ ثم قال: "أكبر" يعزم ~~بها عزما، فظننت أن قلبي قد انقطع من هيبة تكبيره. # قلت أنا: أما الذي إلى جانبي، فلما كبر مد صوته مدا ينبثق من روحه ~~ويستطير، فلو كان الصوت نورا لملأ ما بين الفجر والضحى. # وعرفت -والله- من معنى المسجد ما لم أعرف، حتى كأني لم أدخله من قبل، ~~فكان هذا الجالس إلى جانبي كضوء المصباح في المصباح؛ فانكشف لي المسجد في ~~نوره الروحي عن معان أدخلتني من الدنيا في دنيا على حدة. فما المسجد بناء ~~ولا مكانا كغيره من البناء والمكان، بل هو تصحيح للعالم الذي يموج من حوله ~~ويضطرب؛ فإن في الحياة أسباب الزيغ والباطل والمنافسة والعداوة والكيد ~~ونحوها، وهذه كلها يمحوها المسجد إذ يجمع الناس مرارا في كل يوم على سلامة ~~الصدر، وبراءة القلب، وروحانية النفس؛ ولا تدخله إنسانية الإنسان إلا طاهرة ~~منزهة مسبغة على حدود جسمها من أعلاه وأسفله شعار الطهر الذي يسمى الوضوء، ~~كأنما يغسل الإنسان آثار الدنيا عن أعضائه قبل دخوله المسجد. # ثم يستوي الجميع في هذا المجسد ms248 استواء واحدا، ويقفون موقفا واحدا، ~~ويخشعون خشوعا واحدا، ويكونون جميعا في نفسية واحدة؛ وليس هذا وحده، بل ~~يخرون إلى الأرض جميعا ساجدين لله؛ فليس لرأس على رأس ارتفاع، ولا لوجه على ~~وجه تمييز؛ ومن ثم فليس لذات على ذات سلطان. وهل تحقق الإنسانية وحدتها في ~~الناس بأبدع من هذا؟ ولعمري أين يجد العالم صوابه إلا ههنا؟ # PageV01P285 # فالمسجد هو في حقيقته موضع الفكرة الواحدة الطاهرة المصححة لكل ما يزيغ ~~به الاجتماع. هو فكر واحد لكل الرءوس؛ ومن ثم فهو حل واحد لكل المشاكل، ~~وكما يشق النهر فتقف الأرض عند شاطئيه لا تتقدم، يقام المسجد فتقف الأرض ~~بمعانيها الترابية خلف جدرانه لا تدخله. # وما حركة في الصلاة إلا أولها "الله أكبر" وآخرها "الله أكبر"؛ ففي ~~ركعتين من كل صلاة إحدى عشرة تكبيرة يجهر المصلون بها بلسان واحد؛ وكأني لم ~~أفطن لهذا من قبل، فأي زمام سياسي للجماهير وروحانيتها أشد وأوثق من زمام ~~هذه الكلمة التي هي أكبر ما في الكلام الإنساني؟ # ولما قضيت الصلاة سلمت على الملك وسلم علي، ورأيته مقبلا محتفيا، ورأيتني ~~أثيرا في نفسه، وجالت في رأسي الخواطر فتذكرت القصة التي أريد أن أكتبها؛ ~~وأن المؤذن يكرر في خاتمة أذانه: "الله أكبر الله أكبر" فإذا ... # وقلت: لأسألنه، وما أعظم أن يكون في مقالتي أسطر يلهمها ملك من الملائكة! ~~ولم أكد أرفع وجهي إليه حتى قال: # " ... فإذا لطمتان على وجه الشيطان، فولى مدبرا ولم يعقب؛ ووضعت الكلمة ~~الإلهية معناها في موضعه من قلب الفتاة، فلأيا بلأي ما نجت. # إن الدين في نفس المرأة شعور رقيق، ولكنه هو الفولاذ السميك الصلب الذي ~~تصفح به أخلاقها المدافعة. # الله أكبر! أتدري ماذا تقول الملائكة إذا سمعت التكبير؟ إنها تنشد هذا ~~النشيد: # بين الوقت والوقت من اليوم, تدق ساعة الإسلام بهذا الرنين: الله أكبر ~~الله أكبر، كما تدق في موضع ليتكلم الوقت برنينها. # الله أكبر! بين ساعات وساعات من اليوم ترسل الحياة في هذه الكلمة نداءها, ~~تهتف: أيها المؤمن! إن كنت أصبت في الساعات التي ms249 مضت، فاجتهد للساعات التي ~~تتلو؛ وإن كنت أخطأت، فكفر وامح ساعة بساعة؛ الزمن يمحو # PageV01P286 # الزمن، والعمل يغير العمل, ودقيقة باقية في العمر هي أمل كبير في رحمة ~~الله. # بين ساعات وساعات, يتناول المؤمن ميزان نفسه حين يسمع: الله أكبر؛ ليعرف ~~الصحة والمرض من نيته, كما يضع الطبيب لمريضه بين ساعات وساعات ميزان ~~الحرارة. # اليوم الواحد في طبيعة هذه الأرض عمر طويل للشر، تكاد كل دقيقة بشرها ~~تكون يوما مختوما بليل أسود؛ فيجب أن تقسم الإنسانية يومها بعدد قارات ~~الدنيا الخمس؛ لأن يوم الأرض صورة من الأرض, وعند كل قسم: من الفجر, ~~والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء تصيح الإنسانية المؤمنة منبهة نفسها: ~~الله أكبر، الله أكبر! # بين ساعات وساعات من اليوم يعرض كل مؤمن حسابه، فيقوم بين يدي الله ~~ويرفعه إليه. وكيف يكون من لا يزال ينتظر طول عمره فيما بين ساعات وساعات ~~الله أكبر؟ # بين الوقت والوقت من النهار والليل تدوي كلمة الروح: الله أكبر, ويجيبها ~~الناس: الله أكبر؛ ليعتاد الجماهير كيف يقادون إلى الخير بسهولة، وكيف ~~يحققون في الإنسانية معنى اجتماع أهل البيت الواحد؛ فتكون الاستجابة إلى كل ~~نداء اجتماعي مغروسة في طبيعتهم بغير استكراه. # النفس أسمى من المادة الدنيئة، وأقوى من الزمن المخرب، ولا دين لمن لا ~~تشمئز نفسه من الدناءة بأنفة طبيعية، وتحمل هموم الحياة بقوة ثابتة. # لا تضطربوا؛ هذا هو النظام. لا تنحرفوا؛ هذا هو النهج. لا تتراجعوا؛ هذا ~~هو النداء. لن يكبر عليكم شيء ما دامت كلمتكم: الله أكبر! # PageV01P287 ### | في اللهب ولا تحترق # *: # أفي الممكن هذا؟ # لعوب حسنة الدل، مفاكهة مداعبة، تحيي ليلها راقصة مغنية؛ حتى إذا اعتدل ~~الليل ليمضي، وانتبه الفجر ليقبل, انكفأت إلى دارها فنضت وشيها، وخرجت من ~~زينتها، وخلعت روحا ولبست روحا، وقالت: اللهم إليك، ولبيك اللهم لبيك. ثم ~~ذهبت فتوضأت وأفاضت النور عليها، وقامت بين يدي ربها تصلي! # هي حسناء فاتنة، لو سطع نور القمر من شيء في الأرض لسطع من وجهها. وما ~~تراها في يوم إلا ظهرت لك أحسن مما كانت، ms250 حتى لتظن أن الشمس تزيد وجهها في ~~كل نهار شعاعة ساحرة، وأن كل فجر يترك لها في الصبح بريقا ونضرة من قطرات ~~الندى. # وتحسب أن لها دما يطعم فيما يطعم أنوار الكواكب، ويشرب فيما يشرب نسمات ~~الليل. # وإذا كانت في وشيها وتطاريفها وأصباغها وحلاها لم تجدها امرأة، ولكن جمرة ~~في صورة امرأة؛ فلها نور وبصيص ولهب، وفيها طبيعة الإحراق. إن الذي وضع على ~~كل جمال ساحر في الطبيعة خاتم رهبة، وضع على جمالها خاتم قرص الشمس. # فإن رأيتها بتلك الزينة في رقصها وتثنيها، قلت: هذه روضة مفتنة اشتهت أن ~~تكون امرأة فكانت، وهذا الرقص هو فن النسيم على أعضائها. # وهي متى نفذت إلى البقعة المجدبة من نفسك أنشأت في نفسك الربيع ساعة أو ~~بعض ساعة. PageV01P288 # وتنسجم أنغام الموسيقى في رشاقتها نغمة إلى حركة؛ لأن جسمها الفاتن ~~الجميل هو نفسه أنغام صامتة تسمع وترى في وقت معا. # وتنسكب روحها الظريفة بين الرقص والموسيقى، لتخرج لك بظرفها صراحة الفن ~~من إبهامين، كلاهما يعاون الآخر. # وهي في رقصها إنما تفسر بحركات أعضائها أشواق الحياة وأفراحها وأحزانها، ~~وتزيد في لغة الطبيعة لغة جسم المرأة. # وكأن الليل والنهار في قلبها؛ فهي تبعث للقلوب ما شاءت ضوءا وظلمة. # وهي إلى القصر، غير أنك إذا تأملت جمالها وتمامها، حسبتها طالت لساعتها. # وإلى النحافة، غير أنك تنظر فإذا هي رابية كأن بعضها كان مختبئا في بعض. # ويخيل إليك أحيانا في فن من فنون رقصها أن جسمها يتثاءب برعشة من الطرب، ~~فإذا جسمك يهتز بجواب هذه الرعشة، لا يملك إلا أن يتثاءب ... ويجن رقصها ~~أحيانا، ولكن لتحقق بجنون الحركة أن العقل الموسيقي يصرف كل أعضاء جسمها. # ومهما يكن طيش الفن في تأودها ولفتتها ونظرتها وابتسامها وضحكها, ففي ~~وجهها دائما علامة وقار عابسة تقول للناس: افهموني. # ولما رأيتها شهد قلبي لها بأن على وجهها مع نور الجمال نور الوضوء؛ وأنها ~~متحرزة ممتنعة في حصن من قلبها المؤمن، يبسط الأمن والسلامة على ظاهرها؛ ~~وأن لها عينا عذراء لا تحاول التعبير، لا ms251 سؤالا ولا جوابا ولا اعتراضا ~~بينهما؛ وأن قوة جمالها تستظهر بقوة نفسها، فيكون ما في جمالها شيئا غير ما ~~في النساء؛ شيئا عبقريا بالغ القوة، يكف الدواعي ويحسم الخواطر، ويرغم ~~الإعجاب أن يكون ذهولا وحيرة، ويكره الحب أن يرجع مهابة واحتشاما. # والرواية كلها في باطنها تظهر على ضوء من مصباح قلبها، وما وجهها إلا ~~الشاشة البيضاء لهذه "السينما"، وهل يكون على الوجه إلا أخيلة القلب أو ~~الفكر؟ # وعندي أن المرأة إذا كان لها رأي ديني ترجع إليه، وكان أمرها مجتمعا في ~~هذا الرأي، وكانت أخلاقها محشودة له، متحفلة به, فتلك هي الياقوتة التي ~~ترمى في اللهب ولا تحترق، وتظل مع كل تجربة على أول مجاهدتها؛ إذ يكون لها ~~في طبيعة تركيبها الياقوتي ما تهزم به طبيعة التركيب الناري. # PageV01P289 # وليس من امرأة إلا وقد خلق الله لها طبيعة ياقوتية، هي فطرتها الدينية ~~التي فيها, إن بقيت لها هذه بقيت معها تلك؛ ولكنها حين تنخلع من هذه الفطرة ~~تخذلها الفطرة والطبيعة معا؛ فيجعل الله عقابها في عملها، ويكلها إلى ~~نفسها؛ فإذا هي مقبلة على أغلاطها ومساوئها بطرق عقلية إن كانت عالمة، ~~وبطرق مفضوحة إن كانت جاهلة. وما بد أن تستسر بطباع إما فاسدة وإما فيها ~~قوة الاستحالة إلى الفساد؛ ويرجع ضميرها الخالي محاولا أن يمتلئ من ظاهرها، ~~بعد أن كان ظاهرها هو يمتلئ من ضميرها، وتصبح المرأة بعد ذلك في حكم أسباب ~~حياتها، مصرفة بهذه الأسباب، خاضعة لما يصرفها؛ ويذهب الدين وينزل في مكانه ~~الشيطان؛ ويزول الاستقرار ويحل في محله الاضطراب، وتنطفئ الأشعة التي كانت ~~تذيب الغيوم وتمنعها أن تتراكم، فإذا الغيوم ملتف بعضها على بعض؛ وتخذل ~~القوة السامية التي كانت تنصر المرأة على ضعفها فتنصرها بذلك على أقوى ~~الرجال؛ فإذا المرأة من الضعف إلى تهافت، تغلبها الكلمة الرقيقة، وتغترها ~~الحيلة الواهنة، وتوافق انخداعها كل رغبة مزينة، ويستذلها طمعها قبل أن ~~يستذلها الطامع فيها؛ ولتكن بعد ذلك من هي كائنة أصلا وحسبا وتهذيبا وعقلا ~~وأدبا وعلما وفلسفة، فلو أنها امرأة من "الأسمنت ms252 المسلح" لتفتتت بالطبيعة ~~التي في داخلها، ما دامت الطبيعة متوجهة إلى الهدم بعد أن فقدت ما كان ~~يمسكها أن تهدم وأن تنهدم. # لقد رق الدين في نسائنا ورجالنا, فهل كانت علامة ذلك إلا أن كلمة: "حرام، ~~وحلال" قد تحولت عند أكثرهم وأكثرهن إلى "لائق، وغير لائق" ثم نزلت عند ~~كثير من الشبان والفتيات إلى "معاقب عليه قانونا، ومباح قانونا" ثم انحطت ~~آخرا عند السواد والدهماء إلى "ممكن، وغير ممكن"؟ # قالت الياقوتة، أعني الراقصة: # أخذني أبي من عهد الطفولة بالصلاة، وأثبت في نفسي أن الصلاة لا تصح ~~بالأعضاء إن لم يكن الفكر نفسه طاهرا يصلي لله مع الجسم، فإن كانت الصلاة ~~بالجسم وحده لم يزدد المرء من روح الصلاة إلا بعدا. وقر هذا في نفسي ~~واعتدته، إذ كنت أتعبد على مذهب الإمام الشافعي "رضي الله عنه"، فأصحح ~~الفكر، وأستحضر النية في قلبي، وأنحصر بكلي في هذا الجزء الطاهر قبل أن ~~أقول: "الله أكبر"؛ وبذلك أصبح فكري قادرا على أن يخلع الدنيا متى شاء ~~ويلبسها، وأن يخرج منها ثم يعود إليها؛ ونشأت فيه القوة المصممة التي # PageV01P290 # تجعله قادرا على أن ينصرف بي عما يفسد روح الصلاة في نفسي، وهي سر الدين ~~وعماده. # ويا لها حكمة أن فرض الله علينا هذه الصلوات بين ساعات وساعات، لتبقى ~~الروح أبدا إما متصلة أو مهيأة لتتصل. ولن يعجز أضعف الناس مع روح الدين أن ~~يملك نفسه بضع ساعات، متى هو أقر اليقين في نفسه أنه متوجه بعدها إلى ربه، ~~فخاف أن يقف بين يديه مخطئا أو آثما؛ ثم هو إذا ملك نفسه إلى هذه الفريضة ~~ذكر أن بعدها الفريضة الأخرى، وأنها بضع ساعات كذلك، فلا يزال من عزيمة ~~النفس وطهارتها في عمر على صيغة واحدة لا يتبدل ولا يتغير، كأنه بجملته ~~-مهما طال- عمل بضع ساعات. # قالت الياقوتة: ورأيت أبي يصلي، وكذلك رأيت أمي، فلا تكاد تلم بي فكرة ~~آثمة إلا انتصبا أمامي، فأكره أن أستلئم إليهما فأكون الفاسدة وهما ~~الصالحان, واللئيمة وهما الكريمان؛ فدمي نفسه -ببركة ms253 الدين- يحرسني كما ~~ترى. # قلت: فهذا الرقص؟ # قالت: نعم، إنه قضي علي أن أكون راقصة، وأن ألتمس العيش من أسهل طرق ~~وألينها وأبعدها عن الفساد، وإن كان الفساد ظاهرها؛ أريد: الرقص، أو الخدمة ~~في بيت، أو العمل في السوق. وأنا مطيقة لحريتي في الأولى، ولكني لن أملكها ~~في الأخيرتين ما دام علي هذا الميسم من الحسن؛ وكم من امرأة متحجبة وهي ~~عارية الروح، وكم من سافرة وروحها متحجبة؛ إن كنت لا تعلم هذا فاعلمه؛ وليس ~~السؤال ما سألت، بل يجب أن يكون وضعه هكذا: هل ما ترى هو في ثيابي فقط، أو ~~هو في ثيابي ونفسي؟ # ها أنت ذا تغلغل نظرتك في عيني إلى المعاني البعيدة، فهل ترى عيني راقصة؟ # قلت: لا والله، ما أرى عيني راقصة، ولكن عيني مجاهد في سبيل الله ... ! ~~فاستضحكت وقالت: بل قل: عيني مجاهد يهزم كل يوم شيطانا أو شياطين. # إني لأرقص وأغني، ولكن أتدري ما الذي يحرزني من العاقبة، ويحميني من وباء ~~هذا الجمهور المريض النفس؟ فاعلم أني لا أشعر بالجمهور ولا بروح المسرح، ~~إلا كما أشعر بروح المقبرة والمشيعين إليها؛ فهيهات بعد ذلك هيهات! ومن هذا ~~لا أحس بقلوبهم ولا بشهواتهم، وما أنا بينهم إلا كالتي تؤدي عملا فنيا # PageV01P291 # على ملأ من الأساتذة الممتحنين، والنظارة يحكمون لها أو عليها؛ فهي في ~~فكرة الامتحان, وهم لأنفسهم فيما شاءوا. # ولست أنكر أن أكثرهم، بل جميعهم، يخطئ في طريقة تناوله السيال الكهربائي ~~المنبعث من نفسي، ولكن لا علي، فهذا السيال نفسه ينبعث مثله من الزهر، ومن ~~القمر والكواكب، ومن كل امرأة جميلة تمشي في الطريق، ومن كل جميل في ~~الطبيعة، وحتى من الأمكنة والبقاع إذا كان لإنسان فيها ذكريات قديمة، أو ~~نبهت ببعض معانيها بعض معانيه؟ # قالت الياقوتة: فأنا كما ترى؛ أضطرب وجوها من الاضطراب في جذب الناس ~~ودفعهم معا، وإذا سلمت المرأة من أن يغلبها الطمع على فكرها، سلمت من أن ~~يغلبها الرجل عن فضيلتها. وفي النساء حواس مغناطيسية كاشفة منبهة خلقت فيهن ~~كالوقاية الطبيعية، لتسلم ms254 بها المرأة من أن تخطر عفتها لغرض، أو تغرر ~~بنفسها لإنسان، فإنك لتكلم المرأة، وتزين لها ما تزين، وهي شاعرة بما في ~~نفسك، وكأنها ترى ما في قلبك ينشأ ويتدرج تحت عينيها، وكأنه في وعاء من ~~الزجاج الرقيق الصافي تحمله على كفك يشف ويفضح، لا في قلب من لحم ودم تخفيه ~~بين جنبيك فيطوى ويكتم. # وليس يبطل هداية هذه الحاسة في المرأة إلا طمعها المادي في المال والمتاع ~~والزينة؛ فإن هذا الطمع هو القوة التي يغلب بها الرجل المرأة، فبنفسها ~~غلبها! وإذا تبذل طمع امرأة في رجل فهي مومس، وإن كانت عذراء في خدرها. # ويا عجبا! إن وجود الطبيعة في النفس غير الشعور بها؛ فليس يشعر المرأة ~~بتمام طبيعتها النسائية إلا الزينة والمتاع وما به المتاع والزينة؛ فكأن ~~الحكمة قد وقتها وعرضتها في وقت معا، لتكون هي الواقية أو المخطرة لنفسها، ~~فبعملها تجزى، ومن عملها ما تضحك وتبكي. # قالت الياقوتة: ولذا أخذت نفسي ألا أطمع في شيء من أشياء الناس، وسخوت عن ~~كل ما في أيديهم؛ فما يتكرمون علي إلا بهلاكي، وحسبي أن يبقى لعيني قلبي ~~ضوءهما المبصر. وأنا أعتمد على شهامة الرجل، فإن لم أجدها علمت أني بإزاء ~~حيواني إنساني، فأتحذره حذري من مصيبة مقبلة. وإذا جاءني وقح خلق الله وجهه ~~الحسن مسبة له، أو خلقه هو مسبة لوجهه القبيح، ذكرت أني بعد ساعة أو ساعات ~~أقوم إلى الصلاة، فلا يزداد مني إلا بعدا وإن كان بإزائي، فأغلظ له وأتسخط، ~~وأظهر الغضب وأصفعه صفعتي. # PageV01P292 # قلت: وما صفعتك؟ # قالت: إنها صفعة لا تضرب الوجه ولكن تخجله. # قلت: وما هي؟ # قالت الياقوتة: هي هذه الكلمة؛ أما تعرف يا سيدي أني أصلي وأقول "الله ~~أكبر" فهل أنت أكبر؟ أأقيم لك البرهان على صغارك وحقارتك، أأنادي الشرطي؟! # تختنق بالرقص وتنتعش بالصلاة, وفي كل يوم تختنق وتنتعش. # ولكني لا أزال أقول: # أفي الممكن هذا؟ # أفي المترادف شرعا: رقصت وصلت؟ # PageV01P293 ### | ### | المشكلة # *: # قالت لي صاحبة "الجمال البائس"1 فيما قالت: إن المرأة الجميلة تخاطب في ~~الرجل ms255 الواحد ثلاثة: الرجل، وشيطانه، وحيوانه. فأما الشيطان فهو معنا وإن ~~لم نكن معه, وأما الحيوان فله في أيدينا مقادة من الغباوة، ومقادة من ~~الغريزة، إذا شمس في واحدة أصحب في الأخرى وانقاد؛ ولكن المشكلة هي الرجل ~~تكون فيه رجولة. # نعم, إن المشكلة التي أعضلت على الفساد هي في الرجل القوي الرجولة يعرف ~~حقيقة وجوده وشرف منزلته؛ ولهذا أوجب الإسلام على المسلم أن يكون بين الوقت ~~والوقت في اليوم خارجا من صلاة. # وإنما الرجولة في خلال ثلاث: عمل الرجل على أن يكون في موضعه من الواجبات ~~كلها قبل أن يكون في هواه؛ وقبوله ذلك الموضع بقبول العامل الواثق من أجره ~~العظيم، والثالثة: قدرته على العمل والقبول إلى النهاية. # ولن تقوم هذه الخلال إلا بثلاث أخرى: الإدراك الصحيح للغاية من هذه ~~الحياة؛ وجعل ما يحبه الإنسان وما يكرهه موافقا لما أدرك من هذه الغاية؛ ~~والثالثة: القدرة على استخراج معاني الألم فيما أحب وكره على السواء. # فالرجولة على ذلك هي إفراغ النفس في أسلوب قوي جزل من الحياة، متساوق في ~~نمط الاجتماع، بليغ بمعاني الدين، مصقول بجمال الإنسانية، مسترسل ببلاغة ~~وقوة وجمال إلى غايته السامية. # ولهذه الحكمة أسقطت الأديان من فضائلها مبدأ إرضاء النفس في هواها، فلا ~~معاملة به مع الله في إثم أو شر؛ وأسقطه الناس من قواعد معاملتهم بعضهم مع ~~PageV01P294 # بعض، فلا يقوم به إلا الغش والمكر والخديعة، وكل خارج على شريعة أو فضيلة ~~أو منفعة اجتماعية، فإنما ينزع إلى ذلك إرضاء لنفسه وإيثارا لها وموافقة ~~لمحبتها وتوفية لحظها؛ وعمله هذا الذي يلبسه الوصف الاجتماعي الساقط ويسميه ~~باسمه في اللغة، كالرجل الذي يرضي نفسه أن يسرق ليغتني، فإذا أعطى نفسه ~~رضاها فهو اللص؛ وكالتاجر في إرضاء طمعه هو الغاش، وكالجندي في إرضاء جبنه ~~هو الخائن، وكالشاب في إرضاء رذيلته هو الفاسق، وهلم جرا وهلم جرجرة. # وأما بعد، فالقصة في هذه الفلسفة قصة رجل فاضل مهذب قد بلغ من العلم ~~والشباب والمال، ثم امتحنته الحياة بمشكلة ذهب فيها نوم ليله وهدوء نهاره ms256 ~~حتى كسفت باله وفرقت رأيه، وكابد فيها الموت الذي ليس بالموت، وعاش بالحياة ~~التي ليست بالحياة. # قال: فقدت أمي وأنا غلام أحوج ما يكون القلب إلى الأم، فخشي علي أبي أن ~~أستكين لذلة فقدها فيكون في نشأتي الذل والضراعة، وكبر عليه أن أحس فقدها ~~إحساس الطفل تموت أمه فيحمل في ضياعها مثل حزنها لو ضاع هو منها؛ فعلمني ~~هذا الأب الشفيق أن الرجل إذا فقد أمه كان شأنه غير شأن الصبي؛ لأن له قوة ~~وكبرياء؛ وألقى في روعي أني رجل مثله، وأن أمه قد ماتت عنه صغيرا فكان رجلا ~~مثلي الآن. # وكان من بعدها إذا دعاني قال: أيها الرجل, وإذا أعطاني شيئا قال: خذ يا ~~رجل, وإذا سألني عن شأني قال: كيف الرجل؟ وقل يوم يمر إلا أسمعنيها مرارا، ~~حتى توهمت أن معي رجلا في عقلي خلقته هذه الكلمة. وتمام الرجل بشيئين: ~~اللحية في وجهه، والزوجة في داره، فتجيء الزوجة بعد أن تظهر اللحية لتكون ~~كلتاهما قوة له، أو وقارا, أو جمالا، أو تكون كلتاهما خشونة، أو لتكونا معا ~~سوادين في الوجه والحياة. # أما اللحية لي أنا أيها الرجل الصغير, فليس في يد أبي ولا في حيلته أن ~~يجيء بها، ولكن الأخرى في يده وحيلته؛ فجاءني ذات نهار وقال لي: أيها ~~الرجل! إن فلانة مسماة عليك1 منذ اليوم, فهي امرأتك فاذهب لترى فيك رجلها. ~~PageV01P295 # وفلانة هذه طفلة من ذوات القربى، فأفرحني ذلك وأبهجني؛ وقلت للرجل الذي ~~في عقلي: أصبحت زوجا أيها الرجل. # وكان هذا الرجل الجاثم في عقلي هو غروري يومئذ وكبريائي، فكنت أقع في ~~الخطأ بعد الخطأ وآتي الحماقة بعد الحماقة، وكنت طفلا ولكن غروري ذو لحية ~~طويلة. # ونشأت على ذلك: صلب الرأي معتدا بنفسي، إذا هممت مضيت، وإذا مضيت لا ~~ألوي، وما هو إلا أن يخطر لي الخاطر فأركب رأسي فيه، ولأن تكسر لي يد أو ~~رجل أهون علي من أن يكسر لي رأي أو حكم؛ وأكسبني ذلك خيالا أكذب خيال ~~وأبعده، يخلط علي الدنيا خلطا فيدعني كالذي ms257 ينظر في الساعة وهي اثنا عشر ~~رقما لنصف اليوم الواحد، فيطالعها اثني عشر شهرا للسنة. # وترامت حريتي بهذا الخيال فجاوزت حدودها المعقولة، وبهذه الحرية الحمقاء ~~وذلك الخيال الفاسد، كذبت علي الفكرة والطبيعة. # ولست جميل الطلعة إذا طالعت وجهي، ولكني مع ذلك معتقد أن الخطأ في ~~المرآة, إذ هي لا تظهر الرجل الوضيء الجميل الذي في عقلي, ولست نابغة، ولكن ~~الرجل الذي في عقلي رجل عبقري؛ وهذا الذي في عقلي رجل متزوج؛ فيجب علي أنا ~~الطفل أن أكون رزينا رزينا كوالد عشرة أولاد في المدارس العليا. # وذهبت بكل ذلك أرى فلانة زوجتي، فأغلقت الباب في وجهي واختبأت مني، فقلت ~~في نفسي: أيها الرجل، إن هذا نشوز وعصيان، لا طاعة وحب. وساءني ذلك وغمني ~~وكبر علي، فأضمرت لها الغدر، فثبتت بذلك في ذهني صورة "الباب المغلق"، ~~وكأنه طلاق بيننا لا باب. # قال: ثم شب الرجل فكان بطبيعة ما في نفسه كالزوج الذي يترقب زوجته ~~الغائبة غيبة طويلة: كل أيامه ظمأ على ظمأ، وكل يوم يمر به هو زيادة سنة في ~~عمر شيطانه. وكان قد انتهى إلى مدرسته العالية، وأصبح رجل كتب وعلوم وفكر ~~وخيال؛ فعرضت له فتاة كاللواتي يعرضن للطلبة في المدارس العليا، ما منهن ~~على صاحبها إلا كالخيبة في امتحان. بيد أن "الرجل" لم يعرف من هذه الفتاة ~~إلا أوائل المرأة, ولم يكد يستشرف لأواخرها حتى سميت على غيره، فخطبت، ~~فزفت؛ زفت بعد نصف زوج إلى زوج. # PageV01P296 # وعرف الرجل من الفلسفة التي درسها أنه يجب أن يكون حرا بأكثر مما يستطيع، ~~وبأكثر من هذا الأكثر, فقالها بملء فيه، وقال للحرية: أنا لك وأنت لي. # قالها للحرية، فما أسرع ما ردت عليه الحرية بفتاة أخرى. # نقول نحن: وكان قد مضى على "الباب المغلق" تسع سنوات، فصار منهن بين ~~الشاب وبين زوجته العقلية تسعة أبواب مغلقة؛ ولكنها مع ذلك مسماة له، يقول ~~أهله وأهلها: "فلان وفلانة". وليس "الباب المغلق" عندهم إلا الحياء ~~والصيانة، وليست الفتاة من ورائه إلا العفاف المنتظر؛ وليس الفتى إلا ms258 ابن ~~الأب الذي سمى الفتاة له وحبسها على اسمه؛ وليست القربى إلا شريعة واجبة ~~الحق, نافذة الحكم. # وعند أهل الشرف، أنه مهما يبلغ من حرية المرء في هذا العصر فالشرف مقيد. # وعند أهل الدين، أن الزواج لا ينبغي أن يكون كزواج هذا العصر قائما من ~~أوله على معاني الفاحشة. وعند أهل الفضيلة، أن الزوجة إنما هي لبناء ~~الأسرة, فإن بلغ وجهها الغاية من الحسن أو لم يبلغ، فهو على كل حال وجه ذو ~~سلطة وحقوق "رسمية" في الاحترام؛ لا تقوم الأسرة إلا بذلك، ولا تقوم إلا ~~على ذلك. # وعند أهل الكمال والضمير، أن الزوجة الطاهرة المخلصة الحب لزوجها، إنما ~~هي معاملة بين زوجها وبين ربه؛ فحيثما وضعها من نفسه في كرامة أو مهانة، ~~وضع نفسه عند الله في مثل هذا الموضع. # وعند أهل العقل والرأي، أن كل زوجة فاضلة، هي جميلة جمال الحق؛ فإن لم ~~توجب الحب، وجبت لها المودة والرحمة. # وعند أهل المروءة والكرم، أن زوجة الرجل إنما هي إنسانيته ومروءته؛ فإن ~~احتملها أعلن أنه رجل كريم، وإن نبذها أعلن أنه رجل ليس فيه كرامة. # أما عند الشيطان "لعنه الله" فشروط الزوجة الكاملة ما تشترطه الغريزة: ~~الحب، الحب، الحب! # قال الشاب: وإذا أنا لم أتزوج امرأة تكون كما أشتهي جمالا، وكما يشتهي ~~فكري علما، كنت أنا المتزوج وحدي وبقي فكري عزبا. وقد عرفت التي تصلح لي ~~بجمالها وفكرها معا، وتبوأت في قلبي وأقمت في قلبها؛ ثم داخلت # PageV01P297 # أهلها، فخلطوني بأنفسهم، وقالوا: شاب وعزب, ومتعلم وسري, فلم يكن لدارهم ~~"باب مغلق"، حتى لو شئت أن أصل إلى كريمتهم في حرام وصلت، ولكني رجل يحمل ~~أمانة الرجولة. # أما الفتاة فلست أدري -والله- أفيها جاذبية نجم، أم جاذبية امرأة؟ وهل هي ~~أنثى في جمالها، أو هي الجمال السماوي أتى ينقح الفنون الأرضية لأهل الفن؟ # إذا التقينا قالت لي بعينيها: هنا أنا ذي قد أرخيت لك الزمام، فهل تستطيع ~~فرارا مني؟ ونلتصق فتقول لي بجسمها: أليست الدنيا كلها هنا، فهل في المكان ~~مكان إلا ms259 هنا؟ ونفترق فتحصر لي الزمن كله في كلمة حين نقول: غدا نلتقي. # كلامها كلام متأدب، ولكنه في الوقت نفسه طريقة من الخلاعة، تلفتك إلى ~~فمها الحلو؛ والحركة على جسمها حركة مستحية، ولكنها في الوقت عينه كالتعبير ~~الفني المتجسم في التمثال العاري. # إنها -والله- قد جعلت شيطاني هو عقلي؛ أما هذا العقل الذي ينصح ويعظ ~~ويقول: هذا خير وهذا شر, فهو الشيطان الذي يجب أن أتبرأ منه. # قال: وألم الأب بقصة فتاه، ويحسبها نزوة من الشباب يخمدها الزواج، فيقول ~~في نفسه: إن للرجل نظرتين إلى النساء: نظرة إليهن من حيث يختلفن، فتكون كل ~~امرأة غير الأخرى في الخيال والوهم والمزاج الشعري؛ ونظرة إليهن من حيث ~~يتساوين في حقيقة الأنوثة وطبيعة الاحترام الإنساني، فتكون كل امرأة ~~كالأخرى ولا يتفاوتن إلا بالفضيلة والمنفعة, ويقرر لنفسه أن ابنه رجل متعلم ~~ذو دين وبصر، فلا ينظر النظرة الخيالية التي لا تقنع بامرأة واحدة، بل لا ~~تزال تلتمس محاسن الجنس ومفاتنه، وهي النظرة التي لا يقوم بها إلا بناء ~~الشعر دون بناء الأسرة، ولا تصلح عليها المرأة تلد أولادا لزوجها، بل ~~المرأة تلد المعاني لشاعرها. # ثم احتاط في رأيه، فقدر أن ابنه ربما كان عاشقا مفتونا مسحورا، ذا بصيرة ~~مدخولة وقلب هواء وعقل ملتات، فيتمرد على أبيه ويخرج عن طاعته، ويحارب أهله ~~وربه من أجل امرأة، بيد أنه قال: إنه هو والده، وهو رباه وأنشأه في بيت فيه ~~الدين والخلق والشهامة والنجدة، وإن محاربة الله بامرأة لا تكون إلا عملا ~~من أعمال البيئة الفاسدة المستهترة، حين تجمع كل معاني الفساد والإباحة ~~والاستهتار في كلمة "الحرية". وقال: إن البيئة في العهد الذي كان من أخلاقه ~~الشرف والدين # PageV01P298 # والمروءة والغيرة على العرض، لم يكن فيها شيء من هذا؛ ولم يكن الأبناء ~~يومئذ يعترضون آباءهم فيمن اختاروهن؛ إذ النسل هو امتداد تاريخ الأب والابن ~~معا، والأب أعرف بدنياه وأجدر أن يكون مبرأ من اختلاط النظرة، فيختار للدين ~~والحسب والكمال، لا للشهوة والحب وفنون الخلاعة؛ ولا محل للاعتراض بالعشق ~~في باب ms260 من أبواب الأخلاق، بل محله في باب الشهوات وحدها. # ثم جزم الأب أن الولد الذي يجيء من عاشقين، حري أن يرث في أعصابه جنون ~~اثنين وأمراضهما النفسية وشهواتهما الملتهبة؛ ولهذا وقف الشرع في سبيل الحب ~~قبل الزواج لوقاية الأمة في أولها؛ ولهذا يكثر الضعف العصبي في هذه المدنية ~~الأوروبية وينتشر بها الفساد، فلا يأتي جيل إلا وهو أشد ميلا إلى الفساد من ~~الجيل الذي أعقبه. # ولم يكد ينتهي الأب إلى حيث انتهى الرأي به، حتى أسرع إلى "الباب المغلق" ~~يهيئ للزفاف ويتعجل لابنه المطيع نكبة ستجيء في احتفال عظيم. # قال الشاب: وجن جنوني؛ وقد كان أبي من احترامي بالموضع الذي لا يلقى منه، ~~فلجأت إلى عمي أستدفع به النكبة، وأتأيد بمكانه عند أبي؛ وبثثته حزني ~~وأفضيت إليه بشأني، وقلت له فيما قلت: افعلوا كل شيء إلا شيئا ينتهي بي إلى ~~تلك الفتاة، أو ينتهي بها إلي؛ وما أنكر أنها من ذوات القربى، وأن في ~~احتمالي إياها واجبا ورجولة، وفي ستري لها ثوابا ومروءة، وخاصة في هذا ~~الزمن الكاسد الذي بلغت فيه العذارى سن الجدات. ولكن القلب العاشق كافر ~~بالواجب والرجولة، والثواب والمروءة، وبالأم والأب؛ فهو يملك النعمة ويريد ~~أن يملك التنعم بها؛ وكل من اعترضه دونها كان عنده كاللص. # قال: قبح الله حبا يجعل أباك في قلبك لصا أو كاللص. # قلت: ولكني حر أختار من أشاء لنفسي. # قال: إن كنت حرا كما تزعم، فهل تستطيع أن تختار غير التي أحببتها؟ ألا ~~تكون حرا إلا فينا نحن وفي هدم أسرتنا؟ # قلت: ولكني متعلم، فلا أريد الزواج إلا بمن ... # فقطع علي وقال: ليتك لم تتعلم، فلو كنت نجارا أو حدادا أو حوذيا، لأدركت ~~بطبيعة الحياة أن الذين يتخضعون للحب وللمرأة هذا الخضوع، هم # PageV01P299 # الفارغون الذين يستطيع الشيطان أن يقضي في قلوبهم كل أوقات فراغه. # أما العاملون في الدين، والمغامرون في الحياة، والعارفون بحقائق الأمور، ~~والطامعون في الكمال الإنساني، فهؤلاء جميعا في شغل عن تربية أوهامهم، وعن ~~البكاء للمرأة والبكاء على المرأة؛ ونظرتهم ms261 إلى هذه المرأة أعلى وأوسع؛ ~~وغرضهم منها أجل وأسمى؛ وقد قال نبينا -صلى الله عليه وسلم-: "اتقوا الله ~~في النساء" أي: انظروا إليهن من جانب تقوى الله؛ فإن المرأة تقدم من رجلها ~~على قلب فيه الحب والكراهة وما بينهما، ولا تدري أي ذلك هو حظها؛ ولو أن كل ~~من أحب امرأة نبذ زوجة، لخربت الدنيا ولفسد الرجال والنساء جميعا. وهذه يا ~~بني أوهام وقتها وعمل أسبابها، وسيمضي الوقت وتتغير الأسباب, وربما كان ~~الناضج اليوم هو المتعفن غدا، وربما كان الفج هو الناضج بعد؟ # وهبك لا تحب ذات رحمك ثم أكرمتها وأحسنت إليها وسترتها، أفيكون عندك أجمل ~~من شعورها أنك ذو الفضل عليها؟ وهل أكرم الكرم عند النفس إلا أن يكون لها ~~هذا الشعور في نفس أخرى؟ إن هذا يا بني إن لم يكن حبا فيه الشهوة، فهو حب ~~إنساني فيه المجد. # ووقعت المشكلة وزفت المسكينة؛ فكيف يصنع الرجل بين المحبوبة والمكروهة؟ ~~1. PageV01P300 ### | ### | المشكلة " # 2": # لما فرغت من مقالات "المجنون"1 وأرسلت الأخيرة منها، قلت في نفسي: هذا ~~الآخر هو الآخر من المجنون وجنونه، ومن الفكر في تخليطه ونوادره؛ غير أنه ~~عاد إلي أخلاطا وأضغاثا فكأني رأيته في النوم يقول لي: اكتب مقالا في ~~السياسة. قلت: ما لي وللسياسة وأنا "موظف" في الحكومة، وقد أخذت الحكومة ~~ميثاق الموظفين, لما عرفوا من نقد أو غميزة ليكتمنه ولا يبينونه؟! فقال: ~~هذه ليست مشكلة, وليس هذا يصلح عذرا، والمخرج سهل والتدبير يسير والحل ~~ممكن. قلت: فما هو؟ # قال: اكتب ما شئت في سياسة الحكومة، ثم اجعل توقيعك في آخر المقال هكذا: ~~"مصطفى صادق الرافعي؛ غير موظف بالحكومة". # فهذه طريقة من طرق المجانين في حل المشاكل المعقدة، لا يكون الحل إلا ~~عقدة جديدة يتم بها اليأس ويتعذر الإمكان، وهي بعينها طريقة ذلك الطائر ~~الأبله الذي يرى الصائد فيغمض عينه ويلوي عنقه ويخبأ رأسه في جناحه؛ ظنا ~~عند نفسه أنه إذا لم ير الصائد لم يره الصائد، وإذا توهم أنه اختفى تحقق ~~أنه اختفى؛ وما عمله ذاك إلا ms262 كقوله للصياد: إني غير موجود هنا ... على قياس ~~"غير موظف". # وقد كنت استفتيت القراء في "المشكلة"، وكيف يتقي صاحبها على نفسه، وكيف ~~تصنع صاحبتها؛ فتلقيت كتبا كثيرة أهدت إلي عقولا مختلفة؛ وكان من عجائب ~~المقادير أن أول كتاب ألقي إلي منها كتاب مجنون "نابغة" كنابغة القرن ~~العشرين، بعث به من القاهرة، وسمى نفسه فيه "المصلح المنتظر" وهذه عبارته ~~بحرفها ورسمها كما كتبت وكما تقرأ؛ فإن نشر هذا النص كما هو، يكون أيضا نصا ~~على ذلك العقل كيف هو؟ PageV01P301 # قال: "إن هذا الكون تعبت فيه آراء المصلحين، وكتب الأنبياء زهاء قرون ~~عديدة، ودائما نرى الطبيعة تنتصر. ولقد نرى الحيوان يعلم كيف يعيش بجوار ~~أليفه، والطير كيف يركن إلى عش حبيبته، إلا الإنسان. ولقد تفنن المشرعون في ~~أسماء: العادات والتقاليد والحمية والشرف والعرض، وإن جميع هذه الأشياء ~~تزول أمام سلطان المادة, فما بالكم بسلطان الروح؟ # ورأيي لهذا الشاب ألا يطيع أباه ولو ذهب إلى ما يسموه الجحيم "كذا" إذا ~~كان بعد أن يعيش الحياة الواحدة التي يحياها ويتمتع بالحب الواحد المقدر ~~له، ما دام قلبه اصطفاها وروحه تهواها؛ ولو تركته بعد سنين قليلة لأي داع ~~من دواعي الانفصال "كذا". # وهذا ليس مجرد رأي مجرب، وإنما هو رأي أكبر عقل أنجبته الطبيعة حتى الآن! ~~وسينتصر على جميع من يقفون أمامه، والدليل أن هذا المقال سيشار إليه في ~~مجلة "الرسالة" وهذا الرأي سيعمل به، وصاحب هذا الرأي سيخلد في الدنيا، ~~وسيضع الأسس والقوانين التي تصلح لبني الإنسان مع سمو الروح بعد أن أفسدت ~~أخلاقه عبادة المال. # إن الإنسان يحيا حياة واحدة فليجعلها بأحسن ما تكون، وليمتع روحه بما ~~تمتع به جميع المخلوقات سواه. وإلى الملتقى في ميدان الجهاد". # "المصلح المنتظر" انتهى. # وهذا الكتاب يحل "المشكلة" على طريقة "غير موظف" فليعتقد العاشق أنه غير ~~متزوج فإذا هو غير متزوج، وإذا هو يتقلب فيما شاء؛ وتسأل الكاتب ثم ماذا؟ ~~فيقول لك: ثم الجحيم. # وإنما أوردنا الكتاب بطوله وعرضه؛ لأننا قرأناه على وجهين، فقد نبهتنا ~~عبارة "أكبر ms263 عقل أنجبته الطبيعة حتى الآن" إلى أن في الكلام إشارة من قوة ~~خفية في الغيب، فقرأناه على وحي هذه الإشارة وهديها، فإذا ترجمة لغة الغيب ~~فيه: # "ويحك يا صاحب المشكلة، إذا أردت أن تكون مجنونا أو كافرا بالله وبالآخرة ~~فهذا هو الرأي. كن حيوانا تنتصر فيه الطبيعة والسلام! ". # تلك إحدى عجائب المقادير في أول كتاب ألقي إلي؛ أما العجيبة الثانية فإن ~~آخر كتاب تلقيته كان من صاحبة المشكلة نفسها؛ وهو كتاب آية في الظرف وجمال # PageV01P302 # التعبير وإشراق النفس في أسرارها، يمور مور الضباب الرقيق من ورائه ~~الأشعة، فهو يحجب جمالا ليظهر منه جمالا آخر؛ وكأنه يعرض بذلك رأيا للنظر ~~ورأيا للتصور، ويأتي بكلام يقرأ بالعين قراءة وبالفكر قراءة غيرها؛ ولفظها ~~سهل، قريب قريب، حتى كأن وجهها هو يحدثك لا لفظها؛ ومادة معانيها من قلبها ~~لا من فكرها، وهو قلب سليم مقفل على خواطره وأحزانه، مسترسل إلى الإيمان ~~بما كتب عليه استرساله إلى الإيمان بما كتب له، فما به غرور ولا كبرياء ولا ~~حقد ولا غضب، ولا يكرثه ما هو فيه. # ومن نكد الدنيا أن مثل هذا القلب لا يخلق بفضائله إلا ليعاقب على فضائله؛ ~~فغلظة الناس عقاب لرقته، وغدرهم نكاية لوفائه، وتهورهم رد على أناته، ~~وحمقهم تكدير لسكونه, وكذبهم تكذيب للصدق فيه. # وما أرى هذا القلب مأخوذا بحب ذلك الشاب ولا مستهاما به لذاته، وإنما هو ~~يتعلق صورا عقلية جميلة كان من عجائب الاتفاق أن عرضت له في هذا الشباب أول ~~ما عرضت على مقدار ما؛ وسيكون من عجائب الاتفاق أيضا أن يزول هذا الحب زوال ~~الواحد إذا وجدت العشرة، وزوال العشرة إذا وجدت المائة، وزوال المائة إذا ~~وجد الألف. # وبعد هذا كله, فصاحبة المشكلة في كتابها كأنما تكتب في نقد الحكومة على ~~طريقة جعل التوقيع: "فلان غير موظف بالحكومة" وهي فيما كتبت كالنهر الذي ~~يتحدر بين شاطئيه, مدعيا أنه هارب من الشاطئين مع أنه بينهما يجري: تحب ~~صاحبها وتلقاه؛ ثم هي عند نفسها غير جانية عليه ولا على زوجته. ms264 فليت شعري ~~عنها، ما عسى أن تكون الجناية بعد زواج الرجل غير هذا الحب وهذا اللقاء؟! # ونحن معها كأرسطاطاليس مع صديقه الظالم حين قال له: هبنا نقدر على ~~محاباتك في ألا تقول: إنك ظالم؛ هل تقدر أنت على ألا تعلم أنك ظالم؟ # ورأيها في "المشكلة" أن ليس من أحد يستطيع حلها إلا صاحبها، ثم هو لا ~~يستطيع ذلك إلا بطريقة من طريقتين: فإما أن تكون ضحية أبيها وأبيه -تعني ~~زوجته- ضحيته هو أيضا، ويستهدف لما يناله من أهله وأهلها، فيكون البلاء عن ~~يمينه وشماله، ويكابد من نفسه ومنهم ما إن أقله ليذهب براحته وينغص عليه ~~الحب والعيش، "قالت": وإما أن يضحي بقلبه وعقله وبي. # وهذا كلام كأنها تقول فيه: إن أحدا لا يستطيع حل المشكلة إلا صاحبها، # PageV01P303 # غير مستطيع حلها إلا بجناية يذهب فيها نعيمه، أو بجنون يذهب فيه عقله. ~~فإن حلها بعد ذلك فهو أحد اثنين: إما أحمق أو مجنون ما منهما بد. # ولسان الغيب ناطق في كلامها بأن أحسن حل للمشكلة هو أن تبقى بلا حل، فإن ~~بعض الشر أهون من بعض. # والعجيبة الثالثة أن "نابغة القرن العشرين"1 جاء زائرا بعد أن قرأ مقالات ~~"المجنون"، فرأى بين يدي هذه الكتب التي تلقيتها وأنا أعرضها وأنظر فيها ~~لأتخير منها، فسأل فخبرته الخبر؛ فقال: إن صاحب هذه المشكلة مجنون, لو ~~امتحنوه في الجغرافيا وقالوا له: ما هي أشهر صناعة في باريس؟ لأجابهم: أشهر ~~ما تعرف به باريس أنها تصنع "البودرة" لوجه حبيبتي. # قلت: كيف يرتد هذا المجنون عاقلا؟ وما علاجه عندك؟ # قال: وجه في طلب "ا. ش"* ليجيء، فلما جاء قال له: اكتب: جلس "نابغة القرن ~~العشرين" مجلسه للإفتاء في حل المشكلة فأفتى مرتجلا: # "إن منطق الأشياء وعقلية الأشياء صريحان في أن مشكلة الحب التي يعسر حلها ~~ويتعذر مجاز العقل فيها، ليست هي مشكلة هذا العاشق أكرهوه على الزواج ~~بامرأة يحملها القلب أو لا يحملها، وإنما هي مشكلة إمبراطور الحبشة يريدون ~~إرغامه أن يتزوج إيطاليا، ويذهبون يزفونها إليه بالدبابات والرشاشات ~~والغازات ms265 السامة". # "ولو لم يكن رأس هذا العاشق المجنون فارغا من العقل الذي يعمل عمل العقل، ~~إذن لكانت مجاري عقله مطردة في رأسه، فانحلت مشكلته بأسباب تأتي من ذات ~~نفسها أو ذات نفسه؛ غير أن في رأسه عقل بطنه لا عقل الرأس، كذلك الشره ~~البخيل الذي طبخ قدرا وقعد هو وامرأته يأكلان، فقال: ما أطيب هذه القدر ~~لولا الزحام. قالت امرأته: أي زحام ههنا, إنما أنا وأنت؟! قال: كنت أحب أن ~~أكون أنا والقدر فقط". # "فعقل النهم في رأس هذا كعقل الشهوة في رأس ذاك؛ كلاهما فاسد التقدير لا ~~يعمل أعمال العقول السليمة؛ ويريد أحدهما أن تبطل الزوجة من أجل رطل من ~~اللحم، ويريد الآخر مثل ذلك في رطل من الحب. PageV01P304 # وإذا فسد العقل هذا الفساد ابتلى صاحبه بالمشاكل الصبيانية المضحكة: لا ~~تكون من شيء كبير، ولا يكون منها شيء كبير؛ وهي عند صاحبها لو وزنت كانت ~~قناطير من التعقيد؛ ولو كيلت بلغت أرادب من الحيرة؛ ولو قيست امتدت إلى ~~فراسخ من الغموض. # هاتان المرأتان: "الحبيبة والزوجة"، إما إن تكونا جميعا امرأتين، فالمعنى ~~واحد فلا مشكلة؛ وإما ألا تكونا امرأتين، فالمعنى كذلك واحد فلا مشكلة؛ ~~وإما أن تكون إحداهما امرأة والأخرى قردة أو هردة، وههنا المشكلة. "حاشية: ~~الهردة من أوضاع نابغة القرن العشرين في اللغة، ومعناها: الأنثى ليست من ~~إناث الأناسي ولا البهائم". # فإن زعم العاشق أن زوجته قردة فهو كاذب، وإن زعم أنها الهردة فهو أكذب؛ ~~والمشكلة هنا مشكلة كل المجانين، ففي مخه موضع أفرط عليه الشعور فأفسده، ~~وأوقع بفساده الخطأ في الرأي، وابتلاه من هذا الخطأ بالعمى عن الحقيقة، ~~وجعل زوجته المسكينة هي معرض هذا العمى وهذا الخطأ وهذا الفساد؛ ولا عيب ~~فيها؛ لأنها من زوجها كالحقيقة التي يتخبط فيها المجنون مدة جنونه، فتكون ~~مجلى هذيانه ومعرض حماقاته، وهي الحقيقة غير أنه هو المجنون. # فإن كانت هذه الحقيقة مسألة حسابية استمر المجنون مدة جنونه يقول للناس: ~~خمسون وخمسون ثلاثة عشر، ولا يصدق أبدا أنها مائة كاملة؛ وإن كانت مسألة ms266 ~~علمية قضى المجنون أيامه يشعل التراب ليجعله بارودا ينفجر ويتفرقع ولا يدخل ~~في عقله أبدا أن هذا تراب منطفئ بالطبيعة؛ وإن كانت مسألة قلبية استمر ~~المجنون يزعم أن زوجته قردة أو هردة، ولا يشعر أبدا أنها امرأة. # فإن صح أن هذا الرجل مجنون فعلاجه أن يربط في المارستان، ثم يجيء أهله كل ~~يوم بزوجته فيسألونه: أهذه امرأة أم قردة أم هردة؟ ثم لا يزالون ولا يزال ~~حتى يراها امرأة، ويعرفها امرأته، فيقال له حينئذ: إن كنت رجلا فتخلق ~~بأخلاق الرجال. # أما إن كان الرجل عاقلا مميزا صحيح التفكير ولكنه مريض مرض الحب، فلا يرى ~~"النابغة" أشفى لدائه ولا أنجع فيه من أن يستطب بهذه الأشفية واحدا بعد ~~واحد حتى يذهب سقامه بواحد منها أو بها كلها: # الدواء الأول: أن يجمع فكره قبل نومه فيحصره في زوجته، ثم لا يزال يقول: ~~زوجتي، زوجتي، حتى ينام. فإن لم يذهب ما به في أيام قليلة فالدواء الثاني. # الدواء الثاني: أن يتجرع شربة من زيت الخروع كل أسبوع, ويتوهم كل # PageV01P305 # مرة أنه يتجرعها من يد حبيبته، فإن لم يشفه هذا فالدواء الثالث. # الدواء الثالث: أن يذهب فيبيت ليلة في المقابر، ثم ينظر نظره في أي ~~المرأتين يريد أن يلقى الله بها وبرضاها عنه وبثوابه فيها؛ وأيتهما هي موضع ~~ذلك عند الله تعالى، فإن لم يبصر رشده بعد هذا فالدواء الرابع. # الدواء الرابع: أن يخرج في "مظاهرة" فإذا فقئت له عين أو كسرت له يد أو ~~رجل، ثم لم تحل حبيبته المشكلة بنفسها, فالدواء الخامس. # الدواء الخامس: أن يصنع صنيع المبتلى بالحشيس والكوكايين، فيذهب فيسلم ~~نفسه إلى السجن ليأخذوا على يده فينسى هذا الترف العقلي؛ ثم ليعرف من أعمال ~~السجن جد الحياة وهزلها، فإن لم ينزع عن جهله بعد ذلك فالدواء السادس. # الدواء السادس: أنه كلما تحرك دمه وشاعت فيه حرارة الحب، لا يذهب إلى من ~~يحبها، ولا يتوخى ناحيتها، بل يذهب من فوره إلى حجام يحجمه؛ ليطفئ عنه الدم ~~بإخراج الدم؛ وهذه هي الطريقة ms267 التي يصلح بها مجانين العشاق، ولو تبدلوا بها ~~من الانتحار لعاشوا هم وانتحر الحب. # قال "نابغة القرن العشرين": "فإن بطلت هذه الأشفية الستة، وبقي الرجل ~~جموحا لا يرد عن هواه فلم يبق إلا الدواء السابع. # الدواء السابع: أن يضرب صاحب المشكلة خمسين قناة يصك بها1 واقعة منه حيث ~~تقع من رأسه وصدره وظهره وأطرافه، حتى ينهشم عظمه، وينقصف صلبه، وينشدخ ~~رأسه، ويتفرى جلده؛ ثم تطلى جراحه وكسوره بالأطلية والمراهم، وتوضع له ~~الأضمدة والعصائب ويترك حتى يبرأ على ذلك: # أعرج متخلعا مبعثر الخلق مكسور الأعلى والأسفل، فإن في ذلك شفاءه التام ~~من داء الحب إن شاء الله". # قلنا: فإن لم يشفه ذلك ولم يصرف عنه غائلة الحب؟ # قال: فإن لم يشفه ذلك فالدواء الثامن. # الدواء الثامن: أن يعاد علاجه بالدواء السابع. PageV01P306 ### | ### | المشكلة " # 3": # أما البقية من هذه الآراء التي تلقيتها فكل أصحابها متوافقون على مثل ~~الرأي الواحد، من وجوب إمساك الزوجة والإقبال عليها، وإرسال "تلك" ~~والانصراف عنها، وأن يكون للرجل في ذلك عزم لا يتقلقل ومضاء لا ينثني، وأن ~~يصبر للنفرة حتى يستأنس منها فإنها ستتحول، ويجعل الأناة بإزاء الضجر فإنها ~~تصلحه، والمروءة بإزاء الكره فإنها تحمله، وليترك الأيام تعمل عملها فإنه ~~الآن يعترض هذا العمل ويعطله، وإن الأيام إذا عملت فستغير وتبدل؛ ولا يستقل ~~القليل تكون الأيام معه، ولا يستكثر الكثير تكون الأيام عليه. # والعديد الأكبر ممن كتبوا إلي، يحفظون على صاحب المشكلة ذلك البيان الذي ~~وضعناه على لسانه في المقال الأول، ويحاسبونه به، ويقيمون منه الحجة عليه، ~~ويقولون له: أنت اعترفت وأنا أنكرت، وأنت رددت على نفسك، وأنت نصبت ~~الميزان, فكيف لا تقبل الوزن به؟ وقد غفلوا عن أن المقال من كلامنا نحن، ~~وأن ذلك أسلوب من القول أدرناه ونحلناه ذلك الشاب؛ ليكون فيه الاعتراض ~~وجوابه، والخطأ والرد عليه؛ ولنظهر به الرجل كالأبله في حيرته ومشكلته؛ ~~تنفيرا لغيره عن مثل موقفه، ثم لنحرك به العلل الباطنة في نفسه هو، فنصرفه ~~عن الهوى شيئا فشيئا إلى الرأي شيئا فشيئا، حتى ms268 إذا قرأ قصة نفسه قرأها ~~بتعبير من قلبه وتعبير آخر من العقل، وتلمح ما خفي عليه فيما ظهر له، ~~واهتدى من التقييد إلى سبيل الإطلاق، وعرف كيف يخلص بين الواجب والحب ~~اللذين اختلطا عليه وامتزجا له امتزاج الماء والخمر. وبذلك الأسلوب جاءت ~~المشكلة معقدة منحلة في لسان صاحبها، وبقي أن يدفع صاحبها بكلام آخر إلى ~~موضع الرأي. # وكثير من الكتاب لم يزيدوا على أن نبهوا الرجل إلى حق زوجته، ثم يدعون ~~الله أن يرزقه عقلا, وقد أصاب هؤلاء أحسن التوفيق فيما ألهموا من هذه ~~الدعوة، فإنما جاءت المشكلة من أن الرجل قد فقد التمييز وجن بجنونين: # PageV01P307 # أحدهما في الداخل من عقله، والثاني في الخارج منه؛ فأصبح لا يبالي الإثم ~~والبغض عند زوجته إذا هو أصاب الحظوة والسرور عند الأخرى؛ فتعدى طوره مع ~~المرأتين جميعا، وظلم الزوجة بأن استلب حقها فيه، وظلم الأخرى بأن زادها ~~ذلك الحق فجعلها كالسارقة والمعتدية. # وقد تمنى أحد القراء من فلسطين1 أن يرزقه الله مثل هذه الزوجة المكروهة ~~كراهة حب، ويضعه موضع صاحب المشكلة؛ ليثبت أنه رجل يحكم الكره ويصرفه على ~~ما يشاء، ولا يرضى أن يحكمه الحب وإن كان هو الحب. # وهذا رأي حصيف جيد، فإن العاشق الذي يتلعب الحب به ويصده عن زوجته، لا ~~يكون رجلا صحيح الرجولة، بل هو أسخف الأمثلة في الأزواج، بل هو مجرم أخلاقي ~~ينصب لزوجته من نفسه مثال العاهر الفاسق؛ ليدفعها إلى الدعارة والفسق من ~~حيث يدري أو لا يدري؛ بل هو غبي؛ إذ لا يعرف أن انفراد زوجته وتراجعها إلى ~~نفسها الحزينة ينشئ في نفسها الحنين إلى رجل آخر؛ بل هو مغفل، إذ لا يدرك ~~أن شريعة السن بالسن والعين بالعين، هي بنفسها عند المرأة شريعة الرجل ~~بالرجل. # والمرأة التي تجد من زوجها الكراهية لا تعرفها أنها الكراهة إلا أول أول؛ ~~ثم تنظر فإذا الكراهة هي احتقارها وإهانتها في أخص خصائصها النسوية، ثم ~~تنظر فإذا هي إثارة كبريائها وتحديها، ثم تنظر فإذا هي دفع غريزتها أن تعمل ~~على ms269 إثبات أنها جديرة بالحب، وأنها قادرة على النقمة والمجازاة؛ ثم تنظر ~~فإذا برهان كل ذلك لا يجيء من عقل ولا منطق ولا فضيلة، وإنما يأتي من رجل ~~... رجل يحقق لها هي أن زوجها مغفل, وأنها جديرة بالحب. # وكأن هذا المعنى هو الذي أشارت إليه الأديبة "ف. ز" وإن كانت لم تبسطه، ~~فقد قالت: "إن صاحب هذه المشكلة غبي، ولا يكون إلا رجلا مريض النفس مريض ~~الخلق، وما رأيت مثله رجلا أبعد من الرجل, ومثل هذا هو نفسه مشكلة, فكيف ~~تحل مشكلته؟ إنه من ناحية زوجته مغفل، لا وصف له عندها إلا هذا؛ ومن جهة ~~حبيبته خائن، والخيانة أول أوصافه عندها. PageV01P308 # وهذا الزوج يسمم الآن أخلاق زوجته ويفسد طباعها، وينشئ لها قصة في أولها ~~غباوته وإثمه، وسيتركها تتم الرواية فلا يعلم إلا الله ما يكون آخرها. ~~ويمثل هذا الرجل أصبح المتعلمات يعتقدن أن أكثر الشبان إن لم يكونوا جميعا، ~~هم كاذبون في ادعاء الحب، فليس منهم إلا الغواية؛ أو هم محبون يكذب الأمل ~~بهم على النساء، فليس منهم إلا الخيبة. # قالت: "وخير ما تفعله صاحبة المشكلة أن تصنع ما صنعته أخرى لها مثل ~~قصتها, فهذه حين علمت بزواج صاحبها قذفت به من طريق آمالها إلى الطريق الذي ~~جاء منه، وأنزلته من درجة أنه كل الناس إلى منزلة أنه ككل الناس، ونبهت ~~حزمها وعزيمتها وكبرياءها، فرأته بعد ذلك أهون على نفسها من أن يكون سببا ~~لشقاء أو حسرة أو هم، وابتعدت بفضائلها عن طريق الحب الذي تعرف أنه لا ~~يستقيم إلا لزوجة وزوجها، فإذا مشت فيه امرأة إلى غير زواج، انحرف بها من ~~هنا، واعوج لها من هنا، فلم ينته بها في الغاية إلا أن تعود إلى نفسها ~~وعليها غباره، وما غبار هذا الطريق إلا سواد وجه المرأة". # وقد جهد الرجل بصاحبته أن تتخذه صديقا، فأبت أن تتقبل منه برهان خيبتها, ~~وأظهرت له جفوة فيها احتقار، وأعلمته أن نكث العهد لا يخرج منه عهده، وأن ~~الصداقة إذا بدأت من آخر الحب تغير ms270 اسمها وروحها ومعناها، فإما أن تكون ~~حينئذ أسقط ما في الحب، أو أكذب ما في الصداقة. # ثم قالت الأديبة: "وهي كانت تحبه، بل كانت مستهامة به، غير أنها كانت ~~أيضا طاهرة القلب، لا تريد في الحبيب رجلا هو رجل الحيلة عليها فتخدع به، ~~ولا رجل العار فتسب به؛ وفي طهارة المرأة جزاء نفسها من قوة الثقة ~~والاطمئنان وحسن التمكن؛ وهذا القلب الطاهر إذا فقد الحب لم يفقد ~~الطمأنينة، كالتاجر الحاذق إن خسر الربح لم يفلس؛ لأن مهارته من بعض ~~خصائصها القدرة على الاحتمال، والصبر للمجاهدة". # قالت: "فعلى صاحبة المشكلة التي عرفت كيف تحب وتجل، أن تعرف الآن كيف ~~تحتقر وتزدري".وللأديبة "ف. ع" رأي جزل مسدد؛ قالت: "إنها هي قد كانت يوما ~~بالموضع الذي فيه صاحبة المشكلة، فلما وقعت الواقعة أنفت أن تكون لصة قلوب، ~~وقالت في # PageV01P309 # نفسها: إذا لم يقدر لي، فإن الله هو الذي أراد، وإني أستحي من الله أن ~~أحاربه في هذه الزوجة المسكينة! ولئن كنت قادرة على الفوز، إن انتصاري ~~عليها عند حبيبي هو انتصارها علي عند ربي، فلأخسر هذا الحب لأرابح الله ~~برأس مال غزير خسرته من أجله، لأبق على أخلاق الرجل ليبقى رجلا لامرأته، ~~فما يسرني أن أنال الدنيا كلها وأهدم بيتا على قلب، ولا معنى لحب سيكون فيه ~~اللؤم بل سيكون ألأم اللؤم. # قالت: وعلمت أن الله "تعالى" قد جعلني أنا السعادة والشقاء في هذا الوضع ~~ليرى كيف أصنع، وأيقنت أن ليس بين هذين الضدين إلا حكمتي أو حمقي، وصح عندي ~~أن حسن المداخلة في هذه المشكلة هو الحل الحقيقي للمشكلة. # قالت: "فتغيرت لصاحبي تغيرا صناعيا، وكانت نيتي له هي أكبر أعواني عليه، ~~فما لبث هذا الانقلاب أن صار طبيعيا بعد قليل, وكنت أستمد من قلب امرأته ~~إذا اختانني الضعف أو نالني الجزع، فأشعر أن لي قوة قلبين. وزدت على ذلك ~~النصح لصاحبي نصحا ميسرا قائما على الإقناع وإثارة النخوة فيه وتبصيره ~~بواجبات الرجل، وترفقت في التوصل إلى ضميره لأثبت له أن عزة الوفاء ms271 لا تكون ~~بالخيانة وبينت له أنه إذا طلق زوجته من أجلي فما يصنع أكثر من أن يقيم ~~البرهان على أنه لا يصلح لي زوجا؛ ثم دللته برفق على أن خير ما يصنع وخير ~~ما هو صانع لإرضائي أن يقلدني في الإيثار وكرم النفس، ويحتذيني في الخير ~~والفضيلة، وأن يعتقد أن دموع المظلومين هي في أعينهم دموع، ولكنها في يد ~~الله صواعق يضرب بها الظالم. # قالت: "وبهذا وبعد هذا انقلب حبه لي إكبارا وإعظاما، وسما فوق أن يكون ~~حبا كالحب؛ وصار يجدني في ذات نفسه وفي ضميره كالتوبيخ له كلما أراد ~~بامرأته سوءا أو حاول أن يغض منها في نفسه. واعتاد أن يكرمها فأكرمها، ~~وصلحت له نيته فاتصل بينهما السبب، وكبرت هذه النية الطيبة فصارت ودا، وكبر ~~هذا الود فعاد حبا، وقامت حياتهما على الأساس الذي وضعته أنا بيدي، أنا ~~بيدي. # أما أنا". # وكتب فاضل من حلوان: "إن له صديقا ابتلي بمثل هذه المشكلة فركب رأسه, فما ~~رده شيء عن الزواج بحبيبته، وزف إليها كأنه ملك يدخل إلى قصر خياله؛ وكان ~~أهله يعذلونه ويلومونه ويخلصون له النصح ويجتهدون في أمره جهدهم، إذ # PageV01P310 # يرون بأعينهم ما لا يرى بعينه، فكان النصح ينتهي إليه فيظنه غشا وتلبيسا، ~~وكان اللوم يبلغه فيراه ظلما وتحاملا، وكان قلبه يترجم له كل كلمة في ~~حبيبته بمعنى منها هي لا من الحقائق، إذ غلبت على عقله فبها يعقل، وذهبت ~~بقلبه فبها يحس، واستبدت بإرادته فلها ينقاد؛ وعادت خواطره وأفكاره تدور ~~عليها كالحواشي على العبارة المغلقة في كتاب؛ واستقرت له فيها قوة من الحب، ~~وأمرها إذا أرادت شيئا أن تقول له كن ... ". # ثم مضت الليلة بعد الليلة، وجاء اليوم بعد اليوم، والموج يأخذ من الساحل ~~الذرة بعد الذرة والساحل لا يشعر، إلى أن تصرمت أشهر قليلة، فلم تلبث ~~الطبيعة التي ألفت الرواية وجعلتها قبل الزواج رواية الملك والملكة، وقصة ~~التاج والعرش، وحديث الدنيا وملك الدنيا, لم تلبث أن انتقلت على فجأة, ~~فأدارت الرواية إلى فصل السخرية ومنظر التهكم، وكشفت ms272 عن غرضها الخفي وحلت ~~العقدة الروائية. # قال: "ففرغ قلب المرأة من الحب، وظمئ إلى السكر والنشوة مرة أخرى من غير ~~هذه الزجاجة الفارغة, وبرد قلب الرجل، وكان الشيطان الذي يتسعر فيه نارا ~~شيطانا خبيثا، فتحول إلى لوح من الثلج له طول وعرض". # وجدت الحياة وهزل الشيطان، فاستحمق الرجل نفسه أن يكون اختار هذه المرأة ~~له زوجة، واستجهلت المرأة عقلها أن تكون قد رضيت هذا الرجل زوجا، وأنكرها ~~إنكارا أوله الملالة، وأنكرته إنكارا آخر أوله التبرم؛ وعاد كلاهما من ~~صاحبه كإنسان يكلف إنسانا أن يخلق له الأمس الذي مضى! # "وضربت الحياة ضربة أو ضربتين, فإذا أبنية الخيال كلها هدم هدم، وإذا ~~الطبيعة مؤلفة الرواية, قد ختمت روايتها وقوضت المسرح، وإذا الأحلام مفسرة ~~بالعكس: فالحب تأويله البغض، واللذة تفسيرها الألم، و"البودرة" معناها ~~الجير. وتغير كل ما بينهما إلا الشيطان الذي بينهما، فهو الذي زوج, وهو ~~بعينه الذي طلق". # وكتب أديب من بغداد يقول: "إنه كان في هذا الموضع القلق موضع صاحب ~~المشكلة، وإن ذات قرباه التي سميت عليه كانت ملففة له في حجب عدة لا في ~~حجاب واحد، وقد وصفت له باللغة, وفي اللغة: ما أحسن وما أجمل وما # PageV01P311 # أظرف، وكأنها ظبي يتلفت، وكأنها غصن يميل، وكأن سنة وجهها البدر! ". # قال: "وشبهت له بكل أدوات التشبيه، وجاءوا في أوصافها بمذاهب الاستعارة ~~والمجاز، فأخذها قصيدة قبل أن يأخذها امرأة، وكان لم ير منها شيئا, وكانت ~~لغة ذوي قرابته وقرابتها كلغة التجارة في ألسنة حذاق السماسرة, ما بهم إلا ~~تنفيق السلعة, ثم يخلون بين المشتري وحظه". # قال: فرسخ كلامهم في قلبي, فعقدت عليها، ثم أعرست بها، ونظرت فإذا هي ~~ليست في الكلمة الأولى ولا الأخيرة مما قالوا ولا فيما بينهما, ثم تعرفت ~~فإذا هي تكبرني بخمس عشرة سنة. ورأيت اتضاع حالها عندي فأشفقت عليها، وبت ~~الليلة الأولى مقبلا على نفسي أؤامرها وأناجيها، وأنظر في أي موضع رأي أنا؛ ~~وتأملت القصة، فإذا امرأة بين رحمة الله ورحمتي، فقلت: إن أنا نزعت رحمتي ~~عنها ليوشكن الله ms273 أن ينزع رحمته عني، وما بيني وبينه إلا أعمالي؛ وقلت: يا ~~نفسي، {إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في ~~الأرض يأت بها الله} [لقمان: 16] . وإنما أتقدم إلى عفو الله بآثام وذنوب ~~وغلطات, فلأجعل هذه المرأة حسنتي عنده، وما علي من عمر سيمضي وتبقى منه هذه ~~الحسنة خالدة مخلدة. # إنها كانت حاجة النفس إلى المتاع فانقلبت حاجة إلى الثواب، وكانت شهوة ~~فرجعت حكمة، وكنت أريد أن أبلغ ما أحب فسأبلغ ما يجب. ثم قلت: اللهم إن هذه ~~امرأة تنتظرها ألسنة الناس إما بالخير إذا أمسكتها، وإما بالشر إذا طلقتها، ~~وقد احتمت بي؛ اللهم سأكفيها كل هذا لوجهك الكريم! # قال: ورأيتني أكون ألأم الناس لو أني كشفتها للناس وقلت: انظروا, فكأنما ~~كنت أسأت إليها فأقبلت أترضاها، وجعلت أمازحها وألاينها في القول، وعدلت عن ~~حظ نفسي إلى حظ نفسها1، واستظهرت بقوله تعالى: {فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل ~~الله فيه خيرا كثيرا} واعتقدت الآية الكريمة أصح اعتقاد وأتمه، وقلت: اللهم ~~اجعلها من تفسيرها. # قال: فلم تمض أشهر حتى ظهر الحمل عليها، فألقى الله في نفسي من الفرح ما ~~لا تعدله الدنيا بحذافيرها، وأحسست لها الحب الذي لا يقال فيه: جميل ولا ~~قبيح؛ لأنه من ناحية النفس الجديدة التي في نفسها "الطفل". وجعلت أرى لها ~~في PageV01P312 # قلبي كل يوم مداخل ومخارج دونها العشق في كل مداخله ومخارجه، وصار الجنين ~~الذي في بطنها يتلألأ نوره عليها قبل أن يخرج إلى النور، وأصبحت الأيام ~~معها ربحا من الزمن, فيه الأمل الحلو المنتظر. # قال: "وجاءها المخاض، وطرقت بغلام؛ وسمعت الأصوات ترتفع من حجرتها: ولد! ~~ولد! بشروا أباه. فوالله لكأن ساعة من ساعات الخلد وقعت في زمني أنا من دون ~~الخلق جميعا وجاءتني بكل نعيم الجنة؛ وما كان ملك العالم -لو ملكته- ~~مستطيعا أن يهبني ما وهبتني امرأتي من فرح تلك الساعة؛ إنه فرح إلهي أحسست ~~بقلبي أن فيه سلام الله ورحمته وبركته، ومن يومئذ نطق لسان جمالها في صوت ~~هذا الطفل. ms274 ثم جاء أخوه في العام الثاني، ثم جاء أخوهما في العام الثالث؛ ~~وعرفت بركة الإحسان من اللطف الرباني في حوادث كثيرة، وتنفست علي أنفاس ~~الجنة وفسرت الآية الكريمة نفسها بهؤلاء الأولاد, فكان تفسيرها الأفراح، ~~والأفراح، والأفراح". # ويرى صديقنا الأستاذ "م. ح. ح" أن صاحب المشكلة في مشكلة من رجولته لا من ~~حبه؛ فلو أن له ألف روح لما استطاع أن يعاشر زوجته بواحدة منها, إذ هي كلها ~~أرواح صبيانية تبكي على قطعة من الحلوى ممثلة في الحبيبة, ولو عرف هذا ~~الرجل فلسفة الحب والكره؛ لعرف أنه يصنع دموعه بإحساسه الطفلي في هذه ~~المشكلة؛ ولو أدرك شيئا لأدرك أن الفاصل بين الحب والكره منزوع من نفسه؛ إذ ~~الفاصل في الرجل هو الحزم الذي يوضع بين ما يجب وما لا يجب. # إنه ما دام بهذه النفس الصغيرة, فكل حل لمشكلته هو مشكلة جديدة، ومثله ~~بلاء على الزوجة والحبيبة معا، وكلتاهما بلاء عليه، وهو بهذه وهذه كمحكوم ~~عليه أن يشنق بامرأة لا بمشنقة. # هذا عندي ليس بالرجل ولا بالطفل إلى أن يثبت أنه أحدهما؛ فإن كان طفلا ~~فمن السخرية به أن يكون متزوجا، وإن كان رجلا فليحل هو المشكلة بنفسه، ~~وحلها أيسر شيء؛ حلها تغيير حالته العقلية. # ونحن نعتذر للباقين من الأدباء والفضلاء الذين لم نذكر آراءهم، إذ كان ~~الغرض من الاستفتاء أن نظفر بالأحوال التي تشبه هذه الحادثة، لا بالآراء ~~والمواعظ والنصائح. أما رأينا ففي البقية الآتية. # PageV01P313 ### | المشكلة "4": # صاحب هذه المشكلة رجل أعور العقل, يرى عقله من ناحية واحدة، فقد غاب عنه ~~نصف الوجود في مشكلته, ولو أن عقله أبصر من الناحيتين لما رأى المشكلة ~~خالصة في إشكالها، ولوجد في ناحيتها الأخرى حظا لنفسه قد أصابه، ومذهبا في ~~السلامة لم يخطئه؛ وكان في هذه الناحية عذاب الجنون لو عذبه الله به، وكان ~~يصبح أشقى الخلق لو رماه الله في الجهة التي أنقذه منها، فتهيأت له المشكلة ~~على وجهها الثاني. # ماذا أنت قائل يا صاحب المشكلة لو أن زوجتك هذه المسكينة المظلومة التي ms275 ~~بنيت بها، كانت هي التي أكرهت على الرضى بك، وحملت على ذلك من أبيها، ثم ~~كنت أنت لها عاشقا، وبها صبا، وفيها متدلها؛ ثم كانت هي تحب رجلا غيرك، ~~وتصبو إليه، وتفتتن به، وقد احترقت عشقا له؛ فإذا جلوها عليك رأتك البغيض ~~المقيت، ورأتك الدميم الكريه، وفزعت منك فزعها من اللص والقاتل؛ وتمد لها ~~يدك فتتحاماها تحاميها المجذوم أو الأبرص، وتكلمها فتحم بردا من ثقل كلامك، ~~وتفتح لها ذراعيك فتحسبهما حبلين من مشنقتين، وتتحبب إليها فإذا أنت أسمج ~~خلق الله عندها، إذ تحاول في ندالة أن تحل منها محل حبيبها؛ وتقبل عليها ~~بوجهك فتراه من تقذرها إياك، واشمئزازها منك، وجه الذبابة مكبرا بفظاعة ~~وشناعة في قدر صورة وجه الرجل، لتتجاوز حد القبح إلى حد الغثاثة، إلى حد ~~انقلاب النفس من رؤيته، إلى حد القيء إذا دنا وجهك من وجهها؟! # ماذا أنت قائل يا صاحب المشكلة لو أن مشكلتك هذه جاءت من أن بينك وبين ~~زوجتك "الرجل الثاني" لا المرأة الثانية؟ ألست الآن في رحمة من الله بك، ~~وفي نعمة كفت عنك مصيبة، وفي موقف بين الرحمة والنعمة يقتضيك أن ترقب في ~~حكمك على هذه الزوجة المسكينة حكم الله عليك؟ # PageV01P314 # تقول: الحب والخيال والفن. وتذهب في مذاهبها، غير أن "المشكلة" قد دلت ~~على أنك بعيد من فهم هذه الحقائق، ولو أنت فهمتها لما كانت لك مشكلة، ولا ~~حسبت نفسك منحوس الحظ محروما، ولا جهلت أن في داخل العين من كل ذي فن عينا ~~خاصة بالأحلام كيلا تعمى عينه عن الحقائق. # الحب لفظ وهمي موضوع على أضداد مختلفة: على بركان وروضة، وعلى سماء وأرض، ~~وعلى بكاء وضحك، وعلى هموم كثيرة كلها هموم، وعلى أفراح قليلة ليست كلها ~~أفراحا؛ وهو خداع من النفس يضع كل ذكائه في المحبوب, ويجعل كل بلاهته في ~~المحب، فلا يكون المحبوب عند محبه إلا شخصا خياليا ذا صفة واحدة هي الكمال ~~المطلق، فكأنه فوق البشرية في وجود تام الجمال ولا عيب فيه، والناس من بعده ~~موجودون في العيوب ms276 والمحاسن. # وذلك وهم لا تقوم عليه الحياة ولا تصلح به، فإنما تقوم الحياة على الروح ~~العملية التي تضع في كل شيء معناه الصحيح الثابت؛ فالحب على هذا شيء غير ~~الزواج، وبينهما مثل ما بين الاضطراب والنظام؛ ويجب أن يفهم هذا الحب على ~~النحو الذي يجعله حبا لا غيره، فقد يكون أقوى حب بين اثنين إذا تحابا هو ~~أسخف زواج بينهما إذا تزوجا. # وذو الفن لا يفيد من هذا الحب فائدته الصحيحة إلا إذا جعله تحت عقل لا ~~فوق عقله، فيكون في حبه عاقلا بجنون لطيف, ويترك العاطفة تدخل في التفكير ~~وتضع فيه جمالها وثورتها وقوتها؛ ومن ثم يرى مجاهدة اللذة في الحب هي أسمى ~~لذاته الفكرية، ويعرف بها في نفسه ضربا إلهيا من السكينة يوليه القدرة على ~~أن يقهر الطبيعة الإنسانية ويصرفها ويبدع منها عمله الفني العجيب. # وهذا الضرب من السمو لا يبلغه إلا الفكر القوي الذي فاز على شهواته ~~وكبحها وتحملها تغلي فيه غليان الماء في المرجل ليخرج منها ألطف ما فيها، ~~ويحولها حركة في الروح تنشأ منها حياة هذه المعاني الفنية؛ وما أشبه ذا ~~الفن بالشجرة الحية: إن لم تضبط ما في داخلها أصح الضبط، لم يكن في ظاهرها ~~إلا أضعف عملها. # ومثل هذا الفكر العاشق يحتاج إلى الزوجة حاجته إلى الحبيبة، وهو في قوته ~~يجمع بين كرامة هذه وقدسية هذه؛ لأن إحداهما توازن الأخرى، وتعدلها في ~~الطبع، وتخفف من طغيانها على الغريزة، وتمسك القلب أن يتبدد في جوه ~~الخيالي. # PageV01P315 # والرجل الكامل المفكر المتخيل إذا كان زوجا وعشق، أو كان عاشقا وتزوج ~~بغير من يهواها، استطاع أن يبتدع لنفسه فنا جميلا من مسرات الفكر لا يجده ~~العاشق ولا يناله المتزوج؛ وإنه ليرى زوجته من الحبيبة كالتمثال جمد على ~~هيئة واحدة، غير أنه لا يغفل أن هذا هو سر من أسرار الإبداع في التمثال، إذ ~~تلك هيئة استقرار الأسمى في سموه؛ فإن الزوجة أمومة على قاعدتها، وحياة على ~~قاعدتها؛ أما الحبيبة فلا قاعدة لها، وهي معان شاردة لا تستقر، ms277 وزائلة لا ~~تثبت، وفنها كله في أن تبقى حيث هي كما هي، فجمالها يحيا كل يوم حياة جديدة ~~ما دامت فنا محضا، وما دام سر أنوثتها في حجابه. # ومتى تزوج الرجل بمن يحبها انهتك له حجاب أنوثتها فبطل أن يكون فيها سر، ~~وعادت له غير من كانت، وعاد لها غير من كان؛ وهذا التحول في كل منهما هو ~~زوال كل منهما من خيال صاحبه؛ فليس يصلح الحب أساسا للسعادة في الزواج، بل ~~أحر به إذا كان وجدا واحتراقا أن يكون أساسا للشؤم فيه؛ إذ كان قد وضع بين ~~الزوجين حدا يعين لهما درجة من درجة في الشغف والصبابة والخيال، وهما بعد ~~الزواج متراجعان وراء هذا الحد ما من ذلك بد، فإن لم يكن الزوج في هذه ~~الحالة رجلا تام الرجولة، أفسدت الحياة عليه وعلى زوجته صبيانية روحه؛ ~~فالتمس في الزوجة ما لم يعد فيها، فإذا انكشف فراغها ذهب يلتمسه في غيرها، ~~وكان بلاء عليها وعلى نفسه وعلى أولاده قبل أن يولدوا؛ إذ يضع أمام هذه ~~المرأة أسوأ الأمثلة لأبي أولادها، ويفسد إحساسها فيفسد تكوينها النفسي؛ ~~وما المرأة إلا حسها وشعورها1. # فالشأن هو في تمام الرجولة وقوتها وشهامتها وفحولتها، إن كان الرجل عاشقا ~~أو لم يكنه. وما من رجل قوي الرجولة إلا وأساسه ديانته وكرامته؛ وما من ذي ~~دين أو كرامة يقع في مثل هذه المشكلة ثم تظلم به الزوجة أو يحيف عليها أو ~~يفسد ما بينه وبينها من المداخلة وحسن العشرة، بله أن يراها كما يقول صاحب ~~المشكلة "مصيبة" فيجافيها ويبالغ في إعناتها ويشفي غيظه بإذلالها ~~واحتقارها. # وأي ذي دين يأمن على دينه أن يهلك في بعض ذلك, فضلا عن كل ذلك؟ وأي ذي ~~كرامة يرضى لكرامته أن تنقلب خسة ودناءة ونذالة في معاملة امرأة هو لا غيره ~~ذنبها؟ PageV01P316 # إن أساس الدين والكرامة ألا يخرج إنسان عن قاعدة الفضيلة الاجتماعية في ~~حل مشكلته إن تورط في مشكلة؛ فمن كان فقيرا لا يسرق بحجة أنه فقير، بل يكد ~~ويعمل ويصبر على ms278 ما يعانيه من ذلك؛ ومن كان محبا لا يستزل المرأة فيسقطها ~~بحجة أنه عاشق؛ ومن كان كصاحب المشكلة لا يظلم امرأته فيمقتها بحجة أنه ~~يعشق غيرها؛ وإنما الإنسان من أظهر في كل ذلك ونحو ذلك أثره الإنساني لا ~~أثره الوحشي، واعتبر أموره الخاصة بقاعدة الجماعة لا بقاعدة الفرد. وإنما ~~الدين في السمو على أهواء النفس؛ ولا يتسامى امرؤ على نفسه وأهواء نفسه إلا ~~بإنزالها على حكم القاعدة العامة، فمن هناك يتسامى، ومن هناك يبدو علوه ~~فيما يبلغ إليه. # وإذا حل اللص مشكلته على قاعدته هو فقد حلها، ولكنه حل يجعله هو بجملته ~~مشكلة للناس جميعا، حتى ليرى الشرع في نظرته إلى إنسانية هذا اللص أنه غير ~~حقيق باليد العاملة التي خلقت له فيأمر بقطعها. # وعلى هذه القاعدة, فالجنس البشري كله ينزل منزلة الأب في مناصرته لزوجة ~~صاحب المشكلة والاستظهار لها والدفاع عنها، ما دام قد وقع عليها الظلم من ~~صاحبها، وهذا هو حكمها في الضمير الإنساني الأكبر، وإن خالف ضمير زوجها ~~العدو الثائر الذي قطعها من مصادر نفسه ومواردها. أما حكم الحبيبة في هذا ~~الضمير الإنساني فهو أنها في هذا الموضع ليست حبيبة, ولكنها شحاذة رجال. # لسنا ننكر أن صاحب هذه المشكلة يتألم منها ويتلذع بها من الوقدة التي في ~~قلبه؛ بيد أننا نعرف أن ألم العاقل غير ألم المجنون، وحزن الحكيم غير حزن ~~الطائش؛ والقلب الإنساني يكاد يكون آلة مخلوقة مع الإنسان لإصلاح دنياه أو ~~إفسادها؛ فالحكيم من عرف كيف يتصرف بهذا القلب في آلامه وأوجاعه، فلا يصنع ~~من ألمه ألما جديدا يزيده فيه، ولا يخرج من الشر شرا آخر يجعله أسوأ مما ~~كان. وإذا لم يجد الحكيم ما يشتهي، أو أصاب ما لا يشتهي، استطاع أن يخلق من ~~قلبه خلقا معنويا يوجده الغنى عن ذلك المحبوب المعدوم، أو يوجده الصبر عن ~~هذا الموجود المكروه؛ فتتوازن الأحوال في نفسه وتعتدل المعاني على فكره ~~وقلبه؛ وبهذا الخلق المعنوي يستطيع ذو الفن أن يجعل آلامه كلها بدائع فن1. # وما هو فكر ms279 الحكماء إلا أن يكون مصنعا ترسل إليه المعاني بصورة فيها ~~الفوضى PageV01P317 # والنقص والألم؛ لتخرج منه في صورة فيها النظام والحكمة واللذة الروحية. # يعشق الرجل العامي المتزوج، فإذا الساعة التي أوبقته في المشكلة قد جاءته ~~معها بطريقة حلها: فإما ضرب امرأته بالطلاق، وإما أهلكها باتخاذ الضرة ~~عليها، وإما عذبها بالخيانة والفجور؛ لأن بعض العبث من الطبيعة في نفس هذا ~~الجاهل هو بعينه عبث الطبيعة بهذا الجاهل في غيره، كأن هذه الطبيعة تطلق ~~مدافعها الضخمة على الإنسانية من هذه النفوس الفارغة. # وليس أسهل على الذكر من الحيوان أن يحل مشكلة الأنثى حلا حيوانيا كحل هذا ~~العامي، فهو ظافر بالأنثى أو مقتول دونها ما دام مطلقا مخلى بينه وبينها؛ ~~والحقيقة هنا حقيقته هو، والكون كله ليس إلا منفعة شهوانية؛ وأسمى فضائله ~~ألا يعجز عن نيل هذه المنفعة. # ثم يعشق الرجل الحكيم المتزوج فإذا لمشكلته وجه آخر, إذ كان من أصعب ~~الصعب وجود رجل يحل هذه المشكلة برجولة، فإن فيها كرامة الزوجة وواجب الدين ~~وفيها حق المروءة، وفيها مع ذلك عبث الطبيعة وخداعها وهزلها الذي هو أشد ~~الجد بينها وبين الغريزة؛ وبهذا كله تنقلب المشكلة إلى معركة نفسية لا ~~يحسمها إلا الظفر، ولا يعين عليها إلا الصبر, ولا يفلح في سياستها إلا تحمل ~~آلامها، فإذا رزق العاشق صبرا وقوة على الاحتمال فقد هان الباقي, وتيسرت ~~لذة الظفر الحاسم، وإن لم يكن هو الظفر بالحبيبة؛ فإن في نفس الإنسان مواقع ~~مختلفة وآثارا متباينة للذة الواحدة، وموقع أرفع من موقع، وأثر أبهج من ~~أثر؛ وألذ من الظفر بالحبيبة نفسها عند الرجل الحكيم الظفر بمعانيها، وأكرم ~~منها على نفسه كرامة نفسه. وإذا انتصر الدين والفضيلة والكرامة والعقل ~~والفن، لم يبق لخيبة الحب كبير معنى ولا عظيم أثر، ويتوغل العاشق في حبه ~~وقد لبسته حالة أخرى كما يكظم الرجل الحليم على الغيظ. فذلك يحب ولا يطيش، ~~وهذا يغتاظ ولا يغضب. والبطل الشديد البأس لا ينبغ إلا من الشدائد القوية، ~~والداهية الأريب لا يخرج إلا من المشكلات المعقدة، والتقي ms280 الفاضل لا يعرف ~~إلا بين الأهواء المستحكمة. ولعمري إذا لم يستطع الحكيم أن ينتصر على شهوة ~~من شهوات نفسه، أو يبطل حاجة من حاجاتها، فماذا فيه من الحكمة، وماذا فيه ~~من النفس؟ # وما عقد "المشكلة" على صاحبها بين زوجته وحبيبته، إلا أنه بخياله الفاسد ~~قد أفسد القوة المصلحة فيه، فهو لم يتزوج امرأته كلها ... وكأنه لا يراها ~~أنثى # PageV01P318 # كالنساء، ولا يبصر عندها إلا فروقا بين امرأتين: محبوبة ومكروهة؛ وبهذا ~~أفسد عينه كما أفسد خياله؛ فلو تعلم كيف يراها لرآها، ولو تعودها لأحبها. # إنه من وهمه كالجواد الذي يشعر بالمقادة في عنقه؛ فشعوره بمعنى الحبل وإن ~~كان معنى ضئيلا عطل فيه كل معاني قوته، وإن كانت معاني كثيرة. وما أقدرك ~~أيها الحب على وضع حبال الخيل والبغال والحمير في أعناق الناس! # وقد بقي أن نذكر، توفية للفائدة، أنه قد يقع في مثل هذه المشكلة من نقصت ~~فحولته من الرجال، فيدلس على نفسه بمثل هذا الحب، ويبالغ فيه، ويتجرم على ~~زوجته المسكينة التي ابتليت به، ويختلق لها العلل الواهية المكذوبة، ~~ويبغضها كأنه هو الذي ابتلي بها، وكأن المصيبة من قبلها لا من قبله؛ وكل ~~ذلك لأن غريزته تحولت إلى فكره، فلم تعد إلا صورا خيالية لا تعرف إلا ~~الكذب. وقد قرر علماء النفس أن من الرجال من يكره زوجته أشد الكره إذا شعر ~~في نفسه بالمهانة والنقص من عجزه عنها. فهذا لا يكون رجلا لامرأته إلا في ~~العداوة والنقمة والكراهية وما كان من باب شفاء الغيظ، وامرأته معه ~~كالمعاهدة السياسية من طرف واحد, لا قيمة ولا حرمة؛ وإذا أحب هذا كان حبه ~~خياليا شديدا؛ لأنه من جهة يكون كالتعزية لنفسه، ومن جهة أخرى يكون غيظا ~~لزوجته، وردا بامرأة على امرأة. # PageV01P319 ### | فهرس المحتويات # 3 مقدمة # 7 نص كتاب الأستاذ الإمام # 9 تصدير # 13 صدر الكتاب # 16 اليمامتان # 26 اجتلاء العيد # 30 المعنى السياسي في العيد # 32 الربيع # 35 عرش الورد # 39 أيها البحر! # 43 في الربيع الأزرق خواطر مرسلة # 47 حديث قطين # 54 ms281 بين خروفين # 63 الطفولتان # 71 أحلام في الشارع # 78 أحلام في قصر # 83 بنت الباشا # 89 ورقة ورد # 94 سمو الحب # 103 قصة زواج وفلسفة المهر # 113 ذيل القصة وفلسفة المال # 121 زوجة إمام # 130 زوجة إمام بقية الخير # 137 قبح جميل # 146 الطائشة "1" # 154 الطائشة "2" # 161 دموع من رسائل الطائشة # 166 فلسفة الطائشة # 173 تربية لؤلؤية # 180 س. ا. ع # 187 استنوق الجمل # 193 أرملة حكومة # 200 رؤيا في السماء # 207 بنته الصغيرة "1" # 214 بنته الصغيرة "2" # 222 الأجنبية # 231 قصيدة مترجمة عن الشيطان # 231 لحوم البحر # 236 قصيدة مترجمة عن الملك # 236 احذري! # 241 الجمال البائس "1" # 247 الجمال البائس "2" # 253 الجمال البائس "3" # 260 الجمال البائس "4" # 266 الجمال البائس "5" # 274 عروبة اللقطاء # 282 الله أكبر # 288 في اللهب ولا تحترق # 294 المشكلة "1" # 301 المشكلة "2" # 307 المشكلة "3" # 314 المشكلة "4" # PageV01P320 ### | المجلد الثاني ### | الإشراق الإلهي وفلسفة الإسلام # ... # بسم الله الرحمن الرحيم # الإشراق الإلهي وفلسفة الإسلام: # كما تطلع الشمس بأنوارها فتفجر ينبوع الضوء المسمى النهار، يولد النبي ~~فيوجد في الإنسانية ينبوع النور المسمى بالدين. وليس النهار إلا يقظة ~~الحياة تحقق أعمالها، وليس الدين إلا يقظة النفس تحقق فضائلها. # والشمس خلقها الله حاملة طابعه الإلهي، في عملها للمادة تحول به وتغير، ~~والنبي يرسله الله حاملا مثل ذلك الطابع في عمله تترقى فيه وتسمو. # ورعشات الضوء من الشمس هي قصة الهداية للكون في كلام من النور، وأشعة ~~الوحي في النبي هي قصة الهداية لإنسان الكون نور من الكلام. # والعامل الإلهي العظيم يعمل في نظام النفس والأرض بأداتين متشابهتين: ~~أجرام النور من الشموس والكواكب، وأجرام العقل من الرسل والأنبياء. # فليس النبي إنسانا من العظماء يقرأ تاريخه بالفكر معه المنطق، ومع المنطق ~~الشك، ثم يدرس بكل ذلك على أصول الطبيعة البشرية العامة، ولكنه إنسان نجمي ~~يقرأ بمثل "التلسكوب" في الدقة، معه العلم، ومع العلم الإيمان، ثم يدرس بكل ~~ذلك على أصول طبيعته النورانية وحدها. # والحياة تنشئ علم التاريخ, ولكن هذه الطريقة في درس الأنبياء -صلوات الله ~~عليهم- تجعل التاريخ ms282 هو ينشئ علم الحياة، فإنما النبي إشراق إلهي على ~~الإنسانية، يقومها في فلكها الأخلاقي، ويجذبها إلى الكمال في نظام هو بعينه ~~صورة لقانون الجاذبية في الكواكب. # ويجيء النبي فتجيء الحقيقة الإلهية معه في مثل بلاغه الفن البياني، لتكون ~~أقوى أثرا، وأيسر فهما، وأبدع تمثيلا، وليس عليها خلاف من الحس. وهذا هو ~~الأسلوب الذي يجعل إنسانا واحدا فن الناس جمعيا، كما تكون البلاغة فن لغة ~~بأكملها، وهو الشخص المفسر إذا تعسفت الناس الحياة لا يدرون أين يؤمون ~~منها، # PageV02P003 # ولا كيف يتهدون فيها، فتضطرب الملايين من البشرية اضطرابها فيما تنقبض ~~عنه وتتهالك فيه من أطماع الدنيا، ثم يخلق رجل واحد ليكون هو التفسير لما ~~مضى وما يأتي، فتظهر به حقائق الآداب العالية في قالب من الإنسان العامل ~~المرئي, أبلغ مما تظهر في قصة متكلمة مروية. # وما الشهادة للنبوة إلا أن تكون في نفس النبي أبلغ نفوس قومه، حتى لهو في ~~طباعه وشمائله طبيعة قائمة وحدها، كأنها الوضع النفساني الدقيق الذي ينصب ~~لتصحيح الوضع المغلوط للبشرية في عالم المادة وتنازع البقاء. وكأن الحقيقة ~~السامية في هذا النبي تنادي الناس: أن قابلوا على هذا الأصل وصححوا ما ~~اعترى أنفسكم من غلط الحياة وتحريف الإنسانية. # ومن ثم فنبي البشرية كلها من بعث بالدين أعمالا مفصلة على النفس أدق ~~تفصيل وأوفاه بمصلحتها، فهو يعطي الحياة في كل عصر عقلها العملي الثابت ~~المتجدد المتغير تنظم به أحوال الطبيعة على قصد وهدى، وهذه هي حقيقة ~~الإسلام في أخص معانيه، لا يغني عنه في ذلك دين آخر، ولا يؤدي تأديته في ~~هذه الحاجة أدب ولا علم ولا فلسفة، كأنما هو نبع في الأرض لمعاني النور، ~~بإزاء الشمس نبع النور في السماء. # وكل ذلك تراه في نفس محمد صلى الله عليه وسلم، فهي في مجموعها أبلغ ~~الأنفس قاطبة، لا يمكن أن تعرف الأرض أكمل منها، ولو اجتمعت فضائل الحكماء ~~والفلاسفة والمتألهين وجعلت في نصاب واحد -ما بلغت أن يجيء منها مثل نفسه ~~صلى الله عليه وسلم. ولكأنما خرجت هذه النفس ms283 من صيغة كصيغة الدرة في ~~محارتها، أو تركيب كتركيب الماس في منجمه، أو صفة كصفة الذهب في عرقه، وهي ~~النفس الاجتماعية الكبرى، من أين تدبرتها رأيتها على الإنسانية كالشمس في ~~الأفق الأعلى تنبسط وتضحى. # وتلك هي الشهادة له صلى الله عليه وسلم بأنه خاتم الأنبياء، وأن دينه هو ~~دين الإنسانية الأخير، فهذا الدين في مجموعه إن هو إلا صورة تلك النفس ~~العظيمة في مجموعها: صلابته بمقدار الحق الإنساني الثابت، لا بمقدار ~~الإنسان المتغير الذي يكون عند سبب جبلا صلدا يشمخ، وعند سبب آخر ماء عذبا ~~يجري. # وهو دين يعلوا بالقوة ويدعو إليها، ويريد إخضاع الدنيا وحكم العالم، ~~ويستفرغ همه في ذلك، لا لإعزاز الأقوى وإذلال الأضعف، ولكن للارتفاع # PageV02P004 # بالأضعف إلى الأقوى، وفرق ما بين شريعته وشرائع القوة، أن هذه إنما هي ~~قوة سيادة الطبيعة وتحكمها، أما هو فقوة سيادة الفضيلة وتغلبها، وتلك تعمل ~~للتفريق، وهو يعمل للمساواة، وسيادة الطبيعة، وعملها للتفريق هما أساس ~~العبودية, وغلبة الفضيلة وعملها للمساواة هما أعظم وسائل الحرية. # ومن هنا كان طبيعيا في الإسلام ما جاء به من أنه لا فضيلة إلا وهو يطبع ~~عليها صورة الجنة بنعيمها الخالد، ولا رذيلة إلا وهو يضع عليها صورة النار ~~الأبدية وقودها الناس والحجارة، فلا تنظر العين المسلمة إلى أسباب الحياة ~~نظرة الفكر المنازع: يحرص على ما يكون له ويشره إلى ما ليس له، ويمكر ~~الحيلة، ويبدع وسائل الخداع، ويزيد بكل ذلك في تعقيد الدنيا, بل نظرة القلب ~~المسالم: يخلع الدنيا ويسخو بكل مضنون فيها، فيعف عن كثير، ويعرف الإنسانية ~~ويطمع في غاياتها العليا، فيعفو عن كثير، ويدرك أن الحلال وإن حل فوراءه ~~حسابه، وأن الحرام وإن غر ليس إلا تعلل ساعة ذاهبة ثم من ورائه عقاب الأبد. # ويخرج من ذلك أن يكون أكبر أغراض الإسلام هو أن يجعل من خشية الله ~~-تعالى- قانون وجود الإنسان على الأرض، فمن أي عطفيه التفت هذا الإنسان وجد ~~على يمنته ويسرته ملكين من ملائكة الله يكتبان أعماله بخيرها وشرها، فهو ~~كالمتهم المستراب به ms284 في سياسة النفس: لا يمشي خطوة إلا بين جاسوسين يحصيان ~~عليه حتى أسباب النية، ويجمعان منه حتى نزوات الكبد، ويترجمان عنه حتى ~~معاني النظر. # وإذا قامت هذه المحكمة الملائكية وتقررت في اعتبار النفس، قام منها على ~~النفس شرع نافذ هو قانون الإرادة المميزة، تريد الحسنات وتعمل لها، وتخشى ~~السيئات وتنفر منها، فإذا معاني الجسد يحكم بعضها بعضا، لا لتحقيق الحكومة ~~والسلطة، ولكن لتحقيق الخير والمصلحة، وإذا نواميس الطبيعة المجنونة في هذا ~~الحيوان، قد نهضت إلى جانبها نواميس الإرادة الحكيمة في الإنسان، وإذا كل ~~صغيرة وكبيرة في النفس هي من صاحبها مادة تهمة عند قاضيها في محكمتها، وإذا ~~كل ما في الإنسان وما حول الإنسان لا يراد منه إلا سلام النفس في عاقبتها، ~~وإذا معنى السلام هو المعنى الغالب المتصرف بالإنسانية في دنياها. # وكل أعمال الإسلام وأخلاقه وآدابه، فتلك هي غايتها، وهذه هي فلسفتها، لا ~~يقررها للإنسانية حسب، بل يغرسها في الوراثة غرسا بالاعتياد والمران ~~الدائم، لتكون علما وعملا، فتمكن لسلام النفس بين الأسلحة المسددة إليها من ~~ضرورات الحياة، في أيدي الأعداء المتألبة عليها من شهوات الغريزة. # PageV02P005 # فليس يعم السلام إلا إذا عم هذا الدين بأخلاقه فشمل الأرض أو أكثرها؛ فإن ~~قانون العالم حينئذ يصبح منتزعا من طبيعة التراحم، فإما انتسخ به قانون ~~التنازع الطبيعي، وإما كسر من شرته؛ ويولد المولود يومئذ وتولد معه الأخلاق ~~الإنسانية. # تقرير معنى الدواء لكل أعمال النفس حتى مثقال الذرة من الخير والشر، وضبط ~~ذلك برياضة عملية دائمة مفروضة على الناس جميعا -هذا هو أساس العقيدة ~~الإسلامية؛ ولا صلاح للإنسانية بغيره يردها إلى سبيل قصدها، فإن من ذلك ~~تكون الصفة العقلية التي تغلب على المجتمع، وتجانس بين أفراده, فتوجه ~~الإنسانية كلها نحو الممكن من كمالها، ولا تزال توجهها نحو ما هو أعلى، ~~وتحكم فاسدها بصالحها، وتأخذ عاصيها بمطيعها، وتجعل الشرف الإنساني غرضها ~~الأول، لأن الله الحق غرضها الأخير؛ فيصبح المرء -وهذا دينه- كلما تقدم به ~~العمر كمل فيه اثنان: الإنسان، والشريعة. ولا يعود طالب السعادة النفسية في ms285 ~~الدنيا كالمجنون يجري وراء ظله ليمسكه؛ فلا يدرك في الآخرة شيئا غير معرفته ~~أنه كان في عمل باطل وسعي ضائع. # والإسلام يحرص أشد الحرص وأبلغه على تقرير ذلك المعنى الإلهي العظيم، لا ~~بالمنطق، ولكن بالعمل؛ ثم في النفس وعواطفها، لا في العقل وآرائه؛ ثم على ~~وجه التعميم، دون الاستثناء والخصوص؛ وذلك هو سر مشقته على النفس بما يفرضه ~~عليها؛ فإن فلسفته أن هذه النفس هي أساس العالم، وأن النظام الخلقي هو أساس ~~النفس، وأن العمل الدائم هو أساس النظام، وأن روح العمل الدائم تكون فيما ~~يشق بعض المشقة ولا يبلغ العسر والحرج، كما تكون فيما يسهل بعض السهولة ولا ~~يبلغ الكسل والإهمال. # وللنفس وجهان: ما تعلن، وما تسر؛ ولا صدق لإعلانها حتى يصدق ضميرها، ولا ~~صلاح لجهرها حتى يصلح السر فيها، ولا يكون الإنسان الاجتماعي فاضلا بمشهده ~~حتى يكون كذلك بغيبه. # وللعالم كذلك وجهان: حاضره الذي يمر فيه، وآتيه الذي يمتد له؛ ولا يفلح ~~حاضر منقطع لا يورث ما بعده كما ورث ما قبله، وما حاضر الإنسانية إلا جزء ~~من عمل الناس في استمرار فضائلهم باقية نامية. # وللنظام أيضا وجهان: نظام الرغبة على الطاعة والاطمئنان لها، ونظام ~~الرغبة # PageV02P006 # على الخشية والنفرة منها. ولا يستقيم شأن ليس أساسه الطاعة في النفس، ولا ~~يستمر نظام عليه خلاف من فكر العامل به. # وللعمل الدائم طريقتان: إحداهما طريقة الجاد يعمل للعاقبة يستيقنها، فلا ~~يجد مما يشق عليه إلا لذة المغالبة للنصر: كل مرارة من قبله هي حلاوة فيه ~~من بعد, ولا يعرف للمحنة يبتلى بها إلا معناها الحقيقي وهو إيقاظ نفسه، ~~فيصبح الصبر عنده كصبر المحب على أشياء ممن تحبه؛ صبر فيه من السحر ما يكسو ~~الحرمان في بعض الأحيان خيال الاستمتاع، ويذيق النفس في العجز عن بعض ~~أغراضها, لذة كلذة إدراكه. # تلك هي فلسفة الإسلام؛ لا قوام للأمر فيها ولا مساك له إلا بتقرير معنى ~~الدوام لكل أعمال النفس، ووضع طابع الجنة على أعمال الجنة، وطابع النار على ~~أعمال النار -وحياطة كل فرد ms286 من الناس حياطة رياضية عملية بين الساعة ~~والساعة، بل بين الدقيقة والدقيقة، بما يكلف من أعمال جسمه وحواسه، ثم ~~أعمال قلبه ونيته-وتعظيم الشخصية الروحية دون الشخصية المادية، فلا يحاول ~~كل إنسان أن يجعل بطنه في حجم مملكة أو مدينة أو قرية، بما ينتقص من حقوق ~~غيره؛ بل تتسع ذاتية كل فرد بما يجب له على المجتمع من الواجبات الإنسانية؛ ~~وبهذا لا بغيره تعين مقاييس الأخلاق في الأرض بالمصلحة لا باللذة؛ فلا يقع ~~الخطأ ولا التزوير، وتنحل المشكلة الاجتماعية ما دامت الحياة لا تجد من ~~أهلها كل ساعة عقدا فيها. # والاستيلاء بذلك المعنى على العقل والعاطفة هو وحده الطريقة لإنشاء طبيعة ~~الخير في الناس على نسقها الطبيعي، كما أنه هو وحده الطريقة لتطهير التاريخ ~~الإنساني من أوبائه الاقتصادية، التي جعلته كأنما هو تاريخ الأسنان ~~والأضراس، وتركت الناس يهدم بعضهم بعضا، كما يهدم الجار حائط جاره ليوسع ~~بيته. # وأساس العمل في الإسلام إخضاع الحياة للعقيدة، فتجعلها العقيدة أقوى من ~~الحاجة، فيكون الفقير معدما ويتعفف، ويكون الغني موسرا ويتصدق، ويكون الشره ~~طامعا ويمسك، ويكون القوي قادرا ويحجم، وكما قال العربي في تحقيق ناموس ~~الأنفة والحمية وغلبته على الناموس الاقتصادي: "تجوع الحرة ولا تأكل ~~بثدييها". # PageV02P007 # تريد الإنسانية امتدادا غير امتدادها التجاري في الأرض، وتحتاج إلى معنى ~~يقود إنسانها غير الحيوان الذي فيه؛ وإذا قاد الغراب قوما فإنما هو -كما ~~قال شاعرنا- # يمر بهم على جيف الكلاب ... والإنسانية اليوم في مثل ليل حوشي مظلم اختلط ~~بعضه في بعض، وليست معاني الإسلام إلا الإشراق الإلهي على هذه الكثافة ~~المادية المتراكمة، وإذا رفع المصباح لم تجد الظلام إلا وراء الحدود التي ~~تنتهي إليها أشعته. # وقد علمنا من طبيعة النفس أن إنسانية الفرد لا تعظم وتسمو وتتخيل وتفرح ~~فرحها الصادق وتحزن حزنها السامي, إلا أن تعيش في محبوب؛ فإنسانية العالم ~~لا تكون مثل ذلك إلا إذا عاشت في نبيها الطبيعي، نبي أخلاقها الصحيحة ~~وآدابها العالية ونظامها الدقيق؛ وأين تجد هذا المحبوب الأعظم إلا في محمد ~~ودين محمد؟ # وعجيب أن ms287 يجهل المسلمون حكمة ذكر النبي العظيم خمس مرات في الأذان كل ~~يوم، ينادى باسمه الشريف ملء الجو؛ ثم حكمة ذكره في كل صلاة من الفريضة ~~والسنة والنافلة, يهمس باسمه الكريم ملء النفس! وهل الحكمة من ذلك إلا ~~الفرض عليهم ألا ينقطعوا عن نبيهم ولا يوما واحدا من التاريخ, ولا جزءا ~~واحدا من اليوم؛ فيمتد الزمن مهما امتد والإسلام كأنه على أوله، وكأنه في ~~يومه لا في دهر بعيد؛ والمسلم كأنه مع نبيه بين يديه تبعثه روح الرسالة، ~~ويسطع في نفسه إشراق النبوة، فيكون دائما في أمره كالمسلم الأول الذي غير ~~وجه الأرض؛ ويظهر هذا المسلم الأول بأخلاقه وفضائله وحميته في كل بقعة من ~~الدنيا مكان إنسان هذه البقعة، لا كما نرى اليوم؛ فإن كل أرض إسلامية يكاد ~~لا يظهر فيها إلا إنسانها التاريخي بجهله وخرافاته وما ورث من القدم؛ فهنا ~~المسلم الفرعوني، وفي ناحية المسلم الوثني، وفي بلد المسلم المجوسي، وفي ~~جهة المسلم المعطل ... وما يريد الإسلام إلا نفس المسلم الإنساني. # أيها المسلم! # لا تنقطع عن نبيك العظيم، وعش فيه أبدا، واجعله مثلك الأعلى؛ وحين تذكره ~~في كل وقت فكن كأنك بيد يديه؛ كن دائما كالمسلم الأول؛ كن دئما ابن ~~المعجزة. # PageV02P008 ### | حقيقة المسلم # *: # لا يعرف التاريخ غير محمد صلى الله عليه وسلم رجلا أفرغ الله وجوده في ~~الوجود الإنساني كله؛ كما تنصب المادة في المادة، لتمتزج بها فتحولها، ~~فتحدث منها الجديد، فإذا الإنسانية تتحول به وتنمو، وإذا هو صلى الله عليه ~~وسلم وجود سار فيها فما تبرح هذه الإنسانية تنمو به وتتحول. # كان المعنى الآدمي في هذه الإنسانية كأنما وهن من طول الدهر عليه، يتحيفه ~~ويمحوه ويتعاوره بالشر والمنكر؛ فابتعث الله تاريخ العقل بآدم جديد بدأت به ~~الدنيا في تطورها الأعلى من حيث يرتفع الإنسان على ذاته، كما بدأت من حيث ~~يوجد الإنسان في ذاته؛ فكانت الإنسانية دهرها بين اثنين: أحدهما فتح لها ~~طريق المجيء من الجنة، والثاني فتح لها طريق العودة إليها, كان في آدم سر ~~وجود الإنسانية، وكان ms288 في محمد سر كمالها. # ولهذا سمي الدين "بالإسلام"؛ لأنه إسلام النفس إلى واجبها، أي إلى ~~الحقيقة من الحياة الاجتماعية؛ كأن المسلم ينكر ذاته فيسلمها إلى الإنسانية ~~تصرفها وتعتملها في كمالها ومعاليها؛ فلا حظ له هو من نفسه يمسكها على ~~شهواته ومنافعه، ولكن للإنسانية بها الحظ. # وما الإسلام في جملته إلا هذا المبدأ, مبدأ إنكار الذات و"إسلامها" طائعة ~~على المنشط والمكره لفروضها وواجباتها؛ وكلما نكصت إلى منزعها الحيواني، ~~أسلمها صاحبها إلى وازعها الإلهي؛ وهو أبدا يروضها على هذه الحركة ما دام ~~حيا؛ فينتزعها كل يوم من أوهام دنياها، ليضعها ما بين يدي حقيقتها الإلهية, ~~يروضها على ذلك كل يوم وليلة خمس مرات مسماة في اللغة خمس صلوات، لا ~~PageV02P009 # يكون الإسلام إسلاما بغيرها؛ فلا غرو كانت الصلاة بهذا المعنى كما وصفها ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهي عماد الدين. # بين ساعات وساعات في كل مطلع شمس من حياة المسلم صلاة، أي إسلام النفس ~~إلى الإرادة الاجتماعية الشاملة1 القائمة على الطاعة للفرض الإلهي، وإنكار ~~لمعانيها الذاتية الفانية التي هي مادة الشر في الأرض، وإقرارها لحظات في ~~حيز الخير المحض البعيد عن الدنيا وشهواتها وآثامها ومنكراتها، ومعنى ذلك ~~كله تحقيق المسلم لوجود روحه؛ إذا كانت أعمال الدنيا في جملتها طرقا تتشتت ~~فيها الأرواح وتتبعثر، حتى تضل روح الأخ عن روح أخيه فتنكرها ولا تعرفها! # وهذا الوجود الروحي هو مبعث الحالة العقلية التي جاء الإسلام ليهدي ~~الإنسانية إليها, حالة السلام الروحاني الذي يجعل حرب الدنيا المهلكة حربا ~~في خارج النفس لا في داخلها، ويجعل ثروة الإنسان مقدرة بما يعامل الله ~~والإنسانية عليه؛ فلا يكون ذهبه وفضته ما كتبت عليه الدول: "ضرب في مملكة ~~كذا"، ولكن ما يراه هو قد كتب عليه "صنع في مملكة نفسي"؛ ومن ثم لا يكون ~~وجوده الاجتماعي للأخذ حسب، بل للعطاء أيضا، فإن قانون المال هو الجمع، أما ~~قانون العمل فهو البذل. # بالانصراف إلى الصلاة وجمع النية عليها، يستشعر المسلم أنه قد حطم الحدود ~~الأرضية المحيطة بنفسه من الزمان والمكان، وخرج ms289 منها إلى روحانية لا يحد ~~فيها إلا بالله وحده. # وبالقيام في الصلاة، يحقق المسلم لذاته معنى إفراغ الفكر السامي على ~~الجسم كله، ليمتزج بجلال الكون ووقاره، كأنه كائن منتصب مع الكائنات يسبح ~~بحمده. # وبالتولي شطر القبلة في سمتها الذي لا يتغير على اختلاف أوضاع الأرض، ~~يعرف المسلم حقيقة الرمز للمركز الثابت في روحانية الحياة؛ فيحمل قلبه معنى ~~الاطمئنان والاستقرار على جاذبية الدنيا وقلقها. # وبالركوع والسجود بين يدي الله، يشعر المسلم نفسه معنى السمو والرفعة على ~~كل ما عدا الخالق من وجود الكون. PageV02P010 # وبالجلسة في الصلاة وقراءة التحيات الطيبات، يكون المسلم جالسا فوق ~~الدنيا يحمد الله ويسلم على نبيه وملائكته ويشهد ويدعو. # وبالتسليم الذي يخرج به من الصلاة، يقبل المسلم على الدنيا وأهلها إقبالا ~~جديدا من جهتي السلام والرحمة. # هي لحظات من الحياة كل يوم في غير أشياء هذه الدنيا؛ لجمع الشهوات ~~وتقييدها بين وقت وآخر بسلاسلها وأغلالها من حركات الصلاة، ولتمزيق الفناء ~~خمس مرات كل يوم عن النفس؛ فيرى المسلم من ورائه حقيقة الخلود، فتشعر الروح ~~أنها تنمو وتتسع. # هي خمس صلوات، وهي كذلك خمس مرات يفرغ فيها القلب مما امتلأ به من ~~الدنيا، فما أدق وأبدع وأصدق قوله صلى الله عليه وسلم: "جعلت قرة عيني في ~~الصلاة" 1. # لم يكن الإسلام في حقيقته إلا إبداعا للصيغة العلمية التي تنتظم ~~الإنسانية فيها؛ ولهذا كانت آدابه كلها خراسا على القلب المؤمن، كأنها ~~ملائكة من المعاني؛ وكان الإسلام بها عملا إصلاحيا وقع به التطور في عالم ~~الغريزة، فنقله إلى عالم الخلق، ثم ارتقى بالخلق إلى الحق، ثم سما بالحق ~~إلى الخير العام؛ فهو سمو فوق الحياة بثلاثة طبقات، وتدرج إلى الكمال في ~~ثلاث منازل، وابتعاد عن الأوهام بمسافة ثلاث حقائق. # وبتلك الأعمال والآداب كانت الدنيا المسلمة التي أسسها النبي صلى الله ~~عليه وسلم دنيا أسلمت طبيعتها، فأصبحت على ما أراد المسلمون لا ما أرادت ~~هي؛ وكأنها قائمة بنواميس من أهليها، لا على أهليها؛ وكان الظاهر أن ~~الإسلام يغزو الأمم بالعرب ويفتتحها، ولكن الحقيقة ms290 أن إقليما من الدنيا كان ~~يحارب سائر أقاليم الأرض بالطبيعة الأخلاقية الجديدة لهذا الدين. # وكأن الله -تعالى- ألقى في رمال الجزيرة روح البحر، وبعثها بعثة الإلهي ~~لأمره، فكان النبي صلى الله عليه وسلم هو نقطة المد التي يفور البحر منها، ~~وكان المسلمون أمواجه التي غسلت بها الدنيا. PageV02P011 # لهذا سمع المسلمون الأولون كلام الله -تعالى- في كتابه، وكلام رسوله صلى ~~الله عليه وسلم، لا كما يسمعون القول، ولكن كما يتلقون الحكم النافذ ~~المقضي؛ ولم يجدوا فيه البلاغة وحدها، بل روعة أمر السماء في بلاغة؛ ~~واتصلوا بنبيهم، ثم بعضهم ببعض، لا كما يتصل إنسان بإنسان، بل كما تتصل ~~الأمواج بقوة المد، ثم كما يمد بعضها بعضا في قوة واحدة. # وحققوا في كماله صلى الله عليه وسلم وجودهم النفسي؛ فكانوا من زخارف ~~الحياة وباطلها في موضع الحقيقة الذي يرى فيه الشيء لا شيء. # ورأوا في أرادته صلى الله عليه وسلم النقطة الثابتة فيما يتضارب من ~~خيالات النفس؛ فكانوا أكبر علماء الأخلاق على الأرض، لا من كتب ولا علم ولا ~~فلسفة، بل من قلب نبيهم وحده. # وعرفوا به صلى الله عليه وسلم تمام الرجولة؛ ومتى تمت هذه الرجولة تمامها ~~في إنسان رجعت له الطفولة في روحه، وامتلك تلك الطبيعة التي لا يملكها إلا ~~أعظم الفلاسفة والحكماء فأصبح كأنما يمشي في الحياة إلى الجنة بخطوات مسددة ~~لا تزيغ ولا تنحرف، فلا شر ولا رذيلة؛ ودنياه هي الدنيا كلها بشمسها ~~وقمرها، يملكها وإن لم يملك منها شيئا، ما دامت في قلبه طبيعة السرور، فلا ~~فقر ولا غنى مما يشعر الناس بمعانيه، بل كل ما أمكن فهو غنى كامل، إذ لم ~~تعد القوة في المادة تزيد بزيادتها وتنقص بنقصها، بل القوة في الروح التي ~~تتصرف بطبيعة الوجود، وتدفع قوى الجسم بمثل دوافع الطفولة النامية ~~المتغلبة، حتى لتجعل من النور والهواء ما يؤتدم به مع الخبز القفار، كما ~~يؤتدم باللحم وأطايب الأطعمة1. # وبذلك لا تتسلط ضرورة على الجسم -كالجوع والفقر والألم ونحوها- إلا كان ~~تسلطها كأنه أمر من قوة في الوجود ms291 إلى قوة في هذا الجسم, أن تظهر لتعمل ~~عملها المعجز في إبطال هذه الضرورة. وهذا الجنس من الناس كالأزهار على ~~PageV02P012 # أغصانها الخضر؛ لو قالت شيئا لقالت: إن ثروتي في الحياة هي الحياة نفسها، ~~فليس لي فقر ولا غنى، بل طبيعة أو لا طبيعة. # ولقد كان المسلم يضرب بالسيف في سبيل الله, فتقع ضربات السيوف على جسمه ~~فتمزقه؛ فما يحسها إلا كأنها قبل أصدقاء من الملائكة يلقونه ويعانقونه! # وكان يبتلى في نفسه وماله، فلا يشعر في ذلك أنه المرزأ المبتلى يعرف فيه ~~الحزن والانكسار، بل تظهر فيه الإنسانية المنتصرة كما يظهر التاريخ الظافر ~~في بطله العظيم أصيب في كل موضع من جسمه بجراح، فهي جراح وتشويه وألم، وهي ~~شهادة النصر! # ولم تكن أثقال المسلم من دنياه أثقالا على نفسه, بل كانت له أسباب قوة ~~وسمو؛ كالنسر المخلوق لطبقات الجو العليا، ويحمل دائما من أجل هذه الطبقات ~~ثقل جناحيه العظيمين. # وكانت الحقيقة -التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم مثلهم الأعلى، ~~وأقرها في أنفسهم بجميع أخلاقه وأعماله- أن الفضائل كلها واجبة على كل مسلم ~~لنفسه، إذ إنها واجبة بكل مسلم على غيره، فلا تكون في الأمة إلا إرادة ~~واحدة متعاونة، تجعل المسلم وما هو روح أمته تعمل به أعمالها هي لا أعماله ~~وحدها. # المسلم إنسان ممتد بمنافعه في معناه الاجتماعي حول أمته كلها، لا إنسان ~~ضيق مجتمع حول نفسه بهذه المنافع؛ وهو من غيره في صدق المعاملة الاجتماعية ~~كالتاجر من التاجر؛ تقول الأمانة لكليهما: لا قيمة لميزانك إلا أن يصدقه ~~ميزان أخيك. # ولن يكون الإسلام صحيحا تماما حتى يجعل حامله مثلا من نبيه في أخلاق ~~الله؛ فما هو بشخص يضبط طبيعته؛ يقهرها مرة وتقهره مرارا؛ ولكن طبيعة تضبط ~~شخصها فهي قانون وجوده. # لا يضطرب من شيء، وكيف يضطرب ومعه الاستقرار؟ # لا يخاف من شيء، وكيف يخاف ومعه الطمأنينة؟ # لا يخشى مخلوقا، وكيف يخشى ومعه الله؟ # أيها الأسد! هل أنت بجملتك إلا في طبيعة مخالبك وأنيابك؟ # PageV02P013 ### | وحي الهجرة # *: # إن التاريخ ليتكلم بلغة أوسع من ms292 ألفاظه إذا قرأه من يقرؤه على أنه بعض ~~نواميس الوجود، صورت فيها النفس الإنسانية كيف اعتورت أغرضها، وكيف مدت في ~~نسقها، وكيف تغلغلت في مسالكها، وما تأتي لها فجرت به مجراها، وما دفعها ~~فانحدرت منه إلى مقارها، فهو ليس بكلام تستقبله تقرأ فيه، ولكنه أحوال من ~~الوجود تعترضها فتغير عليك حسك بإلهامها وأحلامها، وتتناولها من ناحية ~~فتتناولك من الأخرى؛ فإذا الكلمة من ورائها معنى، من ورائه طبيعة، من ~~ورائها سبب وحكمة؛ وإذا كل حادثة فيها إنسانيتها وإلهيتها معا، وإذا الوجود ~~في ذهنك كالساعة ترسم لك حد الثانية بخطرتين، وحد الدقيقة من عدد محدود من ~~الثواني، وحد الساعة إلى حد اليوم؛ وإذا البيان في نفسك من كل هذه الحواشي، ~~وإذا التاريخ فيا تقرؤه مفنن في ظاهره وباطنه يفيء عليك من ألفاظه ومعانيه ~~بظلال هي صلتك أنت أيها الحي الموجود بأسرار ما كان موجودا من قبل. # كذلك قرأت بالأمس تاريخ الهجرة النبوية في كتاب أبي جعفر الطبري لأكتب ~~عنه هذه الكلمة، فلم أكن -علم الله- في كتاب ولا في حكاية، بل في عالم ~~انبثق في نفسي مخلوقا تأما بأهله، وحوادث أهله، وأسرار أهله جميعا، كما يرى ~~المحب حبيبه, لا يكون الجميل في محل إلا امتلأ مكانه بعاشقه، فهو مكان من ~~النفس، لا من الدنيا وحدها، وفيه الحياة كما هي في الوجود بمظهر المادة، ~~وكما هي في الحب بمظهر الروح. # وتلك حالة من القراءة بالروح والكتابة بالروح، متى أنت سموت إليها رأيت ~~فيها غير المعنى يخرج معنى، ومن لا شيء تخلق الأشياء، لأنك منها اتصلت ~~بأسرار نفسك، ومن نفسك اتصلت بأسرار فوقها؛ فيصبح التاريخ معك فن الوجود ~~الإنساني على الوجه الذي أفضت به الحكمة إلى الحياة لتستمر بالنفس ~~الإنسانية، PageV02P014 # لا فن علم الناس على الوجه الذي أفضت به الحوادث مما بين الحياة والموت. # نشأ النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، واستنبئ على رأس الأربعين من سنه، ~~وغبر ثلاث عشرة سنة يدعو الله من قبل أن يهاجر إلى المدينة، فلم يكن في ~~الإسلام أول ms293 بدأته إلى رجل وامرأة وغلام: أما الرجل فهو هو صلى الله عليه ~~وسلم، وأما المرأة فزوجه خديجة، وأما الغلام فعلي ابن عمه أبي طالب. # ثم كان أول النمو في الإسلام بحر وعبد: أما الحر فأبو بكر، وأما العبد ~~فبلال، ثم اتسق النمو قليلا قليلا ببطء الهموم في سيرها، وصبر الحر في ~~تجلده؛ وكأن التاريخ واقف لا يتزحزح، ضيق لا يتسع، جامد لا ينمو؛ وكأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخو الشمس, يطلع كلاهما وحده كل يوم. حتى إذا ~~كانت الهجرة من بعد، فانتقل الرسول إلى المدينة, بدأت الدنيا تتقلقل، كأنما ~~مر بقدمه على مركزها فحركها؛ وكانت خطواته في هجرته تخط في الأرض، ومعانيها ~~تخط في التاريخ؛ وكانت المسافة بين مكة والمدينة، ومعناها بين المشرق ~~والمغرب. # لقد كان في مكة يعرض الإسلام على العرب كما يعرض الذهب على المتوحشين, ~~يرونه بريقا وشعاعا ثم لا قيمة له، وما بهم حاجة إليه، وهو حاجة بني آدم ~~إلا المتوحشين, وكانوا في المحادة والمخالفة الحمقاء، والبلوغ بدعوته مبلغ ~~الأوهام والأساطير, كما يكون المريض بذات صدره مع الذي يدعوه في ليلة قارة ~~إلى مداواة جسمه بأشعة الكواكب؛ وكانت مكة هذه صخرا جغرافيا يتحطم ولا ~~يلين، وكأن الشيطان نفسه وضع هذا الصخر في مجرى الزمن ليصد به التاريخ ~~الإسلامي عن الدنيا وأهلها. # وأوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذب وأهين، ورجف به الوادي يخطو ~~فيه على زلازل تتقلب، ونابذه قومه وتذامروا فيه، وحض بعضهم بعضا عليه، ~~وانصفق عنه عامة الناس وتركوه إلا من حفظ الله منهم؛ فأصيب كبيرا باليتم من ~~قومه، كما أصيب صغيرا باليتم من أبويه. # وكان لا يسمع بقادمه من العرب له اسم وشرف، إلا تصدى له فدعاه إلى الله ~~وعرض نفسه عليه؛ ومع ذلك بقيت الدعوة تلوح وتختفي كما يشق البرق منسحابة ~~على السماء, ليس إلا أن يرى ثم لا شيء بعد أن يرى! # PageV02P015 # فهذا تاريخ ما قبل الهجرة في جملة معناه، غير أني لم أقرأه تاريخا، بل ~~قرأت فيه فصلا رائعا من ms294 حكمة إلهية، وضعه الله كالمقدمة لتاريخ الإسلام في ~~الأرض؛ مقدمة من الحوادث والأيام تحيا وتمر في نسق الرواية الإلهية ~~المنطوية على رموزها وأسرارها، وتظهر فيها رحمة الله تعمل بقسوة، وحكمة ~~الله تتجلى في غموض؛ فلو أنت حققت النظر لرأيت تاريخ الإسلام يتأله في هذه ~~الحقبة، بحيث لا تقرؤه النفس المؤمنة إلا خاشعة كأنها تصلي، ولا تتدبره إلا ~~خاضعة كأنها تتعبد. # بدأ الإسلام في رجل وامرأة وغلام، ثم زاد حرا وعبدا؛ أليست هذه الخمس هي ~~كل أطوار البشرية في وجودها، مخلوقة في الإنسانية والطبيعة، ومصنوعة في ~~السياسة والاجتماع؛ فها هنا مطلع القصيدة، وأول الرمز في شعر التاريخ. # ولبث النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة لا يبغيه قومه إلا شرا، على ~~أنه دائب يطلب ثم لا يجد، يعرض ثم لا يقبل منه، ويخفق ثم لا يعتريه اليأس، ~~ويجهد ثم لا يتخونه الملل، ويستمر ماضيا لا يتحرف، ومعتزما لا يتحول؛ أليست ~~هذه هي أسمى معاني التربية الإنسانية أظهرها الله كلها في نبيه، فعمل بها ~~وثبت عليها، وكانت ثلاث عشرة سنة في هذا المعنى كعمر طفل ولد ونشأ وأحكم ~~تهذيبه بالحوادث، حتى تسلمته الرجولة الكاملة بمعانيها من الطفولة الكاملة ~~بوسائلها؟ # أفليس هذا فصلا فلسفيا دقيقا يعلم المسلمين كيف يجب أن ينشأ المسلم, غناه ~~في قلبه، وقوته في إيمانه، وموضعه في الحياة موضع النافع قبل المنتفع، ~~والمصلح قبل المقلد؛ وفي نفسه من قوة الحياة ما يموت به في هذه النفس أكثر ~~ما في الأرض والناس من شهوات ومطامع؟ # ثم أليست تلك العوامل الأخلاقية هي هي التي ألقيت في منبع التاريخ ~~الإسلامي ليعب منها تياره؛ فتدفعه في مجراه بين الأمم، وتجعل من أخص ~~الخصائص الإسلامية في هذه الدنيا, الثبات على الخطوة المتقدمة وإن لم ~~تتقدم، وعلى الحق وإن لم يتحقق؛ والتبرؤ من الأثرة وإن شحت عليها النفس، ~~واحتقار الضعف وإن حكم وتسلط، ومقاومة الباطل وإن ساد وغلب، وحمل الناس على ~~محض الخير وإن ردوا بالشر، والعمل للعمل وإن لم يأت بشيء، والواجب للواجب ~~وإن ms295 لم يكن فيه كبير فائدة، وبقاء الرجل رجلا وإن حطمه كل ما حوله؟ # ثم هي هي البرهانات القائمة للدهر قيام المنارة في الساحل على نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم تثبت ببرهان الفلسفة وعلوم النفس أنه روح وغاياتها ~~المحتومة بالقدر، # PageV02P016 # لا جسم ووسائله المتغلبة بالطبيعة؛ ولو كان رجلا ابتعثته نفسه، لتمحل ~~الحيل لسياسته، ولأحدث طمعا من كل مطمع، ولركد مع الحوادث وهب، ولما استمر ~~طوال هذه المدة لا يتجه وهو فرد إلا اتجاه الإنسانية كلها كأنما هو هي. # ولو هو كان رجل الملك أو رجل السياسة، لاستقام والتوى، ولأدرك ما يبتغي ~~في سنوات قليلة، ولأوجد الحوادث يتعلق عليها، ولما أفلت ما كان موجودا منه ~~يتعلق به، ولما انتزع نفسه من محله في قومه وكان واسطة فيهم، ولا ترك عوامل ~~الزمن تبعده وهي كانت تدنيه. # قالوا: إن عمه أبا طالب بعث إليه حين كلمته قريش فقال له: يابن أخي، إن ~~قومك قد جاءوني فقالوا لي: كذا وكذا، فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من ~~الأمر ما لا أطيق. فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه ~~بداء1، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال: "يا ~~عماه، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى ~~يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته". ثم استعبر صلى الله عليه وسلم فبكى. # يا دموع النبوة! لقد أثبت أن النفس العظيمة لن تتعزى عن شيء منها بشيء من ~~غيرها كائنا ما كان، لا من ذهب الأرض وفضتها، ولا من ذهب السماء وفضتها إذا ~~وضعت الشمس في يد والقمر في الأخرى. # وكل حوادث المدة قبل الهجرة على طولها لست إلا دليل ذلك الزمن على أنه ~~زمن نبي، لا زمن ملك أو سياسي أو زعيم؛ ودليل الحقيقة على أن هذا اليقين ~~الثابت ليس يقين الإنسان الاجتماعي من جهة قوته، بل يقين الإنسان الإلهي من ~~جهة قلبه؛ ودليل الحكمة على أن هذا الدين ليس من ms296 العقائد الموضوعة التي ~~تنشرها عدوى النفس للنفس؛ فها هو ذا لا يبلغ أهله في ثلاث عشرة سنة أكثر ~~مما تبلغ أسرة تتوالد في هذه الحقبة؛ ودليل الإنسانية على أنه وحي الله ~~بإيجاد الإخاء العالمي والوحدة الإنسانية. أفلم يكن خروجه عن موطنه هو ~~تحققه في العالم؟ # ثلاث عشرة سنة, كانت ثلاثة عشر دليلا تثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليس رجل ملك، ولا سياسة، ولا زعامة؛ ولو كان واحدا من هؤلاء لأدرك في قليل؛ ~~وليس مبتدع شريعة من نفسه، وإلا لما غبر في قومه وكأنه لم يجدهم وهم حوله؛ ~~وليس PageV02P017 # صاحب فكرة تعمل أساليب النفس في انتشارها؛ ولو كان لحملهم على محضها ~~وممزوجها؛ وليس رجلا متعلقا بالمصادفات الاجتماعية، ولو هو كان لجعل إيمان ~~يوم كفر يوم؛ وليس مصلح عشيرة يهذب منها على قدر ما تقبل منه سياسة ~~ومخادعة، ولا رجل وطنه تكون غايته أن يشمخ في أرضه شموخ جبل فيها، دون أن ~~يحاول ما بلغ إليه من إطلاله على الدنيا إطلال السماء على الأرض، ولا رجل ~~حاضره إذا كان واثقا دائما أن معه الغد وآتيه، وإن أدبر عنه اليوم وذاهبه؛ ~~ولا رجل طبيعته البشرية يلتمس لها ما يلتمس الجائع لبطنه، ولا رجل شخصيته ~~يستهوي بها ويسحر، ولا رجل بطشه يغلب به ويتسلط، ولا رجل الأرض في الأرض، ~~ولكن رجل السماء في الأرض. # هذه هي حكمة الله في تدبيره لنبيه قبل الهجرة, قبض عنه أطراف الزمن، ~~وحصره من ثلاث عشرة سنة في مثل سنة واحدة، ولا تصدر به الأمور مصادرها كي ~~تثبت أنها لا تصدر به، ولا تستحق به الحقيقة لتدل على أنها ليست من قوته ~~وعمله. # وكان صلى الله عليه وسلم على ذلك -وهو في حدود نفسه وضيق مكانه- يتسع في ~~الزمن من حيث لا يرى ذلك أحد ولا يعلمه، وكأنما كانت شمس اليوم الذي سينتصر ~~فيهن -قبل أن تشرق على الدنيا بثلاث عشرة سنة -مشرقة في قلبه صلى الله عليه ~~وسلم. # والفصل من السنة لا يقدمه الناس ولا يؤخرونه، لأنه ms297 من سير الكون كله؛ ~~والسحابة لا يشعلون برقها بالمصابيح، ومع النبي من مثل ذلك برهان الله على ~~رسالته، إلى أن نزل قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين ~~كله لله} [البقرة: 193] فحل الفصل، وانطلقت الصاعقة، وكانت الهجرة. # تلك هي المقدمة الإلهية للتاريخ، وكان طبيعيا أن يطرد التاريخ بعدها، حتى ~~قال الرشيد للسحابة وقد مرت به: أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك! # PageV02P018 ### | فلسفة القصة # ... # فلسفة قصة *: # ماتت خديجة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ومات عمه أبو طالب في عام واحد، ~~في السنة العاشرة من النبوة، فعظمت المصيبة فيهما عليه، إذ كان عمه هذا ~~يمنعه من أذى قريش, ويقوم دونه فلا يخلصون إليه بمكروه؛ وكان أبو طالب من ~~قريش كالعقيدة السياسية, هي بطبيعتها قوة نافذة على قوة القبيلة؛ فمن ثم ~~كان هو وحده المشكلة النفسية المعقدة التي تعمل قريش جاهدة في حلها، وقامت ~~المعركة الإسلامية الأولى بين إرادتهم وإرادته، وهم أمة تحكمهم الكلمة ~~الاجتماعية التي تسير عنهم في القبائل؛ وتاريخهم ما يقال في الألسنة من ~~معاني المدح والذم، فيخشون المقالة أكثر مما يخشون الغارة، وقد لا يبالون ~~بالقتلى والجرحى منهم، ولكنهم يبالون بالكلمات المجروحة. # فكان من لطيف صنع الله للإسلام، وعجيب تدبيره في حماية نبيه صلى الله ~~عليه وسلم, وضع هذه القوة النفسية في أول تاريخ النبوة, تشتغل بها سخافات ~~قريش، وتكون عملا لفراغهم الروحي، وتثير فيهم الإشكال السياسي الذي يعطل ~~قانونهم الوحشي إلى أن يتم عمل الأسباب الخفية التي تكسر هذا القانون، فإن ~~المصنع الإلهي لا يخرج أعماله التامة العظيمة إلا من أجزاء دقيقة. # أما خديجة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فكانت في هذه المحنة قلبا مع ~~قلبه العظيم، وكانت لنفسه كقوله "نعم" للكلمة الصادقة التي يقول لها كل ~~الناس "لا"؛ وما زالت المرأة الكاملة المحبوبة هي التي تعطي الرجل ما نقص ~~من معاني الحياة, وتلد له المسرات من عواطفها كما تلد من أحشائها فالوجود ~~يعمل بها عملين عظيمين: أحدهما زيادة الحياة في الأجسام، والآخر إتمام ~~نقصها في ms298 المعاني. # ويموت أبي طالب وخديجة، أفرد النبي صلى الله عليه وسلم بجسمه وقلبه، ~~ليتجرد من الحالة التي يغلب فيها الحس، إلى الحالة التي تغلب فيها الإرادة، ~~ثم ليخرج من أيام PageV02P019 # الاستقرار في أرضه، إلى الأيام المتحركة به في هجرته، ثم لينتهي بذلك إلى ~~غاية قوميته الصغيرة المحدودة، فيتصل من ذلك بأول عالميته الكبرى. # وأراد الله -تعالى- أن يبدأ هذا الجليل العظيم من أسمى خلال الجلال ~~والعظمة، ليكون أول أمره شهادة بكماله، فكانت الحسنة فيه بشهادة السيئة من ~~قومه، فحلمه بشهادة رعونتهم، وأناته بدليل طيشهم، وحكمته ببرهان سفاهتهم؛ ~~وبذلك ظهر الروحاني روحانيا في المادة. # قالوا: فنالت منه قريش، ووصلوا من أذاه إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في ~~حياة عمه، حتى نثر بعضهم التراب على رأسه، كأنما يعلمونه أنه أهون عليهم من ~~أن يكون حرا، فضلا عن أن يكون عزيزا، فضلا عن أن يكون نبيا؛ قالوا: فدخل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى ~~بناته تغسل عنه التراب وهي تبكي! # كانت تبكي إذ لا تعلم أن هذا التراب على رأس النبي العظيم هو شذوذ الحياة ~~الأرضية الدنيئة, في مقابلة إنسانها الشاذ المنفرد، هذه القبضة من التراب ~~الأرضي قبضة سفيه، تحاول رد الممالك الإسلامية العظيمة أن تنشأ نشأتها ~~وتعمل عملها في التاريخ، فهي في مقدارها وسخافتها ومحاولتها، كعقل قريش ~~حينئذ في مقداره وسخافته ومحاولته. # أما النبي صلى الله عليه وسلم فقال لبنته: "يا بنية لا تبكي، فإن الله ~~مانع أباك". حسبت ذلك هوانا وضيعة، فأعلمها أن قبضة من التراب لا تطمر ~~النجم، وأن هذه الحثوة الترابية لا تسمى معركة أثارتها الخيل فجاءت بنتيجة، ~~وأن ساعة من الحزن في يوم، لا يحكم بها على الزمن كله، وأن هذه النزوة التي ~~تحركت الآن هي حمق الغباوة: قوتها نهايتها. # "يا بنية لا تبكي فإن الله مانع أباك". أي ليس للنبي كبرياء ينالها الناس ~~أو يغضون عنها فيأتي الدمع مترجما عن المعنى الإنساني الناقص مثبتا أنه ~~ناقص، إنما هي النبوةك قانونها ms299 غير ما اعتادت النفس من أفراح وأحزان، وهي ~~النبوة: تجعل المختار لها غير محدود بجسده الضعيف، بل حدوده الحقائق التي ~~فيها قوتها، فهو في منعة الواقع الذي لا بد أن يقع، فلو أمكن أن يحذف يوم ~~من الزمن أو يؤخر عن وقته، أمكن أن يؤخر النبي أو يحذف. # "يا بنية لا تبكي إن الله مانع أباك" لا -والله- ما يقول هذه الكلمة إلا ~~نبي # PageV02P020 # وسع التاريخ في نفسه الكبيرة قبل أن يوجد هذا التاريخ في الدنيا، فكلمته ~~هي الإيمان والثقة إذ يتكلم عن موجود. # تراب ينثره سفيه على رأس النبي! ويحك يا حقارة المادة؛ إن ارتفاعك لعنة، ~~إن ارتفاعك لعنة. # قالوا: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده إلى الطائف، يلتمس من ~~ثقيف النصر والمنعة له من قومه، فلما انتهى إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف ~~هم يومئذ سادتهم وأشرافهم، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وكلمهم بما جاءهم له ~~من نصرته والقيام معه في الإسلام على من خالفه من قومه، فلم يفعلوا وأغروا ~~به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس وألجئوه إلى ~~حائط1 لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من ~~كان يتبعه، فعمد صلى الله عليه وسلم إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه، وابنا ~~ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقي من السفهاء. # فلما اطمأن صلى الله عليه وسلم في مجلسه قال: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، ~~وقلة حيلتي، وهواني على الناس؛ يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ~~ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك ~~علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له ~~الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي ~~سخطك، لك العتبى حتى ترضى، لا حول ولا قوة إلا بك". # ألا ما أكمل هذه الإنسانية التي تثبت أن قوة الخلق هي درجة أرفع من ms300 الخلق ~~نفسه, فهذا فن الصبر لا الصبر فقط، وفن الحلم ولا الحلم وحده. # قوة الخلق هي التي تجعل الرجل العظيم ثابتا في مركز تاريخه لا متقلقلا في ~~تواريخ الناس، محدودا بعظائم شخصيته الخالدة لا بمصالح شخصه الفاني، ناظرا ~~في الحياة إلى الوضع الثابت للحقيقة لا إلى الوضع المتغير للمنفعة. # وما كان أولئك الأشراف وسفهاؤهم وعبيدهم إلا معاني الظلم، والشر، ~~PageV02P021 # والضعف، تقول للنبي العظيم الذي جاء يمحوها ويديل منها: إننا أشياء ثابتة ~~في البشرية. # لم يكن منهم الأشراف والسفهاء والعبيد، بل كان منهم العسف، والرق، ~~والطيش، تسخر ثلاثتها من نبي العدل، والحرية، والعقل، فما تسخر إلا من ~~نفسها. # صغائر الحياة قد أحاطت بمجد الحياة، لتثبت الصغائر أنها الصغائر، وليثبت ~~المجد أنه المجد. # كان الفريقان هما الفكرتين المتعاديتين أبدا على الأرض: إحداهما عش لتأكل ~~وتستمتع وإن أهلكت، والأخرى عش لتعمل وتنفع الناس وإن هلكت. # كانت الأقدار تبادي هذا الروح الواسع بذلك الروح الضيق، لينطلق الواسع من ~~مكانه ويستقبل الدنيا التي عليه أن ينشئها. فأولئك الأشراف والسفهاء ~~والعبيد إن هم إلا الضيق، والركود، وذل العيش، حول السعة الروحية، والسمو، ~~وطهارة الحياة. # وقف المعنى السماوي بين معاني الأرض، ولكن نور الشمس ينبسط على التراب ~~فلا يعفره التراب، وما هو بنور يضيء أكثر مما هو قوة تعمل بالعناصر التي من ~~طبيعتها أن تحول، في العناصر التي من شأنها أن تتحول. # وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أولئك المستهزئين قوة أخرى, هي ~~القدرة التي تعمل بهذا النبي للعالم كله، وبهذه القدرة لم ينظر النبي إلى ~~قريش وصولتهم عليه إلا كما ينظر إلى شيء انقضى، فكان الوجود الذي يحيط به ~~غير موجود، وكانت حقيقة الزمن الآتي تجعل الزمن الحاضر بلا حقيقة. # وإلى هذه القدرة توجه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الدعاء البليغ ~~الخالد، يشكو أنه إنسان فيه الضعف وقلة الحيلة، فينطق الإنساني فيه بالشطر ~~الأول من الدعاء يذكر انفراده وآثار انفراده، ويتوجع لما بينه وبين إنسانية ~~قومه، ثم ينطق الروحاني فيه بعد ذلك إلى ms301 آخر الدعاء متوجها إلى مصدره ~~الإلهي قائلا أول ما يقول: "إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي". # ولعمري لو نطقت الشمس تدعو الله لما خرجت عن هذا المعنى ولا زادت على ~~قوله: "أعوذ بنور وجهك" تلتمس من مصدر النور الأزلي حياطة وجودها الكامل. # ولق هزئوا من قبل بالمسيح "عليه السلام" فقال للساخرين منه: ليس نبي بلا ~~كرامة إلا في وطنه وفي بيته. وبهذا رد عليهم رد من انسلخ منهم، وقال لهم ~~قول # PageV02P022 # من ليس له حكم فيهم، وأخذهم بالشريعة الأدبية لا العملية؛ إذ كان "عليه ~~السلام" كالحكمة الطائفة ليست لكل قلب ولا لكل عقل، ولكنها لمن أعد لها؛ ~~وشريعته أكثرها في التعبير وأقلها في العمل، ولم تجئ بالقوة العاملة فلم ~~يكن بد من أن تضع الموعظة في مكان السيف، وأن تكون قائمة على النهي أكثر ~~مما هي قائمة على الأمر، وأن تكون كشمس الشتاء الجميلة: لا تغلي بها الأرض، ~~وإنما عملها أن تمهد هذه الأرض لفصل آخر. # أما نبينا صلى الله عليه وسلم فلم يجب المستهزئين, إذ كانت القوة الكامنة ~~في بلاد العرب كلها كامنة فيه، وكان صدره العظيم يحمل للدنيا كلمة جديدة لا ~~تقبل الدنيا أن تعامله عليها إلا بطريقتها الحربية؛ فلم يرد رد الشاعر الذي ~~يريد من الكلمة معناها البليغ، ولكنه سكت سكوت المشترع الذي لا يريد من ~~الكلمة إلا عملها حين يتكلم؛ وكان في سكوته كلام كثير في فلسفة الإرادة ~~والحرية والتطور, وأن لا بد أن يتحول القوم، وأن لا بد أن يتفطر هذا الشجر ~~الأجرد عن ورق جديد أخضر ينمو بالحياة. # لم يتسخط ولم يقل شيئا, وكان كالصانع الذي لا يرد على خطأ الآلة بسخط ولا ~~يأس، بل بإرسال يده في إصلاحها. # قالوا: ورأى ابنا ربيعة، عتبة وشيبة ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من ~~السفهاء، فتحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس، فقالا ~~له: خذ قطفا من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل ms302 ~~له يأكل منه، ففعل عداس ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلما وضع يده قال: "بسم الله" ثم أكل؛ فنظر عداس إلى وجهه ثم ~~قال: -والله- إن هذا لكلام ما يقوله أهل هذه البلدة. # فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ومن أي البلاد أنت يا عداس وما ~~دينك؟ ". # قال: أنا نصراني وأنا رجل من أهل نينوى. فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ ". قال: وما يدريك ما يونس بن ~~متى؟ قال صلى الله عليه وسلم "ذاك أخي, كان نبيا وأنا نبي". # فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه ورجليه. # يا عجبا لرموز القدر في هذه القصة! # PageV02P023 # لقد أسرع الخير والكرامة والإجلال فأقبلت تعتذر عن الشر والسفاهة والطيش، ~~وجاءت القبلات بعد كلمات العداوة. # وكان ابنا ربيعة من ألد أعداء الإسلام، وممن مشوا إلى أبي طالب عم النبي ~~صلى الله عليه وسلم من أشراف قريش يسألونه أن يكفه عنهم أو يخلي بينهم ~~وبينه، أو ينازلوه وإياه حتى يهلك أحد الفريقين, فانقلبت الغريزة الوحشية ~~إلى معناها الإنساني الذي جاء به الدين، لأن المستقبل الديني للفكر لا ~~للغريزة. # وجاءت النصرانية تعانق الإسلام وتعزه، إذ الدين الصحيح من الدين الصحيح، ~~كالأخ من أخيه، غير أن نسب الإخوة الدم ونسب الأديان العقل. # ثم أتم القدر رمزه في هذه القصة، بقطف العنب سائغا عذبا مملوءا حلاوة؛ ~~فباسم الله كان قطف العنب رمزا لهذا العنقود الإسلامي العظيم الذي امتلأ ~~حبا كل حبة فيه مملكة. # PageV02P024 ### | فوق الآدمية * الإسراء والمعراج: # من أعجب ما اتفق لي أني فرغت من تسويد هذا المقال ثم أردت نقله، فتعسر ~~علي وصرفت عنه بألم شديد اعتراني، ونالني منه ثقلة في الدماغ؛ ثم كشفه الله ~~بعد يوم فراجعت الكتابة، فإذا قلمي ينبعث بهذه الكلمات: # كيف يستوطئ المسلمون العجز، وفي أول دينهم تسخير الطبيعة؟ # كيف يستمهدون الراحة، وفي صدر تاريخهم عمل المعجزة الكبرى؟ # كيف يركنون إلى ms303 الجهل، وأول أمرهم آخر غايات العلم؟ # كيف لا يحملون النور للعالم ونبيهم هو الكائن النوارني الأعظم؟ # قصة الإسراء والمعراج هي من خصائص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هذا ~~النجم الإنساني العظيم؛ وهو النور المتجسد لهداية العالم في حيرة ظلماته ~~النفسية؛ فإن سماء الإنسان تظلم وتضيء من داخله بأغراضه ومعانيه. والله ~~-تعالى- قد خلق للعالم الأرضي شمسا واحدة تنيره وتحييه وتتقلب عليه بليله ~~ونهاره، بيد أنه ترك لكل إنسان أن يصنع لنفسه شمس قلبه وغمامها وسحائبها ~~وما تسفر به وما تظلم فيه. ولهذا سمي القرآن نورا لعمل آدابه في النفس، ~~ووصف المؤمنون بأنهم {يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم} [الحديد: 12] ، ~~وكان أثر الإيمان والتقوى في تعبير القرآن الكريم أن يجعل الله للمؤمنين ~~نورا يشمون به. # وقد حار المفسرون في حكمة ذكر "الليل" في آية "الإسراء" من قوله -تعالى-: ~~{سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي ~~باركنا حوله لنريه من آياتنا} [الإسراء: 1] . فإن السرى في لغة العرب لا ~~يكون إلا ليلا. PageV02P025 # والحكمة هي الإشارة إلى أن القصة قصة "النجم" الإنساني العظيم الذي تحول ~~من إنسانيته إلى نوره السماوي في هذه المعجزة، ويتمم هذه العجيبة أن آيات ~~"المعراج" لم تجئ إلا في سورة: "والنجم". # وعلى تأويل أن ذكر "الليل" إشارة إلى قصة النجم، تكون الآية برهان نفسها، ~~وتكون في نسقها قد جاءت معجزة من المعجزات البيانية؛ فإذا قيل: إن نجما دار ~~في السماء، أو قطع ما تقطعه النجوم من المسافات التي تعجز الحساب، فهل في ~~ذلك من عجيب؟ وهل فيه شك أو نظر أو تردد؟ وهل هو إلا من بعض ما يسبح الله ~~بذكره؟ وهل يكون إلا آية اتصلت بالآيات التي نراها اتصال الوجود بعضه ببعض؟ # وأنا ما يكاد ينقضي عجبي من قوله تعالى: {لنريه من آياتنا} [الإسراء: 1] ~~. مع أن الألفاظ كما ترى مكشوفة واضحة، ويخيل إليك أن ليس وراءها شيء، ~~ووراءها السر الأكبر؛ فإنها بهذه العبارة نص على إشراف النبي صلى الله عليه ~~وسلم فوق الزمان والمكان يرى ms304 بغير حجاب الحواس مما مرجعه إلى قدرة الله لا ~~قدرة نفسه؛ بخلاف ما لو كانت العبارة: "ليرى من آياتنا" فإن هذا يجعله ~~لنفسه في حدود قوتها وحواسها وزمانها ومكانها، فيضطرب الكلام، ويتطرق إليه ~~الاعتراض ولا تكون ثم معجزة. # وتحويل فعل "الرؤية" من صيغة إلى صيغة كما رأيت، هو بعينه إشارة إلى ~~تحويل الرائي من شكل إلى شكل كما ستعرفه، وهذه معجزة أخرى يسجد لها العقل؛ ~~فتبارك الله منزل هذا الكلام! # وإذا كان صلى الله عليه وسلم نجما إنسانيا في نوره، فلن يأتي هذا إلا من ~~غلبة روحانيته على مادته؛ وإذا غلبت روحانيته كانت قواه النفسية مهيأة في ~~الدنيا لمثل حالتها في الأخرى؛ فهو في هذه المعجزة أشبه بالهواء المتحرك. ~~فقل الآن: أيعترض على الهواء إذا ارتفع بأنه لم يترفع في طيارة؟ # ومن ثم كان الإنسان إذا سما درجة واحدة في ثبات قواه الروحية، سما بها ~~درجات فوق الدنيا وما فيها، وسخرت له المعاني التي تسخر غيره من الناس، ~~ونشأت له نواميس أخلاقية غير النواميس التي تتسلط بها الأهواء. ومتى وجد ~~الشيء من الأشياء كانت طبائع وجوده هي نواميسه؛ فالنار مثلا إذا هي تضرمت ~~أوجدت الإحراق فيما يحترق، فإن وضع فيها ما لا يحترق أبطل نواميسها وغلب ~~عليها. # PageV02P026 # وكل معجزة تحدث فهذا هو سبيلها في إيجاد النواميس الخاصة بها وإبطال ~~النواميس المألوفة، وبهذا يقال: إنها خرقت العادة. ومن النور نور لا يشف له ~~غير الهواء، ومنه أشعة "رونتجن" التي تشف لها الجدران والحجب؛ فهذه معجزة ~~في ذاك. # والنبي لا يكون نبيا حتى يكون في إنسانه إنسان آخر بنواميس تجعله أقرب ~~إلى الملائكة في روحانيتها، وما ينزل إنسانه الظاهر من الإنسان الباطن فيه ~~إلا منزلة من يتلقي ممن يعطي؛ فذاك الباطن هو للحقائق التي لا تحملها ~~الدنيا، وهذا الظاهر لما يمكن أن يبلغ إليه الكمال في المثل الإنسان ~~الأعلى، ولولا ذلك الباطن ما استطاع نبي من الأنبياء أن يحمل هموم أمة ~~كاملة لا تضنيه ولا تغيره ولا تعجزه. # فحقيقة النبوة أنها قوة ms305 من الوجود في إنسان مختار جاءت تصلح الوجود ~~الإنساني به لتقر في هذه الحيوانية المهذبة مثلها الأعلى، بدلالتها على ~~طريقها النفسي مع طريقها الطبيعي، فيكون مع الانحطاط الرقي، ومع النقص ~~الكمال، ومع حكم الغريزة التحكم في الغريزة، ومع الظلمة المادية الإشراق ~~الروحاني. # وما المعجزات إلا شأن تلك القوة الباطنة لا شأن إنسانها الظاهر، ومن الذي ~~ينكر أن قوى الوجود هي في نفسها إعجاز للعقل البشري؟ وهل ينكر اليوم أحد ~~شأن هذه القوة في "الراديو" حين مسته فجعلت الكلمة التي ترسل بين الشرق ~~والغرب، كالكلمة بين اثنين يتحدثان في مجلس واحد؟ # ونحن نرى معجزات التنويم المغناطيسي وما يبصره النائم وما يسمعه، وما ~~ينكشف له مما وراء الزمان والمكان؛ وليس التنويم شيئا إلا تسليط الذات ~~الباطنة بقواها الروحية العجيبة، على الذات الظاهرة المقيدة بحواسها ~~المحدودة، فتطغى عليها، فتصبح الحواس مطلقة شائعة في الوجود بمقدار ما فيها ~~من قواه لا بمقدار ما فيها من قوة شخصها. # وعلى نحو من ذلك يتصل الرجل الروحاني بذاته الباطنة، فيوقع شخصه الظاهر ~~في الاستهواء، فينكشف له الوجود، ويبصر ما يقع على البعد، ويرى ما هو آت ~~قبل أن يأتي؛ وما الكون في هذه الحالة إلا كالمعشوق يقول لعاشقه الذي وقع ~~في قلبه الحب: قد آتيتك نورا تنظر به جمالي. # وفي علماء عصرنا من يفكر في الصعود إلى القمر، وفيهم من يعمل # PageV02P027 # للمخاطبة مع الأفلاك، وفيهم من تقع له العجائب في استحضار الأرواح ~~وتسخيرها؛ وكل ذلك أول البرهان الكوني الذي سيلزم العلم فيضطره في يوم ما ~~إلى الإقرار بصحة الإسراء والمعراج. # ونحن قبل أن نبدي رأينا في القصة نلم بها إلمامة موجزة؛ فقد اختلفت فيها ~~الأحاديث ووقع فيها تخليط كثير، فجاءت فنونا وأنواعا من طرق شتى، حتى جمعها ~~بعضهم في جزأين1، وما تحتمل كل ذلك ولا بعضه، ولكن روح الرواية في ذلك ~~الزمن كانت كروح الصحافة في هذا العصر: متى فارت فورها استحدثت من كل عبارة ~~عبارة أخرى، وعلى هذه الطريقة تخرج من العبارتين عبارة ثالثة، فيكون الأصل ms306 ~~معنى واحد وإذا هو يمد من يمينه ويساره. # ولا يرون بذلك بأسا؛ فإنهم يشدون به الرأي، ويضاعفون منه اليقين، ويزيدون ~~ضوءا في نور المعنى، وما داموا قد أثبتوا الأصل واستيقنوه، فلا حرج أن يؤيد ~~القول بعضه بعضا, باجتهاد في عبارة, واستنباط من أخرى, وزيادة في الثالثة ~~مما هو بسبيل منها، على نحو ما نرى من فن الرواية القصصية؛ إذ تتعدد ~~الأساليب والعبارات مختلفة متنوعة، وليس تحتها إلا حقيقة واحدة لا تختلف، ~~والقصص الديني في هذه اللغة العربية فن كامل قائم بنفسه, ولا يبدع العقل ~~والخيال والعاطفة أقوى منه ولا أعجب ولا أغرب. # هذا في متن القصة، أما في واقعتها فقد اختلفوا اختلافا آخر: هل كان ~~الإسراء والمعراج يقظة أو مناما؟ وبالروح وحدها، أو بالروح والجسم معا؟ ~~وإنما ذكرنا هذا الخلاف لأنه الدليل القاطع على أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يخبر بشيء من ذلك, فلم يعين لهم وجها من هذه الأوجه، والحكمة في ~~ذلك أن عقولهم لم تكن تحتمل الإدراك العلمي الذي أساسه ما عرف اليوم من أمر ~~الكهرباء والأثير. # والخلاصة التي تتأدى من القصة: أنه صلى الله عليه وسلم كان مضطجعا، فأتاه ~~جبريل، فأخرجه من المسجد، فأركبه البراق، فأتى بيت المقدس، ثم دخل المسجد ~~فصلى فيه، ثم عرج به إلى السموات، فاستفتحها جبريل واحدة واحدة، فرأى فيها ~~من آيات ربه، واجتمع بالأنبياء -صلوات الله عليهم- وصعد في سماء بعد سماء ~~إلى سدرة المنتهى، فغشيها من أمر الله ما غشيها، فرأى صلى الله عليه وسلم ~~مظهر الجمال الأزلي، ثم زج به في النور فأوحى الله إليه ما أوحى. ~~PageV02P028 # أما وشي القصة وطرازها فباب عجيب من الرموز الفلسفية الإنسانية التي يرمز ~~بها إلى تجسيد الأعمال في هذه الحياة: تكون تعبا وتقع فائدة، أو تلتمس ~~منفعة وشهوة وتقع مضرة وحماقة، ثم تفنى من هذه وتلك الصورة الزمنية التي ~~توهمها أصحابها، وتخلد الصور الأبدية التي جاءت بها حقائقها. # ومن هذه الرموز البديعة قوله: "فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، ~~فأخذت اللبن، ms307 فقال جبريل: أخذت الفطرة". وأنه مر على قوم يزرعون ويحصدون في ~~كل يوم، كلما حصدوا عاد كما كان؛ فسأل: "ما هذا؟ " , قال جبريل: هؤلاء ~~المجاهدون في سبيل الله، تضاعف لهم الحسنة سبعمائة ضعف. ثم أتى على قوم ~~ترضخ رؤوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شيء؛ ~~فقال: "ما هذا؟ " , قال جبريل: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة. ثم ~~أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر، ولحم آخر نيئ في قدر خبيث، فجعلوا ~~يأكلون من النيئ الخبيث ويدعون النضيج؛ فقال: "ما هؤلاء؟ " ,قال جبريل: هذا ~~الرجل تكون عنده المرأة الحلال الطيب فيأتي امرأة خبيثة، والمرأة تقوم من ~~عند زوجها حلالا طيبا فتأتي رجلا خبيثا. ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة ~~لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها، فقال: "ما هذا يا جبريل؟ " , قال: هذا ~~الرجل تكون عليه أمانات الناس لا يقدر على أدائها وهو يريد أن يحمل عليها. ~~ثم رأى نساء معلقات بثديهن؛ فسأل، فقال جبريل: هؤلاء اللاتي أدخلن على ~~الرجال من ليس من أولادهم. # ونحن على الرأي الذي عليه جمهور العلماء: من أن الإسراء والمعراج كانا ~~بالجسم والروح معا على التأويل الذي سنبينه؛ ويثبت ذلك قوله -تعالى- في ~~سورة "والنجم": {إذ يغشى السدرة ما يغشى، ما زاغ البصر وما طغى} [النجم: ~~17] . فلا يكون البصر يزيغ ويطغى إلا في الجسم، ولا ينتفي عنه ذلك إلا وهو ~~في الجسم. ولم يتنبه أحد من المفسرين إلى المعنى المعجز العجيب في قوله: ~~{وما طغى} [النجم: 17] ؛ فذلك نص على أنه كان يرى بجسم قد تحول عن الطبيعة ~~الآدمية المحدودة فليس فيه منها شيء؛ إذ لا يكون طغيان البصر إلى من تسلط ~~الخيال عليه بأهواء الجسم التي لا يستقيم بها حكم على حقيقته, فما زاغ ~~البصر بكونه مقيد الحاسة، ولا طغى بكونه مطلق الخيال، بل كان كما يريه الله ~~من آياته، أي كان حقيقة كونية في غير حالتها الأرضية الناقصة. # PageV02P029 # والذين قالوا: إن الإسراء والمعراج كانا رؤيا رآها النبي ms308 صلى الله عليه ~~وسلم احتجوا لذلك بقوله تعالى: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس} [الإسراء: 60] . وقد خلط المفسرون في هذا أيضا، وإنما كان التعبير ~~بلفظ "الرؤيا" -وهي التي تكون مناما- لنفي تأثير الحواس على الرائي، وإثبات ~~أن الطبيعة الآدمية بجملتها كانت فيه كالنائمة عن حياتها الأرضية بحقائقها ~~وأخيلتها معا، فليس نائما كالنائم، ولا مستيقظا كالمستيقظ. # وفي أساس القصة جبريل والبراق، وهما القوة الملائكية والقوة الطبيعية، أو ~~الروح الملائكي، والروح الطبيعي، ولم يوصف البراق بأنه دابة إلا رمزا، إذ ~~لا يأتي للعرب أن يفهموا ما يراد منه؛ وعندنا أنه سمي البراق من البرق، وما ~~البرق إلا الكهربائية، وهذا هو المراد منه؛ فتلك قوة كهربائية متى نبضت ~~جمعت أول العالم بآخره؛ وهذه هي الحكمة في أن آية الإسراء لم تذكر أنه كان ~~محمولا على شيء، إذ لم يكن محمولا إلا على روح الأثير. # وما دامت القوة الملائكية والقوة الطبيعية قد سخرتا له صلى الله عليه ~~وسلم فلا معنى لأن يكون ذلك للروح دون الجسم، بل اجتماعهما معا في القصة ~~دليل على أن سر المعجزة إنما كان في تيسير ملاءمة جسمه الشريف لهاتين ~~الحالتين؛ فيتحول في صورة كونية ملائكية بين سر الملك وسر الطبيعة، وحينئذ ~~لا تجري عليه أحكام الحواس ولا أحكام المادة. # ومن الممكن أن تتحول الأجسام إلى حالتها الأثيرية في بعض الأحوال ~~الخارقة، وبهذا يعلل طي الأرض لبعض الروحانيين, وتعلل خوارق كثيرة مما يحدث ~~في استحضار الأرواح لهذا العهد، ومما يأتيه فقراء الهند، ومما كان يصنعه ~~"هوديني" الأمريكي: إذ كانوا يغللونه بالسلاسل والقيود ثم يرونه طليقا؛ ~~ويحسبونه في السجون المحصنة يقوم عليها الحراس وتمسكه فيها الأبواب ~~والجدران ثم يجدونه في بعض الفنادق. # وليس للعقل أن ينكر شيئا من هذه ونحوه، فإن تركيب الطبيعة رد عليه، ونقصه ~~هو رد على نفسه، والمستحيل على الأعمى هو أيسر الممكنات على المبصر. # فأنت ترى أن ذكر البراق والملك في أساس قصة الإسراء والمعراج هو صلة ~~القصة بالمعجزة، وهو عينه صلتها بالبرهان؛ ولو لم يكونا ms309 فيها لما كان لها ~~تفسير. # PageV02P030 # والقصة بعد ذلك تثبت أن هذا الوجود يرق وينكشف ويستضيء كلما سما الإنسان ~~بروحه، ويغلظ ويتكاثف ويتحجب كلما نزل بها، وهي من ناحية النبي صلى الله ~~عليه وسلم قصة تصفه بمظهره الكوني في عظمته الخالدة كما رأى ذاته الكاملة ~~في ملكوت الله، ومن ناحية كل مسلم من أتباعه هي كالدرس في أن يكون لقلب ~~المؤمن معراج سماوي فوق هذه الدنيا، ليشهد ببصيرته أنوار الحق، وجمال ~~الخير، وتجسد الأعمال الإنسانية في صورها الخالدة؛ فيكون بتدبره القصة ~~كأنما يصعد إلى السماء وينزل؛ فيستريح إلى الحقائق الأساسية لهذه الحياة، ~~فيدفع عن نفسه بذلك تعقد الأخيلة الذي هو أساس البلاء على الروح. # ومتى استنار القلب كان حيا في صاحبه، وكان حيا في الوجود كله. ومتى سلمت ~~الحياة من تعقيد الخيال الفاسد لم يكن بين الإنسان وبين الله إلا حياة هي ~~الحق والخير، ولم يكن بينه بين الناس إلا حياة هي الرحمة والحب. # PageV02P031 ### | الإنسانية العليا # *: # من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم إنه كان متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ~~ليست له راحة، طويل السكت، لا يتكلم في غير حاجة، ليس بالجافي ولا المهين، ~~يعظم النعمة وإن دقت لا يذم منها شيئا, ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، ~~فإذا تعدى الحق لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر ~~لها؛ وكان خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، من رآه ~~بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه ولا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، ~~ولا يطوي عن أحد من الناس بشره، قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، ~~وصاروا عنده في الحق سواء؛ يحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهيه، معتدل ~~الأمر غير مختلف؛ وكان أشد الناس حياء، لا يثبت بصره في وجه أحد، له نور ~~يعلوه كأن الشمس تجري في وجهه، لا يؤيس راجيه, ولا يخيب عافيه، ومن سأله ~~حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول؛ أجود الناس بالخير1. # صلى الله ms310 وسلم على صاحب هذه الصفات التي لا يجد الكمال الإنساني مذهبا ~~عنها ولا عن شيء منها، ولا يجد النقص البشري مساغا إليها ولا إلى شيء منها؛ ~~ففيها المعنى التام للإنسانية، كما أن فيها المعنى التام للحق، ومن اجتماع ~~هذين يكون فيها المعنى التام للإيمان. # هي صفات إنسانها العظيم، وقد اجتمعت له لتأخذ عنه الحياة إنسانيتها ~~العالية؛ فهي بذلك من برهانات نبوته ورسالته. # ولو جمعت كل أوصافه صلى الله عليه وسلم ونظمتها بعضها إلى بعض، واعتبرتها ~~بأسرارها العلمية لرأيت منها كونا معنويا دقيقا قائما بهذا الإنسان الأعظم، ~~كما يقوم هذا PageV02P032 # الكون الكبير بسننه وأصول الحكمة فيه، ولأيقنت أن هذا النبي الكريم إن هو ~~إلا معجم نفسي حي ألفته الحكمة الإلهية بعلم من علمها، وقوة من قوتها، ~~لتتخرج به الأمة التي تبدع العالم إبداعا جديدا، وتنشئه النشأة المحفوظة له ~~في أطوار كماله. # ولن ترى في الإنسانية أسمى من اجتماع هذه الصفات بعضها إلى بعض وإني ~~لأكاد كلما تأملتها أحسب هذا السمو قضاء وقدرا بإنسان على الإنسانية كلها. ~~وهي دليل على أنه الإنسان الذي خلق للدنيا لا لنفسه؛ فهو لا ينمو بما يكون ~~على الناس من الحق، ولكن بما يكون للناس عليه من الواجبات، كأنما هو حقيقة ~~كونية تعيش عيشها، فما تكون في الوجود إلا لتقرر وجودها هي، ولا تنتهي حين ~~تنتهي بذاتها إلا لتبدأ معانيها في غيرها، فهو صلى الله عليه وسلم إنسان ~~غرس في التاريخ غرسا ليكون حدا لزمن وأولا لزمن بعده، وما كانت حياته تلك ~~إلا طريقة غرسه، وهو أبدا قائم في مكانه الاجتماعي، إذ كان الزمن كلما تقدم ~~زاد في إثباته، وقد أصبح في الدنيا كأنه جهة من الجهات لا إنسان من الناس، ~~فلن يتغير أو يمحى إلا إذا تغير أو محي المشرق والمغرب. # ونحن حين نقرأ تلك الصفات وما فاضت به كتب الشمائل من أمثالها، لا نقرؤها ~~أوصافا ولا حلية، بل نراها صفحة إلهية مصنفة أبدع تصنيف وأدقه، ومن وراء ~~تأليفها تفسير طويل لا يهتدي الفكر البشري لأحسن ms311 منه ولا أصح ولا أكمل؛ فقد ~~اجتمعت تلك الصفات في إنسانها اجتماع الأجزاء في المسألة الرياضية, لا ~~ينبغي أن تزيد أو تنقص، إذ كان في مجموعها ما وجد له مجموعها. # ويكاد الارتباط بين أجزاء المسألة يكون هو بعينه صورة للارتباط بين أجزاء ~~تلك الصفات الشريفة؛ فإن كل جزء منها موضوع وضعا لا يتم الكل إلا به، حتى ~~لا موضع فيها لقلة أو كثرة؛ وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "أدبني ربي ~~فأحسن تأديبي"، وأنت إذا دققت في هذا الحديث أدركت من معناته أن هناك طبيعة ~~أخلاقية مفردة تجرى على قانونها الذي وضعه الله لها وأحكمها به. # وأعجب ما يدهشنا من مجموع صفاته صلى الله عليه وسلم أن فيها دليلا بينا ~~على أنه مخلوق خلقة متميزة بنفسها، كخلقة القلب الإنساني: نظامه حياته ~~وحياته نظامه، وكأنما اعترته حالة نفسية كالتي تعتري القلب في استشعار ~~الخطر فتخرجه من طبيعته إلى أقوى منها، فلا يزال يمد أعضاء الجسم بمدد لا ~~ينفد من القوة والصبر، يجعل الحياة فيها على أضعافها كأنها حياة كانت ~~مخبوءة وظهرت بغتة؛ وفي هذه الحالة تتجه غرائز النفس كلها إلى جهة واحدة ~~كأنها مقدرة بميزان، مضبوطة بقياس؛ # PageV02P033 # فترجع على تناقضها واختلافها متعاونة يؤازر بعضها بعضا، وكان قانونها ~~الطبيعي أن تتجاذب وتتساقط وتفسر الواحدة منها عمل الأخرى, فيجيء بها الشيء ~~وضده معا: كالصدق والكذب، والطمع والقناعة، والشهوات الثائرة والخمود ~~الساكن، إلى آخر ما تعد من هذه الغرائز؛ ولكنها في استعشار الخطر تكون ~~كالأشباه لا كالأضداد، فيشد بعضها بعضا، ويتم النقيض منها نقيضه، وتجري ~~كلها في قانون واحد: هو الدفاع بأجزائها عن مجموعها؛ فترى النازع منها وإنه ~~لمستقر في أشد من القيد، وكأن فيه غير طبيعته. # وهل ينبئك مجموع صفاته صلى الله عليه وسلم إلا أنه يعيش معيشة القلب إذا ~~اختلف ما حوله وفجأته بغتات الوجود فتجاوز أن يكون منبعا للحياة إلى أن ~~يكون حافظا للحياة في منبعها؟ # وتلك الحالة -كما مر بك- تجعل وجود الإنسان هو وجود إرادته وعقله، لا ~~وجود شهواته ms312 وغرائزه؛ وكذلك عاش نبينا صلى الله عليه وسلم فهو مدة حياته في ~~وجود إرادته لا غيرها، حتى ليس عليه سبيل لغميزة أو لائمة، كأنه خلق تشده ~~نية مستيقظة قد نبهها ما ينبه النفس من الغرر والخطر, ولعل هذا الشعور في ~~نفسه صلى الله عليه وسلم هو التفسير لقوله: "نية المؤمن خير من عمله". إلى ~~أحاديث كثيرة مما يجري في معنى هذه الكلمة الجامعة؛ يريد بها: أن نية ~~المؤمن لا تنطوي إلا على الخير الكامل، فهو -ما دامت نيته على صلاحها وسره ~~على إخلاصه- لا يعد اليسير من الشر يسيرا، ولا يرى الكثير من الخير كثيرا؛ ~~فالأصل القائم في تلك النية المؤمنة ألا يبدأ الشر كي لا يوجد، وألا ينتهي ~~الخير كي لا يفنى؛ فالمؤمن من ذلك على الخير والكمال أبدا، في حين أن عمله ~~بطبيعته الإنسانية يتناول الخير والشر جميعا، ثم لا يكون إلا عملا إنسانيا ~~على نقص واضطراب والتواء. # وقد لا يستطيع المؤمن أن يأتي الخير في بعض أحواله، ولكنه يستطيع دائما ~~أن ينويه ويرغب فيه ويعزم عليه, ليحقق ضميره في كل ما يهم به؛ ويحصر أفكاره ~~في قانون نيته المؤمنة. وهذا هو الأساس في علم الأخلاق، لا أساس من دونه. # والنية من بعد هي حارس العمل؛ فكل إنسان يستطيع أن يذعن وأن يأبى، ومن ثم ~~تكون هذه النية ردا ومدافعة من ناحية, واستجابة ومطاوعة من الناحية الأخرى؛ ~~فهي على الحقيقة متى صلحت كانت استقلالا تاما للإرادة، وكانت مع ذلك ضبطا ~~لهذه الإرادة على حال واحدة هي التي ينتظم بها قانون المبدأ السامي. # PageV02P034 # ثم إنه لا ضابط لصحة العمل واستقامته إلا النية الصحيحة المستقيمة؛ ~~فالتزوير والتلبيس كلاهما سهل ميسور في الأعمال، ولكنهما مستحيلان في النية ~~إذا خلصت. # وهي كذلك ضابط للفضائل توجه القلوب على اختلافها وتفاوتها اتجاها واحدا ~~لا يختلف؛ فيكون طريق ما بين الإنسان والإنسان, من ناحية الطريق ما بين ~~الإنسان وبين الله. # وأشواق الروح بطبيعتها لا تنتهي، فيعارضها الجسم بجعل حاجاته غير منتهية؛ ~~يحاول أن يطمس بهذه على ms313 تلك، وأن يغلب الحيوانية على الروحانية، فإذا كانت ~~النية مستيقظة كفته وأماتت أكثر نزعاته، ووضعت لكل حاجة حدا ونهاية؛ وبذلك ~~تجرع النية إلى أن تكون قوة في النفس يخرج بها الإنسان عن كثير مما يحده من ~~جسمه، ليخرج بذلك عن كثير مما يحده من معاني الأرض. # وهي بعد هذا كله تحمل الإنسان أن ينظر إلى واجبه كأنه رقيب حي في قلبه, ~~لا يرائيه ولا يجامله, ولا يخدع من تأويل, ولا يغر بفلسفة ولا تزيين، ولا ~~يسكته ما تسول النفس, ولا يزال دائما يقول للإنسان في قلبه: إن الخطأ أكبر ~~الخطأ أن تنظم الحياة من حولك وتترك الفوضى في قلبك. # وجملة القول في معاني النية أنها قوة تجعل باطن الجسم متساوقا مع ظاهره، ~~فتتعاون الغرائز المختلفة في النفس تعاونا سهلا طبيعيا مطردا، كما تتعاون ~~أعضاء الجسم على اختلافها في اطراد وسهولة وطبيعة. # وكل صفات النبي صلى الله عليه وسلم -مما ذكرناه وما لم نذكره- متى اعتبرت ~~بذلك الأصل الذي بيناه انتظمها جميعا، فجاء بعضها تماما على بعض في نسق ~~رياضي عجيب، وظهرت حكمة كل منهما واضحة مكشوفة، ورأيتها في مجموعها تصف لك ~~عمرا هندسيا دقيقا قد بلغ الغاية من الكمال والروعة والدقة، لا يعد جزء منه ~~جزءا، بل كله أجزاؤه، وأجزاؤه كله؛ كالوضع الهندسي: إما أن يكون بكله، وإما ~~ألا تكون فيه الهندسة كلها. # وليس مجموع تلك الصفات في معناه إلا صنعة الإنسان صنعة جديدة تخرجه ~~موجودا من ذات نفسه، وتكسرت القالب الأرضي الذي صب فيه وتفرغه في مثل قالب ~~الكون، فإذا هو غير هذا الإنسان الضيق المنحصر في جسمه ودواعي # PageV02P035 # جسمه، فلا تخضعه المادة، ولا يؤتى من سوء نظره لنفسه, ولا تغره الدنيا، ~~ولا يمسكه الزمان؛ إذ كانت هذه هي صفات المستعبد بأهوائه لا الحر فيها، ~~والخاضع بنفسه لا المستقبل بها، والمقبور في إنسانيته لا الحي فوق ~~إنسانيته، ومثل هذا المستعبد الخاضع المقبور لا وجود له إلا في حكم حواسه، ~~فعمله ما يعيش به لا ما يعيش من أجله، ويتصل بكل ms314 شيء اتصالا مبتورا ينتهي ~~في هوى من أهواء الحيوان الذي فيه. # ومن المقابلة العجيبة أن يكون في الإنسان الاجتماعي حيوان، تقابله الحكمة ~~في الحيوان الأليف بإنسان, وحكمها واحد ومنطقهما لا يختلف. فلو أنك سألت ~~حيوان الأعصاب عن صاحبه الإنسان لقال لك: هو غلتي ومزرعتي. ولو سألت كلبا ~~عن حبه صاحبه ومبلغ هذا الحب في نفسه لما زاد في جوابه على أنه يحبه حب ~~اللقمة والعظمة. # ومتى كان الإنسان في حكم حواسه لم تعد الأشياء عنده كما هي في نفسها ~~بمعانيها الطبيعية المحدودة، وانقلبت كما هي في وهمه بمعان متفاوتة مضطربة، ~~فلا يشعر المرء بائتلاف الوجود وتعاونه، ولكن باختلافه وتناقضه، فمن ثم لا ~~تكون أسباب اللذة إلا من أسباب الإثم، ويدخل في كل حب بغض، وفي كل رغبة ~~طمع، وفي كل خير شر، وفي كل صريح خبيء، وهلم جرا، إذ لا بد من هذا كله متى ~~غلب الفاني على الباقي، ولا بد من كل هذا في تمثيل رواية الحواس الخادعة ~~التي أساسها التغير والتقلب، حتى لكأن النفس غنما تعيش بها في ظاهر من ~~الحياة لا في الحياة نفسها. # وهذا الخداع جاعل كل شيء من أشياء النفس لا يبدأ إلا لينتهي، ثم لا ينتهي ~~إلا ليبدأ؛ فما تزال هذه النفس طامعة فيما لا تناله، ولا يزال من ذلك مصدر ~~لآلامها الحسية؛ ثم إذا هي نالت منالتها سئمت، فلا يزال من ذلك مصدر آخر ~~لآلامها المعنوية، ولن يجيء الصحيح من غير الصحيح، فالكون كله ليس إلا كذبا ~~في النفس الكاذبة بحواسها. # ولذا كان أخص أوصافه صلى الله عليه وسلم راجعا إلى خروجه من سلطان نفسه، ~~فلا يغضب لها، ولا يطلقها من الدنيا فيما تذمه أو تمدحه، ولا يحب فيها، ولا ~~يبغض من أجلها، ولا يهاونها، ولا يستلين لها في مأكل وملبس، ولا يأخذها إلا ~~من ناحية الإيمان بالله والإيمان بالإنسانية؛ فأفراحها أحزانها، وآمالها ~~أشواقها، وأملاكها # PageV02P036 # أعمالها، وحسابها في طبيعتها، وحوادثها من العقل لا من الحواس، وعظمتها ~~إثبات ذاتها في غيرها، لا إثبات غيرها ms315 في ذاتها، وغايتها في الباقي لا ~~الزائل، وفي الخالد لا الفاني، وما دام الحاضر متحركا فهو طارئ عابر أوشك ~~أمور الدنيا زوالا، والعمل له على مقداره في قلة لبثه وهوان أمره، ~~والاهتمام أبدا بما وراءه لا به. # فأول النفس النية العاملة لآخرتها، وآخر النفس ما تؤدي إليه أعمال هذه ~~النية؛ فليس في إنسان الدنيا إلا إنسان العالم الآخر، وبهذا يقدر صمته ~~وكلامه، وحركته وسكونه، وما يأتي وما يدع، وما يحب وما يكره، إذ كل شيء منه ~~على ذلك الاعتبار إنما هو صورة الحقيقة العاملة فيه. # وجماع الأمر ألا يكون مستقبل الإنسان علامة استهزاء بجانب ماضيه، ولا ~~علامة استفهام، ولا علامة إنكار. # وتدل صفات النبي صلى الله عليه وسلم باجتماعها وتساوقها على حقيقة عظمى ~~لم يتنبه إليها أحد؛ وهي أن جميع خصائصه النفسية مرهفة متيقظة، وهذا مما ~~يندر وقوعه وإمكانه؛ فإن الرجل من الناس ليكون حيا بالحياة، ولكن جوانب ~~كثيرة من نفسه قد طاح بها الموت، أو هي مريضة وذلك أول الموت؛ أو غافلة ~~وذلك شبه الموت؛ أما الحي العظيم فهو الذي يحيا بأكثر خصائص نفسه، وأما ~~الحي الأعظم فهو الذي يحيا بجميع خصائصها، تملؤه الحياة فيملأ الحياة، ~~ويتمدد السر فيه ليريه حقائق الأشياء ويهديه ويدله، فيكون بنفسه رؤية للناس ~~وهداية ودلالة؛ ومثل هذا يعظم ثم يعظم حتى ليرى الفرق بينه وبين غيره ~~كالفرق بين نور لبس اللحم والدم، وبين تراب لبس الدم واللحم. # وذلك لا يكاد يتفق إلا في مراتب أعلاها الامتياز في النبوة، ثم تدنو إلى ~~النبوة؛ ثم تنزل إلى الامتياز في الحكمة؛ ثم تهبط إلى عبقرية الشعر. فأكبر ~~الشعراء قاطبة كالنبي في معناه إلا أنه نبي صغير, وإلا أنه في حدود قلبه. # وهذه القوى الثلاث هي التي أبدعتها الحكمة الإلهية لتحويل الحياة والسمو ~~بها؛ فالشاعر يستوحي الجمال إذا تأله الجمال في قلبه، والحكيم يستوحي ~~الحقيقة إذا تألهت في نفسه، والنبي يستوحي الألوهية نفسها. # "كان صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان" ولكنها أحزان النبوة تكسو ~~الحياة فرح النفس الكبيرة؛ ms316 وهو فرح كله حزن وتأمل، وفكرة وخشوع, وطهر ~~وفضيلة؛ وما فرح # PageV02P037 # أعظم الشعراء بطرب الوجود وجمال الموجودات إلا شيء قليل من حزن النبي. # "وكان دائم الفكرة ليست له راحة" إذ هو مكلف أن يصنع الإنسان الجديد ~~وينفخ الآدمية فيه. وفكرة النبي هي معيشته بنفسه مع الحقائق العليا، إذ لا ~~يرى أكثرها تعيش في الناس، وهي الفردية واستقلالها وسموها؛ لأنها إطاقة ~~النفس الكبيرة لوحدتها، بخلاف الأنفس الضعيفة التي لا تطيقها، فدأبها أبدا ~~أن تبحث عما تستعبد له، أو تنسى ذاتها فيه، أو تستريح إليه من ذاتها. ومتى ~~كانت النفس فارغة كان تفكيرها مضاعفة لفراغها، فهي تفر منه إلى ما يلهيها ~~عنه؛ ولكن العظيم يعيش في امتلاء نفسه؛ وعالمه الداخلي تسميه اللغة أحيانا: ~~الفكرة؛ وتسميه أحيانا: الصمت. # "وكان صلى الله عليه وسلم طويل السكت لا يتكلم في غير حاجة" ومن الصمت ~~أنواع: فنوع يكون طريقة من طرق الفهم بين المرء وبين أسرار ما يحيط به؛ ~~ونوع يغشى الإنسان العظيم ليكون علامة على رهبة السر الذي في نفسه العظيمة؛ ~~ونوع ثالث يكون في صاحبه طريقة من طرق الحكم على صمت الناس وكلامهم؛ ونوع ~~رابع هو كالفصل بين أعمال الجسد وبين الروح في ساعة أعمالها؛ ونوع خامس ~~يكون صمتا على دوي تحته يشبه نوما ساكنا على أحلام جميلة تتحرك. # على هذا النمط يجب أن تفسر كل أوصافه صلى الله عليه وسلم، فهي بمجموعها ~~طابع إلهي على حياته الشريفة، يثبت للدنيا بكل برهانات العلم والفلسفة أنه ~~الإنسان الأفضل، وأنه الأقدر، وأنه الأقوى. # PageV02P038 ### | ### | سمو الفقر * في المصلح الاجتماعي الأعظم " # 1" # كان النبي صلى الله عليه وسلم على ما يصف التاريخ من الفقر والقلة، ولكنه ~~كان بطبيعته فوق الاستغناء، فهو فقير لا يجوز أن يوصف بالفقر، ولا تناله ~~المعاني النفسية التي تعلو بعرض من الدنيا وتنزل بعرض، فما كانت به خلة ~~تحدث هدما في الحياة فيرممها المال، ولا كان يتحرك في سعي ينفق فيه من نفسه ~~الكبيرة ليجمع من الدنيا، ولا كان يتقلب بين البعيد والقريب من ms317 طمع أدرك أو ~~طمع أخفق، ولا نظر لنفسه في الحسبة والتدبير ليتدبر معيشته فيختلبها ذهبا ~~أو فضة، ولا استقر في قلبه العظيم ما يجعل للدينار معنى الدينار ولا للدرهم ~~معنى الدرهم؛ فإن المعنى الحي لهذا المال هو إظهار النفس رابية متجسمة في ~~صورة تكبر في قدر من السعة والغنى؛ والمعنى الحي للفقر من المال هو إبراز ~~النفس ضئيلة منزوية في صورة تصغر على قدر من الضيق والعسرة. # إن فقره صلى الله عليه وسلم كان من أنه يتسع في الكون لا في المال, فهو ~~فقر يعد من معجزاته الكبرى التي لم يتنبه إليها أحد إلى الآن, وهو خاص به ~~ومن أين تدبرته رأيته في حقيقة معجزة تواضعت وغيرت اسمها، معجزة فيها ~~الحقائق النفسية والاجتماعية الكبرى, وقد سبقت زمنها بأربعة عشر قرنا، وهي ~~اليوم تثبت بالبرهان معنى قوله صلى الله عليه وسلم في صفة نفسه: "إنما أنا ~~رحمة مهداة". # نحن في عصر تكاد الفضيلة الإنسانية فيه تلحق بالألفاظ التاريخية التي تدل ~~على ما كان قديما, بل عادت كلمة من كلمات الشعر تراد لتحريك النسيم اللغوي ~~الراكد في الخيال، كما تقول: السحاب الأزرق، والفجر الأبيض، والشفق ~~PageV02P039 # الأحمر، والتطاريف الوردية على ذيل الشمس. وأصبح الناس ينظر أكثرهم إلى ~~أكثرهم بأعين فيها معنى وحشي لو لمس لضرب أو طعن أو ذبح. # وعملت المدنية أعمالها فلم تزد على أن أخرجت الشكل الشعري لإنسانها الفني ~~متهافتا ترفا، ونعمة، وافتتانا بين ذلك من أيسر الحلال إلى الفظيع المتفاحش ~~في الإباحة؛ فكأنما وضعت المدنية عقلا في وحش، فجاء وقد زاغت فيه الطبيعة ~~من ناحيتين؛ ثم قابلته بالشكل الوحشي لإنسانها الفقير، فكأنما نزعت عقلا من ~~إنسان، فجاء وقد ضلت فيه الطبيعة من ناحيتين؛ وكان مع الأول سرف الهوى ~~بالطبيعة، وكان مع الثاني بالطبيعة سرف الحماقة. # وقد أصبح من تهكم الحياة بأهلها أن يكون الفقير فقيرا وهو يعلم أن صناعته ~~في المدنية عمل الغني للأغنياء ... وأن يكون الغني غنيا وهو يعلم أن عمله ~~في المدنية هو صنعة الفقر لضميره! # وخرجت من ms318 هذا وذاك مسائل جديدة في فلسفة المعايشة الإنسانية التي يسمونها ~~"الاجتماع"؛ إلى أسئلة كثيرة لو ذهبنا نعدها ونصفها لطال بنا القول، وكلها ~~عاملة على نزع الشعور العقلي من الحياة لتظهر أسخف مما هي، وأقبح ممن كانت؛ ~~حتى أصبحت الشمس تطلع تمحو ليلا عن المادة وتلقى ليلا على النفس، في حين أن ~~الدين والإنسانية لا يعملان غير بث هذا النور العقلي في الأشياء والمعاني ~~لتظهر الحياة مضيئة ملتمعة، فتصبح أوضح مما هي في نفسه، وأجمل مما هي في ~~الطبيعة. # في مثل هذه النزعات المتقاتلة التي صعدت بالفلسفة ونزلت، وجعلت من العلم ~~في صدر الإنسانية ملء سماء من الغيوم بسوادها ورعدها وصواعقها، وتركت ~~العالم يضج ضجيجه المزعج في قلب كل حي حتى لتذاع الهموم إلى قلوب الناس ~~إذاعة الأصوات إلى أسماعهم في "الراديو" ... في مثل هذا البلاء الماحق ~~تتلفت الإنسانية إلى التاريخ تسأله درسا من الكمال الإنساني القديم تطب منه ~~لهذه الحماقات الجديدة، ولو علمت لعلمت أن درس هذا العصر في علاج مشاكله ~~الإنسانية هو "محمد" صلى الله عليه وسلم، الذي لن يبلغ أحد في وصفه ~~الاجتماعي ما بلغ هو في قوله: "إنما أنا رحمة مهداة". # هذا المصلح الاجتماعي الأعظم يلقى فقره اليوم درسا على الدنيا العلمية ~~الفلسفية، لا من كتاب ولا فكر, ولكن بأخلاقه وعمله وسيرته؛ إذ ليس المصلح ~~من فكر وكتب، ووعظ وخطب، ولكنه الحي العظيم الذي تلتمسه الفكرة العظيمة # PageV02P040 # لتحيا فيه، وتجعل له عمرا ذهنيا يكون مصرفا على حكمها، فيكون تاريخه ~~ووصفه هو وصف هذه الفكرة وتاريخها. # وما كان محمد صلى الله عليه وسلم إلا عمرا ذهنيا محضا، تمر فيه المعاني ~~الإلهية لتظهر للناس إلهية مفسرة، وكل حياته صلى الله عليه وسلم دروس مفننة ~~مختلفة المعاني، ولكنها في جملتها تخاطب الإنسان على الدهر بهذه الجملة: ~~أيها الحي، إذا كانت الحياة هنا فلا تكن أنت هناك؛ أي إذا كانت الحياة في ~~الحقيقة فلا تكن أنت في الكذب، وإذا كانت الحياة في الرجولة البصيرة فلا ~~تكن أنت في الطفولة النزقة، فإن ms319 الرجل يعرف ويدرك، فهو بذلك وراء الحقيقي؛ ~~ولكن الطفل يجهل ولا يعرف الدنيا إلا بعينه، فهو وراء الوهم، ومن ثم طيشه ~~ونزقه، وإيثاره كل عاجل وإن قل، وعمله أن تكون حياته النفسية الضئيلة في ~~مثل توثب أعضاء جسمه, حتى كأنه يلعب بظاهره وباطنه معا. # أيها الحي، إذا كانت الحياة هنا فلا تكن أنت هناك؛ أي الحياة في ذاتك ~~الداخلية وقانون كمالها، فإذا استطعت أن تخرج للأرض معنى سماويا من ذاتك ~~فهذا هو الجديد دائما في الإنسانية، وأنت بذلك عائش في القريب القريب من ~~الروح، وأنت به شيء إلهي؛ وإذا لم تستطع وعشت في دمك وأعصابك فهذا هو ~~القديم دائما في الحيوانية، وأنت بذلك عائش في البعيد البعيد من النفس, ~~وأنت به شيء أرضى كالحجر والتراب. # هنا: أي في الإرادة التي فيك وحدك. ولا هناك: أي في الخيال الذي هو في كل ~~شيء، وهنا، في أخلاقك وفضائلك التي لا تدفعك إلى طريق من طرق الحياة إلا ~~إذا كان هو بعينه طريقا من طرق الهداية والحكمة؛ وليس هناك، في أموالك ~~ومعايشك التي تجعلك كاللص مندفعا إلى كل طريق متى كان هو بعينه طريقا إلى ~~نهبة أو سرقة. هنا، في الروح، إذ تشعر الروح أنها موجودة، ثم تعمل لتثبت ~~أنها شاعرة بوجودها، ماضية إلى مصيرها، منتهية بجسدها إلى الموت الإنساني ~~على سنة النفس الخالدة، وليس هناك في الحس، إذ يتعلق الحس بما يتقلب على ~~الجسم، فهو مهتاج لشعوره بوشك فنائه فلا يحدث إلا الألم إن نال أو لم ينل، ~~وهو منته بجسمه إلى الموت الحيواني بين آكل ومأكول على سنة الطبيعة ~~الفانية. # أيها الحي، إذا كانت الحياة هنا فلا تكن أنت هناك. # إن الحكيم الذي ينظر إلى ما وراء الأشياء فيتعرف أسرارها، لا تكون له ~~حياة الذي يتعلق بظاهرها ولا أخلاقه ولا نظرته؛ هذا الأخير هو في نفسه شيء ~~من # PageV02P041 # الأشياء له مظهر المادة وخداعها عن الحقيقة؛ وذلك الأول هو نفسه سر من ~~الأسرار له روعة السر وكشفه عن الحقيقة، ولهذا كان في ms320 حياة الأنبياء ~~والحكماء ما لا يطبقه الناس ولا يضبطونه إذا تكلفوه، بل ينخرق عليهم فيكون ~~منه العجز والغلط، ويحدث من الغلط الزلل. # ونظرة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى هذا الوجود نظرة شاملة مدركة لحقيقة ~~اللانهاية، فيرى بداية كل شيء مادي هي نهايته في التو واللحظة، فلا وجود له ~~إلا عارضا مارا، فهو في اعتباره موجود غير موجود، مبتدئ منته معا؛ وبذلك ~~تبطل عنده الأشياء المادية وتأثيرها، فلا تتصل بنفسه العالية إلا من أضعف ~~جهاتها، ويجد لها الناس في حياتهم الشجرة والفرع والثمرة، وما لها عنده هو ~~جذر ولا فرع؛ وبهذا لم يفتنه شيء ولم يتعلق به شيء. # وكانت الدنيا تطول الناس وتتقاصر عنه، وكانت منقطعة النماء وهو ذاهب في ~~نموه الروحي، وكأنما هو صورة أخرى من آدم "عليه السلام"؛ فكلاهما لمس بنفسه ~~الحياة جديدة خالية مما جمع فيها الزمن وأهله من طمع وشره، وجاء آدم ليعطي ~~الأرض ناسها من صلبه، وجاء محمد ليعطي الناس قوانينهم في فضائله؛ فآدم ~~بشخصه هو دنيا بعثت لتتسع، ومحمد بشخصه هو دنيا بعثت لتنتظم. # وماذا يفهم من الفلسفة الأخلاقية النبوية العظيمة؟ يفهم منها أن الشهوات ~~خلقت مع الإنسان تتحكم فيه، لينقلب بها إنسانا يتحكم فيها؛ وأن الإنسان ~~الصحيح الذي لم تزوره الدنيا يجب أن يكون ذا روح يمتد فيفيض عن غايات جسمه ~~إلى ما هو أعلى فأعلى حتى يصبح في حكم النور وانطلاقه وحريته، ولا ينكمش ~~فيحصره جسمه في غاياته وضروراته فيرتد إلى ما هو أسفل أسفل حتى يعود في حكم ~~التراب وأسره وعبوديته. فالفقر وما إليه، والزهد وما هو بسبيل منه، ~~والانصراف عن الشهوات والرذائل كل ذلك إن هو إلا تراجع النفس العالية إلى ~~ذاتها النورانية حالا بعد حال، وشيئا بعد شيء، لتضيء على المادة فتكشف ~~حقائقها الصريحة فلا تباليها ولا تقيم لها وزنا. فبينما الناس يرون الأموال ~~والشهوات مادة حياة وعمل وشعور، تراها هي مادة بحث ومعرفة واعتبار ليس غير؛ ~~وبهذا تكون النفس العظيمة في الدنيا كأستاذ المعمل, تدخل المادة إلى معمله ms321 ~~وهي مادة وفكرة، وتخرج منه وهي حقيقة ومعرفة، وعلى أي أحوالها فهي إنما تحس ~~في ذلك المعمل بأصابع علمية دقيقة ليس فيها الجمع ولا الحرص، ولكن فيها ~~الذهن والفكر؛ وليس لها طبيعة الرغبة والغفلة، ولكن طبيعة الانتباه # PageV02P042 # والتحرز، وليست في أسر المادة، ولكن المادة في أسرها ما شاءت. # ولا يسمى فقره صلى الله عليه وسلم زهدا كما يظن الضعفاء ممن يتعلقون على ~~ظاهر التاريخ ولا يحققون أصوله النفسية؛ وأكثرهم يقرأ التاريخ النبوي ~~بأرواح مظلمة تريهم ما ترى العين إذا ما اختلط الظلام ولبس الأشياء فتراءت ~~مجملة لا تفصيل لها، مفرغة لا تبيين فيها؛ وما بها من ذلك شيء, غير أنها ~~تتراءى في بقية من البصر ولا تغمرها. # وهل الزهد إلا أن تطرد الجسم عنك وهو معك، وتنصرف عنه وهو بك متعلق؟ فتلك ~~سخرية ومثلة، وفي رأيي تشويه للجسم بروحه، وقد تنعكس فتكون من تشويه الروح ~~بجسمها؛ فليس يعلم إلا الله وحده, أذاك تفسير لإنسانية الزاهد بالنور، أم ~~هو تفسير بالتراب. # ولقد كان صلى الله عليه وسلم يملك المال ويجده، وكان أجود به من الريح ~~المرسلة، ولكنه لا يدعه يتناسل عنده، ولا يتركه ينبت في عمله، وإنما كان ~~عمله ترجمة لإحساسه الروحي، فهو رسول تعليمي، قلبه العظيم في القوانين ~~الكثيرة من واجباته، وهو يريد إثبات وحدة الإنسانية، وأن هذا الإنسان مع ~~المادة الصامتة العمياء مادة مفكرة مميزة، وإن الدين قوة روحية يلقى بها ~~المؤمن أحوال الحياة فلا يثبت بإزائها شيء على شيئيته، إذ الروح خلود ~~وبقاء، والمادة فناء وتحول، ومن ثم تخضع الحوادث للروح المؤمنة وتتغير ~~معها، فإن لم تخضع لم تخضعها، وإن لم تتغير الروح بها؛ وأساس الإيمان أن ما ~~ينتهي لا ينبغي أن يتصرف بما لا ينتهي. # ما قيمة العقيدة إلا بصدقها في الحياة، وأكثر ما يصنع هذا المال: إما ~~الكذب الصراح في الحياة، وإما شبهة الكذب، ولهذا تنزه النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن التعلق به، وزاده بعدا منه أنه نبي الإنسانية ومثلها الأعلى، ~~فحياته الشريفة ليست كما ms322 نرى في الناس: إيجادا لحل مسائل الفرد وتعقيدا ~~لمسائل غيره، ولا توسعا من ناحية وتضييقا من الناحية الأخرى، ولا جمعا من ~~هنا ومنعا من هناك؛ بل كانت حياته بعد الرسالة منصرفة إلى إقرار التوازن في ~~الإنسانية، وتعليم الجميع على تفاوتهم واختلاف مراتبهم كيف يكون لهم عقل ~~واحد من الكون؛ وبهذا العقل الكوني السليم ترى المؤمن إذا عرض له الشيء من ~~الدنيا يفتنه أو يصرفه عن واجبه الإنساني أبت نفسه العظيمة إلا أن ترتفع ~~بطبيعتها، فإذا هو في قانون السمو، وإذا المادة في قانون الثقل؛ فيرتفع ~~وتتهاوى ويصبح الذهب -وإنه ذهب- وليس فيه عند المؤمن إلا روح التراب. # PageV02P043 ### | سمو الفقر في المصلح الاجتماعي الأعظم "2" # قالت عائشة "رضي الله عنه": لم يمتلئ جوف النبي صلى الله عليه وسلم شبعا ~~قط، وإنه كان في أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهاه؛ إن أطعموه أكل، وما ~~أطعموه قبل، وما سقوه شرب. # وقالت: ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين متى قبض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # وعنها: كنا آل محمد نمكث شهرا ما نستوقد بنار، إن هو إلا التمر والماء. # وقالت: ما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم قط غداء لعشاء، ولا عشاء ~~لغداء ولا اتخذ من شيء زوجين؛ لا قميصين، ولا ردائين، ولا إزارين, ولا ~~زوجين من النعال. # ويروى عنها، قالت: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عندي شيء ~~يأكله ذو كبد، إلا شطر شعير في رف لي. # وقالت: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي في ~~ثلاثين صاعا من شعير. # وعن ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة ~~وأهله طاويا لا يجدون عشاء، وإنما كان خبزهم الشعير. # وعن الحسن، قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "والله ما أمسى ~~في آل محمد صاع من طعام، وإنها لتسعة أبيات! " والله ما قالها استقلالا، ~~ولكن أراد أن تتأسى به أمته. # وعن ابن مجير قال: أصاب النبي صلى الله عليه ms323 وسلم جوع يوما، فعمد إلى حجر ~~فوضعه على بطنه, ثم قال: "ألا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا، جائعة عارية ~~يوم القيامة؛ ألا رب مكرم نفسه وهو مهين لها؛ ألا رب مهين نفسه، وهو مكرم ~~لها". # PageV02P044 # وخير صلى الله عليه وسلم أن يكون له مثل "أحد" ذهبا فقال: "لا يا رب؛ ~~أجوع يوما فأدعوك، وأشبع يوما فأحمدك". # وكان يقول في دعائه ويكثر منه: "اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، ~~واحشرني في زمرة المساكين". # هذا هو سيد الأمة، يمسكه في الحياة نبيا عظيما ما يخرج غيره منها ذليلا ~~محتقرا، وكأنما أشرق صفاء نفسه على تراب الأرض فرده أشعة نور، على حين يلقى ~~الناس على هذا التراب من ظلام أنفسهم فلا يبقى ترابا بل يرجع ظلاما، فكأنهم ~~إذ يمشون عليه يطئون المجهول بخوفه وروعته؛ ثم لا يستقر ظلاما بل يرجع ~~آلاما، فكأنهم ينبتون على المرض لا على الحياة؛ ثم لا يثبت آلاما بل يتحول ~~فورة وتوثبا تكون منه نزوات الحمق والجنون في النفس. # هؤلاء الذين تعيش أنفسهم في التراب، ويتمرغون بأخلاقهم فيه، ينقلبون على ~~الحياة من صنع التراب ناسا دودا كطبع الدود لا يقع في شيء إلا أفسده أو ~~قذره؛ أو قوما سوسا كطبع السوس لا ينال شيئا إلا نخره أو عابه، فهم يوقعون ~~الخلل في نظام أنفسهم، فإذا هي طائشة تخيل لهم كأنما اختلت نواميس الدنيا، ~~وكأن الله قبضهم وبسط غيرهم، وشغلهم وفرغ من عداهم، وابتلاهم على مسكة ~~الرزق1 بالشهوة المسعورة التي لا تتحقق، فضربهم بالمجاهدة التي لا تنقطع؛ ~~وأنعم على غيرهم في بسطة الرزق بالشجرة المسحورة التي لا تقطع منها ثمرة ~~إلا نبت غيرها في مكانها. # إن ما وصفناه من فقر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يكن له عتيد ~~حاضر، وأنه لم يجعل نفسه في هم المال، ولا جعلته نفسه في هم الفقر، وأنه ~~لقي الحياة حاملا لا محمولا، واستقر فيها هادئا لا مضطربا, كل ذلك إنما ~~يثبت للدنيا أنه خلق وبعث وعاش ليكون درسا عمليا في حل المشكلات ms324 ~~الاجتماعية، يعلم الناس أنها لا تتعقد بطبيعتها، ولكن بطبائعهم فيها، ولا ~~تستمر بقوتها، ولكن بإمداد قواهم لها؛ ولا تغلب بصولتها، ولكن بجزعهم منها؛ ~~ولا تعضل من ذات نفسها، ولكن من سوء أثرهم عليها وسوء نظرهم لأنفسهم ولها. ~~PageV02P045 # فإذا قرأت الأحاديث التي أسلفناها فلا تقرأها زهدا وتقللا، ولا فقرا ~~وجوعا، ولا اختلالا وحاجة، كما تترجمها نفسك أو تحسها ضرورتك؛ بل انظر فيها ~~واعتبرها بنفسه هو صلى الله عليه وسلم، ثم اقرأها شريعة اجتماعية مفصلة على ~~طبيعة النفس، قائمة على أن تأخذ نفس الإنسان من قوى الدنيا عناصرها ~~الحيوية، لتعطي الحياة من ذلك قوة عناصرها. # والحياة العاملة غير الحياة الوادعة، هما ذكر وأنثى؛ فأما الأولى فهي ما ~~وصفنا وحكينا، وأما الثانية فهي تغلل النعمة، وإطلاق قانون التناسل في ~~المال ينمي بعضه بعضا، وينبت بعضه على بعض، ثم إقامة الحياة على الزينة ~~ومقوماتها، وقيام الزينة على الخداع وطباعه، فيقبل المرء من دنياه على ما ~~هو جدير أن يصرفه عنها، ويحب منها ما كان ينبغي أن يباغضه فيها، وكل ما ~~رأيت وعلمت في رجل، قوته القوة فهو هناك؛ وكل ما علمت ورأيت في أنثى، قوتها ~~الضعف فهو هنا. # فالسواد الذي تراه في فقره صلى الله عليه وسلم هوالسواد الحي؛ سواد الليل ~~حول الروح النجمية الساطعة؛ وذلك التراب هو التراب الحي؛ تراب الزرع تحت ~~النضرة والخضرة؛ وتلك الحاجة الجسمية هي الحاجة الحية الدافعة إلى حرية ~~النفس؛ وذلك الإقلال من فهم اللذاة هو الإقلال الحي الذي يزيد قوة فهم ~~الجمال في السماء والأرض وما بينهما، وذلك الضيق في حيز المتاع للحاسة هو ~~الضيق الحي الذي يوسع حيز المتاع للروح. وبالجملة فذلك النقص من المادة لم ~~يكن إلا لنفي النقص عن الفضيلة، وذلك الاحتقار للعرض الفاني الزائل هو ~~المعنى الآخر لتقديس الخالد الباقي. # فليس هناك خبز الشعير، ولا الجوع، ولا رهن الدرع عند اليهودي، كلا، كلا، ~~بل هناك حقيقة نفسية عقلية، ثابتة متزنة، قائمة بعناصرها السامية: من ~~اليقين والعقل والحكمة، إلى الرفق والحلم والتواضع. تخبر هذه الدنيا ms325 ~~العلمية الفلسفية المفكرة أن ذلك النبي العظيم هو الرجل الاجتماعي التام ~~بأخلاقه وفضائله، وهو الذي بعث لتنقيح غريزة تنازع البقاء، وكسر هذه ~~الحيوانية، وقمع نزواتها، وإماتة دواعيها، والسمو بخواطرها؛ فهو بنفسه صورة ~~الكمال الذي بعث لتحقيقه وإثبات أنه الممكن لا الممتنع، والحقيقي لا ~~الخيالي. # ليس هناك درع مرهونة في ثلاثين صاعا، ولا الفقر ولا خبز الشعير، كلا، ~~كلا، بل هناك تقرير أن النصر في معركة الحياة لا يأتي من المال والثراء ~~والمتاع، # PageV02P046 # ولكن من المعاناة والشدة والصبر؛ وأن التقدم الإنساني لا يباع بيعا، ولا ~~يؤخذ هونا؛ بل هو انتزاع من الحوادث بالأخلاق التي تتغلب على الأزمات ولا ~~تتغلب الأزمات عليها، وأن هذا المال وهذه الشهوات -في حقائق الحياة ~~ومصائرها- ككنوز الأحلام, لا تكون كنوزا إلا في مواضعها من أرض الغفلة ~~والنوم، فلا لذة منها إلا بمقدار خفيف من هذه الغفلة. وليس إلا الأحمق أو ~~المخذول أو الضائع هو الذي يقطع العمر نائما أبدا ليظل مالكا أبدا لهذه ~~الكنوز، وهو يعلم أنه لا بد مستيقظ، وأنه متى انتبه في آخرته لم يجد منها ~~شيئا "ووجد الله عنده فوفاه حسابه". # كلا، كلا، ليس هناك فقر ولا جوع وما إليهما، بل هناك وضع هذه الحقيقة؛ ~~ينبغي أن تجد نفسك، وموضع نفسك، وإيمان نفسك، وعزة نفسك. فإذا أدركت ذلك ~~ورفعت نفسك إلى موضعها الحق، وأقررتها فيه، وحبستها عليه، وحددتها ~~بالإنسانية من ناحية وبالله من الناحية المقابلة, رأيت إذن أن قيمتك ~~الصحيحة في أن تكون وسيلة تعطي وتعمل لتعطي، لا غاية تأخذ وتعمل لتأخذ، ~~ومهما ضيق عليك فإنما أنت كالشجرة الطيبة تأخذ ترابا وتصنع حلاوة. # وما قط نبتت شجرة في مكانها لتأكل وتشرب وتختزن السماد والتراب وتحصنهما ~~وتمنعهما عن غيرها، ولو قد فعلت ذلك شجرة لكان هلاكها فيما تفعل، إذ تحاول ~~أن تضاعف فائدتها من قانون العالم، فيكون طمعها سريعا في إفساد الصلة ~~بينهما، فلا يجد القانون فيها نظامه، ومن ثم لا تجد في القانون نظامها، ~~فيهلكها الذي كان يحييها، وتستعبد لحظ نفسها، فيفقدها ذلك حرية ms326 الحياة التي ~~كانت لها في نفسها. # يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن بكل خير على كل حال، إن نفسه ~~تنزع من بين جنبيه وهو يحمد الله عز وجل". فهذا هو أسمى قانون اجتماعي يمكن ~~أن تظفر به الإنسانية، وما يأتي لها ذلك إلا إذا أصبحت تلك المعاني التي ~~أومأنا إليها شعورا اجتماعيا عاما مقررا في النفس، قائما فيها على إيمان ~~راسخ بأن الفرد هو صورة المجتمع لا صورة نفسه وحدها، وأن الناس كحب القمح ~~في السنبلة، ليس لجميعه إلا قانون واحد، فموضع كل حبة من السنبلة هو ~~ثروتها، علت أو سفلت، وكثر ما تأخذه أو قل؛ وإذا كان أساس الحياة في الحبة ~~منها أن تجد قوامها وكفايتها من مادة الأرض، فتمام الحياة فيها أن يغمرها ~~النور من حولها، وأن يستمر النور من حولها يغمرها. # PageV02P047 # فالحبة من السنبلة بكل خير على كل حال، إنها لتنزع وما بها أنها نزعت، ~~ولكنها أدت ما تؤدي، وانقطعت من قانون لتتصل بقانون غيره، وما اغتنت ولا ~~افتقرت، ولا أكثرت ولا أخفت بل حققت موضعها، فإنها ما نبتت لتبقى، وما نمت ~~إلا لينقطع نماؤها، وكذلك المؤمن الصحيح الإيمان الصادق النظر في الحياة, ~~هو أبدا في قانون آخرته، فهو أبدا في عمل ضميره. # والناس في هذه الحياة كحشد عظيم يتدفق من مضيق بين جبلين ينفذ إلى ~~الفضاء؛ فإذا هم أدركوا جميعا أنهم مفضون إلى هذه النهاية مروا آمنين وكان ~~في يقينهم السلامة، وفي صبرهم الوقاية، وفي نظامهم التوفيق، وفي تعاونهم ~~الحياة؛ فهم بكل خير على كل حال، ما دام هذا قانون جميعهم؛ فأيما رجل شذ ~~منهم فاضطرب فطاش، هلك وأهلك من حوله، ومن عكس منهم موضعه ونكص على عقبيه، ~~أهلك من حوله وهلك، والموت أشقى الموت هنا في هذا المضيق بين الجبلين, ~~اعتبار الحاضر حاضرا فقط، والضجر منه، وجعل كل إنسان نفسه غاية، والحياة ~~أهنأ الحياة, اعتبار الحاضر بما رواءه، والصبر على شدته، وجعل الإنسان نفسه ~~وسيلة. # فذلك معنى خبز الشعير، والقلة والضيق, ورهن الدرع ms327 عند يهودي من سيد الخلق ~~وأكملهم، ومن لو شاء لمشى على أرض من الذهب، فهو صلى الله عليه وسلم يعلم ~~الإنسانية أن الرجل العظيم النفس لا يكون في الحياة إلا ضيفا نازلا على ~~نفسه. # ومن معاني ذلك الفقر العظيم أن خبز الشعير هو رمز من رموز الحياة على ~~التحلل من خلق الأثرة، والبراءة من هوى الترف؛ ورهن الدرع رمز آخر على ~~التخلص من الكبرياء والطمع؛ والعسرة رمز ثالث على مجاهدة الملل الحي الذي ~~يفسد الحياة كما يفسد بعض النبات النبات. ومجموع هذه الرموز رمز بحاله على ~~وجوب الإيقاظ النفسي للأمة العزيزة التي تقود أنفسها بمقاساة الشدائد ~~ومجاهدة الطباع، لتكون في كل فرد مادة الجيش, وليصلح هذا الجيش قائدا ~~للإنسانية. # على أنه صلى الله عليه وسلم حث على طلب اليسار، والتغلل من الأعمال ~~الشريفة بالغلة والمال، فقال: "إنك إن تدع عيالك أغنياء خير من أن تدعهم ~~عالة يتكففون الناس". ورأى عابدا قد انقطع للعبادة حتى أكلت نفسه جسمه، ~~ووصفوا له من زهده وعبادته، فقال: صلى الله عليه وسلم: "من يعوله؟ " قالوا: ~~كلنا نعوله. فقال: "كلكم خير # PageV02P048 # منه". إلى أحاديث كثيرة مروية، هي تمام القانون الأدبي الاجتماعي في ~~الدنيا، تثبت أن الحي إن هو إلا عمل الحي. # ولكن حين يكون سيد الأمة وصاحب شريعتها رجلا فقيرا، عاملا مجاهدا، يكدح ~~لعيشه، ويجوع يوما ويشبع يوما، فلم يقلب يده في تلاد من المال يرثه، ولم ~~يجمعهما على طريف منه يورثه, فذلك هو ما بيناه وشرحناه، وذلك كالأمر نافذا ~~لا رخصة فيه، على ألا يتخذ الغني من الفقير عبدا اجتماعيا لفقر هذا ولمال ~~ذاك؛ بل هي المساواة النفسية لا غيرها وإن اختلفت طبقات الاجتماع، والأكرم ~~هو الأتقى لله بمعنى التقوى، والأقوم بالواجب على معنى الواجب، والأكفأ ~~للإنسانية في معاني الإنسانية. # فقر ذلك السيد الأعظم ليس فقرا، بل هو كما رأيت, ضبط السلطة الكائنة في ~~طبيعة التملك، لقيام التعاون الإنساني على أساسه العملي؛ هو المحاجزة ~~العادلة بين المصالح الاقتصادية الطاغية, يمنع أن تأكل مصلحة مصلحة فتهلك ms328 ~~بها، ويوجب أن تلد المصلحة مصلحة لتحيا بها. # والنبي الفقير العظيم هو في التاريخ من وراء كل هذه المعاني، كالقاضي ~~الجالس وراء مواد القانون. صلى الله عليه وسلم. # PageV02P049 ### | درس من النبوة # قالوا: إنه لما نصر الله -تعالى- رسوله ورد عنه الأحزاب وفتح عليه قريظة ~~والنضير1، ظن أزواجه صلى الله عليه وسلم أنه اختص بنفائس اليهود وذخائرهم؛ ~~وكن تسع نسوة: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة، وصفية، وميمونة، ~~وزينب، وجويرية؛ فقعدن حوله وقلن: يا رسول الله، بنات كسرى وقيصر في الحلي ~~والحلل، والإماء والخول، ونحن ما تراه من الفاقة والضيق ... وآلمن قلبه ~~بمطالبتهن له بتوسعة الحال، وأن يعاملهن بما تعامل به الملوك وأبناء الدنيا ~~أزواجهم؛ فأمره الله -تعالى- أن يتلو عليهن ما نزل في أمرهن من تخييرهن في ~~فراقه، وذلك قوله -تعالى-: {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة ~~الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا 2، وإن كنتن تردن الله ~~ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما} [الأحزاب: ~~28، 29] . # قالوا: وبدأ صلى الله عليه وسلم بعائشة -وهي أحبهن إليه- فقال لها: "إني ~~ذاكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك". قالت: ما هو؟ فتلا ~~عليها الآية, قالت: أفيك استأمر أبوي؟ بل أختار الله -تعالى- ورسوله. # ثم تتابعن كلهن على ذلك، فسماهن الله "أمهات المؤمنين"، تعظيما لحقهن، ~~وتأكيدا لحرمتهن، وتفضيلا لهن على سائر النساء. # هذه هي القصة كما تقرأ في التاريخ وكما ظهرت في الزمان والمكان، فلنقرأها ~~نحن كما هي في معاني الحكمة, وكما ظهرت في الإنسانية العالية؛ فسنجد لها ~~غورا بعيدا، ونعرف فيها دلالة سامية، ونتبين تحقيقا فلسفيا دقيقا للأوهام ~~والحقائق. PageV02P050 # وهي قبل كل هذا ومع كل هذا تنطوي على حكمة رائعة لم يتنبه لها أحد، ومن ~~أجلها ذكرت في القرآن الكريم، لتكون نصا تاريخيا قاطعا يدافع به التاريخ عن ~~هذا النبي العظيم في أمر من أمر العقل والغريزة، فإن جهلة المبشرين في ~~زمننا هذا، وكثيرا من أهل الزيغ والإلحاد، وطائفة من قصار النظر في التحقيق ~~يزعمون ms329 أن محمدا صلى الله عليه وسلم إنما استكثر من النساء لأهواء نفسية ~~محضة وشهوات كالشهوات؛ ويتطرقون من هذا الزعم إلى الشبهة، ومن الشبهة إلى ~~سوء الظن، ومن سوء الظن إلى قبح الرأي؛ وكلهم غبي جاهل؛ فلو كان الأمر على ~~ذلك أو على قريب منه أو نحو من قريبه، لما كانت هذه القصة التي أساسها نفي ~~الزينة وتجريد نسائه جميعا منها، وتصحيح النية بينه وبينهن على حياة لا ~~تحيا فيها معاني المرأة، وتحت جو لا يكون أبدا جو الزهر ... وأمره من قبل ~~ربه أن يخيرهن جميعا بين سراحهن فيكن كالنساء ويجدن ما شئن من دنيا المرأة, ~~وبين إمساكهن فلا يكن معه إلا في طبيعة أخرى تبدأ من حيث تنتهي الدنيا ~~وزينتها. # فالقصة نفسها رد على زعم الشهوات، إذ ليست هذه لغة الشهوة، ولا سياسة ~~معانيها، ولا أسلوب غضبها أو رضاها، وما ههنا تمليق، ولا إطراء، ولا نعومة، ~~ولا حرص على لذة، ولا تعبير بلغة الحاسة؛ والقصة بعد مكشوفة صريحة ليس فيها ~~معنى ولا شبه معنى من حرارة القلب, ولا أثر ولا بقية أثر من ميل النفس, ولا ~~حرف أو صوت حرف من لغة الدم. وهي على منطق آخر غير المنطق الذي تستمال به ~~المرأة، فلم تقتصر على نفي الدنيا وزينة الدنيا عنهن، بل نفت الأمل في ذلك ~~أيضا إلى آخر الدهر، وأماتت معناه في نفوسهن، بقصر الإرادة منهن على هذه ~~الثلاثة: الله في أمره ونهيه، والرسول في شدائده ومكابدته، والدار الآخرة ~~في تكاليفها ومكارهها, فليس هنا ظرف، ولا رقة، ولا عاطفة، ولا سياسة لطبيعة ~~المرأة، ولا اعتبار لمزاجها، ولا زلفى لأنوثتها، ثم هو تخيير صريح بين ضدين ~~لا تتلون بينهما حالة تكون منهما معا، ثم هو عام لجميع زوجاته لا يستثنى ~~منهن واحدة ولا أكثر. # والحريص على المرأة والاستمتاع بها لا يأتي بشيء من هذا، بل يخاطب في ~~المرأة خيالها أول ما يخاطب، ويشبعه مبالغة وتأكيدا، ويوسعه رجاء وأملا، ~~ويقرب له الزمن البعيد، حتى لو كان في أول الليل وكان الخلاف ms330 على الوقت، ~~لحقق له أن الظهر بعد ساعة. # PageV02P051 # وبرهان آخر؛ وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج نساءه لمتاع مما ~~يمتع الخيال به، فلو كان وضع الأمر على ذلك لما استقام ذلك إلا بالزينة ~~وبالفن الناعم في الثوب والحلية والتشكل كما نرى في الطبيعة الفنية، فإن ~~الممثلة لا تمثل الرواية إلا في المسرح المهيأ بمناظره وجوه ... وقد كانت ~~نساؤه صلى الله عليه وسلم أعرف به؛ وها هو ذا ينفي الزينة عنهن ويخيرهن ~~الطلاق إذا أصررن عليها. فهل ترى في هذا صورة فكر من أفكار الشهوة؟ وهل ترى ~~إلا الكمال المحض؟ وهل كانت متابعة الزوجات التسع إلا تسعة برهانات على هذا ~~الكمال؟ # وكأن النبي صلى الله عليه وسلم يلقي بهذه القصة درسا مستفيضا في فلسفة ~~الخيال وسوء أثره، على المرأة في أنوثتها، وعلى الرجل في رجولته؛ وأن ذلك ~~تعقيد في الشهوات يقابله تعقيد في الطبع، وكذب في الحقيقة ينشأ عنه كذب في ~~الخلق، وأنه صرف للمرأة إلى حياة الأحلام والأماني والطيش والبطر والفراغ، ~~وتعويدها عادات تفسد عاطفتها، وتضيف إليها التصنع فتضعف قوتها النفسية ~~القائمة على إبداع الجمال من حقيقتها لا من مظهرها، وتحقيق الفائدة من ~~عملها لا من شكلها. # وكل محاسن المرأة هي خيال متخيل ولا حقيقة لشيء منها في الطبيعة، وإنما ~~حقيقتها في العين الناظرة إليها فلا تكون امرأة فاتنة إلا للمفتون بها ليس ~~غير. ولو ردت الطبيعة على من يشبب بامرأة جميلة فيقول لها: هذه محاسنك وهذه ~~فتنتك وهذا سحرك وهذا وهذا؛ لقالت له الطبيعة: بل هذه كلها شهواتك أنت1. # وبهذا يختلف الجمال عند فقد النظر؛ فلا يفتن الأعمى جمال الصورة ولا سحر ~~الشكل ولا فراهة المنظر، وإنما يفتنه صوت المرأة ومجستها ورائحتها. # فلا حقيقة في المرأة إلا المرأة نفسها؛ ولو أخذت كل أنثى على حقيقتها هذه ~~لما فسد رجل ولا شقيت امرأة، ولا انتظمت حياة كل زوجين بأسبابها التي فيها. ~~وذلك هو المثل المضروب في القصة. # يريد النبي صلى الله عليه وسلم ليعلم أمته أن حيف ms331 الغريزة على العقل ~~إفساد لهذا العقل، وأنه متى أخذت المرأة لحظ الغريزة واختيارها، كانت ~~حياتها استجابة لجنون الرجل، وملأتها معاني التزيد والتصنع؛ فيوشك أن ~~ينقلها هذا عن طبيعتها السامية التي PageV02P052 # أكثرها في الحرمان والإيثار والصبر والاحتمال، ويردها إلى أضداد هذه ~~الصفات، فيقوم أمرها بعد على الأثرة والمصلحة والتفادي والضجر والتبرم ~~والإلحاح والإزعاج، ويضعف معنى السلب الراسخ في نفسها من أصل الفطرة؛ ~~فيتبدل حياؤها، وفي الحياء ردها عن أشياء؛ ويقل إخلاصها، وفي الإخلاص رد ~~لها عن أشياء أخرى؛ ويكثر طمعها، وفي قناعتها محاجزة بينها وبين الشر. # وبهذا ونحوه يفسد ما بين الرجل والمرأة المتصنعة؛ فإذا كثر المتصنعات لا ~~يكون من النساء مشاكل فقطن بل تكون من حلول المشاكل معهن مشاكل أخرى. # ولباب هذه القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم يجعل نفسه في الزواج المثل ~~الشعبي الأكمل كما هو دأبه في كل صفاته الشريفة، فهو يريد أن تكون زوجاته ~~جميعا كنساء فقراء المسلمين، ليكون منهن المثل الأعلى للمرأة المؤمنة ~~العاملة الشريفة التي تبرع البراعة كلها في الصبر والمجاهدة والإخلاص ~~والعفة والصراحة والقناعة، فلا تكون المرأة زينة تطلب زينة لتتم بها في ~~الخيال، ولكن إنسانية تطلب كمالها الإنساني لتتم به في الواقع. # وهذه الزينة التي تتصنع بها المرأة تكاد تكون صورة المكر والخداع، ~~والتعقد، وكلما أسرفت في هذه أسرفت في تلك، بل الزنية لوجه المرأة وجسمها ~~سلاح من أسلحة المعاني: كالأظافر والمخالب والأنياب، غير أن هذه لوحشية ~~الطبيعة الحية المفترسة، وتلك الوحشية الغريزة الحية التي تريد أن تفترس. ~~ولا تنكر المرأة نفسها أن الزينة على جسمها ثرثرة طويلة تقول وتقول وتقول. # وإنما يكون أساس الكمال الإنساني، في الإنسان العامل المجاهد: لا يحصر ~~نفسه في شيء يسمى متاعا أو زينة، ولا يقدر نفسه بما يجمع لها أو بما يجمع ~~حولها، ولا يعتد ما يكون من ذلك إلا كالتعبير من عمل الشهوات عن الشهوات. ~~ونبينا صلى الله عليه وسلم هو الغاية في هذا. دخل عليه مرة عمر بن الخطاب، ~~فإذا هو على حصير وعليه ms332 إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه. ~~قال عمر: وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، وإذا إهاب معلق1، فابتدرت ~~عيناي، فقال: "ما PageV02P053 # يبكيك يابن الخطاب؟ ", قال عمر: يا نبي الله، وما لي لا أبكي وهذا الحصير ~~قد أثر في جنبك، وهذه خزائنك لا أرى فيها ما أرى، وذاك كسرى وقيصر في ~~الثمار والأنهار وأنت نبي الله وصفوته وهذه خزائنك1؟ # وجاء مرة من سفر فدخل على ابنته فاطمة "رضي الله عنها" فرأى على بابها ~~سترا وفي يديها قلبين من فضة2، فرجع؛ فدخل عليها أبو رافع وهي تبكي، ~~فأخبرته برجوع أبيها، فسأله في ذلك فقال صلى الله عليه وسلم: "من أجل الستر ~~والسوارين". # فلما أخبرها أبو رافع هتكت الستر3 ونزعت السوارين فأرسلت بهما بلالا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: قد تصدقت به، فضعه حيث ترى. فقال لبلال: ~~"اذهب فبعه وادفعه إلى أهل الصفة" 4. فباع القلبين بدرهمين ونصف "نحو ثلاثة ~~عشر قرشا". وتصدق به عليهم. # يا بنت النبي العظيم! وأنت أيضا لا يرضى لك أبوك حلية بدرهمين ونصف وإن ~~في المسلمين فقراء لا يملكون مثلها. # أي رجل شعبي على الأرض كمحمد صلى الله عليه وسلم، فيه للأمة كلها غريزة ~~الأب، وفيه على كل أحواله اليقين الذي لا يتحول, وفيه الطبيعة التامة التي ~~يكون بها الحقيقي هو الحقيقي. # يا بنت النبي العظيم! إن زينة بدرهمين ونصف، لا تكون زينة في رأي الحق ~~إذا أمكن أن تكون صدقة بدرهمين ونصف؛ إن فيها حينئذ معنى غيره معناها؛ فيها ~~حق النفس غالبا على حق الجماعة، وفيها الإيمان بالمنفعة حاكما على الإيمان ~~بالخير؛ وفيها ما ليس بضروري قد جار على ما هو الضروري؛ وفيها خطأ من ~~الكمال إن صح في حساب الحلال والحرام لم يصح في حساب الثواب والرحمة. # تعالوا أيها الاشتراكيون فاعرفوا نبيكم الأعظم؛ إن مذهبكم ما لم تحيه ~~فضائل الإسلام وشرائعه, إن مذهبكم لكالشجرة الذابلة تعلقون عليها الأثمار ~~تشدونها بالخيط ... كل يوم تحلون، وكل يوم تربطون، ولا ثمرة في الطبيعة. ms333 ~~PageV02P054 # ليست قصة التخيير هذه مسألة من مسائل الغنى والفقر في معاني المادة, ~~ولكنها مسألة من مسائل الكمال والنقص في معاني الروح؛ فهي صريحة في أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أستاذ الإنسانية كلها؛ واجبه أن يكون فضيلة حية ~~في كل حياة، وأن يكون عزاء في كل فقر، وأن يكون تهذيبا في كل غنى، ومن ثم ~~فهو في شخصه وسيرته القانون الأدبي للجميع. # وكأنه صلى الله عليه وسلم يريد ليعلم الأمة بهذه القصة أن الجماعات لا ~~تصلح بالقوانين والشرائع والأمر والنهي، ولكن بعمل عظمائها، في الأمر ~~والنهي؛ وأن الحاكم على الناس لا ينبغي أن يحكم إلا إذا كان في نفسه ~~وطبيعته يحس فتنة الدنيا إحساس المتسلط لا الخاضع، ليكون أول استقلاله ~~استقلال داخله. # فليس ذلك فقرا ولا زهدا كما ترى في ظاهر القصة، ولكنها جرأة النفس العظمى ~~في تقرير حقائقها العملية. # وتنتهي القصة في عبارة القرآن الكريم بتسمية زوجاته صلى الله عليه وسلم: ~~"أمهات المؤمنين" بعد أن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة؛ وعلماء التفسير ~~يقولون: إن الله تعالى كافأهن بهذه التسمية؛ وليس ذلك بشيء ولا فيه كبير ~~معنى، وإنما تشعر هذه التسمية بمعنى دقيق هو آية من آيات الإعجاز؛ فإن ~~الزوجة الكاملة لا تكمل في الحياة ولا تكمل الحياة بها إلا إذا كان وصفها ~~مع رجلها كوصف الأم, ترى ابنها بالقلب ومعانيه، لا بالغريزة وحظوظها؛ فكل ~~حياة حينئذ ممكنة السعادة لهذه الزوجة، وكل شقاء محتمل بصبر، وكل جهد فيه ~~لذته الطبيعية، إذ يقوم البيت على الحب الذي هو الحب الخالص لا المنفعة، ~~وتكون زينة الحياة وجود الحي نفسه لا وجود المادة، وتبنى النفس على الوفاء ~~الطبيعي كوفاء الأم، وذلك خلق لا يعسر عليه في سبيل حقيقته أن يتغلب على ~~الدنيا وزينتها. # وآخر ما نستخرج من القصة في درس النبوة هذه الحكمة: # بحسب المؤمن إذا دخل داره أن يجد حقيقة نفسه الطيبة، وإن لم يجد حقيقة ~~كسرى ولا قيصر. # PageV02P055 ### | شهر للثورة * فلسفة الصيام: # لم أقرأ لأحد قولا شافيا في فلسفة الصوم وحكمته، ms334 أما منفعته للجسم، وأنه ~~نوع من الطب له، وباب من السياسة في تدبيره؛ فقد فرغ الأطباء من تحقيق ~~القول في ذلك؛ وكأن أيام هذا الشهر المبارك إن هي إلا ثلاثون حبة تؤخذ في ~~كل سنة مرة لتقوية المعدة وتصفية الدم وحياطة أنسجة الجسم؛ ولكنا الآن لسنا ~~بصدد من هذا، وإنما نستوحي تلك الحقيقة الإسلامية الكبرى التي شرعت هذا ~~الشرع لسياسة الحقائق الأرضية الصغيرة، عاملة على استمرار لفكرة الإنسانية ~~فيها، كي لا تتبدل النفس على تغير الحوادث وتبدلها، ولكيلا تجهل الدنيا ~~معاني الترقيع إذا أتت على هذه الدنيا معاني التمزيق. # من معجزات القرآن الكريم أنه يدخر في الألفاظ المعروفة في كل زمن، حقائق ~~غير معروفة لكل زمن، فيجليها لوقتها حين يضج الزمان العلمي في متاهته ~~وحيرته، فيشغب على التاريخ وأهله مستخفا بالأديان، ويذهب يتتبع الحقائق، ~~ويستقصي في فنون المعرفة، ليستخلص من بين كفر وإيمان دينا طبيعيا سائغا، ~~يتناول الحياة أول ما يتناول فيضبطها بأسرار العلم، ويوجهها بالعلم إلى ~~غايتها الصحيحة، ويضاعف قواها بأساليبه الطبيعية، ليحقق في إنسانية العالم ~~هذه الشيئية المجهولة التي تتوهمها المذاهب الاجتماعية ولم يهتد إليها مذهب ~~منها ولا قاربها؛ فما برحت سعادة الاجتماع كالتجربة العلمية بين يدي ~~علمائها؛ لم يحققوها ولم ييأسوا منها، وبقيت تلك المذاهب كعقارب الساعة في ~~دورتها؛ تبدأ من حيث تبدأ ثم لا تنتهي إلا إلى حيث تبدأ. # ويضطرب الاشتراكيون في أوربا وقد عجزوا عجز من يحاول تغيير الإنسان ~~بزيادة ونقص في أعصابه؛ ولا يزال مذهبهم في الدنيا مذهب كتب ورسائل؛ ولو ~~PageV02P056 # أنهم تدبروا حكمة الصوم في الإسلام، لرأوا هذا الشهر نظاما عمليا من أقوى ~~وأبدع الأنظمة الاشتراكية الصحيحة؛ فهذا الصوم فقر إجباري تفرضه الشريعة ~~على الناس فرضا ليتساوى الجميع في بواطنهم، سواء منهم من ملك المليون من ~~الدنانير, ومن ملك القرش الواحد، ومن لم يملك شيئا؛ كما يتساوى الناس جميعا ~~في ذهاب كبريائهم الإنسانية بالصلاة التي يفرضها الإسلام على كل مسلم؛ وفي ~~ذهاب تفاوتهم الاجتماعي بالحج الذي يفرضه على من استطاع. # فقر إجباري يراد ms335 به إشعار النفس الإنسانية بطريقة عملية واضحة كل الوضوح، ~~أن الحياة الصحيحة وراء الحياة لا فيها، وأنها إنما تكون على أتمها حين ~~يتساوى الناس في الشعور لا حين يختلفون, وحين يتعاطفون بإحساس الألم الواحد ~~لا حين يتنازعون بإحساس الأهواء المتعددة. # ولو حققت لرأيت الناس لا يختلفون في الإنسانية بعقولهم، ولا بأنسابهم، ~~ولا بمراتبهم، ولا بما ملكوا؛ وإنما يختلفون ببطونهم وأحكام هذه البطون على ~~العقل والعاطفة، فمن البطن نكبة الإنسانية، وهو العقل العملي على الأرض؛ ~~وإذا اختلف البطن والدماغ في ضرورة، مد البطن مده من قوى الهضم فلم يبق ولم ~~يذر. # ومن ههنا يتناوله الصوم بالتهذيب والتأديب والتدريب، ويجعل الناس فيه ~~سواء؛ ليس لجميعهم إلا شعور واحد وحس واحد وطبيعة واحدة؛ ويحكم الأمر فيحول ~~بين هذا البطن وبين المادة، ويبالغ في إحكامه فيمسك حواشيه العصبية في ~~الجسم كله يمنعها تغذيتها ولذتها حتى نفثة من دخينة1. # وبهذا يضع الإنسانية كلها في حالة نفسية واحدة تتلبس بها النفس في مشارق ~~الأرض ومغاربها، ويطلق في هذه الإنسانية كلها صوت الروح يعلم الرحمة ويدعو ~~إليها، فيشبع فيها بهذا الجوع فكرة معينة هي كل ما في مذهب الاشتراكية من ~~الحق, وهي تلك الفكرة التي يكون عنها مساواة الغني للفقير من طبيعته، ~~واطمئنان الفقير إلى الغني بطبيعته؛ ومن هذين: "الاطمئنان والمساواة"، يكون ~~هدوء الحياة بهدوء النفسين اللتين هما السلب والإيجاب في هذا الاجتماع ~~الإنساني؛ وإذا أنت نزعت هذه الفكرة من الاشتراكية بقي هذا المذهب كله عبثا ~~من العبث في محاولة جعل التاريخ الإنساني تاريخا لا طبيعة له. PageV02P057 # من قواعد النفس أن الرحمة تنشأ من الألم، وهذا بعض السر الاجتماعي العظيم ~~في الصوم، إذ يبالغ أشد المبالغة، ويدقق كل التدقيق، في منع الغذاء شبه ~~الغذاء عن البطن وحواشيه مدة آخرها آخر الطاقة؛ فهذه طريقة عملية لتربية ~~الرحمة في النفس، ولا طريقة غيرها إلا النكبات والكوارث؛ فهما طريقتان كما ~~ترى: مبصرة وعمياء وخاصة وعامة، وعلى نظام وعلى فجأة. # ومتى تحققت رحمة الجائع الغني للجائع الفقير، أصبح للكلمة الإنسانية ~~الداخلية ms336 سلطانها النافذ، وحكم الوازع النفسي على المادة؛ فيسمع الغني في ~~ضميره صوت الفقير يقول: "أعطني" ثملا يسمع منه طلبا من الرجاء، بل طلبا من ~~الأمر لا مفر من تلبيته والاستجابة لمعانيه، كما يواسي المبتلى من كان في ~~مثل بلائه. # أية معجزة إصلاحية أعجب من هذه المعجزة الإسلامية التي تقضي أن يحذف من ~~الإنسانية كلها تاريخ البطن ثلاثين يوما في كل سنة, ليحل في محله تاريخ ~~النفس1؟ وأنا مستيقن أن هناك نسبة رياضية هي الحكمة في جعل هذا الصوم شهرا ~~كاملا من كل اثني عشر شهرا، وأن هذه النسبة متحققة في أعمال النفس للجسم, ~~وأعمال الجسم للنفس؛ كأنه الشهر الصحي الذي يفرضه الطب في كل سنة للراحة ~~والاستجمام وتغيير المعيشة، لإحداث الترميم العصبي في الجسم, ولعل ذلك آت ~~من العلاقة بين دورة الدم في الجسم الإنساني وبين القمر منذ يكون هلالا إلى ~~أن يدخل في المحاق؛ إذ تنتفخ العروق وتربو في النصف الأول من الشهر، كأنها ~~في "مد" من نور القمر ما دام هذا النور إلى زيادة، ثم يراجعها "الجزر" في ~~النصف الثاني حتى كأن للدم إضاءة وظلاما، وإذا ثبت أن للقمر أثرا في ~~الأمراض العصبية، وفي مد الدم وجزره2، فهذا من أعجب الحكمة في أن يكون ~~الصيام شهرا قمريا دون غيره. # وفي ترائي الهلال ووجوب الصوم لرؤيته معنى دقيق آخر، وهو -مع إثبات رؤية ~~الهلال وإعلانها- إثبات الإرادة وإعلانها، كأنما انبعث أول الشعاع السماوي ~~في التنبيه الإنساني العام لفروض الرحمة والإنسانية والبر. PageV02P058 # وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا ~~الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة ~~حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرا عليه بأخلاق الصبر, ~~مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ~~ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة. # وإدراك هذه القوة من الإرادة العملية منزلة اجتماعية سامية، هي في ~~الإنسانية فوق منزلة الذكاء والعلم، ففي هذين تعرض الفكرة مارة مرورها، ~~ولكنها ms337 في الإرادة تعرض لتستقر وتتحقق. فانظر في أي قانون من القوانين، وفي ~~أية أمة من الأمم, تجد ثلاثين يوما من كل سنة قد فرضت فرضا لتربية إرادة ~~الشعب ومزاولته فكرة نفسية واحدة بخصائصها وملابساتها حتى تستقر وترسخ ~~وتعود جزءا من عمل الإنسان، لا خيالا يمر برأسه مرا. # أليست هذه هي إتاحة الفرصة العملية التي جعلوها أساسا في تكوين الإرادة؟ ~~وهل تبلغ الإرادة فيما تبلغ، أعلى من منزلتها حين تجعل شهوات المرء مزعنة ~~لفكره، منقادة للوازع النفسي فيه، مصرفة بالحس الديني المسيطر على النفس ~~ومشاعرها. # أما -والله- لو عم هذا الصوم الإسلامي أهل الأرض جميعا، لآل معناه أن ~~يكون إجماعا من الإنسانية كلها على إعلان الثورة شهرا كاملا في السنة، ~~لتطهير العالم من رذائله وفساده، ومحق الأثرة والبخل فيه، وطرح المسألة ~~النفسية ليتدارسها أهل الأرض دراسة عملية مدة هذا الشهر بطوله، فيهبط كل ~~رجل وكل امرأة إلى أعماق نفسه ومكامنها، ليختبر في مصنع فكره معنى الحاجة ~~ومعنى الفقر، وليفهم في طبيعة جسمه -لا في الكتب- معاني الصبر والثبات ~~والإرادة، وليبلغ من ذلك وذلك درجات الإنسانية والمواساة والإحسان، فيحقق ~~بهذه وتلك معاني الإخاء والحرية والمساواة. # شهر هو أيام قلبية في الزمن؛ متى أشرفت على الدنيا قال الزمن لأهله: هذه ~~أيام من أنفسكم لا من أيامي، ومن طبيعتكم لا من طبيعتي، فيقبل العالم كله ~~على حالة نفسية بالغة السمو، يتعهد فيها النفس برياضتها على معالي الأمور ~~ومكارم الأخلاق, ويفهم الحياة على وجه آخر غير وجهها الكالح، ويراها كأنما ~~أجيعت من طعامها اليومي كما جاع هو، وكأنما أفرغت من خسائسها وشهواتها كما ~~فرغ هو، وكأنما ألزمت معاني التقوى كما ألزمها هو, وما أجمل وأبدع أن تظهر ~~الحياة # PageV02P059 # في العالم كله -لو يوما واحدا- حاملة في يدها السبحة! فكيف بها على ذلك ~~شهرا من كل سنة؟ # إنها -والله- طريقة عملية لرسوخ فكرة الخير والحق في النفس؛ وتطهير ~~الاجتماع من خسائس العقل المادي؛ ورد هذه الطبيعة الحيوانية المحكومة في ~~ظاهرها بالقوانين، والمحررة من القوانين في باطنها إلى قانون من باطنها ms338 ~~نفسه يطهر مشاعرها، ويسمو بإحساسها، ويصرفها إلى معاني إنسانيتها، ويهذب من ~~زياداتها، ويحذف كثيرا من فضولها، حتى يرجع بها إلى نحو من براءة الطفولة، ~~فيجعلها صافية مشرقة بما يجتذب إليها من معاني الخير والصفاء والإشراق؛ إذ ~~كان من عمل الفكرة الثابتة في النفس أن تدعو إليها ما يلائمها ويتصل ~~بطبيعتها من الفكر الأخرى. والنفس في هذا الشهر محتبسة في فكرة الخير ~~وحدها، فهي تبني بناءها من ذلك ما استطاعت. # هذا على الحقيقة ليس شهرا من الأشهر، بل هو فصل نفساني كفصول الطبيعة في ~~دورانها؛ ولهو -والله- أشبه بفصل الشتاء في حلوله على الدنيا بالجو الذي من ~~طبيعته السحب والغيث، ومن عمله إمداد الحياة بوسائل لها من بعدها إلى آخر ~~السنة، ومن رياضته أن يكسبها الصلابة والانكماش والخفة، ومن غايته إعداد ~~الطبيعة للتفتح عن جمال باطنها في الربيع الذي يتلوه. # وعجيب جدا أن هذا الشهر الذي يدخر في الجسم من قواه المعنوية فيودعها ~~مصرف روحانيته، ليجد منها عند الشدائد مدد الصبر والثبات والعزم والجلد ~~والخشونة، عجيب جدا أن هذا الشهر الاقتصادي هو من أيام السنة كفائدة 8.30 ~~في المائة؛ فكأنه يسجل في أعصاب المؤمن حساب قوته وربحه فله في كل سنة ~~زيادة 8.30 من قوته المعنوية الروحانية. # وسحر العظائم في هذه الدنيا إنما يكون في الأمة التي تعرف كيف تدخر هذه ~~القوة وتوفرها لتستمدها عند الحاجة، وذلك هو سر أسلافنا الأولين الذين ~~كانوا يجدون على الفقر في دمائهم وأعصابهم ما تجد الجيوش العظمى اليوم في ~~مخازن العتاد والأسلحة والذخيرة. # كل ما ذكرته في هذا المقال من فلسفة الصوم؛ فإنما استخرجته من هذه الآية ~~الكريمة: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} # PageV02P060 # [البقرة: 183] . وقد فهمها العلماء جميعا على أنها معنى "التقوى" أما أنا ~~فأولتها من "الاتقاء"؛ فبالصوم يتقى المرء على نفسه أن يكون كالحيوان الذي ~~شريعته معدته، وألا يعامل الدنيا إلا بمواد هذه الشريعة؛ ويتقي المجتمع على ~~إنسانيته وطبيعته مثل ذلك، فلا يكون إنسان مع إنسان كحمار مع إنسان, ms339 يبيعه ~~القوة كلها بالقليل من العلف. # وبالصوم يتقي هذا وهذا ما بين يديه وما خلفه، فإن ما بين يديه هو الحاضر ~~من طباعه وأخلاقه، وما خلفه هو الجيل الذي سيرث من هذه الطباع والأخلاق، ~~فيعمل بنفسه في الحاضر, ويعمل بالحاضر في الآتي1. # وكل ما شرحناه فهو اتقاء ضرر لجلب منفعة، واتقاء رذيلة لجلب فضيلة، وبهذا ~~التأويل تتوجه الآية الكريمة جهة فلسفية عالية، لا يتأتى البيان ولا العلم ~~ولا الفلسفة بأوجز ولا أكمل من لفظها؛ ويتوجه الصيام على أنه شريعة ~~اجتماعية إنسانية عامة؛ يتقي بها الاجتماع شرور نفسه؛ ولن يتهذب العالم إلا ~~إذا كان له مع القوانين النافذة هذا القانون العام الذي اسمه الصوم، ومعناه ~~"قانون البطن". # ألا ما أعظمك يا شهر رمضان! لو عرفك العالم حق معرفتك لسماك: "مدرسة ~~الثلاثين يوما". PageV02P061 ### | ثبات الأخلاق # لو أنني سئلت أن أجمل فلسفة الدين الإسلامي كلها في لفظين، لقلت: إنها ~~ثبات الأخلاق, ولو سئل أكبر فلاسفة الدنيا أن يوجز علاج الإنسانية كله في ~~حرفين، لما زاد على القول: إنه ثبات الأخلاق، ولو اجتمع كل علماء أوروبا ~~ليدرسوا المدينة الأوربية ويحصروا ما يعوزها في كلمتين لقالوا: ثبات ~~الأخلاق. # فليس ينتظر العالم أنبياء ولا فلاسفة ولا مصلحين ولا علماء يبدعون له ~~بدعا جديدا؛ وإنما هو يترقب من يستطيع أن يفسر له الإسلام هذا التفسير، ~~ويثبت للدنيا أن كل العبادات الإسلامية هي وسائل عملية تمنع الأخلاق ~~الإنسانية أن تتبدل في الحي فيخلع منها ويلبس، إذا تبدلت أحوال الحياة ~~فصعدت بإنسانها أو نزلت؛ وإن الإسلام يأبى على كل مسلم أن يكون إنسان حالته ~~التي هو فيها من الثروة أو العلوم، ومن الارتفاع أو الضعة، ومن خمول ~~المنزلة أو نباهتها؛ ويوجب على كل مسلم أن يكون إنسان الدرجة التي انتهى ~~إليها الكون في سموه وكماله، وفي تقلبه على منازله بعد أن صفي في شريعة بعد ~~شريعة، وتجربة بعد تجربة، وعلم بعد علم. # انتهت المدنية إلى تبدل الأخلاق بتبدل أحوال الحياة، فمن كان تقيا على ~~الفقر والأملاق وحرمه الإعسار فنون ms340 اللذة، ثم أيسر من بعد؛ جاز له أن يكون ~~فاجرا على الغنى وأن يتسمح لفجوره على مد ما يتطوح به المال، وإن أصبح في ~~كل دينار من ماله شقاء نفس إنسانية أو فسادها. # ومن ولد في بطن كوخ، أو على ظهر الطريق، وجب أن يبقى أرضا إنسانية؛ كأن ~~الله -سبحانه- لم يبن من عظامه ولحمه وأعصابه إلا خربة آدمية من غير هندسة ~~ولا نظام ولا فن, ثم يقابله من ولد في القصر أو شبه القصر فله حكم آخر، كأن ~~الله -سبحانه- قد ركب من عظمه ودمه وتكوينه آية هندسية وأعجوبة فن، وطرفة ~~تدبير، وشيئا مع شيء، وطبقة على طبقة. # ولكن الإسلام يقرر ثبات الخلق ويوجبه وينشئ النفس عليه، ويجعله في حياطة ~~المجتمع وحراسته، لأن هناك حدودا في الإنسانية تتميز بحدود في الحياة، # PageV02P062 # ولا بد من الضبط في هذه وهذه، حتى لا يكون وضع إلا وراءه تقدير، ولا ~~تقدير إلا معه حكمة، ولا حكمة إلا فيها مصلحة؛ وحتى لا تعلو الحياة ولا ~~تنزل إلا بمثل ما ترى من كفتي ميزان شدتا في علاقة تجمعهما وتحركهما معا، ~~فهي بذاتها هي التي تنزل بالنازل لتدل عليه، وتشيل بالعالي لتبين عنه؛ ~~فالإسلام في المدنية وهو مدنية هذه المدنية. # إنها لن تتغير مادة العظم واللحم والدم في الإنسان فهي ثابتة مقدرة عليه، ~~ولن تتبدل السنن الإلهية التي توجدها وتفنيها فهي مصرفة لها قاضية عليها، ~~وبين عمل هذه المادة وعمل قانونها، فيها تكون أسرار التكوين, وفي هذه ~~الأسرار تجد تاريخ الإنسانية كله سابحا في الدم. # هي الغرائز تعمل في الإنسانية عملها الإلهي، وهي محددة محكمة على ما يكون ~~من تعاديها واختلاف بينها، وكأنها خلقت بمجموعها لمجموعها؛ ومن ثم يكون ~~الخلق الصحيح في معناه قانونا إليها على قوة كقوة الكون وضبط كضبطه. # وبهذه القوة وهذا الضبط يستطيع الخلق أن يحول المادة التي تعارضه إذا هو ~~اشتد وصلب، ولكنه يتحول معها إذا هو لان أو ضعف، فهو قدر إلا أنه في طاعتك، ~~إذ هو قوة الفصل بين إنسانيتك وحيوانيتك، كما ms341 أنه قوة المزد بينهما، كما ~~أنه قوة التعديل فيهما، وقد سوغ القدرة على هذه الأحوال جميعا، ولولا أنه ~~بهذه المثابة لعاش الإنسان طول التاريخ قبل التاريخ، إذ لن يكون له حينئذ ~~كون تؤرخ فضائله أو رذائله بمدح أو ذم. # فلا عبرة بمظهر الحياة في الفرد، إذ الفرد مقيد في ذات نفسه بمجموع هو ~~للمجموع وليس له وحده, فإنك ترى الغرائز دائبة في إيجاد هذا الفرد لنوعه ~~بسنن من أعمالها، ودائبة كذلك في إهلاكه في النوع نفسه بسنن أخرى؛ فليس ~~قانون الفرد إلا أمرا عارضا كما ترى؛ وبهذا يمكن أن يتحول الفرد على أسباب ~~مختلفة، ثم تبقى الأخلاق التي بينه وبين المجموع ثابتة على صورتها. # فالأخلاق على أنها في الأفراد، هي في حقيقتها حكم المجتمع على أفراده؛ ~~فقوامها بالاعتبار الاجتماعي لا غير. # وحين يقع الفساد في المجمع عليه من آداب الناس، ويلتوي ما كان # PageV02P063 # مستقيما، وتشتبه العالية والسافلة، وتطرح المبالاة بالضمير الاجتماعي، ~~ويقوم وزن الحكم في اجتماعهم على القبيح والمنكر، وتجري العبرة فيما ~~يعتبرونه بالرذائل والمحرمات، ولا يعجب الناس إلا ما يفسدهم، ويقع ذلك منهم ~~بموقع القانون ويحل في محل العادة؛ فهناك لا مساك للخلق السليم على فرد، ~~ولا بد من تحول الفرد في حقيقته؛ إذ كان لا يجيء أبدا إلا متصدعا في كل ~~مظاهره الاجتماعية، فأينما وقع من أعمال الناس جاء مكسورا أو مثلوما، وكأنه ~~منتقل من عالم إلى عالم ثان بغير نواميس الأول. # وما شذ من هذه القاعدة إلا الأنبياء وأفراد من الحكماء؛ فأما أولئك فهم ~~قوة التحويل في تاريخ الإنسانية؛ لا يبعث أحدهم إلا ليهيج به الهيج في ~~التاريخ، ويتطرق به الناس إلى سبل جديدة كأنما تطردهم إليها العواصف ~~والزلازل والبراكين، لا شريعته ومبادئه وآدابه، وأما الحكماء الناضجون فهم ~~دائما في هذه الإنسانية أمكنة بشرية محصنة لحفظ كنوزها وإحرازها في أنفسهم، ~~فلهم في ذات أنفسهم عصمة ومنعة كالجبال في ذات الأرض. # الأخلاق في رأيي هي الطريقة لتنظيم الشخصية الفردة على مقتضى الواجبات ~~العامة، فالإصلاح فيها إنما يكون من ms342 عمل هذه الواجبات، أي من ناحية المجتمع ~~والقائمين على حكمه. وعندي أن للشعب ظاهرا وباطنا، فباطنه هو الدين الذي ~~يحكم الفرد، وظاهره هو القانون الذي يحكم الجميع، ولن يصلح للباطن المتصل ~~بالغيب إلا ذلك الحكم الديني المتصل بالغيب مثله؛ ومن هنا تتبين مواضع ~~الاختلال في المدنية الأوربية الجديدة؛ فهي في ظاهر الشعب دون باطنه، ~~والفرد فاسد بها في ذات نفسه إذا هو تحلل من الدين، ولكنه مع ذلك يبدو ~~صالحا منتظما في ظاهره الاجتماعي بالقوانين وبالآداب العامة التي تفرضها ~~القوانين، فلا يبرح هازئا من الأخلاق ساخرا بها؛ لأنها غير ثابتة فيه، ثم ~~لا تكون عنده أخلاقا يعتد بها إلا إذا درت بها منافعه، وإلا فهي ضارة إذا ~~كانت منها مضرة، وهي مؤلمة إذا حالت دون اللذات. ولا ينفك هذا الفرد يتحول ~~لأنه مطلق في باطنه غي مقيد إلا بأهوائه ونزعاته، وكلمتا الفضيلة والرذيلة ~~معدومتان في لغة الأهواء والنزعات؛ إذ الغاية المتاع واللذة والنجاح، وليكن ~~السبب ما هو كائن. # وبهذا فلن تقوم القوانين في أوربا إذا فني المؤمنون بالأديان فيها أو ~~كاثرهم الملحدون، وهم اليوم يبصرون بأعينهم ما فعلت عقلية الحرب العظمى في ~~طوائف # PageV02P064 # منهم قد خربت أنفسهم من إيمانهم فتحولوا ذلك التحول الذي أومأنا إليه، ~~فإذا أعصابهم بعد الحرب ما تزال محاربة مقاتلة ترمي في كل شيء بروح الدم ~~والأشلاء والقبور والتعفن والبلى ... وانتهت الحرب بين أمم وأمم، ولكنها ~~بدأت بين أخلاق وأخلاق. # وقديما حارب المسلمون، وفتحوا العالم، ودوخوا الأمم؛ فأثبتوا في كل أرض ~~هدي دينهم وقوة أخلاقهم الثابتة، وكان وراء أنفسهم في الحرب ما هو من ~~ورائها في السلم، وذلك بثبات باطنهم الذي لا يتحول، ولا تستخفه الحياة ~~بنزقها، ولا تتسفه المدنيات فتحمله على الطيش. # ولو كانوا هم أهل هذه الحرب الأخيرة بكل ما قذفت به الدنيا، لبقيت لهم ~~العقلية المؤمنة القوية، لأن كل مسلم فإنما هو وعقليته في سلطان باطنه ~~الثابت القار على حدود بينة محصلة مقسومة، تحوطها وتمسكها أعمال الإيمان ~~التي أحكمها الإسلام أشد إحكام بفرضها على ms343 النفوس منوعة مكررة: كالصلاة ~~والصوم والزكاة، ليمنع بها تغيرا ويحدث بها تغيرا آخر، ويجعلها كالحارسة ~~للإرادة ما تزال تمر بها وتتعهدها بين الساعة والساعة1. # إنما الظاهر والباطن كالموج والساحل؛ فإذا جن الموج فلن يضيره ما بقي ~~الساحل ركينا هادئا مشدودا بأعضاده في طبقات الأرض. أما إذا ماج الساحل ... ~~فذلك أسلوب آخر غير أسلوب البحار والأعاصير؛ ولا جرم ألا يكون إلا خسفا ~~بالأرض والماء وما يتصل بهما. # في الكون أصل لا يتغير ولا يتبدل، هو قانون ضبط القوة وتصريفها وتوجيهها ~~على مقتضى الحكمة. ويقابله في الإنسان قانون مثله لا بد منه لضبط معاني ~~الإنسان وتصريفها وتوجيهها على مقتضى الكمال. وكل فروض الدين الإسلامي ~~وواجباته وآدابه، إن هي إلا حركة هذا القانون في عمله؛ فما تلك إلا طرق ~~ثابتة لخلق الحس الأدبي، وتثبيته بالتكرار، وإدخاله في ناموس طبيعي بإجرائه ~~في الأنفس مجرى العادة، وجعله بكل ذلك قوة في باطنها، فتسمى الواجبات ~~والآداب فروضا دينية؛ وما هي في الواقع إلا عناصر تكوين النفس العالية، ~~وتكون أوامر وهي حقائق2. PageV02P065 # ومن ذلك أرانا نحن الشرقيون نمتاز على الأوربيين بأننا أقرب منهم إلى ~~قوانين الكون؛ ففي أنفسنا ضوابط قوية متينة إذا نحن أقررنا مدنيتهم فيها, ~~وهي بطبيعتها لا تقبل إلا محاسن هذه المدنية, سبقناهم وتركنا غبار أقدامنا ~~في وجوههم، وكنا الطبقة المصفاة التي ينشدونها في إنسانيتهم الراهنة ولا ~~يجدونها، ونمتاز عنهم من جهة أخرى بأننا لم ننشئ هذه المدنية ولم تنشئنا، ~~فليس حقا علينا أن نأخذ سيئاتها في حسناتها، وحماقتها في حكمتها، وتزويرها ~~في حقيقتها؛ وأن نسيغ منها الحلوة والمرة، والناضجة والفجة؛ وإنما نحن ~~نحصلها ونقتبسها ونرتجع منها الرجعة الحسنة؛ فلا نأخذ إلا الشيء الصالح ~~مكان الشيء قد كان دونه عندنا وندع ما سوى ذلك؛ ثم لا نأخذ ولا ندع إلا على ~~الأصول الضابطة المحكمة في أدياننا وآدابنا؛ ولسنا مثلهم متصلين من حاضر ~~مدنيتهم بمثل ماضيهم، بيد أن العجب الذي ما يفرغ عجبي منه، أن الموسومين ~~منا بالتجديد لا يحاولون أول وهلة وآخرها إلا هدم تلك ms344 الضوابط التي هي كل ~~ما نمتاز به، والتي هي كذلك كل ما تحتاج إليه أوروبا لضبط مدنيتها، ويسمون ~~ذلك تجديدا، ولهو بأن يسمى حماقة وجهلا أولى وأحق. # أقول ولا أبالي: إننا ابتلينا في نهضتنا هذه بقوم من المترجمين قد ~~احترفوا النقل من لغات أوروبا، ولا عقل إلا عقل ما ينقلونه: فصنعتهم ~~الترجمة من حيث يدرون أو لا يدرون صنعة تقليد محض ومتابعة مستعبدة، وأصبح ~~عقلهم -بحكم العادة والطبيعة- إذا فكر انجذب إلى ذلك الأصل لا يخرج عليه ~~ولا يتحول عنه. # وإذا صح أن أعمالنا هي التي تعملنا -كما يقول بعض الحكماء- فهم بذلك خطر ~~أي خطر على الشعب وقوميته وذاتيته وخصائصه، ويوشك إذا هو أطاعهم إلى كل ما ~~يدعون إليه أن ... أن يترجموه إلى شعب آخر. # إن أوروبا ومدنيتها لا تساوي عندنا شيئا إلا بمقدار ما تحقق فينا من ~~اتساع الذاتية بعلومها وفنونها، فإنما الذاتية وحدها هي أساس قوتنا في ~~النزاع العالمي بكل مظاهره أيها كان؛ ولها وحدها، وباعتبار منها دون سواها، ~~نأخذ ما نأخذه من مدنية أوروبا ونهمل ما نهمل؛ ولا يجوز أن نترك الثبت في ~~هذا ولا أن نتسامح في دقة المحاسبة عليه. # PageV02P066 # فالمحافظة على الضوابط الإنسانية القوية التي هي مظاهر الأديان فينا، ثم ~~إدخال الواجبات الاجتماعية الحديثة في هذه الضوابط لربطها بالعصر وحضارته, ~~ثم تنسيق مظهر الأمة على مقتضى هذه الواجبات والضوابط، ثم العمل على اتحاد ~~المشاعر وتمازجها لتقويم هذا المظهر الشعبي في جملته بتقويم أجزائه, هذه هي ~~الأركان الأربعة التي لا يقوم على غيرها بناء الشرق. # والإلحاد والنزعات السافلة وتخانيث المدنية الأوروبية التي لا عمل لها ~~إلا أن تظهر الخطر في أجمل أشكاله ... ثم الجهل بعلوم القوة الحديثة وبأصول ~~التدبير وحياطة الاجتماع وما جرى هذا المجرى، ثم التدليس على الأمة بآراء ~~المقلدين والزائفين والمستعمرين لمحق الأخلاق الشعبية القوية وما اتصل ~~بذلك، ثم التخاذل والشقاق وتدابر الطوائف وما كان بسبيلها, تلك هي المعاول ~~الأربعة التي لا يهدم غيرها بناء الشرق. # فليكن دائما شعارنا -نحن الشرقيين- هذه الكلمة: أخلاقنا قبل مدنيتهم. ms345 # PageV02P067 ### | قلت لنفسي وقالت لي # ... 1: # قلت لنفسي: ويحك يا نفس! ما لي أتحامل عليك؛ فإذا وفيت بما في وسعك أردت ~~منك ما فوقه وكلفتك أن تسعي؛ فلا أزال أعنتك من بعد كمال فيما هو أكمل منه، ~~وبعد الحسن فيما هو الأحسن؛ وما أنفك أجهدك كلما راجعك النشاط، وأضنيك كلما ~~ثابت القوة؛ فإن تكن لك هموم فأنا أكبرها، وإذا ساورتك الأحزان فأكثرها مما ~~أجلب عليك. # أنت يا نفس سائرة على النهج، وأنا أعتسف بك أريد الطيران لا السير، ~~وأبتغي عمل الأعمار في عمر، وأستحثك من كل هجعة راحة بفجر تعب جديد، وكأني ~~لك زمن يماد بعضه بعضا، فما يبرح ينبثق عليك من ظلام بنور ومن نور بظلام؛ ~~ليهيئ لك القوة التي تمتد بك في التاريخ، من بعد، فتذهبين حين تذهبين ويعيش ~~قلبك في العالم ساريا بكلمات أفراحه وأحزانه. # وقالت لي النفس: أما أنا فإني معك دأبا كالحبيبة الوفية لمن تحبه؛ ترى ~~خضوعها أحيانا هو أحسن المقاومة؛ وأما أنت فإذا لم تكن تتعب ولا تزال تتعب ~~فكيف تريني أنك تتقدم ولا تزال تتقدم؟ # ليست دنياك يا صاحبي ما تجده من غيرك، بل ما توجده بنفسك؛ فإن لم تزد ~~شيئا على الدنيا كنت أنت زائدا على الدنيا؛ وإن لم تدعها أحسن مما وجدتها ~~فقد وجدتها وما وجدتك؛ وفي نفسك أول حدود دنياك وآخر حدودها. وقد تكون دنيا ~~بعض الناس حانوتا صغيرا، ودنيا الآخر كالقرية الململمة2، ودنيا بعضهم ~~كالمدينة PageV02P068 # الكبيرة؛ أما دنيا العظيم فقارة بأكملها، وإذا انفرد امتد في الدنيا فكان ~~هو الدنيا. # والقوة يا صاحبي تغتذي بالتعب والمعاناة؛ فما عانيته اليوم حركة من جسمك، ~~ألفيته غدا في جسمك قوة من قوى اللحم والدم. وساعة الراحة بعد أيام من ~~التعب، هي في لذتها كأيام من الراحة بعد تعب ساعة. وما أشبه الحي في هذه ~~الدنيا ووشك وانقطاعه منها، بمن خلق ليعيش ثلاثة أيام معدودة عليه ساعتها ~~ودقائقها وثوانيها؛ أفتراه يغفل فيقدرها ثلاثة أعوام، ويذهب يسرف فيها ~~ضروبا من لهوه ولعبه ومجونه، إلا إذا كان أحمق ms346 أحمق إلى نهاية الحمق؟ # اتعب تعبك يا صاحبي، ففي الناس تعب مخلوق من عمله، فهو لين هين مسوى ~~تسوية؛ وفيهم تعب خالق عمله، فهو جبار متمرد له القهر والغلبة، وأنت إنما ~~تكد لتسمو بروحك إلى هموم الحقيقة العالية، وتسمو بجسمك إلى مشقات الروح ~~العظيمة؛ فذلك يا صاحبي ليس تعبا في حفر الأرض، ولكنه تعب في حفر الكنز. # اتعب يا صاحبي تعبك؛ فإن عناء الروح هو عمرها؛ فأعمالك عمرك الروحاني، ~~كعمر الجسم للجسم؛ وأحد هذين عمر ما يعيش، والآخر عمر ما سيعيش. # قلت لنفسي: فقد مللت أشياء وتبرمت بأشياء. وإن عمل التغيير في الدنيا لهو ~~هدم لها كلما بنيت، ثم بناؤها كلما هدمت؛ فما من شيء إلا هو قائم في الساعة ~~الواحدة بصورتين معا؛ وكم من صديق خلطته بالنفس يذهب فيها ذهاب الماء في ~~الماء، حتى إذا مر يوم، أو عهد كاليوم, رأيت في مكانه إنسانا خياليا كمسألة ~~من مسائل النحاة فيها قولان ... ! فهو يحتمل في وقت واحد تأويل ما أظن به ~~من خير، وما أتوقع به من شر! وكم من اسم جميل إذا هجس في خاطري قلت: آه، ~~هذا الذي كان ... ! # اما -والله- إن ثياب الناس لتجعلهم أكثر تشابها في رأي النفس، مما تجعلهم ~~وجوههم التي لا تختلف في رأي العين, وإني لأرى العالم أحيانا كالقطار ~~السريع منطلقا بركبه وليس في من يقوده، وأرى الغفلة المفرطة قد بلغت من هذا ~~الناس مبلغ من يظن أنه حي في الحياة كالموظف تحت التجربة، فإذا قضى المدة ~~قيل له: ابدأ من الآن. كأنه إذا عاش يتعلم الخير والشر، ويدرك ما يصلح وما ~~لا يصلح، وانتهى من عمره إلى النهاية المحدودة رجع من بعدها يعيش منتظما ~~على استواء واستقامة، وفي إدراك وتمييز. مع أن الخرافة نفسها لم تقبل قط أن ~~يعد منها # PageV02P069 # في أوهام الحياة أن رجلا بلغ الثمانين أو التسعين وحان أجله فأصبحوا لم ~~يجدوه ميتا في فراشه؛ بل وجدوه مولودا في فراشه ... ! # وقالت لي النفس: وأنت ما شأنك بالناس والعالم؟ يا هذا ليس ms347 لمصباح الطريق ~~أن يقول: "إن الطريق مظلم" إنما قوله إذا أراد كلاما أن يقول: "ها أنذا ~~مضيء". # والحكيم لا يضجر ولا يضيق ولا يتململ، كما أنه لا يسخف ولا يطيش ولا ~~يسترسل في كذب الوهم؛ فإن هذا كله أثر الحياة البهيمية في هذه البهيمة ~~الإنسانية، لا أثر الروح القوية في إنسانها، والحيوان هو الذي يجوع ويشبع ~~لا النفس, وبين كل شيئين مما يعتور الحيوانية -كالخلو والامتلاء، واللذة ~~والألم- تعمل قوى الحيوان أشياءها الكثيرة التي تتسلط بها على النفس، ~~لتحطها من مرتبة إلى أن تجعلها كنفوس الحيوان؛ ولهذا كان أول الحكمة ضبط ~~الأدوات الحيوانية في الجسم، كما توضع اليد العالمة على مفاتيح القطار ~~المنطلق يتسعر مرجله ويغلي. # اعمل يا صاحبي عملك؛ فإذا رأيت في العاملين من يضجر فلا تضجر مثله، بل خذ ~~اطمئنانه إلى اطمئنانك، ودعه يخلو وتضاعف أنت. # إنه ليوشك أن يكون في الناس "كالبنوك"؛ هذه مستودعات للمال تحفظه وتخرج ~~منه وتثمره، وتلك مستودعات للفضائل تحفظها وتخرج منها وتزيدها، إفلاس رجل ~~من أهل المال، هو إطلاق النكبة مسدسها على رجل تقتله؛ ولكن إفلاس "بنك" هو ~~إطلاق النكبة مدفعها الكبير على مدينة تدمرها. # قلت لنفسي: فما أشد الألم في تحويل هذا الجسد إلى شبه روح مع الروح! تلك ~~هي المعجزة التي لا توجد في غير الأنبياء، ولكن العمل لها يجعلها كأنها ~~موجودة. والأسد المحبوس محبوسة فيه قوته وطباعه؛ فإن زال الوجود الحديدي من ~~حوله أو وهنت ناحية منه، انطلق الوحش، والرجل الفاضل فاضل ما دام في قفصه ~~الفكري, وهو ما دام في هذا القفص فعليه أن يكون دائما نموذجا معروضا ~~للتنقيح الممكن في النفس الإنسانية؛ تصيبه السيئة من الناس لتختبر فيه ~~الحسنة، وتبلوه الخيانة لتجد الوفاء، ويكرثه البغض ليقابله بالحبن وتأتيه ~~اللعنة لتجد المغفرة؛ وله قلب لا يتعب فيبلغ منزلة إلا التعب ليبلغ منزلة ~~أعلى منها، وله فكر كلما جهد فأدرك حقيقة كانت الحقيقة أن يجهد فيدرك ~~غيرها. # وقالت لي النفس: إن من فاق الناس بنفسه الكبيرة كانت عظمته في أن يفوق ms348 # PageV02P070 # نفسه الكبيرة؛ إن الشيء النهائي لا يوجد إلا في الصغائر والشر، أما الخير ~~والكمال وعظائم النفس والجمال الأسنى، فهذه حقائق أزلية وجدت لنفسها؛ ~~كالهواء يتنفسه كل الأحياء على هذه الأرض ولا ينتهي، ولا يعرف أين ينتهي؛ ~~وكما ينبعث النور من الشمس والكواكب إلى هذه الأرض يشبه أن تكون تلك الصفات ~~منبعثة إلى النفوس من أنوار الملائكة، وبهذا كان أكبر الناس حظا منهم هم ~~الأنبياء المتصلين بتلك الأنوار. # ومن رحمة الله أن جعل في كل النفوس الإنسانية أصلا صغيرا يجمع فكرة الخير ~~والكمال وعظائم النفس والجمال الأسنى، وقد تعظم فيه هذه الصفات كلها أو ~~بعضها، وقد تصغر فيه بعضها أو كلها: ألا وهو الحب. # لا بد أن تمر كل حياة إنسانية في نوع من أنواع الحب، من رقة النفس ~~ورحمته، إلى هوى النفس وعشقها. # وإذا بلغ الحب أن يكون عشقا، وضع يده على المفاتيح العصبية للنفس، وفتح ~~للعظائم والمعجزات أبوابها؛ حتى أنه ليجعل الخرافة الفارغة معجزة دقيقة ~~ويملأ الحياة بمعان لم تكن فيها من قبل، ويصبح سر هذا الحب لا ينتهي؛ إذ هو ~~سر لا يدرك ولا يعرف. # اجهد جهدك يا صاحبي، فما هو قفصك الفكري ذلك الشعاع الذي يحبسك، ولكنه ~~صقل النفس لتتلقى الأنوار، ولا بد للمرآة من ظاهر غير ظاهر الحجر لتكون به ~~مرآة. # قلت لنفسي: فما أشده مضضا أعانيه! إن أمري ليذهب فرطا1. أكلما ابتغيت من ~~الحياة مرحا أطرب له وأهتز، جاءتني الحياة بفكرة أستكد فيها وأدأب؟ أهذا ~~السرور الذي لا يزال يقع بين الناس هو الذي لا يكاد يقع لي؟ وهل أنا شجرة ~~في مغرسها: تنمو صاعدة بفروعها، ونازلة بجذورها, غير أنها لا تبرح مكانها؟ ~~أو أن تمثال على قاعدته: لا يتزحزح عنها إلا ساعة لا يكون تمثالا، ولا ~~يدعها حتى تدعه معاني العظمة التي نصب لها؟ # قالت لي النفس: ويحك! لا تطلب في كونك الصغير ما ليس فيه؛ إن الناس لو ~~ارتفعوا إلى السماء وتقلبوا فيها كما يسيح أهل قارة من الأرض في قارة ~~غيرها، PageV02P071 # وابتغوا ms349 أن يحملوا معهم مما هناك تذكارا صغيرا إلى الأرض, لوجدوا أصغر ما ~~هنالك أكبر من الأرض كلها؛ فأنت سائح في سماوات. # أنت كالنائم: له أن يرى وليس له أن يأخذ شيئا مما يرى إلا وصفة، وحكمته، ~~والسرور بما التذ منه، والألم بما توجع له. # لن تكون في الأرض شجرة برجلين تذهب هنا وهناك، ولكن الشجرة ترسل أثمارها ~~يتناقلها الناس، وهي تبدع الثمار إبداع المؤلف العبقري ما يؤلفه بأشد الكد ~~وأعظم الجهد، مطلقة ضميرها في الفكرة الصغيرة، تعقدها شيئا شيئا، ثم تعود ~~عليها بالزيادة، ولا تزال كل وقت تعود عليها حتى تستفرغ أقصى القوة؛ ثم ~~يكون سرورها في أن تهب فائدتها، لأنها لذلك وجدت. # إن في الشجرة طبيعية صادقة لا شهوة مكذوبة؛ فالحياة فيها على حقيقتها، ~~وأكثر ما تكون الحياة في الإنسان على مجازها؛ وشرط المجاز الخيال والمبالغة ~~والتلوين؛ ولكن متى اختار الله رجلا فأقر فيه سرا من أسرار الطبيعة ~~الصادقة، ووهب له العاطفة القادرة التي تصنع ثمارها -فقد غرسه شجرة في ~~منبتها لا مفر ولا مندوحة، وقد يخيل له ضعف طبيعته البشرية أحيانا أن نضرة ~~المجد التي تعلوه وتتألق كشعاع الكوكب، هي تعبه وضجره، أو أثر انخذاله ~~وألمه ومسكنته؛ وهذا من شقاء العقل؛ فإنه دائما يضيف شيئا إلى شيء, ويخلط ~~معنى بمعنى، ولا يترك حقيقة على ما هي؛ كأن فيه ما في الطفل من غريزة ~~التقليد؛ والعقل لا يرى أمامه إلا الإلهية، فهو يقلدها في مداخلة الأشياء ~~بعضها في بعض، لإيجاد الأسرار بعضها من بعض. # ومن ثم كانت الحقيقة الصريحة الثابتة مدعاة للملل العقلي في الإنسان، لا ~~يكاد يقيم عليها أو يتقيد بها، فما نال شيئا إلا ليطمع في غيره، وما فاز ~~بلذة إلا ليزهد فيها، وأجل ما أحبه الإنسان أن يناله، فإذا ناله وقع فيه ~~معنى موته، وبدأ في النفس عمرا آخر من حالة أخرى، أو مات لم يبدأ؛ فلا بد ~~لهذا الإنسان مع كل صواب من جزء من الخطأ، فإن هو لم يجد خطأ في شيء ائتفك ~~لنفسه1 ms350 الخطأ المضحك في شبه رواية خيالية. # إنه لشعر سخيف بالغ السخافة أن يتخيل الغريق مفكرا في صيد سمكة ~~PageV02P072 # رآها ... ولكن هذا من أبلغ البلاغة عند العقل الذي يبحث عن وهم يضيفه إلى ~~هذه الحقيقة ليضحك منها، كما يبحث لنفسه أحيانا في أجمل حقائق اللذة عن ألم ~~يتألم به ليعبس فيه! # قلت لنفسي: فهل ينبغي لي أن أحرق دمي لأني أفكر, وهل أظل دائما بهذا ~~التفكير كالذي ينظر في وجه حسناء بمنظار مكبر؛ لا يريه ذلك الوجه المعشوق ~~إلا ثقوبا وتخريما كأنه خشبة نزعت منها مسامير غليظة ... ! فلا يجد المسكين ~~هذه الحقيقة إلا ليفقد ذلك لجمال؟ وهل بد من الشبه بين بعض الناس وبين ما ~~ارتصد له من عمل يحيا به؛ فلا يكون الحوذي حوذيا إلا لشبه بين نفسه وبين ~~الخيل والبغال والحمير؟ # وقالت لي النفس: إن فأس الحطاب لا تكون من أداة الطبيب؛ فخذ لكل شيء ~~أداته، وكن جاهلا أحيانا، ولكن مثل الجهل الذي يصنع لوجه الطفل بشاشته ~~الدائمة، فهذا الجهل هو أكبر علم الشعور الدقيق المرهف، ولولاه لهلك ~~الأنبياء والحكماء والشعراء غما وكمدا، ولكانوا في هذا الوجود، على هذه ~~الأرض، بين هذه الحقائق, كالذي قيد وحبس في رهج تثيره القدم والخف والحافر, ~~لا يتنفس إلا الغبار يثار من حوله إلى أن يقضى عليه. # اجهل جهلك يا صاحبي في هذه الشهوات الخسيسة؛ فإنها العلم الخبيث الذي ~~يفسد الروح، واعرف كيف تقول لروحك الطفلة في ملائكيتها حين تساورك الشهوات, ~~هذا ليس لي؛ هذا لا ينبغي لي. # إن الروح الكبيرة هي في حقيقتها الطفل الملائكي. # وعلم خسائس الحياة يجعل للإنسان في كل خسيسة نفسا تتعلق بها، فيكون ~~المسكين بين نفسين وثلاث وأربع، إلى ثلاثين وأربعين كلهن يتنازعنه، فيضيع ~~بهذه الكثرة, ويصبح بعضه بلاء على بعض، وتشغله الفضول، فيعود لها كالمزبلة ~~لما ألقي فيها، ويمحق في نفسه الطبيعية حس الفرح بجمال الطبيعة، كما يمحق ~~في المزبلة معنى النظافة ومعنى الحس بها. # هذه الأنفس الخيالية في هذا الإنسان المنكود، هي الأرواح التي ينفخها في ms351 ~~مصائبه، فتجعلها مصائب حية تعيش في وجوده وتعمل فيه أعمالها، ولولاها لماتت ~~في نفسه مطامع كثيرة، فماتت له مصائب كثيرة. # PageV02P073 # انظر بالروح الشاعرة، تر الكون كله في سمائه وأرضه انسجاما واحدا ليس فيه ~~إلا الجمال والسحر وفتنة الطرب، وانظر بالعقل العالم, فلن ترى في الكون كله ~~إلا مواد علم الطبيعة والكيمياء. # ومدى الروح جمال الكون كله؛ ومدى العقل قطعة من حجر، أو عظمة من حيوان، ~~أو نسيجة من نبات، أو فلذة من معدن، وما أشبهها. # اجهل جهلك يا صاحبي؛ ففي كل حسن غزل بشرط ألا تكون العاشق الطامع، وإلا ~~أصبت في كل حسن هما ومشغلة! # قلت لنفسي: إلى الآن لم أقل لك ذلك المعنى الذي كتمته عنك. # وقالت لي النفس: وإلى الآن لم أقل لك إلا جواب ذلك الذي كتمته عني. # PageV02P074 ### | ### | الانتحار * " # 1" # حدث المسيب بن رافع الكوفي قال: بينا أنا يوما في مسجد الكوفة، ومعي سعيد ~~بن عثمان، ومجاهد، وداود الأزدي وجماعة, أقبل فتى فجلس قريبا منا، وكان ~~تلقاء وجهي، لا أمد نظري إلى انطلق في سمته ووقف عليه، وكنا نتحدث فرأيته ~~يتسمع إلى حديثنا؛ فلما تكلم سعيد -وكان خافت الصوت من علة به، وكنا نسميه ~~النملة الصخابة- رأيت الفتى يتزحف قليلا قليلا حتى صار بحيث يقع في سماعه ~~حسيس نملتنا. # وكان سعيد يقول: اجتزت أنا والشعبي1 أمس بعمران الخياط، فمازحه الشيخ ~~فقال له: عندنا حب2 مكسور، تخيطه؟ قال: نعم، إن كان عندك خيط من ريح! فقلت ~~أنا: فاذهب فجئنا بالمغزل الذي يغزل الهواء لنصنع لك الخيط. # قال مجاهد:" هذا ليس بشيء في تنادر شيخنا وما يتفق له؛ أخبرني أن رجلا ~~جاءه في مسألة، فدخل عليه البيت وهو جالس مع امرأته، فقال الرجل: أيكما ~~الشعبي؟ فأومأ الشيخ إلى امرأته وقال: هذه! # قال المسيب: وضحكنا جميعا، وأخذ نظري الغلام فإذا هو ناكس حزنا وهما، ~~وكأنه لا يتسمع إليها ليسمع، بل ليشغل نفسه عن شيء فيها، فتتوزع خواطره، ~~فيتبدد اجتماعها على همه بصوت من هنا وصوت من هنا، كما يفعل PageV02P075 # المحزون في ms352 مغالبة الحزن ومدافعته، يشغل عنه بصره وقلبه وسمعه جميعا، ~~فيكون الحزن فيه وكأنه بعيد منه. # فقلت في نفسي: أمر أمات الضحك في هذا الفتى وكسر حدته وشبابه، ثم تحولت ~~إليه وقلت: رأيتك يا بني مقبلا علينا كالمنصرف عنا؛ فما بالك لم تضحك وقد ~~ضحكنا جميعا؟ # قال: إليك عني يا هذا؛ فأين من الضحك وأنا على شفير القبر، وروح التراب ~~مالئ عيني في كل ما أرى، وكأن حفرتي ابتلعت الدنيا التي أنا فيها لتأخذني ~~فيها، وأنا الساعة ميت حي؛ رجل في الدنيا ورجل في الآخرة! # قلت: فأعلمني ما بك يا بني، فلقد احتسبت ولدا لي كان في مثل سنك وشبابك ~~ولم أرزق غيره، فقلبي بعده مريض به، يتوسمه مفرقا في لداته، متوهما أن ~~وجوههم تجمعه بملامحه؛ فأنا من ذلك أحبهم جميعا وأطيل النظر إليهم والتأمل ~~في وجوههم، ولست أدرى أحدا منهم إلا كان له ولقلبي حديث! فإن رأيته حزينا ~~مثلك تقطعت له من إشفاق ورحمة, وطالعني فتاي في مثل همه وحزنه وإنكساره؛ ~~فيعود قلبي كالعين التي غشاها الدمع، تحمل أثر الحزن ومعناه وسره؛ فبثني ما ~~تجد يا بني، فلعل لي سببا إلى كشف ضرك أو إسعافك بحاجتك؛ ولعلك تكون قد ~~حزنت من أمر قريب المتناول هين المحاولة، لم يجعله عندك كبيرا أنه كبير, ~~ولكن أنك أنت صغير. # قال الفتى: مهلا يا عم، فإن ما نزل بنا مما تنقطع عنده الحيلة ولا تنقاد ~~فيه الوسائل، ولا علاج منه إلا بالموت يأخذنا ويأخذه. # قلت: يا بني, هذه كلمة ما أحسب أحدا يقولها إلا من أخذ للقتل بجنايته ولم ~~يعف أهل الدم، فهل جنيت أو جنى أبوك على أحد؟ # قال: إن الأمر قريب من قريب، فإني تركت أبي الساعة مجمعا على إزهاق نفسه، ~~وقد أغلق عليه الدار واستوثق من الباب! # قال المسيب: فكأنما لدغتني حية بهذه الكلمة، وأكبرت أن يكون رجل مسلم ~~يقتل نفسهن فتناهضت، ولكن الغلام أمسك بي وقال: إنه لا يزال حيا، وسيقتل ~~نفسه متى أظلم الليل وهدأت الرجل. # قلت: الحمد لله، ms353 إن في النور عقلا، ولكن ما الذي صار به إلى ما قلت، وكيف ~~تركته لقدره وجئت؟ # قال الفتى: إنه قال لي: يا ولدي، ليس لك أب بعدي، فإن أردت # PageV02P076 # اللحاق بي فارجع مع الليل لنسلم أنفسنا، وإن آثرت الحياة فارجع مع الصبح ~~لتسلمني إلى غاسلي! # قلت: أفآمن أنت ألا يكون أبوك قد أخرجك عنه لأن عينك تمسك يديه وترده عما ~~يهم به، حتى إذا خلا وجهه منك أزهق نفسه؟ # قال: لم أدعه حتى أقسم أن يحيا إلى الليل، وحتى أقسمت أن أرجع لأموت معه؛ ~~فإن لم تمسكه يمينه أمسكه انتظاري، وقد فرغت الحياة منا فلم يبق إلا أن ~~نفرغ منها؛ ومن كان فيما كنا في ثم انحدر إلى ما انحدرنا إليه، لم ير الناس ~~من نفسه ضعة ولا استكانة، وإنما خرجت لأسأل هذا الإمام "الشعبي" وجها من ~~الرأي فيمن يقتل نفسه إذا ضاقت عليه الدنيا، ونزلت به النازلات، وتعذر ~~القوت، واشتد الضر، وتدلت به المسكنة إلى حضيضها، وألجئ إلى أحوال دقته دق ~~الرحى لما تدور عليه، ولم يعد له إلا رأي واحد في معنى الدنيا, هو أنه ~~مكذوب مزور على الدنيا. # قلت: يا بني، فإني أراك أديبا، فمن أبوك؟ # قال: هو فلان التاجر، ظهر ظهور القمر ومحق محاقه، وهو اليوم في أحلك ~~الليالي وأشدها انطماسا؛ جهده الفقر، ويا ليته كان الفقر وحده، بل انتهكته ~~العلل، وليتها لم تكن إلا العلل مع الفقر، بل أخذ الموت امرأته فماتت هما ~~به وبي، ولم يكن له غيري وغيرها، وكان كل من ثلاثتنا يحيا للاثنين الآخرين، ~~فهذا ما كان يجعل كلا منا لا يفرغ إلا امتلأ، ولما ذهبت الأم ذهبت الحقيقة ~~التي كنا نقاتل الأيام عنها، وكانت هي وحدها ترينا الحياة بمعناها إن ~~جاءتنا الحياة فارغة من المعنى، وكنا من أجلها نفهم الأيام على أنها مجاهدة ~~البقاء؛ أما الآن فالحياة عندنا قتل الحياة! # قلت: يا بني، فإنك -والله- مع أدبك لحكيم، وإني لأنفس بك على الموت، فكيف ~~ردتك حياة أمك عن قتل نفسك ولا تردك ms354 حياة أبيك؟ # قال: لو بقى أبي حيا لبقيت، ولكن الدهر قد انتزع منه آخر ما كان يملك من ~~أسباب القوة، حين أخذ القلب الشفيق الذي كان يجعله يرتعد إذا فكر في الموت, ~~فهو الآن كالذي يحارب عن نفسه تلقاء عدو لا يرحمه؛ إن عجز عن عدوه فالرأي ~~قتل نفسه ليستريح من تنكيل العدو به. # قال المسيب بن رافع: وأدركت أن الفتى يريد من سؤال الشيخ تحلة يطمئن # PageV02P077 # إليها أن يموت مسلما إذا قتل نفسه كالمضطر أو المكره، فأشفقت أن أكسر ~~نفسه إذا أنا حدثته أو أفتيته؛ وقلت: هذا مريض يحتاج العلاج لا الفتيا؛ ~~وكان إمامنا "الشعبي" حكيما لحنا فطنا، سفر ين أمير المؤمنين "عبد الملك" ~~وعاهل الروم، فحسدنا العاهل أن يكون فينا مثله. وقلت: لعل الله يحدث به ~~أمرا. فأخذت بيد الفتى إليه، ومشيت أكلمه وأرفه عن نفسه. وقلت له: أما تدري ~~أنك حين فرغت من سرور الحياة فرغت من غرروها أيضا, وأنا الزاهد المنقطع في ~~عرعرة الجبل ينظر من صومعته إلى الدنيا، ليس بأحكم ولا أبصر ممن ينظر من ~~آلامه إلى الدنيا؟ # يا بني: إن الزاهد يحسب أنه قد فر من الرذائل إلى فضائله، ولكن فراره من ~~مجاهدة الرذيلة هو في نفسه رذيلة لكل فضائله. وماذا تكون العفة والأمانة ~~والصدق والوفاء والبر والإحسان وغيرها، إذا كان فيمن انقطع في صحراء أو على ~~رأس جبل؟ أيزعم أحد أن الصدق فضيلة في إنسان ليس حوله إلا عشرة أحجار؟ وايم ~~الله إن الخالي من مجاهدة الرذائل جميعا، لهو الخالي من الفضائل جميعا. # يا بني: إن من الناس من يختارهم الله فيكونون قمح هذه الإنسانية؛ ينبتون ~~ويحصدون ويطحنون ويعجنون ويخبزون، ليكونوا غذاء الإنسانية في بعض فضائله. ~~وما أرك أنت وأباك إلا من المختارين، كأن في أعراقكم دم نبي يقتل أو يصلب! # قال المسيب: وانتهينا إلى دار الشعبي، فطرقت الباب، وجاء الشيخ ففتح لنا، ~~وسلمنا وسلم، ثم بدرت فقلت: يا أبا عمرو، إن أبا هذا كان من حاله كيت وكيت، ~~فترادفت عليه المصائب، وتوالت ms355 النكبات، وتواترت الأسقام ... ثم اقتصصت ما ~~قال ابنه حرفا حرفا، ثم قلت؛ وإنه الآن موشك أن يزهق نفسه وسيتبعه ابنه ~~هذا؛ وقد "هداه الله إليك فجاء يسلك, أيموت مسلما من ألجئ وأكره واضطر ~~واستضاق واختل، فتحسى سما فهلك، أو توجأ بحديدة فقضى، أو ذبح نفسه بنصل ~~فخفت، أو حز في يده بسكين فما رقأ دمه حتى مات، أو اختنق في حبل ففاضت ~~نفسه، أو تردى من شاهق فطاح! # وأدرك الشيح معنى قولي: "هداه الله إليك" ومعنى ما أكثرت من الألفاظ ~~المرادفة على القتل وما استقصيت من وجوهه؛ فعلم أن لم أسأله الفتيا والنص، ~~ولكني سألته الحكمة والسياسة؛ فقال: هذا -والله- رجل كريم، أخذته الأنفة ~~وعزة النفس, وما أنا الساعة بمعزل عن همه, فنذهب نكلمه والله المستعان. # ومشينا ثلاثتنا، فلما شارفنا الدار قال الفتى: إنه لا يفتح لي إذا رآكما، ~~وربما # PageV02P078 # استفز بنفسه فأزهقها، وسأتسور الحائط وأتدلى ثم أفتح لكما فتدخلان وأنا ~~عنده. # ودخلنا، فإذا رجل كالمريض من غير مرض، خوار مسلوب القوة، انزعج قلبه إلى ~~الموت وما به جرأة، وإلى الحياة وما به قوة؛ وصغر إليه نفسه أنها أصبحت في ~~معاملة الناس كالدرهم الزائف لا يقبله أحد، وثابر عليه داء الحزن فأضناه ~~وتركه روحا تتقعقع في جلدها، فهي تهم في لحظة أن تثب وتندلق. # وسلم الشيخ وأقبل بوجهه على الرجل، ثم قال: "بسم الله الرحمن الرحيم، ~~{والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم ~~المتقون} [البقرة: 177] ". # فقطع عليه الرجل وقال كالمحنق: أيها الشيخ، قد صبرنا حتى جاء ما لا صبر ~~عليه؛ وقد خلونا من معاني الكلام كله؛ فما نقدر عليها إلا لفظة واحدة نملك ~~معناها، هي أن ننتهي! # ومد الشيخ عينه فرأى كوة مسدودة في الجدار، فقال لي: افتح هذه ودع الهواء ~~يتكلم معنا كلامه. فقمت إليها فعالجتها حتى فتحتها، ونفذ منها روح الدنيا، ~~وقال الشيح للرجل: أصغ إلي، فإذا أنا فرغت من الكلام فشأنك بنفسك. # أعلمت أن رجلا من المسلمين قد مرض، فأعضل مرضه فأثبته على سريره ms356 ثلاثين ~~سنة لا يتحرك، وطوى فيه الرجل الذي كان حيا ونشر منه الرجل الذي سيكون ~~ميتا، فبقي لا حيا ولا ميتا ثلاثين سنة؟ # قال الرجل: وفي الدنيا من يعيش على هذا الحال ثلاثين سنة؟ # قال الشيح: صحيح الكلام واسأل. أيصبر على هذه الحال ثلاثين سنة ولا يقول: ~~"جاء ما لا صبر عليه" وأي شيء لا صبر عليه عند الرجل المؤمن الذي يعلم أن ~~البلاء مال غير أنه لا يوضع في الكيس بل في الجسم؟ # أفتدري من كان الصابر ثلاثين سنة على بلاء الحياة والموت مجتمعين في عظام ~~ممدودة على سريرها؟ إنه إمامنا "عمران بن حصين الخزاعي"1 الذي أرسله عمر بن ~~الخطاب يفقه أهل البصرة, وتولى قضاءها، وكان الحسن البصري يحلف بالله ما ~~قدمها خير لهم من عمران بن حصين. ولقد دخلت عليه أنا وأخوه "العلاء"، ~~فرأيناه مثبتا على سرير الجريد كأنما شد بالحبال وما شد إلا بانتهاك ~~PageV02P079 # عصبه وذوبان لحمه ووهن عظامه، فبكى أخوه، فقال: لم تبكي؟ قال: لأني أراك ~~على هذه الحال العظيمة؟ قال: لا تبك، فإن أحبه إلى الله تعالى أحبه إلي. ثم ~~قال: إن هذه الأرض تحمل الجبال فلا يشعر موضع منها بالجبل القائم عليه، إذ ~~كان تماسك الأرض كلها قد جعل لكل موضع منها قوة الجميع، ولولا هذا لدك ~~الجبل موضعه وغار به؛ وكذلك يحمل المؤمن مثل الجبال من البلاء على أعضائه ~~لا ينكسر لها ولا يتهدم؛ إذ كانت قوة روحه قوة في كل موضع، فالبلاء محمول ~~على همة الروح لا على الجسم، وهذا معنى الخبر: "إن المؤمن بكل خير على كل ~~حال، إن روحه لتنزع من بيه جنبيه وهو يحمد الله عز وجل". # ثم قال: ولكن ذاك هو المؤمن، فمن آمن بالله فكأنما قال له: "امتحني! " ~~وكيف تراك إذا كنت بطلا من الأبطال مع قائد الجيش, أما تفرض عليك شجاعتك أن ~~تقول للقائد: "امتحني وارم بي حيث شئت! " وإذا رمى بك فرجعت مثخنا بالجراح ~~ونالك البتر والتشويه، أتراها أوصافا لمصائبك, أم ثناء على شجاعتك؟ # ثم ms357 قال: إذا لم يكن الإيمان بالله اطمئنانا في النفس على زلازلها ~~وكوارثها، لم يكن إيمانا، بل هو دعوى بالفكر أو اللسان لا يعدوهما، كدعوى ~~الجبان أنه بطل، حتى إذا فجأه الروع أحدث في ثيابه من الخوف. ومن ثم كان ~~قتل المؤمن نفسه لبلاء أو مرض أو غيرهما كفرا بالله وتكذيبا لإيمانه، وكان ~~عمله هذا صورة أخرى من طيش الجبان الذي أحدث في ثيابه! # والإيمان الصحيح هو بشاشة الروح، وإعطاء الله الرضى من القلب, ثقة بوعده ~~ورجاة لما عنده، ومن هذين يكون الاطمئنان، وبالبشاشة والرضى والثقة ~~والرجاء، يصبح الإيمان عقلا ثانيا مع العقل، فإذا ابتلي المؤمن بما يذهب ~~معه الصبر ويطيش له العقل، وصار من أمره في مثل الجنون, برز في هذه الحالة ~~عقله الروحاني وتولى سياسة جسمه حتى يفيق العقل الأول. ويجيء الخوف من عذاب ~~الله ونقمته في الآخرة، فيغمر به خوف النفس من الفقر أو المرض أوغيرهما ~~فيقتل أقواهما الأضعف، ويخرج الأعز منهما الأذل. # فالاطمئنان بالإيمان هو قتل الخوف الدنيوي بالتسليم والرضى، أو تحويله عن ~~معناه بجعل البلاء ثوابا وحسنات، أو تجريده من أوهامه باعتبار الحياة سائرة ~~بكل ما فيها إلى الموت؛ وهو بهذا عقل روحاني له شأن عظيم في تصريف الدنيا، ~~يترك النفس راضية مرضية، تقول لمصائبها وهي مطمئنة: نعم. وتقول لشهواتها ~~وهي مطمئنة: لا. # PageV02P080 # وما الإنسان في هذا الكون؟ وما خيره وشره؟ وما سخطه ورضاه؟ إن كل ذلك إلا ~~كما ترى قبضة من التراب تتكبر وقد نسيت أنه سيأتي من يكنسها! # قال الشيخ: وانظر, أما تبتلى الشجرة الخضراء في بعض أوقاتها بمثل ما ~~يبتلى به الإنسان؟ غير أن لها عقلا روحانيا مستقرا في داخلها يمسك الحياة ~~عليها ويتربص حالا غير الحال؛ ومهما يكن من أمر ظاهرها وبلائه فالسعادة ~~كلها في داخلها، ولها دائما ربيع على قدرها حتى في قر الشتاء. # فالعقل الروحاني الآتي من الإيمان، لا عمل له إلا أن ينشئ للنفس غريزة ~~متصرفة في كل غرائزها، تكمل شيئا وتنقص من شيء، وتوجه إلى ناحية وتصرف عن ms358 ~~ناحية؛ وبهذه الغريزة تسمو الروح فتكون أكبر من مصائبها وأكبر من لذاتها ~~جميعا. # وتلك الغريزة هي نفسها معنى الرضى بالقدر خيره وشره, وهي تأتي بالتأويل ~~لكل هموم الدنيا، فتضع في النكبات معاني شريفة تنزع منها شرها وأذاها ~~للنفس؛ وليست المصيبة شيئا لولا تأذي النفس بها، وإذا وقع التأويل في معاني ~~النكبات أصبحت تعمل عمل الفضائل، وتغيرت طبيعتها فيعود الفقر بابا من ~~الزهد، والمرض نوعا من الجهاد، والخيبة طريقا من الصبر، والحزن وجها من ~~الرجاء، وهلم جرا. # والنفس وحدها كنز عظيم، وفيها وحدها الفرح والابتهاج لا في غيرها، وما ~~لذات الدنيا إلا وسائل لإثارة هذا الفرح وهذا الابتهاج، فإن وجدا مع الفقر ~~بطلت عزة المال وأصبح حجرا من الحجر؛ والبلبل يتغرد بحنجرته الصغيرة ما لا ~~تغني فيه آلات التطريب كلها. وفي النفس حياة ما حولها، فإذا قويت هذه النفس ~~أذلت الدنيا، وإذا ضعفت أذلتها الدنيا!. # قال المسيب: ثم سكت الشيخ قليلا، وكنت أرى الرجل كأنما يغتسل بكلامه، وقد ~~أشرق وجهه وتنضر وانقلب على روحه التي كان منصرفا عنها، فعادت مصائبه تضغط ~~روحا لينة كما تضغط اليد على الماء، وأيقن أن النكبة كلها هي أن ينظر ~~الإنسان إلى الحياة بعين شهواته, فينكب أول ما ينكب في صبره ويقينه. # ثم قال الشيخ: ولقد رأيت بعيني رأسي معجزة "العقل الروحاني" وكيف يصنع؛ ~~رأيت عروة بن الزبير1 وهو شيخ كبير، عند الوليد بن عبد الملك، وقد ~~PageV02P081 # وقعت في رجله الأكلة: فأشاروا عليه بقطعها لا تفسد جسده كله، فدعي له من ~~يقطعها فلما جاء قال له: نسقيك الخمر حتى لا تجد لها ألما، فقال عروة: لا ~~أستعين بحرام الله على ما أرجو من عافية! قال: فنسقيك المرقد. فقال عروة: ~~ما أحب أن أسلب عضوا من أعضائي وأنا لا أجد ألم ذلك فأحتسبه! # ثم دخل رجال أنكرهم عروة، فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: يمسكونك، فإن الألم ~~ربما عزب معه الصبر، قال: أرجو أن أكفيكم ذلك من نفسي! # قال الشيخ: فانظر أيها الضعيف الذي يريد قتل نفسه كيف صنع ms359 عروة، وكيف ~~استقبل البلاء، وكيف صبر وكيف احتمل، إنه انصرف بحسه إلى النفس فانبسطت ~~روحه عليه، وأخذ يكبر ويهلل ليبقى مع روحه وحدها، وخرج من دنيا ظاهره إلى ~~دنيا باطنه، وغمرت حواسه وأعصابه بالنور الإلهي من معنى التكبير والتهليل، ~~فقطع القاطع كعبه بالسكين وهو لا يلتفت، حتى إذا بلغ العظم وضع عليها ~~المنشار ونشرها وعروة في التكبير والتهليل، ثم جيء بالزيت مغليا في مغارف ~~الحديد فحسم به مكان القطع، فغشي على عروة ساعة ثم أفاق وهو يمسح العرق عن ~~وجهه، ولم يسمع منه في كل هذه الآلام الماحقة أنة ولا آهة، ولم يقل قبلها ~~ولا بعدها ولا بين ذلك: "جاء ما لا صبر عليه! ". # قال المسيب: وأرهف بأس الرجل الضعيف وقوي جأشه، وانبعث فيه الروح إلى عمر ~~جديد، ونشأ له اليقين من عقله الروحاني، وعرف أن ما لا يمكن أن يدرك، يمكن ~~أن يترك. # وجاء هذا العقل الروحاني فمر بالمنشار على اليأس الذي كان في نفسه فقطعه، ~~فما راعنا إلا أن وثب الرجل قائما يقول: الله أكبر من الدنيا، الله أكبر من ~~الدنيا. # ثم أكب على يد الشيخ وهو يقول: صدقت؛ "إن كل ذلك إلا كما ترى قبضة التراب ~~تتكبر، وقد نسيت أنه سيأتي من يكنسها! ". # ماذا يصنع الإنسان إذا غلط في مسألة من مسائل الدنيا إلا أن يتحرى ~~الصواب، ويجتهد في الرجوع إليه، ويصبر على ما يناله في ذلك؟ وماذا يصنع ~~الإنسان إذا غلطت في مسألة؟ # PageV02P082 ### | ### | الانتحار " # 2" # قال المسيب بن رافع: وقام الشعبي إلى الرجل فاعتنقه فرحا بما آل أمره ~~إليه، بعد إذ رأى النور يجري على لونه ويترقرق في ديباجته، كأنما وقع الصلح ~~بين وجهه وبين الحياة. ثم قال له: نعم أخو الإسلام أنت، فاستعذ بالله من ~~خذلانه، فإنه ما خذلك إلا وضعك نفسك بإزاء الله تعارضه أو تجاريه في قدرته، ~~فيكلك إلى هذه النفس، فتنتهي بك إلى العجز، وينتهي العجز بك إلى السخط، ~~ومتى كنت عاجزا ساخطا، محصورا في نفسك موكولا إلى قدرتك، كنت كالأسد الجائع ms360 ~~في الفقر، إذا ظن أن قوته تتناول خلق الفريسة؛ فيدعو ذلك إلى نفسك اليأس ~~والانزعاج والكآبة؛ وأمثالها من هذه المهلكات تقدح في قلبك الشك في الله، ~~وتثبت في روعك شر الحياة، وتهدي إلى خاطرك حماقات العقل، وتقرر عندك عجز ~~الإرادة؛ فتنتهي من كل ذلك ميتا قد أزهقتك نفسك قبل أن تزهقها! # ولو كنت بدل إيمانك بنفسك قد آمنت بالله حق الإيمان، لسلطك الله على نفسك ~~ولم يسلطها عليك؛ فإذا رمتك المطامع بالحاجة التي لا تقدر عليها، رميتها من ~~نفسك بالاستغناء الذي تقدر عليه؛ وإذا جاءتك الشهوات من ناحية الرغبة ~~المقبلة، جئتها من ناحية الزهد المنصرف، وإذا ساورتك كبرياء الدنيا أذللتها ~~بكبرياء الآخرة. # وبهذا تنقلب الأحزان والآلام ضروبا من فرح الفوز والانتصار على النفس ~~وشهواتها، وكانت فنونا من الخذلان والهم، وتعود موضع فخر ومباهاة، وكانت ~~أسباب خزي وانكسار، "وعزيمة الإيمان إذا هي قويت حصرت البلاء في مقداره، ~~فإذا حصرته لم تزل تنقص من معانيه شيئا شيئا، فإذا ضعفت هذه العزيمة جاء ~~البلاء غامرا متفشيا يجاوز مقداره بما يصحبه من الخوف والروع، فلا تزال ~~معانيه تزيد شيئا فشيئا بما فيه وبما ليس فيه. # وللإيمان ضوء في النفس ينير ما حولها فتراه على حقيقته الفانية وشيكا أن # PageV02P083 # يزول؛ فإذا انطفأ هذا الضوء انطمست الأشياء، فتتوهمها النفس أوهاما ~~متباينة على أحوالها المختلفة؛ كما يرى الأعمى بوهمه، لا عينه مع الأشياء ~~تكون في طبيعتها، ولا أشياؤه عند عينه تكون في حقيقتها. # قال المسيب: وكان الشمس قد طفلت للمغيب؛ فقال الإمام للرجل: قم فتوضأ ~~وأسبغ الوضوء، وسأعلمك أمرا تنتفع به في دينك ودنياك: فإذا قمت إلى وضوئك ~~فأيقن في نفسك واعزم في خاطرك على أن في هذا الماء سرا روحانيا من أسرار ~~الغيب والحياة, وأنه رمز للسماء عندك، وأنك إنما تتطهر به من ظلمات نفسك ~~التي امتدت على أطرافك؛ ثم سم الله تعالى مفيضا اسمه القادر الكريم على ~~الماء وعلى نفسك معا، ثم تمثل أنك غسلت يديك مما فيهما ومما تتعاطاه بهما ~~من أعمال الدنيا، وأنك ms361 آخذ فيهما من السماء لوجهك وأعضائك؛ وقرر عند نفسك ~~أن الوضوء ليس شيئا إلا مسحة سماوية تسبغها على كل أطرافك، ليشعر بها جسمك ~~وعقلك؛ وأنك بهذه المسحة السماوية تستقبل الله في صلاتك سماويا لا أرضيا. # فإذا أنت استشعرت هذا وعملت عليه وصار عادة لك، فإن الوضوء حينئذ ينزل من ~~النفس منزلة الدواء، كلما اغتممت أو تسخطت أو غشيك حزن أو عرض لك وسواس، ~~فما تتوضأ على تلك النية إلا غسلت الحياة وغسلت الساعة التي أنت فيها من ~~الحياة1. وترى الماء تحسبه هدوءا لينا لين الرضى، وإذا هو ينساب في شعورك ~~وفي أحوالك جميعا. # قال المسيب: وقمت أنا فجددت وضوئي على هذه الصفة بتلك النية، فإذا أنا ~~عند نفسي مستضيء بروح نجمية لها إشراق وسناء، وإذا الوضوء في أضعف معانيه ~~هو ما علمنا من أنه الطهارة والنظافة، أما في أقوى معانيه فهو إفاضة من ~~السماء فيها التقديس والتزكية وغسل الوقت الإنساني مما يخالطه كلما مرت ~~ساعات، وابتدؤه للروح كالنبات الأخضر ناضرا مطولا مترطبا بالماء. # ثم صلى بنا الشيخ, وأمرني بالمبيت مع الرجل، كأنما خشي البدوات أن تبدو ~~له فتنقص عزمه، أو هو زادني عليه لأغير شخصه وأبدل وحدته التي كان فيها، أو ~~كأن الشيخ لم يأمن على الرجل أن يكون إنسانه الروحي قد تنبه بأكمله فوضعني ~~كالتنبيه له. PageV02P084 # جاءنا العشاء من دار الشيخ فطعمنا، ثم قام الرجل فتوضأ وصلينا العتمة ~~وجلسنا نتحدث، فاستنابه نبأه، فقال: مهلا. ثم نهض فتوضأ الثالثة وقال: ~~تالله ما أعرف الوضوء بعد اليوم إلا ملامسة بين السماء والنفس، وما أعرف ~~وقته من الروح إلا كساعة الفجر على النبات الأخضر. # قال المسيب: وأصبحنا فغدونا على الإمام، ثم لزمني الرجل في بعض أموري، ثم ~~وافينا المسجد صلاة العصر لحضور درس الشيخ؛ وكان الناس كالحب المتراصف على ~~العنقود، لا أدري من ساقهم وجمعهم، كأنما علمت الكوفة أن رجلا مسلما كفر ~~بالله كفرة صلعاء وأنه سيحضر درس الشيخ, وسيحضر الشيخ من أجله، فهبت الرياح ~~الأربع تسوق أهلها إلى المسجد من أقطارها. ms362 # وجلس الشيخ مجلس الحديث فقال: # روينا أن رجلا كانت به جراحة، فأتى قرنا له فأخذ مشقصا1 فذبح به نفسه, ~~فلم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم, وترك جنازته مطرودة تقتحم متلفة ~~الآخرة كما اقتحمت متلفة الدنيا. # روينا في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الذي يخنق نفسه ~~يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعن نفسه في النار, والذي يقتحم يقتحم ~~في النار". # روينا عنه صلى الله عليه وسلم: "من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة". # روينا عنه صلى الله عليه وسلم: "كان رجل به جراح فقتل نفسه، فقال الله: ~~بدرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة". # قال الشعبي: يقول الله: "بدرني عبدي بنفسه ... " أي بدرني وتأله فجعل ~~نفسه إله نفسه، فقبضها وتوفاها، فكان ظالما. # بدرني وتأله في آخر أنفاسه لحظة ينقلب إلي، فكان مع ظلمه مغرورا أحمق! # بدرني وتأله حين ضاق, فهور نفسه في الموت من عجزه أن يمسكها في الحياة، ~~فكان عاجزا مع ظلمه وغروره وحمقه! # بدرني وتأله على جهله بسر الحياة وحكمتها، فلم يستح هذا المخلوق الظالم ~~المغرور في حمقه وعجزه وجهله، ولم يستح أن يجيئني في صورة إله. PageV02P085 # بدرني وتأله، فطبع نفسه طابعها الأبدي من غي وتمرد وسفاهة، وأرسلها إلى ~~مقتولة يردها علي. # بدرني وتأله كأنما يقول: إن له نصف الأمر ولي النصف: أنا أحييت وهو أمات! # بدرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة! قال الشعبي: وإنما تحرم الجنة على من ~~يقتل نفسه، إذ ينقلب إلى الله وعلى روحه جناية يده ما تفارقها إلى الأبد, ~~فهو هناك جيفة من الجيف مسمومة أبدا, أو مخنوقة أبدا، أو مذبوحة أبدا، أو ~~مهشمة أبدا يقول الله له: أنت بدرتني بنفسك، وجريت معي في القدر مجرى ~~واحدا، فستخلد نفسك في الصورة التي هي من عملك، وما قتلت إلا حسناتك. # قال الشعبي: ولو عرف قاتل نفسه أنه سيصنع من نفسه جيفة أبدية، فمن ذا ~~الذي يعرف أنه إذا فعل كذا وكذا تحول حمارا وبقي حمارا، فيرضى أن يتحول ~~ويسرع ms363 ليتحول؟ # من ذلك نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنازة ذلك الرجل الذي قتل نفسه، ~~كما ينظر إلى ذبابة توجهت بالسب إلى الشمس والكواكب والأفلاك كلها، ثم ~~جاءته تقول له: اشهد لي. # قال الشيخ: ومم يقتل الإنسان نفسه؟ أما أن الموت آت لا ريب فيه ولا مقصر ~~لحي عنه، وهو الخيبة الكبرى تلقى على هذه الحياة؛ فما ضرر الخيبة الصغيرة ~~في أمر من أمور الحياة؟ # إن المرء لا يقتل نفسه من نجاح بل من خيبة، فإن كانت الخيبة من مال فهي ~~الفقر أو الحاجة، وإن كانت من عافية فهي المرض أو الاختلال، وإن كانت من ~~عزة فهي الذل أو البؤس، وإن كانت مما سوى ذلك -كالنساء وغيرهن- فهي العجز ~~عن الشهوة أو التخيل الفاسد، وليس يخيب الإنسان إلا خيبة عقل أو إرادة، ~~وإلا فالفقر والحاجة والمرض والاختلال والذل والبؤس، والعجز عن الشهوة ~~وفساد التخيل، كل ذلك موجود في الناس، يحمله أهله راضين به صابرين عليه، ~~وهو الغبار النفسي لهذه الأرض على نفوس أهلها. ويا عجبا! إن العميان هم ~~بالطبيعة أكثر الناس ضحكا وابتساما وعبثا وسخرية، أفتريدون أن تخاطبكم ~~الحياة بأفصح من ذلك؟ # PageV02P086 # ليست الخيبة هي الشر، بل الشر كله في العقل إذا تبلد فجمد على حالة واحدة ~~من الطمع الخائب، أو في الإرادة إذا وهنت فبقيت متعلقة بما لم يوجد. أفلا ~~ترون أنه حين لا يبالي العقل ولا الإرادة لا يبقى للخيبة معنى ولا أثر في ~~النفس، ولا يخيب الإنسان حينئذ، بل تخيب الخيبة نفسها؟ # لهذا يأبى الإسلام على أهله الترف العقلي والتخيل الفاسد، ويشتد كل الشدة ~~في أمر الإرادة، فلا يترخص في شيء يتعلق بها، ولا يزال ينميها بأعمال يومية ~~تشد منها لتكون رقيبة على العقل حارسة له، فإن للعقل أمراضا كثيرة يقيس ~~فيها درجات من الطيش حتى يبلغ الجنون أحيانا؛ فكانت الإرادة عقلا للعقل؛ هي ~~لينه إذ تصلب، وهي حركته إذا تبلد، وهي حلمه إذ طاش، وهي رضاه إذا سخط. # الإرادة شيء بين الروح والعقل فهي بين وجودين؛ ms364 ولهذا يكون بها الإنسان ~~بين وجودين أيضا، فيستطيع أن يعيش وهو في الدنيا كالمنفصل عنها، إذ يكون في ~~وجوده الأقوى وجود روحه، وأكبر همه نجاحه في هذا الوجود. # وهذا النجاح لا يأتي من المال، ولا تحققه العافية، ولا تيسره الشهوات، ~~ولا يسنيه التخيل الفاسد؛ ولا يكون من متاع الغرور، ولا مما عمره خمسون سنة ~~أو مائة سنة، بل يأتي مما عمره الخلود ومما هو باق أبدا في معانيه من الخير ~~والحق والصلاح؛ فههنا يعين المرض بالصبر عليه مما لا تعين الصحة، ويفيد ~~الفقر بحقائقه ما لا تفيد الثروة؛ وهنا يكون العقل الإنساني عاملا أكثر مما ~~هو متخيل، وقانعا أكثر مما هو طامع؛ ههنا لا موضع لغلبة الشهوة، ولا كبرياء ~~النفس، ولا حب الذات؛ وهذه الثلاث هي جالبة الشقاء على الإنسان حتى في ~~أحوال السعادة, وبدونها يكون الإنسان هانئا حتى في أحوال الشقاء. # بالإرادة المؤمنة القوية ينصرف ذكاء المؤمن إلى حقائق العالم وصلاح النفس ~~بها، وبغير هذه الإرادة ينصرف الذكاء إلى خيال الإنسان وفساد الإنسان. # وإذا انصرف الذكاء إلى حقائق الدنيا كان العقل سهلا مرنا مطواعا، واستحال ~~عليه أن يفهم فكرة قتل النفس أو يقرها، فإن هذه الفكرة الخبيثة لا تستطرق ~~إلى العقل إلا إذا تحجر وانحصر في غرض واحد قد خاب وخابت فيه الإرادة ففرغت ~~الدنيا عنده. # ولو أن امرأ تم عزمه على قتل نفسه ثم صابر الدنيا أياما، لانفسح عزمه أو ~~رك؛ إذ يلين العقل في هذه المدة نوعا ما، ويجعل الصبر بينه وبين المصيبة ~~مسافة # PageV02P087 # ما، فتتغير حالة النفس هونا ما؛ فالصبر كالتروح بالهواء على العقل الذي ~~يكاد يختنق من احتباسه في معنى واحد مقفل من جوانبه "ومثل العقل في هذه ~~الحال مثل القائم في إعصار لفه بالتراب لفا وسد عليه منافذ الهواء، وحبسه ~~في هذا التراب الملتف حبس الحشرة في جوف القصبة؛ فهو على اليقين أنها حالة ~~ساعة طارئة من الزمن لا حالة الزمن؛ وأن الهواء الذي جاء بهذا الهم هو الذي ~~يذهب بهذا الهم. # وكما أن ms365 الأرض هي شيء غير هذا الإعصار الثائر منها، فالحياة كذلك هي أمر ~~آخر غير شقائها. # قال الإمام: وفي كتاب الله آيتان تدلان على أنه كتاب الدنيا كلها، إذ وضع ~~لهذه الدنيا مثالين: أحدهما المثال الروحي للفرد الكامل، والآخر المثال ~~الروحي للجماعة الكاملة. # أما الآية الأولى فهي قوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ~~لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} [الأحزاب: 21] . # وأما الثانية فهي قوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على ~~الكفار رحماء بينهم} [الفتح: 29] . # ففي رجاء الله واليوم الآخر يتسامى الإنسان فوق هذه الحياة الفانية، فتمر ~~همومها حوله ولا تصدمه، إذ هي في الحقيقة تجري من تحته فكأن لا سلطان لها ~~عليه، وهذه الهموم تجد في مثل هذه النفس قوى بالغة تصرفها كيف شاءت، فلا ~~يجيء الهم قوة تستحق ضعفا، بل قوة تمتحن قوة أخرى أو تثيرها لتكون عملا ~~ظاهرا يقلده الناس وينتفعون منه بالأسوة الحسنة, والأسوة وحدها هي علم ~~الحياة. # وقد ترى الفقير من الناس تحسبه مسكينا، وهو في حقيقته أستاذ من أكبر ~~الأساتيذ يلقي على الناس دروس نفسه القوية. # وفي رجاء الله واليوم الآخر يبطل أكبر أسباب الشر في الناس، وهو نظر ~~الإنسان لمن هو أحظى منه بفتنة الدنيا نظرا لا يبعث إلا الحقد والسخط، ~~فينظر المؤمن حينئذ إلى ما في الناس من الخبر والصلاح والإيمان والحق ~~والفضيلة, وهذه بطبيعتها لا تبعث إلا السرور والغبطة، ومن جعلها في تفكيره ~~أبطل أكثر الدنيا من تفكيره، وبها تسقط الفروق بين الناس عاليهم ونازلهم، ~~كالرجل الفقير # PageV02P088 # العالم إذا قدم على الغني العالم؛ جمع بينهما الاتفاق العقلي وسقط ما ~~عداه. # وفي رجاء الله واليوم الآخر يعيش الإنسان عمره الطويل أو القصير كأنه في ~~يوم يصبح منه غاديا على الحشر والحساب؛ فهو متصل بالخلود غير معني إلا ~~بأسبابه، وبهذا تكون أمراضه وآلامه، ومصائبه ليست مكاره من الدنيا، بل هي ~~تلك المكاره التي حفت الجنة بها؛ ولا يضره الحرمان لأنه قريب الزوال، ولا ~~يغره المتاع لأنه قريب الزوال أيضا. ms366 # وفي رجاء الله واليوم الآخر يسود الإنسان على نفسه، ومن كان سيد نفسه كان ~~سيد ما حولها يصرفه بحكمه، ومن كان عبد نفسه صرفه بحكمه كل ما حوله. # قال الشعبي: وأما المثال الروحي للجماعة الكاملة، فهو في وصف المؤمنين ~~بأنهم "رحماء بينهم"؛ فهذا هذا، ما أحسبه يحتاج إلى بسط وبيان. # إن أكثر ما يضيق به الإنسان يكون من قبل من حوله ممن يعايشهم ويتصل بهم ~~لا من قبل نفسه، فإذا قام اجتماع أمة على أنهم "رحماء بينهم" تقررت العظمة ~~النفسية للجميع على السواء؛ ومن كانوا كذلك لم يحقروا الفقير بفقره, ولم ~~يعظموا الغني لغناه، وإنما يحقرون ويعظمون لصفات سامية أو حقيرة. وبين ~~هؤلاء يكون الفقير الصابر أعظم قدرا من الغني الشاكر، وإعظام الناس لفضيلة ~~الفقير هو الذي يجعل فقره عند نفسه شيئا ذا قيمة في الإنسانية. # ومتى تصححت آراء الجماعة في هذه المعاني المؤلمة للناس بطل ألمها ~~واستحالت معانيها، وصار لا يبلى معنى من معاني الحياة في إنسان إلا وضع ~~إيمانه معنى جديدا في مكانه، وتصبح الفضيلة وحدها غاية النفس في الجميع، ~~وبذلك يصبر الفرد على مصائبه، لا بقوته وحده، ولكن بجميع القوى التي حوله. ~~أفلا ترون أن إعجاب الناس بالشجاعة وتعظيمهم صاحبها يضع في ألم السلاح لذة ~~يحسها لحم الشجاع البطل؟ # قال المسيب بن رافع: فقام رجل من المجلس، فقال: أيها الشيخ، وإذا فسد ~~الناس وغلظت قلوبهم، وتقطعت بينهم الأسباب، ولم يعودوا "رحماء بينهم", ~~وشمتوا بالفقير، وتهزءوا بالمبتلى وطرحوه في ألسنتهم كما يطرح الشاعر في ~~لسانه رجلا يهجوه لا يكف عنه -فما عسى أن يصنع المسكين حينئذ وكل شيء يدفعه ~~إلى قتل نفسه؟ # PageV02P089 # وقال الشعبي: ههنا الرجاء في الله واليوم الآخر، وهو شعور لا يشترى بمال، ~~ولا يلتمس من أحد، ولا يعسر على من أراده، والفقير والمبتلى وغيرهما إنما ~~يصنع كل منهم مثاله السامي؛ فالصبر على هذا العنت هو صبر على إتمام المثال، ~~وإذا وقع ما يسوءك أو يحزنك فابحث فيه عن فكرته السامية، فقلما يخلو منها، ~~بل قلما ms367 يجيء إلا بها1. # قال المسيب: فقام آخر فقال: وكيف يصنع امرؤ آلت أحوال الدنيا إلى ما ~~يخيفه، أو بلغ الهم مبلغه من قلبه فهم أن يقتل نفسه؟ # قال الشعبي: فليجعل الخوف خوفين: أحدهما خوفه عذاب الله خالدا مخلدا فيه ~~أبدا؛ فيذهب الأقوى بالأضعف، وإذا ابتلي فليضم إلى نفسه من هو أشد بلاء ~~منه؛ ليكون همه أحد همين، فيذهب الأثقل بالأخف. # إن الإنسان ونفسه في هذه الحياة كالذي أعطي طفلا نزقا طياشا عارما متمردا ~~ليؤدبه ويحكم تربيته وتقويمه فيثبت بذلك أنه أستاذ، فيعطي أجر صبره وعمله، ~~ثم يضيق الأستاذ بالطفل ساعة فيقتله، أكذلك التأديب والتربية؟ PageV02P090 ### | ### | الانتحار " # 3": # قال المسيب بن رافع: وكان الإمام قد شغل خاطره بهذه القصة فأخذت تمد مدها ~~في نفسه، ومكنت له من معانيها بمقدار ما مكن لها في همه، وتفتق بها ذهنه عن ~~أساليب عجيبة يتهيأ بعضها من بعض كما يلد المعنى العنى. فلما قال الرجلان ~~مقالهما آنفا وأجابهما بتلك الحكمة والموعظة الحسنة, انقدح له من كلامهما ~~وكلامه رأي فقال: # يا أهل الكوفة: أنشدكم الله والإسلام أيما رجل منكم ضاق بروحه يوما فأراد ~~إزهاقها إلا كشف لأهل المجلس نفسه وصدقنا عن أمره؛ ولا يجدن في ذلك ثلبا ~~ولا عابا، فإنما النكبة مذهب من مذاهب القدر في التعليم, وقد يكون ابتداء ~~المصيبة في رجل هو ابتداء الحكمة فيه لنفسه أو لغيره؛ وما من حزين إلا وهو ~~يشعر في بعض ساعات حزنه أنه قد غيبت فيه أسرار لم تكن فيه، وهذا من إبانة ~~الحقيقة عن نفسها وموضعها كما لألأ في سيف بريقه. # وعقل الهم عقل عظيم، فلو قد أريد استخراج علم يعلمه الناس من اللذات ~~والنعم؛ لكان من شرح هذا العلم من الحمير والبغال والدواب ما لا يكون مثله ~~ولا قرابه في العقلاء، ولا تبلغه القوى الآدمية في أهلها؛ يبد أنه لو أريد ~~علم من البؤس والألم والحاجة لما وجد شرحه إلا في الناس، ثم لا يكون الخاص ~~منه إلا في الخاصة منهم. # وما بان أهل النعمة ولا غمروا ms368 المساكين في تطاولهم بأعناقهم إلا من أنهم ~~يعلون أكتاف الشياطين؛ فالشيطان دابة الغني الذي يجهل الحق عليه في غناه ~~ويحسب نفسه مخلى لشهواته ونعيمه؛ كما هو دابة العالم الذي يجهل الحق عليه ~~في علمه، ويزعم نفسه مخلى لعقله أو رأيه، وما طال الطويل بذلك ولا عن ذلك ~~قصر القصير، وهل يصح في الرأي أن يقال هذا أطول من هذا لأن الأول فوق السلم ~~والآخر فوق رجليه؟ # PageV02P091 # قال المسيب: فقام شيخ من أقصى المجلس وأقبل يتخطى الرقاب والناس ينفرجون ~~له حتى وقف بإزاء الإمام؛ وتفرسته وجعلت عيني تعجمه، فإذا شيخ تبدو طلاقة ~~وجهه شبابا على وجهه، أبلج الغرة متهلل عليه بشاشة الإيمان وفي أساريره أثر ~~من تقطيب قديم، ينطق هذا وذاك أن الرجل فيما أتى عليه من الدهر قد كان أطفأ ~~المصباح الذي في قلبه مرة ثم أضاءه. وعجبت أن يكون مثل هذا الشيخ قد هم ~~بقتل نفسه يوما، وأنا أرى بعيني نفسه هذه منبثقة في الحياة انبثاق النخلة ~~السحوق. # وتكلم هذا الرجل فقال: # أما إذ ناشدتنا الله والإسلام وميثاق العلم ووحي الأقدار في حكمتها، فإني ~~محدثك بخبري على وصفه ورصفه: أملقت منذ ثلاثين سنة ووقف بي من الدهر ما كان ~~يجري، وأصبحت في مزاولة الدنيا كعاصر الحجر يريد أن يشرب منه، وعجزت يدي ~~حتى لظفر دجاجة في نبشها التراب عن الحبة والحشرة أقدر مني؛ وطرقتني ~~النوائب كأنما هي تساكنني في داري، وأكلني الدهر لحما ورماني عظاما، فما ~~كان يقف علي إلا كلاب الطريق؛ ولي يومئذ امرأة أعقبت منها طفلا، ويلزمني ~~حقهما وأستطيعه، وكان بيننا حب فوق المعاشرة والألفة قد تركني من امرأتي ~~هذه كالشاعر الغزل من صاحبته، غير أن الشعر في دمي لا في لساني. # فلما نهكتني المصائب وتناولتني من قريب ومن بعيد، قلت للمرأة ذات يوم وقد ~~شحبت وانكسر وجهها وتقبض من هزاله: وايم الله يا فلانة لو جاز أن يؤكل لحم ~~الآدمي لذبحت نفسي لتأكلي وتدري على الصبي، ولقد هممت أن أركب رأسي وأذهب ~~على وجهي لتفقداني فتفقدا ms369 شؤمي عليكما؛ ولكن ردني قلبي، وهو حبسني في هذه ~~الدنيا الصغيرة التي بينكما، فليس لي من الأرض مشرق ولا مغرب إلا أنت وهذا ~~الصبي. ولست أدري -والله- ما نصنع بالحياة وقد كنا من نباتها الأخضر فرجعنا ~~من حطبها اليابس؛ وعادت الشمس لا تغذوها بل تمتص منها ما بقي، ولا تستضيء ~~لها، ولكن تستوقد عليها. # إن من فقد الخير ووقع في الشر، حري أن يكون قد أصاب خيرا عظيما إذا قتل ~~نفسه فخلص من الشر والخير جميعا، لا يكدي ولا ينجح، ولا يألم ولا يلذ؛ وكما ~~أنكرته الدنيا فلينكرها. أما إنه إن كان القبر فالقبر ولكن في بطن الأرض لا ~~على ظهرها كحالنا؛ وإن كان الموت فالموت ولكن بمرة واحدة وفي شيء واحد لا ~~كهذا الذي نحن فيه أنواعا أنواعا، قد ماتت أيامنا، وتركنا نعيش كالموتى لا ~~أيام # PageV02P092 # لهم، وزاد علينا الموتى في النعمة والراحة أنهم لا يتطفلون على أيام ~~غيرهم فيطردوا عن يوم هذا ويوم ذاك. # قال: فاستعبرت المرأة باكية، ولما فرغت من كلام دموعها قالت: كأنك تريد ~~أن تفجعنا فيك؟ قلت: ما عدوت ما في نفسي؛ ولكن هل بقي في من تفجعين فيه؟ ~~أما ذهب مني ذاك الذي كان لك زوجا وكاسبا، وجاء الذي هو همك وهم هذا الصبي ~~من رجل كالحفرة لا تنتقل من مكانها وتأخذ ولا تعطي؟ # أم والله لكأني خلقت إنسانا خطأ، حتى إذا تبين الغلط أريد إرجاعي إلى ~~الحيوان فلم يأت لا هذا ولا ذاك، وبقيت بينهما؛ يمر الناس بي فيقولون: ~~إنسان مسكين. وأحسب لو نطقت الكلاب لقالت عني: كلب مسكين. يا عجبا! عجبا لا ~~ينتهي! أصبحت الدنيا في يدنا من العجز واليأس كأنما هي بعرة نجهد في ~~تحويلها ياقوتة أو لؤلؤة. # فقالت المرأة: والله لئن حييت على هذا إن هذا لكفر قبيح، ولئن مت عليه ~~إنه لأقبح وأشد. # فقلت لها: ويحك وماذا تنظر العين المبصرة في الظلام الحالك إلا ما تنظر ~~العمياء؟ # قالت: ولم لا تنظر كما ينظر المؤمن بنور الله؟ # قلت: فانظري أنت وخبريني ms370 ماذا ترين. أترين رغيفا؟ أترين إداما؟ أترين ~~دينارا؟ # قالت: والله إني لأرى كل ذلك وأكثر من ذلك. أرى قمرا سيكشف هذه السدفة ~~المظلمة إن لم يطلع فكأن قد. # قال: فغاظتني المرأة ورأيتها حينئذ أشد علي بقلة ذات عقلها من قلة ذات ~~يدي؛ ولولا حبي إياها ورحمتي لها لأوقعت بها. واستحكم في ضميري أن أزهق ~~نفسي وأدعها لما كتب لها. # وقلت: إن جبن المرأة هو نصف إيمانها حين لا يكون نصف عقلها، وللقدر يد ~~ضعيفة على النساء تصفعهن وتمسح دموعهن، وله يد أخرى على الرجال ثقيلة تصفع ~~الرجل وتأخذ بحلقه فتعصره. # قال: وكنت قد سمعت قول الجاهلية في هذه الخليقة؛ أرحام تدفع، وأرض # PageV02P093 # تبلع. فحضرني هذا القول تلك الساعة وشبه لي، واعتقدت أن هذا الإنسان شيء ~~حقير في الغاية من الهوان والضعة: حملته أمه كرها، وأثقلت به كرها، ووضعته ~~كرها؛ وهو من شؤمه عليها إذا دنا لها أن تضع لم يخرج منها حتى يضربها ~~المخاض فتتقلب وتصيح وتتمزق وتنصدع؛ وربما نشب فيها فقتلها، وربما التوى ~~فيبقر بطنها عنه. وإذا هي ولدته على أي حاليها من عسر وتطريق بمثل المطارق ~~المحطمة، أو سراح ورواح كما يتيسر؛ فإنما تلده في مشيمة ودماء وقذر من ~~الأخلاط كأنما هو خارج من جرح، ثم تتناوله الدنيا فتضعه من معانيها في أقبح ~~وأقذر من ذلك كله. ثم يستوفي مدته فيأخذه القبر فيكون شرا عليه في تمزيقه ~~وتعفينه وإحالته. # قال: وحضرني مع كلمة الجاهلية قول ذلك الجاهل الزنديق الذي يعرف ~~"بالبقلي" إذ كان يزعم أن الإنسان كالبقلة، فإذا مات لم يرجع، وقلت لنفسي: ~~إنما أنت بقلة حمقاء ذواية في أرض نشاشة1، فقتلها ملح أرضها أكثر مما ~~أحياها. # قال: وثرت إلى المدية أريد أن أتوجأ بها, فتبادرني المرأة وتحول بيني ~~وبينها، وأكاد أبطش بها من الغيظ، وكانت روح الجحيم تزفر من حولي لو سمعوا ~~سمعوا لها شهيقا وهي تفور؛ فما أدري أي ملك هبط بوحي الجنة في لسان امرأتي. # قلت لها: إنها عزمة مني أن أقتل نفسي. # قالت: وما ms371 أريد أن أنقضها ولست أردك عنها وستمضيها. # قلت: فخلي بين نفسي وبين المدية. # قالت: كلنا نفس واحدة أنا وأنت والصبي فلنقض معا؛ وما بنفسي عن نفسك رغبة ~~ولا تدع الصبي يتيما يصفعه من يطعمه، ويضربه ابن هذا وابن ذاك إذ لا يستطيع ~~أن يقول في أولاد الناس أنا ابن ذلك ولا ابن هذا. # قلت: هذا هو الرأي. # قالت: فتعال اذبح الطفل. # قال المسيب بن رافع: وما بلغ الرجل في قصته إلى ذبح صغيره حتى ضج الناس ~~ضجة منكرة؛ وتوهم كل أب منهم أن طفله الصغير ممدد للذبح وهو ينادي أباه ~~ويشق حلقه بالصراخ: يا أبي يا أبي؛ أدركني يا أبي. PageV02P094 # أما الإمام فدمعت عيناه وكنت بين يديه فسمعته يقول: إنا لله، كيف تصنع ~~جهنم حطبها؟ # وأنا فما قط نسيت هذه الكلمة، وما قط رأيت من بعدها كافرا ولا فاسقا ~~فاعتبرت أعماله إلا كان كل ذلك شيئا واحدا هو طريقة صنعته حطبا ... كأن ~~الشيطان لعنه الله يقول لأتباعه: جففوه. # وكانت هنيهات، ثم فاء الناس ورجعوا إلى أنفسهم وصاحوا بالمتكلم: ثم ماذا؟ # قال الرجل: ففتحت عيني وقلبي معا ورمقت الطفل المسكين الذي لا يملك إلا ~~يديه الضعيفتين؛ ونظرت إلى مجرى السكين من حلقه وإلى محزها في رقبته ~~اللينة؛ ورأيته كأنما تفرق بصره من الفزع على كل جهة، ورأيته يتضرع لي ~~بعينيه الباكيتين ألا أذبحه، ورأيته يتوسل بيديه الصغيرتين كأنه عرف أنه ~~مني أمام قاتله، ثم خيل إلي أنه يتلوى وينتفض ويصرخ من ألم الذبح تحت يد ~~أبيه؛ تحت يد أبيه التعس. # يا ويلتاه! لقد أخذني ما كان يأخذني لو تهدمت السماء على الأرض، وحسبت ~~الكون كله قد انفجر صراخا من أجل الطفل الضعيف الذي ليس له إلا ربه أمام ~~القاتل. # فهرولت مسرعا وتركت الدار والمرأة والصبي وأنا أقول يا أرحم الراحمين. يا ~~من خلق الطفل عالمه أمه وأبوه وحدهما وباقي العالم هباء عنده. يا من دبر ~~الرضيع فوهبه ملكا ومملكة وغنى وسرورا وفرحا، كل ذلك في ثدي أمه وصدرها لا ~~غير يا ms372 إلهي! أنسني مثل هذا النسيان، وارزقني مثل هذا الرزق، واكفلني بمثل ~~هذا التدبير فإني منقطع إلا من رحمتك انقطاع الرضيع إلا من أمه. # قال الرجل: ولقد كنت مغرورا كالجيفة الراكدة تحسب أنها هي تفور حين فارت ~~حشراتها. ولقد كنت أحقر من الذباب الذي لا يجد حقائقه, ولا يلتمسها إلا في ~~أقذر القذر. # وما كدت أمضي كما تسوقني رجلاي حتى سمعت صوتا نديا مطلولا يرجع ترجيع ~~الورقاء في تحنانها وهو يرتل هذه الآية: # {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد ~~عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا} [الكهف: 28] . # PageV02P095 # قال: فوقفت أسمع وماذا كنت أسمع؟ هذه شعل لا كلمات، أحرقت كل ما كان حولي ~~ولمست مصباح روحي المنطفئ فإذا هو يتوهج، وإذا الدنيا كلها تتوهج في نوره، ~~وارتفعت نفسي عن الجدب الذي كنت فيه وكأنما لفتني سحابة من السحب، ففي روحي ~~نسيم الماء البارد ورائحة الماء العذب. # لعن الله هذا الاضطراب الذي يبتلى الخائف به. إننا نحسبه اضطرابا وما هو ~~إلا اختلاط الحقائق على النفس وذهاب بعضها في بعض، وتضرب الشر في الخير ~~والخير في الشر حتى لا يبين جنس من جنس، ولا يعرف حد من حد، ولا تمتاز ~~حقيقة من حقيقة. وبهذا يكون الزمن على المبتلى كالماء الذي جمد لا يتحرك ~~ولا يتساير. فيلوح الشر وكأنه دائما لا يزال في أوله ينذر بالأهوال، وقد ~~يكون هوله انتهى أو يوشك. # قال الرجل: وكنت أرى يأسي قد اعترى كل شيء، فامتد إلى آخر الكون وإلى آخر ~~الزمن؛ فلما سكن ما بي إذا هو قد كان يأس يوم أو أيام في مكان من الأمكنة؛ ~~أما ما وراء هذه الأيام وما خلف هذا المكان، فذلك حكمة حكم الشمس التي تطلع ~~وتغيب على الدنيا لإحيائها، وحكم الماء الذي تهمي السماء به ليسقي الأرض ~~وما عليها، وحكم استمرار هذه الأجرام السماوية في مدارها ولا تمسكها ولا ~~تزنها إلا قوة خالقها. # أين ms373 أثر الإنسان الدنيء الحقير في كل ذلك؟ وهل الحياة إلا بكل ذلك؟ # وما الذي في يد الإنسان العاجز من هذا النظام كله فيسوغ له أن يقول في ~~حادثة من حوادثه إن الخير لا يبتدئ وإن الشر لا ينتهي؟ # تعتري المصائب هذا الإنسان لتمحو من نفسه الخسة والدناءة، وتكسر الشر ~~والكبرياء، وتفثأ الحدة والطيش؛ فلا يكون من حمقه إلا أن يزيد بها طيشا ~~وحدة، وكبرياء وشرا، ودناءة وخسة، فهذه هي مصيبة الإنسان لا تلك. # المصيبة هي ما ينشأ في الإنسان من المصيبة. # قال: ورددت الآية الكريمة في نفسي لا أشبع منها، وجعلت أرتلها أحسن ترتيل ~~وأطربه وأشجاه؛ فكانت نفسي تهتز وترج كأنما هي تبدأ تنظيم ما فيها لإقرار ~~كل حقيقة في موضعها بعد ذلك الاختلاط والاضطراب. # صبر النفس مع الذين يمثلون روحانيتها تمثيلا دائما بالغداة والعشي، وعلى ~~نور الحياة وظلامها، يريدون وجه الله الذي سبيله الحب لا غيره من مال أو ~~متاع. # PageV02P096 # وتقييد العينين بهذا المثل الأعلى كما يكون الأمر في الجمال والحب؛ ~~والربط على الإرادة كيلا تتفلت فتسف إلى حقائر الدنيا المسماة هزءا وتهكما ~~زينة الدنيا، تلك التي تشبه حقائق الذباب العالية ... فتكون قذرة نجسة، ~~ولكنها مع ذلك زينة الحياة لهذا الخلق الذبابي. # تلك -والله- هي أسباب السعادة والقوة. أما المصائب كلها، فهي في إغفال ~~القلب الإنساني عن ذكر الله. # قال: ولما صحت توبتي، وقوي اليقين في نفسي، كبرت روحي واتسعت، وانبعثت ~~لها بواعث من غير حقائق الذباب, وأشرق فيها الجمال الإلهي ساطعا من كل شيء، ~~وكان الصبح يطلع علي كأنه ولادة جديدة، فأنا دائما في عمر طفل، وجاءني ~~الخير من حيث أحتسب ولا أحتسب، وكأنما نمت فانتبهت غنيا وعمل القلب الحي في ~~الزمن الحي. # ولقد أفدت من الآية طبيعة لم تكن في، ولا يثبت معها الشر أبدا، فأصبح من ~~خصالي أن أرى الحاضر كله متحركا يمر بما فيه من خيره وشره جميعا، وأستشعر ~~حركته مثلما ترى عيناي من قطار الإبل يهتز تحت رحاله وهو يغذ السير. # لم أبعد قليلا وأنا ms374 أمشي مطمئنا تائبا متوكلا حتى دعاني رجل ذو نعمة ~~ومروءة وجاه، وكأنما كلمه قلبه أو كلمه وجهي في قلبه فاستنبأني، وبثثته ~~حالي واقتصصت قصتي. فقال: سيحييك الله بالطفل الذي كدت تقتله فارجع إلى ~~دارك. ثم وجه إلي دنانير وقال: اتجر بهذه على اسم الله وبركته فسينمو فيها ~~طفل من المال يبلغ أشده. وقد صدق إيمانه وإيماني، فبارك لي الله ونما طفل ~~المال وبلغ وجاوز إلى شبابه. # قال المسيب: وجلس الرجل وكان كالخطيب على المنبر، فقال الإمام: ما أشبه ~~النكبة بالبيضة تحسب سجنا لما فيها وهي تحوطه وتربيه وتعينه على تمامه، ~~وليس عليه إلا الصبر إلى مدة، والرضى إلى غاية، ثم تنقف البيضة فيخرج خلقا ~~آخر. # وما المؤمن في دنياه إلا كالفرخ في بيضته، عمله أن يتكون فيها، وتمامه أن ~~ينبثق شخصه الكامل فيخرج إلى عالمه الكامل. # PageV02P097 ### | ### | الانتحار " # 4": # قال المسيب بن رافع: ومد الإمام عينه وقد رفع له شخص من المجلس؛ ثم جلى ~~بنظره كأنما يتطلع إلى عجيبة كالحق إذا بطل، والصدق إذا كذب، ثم رد بصره ~~علي كأنه يعجبني من عجبه؛ ثم سجا طرفه كأنما أنكر رأي عينيه فهو يلتمس رأي ~~قلبه. وتبينت في وجهه انقباضا خيل إلي أن الشيطان جاءه بهذا الرجل يفحمه به ~~يريه كيف يجعل أحد المؤمنين الصالحين يتحمس في دينه ليرجع بعد ذلك أصلا لا ~~غنى عنه في إنشاء قصة كفر! # هذا هو ضيفنا "أبو محمد البصري"* يتخوض الناس ليجيء فيحدثنا حديثه في قتل ~~نفسه والإثم بربه؛ فلو قيل لي: إن قوس السماء بأحمره وأصفره وأزرقه وأخضره, ~~قد وقع إلى الأرض واصطبغ من ألوانه أوحالا وأقذارا؛ لكان هذا كهذا في ~~تعاظمه وإنكاره والعجب منه؛ فأبو محمد من الرجال الحمس1 الذين لو كفر أحدهم ~~ثم قيل: "إنه كفر"، لقصر اللفظ أن يبلغ الحقيقة أو يصف شنعتها، كما يقصر ~~لفظ الجنون عن وصف حكيم تألى أن يعمل عملا يخرج به من الكون، فلا يبقى في ~~أرض ولا سماء ولا تناله يد الله! إن في لفظ الكفر مع ms375 ذاك، وفي لفظ الجنون ~~مع هذا, شيئا من نفاق العقل وتأدبه في أداء المعنى الأخرق الذي لا يشبهه ~~جنون ولا كفر. # ونعوذ بالله من خذلانه؛ فلقد يكون الرجل المؤمن في تشدده وإيغاله في ~~الدين كالذي يصنع حبلا يفتله فتلا شديدا فيمره على طاق بعد طاق، ليكون أشد ~~له وأقوى، ثم يجاذبه الشيطان حبله، فإذا هو كان في الوهن مثل العنكبوت ~~اتخذت PageV02P098 # بيتا في سقف حداد؛ فرأته يصب الحديد المصهور يجعله سلسلة حلقة في حلقة، ~~فذهبت تحكيه وترسل من لعابها خيطا في خيط تزعمه سلسلة. # إن مع كل مؤمن شيطانه يتربص به، فلهذا ينبغي للمؤمن أن يكون في كل ساعة ~~كالذي يشعر أنه لم يؤمن إلا منذ ساعة، فهو أبدا محترس متهيئ متجدد الحواس ~~مرهفها يستقبل بها الدنيا جديدة على نفسه بين الفترة والفترة، ومن هذا حكمة ~~أن يؤذن المؤذن, وأن تقام الصلاة مرارا في اليوم، فكلما بدأ وقت قال ~~المؤمن: الآن أبدأ إيماني أطهر ما كان وأقوى. # وقال الإمام: هيه يا أبا محمد! فقال البصري وقد رأى الكراهة في وجه ~~الإمام: لا يفزعنك أيها الشيخ؛ فإن الله -تعالى- قد يجعل ما يحبه هو فيما ~~نكره نحن؛ وليس للأقدار لغة فتجري على ألفاظنا؛ وقد نسمي النازلة تنزل بنا ~~خسارا وهي ربح، أو نقول مصيبة جاءت لتبديل الحياة، ولا تكون إلا طريقة ~~تيسرت لتبديل الفك. إنما لغة القدر في شيء هي حقيقة هذا الشيء حين تظهر ~~الحقيقة؛ وكأين من حادثة لا تصيب امرأ في نفسه إلا لتقع بها الحرب بين هذه ~~النفس وبين غرائزها، فتكون أعمال الطبيعة المعادية أسبابا في أعمال العقل ~~المنتصر. # وكثير من هذا البلاء الذي يقضي على الإنسان، لا يكون إلا وسائل من القدر ~~يرد بها الإنسان إلى عالم فكره الخاص به؛ فإن هذه الدنيا عالم واحد لكل من ~~فيها، ولكن دائرة الفكر والنفس هي لصاحبها عالمه وحده. والسعيد من قر في ~~عالمه هذا واستطاع أن يحكم فيه كالملك في مملكته، نافذ الأمر في صغيرتها ~~وكبيرتها؛ والشقي من لا يزال ms376 ضائعا بين عوالم الناس، ينظر إلى هذا الغني، ~~وإلى ذاك المجدود وإلى ذلك الموفق؛ وهو في كل هذا كالأجنبي في غير بلده ~~وغير قومه وغير أهله، إذا كل شيء يصبح أجنبيا عن الإنسان ما دام هو أجنبيا ~~عن نفسه. # لقد كنت ضالا عن نفسي وعالمها، فكنت في هذه الدنيا أستشعر شعور اللص، ~~أشياؤه هي أشياء الناس جميعا؛ واللص ينظر إلى أموال الناس بعيني شاعر متحبب ~~كلف، وهي تنظر إليه بعيني مقاتل متربص حذر. # كنت والله إن ضقت بالناس أو وسعتهم؛ رأيت في ذلك معنى من ضيق اللص وسعته؛ ~~هو على أي حاليه لا ينظر في أعماق نفسه إلا شخصا متواريا تحت الظلام يتسلل ~~في خشية وحذر. # PageV02P099 # وكنت نزقا حديد الطبع سريع البادرة؛ ومن فقد عالم نفسه وكان في مثل اللص ~~الذي ذكرت؛ فإن هذه الطباع تكون هي أسلحته يدفع بها أو يعتدي. وما قط تمكن ~~إنسان من نفسه وأحاط بها ونفذ فيها تصرفه؛ إلا كان راضيا عن كل شيء إذ يتصل ~~من كل شيء بجهته السامية لا غيرها، حتى في اتصاله بأعدائه من الناس وأعدائه ~~من الأشياء؛ فما يرى هؤلاء ولا هؤلاء إلا امتحانا لفضائله وإثباتها لها. ~~وقد يكن عدوك في بعض الأمور عينا لك في رؤية نفسك؛ ففيه بركة هذه الحاسة ~~ونعمتها. # ولو نحن كنا مسلمين إسلام نبينا صلى الله عليه وسلم، وإسلام المقتدين به ~~من أصحابه, لأدركنا سر الكمال الإنساني، وهو أن يقر الإنسان في عالم نفسه ~~ويجعل باطنه كباطن كل شيء إلهي، ليس فيه إلا قانونه الواحد المستمر به إلى ~~جهة الكمال، المرتفع به من أجل كماله عن دوافع غيره؛ فنظر الإنسان إلى نقص ~~غيره هو أول نقصه. والمؤمن كالغصن؛ إن أثمر فتلك ثمار نفسه، وإن عطل لم ~~يشحذ ولم يحسد واستمر يعمل بقانونه. # ولقد نشأت في مغرس كريم، على صورة من الحياة تشبه صورة الثمرة الحلوة، ~~اجتمع لها من طبيعة مغرسها ومرتبتها ما تتعين به من حلاوة ونكهة ومذاق، ~~فلما عقلت وعرفت الناس بعد فجاريتهم وخالطتهم، ms377 رأيتني منهم كالتفاحة ملقاة ~~في البصل، وكانت التفاحة حمقاء فزادت حمقا، وكانت جديدة فزادت جدة، وظنت أن ~~الحكمة قد مسخت في الدنيا وبدلت إذ خلقت البصلة بعد أن خلقت التفاحة، وما ~~علمت الخرقاء أن الكمال في هذه الحياة مجموع نقائص، وأن للجمال وجهين: ~~أحدهما الذي اسمه القبح؛ لا يعرف هذا إلا من هذا؛ وأن البصلة لو أدركت ما ~~يريد الناس من معناها ومعنى التفاحة لسمت نفسها هي التفاحة، وقالت عن هذه ~~أنها هي البصلة! # ولما رأت تفاحتي أنها عاجزة أن تجعل الشجر كله في مثل مرتبتها ومغرسها, ~~قالت: إن الأمر أكبر من طبيعتي، وما دام سر الكون مغلقا فلا تعريف له إلا ~~أنه سر مغلق، وليبق كل شيء في طبيعة نفسه، فعلى هذا يصلح كل شيء ولو في ~~نفسه وحدها. # قال أبو محمد: ولكن بقيت وحشة الدنيا وجفوتها، إذا لم أكن اهتديت إلى ~~عالمي، ولا تأكدت عقيدتي بنفسي؛ فكان كل ما حولي منبجسا في روحي بشره، ~~وكانت الدنيا بهذا كالمتطابقة في رأيي على معنى واحد، وزادني أني كنت رجلا # PageV02P100 # عزبا متعففا؛ وما أشبه فراغ الرجولة من المرأة بفراغ العقل من الذكاء؛ ~~هذا هو العقل البليد، وتلك هي الرجولة البليدة! # والمرأة تضاعف معنى الحياة في النفس, فلا جرم كان الخلاء منها مضاعفة ~~لمعنى الموت؛ علم هذا من علم وجهله من جهل، فكنت أعيش من الكون في فراغ ~~ميت، وكنت أحس في كل ما حولي وحشة عقلية تشعرني أن الدنيا غير تامة؛ وكيف ~~تتم في عيني دنيا أراها غير الدنيا التي في قلبي؟ # وعرفت أن كل يوم يمضي على الرجل العزب المتعفف لا يمضي حتى يهيئ فيه مرض ~~يوم آخر، ومن هذه الأيام المريضة المتهالكة، تعد الحياة انتقامها من هذا ~~الحي الذي نقض آيتها وافتأت عليها، وجعل نفسه كالإله لا زوجة له ولا صاحبة! # وايم الله إن الشيطان لا يفرح بالرجل الزاني وبالمرأة الزانية ما يفرح ~~بالرجل العزب وبالمرأة العزباء، لأنه في ذينك رذيلة في أسلوبها، أما في ~~هذين فالشيطان رذيلة في ms378 أسلوب فضيلة! هناك يلم الشيطان ويمضي، وهنا يأتي ~~الشيطان ويقيم! # وقد عشت ما عشت بقلب مغلق وعقل مفتوح؛ وليتني كنت جاهلا مغلقا عقله، وكان ~~قلبي مفتوحا لأفراح هذا الكون العظيم! # ومضت أيامي يضرب بعضها في بعض، ويمرض بعضها بعضا حتى انتهت منتهاها، وجاء ~~اليوم المدنف الهالك الذي سيموت. # أصبحت فقلت لنفسي: كم تعيشين ويحك في أحكام جسد مختل لا تصدق أحكامه، وما ~~أنت معه في طبيعتك ولا هو معك في طبيعته؛ ففيم اجتماعكما إلا على بلائي ~~ونكدي؟ # لم تصطلحا قط على واجب ولا لذة، ولا حلال ولا حرام؛ فأنتما عدوان لا هم ~~لكليهما إلا إفساد المسرة التي تعرض للآخر. وما أدري بمن يسخر الشيطان ~~منكما؟ فالعابد الذي يوسوس باللذات يتمنى اقترافها، كالفاجر الذي يواقعها ~~ويقتحمها! # ويحك يا نفس! إني رأيت هذه الدنيا الخرقاء لم تقدم لي إلا رغيفا وقالت: ~~املأ بهذا بطنك وعقلك وعينيك وأذنيك ومشاعرك. آه، آه! ممكن واحد معه أربع ~~مستحيلات1؛ إن هذا لا يلبثني أن يذهب مني بالأربعة التي تمسكني على الحياة: ~~الأمل والعقل والإيمان والصبر. PageV02P101 # لقد استوى في هذه الكآبة صغير همي وكبيره، وما أراني إلا قد أشرفت على ~~الهلكة التي لا باقية لها، فإن وجهي المتكلح المتقبض يدل مني على أعصاب ~~متحضرة نهكتها أمراضها ووساوسها، وإنما وجه الإنسان في قطوبه أو تهلله هو ~~وجهه ووجه دنياه تعبس أو تبتسم. # وتالله لقد عجزت عن كفاح الدنيا بهذه الأعصاب المريضة الواهنة؛ فإن حبالة ~~الصيد -صيد الوحش- لا تكون من خيط الإبرة! وأراني أصبحت كإنسان حجري ليس في ~~طبيعته الالتواء إلى يمين الحياة ويسارها؛ ويخيل إلي من صلابتي أني الأسد، ~~ولكني أسد من حجر، لا تفرض قوته الفرار منه على أحد! # قال أبو محمد: ورأيت نفسي في هذا الحوار كالميتة، لا تجيب ولا تعترض ولا ~~تنكر، وكنت أظنها تراودني على الحياة أو تردني عن غوايتي؛ فملأني سكونها ~~جزعا، وأيقنت أن الشيطان بيني وبينها، وأنه أخذ بمنافذها، فأردت الصلاة ~~فثقلت عنها ورأيتني لا أصلح لها، بل خيل إلي أني إذا ms379 قمت إلى الصلاة فإنما ~~قمت لأتهزأ بالصلاة! # وجعل الشيطان يأخذني عن عقلي ويردني إليه، ثم يأخذني ويردني، حتى توهمت ~~أني جننت وكأنما كان يريد اللعين بقية إيماني يجاذبني فيها وأجاذبه، فلم ~~ألبث أن مسني خبال وألقيت هذه البقية في يديه! # ثم أفقت إفاقة سريعة، فرأيت "المصحف" يرقبني قريب، فعذت به وعطفت عليه ~~وقلت له: امنع الضربة عن قلبي. بيد أني أحسست أنه خصمي في موقفي لا ظهيري؛ ~~كأني جعلته مصحفا عند زنديق، فكان كل إيماني الذي بقي لي في تلك اللحظة أني ~~ضعفت عن حمل المصحف كما ثقلت عن الصلاة، فبقي الطاهر طاهرا والنجس نجسا. # ولم تكن نفسي في ولا كنت فيها؛ وفرأيت الدنيا على وجه لا أدري ما هو، غير ~~أنه هو ما يمكن أن يكون معقولا من تخاليط مجنون تركه عقله من ساعة: بقايا ~~شعور ضعيف، وبقايا فهم مريض، تتصاغر فيهما الدنيا، ويتحاقر بهما العقل. # فملا انتهيت إلى هذا لم أعقل ما عملت وكانت الموسى قد أصابت من يدي عرقا ~~ناشزا منتبرا، ففار الدم وانفجرت منه مثل الينبوع ضرب عنه الصخر فانشق ~~فانبثق. # وتحققت حينئذ أنه الموت فنظرت فرأيت ... # PageV02P102 # قال المسيب راوي القصة: وتجهم وجه الرجل فأطرق وسكت، وكان على وجهه شفق ~~محمر فأظلم بغتة عندما قال: "فنظرت فرأيت". # وارتج المسجد بصيحة واحدة: فرأيت ماذا؟ رأيت ماذا؟ # وبعثت الصحية أبا محمد فقال: رأيت ثلاثة وجوه أشرفت من المصحف تنظر إلي ~~كالعاتبة، وكان أوسطها كالقمر الطالع، لو تمثلت آيات الجنة كلها وجها ~~لكانته في نضرته وبشاشته، وغمغمت الوجوه الثلاثة بكلمات لم أسمع منها شيئا، ~~ولكن نظرها إلي كان يؤدي لي معانيها، وكأنها تقول: "أكذلك المؤمن ... ؟ ". # ثم غابت وتخلت عني وبرزت ثلاثة وجوه أخرى، كأنها نقائض تلك، وأعوذ بالله ~~من أوسطها، لو تمثلت آيات الجحيم كلها وجها لكانته في نكره وهوله، وخيل إلي ~~أن الوجه الأصغر منها وجه سورة من سور المصحف، ففكرت، فوقع لي مما قام في ~~نفسي من اللعنة أنها: {تبت يدا أبي لهب وتب} [المسد: 1] . # وطمس الظلام ms380 هذه الرؤيا وتغيمت الدنيا، فأيقنت أن آثامي قد أقبلت علي ~~ظلمة بعد ظلمة، والتمع شيء أحمر، فنظرت فإذا الدم يتخايل في عيني كأنه شعل ~~تتلوى، فجزعت أشد الجزع، وحسبتها طرائق ممتدة لروحي تذهب بها إلى الجحيم. # وماتت كل خواطري بعد ذلك إلا فكرة واحدة بقيت حية تأكل في قلبي أكل ~~النار، وهي: "كيف تجرأت فوضعت بيني وبين الله حمقي؟ ". # ويقولون: إن أختي قد رأتني أتشحط في دمي فصاحت، وجاء الناس على صوتها، ~~وكان فيهم طبيب، فبعد لأي ما، استطاع حبس الدم، واحتال حيلته حتى أسف الجرح ~~دواء وضمده؛ فجعلت أثوب نفسا بعد نفس، وراجعت قليلا قليلا. # ثم طافت الحياة على عيني ففتحتها، فإذا الأشياء تبدو لي وليس فيها حقائق ~~ولا معان، كأنها تتخلق جديدة تحت بصري، وكأنها خارجة لساعتها من يد الله! # وتماثلت شيئا بعد ساعات، فأحسست أن نفسي قد رجعت إلي ساخرة مني تقول: كيف ~~رأيت عمل العقل أيها العاقل؟ # وبدأت الحياة تتجدد، فأقسمت بيني وبين نفسي أن أجدد إيماني بالله، ولم ~~أكد أفعل حتى أحسست أن قوة الوجود كلها مستقرة في روحي، وخيل إلي أني أنا ~~وحدي القوي على هذه الأرض قوة جبالها وصخورها، على حين كان جسمي ممددا ~~كالميت لا يتماسك من الضعف! # PageV02P103 # فأيقنت حينئذ ما أعرفه قط من الدنيا ولم أشعر به قط في الحياة ولم يأتني ~~به علم ولا فكر؛ أيقنت أنها معجزة الإيمان الجديد الغض، المتصل بالله لتوه ~~كإيمان الأنبياء دون أن تلمسه شهوة، أو تعترضه خاطرة، أو تكدره ذرة واحدة ~~من فكر أرضي دنس. # قال المسيب: ثم جلس المتحدث، وكان الناس في آخر كلامه كأنما غادروا ~~الدنيا ساعة، ورجعوا إليها على مثل حالته ومثل إيمانه، فسكت الإمام ولم ~~يتكلم، ليدع كل نفس تكلم صاحبها. # PageV02P104 ### | ### | الانتحار " # 5": # قال المسيب بن رافع: وأطرق الناس قليلا بعد خبر "أبي محمد البصري"، إذ ~~كان كل منهم قد جمع باله لما سمع، وأخذ يحدس، في نفسه ويراجعها الرأي، وكان ~~المجلس قد امتد بنا منذ العصر وما يكاد النهار ms381 يشعرنا بإدباره، حتى اعترضت ~~في شمسه الغبرة التي تعتريها إذا دنت أن تغرب، وكان إلى يساري فتى ريان ~~الشباب، حسن الصورة، وضيء مشرق، له هيئة وسمت، أقبل على الأيام، وأقبلت ~~الأيام عليه. # فسمعني أطن على أذن "مجاهد الأزدي"؛ وكنت أعرفه شاعرا في كلامه وشاعرا في ~~قلبه؛ فقلت له: إنه لم يبق من النهار يا مجاهد إلا مثل صبر المحب دنا له ~~الموعد؛ ولم يبق من الشمس إلا مثل ما تتلفف صاحبته، تأخذ عليها ثوبها ~~وغلائلها، ولكن بعد أن تسقطها من هنا ومن هنا، لترى جمال جسمها هنا وهنا! # فاهتز الفتى لهذه الكلمات، وسالت الرقة في أعطافه، وقال: يا عم، أما ترى ~~ما بقي من النهار كأنه وجه باك مسح دموعه وليس حوله إلا كآبة الزمن؟ # قلت: كأن لك خبرا يا فتى، فإن كان شأنك مما نحن فيه فقصه علينا وعللنا به ~~سائر الوقت إلى أن تجب الشمس، ولعلك طائر بنا طيرة فوق الدنيا. # قال: فمه؟ # قلت: تقوم فتتكلم، فإني أرى لك لسانا وبيانا. # قال: أويحسن أن أتكلم في المسجد عن صرعة الحب وصريعه، وعاشقة وعاشق؟ # فبادر مجاهد فقال: ويحك يا فتى! لقد تحجرت واسعا؛ إن المؤمن ليصلي بين ~~يدي الله وكتاب سيئاته في عنقه منشور مقروء. وهل أوقات الصلاة إلا ساعات ~~قلبية لكل يوم من الزمن، تأتي الساعة مما قبلها كما تأتي توبة القلب مما ~~عمل الجسم؟ إنما يتلقي المسجد من يدخله لساعته التي يدخله فيها، ولو أنه ~~حاسبه عن # PageV02P105 # أمس وأول منه وما خلا من قبل، لطرده من العتبة! إن المسجد يا بني إنما ~~يقول لداخله: ادخل في زمني ودع زمنك، وتعال إلي أيها الإنسان الأرضي، ~~لتتحقق أن فيك حاسة من السماء، وجئني بقلبك وفكرك، ليشعرا ساعة أنهما في لا ~~فيك1. # ولسنا الآن يا بني في متحدث كندي القوم يتطارحون فيه أخبارهم، بل نحن في ~~مجلس عالم تكلمت فيه رقبة هذا ورقبة هذا بما سمعت؛ فقم أنت فاذكر علم قلبك ~~وقص علينا خبر طيش الحب والشباب الذي يشبه الكلام ms382 فيه أن يكون كلاما عن ~~الصعود إلى القمر والقبض من هناك على البرق! # قال المسيب: فانتهض الفتى، ورأيت مجاهدا يتنهد كأنما انصدعت كبده, فقلت: ~~ما بالك؟ قال: إن شبابي قد مر علي الساعة فنسمت منه في بردة هذا الفتى، ثم ~~فقدته فقدا ثانيا فهرمت هرما ثانيا، وجاءني الحزن من إحساسي بأني شيخ, حزن ~~من هم أن يدخل باب حبيب ثم رد! # وتحدث الفتى، فإذا هو يدير بين فكيه لسان شاعر عظيم، يتكلم كلامه بنفسين: ~~إحداهما بشرية تصنع المعنى واللفظ، والأخرى علوية فيها النار والنور. # قال: إن لي قصة أيها الشيخ، لم يبق منها إلا الكلام الذي دفنت فيه ~~معانيها؛ وقد تأتي القصة من أخبار القلب مفعمة بالآلام والأحزان، ولا يراد ~~بآلامها وأحزانها إلا إيجاد أخلاق للقلب يعيش بها ويتبدل. والذي قدر عليه ~~الحب لا يكون قد أحب غيره أكثر مما يكون قد تعلم كيف ينسى نفسه في غيره, ~~وهذه كما هي أعلى درجات الحب؛ فهي أعلى مراتب الإحسان. # ومتى صدق المرء في حبه كانت فكرته فكرتين: إحدهما فكرة، والأخرى عقيدة ~~تجعل هذه الفكرة ثابتة لا تتغير؛ وهذه كما هي طبيعة الحب فهي طبيعة الدين. # ولا شيء في الدنيا غير الحب يستطيع أن ينقل إلى الدنيا نارا صغيرة وجنة ~~صغيرة، بقدر ما يكفي عذاب نفس واحدة أو نعيمها، وهذه حالة فوق البشرية. # والفضائل عامتها تعمل في نقل الإنسان من حيوانيته، وقد لا تنقل إلا أقله ~~ويبقى في الحيوانية أكثره: ولكن الحب الصادق يقتلع الإنسان من حيوانيته ~~بمرة واحدة، بيد أنه لا يكون كذلك إلا إذا قتله بآلامه؛ فهو كأعلى النسك ~~والعبادة. PageV02P106 # كان خبري أني دعيت يوما إلى ما يدعى لمثله الشباب في مجلس غناء وشراب، يا ~~له من مجلس! وقد قال تعالى: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها} [البقرة: 26] ، والبعوضة في قصتي أنا كانت امرأة نصرانية؛ قينة فلان ~~المغنية الحاذقة المحسنة المتأدبة، تحفظ الخبر وتروي الشعر، وتتكلم بألفاظ ~~فيها حلاوة وجهها، وتخلق النكتة إذا شاءت خلق ms383 الزهرة المتفتحة عليها، سقيط ~~الندى، وتجد بالحديث ما شاءت وتهزل، فتجعل للكلام عقلا وشهوة تضاعف بهما من ~~تحدثه في شهواته وعقله! # وستجري في قصتها ألفاظ القصة نفسها، لا أتأثم من ذلك ولا أتذمم؛ فقد ذكر ~~الله الخمر ولم يقل: "الماء الذي فيه السكر"، ووصف الشيطان ولم يقل: "الملك ~~الذي عمل عمل المرأة الحسناء في تكبرها"، وذكر الأصنام بأنها الأصنام، ولم ~~يسمها: "حاملة السماء التي يصنعها الإنسان بيديه" وحكاية ما بين الرجل ~~والمرأة هي كلام يقبل بعضه بعضا ويلتزم ويتعانق! # قال المسيب: فتبسم إمامنا ونظرت عيناه تسألان سؤالا. أما مجاهد الأزدي ~~فكان من هزة الطرب كأنه على قتب بعير، وقال: لله دره فتى، إن هذا لبيان ~~كحيل العين. # ثم قال الفتى: وذهبت إلى المجلس وقد جعلته هذه المغنية من حواشيه وأطرافه ~~كأنه تفسير لها هي. أما هي فجعلت نفسها تفسيرا لكلمة واحدة هي: "اللذة". # قال المسيب: وطرب مجاهد طربا شديدا، وسمعته يخافت بصوته يقول: "لله درها ~~امرأة؛ هذه، هذه عدوة الحور العين! ". # ثم قال الفتى: وتطرب جماعة أهل المجلس إلى الشرب، وما ذقت خمرا قط, ولن ~~أتذوقها ولو شربها الناس جمعيا، ولن أذوقها ولو انقطع الغيث ولم تمطر ~~السماء إلا خمرا؛ فإني مذ كنت يافعا رأيت أبي يشربها، وكانت أمي تلومه فيها ~~وتشتد في تعنيفه وتحتدم، وكانا يتشاحنان فينالها بالأذي ويندرئ عليها بالسب ~~وفحش القول. وسكر مرة وغلبه السكر حتى ثارت أحشاؤه، فذرعه القيء فتوهمني ~~وعاء، وجاء إلي وأنا جالس فأمسك بن وقاء في حجري، حتى أفرغ جوفه؛ وثارت أمي ~~لتنتزعه وأنشأت تعالجه عني فتصارع جنونه وعقلها حتى كفأته على وجهه ~~كالإناء؛ فالتوى كالحية بطنا لظهر، واستجمع كالقنفذ في شوكه، ثم # PageV02P107 # لكزها برجله أسفل بطنها فانقلبت، وأصاب رأسها إجانة1 العجين فتثلم تثليم ~~الإناء كأنما شدخ ضربا بحجر، دماغها على الأرض أمام عيني، ورأيتها لم تزد ~~على أن دفعت بإحدى يديها في الهواء، وضمت بالأخرى إلى صدرها، تتوهم أنها ~~تحميني وتدفعه عني؛ ثم سكنت، ولو لم تمت من الشجة في رأسها لماتت ms384 من الضربة ~~في بطنها. # قال المسيب: وأطرق الفتى هنيهة وأطرق الناس معه؛ فرفع مجاهد صوته وقال: ~~رحمها الله! فقال الناس جميعا: رحمها الله. # ثم قال الفتى: وكان عامة من في المجلس يعرفون ذلك مني، ويعرفون أنه لو ~~ساغ لإنسان أن يشرب دم أمه ما شربت أنا الخمر، فقالوا للمغنية: إن هذا لا ~~يدخل في ديواننا2 فنظرت إلي، وهربت أنا من نظرتها بإطراقة؛ ثم قالت: تشرب ~~على وجهي؟ فقلت لها: إن وجهك يقول لي: لا تشرب, فتضاحكت وقالت: أهو يقول لك ~~غير ما يقول لهؤلاء؟ فهربت من كلامها بإطراقة أخرى، ووصلت الإطراقتان ما ~~بيني وبين قلبي؛ وتنبه فيها مثل حنو الأم على طفلها إذا آذته بلسانها فأطرق ~~ساكتا يشكوها إلى قلبها! # والتفتت لمن حضر وقالت لهم: لست أطيب لكم ولا تنتفعون بي إلا أن تشربوا ~~لي وله ولأنفسكم، وانحط عليهم الساقي، فشربوا أرطالا وأرطالا، وهي بين ذلك ~~تغنيهم وقد أقبلت عليهم وخلا وجهها لهم من دوني تخالسني النظرة بعد النظرة. # فوسوس لي شيطاني أن تشدد مع هذه بمثل عزمتك مع الخمر فإنما هما شيء واحد، ~~ولكني كنت أحد النظر إليها، فمرة أوامقها نظرة المحب للحبيب، ومرة أغضي ~~عنها بنظرة لا تنظر؛ وكأني بذلك كنت آخذها وأدعها، وأصلها وأهجرها. فقالت ~~لي كالمنكرة علي: ما بالك تنظر إلي هكذا؟ ولكن هيئة وجهها جعلت المعنى: لا ~~تنظر إلي إلا هكذا! # وأسرع الشراب في القوم وأفرط عليهم السكر؛ فبقيت لي وحدي وبقيت لها ~~وحدها؛ ثم تناولت عودها وضمته إليها ضما شديدا أكثر من الضم, وألمسته ~~PageV02P108 # صدرها، ونهديها، ثم رنت إلي بمعنى، فما شككت أنها ضمت لي أنا والعود، ثم ~~غنت هذا الصوت: # ألا قاتل الله الحمامة عدوة ... على الغصن ماذا هيجت حين غنت # فما سكتت حتى أويت لصوتها ... وقلت ترى هذه الحمامة جنت # وما وجد أعرابية قذفت بها ... صروف النوى من حيث لم تك ظنت # إذا ذكرت ماء العضاه وطيبه ... وبرد الحمى من بطن خبت أرنت # بأكثر مني لوعة غير أنني ... أجمجم أحشائي على ما ms385 أجنت # وغنته غناء من قلب يئن، وصدر يتنهد، وأحشاء لا تخفي ما أجنت؛ وكانت ترتفع ~~بالصوت ثم كأنما يهمي الدمع على صوتها، فيرتعش ويتنزل قليلا قليلا، حتى يئن ~~أنين الباكية، ثم يعتلج في صدرها مع الحب، فيتردد عاليا ونازلا، ثم يرفض ~~الكلام في آخره دموعا تجري. # قال المسيب: فنظر إلي مجاهد وقال: عدوة الجنة -والله- هذه يا أبا محمد، ~~لا تقبل الجنة من يكون معها، تقول له: كنت مع عدوتي! # ثم قال الفتى: وكان القوم قد انتشوا، فاعتراهم نصف النوم وبقي نصف اليقظة ~~في حواسهم، فكل ما رأوه منا رأوه كأحلام لا وجود لها خلف أجفانهم المثقلة ~~سكرا ونعاسا، ووثبت المغنية فجاءت إلى جنبي والتصقت بي، وأسرع الشيطان ~~فوسوس لي: أن احذر فإنك رجل صدق، وإذا صدقت في الخمر فلا تكذبن في هذه، ~~ولئن مسستها إنها لضياعك آخر الدهر! # فعجبت أشد العجب أن يكون شيطاني أسلم وأعنت عليه كما أعين الأنبياء على ~~شياطينهم. ولكن اللعين مضى يصدني عن المرأة دون معانيها، وكان مني كالذي ~~يدني الماء من عيني القتيل المتلهب جوفه ثم يجعله دائما فوت فمه، ولقد كنت ~~من الفحولة بحيث يبدو لي من شدة الفورة في دمي وشبابي أن أجمع في جسمي رجلا ~~عدة، ولكن ضربني الشيطان بالخجل فلم أستطع أن أكون رجلا مع هذه المرأة. # وعجبت هي لذلك وما أسرع أن نطق الشيطان على لسانها بالموعظة الحسنة! ~~فقالت أحببتك ما لم أحب أحدا، وأحببت خجلك أكثر منك، فما يسرني # PageV02P109 # أن تأثم في فتدخل النار بحبي، ولو أنك ابتعتني من مولاي؟ فقلت: بكم ~~اشتراك؟ قالت: بألف دينار! قلت: وأين هي مني وأنا لو بعت نفسي ما حصلت لي؟ # فتمم الشيطان موعظته، وقالت وأشارت إلى قلبها: إن قلبي هذا قبلك غنيا كنت ~~أو فقيرا، وأحس بك وحدك حب العذارء أول ما تحب، وأنا -كما تراني- أعيش في ~~السيئات كالمكرهة عليها، فسأعمل على أن تكون أنت حسنتي عند الله، أذهب إليه ~~حاملة في قلبي حبي إياك وعفتي عنك، ولئن كانت عفة من لا ms386 يشتهي ولا يجد تعد ~~فضيلة كاملة، إن عفة من يجد ويشتهي لتعد دينا بحاله، ولا يزال حبي بكرا، ~~ولا أزال في ذلك عذراء القلب، وهؤلاء قد نزعوا الحياء عني من أجل أنفسهم، ~~فألبسنيه أنت من أجلك خاصة؛ وإن قوة حبي كالذي سيتألم بك ويتعذب منك لطول ~~ما يصبر عنك، ستكون هي بعينها قوة لفضيلتي وطهارتي. # ثم تناولت عودها وسوته وغنت: # فلو أنا على حجر ذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين1 # وجعلت تتأوه في غنائها كأنها تذبح ذبحا، ثم وضعت العود جانبا وقالت: ما ~~أشقاني! إذا اتفقت لي ساعة زواجي في غير وقتها فجاءت كالحلم يأتي بخيال ~~الزمن فلا يكون فيه من الأشياء إلا خيال الأشياء. # ثم سألتني: ما بالك لم تشرب الخمر ولم تدخل في الديوان؟ فبدر شيطاني ~~المؤمن وساق في لساني خبر أمي وأبي، فانتضحت عيناها باكية وتم لها رأي في ~~كرأيي أنا في المسكر؛ وكان شيطانها بعد ذلك شيطانا خبيثا مع أصحابها، ~~وبطريقا زاهدا معي أنا وحدي! # ورأيتها لا تجالسني إلا متزايلة كالعذراء الخفرة إذا انقبضت وغطت وجهها، ~~وصارت تخافني لأنها تحبني، وهيبني الشيطان إليها فعادت لا ترى في الرجل ~~الذي هو تحت عينيها الثيبتين, ولكن القديس الذي تحت قلبها البكر. # ولم يعد جمالي هو الذي يعجبها ويصبيها، بل كان يعجبها مني أني صنعة ~~فضيلتها التي لم تصنع شيئا غيري. # وانطلق الشيطان بعد ذلك في وفيها بدهائه وحنكته وبكل ما جرب في النساء ~~PageV02P110 # والرجال من لدن آدم وحواء إلى يومي ويومها! فكان يجذبني إليها أشد الجذب, ~~ويدفعها عني أقوى الدفع، ثم يغريني بكل رذائلها ولا يغريها هي إلا بفضائلي، ~~وألقى منها في دمي فكرة شهوة مجنونة متقلبة، وألقى مني في دمها فكرة حكمة ~~رزينة مستقرة. وكنت ألقاها كل يوم وأسمع غناءها؛ فما هو بالغناء ولكنه صوت ~~كل ما فيها لكل ما في، حتى لو التصق جسمها بجسمي وسار البدن البدن، وهمس ~~الدم للدم، لكان هو هذا الغناء الذي تغنيه. # وأصبحت كلما استقمت لحبها تلوث علي؛ إذ لست عندها إلا ms387 الأمل في المغفرة ~~والثواب، وكأنما مسخت حبلا طوله من هنا إلى الجنة لتتعلق به. وعاد امتناعها ~~مني جنونا دينيا ما يفارقها، فابتلاني هذا بمثل الجنون في حبها من كلف ~~وشغف. # وانحصرت نفسي فيها، فرجعت معها أشد غباوة من الجاهل ينظر إلى مد بصره من ~~الأفق فيحكم أن ههنا نهاية العالم، وما ههنا إلا آخر بصره وأول جهله. ~~وانفلت مني زمام روحي، وانكسر ميزان إرادتي، واختل استواء فكري، فأصبحت ~~إنسانا من النقائض المتعادية أجمع اليقين والشك فيه، والحب والبغض له، ~~والأمل والخيبة منه، والرغبة والعزوف عنها، وفي أقل من هذا يخطف العقل، ~~ويتدله من يتدله. # ثم ابتليت مع هذا اللمم بجنون الغيظ من ابتذالها لأصحابها وعفتها معي، ~~فكنت أتطاير قطعا بين السماء والأرض، وأجد عليها وأتنكر لها، وهي في كل ذلك ~~لا تزيدني على حالة واحدة من الرهبانية؛ فكان يطير بعقلي أن أرى جسمها نارا ~~مشتعلة، ثم إذا أنا رمته استحال ثلجا، وقرحت الغيرة قلبي وفتتت كبدي من ~~عابدة الشيطان مع الجميع، الراهبة مع رجل واحد فقط! # ورجعت خواطري فيها مما يعقل وما لا يعقل؛ فكنت أرى بعضها كأنه راجع من ~~سفر طويل عن حبيب في آخر الدنيا، وبعضها كأنه خارج من دار حبيب في جواري، ~~وبعضها كأنه ذاهب بي إلى المارستان! # ورأيتنا كأننا في عالمين لا صلة بينهما، ونحن معا قلبا إلى قلب، فذهب هذا ~~بالبقية التي بقيت من عقلي، ولم أر لي منجاة إلا في قتل نفسي لأزهق هذا ~~الوحش الذي فيها. # وذهبت فابتعت شعيرات من السم الوحي الذي يعجل بالقتل، وأخذتها في كفي ~~وهممت أن أقمحها وأبتلعها، فذكرت أمي، فظهرت لخيالي مشدوخة الرأس في هيئة ~~موتها، وإلى جانبها هذه المرأة في هيئة جمالها، وثبتت على عيني هذه # PageV02P111 # الرؤيا، وأدمنت النظر فيها طويلا فإذا أنا رجل آخر غير الأول، وإذا ~~المرأة غير تلك، وطغت عبرة الموت على شهوة الحياة فمحتها، وصح عندي من ~~يومئذ أن لا علاج من هذا الحب إلا أن تقرن في النفس صورة امرأة ميتة إلى ms388 ~~صورة المرأة الحية، وكلما ذكرت هذه جيء لها بتلك، فإذا استمر ذلك فإن ~~الميتة تميتها في النفس وتميت الشهوة إليها، ما من ذلك بد، فليجربه من شك ~~فيه. # وانفتح لي رأي عجيب، فجعلت أتأمل كيف آمن شيطاني ثم كفر بعد، على أن ~~شيطانها هي كفر في الأول ثم آمن في الآخر؟ فوالله ما كنت إلا غبيا خامد ~~الفطنة، إذ لم يسنح لي الصواب حتى كدت أزهق نفسي وأخسر الدنيا والآخرة؛ فإن ~~الشيطان -لعنه الله- إنما ردني عن الفاحشة وهي ذنب واحد، ليرميني بعدها في ~~الذنوب كلها بالموت على الكفر! # ورد إلي هذا الخاطر ما عزب من عقلي. ومن ابتلي ببلاء شديد يزلزل يقينه ثم ~~أبصر اليقين، جاء منه شخص كأنما خلق لساعته؛ فلعنت شيطاني واستعذت بالله من ~~مكره، وألقيت السم في التراب وغيبته فيه، وقلت لنفسي: ويحك يا نفس! إن ~~الحياة تعمل عملا بالحي، أفترضين أن تعمل الحياة بأبطالها ورجالها ما عرفت ~~وما علمت، ثم يكون عملها بك أنت القعود ناحية والبكاء على امرأة؟ # أيتها النفس، ما الفرق بين سرقة لحم من دكان قصاب، وبين سرقة لحم امرأة ~~من دار أبيها، أو زوجها، أو مولاها؟ # أيتها النفس، إن إيمان أسلافنا معنا؛ إن الإسلام في المسلم. # قال المسيب: وهنا طاش مجاهد واستخفه الطرب، فصاح صيحة النصر: الله أكبر! ~~وجاوبه أهل المسجد في صيحة واحدة: الله أكبر! ولم يكد يهتف بها الناس حتى ~~ارتفعت صيحة المؤذن لصلاة المغرب. الله أكبر. # PageV02P112 ### | الانتحار "6" # تتمة: # قال المسيب بن رافع: وانفض مجلس الشيخ، ودرجت بعده أعوام في عدة الشهور ~~من حمل المرأة، بلغت فيها أمور الناس مبلغها من خير الدنيا وشرها، مما أعرف ~~وما لا أعرف؛ ودخلت البصرة أنا ومجاهد الأزدي، نسمع الحسن1 ونأخذ عنه؛ فإنا ~~لسائران يوما في سكة بني سمرة، إذ وافقنا الفتى صاحب النصرانية مقبلا ~~علينا، وكنا فقدناه تلك المدة، فأسرع إليه مجاهد فالتزمه وقال: مرحبا بذي ~~نسب إلى القلب. وسلمت بعده وعانقته، ثم أقبلنا نسأله، فقلت له: ما كان آخر ~~أولك؟ قال مجاهد: ms389 بل ما كان آخر أولها هي؟ # فضحك الرجل وقال: النصرانية تعني؟ قال: آخرها من أولها كهذا مني؛ وأومأ ~~إلى ظله في الأرض ممدودا مشبوحا مختلطا غير متميز؛ كأنه ثوب منشور ليس فيه ~~لابسه، وكنا في الساعة التي يصير فيها ظل كل شيء مثليه فهو مزج المسخ ~~بالمسخ. # قال مجاهد: ما أفظ جوابك وأثقله يا رجل! كأنك والله تاجر لا صلة له ~~بالأشياء إلا من أثمانها؛ فنظره إلى فراهة الدابة من الدواب وإلى فراهة ~~الجارية من الرقيق سواء. # قال الرجل: فأنا والله تاجر، وأنا الساعة على طريق الإيوان2 الذي يلتقي ~~فيه تجار العراق والشام وخراسان، وقد ضربت في هذه التجارات وحسنت بها حالي ~~وتأثلت منها، غير أن قلب التاجر غير التاجر، فليس يزن ولا يقبض، ولا يبيع ~~ولا يشتري. أما "تلك" فأصبحت نسيانا ذهب لسبيله في الزمن! PageV02P113 # قال مجاهد: فكيف كنت تراها وكيف عدت تنظر إليها؟ # قال: كنت أنظر إليها بعيني وأفكاري وشهواتي، فكانت بذلك أكثر من نفسها ~~ومن النساء، وكانت ألوانا ما تنقضي، فلما دخل بيني وبينها الزمن والعقل، ~~أبعدها هذا عن قلبي وأبعدها ذاك عن خيالي؛ فنظرت إليها بعيني وحدهما، فرجعت ~~امرأة ككل امرأة، وبنزولها من نفسي هذه المنزلة، رجعت أقل من نفسها ومن ~~النساء، وهذه القلة فيما عرفت لا تصيب امرأة عند محبها إلا فعلت بجمالها ~~مثل ما تفعله الشيخوخة بجسمها، فأدبرت به ثم أدبرت واستمرت تدبر! # وأنت فإذا أبصرت امرأة شيخة قد ذهبت التي كانت فيها. وأخطرت في ذهنك نية ~~مما بين الرجال والنساء، فهل تراك واجدا الشهوة والميل إلا النفرة ~~والمعصية؟ إن هذا الذي كان الحب والهوى والعشق، هو بعينه الذي صار الإثم ~~والذنب والضلالة؟ # قال مجاهد: كأنك لما ذهبت تقتل نفسك من حبها قتلتها هي في نفسك؟ # قال: يا رحمة قد رحمت بها نفسي يومئذ! أما -والله- إن الذي يقتل نفسه من ~~حب امرأة لغبي. ويحه! فليتخلص من هذا الجزء من الحياة لا من الحياة نفسها. ~~وقد جعل الله للحب طرفين: أحدهما في اللذة، والآخر في ms390 الحماقة؛ ما منهما ~~بد، فهذا الحب يلقي صاحبه في الأحلام ويغشي بها على بصره، ثم إن هو اتجه ~~بطرفه السعيد إلى حظه المقبل واتفقت اللذة للمحب، أيقظته اللذة من أحلامه؛ ~~وإن اتجه الحب بطرفه الشقي إلى حظه المدبر، وقعت الحماقات فنونا شتى بين ~~الحبيبين وفعلت آخرا فعل اللذة، فأيقظت العاشق من أحلامه أيضا. وهذا تدبير ~~من الرحمة في تلك القوة المدمرة المسماة الحب، أفلا يدل ذلك على أن اللذة ~~وهم من الأوهام ما دام تحققها هو فناءها؟ # خذ عني يا مجاهد هذه الكلمة: "ليس الكمال من الدنيا ولا في طبيعتها، ولا ~~هو شيء يدرك، ولكن من عظمة الكمال أن استمرار العمل له هو إدراكه". # قال مجاهد: لقد علمت بعدنا علما، فمن أين لك هذا وعمن أخذت؟ # قال: عن السماء! # قال: ويلك! أين عقلك؟ فهل نزل عليك الوحي؟ # قال الرجل: لا، ولكن تعاليا معي إلى الدار فأحدثكما. # PageV02P114 # قال المسيب: وذهبنا معه؛ فأتينا بطعام نظيف فأكلنا، وأشعرتنا الدار أن ~~ربها قد وقع فيما شاء من دنياه وتواصلت عليه النعمة؛ فلما غسلنا أيدينا قال ~~مجاهد: هيه يا أبا ... يا أبا من؟ قال: أبو عبيد. قال: هيه يا أبا عبيد. # فأفكر الرجل ساعة ثم قال: عهدكما بي منذ تسع في مجلس الإمام الشعبي ~~بالكوفة؛ وقد كنت في بقية من النعمة أتجمل بها، وكانت تمسكني على موضعي في ~~أعين الناس؛ فما زالت تلك البقية تدق وتنفض حتى نكد عيشي ووقعت في الأيام ~~المقعدة التي لا تمشي بصاحبها، وانقلب الزمن كالعدو المغير جاء ليصطلم ~~ويخرب ويفسد، فأثر في أقبح آثاره، فبعت ما بقي لي وتحملت عن الكوفة إلى ~~البصرة، وقلت: إن لم تتغير حالي تغيرت نفسي، ولا أكون في البصرة قد انتهيت ~~إلى الفقر، بل أكون قد بدأت من الفقر كما يبدأ غيري, وأدع الماضي في مكانه ~~وأمضي إلى ما يستقبلني. # فالتمست رفقة فالتأمنا عشرين رجلا، فلما كنا الطريق، سلبنا اللصوص وحازوا ~~القافلة وما تحويه، ونجوت أنا راكبا فرسي وعمري، وأدركت حينئذ أن الحياة ~~وحدها ملك ms391 عظيم، وأنها هي الأداة الإلهية، والباقي كله هو من أنفسنا ~~لأنفسنا والأمر فيه هين والخطب يسير. # وقلت: لو أن اللصوص قد مروا بنا كما يمر الناس بالناس لما نكبونا، ولكنهم ~~عرضوا لنا عروض اللص للمال والمتاع لا للناس، فوضعوا فينا الأيدي الناهبة؛ ~~ومن هذا أدركت أن ليس الشر إلا حالة يتلبس بها من يستطيع أن يتخلص منها. ~~فإذا كان ذلك فأصل السعادة في الإنسان ألا يعبأ بهذه الحالات متى عرضت له، ~~وهو لا يستطيع ذلك إلا إذا، تمثل الشر كما يراه واقعا في غيره؛ فالمرأة ~~العفيفة إذا عرضت لها حالة من الفجور، ونظرت إلى نفسها وحظ نفسها، فقد تعمى ~~وتزل؛ ولكنها إذا نظرت إلى ذلك في غيرها وإلى أثره على الفاجرة، كانت كأنما ~~زادت على نفسها نفسا أخرى تريها الأشياء مجردة كما هي في حقائقها. # قال: ومضيت على وجهي تتقاذفني البقاع والأمكنة, وأنا أعاني الأرض ~~والسماء، وأخشى الليل والنهار، وأكابد الألم والجوع، حتى دخلت البصرة دخول ~~البعير الرازح، قطع الصحراء تأكل منه ولا يأكل منها، فأنضاه السفر وحسره ~~الكلال وتحته الثقل الذي يحمله، فجاء ببنية غير التي كان قد خرج بها. وكانت ~~أيامي هذه عمرا كاملا من الشقاء، جعلتني أوقن أن هؤلاء الناس في الحياة إن ~~هم إلا # PageV02P115 # كالدواب تحت أحمالها؛ لا تختار الدابة ما تحمل ولا من تحمل، ولا يترك لها ~~مع هذا أن تختار الطريق ولا مدة السير؛ وليس للدابة إلا شيئان: صبرها ~~وقوتها، إن فقدتهما هلكت، وإن وهنا فيها كان ضعفها بحسب ذلك. # إن هناك أوقاتا من الشقاء والبؤس تقذف بالإنسان وراء إنسانيته وإنسانية ~~البشر جميعا، لا تبالي كيف وقع وفي أي واد هلك، فلا ينفع الإنسان حينئذ إلا ~~أن يعتصم بأخلاق الحيوان في مثل رضاه الذي هو أحكم الحكمة في تلك الحال، ~~وصبره الذي هو أقوى القوة، وقناعته التي هي أغنى الغنى، وجهله الذي هو أعلم ~~العلم، وتوكله الذي هو إيمان فطرته بفطرته، لا يبالي الحيوان مالا ولا ~~نعيما، ولا متاعا ولا منزلة، ولا حظا ولا ms392 جاها، ولن تجد حمار الملك يعرف من ~~الملك أكثر مما يعرف حمار السقاء من السقاء، ولعلك لو سألتهما وأطاقا ~~الجواب لقال لك الأول: إن الذي فوق ظهري ثقيل مقيت بغيض؛ ولقال لك الثاني: ~~إن الذي يركبه خفيف سهل سمح! # ولكن بلاء الإنسان إنه حين يطوحه البؤس والشقاء وراء الإنسانية، لا ينظر ~~لغير الناس، فيزيده ذلك بؤسا وحسرة، ويمحق في نفسه ما بقي من الصبر, ويقلب ~~رضاه غيظا، وقناعته سخطا، ويبتليه كل ذلك بالفكرة المهلكة أعجزها أن تهلك ~~أحدا فلا تجد من تدمره غير صاحبها؛ فإذا هي وجدت مساغا إلى الناس فأهلكت ~~وعاثت وأفسدت، فجعلت صاحبها إما لصا أو قاتلا أو مجرما، أي ذلك تيسر! # قال: وكنت أعرف في البصرة فلانا التاجر من سراتها ووجوه أهلها، ~~فاستطرقته؛ فإذا هو قد تحول إلى خراسان، وليس يعرفني أحد في البصرة ولا ~~أعرف أحدا غيره، فكأنما نكبت مرة ثانية بغارة شر من تلك، غير أنها قطعت علي ~~في هذه المرة طريق أيامي، وسلبتني آخر ما بقي لنفسي، وهو الأمل! # ورأيت أنه ما من نزولي إلى الأرض بد، فأكون فيها إنسانا كالدابة أو ~~الحشرة: حياتها ما اتفق لا ما تريد أن يتفق؛ وأنه لا رأي إلا أن أسخر من ~~الشهوات فأزهد فيها وأنا القوي الكريم، قبل أن تسخر هي مني إذ جئتها وأنا ~~الطامع العاجز! # وفي الأرض كفاية كل ما عليها ومن عليها، ولكن بطريقتها هي لا بطريقة ~~الناس؛ وما دامت هذه الدنيا قائمة على التغيير والتبديل وتحول شيء إلى شيء، # PageV02P116 # فهذا الظبي الذي يأكله الأسد لا تعرف الأرض أنه قد أكل ولا أنه افترس ~~ومزق، بل هو عندها قد تحول قوة في شيء آخر ومضى؛ أما عند الناس فذلك خطب ~~طويل في حكاية أوهام من الخوف والوجل، كما لو اخترعت قصة خرافية تحكيها عن ~~أسد قد زرع لحما, فتعهده فأنبته فحصده فأكله، فذهب الزرع يحتج على آكله، ~~وجعل يشكو ويقول: ليس لهذا زرعتني أنت، وليس لهذا خرجت أنا تحت الشمس، وليس ~~من أجل هذا ms393 طلعت الشمس علي وعليك! # والإنسان يرى بعينيه هذا التغيير واقعا في الإنسانية عامتها وفي الأشياء ~~جميعها؛ فإذا وقع فيه هو ضج وسخط، كأن له حقا ليس لأحد غيره، وهذا هو ~~العجيب في قصة بني آدم، فلا يزال فيها على الأرض كلمات من الجنة لا تقال ~~هنا ولا تفهم هنا؛ بل محل الاعتراض بها حين يكون الإنسان خالدا لا يقع فيه ~~التغيير والتبدليل. ومن هذا كان خيال اللذة في الأرض هو دائما باعث الحماقة ~~الإنسانية. # قال أبو عبيد: وذهبت أعتمل بيدي وجسمي على آلام من الفاقة والضر، ومن ~~الخيبة والإخفاق، ومن إلجاء المسكنة، وإحواج الخصاصة؛ فلقد رأيتني وإن يدي ~~كيد العبد، وظهري كظهر الدابة، ورجلي كرجل الأسير، وعنقي كعنق المغلول، ~~ويطلع قرص الشمس على الدنيا ويغيب عنها وما أعتمل إلا بقرص من الخبز، ولقد ~~رأيتني أبذل في صيانة كل قطرة من ماء وجهي سحابة من العرق حتى لا أسأل ~~الناس، ويا بؤسا لي إن سألت وإن لم أسأل! # وما كان يمسكني على هذه الحياة المرمقة، تأتي رمقا بعد رمق في يوم يوم ~~-إلا كلام الشعبي- الذي سمعته في مسجد الكوفة، وقوله فيمن قتل نفسه؛ فكان ~~كلامه نورا في صدري يشرق منه كل يوم مع الصبح صبح لإيماني. ولكن بقيت أيام ~~نعمتي الأولى ولها في نفسي ضربان من الوجع كالذي يجده المجروح في جرحه إذا ~~ضرب عليه، فكان الشيطان لا يجد منفذا إلي إلا منها. وفقدت الصديق وعونه، ~~فما كان يقبل على صديق إلا في أحلامي من وراء الزمن الأول! # قال مجاهد: والحبيب؟ # فتبسم الرجل وقال: إذا فرغت الحياة من الذي هو أقل من الممكن، فكيف يكون ~~فيها الذي هو أكثر من الممكن؟ إن جوع يوم واحد يجعل هذه الحياة حقيقة جافية ~~لا شعر فيها، ويترك الزمن وما فيه ساعة واحدة معطرة, والبؤس يقظة مؤلمة في ~~القلب الإنساني تحرم عليه الأحلام، وما الحب من أوله إلى آخره إلا أحلام ~~القلوب بعضها ببعض! # PageV02P117 # قال أبو عبيد: وتضعضعت لهذه الحياة المخزية وأبرمتني أيامها، وحملت في ms394 ~~الميت والحي، ورأيت الشيطان -لعنه الله- كأنما اتخذني وعاء مطرحا على طريقه ~~يلقي فيه القمامة، وظهر لي قلبي في وساوسه كالمدينة الخربة ضربها الوباء، ~~فأعمر ما فيها مقبرتها؛ وعاد البؤس وقاح الوجه لا يستحيي، فلا أراه إلا في ~~أرذل أشكاله وأبردها، ولقد يكون البؤس لبعض الناس على شيء من الحياء فيأتي ~~في أسلوب معتذر كالمرأة الدميمة في نقابها. # وقلت لنفسي: ما هو -والله- إلا القتل، فهذا عمر أراه كالأسير أقيم على ~~النطع وسل عليه السيف، فما ينتقم منه المنتقم بأفظع من تأخير الضربة، وما ~~يرحمه الراحم بأحسن من تعجيلها! # وبت أؤامر هذه النفس في قتلها وأحدثها حديث الموت، فسددت رأيي فيه وقالت: ~~ما تصنع بجسم كالمتعفن أصبح كالمقبور لا أيام له إلا أيام انقراضه وتفتيته؟ ~~بيد أني ذكرت كلام "الشعبي" في ذلك المجلس وأنا أحفظه كله، فجعلت أهذه1 ما ~~أترك منه حرفا، واتخذته متكلما مع نفسي لا كلاما، كنت كلما غلبني الضعف ~~رفعت به صوتي وأصغيت كما أصغي إلى إنسان يكلمني فرأيت الشيطان بعد ذلك ~~كاللص إذا طمع في رجل ضعيف منفرد، ثم لما جاءه وجد معه رجلا ثانيا قويا ~~فهرب! # قال أبو عبيد: ونالني روح من الاطمئنان وجدت له السكينة في قلبي فنمت، ~~فإذا الفزع الأكبر الذي لا ينساه من سمع به، فكيف الذي رآه بعينيه؟ # رأيتني ميتا في يد غاسله يقلبه ويغسله كأنه حرقة؛ ثم حملت على النعش كأن ~~الحاملين قد رفعوني يقولون: انظروا أيها الناس كيف يصير الناس؛ ثم صلى علي ~~الإمام الشعبي في مسجد الكوفة، ثم دليت في قعر مظلمة وهيل التراب علي، ~~وتركت وحيدا وانصرفوا! # وما أدري كم بقيت على ذلك ثم رأيت كأنما نفخ في الصور وبعثرت الأموات ~~جميعا، فطرنا في الفضاء، وكانت النجوم غبارا حولنا كتراب العاصفة في ~~العاصفة، وإذا نحن في عرصات القيامة وفي هول الموقف! # وتوجهت بكل شعرة في جسمي إلى الرجاء في رحمة الله؛ ورأيت أعمالي ~~PageV02P118 # رؤية أحزنتني، فهي كمدينة عظيمة كل أهلها صعاليك إلا قليلا من المستورين، ~~أرى منهم الواحد بعد ms395 الواحد في الساعة بعد الساعة ندروا وتبعثروا وضاعوا ~~كأعمالي الصالحة! # وذكرت أني كدت أقتل نفسي فرارا بها من العمر المؤلم؛ فنظرت فإذا الزمن قد ~~ظهر في أبديته، ورجع الماضي حاضرا بكل ما حوى كأنه لم يمض، وإذا عمري كله ~~لا يكاد يبلغ طرفة عين من دهر طويل، فحمدت الله أن لم أفتد ألم اللحظة ~~القصيرة القصيرة، بعذاب الأبد الخالد الخالد الخالد. # وجيء على أعين الخلق بأنعم أهل الدنيا وأكثرهم لذات في تاريخ الدنيا كله، ~~فصاح صائح: هذا أنعم من كان على الأرض منذ خلقها الله إلى أن طواها. # ثم غمس هذ المنعم في النار غمسة خفيفة كنبضة البرق، وأخرج إلى المحشر، ~~وقيل له والناس جميعا يسمعون: هل ذقت نعيما قط؟ قال: لا والله. # ثم جيء بأتعس أهل الأرض وأشدهم بؤسا منذ خلقت الأرض، فغمس في الجنة غمسة ~~أسرع من النسيم تحرك ومر، ثم أخرج إلى المحشر وقيل له: هل ذقت بؤسا قط؟ ~~قال: لا والله. # وسمعنا شهيق جهنم وهي تفور تكاد تميز من الغيظ؛ فأيقنت أن لها نفسا خلقت ~~من غضب الله، وخرج منها عنق عظيم هائل، لو تضرمت السماء كلها نارا لأشبهته، ~~فجعل يلتقط صنفا صنفا من الخلق، وبدأ بالملوك الجبابرة فالتقطهم مرة واحدة ~~كالمغناطيس لتراب الحديد؛ وقذف بهم إلى النار، ثم انبعث فالتقط الأغنياء ~~المفسدين فأطارهم إليها؛ ثم جعل يأخذ قوما قوما، وقد ألجمني العرق من ~~الفزع؛ ثم طرت أنا فيه، ونظرت، فإذا أنا محتبس في مظلمة نارية كالهاوية، ~~ليس حولي فيها إلا قاتلو أنفسهم. ولو أن بحار الأرض جعل فيها البحر فوق ~~البحر فوق البحر، إلى أن تجتمع كلها فيكون العمق كبعد ما بين الأرض ~~والسماء، ثم تسجر نار تلظى، لكانت هي الهاوية التي نحن في أعماقها؛ وكنت ~~سمعت من إمامنا الشعبي: أن عصاة المؤمنين الموحدين إذا ماتوا على إيمانهم ~~كانوا في النار أحياء وجوارحهم موتى، لأن هذه الجوارح قد أطاعت الله وسبحته ~~فكرمت بذلك حتى على جنهم، ثم يعذبون عذابا فيه الرحمة، ثم يخرجون وينتظرهم ~~إيمانهم ms396 على باب النار، فكان إلى جانبي رجل قتل نفسه، فسمع قائلا من بعيد ~~يقول لمؤمن: اخرج فإن إيمانك ينتظرك. فصاح الذي إلى جانبي: وأنا، أفلا ~~ينتظرني إيماني؟ فقيل له: وهل جئت به؟ # PageV02P119 # ورأيت رجلا ذبح نفسه يريد أن يصرخ يسأل الله الرحمة، فلا يخرج الصوت من ~~حلقه، إذ كان قد فراه وبقي مفريا! وأبصرت آخر قد طعن في قلبه بمدية، فهو ~~هناك تسلخ الزبانية قلبه تبحث هل فيه نية صالحة, فلا تزال تسلخ ولا تزال ~~تبحث! # ورأيت آخر كان تحسى من السم فمات ظمآن يتلظى جوفه، فلا تزال تنشأ له في ~~النار سحابة رؤية تبرق بالماء، فإذا دنت منه ورجاها، انفجرت عليه بالصواعق ~~ثم عادت تنشأ وتنفجر! # وقال رجل: إنما كنت مجنونا ضعيفا عاجزا فأزهقت نفسي. فنودي: أوما علمت أن ~~الله يحاسبك على أنك عاقل لا مجنون، وقوي لا ضعيف، وقادر لا عاجز؟ كنت تعقل ~~بالأقل أنك ستموت، وكنت تقوى على أن تصبر، وكنت تقدر أن تترك الشر. # وقال رجل عالم قد حز في يده بسكين فمات: "لم يكن الكمال من الدنيا ولا في ~~طبيعتها ولا هو شيء يدرك"، فصرخ فيه صوت رهيب: "ولكن من عظمة الكمال أن ~~استمرار العمل له هو إدراكه! ". # قال أبو عبيد: ثم انتصب بإزائي شيطان مارد أحمر، يلتمع التماع الزجاج فيه ~~الخمر، فقام في وجهي وقال: بماذا جئت إلى هنا يا عدو الخمر؟ فما كان إلا أن ~~سمعت النداء: شفعت فيك الخمر التي لم تشربها، اخرج، إن إيمانك ينتظرك. # فصحت: الحمد لله! وتحرك بها لساني، فانتبهت. # لقد علمت أن الصبر على المصائب نعمة كبرى لا ينعم الله بها إلا في ~~المصائب. # PageV02P120 ### | وحي القبور # *: # ذهبت في صبح يوم عيد الفطر أحمل نفسي بنفسي إلى المقبرة، وقد مات لي من ~~الخواطر موتي لا ميت واحد؛ فكنت أمشي وفي جنازة بمشيعيها؛ من فكر يحمل ~~فكرا، وخاطر يتبع خاطرا، ومعنى يبكي، ومعنى يكبى عليه. # وكذلك دأبي كلما انحدرت في هذه الطريق إلى ذلك المكان الذي يأتيه العيون ~~بدموعها، وتمشي ms397 إليه النفوس بأحزانها، وتجيء فيه القلوب إلى بقاياها. تلك ~~المقابر التي لا ينادى أهلها من أهليهم بالأسماء ولا بالألقاب، ولكن بهذا ~~النداء: يا أحبابنا، يا أحزاننا! # ذهبت أزور أمواتي الأعزاء وأتصل منهم بأطراف نفسي، لأحيا معهم في الموت ~~ساعة أعرض فيها أمر الدنيا على أمر الآخرة، فأنسى وأذكر، ثم أنظر وأعتبر، ~~ثم أتعرف وأتوسم، ثم أستبطن مما في بطن الأرض، وأستظهر مما على ظهرها. # وجلست هناك أشرف من دهر على دهر، ومن دنيا على دنيا، وأخرجت الذاكرة ~~أفراحها القديمة لتجعلها مادة جديدة لأحزانها؛ وانفتح لي الزمن الماضي ~~فرأيت رجعة الأمس، وكأن دهرا كاملا خلق بحوادثه وأيامه، ورفع لعيني كطما ~~ترفع الصورة المعلقة في إطارها. # أعرف أنهم ماتوا، ولكني لم أشعر قط إلا أنهم غابوا؛ والحبيب الغائب لا ~~يتغير عليه الزمان ولا المكان في القلب الذي يحبه مهما تراخت به الأيام؛ ~~وهذه هي البقية الروح إذا امتزجت بالحب في روح أخرى: تترك فيها ما لا يمحى ~~لأنها هي خالدة لا تمحى. # ذهب الأموات ذهابهم ولم يقيموا في الدنيا، ومعنى ذلك أنهم مروا بالدنيا ~~ليس غير، فهذه هي الحياة حين تعبر عنها النفس بلسانها لا بلسان حاجتها ~~وحرصها. PageV02P121 # الحياة مدة عمل، وكأن هذه الدنيا بكل ما فيها من المتناقضات، إن هي إلا ~~مصنع يسوغ كل إنسان جانبا منه، ثم يقال له: هذه الأداة فاصنع ما شئت، ~~فضيلتك أو رذيلتك. # جلست في المقبرة، وأطرقت أفكر في هذا الموت. يا عجبا للناس! كيف لا ~~يستشعرونه وهو يهدم من كل حي أجزاء تحيط به قبل أن يهدمه هو بجملته؛ وما ~~زال كل بنيان من الناس به كالحائط المسلط عليه خرابه، يتأكل من هنا ويتناثر ~~من هناك! # يا عجبا للناس عجبا لا ينتهي! كيف يجعلون الحياة مدة نزاع وهي مدة عمل، ~~وكيف لا تبرح تنزو النوازي بهم في الخلاف والباطل، وهم كلما تدافعوا بينهم ~~قضية من النزاع فضربوا خصما بخصم وردوا كيدا بكيد، جاء حكم الموت تكذيبا ~~قاطعا لكل من يقول لشيء: هذا لي؟ # أما -والله- إنه ms398 ليس أعجب من السخرية بهذه الدنيا من أن يعطى الناس ما ~~يملكونه فيها لإثبات أن أحدا منهم لا يملك منها شيئا، إذا يأتي الآتي إليها ~~لحما وعظما، ولا يرجع عنها الراجع إلا لحما وعظما، وبينهما سفاهة العظم ~~واللحم حتى على السكين القاطعة. # تأتي الأيام وهي في الحقيقة تفر فرارها؛ فمن جاء من عمره عشرون سنة فإنما ~~مضت هذه العشرون من عمره. ولقد كان ينبغي أن تصحح أعمال الحياة في الناس ~~على هذا الأصل البين، لولا الطباع المدخولة والنفوس الغافلة، والعقول ~~الضعيفة, والشهوات العارمة؛ فإنه ما دام العمر مقبلا مدبرا في اعتبار واحد، ~~فليس للإنسان أن يتناول من الدنيا إلا ما يرضيه محسوبا له ومحسوبا عليه في ~~وقت معا؛ وتكون الحياة في حقيقتها ليست شيئا إلا أن يكون الضمير الإنساني ~~هو الحي في الحي. # وما هي هذه القبور؟ لقد رجعت عند أكثر الناس مع الموتى أبنية ميتة؛ فما ~~قد رأوها موجودة إلا لينسوا أنها موجودة؛ ولولا ذلك من أمرهم لكان للقبر ~~معناه الحي المتغلغل في الحياة إلى بعيد؛ فما القبر إلا بناء قائم لفكرة ~~النهاية والانقطاع؛ وهو في الطرف الآخر رد على البيت الذي هو بناء قائم ~~لفكرة البدء والاستمرار؛ وبين الطرفين المعبد وهو بناء لفكرة الضمير الذي ~~يحيا في البيت وفي القبر، فهو على الحياة والموت كالقاضي بين خصمين يصلح ~~بينهما صلحا أو يقضي. # PageV02P122 # القبر كلمة الصدق مبنية متجسمة، فكل ما حولها يتكذب ويتأول، وليس فيها هي ~~إلا معناها لا يدخله كذب ولا يعتريه تأويل. وإذا ماتت في الأحياء كلمة ~~الموت من غرور أو باطل أو غفلة أو أثرة، بقي القبر مذكرا بالكلمة شارحا لها ~~بأظهر معانيها، داعيا إلى الاعتبار بمدلولها، مبينا بما ينطوي عليه أن ~~الأمر كله للنهاية. # القبر كلمة الأرض لمن ينخدع فيرى العمر الماضي كأنه غير ماضي، فيعمل في ~~إفراغ حياته من الحياة1 بما يملؤها من رذائله وخسائسه، فلا يزال دائبا في ~~معاني الأرض واستجماعها. والاستمتاع بها، يتلو في ذلك تلو الحيوان ويقتاس ~~به، فشريعته جوفه وأعضاؤه، ms399 وترجع بذلك حيوانيته مع نفسه الروحانية، كالحمار ~~مع الذي يملكه ويعلفه، ولو سئل الحمار عن صاحبه من هو؟ لقال: هو حماري. # القبر على الأرض كلمة مكتوبة في الأرض إلى آخر الدنيا، معناها أن الإنسان ~~حي في قانون نهايته، فلينظر كيف ينتهي. # إذا كان الأمر كله للنهاية، وكان الاعتبار بها والجزاء عليها، فالحياة هي ~~الحياة على طريقة السلامة لا غيرها، طريقة إكراه الحيوان الإنساني على ~~ممارسة الأخلاقية الاجتماعية، وجعلها أصلا في طباعه، ووزن أعماله بنتائجها ~~التي تنتهي بها، إذ كانت روحانيته في النهايات لا في بداياتها. # في الحياة الدنيا يكون الإنسان ذاتا تعمل أعمالها؛ فإذا انتهت الحياة ~~انقلبت أعمال الإنسان ذاتا يخلد هو فيها؛ فهو من الخير خالد في الخير، ومن ~~الشر هو خالد في الشر؛ فكأن الموت إن هو إلا ميلاد للروح من أعمالها؛ تولد ~~مرتين: آتية وراجعة. # وإذا كان الأمر للنهاية فقد وجب أن تبطل من الحياة نهايات كثيرة، فلا ~~يترك الشر يمضي إلى نهايته بل يحسم في بدئه ويقتل في أول أنفاسه، وكذلك ~~الشأن في كل ما لا يحسن أن يبدأ، فإنه لا يجوز أن يمتد: كالعداوة والبغضاء، ~~والبخل والأثرة، والكبرياء والغرور، والخداع والكذب؛ وما شابه هذه أو ~~شابهها، فإنها كلها انبعاث من الوجود الحيواني وانفجار من طبيعته؛ ويجب أن ~~يكون لكل منها في الإرادة قبر كي تسلم للنفس إنسانيتها إلى النهاية. ~~PageV02P123 # يا من لهم في القبو أموات! # إن رؤية القبر زيادة في الشعور بقيمة الحياة، فيجب أن يكن معنى القبر من ~~معاني السلام العقلي في هذه الدنيا. # القبر فم ينادي: أسرعوا أسرعوا، فهي مدة لو صرفت كلها في الخير ما وفت ~~به؛ فكيف يضيع منها ضياع في الشر أو الإثم؟ لو ولد الإنسان ومشى وأيفع وشب ~~واكتهل وهرم في يوم واحد، فما عساه كان يضيع من هذا اليوم الواحد؟ إن أطول ~~الأعمار لا يراه صاحبه في ساعة موته إلا أقصر من يوم. # ينادي القبر: أصلحوا عيوبكم، وعليكم وقت لإصلاحها؛ فإنها إن جاءت إلى هنا ~~كما هي، بقيت ms400 كما هي إلى الأبد، وتركها الوقت وهرب. # هنا قبر، وهناك قبر، وهنالك القبر أيضا؛ فليس ينظر في هذا عاقل إلا كان ~~نظره كأنه حكم محكمة على هذه الحياة كيف تنبغي وكيف تكون. # في القبر معنى إلغاء الزمان، فمن يفهم هذا استطاع أن ينتصر على أيامه، ~~وأن يسقط منها أوقات الشر والإثم، وأن يميت في نفسه خواطر السوء؛ فمن معاني ~~القبر ينشأ للإرادة عقلها القوي الثابت؛ وكل الأيام المكروهة لا تجد لها ~~مكانا في زمن هذا العقل, كما لا يجد الليل محلا في ساعات الشمس. # ثلاثة أرواح لا تصلح روح الإنسان في الأرض إلا بها: # روح الطبيعة في جمالها، وروح المعبد في طهارته، وروح القبر في موعظته. # PageV02P124 ### | عروس تزف إلى قبرها * "1": # كان عمرها طاقة أزهار تسمى أياما. # كان عمرها طاقة أزهار ينتسق فيه اليوم بعد اليوم كما تنبت الورقة الناعمة ~~في الزهرة إلى ورقة ناعمة مثلها. # أيام الصبا المرحة حتى في أحزانها وهمومها؛ إذ كان مجيئها من الزمن الذي ~~خص بشباب القلب، تبدو الأشياء في مجاري أحكامها كالمسحورة؛ فإن كانت مفرحة ~~جاءت حاملة فرحين، وإن كانت محزنة جاءت بنصف الحزن. # تلك الأيام التي تعمل فيها الطبيعة لشباب الجسم بقوي مختلفة: منها الشمس ~~والهواء والحركة، ومنها الفرح والنسيان والأحلام! # وشبت العذراء وأفرغت في قالب الأنوثة الشمسي القمري، واكتسى وجهها ديباجة ~~من الزهر الغض، وأودعتها الطبيعة سرها النسائي الذي يجعل العذراء فن جمال ~~لأنها فن حياة، وجعلتها تمثالا للظرف, وما أعجب سحر الطبيعة عندما تجمل ~~العذراء بظرف كظرف الأطفال الذين ستلدهم من بعد! وأسبغت عليها معاني الرقة ~~والحنان وجمال النفس؛ وما أكرم يد الطبيعة عندما تمهر العذراء من هذه ~~الصفات مهرها الإنساني! # وخطبت العذراء لزوجها، وعقد له عليها في اليوم الثالث من شهر مارس في ~~الساعة الخامسة بعد الظهر. # وماتت عذراء بعد ثلاث سنين، وأنزلت إلى قبرها في اليوم الثالث من شهر ~~مارس في الساعة الخامسة بعد الظهر! PageV02P125 # وكانت السنوات الثلاث عمر قلب يقطعه المرض، يتنظرون به العرس، وينتظر ~~بنفسه الرمس! # يا عجائب ms401 القدر! أذاك لحن موسيقي لأنين استمر ثلاث سنوات، فجاء آخره ~~موزونا بأوله في ضبط ودقة؟ # أكانت تلك العذراء تحمل سرا عظيما سيغير الدنيا، فردت الدنيا عليها يوم ~~التهنئة والابتسام والزينة، فإذا هو يوم الولولة والدموع والكفن؟ ### | 2- # واها لك أيها الزمن! من الذي يفهمك وأنت مدة أقدار؟ # واليوم الواحد على الدنيا هو أيام مختلفة بعدد أهل الدنيا جميعا، وبهذا ~~يعود لكل مخلوق سر يومه، كما أن لكل مخلوق سر روحه، وليس إليه لا هذا ولا ~~هذا. # وفي اليوم الزمني الواحد أربعمائة مليون يوم إنساني على الأرض! ومع ذلك ~~يحصيه عقل الإنسان أربعا وعشرين ساعة؛ يا للغباوة! # وكل إنسان لا يتعلق من الحياة إلا بالشعاع الذي يضيء المكان المظلم في ~~قبله، والشمس بما طلعت عليه لا تستطيع أن تنير القلب الذي لا يضيئه إلا وجه ~~محبوب. # وفي الحياة أشياء مكذوبة تكبر الدنيا وتصغر النفس، وفي الحياة أشياء ~~حقيقية تعظم بالنفس وتصغر بالدنيا؛ وذهب الأرض كله فقر مدقع حين تكون ~~المعاملة مع القلب. # أيتها الدنيا؛ هذا تحقيرك الإلهي إذا أكبرك الإنسان! # ويا عجبا لأهل السوء المغترين بحياة لا بد أن تنتهي! فماذا يرتقبون إلا ~~أن ننتهي؟ حياة عجيبة غامضة؛ وهل أعجب وأغمض من أن يكون انتهاء الإنسان إلى ~~آخرها هو أول فكره في حقيقتها؟ # فعندما تحين الدقائق المعدودة التي لا ترقمها الساعة ولكن يرقمها صدر ~~المحتضر ... عندما يكون ملك الملوك جميعا كالتراب لا يشتري شيئا ألبتة. # ماذا يكون أيها المجرم بعدما تقترف الجناية، ويقوم عليك الدليل، وترى ~~حولك الجند والقضاة، وتقف أمام الشريعة والعدل؟ # PageV02P126 # أعمالنا في الحياة هي وحدها الحياة، لا أعمارنا، ولا حظوظنا، ولا قيمة ~~للمال، أو الجاه، أو العافية، أو هي معا إذا سلب صاحبها الأمن والقرار! ~~والآمن في الدنيا من لم تكن وراءه جريمة لا تزال تجري وراءه، والسعيد في ~~الآخرة من لم تكن له جريمة تطارده وهو في السماوات. # كيف يمكن أن تخدع الآلة صاحبها وفيها "العداد"؛ ما تتحرك من حركة إلا ~~أشعرته فعدها؟ وكيف يمكن أن يكذب الإنسان ms402 ربه وفيه القلب؛ ما يعمل من عمل ~~إلا أشعره فعده؟ ### | 3- # ورأيت العروس قبل موتها بأيام. # أفرأيت أنت الغنى عندما يدبر عن إنسان ليترك له الحسرة والذكرى الأليمة؟ ~~أرأيت الحقائق الجميلة تذهب عن أهلها فلا تترك لهم إلا الأحلام بها؟ ما ~~أتعب الإنسان حين تتحول الحياة عن جسمه إلى الإقامة في فكره! # وما هي الهموم والأمراض؟ هي القبر يستبطئ صاحبه أحيانا فينفض في بعض ~~أيامه شيئا من ترابه! # رأيت العروس قبل موتها بأيام، فيالله من أسرار الموت ورهبتها! فرغ جسمها ~~كما فرغت عندها الأشياء من معانيها! وتخلى هذا الجسم عن مكانه للروح تظهر ~~لأهلها وتقف بينهم وقفة الوداع! # وتحول الزمن إلى فكر المريضة؛ فلم تعد تعيش في نهار وليل، بل في فكر مضيء ~~أو فكر مظلم! # يا إلهي! ما هذا الجسم المتهدم المقبل على الآخرة؛ هو تمثال بطل تعبيره، ~~أم تمثال بدأ تعبيره؟ # لقد وثقت أنه الموت، فكان فكرها الإلهي هو الذي يتكلم؛ وكان وجهها كوجه ~~العابد عليه طيف الصلاة ونورها. والروح الإنسانية متى عبرت لا تعبر إلا ~~بالوجه. # ولها ابتسامة غريبة الجمال؛ إذ هي ابتسامة آلام أيقنت أنها موشكة أن ~~تنتهي! ابتسامة روح لها مثل فرح السجين قد رأى سبحانه واقفا في يده الساعة ~~يرقب الدقيقة والثانية ليقول له: انطلق! # PageV02P127 # ودخلت أعودها فرأت كأنني آت من الدنيا, وتنسمت مني هواء الحياة، كأنني ~~حديقة لا شخص! # ومن غير المريض المدنف، يعرف أن الدنيا كلمة ليس لها معنى أبدا إلا ~~العافية, من غير المريض المشفي على الموت، يعيش بقلوب الناس الذين حوله لا ~~بقلبه؟ # تلك حالة لا تنفع فيها الشمس ولا الهواء ولا الطبيعة الجميلة، ويقوم مقام ~~جميعها للمريض أهله وأحباؤه! # وكان ذووها من رهبة القدر الداني كأنهم أسرى حرب أجلسوا تحت جدار يريد أن ~~ينقض! وكانت قلوبهم من فزعها تنبض نبضا مثل ضربات المعاول. # وباقتراب الحبيب المحتضر من المجهول، يصبح من يحبه في مجهول آخر، فتختلط ~~عليه الحياة بالموت، ويعود في مثل حيرة المجنون حين يمسك بيده الظل المتحرك ~~ليمنعه أن ms403 يذهب وتعروه في ساعة واحدة كآبة عمر كامل، تهيئ له جلال الحس ~~الذي يشهد به جلال الموت! # وحانت ساعة ما لا يفهم، ساعة كل شيء، وهي ساعة اللاشيء في العقل ~~الإنساني! فالتفتت العروس لأبيها تقول: "لا تحزن يا أبي", ولأمها تقول: "لا ~~تحزني يا أمي". # وتبسمت للدموع كأنما تحاول أن تكلمها هي أيضا، تقول لها: "لا تبكي! " ~~وأشفقت على أحيائها وهي تموت، فاستجمعت روحها ليبقى وجهها حيا من أجلهم بضع ~~دقائق! وقالت: "سأغادركم مبتسمة فعيشوا مبتسمين، سأترك تذكاري بينكم تذكار ~~عروس". # ثم ذكرت الله وذكرتهم به، وقالت "أشهد أن لا إله إلا الله". وكررتها ~~عشرا! وتملأت روحها بالكلمة التي فيها نور السماوات والأرض، ونطقت من حقيقة ~~قلبها بالاسم الأعظم الذي يجعل النفس منيرة تتلألأ حتى وهي في أحزانها. # ثم استقبلت خالق الرحمة في الآباء والأمهات وفي مثل إشارة وداع من مسافر ~~انبعث به القطار، ألقت إليهم تحية من ابتسامتها وأسلمت الروح! ### | 4- # يا لعجائب القدر! مشينا في جنازة العروس التي تزف إلى قبرها طاهرة # PageV02P128 # كالطفلة ولم يبارك لها أحد! فما جاوزنا الدار إلا قليلا حتى أبصرت على ~~حائط في الطريق إعلانا قديما بالخط الكبير الذي يصيح للأعين، إعلانا قديما ~~عن "رواية" هذا هو اسمها: "مبروك". # واخترقنا المدينة وأنا أنظر وأتقصى، فلم أر هذا الإعلان مرة أخرى! ~~واخترقنا المدينة كلها، فلما انقطع العمران وأشرفنا على المقبرة، إذا آخر ~~حائط عليه الإعلان: "مبروك". # PageV02P129 ### | موت أم # *: # رجعت من الجنازة بعد أن غبرت قدمي ساعة في الطريق التي ترابها تراب ~~وأشعة، وكانت في النعش لؤلؤة آدمية محطمة، هي زوجة صديق طحطحتها الأمراض ~~ففرقتها بين علل الموت، وكان قلبها يحييها فأخذ يهلكها، حتى إذا دنا أن ~~يقضي عليها رحمها الله فقضى فيها قضاءه، ومن ذا الذي مات له مريض بالقلب ~~ولم يره من قلبه في علته كالعصفورة التي تهتلك تحت عيني ثعبان سلط عليها ~~سموم عينيه! # كانت المسكينة في الخامسة والعشرين من سنها، أما قلبها ففي الثمانين أو ~~فوق ذلك؛ هي في سن الشباب وهو متهدم ms404 في سن الموت. # وكانت فاضلة تقية صالحة، لم تتعلم ولكن علمها التقوى والفضيلة, وأكمل ~~النساء عندي ليست هي التي ملأت عينيها من الكتب فهي تنظر إلى الحياة نظرات ~~تحل مشاكل وتخلق مشاكل ولكنها تلك التي تنظر إلى الدنيا بعين متلألئة بنور ~~الإيمان تقر في كل شيء معناه السماوي، فتؤمن بأحزانها وأفراحها معا، وتأخذ ~~ما تعطى من يد خالقها رحمة معروفة أو رحمة مجهولة، هذه عندي تسمى امرأة، ~~ومعناها المعبد القدسي، وتكون الزوجة، ومعناها القوة المسعدة، وتصير الأم، ~~ومعناها التكملة الإلهية لصغارها وزوجها ونفسها. # ومهما تبلغ المرأة من العلم فالرجل أعظم منها بأنه رجل، ولكن المرأة حق ~~المرأة هي تلك التي خلقت لتكون للرجل مادة الفضيلة والصبر والإيمان، فتكون ~~له وحيا وإلهاما وعزاء وقوة، أي زيادة في سروره ونقصا من آلامه. # ولن تكون المرأة في الحياة أعظم من الرجل إلا بشيء واحد، هو صفاتها التي ~~تجعل رجلها أعظم منها. PageV02P130 # ومشيت من البيت الذي ألبسته الميتة معنى القبر، إلى القبر الذي ألبس ~~الميتة معنى البيت وأنا منذ مشيت في جنازة أمي "رحمها الله" لا أسير في هذه ~~الطريق مع الأحياء، ولكن مع الموتى، فأتبع من الميت صديقا ليس رجلا ولا ~~امرأة، لأنه من غير هذه الدنيا؛ وأمشي في ساعة ليست ستين دقيقة، لأنها خرجت ~~من الزمن؛ ولا أرى الطريق من طرق الحياة، لأنني في صحبة ميت؛ وتصبح للأرض ~~في رأيي جغرافية أخرى عمي الناس عنها لشدة وضوحها، كالألوهية خفيت من شدة ~~ما ظهرت. # يقولون: إن ثلاثة أرباع الأرض يغمرها البحر، أما أنا فأرى في تلك الساعة ~~أن ثلاثة أرباع الأرض لا يغمرها البحر الذي وصفوا، ولكن خضم آخر زخار ~~متضرب، هو ذلك البحر الترابي العظيم المسمى "المقبرة". # يقولون: إن الحياة هي ... هي ماذا -ويحكم- أيها المغرورون؛ أفلا ترون هذه ~~الصلة الدائمة بين بطن الأم وبطن الأرض؟ # لعمري كيف تجعل هذه الحياة للناس قلوبا مع قلوبهم فيحس المرء بقلب، ويعمل ~~بقلب آخر؛ يعتقد ضرر الكذب ويكذب، ويعرف معرفة الإثم ويأثم، ويوقن بعاقبة ~~الخيانة ثم ms405 يخون؛ ويمضي في العمر منتهيا إلى ربه, ما في ذلك شك, ولكنه في ~~الطريق لا يعمل إلا عمل من قد فر من ربه. # هبت الريح في السحر على روضة غناء فطابت لها، فعقدت عقدتها أن تتخذ لها ~~بيتا في ذلك المكان الطيب لتقيم فيه. يا لها حكمة من التدبير! تزعم الريح ~~الإقامة على حين كل وجودها هو لحظة مرورها، وتحلم بالقرار في البيت وهي لا ~~تملك بطبيعتها أن تقف. # يا لها حكمة سامية، لا يسكنها من المعنى إلا أسخف ما في الحمق! # همد الحي وانطفأت عيناه، ولكنه تحرك في تاريخه مما ضيق على نفسه أو وسع، ~~وأصبح ينظر بعين من عمله إما مبصرة أو كالعمياء؛ فلو تكلم يصف الحياة ~~الدنيا لقال: إن هذه النجوم على الأرض مصابيح مأتم أقيم بليل. وما أعجب أن ~~يجلس أهل المأتم في المأتم ليضحكوا ويلعبوا! # ولو نطق الموتى لقالوا: أيها الأحياء، إن هذا الحاضر الذي يمر فيكون ~~ماضيكم في الدنيا، هو بعينه الذي يكون مستقبلكم في الآخرة، لا تزيدون فيه ~~ولا # PageV02P131 # تنقصون. وإن الدنيا تبدأ عندكم من الأعلى إلى الأدنى, من العظماء إلى ~~الفقراء؛ ولكنها تنقلب في الآخرة فتبدأ من الفقراء إلى العظماء؛ وأنتم ~~ترسمونها بخطوط المطامع والحظوظ، ويرسمها الله بخطوط الحرمان والمجاهدة؛ إن ~~التام على الأرض من تم بمتاعها ولذاتها، ولكن التام في السماء من تم بنفسه ~~وحدها. # يا أسفا! لن يقول الميت للحي شيئا، ومن يدري؟ لعلنا ونحن نلحد للموتى ~~وننزلهم في قبورهم، يرون بأرواحهم الخالدة أننا نحن موتاهم المساكين، وأننا ~~مدفونون في القبر الذي يسمونه "الكرة الأرضية" وهل الكرة الأرضية من ~~اللانهاية إلا حفرة برجل نملة لتدفن فيها نملة. # الحياة ... أتريد أن تعرفها على حقيقتها؟ هي المبهمات الكثيرة التي ليس ~~لها في الآخر إلا تفسير واحد, حلال أو حرام. # ورجعنا مع الصديق إلى بيته، وله خمسة أطفال صغار لو أنهم هم الذين ~~انتزعوا من أمهم لترك كل واحد على قلبها مثل المكواة المحمى عليها في النار ~~إلى أن تحمر؛ ولكن أمهم هي ms406 التي نزعت منهم، فكان بقاؤهم في الحياة تخفيفا ~~لسكرة الموت عليها. وغشيتها الغشية فماتت وهي تضحك، إذ تراهم نائمين تحت ~~جناح الرحمة الإلهية الممدود، وقالت: إنها تسمع أحلامهم. وكانوا هم عقلها ~~في ساعة الموت! # تبارك الذي جعل في قلب الأم دنيا من خلقه هو، ودنيا من خلق أولادها! # تبارك الذي أثاب الأم ثواب ما تعاني، فجعل فرحها صورة كبيرة من فرح ~~صغارها! # وجاء أكبر الأطفال الخمسة، وكأنه ثمانية أرطال من الحياة لا ثمانية أعوام ~~من العمر؛ جاء إلينا كما يجيء الفزع لقلوب مطمئنة، إذ كان في عينيه ~~الباكيتين معنى فقد الأم! # وطغت عليه الدموع فتناول منديله ومسحها بيده الصغيرة، ولكن روحه اليتيمة ~~تأبى إلا أن ترسم بهذه الدموع على وجهه معاني يتمها! # وظهر الانكسار في وجهه يعبر ببلاغة أنه قد أحس حقيقة ضعفه وطفولته بإزاء ~~المصيبة التي نزلت به، وجلس مستسلما تترجم هيئته معاني هذه الكلمة: "رفقا ~~بي! ". # PageV02P132 # ثم تطير من عينيه نظرات في الهواء، كأنما يحس أن أمه حوله في الجو ولكنه ~~لا يراها! # ثم يرخي عينيه في إغماضة خفيفة، كأنما يرجو أن يرى أمه في طويته! # ولا يصدق أنها ماتت، فإن صوتها حي في أذنيه لا يزال يسمعه من أمس! # ثم يعود إلى وجهه الانكسار والاستسلام، ويتململ في مجلسه، فينطق جسمه كله ~~بهذه الكلمة" يا أمي! ". # أحس -ولا ريب- أنه قد ضاع في الوجود، لأن الوجود كان أمه. # ولمس خشونة الدنيا منذ الساعة، بعد أن فقد الصدر الذي فيه وحده لين ~~الحياة, لأن فيه قلب أمه وروحها. # وشعر بالذل ينساب إلى قلبه الصغير؛ لأن تلك التي كان يملك فيها حق الرحمة ~~قد أخذت منه وتركته بلا حق في أحد؛ وليس لأحد أمان! # ولبسته المسكنة، لأن له شيئا عزيزا أصبح وراء الزمان فلن يصل إليه! # ولبسته المسكنة، لأنه صار وحده في المكان كما هو وحده في الزمان! # وارتسم على وجهه التعجب، كأنه يسأل نفسه:"إذا لم تكن أمي هنا، فلماذا أنا ~~هنا؟ ". # ثم تغرغرت عيناه فيخرج منديله ويمسح دمعه بيده الصغيرة، ms407 ولكن روحه ~~اليتيمة تأبى إلا أن ترسم بهذه الدموع على وجهه معاني يتمها! # ونهض الصغير ولم ينطق بذات شفة؛ نهض يحمل رجولته التي بدأت منذ الساعة! # انتهت -أيها الطفل المسكين- أيامك من الأم؛ فهذه الأيام السعيدة التي كنت ~~تعرف الغد فيها قبل أن يأتي معرفتك أمس الذي مضى؛ إذ يأتي الغد ومعك أمك! # وبدأت -أيها الطفل المسكين- أيامك من الزمن، وسيأتي كل غد محجبا مرهوبا؛ ~~إذ يأتي لك وحدك، ويأتي وأنت وحدك! # الأم ... يا إلهي! أي صغير على الأرض يجد كفايته من الروح إلا في الأم؟ # PageV02P133 ### | قصة أب # *: # حدثني المسكين فيما حدث وهو يصف ما نزل به قال: # رأيت الناس قد أنعم الله عليهم أن يكونوا آباء فنسأ بالولد في آثارهم. ~~ومد بالنسل في وجودهم، وزاد منه في أرواحهم أرواحا، وضم به إلى قلوبهم ~~قلوبا، وملأ أعينهم من ذلك بما تقر به قرة عين كانت لم تجد ثم وجدت، فهم ~~بهؤلاء الأطفال يملكون القوة التي ترجعهم أطفالا مثلهم في كل ما يسرهم، ~~فيكبر الفرح في أنفسهم وإن كان في ذات نفسه ضئيلا صغيرا، ويعظم الأمل في ~~أشيائهم وإن كان هو عن شيء حقير لا يؤبه له. # وتلك حقيقة من حقائق السعادة لا أسمى ولا أعظم منها إلا الحقيقة الأخرى, ~~وهي القوة التي يتحول بها الكون في قلب الوالدين إلى كنز من الحب والرحمة ~~وجمال العاطفة، وبسحر من ابتسامة طفل أو طفلة، أو بكلمة منهما أو حركة، على ~~حين لا يتحول مثل ذلك ولا قريبا منه بمال الدنيا، ولا بملك الدنيا. # رأيت الناس قد أنعم الله عليهم أن يكونوا آباء، ولكنه ابتلاني بأن أكون ~~أبا، وأخرج لي من أفراح قلبي أحزان قلبي! ولقد كنت كرجل ملك دارا يستمتع ~~بها، فتمنى أن يشرع1 في جانب منها غرفة يزخرفها، فلما تم له ذلك وبلغ ~~المقترح، انهدمت الدار وبقيت الغرفة قائمة!. # عمرك الله، أيشعر هذا الرجل في نكبته بالغرفة أم بالدار؟ وهل تراه زاد أو ~~نقص؟ ويا ليتهما بيت وغرفة من بيت؛ فإن الحجارة تحيا بالبناء ms408 إذا ماتت ~~بالهدم، ولكن من ذا يحيي الزوجة ماتت بعد أو ضعت بكرها الأول والآخر! # إنها طفلة ولدت وكأنما أخرجت من تحت الردم، إذ ولدت تحت ماض من ~~PageV02P134 # الحياة منهدم، وهل فرق بيين هذا وبين أن تكون أمها قد ولدتها في الصحراء ~~ثم أكرهت أن تدعها وحدها في ذلك القفر تصرخ وتبكي! فالمسكينة على الحالين ~~منقطعة أول ما انقطعت من حنان الأم ورحمتها. # طفلة ولدت صارخة، لا صرخة الحياة، ولكن صرخة النوح والندب على أمها. # صرخة حزينة معناها: ضعوني مع أمي ولو في القبر! # صرخة ترتعد، كأن المسكينة شعرت أن الدنيا خالية من الصدر الذي يدفئها! # صرخة تتردد في ضراعة، كأنها جملة مركبة من هذه الكلمات: "يا رب ارحمني من ~~حياة بلا أم! ". # قال المسكين وهو يبكي امرأته: # ولما ضربها المخاض، ضاعفت قوتها من شعورها أنها ستكون بعد قليل مضاعفة ~~بمولودها، وستكون روحين لا روحا واحدة، وتلد لي الحياة والحب الإلهي معا، ~~وتأتي لقلبي بمثل طفولته الأولى التي يستحيل أن تأتي الرجل إلا من زوجه. كل ~~ذلك ضاعف قواها ساعة وشد منها؛ ولكن ما أسرع ما تبينت أنه الموت، إذ عضلت ~~وعسر خروج مولودها. # وجاءها الجراحى بمبضعه، وكأنها رأته ذابحا لا طبيبا، فجعلت تعبر بعينيها، ~~إذ لم تملك في آلامها القاتلة غير لغة هاتين العينين. # كانت بنظرة تبكي علي وعلى بؤسي، وبأخرى تبكي على بؤس مولودها وشقائه؛ ~~وبنظرة تودعني، وبأخرى تدعو الله لي جزاء ما أحسنت إليها؛ وبنظرة تتوجع ~~لنفسها، وبأخرى تتألم من أنها تراني أكاد أجن. # نظرات نظرات ... # يا إلهي! لقد خيل إلي أن ملك الموت واقف بين عشرين مرآة تحيط به، فأنا ~~أراه موتا متعددا لا موتا واحدا، وكل نظرة من عيني زوجتي إلي كانت منها هي ~~نظرة، وكانت عندي أنا مرآة الروح للروح. # ولكنها لم تنس أنها تموت لوضع مولودها، وأن هذه الآلام الدموية الذابحة ~~هي الوسيلة لأن تترك لي بقية حية منها؛ فيا للرحمة والحنان والحب! لقد ~~ابتسمت لي وهي تموت؛ وهي تلد؛ وهي تذبح! # PageV02P135 # ليست ms409 رحمة المرأة المحبة خيالا إلا إذا كانت حرارة الشمس التي تحيي ~~الدنيا خيالا أيضا؛ إن هذا القلب النسوي المستقر فوق أحشاء تحمل الجنين ~~صابرة راضية فرحة بآلامها، وتغذوه وتقاسمه حياة نفسها، هذا القلب يحمل الحب ~~أيضا صابرا فرحا بآلامه، ويغذوه ويقاسمه حياة نفسه. # وللرحمة الإلهية أدلة كثيرة تدل الإنسان عليها دلالات مختلفة؛ فالشمس تدل ~~عليها بالضوء الذي تطعمه الحياة، والهواء يدل عليها بالضوء الذي تتنفسه ~~الحياة، والماء يدل عليها بالضوء الذي تشربه الحياة، وهكذا إلى أن يأتي في ~~الآخر قلب المرأة فيدل على رحمة الله بالحب الذي تقوم به الحياة. # ابتسامة الحب غالبت زفرات الموت التي تعتلج من تحتها حتى غلبتها، وأعادت ~~الحياة لحظة إلى وجه زوجتي لأراها آخر ما أراها في صورة المحبة لي، فكان كل ~~جمال نفسها منتشرا على ذلك الوجه، وظهرت فيه روحها وعواطفها تودعني وداعا ~~حزينا متبسما يتكلم؛ يتكلم بعجزه عن الكلام. # ابتسامة لا ريب أن فيها أشياء ليست من جمال هذه الدنيا ولا من حقائقها؛ ~~فكأنما التمعت بأشعة من الخلد ترف رفيفها على وجه الحبيب ليظهر ساعة الموت ~~أن حبه أقوى من الموت. # قال المسكين: ونثر الطبيب ذا بطنها فكانت طفلة، وما كانت زوجتي تقترح أن ~~يكون الجنين غيرها، بل كان مستيقنة أنها تضعها أنثى، وصنعت لها ثيابها، ~~ووشتها بزينة الأنوثة، وعرضت أسماء البنات فاختارت اسمها أيضا، وكنت أكره ~~ذلك منها وأريد ولدا لا بنتا، فكانت تغايظني بعملها وإصرارها غيظ دعابة لا ~~غيظ جفاء. # ومضت لا تذكر إلا بنتها مدة الحمل، ولا تتكلم إلا عن بنتها وقد كنت أعجب ~~لذلك؛ فلما قضى الله فيها قضاءه، علمت أن ذلك أمر من أمر الروح، فكان ~~الإلهام فيه أنها على باب قبرها، وأنها لن ترى طفلتها، ولن تعيش لها، فعاشت ~~أيام الحمل مع ذكراها, تضم ثيابها إلى صدرها وتحملها على يدها، وتناغيها ~~وتقبلها، وتأخذها من الوهم وتردها إليه؛ وكذلك نعمت المسكينة بالمسكينة! # لك الله يا معجزة الرحمة، يا نفس الأم! # PageV02P136 # ولما قيل: ماتت. جعل يكلمني المتكلم ولا أعقل؛ ms410 فإن الكلمة التي تأتي ~~بالمصيبة المتوقعة طال ارتقابها، لا تأتي بمعان لغوية كغيرها من الكلام، بل ~~بأسلحة تضرب في النفس وفي العقل، وتثخنهما جراحا وفتكا. # وجعلني موتها كأني ميت يحمل نفسه، ما حوله إلا المشيعون، وأحسست كأن قوة ~~أخذت بإحدى رجلي فوضعتها في الآخرة وتركت الثانية في الدنيا، ولحقني من ~~الجزع ما الله عالم به، ووجدت أحرق الوجد، وبكيت أحر البكاء؛ وجعلت أفكاري ~~تنحدر من رأسي إلى حلقي فأختنق بها ثم لا ينفس عني إلا الدمع، كأن أعضائي ~~اختلت مما ضغطني من الحزن، فأنا أتنفس برئتي وعيني. # بموتها شعرت بها؛ ولعله من أجل ذلك لا يشعر الإنسان بلذة الحب كاملة إلا ~~في آلام الحب وحدها، وكانت في حياتها تضع من روحها في سروري، وهذا هو سر ~~المرأة المحبوبة؛ يجد محبها في كل سرور لمحات روحانية؛ وكذلك فعلت بعد ~~موتها، فجعلت روحها في أحزاني؛ ولولا أن روحها في أحزاني لقتلتني المصيبة. # وكنت أدلف وراء النعش وقد بطل في نفسي الشعور بالدنيا، وكان الناس يمشون ~~حولي بما فيهم من الحياة، وكانوا ذاهبين إلى المقبرة على أنهم سائرون كما ~~يذهبون إلى كل مكان؛ أما أنا فكنت أمشي بما في من الحب منكسرا منخذلا ~~متضعضعا، لأني وحدي سائر وراء ما لا يلحق. # وثقل الناس على قلبي، ورجع كل أمرهم عندي إلى العيب والنقيصة، إذ كان لي ~~عقل طارئ من الحالة التي أنا فيها ليس مثله لأحد منهم، وكنت وحدي المصاب ~~بينهم، فكنت وحدي بينهم العاقل. # أنا أمشي لأنتهي إلى آخر مصيبتي، وهم يمشون لينتهوا إلى آخر الطريق؛ ~~وشتان ما نحن وشتان! # ولما رأيت قبرها ابتدرت عيناني تنظران بالدموع لا بالنظر، ورأيت التراب ~~كأنه غيوم ملونة بألوان السحب الداكنة تتهيأ في سمائها تحت الظلام لتخفي ~~كوكبا من الكواكب؛ وظهر لي القبر كأنه فم الأرض يخاطب الإنسان بحزم صارم، ~~يخاطب الفقير والغني، والضعيف والقوي، والملوك والصعاليك: "أن كل قوة تنزع ~~هنا". # قال المسكين: وكما يجد الإنسان في أيام المطر رائحة النسيم المبتل ~~بالماء، كنت أستروح في ms411 رجعتي إلى الدار رائحة نسيم مبتل بالدموع، وحضرت ~~المأتم # PageV02P137 # وعزاني الناس، فكنت فيهم كالمأسور بينهم: لا أتمنى إلا أن يدعوني فأنجو ~~على وجهي، ولا أرى إلا أنهم يجرعونني الوجود غصصا كما تجرعت الفقد غصة غصة؛ ~~إلى أن تفرقوا مع سواد الليل فانكفأت إلى الدار، فإذا كل شيء قد تغير ولمسه ~~الموت لمسة، وإذا الدار نفسها كالعين المقروحة من آثار البكاء: ما ثم شيء ~~إلا ليطالعني بأن مسراتي قد ماتت! # ولاح الصبح لعيني الساهرتين صبحا فاترا تبينت فيه الخجل، كأنه يقول: "لم ~~أطلع لك" فانسللت من البيت، وذهبت أمشي في دنيا هي الكآبة المضيئة سخرت ~~الأقدار منها بإظهارها في هذا الضوء مظهر وجه العجوز المتصابية في زينة لا ~~تزيدها إلا قبحا! # ومضيت على وجهي لا غاية لي، أضرب في كل جهة كأنما أريد أن أهرب من نفسي! ~~وما خطر لي قط أني يوم جديد، بل كنت عند نفسي لا أزال. أمس، وتغير عندي ~~الزمان والمكان: فأحدهما ساعة موت لا تترك ما فيها، والآخر قبر ميتة لا يرد ~~ما فيه. # آه من الوقت الذي ينتهي فيه الموجود ليعذبنا بالتذكر أنه كان موجودا. # قال المسكين ثم أعادتني قدماي إلى البيت لأرى طفلتي -وما كنت رأيتها- ~~ولقد كانت ولادتها أول الحياة لها، وأول الحياة لي أيضا، إذ لولاها لانتحرت ~~غير شك. # يا ويلتا! لم تلتق عيني بعين الطفلة حتى انفجرت تبكي. أتبكين لي يا ابنتي ~~أم علي؟ # أهذا بكاؤك أيتها المسكينة، أم هو صوت قلبك اليتيم؟ # أصوتك أنت، أم هي روح أمك تصرخ ترثي لي، وتتوجع لفرط ما قاسيت! # يا ابنتي، إنما أنت الحقيقة الصغيرة التي خرجت لي من كل تلك الخيالات ~~الشعرية الجميلة، خيالات الأيام السعيدة التي مرت! # يخلق المواليد من اللحم والدم! وأراك أنت يا مسكينة، خلقت من اللحم والدم ~~والدموع! # بقية حياة ماتت! فهل معنى ذلك إلا أنك بقية موت يحيا؟ # مسكينة، مسكينة؛ لو أن نواميس العالم متغيرة لشيء لتغيرت من أجل بؤسك # PageV02P138 # فردت لك الأم، ولكنها لن تتغير، وما بكاؤنا وآلامنا ms412 وتعاستنا إلا تراث ~~الحياة في أجسامنا الأرضية، كل ذلك طبيعة ولكن بقعة أنظف من بقعة، وأراك يا ~~ابنتي كالبيت الذي هدم أول ما بني يملؤه ترابه! # لن تتغير النواميس، فلن تجدي عطف الأم، ولكن لن يتغير قلبي أيضا، فلن ~~تحرمي عطف الأب. # وإذا صبر الناس على الحياة فمن أجلك يا مسكينة! من أجل ضعفك وانقطاعك ~~سأعاني الصبر لك، وأعاني الصبر لي, وأعاني الصبر عن أمك، سأصبر على الصبر ~~نفسه! # يا ابنتي! يا ابنتي! لماذا وضعتك الأقدار من هذه الحياة في الناحية التي ~~ليس فيها إلا قبر مظلم مقفل على أمك، وأب مسكين مقفل على آلامه؟ # قال المسكين: وهكذا كتبت من أهل البؤس والهم، فلم أتزوج إلا لتصنع لي ~~حبيبتي دموعي، ثم لم تمت إلا بعد أن تركت لي حبيبة أخرى ستظل زمنا طويلا ~~تصنع لي دموعي! # PageV02P139 ### | السمكة: # حدث أحمد بن مسكين الفقيه البغدادي قال: حصلت في مدينة "بلخ" سنة ثلاثين ~~ومائتين، وعالمها يومئذ شيخ خراسان أبو عبد الرحمن1 الزاهد صاحب المواعظ ~~والحكم؛ وهو رجل قلبه من وراء لسانه، ونفسه من وراء قلبه، والفلك الأعلى من ~~وراء نفسه، كأنه يلقى عليه فيما زعموا. # وكان يقال له عندهم: "لقمان هذه الأمة"؛ لما يعجبهم من حكمه في الزهد ~~والموعظة، وقد حضرت مجالسه وحفظت من كلامه شيئا كثيرا، كقوله: من دخل في ~~مذهبنا هذا "يعني الطريق" فليجعل على نفسه أربع خصال من الموت: موت أبيض، ~~وموت أسود، وموت أحمر، وموت أخضر؛ فالموت الأبيض الجوع، والموت الأسود ~~احتمال الأذى، والموت الأحمر مخالفة النفس، والموت الأخضر طرح الرقاع بعضها ~~على بعض "يعني لبس المرقعة والخلق من الثياب". # وقلت يوما لصاحبه وتلميذه "أبي تراب" وجاريته في تأويل هذا الكلام: قد ~~فهمنا وجه التسمية في الموت الأخضر ما دامت المرقعة خضراء؛ فما الوجه في ~~الأبيض والأسود والأحمر؟ فجاء بقول لم أرضه، وليس معه دليل، ثم قال: فما ~~عندك أنت؟ قلت: أما الجوع فيميت النفس عن شهواتها ويتركها بيضاء نقية، فذلك ~~الموت الأبيض؛ وأما احتمال الأذى فهو احتمال سواد ms413 الوجه عند الناس، فهو ~~الموت الأسود؛ وأما مخالفة النفس فهي كإضرام الناس فيها، فذاك الموت ~~الأحمر. # قال أحمد بن مسكين: وكنت ذات نهار في مسجد "بلخ" والناس متوافرون ينتظرون ~~"لقمان الأمة" ليسمعوه، وشغله بعض الأمر فراث عليهم، فقالوا: من يعظنا إلى ~~أن يجيء الشيخ؟ فالتفت أبو تراب وقال: أنت رأيت الإمام أحمد بن حنبل، ورأيت ~~بشرا الحافي وفلانا وفلانا، فقم فحدث الناس عنهم، PageV02P140 # فإنما هؤلاء وأمثالهم هم بقايا النبوة. ثم أخذ بيدي إلى الأسطوانة التي ~~يجلس إليها إمام خرسان فأجلسني ثمة وقعد بين يدي. # وتطاولت الأعناق، ورماني الناس بأبصارهم، وقالوا: البغدادي! البغدادي! ~~وكأنما ضوعفت عندهم بمجلسي مرة وبنسبتي مرة أخرى, فقلت في نفسي: والله ما ~~في الموت الأحمر والأخضر ولا الأسود موعظة، ولو لبس عزرائيل قوس قزح لأفسد ~~شعر هذه الألوان معناه، وإنما يجب أن يكون كما يجب أن يكون؛ ولا موعظة في ~~كلام لم يمتلئ من نفس قائله، ليكون عملا فيتحول في النفوس الأخرى عملا ولا ~~يبقى كلاما؛ وإنه ليس الوعظ تأليف القول للسامع يسمعه، لكنه تأليف النفس ~~لنفس أخرى تراها في كلامها، فيكون هذا الكلام كأنه قرابة بين النفسين، حتى ~~كأن الدم المتجاذب يجري فيه ويدور في ألفاظه. # وكنت رأيت رؤيا "ببلخ" تتصل بقصة قائمة في بغداد، فقصصتها عليهم، فكانت ~~القصة كما حكيتها: أني امتحنت بالفقر في سنة تسع عشرة ومائتين؛ وانحسمت ~~مادتي وقحط منزلي قحطا شديدا جمع علي الحاجة والضر والمسكنة، فلو انكمشت ~~الصحراء المجدبة فصغرت ثم صغرت حتى ترجع أذرعا في أذرع، لكانت هي داري ~~يومئذ في محلة باب البصرة من بغداد. # وجاء يوم صحراوي كأنما طلعت شمسه من بين الرمل لا من بين السحب، ومرت ~~الشمس على دراي في بغداد مرورها على الورقة الجافة المعلقة في الشجرة ~~الخضراء؛ فلم يكن عندنا شيء يسيغه حلق آدمي، إذ لم يكن في الدار إلا ترابها ~~وحجارتها وأجذاعها، ولي امرأة ولي منها طفل صغير، وقد طوينا على جوع يخسف ~~بالجوف خسفا كما تهبط الأرض، فلتمنيت حينئذ لو كنا جرذانا ms414 فنقرض الخشب! ~~وكان جوع الصبي يزيد المرأة ألما إلى جوعها، وكنت بهما كالجائع بثلاثة بطون ~~خاوية. # فقلت في نفسي: إذا لم تأكل الخشب والحجارة فلنأكل بثمنها. وجمعت نيتي على ~~بيع الدار والتحول عنها، وإن كان خروجي منه كالخروخ من جلدي: لا يسمى إلا ~~سلخا وموتا؛ وبت ليلتي وأنا كالمثخن حمل من معركة؛ فما يتقلب إلا على جراح ~~تعمل فيه عمل السيوف والأسنة التي عملت فيها. # ثم خرجت بغلس لصلاة الصبح، والمسجد يكون في الأرض ولكن السماء # PageV02P141 # تكون فيه، فرأيتني عند نفسي كأني خرجت من الأرض ساعة. ولما قضيت الصلاة ~~رفع الناس أكفهم يدعون الله "تعالى"، وجرى لساني بهذا الدعاء: "اللهم بك ~~أعوذ أن يكون فقري في ديني، أسألك النفع الذي يصلحني بطاعتك، وأسألك بركة ~~الرضا بقضائك، وأسألك القوة على الطاعة والرضا يا أرحم الراحمين". # ثم جلست أتأمل شأني، وأطلت الجلوس في المسجد كأني لم أعد من أهل الزمن ~~فلا تجري علي أحكامه، حتى إذا ارتفع الضحى وابيضت الشمس جاءت حقيقة الحياة، ~~فخرجت أتسبب لبيع الدار، وابنعثت وما أدري أين أذهب، فما سرت غير بعيد حتى ~~لقيني "أبو نصر الصياد" وكنت أعرفه قديما، فقلت: يا أبا نصر! أنا على بيع ~~الدار؛ فقد ساءت الحال وأحوجت الخصاصة، فأقرضني شيئا يمسكني على يومي هذا ~~بالقوام من العيش حتى أبيع الدار وأوفيك. # فقال: يا سيدي! خذ هذا المنديل إلى عيالك، وأنا على أثرك لاحق بك إلى ~~المنزل. ثم ناولني منديلا فيه رقاقتان بينهما حلوى، وقال: إنهما والله بركة ~~الشيخ. # قلت: وما الشيخ وما القصة؟ # قال: وقفت أمس على باب هذا المسجد وقد انصرف الناس من صلاة الجمعة، فمر ~~بي أبو نصر بشر الحافي1 فقال: ما لي أراك في هذا الوقت؟ قلت: ما في البيت ~~دقيق ولا خبز ولا درهم ولا شيء يباع. فقال: الله المستعان! احمل شبكتك ~~وتعال إلى الخندق؛ فحملتها وذهبت معه، فلما انتهينا إلى الخندق قال لي: ~~توضأ وصل ركعتين. ففعلت، فقال: سم الله -تعالى- وألق الشبكة. فسميت ~~وألقيتها، فوقع فيها شيء ثقيل، ms415 فجعلت أجره فشق علي؛ فقلت له: ساعدني فإني ~~أخاف أن تنقطع الشبكة, فجاء وجرها معي، فخرجت سمكة عظيمة لم أر مثلها سمنا ~~وعظما وفراهة. فقال: خذها وبعها واشتر بثمنها ما يصلح عيالك. فحملتها ~~فاستقبلني رجل اشتراها، فابتعت لأهلي ما يحتاجون إليه، فلما أكلت وأكلوا ~~ذكرت الشيخ فقلت أهدي له شيئا، فأخذت هاتين الرقاقتين وجعلت بينهما هذه ~~الحلوى، وأتيت إليه فطرقت الباب، فقال: من؟ قلت: أبو نصر! قال: افتح وضع ما ~~معك في الدهليز وادخل. فدخلت وحدثته بما صنعت فقال: الحمد لله على ~~PageV02P142 # ذلك. فقلت: إني هيأت للبيت شيئا وقد أكلوا وأكلت ومعي رقاقتان فيهما ~~حلوى. # قال: يا أبا نصر! لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة! اذهب كله أن ~~وعيالك. # قال أحمد بن مسكين: وكنت من الجوع بحيث لو أصبت رغيفا لحسبته مائدة أنزلت ~~من السماء، ولكن كلمة الشيخ عن السمكة أشبعتني بمعانيها شبعا ليس من هذه ~~الدنيا، كأنما طعمت منها ثمرة من ثمار الجنة؛ وطفقت أرددها لنفسي وأتأمل ما ~~تفتق الشهوات على الناس، فأيقنت أن البلاء إنما يصيبنا من أننا نفسر الدنيا ~~على طولها وعرضها بكلمات معدودة, فإذا استقر في أنفسنا لفظ من ألفاظ هذه ~~الشهوات، استقرت به في النفس كل معانيه من المعاصي والذنوب، وأخذت شياطين ~~هذه المعاني تحوم على قلوبنا، فنصبح مهيئين لهذه الشياطين، عاملين لها، ثم ~~عاملين معها، فتدخلنا مداخل السوء في هذه الحياة، وتقحمنا في الورطة بعد ~~الورطة, وفي الهلكة بعد الهلكة. # وما هذه الشياطين إلا كالذباب والبعوض والهوام، ولا تحوم إلا على رائحة ~~تجذبها، فإن لم تجد في النفس ما تجتمع عليه، تفرقت ولم تجتمع، وإذا ألمت ~~الواحدة منها بعد الواحدة لم تثبت. فلو أننا طردنا من أنفسنا الكلمات التي ~~أفسدت علينا رؤية الدنيا كما خلقت. لكان للدنيا في أنفسنا شكل آخر أحسن ~~وأجمل من شكلها، ولكانت لنا أعمال أخرى أحسن وأطهر من أعمالنا. # فالشيخ لم يكن في نفسه معنى لكلمة "التلذذ" وبطرده من نفسه هذا اللفظ ~~الواحد، طرد معاني الشر كلها، وصلح له ms416 دينه، وخلصت نفسه للخير ومعاني ~~الخير. ولو أن رجلا وضع في نفسه امرأة يعشقها، لصارت الدنيا كلها في نفسه ~~كالمخدع, ما فيه إلا المرأة وحدها بأسبابها إليه وأسبابه إليها. # وقد كنت سمعت في درس شيخنا أحمد بن حنبل هذا الحديث: "لولا أن الشياطين ~~يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات". فما فهمت -والله- ~~معناه إلا من كلمة الشيخ في السمكة, وقد علمنيها هذا الصياد العامي؛ ~~فالشياطين تنجذب إلى المعاني، والمعاني يوجدها اللفظ المستقر في القلب ~~استقرار غرض أو شهوة أو طمع؛ فإذا خلا القلب من هذه المعاني؛ فقد أمن ~~منازعتها له وشغلها إياه، فيصبح فوقها لا بينها؛ ومتى صار القلب فوق ~~الشهوات # PageV02P143 # ولم يجد من ألفاظها ما يعميه ويعترض نظره إلى الحقائق، انكشفت له هذه ~~الحقائق فانكشف له الملكوت؛ فإذا وقع بعد في واحدة من اللذات ولو ~~"كالرقاقتين والحلوى"، استعلت الأشياء عليه فحجبته، وعاد بينها أو تحتها، ~~وعمي عمى اللذة؛ والحجاب على البصر كأنه تعليق العمى على البصر. # وكنت لا أزال أعجب من صبر شيخنا أحمد بن حنبل وقد ضرب بين يدي المعتصم ~~بالسياط حتى غشي عليه1 فلم يتحول عن رأيه؛ فعلمت الآن من كلمة السمكة أنه ~~لم يجعل من نفسه للضرب معنى الضرب، ولا عرف للصبر معنى الصبر الآدمي؛ ولو ~~هو صبر على هذا صبر الإنسان لجزع وتحول، ولو ضرب ضرب الإنسان لتألم وتغير؛ ~~ولكنه وضع في نفسه معنى ثبات السنة وبقاء الدين، وأنه هو الأمة كلها لا ~~أحمد بن حنبل, فلو تحول لتحول الناس، ولو ابتدع لابتدعوا؛ فكان صبره صبر ~~أمة كاملة لا صبر رجل فرد، وكان يضرب بالسياط ونفسه فوق معنى الضرب، فلو ~~قرضوه بالمقاريض ونشروه بالمناشير لما نالوا منه شيئا؛ إذ لم يكن جسمه إلا ~~ثوبا عليه، وكان الرجل هو الفكر ليس غير. # هؤلاء قوم لا يرون فضائلهم فضائل, ولكنهم يرونها أمانات قد ائتمنوا عليها ~~من الله لتبقى بهم معانيها في هذه الدنيا؛ فهم يزرعون في الأمم زرعا بيد ~~الله، ولا يملك الزرع غير طبيعته، ms417 وما كان المعتصم وهو يريد شيخنا على غير ~~رأيه وعقيدته إلا كالأحمق يقول لشجرة التفاح: أثمري غير التفاح. # قال أحمد بن مسكين: وأخذت الرقاقتين وأنا أقول في نفسي: لعن الله هذه ~~الدنيا! إن من هوانها على الله أن الإنسان فيها يلبس وجهه ما يلبس نعله. ~~فلو أن إنسان كانت له نظرة ملائكية ثم اعترض الخلق ينظر في وجوههم. لرأى ~~عليها وحولا وأقذارا كالتي في نعالهم أو أقذر أو أقبح، ولعله كان لا يرى ~~أجمل الوجوه التي تستهيم الناس وتتصباها من الرجال والنساء، إلا كالأحذية ~~العتيقة. # ولكني أحسست أن في هاتين الرقاقتين سر الشيخ، ورأيتهما في يدي كالوثيقتين ~~بخير كثير؛ فقلت: على بركة الله. ومضيت إلى دراي، فلما كنت في PageV02P144 # الطريق لقيتني امرأة معها صبي، فنظرت إلى المنديل وقالت: يا سيدي، هذا ~~طفل يتيم جائع ولا صبر له على الجوع، فأطعمه شيئا -يرحمك الله- ونظر إلي ~~الطفل نظرة لا أنساها؛ حسبت فيها خشوع ألف عابد يعبدون الله تعالى منقطعين ~~عن الدنيا؛ بل ما أظن ألف عابد يستطيعون أن يروا الناس نظرة واحدة كالتي ~~تكون في عين صبي يتيم جائع يسأل الرحمة. إن شدة الهم لتجعل وجوه الأطفال ~~كوجوه القديسين، في عين من يراها من الآباء والأمهات، لعجز هؤلاء الصغار عن ~~الشر الآدمي وانقطاعهم إلا من الله والقلب الإنساني، فيظهر وجه أحدهم وكأنه ~~يصرخ بمعانيه يقول: يا رباه يا رباه! # قال أحمد بن مسكين: وخيل إلي حينئذ أن الجنة نزلت إلى الأرض تعرض نفسها ~~على من يشبع هذا الطفل وأمه, والناس عمي لا يبصرونها، وكأنهم يمرون بها في ~~هذا الموطن مرور الحمير بقصر الملك؛ لو سئلت فضلت عليه الإصطبل الذي هي ~~فيه. # وذكرت امرأتي وابنها وهما جائعان مذ أمس، غير أني لم أجد لهما في قلبي ~~معنى الزوجة والولد, بل معنى هذه المرأة المحتاجة وطفلها، فأسقطتهما عن ~~قلبي ودفعت ما في يدي للمرأة وقلت لها: خذي وأطعمي ابنك، ووالله ما أملك ~~بيضاء ولا صفراء، وإن في داري لمن هو أحوج إلى هذا الطعام؛ ms418 ولولا هذه الخلة ~~بي لتقدمت فيما يصلحك، فدمعت عيناها، وأشرق وجه الصبي، ولكن طم على قلبي ما ~~أنا فيه فلم أجد للدمعة معنى الدمعة، ولا للبسمة معنى البسمة. # وقلت في نفسي: أما أنا فأطوي إن لم أصب طعاما، فقد كان أبو بكر الصديق ~~يطوي ستة أيام، وكان ابن عمر يطوي، وكان فلان وفلان ممن حفظنا أسماءهم ~~وروينا أخبارهم؛ ولكن من للمرأة وابنها بمثل عقدي ونيتي؟ وكيف لي بهما؟ # ومشيت وأنا منكسر منقبض، وكأني نسيت كلمة الشيخ: "لو أطعمنا أنفسنا هذا ~~ما خرجت السمكة". فذكرتها وصرفت خاطري إليها وشغلت نفسي بتدبرها وقلت: لو ~~أني أشبعت ثلاثة بجوع اثنين لحرمت خمس فضائل1 وهذه الدنيا محتاجة إلى ~~الفضيلة، وهذه الفضيلة محتاجة إلى مثل هذا العمل، وهذا العمل محتاج إلى أن ~~يكون هكذا، فما يستقيم الأمر إلا كما صنعت. PageV02P145 # وكانت الشمس قد انبسطت في السماء وذلك وقت الضحى الأعلى، فملت ناحية ~~وجلست إلى حائط أفكر في بيع الدار ومن يبتاعها، فأنا كذلك إذ مر أبو نصر ~~الصياد وكأنه مستطار فرحا، فقال: يا أبا محمد، ما يجلسك ههنا وفي دارك ~~الخير والغنى، قلت: سبحان الله! من أين خرجت السمكة يا أبا نصر؟ # قال: إني لفي الطريق إلى منزلك، ومعي ضرورة القوت أخذتها لعيالك، ودراهم ~~استدنتها لك، إذا رجل يستدل الناس على أبيك أو أحد من أهله, ومعه أثقال ~~وأحمال، فقلت له: أنا أدلك. ومشيت معه أسأله عن خبره وشأنه عند أبيك. فقال: ~~إنه تاجر من البصرة، وقد كان أبوك أودعه مالا من ثلاثين سنة، فأفلس وانكسر ~~المال ثم ترك البصرة إلى خراسان، فصلح أمره على التجارة هناك، وأيسر بعد ~~المحنة، واستظهر بعد الخذلان، وأقبل جده بالثراء والغنى؛ فعاد إلى البصرة, ~~وأراد أن يتحلل، فجاءك بالمال وعليه ما كان يربحه في هذه الثلاثين سنة، ~~وإلى ذلك طرائف وهدايا. # قال أحمد بن مسكين: وأنقلب إلى داري فإذا مال جم وحال جميلة! فقلت: صدق ~~الشيخ: "لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة"! فلو أن هذا الرجل لم يلق ms419 في ~~وجهه أبا نصر، في هذه الطريق، في هذا اليوم، في هذه الساعة، لما اهتدى إلي؛ ~~فقد كان أبي مغمورا لا يعرفه أحد وهو حي؛ فكيف به ميتا من وراء عشرين سنة؟ # وآليت ليعلمن الله شكري هذه النعمة؛ فلم تكن لي همة إلا البحث عن المرأة ~~المحتاجة وابنها، فكفيتهما وأجريت عليهما رزقا، ثم اتجرت في المال، وجعلت ~~أربه بالمعروف والصنيعة والإحسان وهو مقبل يزداد ولا ينقص، حتى تمولت ~~وتأثلت. # وكأني قد أعجبتني نفسي، وسرني أني قد ملأت سجلات الملائكة بحسناتي، ورجوت ~~أن أكون قد كتبت عند الله في الصالحين، فنمت ليلة فرأيتني في يوم القيامة ~~والخلق يموج بعضهم في بعض، والهول هول الكون الأعظم على الإنسان الضعيف، ~~يسأل عن كل ما مسه من هذا الكون. وسمعت الصائح يقول: يا معشر بني آدم! سجدت ~~البهائم شكرا لله أنه لم يجعلها من آدم. ورأيت الناس وقد وسعت أبدانهم فهم ~~يحملون أوزارهم على ظهورهم مخلوقة مجسمة، حتى لكأن الفاسق على ظهره مدينة ~~كلها مخزيات! # PageV02P146 # وقيل: وضعت الموازين. وجيء بي لوزن أعمالي، فجعلت سيئاتي في كفة وألقيت ~~سجلات حسناتي في الأخرى، فطاشت السجلات ورجحت السيئات، كأنما وزنوا الجبل ~~الصخري العظيم الضخم بلفافة من القطن. # ثم جعلوا يلقون الحسنة بعد الحسنة مما كانت أصنعه فإذا تحت كل حسنة شهوة ~~خفية من شهوات النفس: كالرياء والغرور وحب المحمدة عند الناس وغيرها، فلم ~~يسلم لي شيء, وهلكت عني حجتي، إذ الحجة ما يبينه الميزان، والميزان لم يدل ~~إلا على أني فارغ. # وسمعت الصوت: ألم يبق لي شيء؟ فقيل: بقي هذا. # وأنظر لأرى ما هذا الذي بقي، فإذا الرقاقتان اللتان أحسنت بهما على ~~المرأة وابنها! فأيقنت أني هالك؛ فلقد كنت أحسن بمائة دينار ضربة واحدة فما ~~أغنت عني، ورأيتها في الميزان مع غيرها شيئا معلقا، كالغمام حين يكون ساقطا ~~بين السماء والأرض: لا هو في هذه ولا هو في تلك. # ووضعت الرقاقتان، وسمعت القائل: لقد طار نصف ثوابهما في ميزان أبي نصر ~~الصياد. فانخذلت انخذالا شديدا، حتى لو ms420 كسرت نصفين لكان أخف علي وأهون. # بيد أني نظرت فرأيت كفة الحسنات قد نزلت منزلة ورجحت بعض الرجحان. # وسمعت الصوت: ألم يبق له شيء؟ فقيل: بقي هذا. # وأنظر ما هذا الذي بقي، فإذا جوع امرأتي وولدي في ذلك اليوم! وإذا هو شيء ~~يوضع في الميزان، وإذا هو ينزل بكفة ويرتفع بالأخرى حتى اعتدلتا بالسوية. ~~وثبت الميزان على ذلك فكنت بين الهلاك والنجاة. # وأسمع الصوت: ألم يبق له شيء؟ فقيل: بقي هذا. # ونظرت فإذا دموع تلك المرأة المسكينة حين بكت من أثر المعروف في نفسها، ~~ومن إيثاري إياها وابنها على أهلي، ووضعت غرغرة عينيها في الميزان ففارت، ~~فطمت كأنها لجة، من تحت اللجة بحر؛ وإذا سمكة هائلة قد خرجت من اللجة وقع ~~في نفسي أنها روح تلك الدموع، فجعلت تعظم ولا تزال تعظم، والكفة ترجح ولا ~~تزال ترجح، حتى سمعت الصوت يقول: قد نجا! # وصحت صيحة انتبهت لها, فإذا أنا أقول: "لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت ~~السمكة! ". # PageV02P147 ### | الزاهدان * "2": # قال أحمد بن مسكين: انتشر حديث السمكة في أهل "بلخ"، واستفاض بينهم، وكنت ~~قصصته عليهم يوم السبت، فلما دار السبت من أسبوعه لقيني شيخهم حاتم بن يوسف ~~"لقمان الأمة" ومعه صاحبه أبو تراب، فقال: يا أحمد! لكأنك في هذه المدينة ~~قمر طلع بليل فلا يعظ الناس في يوم السبت غيرك؛ ومن سمع فكأنه عاين، وليس ~~على ألسنة أهل بلخ منذ تحدثت إلا بشر وابن حنبل، ولا على بال أحد منهم إلا ~~موعظتك وحديثك. # والكلام عن الصالحين في مثل ما وصفت وحكيت قرب من حقائقهم، وسمو إلى ~~معانيهم، وليس في القول باب له موقع كموقع القصة عن هؤلاء الذين يخلقهم ~~الله في البشرية خلق النور: يضيء ما حوله من حيث يرى، ويعمل فيما حوله من ~~حيث لا يرى، وفي ظاهره الجمال والمنفعة. وفي باطنه القوة والحياة. ولست ~~أقول لك: اذهب فحدث الناس، ولكني أقول: اذهب فأعط الناس عقلا من الحديث. # قال ابن مسكين: فلما صلينا العصر، قدمني أبو تراب فجلست في مجلسي ذاك، ms421 ~~وهتف الناس يريدون الحديث عن بشر الحافي وما سقط لي من أخباره، على الطريقة ~~التي حدثتهم بها من قبل، فابتدأت بذكر موته -رحمه الله- وأن يومه كأنما ~~اجتمع له أهل خمس وسبعين سنة1، إذ خرجت جنازته بعد صلاة الصبح، فلم يحصل في ~~قبره إلا في الليل مما احتشد في طريقه من الخلق، حتى لكأن في نعشه سرا من ~~أسرار الجنة يطالعهم به الموت فخرجوا ينظرون إليه، وكانوا يصيحون في ~~جنازته: هذا -والله- شرف الدنيا قبل شرف الآخرة. PageV02P148 # ثم قلت: حدثني حسين المغازلي1: أن بشرا -رحمه الله- كان لا يأكل إلا ~~الخبز تورعا عن الشبهات واكتفاء لضرورة الحياة بالأقل والأيسر، وكاني يقول ~~في ذلك يد أقصر من يد، ولقمة أصغر من لقمة. وسئل مرة: بأي شيء تأكل الخبز؟ ~~فقال: أذكر العافية فأجعلها إداما. وقد أعانه على ذلك أن لم يتزوج، وكان ~~يرى هذا نقصا في نفسه حتى فضل الإمام أحمد بن حنبل بأشياء: منها أنه له ~~أهلا؛ غير أنه قيل له ذات يوم: لو تزوجت تم نسكك، فقال: أخاف أن تقوم ~~الزوجة بحقي ولا أقوم بحقها، فكانت هذه النية في نفسه أفضل من زواجه. # وكان مع هذا لا يؤاكل أحدا، ولا يسعى إلى لقاء أحد، حتى أنه لما رغب في ~~مؤاخاة الزاهد العظيم "معروف الكرخي"، أرسل إليه "الأسود بن سالم" وكان ~~صديقا لهما، فقال لمعروف: إن بشر بن الحارث يريد مؤاخاتك وهو يستحيي أن ~~يشافهك بذلك، وقد أرسلني إليك يسألك أن تعقد له فيما بينه وبينك أخوة ~~يحتسبها ويعتد بها؛ إلا أن يشترط فيها شروطا: أولها أنه لا يحب أن يشتهر ~~ذلك، وثانيها ألا يكون بينك وبينه مزاورة ولا ملاقاة، فقال معروف: أما أنا ~~فإذا أحببت أحدا لم أحب أن أفارقه ليلا ولا نهارا، وأزوره في كل وقت، ~~وأوثره على نفسي في كل حال؛ وأنا أعقد لبشر أخوة بيني وبينه، ولكني أزوره ~~متى أحببت، وآمره بلقائي في مواضع نلتقي فيها إذا هو كره زيارتي. # قال حسين المغازلي: وكان هذا كله من أمر بشر معروفا ms422 في بغداد، لا يجهله ~~أحد من أهلها، إذ لم يكن لبغداد إمام غيره وغير ابن حنبل؛ فما كان أكثر ~~عجبي حين كنت عنده يوما وقد زاره "فتح الموصلي"، فقام فجاء بدراهم ملء كفه ~~ودفعها إلي وقال: اشتر لنا أطيب ما تجد من الطعام، وأطيب من ما تجد من ~~الحلوى، وأطيب ما تجد من الطيب، وما قال لي مثل ذلك قط، وهو الذي رأى ~~الفاكهة يوما فقال: ترك هذه عبادة! وهو القائل لأبي نصر الصياد: لو أطعمنا ~~أنفسنا هذا ما خرجت السمكة2. # فذهبت فاشتريت وانتقيت وتخيرت، ثم وضعت الطعام بين أيديهما، فرأيته يأكل ~~معه وما رأيته أكل مع غيره، ورأيته منبسطا إليه وما لي عهد كان بانبساطه ~~إلى PageV02P149 # أحد. وقد كنت أخبرته في ذلك النهار بخبر أحمد بن حنبل, علمته من إدريس ~~الحداد: فإنه لما زالت المحنة بعد أن ضرب بين يدي المعتصم وصرف إلى بيته، ~~حمل إليه مال كثير من سروات بغداد وأهل الخير فيها، فرد جميع ذلك ولم يقبل ~~منه قليلا ولا كثيرا، وهو محتاج إلى أيسره، وإلى الأقل من أيسره، وإلى ~~الشيء من أقله، فجعل عمه إسحاق يحسب ما ورد ذلك اليوم، فكان خمسين ألف ~~دينار، فقال له الإمام: يا عم، أراك مشغولا بحساب ما لا يفيدك. قال: قد ~~رددت اليوم كذا وكذا ألفا وأنت محتاج إلى حبة من دانق. فقال الإمام: يا عم، ~~لو طلبناه لم يأتنا، وإنما أتانا لما تركناه. # قال المغازلي: فنمت تلك الليلة وأنا أفكر في صنيع الشيخ، وقد تعلق خاطري ~~به: كيف انقلبت الحال معه، وأي شيء هذا الحال؟ وجعلت أكد ذهني لأعرف ~~الحقيقة العقلية التي سلطت عليه هذه الضرورة فتسلط النعيم على نفسه، وأنا ~~أعلم أن للقوم علوما روحانية ليست في الكتب، فمنها ما لا يتعلمونه إلا من ~~الفقر، ومنها ما لا يتعلمونه إلا من البلاء، ومنها، ومنها؛ ولكن ليس منها ~~ما يتعلمونه من اللذات والشهوات؛ وذهب قلبي إلى أوهام كثيرة ليس في جميعها ~~طائل ولا بها معرفة، حتى غلبتني عيناي، وأنا ms423 من وهج الفكر نائم كالمريض، ~~وقد ثقل رأسي واختلط فيه ما يعقل بما لا يعقل. # فرأيت أول ما رأيت ملكا جبارا يحكم مدينة عظيمة, وقد أطلق المنادي في جمع ~~كل أطفال مدينته، فجيء بهم من كل دار، ثم رأيته قد جلس على سريره وفي يده ~~مقراض عظيم، قد اتخذه على هيئة نصلين عريضين لو وضعت بينهما رقبة لفصلاها ~~عن جسمها، فكان هذا الجبار يتناول الطفل من أولئك فيضع أصابع إحدى قدميه في ~~شقي المقراض فيقرضها، فإذا هي تتناثر أسرع مما يقرض المقص الخيط، ثم يرمي ~~بالطفل مغشيا عليه، ويتناول غيره فيبتر أصابعه، والأطفال يصرخون، وأنا أرى ~~كل ذلك ولا أملك إلا غيظي على هذا الجبار من حيث لا أستطيع أن أمضي فيه هذا ~~الغيظ فأقرض عنقه بمقراضه. # ثم رأيته يأخذ طفلا صغيرا، فلما جاءت قدم الطفل بين شقي المقراض صاح: يا ~~رب، يا رب، فإذا المقراض يلتوي فلا يصنع شيئا، وكأن فيه حجرا صلدا لا قدما ~~رخصة. فتميز الجبار من الغيظ وقال: من هذا الطفل؟ فسمعت هاتفا يهتف: هذا ~~بشر الحافي! لا يبلغ تاج ملك في الأرض أن يكون لقدمه الحافية نعلا عند ~~الله! # PageV02P150 # وكان إلى يميني رجل يتوضأ وجهه صلاحا وتقوى، فقلت له: من هذا الطاغية؟ ~~ولم اتخذ المقراض لأقدام الأطفال خاصة؟ # فقال: يا حسين! إن هذا الجبار هو ذل العيش, وهذا وسمه لأهل الحياة على ~~الأرض، يحقق به في الإنسان معنى البهيمة أول ما يدب على الأرض, حتى كأنه ذو ~~حافر لا ذو قدم. # قلت: فما بال هذا الطفل لم يعمل فيه المقراض؟ # قال: إن لله عبادا استخصهم لنفسه، أول علامته فيهم أن الذل تحت أقدامهم، ~~وهم يجيئون في هذه الحياة لإثبات القدرة الإنسانية على حكم طبيعة الشهوات ~~التي هي نفسها طبيعة الذل؛ فإذا اطرح أحدهم للشهوات وزهد فيها، واستقام على ~~ذلك في عقد نية وقوة إرادة، فليس ذلك بالزاهد كما يصفه الناس، ولكنه رجل ~~قوي اختارته القدرة ليحمل أسلحة النفس في معاركها الطاحنة، كما يحمل البطل ~~الأروع ms424 أسلحة الجسم في معاركه الدامية: هذا يتعلم منه فن، وذلك يتعلم منه ~~فن آخر، وكلاهما يرمى به على الموت لإيجاد النوع المستعز من الحياة، فأول ~~فضائله الشعور بالقوة، وآخر فضائله إيجاد القوة. # قال المغازلي: وضرب النوم على رأسي ضربه أخرى، فإذا أنا في أرض خبيثة ~~داخنة، قد ارتفع لها دخان كثيف أسود يتضرب بعضه في بعض وجعلت أرى شعلا حمرا ~~تذهب وتجيء كأنها أجسام حية، فوقع في وهمي أن هؤلاء هم الشياطين: إبليس ~~وجنوده، وسمعت صارخا يقول: يا بشرى! فلتبك السماء على الأرض، لقد أكل بشر ~~الحافي من أطيب الطعام وأطيب الحلوى بعد أن استوي عنده حجرها ومدرها، وذهبا ~~وفضتها! فعارضه صائح أسمع صوته ولا أرى شخصه: ويلك يا زلنبور1! إن هذا شر ~~علينا من عامة نسكه وعبادته؛ فهذا -ويحك- هو الزهد الأعلى الذي كان لا ~~يطيقه بشر؛ إنه إعنات سلطه على نفسه، فإني دفعت هذا "المغازلي" الأعمى ~~القلب ليزين له ما فعل أحمد من حنبل من رده خمسين ألف دينار على حاجته، ~~زهدا، وورعا، وقوة عزم، ونفاذ إرادة؛ وقلت: عسى أن تتحرك في نفسه شهوة ~~الزهد فيحسد أو يغار، أو تعجبه نفسه فيكون لي من ذلك لمة بقلبه فأوسوس له، ~~فإنا نأتي هؤلاء من أبواب الثواب كما نأتي غيرهم PageV02P151 # من أبواب المعاصي، ونتورع مع أهل الورع كما نتسخف مع أهل السخف؛ ولكن ~~الرجل رجل وفيه حقيقة الزاهد، فقد أعطي القوة على جعل شهوات نفسه أشخاصا ~~حية يعاديها ويقاتلها، فإذا أنا جعلت شهوته في اللذة قتل اللذة، وإذا ~~جعلتها في الكآبة قتل الكآبة، وليس الزاهد العابد هو الذي يتقشف ويتعفف، ~~ويتخفف ويتلفف، فإن كثيرا ما تكون هذه هي أوصاف الذل والحمق، ويكون لها عمل ~~العبادة وفيها إثم المعصية. ولكن الزاهد حق الزاهد من أدار في هذه الأشياء ~~عينا قد تعلمت النظر بحقه والإغضاء بحقه؛ فهذا لا يخطئ معنى الشر إن لبسناه ~~عليه في صورة الخير ولا معنى الخير إن زورناه في صورة الشر، وبذلك يضع نفسه ~~في حيث شاء من المنزلة، ms425 لا في حيث شاءت الدنيا أن تضعه من منازلها الدنيئة. # وما أكل بشر هذه الطيبات إلا ليبادر بها وسوستي ويردني عن نفسي وعن اللمة ~~بقلبه، فلو أنه أعجبه زهد ابن حنبل ونظر من ذلك إلى زهد نفسه لحبط أجره؛ ~~فبهذه الطيبات علاج نفسه علاج مريض، وقد غير على جوفه طعاما بطعام، كما ~~يبدل على جلده ثوبا بثوب؛ ولا شهوة للجلد في أحدهما. # قال المغازلي: وثقل النوم علي ثقلة أخرى، فرأيتني في واد عظيم، وفي وسطه ~~مثل الطود من الحجارة قد ركم بعضها على بعض، ورأيتني مع بشر أقص عليه خبر ~~أحمد بن حنبل؛ فقال: انظر -ويحك- إن الناس يسمونها خمسين ألف دينار، وهي ~~هنا في وادي الحقائق خمسون ألف حجر لو أصابت أحمد لقتلته ولكانت قبره آخر ~~الدهر. # إن المال يا بني هو ما يعمله المال لا جوهره من الذهب والفضة، فإذا كنت ~~بمفازة ليس فيها من يبيعك شيئا بذهبك. فالتراب والذهب هناك سواء؛ والفضائل ~~هي ذهب الآخرة؛ فهنا تجدد بالمال دنياك التي لا تبقى أكثر من بقائك، وهناك ~~تجدد بالفضائل نفسك التي تخلد بخلودها. # ومعنى الغنى معنى ملتبس على العقول الآدمية لاجتماع الشهوات فيه، فحين ~~يرد أحمد بن حنبل خمسين ألفا، يكون هذا المعنى قد صحح نفسه في هذا العمل ~~وجها من التصحيح. # قال حسين المغازلي: وغطني النوم في أعماقه غطة أخرى؛ فإذا أنا في # PageV02P152 # المسجد في درس الإمام أحمد، وهو يحدث بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"إذا عظمت أمتي الدنيار والدرهم، نزع منها هيبة الإسلام، وإذا تركوا الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، حرموا بركة الوحي" , وهم أن يتكلم في تفسيره1 ~~ولكنه رآني فأمسك عنه وأقبل علي فقال: يا حسين! إذا اجتزأ شيخك بالرغيف ~~فهذا عنده هو قدر الضرورة؛ فإن أكل الطيبات فقد عرضت حال جعلت هذه الطيبات ~~عنده هي قدر الضرورة؛ وفي هذه النفوس السماوية لا يكون الجزء الأرضي إلا ~~محدودا، فلا يكون محصوله إلا ما ترى من قدر الضرورة. # ولما صغر الجزء الأرضي في نفوس المسلمين الأولين ms426 ملكوا الأرض كلها بقوة ~~الجزء السماوي فيها، إذ كانت إرادتهم فوق الأطماع والشهوات، وكانت بذلك لا ~~تذل ولا تضعف ولا تنكسر؛ فالآدمية كلها تنتهي إلى بعض صور، وهؤلاء هم الذين ~~محلهم في أعلاها. # يا حسين! ألا وإن رد خمسين ألف دينار هو كذلك قدر الضرورة. # قال حسين: وذهبت أعترض على الإمام بما كان في نفسي من أن هذا المال وإن ~~لم يكن من كسبه، فقد كان يتحول في يده عملا من أعمال الخير؛ وأنسيت أن هذه ~~الصدقات هي أوساخ الناس وأقذار نفوسهم، فلم أكد أفتح فمي حتى رأيت الكلام ~~يتحول طينا في فمي ليذكرني بهذا المعنى؛ وكدت أختنق فانتفضت أتنفس، فطار ~~النوم والحلم. PageV02P153 ### | إبليس يعلم * # 1 "3": # قال أحمد بن مسكين: ودار السبت الثالث, وجلست مجلسي للناس وقد انتظمت ~~حلقتهم؛ فقام رجل من عرض المجلس فقال: إن الحسن بن شجاع البلخي تلميذ ~~الإمام أحمد بن حنبل2، كان منذ قريب يحدثنا بأحاديث عن الشيطان، حفظنا منها ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن ينضي شيطانه كما ينضي أحدكم بعيره في ~~سفره". وكان الحسن يقول في تأويله: إن شيطان الكافر دهين سمين كاس، وشيطان ~~المؤمن مهزول أشعث أغبر عار. فهل يأكل الشيطان ويدهن ويلبس ليكون له أن ~~يجوع مع المؤمن ويعرى ويتشعث ويغبر؟ # قال ابن مسكين: فقلت في نفسي: لا حول ولا وقوة إلا بالله! ما أرى السائل ~~إلا شيطان هذا السائل؛ فإن إبليس إذا أراد أن يسخر من العالم ويسمعه طنزه ~~وتهكمه3، حرك من يسأله عنه ما هو وكيف هو؛ كأنما يقول له: تنبه -ويحك- على ~~معناي، فأنت تتكلم وأنا أعمل، وأنت صورة من الرد علي، ولكني حقيقة من الرد ~~عليك، وما أنت في محاربتك لي بالوعظ إلا كالذي يريد أن يضرب عنق عدوه بمائة ~~اسم وضعت للسيف. # قال: وكنت قد سمعت خبرا عجيبا عن أبي عامر قبيصة بن عقبة الكوفي المحدث ~~الحافظ الثقة أحد شيوخ أحمد بن حنبل4؛ وهو الرجل الصالح العابد الذي كان ~~يقال له: "راهب الكوفة"؛ ومن زهده وعبادته واحتباس ms427 نفسه في داخله ~~PageV02P154 # كأنما جسده جدار بين نفسه وبين الدنيا، فقلت -والله- لأغظين الشيطان بهذا ~~الخبر، فإن أسماء الزهاد والعباد والصالحين هي في تاريخ الشياطين كأسماء ~~المواقع التي تنهزم فيها الجيوش، وما الرجل العابد إلا صاحب الغمرات مع ~~الشيطان، وكأنه يحتمل المكاره عن أمة كاملة بل عن البشرية كلها حيث كانت من ~~الأرض، فالناس يحسبونه قد تخلى من الدنيا ويظنون الترك أيسر شيء، وما علموا ~~أن الزهد لا يستقيم للزاهد حتى يجعل جسمه كأنه نوع نظام آخر غير نظام ~~أعضائه؛ ولا أشق من المعاني التي هي عند الناس أضعف الضعف؛ ولو أن ملكا ~~عظيما تعب في جمع الدنيا وفتح الممالك حتى حيزت له جوانب الأرض، لكان علمه ~~هذا هو الوجه الآخر لتعب الزاهد في مجاهدة هذه الدنيا وتركها. # قال أحمد بن مسكين: وقصصت عليهم القصة فقلت: كان أبو عامر قبيصة بن عقبة ~~كثير الفكر في الشيطان، يود لو رآه وناقله الكلام؛ وكان يتدبر الأحاديث ~~التي صح ورودها فيه، ويفسر معنى الشيطان بأنه الروح الحي للخطأ على الأرض؛ ~~والخطاء يكون صوابا محولا عن طريقته وجهته، ولهذاكان إبليس في الأصل ملكا ~~من الملائكة وتحول عن طبيعته حين خلق آدم عليه السلام، أي وجد في الكون روح ~~الخطأ حين وجد فيه الروح الذي سيخطئ. # فلما هبط آدم من الجنة وحرمها هو وزوجه وذريته، كان إبليس لعنه الله هو ~~معنى بقاء هذا الحرمان واستمراره على الدهر، فكأن هذه الآدمية أخرجت من ~~الجنة، وأخرجت معها قوة لا تزال تصدها عنها، ليضطربا في الكفاح مليا من زمن ~~هو عمر كل إنسان، وهذا هو العدل الإلهي: لم يعرف آدم حق الجنة، فعوقب ألا ~~يأخذها إلا بحقها، وأن يقاتل في سبيل الخير قوة الشر. # وبات أبو عامر ذات ليلة يفكر في هذا ونحوه بعد أن فرغ من صلاته وقراءته، ~~ثم هوم فكان بين اليقظة والنوم، وذلك حين تكون العين نائمة والعقل لا يزال ~~منتبها، فكأن العين متراجعة تبصر من تحت أجفانها بصرا يشاركها فيه العقل. # فرأى شيخنا أبو عامر ms428 صورة إبليس جاءه في زي رجل زاهد، حسن السمت طيب ~~الريح، نظيف الهيئة، وكاد يشبه عليه لولا أنه قد عرفه من عينيه، فإن عيني ~~الكاذب تصدقان عنه، وقد علم الله أن الكاذب آدمي قفر كالمتاهة من الأرض، ~~فجعل عينيه كالعلامات لمن خاض الفلاة. # PageV02P155 # وظهر الشيطان زاهدا عابدا تقيا نقيا كأنه دين صحيح خلق بشرا، فصرخ فيه ~~أبو عامر: عليك لعنة الله! أمعصية في ثوب الطاعة؟ # قال إبليس: يا أبا عامر! لو لم تقل المعصية: إنها طاعة لم يقارفها أحد. ~~وهل خلقت الشهوات في نفس الإنسان وغريزته إلا لتقريب هذه المعاصي من النفس، ~~وجعل كل منها طاعة لشيء ما؛ فتقع المعصية بأنها طاعة لا بأنها معصية؟ أولا ~~ترى يا أبا عامر أن الحيلة محكمة في الداخل من الجسم أكثر مما هي محكمة في ~~الخارج عنه، وأنه لولا أن هذا الباطن بهذا المعنى وهذا العمل لما كان لظاهر ~~الوجود كله في الإنسان معنى ولا عمل؟ # قال الشيخ: عليك لعنة الله! فما أرى الموت قد خلق إلا ردا عليك أنت، ~~ليتبين الناس أنك الممتلئ الممتلئ، ولكنك الفارغ الفارغ؛ بل كل شهواتك ~~سخرية منك ورد عليك، فلا طعم للذة من لذاتك إلا وهي تموت، وإنما تمام ~~وجودها ساعة تنقضي؛ ومتى قالت اللذة: قد انتهيت. فقد وصفت نفسها أبلغ ~~الوصف. # قال إبليس: يا أبا عامر، ولكن اللذة لا تموت حتى تلد ما يبقيها حية، فهي ~~تلد الحنين إليها، وهو لا يسكن حتى يعود لذة تنقضي وتلد. # قال الشيخ: معاني التراب، معاني التراب؛ كل نبتة فيها بذرتها، ولكن عليك ~~لعنة الله لماذا جئتني في هذه الصورة؟ # قال إبليس: لأني لا ألبس إلا محبة القلب الآدمي، ولولا ذلك لطردتني ~~القلوب كلها وبطل عملي فيها، وهل عملي إلا التلبيس والتزوير؛ أفتدري يا أبا ~~عامر أني لا أعتري الحيوان قط. # قال الشيخ: لأن الحيوان لا ينظر إلى الشيء إلا نظرة واحدة، هي نظره وفهمه ~~معا، فلا محل للتزوير مع هذه النظرة الواحدة؛ وصدق الله العظيم: {هل أنبئكم ~~على من ms429 تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم} [الشعراء: 221، 222] . فأنت ~~أيها الشطيان التزوير، والتزوير موضعه الكذب؛ فمن لم يكذب في الفكر ولا في ~~النظر ولا في الفهم ولا في الرجاء، فليس لك عنده عمل. # قال إبليس: يا أبا عامر! وهل ترى رحمك الله أعجب وأغرب وأدعى إلى الهزء ~~والسخرية من أن أعظم العقلاء الزهاد العباد، هو في جملة معانيه حيوان ليس ~~له إلا نظرة واحدة في كل شيء؟ # قال الشيخ: عليك وعليك ... ؛ إن الحيوان شيء واحد، فهو طبيعة مسخرة # PageV02P156 # بنظامها، ولكن الإنسان أشياء متناقضة بطبيعتها، فألوهيته أن يقر النظام ~~بين هذه المتناقضات، كأنما امتحن فأعطى من جسمه كونا فيه عناصر الاضطراب، ~~وحوله عناصر الاضطراب، ثم قيل له دبره. # فضحك إبليس. قال الشيخ: مم ضحكت لعنك الله؟ # قال: ضحكت من أنك أعلمتني حقيقة الإبليسية، فالزهاد هم الصالحون لأن ~~يكونوا أعظم الأبالسة. # قال الشيخ: عليك لعنة الله، فما هي تلك الحقيقة التي زعمت؟ # قال إبليس: والله يا أبا عامر، ما غلا إنسان في زعم التقوى والفضيلة إلا ~~كانت هذه هي الإبليسية؛ وسأعلمك يا أبا عامر حقيقة الزهد والعبادة. فلا ~~تقل: إنها ألوهية تقر النظام بين متناقضات الإنسان ومتناقضات الطبيعة. # قال الشيخ: وتسخر مني لعنك الله؟ فمتى كنت تعلم الحقيقة والفضيلة؟ # قال إبليس: أولم أكن شيخ الملائكة؟ فمن أجدر من شيخ الملائكة أن يكون ~~عالمها ومعلمها؟ # قال: عليك لعنة الله؛ فما هي حقيقة الزهد والعبادة؟ # قال إبليس: حقيقتها يا أبا عامر، هي التي أعجزتني في نبيكم. # قال الشيخ: صلى الله عليه وسلم؛ فما هي؟ # قال إبليس: هي ثلاث بها نظام النفس, ونظام العالم، ونظام اللذات ~~والشهوات؛ أن تكون لك تقوى، ثم يكون لك فكر من هذه التقوى، ثم يكون لك نظر ~~إلى العالم من هذا الفكر. ما اجتمعت هذه الثلاث في إنسان إلا قهر الدنيا ~~وقهر إبليس. # فإن كانت التقوى وحدها -كتقوى أكثر الزهاد والرهبان- فما أيسر أن أجعل ~~النظر منها نظر الغفلة والجبن والبلادة والفضائل الكاذبة، وإن كان الفكر ~~وحده -كفكر العلماء والشعراء- فما أهون ms430 أن أجعل النظر به نظر الزيغ، ~~والإلحاد والبهمية والرذائل الصريحة. # قال الشيخ: صدق الله العظيم: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكروا فإذا هم مبصرون} [الأعراف: 201] . # قال إبليس: يا أبا عامر! ما يضرني والله أن أفسر لك، فإن قارورة من الصبغ # PageV02P157 # لا تصبغ البحر، وأنا أعد الزهاد والعلماء المصلحين فأضع في الناس بجانب ~~كل واحد منهم مائة ألف امرأة مفتونة، ومائة ألف رجل فاسق، ومائة ألف مخلوق ~~ظالم، فلو أنك صبغت البحر بملء قارورة حمراء لما صبغت البحر الإنساني ~~بالزاهد والمصلح، ما دام المصلح شيئا غير السيف، وما دام الزاهد شيئا غير ~~الحاكم. # قال الشيخ: لعنك الله من شيطان عارم، فإذا وضعت المصلح بين مائة ألف ~~فاسد، فهل هذه إلا طريقة شيطانية لإفساده؟ # قال إبليس: ومائة ألف امرأة فتانة مفتونة يا أبا عامر، كل واحدة تحسب ~~جسمها ... # فصرخ الشيخ: اغرب عني عليك لعنة الله! # قال إبليس: ولكن الآية الآية يا أبا عمر. لقد لقيت المسيح وجربته وهو كان ~~تفسيرها. # قال الشيخ: عليه السلام! وعليك أنت لعنة الله! فكيف قال؟ وكيف صنع؟ # قال إبليس: ألقيت به جائعا في الصحراء لا يجد ما يطعمه، ولا يظن أنه يجد، ~~ولا يرجوا أن يظن؛ ثم قلت له: إن كنت روح الله وكلمته كما تزعم فمر هذا ~~الحجر ينقلب خبزا، فكان تقيا، فتذكر فإذا هو مبصر، فقال: ليس بالخبز وحده ~~يحيا الإنسان، فمثل هذا لو مات جوعا لم يتحول، لأن الموت إتمام حقيقته ~~السامية فوق هذه الدنيا، ولو ملئت له الدنيا خبزا وهو جائع لم يتحول؛ لأن ~~له بصرا من فوق الخبز إلى حقيقته السماوية؛ ليس بالخبز وحده يحيا؛ بل بمعان ~~أخرى هي إشباع حقيقته السماوية التي لا شهوة لها. # ثم ارتقيت به إلى ذروة جبل وأريته ممالك الخافقين، كشفتها كلها لعينيه ~~وقلت له: هذا كله لك إذا أنت سجدت لي. فكان متقيا، فتذكر فإذا هو مبصر: ~~أبصر حقيقة الخيال الذي جسمته له، وعلم أن الشيطان يعطي مثل معاني هذه ~~الممالك في جرعة ms431 خمر، كما يعطيها في ساعة لذة، كا يعطيها في شفاء غيظ ~~بالقتل والأذى؛ ثم لا يبقى من كل ذلك باق غير الإثم، ولا يصح منه صحيح إلا ~~الحرام. ومن ملك الدنيا نفسها لم يبق لها إذا بقيت فهي خيال في جرعة ~~الحياة، كما هي خيال في جرعة الخمر. # يا أبا عامر؛ إن هذا النظر، الذي وراءه التذكر، الذي وراءه التقوى، التي ~~وراءها الله, هذا وحده هو القوة التي تتناول شهوات الدنيا فتصفيها أربع ~~مرات حتى # PageV02P158 # تعود بها إلى حقائقها الترابية الصغيرة التي آخرها القبر، وآخر وجودها ~~التلاشي. # فالبصر الكاشف الذي يجرد الأشياء من سحرها الوهمي، هذا هو كل السر. # قال الشيخ: لعنك الله؛ فكيف مع هذا تفتن المؤمن؟ # قال إبليس: يا أبا عامر، هذا سؤال شيطاني, تريد -ويحك- أن تحتال على ~~الشيطان؟ ولكن ما يضرني أن أفسرها لك. # ليس الإيمان هو الاعتقاد ولا العمل، ولو كان من هذين لما شق على أحد ~~ولصلحت الدنيا وأهلها؛ إنما الإيمان وضع يقين خفي يكون مع الغريزة في ~~مقرها، ويصلح أن يكون في مقرها لتصدر عنه أعمال الغريزة، وهذا اليقين لا ~~يصلح كذلك إلا إذا كان يقينا ثابتا بما هو أكبر من الدنيا، فيرجع إليه ~~الإنسان فيتذكر فيبصر. هناك ميراث من الآخرة للمؤمن، فاليقين بهذا الميراث ~~هو سر الإيمان. # والعمل الشيطاني لا يكون إلا في إفساد هذا اليقين ومعارضة الخيال العظيم ~~الذي فيه بالحقائق الصغيرة التي تظهر للمغفل عظيمة، كما تشب نار أكبر من ~~قرص الشمس ثم يقال للأبله: انظر بعينيك، فيصدق أنها أكبر من الشمس. # ومتى صغر هذا اليقين وكانت الحقائق الدنيوية أكبر من النفس؛ فأيسر أسباب ~~الحياة حينئذ يفسد المعتقد ويسقط الفضيلة؛ وبدرهم واحد يوجد اللص حينئذ. # أما إذا ثبت اليقين فالشيطان مع الإنسان يصغر ثم يصغر، ويعجز ثم يعجز. # حتى ليرجع مثل الدرهم إذا طمع الطامع أن يجعل الرجل الغني الكثير المال ~~لصا من اللصوص بهذا الدرهم. # قال الشيخ: لعنك الله! فإن لم تستطع إفساد هذا اليقين فكيف تصنع في فتنة ~~المؤمن؟ ms432 # قال إبليس: يا أبا عامر، إن لم أستطع إفساد اليقين زدته يقينا فيفسد، ~~واستحسان الرجل لأعماله السامية قد يكون هو أول أعماله السافلة؛ وبأي عجيب ~~يكون الشيطان إلا بمثل هذا؟ # قال أحمد بن مسكين: وغضب الشيخ، فمد يده فأخذ فيها عنق إبليس وقد رآه ~~دقيقا، ثم عصره عصرا شديدا يريد خنقه؛ فقهقه الشيطان ساخرا منه. ويتنبه ~~الشيخ، فإذا هو يشد بيده اليمنى على يده اليسرى. # PageV02P159 ### | الدنيا والدرهم "4" # قال أحمد بن مسكين: وأزف ترحلي عن "بلخ"، وتهيأت للخروج، ولم يبق من مدة ~~مقيلي بها إلا أيام يجيء فيها السبت الرابع، وكان قد وقعت مماراة بيني وبين ~~مفتي "بلخ" أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف الباهلي1 تلميذ أبي يوسف صاحب الإمام ~~أبي حنيفة، ويزعمون أنه شحيح على المال، وأنه يتغلله من مستغلات كثيرة2، ~~فكأنما غشيته غمامتي، فهو لا يرى أن أتكلم في الزهد، ويحسب هذا الزهد تماوت ~~العباد، ونفض الأيدي من الدنيا، وسوء المصاحبة لما ينعم الله به على العبد، ~~وخذلان القوة في البدن، وما جرى هذا المجرى من تزوير الحياة بالأباطيل التي ~~زعم أنها أباطيل الطاعات وما أقربها من أباطيل المعصية. ولم يكن هذا المفتي ~~قد سمعني ولا حضر مجلسي, ولولا الذي لم يعرفه من ذلك لقد كان عرف. # وجادلته فرأيته واهن الدليل، ضعيف الحجة، يخمن تخمين فقيه، وينظر إلى ~~الخفايا من حقائق النفوس نظر صاحب النص إلى الظاهر، كأن الحقيقة إذا ألقيت ~~على الناس مضت نافذة كفتوى المفتي, ويزعم أن الوعظ وعظ الفقهاء، يقولون: ~~هذا حرام، فيكون حراما لا يقارفه أحد، وهذا حلال, فيكون حلالا لا يتركه ~~أحد، وهو كان بعيدا عن حقيقة الوعظ ومداخله إلى النفس وسياسته فيها، ولا ~~يعرف أن الحقيقة كالأنثى, إن لم تزين بزينتها لم تستهو أحدا؛ وأن الموعظة ~~إن لم تتأد في أسلوبها الحي كانت بالباطل أشبه، وأنه لا يغير النفس إلا ~~النفس التي فيها قوة التحويل والتغيير، كنفوس الأنبياء ومن كان من طريقة ~~روحهم، وأن هذه الصناعة إنما هي وضع نور البصيرة في الكلام، لا ms433 وضع القياس ~~الحجة، PageV02P160 # وأن الرجل الزاهد الصحيح الزهد، إنما هو الحياة تلبسها الحقيقة لتكون به ~~شيئا في الحياة والعمل. لا شيئا في القول والتوهم، فيكون إلهامها فيه ~~كحرارة النار في النار؛ من واتاها أحسها. # ولعمري، كم من فقيه يقول للناس: هذا حرام. فلا يزيد هذا الحرام إلا ظهورا ~~وانكشافا ما دام لا ينطق إلا نطق الكتب، ولا يحسن أن يصل بين النفس والشرع، ~~وقد خلا من القوة التي تجعله روحا تتعلق الأرواح بها وتضعه بين الناس في ~~موضع يكون به في اعتبارهم كأنه آت من الجنة منذ قريب، راجع إليها بعد قريب. # والفقيه الذي يتعلق بالمال وشهوات النفس، ولا يجعل همه إلا زيادة الرزق ~~وحظ الدنيا -هو الفقيه الفاسد الصورة في خيال الناس، يفهمهم أول شيء ألا ~~يفهموا عنه؛ إذ حرصه فوق بصيرته، وله في النفوس رائحة الخبز، وله معنى: خمس ~~وخمس عشرة1, وكأن دنياه وضعت فيه شيئا فاسدا غريبا يفسد الحقيقة التي يتكلم ~~بها؛ ولست أدري ما هو هذا الشيء، ولكني رأيت فقهاء يعظون ويتكلمون على ~~الناس في الحرام والحلال وفي نص كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ~~ثم لم أجد لكلامهم نفعا ولا ردا، إذ يلهمون الناس بأرواحهم غير المعنى الذي ~~يتكلمون فيه؛ وتسخر الحقيقة منهم -على خطرهم وجلال شأنهم- بذات الأسلوب ~~الذي تسخر به من لص يعظ لصا آخر فيقول له: لا تسرق. # قال ابن مسكين: فلما دار يوم السبت أقبل الناس على المسجد أفواجا، وكانوا ~~قد تعالموا إزماعي الرحيل عن بلدهم, وجاء "لقمان الأمة" في أشياعه وأصحابه، ~~وجاء أبو إسحاق المفتي في جماعته؛ واستقر بي المجلس فنفذت الناس بنظري، ~~فكأنهم من كثرتهم نبات غطى الأرض، فأذكرني هذا شيخنا السري بن مغلس ~~السقطي2، وكان قد لزم دراه في بغداد لا يخرج منها ولا يراه إلا من قصد ~~إليه، وهممت أن أجعل الموعظة في شرح كلمته المشهورة: "لا تصح المحبة بين ~~اثنين حتى يقول أحدهما للآخر: يا أنا". وما نقلوه عنه من أنه قال مرة ~~PageV02P161 # لبعض أصحابه: ms434 منذ ثلاثين سنة وأنا في الاستغفار من قولي: "الحمد لله". ~~فقال صاحبه: وكيف ذلك؟ قال: وقع ببغداد حريق، فاستقبلني رجل فقال: نجا ~~حانوتك. فقلت: الحمد لله فأنا نادم من ذلك الوقت على ما قلت؛ إذ أردت لنفسي ~~خيرا من الناس! # قال ابن مسكين: ولكني أحببت أن أكلم المفتي ومال المفتي؛ فحدثتهم حديث ~~معرفتي بالسري: أني سمعت يوما "غيلان الخياط" يقول: إن السري كان اشترى ~~كرلوز1 بستين دينارا، وأثبته في رزنامجه2 وكتب أمامه: ربحه ثلاثة دنانير3؛ ~~فلم يلبث أن غلا السعر فبلغ تسعين دينارا؛ فأتاه الدلال الذي كان اشترى له ~~فقال: أريد ذلك اللوز. قال الشيخ: خذه. قال: بكم؟ فقال: بثلاثة وستين ~~دينارا. وكان الدلال رجلا صالحا، فقال للشيخ: إن اللوز قد صار الكر بتسعين. ~~فقال السري: ولكني عقدت بيني وبين الله عقدا لا أحله، فلست أبيع إلا بثلاثة ~~وستين دينارا، فقال الدلال: وأنا قد عقدت بيني وبين الله عقدا لا أحله، ألا ~~أغش مسلما، فلست أشتري منك إلا بتسعين؛ فلا الدلال اشترى منه، ولا السري ~~باعه ... ! # قال أحمد بن مسكين: فلما سمعت ذلك لم تكن لي همة إلا أن ألقى الشيخ ~~وأصحبه، وآخذ عنه، فلم أعرج على شيء حتى كنت في المسجد الذي يصلي فيه، ~~فأجده في حلقته وعنده ممن كانت أعرفهم: عبد الله بن أحمد بن حنبل، وإدريس ~~الحداد، وعلي بن سعيد الرازي، وحوله خلق كثير وهو فيهم كالشجرة الخضراء بين ~~الهشيم تعلوه نضرة روحه، وكأنما يمده بالنور عرق من السماء، فهو يتلألأ ~~للعين؛ ولا يملك الناظر إليه إلا أن يحسن في ذات نفسه أنه الأدنى، من رؤيته ~~في ذات نفسه أن هذا هو الإنسان الأعلى. # ورأيت على وجهه آلاما تمسحه مسحة الأشواق لا مسحة الآلام، آثار ما يجده ~~في روحه القوية، لا كآلام الاس التي هي آثار الحرمان في أرواحهم الواهنة ~~الضعيفة فلا تمسح وجوههم إلا مسحة الغم والكآبة. # وما يخطئ النظر في تمييز آلام السماء على هذه الوجوه السعيدة من آلام ~~الأرض في الوجوه الأخرى، فإن الأولى ms435 تتندى على روح الناظر بمثل الطل إذا ~~PageV02P162 # قطره الفجر، والأخرى تتثور في روحه كما تهيج الغبرة إذا ضربت الريح ~~الأرض. # كان الشيخ في وجود فوق وجودنا؛ فلا تتلون له الأشياء ولا تعدو عنده ما هي ~~في نفسها، ولا يحمل الشيء له إلا معناه من حيث يصلح أو لا يصلح، ومن حيث ~~ينبغي أو لا ينبغي، فإنما تتلون الأشياء عند ما يضع الشيطان عينه في عين ~~الناظر إليها؛ وإنما تزيد وتنقص في القلب عندما يكون روح الشيطان في القلب؛ ~~وإنما يشتبه ما ينبغي وما لا ينبغي عندما يأتي الشيء من جهتين: جهته من ~~طبيعته هو، وجهته من طبيعتنا نحن. وبهذا قد يجمع الإنسان المال ثم لا يجد ~~في المال معنى الغنى، وقد تتفق أسباب النعيم ولا يكون منها إلا الذل. وكم ~~من إنسان يجد وكأنه لم يجد إلا عكس ما كان يبغي، وآخر لم يجد شيئا ووجد ~~بذلك راحته. # قال ابن مسكين: وما كان أشد عجبي حين تكلم الشيخ، فقد أخذ يجيب عما في ~~نفسي ولم أسأله، كأن الذي في فكري قد انتقل إليه؛ فروى الحديث: $"إذا عظمت ~~أمتي الدينار والدرهم، نزع منها هيبة الإسلام؛ وإذا تركوا الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، حرموا بركة الوحي". ثم قال في تأويله: # إن ملك الوحي ينزل بالأمر والنهي ليخضع صولة الأرض بصولة السماء، فإذا ~~بقي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بقي عمل الوحي إلا أنه في صورة ~~العقل، وبقيت روحانية الدنيا إلا أنها في صورة النظام، وكان مع كل خطأ ~~تصحيحه؛ فيصبح الإنسان بذلك تنفيذا للشريعة بين آمر مطاع ومأمور مطيع، ~~فيتعامل الناس على حالة تجعل بعضهم أستاذا لبعض، وشيئا منهم تعديلا لشيء، ~~وقوة سندا لقوة فيقوم العزم في وجه التهاون، والشدة في وجه التراخي، ~~والقدرة في وجه العجز؛ وبهذا يكونون شركاء متعاونين، وتعود صفاتهم ~~الإنسانية وكأنها جيش عامل يناصر بعضه بعضا، فتكون الحياة مفسرة ما دامت ~~معانيها السامية تأمر أمرها وتلهم إلهامها، وما دامت ممثلة في الواجب ~~النافذ على الكل. # والناس أحرار متى ms436 حكمتهم هذه المعاني، فليست حقيقة الحرية الإنسانية إلا ~~الخضوع للواجب الذي يحكم، وبذلك لا بغيره يتصل ما بين الملك والسوقة، وما ~~بين الأغنياء والفقراء، اتصال الرحمة في كل شيء، واتصال القسوة في التأديب ~~وحده. فبركة الوحي إنما هي جعل القوة الإنسانية عملا شرعيا لا غير. # أما تعظيم الأمة للدنيا والدرهم، فهو استعباد المعاني الحيوانية في الناس # PageV02P163 # بعضها لبعض، وتقطع ما بينهم من التشابك في لحمة الإنسانية، وجعل الكبير ~~فيهم كبيرا وإن صغرت معانيه، والصغير فيهم صغيرا وإن كبر في المعاني، وبهذا ~~تموج الحياة بعضها في بعض، ولا يستقيم الناس على رأي صحيح، إذ يكون الصحيح ~~والفاسد في ملك الإنسان لا في عمل الإنسان، فيكنز الغني مالا ويكنز الفقير ~~عداوة، كأن هذا قتل مال هذا، وكأن أعمالا قتلت أعمالا، وترجع الصفات ~~الإنسانية متعادية، وتباع الفضائل وتشترى، ويزيد من يزيد ولكن في القسوة، ~~وينقص من ينقص ولكن في الحرية، وتكون المنفعة الذاتية هي التي تأمر في ~~الجميع وتنهى، ويدخل الكذب في كل شيء حتى في النظر إلى المال، فيرى كل ~~إنسان كأنما درهمه وديناره أكبر قيمة من دينار الآخر ودرهمه، فإذا أعطي نقص ~~فغش، وإذا أخذ زاد فسرق؛ وتصبح النفوس نفوسا تجارية تساوم قبل أن تنبعث ~~لفضيلة، وتماكس إذا دعيت لأداء حق، ويتعامل الناس في الشرف على أصول من ~~المعدة لا من الروح، فلا يقال حينئذ: إن رغيفين أكثر من رغيف واحد. كما هي ~~طبيعة العدد، بل يقال: إن رغيفين أشرف من رغيف، كما هي طبيعة النفاق. # أما التجارة -وهي التفسير الظاهر لمعاني النفوس- فتصبح بين الغش والضرر ~~والمماكرة، وتكون يقظة التاجر من غفلة الشاري، وتفسد الإرادة فلا تحدث إلا ~~آثارها الزائغة. وما التاجر في الأمة القوية إلا أستاذ لتعليم الصدق والخلق ~~في الموضع المتقلب، فكلمته كالرقم من العدد لا يحتمل أزيد ولا أنقص مما ~~فيه، ويمتحن بالدنيا والدرهم أشد مما يمتحن العابد بصلاته وصيامه، وقد شهد ~~رجل عند عمر بن الخطاب في قضية، فقال له عمر: ائتني بمن يعرفك. فأتاه برجل ~~أثنى ms437 عليه خيرا، فقال له عمر: أنت جاره الأدنى الذي يعرف مدخله ومخرجه؟ ~~قال: لا. قال: فكنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: ~~لا. قال: فعاملته بالدينار والدرهم الذي يستبين به ورع الرجل؟ قال: لا. # قال عمر: أظنك رأيته قائما في المسجد يهمهم بالقرآن، يخفض رأسه طورا ~~ويرفعه أخرى؟ قال: نعم. # قال: فاذهب فلست تعرفه! # وإنما التاجر صورة من ثقة الناس بعضهم ببعض، وإرادة الخير واعتقاد الصدق، ~~وهو في كل ذلك مظهر توضع اليد عليه كما تجس اليد مرض المريض وصحته. # PageV02P164 # فإذا عظمت الأمة الدينار والدرهم، فإنما عظمت النفاق والطمع والكذب ~~والعداوة والقسوة والاستعباد؛ وبهذا تقيم الدنانير والدراهم حدودا فاصلة ~~بين أهلها، حتى لتكون المسافة بين غني وفقير كالمسافة بين بلدين قد تباعد ~~ما بينهما. وإنما هيبة الإسلام في العزة بالنفس لا بالمال، وفي بذل الحياة ~~لا في الحرص عليها، وفي أخلاق الروح لا في أخلاق اليد، وفي وضع حدود ~~الفضائل بين الناس لا في وضع حدود الدراهم، وفي إزالة النقائص من الطباع لا ~~في إقامتها، وفي تعاون صفات المؤمنين لا في تعاديها، وفي اعتبار الغنى ما ~~يعمل بالمال لا ما يجمع من المال، وفي جعل أول الثروة العقل والإرادة، لا ~~الذهب والفضة. # هذا هو الإسلام الذي غلب الأمم، لأنه قبل ذلك غلب النفس والطبيعة. # PageV02P165 ### | دعابة إبليس # *1: # أما إني سأقص هذا الحكاية كما اتفقت، لا أزينها بخيال، ولا أتزيد فيها ~~بخبر، ولا أولد لها معنى؛ فإنما هي حكاية خبث الخبيث, فنها حذقه ودهاؤه، ~~ورقتها غلظته وشره، ومعانيها بلاؤه ومحنته؛ وأعوذ بالله من ### | الشيطان # الرجيم، والله المستعان. # لما فكرت في وضع مقالة "إبليس" من أحاديث "ابن مسكين"، وأدرت رأيي في ~~نهجها وحدودها ومعانيها، جعل فكري يتقطع في ذلك، يهذب ويجيء كأن بيني وبينه ~~منازعة، أو كأن في نفسي شيئا يثنيني ويقطعني عن العزم؛ وخيل إلي حينئذ أن ~~"إبليس" هذا منفعة من المنافع, وأنه هو قانون الطبيعة الذي نص مادته ~~الأولى: ما أعجبك فهو لك. ونص مادته الأخيرة: ما ms438 احتجت إليه فثمنه أن تقدر ~~على أخذه. # وهجس في نفسي هاجس أن "إبليس" قائم في لفظ الحرية كما هو قائم في لفظ ~~الإثم، وأنه إن يكن في قلوب الفساق فهو أيضا في أدمغة الفلاسفة وإن كان في ~~سقوط أهل الرذيلة إلى الرذيلة، فهو كذلك في سمو أهل الفن إلى الفن. قال ~~الهاجس: وإن "إبليس" أيضا هو صاحب الفضيلة العملية في هذا العصر المادي، ~~فهو من ثم حقيق أن يلقبوه "صاحب الفضيلة". # ولكني لم أحفل بهذه الوساوس ولم أعج على شيء منها، واستعنت الله وأمضيت ~~نيتي على الكتابة، وأخذت أقلب الموضوع، وأنبه فكري له، وأستشرف لما يؤدي ~~إليه النظر، وأتطلع لما يجيء به الخاطر، وألتمس ما أبني عليه الكلام كما هي ~~عادتي؛ فلم يقع لي شيء ألبته، كأنما ذهب أول ابتداء الموضوع فلا أول له ولا ~~سبيل إلى اقتحامه، وكأنه من وراء العلم فلا يبلغ إليه، وكأنه من التعذر ~~كمحاولة تصوير حماقة الحياة كلها في كلمة. وإبليس كلمة فيها حماقة الحياة ~~كلها. PageV02P166 # ومن عادتي في كتابة هذه الفصول التي تنشرها "الرسالة"1، أن أدع الفصل ~~منها تقلبه الخواطر في ذهني أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس، وأترك أمره ~~للقوة التي في نفسي، فتتولد المعاني من كل ما أرى وما أقرأ، وتنثال من ههنا ~~وههنا، ويكون الكلام كأنه شيء حي أريد له الوجود فوجد. # ثم أكتب نهار الجمعة، ومن ورائه ليل السبت وليل الأحد كالمدد من وراء ~~الجيش إذا نالتني فترة أو كنت على سفر أو قطعني عن الكتابة شيء مما يعرض. # وفي أسبوع إبليس "لعنه الله"، مرت الأيام الثلاثة وفيها ثلاثة ألوان: ضجر ~~لا روح فيه، وكسل لا نشاط معه، واضطراب لا مساك له، وأطلت التفكير يوم ~~الخميس، فكانت تعتريني خواطر مضحكة, فيعرض لي مرة أن أصور إبليس امرأة ~~ليكون إبليس الجميل, وتارة أتوهم أن إبليس يريد أن يكون شيخا كبعض رجال ~~الدين الذين لا تزال تطلع على خائنة منهم، ليقال إبليس التقي المصلي, وحينا ~~أظن أنه يريد أن يكون كاتبا مؤلفا شهيرا ليقال ms439 إبليس المفكر المصلح, وخطر ~~لي أخيرا أنه يريد أن يكون حاكما ملحدا فاجرا، ليكون إبليس التام لا إبليس ~~الناقص. # ولما ذهبت الأيام الثلاثة باطلا، خيل إلي أن إبليس "أخزاه الله" يسألني ~~عن المقالة: إلى أي شيء انقلبت؟ فشق ذلك علي واغتممت به، غير أني اطمأننت ~~إلى يوم الجمعة وأن وراءه ليلتين. وكانت قد غربت شمس الخميس، فقلت: فلأخرج ~~لأتفرج مما بي، وعسى أن أجمع نفسي للتفكير إذا جلست في الندي، ولعله يقع ما ~~أستوحيه أو ينفتح لي باب في القراءة. # وخرجت، فلم أجاوز الدار حتى ابتدرني من هبط عليه الخبر من القاهرة أن ~~نسيبا لنا من العظماء توفي أخوه اليوم. فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ ~~ضاع يوم الجمعة. إذ لا بد من السفر لتشييع الجنازة وحضور المأتم ثم قلت: ~~لعل في هذا السفر استجماما ونشاطا فأستدرك الأسبوع كله في يومين، وإنما ~~الاستكثار بالقوة لا بالزمن، ولا يد لإبليس في الموت والحياة، فليس إلا ~~اطراحه وقلة المبالاة به، وإنما هي خطرات من وساوسه. # وأصبحت في القاهرة، ومشيت في الجنازة قبل الظهر مسيرة ساعة كاملة؛ ~~PageV02P167 # وكانت الشمس ساطعة تتلألأ، وأنا مثقل بثياب الشتاء وكنت أتوقع أن يكون ~~اليوم من أيام الريح المجنونة، فلما انتهينا إلى الصحراء، هبت الريح هبوبا ~~لينا، ثم زفت فكانت إلى الشدة ما هي؛ ولكنها ماضية تسفي الرمل في الأعين ~~فيأخذ في أجفاني أكال وتهييج، وليس معي شيء أتقيها به؛ غير أني شغلت فكري ~~برؤية المقابر، وجعلتها في نفسي كالمقالة المكتوبة سطرا وراء سطر، وقلت: ~~ههنا الحقيقة في أول تفسيرها، وغير المفهوم في الحياة يفهم هنا. # ثم رجعت مندى الجسم بالعرق وعلي نضح منه، وكان القميص من الصوف، وبصدري ~~أثر من النزلة الشعبية، وإذا تندى الصوف وجب نزعه وإلا فهي العلة ما منها ~~بد. # ثم لم تكن إلا ساعة حتى انخرقت الريح وجعلت تعصف وبرد الجو، فأيقنت أنه ~~الزكام، وقلت في نفسي: هذا باب على حدة، والمقالة ذاهبة لا محالة، فسيتخلف ~~الذهن ويتبلد؛ والشيطان كريم في الشر ms440 يعطي من غير أن يسأل. # وثقل ذلك علي فكان الغم به علة جديدة، بيد أني لم أزل أرجو الفرصة في أحد ~~اليومين: السبت والأحد. وقلت: إن من البلاء الفكر في البلاء، ولعل من ~~السلامة الثقة بالسلامة؛ فإذا نبهت العزيمة رجوت أن يتغلغل أثرها في البدن ~~كله فيكون علاجا في الدم يحدث به النشاط ويرهف منه الطبع وتجم عليه النفس. ~~وفي قوة العصب كهربائية لها عملها في الجسم إذ أحسن المرء بعثها في نفسه ~~وأحكم إفاضتها وتصريفها على طريقة رياضية؛ ولهي الدواء حين يعجز الدواء، ~~وهي القوة حين تخذل القوة. # فاعتزمت وصممت، واحتلت على الإرادة، وتكثرت من أسباب الثقة وترصدت لها ~~السوانح العقلية التي تسنح في النفس، وقلت لإبليس: اجهد جهدك، فما تذهب ~~مذهبا إلا كان لي مذهب. ولكن اللعين أخطر في ذهني قول القائل يسخر فيه من ~~ذلك الكاتب البغدادي1. # لو قيل كم خمس وخمس لاغتدى ... يوما وليلته يعد ويحسب # ويقول معضلة عجيب أمرها ... ولئن فهمت لها لأمري أعجب PageV02P168 # خمس وخمس ستة أو سبعة ... قولان قالهما الخليل وثعلب # ثم أجمعت الرجوع من يومي إلى "طنطا"، لأتقي البرد بعلاجه إن نالني أثره, ~~وكان علي وقت إلى أن يقوم القطار، فذهبت فقضيت واجبا من زيارة بعض الأقارب ~~في ضاحية "الجيزة"، ثم ركبت الترام الذي أعلم أنه ذاهب إلى محطة سكة ~~الحديد. # وجلست أفكر في إبليس ومقالته، والترام ينبعث في طريقه نحو ثلث الساعة، ~~حتى بلغ الموضع الذي ينعرج منه إلى المحطة وهو بحيال "جمعية الإسعاف"، حيث ~~تنشعب طرق أخرى؛ وكنت منصرفا إلى التفكير مستغرقا فيه، طائف النظارت على ~~الجو، فما راعني إلا اختلاف منظر الطريق، وأنتبه، فإذا الترام يمرق مروق ~~السهم في تلك السبيل الصاعدة إلى "الجيزة" من حيث جئت. # فلعنت الشيطان وتلبثت حتى وقف هذا الترام، فغادرته ورجعت مهرولا إلى ذلك ~~المنشعب، فصادفت تراما آخر، فوثبت إليه كأني أحمل إليه حملا، ودفعت الأجرة، ~~وانطلق، فإذا هو منصب في تلك الطريق عينها الذاهبة إلى الجيزة من حيث جئت, ~~ولا أستطيع الانحدار منه ms441 وهو منطلق، فتسخطت ولعنت الشيطان مرة أخرى، ورأيت ~~أن عبثه قد ترادف؛ فلما سكن الترام رجعت مهرولا إلى ذلك المنشعب ولم يبق من ~~الوقت غير قليل. # وأنظر ثم، فإذا ترام وراء ترام، وإذا قد وقعت حادثة لإحدى السيارات ~~واجتمع الناس وسدت الطريق، فجعلت أغلي من الغيظ، ولعنت هذا الدعابة الخبيث. ~~وأذكرني اللعين نادرة الأعرابي الذي عضه ثعلب، فأتى راقيا، فقال له الراقي: ~~ما عضك؟ فاستحي أن يقول: ثعلب، وقال: كلب. فلما ابتدأ الرجل برقية الكلب، ~~قال له الأعرابي: واخلط بيها شيئا من رقية الثعالب. # ثم إني لم أر بدا من بلوغ المحطة على قدمي لأتم على عزيمتي في مراغمة ~~اللعين، فأسرعت أطوي الأرض وكأنما أخوض في أحشائه وكان بصدري التهاب فهاج ~~بي، غير أني تجلدت واتسعت لاحتماله وبلغت حيث أردت. ثم ذهبت ألتمس في ~~القطار عربة خاصة أعرفها، كانت من عربات الدرجة الأولى فجعلوها في الثانية ~~يرفهون بها بعض الترفيه على طائفة من المسافرين؛ وأصبت فيها مكانا خاليا ~~كأنما كان مهيأ لي بخاصة, فانحططت فيه إلى جانب رجل أوروبي أحسبه # PageV02P169 # ألمانيا لتفاوت خلقه وعنجهيته؛ وجلست أنفس عن صدري، ثم أقبلت أسخر من ~~إبليس ونكايته، وجعلت أتعجب مما اتفق من هذا التدبير. # وتحرك القطار وانبعث، وكان الأوروبي إلى جانبي مما يلي النافذة وقد تركها ~~مفتوحة، فأحسست الهواء ينصب منها كالماء البارد وأنا متند بالعرق؛ وترقبت ~~أن يغقلها الرجل فلم يفعل، فصابرته قليلا فإذا هو ساكن مطمئن يتروح بالهواء ~~وكأنما يشربه، وتأملته فإذا شيخ في حدود الستين أو فوقها، غير أنه على بقية ~~من قوة مصارع في اكتناز عضله واجتماع قوته ووثاقة تركيبه، فأيقنت أن الهوء ~~من حاجته، وهممت أن أنبهه أو أقوم أنا فأغلق النافذة، ولو شئت أن أفعل ذلك ~~فعلت، غير أن الشيطان "أخزاه الله" وسوس لي: أن هذا رجل أجنبي غربي، وأنت ~~مصري شرقي، فلا يحسن بك أن تعلمه وتعلم الحاضرين أمامكما أنك أنت الأضعف ~~على حين أنه هو الأسن، وكيف لا تقوم لما يقوم له وقد كنت تباكر ms442 الماء ~~البارد في صميم الشتاء، وكنت لا تلبس في أشد أيام البرد غير ثياب الصيف، ~~وكنت تحمل كذا وكذا ثقلا للرياضة، وتعاني كذا وكذا من ضروب القوة، وكنت ~~تلوي بيديك عود الحديد، وكنت وكنت. # فتذممت -والله- مما خطر لي؛ وأنفت أن أنبه الرجل، ورأيت عملي هذا ضعفا ~~وفسولة، ولم أعبأ بالهواء ولا بالعرق ولا بالنزلة الشعبية ولا بالزكام، ~~وتركت الأوروبي وشأنه، وأقبلت على كتاب كان في يدي، وتناسيت أن هذه النافذة ~~جهة من تدبير إبليس؛ وكان القطار مزدحما بالراجعين من المعرض الزراعي ~~الصناعي، وبعض الناس وقوف فلا مطمع في مكان آخر. # ولبثت ساعة ونصف ساعة في تيار من هواء "فبراير" ينصب انصبابا، ويعصف ~~عصفا، وكأني أسبح منه في نهر تحت ظلمة الليل الماطر، والناس معجبون بي ~~وبالأوروبي، وهذا الأوروبي معجب بي أكثر منهم، وقد رأى مكاني وعرف موضعي، ~~وكان إلى يميني مجلس بقي خاليا ولم يقدم أحد على أن يجلس فيه خوفا من ~~الهواء ومن الرجل الأوروبي. # ثم تراءيت أنوار محطة "طنطا"، ولم يبق من هذه المحنة غير دقيقتين فوالله ~~الذي لا يحلف بغير اسمه -عز وجل- لقد كان إبليس رقيعا جلفا باردا ثقيل ~~المزاج؛ إذ لم أكد أتهيأ للقيام حتى رأيت الرجل الأوروبي قد مد يده فأغلق ~~النافذة. # PageV02P170 # ورجعت إلى داري وأنا أقول: ثم ماذا يا إبليس؛ ثم ماذا أيها الدعبب1 ~~وحاولت بجهدي أن أكتب أو أقرأ فلم أتحرك لشيء من ذلك، وكانت الساعة العاشرة ~~ليلا، فصليت وأويت إلى مضجعي. # ثم أصبحت يوم السبت، فإذا كتاب من الأستاذ صاحب "الرسالة": أنه سيطبع ~~عددين معا فيريد لهما مقالتين، إذ تغلق المطبعة في أيام عيد الأضحى. وكان ~~أملي في المقالة الواحدة مخذولا مما قاسيت، فكيف لي باثنتين؟ # واختلط في نفسي هم بهم، وما يفسد علي أمري شيء مثل الضيق، فإذا تضايقت ~~كنت غير من كنت؛ ولكني تيقظت وتنبهت وأملت العافية مما أجده من ثقلة البرد ~~وضعفته، وأحدثت طمعا في النشاط إذ جلست للكتابة في الليل، فإني بالنهار ~~أعمل للحكومة. # فلما كان الليل لم ms443 أجد أمري على ما أحب، وجلست متفترا معتلا، وثقل رأسي ~~من ضربة النافذة، وتسلط علي ظن المرض والعجر عن الكتابة، وانتقض الأمر كله ~~فرأيتني أشق على نفسي بلا طائل، فكان من صواب التدبير عندي أن أستجم بالنوم ~~ثم أنهض في السحر للكتابة, فأوصيت من يوقظني؛ وحررنا الساعة المنبهة على ~~تمام الثانية بعد منتصف الليل. # وأحسست أني جائع، وأن معدتي مشحوذة، ونسيت كل ما أعرف من الطب؛ وجاءوني ~~بشواء وحلوى وما بينهما، فحططت فيه ولففت الآخر بالأول، ثم قمت أريد النوم، ~~فإذا الطعام كان أشد علي من نافذة القطار، وكان الذي في الفكر من المقالة ~~أثقل من الذي في المعدة من الطعام، وساء الهضم في الدماغ والبطن جميعا. # وجعلت أتناوم وأرخي أعضائي وأتوهم الكرى وأستدنيه بكل ما أعرف من وسيلة، ~~ثم لا أزداد على ذلك إلا أرقا، وتمرد الفكر، وأحسست رأسي يكاد ينفجر، وصرت ~~أتململ ولا أتقار، وتوهمت أن لو كان لي عقلان ما استطعت كتابة المقالة عن ~~إبليس لعنه الله؛ وأذكرني الخبيث نادرة مضحكة: أن رجلا كان يركب حمارا ~~ضعيفا، وكان يبعثه فلا ينبعث، فجعل يضربه، فقيل له: ارفق به. فقال: إذا لم ~~يقدر يمشي فلم صار حمارا؟ PageV02P171 # وقذفت بنفسي من الفراش ونظرت في الساعة، فإذا هي موشكة أن تبلغ الثانية ~~ولم أحس الرقاد بعد، فأسرعت إلى المنبهة وحررتها على تمام الساعة الرابعة ~~صباحا، وأيقنت أن الشيطان يرهقني طغيانا وكيدا، فطفقت ألعنه، وما أحسبه إلا ~~قد رأى اللعن مدحا فهو يستزيدني. # ثم رجعت أحاول النوم، فما كان هذا الليل إلا شيئا واحدا أوله آخره إلى أن ~~طلع الفجر. # وجاء يوم الأحد وهو يوم عطلة الأوروبيين، فما أشد عجبي إذ تركني فيه ~~إبليس كأنهم لا يدعون له وقتا في هذا اليوم. # والآن يزين لي الخبيث أن أختم هذه المقالة ب ... ب ... ولكن لا. لا. # PageV02P172 ### | الشيطان # *: # قال الشيخ أبو الحسن بن الدقاق: كان شيخي أبو عبد الله محمد الأزهري ~~العجمي "رضي الله عنه" رجلا صاحب آيات وخوارق مما فوق العقل، كأنما هو ms444 سر ~~من الأسرار الجارية في هذا الكون، قد بلغ بنفسه رتبة النجم في أفقه البعيد؛ ~~ففيه أهواء الإنسان وشهواته وطباعه، إلا أنها كنوز النجم في تألقه ولألائه ~~من إشراق روحه وصفائها، وقد ارتفع بآدميته فوق نفسها؛ فاصبح في الناس ومعه ~~سماؤه, يجعلها بين قلبه وبين الدنيا. # والرجل إذا بلغ هذا المبلغ كان حيا كالميت ساعة احتضاره؛ ينظر إلى كل ما ~~في الحياة نظرة من يترك لا من يأخذ، ومن يعتبر لا من يغتر، ومن يلفظ لا من ~~يتذوق، ومن يدرك السر لا من يتعلق بالظاهر؛ ويرى الشهوات كأنها من لغة لا ~~يعرفها، فهي ألفاظ فيها معاني أهلها لا معانيه, وإنما تلبس كلماتنا معانيها ~~من أنفسنا. وفي النفوس مثل الهشيم: إذا وقعت فيه المعاني المشتعلة استطار ~~حريقا وتضرم، وفيها على المجاهدة مثل الماء؛ فإذا خالطته تلك المعاني ~~انطفأت به وخمدت. # وقد سألت الشيخ مرة: كيف تحدث الكرامات والخوارق للإنسان؟ فقال: يا ولدي ~~إن الإنسان من الناس المحجوبين يتصرف في جسمه ولا يكاد يملك لروحانيته ~~شيئا، فإذا أبلى في المجاهدة ووقع في قلبه النور، تصرف في روحانيته ولا ~~يكاد يملك لجسمه شيئا، فمن أطاق أن ينسلخ من بشريته، واتسعت ذاته في معاني ~~السماء بمقدار ما ضاقت من معاني الأرض، وكان معدا لأن يتحقق في روحانيته، ~~معانا على ذلك بطبيعة فوق الاعتدال, فقد شاع في الكون، وأصاب له وجها ~~ومذهبا إلى تلك القوة التي تهدم في العالم وتبني، وتفرق وتجمع، وتنقل الصور ~~بعضها إلى بعض؛ فإن الكون كله جوهر واحد هو النور، حتى الجبل هو نور صخري، ~~وحتى البحر هو نور مائي، وحتى الحديد PageV02P173 # والذهب والتراب، كل ذلك نور1 صرفته القدرة الإلهية تصريفها المعجز، فكان، ~~على ما نرى: ظاهرا مخيل يلائم نقصنا وعجزنا، وحقيقة قارة على غير ما نرى. ~~ومن ذا يعقل أن الصخر نور متجمد إذا لم يكن له إلا عقل عينه وحواسه؟ ومن ذا ~~يطيق أن يفهم بحواسه وعينه قول الله -تعالى-: {وترى الجبال تحسبها جامدة ~~وهي تمر مر السحاب صنع ms445 الله الذي أتقن كل شيء} [النمل: 88] ؟ فالجبال جامدة ~~ثابتة، غير أنها تمر بأرضها وتموج في نفسها؛ ومتى تأذن الله أن ينكشف نور ~~كلامه للعقل الإنساني، فستكون هذه الآية علما جديدا في الأرض، يثبت أن ~~السحاب والجبل مادة واحدة وصنع واحد. # ويا لها سخرية بالإنسان وجهله! فإنه إذ كانت الحقيقة غير ما نرى، فكل شيء ~~في الدنيا هو رد على النظر الإنساني، ويكاد الجبل العظيم يكون كلمة عظيمة ~~تقول للإنسان: "كذبت! ". # فالشأن في الخوارق والكرامات راجع إلى القدرة أن يسلط الإنسان الروحاني ~~ما فيه من سر النور على ما في بعض الأشياء من هذا السر، وتلك هي طاعة بعض ~~الكون لمن ينصرف عن المادة ويتصل بخالقها. # فإذا بقي في الرجل الروحاني شيء من أمر جسمه يقول: "أنا ... " لم يكن في ~~الرجل من تلك القدرة ذرة؛ فإن هو حاول أن يخرق العادة، أبى الكون أن يعرفه ~~إلا كما يعرف حجرا ملقى يحاول أن يتصرف بالجبل الذي هو منه فينقله أو ~~يزحزحه أو يزلزله. # ولا خير على الأرض مطلقا إلا وهو أخذ من حقوق هذه ال"أنا ... " في ~~إنسانها، ولا شر على الأرض مطلقا إلا وهو إضافة حقوق إليها؛ فحين لا يبقى ~~لها حق في شيء عند نفسها، يجب لها الحق عندئذ على كل شيء. وهذه هي الكرامة؛ ~~تكرم الخليقة من أكرمه الخالق. # فمن أراد أن تتصل نفسه بالله، فلا يكن في نفسه شيء من حظ نفسه، ولا يؤمن ~~إيمان هؤلاء العامة: يكون إيمانهم بالله فكرة تذكر وتنسى، أما عملهم فهو ~~إيمانهم الراسخ بالجسم وشهواته يذكر ولا ينسى. # وأنت ترى رجال الروح يأكلون ويشربون ويلبسون، ولكن هذا كله ليس فيه ذرة ~~من أرواحهم، على خلاف غيرهم من الناس؛ فهؤلاء كل أرواحهم في مطاعمهم ~~ومناعمهم، ومن ثم لا يجري الشيطان من الأولين إلا في مجار ضيقة. ~~PageV02P174 # أشد الضيق لا يكاد ينفذ منها إلى فكر أو شهوة أو حلم من أحلام الدنيا، ~~أما الآخرون فالشيطان فيهم هو تيار الدم، يعب عبابه في الأسفل والأعلى. # قال أبو ms446 الحسن: وكنا يومئذ في دمشق، فنبهني كلام الشيخ عن الشيطان إلى ما ~~قرأته عن كثيرين ممن رأوا الشيطان أو حاوروه أو صارعوه؛ فقلت للشيخ: إن من ~~حقك علي أن أسألك حقي عليك، وما في نفسي أحب إلي ولا أعجب من أن أرى ~~الشيطان وأكلمه وأسمعه؛ وأنت قادر أن تنقلني إليه كما نقلتني إلى ما دخلت ~~بي عليه من عوالم الغيب. # قال الشيخ: وماذا يرد عليك أن ترى الشيطان وتكلمه؟ # قلت: سبحان الله! لا يجدي علي شيئا إلا أن أسخر منه. # قال الشيخ: فإني أخشى يا ولدي، أن يكون الشيطان هو الذي يريد أن تراه ~~وتسمعه ... ! # قلت: فإني فأريد أن أسأله عن سره، فيكون علما لا سخرية. # قال: لو كشف لك عن سره لما كان شيطانا، فإنما هو شيطان بسره لا بغيره. # قلت: فأريد أن أرى الشيطان لأكون قد رأيت الشيطان! # قال الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله! لو كنت يا أبا الحسن بأربع أرجل ~~لهربت من الشيطان بثلاث منها وتركته يجرك من واحدة! # قلت: يا سيدي، فلو كنت حمارا لبطل عمل الشيطان في أرجلي الأربع كلها؛ إذ ~~لا حاجة به إلى إغواء حمار! # فتبسم الشيخ وقال: ولا بد أن ترى الشيطان وتكلمه؟ # قلت: لا بد. # قال: إنه هو يقولها، فقم! # قال أبو الحسن: وكان الشيخ إذا مشى إلى أمر خارق بقيت معه غائبا عن الحس، ~~كأنه يبطل مني ما أنا به أنا، فأصبح ظلا آدميا معلقا به. ولا تقع الخوارق ~~إلا لمن وجد القوة المكملة لروحه، وهذه القوة تستمد من الشيخ الواصل، فلا ~~بد من إمام يأخذ عن إمام، كأنها سلسلة نفسية متميزة في الأرض، فتتغير ~~الواحدة منها بالواحدة، إذ تقع في جوها فتورق وتثمر؛ كالشجرة: جو يكسوها، ~~وجو يذبلها، وجو يسلبها سلبا؛ وكذلك تفعل النفس إذا كان لها جو. # PageV02P175 # وخرجنا من دمشق وأنا خلف الشيخ كالمحمول، فرأيتنا وقد أشرفنا على بناء ~~عظيم، ورأيت أقواما يتلقون الشيخ ويسلمون عليه ويتبركون بمقدمه؟ فأنكرتهم ~~نفسي ووجدت منهم وحشة، فالتفت إلي الشيخ ms447 وقال: هؤلاء من الجن، وما إليهم ~~قصدنا، فلا تشتغل بما ترى واشتغل بي. # ثم ننتهي إلى البناء العظيم، فتستقبلنا طائفة أخرى، ويدخلون الشيخ وأنا ~~خلفه، ويمرون بنا على دنيا مخبوءة تعجز الوصف، مما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت؛ فيقولون: هذه كنوز سليمان وذخائره، ويطوفون بالشيخ يعرضونها عليه ~~كنزا كنزا، فرأينا ثم نعيما وملكا كبيرا، ثم انتهينا آخرا إلى مغارة خسيفة ~~كأنها عرق من عروق جسم الأرض، يتفجر منها دوي كالرعد القاصف، إلا أنه في ~~السمع كخوار الثور، إلا أنه ثور خيل إلي أن رأسه في قدر جبل عظيم، يتعلق به ~~غبغب1 في قدر جبل آخر، على جسم يسد الخافقين، فخواره كأنه صراخ الأرض، وإذا ~~أنا بأقبح مكان منظرا، وأنتنه ريحا، كأنه سجن بناؤه من الجيف. # فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذا سجن إبليس، وهو هنا في هذه المغارة منذ زمن ~~سليمان عليه السلام. # قلت: أفمسجون هو؟ # قالوا: وإنه مع ذلك موقر بأمثال الجبال حديدا يربض به في محبسه، فلا ~~يتزحزح ولا يتحلحل. # قلت: وإنه مع ذلك قد ملأ الدنيا فسادا، فكيف به لو كان طليقا؟ # قالوا: فلو أنه كان طليقا لاستحوذ على الناس كافة؛ فيجتمع أهل الأرض على ~~شهوة واحدة لا شيء غيرها، فيبطل مع هذه الشهوة الواحدة كل تدبير بينهم، فلا ~~تقوم لهم سياسة، ولا يكون بينهم وازع؛ فيرجعون كالكلاب أصابها الكلب وهاج ~~بها، فأنيابها في لحمها، لا يزال يعض بعضها بعضا، فليس لجميعها إلا عمل ~~واحد يسلمها إلى الهلاك، ويصبح ظهر الأرض أعرى من سراة أديم. # وإنما يصلح الناس باختلاف شهواتهم وتنافرها وتنازعها: فبعضها يحكم بعضا، ~~وشيء منها يزع شيئان ومن تخلص من نزوة قمع بها نزوة أخرى؛ كالمتزوج المحصن؛ ~~يحكم بالجلد والرجم على من ليست له امرأة فزنا؛ وكالغني الواجد؛ يحكم على ~~اللص الذي لم يجد فسرق، وهلم جرا. PageV02P176 # وما ينشأ الناس في ثلاثة أعمار، فيشبون ويكتهلون ويهرمون، إلا لتختلف ~~شهواتهم وتختلف مقادير الرغبة فيها، فتتحقق من ثم تلك الحكمة الإلهية في ~~التدبير ويجد الشرع محله بينهم، ms448 كما يجد العصيان بينهم محله. # ولو أن أمة كلها أطفال أو كهول أو شيوخ، لبادت في جيل واحد؛ وإنه ليس ~~أسمج من الرذيلة تكون وحدها في الأرض إلا الفضيلة تكون وحدها، فلا بد من ~~شيء يظهر به شيء غيره كالضد والضد؛ والمعركة إذا انتصر كل من فيها كانت ~~هزلا وكانت شيئا غير المعركة. # قال أبو الحسن: وقلت لهم: فإذا كان الشيطان سجينا قد ربضت به أثقاله، حتى ~~لهو في سجن من سجن مبالغة في كفه والتضييق عليه, فكيف يفتن الناس في أرجاء ~~الأرض ويوسوس في قلوبهم، حتى لهو يد بين كل يدين، وحتى لهو العين الثلاثة ~~لعيني كل إنسان؟ # قالوا: إن في روحه النارية قوة تفصل منها وتنتشر في الأرض، كشعاع الشمس ~~من الشمس: هذه كرة نارية ميتة معلقة على الأجسام مرصدة لها، وتلك كرة نارية ~~حية معلقة على النفوس مرصدة لها، وبهذه وتلك عمار الدنيا وأهل الدنيا. # قلت: لعلكم أردتم أن تقولوا: خراب الدنيا وأهل الدنيا. فغلطتم، فكان ~~ينبغي أن يجيء بدل الغلط ... # فقال أحدهم: يا أبا الحسن، خرق الثوب المسمار، جاز هنا لأمن اللبس أن ~~يكون المفعول به -وهو الثوب- مرفوعا وفاعله -وهو المسمار- منصوبا، هل جئت ~~-ويحك- تطلب النحو أو تطلب الشيطان؟ # قال أبو الحسن: فقطعني الجني -والله- وأخجلني، ونظرت خلسة إلى الشيخ أراه ~~كيف يسخر مني، فإذا الشيخ وقد املس فلا أراه، وإذا أنا وحدي بين الجن ~~وبإزاء هذا الساخر وضعت عينه في جبهته وشق فمه في قفاه ... ! فسري عني وزال ~~ما أجده، وقلت في نفسي: الآن أبلغ أربي من الشيطان ويكون الأمر على ما ~~أريد، فلا أجد من أحتشم ولا تقطعني هيبة الشيخ! # ووقع هذا الخاطر في نفسي، فاستعذت بالله ولعنت الشيطان وقلت: هذا أول ~~عبثه بي وجعله إياي من أهل الرياء، كأن لي شأنا في حضور الشيخ وشأنا في ~~غيابه، وكأني منافق أعلن غير ما أسر، وقلت: إنا لله! كدت يا أبا الحسن ~~تتشيطن! # PageV02P177 # ثم هممت أن أنكص على عقبي، فقد أيقنت أن الشيخ إنما تخلى عني لأكون ms449 هنا ~~بنفسي لا به، وما أنا هنا إلا به لا بنفسي، فيوشك إذا بقيت في موضعي أن ~~أهلك! بيد أن المغارة انكشفت لي فجأة فما ملكت أن أنظر؛ ونظرت فما ملكت أن ~~أقف، ووقفت أرى، فإذا دخان قد هاج فارتفع يثور ثورانه حتى ملئ المكان به، ~~ثم رق ولطف. # واستضرمت منه نار عظيمة لها وهجان شديد يتضرم بعضها في بعض، ويسمع من ~~صوتها معمعة قوية، ثم خمدت. # وانفجر في موضعها كالسد المنبثق من ماء كثيف أبيض أصفر أحمر، كأنه صديد ~~يتقيح في دم، ثم غاض. # وتنبعت في مكانه حمأة منتنة جعلت تربو وتعظم حتى خفت أن تبتلعني وأذهب ~~فيها، فسميت الله -تعالى- فغارت في الأرض. # ثم نظرت فإذا كلب أسود محمر الحماليق، هائل الخلقة مستأسد، قد وقف على ~~جيفة قذرة غاب فيها خطمه يعب مما تسيل به. # فقلت: أيها الكلب، أأنت الشيطان؟ # وأنظر فإذا هو مسخ شائه كأنه إنسان في بهيمة قد امتزجا وطغى منهما شيء ~~على شيء، وأما وجهه فأقبح شيء منظرا، تحسبه قد لبس صورة أعماله. # ونطق فقال: أنا الشيطان! # قلت: فما تلك الجيفة؟ # قال: تلك دنياكم في شهواتها، وأنا ألتقم قلب الفاسق أو الآثم منكم، كما ~~ألتقم دودة من هذه الجيفة. # قلت: عليك لعنة الله وعلى الفاسقين والآثمين، فكيف كنت دخانا، ثم انقلبت ~~نارا، ثم رجعت قيحا، ثم صرت حمأة، ثم كنت كلبا على جيفة؟ # قال: لا تلعن الفاسقين والآثمين، فإنهم العباد الصالحون بأحد المعنيين، ~~وأنت وأمثالك عباد صالحون بالمعنى الآخر، أليس في الدنيا حياء ووقاحة؟ ~~فأولئك يا أبا الحسن هم وقاحتي أنا على الله! أنا منكم في زهدكم حرمان ~~الحرمان، وفقر الفقر، ولقد أهلكتموني بؤسا؛ غير أني معهم لذة اللذة، وشهوة ~~الشهوة، وغنى الغنى، لا تتم لذة في الأرض، ولا تحلو لذائقها وإن كانت ~~حلالا، # PageV02P178 # إلا إذا وضعت أنا فيها معنى من معاني أو وقاحة من وقاحتي! حتى لأجعل ~~الزوجة لزوجها مثل الشعر البليغ إذا استعار لها معنى مني، وكل ما فسدت به ~~المرأة فهو مجازي واستعارتي ms450 لها أجعلها به بليغة. # وأنتم يا أبا الحسن تقطعون حياتكم كلها تجاهدون إثم ساعة واحدة من حياة ~~عبادي، فانظر -رحمك الله- لئن كانت ساعة من حياتهم هي جهنمكم أنتم، فكيف ~~تكون جهنم هؤلاء المساكين؟ # إنك رأيتني دخانا لأني كذلك أنبعث في القلب الإنساني، فمتى تحركت فيه ~~حركة الشر كنت كالاحتيال لإضرام النار بالنفخ عليها؛ فمن ثم أكون دخانا، ~~فإذا غفل عني صاحب القلب تضرمت في قلبه نارا تطلب ما يطفئها؛ ثم يواقع ~~الإثم والمعصية ويقضي نهمته فأبرد عن قلبه، فيكون في قلبه مثل الحرق الذي ~~برد فتأكل موضعه فتقيح، ثم يختلط قيح أعماله بمادته الترابية الأرضية، ~~فينقلب هذا المسكين حمأة إنسانية لا تزال تربو وتنفخ كما رأيت. # قلت: أعوذ بالله منك! أفلا تعرف شيئا يرد عن القلب وأنت دخان بعد؟ # فقهقه اللعين وقال: ما أشد غفلتك يا أبا الحسن، إذ تسأل الشيطان أن يخترع ~~التوبة! أما لو أن شيئا يخترع التوبة في الأرض لاخترعها القبر الذي يدفن ~~فيه بعضكم بعضا كل طرفة عين من الزمن، فتنزلون فيه الميت المسكين قد انقطع ~~من كل شيء وتتركونه لآثامه، وحساب آثامه، والهلاك الأبدي في آثامه، ثم ~~تعودون أنتم لاقتراف هذه الآثام بعينها. # قلت: عليك وعليك أيها اللعين؛ ولكن ألا يتبدد هذا الدخان إذا ضربته الريح ~~أو انطفأ ما تحته! # قال: أوه! لقد أوجعتني كأنما ضربتني بحبل من نار، إن نبيكم عرفها ولكنكم ~~أغبياء؛ تأخذون كلام نبيكم كأنما هو كلام لا عمل، وكأنه كلام إنسان في وقته ~~كلام النبوة للدهر كله وللحياة كلها؛ ولهذا غلبت أنا الأنبياء على الناس، ~~فإني أضع المعاني التي تعمل، لا الحكمة المتروكة لمن يعمل بها ومن لا يعمل. # أتدري يا أبا الحسن، لماذا أعجزني أسلافكم الأولون مثل: عمر وأبي بكر؟ ~~حتى كان إسلامهم من أكبر مصائبي، فتركوني زمانا -وأنا الشيطان- أرتاب في ~~أني أنا الشيطان؟ # قلت: لماذا؟ # PageV02P179 # قال: أراك الآن لم تلعن، فلست قائلها إلا إذا ترحمت علي. # قلت: عليك وعليك من لعنات الله! قل لماذا؟ # قال: أسائل ويأمر؟ وطفيلي ويقترح؟ ms451 لا بد أن تترحم! # قلت: يرحمنا الله منك! قل لماذا؟ # قال: وهذه لعنة في لفظة رحمة؛ لا، إلا تترحم علي أنا إبليس الرجيم! # قلت: فيغني الله عن علمك؛ لقد ألهمتنيها روح النبي صلى الله عليه وسلم: ~~إن النبوة كانت هي بأعمالها وصفاتها تفسيرا للألفاظ على أسمى الوجوه ~~وأكملها، فكأن روح النبي صلى الله عليه وسلم لتلك الأرواح كالأم لأبنائها؛ ~~وقد رأوه لا يغضب لنفسه ولا لحظ نفسه، وذلك لا يستقيم إلا بالقصد في أمر ~~النفس، وجعل ناحية الإسراف فيها إسرافا في العمل لسعادة الناس. وكلما ارتد ~~الإنسان لنفسه وحظوظها ارتد إليك -أيها اللعين- وأقبل على شقاء نفسه، وكلما ~~عمل لسعادة غيره ابتعد عنك -أيها الرجيم- وأقبل على سعادة نفسه، وترك الغضب ~~وحظوظ النفس هو الصبر على حوادث العمر كله، كصبر المسافر إن كان عزيمة مدة ~~الطريق كلها، وإلا كان فسادا في القوة ووقع به الخذلان. # فهذا الصبر المعتزم المصمم، الذي يوطن به الرجل نفسه أن يكون رجلا إلى ~~الآخر, هو تعب الدنيا، ولكنه هو روح الجنة مع الإنسان في الدنيا. والمؤمن ~~الصابر رجل مقفل عليه بأقفال الملائكة التي لا يقتحمها الشيطان ولا تفتحها ~~مصائب الدنيا؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن ينضي شيطانه ~~كما ينضي أحدكم بعيره في سفره" , كأن يقول: لو لم يصبر المسافر دائبا ~~معتزما مدة سفره كلها لما أنضى بعيره، ولو لم يصبر المؤمن مدة حياته كلها ~~لما أنضى شيطانه. # فصاح الشيطان: أوه، أوه! ولكن قل لي يا أبا الحسن: ما صبر رجل مؤمن قوي ~~الإيمان، قد استطاع بقوة إيمانه أن يفيق من سكر الغنى، فتخلص من نزوات ~~الشياطين الذهبية الصغيرة التي تسمونها الدنانير؛ وقد أردته على أن يكذب، ~~فرأى الإيمان أن يصدق؛ وجهدت به أن يغضب، فرأى الحكمة أن يهدأ؛ وحاولت منه ~~أن يطمع، فرأى الراحة أن يرضى؛ وسولت له أن يحسد، فرأى الفضيلة ألا يبالي، ~~وأخذ لنفسه من كل شيء في الحياة بما يثق أنه الإيمان والصبر والهدوء والرضا ~~والقناعة؛ وأحاط نفسه من هذه ms452 الأخلاق بالسعادة القلبية واجتزأ بها؛ وقصر ~~نظره على الحقيقة، ووجد الجمال في نفسه الطيبة الصافية؛ وأجرى ما يؤلمه وما ~~يسره # PageV02P180 # مجرى وحدا؛ ونظر العمر كله كأنه يوم واحد يرقب مغرب شمسه؛ وأخذ من إرادته ~~قوة أنسته ما لم تعطه الدنيا، فلم يحفل بما أعطت الدنيا وما منعت؛ وعاش على ~~فقره بكل ذلك كما يعيش المؤمن في الجنة, هذا في قصر من لؤلؤة أو ياقوتة أو ~~زبرجدة، وذاك في قصر من الحكمة أو من الإيمان أو من العقل. # قال الشيطان: فلما أعجزني صلاحا ورضى وصبرا وقناعة وإيمانا واحتسابا، ~~وكان رجلا عالما فقيها سولت له أن يخرج إلى المسجد ليعظ الناس فينتفعوا به، ~~ويبصرهم بدينهم, ويتكلم في نص كلام الله؛ فعقد المجلس ووعظ، وانصرفوا وبقي ~~وحده. # فجاءت امرأة تسأله عن بعض ما يحتاج إليه النساء في الدين من أمر طبيعتهن؛ ~~وكانت امرأة جزلة غضة رابية، يهتز أعلاها وأسفلها، وتمشي قصيرة الخطو ~~مثاقلة كالمتضايقة من حمل أسرار جمالها وأسرار بدنها الجميل؛ فبعض مشيتها ~~يقظة وبعضها نوم فاتر تخالطه اليقظة؛ ولا يراها الرجل الفحل التام الفحولة ~~إلا رأى الهواء نفسه قد أصبح من حولها أنثى، مما تعصف به ريحها العطرة عطر ~~زينتها وجسمها. # وكان الواعظ قد ترمل من أشهر، وكانت المرأة قد تأيمت من سنوات؛ فلما رآها ~~غض طرفه عنها؛ ولكنها سألته بألفاظها العذبة عن أمور هي من أسرار طبيعتها، ~~وسألته عن طبيعتها بألفاظها؛ فسمع منها مثل صوت البلور، يتكسر بعضه على ~~بعض. # وتحدثت له وكأنها تتحدث فيه: فسمع بأذنه ودمه، ثم كان غض عينه أقوى لرؤية ~~قلبه وجمع خواطره. # ورأى صوتها يشتهي؛ وعانقته رائحتها العطرية النفاذة؛ وأحاطته بجو كجو ~~الفراش؛ وعادت أنفاسها كأنها وسوسة قبل؛ وصارت زفراتها كالقدر إذا استجمعت ~~غليانا؛ وطلعت في خياله عريانة كما تطلع للسكران من كأس الخمر حورية ~~عريانة، لها جسم يبدو من اللين والبضاضة والنعمة كأنه من زبد البحر؟ # قال أبو الحسن: وكنت كالنائم، فما شعرت إلا بصوت كصك الحجر بالحجر، لا ~~كتكسر البلور بعضه على بعض، وسمعت ms453 شيخي يقول: # أفسقت؟ # PageV02P181 ### | تاريخ يتكلم # *: # أيعرف القراء أن في الأحلام أحلاما هي قصص عقلية كاملة الأجزاء محكمة ~~الوضع متسقة التركيب بديعة التأليف، تجعل المرء حين ينام كأنه أسلم نفسه ~~إلى "شركة من الملائكة"، تسيح به في عالم عجيب كأنما سحر فتحول إلى قصة؟ # إن يكن في القراء من لا يعلم هذا فليعلمه مني؛ فإني كثيرا ما أكتب وأقرأ ~~في النوم؛ وكثيرا ما يلقي علي من بارع الكلام، وكثيرا ما أرى ما لو دونته ~~لعد من الخوارق والمعجزات. # وهذه القصة التي أرويها اليوم، كانت المعجزة فيها أني مشيت في التاريخ ~~كما أمشي في طريق ممتدة؛ فتقدمت إلى أهل سنة 395 للهجرة وما يليها، فعشت ~~معهم وتخبرت من أخبارهم، ثم رجعت إلى زمني لأقص ما رأيته على أهل سنة ~~1353** # أمسيت البارحة كالمغموم في أحوال ثقيلة على النفس ما تنطلق النفس لها، ~~أولها سوء الهضم؛ ومتى كان البدء من هنا لم تكن الحركة في النفس إلا دائرة: ~~تذهب ما تذهب ثم لا تنتهي إلا في سوء الهضم عينه، فجلست في الندى الذي أسمر ~~فيه أحيانا، فكان لجوه وزن أحسسته كما يحس الغائص في الماء ثقل الماء عليه؛ ~~ودخنت الكركرة1 فلم تكن هواء ودخانا يتروح، بل كانت من ثقلها كالطعام يدخل ~~على الطعام؛ ونظرت ناحية فأخذت عيني رجلا فيلي الخلقة، منطاد البطن كأنما ~~نفخ بطنه بالآلات، يحمل منه مقدار أربعة من بطون البدينات الحوامل ~~PageV02P182 # كل منهن في الشهر التاسع من حملها, وكان معي إلى كل هذه البلاء خمس صحف ~~يومية أريد قراءتها! # ثم جئت إلى الدار والمعركة حامية في أعصابي؛ وما كان سوء الهضم منومة ~~فيدعو إلى النوم، فدخلت بيت كتبي وأردت كتابا أي كتاب تناله يدي، فخرج لي ~~كتاب في خرافات الأولين وأساطيرهم وهذيانهم وسوء هضمهم العقلي, كالكلام عن ~~أدونيس وأرطاميس وديونيس وسميراميس وإيسيس وأتوبيس وأثرغتيس, فاستعذت بالله ~~وقلت: حتى الكتب لها في الليلة أعصاب قد نالتها الثقلة والألم؟ # وبات الليل يقظان معي، وبقيت متململا أتقلب حتى أخذ الصداع في رأسي، ~~فانقلب التعب ms454 نوما، وجاء من النوم تعب آخر، وقذفت إلى عالم الأحلام في ~~قنبلة تستقر بي حيث تريد لا حيث أريد. # ورأيتني في قوم لا أعرف منهم أحدا قد اجتمعوا جماهير، وسمعت قائلا منهم ~~يقول: "الساعة يمر مولانا العالي" فقلت لمن يليني: "من يكون مولانا العالي؟ ~~" قال: "أو أنت منهم؟ " قلت: ممن؟ " فألهاه عن جوابي تشوف الناس وانصرافهم ~~إلى رجل أقبل راكبا حمارا أشهب؟ فصاحوا "القمر القمر"1 ورفع الرجل الذي ~~يناكبني صوته يقول: "البركات والعظمات لك يا مولانا العالي". # قلت: إنا لله! لقد وقعت في قوم من الزنادقة، يعارضون "التحيات الصلوات ~~والطبيات لله"؛ ثم مر صاحب الحمار بحذائي، وغمزه الرجل علي، فقال: ما بالك ~~لا تقول مثله؟ قلت: أعوذ بالله من كفر بعد إيمان، فكأنما أراد أن يلطمني ~~فرفع يده، فصحت فيه: كما أنت -ويلك- وإلا قبضت عليك وأسلمتك للبوليس، ~~وشكوتك إلى النيابة، ورفعتك إلى محكمة الجنح! # قال: ماذا أسمع؟ الرجل مجنون فخذوه! وأحاط بي جماعة منهم، ولكنه ترجل عن ~~حماره وأخذ بيدي ومشينا، فقلت: من أنت يا هذا؟ قال: أراك من غير هذا البلد؛ ~~أما تعرف الحاكم بأمر الله؟ فأنا هو. قلت: انظر -ويحك- ما تقول. فما أظنك ~~إلا ممرورا؛ لقد كتبت أمس كتابا إلى مجلة "الرسالة" أرخته 13 من ذي ~~PageV02P183 # الحجة سنة 1353 و18 من مارس سنة 1935، وأرسلت به مقالة "الخروفين"1. # قال: ماذا أسمع؟ نحن الآن في سنة 395؛ فالرجل مجنون، أولا فأنت أيها ~~الرجل من معجزاتي، لقد جئت بك من التاريخ، فسترى وتكتب، ثم تعود إلى ~~التاريخ فتكون من معجزاتي، وتقص عني وتشهد لي! # قلت: فإني أعرف أعمالك إلى أن قتلت في سنة 411! # قال: أوإله أنت فتخلق ست عشرة سنة بحوادثها؟ لقد كدت من أفنك وغباوتك ~~تفسد علي دعوى المعجزة! # وهاج الصداع في رأسي، وبلغ سوء الهضم حده، واشتبكت سينات إيسيس وأتوبيس ~~إلخ بسين إبليس، ومرت بين كل هذا حوادث الطاغية المعتوه المتجبر، فرأيته ~~يبتدع في كل وقت بدعا، ويخترع أحكاما يكره الناس على أن يعملوا بها، ~~ويعاقبهم على الخروج منها، ثم ms455 يعود فينقض أمره ويعاقب على الأخذ به، كان ~~الذي نقض غير الذي أبرم، وكأنه حين يتبلد فيعجزه أن يخترع جديدا يجعل ~~اختراعه إبطال اختراعه. # ورأيته كأنما يعتد نفسه مخ هذه الأمة، فلا بد أن يكون عقلا لعقولها، ثم ~~لا بد أن يستعلي الناس ويستبد بهم استبداد الشريعة في أمرها ونهيها، فكانت ~~أعماله في جملتها هي نقص أعمال الشريعة الإسلامية، وظن أنه مستطيع محو ذلك ~~العصر من أذهان الناس وقتل التاريخ الإسلامي بتاريخ قاتل سفاك. # وسول له جنونه أنه خلق تكذيبا للنبوة؛ ثم أفرط عليه الجنون فحصل في نفسه ~~أنه خلق تكذيبا للألوهية؛ وفي تكذيبه للنبوة والألوهية يحمل الأمة بالقهر ~~والغلبة على ألا تصدق إلا به هو؛ وفي سبيل إثباته لنفسه صنع ما صنع، فجاء ~~تاريخه لا ينفي ألوهية ولا نبوة، بل ينفي العقل عن صاحبه، وجاء هذا التاريخ ~~في الإسلام ليتكلم يوما في تاريخ الإسلام. # رأيتني أصبحت كاتبا لهذا الحاكم، فجعلت أشهد أعماله وأدون تاريخه، وأقبلت ~~على ما أفردني به وقلت في نفسي: لقد وضعتني الدنيا موضعا عزيزا لم يرتفع ~~إليه أحد من كتابها وأدبائها، فسأكتب عن هذا الدهر بعقل بينه وبين هذا ~~الدهر 968 سنة صاعدة في العلم. PageV02P184 # ودونت عشرة مجلدات ضخمة انتبهت وأنا أحفظها كلها، فإذا هي جمل صغيرة، جعل ~~الحلم كل نبذة منها سفرا ضخما كما يخيل للنائم أنه عاش عمرا طويلا وأحدث ~~أحداثا ممتدة، على حين لا تكون الرؤيا إلا لحظة. # وهذه هي المجلدات التي قلت: إن التاريخ يتكلم بها في التاريخ. # المجلد الأول: # ابتلي هذا الطاغية بنقيصتين: إحداهما من نفسه، والأخرى من غيره، فأما ~~التي من نفسه فإني أراه قد خلق وفي مخه لفافة عصبية من يهودية جده رأس هذه ~~الدعوة؛ فهو الحاكم بن العزيز بن المعز بن القاسم المهدي عبيد الله، ~~ويقولون: إن عبيد الله كان ابن امرأة يهودية من حداد يهودي، فاتفق أن جرى ~~ذكر النساء في مجلس الحسين بن محمد القداح، فوصفوا له تلك المرأة اليهودية، ~~وأنها آية في الحسن، وكان لها ms456 من الحداد ولد، فتزوجها الرجل وأدب ابنها ~~وعلمه، ثم عرفه أسرار الدعوة العلوية وعهد إليه بها. # ومن بعض اللفائف العصبية في المخ ما ينحدر بالوراثة مطبوعا على خيره أو ~~شره، لا يد للمرء فيه ولا حيلة له في دفعه أو الانتفاء منه، فيكون قدرا ~~يتسلسل في الخلق ليحدث غاياته المقدورة، فمتى وقع في مخ الإنسان فالدنيا به ~~كالحبلى ولا بد أن تتمخض عنه. # هذه اللفافة اليهودية في مخ هذا الطاغية ستحقق به قول الله تعالى: {لتجدن ~~أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود} [المائدة: 82] فهو لن يكون العدو ~~للإسلام دون أن يكون الأشد في هذه العداوة، ولن يكون فيها الأشد حتى يفعل ~~بها الأفاعيل المنكرة. وما أرى هذه المآذن القائمة في الجو إلا تخرق ~~بمنظرها عينه من بغضه للإسلام وانطوائه على عداوته، فويل لها منه! # وأما النقيصة الثانية فقد ابتلي بقوم فتنوه بآرائهم ومذهبهم، وهم حمزة بن ~~علي، والأخرم، وفلان، وفلان ... وقد لفقوا للدنيا مذهبا هو صورة عقولهم ~~الطائشة, لا يجيء إلا للهدم، ثم لا يضع أول معاوله إلا في قبة السماء ~~ليهدمها! ولو أنا جمعت هذا المذهب في كلمة واحدة لقلت: هو حماقة حمقاء تريد ~~إخراج الله من الوجود لإدخال الله في بعض الطغاة! # ويتلقبون في مذهبهم بهذه الألقاب: العقل، الإرادة، الإمام، قائم الزمان، ~~علة العلل! # PageV02P185 # المجلد الثاني: # أظهر الطاغية أن الله يؤيد به الإسلام، ليتألف الجند والشعب ويستميلهم ~~إليه، وكان في ذلك لئيم الكيد، دنيء الحيلة، يهودي المكر، فأمر بعمارة ~~المدارس للفقه والتفسير والحديث والفتيا، وبذل فيها الأموال، وجعل فيها ~~الفقهاء "والمشايخ"، وبالغ في إكرامهم، والتوسعة عليهم، والتخضع لهم، ودخل ~~في ظلال العمائم. # وأحضر لنفسه فقيهين مالكيين "اثنين لا واحد" يعلمانه ويفقهانه، وكان أشبه ~~بمريد مع شيخ الطريقة يتسعد به ويتيمن؛ أشرف ألقابه أنه خادم العمامة ~~الخضراء، وأسعد أوقاته اليوم الذي يقول له فيه الشيخ: رأيتك في الرؤيا ~~ورأيت لك! # وكانت هذه المعاملة الإسلامية الكريمة من هذا الطاغية هي بعينها ربا ~~اللفافة اليهودية في مخه؛ تصلح بإقراض مائة، وفيها ms457 نية الخراب بالستين في ~~المائة! فإنه ما كاد يتمكن من الناس ويعرف إقبالهم عليه وثقتهم به، حتى ~~طلبت اللفافة اليهودية رأس المال والربا، فأمرهم بهدم تلك المدارس ~~وإخرابها، وأبطل العيدين وصلاة الجمعة، وقتل الفقهاء وقتل معهم فقيهيه ~~وأستاذيه، وعاد كالمريد المنافق مع شيخ الطريقة، يقول في نفسه: إن هناك ~~ثلاثة تعمل عملا واحد في الصيد: الفخ، والعمامة، واللحية! # إن هذا الطاغية ملك حاكم، يستطيع أن يجعل حماقته، شيئا واقعا، فيقتل ~~علماء الدين بإهلاكهم، ويقتل مدارس الدين بإخرابها، ولو شاء لاستطاع أن ~~يشنق من المسلمين كل ذي عمامة في عمامته، ويبلغ من كفره أن يتبجح ويرى هذا ~~قوة، ولا يعلم أنه لهوانه على الله قد جعله الله كالذبابة التي تصيب الناس ~~بالمرض، والبعوضة التي تقتل بالحمى، والقملة التي تضر بالطاعون، فلو فخرت ~~ذبابة، أو تبجحت قملة أو استطالت بعوضة لجاز له أن يظن طنينه في العالم. ~~وهل فعل أكثر مما تفعل؟ # قد أودى بأناس يقوم إيمانهم على أن الموت في سبيل الحق هو الذي يخلدهم في ~~الحق، وأن انتزاعهم بالسيف من الحياة هو الذي يضعهم في حقيقتها، وأن هذه ~~الروح الإسلامية لا يطمسها الطغيان إلا ليجلوها. # إنه -والله- ما قتل ولا شنق ولا عذب، ولكن الإسلام احتاج في عصره هذا إلى ~~قوم يموتون في سبيله، وأعوزه ذلك النوع السامي من الموت الأول الذي كان ~~حياة الفكر ومادة التاريخ، فجاءت القملة تحمل طاعونها! # PageV02P186 # لقد أحياهم في التاريخ، أما هم فقتلوه في التاريخ، وجاءهم بالرحمة من ~~جميع المسلمين، أما هم فجاءوه باللعنة من المسلمين جميعا! # المجلد الثالث: # يرى هذا الطاغية أن الدين الإسلامي خرافة وشعوذة عن النفس، وأن محو ~~الأخلاق الإسلامية العظيمة هو نفسه إيجاد أخلاقه، وأن الإسلام كان جريئا ~~حين جاء فاحتل هذه الدنيا؛ فلا يطرده من الدنيا إلا جراءة شيطان كالذي توقح ~~على الله حين قال: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين} [ص: 82] . ولهذا أمر الناس بسب ~~الصحابة، وأن يكتب ذلك على حيطان المساجد والمقابر والشوارع! # أخزاه الله! أهي رواية تمثيلية يلصق الإعلان عنها في ms458 كل مكان؟ ولو سمع ~~لسمع المساجد والمقابر والشوارع تقول: أخزاه الله! # المجلد الرابع: # هذا الفاسق لا يركب إلا حمارا أشهب يسميه: "القمر"، وقد جعل نفسه محتسبا ~~لغاية خبيثة؛ فهو يدور على حماره هذا في الأسواق ومعه عبد أسود، فمن وجده ~~قد غش أمر الأسود ف ... ! ووقف هو ينظر ويقول للناس: انظروا ... ! # ومن غلبة الفسوق على نفسه وعلى شيعته أن داعيته "حمزة بن علي" نوه ~~بالحمار في كتابه وأومأ إليه بالثناء، لخصال: منها أن ... ! وكتب حمزة هذا ~~في بعض رسائله؛ أن ما يرتكبه أهل الفساد بجوار البساتين التي يمر بها ~~"الفاسق" من المنكر والفحشاء, إنما يرتكب في طاعته ... ! # هذه طبيعة كل حاكم فاسق ملحد، يرى في نفسه رذائله عريانة، فلا يكون كلامه ~~وعمله وفكره إلا فحشا يتعرى؛ وإن في هذا الرجل غريزة فسق بهيمية متصلة بطور ~~الحيوان الإنساني الأول؛ فما من ريب أن في جسمه خلية عصبية مهتاجة، ما زالت ~~تسبح بالوراثة في دماء الأحياء، متلففة على خصائصها، حتى استقرت في أعصاب ~~هذا الفاسق، فانفجرت بكل تلك الخصائص. # ولست أرى أكثر أعماله ترجع في مردها إلا إلى طغيان هذه الغريزة فيه؛ فهو ~~يحاول هدم الإسلام، لأنه دين العفة ودين صون المرأة، يلزمها حجاب عفتها ~~وإبائها، ويمنعها الابتذال والخلاعة، ويعينها أن تتخلص ممن يشتهيها، ولو ~~كان الحاكم. إنه يمقت هذا الدين القوي، كما يمقت اللص القانون؛ فهو دين ~~يثقل # PageV02P187 # على غريزته الفاسقة، ولكل غريزة في الإنسان شعور لا مهنأ لها إلا أن يكون ~~حرا حتى في التوهم؛ وهل يعجب السكير شيء أو يرضيه أو يلذه، كما يعجبه أن ~~يرى الناس كلهم سكارى، فينتشي هو بالخمر، وتسكر غريزته برؤية السكر؟ # وما زال رأي الفساق في كل زمن أن الحرية هي حرية الاستمتاع، وأن تقييد ~~اللذة إفساد للذة. # المجلد الخامس: # يزعم الطاغية أنه يعز قومه، وما أراه يعزهم، لكنه يمتحن ذلهم وضعفهم ~~وهوانهم على الأمم؛ يتجرأ شيئا فشيئا، متنظرا ما يتسهل، مترقبا ما يمكن؛ ~~وهو يرى أن أخلاقنا الإسلامية هي أمواتنا دفنوا أنفسهم فينا؛ ms459 فمن ذلك يهدم ~~الأخلاق ويظن عند نفسه أنه يهدم قبورا لا أخلاقا. # ولقد سخر منه المصريون بنكتة من ظرفهم البديع، وجاءوه من غريزته، فصنعوا ~~امرأة من الورق الذي يشبه الجلد، وألبسوا خفها وإزارها، حتى لا شك من رآها ~~أنها آدمية، ثم وضعوا في فيها قصة وأقاموها في طريقه؛ فلما رآها عدل إليها ~~وأخذ من يدها القصة وقرأها، فإذا فيها سب له ولآبائه، وسخرية من جنونه ~~ورعونته المضحكة؛ فغضب وأمر بقتل المرأة، فكانت هذه سخرية أخرى حين تحقق ~~أنها من الورق، وأخذته النكتة الظريفة بمثل البرق والرعد؛ فاستشاط وأمر ~~عبيده السودان بتحريق الدور ونهب ما فيها وسبي النساء والفجور بهن؛ حتى جاء ~~الأزواج يشترون زوجاتهم من العبيد، بعد أن طارت الزوبعة السوداء في بياض ~~الأعراض. # اندلعت ثورة الفجور في المدينة، لا من العبيد، ولكن من الحيوان العتيق ~~المستقر في هذا الطاغية. # المجلد السادس: # وهذه رعونة من أقبح رعوناته، كأن هذا الحيوان لا يحسب نساء الأمة كلها ~~إلا نساءه، فيأمرهن بأمر امرأته، وكأن النساء في رأيه إن هن إلا استجابات ~~عصبية تطلق وترد. # إن لموجة الفسق في الغريزة الطاغية جزرا ومدا يقعان في تاريخ الفساق؛ ~~فهذا الطاغية قد جزرت فيه الموجة، فأمر أن يمنع النساء من الخروج ليلا ~~ونهارا، # PageV02P188 # لا تطأ أرض المدينة قدم امرأة، وأمر الخفافين ألا يصنعوا لهن الأخفاف ~~والأحذية؛ ولما علم أن بعض النساء خرجن إلى الحمامات هدم الحمامات عليهن! # ولو مدت الموجة في تفسق الفاسق لفرض على النساء الخروج والاتصال بالرجال ~~والتعرض للإباحة. # إن الصلاح والفساد كلاهما فساد ما لم يكن الصلاح نظافة في الروح وسموا في ~~القلب. # المجلد السابع: # يزعم الطاغية أنه سيهدم كل قديم؛ وإني لأخشى -والله- أن يأمر الناس في ~~بعض سطوات جنونه: أن كل من كان له أب أو أم بلغ الستين فليقتله, لتخلص ~~الأمة من قديمها الإنساني! # كأنه لا يعرف أنه إنما يتسلط على أيام معاصريه لا على التاريخ؛ ويحكم على ~~طاعة قومه وعصيانهم لا على قلوبهم وطباعهم وميراثهم من الأسلاف؛ فما هو إلا ms460 ~~أن يهلك حتى ينبعث في الدنيا شيئان: نتن رمته في بطن الأرض، ونتن أعماله ~~على ظهر الأرض. إن هذا الرجل المسلط، كالغبار المستطار لا يكنس إلا بعد أن ~~يقع. # ولقد رأى المأفون أن أكل الناس الملوخيا الخضراء والفقاع، والترمس ~~والجرجير، والزبيب والعنب, هوى قديم في طباع الناس، فنهى عن كل ذلك، لا ~~يباع ولا يؤكل، وظهر على أن جماعة باعوا أشياء منها فضربهم بالسياط, وأمر ~~فطيف بهم في الأسواق، ثم ضرب أعناقهم؛ كأن الذي يحمل الملوخيا الخضراء على ~~رأسه ليبيعها يلبس عمامة خضراء. # أهذا -ويحه- تجديد في الأمة، أم تجديد في المعدة؟ # المجلد الثامن: # لا يرضى الطاغية إلا أن يمحق روحانية الأمة كلها، فلا يترك شيئا روحانيا ~~له في أعصاب الناس أثر من الوقار، وبمن يستظهر -ويله- إذا محقت رواحانية ~~الأمة وأشرفت نزعتها الدينية على الانحلال؟ كأنه لا يعلم أن حقيقة الوجود ~~لأمة من الأمم إنما تستمد من إيمانها بالمثل الأعلى الذي يدفعها في سلمها ~~إلى الحياة بقوة، كما يدفعها في حربها إلى الموت بقوة؛ وكأنه لا يعلم أن ~~التاريخ كله تقرره في الأرض بضعة مبادئ دينية. # PageV02P189 # هذا الحاكم الأخرق هو عندي كالذي يقول لنفسه: لم أستطع أن أفتح دولة، ~~فلأفتح دولة في مملكتي, لقد أمر بهدم الكنائس والبيع، حتى بلغ ما هدم منها ~~ثلاثين ألفا ونيفا. # أي مجنون أسخف جنونا من هذا الذي يحسب النفوس الإنسانية كالأخشاب؛ تقبل ~~كلها بغير استثناء أن تدق فيها المسامير؟ # سيعلم إذا نشبت حرب بينه وبين دولة أخرى، أنه كسر أشد سيوفه مضاء حين كسر ~~الدين! # المجلد التاسع: # هذه هي الطامة الكبرى؛ فلا أدري كيف أكتب عنها؛ لقد تطاول المجنون إلى ~~الألوهية فادعاها، وصار يكتب عن نفسه: باسم الحاكم الرحمن! # ولو كان أغبى الأغبياء في موضعه لاتقى شيئا، لا أقول تقوى الدين والضمير، ~~ولكن تقوى النفاق السياسي، فكان يحمل الناس على أن يقولوا عنه: "أبانا الذي ~~في الأرضين! ". # وإلا فأي جهل وخبط، وأي حمق وتهور، أن يكون إله على حمار، وإن كان اسم ~~حماره القمر! # المجلد ms461 العاشر: # سيأخذه الله بامرأة؛ ولكل شيء آفة من جنسه؛ لقد بلغ من وقاحة غريزته أن ~~ائتفك أخته الأميرة "ست الملك"، ورماها بالفاحشة، وهي من أزكى النساء ~~وأفضلهن، واتهمها بالأمير "سيف الدين بن الدواس" وقد علمت أنها تدبر قتله، ~~وأنها اجتمعت لذلك بسيف الدين. فسأمسك عن الكتابة في هذا المجلد، وأدع ~~سائره بياضا حتى أذهب إليهما فأعينهما بما عندي من الرأي، ثم أعود لتدوين ~~ما يقع من بعد. # ورأيت أني اجتمعت بهما واطمأنا إلي، فأخذنا ندير الرأي: # قالت الأميرة لسيف الدين فيما قالته: "والرأي عندي أن تتبعه غلمانا ~~يقتلونه إذا خرج في غد إلى جبل المقطم، فإنه ينفرد بنفسه هناك! ". # فقلت أنا: "ليس هذا بالرأي ولا بالتدبير". # PageV02P190 # قالت: "فما الرأي والتدبير عندك؟ ". # قلت: "إن لنا علما يسمونه "علم النفس"، لم يقع لعلمائكم، وقد صح عندي من ~~هذا العلم أن الرجل طائش الغريزة مجنونها، وأن الأشعة اللطيفة الساحرة التي ~~تنبث من جسم المرأة هي التي تنفجر في مخه مرة بعد مرة؛ فإذا خبت هذه ~~الأشعة، وبطلت الغريزة، بطلت دواعي أعماله الخبيثة كلها، وكف عن محاولته أن ~~يجعل الأمة مملوءة من غرائز جسمه وشهواته، لا من فضائلها ودينها. فلو أخذتم ~~برأيي وأمضيتموه فإنه سينكر أعماله إذا عرضها على نفسه الجديدة، وبهذا يصلح ~~ما أفسد، وتكون حياته قد نطقت بكلمتها الصحيحة كما نطقت بكلمتها الفاسدة، ~~فإذا ... ". # قال الأمير: "فإذا ماذا؟ ". # قلت: "فإذا خصي ... ". # فضحكت ست الملك ضحكة رنت رنينا. # قلت: "نعم إذا خصي هذا الحاكم". # فغلبها الضحك أشد من الأول، ورمتني بمنديل لطيف كان في يدها أصاب وجهي، ~~فانتبهت وأنا أقول: "نعم إذا خصي هذا الحاكم ... ". # PageV02P191 # كفر الذبابة *: # قال كليلة1 وهو يعظ دمنة ويحذره ويقضي حق الله فيه؛ وكان دمنة قد داخله ~~الغرور وزهاه النصر، وظهر منه الجفاء والغلظة، ولقي الثعالب من زيغه ~~وإلحاده عنتا شديدا. # ... وعلم يا دمنة أن ما زعمته من رأيك تام لا يعتريه النقص، هو بعينه ~~الناقص الذي لم يتم؛ والغرور الذي تثبت به أن رأيك صحيح دون الآراء، لعله ms462 ~~هو الذي يثبت أن غير رأيك في الآراء هو الصحيح. # ولو كان الأمر على ما يتخيل كل ذي خيال، لصدق كل إنسان فيما يزعم، ولو ~~صدق كل إنسان فيما يزعم، لكذب كل إنسان، وإنما يدفع الله الناس بعضهم ببعض، ~~ليجيء حق الجميع من الجميع، ويبقى الصغير من الخطأ صغيرا فلا يكبر, ويثبت ~~الكبير من الصواب على موضعه لا ينتقص، ويصح الصحيح ما دامت الشهادة له، ~~ويفسد الفاسد ما دامت الشهادة عليه، وما مثل هذا إلا مثل الأرنب والعلماء. # قال دمنة: وكيف كان ذلك؟ # قال: زعموا أن أرنبا سمعت العلماء يتكلمون في مصير هذه الدنيا، ومتى ~~يتأذن الله بانقراضها، وكيف تكون القارعة؛ فقالوا: إن في النجوم نجوما ~~مذنبة، لو ألتف ذنب أحدها على جرم أرضنا هذه لطارت هواء كأنها نفخة النافخ، ~~بل أضعف منها كأنها زفرة صدر مريض، بل أوهى كأنها نفثة من شفتين. فقالت ~~الأرنب: ما أجهلكم أيها العلماء! قد والله خرفتم وتكذبتم واستحمقتم؛ ولا ~~تزال الأرض بخير مع ذوات الأذناب؛ والدليل على جهلكم هو هذا؛ قالوا: وأرتهم ~~ذنبها ... ! PageV02P192 # قال كليلة: وكم من مغرور ينزل نفسه من الأنبياء منزلة هذه الأرنب من ~~أولئك العلماء؛ فيقول: كذبوا وصدقت أنا، وأخطئوا حميعا وأصبت، والتبس عليهم ~~وانكشف لي، وهم زعموا وأنا المستيقن. ثم لا دليل له إلا مثل دليل الأرنب ~~الخرقاء من هنة تتحرك في ذنبها. # وكان يقال: إنه لا يجاهر بالكفر في قوم إلا رجل هان عليهم فلم يعبئوا به، ~~فهو الأذل المستضعف، أو رجل هانوا عليه فلم يعبأ بهم، فهو الأعز الطاغية، ~~ذاك لا يخشونه فيدعونه لنفسه وعليه شهادة حمقه، وهذا يخشونه فيتركون ~~معارضته وعليه شهادة ظلمه، وما شر من هذا إلا هذا. # وقالت العلماء: إن كنت حاكما تشنق من يخالفك في الرأي، فليس في رأسك إلا ~~عقل اسمه الحبل؛ وإن كنت تقتل من ينكر عليك الخطأ، فليس لك إلا عقل اسمه ~~الحديد؛ وإن كنت تحبس من يعارضك بالنظر، ففيك عقل اسمه الجدار؛ أما إن كنت ~~تناظر وتجادل، وتقنع وتقتنع، وتدعو ms463 الناس على بصيرة ولا تأخذهم بالعمى ففيك ~~العقل الذي اسمه العقل. # قال كليلة: وأنا يا دمنة، فلو كنت قائدا مطاعا، وأميرا متبعا، لا يعصى لي ~~أمر، ولا يرد علي رأي، ولا ينكر مني ما ينكر من المخلوق إذا أخطأ، ولا يقال ~~لي دائما إلا إحدى الكلمتين: أصبت, ثم هي دائما أصبت؛ ولا يلقاني أحد من ~~قومي بالكلمة الأخرى، رهبة من سخطي، رهبة الجبناء، أو رغبة في رضاي رغبة ~~المنافقين، وزعموا أنهم على ذلك قد صحت نياتهم وخلص لي باطنهم جميعا, فلو ~~كنت وكانوا على هذا، لأحالني نقصهم إلى نقص العقل بعد كماله، وردتني ~~فسولتهم إلى فسولة الرأي بعد جودته، فأخلق بي أن أعتبر وضعهم إياي في موضع ~~الآلهة، هو إنزالهم إياي في منزلة الشياطين؛ وإلا كنت حقيقا أن يصيبني ما ~~أصاب العنز التي زعموا لها أنها أنثى الفيل. # قال دمنة: وكيف كان ذلك؟ # قال: زعموا أنه كان في إحدى خرائب الهند جماعة من العظماء، وكان فيها ~~عضرفوط كبير1، فملكته الجماعة وذهبت تأتمر على أمره وتنتهي. فمر بهذه ~~الخربة. PageV02P193 # فيل جسيم من الفيلة الهندية العظيمة، لم يحس بالعظاء، ولم يميز فرقا بين ~~هذه الأمة من الحشرات وبين الحصى منثورا يلتمع في الأرض هنا وهنا؛ قالوا ~~فغضب العضرفوط"، وكان قائدا عظيما، ثم تدبر أمر الفيل ينظر كيف يصنع في ~~مدافعته، وكيف يحتال في هلاكه، فرآه لا يتحرك إلا بأقدامه ينقلها واحدة ~~واحدة؛ فقدر عند نفسه أنه لو أزال قدم الفيل عن الأرض زال الفيل نفسه؛ فجاء ~~فاعترض الطريق، ودب دبيبه؛ فلما رفع الفيل قدمه اهتبل هذه الغفلة منه. ~~واندس تحتها، فاندس مقبورا في التراب! # ثم إن العظاء افتقدت أميرها. فلما مضى الفيل لسبيله ورأت ما نزل بها، ~~نفرت إلى أحجارها، واستكنت فيها ترتقب وتتربص، فدخلت إلى الخربة عنز جعلت ~~تتقمم منها وترتع فيها، ورأتها العظاء فاجتمعن يأتمرن ... # فقال منها قائل: هذه أنثى الفيل. فسألت عظاية منهن: وأين النابان ~~العظيمان؟ # قالت الأولى: إن الإناث دون الذكورة في خلقها، الأنثى هي الذكر مقلوبا أو ms464 ~~مختصرا أو مشوها، ولذلك هن يقلبن الحياة أو يختصرنها أو يشوهنها، أفلا ترين ~~النابين العظيمين البارزين في ذلك الفيل الجسيم، كيف نبتا صغيرين منقلبين ~~فوق رأس أنثاه؟ # فقالت واحدة: إن جاز قولك في الرأي فأين الخرطوم؟ # قالت الأخرى: هو هذه الزنمة المتدلية من حلقها، وذلك خرطوم على قدر أنوثة ~~الأنثى ... ! # قالوا: ثم اجتمع رأيهن على أن يملكن أنثى الفيل هذه؛ وأن يهبن لها الخربة ~~وأمتها. وسمعت الماعزة كلامهن فقالت في نفسها: لا جرم أن تكون العنز فيلة ~~في أمة من العظاء، فقد قالت العلماء: إنه لا كبير إلا بصغير، ولا قوي إلا ~~بضعيف، ولا طاغية إلا بذليل؛ وإن العظمة إن هي إلا شهادة الحقارة على ~~نفسها، وإنه رب عظيم طاغية متجبر ما قام في الناس إلا كما تقوم الحيلة، ولا ~~عاش إلا كما يعيش الكذب، ولا حكم إلا كما يحكم الخداع، وهذه الدنيا للمحظوظ ~~كأنها دنيا له وحده، فمتى جاءت إليه فقد جاءت، ولو أنها أدبرت عنه من ناحية ~~لرجعت من ناحية أخرى، ليثبت الحظ أنه الحظ. # وتقدم العظاء إلى العنز، فقلن لها: أيتها الفيلة العظيمة، إن قرينك ~~العظيم قد مس أميرنا العضرفوط بقدمه فيغبه تحت سبع أرضين، وأنت أنثاه ~~وسيدته، فقد اخترناك ملكة علينا، ووهبنا لك الخربة وما فيها. # PageV02P194 # قالت العنز: فإني أتهب منكن هذه الهبة، ونعما صنعتن؛ غير أن بينكن وبيني ~~ما بين العظاية والفيل. وما بين الحصاة والجبل، فإذا أنا قلت، فأنا قلت؛ ~~وإذا أنا أمرت، فأنا أمرت؛ وإذا أنا فعلت، فأنا فعلت. هنا في هذه الأمة ~~كلها "أنا" واحدة ليس معها غيرها؛ لأن ههنا في هذه الرأس دماغ فيلة، وفي ~~هذا الجسم قوة فيلة، وفي الخربة كلها فيلة واحدة؛ فلا أعرفن منكن على ~~الصواب والخطأ إلا الطاعة طاعة الأعمى للبصير. ألا وإن أول الحقائق أنني ~~فيلة وأنكن عظاء؛ ومتى بدأ اليقين من هنا سقط الخلاف من بيننا وبطل ~~الاعتراض منكن، وقوتي حق لأنها قوة, وباطلي كذلك حق لأنه من قوتي؛ وقد قال ~~أسلافنا حكماء الفيلة: إن ms465 القوي بين الضعفاء مشيئة مطلقة، فهو مصلح حتى ~~بالإفساد، حكيم حتى بالحماقة، إمام حتى بالخرافة، عالم حتى بالجهالة نبي ~~حتى بالشعوذة ... ! # قالوا: وتنكر عليها عظاية صالحة عالمة كانت ذات رأي ودين في قومها، وكن ~~يسمينها: "العمامة"، لبياضها وصلاحها وطهارتها، فقالت: ولا كل هذا أيتها ~~الفيلة، لقد تخرصت غير الحق؛ فإنك تحكمينا من أجلنا لا من أجلك، وما قولك ~~إلا كلمات تحققها أعمالنا نحن؛ فلك الطاعة فيما يصلحنا، وما كان من غيره ~~فهو رد عليك، ورأيك شيء ينبغي أن تكون معه آراؤنا، لتتبين الأسباب أسباب ~~الموافقة والمخالفة، فنأخذ عن بينة ونترك عن بينة؛ وقد كان يقال في قديم ~~الحكمة: إنه يجب على من يقدم رأيا للأمة الحازمة كي تأخذ به، أو يضع لها ~~شرعا ليحملها عليه، أو يسن لها سنة لتتبعها إنه يجب على هذا المتقدم لتحويل ~~الأمة أو تحريرها أن يتقدم لأهل الشورى وفي رأسه الرأي، وفي عنقه حبل؛ ثم ~~يتكلم برأيه ويبسطه ويدفع عنه، ويجادلهم ويجادلونه؛ فإن كان الرأي حقا ~~أخذوا الرأي، وإن كان باطلا أخذوا الحبل فشنقوا فيه هذا المتهور. # وفي ديننا أن الطاعة في المعصية معصية أخرى؛ ولقد كان لنا عضرفوط بحاثة ~~في الأديان دراسة لكتبها علامة نقاب؛ فكان مما علمنا: أن المخلوق مبني على ~~النقص إذا هو ماض إلى الفناء، فيجب ألا يتم منه شيء إلا بمقدار، وألا تكون ~~القوة فيه إلا بمقدار؛ ولهذا كان العقل التام في الأرض وهو مجموع العقول ~~العظيمة كلها، وكان أتم الآراء وأصحها ما أثبتت الآراء نفسها أنه أصحها ~~وأتمها. فلا الدين اتبعت أيتها الفيلة، ولا اتبعت فينا العقل، وليس إلا هذا ~~"التفيل" الكاذب. # فلما سمعت العنز ذلك تنقشت وغضبت، وقالت: إياكم وهذه الترهات من ألسنتكم، ~~وهذه الأباطيل في عقولكم؛ لا أسمعن منكم كلمة الدين ولا كلمة # PageV02P195 # الأنبياء والعضافيط ... فذلك وحي غير وحيي أنا؛ وإذا كان غير وحيي أنا ~~فأنا لست فيه، وإذا لم أكن أنا فيه فهو لا يصلح للحكم الذي شرطه أن الدولة ~~ليس فيها إلا أنا واحدة. وذلك ms466 إن لم يجعلكم غرباء عني جعلني غريبة عنكم، ما ~~بد من إحدى الغربتين، فهو أول القطيعة، والقطيعة أول الفساد، وما دام في ~~الدين أمر غير أمري، ونهي غير نهيي، وتحليل وتحريم لا يتغيران على مشيئتي, ~~فأنا مجنونة إن رضيت لكم هذا ... ! # فضحكت "العمامة" وقالت للماعزة: بل قولي: أنا مجنونة ب"أنا"؛ أفلا يجوز ~~وأنت خلق من الخلق أن يعتري عقلك شيء مما يعتري القول؟ ولسنا ننكر أنك قوية ~~الرأي في ناحية القوة، حسنة التدبير في ناحية الشجاعة، متجاوزة المقدار في ~~ناحية الحزم والحرص على مصالح الدولة؛ ولكن ألم يقل الحكماء: إن الزيادة ~~المسرفة في جهة من العقل، تأتي من النقص المتحيف لجهة أخرى؛ وإنه رب عقل ~~كان تماما عبقريا في أمور، لأنه ضعيف أبله في غيرها؛ يحسن في تلك ما لا ~~يحسنه أحد، ويحكم منها ما لا يحكمه أحد، ثم يغلط في الأخرى ما لا يغلط أحد ~~فيه؟ # قالوا: فجاشت العنز وفارت من الغضب فورة الجبار، وخيل إليها من عمى الغيظ ~~أنها ذهبت بين الأرض والسماء، وأن زنمتها امتد منها خرطوم طويل، وأن قرنيها ~~انبعج منها نابان عظيمان؛ وقالت: ويحكم! خذوا هذه "العمامة" فاشنقوها؛ ~~فإنها كما قالت؛ تقدمت إلينا بالرأي والحبل ... ! # وكان في العظاء ضعاف ومهازيل وجبناء، ومأكولون بكل آكل؛ فتشبح1 لهم أن ~~أنثى الفيل هذه ستخلقهم فيلة إن هم أطاعوها؛ فإذا مردوا عليها فإنها من ~~صرامة البأس بحيث تجعل كل ظلف من أظلافها جبلا فوقهم كأنه ظلة فتسوخ بهم ~~الأرض. ثم أنهم انخزلوا وتراجعوا، وأخذت "العمامة" الصالحة فشنقت، وخمد ~~الرأي من بعدها، وانقطع الخلاف والدين والعقل الحر؛ وأقبلت دولة العظاء على ~~العنز تجرر أذيالها. # قالوا: واغترت الماعزة وأحست لها وجودا لم يكن، وعرفت لنفسها وهي ماعزة ~~نابهة شأن الفيل القوي، فلجت في عمايتها وكفرت بجنسها، وقالت: لم يخلقني ~~الله فيلة وخلقت نفسي؛ فأنا لا هو ... PageV02P196 # وثبت عندها أنها ليست بعنز وإن أشبهتها كل عنز في الدنيا؛ وذهبت تقلد ~~وتعيش على مذاهب الفيلة بين العظاء، فإذا مشت ارتجت وتخطرت كأنها بناء ms467 ~~يتقلقل، وإذا اضطجعت أنذرت الأرض أن تتمسك لا تدكها بجنبها ... ! # ومر ذلك الفيل بهذا الخراب مرة أخرى، فلاذت العظاء كلهن بالفيلة.. وتأهبت ~~هذه للقتال، وتحصفت في المبارزة والمناجزة ... "والمعانزة" فنصبت قرنيها، ~~وحركت زنمتها، وطأطأت، وشدت أظلافها في الأرض، وثبتت قوائمها، وصلبت ~~عظامها، ونفشت شعرها، وتشوكت كالقنفذ، وأصرت بكل ذلك إصرارها، وكانت عنزا ~~نطيحة منذ كانت تتبع أمها وتتلوها، فكيف بها وقد تفيلت؟ # ثم إنها ثبتت في طريق الفيل ليرى بعينيه هذا الهول الهائل ... فأقبل فمد ~~خرطومه، فنالها به، فلفها فيه، فقبضه، فرفعه، فطوحها، فكأنما ذهبت في ~~السماء ... ! # وتهاربت العظاء ولذن بأجحارهن، ثم غدون على رزقهن، فإذا جيفة العنز غير ~~بعيد، فدببن عليها وارتعين فيها، وعلمن أنها كانت ماعزة فيلها جنونها، ~~وأدركن أن الكذب على الحقائق قد جعل الله له حقائق أخرى تقتله، وأن من غلب ~~أمة العظاء على أمرها فليست الأيام والليالي عظاء فيغلبها؛ وأن تغيير ~~المخلوقات، إنما يكون بتحويل باطنا لا بتحويل ظاهرها، وأن الإناء الأحمر ~~يريك الماء محمرا والماء في نفسه لا حمرة فيه، حتى إذا انكسر الإناء ظهر ~~كما هو في نفسه؛ وكل ما يخفي الحق هو كهذا الإناء: لون على الحق لا فيه؛ ثم ~~أيقن أن محاولة إخراج أمة كاملة من نزاعات ماعزة مأفونة، هي كمحاولة ~~استيلاء الفيل من الماعزة ... ! # قال كليلة: واعلم يا دمنة أنه لولا أن هذه العنز الحمقاء قد كفرت كفر ~~الذبابة، لما أخذها الله أخذ الذبابة. # قال دمنة: وكيف كان ذلك؟ # قال: زعموا أنه ذبابة سوداء كانت من حمقى الذبان، قدرت الحماقة عليها ~~أبدية، فلو انقلبت نقطة حبر في دواة لما كتبت بها إلا كلمة سخف. # ووقعت هذه الذبابة على وجه امرأة زنجية ضخمة، فجعلت تقابل بين نفسها وبين ~~المرأة، وقالت: إن هذا لمن أدل الدليل على أن العالم فوضى لا نظام فيه، ~~وأنه مرسل كيف يتفق على ما يتفق, عبثا في عبث، ولا ريب أن الأنبياء قد ~~كذبوا الناس, # PageV02P197 # إذ كيف يستوي في الحكمة خلقي "أنا" وخلق هذه الذبابة الضخمة التي ms468 أنا ~~فوقها؟ # ثم نظرت ليلة في السماء، فأبصرت نجومها تتلألأ وبينها القمر، فقالت: وهذا ~~دليل آخر على ما تحقق عندي من فوضى العالم، وكذب الأديان، وعبث المصادفات، ~~فما الإيمان بعينه إلا الإلحاد بعينه، ووضع العقل في شيء هو إيجاد الألوهية ~~فيه، وإلا فكيف يستوي في الحكمة وضعي "أنا" في الأرض ورفع هذا الذبان ~~الأبيض ويعسوبه الكبير1 إلى السماء؟ # ثم إنها وقعت في دار فلاح، فجعلت تمور فيها ذهابا وجيئة، حتى رجعت بقرة ~~الفلاح من مرعاها، فبهتت الذبابة وجمدت على غرتها من أول النهار إلى آخره, ~~كأنها تزاول عملا؛ فلما أمست قالت: وهذا دليل أكبر الدليل على فوضى الأرزاق ~~في الدنيا، فهاتان ذبابتان قد ثقبتا ثقبين في وجه هذه البقر واكتنتا فيهما ~~تأكلان من شحمها فتعظمان سمنا؛ والناس من جهلهم بالعلم الذبابي يسمونها ~~عينين. وأنا قضيت اليوم كله أخمش وأعض وألسع لأثقب لي ثقبا مثلهما فما ~~انتزعت شعرة؛ فهل يستوي في الحكمة رزقي "أنا" ورزق هاتين الذبابتين في وجه ~~البقرة؟ # ثم إنها رأت خنفساء تدب دبيبها في الأرواث والأقذار؛ فنظرت إليها وقالت: ~~هذه لا تصلح دليلا على الكفر؛ فإني "إنا" خير منها؛ "أنا" لي أجنحة وليس ~~لها، "وأنا" خفيفة وهي ثقيلة؛ وما كأنها إلا ذبابة قديمة من ذباب القرون ~~الأولى، ذلك الذي كان بليدا لا يتحرك فلم تجعل له الحركة جناحا2. ثم إنها ~~أصغت فسمعت الخنفساء تقول لأخرى وهي تحاورها: إذا لم يجد المخلوق أنه كما ~~يشتهي فليكفر كما يشتهي؛ يا ويحنا! لم لم نكن جاموسا كهذا الجاموس العظيم، ~~وما بيننا وبينه فرق إلا أنه وجد من ينفخه ولم نجد؟ # فقالت الذبابة: إن هذا دليل العقل في هذه العاقلة، ولعمري إنها لا تمشي ~~مثاقلة من أنها بطيئة مرهقة بعجزها، ولكن من أنها وقور مثقلة بأفكارها، وهي ~~الدليل على أني "أنا" السابقة إلى كشف الحقيقة! # وجعلت الذبابة لا يسمع من دندنتها إلا، أنا، أنا، أنا، أنا ... من كفر ~~إلى كفر غيره، إلى كفر غيرهما؛ حتى كأن السماوات كلها أصبحت في معركة مع ms469 ~~ذبابة. PageV02P198 # ثم جاءت الحقيقة إلى هذا الإلحاد الأحمق تسعى سعيها؛ فبينا الذبابة على ~~وجه حائط، وقد أكلت بعوضة أو بعوضتين، وأعجبتها نفسها، فوقفت تحك ذراعها ~~بذراعها, دنت بطة صغيرة قد انفلقت عنها البيضة أمس، فمدت منقارها ~~فالتقطتها. # ولما انطبق المنقار عليها قالت: آمنت أنه لا إله إلا الذي خلق البطة! # PageV02P199 ### | يا شباب العرب # ! *: # يقولون: إن في شباب العرب شيخوخة الهمم والعزائم، فالشبان يمتدون في حياة ~~الأمم وهم ينكمشون. # وإن اللهو قد خلف بهم حتى ثقلت عليهم حياة الجد، فأهملوا الممكنات فرجعت ~~لهم كالمستحيلات. # وإن الهزل قد هون عليهم كل صعبة فاختصروها؛ فإذا هزءوا بالعدو في كلمة ~~فكأنما هزموه في معركة ... # وإن الشباب منهم يكون رجلا تاما، ورجولة جسمه تحتج على طفولة أعماله. # ويقولون: إن الأمر العظيم عند شباب العرب ألا يحملوا أبدا تبعة أمر عظيم. # ويزعمون أن هذا الشباب قد تمت الألفة بينه وبين أغلاطه، فحياته حياة هذه ~~الأغلاط فيه. # وأنه أبرع مقلد للغرب في الرذائل خاصة؛ وبهذا جعله الغرب كالحيوان محصورا ~~في طعامه وشرابه، ولذاته. # ويزعمون أن الزجاجة من الخمر تعمل في هذا الشرق المسكين عمل جندي أجنبي ~~فاتح ... # ويتواصون بأن أول السياسة في استعباد أمم الشرق، أن يترك لهم الاستقلال ~~التام في حرية الرذيلة ... # ويقولون: إنه لا بد في الشرق من آلتين للتخريب: قوة أوروبا، ورذائل ~~أوروبا. # يا شباب العرب! بمن غيركم يكذب ما يقولون ويزعمون على هذا الشرق المسكين؟ # من غير الشباب يضع القوة بإزاء هذا الضعف الذي وصفوه لتكون جوابا عليه؟ ~~PageV02P200 # من غيركم يجعل النفوس قوانين صارمة، تكون المادة الأولى فيها: قدرنا ~~لأننا أردنا؟ # ألا إن المعركة بيننا وبين الاستعمار معركة نفسية، إن لم يقتل فيها الهزل ~~قتل فيها الواجب! # والحقائق التي بيننا وبين هذا الاستعمار إنما يكون فيكم أنتم بحثها ~~التحليلي، تكذب أو تصدق. # الشباب هو القوة؛ فالشمس لا تملأ النهار في آخره كما تملؤه في أوله. # وفي الشباب نوع من الحياة تظهر كلمة الموت عنده كأنها أخت كلمة النوم. # وللشباب طبيعة أول إدراكها الثقة ms470 بالبقاء، فأول صفاتها الإصرار على ~~العزم. # وفي الشباب تصنع كل شجرة من أشجار الحياة أثمارها؛ وبعد ذلك لا تصنع ~~الأشجار كلها وإلا خشبا ... # يا شباب العرب! اجعلوا رسالتكم: إما أن يحيا الشرق عزيزا، وإما أن ~~تموتوا. # أنقذوا فضائلنا من رذائل هذه المدينة الأوروبية، تنقذوا استقلالنا بعد ~~ذلك، وتنقذوه بذلك. # إن هذا الشرق حين يدعو إليه الغرب؛ "يدعو لمن ضره أقرب من نفعه؛ لبئس ~~المولى ولبئس العشير". # لبئس المولى إذا جاء بقوته وقوانينه، ولبئس العشير إذا جاء برذائله ~~وأطماعه. # أيها الشرقي! إن الدينار الأجنبي فيه رصاصة مخبوءة، وحقوقنا مقتولة بهذه ~~الدنانير. # أيها الشرقي! لا يقول لك الأجنبي إلا ما قال الشيطان: {وما كان لي عليكم ~~من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} [إبراهيم: 22] . # يا شباب العرب! لم يكن العسير يعسر على أسلافكم الأولين، كأن في يدهم ~~مفاتيح من العناصر يفتحون بها. # أتريدون معرفة السر؟ السر أنهم ارتفعوا فوق ضعف المخلوق، فصاروا عملا من ~~أعمال الخالق. # PageV02P201 # غلبوا على الدنيا لما غلبوا في أنفسهم معنى الفقر، ومعنى الخوف، والمعنى ~~الأرضي. # وعلمهم الدين كيف يعيشون باللذات السماوية التي وضعت في كل قلب عظمته ~~وكبرياءه. # واخترعهم الإيمان اختراعا نفسيا، علامته المسجلة على كل منهم هذه الكلمة: ~~لا يذل. # حين يكون الفقر قلة المال، يفتقر أكثر الناس، وتنخذل القوة الإنسانية، ~~وتهلك المواهب. # ولكن حين يكون فقر العمل الطيب، يستطيع كل إنسان أن يغتني، وتنبعث القوة ~~وتعمل كل موهبة. # وحين يكون الخوف من نقص هذه الحياة وآلامها، تفسر كلمة الخوف مائة رذيلة ~~غير الخوف. # ولكن حين يكون نقص الحياة الآخرة وعذابها، تصبح الكلمة قانون الفضائل ~~أجمع. # هكذا اخترع الدين إنسانه الكبير النفس الذي لا يقال فيه: انهزمت نفسه. # يا شباب العرب! كانت حكمة العرب التي يعملون عليها: اطلب الموت توهب لك ~~الحياة. # والنفس إذا لم تخش الموت كانت غريزة الكفاح أول غرائزها تعمل. # وللكفاح غريزة تجعل الحياة كلها نصرا، إذ لا تكون الفكرة معها إلا فكرة ~~مقاتلة. # غريزة الكفاح يا شباب، هي التي جعلت الأسد لا يسمن ms471 كما تسمن الشاة للذبح. # وغذا انكسرت يوما، فالحجر الصلد إذا ترضرضت منه قطعة كانت دليلا يكشف ~~للعين أن جميعه حجر صلد. # PageV02P202 # يا شباب العرب! إن كلمة "حقي" لا تحيا في السياسة إلا إذا وضع قائلها ~~حياته فيها. # فالقوة القوة يا شباب! القوة التي تقتل أول ما تقتل فكرة الترف والتخنث. # القوة الفاضلة المتسامية التي تضع للأنصار في كلمة "نعم" معنى نعم. # القوة الصارمة النفاذة التي تضع للأعداء في كلمة "لا" معنى لا. # يا شباب العرب اجعلوا رسالتكم: إما أن يحيا الشرق عزيزا، وإما أن تموتوا. # PageV02P203 # لو ... ! : # رأيتني جالسا في مسرح هزلي بمدينة إسكندرية، كما يجلس القاضي في جريمة ~~يحمل أهلها بين يديه آثامهم وأعمالهم، ويحمل هو عقله وحكمه. # وقد ذهبت لأرى كيف يتساخف أهل هذه الصناعة؛ فكان حكمي أن السخافة عندنا ~~سخيفة جدا ... # رأيتهم هناك ينقدون العيوب بما ينشئ عيوبا جديدة، ويسبحون بأيديهم سباحة ~~ماهرة؛ ولكن على الأرض لا في البحر، وتكاد نظرتهم إلى الحقيقة الهزلية تكون ~~عمى ظاهرا عما هي به حقيقة هزلية؛ ولا غاية لهم من هذا التمثيل إلا الرقاعة ~~والإسفاف والخلط والهذيان، إذا كان هذا هو الأشبه بجمهورهم الذي يحضرهم، ~~وكان هو الأقرب إلى تلك الطباع العامية البليدة التي اعتادت من تكلف الهزل ~~ما جعلها هي في ذات نفسها هزلا يسخر منه. # ولا أسخف من تكلف النكتة الباردة قد خلت من المعنى، إلا تكلف الضحك ~~المصنوع يأتي في عقبها كالبرهان على أن في هذه النكتة معنى. # فالفن المضحك عند هؤلاء، إنما هو السخف الذي يوافقون به الروح العامية ~~الضئيلة الكاذبة المكذوب عليها، التي يبلغ من بلاهتها أحيانا أن تضحك ~~للنكتة قبل إلقائها، لفرط خفتها ورعونتها، وطول ما تكلفت واعتادت، فما ذلك ~~الفن إلا ما ترى من التخليط في الألفاظ، والتضريب بين المعاني، وإيقاع ~~الغلط في المعقولات، ثم لا ثم بعد هذا، فلا دقة في التأليف، ولا عمق في ~~الفكرة، ولا سياسة في جمع النقائض، ولا نفاذ في أسرار النفس، ولا جد يؤخذ ~~من هزلية الحياة، ولا عظمة ms472 تستخرج من صغائرها، ولا فلسفة تعرف من حماقاتها. # والفرق بعيد بين ضحك هو صناعة ذهن لتحريك النفس، وشحذ الطبع، وتصوير ~~الحقيقة صورة أخرى، وبين ضحك هو صناعة البلاهة للهو والعبث، والمجانة لا ~~غير. # PageV02P204 # وكان معي قريب من أذكياء الطلبة المتخصصين للآداب الإنجليزية، فلم نلبث ~~إلا يسيرا حتى جاء ثلاثة من ضباط الأسطول الإنجليزي، فجلسوا بحذائنا صفا ~~تلوح عليهم مخايل الظفر، ولهم وقار البطولة، وفيهم أرواح الحرب، وهم يبدون ~~في ثيابهم البيض المطراة1 كأنهم ثلاثة نسور هبطت من الغمام إلى الأرض، ~~فلأعينها نظرات تدور هنا وهناك تنكر وتعرف. # وأعجبني أن أراهم في هذا المكان الهزلي الممتلئ بالضعفاء، كأنهم ثلاث ~~حقائق بين الأغلاط، أو ثلاث أغلاط كبيرة ... وكان أبدع ما أراه على هيئة ~~وجوههم وأسر له، تواضع هذا الاستعداد الحربي وتحوله إلى استعداد للسخرية ~~... # ثم تأملتهم طويلا؛ فإذا صرامة وشهامة، وسكينة ووداعة، وحسن سمت وحلاوة ~~هيئة في جلسة رزينة متوقرة، لا يشبهها في حس النفس التي تعرف معاني القوة ~~إلا وضع ثلاثة مدافع مصوبة. # وجعلت أقلب عيني في الناس الموجودين وملامحهم وهيئاتهم، ثم أرجع البصر ~~إلى هؤلاء الثلاثة، فأرى المصري كالمقتنع بأنه محدود بمدينة أو قرية لا ~~يعرف لنفسه مكانا في غيرهما، فهو من ثم لا يرحل ولا يغامر، ولا تتقاذفه ~~الدنيا؛ وأرى الإنجليزي كالمقتنع بأن كل مكان في العالم ينتظر الإنجليز. # وخيل إلي والله أن رجلا من هؤلاء الإنجليز الأقوياء المعتدين بأنفسهم لا ~~يهاجر من بلاده إلا ومعه نفسه واستقلاله، وتاريخه وروح دولته، وطبيعة أرضه؛ ~~فهو مستيقن أن الله لا يرزقه رزقا أي الرزق كان على ما يتفق، بل رزقا ~~إنجليزيا: أي فيه كفايته. # ورأيت شيئا عجيبا من الفرق بين طابع السلم على وجوه، وبين طابع الحرب على ~~وجوه أخرى؛ ففي تلك معاني السهولة والملاينة والحرص على مادة الحياة، وفي ~~هذه معاني العزم والمقاومة والحرص على مجد الحياة لا على مادتها. # وتبينت أسلوبين من الأساليب الاجتماعية: أحدهما في فرد قد بنى أمره على ~~أن أمة تحمله، فهو يعيش بأضعف ما فيه, ms473 والآخر في فرد قد وضع الأمر على أنه ~~هو يحمل أمة فلا يدع في نفسه قوة ضاعفها. PageV02P205 # وعرفت وجهين من وجوه التربية السياسية: أحدهما بالطنطنة، والتهويل ~~والصراخ، واستعارة ألفاظ غير الواقع للواقع، وتحميل الألفاظ غير ما تحمل؛ ~~والآخر بالهدوء الذي يقهر الحوادث، والصبر الذي يغلب الزمن، والعقيدة التي ~~تفرض أعمالها العظيمة على صاحبها وتجعل أعظم أجره عليها أن يقوم بها. # وميزت بين أثرين من آثار الأرض في أهلها: أحدهما في المصري السمح الوادع ~~الألوف الحيي الذي هو كرم الطبيعة، والآخر في الإنجليزي العسر المغامر ~~النفور الملح على الدنيا كأنه تطفل الطبيعة. # وألقى ابن العم الذي كان معي سمعه إلى هؤلاء الضباط، وهم من فلاسفة الرأي ~~على ما يظهر من حديثهم، ثم نقل إلي عنهم، فقال كبيرهم: لقد فرغت من بحثي ~~الذي وضعته في فلسفة خمول الشرقيين، وأفضيت منه إلى حقائق عجيبة، أظهرها ~~وأخفاها معا أن أمة من هذه الأمم لا يمكن للأجنبي فيها، ولا تثقل وطأته ~~عليهم، ولا يطول ثواؤه في أرضهم، ولا يحتلها من يطمع فيها، ما لم يكن ~~سادتها وأمراؤها وكبراؤها كأنهم فيها دولة محتلة. # وهؤلاء الكبراء هم آفة الشرق؛ فمن أعظم واجباتنا أن نزيد في تعظيمهم، وأن ~~نمد لهم في المال والجاه، ونبسط لهم اليمين والشمال، ونوهمهم أن عظمتهم ~~هكذا ولدت فيهم وهكذا ولدوا بها من أمهاتهم كما ولدوا بأيديهم وأرجلهم. ~~وخاصة عظماء رجال الأديان المفتونين بالدنيا؛ فإننا نصنع بغرور الجميع ~~وسخافاتهم وحرصهم وطمعهم أشياء اجتماعية ذات خطر لا يصنع لنا مثلها إلا ~~الشياطين ومن لنا بالحكم على الشياطين؟ وهذا ما تنبه له "غاندي" ذلك ~~المهزول الهندي الذي تقوم دنياه بأربعة شلنات، ولا يزن أكثر من بضعة أرطال ~~من الجلد والعظم، ولا بطش عنده ولا قوة فيه، وهو مع ذلك جبار سماوي في يده ~~البرق والرعد يرى ويسمع في أرجاء الدنيا. # قال ضابط اليمين: وبصناعة الكبرياء هذه الصناعة يكون رجل الشعب من هؤلاء ~~الشرقيين رجل تقليد بالطبيعة، ورجل ذل بالحالة، ورجل خضوع بالجملة؛ فليس في ~~نفسه أنه ms474 سيد نفسه ولا سيد غيره، بل أكبر معانيه أن غيره سيد عليه فيكون ~~معه دائما خيال استعباده. # وتكلم ضابط اليسار: ولكن المترجم لم يميز أقواله، لأن ثلاث عشرة امرأة كن # PageV02P206 # يصرخن في الرواية الهزلية بلحن طويل يقلن في أوله: "عاوزين رجالة تدلعنا ~~... " وكانت الموسيقى تصرخ معهن وتولول كأنها هي أيضا امرأة محرومة ... # ثم أرهف المترجم أذنه فقال كبيرهم: إن لهؤلاء الشرقيين ست حواس: الخمس ~~المعروفة، وحاسة الخمول الذي خدعتهم عنه الطبيعة البليدة فسموه الترف ~~والهزل واللهو؛ والأمة الأوروبية التي تحتل بلاد شرقية تجد فيها لصغائر ~~الحياة جيشا أقوى من جيشها؛ فعشرة آلاف جندي بعتادهم وآلاتهم، لا يصنعون ~~شيئلا إلا الاستفزاز والتحدي وإثبات أنهم غاصبون؛ ولكن ما أنت قائل في عشرة ~~آلاف مكان كهذا المسرح براقصاته ومومساته وخموره ورواياته، وبهؤلاء الرجال ~~المخنثين الهزليين الرقعاء الذين هم وحدهم معاهدة سياسية ناجحة بيننا وبين ~~شباب الأمة؟ # قال ضابط اليمين: نعم إن فن الاحتلال فن عسكري في الأول، ولكنه فن أخلاقي ~~في الآخر؛ ولهذا يجب تعيين نقطة اتجاه للشباب تكون مضيئة لامعة جذابة ~~مغرية؛ ولكنه في ذات الوقت محرقة أيضا، وهذه هي صناعة إهلاك الشباب بالضوء ~~الجميل، وما على السياسي الحاذق في الشرق إلا أن يحمي الرذيلة، فإن الرذيلة ~~ستعرف له صنيعه وتحميه. # فتكلم ضابط اليسار، ولكن صوته ذهب في عشرين صوتا من رجال المسرح ونسائه ~~يصيحون جميعا: "يا حلوة يا خفافي، يا مجننة الشبان ... ". # ولما ألممت بحوار الضباط الثلاثة قلت لصاحبي: استأذن لي عليهم أكلمهم. ~~ففعل وعرفني إليهم، وترجم لهم مقالة "يا شباب العرب" وكان يحملها. # فكأنما رماهم منها بالجيش والأسطول. # ثم قلت لكبيرهم: لست أنكر أن الإنجليزي لو دخل جهنم لدخلها إنجليزيا. ولا ~~أجحد أن له في الحياة مثل هداية الحيوان، لأنه رجل عملي؛ دليل منفعته أنها ~~منفعته وحسب، ثم لا دليل غير هذا ولا يقبل إلا هذا. فإذا قال الشرقي: حقي، ~~وقال الإنجليزي: منفعتي، بطلت الأدلة كلها، ورأى الشرقي أنه مع الإنجليزي ~~كالذي يحاول أن يقنع الذئب بقانون الفضيلة والرحمة. # وقد ms475 عرفنا أن في السياسة عجائب، منها ما يشبه أن يلقى إنسان إنسانا فيقول ~~له: يا سيدي العزيز، بكل احترام أرجوا أن تتلقى مني هذه الصفعة ... # PageV02P207 # وفي السياسة مواعيد عجيبة، منها ما يشبه غرس شجرة للفقراء والمساكين، ~~والتوكيد لهم بالأيمان أنها ستثمر رغفانا مخبوزة, ثم بعد ذلك تطعم فتثمر ~~الرغفان المخبوزة حشوها اللحم والإدام. # وفي السياسة محاربة المساجد بالمراقص, ومحاربة الزوجات بالمومسات، ~~ومحاربة العقائد بأساتذة حرية الفكر، ومحاربة فنون القوة بفنون اللذة، ولكن ~~لو فهم الشباب أن أماكن اللهو في كل معانيها ليست إلا غدرا بالوطن في كل ~~معانيه! # ولو عرف الشباب أن محاربة اللهو هي أول المعركة السياسة الفاصلة! # ولو أدرك الشباب أن أول حق الوطن عليه أن يحمل في نفسه معنى الشعب لا ~~معنى نفسه! # ولو رجع الدين الإسلامي كما هو في طبيعته آلة حربية تصنع من الشباب رجال ~~القوة! # ولو علم الشباب أن روح هذا الدين ليست: اعتقد ولا تعتقد, ولكن افعل ولا ~~تفعل. # ولو أيقن الشباب أن فرائض هذا الدين ليست إلا وسائل علمية لامتلاء النفس ~~بمعاني التقديس! # ولو فهم الشباب أن ليس في الكون إلا هذه المعاني تجعل النفس فوق المادة ~~وفوق الخوف وفوق الذل وفوق الموت نفسه! # ولو بحث الشباب النفس الإنجليزية القوية ليعرف بالبرهان أنها نصف مسلمة ~~فكيف بها لو كانت مسلمة؟ # وكان المترجم ينقل إليهم كلامي، فما بلغت إلى حيث بلغت، حتى شد الضابط ~~على يدي وهزها؛ فنظرت، فإذا أنا قد كنت نائما بعد سهرة طويلة في ذلك ~~المسرح، وإذا يد المترجم نفسه هي التي تهزني لأنتبه ... # PageV02P208 ### | في محنة فلسطين أيها المسلمون # ! : # نهضت فلسطين تحل العقدة التي عقدت لها بين السيف، والمكر، والذهب. # عقدة سياسية خبيثة، فيها لذلك الشعب الحر قتل, وتخريب، وفقر. # عقدة الحكم الذي يحكم بثلاثة أساليب: الوعد الكذب، والفناء البطيء، ~~ومطامع اليهود المتوحشة. # أيها المسلمون! ليست هذه محنة فلسطين، ولكنها محنة الإسلام، يريدون ألا ~~يثبت شخصيته العزيزة الحرة. # كل قرش يدفع الآن لفلسطين، يذهب إلى هناك ليجاهد هو أيضا. # أولئك ms476 إخواننا المجاهدون؛ ومعنى ذلك أن أخلاقنا هي حلفاؤهم في هذا ~~الجهاد. # أولئك إخواننا المنكوبون؛ ومعنى ذلك أنهم في نكبتهم امتحان لضمائرنا نحن ~~المسلمين جميعا. # أولئك أخواننا المضطهدون؛ ومعنى ذلك أن السياسة التي أذلتهم تسألنا نحن: ~~هل عندنا إقرار للذل؟ # ماذا تكون نكبة الأخ إلا أن تكون اسما آخر لمروءة سائر إخوته أو مذلتهم؟ # أيها المسلمون! كل قرش يدفع لفلسطين، يذهب إلى هناك ليفرض على السياسة ~~احترام الشعور الإسلامي. # ابتلوهم باليهود يحملون في دمائهم حقيقتين ثابتتين: من ذل الماضي وتشريد ~~الحاضر. # PageV02P209 # ويحملون في قلوبهم نقمتين طاغيتين: إحداهما من ذهبهم، والأخرى من ~~رذائلهم. # ويخبئون في أدمغتهم فكرتين خبيثتين: أن يكون العرب أقلية، ثم أن يكونوا ~~بعد ذلك خدم اليهود. # في أنفسهم الحقد، وفي خيالهم الجنون، وفي عقولهم المكر، وفي أيديهم الذهب ~~الذي أصبح لئيما لأنه في أيديهم. # أيها المسلمون! كل قرش يدفع لفلسطين، يذهب إلى هناك ليتكلم كلمة ترد إلى ~~هؤلاء العقل. # ابتلوهم باليهود يمرون مرور الدنانير بالربا الفاحش في أيدي الفقراء. # كل مائة يهودي على مذهب القوم يجب أن تكون في سنة واحدة مائة وسبعين. # حساب خبيث يبدأ بشيء من العقل، ولا ينتهي أبدا، وفيه شيء من العقل. # والسياسة وراء اليهود، واليهوء وراء خيالهم الديني، وخيالهم الديني هو ~~طرد الحقيقة المسلمة. # أيها المسلمون! كل قرش يدفع لفلسطين، يذهب إلى هناك ليثبت الحقيقة التي ~~يريدون طردها. # يقول اليهود: إنهم شعب مضطهد في جميع بلاد العالم. # ويزعمون: أن من حقهم أن يعيشوا أحرارا في فلسطين، كأنها ليست من جميع ~~بلاد العالم. # وقد صنعوا للإنجليز عظيما لا يسبح في البحار، ولكن في الخزائن ... # وأراد الإنجليز أن يطمئنوا في فلسطين إلى شعب لم يتعود قط أن يقول: أنا. # ولكن لماذا كنستكم كل أمة من أرضها بمكنسة أيها اليهود؟ # أجهلتم الإسلام؟ الإسلام قوة كتلك التي توجد الأنياب والمخالب في كل أسد. # PageV02P210 # قوة تخرج سلاحها بنفسها، لأن مخلوقها عزيز لم يوجد ليؤكل، ولم يخلق ليذل. # قوة تجعل الصوت نفسه حين يزمجر، كأنه يعلن الأسدية العزيزة إلى الجهات ms477 ~~الأربع. # قوة وراءها قلب مشتعل كالبركان، تتحول فيه كل قطرة دم إلى شرارة دم ولئن ~~كانت الحوافر تهيئ مخلوقاتها ليركبها الراكب، إن المخالب والأنياب تهيئ ~~مخلوقاتها لمعنى آخر. # لو سئلت ما الإسلام في معناه الاجتماعي؟ لسألت: كم عدد المسلمين؟ # فإن قيل: ثلاثمائة مليون. قلت: فالإسلام هو الفكرة التي يجب أن يكون لها ~~ثلاثمائة مليون قوة. # أيجوع إخوانكم أيها المسلمون وتشبعون؟ إن هذا الشبع ذنب يعاقب الله عليه. # والغني اليوم في الأغنياء الممسكين عن إخوانهم، وهو وصف الأغنياء باللؤم ~~لا بالغنى. # كل ما يبذله المسلمون لفلسطين، يدل دلالات كثيرة، أقلها سياسة المقاومة. # كان أسلافكم أيها المسلمون يفتحون الممالك. فافتحوا أنتم أيديكم ... # كانوا يرمون بأنفسهم في سبيل الله غير مكترثين، فارموا أنتم في سبيل الحق ~~بالدنانير والدراهم. # لماذا كانت القبلة في الإسلام إلا لتعتاد الوجوه كلها أن تتحول إلى الجهة ~~الواحدة؟ # لماذا ارتفعت المآذن إلا ليعتاد المسلمون رفع الصوت في الحق؟ # أيها المسلمون! كونوا هناك. كونوا هناك مع إخوانكم بمعنى من المعاني. # لو صام العالم الإسلامي كله يوما واحدا وبذل نفقات هذا اليوم الواحد ~~لفلسطين لأغناها. # PageV02P211 # لو صام المسلمون كلهم يوما واحدا لإعانة فلسطين، لقال النبي مفاخرا ~~الأنبياء: هذه أمتي! # لو صام المسلمون جميعا يوما واحد لفلسطين، لقال اليهود اليوم ما قاله ~~آباؤهم من قبل: إن فيها قوما جبارين ... # أيها المسلمون! هذا موطن يزيد فيه معنى المال المبذول فيكون شيئا سماويا. # كل قرش يبذله المسلم لفلسطين، يتكلم يوم الحساب يقول: يا رب، أنا إيمان ~~فلان! # PageV02P212 ### | قصة الأيدي المتوضئة # قال راوي الخبر: ذهبت إلى المسجد لصلاة الجمعة؛ المسجد يجمع الناس ~~بقلوبهم ليخرج كل إنسان من دنيا ذاته، فلا يفكر أحد أنه أسمى من أحد؛ ولقد ~~يكون إلى جانبك الصانع أو الأجير أو الفقير أو الجاهل، وأنت الرئيس أو ~~العظيم أو الغني أو العالم، فتنظر إليه وإلى نفسك فتحس كأن خواطرك متوضئة ~~متطهرة، وترى كلمة الكبرياء قد فقدت روحها، وكلمة التواضع قد وجدت روحها؛ ~~وتشعر بالنفس المجتمعة قد نصبت الحرب للنفس المنفردة؛ ولو خطر ms478 لك شيء بخلاف ~~ذلك رأيت الفقير إلى جانبك توبيخا لك، ونظرت إليه ساكتا وهو يتكلم في قلبك، ~~وشعرت بالله من فوقكما، واستعلنت لك روح المسجد كأنها تهم بطردك منه، وخيل ~~إليك أن الأرض ستلطم وجهك إذا سجدت عليها، وأيقنت من ذات نفسك أن لست هناك ~~في دنياك وليس صاحبك في دنياه، وإنما أنتما هناك في إنسانية ميزانها بيد ~~الله وحده؛ فلا تدري أيكما الذي يخف وأيكما الذي يثقل1. # قال: والعجيب أن هذا الذي لا يجهله أحد من أهل الدين، يعرفه بعض علماء ~~الدين على وجه آخر، فتراه في المسجد يمشي مختالا، قد تحلى بحليته، وتكلف ~~لزهوه، فلبس الجبة تسع اثنين، وتطاول كأنه المئذنة، وتصدر كأنه القبلة، ~~وانتفخ كأنه ممتلئ بالفروق بينه وبين الناس، وهو بعد كل هذا لو كشف الله ~~تمويهه لانكشف عن تاجر علم بعض شروطه على الفضيلة أن يأكل بها، فلا يجد ~~دنيا ذاته إلا في المسجد، فهو نوع من كذب العالم الديني على دينه. # قال الراوي: وصعد الخطيب المنبر وفي يده سيفه الخشبي يتوكأ عليه؛ فما ~~استقر في الذروة حتى خيل إلي أن الرجل قد دخل في سر هذه الخشبة، فهو يبدو ~~كالمريض تقيمه عصاه، وكالهرم يمسكه ما يتوكأ عليه؛ ونظرت فإذا هو كذب ~~PageV02P213 # صريح على الإسلام والمسلمين، كهيئة سيفه الخشبي في كذبها على السيوف ~~ومعدنها وأعمالها. # وتالله ما أدري كيف يستحل عالم من علماء الدين الإسلامي في هذا العصر، أن ~~يخطب المسلمين خطبة جمعتهم وفي يده في هذا السيف علامة الذل والضعة ~~والتراجع والانقلاب والإدبار والهزل والسخرية والفضيحة والإضحاك؛ ومتى كان ~~الإسلام يأمر بنجر السيوف من الخشب ونحتها وتسويتها وإرهاف حدها الذي لا ~~يقطع شيئا، ثم وضعها في أيدي العلماء يعتلون بها ذؤابة كل منبر، لتتعلق بها ~~العيون، وتشهد فيها الرمز والعلامة، وتستوحي منها المعنوية في الدينية التي ~~يجب أن تتجسم لترى؟ # أفي سيف من الخشب معنوية غير معنى الهزل والسخافة، وبلاهة العقل وذلة ~~الحياة، ومسخ التاريخ الفاتح المنتصر، والرمز لخضوع الكلمة وصبيانية ~~الإرادة؟ # قال: وكان ms479 تمام الهزء بهذا السيف الخشبي الذي صنعته وزارة أوقاف ~~المسلمين، أنه في طول صمصامة عمرو بن معد يكرب الزبيدي فارس الجاهلية ~~والإسلام1، فكان إلى صدر الخطيب، ولولا أنه في يده لظهر مقبضه في صدر الرجل ~~كأنه وسام من الخشب ... # قال: وكان الخطيب إذا تكلف وتصنع وظهر منه أنه قد حمي وثار ثائره، ارتج ~~وغفل عن يده، فتضطرب فيها قبضة السيف فتلكزه في صدره كأنما تذكره أن في يده ~~خشبة لا تصلح لهذه الحماسة2. # قال: وخطب العالم على الناس، وكان سيفه الخشبي يخطب خطبة أخرى: فأما ~~الأولى فهي محفوظة معروفة ولا تنتهي حتى ينتهي أثرها، إذ هي كالقراءة ~~لإقامة الصلاة؛ وكانت في عهد الأول كالدرس لإقامة شأن من شئون الاجتماع ~~والسياسة، فبينها وبين حقيقتها الإسلامية مثل ما بين هذا السيف من الخشب ~~وبين حقيقته الأولى، وأما الخطبة الثانية فقد عقلتها أنا عن تلك الخشبة ~~وكتبتها، وهذه هي عبارتها: # ويحكم أيها المسلمون! لو كنت بقية من خشب سفينة نوح التي أنقذ فيها ~~PageV02P214 # الجنس البشري، لما كان لكم أن تضعوني هذا الموضع؛ وما جعلكم الله حيث ~~أنتم إلا بعد أن جعلتموني حيث أنا، تكاد شرارة تذهب بي وبكم معا، لأن في ~~وفيكم المادة الخشبية والمادة المتخشبة. # ويحكم! لو أنه كان لخطيبكم شيء من الكلام الناري المضطرم، لما بقيت ~~الخشبة في يده خشبة، وكيف يمتلئ الرجل إيمانا بإيمانه، وكيف يصعد المنبر ~~ليقول كلمة الدين من الحق الغالب، وكلمة الحياة من الحق الواجب, وهو كما ~~ترونه قد انتهى من الذل إلى أن فقد السيف روحه في يده؟ # أيها المسلمون! لن تفلحوا وهذا خطيبكم المتكلم فيكم، إلا إذا أفلحتم وأنا ~~سيفكم المدافع عنكم, أيها المسلمون غيروه وغيروني. # قال راوي الخبر: ولما قضيت الصلاة ماج الناس إذ انبعث فيهم جماعة من ~~الشبان يصيحون بهم يستوقفونهم ليخطبوهم؛ ثم قام أحدهم فخطب، فذكر فلسطين ~~وما نزل بها، وتغير أحوال أهلها، ونكبتهم وجهادهم واختلال أمرهم، ثم استنجد ~~واستعان، ودعا الموسر والمخف إلى البذل والتبرع وإقراض الله تعالى؛ وتقدم ~~أصحابه بصناديق ms480 مختومة، فطافوا بها على الناس يجمعون فيها القليل والأقل من ~~دراهم هي في هذه الحال دراهم أصحابها وضمائرهم. # قال: وكان إلى جانبي رجل قروي من هؤلاء الفلاحين الذين تعرف الخير في ~~وجوههم، والصبر في أجسامهم, والقناعة في نفوسهم، والفضل في سجاياهم؛ إذ ~~امتزجت بهم روح الطبيعة الخصبة فتخرج من أرضهم زروعا ومن أنفسهم زروعا ~~أخرى, فقال لرجل كان معه: إن هذا الخطيب خطيب المسجد قد غشنا وهؤلاء الشبان ~~قد فضحوه؛ فما ينبغي أن تكون خطبة المسلمين إلا في أخص أحوال المسلمين. # قال: ونبهني هذا الرجل الساذج إلى معنى دقيق في حكمة هذه المنابر ~~الإسلامية؛ فما يريد الإسلام إلا أن تكون كمحطات الإذاعة، يلتقط كل منبر ~~أخبار الجهات الأخرى ويذيعها في صيغة الخطاب إلى الروح والعقل والقلب، ~~فتكون خطبة الجمعة هي الكلمة الأسبوعية في سياسة الأسبوع أو مسألة الأسبوع، ~~وبهذا لا يجيء الكلام على المنابر إلا حيا بحياة الوقت، فيصبح الخطيب ~~ينتظره الناس في كل جمعة انتظار الشيء الجديد؛ ومن ثم يستطيع المنبر أن ~~يكون بينه وبين الحياة عمل. # PageV02P215 # قال: وخيل إلي بعد هذا المعنى أن كل خطيب في هذه المساجد ناقص إلى النصف، ~~لأن السياسة تكرهه أن يخلع إسلاميته الواسعة قبل صعوده المنبر، وألا يصعد ~~إلا في إسلاميته الضيقة المحدودة بحدود الوعظ هو مع ذلك نصف وعظ ... ~~فالخطبة في الحقيقة نصف خطبة، أو كأنها أثر خطبة معها أثر سيف ... # قال: وأخرج القروي كيسه فعزل منه دراهم وقال: هذه لطعام أتبلغ به ولأوبتي ~~إلى البلد، ثم أفرغ الباقي في صناديق الجماعة؛ واقتديت أنا به فلم أخرج من ~~المسجد حتى وضعت في صناديقهم كل ما معي؛ ولقد حسبت أنه لو بقي لي درهم واحد ~~لمضى يسبني ما دام معي إلى أن يخرج عني. # قال الراوي: ثم دخلت إلى ضريح صاحب المسجد أزوره وأقرأ فيه ما تيسر من ~~القرآن، فإذا هناك رجال من علماء المسلمين، اثنان أو ثلاثة "الشك في ثالثهم ~~لأنه حليق اللحية". ثم توافى إليهم آخرون فتموا سبعة؛ ورأيتهم قد خلطوا ms481 ~~بأنفسهم صاحب "اللالحية", فعلمت أنه منهم على المذهب الشائع في بعض ~~العصريين من العلماء والقضاة الشرعيين، أحسبهم يحتجون بقوله تعالى: {لقد ~~خلقنا الأنسان في أحسن تقويم} [التين: 4] ؛ وكل امرئ فإنما تبصره مرآته كيف ~~يظهر في أحسن تقويم، أبلحية أم بلا لحية؟ # وأدرت عيني في وجوههم، فإذا وقار وسمت ونور لم أر منها شيئا في وجه صاحب ~~"اللالحية"؛ وأنا فما أبصرت قط لحية رجل عالم أو عابد أو فيلسوف أو شاعر أو ~~كاتب أو ذي فن عظيم، إلا ذكرت هذا المعنى الشعري البديع الذي ورد في بعض ~~الأخبار، من أن لله "تعالى" ملائكة يقسمون: والذي زين بني آدم باللحي. # وكان من السبعة رجل ترك لحيته عافية على طبيعتها؛ فامتدت وعظمت حتى نشرت ~~حولها جوا روحانيا من الهيبة تشعر النفس الرقيقة بتياره على بعد، فكان هذا ~~أبلغ رد على ذلك. # قال؛ وأنصت الشيوخ جميعا إلى خطب الشبان، وكانت أصوات هؤلاء جافية صلبة ~~حتى كأنها صخب معركة لا فن خطابة، وعلى قدر ضعف المعنى في كلامهم قوي ~~الصوت؛ فهم يصرخون كما يصرخ المستغيث في صيحات هاربة بين السماء والأرض. # PageV02P216 # فقال أحد الشيوخ الفضلاء: لا حول ولا قوة إلا بالله! جاء من الخبر: "تعس ~~عبد الدنيا تعس عبد الدرهم". والله ما تعس المسلمون إلا منذ تعبدوا لهذين ~~حرصا وشحا؛ {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9] ، ولو تعارفت ~~أموال المسلمين في الحوادث لما أنكرتهم الحوادث. # فقال آخر: وفي الحديث: "إن الله يحب إغاثة اللهفان"، ولكن ما بال هؤلاء ~~الشبان لا يوردون في خطبهم أحاديث مع أنها هي كلمات القلوب؟ فلو أنهم شرحوا ~~للعامة هذا الحديث: "إن الله يحب إغاثة اللهفان" لأسرع العامة إلى ما يحبه ~~الله. # قال الثالث: ولكن جاءنا الأثر في وصف هذه الأمة: "إنها في أول الزمان ~~يتعلم صغارها من كبارها، فإذا كان آخر الزمان تعلم كبارهم من صغارهم". فنحن ~~في آخر الزمان، وقد سلط الصغار على الكبار يريدون أن ينقلوهم عن طباعهم إلى ~~صبيانية جديدة. # قال الراوي: فقلت لصديق معي: ms482 قل لهذا الشيخ: ليس معنى الأثر ما فهمت، بل ~~تأويله أن آخر الزمان سيكون لهذه الأمة زمن جهاد واقتحام، وعزيمة ومغلبة ~~على استقلال الحياة؛ فلا يصلح لوقاية الأمة إلا شبابها المتعلم القوي ~~الجريء، كما نرى في أيامنا هذه، فينزلون من الكبار تلك المنزلة؛ إذ تكون ~~الحماسة متممة لقوة العلم. وفي الحديث: "أمتي كالمطر: لا يدري أوله خير أم ~~آخره". # قال الراوي: ولم يكد الصديق يحفظ عني هذا الكلام ويهم بتبليغه، حتى وقعت ~~الصيحة في المكان؛ فجاء أحد الخطباء ووقف يفعل ما يفعله الرعد: لا يكرر إلا ~~زمجرة واحدة؛ وكان الشيوخ الأجلاء قد سمعوا كل ما قيل، فأطرقوا يسمعونه مرة ~~رابعة أو خامسة؛ وفرغ الشباب من هديره فتحول إليهم وجلس بين أيديهم متأدبا ~~ومتخشعا ووضع الصندوق المختوم. # فقال أحد الشيوخ: لم يخف علينا مكانك، وقد بذلتم ما استطعتم؛ فبارك الله ~~فيك وفي أصحابك. # وسكت الشاب، وسكت الشيوخ، وسكت الصندوق أيضا ... # ثم تحركت النفس بوحي الحالة؛ فمد أولهم يده إلى جيبه، ثم دسها فيه، ثم ~~عيث فيه قليلا1؛ ثم ... ثم أخرج الساعة ينظر فيها. PageV02P217 # وانتقلت العدوى إلى الباقين، فأخرج أحدهم منديله يتمخط فيه، وظهرت في يد ~~الثالث سبحة طويلة, وأخرج الرابع سواكا فمر به على أسنانه، وجر الخامس ~~كراسة كانت في قبائه، ومد صاحب اللحية العريضة أصابعه إلى لحيته يخللها؛ ~~أما السابع صاحب "اللالحية"، فثبتت يده في جيبه ولم تخرج، كأن فيها شيئا ~~يستحيي إذا هو أظهره، أو يخشى إذا هو أظهره من تخجيل الجماعة. # وسكت الشاب، وسكت الشيوخ، وسكت الصندوق أيضا ... # قال الراوي: ونظرت فإذا وجوههم قد لبست للشاب هيئة المدرس الذي يقرر ~~لتلميذه قاعدة قررها من قبل ألف مرة لألف تلميذ، فخجل الشاب وحمل صندوقه ~~ومضى ... # أقول أنا: فلما انتهى الراوي من "قصة الأيدي المتوضئة"، قلت له: لعلك ~~أيها الراوي استيقظت من الحلم قبل أن يملأ الشيوخ الأجلاء هذا الصندوق، وما ~~ختم عقلك هذه الرواية بهذا الفصل إلا بما كددت فيه ذهنك من فلسفة تحول ~~السيف إلى خشبة، ولو قد ms483 امتد بك النوم لسمعت أحدهم يقول لسائرهم: بمن ينهض ~~إخواننا المجاهدون وبمن يصولون؟ لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"جاهل سخي أحب إلى الله من عالم بخيل". ثم يملئون الصندوق ... # PageV02P218 ### | نجوى التمثال # 1: # أيها المفترش الصخرة يشد ذارعيه أقوى الشد كأنما يريد أن يقتلع الصخرة ~~فيهما، متناهضا بصدره ليدل علة أنه وإن ربض فإن الوثبة في يديه، متمطيا ~~بصلبه ليشير إلى جسمه الهادئ إلى معانيه المفترسة، مقعيا على ذنبه ومتحفزا ~~بسائره كأنه قوة اندفاع تهم أن تنفلت من جاذبية الأرض. # وأنت أيتها الهيفاء تمثل الإنسانية المتمدنة في نحافتها وهي كهذه ~~الإنسانية ضاربة بذراعي أسد في غلظ مدفعين ... # حكيمة في النظر كأنما تمد في سرائر الأمم نظرة المتأمل، ولكن يدها كيد ~~الحكمة السياسية على تركيب عقلي تحته المخالب ... # ساكنة كأنها تمثال السلام على أنها في جوار الأسد كالسلام بين الشعوب؛ ~~تلمح فيه إنسان العالم ووحش العالم ... # يا أبا الهول! # أأنت جواب عن ذلك اللغز القديم الذي هو كلام لا يتكلم وسكوت لا يسكت. # والذي أشار برأس الإنسان على جسم الليث أنه قوة عمياء كالضرورة ولكنها ~~مبصرة كالاختيار. # والذي أخرج من فني الغريزة والعقل فنا ثالثا لا يزال في الأرض ينتظر ~~المرأة التي تلد إنسانا عظامه من الحجر؟ # وأنت يا مصر: # أواقفة ثمة للشرح والتفسير، تقولين للمصري: إن أجدادك يسألونك من ~~PageV02P219 # آلاف السنين بهذا الرمز: ألا معجزة من القوة تمط عضلات الحجر؟ # ألا بسطة من العلم تجعلك أيها المصري وكأنك رأس لجسم الطبيعة؟ ألا فن ~~جديد ترفع به أبا الهول في الجو فتزيده على قوة الوحش وذكاء الإنسان خفة ~~الطير؟ # أم تقولين للمصري: إن أجدادك يوصونك بهذا الرمز أن تكون كالظهر الأسدي لا ~~يركب مطاه، وكالرأس الإنساني لا تقيد حريته، وكالربضة الجبلية لا تسهل ~~إزاحتها، وكالإبهام المركب من غامضين لا يتيسر به عبث العابث، وكالصراحة ~~المجتمعة من عنصر واحد لا يغلط في حقيقتها أحد؟ # أم تقولين يا مصر: إن تفسير أبي الهول الأول أن النهضة المصرية إنما تكون ~~يوم تخرج البلاد ms484 من يصنع أبا الهول الثاني؟ # تمثال النهضة أم صفحة من الحجر قد صور الشعب فكره عليها، ودون فيها ~~إحساسه بتاريخه، ووصف بها إدراكه حياة المعاني السامية؟ # أم هو كتابة فصل من التاريخ بقلم الحياة وعلى طريقة من بلاغتها، خشيت ~~عليه الفناء فدونته في أسلوب من أساليب البقاء الحجري الصلد؟ # أم ذاك يوم من أيام الأمة أحاله الفن من زمن إلى مادة؛ ومن معنى إلى حس، ~~ومن خبر إلى منظر، وكانوا يتكلمون عنه فجعله الفن يتكلم عن نفسه؟ # أم هو تعبير عن تلك المعاني التي خلقتها نفوس هذا الجيل تخاطب به النفوس ~~الآتية لتتمم عليها، وتضيف فيه إلى المعنى سر المعنى، وتضع الكلمة ~~الإنسانية على لسان الطبيعة تتكلم بالتمثال كما تتكلم بالجيل؟ # أم تركيب سياسي إذا فسرته اللغة كان معناه أن الثابت إذا احتاج إلى من ~~يثبته ... فلن يمحوه من ينكره، وأن الظاهر إن احتاج إلى من يدل عليه ... ~~فلن يخفيه من لا يراه؟ # بل أراك لا هول فيك يا أبا الهول الجديد. # أفذاك من رقة داخلتك ورحمة جاءتك من مس يده المرأة؟ # أم الهول اليوم قد أصبح في العقل والعاطفة ومد العين النسائية إلى بعيد؟ # PageV02P220 # أم لا يتم في هذه المدينة رأس رجل وجسم سبع إلا ... إلا بأنامل امرأة؟ # ألا من يعلمني أهذه المرأة منك هي تهذيب للإنسان والوحش أم تكملة عليهما؟ # ألا من يأتيني بالحكمة فيك من وضع الرجل القوي رأسا ولا جسم، والأسد ~~المفترس جسما ولا رأس، ثم لا يكمل دونهما إلا المرأة وحدها. # إنما كنت يا أبا الهول لغز الصمت، فلما أضيفت المرأة إليك أصبحت لغز ~~النطق ... فيا للهول! # PageV02P221 ### | فاتح الجو المصري # 1: # يا طير المثل الأعلى! # لقد انفلت من رذيلة الخوف وتركتها في التراب موطئ القدم، وقلت لها: ويحك، ~~لقد آن للشباب المصري؛ فهو مغامس في ماء الصواعق2، متطوح في اللجة الأزلية ~~التي تغوص فيها الكواكب3، يطير بروح الشرارة، ويهبط بروح الغيث، ويلجم الجو ~~ويسرجه، ويتعلم كيف يشوي عدوه في عين الشمس. # وكنت بطلا مغامرا فخطوت في ms485 طريق الملائكة بهذه الفضيلة وحملك الجو؛ ولو ~~أنك خفت وكنت على جناحي جبريل لا على طيارة، لخاف جبريل على جناحيه من حطمة ~~هذا المعنى الترابي الطاغية الذي يحكم على الأحياء بالموت بلا موت، لأنه ~~الذل والخضوع والرذيلة. # وحملك الجو إلى قبة السماء، وهنالك نظر العالم فرأى لمصر الناهضة علمها ~~الإنساني يتنفس تحت الكواكب. # وحملك الجو إلينا، فلما رفعنا رؤوسنا لنراك، رفعناها في الوقت بين شعوب ~~الأرض. # وضربت يا جناح مصر في الهواء، وأعنان السماء4 مملوءة بالزعزع والهوجاء ~~والعاصف، والسماء في فصلها المكفهر الذي تخلع فيه كل ساعة وتلبس وتمزق5 ~~وتطوي، فزدت بجرأتك في براهين القضية المصرية برهان قوة المخاطرة، وأضفت ~~إلى منطقها وضعا جديدا مفحما من روح التضحية. PageV02P222 # وطرت بين حياة وموت فجعلتهما يستويان في اعتقادك؛ إذ وصلت فكرة الموت بسر ~~الإيمان، والحياة بسر العزيمة. # وكنت رجل أمتك بإنكار ذات نفسك من أجلها. # واتسعت للتاريخ بوضعك عمرك المحدود على الطيارة، وقذفك بها وبه في مسبح ~~الأجل. # وتجردت للأدبية لتعطي بلادك: إما شهيد مجد في الآخرة، وإما شهادة فخر في ~~الدنيا. # وكنت على طيارتك الصغيرة المتطاردة تحت الريح، وحولك روح الهرم الأكبر ~~القائم بإرادة مصر وكأنه مسمار مدقوق في كرة الأرض بين القطب والقطب. # وأنت يا "فائزة" يا هذه الصغيرة الخارجة من مال صاحبها وجهده وعزيمته كما ~~تخرج القوة من ضعف، أعلمت إذ أنت ترتفعين وتهبطين بين السحب كما تتواثب ~~الفراشة على النور في روضة مزهرة، وإذا أنت تفتقين وتحوكين في ملاءة السحاب ~~كأنك بمحركك الدوار تنسجين في السماء بمغزل، وإذ أنت بين صفق الرياح ~~الهوج1، تحت السماء المدججة2، في كبة الشتاء3، كأنك مناظرة تجري بين ~~العزيمة في الإنسان والعزيمة في الطبيعة، وإذ أنت بين ذئاب الأعاصير، ونمور ~~السحاب4 وسباع الغيم ذوات اللبدة الكثيفة المتشعثة، كأنك بصوتك وأزيزك ~~تطلقين على وحوش الجو مدفعا رشاشا يتركها صرعى. # وإذ تراك الريح فتقول عنك: ريح صنعها الإنسان. ويراك النجم فيقول: نجم ~~أفلت من النظام الأرضي. وتراك الملائكة فتقول: ويحك يابن آدم، كأنك بما ~~خلقه ms486 العقل تطمع منا في سجدة أخرى كالتي سجدناها لآدم يوم خلقه الله. # أعلمت إذ أنت كذلك يا "فائزة"، أن التاريخ المصري سيحولك من PageV02P223 # طيارة إلى آية كآية بدء الخلق، لأن فيك بدء الطيران في مصر؟ # سلاما يا فاتح الجو المصري، لقد أجالت الأيام قداحها فخرجت القرعة عليك، ~~وأوحى إليك الواجب آية: بسم الله مصعدها ومجراها. # وطرت فإذا أنت بها عابر فوق الحاضر لتجيئنا من جانب المستقبل. # وهبطت علينا كأنك في بريد السماء كتاب مجد حي للوطنية الظافرة. # بل كتاب قصة رائعة ألفتها العواصف من فنين: ثورة الجو وثورة نفسك ~~المصرية. وحكتها في صوتين: زفيف الطيارة وصرخة ضميرك الوطني. وجعلتها ~~فصلين: أنت والمجهول. ألا حسبك مجدا أن يحيا الشعب كله بضعة أيام في قصتك! # فعلى مهد الجو، وفي حرير الشعاع، وتحت كلة السحاب ولد لمصر يوم تاريخي. # وخرجت التهانئ التي طال احتباسها في القلوب المصرية لا يفرج عنها لأن ~~سجانها ظلم السياسة. # واتجهت أفراح شعب كامل إلى الفتى الجريء الذي رمت به همته فوق هاوية ~~الموت فتخطاها. # وتلقى شعور الأمة رسوله المقدام الذي لم يكن له ملجأ في خطاره إلا شعوره ~~بهذه الأمة. # وارتج الوادي كله كأنه غمد يتقلقل حين يسل منه السيف. # ثم أهديت كلمة مصر لابنها الذي كتب في جوها الكلمة السماوية الأولى. ~~وكانت ساعة تلاشى عندها الزمن فارتفعت منه أربعة آلاف سنة وهتف معنا ~~الفراعنة: بوركت يا "صدقي". # لله درك أيما ابن عزيمة! كأنما كشفت أهاويل الوحي وهبطت في سحابة مجلجلة ~~إن لم تحمل كتابا منزلا فكأنما حملت شخصا منزلا. # ولعلك رسول الغيم العابس لهذا الجو المصري الذي يضحك دائما ضحكة الفيلسوف ~~الساخر في حين أصبحت الحياة قوة لا فلسفة ... # PageV02P224 # ولعلك مبعوث البرق والرعد لهذا السكون النائم الذي يطوي كل يوم في طي ~~النسيان ما حدث في اليوم الذي قبله ... # ولعلك نبي الجدية والمرارة لهذه الحلاوة النيلية المفرطة التي كاد منها ~~الشعب أن يكون سكر أخلاق يذاب ويشرب ... # ولعلك تفسير مصحح لعقيدتنا المغلوطة في القضاء والقدر، أن القضاء ms487 أن تقدم ~~بلا خوف، وأن القدر أن تثق بلا مبالاة. # أما -والله- لقد غمرت الشعب بموجة هواء جديدة جئت بها في جناحيك، ونفخت ~~روح طيارتك المجيدة في القلوب فجعلتها كلها ترفرف كأن لك في ضلوع كل مصري ~~طيارة. # PageV02P225 ### | أجنحة المدافع المصرية # 1: # استجنحي2 يا مدافع مصر وطيري، إن المجد يطلب منا إنسانه البرقي. لقد مدت ~~لغة القوة في هذا العصر مدها حتى أصبح الطيران بعض معاني المشي، ولم يعد ~~العالم يدري كيف تكون الصورة الأخيرة التي يستقر فيها معنى إنسانه. # فلتتمجد مصر بإنسانها البرقي الذي تخرج النار بيده من أعراض السحاب، ~~وتفرقع في أصابعه هزات الرعد، ويجعل في قبة السماء صلصلة وجلجلة، ويحمل ~~الاسم المصري إلى معلق النجم، فيضع له هناك التعريف الناري الذي وضعته ~~الدول العظمى لأسمائها. # ولتتمجد مصر بإنسانها البرقي الذي يشعرها حقيقة العلو العالي، والعمق ~~العميق، والسعة التي لا تحد؛ ويزيد في معاني أحيائنا معنى جديدا لأحياء ~~السحب، وفي معاني أمواتنا معنى جديدا لموتى الكواكب. # إنسان برقي يتمم بشجاعته في السماء بطولة فلاحنا الإنسان الشمسي في ~~الأرض، ويعلو بكبرياء مصر في ذروة العالم، فتظهر طياراتها العظيمة قدرة في ~~الجو كما ظهرت آثارها العظيمة قدرة في الثرى. # إنها مصر، مصر القادرة التي سحرت القدم بقوتها وفنها، فبقي فيها على حاله ~~وجلالته، وانهزم الدهر عنه كأنه قوة على قوة الزمن نفسها. # فاستجنحي يا مدافع مصر وطيري. إن المجد يطلب منا إنسانه البرقي. # ولما فتح السجل ذات صباح لتكتب مصر أسماء الفوج الأول من نسورها ~~الحربيين، صاح مجدها الخالد من أعماق التاريخ: PageV02P226 # "أضرمي الشعلة الآدمية الأولى يا مصر، وافتحي القبر الجوي الأول، وألحدي ~~فيه من عنصريك المسلمين والأقباط، وضعي الحياة في أساس الحياة، واستقبلي ~~عصرك الجديد بأذان المسجد ودق الناقوس ليباركه الله، وليتلق الشعب أول ~~طياريه بقلوب فيها روح المعركة، وأكباد عرفت مس النار؛ ولا ينظرن إلى ~~طياراته الأول إلا بعد أن ينظر النعشين فيرى مجد الموت في سبيل الوطن، ~~فتسطع نظراته ببريق الكبرياء، ولمعة العزيمة، وشعاع الإيمان؛ ويتألق فيها ~~النور السماوي ms488 الذي يجعل الناس في بعض ساعاتهم وكواكب نور صلاة الشعب على ~~موتاه الشهداء". # واستجاب القدر لصوت المجد، فالتج الظلام في وضح الصبح، وانطفأ سراج ~~النهار في قبة الفلك، وأطبقت نواحي الجو إطباق ليلة تساقطت أركانها وأقبل ~~الضباب يعترض اعتراض جبل عائم يتذبذب في بحر، واستأرض السحاب فتخلى عن ~~طبيعته السماوية الرقيقة، وتذامرت العناصر على القتال يحض بعضها بعضا، ~~وتغشت السماء بوجه الموت: كلح فاربد وانتفخ، وتكسرت فيه الغضون كل غضن كسفة ~~ظلام، وعاد أوسع شيء أضيق شيء، فكان الفضاء كصدر المحتضر؛ ليس معه إلا عمر ~~ساعة وأنفاسها. # وابتدرت إلى مجد الموت الطيارة المصرية الأولى؛ وكان فيها إنكليزيان ~~يقودانها فأباها الموت، فذهبت فانتحرت أسفا وتردت متحطمة، وانسل الرجلان من ~~مخالب الردى، وكانا في الطيارة كورقتين من النبت في فم جرادة همت تقضمهما ~~... # وتستبق الثانية فإذا فيها وديعة الكرم من عنصري مصر: "حجاج ودوس"1 وكان ~~سرا من أسرار مصر اجتماعهما في مداحض الغمام ومزالقه، ليكونا هدية مصر ~~الأولى إلى مجدها الحربي، ثم ليكونا هدية المجد إلى إحساس هذا الشعب يحس ~~منهما العالم المنطوي له في مستقبل النصر. # واعتسفت طيارة الشهيدين طريق الفناء ومتاهة الحياة، فذهبت عنها معارف ~~الأرض، وعميت عليها معالم السماء، وخرجت من تصريف أيدي البطلين إلى تصريف ~~أجلهما، وأصبحت كأنها تطير في الأنفاس الباقية لهما؛ فما تتقدم ولا تتأخر؛ ~~ولم تكن طيارة تحملهما، بل جناحا ممدودا من رحمة الله. PageV02P227 # ثم اجترها الموت إلى غور، فانحطت من الهواء جانحة كالطائر يطلب ملجأ في ~~العاصفة، ثم انتهضت واثبة، وتمطرت منقلبة، فاشتعلت فاستعرت فأنضجت راكبيها، ~~رحمهما الله! # وكثيرا ما يكون منظر الحزن في الحياة هو انهماك الحياة في عمل جديد تبدع ~~منه السرور والقوة. احتراق البطلان لتتسلم مصر في نعشيهما رمادا لن يبني ~~تاريخ العزة الوطنية إلا به. # فاستجنحي يا مدافع مصر وطيري. إن المجد يطلب منا إنسانه البرقي. # صنعت النار الآدمية الحقيقة، ووضعت لنا الاسم البديع الذي نطلقه على ~~طيارينا الأبطال، فلا تسموهم نسور الجو، ولكن سموهم "جمرات الجو". # صنعت نارنا الحقيقة، ms489 وأوحت إلينا أن نستبدل من أنفسنا حالة بحالة، وأن ~~نفاجئ شعورنا الحالم فنصدمه بالآلام اليقظة المرة، وأن نغير قاعدة الحياة ~~في التربية المصرية فلا تكون: العيش العيش، ولكن القوة القوة. # صنعت النار الحقيقة، وأثبتت لنا أن الحياة إن هي إلا أداة للحي، وليس ~~الحي أداة للحياة، فليتصرف بها على قوانين الروح وآمالها فيسمو تسمو، ولا ~~يدعها تتصرف على مذاهب أقدار المادة وتصاريفها فيذلها وتذله. وفي قانون ~~الروح: لا قمية لعالم الأشياء إلا كما تصلح لنا؛ وفي قانون المادة وضغطة ~~الحياة: كما تصلح لنا وكما نصلح لها ... # بلى، قد صنعت النار الآدمية الحقيقة، وأعطتنا قصة الحرية كاملة في معنى ~~واحدة: وهو أن هذه الحرية لعاشقيها كأجمل الجميلات للمتنافسين عليها: ~~جمالها متوحش، وخلاعتها مفترسة، وظرفها سفاك للدم. # فاستجنحي يا مدافع مصر وطيري. إن المجد يطلب منا إنسانه البرقي. # وإلى السماء يا "جمرات الجو"، فإذا استويتم على السحاب، فليست الطيارة ثم ~~طيارة، بل حقيقة حية عاملة للمجد، فلتحمل معناها المصري من بطلها المصري. # وإذا سبحتم في مهبط القدر، فليس الطيار ثم طيارا، بل حياة عبقرية أرسلتها ~~مصر تستنزل للحياة أقدارا سعيدة. # PageV02P228 # وإذا خضتم في المعرك الضنك تتبعثر فيه الآجال على الرياح، فليس الجسم ~~المصري هناك من لحم ودم، بل ناموسا طبيعيا ماضيا إلى غاية. # وإذا تقاذفتم في بحر الشمس، فأنتم هناك على شباك طرحتموها لصيد أيام ~~مضيئة تلتمع في تاريخ مصر. # وإذا نفذتم من أقطار السماوات، فانظروها بأعينكم معالي مصر، وافهموها ~~بقلوبكم ذاتية الوطن المصري تعلو وتعلو ولا تزال أبدا تعلو. # إنما الطيارة وسلاحها وطيارها تأليف من الإنسانية والعناصر، معناه في ~~العزيمة "لا بد". ومتى هدرت الطيارة هديرها فإنما تقول للبطل منكم: هلم من ~~عال إلى أعلى، إلى أكثر علوا، إلى أقصى حدود الواجب على النفس حين يأخذ ~~الواجب الكل وحين تعطي النفس الكل. # فاستجنحي يا مدافع مصر وطيري. إن المجد يطلب منا إنسانه البرقي. # PageV02P229 # أحاديث الباشا ### | الطماطم السياسي # كان "م" باشا* رحمه الله داهية من دهاة السياسة المصرية، يلتوي مرة في ~~يدها ms490 التواء الحبل، ويستوي في يدها مرة استواء السيف, ولا يرى أبدا إلا ~~منكمشا متحرزا كأن له عدوا لا يدري أين هو ولا متى يقتحم عليه، ولكنه كغيره ~~من الرؤساء الذين كانوا آلات للكذب بين طالب الحق وغاصب الحق, يعرف أن عدوه ~~كامن في أعماله. # وكان ذكيا أريبا، غير أن ملابسته للسياسة الدائرة على محورها، جعلت نصف ~~ذكائه من الذكاء ونصفه من المكر؛ فكان في مراوغته كأن له ثلاثة عقول: أحدها ~~مصري, والآخر إنجليزي، والثالث خارج من الحالين. # وبهذا تقدم وعاش أثيرا عند الرؤساء من الإنجليز، واستمرت مجاريه مطردة ~~لديهم حتى بلغوا به إلى الوزارة، إذ كان حسن الفهم عنهم، سريع الاستجابة ~~إليهم؛ يفهم معنى ألفاظهم، ومعنى النية التي تكون وراء ألفاظهم، ومعنى آخر ~~يتبرع هو به لألفاظهم ... فكان هو وأمثاله في رأي تلك السياسة القديمة، ~~رجالا كالأفكار: يوضع أحدهم في مكانه من الحكم كما توضع صيغة الشك لإفساد ~~اليقين، أو صيغة الوهم لتوليد الخيال، أو صيغة الهوى لإيجاد الفتنة. # وكان صديقي "فلان" -رحمه الله- صاحب سره "السكرتير"، وقد وثق به الباشا ~~حتى أنه كان يعالنه بما في نفسه، ويبثه همومه وأحزانه، ويرى فيه دنيا حرة ~~يخرج إليها كلما ضاقت به دنيا وظيفته، ويستعير منه اليقين أحيانا بأنه لا ~~يزال مصريا لم يتم بعد تحويله في الكرسي ... PageV02P230 # فحدثني الصديق بعد موت هذا الباشا قال: إنه دعاه يوما ليفاتحه الرأي في ~~أمر من أموره، ثم قال له: إن الرئيس الإنجليزي غير مطمئن إليك لأن حقيقة من ~~الحقائق الصريحة ظاهرة على وجهك، فأنت تنظر إليه وكأنك تقول له بعينيك: إنك ~~مصري مستقل. # قال صاحب السر: لئن كان ذلك ما يغضبه إن الخطب لهين، فلست أنظر إليه بعد ~~اليوم إلا من وراء نظارة سوداء ... # فضحك الباشا وقال: يا بني، هذا الإنجليزي عندنا كالشيطان: {إنه يراكم هو ~~وقبيله من حيث لا ترونهم} [الأعراف: 27] ، ووالله يا بني إني لأشد أنفة ~~منك، وإن صدري لشجي مما أنا فيه من هذا الكرب، ولكننا -نحن الشرقيين- قد ~~ضعنا منذ فقدنا الشخصية ms491 الاجتماعية. # أتراك تفهم شيئا لو قلت لك: رجل، أسد، جبل، مدينة، أسطول؟ إن تركيبنا ~~الاجتماعي شيء كهذا الكلام: فيه من ضخامة اللفظ بقدر ما فيه من انحلال ~~المعنى واضمحلاله. ولكل كلمة إذ أفردت معنى صحيح يقوم بها وتقوم به، غير ~~أنه يتحول في الجملة إلى معنى كلا معنى. # أصبح الشرقي يعيش في أمته على قاعدة أنه منفرد لا صلة بينه وبين الأطراف ~~لا في الزمان ولا في المكان، ونسي معنى الحديث الشريف: "اعمل لدنياك كأنك ~~تعيش أبدا". فماذا كان يريد أعظم المصلحين الاجتماعيين من قوله: "كأنك تعيش ~~أبدا"؟ إلا أن يقرر لأمته أن الفرد ينبوع الأجيال المقبلة كلها، فليعمل لها ~~ولنفسه كأنها موقوفة عليه وكأنه مستمر فيها. # هذه حكمة إسلامية دقيقة، عندنا نحن لفظها ولسنا نعرف معناها، وعند ~~الإنجليز معناها ولا يعرفون لفظها، أهم المسلمون أم نحن؟ # وعلى قاعدة الانفراد انفراد كل شيء؛ فآثر الشرقي حياته على وطنه، وقدم ~~لذته على واجبه، وتعامل بالمال في مواضع المعاملة بالأخلاق؛ وكان طبيعيا مع ~~هذا أن يختصر الدين اختصارا يجعله مقدارا بين مقدارين، فلا هو دين ولا هو ~~غير دين؛ وبذلك يناسب فرديته ويقعد تحت حكمه وهو خارج عليه؛ فترى الرجل من ~~هذه الملايين يؤمن بالله وهو يحلف به كذبا على درهم، ويصلي ويفجر في يوم ~~واحد، ويتعبد في نفسه ويخون سواه في وقت معا. # ومتى كانت الحالة النفسية للأمة هي هذه الفردية ومصالحها ودواعيها، # PageV02P231 # كان الكذب أظهر خلال هذه الأمة، إذ هو انفراد الكاذب بحظه ومصلحته ~~وداعيته؛ ولا يكذب عليك إلا من يرجو أن تكون مغفلا، أو من قدر في نفسه أن ~~المعاملة العامة في الأمة هي على قاعدة المغفلين ... ويكذبون في هذا أيضا ~~فيسمونه حذاقا وبراعة "وشطارة". # وإذا عم الكذب فشا منه الهزل؛ فكل كاذب هازل، وهل يجد الكاذب وهو يكذب ~~إلا إذا كان مجنونا؟ ومن الهزل ضرب هو المباسطة بالكذب، ومنه ضرب من كذب ~~الحقائق، ومنه من كذب الخيال، وكيفما درات الحال لا تجده إلا كذبا. # ومتى صار الكذب أصلا ms492 يعمل عليه، تقرر عند الناس أن الكلام أنما يقال ~~ليقال فقط. أفلست ترى الرجلين إذا أخبر أحدهما صاحبه بالخبر فيه شيء من ~~الغرابة أو البعد، لا يكلمه الآخر أول ما يتكلم إلا أن يسأله: صحيح؟ صدق؟ # ولا أضر على الأمة من هذه العقيدة -عقيدة أن الكلام يقال ليقال فقط- ~~فإنها هي طابع الهزل على أخلاق الأمة، وعلى كل أحوالها، وعلى حكومتها أيضا. # ومن الهزل والكذب ترانا مبالغين في كل شيء، حتى ليكون لنا الواحد كالآحاد ~~في غيرنا فنجعله مائة بصفرين، نجيء بأحدهما من اعتيادنا الكذب على الحقيقة، ~~ونجيء بالآخر من حقيقة إفلاسنا. # هذه مبالغة خطرة، وأخطر ما فيها أننا بها نريد المبالغة في الدلالة على ~~الأشياء، فتنقلب مبالغة في الدلالة علينا نحن، وعلى كذب طباعنا، وعلى فوضى ~~العقل فينا. نعم وحتى تثبت أننا لا عزم لنا، من كونها مبالغة لا تدقيق في ~~معناها؛ وأن لا صبر لنا، من أنها لا ثبات لحقيقتها المهزومة؛ وأن لا شدة ~~لنا في طلب الحق، لأننا بها من أهل الغفلة في وصف الحق؛ وأننا لا نتمثل ~~العواقب إذ نرسل الكلام إرسالا ولا نخشى ما يكون من عاقبته. # وأيسر ما يفهم من هذه المبالغات التي أصبحت طريقة من طرق الشعب في ~~التعبير، أن هذا الشعب لا يصلح في شيء إلا بالحكومة، فهو نفسه كالمبالغة، ~~والحكومة له كالتصحيح؛ وهذه هي العلة في أن الشعب الكذوب يلجأ إلى حكومته ~~في كل كبيرة وصغيرة في العمل، كما أنها هي العلة في أن حكومته تكذب عليه ~~بكل صغيرة وكبيرة في السياسة. # ومن أثر الكذب الشعبي والمبالغة الشعبية، ما نراه من اهتمام كل فرد بما ~~يقول الناس عن أعماله، فيديرها على ذلك وإن قلت منفعتها، وإن فسدت # PageV02P232 # حقيقتها، وإن جلبت عليه من الضرر في ماله ونفسه ما هي جالبة؛ فقاعدتهم هي ~~هذه: ليس الشأن في الحياة للعمل في نفسه، ولكن فيما يقال عنه؛ فإن لم يقل ~~شيء فلا تعمل شيئا ... # هذه يا بني أمة لا يكون حكامها إلا مبالغات أيضا ... # قال صاحب ms493 السر: وراتفع من الطريق صوت بائع ينادي على سلعته: أحسن من ~~التفاح يا طماطم. # فضحك الباشا وقال: هكذا يقولون لنا عن الطماطم السياسي العفن: إنه ليس ~~تفاحا وحسب، بل هو أحسن من التفاح. # إن الأمة لن تكون في موضعها إلا إذا وضعت الكلمة في موضعها، وإن أول ما ~~يدل على صحة الأخلاق في أمة كلمة الصدق فيها، والأمة التي لا يحكمها الصدق ~~لا تكون معها كل مظاهر الحكم إلا كذبا وهزلا ومبالغة. # PageV02P233 ### | البك والباشا # وحدثني صاحب سر "م" باشا قال: جاء يوما إلى زيارة الباشا رجل دخل علي ~~متهللا مشرق الوجه كأنه مضاء من داخله بشمعة ... ويترنح عطفاه كأنما تهزه ~~أسرار عظمته؛ ويمشي متخلعا كالمرأة الجميلة التي أثقلها لحمها وأثقلتها ~~المعاني الكثيرة من أعين الناظرين إليها، وعلى شفتيه خيال من فكرة هؤلاء ~~الكبراء والمغرورين الذين لا يأمر أحدهم رجلا صغيرا إلا ليعلمه أنه هو ~~كبير، فيكون في الأمر شيئان: الأمر واللؤم؛ وأقبل علي في هيئة شامخة لو ~~نطقت لقالت: {سبح اسم ربك الأعلى} . سبح الله الذي خلق في الأسد شعرة جبارة ~~خرج منها الأسد كله. # سبحان الله ولا إله إلا الله. هذا "فلان باشا" الذي قرأت في الصحف أمس ~~أنهم أنعموا عليه برتبة الباشوية؛ خلقه الله من تراب وحولت الرتبة هذا ~~التراب الذي فيه إلى ذهب خالص ... ينظر إلي وبرغمه أن تقف عيناه علي وعلى ~~الحائط، ولا تجد نفسه المزهوة سبيلا إلى التعبير عن الرتبة إلا هذا ~~الازدراء المنبعث من شخصه العظيم لمن لم يكن كشخصه. ما بين أمس واليوم زاد ~~هذه الزيادة الآدمية، أو كأنما كانت صورته خطوطا فقط فوضعت فيها الألوان ~~... # "باشا"! هذه الباء وهذه الألف وهذه الشين الممدودة ليست حروفا خارجة من ~~الأبجدية العامة؛ فإن الأبجدية قد تجعل الباء في بليد مثلا، والألف في ~~أبله، والشين الممدودة في شاهد زور مثلا مثلا ... بل تلك حروف من حروف ~~الدولة، منتزعة من قوة قادرة على أن تجعل لحياة صاحبها من الشكل ما يسبغه ~~الفن على الحجر من شكل تمثال ms494 ينصب للتعظيم. # قال: وكنت أعرف هذا الرجل، وهو رجل أمي لا يحسن إلا كتابة اسمه كما تكتب ~~الدجاجة في الأرض ... فكانت الرتبة عليه كإطلاق لفظ الحديقة على صخرة من ~~الصخور الصلدة؛ وهذا مما يحتمله المجاز بعلاقة ما؛ ولكن الذي لا يسوغ في ~~المجاز، ولا في مبالغات الاستعارة، ولا في خرافات المستحيل، أن تزعم الصخرة # PageV02P234 # للناس أن لفظ الحديقة الذي أطلق عليها قد أنبت فيها أشجار الحديقة ... # قال صاحب السر: واستأذنت له على الباشا فسهل له الإذن وقال: هذا رجل أصبح ~~كالورقة المبصومة بخاتم الدولة، فلتكن ما هي كائنة فإن لها اعتبارها، ثم ~~تلقاه تلقي الهازل المتهكم وقال له: أهنئك بالنحوي ... مباركون يا باشا. ~~وأقبل عليه وبسط له وجهه. # وكان في الباشا دعابة ظريفة يعرف بها، وهو كثير النوادر والملح، وله ~~خصيصة عجيبة، فيكون بين يديه كدس من الأوراق التي تعرض عليه ينظر فيها ~~ويقرؤها ويتدبرها، وفي في ذلك يستمع إلى محدثه ويراجعه ويرد عليه، فيصرف ~~الناس والأوراق في وقت واحد، ويستعمل ناحيتين من فكره استعمالا واحدا لا ~~يخل بالإصابة في شيء من هذه ولا من تلك. # ثم قال للباشا الحديث وعينه إلى ما بين يديه: هذه أوراق سرقة ثور عظيم، ~~فكم يساوي الثور العظيم الآن؟ # قال صاحبنا الذكي الفطن: إذا كان من الثيران التي تعرض في المعارض وتنال ~~المداليات الذهبية فقد يبعد سعره ويغالي به. # قال الباشا: نعم نعم، إن من الثيران ثيرانا ينعم عليها بالأوسمة، ولكن ~~هذا الثور الذي سألتك عنه يا باشا هو ثور محراث لا ثور معرض ... # قال الآخر: إذا كان ثور محراث فمثله كثير فلا يكون ثورا عظيما كما قلت ~~وليست له إلا قيمة مثله. # قال الباشا: أراني أخطأت، ولعن الله العجلة، فهذه أوراق سرقة حمار! # قال صاحب السر: وانصرفت عنهما بأوراقي، وقد رأيت يد الباشا مملوءة ~~لصاحبنا بتحيات كلها صفعات؛ فلم يكن إلا يسير حتى خرج مبتهجا يميد السرور ~~بعطفيه. ثم دعاني الباشا ودفع إلي بطاقة بالحاجة التي جاء فيها الرجل، ثم ~~قال: # يا ليت ms495 لنا في ألقاب الدولة لقب "رحمه الله" ... ينعم به على مثل هذا. ~~أتدري يا بني أن هذه الرتب وهذه الألقاب لم تكن في القديم إلا كوضع علامة ~~الشر على أهل الشر ليهابهم الناس، حتى كأنما يكتب على أحدهم من لقب بك أو ~~باشا: ملحق بالدولة ... # PageV02P235 # وكان الشعب أميا جاهلا لا يستطيع الإدراك ولا يحسن التمييز، فكانت ~~الألقاب كالقوانين الشخصية الموضوعة في صيغة موجودة مفهومة متعينة الدلالة، ~~وكان كل من يحمل لقبا من الحكومة يستطيع أن يقول للناس: لقد وضعت الحكومة ~~كلمة الأمر في شفتي ... # وكأن اللقب إعلان من الحكومة المستبدة لشعبها الجاهل: إنه هذا البك ~~والباشا من يحق له أن يحترم. # من الهزل أن يشتري اسم النصر الحربي أو يوهب أو يعار؛ وأقبح منه في باب ~~الهزل أن ينعم على مثل هذا الأمي بلقب باشا. وأنا أعرف أنه قد بذل في سبيله ~~ما بذل، وأضاع ما أضاع، فكأن الذين منحوه إياه لم يفعلوا شيئا إلا وضع ~~توقيعهم على أخذ الثمن. # ولقد أصبح الرجل تحت تأثير الكلمة العظيمة مخبولا بسحرها الوهمي، فحسب ~~ذلك إدخالا له في وظيفة كل حاكم، وإشراكا له في الحكم متى اقتضته مجاري ~~أموره وأحواله، أو حاجات أسبابه وأتباعه؛ وها هو ذا قد جاء يطلب حقه، فإن ~~مثله لا يفهم من لقب "باشا" إلا أن الحكومة قد سوغت سلطته الظهور والعمل، ~~فمدت باعه وقوت أمره ونوهت باسمه لمصالحها وعمالها؛ فهو عند نفسه قد التحم ~~منذ اليوم بالنسب الحكومي، وفي كلمة واحدة، هو قد ولد من بطن الحكومة ... # ألا ترى أن الشعب لو استرد سلطته الكاملة، وأن الناس لو أيقنوا أن ~~الألقاب ألفاظ فارغة من الأمر والنهي والوسيلة والشفاعة، لما بقي من يعبأ ~~بها، ولكان حاملها هو أول من يسخر منها؟ # فهي إذن شعبذة1 من الحكومة وتضليل في مثل هذا الرجل الأمي، وهي ضرب من ~~التهويل والمبالغة في سواه من الكبراء والعظماء، كأن الوزير الذي يقلب ~~بالباشا، يجعل فيه لقبه وزيرين، وكأن مثل هذا الأمي المغفل، يجعل فيه لقبه ms496 ~~شخصا، آخر غير الأمي المغفل. # أنا قلما رأيت رجلا يحتاج إلى ألقاب يتعظم بها إلا وهو لا يستحقها، وقلما ~~رأيت رجلا يستحقها إلا وهو لا يحتاج إليها؛ فأين يكون موضع هذه الرتب ~~والألقاب؟ PageV02P236 ### | ساكنو الثياب # قال صاحب سر "م" باشا: وجاءني يوما اثنان من شيوخ الدين من ذوي هيئاتهم ~~وأصحاب المنزلة فيهم، كلاهما هامة وقامة، وجبة وعمامة، ودرجة من الإمامة؛ ~~ولهما نسيم ينفخ عطرا حسبته من ترويح أجنحة الملائكة؛ وعليهما من الوقار ~~كظل الشجرة الخضراء في لهب الشمس تفيء به يمنة ويسرة، فتوجهت إليهما بنظري، ~~وأقبلت عليهما بنفسي، ووضعت حواسي كلها في خدمتهما؛ وقلت: هؤلاء هم رجال ~~القانون الذي مادته الأولى القلب. # ما أسخف الحياة لولا أنها تدل على شرفها وقدرها ببعض الأحياء الذين نراهم ~~في عالم التراب كأن مادتهم من السحب، فيها لغيرهم الظل والماء والنسيم، ~~وفيها لأنفسهم الطهارة والعلو والجمال؛ يثبتون للضعفاء أن غير الممكن ممكن ~~بالفعل، إذ لا يرى الناس في تركيب طباعهم إلا الإخلاص وإن كان حرمانا، وإلا ~~المروءة وإن كانت مشقة، وإلا محبة الإنسانية وإن كانت ألما، وإلا الجد وإن ~~كان عناء، وإلا القناعة وإن كانت فقرا. # هؤلاء قوم يؤلفون بيد القدرة، فهم كالكتب قد انطوت على حقائقها وختمت كما ~~وضعت، لا تستطيع أن تخرج للناس من حقيقة نصف حقيقة ولا شبه حقيقة ولا ~~تزويرا على حقيقة. # وما أعجب أمر هذه الحياة الإنسانية القائمة على النواميس الاقتصادية! ~~فالسماء نفسها تحتاج فيها إلى سماسرة لعرض الجنة على الناس بالثمن الذي ~~يملكه كل إنسان وهو العمل الطيب. # قال: ونظرت إلى الشيخين على اعتبار أنهما من بقية النبوة العاملة فيها ~~شريعة نفسها. تلك الشريعة التي لا تتغير ولا تتبدل كيلا يتغير الناس ولا ~~يتبدلوا. ثم سألتهما عن حاجتهما، فإذا أحدهما قد عمل أبياتا من الشعر جاء ~~يمدح بها # PageV02P237 # الباشا ليزدلف إليه؛ فقلت في نفسي: "ما أشبه حجل الجبال1 بألوان صخرها! " ~~هذا عالم دنيا يحدها من الشرق الرغيف، ومن الغرب الدينار، ومن الشمال ~~الجاه، ومن الجنوب الشيطان. # ثم نشر ms497 ورقة في يده وأخذ يسرد على القصيدة، وهي على روي الهاء، وتنتهي ~~أبياتها: ها. ها. ها. فكان يقرؤها شعرا -أو كما يسميه هو شعرا- وكنت أسمعها ~~أنا قهقهة من الشيطان الذي ركب أكتاف هذا العالم الديني: ها. ها. ها. ها ~~... # قال صاحب السر: وأدخلتهما على الباشا، فوقف المداح يمدح بقصيدته، وأخذت ~~لحيته الوافرة تهتز في إنشاده كأنها منفضة ينفض بها الملل عن عواطف الباشا ~~... وكان للآخر صمت عامل في نفسه كصمت الطبيعة حين تنفطر البذرة في داخلها، ~~إذ كانت الحاجة حاجته هو، وإنما جاء بصاحبه رافدا وظهيرا يحمل الشمس والقمر ~~والليث والغيث، لتتقلب الأشياء حول الممدوح فيأخذه السحر، فيكون جواب الشمس ~~على هذه اللغة أن تضيء يوم الشيخ، وجواب القمر أن يملأ ظلامه، وجواب الليث ~~أن يفترس عدوه، وجواب الغيث أن يهطل على أرضه. # والباشا لا يدع ظرفه ودعابته، وكان قد لمح في أشداق العالم المتشاعر ~~أسنانا صناعية، فلما فرغ من نظمه الركيك قال له: يا أستاذ، أحسبني لا أكون ~~إلا كاذبا إذا قلت لك: لا فض فوك. # ثم ذكر الآخر حاجته: وهي رجاؤه أن يكون عمدة القرية من ذوي قرابته لا من ~~ذوي عداوته. فقال له الباشا: ولقريتكم أيضا أبو جهل؟ # ولما انصرفا قال لي الباشا: لأمر ما جعل هؤلاء القوم لأنفسهم زيا خاصا ~~يتميزون به في الناس، كأن الدين باب من التحرف والتصرف، بعض آلته في ثيابه؛ ~~فهؤلاء يسكنون الجبب والقفاطين وكأنها دواوينهم لا ثيابهم ... # قد أفهم لهذا معنى صحيحا إذا كان كل رجل منهم محصورا في واجبات عمله ~~كالجندي في معاني سلاحه، فيكون التعظيم والتوقير لثوب العالم الديني ~~PageV02P238 # كأداء التحية للثوب العسكري: معناه أن في هذا الثوب عملا ساميا أوله بيع ~~الروح وبذل النفس وترك الدنيا في سبيل المجتمع؛ هذا ثوب الموت يفرض على ~~الحياة أن تعظمه وتجله، وثوب الدفاع تجب له الطاعة والانقياد، وثوب القوة ~~ليس له إلا المهابة والإعزاز في الوطن. # ولكن ماذا تصنع الجبة اليوم؟ إنها تطعم صاحبها ... # أثر الجيش معروف في دفاع الأمم العدوة ms498 عن البلاد، فأين أثر جيش العلماء ~~في دفاع المعاني العدوة عن أهل البلاد، وقد احتلت هذه المعاني وضربت وتملكت ~~وتركت هذا العالم الديني في ثوبه كالجندي المنهزم؛ يحمل من هزيمته فضيحة ~~ومن ثوبه فضيحة أخرى؟ # أنت يا بني قد رأيت "الشيخ محمد عبده" وعرفته؛ فرحم الله هذا الرجل، ما ~~كان أعجب شأنه! لكأنه -والله- سحابة مطوية على صاعقة, ولو قلت إنه قد كان ~~بين قلبه ورأسه طريق لبعض الملائكة. لأشبه أن يكون هذا قولا. # كان يزورني أحيانا فأراني مرغما على أن أقدم له مجلسين أحدهما قلبي. وكان ~~له وجه يأمر أمرا، إذ لا تراه إلا شعرت به يرفعك إلى حقيقة سامية1. # رجل نبت على أعراق فيها إبداع المبدع العظيم الذي هيأه لرسالته، فعواصفه ~~كالعطر في شجرة العطر الشذية، وشمائله كجمال السماء في زرقة السماء ~~الصافية، وعظمته كروعة البحر في منظر البحر الصاخب. وكثيرا ما كان يتعجب من ~~هذا أستاذه "السيد جمال الدين الأفغاني" فيسأله مندهشا: بالله قل لي: ابن ~~أي ملك أنت؟ # لم يكن ابن ملك ولا ابن أمير، ولكنه ابن القوات الروحية العاملة في هذا ~~الكون؛ فهي أعدته، وهي ألهمته، وهي أنطقته، وهي أخرجته في قومه إعلانا غير ~~كتمان، ومصارحة غير مخادعة، وهي جعلت فيه أسدية الأسد، وهي ألقت في كلامه ~~تلك الشهوة الروحية التي تذاق وتحب، كالحلاوة في الحلوى. # هذا هو العالم الديني: لا بد أن يكون ابن القوات الروحية، لا ابن الكتب ~~وحدها، ولا بد أن يخرج بعمله إلى الدنيا، لا أن يدخل الدنيا تحت سقف الجامع ~~... # وأنا فما ينقضي عجبي من هؤلاء العلماء الذين هم بقايا تتضاءل بجانب ~~PageV02P239 # الأصل، يبحثون في سنن النبي صلى الله عليه وسلم: كيف كان يأكل ويشرب ~~ويلبس ويمشي ويتحدث؛ كأنهم من الدنيا في قانون المائدة، وآداب الولائم، ~~ورسوم المجتمعات؛ أما تلك الحقيقة الكبرى، وهي كيف كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقاتل ويحارب لهداية الخلق، وكيف كان يسمو على الدنيا وشهواتها؟ وكيف ~~كان بطباعه القوية الصريحة تعديلا فعالا في هذه الإنسانية للنواميس ms499 ~~الجائزة؟ وكيف كان يحمل الفقر ليكسر به شرة النواميس الاقتصادية التي تقضي ~~بجعل الأخلاق أثرا من آثار السعة والضيق، فتخرج من الغني متعففا ومن الفقير ~~لصا؟ وكيف استطاع صلى الله عليه وسلم بفقره السامي أن يحول معنى الغنى في ~~نفوس أصحابه، فيجعله ما استغنى عنه الإنسان من شهوات الدنيا وترك، لا ما ~~نال منها وجمع؟ أما هذا ونحوه من حقائق النبوة العاملة في تنظيم الحياة، ~~فقد أهملوه، إذ هو لا يوجد في الكتب وشروحها وحواشيها، ولكن في الحياة ~~وأثقالها وأكدارها؛ وبذلك أصبح شيوخنا من الأمة في مواضع لم يضعهم فيها ~~الدين ولكن وضعتهم فيها الوظيفة. # ألا ليتهم يكتبون على أبواب الأزهر هذه الحكمة: سئل بعض العرب: بم ساد ~~فلان فيكم؟ قالوا: احتجنا إلى عمله واستغنى عن دنيانا ... # PageV02P240 ### | الأخلاق المحاربة # وحدثني صاحب سر "م" باشا بهذا الحديث قال: كنا في ثورة سنة 1919 سنة ~~الهزاهز والفتن، وقد تفاقمت الثورة، وأخذ الشباب يعمل ويفكر فيما يستطيع أن ~~يعمل، وما يجب أن يعمل؛ وكان السخط العام هو ميراث الوقت، فكانت قلوب الشعب ~~تلهم واجباتها إلهاما، إذ لم يكن في هذه القلوب كلها إلا لذعة الدم تعين ~~اتجاه أعمالها وتحدده. # كانت الثورة زلزلة وقعت في التاريخ، فجاءت تحت زمن راكد لا يتغير إلا بأن ~~ينسف، ولا ينسفه إلا مادة إلهية كالحركة الكونية التي تخرج اليوم الجديد من ~~القديم؛ فكان القدر يعمل بأيدي الإنجليز عملا مصريا، ويعمل بأيدي المصريين ~~عملا آخر. # وتعلم الشعب من دفن شهدائه كيف يستنبت الدم فينبت به الحرية، وكيف يزرع ~~الدمع فيخرج منه العزم، وكيف يستثمر الحزن فيثمر له المجد. # وكان رصاص الإنجليز يصيب هدفين معا: فيصرع شهداءنا، ويقتل الموت السياسي ~~الذي احتل معهم هذه البلاد. وقد أنعموا على الشعب بالصدمة الأولى، فنشبت ~~المعركة التي تقاتل فيها الأخلاق القومية لتنتصر؛ وشعرت مصر في جهادها ~~بأنها مصر، فالتمس روحها التاريخي رمزه العظيم في الأمة ليظهر فيه عاتيا ~~جبارا؛ فكان هذا الرمز الجليل العظيم هو سعد زغلول. # قال صاحب السر: وكان الطلبة قد ms500 غدوا من أول النهار يتظاهرون، وقد جعلتهم ~~الثورة كالأرواح تخلصت من الموت بالموت فلا تخشاه ولا تباليه، واستقلت عن ~~العقل بتحولها إلى شعور محض، وخرجت عن القوانين كلها إلا القانون الخفي ~~الذي لا يعلم ما هو. # كانوا في معاني قلوبهم لا في غيرها، فلست تراهم إلا عظماء في عظمة # PageV02P241 # المبدأ الذي ينتصرون له، أقوياء في قوة الإيمان الذي يعملون به، أجلاء في ~~جلال الوطن الذي يحيون ويموتون في سبيله. # وكانوا في الشعب هم خيال الأمة العامل المدرك، وشعورها الحي المتوثب، ~~وقواها البارزة من أعماقها، وأملها الزاحف ليقهر الصعوبة. # يفادون بأنفسهم الغالية ويؤثرون عليها، وليس في أحد منهم ذاته ولا أغراض ~~شخصه، فما أجل وما أعظم! وما أروع وما أسمى! أيتها الحياة! هل فيك أشرف من ~~هذه الحقيقة إلا حقيقة النبوة؟ # قال: وكان أخي هو زعيم هؤلاء الطلبة في مدينتنا؛ قوي على الزعامة وفي ~~بها؛ يحمل قلبا كالجمرة الملتهبة، وله صوت بعيد تحسب الرعد يقعقع به. إذا ~~مشى في جهاده كان كل ما على الأرض ترابا تحت قدميه، لا يمشي إلا محتقرا هذه ~~الدنيا وما فيها، غير مقدس منها إلا دينه ووطنه؛ وسلاحه أن كل شيء فيه هو ~~سلاح على الظلم وضد الظلم. # وكان في ذلك اليوم يقود "المظاهرة"، وحوله جماعة من خالصته وصفوة إخوانه، ~~يمشون في الطليعة تحت جو متقد كأن فيه غضب الشباب، عنيف كأنما امتزج به ~~السخط الذي يفورون به، رهيب كأنه متهيء لينفجر؛ فلما بلغوا موضعا من الطريق ~~ينعطفون عنده انصب عليه المدفع الرشاش ... # قال: فإني لجالس بعد ذلك في الديوان إذ دخل علي أخي هذا ينتفض غضبا كأن ~~المعاني تنبعث من جسده لتقاتل، ورأيت له عينين ينظر الناظر فيهما إلى النار ~~التي في قلبه؛ فخشيت أن يكون القوم أطلقوا عليهم الجنون والرصاص معا. # واستنبأته خبر أصحابه فقال: إن الذين كانوا حوله وقعوا يتشحطون في ~~دمائهم، فوقف هو شاخصا إليهم كأنه ميت معهم، وقد أحس كأنما خلع عن جسمه ~~نواميس الطبيعة، فلا يعرف ما هي الحياة ولا ms501 ما هو الموت؛ وكان الرصاص ~~يتطاير من حوله كأن أرواح الشهداء تتلقاه وتبعثره لا يناله بسوء. قال: وما ~~أنس لا أنس ما رأيته في تلك الساعة بين الدنيا والآخرة؛ فلقد رأيت بعيني ~~رأسي الدم المصري يسلم على الدم المصري، ويسعى إليه فيعانقه عناق الأحباب. # PageV02P242 # ثم قال: أين هذا الباشا؟ وما باله لم يصنع شيئا في الاحتياط لهذه الفورة؟ ~~يكاد الخزي -والله- يكون في هذه الوظائف على مقدار المرتب ... # قال صاحب السر: ولم يتم كلمته حتى خرج علينا الباشا متكسر الوجه من الحزن ~~قد تغرغرت عيناه، فأخذ بيد أخي إلى غرفته وتبعتهما، ثم قال: هونا ما يا ~~بني، إن العلة فيكم أنتم يا شباب الأمة، فكل ما ابتلينا أو نبتلى به هو مما ~~يستدعيه خمولكم وتستوجبه أخلاقكم المتخاذلة؛ إننا من غيركم كالمدافع ~~الفارغة من ذخيرتها؛ لا تصلح إلا شكلا، وبهذه العلة كان عندنا شكل الحكومة ~~لا الحكومة. # أتدري يا فتى ما هي الحكومة الصحيحة في مثل حالتنا؟ هي أن تحكموا أنتم في ~~الشعب حكومة أخلاقية نافذة القانون، فتضبطوا أخلاق النساء والرجال، وتردوها ~~كلها أخلاقا محاربة لا تعرف إلا الجد والكرامة وصرامة الحق؛ وإلا فكما ~~تكونون يولى عليكم ... # هذا وحده هو الذي يعيد الأجانب إلى رشدهم وإلى الحقيقة، فما أراهم ~~يعاملوننا إلا كأننا ثياب معلقة ليس فيها لابسوها ... # كيف يتصعلك المصري للأجنبي لو أن في المصري حقيقة القوة النفسية؟ أترى ~~بارجة حربية تتصعلك لزورق صيد جاء يرتزق؟ # إن في بلادنا المسكينة الأجانب، وأموال الأجانب، وغطرسة الأجانب؛ لا لأن ~~فيها الاحتلال، كلا, بل لأن فيها ضعف أهلها، وغفلة أهلها، وكرم أهلها ... ~~بعض هذا يا بني شبيه ببعض، وإلا فما هو كرم الشاة الضعيفة إلا لذة لحمها؟ # نريد لهذا الشعب طبيعة جدية صارمة، ينظر من خلالها إلى الحياة فيستشعر ~~ذاته التاريخية المجيدة فيعمل في الحياة بقوانينها؛ وهذا شعور لا تحدثه إلا ~~طبيعة الأخلاق الاجتماعية القوية التي لا تتساهل من ضعف، ولا تتسمح من كذب، ~~ولا تترخص من غفلة. والحقيقة في الحياة كالحقيقة في المنطق؛ إذا ms502 لم يصدق ~~البرهان على كل حالاتها، لم يصدق على حالة من حالاتها؛ فإذا كنا ضعفاء ~~كرماء، أعزاء، سادة على التاريخ القديم، فنحن ضعفاء فقط ... # إن الكبراء في الشرق كله لا يصلحون إلا للرأي، فلا تسوموهم غير هذا، فهم ~~قد تلقوا الدرس من أغلاطهم الكثيرة، وبهذا لن تفلح حكومة سياسية في # PageV02P243 # الشرق الناهض ما لم يكن شبابها حكومة أخلاقية يمدها من نفسه ومن الشعب في ~~كل حادثة بالأخلاق المحاربة. # يا بني! إن القوي لو اتفق مع الضعيف على كلمة واحدة لا تتغير، لكان ~~معناها للأقوى أكثر مما هو للأضعف؛ فإن هذا القوي الذي يعمل مع الضعيف يكون ~~فيه دائما شخص آخر مختف، هو القوي الذي يعمل مع نفسه. # هكذا هي السياسة؛ أما في الإنسانية فلا، إذ يكون الحق دائما بين اثنين ~~أقوى من اثنين. # PageV02P244 ### | خضع يخضع # وقال صاحب سر "م" باشا فيما حدثني به: جاء ذات يوم قنصل "الدولة ~~الفلانية" من هذه الدول الصغيرة؛ التي لو علم الذباب في بلادها أن في مصر ~~امتيازات أجنبية، لطمعت كل ذبابة أن يكون لها في بلادنا اسم الطيارة ~~الحربية ... # ورأيته قد دخل علي شامخا باذخا متجبرا، كأنه قبل أن يجيء إلى هذا الديوان ~~لمقابلة الحاكم المصري قد تكلم في "التلفون" مع إسرافيل يأمره أن يكون ~~مستعدا للنفخ في الصور. # جني صعلوك من رعايا دولته على مصري، فأخذ كما يؤخذ أمثاله، وقضى ساعة أو ~~ساعتين بين أيدي المحققين يسألونه الأسئلة الهينة اللينة التي تحيط بتعريفه ~~في أوروبا ... فزعم القنصل أنه كان يجب أن يكون حاضرا يشهد التحقيق، لأن ~~جناية أجنبي على مصري تقع أجنبية ... فلها شأن ورعاية وامتياز، وادعى أن ~~المحققين ضايقوا المجرم وعاسروه وتجهموه بالكلام، ولهذا جاء يحتج. # ورأيته جلس متوقرا كأنما يشعر في نفسه أنه أثقل من مدفع ضخم، لأن في نفسه ~~وهم القوة؛ وخيل إلي أنه موضعه بين السقف والأرض؛ إذ يحمل في رأسه فكرة أنه ~~الأعلى، وكانت له هيئة صريحة في أن الأجنبي المقيم هنا ليس هو كل الأجنبي، ~~بل لا ms503 تزال منه بقية تتممها دولته، وفي الجملة كان الرجل كلمة واضحة مفسرة ~~تنطق بأن للقانون المصري قانونا يحكمه في بلاده! # وأنا قد درست القانون الدولي، وعرفت ما هي الامتيازات وما أصلها، وهي لا ~~تعدو كرم الأرنب التي زعموا أنها كانت تملك حمارا تركبه وترتفق به، فسألتها ~~أرنب أخرى أن تردفها خلفها، فلما اندفع بهما الحمار استوطأته، فقالت ~~لصاحبته: يا أختي، ما أفره حمارك! ثم سكتت مدة وأعجبها الحمار فقالت: يا ~~أختي، ما أفره حمارنا. # وكنا -نحن الشرقيين- من الضعف والغفلة؛ بحيث لم نبلغ مبلغ الأرنب في # PageV02P245 # حكمتها وتدبيرها وحذرها، فإنها أسرعت ودفعت صاحبتها وقالت لها: انزلي ~~-ويلك- قبل أن تقولي: ما أفره حماري. # قال: غير أني في تلك الساعة نسيت القانون الدولي وكنت في إلهام مصريتي ~~وحدها، فنظر لي ظهورا بينا أن لا شيء أسمه القانون الحق في هذه الدنيا؛ ~~ولكن هناك اتفاقا بين كل خضوع وكل تسلط، وهو قانون هاتين الحالتين ~~بخصوصهما. # وأسرعت إلى الباشا فأنبأته، وأسرع الباشا فغير وجهه، وتبسط، وتهلل، وتهيأ ~~بهذا لاستقبال القادم العزيز، كأنه أخص محبيه يتطلع إلى مؤانسته، وقد جاء ~~يزوره في داره, ثم دخل القنصل، ولم أسمع مما دار بينهما إلا الكلمة الأولى، ~~وهي قول الباشا: لنبدأ يا سيدي من الآخر ... # وكانت في الباشا موهبة عجيبة في اختلاب الأجانب خاصة، يديرهم بلباقة ~~كالخاتم في إصبعه؛ حتى قال لي أحدهم: إن لهذا الباشا حاسة زائدة، لو سميت ~~حاسة الإرضاء لكان هذا اسمها الطبيعي، وإنه يعمل بها كما يعمل المفكر ~~بتفكيره، فهو يبتكر الأساليب الغربية التي يصعد ويهبط بها ميزان الحرارة ~~النفيسة, وإن جليسه يكاد يشعر من مهارته في التمثيل أن في جو المكان ستار ~~يرفع وستارا يسدل بين الفصول. # فما لبث القنصل أن خرج بغير الوجه الذي دخل به، ولكنه عبس في وجهي أنا ~~وتكره لي كأنه أصغر شأني؛ فازدرتني عينه، فوثبت إلى رأسه فكرة الامتيازات. # وهذه القوة الظالمة "الامتيازات"؛ لو أنها كانت قوة قاهرة نافذة، وأعين ~~بها طفيلي ليقتحم دور الناس آمنا مطمئنا؛ لاستحي هذا ms504 الطفيلي أن يأكل بها؛ ~~إذ تجمع عليه التطفل والمقت معا، ولو قيل لحسام بتار: إن لك امتيازا على ~~بعض السيوف ألا تقارعك، وإنك محمي أن تنالك سطوتها إذا قارعتها, لأنف أن ~~يسمى سيفا بهذا، فإن القوة الظالمة التي يعيرونه إياها، ليست إلا مهانة ~~لشرف القوة العادلة التي هي فيه. # قال صاحب السر: ووصفت للباشا هيئة القنصل التي انصرف بها، وتقطيبه في ~~وجهي، وقلت له: إن الذبابة وقعت في صحفتي أنا من هذه الوليمة ... فضحك بملء ~~فيه، ثم قال: # PageV02P246 # ستبطل هذه الامتيازات، وليس بيننا وبين نهايتها إلا أن ينتهي الشعب إلى ~~حقيقته القومية، فما تركها في مكانتها إلا نزول الشعب عن مكانته، وتالله ~~لكأن هؤلاء الأجانب يسألوننا بهذه الامتيازات: أين مكانكم في بلادكم؟ # أتدري ما قاله هذا القنصل حين تجاذبنا الحديث فيها، بعد أن وضعت نفسي منه ~~في موضع المحامي الذي يخذله الدليل، فيحاول أن يستنزل كرم القضاة بعرض بؤس ~~المتهم على شفقتهم، ليستعطف القانون الذي في أيديهم بالقانون الذي في ~~أنفسهم؟ # إنه قال: لا يلومن الشرقيون إلا أنفسهم، فهم علموا الأجانب أن نتف ريش ~~الطير أول أكله. وهذه الامتيازات إن هي إلا معاملة بيننا وبين طبيعة الخضوع ~~في الشعب، نعم إنها مضرة ومعرة، وظلم وقسوة؛ ولكنها على ذلك طبيعية في ~~الطبيعة؛ فما دام هذا الشعب لين المأخذ، فإن هذا يوجد له من يأخذه؛ وما ~~دامت الكلمة الأولى في معجم لغته السياسة هي مادة "خضع يخضع"، فهذه الكلمة ~~تحمل في معناها الواحد ألف معنى، منها: ظلم يظلم، وركب يركب، وملك يملك، ~~واستبد يستبد، ودجل يدجل، وخدع يخدع؛ فهل يكثر أن يكون منها للأجانب امتاز ~~يمتاز؟ # قال صاحب السر: ثم زم الباشا فمه وسكت: ففهمت الكلمات التي انطبق فمه ~~عليها وإن لم يتكلم بها، ثم غلبه الضحك فقال: والله يا بني لو أن برغوثا ~~طمر من ثوب صعلوك أجنبي، فوقع في ثوب صعلوك وطني، فتقاتلا فقبض عليهما، ~~فأخذا لما رضي برغوث الأجنبي أن يحاكم إلى في المحاكم المختلطة ... # ثم سكت الباشا مرة ms505 أخرى كأنه يقول كلام آخر لا يجوز نشره، ثم قال: يا ~~بني، إن الأجانب لا يضعون الحمل إلا على من يحمل؛ فإذا نحن توخينا مرادهم ~~أرادوا لأنفسهم لا لنا؛ وإذا وافقنا لهم غرضا جعلوه كالدينار فيه مائة قرش، ~~وأبوا إلا أن نصارفهم عليه بمائة. هم -ويحك- يمتازون في معاملتنا لا في ~~سطور القوانين والمعاهدات، فلنبطل هذه المعاملة يبطل هذا الامتياز. # إن الحق يا بني استحقاق لا دعوى؛ وهذا التنازع على الحياة يجعل وسائله ~~الطبيعية الانتزاع والمطالبة والتجرد له والدأب فيه والإصرار عليه, وكل ~~الأقوياء يعلمون أن موضع الاعتدال بين غصب الحق وبين استرداده موضع لا مكان ~~له في الطبيعة والأجنبي يعتمد علينا نحن في جعله أكبر منا وأوفر حرمة؛ فإذا ~~أسقط # PageV02P247 # الشعب هذه الامتيازات من فكره وروحه وأعصابه، وثارت فيه كبرياء الوطنية ~~فاستنكف من الاستحذاء، ونفر من الاختضاع، وأبي إلا أن يعلن كرامته، وصرف ~~اهتمامه إلى حقوق هذه الكرامة، وأصر ألا يعامل أجنبيا يرى لنفسه امتيازا ~~على وطني، وقرر ذلك في نفسه، ومكنه في روعه، وأجمع عليه إجماعه على الدين, ~~إذا جاءت "إذا" هذه بشرطها من الشعب، جاء جواب الشرط من الأجانب بنزولهم عن ~~الامتيازات وانحلت المشكلة. إننا يا بني لا نملك ضغط السياسة، ولكنا نملك ~~ما هو أقوى؛ نملك ضغط الحياة. # لهم الامتياز بأنهم أجانب عنا، فليكن لنا الامتياز الآخر بأننا أجانب ~~عنهم في المعاملة، مثلا بمثل، وما يفل الحديد إلا الحديد. # يقولون: النظام الاقتصادي والمال الأجنبي. ولكن أرأيت المال في يد ~~الأجنبي إلا مالا وتدبيرا وسلطة وسيادة، من أنه في يد الوطني دين وإسراف ~~ورق وذل؟ # لم يظهر لي إلا الساعة إن من حكمة تحريم الربا في شريعتنا الإسلامية، ~~وقاية الأمة كلها في ثروتها وضياعها ومستغلاتها، وحماية الشعب وملوكه من ~~الإسراف والتخرق والكرم الكاذب، ورد الاستعمال الاقتصادي، وشل النفوذ ~~الأجنبي. # أما لو أننا كتبنا من الأول على أبواب "البنك العقاري" وأبواب ذريته: ~~{يمحق الله الربا} [البقرة: 276] فهل كانت تقرأ هذه الكلمات الثلاث على ~~أبواب تلك البنوك الأجنبية إلا هكذا: ms506 "محال خالية للإيجار"؟ # PageV02P248 ### | فلنتعصب # وقال صاحب سر "م" باشا: جاءني يوما صحفي إنجليزي من هؤلاء الكتاب ~~المتعصبين الذين تطلقهم إنجلترا كما تطلق مدافعها؛ غير أن هذه للبارود ~~والرصاص والقنابل وأولئك للكذب والتهم والمغالطات. # وهو أذن وعين ولسان وقلم لجريدة إنجليزية كبيرة، معروفة بثقل وطأتها على ~~الشرق والإسلام؛ وتصلح بإفساد، وتداوي الحمى بالطاعون، وتعمل في نهضة ~~الشرقيين واستقلالهم ما يشبه قطع ثدي الأم وهو في شفتي رضيعها المسكين. # ودخل علي هذا الكاتب في الساعة التي خرج فيها من غرفتي صاحب جريدة ~~أسبوعية في مدينتنا، كان قد نفخ الضفدع ليجعلها ثورا، فحول صحيفته إلى ~~جريدة يومية، وهو لا يجد مادتها ولا يستطيع أسبابها، إلا أنه كدأب الناس ~~عندنا كان يحسب الكذب في العمل سهلا مهلا1 كالكذب في القول، فلم يتعاظمه ~~الأمر العظيم، واقترض لعمله كل ألفاظ النجاح من اللغة ... # وظن عند نفسه أنه سيخوف بجريدته الكبراء والأعيان والمياسير حتى يغلب على ~~جميعهم، ويشرك أصابعه مع أصابعهم في استخراج ما يحتاج إليه من جيوبهم؛ فلم ~~تعش جريدته إلا أياما وأتلف ما جمع، ورهن فيها داره التي لا يملك غيرها؛ ~~وعلم آخرا أن الذي يكذب فيسمي الخروف جملا، لا يقبل منه أن يكذب على الكذب ~~نفسه، فيزعم أن الناقة هي التي نتجت هذه الخروف ... # ولما انقلبت هذه الجريدة يومية كان الباشا هو ملجأ الرجل ووزره، وكان لكل ~~يوم في الجريدة أخبار عن الباشا لا تقع في الدنيا ولا تجمع من الحوادث، ~~ولكن تقع في ذهن الكاتب، وتجمع من صناديق الحروف؛ حتى قال لي الباشا مرة: ~~إن اسمي قد أصبح موظفا في هذه الجريدة لجمع الاشتراك ... PageV02P249 # وتحرى هذا الصحفي أن يستأذن يوما على الباشا وفي مجلسه حشد عظيم من ~~السراة والأعيان والعمد، وكان جمعهم لأمر، فما هو إلا أن دخل الصحفي حتى ~~ابتدره الباشا بهذا السؤال: يا أستاذ، ما هي تلغرافات أوروبا عن الحوداث ~~التي ستقع غدا؟ # فضج المجلس بالضحك، وفقد المسكين بهذه النكتة وأربعين دينارا كان يؤمل أن ~~يخرج بها، وأعلن الباشا في أظرف ms507 إعلان وأبلغه كذب الرجل ونفاقه وإسفافه، ~~وإنه من رجال الصحافة المدورة تدوير الرغيف. # قال: ونظرت إلى الصحفي الإنجليزي نظرة أكشفه بها، فإذا أول الفرق بينه ~~وبين أمثاله عندنا شعوره أن بلاده قد ربته "للخارج"، فهو عند نفسه كأنه ~~إنجليزي مرتين؛ ويأتي من ذلك إحساسه بعزة المالك وقوة المستعمر، فلا يكون ~~حيث يكون إلا في صراحة الأمر النافذ، أو غموض الحيلة المبهمة؛ ويستحكم بهذا ~~وذاك طبعه العملي، فهو بغريزته مقاتل من مقاتلة الفكر، يلتمس ميدانه بين ~~القوى المتضاربة لا يبالي أن يكون فيه الموت ما دام فيه العمل؛ وبهذا كله ~~تراه نافد البصيرة قائما على سواء الطريق، لأن الإنجليزي الباطن فيه يوجه ~~الإنجليزي الظاهر منه ويسانده؛ وفي أعماق الاثنين تجد إنجلترا، وليس غير ~~إنجلترا. # ثم تفرست في الرجل أريد كنهه وحقيقته، فإذا له نفس مفتوحة مقفلة معا، ~~كغرف الدار؛ الواحدة يفتح بعضها لما فيه كيما يرى، ويقفل بعضها على ما فيه ~~كيلا يرى. # وله وجه عملي يكاد يحاسبك على نظراتك إليه؛ تدور في هذا الوجه عينان قد ~~اعتادتا وزن الأشياء والمعاني؛ يتلألأ في هاتين العينين شعاع النفس القوية ~~الممرنة، قد نفت الثقة بها نصف هموم الحياة عن صاحبها، تمد هذه النفس طبيعة ~~مؤمنة بأن أكبر سرورها في أعمالها، فواجبها في الحياة أن تعمل كل ما يحسن ~~بها وكل ما يحسن منها. # لقد خيل إلي، وأنا أنظر إلى نفسية هذا الإنجليزي أن كلمة الخيبة عند ~~هؤلاء الإنجليز غير كلمة الخيبة عندنا -نحن الشرقيين- فإن خيبة النفس لا ~~تتم معانيها أبدا في النفس العاملة الدائبة, التي يشعرها الواجب أنه شيء ~~إلهي لا يخيب، وأن ما يرفض على هذه الأرض من العمل الطيب لا يرفض في ~~السماء. # PageV02P250 # وكأن الرجل قد أدرك غرضي بملكته الصحافية الدقيقة، فأجابني عن السؤال ~~الذي لم أسأله، وقال لي مبتدئا: إن أساسنا الشخصية وحاسة الواجب؛ وإن فيكم ~~أنتم كل شيء إلا هذين؛ فأخلاقنا تظهر دائما في العمل، وأخلاقكم تظهر دائما ~~في الكلام الفارغ؛ ونحن نطلب الحقيقة، وأنتم تطلبون الألفاظ، حتى أنه ms508 لو ~~خسر المصري ألف دينار، ثم أعلن أنها مائة فقط، وصدق الناس أنها مائة؛ لكان ~~عند نفسه كأنه ربح تسعمائة ... # قال صاحب السر: واستأذنت له على الباشا فسهل ورحب؛ ثم هممت بالانصراف ~~عنهما، ولكن الإنجليزي قال: يا باشا! إنه قد تمكن في روعي أن صاحب سرك هذا ~~متعصب ديني، وقد علمت أنه ابن فلان القاضي الشرعي، فطربوشه ابن العمامة؛ ~~ولقد كان ينظر إلي، وكأنه يتأمل من أين يذبحني ... # فضحك الباشا وقال لي: يا فلان إن هذا الكاتب من تلاميذ برناردشو، فهو ~~كأستاذه يجعل لكل حقيقة ذنبا كذيل الهر، ثم يمسكها منه فإذا هي تعض وتتلوى ~~... # والتفت بعد ذلك إلى الإنجليزي ثم قال له: جاءني كتابك فإذا كنت تريد رأيي ~~فيما تسميه التعصب الديني عند المسلمين، فعجيب أن تضعوا أنتم الغلطة ثم ~~تسألونا نحن فيها! إنك لتعلم أن هذا التعصب الكذب الذي أكثرتم الكلام فيه, ~~إنما هو لفظ من ألفاظ السياسة الأوروبية، أرسلتموه إلينا ليقاتل لفظ التعصب ~~الحقيقي؛ ومن قبل هذا اخترعتم لفظة "الأقليات"، وأجريتموها في لغتكم ~~السياسية، لتجعلوا بها لتعصبنا الوطني شكلا آخر غير شكله فتفسدوه علينا ~~بهذه المادة المفسدة؛ وبذلك تضربون اليد اليمنى من غير أن تلمسوها، إذ ~~تضربونها بشل اليد اليسرى. # إن الإسلام في نفسه عدو شديد على التعصب الذي تفهمونه، فهو يقول لأهله في ~~كتابه العزيز: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين} [النساء: 135] . # فإذا كان العدل في هذا الدين عدلا صارما، وحقا محضا لا يميز بشيء ألبته، ~~لا ذات النفس التي فيها اشتهاء الدم، ولا أصلها من الأبوين اللذين جاءت ~~منهما وراثة الدم، ولا أطرافها من الأقربين الذين يلتفون حول نسب الدم إذا ~~كان هذا، فأين في هذا العدل محل الظلم؟ # PageV02P251 # لعلك تشير إلى هذه الرعونة التي تعرفها في الأغمار والأغفال من العامة، ~~فهذه ليست من أثر الدين، بل هي أثر الجهل بالدين؛ إن هذا ليس تعصبا، بل هو ~~معنى من معاني الحمية النفسية الخرقاء لم تجدوا أنتم له لفظا، وكان أقرب ms509 ~~الألفاظ إليه عندكم هو التعصب، فأطلقتموه عليه للمعنى الذي في نفسه والمعنى ~~الذي في أنفسكم. ألا فاعلم أن إسلام العامة اليوم هو كالدعوى المقبولة شكلا ~~والمرفوضة بعد ذلك. # قال الإنجليزي: ولكن لهؤلاء العامة علماء دينيين يدبرونهم من ورائهم. وهم ~~عندكم ورثة النبي صلى الله عليه وسلم أي منبع الفكرة وقوتها. # قال الباشا: غير أن هؤلاء قد أصبحوا كلهم أو أكثرهم لا يندس فيهم عرق من ~~تلك الوراثة، وذلك هو الذي بلغ بنا ما ترى؛ فالقوم إلا قليلا منهم كالأسلاك ~~الكهربائية العطلة؛ لا فيها سلب ولا إيجاب؛ ولو أن هؤلاء العلماء كانت فيهم ~~كهرباء النبوة؛ لكهربوا الأمم الإسلامية في أقطارها المختلفة. إذن لقام في ~~وجه الاستعمار الأوروبي أربعمائة مليون مسلم جلد صارم شديد، متظاهرين ~~متعاونين، قد أعدوا كل ما استطاعوا من قوة العلم، وقوة النفس، وهم لو قذف ~~كل منهم بحجرين لردموا البحر. # أتريد معنى التعصب في الإسلام؟ إنه بعينه كتعصب كل إنجليزي للأسطول؛ فهو ~~تشابك المسلمين في أرجاء الأرض قاطبة، وأخذهم بأسباب القوة إلى آخر ~~الاستطاعة، لدفع ظلم القوة بآخر ما في الاستطاعة. # وهو بذلك يعمل عملين: استكمال الوجود الإسلامي، والدفاع عن كماله. # وإذا أنت ترجمت هذا إلى معناه السياسي، كان معناه إصرار جميع المسلمين ~~على نوع الحياة وكرامتها، لا على استمرار الحياة ووجودها فقط. وذلك هو ~~مبدؤكم أنتم أيها الإنجليز, لا تقبلون إلا حياة السيادة والحكم والحرية، ~~فأنتم مسلمون في هذا المبدأ لو عدلتم. # أليس من البلاء أن المسلمين اليوم لا يدرس بعضهم بلاد بعض إلا على ~~الخريطة ... ومع أن الحج لم يشرع في دينهم إلا لتعويدهم دراسة الأرض في ~~الأرض نفسها لا في الورق، ثم ليكون من مبادئهم العملية أن العالم مفتوح لا ~~مقفل؟ # إن التعصب في حقيقته هو إعلان الأمة أنها في طاعة الشريعة الكاملة، وأن # PageV02P252 # لها الروح الحادة لا البليدة، وأن أساسها في السياسة الاحترام الذاتي لا ~~تقبل غيره، وأن أفكارها الاجتماعية حقائق ثابتة لا أشكال نظرية، وأن مبدأها ~~هو الحق ولا شيء غير الحق، وأن ms510 قاعدتها {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} . ~~فالهداية أولا والهداية آخرا؛ الهداية في القوة، والهداية في السياسة، ~~والهداية في الاجتماع. فقل لي بحياتك وحياة إنجلترا أيعاب ذلك على المسلمين ~~إلا بالألفاظ التي يعيب اللص بها أهل الدار لأنهم يحكمون في وجهه إقفال ~~الباب؟ # قال: فوجم الإنجليزي حتى ذهل عن نفسه وصاح: # إذا كان هذا فلنتعصب، فلنتعصب. # PageV02P253 ### | وزن الماضي # وقال صاحب سر "م" باشا: إني لجالس ذات يوم وفي يدي كتاب لبعض المتفلسفة ~~من ملاحدة أوروبا الذين يريدون أن يفهموا ما لا يفهم؛ وكان الباشا قد رآني ~~مرة أنظر فيه وأتدبر مسائله الغامضة، فقال لي: يا بني! إن أحد الكلاب كان ~~شاعرا فيلسوفا، فنظر ليلة في النجوم فراعته وحيرته؛ فآلى أن يفهمها بعقله ~~وفرغ لدرسها مدة طويلة، ثم وضع فيها كتابا نفيسا ضخما، كان أعظم كتب ~~الفلسفة وأشدها غموضا عند الكلاب، وكان اسمه: العظام المبعثرة فوقنا1. # قال: فأنا جالس أقرأ هذا الكلام الذي لا صحيح فيه إلا أنه غير صحيح. إذ ~~دخل علي كاتب متفلسف ملحد من هؤلاء المدخولين في عقولهم، المفتونين بأوروبا ~~ومذاهبها وعلوياتها وسفلياتها ... وهو يكتب في الصحف، ويؤلف الرسائل، وقد ~~جاء يستصرخ الباشا على فلاح شاركه في زراعة أرضه، فزرعه الفلاح فيها وحصده، ~~ودهاه بكيده، وابتلاه بغلظته، وتهدده بالنقمة. # وكان هذا الفلاح الساذج الغرير قد سبقه إلي وعرفه لي تعريفا قاموسيا ~~محيطا من مادة كفر يكفر ... ثم قال بعد ذلك: إنه "بياع كلام" يصدق ويكذب ~~حسب الطلب ... والذمة نفسها ليست عنده إلا "عملية حسابية"؛ وهو في أقوى ~~جهاته لا ينفع الدنيا بما تنفعها به البهيمة من أضعف جهاتها. # أما الكاتب فيقول عن هذا الفلاح: إنه لا يدري أهو يتم بهائمه أم بهائمه ~~هي التي تتمه، وإن الذي يرفع القضية على مثل هذا المخلوق إلى محكمة لا يكون ~~إلا كالذي يقعقع بالعصا على جحر فيه الحية السامة. # ورأى المتفلسف الكتاب على يدي، فتهلل واستبشر وقال لي: هذا نسب بيننا ... ~~فأدركت من كلمته هذه جملته وتفصيله، وخيل إلي أني أرى ms511 فيه نفسه PageV02P254 # الشرقية كالمرأة المطلقة ... فقلت له: أنا اشتريت هذا الكتاب من أوروبا، ~~ولكني لم أشتر منها دماغي. # وكلمته أستخرج ما عنده؛ فإذا هو في قومه وتاريخ قومه كالسائح في بلاد ~~أجنبية؛ يفتح لها عينه ولا يفتح لها قلبه. # وكان جريئا في كلامه مع الباشا: يطرد القول حيث شاء حقا وباطلا، ثم لا ~~إسناد لرأيه ولا تثبيت لحجته إلا قول فلان ورأي فلان، كأن في رأسه عقلا ~~شحاذا ... ثم ذكر آخر الأمر ما جاء له، فخجله الباشا وقال: هذه مسألة ككل ~~مسائلك؛ تحتاج إلى رأي فيلسوف أوروبي ... وأعرض عنه ولم يدخل في شيء من ~~أمره. # ولما انصرف قال الباشا: يحسب هذا نفسه عالما، وهو صعلوك علمي ... وإنما ~~يكون دماغه وأدمغة أمثاله عند الفلاسفة والعلماء الذين يذكرونهم كما تكون ~~سلة المهملات عند الصحافيين. # إن هذا الرجل يتم ضعف عقله في الرأي بقوة عناده فيه، ليجعل له ثبات ~~الحقيقة فيظن حقيقة، كأن خضخضة الماء باليد في وعاء صغير ينقل إلى هذا ~~الوعاء طبيعة الموج؛ وعند أمثال هذا المفتون من الصعاليك العلميين، أنك إذا ~~تناولت مسألة فأخطأت فيها خطأ جريئا، فقد جعلتها بخطئك الجريء مسألة من ~~العلم ... وأنك إذا عاندت فثبت الخطأ في وجه الناقدين سنة، كان حقيقة مدة ~~سنة ... # هم مفتونون زائغون، ومن فتنتهم أنهم يرون البعد بينهم وبين أهل الفضائل ~~الشرقية، كالبعد بين العالم والجاهل، ولو حققوا لرأوه بعدا في الغرائز لا ~~في العقل، أي كالبعد بين الفجور وما أشبه الفجور، وبين التقوى وما أشبه ~~التقوى. # زعم الأحمق أن خصمه الفلاح رجل راسخ في الماضي، كأنه باق في أمس لم ينتقل ~~منه، مع أن أمس قد انقطع من الزمن، ثم خرج من ذلك إلى أن الأمة يجب أن تنبذ ~~ماضيها، ثم ادعى أن الإسلام يتعصب للماضي. هذه ثلاث كلمات تخرج منها ~~الرابعة التي سكت عنها1. # وأنا لو شئت أن أسخر من مثل هذا الصعلوك العلمي، لما وجدت في PageV02P255 # أساليب السخرية أبلغ من أن أبعث إليه بقارورة فارغة وأقول له: املأها لي ms512 ~~من آراء الفلاسفة. # يغفل هذا وأمثاله عن أن الدين الإسلامي لا يعرف الماضي بمعنى ما مضى على ~~إطلاقه؛ بل هو يشترط فيه ألا يخالف العقل ولا العلم، وألا يناقض الهداية؛ ~~{قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا ~~يهتدون} [البقرة: 170] , وفي الآية الأخرى: {قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ~~آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون} [المائدة: 104] , ~~{قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب ~~السعير} [لقمان: 21] , وفي الرابعة: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على ~~آثارهم مقتدون، قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم} [الزخرف: 23، ~~24] . # فانظر كيف صور ما نسميه اليوم بالجمود في قوله: "حسبنا"، وكيف صور ما ~~نسميه بالرجعية في قوله "نتبع"، وتأمل كيف رفض الجمود والرجعية معا في ~~العلم والعقل والهداية، أي في آثارها من العلوم المخترعات والفضائل ~~الإنسانية، وكيف أبطل في تلك الثلاث الاحتجاج بالماضي بهذا الأسلوب الدقيق ~~العالي، وهو قوله في كل آية، أولو، أولو. لم يغيرها؛ بل كررها بلفظها أربع ~~مرات. # فالمعجز هنا مجيء الآيات بهذه الصورة المنطقية لإسقاط حجتهم، ونفي معنى ~~التقديس عن الماضي فيهن؛ إذ كان العلم دائم التغير، وكان العقل دائم ~~التجديد والإبداع، وكانت الهداية شديدة على الطبيعة الحيوانية التي هي ماضي ~~النفس؛ فكأنها جديدة على النفس عند كل شهوة. # إن الإنسان بماضيه وحاضره كأنه مقسوم قسمين، يقول أحدهما: أريد أن أكون. ~~ويقول الآخر: أنا قد كنت. فالإسلام بهذه الآيات قد أوجب وزن الكلمتين في كل ~~زمن بما هو الأصح، وبما هو الأنفع، وبما هو الأهدى؛ وباشتراطه الهداية في ~~جميعها أشار إلى أن الكمال النفسي للفرد يجب أن يكون مرتبطا بالكمال ~~الإنساني للجنس. # وهذا معنى عجيب، وأعجب منه ما ترى من أن الإسلام قد أصلح فكرة الماضي، ~~فنقلها من معنى الآباء والأجداد للناس، إلى المعاني التي هي كالآباء ~~والأجداد لإنسانية الناس. والأخذ "بالأهدى" في اجتماع أمة من الأمم، إنما ~~هو بعينه ناموس الترقي والتطور. # PageV02P256 # ومن أدق الأسرار قوله: ms513 {إنا وجدنا آباءنا على أمة} [الزخرف: 23] فكلمة ~~"أمة" هذه لم يعرفها أحد على حقيقتها، ولم تفسرها إلا علوم هذا الزمن، فهي ~~المشاعر النفسية التي يتكون منها مزاج الشعب، وفيها يستقر الماضي؛ كأن ~~الآية قد عبرت بآخر ما انتهى إليه علماء النفس؛ من أن الإنسان ابن أبويه ~~وابن شعبه أيضا. # فالتعصب في الإسلام هو للعلم النافع، وللمجد الصحيح، وللهداية الباعثة ~~على الكمال؛ وتعصب الجيل لمثل هذا في ماضيه، هو في اسمه تعصب، غير أنه في ~~معناه إنما هو العمل لتسليم مجد الأمة إلى الجيل التالي. # PageV02P257 ### | المعجم السياسي # وحدثني صاحب سر "م" باشا قال: كنا في سنة 1920، وهي بنت سنة 1919 1؛ وقد ~~اجتمعت الأمة على مقاطعة لجنة "ملنر" لا تكلمها، فجعلت السكوت ثورة، وأعلن ~~الشعب أن كلمته في لسان الوفد ينطق الوفد بها نطق النبي بما يوحى إليه، فما ~~يكون لأحد غيره أن يقولها، ولا أن يقول أوحي إلي، وأبى اللورد ملنر أن يصدق ~~أن للمصريين إجماعا يعتد به، وأنهم دخلوا في السياسة دخولا ثابتا فرسخوا ~~فيها، وأنهم أصبحوا مع الإنجليز كالإنجليز الذين يقولون عن أنفسهم في مثلهم ~~السائر: ينبغي أن نكون أحرارا مثل أعمالنا. # وزعم اللورد لنفسه، أن هذه الأحزاب المصرية لا يتفق منها اثنان أبدا إلا ~~كان بينهما ثالث يختلفان عليه، وهو الطمع في مناصب الحكم؛ واستخراج من ذلك ~~أن المصري والمصري كشقي المقراض؛ لا يتحركان في عمل إلا على تمزيق شيء ~~بينهما؛ فإن لم يكن بينهما "الشيء" لم يكن منهما شيء. # وذهب الرجل يتظنى ويحدس على ما يخيل له الظن، وقد حسب أن إنجلترا يحق لها ~~أن تقول في المصريين ما يقول الله في خلقه كما ورد في الأثر: "إنما يتقلبون ~~في قبضتي". وكما تقول اليوم لأهل فلسطين من العرب: {إن يشأ يذهبكم ويأت ~~بخلق جديد} [إبراهيم: 19] , وكان اللورد هذا رجلا ممارس المشاكل السياسية، ~~دخالا فيها، داهية من دهاة القوم، له في قلبه عينان وأذنان غير ما في وجهه ~~كحذاق السياسيين؛ وهو يعرف أن سياسة قومه لا تدخل في ms514 شيء إلا دخول الإبرة ~~بخيطها في الثوب، إن خرجت هي تركت الخيط وقد جمع وشد ... فأراد أن يمتحن ~~مذهب المصريين في إجماعهم على الاستقلال، وقدر أنه واجد من الفلاحين عونا ~~له ومادة لمكره السياسي، وحسب الوفد صورة جديدة من طبقة "الباشوات" ~~القديمة، ينزلون من الشعب منزلة اليد التي تمسك القيد، من الرجل التي فيها ~~القيد، ويضعون PageV02P258 # معنى كلمة الحاجة في كلمة السياسة، ويقولون: الوطن وهم يريدون الجاه، ~~ويقيمون الشعب كالسلم ينتصب قائما ليحمل أرجلهم الصاعدة عليه. # فجاء اللورد إلى مصر، فوجد الأمة كلها قد حذرت منه وتيقظت له، حتى نصحه ~~رشدي باشا بأنه لن يجد في مصر هرة تفاوضه؛ ولكنه كان مستيقنا أن أذن ~~السياسة الإنجليزية "كالرديو" لصوتين: صوت الدنانير وصوت الجماهير، فمر في ~~البلاد يرسم على الهواء علامات استفهام، وانصفق عنه الناس وأهملوه، وكان ~~يسير في دائرة الصمت التي مركزها أبو الهول، فبدأ وظل يبدأ حتى انتهى وما ~~زال يبدأ ... وساح في البلاد سياحة طويلة، وكأنه لم يسافر إلا من شفة أبي ~~الهول السفلى إلى شفته العليا. # قال صاحب السر: وجاء الورد لمقابلة الباشا، فمر علي مرور كتاب مقفل: لا ~~أعرف منه إلا العنوان؛ غير أنه رجل بمقدار الرجل الذي يخالف أمة كاملة تكاد ~~تحسبه مطويا على زوبعة، وترى له قوتين تحس من أثرهما الرهبة والإعجاب، وإذا ~~تأملته قلت إن اللطف والظرف أضعف شمائله، وإن الدهاء والحلية أقوى مواهبه. # فلما لقيت الباشا من الغد، سألني: كيف رأيت اللورد ملنر؟ فقلت: والله يا ~~باشا إنه كالضرورة؛ ما يتمناها أحد ولكنها تجيء. # فضحك الباشا وقال: يا ليت لنا -نحن الشرقيين- كل يوم ضرورة تصنع ما صنع ~~اللورد؛ إنه كشف لنا في ذات أنفسنا عن حقيقة من أسمى الحقائق السياسية, وهي ~~أن الشعب الذي يصر ولا يزال يصر يجعل الإغراء لا يغري والخوف لا يخيف. # ويا ليت الأمم الشرقية تتعلم هذا الصمت السياسي عن مجاوبة الكلمة ~~الاستعمارية أحيانا؛ فإن صمت الأمة المصرية عن جواب "ملنر" كان معناه أن ~~قدرة الأمة هي المتكلمة كلامها ms515 بذا الصمت، تعلن للعالم أن الواجب الشعبي قد ~~وضع قفله على كل فم. # وقد فسر اللورد هذا السكوت بتفسيره السياسي، فأدرك منه أن في الشعب أنفة ~~وحمية وقوة، وأن حساب الضمير الوطني أصبح لهذه الأفئدة كالحساب الإلهي ~~للنفوس المؤمنة: كلاهما مستعلن يخاف ويتقي، وكلاهما كلمة محرمة. # أية معجزة هذه التي جعلت كلمة الأجنبي تتخذ في أذهان أمة كاملة شكل ~~قائلها، فاجتمعت لها البلاد على معنى الرفض، وأصبح كل فرد يعرف محله من ~~الكل، # PageV02P259 # وخضعت الطبائع بجملتها لقانون العزة القومية، الذي يلزمها ألا تخضع ~~للأجنبي؟ # إن الأمم بعض مسائل نفسية كهذه المسألة؛ فلو أن لنا خمسة دروس سياسية ~~مختلفة كدرس "ملنر"، لكانت لنا في الإيمان الوطني كالصلوات الخمس. # والآن تعلمت الأمة أن الشعب العزيز هو الذي ينظر في فض مشاكله إلى الحل ~~وإلى طريقة الحل أيضا، وقد كان "ملنر" هو أول أساتذتنا في تعليمنا الطريقة. # وهذا الدرس يجب أن يكون درسا للشرق كله، فإن السياسة الاستعمارية قائمة ~~فيه على خداع الطريقة في حل مشاكله، فيحلونها ويعقدونها في نص واحد؛ ويثبت ~~الكلام الذي يتفقون عليه أن المراد منه زوال الخلاف، ويثبت العمل بعد ذلك ~~أن المراد كان زوال المقاومة. # وفي السياسة الأوروبية موافقات دميمة كالنساء المشوهات، فإذا عرضوا واحدة ~~منها على من يريدون أن يزوجوه ... فأباها وفتح لها عينيه بكل ما فيهما من ~~قوة الإبصار، أعفوه منها وقالوا له: سنأتيك بالجميلة، ثم يذهبون بها إلى ~~معهد التجميل اللغوي، فيصقلونها ويصبغونها، ويضعون لها أحمر السياسة ~~وأبيضها، ثم يعرضونها جديدة على صاحبهم ذاك، وما صنعوا ما به صارت الدميمة ~~غير دميمة، ولكن ما به رجع غير الأعمى كالأعمى. # ولهم عقول عجيبة في اختراع الألفاظ، حتى لتكون شدة الوضوح في عبارة، هي ~~بعينها الطريقة لإخفاء الغموض في عبارة أخرى. وكثيرا ما يأتون بألفاظ ~~منتفخة تحسب جزلة بادنة قد ملأها معناها، وهي في السياسة ألفاظ حبالى، ~~تستكمل حملها مدة ثم تلد. # ولهم من بعض الكلمات السياسية، كما لهم من بعض الرجال السياسيين؛ فيكون ~~الرجل من دهاتهم ms516 رجلا كالناس، وهو عندهم مسمار دقوه في أرض كذا أو مملكة ~~كذا، ويكون اللفظ لفظا كاللغة، وهو مسمار دقوه في وثيقة أو معاهدة. # ثم ضحك الباشا وقال: إن أرضنا تخرج القطن، وسياستنا تخرج ألفاظا كالقطن: ~~لا توضع في المغزل إلا مدت وتحولت. وإذا ذهبنا نخالفهم في التأويل ~~والتفسير، لم نجد عندنا المعجم السياسي الذي يملي النص، أتدري يا بني ما هو ~~المعجم السياسي؟ # أما إنه لو كان كتابا يألف من مليون كلمة، لذهبت كلها عبثا وباطلا وهراء، ~~ولكنه ذلك المعجم الحي، ذلك المعجم الذي يتألف من مليون جندي ... # PageV02P260 ### | اللسان المرقع # وقال صاحب سر "م" باشا: جاء "حضرة صاحب السعادة" فلان لزيارة الباشا؛ وهو ~~رجل مصري ولد في بعض القرى، ما نعلم أن الله "تعالى" ميزه بجوهر غير ~~الجوهر، ولا طبع غير الطبع، ولا تركيب غير التركيب، ولا زاد في دمه نقطة ~~زهو، ولا وضعه موضع الوسط بين فنين من الخليقة. غير أنه زار فرنسا، وطاف ~~بإنجلترا، وساح في إيطاليا، وعاج على ألمانيا، ولون نفسه ألوانا، فهو مصري ~~ملون. ومن ثم كان لا يرى في بلاده وقومه إلا الفروق بين ما هنا وبين ما ~~هناك. فما يظهر له دين قومه إلا مقابلا لشهوات أحبها وغامر فيها، ولا لغة ~~قومه إلا مقرونة بلغة أخرى ود لو كان من أهلها، ولا تاريخ قومه إلا مغمى ~~عليه كالميت بين تواريخ الأمم. # هو كغيره من هؤلاء المترفين المنعمين: مصري المال فقط، إذ كانت أسبابهم ~~ومستغلاتهم في مصر؛ عربي الاسم لا غير، إذ كانت أسماؤهم من جناية أهليهم ~~بالطبيعة؛ مسلم ما مضى دون ما هو حاضر؛ إذ كان لا حيلة في أنسابهم التي ~~انحدروا منها. # هو كغيره من هؤلاء المترفين المنعمين المفتونين بالمدنية, لكل منهم جنسه ~~المصري ولفكره جنس آخر. # قال: وكان حضرة صاحب السعادة يكلم الباشا بالعربية التي تلعنها العربية، ~~مرتفعا بها عن لغة الفصيح ارتفاعا منحطا ... نازلا بها عن لغة السوقة نزولا ~~عاليا ... فكان يرتضخ لكنة أعجمية، بينا هي في بعض الألفاظ جرس عال ms517 يطن، ~~إذا هي في لفظ آخر صوت مريض يئن، إذا هي في كلمة ثالثة نغم موسيقى يرن. ~~ورأيته يتكلف نسيان بعض الجمل العربية ليلوي لسانه بغيرها من الفرنسية، لا ~~تطرفا ولا تملحا ولا إظهارا لقدرة أو علم، ولكن استجابة للشعور الأجنبي ~~الخفي المتمكن في نفسه. فكانت وطنية عقله تأبى إلا أن تكذب وطنية لسانه، ~~وهو بإحداهما زائف على قومه، وبالأخرى زائف على غير قومه. # PageV02P261 # فلما انصرف الرجل قال الباشا: أف لهذا وأمثال هذا! أف لهم ولما يصنعون! ~~إن هذا الكبير يلقبونه "حضرة صاحب السعادة"، ولأشرف منه -والله- رجل قروي ~~ساذج يكون لقبه "حضرة صاحب الجاموسة" ... نعم إن الفلاح عندنا جاهل علم، ~~ولكن هذا أقبح منه جهلا، فإنه جاهل وطنية. # ثم إن الجاموسة وصاحبها عاملان دائبان مخلصان للوطن؛ فما هو عمل حضرة ~~"صاحب اللسان المرقع" هذا؟ إن عمله أن يعلن برطانته الأجنبية أن لغة وطنه ~~ذليلة مهينة، وأنه متجرد من الروح السياسي للغة قومه؛ إذ لا يظهر الروح ~~السياسي للغة ما، إلا في الحرص عليها وتقديمها على سواها. # كان الواجب على مثل هذا ألا يتكلم في بلاده إلا بلغته، وكان الذي هو أوجب ~~أن يتعصب لها على كل لغة تزاحمها في أرضها، فترك هذا وهذا وكان هو المزاحم ~~بنفسه؛ فهو على أنه "حضرة صاحب سعادة"، لا ينزل نفسه من اللغة القومية إلا ~~منزلة خادم أجنبي في حانة. # أتدري ما هو سر هؤلاء الكبراء وهؤلاء السراة الذين يطمطمون إذا تكلموا ~~فيما بينهم؟ أنهم عندنا طبقات: # أما واحدة: فإنهم يصنعون هذا الصنيع منجذبين إلى أصل راسخ في طباعهم، مما ~~تركه الظم والاستبداد والحمق في زمن الحكم التركي؛ فهم يبدون جوهر نفوسهم ~~لأعينهم وأعين الناس، كأنه اللغة الأجنبية فيما بينهم علامة الحكم والسلطة ~~واحتقار الشعب واستمرار ذلك الحمق في الدم ... وهم بها يتنبلون. # وأما طبقه، فإنهم يتكلفون هذا مما في نفوسهم من طباع أحدثها النفاق ~~والخضوع والذل السياسي في عهد الاحتلال الإنجليزي؛ فاللغة الأجنبية بينهم ~~تشريف واعتبار، كأنهم بها من غير الشعب المحكوم الذي فقد ms518 السلطة، وهم بها ~~يتمجدون. # وأما جماعة، فإنهم يتعمدون هذا يريدون به عيب اللغة العربية وتهجينها، إذ ~~اتخذوا من عداوة هذه اللغة طريقة انتحلوها ومذهبا انتسبوا إليه، وفيهم ~~العالم بعلوم أوروبا، والأديب بأدب أوروبا؛ وذلك من عداوتهم للدين ~~الإسلامي، إذ جعل هذه اللغة حكومة باقية في بلادهم مع كل حكومة وفوق كل ~~حكومة؛ وهم يزدرون هذا الدين ويسقطون عن أنفسهم كل واجباته. وهؤلاء قد ~~خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، إذ يغلون في مصريتهم غلوا قبيحا ينتهي بهم إلى ~~سفه الآراء، وخفة الأحلام، وطيش النزعات، فيما يتصل بالدين الإسلامي وآدابه ~~ولغته. وما أرى الواحد منهم إلا قد غطى # PageV02P262 # وصفه من حيث هو رقيع، على وصفه من حيث هو عالم أو أديب أو ما شاء. إن هذا ~~لمقت {كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا} [غافر: 35] . # ومن أثر تلك الفئات الثلاث نشأت فئة رابعة، تحول فيهم ذلك الخلط من ~~الكلام إلى طريقة نفسية في النفس؛ فهم يقحمون في كتابتهم وحديثهم الكلمات ~~الأجنبية، ويحسبون عملهم هذا تظرفا ومعابثة ومجونا، على أنه هو الذي يظهر ~~لعين البصير مواضع القطع التاريخي في نفوسهم، وأماكن الفساد القومي في ~~طبيعتهم، وجهات التحلل الديني في اعتقادهم، وهؤلاء يكتب أحدهم: "النرفزة" ~~وهو قادر أن يقول الغضب, "والفلير" وهو مستطيع أن يجعل في مكانها المغازلة، ~~"وسكالنس" وهو يعرف لفظة أنواع وألوان، وهكذا وهكذا؛ ولا -والله- أن تكون ~~المسافة بين اللفظين إلا المسافة بعينها بين قلوبهم ورشد قلوبهم. # وما برح التقليد السخيف لا يعرف له بابا يلج منه إلى السخفاء إلا باب ~~التهاون والتسامح؛ ونحن قوم ابتلينا بتزوير العيوب على أنفسنا وعدها في ~~المحاسن والفضائل، من قلة ما فينا من الفضائل والمحاسن، وبهذه الطبيعة ~~المعكوسة نحاول أن نقتبس من مزايا الأوروبيين، فلا نأخذ أكثر ما نأخذ إلا ~~عيوبهم، إذ كانت هي الأسهل علينا، وهي الأشكل بطبعنا الضعيف المتسامح ~~المتهاون. # ومن هذا تجد مشاكلنا الاجتماعية -على أنها أهون وأيسر من مشاكل ~~الأوروبيين، وعلى أن في ديننا وآدابنا لكل مشكلة حلها- تجدها هي علينا أصعب ~~وأشد، ms519 لأننا ضعفاء ومتخاذلون ومقلدون ومفتونون، وكل ذلك من شيء واحد, وهو ~~أن أكثر كبرائنا هم أكبر بلائنا. # قال صاحب السر: ثم ضحك الباشا ضحكته الساخرة وقال: كيف تصنع أمة يكون ~~أكثر العاملين هم أكبر العاطلين، إذ يعملون ولكن بروح غير عاملة. # PageV02P263 ### | سر القبعة # وحدثني صاحب سر "م" باشا، قال: نجمت في مصر حركة بعقب أيام البدعة ~~التركية، حين لم تبق لشيء هناك قاعدة إلا القاعدة الواحدة التي تقررها ~~المشانق. فمن أبى أن يخلع العمامة عن رأسه خلعوا رأسه؛ ومن قال: "لا" ~~انقلبت" "لا" هذه مشنقة فعلق فيها. # وكانت فكرة اتخاذ القبعة في تركيا غطاء للرأس، قد جاءت بعد نزعات من ~~مثلها كمات يجيء الحذاء في آخر ما يلبس اللابس، فلم يشك أحد أنها ليست قبعة ~~على الرأس أكثر مما هي طريقة لتربية الرأس المسلم تربية جديدة، ليس فيها ~~ركعة ولا سجدة؛ وإلا فنحن نرى هذه القبعة على رأس الزنجي والهمجي، وعلى رأس ~~الأبله والمجنون، فما رأيناها جعلت الأسود أبيض، ولا عرفناها نقلت همجيا عن ~~طبعه، ولا عم أحد أنها أكملت العقل الناقص أو ردت العقل الذاهب، أو انقلبت ~~آلة لحل مشكلات الرأس البليد، أو غصبت الطبيعة شيئا وقالت: هذا لحاملي دون ~~حامل الطربوش والعمامة. # وقد احتجوا يومئذ لصاحب تلك البدعة أنه لا يرى الوجه إلا المدنية، ولا ~~يعرف المدنية إلا مدنية أوروبا، فهو يمتثلها كما هي في حسانتها وسيئاتها، ~~وما يحل وما يحرم وما يكون في حاجة إليه وما يكون في غنى عنه؛ حتى لو أن ~~الأوروبيين كانوا عورا بالطبيعة، لجعل هو قومه عورا بالصناعة ليشبهوا ~~الأوروبيين. نعم إنها حجة تامة لولا نقص قليل في البرهان، يمكن تلافيه ~~بإخراج طبعة جديدة من كتب الفتوح العثمانية، يظهر فيها الخلفاء العظام ~~والأبطال المغاوير الذين قهروا الأوروبيين لابسين قبعات، ليشبهوا ~~الأوروبيين. # قال صاحب السر: وتهور في هذه الضلالة رهط من قومنا، وأخذوا يدعون إلى ~~التقبع في مصر احتذاء لتركيا، وذهب بعضهم إلى سعد باشا "رحمه الله" يطلب ~~رأيه، فكان رأيه "لا" بمد الألف ms520 ... وعهد إلي بعضهم أن أسأل الباشا، فقال: # ويحهم! ألا يخجلون أن نكون -نحن المصريين- مقلدين للتقليد نفسه؟ إن # PageV02P264 # هذه بدعة تنحط عندنا درجة عن الأصل، فكأنها بدعتان1. ثم ضحك الباشا وقال: ~~كان في القديم رجل سمع أن البصل بالخل نافع للصفراء، فذهب إلى بستان يملكه ~~وقال لوكيله: ازرع لي بصلا بخل ... هكذا يريدون من القبعات؛ أن تخرج لهم ~~تركا بأوروبيين. # ليست هذه القبعة في تركيا هي القبعة، بل هي كلمة سب للعرب ورد على ~~الإسلام، ضاقت بها كل الأساليب أن تظهرها واضحة بينة، فلم يف بها إلا هذا ~~الأسلوب وحده. وهي إعلان سياسي بالمناوأة والمخالفة والانحراف عنا ~~واطراحنا. فإن الذي يخرج من أمته لا يخرج منها وهو في ثيابها وشعارها؛ ~~فبهذا انفتح لهم باب الخروج في القبعة ودون غيرها مما يجري فيه التقليد أو ~~يبدعه الابتكار؛ وإلا فأي سر في هذه القبعات، ومتى كانت الأمم تقاس بمقاييس ~~الخياطين؟ # ههنا سيف أراد أن يكون مقصا فعمل أولا ما يعمل الحسام البتار، فأجاد ~~وأبدع وأكبره الناس وأعظموه؛ ثم صنع ما يصنع المقص، فماذا عساه يأتي به إلا ~~ما ينكره الأبطال والخياطون جميعا؟ # أكتب علينا أن نظل دهرنا نبحث في التقليد الأعمى، وألا يحيا الشرقي إلا ~~مستعبدا ينتظر في كل أموره من يقول له: اشرع لي؟ إن بحثنا فلنبحث في زي ~~جديد نتميز به، فتكون القوى الكامنة فينا وفي طبيعة أرضنا وجونا هي التي ~~اخترعت لظاهرها ما يجعله ظاهرها. كما يخرج زور الأسد لبدة الأسد. غاية في ~~المنفعة والجمال والملائمة. # أنا ألبس ما شئت، ولكني عند القبعة أجد حدا تقف إليه ذاتيتي الفردية، فلا ~~أرى ثمة موضع انفراد ولكن موضع مشاكلة، ولا أعرف صفة منفعة لي بل صفة حقيقة ~~مني، ويعترضني من هناك المعنى الذي يصير به النوع إلى الجنس. والواحد إلى ~~الجماعة وما دمت مسلما أصلي وأركع وأسجد، فالقبعة نفسها تقول لي: دعني فلست ~~لك. # وهؤلاء الرجال الذين لبسوها في مصر، إنما اشتقوها من المصدر نفس المصدر ~~الذي يخرج منه التهتك في النساء، ms521 وكلاهما منزع من المخالفة، وكلاهما ~~PageV02P265 # ضد من صفة اجتماعية تقوم بها فضيلة شرقية عامة. وليس يعدم قائل وجها من ~~القول في تزيين القبعة، ولا مذهبا من الرأي في الاحتجاج لها، غير أن ~~المذاهب الفلسفية لا يعجزها أن تقيم لك البرهان جدلا محضا على أن حياء ~~المرأة وعفتها إن هما إلا رذيلتان في الفن ... وإن هما إلا مرض وضعف، وإن ~~هما إلا كيت وكيت، ثم تنتهي الفلسفة إلى عدهما من البلاهة والغفلة، وما ~~الغفلة والبلاهة إلا أن تريد فلسفة من فلسفات الدنيا أن تقحم في كتاب ~~الصلاة مثلا فصلا في ... في ... في الدعارة. # لا يهولنك ما أقرر لك: من أن القبعة الأوروبية على رأس المسلم المصري، ~~تهتك أخلاقي أو سياسي أو ديني أو من هذه كلها معا، فإنك لتعلم أن الذين ~~لبسوها لم يلبسوها إلا منذ قريب، بعد أن تهتكت الأخلاق الشرقية الكريمة ~~وتحلل أكثر عقدها، وبعد أن قاربت الحرية العصرية بين النقائض حتى كادت ~~تختلط الحدود اللغوية، فحرية المنفعة مثلا تجعل الصادق والكاذب بمعنى واحد، ~~فلا يقال: إلا أنه وجد منفعته فصدق، ووجد منفعته فكذب؛ وعند الحرية العصرية ~~أنه ما فرق بين اللفظين وجعل لكل منهما حدودا إلا جهل القدماء، وفضيلة ~~القدماء، ودين القدماء. وهذه الثلاثة: الجهل والفضيلة والدين، هي أيضا في ~~المعجم اللغوي الفلسفي الجديد مترادفات لمعنى واحد، هو الاستعباد أو الوهم ~~أو الخرافة. # ومتى أزيلت الحدود بين المعاني، كان طبيعيا أن يلتبس شيء بشيء وأن يحل ~~معنى في موضع معنى غيره، وأصبح الباطل باطلا بسبب وحقا بسبب آخر، فلا يحكم ~~الناس إلا مجموعة من الأخلاق المتنافرة، تجعل كل حقيقة في الأرض شبهة مزورة ~~عند من لا تكون من أهوائه ونزعاته، فيحتاج الناس بالضرورة إلى قوة تفصل ~~بينهم فصلا مسلحا، فيكسبون القانون بمدنيتهم قوة همجية تضطره أن يعد ~~للوحشية الإنسانية، وتدفع هذه الوحشية أن تعد له. # ومن اختلاط الحدود تجيء القبعة على رأس المسلم، وما هي إلا حد يطمس حدا، ~~وفكرة تهزم فكرة، ورذيلة تقول لفضيلة: ها أنذا قد ms522 جئت فاذهبي. # ما هو الأكبر من شيئين بينهما لتعيين الصغر؛ وما هو الأصغر من شيئين لا ~~حد بينهما لتعيين الكبر؟ إنها الفوضى كما ترى ما دام الحد لا موضع له في ~~التمييز ولا مقر له في العرف ولا فصل به في العادة؛ ومن هنا كان الدين عند ~~أقوام أكبر كلمات الإنسانية في عامة لغاتها وأملأها بالمعنى، وكان عند ~~آخرين # PageV02P266 # أصغرها وأفراغها من المعنى، وما كبر عند أولئك إلا من أنه يسع الاجتماع ~~الإنساني وهو محدود بغاياته العليا، وما صغر عند هؤلاء إلا بأن الاجتماع لا ~~يسعه فلا حد له، وكأنه معنى متوهم لا وجود له إلا في أحرف كلمته. # فجماعة القبعة لا يرون لأنفسهم حدا يحدونها به من أخلاقنا أو ديننا أو ~~شرقيتنا، وقد مرقوا من كل ذلك وأصبحوا لا يرون في زينا الوطني ما فيه من ~~قوة السر الخفي الذي يلهمنا ما أودعه التاريخ من قوميتنا ومعاني أسلافنا. # وأنا أعرف أن منا قوما يرى أحدهم في ظن نفسه أنه قانون من قوانين التطور؛ ~~فهو فيما يلابسه لا ينظر إلى أنه واحد من الناس، بل واحد من النواميس ... ~~ومن هنا الثقل والدعوى الفارغة، وما هو أكبر من الثقل وفراغ الدعوى. وإنه ~~لحق أن يكون بعض الناس أنبياء، ولكن أقبح ما في الباطل أن يظن كل إنسان ~~نفسه نبيا. # واعلم أنه كثيرا مما يزينونه للشرقي من رذائل المدنية الأوروبية، إن هو ~~إلا منطق شهواته في جملته، ولقد تسمع الجائع يتكلم عن الطعام، فترى كلاما ~~تحته معان ومعان لا يعدها غير الجائع إلا حماقة ساعتها. # PageV02P267 ### | سعد زغلول # وقال صاحب سر "م" باشا: ألقى إلي الباشا ذات يوم أن "سعدا" مصبحنا ~~زائرا1، وكانت بين الرجلين خاصة وأسباب وطيدة. وللباشا موقع أعرفه من نفس ~~سعد كما أعرف الشعلة في بركانها؛ أما سعد فكان قد انتهى إلى النهاية التي ~~جعلته رجلا في إحدى يديه السرح وفي الأخرى المعجزة، فهو من عظماء هذه ~~البلاد كقاموس اللغة من كلمات اللغة, يرد كل مفرد إليه في تعريفه، ولا ms523 تصح ~~الكلمة عند أحد إلا إذا كانت فيه الشهادة على صحتها. # وجاءنا سعد غدوة، فأسرعت إلى تقبيل يده قبلة لا تشبهها القبلات، إذ مثلت ~~لي من فرحها كأنها كانت منفية ورجعت إلى وطنها العزيز حين وضعت على تلك ~~اليد. # إن الرجل العظيم إذا كان بارا بأبيه عارفا قدره مدركا عظمته، يشعر حين ~~يقبل يد أبيه كأنه يسجد بروحه سجدة لله على تلك اليد التي يقبلها، ويجد في ~~نفسه اتصالا كهربائيا بين قلبه وبين سر وجوده، ويخصه العالم بلمسة كأن ~~قبلته نبضت في الكون, وكل هذا قد أحسسته أنا في تقبيلي يد سعد، وزدت عليه ~~شعوري بمثل المعنى الذي يكون في نفس البطل حين يقبل سيفه المنتصر. # وضحك لي سعد باشا ضحكته المعروفة، التي يبدأها فمه، وتتمها عيناه، ~~ويشرحها وجهه كله، فتجد جوابها في روحك كأنه في روحك ألقاها. # والرجل من الناس إذا نظر إلى سعد وهو يبتسم، رأى له ابتسامة كأنها كمال ~~يتواضع، فيحس كأن شيئا غير طبيعي يتصل منه بشيء طبيعي، فينتعش ويثب في ~~وجوده الروحي وثبة عالية تكون فرحا أو طربا أو إعجابا أو خشوعا أو كلها ~~معا. # غير أن الرجل من الحكماء إذا تأمل وجه سعد، وهو يضحك ضحكته المطمئنة ~~المتمكنة من معناها المقر أو المنكر أو الساخر أو أي المعاني -حسب نفسه يرى ~~PageV02P268 # شكلا من القول لا من الضحك، وظهرت له تلك الابتسامة الفلسفية متكلمة، ~~كأنها مرة تقول: هذا حقيقي. ومرة تقول: هذا غير حقيقي. # إن سعدا العظيم كان رجلا ما نظر إليه وطني إلا بعين فيها دلائل أحلامها، ~~كأنما هو شخص فكرة لا شخص إنسان؛ فإذا أنت رأيته كان في فكرك قبل أن يكون ~~في نظرك؛ فأنت تشهده بنظرين: أحدهما الذي تبصر به، والآخر ذاك الذي تؤمن ~~به. # عبقري كالجمرة الملتهبة لا تحسبه يعيش بل يحترق ويحرق؛ ثائر كالزلزلة فهو ~~أبدا يرتج وهو أبدا يرجع ما حوله؛ صريح كصراحة الرسل، تلك التي معناها أن ~~الأخلاق تقول كلمتها. # رجل الشعب الذي يحس كل مصري أنه يملك ms524 فيه ملكا من المجد. وقد بلغ في بعض ~~مواقفه مبلغ الشريعة، فاستطاع أن يقول للناس: ضعوا هذا المعنى في الحياة، ~~وانزعوا هذا المعنى من الحياة. # قال صاحب السر: وانقضت الزيارة وخرج سعد والباشا إلى يساره، فلما رجع من ~~وداعه قال لي: والله يا بني لكأنما زاد هذا الرجل في ألقاب الدولة لقبا ~~جديدا، ثم ضحك وقال: أتدري ما هو هذا القلب؟ قلت: فما هو يا باشا؟ # قال: والله يا بني ما من "باشا" في هذه الدولة يكون إلى جانب سعد، إلا ~~وهو يشعر أن رتبته "نصف باشا". # هذا رجل قد بلغ من العظمة مبلغا تصاغر معه الكبير، وتضاءل العظيم، وتقاصر ~~الشامخ، نعم حتى ترك أقواما من خصومه العظماء، كفلان وفلان، وإن الواحد ~~منهم ليلوح للشعب من فراغه وضعفه وتطرحه، كأنه ظل رجل لا رجل. # وقد أصبح قوة عاملة لا بد من فعلها في كل حي تحت هذا الأفق، حتى كأن ~~معاني نفسه الكبيرة تنتشر في الهواء على الناس، فهو قوة مرسلة لا تمسك، ~~ماضية لا ترد، مقدورة لا يحتال لها بحيلة. # هذا وضع إلهي خاص لا يشبهه أحد في هذه الأمة، كميدان الحرب لا تشبهه ~~الأمكنة الأخرى؛ فقد غامر سعد في الثورة العرابية، وخرج منها، ولكنها هي لم ~~تخرج منه، بل بقيت فيه؛ بقيت فيه تتعلم القانون والسياسة، وتصلح أغلاطها، ~~ثم # PageV02P269 # ظهرت منه في شكلها القانوني الدقيق، وبهذا تراه يغمر الرجال مهما كانوا ~~أذكياء، لأن فيه ما ليس فيهم، وتراهم يظهرون إلى جانبه أشياء ثابتة في ~~معانيها، أما هو فتراه من جميع نواحيه يتلاطم كالأمواج العاتية. # وتلك الثورة هي التي تتكلم في فمه أحيانا فتجعل لبعض كلماته قوة كقوة ~~النصر، وشهرة كشهرة موقعة حربية مذكورة. # ولما كان هو المختار ليكون أبا للثورة, حرمته القدرة الإلهية النسل، ~~وصرفت نزعة الأبوة فيه إلى أعماله التاريخية، ففيها عنايته وقلبه وهمومه، ~~وهي نسل حي من روحه العظيمة، ويكاد معها يكون أسدا يزأر حول أشباله، ولن ~~يذكر السياسيون المصريون مع سعد، ولن يذكر سعد نفسه ms525 إذا انقلب سياسيا، فإن ~~المكان الخالي في الطبيعة الآن هو مكان رجل المقاومة لا رجل السياسة، وهذا ~~هو السبب في أن سعدا يشعر الأمة بوجوده لذة كلذة الفوز والانتصار، وإن لم ~~يفز بشيء ولم ينتصر على شيء؛ فاطمئنان الشعب إلى زعيم المقاومة، هو بطبيعته ~~كاطمئنان حامل السلاح إلى سلاحه. # وسعد وحده هو الذي أفلح في أن يكون أستاذ المقاومة لهذه الأمة؛ فنسخ ~~قوانين، وأوجد قوانين، وحمل الشعب على الإعجاب بأعماله العظيمة، فنبه فيه ~~قوة الإحساس بالعظمة فجعله عظيما، وصرفه بالمعاني الكبيرة عن الصغائر، ~~فدفعه إلى طريق مستقبله يبدع إبداعه فيه. # إن هذا الشرق لا يحيا بالسياسة ولكن بالمقاومة ما دام ذلك الغرب بإزائه؛ ~~والفريسة لا تتخلص من الحلق الوحشي إلا باعتراض عظامها الصلبة القوية في ~~هذا الحلق. # وكم في الشرق من سياسي كبير يجعلونه وزيرا، فتكون الوظيفة هي الوزير لا ~~نفس الوزير، حتى لو خلعوا ثيابه على خشبة ونصبوها في كرسيه، لكانت أكثر ~~نفعا منه للأمة، بأنها أقل شرا منه. # يا بني، كل الناس يرضون أن يتمتعون بالمال والجاه والسيادة والحكم، فليست ~~هذه هي مسألة الشرق، ولكن المسألة: من هو النبي السياسي الذي يرضى أن يصلب؟ # PageV02P270 ### | حماسة الشعب # وحدثني سر "م" باشا قال: لما رجع سعد باشا من أوروبا في سنة 1921، كانت ~~الأمة في استقباله كأنها طائر مد جناحيه، لا خلاف لشيء منه على شيء منه، بل ~~كله هو كله؛ وكانت المعارضة في الاستحالة يومئذ كاستحالة وجود رقعة في ريش ~~الطائر. # على أن ثوب السياسة المصرية كثير الرقع دائما بالجديد والخلق، فرقعة من ~~المعارضين, وأخرى من المتعنتين، وثالثة من المتخاذلين، ورابعة من المعادين، ~~وخامسة وسادسة وسابعة من الحاسدين والمنافسين والمختلفين لشهوة الخلاف؛ ~~ورقاع بعد ذلك مما نعلم وما لا نعلم، فإن من العجيب أن هذا الجو الذي لا ~~يتقلب إلا بطيئا، يتقلب أهله بسرعة؛ وهذه الطبيعة التي لا تكاد تختلف، لا ~~يكاد أهلها يتفقون. # ولكن سعدا "رحمة الله" رجع من أوروبا رجعة الكرامة لأمة كاملة، ففاز بأنه ~~لم يخسر شيئا ms526 من الحق، وانتصر بأنه لم يهزم، ودل على ثباته بأنه لم يتزعزع، ~~وذهب صولة ورجع صولة وعزيمة؛ فكان إيمان الشعب هو الذي يتلقاه، وكانت ~~الثورة هي التي تحتفل به، وبطلت العلل كلها فلم يجد الاعتراض شيئا يعترض ~~عليه، واتفقت الأسباب فاجتمعت الكلمة، وظهر سعد كأنه روح الأمة متمثلا في ~~قدرة، حاكما بقوة، متسلطا بيقين. # نعم لم ينتصر البطل، ولكن الأمة احتفت به لأنه يمثل فيها كمالا من نوع ~~آخر هو سر الانتصار؛ فكانت حماسة الشعب في ذلك اليوم حماسة المبدأ المتمكن؛ ~~يظهر شجاعة الحياة، وفورة العزائم، وفضيلة الإخلاص، وشدة الصولة، وعناد ~~التصميم؛ ويثبت بقوة ظاهره قوة باطنه، وكان فرح الأمة عنادا سياسيا يفرح ~~بأنه لا يزال قويا لم يضعف، وكان ابتهاجها مجدا يشعر بأنه لا يزال وافرا لم ~~ينتقص، وكان الإجماع ردا على اليأس، وكانت الحماسة ردا على الضعف. # انبعثت صولة الحياة في الشعب كله، وابتدأ المستقبل من يومئذ، فلو نزلت # PageV02P271 # الملائكة من السماء في سحابة مجلجلة يسمع تسبيحهم ليؤيدوا سعدا, لما ~~زادوه شيئا؛ فقد كان محله من القلوب كأنه العقيدة, وكان التصديق مبذولا له ~~كأنه الكلمة الأخيرة, وكانت الطاعة موقوفة عليه كأنه الباعث الطبيعي، وكان ~~البطل في كل ذلك يشبه نبيا من قبل أن كلا منهما صورة كاملة للسمو في أفكار ~~أمة. # قال صاحب السر: ورجع الباشا من القاهرة وقد رأى من مسامحة النفوس، وصحة ~~العهد، واجتماع الكلمة، وإعداد الشعب للمراس والمعاناة، فقال: # تالله لقد أثبت "سعد" للدنيا كلها أن مصر الجبارة متى شاءت بنت الرجال ~~على طريقة الهرم الأكبر في العظمة والشهرة والمنزلة والقوة. ولقد صنع هذا ~~الرجل العظيم ما تصنع حرب كبيرة، فجمع الأمة كلها على معنى واحد لا يتناقض، ~~ودفعها بروح قومية واحدة لا تختلف، وجعل عرق السياسة يفور كما يفور العرق ~~المجروح بالدم. # إن هذه الأمة بين شيئين لا ثالث بينهما: إما الحزم إلى الآخر وإما ~~الإضاعة. ولا حزم إلا أن يبقى الشعب كما ظهر اليوم طوفانا حيا، مستوي ~~الطبيعة، مندفع الحركة، غامرا كل ما ms527 يعترضه، إلى أن يقضي الأمر ويقول ~~أعداؤنا: يا سماء أقلعي. # هكذا يعمل الوطن مع أهله كأنه شخص حي بينهم، حين يستوي الجميع في الثقة، ~~ويتآزر الجميع في الأمل، ويشترك الجميع في العطف الروحي، ولا يبقى لجماعة ~~منهم حظ في رغبة غير الرغبة الواحدة للجميع، وهكذا يعمل الوطن بأهله حين ~~يعمل مع أهله. # كان أعداؤنا يحسبوننا ذبابا سياسيا لا شأن له إلا بفضلات السياسة، ولا ~~عمل له في أزهارها وأثمارها وعطرها وحلواها؛ فأسمعهم الشعب اليوم طنين ~~النحل، وأراهم إبر النحل، ليعلموا أن الأزهار والأثمار والعطر والحلوى هي ~~له بالطبيعة. # وكانوا يتخرصون أن مذهبنا في الحياة لمصلحة المعاش فقط، وأن المصري، ~~حاكما أو محكوما، لا يمد آماله الوطنية إلى أبعد من مدة عمره سبعين أو ~~ثمانين سنة، فإذا أطلقوا أيدينا في حاضر الأمة أطلقنا أيديهم في مستقبلها. ~~ومن ثم طمعوا أن يكون الحق الناقص في نفسه حقا تماما في أنفسنا لهذه العلة؛ ~~وحسبوا أن السياسي المصري لا يتجرأ أن يقول ما يقوله السياسي الأوروبي من ~~أنه لا يخشى الموت ولكن يخشى العار, فإنه إذا مات مات وحده، وإذا جلب العار ~~جلبه على نفسه وعلى أمته # PageV02P272 # وعلى تاريخ أمته، بيد أن سعدا قالها؛ وفي مثل هذا يكون قول "لا" معركة. # وها هي ذي معركة اليوم التاريخية، فإن الذرات الحية التي تخلق من دمائنا ~~-نحن المصريين- قد ثارت في هذه الدماء، في هذا النهار، تعلن أنها لا ترضى ~~أن تولد مقيدة بقيود. # أتدري ماذا عرضوا على سعد؟ إنهم عرضوا عليه ما يشبه في السخرية طاحونة ~~تامة الأدوات والآلات من آخر طراز، ثم لا تقدم لها إلا حبة قمح واحدة ~~لتطحنها ... نتيجة تسخر من أسبابها، وأسباب تهزأ بالنتيجة. # إن أوروبا لا تحترم لا من يحملها على احترامه، فما أرى للسياسيين في هذا ~~الشرق عملا أفضل ولا أقوى ولا أرد بالفائدة من إحياء الحماسة في كل شعب ~~شرقي، ثم حياطتها وحسن توجيهها؛ فهذه الحماسة الشعبية الدائمة القوية ~~البصيرة، هي قوة الرفض لما يجب أن يرفض، وقوة التأييد، ms528 لما يجب أن يقبل، ~~وهي بعد ذلك وسيلة جمع الأمر، وإحكام الشأن، وإقرار العزيمة في الأخلاق، ~~وتربية الثقة بالنفس، وبها يكون إذكاء الحس وتعويده إدراك الأعمال العظيمة، ~~والتحمس لها، والبذل فيها. # وما علة العلل فينا إلا ضعف الحماسة الشعبية في الشرق، وسوء تدبيرها، ~~وقبح سياستها؛ وإنا لنأخذ عن الأوروبيين من نظامهم وأساليبهم وسياستهم ~~وعلومهم وفنونهم؛ فنأخذ كل ذلك بروحنا الفاترة في خمول وإهمال وتواكل وتفرد ~~بالمصلحة واستبداد بالرأي، فإذا دينارهم في أيدينا درهم، وإذا نحن وإياهم ~~في الشيء الواحد كالنحلة والذبابة على زهرة ... # ليست لنا حماسة الحياة، وبهذا تختلف أعمالنا وأعمالهم، وذلك هو السر أيضا ~~في أن أكثر حماستنا كلامية محضة؛ إذ يكون الصراخ والصياح والتشدق ونحوها من ~~هذه المظاهر الفارغة تنقيحا للطبيعة الساكنة فينا، وتنويعا منها بغير أن ~~نجهد في التنقيح والتنويع. ومن هذا كانت لنا أنواع من الكلام ينطلق اللسان ~~فيها للخروج من الصمت لا غير ... ومنه كثير من هذا الهراء السياسي الذي ~~يدور في المجالس والأحزاب والصحف. # إن حماسة الشعب لا تكون على أعدائه فقط؛ بل على معايبه أيضا، وعلى ضعفه ~~بخاصة، والشعب الفاتر في حماسته لو نال حقين مغصوبين لعاد فخسر أحدهما أو ~~كليهما، أما الشعب المتحمس القوى في حماسته، فلو غصب حقين ونال أحدهما لعاد ~~فابتز الآخر. # PageV02P273 ### | الجمهور # وقال صاحب سر "م" باشا: كان من بعض عملي في الحكومة سنة 1922 أن أراقب ~~الحركات والسكنات، وأبث العيون والأرصاد، وأعرف المضطرب والمنقلب في أيام ~~الفتن ونوازل المحنة، محافظة على الأمن، ومبادرة لما يتوقع؛ فكنت كالمرصد ~~المهيأ بآلاته لتدوين حركات الزلازل. # وانتهى إلينا يوما أن راجفة من هذه الزلازل سترجف بفلان من أهل الرأي ~~الحر؛ الذي يستقل ولا يتابع، وينتقد ولا يحابي، ويصرح ولا يجمجم، وأن قوما ~~ثوروا عليه الغبار الآدمي من العامة وأشباه العامة، وأنهم يتحينون الوقت ~~لتوجيه المكيدة له في شكلها المفترس من هذا الجمهور الناقم. # أما فلان هذا فرجل سياسي عنيد أضاع الحق كله لأنه لا يرضى بنصف الحق ... ~~وكلمته في السياسة كأنما تلقى ms529 على لسانه من الغيب؛ فلا يتحول عنها ولا يملك ~~أن يتكلم إلا بما يتكلم؛ وقد ذهب بصوته أنه في قوم لا يسمعون إلا ما ~~أرادوا، فهو بينهم كالحق المغلوب؛ لا يموت لأنه غير باطل، ثم لا يحيا لأنه ~~لا ينتصر. وقد كان رجلا كالمصباح الوهاج فألقوا عليه الغطاء، فإذا هو في ~~طبيعته ويبدو للناس بغير طبيعته، وتركه رأيه الحر الصريح كالنبي المكذوب ~~يرد صدقه؛ لا لأنه غير صدق، ولكن لأنه غير مستطاع، أو غير ملائم. # ومن آفاتنا -نحن الشرقيين- أننا نستمرئ العداوة، وننقاد لأسبابها، ~~ونتطاوع لها تطاوع الصغار بأنفسهم لما في أنفسهم؛ كأن المستبدين الذين ~~كانوا في تاريخنا قد انتقلوا إلى طبائعنا؛ فرد الفكر على الفكر في مناقشة ~~تجري بيننا لا يكون من دفع الحقيقة للحقيقة، ولكن من رد الاستبداد على ~~الاستبداد، ومن توثب الطغيان على الطغيان؛ فهو الثلب؛ والطعن والتجريح، وهو ~~الجفوة والخصومة واللدد، وهو المنازعة والعنف والتحامل؛ وهو بهذه وتلك شر ~~وفساد وسقوط. والجدال بين العقلاء يبعث الفكر فينتهي إلى الحق، ولكنه فينا ~~نحن يهيج الخلق فينتهي إلى الشر، والرد على عظيم منا كأنه يرد على منزلته ~~في الناس لا على منزلته # PageV02P274 # في الرأي، وكشف الخطأ عندنا تعبير بالخطأ لا تبصير بالصواب، واستلاب ~~الحجة من صاحبها وإفسادها عليه كاستلاب الملك من مالكه وطرده منه ... ومن ~~ثم كان الدفاع بالمكابرة أصلا من أصول الطبيعة فينا، وكان الاضطهاد حجة ~~للحجة العاجزة، وكان الإعنات دليلا للدليل الذي لا ينهض بنفسه، ومتى اعتبر ~~كل إنسان نفسه إمبراطورا على الحق ... فلا جرم لا ترد كلمة على كلمة إلا ~~بحرب. # قال صاحب السر: وكبر الأمر على الباشا، فجمع رؤوس المؤتمرين بذلك الرجل ~~الحر، وأخذ يقلبهم تقليبه بين التودد والملاطفة، وقال لهم فيما قال: إن ~~فضيلة الجمهور هي التي تضمن تربية الفضيلة وحفظها وغلبتها على الرذائل، وإن ~~كل صحيح يكون فاسدا إذا لم يكن الجمهور صحيحا، وإن غير العقلاء هم الذين ~~يقبلون الحقيقة في يوم ثم يرفضونها هي ذاتها في يوم آخر، فإن ذهبت تجادلهم ~~وتحتج ms530 عليهم بأنهم قبلوها, قالوا: هذا كان أمس ... فكأنما الفاصل بين زمنين ~~يجعل الشيء الواحد ضدين. # ثم سألهم: ما هو ذنب الرجل؟ فقال منهم قائل: إنه خارج علينا في الرأي. ~~فقال الباشا: إن المعنى في أنه يخالفكم هو أنكم أنتم تخالفونه؛ فقد تكافأت ~~الناحيتان، وخلاف بخلاف؛ فما الذي جعل لكم حق رده عن الرأي دون أن يكون له ~~مثل هذا الحق في ردكم أنتم؟ # قالوا: إننا الكثرة. قال الباشا: يا أصدقائي، إن خوف الكثرة من رأي فرد ~~أو أفراد هو أسوأ المعنيين في تفسير رأيها هي؛ وعشرة جنيهات لا تعبأ ~~بالجنيه الواحد. فإنها تستغرقه؛ بيد أن هذه ليست حال عشرة قروش يا أصدقائي ~~... # نعم إن قطع الخلاف ضرورة من ضرورات الوطنية، ولكن إذا كان الأمر في ظاهره ~~وباطنه كالخلاف في أيهما أطول: العصا أو المئذنة؟ فذلك جدال محسوم من نفسه ~~بلا جدال. # إن أساس انخذالنا -نحن الشرقيين- في قلوبنا، إذ لا نعتبر المعاني العامة ~~إلا من جهة أنها قائمة بالرجال، ثم لا نعتبر الرجال إلا من ناحية ما في ~~أنفسنا منهم، ثم لا نعتبر أنفسنا إلا من جهة ما يرضينا أو يغضبنا، وقد لا ~~يغضبنا إلا الحق والجد، وقد لا يرضينا إلا الباطل والتهاون، ولكنا لا نبالي ~~إلا ما نرضى وما نغضب. # لستم أحرارا في أن تجعلوا غيركم غير حر، فإن يكون الرأي الذي يعارضكم # PageV02P275 # رأيا حقا وتركتم منابذته فقد نصرتم الحق؛ وإن يكن باطلا فإظهاره باطلا هو ~~برهان الحق الذي أنتم عليه؛ ولن تجردوا أحدا من اختيار الرأي إلا إذا ~~تجردتم أنتم من اختيار العدل، فإن فعلتم فهذه كبرياء ظالمة، تدعي أنها ~~الحق، ثم تدعي لنفسها حكمة، فقد كذبت مرتين. # اسمعوا أيها السادة: قامت بين اثنين من فلاسفة الرأي مناظرة في صحيفة من ~~الصحف، وتساجلا في مقالات عدة، فلما عجز أضعفهما حجة وكعمه الجدال، كتب ~~مقالته الأخيرة فجاءت سقيمة، فلم ترضه فبيتها ونام عنها على أنه يرسلها من ~~الغداة بعد أن يردد نظره فيها ويصحح آراءه بالحجج التي يفتح بها عليه. ms531 ~~قالوا: فلما نام تمثلت له المقالة في أحلامه جسما حيا موهونا مترضضا، ~~مخلوعا من هنا مكسورا من هناك، مجروحا مما بينهما؛ ثم كلمته فقالت له: ويحك ~~أيها الأبله! إن أردت أن تغلب صاحبك وتسكته عنك، فاحمل مقالتك إلى رأسه في ~~العصا لا في الجريدة ... # قال صاحب السر: وضحك القوم جميعا، وأذعنوا وانصرفوا مقتنعين، قد خلصت ~~دخلتهم لذلك الرجل الحر وتنصلوا من جريمة كانت في أيديهم، وما جاء الباشا ~~بمعجز من القول، ولكن تصويره للمسألة كان حلا لها في نفوسهم. فلما أدبروا ~~تنفس الباشا كأنما خرج من البحر وكان يتعاطى إنقاذ غريق ويعاني فيه حتى ~~نجا؛ ثم قال لي: إن هذا كان جوابا عن شيء في أنفسهم، ولكنه هو سؤال عن شيء ~~في أنفسنا: ما الذي يجعل الناس عندنا يخشون المعارضة في الرأي الوطني حتى ~~أنهم ليجازون عليها بهذه العقوبة الشعبية المنكرة؟ وما بالهم لا يعطون ~~الرأي حكمه وحقيقته، بل يعطونه من حكم أنفسهم وحقائقها وشهواتها المتقلبة، ~~حتى لترجع الفروق الضعيفة المتجانسة في أبناء الوطن الواحد وكأنها من ~~الخلاف والمباينة فروق جنسية كالتي تكون بين إنسان من أمة، وإنسان من أمة ~~أخرى تعاديها. # قلت: إن رأي الكثرة قانون يا باشا. # قال: هذا صحيح، ولكن بشرطين لا بشرط واحد: الأول ألا يخرج الرأي على ~~القانون، والثاني ألا تكون الحقيقة في الرأي الذي يناقضه؛ ومحاولة إكراه ~~المعارضة نقص للشرطين معا؛ ثم إن أساس الوطنية سلامة القلوب وصفاء النيات، ~~واستواء الموافق والمخالف في هذا الحكم، ومتى وقع الخلاف بين اثنين وكانت # PageV02P276 # النية صادقة مخلصة، لم يكن اختلافهما إلا من تنوع الرأي، وانتهيا إلى ~~الاتفاق بغلبة أقوى الرأييين، وما من ذلك بد. # الحقيقة يا بني أن الجماهير الشرقية ليست في تربيتها من الجماهير ~~السياسية التي يعتد بها، إذ لا تزال في أول عمرها السياسي، وبهذا السبب ~~وحده كان اختلاف الكبراء في السياسة لا يشبهه إلا الخصمين بغير شهود ولا ~~قاض نافذ الحكم، فهو نزاع قوة تفوز بوسائلها، لا نزاع حق يستعلي بأدلته. # وهذه المجالس النيابية ms532 الشرقية كلها صور ممثلة جافة، منقطعة النماء من ~~أسبابها، كالفرع المقطوع من الشجرة، وإنما يتنضر الفرع ويثمر أثماره إذا ~~قام بشجرته لا بنفسه، وما شجرة الفرع السياسي إلا الجمهور السياسي. # فسبيل الإصلاح في كل مملكة شرقية أن ينهض أهل الرأي من كل مدينة فيها بين ~~عالم وأديب ومحام وسري، ومن كان بسبيل من هؤلاء، فيجعلوا لمدينتهم دار ندوة ~~للاجتماع والبحث والمشورة، وقول "نعم" بالحجة وقول "لا" بالحجة. ثم يعلنون ~~ذلك في جمهورهم وينزلون منه منزلة الأستاذ والأب والصديق في تعليمه وهدايته ~~وإرشاده؛ وتتصل هذه الدور في كل مملكة بعضها ببعض، وتنتهي بالمجالس ~~النيابية. وبغير ذلك لا يملأ الفراغ الذي نراه خاويا بين الشعب والحكومة، ~~وبين الكبراء والجماهير، وإنما أكثر مصائبنا من هذا الفراغ؛ فهو الذي يضيع ~~فيه ما يضيع فيه، ويختفي ما يختفي. # منا قوم موظفون في الحكومة؛ لكن أين القوم الذين تكون الحكومة نفسها ~~موظفة عندهم؟ # "اعتذار": بهذا المقال انتهت أحاديث الباشا؛ فقد أنبأنا صاحب السر أنه ~~سيكتم السر ... # PageV02P277 ### | ### | المجنون * " # 1": # جاء يمشي هادئا يتخيل في مشيته، ويرجف بين الخطوة والخطوة كأنه من كبره ~~يشعرك أن الأرض مدركة أنه يمشي فوقها ... ولا ينقل قدمه إذا خطا حتى ينهض ~~برأسه يحركه إلى أعلى، فما تدري أهو يريد أن يطمئن إلى أن رأسه معه ... أم ~~يخيل إليه أن هذا الرأس العظيم قد وضع على جسمه في موضع راية الدولة، فهو ~~يهزه هز الراية ... # وأخذته عيني وليس بيني وبينه إلا طول غرفة وعرضها, فإذا هو زائغ البصر ~~كأنما وقع في صحراء يقلب عينه في جهاتها متحيرا مترددا، ثم كأنما رفع له في ~~أقصاها جبل فأخذ إلى ناحيته ... # ورحبت به، وأجلسته إلى جانبي، فأخذ يستعرف إلي بذكر اسمه وجماعته وبلده، ~~لا يزيد على ذلك شيئا، كأنه عنترة بني عبس, لأرضه من طبيعتها جغرافيا، ومن ~~اسمه جغرافيا حدة ... فلما رآني لا أثبته معرفة قال: "إن بك نسيانا". # قلت: وكثيرا ما أنسى غير أن اسمك ليس من هذه الأسماء التي تذكر بتاريخ. # قال: "هذه غلطة ms533 الجرائد ... ومهما تنسى من شيء فلا تنس أنك أستاذ "نابغة ~~القرن العشرين"1. # فسرحت فيه نظري، فإذا أنا بمجنون ظريف أمرد أهيف, يكاد برخاوته وتفككه لا ~~يكون رجلا، ويكاد يبدو امرأة بجمال عينيه وفتورهما. # وتوسمت فإذا وجه ساكن منبسط الأسارير ممسوح المعاني، ينبئ بانقطاع صاحبه ~~مما حوله، كأن دنياه ليست دنيا الناس، ولكنها دنيا رأسه ... PageV02P278 # وتأملت فإذا طفولة متلبدة قد ثبتت في هذا الوجه لتخرج من بين الرجل ~~والطفل مجنونا لا هو طفل ولا رجل. # وتفرست فإذا آثار معركة بادية في هذه الصفحة، قتلاها أفكار المسكين ~~وعواطفه. # وتبينت فإذا رجل مسترخ، متفتر البدن، حائر النفس، كأنه قائم لتوه من ~~النوم فلا تزال في عينه سنة، وكأنه يتكلم من بقايا حلم كان يراه. # وخيل إلي من هذا الخمول في هذا الشاب، أن عليه جوا من تثاؤبه، وأن المكان ~~كله يتثاءب، فتثاءبت ... # فلما رأى ذلك مني ضحك وقال: إن "نابغة القرن العشرين" رجل مغناطسي عظيم؛ ~~فها هو ذا قد ألقى عليك النوم ... وحسبك فخرا أن تكون أستاذه وأخاه وثقته، ~~"فليس على ظهرها اليوم أديب غيري وغيرك ... ". # قلت في نفسي: إنا لله، ما يعتقد الرجل أن على ظهرها مجنونا غيره وغيري، ~~وكأنما ألم بذلك فقال: لست مجنونا؛ ولكني كنت في البيمارستان ... # قلت: أهو البيمارستان الذي يسمى مستشفى المجاذيب؟ # قال: لا؛ إن هذا الذي تسميه أنت، هو هو مستشفى المجاذيب؛ أما الذي سميته ~~أنا فهو مستشفى فقط ... # وذكرت عندئذ أن من المجانين قوما ظرفاء يدخلهم الفساد في عقولهم من ناحية ~~فكرة ملازمة لا تبرح، فلا يكون جنونهم جنونا إلا من هذا الوجه، وسائر ~~أحوالهم كأحوال العقلاء، غير أنهم بذلك طياشون متقلبون، إذا ازدهي لم يطقه ~~الناس من زهوه وكبريائه وتنطعه، كأنه واحد الدنيا في هذ الفكرة، وكأن بينه ~~وبين الله أسرارا، ويظن عند نفسه أنه أعقل الناس في أرقى طبقات عقله، وما ~~جنونه إلا في هذه الطبقة وحدها. # ومثل هذا لا بد له ممن يستجيب لهذيانه كيما يحرك فيه خفته وطيشه وزهوه، ~~وليكون عنده الشاهد ms534 على هذا الوجود الخيالي المبدع الذي لا يوجد إلا في ~~عقله المختل, فإذا هو ظفر بمن يحاسنه، أو يصانعه، أو يجاريه، حسبه مذعنا ~~مؤمنا مصدقا، فلا يدعه من بعدها ويتعلق به أشد التعلق، ويراه كأنه في ملكه ~~... فيتخذه صفيا وهو يعتقد أنه رقيق، وقد يزعمه أستاذه ليفهمه من ذلك بحساب ~~عقله ... أنه تلميذه. # PageV02P279 # وخشيت أن يكون "نابغة القرن العشرين" لم يسمني أستاذه إلا بحساب من هذا ~~الحساب، فهو سيعطي الأستاذية حقها، ولكن كما هو حقها في لغة جنونه ... ~~فأصبح في رأيه تلميذه وصنيعته، ومحدث هذيانه، وثقته وملجأه، والمحامي من ~~ورائه. # قلت في نفسي: إذا أنا تركته جالسا كان هذا المجلس مثابته من بعد، فلا ~~يعرف له محلا غيره، ويصبح كما يقال في تعبير القانون "محله المختار"، ~~فيتطرأ إلي لسبب ولغير سبب، ويقع في أوقاتي وقوع السهو لا حساب عليه، ويضيع ~~فيه ما يضيع، فأجمعت أن أصرفه راضيا باليأس، وقد انتهت نفسه من معرفتي، ~~وانتهى عقله إلى الرأي أني لا أصلح له أستاذا، لا بحسابه هو ولا بحساب ~~الناس. # فقلت له: ظني بك أنك أستاذ نفسك، ولا يحسن بنابغة القرن العشرين أن يكون ~~له في القرن العشرين أستاذا؛ وأراك قد فرغت للأدب، أما أنا فمشغول بأعمال ~~وظيفتي، وقد جاء من العمل ما تراه، وتكاد لا تفي به الساعات الباقية من ~~الوقت و ... # فقطع علي وقال: إن الوقت ليس في الساعة؛ والدليل أني أعطلها فيتعطل ~~الوقت، ولا يكون فيها يوم ولا ساعة ولا ثانية ولا دقيقة. # فقلت: ولكنك إذا عطلتها لم تتعطل الشمس التي تعين منازل النهار، فسيمر ~~الظهر ويحين العصر و ... # قال: ويأتي غد، وإنما أنا معك اليوم فقط ... ويجب أن تغتبط بأنك أستاذ ~~"نابغة القرن العشرين"، فقد قرأت الكثير في الأدب وقرأتك، فما كان لي رأي ~~إلا رأيته لك ... ولا صحت عندي نظرية إلا رأيتك قد أبديتها، وأنا لا أعتقد ~~أدبا في مصر إلا ما توافينا عليه معا "ولا أسلم جدلا، ولا جدلا أسلم أن في ~~مصر أدباء ينالون مني ms535 شيئا, فهو أنا وأنا هو"1, ولئن لم يذعنوا "لنابغة ~~القرن العشرين" فليعلمن أنهم "وقعوا مني موقع نملة على صخرة ... هذا من ~~جهة، ومن جهة أريد سجائر وليس معي ثمنها". # فتهللت واستبشرت، وقلت له: هذا قرش فهلم فاشتر به دخائنك، وفي رعاية ~~الله، ثم استويت للقيام، ولكنه لم يقم؛ بل تمكن في مجلسه ... PageV02P280 # وكرهت أن أتغير له وما أشك أنه في هذا صحيح التمييز؛ فما أسرع ما قال: إن ~~"نابغة القرن العشرين" فتى قوي الإرادة؛ فإذا هو لم يصبر عن التدخين ساعات ~~فما هو بصبور ... وإذا لم يثبت لك هذا الأمر عن معاينة ... فما أعطيته حقه. # فقلت في نفسي: لقد غرست الرجل من حيث أردت اقتلاعه، وأيقنت أنه من عقلاء ~~المجانين الذين تتغير فيهم العاطفة أحيانا فتلهمهم آيات من الذكاء لا يتفق ~~مثلها إلا لنوابغ المنطق؛ وذكرت "بهلول" المجنون الذي حكوا عنه أن إبراهيم ~~الشيباني مر به وهو يأكل خبيصا1 فقال له: أطعمني. قال: ليس هو لي، إنما هو ~~لعاتكة بنت الخليفة بعثته إلي لآكله لها ... # وقالوا: إنه مر بسوق البزازين فرأى قوما مجتمعين على باب وكان قد نقب، ~~فنظر فيه وقال: أتعلمون من عمل هذا؟ قالوا: لا. قال: فأنا أعلم. # فقالوا: هذا مجنون يراهم بالليل ولا يتحاشونه، فألطفوا به لعله يخبركم. ~~ثم قالوا: أخبرنا. قال: أنا جائع. فجاءوه بطعام سني وحلواء؛ فلما شبع قام ~~فنظر في النقب وقال: هذا عمل اللصوص ... # وكانت مجلة "الرسالة" في يد "نابغة القرن العشرين"، فوصل الكلام بها ~~وقال: إنه يقرأ كل مقالاتي، وإنه وإنه، وإنها وإنها. قلت: فما استحسنت ~~منها؟ قال: "مقالة السيما" ... # فقلت: متى كان آخر عهدك برؤية السيما؟ قال: أمس. # قلت: فأنا لم أكتب مقالا عن السيما، ولكنك أعجبت بما رأيت أمس فتحول ما ~~رأيته حلما في مقالة. # فأعجبه هذا التأويل وقال: بمثل هذا أنا "نابغة القرن العشرين"، فأقرأ ~~مقالتك في الغيب من قبل أن تكتبها ... # قلت: إنك تكثر أن تقول عن نفسك "نابغة القرن العشرين"، وهذا يحصر نبوغك ~~في قرن بعينه؛ فلو ms536 قطعت الكلمة وقلت: "نابغة القرن"، لصح أن تكون نابغة ~~القرن التاسع عشر والثامن عشر، وما قبلهما وما بعدهما. # فرأيت به شدهة كأنه يفكر في جنونه، ثم أفاق وقال: لا. لا؛ وإن هاهنا موضع ~~PageV02P281 # نظر، فلو رضيت بنابغة القرن فقط، لجاء من يقول: إني نابغة قرن خروف ... # فقلت في نفسي: حمأة مدت بماء1، وإن هذه الوساوس لا تنفك تعرو هذا المسكين ~~ما وجد من يكلمه؛ والأفكار في ذهنه مجتمعه مختلطة مسترسلة كأنها ثورة من ~~الكلام لا نظام لها، فلأسكت عنه ولأتشاغل بما بين يدي. # وسكت وأعرضت عنه؛ فجعل طائفه يعتريه، وكأن السكوت قد سلط أفكاره عليه، ~~وكأنها أخذت تصيح به في رأسه كما يصيح غلمان الطرق بالمجنون، لا يزالون به ~~حتى يحردوه ويفقدوه البقية من صبره وعقله معا. فغضب "نابغة القرن العشرين" ~~ونقله الغضب إلى حالة زمهرت فيها عيناه2، وكلح وجهه حتى خفت أن يثور به ~~الجنون، فأقبلت عليه وتعللت بسؤاله: ألك إخوة؟ ألم ينبغ فيهم نابغة؟ # قال: إن له أخا يعذبه، ويوقع به ضربا، ويعلله بالسلاسل، ويشده "بأمراس ~~كتان إلى صم جندل"، وأنه أنزل به العذاب ما لو أنزله بحجر لتألم. # قلت: فأنت في حاجة إلى راحة، ويحسن بك أن تأوي إلى مكان تتمدد فيه. # قال: إني منصرف وسأجلس في ندي كذا3 "هذا من جهة، ومن جهة ليس معي ثمن ~~القهوة". # قلت: فهذا قرش تدفعه ثمنا لها، فاذهب فاستمتع بها وبالتدخين وبالراحة في ~~ذلك الندى، فالمكان ههنا كثير الضجيج والحركة. واستوفزت للقيام؛ ولكنه لم ~~يتحلحل من مجلسه. # ثم قال: أراك الآن مستبصرا أني "نابغة القرن العشرين" بعينه. # قلت: بل بعينيه اليمنى واليسرى معا ... # قال: لا. لا؛ إنك نسيت أن العرب تقول في التوكيد: عينه ونفسه وذاته. "أي ~~أنا نابغة القرن العشرين بعينه ونفسه وذاته، فليس غيري نابغة القرن ~~العشرين". # وكادت نفسي تخرج غيظا، ولكني رأيت الحلم على مثل هذا يجري مجرى ~~PageV02P282 # الصدقة؛ وقلت: إن أدباء المجانين كثيرا ما يتفق لهم الإبداع الطريف إذا ~~عللوا شيئا، كذلك القاص الذي كان يقص ms537 على العامة سيرة يوسف -عليه السلام- ~~فقال لهم فيما قال: إن الذئب الذي أكل يوسف كان اسمه كذا، فردوا عليه: إن ~~يوسف لم يأكله الذئب. قال: فهذا هو اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف. # فقلت للمجنون: فما العلة عندك في أن العرب لم يقولوا في التوكيد: عينه ~~وأذنه وأنفه وفمه ويده ورجله؟ # فنظر نظرة في الفضاء ثم قال: ليسوا مجانين فيخلطوا هذا الخلط، وإلا وجب ~~أن يقولوا مع ذلك: وعمامته وثوبه ونعله وبعيره وشاته ودراهمه. "هذا من جهة، ~~ومن جهة ليس معي أجرة السيارة إلى بلدي وهي قرشان". # قلت: هذه هي أجرة السيارة وصحبتك السلامة، ونهضت واقفا؛ ولكنه لم يتحرك. # ثم قال: إنك لم تعرف بعد "أني أقول الشعر في الغزل والنسيب والمدح ~~والهجاء والفخر؛ وأني في الخطابة قس بن ساعدة أو أكثم بن صيفي، وأني صخر لا ~~ينفجر ... يابس لا ينعصر، لست كالحجاج بل كعمر". # قلت: هذا شيء يطول بيننا ولا حاجة لك بهذه البراهين كلها، فقد آمنت أنك ~~نابغة القرن العشرين في الأدب والشعر والخطابة والترسل. # قال: والفلسفة؟ # قلت: والفلسفة وكل معقول ومنقول؛ وقد انتهينا على ذلك. # قال: ولكنك تحسبني مجنونا أو ممرورا "كما حسبتني الجرائد التي زعمت أن ~~اختفائي في البيمارستان كان لجنوني الفكري أو لذكائي الطبيعي، وهو الأصح ~~... فبين لهذه الجرائد أني خرجت، وأني سأطبع الأدب بطابع جديد". # قلت: ولكني لست مراسل جرائد. قال: "فاجعلني رسالة وراسلها عني أو أكتب لك ~~أنا ما ترسله، وما جئتك إلا لهذا؛ ويجب أن تلحقني بجريدة كبيرة، وهذه ~~الجرائد تعرفني كلها، وقد تناولتني من جميع النواحي الأدبية؛ فضلا عن أني ~~كاتب فذ، وخطيب فذ، وشاعر فذ, وهذا قليل من كثير، فهل أعول عليك في صلتي ~~بالجرائد أو لا؟ ". # قلت: إنك تعرفهم ويعرفونك، وقد بلوتهم وبلوا منك، فلست في حاجة إلي ~~عندهم. # PageV02P283 # قال: إنهم يخشون بأسي، وقد حسبوني مجنونا استهوته الشياطين؛ وما علموا أن ~~شيطان الشعر هو الذي استهواني، كما أن شيطان الحب هو الذي استهواك ... هذا ~~من جهة، ومن جهة ليس ms538 معي ثمن الغداء، ولا أكلفك شيئا ... ". # قلت: فهذا قرش للغداء في مطعم الشعب، وهم الآن يتغذون ويوشك إذا أبطأت أن ~~توافقهم وقد استنفدوا الطعام، وأنت لا تجهل أن القرش في مطعم الشعب هو ~~قرشان في القيمة. # قال: صدقت؛ يوشك أن أوافقهم وقد فرغوا من طعامهم وغسلوا الآنية. فلأبق ~~هذا للعشاء وسأطوي إلى الليل. # قلت: فمعك الآن ثمن الدخان، والقهوة، والغداء، وأجرة السيارة إلى بلدك. ~~وقد كان نابغة القرن الثالث للهجرة واسمه "طاق البصل"1 يغني بقيراط ولا ~~يسكت إلا بدانق. هذا من جهة، ومن جهة فخذ هذا القرش ثمنا لسكوتك وانصرف. # فشق ذلك عليه وقام مغضبا وتنفست بعده الصعداء الطويلة ... وفتحت النافذة ~~واستقبلت الهواء النقي وأخذت في رياضة التنفس العميق، ثم زاغت عيني إلى ~~الباب؛ فإذا "نابغة القرن العشرين" مقبل مع نابغة قرن آخر ... PageV02P284 ### | ### | المجنون " # 2": # رأيت المجنونين يدخلان معا، فكأنما سدا الباب وسوياه بالبناء وتركا ~~الغرفة حائطا مصمتا لا باب فيه، مما اعتراني من الضيق والحرج، وقلت في ~~نفسي: إنه لا مذهب للعقل بين هذين إلا أن يعين كلاهما على صاحبه، فأرى أن ~~أدعهما وأكون أنا أصرفهما؛ ويا ربما جاء من النوادر في اجتماع مجنونين ما ~~لا يأتي مثله من عقلين يجتمعان على ابتكاره؛ غير أني خشيت أن أكون أنا ~~المجنون بينهما, ثم لا آمن أن يثب أحدهما بالآخر إذا خطرت به الخطرة من ~~شيطانه، فرأيت أن يكون لي ظهير عليهما، إن لم يحق به العون فلا أقل من أن ~~يطول به الصبر ... وكان إلى قريب مني الصديق "ا. ش"* فأرسلت في طلبه. # أما هذا المجنون الثاني الذي جاء به "نابغة القرن العشرين" فقد رأيته من ~~قبل، وهو كالكتاب الذي خلطت صحفه بعضها في بعض فتداخلت وفسد ترتيبها، ~~وانقلب بذلك العلم الذي كان فيها جهلا وتخليطا، يثب الكلام بعد كل صفحة إلى ~~صفحة غريبة لا صلة لها بما قبلها ولا ما بعدها. # وهو طالب أزهري كان أكبر همه أن يصير حافظا كالحفاظ الأقدمين من الرواة ~~والفقهاء، فجعل يستظهر كتابا بعد ms539 كتاب ومتنا بعد متن؛ وكانت له أذن واعية، ~~فكل ما أفرغ فيها من درس أو حديث أو خبر، نزل منها كالنقر على آلة كاتبة، ~~فينطبع في ذهنه انطباع الكتابة: لا تمحى ولا تنسى. # ثم التاث هذه اللوثة وهو يحفظ متنا في فقه الشافعي "رضي الله عنه"، فغبر ~~سنين يتحفظه، كلما انتهى إلى آخره نسيه من أوله؛ فيعود في حفظه وربما أثبت ~~منه الشيء بعد الشيء ولكنه إذا بلغ الآخر لم يجد معه الأول؛ فلا يزال هذا ~~دأبه لا PageV02P285 # يمل ولا يجد لهذا العناء معنى، ولا يزال مقبلا على الكتاب يجمعه، ثم لا ~~يزال الكتاب يتبدد في ذاكرته. # وترك المعهد الذي هو فيه وتخلى في داره للحفظ، وأجمع ألا يدع هذا المتن ~~أو يحفظه، كأن فيه الموضع الذي فارقه عقله عنده، وبذلك رجع المسكين آلة حفظ ~~ليس لها مساك؛ وأصبح كالذي يرفع الماء من البحر، ثم يلقيه في البحر، لينزح ~~البحر ... # وجاء "ا. ش" فقلت له، وأومأت إلى المجنون الأول: هذا نابغة القرن ~~العشرين. # قال: وهل انتهى القرن العشرون فيعرف من نابغته؟ # فقلت: للمجنون: أجبه أنت. فسأله: وهل بدأ القرن الواحد والعشرون؟ قال: ~~لا. # قال: فإن هذا الذي إلى جانبي نابغة القرن الواحد والعشرين ... فكما جاز ~~أن يكون هو نابغة قرن لم يبدأ، جاز أن أكون أنا نابغة قرن لم ينته. # قلت: ولكنك زدت المشكلة تعقيدا من حيث توهمت حلها؛ فكيف يكون معك في آن ~~وبينك وبينه خمس وستون سنة؟ # فنظر نظرة في الفضاء، وهو كلما أراد شيئا عسيرا نظر إلى اللاشيء. # ثم قال: هذه الأمور لا تشتبه إلا على غير العاقل ... وكيف لا يكون بيني ~~وبينه خمس وستون سنة وأنا أتقدمه في النبوغ بأكثر من علم العلماء في خمس ~~وستين سنة؟ # قلت للآخر: أكذلك؟ # قال: مما حفظناه عن الحسن: أدركنا قوما لو رأيتموهم لقلتم: مجانين. ولو ~~أدركوكم لقالوا: شياطين. # فضحك الأول وقال: إنه تلميذي. # قال الثاني: لقد صدق فهو أستاذي، ولكنه حين ينسى لا يذكره غيري ... # قلت: لا غرو "فمما ms540 حفظناه" عن الزهري: إذا أنكرت عقلك فاقدحه بعاقل ... # فغضب نابغة القرن العشرين وقال: ويح لهذا الجاهل، الأحمق، الجاحد للفضل، ~~مع جنونه وخبله، أيذكرني وهو منذ كذا وكذا سنة يحفظ متنا واحدا لا # PageV02P286 # يمسكه عقله إلا كما يمسك الماء الغرابيل؟ صدق -والله- من قال: عدو عاقل ~~خير, خير, خير, فقال الثاني: خير من صديق جاهل، ها أنا ذا قد ذكرتك من ~~نسيان، وها أنت ذا رأيت. # فضحك النابغة وقال: ولكني لم أرد أن أقول هذا، بل أريد أن أؤلف كلاما آخر ~~... عدو عاقل خير، خير، خير، خير من مجنون جاهل ... # ورأيت أن في التقاء مجنونين شيئا طريفا غير جنونهما، وصح عندي أن المجنون ~~الواحد هو المجنون؛ أما الاثنان فقد يكون من اجتماعهما وتحاورهما فن ظريف ~~من التمثيل، إذا وجدا من يصرفهما في الحديث، ويستخرج ما عندهما، ويستكشف ~~منهما قصتهما العقلية ... # ولم أكن أعرف أن "نابغة القرن العشرين" من المجانين الذين لهم أذن في غير ~~الأذن، وعين في غير العين، وأنف بغير الأنف؛ إذ تتلقى أدمغتهم أصواتا ~~وأشباحا وروائح من ذات نفسها لا من الوجود، وتدركها بالتوهم لا بالحاسة، ~~فتتخلق هواجسهم خلقا بعد خلق، وتخطر الكلمة من الكلام في ذهن أحدهم فيخرج ~~منها معناها يتكلم في دماغه أو يمشي أو يلاطفه أو يؤذيه أو يفعل أفعالا ~~أخرى. # وبينا أنا أدير الرأي في إخراج فصل تمثيلي من الحوار بين هذين ~~المجنونين1، إذ قال "نابغة القرن العشرين": صه، إن جرس "التلفون" يدق. # قال "ا. ش": لا أسمع صوتا، وليس ههنا "تلفون". # فاغتاظ المجنون الآخر وقال: إنك تتقحم على النوابغ ولست من قدرهم، وما ~~عملك إلا أن تنكر؛ والإنكار، ويلك، أيسر شيء على المجانين وأشباه المجانين، ~~والعامة وأشباه العامة؛ وقد أنكرت نبوغه آنفا، وأراك الآن تنكر "تلفونه" ~~... # قال "ا. ش": وأين "التلفون" وهذه هي الغرفة بأعيننا؟ فضحك "نابغة القرن ~~العشرين" وقال: صه -ويحك- لقد خلطت علي؛ إن الجرس يدق مرة أخرى، وأنا لا ~~أريد أن أكلمها حتى يطول انتظارها، وحتى تدق ثلاث مرات، وأخشى أن تكون قد ms541 ~~دقت الثالثة وذهب رنينها في صوتك ولغطك ... PageV02P287 # قال المجنون الآخر: هي صاحبته التي يهواها وتهواه؛ وقد استهامها وتيمها ~~وحيرها وخبلها، حتى لا صبر لها عنه؛ فوضعت له تلفونا في رأسه ... # قال "النابغة": وهذا التلفون لا يسمعني صوتها فقط، بل هو ينشقني عطرها ~~أيضا. وقد تكلمني فيه الملائكة أحيانا، وأنا ساخط على هذه الحبيبة فإنها ~~غيور تخشى سطواتها على اللائي تغار منهن، ولولا ذلك لكلمتني في هذا التلفون ~~إحدى الحور العين ... # قلنا: أو تغار منها الحور العين؟ # قال المجنون الثاني: بل الأمر فوق ذلك، فإن الحور العين يشتمنها ويلعنها؛ ~~"فمما حفظناه" هذا الحديث: "لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته ~~من الحور العين: لا تؤذه قاتلك الله؛ فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك ~~إلينا". # قال "نابغة القرن العشرين": ويلي على المجنون إنه يريد أن يخلو له موضعي ~~فهو يتمنى هلاكي وانتقالي وشيكا في هذه الدنيا. وهو يقول بغير علم لأنه ~~أحمق ليس له عقدة من العقل، فيزعم أنها تؤذيني، ولو هي آذتني لغضبت قبل ~~ذلك، ولو غضبت لرفعت التلفون. صه إن الجرس يدق. # قال ا. ش: إن للنوابغ لشأنا عجبا، ففي مديرية الشرقية رجل نابغة ماتت ~~زوجته وتركت له غلاما، فتزوج أخرى وهو يعيش في دار أبيه. فلما كان عيد ~~الأضحى سأل أباه مالا يبتاع به الأضحية فلم يعطه. وهو رجل يحفظ القرآن، ~~فذكر إبراهيم "عليه السلام" ورؤياه في المنام أنه يذبح ابنه، فخيل إليه أن ~~هذا باب إلى النبوة، وأن الله قد أوحى إليه، فأخذ الغلام في صبيحة العيد ~~وهم بذبحه، ولولا أن صرخ الغلام فأدركه الناس فاستقنذوه ... # قال "نابغة القرن العشرين": هذا مجنون وليس بنابغة؛ بل هذا من جهلاء ~~المجانين؛ بل هو مجنون على حدته. وقد رأيته في البيمارستان في حين كنت أنا ~~في المستشفى ... فكان يزعم أنه ائتمر في ذبح غلامه بإرادة الله. ولو كانت ~~إرادة الله لنفذت بالذبح، ولو كان الأمر وحيا لنزل عليه من السماء كبش ~~يذبحه ... وهكذا أنا في المنطق "نابغة القرن ms542 العشرين". # ثم إنه أشار إلى المجنون الثاني وقال: وأنا أتقدم هذا في النبوغ بأكثر من ~~علم العلماء في خمس وستين سنة كاملة. # PageV02P288 # قلت: ولكنك ذكرت هذا من قبل فلم عدت فيه الآن؟ # قال: إن السبب قد تغير فتغير معنى الكلام؛ وقد بدا لي أنه يتمنى هلاكي ~~ليكون هو نابغة القرن العشرين. فمعنى الكلام الآن؛ أنه لو عاش خمسا وستين ~~سنة "يحفظ المتن" لما بلغ مبلغي من العلم. هذا رجل نصفه ميت جنونا موتا ~~حقيقيا، ونصفه الآخر ميت جهلا بالموت المعنوي. # قال ا. ش: حسبه أن يقلدك تقليد العامي لإمامه في الصلاة وعسى ألا تستكثر ~~عليه هذا فإنه تلميذك. # قال المجنون الثاني "مما حفظناه": لو صور العقل لأضاء معه الليل، ولو صور ~~الجهل لأظلم معه النهار ... ونابغة القرن العشرين هذا لا يعرف كيف يصلي، ~~فقد وقف منذ أيام يصلي بالشعر ... ولما رأيته ناسيا فذكرته ونبهته أن ~~الصلاة لا تجوز بالشعر، التفت إلي وهو راكع فسبني وشتمني وصرخ في وقال: ما ~~شأنك بي؟ هل أنا أصلي لك أنت؟ # فغضب "النابغة" وقال: والله إن تحسبونني إلا مجنونا فتريدون أن يقلدني ~~هذا الأحمق الذي ليس له رأي يمسكه. ولولا ذلك لما اعتقدتم أن تقليدي من ~~السهل الممكن، ولعرفتم أن نابغة القرن العشرين نفسه لم يستطع تقليد نابغة ~~القرن العشرين. # قلنا: هذا عجيب، وكيف كان ذلك؟ # فضحك وقال: لا أعدكم من الأذكياء إلا إذا عقلتم كيف كان ذلك؟ قال ا. ش: ~~هذا لم يعرف مثله فكيف نعرفه؟ ولم يتوهمه أحد، فكيف نتوهمه؟ # قال: لو لم تكن أستاذ نابغة القرن العشرين لما عرفتها؛ وهذا نصف الصواب؛ ~~وما دمت أستاذي، فلو أننا اختلفنا في رأي لكان خلافك لي صوابا لأنه منك، ~~وكان خلافي لك صوابا لأنه مني؛ فأنت "غير مخطئ" وأنا مصيب، وإذا أسقطنا ~~كلمة "غير" أظل أنا مصيبا وتكون أنت مخطئا ... # أنا لم أر "نابغة القرن العشرين" في الرؤيا، ولكني رأيته في المرآة عند ~~الحلاق ... ورأيته يقلدني في كل شيء حتى في الإشارة والقومة والقعدة ولكني ms543 ~~صرخت فيه وسببته ففتح فمه، ثم خافني ولم يتكلم ... # وأومأ إلى المجنون الآخر وقال: وأنا أتقدم هذا في النبوغ بأكثر من علم ~~العلماء في خمس وستين سنة. # PageV02P289 # قال ا. ش: لقد قلتها مرتين كلتاهما بمعنى واحد، فما معناك في هذه ~~الثالثة؟ # قال: هذا الغر يزعم أني لا أعرف كيف أصلي، ويستدل لذلك بأني صليت بالشعر ~~وأني شتمته وأنا راكع؛ ولو كان عاقلا لعلم أن شتمي إياه وأنا راكع ثواب له ~~... ولو كان نابغة لعلم أن الشعر كان في مدح دولة النحاس باشا وأولي النهى. # قلنا: ولكن الشعر على كل حال لا تجوز به الصلاة ولو في مدح دولة النحاس ~~باشا. # قال: لم أصل به، ولكن خطر لي وأنا أصلي أني نسيت القصيدة فأردت أن أتحقق ~~أني لم أنسها ... فإذا أنا نابغة القرن العشرين في الحفظ، وهي ستة أبيات. ~~لا كهذا المعتوه الذي صبر على المتن صبر الغريب على الغربة الطويلة، ومع ~~ذلك لم يحفظه. # قال ا. ش: فأمل علينا هذا الشعر. فأملى عليه1: # يا حليف السهد قل لي ... أين من في الدهر خال # إن تكن تهوى غزالا ... أكحل العينين مال # أنا أهواها ولكن ... لا سبيل إلى الوصال # منذ ولت قلت مهلا ... منذ غابت في خيال # أنا مجنون بليلى ... ليل يا ليلى تعال # قلنا: ولكن ليس هذا مدحا، فضحك وقال: أردت أن تعرفوا أني أقول في الغزل، ~~أما المديح فهو: # شغف الورى بمناصب وأماني ... وشغفت يا نحاس بالأوطان # حسبوا الحياة تفاخرا وتنعما ... وحسبتها لله والأوطان # ثم أرتج عليه فسكت. قال المجنون الآخر: إنها ستة أبيات، وقد نسيت أربعة، ~~ولست أريد أن أذكرك. # فقال "النابغة": أظنه قد حان وقت الصلاة وأريد أن أصلي ... ونظر إلى ~~اللاشيء في الفضاء، ثم قال. والبيت الآخير: # لا أبتغي في المدح غير أولي النهى ... أو صادق2 أو شوقي أو مطران ~~PageV02P290 # ثم أمر ا. ش. أن يقرأ عليه الشعر فقرأه، فقال: أحسنت، انظر إلى فوق. ~~فنظر، ثم قال: انظر إلى تحت. فنظر ثم سكت. # قال ا. ش: وبعد؟ ms544 قال: وبعد فإن الناس ينظرون إما إلى فوق وإما إلى تحت ~~... # وكان الضجر قد نال مني، فرجوت ا. ش. أن يلبث معهما وأذنت لنابغة القرن ~~العشرين أن يلقاني في الندي وانصرفت ... # قال ا. ش وهو ينبئني: فما غبت عنا حتى أخذ المجنون يشكو ويتوجع ويقول: ~~لقد حاق بي الظلم، وإن "الرافعي" رجل عسوف ظالم، لأني أكتب له كل مقالاته ~~التي ينشرها في "الرسالة" ... وأجمع نفسي لها، وأجهد في بيانها، وأذيب عقلي ~~فيها، وهو مستريح وادع، وليس إلا أن ينتحلها ويضع توقيعه عليها، ويبعث بها ~~إلى المجلة، ثم هو يقبض فيها الذهب وينال الشهرة، ولا يدفع لي عن كل مقالة ~~إلا قرشين1 ... # قال ا. ش: فما يمنعك أن ترسل أنت هذه المقالات إلى المجلة فتقبض فيها ~~الذهب؟ قال: إن هناك أسرارا أنا محصنها وكاتمها، ولا ينبغي أن يعلمها أحد ~~فإنها أسرار ... قال له: فدع "الرافعي" واكتب لي أنا هذه المقالات، وأنا ~~أعطيك في كل مقالة ذهبين لا قرشين. # قال: هذه أسرار ولا أستطيع أن أكتب إلا للرافعي، لأن "نابغة القرن ~~العشرين" لا يجوز أن يدعي كلامه إلا أستاذ نابغة القرن العشرين، ولو ادعاه ~~غيره لكان هذا حطا من قدر نابغة القرن العشرين، وهذا بعض الأسرار لا كل ~~الأسرار. # قلت: ثم جاء المجنونان في العشية إلى الندي. PageV02P291 ### | ### | المجنون " # 3": # وكنا في الندي ثلاثة: أنا وا. ش, وس. ع*؛ وقد هيأت تدبيرا توافقنا عليه ~~لتحريك هذين المجنونين، وتدوين ما يجيء منهما. فلما أقبلا تحفينا بهما ~~وألطفناهما، وقمنا ثلاثتنا ببسطهما وإكرامهما، حتى حسبا أن في كلمة "مجنون" ~~معنى كلمة أمير أو أميرة ... ورأيت في عيني "نابغة القرن العشرين" -وهو ~~أعين أنجل1- ما لو ترجمته لما كانت العبارة عنه إلا أنه يعتقد أن له نفسا ~~أنثى أعشقها أنا ... فكان مسددا فكه اللسان، تستملح له النادرة، وتستظرف ~~منه الحركة. # ولما تمكن منه الغرور، واحتاج الجنون كما يحتاج الجمال إلى كبريائه إذ ~~حاطته الأعين, أدار بصره في المكان، ثم قال: أف لكم ولما تصبرون عليه من ~~هذا الندي ms545 في ضوضائه ورعاعه وغوغائه. إن هؤلاء إلا أخلاط وأوشاب وحثالة. ~~هذا الجالس هناك. هذا الواقف هنالك. هذا المستوفز. هذان المتقابلان. هؤلاء ~~المتجمعون. هذا كله خيال حقيقة في رأسي. ما هي؟ ما هي؟ # هذا التصايح المنكر. هذا الضرب بحجارة النرد. هذه الزحمة التي انغمسنا ~~فيها. هذا المكان الهائج من حولنا، هذا كله خيال حقيقة في رأسي. هي، هي، ~~هي. # فانزعج المجنون الآخر، ووقع في تهاويل خياله، ونظر إلينا تدور عيناه، ~~وتوجس شرا، ثم زاغ بصره إلى الباب، واستوفز وجمع نفسه للقيام؛ فلما رأى ~~صاحبه ما نزل به، قهقه وأمعن في الضحك وقال: إنما خوفته الصبيان والضرب ~~ليثبت لكم أنه مجنون ... # فحرد الآخر واغتاظ وجعل يتمتم بينه وبين نفسه. # قال "النابغة": ما كلام تطن به طنين الذبابة أيها الخبيث؟ PageV02P292 # قال: "مما حفظناه": أن من علامات الأحمق أنه إذا استنطق تجلف، وإذا بكى ~~خار، وإذا ضحك نهق. كما فعلت أنت الساعة، تقول: هاء، هوء، هيء ... # فتغير وجه "النابغة"، ونظر إليه نظرة منكرة، وهم أن يقتحم عليه، وقال: ~~أيها المجنون، لماذا تضطرني إلى أن أجيبك جواب مجنون ... لا نجوت إن نجوت ~~مني! # فأسرع ا. ش، وأمسك به؛ واعترض من دونه س. ع، وقال له: أنت بدأته والبادئ ~~أظلم. # قال: ولكن -ويحه- كيف قال هذا؟ كيف لم يقل إلا هذا؟ كيف لم يجد إلا هذا ~~يقوله؟ أنابغة القرن العشرين أحمق، وقد أوحده الله في القرن العشرين؟ لهممت ~~-والله- أن أكسر الذي فيه عيناه؛ فما يقول إلا أني أحمق القرن العشرين ... # قلت: إن كان هذا هو الذي أغضبك منه؛ ففي الحديث الشريف: "ليس من أحد إلا ~~وفيه حمقة، فبها يعيش". والحياة نفسها حماقة منظمة تنظيما عاقلا؛ وما يقبل ~~الإنسان على شيء من لذاتها إلا هو مقبل على شيء من حماقاته، وأمتع اللذة ما ~~طاش فيه العقل وخرج من قانونه؛ ولولا هذا الحمق في طبيعة الإنسان لما احتمل ~~طبيعة الحياة، أليس يخيل إليك أن أكثرك غائب عن الدنيا وأقلك حاضر فيها، ~~وأن يقظتك الحقيقية إنما هي في الحلم وما ms546 يشبه الحلم، كأنك خلقت في كوكب ~~وهبطت منه إلى كوكبنا هذا، فما فيك للأرض ولا فيها لك إلا القليل يلتئم ~~بعضه ببعضه، وأكثركما متنافر أو متناقض أو متراجع؟ # قال: بلى. # قلت: فهذا القليل هو الحمقة التي بها تعيش، وهو أرضية الأرض فيك؛ أما ~~سماوية السماء فبعيدة لا تحتملها طبيعة الأرض؛ ولهذا يعيش أهل الحقيقة عيش ~~المجانين في رأي المغرورين الذي غرتهم الحياة الفانية، أو المخدوعين الذين ~~خدعتهم الظواهر الكاذبة؛ فكلما أتوا عملا من الأعمال السامية انتهى إلى ~~الحمقى معكوسا أو محولا أو معدولا به؛ ولعل هذا أصح تفسير للحديث الشريف: ~~"أكثر أهل الجنة البله". # قال المجنون الآخر: "مما حفظناه": أكثر أهل الجنة البله. # PageV02P293 # فقال "النابغة": المصيبة فيك أنك أنت هو أنت؛ ألا فلتعلم أنك من بلهاء ~~البيمارستان لا من بله الجنة ... # قلت: ثم إن الموت لا بد آت على الناس جميعا، فيسلبهم كل ما نالوه من ~~الدنيا، ويلحق من نال بمن لم ينل؛ فمن ذا الذي يسر بأن ينال ما لا يبقى له، ~~إلا أن يكون سروره من حماقته؟ ومن ذا الذي يحزن على أن يفوته ما لا يبقى ~~له، إلا أن يكون حزنه حماقة أخرى؟ وأي شيء في الحب بعد أن ينقضي الحب إلا ~~أنه كان حماقة ضربت في الحواس كلها ملأت النفس؛ ثم ملأت النفس حتى فاضت على ~~الزمن؛ ثم فاضت على الزمن حتى خبلت العاشق تخبيلا لذيذا تصغر فيه الأشياء ~~وتكبر, ويجعل الواقع في النفس غير الواقع في دنياها؟ يشبه كل عاشق حبيبته ~~بالقمر, فهب القمر سمع هذا وفهمه وعناه أن يجيب عنه، فماذا عساه يقول إلا ~~أن يعجب من هذا الحمق في هذا التشبيه؟ # فهدأ "النابغة" وسكن غضبه وقال: صدقت، ولهذا أنا لا أشبه حبيبتي بالقمر. # قلت: فبماذا تشبهها؟ # قال: لا أقول لك حتى أعلم بماذا تشبه أنت حبيبتك. قلت: وأنا كذلك لا ~~أشببها بالقمر. # قال: فبماذا تشبهها؟ قلت: حتى أعلم بماذا تشبه أنت ... # قال: هذا لا يرضى منك وأنت أستاذ "نابغة القرن العشرين"، ولك حبائب ms547 ~~كثيرات عدد كتبك، وقد أعجبتني منهن تلك التي في "أوراق الورد"، وأظنك ~~أحببتها في شهر مايو من سنة ... من سنة ... # قال المجنون الآخر: من سنة 1935؛ ها أنا ذا قد نبهتك. # قال: يا ويلك! إن "أوراق الورد" ظهرت من بضع سنين, إنما أنت من بلهاء ~~البيمارستان لا من بله أوراق الورد ... ماذا كنت أقول؟ # قال ا. ش: كنت تقول: هذا لا يرضى منك ولك حبائب كثيرات. # قال: نعم، لأنك إذا شبهت واحدة منهن بالقمر، انتهى القمر وفرغ التشبه ~~فيظل الأخريات بلا قمر ... ثم إن كلمة القمر لا تعجبني، فلونها أدكن مغبر1 ~~PageV02P294 # يضرب أحيانا إلى السواد ... فإذا عشقت زنجية فههنا محل التشبيه بالقمر ~~... أما البيض الرعابيب فتشبيههن بالقمر من فساد الذوق. # قال س. ع: وللألفاظ ألوان عندك؟ # قال: لو كنت نابغة لأبصرت في داخلك أخيلة من الجنة؛ ألم يقل أستاذنا آنفا ~~عن "نابغة القرن العشرين": إنه هبط من كوكب إلى كوكب؟ ففي كوكبنا الأول ~~يكون لنا سمع ملون؛ وحس ملون نسمع قرع الطبل أزرق، ونفخ البوق أحمر، ورنين ~~النغم الحلو أخضر1، والوجود كله صور ملونة، سواء منه ما يرى وما يحس، وما ~~هو مستخف وما هو ظاهر. # ثم أومأ إلى المجنون الآخر وقال: واسم هذا الأبله كلفظ الحبر, لا أسمعه ~~إلا أسود. # وسكت "النابغة" وسكتنا؛ فقال له س. ع: ما لك لا تتكلم؟ قال: لأني أريد ~~السكوت. قال: فلماذا تريد السكوت؟ قال: لأني لا أريد أن أتكلم. # وتحرك في نفسه الغيظ من المجنون الآخر, فرمى بعينه الفضاء ينظر اللاشيء ~~وقال: إذا أصبح كل النساء ذوات لحى أصبح هذا عاقلا ... فدق الآخر برجله ~~دقات معدودة؛ فثار "النابغة" وقال: من هذا يشتمني؟ # قال: س. ع: لم يشتمك أحد، هذا خفق رجل على الأرض. # قال: بل شتمني هذا الخبيث، وسمعي لا يكذبني أبدا، وأنا رجل ظنون، أسيء ~~الظن بكل أحد، وعلامة الحازم "العاقل" سوء ظنه بالناس. فهبه مكما قلت قد ~~خفق بنعله، أو خبط برجله؛ فهو ما يعني من ذلك، وأنا أسمع ما يعنيه, لقد ms548 طفح ~~الشعر على قلبي فلا بد لي من هجائه، ولا بد لي أن أذبحه ولو بالكلام، فإني ~~إذا هجوته رأيت دمه في كلماتي، وأريد أن أجعله كالعنز التي كانت عندنا ~~وذبحناها. # ثم انتزع قلم س. ع، وقال: هذه هي السكين. ولكن أسألك يا أستاذي أن تذبحه ~~أنت بكلمتين وتصف له جنونه، فقد عزب عني الشعر ... إن خفقة رجل PageV02P295 # على الأرض تستطير الأرانب فزعا؛ فينفرن إلى أجحارهن ويتهاربن، وما كانت ~~أبيات الشعر في ذهني إلا أرانب. # أنتم لا تعرفون أن من كان حصيفا ثبيتا مثلي، كان دقيق الحس؛ ومن كان فدما ~~غبيا مثل هذا، كان بليد الحس غليظا كثيفا؛ فإذا أنا استشعرت البرد رأيتني ~~قد سافرت إلى القطب الشمالي؛ أما هذا المجنون فهو إذا استشعر بردا سافر إلى ~~عباءته أو لحافه ... إذ هو لا يعرف جغرافيا، ولا يدري ما طحاها. # قلت: هذا منك أظرف من نادرة أبي الحارث. قال: وما نادرة أبي الحارث؟ وهل ~~هو نابغة؟ # قلت: جلس يتغدى مع الرشيد وعيسى بن جعفر، فأتي بخوان عليه ثلاثة أرغفة، ~~فأكل أبو الحارث رغيفه قبلهما، والرشيد ملك عظيم, لا يأكل أكل الجائع، ~~وإنما هو التشعيث من هنا وهناك؛ فكان رغيفه لا يزال باقيا؛ فصاح أبو الحارث ~~فجأة: يا غلام، فرسي. ففزع الرشيد وقال: ويلك ما لك؟ قال: أريد أن أركب إلى ~~هذا الرغيف الذي بين يديك ... # قال "النابغة": ولكن فرقا بين أبي الحارث وبين "نابغة القرن العشرين"، ~~فإن من العجائب أني ربما نظرت إلى الرجل وهو يأكل فأجد الشبع، حتى كأنه ~~يأكل ببطني لا ببطنه، ولكن من العجائب أن هذا لا يتفق لي أبدا حين أكون ~~جائعا ... # أما هذا المجنون الذي أمامنا، فربما أبصر الحمار على ظهره الحمل، فيشعر ~~كأن الحمل على ظهره هو لا على ظهر الحمار. # قال الآخر: "مما حفظناه" أنه سرق لأعرابي حمار، فقيل له أسرق حمارك؟ قال: ~~نعم، وأحمد الله. فقيل له: على ماذا تحمده؟ قال: على أني لم أكن عليه حين ~~سرق ... فأنا إذا رأيت حمارا مثقل ms549 الظهر، حمدت الله على أن الحمل لم يكن ~~علي، لا كما يقول هذا. ثم دق برجله دقات ... # فاستشاط "النابغة" وقال: أسمعتم كيف يقول إني مجنون، ثم لا يكتفي بهذا بل ~~يقول إني حمار على ظهره الحمل؟ # قلت: ينبغي أن تتكافا، وهذا لا يعيبك منه ولا يعيبه منك، فإن من تواضع ~~"النوابغ" أن يشعروا ببؤس الحيوان، فإذا شعروا ببؤسه دخلتهم الرقة له، فإذا ~~دخلتهم الرقة صار خيال الحمل حملا على قلوبهم الرقيقة؛ وقد يصنعون أكثر من ~~ذلك: حكى الجاحظ عن ثمامة قال: كان "نابغة" يأتي ساقية لنا سحرا؛ فلا يزال # PageV02P296 # يمشي مع دابته ذاهبا وراجعا في شدة الحر أيام الحر، وفي البرد أيام ~~البرد، فإذا أمسى توضأ وقال: اللهم اجعل لنا من هذا الهم فرجا ومخرجا، فكان ~~كذلك إلى أن مات! # قال المجنون الآخر: "مما حفظناه": ثمرة الدنيا السرور، ولا سرور للعقلاء، ~~فلو لم يكن هذا أعقل العقلاء لما محق سروره في الدنيا هذا المحق إلى أن مات ~~غما، رحمه الله! # قال: س. ع: فاعف الآن عن صاحبك ولا تذبحه بالهجاء. # قال: لقد ذكرتني من نسيان، وهذا المجنون يرى نسياني من مرض عقلي، وكان ~~الوجه -لو تهدى إلى الحقيقة- أن يراه شذوذا في العقل، أي نبوغا عظيما كنبوغ ~~ذلك الفيلسوف الذي أراد أن يتثبت في كم من الزمن تسلق البيضة؛ فأخذ بيده ~~الساعة وبيده الأخرى بيضة، ثم نسي نسيان النبوغ، فألقى الساعة في الماء على ~~النار، وثبتت عينه على البيضة ينظر فيها على أنها هي الساعة. ولو قد رآه ~~هذا الأبله لزعمه مجنونا كما يزعمني، فإن المجانين يرون العقلاء مرضى ~~بمواهبهم وأعمالهم التي يعملونها. # وأنا فليس تهيجني شيء ما تهيجني كلمات ثلاث: أن يقال لي: مجنون، أو أبله، ~~أو أحمق. فمن رغب في صحبتي فليتجنب هذه الثلاث كما يتجنب الكفر والكفر ~~والكفر ... # قال ا. ش: فإذا قيل لك مثلا. مثلا. أي على التمثيل: مغفل. # فحك رأسه قليلا وقال: لا، هذه ليست من قدري1. # قلت: فبعض الكلمات إذا قطعت عندك غيرت الحقائق، كذلك ms550 القرن الذي قطع فرد ~~البقرة فرسا؟ # قال: وكيف كان ذلك؟ # قلت: زعموا أن أعرابيا خرج إخوته يشترون خيلا، فخرج معهم فجاء بعجل ~~يقوده؛ فقيل له: ما هذا؟ قال: فرس اشتريته. قالوا: يا مائق هذه بقرة، أما ~~ترى قرنيها؟ PageV02P297 # فرجع إلى منزله فقطع قرنيها، ثم قادها إليهم وقال لهم: قد أعدتها فرسا ~~كما تريدون. # قال "النابغة": هذا غير بعيد، فقد رأيتنا حين ذبحنا العنز وكسرنا قرنيها ~~أعدناها كلبة سوداء، فتقذرتها وعفت لحمها ولم أطعم منها. # ثم أومأ إلى الآخر وقال: هذا لا يدري ما طحاها، وهو مثل العنز: تحسب ~~قرنيها للقتال والنطاح ومنهما تمسك للذبح؛ فقل في هذا يا أستاذ "نابغة ~~القرن العشرين". # قلت للآخر: أيرضيك أن أقول في المعنى لا فيك أنت؟ قال: نعم. فكتبت هذه ~~الأبيات على ما يريد النابغة: # قل لعنز ناطحاها ... لقتال سلحاها # ما لها قد طرحاها ... في يدين ذبحاها؟ # شيمة مني نحاها ... عقل غر فلحاها # ليس يدري ما طحاها ... بل يرى شمس ضحاها # حجرا مثل رحاها ... ويرى الليل محاها # ظلما طالت لحاها # وسر "النابغة" وازدهى، وجعل يقول: طالت لحالها، طالت لحاها، وما كان هذا ~~إلا السرور الأصغر؛ أما سروره الأكبر فمجيء ساعي "البريد المستعجل" إلى ~~الندي، وفي يده رسالة عنوانها: نابغة القرن العشرين فلان، بندي كذا. # وجعل الرجل يهتف بالعنوان يسأل عن صاحبه؛ فتطاولت أعناق الناس، ورفعوا ~~أبصارهم ينظرون إلى "نابغة القرن العشرين" وقد مد يده يتناول الرسالة وكأنه ~~ملك من القدماء أسقط له كتاب بالفتح العظيم ويضم دولة إلى دولته. # ثم ترك الرسالة بين أصابعه يقلبها ولا يفضها ونحن في دهشة من أمره؛ فنظر ~~فيها المجنون وقال له: هذا عجيب يا أخي، كيف هذا؟ إن هذا لا يصدق؛ إنك لم ~~تلقها في صندوق البريد إلا منذ ساعة ... # PageV02P298 ### | ### | المجنون " # 4": # ضاق "نابغة القرن العشرين" بحمق المجنون الآخر؛ ورآه داهية دواه، كلما ~~تعاقل أو تحاذق لم يأت له ذلك إلا بأن يكشف عن جنونه هو؛ فلا يبرح يجرعه ~~الغيظ مرة بعد مرة، ولا يزال كأنه يسبه في ms551 عقله، فأراد أن يحتال لصرفه عن ~~المجلس، فدفع إليه الرسالة التي جاء بها "البريد المستعجل" وقال له: خذ هذه ~~فاذهب فألقها في دار البريد، فسيجيء بها الساعي مرة أخرى، ثم تذهب الثانية ~~فتلقيها، ويعود فيجيء بها، وتكون أنت تذهب ويكون هو يجيء، فنضحك منه ~~ويضحكون. # قال س. ع: ولكن كم يذهب هذا وكم يجيء ذاك؟ # فغمزه "النابغة" بعينه أن اسكت؛ فتغافل س. ع، وقال: كم تريد أن يجيء ~~الساعي ليهتف بنابغة القرن العشرين؟ # قال المجنون الآخر: هذا هو الرأي، فلست قائما حتى أعرف كم مرة أذهب؛ فإن ~~الساعي لا يجيء إلا راكبا، وأنا لا أذهب إلا راجلا، وإن لي رجلي إنسان لا ~~رجلي دابة ... # قال "النابغة": سبحان الله؟ بقليل من الجنون يخرج من الإنسان مجنون كامل ~~مستلب العقل. بيد أنه لا يأتي النابغة إلا من كثير وكثير، ومن النبوغ كله ~~بجميع وسائله وأسبابه على تعددها وتفرقها وصعوبة اجتماعها لإنسان واحد ~~"كنابغة القرن العشرين"، فهو الذي توافت إليه كل هذه الأسباب، وتوازنت فيه ~~كل تلك الخلال. إنه ليس الشأن في العلم ولا في التعليم؛ ولكنما الشأن في ~~الموهبة التي تبدع الابتكار، كموهبة "نابغة القرن العشرين"، فبها تجيء ~~أعماله منسجمة دالة بنفسها على نفسها؛ ومتميزة مع كونها منسجمة دالة بنفسها ~~على نفسها، متلائمة مع كونها متميزة دالة بنفسها على نفسها ... # هذا س. ع، كان الأول بين خريجي مدرسة دار العلوم، مدرسة الأدب # PageV02P299 # والعربية، والمنطق والتحذلق، وبلاغة اللسان وصحة النظر؛ وهو يعرف أن ~~الكتاب يلقى في البريد وعليه طابع واحد، فيصل إلى غايته بهذا الطابع، ثم ~~يرى بعيني رأسه أربعة طوابع على هذه الرسالة المعنونة باسم "نابغة القرن ~~العشرين"، فلا يدرك بعقله أن معنى ذلك أن من حق هذه الرسالة أن تصل إلي أنا ~~أربع مرات. # فطرب المجنون الآخر، واهتز في مجلسه، وصفق بيديه، وقال: "مما حفظناه" هذا ~~الحديث: "يحاسب الله الناس على قدر عقولهم". فلا تؤاخذ س. ع، فإن مدرسة دار ~~العلوم تعلمهم: "فيها قولان"، وفيها ثلاثة أقوال, وفيها أربعة أوجه، ولكنها ms552 ~~لا تعلمهم فيها أربعة طوابع ... # ثم التفت إلى س. ع، وقال له: لا عليك، فأنا صاحبه وخليطه، وحامل علمه ~~وراوية أدبه، وأكبر دعاته وثقاته، وما علمت هذه الحكمة منه إلا في هذه ~~الساعة. # قال ا. ش: فإذا كان هذا، فإن لقائل أن يقول: لماذا لم يضع على كتابه عشرة ~~من الطوابع، فيجيء به الساعي عشر مرات. # قال "النابغة": وهذا أيضا؟ # "وما شر الثلاثة أم عمرو بصاحبك الذي لا تصحبين"؛ إن الشمعة في يد العاقل ~~تكون للضوء فقط، ولكنها في يد المجنون للضوء ولإحراق أصابعه، كم الساعة ~~الآن؟ # قلنا: هي التاسعة. # قال: ومتى ينصرف أهل هذا الندي؟ # قلنا: لتمام الثانية عشرة. # قال: فإذا كان الساعي يتردد في كل ساعة مرة، فهي أربع مرات إلى أن ينفض ~~المجتمعون هنا، وبين ذلك ما يكون قد ذهب قوم عرفوا "نابغة القرن العشرين"، ~~وجاء قوم غيرهم فيعرفونه، وأما بعد ذلك فلا يجد الساعي هنا أحدا؛ فلا تكون ~~فائدة من مجيئه. # فصفق المجنون الآخر وقال: هذا وأبيك هو التهدي إلى وجه الرأي وسداده، ~~وهذا هو الكلام الرصين الذي يقوم على أصول الحساب والجغرافيا ... "ومما ~~حفظناه" هذا الحديث: "لا مال أعود من العقل". فأربعة طوابع، لأربع مرات، في ~~أربع ساعات؛ وما عدا هذا فإسراف وتبذير؛ ولا مال أعود من العقل. # PageV02P300 # ورضي "النابغة" عن صاحبه وقال له: لئن كانت فيك ضعفة إن فيك لبقية تعقل ~~بها ... ثم أخذ منه الرسالة ودسها في ثوبه. قلنا: ولكن ألا تفضها لنعرف ما ~~فيها؟ # فضحك وقال: أئن جاريتكم في باب المطايبة والنادرة، وجاريت هذا الأبله في ~~باب جنونه وحمقه تحسبون أن الأمر على ذلك، وأن الرسالة فارغة إلا من ~~عنوانها، وأن نابغة القرن العشرين هو أرسلها إلى نابغة القرن العشرين، كما ~~قال سعد باشا: "جورج الخامس يفاوض جورج الخامس"؟ لحق -والله- أن العقل ~~الكبير الذي يأبى الصغائر، هو الذي تأتي منه الصغائر أحيانا لتثبت أنه عقل ~~كبير، وهكذا تسخر الحقيقة من كبار العقول "كنابغة القرن العشرين" ... # فغضب المجنون الآخر وهم أن يتكلم, فقال ms553 له "النابغة": أنت كاذب فيما ~~ستقوله. # قلنا: ولكنه لم يقل شيئا بعد، فكما يجوز أن يكون كاذبا يجوز أن يكون ~~صادقا. # قال: وسيخطئ في رأيه الذي يبديه. # قلنا: ولم يبد شيئا من رأيه. # قال: ولا يعرف الحقيقة التي سيتكلم عنها. # قلنا: ويحك، أدخلت في عقل الرجل أم تعلم الغيب؟ # قال: لا هذا ولا ذاك، ولكنه قياس منطقي يتوهم اطراده. إنه سيقول: إني ~~مجنون ... # فأخرج الآخر لسانه ... قال "النابغة": تبا لك، لقد رأيت الكلمة في لسانك ~~كأنها مكتوبة بحروف المطبعة. ويحك يا مرقعان1، ألا تعرف أن لك دماغا مخروقا ~~تسقط منه أفكارك قبل أن تتكلم بها، ولولا أنه مخروق لحفظت المتن! إن كل ~~تخطئة لي منك هي اعتراف لي منك بصواب. # فنظر الآخر إليه نظرة كان تفسيرها في حواجبه، إذ مط حواجبه2 ورقصها. فقال ~~"النابغة": ونظراته خبيثة ملحة الطعم، مزعوقة كماء البحر المر أخذ من البحر ~~وأضيف إلى ملحه الطبيعي ملح، أكاد أتهوع من هذه النظرة فأقيء. # الآن فهمت معنى قولهم: "ملحة في عين الحسود". فإن الملح لا يغلبه إلا ~~الملح، كالحديد بالحديد يفلح، هاتوا كأسا من معتقة الخمر، ثم لينظر فيها ~~PageV02P301 # الخبيث هذه النظرة، فإن الخمر لا بد مستحيلة "شربة ملح إنجليزي" ... هذا ~~الأبله ثقيل الدم كأن دمه مأخوذ من مستنقع ... أهذا الذي لا يستطيع أن يقول ~~لشيء في الدنيا: هو لي، إلا الفقر والجنون والخرافة, يكذب ما في الرسالة ~~التي جاء بها البريد المستعجل، ولا يصدق أنها مرسلة إلى نابغة القرن ~~العشرين من صاحب السمو الأمير؟ # هذا الذاهب العقل هو كالجبان المنقطع في وحشة القفر، في ظلام الليل: إذا ~~توجس حركة ضعيفة انقلبت في وهمه قصة جريمة ماؤها الرعب وفيها القتل والذبح؛ ~~ولهذا يخشى ما في الرسالة التي جاءت من صديقي صاحب السمو. هاؤم اقرءوا ~~الرسالة. # وفضضنا الغلاف، فإذا ورقتان ممهورتان بتوقيع أمير معروف، إحداهما صك بألف ~~جنيه تدفع "لنابغة القرن العشرين"، والثانية أمر بالقبض على المجنون الآخر ~~... وإرساله إلى المارستان ... # وذهبت أصلح بينهما صلحا فقلت: إن في الحديث ms554 الشريف: بينما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في أصحابه إذ مر به رجل، فقال بعض القوم: هذا مجنون. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: $"هذا مصاب؛ إنما المجنون المقيم على معصية ~~الله". # فقال صاحب المتن: "مما حفظناه" إنما المجنون المقيم على معصية الله. # قلت: وليس فيكما مقيم على معصية الله. # قال المجنون: "مما حفظناه": وليس فيكما مقيم على معصية الله. # قلت: هذا ليس من الحديث ولكنه من كلامي ... # قال "النابغة": أنبأتكم أن هذا الأبله يضل في داره كما يضل الأعرابي في ~~الصحراء؛ وإن الأسطول الإنجليزي لو استقر في ساقية يدور فيها ثور، لكان ذلك ~~أقرب إلى التصديق من استقرار العقل في رأس هذا الأبله؟ # فاحتدم الآخر وهم أن يقول: "مما حفظناه"، ولكني أسكته وقلت "للنابغة": ~~إنك دائما في ذروة العالم، فلا غرو أن ترى المحيط الأعظم ساقية. "والنوابغ" ~~هم في أنفسهم نوابغ، ولكنهم في رأي الناس مرضى بمرض الصعود الخيالي إلى ~~ذروة العالم. ومن هذا يكون المجانين هم المرضى بمرض النزول الحقيقي إلى ~~حضيض الآدمية؛ فهناك يعملون فتكون أفكارهم من أعمالهم، ثم تكون عقولهم من # PageV02P302 # أفكارهم، فيكون هذا هو الجنون في عقولهم، وذلك معنى الحديث: "إنما ~~المجنون المقيم على معصية الله". # قال "النابغة": لعمري إن هذا هو الحق؛ فنبوغ العقل مرض من أمراض السمو ~~فيه؛ فالشاعر العظيم مجنون بالكون الذي يتخيله في فكره، والعاشق مجنون بكون ~~آخر له عينان مكحولتان؛ والفيلسوف مجنون بالكون الذي يدأب في معرفته؛ ~~ونابغة القرن العشرين مجنون ... لا. لا. قد نسينا ا. ش، فهو مجنون، وس. ع ~~فهو مجنون. # وكل الناس مجنون بليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاك # ومن حق ليلى ألا تقر لهم، إذ هي لا تقر إلا لنابغة القرن العشرين وحده؛ ~~وما أعجب سحر المرأة في الكون النفساني للرجال! أما في الكون الحقيقي فهي ~~أنثى كإناث البهائم ليس غير. وأعقل الرجال من كان كالحمار أو الثور أو ~~غيرهما من ذكور البهائم. فالحمار لا يعرف الحمارة إلا أنها حمارة، والثور ~~لا يعرف البقرة ms555 إلا أنها بقرة؛ ولا ينظمون شعرا، ولا يكتبون "أوراق الورد" ~~... وإناث البهائم أمات1 لا غير، ولكن العجيب أن ذكورتها ليست آباء؛ فهذه ~~الذكورة طفيلية في الدنيا، والطفيلي لا يأكل إلا بحيلة يحتال بها، فيكون ~~صاحب نوادر وأضاحيك وأكاذيب. ولهذا كان عشق الرجال للنساء ضروبا من الخداع ~~والأكاذيب والأضاحيك والحيل والغفلة والبلاهة؛ وإذا نظرنا إليه من أوله فهو ~~عشق، أما آخره فهو آخر الحيلة والأكذوبة، وهو قول الطفيلي: قد شبعت وقد ~~رويت ... ويحكم، أين أول الكلام؟ # قلنا: أوله ما أعجب سحر المرأة في الكون النفساني للرجال! # قال: نعم هذا هو. إنه سحر لا أعجب منه في هذا الكون النفساني إلا سحر ~~الذهب؛ فلو مسخت المرأة الجميلة شيئا من الأشياء لكانت سبيكة ذهبية تلمع؛ ~~ولهذا يوجد الذهب اللصوص في الدنيا، وتوجد المرأة الجميلة لصوصا آخرين، ~~فيجب أن يصان الذهب وأن تصان المرأة. # قلت: ولكن أليس من المال فضة، وهي توجد اللصوص كالذهب؟ # قال: نعم، وفي النساء كذلك فضة، وفيهن النحاس؛ ولو أنت ألقيت ريالا ~~PageV02P303 # في الطريق لأحدثت معركة يختصم فيها رجلان، ثم لا يذهب بالريال إلا ~~الأقوى، ولو كنت قرشا لتضارب عليه طفلان، ثم لا يفوز به إلا من عض الآخر ~~... # ولكن "فورد" الغني الأمريكي العظيم الذي يجمع يده على أربعمائة مليون ~~جنيه، لا يتكلم عن القرش؛ و"نابغة القرن العشرين" الذي يملك "ليلى"، لا ~~يتكلم عن غيرها من قروش النساء ... # قلت: فإني أحسبك أعلمتني أن اسمها فاطمة لا ليلى. # قال: هل يستقيم الشعر إذا قلت: وكل الناس مجنون بفاطمة، وفاطم لا تقر ~~لهم؟ قلت: لا. # قال: إذن فهي "ليلى" ليستقيم الشعر ... أما حين أقول: أفاطم مهلا بعض هذا ~~التدلل، فهي فاطمة ليصح الوزن. # قلت: يشبه -والله- ألا يكون اسمها ليلى ولا فاطمة؛ وإنما هي تسمى حسب ~~الوزن والبحر، فاسمها فعولن أو مفاعلتن. # ثم قلنا له: فما رأيك في الحب، فإنه ليقال: إنك أعشق الناس وأغزل الناس؟ # قال: إن ذلك ليقال "وهو الأصح"، ثم أطرق يفكر. وبدا عليه أنه مدهوش ذاهب ~~العقل، كأنه من ms556 قلبه على مسافة أبعد من المسافة التي بينه وبين عقله. وخيل ~~إلي أن النساء قد حشرن جميعا في رأسه، ومرت كل واحدة تعرض مفاتنها وغزلها، ~~وتلائم هذيانه بهذيان من جمالها، فهو يرى ويسمع ويعرض ويتخير. ثم اضطرب ~~كالذي يحاول أن يمسك بشيء أفلت منه؛ فلم ينبهه إلا قول المجنون الآخر: "مما ~~حفظناه" أن أعرابية سئلت عن العشق فقالت: إنه داء وجنون. # قال: اسكت يا ويلك لقد أطفأت الأنوار بكلمتك المجنونة. كان في رأسي مرقص ~~عظيم تسطع الأنوار فيه بين الأحمر والأخضر والأبيض؛ وترقص فيه الجميلات من ~~الطويلة والقصيرة والممشوقة والبادنة، فجئت بالداء والجنون -قبحك الله- ~~فأخرجتني عنهن إليك. أحسب أنك لو انتحرت لصلح العالم أو صلحت أنا على الأقل ~~... فإذا أردت أن تشنق نفسك فأنا آتيك بالحبل الذي كنت مقيدا فيه أي الحبل ~~الذي عندي في الدار ... على أن رأسك الفارغ مشنوق فيك وأنت لا تدري. # قال الآخر: ما أنت منذ اليوم إلا في شنقي وتعذيبي أو في شنق عقلي "على # PageV02P304 # الأصح". "ومما حفظناه" قول الأحنف بن قيس: إني لأجالس الأحمق ساعة فأتبين ~~ذلك في "عقلي". # فلم يرعنا إلا قيام المجنون مسلحا بحذائه في يده ... وهو حذاء عتيق غليظ ~~يقتل بضربة واحدة؛ فحلنا بينهما وأثبتناه في مكانه. وقلنا: هذا رجل قد غلب ~~على عقله فلا يدري ما يقول؛ فإذا هو دل على أنه مجنون، أفلا تدل أنت على ~~أنك عاقل؟ ما سألناك في انتحاره وجنونه، بل سألناك رأيك في الحب؛ وما نشك ~~أنك قد أطلت التفكير ليكون الجواب دقيقا، فإنك "نابغة القرن العشرين"، ~~فانظر أن يكون الجواب كذلك. # قال: نعم إن العاقل إذا ورد عليه السؤال أطال الفكر في الجواب، فاكتب يا ~~فلان "س. ع": # "جلس نابغة القرن العشرين مجلس الإملاء مرتجلا فقال1: قصة الحب هي قصة ~~آدم، خلق الله المرأة من ضلعه. فأول علامات الحب أن يشعر الرجل بالألم كأن ~~المرأة التي أحبها كسرت له ضلعا ... وكل قديم في الحب هو قديم بمعنى غير ~~معقول، وكل جديد فيه هو جديد ms557 بمعنى غير مفهوم؛ فغير المعقول وغير المفهوم ~~هو الحب. # والجمرة الحمراء إذا قيل إنها انطفأت وبقيت جمرة فذلك أقرب إلى الصدق من ~~بقاء الحب حيا بمعناه الأول إذا انطفأ أو برد. # والعاشق مجنون. وجنونه مجنون أيضا، فهو كالذي يرى الجمرة منطفئة، ويرى مع ~~ذلك أنها لا تزال حمراء، ثم يمعن في خياله فيراها وردة من الورد ... وإذا ~~سألته أن يصف الجمال الذي يهواه كان في ذلك أيضا مجنون الجنون، كالذي يرى ~~قمر السماء أنه قد تفتت وتناثر ووقع في الروضة، فكان نثاره هو الياسمين ~~الأبيض الجميل الذكي ... # والمجنون يرى الدنيا بجنونه والعاقل يراها بعقله؛ ولكن العاشق المخبول لا ~~ينظر من يهواه إلا بقية من هذا وبقية من ذلك، فلا يخلص مع حبيبه إلى جنون ~~ولا عقل. # "والمجهول" إذا أراد أن يظهر في دماغ بشري لم يسعه إلا أحد رأسين: رأس ~~المجنون ورأس العاشق ... PageV02P305 # ولا صعوبة في الحكم على شيء بأنه خير أو شر إلا حين يكون الخير والشر ~~امرأة معشوقة. أما أوصاف الشعراء والكتاب للجمال والحب فهي كلها تقليد قد ~~توسعوا فيه؛ والأصل أن ثورا أحب بقرة فكان يقول لها: يا نجمة القطب التي ~~نزلت من السماء لتدور في الساقية كما درات في الفلك. # قال "النابغة": هذا رأيي في حب العاشقين؛ أما حبي أنا "نابغة القرن ~~العشرين" فيجمعه قولك: فل، ورد، زهر ... # قلنا ما هذه الألغاز؟ وهل للحب متن كقولهم: حروف القلقلة يجمعها قولك ~~"قطب جد"، وحروف الزيادة يجمعها قولك "سألتمونيها"؟ # فتضاحك "النابغة"، وقال: تكاثرت الظباء على خراش، فلكيلا ننسى ... إن كل ~~حرف هو بدء اسم، الفاء فاطمة، واللام ليلى، والواو وردة، والراء رباب، ~~والدال دلال، والزاي زكية, والهاء هند، والراء رباب ... # قلنا: رباب قد مضت في "ورد". # قال: كنا تهاجرنا مدة ثم اصطلحنا بعد هند ... # قلت: هكذا "النوابغ" فإن رجلا أديبا كانت كنيته "أبا العباس" فلما "نبغ" ~~صيرها "أبا العير"1 وفتق له نبوغه أن يجعلها تاريخا يعرف منها عمره. قالوا ~~فكان يزيد فيها كل سنة حرفا حتى مات وهي ms558 هكذا: # أبو العير طرد طيل طليري بك بك بك ... PageV02P306 ### | ### | المجنون " # 5": # م إن "نابغة القرن العشرين" استخفه الطرب لذكر صواحبه وجميلاته من فاطمة ~~إلى رباب؛ ومن طبع المجنون أنه إذا كذب صدق نفسه، فإن قوة الضبط في عقله ~~إما معدومة وإما مختلة؛ وكل وجه تخيل منه خيالا فهو وجه من وجوه العلم ~~عنده، إذ كان عالمه أكثره في داخله لا في العالم، فإذا توهم أو أحس أو شعر، ~~فإنما يكون ذلك بطريقته هو لا بطريقة الناس العقلاء؛ فليس يحتمل عقله إلا ~~فكرة واحدة تمضي # منفردة بنفسها مستقلة بمعناها كأنها قدر غالب على جميع أفكاره الأخرى، ~~فلا شأن لها بالواقع، ولا شأن للواقع بها، وإنما هي تحقق معناها كما تخطر ~~له، لا كما تتمثل فيما حوله. # فبين كل مجنون وبين ما حوله دماغه المتدجي بالغيوم العقلية، لا تزال تعرض ~~له الغيمة بعد الغيمة من اختلال بعض المراكز العصبية فيه، وفساد أعمالها ~~بهذا الاختلال، وقيام الطبيعة فيها على هذا الفساد. # ومن ذلك تنقلب الكلمة من الكلام، وإنها لحادثة تامة في عقل المجنون ~~كالقصة الواقعة لها زمان ومكان وبدء ونهاية، لا يخامره فيها الشك، ولا ~~يعتريها التكذيب؛ وكيف وهي قائمة في ذهنه من وراء سمعه وبصره قيام الحقيقة ~~في الأبصار والأسماع؟ # ولحواس المجنون جهتان في العمل، لأنها بين كونين؛ أحدهما الكون الخرب ~~الذي في دماغه؛ وفي هذا يقول "نابغة القرن العشرين": إن في داخل عينيه ~~منظارا يرى به الأشياء في غير حقائقها، أي في حقائقها ... # وحدثنا الدكتور محمد الرافعي قال: إن في دار المجانين بمدينة ليون بفرنسا ~~نابغة كنابغة القرن العشرين، ذكرت أمامه قيصرة روسيا وخبر مقتلها، فأحفظه ~~هذا وأرمضه وقال يا ويحهم! كذبوا عليها وعلي، فسأله الدكتور: وكيف ذلك؟ # قال: كان من خبر القيصرة أنها رأتني فأحبتني، وعلمت من كل وجه يمكن # PageV02P307 # أن يعلم منه قلبها أني أنا رجلها لا القيصر؛ فما زالت بعدها تناكد القيصر ~~وتلتوي عليه ولا تصلح له في شيء حتى يئس منها فطلقها، فحملت كنوزها وجلاها ~~ولجأت إلى ms559 حبيبها، ثم تبعتها نفس القيصر ولم يطق العيش بعدها فانتحر ... ثم ~~طلبها الشيوعيون لما معها من كنوز، فأخفاها هو في مكان حريز لا يعلمه إلا ~~هو؛ ثم إنه هو لا يصل إلى هذا المكان الذي أحرزها فيه إلا إذا نام ... كيلا ~~يراه أحد من الشيوعيين فيتعقبه فيعلم مقرها؛ ولهذا كان من الحكمة أن ينسى ~~المكان إذا استيقظ ... فقد يزل مرة فيخبر به أو يغلبه الشوق مرة على "عقله" ~~... فيذهب إليه؛ فعسى أن يراه من ينم بذلك، فتفتضح الحبيبة وتؤخذ منه. # قال: وإن القيصرة هي تحتاط أيضا مثل ذلك فتراسله كل يوم باللاسلكي رسائل ~~تقع من الجو في دماغه فيقرؤها وحده، وإن أخوف ما يخافه أن يغلبها جنون الحب ~~يوما فتطيش طيش المرأة، فتزوره في هذا المارستان ... فقد تقتل إذا رآها ~~الشيوعيون. # قال الدكتور: وهاك "نابغة" آخر ثبت في ذهنه أن امرأة من أجمل النساء قد ~~استهامت به وأنها مبتلاة في حبها إياه بجنون الغيرة، وقد تناهت فيه حتى ~~أنها لتقتل نفسها إذا علمت أن لصاحبها هوى في امرأة أخرى. وخبلته هذه ~~الفكرة، فاعتقد أن حبيبته من جنون غيرتها واقعة بين السلامة والتلف؛ ثم ~~توهم ذات يوم أن واشيا قد أعلمها أن النساء افتتن به؛ فطار صوابها، فهي ~~آتية إليه في المارستان لتوبخه وتشفي غيظها منه، ثم تنتحر أمام عينيه ... ~~وأدار "النابغة" الفكر في إقناعها لتعلم أنه لم يخنها بالغيب ... فلم يهتد ~~إلى مقنع تستيقن به المرأة أن لا أرب للنساء فيه إلا أن ... ففعل وجب ~~خصيتيه بيده ليقدمهما برهانا أنه لها وحدها ... # قلنا: وطرب "نابغة القرن العشرين" لذكر صواحبه وجميلاته، فجعل يترنم بهذا ~~الشعر: # قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... ما لذة العيش إلا للمجانين # فقال المجنون الآخر: "مما حفظناه": ما لذة "الخبز" إلا للمجانين ... # فضحك "النابغة" وقال: ما أسخفك من أحمق. إذا كان هذا هو المعنى فقل: ما ~~لذة "الكعك". ألم أقل لكم إن هذا الأبله لو تهجأ كلمة خبز قال: إنها ل. ح. ~~م. ولو تهجأ كلمة لحم ms560 لقال: ف. و. ل. # PageV02P308 # إنه طفل عمره ثلاثون سنة وفيه دائما غضب الطفل ونزقه وحماقته، وفيه كذلك ~~سرور الطفل وطيشه وأحلامه؛ غير أنه ليس فيه عقل الطفل ... وهو من الضعف، ~~وشدة الحاجة إلى العناية في حياطته وسياسته والبر به كطفل صغير بحيث يخيل ~~إلي أحيانا أنني أمه. # قلنا: وتنسى في هذه الحالة أنك رجل؟ # قال: وأنتم كذلك تتهمونني بالنسيان، وهو شرعا جهة ملزمة للحكم بالجنون ~~فما النسيان إلا الكلمة الأخرى لمعنى ضعف العقل؛ وضعف العقل هو اللفظ الآخر ~~لمعنى جنوني؛ وقد أعلمتكم ما أكره من الكلام. # قلت: لا، النسيان لا يكون منك نسيانا بمعناه في المجانين، بل بمعناه فيك ~~أنت من تواثب الأفكار النابغة وتزاحمها في تواردها على العقل، فإذا تواثبت ~~وتزاحمت كان أمرها إلى أن ينسى بعضها بعضا، فلا ينطلق منها إلا القوي ~~النابغ حق نبوغه، فيجيء كالمنقطع مما قبله؛ فيحسب ذلك نسيانا وما هو به. ~~وقد تصطلح الأفكار في هذه المعركة الذهنية إذا كان النابغة مسرورا محبورا ~~يرقص طربا ... فيكون أمرها إلى أن تجيء كلها معا على اختلاف معانيها ~~وتناقضها؛ فيحسب ذلك ضربا من الذهول عند من يجهل العلة "النبوغية"؛ وعذره ~~جهل هذه العلة، وهي في دلالة العقل ليست نسيانا ولا ذهولا. # قال: فأعلمني كيف نسيان المجانين، فقد خفي على أن أدرك هذا الأمر العجيب ~~فيهم، ولست أدري كيف يفوتهم ما استدنى لهم من الفكر بعد أن يكون قد استقر ~~وحصل في عقولهم؟ # قلت: لا يكون النسيان تهمة بالجنون إلا في أحوال ثلاث، جاءت بكلها ~~الرواية الصحيحة المحفوظة: # فأما الأولى: فما يروى عن رجل كان سريا غنيا وعمر حتى أدركه الخرف؛ فجاءه ~~كاتبه يوما يستعينه على تجهيز أمه وقد ماتت، فدفع إلى غلام له دنانير يشتري ~~بها كفنا، ودنانير أخرى يتصدق بها على القبر، ثم قال لغلام آخر؛ امض إلى ~~صاحبنا وغاسل موتانا فلان فادعه يغسلها. قال الكاتب: فاستحييت منه وقلت: يا ~~سيدي ابعث خلف فلانة وهي جارة لنا تغسلها. قال: يا فلان: ما تدع عقلك في ~~حزن ms561 ولا فرح. كيف ندخل عليها من لا نعرفه؟ # قال الكاتب: نعم تأذن بذلك. قال: لا -والله- ما يغسلها إلا فلان. # PageV02P309 # فضاق الكاتب بهذا الحمق وقال: يا سيدي كيف يغسل رجل امرأة؟ # قال: وإنما أمك امرأة؟ والله لقد أنسيت ... # وأما الحالة الثانية: فما يروى عن رجل كان نائما في ليلة باردة فخرجت يده ~~من الفراش فبردت، فأدناها إلى جسده وهو نائم فأحس بردها فأيقظته، فانتبه ~~فزعا فقبض عليها بيده الأخرى وصاح: اللصوص. اللصوص ... هذا اللص قد قبضت ~~عليه، أدركوني لئلا تكون في يده حديدة يضربني بها، فجاءوا بالسراج فوجدوه ~~قابضا بيده على يده وقد نسي أنها يده ... # وأما الثالثة: فهي رواية عن رجل قد ورث نصف دار، ففكر طويلا كيف تخلص ~~الدار كلها له ثم اهتدى إلى الوسيلة؛ فذهب إلى رجل وقال له: أريد أن أبيعك ~~حصتي من الدار وأشتري بثمنها النصف الباقي لتصير الدار كلها لي. # قال "النابغة": لعمري إن هذا لهو الجنون، وما يذكر مع هؤلاء مجنون المتن ~~ولا "غيره". # فقال الآخر: تالله لولا أن "نابغة القرن العشرين" يرفع نفسه عن الجنون ~~لجاء في الجنون بما يذهل "العقول". # ثم نظر فإذا النابغة يتحفز له ... فأسرع يقول: "مما حفظناه": كن حذرا ~~كأنك غر، وكن ذاكرا كأنك ناس. فهذا هو نسيان نابغة القرن العشرين، نسيان ~~حكماء لا نسيان مجانين. # قال "النابغة": ولكن قد فسد قول الشاعر: ما لذة العيش إلا للمجانين؛ فما ~~بقيت مع الجنون لذة. # قلت: إن الشاعر لا يريد المجانين الذين هم مجانين بالمرض، وإنما يريد ~~العشاق المجانين بالجمال؛ وجنون العاشق في هذا الباب كعيوب العظماء من أهل ~~الفن، وهي عيوب تدافع عن نفسها بحسنات العظمة، فليست كغيرها من العيوب. # قال: فيجب أن أصنع بيتا آخر يفسر ذلك الشعر ليستقيم لي التمثل به، ثم فكر ~~وهمهم، ثم كتب في ورقة ثم طواها وقال: اصنع أنت أول، وسأئتمن س. ع. على ~~شعري ودفع إليه الورقة: # فنظرت وقلت: يجب أن يكون الشعر هكذا: # PageV02P310 # قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... ما لذة العيش ms562 إلا للمجانين # العقل إن حكم العشاق أثقل من ... فقر تحكم في رزق المساكين # ونشر س. ع. الورقة فإذا فيها: # قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... ما لذة العيش إلا للمجانين # إن العيوب عن المجنون دافعة ... بأنه نابغ في القرن العشرين # وضحكنا جميعا؛ فقال النابغة: أبعدك الله يا س. ع. إن من ائتمن المجنون ~~على سر وقال له اكتمه فكأنما قال له: انشره ... # ثم قال: وددت -والله- أن يكون س. ع. هذا "نابغة"، ولكني سأجعله نابغة، ~~فقد صار له علي حق الصديق وهو حق لا أضيعه ولا أخل به. فإذا احتجت يا س. ع. ~~إلى خطاب رنان تلقيه في حفل عظيم، أو قصيدة تمدح بها وزير المعارف، فالجأ ~~إلي فإني ملجأ لك. ومتى انتحلت شعري كنت عند الناس المتنبي أو البحتري. أو ~~ابن الرومي، فإن هؤلاء القدامى لم ينفعهم إلا أنني لم أكن فيهم، ولما لم ~~أكن فيهم أعجبوا الناس إذ إنني لم أكن فيهم ... # قلنا فما حكمك عليهم في الأدب؟ # قال: إذا حكمت عليهم فقد جعلت نفسي بينهم، فمن الطبيعي ألا يعجبني منهم ~~أحد. إن "نابغة القرن العشرين" لا يقول لمعنى هذا أحسن، فإنه هو فوق ~~الأحسن، ولا يقول عن نابغة هذا أشهر، فإنه هو فوق الأشهر. # قلت: كأن الدنيا تحت قدميك وأنت فيها الزاهد العظيم الذي لا يقول في حسن ~~هذا أحسن لأنه فوق الشهوة، ولا في نعيم هذا أطيب لأنه فوق الطمع، ولا في ~~مال هذا أكثر لأنه فوق الحرص. وأحسبك لو كنت ترعى غنما لكنت الحقيق في ~~عصرنا بقول تلك الراعية الزاهدة: أصلحت شأني بيني وبينه فأصلح بين الذئب ~~والغنم. # قال: وكيف ذلك؟ # قلت: حكي عن بعض الصالحين أنه فكر ذات ليلة فقال في نفسه: يا رب! من ~~زوجتي في الجنة؟ فأري في منامه ثلاث ليال أنها جارية سوداء في أرض كذا, ~~فجاء تلك الأرض فسأل عن الجارية، فقال له رجل: ما هذا؟ تسأل عن جارية سوداء ~~مجنونة كانت لي فأعتقتها؟ قال: وماذا رأيتم من جنونها؟ قال: كانت ms563 تصوم ~~النهار فإذا أعطيناها فطورها تصدقت به، وكانت لا تهدأ الليل ولا تنام ~~فضجرنا منها. # PageV02P311 # قال: فأين هي؟ قال ترعى غنما للقوم في الصحراء. # فذهب إلى الصحراء فإذا هي قائمة في صلاتها، ونظر إلى الغنم فإذا ذئب ~~يدلها على المرعى وذئب يسوقها. فملا فرغت من صلاتها سلم عليها فأنبأته أنه ~~زوجها في الجنة وأنبأها أنه بشر بها؛ ثم سألها ما هذه الذئاب مع الأغنام؟ ~~قالت: نعم أصلحت شأني بيني وبينه فأصلح بين الذئب والغنم. # قال "النابغة": هذا كذب لأنه عجيب، وهو عجيب لأنه كذب. # قلت: وأي عجيب في هذا؟ إن الذئب والشاة، والأسد والغزال، والثعبان ~~والعصفور، وكل آكل ومأكول من الأحياء، لو هي دخلت في دائرة الصلاة الحقيقية ~~لانتظمت كلها صفا واحدا يركع ويسجد. فهذه الجارية نشرت روح الصلاة والتقوى ~~على كل ما حولها من قلبها الطاهر المطمئن بالإيمان فوقع الذئب منها في ~~دائرة مغناطيسية، فسلب وحشيته ورجع مسخرا لفكرة الصلاح والخير إذ تجانست ~~فيه الحياة بما حولها، وانسجم النوع والنوع في حركة متجاوبة انسجام الرجل ~~المغناطيسي هو ومن ينومه في إرادة واحدة وفكرة واحدة. # قال "النابغة": فإذا دخل الذئب مسجدا يرتج بالمصلين، أتراه يصف أربعته ~~ويقف بينهم للصلاة، أم يصلي صلاته الذئبية في لحومهم؟ # قلت: وأين هم الذين يصلون بحقيقة الصلاة، فيخرجون بها من النفس إلى ~~الكون، ومن الزمن إلى الأبد، ومن الأسباب إلى مسببها، ومما في القلب إلى ما ~~فوق القلب؟ إن هؤلاء جميعا يصلون بجوارحهم وبينهم وبين أرواحهم طول الدنيا ~~وعرضها؛ وما منهم إلا من يتصل فكره بما يغلب عليه، كما يتصل فكر اللص بيده، ~~وفكر العاشق بعينه، وفكر الطفيلي بمعدته. فاسمها عندهم الصلاة، وحقيقتها ~~عند الله كما ترى. # قال "النابغة": ولكنه ذئب من طبيعته أن يأكل الشاة لا أن يرعاها، فلا ~~أفهم شيئا. # وقال الآخر: "مما حفظناه" رتع الذئب في الغنم، ولم يقولوا صلى الذئب في ~~الغنم، فلا أفهم شيئا. # قلت: سأزيدكما عدم فهم ... إن قلب تلك المرأة العظيمة الطاهرة متصل ~~بالله، وليس فيه شيء من ms564 طباعها الإنسانية ولا ظل من ظلال الدنيا؛ وقد تجلى ~~فيه سر الحياة، وهو السر الذي لا يطعم ولا يشرب ولا يلبس ولا يشتهي ولا ~~يطمع # PageV02P312 # في شيء ولا يحرز شيئا، وإنما طبيعته أشواقه الكونية، واتصاله بنفحات ~~القوة الأزلية المسخرة للوجود كله. فانتشرت هذه الموجة الكهربائية الأثيرية ~~حول الجارية من قلبها، وجاء الذئب فالتج فيها وغمرته الروحانية الغالبة، ~~فإذا هو يفتح عينه على كون غريب قد تجلى السلام عليه، فليس فيه إلا قوة ~~آمرة أمرها بائتلاف كل شيء مع كل شيء، واجتماع المتنافرين في حالة معروفة ~~لا في حالة إنكار. فصار الذئب مستيقظا، ولكنه في روح النوم، وشلت فيه ~~الذئبية الطبيعية، فإذا هو يحمل الأنياب والأظافر وقد أنسي استعمالها؛ ~~وبقيت حركته الحيوانية، ولكن تعطلت بواعثها فبطل معناها. # ومن كل ذلك اختفى الذئب الذي هو في الذئب، وبقي الحيوان حيا ككل الأحياء، ~~فناسب الشاة وفزع إليها إذ لم تكن العلاقة بينهما علاقة جسم الآكل بجسم ~~الأكيلة، بل علاقة الروح الحي بروح حي مثله1. # قال "النابغة": أما أنا فقد فهمت ولكن هذا المجنون لم يفهم. أكتب يا س. ~~ع: جلس نابغة القرن العشرين مجلسه للفلسفة على غير إعداد ولا تمكن، وبدون ~~كتبه ألبتة ... وكان هذا أجمع لرأيه وأذهن له وأدعى لأن يتوفر على الإملاء ~~بكل "مواهبه العقلية"؛ ولما أن فكر النابغة أعطي النظر حقه وجمع في عقله ~~الفذ جزالة الرأي إلى قوة التفنن والابتكار، قال مرتجلا: إن فلسفة الذئب ~~والشاة حين لم PageV02P313 # يأكلها ولم تنطحه، هي بالنص والحرف كما قال أستاذ نابغة القرن العشرين. # "حاشية" وإن مجنون المتن لم يفهم هذه الفلسفة. # فامتعض الآخر وقال "مما حفظناه": # وبات يقدح طول الليل فكرته ... وفسر الماء بعد الجهد بالماء # فقال "النابغة": ويلك يا أبله! أما -والله- لو كنت نفطويه أو سيبويه لما ~~كنت عندي إلا جحشويه أو بغلويه ... # لقد كنت أرى الكلام في تلك الفلسفة طريقا نزها جميلا حفته الأشجار ~~والأزهار عن جانبيه، واندفعت في سوائه "تمبيلات" الأفكار خاطفة كالبرق. ~~فلما تكلمت أنت انتهينا من سخافتك ms565 إلى طريق حجري تقعقع فيه عربات النقل ~~تجرها البغال البطيئة. # فقال الآخر وهو يعتذر إليه: ما أردت والله مساءتك ولو أردتها لقلت: وفسر ~~الماء بعد الجهد بالسبرتو ... فهذا هو الخطأ، أما تفسير الماء بعد الجهد ~~بالماء فهو صحيح. # قال "النابغة": ولكنه تفسير مفرط السقوط كتفسير المجانين، فهو يقول: إني ~~مجنون. # قلت: كلا، إن تفسير المجانين يكون على غير هذا الوجه، كالذي حكاه الجاحظ ~~قال: سمعت رجلا يقول لآخر: ضربنا الساعة زنديقا. قال الآخر: وأي شيء ~~الزنديقا؟ قال الذي يقطع المزيقا. قال: وكيف علمت أنه يقطع المزيقا؟ قال: ~~رأيته يأكل التين بالخل ... # PageV02P314 ### | المجنون "6" # تتمة: # وطال المجلس بنا وبالمجنونين، والكلام على أنحائه يندفع من وجه إلى وجه، ~~ويمر في معنى إلى معنى؛ فأردت أن أبلغ به إلى الغاية التي جمعت من أجلها ~~بين هذين المجنونين، بعد ما انطلقنا في القول وانفتح القفل الموضوع على عقل ~~كل منهما. # وكان قد مر في الندي بائع روايات مترجمة "بوليسية وغرامية ولصوصية! " ~~يحمل الرجل منها مزبلة أخلاق أوروبية كاملة لينفضها في نفوس الأحداث من ~~فتياننا وفتياتنا، فقلت "لنابغة القرن العشرين": أتقرأ الروايات؟ قال: لا، ~~إلا مرة واحدة ثم لم أعاود، إذ جعلتني الرواية رواية مثلها. # قلنا: هذا أعجب ما مر بنا منذ اليوم، فكيف صرت رواية؟ # قال: أنتم لا تعرفون طبيعة النوابغ، إذ ليس لكم حسهم المرهف، ولا طبعهم ~~المستحكم، ولا خصائصهم الغيبية، ولا خواطرهم المتعلقة بما فوق الطبيعة. # قلت: نعم أعرف ذلك؛ وما من "نابغة" إلا وهو بين عالمين على طرف مما هنا ~~وطرف مما هناك، فهو خراج ولاج بين العالمين؛ وله نفس مركبة تركيبها على ~~نواميس معروفة وأخرى مجهولة؛ فهي تأخذ من الظاهر والباطن معا، ويحصرها ~~المكان مرة ويفلتها مرة، وتكون أحيانا في زمان الأرض، وأحيانا في زمن ~~الكواكب من القمر فصاعدا ... ولكن ... # فقطع علي وقال: أضف إلى ذلك أن هذه العقول التي تحصر من يسمونهم العقلاء ~~في الزمان والمكان، لا توجد أهلها إلا الهموم والأحزان، والمطامع السافلة، ~~والأفعال الدنيئة، فإنهم يعيشون فوق التراب. ms566 # قلت: نعم، وإذا عاشوا فوق التراب فباضطرار أن تكون معاني التراب فوقهم # PageV02P315 # وتحتهم ومن حولهم وبين أيديهم، فليسوا يقطعون على هذه الأرض إلا عمرا ~~ترابيا في كل معانيه ولكن ... # قال: وزد على ذلك أنهم مقيدون تقييد المجانين، غير أن حبالهم وسلاسلهم ~~عقلية غير منظورة؛ وبتغليلهم تغليل المجانين يسمون أنفسهم عقلاء، وأعقلهم ~~أثقلهم قيودا، وهذا من الغرابة كما ترى. # قلت: نعم، أما العقلاء بحقيقة العقل، فهم الذين يضحكون على هؤلاء ويسخرون ~~منهم، إذ كانوا في حال كحال المنطلق من المقيد، وفي موضع كموضع المعافى من ~~المبتلى ولكن ... # قال: وفوق هذا وذاك، إنهم لا يملكون السعادة، إذ ليس لهم العقل الضاحك ~~الساخر العابث الذي خص به النوابغ وكان الأوحد فيه "نابغة القرن العشرين". # قلت: نعم، وإذا ملكوا السعادة لم يشعروا بها، أما "النوابغ" فقد لا ~~يملكونها، ولكن لا يفوتهم الشعور بها أبدا فيجيئهم الفرح من أسبابه ومن غير ~~أسبابه ما دام لهم العقل الضاحك الساخر العابث الذي دأبه أبدا أن ينسى ~~ليضحك، ولا قانون له إلا إرادة صاحبه، على مشيئة صاحبه، لمنفعة صاحبه. ولكن ~~... # قال: والذي هو أهم من كل ما سبق؛ أن أعظم خصائص هذا العقل الضاحك الساخر ~~العابث أن يطرد عن صاحبه ما لا يحب ويجنبه أن يخسر شيئا من نفسه؛ فهو لذلك ~~يجعل حسابه مع الأشياء حسابا يهوديا لا بد فيه من ربح خمسين في المائة. # قلت: نعم، وهو دائما كالطفل؛ وما أظرف بلاهة الطفل وما أجداها عليه، إذ ~~يضع بلاهته دائما في أرواح الأشياء وأسرارها فتخرج بلهاء مثله، وتنقلب له ~~الدنيا كأنها أم تضاحك ابنها وتلاعبه ولكن ... # قال: ولكن هذا مبلغ لا تبلغه الإنسانية إلا شذوذا في أفرادها من جبابرة ~~العقول "كنابغة القرن العشرين". # قلت: نعم "ولكن" كيف صار "نابغة القرن العشرين" رواية حين قرأ الرواية؟ # قال: هذه نكتة النبوغ؛ فلو أن مؤلفها كان نابغة مثلنا يتلقى في نفسه وحي ~~الأثير وإشارات الروح الأعظم؛ لعلم من الغيب أن "نابغة القرن العشرين" ~~سيقرأ روايته، فكان يتحرى معاني غير معانيه ms567 ويتوخى بهذه القصة وضعا آخر لا ~~تكون فيه حبيبة خائنة، ولا لص عارم، ولا قاتل سفاح، ولا سجن مظلم، ولا ~~محكمة تقول حيث وحيث ... # PageV02P316 # قلت: وما عليك من حبيبة خائنة في الورق، ولص بين الحروف المطبعية وقاتل ~~لا يقتل إلا كلاما، وسجن ومحكمة على الصحيفة لا على الأرض؟ # قال: هذه نكتة النبوغ، فما استوعبت القصة حتى غمرتني أشخاصها، وأقحمت ~~منها على هول هائل، فخانتني الخائنة لعنها الله.. ولولا خوف السجن والمحكمة ~~لقتلتها أشنع قتلة، ومثلت بها أقبح تمثيل. ويح الخائنة كيف استمالها ذلك ~~الدميم الطويل العملاق المشبوح العظام المفتول العضل؟ ولكني لست عملاقا ولا ~~مبنيا بناء الحائط، ثم كان مجنونا بشهواته جنون الفيل الهائج، وكنت في ~~شهواتي عاقلا عقل الإنسان، ثم كان غنيا غنى الجهال، وكنت فقيرا فقر ~~العلماء. والنساء؛ قبح الله النساء. إنهن زينة تطلب زينة مثلها وإن المرأة ~~لتمنح وجهها للقرد يقبله إذا كان الذهب يتساقط من قبلاته. أما من كان مثلي، ~~أمواله الشباب والجمال والعقل والنبوغ، فهو مفلس عندهن إفلاس القرد في ~~الغابة، فهو عندهن قرد لهذه المشابهة. # قلت: هذا ليس عجيبا فإن اللغويين يجرون على الشيء اسم ما يقاربه في ~~المعنى. # قال المجنون الآخر: "مما حفظناه": أن اللغويين يجرون على الشيء اسم ما ~~يقاربه في المعنى ... # فتربد وجه "النابغة" غضبا وقال: أبي يلعب هذا المجنون؟ إنه يزعم أن ~~اللغويين يسمونني قردا، فهاتوا القواميس كلها وارجعوا إلى مادة "قرد" ومادة ~~"نابغة" ... سوأة عليك أيها الصبي المعمر ... ألا فدعوني أؤدبه أدب الصبيان ~~فإن اللطمة القوية على وجه الطفل المكابر في حقيقة تلمسه الحقيقة التي ~~يكابر فيها إذ تدخلها إلى عقله من أقرب طريق ... # قال ا. ش: أنت قلت: لا هو. على أنك لست قردا أبدا إلا عند امرأة جميلة ~~فاتنة متخيلة متماجنة، قد نضع البرذعة على ظهر الأمير وتجعله حمارها، فيعجب ~~الأمير أن يكون حمارها. ولست قردا مع قراد إلى جانب عنز وكلب. # قال: الآن علمت السبب، فإن الخائنة كانت متخيلة مؤلفة كتب وروايات، ~~والمرأة التي تؤلف الكتب، ms568 غير بعيد أن تؤلف الرجل أيضا، وتجعله قصة هو فيها ~~قرد ... وهذا إن كانت جميلة كامرأة الرواية. أما إن كانت دميمة مجموعة من ~~المتناقضات، أو عجوزا مجموعة من السنين؛ فهذه وهذه كل أيامها كيوم الأحد ~~عند النصارى ... يوم للعطلة لا بيع فيه ولا شراء ولا مساومة. هذه وهذه ~~كلتاهما # PageV02P317 # تجعل الرجل كالماء في سبيل التجمد ... لا يشتعل، فضلا عن أن يستعر، فضلا ~~عن أن يحترق. # ومؤلفة الكتب لا يكون وجهها إلا إحدى وثيقتين: فإما جميلة، فوجهها وثيقة ~~بأن لها ديونا على الرجال؛ وإما غير جميلة، فوجهها "مخالصة" من كل الديون ~~... # قلنا: هذا في الخائنة. فيكف سرقك اللص ولست غنيا؟ # قال: هذه هي نكتة النبوغ؛ وفي النبوغ أشياء لا ينكشف تفسيرها، وليس في ~~جهلها مضرة على أحد، وجهل لا يضر هو علم لا ينفع، لكنه علم. والبحث في بعض ~~أعمال "النابغة" هو كالبحث عن سر الحياة فيه، إذ يعمل أعماله تلك بسر ~~الحياة لا بسر العقل، أي بالعقل النابغ الخاص به وحده لا بالعقل الطبيعي ~~المشترك بين الناس. # قلت: ومن عجائبك أنك لا تقرأ الروايات، ولكنك مع ذلك تؤلفها ... # قال: إن ذلك ليكون، وإن لم أؤلفها أنا تألفت هي لي. فإذا تقدم الليل ونام ~~الناس جميعا انتبهت أنا وحدي لرواية العالم فأرى ما شئت أن أرى. وفي ضوء ~~النهار أجد الناس عقلاء ولكني في ظلمة الليل أبصرهم مجانين. فهذا الليل ~~برهان الطبيعة على جنون الناس وضعف عقولهم إذ هو يثبت حاجة هذه العقول إلى ~~ضرب من النسيان الأبله التام لولاه ما عقلت في نهارها ولا استقام لها أمر. # يصرع الناس في الليل صرعة المجانين يغمضون أعينهم ولا يرون شيئا. أما أنا ~~فأرى العالم في الليل مسرحا هزليا يضج بالضحك من الإنسان الأحمق الذي يقطع ~~سراة نهاره، وهو معتقد أنه قابض على الوجود بالأعين والآذان والأناف ... ~~أئن رأيت الأسد بعينك أيها الأحمق وسمعت في أذنيك زئيره، ادعيت الدعوى ~~العريضة، وزعمت أنك ملكته وقبضت عليه، ولا تدري في هذا أنك كالمعتوه إذا ~~قبض ms569 على الظل بيده، وصاح هاتوا الحبل لأقيده لا يفلت. # قلت: فإذا كان العالم كله روايتك فأخرج لنا فصلا من الرواية. # قال: أيما أحب إليكم، أن أكتب أو أمثل؟ # قلنا: بل التمثيل أحب إلينا. فنظر إلى المجنون الآخر وقال: وإن المجنون ~~في طبيعته ينبوع من الأشخاص يفيض حالا بعد حال، كينبوع الماء يسح الدفعة # PageV02P318 # بعد الدفعة، فهنا المسرح، والرواية الآن رواية الطبيب والمجنون ... # أنت يا س. ع. عم هذا المجنون. فإذا قال لك يا عم. قل له: أنا لست عمك ~~ولكني أخو أبيك ... لننظر أيتنبه على الفرق بين الصيغتين أم لا؛ فإنه فرق ~~عقلي دقيق تمتحن به العقول ... # تعال أيها المريض فإني أرجو أن يكون شفاؤك على يدي، وفي يدي هذه لمسة من ~~لمسات المسيح، لأن "نابغة القرن العشرين" هو الآن طبيب القرن العشرين ... # اتقوا أن تغضبوه أو تخيفوه، وأقيموا له كل ما يحتاج إليه، وتحروا مسرته ~~دائما، فإن إدخال بعض السرور إلى نفس المجنون هو إدخال بعض العقل إلى رأسه. # متى أنكرت يا س. ع عقل ابن أخيك وما كان السبب؟ وكيف غلب على عقله؟ وهل ~~ا. ش هو خاله أو أخو أمه؟ # لطف الله لك أيها المسكين. قل لي: أتتذكر أمس؟ أتتذكر غدا؟ إن الأمس ~~والغد ساقطان جميعا من حساب المجانين؛ ومن الرحمة بهم أن الدنيا تبدأ لهم ~~كل يوم فقد استراحوا من ثلثي هموم الزمن في العقلاء، وهم لا يصلحون أن ~~ينفعوا الناس كالعقلاء، غير أنهم صالحون أكثر من العقلاء للانتفاع بأنفسهم ~~في الضحك والمرح والطرب، وهذا حسبهم من النعمة عليهم. # قل لي أيها المجنون: أتحس أن الدنيا تصنع لك نفسك، أم نفسك هي تصنع لك ~~الدنيا؟ إن هذه مسألة يحلها كل مجنون على طريقته الخاصة به، فما هي طريقتك ~~في حلها؟ # ما لك لا تجيب أيها الأبله؟ "هذا من جهة ومن جهة" أعطوه قرشا لينطلق ~~لسانه، وآتوا الطبيب أجره وافيا وهو لا يقل عن قرشين ... # ثم مال "النابغة" على مجنون المتن وساره بشيء. فقلنا ما أمر المال ms570 بسر؛ ~~هذا قرش للمريض وهذان قرشان للطبيب. # فقال المجنون: "مما حفظناه" كفى بالسلامة داء. # قال "الطبيب": هذا مريض بنوع من الجنون اسمه "مما حفظناه" وهو جنون ~~النسيان الذي يضع في مكان العقل كلمة ثابتة لا يتذكر المجنون إلا بها؛ ومن ~~أعراضه جنون الشك فكل ما حول المريض مشكوك فيه، وقد يترامى إلى جنون اللمس، ~~فلو لمسته بإصبعك توهمها عقربا فخاف من الإصبع تلمسه خوفه من العقرب تلدغه، # PageV02P319 # ولكن بقيت أشياء لا بد من التدقيق في فحصها، فليس هذا من مجانين العبقرية ~~التي انحرفت عن طريقها أو شذت في قوتها؛ ولا هو ممن يتجان ويتحامق التماسا ~~للرزق والعيش كما قال بعضهم: حماقة تعولني خير من عقل أعوله. # فقال المجنون: "مما حفظناه" حماقة تعولني ... # فضحك "النابغة" وقال: هو كما بينت لكم مصاب بجنون "مما حفظناه" وهو أقل ~~الجنون وأهونه، وعلاجه البسط والسرور والقرش، والضرب أحيانا ... فإذا ثابر ~~عليه الداء تحول إلى جنون "مما ضربناه" ... فيعتدي المصاب على كل من يراه ~~أو يوقع به ضربا، وعلاجه حينئذ القميص المرقوم1؛ فإذا فدحت العلة انقلب ~~المرض إلى جنون "مما قتلناه". وعلاجه يومئذ السلاسل والأغلال. # والحق أقول لكم إن آخر ما انتهت إليه فلسفة الطب في القرن العشرين أن ~~الناس جميعا مجانين ولكن بعضهم أوفر قسطا من بعض. كأن سلب العقل هو أيضا ~~حظوظ كحظوظ موهبة العقل. وأهل المريخ من أجل ذلك يسمون الأرض بيمارستان ~~الفلك. # ولكن بقيت أشياء لا بد من التدقيق في فحصها؛ وعندي في الدار عاطوس إذا ~~أشممته هذا المجنون عطس به عطسة قوية فخرج جنونه من أنفه ... قل لي أيها ~~المسكين: أتخاف إذا سرت وحدك في ميدان واسع كأن الميدان سيلتف عليك؟ أتضطرب ~~إذا مشيت في مضيق كأن المكان سينطبق عليك؟ وإذا كنت في عربة القطار فهل ~~يخيل إليك أن البيمارستان قد جره القطار وانطلق به هاربا؟ وهل شعرت مرة أنه ~~أوحي إليك أن تنتحر؟ # أرني هذا القرش الذي في يدك. فمد إليه المجنون يده بالقرش. # قال "النابغة": انظر الآن هل تحدثك ms571 نفسك أن تغصبني هذا القرش أو تسرقه ~~مني؟ قال: نعم. # قال "النابغة": إذن يجب أن أحرزه في جيبي ... وأسرع فأخفاه في جيبه. # فصاح الآخر وشغب، وقال: سلبني ونهبني. قلنا لا ينبغي أن يتصل بينكما ~~PageV02P320 # شر في تمثيل الرواية فهذا قرش آخر، ولكن أفي الفلسفة عند "النابغة" إباحة ~~السرقة والغصب؟ # قال: فالرواية الآن هي رواية الفيلسوف العظيم أفلاطون وتلميذه أرسطو. # قل لي ويحك يا أرسطو. أعلمت أن في المجانين أغنياء يسرقون الشيء القليل ~~لا قيمة له وهم أغنياء وليست بهم حاجة إليه. فما علة ذلك عندك وما وجهه في ~~مقولة الجنون؟ # أعجزت عن الجواب؟ إذن فاعلم يا أرسطو أن المصاب بهذا الضرب من الجنون إذا ~~اشترى هذا الشيء بدرهم كانت قيمته من الدرهم وحده، وهو غني لا قيمة للدرهم ~~في ماله فلا يحفل بالشراء بيد أنه إذا سرقه كانت قيمته عنده من عقله وحيلته ~~فيجيئه بلذة لا تشتريها كل أمواله ولا كل أموال الدنيا. فهذا جنون باللذة ~~لا بالسرقة، وهو بذلك ضرب من العشق يجعل الشيء إذا لم يسرق كأنه المرأة ~~المعشوقة الممتنعة على عاشقها. # والجياع إذا سرقوا ليأكلوا ويمسكوا الرمق على أنفسهم، لا يقال في لغة ~~الفلسفة إنهم سرقوا بل أخذوا ... فباضطرار جاعوا وباضطرار مثله أكلوا، ~~والسارق هنا هو الغني الذي منعهم الإحسان والمعونة. # فالدنيا معكوسة منقلبة أوضاعها يا أرسطو، لو استقامت هذه الأوضاع لوجدت ~~السعادة في الأرض لأهل الأرض جميعا. وكيف لك بالسعادة والناس مخلوقون ~~بعيوبهم؟ ويا ليتهم مخلوقون بعيوبهم فقط، ولكن الطامة الكبرى أن عيوبهم ~~تعمل دائما على أن ترى في الآخرين عيوبا مثلها. # كل حمار فهو يريد أن يملأ جوفه تبنا وفولا وشعيرا، غير أني لم أر حمارا ~~قط يريد أن يملأ لنفسه الإصطبل؛ فإذا وجد حمار هذه همته وهذا عمله فاسمه ~~إنسان لا حمار. # يا أرسطو إن معضلة المعضلات أن يحاول إنسان حل مشكلة داخلية محضة قائمة ~~في نفس حمار أو ثابتة في ذهنه الحماري ... ومثل هذا أن يحاول حمار حل مشكلة ~~نفسية في ذهن إنسان ms572 أو في قلبه، فلا حل لمشاكل العالم أبدا ما دام كل إنسان ~~مع غيره كحمار مع إنسان. # والمعضلات النفسية من عمل الشياطين، فكان ينبغي أن تجيء الملائكة لتحارب ~~الشياطين بالبرق والرعد دفاعا عن الإنسانية؛ ولكن الله -تعالى- منعها، ~~وأرسل للإنسان # PageV02P321 # ملائكة أخرى إن شاء هذا الإنسان عملت، وإن شاء عجزت؛ وهي فضائل الأديان ~~المنزلة. فإذا منحها الإنسان إرادته وقوته، فعملت عملها كان الإنسان هو ~~الملك بل فوق الملك، وإذا أضعفها ومحقها كان الإنسان هو الشيطان وأسفل من ~~الشيطان. # يا أرسطو1: "هذا العالم عندي كتلة من العدم اتفقت على الظهور وستختفي. ~~والعالم عندي ضعف ركب وقوة ركبت. والعالم عندي لا شيء. والعالم بين بين. ~~والعالم قسمان: منهم الفلاح الزراعي وذلك أفضل فلسفة طبيعية. والعالم في ~~حاجة إلى الموت والموت في حاجة إليه. والأدب هو الحياة ولا حياة بلا أدب. ~~والأدب ضربان: أدب نفساني وأدب مكتسب، وقد يكون طبيعيا كما هو عند نابغة ~~القرن العشرين. ومن هو نابغة القرن العشرين؟ هو شخص مات بلا موت، ويحيا بلا ~~حياة". # أتريد يا أرسطو أن تعرف سر تركيب العالم؟ الأمر يسير غير عسير، فإن سر ~~تركيبه كسر تركيب القرش الذي في يدك، فدعني أظهرك على هذه الحقيقة ومد يدك ~~بالقرش لأبين لك سر التركيب فيه. # ولكن المجنون الآخر أسرع فغيب القرش في جيبه. فقال "النابغة": هذا سياسي ~~داهية خبيث. والرواية الآن رواية سياسي القرن العشرين. # ليس في حقيقة السياسة إلا الرذل من أفعال السياسيين. والألفاظ السياسية ~~التي تحمل أكثر من معنى هي التي لا تحمل معنى. فليحذر الشرق من كل لفظ ~~سياسي يحتمل معنيين، أو معنى ونصف معنى، أو معنى وشبه معنى؛ فإن قالوا لنا: ~~"أحمر" قلنا لهم: اكتبوه بهذا اللفظ؛ فإذا كتبوه قلنا لهم: ارسموا إلى ~~جانبه معناه باللون الأحمر لتشهد الطبيعة نفسها على أن معناه أحمر لا غير ~~... وعلى هذه الطريقة يجب أن تكتب المعاهدات السياسية بين أوروبا والشرق ~~... # إنهم يكتبون لنا جريدة بأسماء الأطعمة ثم يقولون: أكلتم وشبعتم ... ولقد ~~رأيت "مظاهرات" كثيرة ولا ms573 كالمظاهرة التي أتمناها؛ فما أتمنى إلا أن يخرج ~~كل المجانين في مظاهرة ... PageV02P322 # وهذا الأبله الذي أمامنا ليس وطنيا ولا فيه ذرة من الوطنية؛ فإن كان ~~وطنيا أو زعم أنه وطني، فليخرج القرش الذي في جيبه ... ليكون فألا حسنا ~~لخروج جيش الاحتلال من مصر ... # ولكن المجنون لم يخرج القرش وترك جيش الاحتلال في مكانه. # فقال "النابغة": الرواية الآن رواية الشرطي واللص. وبحق من القانون يكون ~~للشرطي أن يفتش هذا اللص ليخرج القرش من جيبه ... # غير أن المجنون امتنع. فقال "النابغة": كل ذلك لا يجدي مع هذا الخبيث، ~~فالرواية الآن رواية هارون الرشيد مع البرامكة، ويجب أن ينكب الرشيد هؤلاء ~~البرامكة ليستصفي القرش. # بيد أننا منعناه أن ينكب "البرامكة" فقال: الرواية الآن رواية العاشق ~~والمعشوقة، ونظر طويلا في المجنون وصعد فيه عينه وصوب فلم ير إلا ما يذكر ~~بأنه رجل، فتهدى إلى رأي عجيب. فوقع على قدميه وتوهمه امرأة في حذائها ... ~~وجعل يناجي الحذاء بهذه المناجاة: # إن سخافات الحب هي أقوى الدليل عند أهله على أن الحب غير سخيف؛ فكل فكرة ~~في الحب مهما كانت سخيفة، عليها جلال الحب؛ وللحذاء في قدميك يا حبيبتي ~~جمال الصندوق المملوء ذهبا في نظر البخيل، وكل شيء منك أنت فيه سر جمالك ~~أنت. والحذاء في قدميك ليس حذاء، ولكنه بعض حدود جسمك الجميل، فلا أكون كل ~~العاشق حتى أحيط بكل حدودك إلى الحذاء. # إن جسمك يا حبيبتي كالماء الجاري العذب؛ في كل موضع منه روح الماء كله؛ ~~وحيثما وقعت القبلة من جسمك كان فيها روح شفتيك الورديتين، هذه قبلة على ~~قدميك يا حبيبتي؛ وهذه قبلة على ساقك؛ وهذه قبلة على ثوبك، وهذه قبلة على ~~جيبك ... # وكادت يد "النابغة" تخرج بالقرش، فعضه المجنون في كتفه عضة وحشية، فجأه ~~الخوف منها فطار صوابه؛ فصرخ صرخة عظيمة دوى لها المكان وترددت كصرصرة ~~البازي في الجو، ثم اعتراه الطيف، وأطبق عليه الجنون فاختلط وتخبط. # "والرواية الآن"؟ ... رواية عربة الإسعاف ... # PageV02P323 ### | فهرس الموضوعات # 3 الإشراق الإلهي وفلسفة الإسلام # 9 حقيقة المسلم # 14 ms574 وحي الهجرة # 19 فلسفة قصة # 25 فوق الآدمية الإسراء والمعراج # 32 الإنسانية العليا # 39 سمو الفقر في المصلح الاجتماعي الأعظم "1" # 44 سمو الفقر في المصلح الاجتماعي الأعظم "2" # 50 درس من النبوة # 56 شهر للثورة فلسفة الصيام # 62 ثبات الأخلاق # 68 قلت لنفسي وقالت لي # 75 الانتحار "1" # 83 الانتحار "2" # 91 الانتحار "3" # 98 الانتحار "4" # 105 الانتحار "5" # 113 الانتحار "6" # 121 وحي القبور # 125 عروس تزف إلى قبرها "1" # 130 موت أم # 134 قصة أب # 140 السمكة # PageV02P325 # 148 الزاهدان "2" # 154 إبليس يعلم "3" # 160 الدنيا والدرهم "4" # 166 دعابة إبليس # 173 الشيطان # 182 تاريخ يتكلم # 185 المجلد الأول # 186 المجلد الثاني # 187 المجلد الثالث # 187 المجلد الرابع # 188 المجلد الخامس # 188 المجلد السادس # 189 المجلد السابع # 189 المجلد الثامن # 190 المجلد التاسع # 190 المجلد العاشر # 192 كفر الذبابة # 200 يا شباب العرب! # 204 لو ... ! # 209 في محنة فلسطين # 209 أيها المسلمون! # 213 قصة الأيدي المتوضئة # 219 نجوى التمثال # 222 فاتح الجو المصري # 226 أجنحة المدافع المصرية # 230 أحاديث الباشا # 230 الطماطم السياسي # 234 البك والباشا # 237 ساكنو الثياب # PageV02P326 # 241 الأخلاق المحاربة # 245 خضع يخضع # 249 فلنتعصب ... ! # 254 وزن الماضي # 258 المعجم السياسي # 261 اللسان المرقع # 264 سر القبعة # 268 سعد زغلول # 271 حماسة الشعب # 274 الجمهور # 278 المجنون "1" # 285 المجنون "2" # 292 المجنون "3" # 299 المجنون "4" # 307 المجنون "5" # 315 المجنون "6" # PageV02P327 ### | المجلد الثالث ### | السمو الروحي الأعظم والجمال الفني في البلاغة النبوية # ... # بسم الله الرحمن الرحيم # السمو الروحي الأعظم والجمال الفني في البلاغة النبوية 1* # لما أردت أن أكتب هذا الفصل وهممت به، عرضت لي مسألة نظرت فيها أطلب ~~جوابها، ثم قدرت أن يكون أبلغ فلاسفة البيان في أوربا لعهدنا هذا رجلا يحسن ~~العربية المبينة، وقد بلغ فيها مبلغ أئمتها علما وذوقا، ودرس تاريخ النبي ~~صلى الله عليه وسلم درس الروح لأعمال الروح، وتفقه في شريعته فقه الحكمة ~~لأسرار الحكمة، واستوعب أحاديثه واعتبرها بفن النقد البياني الذي يبحث في ~~خصائص الكلام عن خصائص النفس؛ وتمثلت أني لقيت هذا الرجل فسألته: ما هو ms575 ~~الجمال الفني عندك في بلاغة محمد صلى الله عليه وسلم؟ وماذا تستخرج لك ~~فلسفة البيان منه؟ وما سره الذي يجتمع فيه؟ # ولم يكد يخطر لي ذلك حتى انكشف الخاطر عن وجه آخر، وذلك أن يكون معنى هذا ~~السؤال بعينه قد وقع في شيء من حديث النفس لأبلغ أولئك العرب الذين رأوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وآمنوا به، واتبعوا النور الذي أنزل معه، وقد ~~صحبه فطالت صحبته، لا يفوته من كلامه في الملأ شيء، وخالطه حتى كان له في ~~الإحاطة بأحوال نفسه كبعض التاريخ، فتدبر ما عسى أن يكون سر الجمال في ~~بلاغته صلى الله عليه وسلم، وما مرجعه الذي يرد إليه؟ # لو دار السؤال دورتيه في هذه السليقة العربية المحكمة التي رجعت أن تكون ~~فلسفة تشعر وتحس، وفي تلك الفلسفة البيانية الملهمة التي بلغت أن تكون ~~سليقة تدرس وتفكر لما خلص من كلتيهما إلا برأي واحد تلتقي عليه حقيقة ~~البيان من PageV03P003 # طرفيها: وهو أن ذلك الجمال الفني في بلاغته صلى الله عليه وسلم إنما هو ~~أثر على الكلام من روحه النبوية الجديدة على الدنيا وتاريخها. # وبعد، فأنا في هذه الصفحات لا أصنع شيئا غير تفصيل هذا الجواب وشرحه، ~~باستخراج معانيه، واستنباط أدلته، والكشف عن أسراره وحقائقه؛ ولقد درست ~~كلامه صلى الله عليه وسلم، وقضيت في ذلك أياما أتتبع السر الذي وقع في ~~التاريخ القفر المجدب فأخصب به وأنبت للدنيا أزهاره الإنسانية الجميلة، ~~فكانوا ناسا إن عبتهم بشيء لم تعبهم إلا أنهم دون الملائكة؛ وكانوا ناسا، ~~دارت الكرة الأرضية في عدهم ثلاث دورات: واحدة حول الشمس، وثانية حول ~~نفسها، وثالثة حول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. # ثم تركت الكلام النبوي يتكلم في نفسي ويلهمني ما أفصح به عنه، فلكأني به ~~يقول في صفة نفسه: إني أصنع أمة لها تاريخ الأرض من بعد، فأنا أقبل من هنا ~~وهناك، وأذهب هناك وهنا، مع القلوب والأنفس والحقائق، لا مع الكلام والناس ~~والوقت. # إن ههنا دنيا الصحراء ستلد الدنيا المتحضرة التي من ذريتها ms576 أوربا ~~وأمريكا؛ فالقرآن والحديث يعملان في حياة أهل الأرض بنور متمم لما يعمله ~~نور الشمس والقمر. # وقد كان المسلمون يغزون الدنيا بأسلحة هي في ظاهرها أسلحة المقاتلين، ~~ولكنها في معانيها أسلحة الأطباء؛ وكانوا يحملون الكتاب والسنة، ثم مضوا ~~إلى سبيلهم وبقي الكلام من بعدهم غازيا محاربا في العالم كله حرب تغيير ~~وتحويل إلى أن يدخل الإسلام على ما دخل عليه الليل*. # هذا منطلق الحديث في نفسي، وقد كنت أقرؤه وأنا أتمثله مرسلا بتلك الفصاحة ~~العالية من فم النبي صلى الله عليه وسلم حيث يمر إعجاز الوحي أول ما يخرج ~~به الصوت البشري إلى العالم، فلا أرى ثم إلا أن شيئا إلهيا عظيما متصلا ~~بروح الكون كله PageV03P004 # اتصال بعض السر ببعض السر، يتكلم بكلام إنساني هو هذا الحديث الذي يجيء ~~في كلمات قوية رائعة، فنها في بلاغتها كالشباب الدائم. # كنت أتأمله قطعا من البيان، فأراه ينقلني إلى مثل الحالة التي أتأمل فيها ~~روضة تتنفس على القلب، أو منظرا يهز جماله النفس، أو عاطفة تزيد بها الحياة ~~في الدم، على هدوء وروح وإحساس ولذة؛ ثم يزيد على ذلك أنه يصلح من الجهات ~~الإنسانية في نفسي، ثم يرزق الله منه رزق النور فإذا أنا في ذوق البيان ~~كأنما أرى المتكلم صلى الله عليه وسلم وراء كلامه. # وأعجب من ذلك أني كثيرا ما أقف عند الحديث الدقيق أتعرف أسراره، فإذا هو ~~يشرح لي ويهديني بهديه؛ ثم أحسه كأنما يقول لي ما يقول المعلم لتلميذه: ~~أفهمت؟ # وقفت عند قوله صلى الله عليه وسلم: "إن قوما ركبوا في سفينة، فاقتسموا، ~~فصار لكل رجل منهم موضع، فنقر رجل منهم موضعه بفأس، فقالوا له: ما تصنع؟ ~~قال: هو مكاني أصنع فيه ما شئت! فإن أخذوا على يده نجا ونجوا، وإن تركوه ~~هلك وهلكوا" *. # فكان لهذا الحديث في نفسي كلام طويل عن هؤلاء الذين يخوضون معنا البحر ~~ويسمون أنفسهم بالمجددين، وينتحلون ضروبا من الأوصاف: كحرية الفكر، ~~والغيرة، والإصلاح؛ ولا يزال أحدهم ينقر موضعه من سفينة ديننا وأخلاقنا ~~وآدابنا بفأسه، ms577 أي بقلمه ... زاعما أنه موضعه من الحياة الاجتماعية يصنع ~~فيه ما يشاء، ويتولاه كيف أراد، موجها لحماقته وجوها من المعاذير والحجج، ~~من المدنية والفلسفة، جاهلا أن القانون في السفينة إنما هو قانون العاقبة ~~دون غيرها، فالحكم لا يكون على العمل بعد وقوعه كما يحكم على الأعمال ~~الأخرى؛ بل قبل وقوعه؛ والعقاب لا يكون على الجرم يقترفه المجرم كما يعاقب ~~اللص والقاتل PageV03P005 # وغيرهما، بل على الشروع فيه، بل على توجه النية إليه، فلا حرية هنا في ~~عمل يفسد خشب السفينة أو يمسه من قرب أو بعد ما دامت ملججة في بحرها، سائرة ~~إلى غايتها؛ إذ كلمة "الخرق" لا تحمل في السفينة معناها الأرضي، وهنا لفظة ~~"أصغر خرق" ليس لها إلا معنى واحد وهو "أوسع قبر".. # ففكر في أعظم فلاسفة الدنيا مهما يكن من حريته وانطلاقه، فهو ههنا محدود ~~على رغم أنفه بحدود من الخشب والحديد تفسرها في لغة البحر حدود الحياة ~~والمصلحة وكما أن لفظة "الخرق" يكون من معانيها في البحر القبر والغرق ~~والهلاك، فكلمة "الفلسفة" يكون من بعض معانيها في الاجتماع الحماقة والغفلة ~~والبلاهة، وكلمة الحرية يكون من معانيها الجناية والزيغ والفساد1، وعلى هذا ~~القياس اللغوي فالقلم في أيدي بعض الكتاب من معانيه الفأس، والكاتب من ~~معانيه المخرب، والكتابة من معانيها الخيانة؛ قال لي الحديث: أفهمت؟ # هكذا يجب تأمل الجمال الفني في كلامه صلى الله عليه وسلم، فهو كلام كلما ~~زدته فكرا PageV03P006 # زادك معنى، وتفسيره قريب، قريب كالروح في جسمها البشري، ولكنه بعيد بعيد ~~كالروح في سرها الإلهي، فهو معك على قدر ما أنت معه، إن وقفت على حد وقف، ~~وإن مددت مد، وما أديت به تأدى، وليس فيه شيء مما تراه لكل بلغاء الدنيا من ~~صناعة عبث القول، وطريقة تأليف الكلام، واستخراج وضع من وضع، والقيام على ~~الكلمة حتى تبيض كلمة أخرى ... والرغبة في تكثير سواد المعاني، وترك اللسان ~~يطيش طيشه اللغوي يتعلق بكل ما عرض له، ويحذر الكلام على معاني ألفاظه، ~~ويجتلب له منها ويستكرهها على أغراضه، ويطلب ms578 لصناعته من حيث أدرك وعجز، ومن ~~حيث كان ولم يكن؛ إنما هو كلام قيل؛ لتصير به المعاني إلى حقائقها، فهو من ~~لسان وراءه قلب، وراءه نور، وراءه الله جل جلاله؛ وهو كلام في مجموعة كأنه ~~دنيا أصدرها صلى الله عليه وسلم عن نفسه العظيمة، لا تبرح ماضية في طريقها ~~السوي على دين الفطرة؛ فلا تتسع لخلاف، ولا يقع بها التنافر؛ والخلاف ~~والتنافر إنما يكونان من الحيوانية المختلفة بطبيعتها؛ لقيامها على قانون ~~التنازع تعدو به وتجترم وتأثم، فهي نازلة إلى الشر، والشر بعضه أسفل من ~~بعض؛ أما روحانية الفطرة فمتسقة بطبيعتها، لا تقبل في ذاتها افتراقا ولا ~~اختلافا؛ إذ كان أولها العلو فوق الذاتية، وقانونها التعاون على البر ~~والتقوى؛ فهي صاعدة إلى الخير، والخير بعضه أعلى من بعض. # فكلامه صلى الله عليه وسلم مجرى عمله: كله دين وتقوى وتعليم، وكله ~~روحانية وقوة وحياة؛ وإنه يخيل إلي وقد أخذت بطهره وجماله أن من الفن ~~العجيب أن يكون هذا الكلام صلاة وصياما في الألفاظ. # أما أسلوبه صلى الله عليه وسلم فأجد له في نفسي روح الشريعة ونظامها ~~وعزيمتها، فليس له إلا قوة قوة أمر نافذ لا يختلف، وإن له مع ذلك نسقا ~~هادئا هدوء اليقين، مبينا بيان الحكمة، خالصا خلوص السر، واقعا من النفس ~~المؤمنة موقع النعمة من شاكرها؛ وكيف لا يكون كذلك وهو أمر الروح العظيمة ~~الموجهة بكلمات ربها ووحيه؛ ليتوجه بها العالم كأنه منه مكان المحور: دورته ~~بنفسه هي دورته بنفسه وبما حوله، روح نبي مصلح رحيم، هو بإصلاحه ورحمته في ~~الإنسانية، وهو بالنبوة فوقها، وهو بهذه وتلك في شمائله وطباعه مجموع ~~إنساني عظيم لو شبه بشيء لقيل فيه: إنه كمجموع القارات الخمس لعمران ~~الدنيا. # ومن درس تاريخه صلى الله عليه وسلم وأعطاه حقه من النظر والفكر والتحقيق، ~~رأى نسقا من التاريخ العجيب كنظام فلك من الأفلاك موجه بالنور في النور من ~~حيث يبدأ # PageV03P007 # إلى حيث ينتهي، فليس يمتري عاقل مميز أن هذه الحياة الشريفة، بذلك النظام ~~الدقيق، في ذلك التوجه ms579 المحكم -لا يطيقها بشر من لحم ودم على ناموس الحياة ~~إلا إذا كان في لحمه ودمه معنى النور والكهرباء على ناموس أقوى من الحياة. # ولم يكن مثله صلى الله عليه وسلم في الصبر والثبات واستقرار النفس ~~واطمئنانها على زلال الدنيا، ولا في الرحمة ورقة القلب والسمو فوق معاني ~~البقاء الأرضي؛ فهو قد خلق كذلك؛ ليغلب الحوادث ويتسلط على المادة؛ فلا ~~يكون شأنه شأن غيره من الناس: تدفنهم معاني التراب وهم أحياء فوق التراب، ~~أو يحدهم الجسم الإنساني من جميع جهاتهم بحدود طباعه ونزعاته؛ وبذلك فقد ~~كان عليه الصلاة والسلام منبع تاريخ في الإنسانية كلها دائما، ولرأس الدنيا ~~نظام أفكاره الصحيحة. # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار ~~فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من ~~هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم! فقال رجل منهم: اللهم كان لي ~~أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا 1 مالا فنأى بي في طلب ~~شيء يوما فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، ~~فكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، ~~فكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما ~~حتى برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ~~ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة! فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج". # قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت ~~أحب الناس إلي، فأدرتها عن نفسها فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة 2 من ~~السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها! ~~ففعلت، حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه! فترحجت ~~من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي ~~أعطيتها، ms580 اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه! فانفرجت ~~الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها". PageV03P008 # قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وقال الثالث: اللهم إني استأجرت فأعطيتهم ~~أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، ~~فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله، أد إلي أجري. فقلت له: كل ما ترى من ~~أجرك، من الإبل والبقر والغنم والرقيق! فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي! ~~فقلت: إني لا أستهزئ بك! فأخذه كله فاستاقه فلم يترك شيئا. اللهم فإن كنت ~~فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه! فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون". ~~انتهى الحديث. # وأنا فلست أدري، أهذا هو النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم في الإنسانية ~~وحقوقها بكلام بين صريح فلا فلسفة فيه، يجعل ما بين الإنسان والإنسان من ~~النية هو ما بين الإنسان وربه من الدين؛ أم هي الإنسانية تنطق على لسانه ~~بهذا البيان العالي، في شعر من شعرها ضاربة فيه الأمثال، مشيرة فيه إلى ~~الرموز، واضعة إنسانها بين شدة الطبيعة ورحمة الله، محكمة عناصر روايتها ~~الشعرية، محققة في بيانها المكشوف أغمض معانيها في فلسفة الحاسة الإنسانية ~~حين تتصل بأشيائها فتظهر الضرورة البشرية وتختفي الحكمة، وفلسفة الروح حين ~~تتصل بهذه الأشياء ذاتها فتظهر الحكمة وتختفي الضوررة -مبينة أثر هذه وتلك ~~في طبيعة الكون، مقررة أن الحقيقة الإنسانية العالية لن تكون فيما ينال ~~الإنسان من لذته، ولا فيما ينجح من أغراضه، ولا فيما يقنعه من منطقه، ولا ~~فيما يلوح من خياله، ولا فيما ينتظم من قوانينه؛ بل هي السمو على هذه ~~الحقائق الكاذبة كلها، وهي الرحمة التي تغلب على الأثرة فيسميها الناس برا، ~~والرحمة التي تغلب على الشهوة فيسميها الناس عفة، والرحمة التي تغلب على ~~الطمع فيسميها الناس أمانة؛ وهي في ضبط الروح لثلاث من الحواس: حاسة الدعة ~~التي يقوم بها حظ الخمول، وحاسة اللذة التي يقوم بها حظ الهوى، وحاسة ~~التملك التي يقوم بها حظ القوة. # وتزيد الإنسانية ms581 على ذلك في نسق شعرها أنها تثبت أن البر من العفة ~~والأمانة هو على إطلاقه كالأساس لهما؛ فمن نشأ على بر أبويه كان خليقا أن ~~يتحقق بالعفة والأمانة، وأن العفة من الأمانة والبر هي مساكهما وجامعتهما ~~في النفس، وأن الأمانة من البر والعفة هي كمال هذه الفضائل، وكلهن درجات ~~لحقيقة واحدة، غير أن بعضها أسمى من بعض في الشأن والمنزلة، وبعضها طريق ~~لبعض يجر سبب منها سببا منها، وأن الرحمة الإنسانية التي هي وحدها الحقيقة ~~الكبرى إنما هي هذا الحب، بادئا من الولد لأبويه، وهو الحب الخاص؛ ثم من ~~المحب لحبيبته، وهو # PageV03P009 # الحب الأخص، ثم من الإنسان للإنسانية، وهو الحب مطلقا بعمومه وبغير ~~أسبابه الملجئة من الحاجة والغريزة؛ وهي درجات كدرجات الحياة نفسها من ~~طفوتها إلى شبابها إلى الشيخوخة، ومن العاطفة إلى الرغبة إلى العقل. # ثم إنه ما دام كمال الفضيلة هو الأمانة، فما قبلها أنواع منها؛ فبر الولد ~~أمانة الطبع المتأدب، وعفة المحب أمانة القلب الكريم، والثالثة أمانة الخلق ~~العالي، وهي أسماهن؛ لأنها لن تكون خلقا ثابتا إلا وقد خضع لقانونها الطبع ~~والقلب، ودخل في أسبابها الأدب والكرم؛ فالأمانة الكاملة في هذه الفلسفة هي ~~الأمانة للإنسانية العامة المتصلة والكرم؛ فالأمانة الكاملة في هذه الفلسفة ~~هي الأمانة للإنسانية العامة المتصلة بالمرء من أبعد جهاته، دون الإنسانية ~~الخاصة بكل شخص من أب، أو أم، أو قريب؛ ودون التي هي أخص وهي إنسانية الحب. # ونرى في لفظ الحديث أن كل رجل من هؤلاء الذين مثلوا رواية الإنسانية ~~الفاضلة في فصولها الثلاثة، لا يقول إنه فعل ما فعل من صالح أعماله: {إلا ~~ابتغاء وجه الله} [البقرة: 272] ، وقد تطابقوا جميعا على هذه الكلمة، وهي ~~من أدق ما في فلسفة الإنسانية في شعرها ذلك، فإن معناها أن الرجل في صالح ~~عمله إنما كان مجاهدا نفسه، يمنعها ما تحرص عليه من حظها أو لذتها أو ~~منفعتها، أي منخلعا من طبيعته الأرضية المنازعة لسواها، المنفردة بذاتها، ~~متحققا بالطبيعة السماوية التي لا يرحم الله عبدا إلا بها، وهي ms582 رحمة ~~الإنسان غيره، أي اندماجه باستطاعته وقوته، وإعطاؤه من ذات نفسه ومعاونته ~~كف أذاه. # والحديث كالنص على أن هذه الرحمة في النفس هي الدين عند الله، لا يصلح ~~دين بغيرها، ولا يقبل الله صرفا ولا عدلا من نفس تخلو منها؛ وإذا كانت بهذه ~~المنزلة، وكانت أساس ما يفرض على الإنسان من الخير والحق، فهي من ذلك في ~~معنى الحديث أساس ما يصلح هذه الإنسانية من الشر والباطل؛ وبهذا كله تكون ~~الغاية الفلسفية التي ينتهي إليها كلامه صلى الله عليه وسلم، أن تنشئة ~~الناس على البر والعفة والأمانة للإنسانية هي وحدها الطريقة العملية ~~الممكنة لحل معضلة الشر والجريمة في الاجتماع البشري. وانظر كيف جعل نهاية ~~السمو في رحمة المال الذي يصفونه بأنه شقيق الروح، فكأن الإنسان لا يخرج ~~فيها لغيره من بعض ماله، بل ينخلع من بعض روحه؛ وهذا يقرر لك فلسفة أخرى أن ~~السعادة الإنسانية الصحيحة في العطاء دون الأخذ، وأن الزائفة هي في الأخذ ~~دون العطاء؛ وذلك آخر ما انتهت إليه فلسفة الأخلاق؛ فما المرء إلا ثمرة ~~تنضج بموادها، حتى إذا نضجت واحلولت كان مظهر كمالها ومنفعتها في الوجود أن ~~تهب حلاوتها فإذا هي أمسكت الحلاوة على # PageV03P010 # نفسها لم يكن إلا هذه الحلاوة بعينها سبب في عفنها وفسادها من بعد. ~~أفهمت؟ # وما دمنا قد وصفنا رحمة المال، فإنا نتم الكلام فيها بهذا الحديث العجيب ~~في فن تمثيله وبلاغة فنه: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: "مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من ~~حديد، من ثديهما إلى تراقيهما؛ فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفرت على ~~جلده حتى تخفي بنانه وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا ~~لزقت كل حلقة مكانها، فهو يوسعها فلا تتسع". انتهى. # فأنت ترى ظاهر الحديث، ولكن فنه العجيب في هذا الحديد الذي يراد به طبيعة ~~الخير والرحمة في الإنسان، فهي من أشد الطبائع جمودا وصلابة واستعصاء متى ~~اعترضتها حظوظ النفس الحريصة وأهواءها، ms583 ومع ذلك فإن السخاء بالمال يبسط ~~منها وينتهي في الطبع إلى أن يجعلها لينة، فلا تزال تمتد وتسبغ حتى يكون ~~والإنفاق راضها رياضة عملية كرياضة العضل بأثقال الحديد ومعاناة القوة في ~~الصراع ونحوه؛ أما الشيخ فلا يناقض تلك الطبيعة ولكنه يدعها جامدة مستعصية ~~لا تلين ولا تستجيب ولا تتيسر. # وقد جعل الجبة من الثدي إلى التراقي، وهذا من أبدع ما في الحديث؛ لأن كل ~~إنسان فهو منفق على ضروراته، يستوي في ذلك الكريم والبخيل، فهما على قدر ~~سواء من هذه الناحية؛ وإنما التفاوت فيما زاد وسبغ من وراء هذا الحد، فههنا ~~يبسط الكريم بسطه الإنساني، أما البخيل فهو "يريد"؛ لأنه إنسان، والإرادة ~~علم عقلي لا أكثر، فإذا هو حاول تحقيق هذه الإرادة وقع من طبيعة نفسه الكزة ~~فيما يعانيه من يوسع جبة من الحديد لزقت كل حلقة من حلقاتها في مكانها، ~~فهي، مستعصية متماسكة، فهو يوسعها فلا تتسع. # ألا ترى كيف تتوجه الحجة، وكيف تدق الفلسفة وهي في أظهر البيان وأوضحه؟ ~~وهل تحسب طبيعة البخيل في دقائقها النفسية لو هي نطقت -بالغة من وصف نفسها ~~هذا المبلغ من جمال الفن وإبداعه؟ وهو بعد وصف لو نقل إلى كل لغات الأرض ~~لزانها جميعا، ولكان في جميعها كالإنسان نفسه: لا يختلف تركيبه فلن يكون ~~بثلاثة أعين، لا في بلاد شكسبير ولا في بلاد الزنوج. # إن كلام نبينا صلى الله عليه وسلم يجب أن يترجم بفلسفة عصرنا وآدابه، ~~فستراه حينئذ كأنما قيل مرة أخرى من فم النبوة، وستراه في شرحه الفلسفي ~~كالأزهار الناضرة: حياتها # PageV03P011 # بشاشتها في النور؛ وتعرفه إنسانية قائمة تصحح بها أغلاط الزمن في أهله، ~~وأغلاط الناس في زمنهم؛ وتجده يرف على البشرية المسكينة بحنان كحنان الأم ~~على أطفالها، والناس الآن كالأطفال غابت أمهم، فهم في تنافر صبياني.. وما ~~الأم بطبيعتها إلا الميزان لاستبدادهم، والحكمة لطيشهم، والائتلاف ~~لتنافرهم، والنظام لعبثهم؛ وبالجملة فحنان قلبها الكبير هو القانون لكل ~~قضايا هذه القلوب الصغيرة. # وقد كتبنا في فلسفة الأدب وحقيقته، ومعانيه الإنسانية، وأن الأديب التام ms584 ~~الأداة هو الإنسان الكوني، وغيره هو الإنسان فقط، وأن علم الأديب هو النفس ~~الإنسانية بأسرارها المتجهة إلى الطبيعة، والطبيعة بأسرارها المتجهة إلى ~~النفس؛ ولذلك فموضعه من الحياة موضع فكرة حدودها من كل نواحيها الأسرار ~~-وأن الأديب مكلف بتصحيح النفس الإنسانية ونفي التزوير عنها، وإخلاصها مما ~~يلتبس بها على تتابع الضرورات، ثم تصحيح الفكرة الإنسانية في الوجود، ونفي ~~الوثنية عن هذه الفكرة، والسمو بها إلى فوق، ثم إلى فوق، ودائما إلى فوق1. # فإذا تدبرت هذا المقال، واعتبرت كلام النبي صلى الله عليه وسلم على ما ~~بينا وشرحنا، وأخذته من عصره ومن العصر الذي نعيش فيه، ونظرت إلى ألفاظه ~~ومعانيه، واستبرأت ما بينها من خواص الفن بمثل ما نبهناك إليه من التأويل ~~الذي مر بك، وعلمت أن كل حقيقة فنية لا تكون كذلك إلا بخاصة فيها، وأن سر ~~جمالها في خاصتها -إذا جمعت ذلك لم تر مذهبا عن الإقرار بأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كما هو أعظم نبي وأعظم مصلح، فهو أعظم أديب؛ لأن فنه الأدبي أعظم ~~فن يحقق للإنسانية حياة أخلاقها، وهو بكل ذلك أعظم إنسان. صلى الله عليه ~~وسلم. # فالفن في هذه البلاغة هو في دقائقه أثر تلك الروح العليا بكل خصائصها ~~العظيمة التي يحتاج إليها الوجود الروحاني على هذه الأرض، ولذا ترى كلامه ~~صلى الله عليه وسلم يخرج من حدود الزمان، فكل عصر واجد فيه ما يقال له، وهو ~~بذلك نبوة لا تنقضي، وهو حي بالحياة ذاتها، وكأنما هو لون على وجه منها كما ~~ترى البياض مثلا هو اللون على وجه طائفة من الجنس البشري ... PageV03P012 # فإذا نظرت في هذا الفن فانظره في حديثه، وفي عمله، وفي الدنيا التي ألفها ~~من التاريخ تأليف القطعة البليغة النادرة من الكلام، ورد كل ما تدبرته من ~~ذلك إلى تلك الروح الجديدة على تاريخ الأرض؛ فلتعلمن حينئذ أن كل بليغ هو ~~شمعة مضيئة صنعت لها مادة النور نورا وجمالا بجانب هذه الشمس التي خلقت ~~فيها مادة النور نورا وجمالا وحياة وقوة؛ هناك نور ms585 لذي عينين، وهنا النور ~~لكل ذي عينين، وذاك يتخايل كالحلم، وهذا يفصح كالحقيقة، وذلك ضوء من حوله ~~الظلمة دانية، وهذا قد طرد الظلمة عن نصف الدنيا إلى نصف الدنيا؛ والأول ~~نور بلا روح، والثاني هو روح النور. # تلك في رأينا هي الطريقة التي كان يفهمه بها أصحابه صلى الله عليه وسلم، ~~كما يفهم الشاعر نور القمر في ليلة صيف بمعان من الزمان والمكان، ومن النفس ~~والحالة، ومن الهيئة والشكل، ومن العين والفكر، ومن السماء والأرض، ففيه ~~النور وزيادة، أي الحقيقة وما ترتفع بها على نفسها؛ وبهذه الطريقة كانوا ~~معه كأعظم فلاسفة الفن مع الفن إعجابا وحبا وانقيادا وطاعة حتى انخلعوا من ~~عصرهم ودنياهم، وخرجوا من أحوالهم وطبائعهم، وانجذبوا إليه أشد انجذاب عرفه ~~التاريخ، وأصبحوا مصرفين معه تصريف الحوادث لا تصريف الأشخاص، وعادت أنفسهم ~~وكأن تأثير الأرض يلتقي فيها بتأثير السماء فيغسل في سحب عالية فلا يكون ~~فيها كما يريده الناس، بل كما يريد الله؛ ورجعت قلوبهم لا تلبس على دينها ~~رأيا ولا هوى، وكأنما وضع لها هذا الدين حرسا على كل سمع وعلى كل بصر؛ ~~وبالجملة فأولئك قوم كأنما تناولهم النبي صلى الله عليه وسلم فأفرغهم ثم ~~ملأهم، وما انتقلوا إلى منزلهم العالية في التاريخ إلا بعد أن نقلهم هو إلى ~~منزلة من منازل نفسه الشريفة. # وناهيك من رجال يمثل لهم بهذا المثل الذي يضربه لهم في الإيمان ليبلغوه ~~أو يقاربوه، فعن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: شكونا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا: ألا تستنصر لنا؟ ~~ألا تدعو الله لنا؟ قال: "كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه ~~فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط ~~بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه! " # فانظر يا هذا، فإنه لو اجتمعت قوى الكون فجاءت يشد بعضها بعضا فنزلت في ~~عبارة من الكلام لتملأ نفوس المؤمنين بقوتها ms586 لما وضعت إلا هذا الوضع من هذا ~~التمثيل بأمشاط المسامير وأسنان المنشار في عظم الإنسان الحي # PageV03P013 # ولحمه. وظاهر التمثيل على ما رأيت من العجب، ولكن له باطنا أعجب من ~~ظاهره، وهو البلاغة كل البلاغة والبيان حق البيان، فإنما يريد صلى الله ~~عليه وسلم أن الحديد لا يأكل ولا يمزع من أولئك الأقوياء بإيمانهم عظما ~~ولحما وعصبا، بل هو حديد يأكل حديدا مثله أو أشد منه، فإن للروح المؤمنة ~~السلطة على جسمها قوة تصنع هذه المعجزة، فيمر الحديد في العظم واللحم ~~والعصب يسلبها الحياة، ولكنها تسلبه شدته وجلده وصبره! # وكل ما جاء من التمثيل في كلامه صلى الله عليه وسلم ينطوي فيه من إبداع ~~الفن البياني وإعجازه ما يفوت حدود البلغاء، حتى لا تشك إذا أنت تدبرته ~~بحقه من النظر والعلم أن بلاغته إنما هي شيء كبلاغة الحياة في الحي: هي ~~البلاغة ولكنها أبدع مما هي؛ لأنها الحياة أيضا. # وأنت خبير أن هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كانت تأخذه عند نزول ~~الوحي عليه أحوال وصفت في كتب الحديث: قالت عائشة -رضي الله عنها-: ولقد ~~رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد ~~عرقا. وفي حديث آخر عنها قالت: فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى أنه ~~ليتحدر عنه مثل الجمان من العرق في يوم شات. وفي حديث زيد بن ثابت: فأنزل ~~الله -عز وجل- على رسوله صلى الله عليه وسلم، وفخذه على فخذي، فثقلت علي ~~حتى خفت أن ترض فخذي. وفي حديث يعلى بن أمية حين قال لعمر: أرني النبي صلى ~~الله عليه وسلم حين يوحي إليه، فأشار عمر إلي، فجئت وعلى رأس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثوب قد أظل به فأدخلت رأسي، فإذا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم محمر الوجه وهو يغط، أي يردد نفسه من شدة ثقل الوحي. فهذه كلها أحوال ~~تصف عمل الدماغ بكل ما فيه من جهد القوى العصبية؛ ليرتفع بالحياة إلى ما ~~فوقها ويتركها لوعي الروح وحدها، ms587 لا يشاركها في هذا الوعي فكر ولا هاجس، ~~ولا يتصل به شيء من حياة الحي، فيتحقق للنبي صلى الله عليه وسلم وجود آخر ~~غير وجوده المحدود بجسمه وطباعه ودنياه؛ ويخرج بوعيه من هذه الجاذبية ~~الأرضية إلى ما وراء حدود الطبيعة من قوى الغيب؛ وبذلك يتلقى عن روح الكون، ~~ثم يفصم عنه وقد وعى ما أوحي إليه. وما وصفه زيد بن ثابت من أن فخذه كادت ~~ترض برهان قاطع على أن روحه صلى الله عليه وسلم تنسرح من جسمه ساعة الوحي ~~فيثقل الجسم؛ لأنه إنما يخف بالروح وتبقى وظائف الحياة عاملة أعمالها بعسر ~~وبطء؛ لاتصالها بشعاع من الروح دون الروح بجملتها؛ ولسنا هنا بصدد الكلام ~~عن # PageV03P014 # الوحي، فله موضع إن شاء الله في كتابنا "أسرار الإعجاز"1، وإنما نريد أن ~~ندل على أن هذه التهيئة الإلهية لذلك الجهاز العصبي لها أثرها العظيم في فن ~~بلاغته صلى الله عليه وسلم، وبها امتاز عن كل بلغاء الدنيا؛ فإن الملهم من ~~أفذاذ العبقريين على هذه الأرض إنما يبلغ ما يبلغه ببعض هذا الذي رأيت، وفي ~~بعض هذا أبدع ما ورثت الدنيا من فنون البيان، وكأن في الدماغ مادة في موضع ~~منه يميز بها من تختارهم السماء لحكمتها وإلهامها، وإذا كان فن العبقريين ~~هو أسمى الكلام الإنساني؛ لما خصوا به من هذه التهيئة، فإن فنه صلى الله ~~عليه وسلم يكون ولا جرم من باب الأكبر مما هو أكبر في إلهام الإنسانية ~~كلها. # ولهذه القوة النادرة كان بيانه قويا على مزج معانيه بالنفس بما فيه من ~~صنعة الحياة، وإنما فلسفة البيان الفني أن تمتد الحياة من النفس إلى اللفظ، ~~فتصنع فيه صنعها، فتفصل العبارة الفنية عن كاتبها أو قائلها وهي قطعة من ~~كلامه؛ لتستحيل عند قارئها أو سامعها قطعة من الحياة في صورة من صور ~~الإدراك؛ فالبيان الفني هو الوسيلة لحمل الوجود وبعثرته في مواضع غير ~~مواضعه، وخلقه خلقا آخر في النفس الإنسانية؛ وبذلك يؤول قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "إن من البيان لسحرا". جعل نوعا من ms588 البيان هو السحر، لا البيان كله، ~~فالحديث كالنص على ما تسميه الفلسفة الأوروبية اليوم "بالبيان الفني"، كأنه ~~قال: إن من البيان فنا هو سحر من عمل النفس في اللغة تغير به الأشياء، وله ~~عجب السحر وتأثيره وتصرفه؛ وهذا معنى لم يتنبه إليه أحد، ولا يذكر معه كل ~~ما قالوه في تفسير الحديث، وبذلك التأويل يكون هذا الحديث قد احتوى أسمى ~~حقيقة فلسفية للفن. # ومن أثر تلك القوة أيضا ما تراه من شدة الوضوح في كلامه صلى الله عليه ~~وسلم، ولقد رأينا هذه البلاغة النبوية العجيبة قائمة على أن كل لفظ هو لفظ ~~الحقيقة لا لفظ اللغة، فالعناية فيها بالحقائق، ثم الحقائق هي تختار ~~ألفاظها اللغوية على منازلها؛ وبذلك يأتي الكلام كأنه نطق للحقيقة المعبر ~~عنها، والكلمة الصادقة تنطق مرة واحدة؛ فصورتها اللغوية لا تكون إلا صريحة ~~منكشفة عن معناها المضيء كأنما ألقي فيها النور. # وهو معلوم أنه صلى الله عليه وسلم لا يتكلف ولا يتعمل، ولم يكتب ولم ~~يؤلف، ومع هذا لا تجد في بلاغته موضعا يقبل التنقيح، أو تعرف له رقة من ~~الشأن كأنما بين الألفاظ ومعانيها في كل بلاغته مقياس وميزان، أو كأن هذه ~~البلاغة تنبثق بالكلام PageV03P015 # على طبيعة عاملة فيه بقواها الدائبة الثابتة، ففنها الجميل هو التركيب ~~الذي تجيء فيه كما ترى الشجر مثلا كاسيا من ورقه وزهره، فأنت منه بإزاء عمل ~~جميل لأنك بإزاء حقيقة طبيعية قد انفردت في ذاتها، ومعنى انفرادها في ذاتها ~~أنها كذلك هي، فليس فيها موضع لشيء غير ما هو فيها؛ ثم لا تنس أن النبوة ~~أكبر السبب في ذلك الوضوح البياني العجيب؛ فإن الحياة لا تستغلق في البلاغة ~~بإنسان إلا وهي غنية عنه؛ ولعل غموض بعض الفلاسفة وبعض الشعراء هو من دليل ~~الطبيعة على أنهم زائدون في الطبيعة.. ألا ترى أن من أساليبهم الفلسفية ~~والشعرية ما يجعل معنى الكلمة أحيانا هو نقض معناها1 إذ يتصنعون للفكر ~~ويستجلبون له ويشققون فيه كما يفعل أهل صناعة الألفاظ بالألفاظ، فههنا ~~البديع اللفظي؛ وهناك "البديع ms589 الفكري" ولا طائل وراءهما إلا صناعة وبهرجة. # ومتى كان النبي قسما من الحياة، بل مادة لمعانيها الجديدة، فلن يكون ~~بيانه إلا على ما وصفنا لك جمالا، ووضوحا، ومنفعة، ودقة، وسموا بقدر ذلك ~~كله. # وهنا معنى نريد أن ننبه إليه ونتكلم في سره وحقيقته، فإنك تقرأ ما جمع من ~~الكلام النبوي فلا تصيب فيه ما تصيبه في بلاغة أدباء العالم مما فنه الكلام ~~في المرأة، والحب، وجمال الطبيعة، وهو في بلاغة الناس كالقلب في الجسم: لا ~~تخلو منه ولا تقوم إلا به، حتى تجد الكلام في المرأة وحدها شطر الأدب ~~الإنساني، كما أن المرأة هي شطر الإنسانية، ولا يعرف له صلى الله عليه وسلم ~~في هذه الأغراض إلا كلمات بيانية جاءت بما يفوق الوصف من الجمال والدقة، ~~متناهية في الحسن، طاهرة في الدلالة، يظهر في وجه بلاغتها ما يظهر في وجه ~~العذراء من طبيعة الحياء والخفر؛ كقوله في النساء: "رفقا بالقوارير"، وقوله ~~لأسامة بن زيد، وقد كساه قبطية2 فكساها امراته: "أخاف أن تصف حجم عظامها"، ~~قال الشريف الرضي في شرح هذه الكلمة: وهذه استعارة، والمراد أن القبطية ~~برقتها تلصق بالجسم، فتبين حجم الثديين، والرادفتين، وما يشتد من لحم ~~العضدين والفخذين، فيعرف الناظر إليها مقادير هذه الأعضاء، حتى تكون ~~كالظاهرة للحظه، والممكنة للمسه، فجعلها PageV03P016 # عليه الصلاة والسلام لهذه المحال كالواصفة لما خلفها، والمخبرة عما استتر ~~بها؛ وهذه من أحسن العبارات عن هذا المعنى، ولهذا الغرض رمى عمر بن الخطاب ~~في قوله: "إياكم ولبس القباطي" فإنها إلا تشف تصف". فكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أبا عذرة هذا المعنى، ومن تبعه فإنما سلك فجه. # قلنا: وهذا كلام حسن، ولكن في عبارة الحديث سرا هو من معجزات البلاغة ~~النبوية لم يهتد إليه الشريف، على أنه هو حقيقة الفن في هذه الكلمة ~~بخاصتها، ولا نظن أن بليغا من بلغاء العالم يتأتى لمثله، فإنه عليه الصلاة ~~والسلام لم يقل: أخاف أن تصف حجم أعضائها، بل قال: "حجم عظامها"، مع أن ~~المراد لحم الأعضاء في حجمه ms590 وتكوينه، وذلك منتهى السمو بالأدب، إذ ذكر ~~"أعضاء" المراة في هذا السياق، وبهذا المعرض، هو في الأدب الكامل أشبه ~~بالرفث، ولفظة "الأعضاء" تحت الثوب الرقيق الأبيض تنبه إلى صور ذهنية كثيرة ~~هي التي عدها الرضي في شرحه، وهي تومئ إلى صورة أخرى من ورائها، فتنزه ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذلك، وضرب الحجاب اللغوي على هذه المعاني ~~السافرة ... وجاء بكلمة "العظام"؛ لأنها اللفظة الطبيعية المبرأة من كل ~~نزغة، لا تقبل أن تلتوي، ولا تثير معنى، ولا تحمل غرضا؛ إذ تكون في الحي ~~والميت، بل هي بهذا أخص؛ وفي الجميل والقبيح، بل هي هنا أليق؛ وفي الشباب ~~والهرم، بل هي في هذا أوضح. # والأعضاء لا تقوم إلا بالعظام فالمجاز على ما ترى، والحقيقة هي ما علمت. # ومن كلماته في الوصف الطبيعي قوله صلى الله عليه وسلم وهو يذكر أوقات ~~الصلاة: "العصر إذا كان ظل كل شيء مثله، وكذلك ما دامت الشمس حية، والعشاء ~~إذا غاب الشفق إلى أن تمضي كواهل الليل"، وكواهل الليل: أوائله وفروعه ~~المتقدمة منه، كالذي يتقدم المطايا من أعناقها الممتدة بعض الامتداد؛ وقوله ~~وقد سأله رجل متى يصلي العشاء الآخرة، فقال عليه الصلاة والسلام: "إذا ملأ ~~الليل بطن كل واد"؛ وقوله: "إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع"، ~~وقوله: "إن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما ~~شئت؟ قال: بلى ولكني أحب أن أزرع. قال: فبذر فبادر الطرف نباته واستواؤه ~~واستحصاده فكان أمثال الجبال". وقوله: "بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش، ~~فنزل بئرا، فشرب منها ثم خرج، فإذا بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: ~~لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي! فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، ثم رقى فسقى الكلب ~~فشكر الله له، فغفر له"، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟ ~~قال: "في كل كبد رطبة أجر". # PageV03P017 # فهذا ونحوه من الفن البديع النادر، وهو مع ذلك لا يأتي في كلامه صلى الله ~~عليه وسلم إلا في ms591 مثل ما رأيت، فلا يراد منه استجلاب العبارة، ولا صناعة ~~الخيال، فيظن من لا يميز ولا يحقق أن خلو البلاغة النبوية من فن وصف ~~الطبيعة والجمال والحب، دليل على ما ينكره أو يستجفيه، ويقول: بداوة وسذاجة ~~ونحو ذلك مما تشبهه الغفلة على جهلة المستشرقين ومن في حكمهم من ضعاف ~~أدبائنا وجهلة كتابنا، وإنما انتفى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لانتفاء الشعر عنه وكونه لا ينبغي له كما بسطناه في موضعه1؛ فعمله أن يهدي ~~الإنسانية لا أن يزين لها، وأن يدلها على ما يجب في العمل، لا ما يحسن في ~~صناعة الكلام، وأن يهديها إلى ما تفعله لتسمو به، لا إلى ما تتخيله لتلهو ~~به. والخيال هو الشيء الحقيقي عند النفس في ساعة الانفعال والتأثر به فقط، ~~ومعنى هذا أنه لا يكون أبدا حقيقة ثابتة، فلا يكون إلا كذبا على الحقيقة. # ثم هو صلى الله عليه وسلم ليس كغيره من بلغاء الناس: يتصل بالطبيعة ~~ليستملي منها؛ بل هو نبي مرسل متصل بمصدرها الأزلي ليملي فيها، وقد كانت ~~آخر ابتسامة له في الدنيا ابتسامات للصلاة2 يتهلل لطهارة النفس المؤمنة ~~وجمالها قائمة بين يدي خالقها، منسكبا في طهارتها روح النور، وكل إنسان ~~إنما يبدو الكون في عينه على ما يرى مما يشبه ما في نفسه، فكل ما رآه ~~المصلي الخاشع في صلاته3 يبدو له كأنه يصلي في ضرب من العبادة على نحو من ~~الدين، وكل ما رآه السكران في سكره يكاد يراه متخبطا يعربد ما يتماسك! # ثم إن الكلام في وصف الطبيعة والجمال والحب على طريقة الأساليب البيانية، ~~إنما هو باب من الأحلام؛ إذ لا بد فيه من عيني شاعر، أو نظرة عاشق؛ وهنا ~~نبي يوحى إليه، فلا موضع للخيال في أمره، إلا ما كان تمثيلا يراد به تقوية ~~الشعور الإنساني بحقيقة ما في بعض ما يعرض من باب الإرشاد والموعظة، كما ~~PageV03P018 # مر بك من أمثلته، وكقوله صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه ~~قاعد تحت جبل يخاف أن ms592 يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه! ~~"، وهذا كلام أبلغ ما أنت واجد من تفسيره تلك النفس المؤمنة بإحساسها ~~الرقيق، كأنه حاسة من النور كبت في شعورها، وتلك النفس الفاجرة بإحساسها ~~الغليظ، كأنه حاسة من التراب ### | .... # ويكاد المؤمن الذي يسمع هذا الوصف يذكره ذنوبه أن يحس بحركة جبل يهم أن ~~ينقلع فيميل عليه، أما الفاجر فيسمعه يذكره ذنوبه فإذا هي في خياله نقط سود ~~تمر مرور الذباب، ليس منه إلا الحس به، كما يحس من يضرب على أنفه برجل ~~ذبابة.. وجعل الذباب يمر على أنفه دون عينه أو فمه، وذلك منتهى الجمال في ~~التصوير؛ لأن الذباب إذا وقع على الفم أو العين ثبت وألح، فإذا وقع على ~~قصبة الأنف لم يكد يقف ومر مروره. # الكون في نظر النبي صلى الله عليه وسلم آية الحكمة لا آية الفن، ومنظر ~~المستيقن لا منظر المتخيل، ومادة العبودية لله لا مادة التأله للإنسان، ~~وبذلك حرم الإسلام أشياء وكره أشياء لا يكون الفن بغيرها فنا، في ضروب من ~~الشعر والتصوير والموسيقى والحب؛ لأنه إنما ينظر للإنسان واحدا وجمعا، ~~وحاضرا وآتيا؛ وواجبا ومنفعة، ولذة وألما؛ وهذه كلها لا إطلاق فيها إلا من ~~أجل القيد، على حين أن الفن لا قيد فيه إلا من أجل الإطلاق، وأساس الدين حظ ~~الجماعة وقيودها، وأساس الفن الفرد وحريته؛ وهذه الحياة لا تبدو في حالة ~~تركيب وانتظام إلا إذا كانت للكل، فإذا كانت لفرد ظهرت في هيئة انحلال ~~وانتقاض، وأصبحت في الكون كله عمر إنسان واحد. # ثم إن للفن ألوانا لا بد منها لتصويره الجميل الذي تعجب به النفس، ~~والشيطان هو اللون الأحمر فيها ... أي هو أشدها زهوا وإشراقا وجمالا في ~~التصوير الفني لكل ما في المرأة والحب والجمال وشهوات النفس، ولسنا ننكر أن ~~الحياة القوية حين تمازجها هذه الفنون تكسب مرحا ونشاطا ويكون لها رونق، ~~وفيها متاع؛ ولكن الحياة لا تكون بها كذلك إلا من أنها تحتسي خمرها ... ~~فلها بعد من عاقبة هذه الفنون شبيه بما يكون ms593 للجسم القوي من عاقبة الخمر ~~إذا تغلغلت الخمر في شعاب كبده وأحاطت رطبتها يابسة، كما وقع في أطوار ~~كثيرة من تاريخ الأمم؛ فليس الاعتبار في هذا التشبيه بما يعرض من تأثير ~~الساعة الزائلة بأفراحها وفن حياتها، بل الشأن للعاقبة المحتومة متى جاءت ~~ساعتها الباقية بأحزانها وفن هلاكها، فالإسلام فيما حرم وكره من ذلك لم يزد ~~على أن أراد للحياة أن تحيا؛ لأنه لا يقر صورة من صور انتحارها. # PageV03P019 # ومن كان أكبر عمله إنشاء الحقائق الإنسانية وتقريرها شريعة وعاطفة ~~وأعمالا، فلا جرم كان فنه غير الذي أكبر عمله تمويه تلك الحقائق وزخرفتها؛ ~~ليقع الإحساس بها على غير وجهها، فتخف بالواقع منها على النفس خفة الكذب في ~~ساعة تصديقه وهذا هو أكبر عمل الشعر. # وههنا سر دقيق لا يتم كلامنا إلا بشرحه؛ لنقطع القول في هذا المعنى، ~~فيظهر حقه من باطله قلنا آنفا إن النبي صلى الله عليه وسلم ليس كغيره من ~~بلغاء الناس؛ يتصل بالطبيعة يستملي منها، بل هو نبي مرسل متصل بمصدرها ~~الأزلي ليملي فيها، ومعنى هذا أنه لا يعرض له من زيغ النفس ما يعرض لغيره ~~من الناس، فأحكم حكماء الدنيا لا يستطيع أن يتبين جزءا صغيرا من الكون فهما ~~صادقا جزما لا يتم إلا بفهم الكون بأجمعه، فهو كله ذرة مكبرة إلى ما لا ~~ينتهي ولا يحد، وليست النبوة شيئا غير الاتصال بالسر. # والحاضر الذي يكون في إنسان من الناس، هو حاضر ليس غير؛ لأنه يتحول ~~ويفنى، فهو من الزيغ الذي يعتري النفس، ومنه كل أغراض الحياة البشرية ~~الفانية، ولهذا كان طابع الله على نبينا صلى الله عليه وسلم هو تجريده من ~~زيغ الهوى وسرف الطبيعة، فهو من الناس ولكنه متخلق بأخلاق الله سبحانه، وله ~~في هذا الباب ما ليس لأحد ولا يطيقه أحد، ويجب على من يقرأ سيرته وشمائله ~~وحديثه أن يبحث دائما عن طابع الله في كل شيء منها، فإنه سيرى حينئذ كأنه ~~يدرسها مع الملائكة لا مع الناس، وسيظهر له من تفسيرها أن الدنيا لم ms594 تستطع ~~تحقيق غايتها الأخلاقية العليا إلا فيها، وأنه صلى الله عليه وسلم كان ~~إنسانا، وكان أيضا حركة في تقدم الإنسانية؛ وأن من معجزاته أنه أطلق في ~~تاريخه ما عجزت عنه البشرية في تاريخها، وأن كل أموره صلى الله عليه وسلم ~~موضوعة وضعا إلهيا كأنها صفات كونها الله وعلقها في التاريخ لمعاني الحياة، ~~تعليق الشمس في السماء لمواد الحياة. # إن الشهوات والمصالح إنما هي حصر النفس في جانب من الشعور محدود بلذات ~~وهموم وأحاسيس تجعل غرض الإنسان نفسه، فهو كما يملأ معدته ويتأنق في ~~الاختيار لها، يريد من كل ذلك أن يملأ شخصه على هذه الطريقة بعينها، طريقة ~~إشباع معدته.. وبهذا تسخر منه حقائق الكون؛ لأنها لا تحد بشخص، ولا تنحصر ~~في أحد، وكل من كانت حدوده الإنسانية جسمه ولذات جسمه، فهو في مقدار هذا ~~الكون كالميت المحدود من الأرض كلها بقبره وتراب # PageV03P020 # قبره؛ وإنه ليجد جسمه وأكاذيب الطبيعة عليه، ولكنه لن يجد الروح ~~وحقائقها؛ وإذا لم يجد هذه فلن يعرف الكون وأسراره؛ وإذا فقد هذا فهو ~~الحاضر الضيق المشوه المكذوب، ومن ثم ففنه شهوة إحساسه وإن كان مخدوعا، ~~وشهوة نظره وإن كان ملبسا عليه، وشهوة خياله، وإن كان التمويه والزور ~~والحاضر الضيق المشوه المكذوب الخادع هو المسمى في لغة القرآن والحديث ~~"بالدنيا" فإذا اتسع الإنسان لروحه وأدرك حقيقتها، ووعى ما بينها وبين ~~الكون؛ وأخذ يحقق هذه الروح السماوية في أعماله، وتخطى حدود جسمه إلى فكرة ~~الخلود؛ فهذا كله هو المسمى في لغة القرآن والحديث "بالآخرة"؛ فهما كلمتان ~~في منتهى الإبداع من الفن والفلسفة؛ وعلى ذلك يؤول قوله صلى الله عليه وسلم ~~في خطبته: "من كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته ~~الدنيا وهي راغمة؛ ومن كان همه الدنيا فرق الله أمره وجعل فقره بين عينيه، ~~ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له". # وأنت إذا فسرت هذه الكلمات بما وصفنا لك ووجهتها على ذلك التأويل، رأيت ~~عجائب معانيها لا تنقضي، وأدركت سر قوله صلى الله عليه ms595 وسلم: "إني على علم ~~من الله علمنيه" فاتساع الذات الإنسانية وممادتها لحقائق الكون، يجعل ~~الإنسان كالكون نفسه، مجتمعا غير مفرق على هموم الحياة؛ ويجعل الغنى معنى ~~لا مادة؛ ولو امتلك إنسان من الناس كل ما طلعت عليه الشمس، وكان له كنز في ~~الشرق وكنز في المغرب، لما بلغ شيئا قليلا من لذة هذا المعنى في قلبه؛ وفي ~~هذه الحالة تصبح الدنيا العريضة التي يهلك الناس في تحصيلها وليست إلا ~~ضرورة صغيرة، قد تكون في ثوب ولقيمات ونحوها مما لا خطر له، وهذا هو ~~إرغامها وهي مالكة الملوك، فإذا ضاق الإنسان عن روحه أصبحت النفس كالمنخل ~~يوضع الدقيق الناعم فيه؛ ليخرج منه فيمسكه كله ولا يمسك منه شيئا، ووضع بين ~~عينيها معنى الفقر، فهي تعمل أبدا لتمتلئ، ولا تمتلئ أبدا؛ وإذا كان المنخل ~~متخذا على الطريقة التي صنع بها، ففقره ولا جرم معلق عليه من ذات تركيبه. ~~"أفهمت"؟ # ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم متساوقا مع الحقيقة، متصلا بها، ~~محدودا بربه لا بنفسه، كان لذلك خارجا من حاضر ما نحن فيه، ممتدا بمعناه ~~الإنساني الكامل إلى المستقبل الذي وراء الحياة، فما نحصره نحن بطبيعتنا في ~~بعض الأسماء لا يلتفت هو إليه بطبيعته؛ ومن ذلك أوصاف الغنى والحلية ~~والنعيم والمتاع والجمال والمطعم والمشرب، وما داخل الطبيعة من مثل ~~معانيها، وما جرى هذا المجرى، فهذا كله يراه الناس من جهة الحاجة إليه ~~والمطمع فيه؛ إذ كان ضعف إدراكهم # PageV03P021 # وضيق وعيهم مما يبدع لهم أكاذيب الخيال، فتجيء من ذلك أوصافهم وفنون ~~أوصافهم؛ أما النبي صلى الله عليه وسلم فيرى ذلك من ناحية الغنى عنه والسمو ~~عليه؛ إذ كان لا ينظر بطبيعة روحه العظيمة إلا أعلى النظرين وأطهرهما، فآخر ~~إدراكنا للحقيقة والطبيعة أول إدراكه هو الطبيعة والحقيقة، وما تعجز عنه ~~الإنسانية تبدأ منه النبوة. # وعلى هذا فإن من أقوى البراهين على كماله صلى الله عليه وسلم ونبوته ~~واتساع روحه ونفاذ إدراكه لحقائق الكون -أنه لم يتبسط في تلك الفنون كما ~~يصنع البلغاء، ولم يأخذ ms596 مأخذهم فيها؛ إذ كانت كلها من أكاذيب القلب والفكر ~~والعين. # وفي قانون الحقيقة أن الأشياء هي كل الأشياء وهي كما هي، أما في قانون ~~الكذب فالأشياء كلها هي ما تختاره أنت منها، وكما تختاره. # بحسب الدنيا من جمال فنه صلى الله عليه وسلم ما يضيف إلى الحياة عظمة ~~الأشياء العظيمة، ويدفع الإنسانية في طريقها الواحد الذي هو بين الأب ~~والأم، طريق الأخ إلى أخيه، يكون في الدنيا بين الرجلين كما هو في الدم بين ~~القلبين رحمة ومودة؛ وبحسبنا من جمال هذا الفن ما يهدي الإنسان إلى حقيقة ~~نفسه؛ فيقره في الحقيقي من وجوده الإنساني؛ ويجعل الفضائل كلها تربية ~~للقلب؛ يكبر بها، ثم يكبر، ثم لا يزال يكبر حتى يتسع لحقيقة هذه الكلمة ~~الكبرى: الله أكبر. # PageV03P022 ### | قرآن الفجر # 1: # كنت في العاشرة من سني وقد جمعت القرآن كله حفظا وجودة بأحكام القراءة؛ ~~ونحن يومئذ في مدينة "دمنهور" عاصمة البحيرة؛ وكان أبي -رحمه الله- كبير ~~القضاة الشرعيين في هذا الإقليم، ومن عادته أنه كان يعتكف كل سنة في أحد ~~المساجد عشرة الأيام الأخيرة من شهر رمضان، يدخل المسجد فلا يبرحه إلا ليلة ~~عيد الفطر بعد انقضاء الصوم؛ فهناك يتأمل ويتعبد ويتصل بمعناه الحق، وينظر ~~إلى الزائل بمعنى الخالد، ويطل على الدنيا إطلال الواقف على الأيام السائرة ~~ويغير الحياة في عمله وفكره، ويهجر تراب الأرض فلا يمشي عليه، وتراب ~~المعاني الأرضية فلا يتعرض له، ويدخل في الزمن المتحرر من أكثر قيود النفس، ~~ويستقر في المكان المملوء للجميع بفكرة واحدة لا تتغير؛ ثم لا يرى من الناس ~~إلا هذا النوع المرطب الروح بالوضوء، المدعو إلى دخول المسجد بدعوة القوة ~~السامية، المنحني في ركوعه؛ ليخضع لغير المعاني الذليلة، الساجد بين يدي ~~ربه؛ ليدرك معنى الجلال الأعظم. # وما هي حكمة هذه الأمكنة التي تقام لعبادة الله؟ إنها أمكنة قائمة في ~~الحياة، تشعر القلب البشري في نزاع الدنيا أنه في إنسان لا في بهيمة ... # وذهبت ليلة فبت عند أبي في المسجد؛ فلما كنا في جوف الليل الأخير أيقظني ~~للسحور، ms597 ثم أمرني فتوضأت لصلاة الفجر وأقبل هو على قراءته؛ فلما كان السحر ~~الأعلى هتف بالدعاء المأثور: اللهم لك الحمد؛ أنت نور السموات والأرض، ولك ~~الحمد؛ أنت بهاء السموات والأرض، ولك الحمد؛ أنت زين السموات والأرض، ولك ~~الحمد؛ أنت قيام السموات والأرض ومن فيهن ومن عليهن؛ أنت الحق ومنك الحق ~~... إلى آخر الدعاء. PageV03P023 # وأقبل الناس ينتابون المسجد، فانحدرنا من تلك العلية التي يسمونها ~~"الدكة" وجلسنا ننتظر الصلاة. وكانت المساجد في ذلك العهد تضاء بقناديل ~~الزيت، في كل قنديل ذبالة يرتعش النور فيها خافتا ضئيلا يبص بصيصا كأنه بعض ~~معاني الضوء لا الضوء نفسه؛ فكانت هذه القناديل والظلام يرتج حولها، تلوح ~~كأنها شقوق مضيئة في الجو، فلا تكشف الليل ولكن تكشف أسراره الجميلة، وتبدو ~~في الظلمة كأنها تفسير ضعيف لمعنى غامض يومئ إليه ولا يبينه، فما تشعر ~~النفس إلا أن العين تمتد في ضوئها من المنظور إلى غير المنظور كأنها سر يشف ~~عن سر. # وكان لها منظر كمنظر النجوم يتم جمال الليل بإلقائه الشعل في أطرافه ~~العليا وإلباس الظلام زينته النوارنية؛ فكان الجالس في المسجد وقت السحر ~~يشعر بالحياة كأنها مخبوءة، ويحس في المكان بقايا أحلام، ويسري حوله ذلك ~~المجهور الذي سيخرج منه الغد؛ وفي هذا الظلام النوراني تنكشف له أعماقه ~~منسكبا فيها روح المسجد، فتعتريه حالة روحانية يستكين فيها للقدر هادئا ~~وادعا راجعا إلى نفسه، مجتمعا في حواسه، منفردا بصفاته، منعكسا عليه نور ~~قلبه؛ كأنه خرج من سلطان ما يضيء عليه النهار، أو كأن الظلمة قد طمست فيه ~~على ألوان الأرض. # ثم يشعر بالفجر في ذلك الغبش عند اختلاط آخر الظلام بأول الضوء، شعورا ~~نديا كأن الملائكة قد هبطت تحمل سحابة رقيقة تمسح بها على قلبه؛ ليتنضر من ~~يبس، ويرق من غلظة، وكأنما جاؤوه مع الفجر؛ ليتناول النهار من أيديهم ~~مبدوءا بالرحمة مفتتحا بالجمال؛ فإذا كان شاعر النفس التقى فيه النور ~~السماوي بالنور الإنساني فإذا هو يتلألأ في روحه تحت الفجر. # لا أنسى أبدا تلك الساعة ونحن في جو المسجد، والقناديل ms598 معلقة كالنجوم في ~~مناطها من الفلك، وتلك السرج ترتعش فيها ارتعاش خواطر الحب، والناس جالسون ~~عليهم وقار أرواحهم، ومن حول كل إنسان هدوء قلبه وقد استبهمت الأشياء في ~~نظر العين ليلبسها الإحساس الروحاني في النفس، فيكون لكل شيء معناه الذي هو ~~منه ومعناه الذي ليس منه، فيخلق فيه الجمال الشعري كما يخلق للنظر المتخيل. # لا أنسى أبدا تلك الساعة. وقد انبعث في جو المسجد صوت غرد رخيم يشق سدفة ~~الليل في مثل رنين الجرس تحت الأفق العالي وهو يرتل هذه الآيات من آخر سورة ~~النحل: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ~~إن ربك هو أعلم # PageV03P024 # بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم ~~به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ~~ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} . # وكان هذا القارئ يملك صوته أتم ما يملك ذو الصوت المطرب؛ فكان يتصرف به ~~أحلى مما يتصرف القمري وهو ينوح في أنغامه، وبلغ في التطريب كل مبلغ يقدر ~~عليه القادر، حتى لا تفسر اللذة الموسيقية بأبدع مما فسرها هذا الصوت؛ وما ~~كان إلا كالبلبل هزته الطبيعة بأسلوبها في جمال القمر، فاهتز يجاوبها ~~بأسلوبه في جمال التغريد. # كان صوته على ترتيب عجيب في نغماته، يجمع بين قوة الرقة وبين رقة القوة، ~~ويضطرب اضطرابا روحانيا كالحزن اعتراه الفرح على فجأة؛ يصيح الصيحة تترجح ~~في الجو وفي النفس، وتتردد في المكان وفي القلب، ويتحول بها الكلام الإلهي ~~إلى شيء حقيقي، يلمس الروح فيرفض عليها بمثل الندى، فإذا هي ترف رفيفا، ~~وإذا هي كالزهرة التي مسحها الطل. # وسمعنا القرآن غضا طريا كأول ما نزل به الوحي، فكان هذا الصوت الجميل ~~يدور في النفس كأنه بعض السر الذي يدور في نظام العالم، وكان القلب وهو ~~يتلقى الآيات كقلب الشجرة يتناول الماء ويكسوها منه. # واهتز المكان والزمان كأنما تجلى المتكلم سبحانه وتعالى في كلامه، وبدا ms599 ~~الفجر كأنه واقف يستأذن الله أن يضيء من هذا النور! # وكنا نسمع قرآن الفجر وكأنما محيت الدنيا التي في الخارج من المسجد وبطل ~~باطلها، فلم يبق على الأرض إلا الإنسانية الطاهرة ومكان العبادة؛ وهذه هي ~~معجزة الروح متى كان الإنسان في لذة روحه مرتفعا على طبيعته الأرضية. # أما الطفل الذي كان في يومئذ فكأنما دعي بكل ذلك؛ ليحمل هذه الرسالة ~~ويؤديها إلى الرجل الذي يجيء فيه من بعد؛ فأنا في كل حالة أخضع لهذا الصوت: ~~ادع إلى سبيل ربك؛ وأنا في كل ضائقة أخشع لهذا الصوت: واصبر وما صبرك إلا ~~بالله! # PageV03P025 ### | اللغة والدين والعادات 1 باعتبارها من مقومات الاستقلال: # ليست حقيقة الأمة في هذا الظاهر الذي يبدو من شعب مجتمع محكوم بقوانينه ~~وأوضاعه؛ ولكن تلك الحقيقة هي الكائن الروحي المكتن في الشعب، الخالص له من ~~طبيعته، المقصور عليه في تركيبه كعصير الشجرة؛ لا يرى عمله والشجرة كلها هي ~~عمله. # وهذا الكائن الروحي هو الصورة الكبرى للنسب في ذوي الوشيجة من الأفراد، ~~بيد أنه يحقق في الشعب قرابة الصفات بعضها من بعض؛ فيجعل للأمة شأن الأسرة، ~~ويخلق في الوطن معنى الدار، ويوجد في الاختلاف نزعة التشابه، ويرد المتعدد ~~إلى طبيعة الوحدة، ويبدع للأمة شخصيتها المتميزة، ويوجب لهذه الشخصية بإزاء ~~غيرها قانون التناصر والحمية؛ إذ يجعل الخواطر مشتركة، والدواعي مستوية، ~~والنوزاع متآزرة؛ فتجتمع الأمة كلها على الرأي: تتساند له بقواها ويشد ~~بعضها بعضا فيه؛ وبهذا كله يكون روح الأمة قد وضع في كلمة الأمة معناها. # والخلق القوي الذي ينشئه للأمة كائنها الروحي، هو المبادئ المنتزعة من ~~أثر الدين واللغة والعادات، وهو قانون نافذ يستمد قوته من نفسه؛ إذ يعمل في ~~الحيز الباطن من وراء الشعور، متسلطا على الفكر، مصرفا لبواعث النفس؛ فهو ~~وحده الذي يملأ الحي بنوع حياته، وهو طابع الزمن على الأمم، وكأنه على ~~التحقيق وضع الأجداد علامتهم الخاصة على ذريتهم. # أما اللغة فهي صورة وجود الأمة بأفكارها ومعانيها وحقائق نفوسها، وجودا ~~متميزا قائما بخصائصه؛ فهي قومية الفكر، تتحد بها الأمة ms600 في صور التفكير ~~وأساليب أخذ المعنى من المادة؛ والدقة في تركيب اللغة دليل على دقة الملكات ~~PageV03P026 # في أهلها، وعمقها هو عمق الروح ودليل الحسن على ميل الأمة إلى التفكير ~~والبحث في الأسباب والعلل، وكثرة مشتقاتها برهان على نزعة الحرية وطماحها؛ ~~فإن روح الاستعباد ضيق لا يتسع، ودأبه لزوم الكلمة والكلمات القليلة. # وإذا كانت اللغة بهذه المنزلة، وكانت أمتها حريصة عليها، ناهضة بها، ~~متسعة فيها، مكبرة شأنها، فما يأتي ذلك إلا من روح التسلط في شعبها ~~والمطابقة بين طبيعته وعمل طبيعته، وكونه سيد أمره؛ ومحقق وجوده، ومستعمل ~~قوته، والآخذ بحقه، فأما إذا كان منه التراخي والإهمال وترك اللغة للطبيعة ~~السوقية، وإصغار أمرها، وتهوين خطرها، وإيثار غيرها بالحب والإكبار؛ فهذا ~~شعب خادم لا مخدوم، تابع لا متبوع، ضعيف عن تكاليف السيادة، لا يطيق أن ~~يحمل عظمة ميراثه، مجتزئ ببعض حقه، مكتف بضرورات العيش، يوضع لحكمه القانون ~~الذي أكثره للحرمان وأقله للفائدة التي هي كالحرمان. # لا جرم كانت لغة الأمة هي الهدف الأول للمستعمرين؛ فلن يتحول الشعب أول ~~ما يتحول إلا من لغته؛ إذ يكون منشأ التحول من أفكاره وعواطفه وآماله، وهو ~~إذا انقطع من نسب لغته انقطع من نسب ماضيه، ورجعت قوميته صورة محفوظة في ~~التاريخ، لا صورة محققة في وجوده؛ فليس كاللغة نسب للعاطفة والكفرة حتى أن ~~أبناء الأب الواحد لو اختلفت ألسنتهم فنشأ منهم ناشئ على لغة، ونشأ الثاني ~~على أخرى، والثالث على لغة ثالثة، لكانوا في العاطفة كأبناء ثلاثة آباء. # وما ذلت لغة شعب إلا ذل، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار؛ ومن هذا ~~يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضا على الأمة المستعمرة، ويركبهم بها، ~~ويشعرهم عظمته فيها، ويستلحقهم من ناحيتها؛ فيحكم عليهم أحكاما ثلاثة في ~~عمل واحد: أما الأول فحبس لغتهم في لغته سجنا مؤبدا؛ وأما الثاني فالحكم ~~على ماضيهم بالقتل محوا ونسيانا؛ وأما الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال ~~التي يصنعها؛ فأمرهم من بعدها لأمره تبع. # والذين يتعلقون اللغات الأجنبية ينزعون إلى أهلها بطبيعة هذا التعلق، إن ms601 ~~لم تكن عصبيتهم للغتهم قوية مستحكمة من قبل الدين أو القومية؛ فتراهم إذا ~~وهنت فيهم هذه العصبية يخجلون من قوميتهم ويتبرؤون من سلفهم وينسلخون من ~~تاريخهم، وتقوم بأنفسهم الكراهة للغتهم وآداب لغتهم، ولقومهم، وأشياء ~~قومهم، فلا يستطيع وطنهم أن يوحي إليهم أسرار روحه؛ إذ لا يوافق منهم ~~استجابة في الطبيعة، وينقادون بالحب لغيره، فيتجاوزونه وهم فيه، ويرثون ~~دماءهم من أهلهم، # PageV03P027 # ثم تكون العواطف في هذه الدماء للأجنبي، ومن ثم تصبح عندهم قيمة الأشياء ~~بمصدرها لا بنفسها، وبالخيال المتوهم فيها لا بالحقيقة التي تحملها؛ فيكون ~~شيء الأجنبي في مذهبهم أجمل وأثمن؛ لأن إليه الميل وفيه الإكبار والإعظام؛ ~~وقد يكون الوطني مثله أو أجمل منه، بيد أنه فقد الميل، فضعفت صلته بالنفس، ~~فعادت كل مميزاته فضعفت لا تميزه. # وأعجب من هذا في أمرهم، أن أشياء الأجنبي لا تحمل معانيها الساحرة في ~~نفوسهم إلا إذا بقيت حاملة أسماءها الأجنبية، فإن سمي الأجنبي بلغتهم ~~القومية نقص معناه عندهم وتصاغر وظهرت فيه ذلة.. وما ذاك إلا صفر نفوسهم ~~وذلتها؛ إذ لا ينتحون لقوميتهم فلا يلهمهم الحرف من لغتهم ما يلهمهم الحرف ~~الأجنبي. # والشرق مبتلى بهذه العلة، ومنها جاءت مشاكله أو أكثرها؛ وليس في العالم ~~أمة عزيزة الجانب تقدم لغة غيرها على لغة نفسها، وبهذا لا يعرفون للأشياء ~~الأجنبية موضعا إلا من وراء حدود الأشياء الوطنية؛ ولو أخذنا نحن الشرقيين ~~بهذا، لكان هذا وحده علاجا حاسما لأكثر مشاكلنا. # فاللغات تتنازع القومية، ولهي والله احتلال عقلي في الشعوب التي ضعفت ~~عصبيتها؛ وإذا هانت اللغة القومية على أهلها، أثرت اللغة الأجنبية في الخلق ~~القومي ما يؤثر الجو الأجنبي في الجسم الذي انتقل إليه وأقام فيه. # أما إذا قويت العصبية، وعزت اللغة وثارت لها الحمية، فلن تكون اللغات ~~الأجنبية إلا خادمة يرتفع بها، ويرجع شبر الأجنبي شبرا لا مترا.. وتكون تلك ~~العصبية للغة القومية مادة وعونا لكل ما هو قومي، فيصبح كل شيء أجنبي قد ~~خضع لقوة قاهرة غالبة؛ هي قوة الإيمان بالمجد الوطني واستقلال اوطن؛ ومتى ~~تعين الأول ms602 أنه الأول، فكل قوى الوجود لا تجعل الذي بعده شيئا إلا أنه ~~الثاني. # والدين هو حقيقة الخلق الاجتماعي في الأمة، وهو الذي يجعل القلوب كلها ~~طبقة واحدة على اختلاف المظاهر الاجتماعية عالية ونازلة وما بينهما، فهو ~~بذلك الضمير القانوني للشعب، وبه لا بغيره ثبات الأمة على فضائلها النفسية، ~~وفيه لا في سواه معنى إنسانية القلب. # ولهذا كان الدين من أقوى الوسائل التي يعول عليها في إيقاظ ضمير الأمة، ~~وتنبيه روحها، واهتياج خيالها؛ إذ فيه أعظم السلطة التي لها وحدها لها قوة ~~الغلبة # PageV03P028 # على الماديات؛ فسلطان الدين هو سلطان كل فرد على ذاته وطبيعته؛ ومتى قوي ~~هذا السلطان في شعب كان حميا أبيا، لا ترغمه قوة، ولا يعنو للقهر. # ولولا التدين بالشريعة؛ لما استقامت الطاعة للقانون في النفس؛ ولولا ~~الطاعة النفسية للقوانين؛ لما انتظمت أمة؛ فليس عمل الدين إلا تحديد مكان ~~الحي في فضائل الحياة؛ وتعيين تبعته في حقوقها وواجباتها، وجعل ذلك كله ~~نظاما مستقرا فيه لا يتغير، ودفع الإنسان بهذا النظام نحو الأكمل، ودائما ~~نحو الأكمل. # وكل أمة ضعف الدين فيها اختلت هندستها الاجتماعية وماج بعضها في بعض؛ فإن ~~من دقيق الحكمة في هذا الدين أنه لم يجعل الغاية الأخيرة من الحياة غاية في ~~هذه الأرض؛ وذلك لتنتظم الغايات الأرضية في الناس فلا يأكل بعضهم بعضا ~~فيغتني الغني وهو آمن، ويفتقر الفقير وهو قانع، ويكون ثواب الأعلى في أن ~~يعود على الأسفل بالمبرة، وثواب الأسفل في أن يصبر على ترك الأعلى في ~~منزلته؛ ثم ينصرف الجميع بفضائلهم إلى تحقيق الغاية الإلهية الواحدة، التي ~~لا يكبر عليها الكبير، ولا يصغر عنها الصغير؛ وهي الحق، والصلاح، والخير، ~~والتعاون على البر والتقوى. # وما دام عمل الدين هو تكوين الخلق الثابت الدائب في عمله، المعتز بقوته، ~~المطمئن إلى صبره، النافر من الضعف، الأبي على الذل، الكافر بالاستعباد، ~~ومفاداته، العامل في مصلحة الجماعة، المقيد في منافعه بواجباته نحو الناس؛ ~~ما دام عمل الدين هو تكوين هذا الخلق فيكون الدين في حقيقته هو جعل الحس ~~بالشريعة ms603 أقوى من الحس بالمادة؛ ولعمري ما يجد الاستقلال قوة هي أقوى له ~~وأرد عليه من هذا المعنى إذا تقرر في نفوس الأمة وانطبعت عليه. # وهذه الأمة الدينية التي يكون واجبها أن تشرف وتسود وتعتز، ويكون واجب ~~هذا الواجب فيها ألا تسقط ولا تخضع ولا تذل. # وبتلك الأصول العظيمة التي ينشئها الدين الصحيح القوي في النفس، يتهيأ ~~النجاح السياسي للشعب المحافظ عليه المنتصر له؛ إذ يكون من الخلال الطبيعية ~~في زعمائه ورجاله الثبات على النزعة السياسية، والصلابة في الحق، والإيمان ~~بمجد العمل، وتغليب ذلك على الأحوال المادية التي تعترض ذا الرأي؛ لتفتنه ~~عن رأيه ومذهبه؛ من مال، أو جاه، أو منصب، أو موافقة الهوى، أو خشية ~~النقمة، أو خوف الوعيد ... إلى غيرها من كل ما يستميل الباطل أو يرهب به ~~الظلم. # PageV03P029 # ولا يذهبن عنك أن الرجل المؤمن القوي الإيمان الممتلئ ثقة ويقينا ووفاء ~~وصدقا وعزما وإصرارا على فضيلته وثباتا على ما يلقى في سبيلها لا يكون رجلا ~~كالناس؛ بل هو رجل الاستقلال الذي واجبه جزء من طبيعته وغايته السامية لا ~~تنفصل عنه، هو رجل صدق المبدأ، وصدق الكلمة، وصدق الأمل، وصدق النزعة؛ وهو ~~الرجل الذي ينفجر في التاريخ كلما احتاجت الحياة الوطنية إلى إطلاق قنابلها ~~للنصر. # والعادات هي الماضي الذي يعيش في الحاضر، وهي وحدة تاريخية في الشعب، ~~تجمعه كما يجمعه الأصل الواحد؛ ثم هي كالدين في قيامها على أساس أدبي في ~~النفس، وفي اشتمالها على التحريم والتحليل؛ وتكاد عادات الشعب تكون دينا ~~ضيقا خاصا به، يحصره في قبيله ووطنه، ويحقق في أفراده الألفة والتشابك، ~~ويأخذهم جميعا بمذهب واحد؛ هو إجلال الماضي. # وإجلال الماضي في كل شعب تاريخي هو الوسيلة الروحية التي يستوحي بها ~~الشعب أبطاله، وفلاسفته، وعلماءه وأدباءه، وأهل الفن منه؛ فيوحون إليه وحي ~~عظمائهم التي لم يغلبها الموت؛ وبهذا تكون صورهم العظيمة حية في تاريخه، ~~وحية في آماله وأعصابه. # والعادات هي وحدها التي تجعل الوطن شيئا نفسيا حقيقيا، حتى ليشعر الإنسان ~~أن لأرضه أمومة الأم التي ولدته، ولقومه أبوة ms604 الأب الذي جاء به إلى الحياة، ~~وليس يعرف هذا إلا من اغترب عن وطنه، وخالط غير قومه، واستوحش من غير ~~عاداته؛ فهناك يثبت الوطن نفسه بعظمة وجبروت كأنه وحده هو الدنيا. # وهذه الطبيعة الناشئة في النفس من أثر العادات هي التي تنبه في الوطني ~~روح التميز عن الأجنبي، وتوحش نفسه منه كأنها حاسة الأرض تنبه أهلها ~~وتنذرهم الخطر. # ومتى صدقت الوطنية في النفس أقرت كل شيء أجنبي في حقيقته الأجنبية؛ فكان ~~هذا هو أول مظاهر الاستقلال، وكان أقوى الذرائع إلى المجد الوطني. # وباللغة والدين والعادات، ينحصر الشعب في ذاته السامية بخصائصها ~~ومقوماتها، فلا يسهل انتزاعه منها ولا انتساقه من تاريخه؛ وإذا ألجئ إلى ~~حال من القهر لم ينخذل ولم يتضعضع، واستمر يعمل ما تعمله الشوكة الحادة إن ~~لم تترك لنفسها، لم تعط من نفسها إلا الوخز ### | ..... # PageV03P030 ### | تجديد الإسلام: 1 رسالة الأزهر في القرن العشرين * # "الأزهر" هذه هي الكلمة التي لا يقابلها في خيال الأمة المصرية إلا كلمة ~~الهرم؛ وفي كلتا اللفظتين يكمن سر خفي من أسرار التاريخ التي تجعل بعض ~~الكلمات ميراثا عقليا للأمة، ينسي مادة اللغة فيها ولا يبقي منها إلا مادة ~~النفس؛ إذ تكون هذه الكلمات تعبيرا عن شيء ثابت ثبات الفكرة التي لا تتغير، ~~مستقر في الروح القومية استقراره في الزمن، متجسم من معناه كأن الطبيعة قد ~~أفردته بمادته دون ما يشاركه في هذه المادة؛ فالحجر في الهرم الأكبر يكاد ~~يكون في العقل زمانا لا حجرا، وفنا لا جسما؛ والمكان في الأزهر يغيب فيه ~~معنى المكان وينقلب إلى قوة عقلية ساحرة توجد في المنظور غير المنظور. # وعندي أن الأزهر في زماننا هذا يكاد يكون تفسيرا جديدا للحديث: "مصر ~~كنانة الله في أرضه" فعلماؤه اليوم أسهم نافذة من أسهم الله يرمي بها من ~~أراد دينه بالسوء، فيمسكها للهبة ويرمي بها للنصر؛ ويجب أن يكون هذا المعنى ~~أول معانيهم في هذا القرن العشرين الذي ابتلي بملء عشرين قرنا من الجرأة ~~على الأديان وإهمالها والإلحاد فيها. # أول شيء في رسالة ms605 الأزهر في القرن العشرين أن يكون أهله قوة إلهية معدة ~~للنصر، مهيأة للنضال، مسددة للإصابة، مقدرة في طبيعتها أحسن تقدير، تشعر ~~الناس بالاطمئنان إلى عملها، وتوحي إلى كل من يراها الإيمان الثابت الثالث ~~بمعناها؛ ولن يأتي لهم هذا إلا إذا انقلبوا إلى طبيعتهم الصحيحة، فلا يكون ~~العلم تحرفا ولا مهنة ولا مكسبة3، ولا يكون في أوراق الكتب خيال "أوراق ~~البنك" ... بل PageV03P031 # تظهر فيهم العظمة الروحانية آمرة ناهية في المادة، لا مأمورة منهية بها؛ ~~ويرتفع كل منهم بنفسه، فيكون مقرر خلق في الحياة قبل أن يكون معلم علم في ~~الحياة؛ لينبث منهم مغناطيس النبوة يجذب النفوس بهم أقوى مما تجذبها ضلالات ~~العصر؛ فما يحتاج الناس في هذا الزمن إلى العالم -وإن الكتب والعلوم لتملا ~~الدنيا- وإنما يحتاجون إلى ضمير العالم. # وقد عجزت المدنية أن توجد هذا الضمير، مع أن الإسلام في حقيقته ليس شيئا ~~إلا قانون هذا الضمير؛ إذ هو دين قائم على أن الله لا ينظر من الإنسان إلى ~~صورته ولكن إلى عمله؛ فأول ما ينبغي أن يحمله الأزهر من رسالته: ضمائر ~~أهله. # والناس خاضعون للمادة بقانون حياتهم، وبقانون آخر هو قانون القرن ~~العشرين.. فهم من ثم في أشد الحاجة إلى أن يجدوا بينهم المتسلط على المادة ~~بقانون حياته؛ ليروا بأعينهم القوى الدنيئة مغلوبة، ثم ليجدوا في هذا ~~الإنسان أساس القدوة والاحتذاء، فيتصلوا منه بقوتين: قوة التعليم، وقوة ~~التحويل. # وهذا هو سر الإسلام الأول الذي نفذ به من أمة إلى أمة ولم يقم له شيء ~~يصده؛ إذ كان ينفذ في الطبيعة الإنسانية نفسها. # ومن أخص واجبات الأزهر في هذا القرن العشرين أن يعمل أول شيء لإقرار معنى ~~الإسلام الصحيح في المسلمين أنفسهم؛ فإن أكثرهم اليوم قد أصبحوا مسلمين ~~بالنسب لا غير.. وما منهم إلا من هو في حاجة إلى تجديد إسلامه. # والحكومات الإسلامية عاجزة في هذا؛ بل هي من أسباب هذا الشر؛ لأن لها ~~وجودا سياسيا ووجودا مدنيا؛ أما الأزهر فهو وحده الذي يصلح لإتمام نقص ~~الحكومة في هذا الباب، وهو ms606 وحده الذي يسعه ما تعجز عنه؛ وأسباب نجاحه مهيأة ~~ثابتة؛ إذ كان له بقوة التاريخ حكم الزعامة الإسلامية، وكانت فيه عند ~~المسلمين بقية الوحي على الأرض، ثم كان هو صورة المزاج النفسي الإسلامي ~~المحض؛ بيد أنه فرط في واجب هذه الزعامة، وفقد القوة التي كان يحكم بها، ~~وهي قوة المثل الأعلى التي كانت تجعل الرجل من علمائه كما قلنا مرة: إنسانا ~~تتخيره المعاني السياسية تظهر فيه بأسلوب عملي، فيكون في قومه ضربا من ~~التربية والتعليم بقاعدة منتزعة من مثالها، مشروحة بهذا المثال نفسه. # والعقيدة في سواد الناس بغير هذا المثل الأعلى هي أول مغلوب في صراع قوى ~~الحياة. # PageV03P032 # لقد اعتاد المسلمون من قديم أن يجعلوا أبصارهم إلى علماء الأزهر، فهم ~~يتبعونهم، ويتأسون بهم، ويمنحونهم الطاعة، وينزلون على حكمهم، ويلتمسون في ~~سيرتهم النفس لمشكلات النفس، ويعرفون بهم معنى صغر الدنيا ومعنى كبر ~~الأعمال العظيمة؛ وكان غنى العالم الديني شيئا غير المال، بل شيئا أعظم من ~~المال؛ إذ كان يجد حقيقة الغنى في إجلال الناس لفقره كأنه ملك لا فقر؛ وكان ~~زهده قوة حاكمة فيها الصلابة والشدة والهيبة والسمو، وفيها كل سلطان الخير ~~والشر؛ لأن فيها كل النزعات الاستقلالية؛ ويكاد الزهد الصحيح يكون هو وحده ~~القوة التي تجعل علماء الدين حقائق مؤثرة عاملة في حياة الناس أغنيائهم ~~وفقرائهم، لا حقائق متروكة لنفسها يوحش الناس منها أنها متروكة لنفسها. # وعلماء الأزهر في الحقيقة هم قوانين نفسية نافذة على الشعب، وعملهم أرد ~~على الناس من قوانين الحكومة، بل هم التصحيح لهذه القوانين إذا جرت الأمور ~~على عللها وأسبابها؛ فيجب عليهم أن يحققوا وجودهم، وأن يتناولوا الأمة من ~~ناحية قلوبها وأرواحها، وأن يعدوا تلاميذهم في الأزهر كما يعدون القوانين ~~الدقيقة، لا طلابا يرتزقون بالعلم. # أين صوت الأزهر وعمله في هذه الحياة المائجة بما في السطح وما في القاع ~~... وأين وحي هذه القوة التي ميثاقها أن تجعل النبوة كأنها شيء واقع في ~~الحياة العصرية لا خبر تاريخي فيها؟ # لقد أصبح إيمان المسلمين كأنه عادة الإيمان لا ms607 الإيمان نفسه؛ ورجع ~~الإسلام في كتبه الفقهية وكأنه أديان مختلفة متناقضة لا دين واحد. فرسالة ~~الأزهر أن يجدد عمل النبوة في الشعب، وأن ينقي عمل التاريخ في الكتب، وأن ~~يبطل عمل الوثنية في العادات، وأن يعطي الأمة دينها الواضح السمح الميسر، ~~وقانونها العملي الذي فيها سعادتها وقوتها. # ولا وسيلة إلى ذلك إلا أن يكون الأزهر جريئا في قيادة الحركة الروحية ~~الإسلامية، جريئا في عمله لهذه القيادة، آخذا بأسباب هذا العمل، ملحا في ~~طلب هذه الأسباب، مصرا على هذا الطلب؛ وكل هذا يكون عبثا إن لم يكن رجال ~~الأزهر وطلبته أمثلة من الأمثلة القوية في الدين والخلق والصلابة؛ لتبدأ ~~الحالة النفسية فيهم، فإنها إن بدأت لا تقف؛ والمثل الأعلى حاكم بطبيعته ~~على الإنسانية، مطاع بحكمه فيها، محبوب بطاعتها له. # PageV03P033 # والمادة المطهرة للدين والأخلاق لا تجدها الأمة إلا في الأزهر، فعلى ~~الأزهر أن يثبت أن فيه تلك المادة بإظهار عملها لا بإلصاق الورقة المكتوب ~~فيها الاسم على الزجاجة.. # ومن ثم يكون واجب الأزهر أن يطلب الإشراف على التعليم الإسلامي في ~~المدارس، وأن يدفع الحركة الدينية دفعا بوسائل مختلفة، أولها أن يحمل وزارة ~~المعارف على إقامة فرض الصلاة في جميع مدارسها، من مدرسة حرية الفكر.. ~~فنازلا، والأمة الإسلامية كلها تشد رأي الأزهر في هذا. # وإذا نحن استخرجنا التفسير العملي لهذه الآية الكريمة: {ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة} دلتنا الآية بنفسها على كل تلك الوسائل، فما ~~الحكمة هنا إلا السياسة الاجتماعية في العمل، وليست الموعظة الحسنة إلا ~~الطريقة النفسية في الدعوة. # العلماء ورثة الأنبياء؛ وليس النبي من الأنبياء إلا تاريخ شدائد ومحن، ~~ومجاهدة في هداية الناس، ومراغمة للوجود الفاسد، ومكابدة التصحيح للحالة ~~النفسية للأمة؛ فهذا كله هو الذي يورث عن الأنبياء لا العلم وتعليمه فقط. # وإذا قامت رسالة الأزهر على هذه الحقائق، وأصبح وجوده هو المعنى المتمم ~~للحكومة، المعاون لها في ضبط الحياة النفسية للشعب وحياطتها وأمنها ~~ورفاهتها واستقرارها -اتجهت طبيعته إلى أداء رسالته الكبرى للقرن العشرين، ~~بعد أن يكون قد حقق ms608 الذرائع إلى هذه الرسالة، من فتح باب الاجتهاد، وتنقية ~~التاريخ الفقهي، وتهذيب الروح الإسلامي والسمو به عن المعاني الكلامية ~~الجدلية السخيفة؛ ثم استخراج أسرار القرآن الكريم الكامنة فيه، لهذه العصور ~~العلمية الأخيرة؛ وبعد أن يكون قد اجتمعت فيه القوة التي تمسك الإسلام على ~~سنته بين القديم والجديد، لا ينكره هذا ولا يغيره ذاك، وبعد أن يكون الأزهر ~~قد استفاض على العالم العربي بكتبه ودعاته ومبعوثيه من حاملي علمه ورسل ~~إلهامه. # أما تلك الرسالة الكبرى فهي بث الدعوة الإسلامية في أوربا وأمريكا ~~واليابان، بلغات الأوروبيين والأمريكيين واليابانيين، في ألسنة أزهرية ~~مرهفة مصقولة، لها بيان الأدب، ودقة العلم، وإحاطة الفلسفة، وإلهام الشعر، ~~وبصيرة PageV03P034 # الحكمة، وقدرة السياسة؛ ألسنة أزهرية لا يوجد الآن منها لسان واحد في ~~الأزهر، ولكنها لن توجد إلا في الأزهر؛ ولا قيمة لرسالته في القرن العشرين ~~إذا هو لم يوجدها؛ فتكون المتكلمة عنه، والحاملة لرسالته، وما هذه البعثات ~~التي قرر الأزهر ابتعاثها إلى أوربا إلا أول تاريخ تلك الألسنة. # إن الوسيلة التي نشرت الإسلام من قبل لم تكن أجنحة الملائكة، ولا كانت ~~قوة من جهنم؛ ولا تزال هي تنشره؛ فليس مستحيلا ولا متعذرا أن يغزو هذا ~~الدين أوربا وأمريكا واليابان كما غزا العالم القديم، ولم يكن السلاح من ~~قبل إلا طريقة لإيجاد إسلام في الأمة الغريبة عنه، حتى إذا وجد تولي هو ~~الدعوة لنفسه بقوة الناموس الطبيعي القائم على أن الأصلح هو الأبقى، ~~وانحازت إليه الإنسانية؛ لأنه قانون طبيعتها السليمة، ودين فطرتها القوية، ~~وقد ظل الإسلام ينتشر ولم يكن يحمله إلا التاجر، كما كان ينتشر وحامله ~~الجيش؛ فليس علينا إلا تغيير السلاح في هذا العصر وجعله سلاحا من فلسفة ~~الدين وأسرار حكمته؛ فهذا الدين كما قلنا في بعض كلامنا1: أعمال مفصلة على ~~النفس أدق تفصيل وأوفاه بمصلحتها، فهو يعطي الحياة في كل عصر عقلها العملي ~~الثابت المستقر تنظم به أحوال النفس على ميزة وبصيرة، ويدع للحياة عقلها ~~العلمي المتجدد المتغير تنظم به أحوال الطبيعة على قصد وهدى؛ وهذه هي حقيقة ms609 ~~الإسلام في أخص معانيه: لا يغني عنه في ذلك دين آخر، ولا يؤدي تأديته في ~~هذه الحاجة أدب ولا علم ولا فلسفة، كأنما هو نبع في الأرض لمعاني النور، ~~بإزاء الشمس نبع النور في السماء. # ليس على الأزهر إلا أن يوجد من الإسلام في تلك الأمم ما يستمر، ثم ~~الاستمرار هو ويجد ما يثبت، والثبات يوجد ما يدوم؛ وكأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد أشار إلى هذا في قوله: "نضر الله امرأ سمع مني شيئا فبلغه كما ~~سمعه، فرب مبلغ أوعى له من سامع". # أما والله إن هذا المبلغ الذي هو أوعى له من السامع لن يكون في التاريخ ~~بأدق المعنى إلا أوربا وأمريكا في هذا الزمن العلمي إذا نحن عرفنا كيف ~~نبلغ. # أنا مستيقن أن فيلسوف الإسلام الذي سينشر الدين على يده في أوربا وأمريكا ~~لن يخرج إلا من الأزهر، وما كان الأستاذ الإمام محمد عبده -رحمه الله- إلا ~~أول التطور المنتهي إلى هذه الغاية، وسيكون عمل فلاسفة الأزهر PageV03P035 # استخراج قانون السعادة لتلك الأمم من آداب الإسلام وأعماله؛ ثم مخاطبة ~~الأمم بأفكارها وعواطفها، والإفضاء من ذلك إلى ضميرها الاجتماعي فإن أول ~~الدين هناك أسلوبه الذي يظهر به. # هذه هي رسالة الأزهر في القرن العشرين، ويجب أن يتحقق بوسائلها من الآن؛ ~~ومن وسائلها أن يعالن بها؛ لتكون موثقا عليه. ويحسن بالأزهر في سبيل ذلك أن ~~يضم إليه كل مفكر إسلامي ذي إلهام أو بحث دقيق أو إحاطة شاملة؛ فتكون له ~~ألقاب علمية يمنحهم إياها وإن لم يتخرجوا فيه، ثم يستعين بعلمهم وإلهامهم ~~وآرائهم. # وبهذه الألقاب يمتد الأزهر إلى حدود فكرية بعيدة، ويصبح أوسع في أثره على ~~الحياة الإسلامية، ويحقق لنفسه المعنى الجامعي. # وفي تلك السبيل يجب على الأزهر أن يختار أياما في كل سنة يجمع فيها من ~~المسلمين "قرش الإسلام"؛ ليجد مادة النفقة الواسعة في نشر دين الله، وليس ~~على الأرض مسلم ولا مسلمة لا يبسط يده، فما يحتاج هذا التدبير لأكثر من ~~إقراره وتنظيمه وإعلانه في الأمم الإسلامية ومواسمها ms610 الكبرى، وخاصة موسم ~~الحج. # وهذا العمل هو نفسه وسيلة من أقوى الوسائل في تنبيه الشعور الإسلامي، ~~وتحقيق المعاونة في نشر الدين وحياطته؛ وعسى أن تكون له نتائج اجتماعية لا ~~موضع لتفصيلها هنا، وعسى أن يكون "قرش الإسلام" مادة لأعمال إسلامية ذات ~~بال، وهو على أي الأحوال صلة روحية تجعل الأزهر كأنه معطيه لكل مسلم لا ~~آخذه. # والخلاصة أن أول رسالة الأزهر في القرن العشرين: اهتداء الأزهر إلى حقيقة ~~موضعه في القرن العشرين: {وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين} ~~[هود:120] . # PageV03P036 ### | الأسد # جلس أبو علي أحمد بن محمد الروبادي البغدادي* في مجلس وعظه بمصر بعد وفاة ~~شيخه أبي الحسن بنان الحمال الزاهد الواسطي شيخ الديار المصرية**، وكان ~~يضرب المثل بعبادته وزهده، وقد خرج أكثر أهل مصر في جنازته، فكان يومه يوما ~~كالبرهان من العالم الآخر لأهل هذه الدنيا؛ ما بقي أحد إلا اقتنع أنه في ~~شهوات الحياة وأباطيلها كالأعمى في سوء تمييزه بين لون التراب ولون الدقيق؛ ~~إذ ينظر كل امرئ في مصالحه ومنافعه مثل هذه النظرة، باللمس لا بالبصر، ~~وبالتوهم لا بالتحقيق، وعلى دليل نفسه في الشيء لا على دليل الشيء في نفسه، ~~وبالإدراك من جهة واحدة دون الإدراك من كل جهة؛ ثم يأتي الموت فيكون كالماء ~~صب على الدقيق والتراب جميعا، فلا يرتاب مبصر ولا أعمى، ويبطل ما هو باطل ~~ويحق الذي هو حق. # وتكلم أبو علي فقال: كنت ذات يوم عند شيخنا الجنيد*** في بغداد، فجاءه ~~كتاب من يوسف بن الحسن شيخ الري والجبال في وقته**** يقول فيه: لا أذاقك ~~الله طعم نفسك، فإنك إن ذقتها لم تذق بعدها خيرا أبدا! قال: فجعلت أفكر في ~~طعم النفس ما هو، وجاءني ما لم أرضه من الرأي، حتى سمعت بخبر بنان -رحمه ~~الله- مع أحمد بن طولون أمير مصر، فهو الذي كان سبب قدومي إلى هنا؛ لأرى ~~الشيخ وأصحبه وأنتفع به. # والبلد الذي فيه شيخ من أهل الدين الصحيح والنفس الكاملة والأخلاق ~~الإلهية، هو في الجهل كالبلد الذي ليس فيه كتاب ms611 من الكتب البتة وإن كان كل ~~أهله علماء، وإن كان في كل محلة منه مدرسة، وفي كل دار من دوره خزانة كتب، ~~فلا تغني هذه الكتب عن الرجال؛ فإنما هي صواب أو خطأ ينتهي إلى العقل، ولكن ~~الرجل الكامل صواب ينتهي إلى الروح، وهو في تأثيره على الناس PageV03P037 # أقوى من العلم؛ إذ هو تفسير الحقائق في العمل الواقع وحياتها عاملة مرئية ~~داعية إلى نفسها؛ ولو أقام الناس عشر سنين يتناظرون في معاني الفضائل ~~ووسائلها، ووضعوا في ذلك مائة كتاب، ثم رأوا رجلا فاضلا بأصدق معاني ~~الفضيلة، وخالطوه وصحبوه لكان الرجل وحده أكبر فائدة من تلك المناظرة وأجدى ~~على الناس منها، وأدل على الفضيلة من مائة كتاب ومن ألف كتاب؛ ولهذا يرسل ~~الله النبي مع كل كتاب منزل؛ ليعطي الكلمة قوة وجودها، ويخرج الحالة ~~النفسية من المعنى المعقول، وينشئ الفضائل الإنسانية على طريقة النسل من ~~إنسانها الكبير. # وما مثل الكتاب يتعلم المرء منه حقائق الأخلاق العالية، إلا كوضع الإنسان ~~يده تحت إبطه؛ ليرفع جسمه عن الأرض؛ فقد أنشأ يعمل، ولكنه لن يرتفع؛ ومن ~~ذلك كان شر الناس هم العلماء والمعلمين إذا لم تكن أخلاقهم دروسا أخرى تعمل ~~عملا آخر غير الكلام؛ فإن أحدهم ليجلس مجلس المعلم، ثم تكون حوله رذائله ~~تعلم تعليما آخر من حيث يدري ولا يدري، ويكون كتاب الله مع الإنسان الظاهر ~~منه، وكتاب الشيطان مع الإنسان الخفي فيه. # قال أبو علي: وقدمت إلى مصر؛ لأرى أبا الحسن وآخذ عنه وأحقق ما سمعت من ~~خبره مع ابن طولون، فلما لقيته لقيت رجلا من تلاميذ شيخنا الجنيد، يتلألأ ~~فيه نوره ويعمل فيه سره؛ وهما كالشمعة، والشمعة في الضوء وإن صغرت واحدة ~~وكبرت واحدة؛ وعلامة الرجل من هؤلاء أن يعمل وجوده فيمن حوله أكثر مما يعمل ~~هو بنفسه، كأن بين الأرواح وبينه نسبا شابكا، فله معنى أبوة الأب في ~~أبنائه؛ لا يراه من يراه منهم إلا أحس أنه شخصه الأكبر؛ فهذا هو الذي تكون ~~فيه التكملة الإنسانية للناس، وكأنه مخلوق خاصة ms612 لإثبات أن غير المستطاع ~~مستطاع. # ومن عجيب حكمة الله أن الأمراض الشديدة تعمل بالعدوى فيمن قاربها أو ~~لامسها، وأن القوى الشديدة تعمل كذلك بالعدوى فيمن اتصل بها أو صاحبها ~~ولهذا يخلق الله الصالحين ويجعل التقوى فيهم إصابة كإصابة المرض: تصرف عن ~~شهوات الدنيا كما يصرف المرض عنها، وتكسر النفس كما يكسرها ذاك، وتفقد ~~الشيء ما هو به شيء، فتتحول قيمته، فلا يكون بما فيه من الوهم بل بما فيه ~~من الحق. # وإذا عدم الناس هذا الرجل الذي يعديهم بقوته العجيبة فقلما يصلحون للقوة، ~~فكبار الصالحين وكبار الزعماء وكبار القواد وكبار الشجعان وكبار العلماء ~~وأمثالهم -كل هؤلاء من باب واحد، وكلهم في الحكمة ككبار المرضى. # PageV03P038 # قال أبو علي: وهممت مرة أن أسأل الشيخ عن خبره مع ابن طولون فقطعتني ~~هيبته، فقلت: أحتال بسؤاله عن كلمة شيخ الري: "لا أذاقك الله طعم نفسك"؛ ~~وبينما أهيئ في نفسي كلاما أجري فيه هذه العبارة، جاء رجل فقال للشيخ: لي ~~على فلان مائة دينار، وقد ذهبت الوثيقة التي كتب فيها الدين، وأخشى أن ينكر ~~إذا هو علم بضياعها؛ فادع الله لي وله أن يظفرني بديني وأن يثبته على الحق. ~~فقال الشيخ: إني رجل قد كبرت وأنا أحب الحلوى، فاذهب فاشتر رطلا منها ~~وائتني به حتى أدعو لك! # فذهب الرجل فاشترى الحلوى ووضعها له البائع في ورقة فإذا هي الوثيقة ~~الضائعة، وجاء إلى الشيخ فأخبره، فقال له: خذ الحلوى فأطعمها صبيانك لا ~~أذاقنا الله طعم أنفسنا فيما نشتهي! ثم إنه التفت إلي وقال: لو أن شجرة ~~اشتهت غير ما به صحة وجودها وكمال منفعتها فأذيقت طعم نفسها لأكلت نفسها ~~وذوت. # قال أبو علي: والمعجزات التي تحدث للأنبياء، والكرامات التي تكون ~~للأتقياء، وما يخرق العادة ويخرج عن النسق -كل ذلك كقول القدرة عن الرجل ~~الشاذ: هو هذا. فلم تبق بي حاجة إلى سؤال الشيخ عن خبره مع ابن طولون، وكنت ~~كأني أرى بعيني رأسي كل ما سمعت، بيد أني لم أنصرف حتى لقيت أبا جعفر ~~القاضي أحمد ms613 بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري* ذاك الذي يحدث بكتب ~~أبيه كلها من حفظه وهي واحد وعشرون مصنفا فيها الكبير والصغير؛ فقال لي: ~~لعلك اشتفيت من خبر بنان مع ابن طولون، فمن أجله زعمت جئت إلى مصر. قلت: ~~إنه تواضع فلم يخبرني وهبته فلم أسأله. قال: تعال أحدثك الحديث. # كان أحمد بن طولون** من جارية تركية، وكان طولون أبوه مملوكا حمله نوح بن ~~أسد عامل بخارى إلى المأمون فيما كان موظفا عليه من المال والرقيق ~~والبراذين وغير ذلك؛ فولد أحمد في منصب ذلة تستظهر بالطغيان، وكانت هاتان ~~طبيعته إلى آخر عمره، فذهب بهمته مذهبا بعيدا، ونشأ من أول أمره على أن يتم ~~هذا النقص ويكون أكبر من أصله، فطلب الفروسية والعلم والحديث، وصحب الزهاد ~~وأهل الورع، وتميز على الأتراك وطمح إلى المعالي، وظل يرمي بنفسه، وهو ~~PageV03P039 # في ذلك يكبر ولا يزال يكبر، كأنما يريد أن ينقطع من أصله ويلتحق ~~بالأمراء، فلما التحق بهم ظل يكبر؛ ليلحق بالملوك، فلما بلغ هؤلاء كانت ~~نيته على ما يعلم الله. # قال: وكان عقله من أثر طبيعتيه كالعقلين لرجلين مختلفين فله يد مع ~~الملائكة ويده الأخرى مع الشياطين، فهو الذي بنى المارستان وأنفق عليه ~~وأقام فيه الأطباء، وشرط إذا جيء بالعليل أن تنزع ثيابه وتحفظ عند أمين ~~المارستان، ثم يلبس ثيابا ويفرش له ويغدى عليه ويراح بالأدوية والأغذية ~~والأطباء حتى يبرأ، ولم يكن هذا قبل إمارته؛ وهو أول من نظر في المظالم من ~~أمراء مصر؛ وهو صاحب يوم الصدقة؛ يكثر من صدقاته كلما كثرت نعمة الله عليه، ~~ومراتبه لذلك في كل أسبوع ثلاث آلاف دينار سوى مطابخه التي أقيمت في كل يوم ~~في داره وغيرها، يذبح فيها البقر والكباش ويغرف للناس، ولكل مسكين أربعة ~~أرغفة يكون في اثنين منها فالوذج* وفي الآخرين من القدور، وينادي: من أحب ~~أن يحضر دار الأمير فليحضر! وتفتح الأبواب ويدخل الناس وهو في المجلس ينظر ~~إلى المساكين ويتأمل فرحهم بما يأكلون ويحملون، فيسره ذلك ويحمد الله على ~~نعمته؛ ms614 وكان راتب مطبخه في كل يوم ألف دينار؛ واقتدى به ابنه خمارويه، ~~فأنشأ بعده مطبخ العامة** ينفق عليه ثلاثة وعشرين ألف دينار كل شهر. # وقد بلغ ما أرسله ابن طولون إلى فقراء بغداد وعلمائها في مدة ولايته ألف ~~ومائتي ألف دينار***، وكان كثير التلاوة للقرآن، وقد اتخذ حجرة بقربه في ~~القصر وضع فيها رجالا سماهم بالمكبرين، يتعاقبون الليل نوبا يكبرون ~~ويسبحون، ويحمدون ويهللون، ويقرءون القرآن تطويبا، وينشدون قصائد الزهد، ~~ويؤذنون أوقات الأذان؛ وهو الذي فتح أنطاكية في سنة خمس وستين ومائتين، ثم ~~مضى إلى طرسوس كأنه يريد فتحها، فلما نابذه أهلها وقاتلهم أمر أصحابه أن ~~ينهزموا عنها؛ ليبلغ ذلك طاغية الروم فيعلم أن جيوش ابن طولون على كثرتها ~~وشدتها لم تقم لأهل طرسوس، فيكون بهذا كأنه قاتله وصده عن بلد من بلاد ~~الإسلام، ويجعل هذا الخبر كالجيش في تلك الناحية! # ومع كل ذلك فإنه كان رجلا طائش السيف، يجور ويعسف، قد أحصى من ~~PageV03P040 # قتلهم صبرا أو ماتوا في سجنه فكانوا ثمانية عشر ألفا؛ وأمر بسجن قاضيه ~~بكار بن قتيبة في حادثة معروفة. وقال له: غرك قول الناس ما في الدنيا مثل ~~بكار؟ أنت شيخ قد خرقت! ثم حبسه وقيده وأخذ منه جميع عطاياه مدة ولايته ~~القضاء، فكانت عشرة آلاف دينار، قيل إنها وجدت في بيت بكار بختمها لم يمسها ~~زهدا وتورعا. # ولما ذهب شيخك أبو الحسن بعنفه ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، طاش ~~عقله فأمر بإلقائه إلى الأسد، وهو الخبر الذي طار في الدنيا حتى بلغك في ~~بغداد.. # قال: وكنت حاضرا أمرهم ذلك اليوم، فجيء بالأسد من قصر ابنه خمارويه وكان ~~خمارويه هذا مشغوفا بالصيد، لا يكاد يسمع بسبع في غيضة أو بطن واد إلا قصده ~~ومعه رجال عليهم لبود، فيدخلون إلى الأسد ويتناولونه بأيديهم من غابه عنوة ~~وهو سليم، فيضعونه في أقفاص من خشب محكمة الصنعة يسع الواحد منها السبع وهو ~~قائم. # وكان الأسد الذي اختاره للشيخ أغلظ ما عندهم، جسيما، ضاربا، عارم ~~الوحشية، متزيل العضل، شديد عصب الخلق، ms615 هراسا، فراسا، أهرت الشدق يلوح شدقه ~~من سعته وروعته كفتحة القبر ينبئ أن جوفه مقبرة، ويظهر وجهه خارجا من ~~لبدته، يهم أن ينقذف على من يراه فيأكله! # وأجلسوا الشيخ في قاعة وأشرفوا عليه ينظرون، ثم فتحوا باب القفص من أعلاه ~~فجذبوه فارتفع؛ وهجهجوا بالأسد يزجرونه، فانطلق يزمجر ويزأر زئيرا تنشق له ~~المرائر، ويتوهم من يسمعه أنه الرعد وراءه الصاعقة! # ثم اجتمع الوحش في نفسه واقشعر، ثم تمطى كالمنجنيق يقذف الصخرة، فما بقي ~~من أجل الشيخ إلا طرفة عين؛ ورأيناه على ذلك ساكنا مطرقا لا ينظر إلى الأسد ~~ولا يحفل به، وما منا إلا من كاد ينهتك حجاب قلبه من الفزع والرعب والإشفاق ~~على الرجل. # ولم يرعنا إلا ذهول الأسد عن وحشيته، فأقعى على ذنبه، ثم لصق بالأرض ~~هنيهة يفترش ذراعيه، ثم نهض نهضة أخرى كأنه غير الأسد، فمشى مترفقا ثقيل ~~الخطو تسمع لمفاصله قعقعة من شدته وجسامته، وأقبل على الشيخ وطفق يحتك به ~~ويلحظه ويشمه كما يصنع الكلب مع صاحبه الذي يأنس به، وكأنه يعلن أن هذه ~~ليست مصاولة بين الرجل التقي والأسد، ولكنها مبارزة بين إرادة ابن طولون ~~وإرادة الله! # PageV03P041 # وضربته روح الشيخ فلم يبق بينه وبين الآدمي عمل، ولم يكن منه بإزاء لحم ~~ودم، فلو أكل الضوء والهواء والحجر والحديد، كان ذلك أقرب وأيسر من أن يأكل ~~هذا الرجل المتمثل في روحانيته لا يحس لصورة الأسد معنى من معانيها ~~الفاتكة، ولا يرى فيه إلا حياة خاضعة مسخرة للقوة العظمى التي هو مؤمن بها ~~ومتوكل عليها، كحياة الدودة والنملة وما دونها من الهوام والذر! # وورد النور على هذا القلب المؤمن يكشف له عن قرب الحق سبحانه وتعالى، فهو ~~ليس بين يدي الأسد ولكنه هو والأسد بين يدي الله، وكان مندمجا في يقين هذه ~~الآية: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} . # ورأى الأسد رجلا هو خوف الله، فخاف منه، وكما خرج الشيخ من ذاته ومعانيها ~~الناقصة، خرج الوحش من ذاته ومعانيها الوحشية؛ فليس في الرجل خوف ولا هم ~~ولا جزع ولا ms616 تعلق برغبة، ومن ذلك ليس في الأسد فتك ولا ضراوة ولا جوع ولا ~~تعلق برغبة. # ونسي الشيخ نفسه فكأنما رآه الأسد ميتا ولم يجد فيه "أنا" التي يأكلها، ~~ولو أن خطرة من هم الدنيا خطرت على قلبه في تلك الساعة أو اختلجت في نفسه ~~خالجة من الشك، لفاحت رائحة لحمه في خياشيم الأسد فتمزق في أنيابه ومخالبه. # قال: وانصرفنا عن النظر في السبع إلى النظر في وجه الشيخ، فإذا هو ساهم ~~مفكر، ثم رفعوه وجعل كل منا يظن ظنا في تفكيره، فمن قائل: إنه الخوف أذهله ~~عن نفسه، وقائل: إنه الانصراف بعقله إلى الموت، وثالث يقول: إنه يكون ~~الفكرة لمنع الحركة عن الجسم فلا يضطرب، وزعم جماعة أن هذه حالة من ~~الاستغراق يسحر بها الأسد؛ وأكثرنا في ذلك وتجارينا فيه، حتى سأله ابن ~~طولون: ما الذي كان في قلبك وفيم كنت تفكر؟ # فقال الشيخ: لم يكن علي بأس، وإنما كنت أفكر في لعاب الأسد، أهو طائر أم ~~نجس.. # PageV03P042 ### | أمراء للبيع # قال الشيخ تاج الدين محمد بن علي المقلب طوير الليل، أحد أئمة الفقهاء ~~بالمدرسة الظاهرية بالقاهرة*: # كان شيخنا الإمام العظيم شيخ الإسلام تقي الدين بن مجد الدين بن دقيق ~~العيد** لا يخاطب السلطان إلا بقوله: "يا إنسان"! فما يخشاه ولا يتعبد له ~~ولا ينحله ألقاب الجبروت والعظمة ولا يزينه بالنفاق ولا يداجيه كما يصنع ~~غيره من العلماء؛ وكان هذا عجيبا؛ غير أن تمام العجب أن الشيخ لم يكن يخاطب ~~أحدا قط من عامة الناس إلا بهذا اللفظ عينه: "يا إنسان"؛ فما يعلو بالسلطان ~~والأمراء ولا ينزل بالضعفاء والمساكين، ولا يرى أحسن ما في هؤلاء وهؤلاء ~~إلا الحقيقة الإنسانية! # ثم كان لا يعظم في الخطاب إلا أئمة الفقهاء فإذا خاطب منهم أحدا قال له: ~~"يا فقيه"؛ على أنه لم يكن يسمح بهذا إلا لمثل شيخ الإسلام نجم الدين ابن ~~الرقعة***، ثم يخص علاء الدين بن الباجي وحده بقوله: "يا إمام"؛ إذ كان آية ~~من آيات الله في صناعة الحجة، لا يكاد ms617 يقطعه أحد في المناظرة والمباحثة؛ ~~فهو كالبرهان. إجلاله إجلال الحق؛ لأن فيه المعنى وتثبيت المعنى. # وقلت له يوما: يا سيدي، أراك تخاطب السلطان بخطاب العامة؛ فإن علوت قلت: ~~"يا إنسان"، وإن نزلت قلت: "يا إنسان"؛ أفلا يسخطه هذا منك وقد تذوق حلاوة ~~ألفاظ الطاعة والخضوع، وخصه النفاق بكلمات هي ظل الكلمات التي يوصف الله ~~بها، ثم جعله الملك إنسانا بذاته في وجود ذاته، حتى أصبح من غيره كالجبل ~~والحصاة؛ يستويان في العنصر ويتباينان في القدر، وأقله مهما قل هو أكثرها ~~مهما عظمت، ووجوده شيء ووجودها شيء آخر؟ PageV03P043 # فتبسم الشيخ وقال: يا ولدي، إيش هذا؟ إننا نفوس ألفاظ، والكلمة من قائلها ~~هي بمعناها في نفسه لا بمعناها في نفسها؛ فما يحسن بحامل الشريعة أن ينطق ~~بكلام يرده الشرع عليه؛ ولو نافق الدين لبطل أن يكون دينا، ولو نافق العالم ~~الديني لكان كل منافق أشرف منه؛ فلطخة في الثوب الأبيض ليست كلطخة في الثوب ~~الأسود، والمنافق رجل مغطى في حياته، ولكن عالم الدين رجل مشكوف في حياته ~~لا مغطى؛ فهو للهداية لا للتلبيس، وفيه معاني النور لا معاني الظلمة؛ وذاك ~~يتصل بالدين من ناحية العمل، فإذا نافق فقد كذب؛ والعالم يتصل بالدين من ~~ناحية العمل وناحية التبيين، فإذا نافق فقد كذب وغش وخان. # وما معنى العلماء بالشرع إلا أنهم امتداد لعمل النبوة في الناس دهرا بعد ~~دهر، ينطقون بكلمتها، ويقومون بحجتها، ويأخذون من أخلاقها كما تأخذ المرآة ~~النور، تحويه في نفسها وتلقيه على غيرها، فهي أداة لإظهاره وإظهار جماله ~~معا. # أتدري يا ولدي ما الفرق بين علماء الحق وعلماء السوء وكلهم آخذ من نور ~~واحد لا يختلف؟ إن أولئك في أخلاقهم كاللوح من البلور؛ يظهر النور نفسه فيه ~~ويظهر حقيقته البلورية؛ وهؤلاء بأخلاقهم كاللوح من الخشب يظهر النور حقيقته ~~الخشبية لا غير! # وعالم السوء يفكر في كتب الشريعة وحدها؛ فيسهل عليه أن يتأول ويحتال ~~ويغير ويبدل ويظهر ويخفي؛ ولكن العالم الحق يفكر مع كتب الشريعة في صاحب ~~الشريعة، فهو معه في كل ms618 حالة يسأله ماذا تفعل وماذا تقول؟ # والرجل الديني لا تتحول أخلاقه ولا تتفاوت ولا يجيء كل يوم من حوادث ~~اليوم، فهو بأخلاقه كلها، لا يكون مرة ببعضها ومرة ببعضها، ولن تراه مع ذوي ~~السلطان وأهل الحكم والنعمة كعالم السوء هذا الذي لو نطقت أفعاله لقالت لله ~~بلسانه: هم يعطوني الدراهم والدنانير فأين دراهمك أنت ودنانيرك؟ # إن الدينار يا ولدي إذا كان صحيحا في أحد وجهيه دون الآخر، أو في بعضه ~~دون بعضه، فهو زائف كله؛ وأهل الحكم والجاه حين يتعاملون مع هؤلاء يتعاملون ~~مع قوة الهضم فيهم ... فينزلون بذلك منزلة البهائم؛ تقدم أعمالها لتأخذ ~~بطونها، والبطن الآكل في العالم السوء يأكل دين العالم فيما يأكله.. # فإذا رأيت لعلماء السوء وقارا فهو البلادة، أو رقة فسمها الضعف، أو ~~محاسنة فقل إنها النفاق، أو سكوتا عن الظلم فتلك رشوة يأكلون بها! # PageV03P044 # قال الإمام: وما رأيت مثل شيخي سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام* ~~فلقد كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شيئا تصنعه طبيعته كما يصنع جسمه ~~الحياة، فلا يبالي هلك فيه أو عاش؛ إذ هو في الدم كالقلب، لا تناله يد ~~صاحبه ولا يد غيره؛ ولم يتعلق بمال ولا جاه ولا ترف ولا نعيم، فكان تجرده ~~من أوهام القوة لا تغلب؛ وانتزع خوف الدنيا من قلبه فغمرته الروح السماوية ~~التي تخيف كل شيء ولا تخاف؛ وكان بهذه الروح كأنه تحويل وتبديل في طباع ~~الناس، حتى قال الملك الظاهر بيبرس وقد رأى كثرة الخلق في جنازته حين مرت ~~تحت القلعة: الآن استقر أمري في الملك، فلو أن هذا الشيخ دعا الناس إلى ~~الخروج علي لانتزع مني المملكة! # وكان سلطانه في دمشق الصالح إسماعيل، فاستنجد بالإفرنج على الملك نجم ~~الدين أيوب سلطان مصر؛ فغضب الشيخ وأسقط اسم الصالح من الخطبة وخرج مهاجرا، ~~فأتبعه الصالح بعض خواصه يتلطف به ويقول له: ما بينك وبين أن تعود إلى ~~مناصبك وما كنت عليه وأكثر مما كنت عليه إلا أن تتخشع للسلطان وتقبل يده. ~~فقال له الشيخ: ms619 يا مسكين! أنا لا أرضى أن يقبل السلطان يدي! أنتم في واد ~~وأنا في واد! # ثم قدم إلى مصر في سنة 639، فأقبل عليه السلطان نجم الدين أيوب وتحلى به ~~وولاه خطابة مصر وقضاءها، وكان أيوب ملكا شديد البأس، لا يجسر أحد أن ~~يخاطبه إلا مجيبا، ولا يتكلم أحد بحضرته ابتداء؛ وقد جمع من المماليك الترك ~~ما لم يجتمع مثله لغيره من أهل بيته، حتى كان أكثر أمراء عسكره منهم، وهم ~~معروفون بالخشونة والبأس والفظاظة والاستهانة بكل أمر؛ فلما كان يوم العيد ~~صعد إليه الشيخ وهو يعرض الجند ويظهر ملكه وسطوته والأمراء يقبلون الأرض ~~بين يديه؛ فناداه الشيخ بأعلى صوته؛ ليسمع هذا الملأ العظيم: يا أيوب! ثم ~~أمره بإبطال منكر انتهى إلى علمه في حانة تباع فيها الخمر؛ فرسم السلطان ~~لوقته بإبطال الحانة واعتذر إليه. # فحدثني الباجي قال: سألت الشيخ بعد رجوعه من القلعة وقد شاع الخبر، فقلت: ~~يا سيدي، كيف كانت الحال؟ # قال: يا بني، رأيته في تلك العظمة فخشيت على نفسه أن يدخلها الغرور ~~فتبطره فكان ما باديته به. # قلت: أما خفته؟ PageV03P045 # قال: يا بني، استحضرت هيبة الله تعالى فكان السلطان أمامي كالقط* ولو أن ~~حاجة من الدنيا كانت في نفسي لرأيته الدنيا كلها؛ بيد أني نظرت بالآخرة ~~فامتدت عيني فيه إلى غير المنظور للناس، فلا عظمة ولا سلطان ولا بقاء ولا ~~دنيا، بل هو لا شيء في صورة شيء. # نحن يا ولدي مع هؤلاء كالمعنى الذي يصحح معنى آخر، فإذا أمرناهم، فالذي ~~يأمرهم فينا هو الشرع لا الإنسان، وهم قوم يرون لأنفسهم الحق في إسكات ~~الكلمة الصحيحة أو طمسها أو تحريفها؛ فما بد أن يقابلوا من العلماء ~~والصالحين بمن يرون لأنفسهم الحق في إنطاق هذه الكلمة وبيانها وتوضيحها؛ ~~فإذا كان ذلك فههنا المعنى بإزاء المعنى؛ فلا خوف ولا مبالاة ولا شأن ~~للحياة والموت. # وإنما الشر كل الشر أن يتقدم إليهم العالم لحظوظ نفسه ومنافعها، فيكون ~~باطلا مزورا في صورة الحق؛ وههنا تكون الذات مع الذات، فيخشع الضعف أمام ms620 ~~القوة، ويذل الفقر بين يدي الغنى، وترجو الحياة لنفسها وتخشى على نفسها؛ ~~فإذا العالم من السلطان كالخشبة البالية النخرة حاولت أن تقارع السيف! # كلا يا ولدي! إن السلطان والحكام أدوات يجب تعيين عملها قبل إقامتها، ~~فإذا تفككت واحتاجت إلى مسامير دقت فيها المسامير؛ وإذا انفتق الثوب فمن ~~أين للإبرة أن تسلك بالخيط الذي فيها إذا هي لم تخزه؟ # إن العالم الحق كالمسمار؛ إذا أوجد المسمار لذاته دون عمله كفرت به كل ~~خشبة.. # قال الإمام تقي الدين: وطغى الأمراء من المماليك وثقلت وطأتهم على الناس؛ ~~وحيثما وجدت القوة المسلطة المستبدة جعلت طغيانها واستبدادها أدبا وشريعة؛ ~~إلا أن تقوم بأزائها قوة معنوية أقوى منها؛ ففكر شيخنا في هؤلاء الأمراء، ~~وقال: إن خداع القوة الكاذبة لشعور الناس باب من الفساد؛ إذ يحسبون كل حسن ~~منها هو الحسن، وإن كان قبيحا في ذاته ولا أقبح منه؛ ويرون كل قبيح عندها ~~هو القبيح، وإن كان حسنا ولا أحسن منه. # وقال: ما معنى الإمارة والأمراء؟ وإنما قوة الكل الكبير هي عماد الفرد ~~الكبير، فلكل جزء من هذا الكل حقه وعمله؛ وكان ينبغي أن تكون هذه الإمارة ~~PageV03P046 # أعمالا نافعة قد كبرت وعظمت فاستحقت هذا اللقب بطبيعة فيها كطبيعة أن ~~العشرة أكثر من الواحد، لا أهواء وشهوات ورذائل ومفاسد تتخذ لقبها في ~~الضعفاء بطبيعة كطبيعة أن الوحش مفترس. # وفكر الشيخ فهداه تفكيره إلى أن هؤلاء الأمراء مماليك، فحكم الرق مستصحب ~~عليهم لبيت مال المسلمين، ويجب شرعا بيعهم كما يباع الرقيق! # وبلغهم ذلك فجزعوا له وعظم فيه الخطب عليهم؛ ثم احتدم الأمراء وأيقنوا ~~أنهم بإزاء الشرع لا بإزاء القاضي ابن عبد السلام. # وأفتى الشيخ أنه لا يصح لهم بيع ولا شراء ولا زواج ولا طلاق ولا معاملة، ~~وأنه لا يصحح لهم شيئا من هذا حتى يباعوا ويحصل عنقهم بطريق شرعي! # ثم جعلوا يتسببون إلى رضاء، ويتحملون عليه بالشفاعات، وهو مصر لا يعبأ ~~بجلالة أخطارهم، ولا يخشى اتسامه بعداوتهم، فرفعوا الأمر إلى السلطان، ~~فأرسل إليه فلم يتحول عن رأيه وحكمه. ms621 # واستشنع السلطان فعله وحنق عليه وأنكر منه دخوله فيما لا يعنيه، وقبح ~~عمله وسياسته وما تطاول إليه، وهو رجل ليس له إلا نفسه وما تكاد تصل يده ~~إلى ما يقيمه وهم وافرون وفي أيديهم القوة ولهم الأمر والنهي. # وانتهى ذلك إلى الشيخ الإمام فغضب ولم يبال بالسلطان ولا كبر عليه ~~إعراضه، وأزمع الهجرة من مصر، فاكترى حميرا أركب أهله وولده عليها ومشى هو ~~خلفهم يريد الخروج إلى الشام، فلم يبعد إلا قليلا نحو نصف بريد حتى طار ~~الخبر في القاهرة ففزع الناس وتبعوه لا يتخلف منهم رجل ولا امرأة ولا صبي، ~~وصار فيهم العلماء والصلحاء والتجار والمحترفون كأن خروجه خروج نبي من بين ~~المؤمنين به، واستعلنت قوة الشرع في مظهرها الحاكم الآمر من هذه الجماهير، ~~فقيل للسلطان: إن ذهب هذا الرجل ذهب ملكك! # فارتاع السلطان، فركب بنفسه ولحق بالشيخ يترضاه ويستدفع به غضب الأمة، ~~وأطلق له أن يأمر بما شاء، وقد أيقن أنه ليس رجل الدينار والدرهم والعيش ~~والجاه ولبس طيلسان العلماء كما يلصق الريش على حجر في صورة الطائر. # ورجح الشيخ وأمر أن يعقد المجلس ويجمع الأمراء وينادي عليهم للمساومة في ~~بيعهم، وضرب لذلك أجلا بعد أن يكون الأمر قد تعالمه كل القاهرة؛ ليتهيأ من ~~يتهيأ للشراء والسوم في هذا الرقيق الغالي! # PageV03P047 # وكان من الأمراء المماليك نائب السلطنة، فبعث إلى الشيخ يلاطفه ويسترضيه، ~~فلم يعبأ الشيخ به؛ فهاج هائجه وقال: كيف يبيعنا هذا الشيخ وينادي علينا ~~وينزلنا منزلة العبيد ويفسد محلنا من الناس ويبتذل أقدارنا ونحن ملوك ~~الأرض؟ وما الذي يفقد هذا الشيخ من الدنيا فيدرك ما نحن فيه؟ إنه يفقد ما ~~لا يملك، ويفقد غير الموجود، فلا جرم لا يبالي ولا يرجع عن رأيه ما دام هذا ~~الرأي لا يمر في منافعه، ولا في شهواته ولا في أطماعه، كالذين نراهم من ~~علماء الدنيا؛ أما والله لأضربنه بسيفي هذا، فما يموت رأيه وهو حي. # ثم ركب النائب في عسكره وجاء إلى دار الشيخ واستل سيفه وطرق الباب، فخرج ~~ابنه ms622 عبد اللطيف ورأى ما رأى فانقلب إلى أبيه وقال له: انج بنفسك، إنه ~~الموت، وإنه السيف، وإنه وإنه ... # فما اكترث الشيخ لذلك ولا جزع ولا تغير، بل قال له: يا ولدي! أبوك أقل من ~~أن يقتل في سبيل الله! # وخرج لا يعرف الحياة ولا الموت، فليس فيه الإنساني بل الإلهي، ونظر إلى ~~نائب السلطنة وفي يده السيف، فانطلقت أشعة عينيه في أعصاب هذه اليد فيبست ~~ووقع السيف منها. # وتناوله بروحه القوية، فاضطرب الرجل وتزلزل وكأنما تكسر من أعصابه فهو ~~يرعد ولا يستقر ولا يهدأ. # وأخذ النائب يبكي ويسأل الشيخ أن يدعو له؛ ثم قال: يا سيدي، ما تصنع بنا؟ # قال الشيخ: أنادي عليكم وأبيعكم! # وفيم تصرف ثمننا؟ # في مصالح المسلمين. # ومن يقبضه؟ # أنا. # وكان الشرع هو الذي يقول: "أنا"، فتم للشيخ ما أراد، ونادى على الأمراء ~~واحدا واحدا، واشتط في ثمنهم، لا يبيع الواحد منهم حتى يبلغ الثمن آخر ما ~~يبلغ؛ وكان كل أمير قد أعد من شيعته جماعة يستامونه؛ ليشتروه ... # ودمغ الظلم والنفاق والطغيان والتكبر والاستطالة على الناس بهذه الكلمة ~~التي أعلنها الشرع: # أمراء للبيع! أمراء للبيع.. # PageV03P048 ### | ### | العجوزان " # 1": # قال محدثي: التقى هذان الشيخان بعد فراق أربعين سنة، وكانت مثابتهما* ذلك ~~المكان القائم على شاطئ البحر في إسكندرية في جهة كذا؛ وهما صديقان كانا في ~~صدر أيامهما -حين كانت لهما أيام ... رجلي حكومة يعملان في ديوان واحد، ~~وكانا في عيشهما أخوي جد وهزل، وفضائل ورذائل، يجتمعان دائما اجتماع السؤال ~~والجواب، فلا تنقطع وسيلة أحدهما من الآخر؛ وكأن بينهما في الحياة قرابة ~~الابتسامة من الابتسامة والدمعة من الدمعة. # ولبثا كذلك ما شاء الله، ثم تبددا وأخذتهما الآفاق كدأب "الموظفين"؛ ~~ينتظمون وينتشرون، ولا يزال أحدهم ترفعه أرض وتخفضه أخرى، وكأن "الموظف" من ~~تفسير قوله تعالى: {وما تدري نفس بأي أرض تموت} [لقمان: 34] ! # وافترق الصديقان على مضض، وكثيرا ما يكون أمر الحكومة بنقل بعض "موظفيها" ~~هو أمرها بتمزيق بعضهم من بعض؛ ثم تصرفت بهما الدنيا فذهبا على طرفي طريق ~~لا يلتقيان، وأصبح ms623 كلاهما من الآخر كيومه الذي مضى.. يحفظ ولا يرى.. # قال المحدث: وكنت مع الأستاذ "م"، وهو رجل في السبعين من عمره، غير أنه ~~يقول عن نفسه إنه شاب لم يبلغ من العمر إلا سبعين سنة.. ويزعم أن في جمسه ~~الناموس الأخضر الذي يحيي الشجرة حياة واحدة إلى الآخر. # رجل فاره، متأنق، فاخر البزة، جميل السمت، فارع الشطاط** كالمصبوب في ~~قالب لا عوج فيه ولا انحناء، مجتمع كله لم يذهب منه شيء، قد حفظته ~~PageV03P049 # أساليب القوة التي يعانيها في رياضته اليومية؛ وهو منذ كان في آنفته ~~وشبابه لا يمشي إلا مستأخر الصدر* مشدود الظهر، مرتفع العنق، مسندا قفاه ~~إلى طوقه؛ وبذلك شب وشاب على استواء واحد، وكلما سئل عن سر قامته وعوده لم ~~يزد على قوله: إن هذا من عمل إسناد القفا**. # وهو دائما عطر عبق، ثم لا يمس إلا عطرا واحدا لا يغيره، يرى أن هذا الطيب ~~يحفظ خيال الصبي، وأنه يبقي للأيام رائحتها. # وله فلسفة من حسه لا من عقله، ولفلسفته قواعد وأصول ثابتة لا تتغير، ومن ~~بعض قواعدها الزهر، ومن بعضها الموسيقى، ومن بعضها الصلاة أيضا؛ وكل تلك هي ~~عنده قواعد لحفظ الشباب. ومن فلسفته أن مبادئ الشباب وعاداته إذا هي لم ~~تتغير اتصل الشباب فيها واطرد في الروح، فتكون من ذلك قوة تحرس قوة اللحم ~~والدم، وتمسك على الجسم حالته النفسية الأولى. # وهو يزيد في حكمة الصلاة فكرة رياضية عملية لم ينتبه إليها أحد، هي رياضة ~~البطن والأمعاء بالركوع والسجود والقيام؛ ويقول: إن ثروة الصلاة تكنز في ~~صندوقين: أحدهما الروح لما بعد الموت، والآخر البطن لما قبل الموت؛ ويرى أن ~~الإسلام لم يفرض صلاة الصبح قبل الشمس إلا ليجعل الفجر ينصب في الروح كل ~~يوم. # قال المحدث: وبينما نحن جالسان مر بنا شيخ أعجف مهزول موهون في جسمه، ~~يدلف متقاصر الخطو كأن حمل السنين على ظهره، مرعش من الكبر، مستقدم الصدر ~~منحن يتوكأ على عصا، ويدل انحناؤه على أن عمره قد اعوج أيضا، وهو يبدو في ~~ضعفه ms624 وهزاله كأن ثيابه ملئت عظاما لا إنسانا، وكأنها ما خبطت إلا لتمسك ~~عظما على عظم.. # قال: فحملق إليه "م" ثم صاح: رينا! رينا. فالتفت العجوز، وما كاد يأخذنا ~~بصره حتى انفتل إليه وأقبل ضاحكا يقول: أوه!. ريت، ريت! # ونهض "م" فاحتضنه وتلازما طويلا، وجعل رأساهما يدوران ويتطوحان، ~~PageV03P050 # وكلاهما يقبل صاحبه قبلا ظمئة لا عهد لي بمثلها في صديقين، حتى لخيل إلي ~~أنهما لا يتعانقان ولا يتلاءمان، ولكن بينهما فكرة يعتنقانها ويقبلانها ~~معا.. # وقلت: ما هذا أيها العجوزان؟ # فضحك "م" وقال: هذا صديقي القديم "ن"، تركته منذ أربعين سنة معجزة من ~~معجزات الشباب، فها هو ذا معجزة أخرى من معجزات الهرم، ولم يبق منه كاملا ~~إلا اسمه ... # ثم التفت إليه وقال: كيف أنت يا رينا؟ # قال العجوز "ن": لقد أصبحت كما ترى؛ زاد العمر في رجلي رجلا من هذه ~~العصا، ورجع مصدر الحياة في مصدرا للآلام والأوجاع ودخلت في طبيعتي عادة ~~رابعة من تعاطي الدواء. # فضحك "م" وقال: قبح الله هذه الدخيلة، فما هي العادات الثلاث الأصلية؟ # قال العجوز: هي الأكل والشرب والنوم.. ثم أنت يا ريت كيف تقرأ الصحف ~~الآن؟ # قال "م": أقرؤها كما يقرؤها الناس، فما سؤالك عن هذا؟ وهل تقرأ الصحف ~~يوما غير ما تقرأ في يوم؟ # قال: آه! إن أول شيء أقرأ في الصحف أخبار الوفيات؛ لأرى بقايا الدنيا، ثم ~~"إعلانات الأدوية" ... ولكن كيف أنت يا ريت؟ إني لأراك ما تزال من وراء ~~أربعين سنة في ذلك العيش الرخي، وأراك تحمل شيخوختك بقوة كأن الدهر لم ~~يخرمك من هنا ولا من هنا، وكأنه يلمسك بأصابعه لا بمساميره، فهل أصبت معجزة ~~من معجزات العلم الحديث؟ # قال: نعم. # قال: ناشدتك الله، أفي معجزات العلم الحديث معجزة لعظمي؟ # قال "م": ويحك يا رينا! إنك على العهد لم تبرح كما كنت مزبلة أفكار.. ~~ماذا يصنع فيك العلم الحديث وأنت كما رأى بمنزلة بين العظم والخشب؟! # قال المحدث: وضحكنا جميعا، ثم قلت للأستاذ "م": ولكن ما "رينا وريت"؟ وما ~~هذه اللغة؟. وفي ms625 أي معجم تفسيرها؟ # قال: فتغامز الشيخان، ثم قال "م": يا بني، هذه لغة ماتت معانيها وبقيت ~~ألفاظها، فهي كتلك الألفاظ الأثرية الباقية من الجاهلية الأولى. # PageV03P051 # قلت: ولكن الجاهلية الأولى لم تنقض إلا فيكما ... ولا يزال كل شاب في هذه ~~الجاهلية الأولى، وما أحسب "رينا، وريت" في لغتكما إلا بمعنى "سوسو، وزوزو" ~~في اللغة الحديثة؟ # فقال "م": اسمع يا بني: إن رجل سنة 1935* متى سأل في رجل سنة 1895: ما ~~معنى رينا وريت؟ فرد عليه: إن "رينا" معناها "كاترينا"؛ وكان "ن" بها صبا ~~مغرما، وكان مقتتلا قتله حبها. أما "ريت" فهو لا يعرف معناها. # فامتعض العجوز "ن"، وقال: سبحان الله! اسمع يا بني: أن رجل سنة 1895 في ~~يقول لك: إن "ريت" معناها "مرغريت"، وكانت الجوى الباطن وكانت اللوعة ~~والحريق الذي لا ينطفئ في قلب الأستاذ "م". # قلت: فأنتما أيها العجوزان من عشاق سنة 1895، فكيف تريان الحب الآن؟ # قال العجوز "ن": يا بني، أن أواخر العمر كالمنفي.. ونحن نتكلم بالألفاظ ~~التي تتكلم بها أنت وأنتما وأنتم.. غير أن المعاني تختلف اختلافا بعيدا. # قلت: واضرب لهم مثلا. # قال: واضرب لهم مثلا كلمة "الأكل"، فلها عندنا ثلاثة معان: الأكل وسوء ~~الهضم، ووجع المعدة؛ وكلمة "المشي" فلها أيضا ثلاثة معان: المشي، والتعب، ~~وغمزات العظم ... وكلمة "النسيم"، النسيم العليل يا بني، زيد لنا في ~~معناها: تحرك "الروماتيزم".. # فضحك "م" وقال: يا شيخ.. # قال العجوز: وتلك الزيادة يا بني لا تجيء إلا من نقص، فهنا بقية من يدين، ~~وبقية من رجلين، وبقية من بطن، وبقية من، ومن، ومن ... ومجموع كل ذلك بقية ~~من إنسان. # قال الأستاذ "م": والبقية في حياتك. # قال "ن": وبالجملة يا بني فإن حركة الحياة في الرجل الهرم تكون حول ذاتها ~~لا حول الأشياء؛ وما أعجب أن تكون أقصر حركتي الأرض حول نفسها كذلك، وإذا ~~قال الشاب في مغامرته: ليمض الزمن ولتتصرم الأيام! فإن الأيام هي التي ~~تتصرم والزمن هو الذي يمر؛ أما الشيوخ فلن يتمنوه أبدا؛ فمن قال منهم: ليمض ~~الزمن، فكأنما قال: ms626 فلأمض أنا.. PageV03P052 # فصاح "م": يا شيخ يا شيخ ### | .... # ثم قال العجوز: واعلم يا بني أن العلم نفسه يهرم مع الرجل الهرم، فيصبح ~~مثله ضعيفا لا غناء عنده ولا حيلة له؛ وكل مصانع لنكشير ومصانع بنك مصر ~~واليابان والأمريكتين، وما بقي من مصانع الدنيا، لا فائدة من جميعها؛ فهي ~~عاجزة أن تكسر عظامي ... # قال المحدث: فقهقه الأستاذ "م"، وقال: كدت والله أتخشب من هذا الكلام، ~~وكادت معاني العظم تخرج من عظامي؛ لقد كان المتوحشون حكماء في أمر شيوخهم، ~~فإذا علت السن بجماعة منهم لم يتركوهم أحياء إلا بامتحان، فهم يجمعونهم ~~ويلجئونهم إلى شجرة غضة لينة المهزة، فيكرهونهم أن يصعدوا فيها ثم يتدلوا ~~منها وقد عقلت أيديهم بأغصانها؛ فإذا صاروا على هذه الهيئة اجتمع الأشداء ~~من فتيان القبيلة فيأخذون بجذع الشجرة يرجونها وينفضونها ساعة من نهار؛ فمن ~~ضعفت يداه من أولئك الشيوخ أو كلت حوامل ذراعيه فأفلت الغصن الذي يتعلق به ~~فوقع، أخذوه فأكلوه؛ ومن استمسك أنزلوه فأمهلوه إلى حين! # فاقشعر العجوز "ن"، وقال: أعوذ بالله! هذه شجرة تخرج في أصل الجحيم، ~~ولعنها الله من حكمة، فإنما يطبخونهم في الشجرة قبل الأكل، أو هم يجعلونهم ~~كذلك؛ ليتوهموهم طيورا فيكون لحمهم أطيب وألذ، ويتساقطون عليهم من الشجرة ~~حمائم وعصافير. # قال "م": إن كان في الوشيحة منطق فليس في هذا المنطق "باب لم"، ولا "باب ~~كيف"، ولو كان بهم أن يأكلوهم، غير أنها تربية الطبيعة لأهل الطبيعة؛ فإن ~~رؤية الرجل هذه الشجرة وهزها وعاقبتها يبعد عنه الضعف والتخلخل، ويدفعه إلى ~~معاناة القوة، ويزيد نفسه انتشارا على الحياة وطمعا فيها وتنشطا لأسبابها، ~~فيكون ساعده آخر شيء يهرم، ولا يزال في الحدة والنشاط والوثبان؛ فلا يعجز ~~قبل يومه الطبيعي، ويكون المتوحشون بهذا قد احتالوا على الطبيعة البشرية ~~فاضطروها إلى مجهودها، وأكرهوها على أن تبذل من القوة ما يسع الجسم. # قال "ن": فنعم إذن، ولعن الله معاني الضعف؛ كدت والله أظن أني لم أكن ~~يوما شابا، وما أراك إلا متوحشا تخاف أن تؤكل، فتظل شيخا رجلا لا ms627 شيخا ~~طفلا، وترى العمر كما يرى البخيل ذهبه: مهما يبلغ فكثرته غير كثيرة. # PageV03P053 # قال المحدث: وأضجرني حوارهما؛ إذ لم يعد فيه إلا أن جسم هذا يرد على جسم ~~هذا؛ وإنما الشيخ من أمثال هؤلاء زمان يتكلم ويقص ويعظ وينتقد، ولن يكون ~~الشيخ معك في حقيقته إن لم ترحل أنت فيه إلى دنيا قديمة؛ فقلت لهما: أيها ~~العجوزان! أريد أن أسافر إلى سنة 1895 ... # PageV03P054 ### | ### | العجوزان * " # 2": # قال محدثي: ولما قلت لهما: أيها العجوزان، أريد أن أسافر إلى سنة 1895 ~~نظر إلي العجوز الظريف "ن"، وقال: يا بني، أحسب رؤيتك إياي قد دنت بك من ~~الآخرة ... فتريد أن نلوذ بأخبار شبابنا؛ لتنظر إلينا وفينا روح الدنيا. # قال الأستاذ "م": وكيف لا تريه الآخرة وأكثرك الآن في "المجهول"؟ # قال: ويحك يا "م"! لا تزال على وجهك مسحة من الشيطان هنا وهنا؛ كأن ~~الشيطان هو الذي يصلح في داخلك ما اختل من قوانين الطبيعة، فلا تستبين فيك ~~السن وقد نيفت على السبعين، وما أحسب الشيطان في تنظيفك إلا كالذي يكنس ~~بيته.. # قال "م": فأنت أيها العجوز الصالح بيت قد تركه الشيطان وعلق عليك كلمة ~~"الإيجار".. فضحك "ن"، وقال: تالله إن الهرم لهو إعادة درس الدنيا، وفهمها ~~مرة أخرى فهما لا خطأ فيه؛ إذ ينظر الشيخ بالعين الطاهرة، ويسمع بالأذن ~~الطاهرة، PageV03P055 # ويلمس باليد الطاهرة ... وتالله إن الشيطان لا معنى له إلا أنه وقاحة ~~الأعصاب. # قال "م": فأنت أيها العجوز الصالح إنما أصبحت بلا شيطان؛ لأن الهرم قد ~~أدب أعصابك ... # قال العجوز الظريف: وعند من غيرنا -نحن الشيوخ- تطاع الأوامر والنواهي ~~الأدبية حق طاعتها؟ عند من غير الشيوخ تقدس مثل هذه الحكم العالية: لا تعتد ~~على أحد ... لا تفسد امرأة على زوجها ... # قال المحدث: وضحكنا جميعا، وكان العجوز "ن" من الآيات في الظرف والنكتة، ~~فقال: تظنني يا بني في السبعين؟ فوالله ما أنا بجملتي في السبعين، والله ~~والله. # قال "م": لقد أهتر الشيخ* يا بني؛ فإن هذا من خرفه فلا تصدقه. # قال "ن": والله ما خرقت وما ms628 قلت إلا حقا، فههنا ما عمره خمس سنوات فقط، ~~وهو أسناني.. # قلت: "ورينا وريت" وسنة 1895؟ # قال الأستاذ "م": أنت يا بني من المجددين، فما هواك في القديم وما شأنك ~~به؟ # وما كاد العجوز "ن" يسمع هذا حتى طرف بعينيه** وحدد بصره إلي وقال: أئنك ~~لأنت هو؟ لعمري إن في عينيك لضجيجا وكذبا وجدالا واختيالا وزعما ودعوى ~~وكفرا وإلحادا؛ ولعمري ... # فقطعت عليه وقلت: "لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون"، لقد وقع التجديد في كل ~~شيء إلا في الشيوخ أجساما والشيوخ عقولا؛ فهؤلاء وهؤلاء عند النهاية، وغير ~~مستنكر من ضعفهم أن يدينوا بالماضي، فإن حياتهم لا تلمس الحاضر إلا بضعف! # قال العجوز: رحم الله الشيخ "ع"؛ كان هذا يا بني رجلا ينسخ للعلماء في ~~زمننا القديم، وكان يأخذ عشرة قروش أجرا على الكراسة الواحدة، وهو رديء ~~الخط، فإذا ورق لأديب، ولم يعجبه خطه فكلمه في ذلك تعلق الشيخ به وطالبه ~~بعشرين قرشا عن الكراسة؛ منها عشرة للكتابة، وعشرة غرامة لإهانة الكتابة ~~... PageV03P056 # نعم يا بني، إن للماضي في قلوبنا مواقع ينزل فيها فيتمكن، ولكن قاعدة ~~"اثنان واثنان أربعة"، لا تعد في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل، ~~والحقيقة بنفسها لا باسمها؛ وليست تحتاج النار إلى ثوب المرأة إلا في رأي ~~المغفل. # قال الأستاذ "م": وكيف ذلك؟ # قال العجوز: زعموا أن مغفلا كان يرى امرأته تضرم الحطب فتنفخ فيه حتى ~~يشتعل، فاحتاج يوما في بعض شأنه إلى نار، ولم تكن امرأته في دارها فجاء ~~بالحطب وأضرم فيه وجعل ينفخ، وكان الحطب رطبا فدخن ولم يشتعل، ففكر المغفل ~~قليلا ثم ذهب فلبس ثوب امرأته وعاد إلى النار، وكان الحطب قد جف فلم يكد ~~ينفخ حتى اشتعل وتضرم؛ فأيقن المغفل أن النار تخاف امرأته ... وأنها لا ~~تتضرم إلا إذا رأت ثوبها! # قال الأستاذ "م": إن الكلام في القديم والجديد أصبح عندنا كفنون الحرب ~~تبدع ما تبدع لتغيير ما لا يتغير في ذات نفسه، وعلى ما بلغت وسائل الموت في ~~القديم والجديد فإنها لم تستطع أن تميت ms629 أحدا مرتين. # لقد قرأت يا بني كثيرا فلم أر إلى الآن من آثار المجددين عندنا شيئا ذا ~~قيمة؛ ما كان من هراء وتقليد فهو من عندهم، وما كان جيدا فهو كالنفائس في ~~ملك اللص: لها اعتباران، إن كان أحدهما عند مقتنيها ... فالآخر عند ~~القاضي*. # كلا أيها اللص، لن تسمى مالكا بهذا الأسلوب؛ إنما هي كلمة تسخر بها من ~~الناس ومن الحق ومن نفسك. # يقولون: العلم والفن والغريزة والشهوة والعاطفة والمرأة وحرية الفكر ~~واستقلال الرأي ونبذ التقاليد وكسر القيود، إلى آخره وإلى آخرها ... فهذا ~~كله حسن مقبول سائغ في الورق إن كان في مقالة أو قصة، وهو سائغ كذلك حين ~~ينحصر في حدوده التي تصلح له من ثياب الممثلين أو من بعض النفوس التي يمثل ~~بها القدر فصوله الساخرة أو فصوله المبكية، ولكنهم حين يخرجون هذا كله ~~للحياة على أنه من قوته الموجبة، ترده الحياة عليهم بالقوة السالبة؛ إذ لا ~~تزال تخلق خلقها وتعمل أعمالها بهم وبغيرهم، وإذا كان في الإنسانية هذا ~~القانون الذي يجعل الفكر PageV03P057 # المريض حين يهدم من صاحبه -يهدم في الكون بصاحبه؛ ففيها أيضا القانون ~~الآخر الذي يجعل الفكر الصحيح السامي حين يبني من أهله- يبنى في الكون ~~بأهله. # قال العجوز "ن": زعموا أن أحد سلكي الكهرباء كان فيلسوفا مجددا، فقال ~~للآخر: ما أراك إلا رجعيا؛ إذ كنت لا تتبعني أبدا ولا تتصل بي ولا تجري في ~~طريقتي؛ ولن تفلح أبدا إلا أن تأخذ مأخذي وتترك مذهبك إلى مذهبي. فقال له ~~صاحبه: أيها الفيلسوف العظيم، لو أني اتبعتك لبطلنا معا فما أذهب فيك ولا ~~تذهب في؛ وما علمتك تشتمني في رأيك إلا بما تمدحني به في رأيي. # قال العجوز: وهذا هو جوابنا إذا كنا رجعيين عندهم من أجل الدين أو ~~الفضيلة أو الحياة أو العفة إلى آخرها وإلى آخره؛ ونحن لا نرى هؤلاء ~~المجددين عند التحقيق إلا ضرورات من مذاهب الحياة وشهواتها وحماقاتها تلبست ~~بعض العقول كما يتلبس أمثالها بعض الطباع فتزيغ بها؛ وللحياة في لغتها ~~العملية مترادفات كالمترادفات ms630 اللفظية: تكون الكلمتان والكلمات بمعنى واحد، ~~فالمخرب والمخرف والمجدد بمعنى! # كل مجدد يريد أن يضع في كل شيء قاعدة نفسه هو، فلو أطعناهم لم تبق لشيء ~~قاعدة. # قال الأستاذ "م" إن هذه الحياة الواحدة على هذه الأرض يجب أن تكون على ~~سنتها وما تصلح به من الضبط والإحكام، والجلب لها والدفع عنها والمحافظة ~~عليها بوسائلها الدقيقة الموزونة المقدرة، والسهلة في عملها الصعبة في ~~تدبيرها؛ فعلى نحو مما كانت الحياة في بطن الأم يجب أن نعيش في بطن الكون ~~بحدود مرسومة وقواعد مهيأة وحيز معروف؛ وإلا بقيت حركات هذا الإنسان كحركات ~~الجنين؛ يرتكض ليخرج عن قانونه، فإن استمر عمله ألقى به مسخا مشوها من جسد ~~كان يعمل في تنظيمه، أو قذف به ميتا من جسم كان كل ما فيه يعمل لحياته ~~وصيانته. # هذا الجسم كله يشرع للجنين ما دام فيه، وهذا الاجتماع كله يشرع للفرد ما ~~دام فيه؛ فكيف يكون أمر من أمر إذا كان الجنين مجددا لا يعجبه مثلا وضع ~~القلب ولا يرضيه عمل الدم، ولا يريد أن يكون مقيدا؛ لأنه حر. # انظر إلى هذا الشرطي في هذا الشارع يضرب مقبلا ليدبر، ومدبرا ليقبل، وقد ~~ألبسته الحكومة ثيابا يتميز بها، وهي تتكلم لغة غير لغة الثياب، وكأنها ~~تقول: # PageV03P058 # أيها الناس، إن ههنا الإنسان الذي هو قانون دائما، والذي هو قوة أبدا، ~~والذي هو سجن حينا، والذي هو الموت إذا اقتضى الحال. # أتحسب يا بني هذا الشرطي قائما في هذا الشارع كجدران هذه المنازل؟ كلا يا ~~بني؛ إنه واقف أيضا في الإرادة الإنسانية وفي الحس البشري وفي العاطفة ~~الحية؛ فكيف لا يمحوه المجددون مع أنه في ذاته إرغام بمعنى، وإكراه بمعنى ~~غيره، وقيد في حالة، وبلاء في حالة أخرى؟ # لكنه إرغام ليقع به التيسير، وإكراه لتنطلق به الرغبة، وقد لتتمجد به ~~الحرية؛ وكان هو نفسه بلاء من ناحية؛ ليكون هو نفسه عصمة من الناحية التي ~~تقابلها. # يا بني، كل دين صالح، وكل فضيلة كريمة، وكل خلق طيب -كل شيء من ذلك ms631 إنما ~~هو على طريق المصالح الإنسانية كهذا الشرطي بعينه: فإما تخريب العالم أيها ~~المجددون، وإما تخريب مذهبكم.. # قال العجوز "ن": أنبحث عما نتسلط به أم نبحث عما يتسلط علينا؟ وهل نريد ~~أن تكون غرائزنا أقوى منا وأشد، أو نكون نحن أشد منها وأقوى؟ هذه هي ~~المسألة لا مسألة الجديد والقديم. # فإن لم يكن هناك المثل الأعلى الذي يعظم بنا ونعظم به، فسد الحس وفسدت ~~الحياة؛ وكل الأديان الصحيحة والأخلاق الفاضلة إن هي إلا وسائل هذا المثل ~~الأعلى للسمو بالحياة في آمالها وغايتها عن الحياة نفسها في وقائعها ~~ومعانيها. # قال المحدث: ورأيتني بين العجوزين كأني بين نابين؛ ولم أكن مجددا على ~~مذهب إبليس الذي رد على الله والملائكة وظن لحمقه أن قوة المنطق تغير ما لا ~~يتغير؛ فسكت، حتى إذا فرغا من هذه الفلسفة قلت: والرحلة إلى سنة 1895؟ # PageV03P059 ### | ### | العجوزان " # 3": # قال المحدث: وتبين في العجوز "ن" أثر التعب، فتوجع وأخذ يئن كأن بعضه قد ~~مات لوقته.. أو وقع فيه اختلال جديد، أو نالته ضربة اليوم؛ والشيخ متى دخل ~~في الهرم دخل في المعركة الفاصلة بينه وبين أيامه. # ثم تأفف وتململ وقال: إن أول ما يظهر على من شاخ وهرم، هو أن الطبيعة قد ~~غيرت القانون الذي كانت تحكمه به. # قال الأستاذ "م": إن صاحبنا كان قاضيا يحكم في المحاكم، وأرى المحاكم قد ~~حكمت عليه بهذه الشيخوخة "مطبقة فيها" بعض المواد من قانون العقوبات فما ~~خرج من المحكمة إلا في الحبس الثالث. # فضحك "ن" وقال: قد عرفنا "الحبس البسيط" و"الحبس مع الشغل" فما هو هذا ~~الحبس الثالث؟ # قال: هو "الحبس مع المرض" ... # قال "ن": صدقت لعمري، فإن آخر أجسامنا لا يكون إلا بحساب من صنعة ~~أعمالنا؛ وكأن كرسي الوظيفة الحكومية قد عرف أنه كرسي الحكومة، فهو يضرب ~~الضرائب على عظام الموظفين ... أتدري معنى قوله تعالى: {ومنكم من يرد إلى ~~أرذل العمر} [النحل: 70] ولم سماه الأرذل؟ # قلنا: فلم سماه كذلك؟ # قال: لأنه خلط الإنسان بعضه ببعض، ومسه من أوله إلى آخره، فلا هو ms632 رجل ولا ~~شباب ولا طفل، فهو أردأ وأرذل ما في البضاعة ... # فاستضحك الأستاذ "م" وقال: أما أنا فقد كنت شيخا حين كنت في الثلاثين من ~~عمري، وهذا هو الذي جعلني فتى حين بلغت السبعين. # قال "ن": كأن الحياة تصحح نفسها فيك. # PageV03P060 # قال: بل أنا كرهتها أن تصحح نفسها؛ فقد عرفت من قبل أن سعة الإنفاق في ~~الشباب هي ضائقة الإفلاس في الهرم، وأيقنت أن للطبيعة "عدادا" لا يخطئ ~~الحساب، فإذا أنا اقتصدت عدت لي، وإذا أسرفت عدت علي؛ ولن تعطيني الدنيا ~~بعد الشباب إلا مما في جسمي؛ إذ لا يعطي الكون حيا أراد أن ينتهي منه، فكنت ~~أجعل نفسي كالشيخ الذي تقول له الملذات الكثيرة: لست لك؛ ومن ثم كانت لذاتي ~~كلها في قيود الشريعتين: شريعة الدين وشريعة الحياة. # قال: وعرفت أن ما يسميه الناس وهن الشيخوخة لا يكون من الشيخوخة ولكن من ~~الشباب؛ فما هو إلا عمل الإنسان في تسميم جسمه ثلاثين أو أربعين سنة ~~بالطعام والشراب والإغفال والإرهاق والسرور والحزن واللذة والألم، فكنت مع ~~الجسم في شبابه ليكون معي بعد شبابه، ولم أبرح أتعاهده كما يتعاهد الرجل ~~داره: يزيد محاسنها وينفي عيوبها، ويحفظ قوتها ويتقي ضعفها؛ ويجعلها دائما ~~باله وهمه، وينظر في يومها القريب لغدها البعيد، فلا ينقطع حساب آخرها وإن ~~بعد هذا الآخر، ولا يزال أبدا يحتاط لما يخشى وقوعه وإن لم يقع. # قال العجوز "ن": صدقت -والله- فما أفلح إلا من اغتنم الإمكان؛ وما نوع ~~الشيخوخة إلا من نوع الشباب؛ وهذا الجسم الإنساني كالمدينة الكبيرة فيها ~~"مجلسها البلدي" القائم على صيانتها ونظامها وتقويتها؛ ورئيس هذا المجلس ~~الإرادة، وقانونه كله واجبات ثقيلة، وهو كغيره من القوانين: إذا لم ينفذ من ~~الأول لم يغن في الآخر. # قال الأستاذ "م": وكل جهاز في الجسم هو عضو من أعضاء ذلك "المجلس البلدي" ~~فجهاز التنفس وجهاز الهضم والجهاز العضلي والجهاز العصبي والدورة الدموية، ~~هذه كلها يجب أن تترك على حريتها الطبيعية وأن تعان على سنتها، فلا يحال ~~بينها وبين أعمالها برشوة من ms633 لذة، أو مفسدة من زينة، أو مطمعة في رفاهية، ~~أو دعوة إلى مدنية، أو شيء مما يفسد حكمها أو يعطل عملها ويضعف طبيعتها. # والقاعدة في العمر أنه إذا كان الشباب هو الطفولة الثانية في براءته ~~وطهارته، كانت الشيخوخة هي الشباب الثاني في قوتها ونشاطها؛ وما رأيت ~~كالدين وسيلة تجعل الطفولة ممتدة بحقائق إلى آخر العمر في هذا الإنسان؛ فسر ~~الطفولة إنما هو في قوتها على حذف الفضول والزوائد من هذه الحياة، فلا ~~يطغيها الغنى، ولا يكسرها الفقر، ولا تذلها الشهوة، ولا يفزعها الطمع، ولا ~~يهولها الإخفاق، ولا يتعاظمها الضر، ولا يخيفها الموت؛ ثم لا تمل وهي ~~الصابرة، ولا تبالغ وهي # PageV03P061 # الراضية، ولا تشك وهي الموقنة، ولا تسرف وهي القانعة، ولا تتبلد وهي ~~العاملة، ولا تجمد وهي المتجولة؛ ثم هي لا تكلف الإنسانية إلا العطف والحب ~~والبشاشة وطبائع الخير التي يملكها كل قلب؛ ولا توجب شريعتها في المعاملة ~~إلا قاعدة الرحمة، ولا تقرر فلسفتها للحياة إلا طهارة النظر؛ ثم تتهكم ~~بالدنيا أكثر ما تهتم لها، وتستغني فيما أكثر مما تحتاج، وتستخرج السعادة ~~لنفسها دائما مما أمكن، قل أو كثر. # وبكل هذا تعمل الطفولة في حراسة الحياة الغضة واستمرارها ونموها، ولولا ~~ذلك لما زها طفل ولا شب غلام، ولا رأت العيون بين هموم الدنيا ذلك الرواء ~~وذلك المنظر على وجوه الأطفال يثبتان أن البراءة في النفس أقوى من الطبيعة. # وكل ذلك هو أيضا من خصائص الدين وبه يعمل الدين في تهذيب الحياة واطرادها ~~على أصولها القوية السليمة، ومتى قوي هذا الدين في إنسان لم تكن مفاسد ~~الدنيا إلا من وراء حدوده، حتى كأنه في أرض وهي في أرض أخرى، وأصبحت ~~البراءة في نفسه أقوى من الطبيعة. # ثم قال: والعجيب أن اعتقاد المساواة بين الناس لا يتحقق أبدا بأحسن ~~معانيه وأكملها إلا في قلبين: قلب الطفل؛ لأنه طفل، وقلب المؤمن؛ لأنه ~~مؤمن. # فقال العجوز "ن": إنه لكما قلت، ولعنة الله على هذه الشهوات الآدمية ~~الباطلة، فإن الشهوة الواحدة في ألف نفس لتجعل الحقيقة ms634 الواحدة كأنها ألف ~~حقيقة متعادية متنازعة؛ والطامعان في امرأة واحدة قد تكون شهوة أحدهما هي ~~الشهوة وهي القتل؛ ولعنة الله على الملحدين وإلحادهم، يزرون على الأديان ~~بأنها تكاليف وقيود وصناعة للحياة، ثم لا يعلمون أن كل ذلك لصناعة الآلة ~~النفسية التي تستطيع أن تحرك المختلفين حركة واحدة، فما ابتليت الإنسانية ~~بشيء كما ابتليت بهذا الخلاف الذي يفتح من كل نفس على كل نفس أبواب التجني، ~~ويجعل النفرة وسوء الظن أقرب إلى الطبيعة البشرية من الألفة والثقة. # لقد جاء العلم بالمعجزات، ولكن فيما بين الإنسان والطبيعة، وبين الإنسان ~~ومنافعه، وبين الإنسان وشهواته؛ فهل غير الدين يجيء بالمعجزات العملية فيما ~~بين النفس والنفس، وبين النفس وهمومها، وبين ما هو حق وما هو واجب؟ # قال المحدث: ثم نظر إلي العجوز "ن" وقال: صل عمك يا بني بالأحاديث الذي ~~مضى، فأين بلغنا آنفا من أمر التجديد والمجددين؟ وماذا قلنا وماذا قلت؟ أما # PageV03P062 # إن الحماقة الجديدة والرذيلة الجديدة والخطأ الجديد، كل ذلك إن كان جديدا ~~من صاحبه فهو قديم في الدنيا؛ وليس عندنا أبدا من جديد إلا إطلاق الحرية في ~~استعمال كل أديب حقه في الوقاحة والجهل والغرور والمكابرة. # قال الأستاذ "م": وليس الظاهر بما يظهر لك منه، ولكن بالباطن الذي هو ~~فيه، فمستشفى المجاذيب قصر من القصور في ظاهره، ولكن المجاذيب هم حقيقته لا ~~البناء، وكل مجدد عندنا يزعم لك أنه قصر عظيم، وهو في الحقيقة مستشفى ~~مجانين، غير أن المجانين فيه طباع وشهوات ونزوات؛ وعلى هذا ما الذي يمنع ~~الفجور المتوقح أن يسمي نفسه الأدب المكشوف؟ # قال "ن": وإذا أنت ذهبت تعترض على هذه التسمية زعموا لك أن للفن وقاحة ~~مقدسة ... وأن "لا أدبية" رجل الفن هي "اللا أخلاقية العالمية" ### | .... # قال الأستاذ "م": فوقاحة الشهوة إذا استعلنت بين أهل الحياء وأهل الفضيلة ~~ودعت إلى مذهبها، كانت تجديدا ما في ذلك ريب؛ ولكن هذا المذهب هو أقدم ما ~~في الأرض، إذا هو بعينه مذهب كل زوجين اجتمعا من البهائم منذ خلق الله ~~البهائم.. # قال ms635 "ن": وقل مثل ذلك في متسخط على الله وعلى الناس يخرج من كفره بين أهل ~~الأديان أدبا جديدا، وفي مغرور يتغفل الناس، وفي لص آراء، وفي مقلد تقليدا ~~أعور -كل واحد من هؤلاء وأشباههم مبتلى بعلة، فمذهبه رسالة علته؛ وأكثرهم ~~لا يكون ثباته على الرأي الفاسد إلا من ثبات العلة فيه. # قال المحدث: وكنت من المجددين، فأرمضني ذلك وقلت للعجوزين: إن هذا نصف ~~الصحيح، أما النصف الآخر فهو في كثير من هؤلاء الذين ينتحلون الدفاع عن ~~الدين والفضيلة؛ نعم إنهم لا يستعملون حقهم في الوقاحة، ولكن القروش تستعمل ~~حقها.. # فضحك العجوز "ن"، وقال: يا بني، إن الجديد في كل حمار هو أن يزعم أن ~~نهيقه موسيقى ... فالحمار والنهيق والموسيقى كل ذلك لا جديد فيه، ولكن ~~التسمية وحدها هي الجديدة؛ ولو كان البرهان في حلق الحمار لصح هذا الجديد، ~~غير أن التصديق والتكذيب هنا في آذان الموسقيين لا في حلق حمارنا المحترم ### | .... # قال "م": وزعموا أن رجلا نصب فخا لصيد العصافير، فجاء عصفور فنظر من هذا ~~الفخ إلى شيء جديد، فقال: يا هذا، ما لك مطمورا في التراب؟ قال الفخ: # PageV03P063 # ذلك من التواضع لخلق الله! قال: فمم كان انحناؤك؟ قال الفخ: ذلك من طول ~~عبادتي لله! قال: فما هذه الحبة عندك؟ قال الفخ: أعددتها لطيور الله ~~الصائمين يفطرون عليها! قال العصفور: فتبيحها لي؟ قال: نعم. # فتقدم المسكين إليها، فلما التقطها وقع الفخ في عنقه، فقال وهو يختنق: إن ~~كان العباد يخنقون مثل هذا الخنق فقد خلق إبليس جديد. # قال "ن": فالحقيقة أن إبليس هو الذي تجدد؛ ليصلح لزمن الآلات والمخترعات ~~والعلوم والفنون وعصر السرعة والتحول؛ وما دام الرقي مطردا وهذا العقل ~~الإنساني لا يقف عند غاية في تسخير الطبيعة، فسينتهي الأمر بتسخير إبليس ~~نفسه مع الطبيعة؛ لاستخراج كل ما فيه من الشر. # قال "م": ولكن العجب من إبليس هذا؛ أتراه انقلب أوربيا للأوربيين؟ وإلا ~~فما باله يخرج مجددين من جبابرة العقل والخيال، ثم لا يؤتينا نحن إلا ~~مجددين من جبابرة التقليد ms636 والحماقة؟ # قال المحدث: فقلت لهما: أيها العجوزان القديمان، سأنشر قولكما هذا ~~اليقرأه المجددون. # قال الأستاذ "م": وانشر يا بني أن الربيع -صاحب الإمام الشافعي، مر يوما ~~في أزقة مصر فنثرت على رأسه إجانة* مملوءة رمادا، فنزل عن دابته وأخذ ينفض ~~ثيابه ورأسه، فقيل له: ألا تزجرهم؟ قال: من استحق النار وصولح بالرماد فليس ~~له أن يغضب! ... # ثم قال محدثنا: واستولى علي العجوزان، ورأيت قولهما يعلو قولي، وكنت في ~~السابعة والعشرين، وهي سن الحدة العقلية، فما حسبتني معهما إلا ثلث عجوز.. ~~مما أثرا علي، وانقلبت لا أرى في المجددين إلا كل سقيم فاسد، واعتبرت كل ~~واحد منهم بعلته، فإذا القول ما قال الشيخان، وإذا تحت كل رأي مريض مرض، ~~ووراء كل اتجاه إبرة مغناطيسية طرقها إلي الشيطان ### | .... # وفرغنا من هذا، فقلت للشيخين: لقد حان وقت نزولكما من بين الغيوم أيها ~~الفيلسوفان، أما كنتما في سنة 1895 من الجنس البشري..؟ PageV03P064 # العجوازن "4": # قال محدثنا: وكنت قد ضقت بهذه اللجاجة الفلسفية، ورأيتني مضطعنا على ~~الشيخين معا، فقلت العجوز "ن": حدثني "رحمك الله" بشيء من قديمكما، فأنتما ~~اختصار لكل ما مر من الحياة يستدل به على أصله المطول إلا في الحب.. وما ~~زلتما في جد الحديث تعبثان بي منذ اليوم، فقد عدلتما بي إلى شأنكما ورأيكما ~~في القديم والجديد، وبقي أن أميل بكما ميلة إلى سنة 1895، وقد -والله- كاد ~~ينتحر قلبي يأسا من خبر "كاترينا ومرغريت"؛ ولكأنك تخشي إذ أعلمتني خبر ~~صاحبتك هذه وهي وراء أربعين سنة- ما تخافه من رجل سيفجؤك معها في الخلوة ~~على حال من الربية فيأخذك "متلبسا بالجريمة" كما تقولون في لغة المحاكم ### | .... # قال: فضحك ### | العجوزان # وقال "ن": لا -والله- يا بني، ولكني أقول ما قال ذلك الحكيم العربي* ~~لقومه وقد بلغ مائتي سنة: "قلبي مضغة من جسدي، ولا أظنه إلا قد نحل سائر ~~جسدي"، واعلم يا بني أنه إذا ذهب الحب عن الشيخ بقي منه الحنان يعمل مثل ~~عمله، فيحب العجوز مكانا أو شيئا أو معنى أي ذلك كان، ليعيده ذلك إلى ~~الدنيا ms637 أو يبقيه فيها "بقدر الإمكان" ... # فضحك الأستاذ "م" وقال: ولعل ثرثرة العجوز "ن" هي الآن معشوقة العجوز ~~"ن". # ثم قال: وكل شيء يرق في قلب الرجل الهرم ويحول وجهة كأنه لا يطبق أن ينظر ~~إلى معناه الغليظ؛ ولا بد أن يخرج العجوز من معاني الدنيا قبل أن يخرج من ~~الدنيا؛ ولهذا لا يهنأ الشيخ إلا إذا عاش بأفكار جسمه الحاضر، وقدر الأمور ~~على PageV03P065 # ما هو فيه لا على ما كان فيه؛ والفرف بين جسمه الحاضر وبين جسمه الماضي ~~أن هذا الماضي كانت تحمل أعضاؤه، فهو مجتمع من أعمالها وشهواتها، ماض في ~~تحقيق وجودها ومعانيها؛ أما الحاضر، أما الجسم الهرم، فهو يشعر أنه يحمل ~~أعضاءه كلها ملفوفة في ثيابه كمتاع المسافر قبل السفر.. وكأن بعضها يسلم ~~على بعض سلام الوداع يقول: تفارقني وأفارقك*. # فتململ الأستاذ "م" وقال: أف لك ولما تقول! لا جرم أن هذه لغة عظامك التي ~~لا صلابة فيها، فمن ذلك لا تجيء معانيك في الحياة إلا واهنة ناحلة فقدت ~~أكثرها وبقي من كل شيء منها شيء عند النهاية؛ أليس في الهرم إلا أن يبقى ~~الجسم ليكون ظاهرا فقط كعمشوش العنقود** بعد ذهاب الحب منه، يقول: كان هنا ~~وكان هنا؟ # ألا فاعلم يا "ن" أن هذه الشيخوخة إنما هي غلبة روحانية الجسم على ~~بشريته، فهذا طور الحياة لا تدعه الحياة إلا وفيه لذته وسروره كما تصنع ~~بسائر أطوارها؛ غير أن لذاته بين الروح والجمال، ومسراته بين العقل ~~والطبيعة، وكل ما نقص من العمر وجب أن يكون زيادة في إدراك الروح وقوتها ~~وشدتها ونورها؛ قد قيل لبعض أهل هذا الشأن وكان في مرض موته: كيف تجد ~~العلة؟ فقال: سلوا العلة عني كيف تجدني. # وإنما تثقل الشيخوخة على صاحبها إذا هي انتكست فيه وكانت مراغمة بينه ~~وبين الحياة، فيطمع الشيخ فيما مضي ولا يزال يتعلق به ويتسخط على ذهابه ~~وتصنع له ويتكلف أسبابه، وقد نسي أن الحياة ردته طفلا كالطفل، أكبر سعادته ~~في التوفيق بين نفسه وبين الأشياء الصغيرة البريئة، وأقوى ms638 لذته أن يتفق ~~الجمال الذي في خياله والجمال والذي في الكون، وإنه لكما قلت أنت: لا يهنأ ~~الشيخ إلا إذا عاش بأفكار جسمه الحاضر. # وما أصدق وأحكم هذا الحديث الشريف: "إن الله تعالى بعدله وقسطه جعل الروح ~~والفرح في الرضى واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط". فهذه في قاعدة ~~الحياة: لا تعاملك الحياة بما تملك من PageV03P066 # نفسك، وبذلك تكون السعادة في أشياء حقيقة ممكنة موجودة، بل تكون في كل ما ~~أمكن وكل ما وجد؛ وإذا كان الرضى هو الاتفاق بين النفس وصاحبها، وكان ~~اليقين هو الاتفاق بين النفس وخالقها، فقد أصبح قانون السعادة شيئا معنويا ~~من فضيلة النفس وإيمانها وعقلها، ومن الأسرار التي فيها، لا شيئا ماديا من ~~أعضائها ومتاعها ودنياها والأخيلة المثقلة عليها. # فأطرق العجوز "ن" قليلا ثم قال: {رب إني وهن العظم مني} [مريم: 4] ، ألا ~~ما أحكم هذه الآية! فوالله إن قرأت ولا قرأ الناس في تصوير الهرم الفاني ~~أبدع منها ولا أدق ولا أوفى؛ ألا تحس أن قائلها يكاد يسقط من عجف وهزال ~~وإعياء؛ وأنه ليس قائما في الحياة قيامه فيها من قبل، وأن تناقض هذه الحياة ~~قد وقع في جسمه فأخل به، وأن معاني التراب قد تعلقت بهذا الجسم تعمل فيها ~~عملها، فأخذ يتفتت كأنما لمس القبر عظامه وهو حي، وأنه بهذا كله أوشك أن ~~ينكسر انكسار العظم بلغ المبرد فيه آخر طبقاته؟ # قال محدثنا: فقلت له: ترى لو أن نابغة من نوابغ التصوير في زمننا هذا ~~تناول بفنه ذلك المعنى العجيب فكتبه صورة وألوانا، لا أحرفا وكلمات، فكيف ~~تراه كان يصنع؟ # قال: كان يصنع هكذا: يرسم منظر الشتاء في سماء تعلق سحابها كثيفا متراكبا ~~بعضه على بعض يخيل أن السماء تدنو من الأرض، وقد سدت السحب الآفاق وأظلم ~~الجو ظلامه تحت النهار المغطى، واستطارت بينها وشائع من البرق، ثم يترك من ~~الشمس جانب الأفق لمعة كضوء الشمعة في فتق فن فتوق السحاب، ثم يرسل في ~~الصورة ريحا ياردة هو جاء يدل عليها انحناء الشجر ms639 وتقلب النبات، ثم يرسم ~~رجالا ونساء يغلي الشباب فيهم غليانه من قوة وعافية، وحب وصبابة، وتغلي ~~فيهم أفكار أخرى ... وهم جميعا في هيئة المسرعين إلى مرقص؛ وهم جميعا من ~~المجددين. # ثم يرسم يا بني في آخرهم "على بعد منهم" عمك العجوز "ن"، يرسمه كما تراه ~~منحل القوة منحني الصلب، مرعشا متزلزلا متضعضعا؛ قد زعزعته الريح، وضربه ~~البرد، وخنقته السحب؛ وله وجه عليه ذبول الدنيا، ينبئ أن دمه قد وضع من ~~جسمه في برادة، والكون كله من حوله ومن فوقه أسباب روماتيزم.. # PageV03P067 # ثم يصوره وقد وقف هناك ساهما كئيبا، رافعا رأسه ينظر إلى السماء. # قال المحدث: وضحكنا جميعا، ثم قال الأستاذ "م": لعمري إن هذه الحياة ~~الآدمية كالآلة صاحبها مهندسها؛ فإن صلحت واستقامت فمن علمه بها وحياطته ~~لها، وإن فسدت واختلت فمن عبثه فيها وإهماله إياها، وليس على الطبيعة في ~~ذلك سبيل لائمة؛ والشيخ الضعيف ليس في هذه الدنيا إلا الصورة الهزلية ~~لمفاسد شبابه وضعفه ولينه ودعته، تظهرها للدنيا ليسخر من يسخر ويتعظ من ~~يتعظ. # قال "ن": أكذلك هو يا أستاذ؟ # قال الأستاذ: بل هي الصورة الجدبة من هذه الباطلة التي دأبها ألا تصرح عن ~~حقيقتها إلا في الآخر، فتظهرها الدنيا ليجل الحقيقة من يجلها؛ وليس إلا ~~بهذه الطريقة يعرف من خراب الصورة خراب المعنى. # قال العجوز "ن": آه من إجلال الشيخوخة واحترام الناس إياها! إنهم يرونه ~~احتراما للشيخ والشيخ لا يراه إلا تعزية، وما الأشياخ الهرمي إلا جنازات ~~قبل وقتها، لا توحي إلى الناس شيئا غير وحي الجنازة من مهابة وخشوع. # قال الأستاذ: بل هي الصورة الجدية من هذه الباطلة التي دأبها ألا تصرح عن ~~حقيقتها إلا في الآخر، فتظهرها الدنيا ليجل الحقيقة من يجلها؛ وليس إلا ~~بهذه الطريقة يعرف من خراب الصورة خراب المعنى. # قال العجوز "ن": آه من إجلال الشيخوخة واحترام الناس إياها إنهم يرونه ~~احتراما للشيخ والشيخ لا يراه إلا تعزية. وما الأشياخ الهرمى إلا جنازات ~~قبل وقتها، لا توحي إلى الناس شيئا غير وحي الجنازة من ms640 مهابة وخشوع. # قال الأستاذ: إنما أنت دائما في حديث نفسك، ولو كنت نهرا يا مستنقع لما ~~كان في لغتك هذه الأحرف من البعوض. # قال العجوز الظريف: إن هذا ليس من كلام الفلسفة التي نتنازعها بيننا، ترد ~~علي وأرد عليك، ولكنه كلام القانون الذي لك وحدك أن تتكلم به أيها القاضي. # قال "م": صرح وبين؛ فما فهمنا شيئا. # قال العجوز: هذا كلام قلته قديما في حادثة عجيبة، فقد رفعت إلي ذات يوم ~~قضية شيخ هرم كان قد سرق دجاجة؛ وتوسمته فإذا هو من أذكى الناس، وإذا هو ~~يجل عن موضعه من التهمة، ولكن صح عندي أنه قد سرق، وقامت البينة عليه ووجب ~~الحكم؛ فقلت له: أيها الشيخ، ما تستحي وأنت شائب أن تكون لصا؟ # قال: يا سيدي القاضي، كأنك تقول لي: ما تستحي أن تجوع؟ # فورد علي من جوابه ما حيرني، فقلت له: وإذا جعلت أما تستحي أن تسرق؟ قال: ~~يا سيدي القاضي، كأنك تقول لي: وإذا جعلت أما تستحيي أن تأكل؟ # فكانت هذه أشد علي، فقلت له: وإذا أكلت أما تأكل إلا حراما؟ # فقال: يا سيدي القاضي، إنك إذا نظرت إلي محتاجا لا أجد شيئا، لم ترني ~~سارقا حين وجدت شيئا. # PageV03P068 # فأقحمني الرجل على جهله وسذاجته، وقلت في نفسي: لو سرق أفلاطون لكان مثل ~~هذا؟ فتركت الكلام بالفلسفة وتكلمت بالقانون الذي لا يملك الرجل معه قولا ~~يراجعني به، فقلت: ولكنك جئت إلى هذه المحكمة بالسرقة، فلا تذهب من هذه ~~المحكمة إلا بالحبس سنتين. # قال محدثنا: وأرمضني هذا العجوز الثرثار وملأ صدري، إذ ما برح يديرني ~~وأديره عن "كاترينا ومرغريت"، ورأيت كل شيء قد هرم فيه إلا لسانه، فحملني ~~الضجر والطيش على أن قلت له: وهب القضية كانت هي قضية "كاترينا" وقد رفعت ~~إليك متهمة، أفكنت قائلا لها: جئت إلى المحكمة بالسرقة فلا تذهبين من ~~المحكمة إلا بالحبس سنتين؟ # وجرت الكلمة على لساني وما ألقيت لها بالا ولا عرفت لها خطرا؛ فاكفهر ~~القاضي العجوز وتربد وجهه غضبا، وقال: يا بغيض! أحسبتني ms641 كنت قائلا لها: جئت ~~إلى المحكمة بالسرقة فلا تذهبين من المحكمة إلا بالقاضي ... ؟ # وغضب الأستاذ "م": وقال: ويحك! أهذا من أدبكم الجديد الذي تأديتم به على ~~أساتذة منهم الفجرة الذين يكذبون الأنبياء ولا يؤمنون إلا بدين الغريزة ~~ويسوغونكم مذاهب الحمير والبغال في حرية الدم..؟ أما إني لأعلم أنكم نشأتم ~~على حرية الرأي، ولكن الكلمة بين اثنين لا تكون حرة كل الحرية إلا وهي ~~أحيانا سفيهة كل السفاهة، كهذه القولة التي نطقت بها. # لقد كان الناس في زمننا الماضي أناسا على حدة، وكانت الآداب حالات عقلية ~~ثابتة لا تتغير ولا يجوز أن تتغير، وكان الأستاذ الكافر بينه وبين نفسه لا ~~يكون مع تلاميذه إلا كالمومس؛ تجهد أن تربي بنتا على غير طريقتها! # قال المحدث: فلجلجت وذهبت أعتذر، ولكن العجوز "ن" قطع علي وأنشأ يقول وقد ~~انفجر غيظه: لقد تمت في هؤلاء صنعة حرية الفكر، كما تمت من قبل في ذلك ~~الواعظ* المعلم القديم الذي حدثوا عنه أنه كان يقص على الناس في المسجد كل ~~أربعاء فيعلمهم أمور دينهم ويعظهم ويحذرهم ويذكرهم الله وجنته وناره؛ ~~قالوا: فاحتبس عليهم في بعض الأيام وطال انتظارهم له، فبينما هم كذلك إذ ~~جاءهم PageV03P069 # رسوله فقال: يقول لكم أبو كعب: انصرفوا قد أصبحت مخمورا ... # هذا القاص المخمور هو عند هؤلاء السخفاء إمام في مذهب حرية الفكر، ~~وفضيلته عندهم أنه صريح غير منافق ... وكان يكون هذا قولا في إمام المسجد ~~لولا أنه إمام المسجد؛ غير أن حرية الفكر تبنى دائما في كل ما تبنى على غير ~~الأصل، وعندها أن المنطق الذي موضوعه ما يجب، ليس بالمنطق الصحيح؛ إذ لا ~~يجب شيء ما دام مذهبها الإطلاق والحرية. # كل مفتون من هؤلاء يتوهم أن العالم لا بد أن يمر من تفكيره كما مر من ~~إرادة الخالق، وأنه لا بد له أن يحكم على الأشياء ولو بكلمة سخيفة تجعله ~~يحكم، ولا بد أن يقول "كن وإن لم يكن إلا جهله؛ ومذهبه الأخلاقي: اطلب أنت ~~القوة للمجموع، أما أنا فألتمس لنفسي المنفعة ms642 واللذة! ويحسبون أنهم يحملون ~~المجتمع، فإنهم ليحملونه، ولكن على طريقة البراغيث في جناح النسر. # قال "م": وكيف ذلك؟ # قال: زعموا أن طائفة من البراغيث اتصلت بجناح نسر عظيم واستمرأته ورتعت ~~فيه، فصابرها النسر زمنا، ثم تأذى بها وأراد أن يرميها عنه، فطفق يخفق ~~بجناحيه يريد نفضها، فقالت له البراغيث: أيها النسر الأحمق! أما تعلم أننا ~~في جناحيك لنحملك في الجو؟.. # أما أساتذة هذه الحرية الدينية الفكرية الأدبية، فقد قال الحكماء: إن ~~بعرة من البعر كانت معلمة في مدرسة. # قال "م": وكيف ذلك؟ # قال: زعموا أن بعرة كبش كانت معلمة في مدرسة الحصى، فألفت لتلاميذها ~~كتابا أحكمته وأطالت له الفكرة، وبلغت فيه جهد ما تقدر عليه لتظهر عبقريتها ~~الجبارة؛ فكان الباب الأكبر فيه أن الجبل خرافة من الخرافات، لا يسوغ في ~~العقل الحر إلا هذا، ولا يصح غير هذا في المنطق؛ قالت: والبرهان على ذلك ~~أنهم يزعمون أن الجبل شيء عظيم، يكون في قدر الكبش الكبير ألف ألف مرة؛ ~~فإذا كان الجبل في قدر الكبش ألف ألف مرة فكيف يمكن أن يبعره الكبش؟ ### | .... # قال الأستاذ "م": هذا منطق جديد سديد لولا أنه منطق بعرة! # قال "ن": وكل قديم له عندهم جديد، فكلمة "رجل" قد تخنثت، وكلمة "شاب" قد ~~تأنثت، وكلمة "عفيفة" قد تدنست، وكلمة "حياء" قد تنجست؛ والزمن # PageV03P070 # الجديد ألا يعرف الطالب في هذا العام ماذا تكون أخلاقه في العام القادم.. ~~والحياة الجديدة أن تتقن الغش أكثر مما تتقن العمل.. والذمة الجديدة أن مال ~~غيرك لا يسمى مالا إلا حين يصير في يدك.. والصدق الجديد أن تكذب مائة مرة، ~~فعسى أن يصدق الناس منها مرة.. ثم الإنسان الجديد، والحب الجديد، والمرأة ~~الجديدة، والأدب الجديد، والدين الجديد، والأب الجديد، والابن الجديد، وما ~~أدري وما لا أدري. # قالوا: السوبرمان، وتنطعوا في إخراج المخلوق الكامل بغير دينه وأخلاقه، ~~فسخرت منهم الطبيعة فلم تخرج إلا الناقص أفحش النقص، وتركتهم يعملون في ~~النظرية وعملت هي الحقيقة. # قال محدثنا: ونهض العجوز "ن" وهو يقول: تباركت وتعاليت يا ms643 خالق هذا ~~الخلق! لو فهموا عنك لفهموا الحكمة في أنك قد فتحت على العلم الجديد ~~بالغازات السامة ... # قال: ولما انصرف العجوز، قلت للأستاذ "م": ولكن ما خبر "كاترينا" و ~~"مرغريت" وسنة 1895؟ # فقال: أيها الأبله، أما أدركت بعد أن العجوزين قد سخرا منك بأسلوب جديد.. # PageV03P071 ### | السطر الأخير من القصة # 1: # رجعت إلى أوراق لي قديمة يبلغ عمرها ثلاثين سنة أو لواذها، تزيد قليلا أو ~~تنقص قليلا، وجعلت أفلي هذه الأوراق واحدة واحدة، فإذا أنا على أطلال ~~الأيام في مدينة قائمة من تاريخي القديم، نائمة تحت ظلماتها التي كانت ~~أنوار عهد مضى؛ وإذا أنا منها كالذي اغترب ثلاثين سنة عن وطنه ثم آب إليه، ~~فما يرى من شيء كان له به عهد في أيام حدثانه ونشاطه إلا اتصل بينهما سر؛ ~~ومن طبيعة القلب العاشق في حنينه أن يجعل كل شيء يتصل به كأنه ذو قلب مثله ~~له حنين ونجوى! # وذلك التلاشي المحفوظ في هذه الأوراق، يحفظ لي فيها وفيما تحتويه نفسا ~~وطبيعة كانت نفس شاعر وطبيعة روضة، في عهد من الصبى كنت فيه أتقدم في ~~الشباب وفي الكون معا كأن الأشياء تخلق في خلقا آخر؛ فإذا قرضت شعرا واستوى ~~لي على ما أحب، أحسست إحساس الملك الذي يضم إلى مملكته مدينة جديدة؛ وإذا ~~تناولت طاقة من الزهر وتأملها على ما أحب، شعرت بها كأجمل غانية من النساء ~~توحي إلي وحي الجمال كله؛ وإذا وقفت على شاطئ البحر، ترجرج البحر بأمواجه ~~في نفسي، فكنت معه أكبر من الأرض وأوسع من السماء. # أما الحب ... أما الحب فكانت له معانيه الصغيرة التي هي كضرورات الطفل ~~للطفل: ليس فيها كبير شيء، ولكن فيها أكبر السعادة، وفيها نضرة القلب. # عهد من الصبى كانت فيه طريقة العقل من طريقة الحلم؛ وكانت العاطفة هي ~~عاطفة في النفس، وهي في وقت معا خدعة من الطبيعة؛ وكان ما يأتي ينسي دائما ~~ما مضى ولا يذكر به؛ وكانت الأيام كالأطفال السعداء: لا ينام أحدهم إلا على ~~فكرة لعب ولهو، ولا يستيقظ إلا على ms644 فكرة لهو ولعب وكانت اللغة نفسها كأن ~~فيها ألفاظا من الحلوى؛ وكانت الآلام -على قلتها- كالمريض الذي معه دواؤه ~~المجرب، وكانت فلسفة الجمال تضحك من فيلسوفها الصغير، الواضح كل ~~PageV03P072 # الوضوح، المقتصر بكل لفظ على ما يعرف من معناه، المتفلسف في تحقيق الرغبة ~~أكثر مما يتفلسف في تخيل الفكرة! # هو العهد الذي من أخص خصائصه أن تعمل، فيكون العمل في نفسه عملا ويكون في ~~نفسك لذة. # في أوراقي تلك بحثت عن قصة عنوانها "الدرس الأول في علبة كبريت" كتبتها ~~في سنة1905، وأنا لا أدري يومئذ أنها قصة يسبح في جوها قدر روائي عجيب، ~~سيأتي بعد ثلاثين سنة فيكتب فيها السطر الأخير الذي تتم به فلسفة معناها. # وها أنذا أنشرها كما كتبتها؛ وكان هذا القلم إذ ذاك غضا لم يصلب، وكان ~~كالغصن تميل به النسمة، على أن أساس بلاغته قد كان ولم يزل، بلاغة فرحه أو ~~بلاغة حزنه؛ وهذه هي القصة: # "عبد الرحمن عبد الرحيم" غلام فلاح، قد شهد من هذه الدنيا تسعة أعوام، ~~مرت به كما يمر الزمن على ميت؛ لا تزيده حياة الأحياء إلا إهمالا، فنشأ ~~منشأ أمثاله ممن فقدوا الوالدين وانتزعوا من شملهم فتركوا للطبيعة تفصلهم ~~وتصلهم بالحياة، وتضيق لهم فيها وتوسع. # وهيأت الطبيعة منه إنسانا حيوانيا، لا يبلغ أشده حتى يغالب على الرزق ~~بالحيلة أو الجريمة، ويستخلص قوته كما يرتزق الوحش بالمخلب والناب؛ ولن ~~يكون بعد إلا مجموعة من الأخلاق الحيوانية الفاتكة الجريئة، فإن الطبيعة ~~متى ابتدأت عملها في تحويل الإنسان عن إنسانيته، نزلت به إلى العالم ~~الحيواني ووصلته بما فيه من الشر والدناءة، ثم لا تترك عملها حتى يتحول هو ~~إليها. # وألف "عبد الرحمن" في بلده حانوت رجل فقير، يستغني بالبيع عن التكفف وعن ~~المسألة؛ فكان الغلام يكثر الوقوف عنده، وكان يطعم من صاحبه أحيانا كرزق ~~الطير، فتاتا وبقايا؛ إذ كان الغلام شحاذا، وكان صاحب الحانوت لا يرتفع عن ~~الشحاذة إلا بمنزلة تجعل الناس يتصدقون عليه بالشراء من هناته التي يسميها ~~بضاعة: كالخيط، والإبرة، والكبريت والملح، وغزال للولد، ms645 وكحل للصبايا، ~~ونشوق للعجائز، ونسخة الشيخ الشعراني، وما لف لفها مما يصمد ثمنه من كسور ~~المليم، إلى المليم وكسوره! # وتغفله الغلام مرة وأهوى بيده إلى ذخائر الحانوت، فالتقطته "علبة كبريت" # PageV03P073 # كان الفرق كل الفرق بين أن يسرقها وأن يشتريها -نصف مليم؛ ولكن من له ~~"بالعشرين الخردة" وهي عند مثله دينار من الذهب يرن رنينا ويرقص على الظفر ~~رقصة إنجليزية؟ # وماذا يصنع بالعلبة؟ همت نفسه أن تجادله ولما تسكن رعشة يده من هول ~~الإثم، ولكن الغلام كان طبيعيا ولم يكن فيسلوفا، ولذلك رأى أن يحرز الحقيقة ~~بعد أن وقعت يده عليها، وقد اصطلح الناس على أن مادة السرقة هي "مد اليد" ~~أخطأت أم أصابت، وجاءت بالغالي أو جاءت بالرخيص؛ فضم أصابعه على العلبة ~~وانتزعها، وترك في مكانها فضيلة الأمانة التي لم يعرف له الناس قيمتها ~~فهانت كذلك على نفسه وانطلق وهي تناديه: # أيها الغلام، أتدفع ثمن علبة الكبريت سنتين من عمرك؟ وهلا خلا الناس ممن ~~يعرفون لعمرك قيمة؟ # وارتد رجع الصوت الخفي إلى قلبه من حيث لا يشعر، فضرب قلبه ضربات من ~~الخوف، ونزا نزوة مضطربة؛ فالتفت الغلام مرة أخرى، ثم أمعن في الفرار وترك ~~الأمانة تناديه: # أيها الغلام، إن لك في الآخرة نارا لا توقد بهذا الكبريت، ولك في الدنيا ~~سجن كهذه العلبة، فالعب العب ما دام الناس قد أهملوك! العب بالثقات الذي في ~~يدك فيسمتد فيك معنى اللهب حتى يجعل حياتك في أعمار الناس دخانا ونارا؛ ~~وستكون أيامك أعوادا كهذا الكبريت: تشتعل في الدنيا وتحرق. # وكأن أذناب السياط كانت تلهب ظهر الغلام المسكين، ولكنه ما كاد يلتفت هذه ~~المرة حتى كان في قبضة صاحب الحانوت، وإذا هو بكلمة من لغة كفه الغليظة، ~~خيلت له في شعرها أن جدارا انقض عليه، وتلتها جملة من قوافي الصفع جلجلت في ~~أذنيه كالرعد، وأعقب ذلك مثل الموج من جماعات الأطفال أحاط به فترك هذا ~~الزورق الإنساني الصغير يتكفأ على صدمات الأيدي، فما أحس الغلام التعس إلا ~~أن الكبريت الذي في يده قد انقدح ms646 في رأسه، وكانت أنامل صاحب الحانوت كأنما ~~تحك أعواده في جلد وجهه الخشن! # وذهبوا به إلى "دوار" العمدة يقضي فيه الليل ثم يصبح على رحلة إلى المركز ~~والنيابة، وانطرح المسكين منتظرا حكم الصباح، مؤملا في عقله الصغير ألا ~~يفصح # PageV03P074 # النهار حتى يكون "سيدنا عزرائيل" قد طمس الجريمة وشهودها، ثم أغفى مطمئنا ~~إلى ملك الموت وأنه قد أخذ في عمله بجد، وأيقن عند نفسه أن سيشحذ في الخميس ~~مما يوزع في المقبرة صدقة على أرواح العمدة، وصاحب الحانوت، والخفير الذي ~~عهدوا إليه جره إلى المراكز ... وكيف يشك في أن هذا واقع بهم وهو قد توسل ~~بالولي فلان ونذر له شمعة يسرقها من حانوت آخر ... ! # هكذا عرف الشر قلب هذا الصبي، وانتهى به عدل الناس إلى أفظع من ظلم نفسه، ~~وكأنهم بذلك القانون الذي يصلحونه به على زعمهم، قد ناولوه سبحة؛ ليظهر بها ~~مظهر الصالحين؛ ولم يفهموه شيئا ففهم أنهم يقولون له: هذه الجريمة واحدة، ~~فعد جرائمك على هذه السبحة؛ لتعرف كم تبلغ! # كانت في الحقيقة لعبة لا سرقة، وكانت يد الغلام فيما فعلت مستجيبة لقانون ~~المرح والنشاط والحركة، كما تكون أعضاء الطفل لا كما تكون يد اللص؛ وكان ~~أشبه بالرضيع يمد يده لكل ما يراه، لا يميز ضارة ولا نافعة، وإنما يريد أن ~~يشعر ويحقق طبيعته؛ وكان كل ما في الأمر وقصارى ما بلغ -أن خيال هذا الغلام ~~ألف قصة من قصص اللهو، وأن الكبار أخطؤوا في فهمها وتوجيهها ... ليست سرقة ~~الطفل سرقة، ولكنها حق من حقوق ذكائه يريد أن يظهر. # وانتهى "عبد الرحمن" إلى المحكمة، فقضت بسجنه في "إصلاحية الأحداث" مدة ~~سنتين، واستأنف له بعض أهل الخير في بلدة؛ صدقة واحتسابا؛ إذ لم يكف ~~الاستئناف إلا كناية ورقة؛ فلما مثل الصغير أمام رئيس المحكمة لم يكن معه ~~لفقره محام يدفع عنه، ولكن انطلق من داخله محام شيطاني يتكلم بكلام عجيب، ~~هو سخرية الجريمة من المحكمة، وسخرية عمل الشيطان من عمل القاضي..! # سأله الرئيس: "ما اسمك؟ " # - "اسمي عبده، ولكن العمدة يسميني: ms647 يابن الكلب!. # - "ما سنك؟ " # - "أبويا هو اللي كان سنان"* # - "عمرك إيه؟ " # - "عمري؟ عمري ما عملت شقاوة! " PageV03P075 # النيابة للمحكمة: "ذكاء مخيف يا حضرات القضاة! عمره تسع سنوات! " # الرئيس: "صنعتك إيه؟ " # - صنعتي ألعب مع محمود ومريم، وأضرب اللي يضربني! " # - "تعيش فين؟ " # - "في البلد" # - "تأكل منين؟ " # - "آكل من الأكل! " # النيابة للمحكمة: "يا حضرات القضاة، مثل هذا لا يسرق عليه كبريت إلا ~~ليحرق بها البلد ... ! ". # الرئيس: ألك أم؟ " # - أمي غضبت على أبويا، وراحت قعدت في التربة؛ ما رضيتش ترجع! ". # - "وأبوك؟ " # - "أبويا لاخر غضب وراح لها". # الرئيس ضاحكا: "وأنت؟ " # - "والله يا أفندي عاوز أغضب، مش عارف أغضب ازاي! ". # - "إنت سرقت علبة الكبريت؟ " # - "دي هي طارت من الدكان، حسبتها عصفورة ومسكتها ... " # النيابة: "وليه ما طارتش العلب اللي معاها في الدكان؟ " # - "أنا عارف؟ يمكن خافت مني! ". # النيابة للمحكمة: "جراءة مخيفة يا حضرات القضاة، المتهم وهو في هذه السن، ~~يشعر في ذات نفسه أن الأشياء تخافه! ". # فصاح الغلام مسرورا من هذا الثناء: "والله يا أفندي إنت راجل طيب! أديك ~~عرفتني، ربنا يكفيك شر العمدة والغفير! " # وأمضي الحكم في الاستئناف، وخرج الصغير مع رجال مع المجرمين يسوقهم ~~الجند، ثم احتبسوا الجميع فترة من الوقت عند كاتب المحكمة؛ ليستوفي أعماله ~~الكتابية، ثم يساقون من بعد إلى السجن. # وجلس "عبد الرحمن" على الأرض، وقد اكتنفه عن جانبيه طائفة من # PageV03P076 # المجرمين يتحادثون ويتغامزون، وكلهم رجال ولكنه وحده الصغير بينهم؛ ~~فاطمأن شيئا قليلا، إذ قدر في نفسه أنه لو كان هؤلاء قد أريد بهم شر لما ~~سكنوا هذا السكون، وأن الذي يراد بهم لا يناله هو إلا أصغر منه، كصفعة أو ~~صفعتين مثلا.. وهو يسمع أن الرجال يقتلون ويحرقون ويسمون ويعتدون وينهبون؛ ~~وما تكون "علبة الكبريت" في جنب ذلك؟ وخاصة بعد أن استردها صاحبها، وقد نال ~~هو ما كفاه قبل الحكم! # وما لبث بعد هذا الخاطر الجميل أن رد الاطمئنان في عينه دموعا كاد يريقها ~~الجزع، غير أن القلق اعتاده، فالتفت إلى كتاب المحكمة مرة وإلى الجند مرة، ~~ثم لوى وجهه ولم يستبح ms648 لنفسه أن يتجرأ على الفكر فيهم؛ لأنه قابل مهابتهم ~~بآلهة بلده: العمدة والمشايخ والحفراء؛ فأدرك أن الجنود هم الحكومة ~~القادرة، واستدل على ذلك بأزرارهم اللامعة، وخناجرهم الصقيلة: وتمشت في ~~قلبه رهبة هذه الخناجر، فاضطرب خشية أن يكونوا قد أسلموه من يذبحه، فنظر ~~إلى الذي يليه من المجرمين وسأله: "راح ياخدوني فين؟ "، فأجابته لكمة خفية ~~انطلق لها دمعه، حتى أسكته الذي يليه من الجانب الآخر، وكان في رأيه من ~~الصالحين؟ # ثم اتصل الجزع بين قلبه وعينيه، فهما تضطربان إلى الجهات الأربع، وكأنما ~~يحاول أن يستشف من أيها سيأتيه الموت ذبحا؛ ولم يكن فهم معنى "الإصلاحية"، ~~وحكم القضاة عليه كأنه رجل يفهم كل شيء، ولم يرحموا هذه الطفولة بكلمة ~~مفسرة، وعدل التربية غير عدل القانون، فكان الواجب على القاضي الذي يحكم ~~على الطفل، أن يجعل حكمه أشبه بصيغة القصة منه بصيغة الحكم، وأن يدع ~~الجريمة تنطلق وتذهب فلا يقول لها امكثي.. # وبقي الخناجر رهبتها في نفس هذا المسكين، فلو أنهم قادوه إلى حبل الشناقة ~~لأفهمه "الحبل" معنى العقوبة، أما وهو بين هذه الخناجر المغمدة -وفي ~~الخناجر معنى الذبح- فإنما هو الذبح لا غيره. # وطرقت أذنيه قهقهة المجرم عن يمينه فاستنقذته من هذا الخطر، فثبت عينيه ~~في الرجل، فإذا هو يرى وجها متلألئا، وجسما رابط الجأش، وهزؤا وسخرية ~~بهؤلاء الجنود وخناجرهم. # واستراح الغلام إلى صاحبه هذا، وألح بنظره عليه، وابتدأ يتعلم من وجهه ~~الفلسفة؛ وليست الفلسفة مقصورة عى الكتب، بل إن لكل إنسان حالة تشغله، ~~فنظره في اعتبار دقائقها وكشف مستورها هو الفلسفة بعينها. # PageV03P077 # وقال الغلام لنفسه: "هذا الرجل أقوى من كل قوة؛ فهو محكوم عليه ولا ~~يبالي، بل يقهقه ضحكا؛ فهذا الحكم إذن لا يخيف؛ لا، بل هو تعود الأحكام؛ ~~إذن فمن تعود الأحكام لم يخف الأحكام؛ إذن يا عبد الرحمن ستتعود، فإن الخوف ~~هذه المرة قد غطك من "علبة الكبريت" في حريق متسعر، وما قدر "علبة ~~الكبريت"؟ فلو كانت السرقة جاموسة ما لقيت أكثر من ذلك؛ يا ليتني إذن ... ~~ولكني لا أزال ms649 صغيرا، فمتى كبرت ... آه متى كبرت..". # وبدأ القانون عمله في الغلام؛ فطرد منه الطفل وأقر فيه المجرم. # وأطرق "عبد الرحمن" هادئا ساكنا. وقامت في نفسه محكمة من الأبالسة ~~بقضاتها ونيابتها؛ يجادل بعضهم بعضا، ويداولون بينهم أمر هذا الغلام على ~~وجه آخر. # وقال شيطان منهم: "ولكنا نخشى أمرين: أحدهما أن "الإصلاحية" ستخرجه بعد ~~سنتين شريفا يحترف؛ والثاني أن الناس ربما تولوه بالتربية والتعليم في ~~المدارس رحمة وشفقة؛ فيخرج شريفا يحترف". # وما أسرع ما نفى الخوف عنهم قول الغلام نفسه بلهجة فيها الحقد والغيظ وقد ~~صفعه الجندي الذي يقوده إلى السجن: "ودا كله على شأن علبة كبريت؟ ... ". ### | ........................................................................................... # في سنة 1934 قضت محكمة الجنايات بالموت شنقا على قاتل مجرم خبيث عيار ~~متشطر؛ اسمه "عبد الرحمن عبد الرحيم". # PageV03P078 ### | عاصفة القدر # 1: # على شاطئ النيل في إقليم "الغربية" من هذا البر، قرية ليس فيها من جبل، ~~ولكن روح الجبل في رجل من أهلها، فإذا أنت اعتبرته بالرجال قوة وضعفا رأيته ~~ينهض فيهم بمنكبيه نهضة الجبل فيما حوله؛ وهو بطل القرية ولواء كل معركة ~~تنشب فيها بين فتياتها وبين فتيان القرى المتناثرة حولها؛ ولا تزال هذه ~~المعارك بين شبان القرى كأنها من حركة الدم الحر الفاتح المتوارث فيهم من ~~أجيال بعيدة ينحدر من جبل إلى جبل وفيه تلك القطرات الثائرة التي كانت تغلي ~~وتفور، وهي كعهدها لا تزال تفور وتغلي، ويلقبون هذا الرجل الشديد "بالجمل"؛ ~~لما يعرفونه من جسامة خلقه وصبره على الشدائد، واحتماله فيها، وكونه مع ذلك ~~سلس القياد سليم الفطرة رقيق الطبع؛ على أنه أبطش ذي يدين إن ثار ثائره، ~~وله إيمان قوي يستمسك به كما يتماسك الجبل بعنصره الصخري، إلا أنه يخلطه ~~ببعض الخرافات؛ إذ لابد له من بعض الجرائم الشريفة التي يمل عليها فرط ~~القوة والمروءة في مثله مع مثله. # وليس في تلك القرية من بحر، غير أن فيها شابا أعنف طيشا وعتوا من الموجة ~~على بحرها في يوم ريح عاتية، حلو المنظر لكنه مر الطعم، صافي الوجه لكن له ~~غورا بعيدا من ms650 الدهاء والخبث، وهو ابن عمدة البلدة وواحد أبويه والوارث من ~~دنياهما العريضة، يبسط يديه على خمسمائة فدان، وقد أفسدته النعمة وأهانته ~~عزته على أهله؛ ولو اجتمعت حسنتان التخرج منهما سيئة من السيئات بأسلوب من ~~الأساليب، لما وسعها إلا أسلوب نشأته من أبويه الطيبين، تعلم وهو يعرف أنه ~~لا حاجة به إلى العلم، فجعلت تلفظه المدارس واحدة بعد واحدة كأنه نواة ثمرة ~~إنسانية فإذا قيل له في ذلك قال: إن خمسمائة فدان لا تسعها مدرسة ### | .... # وذهب إلى فرنسا يطلب العلم الذي استعصى عليه في مصر، فأرهف ذلك العلم ~~خياله وصقل حسه، ورجع من باريس رقيق الحاشية خنثا متطرفا لا يصلح شرقيا ولا ~~غربيا! PageV03P079 # وليس في تلك القرية غاية لكن فيها عذراء تلتف من جسمها في رداء الجمال ~~الطبيعي الرائع، ولها نفس أشد وعورة مما تنطوي الغابة عليه؛ ففي ظاهرها ~~الرونق الذي يفتن فيجذب إليها، وفي باطنها القوة التي تلتوي فتدفع عنها؛ ~~وهي ابنة عم "الجمل" واسمها "خضراء" وكأن فيها زهو خضرة الربيع، ولم تكن ~~تعشق إلا القوة، فما يزين لها من الرجال إلا ابن عمها، وهي شديدة الإعجاب ~~به، وإنما إعجاب المرأة برجل من الرجال مفتاح من مفاتيح قلبها. # وكانت "خضراء" جاهلة كنساء القرى، بيد أنها تلميذة بارعة للطبيعة التي ~~نشأت فيها وزاولت أعمالها؛ فهي بذلك أقوى نفسا وأشد مراسا من الفتيات ~~المتعلمات؛ إذ اتخذت شكلا ثابتا من أشكال الحياة، والحياة هي صنعتها هذه ~~الصنعة أو قامتها على هذه الهيئة، على حين أن المتعلمات يمضين أيام النشأة ~~وسن الغريزة في التلقي عن الألفاظ والكتب، وفي توهم الصور المختلفة ~~للاجتماع دون مباشرتها وفي توقي أعمال الحياة بدلا من مخالطتها؛ فيؤول ذلك ~~منهن إلى قوة في التخيل قلما ترضي الحقيقة الإنسانية المؤلمة حين تصادمها ~~يوما ما؛ وتتم الواحدة منهن، ولكن باعتبار أنها تمت تلميذة للمدرسة لا ~~امرأة للحياة بما فيها مما يعجب وما لا يعجب. # وكانت خضراء أشبه بدورة النهار: تفتح أجفانها على أشعة الفجر كل يوم، ولا ~~تزال نهارها في دأب وعمل، ms651 فنفى ذلك عن أخلاقها ما يجلبه السكون من الخمول ~~والميل إلى العبث والدعابة، وحصلت لها من الحياة حقيقة عرفت منها أن المرأة ~~عامل من أكبر العوامل في النظام الإنساني؛ عليه أن يصبر على الكد والتعب ~~إذا أراد أن يظهر بطبيعته الحقيقية لا بطبيعته المزورة المصنوعة؛ ورأت ~~الرجل يستأثر بجلائل الأعمال ولا يترك للمرأة إلا كما يترك عقرب الساعات ~~لعقرب الثواني في الرقعة التي تجمعها؛ فهذا الصغير لا يبرح يضطرب في ~~"دائرته الضيقة" يهتز من جزء إلى جزء، حتى إذا أتم الدقيقة في ستين هزة ~~كاملة ذهب الأول بفضلها كلها وخطا بها خطوة واحدة: ثم يعود المستضعف ~~المسكين إلى مثل عمله ولا يزال دأبهما وإن أكثرهما عملا وتبعا هو أقلهما ~~قيمة وظهورا؛ ولكن هذا الضعيف المغبون لم ينله ما ناله إلا من كونه هو وحده ~~الذي بني في هذا النظام على فضيلة الصبر والدقة، ليكون أساسا للآخر؛ فعرفت ~~"خضراء" كيف تقيد طبيعتها من تلقاء نفسها، وتقرها على الصبر والرضا والسكون ~~إلى حظها الطبيعي والاغتباط به؛ إذ كان فضل الرجل على المرأة ليس في كونه ~~أكثر منها فضلا أو # PageV03P080 # أسباب فضل، بل في كونها هي أكثر منه حبا وتسامحا وصبرا وإيثارا؛ ففضائلها ~~الحقيقية هي التي جعلته الأفضل، كما تجوع الأم لتطعم ابنها!. # ورآها "ابن العمدة" ولما تمض أيام على رجوعه من أوربا، وقد لبث هناك بضع ~~سنين، وكان عهده بالفتاة صغيرة، فوثبت إلى نفسه في وثبة واحدة، ورأى شبابا ~~وجمالا وروعة زينتها في قلبه، وسولت له مطمعا من المطامع، وجعلته يرى ما ~~يرى بمعنى ويفهم منه ما يفهم بمعنى غيره. # وكانت حين رآها واقفة على النيل تملأ جرتها مع نساء من قومها وهن يتعابثن ~~ويتضاحكن، كأن لخصب الأرض في أرواحهن أثرا باديا، فإذا ما أقبلن على النهر ~~لشأن من شؤونهن تندت روح الماء على ذلك الأثر فاهتز واهتزت المرأة به، فإن ~~كانت ذات مسحة من جمال رأيت لها رفيفا كرفيف الزهرة حين يمسحها الندى، ~~وذهبت تتموج في جسمها، وقد حسرت عن ذراعيها، ms652 ولمس الماء دمها الجذاب فأرسل ~~فيه تيارا من العافية والنشاط يتصل منها بقلب من يراها إن هو كان شاعرا ~~يحس؛ فإن كانت روح الرجل ظمأى ورأى المرأة على هذه الهيئة، فما أحسبه إلا ~~يشرب منها بعينيه شربا يجد له في قلبه نشوة كنشوة الخمر؛ وكذلك وقعت الفتاة ~~من نفس هذا الفتى فزينها له الخبث الذي فيه أضعاف ما زينها له الجمال الذي ~~فيها، وقذفها القدر إلى قلبه ليخرج من هذا القلب تاريخ جريمة؛ فوقف يتأملها ~~بعين أحد من آلة التصوير لا تفوتها حركة، وسلط عليها فكره وذوقه، وأيقظ لها ~~في نفسه المعاني الراقدة، فنصبت في قلبه عدة من تماثيل الجمال تجسدت في كل ~~واحد منها على شكل كأنما أفرغت فيه إفراغا. # وكانت نفس ابن العمدة من النفوس الخيالية المتوثبة؛ إذ قامت من نشأتها ~~على أن تطلب فتجاب، وتأمر فتطاع، وتشتهي فتجد؛ وكأنه ما خلق إلا ليستعيد ~~قلبي والديه، وكانا ساذجين لا يعرفان من علم التربية إلا أن للحكومة مدارس ~~للتربية، وموسرين لا يفهمان من معنى الحاجة في هذه الدنيا إلا أنها الحاجة ~~إلى المال، منقطعين من النسل إلا منه، فكأنه لم يولد لهما، بل قد ولدا له.. ~~فله الأمر عليهما من كونه لا أمر لهما عليه؛ وبذلك أسرف له من فضائل الرقة ~~والحنان والإشفاق وما إليها، وهي في نفسها فضائل، ولكن متى أسرف بها الآباء ~~على أولادهم لم تنشئ في أولادهم إلا مما يكون من أضدادها، كالشجر تفرط عليه # PageV03P081 # الري فلا يحدث فيه إلا اليبس والذوي، وإنما أنت تستقيه الموت ما دمت ~~ترويه بمقدار من هواك بمقدار حاجته. # ونشأ الفتى في أحوال اجتماعية مختلفة جعلت من أخص طباعه تمويه نفسه على ~~الناس، والتباهي بالغنى، والتنبل بالأصدقاء والحاشية من وزرائه وعماله، ~~والتهيؤ بالثياب والأزياء؛ فانصرف باطنه إلى تجميل ظاهره، ورد ظاهره على ~~باطنه بالشهوات والدنايا، وأعانه على ذلك أنه جميل فاتن كأنما خلقت صورته ~~"للصفحة الحساسة" من قلوب النساء؛ وذلك ملك عظيم لم يكن أبوه الرجل الطيب ~~منه إلا كما يكون ms653 وزير مالية الدولة.. ولما أرسل إلى باريس وقع منها في بلد ~~عجيب كأنه خيال متخيل لا يؤمه رجلا في الدنيا من كامل أو ناقص وعالم أو ~~جاهل وشريف أو ساقط إلا رأى فيه ما يملأ كل مداخل نفسه ومخارجها، فلو قامت ~~مدينة من أحلام النفوس الإنسانية في خيرها وشرها وطهرها وفجورها واختلالها ~~ونظامها لكانت هي باريس؛ وانقطع الشاب هناك إلى نفسه وإلى صور نفسه من ~~أصدقاء السوء، فلا أهل فيلزموه الفضيلة، ولا إخوان فيردوه إلى الرأي، ولا ~~خلق متبين فيعتصم به، ولا نفس مرة فيفيء إليها، ولا فقر ... فيحد له حدودا ~~في الشهوات يقف عندها؛ وما هو إلا خيال متوقفد ومزاج مشبوب وتربية مدللة ~~وطبع جريء ومال يمر في إنفاقه، ومن ورائه أب غني مخدوع كأنه في يد ابنه كرة ~~الخيط: كلما جذب منها مدت له مدا، ثم ما هنالك من فنون الجمال ومتع اللذات ~~وأسباب اللهو، مما يتناهى إليه فساد الفاسد، وما هو في ذاته كأنه عقوبة ~~مستأصلة للأخلاق الطيبة؛ فكان الشيطان الباريسي من هذا المسكين في سمعه ~~وبصره ورجله ويده، ويجهه حيث شاء؛ وبالجملة فقد ذهب ليدرس فدرس ما شاء ورجع ~~أستاذا في كل علوم النفس المختلة الطائشة وفنونها، وأضاف إلى هذه وتلك ~~كلمات يلوي بها لسانه من علوم وأقاويل ليس فيها إلا ما ما يدل الحاذق على ~~أن هذا الشاب لم يفلخ قط في مدرسة. # فلما وقعت "خضراء" منه ذلك الموقع وأخذت مأخذها في نفسه، اعتدها نزوة من ~~نزواته؛ فما بمثله أن يحب مثلها، ولا هي كفايته في شيء إلا أن تكون لهو ~~ساعة من ساعاته، أو حادثة تجري فيها حال من أحواله الغرامية؛ وحسبها امرأة ~~ليس لقلبها أبواب تمتنع على مثله، فقدر أن غناه وفقرها يقتلعان بابا، وعلمه ~~وجهلها يحطمان بابا آخر، وجماله وحده يضع ما بقي من الأقفال عما بقي من ~~الأبواب! وكان يحسب أن جمال المرأة من المرأة كالحلية من بائعيها؛ فكل من # PageV03P082 # ملك ثمنها فليس بينه وبينها إلا هذا الثمن؛ ولكن الأيام جعلت ms654 تأتي وتمر ~~وهو لا يزيد على أن يعرض لها وهي ترميه من صدودها كل يوم بداعية من دواعي ~~الهوى؛ وكان لا يجد بنفسه قوة أن يزيدها على النظر شيئا، وترك لوجهه وثيابه ~~ونظراته وغناه أن تصل بين قلبه وقلبها بسبب، فلم ينل طائلا؛ وتمادى في حبه، ~~واستولت عليه فكرة مرته بهذه المرأة؛ أما هي فأشعرتها غريزتها بما في قلبه ~~منها، وكانت مسماة لابن عمها* فكانت تتحاشى هذا الشاب وتحذره حذرا شديدا، ~~وتتوهم أن الناس يحصون عليها النظرة والالتفاتة ويحصون عليه في مثلهما، ~~ووقع في نفسها أن لهذا الرجل شأنا غير شأن الرجال الآخرين، فهم لا يستطيعون ~~معها حيلة وهو يستطيعها بغناه ومنزلته. # وكان للرجل خادم داهية قد تخرج في مجالس القضاء.. من كثرة ما حكم عليه في ~~تزوير واحتيال وغش وادعاء وإنكار ونحوها، وقد استخلصه لنفسه واتخذه موانسا ~~ورفيقا؛ وجعله دسيسا** إلى شهواته السافلة وكان يسميه فيما بينهما "إبليس"؛ ~~فلما أراد أن يرميها به قال: يا سيدي، هذه قضية احتيال عليها، فإذا دخل ابن ~~عمها خصما في الدعوى كانت قضية احتيال على عمري أنا! قال: ويحك أيها ~~الأبله! فأين دهاؤك ومكرك؟ وإنما أرسلك إلى امرأة فقيرة عيشها كفافها، وأنت ~~تعدها وتمشيها وتبذل عني ما شئت، ومتى أطمعتها في المال فإن هذا المال ~~سيوجد ما يوجده في كل مكان، فيشري ما لا يشرى، ويبيع ما لا يباع! قال ~~"إبليس": نعم يا سيدي، وكذلك هو ولكن خوف العار يطرد حب المال! قال: فأنت ~~إذن لا تقبل؟ قال: ولا أرفض.. قال الشاب: قاتلك الله! لقد فهمت سأشتريها ~~منك بثمنين: أحدهما لك والآخر لها؛ ولكن أخبرني كيف تصنع معها ومن أين تبلغ ~~إليها؟ قال "إبليس": لما كنت في السجن عرفت لصا فاتكا أعيا قومه خبثا وشرا؛ ~~وهذا السجن يحسبه عقابا وردعا ومنهاة عن الإثم، على أنه المدرسة التي ~~تنشئها الحكومة بنفسها لتلقي علوم الجريمة عن كبار أساتذتها؛ إذ لا يمكن أن ~~يجتمع كبارهم في مكان من الأرض إلا فيه؛ فالسجن طريقة من طرق حل ms655 المشكلة ~~الإنسانية، ولكنه هو نفسه يحدث للإنسانية مشكلة لا تحل! قال الفتى: ويحك! ~~أين يذهب بك؟ إنما أرسلك إلى المرأة إلى السجن! قال: ترسلني أنت إليها ولكن ~~لا يعلم إلا الله أين يرسلني ابن عمها: إلى السجن أم إلى PageV03P083 # المستشفى..! فاسمع يا سيدي: كان من نصائح أستاذي في ذلك السجن: أن الحيلة ~~على رجل ينبغي لإحكامها أن يكون في بعض أسبابها امرأة، والكيد لامرأة يجب ~~أن يكون في بعض وسائله رجل.. صه! انظر انظر! فالتفت الشاب، فإذا "الجمل" ~~مقبل يتكفأ في مشيته، وكان غليظا، فإذا خطا شد على الأرض بقدميه وتكدس بعضه ~~في بعض؛ وكان منطلقا وقتئذ إلى بعض مذاهبه، فلما حاذاهما قال: السلام ~~عليكم! فرد جميعا، ورمى ابن العمدة بنظرة، ثم مضى لوجهه فلم يجاوز غير بعيد ~~حتى بلغه صوت الشاب يناديه: يا فلان! فانكفأ إليه، فقال له الشاب: لقد بعد ~~عهدك بالقوة على ما أرى. قال: فما ذاك؟ قال: أما بلغك أن فلانا في هذه ~~القرية التي تجاوزنا سيقترن بزوجته بعد أيام، وأنت تعرف الموقعة التي كانت ~~بيد بلدنا وتلك البلدة يوم عرس فلان في السنة الماضية، وكيف اندفعوا على ~~أهل بلدنا وحطموا فيهم تلك الحطمة الشديدة ولولا أنت أدركتهم ورميتهم بنفسك ~~حتى دفعتهم عن الناس وسقتهم أمامك سوق النعاج، لكانت بلدنا اليوم أذل ~~البلاد، ولاستطالوا علينا بأنهم غلبونا؛ ولقد حدثني صاحبي هذا كيف تلقيت ~~بهراوتك يومئذ خمسا وعشرين هراوة، فأطرتها كلها في جولتك، وهزمت أصحابها ~~بعد أن أحاطوا بك وتكلبوا عليك؛ فأنت فخر بلدنا وصاحب زعامتها، وما أرى لك ~~إلا أن تنتهز هذه الفرصة وتسرع الوثنية إليهم برجالك، فتجزيهم في أرضهم ~~صنيعا بصنع مثله! # فهز الجمل كتفيه العريضتين وقال: بل سأنتظرهم في يوم عرسي بابنة عمي ... ~~! قال الشاب: أبلغت ما أرى فإنك لتخافهم! قال: لا أخافهم ولكن أخاف الحكومة ~~أن تؤخر يوم زواجي ... سنة أو سنتين! قال الفتى: فإن عملك هذا لا يشد من ~~نفوس رجالنا، ولا بد أن أولئك سينتظرونكم ويعدون لكم، فإذا لم تناجزوهم في ms656 ~~بلدهم عدوها عليكم هزيمة من الهزائم، وكأنهم ضربوكم بلا ضرب! # قال الجمل: هم لا يعرفون معنى الضرب بلا ضرب؛ لأنهم رجال؛ والذي يضرب بلا ~~ضرب لا يكون رجلا ... والسلام عليكم! ثم انطلق، فلما أبعد قال الشاب: لقد ~~بدأت الحرب ولا بد لي أن أحطم هذا الفلاح اللعين! ولقد عرفت الآن من وجهه ~~أن عينه علي، ولست أشك في أن بنت عمه لا تمتنع بقوتها بل بقوته، ولولا ~~معرفتي أنه من انحطاط الغريزة كالوحش في الدفاع عن أنثاه لقال "إبليس": لقد ~~تأملت القصة فرأيت أنه لا سبيل لك إلى الفتاة وهي بعد فتاة، فإذا هو وصل ~~إلى امرأته قطعت أنت بهذه الخطوة نصف الطريق إليها ... وستبلو هي # PageV03P084 # من غلظته وخشونة طبيعة ما يسهل لك أن تعلمها قيمة ظرفك ورقتك، وستجد من ~~سوء معاملته وقبح تسلطه ما يفتح قلبها لمن يأتيها قبل الرفق واللين، وستصب ~~عنده من ضيق المعيشة وقلتها ويبسها ما يفهمها معنى ذلك العيش الحلو الخضر ~~الذي تعرضه عليها؛ ثم إنه لا بد مبتليها بغيرته العمياء بعد ما عرف من حبك ~~إياها، والغيرة منك هي توجدك بينهما دائما وتنبه المرأة إليك كلما كرهت من ~~رجلها شيئا لا ترضاه. # ولم تكن إلا مدة يسيرة حتى أهديت المرأة إلى زوجها، وإنما تعجل الزفاف ~~ليأتي أنه أن ينصب يده القوية حجابا بينهما وبين هذا المفتون، وليكتسب من ~~القانون حقا لم يكن له من قبل إذا هو مد هذه اليد وعصر في قبضتها تلك ~~الرقبة التي تتطلع إلى امرأته؛ ورأى الشاب أن هذه الحال لا تعتدل به وبخصمه ~~معا، وكانت الغيرة تأكل من قلبه أكلا، وكان يعرض للمرأة كلما خرجت بمكتلها* ~~إلى السوق أو بجرتها إلى الماء؛ لأنه حينئذ يكون في الطريق الذي لا يملكه ~~أحد.. فكانت إذا رأته لم تزد على ما يكون منها إذا هي أبصرت حمارا يمد عينه ~~إليها!. فعمد إلى امرأة مقينة تزف العرائس، وهي التي زفت "خضراء" فأكرمها ~~وأتحفها وسألها أن تسعفه ببعض ما تحتال به، وأن يكون سبيله ms657 إلى المرأة؛ ~~وتحمل عليها "بإبليسه" حتى استوثق منها، فكانت تتحدث عنه أمام "خضراء"؛ ~~تستجر بذلك أن تلفتها إلى نعمته وجماله، ولكن المرأة أغلظت لها وسبتها ~~وحذرتها أن تعود إلى مثل كلامها، وقالت لها آخر ما قالت: واعلمي أنني لو ~~دفعت إلى طريقين وكان لا بد من أحدهما، ثم كان أحدهما حصاه الدنانير وهو ~~طريق العار، والآخر حصباؤه الجمر ويفضي إلى الشرف، إذن لتنزهت أن أدنس نعلي ~~بالذهب ولنثرت لحم قدمي على الجمر نثرا. # والحب لا يبقى حبا أبدا، فإما فاز فبرد ورجع سلوا، وإما خاب فاضطرم وتحول ~~إلى حقد ونقمة؛ وكذلك انفجر الشاب غيظا، ووجد على الخيبة موجدة شديدة، وأخذ ~~يدير رأيه، ففتقت له الحيلة أن يقتل الشهم بشهامته، والمرأة العفيفة ~~بعفتها؛ فواطأ إبليسه على أن يدفع إلى تلك المقينة منديلا من الحرير عقد ~~طرفه على دينار من الذهب، تلقيه في صندوق "خضراء" وتدسه في طي من أطواء ~~ثيابها فذهبت المرأة، وما زالت بخضراء تستصلحها وتعتذر إليها حتى استلت ~~ضغينة قلبها، ثم سألتها أن تأتيها "بالعيش والملح" لتصيب كلتاهما منه ~~وتتحرم بحرمته؛ فلما نهضت تأتيها أسرعت الخبيثة إلى الصندوق فدست المنديل ~~في أبعد PageV03P085 # مواضع وأخفاها؛ وكان مندى بالعطر؛ لينم على نفسه إذا لم ينم أحد عليه، ثم ~~رجعت بما فعلت إلى الشاب، فأطلق خادمه يهمس لبعض أصدقاء الجمل أنه رأى ~~اليوم في يد "خضراء" دينارا ذهبا على ندرة الذهب وعزته؛ فجعل هذا الدينار ~~يطير من نفس إلى نفس بقوة الذهب الذي فيه، والحب الذي أعطاه، والجمال الذي ~~أخذه؛ ثم انتهى إلى الجمل، فكأنما حمله وطار به إلى داره كالمجنون وقد حمى ~~دمه الحر، وجاش جأشه العنيف ولم تكن امرأته في الدار، فنثر ما في الصندوق، ~~وما كادت تفعمه رائحة العطر حتى نفخ الشيطان بها نفخة الغضب الكافر، ثم عثر ~~على المنديل، ورأى بصيص الدينار، فدارت به الأرض، وأيقن أن العار قد طرق ~~ببابه، وأن الباب قد فتح له؛ ثم رد نفسه على مكروهها ورد معها كل شيء إلى ~~موضعه، وتلقف ms658 رأيه على جريمتين، وخرج وروحه تصرخ من ضربة بمنديل، وهو الذي ~~كانت تتهاوى عليه الضربات القاتلة تهشم منه ولا يتأوه! # وذكر أن "حماته" أثنت من عهد قريب على ابن العمدة ووصفته بالرقة والغنى، ~~فوجه إليها أن تأتي فتبيت عند امرأته؛ لأنه على سفر، وكان كالأعمى في ~~ضلالته: لا يرى الأشياء إلا كما يتخيلها في نفسه دون ما هي في نفسها، ~~فسألته زوجته: أين أزمعت من سفرك وكم تلبث عنا؟ فكأنه سمعها تقول: ارحل إلى ~~مكان بعيد وغب عنا زمنا طويلا، فبنا إلى غيابك حاجة شديدة! وكاد يبطش بها، ~~ولكنه كاتم صدره اللوعة اسم جهة بعيدة ومضى الانكسار يعرف فيه! # فزع الناس بعد أيام في جوف الليل، فإذا بيت الجمل يحترق من أرضه وسمائه، ~~واقتحموه فإذا المرأة وأمها فحمتان: وانطلقت أسرار الألسنة، وقبض على الرجل ~~في بلد آخر، وتولى ابن العمدة توجيه البينة عليه، وشهد الشهود على الدينار، ~~وشهد الدينار على النار، وأنكر "الجمل" ولم يقصر في إقامة الحجة ودافع عن ~~امرأته وبالغ في أمانتها وعفتها وشهد أنه لا يعلم عليها من سوء، وإنها أطهر ~~النساء وأبرهن، ثم كان الحكم أن قضى عليه بالموت شنقا! # فلما كان يوم إنفاذ الحكم سئل الرجل: هل من شيء تريده؟ فطلب دخينة* ~~فقدمها له قيم السجن، فأشعلها ونفخ من دخانها نفخة. ثم أخذ يتكلم وعمره ~~يفنى مع PageV03P086 # الدخينة نفسا في نفس، وعاد هذا الدخان المتطاير كأنه سحاب يسبح فيه الوحي ~~بين حدود الدنيا وحدود الآخرة؛ قال المسكين: لم أتعلم، ولو تعلمت ما وقفت ~~هنا؛ ولكن ربما كنت خرجت نذلا كبعض المتعلمين الذين يعيشون أشرافا وفيهم ~~أرواح القتلة واللصوص! # لم أقر لأحد بجريمتي خشية أن تذكر كلمة العار مع اسمي، وآثرت أن أموت ~~بالشنق على أن أحيا ويموت اسمي بالعار! # ولكني سأعترف الآن أمامكم وأنتم الساعة على قبري، فكونوا كالملائكة لا ~~يشهدون بما عرفوا إلا عند الله وحده. # أعترف أني قتلت زوجتي وأمها؛ وقد تقولون: إنه ليس من عمل الرجل أن يقتل ~~امرأة فضلا عن اثنتين؛ ms659 إنني رجل سأشنق، أما النساء فلا يشنقن وإنما يرسلن ~~الرجال إلى المشنقة.. لم أر أبي؛ إذ تركني طفلا، ولكن يقال: إنه كان رجلا، ~~فأنا رجل وابن رجل، ولم يذلني رجل قط، ولكن لو خلق الله قوة مائة جبار في ~~جسم رجل واحد لأذلته امرأة! # إنه ليس من شيمة الرجل أن يقتل النساء، ولكن المرأة تذل الرجل ذلا يهون ~~عليه قتل نفسه، فكيف لا يهون عليه قتلها؟ # علموا المتعلمين ليصيروا في الشرف والأمانة والعفة كرجل جاهل مثلي: لا ~~يرى للحياة كلها قيمة إذا كان فيها معنى العار، ويقدم عنقه للمشنقة حتى لا ~~ينكس رأسه للذل. # أصلحوا القانون الذي يحكم بالموت شنقا ويزهق الأرواح الكبيرة في حين ~~تغلبه الأرواح الصغيرة بحيلها الدنيئة! # ومع ذلك سألقى الله وهو يعلم سريرتي إن كنت بريئا أو مجرما! # قيم السجن: ستلقاه طاهرا. # السجين: أرأيتم مني خلق سوء؟ أتعتقد علي ذنبا مدة سجني؟ # القيم: كلنا راضون عنك. # السجين: هذا مثل من أخلاقي، والحمد لله على أن آخر كلمة أسمعها من إنسان ~~على الأرض- كلمة الرضا. # أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله! # PageV03P087 # نظرت ريشة من زغب العصفور إلى النجوم فحسبتها ريشا متناثرا، فامتطت ~~العاصفة وقالت: إلى السماء! ودارت بها العاصفة ما شاء الله أن تدور، ثم رمت ~~بها حيث وقعت لم تبال في موضع نفع أم ضر؛ فأقبلت الريشة تتسخط وتزعم أنها ~~فوضى ثائرة لا حكمة في خلقها، وأن الرياح بعثرة في نظام العالم ... وكان ~~إلى جانبها شجرة تهتز ولا تطير ... فلما وعت مقالتها أقبلت عليها فقالت: ~~أيتها الريشة! إن الرياح لا تكون بعثرة في نظام العالم إلا إذا كان العالم ~~ريشا كله! # PageV03P088 ### | ### | القلب المسكين " # 1": 1 # أقبل علي صاحبي الأديب وقال: انظر، هذه هي، وقد حلت بهذا البلد وما لي ~~عهد بها منذ سنة. ومد إلي يده فنظرت إلى صورة امرأة كأحسن النساء وجها ~~وجسما، تتأود في غلالة من اللاذ*. # وكأن شعاع الضحى في وجهها، وكأنها القمر طالعا من غيمة، ويكاد صدرها ~~يتنهد وهي صورة، ms660 وتبدو هيئة فمها كأنها وعد بقبلة، وفي عينها نظرة كالسكوت ~~بعد الكلمة التي قيلت همسا بينها وبين محبها.. # فقلت: هذه صورة ما أراها قد رسمها إلا اثنان: المصور وإبليس؛ فمن هي؟ ~~قال: سلها، أما تراها تكاد تثب من الورقة؟ إنها إلا تخبرك بشيء أخبرك عنها ~~وجهها أنها أجمل النساء وأظرفهن وأحسن من شاهدت وجها وأعينا، وثغرا وجيدا ~~والذي بعد ذلك.. # قلت: ويحك، لقد شعرت بعدي، إن هذا شعر موزون: # وأحسن من شاهدت وجها وأعينا ... وثغرا وجيدا والذي بعد ذلكا ... # قال: إن شيطان هذه لا يكون إلا شاعرا؛ ألست تراه ناظما من فنونها على ~~الرسم شعرا معجزا كل شاعر؟ # قلت: وهذا أيضا شعر موزون: # ألست تراه ناظما من فنونها ... على الرسم شعرا معجزا كل شاعر # قال: بلى والله إنه الشيطان، إنه شيطانها، يريك لهذا الجسم روحا رشيقة، ~~تلين كلين الجسم، بل هي أرشق. # قلت: وهذا أيضا، والقافية التي بعد هذا البيت: وبها شقوا ... PageV03P089 # فضحك صاحبنا وقال: حرك الصورة في يدك، فإنك ستراها وما تشك أنها ترقص. # قلت: الآن انقطع شيطانك، فهذا ليس شعرا ولا يجيء منه وزن. # وتضاحكنا وضحك الشيطان، وظهر الوجه الجميل في الرسم كأنه يضحك. # قال صاحب القلب المسكين: انظر إلى هاتين العينين، إنها من العيون التي ~~تفتن الرجل وتسحره متى نظرت إليه، وتعذبه وتضنيه متى غابت عنه؛ إن في ~~شعاعهما قدرة على وضع النور في القلب السعيد، كما أن في سوادهما القدرة على ~~وضع الظلمة في القلب المهجور. # وانظر إلى هذا الفم، إلى هذا الفم الذي تعجز كل حدائق الأرض أن تخرج وردة ~~حمراء تشبهه. # وانظر إلى هذا الجيد تحته ذلك الصدر العاري، فوقه ذلك الوجه المشرق؛ تلك ~~ثلاثة أنواع من الضوء: أما الوجه ففيه روح الشمس، وأما الجيد ففيه روح ~~النجم، وأما الصدر ففيه روح القمر الضاحي. # انظر إلى هذه المسافة البيضاء من أعلى جبينها إلى أسفل نهديها، تلك منطقة ~~القبلات في جغرافيا هذا الجمال ... # وانظر إلى الصدر يحمل ذينك الثديين الناهدين؛ إنه المعرض الذي اختارته ~~الطبيعة ms661 من جسم المرأة الجميلة للإعلان عن ثمار البستان ... # انظر إلى النهدين لم برزا في صدر المرأة إلا إذا كانا يتحديان الصدر ~~الآخر ... ؟! # وانظر لهذا الخصر الدقيق وما فوقه وما تحته، ألا تراه فتنة متواضعة بين ~~فتنتين متكبرتين ... ؟ # انظر إليها كلها، انظر إلى كل هذا الجمال، وهذا السحر، وهذا الإغراء؛ ألا ~~ترى الكنز الذي يحول القلب إلى لص..؟ # هذه مخلوقة مرتين: إحداهما من الله في العالم، والأخرى من حبي أنا في ~~نفسي أنا: فكلمة "جميلة" التي تصف المرأة التامة، لا تصفها هي بعض الوصف؛ ~~ورسمها هذا الذي تراه هو حدود لتلك الروح التي فيها قوة التسلط، وهيهات ~~يظهر من تلك الروح إلا ما يظهر من الجمرة المشتعلة رسم هذه الجمرة في ورقة. # PageV03P090 # أشهد ما نظرت مرة إلى هذا الرسم ثم نظرت إليها إلا وجدت الفرق بينها في ~~نفسها وبينها في الصورة، كأنه اعتذار ناطق من آلة التصوير بأنها ليست إلا ~~أداة. # قلت: اللهم غفرا؛ ثم ماذا يا صديقي المجنون؟ # فأطرق الأديب مهموما، وكانت أفكاره تنفجر في دماغه انفجارا هنا وانفجارا ~~هناك؛ ثم رفع إلى رأسه، وقال: # هذه الغانية قد حبست أفكاري كلها في فكرة واحدة منها هي؛ وأغلقت أبواب ~~نفسي ومنافذها إلى الدنيا، وألهبت في دمي جمرة من جهنم فيها عذاب الإحراق ~~وليس فيها الإحراق نفسه؛ كيلا ينتهي منها العذاب! # وبيننا حب بغير طريقة الحب، فإن طبيعتي الروحانية الكاملة تهوى فيها ~~طبيعتها البشرية الناقصة، فأنا أمازجها بروحي فأتألم لها، وأتجنبها بجسمي ~~فأتألم بها. # حب عقيم مهما يكن من شيء فيه لا يكن فيه شيء من الواقع ... # حب عجيب لا تنتفي منه آلامه ولا تكون فيه لذاته ### | ..... # حب معقد لا يزال يلقي المسألة بعد المسألة، ثم يرفض الحل الذي لا تحل ~~المسألة إلا به ... # حب أحمق يعشق المرأة المبذولة للناس، ولا يراها لنفسه إلا قديسة لا مطمع ~~فيها ... # حب أبله لا يزال في حقائق الدنيا كالمنتظر أن تقع على شفتيه قبلة من الفم ~~الذي في الصورة ... # حب مجنون كالذي يرى الحسناء أمام ms662 مرآتها فيقول لها اذهبي أنت وستبقي في ~~هذه التي في المرآة ... # قلت: اللهم رحمة؛ ثم ماذا يا صاحبي المسكين؟ # قال: ثم هذه التي أحبها هي التي لا أريد الاستمتاع بها ولا أطيقه ولا أجد ~~في طبيعتي جرأة عليه، فكأنها الذهب وكأني الفقير الذي لا يريد أن يكون لصا؛ ~~يقول له شيطان المال: تستطيع أن تطمع؛ ويقول له شيطان الحاجة: وتستطيع أن ~~تفعل؛ ويقول هو لنفسه: لا أستطيع إلا الفضيلة! # PageV03P091 # إن عذاب هذا بشيطانين لا بشيطان واحد، غير أن لذته في انتصاره كلذة من ~~يقهر بطلين كلاهما أقوى منه وأشد. # قلت: اللهم عفوا؛ ثم ماذا يا قاهر الشيطانين؟ # فأطرق مليا كالذي ينظر في أمر قد حيره لا يتوجه له في أمره وجه، ثم تنهد ~~وقال: يا طول علة قلبي! من أين أجيء لأحلامي بغير ما تجيء الأحلام به، ~~وإنما هي تحت النوم ووراء العقل، وفوق الإرادة؟ لقد بلغ بين هواها أن كل ~~كلمة من كلام الحب في كتاب أو رواية أو شعر أو حديث -أراها موجهة إلي أنا.. # ثم قال: انطلق بنا فتراها حتى تعلم منها علما، فهي في ذلك المسرح، هي في ~~ذلك الشر، هي في تلك الظلمات، هي كاللؤلؤة لا تتربى لؤلؤة إلا في أعماق ~~بحر. # وذهبنا إلى مسرح يقوم في حديقة غناء مترامية الجهات بعيدة الأطراف، تظهر ~~تحت الليل من ظلماتها وأنوارها كأنها مثقلة بمعاني الهجر والعشق. # وتقدمنا نسير في الغبش، فقال صاحبنا المحب: إني لأشعر أن الظلام هنا حي ~~كأن فيه غوامض قلب كبير، فما أرى فرقا بين أن أجلس فيه وبين الجلوس إلى ~~فيلسوف عظيم مهموم بهم اللانهاية، فتعال نبرز إلى ذلك النور حول المسرح ~~لنراها وهي مقبلة، فإن رؤيتها سيدة غير رؤيتها راقصة، ولهذه جمال فن ولتلك ~~فن جمال. # ولم نلبث إلا يسيرا حتى وافت، ورأيتها تمشي مشية الخفرات كأنما تحترم ~~أفكار الناس، يزهوها على ذلك إحساس نبيل كإحساس الملكة الشاعرة بمحبة ~~شعبها، وانتفض مجنونا وأغمض عينيه كأنها تمر بين ذراعيه لا في طريقها، وكأن ms663 ~~لذة قربها منه هي الممكن الذي لا يمكن غيره ... # وكان عجبا من العجب أن تحرك الهواء في الحديقة واضطربت أشجارها، فقال: ~~أنت ترى؛ فهذا احتجاج من راقصات الطبيعة على دخول هذه الراقصة! قلت: آه يا ~~صديقي! إن المرأة لا تكون امرأة بمعانيها إلا إذا وجدت في جو قلب يعشقها. # ونفذنا إلى المسرح، وتحرى صاحبنا موضعا يكون فيه منظر العين من صاحبته ~~ويكون مستخفيا منها، ثم رفع الستار عنها بين اثنين يكتنفانها، وقد لبسن ~~ثلاثتهن أثواب الريفيات، وظهرن كهيئتهن حين يجنين القطن. # وبرزت "تلك" في ثوب من الحرير الأسود، وهي بيضاء بياض القمر حين يتم وقد ~~شدت وسطها بمشدة من الحرير الأحمر، فتحبكت بها وظهرت شيئين: # PageV03P092 # أعلى وأسفل؛ ثم ألقت على شعرها الذهبي قلنسوة حمراء من ذلك الحرير ~~أمالتها جانبا فحبست شيئا منه وأظهرت سائره، وأخذت بيديها صفاقتين* وأقبل ~~الثلاث يرقصن ويغنين نشيد الفلاحة. # لم أنظر إلى غيرها، فقد كانت صاحبتاها دليلين على جمالها لا أكثر ولا ~~أقل، وما أحسب الحرير الأحمر، كان معها أحمر ولا الأسود كان عليها أسود، ~~ولا لون الذهب في معصمها كان لون الذهب؛ كلا كلا، هذه ألوان فوق الطبيعة؛ ~~لأن الوجه يشرق عليها بالجمال والحياة، وذلك الجسم يفيض لها بالخفة والطرب ~~وتلك الروح تبعث فيها المرح والنشوة؛ هذا مزيج من خمر الألوان لا من ~~الألوان نفسها. # وقال مجنوننا: إن أجمل الجمال في المرأة الفاتنة هو ذاك الذي يجعل لكل ~~إنسان نوع شعوره بها، وأنا أشعر الساعة أن قلبي نصف قلب فقط، وأن نصفه ~~الآخر في هذه وحدها؛ فما شعورك أنت؟ # قلت: يا صديقي. إن الله رحيم، ومن رحمته أنه أخفى القلب وأخفى بواعثه ~~ليظل كل إنسان مخبوءا عن كل إنسان؛ فدعني مخبوءا عنك! # قال: لا بد! # قلت: إن المصباح في الموضع النجس لا يبعث النور نجسا، وما أشعر إلا أن ~~النور الذي في قلبي قد امتزج بالنور الذي في عينيها. # ثم كأنها أحست بأن إنسانا قد امتلأ بها، فأدارت وجهها وهي ترقص، فتلمحت ~~صاحبنا، وجعلت تقطع ms664 الطرف بينها وبينه كأنها تعرفه وتجهله، ثم تبينت إلحاح ~~نظره فضحكت؛ لأنها تعرفه ولا تجهله! # أما هو، أما المجنون، أما صاحب القلب المسكين! ### | .... # PageV03P093 ### | ### | القلب المسكين " # 2": # ... أما صاحب القلب المسكين فرأى الضحكة التي ألقت بها صاحبته وهي ترقص ~~حين عرفته -غير ما رأيتها أنا وغير ما رأى الناس: كانت لنا نحن ابتساما ~~عذبا من فم جميل يتم جماله بهذه الصورة، وكانت له هو لغة من هذا الفم ~~الجميل يتم بها حديثا قديما كان بينهما؛ واعترانا منها الطرب واعتراه منها ~~الفكر، ووصفت لنا نوعا من الحسن ووصفت له نوعا من الشوق، ومرت علينا شعاعا ~~في الضوء ووقعت في يده هو كبطاقة الزيارة عليها اسم مكتوب ... # وقوي إحساس الراقصة الجميلة بعد ذلك فانبعث يدل على نفسه ضروريا من ~~الدلالة الخفية، ورجعت بهذا الإحساس كالحقيقة الشعرية الغامضة المملوءة ~~بفنون الرمز والإيماء، وكأنها زادت بهذا الغموض زيادة ظاهرة؛ وللمرأة لحظات ~~تكون فيها بكفرين حينما يكون أحد الفكرين ماثلا أمامها في رجل تهواه؛ ففي ~~هذه الساعة تتحدث المرأة بكلام فيه صمت يشرح ويفسر، وتضطرب بحركة فيها ~~استرخاء يميل ويعتنق، وتنظر بألحاظ فيها انكسار يأمر ويتوسل؛ وكانت هي في ~~هذه الساعة ... فغلبت -والله- على صاحبها المسكين وتركت نفسه كأنها تقطع ~~فيه من أسف وحسرة؛ ثم كانت له كالزهرة العبقة: بينه وبينها جمالها وعطرها ~~هواؤها والحاسة التي فيه. # وجعل يستشفها من خلال أعضائها، ثم قال لي: أنظر -ويحك-! لكأن ثيابها ~~تضمها وتلتصق بها ضم ذي الهوى لمن يهوى. # قلت: ما هي إلا كهاتين اللتين ترقصان معها: امرأة بين امرأتين وإن كانت ~~أحسن الثلاث. # قال: كلا، هذه وحدها قصيدة من أروع الشعر، تتحرك بدلا من أن تقرأ وترى ~~بدلا من أن تسمع؛ قصيدة بلا ألفاظ، ولكن من شاء وضع لها ألفاظا من دمه إذا ~~هو فهمها بحواسه وفكره وشعوره. # PageV03P094 # قلت: والأخريان؟ # قال: كلا كلا، هذا فن آخر، فالواحدة من هؤلاء المسكينات إنما ترقص ~~بمعدتها.. ترقص للخبز لا غير؛ أما "تلك" فرقصها الطرب مصنوعا على جسمها ~~ومصنوعا من جسمها؛ إنها ms665 كالطاووس يتبختر في أصباغه. في ريشه، في خيلائه، ~~بخترة يضاعفها الحسن ثلاث مرات؛ ولو خلق الله جسمين أحدهما من الجواهر ~~أحمرها وأخضرها وأصفرها وأزرقها، والآخر من الأزهار في ألوانها ووشيها، ثم ~~اختال الطاووس بينهما ناشرا ذيله في كبرياء روحه الملوثة لظهر فيه وحده ~~اللون الملك بين ألوان هي رعيته الخاضعة. # وانتهى رقص الحسناء الفاتنة وغابت وراء الستارة بعد أن أرسلت قبلة في ~~الهواء.. فقال صاحبنا: آه! لو أن هذه الحسناء تصدقت بدرهم على فقير، لجعلته ~~لمسة يدها درهما وقبلة.. # قلت: يا عدو نفسه! هذه قبلة محررة مسددة وقد رأيتها وقعت هنا.. ولكنك ~~دائما في خصام بين نفسك وبين حقائق الحياة؛ تعشق القبلة وتخاصم الفم الذي ~~يلقيها، وتبني العش وتتركه فارغا من طيره؛ إن امرأة تحبك لابد منتهية إلى ~~الجنون ما دامت معك في غير المفهوم وغير المعقول وغير الممكن. # ثم بدأ فصل آخر على المسرح، وظهر رجال ونساء وقصة؛ وكان من هؤلاء الرجال ~~شيخ يمثل فقيها، وآخر يمثل شرطيا؛ فقال صاحبنا الفيلسوف: لقد جاءت هذه ~~الثياب فارغة وكأنها الآن تنطق أن صحة أكثر الأشياء في هذه الحياة صحة ~~الظاهر فقط، ما دام الظاهر يخلع ويلبس بهذه السهولة؛ فكم ي هذه الدنيا من ~~شرفاء لو حققت أمرهم وبلوت الباطن منهم- إنما يشرفون الرذائل لأنهم ~~يرتكبونها بشرف ظاهر.. وكم من أغنياء ليس بينهم وبين اللصوص إلا أنهم ~~يسرقون بقانون.. وكم من فقهاء ليس بينهم وبين الفجرة إلا أنهم يفجرون بمنطق ~~وحجة.. ليست الإنسانية بهذه السهولة التي يظنها من يظن، وإلا ففيم كان تعب ~~الأنبياء وشقاء الحكماء وجهاد أهل النفوس؟ # العقدة السماوية في هذه الأرض أن الله -سبحانه وتعالى- لم يخلق الإنسان ~~إلا حيوانا ملطفا تلطيفا إنسانيا، ثم أراه الخير والشر وقال له: اجعل نفسك ~~بنفسك إنسانا وجئني. # PageV03P095 # قلت: يا عدو نفسه! فما تقول في حبك هذه الراقصة وأنت حيوان ملطف تلطيفا ~~إنسانيا؟ # قال: ويحك! وهل العقدة إلا هنا؟ فهذه مبذولة ممكنة، ثم هي لي كالضرورة ~~القاهرة، فلا يكون حبها إلا إغراء بنيلها، ولا تكون ms666 سهولة نيلها إلا إغراء ~~لذلك الإغراء؛ فأنا منها لست في امرأة وحب، ولكني في امتحان شديد عسر؛ ~~أغالب ناموسا من نواميس الكون، وأدافع قانونا من قوانين الغريزة وأظهر قوتي ~~على قوة الضرورة الميسرة بأسبابها، وهي أشد الضرورات عنفا وإلحاحا وقهرا ~~للنفس، من قيل أنها ضرورة لازمة، وأنها مهيأة سهلة؛ فلو أن هذه المرأة ~~المحبوبة كانت ممنعة بعيدة المنال، لما كانت لي فضيلة في هذا الحب العنيف، ~~ولكنها دانية ميسرة على الشغف والهوى؛ فهذا هو الامتحان لأصنع أنا بنفسي ~~فضيلة نفسي! # ومر الفصل الذي مثلوه وما نشعر منه بتمثيل، فقد كان كالصورة العقلية ~~المعترضة للعقل وهو يفكر في غيرها، وكانت "الحقيقة" في شيء آخر غير هذا؛ ~~ومتى لم يتعلق الشعور بالفن لم يكن فيه فن؛ وهذا هو سر كل امرأة محبوبة، ~~فهي وحدها التي تثير المحب في نفسه فيشعر من حسنها بحقيقة الحسن المطلق، ~~ويجد في معانيها جواب معانيه، وتأتيه كأنها صنعت له وحده، وتجعل له في ~~الزمان زمنا قلبيا يحصر وجوده في وجودها. # وليس فن الحب شيئا إلا استطاعة الحبيب أن يجعل شهوات المحب شاعرة به ~~ممتلئة منه متعلقة عليه، كأن به وحده ظهور جسدية هذا الجسد وروحانية هذا ~~الروح؛ وكل ما يتزين به المحبوب للمحب، فإنما هو وسائل من المبالغة لإظهار ~~تلك المعاني التي فيه، كيما تكبر فيدركها المحب بدقة، وتثور فيحسها العاشق ~~بعنف وتستبد فيخضع لها المسكين بقوة. # والشهوات كالطبيعة الواحدة في أعصاب الإنسان، وهي تتبع فكره وخياله؛ ولا ~~تفاوت بينهما إلا بالقوة والضعف، أو التنبه والخمود، أو الحدة والسكون، غير ~~أنها في الحب تجد لها فكرا وخيالا من المحبوب، فتكون كأنها قد عبرت طبيعتها ~~بسر مجهول من أسرار الألوهية؛ ومن هنا يتأله الحبيب وهو هو لم يزد ولم ينقص ~~ولم يتغير ولم يتبدل، وتراه في وهم محبه يفرض فروضا ويشرع شريعة من حيث لا ~~قيمة لفروضه وشريعته إلا في الشهوة المؤمنة به وحدها. # PageV03P096 # ومن ثم لا عصمة على المحب إلا إذا وجد بين إيمانين، أقواهما الإيمان ~~بالحلال ms667 والحرام؛ وبين خوفين، أشدهما الخوف من الله؛ وبين رغبتين، أعظمهما ~~الرغبة في السمو. # فإن لم يكن العاشق ذا دين وفضيلة فلا عصمة على الحب إلا أن يكون أقوى ~~الإيمانين الحرص على مكانة المحبوب في الناس، وأشد الخوفين الخوف من ~~القانون ... وأعظم الرغبتين الرغبة في نتيجة مشروعة كالزواج. # فإن لم يكن شيء من هذا أو ذاك فقلما تجد الحب إلا وهو في جراءة كفرين، ~~وحماقة جنونين، وانحطاط سفالتين؛ وبهذا لا يكون في الإنسان إلا دون ما هو ~~في بهيمتين! # ثم جاء الفصل الثالث وظهرت هي على المسرح، ظهرت هذه المرة في ثوب مركزة ~~أوروبية تخاصر عشيقا لها، فيرقصان في أدب أوروبي متمدن ... متمدن بنصف ~~وقاحة؛ متأدب ... متأدب بنصف تسفل؛ مشروع ... مشروع بنصف كفر؛ هو على النصف ~~في كل شيء، حتى ليجعل العذراء نصف عذراء والزوجة نصف زوجة..! # وكان الذي يمثل دور العشيق فتاة أخرى غلامية مجممة الشعر* ممسوخة بين ~~المرأة والرجل؛ فلما رآها صاحبنا قال: هذا أفضل.. # وهشت الحسناء وتبسمت وأخذت في رقصها البديع، فانفصل عني الصديق، وأهملني ~~وأقبل عليها بالنظرة بعد النظرة بعد النظرة، كأنه يكرر غير المفهوم ليفهمه ~~ورجع وإياها كأنه في عالم من غير زمننا تقدمه عن عالمنا ساعة أو تؤخره ~~ساعة؛ وكانت جملة حاله كأنها تقول لي: إن الدنيا الآن امرأة! وكان من ~~السرور كأنما نقله الحب إلى رتبة آدم، ونقل صاحبته إلى رتبة حواء، ونقل ~~المسرح إلى رتبة الجنة! # والعجب أن القمر طلع في هذه الساعة وأفاض نورا جديدا على المسرح المكشوف ~~في الحديقة، فكأنه فعل هذا ليتم الحسن والحب؛ وأخذ شعاع القمر PageV03P097 # السماوي يرقص حول هذا القمر الأرضي، فكانت الصلة تامة وثيقة بين نفس ~~صاحبنا وبين الأرض والسماء والقمرين. # ما هذا الوجه لهذه المرأة؟ إنه بين اللحظة واللحظة يعبر تعبيرا جديدا ~~بقسماته وملامحه الفتانة؛ كل البياض الخاطف في نجوم السماء يجول في أديمه ~~المشرق، وكل السواد الذي في عيون المها يجتمع في عينيه، وكل الحمرة التي في ~~الورد هي في حمرة هاتين الشفتين. # ما هذا ms668 الجسم المتزن المتموج المفرغ كأنه يتدفق هنا وهنا؟ إنه جسم كامل ~~الأنوثة، إنه صارخ صارخ، إنه عالم جمال كما تقول الفلسفة حين تصف العالم: ~~فيه "جهة فوق" و"جهة تحت"؛ لو امتدت له يد عاشقه لجعل في خمس أصابعها خمس ~~حواس ... # ما هذا؟ لقد ختم الرقص بقبلة ألقاها الخليل على شفتي الخليلة، وكانت تركت ~~خصرها في يديه وانفلتت تميل بأعلاها راجعة برأسها إلى خلف، نازلة به رويدا ~~رويدا إلى الأرض، هاربة بشفتيها من الفم المطل، وكان هذا الفم ينزل رويدا ~~رويدا؛ ليدرك الهارب ... # وقبل أن تقع القبلة التفتت لفتة إلي.. ثم تلقت القبلة، أما هو، أما ~~مجنوننا، أما صاحب القلب المسكين؟ ... # PageV03P098 ### | ### | القلب المسكين " # 3": # أما صاحب القلب المسكين فرمقها وهي تلتفت إليه التفات الظبية بسواد ~~عينيها: يجعل سوادهما الجميل في النظرة الواحدة نظرتين لعاشق الجمال، تقول ~~إحداهما: أنت، وتقول الأخرى: أنا، ثم رآها وقد كسرت أجفانها وتفترت في يدي ~~الممثل العشيق وأفصح منظرها ببلاغة.. بلاغة جسم المرأة المحبوبة بين ذراعي ~~من تحبه؛ ثم اختلجت وصوبت وجهها، وأهدفت شفتيها. وتلقت القبلة. # وكان به منها ما الله عليم به، فانبعث من صدره آهة معولة تئن أنينا، غير ~~أنها كلمته بعينيها أنها تقبله هو؛ فلا ريب قد حملت إليه إحدى النسمات شيئا ~~جميلا عن ذلك الفم، لمست به النفس النفس، والقبلة هي هي ولكن وقع خطأ في ~~طريقة إرسالها.. # وليس تحت الخيال شيء موجود، ولكن الخيال المتسرح بين الحبيبين تكون فيه ~~أشياء كثيرة واجبة الوجود؛ إذ هو بطبيعته مجرى أحلام من فكر إلى فكر، ومسرح ~~شعور يصدر ويرد بين القلبين في حياة كاملة الإحساس متجاورة المعاني؛ وبهذا ~~الخيال يكون مع القلبين المتحابين روح طبيعي كأنه قلب ثالث ينقل للواحد عن ~~الآخر، ويصل السر بالسر، ويزيد في الأشياء وينقص منها، ويدخل في غير ~~الحقيقي فيجعله أكثر من الحقيقي؛ ومن هنا لم يكن فرح ولا حزن، ولا أمل ولا ~~يأس، ولا سعادة ولا شقاء، إلا وكل ذلك مضاعف للمحب الصادق الحب بقدر قلبين؛ ~~والذين يعرفون قبلة ms669 الشغف والهوى، يعرفون أن العاشق يقبل بلدة أربع شفاه. # وانسدلت بعد هذه القبلة ستارة المسرح، وغابت الجميلة المعشوقة غيبة ~~التمثيل فقلت لصاحب القلب المسكين: إن روحيكما متزوجتان.. قال: آه! ومدها ~~من قلبه كأنه دنف سقيم. # قلت: وماذا بعد آه؟ # PageV03P099 # قال: وماذا كان قبلها؟ إنه الحب: فيه مثل ما في "عملية جراحية" من تنهدات ~~الألم ولذعاته، غير أنها مفرقة على الأوقات والأسباب، مبعثرة غير مجموعة! ~~"آه" هذه هي الكلمة التي لا تفرغ منها القلوب الإنسانية، وهي تقال بلهفة ~~واحدة في المصيبة الداهمة، ولألم البالغ، والمرض المدنف والحب الشديد؛ ~~الشديد؛ فحينما توشك النفس أن تختنق تتنفس "بآه"! # قلت: أما رأيتها مرة وقد أوشكت نفسها أن تختنق ... ؟ # قال: لقد هجت لي داء قديما؛ إن لهذه الحبيبة ساعات مغروسة في زمني غرس ~~الشجر، فبين الحين والحين تثمر هذه الساعات مرها وحلوها في نفسي كما يثمر ~~الشجر المختلف؛ ولقد رأيتها ذات مرة في ساعة همها! ثم ضحك وسكت. # قلت: يا عدو نفسه! ماذا رأيت منها؟ وكيف أراك الوجد ما رأيت منها؟ # قال: أتصدقني؟ قلت: نعم. # قال: رأيت الهم على وجه هذه الجميلة كأنه هم مؤنث يعشقه هم مذكر؛ فله ~~جمال ودلال وفتنة وجاذبية، وكأن وجهها يصنع من حزنها حزنين: أحدهما بمعنى ~~الهم لقلبها، والآخر بمعنى الثورة لقلبي! # قلت: يا عدو نفسه! هذا كلام آخر؛ فهذه امرأة ناعمة بضة مطوي بعضها على ~~بعضها، لفاء من جهة هيفاء من جهة، ثقيلة شيء وخفيفة شيء، جمعت الحسن والجسم ~~وفنا بارعا في هذا وفنا مفردا في ذاك؛ وهي جميلة كل ما تتأمل منها، ساحرة ~~كل ما تتخيل فيها، وهي مزاحة دحداحة* وهي تطالعك وتطعمك؛ وأنت امرؤ عاشق ~~ورجل قوي الرجولة؛ فالجميلة والمرأة هما لك في هذا الجسم الواحد، إن ذهبت ~~تفصلهما في خيالك امتزجتا في دمك؛ ولو أمسكت آلة التصوير نظراتك إليها ~~لبانت فيها أطراف اللهب الأحمر مما في نفسك منها؛ ولعمري لو مرت عربة تدرج ~~في الطريق ونظرت إليها نظرتك لهذه المرأة بهذه الغريزة المحتسبة المكفوفة** ~~لظننتك سترى ms670 العجلة الخلفية عاشقا مهتاجا يطارد العجلة الأمامية وهي تفر ~~منه فرار العذراء! PageV03P100 # فضحك وقال: لا، لا؛ إن نوع التصوير لإنسان هو نوع المعرفة لهذا الإنسان، ~~ومن كل حبيب وحبيبة تجتمع مقدمة ونتيجة بينهما تلازم في المعنى، والمقدمة ~~عندي أن إبليس هنا في غير إبليسيته، فلا يمكن أن تكون النتيجة وضعه في ~~إبليسته؛ وما أتصور في هذه الجميلة إلا الفن الذي أسبغه الجمال عليها، فهي ~~معرفتي وخيالي كالتمثال المبدع إبداعه: لا يستطيع أن يعمل عملا إلا إظهار ~~شكله الجميل التام حافلا بمعانيه. # وليست هذه المرأة هي الأولى ولا الثانية ولا الثالثة فيمن أحببت1؛ إنها ~~تكرار وإيضاح وتكملة لشيء لا يكمل أبدا، وهو هذه المعاني النسوية الجميلة ~~التي يزيد الشيطان فيها من عشق كل عاشق؛ إن بطن المرأة بلد، ووجه المرأة ~~يلد! # قلت: هذا إن كان وجهها كوجه صاحبتك، ولكن ما بال الدميمة؟ # قال: لا، هذا وجه عاقر.. # قلت: ولكن الخطأ في فلسفتك هذه أنك تنظر إلى المرأة نظرة عملية تريد أن ~~تعمل، ثم تمنعها أن تعمل، فتأتي فلسفتك بعيدة من الفلسفة، وكأن تغذو المعدة ~~الجائعة برائحة الخبز فقط. # قال: نعم هذا خطأ، ولكنه الخطأ الذي يخرج الحقائق الخيالية من هذا ~~الجمال؛ فإذا سخرت من الحقيقة المادية بأسلوب فبهذا الأسلوب عينه تثبت ~~الحقيقة نفسها في شكل آخر قد يكون أجمل من شكلها الأول. # أتعلم كيف كانت نظرتي إلى نور القمر على هذه وإلى حسن هذه على القمر؟ إن ~~القمر كان ينسيني بشريتها فأراها متممة له كأنه ينظر وجهه في مرآة، فهي ~~خيال وجهه؛ وكانت هي تنسيني مادية القمر فأراه متمما له كأنه خيال وجهها. # أتدري ما نظرة الحب؟ إن في هذا القلب الإنساني شرارة كهربائية متى انقدحت ~~زادت في العين ألحاظا كشافة، وزادت في الحواس أضواء مدركة؛ فينفذ العاشق ~~بنظره وحواسه جميعا في الحقائق الأشياء، فتكون له على الناس زيادة في ~~الرؤية وزيادة في الإدراك يعمل بها عما فيما يراه وما يدركه؛ وبهذه الزيادة ~~الجديدة على النفس تكون للدنيا حالة جديدة في ms671 هذه النفس؛ ويأتي السرور ~~جديدا ويأتي الحزن جديدا أيضا؛ فألف قبلة يتناولها ألف عاشق من ألف حبيب، ~~هي PageV03P101 # ألف نوع من اللذة ولو كانت كلها في صورة واحدة؛ ولو بكى ألف عاشق من هجر ~~ألف معشوق لكان في كل دمع نوع من الحزن ليس في الآخر! # قلت: فنوع تصورك لهذه الراقصة التي تحبها، أن إبليس هنا في غير إبليستيه! # قال: هكذا هي عندي، وبهذا أسخر من الحقيقة الإبليسية. # قلت: أو تسخر الحقيقة الإبليسية منك، وهو الأصح وعليه الفتوى ... ؟ # فضحك طويلا، وقال: سأحدثك بغريبة: أنت تعرف أن هذه الغادة لا تظهر أبدا ~~إلا في الحرير الأسود؛ وهي رقيقة البشرة ناصعة اللون، فيكون لها من سواد ~~الحرير بياض البياض وجمال الجمال؛ فلقد كنت أمس بعد العشاء في طريقي إلى ~~هذا المكان لأراها، وكان الليل مظلما يتدجى، وقد لبس وتلبس وغلب على مصابيح ~~الطريق فحصر أنوارها حتى بين كل مصباحين ظلمة قائمة كالرقيب بين الحبيبين ~~يمنعهما أن يلتقيا؛ فبينا أقلب عيني في النور والغسق وأنا في مثل الحالة ~~التي تكون فيها الأفكار المحزنة أشد حزنا -إذ رفع لي من بعيد شبح أسود يمشي ~~مشيته متفترا قصير الخطو يهتز ويتبختر؛ فتبصرته في هيئته فما شككت أنها هي، ~~وفتحت الجنة التي في خيالي وبرزت الحقائق الكثيرة تلتمس معانيها من لذة ~~الحب؛ وكان الطريق خاليا، فأحسست به لنا وحدنا كالمسافة المحصورة بين ثغرين ~~متعاشقين يدنو أحدهما من الآخر، وأسرعت إسراع القلب إلى الفرصة حين تمكن؛ ~~فلما صرت بحيث أتبين ذلك الشبح إذا هو.. إذا هو قسيس.. # فقلت: يا عجبا! ما أظرف ما داعبك إبليس هذه المرة! وكأنه يقول لك: إيه يا ~~صاحب الفضيلة ... # وكان الممثلون يتناوبون المسرح ونحن عنهم في شغل؛ إذ لم تكن نوبتها قد ~~جاءت بعد؛ وألقى الشيطان على لساني فقلت لصاحبنا: ما يمنعك أن تبعث إليها ~~فلانا يستفتح كلامها ثم يدعوها، فليس بينك وبينها إلا كلمة "تعالي" أو ~~تفضلي؟ # قال: كلا، يجب أن تنفصل عني لأراها في نفسي أشكالا وأشكالا؛ ويجب أن ~~تبتعد ms672 لألمسها لمسات روحية؛ ويجب أن أجهل منها أشياء لأحقق فيها علم قلبي؛ ~~ويجب أن تدع جسمها وأدع جسمي وهناك نلتقي رجلا وامرأة ولكن على فهم جديد ~~وطبيعة جديدة. بهذا الفهم أنا أكتب، وبهذه الطبيعة أنا أحب! # PageV03P102 # ما هو الجزء الذي يفتنني منها؟ هو هذا الكل بجميع أجزائه. # وما هو هذا الكل؟ هو الذي يفسر نفسه في قلبي بهذا الحب. # وما هو هذا الحب؟ هو أنا وهي على هذه الحالة من اليأس. # نعم أنا بائس، ولكن شعور البؤس هو نوع من الغنى في الفن: لا يكون هذا ~~الغنى إلا من هذا الشعور المؤلم، والحبيب الذي لا تناله هو وحده القادر ~~قدرة الجمال والسحر؛ يجعلك لا تدري أين يختبئ منه جماله فيدعك تبحث عنه ~~بلذة؛ ولا تدري أين يسفر جماله منه فيدعك تراه بلذة أخرى؛ أنا أنضج هذه ~~الحلوى على نار مشبوبة، على نار مشبوبة في قلبي! # قلت: يا صديقي المسكين! هذه مشكلة عرضت بها المصادفة وستحلها المصادفة ~~أيضا. وما كان أشد عجبي إذ لم أفرغ من الكلمة حتى رأينا "المشكلة" مقبلة ~~علينا. # أما هو: أما صاحب القلب المسكين ... ؟ # PageV03P103 ### | ### | القلب المسكين " # 4": # أما صاحب القلب المسكين فما كاد يرى الحبيبة وهي مقبلة تتيممنا حتى بغته ~~ذلك، فساوره القلق، واعتراه ما يعتري المحب المهجور إذا فاجأه في الطريق ~~هاجره؛ أرأيت مرة عاشقا جفاه الحبيب وامتنع عليه دهرا لا يراه، وصارمه مدة ~~لا يكلمه، فنزع نومه من ليله، وراحته من نهاره، ودنياه من يده، وبلغ به ما ~~بلغ من السقم والضنى، ثم بينا هو يمشي إذ باغته ذلك الحبيب منحدرا في ~~الطريق؟ # إنك لو أبصرت حينئذ قلب هذا المسكين لرأيته على زلزلة من شدة الخفقان، ~~وكأنه في ضرباته متلعثم يكرر كلمة واحدة: هي هي هي.. # ولو نفذت إلى حس هذا البائس لرأيته يشعر مثل شعور المحتضر أن هذه الدنيا ~~قد نفته منها! # ولو اطلعت على دمه في عروقه لأبصرته مخذولا يتراجع كأن الدم الآخر يطرده. # إنها لحظة يرى فيها المهجور بعينيه أن كل شهواته ms673 في خيبة، فيرد عليه الحب ~~مع كل شهوة نوعا من الذل، فيكون بإزاء الحبيب كالمنهزم مائة مرة أمام الذي ~~هزمه مائة مرة. # لحظة لا يشعر المسكين فيها من البغتة والتخاذل والاضطراب والخوف إلا أن ~~روه وثبت إلى رأسه هو هوت فجأة إلى قدميه! # غير أن صاحبنا نحن لم يكن مهجورا من صاحبته، ولكن من عجائب الحب أنه يعمل ~~أحيانا عملا واحدا بالعاطفتين المختلفتين؛ إذ كان دائما على حدد الإسراف ما ~~دام حبا، فكل شيء فيه قريب من ضده، والصدق فيه من ناحية مهيأ دائما لأن ~~يقابل بتهمة الكذب من الناحية الأخرى، واليقين معد له الشك بالطبيعة؛ والحب ~~نفسه قضاء على العدل، فإنه لا يخضع لقانون من القوانين، والحبيب -مع أنه ~~حبيب- يخافه عاشقه من أجل أنه حبيب! # PageV03P104 # وقد يصفر العاشق لمباغتة اللقاء كما يصفر لمباغتة الهجر، وهذه كانت حال ~~صاحبنا عندما رآها مقبلة عليه؛ وكان مع ذلك يخشى إلمامتها به، توقيا على ~~نفسه من ظنون الناس؛ وأكثر ما يحسنه الناس هو أن يسيئوا الظن؛ وهو رجل ذو ~~شأن ضخم، ومقالة السوء إلى مثله سريعة إذا رؤي مع مثلها، وكأنها هي ألمت ~~بكل هذا أو طالعها به وجهه المتوقر المتزمت؛ فعدلت عن طريقها إلينا ووقفت ~~على رئيس فرقة الموسيقى، وما بيننا وبينها إلا خطوات؛ ورأيتها قد هيأت في ~~عينيها نظرة غاضبتنا بها، ثم لم تلبث أن صالحتنا بأخرى! # وكأنها ألقت لرئيس الموسيقى أمرا ليتأهب أهبته لدورها، ثم همت أن ترجع، ~~ثم عادت إليه فجعلت تكلمه وعيناها إلينا؛ فقال صاحبنا وأعجبه ذلك من فعلها: ~~إنها نبيلة حتى في سقوطها! # ولا أدري ماذا كانت تقول لرئيس الموسيقى، ولكن هذا الرجل لم يظهر لي ~~وقتئذ إلا كأنه تليفون معلق! # كانت عيناها إلى صاحبها لا تنزلان عنه ولا تتحولان إلى غيره، ولا تسارقه ~~النظر بل تغلبه عليه مغالبة؛ ورأيته كذلك قد ثبتت عيناه عليها فخيل إلي أن ~~هذا الوجود قد انحصر جماله بين أربعة أعين عاشقة؛ وكانت تطارحه ويطارحها ~~كلاما مخبوءا تحت هذه النظرات، وقد نسيا ms674 ما حولهما، وشعرا بما يشعر به كل ~~حبيبين إذا التقيا في بعضه لحظات الروح السامية: أن هذا العالم العظيم لا ~~يعمل إلا الاثنين فقط: هو وهي.. # وكان فمها الجميل لا يزال يساقط ألفاظه لرئيس الموسيقى، وكأنها تسرد له ~~حكاية مروية، أو تعارض بحافظته كلاما تحفظه من كلام التمثيل أو الغناء؛ فهي ~~تتحدث وعيناها مفكرتان شاخصتان، فلم ينكر الرجل هيئتها هذه؛ ولكن كيف كانت ~~عيناها؟ # لقد أرادت في البدء أن تجعل قوة نظراتها كلاما، حتى لحسبت أن هذه النظرات ~~الأولى تهتف من بعيد: أنت يا أنت! # ثم بدا في عينيها فتور الظمأ، ظمأ الحب المتكبر المتمرد؛ لأنه حب المرأة ~~المعشوقة، ولأن له لذتين، إحداهما في أن يبقى ظمأ إلى حين.. # ثم أرسلت الألحاظ التي تتوهج أحيانا فوق كلام المرأة الجميلة في بعض ~~حالاتها النفسية، فتضرم في كلامها شرارة من الروح تظهر الكلام كأنه يحرق ~~ويحترق.. # PageV03P105 # ثم توجعت النظرات؛ لأنها تصلها بالرجل الذي لا يشبه الرجال، فلا يستوهب ~~خضوعها ولا يشتريه؛ والرجل كل الرجل عند هذه المرأة هو الذي لا يشبه ~~الباقين ممن تعرفهم، فإذا أحبها فكأنما أحبها عذراء خفرة لم تمس، وكأنه من ~~ذلك يصلها بماضيها وطهارتها وحياتها وما لا يمكن أن تتمثله إلا في مثل حبه. # ثم ذبلت عيناها الجميلتان، وما هو ذبول عيني امرأة تنظر إلى محبها؛ إنه ~~هو استسلام فكرها لفكرة، أو عناد معنى فيها لمعنى فيه، أو توكيد خاطرة ~~تحتاج إلى التوكيد؛ ومرة هو كقولها: لماذا؟ وتارة هو كقولها: أفهمت؟ ~~وأحيانا، وأحيانا هو انتهاء مقاومة. # وتمت الحكاية المروية التي كانت تلقيها للتليفون.. فكرت راجعة إلى المسرح ~~بعد أن صاحت نظراتها مرة أخرى كما بدأت: أنت يا أنت.. فقلت لصاحبنا: ويحك ~~يا عدو نفسه! لو اختار الشيطان عينين ساحرتين ينظر بهما إليك نظر الفتنة، ~~لما اختار إلا عينيها، في وجهها، في هيئتها، في موقفها؛ وأراك مع هذا ~~كمنتظر ما لا يوجد ولا يمكن أن يوجد؛ وأراها معك في حبها كالحيوان الأليف ~~إذا طمع في المستحيل. # قال: وما هو ms675 المستحيل الذي يطمع فيه الحيوان الأليف؟ # قلت: ذلك يطمع في أن تكون له حقوق على صاحبه فوق الألفة والمنفعة. # قال: لقد أغمضت في العبارة فبين لي شيئا من البيان. # قلت: هب كلبة تألف صاحبها وتحبه فهي له ذليلة مطواع، ثم يبلغ بها الحب أن ~~تطمع في أن يكون لها تمام الشرف، فلا يقول صاحبها عنها: هذه كلبتي، بل ~~يقول: هذه زوجتي.. # قال: وي منك! وي منك* لقد ضربت على رأس المسمار كما يقولون هذا هو ~~المستحيل الذي بيني وبينها، هذا هو المثل. يا لفظ الحلوى! يا لفظ الحلوى! ~~لو كررتك بلساني ألف مرة فهل تضع في لساني طعمها..؟ # قلت: خفض عليك يا صاحب القلب المسكين، فلست أكثر من عاشق. # قال: بل أنا مع هذه أكثر من عاشق؛ لأن في العاشق راغبا وفي أنا راهب، ~~وفيه الجريء وفي المنكمش، ويغترف الغرفة من الشلال المتحدر فيحسوها فيرتوي ~~PageV03P106 # وأغترف أنا الغرفة بيدي، وأبقيها في يدي، وأطمع أن تهدر في يدي كالشلال ~~أنا أكثر من عاشق؛ فإنه يعشق لينتهي من ألم الجمال، وأعشق أنا لأستمر في ~~هذا الألم! # هذه هذه؛ العجيب يا صديقي أن خيال الإنسان يلتقط صورا كثيرة من صور ~~الجمال تجيء كما يتفق، ولكنه يلتقط صورة واحدة بإتقان عجيب، هي صورة الحب؛ ~~فهذه هذه. # ألم أقل لك إن إبليس هنا في غير حقيقته الإبليسية ولم تفهم علي*؟ فافهم ~~الآن أننا إن كنا لا نرى الملائكة فإنه ليخيل إلينا أننا نراها فيمن نحبهم؛ ~~وما دام سر الحب بيدل الزمن والنفس ويأتي بأشياء من خارج الحياة، فكل حقائق ~~هذا الحب في غير حقيقتها. # هذه هذه؛ لا أطلب في غيرها امرأة أجمل منها، فهذا كالمستحيل، ولكني ألتمس ~~فيها هي امرأة أطهر منها، وهذا كالمستحيل أيضا؛ إنها أجمل جسم، ولكن وا ~~أسفاه! إنها أجمل جسم للمعاني التي يجب أن أبتعد عنها! # وسكت صاحبنا؛ إذ رفعت ستارة المسرح وظهرت هي مرة أخرى، ظهرت في زينة لا ~~غاية بعدها، تمثل العروس ليلة جلوتها؛ ألا ما أمرها سخرية منك ms676 أيتها ~~المسكينة! عروس ولكن لمن؟ # كانت تبرق على المسرح كأنها كوكب دري نوره نور وجمال وعواطف شعر. # وأقبلت تتمايل بجسم رخص لين مسترسل الأعطاف يتدفق الجمال والشباب فيه من ~~أعلاه إلى أسفله. # وأظهر وجهها حسنا وأبدى جسمها حسنا آخر، فتم الحسن بالحسن. # واقفة كالنائمة، فالجو جو الأحلام، وكان الحب يحلم، وكان السرور يحلم! # مهتزة كالموج في الموج، هل خلقت روح البحر في جسمها المترجرج فشيء يعلو ~~وشيء يهبط وشيء يثور ويضطرب؟ # ثم دقت الموسيقى بألحانها المتكلمة، ودقت أعضاء هذا الجسم بألحانها ~~المتحركة، وأحسسنا كأن روح الحديثة جالسة بيننا تنظر إليها وتتعجب. تتعجب ~~من قوامها للغصن الحي، ومن بدنها للزهر الحي، ومن عطرها للنسيم الحي. # أما صاحب القلب المسكين.. PageV03P107 ### | ### | القلب المسكين * " # 5": # أما صاحب القلب المسكين فتزعزعت كبده مما رأى؛ وجعل ينظر إلى هذه الفتانة ~~تمثل العروس وقد أشرق فيها رونقها وسطعت ولمعت، فبدت له مفسرة في هذه ~~الغلائل غلائل العرس؛ وما غلائل العرس؟ # إنها تلك الثياب التي تكسو لابستها إلى ساعة فقط.. ثياب أجمل ما فيها ~~أنها تقدم الجمال إلى الحب، فأزهى ألوانها اللون المشرق من روح لابستها، ~~وأسطع الأنوار عليها، النور المنبعث من فرح قلبين. # تلك الثياب التي تكون سكبا من خالص الحرير ورفيع الخز، وحين تلبسها مثل ~~هذه الفاتنة تكاد تنطق أنها ليست من الحرير؛ إذ تعلم أن الحرير ما تحتها. # ثم تنهد المسكين وقال: أفهمت؟ # قلت: فهمت ماذا؟ # قال: هذا هو انتقامها. # قلت: يا عجبا! أتريدها في ثياب راهبة مكبكبة فيها كما ألقيت البضاعة في ~~غرارة، بين سواد هو شعار الحداد على الأنوثة الهالكة، وبياض هو شعار الكفن ~~لهذه الأنوثة؟ # قال: أنت لا تعرفها؛ إن الرواية التي تمثل فيها بين الروح والجسم، هي ~~التي احتاجت إلى هذا الفصل يقوى به المعنى؛ وكل عاشقة فعشقها هو الرواية ~~التي تمثل فيها، يؤلفها هذا المؤلف الذي اسمه الحب، ولا تدري هي ماذا يصنع ~~وماذا يؤلف، غير أنه لا يفتأ يؤلف ويصنع وينفع كما تتنزل به الحال بعد ~~الحال، وكما تعرض ms677 به المصادفة بعد المصادفة؛ وعليها هي أن تمثل.. ~~PageV03P108 # قلت: فهذا؛ ولكن كيف يكون هذا انتقاما؟ # قال: إن الأفكار أشياء حقيقية، ولو كشف لك الجو هذه الساعة لرأيته مسطورا ~~عبارات عبارات كأنه مقالة جريدة. # هذا الفصل حوار طويل في الهموم والآلام ورقة الشوق وتهالك الصبوة، ولو ~~كتب له عنوان لكان عنوانه هكذا: ما أشهاها وما أحظاها! إن الهواء بين كل ~~عاشقين متقاتلين يأخذ ويعطي.. # قلت: يا عدو نفسه! ما أعجب ما تدقق! لقد أدركت الآن أن المرأة تتسلح بما ~~شاءت، لا من أجل أن تدافع، ولكن لتزيد أسلحتها في سلاح من تحبه، فتريده قوة ~~على قهرها وإخضاعها.. # أما هذه "العروس" فكانت أفكارها لا تجد ألفاظا تحدها فهي تظهر كيفما ~~اتفق، مرسلة إرسالا في اللفتة والحركة والهيئة والقومة والقعدة، وهي من ~~علمت؛ امرأة تعيش للحقائق، وبين الحقائق، ككل ذي صنعة في صنعته فكانت في ~~تماديها خطر أي خطر على صاحب القلب المسكين، تمثل شيئا لا أدري أهو ظاهر ~~بخفائه أم هو خاف بظهوره؛ وقد وقع صاحبنا منها فيما لم يدخل في حسابه، ~~فكانت الخبثة الماجنة كأنها تسكره بمسكر حقيقي، غير أنه من جسمها لا من ~~زجاجة خمر. # وكانت لذهنه المتخيل كالسحابة الممتلئة بالبرق؛ تومض كل لحظة بأنوار بعد ~~أنوار، وبين الفترة والفترة ترمي الصاعقة. # وظهرت كأنها امرأة مخلوقة من دم ولهب؛ فلقد أيقنت حينئذ أن الحب إن هو ~~إلا الغريزة البهيمية بعينها محاولة أن تكون شيئا له وجود فني إلى وجوده ~~الطبيعي، فهو مصيبتان في واحدة، وكل عمله أن يجعل اللذة ألذ، والألم أشد، ~~والقلة كثرة، والكثرة أكثر، وما هو نهاية كأنه لا نهاية.. # هذه "العروس" كانت قبل الآن واقفة على حدود صاحبها، أما الآن فإنها تقتحم ~~الحدود وتغزو غزوها وتمتلك ... # يا لسحر الحب من سحر! كل ما في الطبيعة من جمال تظهره الطبيعة لعاشقها في ~~إحدى صور الفهم، أما الحبيب الجميل فهو وحده الذي يظهر لعاشقه في كل صور ~~الفهم، وبهذا يكون الوقت معه أوقاتا مختلفة متناقضة، ففي ساعة يكون العقل ms678 ~~وفي ساعة يكون الجنون. # PageV03P109 # يا لسحر الحب! لقد أرادت هذه المرأة أن تذهب بعقل صاحبها، وأن تنقله إلى ~~وحشية الإنسان الأول الكامن فيه، وأن تقذف به إلى بعيد بعيد وراء فضائله ~~وعصمته؛ فسنحت له كما يسنح الصيد للصائد يحمل في جسمه لحمه الشهي.. وتركت ~~شعوره جائعا إلى محاسنها بمثل جوع المعدة.. وبرزت له صريحة كما هي، ولما ~~هي؛ ومن حيث إنها هي هي؛ وكل ذلك حين ألبست جسمها ثياب الحقيقة المؤنثة. # آه من "هي" إذا امتلأت الهاء والياء من قلب رجل يحب! وآه من "هي" إذا ~~خرجت هذه الكلمة من لغة الناس إلى لغة رجل واحد! # إن في كل امرأة.. امرأة يقال لها "هي"1 باعتبار الضمير للتأنيث فقط، كما ~~يعتبر في الدابة والحشرة والإدارة ونحوها من هذه المؤنثات التي يرجع عليها ~~هذا الضمير؛ ولكن "هي" المفردة في الكون كله لا توجد في النساء إلا حين ~~يوجد لها "هو".. # أنا أنا الذي يقص للقراء هذه القصة، قد كابدت من شدة الحب وإفراط الوجد ~~ما يفعم قلبين مسكينين لا قلبا واحدا؛ وكانت لي "هي" من إلهيات عانيت فيها ~~الحب والألم دهرا طويلا؛ وقد ذهبت بي في هواها كل مذهب إلا مذهبا يحل ~~حراما، أو مذهبا يخل بمروءة؛ ولقد علمت أن الشيء السامي في الحب هو ألا ~~يخرج من العاشق محرم. # فالشأن كل الشأن أن يستطيع الرجل الفصل بين الحب من أجل جمال الأنثى يظهر ~~عليها، وبين الحب من أجل الأنثى تظهر في جمالها؛ فهو في الأولى يشهد ~~الإلهية في إبداعها السامي الجميل، وفي الأخرى لا يرى غير البشرية ~~حيوانيتها المتجملة.. # وقد أدركت من فلسفة الحب أن الحقيقة الكبرى لهذا الجمال الأزلي الذي يملأ ~~العالم -قد جعلت حنين العشق في قلب الإنسان هو أول أمثلتها العملية في ~~تعليمه الحنين إليها إن شاء أن يتعلم، فكما يحب إنسان بروح الشهوة يحب ~~إنسان آخر بروح العبادة؛ وهذا هو الذي يسميه الفلاسفة: "تلطيف السر"، أي ~~جعله مستعدا للتوجه إلى النور والحق والخير، وقد عدوا فيما يعين ms679 عليه، ~~الفكر الدقيق والعشق العنيف. PageV03P110 # وكذلك تبينت مما علمني الحب أن طرد آدم وحواء من الفردوس، كان معناه ثقل ~~معاني الفردوس وعرضها لكل آدم وحواء يمثلان الرواية.. فإذا "قطفا الثمرة" ~~طردا من معاني الجنة*، وهبط بعد ذلك من أخيلة السماء إلى حقائق الأرض. # نعم هو الحب شيء واحد في كل عاشق لكل جميل، غير أن الفرق بين أهله يكون ~~في جماله العمل أو قبح العمل؛ وهذه النفوس مصانع مختلفة لهذه المادة ~~الواحدة؛ فالحب في بعضها يكون قوة وفي بعضها يكون ضعفا؛ وفي نفس يكون الهوى ~~حيوانيا يراكم الظلم على الظلمة في الحياة، وفي أخرى يكون روحانيا يكشف ~~الظلام عن الحياة. # والمعجزة في هذا الإنسان الضعيف أنه مع طبيعة كل شيء طبيعية الإحساس به، ~~فهو مستطيع أن يجد لذة نفسه في الألم، قادر على أن يأخذ هبة من معاني ~~الحرمان؛ وبهذه الطبيعة يسمو من يسمو، وهي على أتمها وأقواها في عظماء ~~النفوس، حتى لكأن الأياء تأتي هؤلاء الظلمة سائلة: ماذا يريدون منها؟ # فمن أراد أن يسمو بالحب فليضعه في نفسه بين شيئين: الخلق الرفيع، والحكمة ~~الناضجة؛ فإن لم يستطع فلا أقل من شيئين: الحلال، والحرام**. # أنا أنا الذي يقص للقراء هذه القصة، أعرف هذا كله، وبهذا كله فهمت قول ~~صاحب القلب المسكين: إن ظهور صاحبته في فصل العروس هو انتقامها، حاصرت ~~عيناها عينه، وزحفت معانيها على معانيه، وقاتلت قتال جسم المرأة المحبوبة ~~في معركة حبها، وبكلمة واحدة: كأنما ليست هذه الثياب لتظهر له بلا ثياب.. # وأردت أن أعيبها بما صنعت نفسها له، وأن أعيبه هو بدخوله فيما لا يشبهه، ~~وقلت في غير طائل ولا جدوى، فما كنت إلا كالذي يعيب الورد بقوله: يا عطر ~~الشذى، ويا أحمر الخدين! # وقد أمسك عن جوابي، وكانت محاسنها تجعل كلماتي شوهاء، وكان وضوحها يجعل ~~معاني غامضة، وكانت حلاوتها تجعل أقوالي مرة، وكانت ثياب العروس وهي تزف ~~تريه ألفاظي في ثياب العجوز المطلقة؛ وكلما غاضبته مع نفسه أوقعت هي الصلح ~~بينه وبين نفسه. PageV03P111 # والعجيب العجيب في ms680 هذا الحب أن فتح العينين على الجميل المحبوب هو نوع من ~~تغميضهما للنوم ورؤيا الأحلام؛ ليس إلا هذا، ولا يكون أبدا إلا هذا؛ فمهما ~~أعطت من جدل فإقناعك المحب المستهام كإقناعك النائم المستثقل؛ وكيف وله ~~ألفاظ من عقله لا من عقلك، وبينك وبينه نسيانه إياك، وقد تركك على ظاهر ~~الدنيا وغاص هو في دنيا باطنه لا يملك فيها أخذا ولا ردا إلا ما تعطي وما ~~تمنع. # ثم ### | .... # ثم غابت "العروس" بعد أن نظرت له وضحكت. # ضحكت بحزن.. حزن الذي يسخر من حقيقة؛ لأنه يتألم من حقيقة غيرها؛ وكان ~~منظرها الجميل المنكسر فلسفة تامة مصورة للخير الذي اعتدى عليه الشر ~~فأحاله، والإرادة التي أكرهها القدر فأخضعها، والعفة المسكينة التي أذلتها ~~ضرورة الحياة، والفضيلة المغلوبة التي حيل بينها وبين أن تكون فضيلة! # ويا ما كان أجملها ناظرة بمعاني البكاء ضاحكة بغير معاني الضحك؛ تتنهد ~~ملامح وجهها وفمها يبتسم! # كان منظرها ناطقا بأن قلبها الحزين يسأل سؤالا أبداه على وجهها بلطف ~~ورقة؛ كان يسأل إنسانا: ألا تحل هذه العقدة؟ ... # وانقضى التمثيل وتناهض الناس. # أما صاحب القلب المسكين؟.. # PageV03P112 ### | ### | القلب المسكين " # 6": # أما صاحب القلب المسكين فقام؛ ليخرج وقد تفارطته الهموم وتسابقت إليه ~~فانكسر وتفتر؛ وكأنما هو قد فارق صاحبته باكيا وباكية من حيث لا يرى بكاءه ~~غيرها ولا يرى بكاءها غيره! # ورأيته ينظر إلى ما حوله كأنما تغشى الدنيا لون نفسه الحزينة؛ إذ كانت ~~نفسه ألقت ظلها على كل شيء يراه؛ وجعل يدلف ولا يمشي كأنه مثقل بحمل يحمله ~~على قلبه. # إنه ليس أخف وزنا من الدمع، ولكن النفوس المتألمة لا تحمل أثقل منه، حتى ~~لينثر على النفس أحيانا وكأنه وكأنها بناء قائم يتهدم على جسم؛ وبعض ~~التنهدات على رقتها وخفتها، قد تشعر بها النفس في بعض همها كأنها جبل من ~~الأحزان أخذته الرجفة فمادت به، فتقلقل، فهو يتفلق ويتهاوى عليها. # آه حين يتغير القلب فيتغير كل شيء في رأي العين! لقد كان صاحبنا منذ قليل ~~وكأن كل سرور في الدنيا يقول له: أنا ms681 لك! فعاد الآن وما يقول له: "أنا لك" ~~إلا الهم؛ والتقى هو والظلام والعالم الصامت! # جعل يدلف ولا يمشي كأنه مثقل بحمل يحمله على قلبه؛ ومتى وقع الطائر من ~~الجو مكسور الجناح، انقلبت النواميس كلها معطلة فيه، وظهر الجو نفسه مكسورا ~~في عين الطائر المسكين؛ وتنفصل روحه عن السماء وأنوارها، حتى لو غمره النور ~~وهو ملقى في التراب لأحسه على التراب وحده لا على جسمه.. # ثم خرجنا، فانتبه صاحبنا مما كان فيه؛ وبهذه الانتباهة المؤلمة أدرك ما ~~كان فيه على وجه آخر، فتعذب به عذابين: أما واحد فلأنه كان ولم يدم وأما ~~الآخر فلأنه زال ولم يعد؛ والسرور في الحب شيء غير السرور الذي يعرفه ~~الناس؛ إذ هو في الأول روح تتضاعف به الروح، فكل ما سرك وانتهى شعرت أنه ~~انتهى؛ # PageV03P113 # ولكن ما ينتهي من سرور العاشق المستهام يشعره أنه مات، فله في نفسه حزن ~~الموت وهم الثكل، وله في نفسه هم الثكل وحزن الموت! # وينظر صاحب القلب المسكين فإذا الأنوار قد انطفأت في الحديقة، وإذا القمر ~~أيضا كأنما كان فيه مسرح وأخذوا يطفئون أنواره. # كان وجه القمر في مثل حزن وجه العاشق المبتعد عن حبيبته إلى أطراف ~~الدنيا، فكان أبيض أصفر مكمدا، تتخايل فيه معاني الدموع التي يمسكها التجلد ~~أن تتساقط. # كان في وجه القمر وفي وجه صاحبنا معا مظهر تأثير القدر المفاجئ بالنكبة. # وبدت لنا الحياة تحت الظلمة مقفرة خاوية على أطلالها، فارغة كفراغ نصف ~~الليل من كل ما كان مشرقا في نصف النهار؛ يا لك من ساحر أيها الحب؛ إذ تجعل ~~في ليل العاشق ونهاره ظلاما وضوءا ليسا في الأيام والليالي! # أما الحديقة فلبسها معنى الفراق، وما أسرع ما ظهرت كأنما يبست كلها لتوها ~~وساعتها، وأنكرها النسيم فهرب منها فهي ساكنة، وتحولت روحها خشبية جافة، ~~فلا نضرة فيها على النفس؛ وبدت أشجارها في الظلام، قائمة في سوادها ~~كالنائحات يلطمن ويولولن، وتنكر فيها مشهد الطبيعة كما يقع دائما حين تنبت ~~الصلة بين المكان ونفس الكائن. # ماذا حدث؟ # لا ms682 شيء إلا ما حدث في النفس، فقد تغيرت طريقة الفهم، وكان للحديقة معنى ~~من نفسه فسلب المعنى، وكان لها فيض من قلبه فانحبس عنها الفيض؛ وبهذا وهذا ~~بدت في السلب والعدم والتنكر، فلم يبق إبداع في شيء مبدع، ولا جمال في منظر ~~جميل. # أكذا يفعل الحب حين يضع في النفس العاشقة معنى ضئيلا من معاني الفناء ~~كهذا الفراق؟ # أكذا يترك الروح إذا فقدت شيئا محبوبا، تتوهم كأنها ماتت بمقدار هذا ~~الشيء؟ # مسكين أنت أيها القلب العاشق! مسكين أنت! # ومضينا فملنا إلى ندي نجلس فيه، وأردت معابثة صاحبنا المتألم بالحب # PageV03P114 # والمتألم بأنه متألم، فقلت له: ما أراك إلا كأنك تزوجتها وطلقتها فتبعتها ~~نفسك! # قال: آه! من أنا الآن؟ وما بال ذلك الخيال الذي نسق لي الدنيا في أجمل ~~أشكالها قد عاد فبعثرها؟ أتدري أن العالم كان في ثم أخذ مني فأنا الآن فضاء ~~فضاء. # قلت: أعرف أن كل حبيب هو العالم الشخصي لمحبه. # قال: ولذلك يعيش المحب المهجور، أو المفارق، أو المنتظر، وكأنه في أيام ~~خلت، وتراه كأنما يجيء إلى الدنيا كل يوم ويرجع. # قلت: إن من بعض ما يكون به الجمال جمالا أنه ظالم قاهر عنيف، كالملك ~~يستبد ليتحقق من نفاذ أخره، وكأن الجميل لا يتم جماله إلا إذا كان أحيانا ~~غير جميل في المعاملة! # قال: ولكن الأمر مع هذه الحبيبة بالخلاف؛ فهي تطلبني وأتنكبها، وهي مقبلة ~~لكنها مقبلة على امتناعي؛ وكأنها طالب يعدو وراء مطلوب يفر، فلا هذا يقف ~~ولا ذلك يدرك. # قلت: فإن هذه هي المشكلة، ومتى كانت الحبيبة مثلها، وكان المحب مثلك، فقد ~~جاءت العقدة بينهما معقودة من تلقاء نفسها فلا حل لها. # قال: كذلك هو، فهل تعرف في البؤس والهم كئوس العاشق الذي لا يتدبر كيف ~~يأخذ حبيبته، ولكن كيف يتركها؟ ما هي المسافة بيني وبينها؟ خطوة، خطوتان؟ ~~كلا، كلا؛ بل فضائل وفضائل تملأ الدنيا كلها، إن مسافة ما بين الحلال ~~والحرام متراخية ممتدة ذاهبة إلى غير نهاية؛ وإذا كان الحب الفاسد لا يقبل ~~من الحبيب ms683 إلا "نعم" بلا شرط ولا قيد؛ لأنه فاسد، فالحب الطاهر يقبل "لا" ~~لأنه طاهر! ثم هو لا يرضى "نعم" إلا بشرطها وقيدها من الأدب والشريعة ~~وكرامة الإنسانية في المرأة والرجل. # وإذا لم ينته الحب بالإثم والرذيلة، فقد أثبت أنه حب؛ وشرفه حينئذ هو سر ~~قوته وعنصر دوامه. # أتعرف أن بعض عشاق العرب تمنى لو كان جملا وكانت حبيبته ناقة.. إنه بهذا ~~يود ألا يكون بينهما العقل والقانون وهذا الحرمان الذي يسمي الشرف، وألا ~~يكون بينهما إلا قيد غريزتها الذي ينحل من تلقاء نفسه في لحظة ما، وأن يترك ~~لقوته وتترك هي لضعفها؛ والقوة والضعف في قانون الطبيعة هما ملك وتمليك ~~واغتصاب وتسليم. # PageV03P115 # قلت: وهذا ما يفعله كل عاشق لمثل هذه الراقصة إذا لم يكن فيه إلا ~~الحيوان؛ فإن بينهما قوة وضعفا من نوع آخر، فمعه الثمن وبها الحاجة، وهما ~~في قانون الضرورة ملك وتمليك. # قال: وهذا مما يقطع في قلبي؛ فلو أن للأمة دينا وشرفا لما بقي موضع ~~الزوجة فارغا من رجل، وإن هذه وأمثالها إنما ينزلن في تلك المواضع الخالية ~~أول ما ينزلن، فكل بغي هي في المعنى دين متروك وشرف مبتذل في الأمة. # قلت: فحدثني عنك ما هذا الوجد بها وما هذا الاحتراق فيها، وأنت قد كنت ~~بين يديها خياليا محضا كأنما جمعتها في حواسك فأخذتها وتركتها في وقت معا، ~~وحواسك هذه لا تزال كما هي، بل هي قد زادت حدة، فكما صنعت لك من قرب تصنع ~~لك من بعد؟ # قال: أنا في محضرها أحبها كما رأيت بالقدر الذي تقول هي فيه إنك لا ~~تحبني، إذ كان بيننا آخر اسمه الخلق؛ ولكن يفي غيابها أفقد هذا الميزان ~~الذي يزن المقدار ويحدده، وإذا كنت لم تعلم كيف يصنع العاشق في غيبة ~~المعشوق، فاعلم أن كبرياءه حينئذ لا ترى بإزائها ما تقاومه، فتتخلى عنه ~~وتخذله؛ وفضيلته لا تجد ما تستعلن فيه، فتتوارى وتدعه؛ وشخصيته لا تجد ما ~~تبرز له، فتختفي وتهمله؛ فما يكون من كل ذلك إلا أن يظهر المسكين ms684 وحده بكل ~~ما فيه من الوهن والنقص وحدة الشوق؛ وهنا ينتقم الحب مما زورت عليه ~~الكبرياء والفضيلة والشخصية، فيضرب بحقائقه ضربات مؤلمة لا تقوم لا القوة، ~~ويجعل غياب الحبيب كأنه حضوره مستخفيا لرؤية الحقيقة التي كتمت عنه؛ وكم من ~~عاشقة متكبرة على من تهواه تصد وتباعده، وهي في خلوتها ساجدة على أقدام ~~خياله تمرغ وجهها هنا وهنا على هذه القدم وعلى هذه القدم! # لا إنه لا بد في الحب من تمثيل رواية الامتناع أو الصد أو التهاون أو أي ~~الروايات من مثلها؛ ولكن ثياب المسرح هي دائما ثياب استعارة ما دام لابسها ~~في دوره من القصة. # ثم وضع المسكين يده على قلبه وقال: آه! إن هذا القلب يغاضب الحياة كلها ~~متى أراد أن يشعر صاحبه أنه غضبان. # من من الناس لا يعرف أحزانه؟ ولكن من منهم الذي يعرف أسرار أحزانه # PageV03P116 # وحكمتها؟ أما إنه لو كشف السر الأفراح والأحزان عملا في النفس من أعمال ~~تنازع البقاء؛ فهذا الناموس يعمل في إيجاد الأصلح والأقوى، ثم يعمل كذلك ~~لإيجاد الأفضل والأرق، ومن ثم كانت آلام الحب قوية حتى لكأنها في الرجل ~~والمرأة تهيئ أحد القلبين؛ ليستحق القلب الآخر. # آه من هذا اللواعج! إنها ما تكاد تضطرم حتى ترجع النفس وكأنها موقد يشتعل ~~بالجمر، وبذلك يصهر المعدن الإنساني ويصنع صنعة جديدة؛ وإلى أن ينصهر ~~ويتصفى ويصنع، ماذا يكون للإنسان في كل شيء من حبيبه؟ # يكون له في كل شيء روحه النازي. # قلت: بخ بخ*! هكذا فليكن الحب؛ إنها حين تهيج في نفسك الحنين إليها تعطيك ~~ما هو أجمل من جمالها وما هو أبدع من جسمها؛ إذ تعطيك أقوى الشعر وأحسن ~~الحكمة. # قال: وأقوى الألم وأشد اللوعة! يا عجبا! كأن الحياة لا تقدم في عشق ~~المحبوب إلا عشقها هي؛ فإذا وقعت الجفوة، أو حم البين، أو اعترى اليأس -قدم ~~الموت نفسه فكل ذلك شبه الموت. # إن الحزن الذي يجيء من قبل العدو يجيء معه بقوة تحمله وتتجلد له وتكابر ~~فيه؛ ولكن أين ذلك في حزن ms685 مبعثه الحبيب؟ ومن أين القوة إذا ضعف القلب؟ # قلت: لا يصنع الله بك إلا خيرا؛ فإذا كان غد وانسلخ النهار من الليل جئنا ~~إليها فرأيناها في المسرح، ولعل الأمر يصدر مصدرا آخر، قال: أرجو.. # ولم يكد ينطق بهذه الرجية حتى مر بنا سبعة رجال يقهقهون، ثم تلاقينا ~~وجئنا؛ ويا ويلتنا على المسكين حين علم أنها رحلت؛ لقد أدرك أن الشيطان كان ~~يضحك بسبعة أفواه.. من قوله: أرجو.. # ولماذا رحلت؟ لماذا؟ # وأما هو..؟ PageV03P117 ### | ### | القلب المسكين " # 7": # وأما صاحب القلب المسكين فما علم أنها قد رحلت عن ليلته حتى أظلم الظلام ~~عليه، كأنها إذا كانت حاضرة أضاء شيء لا يرى، فإذا غابت انطفأ هذا الضوء؛ ~~ورأيته واجما كاسف البال يتنازعه في نفسه ما لا أدري، كأن غيابها وقع في ~~نفسه إنذار حرب. # لماذا كان الشعراء ينوحون على الأطلال ويلتاعون بها ويرتمضون منها وهي ~~أحجار وآثار وبقايا؟ وما الذي يتلقاهم به المكان بعد رحيل الأحبة؟ يتلقاهم ~~بالفراغ القلبي الذي لا يملؤه من الوجود كله إلا وجود شخص واحد؛ وعند هذا ~~الفراغ تقف الدنيا مليا كأنها انتهت إلى نهاية في النفس العاشقة، فتبطل ~~حينئذ المبادلة بين معاني الحياة وبين شعور الحي؛ ويكون العاشق موجودا في ~~موضعه ولا تجده المعاني التي تمر به، فترجع منه كالحقائق تلم بالفراغ من ~~وعي سكران. # يا أثر الحبيب حين يفارق الحبيب! ما الذي يجعل فيك تلك القدرة الساحرة؟ ~~أهو فصلك بين زمن وزمن، أم جمعك الماضي في لحظة؛ أم تحويلك الحياة إلى ~~فكرة، أم تكبيرك الحقيقة إلى إضعاف حقيقتها، أم تصويرك روحية الدنيا في ~~المثال الذي تحسه الروح، أم إشعارك النفس كالموت أن الحياة مبنية على ~~الانقلاب، أم قدرتك على زيادة حالة جديدة للهم والحزن، أم رجوعك باللذة ترى ~~ولا تمكن، أم أنت كل ذلك؛ لأن القلب يفرغ ساعة من الدنيا ويمتلئ بك وحدك؟ # يا أثر الحبيب حين يفارق الحبيب! ما هذه القوة السحرية فيك تجتذب بها ~~الصدر ليضمك، وتستهوي بها الفم ليقبلك، وتستدعي الدمع لينفر لك، وتهتاج ~~الحنين ms686 لينبعث فيك؟ أكل ذلك لأنك أثر الحبيب، أم لأن القلب يفرغ ساعة من ~~الدنيا ولا يجد ما يخفق عليه سواك؟ # ووقف صاحبنا المسكين محزونا كأن شيئا يصله بكل هموم العالم؛ وتلك # PageV03P118 # هي طبيعة الألم الذي يفاجئ الإنسان من مكمن لذته وموضع سروره، فيسلبه ~~نوعا من الحياة بطريقة سلب الحياة نفسها، ويأخذ من قلبه شيئا مات فيدفنه في ~~قبر الماضي، يكون ألما؛ لأن فيه المضض، وكآبة؛ لأن فيه الخيبة، وذهولا؛ لأن ~~فيه الحسرة؛ وتتم هذه الثلاثة الهموم بالضيق الشديد في النفس؛ لاجتماع ~~ثلاثتها على النفس؛ فإذا المسكين مبغوت كأن الآلام أطبقت عليه من الجهات ~~الأربع، فقلبه منها صدوع صدوع.. # وجعلت أعذل صاحبنا فلا يعتذل، وكلما حاولت أن أثبت له وجود الصبر كنت ~~كأنما أثبت له أنه غير موجود؛ ثم تنفس وهو يكاد ينشق غيظا وقال: لماذا ~~رحلت؟ لماذا؟ # قلت: أنت أذللت جمالها بهذا الأسلوب الذي ترى أنك تعز جمالها به، وقد ~~اشتددت عليها وعلى نفسك، وتعنت على قلبك وقلبها؛ كانت ظريفة المذهب في ~~عشقها وكنت خشنا في حبك، وسوغتك حقا فرددته عليها، وتهالكت وانقبضت أنت، ~~ورفعت قدرك عن نفسها تحببا وتوددا فخفضت قدرها عن نفسك من اطراح وجفاء، ~~واستفرغت وسعها في رضاك فتغاضبت، ونضت عن محاسنها شيئا شيئا تسأل بكل شيء ~~سؤالا فلم تكن أنت من جوابها في شيء.. # ومن طبع المرأة أنها إذا أحبت امتنعت أن تكون البادئة، فالتوت على صاحبها ~~وهي عاشقة، وجاحدت وهي مقرة؛ إذ تريد في أن تتحقق أنها محبوبة، وفي الثانية ~~أن يقدم لها البرهان على أنها تستحق المهاجمة، وفي الثالثة هي تريد ألا ~~تأخذها إلا قوة قوية فتمتحن هذه القوة، ومع هذه الثلاث تأبى طبيعة السرور ~~فيها والاستمتاع بها إلا أن يكون لهذا السرور وهذا الامتناع شأن وقيمة، ~~فتذيق صاحبها المر قبل الحلو؛ ليكبر هذا بهذا. # غير أنها إذا غلبها الوجد وأكرهها الحب على أن تبتدئ صاحبها، ثم ابتدأت ~~ولم تجد الجواب منه، أو لم يأت الأمر فيما بينها وبينه على ما تحب، فإن ~~الابتداء ms687 حينئذ يكون هو النهاية، وينقلب الحب عدو الحب؛ وأنا أعرف امرأة ~~وضعتها كبرياؤها في مثل هذه الحالة وقالت لصاحبها: سأتألم ولكن لن أغلب، ~~فكان الذي وقع واأسفاه -أنها تألمت حتى جنت، ولكن لم تغلب1.. # قال: فما بال هذه؟ أما تراها تبتدئ كل يوم رجلا؟ PageV03P119 # قلت: إنها تبتدئ متكسبة لا عاشقة، فإذا أحبت الحب الصحيح أرادت قيمتها ~~فيما هو قيمتها؛ وأنا أحسبها تحب فيك هذا العنف وهذه القسوة وهذه الروحية ~~الجبارة؛ فإنها لذات جديدة للمرأة التي لا تجد من يخضعها؛ وفي طبيعة كل ~~امرأة شيء لا يجد تمامه إلا في عنف الرجل، غير أنه العنف الذي أوله رقة ~~وآخره رقة؟ # أما والله إن عجائب الحب أكثر من أن تكون عجيبة؛ والشيء الغريب يسمى ~~غريبا فيكفي ذلك بيانا في تعريفه، غير أنه إذا وقع في الحب سمي غريبا فلا ~~تكفيه التسمية، فيوصف مع التسمية بأنه غريب فلا يبلغ فيه الوصف، فيقع ~~التعجب مع الوصف والتسمية من أنه شيء غريب، ثم تبقى وراء ذلك منزلة للإغراق ~~في التعجب بين العاشق وبين نسفه؛ وهكذا يشعرون. # فكل أسرار الحب من أسرار الروح ومن عالم الغيب؛ وكأن النبوة نبوتان: ~~كبيرة وصغيرة، وعامة وخاصة. فإحداهما بالنفس العظيمة في الأنبياء، والأخرى ~~بالقلب الرقيق في العشاق؛ وفي هذه من هذه شبه؛ لوجود العظمة الروحية في ~~كلتيهما غالبة على المادة، مجردة من إنسان الطين من النور، محركة هذه ~~الطبيعة الآدمية حركة جديدة في السمو، ذاهبة بالمعرفة الإنسانية إلى ما هو ~~الأحسن والأجمل، واضعة مبدأ التجديد في كل شيء يمر بالنفس، منبعثة بالأفراح ~~من مصدرها العلوي السماوي. # بيد أن في العشق أنبياء كذبة؛ فإذا تسفل الحب في جلال، واستعلنت البهيمية ~~في عظمة، وتجرد من إنسان الطين إنسان الحجر، وتحركت الطبيعة الآدمية حركة ~~جديدة في السقوط، وذهبت المعرفة الإنسانية إلى ما هو الأقبح. والأسوأ، ~~وتجدد لكل شيء في النفس معنى فاسد، وانبعثت الأفراح من مصدرها السفلى- إذا ~~وقع كل هذا من الحب فما عساه يكون؟ # لا يكون إلا أن الشيطان يقلد النبوة الصغيرة ms688 في بعض العشاق، كما يقلد ~~النبوة الكبيرة في بعض الدجالين. # هكذا قال صاحب القلب المسكين وقد تكلم عن الحب ونحن جالسان في الحديقة، ~~وكنا دخلناها ليجدد عهدا بمجلسه فلعله يسكن بعض ما به؛ واستفاض # PageV03P120 # كلامنا في وصف تلك العبهرة* الفتانة التي أحلته هذا المحل وبلغت به ما ~~بلغت وكان في رقة لا رقة بعدها، وفي حب لا نهاية وراءه لمحب؛ وخيل إلى أنه ~~يرى الحديث عنها كأنه إحضارها بصورة ما! # وأنفع ما في حديث العاشق عن حبه وألمه أن الكلام يخرجه من حالة الفكر، ~~ويؤنس قلبه بالألفاظ، ويخفف من حركة نفسه بحركة لسانه، ويوجه حواسه إلى ~~الظاهر المتحرك؛ فتسلبه ألفاظه أكثر معانيه الوهمية، وتأتيه بالحقائق على ~~قدرها في اللغة لا في النفس؛ وفي كل ذلك حيلة على النسيان، وتعلل إلى ساعة؛ ~~وهو تدبير من الرحمة بالعاشقين في هذا البلاء الذي يسمى الفراق أو الهجر. # وكان من أعجب ما عجبت له أن صديقا مر بنا فدعاه صاحبنا وقال وهو يومئ ~~إلي: أنا وفلان هذا مختلفان منذ اليوم؛ لا هو يقيم عذرا ولا أنا أقيم حجة، ~~وأحسب أن عندك رأيا فاقض بيننا ... # ويسأله الصديق: ما القضية؟ فيقول وهو يشير إلي: # إن هذا قد تخرق قلبه من الحب فلا يدري من أين يجيء لقلبه برقعة.. وإنه ~~يعشق فلانة الراقصة التي كانت في هذا المسرح، ويزعم لي.. أنها أجمل وأفتن ~~وأحلى من طلعت عليه الشمس، وأنه ليس بين وجهها وبين القمر وجه امرأة أخرى ~~في كل ما يضيء القمر عليه، وأن عينيها مما لا ينسى أبدا أبدا أبدا ... لأن ~~ألحاظها تذوب في الدم وتجري فيه، وأن الشيطان لو أراد مناجزة العفة والزهد ~~في حرب حاسمة بينه وبين أزهد العباد لترك كل حيله وأساليبه وقدم جسمها ~~وفنها.. # فيقول له المسؤول: وما رأيك أنت؟ # فيجيبه: لو كان عنها صاحيا لقد صحا. إن المشكلة في الحب أن كل عاشق له ~~قلبه الذي هو قلبه، وحسبها أن مثل هذا هو يصفها؛ وما يدرينا من تصاريف ~~القدر بهذه المسكينة ms689 ما عليها مما لها، فلعلها الجمال حكم عليه أن يعذب ~~بقبح الناس، ولعلها السرور قضي عليه أن يسجن في أحزان! # وقلت له: يا صديقي المسكين! أوكل هذا لها في قلبك؟ فما هذا القلب الذي ~~تحمله وتتعذب به؟ PageV03P121 # قال: إنه -والله- قلب طفل، وما حبه إلا التماسه الحنان الثاني من ~~الحبيبة، بعد ذلك الحنان الأول من الأم؛ وكل كلامي في الحب إنما هو إملاء ~~هذا القلب على فكره كأنه يخلق به خلق تفكيره. # آه يا صديقي! من السخرية بهذه الدنيا وما فيها أن القلب لا يستمر طفلا ~~بعد زمن الطفولة إلا في اثنين: من كان فيلسوفا عظيما، ومن كان مغفلا عظيما! # وافترقنا؛ ثم أردت أن أتعرف خبره فلقيته من الغد، وكان لي في أحلامي تلك ~~الليلة شأن عجيب، وكان له شأن أعجب؛ أما أنا فلا يعني القراء شأني وقصتي. # وأما هو؟ ... # PageV03P122 ### | القلب المسكين "8": # وأما هو فحدثني بهذا الحديث العجيب من لطائف إلهامه وفنه، قال: انصرفت ~~إلى داري وقد عز علي أن يكون هذا منها وأن يكون هذا مني، وهي إن غابت أو ~~حضرت فإنها لي كالشمس للدنيا: لا تظلم الدنيا في ناحية إلا من أنها تضيء في ~~ناحية؛ فظلمتها من عمل نورها؛ وكانت ليلتي فارغة من النوم فبت أتململ، وجعل ~~القلب يدق في جنبي كأنه آلة في ساعة لا قلب إنسان؛ وكان في الدنيا من حولي ~~صمت كصمت الذي سكت بعد خطبة طويلة، وفي أنا صمت آخر كصمت الذي سكت بعد سؤال ~~لا جواب عليه؛ وكان الهواء راكدا كالسكران الذي انطرح من ثقله السكر بعد أن ~~هذى طويلا وعربد؛ والوجود كله يبدو كالمختنق؛ لأن معنى الاختناق في قلبي ~~وأفكاري؛ ونظرت نظرة في النجوم فإذا هي تتغور نجما بعد نجم، كأن معنى ~~الرحيل انتشر في الأرض والسماء إذ رحلت الحبيبة؛ وكأن كل وجه مضيء يقول لي ~~كلمة: لا تنتظر! # فلما عسعس الليل رميت بنفسي فنمت والعقل يقظان، وصنعت الأحلام ما تصنع، ~~فرأيتها هي في تلك الشفوف التي ظهرت فيها عروسا؛ وما أعجب كبرياء ms690 المرأة ~~المحبوبة! إنها لتبدو لعيني محبها كالعارية وراء ستر رقيق يشف عنها كالضوء، ~~ثم تدل بنفسها أن ترفع هذا الستر، فإن لم يتجرأ هو لم تتجرأ هي؛ وكأنها ~~تقول له: قد رفعته بطريقتي فارفعه أنت بطريقتك.. # وكانت مصورة في الحلم تصويرا آخر؛ فلا ينسكب من جسمها معنى الحسن الذي ~~أتأمله وأعقله، ولكن معنى السكر الذي يترك المرء بلا عقل؛ ولم تكن غلائلها ~~عليها كالثياب على المرأة، ولكنها ظهرت لي كاللون على الوردة الزاهية: تظهر ~~فتنة وتتم فتنة. # أيتها الأحلام، ماذا تبدعين إلا مخلوقات الدم الإنساني، ماذا تبدعين؟ # PageV03P123 # قلت: يا صديقي دع الآن هذه الفلسفة وخذ في قص ما رأيت، ثم ماذا بعد ~~الوردة ولون الوردة؟ # قال: إنه القلب المسكين دائما، إنه القلب المسكين، لقد ضحكت لي وقالت: ها ~~أنذا قد جئت! وأقبلت ترائيني بوجهها، وتتغزل بعينيها، وتتنهد بصدرها، وألقت ~~يديها في يدي، فأحسست اليدين تتعانقان ولا تتصافحان؛ ثم تركناهما نائمتين ~~إحداهما على الأخرى، وسكتنا هنيهة وقد خيل إلينا أننا إذا تكلمنا استيقظت ~~يدانا! # أما صافحتك امرأة تحبها وتحبك؟ أما أحسست بيدها قد نامت في يدك ولو لحظة؟ ~~أما رأيت بعينيك نعاس يدها وهو ينتقل إلى عينيها فإذا هما فاترتان ذابلتان، ~~وتحت أجفانهما حلم قصير؟ # قلت: يا صديقي دع الفلسفة؛ ثم كان ماذا بعد أن نامت يد على يد؟ # قال: ثم كانت سخرية من الشيطان أقبح سخرية قط. # قلت: حسبي لكأنك شرحت لي ما بقي.. # فضحك طويلا، وقال: إن الشيطان يسخر الآن منك أيضا، وكأني به يقول لك: ~~وكان ما كان مما لست أذكره.. أفتدري ما الذي كان وما بقية الخبر؟ # لقد كنت مولعا بامتحان قوتي في الضغط بيدي على أعواد منصوبة من الحديد، ~~أو على أيدي الأقوياء إذا سلمت عليهم1؛ فلما صافحتني لبثت مدة من الزمن ثم ~~شددت على يدها قليلا قليلا، فتنبهت في هذه العادة، فمسخت الحلم وانصرف وهمي ~~إلى أقبح صورة وأشنعها وأبعدها مما أنا فيه من الحب ولذات الحب؛ فإذا ~~بإزائي وجه، وجه من؟ وجه مصارع ألماني ms691 كنت أعرفه من عشرين سنة وأضغط على ~~يده.. # قلت: إنما هذه كبرياؤك أو عفتك تنبهت في تلك الشدة من يدك، ولا يزال أمرك ~~عجيبا؛ فهل معك أنت ملائكة ومع الناس شياطين؟ # قال: والذي هو أعجب أني رأيت في أضغاث أحلامي كأن قلبي المسكين يخاصمني ~~وأخاصمه؛ وقد خرج من أحناء الضلوع كأنه مخلوق من الظل يرى ولا يرى إذ لا ~~شكل له؛ وسبني وسببته، وقلت له وقال لي، وتغالظنا كأننا عدوان؛ PageV03P124 # فهو يرى أني أنا أمنعه لذاته، وأرى أنه هو يمنعني، وأنه أشفى بي على ما ~~أشفى؛ وقلت له فيما قلت: لا قرار على جنايتك، فاذهب عني ولا تتسم باسمي ~~فإنه لا فلان لك* بعد اليوم؛ ولولا أنك مخذول في الحب لعلمت أن لمسة يد ~~الرجل ليد المرأة الجميلة نوع مخفف من التقبيل، فإذا هي تركته يرتفع في ~~الدم انتهى يوما إلى تقبيل فمه لفمها؛ ولولا أنك مخذول في الحب لعلمت أن ~~هذا الضم بين اليدين نوع مخفف من العناق، فإذا هي تركته يشتد في الدم انتهى ~~يوما إلى ضم الصدر للصدر؛ ولكنك مخذول في الحب، ولكنك مخذول!. # وقال لي فيما قال: وأنت أيها الخائب؟ أما علمت أن أناملها الرخصة هي ~~أناملها، لا أعوادك من الحديد؟ فكيف شددت عليها ويحك تلك الشدة التي أخرجت ~~لك وجه المصارع؟ ولكنك خائب في الحب، ولكنك خائب! # قلت: فهذه قضية بيني وبينك أيها القلب العدو؛ لقد تركتني من الهموم ~~كالشجرة المنخربة قد بليت وصارت فيها التخاريب؛ فلا حياتها بالحياة ولا ~~موتها بالموت، وكم علقتني بفاتنة بعد فاتنة لا عنها إقصار ينتهي ولا فيها ~~مطمع يبتدئ؛ ما أنت في إلا وحش أكبر لذته لطع الدم! # واستدار الحلم فلم ألبث أن رأيتني في محكمة الجنايات، وكأني شكوت قلبي ~~إليها فهو جالس في القفص الحديدي بين المجرمين ينتظر ما ينتظرون من الفصل ~~في أمرهم؛ وقد ارتفع المستشارون الثلاثة إلى منصة الحكم، وجلس النائب العام ~~في مجلسه يتولى إقامة الدعوى وبين يديه أوراقه ينظر فيها، ورأيت منها غلافا ~~كتب ms692 على ظاهره: قضية القلب المسكين. # وتكلم رئيس المحكمة أول من تكلم فقال: ليس في قضية القلب محام، فابغوه من ~~يدافع عنه؛ ثم التفت إليه وقال: من عسى تختار للدفاع عنك؟ # قال القلب: أوهنا موضع للاختيار يا حضرة الرئيس؟ إنه ليس تحت هذه -وأومأ ~~إلى السماء- ولا فوق هذه -وأومأ إلى الأرض- إلا ... # فبدر النائب العام وقال: إلا الحبيبة؟ أكذلك؟ غير أنها أستاذة في الرقص ~~لا في القانون! PageV03P125 # - القلب: ولكنني لا أختار غيرها محكوما لي أو محكوما علي؛ أنا أريد أن ~~أنظر فيها وانظروا أنتم في القضية.. # - الرئيس: فليكن؛ فهذه جريمة عواطف إيذن لها أيها الآذن. # فنادى المحضر*: الأستاذة! الأستاذة! # وجاءت مبادرة، ودخلت تمشي مشيتها وقد افتر ثغرها عن النور الذي يسطع في ~~النفس؛ وأومضت بوجهها يمينا وشمالا، فصرف الناس جميعا أبصارهم إليها وقد ~~نظروا إلى فتنة من الفتن؛ وثارت في كل قلب نزعة، وغلبت الحقيقة البشرية ~~فانتقضت طباع الموجودين في قاعة الجلسة، وأبطل قانون جمالها قانون المحكمة، ~~فوقعت الضجة وعلت الأصوات واختلطت؛ وترددت بين جدران المكان صدى في صدى كأن ~~الجدران تتكلم مع المتكلمين. # أصوات أصوات: سبحان الله! سبحان الله! تبارك الله! تبارك الله! آه آه! آه ~~آه! وسمع صوت يقول: اتهموني أنا أيضا.. فنفرت الكلمات: وأنا، وأنا، وأنا! ~~واختفت المحكمة وانبعث المسرح بدخول فاتنته الراقصة؛ وكان المستشارون ~~والنائب العام في أعين الناس كأنهم صور معلقة على الحائط؛ لا يخشاها أحد أن ~~تنظر إلى ما يصنع! # فصاح الرئيس: هنا المحكمة! هنا المحكمة! سبحان الله.. المحكمة المحكمة! # -النائب العام: هذا بدء لا ترضاه النيابة ولا تقبل أن تنسحب عليه، نعم إن ~~هذا الوجه الجميل أبرع محام في هذه القضية، ونعم إن جسمها.. آه ماذا؟ إنكم ~~تأتون بالشهوة الغالبة القاهرة لتدافع عن المشتهي.. عن المتهم، هذا وضع ~~كوضع العذر إلى جانب الذنب، وكأنكم يا حضرات المستشارين.. # فبدرت المحامية تقول في نغمة دلال وفتور: وكأنكم يا حضرات المستشارين قد ~~نسيتم أن النائب العام له قلب أيضا ... # واشتد ذلك على النائب، وتبين الغضب في وجهه؛ فقال: ms693 يا حضرة الرئيس.. # -الرئيس مبتسما: واحدة بواحدة، وأرجو ألا تكون لها ثانية، ومعنى هذا كما ~~هو ظاهر ألا تكون لها ثالثة.. "ضحك". PageV03P126 # قال صاحب القلب المسكين: وكنت بلا قلب.. فلم ألتفت للجمال، بل راعني ذكاء ~~المحامية ونفاذها وحسن اهتدائها إلى الحجة في أول ضرباتها، وتعجبت من ذلك ~~أشد التعجب، وأيقنت أن النائب العام سيقع في لسانها، لا كما يقع مثله في ~~لسان المحامي القدير، ولكن كما يقع زوج في لسان زوجة معشوقة متدللة تجادله ~~بحجج كثيرة بعضها الكلام.. وقلت في نفسي: يا رحمة الله لا تجعلي من النساء ~~الجميلات الفاتنات محاميات في هذه المحاكم، فلو ألبسوهن لحى مستعارة لكان ~~الصوت الرخيم وحده من تلك الأفواه الجميلة العذبة، نداء قانونيا للقبلات.. # ونهضت المحامية العجيبة فسلطت عينيها الساحرتين على النائب، ثم قالت ~~تخاطب المحكمة: قبل النظر في هذه القضية قضية الحب والجمال، قضية قلبي ~~المسكين.. أريد أن أتعرف الرأي القانوني في اعتبار الجريمة. أهي شخصية، ~~فتقصر على صاحبها؛ أو خاصة، فتضر غير جانبها، أو عامة، فيتناولها العموم ~~المحدود لمن تجمعهم جامعة الحب؛ أو هي أعم، فيتناولها العموم المطلق للهيئة ~~الاجتماعية؛ ما هي جريمة قلبي؟ # -الرئيس: ما رأي النيابة؟ # النائب "ضاحكا": "غزالتها رايقة" كما يقول الراقصات والممثلات.. أرى أنها ~~جريمة آتية من ضرب الخاص في العام.. "ضحك". # المحامية: جواب كجواب القائل: حب أبي بكر؛ كان ذلك الرجل يحب زوجته ~~الجميلة ويخافها، وكانت تقسو عليه قسوة عظيمة وتغلظ له الكلام، وهو يفرق ~~منها ولا يخالفها؛ فرآها يوما وقد طابت نفسها، فأراد أن ينتهز الفرصة ويشكو ~~قسوتها؛ فقال: يا فلانة قد -والله- أحرق قلبي.. ولم تدعه يتم الكلمة، فحددت ~~نظرها إليه وقطبت وجهها وقالت: أحرق قلبك ماذا؟ فخاف ولم يقدر أن يقول لها ~~سوء أخلاقك. فقال؛ حب أبي بكر الصديق رضي الله عنه.. "ضحك"، ورنت ضحكة ~~المحامية فاضطربت لها القلوب، ووقعت في كل دم، وفي دم النائب أيضا؛ فانخزل ~~ولم يزد على أن يقول: أحتج من كل قلبي.. # الرئيس: لندخل في الموضوع ولتكن المرافعة مطلقة؛ فإن ms694 الحدود في جرائم ~~القلب تسدل وترفع كهذه الستائر في مسرح التمثيل. وعشرون ستارة قد تكون كلها ~~لرواية واحدة. # PageV03P127 # - النائب العام: يا حضرات المستشارين، لا يطول اتهامي؛ فإن هذا القلب هو ~~نفسه تهمة متكلمة. # المحامية: ولكنه قلب. # النائب: وأنا يا سيدتي لم أحرف الكلمة ولم أقل إنه كلب. "ضحك"، وتضرج وجه ~~المحامية وخجلت*. # - الرئيس: الموضوع الموضوع. # - النائب: يا حضرات المستشارين، إن ألم هذه الجريمة إما أن يكون في شخص ~~الجاني أو ماله، أو صفته كأن يكون زوجا مثلا، أو صيته الأدبي؛ فإما الشخص ~~فهذا ظاهر، وأما المال فنعم إن القلب المسكين قرار لنفسه ولصاحبه ألا يبتاع ~~أبدا تذكرة دخول إلى جهنم.. "ضحك". # - المحامية: أستميح النائب عذرا إذا أنا.. إذا أنا فهمت من هذا التعبير ~~أن حضرته يعرف على الأقل أين تباع هذه "التذاكر".. "ضحك" وتفرج وجه النائب ~~العام وخجل. # - الرئيس: كنت رجوت ألا تكون للأولى ثانية، وقلت: إن معنى هذا كما هو ~~ظاهر ألا يكون لها ثالثة؛ فهل أنا محتاج إلى القول بأن المعنى المنطقي ألا ~~يكون للثالثة رابعة؟ # - النائب: يا حضرات المستشارين، وأما الصفة، فهذا القلب المسكين قلب رجل ~~متزوج؛ ولا تغرنكم صوفية هذا القلب، ولا يخدعنكم تألهه وزعمه السمو. إنه ~~على كل حال يعشق راقصة، وهذا اعتداء في ضمنه اعتداء، على الزواج وعلى ~~الشرف؛ وهبوه متصوفا متألها ولم يتصل بالراقصة، فهو على كل حال قد أخذها ~~واتخذها ولكن بأسلوبه الخاص.. وبهذا اقترف الجريمة؛ آه! إن هذه القضية ~~ناقصة؛ وذلك نقص فيها أخشى أن يكون نقصا في الحكم أيضا، فأتموه أنتم. يا ~~حضرات المستشارين، إن النقص فيها أنها لا شهود فيها؛ ولكن هذا عمل إلهي لا ~~يظهر إلا يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. ~~PageV03P128 # -المحامية: هذا تعبير أكبر من قدرة قائله ومن منزلته ووظيفته، هذا تعبير ~~جسور! يا حضرة النائب، من الذي لا يحمل شهودا في لسانه ويديه ورجليه، بل ~~ألف شاهد على ليلة واحدة.. يجب أن يكون مفهوما بيننا يا حضرة النائب أن ~~النون والباء في ms695 لفظة "نائب" غير النون والباء في لفظة "نبي". # -النائب: يا حضرات المستشارين، لا أرى مما يحرجني في الاتهام أن أصرح لكم ~~أن مما حيرني في هذه الجريمة أن ليس فيها من أوصاف الجرائم إلا ثلم ~~الكرامة، فلا قذف ولا سب ولا هتك عرض ولا فجور، ولا أصغر من ذلك، ولا كأس ~~خمر للراقصة.. # -المحامية: لا أرى أمام حضرة النائب كأس ماء، وسيجف حلقه في هذه القضية؛ ~~فلعل المحكمة تأمر لي بكأس.. "ضحك". # -النائب: يا حضرات المستشارين، يعشق راقصة؛ اسم فاعل من رقص يرقص؛ امرأة ~~لا تلبس ثيابا، بل عريا في شكل ثياب.. امرأة لا كالنساء، كذبها هو صدق من ~~شفتيها؛ لماذا؟ لأنهما حمراوان رقيقتان عذبتان محبوبتان مطلوبتان.. # المحامية: تضحك.. # - النائب "بعد أن تتعتع": امرأة لا كالنساء، جعلتها الحرفة امرأة في ~~العمل، ورجلا في الكسب.. # -المحامية: ولكنك لا تدري أي حمل سقطت* المسكينة، وقد يكون في الرذائل ~~رذائل كبعض أصحاب الألقاب: ذات عظمة.. # -النائب: يحب راقصة أي يضعها في عقله الباطن ويشتهيها؛ نعم يشتهيها، فمن ~~عقله الباطن، وبتعبير اللغة، من واعيته -تخرج الجريمة أو على الأقل، فكرة ~~الجريمة. # والصيت الأدبي يا حضرات المستشارين؟ هل من كرامة لمن يعشق راقصة؟ لا بل ~~هل من كرامة في الحب؟ ألم يقولوا: إن كرامة الرجل تكون تحت قدمي المرأة ~~المعشوقة كالممسحة الخشنة تمسح فيها نعليها! # الحب؟ ما هو الحب؟ إنه ليس فكرة، بل هو شيطان يتلبس لجسم العاشق؛ ليعمل ~~أعماله بأداة حية، وهذا التركيب الحيواني للإنسان هو الذي يهيئ من الحب ~~PageV03P129 # مداخل ومخارج للشياطين في جسمه؛ وهل رضي صاحب القلب المسكين بجناية قلبه ~~عليه، وعظيم ما انتهك من أخلاقه السامية؟ هل رضي عشقه راقصة؟ إن لم يرض ~~الرضى الصحيح، أو رضي بقدر ما؛ فعلى كليهما يقوم في نفسه مانع؛ والمانع من ~~الرضى هو الموجب للعقوبة. # -المحامية: ولكن قدرا من الرضى ينزل بالجناية فيردها إلى جنحة كما في ~~القانون الإنجليزي، وقد قرر الشراح أنه ما دام الرضى غير مستلب بكله، ~~فالجريمة غير واقعة بكلها. # -النائب: جنحة ms696 كل قلب هي جناية من هذا القلب بخصوصه، على طريقة "حسنات ~~الأبرار سيئات المقربين"؛ والعبرة هنا بالواقع لا بالصفة القانونية، وقد ~~قرر الشراح أن الواقع قد يكون أحيانا سببا في تشديد العقوبة، فلا بد من ~~تشديد العقوبة في هذه القضية. لا أطلب الحكم بالمادة 230 عقوبات بل بالمواد ~~من 230 إلى 241 ضربة واحدة. # -المحامية: قد نسيت أن هذا قلب وعقوبته عقوبة لصاحبه البريء. # -النائب: إذن أطلب عقابه بحرمانه الجمال: وهذا أشق عليه من العقاب باثنتي ~~عشرة مادة وبعشرين وثلاثين. # الرئيس: وما هي الطريقة لتنفيذ الحكم بهذا الحرمان؟ # النائب: تأمر المحكم بالمراقص كلها فتغلق، وبالمسارح كلها فتقفل، ~~وبالسينما فتبطل إلا ما لا جمال فيه منها ولا غزل ولا حب، ويحرم السفور على ~~النساء إلا العجائز والدميمات، ويمنع نشر صور الجمال في الصحف والكتب، و ~~... # المحامية: قل في كلمة واحدة: يجب إصلاح العالم كله لإصلاح القلب ~~الإنساني! # وجلس النائب، فالتفت الرئيس إلى المحامية وقال لها: وأما هو؟.. # PageV03P130 ### | القلب المسكين "تتمة": # قال صاحب القلب المسكين: ووقفت المحامية وكأنها بين الحراس تزدحم عليها ~~من كل ناحية، وقد ظهرت للموجودين ظهور الجمال للحب، ونقلتهم في الزمن إلى ~~مثل الساعة المصورة التي ينتظر فيها الأطفال سماع القصة العجيبة؛ ساعة فيها ~~كل صور اللذة للقلب. # وكانت تدافع بكلامها ووجهها يدافع عن كلامها، فلو نطقت غيا أو رشدا فلهذا ~~صواب ولهذا صواب، لأن أحد الصوابين منظور بالأعين. # كان صوت النائب العام كلاما يسمع ويفهم: أما صوت المحامية الجميلة فكان ~~يسمع ويفهم ويحس ويذاق، تلقيه هي من ناحية ما يدرك، وتتلقاه النفس من ناحية ~~ما يعشق؛ فهو متصل بحقيقتين من معناه ومعناها، وهو كله حلاوة؛ لأنه من فمها ~~الحلو. # وبدأت فتناولت من أشيائها مرآة صغيرة فنظرن فيها. # - النائب العام: ما هذا يا أستاذة؟ # - المحامية: إنكم تزعمون أن هذه الجريمة تأليف عيني، فأنا أسأل عيني قبل ~~أن أتكلم! # - النائب: نعم يا سيدتي، ولكني أرجو ألا تدخلي القضية في سر المرآة ~~وأخواتها.. إن النيابة تخشى على اتهامها إذا تكحلت لغة ms697 الدفاع! # فضحكت المحامية ضحكة كانت أول البلاغة المؤثرة.. # - النائب: من الوقار القانون أن تكون المحامية الفتانة غير فتانة ولا ~~جذابة أمام المحكمة. # - المحامية: تريد أن تجعلها عجوزا بأمر النيابة؟ "ضحك". # - النائب: جمال حسناء، في ظرف غانية، في شمائل راقصة، في حماسة عاشقة، في ~~ذكاء محامية، في قدرة حب؛ هذا كثير! # PageV03P131 # - المحامية: يا حضرات المستشارين، لم تكن المرآة هفوة من طبيعة المرأة، ~~ولكنها الكلمة الأولى في الدفاع، كلمة كان الجواب عنها من النائب العام أنه ~~أقر بتأثير الجمال وخطره، حتى لقد خشي على اتهامه إذا تكحلت له لغتي. # - القضاة يتبسمون. # - النائب: لم أزد على أن طلبت الوقار القانوني، الوقار، نعم الوقار؛ فإن ~~المحامية أمام المحكمة، هي متكلم لا متكلمة. # - المحامية: متكلم بلحية مقدرة منع من ظهورها التعذر "ضحك".. # كلا يا حضرة النائب؛ إن لهذه القضية قانونا آخر تنتزع منه شواهد وأدلة؛ ~~قانون سحر المرأة للرجل، فلو اقتضاني أن أرقص لرقصت، أو أغني لغنيت، أو سحر ~~الجمال لأثبته أول شيء في النائب.. # - الرئيس: يا أستاذة! # - المحامية: لم أجاوز القانون، فالنائب في جريمتنا هو خصم القضية، وهو ~~أيضا خصم الطبيعة النسوية. # - النائب: لو حدث من هذا شيء لكان إيحاء لعواطف المحكمة ... فأنا أحتج! # - المحامية: احتج ما شئت، ففي قضايا الحب يكون العدل عدلين؛ إذ كان ~~الاضطرار قد حكم بقانونه قبل أن تحكم أنت بقانونك. # النائب: هذه العقدة ليست عقدة في منديل يا سيدتي، بل هي عقدة في القانون. # - المحامية: وهذه القضية ليست قضية إخلاء دار يا سيدي، بل هي قضية إخلاء ~~قلب! # - الرئيس: الموضوع، الموضوع! # - المحامية: يا حضرات المستشارين، إذا انتفى القصد الجنائي وجبت البراءة. # هذا مبدأ لا خلاف عليه؛ فما هو الفعل الوجودي في جريمة قلبي المسكين؟ # - النائب: أوله حب راقصة. # - المحامية: آه! دائما هذا الوصف؟ هبوها في معناها غير جديرة بأن يعرفها؛ ~~لأنه رجل تقي، أفليست في حسنها جديرة بأن يحبها؛ لأنه رجل شاعر؟ أحكموا يا ~~حضرات القضاة؛ هذه راقصة ترتزق وترتفق، ومعنى ذلك أنها رهن بأسبابها، ومعنى ~~هذا أنها خاضعة ms698 للكلمة التي تدفع.. فلماذا لم ينلها وهي متعرضة له، وكلاهما ~~من صاحبه على النهاية، وفي آخر أوصاف الشوق؟ أليس هذا حقيقا # PageV03P132 # بإعجابكم القانوني كما هو جدير بإعجاب الدين والعقل؟ وإن لم يكن هذا الحب ~~شهوة فكر، فما الذي يحول دونها وما يمنعه أن يتزوجها؟ # - القضاة يتبسمون. # - النائب: نسيت المحامية أنها محامية وانتقلت إلى شخصيتها الواقعة على ~~النهاية وفي آخر أوصاف الشوق.. فأرجو أن ترجع إلى الموضوع، موضوع الراقصة. # - المحامية: آه! دائما الراقصة، من هي هذه المسكينة الأسيرة في أيدي ~~الجوع والحاجة والاضطرار؟ أليست مجموعة فضائل مقهورة؟ أليست هي الجائعة ~~التي لا تجد من الفاجرين إلا لحم الميتة؟ نعم إنها زلت، إنها سقطت، ولكن ~~بماذا؟ بالفقر لا غير، فقر الضمير والذمة في رجل فاسد خدعها وتركها، وفقر ~~العدل والرحمة في اجتماع فاسد خذلها وأهملها! يا للرحمة لليتيمة من الأهل، ~~وأهلها موجودون! والمنقطعة من الناس، والناس حولها! # تقولون: يجب ولا يجب، ثم تدعون الحياة الظالمة تعكس ما شاءت فتجعل ما لا ~~ينبغي هو الذي ينبغي، وتقلب ما يجب إلى ما لا يجب، فإذا ضاع من يضيع في هذا ~~الاختلاط، قلتم له: شأنك بنفسك، ونفضتم أيديكم منه فأضعتموه مرة أخرى، ~~ويحكم يا قوم! غيروا اتجاه الأسباب في هذا الاجتماع الفاسد، تخرج لكم ~~مسببات أخرى غير فاسدة. # تأتي المرأة من أعمال الرجل لا من أعمال نفسها، فهي تابعة وتظهر كأنها ~~متبوعة؛ وذلك هو ظلم الطبيعة للمسكينة؛ ومن كونها تظهر كأنها متبوعة، ~~يظلمها الاجتماع ظلما آخر فيأخذها وحدها بالجريمة، ويقال: سافلة، وساقطة؛ ~~وما جاءت إلا من سافل وساقط! # لماذا أوجبت الشريعة الرجم بالحجارة على الفاسق المحصن؟ أهي تريد القتل ~~والتعذيب والمثلة؟ كلا؛ فإن القتل ممكن بغير هذا وبأشد من هذا، ولكنها ~~الحكمة السامية العجيبة: إن هذا الفاسق هدم بيتا فهو يرجم بحجارته! # ما أجلك وأسماك يا شريعة الطبيعة! كل الأحجار يجب أن تنتقم لحجر دار ~~الأسرة إذا انهدم. # تستسقطون المسكينة، ولو ذكرتم آلامها لوجدتم في ألسنتكم كلمات الإصلاح ~~والرحمة لا كلمات الذم والعار؛ إنها تسعى ms699 برذيلتها إلى الرزق؛ فهل معنى هذا ~~إلا أنها تسعى إلى الرزق بأقوى قوتها؟ نعم إن ذلك معنى الفجور، ولكن أليس ~~هو نفسه معنى القوت أيها الناس؟ # PageV03P133 # - الرئيس وهو يمسح عينيه: الموضوع الموضوع! # - المحامية: ما هو الفعل الوجودي في جريمة قلبي المسكين؟ ما هو الواقع من ~~جريمة يضرب صاحبها المثل بنفسه للشباب في تسامي غريزته عن معناها إلى أطهر ~~وأجمل من معناها؟ لبئس القانون إن كان القانون يعاقب على أمر قد صار إلى ~~عمل ديني من أعمال الفضيلة! # - النائب: ألا يخجل من شعوره بأنه يحب راقصة؟ # - المحامية: ومم يخجل؟ أمن جمال شعوره أم من فن شعوره؟ أيخجل من عظمة في ~~سمو في كمال؟ أيخجل البطل من أعمال الحرب وهي نفسها أعمال النصر والمجد؟ # أتأذنون يا حضرات المستشارين أن أصف لكم جمال صاحبته وأن أظهر شيئا من سر ~~فنها الذي هو سر البيان في فنه؟ # - النائب: إنها تتماجن علينا يا حضرات المستشارين، فالذي يحاكم على السكر ~~لا يدخل المحكمة ومعه الزجاجة.. # - الرئيس: لا حاجة إلى هذا النوع من ترجمة الكلام إلى أعمال يا حضرة ~~الأستاذة. # - المحامية: كثيرا ما تكون الألفاظ مترجمة خطأ بنيات المتكلمين بها أو ~~المصغين إليها؛ فكلمة الحب مثلا قد تنتهي إلى فكر من الأفكار حاملة معنى ~~الفجور، وهي بعينها تبلغ إلى فكر حاملة إلى سموه من سموها؛ وعلى نحو من هذا ~~يختلف معنى كلمة الحجاب عند الشرقيين والأوربيين؛ فالأصل في مدنية هؤلاء ~~إباحة المعاني الخفيفة من العفة.. وإكرام المرأة إكرام مغازلة.. يقولون: إن ~~رقم الواحد غير رقم العشرة، فيضعونه في حياة المرأة، فما أسرع ما يجيء ~~"الصفر" فإذا هو العشرة بعينها! # أما الشرقيون فالأصل في مدنيتهم التزام العفة وإقرار المرأة في حقيقتها، ~~لا جرم كان الحجاب هنا وهناك بالمعنيين المتناقضين: الاستبداد والعدل، ~~والقسوة والرحمة، و ... # - النائب: وامرأة البيت وامرأة الشارع ... # - المحامية: وبصر القانون وعمي القانون ... # - الرئيس: وحسن الأدب وسوء الأدب ... الموضوع الموضوع. # - المحامية: لا والذي شرفكم بشرف الحكم، يا حضرات المستشارين؛ ما # PageV03P134 # يرى القلب المسكين في حبيبته إلا تعبير ms700 الجمال، فهو يفهمها فهم التعبير ~~ككل موضوعات الفن، وما بينه وبينها إلا أن حقيقة الجمال تعرفت إليها فيها، ~~أئن أحس الشاعر سرا من أسرار الطبيعة في منظر من مناظرها، قلتم أجرم وأثم؟ # هذا قلب ذو أفكار، وسبيله أن يعان على ما يتحقق به من هذا الفن، قد ~~تقولون: إن في الطبيعة جمالا غير جمال المرأة فليأخذ من الطبيعة وليعط ~~منها؛ ولكن ما الذي يحيي الطبيعة إلا أخذها من القلب؟ وما هي طريقة أخذها ~~من القلب إلا بالحب؟ وقد تقولون: إنه يتألم ويتعذب؛ ولكن سلوه: أهو يتألم ~~بإدراكه الألم في الحب، أو بإدراكه قسوة الحقيقة وأسرار التعقيد في الخير ~~والشر؟ # إن شعراء القلوب لا يكونون دائما إلا في أحد الطرفين: هم أكبر من الهم، ~~فرح أكثر من الفرح؛ فإذا عشقوا تجاوزوا موضوع الوسط الذي لا يكون الحب ~~المعتدل إلا فيه؛ ومن هذا فليس لهم آلام معتدلة ولا أفراح معتدلة. # هذا قلب مختار من القدرة الموحية إليه، فالتي يحبها لا تكون إلا مختارة ~~من هذه القدرة اختيار ملك الوحي، وهما بهذا قوتان في يد الجمال لإيداع أثر ~~عظيم ملء قدرتين كلتاهما عظيمة.. # فإن قلتم إن حب هذا القلب جريمة على نفسه، قالت الحقيقة الفنية: بل ~~امتناع هذه الجريمة جريمة. # إن خمسين وخمسين تأتي منهما مائة، فهذا بديهي، ولكن ليس أبين ولا أظهر ~~ولا أوضح من قولنا: إن هذا العاشق وهذه المعشوقة يأتي منهما فن. # قال صاحب القلب المسكين: وانصرف القضاة إلى غرفتهم؛ ليتداولوا الرأي فيما ~~يحكمون به، وأومأت لي المحامية الجميلة تدعوني إليها، فنهضت أقوم فإذا أنا ~~جالس وقد انتبهت من النوم. # جائزة1: لمن يحسن كتابة الحكم في هذه القضية خمس نسخ من كتاب "وحي ~~القلم"، وترسل المقالات "باسمنا إلى طنطا"، والموعد "إلى آخر شهر يناير ~~هذا" والشرط رضى المحكمين، ومنهم صاحب القلب المسكين وصاحبته.. PageV03P135 ### | انتصار الحب # *: # كل ما يكتب عن حبيبين لا يفهم منه بعض ما يفهم من رؤية وجه أحدهما ينظر ~~إلى وجه الآخر. # وما تعرفه العين من العين لا ms701 تعرفه بألفاظ، ولكن بأسرار.. # والغليل المتسعر في دم العاشق كجنون المجنون: يختص برأسه وحده. # وضمة المحب لحبيبه إحساس لا يستعار من صدر آخر، كما لا يستعار المولود ~~لبطن لم يحمله. # وكلمة القبلة التي معناها وضع الفم، لن ينتقل إليها ما تذوقه الشفتان! # ويوم الحب يوم ممدود، لا ينتهي في الزمن إلا إذا بدأ يوم السلو في ~~الزمن.. # فهل يستطيع الخلق أن يصنعوا حدا يفصل بين وقتين لينتهي أحدهما..؟ # وهبهم صنعوا السلوان من مادة النصيحة والمنفعة، ومن ألف برهان وبرهان، ~~فكيف لهم بالمستحيل، وكيف لهم بوضع السلوان في القلب العاشق؟ # وإذا سالت النفس من رقة الحب، فبأي مادة تصنع فيها صلابة الحجر..؟ # وما هو الحب إلا إظهار الجسم الجميل حاملا للجسم الآخر كل أسراره، يفهمها ~~وحده فيه وحده؟ # وما هو الحب إلا تعلق النفس بالنفس التي لا يملؤها غيرها بالإحساس؟ # وما هو الحب إلا إشراق النور الذي فيه قوة الحياة، كنور الشمس من الشمس ~~وحدها؟ PageV03P136 # وهل في ذهبت الدنيا وملك الدنيا ما يشتري الأسرار، والإحساس، وذلك النور ~~الحي؟.. # فما هو الحب إلا أنه هو الحب؟ # ما هو هذا السر في الجمال المعشوق، إلا أن عاشقه يدركه كأنه عقل للعقل ~~وما هو هذا الإدراك إلا انحصار الشعور في جمال متسلط كأنه قلب للقلب؟ وما ~~هو الجمال المتسلط بإنسان على إنسان، إلا ظهور المحبوب كأنه روح للروح؟ ~~ولكن ما هو السر في حب المحبوب دون سواه؟.. هنا تقف المسألة وينقطع الجواب. # هنا سر خفي كسر الوحدانية؛ لأنها وحدانيته "أنا وأنت". # ناقشوا الحب؛ فقالوا: أصبحت الدنيا دنيا المادة، والروحانية اليوم ~~كالعظام الهرمة لا تكتسي اللحم العاشق.. # وقال الحب: لا بل المادة لا قيمة لها في الروح؛ وهذا القلب لن يتحول إلى ~~يد ولا إلى رجل.. # ناقشوا الحب؛ فقالوا: إن العصر عصر الآلات، والعمل الروحي لا وجود له في ~~الآلة ولا مع الآلة.. # قال الحب: لا، يصنع الإنسان ما شاء، ويبقى القلب دائما كما صنعه الخالق.. # وقالوا: الضعيفان: الحب والدين، والقويان: المال والجاه؛ فبماذا رد ms702 ~~الحب..؟ # جاء بلؤلؤة روحانية في "مسز سمبسون"؛ ووضع لها في ميزان المال والجاه ~~أعظم تاج في العالم إدوارد الثامن "ملك بريطانيا" العظمى وإرلندا ~~والممتلكات البريطانية فيما وراء البحار وملك-إمبراطور الهند". # وتنافست الروحانية والمادية، فرجع التاج وما فيه إلا أضعف المعنيين من ~~القلب. # وأعلن الحب عن نفسه بأحدث اختراع في الإعلان، فهز العالم كله هزة صحافية: # الحب. الحب. الحب. ... # PageV03P137 # "مسز سمبسون"، تلك الجميلة بنصف جمال، المطلقة مرتين. هذا هو اختيار ~~الحب! # ولكنها المعشوقة؛ وكل معشوقة هي عذراء لحبيبها ولو تزوجت مرتين؛ هذا هو ~~سر الحب! # ولكنها الفاتنة كل الفتنة، والظريفة كل الظرف، والمرأة كل المرأة، هذا هو ~~فعل الحب! # ولكنها العقل للأعصاب المجنونة، والأنس للقلب المستوحش، والنور في ظلمة ~~الكآبة؛ هذا هو حكم الحب! # ومن أجلها يقول ملك انجلترا للعالم: "لا أستطيع أن أعيش بدون المرأة التي ~~أحبها"؛ فهذا هو إعلان الحب.. # إذا أخذوها عنه أخذوها من دمه، فلذلك معنى من الذبح. # وإذا انتزعوها انتزعوها من نفسه، فذلك معنى من القتل. # وهل في غيرها هي روح اللهفة التي في قلبه، فيكون المذهب إلى غيرها؟ ~~لكأنهم يسألونه أن يموت موتا فيه حياة. # وكأنهم يريدون منه أن يجن جنونا بعقل.. هذا هو جبروت الحب! # وللسياسة حجج، وعند "مسز سمبسون" حجج، وعند الهوى.. # التاج، الملكية، امرأة مطلقة، امرأة من الشعب؛ فهذا ما تقوله السياسة. # ولكنها امرأة قلبه، تزوجت مرتين؛ ليكون له فيها إمتاع ثلاث زوجات؛ وهذا ~~ما يقوله الحب! # واللحظة الناعسة، والابتسامة النائمة، والإشارة الحالمة، وكلمة "سيدي"1؛ ~~هذا ما يقوله الجمال. PageV03P138 # وانتصر الحب على السياسة. وأبى الملك أن يكون كالأم الأرملة في ملك ~~أولادها الكبار.. # العرش يقبل رجلا خلفا من رجل، فيكون الثاني كالأول. # والحب لا يقبل امرأة خلفا من امرأة، فلن تكون الثانية كالأولى. # وطارت في العالم هذه الرسالة: "أنا إدوارد الثامن ... أتخلى عن العرش ~~وذريتي من بعدي"! # "وأعلن الحب عن نفسه بأحدث اختراع في الإعلان؛ فهز العالم كله هزة ~~صحافية". # الحب. الحب. الحب ... # PageV03P139 ### | قنبلة بالبارود لا بالماء المقطر # *: # حياكم الله يا شباب ms703 الجامعة المصرية؛ لقد كتبتم الكلمات التي تصرخ منها ~~الشياطين.. # كلمات لو انتسبن لانتسبت كل واحدة منهن إلى آية مما نزل به الوحي في كتاب ~~الله. # فطلب تعليم الدين لشباب الجامعة ينتمي إلى هذه الآية: {إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس} . # وطلب الفصل بين الشبان والفتيات يرجع إلى هذه الآية: {ذلكم أطهر لقلوبكم ~~وقلوبهن} . # وطلب إيجاد المثل الأخلاقي لهذه الأمة من شبابها المتعلم هو معنى الآية: ~~{هذا بصائر للناس وهدى ورحمة} . # قوة الأخلاق يا شباب الجامعة؛ لقد كتبتم الكلمات التي يصفق لها العالم ~~الإسلامي كله. # كلمات ليس فيها شيء جديد على الإسلام، ولكن كل جديد على المسلمين لا يوجد ~~إلا فيها. PageV03P140 # كلمات القوة الروحية التي تريد أن تقود التاريخ مرة أخرى بقوى النصر لا ~~بعوامل الهزيمة. # كلمات الشباب الطاهر الذي هو حركة الرقي في الأمة كلها، فسيكون منها ~~المحرك للأمة كلها. # كلمات ليست قوانين، ولكنها ستكون هي السبب في إصلاح القوانين ... # قوة الأخلاق يا شباب، قوة الأخلاق: إن الخطوة المتقدمة تبدأ من هنا ... # يريد الشباب مع حقيقة العلم حقيقة الدين؛ فإن العلم لا يعلم الصبر ولا ~~الصدق ولا الذمة. # يريدون قوة النفس مع قوة العقل، فإن القانون الأدبي في الشعب لا يضعه ~~العقل وحده ولا ينفذه وحده. # يريدون قوة العقيدة، حتى إذا لم ينفعهم في بعض شدائد الحياة ما تعلموه ~~نفعهم ما اعتقدوه. # يريدون السمو الديني، لأن فكرة إدراك الشهوات بمعناها هي فكرة إدراك ~~الواجبات بغير معناها. # يريدون الشباب السامي الطاهر من الجنسين، كي تولد الأمة الجديدة سامية ~~طاهرة. # قوة الأخلاق يا شباب، قوة الأخلاق؛ إن الخطوة المتقدمة تبدأ من هنا ... # أحس الشباب أنهم يفقدون من قوة المناعة الروحية بقدر ما أهملوا من الدين. # وما هي الفضائل إلا قوة المناعة من أضدادها؟ فالصدق مناعة من الكذب ~~والشرف مناعة من الخسة. # والشباب المثقل بفروض القوة هو القوة نفسها؛ وهل الدين إلا فروض القوة ~~على النفس؟ # وشباب الشهوات شباب مفلس من رأس ماله الاجتماعي، ينفق دائما ولا يكسب ~~أبدا! # والمدارس تخرج شبانها إلى ms704 الحياة، فتسألهم الحياة: ماذا تعودتم لا ماذا ~~تعلمتم! # PageV03P141 # قوة الأخلاق يا شباب، قوة الأخلاق؛ إن الخطوة المتقدمة تبدأ من هنا ... # وأحس الشباب معنى كثرة الفتيات في الجامعة، وأدركوا معنى هذه الرقة التي ~~خلقتها الحكمة الخالقة. # والمرأة أداة استمالة بالطبيعة، تعمل بغير إرادة ما تعمله بالإرادة، لأن ~~رؤيتها أول عملها. # نعم إن المغناطيس لا يتحرك حين يجذب، ولكن الحديد يتحرك له حين ينجذب! # ومتى فهم أحد الجنسين الجنس الآخر، فهمه بإدراكين بإدراك واحد! # وجمال المرأة إذا انتهى إلى قلب الرجل، وجمال الرجل إذا استقر في قلب ~~المرأة ... # هما حينئذ معنيان. ولكنهما على رغم أنف العلم معنيان متزوجان.. # لا، لا؛ يا رجال الجامعة، إن كان هناك شيء اسمه حرية الفكر فليس هناك شيء ~~اسمه حرية الأخلاق. # وتقولون: أوروبا وتقليد أوروبا! ونحن نريد الشباب الذين يعملون لاستقلانا ~~لا لخضوعنا لأوربا. # وتقولون: إن الجامعات ليست محل الدين، ومن الذي يجهل أنها بهذا صارت محلا ~~لفوضى الأخلاق. # وتزعمون أن الشباب تعلموا ما يكفي من الدين في المدارس الابتدائية ~~والثانوية فلا حاجة إليه في الجامعة.. # أفترون الإسلام روسا ابتدائية وثانوية فقط؛ أم تريدونه شجرة تغرس هناك ~~لتقلع عندكم.. # لا، لا؛ يا رجال الجامعة، إن قنبلة الشباب المجاهد تملأ بالبارود لا ~~بالماء المقطر.. # إن الشباب مخلوقون لغير زمنكم، فلا تفسدوا عليهم الحاسة الاجتماعية التي ~~يحسون بها زمنهم. # PageV03P142 # لا تجعلوهم عبيد آرائكم وهم شباب الاستقلال؛ إنهم تلاميذكم، ولكنهم أيضا ~~أساتذة الأمة. # لقد تكلم بلسانكم هذا البناء الصغير الذي يسمى الجامعة، وتكلم بألسنتهم ~~هذا البناء الكبير الذي يسمى الوطن. # أما بناؤكم فمحدود بالآراء والأحلام والأفكار، وأما الوطن فمحدود ~~بالمطامع والحوادث والحقائق. # لا، لا؛ إن المسلمين الذين هدوا العالم، قد هدوه بالروح الدينية التي ~~كانوا يعملون بها لا بأحلام الفلاسفة. # لا، لا، إن الفضيلة فطرة لا علم، وطبيعة لا قانون، وعقيدة لا فكرة؛ ~~وأساسها أخلاق الدين لا آراء الكتب.. # من هذا المتكلم يقول للأمة: "الجامعيون لن يقبلوا أن يدخل أحد في شئونهم ~~مهما يكن أمره"؟ # أهذا صوت جرس المدرسة لأطفال ms705 المدرسة ترن ترن.. فيجتمعون وينصاعون؟ # كلا يا رجل! لي في الجامعة قالب يصب فيه المسلمون على قياسك الذي تريد. # إن التعليم في الجامعة بغير دين يعصم الشخصية، هو تعليم الرذيلة تعليمها ~~العالي.. # {ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين} [يونس: 53] . # قوة الأخلاق يا شباب، قوة الأخلاق.. إن الخطوة المتقدمة تبدأ من هنا. # PageV03P143 ### | شيطان وشيطانة # *: # شغلني ما شغل الناس من حديث الجامعة المصرية وما أراده طلبتها من ورع ~~يحجزهم عن محارم الله، ودين يخلص به الإيمان إلى قلوبهم، فلا يكون لفظ ~~المسلم على المسلم كأنه مكتوب على ورقة؛ ثم ابتغوه من الفصل بين الشبان ~~والفتيات، تطهيرا للطباع ونوازع النفس، واتقاء لسوء المخالطة، وبعدا عن ~~مطية الإثم، وتوفيرا لأسباب الرجولة على الرجل ولصفات الأنوثة على الأنثى. # وقرأت كل ما نشرته الصحف، واستقصيت وبالغت، ونظرت في الألفاظ ومعانيها ~~ومعاني معانيها؛ وكنت قبل ذلك أتتبع باب "فلان وفلانة" في المجلات ~~الأسبوعية التي تكتب عن حوادث الاختلاط في الجامعة وتسمى الأسماء وتصف ~~الأوصاف وتذكر النوادر؛ فملأ كل ذلك صدري واجتمع الكلام يترجم نفسه إلي في ~~رؤيا رأيتها وها أنذا أقصها: # رأيتني عند باب الجامعة وكأني ذاهب لأقطع باليقين على الظن، وقد علمت أن ~~الظنة تقوم في حكمة التشريع مقام الحقيقية؛ لخفائها وكثرة وجودها؛ فإن كان ~~في اختلاط الجنسين ما يخشى أن يقع فهو كالواقع ### | .... # ثم رأيت شيطانة قد خرجت من الجامعة ومضت تتبع أنفها تتشمم الهواء ~~وتستروحه كأنه كأن فيه شيئا، حتى مالت إلى خمر هناك* من ذلك الشجر الملتف ~~عن يمين الطريق، فوقفت عنده تتنفس وتتنهد؛ ثم تبصرت فإذا شيطان PageV03P144 # مقبل إلى الجامعة إقبال المغير في غارته، فأومأت له، فعدل إليها وحياها ~~بتحية الشياطين، ثم قال لها: ما وقوفك هنا أيتها الخبيثة؟ وكيف تركت صاحبتك ~~التي أنت موكلة بها؟ وما عسى أن يعمل الشيطان بين الجنسين إذا لم تؤازره ~~الشيطانة؟ # قالت: إنما اجتذبتني إلى هنا رائحة عاشقين كانا في هذا الظل يواريهما عن ~~الأعين، وما أراك إلا مزكوما، أفكنت في ms706 الأزهر..؟ # فجعل الشيطان يتضاحك وقال: أنا مرسل من مستشفى المجانين مددا لشياطين ~~الجامعة؛ فقد احتاجوا إلى النجدة.. ولكن أنت كيف تركت صاحبتك من أجل رائحة ~~قبلة على خمسمائة متر؟ ما أحسبها الآن إلا جالسة تكتب في منع اختلاط ~~الجنسين ووجوب إدخال التعليم الديني في الجامعة! # قالت الشيطانة: إن صاحبتي لأبرع مني في البراعة، وأدق في الحيلة وأهدى ~~للمعاذير، وأنفذ إلى الغرض، ومثلها قليل هنا، ولكن قليل الشر ليس قليلا، ~~فإنه وصلة وطريق كما تعلم؛ وما تجد الفتاة خيرا من هذا المكان ينفي عنها ~~الريبة وهو يدنيها منها بهذا الاختلاط مع الفتيان، ويهيئ لعقلها أسبابا ~~تكون فيها أسباب قلبها؛ وقد كنت في أوربا، أفما رأيت هناك شابا وشابة حول ~~كتاب علم وكأنهما على زجاجة خمر؟ # إن هذا العلم شيء ومخالطة الشبان شيء آخر؛ فذلك يطلق فكرها يتجاوز الحدود ~~والاختلاط يجعل فكرها، يحصرها في حدود إحساسها؛ وأحدهما يرهف ذهنها لإدراك ~~الأشياء، والآخر يرهف عواطفها لإدراك الرجل؛ وقد فرغ الله من خلقة الأنثى ~~فما تخلق هنا مرة أخرى على غير الطبيعة المفطورة على الحب في صورة من صورة ~~الممكنة، والصورة هي الشاب هنا؛ وأنا الشيطانة قد تعلمت في الجامعة أن ~~قاعدة: "لا حياة في العلم"، هي التي تقرر في بعض الأحيان قاعدة: "لا حياة ~~في الحب". # قال الشيطان: أنت أدري بسلطان الطبيعة في المرأة، ولكن الذي أعرفه أنا أن ~~مفاسد أوربا تدخل إلى الشرق في أشياء كثيرة، منها الخمر والنساء والعادات ~~والقوانين والكتب ونظام المدارس! # قالت الشيطانة: وإن سلطان الطبيعة في المرأة يبحث دائما عن رعيته ما لم ~~يكبح ويرد عن البحث؛ إذ هو لا يتحقق أنه سلطان إلا بنفاذ حكمه وجواز أمره؛ ~~ومن رعيته نظرات الإعجاب، وكلمات الثناء، وعبارات الإغراء، وعواطف الميل، ~~ومعاني الخضوع؛ ورب كلمة من الرجل للمرأة لا يكون فيها شيء ويكون الرجل # PageV03P145 # كله فيها ذاهبا إلى قلبها متدسسا إلى خيالها؛ وكم من أم ترى ابنتها راجعة ~~إلى الدار وتحس بالغريزة النسوية أن مع ابنتها خيالا من الجنس الآخر!. # ومم ms707 ينبعث الحب إلا من الألفة والمخاطبة والمجاذبة والمنازعة التي ~~يسمونها هنا منافسة بين الجنسين ويعدونها حسنة من حسنات الاختلاط؟ نعم إنها ~~مشحذة للأذهان وداعية إلى بلوغ الغاية من الاجتهاد، وبها يرق اللسان وتنحل ~~عقدته، ويصبح الشاب كما يقولون: "ابن نكتة ويفهم الطايره ... " وتعود ~~الفتاة وهي تجتهد أن تكون حلاوة تذوقها الروح؛ ولكن الأعمال بالنيات ~~والأمور بخواتيمها: والطبيعة نفسها توازن العقل العلمي بالجهل الخلقي، ولعل ~~أكثر الناس فنونا في فسقه وفجوره لا يكون إلا عالما من أهل الفن أو زنديقا ~~من أهل العلم، ولا يصحح هذه الموازنة إلا الدين، فهو الذي يقرر القواعد ~~الثابتة في كلتا الناحيتين، وهذا ما يطلبه المجانين من شبان هذه الجامعة ~~ويوشك أن يظفروا به، لولا أن هذه الأمة مبتلاة في كل حادثة من دينها بإجالة ~~الرأي حتى يضيع الرأي. # اسمع -ويحك- هذا الفتى الذي يقرأ.. فألقى الشيطان سمعه فإذا طالب يقرأ ~~على جماعة كلاما في صحيفة لإحدى خريجات الجامعة تقول فيه: "ولهذا أصرح أن ~~تجربة اشتراك الجنسين في الجامعة نجحت إلى أبعد غاية: ولم يحدث خلالها قط ~~ما يدعو إلى قلق القلقين والمناداة بالفصل؛ بل بالعكس حدث ما يدعو إلى ~~تشجيع الأخذ بالتجربة أكثر مما هي عليه اليوم". # فقهقه الشيطان وقال: "قلق القلقين".. ما رأيت كلاما أغلظ ولا أجفى من ~~هذا؛ إنها لو دافعت عن الشيطان بهذه القافات لخسر القضية ... # ثم إنه لهز الشيطانة لهزة وقال لها: كذبت علي أيتها الخبيثة، فما لك عمل ~~في الجامعة وأنت تخرجين لرائحة قبلة بين عاشقين على مسافة خمسمائة متر؛ إن ~~هذه القافات لهي الدليل أقوى الدليل على أن الفتاة هنا تنظر فتاة حين ترى، ~~ولكنها تسمع رجلا حين تتكلم! # قالت الشيطانة: ولكن ألم تسمع قولها: "تشجيع التجربة أكثر مما هي عليه ~~اليوم"..؟ ألا يرضيك هذا الذي لا بد أن يدعو "إلى قلق القلقين؟ " ثم إني ~~أنا فلانة الشيطانة قد كنت السبب في حادثة وقعت وطر فيها طالب من الجامعة، ~~أفلا يرضيك الإغراء والكذب في بضع كلمات؟ # قال الشيطان: كل الرضى، ms708 فهذا فن آخر والعلم الذي ينكر حادثة وقعت من ~~تلميذة ولا يقر بأنها وقعت، لا يكون إنكاره إلا إجازة لوقوع مثلها! # PageV03P146 # قالت الشيطانة: وهب الحادثة لم تقع، فكيف تعرف الجامعة ما يحدث في ~~القلوب؟ ومن هذا الذي يستطيع أن يقرأ قصة تؤلفها أربع أعين في وجهين؟ وكيف ~~تكشف الحقيقة التي أول وجودها كتمان الكلام عنها، وأول الكلام عنها الهمس ~~بين اثنين دون غيرهما؟ ومن ذا الذي طاقته أن يمد بيده إلى قلبين في تلقي ~~الرسائل كصندوقي البريد..؟ # اسمع اسمع هذا الآخر.. فاسترق الشيطان السمع فإذا طالب يقرأ في صحيفة ~~أخرى على جماعته: # "والذين يزعمون أن الاتصال بين الطالبات والطلة خطر، إنما يسيئون إلى ~~أخلاقكم.. والحق أيها الأصدقاء أن الذي حملني على أن أغصب وأثور إنما هو ~~الدفاع عن الكرامة الجامعية". # قال الشيطان: كل الرضا كل الرضا.. هذا كلام داهية أريب، فلقد أحسن قائله ~~الله! إنها عبارات جامعية محكمة السبك تقوم على أصولها من فن السياسة ~~الخطابية؛ وكل من أظنوه بتهمة فلا يستطيع أن يمخرق على الناس بأحسن من هذا ~~ولا بمثل هذا. # وليس لنا أقوى من هذا الطبع القوي الذي يشعر بالنقص فلا هم له إلا إثبات ~~ذاته في كل ما يجادل فيه دون إثبات الصواب ولو كان الناس جميعا في هذا ~~الجانب وكان هو وحده في جانب الخطأ. # ولكن أف! ماذا صنع هذا القائل؟ وأين التهمة التي لا تبدل اسمها في اللغة؟ ~~وأين الذنب الذي يرضى أن توضع اليد عليه؟ وهل إنكار المذنب إلا احتجاج من ~~كرامته الزائفة وإظهار الغضب في بعض ألفاظ؟.. # إن هذا كغيره من الضعفاء حين يمارون؛ ألا ما أكذب الكذب هنا! فإن الفساد ~~ليقع من اختلاط الجنسين في الجامعة الأوروبية ثم لا يعد ذلك عندهم إساءة ~~إلى الأخلاق، ولا غضا من الكرامة الجامعية؛ وفي فرنسا يجتمع الشبان ~~والفتيان من طلبة الجامعة ويحتسون الخمر ويتراقصون ويتواعدون ثم لا تقول ~~لهم الأخلاق: أين أنتم؟.. وهناك في الأندية الخاصة بالطلبة ينتخبون ملكة ~~الجمال من بين الطالبات كل سنة، ms709 ثم ينزعون بأيديهم ثيابها التي تسمى ثيابا، ~~ويطوفون بها غرف النادي كعروس واحدة مجلوة على مائة زوج في المعنى، ~~"وبلنسوار" أيتها الكرامة الجامعية.. # PageV03P147 # والاختلاط هناك يقرب أن يكون ضربا من المذاهب الاشتراكية، وكل ما بقي ~~عندهم من لغة الحياء هو أن يتلطفوا فيقولوا: إن هذه الطالبة صديقة فلان ~~الطالب؛ يعبرون بلفظ الصداقة عن أول المعنى ويدعون سائر أحواله؛ إذ لا ~~يبالي أمرهما أحد لا من الطلبة ولا من الأستاذين.. وهناك يعتذر للشباب في ~~مثل هذا بأنه شاب، فتقوم كلمة الشباب في العرف بمعنى كلمة الضرورة في ~~الشرع! # وهم قد عرفوا أن الجامعة لحرية الفكر، ومن حرية الفكر حرية النزعة، ومن ~~هذه حرية الميل الشخصي، ومن حرية الميل حرية الحب؛ وهل يعرف الحب في ~~الجامعة أنه في الجامعة فيستحي ويكون شيئا آخر غير ما هو في كل مكان؟ أو ~~ليس في لغة الزواج عنهم عبارة "نسيان ماضي الفتاة".. # ولكن اسمعي اسمعي.. # فأصاخت الشيطانة؛ فإذا طالب من الأزهر يقرأ لطالب من كلية الحقوق في ~~صحيفة من دفاع أحد خريجي الجامعة! # "وما بال إخواننا الأزهريين يسخطون على الجامعة واختلاط الجنسين فيها، ~~وفي مصر نواح أخرى هي أحق بحربهم وأولى باهتمامهم؟ لعلهم قد نسوا حالنا في ~~الصيف على شواطئ البحر، والناس يمكثون هناك شهورا عرايا أو كالعرايا". # فقالت الشيطانة: ما له ولهذا؟ لقد أخزى نفسه وأخزى الجامعة، وهل صنع شيئا ~~إلا أنه يقول للأزهريين: إن أهون الفساد من هذا الاختلاط في الجامعة، ~~وأكثره في شواطئ البحر؛ فما بالكم تدعون أشده وتأخذون على أهونه؟ # قال الشيطان: ويحه! وهل يأخذون على أهونه في الجامعة؛ إلا لأنه في ~~الجامعة لا في مكان آخر؟ ولكن اسمعي، ما هذا ... ؟ # فأرعيا الصوت سمعهما، فإذا طالب يقرأ في مجلة: "ظهرت الآنسة فلانة وهي ~~تلبس فستانا أحمر شفتشي بمبي كريبي مشجر ببني وفيونكة أحمر على أبيض".. # قالت الشيطانة: هذا هذا، فهل هي إلا ألوان أفكار تحت ألوان ثياب؟ وهل ~~يظهر سلطان الطبيعة في المرأة بحثا عن رعيته إلا في ألوان جميلة هي، ms710 أسئلة ~~للعيون؟ لقد مثل سرب من الطالبات في هذه الجامعة فصلا في بعض الحفلات سموه ~~"عرض الأزياء" والفتاة تعرض الثوب، والثوب يعرض الجسم، والجسم والثوب معا ~~يعرضان الفتاة! وعرض الأزياء في الجامعة هو أمر من الجامعة بإهمال هذه ~~الآية: {ولا يبدين زينتهن} [النور: 31] . # PageV03P148 # قال الشيطان خبريني عن صاحبتك التي أنت موكلة بها، أتريها كانت تأتي إلى ~~هذه الجامعة لو ألبسوهن مثل ثوب الراهبة وخمروهن بالخمار وأضاعوا مساحة ~~الجسم في مساحة الثوب وأجلسوهن في آخر الصفوف كأنهم في المسجد؟ لقد فعلوا ~~مثل هذا في بعض جامعات أوربا، فحرموا صبغ الشفاه على الفتيات، ومنعوهن ~~إبداء الزينة؛ فامتنعت الزينة والمتزينة معا، وهجرن الجامعة، وقلن فيما ~~قلن: إن المرآة والأحمر والأبيض ونحوها هي الحقائق في علم المرأة، وهي من ~~أساليب بحث كل فتاة عن رجلها المخبوء بين الرجال في الجامعة أو غير ~~الجامعة، والعلم وسيلة عيش، والرجل وسيلة مثلها، غير أنه هو أجدى الوسيلتين ~~على المرأة وأحقهما بالعناية؛ إذ هي لا تتزوج الكيمياء ولا الطبيعة ولا ~~القانون، ومعنى هذا بغير اللغة التي هنا في الجامعة المصرية أن وجود الفتاة ~~مع الشبان للتعليم، هو كذلك وجودها بينهم للاستمالة والمكر النسوي الجذاب. # اسمعي اسمعي؛ ما هذا الصوت المنكر الجافي الخشن؟ # فتسمعت، فإذا الطالب الأزهري يقول لصاحبه وهو يحاوره: قالوا: ويحرم على ~~المرأة أن ترى شيئا من الرجل ولو بلا ميل ولا خوف الفتنة، وإذا هي اضطرت ~~إلى مداواة أو أداء شهادة أو تعليم أو بيع أو نحو ذلك -جاز نظرها بقدر ~~الضرورة. # فقالت الشيطانة: هذا كلام رحمه الله.. لقد كان ذلك سائغا لو أن الشبان ~~يتعلمون في الجامعة ليحملوا معهم الحق كما يحملون معهم العلم؛ وكيف لهم ~~بهذا ومعاني الدين قد أصبحت منهم كأسماء البلاد البعيدة في كتاب الجغرافيا: ~~لا هم رأوها ولا هم حققوها؟ إنهم يريدون تعليم الدين هنا. فيقول لهم ~~رؤساؤهم: ألم تعرفوا الصلاة وأنها الصلاة، والصيام وأنه الصيام، والزكاة ~~وأنها الزكاة، والحج وأنه الحج؟ وهذا كلام يشبه درس مواقع البلاد على ~~الخريطة، فباريس ms711 كلمة، ولندن كلمة، لا غير؛ أما الحقيقة العظيمة الهائلة ~~فشيء غير هذا الكلام الجغرافي التعليمي؛ إذ ما هي كل فروض الدين إلا أعمال ~~دقيقة ثابتة يجب فرضها على الجميع لتحقيق النفسية الواحدة في الجميع، وهي ~~سر القوة والعظمة والنجاح؛ فتعليم الدين في الجامعة هو إقناع النفس بجعل ~~فروضه من قوانينها الثابتة، لا بأداء هذه الفروض فقط، أي باعتباره علم ~~فلسفة الروح العملية للأمة، ثم يجعل المدرسين أول العاملين به؛ ليتحقق معنى ~~الإقناع، فلا ينقلب الدرس هزءا وسخرية؛ وبذلك يخرج الشاب من # PageV03P149 # الجامعة وفي روحه قوة ثابتة تعمل به العمل الصالح، وتوجهه إلى الخير، ~~وتحفظه بين أهواء الحياة وشدائدها، وتجعله دائما يشعر أنه في موضعه السامي ~~من الإنسانية وإن كان في أقل مراتب المال والجاه، ومن ثم يرجع الشبان في ~~الأمة آلات قوة منظمة عاملة، وأيسر ما تعمله هذه الآلات، إزالة المنكرات، ~~وصنع الشعب صنعة جديدة للسلم والحرب.. # قال الشيطان: وماذا أيتها الخبيثة؟ لقد هولت علي! # قالت: وطردنا نحن الشياطين من الجامعة! # قال: اسكتي ويحك! فما أرسلت من مستشفى المجانين إلا لهذا؛ فلن يقع الفصل ~~بين الجنسين، ولن يدخل التعليم الديني في الجامعة، وسيدافعون بأن هذا كله ~~ضرب من الجنون.. # PageV03P150 ### | نهضة الأقطار العربية # 1: # لا ريب في أن النهضة واقعة في الأقطار العربية، مستطيرة في أرجائها ~~استطارة الشرر يضرم في كل جهة نارا حامية، ويستمد من كل ما يتصل به لعنصره ~~الملتهب، ولا ريب في أن الشرق قد تفلت من أوهام السياسة وخرافاتها، وقد ~~اختلف على الغرب بعد أن طابقه زمنا، وتابعه مدة، وعرفه بمقدار ما بلاه، ~~وكذبه ما صدقه، ونفر منه بقدر ما اطمأن إليه؛ ولا ريب في أن العقل الشرقي ~~قد تطور وأدرك معنى نكث العهد ونقض الشرط في السياسة الغربية، وعلم أن ذلك ~~هو بعينه العهد والشرط في هذه السياسة ما دامت المفاوضة والتعاقد بين الذئب ~~والشاة.. ولا ريب أن الشرق يجاذب الآن مقاليده التي ألقاها، ويضرب على ~~سلاسله التي تقيد بها، ويكابد الصعود والهبوط في نهضته هذه؛ وقد ms712 كان بلغ من ~~رضائه على الذل وقراره على الضيم، وجهله وتجاهله -أن أوربا ربطت أقطاره ~~كلها في بضعة أساطيل تجذبها جذب الكواكب للأرض. # غير أني مع هذا كله لا أسمي هذه النهضة إلا من باب المجاز والتوسع في ~~العبارة، والدلالة بما كان على ما يكون؛ فإن أسباب النهضة الصحيحة التي ~~تطرد اطراد الزمن، وتنمو نمو الشباب، وتندفع اندفاع العمر إلى أجل بعينه ~~-لا يزال بيننا وبينها مثل هذا الموت الذي يفصل بيننا وبين سلفنا وأوليتنا؛ ~~وإلا فأين الأخلاق الشرقية، وأن المزاج العقلي الصحيح لأمم الشرق، وما هذا ~~الذي نحن PageV03P151 # فيه من روح لا شرقية ولا غربية ثم أين المصلحون الذين لا يساومون يملك ~~ولا إمارة، ولا يطلبون بالإصلاح غرضا من أغراض الدنيا أو باطلا من زخرفها؟ ~~ثم أين أولئك الذين تجعلهم مبادئهم العالية القوية أول ضحاياها، وتروي منهم ~~عرق الثرى الذي يغتذي من بقايا الأجداد لينبت منه الأحفاد؟ # إن الجواب على نهضة أمة نهضة ثابتة لا يكون من الكلام وفنونه، بل من مبدأ ~~ثابت مستمر يعمل عمله في نفوس أهلها؛ ولن يكون هذا المبدأ كذلك إلا إذا كان ~~قائما على أربعة أركان: إرادة قوية، وخلق عزيز، واستهانة بالحياة، وصبغة ~~خاصة بالأمة. # فأما الإرادة القوية فلا تنقص الشرقيين، وإنما الفضل فيها لساسة الغرب ~~الذين بصرونا بأنفسنا إذ وضعونا مع الأمم الأخرى أمام مرآة واحدة وجعلوا ~~يقولون مع ذلك إننا غير هؤلاء، وإن هذا الإنسان الذي في المرأة غير هذا ~~الفرد الذي فيها ... ولكن أين الخلق؟ وأين العزة القومية؟ وأين العصبية ~~الشرقية؟ وهذه مفاسد أوربا كلها تنصب في أخلاق الشرقيين كما تنصب أقذار ~~مدينة كبيرة في نهر صغير عذب؛ فلا الدين بقي فينا أخلاقا، ولا الأخلاق بقيت ~~فينا دينا، وأصبحت الميزة الشرقية فاسدة من كل وجوهها في الروح والذوق، ولم ~~يعد لنا شيء يمكن أن يسمي المدنية الشرقية، وأخذ الحمقى والضعفاء منا ~~يحاولون في إصلاحهم أن يؤلفوا الأمة على خلق جديد ينتزعونه من المدنية ~~الغربية، ولا يعلمون أن الخلق الطارئ لا يرسخ ms713 بمقدار ما يفسد من الأخلاق ~~الراسخة، وهم يغتبطون إذا قيل لهم مثلا: إن مصر قطعة من أوربا؛ ولا يعلمون ~~ما تحت هذه الكلمة من تعطيل المدنية الشرقية، والذهاب بها، وإفسادها، ~~وتعريضها للذم، وتسليط البلاد عليها، مما لا حاجة بنا إلى التبسط في شرحه. # لست أقول إن نهضة الشرق العربي لا أساس لها؛ فإن لها أساسا من حمية ~~الشباب، وعلم المتعلمين؛ ومن جهل أوربا الذي كشفته الحرب؛ ولكن هذا كله على ~~قوته وكفايته في بعض الأحيان لإقامة الأحداث الكبرى واهتياج العواصف ~~السياسية -لا يحمل ثقل الزمن الممتد، ولا يكفي لأن يكون أساسا وطيدا يقوم ~~عليه بناء عدة قرون من الحضارة الشرقية العالية، بل ما أسرعه إلى الهدم ~~والنقض، لو صدمته الأساليب اللينة من الدهاء الأوروبي على اختلافها ... إذا ~~قدر لأوربا أن تفوز بأسلوبها الجديد، أسلوب استعباد الشرق بالصداقة ... على ~~طريقة ادعاء الثعلب للدجاج أنه قد حج وتاب وجاء ليصلي بها ... # PageV03P152 # والذي أراه أن نهضة هذا الشرق العربي لا تعتبر قائمة على أساس وطيد إلا ~~إذا نهض بها الركنان الخالدان: الدين الإسلامي، واللغة العربية؛ وما عداهما ~~فعسى أن لا تكون له قيمة في حكم الزمن الذي لا يقطع بحكمه على شيء إلا ~~بشاهدين من المبدأ والنهاية. # وظاهر أن أغلبية الشرق العربي ومادته العظمى هي التي تدين بالإسلام، وما ~~الإسلام في حقيقته إلا مجموعة أخلاق قوية ترمي إلى شد المجموع من كل جهة، ~~ولعمري إني لأحسب عظماء أمريكا كأنهم مسلمو التاريخ الحديث في معظم ~~أخلاقهم، لولا شيء من الفرق هو الذي لا يمنعهم أن ينحطو إذا هم بلغوا ~~القمة؛ فإن من عجائب الدنيا أن قمة الحضارة الرفيعة هي بعينها مبدأ سقوط ~~الأمم، وهذا عندنا هو السر في أن الدين الإسلامي يكره لأهله أنواع الترف ~~والزينة والاسترخاء، ولا يرى النحت والتصوير والموسيقى والمغالاة فيها وفي ~~الشعر إلا من المكروهات، بل قد يكون فيها ما يحرم إن وجد سبب لتحريمه؛ إذ ~~كانت هذه الفنون في الغالب وفي الطبيعة الإنسانية هي التي تؤدي في نهايتها ~~إلى ms714 سقوط أخلاق الأمة؛ بما تستتبعه من أساليب الرفاهية والضعف المتفنن، وما ~~تحدثه للنفس من فنون اللذات والإغراق فيها والاستهتار بها؛ وما سقطت الدولة ~~الرومانية ولا الدولة العربية إلا بكأس وامرأة ووتر، وخيال شعري يفتن في ~~هذه الثلاثة ويزينها. # وإذا كان لا بد للأمة في نهضتها من أن تتغير، فإن رجوعنا إلى الأخلاق ~~الإسلامية الكريمة أعظم ما يصلح لنا من التغير وما نصلح به منه، فلقد بعد ~~ما بيننا وبين بعضها، وانقطع ما بيننا وبين البعض الآخر؛ وإذا نحن نبذنا ~~لخمر، والفجور، والقمار، والكذب، والرياء؛ وإذا أنفنا من التخنث، والتبرج، ~~والاستهتار بالمنكرات، والمبالغة في المجون، والسخف، والرقاعة، وإذا أخذنا ~~في أسباب القوة، واصطنعنا الأخلاق المتينة: من الإرادة، والإقدام، والحمية، ~~وإذا جعلنا لنا صبغة خاصة تميزنا من سوانا، وتدل على أننا أهل روح وخلق ~~-إذا كان ذلك كله فلعمري أي ضير في ذلك كله، وهل تلك إلا الأخلاق الإسلامية ~~الصحيحة، وهل في الأرض نهضة ثابتة تقوم على غيرها؟ # إن من خصائص هذا الدين الأخلاقي أنه صلب فيما لا بد للنفس الإنسانية منه ~~إذا أرادت الكمال الإنساني، ولكنه مرن فيما لا بد منه لأحوال الأزمنة ~~المختلفة مما لا يأتي على أصول الكريمة. وليس يخفى أنه لا يغني غناء الدين ~~شيء في نهضة الأمم الشرقية خاصة، فهو وحده الأصل الراسخ في الدماء # PageV03P153 # والأعصاب. ومتى نهض المسلمون وهم مادة الشرق، نهض إخوانهم في الوطن ~~والمنفعة والعادة من أهل الملل الأخرى، واضطروا أن يجانسوهم في أغلب ~~أخلاقهم الاجتماعية، ولا حجر على حريتهم في ذلك إلا كبعض الحجر على حرية ~~المريض إذا أوجرته الدواء المر. # ولما كان المسلمون إخوة بنص دينهم، وكانت مبادئهم واحدة، ومنافعهم واحدة، ~~وكتابهم واحد؛ فلا جرم كان من السهل -لو رجعوا إلى أخلاق دينهم وانتبذوا ما ~~يصدهم عنها- أن يؤلفوا من الشرق كله دولا متحدة يحسب لها الغرب حسابا ذا ~~أرقام لا تنتهي.. # إن هذا الشرق في حاجة إلى المبادئ والأخلاق، وهي مع ذلك كامنة فيه، ~~ومستقبله كامن فيها؛ غير أنها لا تصلح في ms715 الكتب ولا في الفنون، بل في ~~الرجال القائمين عليها. فالقلوب والأدمغة هي أساس النهضة الصحيحة الثابتة، ~~وإذا نحن تأملنا هذه النهضة الراهنة وجدنا أساسها خربا من جهات كثيرة، ~~ووجدنا المكان الذي لا يملؤه إلا القلب الكبير ليس فيه إلا خيال كاتب من ~~الكتاب والموضع الذي لا يسده إلا الرأس العظيم قد سدته قطعة من صحيفة ... # ولقد تنبأ نبي هذا الدين صلى الله عليه وسلم بهذه الحالة التي انتهى ~~إليها الشرق العربي بإزاء الغرب، فقال لأصحابه يوما: كيف بكم إذا اجتمع ~~عليكم بنو الأصفر* اجتماع الأكلة على القصاع؟ فقال عمر رضي الله عنه: أمن ~~قلة نحن يومئذ يا رسول الله أم من كثرة؟ قال: بل من كثرة، ولكنكم غثاء ~~كغثاء السيل** قد أوهن قلوبكم حب الدنيا. # فوهن القلب بحب الدنيا -على ما ينطوي في هذه العبارة من المعاني ~~المختلفة- هو علة الشرق، ولا دواء لهذه العلة غير الأخلاق، ولا أخلاق بغير ~~الدين الذي هو عمادها، ألا وإن أساس النهضة قد وضع، ولكن بقيت الصخرة ~~الكبرى وستوضع يوما، وهذا ما اعتقده؛ لأن الغرب يدفع معنا هذه الصخرة؛؛ ~~ليقرها في موضعها من الأساس وهو يحسب أنه يدفعنا نحن إلى الحفرة ليدفعنا ~~فيها.. # وهذا عمى في السياسة لا يكون إلا بخذلان من الله قدره وقضاه. PageV03P154 # وإني أرى أنه لا ينبغي لأهل الأقطار العربية أن يقتبسوا من عناصر المدنية ~~الغربية اقتباس التقليد، بل اقتباس التحقيق، بعد أن يعطوا كل شيء حقه من ~~التمحيص ويقلبوه على حالتيه الشرقية والغربية؛ فإن التقليد لا يكون طبيعة ~~إلا في الطبقات المنحطة، وصناعة التقليد وصناعة المسخ فرعان من أصل واحد، ~~وما قلد المقلد بلا بحث ولا روية إلا أتى على شيء في نفسه من ملكة الابتكار ~~وذهب ببعض خاصيته العقلية؛ على أننا لا نريد من ذلك ألا نأخذ من القوم ~~شيئا؛ فإن الفرق بعيد بين الأخذ في المخترعات والعلوم، وبين الأخذ من زخرف ~~المدنية وأهواء النفس وفنون الخيال ورونق الخبيث والطيب؛ إذ الفكر الإنساني ~~إنما ينتج الإنسانية كلها، فليس هو ملكا ms716 لأمة دون أخرى؛ وما العقل القوي ~~إلا جزء من قوة الطبيعة. # فإن نحن أخذنا من النظامات السياسية فلنأخذ ما يتفق مع الأصل الراسخ في ~~آدابنا من الشورى والحرية الاجتماعية عند الحد الذي لا يجوز على أخلاق ~~الأمة ولا يفسد مزاجها ولا يضعف قوتها. # وإذا نقلنا من الأدب والشعر فلندع خرافات القوم وسخافاتهم الروائية إلى ~~لب الفكر ورائع الخيال وصميم الحكمة، ولنتتبع طريقتهم في الاستقصاء ~~والتحقيق، وأسلوبهم في النقد والجدل، وتأتيهم إلى النفس الإنسانية بتلك ~~الأساليب البيانية الجميلة للتي هي الحكمة بعينها. # وأما في العادات الاجتماعية فلنذكر أن الشرق شرق والغرب غرب -وما أرى هذه ~~الكلمة تصدق إلا في هذا المعنى وحده- والقوم في نصف الأرض ونحن في نصفها ~~الآخر، ولهم مزاج وإقليم وطبيعة وميراث من كل ذلك ولنا ما يتفق ولا يختلف؛ ~~وإن أول الأدلة على استقلالنا أن نتسلخ من عادات القوم، فإن هذا يؤدي بلا ~~ريب إلى إبطال صفة التقليد فينا، ويحملنا على أن نتخذ لأنفسنا ما يلائم ~~طبائعنا وينمي أذواقنا الخاصة بنا، ويطلق لنا الحرية في الاستقلال الشخصي؛ ~~ولقد كنا سادة الدنيا قبل أن كانت هذه العادات الغربية التي رأينا منها ومن ~~أثرها فينا من أفسد رجولة رجالنا وأنوثة نسائنا على السواء؛ وما هؤلاء ~~الشبان المساكين الذين يدعون إلى بعض هذه العادات ويعملون على بثها في ~~طبقات الأمة إلا كالذي يحسب أن أوروبا يمكن أن تدخل تحت طربوشه.. ولقد ~~غفلنا عن أننا ندعو الأوروبيين إلى أنفسنا وإلى التسلط على بلادنا ~~بانتحالنا عاداتهم الاجتماعية؛ لأنها نوع من المشاكلة بيننا وبينهم، ووجه ~~من التقريب بين جنسين يعين على اندماج أضعفهما في أقواهما ويضيق دائرة ~~الخلاف بينهما، ثم هو من أين اعتبرته وجدته # PageV03P155 # في فائدته للأوروبيين أشبه بتليين اللقمة الصلبة تحت الأسنان القاطعة؛ ~~وهل نسي الشرقيون أن لا حجة للغرب في استبعادهم إلا أنه يريد تمدينهم؟ # وحيثما قلنا "الدين الإسلامي" فإنما نريد الأخلاق التي قام بها، والقانون ~~الذي يسيطر من هذه الأخلاق على النفس الشرقية؛ وهذا في رأينا هو كل شيء؛ ~~لأنه ms717 الأول والآخر1. PageV03P156 ### | لا تجني الصحافة على الأدب 1 ولكن على فنيته: # قالوا: إن الأصمعي كان ينكر أن يقال في لغة العرب "مالح"، ويقول: إنما هو ~~ملح، وإن "مالح" هذه عامية؛ فلما أنشدوه في ذلك شعرا لذي الرمة يحتجون به ~~عليه قال: إن ذا الرومة قد بات في حوانيت البقالين بالبصرة زمانا.. # يريد شيخنا هذا: أن "المالح" في الأكثر الأعم يكون مما يبيعه البقالون، ~~ولغتهم عامية مزالة عن سننها الفصيح، مصروفة إلى وجهها التجاري؛ ولكن كيف ~~بات ذو الرمة في حوانيت البقالين زمانا حتى علقت الكلمة بمنطقه وجذبه إليها ~~الطبع العامي، ولم يخالط عربيته غير هذه الكلمة وحدها؟ لم يقل الأصمعي ~~شيئا، ولكن روايته تخبر أن ذا الرمة انحدر من البادية إلى البصرة يلتمس ما ~~يلتمسه الشعراء، فلم كان بها استضاق فلم يصب لجوفه غير الخبز، ولم يجد ~~للخبز غير "المالحة" والبقلة "المالحة"، ويعرفونه مضيقا إلى فرج، فينسئون ~~له في الثمن إلى أجل حتى يمتدح وينال الجائزة؛ قالوا: ثم يمطره الممدوح ~~ويلوي به ولا يرى في تلفيق العيش رخصا إلا في "المالح"، فيتتابع في الشراء ~~ويمضون في إسلافه إبقاء عليه وحسن نظر منهم لمنزلته وشعره، ويرى هو أن لا ~~ضمان للوفاء به عليه إلا نفسه، فما بد أن يتراءى لهم بين الساعة والساعة، ~~فيخالطهم فيحدثهم فيسمع منهم، وهم على طبعهم وهو على سجيته؛ ثم لا يقتضونه ~~ثمنا، ولا يزالون يمدون له، فلا يزال "المالح" أيسر منالا عليه، كما هو إلى ~~نفسه أشهى، وفي جوفه أمرا، لمكان أعرابيته وخشونة عيشه، فيصيب عندهم مرتعة ~~من هذا "المالح". قالوا: ثم يرى البقالون أن لا ضمان لم اجتمع عليه إلا أن ~~يكون الشاعر معهم، فيلزمونه الحوانيت بياض يومه، ويغلقونها عليه سواد ~~ليلته، فهم يمسكونه بالنهار وتمسكه الحيطان والأبواب بالليل! PageV03P157 # فلما عظم الدين وبلغ الجملة التي فاتت حساب الأيام إلى حساب الأهلة أحضر ~~الشاعر كربه وهمه، ولم يعد "المالح" ينجع فيه، ولا يجد به غذاء، بل حريقا ~~في الدم، ورأى أنه قد امتحن بهذا "المالح" الخبيث ms718 وأشرط نفسه فيه وارتهنها ~~به؛ فلا يزال من "المالح" هم في نفسه، ومغص في جوفه، ولفظ على لسانه، ودين ~~على ذمته؛ ولا يزال مهموما به؛ إذ كان على طريق من طريقين: إما الوفاء ولا ~~قدرة عليه من مفلس، وإما الحبس ولا طاقة به لشاعر؛ وحبس ذي الرمة في ثمن ~~"المالح" هو حبس عند الشرطة، ولكنه قتل أو شر من القتل عند صاحبته "مية" ~~إذا ترامى إليها الخبر؛ والأعرابي الجلف الذي يحبس في ثمن "المالح" عند ~~الوالي بعد أن بات زمانا رهنا به في حوانيت البقالين لا يصلح عاشقا لمي ~~وهي: من هي: "لها بشر مثل الحرير ومنطق رخيم الحواشي.." فلا "المالح" من ~~غذائها، ولا لفظ "المالح" من الكلام الذي يكون في فمها العذب، وأبعد الله ~~جاريتها الزنجية إن لم تأنف لنفسها ومكانها من عشق هذا الأعرابي الغليظ ~~الخشن الذي ألحقه "المالح" باللصوص والغارمين، وأخزاها الله إن لم يكن عشق ~~هذا الأعرابي لها سوادا على سوادها في الناس، فكيف بمي وهي أصفى من المرأة ~~النقية، وأبيض من الزهرة البيضاء؟ # قالوا: ويصنع الله لغيلان المسكين، فيمدح وينافق ويحتال، ويعده الممدوح ~~بالجائزة إذا غذا عليه، ويكون ذلك والشمس نازلة إلى خدرها، فينكفئ الشاعر ~~إلى حوانيت غرمائه من البقالين يبيت فيها أخرى لياليه، ويغلقون عليه وقد ~~سئموه آكلا وماطلا، وهان عليهم فلا يعتدونه إلا فأرا من فئران حوانيتهم غير ~~أنه يأكل فيستوفي، ولم يعد اسمه عندهم ذا الرمة، بل ذا الغمة.. فلم يعطوه ~~لعشائه هذه المرة إلا ما فسد وخبث من عتيق "المالح"، فهو نتن يسمى طعاما، ~~وداء يباع بثمن، وهلاك يحمل عليه الاضطرار كما يحمل على أكل الجيفة؛ وكانوا ~~قد وضعوه في آنية قذرة متلجنة طال عهدها بالغسل والنظافة وفيها بقية من عفن ~~قديم، فلصق بها ما لصق وتراكب عليها ما تراكب، ووقع فيها ما وقع. # ثم يتهيأ الشاعر لصلاة العشاء يرجو أن تناله بركتها، فيستجيب الله له ~~ويفرج عنه، وقد كان لديه قدح من الماء لوضوئه، ولكن "المالح" الذي تغذى به ~~كان ms719 قد أحرق جوفه وأضرم على أحشائه وهو في صيف قائظ، فما زال يطفئه بالشربة ~~بعد الشربة، والمصة بعد المصة، حتى اشتف القدح وأتى عليه، فيكسل عن الصلاة ~~ويلعن "المالح" وما جر عليه! ثم يعضه الجوع فيكسر خبرته # PageV03P158 # ويسمى ويغمس اللقمة ثم يرفعها فيجد لها رائحة منكرة، فينظر في الآنية وقد ~~نفذ إليه الضوء من قنديل الحارس، فإذا في "المالح" خنفساء قد انفجرت شبعا، ~~ويدقق النظرة فإذا دويبة أخرى قد تفسخت وهرأها "المالح" وفعل بها وفعل! ~~قالوا: وتثب نفسه إلى حلقه، ولا يرى الطاعون والبلاد الأصفر والأحمر إلا ~~هذا "المالح"، فيتحول إلى كوة الحانوت يتنسم الهواء منها ويتطعم الروح وهي ~~مضببة بالحديد، ولا يزال يراعي منها الليل ويقدره منزلة منزلة بحساب ~~البادية، وهو بين ذلك يلعن "المالح" عدد ما يسبح العابد القائم في جوف ~~الليل، ويطول ذلك عليه، حتى إذا كان ينشق لمع الفجر لعينه، فلا يراه الشاعر ~~إلا كالغدير يتفجر بالماء الصافي ويود لو انصب هذا الضوء في جوفه ليغسله من ~~"المالح" وأوضار "المالح"؛ ثم يأتي الله بالفرج وبصاحب الحانوت فيفتح له، ~~ويغدو ذو الرمة على الممدوح فيقبض الجائزة، وينقلب إلى حوانيت البقالين ~~فيوفي أصحابها ما عليه؛ ولا يبقى معه إلا دراهم معدودة، فيخرج من البصرة ~~على حمار اكتراه وقد فتحت له آفاق الدنيا، وكأنما فر من موت غير الموت، ليس ~~اسمه البوار ولا الهلاك ولا القتل، ولكن اسمه "المالح"! # قالوا: ويحركه الحمار للشعر كما كانت تحركه الناقة، فيقول: أخزاك الله من ~~حمار بصري، إن أنت في المراكب إلا "كالمالح" في الأطعمة! ثم يغلبه الطبع ~~ينزو به الطرب وتهزه الحياة، فيهتاج للشعر ويذكر شوقه وحبه ودار مي، وفي ~~"عقله الباطن" حوانيت وحوانيت من "المالح"، فيأتي هذا "المالح" في شعره ~~ويدخل في لغته، فيقول الشعر الذي أهمل الأصمعي روايته لأن فيه "المالح" وما ~~أدري أنا ما هو، ولكن لعله مثل قول الآخر: # ولو تفلت في البحر والبحر "مالح" ... لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا # أو مثل قول القائل: # بصرية تزوجت بصريا ms720 ... يطعمها "المالح" والطريا # هذه في الرواية التمثيلية التي تفسر كلام الأصمعي، ولا مذهب عنها في ~~التعليل؛ إذ صار "المالح" كلمة نفسية في لغة ذي الرمة، على رغم أنف الأحمر ~~والأسود والأصمعي وأبي عبيدة؛ فالرجل من الحجج في العربية إلا في كلمة ~~"المالح"، فإنه هنا عامي بقال حوانيتي نزل بطبعه على حكم # PageV03P159 # العيش، وغلبه ما لا بد أن يغلب من تسلط "واعيته الباطنة"*. # والحكمة التي تخرج من هذه الرواية أن أبلغ الناس ينحرف بعمله كيف شاءت ~~الحرفة، ولا بد أن تقع المشابهة بين نفسه وعمله، فربما أراد بكلامه وجها ~~وجاء به الهاجس على وجه آخر؛ وإذا كان في النفس موضع من مواضعها أفسده ~~العمل- ظهر فساده في الذوق والإدراك فطمس على مواضع أخرى؛ فلا تنتظر من ~~صحافي قد ارتهن نفسه بحرفة الكلام ألا يكون له في الأدب والبلاغة "مالح" ~~كمالح ذي الرمة، وإن كان أبلغ الناس لا أبلغ كتاب الصحف وحدهم. # و"المالح" الذي رأيناه لكاتب بليغ من أصحابنا1 أنه كتب في إحدى الصحف عن ~~ديوان هو في شعر هذه الأيام كالبعث بعد موت شوقي وحافظ رحمهما الله فيأتي ~~بالمجاز بعد الاستعارة بعد الكناية مما قاله الشاعر، ثم يقول: هذا عجيب ~~تصوره. لا أعرف ماذا يريد. البلى للشعاع غير مقبول؛ ولا يزال ينسحب على هذه ~~الطريقة من النقد ثم يعقب على ذلك بقوله: "والأصل في الكتابة أنها للإفهام، ~~أي نقل الخاطر أو الإحساس من ذهن إلى ذهن ومن نفس إلى نفسي، ولا سبيل إلى ~~ذلك إذا كانت العبارة يتعاورها الضعف والإبهام والركاكة وقلة العناية بدقة ~~الأداء؛ وإذا كنت تستعمل اللفظ في غير موضعه ولغير ما أريد به فكيف تتوقع ~~مني أن أفهم منك؟ # لا، لا، هذا "مالح" من مالح الأدب، فإذا كان الضعف والإبهام والركاكة ~~وسوء الإفهام وضعف الأداء -آتية في رأي الكاتب من استعمال اللفظ في غير ~~موضعه ولغير ما أريد له -فإن محاسن البيان من التشبيه واستعارة والمجاز ~~والكناية ليس لها مأتى كذلك إلا استعمال اللفظ في غير موضعه ولغير ما ms721 أريد ~~له. # وعلى طريقة الكاتب كيف يصنع في قوله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ~~فجعلناه هباء منثورا} [الفرقان: 23] # أتراه يقول: كيف قدم الله، وهل كان غائبا أو مسافرا، وكيف قدم إلى عمل، ~~وهل العمل بيت أو مدينة؟ PageV03P160 # ثم كيف يصنع في هذه الآية: {وقيل يا أرض ابلعي ماءك} [هود: 44] ، أيسأل: ~~وهل للأرض حلق تحركه عضلاته للبلع، وإذا كان لها حلق أفلا يجوز أن ترمي فيه ~~فتحتاج إلى غرغرة وعلاج وطب؟ # وماذا يقول في حديث البخاري: "إني لأسمع صوتا كأنه صوت الدم، أو صوتا ~~يقطر منه الدم -كما في الأغاني- أيوجه الاعتراض على الصوت وجرحه ودمه، ~~ويسأل: بماذا جرح، وما لون هذا الدم، وهل للصوت عروق فيجري الدم فيها؟ # إن الإفهام ونقل الخاطر والإحساس ليست هي البلاغة وإن كانت منها، وإلا ~~فكتابة الصحف كلها آيات بينات في الأدب؛ إذ هي من هذه الناحية لا يقدح فيها ~~ولا يغض منها، وما قصرت قط في نقل خاطر ولا استغلقت دون إفهام. # ههنا خوان في مطعم كمطعم "الحاتي" مثلا عليه الشواء والملح والفلفل ~~والكواميخ أصنافا مصنفة، وآخر في وليمة عرس في قصر وعليه ألوانه وأزهاره، ~~ومن فوقه الأشعة ومن حوله الأشعة الأخرى من كل مضيئة في القلب ينور وجهها ~~الجميل، أفترى السهولة كل السهولة إلا في الأول؟ وهل التعقيد كل التعقيد ~~إلا في الثاني؟ ولكن أي تعقيد هو؟ إنه تعقيد فني ليس إلا، به ينضاف الجمال ~~في المنفعة، فتجتمع الفائدة والاستمتاع وتزين المائدة والنفس معا؛ وهو كذلك ~~تعقيد فني لاءم بين إبداع الطبيعة وإبداع الفكر، وجاء بروح الموسيقى التي ~~يقوم عليها الكون الجميل فبثها في هذه الأشياء التي تقوم بها المائدة ~~الجميلة، واستنزل سر الجاذبية فجعل للمائدة بما عليها شعورا متصلا بالقلوب ~~من حيث جعل للقلوب شعورا متصلا بالمائدة. # وهذا التعقيد الذي صور في الجماد دقة فن العاطفة، هو بعينه فنية السهولة ~~وروحيتها؛ وتلك السذاجة التي في المائدة الأخرى هي السهولة المادية بغير فن ~~ولا روح، وفرق بينهما أن إحداهما تحمل قصيدة رائعة ms722 من الطعام وما يتصل به، ~~والأخرى تحمل من الطعام وما يتصل به مقالة كمقالات الصحف! # والوجه في الشوهاء وفي الجميلة واحد: لا يختلف بأعضائه ولا منافعه، ولا ~~في تأديته معاني الحياة على أتمها وأكملها؛ بيد أن انسجام الجميل يأتي من ~~إعجاز تركيبه وتقدير قسماته وتدقيق تناسبه، وجعله بكل ذلك يظهر فنه النفسي ~~بسهولة منسجمة هي فنيته وروحيته؛ أما الآخر فلا يقبل هذا الفن ولا يظهر منه ~~شيئا؛ إذ كان قد فقد التدقيق الهندسي الذي هو تعقيد فن التناسب، وجاء على ~~المقاييس السهلة من طويل إلى قصير، إلى ما يستدير وما يعرض، إلى ما ينشأ من ~~هنا وينخسف من # PageV03P161 # هناك، كالوجنة البارزة، والشدق الغائر، فهذه السهولة في الوضع كما يتفق، ~~هي بعينها التعقيد المطلق عند الفن الذي لا محل فيه للفظة "كما يتفق". # والطريقة التي يكون بها الجمال جميلا هي بعينها الطريقة التي يكون بها ~~البيان بليغا، فالمرجع في اثنيهما إلى تأثيرهما في النفس، وأنت فقل: إن هذا ~~مفهوم وهذا غير مفهوم، وذاك سهل والآخر معقد، وواضح ومغلق، ومستقيم على ~~طريقته ومحول عن طريقته؛ إنك في ذلك لا تدل على شيء تعيبه أو تمدحه في ~~الجمال أو البلاغة أكثر مما تدل على ما يمدح أو يعاب في نفسك وذوقها ~~وإدراكها. # ومعاني الاختلاف لا تكون في الشيء المختلف فيه، بل في الأنفس المختلفة ~~عليه؛ فإن محالا أن تكون الجميلة ممدوحة مذمومة لجمالها في وقت معا، وإلا ~~كانت قبيحة بما هي به حسناء، وهذا أشد بعدا في الاستحالة، وحكمك على شيء هو ~~عقلك أنت في هذا الشيء. # ومتى اتفق الناس على معنى يستحسنونه وجدت دواعي الاستحسان في أنفسهم ~~مختلفة، وكذلك هم في دواعي الذم إذا عابوا؛ ولكن متى تعينت الوجوه التي بها ~~يكون الحكم، ورجع إليها المختلفون، والتزموا الأصول التي رسمتها وتقررت بها ~~الطريقة عندهم في الذوق والفهم، فذلك ينفي أسباب الاختلاف لما يكون من ~~معاني التكافؤ وخاصة المناسبة، ولهذا كان الشرط في نقد البيان أن يكون من ~~كاتب مبدع في بيانه لم ms723 تفسده نزعة أخرى، وفي نقد الشعر أن يكون من شاعر علت ~~مرتبته وطالت ممارسته لهذا الفن فليس له نزعة أخرى تفسده. # وما المجازات والاستعارات والكنايات ونحوها من أساليب البلاغة إلا أسلوب ~~طبيعي لا مذهب عنه للنفس الفنية؛ إذ هي بطبيعتها تريد دائما ما هو أعظم، ~~وما هو أجمل، وما هو أدق؛ وربما ظهر ذلك لغير هذه النفس تكلفا وتعسفا ووضعا ~~للأشياء في غير مواضعها، ويخرج من هذا أنه عمل فارغ وإساءة في التأدية ~~وتمحل لا عبرة به، ولكن فنية النفس الشاعرة تأبى إلا زيادة معانيها، فتصنع ~~ألفاظها صناعة توليها من القوة ما ينفذ إلى النفس ويضاعف إحساسها؛ فمن ثم ~~لا تكون الزيادة في صور الكلام وتقليب ألفاظه وإدارة معانيه إلا تهيئة لهذه ~~الزيادة في شعور النفس؛ ومن ذلك يأتي الشعر دائما زائدا بالصناعة البياينة؛ ~~لتخرجه هذه الصناعة من أن يكون طبيعيا في الطبيعة إلى أن يكون روحانيا في ~~الإنسانية، والشعور المهتاج المتفزز غير الساكن المتبلد، والبيان في صناعة ~~اللغة يقابل هذا النحو، فتجد من التعبير ما هو حي متحرك، وما جامد مستلق ~~كالنائم # PageV03P162 # أو كالميت؛ وبهذا لا تكون حقيقة المحسنات البيانية شيئا أكثر من أنها ~~صناعة فنية لا بد منها لإحداث الاهتياج في ألفاظ اللغة الحساسة كي تعطي ~~الكلمات ما ليس في طاقة الكلمات أن تعطيه. # لقد تكلموا أخيرا في جنابة الصحافة على الأدب، والصحافة عندي لا تجني على ~~الأدب، ولكن على فنيته؛ فلها من الأثر على سليقة البليغ وطبعه قريب مما كان ~~لحوانيت البقالين في البصرة على طبع ذي الرمة وسليقته، وكلما قرب الصحافي ~~من الصنعة وحقها على الجمهور، بعد عن الفن وجماله وحقه على النفس، وهذا ~~واضح بلا كبير تأمل، بل هو واضح بغير تأمل.. # PageV03P163 ### | ### | صعاليك الصحافة " # 1": # لما ظهر كتابي "وحي القلم"1 حملت منه إلى فضلاء كتابنا في دور الصحف ~~والمجلات أهديه إليهم؛ ليقرؤوه ويكتبوا عنه، وأنا رجل ليس في أكثر مما في، ~~كالنجم يستحيل أن يكون فيه مستنقع؛ فما أعلم في طبيعتي موضعا للنفاق تتحول ~~فيه ms724 البصلة إلى تفاحة، ولا مكانا من الخوف تنقلب فيه التفاحة إلى بصلة، ~~ولست أهدي من كتبي إلا إحدى هديتين: فإما التحية لمن أثق بأدبهم وكفايتهم ~~وسلامة قلوبهم، وإما إنذار حرب لغير هؤلاء! # والقرآن نفسه قد أثبت الله فيه أقوال من عابوه، ليدل بذلك على أن الحقيقة ~~محتاجة إلى من ينكرها ويردها، كحاجتها إلى من يقربها ويقبلها، فهي بأحدهما ~~تثبت وجودها، وبالآخر تثبت قدرتها على الوجود والاستمرار. # والشعور بالحق لا يخرس أبدا؛ فإذا كانت النفس قوية صريحة مر من باطنها ~~إلى ظاهرها في الكلمة الخالصة، فإن قال: لا أو: نعم صدق فيهما؛ وإذا كانت ~~النفس ملتوية اعترضته الأغراض والدخائل، فمر من باطن إلى باطن حتى يخلص إلى ~~الظاهر في الكلمة المقلوبة؛ إذ يكون شعورا بالحق يغطيه غرض آخر كالحسد ~~ونحوه، فإن قال: لا أو نعم كذب فيهما جميعا. # وكنت في طوافي على دور الصحف والمجلات أحس في كل منها سؤالا يسألني به ~~المكان: لماذا لم تجئ؟ فإني في ابتداء أمري كنت نزعت إلى العمل في الصحافة، ~~وأنا يومئذ متعلم ريض ومتأدب ناشئ، ولكن أبي رحمه الله ردني عن ذلك ووجهني ~~في سبيلي هذه والحمد لله، فلو أنني نشأت صحافيا لكنت الآن كبعض الحروف ~~المكسورة في الطبع.. PageV03P164 # وللصحافة العربية شأن عجيب، فهي كلما تمت نقصت، وكلما نقصت تمت؛ إذ كان ~~مدار الأمر فيها على اعتبار أكثر من يقرؤونها أنصاف قراء أو أنصاف أميين؛ ~~وهي بهذا كالطريقة لتعليم القراءة الاجتماعية أو السياسية أو الأدبية؛ ~~فتمامها بمراعاة قواعد النقص في القارئ.. وما بد أن تتقيد بأوهام الجمهور ~~أكثر مما تتقيد بحقيقة نفسها، فهي معه كالزوجة التي لم تلد بعد، لها من ~~رجلها من يأمرها ويجعلها في حكمه وهواه، وليس لها من أبنائها من تأمرهم ~~وتجعلهم في طاعتها ورأيها وأدبها؛ ثم هي عمل الساعة واليوم، فما أبعدها من ~~حقيقة الأدب الصحيح؛ إذ ينظر فيه إلى الوقت الدائم لا إلى الوقت الغابر، ~~ويراد به معنى الخلود لا معنى النسيان. # ولا يقتل النبوغ شيء كالعمل في هذه ms725 الصحافة بطريقتها؛ فإن أساس النبوغ ~~"ما يجب كما يجب"؛ ودأبه العمق والتغلغل في أسرار الأشياء وإخراج الثمرة ~~الصغيرة من مثل الشجرة الكبيرة بعمل طويل دقيق؛ أما هي فأساسها "ما يمكن ~~كما يمكن" ودأبها السرعة والتصفح والإلمام وصناعة كصناعة العنوان لا غير. # فليس يحسن بالأديب أن يعمل في هذه الصحافة اليومية إلا إذا نضج وتم وأصبح ~~كالدولة على "الخريطة"، لا كالمدينة في الدولة في الخريطة؛ فهو حينئذ لا ~~يسهل محوه ولا تبديله.. ثم هو يمدها بالقوة ولا يستمد القوة منها، ويكون ~~تاجا من تيجانها لا خرزة من خرزاتها، ويقوم فيها كالمنارة العظيمة تلقي ~~أشعتها من أعلى الجو إلى مدى بعيد من الآفاق، لا كمصباح من مصابيح الشارع! # وحالة الجمهور عندنا تجعل الصحافة مكانا طبيعيا لرجل السياسة قبل غيره؛ ~~إذ كان الرجل السياسي هو صوت الحوادث سائلا ومجيبا، ثم يليه الرجل شبه ~~العالم، ثم الرجل شبه الممثل الهزلي.. والأديب العظيم فوق هؤلاء جميعا، غير ~~أنه عندنا في الصحافة وراء هؤلاء جميعا!. # ولما فرغت من طوافي على دور الصحف جاءت هي تطوف بي في نومي فرأيتني ذات ~~ليلة أدخل إحداها لأهدي "وحي القلم" إلى الأديب المتخصص فيها للكتابة ~~الأدبية؛ ودلوني عليه فإذا رجل مربوع مشوه الخلق صغير الرأس دقيق العنق ~~جاحظ العينين، تدوران في محجريهما دورة وحشية كأنما رعبته الحياة مذ كان ~~جنينا في بطن أمه؛ لأنه خلق للإحساس والوصف، أو كأنما ركب فيه هذا النظر ~~الساخر ليرى أكثر مما يرى غيره من أسرار السخرية فينبغ في فنونها، أو هو قد # PageV03P165 # خلق بهاتين الجاحظتين دلالة عليه من القدرة الإلهية بأنه رجل قد أرسل ~~لتدقيق النظر. # وقال الذي عرفني به: حضرته عمرو أفندي الجاحظ.. وهو أديب الجريدة. # قلت: شيخنا أبو عثمان عمرو بن بحر؟ # فضحك الجاحظ وقال: وأديب الجريدة، أي شحاذ الجريدة، يكتب لها كما يقرأ ~~القارئ على ضريح: بالرغيف والجبن والبيض والقرش.. # قلت: إنا لله! فكيف انتهيت يا أبا عثمان إلى هذه النهاية وكنت من أعاجيب ~~الدنيا؟ وكيف خبت في الصحافة وكنت رأسا ms726 في الكلام؟ # قال: نجحت أخلاقي فخابت آمالي، ولو جاء الوضع بالعكس لكان الأمر بالعكس؛ ~~والمصيبة في هذه الصحف أن رجلا واحدا هو قانون كل رجل هنا. # قلت: وذاك الرجل الواحد ما قانونه؟ # قال: له ثلاثة قوانين: الجهات العالية وما يستوحيه منها، والجهات النازلة ~~وما يوحيه إليها، وقانون الصلة بين الجهتين وهو.. # قلت: وهو ماذا؟ # فحملق في وقال: ما هذه البلادة؟ وهو الذي "هو".. أما ترى الصحيفة ككل شيء ~~يباع؟ وأنت فخيرني -ولك الدولة والصولة عند القراء- ألم تر بعينيك أنك لو ~~جئت تدفع ثمانمائة قرش، لكنت في نفوسهم أعظم مما أنت وقد جئت تهدي ثمانمائة ~~صفحة من البيان والأدب؟ # قلت: يا أبا عثمان، فماذا تكتب هنا؟ # قال: إن الكتابة في هذه الصحافة صورة من الرؤية، فماذا ترى أنت في ... ~~وفي ... وفي؟ ... لقد كنا نروي في الحديث: "يكون قوم يأكلون الدنيا ~~بألسنتهم كما تلحس الأرض البقرة بلسانها"؛ فلعل من هذه الألسنة الطويلة ~~لسان صاحب الجريدة ... # قلت: ولكنك يا شيخنا قد نسيت القراء وحكمهم على الصحيفة. # قال: القراء ما القراء؟ وما أدراك ما القراء؟ وهل أساس أكثرهم إلا بلادة ~~المدارس، وسخافة الحياء، وضعف الأخلاق، وكذب السياسة؟ إن الإبداع كل ~~الإبداع في أكثر ما تكتب هذه الصحف، أن تجعل الكذب يكذب بطريقة جديدة ... ~~وما دام المبدأ هو الكذب، فالمظهر هو الهزل؛ والناس في حياة قد ماتت فيها # PageV03P166 # المعاني الشديدة القوية السامية، فهم يريدون الصحافة الرخيصة، واللغة ~~الرخيصة، والقراءة الرخيصة؛ وبهذا أصبح الجاحظ وأمثاله هم "صعاليك ~~الصحافة". # ودق الجرس يدعو أبا عثمان إلى رئيس التحرير، فنهض إليه، ثم رجع بعينين لا ~~يقال فيهما جاحظتان، بل خارجتان ... وقال: أف. {وحبط ما صنعوا فيها وباطل ~~ما كانوا يعملون} [هود: 16] . # "كلا والذي حرم التزيد على العلماء، وقبح التكلف عند الحكماء، وبهرج ~~الكذابين عند الفقهاء، لا يظن هذا إلا من ضل سعيه"*. # قلت: ماذا دهاك يا أبا عثمان؟ # قال: ويحها صحافة! قل في عمك ما قال المثل: جحظ إليه عمله**. # قلت: ولكن ما القصة؟ # قال: ويحها صحافة! وقال الأحنف: ms727 أربع من كن فيه كان كاملا، ومن تعلق ~~بخصلة منهن كان من صالحي قومه: دين يرشده، أو عقل يسدده، أو حسب يصونه، أو ~~حياة يقناه". وقال: "المؤمن بين أربع: مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه، وكافر ~~يجاهده، وشيطان يفتنه، وأربع ليس أقل منهن: اليقين، والعدل، ودرهم حلال، ~~وأخ في الله". وقال الحسن بن علي: *** ... # قلت: يا شيخنا، دعنا الآن من الرواية والحفظ والحسن والأحنف؛ فماذا دهاك ~~عند رئيس التحرير؟ # قال: لم أحسن المهاترة في المقال الذي كتبته اليوم ... ويقول رئيس ~~التحرير: إن كان نصف التمويه رذيلة؟ فإن نصفه الآخر يدل على أنه تمويه. ~~ويقول: إن سمو الكتابة انحطاط فصيح؛ لأن القراء في هذا العهد لا يخرجون من ~~حفظ القرآن والحديث ودراسة كتب العلماء والفصحاء، بل من الروايات والمجلات ~~الهزلية. وحفظ القرآن والحديث وكلام العلماء يضع في النفس قانون النفس، ~~ويجعل معانيها مهيأة بالطبيعة للاستجابة لتلك المعاني الكبيرة في الدين ~~والفضيلة والجد والقوة؛ ولكن ماذا تصنع الروايات والمجلات وصور PageV03P167 # الممثلات المغنيات وخبر الطالب فلان والطالبة فلانة والمسارح والملاهي؟ # ويقول رئيس التحرير: إن الكاتب الذي لا يسأل نفسه ما يقال عني في ~~التاريخ، هو كاتب الصحافة الحقيقي؛ لأن القروش هي القروش والتاريخ هو ~~التاريخ؛ ومطبعة الصحيفة الناجحة هي بنت خالة مطبعة البنك الأهلي؛ ولا ~~يتحقق نسب ما بينهما إلا في إخراج الورق الذي يصرف كله ولا يرد منه شيء! # إنهم يريدون إظهار المخازي مكتوبة، كحوادث الفجور والسرقة والقتل والعشق ~~وغيرها؛ يزعمون أنها أخبار تروى وتقص للحكاية أو العبرة، والحقيقة أنها ~~أخبارهم إلى أعصاب القراء ... # ودق الجرس يدعو أبا عثمان إلى رئيس التحرير ... # PageV03P168 ### | ### | صعاليك الصحافة " # 2": # وغاب شيخنا أبو عثمان عند رئيس التحرير بعض ساعة، ثم رجع تدور عيناه في ~~جحاظيهما وقد اكفهر وجهه وعبس كأنما يجري فيه الدم الأسود لا الأحمر، وهو ~~يكاد ينشق من الغيظ، وبعضه يغلي في بعضه كالماء على النار؛ فما جلس حتى ~~جاءت ذبابتان فوقعتا على كنفي أنفه تتمان كآبة وجهه المشوه، فكان منظرهما ~~من عينيه السوداوين الجاحظتين منظر ذبابتين ms728 ولدتا من ذبابتين.. # وتركهما الرجل لشأنهما وسكت عنهما؛ فقلت له: يا أبا عثمان، هاتان ~~ذبابتان، ويقال إن الذباب يحمل العدوى. # فضحك ضحكة المغيظ وقال: إن الذباب هنا يخرج من المطبعة لا من الطبيعة، ~~فأكثر القول في هذه الجرائد حشرات من الألفاظ: منها ما يستقذر وما تنقلب له ~~النفس، وما فيه العدوى، وما فيه الضرر؛ وما بد أن يعتاد الكاتب الصحافي من ~~الصبر على بعض القول مثل ما يعتاد الفقير من الصبر على بعض الحشرات في ~~ثيابه، وقد يريده صاحب الجريدة أو رئيس التحرير على أن يكتب كلاما لو أعفاه ~~منه وأراده على أن يجمع القمل والبراغيث من أهدام الفقراء والصعاليك بقدر ~~ما يملأ مقالة.. كان أخف عليه وأهون، وكان ذلك أصرح من معنى الطلب ~~والتكليف*. # وكيفما دار الأمر فإن كثيرا من كلام الصحف لو مسخه الله شيئا غير الحروف ~~المطبعية، لقطار كله ذبابا على وجوه القراء! # قلت: ولكنك يا أبا عثمان ذهبت متلطفا إلى رئيس التحرير ورجعت متعقدا فما ~~الذي أنكرت منه؟ # قال: "لو كان الأمر على ما يشتهيه الغرير والجاهل بعواقب الأمور؛ لبطل ~~PageV03P169 # النظر وما يشحذ عليه وما يدعو إليه، ولتعطلت الأرواح من معانيها والعقول ~~من ثمارها، ولعدمت الأشياء حظوظها وحقوقها1، هناك رجل من هؤلاء المعنيين ~~بالسياسة في هذا البلد ... يريد أن يخلق في الحوادث غير معانيها، ويربط ~~بعضها إلى بعض بأسباب غير أسبابها، ويخرج منها نتائج غير نتائجها، ويلفق ~~لها من المنطق رقعا كهذه الرقع في الثوب المفتوق؛ ثم لا يرضى إلا أن تكون ~~بذلك ردا على جماعة خصومه وهي رد عليه وعلى جماعته، ولا يرضى مع الرد إلا ~~أن يكون كالأعاصير تدفع مثل تيار البحر في المستنقع الراكد. # ثم لم يجد لها رئيس التحرير غير عملك أبي عثمان في لطافة حسه وقوة طبعه ~~وحسن بيانه واقتداره على المعنى وضده، كأن أبا عثمان ليس عنده ممن يحاسبون ~~أنفسهم، ولا من المميزين في الرأي، ولا من المستدلين بالدليل، ولا من ~~الناظرين بالحجة؛ وكأن أبا عثمان هذا رجل حروفي.. # كحروف ms729 المطبعة: ترفع من طبقة وتوضع في طبقة وتكون على ما شئت، وأدنى ~~حالاتها أن تمد إليها اليد فإذا هي في يدك. # وأنا امرؤ سيد في نفسي، وأنا رجل صدق، ولست كهؤلاء الذين لا يتألمون ولا ~~يتذممون؛ فإن خضت في مثل هذا انتقض طبعي وضعفت استطاعتي وتبين النقص فيما ~~أكتب، ونزلت في الجهتين؛ فلا يطرد لي القول على ما أرجو، ولا يستوي على ما ~~أحب؛ فذهبت أناقضه وأرد عليه؛ فبهت ينظر إلي ويقلب عينيه في وجهي، كأن ~~الكاتب عنده خادم رأيه كخادم مطبخه وطعامه، هذا من هذا. # ثم قال لي: يا أبا عثمان، إني لأستحي أن أعنفك؛ وبهذا القول لم يستح أن ~~يعنف أبا عثمان.. ولهممت والله أن أنشده قول عباس بن مرداس: # أكليب مالك كل يوم ظالما ... والظلم أنكد وجهه معلون # لولا أن ذكرت قول الآخر: # وما بين من لم يعط سمعا وطاعة ... وبين تميم غير حز الغلاصم # وحز الغلاصم "وقطع الدراهم" من قافية واحدة.. وقال سعيد بن أبي عروبة: ~~"لأن يكون لي نصف وجه ونصف لسان على ما فيهما من قبح المنظر وعجز المخبر- ~~أحب إلى من أن أكون ذا وجهين وذا لسانين وذا قولين مختلفين". وقال أيوب ~~السختياني: PageV03P170 # وهم شيخنا أن يمر في الحفظ والرواية على طريقته، فقلت: وقال رئيس التحرير ~~... ؟ # فضحك وقال: أما رئيس التحرير فيقول: إن الخلابة والمواربة وتقليب المنطق ~~هي كل البلاغة في الصحافة الحديثة، ولهي كقلب الأعيان في معجزات الأنبياء ~~-صلوات الله عليهم- فكما انقلبت العصا حية تسعى، وهي عصا وهي من الخشب، ~~فكذلك تنقلب الحادثة في معجزات الصحافة إذا تعاطاها الكاتب البليغ بالفطنة ~~العجيبة والمنطق الملون والمعرفة بأساليب السياسة؛ فتكون للتهويل، وهي في ~~ذاتها اطمئنان، وللتهمة وهي في نفسها براءة، وللجناية وهي في معناها سلامة، ~~ولو نفخ الصحافي الحاذق في قبضة من التراب لاستطارت منها النار وارتفع ~~لهبها الأحمر في دخانها الأسود. قال: وإن هذا المنطق الملون في السياسة ~~إنما هو إتقان الحيلة على أن يصدقك الناس؛ فإن العامة وأشباه العامة لا ~~يصدقون الصدق لنفسه، ms730 ولكن للغرض الذي يساق له؛ إذ كان مدار الأمر فيهم على ~~الإيمان والتقديس، فأذقهم حلاوة الإيمان بالكذب فلن يعرفوه إلا صدقا وفوق ~~الصدق، وهم من ذات أنفسهم يقيمون البراهين العجيبة ويساعدون بها من يكذب ~~عليهم متى أحكم الكذب؛ ليحققوا لأنفسهم أنهم بحثوا ونظروا ودققوا ... # ثم قال أبو عثمان: ومعنى هذا كله أن بعض دور الصحافة لو كتبت عبارة صريحة ~~للإعلان لكانت العبارة هكذا: سياسة للبيع ... # قلت: يا شيخنا، فإنك هنا عندهم؛ لتكتب كما يكتبون، ومقالات السياسة ~~الكاذبة كرسائل الحب الكاذب: تقرأ فيها معان لا تكتب، ويكون في عبارتها ~~حياة وفي ضمنها طلب ما يستحي منه ... والحوادث عندهم على حسب الأوقات، ~~فالأبيض أسود في الليل، والأسود أبيض في النهار؛ ألم تر إلى فلان كيف يصنع ~~وكيف لا يعجزه برهان وكيف يخرج المعاني؟ # قال: بلى، نعم الشاهد هو وأمثاله!؛ إنهم مصدقون حتى في تاريخ حفر زمزم. # قلت: وكيف ذلك؟ # قال: شهد رجل عند بعض القضاة على رجل آخر، فأراد هذا أن يجرح شهادته، ~~فقال للقاضي: أتقبل منه وهو رجل يملك عشرين ألف دينار ولم يحج إلى بيت ~~الله؟ فقال الشاهد: بلى قد ححجت. قال الخصم؛ فاسأله أيها القاضي عن زمزم ~~كيف هي؟ قال الشاهد: لقد حججت قبل أن تحفر زمزم فلم أرها ... # PageV03P171 # قال أبو عثمان: فهذه هي طريقة بعضهم فيما يزكي به نفسه: ينزلون إلى مثل ~~هذا المعنى وإن ارتفعوا عن مثل هذا التعبير؛ إذ كانت الحياة السياسية جدلا ~~في الصحف لنفي المنفي وإثبات المثبت، لا عملا يعملونه بالنفي والإثبات؛ ~~ومتى استقلت هذه الأمة وجب تغيير هذه الصحافة وإكراهها على الصدق، فلا يكون ~~الشأن حينئذ في إطلاق الكلمة الصحافية إلا من معناها الواقع. # والحياة المستقلة ذات قواعد وقوانين دقيقة لا يترخص فيها ما دام أساسها ~~إيجاد القوة وحياطة القوة وأعمال القوة، وما دامت طبيعتها قائمة على جعل ~~أخلاق الشعب حاكمة لا محكومة؛ وقد كان العمل السياسي إلى الآن هو إيجاد ~~الضعف وحياطة الضعف وبقاء الضعف؛ فكانت قواعدنا في الحياة مغلوطة؛ ومن ثم ms731 ~~كان الخلق القوي الصحيح هو الشاذ النادر يظهر في الرجل بعد الرجل والفترة ~~بعد الفترة، وذلك هو السبب في أن عندنا من الكلام المنافق أكثر من الحر، ~~ومن الكاذب أكثر من الصادق، ومن المماري أكثر من الصريح؛ فلا جرم ارتفعت ~~الألقاب فوق حقائقها، وصارت نعوت المناصب وكلمات "باشا" و"بك" من الكلام ~~المقدس صحافيا ... # يا لعباد الله! يأتيهم اسم الأديب العظيم فلا يجدون له موضعا في "محليات ~~الجريدة"؛ ويأتيهم اسم الباشا أو البك أو صاحب المنصب الكبير فبماذا تتشرف ~~"المحليات" إلا به؟ وهذا طبيعي، ولكن في طبيعة النفاق؛ وهذا واجب، ولكن حين ~~يكون الخضوع هو الواجب؛ ولو أن للأديب وزنا في ميزان الأمة لكان له مثل ذلك ~~في ميزان الصحافة؛ فأنت ترى أن الصحافة هنا هي صورة من عامية الشعب ليس ~~غير.. ومن ذا الذي يصحح معنى الشرف العامل لهذه الأمة وتاريخها، وأكثر ~~الألقاب عندنا هي أغلاط في معنى الشرف ... ؟ # ثم ضحك أبو عثمان وقال: زعموا أن ذبابة وقعت في بارجة "أميرال" إنجليزي ~~أيام الحرب العظمى؛ فرأت القائد العظيم وقد نشر بين يديه درجا من الورق وهو ~~يخطط فيه رسما من رسوم الحرب؛ ونظرت فإذا هو يلقي النقطة بعد النقطة من ~~المداد ويقول: هذه مدينة كذا، وهذا حصن كذا، وهذا ميدان كذا. قالوا: فسخرت ~~منه الذبابة وقالت: ما أيسر هذا العمل وما أخف وما أهون! ثم وقعت على صفحة ~~بيضاء وجعلت تلقي ونيمها* هنا وهناك وتقول: هذه مدينة، وهذا حصن ... ~~PageV03P172 # والتفت الجاحظ كأنما توهم الجرس يدق ... فلما لم يسمع شيئا قال: # لو أنني أصدرت صحيفة يومية لسميتها "الأكاذيب" فمهما أكذب على الناس فقد ~~صدقت في الاسم، ومهما أخطئ فلن أخطئ في وضع النفاق تحت عنوانه. # قال: ثم أخط تحت اسم الجريدة ثلاثة أسطر بالخط الثالث هذا نصفها: # ما هي عزة الأذلاء؟ هي الكذب الهازل. # ما هي قوة الضعفاء؟ هي الكذب المكابر. # ما هي فضيلة الكذابين؟ هي استمرار الكذب. # قال: ثم لا يحرر في جريدتي إلا "صعاليك الصحافة" من أمثال الجاحظ؛ ثم ms732 ~~أكذب على أهل المال فأمجد الفقراء العاملين، وعلى رجال الشرف فأعظم العمال ~~المساكين، وعلى أصحاب الألقاب فأقدم الأدباء والمؤلفين، و ... # ودق الجرس يدعو أبا عثمان إلى رئيس التحرير ... # PageV03P173 ### | صعاليك الصحافة "3": # ولم يلبث أن رجع أبو عثمان في هذه المرة وكأنه لم يكن عند رئيس التحرير ~~في عمل وأدائه، بل كان عند رئيس الشرطة في جناية وعقابها؛ فظهر منقلب ~~السحنة انقلابا دميما شوه تشويهه وزاد فيه زيادات ... ورأيته ممطوط الوجه ~~مطا شنيعا بدت فيه عيناه الجاحظتان كأنهما غير مستقرتين في وجهه، بل ~~معلقتان على جبهته ... # وجعل يضرب إحدى يديه بالأخرى ويقول: هذا باب على حدة في الامتحان ~~والبلوى، وما فيه إلا المؤنة العظيمة والمشقة الشديدة؛ والعمل في هذه ~~الصحافة إنما هو امتحانك بالصبر على اثنين: على ضميرك، وعلى رئيس التحرير! ~~وسأل بعض أصحابنا أبا لقمان الممرور عن الجزء الذي لا يتجزأ ما هو؟ فقال: ~~الجزء الذي لا يتجزأ علي بن أبي طالب عليه السلام. فقال له أبو العيناء ~~محمد: أفليس في الأرض جزء لا يتجزأ غيره! قال: بلى، حمزة جزء لا يتجزأ ... ~~قال: فما تقول في أبي بكر وعمر؟ قال: أبو بكر يتجزأ ... قال: فما تقول في ~~عثمان؟ قال: ويتجزأ مرتين، والزبير يتجزأ مرتين ... قال: فأي شيء تقول في ~~معاوية؟ قال: لا يتجزأ. # "فقد فكرنا في تأويل أبي لقمان حين جعل الأيام أجزاء لا تتجزأ إلى أي شيء ~~ذهب؟ فلم نقع عليه إلا أن يكون أبو لقمان كان إذا سمع المتكلمين يذكرون ~~الجزء الذي لا يتجزأ، هاله ذلك وكبر في صدره وتوهم أنه الباب الأكبر من علم ~~الفلسفة، وأن الشيء إذا عظم خطره سموه بالجزء الذي لا يتجزأ"*. # قلت: ورجع بنا القول إلى رئيس التحرير ... # فضحك حتى أسفر وجهه ثم قال: إن رئيس التحرير قد تلقى الساعة أمرا بأن ~~الجزء الذي لا يتجزأ اليوم هو فلان؛ وأن فلانا الآخر يتجزأ مرتين ... وأن ~~المعنى الذي يبنى عليه رأي الصحيفة في هذا النهار هو شأن كذا في عمل كذا؛ ~~وأن هذا الخبر PageV03P174 # يجب ms733 أن يصور في صيغة تلائم جوع الشعب فتجعله كالخبز الذي يطعمه كل الناس، ~~وتثير له شهوة في النفوس كشهوة الأكل وطبيعة كطبيعة الهضم ... وقد رمى إلي ~~رئيس التحرير بجملة الخبر، وعلي أنا بعد ذلك أن أضرم النار وأن أجعل التراب ~~دقيقا أبيض يعجن ويخبز ويؤكل ويسوغ في الحلق وتستمرئه المعدة ويسري في ~~العروق. # وإذا أنا كتبت في هذا احتجت من الترقيع والتمويه، ومن التدليس والتغليط، ~~ومن الخب والمكر، ومن الكذب والبهتان -إلى مثل ما يحتاج إليه الزنديق ~~والدهري والمعطل في إقامة البرهانات على صحة مذهب عرف الناس جميعا أنه فاسد ~~بالضرورة؛ إذ كان معلوما من الدين بالضرورة أنه فاسد؛ وأين ترى إلا في تلك ~~النحل وفي هذه الصحافة أن ينكر المتكلم وهو عارف أنه منكر، وأن يجترئ وهو ~~موقن أنه مجترئ، ويكابر وهو واثق أنه يكابر؟ فقد ظهر تقدير من تقدير، وعمل ~~من عمل، ومذهب من مذهب؛ والآفة أنهم لا يستعملون في الإقناع والجدل ~~والمغالطة إلا الحقائق المؤكدة؛ يأخذونها إذ وجدت ويصنعونها إن لم توجد؛ إذ ~~كان التأثير لا يتم إلا بجعل القارئ كالحالم: يملكه الفكر ولا يملك هو منه ~~شيئا، ويلقي إليه ولا يمتنع ويعطي ولا يرد على من أعطاه. # قلت: ولكن ما هو الخير الذي أرادوك على أن تجعل من ترابه دقيقا أبيض؟ # قال: هو بعينه ذلك الشأن الذي كتبت فيه لهذه الصحيفة نفسها أنقضه وأسفهه ~~وأرد عليه، وكان يومئذ جزءا يتجزأ.. فإن صنعت اليوم بلاغتي في تأييده ~~وتزيينه والإشادة به، ولم يكن هذا كاسرا لي، ولا حائلا بيني وبين ذات نفسي- ~~فلا أقل من أن يكون الجاحظ تكذيبا للجاحظ، آه لو وضع الرديو في غرف رؤساء ~~التحرير ليسمع الناس ... # قلت: يا أبا عثمان، هذا كقولك: لو وضع الرديو في غرف قواد الجيوش أو ~~رؤساء الحكومات. # قال: ليس هذا من هذا، فإن للجيش معنى غير الحذق في تدبير المعاش والتكسب ~~وجمع المال؛ وفي أسراره أسرار قوة الأمة وعمل قوتها؛ وللحكومة دخائل سياسية ~~لا يحركها أن فلانا ارتفع وأن فلانا ms734 انخفض، ولا تصرفها العشرة أكثر من ~~الخمسة؛ وفي أسرارها أسرار وجود الأمة ونظام وجودها. # قال أبو عثمان: وإنما نزل بصحافتنا دون منزلتها أنها لا تجد الشعب القارئ ~~المميز الصحيح القراءة الصحيح التمييز، ثم هي تريد أن تذهب أموالها في ~~إيجاده # PageV03P175 # وتنشئته؛ وعمل الصحافة من الشعب عمل التيار من السفن في تحريكها وتيسير ~~مجراها، غير أن المضحك أن تيارنا يذهب مع سفينة ويرجع مع سفينة ... ولو أن ~~الصحافة العربية وجدت الشعب قارئا مدركا مميزا معتبرا مستبصرا لما رمت ~~بنفسها على الحكومات والأحزاب عجزا وضعفا وفسولة، ولا خرجت عن النسق ~~الطبيعي الذي وضعت له، فإن الشعب تحكمه الحكومة، وإن الحكومة تحكمها ~~الصحافة، فهي من ثم لسان الشعب؛ وإنما يقرؤها القارئ ليرى كلمته مكتوبة؛ ~~وشعور الفرد أن له حقا في رقابة الحكومة وأنه جزء من حركة السياسة ~~والاجتماع، هو الذي يوجب عليه أن يبتاع كل يوم صحيفة اليوم. # قال أبو عثمان: فالصحافة لا تقوى إلا حيث يكون كل إنسان قارئا، وحيث يكون ~~كل قارئ للصحيفة كأنه محرر فيها، فهو مشارك في الرأي؛ لأنه واحد ممن يدور ~~عليهم الرأي، متتبع للحوادث؛ لأنه هو من مادتها أو هي من مادته، وهو لذلك ~~يريد من أن الصحيفة حكاية الوقت وتفسير الوقت، وأن تكون له كما يكون ~~التفكير الصحيح للمفكر، فيلزمها الصدق ويطلب منها القوة ويلتمس فيها ~~الهداية، وتأتي إليه في مطلع كل يوم أو مغربه كما يدخل إلى داره أحد أهله ~~الساكنين في داره. # وفي قلة القراءة عندنا آفتان: أما واحدة فهي القلة التي لا تغني شيئا؛ ~~وأما الأخرى فهم على قلتهم لا ترى أكبر شأنهم إلا عبادة قوم لقوم، وزراية ~~أناس بآخرين، وتعلق نفاق بنفاق، وتصديق كذب لكذب؛ وآفة ثالثة تخرج من ~~اجتماع الاثنين: وهي أن أكثرهم لا يكونون في قراءتهم الصحيفة إلا كالنظارة ~~اجتمعوا ليشهدوا ما يتلهون به، أو كالفراغ يلتمسون ما يقطعون به الوقت؛ فهم ~~يأخذون السياسة مأخذ من لا يشارك فيها، ويتعاطون الجد تعاطي من يلهو به، ~~ويتلقون الأعمال بروح البطالة، والعزائم ms735 بأسلوب عدم المبالاة، والمباحثة ~~بفكرة الإهمال، والمعارضة بطبيعة الهزء والتحقير؛ وهم كالمصلين في المسجد؛ ~~فمثل لنفسك نوعا من المصلين إذا اصطفوا وراء الإمام تركوه يصلي عن نفسه ~~وعنهم انصرفوا. # قال أبو عثمان: بهذا ونحوه جاءت الصحف عندنا وأكثرها لا ثبات له إلا في ~~الموضع الذي تكون فيه بين منافعه ووسائل منافعه؛ ومن هذا ونحوه كان أقوى ~~المادة عندنا أن تظهر الصحيفة مملوءة حكومة وسلطة وباشوات وبيكوات ... وكان ~~من الطبيعي أن محل الباشا والبك والحوادث الحكومية التفهة لا يكون من ~~الجريدة إلا في موضع قلب الحي من الحي. # PageV03P176 # ثم استضحك شيخنا وقال: لقد كتبت ذات يوم مقالة أقترح فيها على الحكومة ~~تصحيح هذه الألقاب، وذلك بوضع لقب جديد يكون هو المفسر لجميعها ويكون هو ~~اللقب الأكبر فيها، فإذا أنعم به على إنسان كتبت الصحف هكذا: أنعمت الحكومة ~~على فلان بلقب "ذو مال". # ودق الجرس يدعو أبا عثمان إلى رئيس التحرير ... # فلم يلبث إلا يسيرا ثم عاد متهللا ضاحكا وقد طابت نفسه فليس له جحوظ ~~العينين إلا بالقدر الطبيعي، وجلس إلي وهو يقول: # بيد أن رئيس التحرير لم ينشر ذلك المقال، ولم ير فيه استطرافا ولا ~~ابتكارا ولا نكتة ولا حجة صادقة، بل قال: كأنك يا أبا عثمان تريد أن يأكل ~~عدد اليوم عدد الغد، فإذا نحن زهدنا في الألقاب وأصغرنا أمرها وتهكمنا بها ~~وقلنا إنها أفسدت معنى التقدير الإنساني وتركت من لم ينلها من ذوي الجاه ~~والغنى يرى نفسه إلى جانب من نالها كالمرأة المطلقة بجانب المتزوجة ... ~~وقلنا إنها من ذلك تكاد تكون وسيلة من وسائل الدفع إلى التملق والخضوع ~~والنفاق لمن بيدهم الأمر، أو وسيلة إلى ما هو أحط من ذلك كما كان شأنها في ~~عهد الدولة العثمانية البائدة حين كان الوسام كالرقعة من جلد الدولة يرقع ~~بها الصدر الذي شقوه وانتزعوا ضميره -إذا نحن قلنا هذا وفعلنا هذا، لم نجد ~~الشعب الذي يحكم لنا، ووجدنا ذوي المال والجاه والمناصب الذي يحكمون علينا؛ ~~فكنا كمن يتقدم في التهمة بغير محام ms736 إلى قاض ضعيف. # يا أبا عثمان، إنما هي حياة ثلاثة أشياء: الصحيفة، ثم الصحيفة، ثم ~~الحقيقة.. فالفكرة الأولى للصحيفة، والفكرة الثانية هي للصحيفة أيضا؛ ومتى ~~جاء الشعب الذي يقول: لا، بل هي الحقيقة، ثم الحقيقة، ثم الصحيفة -فيومئذ ~~لا يقال في الصحافة ما قيل لليهود في كتاب موسى: {تجعلونه قراطيس تبدونها ~~وتخفون كثيرا} [الأنعام: 91] . # قلت: أراك يا أبا عثمان لم تنكر شيئا من رئيس التحرير في هذه المرة، فشق ~~عليك ألا تثلبه، فغمزته بالكلام عن مرة سالفة. # قال: أما هذه المرة فأنا الرئيس لا هو، وفي مثل هذا لا يكون عمك أبو ~~عثمان من "صعاليك الصحافة"؛ إن الرجل اشتبه في كلمة: ما وجهها: أمرفوعة # PageV03P177 # هي أم منصوبة؟ وفي لفظة ما هي: أعربية أم مولدة؟ وفي تعبير أعجمي ما الذي ~~يؤديه من العربية الصحيحة؟ وفي جملة: أهي في نسقها أفصح أم يبدلها. # إن المعجم هنا لا يفيدهم شيئا إلا إذا نطق ... # ولقد ابتليت هذه الأمة في عهدها الأخير بحب السهولة مما أثر فيها ~~الاحتلال وسياسته وتحمله الأعباء عنها واستهدافه دونها للخطر، فشبه العامية ~~في لغة الصحف وفي أخبارها وفي طريقها إنما هو صورة من سهولة تلك الحياة، ~~وكأنه تثبيت للضعف والخور، وأنت خبير أن كل شيء يتحول بما تحدث له طبيعته ~~عاليا أو نازلا، فقد تحولت السهولة من شبه العامية إلى نصف العامية في ~~كتابة أكثر المجلات وفي رسائل طلبة المدارس، حتى لتبدو المقالات في ألفاظها ~~ومعانيها كأنها القنفد أراد أن يحمل مأكلة صغاره، فقرض عنقودا من العنب، ~~فألقاه في الأرض وأتربه وتمرغ فيه، ثم مشى يحمل كل حبة مرضوضة في عشرين ~~إبرة من شوكه. # ثم مد أبو عثمان يده فتناول مجلة مما أمامه وقعت يده عليها اتفاقا ثم ~~دفعها إلي وقال: اقرأ ولا تجاوز عنوان كل مقالة. فقرأت هذه العناوين. # "مسئولية طبيب عن فتاة عذراء"، "مودة الراقصات الصينيات"، "تخر مغشيا ~~عليها؛ لأنهم اكتشفوا صورة حبيبها"، "هل يعتبر قبول الهدية دليلا على الحب، ~~وإذا كانت ملابس داخلية ... فهل تعتبر وعدا بالزواج؟ ms737 هل يحق للأب أن يطالب ~~صديق ابنته بتعويض إذا كانت ابنته غير شرعية، "بين خطيبتين لشاب واحد"، ~~"بعد أن قص على زوجته أخبار السهرة ... لماذا أطلقت عليه الرصاص"، "عروس ~~تأخذ "شبكة" من شابين ثم تطردهما"، "زوجة الموظف أين ذهبت"، "لماذا خطفت ~~العروس في اليوم المحدد للزفاف؟ "، "في الطريق: حب بالإكراه" فلانون ~~وفلانات، زواج وطلاق، وأخبار المراقص، وحوادث أماكن الدعارة" ... الخ الخ. # فقال أبو عثمان: هذه هي حرية النشر؛ ولئن كان هذا طبيعيا في قانون ~~الصحافة إنه لإثم كبير في قانون التربية؛ فإن الأحداث والضعفاء يجدونه عند ~~أنفسهم كالتخيير بين الأخذ بالواجب وبين تركه، ولا يفهمون من جواز نشره إلا ~~هذا. "وباب آخر من هذا الشكل فبكم أعظم حاجة إلى أن تعرفوه وتقفوا عنده، ~~وهو ما يصنع الخبر ولا سيما إذا صادق من السامع قلة تجربة، فإن قرن بين قلة # PageV03P178 # التجربة وقلة التحفظ دخل ذلك الخبر إلى مستقره من القلب دخولا سهلا، ~~وصادف موضعا وطيئا وطبيعة قابلة ونفسا ساكنة، ومتى صادف القلب كذلك رسخ ~~رسوخا لا حيلة في إزالته. # ومتى ألقي إلى الفتيان شيء من أمور الفتيات في وقت الغرارة وعند غلبة ~~الطبيعة وشباب الشهوة وقلة التشاغل و ... "*. # ودق الجرس يدعو أبا عثمان إلى رئيس التحرير ... PageV03P179 ### | صعاليك الصحافة * "تتمة": # وجاء أبو عثمان وفي بروز عينيه ما يجعلهما في وجهه شيئا كعلامتي تعجب ~~ألقتهما الطبيعة في هذا الوجه، وقد كانوا يلقبونه "الحدقي" فوق تلقيبه ~~بالجاحظ، كأن لقبا واحدا لا يبين عن قبح هذا النتوء في عينيه إلا بمرادف ~~ومساعد من اللغة ... وما تذكرت اللقبين إلا حين رأيت عينيه هذه المرة. # وانحط في مجلسه كأن بعضهم يرمي بعضه من سخط وغيظ، أو كأن من جسمه ما لا ~~يريد أن يكون من هذا الخلق المشوه، ثم نصب وجهه يتأمل، فبدت عيناه في ~~خروجهما كأنما تهمان بالفرار من هذا الوجه الذي تحيا الكآبة فيه كما يحيا ~~الهم في القلب؛ ثم سكت عن الكلام؛ لأن أفكاره كانت تكلمه. # فقطعت عليه الصمت وقلت: يا أبا عثمان، رجعت ms738 من عند رئيس التحرير زائدا ~~شيئا أو ناقصا شيئا؛ فما هو يرحمك الله؟ # قال: رجعت زائدا أني ناقص، وههنا شيء لا أقوله ولو أن في الأرض ملائكة ~~يمشون مطمئنين لوقفوا على عمك وأمثال عمك من كتاب الصحف يتعجبون لهذا النوع ~~الجديد من الشهداء! PageV03P180 # وقال ابن يحيى النديم: دعاني المتوكل ذات يوم وهو مخمور فقال: أنشدني قول ~~عمارة في أهل بغداد، فأنشدته: # ومن يشتري مني ملوك مخرم ... ابع حسنا وابني هشام بدرهم # وأعطي "رجاء" بعد ذاك زيادة ... وأمنح "دينارا" بغير تندم # قال أبو عثمان: # فإن طلبوا مني الزيادة زدتهم ... "أبا دلف" و"المستطيل بن أكثم" # ويلي على هذا الشاعر! اثنان بدرهم، واثنان زيادة فوقهما لعظم الدرهم، ~~واثنان زيادة على الزيادة لجلالة الدرهم: كأنه رئيس تحرير جريدة يرى الدنيا ~~قد ملئت كتابا، ولكن ههنا شيئا لا أقوله. # وزعموا أن كسرى أبرويز كان في منزل امرأته شيرين، فأتاه صياد بسمكة ~~عظيمة، فأعجب بها وأمر له بأربعة آلاف درهم، فقالت له شيرين: أمرت للصياد ~~بأربعة آلاف درهم، فإن أمرت بها لرجل من الوجوه قال: إنما أمر لي بمثل ما ~~أمر للصياد! فقال كسرى: كيف أصنع وقد أمرت له؟ # قالت: إذا أتاك فقل له: أخبرني عن السمكة، أذكر هي أم أنثى؟ فإن قال ~~أنثى، فقل له: لا تقع عليك حتى تأتيني بقرينها، وإن قال غير ذلك فقل له مثل ~~ذلك. # فلما غدا الصياد على الملك قال له: أخبرني عن السمكة، أذكر هي أم أنثى؟ ~~قال: بل أنثى، قال الملك: فأتني بقرينها. فقال الصياد: عمر الله الملك، ~~إنها كانت بكرا لم تتزوج بعد.. # قلت: يا أبا عثمان، فهل وقعت في مثل هذه المعضلة مع رئيس التحرير؟ # قال: لم ينفع عمك أن سمكته كانت بكرا، فإنما يريدون إخراجه من الجريدة؛ ~~وما بلاغة أبي عثمان الجاحظ بجانب بلاغة التلغراف وبلاغة الخبر وبلاغة ~~الأرقام وبلاغة الأصفر وبلاغة الأبيض ... ولكن ههنا شيئا لا أريد أن أقوله. # وسمكتي هذه كانت مقالة جودتها وأحكمتها وبلغت بألفاظها ومعانيها أعلى ~~منازل الشرف وأسنى رتب البيان، ms739 وجعلتها في البلاغة طبقة وحدها، وقيل أن ~~يقول الأوروبيون "صاحبة الجلالة الصحافة" قال المأمون: "الكتاب ملوك على ~~الناس"، فأراد عمك أبو عثمان أن يجعل نفسه ملكا بتلك المقالة فإذا هو بها ~~من "صعاليك الصحافة". # PageV03P181 # لقد كانت كالعروس في زينتها ليلة الجلوة على محبها، ما هي إلا الشمس ~~الضاحية، وما هي إلا أشواق ولذات، وما هي إلا اكتشاف أسرار الحب، وما هي ~~إلا هي؛ فإذا العروس عند رئيس التحرير هي المطلقة، وإذا المعجب هو المضحك، ~~ويقول الرجل: أما نظريا فنعم، وأما عمليا فلا؛ وهذا عصر خفيف يريد الخفيف، ~~وزمن عامي يريد العامي، وجمهور سهل يريد السهل؛ والفصاحة هي إعراب الكلام ~~لا سياسته بقوى البيان والفكر واللغة، فهي اليوم قد خرجت من فنونها واستقرت ~~في علم النحو. # وحسبك من الفرق بينك وبين القارئ العامي: أنك أنت لا تلحن وهو يلحن. # قال أبو عثمان: وهذه -أكرمك الله- منزلة بقل فيها الخاصي ويكثر العامي ~~فيوشك ألا يكون بعدها إلا غلبة العامية، ويرجع الكلام الصحافي كله سوقيا ~~بلديا "حنشصيا"، وينقلب النحو نفسه وما هو إلا التكلف والتوعر والتقعر كما ~~يرون الآن في الفصاحة، والقليل من الواجبات ينتهي إلى الأقل؛ والأقل ينتهي ~~إلى العدم، والانحدار سريع يبدأ بالخطوة الواحدة، ثم لا تملك بعدها الخطى ~~الكثيرة. # لا جرم فسد الذوق وفسد الأدب وفسدت أشياء كثيرة كانت كلها صالحة، وجاءت ~~فنون من الكتابة ما هي إلا طبائع كتابها تعمل فيمن يقرؤها عمل الطباع الحية ~~فيمن يخالطها، ولو كان في قانون الدولة تهمة إفساد الأدب أو إفساد اللغة، ~~لقبض على كثيرين لا يكتبون إلا صناعة لهو ومسلاة فراغ وفسادا وإفسادا؛ ~~والمصيبة في هؤلاء ما يزعمون لك من أنهم يستنشطون القراء ويلهونهم، ونحن ~~إنا نعمل في هذه النهضة لمعالجة اللهو الذي جعل نصف وجودنا السياسي عدما؛ ~~ثم لملء الفراغ الذي جعل نصف حياتنا الاجتماعية بطالة؛ وهذا أيضا مما جعل ~~عمك أبا عثمان في هذه الصحافة من "صعاليك الصحافة"، وتركه في المقابلة بينه ~~وبين بعض الكتاب كأنه في أمس وكأنهم في غد. ms740 # ودق الجرس يدعو أبا عثمان إلى رئيس التحرير ... # فما شككت أنهم سيطردونه، فإن الله لم يرزقه لسانا مطبعيا ثرثارا يكون ~~كالمتصل من دماغه بصندوق حروف ... ولم يجعله كهؤلاء السياسيين الذين يتم ~~بهم النفاق ويتلون، ولا كهؤلاء الأدباء الذين يتم بهم التضليل ويتشكل. # ورجع شيخنا كالمخنوق أرخي عنه وهو يقول: ويلي على الرجل! ويلي من # PageV03P182 # الكلام الظريف الذي يقال في الوجه ليدفع في القفا ... كان ينبغي ألا يملك ~~هذه الصحافة اليومية إلا مجالس الأمة؛ فذلك هو إصلاح الأمة والصحافة ~~والكتاب جميعا؛ أما في هذه الصحف، فالكاتب يخبز عيشه على نار تأكل منه قدر ~~ما يأكل من عيشه؛ ولو أن عمك في خفض ورفاهية وسعة، لكان في استغنائه عنهم ~~حاجتهم إليه؛ ولكن السيف الذي لا يجد عملا للبطل، تفضله الإبرة التي تعمل ~~للخياط، وماذا يملك عمك أبو عثمان؟ يملك ما لا ينزل عنه بدون الملوك، ولا ~~بالدنيا كلها، ولا بالشمس والقمر؛ إذ يملك عقله وبيانه، على أنه مستأجر هنا ~~بعقله وبيانه، ويعقل ما شاءوا ويكتب ما شاءوا. # لك الله أن أصدقك القول في هذه الحرفة اليومية: إن الكاتب حين يخرج من ~~صحيفة إلى صحيفة، تخرج كتابته من دين إلى دين ... # ورأيت شيخنا كأنما وضع له رئيس التحرير مثل البارود في دماغه ثم أشعله، ~~فأردت أن أمازحه وأسري عنه، فقلت: اسمع يا أبا عثمان، جاءتني بالأمس قضية ~~يرفعها صاحبها إلى المحكمة، وقد كتب في عرض دعواه أن جار بيته غصبه قطعة من ~~أرض فنائه الذي تركه حول البيت، وبنى في هذه الرقعة دارا، وفتح لهذه الدار ~~نافذات، فهو يريد من القاضي أن يحكم برد الأرض المغصوبة، وهدم هذه الدار ~~المبنية فوقها ... وسد نافذتها المفتوحة!.. # فضحك الجاحظ حتى أمسك بطنه بيده وقال: هذا أديب عظيم كبعض الذين يكتبون ~~الأدب في الصحافة؛ كثرت ألفاظه ونقص عقله، "وسئل بعض الحكماء: متى يكون ~~الأدب شرا من عدمه؟ قال: إذا كثر الأدب ونقصت القريحة. وقد قال بعض ~~الأولين: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه، كان حتفه ms741 في أغلب خصال ~~الخير عليه؛ وهذا كله قريب بعضه من بعض" 1 والأدب وحده هو المتروك في هذه ~~الصحافة لمن يتولاه كيف يتولاه؛ إذ كان أرخص ما فيها، وإنما هو أدب؛ لأن ~~الأمم الحية لا بد أن يكون لها أدب؛ إذ كان أرخص ما فيها، وإنما هو أدب؛ ~~لأن الأمم الحية لا بد أن يكون لها أدب، ثم هو من بعد هذا الاسم العظيم ملء ~~فراغ لا بد أن يملأ، وصفحة الأدب وحدها هي التي تظهر في الجريدة اليومية ~~كبقعة الصدأ على الحديد: تأكل منه ولا تعطيه شيئا. # ثم يأبى من تترك هذه الصفحة إلا أن يجعل نفسه "رئيس تحرير" على الأدباء، ~~فما يدع صفة من صفات النبوغ ولا نعتا من نعوت العبقرية إلا نحله نفسه ~~PageV03P183 # ووضعه تحت ثيابه؛ وما أيسر العظمة وما أسهل منالها إذا كانت لا تكفك إلا ~~الجراءة والدعوى والزعم، وتلفيق الكلام من أعراض الكتب وحواشي الأخبار. # وقد يكون الرجل في كتابته كالعامة، فإذا عبته بالركاكة والسخف والابتذال ~~وفراغ ما يكتب، قال: هذا ما يلائم القراء، وقد يكون من أكذب الناس فيما ~~يدعي لنفسه وما يهول به لتقوية شأنه وإصغار من عداه، فإذا كذبه من يعرفه ~~قال: هذا ما يلائمني، وهو واثق أنه في نوع من القراء ليس عليه إلا أن ~~يملأهم بهذه الدعاوى كما تملأ الساعة، فإذا هم جميعا يقولون: تك تك ... تك ~~... تك # فمن زعم أن البلاغة أن يكون السامع يفهم معنى القائل، جعل الفصاحة ~~واللكنة والخطأ والصواب والإغلاق والإبانة والملحون والمعرب، وكله سواء ~~وكله بيانا1 وكان المكي طيب الحجج، ظريف الحيل، عجيب العلل، وكان يدعي كل ~~شيء على غاية الإحكام ولم يحكم شيئا قط من الجليل ولا من الدقيق؛ وإذ قد ~~جرى ذكره فسأحدثك ببعض أحاديثه، قلت له مرة: أعلمت أن الشاري حدثني أن ~~المخلوع "أي الأمين" بعث إلى المأمون بجراب فيه سمسم، كأنه مخبره أن عنده ~~من الجند بعد ذلك، وأن المأمون بعث له بديك أعور، يريد أن ظاهر بن الحسين ~~يقتل هؤلاء ms742 كلهم كما يلقط الديك الحب؟ # قال: فإن هذا الحديث أنا ولدته، ولكن انظر كيف سار في الآفاق ... 2 # ثم قال أبو عثمان: وقد زعم أحد أدبائكم أنه اكتشف في تاريخ الأدب اكتشافا ~~أهمله المتقدمون وغفل عنه المتأخرون، فنظر عمك في هذا الذي ادعاه، فإذا ~~الرجل على التحقيق كالذي يزعم أنه اكتشف أمريكا في كتاب من كتب الجغرافيا ~~... # وما يزال البلهاء يصدقون الكلام المنشور في الصحف، لا بأنه صدق، ولكن ~~بأنه "مكتوب في الجريدة" ... فلا عجب أن يظن كاتب صفحة الأدب -متى كان ~~مغرورا- أنه إذا تهدد إنسانا فما هدده بصفحته، بل بحكومته ... # نعم أيها الرجل إنها حكومة ودولة؛ ولكن ويحك إن ثلاث ذبابات ليست ثلاث ~~قطع من أسطول إنجلترا! ... # وضحك أبو عثمان وضحكت! فاستيقظت. PageV03P184 ### | أبو حنيفة ولكن بغير فقه # 1: # قد انتهينا في الأدب إلى نهاية صحافية عجيبة، فأصبح كل من يكتب ينشر له، ~~وكل من ينشر له يعد نفسا أديبا، وكل من عد نفسه أديبا جاز له أن يكون صاحب ~~مذهب وأن يقول في مذهبه ويرد على مذهب غيره. # فعندنا اليوم كلمات ضخمة تدور في الصحف بين الأدباء كما تدور أسماء ~~المستعمرات بين السياسيين المتنازعين عليها، يتعلق بها الطمع وتنبعث لها ~~الفتنة وتكون فيها الخصومة والعداوة، منها قولهم: أدب الشيوخ وأدب الشباب؛ ~~ودكتاتورية الأدب وديمقراطية الأدب، وأدب الألفاظ وأدب الحياة، والجمود ~~والتحول، والقديم والجديد، ثم ماذا وراء ذلك من أصحاب هذا المذهب؟ # وراء ذلك أن منهم أبا حنيفة ولكن بغير فقه، والشافعي ولكن بغير اجتهاد، ~~ومالك ولكن بغير رواية، وابن حنبل ولكن بغير حديث؛ أسماء بينها وبين العمل ~~أنها كذب عليه وأنه رد عليها. # وليس يكون الأدب أدبا إلا إذا ذهب يستحدث ويخترع على ما يصرفه النوابغ من ~~أهله حتى يؤرخ بهم فيقال: أدب فلان وطريقة فلان ومذهب فلان؛ إذ لا يجري ~~الأمر فيما علا وتوسط ونزل إلا على إبداع غير تقليد، وتقليد غير اتباع، ~~واتباع غير تسليم؛ فلا بد من الرأي ونبوغ الرأي واستقلال الرأي حتى يكون في ~~الكتابة إنسان ms743 جالس هو كاتبها، كما أن الحي الجالس في كل حي هو مجموعه ~~العصبي، فيخرج ضرب من الآداب كأنه من التحول في الوجود الإنساني يرجع ~~بالحياة إلى ذرات معانيها، ثم يرسم من هذه المعاني مثل ما أبدعت ذرات ~~الخليقة في تركيب من تركيب، فلا يكون للأديب تعريف إلا أنه المقلد الإلهي*. # وإذا اعتبرنا هذا الأصل فهل يبدأ الأدب العربي في عصرنا أو ينتهي؛ وهل ~~PageV03P185 # تراه يعلو أو ينزل؛ وهل يستجمع أو ينقض، وهل هو من قديمه الصريح بعيد من ~~بعيد أو قريب من قريب أو هو في مكان بينهما؟ # هذه معان لو ذهبت أفضلها لاقتحمت تاريخا طويلا أمر فيه بعظام مبعثرة في ~~ثيابها لا في قبورها ... ولكني موجز مقتصر على معنى هو جمهور هذه الأطراف ~~كلها، وإليه وحده يرجع ما نحن فيه من التعادي بين الأذواق والإسفاف بمنازع ~~الرأي والخلط والاضطراب في كل ذلك؛ حتى أصبح أمر الأدب على أقبحه وهم يرونه ~~على أحسنه، وحتى قيل في: الأسلوب أسلوب تلغرافي، وفي الفصاحة فصاحة عامية، ~~وفي اللغة لغة الجرائد، وفي الشعر شعر المقالة؛ ونجمت الناجمة من كل علة ~~ويزين لهم أنها القوة قد استحصفت واشتدت، ونازع الأدب العربي إلى سخرية ~~التقليد وإلى أن يكون لصيقا دعيا في آداب الأمم، واستهلكه التضييع وسوء ~~النظر له على حين يؤتى له أن كل ذلك من حفظه وصيانته وحسن الصنيع فيه ومن ~~توفير المادة عليه. # أين تصيب العلة إذا التمستها؟ أفي الأدب من لغته وأساليب لغته، ومعانيه ~~وأغراض معانيه؟ أم في القائمين عليه في مذاهبهم ومناحيهم وما يتفق من ~~أسبابهم وجواذبهم؟ # إن تقل إنها في اللغة والأساليب والمعاني والأغراض، فهذه كلها تصير إلى ~~حيث يراد بها، وتتقلد البلية من كل من يعمل فيها؛ وقد استوعبت واتسعت ومادت ~~العصور الكثيرة إلى عهدنا فلم تؤت من ضيق ولا جمود ولا ضعف ثم هي مادة ولا ~~عليها ممن لا يحسن أن يضع يده منها حيث يملأ كفه أو حيث تقع يده على حاجته. # وإن قلت إن العلة في الأدباء ms744 ومذاهبهم ومناحيهم ودواعيهم وأسبابهم، ~~سألناك: ولم قصروا عن الغاية، ولم وقعوا بالخلاف، وكيف ذهبوا عن المصلحة، ~~وكيف اعتقمت الخواطر وفسدت الأذواق مع قيام الأدب الصحيح في كتبه مقام أمة ~~من أهله أعرابا وفصحاء وكتابا وشعراء، ومع انفساح الأفق العقلي في هذا ~~الدهر واجتماعه من أطرافه لمن شاء، حتى لتجد عقول نوابغ القارات الخمس ~~تحتقب في حقيبة من الكتب، أو تصندق* في صندوق من الأسفار. # كيف ذهب الأدباء في هذه العربية نشرا متبددين تعلو بهم الدائرة وتهبط، ~~PageV03P186 # فكل أعلى وكل أسفل؟ هذا فلان شاعر قد أحاط بالشعر عربية وغريبه وهو ينظمه ~~ويفتن في أغراضه ويولد ويسرق وينسخ ويمسخ، وهو عند نفسه الشاعر الذي فقدته ~~كل أمة من تاريخها ووقع في تاريخ العربية وحدها ابتلاء ومحنة؛ وهو ككل ~~هؤلاء المغرورين يحسبون أنهم لو كانوا في لغات غير العربية لظهروا نجوما، ~~ولكن العربية جعلت كلا منهم حصاة بين الحصى، وتقرأ شعره فإذا هو شعر تتوهم ~~من قراءته تقطيع ثيابك، إذا تجاذب نفسك لتفر منه فرارا. # وهذا فلان الكاتب الذي والذي ... والذي يرتفع إلى أقصى السموات على جناحي ~~ذبابة. # وهذا فرعون الأدب الذي يقول: أنا ربكم الأعلى! وهذا فلان وهذا فلان ... # أين يكون الزمام على هؤلاء وأمثالهم؛ ليعرفوا ما هم فيه كما هم فيه، ~~وليضبطوا آراءهم وهواجسهم، وليعلموا أن حسابهم عند الناس لا عند أنفسهم ~~فالواحدة منهم واحدة وإن توهموها مائة وتوهمها بعضهم ألفا أو ألفين، ومتى ~~قال الناس: غلطوا، فقد غلطوا، ومتى قالوا: سخفاء فهم سخفاء. # وأين الزمام عليهم وقد انطلقوا كأنهم مسخرون بالجبر على قانون من التدمير ~~والتخريب، فليس فيهم إلا طبيعة مكابرة لا إقرار منها، باغية لا إنصاف معها، ~~نافرة لا مساغ إليها، متهمة لا ثقة بها؛ طبيعة يتحول كل شيء فيها إلى أثر ~~منها كما يتحول ماء الشجر في العود الرطب المشتعل إلى دخان أسود! # يرجع هذا الخلط في رأيي إلى سبب واحد: هو خلو العصر من إمام بالمعنى ~~الحقيقي يلتقي عليه الإجماع ويكون ملء الدهر في حكمته وعقله ورأيه ms745 ولسانه ~~ومناقبه وشمائله؛ فإن مثل هذا الإمام يخص دائما بالإرادة التي ليس لها إلا ~~النصر والغلبة والتي تعطي القوة على قتل الصغائر والسفاسف؛ وهو إذا ألقي في ~~الميزان عند اختلاف الرأي، وضع فيه بالجمهور الكبير من أنصاره والمعجبين ~~بآدابه، وبالسواد الغالب من كل الفاعليات المحيطة به والمنجذبة إليه؛ ومن ~~ثم تتهيأ قوة الترجيح ويتعين اليقين والشك؛ والميزان اليوم فارغ من هذه ~~القوة فلا يرجح ولا يعين. # ومكانة هذا الإمام تحد الأمكنة، ومقداره يزن المقادير، فيكون هو المنطق ~~الإنساني في أكثر الخلاف الإنساني: تقوم به الحجة، فتلزم وإن أنكرها ~~المنكر، # PageV03P187 # وتمضي وإن عاند فيها المعاند، ويؤخذ بها وإن أصر المصر على غيرها؛ لأن ~~بالإجماع على القياس بين التطرف في الزيادة أو التقصير؛ والإجماع إذا ضرب ~~ضرب المعصية بالطاعة، والزيغ بالاستقامة، والعناد بالتسليم؛ فيخرج من يخرج ~~وعليه وسمه. ويزيغ من يزيغ وفيه صفته، ويصر المكابر واسمه المكابر ليس غير، ~~وإن هو تكذب وتأول، وإن زعم ما هو زاعم. # ولكل القواعد شواذ ولكن القاعدة هي إمام بابها؛ فما من شاذ يحسب نفسه ~~منطلقا مخلى، إلا هو محدود بها مردود إليها، متصل من أوسع جهاته بأضيق ~~جهاتها؛ حتى ما يعرف أنه شاذ إلا بما تعرف به أنها قاعدة، فيكون شأنه في ~~نفسه بما تعين هي له على مكرهته ومحبته. # والإمام ينبث في آداب عصره فكرا ورأيا، ويزيد فيها قوة وإبداعا، ويزين ~~ماضيها بأنه في نهايته، ومستقبلها بأنه في بدايته، فيكون كالتعديل بين ~~الأمنة من جهة، والانتقال فيها من جهة أخرى؛ لأن هذا الإمام إنما يختار ~~لإظهار قوة الوجود الإنساني من بعض وجوهها وإثبات شمولها وإحاطتها كأنه آية ~~من آيات الجنس يأنس الجنس فيها إلى كماله البعيد، ويتلقى منه حكم التمام ~~على النقص، وحكم القوة على الضعيف، وحكم المأمول على الواقع؛ ويجد فيه قومه ~~كما يجدون في الحقيقة التي لا يكابر عندها متنطع بتأويل، وفي القوة التي لا ~~يخالف عندها مبطل بعناد، وفي الشريفة التي لا يروغ منها متعسف بحيلة؛ ولن ~~يضل الناس في حق ms746 عرفوا حده، فإن ما وراء الحد هو التعدي؛ ولن يخطئوا في حكم ~~أصابوا وجهه فإن ما عدا الوجه هو الخلاف والمراء. # وقد طبع الناس في باب القدوة على غريزة لا تتحول، فمن انفرد بالكمال كان ~~هو القدوة، ومن غلب كان هو السمت؛ ولابد لهم ممن يقتاسون به ويتوازنون فيه ~~حتى يستقيموا على مراشدهم ومصالحهم، فالإمام كأنه ميزان من عقل، فهو يتسلط ~~في الحكم على الناقص والوافي من كل ما هو بسبيله، ثم لا خلاف عليه؛ إذ كانت ~~فيه أوزان القوى وزنا بعد وزن، وكانت فيه منازل أحوالها منزلة بعد منزلة. # هو إنسان تتخير بعض المعاني السامية؛ لتظهر فيه بأسلوب عملي، فيكون في ~~قومه ضربا من التربية والتعليم بقاعدة منتزعة من مثالها، مشروحة بهذا ~~المثال نفسه، فإليه يرد الأمر في ذلك وبتلوه يتلى وعلى سبيله ينهج، فما من ~~شيء يتصل بالفن الذي هو إمام فيه، إلا كان فيه شيء منه، وهو من ذلك متصل ~~بقوى النفوس # PageV03P188 # كأنه هداية فيها؛ لأنه بفنه حكم عليها، فيكون قوة وتنبيها، وتسهيلا ~~وإيضاحا، وإبلاغا وهداية؛ ويكون رجلا وإنه لمعان كثيرة، ويكون في نفسه وإنه ~~لفي الأنفس كلها، ويعطي من إجلال الناس ما يكون به اسمه كأنه خلق من الحب ~~طريقه على العقل لا على القلب. # ولعل ذلك من حكمة إقامة الخليفة في الإسلام ووجوب ذلك على المسلمين؛ فلا ~~بد على هذه الأرض من ضوء في لحم ودم، وبعض معاني الخليفة في تنصيبه كبعض ~~معاني "الشهيد المجهول" في الأمم المحاربة المنتصرة المتمدنة: رمز التقديس، ~~ومعنى المفاداة، وصمت يتكلم، ومكان يوحي، وقوة تستمد، وانفراد بجمع، وحكم ~~الوطنية على أهلها بأحكام كثيرة في شرف الحياة والموت؛ وبل الحرب مخبوءة في ~~حفرة، والنصر مغطى بقبر؛ بل المجهول الذي فيه كل ما ينبغي أن يعلم. # فعصرنا هذا مضطرب مختل؛ إذ لا إمام فيه يجتمع الناس عليه، وإذ كل من يزعم ~~نفسه إماما هو من بعض جهاته كأنه أبو حنيفة ولكن بغير فقه! # ولعمري ما نشأ قولهم: "الجديد والقديم" إلا لأن ههنا ms747 موضعا خاليا يظهر ~~خلاؤه مكان الفصل بين الناحيتين ويجعل جهة تنماز من جهة، فمنذ مات الإمام ~~الكبير الشيخ محمد عبده -رحمه الله- جرت أحداث، ونتأت رءوس، وزاغت طبائع ~~وكأنه لم يمت رجل، بل رفع قرآن. # PageV03P189 ### | الأدب والأديب # 1: # إذا اعتبرت الخيال في الذكاء الإنساني وأوليته دقة النظر وحسن التمييز، ~~لم تجده في الحقيقة تقليدا من النفس للألوهية بوسائل عاجزة منقطعة، قادرة ~~على التصور والوهم بمقدار عجزها عن الإيجاد والتحقيق. # وهذه النفس البشرية الآتية من المجهول في أول حياتها، والراجعة إليه آخر ~~حياتها، والمسددة في طريقه مدة حياتها، لا يمكن أن يتقرر في خيالها أن ~~الشيء الموجود قد انتهى بوجوه، ولا ترضى طبيعتها بما ينتهي؛ فهي لا تتعاطى ~~الموجود فيما بينها وبين خيالها على أنه قد فرغ منه فما يبدأ، وتم فما ~~يزاد، وخلد فلا يتحول؛ بل لا تزال تضرب ظنها وتصرف وهمها في كل ما تراه أو ~~يتلجلج في خاطرها، فلا تبرح تتلمح في كل وجود غيبا، وتكشف من الغامض وتزيد ~~في غموضه، وتجري دأبا على مجاريها الخيالية التي توثق صلتها بالمجهول؛ فمن ~~ثم لا بد في أمرها مع الموجود مما لا وجود له، تتعلق به وتسكن إليه؛ وعلى ~~ذلك لا بد في كل شيء -مع المعاني التي له في الحق- من المعاني التي له في ~~الخيال؛ وها هنا موضع الأدب والبيان في طبيعة النفس الإنسانية، فكلاهما ~~طبيعي فيها كما ترى. # وإذا قيل: الأدب، فاعلم أنه لا بد معه من البيان؛ لأن النفس تخلق فتصور ~~فتحسن الصورة؛ وإنما يكون تمام التركيب في معرضه وجمال صورته ودقة لمحاته؛ ~~بل ينزل البيان من المعنى الذي يلبسه منزلة النضج من الثمرة الحلوة إذا ~~كانت الثمرة وحدها قبل النضج شيئا مسمى أو متميزا بنفسه، فلن تكون بغير ~~النضج شيئا تاما ولا صحيحا، وما بد من أن تستوفي كمال عمرها الأخضر الذي هو ~~بيانها وبلاغتها. # وهذه مسألة كيفما تناولتها فهي هي حتى تمضيها على هذا الوجه الذي رأيت في ~~الثمرة ونضجها، فإن البيان صناعة الجمال في شيء جماله ms748 هو من فائدته، ~~PageV03P190 # وفائدته من جماله؛ فإذا خلا من هذه الصناعة التحق بغيره، وعاد بابا من ~~الاستعمال بعد أن كان بابا من التأثير؛ وصار الفرق بين حاليه كالفرق بين ~~الفاكهة؛ إذ هي باب من النبات، وبين الفاكهة إذ هي باب من الخمر؛ ولهذا كان ~~الأصل في الأدب البيان والأسلوب في جميع لغات الفكر الإنساني، لأنه كذلك في ~~طبيعة النفس الإنسانية. # فالغرض الأول للأدب المبين أن يخلق للنفس دنيا المعاني الملائمة لتلك ~~النزعة الثابتة فيها إلى المجهول وإلى مجاز الحقيقة، وأن يلقي الأسرار في ~~الأمور المكشوفة بما يتخيل فيها، ويرد القليل من الحياة كثيرا وافيا بما ~~يضاعف من معانيه، ويترك الماضي منها ثابتا قارا بما يخلد من وصفه، ويجعل ~~المؤلم منها لذا خفيفا بما يثبث فيه من العاطفة والمملول ممتعا حلوا بما ~~يكشف فيه من الجمال والحكمة؛ ومدار ذلك كله على إيتاء النفس لذة المجهور ~~التي هي في نفسها لذة مجهولة أيضا؛ فإن هذه النفس طلعة متقلبة، لا تبتغي ~~مجهولا صرفا ولا معلوما صرفا، كأنها مدركة بفطرتها أن ليس في الكون صريح ~~مطلق ولا خفي مطلق؛ وإنما تبتغي حالة ملائمة بين هذين، يثور فيها قلق أو ~~يسكن منها قلق. # وأشواق النفس هي مادة الأدب؛ فليس يكون أدبا إلا إذا وضع المعنى في ~~الحياة التي ليس لها معنى، أو كان متصلا بسر هذه الحياة فيكشف عنه أو يومئ ~~إليه من قريب، أو غير للنفس هذه الحياة تغييرا يجيء طباقا لغرضها وأشواقها؛ ~~فإنه كما يرحل الإنسان من جو إلى جو غيره، ينقله الأدب من حياته التي لا ~~تختلف إلى حياة أخرى فيها شعورها ولذتها وإن لم يكن لها مكان ولا زمان؛ ~~حياة كملت فيها أشواق النفس؛ لأن فيها اللذات والآلام بغير ضرورات ولا ~~تكاليف؛ ولعمري ما جاءت الجنة والنار في الأديان عبثا؛ فإن خالق النفس بما ~~ركبه فيها من العجائب، لا يحكم العقل أنه قد أتم خلقها إلا بخلق الجنة ~~والنار معها؛ إذ هما الصورتان الدائمتان المتكافئتان لأشواقها الخالدة إن ~~هي استقامت مسددة ms749 أو انعكست حائلة. # وقد صح عندي أن النفس لا تتحقق من حريتها ولا تنطلق انطلاقتها الخالدة ~~فتحس وحدة الشعور ووحدة الكمال الأسمى إلا في ساعات وفترات تنسل فيها من ~~زمنها وعيشها ونقائضها واضطرابها إلى "منطقة حياد" خارجة وراء الزمان ~~والمكان؛ فإذا هبطتها النفس فكأنما انتقلت إلى الجنة واستروحت الخلد؛ وهذه ~~المنطقة السحرية لا تكون إلا في أربعة: حبيب فاتن معشوق أعطي قوة سحر ~~النفس، فهي تنسى به؛ وصديق محبوب وفي أوتي قوة جذب النفس، فهي تنسى # PageV03P191 # عنده؛ وقطعة أدبية آخذة، فهي ساحرة كالحبيب أو جاذبة كالصديق؛ ومنظر فني ~~رائع، ففيه من كل شيء شيء. # وهذه كلها تنسي المرء زمنه مدة تطول وتقتصر؛ وذلك فيها دليل على أن النفس ~~الإنسانية تصيب منها أساليب روحية لاتصالها هنيهة بالروح الأزلي في لحظات ~~من الشعور كأنها ليست من هذه الدنيا وكأنها من الأزلية؛ ومن ثم نستطيع أن ~~نقرر أن أساس الفن على الإطلاق هو ثورة الخالد في الإنسان على الفاني فيه؛ ~~وأن تصوير هذه الثورة في أوهامها وحقائقها بمثل اختلاجاتها في الشعور ~~والتأثير- هو معنى الأدب وأسلوبه. # ثم إن الاتساق والخير والحق والجمال -وهي التي تجعل للحياة الإنسانية ~~أسرارها- أمور غير طبيعية في عالم يقوم على الاضطراب والأثرة والنزاع ~~والشهوات؛ فمن ذلك يأتي الشاعر والأديب وذو الفن علاجا من حكمة الحياة ~~للحياة، فيبدعون لتلك الصفات الإنسانية الجميلة عالمها الذي تكون طبيعية ~~فيه، وهو عالم أركانه الاتساق في المعاني التي يجري فيها، والجمال في ~~التعبير الذي يتأدى به، والحق في الفكر الذي يقوم عليه، والخير في الغرض ~~الذي يساق له، ويكون في الأدب من النقص والكمال بحسب ما يجتمع له من هذه ~~الأربعة، ولا معيار أدق منها إن ذهبت تعتبره بالنظر والرأي؛ ففي عمل الأديب ~~تخرج الحقيقة مضافا إليها الفن، ويجيء التعبير مزيدا فيه الجمال، وتتمثل ~~الطبيعة الجامدة خارجة من نفس حية، ويظهر الكلام وفيه رقة حياة القلب ~~وحرارتها وشعورها وانتظامها ودقها الموسيقي؛ وتلبس الشهوات الإنسانية شكلها ~~المهذب لتكون بسبب من تقرير المثل الأعلى، الذي هو السر ms750 في ثورة الخالد من ~~الإنسان على الفاني، والذي هو الغاية الأخيرة من الأدب والفن معا؛ وبهذا ~~يهب لك الأدب تلك القوة الغامضة التي تتسع بك حتى تشعر بالدنيا وأحداثها ~~مارة من خلال نفسك، وتحس الأشياء كأنها انتقلت إلى ذاتك؛ وذلك سر الأديب ~~العبقري؛ فإنه لا يرى الرأي بالاعتقاب1 والاجتهاد كما يراه الناس، وإنما ~~يحس به؛ فلا يقع له رأيه بالفكر، بل يلهمه إلهاما؛ وليس يؤاتيه الإلهام إلا ~~من كون الأشياء تمر فيها بمعانيها وتعبره كما تعبر السفن النهر، فيحس أثرها ~~فيه فيلهم ما يلهم، ويحسبه الناس نافذا بفكره من خلال الكون، على حين أن ~~حقائق الكون هي النافذة من خلاله. PageV03P192 # ولو أردت أن تعرف الأديب من هو، لما وجدت أجمع ولا أدق في معناه من أن ~~تسميه الإنسان الكوني، وغيره هو الإنسان فقط؛ ومن ذلك ما يبلغ من عمق تأثره ~~بجمال الأشياء ومعانيها، ثم ما يقع من اتصال الموجودات به بآلامها ~~وأفراحها؛ إذ كانت فيه مع خاصة الإنسان خاصية الكون الشامل، فالطبيعة تثبت ~~بجمال فنه البديع أنه منها، وتدل السماء بما في صناعته من الوحي والأسرار ~~أنه كذلك منها، وتبرهن الحياة بفلسفته وآرائه أنه هو أيضا منها؛ وهذا وذاك ~~وذلك هو الشمول الذي لا حد له، والاتساع الذي كل آخر فيه لشيء، أول فيه ~~لشيء. # وهو إنسان يدله الجمال على نفسه ليدل غيره عليه، وبذلك زيد على معناه ~~معنى، وأضيف إليه في إحساسه قوة إنشاء الإحساس في غيره؛ فأساس عمله دائما ~~أن يزيد على كل فكرة صورة لها، ويزيد على كل صورة فكرة فيها، فهو يبدع ~~المعاني للأشكال الجامدة فيوجد الحياة فيها، ويبدع الأشكال للمعاني المجردة ~~فيوجدها هي في الحياة، فكأنه خلق ليتلقى الحقيقة ويعطيها للناس ويزيدهم ~~فيها الشعور بجمالها الفني؛ وبالأدباء والعلماء تنمو معاني الحياة، كأنما ~~أوجدتهم الحكمة؛ لتنقل بهم الدنيا من حالة إلى حالة؛ وكأن هذا الكون العظيم ~~يمر في أدمغتهم ليحقق نفسه. # ومشاركة العلماء للأدباء توجب أن يتميز الأديب بالأسلوب البياني؛ إذ هو ~~كالطابع على العمل الفني، ms751 وكالشهادة من الحياة المعنوية لهذا الإنسان ~~الموهوب الذي جاءت من طريقه، ثم لأن الأسلوب هو تخصيص لنوع من الذوق وطريقة ~~من الإدراك، كأن الجمال يقول بالأسلوب: إن هذا هو عمل فلان. # وفضل ما بين العالم والأديب، أن العالم فكرة، ولكن الأديب فكرة وأسلوبها؛ ~~فالعلماء هم أعمال متصلة متشابهة يشار إليهم جملة واحدة، على حين يقال في ~~كل أديب عبقري: هذا هو، هذا وحده؛ وعلم الأديب هو النفس الإنسانية بأسرارها ~~المتجهة إلى الطبيعة، والطبيعة بأسرارها المتجهة إلى النفس؛ ولذلك فموضع ~~الأديب من الحياة موضع فكرة حدودها من كل نواحيها الأسرار. # وإذا رأى الناس هذه الإنسانية تركيبا تاما قائما بحقائقه وأوصافه، فالأدب ~~العبقري لا يراها إلا أجزاء، كأنما هو يشهد خلقها وتركيبها، وكأنما أمرها ~~في "معمله"، أو كأن الله -سبحانه- دعاه ليرى فيها رأيه ... وبذلك يجيء ~~النابغ من أدب العباقرة وبعضه كالمقترحات لتجميل الدنيا وتهذيب الإنسانية، ~~وبعضه كالموافقة وإقرار الحكمة؛ وأساسه على كل هذه الأحوال النقد، ثم ~~النقد، ولا # PageV03P193 # شيء غير النقد؛ كأن القوة الأزلية تقول لهذا الملهم: أنت كلمتي فقل ~~كلمتك.. # وترى الجمال حيث أصبته شيئا واحدا لا يكبر ولا يصغر، ولكن الحس به يكبر ~~في أناس ويصغر في أناس؛ وها هنا يتأله الأدب؛ فهو خالق الجمال في الذهن، ~~والممكن للأسباب المعينة على إدراكه وتبين صفاته ومعانيه، وهو الذي يقدر ~~لهذا العالم قيمته الإنسانية بإضافة الصور الفكرية والجميلة إليه، ومحاولته ~~إظهار النظام المجهول في متناقضات النفس البشرية، والارتفاع بهذه النفس عن ~~الواقع المنحط المجتمع من غشاوة الفطرة وصولة الغريزة وغرارة الطبع ~~الحيواني. # وإذا كان الأمر في الأدب على ذلك؛ فباضطرار أن تتهذب فيه الحياة وتتأدب، ~~وأن يكون تسلطه على بواعث النفس دربة لإصلاحها وإقامتها، لا لإفسادها ~~والانحراف بها إلى الزيغ والضلالة؛ وباضطرار أن يكون الأديب مكلفا تصحيح ~~النفس الإنسانية، ونفي التزوير عنها، وإخلاصها مما يلتبس بها على تتابع ~~الضرورات؛ ثم تصحيح الفكرة الإنسانية في الوجود، ونفي الوثنية عن هذه ~~الفكرة، والسمو بها إلى فوق، ثم إلى فوق، ودائما إلى فوق! # وإنما يكلف ms752 الأديب ذلك لأنه مستبصر من خصائصه التمييز وتقدم النظر وتسقط ~~الإلهام، ولأن الأصل في عمله الفني ألا يبحث في الشيء نفسه، ولكن في البديع ~~منه؛ وألا ينظر إلى وجوده، بل إلى سره؛ ولا يعني بتركيبه، بل بالجمال في ~~تركيبه؛ ولأن مادة عمله أحوال الناس، وأخلاقهم، وألوان معايشهم، وأحلامهم، ~~ومذاهب أخيلتهم وأفكارهم في معنى الفن، وتفاوت إحساسهم به، وأسباب مغاويهم ~~ومراشدهم؛ يسدد على كل ذلك رأيه، ويجيل فيه نظره، ويخلطه في نفسه، وينفذه ~~من حواسه، كأنما له في السرائر القبض والبسط، وكأنه ولي الحكم على الجزء ~~الخفي في الإنسان يقوم على سياسته وتدبيره، ويهديه إلى المثل الأعلى، وهل ~~يخلق العبقري إلا كالبرهان من الله لعباده على أن فيهم من يقدر على الذي هو ~~أكمل والذي هو أبدع، حتى لا ييأس العقل الإنساني ولا ينخذل، فيستمر دائبا ~~في طلب الكمال والإبداع اللذين لا نهاية لهما؟ # فالأديب يشرف على هذه الدنيا من بصيرته فإذا وقائع الحياة في حذو واحد من ~~النزاع والتناقض، وإذا هي دائبة في محق الشخصية الإنسانية، تاركة كل حي من ~~الناس كأنه شخص قائم من عمله وحوادثه وأسباب عيشه؛ فإذا تلجلج ذلك في نفس ~~الأديب اتجهت هذه النفس العالية إلى أن تحفظ للدنيا حقائق الضمير # PageV03P194 # والإنسانية والإيمان والفضيلة، وقامت حارسة على ما ضيع الناس، وسخرت في ~~ذلك تسخيرا لا تملك معه أن تأبى منه، ولا يستوي لها أن تغمض فيه؛ ونقلت ~~الإنسانية كلها ووضعت على مجاز طريقها أين توجهت، فتأكد الأمر فيها، ووصل ~~بها، وعلمت أنها من خالصة الله، رسالتها للعالم هي تقرير الحب للمتعادين، ~~وبسط الرحمة للمتنازعين، وأن تجمع الكل على الجمال وهو لا يختلف في لذته ~~وتصل بينهم بالحقيقة وهي لا تتفرق في موعظتها، وتشعرهم الحكمة وهي لا ~~تتنازع في مناحيها: فالأدب من هذه الناحية يشبه الدين: كلاهما يعين ~~الإنسانية على الاستمرار في عملها، وكلاهما قريب من قريب؛ غير أن الدين ~~يعرض للحالات النفسية ليأمر وينهي، والأدب يعرض لها ليجمع ويقابل؛ والدين ~~يوجه الإنسان إلى ربه، والأدب يوجهه ms753 إلى نفسه؛ وذلك وحي الله إلى الملك إلى ~~نبي مختار، وهذا وحي الله إلى البصيرة إلى إنسان مختار. # فإن لم يكن للأديب مثل أعلى يجهد في تحقيقه ويعمل في سبيله، فهو أديب ~~حالة من الحالات، لا أديب عصر ولا أديب جيل؛ وبذلك وحده كان أهل المثل ~~الأعلى في كل عصر هم الأرقام الإنسانية التي يلقيها العصر في آخر أيامه ~~ليحسب ربحه وخسارته ... # ولا يخدعنك عن هذا أن ترى بعض العبقريين لا يؤتى في أدبه أو أكثره إلا ~~إلى الرذائل، يتغلغل فيها، ويتملأ بها، ويكون منها على ما ليس عليه أحد إلا ~~السفلة والحشوة من طغام الناس ورعاعهم؛ فإن هذا وأضرابه مسخرون لخدمة ~~الفضيلة وتحقيقها من جهة ما فيها من النهي؛ ليكونوا مثلا وسلفا وعبرة؛ ~~وكثيرا ما تكون الموعظة برذائلهم أقوى وأشد تأثيرا مما هي في الفضائل؛ بل ~~هم عندي كبعض الأحوال النفسية الدقيقة التي يأمر فيها النهي أقوى مما يأمر ~~الأمر، على نحو ما يكون من قراءتك موعظة الفضيلة الأدبية التي تأمرك أن ~~تكون عفيفا طاهرا؛ ثم ما يكون من رؤيتك الفاجر المبتلى المشوه المتحطم الذي ~~ينهاك بصورته أن تكون مثله؛ ولهذه الحقيقة القوية في أثرها -حقيقة الأمر ~~بالنهي- يعمد النوابغ في بعض أدبهم إلى صرف الطبيعة النفسية عن وجهها، بعكس ~~نتيجة الموقف الذي يصورونه، أو الإحالة في الحادثة التي يصفونها؛ فينتهي ~~الراهب التقي في القصة ملحدا فاجرا، وترتد المرأة البغي قديسة، ويرجع الابن ~~البر قاتلا مجنونا جنون الدم؛ إلى كثير مما يجري في هذا النسق، كما تراه ~~لأناطول فرانس وشكسبير وغيرهما، وما كان ذلك عن غفلة منهم ولا شر، ولكنه ~~أسلوب من الفن، يقابله # PageV03P195 # أسلوب من الخلق؛ ليبدع أسلوبا من التأثير؛ وكل ذلك شاذ معدود ينبغي أن ~~ينحصر ولا يتعدى؛ لأنه وصف لأحوال دقيقة طارئة على النفس، لا تعبير عن ~~حقائق ثابتة مستقرة فيها. # والشرط في العبقري الذي تلك صفته وذلك أدبه، أن يعلو بالرذيلة ... في ~~أسلوبه ومعانيه، آخذا بغاية الصنعة، متناهيا في حسن العبارة؛ حتى يصبح وكأن ~~الرذائل هي ms754 اختارت منه مفسرها العبقري الشاذ الذي يكون في سمو فنه البياني ~~هو وحده الطرف المقابل لسمو العبارة عن الفضيلة، فيصنع الإلهام في هذا وفي ~~هذا صنعه الفني بطريقة بديعة التأثير، أصلها في أديب الفضيلة ما يريده ~~ويجاهد فيه، وفي أديب الرذيلة ما يقوده ويندفع إليه، كأن منهما إنسانا صار ~~ملكا يكتب، وإنسانا عاد حيوانا يكتب ... # وإذا أنت ميلت بين رذيلة الأديب العبقري في فنه، ورذيلة الأديب الفسل ~~الذي يتشبه به -في التأليف والرأي والمتابعة والمذهب- رأيت الواحدة من ~~الأخرى كبكاء الرجل الشاعر من بكاء الرجل الغليظ الجلف: هذا دموعه ألمه، ~~وذاك دموعه ألمه وشعره؛ وفي كتابة هذه الطبقة من العبقريين خاصة يتحقق لك ~~أن الأسلوب هو أساس الفن الأدبي، وأن اللذة به هي علامة الحياة فيه؛ إذ لا ~~ترى غير قطعية أدبية فنية، شاهدها من نفسها على أنها بأسلوبها ليست في ~~الحقيقة إلا نكتة نفسية لاهتياج البواعث في نفوس قرائها، وأنها على ذلك هي ~~أيضا مسألة من مسائل الإنسانية مطروحة للنظر والحل، بما فيها من جمال الفن ~~ودقائق التحليل. # واللذة بالأدب غير التلهي به واتخاذه للعبث والبطالة فيجيء موضوعا على ~~ذلك فيخرج إلى أن يكون ملهاة وسخفا ومضيعة؛ فإن اللذة به آتية من جمال ~~أسلوبه وبلاغة معانيه وتناوله الكون والحياة بالأساليب الشعرية التي في ~~النفس، وهي الأصل في جمال الأسلوب؛ ثم هو بعد هذه اللذة منفعة كله كسائر ما ~~ركب في طبيعة الحي؛ إذ يحس الذوق لذة الطعام مثلا على أن يكون من فعلها ~~الطبيعي استمراء التغذية لبناء الجسم وحفظ القوة وزيادتها؛ أما التلهي ~~فيجيء من سخف الأدب؛ وفراغ معانيه، ومؤاتاته الشهوات الخسيسة والتماسه ~~الجوانب الضيقة من الحياة؛ وذلك حين لا يكون أدب الشعب ولا الإنسانية بل ~~أدب فئة بعينها وأحوالها؛ فإن أديب صناعته أو أديب جماعته، غير أديب قومه ~~وأديب عصره، أحدهما إلى حد محدود من الحياة، والآخر عمل جامع مستمر متفنن؛ ~~لأن عمله # PageV03P196 # الأدبي وهو وجوده، وكل شيء في قومه لا يبرح يقول له: اكتب ... # ومن الأصول الاجتماعية التي ms755 لا تتخلف، أنه إذا كانت الدولة للشعب، كان ~~الأدب أدب الشعب في حياته وأفكاره ومطامحه وألوان عيشه، وزخر الأدب بذلك ~~وتنوع وافتن وبني على الحياة الاجتماعية؛ فإن كانت الدولة لغير الشعب، كان ~~الأدب أدب الحاكمين وبني على النفاق والمداهنة والمبالغة الصناعية والكذب ~~والتدليس، ونضب الأدب من ذلك وقل وتكرر من صورة واحدة؛ وفي الأولى يتسع ~~الأديب من الإحساس بالحياة وفنونها وأسرارها في كل من حوله، إلى الإحساس ~~بالكون ومجاليه وأسراره في كل ما حوله؛ أما الثانية فلا يحس فيها إلا أحوال ~~نفسه وخليطه، فيصبح أدبه أشبه بمسافة محدودة من الكون الواسع لا يزال يذهب ~~فيها ويجيء حتى يمل ذهابه ومجيئه. # والعجب الذي لم يتنبه له أحد إلى اليوم من كل من درسوا الأدب العربي ~~قديما وحديثا، أنك لا تجد تقرير المعنى الفلسفي الاجتماعي للأدب في أسمى ~~معانيه إلا في اللغة العربية وحدها، ولم يغفل عنه مع ذلك إلا أهل هذه اللغة ~~وحدهم! # فإذا أردت الأدب الذي يقرر الأسلوب شرطا فيه، ويأتي بقوة اللغة صورة لقوة ~~الطباع، وبعظيمة الأداء صورة لعظمة الأخلاق، وبرقة البيان صورة لرقة النفس، ~~وبدقته المتناهية في العمق صورة لدقة النظر إلى الحياة؛ ويريك أن الكلام ~~أمة من الألفاظ عاملة في حياة أمة من الناس، ضابطة لها المقاييس التاريخية، ~~محكمة لها الأوضاع الإنسانية، مشترطة فيها المثل الأعلى، حاملة لها النور ~~الإلهي على الأرض ... ### | .... # وإذا أردت الأدب الذي ينشئ الأمة إنشاء ساميا، ويدفعها إلى المعالي دفعا، ~~ويردها عن سفاسف الحياة، ويوجهها بدقة الإبرة المغناطيسية إلى الآفاق ~~الواسعة، ويسددها في أغراضها التاريخية العالية تسديد القنبلة خرجت من ~~مدفعها الضخم المحرز المحكم، ويملأ سرائرها يقينا ونفوسها حزما وأبصارها ~~نظرا وعقولها حكمة، وينفذ بها من مظاهر الكون إلى أسرار الألوهية ... # ... إذا أردت الأدب على كل هذه الوجوه من الاعتبار -وجدت القرآن الحكيم ~~قد وضع الأصيل الحي في ذلك كله، وأعجب ما فيه أنه جعل هذا الأصل مقدسا، ~~وفرض هذا التقديس عقيدة، واعتبر هذه العقيدة ثابتة لن تتغير؛ ومع ذلك كله ~~لم يتنبه ms756 له الأدباء ولم يحدوا بالأدب حذوه، وحسبوه دينا فقط، وذهبوا ~~بأدبهم # PageV03P197 # إلى العبث والمجون والنفاق؛ كأنه ليس منهم إلا بقايا تاريخ محتضر بالعلل ~~القائلة، ذاهب إلى الفناء الحتم! # والقرآن بأسلوبه ومعانيه وأغراضه لا يستخرج منه للأدب إلا تعريف واحد هو ~~هذا: إن الأدب هو السمو بضمير الأمة. # ولا يستخرج منه للأديب إلا تعريف واحد هو هذا: إن الأديب هو من كان لأمته ~~وللغتها في مواهب قلمه لقب من ألقاب التاريخ. # PageV03P198 ### | سر النبوغ في الأدب # 1: # لو ترجمنا الخاطرة التي تمر في ذهن الحيوان الذكي حين ينقاد في يد رجل ~~ضعيف أبله يصرفه ويديره على أغراضه، فنقلناها من فكر الحيوان إلى لغتنا، ~~وأديناها بمعنى مما بين الإنسان والحيوان -لكانت في العبارة هكذا: ما أنت ~~أيها الأبله فيما يبني وبين الحقيقة المدبرة للكون إلا نبي مرسل صلى الله ~~عليه وسلم ... ذلك أن التركيب الذي يبين به الإنسان من الحيوان قد جعل دماغ ~~هذا الحيوان خاتما من الله دمغ به على خصائصه فأفرغه الله في جلده، ووضع في ~~رأسه ذلك القفل الإلهي الذي حبسه في باب الاضطرار من غرائزه البهيمية، ~~وأقفل به على الدنيا العقلية المتسعة بينه وبين الإنسان؛ فالكون عنده لغو ~~كله ليس فيه إلا حقائق يسيرة، ثم لا تفسير لهذه الحقائق إلا من طبيعته هو، ~~فجلده أدق تفسير فلكي ... للشمس والنور والهواء وما يجيء منها؛ وجوفه أصح ~~تعبير جغرافي ... للكرة الأرضية وما تحمل، وجوعه وشبعه هما كل فلسفة الشر ~~والخير في العالم! ... # فأساس الذكاء عاليا ونازلا هو التركيب الطبيعي لا غيره: لو زادت في ~~الدماغ ذرة أو نقصت لزادت للدنيا صورة أو نقصت؛ فبالضرورة تكون هذه هي ~~القاعدة فيما نرى من تباين حدة الذكاء في أفراد كل نوع من الحيوان، وما ~~نشهد من ذلك في أحوال الناس، من الفطنة إلى الذكاء* إلى الألمعية إلى ~~الجهبذة إلى النبوغ إلى العبقرية؛ وهي طبقات من ألفاظ اللغة لأحوال قائمة ~~من هذه المعاني ترجع إلى درجات ثابتة في تركيب الدماغ. # ومما يسجد له العقل الإنساني سجدة ms757 طويلة إذا هو تأمل في حكمة الله ومر ~~يتصفح من أسرار ما نحن بسبيله من الكلام على النبوغ -أن هذا الوجود الذي ~~يحمل أسرار الألوهية في كرة متقاذفة في الفضاء الأبدي، وأن الأرض التي تحمل ~~PageV03P199 # أسرار الإنسانية، هي كرة طائرة فيما مد لها من الوجود، وأن كل حي فيها ~~يحمل أسرار حياته في كرة خاصة به هي رأسه، وأن الوجود من كل حي هو بعد ذلك ~~ليس شيئا في النظر ولا في الحس ولا في الفهم إلا كما يرى ويحس ويفهم في هذا ~~الرأس بعينه على طريقته وتركيبه، فيصعد التدريج إلى الكبير إلى الأكبر، ~~وينزل إلى الصغير إلى الأصغر؛ ثم لا معنى لما صعد إلا مما نزل، وبهذا ستكون ~~آخرة جميع العلوم متى نفذ العلماء إلى السر الحقيقي، أن العقل الإنساني فهم ~~كل شيء ولم يفهم شيئا ... # والناس يختلفون بتركيب أدمغتهم على شبيه من هذا التدريج؛ فأما واحد فيكون ~~دماغه باعتباره من سائر الناس في الذكاء والعقل كالوجود المحيط، وأما آخر ~~فكالشمس، ثم غيرهما كالأرض، ثم الرابع كالإنسان، ثم يكون منهم كالحيوان ~~ومنهم كالحشرة؛ ولا علة لك لهذا إلا ما هيأت الأقدار "بأسبابها الكثيرة"، ~~لكل إنسان في تركيب دماغه في نوع المادة السنجابية من المخ، وأحوال التركيب ~~في الملايين من الخلايا العصبية، وما لا يعد من فروع هذه الخلايا وشعبها: ~~ثم ما يكون من قبل العلاقات بين هذه الفروع التي هي لكل رأس كرمل الكرة ~~الأرضية، ثم اختلاف مقادير المواد الكيماوية التي تتخلق في غدد الجسم ~~وتنفثها الغدد في الدم. # فقد يكون العمل النابغ المتمرد على العقول آتيا من قطرة في هذه الغدد، ~~كما ينبعث العملاق المارد بعظامه الممتدة وألواحه المشبوحة من غدته ~~النخامية لا غيرها. # فالذكي من ذكي مثله إنما هو كالجيش من جيش بإزائه: يقع الاختلاف بينهما ~~فيما اشتملا عليه من كثرة الجند، وصفاتهم من القوة والضعف، وأحوالهم من ~~النظام والاختلال، وقوة آلاتهم ومقدارها ونوع الاختراع فيها، ثم طبيعة ~~موضعهم وحسن توجيههم وقيادتهم، وما اكتنفهم من صعب أو ms758 سهل، وما تظاهر علهيم ~~من الحوادث والأقدار، ثم التوفيق الذي لا حيلة فيه إن وقع في حصة أحدهما ~~واستقر، أو وقع هونا وطار للآخر، وبنحو من هذا كله تكون المفاضلة إذا وازنت ~~بين اثنين من النوابغ في حقيقة نبوغهما. # فالنابغة خلق من خالقه، يصنع كما ترى بأقدار الله؛ إذ هو قدر على قومه ~~وعلى عصره، وهو من الناس كالورقة الرابحة من ورق السحب "اليانصيب": سلة يد ~~جعلتها مالا وتركت الباقيات ورقا وأحدثت بينهما الفرق الذهبي؛ وبهذا لا ~~يستطيع العالم أن يزيد الدنيا نابغة إلا إذا استطاع أن يزيد في الكوكب نجما # PageV03P200 # فيصنعه؛ وهبه صنعه من الكهرباء، فيبقى أن يحمله، وإذا حمله بقي أن يرفعه ~~إلى السموات؛ وهبه قد رفعه فيبقى كل شيء ... يبقى عليه أن يقحمه في النجوم ~~ويرسله فيها يدور وينفلك. # وكما يخلق النابغة بتركيبه، تخلق له الأحوال الملائمة لعمله الذي خص به ~~في أسرار التقدير عاملا نافعا، وإن كانت لا تلائمه هو منتفعا؛ فإنه هو غير ~~مقصود إلا من حيث إنه وسيلة أو آلة تكابد ما تحتمل في أعمالها، ويؤتى لها ~~لتأخذ على طريقة وتعطي على طريقة؛ وبذلك يرجع التقدير إلى أن يكون العقل ~~لنابغة دليلا للناس من الناس أنفسهم على الخالق الذي هو وحده أمره الأمر. # وإذا كان الجمال يستعلن في كلام هؤلاء النوابغ، والخيال يظهر في تعبيرهم، ~~والحكمة تهبط إلى الدنيا في تفكيرهم، والمثل الأعلى هم الداعون إليه، ~~والأشواق النفسية هم موقظوها، والعواطف هم المصورون لها، وسرور الحياة هم ~~الذين حولوه إلى الفن -إذا كان هذا كله فهذا كله إنما هو توكيد لاتصالهم ~~بالقوة الأزلية المدبرة، وأنهم أدواتها في هذه المعاني؛ فما هي أعمالهم ~~أكثر مما هي أعمالها؛ وقد يظن الناس أن النابغة يلتمس القوى المحيط به ~~ليبدع منها، والحقيقة أنها هي تلتمسه لتبدع به. # وبعده؛ فالنابغة كأنه إنسان من الفلك، فهو يخزن الأشعة العقلية ويريقها، ~~وفي يده الأنوار والظلال والألوان يعمل بها عمل الفجر كلما أظلمت على الناس ~~معاني الحياة؛ ولا تزال الحكمة تلقي إليه ms759 الفكرة الجميلة ليعطيها هو صورة ~~فكرتها، وتوحي إليه معنى الحلق ليؤتيها هو معنى جمال الحلق؛ والطبيعة خلقها ~~الله وحده، ولكنها ليست معقولة إلا بالعلم، وليست جميلة إلا بالشعر، وليست ~~محبوبة إلا بالفن؛ فالنوابغ في هذا كله هم شروح وتفاسير حول كلمات الله، ~~وكلهم يشعر بالوجود فنا كاملا ويشعر بنفسه شرحا لأشياء من هذا الفن، ويرى ~~معاني الطبيعة كأنما تأتيه تلتمس في كتابته وشعره حياة أكبر وأوسع مما هي ~~فيه من حقائقها المحدودة، وتتعرض له أحزان الإنسانية تسأله أن يصحح الرأي ~~فيها باستخراج معناها الخيالي الجميل، فإنها وإن كانت آلاما وأحزانا إلا أن ~~معناها الخيالي هو سرور تحمله للناس؛ إذ كان من طبيعة النفس البشرية أن ~~تسكن إلى وصف آلامها وفلسفة حكمتها حين تبدو بصائرها حاملة أثرها الإلهي، ~~كأن المؤلم ليس هو الألم، وإنما هو جهل سره. # وبالجملة فالكون يختار في كل شيء مفسره العبقري ليكشف من غموضه # PageV03P201 # ويزيد فيه أيضا ... ثم ليؤتى الناس المثل الأعلى من المعنى على يد المثل ~~الأعلى من الفكر؛ ولهذا تصيب الكلام الذي يكتبه النابغة الملهم في أوقات ~~التجلي عليه كأنه كلام صور نفسه وصاغها، أو كأنه قطعة من الحس قد جمدت في ~~أسطر؛ ولا بد أن تشعرك الجملة أنها قذفت وحيا؛ إذ لا تجدها إلا وكأن في ~~كلماتها روحا يرتعض؛ ولقد يخطر لي وأنا أقرأ بعض المعاني الجميلة لذهن من ~~الأذهان الملهمة كشكسبير والمتنبي وغيرهما -حين أتأمل اختراع المعنى وإبداع ~~سياقه وضحى البيان عليه وإشراقه فيه وما أتيح له من جلال ظاهر في شكل حي ~~يلمح بسره في النفس- يخيل إلي من ذلك أن سر الطبيعة القادر يعمل عمله ~~أحيانا بذهن إنساني ليخلق تعبيرا عن جلاله في مثل جلاله. # وأنت فلو أخذت معنى من هذه المعاني الآتية من الإلهام وأجريته في كتابة ~~كاتب أو شعر شاعر من الدين ليس لهم إلا أذهانهم يكدونها، وكتبهم يجعلونها ~~أذهانهم أحيانا ... لرأيت الفرق بين شيء وشيء في أحسن ما أنت واجده لهم على ~~نحو ما ترى بين زهرة حريرية جاءت ms760 من عمل الإنسان بالإبرة والخيط، وزهرة ~~أخرى قد انبثقت عطرة ناضرة في غصنها الأخضر من عمل الحياة بالسماء والأرض. # والعبقري هو أبدا وراء ما لا ينتهي من جمال، أوله في نفسه وآخره في ~~الجمال الأقدس الذي مسح على هذه النفس الجميلة السامية؛ فما دام فيه سر ~~العبقرية فهو دائب يعمل ممزقا حياته في سبحات النور تمزيقا يجتمع منه أدبه؛ ~~وما أدبه إلا صورة حياته؛ وهو كلما أبدع شيئا طلب الذي هو أبدع منه؛ فلا ~~يزال متألما إن عمل لأن طبيعته لا تقف عند غاية من عمله، ومتألما إن لم ~~يعمل؛ لأن تلك الطبيعة بعينها لا تهدأ إلا في عمل، وهي طبيعة متمردة بذلك ~~الجمال الأقدس تمرد العشق في حامله؛ إذ هما صورتان لأمر واحد كما سنشير ~~إليه؛ فكل ما تجده في نفس العاشق المتدلة مما يترامى به إلى جنونه وهلاكه، ~~تجد شبها منه في نفس العبقري؛ فكلاهما قانونه من طبيعة وحدها؛ إذ قد اتخذت ~~حياته شكلها الفني من ذوقه هو وحده؛ فليس يتبع طريقة أحد، بل هو في طريقة ~~نفسه1، وكلاهما مسترسل PageV03P202 # أبدا إلى جمال مستفيض على روحه يتقلب فيها باللذة والألم يرجع إليه ~~ويستمد منه، وكلاهما لا يجد المعنى الجميل في الطبيعة معنى، بل رسولا من ~~الجمال أرسل إليه وحده، ولا يزال يشعر في كل وقت أن له رسائل ورسلا هو بعد ~~في انتظارها، وكلاهما متى ظفر بشيء من مصدر الجمال انتهى من شدة فرحه إلى ~~الظن أنه ربح من الكون ربحا لم يكن له من قبل، وكلاهما متهالك بين قيود ~~الحياة التي في الحياة والواقع، وبين حريتها التي في خياله وأمله، كأن عليه ~~في سبيل هذه الحرية أن يقطع الليل والنهار لا قيدا من قيود الاجتماع أو ~~العيش؛ وكلاهما متصل بقوة غيبية وراء ما يرى وما يحس تجعل نظرته في الأشياء ~~خاضعة لقانون النظرة العاشقة في العينين الساحرتين المعشوقتين، فإذا مد ~~عينيه في شيء جميل فهناك سؤال وجوابه، ووحي وترجمته، ومرور من يقظة إلى ~~حلم، وانتقال من حقيقة ms761 إلى خيال! # غير أن طبيعة العبقري تزيد على كل ذلك ألما تنفرد به لا تستقر معه على ~~رضا، ولا يبرح يسلط الإعنات عليها ويستغرقها قالهموم السامية؛ وذلك ألم ~~الكمال الفني الذي لا يدرك العبقري غايته عند نفسه، وإن كان عند الناس قد ~~أدرك غايات وغايات؛ فطبيعة كل عبقري تجهد جهدها في العمل لتخرج به مما ~~يستطيعه الناس، فإذا تأتى صاحبها لذلك وكابد فيه وأدرك منه وبلغ وأعجز، ~~اندفعت طبيعته إلى الخروج مما يستطيع هو.. كأنه خارج عن الطبيعة وداخل في ~~الطبيعة في وقت معا، وكأنه نفسه وفوق نفسه في حال، وهذا سر حريته وسموه، ~~كما أنه سر ألمه وحيرته. # ومن أثر ذلك ما تحسه أنت إذا قرأت للأديب البليغ التام صاحب الفكر ~~والأسلوب والذهن الملهم؛ فإنك تقف على المعنى من معانيه يملأ نفسك ويتمدد ~~فيها ويهتز بها طربا وإعجابا، فنقول: لا أحس من هذا! ثم تؤمل مع ذلك أن تجد ~~منه ما هو أحسن من هذا.. كأنه وإن تناهى إلى الغاية لا يزال عندك فوق ~~الغاية؛ PageV03P203 # وهذا غريب، ولكن لا دليل على العبقرية إلا الغرابة دائما؛ فهي نظام لا ~~نظام فيه؛ لأها طريقة لا طريقة لها؛ وبهذه الغرابة جاءت العبقرية كلها ~~أمثلة وليس فيها قواعد يحتذى عليها ولا هداية فيها إلا من الروح؛ وإذا كان ~~الفن قدرة متصرفة في الجمال، فالعبقرية قدرة متصرفة في الفن، والنابغة ~~كالمتكيس* الذي معه قوي العقل ويريد أن يزداد على قدره منها، ولكن العبقري ~~كالإلهي الذي معه قوى الروح ويريد أن يزيد الناس على قدرهم بها؛ وذاك مرجعه ~~الفكر الدقيق الباحث؛ وهذا مناطه البصيرة الشفافة النافذة، وهي أغرب ~~الغرائب في الإنسان؛ إذ هي الجهة المطلقة في هذا المخلوق المقيد، وبها تتسع ~~الناس لإدراك المطلق الظاهر من خلال الموجودات، وفيها تتحول الأشياء من ~~نظام الحاسة إلى نظام الروح فيسمع المرئي ويبصر المسموع، وتخلع الأجسام ~~أنغاما، وتلبس الأصوات أشكالا، ويبدو عندها كل مخلوق وكأن فيه بقية زائدة ~~على خلقه تركت ليعمل فيها الكاتب أو الشاعر المحدث2 عمل ms762 فنه، الزائد على ~~الطبيعة بالحاسة الزائدة على ذهنه، وهي التي نسميها الإلهام. # وهذه الحاسة هي كذلك من بعض الغرابة، تكون في صاحبها الموهوب كما تكون ~~حاسة الاتجاه في الطيور التي تقطع في جو السماء إلى غاياتها البعدية من قطب ~~الأرض إلى قطبها الآخر بغير دليل تحمله، ولا رسم تنظر فيه، ولا علم ترجع ~~إليه؛ وكما تكون حاسة التمييز في النحل الذي يبني عسلته على هندسة ليست من ~~كتاب ولا مدرسة، وحاسة التدبير في النمل الذي يدبر مملكته بغير علوم ~~الممالك وسياستها؛ وكثيرا ما يجيء الأديب الملهم من حقائق الفكر وبيانه ~~وأسرار الطبائع وأوصافها بما يغطي على فلسفة الفلاسفة وعلم العلماء، ومثل ~~هذا العبقري هو عندي فوق العلم، لا أقول بدرجة، ولكن بحاسة. # وبالإلهام يكون لكل عبقري ذهنه الذي معه وذهنه الذي ليس معه؛ إذ كنت له ~~من وراء خياله قوة غير منظورة ليست فيه، ومع ذلك تعمل كما تعمل الأعضاء في ~~جسمه، هينة منقادة كأنها تتصرف على اطراد العادة بلا فكر ولا روية ولا عسر ~~ما دامت تتجلى عليه. PageV03P204 # وليست تتصل هذه القوة إلا بتركيب عصبي تكون فيه الخصائص التي تصلح أن ~~تتلقى عنها، وهي في العبقريين خصائص مرضية في الأعم الأغلب، بل لعلها كذلك ~~دائما؛ ليتسر بها العبقري لحالة خفيفة من الموت ... يحمل بها كده وتعبه وما ~~يعانيه من مضض الفكر وثقلته؛ ثم لتكون هذه الحالة كالتقريب بين عالم ~~الشهادة فيه وبين عالم الغيب منه؛ فالتركيب العصبي في دماغ العبقري إنسان ~~على حياله مع إنسان آخر، أحدها لما في الطبيعة والثاني لما وراء الطبيعة؛ ~~ومن ثم كان الرجل من هذه الفئة كالمصباح: يتقد وينطفئ؛ لأنه آلة نور تعرض ~~لها العلل فتذهب بقدرتها عليه، وتنضب مادة النور منها، فكذلك لا تقدر عليه، ~~وتكون مضيئة فتنطفئ بسبب ليس منها ولا من نورها، وهي على كل هذه الأحوال لا ~~تملك منها حالة؛ فبينما العبقري الذي يملأ الدنيا من آثاره النابغة، تراه ~~في حالة من أحواله يدأب لا يأتلي فيجد في العمل ويبذل ms763 الوسع فيه ويصبر على ~~مطاولة التعب في إحكامه ويفيض به فيضا وكأن في طبيعة الربيع المتفتح طول ~~أيامه بالجمال - إذا هو في حالة أخرى يتلكأ ويتربص لا يعمل شيئا كأنما دخل ~~في قريحته الشتاء، وفي ثالثة يتباطأ ويتلبث فلا يعن له جديد كأنما حبس عنه ~~فكره أو نبا طبعه أو هو في قيظ طبيعته وخمولها وضجرها؛ ثم لا تمضي على ذلك ~~إلا توة وساعة فإذا على صيفه هواء نوفمبر وديسمبر ... وإذا هو منبعث ملء ~~القوة والنشاط؛ وربما يأخذ في غرض من الكتابة قد رسم له المعنى وهيأ له ~~المادة، فلا يكاد يمضي لنحو منه حتى تتناسخ في ذهنه المعاني فإذا هو يكتب ~~ما لا يستملي؛ وقد يبتدئ معنى ثم يقطع عنه بطارئ من عمل أو حديث، ثم يعاوده ~~فإذا هو معنى آخر وإذا جهة من الفكر هي جهة الإبداع والاختراع في موضوعه، ~~وإذا هو إنما كان يجر بذلك الصارف عن معناه الأول جرا ليدعه إلى الأكمل ~~والأصح، وأيقن أنه لو كان استوفى على ما بدأ لأسف وضعف وجاء بما غيره أقدر ~~عليه؛ كأن هذه القوة الخفية التي تلهمه تنقح له أيضا بأساليبها الغريبة؛ ~~وقد يكون آخذا في عمله ماضيا على طبعه مسترسلا إلى ما ينكشف له من أسرار ~~المعاني ثقفا من هنا لقفا من هناك*، ثم ينظر فإذا هو قد مسح لوح خياله، ~~ويطلب المعنى فلا يتاح له، ويتمادى فلا يزيد إلا كدا وعسرا كأنما ذهب ~~إلهامه في غمض من غموض PageV03P205 # الأبدية*؛ وكل من ارتاض بصناعة الفكر واستحكمت له عادتها ومر في درجاتها ~~حتى بلغ المكانة التي يستشرف منها للإلهام ويتعرض فيها بروحه وبصيرته ~~لنبضات الوحي وانكشافات الغيب، يعلم أن كل معنى بديع يأتي به في صناعته ~~إنما يقع له إلهاما من ذلك المعنى الحي المتمدد في الكائنات كلها، ظاهرا في ~~شيء منها بالضوء، وفي أشياء بالألوان، وفي بعضها بالحركة، وفي بعضها ~~بالانسجام، وفي بعضها بالروعة والفخامة، وفي غيرها بنبضة الهيئة؛ وظاهرا في ~~حالات كثيرة بأنه غير ظاهر؛ ويعرف كذلك ms764 أن هذا المعنى الشامل الذي لا يحد ~~هو الذي ينقل الوجود كله إلى نفوس النوابغ** متى نبض في هذه النفوس الرقيقة ~~وأشعرها سره، وإذا هم النابغة أن يتوضحه لا يرى شيئا، وإذا أراد حجة عليه ~~لم يستطع الجلاء عن بيانه بكلمة، وإذا التمس التعريف به لم يجد إلا ما يشهد ~~له إحساسه وقلبه، وهذا الذي ينقدح في أذهان النوابغ أفكارا حين يفيض لكل ~~منهم بسبب من قراءة أو مشاهدة أو حالة أو مراس، وهو هو بعينه الذي ينقدح ~~عشقا في قلوب المحبين حين يتراءى لكل منهم في معنى على وجه جميل؛ ومن ثم ~~كان النابغة في الأدب لا يتم تمامه إلا إذا أحب وعشق، وكان الأدب نفسه في ~~تحصيل حقيقته الفلسفية ليس شيئا سوى صناعة جمال الفكر.. # وهذا العمل في ذلك الجهاز العصبي الخاص به في بعض الأدمغة هو الذي كان ~~يسميه علماء الأدب العربي بالتوليد، وقد عرفوا أثره، ولكنهم لم يتنبهوا إلى ~~حقيقته ولا أدركوا من سره شيئا؛ وأحسن ما قرأناه فيه قول ابن رشيق في كتاب ~~العمدة: "إنما سمي الشاعر شاعرا؛ لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره؛ فإذا لم ~~يكن PageV03P206 # عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه، أو استطراف لفظ وابتداعه، أو زيادة ~~فيما أجحف فيه غيره من المعاني، أو نقص مما أطاله سواه من الألفاظ، أو صرف ~~معنى إلى وجه عن وجه آخر- كان اسم الشاعر عليه مجازا لا حقيقة، ولم يكن له ~~إلا فضل الوزن". هذا كلام ابن رشيق، وليس لهم أحسن منه، وهو مع ذلك تخليط ~~لا قيمة له وليس فيه من موضوعنا إلا لفظ التوليد. # ومما لا نقضي منه عجبا في تتبع فلسفة هذه اللغة العربية العجيبة، أننا ~~نرى أكثر ألفاظها كالتامة لا ينقصها شيء من دقائق المعنى في أصل وضعها، على ~~حين لا يفهم علماؤنا من هذه الألفاظ إلا بعض ما تدل عليه، كأنها منزلة ~~تنزيلا ممن يعلم السر؛ وقد نبهنا إلى هذا في كتاب "تاريخ آداب العرب" ~~وأفضنا فيه واستوفينا هناك من فلسفته، ms765 وجاء القرآن الكريم من هذا بالعجائب ~~التي تفوت العقل، حتى أن أكثر ألفاظه لتكاد تكون مختومة نزلت كذلك لتفض ~~العلوم والفلسفة خواتمها في عصور آتية لا ريب فيها*؛ وكلمة التوليد التي لم ~~يفهم منها العلماء إلا أخذ معنى من معنى غيره بطريقة من طرق الأخذ التي ~~أشاروا إليها في كتب الأدب -هي الكلمة التي لا يخرج عنها شيء من أسرار ~~النبوغ ولا تجد ما يسد في ذلك مسدها أو يحيط إحاطتها، ولا نظن في لغة من ~~اللغات ما يشبهها في هذه الدلالة واستيعابها كل أسرار المعنى؛ إذ هو بلفظها ~~نص على حياة الكون في الذهن الإنساني، وأنه يتخذه وسيلة لإبداع معانيه، كما ~~يتخذ سر الحياة بطن الأم وسيلة لإبداع موجوداته؛ وأن المعاني تتلاقح فيلد ~~بعضها بعضا في أسلوب من الحياة، وأن هذه هي وحدها الطريقة لتطور الفكر ~~وإخراج سلالات من المعاني بعضها أجمل من بعض، كما يكون مثل ذلك في النسل ~~بوسائل التلقيح من الدماء المختلفة، وأن النبوغ ليس شيئا إلا التركيب ~~العصبي الخاص في الذهن، ثم نمو هذا التركيب مع الحياة في طريقة سواء هي ~~وطريقة الولادة المحيية التي مرجعها كذلك إلى تركيب خاص في أحشاء الأنثى؛ ~~ينمو، ثم يدرك ثم يعمل عمله المعجز؛ وإذا كان من كل شيء في الطبيعة زوجان، ~~فالكلمة نص على أن أذهان النوابغ أذهان مؤنثة في طباعها التي بنيت عليها؛ ~~وهذا صحيح؛ إذ هي أقوى الأذهان على الأرض في الحس بالآلام والمسرات، ومعاني ~~الدموع والابتسام أسرع إليها من غيرها، بل هي طبيعة فيها؛ وهي وحدها ~~المبدعة للجمال والمنشئة للذوق، وعملها في ذلك هو قانون وجودها؛ ثم هي ~~قائمة على الاحتمال والإعطاء والرضا PageV03P207 # بالحرمان في سبيل ذلك وإدمان الصبر على التعب والدقة والاهتمام بالتفاصيل ~~وأساسها الحب؛ وكل ذلك من طباع الأنثى وهي النابغة فيه، بل هي النابغة به. # فسر النبوغ في الأدب وفي غيره هو التوليد، وسر التوليد في نضج الذهن ~~المهيأ بأدواته العصبية، المتجه إلى المجهول ومعانيه كما تتجه كل آلات ~~المرصد الفلكي إلى ms766 السماء وأجرامها؛ وبذلك العنصر الذهني يزيد النابغة على ~~غيره، كما يزيد الماس على الزجاج، والجوهر على الحجر، والفولاذ على الحديد، ~~والذهب على النحاس؛ فهذه كلها نبغت نبوغها بالتوليد في سر تركيبها؛ ويتفاوت ~~النوابغ أنفسهم في قوة هذه الملكة، فبعضهم فيها أكمل من بعض، وتمد لهم في ~~الخلاف أحوال أزمانهم ومعايشهم وحوادثهم ونحوها؛ وبهذه المباينة تجتمع لكل ~~منهم شخصية وتتسق له طريقة؛ وبذلك تتنوع الأساليب، ويعاد الكلام غير ما كان ~~في نفسه، وتتجدد الدنيا بمعانيها في ذهن كل أديب يفهم الدنيا وتتخذ الأشياء ~~الجارية في العادة غرابة ليست في العادة ويرجع الحقيقي أكثر من حقيقته. # وقد سئل مصور مبدع بماذا يمزج ألوانه فتأتي ولها إشراقها وجمالها ونبوغ ~~مبانيها وزهو الحياة بها في الصورة، فقال: إنما أمزجها بمخي، وهذا هذا؛ فإن ~~الألوان عند الناس جميعا، ولكن مخه عنده وحده وله تركيبه الخاص به وحده وسر ~~الصناعة في توليد هذا الدماغ فكأن ألوانه في صناعته جاءت منه بخصوصه، وكذلك ~~كل ما يتناوله العبقري فإنك لتجد الشعر في وزن خاص به يدل عليه ويتمم الغرض ~~منه ويضيف إلى معانيه أنقا من الجمال وحسنه وإلى صورته نغما من الموسيقى ~~وطربها، فما أشبه الجهاز العصبي في دماغ كل نابغة أن يكون وزنا شعريا لهذا ~~النابغة بخاصته، ألا ترى أنك لا تقرأ الأديب الحق إلا وجدت كل ما يكتبه ~~يجيء في وزن خاص به حتى لا يخرج عنه مرة، أو تزيد أنت فيه وتنقص إلا ظهر لك ~~أنه مكسور ... ؟ # والذهن العبقري لا يتخذ المعاني موضوع بحث ونظر وتعقب يستخرج منها أو ~~يتعلق عليها فهذا عمل الذهن الذكي وحده وهو غاية الغايات فيه يبحث وينظر ~~ويتصفح ويجمع من هنا ويأخذ من ثم ويعترض ويصحح ويأتيك بالمقالة يحسب فيها ~~كل شيء وما فيها إلا أشياؤه هو وأمثاله. أما الذهن العبقري فليس له من ~~المعاني إلا مادة عمل فلا تكاد تلابسه حتى تتحول فيه وتنمو وتتنوع وتتساقط ~~له أشكالا وصورا في مثل خطرات البرق، وربما غمر بالمعنى الواحد في جماله ms767 ~~وسموه وقوة تأثيره مقالات عدة لأولئك الأذكياء فنسخها نسخا وجعلها منه ~~كالشموع الموقدة بإزاء الشمس. فإذا ذهبت توازن بين مثل هذا المعنى ومثل هذه ~~المقالات في الروعة # PageV03P208 # والجلال ورأيت عربدة المقالة وغرورها لم تستطع إلا أن تقول لها: يا حصاة ~~الميزان في إحدى كفتيه ألا يكفيك الجبل في الكفة الأخرى ... ؟ # وقد عرف الأدباء جميعا أن كاتب فرنسا العظيم أناتول فرانس كان يكتب ~~الجملة، ثم ينقحها، ثم يهذبها، ثم يعيدها، ثم يرجع فيها، وهكذا خمس مرات ~~إلى ثمان ويقدم ويؤخر من موضع إلى موضع ويحتسبون هذا تحكيكا وتهذيبا، وما ~~هو منها في شيء ولا أحسب الأوروبيين أنفسهم تنبهوا إلى سر هذه الطريقة، ~~وإنما سرها من جهاز التوليد في رأس ذلك الكاتب العظيم فإذا قرأ كتابة حولها ~~فكرة وأبدع له منها من غير أن يعمل في ذلك أو يتكلف له إلا ما يتكلف من يهز ~~إليه بجذع الشجرة؛ لتساقط عليه ثمرا ناضجا حلوا جنيا، فكلما قرأ ولد ذهنه ~~فيثبت ما يأتيه فلا تزال صورة تخرج من صورة حتى يجيء المعنى في النهاية ~~وإنه لأغرب الغرائب لا يكاد العقل يهتدي إلى طريقته وسياق الفكر فيه إذ كان ~~لم يأت إلا محولا عن وجهه مرات لا مرة واحدة. # فجهاز التوليد متى استمر واستحكم في إنسان أصبح له بمقام ملك الوحي من ~~النبي وهو عندنا دليل من أقوى الأدلة على صحة النبوة وحدوث الوحي وإمكانه؛ ~~إذ لا تتصرف به إلا قوة غيبية لا عمل للإنسان فيها، بل هي تبدع إبداعها ~~وتلقى عليه إلقاء. وليس كل من تعرض لها أدرك منها، ولا كل من أدرك منها بلغ ~~بها، بل لا بد لها من الجهاز العصبي المحكم كجهاز اللاسلكي الدقيق المصنوع ~~لتلقي أبعد الأمواج الكهربائية وأقواها. وهذه القوة إن أرادت معاني الجمال ~~أخرجت الشاعر وإن أرادت كشف السر عن الأشياء أخرجت الأديب وإن أرادت حقائق ~~الوجود أخرجت الحكيم. فإن كان الآمر أكبر من هذا كله وكان أمر تغيير الحياة ~~وصب أزمان جديدة للإنسانية والوثوب بهذه الدنيا درجة ms768 أو درجات في الرقي ~~فهنا تكون الوسيلة أكبر من البصيرة، فليس لها من قوة الغيب إلا الوحي، ~~ويكون الغرض أكبر من الشاعر والأديب والحكيم، فلا يختار إلا النبي ثم لا ~~يوحى إليه إلا وهو في حس لساعة الوحي وحدها، وهي ساعة ليست من الزمن بل من ~~الروح المنصرف عن الزمن وما فيه؛ ليتلقى عن روح الخلد؛ وقريب من ذلك خلوة ~~النابغة بنفسه في ساعة التوليد؛ فسر النبوغ من سر الوحي، لا ريب في ذلك، ~~وما أسهل سر الوحي وأيسر أمره، ولكن في الأنبياء وحدهم، وهنا كل الصعوبة ~~... "أن نكون أو لا نكون؛ هذه هي المسألة". # PageV03P209 ### | نقد الشعر وفلسفته # 1: # الشاعر في رأينا هو ذاك الذي يرى الطبيعة كلها بعينين لهما عشق خاص ~~وفيهما غزل على حدة، وقد خلقتا مهيأتين بمجموعة النفس العصبية لرؤية السحر ~~الذي لا يرى إلا بهما، بل الذي لا وجود له في الطبيعة الحية لولا عينا ~~الشاعر، كما لا وجود له في الجمال الحي لولا عينا العاشق. # فإذا كان الشاعر العظيم أعمى كهوميروس وملتون وبشار والمعري وأضرابهم، ~~انبعث البصر الشعري من وراء كل حاسة فيه، وأبصر من خواطره المنبثة في كل ~~معنى، فأدى بالنفس في الوجود المظلم أكثر ما كان يؤديه بهذه النفس في ~~الوجود المضيء، وقصر عن المبصرين في معان وأربى عليهم في معان أخرى، فيجتمع ~~الشعر من هؤلاء وأولئك مد النفس الملهمة مما بين أطراف النور إلى أغوار ~~الظلمة. # والشعر في أسرار الأشياء لا في الأشياء ذاتها، ولهذا تمتاز قريحة الشاعر ~~بقدرتها على خلق الألوان النفسية التي تصبغ كل شيء وتلونه لإظهار حقائقه ~~ودقائقه حتى يجري مجراه في النفس ويجوز مجازه فيها؛ فكل شيء تعاوره الناس ~~من أشياء هذه الدنيا فهو إنما يعطيهم مادته في هيئته الصامتة، حتى إذا ~~انتهى الشاعر أعطاه هذه المادة في صورتها المتكلمة، فأبانت عن نفسها في ~~شعره الجميل بخصائص ودقائق لم يكن يراها الناس كأنها ليست فيها. # فبالشعر تتكلم الطبيعة في النفس وتتكلم النفس للحقيقة وتأتي الحقيقة في ~~أظرف أشكالها وأجمل ms769 معارضها، أي في البيان الذي تصنعه هذه النفس الملهمة ~~حين تتلقى النور من كل ما حولها وتعكسه في صناعة نورانية متموجة بالألوان ~~في المعاني والكلمات والأنغام. # والإنسان من الناس يعيش في عمر واحد، ولكن الشاعر يبدو كأنه في أعمار ~~PageV03P210 # كثيرة من عواطفه، وكأنما ينطوي على نفوس مختلفة تجمع الإنسانية من ~~أطرافها، وبذلك خلق ليفيض من هذه الحياة على الدنيا، كأنما هو نبع إنساني ~~للإحساس يغترف الناس منه ليزيد كل إنسان معاني وجوده المحدود ما دام هذا ~~الوجود لا يزيد في مدته، ثم ليرهف الإنسان بذلك أعصابه فتدرك شيئا مما فوق ~~المحسوس، وتكننه طرفا من أطراف الحقيقة الخالدة التي تتسع بالنفس وتخرجها ~~من حود الضرورات الضيقة التي تعيش فيها لتصلها بلذات المعاني الحرة الجميلة ~~الكاملة؛ وكأن الشعر لم يجئ في أوزان إلا ليحمل فيها نفس قارئه إلى تلك ~~اللذات على اهتزازات النغم؛ وما يطرب الشعر إلا إذا أحسسته كأنما أخذ النفس ~~لحظة وردها. # والشاعر الحقيق بهذا الاسم -أي الذي يغل بعلى الشعر ويفتتح معانيه ويهتدي ~~إلى أسراره ويأخذ بغاية الصنعة فيه- تراه يضع نفسه في مكان ما يعانيه من ~~الأشياء وما يتعاطى وصفه منها، ثم يفكر بعقله على أن عقل هذا الشيء مضافا ~~إليه الإنسانية العالية، وبهذا تنطوي نفسه على الوجود فتخرج الأشياء في ~~خلقة جميلة من معانيها وتصبح هذه النفس خليقة أخرى لكل معنى داخلها أو اتصل ~~بها؛ ومن ثم فلا ريب أن نفس الشاعر العظيم تكاد تكون حاسة من حواس الكون. # ولو سئلت أزمان الدنيا كيف فهم أهلها معاني الحياة السامية وكيف رأوها في ~~آثار الألوهية عليها، لقدم كل جيل في الجواب على ذلك معاني الدين ومعاني ~~الشعر. # وليست الفكرة شعرا إذا جاءت كما هي في العلم والمعرفة، فهي في ذلك علم ~~وفلسفة، وإنما الشعر في تصوير خصائص الجمال الكامنة في هذه الفكرة على دقة ~~ولطافة كما تتحول في ذهن الشاعر الذي يلونها بعمل نفسه فيها ويتناولها من ~~ناحية أسرارها. # فالأفكار مما تعانيه الأذهان كلها ويتواطأ فيه قلب كل إنسان ms770 ولسانه، بيد ~~أن فن الشاعر هو فن خصائصها الجميلة المؤثرة، وكأن الخيال الشعري نحلة من ~~النحل تلم بالأشياء لتبدع فيها المادة الحلوة للذوق والشعور، والأشياء ~~باقية بعد كما هي لم يغيرها الخيال، وجاء منها بما لا تحسبه منها؛ وهذه ~~القوة وحدها هي الشاعرية. # فالشاعر العظيم لا يرسل الفكرة لإيجاد العلم في نفس قارئها حسب، وإنما هو ~~يصنعها ويحذر الكلام فيها بعضه على بعض، ويتصرف بها ذلك التصرف ليوجد بها ~~العلم والذوق معا؛ وعبقرية الأدب لا تكون في تقرير الأفكار تقريرا علميا ~~بحتا، ولكن في إرسالها على وجه من التسديد لا يكون بينه وبين أن يقرها في ~~مكانها من النفس الإنسانية حائل. وكثيرا ما تكون الأفكار الأدبية العالية ~~التي # PageV03P211 # يلهمها أفذاذ الشعر والكتاب هي أفكار عقل التاريخ الإنساني، فلا تنفصل ~~عنهم الفكرة في أسلوبها البياني الجميل حتى تتخذ وضعها التاريخي في الدنيا، ~~وتقوم على أساسها في أعمال الناس، فتتحقق في الوجود ويعمل بها؛ وهذا طرف ~~مما بين الأدب العالي وبين الأديان من المشابهة. # ومتى نزلت الحقائق في الشعر وجب أن تكون موزونة في شكلها كوزنه، فلا تأتي ~~على سردها ولا تؤخذ هونا كالكلام بلا عمل ولا صناعة، فإنها إن لم يجعل لها ~~الشاعر جمالا ونسقا من البيان يكون لها شبيها بالوزن، ويضع فيها روحا ~~موسيقية بحيث يجيء الشعر بها وله وزنان في شكله وروحه -فتلك حقائق مكسورة ~~تلوح في الذوق كالنظم الذي دخلته العلل فجاء مختلا قد زاغ أو فسد. # والخيال هو الوزن الشعري للحقيقة المرسلة، وتخيل الشاعر إنما هو إلقاء ~~النور في طبيعة المعنى ليشف به، فهو بهذا يرفع الطبيعة درجة إنسانية، ويرفع ~~الإنسانية درجة سماوية؛ وكل بدائع العلماء والمخترعين هي منه بهذا المعنى، ~~فهو في أصله ذكاء العلم، ثم يسمو فيكون هو بصيرة الفلسفة، ثم يزيد سموه ~~فيكون روح الشعر؛ وإذا قلبت هذا النسق فانحدرت به نازلا كما صعدت به، حصل ~~معك أن الخيال روح الشعر، ثم ينحط شيئا فيكون بصيرة الفلسفة، ثم يزيد ~~انحطاطا فيكون ذكاء العلم، فالشاعر ms771 كما ترى هو الأول إن ارتقت الدنيا، وهو ~~الأول إن انحطت الدنيا؛ وكأنما إنسانية الإنسان تبدأ منه. # إذا قررنا للشعر هذا المعنى وعرفنا أنه فن النفس الكبيرة الحساسة الملهمة ~~حين تتناول الوجود من فوق وجوده في لطف روحاني ظاهر في المعنى واللغة ~~والأداء -وجب أن نعتبر نقد الشعر باعتبار مما قررناه، وأن نقيمه على هذه ~~الأصول؛ فإن النقد الأدبي في أيامنا هذه -وخاصة نقد الشعر- أصبح أكثره ما ~~لا قيمة له، وساء التصرف به، ووقع الخلط فيه، وتناوله أكثر أهله بعلم ناقص، ~~وطبع ضعيف، وذوق فاسد، وطمع فيه من لا يحصل مذهبا صحيحا، ولا يتجه لرأي ~~جيد، حتى جاء كلامهم وإن في اللغو والتخليط ما هو خير منه وأخف محملا، فإنك ~~من هذين في حقيقة مكشوفة تعرفها تخليطا ولغوا، ولكنك من نقد أولئك في أدب ~~مزور ودعوى فارغة وزوائد من الفضول والتعسف يتزيدون بها للنفخ والصولة ~~وإيهام الناس أن الكاتب لا يرى أحدا إلا هو تحت قدرته ... على أن جهد عمله ~~إذا فتشته واعتبرت عليه ما يخلط فيه، أنه يكتب حيث يريد النقد أن يحقق، ~~ويملأ فراغا من الورق حيث يقتضيه البحث أن يملأ فراغا من المعرفة. # PageV03P212 # وقد قلنا في كتابنا "تحت راية القرآن": إن أستاذ الآداب يجب أن يجمع إلى ~~الإحاطة بتاريخها وتقصي موادها ذوقا فنيا مهذبا مصقولا، وليس يمكن أن يأتي ~~له هذا الذوق إلا من إيداع في صناعتي الشعر والنثر، ثم يجمع إلى هذين: "أي ~~الإحاطة والذوق" تلك الموهبة الغريبة التي تلف بين العلم والفكر والمخيلة ~~فتبدع من المؤرخ الفيلسوف الشاعر العالم شخصا من هؤلاء جميعا هو الذي نسميه ~~الناقد الأدبي. # هذه هي صفات الناقد في رأينا؛ فانظر أين تجده بين هؤلاء الأساتذة ~~المختصرين ... في أدبهم، المطولين ... في ألقابهم، وإنهم ليتعاطون النقد ~~وليس لهم وسائله إلا ما كان ضعفة وقلة وإدبارا، وقد فاتهم ما لا تحمله ~~أقدارهم ولا تبلغه قواهم، وجهلوا أن الناقد الأدبي إنما يلقي درسا عاليا لا ~~يدل فيه على العيوب الفنية إلا بإظهار المحاسن التي ms772 تقابلها في أسمى ما ~~انتهى إليه الفن من آثار تاريخه، فيكون النقد تهذيبا وتخليصا لفنون الأدب ~~كلها؛ وهو بهذه الطريقة يجلوها على الناس ويبدع فيها ويزيد في مادتها ~~ويسهلها على القراء ويحصلها لهم تحصيلا لا يبلغونه بأنفسهم، ويعطيهم من كل ~~ضعيف ما هو قوي، ومن كل قوي ما هو أقوى. # ورأيناهم في نقد الشعر لا يزيدون على أن يعلقوا على كلام الشاعر، فيجيء ~~عملهم في الجملة كأنه تصنيف من هذا الشعر وشرح له وتصفح على بعض معانيه؛ ~~وبهذا يرجع الشاعر وإنه هو المتصرف في ناقده يديره كيف شاء، ويجيء هذا ~~الناقد زائدا متطفلا، فتأتي كتابته وإنها لضرب من سخرية المنقود بناقده، ~~ويصبح وضع الكلام على العكس، فالشاعر المنقود لم يتكلم ولكنه أبان قصور ~~الناقد وجهله، فهو الناقد وإن سكت، وذاك هو المنقود وإن تكلم. # وهذا المتعلق على أخبار الشاعر وشعره كتعلق التلخيص على أصله المطول ~~والشرح على متنه الموجز، إنما هو كاتب يجد من ذلك مادة إنشائية فيتصرف بها ~~ليكتب؛ ولا يراد من النقد أن يكون الشاعر وشعره مادة إنشاء، بل مادة حساب ~~مقدر بحقائق معينة لا بد منها؛ فنقد الشعر هو في الحقيقة علم حساب الشعر، ~~وقواعده الأربع التي تقابل الجمع والطرح والضرب والقسمة: هي الاطلاع والذوق ~~والخيال والقريحة الملهمة. # وثم ضرب آخر من تعلق الضعفاء، يتناول الشاعر باعتباره رجلا له موضعه من ~~الناس ومنزلة من الحياة، ثم لا يعدو ذلك* وهو تزوير للمؤرخ بجعله ناقدا، ~~PageV03P213 # وتزوير للناقد برده مؤرخا؛ على أن هذا لا بد منه منه في النقد الصحيح، ~~ولكنه لا يقوم بنفسه ولا تنفذ به بصيرة النقد؛ إذ الشاعر لم يكن شاعرا بأنه ~~رجل من الناس وحي في الأحياء وعمر من الحوادث المؤرخة، ولكن بموضوعه من ~~أسرار الحياة وصلة نفسها بها وقدرة هذه النفس على أن تنفذ إلى حقائق ~~الطبيعة في كائناتها عامة، وفي إنسانها خاصة، ثم بقدرة مثل هذه في النفاذ ~~إلى أسرار اللغة الشعرية التي هي الوجود المعنوي لكل ذلك، والتصرف بها على ~~طبقات معانيه ms773 حتى لا تقصر عن الغاية ولا تقع دون القصد، فإن الشعر إن هو ~~إلا ظهور عظمة النفس الشاعرة بمظهرها اللغوي، ولئن كان في نقد الشعر تاريخ ~~لا يتم النقد إلا به، فهو تاريخ الشعر في نفس قائله، ثم تاريخ هذه النفس في ~~معاني الشعر من عصرها، ثم أدب هذا الشاعر من الوجود الأدبي للغة التي نظم ~~بها؛ وذلك لا بد أن يقع فيه تاريخ الشاعر نفسه محصلا من نواحيه في جهات ~~الحياة، متعمقا فيه بالاستقصاء، متغلغلا إليه بالنقد ... # وإن لنا رأيا بسطناه مرارا، وهو أنه لا ينبغي أن يعرض لنقد الشاعر ~~والكلام عنه إلا شاعر كبير يكون ذا طبيعة في النقد، أو كاتب عظيم يكون ذا ~~طبيعة في الشعر؛ أي لا بد من الأدب والشعر معا لنقد الشعر وحده فيأتي ~~الكلام فيه من العلم والذوق والإحساس والإلهام جميعا، فيتبين الناقد وجوه ~~النقص الفني، ويعرف بما نقصت وماذا كان ينبغي لها وما وجه تمامها، ثم يعرف ~~من الكمال الفني مثل ذلك، ويحس على الحالتين بالمعاني التي أحسها الشاعر ~~حين انتزع شعره منها، وما كان يتخالجه وقتئذ من الفكر ويتمثل له من الصور ~~المعنوية التي ألهمته إلهامها؛ فإن المعاني المكتوبة هي شعر الشاعر، ولكن ~~تلك المعاني المحسوسة هي شعر الشعر، وإنما يوقف عليها بالتوهم والاسترسال ~~إلى ما وراء الطبيعة من بواعثه، وما تموجت به روح الشاعر عند عمله، وما ~~عرضت لها به طبائع المعاني؛ وهذا كله لا يحسه الناقد إن لم يكن شاعرا في ~~قوة ما ينقده أو أقوى منه طبيعة شعر. # والنقد إنما هو إعطاء الكلام لسانا يتكلم به عن نفسه كلام منهم في محكمة؛ ~~ليقيم أو يزيح شبهة أو يقر حقيقة أو يبسط معنى أو يوجه علة أو يكشف خافيا ~~أو # PageV03P214 # يثبت نقيصة أو يظهر إحسانا؛ وبالجملة فهو نقص السيئة والحسنة، ووقوع أدلة ~~العلم والفن والذوق مواقعها، وتكلم الكلام بذات نفسه ما تنكر منه وما ~~تستجيد؛ والشاعر. والناقد يلتقيان جميعا في القارئ فوجب من ثم أن يكون ~~الناقد قوة تكشف ms774 قوة مثلها أو دونها؛ ليصحح فن فنا مثله أو يقره أو يزيد ~~عليه فضل بيان ومزية فكر؛ وبهذا يصبح القارئ كالسائح الذي معه الدليل ~~وأمامه المنظر، أي معه التاريخ الناطق وبإزائه التاريخ الصامت. وإذا كان ~~الشاعر وشعره إنما هما النفس الممتازة وحوادثها ومعاني الحياة فيها، فليس ~~يتجه أن يكون الناقد تاما إلا بنفس من نوعها في دقة الحس ولطف النظر ~~والاستشفاف وقوة التأثر بمعاني الحياة وسمو الإلهام والعبقرية، وبذلك يجيء ~~النقد الصحيح بيانا خالصا منخولا كأنه شرح نفس لنفس مثلها. # وليس الأنف هو الذي ينقد الوردة العطرة الفياحة، وإنما تنقدها الحاسة ~~التي في الأنف، وناقد الشعر إن لم يكن شاعرا فهو أنف صحيح التركيب، ولكن ~~بالجلد والعظم دون تلك الحاسة التي هي روح العصب المنبث في هذا التركيب ~~والمتصل بما وراءه من أعصاب الدماغ، فهذا الأنف ... يستطيع أن يتناول ~~الوردة، ولكن يحس غليظ محقته الآفة كما يتناول حجرا أو حديدا أو خشبا أيها ~~كان، فالوردة عنده شيء من الأشياء يمتاز باللين ويختص بالنعومة ويسطع ~~بالرونق ويزهو باللون، ويذهب يتكلم في هذا كله، وهذا كله في الوردة، ولكنه ~~ليس الوردة. # ومتى كان البحث هو البحث في السماء وأفلاكها وأجرامها فلا يستقل به إلا ~~الناظر المركب أي الذي معه عينه وتلسكوبه وعلمه جميعا، إن نقص من ذلك فبقدر ~~نقصانه يكون ضعفه، وإن تم فبقدر تمامه يكون وفاؤه؛ ولو أمكن أن ينفصل ~~الشاعر من شعره فيقطع ما بينه وبين المعاني من نسبه نفسه، ويبتعد عن الشعر ~~ليراه جديدا عليه ويميزه من كل جهاته -لكان هو الناقد؛ فناقد الشعر هو ~~الشاعر نفسه، ولكن في وضع أتم وأوفى، وحالة أبين وأبصر، أي كأنه الشاعر ~~نفسه منقحا تاما بغير ضعف ولا نقص. # ومن أجل ذلك ترى من آية النقد البديع المحكم إذا قرأته ما يخيل إليك أن ~~الشعر يعرض نفسه عليك عرضا ويحصل لك أمره ويبين حالته في ذهن شاعره. # وكيف توافى وائتلف، وكيف انتزعه الشاعر من الحياة، وما وقع فيه من قدر ~~الإلهام، وما أصابه ms775 من تأثير الإنسان وما اتفق من خظ الطبيعة والأشياء، ~~وبالجملة يورد النقد عليك ما ترى معه كأن حركة الدم والأعصاب قد عادت مرة ~~أخرى إلى الشعر. # PageV03P215 # ألا وإن شعرنا العربي الجميل قد أصبح اليوم في أشد الحاجة إلى من يعلم ~~القارئ كيف يذوقه ويتبينه ويخلص إلى سر التأثير فيه، ويخرجه مخرجا سريا في ~~أنغامه وألحانه ويأتي به من نفس شاعره ومن نفسه جميعا؛ فقوة التمييز في هذا ~~كله على تسديد وصواب هي التي يعطيها الناقد لقرائه؛ والشعر فكر وقراءته فكر ~~آخر، فإن قصر هذا عن أن يبلغ ذاك ليتصل به ويتغلغل فيه فلابد للمفكرين من ~~صلة فكرية هي كتابة الناقد الذي هو من ناحية كمال للطبيعة الناقصة، ومن ~~ناحية أخرى شرح للطبيعة الكاملة، ومن ناحية ثالثة هو بذوقه وفنه قانون ~~الانتظام الدقيق الذي يبين به ما استقام في الكلام وما اعوج. # وطريقتنا نحن في نقد الشعر تقوم على ركنين: البحث في موهبة الشاعر، وهذا ~~يتناول نفسه وإلهامه وحوادثه؛ والبحث في فنه البياني، وهو يتناول ألفاظه ~~وسبكه وطريقته، وسنقول فيهما معا: # فأما الكلام في فن الشعر، فالمراد بالشعر -أي نظم الكلام- هو في رأينا ~~التأثير في النفس لا غير، والفن كله إنما هو هذا التأثير، والاحتيال على ~~رجة النفس له واهتزازها بألفاظ الشعر ووزنه وإدارة معانيه وطريقة تأديتها ~~إلى النفس، وتأليف مادة الشعور من كل ذلك تأليفا متلائما مستويا في نسجه لا ~~يقع فيه تفاوت ولا اختلال، ولا يحمل عليه تعسف ولا استكره؛ فيأتي الشعر من ~~دقته وتركيبه الحي ونسقه الطبيعي كأنما يقرع به على القلب الإنساني ليفتح ~~لمعانيه إلى الروح؛ والشعر العربي إذا تمت له في صناعته وسائل التأثير ~~وأحكم من كل جهاته، كان أسمى شعر إنساني فتراه يطرد بألفاظه الجميلة ~~السائغة وكأنه لا يحمل فيها معاني، بل يحمل حركات عصبية ليس بينها وبين أن ~~تنساب في الدم حائل، فما يكون إلا أن يغمرك بالطرب ويهزك من أعماق النفس ~~ويورد عليك في نفحة الروح ما إن تدبرته في نفسك وأفصحت عنه ms776 شعورك رأيته في ~~حقيقته وجها من نسيان الحياة الأرضية والانتقال إلى حياة أخرى من السرور ~~والاهتياج والألم والشجو يحياها الدم التأثر وحده غير مشارك فيها إلا من ~~القلب. # والذين يجهلون ذلك من أمر الشعر العربي في مزاجه الخاص -فلا يعتبرونه حيا ~~ذا طباع وخصائص لابد من مراعاتها والنزول على حكمها والتلقي بما يوافقها ~~كما لا بد من أشباه ذلك لامرأة جميلة -تراهم يخلون بقوانين صناعته البيانية ~~وينزلون ألفاظه دون منازلها ويرسلون معانيه على غير طريقتها الشعرية ~~ويبتلونه بفضول كثيرة هي كالآفات والأمراض، فيأتون بنظم تقرؤه إذا قرأته ~~وأنت تتلوى # PageV03P216 # كأنما يقرع على قلبك بقبضة يد عليه بحجر ... وقد فشا هذا النوع من الشعر ~~في هذه الأيام وأصبح لما فسد من ذوق الأدب وما التاث من أمر اللغة وما اعوج ~~من طرق الفلسفة وما عمت به البلوى من التقليد الأوروبي، وكثيرا ما رأيت ~~القصيدة من هذا الشعر كامرأة سلخ وجهها ووضعت لها جلدة وجه ميت ... والناظم ~~من هؤلاء لا يصرف الشعر على حدوده النفسية ولا يحكمه فيها، بل تصرفه ~~الألفاظ كيف اتفقت له على وجوهها الملتوية، وتسوسه المعاني سياسة عمياء ~~فقدت باصرتيها معا، ويحسبون كلامهم من النور العقلي، ولكنه النور في قطعه ~~ثمانين ألف ميل في الثانية، فلا يكاد يقال في هذا العالم، حتى يخرج منه ~~وينسى ويلحق باللانهاية ... # وهذا الضرب من الصناعة الفاسدة هو بعينه ذلك النوع الصناعي الذي أفسد ~~الشعر منذ القرن الخامس، غير أن القديم كان فسادا في الألفاظ يجعلها كلها ~~أو أكثرها محالا من الصنعة، والحديث جاء فسادا في المعاني يجعلها كلها أو ~~أكثرها محالا من البيان. # ويزعم أصحاب هذا الشعر أنهم فلاسفة، ولكنهم كذلك في سرقة الفلاسفة لا غير ~~... ولو علموا لعلموا أن ألفاظ الشعر هي ألفاظ من الكلام يضع الشعر فيها ~~الكلام والموسيقى معا، فتخرج بذلك من طبيعة اللغة القائمة على تأدية المعنى ~~بالدلالة وحدها إلى طبيعة لغة خاصة أرقى منها تؤدي المعنى بالدلالة والنغم ~~والذوق، فكل كلمة في الشعر تجتلب لمعناها من تركيبه، ثم ms777 لموضعها من نسقه، ~~ثم لجرسها في ألحانه؛ وذلك كله هو الذي يجعل للكلمة لونها المعنوي في جملة ~~التصوير بالشعر؛ وما يمر الشاعر العظيم بلفظة من اللغة إلا وهي كأنها تكلمه ~~تقول: دعني أو خذني. # وكما أنه لا بد للأزهار من جو الأشعة، كذلك لابد للمعاني الشعرية من جو ~~اللغة البيانية، فالبيان إنما هو أشعة معاني القصيدة؛ وقد يحسبون أن ~~الصناعة البيانية صناعة متكلفة لا شأن لها في جمال الشعر ودقة التعبير، وما ~~ننكر أن من البيان الجميل أشياء متكلفة، ولكنها تنزل من أساليب البلاغة ~~العالمية منزلة كمنزلة الظرف والدل والخلاعة في الحبيبة الجميلة. # إن هذه الفنون ليست من جمال الخلقة والتركيب في المرأة، ولكنها متى ظهرت ~~في الجمال الفاتن أصبح بدونها -وهو جميل دائما- كأنه غير جميل أحيانا. # هنا صناعة هي روح الحسن في الحياة، وصناعة مثلها هي روح الحسن # PageV03P217 # أحيانا في البلاغة*، وما التراكيب البيانية في مواضعها من الشعر الحي إلا ~~كالملامح والتقاسيم في مواضعها من الجمال الحي؛ وكثيرا ما يخيل إلي حين ~~أتأمل بلاغة اللفظ الرشيق إلى جانب لفظ جميل في شعر محكم السبك، أن هذه ~~الكلمة من هذه الكلمة كحب رجل متألق يتقرب من حب امرأة جميلة، وعطف أمومة ~~على طفولة، وحنين عاطفة لعاطفة، إلى أشباه ونظائر من هذا النسق الرقيق ~~الحساس؛ فإذا قرأت في شعر أصحابنا أولئك رأيت من لفظ كالشرطي أخذ بتلابيب ~~لفظ كالمجرم ... إلى كلمتين هما معا كالضارب والمضروب ... إلى همج ورعاع ~~وهرج ومرج وهيج وفتنة؛ أما القافية فكثيرا ما تكون في شعرهم لفظا ملاكما ~~... ليس أمامه إلا رأس القارئ. # وكما يهملون اختيار اللفظ والقافية يتسهلون في اختيار الوزن الملائم ~~لموسيقية الموضوع فإن من الأوزان ما يستمر في غرض من المعاني ولا يستمر في ~~غيره؛ كما أن من القوافي ما يطرد في موضوع ولا يطرد في سواه، وإنما الوزن ~~من الكلام كزيادة اللحن على الصوت: يراد منه إضافة صناعة من طرب النفس إلى ~~صناعة الفكر، فالذين يهملون كل ذلك لا يدركون شيئا من فلسفة الشعر ms778 ولا ~~يعلمون أنهم إنما يفسدون أقوى الطبيعتين في صناعته؛ إذ المعنى قد يأتي نثرا ~~فلا ينقصه ذلك عن الشعر من حيث هو معنى، بل ربما زاده النثر إحكاما وتفصيلا ~~وقوة بما يتهيأ فيه من البسط والشرح والتسلسل، ولكنه في الشعر يأتي غناء، ~~وهذا ما لا يستطيعه النثر بحال من الأحوال. # فإذا لم يستطع الشاعر أن يأتي في نظمه بالروي المونق والنسج المتلائم ~~والحبك المستوي والمعاني الجيدة التي تخلص إلى النفس خلوص طبيعة إلى طبيعة ~~تمازجها، ورأيته يأتي بالشعر الجافي الغليظ والألفاظ المستوخمة الرديئة ~~والقافية القلقة النافرة والمجازات المتفاوتة المضطربة والاستعارات البعيدة ~~الممسوخة -فاعلم أنه رجل قد باعده الله من الشعر وابتلاه مع ذلك بزيغ ~~الطبيعة وسرف التقليد، فما يجيء الشعر على لسانه في بيت إلا بعد أن يجيء ~~اللغو على لسانه في مائة بيت أو أكثر أو أقل. # ذلك قولنا في فن الشاعر، أما الكلام في موهبته التي بها صار شاعرا وعلى ~~PageV03P218 # مقدارها يكون مقداره واتصال أسبابه أو انقطاعها من الشعر، فذلك باب لا ~~يمكن بسط المعنى فيه ولا تحصيل دقائقه إلا إذا صورت روح الشاعر الدقيق ~~المعجز ووزنت في ميزانها الإلهي وعرف نقصها إن نقصت وتمامها إن تمت، وأمكن ~~تتبع مواقعها من أسرار الأشياء ومساقطها من منازل الإلهام، وهذا ما لا سبيل ~~إليه إلا بالتوهم النفسي، فإن الأرواح القوية يلمح بعضها بعضا، وقد تكون ~~لمحة الروح الشاعرة لروح مثلها هي تدبرها ووزنها وإدراك ما تنطوي عليه كما ~~ترى من وضع النور بإزاء النور، فإن هذا الوضع هو نفسه وزن لكليهما في ميزان ~~البصر دون أن يكون ثمة موازنة إلا في التألق والشعاع؛ فهما في هذه الحالة ~~نوران يضيئان، ولكنهما أيضا كلمتان يبينان عما فيهما من الأكثر والأقل. # لهذا قلنا: إن الشاعر لا يستع لنقده ولايحيط به إلا من كانت له روح شعرية ~~تكافئه في وزنها أو تربى على مقداره؛ فإن هناك قوى روحية لإدراك الجمال ~~وخلقه في الأشياء خلقا هو روح الشعر وروح فنه، وقوى أخرى لصلة العواطف ~~بالفكر ms779 صلة هي سر الشعر وسر فنه، وقوى غير هذه وتلك لتحويل ما يخالج النفس ~~الشاعرة تحويل المبالغة التي هي قوة الشعر وقوة فنه؛ وبمجموع هذه القوى ~~كلها تمتاز روح الشاعر من غير الشاعر: أما ما تمتاز به هذه الروح من روح ~~شاعرة مثلها فهو ما يكون من تفاوت المقادير التي يهبها الله وحده، فيخص ~~شاعرا بالزيادة وآخر بالنقص، ويهب أسبابها التي تكون عنها فيوسع لواحد ~~ويضيق على الآخر؛ وإذا تمت تلك القوى واستحكمت تهيأ منها للشاعر جهاز عصبي ~~خالص هو جهاز التوليد لا يمر به معنى إلا تجسد فيه بصورة غير صورته. # وقد استوفينا الكلام على ذلك في مقالنا "سر النبوغ في الأدب". وهو لا غير ~~سر العبقرية. # فأمثل الطرق في نقد موهبة الشاعر إدراكها بالروح الشعرية القوية من ناحية ~~إحساسها والنفاذ إلى بصيرتها، واكتناه مقادير الإلهام فيها، وتأمل آثارها ~~في الفرح والحزن بأشجى وأرق ما تهتاج في النفس الحساسة، ومعرفة قوة التحويل ~~في عواطفها للمعاني الإنسانية والطبيعة تحويلا يجعل القوة أقوى مما تبلغ، ~~والحقيقة أكبر مما تظهر، وتأتي بكل شيء ومعه شيء؛ وليس ينتهي الناقد إلى ~~ذلك إلا بالبحث في الأغراض أي "المواضيع" التي نظم فيها الشاعر وما يصله ~~بها من أمور عيشه وأحوال زمنه وكيف تناولها من ناحيته ومن ناحيتها وماذا ~~أبدع، ثم في أي # PageV03P219 # المنازل يقع شعره من شعر غيره في تاريخ لغته وآدابه، ثم نظرته الفلسفية ~~إلى الحياة ومسائلها واتساعه لأفراحها وآلامها وقوة أمواجه الروحية في هذا ~~البحر الإنساني الرجاف المتضرب الذي يبلغ في نفوس بعض الشعراء أن يكون ~~كالأقيانوس وفي بعضها أن يكون كالمستنقع ... ثم دقة فهمه عن وحي الطبيعة ~~والإشراف على جلية معناها بالهمسة واللمسة، وتسقط إلهام الغيب منها ~~بالإيماءة واللحظة؛ وهذا كله لا يستوسق للناقد العظيم إلا إذا كان مع روحه ~~الشعرية التي اختص بها محيطا بآثار الشعراء في لغته، بصيرا بمآخذها؛ محكما ~~لأسباب الموازنة بينها، متصرفا مع ذلك بأداة قوية من صناعة اللغة والبيان ~~وفنون الأدب. # وإذا كان من نقد الشعر علم ms780 فهو علم تشريح الأفكار، وإذا كان منه فن فهو ~~فن درس العاطفة، وإذا كان منه صناعة فهي صناعة إظهار الجمال البياني في ~~اللغة ... # PageV03P220 ### | فيلسوف وفلاسفة # 1: # أتأمل الآن هذا القلم في يدي -وأنا أفكر فيما سأكتبه للزهراء- فأرى نصاب ~~القلم أضلاعا حمرا في لون المرجان، تنسرح قليلا، ثم تستدير، ثم تستدق، ثم ~~تخرج منها قادمة سوداء كأنها قصبة ريشة من جناح، وقد خيل إلي أن هذا اللون ~~الأحمر المزهو يقول للأسود: إنما أنت غلطة الذي صنعني، فكيف ألهم في ~~الإلهام فوسمني بهذا الميسم من حسن ولون وتركيب، ثم اعترضته الغفلة فيك ~~فأخطأ، وأدركه العجز فلم يميز، ودخل على رأيه الوهن فإذا هو يصلك بي ~~كالسيئة بعد الحسنة، وينزلك مني منزلة القبح من الجمال! فأين كانت صحة رأيه ~~التي بلغ بها في أحسن ما وفق إليه حين بلغ فيك أسوأ ما يمكن أن يصنع؟ فيقول ~~الأسود؛ إنما فيك أنت غلطة الصانع وبك أخطأ جهة الفن، فلم يزن منك ما كان ~~وزن مني، ولا قدر لك مثل ما قد لي، وجئت غليظا غير مقدود، وكنت إلى العرض ~~ولم تكن إلى الطول، وكنت أحمر ولم تكن أسود؛ وما أراك إلا فاسد الحس، متغير ~~الذوق، وما أراك صنعك هذا الرجل إلا في ساعة هم قاربت بين نفسه ورأيه، فما ~~زجت بين رأيه وعمله، فجمعت بين عمله وغلطه. # ذلك منطق اللونين فيما أدركت منهما، وكلاهما مخطئ في جهة ما هو مستدل به ~~أو متنظر فيه؛ والحقيقة من ورائهما، إذ الحكمة ليست في أحدهما لحمزة أو ~~سواد، بل هي في اثنيهما جميعا لائتلافهما جميعا، فلا تنقسم عليهما قسمة ما؛ ~~لأنها آتية بالمقابلة بين اثنيهما، وما لا يخرج أبدا إلا من اثنين فهو أبدا ~~واحد لا نصف له؛ كالطفل من أبويه: لن تعرف شطره من أمه لأنك لن تعرف شطره ~~من أبيه. # أفي الأرض كلها من يستطيع أن يقسم طفلا واحدا فيجعله طفلين تعتدل بهما ~~الحياة وتمدهما بروحين من روح واحدة؟ إنك لن تجد هذا الخالق الأرضي ... إلا ~~في ms781 طائفتين: الأولى قوم من ذاهبي العقول يخلقون كل شيء لأنهم لا يخلقون ~~PageV03P221 # شيئا؛ والثانية قومن من جبابرة العقول ... تعرف لهم من الخلط وسخف الرأي ~~ما يريدون أن يعلوا به على الناس؛ إذ كان الناس لا يجاوزون الحقائق، فظن ~~هؤلاء أنهم إن جاوزوها وعدوا عليها خرجوا إلى طبقة فوق العقل الإنساني. ~~وللجنون طرفان: أحدهما ألا يعقل المجنون عن الناس، والآخر ألا يعقل الناس ~~عن العاقل: فذلك ذلك وهذا هذا؛ وكأن في رأس كل منهما مضمرة من قوة الخلق ~~تنطوي على محجوبة إلهية، فكل منهما يزيد في الخلق ما يشاء، وكل منهما فوق ~~الطبيعة لأنه من ذوي الأسرار المجهولة التي لا تستبين عندنا من خفائها، ثم ~~لا تخفى عندهم من استبانتها. # يضحكني من جبابرة العقول هؤلاء أنهم يرون الدين مرة عادة، وتارة اختراعا، ~~وحينا خرفة، وطورا استبعادا؛ وكل ذلك لهم رأي، وكل ذلك كانوا يعقدونه ~~بالحجة ويشدونه بالدليل؛ فلما جاء طاغور الشاعر الهندي المتوصف إلى مصر، ~~وجلسوا إليه وسمعوه، خرجوا يتكلمون كأنما كانوا في معبد، وكأنما تنزلت ~~عليهم حقيقته الإلهية، وكأنما اتضعت هذه الدنيا عن المكان الذي جلس فيه ~~الرجل، فلا يعرفونه من الأرض، ولا من هذا العالم؛ بل كانوا في غشية قد فروا ~~لها وسكنوا إليها، وما أراهم صرفوا عن عقولهم ولا صرفت عقولهم عنهم؛ ولكن ~~طاغور شاعر فيلسوف، وهم يعرفون أنفسهم من لصوص كتبه وآرائه، ويقعون منه ~~موقع السفسطة الفارغة من البرهان القائم، وإذا قيسوا إليه كانوا كالذباب ~~تزعم أنفسها نسور المزابل، ولكنها لا تكابر في أن من الهزؤ بها قياسها ~~بنسور الجو. # لقد ضربهم طاغور، لا بأنه لمسهم، بل بأنهم لمسوه ... وفضحهم فضيحة ~~اللؤلؤة للزجاج المدعى أنه لؤلؤ، وأظهر لنا تجملهم العقلي كهذه الأصباغ في ~~وجه الشوهاء: تذهب تتصنع ولا تدري أنه إن كان أدهانها وأصباغها روح النقاش ~~ففي وجهها هي معنى الحائط! # لقد قرأت كل ما كتبوا عن طاغور ألتمس فيه هذه الحقيقة لأرى كيف يكون ~~جبابرة العقول حين تنكشف عنهم المعاذير وتنزاح العلل وتنهتك الأستار، فإذا ~~هم ms782 في كل ما كتبوه لا يحسون إلا هذه الحقيقة، ولا يصفون إلا هذا الحس، فلم ~~يزهم عندنا إلا هذا الوصف؛ لا جرم فكل ما أثنوا به على الشاعر الفيلسوف ~~قرأناه ذما لهم، وعرفناه قدحا فيهم، وأخذناه تهمة عليهم، وكل ما أعظموه من ~~أمره صغر من أمرهم، ولقد جعلواه إنسانا كأنما تنتهي قمة هذه الدنيا عند ~~قدمه، وتبدأ قدمه من قمة الدنيا، فما عرفنا من ذلك قياسا لسمو طاغور ~~وارتفاع نفسه، بل # PageV03P222 # قياسا لانحطاط أنفسهم وهوان أمرهم وقلة خطرهم؛ فإن الرجل المقلد المخدوع ~~لا يزال يطول في تقليده، ولا يزال يتوعر في الرأي الذي يراه ويعتسف طرق ~~العلم اعتسافا؛ حتى يرميه الله بأصل من هذه الأصول الإنسانية التي يقلدها؛ ~~فإذا هو مفحم يتقاصر من طول، ويتسهل من وعر، ويهتدي من تعسف، وينحط إلى ~~الوهدة بعد أن كان على الجبل، ويسلم في نفسه، ويذعن برأيه، وينقاد من حيث ~~يأبى ومن حيث لا يأبى، ويصبح وقد غمرته تلك النفس أشبه بالظل مما يرميه ~~ويفيء به؛ فهو مسخ في تمثيله الصورة، وهو كذب عليها بما يطول ويقصر، وهو ~~على كل أحواله إبهام سخيف مظلم لحقيقة شريفة نيرة. # وأنت أفلا ترى هذا من جبابرة العقول كتلك الشيمة في أخلاق العامة، إذ لا ~~يصلحون أبدا إلا أن يكونوا تبعا، ولا علم لهم إلا ما يربط في صدورهم من ~~فلان وفلان، ثم يعملون بلا تحقيق، ويحملون بلا تمييز، ثم لا تكون نهمة ~~أنفسهم مع الرجل العالم -إذا اجتمعوا به- إلا في التسليم له، واتقاء ~~حقائقه، والنزول عن آرائهم إلى رأيه، والخروج من أنفسهم إلى نفسه! # لقد قلنا من قبل: إن جبابرة العقول هؤلاء الذين يأبون إلا أن يكونوا ~~علماءنا وسادتنا؛ ليصرفوا عقولنا ويغيروا عقائدنا ويصلحوا آدابنا ويدخلونا ~~في مساخط الله ويهجموا بنا على محارمه ويركبونا معاصيه- إن هم في أنفسهم ~~إلا عامة وجهلة وحمقى إذا وزنوا بعلماء الأمم وقيسوا إلى حكماء الدنيا، وما ~~يكتبون للأمة في نصيحتها وتعليمها إلا ما يتحول من كلمات وجمل في الصحف ~~والكتب إلى أن ms783 يصيروا في الواقع فساقا وفجرة وملحدين وساخرين ومفسدين؛ ~~فالمصيبة فيهم من ناحية العلم الناقص في وزن المصيبة بهم من ناحية الخلق ~~الفاسد، وهاتان معا في وزن المصيبة الكبرى التي يجنون بها على الأمة ~~لتهديمها فيما يعلمون، وتجديدها فيما يزعمون.. # لم أنخدع قط في هؤلاء من فلاسفة أو دكاترة أو جبابرة، ولست أضع أمرهم إلا ~~على حقه، فإني لأعرف أن الهر من قبيلة الأسد، ولكن أسديته على الفأرية ~~وحدها ... ولعلما عاقبة الجهل خير للأمة من عواقب علمهم وتخبطهم وحماقاتهم ~~فإنهم قوم مقلدون، ولهم طباع معتلة زائغة، وعقول لا مساك لها من دين أو ~~ضمير؛ فما يجنحون إلا إلى بدعة سيئة، أو آفة محذورة، أو فكرة متهمة؛ ولا ~~يعملون إلا ما يشبه الظن بهم، والرأي فيهم؛ من تمدين الأخلاق السافلة ~~وإلحاقها بالعلم أو الفلسفة، مع بقاء العقل صحيحا يحكم على هذا الخبيث # PageV03P223 # كما كان يحكم على ذلك الطيب؛ وليس من سبيل إلى هذا إلا من جهة تحويل ~~الأخلاق، فإن هي استمسكت ولم تتحول فيها هنا موضع النزاع ومحل الخلاف، ولا ~~بد من حرب منا كحرب الاستقلال، ثم حرب منهم كحرب الاستعمار ... # فالذي بيننا وبينهم ليس القديم والجديد، ولا التأخر والتقدم، ولا الجمود ~~والتحول؛ ولكن أخلاقنا وتجردهم منها، وديننا وإلحادهم فيه، وكمالنا ونقصهم، ~~وتوثقنا وانحلالهم، واعتصامنا بما يمكننا وتراخيهم تراخي الحبل لا يجد ما ~~يشده. # والآن انظر إلى قلمي فأرى شطره الأسود ما جعل كذلك إلا ليزيد في جمال ~~حمرته وبريقها، ويكسبها لمعة لا تأتيها إلا من السواد خاصة؛ والشر خير إلا ~~إذا بقي محصورا في موضعه ولم يتجاوزه؛ فإذا تنبهت الأمة لجبابرة العقول ~~هؤلاء، قلنا لا بأس بالسواد المظلم إذا كانت حكمته حمراء ... # PageV03P224 ### | شيطاني وشيطان طاغور # ... 1: # طاغور هذا شاعر الهند، مر بمصر مرور شمس الشتاء باليوم المطير: لا يقع ~~نورها إلا في القلوب مما تستخف وتستهوي، ومما تمتنع وتتأبى، ومما ترق ~~وتلطف؛ وتنقدح بين السحب الهامية فإذا لها من الجمال والسحر والعجب ما يكون ~~لجمرة تخرجها السماء معجزة للناس فيرونها ترسل الشعاع ms784 مرة وتمطر الماء مرة. # لم ألق طاغور ولكني أنفذت إليه شطاني وقلت أوصيه قبل أن يخرج لوجهه: قد ~~علمت أن هذا الرجل هندي؛ ولكنه إنسان، فما أرض أولى به من أرض؛ وأنه شاعر، ~~ولكنه مخلوق، فما طبيعة أغلب عليه من طبيعة؛ وأنه حكيم، ولكنه تركيب ما ~~جبلت له طينة غير الطينة؛ وأنه سماوي، غير أنه سماوي كعلماء الفلك: سماؤه ~~في منظار وكتاب وقلم وحبر ... فاذهب إليه فداخل شيطانه، فإنك واجد له من ~~ذلك ما لكل الشعراء، وربما عرفت شيطانه من ذوي قرابتك أو خالصة أهلك، ثم ~~ائتني بكلامه على جهة ما هو مفكر فيه، لا على جهة ما متكلم به؛ وخذ ما يهجس ~~على قلبه، ودع ما يجري في لسانه؛ فإن هذا سيأتي به إخوانك من "مندوبي ~~الصحف" ... واعلم أن كل حكيم مهيئ لمسائل من حوله كلاما. غير أن معاني من ~~حوله مهيئة له مسائل أخرى يفكر في كل جواب عليها ولا ينطق بجواب عليها. # فحدثني شيطاني بعد رجوعه قال: حدثني شيطان طاغور قال: لما هبط طاغور هذا ~~الوادي نظر نظرة في الشمس، ثم قال: أنت هنا وأنت هناك، تقربين بأثر وتبعدين ~~بأثر، وتطلعين بجو وتغربين بجو، فلا تختلفين وتختلف بك الأقاليم، ثم تتغير ~~بالأقاليم الأمم، ثم تتغير بالأفكار والمنازع أغراضها ومصالحها، ثم تتغير ~~بمصالحها وأغرضها الحقائق الإنسانية؛ وإنما الباطل والحق فيما تستقبل هذه ~~الحقائق أو تستدبر، وقد غلبت PageV03P225 # السياسة على كل شيء حتى أصبحت هذه الحقائق الإنسانية جغرافية، لها شعوب ~~ولها مستعمرات؛ فالإخاء في الغرب سيادة في الشرق، والمساواة هناك امتياز ~~هنا، والحرية في مملكة استعباد لمملكة، والتحية في موضع صفعة في موضع ~~والضيافة في مكان استئكال في مكان؛ {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ~~ولذلك خلقهم} [هود: 118، 119] فلن يتصل الناس بالروح الأعلى إلا من الجهة ~~الواحدة التي لم تتغير ولن تتغير فيهم، جهة الدموع التي لا تختلف في أسود ~~ولا أحمر، والتي لا تنبعث إلا من الرقة والوجد والأحزان والآلام، وهي بذلك ~~نسب كل قلب إلى كل ms785 قلب، فلو غمر العالم كله بلاء واحد لا تحرز منه أرض ~~أهلها ولا تتحاجز الأمم فيه، لاستلب مطامع الناس بعضهم في بعض، وأرجع ~~الإنسانية الزائغة إلى مستقرها، فتجردوا من الدنيا وهم في الدنيا، فاتصلوا ~~باللانهاية وهم في النهاية؛ فإن لم يكن بلاء عام ففكر عام في بلاء يميت ~~الشهوات المتطلقة ويكون كالداء تلبس بالجنس الإنساني كالذي تصفه الأديان من ~~جهنم والمصير إليها والحساب عندها والجزاء على الشر بها، حتى لا تبقى نفس ~~إلا وهي في وثاق من حلالها وحرامها، ولا يبقى شر يتخيل أو يشتهى إلا وهو ~~كالمتاع النفيس بين أربعة جدران تتساقط وتحترق لا يجد في كل اللصوص لصا، ~~فإن لم يكن هذا ولا ذاك فالحب العام حتى لا يبقى جيش ولا سلاح ولا سياسة ~~ولا دول، ولا تكون الممالك إلا بيوتا إنسانية بين الواحدة والكل من الشابكة ~~واللحمة ما بين الكل والواحدة، وحتى تقول مصر لانجلترا: يا بنت عمي ... فإن ~~استحال كل هذا فالحرية العامة على أن تكون محدودة من كل جهاتها بالشعر، ~~وعلى أن يكون الشعر محدودا بالطبيعة والطبيعة محدودة بالله، فينتزع النوم ~~من الأرض لتتصل اليقظة بالحلم ... من طريق غير النوم. # قال شيطان طاغور: ثم ابتأس طاغور وقال: كل ذلك مستحيل أو كالمستحيل ولكنه ~~في الأمل ممكن أو كالممكن؛ وللفظ معنيان: أحدهما ما يكون، والثاني ما يحسن ~~أن يكون؛ ذلك لا بد له منا؛ لأنه جانب النظام الإلهي، وهذا لا بد لنا منه؛ ~~لأنه جانب الخيال الإنساني؛ ذلك من الطبيعة التي تعمل ولا تتكلم، وهذا من ~~الشعر الذي يتكلم ولا يعمل. آه آه! إنما السلام العام أن يكون الوجود شركة ~~إلهية إنسانية برضى واتفاق بين الطرفين ... ولعمري إن كل المستحيلات ممكنة ~~بالإضافة إلى هذا المستحيل. ثم تبسم طاغور إذ خطر له أنه شاعر عليه أن يصف ~~الوردة ويقول فيها ما يجعلها بيت شعر في كتاب الطبيعة له # PageV03P226 # وزن ونغم، ولكن على الطبيعة قبل ذلك أن تنبتها ناضرة عطرة جميلة تتميز عن ~~غيرها برائحة ولون وشكل. # قال ms786 شيطانه: ولما انتهى من تأمله إلى هذه الخاطرة قدمت له سيدة هندية ~~عقود الزهر، وبينا هي تقلده إياها قال في نفسه: إن هذه الأزهار من معاني ~~الماء العذب؛ فإذا انطلقنا في أوهامنا وراء الحب العام والسلام العام فلمن ~~تكون معاني الماء الملح، وهو ثلاثة أرباع الأرض، ومن أزهاره الأسطول ~~الإنجليزي. # حدثني شيطاني قال: حدثني شيطان طاغور قال: ولما استقر طاغور في قصر شوقي ~~بك ورآه في مثل حسن الدينار ونقشه ونفاسته، قال: لا جرم هذه أمة أغنت ~~شاعرها، فما أخطئ التقدير، وإن أخطأته فلا أبعد عن المقارنة إذا حسبت أن ~~هذا الشاعر يطبع لهذه الأمة نصف مليون نسخة من كل ديوان شعر أو دفتر حكمة ~~أو كتاب قصة، وليتني أعرف العربية لأعرف كيف يبدع هذا الشعب فلسفته في ~~أغانيه المتصلة بغيوم السماء المتكلم بأحسن وأطهر ما يمكن أن يكون ترجمة ~~للحقيقة الخالدة التي يتوارثها شعب خالد. # الشعر فكرة الوجود في الإنسان، وفكرة الإنسان في الوجود، ولا يكفي أن ~~يخلق هذا الإنسان مرة واحدة من لحم ودم، بل لابد أن يخلق مرة أخرى من معان ~~وألفاظ، وإلا خرج حيوانا أعجم؛ فالشاعر يبدع أمة كاملة، إن لم يخلقها فإنه ~~يخلق أفكارها الجميلة وحكمتها الخالدة وآدابها العالية وسياستها الموفقة ~~وما أحسب النهضة المصرية إلا بالأغاني والأناشيد، فتأتي من انجلترا جنود ~~وتخرج لها من دور الغناء والتمثيل جنود أخرى؛ لقد كنت ملهما حين قلت مرة: ~~"إن الله يخاطب الناس عن طريق الموسيقى"*. # نعم عن طريق الموسيقى، فكل شيء هو موسيقى في نفسه حتى حين يتطاحن الناس ~~ويذبح بعضهم بعضا، فإن صلصلة الأسلحة ودوي القنابل وأزيز الرصاص وتصايح ~~الجند -كل ذلك لحن أعده الله جلت قدرته "وموسيقاه" ... لجنازات الأمم. # حدثني شيطاني قال: حدثني شيطان طاغور قال: ولما رأى طاغور الأستاذ ~~PageV03P227 # الفاضل مدير الجامعة المصرية -وهي التي دعته إلى إلقاء محاضرته- قال: نعم ~~وحبا وكرامة، إنه لا يستقيم في العقل أن تدعو هذه الجامعة شاعرا روحانيا ~~مثلي إلا وهي فلك نير يعده الله من نجومه، وما أحسب ms787 أستاذ آدابها العربية ~~إلا تلك الذرة اللؤلؤية التي كانت تجاورني في طينة الخلق الأزلية، فلو أن ~~الذرات الثماني التي كانت حولنا خلقت في عصرنا هذا وتوزعت على الأمم ~~الفلسفية لكنا وإياها كوصايا الله العشر في هذا العصر المادي ... ولملأنا ~~طياتها إيمانا بالله، ولصار الله -تعالى- في أرضه عشر آلات سماوية لاسلكية ~~بينه وبين الخلق، تباهي الجامعة المصرية بأن فيها إحداها ... لقد نغص علي ~~هذه الشيخوخة أني لم أتعلم العربية، وكيف لي بأن أرتل أناشيد أستاذ الآداب ~~في الجامعة المصرية لأستمتع بألحانه السماوية في شعره وأغانيه، وأسمع ~~الملائكة من هذه المئذنة الإنسانية في الجامعة تهتف بكلمة الإسلام الرهيبة ~~صارخة بحقيقة الوجود في الوجود: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا ~~الله ... # قال شيطاني: وكان شيطان الدكتور طه حسين أستاذ الجامعة حاضرا معنا، فلما ~~ألم بما في نفس طاغور قال لي: حقا إن من الخير أن لا يعرف هذا الهندي اللغة ~~العربية؛ لأنه لو عرف اللغة العربية لما أرضته اللغة العربية ولا أداب ~~اللغة العربية ولا أستاذ آداب اللغة العربية! فقلت: اسكت ويحك ودع الرجل في ~~أحلامه، ولا تكن غيمة سمائه المشرقة؛ أما تراه يحلم، أما سمعته يقول: ~~"والحقيقة من حيث هي جمال ليس يعدله جمال؛ ألست ترى إلى صورة هذه المرأة ~~العجوز أبدعها فنان ماهر، إنك تنظر إلى الصورة فتقر بجمالها، ولكن المرأة ~~العجوز التي فيها ليست على شيء من الجمال؛ لكنما جمال الصورة أنها تمثل هذه ~~المرأة العجوز على حقيقتها*"، فهذه كلمات في سبحات النور، وهي من لغة ~~السماء ذات الكواكب لا من لغة النفس ذات العواطف؛ وإلا فهل يصح في العقل أن ~~تصوير العجوز التي اضطرب ميزان الخلق فيها حتى لا يزن منها إلا بقايا ~~الخلقة وأنقاض العمر وخرائب المرأة ... يكون بما يظهر من شوهتها وتهدمها ~~وتشنن جلدها وموت ظاهرها -جمالا في الصورة؛ لأنه قبيح في الأصل؟ أفليس لو ~~كان PageV03P228 # ذلك صحيحا لملئت المتاحف والقصور بألواح العجائز، ولما بقيت على الأرض ~~عجوز إلا ذهبت لأحد المصورين تقول له: ms788 اخلقني! ... # حدثني شيطان قال: حدثني شيطان طاغور قال: وكان طاغور رطب اللسان في ~~محاضرته كأن غابة من غابات الهند أمدته بكل ما اعتصرته الشمس فيها ماء ~~وحياة ونضرة، فهو في كلامه ومعانيه ورق وزهر ونسيم وظل وحفيف وتغريد، يسحر ~~الناظر؛ إذ لا يرى الناظر شكله الإنساني فيه، بل يراه شيئا من خياله كأنما ~~انفصل منه فتمثل بشرا سويا، ولو أنك اطلعت يوما في المرأة فإذا خيالك فيها ~~يكلمك ويستأنسك ويطلف لك، لما أدهشك من ذلك ولا أطربك ولا استخرج من عجبك ~~وذهولك إلا كالذي يعتري نفسك حين يكلمك طاغور؛ وتراه يستخلص آراءه المتصرفة ~~بكلامه من روح النواميس الإلهية المدبرة للكون، فتحسه يضيق إليك زيادة ليست ~~فيك؛ فمما كبرت به تصغر نفسك عندك بين يديه؛ ثم هو يتصل بروحك مرة في جلال ~~حب الأب لطفله، ومرة في رقة فرح الطفل بأبيه؛ فإذا أنت منه بموقف عجيب من ~~معجزة إنسانية تروعك بطفل شيخ قد اجتمع فيه طرفا العمر وجاء كأنه مظهر روحه ~~التي لا عمر لها. # إنسان كهربائي يحاول أن يزيد في تركيب الناس عظمة من حديد أو عصبا من ~~سلك؛ لتصل بهم جميعا تلك الشعلة الطائفة؛ فإذا هم خلق آخر كأهل الجنة: ~~{يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم} [الحديد: 12] ؛ ولكنه بصر وهو خارج من ~~المسرح بإعلان السيما التي تجاوره وما عليه من التصاوير والتهاويل، فقال في ~~نفسه: بعد قليل تجيء إلى هنا لندن وباريس ونيويورك وغيرها من أرض الله ~~بناسها وحيوانها ونباتها، يراها الجالسون رأي العين ويتصلون بها اتصالا ~~بعيدا لا يجعلهم فيها ولكنه لا يخليهم منها؛ ويجب لعمران هذه الأرض أن يبقى ~~أهل مصر في مصر فلا يدعوها جميعا؛ ليتصلوا جميعا بما تشتاقه أنفسهم من ~~باريس أو غير باريس من حقائق العالم الكبرى، ولا يحسن هذا الاتصال إلا إذا ~~خص ولم يعم، فيقوم به الواحد والاثنان والجماعة وتبقى الأمة بما هي وكما ~~هي؛ لأنها بذلك وحده أمة، كما أن الناس بطبائعهم ناس، والكون باختلافه كون، ~~فهيهات هيهات الحب العام والسلام العام ms789 والاتصال العام بالحقيقة الروحية ~~العليا. ثم تبسم وقال: ما أشبهني بهذه السيما، غير أن شريطي لا يرى فيه ~~الناس رواية من لندن وباريس، بل رواية وقعت حوادثها في جنة الخلد ... # PageV03P229 ### | فلسفة القصة ولماذا لا أكتب فيها # ... ؟ * # لم أكتب في القصة إلا قليلا، إذا أنت أردت الطريقة الكتابية المصطلح على ~~تسميتها بهذا الاسم، ولكني مع ذلك لا أراني وضعت كل كتبي ومقالاتي إلا في ~~قصة بعينها، هي قصة هذا العقل الذي في رأسي، وهذا القلب الذي بين جنبي ... # أنا لا أعبأ بالمظاهر والأغراض التي يأتي بها يوم وينسخها يوم آخر، ~~والقبلة التي أتجه إليها في الأدب إنما هي النفس الشرقية في دينها ~~وفضائلها، فلا أكتب إلا ما يبعثها حية ويزيد في حياتها وسمو غايتها، ويمكن ~~لفضائلها وخصائصها في الحياة؛ ولذا لا أمس من الآداب كلها إلا نواحيها ~~العليا؛ ثم إنه يخيل إلي دائما أني رسول لغوي بعثت للدفاع عن القرآن ولغته ~~وبيانه، فأنا أبدا في موقف الجيش "تحت السلاح": له ما يعانيه وما يكلفه وما ~~يحاوله ويفي به، وما يتحاماه ويتحفظ فيه، وتاريخ نصره وهزيمته في أعماله ~~دون سواها؛ وكيف اعترضت الجيش رأيته فن نفسه، لا فنك أنت ولا فن سواك؛ إذ ~~هو لطريقته وغايته وما يتأدى به للحياة والتاريخ. # ألا ترى أن تلك الروايات توضع قصصا، ثم تقرأ فتبقى قصصا؟ وإن هي صنعت ~~شيئا في قرائها لم تزد على ما تفعل المخدرات؛ تكون مسكنات عصبية إلى حين، ~~ثم تنقلب هي بنفسها بعد قيل إلى مهيجات عصبية؟ # وأنا لا أنكر أن في القصة أدبا عاليا، ولكن هذا الأدب العالي في رأيي لا ~~يكون إلا بأخذ الحوادث وتربيتها في الرواية كما يربي الأطفال على أسلوب ~~سواء في العلم والفضيلة؛ فالقصة من هذه الناحية مدرسة لها قانون مسنون، ~~وطريقة ممحصة، وغاية معينة؛ ولا ينبغي أن يتناولها غير الأفذاذ من فلاسفة ~~الفكر الذين تنصبهم PageV03P230 # مواهبهم لإلقاء الكلمة الحاسمة في المشكلة التي تثير الحياة أو تثيرها ~~الحياة؛ والأعلام من فلاسفة البيان الذين رزقوا من أدبهم ms790 قوة الترجمة عما ~~بين النفس الإنسانية والحياة، وما بين الحياة وموادها النفسية في هؤلاء ~~وهؤلاء، تتخيل الحياة فتبدع أجمل شعرها، وتتأمل فتخرج أسمى حكمتها، وتشرع ~~فتضع أصح قوانينها. # وأما من عداهم ممن يحترفون كتابة القصص، فهم في الأدب رعاع وهمج، كان من ~~أثر قصصهم ما يتخبط فيه العالم اليوم من فوضى الغرائز، هذه الفوضى الممقوتة ~~التي لو حققتها في النفوس لما رأيتها إلا عامية روحانية منحطة تتسكع فيها ~~النفس مشردة في طرق رذائلها. # إذا قرأت الرواية الزائفة أحسست في نفسك بأشياء بدأت تسفل، وإذا قرأت ~~الرواية الصحيحة أدركت من نفسك أشياء بدأت تعلو، تنتهي الأولى فيك بأثرها ~~السيئ، وتبدأ الثانية منك بأثرها الطيب؛ وهذا عندي هو فوق ما بين فن القصة ~~وفن التلفيق القصصي!!. # PageV03P231 ### | شعر صبري # *: # في الحادي والعشرين من شهر مارس من سنتنا1 هذه نزع الشعر العربي عن رأسه ~~عمامة المشيخة ونشرها للموت، فكانت الكفن الذي طوي فيه بقية شيوخ الأدب: ~~المرحوم إسماعيل باشا صبري. # كان -رحمه الله- من الرجال الذين نشأوا في تاريخ لا ينشئ رجلا، وجاءوا في ~~غير زمنهم ليجيء بهم زمنهم بعد؛ وهؤلاء إن لم يكن فيهم قوة أكبر من القوة، ~~فهم أقدار وأحداث تولد وتنشأ وتنمو في أسلوب إنساني؛ ليتم بها شيء كان ~~نقصا، ويحسن شيئا كان هجنة، ويوجد أمرا كان عدما؛ ثم ليكون للزمن منها حدود ~~يبدأ عند الواحد منها فيتغير فيه ويتحول به ويخرج معه في بعض معانيه زمنا ~~جديدا في رجل جديد. # كذلك كان صبري في منحى من مناحي الشعر، وكان البارودي -رحمهما الله- في ~~منحى آخر؛ فهما طرفا المحور الذي استدار عليه هذا الفلك ليبدأ بعد تاريخه ~~الميت تاريخا حيا، وليخرج من الجو القاتم في أعراض الأرض إلى الفضاء المشرق ~~بمعاني السماء، ثم لينفض عنه في مهب الرياح العلوية ما لصق به من طباع أهله ~~وأخلاقهم، ويغلق بها ما فتح الزمن عليهم من أبواب هذه الحرفة، فكان الشعر ~~في حاجة إلى رجل كالملك، فأصاب رجلين؛ وعلم الله ما رأيت في كل من رأيتهم ms791 ~~من الشعراء نفسا تعد معهما، ولا خلقا يجري في أخلاقهما، ولا ظرفا ولا رقة ~~ولا أدبا ولا شيئا يصلح أن يكون شرحا منهما أو توكيدا لشيء فيهما أو تقوية ~~لمعنى من معانيهما، كأنما وجدا ليكون أحدهما مبدأ والآخر نهاية، ولينفردا ~~انفراد الطرفين من المسافة بالغة ما بلغت. # كان الشعر لعهدهما بقية رثة في معرض خلق مما كان يسميه أدباء الأندلس ~~بالأغراض المشرقية وطريقة المشارقة، وهم يعنون بذلك الصناعة والتكلف للبديع ~~PageV03P232 # والانصراف إلى اللفظ واستكراهه على الوجه الذي أرادوا، إلى ما يتشعب من ~~ذلك ويخرج أو يدخل في بابه؛ وقد كان هذا ومثله مما يساغ ويحتمل في القرن ~~الثامن وأكثر التاسع للهجرة، ثم في أيام بعد ذلك؛ غير أنه بلي وتهتك في مصر ~~خاصة ولم يبق منه إلى منتصف القرن الثالث عشر إلا رقع وخيوط في قصائد ~~ومقاطيع. # ثم كان أكثر الشعراء يومئذ إنما يحترفون فن الأدب صناعة كسائر المهن ~~والصناعات التي بها قوام العيش لهؤلاء المستأكلين والمتكسبين من السوقة ~~والمرتزقة. # ظهر البارودي ونبغ في شعره قبل أن يقول صبري الشعر بسنوات، ولكن الأدب ~~الفارسي والجزالة العربية هما اللذان تحولا فيه؛ ثم نبغ صبري بعد ذلك بزمن، ~~فتحول فيه الأدب الإفرنجي والرقة العربية؛ وهذا موضع التفاوت في شعر ~~الرجلين اللذين اقتنصا الخيال الشعري من طرفي الأرض، وكلاهما يذهب مذهبا ~~ويرجع إلى طبع ويروض شعره على وجه؛ فالبارودي يستجزل ويجمع إلى سبكه الجيد ~~قوة الفخامة وشدة الجزالة، ثم يعترض الخيال من حيث يهبط على النفس في ممر ~~الوحي؛ وصبري يسترق ويضيف إلى صفاء لفظه جمال التخير وحلاوة الرقة، ويعارض ~~الفكر من حيث يتصل بالقلب؛ والبارودي لا يرى إلا ميزان اللسان يقيم عليه ~~حروفه وكلماته، وصبري لا يرى إلا ميزان الذوق الذي هو من وراء اللسان؛ وقد ~~يسرت لكليهما أسباب ناحيته في أحسن ما يتصرف فيه؛ فجاء البارودي حافظا كأنه ~~مجموعة من دواوين العرب والمولدين، وجاء صبري مفكرا كأنه مجموعة أذواق ~~وأفكار؛ وهما يشتركان معا في التلوم على صنعة الشعر والتأني في عمله ms792 ~~وتقليبه على وجوه من التصفح، وتمحيصه بالنقد والابتلاء لفظا لفظا وجملة ~~جملة، ثم مطاولة معانيه ومصابرتها كأنما ينتزعان محاسنها من أيدي الملائكة؛ ~~وأنا أعرف ذلك فيهما؛ وقال لي صبري باشا مرة وقد جاريته في بعض هذا المعنى: ~~إنه يعلم هذا من البارودي ومن نفسه. قلت: أفيبلغ به ذلك أن يمحو بياض اليوم ~~في سواد بيت واحد؟ قال: وفي سواد شطرة أحيانا! وليس ينقصهما هذا الأمر ~~شيئا، فإن خبر زهير في حولياته معروف، وقد عمل سبع قصائد في سبع ستين: يحوك ~~القصيدة منها في سنة. # ونقلوا عن مروان بن أبي حفصة أنه قال: كنت أعمل القصيدة في أربعة أشهر، ~~وأحككها في أربعة أشهر، وأعرضها في أربعة أشهر، ثم أخرج بها إلى الناس؛ ~~فقيل هذا هو الحولي المنقح. # PageV03P233 # كان مرجع البارودي إلى الحفظ، فنبغ في وثبات قليلة؛ أما صبري فاحتاج إلى ~~زمن حتى استحكمت ناحيته وآتته أسبابه على الإجادة، لأن مرجعه إلى الذوق، ~~وهذا يكتسب بالمران وينضج عند نضوج الفكر ولا يأتي بالماء والرونق حتى تأتي ~~له أسباب كثيرة؛ وأنت تعرف ذلك في الرجلين من أوائل شعرهما، فقد رثى ~~البارودي أباه في سن العشرين بأبياته الدالية الشهيرة التي مطلعها: # لا فارس اليوم يحمي السرح بالوادي ... طاح الردى بشهاب الحي والنادي # وهي ثمانية عشر بيتا، وجيدها جيد، وكأنها خرجت من لسان أعرابي؛ وإنما ~~جاءته من صنعة الحفظ، كالذي اتفق للشريف الرضي في أبياته الخائية التي كتب ~~بها إلى أبيه وعمره أربع عشرة سنة، وكان أبوه معتقلا بقلعة شيراز ومطلعها: # أبلغا عني الحسين ألوكا ... إن ذا الطود بعد بعدك ساخا # والشهاب الذي اصطليت لظاه ... عكست ضوءه الخطوب فباخا # هذا على أن البداية كما يقال مزلة؛ وقد وفقنا إلى الوقوف على أول ما نشر ~~من شعر صبري باشا، وذلك قصيدتان نشرتا في مجلة روضة المدارس في مدح إسماعيل ~~باشا، فنشرت الأولى في العدد الصادر في غاية شوال سنة 1287 للهجرة -1870 ~~للميلاد؛ ونشرت الثانية في عدد شهر ربيع الآخر من سنة 1288ه 1871م؛ وبينهما ~~خمسة ms793 أشهر، كانت وثبته فيها ضعيفة متقاصرة، مما يدل على بطء نضجه بطبيعة ~~الأسباب التي تسبب بها إلى الشعر؛ وكانت الروضة يومئذ تنشر لطائفة من فحول ~~دهرهم: كالسيد صالح مجدي، ورفاعة بك رافع، ومحمد أفندي قدري "ونابغة الزمان ~~محمد أفندي رضوان"، وغيرهم. وكانت تستقبل قصائدهم بسجعات داوية مفرقعة، هي ~~لذلك العهد أشبه الأشياء بطلقات مدافع التحية للملوك والأمراء؛ فلما نشرت ~~لصبري قالت في القصيدة الأولى: تهنئة بالعيد الأكبر للخديوي الأعظم بقلم ~~إسماعيل صبري أفندي". وقالت في الثانية: "قصيدة رائية في مدح الحضرة ~~الخديوية من نظم الشاب النجيب إسماعيل صبري أفندي من تلامذة مدرسة ~~الإدارة". ومطلع القصيدة الأولى: # سفرت فلاح لنا هلال سعود ... ونما الغرام بقلبي المعمود # ولا شيء فيها أكثر من حروف المطبعة ... ومطلع الثانية: # أغرتك الغراء أم طلعة البدر ... وقامتك الهيفاء أم عادل السمر # PageV03P234 # وفي هذه القصيدة بيت وقفت عنده أرى صبري باشا في صبري أفندي كأنه خيال ~~مولود يستهل، وذلك قوله: # فطول من الهجران عل وقوفنا ... طول معا -يا قاتلي- ساعة الحشر # ويكاد هذا البيت يكون أول انقلاب للفكرة فيه: وهو غريب، والتأمل فيه ~~أغرب، ولكنه يدل على خيال سيثب يوما على أقطار السموات. # وفي ذلك الزمن عينه كان البارودي شهابا يتلهب، وكان قد بلغ مبلغه واستجمع ~~أسباب نهايته، بل هو نظم قبل ذلك بست سنوات قصيدته الشهيرة: # أخذ الكرى بمعاقد الأجفان ... وهفا السرى بأعنة الفرسان # فلم يكن ليذهب وجه الشعر عن صبري، ولم يكن ليغضي عند احتذاء هذه الصنعة ~~البارعة ويأخذ في غيرها لولا أن فيه طبعا مستقلا يذهب إلى كماله في أسلوب ~~آخر كأسلوب كل زهرة في غصنها؛ وأخص أحوال صبري أنه لم يرد أن يكون شاعرا ~~فجاء أكبر من شاعر، وكان السبب الذي صرفه من ناحية هو نفسه الذي جاء به من ~~ناحية أخرى. # ينبغ الشاعر بأربعة أشياء لا بد منها: طريقة الدرس التي عالج بها الشعر، ~~وكتب هذه الطريقة، والرجال الذين هم أمثلتها في نفسه، ثم ... ويالله من ~~"ثم" هذه، فهي اللمحة السماوية التي تشرق على ms794 فؤاد الشاعر من وجه جميل، ~~والثلاث الأولى تنشئ نبوغا معروفا في نوعه ومقداره، ولكن الأحيرة هي طريق ~~القدر التي لا يعرف آخرها؛ وإذا تجددت في حياة الشاعر أو اتصلت تجدد بها ~~نبوغه أو اتصل، فعلى قدر ما يحب تحبوه السماء من أسرار الجمال، وهي نفسها ~~أجمل أسباب الشعر وأجمل معانيه وأجمل غاياته، فهي هي المادة التي تؤلف بين ~~نفس الشاعر وبين معنى الجمال الشعري في هذا الكون كله؛ وإذا أنت نزعت ~~النظرة والابتسامة -وهما عنصرا تلك المادة- من حياة الشاعر، نزعت الحياة ~~نفسها في شعره فما يبقى منه إلا أنه مقبرة للألفاظ والمعاني، وتسمع شعره ~~فلا تجزيه به أحسن من قولك: يرحمك الله ... وصبري لم يدرس الشعر في الكتب ~~أكثر مما درسه في الوجوه والعيون، وقد عالج هذا الشعر في بدايته ليتأتى ~~إليه من طرقه البعيدة؛ أما الرجال الذين كانوا أمثلته فكانوا رجال الظرف ~~والرقة والنكتة المصرية الشهيرة التي انفرد بها الطبع المصري ونص عليها ~~علماء البلاغة، كالسكاكي # PageV03P235 # وغيره؛؛ بل كان عصره كله عصر هذه النكتة، فتحولت في طبعه الرقيق المبتكر ~~تحولا رقيقا أرجعها إلى الظرف المحض الذي اجتمعت فيه كل طباعه كما يجتمع ~~السحاب من الماء. # ولقد كان في شعره أحق الناس بقول ابن سعيد المغربي: # أسكان مصر جاور النيل أرضكم ... فأكسبكم تلك الحلاوة في الشعر # وكان بتلك الأرض سحر فما بقي ... سوى أثر يبدو على النظم والنثر # وإني لأعلم أنه كان دائم الحب: يمزج ذكرى ماضيه بحاضره فيخرج منهما حبا ~~جديدا؛ وكان الرجل كأنه مجروح القلب، فلا يزال يئن حتى في بعض أنفاسه؛ إذ ~~يرسل النفس الطويل بين هنيهة وأخرى، وكأنه يريد أن يطمئن أن نفسه فيه، أو ~~أن شيئا باقيا في نفسه؛ وتلك همهمة لا تكون في شاعر من الشعراء بغير معنى. # كانت النظرة والابتسامة تتمثل له حيث شاء وتعترضه حيث أراد أن يراها، ~~فيجد في كل شيء روحا من الشعر، ويقرأ لمحاتها متى التمعت، وكان يعيش في ذات ~~نفسه كأنه معنى في قصيدة هو أمير أبياتها. # فشاعرنا ms795 هذا أخرجه اثنان: الظرف والجمال؛ وهذا سر إبائه أن يعد من ~~الشعراء؛ لأنه أرفع من أن يدخل بينهم في هذه المحنة والبلوى التي ابتلوا ~~بها ... # ولقد هم صبري في أواخر عمره بمحو شعره لو أنه كان في منال يده على أنه ~~محا منه بإهماله أكثر مما أثبت؛ وعلمت منه أنه لم يدون شيئا، وأنه ينسى متى ~~انتهوا إلى التحقيق رأوا عمرهم كله بداية ورأوا ما فعلوا باطلا فغسلوا ~~كتبهم أو أحرقوها، ولكنا لم نعرف هذه الطبيعة في شاعر بعد عصر الكتابة ~~والتدوين، وإن كان بعضهم يأنف لنفسه أن يعد من الشعراء وهو مع ذلك يجمع يده ~~على شعره، كالشريف الرضي الذي يقول: # ما لك ترضى أن تعد شاعرا ... بعدا لها من عدد الفضائل # ويقول في مدح أبيه: # إني لأرضى أن أراك ممدحا ... وعلاك لا ترضى بأني شاعر # ومثله أبو طالب المأموني وآخرون يدعون ذلك دعوى وفي ألسنتهم ما ليس في ~~قلوبهم. # PageV03P236 # ولإفراط صبري في الظرف والجمال وقيام شعره على هذين الركنين، جاء مقلا من ~~أصحاب القصار، وزاد إقلاله في قيمة شعره، فخرجت مقاطيعه مخرج الشيء الطريف ~~الذي يتعجب منه في وجوده أكثر مما يتعجب منه لقلة وجوده؛ وبذلك ربح تعب ~~المكثرين والمطيلين؛ إذ كان لا يقول إلا فيما تؤاتيه السجية وينزع الطبع، ~~فيدنو مأخذه ويكثر بقليله ويرمي منه بمثل الحجة والبرهان، فيطمس بهما على ~~كلام طويل وجدل عريض. # ولا يعيب المقل أنه مقل إذا كثرت حسناته، بل ذلك أعون له على القلوب ~~والنفوس إذا أصابت في شعره ما يغريها بطلب المزيد منه؛ وقد عدوا بين ~~المقلين في الجاهلية: طرفة بن العبد، وعبيد بن الأبرص، وعلقمة الفحل، وعدي ~~بن زيد، وسلامة بن جندل، وحصين بن الحمام، والمتلمس، والحارث بن حلزة، وابن ~~كلثوم، وغيرهم أتينا على أسمائهم في الجزء الثالث من "تاريخ آداب العرب"؛ ~~ومن أولئك من يعرف بالقصيدة الواحدة: كطرفة، ومنهم من يعرف بثلاث قصائد: ~~كعلقمة، أو بأربع: كعدي بن زيد؛ ومنهم من يعرف بالأبيات المتفرقة، ولا عبرة ~~بما ينسب إليهم ms796 عند غير المصححين وأهل التحقيق، فإن الحمل على شعراء ~~الجاهلية كثير؛ وقد يعرفون الشاعر بالبيت الفرد؛ لأن العرب إنما يعتبرون ~~الشعر بمقدار ما يحرك من ميزانه الطبيعي الذي هو القلب، لا بالطول ولا ~~بالقصر، وقد قالوا في بيت النابغة: # ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث؛ أي الرجال المهذب؟ # إنه لا نظير له في كلام العرب؛ وما ذلك إلا على الاعتبار الذي أشرنا ~~إليه. وكانوا يسمون البيت الواحد: يتيما، فإذا بلغ البيتين والثلاثة فهي ~~نتفة، وإلى العشرة تسمى قطعة، وإذا بلغ العشرين استحق أن يسمي قصيدا. # وكان من الشعراء من يعتمد أن لا يجيء في شعره الجيد بغير البيتين ~~والثلاثة إلى القطع الصغيرة، كشاعرنا صبري باشا؛ ومنهم عقيل بن علقمة: كان ~~يقصر هجاءه ويقول: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق. ومنهم أبو المهوس، ~~وكان يحتج لذلك بأنه لم يجد المثل النادر إلا بيتا واحدا، ولم يجد الشعر ~~السائر إلا بيتا واحدا؛ ومنهم الجماز: قال له بعضهم وقد أنشده بيتين: ما ~~تزيد على البيت والبيتين؟ فقال: أردت أن أنشدك مذارعة؟؟ وابن لنكك المصري، ~~وابن فارس، ومنصور الفقيه الذي كان يقال فيه: إذا رمح بزوجيه قتل. ولا ~~نستقصي في هذا فلندعه فإن له موضعا. # غير أن صبري كان له مع جودة المقاطيع جودة القصيد إذا قصد، كقوم # PageV03P237 # عرفوا بذلك في التاريخ، منهم العباس بن الأحنف وسواه، وكان من أسباب ~~إقلاله ما أعلمني به من أن طريقته في أكثر ما ينظم معارضة معنى يقف عليه، ~~أو تضمين حكمة، أو ضرب مثل على طريقة النظر والملاحظة، أو تدوين خطرة عرضت ~~له، أو لمحة أوحيت إليه؛ وهو ينزل في ذلك على النصفة والمعدلة فلا ينتحل ~~شيئا ليس له، بل يدلك بنفسه على الأصل الذي منه أخذ أو المثال الذي عليه ~~احتذى. # قال لي مرة: إن البستاني عقد حكمة فارسية في قوله: # قضيت إلهي بالعذاب فيا ترى ... بأي مكان بالعذاب تدين # وليس عذاب حيثما أنت كائن ... وأي مكان لست فيه تكون؟ # ثم قال: فأخذت من هذا ms797 المعنى وقلت: # يا رب أين ترى تقام جهنم ... للظالمين غدا وللأشرار # لم يبق عفوك في السموات العلى ... والأرض شبرا خاليا للنار # يا رب ألهني لفضلك واكفني ... شطط العقول وفتنة الأفكار # ومر الوجود يشف عنك لكي أرى ... غضب اللطيف ورحمة الجبار # يا عالم الأسرار حسبي محنة ... علمي بأنك عالم الأسرار # والفرق بين الشعرين أن البستاني جاء بكلامه على طريقة المتصوفة التي ~~يسمونها طريقة أهل التحقيق، كابن العربي والششتري؛ وأما صبري فانظر كيف ~~استوفى وكيف لاءم وكيف امتلأت أعطاف شعره. وقد يأخذ المأخذ الدقيق الذي لا ~~ينتبه له إلا المطلع الحاذق بصناعة الكلام، كقوله: # إذا ما صديق عقني بعداوة ... وفوقت يوما في مقاتله سهمي # تعرض طيف الود بيني وبينه ... فكسر سهمي فانثنيت ولم أرم # فهذا ينظر إلى قول الحارث بن وعلة: # قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي # ولكنه ليس بذاك؛ فإن أساس المعنى قوله: "تعرض طيف الود بيني وبينه" وهو ~~من قول العباس بن الأحنف: # وإذا ما مددت طرفي إلى غي ... رك مثلت دونه فأراكا # فتأمل كيف أبدع في انتزاع المعنى وكيف جعل له معرضا جديدا وكيف أداه أحسن ~~تأدية في ألطف وجه كأنه شيء مخترع. # PageV03P238 # ومن شعره السائر قوله في العناق وتلازم الحبيبين: # ولما التقينا قرب الشوق جهده ... شجيين فاضا لوعة وعتابا # كأن صديقا في خلال صديقه ... تسرب أثناء العناق وغابا # وهذا المعنى على إبداعه فيه متداول، وأصله لبشار -أظن- في قوله1: # وبتنا جميعا لو تراق زجاجة ... من الخمر فيما بيننا لم تسرب # فأبدع صبري في أخذه وجعل من هذه الزجاجة المنصدعة جوهرة تتألق؛ على أني ~~لا أستحسن قوله: "كأن صديقا ... " فما هذا بعناق الأصدقاء، ولو كان الصديق ~~راجعا من سفر الآخرة؛ وإذا غاب واحد في الآخر، فالآخر حامل به ... وقد أخذت ~~أنا هذا المعنى منه، ولولاه ما اهتديت إليه، فقلت في ذلك: # ولما التقينا ضمنا الحب ضمة ... بها كل ما في مهجتينا من الحب # وشد الهوى صدرا لصدر كأنما ... يريد الهوى إنفاذ قلب إلى قلب # وأحسن ما تجد ms798 شعر صبري في الغزل والنسيب والوصف والحكمة، فهي عناصر قلبه ~~وذوقه، ولا يتصرف معه أقوى ما يتصرف إلا في هذه الأغراض، ولعله إن جاوزها ~~قصر معه شيئا ما وضعفت أداته ضعفا ما؛ لأنه يكون شاعر الصنعة وهو يأباها ~~ويكره أن يكون شاعرا من أجلها؛ وقلما يجاريه أحد في تلك الأغراض، وهو الذي ~~فتح أبوابها؛ وحسبك أنه المثال الذي احتذى عليه شوقي بك؛ وقد ينقسم المعنى ~~الواحد في رجلين حين يقدر، فإذا لم يوجد أحدهما لم يوجد الآخر، وأنا أرى ~~وأعلم أنه لولا صبري لما نبغ شوقي، وكان هذا يختلف إليه يعرض عليه شعره ~~ويرجع بآثار ذوقه فيه، وكذلك كان يفعل خليفة البارودي حافظ بك إبراهيم، ~~واسترفد شوقي من صبري باشا هذا البيت السائر: # صوني جمالك عنا إننا بشر ... من التراب وهذا الحسن روحاني PageV03P239 # فهو لصبري باشا، والمرافدة سنة معروفة من قديم، وهي غير الانتحال وغير ~~السرقة وما يسمى إغارة وغصبا؛ وقد استرفد النابغة زهيرا ابنه كعبا فرفده، ~~والحكاية في ذلك مشهورة عنه وعن سواه. # ولم يكن في مصر ممن يحسن ذوق البيان وتمييز أقدار الألفاظ بعضها من بعض ~~وألوان دلالاتها كالبارودي وصبري وإبراهيم المويلحي والشيخ محمد عبده، ~~رحمهم الله جميعا؛ والبارودي يذوق بالسليقة، وصبري بالعاطفة، والمويلحي ~~بالظرف، والشيخ بالبصيرة النفاذة؛ وذلك شيء ركبه الله في طبيعة صبري لم ~~يحصله بالدرس أكثر مما حصله بالحس، ومن أجله كان يفضل البحتري على غيره، ~~وهو بلا نزاع بحتري مصر، كما لقبوا ابن زيدون بحتري المغرب؛ وإنك لتجد بعض ~~الألفاظ في شعر الرجل كأنها شعر مع الشعر، فتقف على العبارة منها وقلبك ~~يتنفس عليها كأنها إنما وضعت لقلبك خاصة، فهي تغمز عليه غمزا وكأنها نفثة ~~ملك من الملائكة جاءتك في نفس من أنفاس الجنة. # ويمتاز نسيبه بأنه يكاد يكون في طهارته وعفته ضوءا من جمال الشمس والقمر، ~~وهو عندي أنسب من العباس بن الأحنف الذي صرف كل شعره إلى هذا المعنى؛ ولو ~~أن عصره كان عصر أدب صحيح لأخمل كل شعراء هذا الباب، من ms799 ابن أبي ربيعة إلى ~~طبقة عشاق العرب إلى أئمة الطريقة الغرامية لآخر القرن السابع. # ومن غزله البديع قوله: # يا من أقام فؤادي إذ تملكه ... ما بين نارين من شوق ومن شجن # تفديك أعين قوم حولك ازدحمت ... عطشى إلى نهلة من وجهك الحسن # جردت كل مليح من ملاحته ... لم تتق الله في ظبي ولا غصن # وقوله: # أقصر فؤادي فما الذكرى بنافعة ... ولا بشافعة في رد ما كانا # سلا الفؤاد الذي شاطرته زمنا ... خفق الصبابة فاخفق وحدك الآنا # ويا رحمة الله للقلب الذي يفهم هذا البيت، فإنه ليجن به من يكون فيه ~~استعداد لهذا النوع من الجنون. # ومن قلائده الغرامية قوله: # يا آسى الحي هل فتشت في كبدي ... وهل تبينت داء في زواياها # أواه من حرق أودت بمعظمها ... ولم تزل تتمشى في بقاياها # PageV03P240 # يا شوق رفقا بأضلاع عصفت بها ... فالقلب يخفق ذعرا في حناياها # وله قصيدة "تمثال جمال" وقد نظمها لتنقل إلى الفرنسوية، ومن عيونها قوله: # وابسمي، من كان هذا ثغره ... يملأ الدنيا ابتساما وازدهاء # لا تخافي شططا من أنفس ... تعثر الصبوة فيها بالحياء # راضت النخوة من أخلاقنا ... وارتضى آدابنا حسن الولاء # فلو امتدت أمانينا إلى ... ملك ما كدرت ذاك الصفاء # والشعراء من أول تاريخ الأدب إلى اليوم يقولون في معنى قوله: "لا تخافي ~~شططا" الأبيات، وما منهم من وفق إلى مثل هذا البيت الأخير، وإن كان بعضهم ~~بلغ الغاية، كابن نباتة السعدي والسري الرفاء وغيرهما. # ومن أبدع ما اتفق له في الوصف أبيات في الدواة تخلص في آخرها إلى مدح ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وهو تخلص ليس في الشعر العربي كله مثله في ~~الإبداع وحسن الاختراع، يقول فيها: # أكرمي العلم وامنحي خادميه ... ماءك الغالي النفيس الثمينا # وابذلي الصافي المطهر منه ... لهداة السرائر المرشدينا # وإذا الظلم والظلام استعانا ... يوم نحس بأجهل الجاهلينا # واستمدا من الشرور مدادا ... فاجعليه من قسمة الظالمينا # واقذفي في النقطة التي بات فيها ... غضب القاهر المذل كمينا # ليراع امرئ إذا خط سطرا ... نبذ الحق وارتضى المين دينا # وإذا ms800 كان فيك نقطة سوء ... كونت من خباثة تكوينا # فاجعليها قسط الذين استباحوا ... في السياسات حرمة الأضعفينا # وإذا خفت أن يكون من الصخ ... ر جلاميد ترجم السامعينا # فابخلي بالمداد بخلا وإن أع ... طيت فيه المئين ثم المئينا # فإذا أعوز المداد طبيبا ... يصف الداء دائبا مستعينا # فامنحيه المراد منا وعرفا ... واستطيبي معونة المحسنينا # وإذا مهجة الحمائم أسدت ... نقطة سرها الزكي المصونا # فاجعليها على المودات وقفا ... وهبيها رسائل الشيقينا # PageV03P241 # فإذا لم يكن بقلبك إلا ... ما أعد الإخلاص للمخلصينا # فاجعليه حظي لأكتب منه ... شرح حالي لسيد المرسلينا # هذا والله هو الشعر، وما وفق إلى مثله أحد كائنا من كان في هذا العصر. # ولا نطيل بالنقل من شعره وتتبع أغراضه، فهو كالألماس في الشمس: يشع من كل ~~جهة، ولا يختلف ضوءه إلا في بعض اللون مما يكون الأجمل فيما كله جمال، ويمج ~~من الشعاع ما لا تجد حسنه في الشعاع نفسه، وأحيانا يرق كبعض البلور فيمتص ~~حرارة الشمس ويستوقد بها في ذاته ليضرم ما وراء قلبه، وما وارءه إلا قلوبنا ~~الحزينة.. عليه رحمة الله!. # PageV03P242 ### | حافظ إبراهيم # 1: # فرغت الآن من قراءة شعر حافظ بعد أن لم يعد حافظ بيننا إلا شعره ونثره، ~~وفبالله أحلف ما نظرت في صفحة مما بين يدي إلا وأحسست أن ذلك الشاعر العيظم ~~يقول في بيانه الرائع وصناعته البديعة: أنا هنا! # ولغة هذا الشعر المتدفعة بالحياة كأن كلماتها القوية عروق في جسم حي ~~متوثب لم تخرج عن أن تكون هي العربية المبينة في جزالتها ونصاعتها ودقة ~~تركيبها البياني، ومع ذلك فليس في هذا العصر كله من يكابر أو يماري في أنها ~~هي لغة حافظ وحده، كأنه أرغم التاريخ أن يحتفظ به في أجمل آثاره. # وأنا أعرف في شعره مواضع من الاضطراب والضعف والنقص سأشير إلى بعضها، ~~ولكني على ما أعرفه أجد هذا الشعر كالتيار يعب عبابه لا يبالي ما تناثر منه ~~وما ركد وما وقع في غير موقعه، إذ كانت عظمته في اجتماع مادته لا في أجزاء ~~منها، وفي السر الذي يدفعها ms801 في كل موضع لا في المظهر الذي تكون به في موضع ~~دون موضع؛ فهو أبدا يقول لمن يتصفح عليه أو ينتقده: انظر لما بقي. # ترجع صداقتي لحافظ رحمه الله إلى سنة 1900، أول عهدي بالأدب وطلبه، وقد ~~شهدت من يومئذ بناءه الأدبي عاليا فعاليا إلى الذروة التي انتهى إليها، ~~وأخلص لي ثقته وأصفاني مودته، وكان همك من أخ كريم، وله في نفسي مكان لم ~~ينكره مذ عرفته، ولم يضق بمحبته منذ اتسع لها. وكنت وإياه يرى أحدنا الآخر ~~من هذه اللغة كالجانبين لصورة واحدة: لا يتهيأ في الطبيعة أن يختلفا ~~والصورة بعد قائمة، ولا أن يضطرب ما بينهما والصورة منهما على وزن وتقدير. # ولكن هذا لا يمنعني أن أقرر أنه كان عندي أكبر من شعره -ولعله كذلك عند ~~كل من خلطوه بأنفسهم- فإنه يتعاظمك بنفسه القوية وبالمعنى الذي تحسه في ~~PageV03P243 # العبقري ولا تدري ما هو؛ وذلك من سحر العبقريين وأثرهم في نفس من يتصل ~~بهم، فيتسق لهم أمران من أمر واحد، وحظان بحظ، ونصيبان بنصيب؛ لأن مع ~~الإعجاب بآثارهم إعجابا آخر بالقوة التي أبدعت هذه الآثار؛ ففي ذواتهم ~~المحبوبة يستمر الإعجاب كالسائر على طريق لا موقف عليه، وفي آثارهم يكون ~~الإعجاب في موقف قد انتهت الطريق به، فوقف على حد إن بعد وإن قرب. # لا جرم كان شاعرنا عبقريا عجيب الصنعة قوي الإلهام بليغ الأثر في عصره، ~~يشبه تحولا وقع في صورة من صور التاريخ، ولكنه كذلك في مذاهب من الشعر دون ~~غيرها، فلم يكن معه من التمام في فنون الشعر ما يكون به الشاعر التام أو ~~الأديب الكامل الأداء؛ وكم من مرة كلمته في ذلك ونبهته إلى أنه كالنمط ~~الواحد، وأنه يجب أن يترسل شعره بين النفوس الإنسانية وأغراضها الكثيرة ~~المختلفة، فإذا كانت السياسة من الحياة فليست الحياة هي السياسة، ولا ينبغي ~~أن يكون شعره كله كشمس الصيف، فإن للربيع شمسا أجمل منها وأحب كأنها مجتمعة ~~من أزهاره وعطره ونسيمه. # ولقد كان يفخر بأنه "الشاعر الاجتماعي"، وهذا لقب ميزه به صديقنا ms802 الأستاذ ~~محمد كرد علي أيام كان في مصر قديما، فتعلق به حافظ ورآه تعبيرا صحيحا لما ~~في نفسه وللملكة التي اختص بها، قال لي يوما في سنة 1903: أنا لا أعد شاعرا ~~إلا من كان ينظم في الاجتماعيات، فقلت له: وما لك لا تقول بالعبارة ~~المكشوفة: إنك لا تعد الشاعر إلا من ينظم مقالات الجرائد.. # ولا بد لي أن أبسط هذا المعنى في هذا الفصل، فإنه كان يخيل إلي دائما أن ~~شاعرنا "حافظ" خلق للتاريخ في أصل طبيعته، ثم زيدت فيه موهبة الشعر؛ ليكون ~~مؤرخا حي الوصف بليغ التأثير قوي التصرف؛ ومن ثم جاء أكثر ما نظمه وأساسه ~~التاريخ والسياسة، وصح له بهذا الاعتبار أن يقول إنه الشاعر الاجتماعي، ~~ولكن مادة الشعر غير روح الشعر، فإذا كان في المادة اجتماعي وسياسي فليس في ~~الروح إلا الشاعر على إطلاقه؛ والاجتماعيات ليست كل حقائق الحياة، وهي بعد ~~ذلك معان خاصة محصورة في زمنها ومكانها؛ على أن الحقائق ليست هي الشعر، ~~وإنما الشعر تصويرها والإحساس بها في شكل حي تلبسه الحقيقة في النفس، ~~فالشاعر الاجتماعي شاعر في حيز محدود من وجوه الشعر ومذاهبه، وإذا كان ~~الاجتماع كل شعره فلا يسمى شعره فنا؛ إذ كان الفن إنسانيا وكان شاملا عاما ~~والمقاييس التي يطرد عليها الفن الأدبي لا تكون في الزمن ولا في الموضع، بل ~~في النفس الإنسانية التي لا # PageV03P244 # تخص بوقت ولا مكان، فإذا لم يكن الشعر إنسانيا عاما يولد ك لجيل من الناس ~~فيجده كأنما وضع له وارتهن بأغراضه وحقائقه، فهو شعر "كالأخبار المحلية"، ~~وهذا وجه الشبه بينه وبين ما أشرت إليه آنفا من نظم مقالات الجرائد. # فمقالات الجرائد هذه لا تأتينا بالأشياء التي نحن منها في الإنسانية ~~والطبيعة والجمال وحقائق الحياة والموت، بل التي يكون منها يومنا المرقوم ~~بأنه يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا.. فإذا مات اليوم ماتت الجريدة، ثم ~~تولد ثم تموت، وقد أدرك المتنبي سر الشعر وأنه قائم على تحويل الشعور ~~الإنساني إلى معرفة إنسانية، فخلد شعره، فلا ms803 يمكن أن يمحى من العربية ما ~~بقيت. وهذا على ما يقدح من وجوه الاعتراض والنقص، وعلى أن المتنبي كان ~~ضعيفا في ناحية الجمال والحب ضعفا ظاهرا كضعف شاعرنا حافظ في هذا المعنى، ~~ولكن حكمته الإنسانية ودقة أوصافه وإقامته الفضائل والرذائل في كمالها ~~الفني مقام تماثيل بارعة من الجمال، كل ذلك ترك شعره مستمرا باستمرار ~~الحياة وباستمرار الإنسانية وباستمرار الذوق. # إن هذا الكون مبني في نفسه مما يعلم العلم تركيبه ولا يعلم سر تركيبه إلا ~~الله وحده، ولكنه مبني في أنفسنا من عمل الحواس، ثم من التعليل والتفسير؛ ~~أما الحواس ففي كل حي، لا تخلق بصناعة ولا عمل؛ وأما التعليل والتفسير فهما ~~من صناعة الشاعر والأديب، فكلاهما يخلق لإتمام الخلق في الحقيقة، وهي منزلة ~~لا أدري كيف يمكن أن تمسخ حتى تقتصر على معنى الشاعر الاجتماعي أو السياسي، ~~فترجع به نمطا واحدا، مع أن الآثار الأدبية وفي جملتها الشعر -إن هي إلا ~~قوى الفكرة وإلهام النفس وبصيرة الروح مسجلة كلها في بواعثها وأسبابها من ~~نفس عالية ممتازة؛ وهذه القوى كثيرة التحول، فيجب ضرورة أن تكون آثارها ~~كثيرة التنوع، وتنوع الصور الفكرية في آثار الشاعر أو الأديب ومجيئها ~~متوافرة متتابعة هو معيار أدبه وقياس نبوغه عاليا أو نازلا، ومتبعا أو ~~مبتكرا، وفيما يضيء من نواحيه وما ينطفئ. # على أن شاعرنا الاجتماعي "كما كان يجب أن يوصف -رحمه الله- وإن كان قد ~~نفخ في روح الشعب أنفاسه إلهية، وأحسن في وصف حوادثه وآلامه وعيوبه، وأبلغ ~~البيان في كل ذلك- فإنه نزل في هذه المرتبة عن وضعه الصحيح، فكان في منزلته ~~بمكان الشرطي في الطريق: يقف للجرائم والحوادث، على حين أن مقامه الاجتماعي ~~من الشعب مقام المعلم في مدرسته: يجلس للطباع والأخلاق، ليس الشأن أن تجد ~~في شعر الشاعر حوادث عصره أكثرها أو أقلها، فإن فوق هذه منزلة أعلى منها، ~~وهي أن توجد حوادث # PageV03P245 # النهضة بشعر الشاعر، وأن يكون في شعره العنصر الناري من اللغة الشعبية. # على أن "حافظ" -رحمه الله- أدرك كل هذا في آخر عهده، ms804 فكان يريد أن يميت ~~ديوانه ويستخرج منه جزءا صغيرا يختار فيه ألف بيت ويسقط ما عداها وإن ... ~~وإن كان فيه شعر اجتماعي ... ومع هذا النقص الذي بعثت عليه طبيعة الزمن ~~وطبيعة الشاعر معا، فإن تمام حافظ في مذهبه الاجتماعي الذي نبغ فيه جاء من ~~وراء القوة وفوق الطاقة، لا يجاريه فيه شاعر آخر، بحيث دل على أن النابغة ~~قدر إلهي لا ينقص من عظمته أن يكون حادثة واحدة تدوي دويها في الدنيا، فهو ~~ميسر منذ نشأته لما خلق له من ذلك، فأحكمته المدرسة الحربية، ثم قيده ~~الجيش، ثم تقاذفه السودان، ثم قذف به الظلم، ثم تولاه إمام عصره الشيخ محمد ~~عبده، وهو كذلك في غاياته الوعرة ومقاصده العمرانية ومعاناته لإصلاح- مدرسة ~~حربية وجيش وفلاة، فلم يكن حافظ إلا الصوت الإنساني الذي أعد بخصائصه ~~للتعبير عن حوادث أمته وخصائصها، وكأنه في نقلته من السودان إلى مصر قد ~~انتقل من جيش يحارب الأقوام الأعداء لأمته، إلى جيش آخر يحارب المعاني ~~الأعداء لأمته. # ولد حافظ إبراهيم سنة1871، وكان الكتاب الأول الذي هداه إلى سر الأدب ~~العربي وأرهف ذوقه وأحكم طبيعته، هو كتاب "الوسيلة الأدبية" للشيخ حسين ~~المرصفي، المطبوع في مصر لخمس وخمسين سنة؛ ففي هذا الكتاب قرأ حافظ خلاصة ~~مختارة محققة من فنون الأدب العربي في عصوره المختلفة ودرس ذوق البلاغة في ~~أسمى ما يبلغ بها الذوق، ووقف على أسرار تركيبها، وعرف منه الطريقة التي ~~نبغ بها البارودي، وهي قراءته دواوين فحول الشعراء من العرب ومن بعدهم، ~~وحفظه الكثير منها؛ فبنى شاعرنا من يومئذ قريحته على الحفظ، ولم يزل يحفظ ~~إلى آخر عمره؛ إذ كانت قريحته كآلة التصوير: لا تنبه لشيء إلا علقته وهذا ~~سبب من أسباب ضعف خياله، ولكنه رد عليه من القوة في اللغة ما تناهى فيه إلى ~~الغاية. # واتفق لذلك العهد أن طبعت لزوميات المعري في مصر، فتناولها حافظ واستظهر ~~أكثرها، فكانت باعث ميله ونزعته إلى الشعر الاجتماعي؛ والفرق بين حافظ وبين ~~المعري في الموهبة الفلسفية هو الذي نفذ بالمعري إلى ms805 أسرار كثيرة ووقف ~~بحافظ عند الظاهر وما حوله، يطير هناك ويقع. # وقد كان صاحبنا ضعيف من هذه الناحية، فاستصعبت عليه أسرار واستغلقت أخرى ~~من أسرار الخير والشر في الحياة، والجمال والحسن في الخليقة، والجلال # PageV03P246 # والإبداع في الكون، والإقرار والشك في كل ذلك؛ وقد بلغ المعري من هذا ~~مبلغا لا بأس به، إلا أنه لم يصف كما تصفي الأشياء في عين مبصرة؛ فخبط ~~وخلط؛ ووضع من أغراض نفسه المريضة على الصحيح والمريض جميعا. وتابعه حافظ ~~في طريقة أخرى سنشير إليها بعد. # وفتن شاعرنا بما قرأ في "الوسيلة" من شعر البارودي، فأصبح من يومئذ ~~تلميذه، وسار على نهجه في قوة اللفظ وجزالة السبك ومتانة الصنعة وجودة ~~التأليف على نغم الألفاظ وأجراس الحروف، ولكنه لم يدرك شأو البارودي في ~~ذلك؛ لأن هذا جمع من دواوين الشعراء وكتب الأدب ما لم يتفق لغيره في عصره، ~~وأدخل في شعره أحسن ما صنعت الدنيا في ألف سنة من تاريخ البلاغة العربية؛ ~~ولذا انتقل عنه حافظ إلى طريقة مسلم بن الوليد في التصنيع ولزمها إلى آخر ~~مدته. # وابتدأ يعالج الشعر في السودان وينظم في جنس ما هو بسبيله من وصف الهم ~~المستولي عليه من جميع جهاته؛ إذ كان يتيما فقيرا مشردا، ويرى نفسه شاعرا ~~تصده الحياة عن منزلة الشاعر وعن أمكنة الشعر، كالذي غصب ميراثه من عرش ~~وملك، ونفي إلى غير أرضه، ووضعت روحه بإزاء روح الفقر وقيل لها: عدو ما من ~~صداقته بد. # ثم جاء إلى مصر واتصل بالإمام الشيخ محمد عبده، واستقال من الجيش وفرغ ~~للأدب؛ فبدأ من ثم تكوينه الأدبي المندمج المحكم، أما قبل ذلك إلى سنة 1901 ~~التي طبع فيها الجزء الأول من ديوانه، فكان شعره قليلا ظاهر التكلف، وأكثره ~~يدل على طريقة مضطربة لم تستحكم، وفكر لم ينضج، وموهبة في التوليد الشعري ~~بينها وبين الاستقلال أمد قريب. # ودرس في مدرسة الشيخ محمد عبده من سنة 1899 إلى سنة 1905، وهذا الإمام ~~-رحمه الله- كان من كل نواحيه رجلا فذا، وكأنه نبي تأخر عن زمنه؛ ms806 فأعطي ~~الشريعة، ولكن في عزيمته، ووهب الوحي ولكن في عقله، واتصل بالسر القدسي ~~ولكن من قلبه؛ ولولا هو ولولا أنه بهذه الخصائص، لكان حافظ شاعرا من الطبقة ~~الثانية، فإنه من الشيخ وحده كانت له هذه القوة التي جعلته يصيب الإلهام من ~~كل عظيم يعرفه، وكان له من أثرها هذا الشعر المتين في وصف العظماء والعظائم ~~وهو أحسن شعره. # ولم يجد حافظ من قومه ما يجعله لسانهم حتى تنطقه بالوحي نفسيتهم ~~التاريخية الكبرى، ولا تولاه ملك أو أمير يرغب في أدبه رغبة أديب ملك، أو # PageV03P247 # أديب أمير، ليظهر منه عبقرية جديدة في التاريخ؛ ولا عرف الحب الذي يجعل ~~للشاعر من سحر الحبيب ما يجمع النفسية التاريخية والملكية معا ويزيد ~~عليهما؛ وهذه الثلاثة التي لم تتفق لحافظ، هي التي لا ينبغ الشاعر نبوغا ~~يفرده ويميزه إلا بواحد منها أو باثنين أو بها كلها؛ غير أن "حافظ" وجد في ~~الإمام ما هو أسمى من كل هؤلاء في النفس والجاذبية، وعرف فيه من ذوق الأدب ~~والبلاغة ما لم يعرف شاعر في ملك ولا أمير؛ وقد حضر درسه في المنطق وأسرار ~~البلاغة ودلائل الإعجاز، وخرج منها بذوقه الدقيق وأسلوبه المتمكن، وحضر ~~مجالسه وخرج منها بمواضيعه الاجتماعية وأغراضه الوثابة، وحضر نظرات عينيه ~~وخرج منها بروحانية قوية هي التي تنضرم في شعره إلى الأبد، فحافظ إحدى ~~حسنات الشيخ على العالم العربي، وهو خطة من خططه في عمله للإصلاح الشرقي ~~الإسلامي والنهضة المصرية الوطنية وإحياء العربية وآدابها؛ وإذا ذكرت حسنات ~~الشيخ أو عدت للتاريخ، وجب أن يقال: أصلح وفعل وفعل وفسر القرآن وأنشأ حافظ ~~إبراهيم ... # ومضى شاعرنا موجها بفكرة الإمام وروحه، واستمر في ذلك بعد موت الشيخ كما ~~يستمر النهر إذا احتفر مجراه: لا يستطيع أن يخرج عنه ما دام يجري إلى ~~مقاره. # وكان حافظ في بديعه وصناعته على مذهب مسلم بن الوليد كما قلنا، وهو مثله ~~إبطاء في عمل الشعر، وتلوما على حوكه، وانفرادا بكل لفظة منه، وتقليبا ~~للنظر فيما بين الكلمة والكلمة، واعتبار كل بيت كالعروس: ms807 لها معرض وحلية ~~وزينة؛ فإذا عمل شعرا انبث خواطره في كل وجه، وذهب وراء الألفاظ والمعاني، ~~وترك هاجسه "العقل الباطن"1 يعمل عمله فيما التوى عليه أو استصعب، وهو واثق ~~أنه سينقاد ويتسهل بقوة إن لم تكن فيه الآن فستكون فيه؛ ثم ينظم ما يتسمح ~~إن جاء في موضعه من القصيدة أو في غير موضعه، فلا يتبع فيها نسقا بعينه، ~~وإنما القصيدة عنده كل سيجتمع من بعد، تتهيأ أجزاؤه متسقة ومبعثرة كما يجيء ~~بها الإلهام وأسباب الاتفاق؛ فالقصيدة أولا في أبياتها، ثم تكون أبياتها ~~فيها، أي ثم ترتب الأبيات وتنزل في منازلها، ولا ينظم إلا متغنيا، يروض ~~الشعر بذلك؛ لأن النفس تتفتح للموسيقى فتسمح وتنقاد، وهو يتبع في ذلك طريقة ~~PageV03P248 # معروفة ذكرها ابن حجة الحموي في كتابه "خزانة الأدب"، وهي من وصية أبي ~~تمام البحتري، وكان المتنبي يعمل عليها؛ وبالجملة فإن "حافظ" يرتهن فكره ~~بالقصيدة التي ينظمها ويتوفر عليها وعلى أسبابها، لا كما يفرغ الشاعر ~~للشعر، ولكن كما يتوفر المؤلف العظيم على كتاب يؤلفه، وهو كذلك يبطئ في ~~نثره أكثر مما يبطئ في الشعر، دلني بنفسه رحمه الله على صفحة في الجزء ~~الثاني من ترجمة البؤساء، وقال: إنه ترجمها بخمسة عشر يوما*. # وحضرته مرة يترجم أسطرا من الجزء الأول "في قهوة الشيشة" يخطها في دفتر ~~صغير دون حجم الكف، فاجتمعت له ثلاثة أسطر في ثلاث ساعات، وهذا لا يعيبه ما ~~دام يريد قسط الفن، وما دام يحاول أن يخرج الكلمات من عالمها إلى عالمه هو ~~المتموج من الألفاظ والعبارات بمثل الكواكب في الاستواء والجاذبية والشعاع ~~والرونق والجمال. # ويرى مع الصناعة أن يكون سبك شعره سبك البدوي المطبوع: جزلا سهلا مشرقا ~~ممتلئا متعادل الأجزاء والتقاسيم، يرن رنينا كأنما قذفت به سليقة أعرابي ~~فصيح، تحت ضوء كواكب البادية، على برد الرمل، في نسمات الليل، حين تمتلئ ~~تلك النفس البدوية بحنين الحب، أو شوق الجمال، أو عظمة القوة؛ وهذا هو ~~الأصل الذي اتبعه، وقفني عليه هو بنفسه في سنة1902، وقرظني به في الجزء ~~الأول ms808 من ديواني فقال: # أنت والله كاتب حضري ... إن عددناك شاعرا بدويا # ولو أنك أجريت شعر حافظ في أبلغ ما قاله المطبوعون من الأعراب وشعراء ~~القرن الأول، لالتأم به وزاد عليه في الصناعة وبعض المعنى؛ وقل أن تجد في ~~شعره كلمة ينبو بها مكانها، إلا ألفاظا قليلة كان يستكرهها، يحسب أنه ~~يستطرف منها ويرى في غرابتها جديدا؛ وهذا من خطأ رأيه في الأسلوب؛ لأنه مع ~~بلاغته كان ينقصه أن يكون فيلسوفا في البلاغة، وأنا أرى أنه لو تمت له ~~الموهبة الفلسفية لما جاراه شاعر آخر، ولكن الكمال عزيز في البشرية؛ وقد ~~عرفت رأيه في الأسلوب في سنة 1906، إذ نشرت له مجلة الأقلام التي كان ~~يصدرها صاحبنا الأديب جورج طنوس كلمات كان يريد أن يضمنها كتابه "ليالي ~~سطيح"، أظهر فيها PageV03P249 # رأيه في الشعراء، فقال في إسماعيل صبري: يقول الشعر لنفسه لا للناس، وفي ~~شوقي: أرق الشعراء، طبعا وأسماهم خيالا وفي مطران: أسرعهم بديهة وأقدرهم ~~ابتكارا. وقال في -ولم يكن مضى علي إلا ست سنين في طلب الأدب: مكثار راقي ~~الخيال بعيد الشوط في ميادين الأدب، غير ناضج الأسلوب. فلما اجتمعت به ~~فاتحته في ذلك وسألته رأيه في الأسلوب الناضج، فلم أر عنده طائلا، وكل ما ~~قاله في ذلك: أن الشيخ عبد القاهر الجرجاني قرر أن البلاغة ليست في اللفظ ~~ولا في المعنى، ولكنها في الأسلوب. وعبد القاهر لم يقل هذا ولا قاله غيره، ~~فإن الأسلوب عنده "طريقة مخصوصة في نسق الألفاظ بعضها على بعض لترتيب ~~المعاني في النفس وتنزيلها"، و"أن المنزلة من حيز المعاني دون الألفاظ، ~~وأنها ليست لك حيث تسمع بأذنك، بل حيث تنظر بقلبك وتستعين بفكرك". # وقد قررت أن للألفاظ ما يشبه الألوان، فليست كلها زرقاء ولا صفراء ولا ~~حمراء، ورب لفظة رقيقة تقع ضعيفة في موضع فيكون ضعفها في موضعها ذاك هو كل ~~بلاغتها وقوتها، كفترة السكوت بين أنغام الموسيقى: هي في نفسها صمت لا قيمة ~~له: ولكنها في موضعها بين الأنغام نغم آخر ذو تأثير بسكونه لا برنينه؛ ms809 وهذا ~~من روح الفن في الأسلوب. # وأدرك شاعرنا من يومئذ ما سميته "قوة الضعف"، ولعل هذا هو السبب في أن ~~طبعه رجع يعدل به إلى التسهيل، حتى أنه لتقع في شعره أبيات متهافتة فيأتي ~~بها ولا ينكرها؛ ولقيني مرة فأنشدني قول الشاعر: # نا لم أرزق محبتها ... إنما للعبد ما رزقا # وجعل يعجني من بلاغة قوله "لم أرزق" وأنها مع ذلك ضعيفة مبتذلة تجري في ~~منطق كل عامي، قلت: ولكن "محبتها" جعلتها كمحبتها ... # وضعف الموهبة الفلسفية في حافظ عوضه ناحية أخرى من أقوى القوة في الشعر، ~~وهي اهتداؤه إلى حقيقة الغرض الذي ينظم فيه، وتركه الحواشي والزيادات، ~~وانصراف قواه إلى دقة الوصف حين يصف، وتعويله على إحساسه أكثر من تعويله ~~على فكره؛ فزاد ذلك في رونق شعره ومائة، ونحا به منحى المطبوعين، فخرج ~~يتدفق سلاسة وحلاوة، ممتلئا من صواب المعنى وبلاغة الأداء وقوة التأثير؛ ~~وبهذا نبغ في الرثاء ووصف الفجائع نبوغا انفرد به، حتى لأحسب أن # PageV03P250 # هناك روحا يمده في هذه المواقف، وأن الحقيقة تتبرج له في هذه العظائم ~~خاصة ليرى منها ما لا يراه غيره؛ وهو يتحد بالعظيم الذي يرثيه فيجيد فيمن ~~يعرفه إجادة منقطعة النظير، تتبين الفرق بينها وبين شعره فيمن لا يعرفه تلك ~~المعرفة؛ وأحسبه يسأل روح العظيم الذي يصفه أو يرثيه: أين المعنى الذي فيه ~~حقيقتك؟ وأين الحقيقة التي فيها معناك؟ # والفلسفة الشعرية كلها أن يحل في الشاعر الملهم ذلك السر الجميل الجاذب ~~والمنجذب معا، المستقر والمتحول جميعا، الباطن والظاهر في وقت؛ فيكتنه ~~الشاعر ما لا يدركه غيره، فيقف على الجمال والحسن والرقة، ويلهم الحكمة ~~والبصيرة ويتناول الأغراض بالتحليل والتركيب، ويؤتى التعبير عن كل ذلك في ~~طريقة خاصة به هي أسلوبه، وهذا لم يتفق على أتمه وأحسنه في حافظ، فقصر به ~~في توليد المعاني المبتكرة، ونزل به في الغزل ووصف الجمال؛ بيد أنه اتفق له ~~مثل هذا الجلال بعينه في "الجانب المتألم من شعره"، أي الرثاء والشكوى ووصف ~~الفجيعة، ولو ذهبت تستعرض المراثي في الشعر العربي، ومثلت ms810 بينها وبين رثاء ~~حافظ للعظماء الذين خالطهم، كالأستاذ الإمام، والبارودي، ومصطفى كامل، ~~وثروت، لراعك أنك واجد للشعراء ما هو أسمى من معانيه وأقوى من خياله، ولكنك ~~لا تجد البتة ما هو أفخر وأدق مما جاء به في هذا الباب، كأنه منفرد في ~~العربية بهذه الخاصة. # وهذا المعري يقول: # ولولا قولك الخلاق ربي ... لكان لنا بطلعتك افتتان # ويقول في شعر آخر: # أسهب في وصفه علاك لنا ... حتى خشينا النفوس تعبدها # وهذان البيتان تراهما صعلوكين إذا قستهما بقول حافظ في رثاء الشيخ محمد ~~عبده: # فلا تنصبوا للناس تمثال "عبده" ... وإن كان ذكرى حكمة وثبات # فإني لأخشى أن يضلوا فيومئوا ... إلى نور هذا الوجه بالسجدات # مع أن معنى حافظ مأخوذ منهما، ولكن انظر كيف جاء به؟ ويقول المعري في ~~رثاء أبيه: # ولو حفروا في درة ما رضيتها ... لجسمك إبقاء عليك من الدفن # PageV03P251 # ويقول في رثاء غيره: # واخبواه الأكفان من ورق المص ... حف كبرا عن أنفس الأبرار # وهذان أيضا كالصعاليك عند قول حافظ في البارودي: # لو أنصفوا أودعوه جوف لؤلؤة ... من كنز حكمته لا جوف أخدود # وكفنوه بدرج من صحيفته ... أو واضح من قميص الصبح مقدود # مع أن "حافظ" ألم بقول المعري. ومن بديع ما اتفق له في قصيدة "الأمتان ~~تتصافحان" قوله يصف السوريين: # رادوا المناهل في الدنيا ولو وجدوا ... إلى المجرة ركبا صاعدا ركبوا # أو قيل في الشمس للراجين منتجع ... مدوا لها سببا في الجو وانتدبوا # فاقرأ هذين وأقرأ بعدهما قول المتنبي في سيف الدولة: # وصول إلى المستصعبات بخيله ... فلو كان قرن الشمس ماء لأوردا # فإنك تجد بيت المتنبي صعلوكا على بيتي حافظ، مع أنه المبتدع السابق. # وأعجب ما عجبت له هذا البيت من شعر صاحبنا في مقطوعة يخاطب بها ~~الأمريكان، نشرها في المقطم من ثلاث سنوات أو نحوها، قال: # وتخذتم موج الأثير بريدا ... حين خلتم أن البروق كسالى # واتفق يومئذ أن كنت جالسا في زيارة الصديق الأستاذ فؤاد صروف محرر ~~المقتطف، فجاء حافظ، فلم يكد يصافحني حتى قال: كيف ترى هذا البيت: ms811 وتخذتم ~~موج الأثير بريدا ... الخ؟ فأثنيت عليه الذي يهوى، وهنأته بهذا المعنى، ~~وأظهرت له ما شاء من الإعجاب، ولكني أضمرت عجبي من حسن ما اتفق له فإن ~~الجمال الشعري في البيت إنما هو في استعارة الكسل للبروق، وهذا بعينه من ~~قول ابن نباتة السعدي في سيف الدولة: # وما تمهل يوما في ندى وردى ... إلا قضيت للمح البرق بالكسل # غير أن "حافظ" نقل المعنى إلى حقه، ومكن له أحسن تمكين في صدر كلامه، ~~وأتم جماله في قوله "حين خلتم"، فاقتطع المعنى وانفرد به، وعاد معنى السعدي ~~كالصعلوك على باب بيته؛ وكانت هذه المقابلة في المقتطف آخر عهدي بحافظ، فلم ~~أره من بعدها؛ رحمه الله! # وما مر بك إنما كان من صناعة الشعر في غير الجزء الأول من ديوانه بعد # PageV03P252 # أن استفحل وتخرج في مدرسة الإمام، أما في الجزء الأول فله هو صعاليك ... ~~كقوله في الخمر: # خمرة قيل إنهم عصروها ... من خدود الملاح في يوم عرس # فهذا البيت صعلوك عند قول ابن الجهم: # مشعشعة من كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدارها # وقول حافظ: "عصروها في خدود الملاح" كلام من لم ينضج في البيان ولا ~~الذوق، لا يكاد يتوهم معه إلا أن في خدود الملاح "خراجات" عصرت ... # وعلى ضد هذا قول ابن الجهم: "تناولها من خده"، فهي كلمة أكثر نعومة من ~~ذلك الخد وأجمل نضرة. # وقول حافظ في مدح الخديو: # يا من تنافس في أوصافه كلمي ... تنافس العرب الأمجاد في النسب # فهو صعلوك على بيت أبي تمام: # تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل # ولا نطيل الاستقصاء، فإنما نريد التمثيل حسب. # وكان الشاعر أول نشأته يأخذ في طريقة المعري الذي عمي عن الطبيعة فجعل ~~يخلقها من فكره ومحفوظه بمبالغات كاذبة يغرق فيها يحسب أنه بذلك يعظم ~~الحقائق فتخرج له الأخيلة الكبيرة، وما يدري أنه بهذا الغلو لا يجيء إلا ~~بالأباطيل الكبيرة ... ولكن حافظ في مزاجه وتركيبه ونشأته كان رجلا مبنيا ~~على الوضوح والقصد. فلم يفلح في طريقة المعري؛ ووضوحه ms812 كذلك باعده من ~~الفلسفة وإبهامها، ومن الطبيعة وألغازها، ومن الغزل ووساوسه؛ وهو الذي أداه ~~إلى الشغف بالحقيقة واستخلاصها في كل أغراضه التي أجاد فيها؛ ومن ثم خلا ~~شعره أو كأنه خلا ... من أوصاف الطبيعة في جمالها بلغة الفكرة المتأمل، ومن ~~أوصاف الجمال في سحره بلغة القلب العاشق. # وأنت فلا تحسبن الشاعر يجيد في الغزل والنسيب من أنه شاعر يحسن الصنعة ~~ويجيد الأسلوب، فيكون غرض من الشعر سبيلا إلى غرض، وفن عونا على فن، وتكون ~~رقة الألفاظ وهلهلة النسج، وقلبي، وكبدي، ويا ليلة ويا قمرا، # PageV03P253 # ويا غزالا ... وأشباه ذلك- غزلا ونسيبا؛ كلا ثم كلا، والثالثة كلا أيضا ### | .... # إن الغزل وأوصاف الجمال موهبة في الشاعر أو الكاتب تسخر لها قوى هي أشبه ~~في معجزاتها بما سخر لسليمان من قوى الجن والريح، غير أنها قوى آلام ولذات ~~ووساوس؛ تلك عظمة في بعض النفوس الشاعرة كعظمة الملوك والأبطال، غير أنها ~~لا تكمل إلا خائبة أو مغلوبة، فإذا انتصرت سقطت فلا بد لها من تاريخ وحوادث ~~ومزاج عصبي يهيئ لها بروحانية شديدة الحس شديدة الفورة ثائرة أبدا لا تهدأ ~~إلا على توليد معنى بديع في جمال من تحبه أو كجماله؛ ثم إذا هدأت بذلك ~~أثارها أنها هدأت، فتعود إلى التوليد، فلا تزال تبتدع وتصف كأنها آلة تعبير ~~تدور بقلب وعصب؛ هناك قوتان: إحداهما توتي الحب كما يصلح غراما وعشقا، ~~والأخرى فوق هذه تؤتي الحب كما يصلح فكرا وتعبيرا؛ والأولى تجعل صاحبها ~~عاشقا يحب ويدرك ليس غير، والثانية تجعله محبا عمله أن ينقل من لغة ما في ~~نفسه إلى ما حوله، ومن لغة ما حوله إلى ما في نفسه؛ فهو مترجم النفس إلى ~~الطبيعة، ومترجم الطبيعة إلى النفس؛ والذي أعرفه أن "حافظ" لم يرزق لا هذه ~~ولا تلك، فلا طبيعة فيه للغزل وفلسفة الجمال؛ ثم إن التاريخ حصره في ~~"الشاعر الاجتماعي" الذي اختار أن يمتاز به، فهو في أكثر شعره كان ليس فيه ~~شخص، بل فيه شعب مأسور غفل عن الجمال وعن الطبيعة وعن النشوة بهما؛ إذ ms813 يعيش ~~في معاناة الحرية لا في التأمل الجميل، وفي أسباب القوة لا في أسباب الرقة، ~~ويريد أن يعمل؛ ليوجد حقيقته قبل أن يعمل؛ ليبدع خياله. # ومع ذلك فقد جاء في ديوان حافظ غزل قليل كان كله متابعة وتقليدا في فن ~~يحسن التقليد إلا فيه خاصة؛ عمل صدرا لقصيدة مدح بها الخديو مطلعها: # كم تحت أذيال الظلام متيم ... دامي الفؤاد وليله لا يعلم # وقلد ابن أبي ربيعة في حكاية حب لفقها تلفيقا ظاهرا، ثم زعم أن الحبيبة ~~قالت له في آخرها: # فاذهب بسحرك قد عرفتك واقتصد ... فيما تزين للحسان وتوهم # وكلمة صاحبة ابن أبي ربيعة: # أهذا سحرك النسوان ... قد عرفتني الخبرا # أهذا سحرك النسوان؟ ... هذه كلمة لا تخرج إلا من فم حبيبته آية في الظرف، ~~وفيها تجاهلها وعرفانها وابتسامها وإشراق وجنتيها، وأكاد والله أرى فيها # PageV03P254 # تلك الجميلة وهي تدق بيدها على صدرها دقة الاستفهام المتدلل المتظاهر ~~بالدهشة؛ ليتنهد فيه الكلام والمتكلم معا، أما قول حبيبة حافظ الخشبية، أو ~~الحجرية ... اذهب ... قد عرفتك واقتصد ... فهذا خليق أن يكون من فم قاض وهو ~~ينصح المتهم بعد الأمر بالإفراج عنه ... أو مأمور قسم عند ضبط الحادثة! # أكبر ظني أن روح حافظ نفسه هي التي أوحت إلى الآن هذه "النكتة"، فإنه ~~-رحمه الله- كان آية في الباب، وله من النوادر محفوظة ومخترعة ما لا يلحق ~~فيه؛ ولو كان كاتبا على قدر ما كان شاعرا، وزاول النقد واستظهر للكتابة فيه ~~بتلك الملكة المبدعة في التندر والتهكم، مع ما أوتي من القوة في اللغة ~~والبيان -لكانت النعمة قد تمت به على الأدب العربي، ولقلنا في شعره وكتابته ~~وأدبه ما قال هو في الأستاذ الإمام: # فأطلعت نورا من ثلاث جهات # وما دمنا قد ذكرنا النقد فمن الوفاء للتاريخ الأدبي أن نذكر مذهب شاعرنا ~~فيه: فلم يكن عنده منه إلا ذوق الكلام، وإدراك النفرة والنبوة في الحرف، ~~والغلظ والجسأة في اللفظ، والضعف والتهافت في التركيب، ثم ما يجيش في ~~الخاطر أو يتلجلج في الفكر من ذوق المعنى وإدراك كنهه والنفاذ ms814 إلى آثار ~~النفس الحية فيه؛ فكأن النقد هو الحس بالكلام كما تلمس الحار والبارد وما ~~بينهما؛ ووصف لي مرة إسماعيل صبري باشا وأراد أن يبالغ في دقة تمييزه وحسن ~~بصره بالشعر وإدراكه دقائق المعاني، فقال: "ذواق يا مصطفى" ولم يزد. # ومذهب الحس بالكلام هذا وإن صلح أن يكون من بعض معاني النقد، فلا يتهيأ ~~أن يكون هو النقد بمعناه الفلسفي أو الأدبي، وهو في جملة أمره كقولك حسن ~~حسن؛ وردي رديء، أما كيف كان حسنا أو رديئا، وبماذا ولماذا، فذلك ما لا ~~سبيل إليه من مذهب "ذواق" ... ولا وسيلة له إلا العلم المستفيض، والاطلاع ~~الواسع، والحس المرهف، والقدرة المتمكنة، مضافة كلها إلى الأدب البارع ~~وفلسفته الدقيقة؛ ولا نعرف لحافظ كتابة في النقد البتة، وقد كان حاول شيئا ~~من هذا في مقدمة كتابه "ليالي سطيح"، فتناول بعض خصومه بكلمات رأى هو أن ~~يمحوها بعد أن طبعت الكراسة الأولى، فأسقطها وأعاد كتابة المقدمة وطبعها ~~مرة ثانية، وكانت عندي النسخة التي محاها، وهذا ما لا أظن أحدا يعرفه الآن؛ ~~رحم الله شاعرا كان أصفى من الغمام، وكان شعره كأنه البرق والرعد ... # PageV03P255 ### | كلمات 1 عن حافظ * # ذهبت بقلبي إلى كل مكان فوجدت أمكنة الأشياء ولم أجد مكان قلبي؛ أيها ~~القلب المسكين، أين أذهب بك؟ # هذا ما أجبت به "حافظ" حين سألني مرة: ما لك لا ترضى ولا تهدأ ولا تستقر؟ ~~وكان يخيل إلي أنه هو راض مستقر هادئ، كأنما قضى من الحياة نهمته ولم يبق ~~في نفسه ما تقول نفسه ليست ذلك لي!. وكنت أعجب لهذا الخلق فيه ولا أدري ما ~~تعليله إلا أن يكون قد خلق مطبوعا بطابع اليتم فلم يعرف منذ أدرك إلا أنه ~~ابن القدر؛ تأتيه الأفراح والأحزان من يد واحدة مقبلة كما تنال الصبي ألطاف ~~أبيه ولطمات أبيه ... # وقد قلت له مرة: كأنك يا حافظ تنام بلا أحلام! فضحك وقال: أو كأنني أحلم ~~بغير نوم ... # ولقد عرفته منذ سنة 1900 إلى أن لحق بربه في سنة 1932، فما كنت أراه على ms815 ~~كل أحواله إلا كاليتيم: محكوما بروح القبر، وفي القبر أوله؛ ولما أزمع ~~السفر إلى اليونان قلت له: ألا تخشى أن تموت هناك فتموت يونانيا ... فقال: ~~أو تراني لم أمت بعد في مصر؟ ... إن الذي بقي هين! # ومن عجائب هذا اليتيم الحزين أنه كان قوي الملكة في فن الضحك، كأن القدر ~~عوضه به؛ ليوجده في الناس عطف الآباء ومحبة الإخوة. ولم يخل مع فقره من ~~ذريعة قوية إلى الجاه، ووسيلة مؤكدة إلى ما هو خير من الغنى؛ فكانت أسبابه ~~إلى الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، ثم حشمت باشا، ثم سعد باشا زغلول؛ ~~وهذا نظام عجيب في زمن "حافظ" يقابل الاختلال العجيب في نفس حافظ؛ فالرجل ~~PageV03P256 # كالسفينة المتكفئة: تميل بها موجة وتعدلها موجة، وهي بهذه وبهذه تمر ~~وتسير. # وأولئك الرؤساء العظماء الذين جعلهم القدر نظاما في زمن حافظ، كانوا من ~~أفقر الناس إلى الفكاهة والنادرة، فكان لهم كالثروة في هذا الباب، ووقع ~~إصلاحا في عيشهم وكانوا إصلاحا في عيشه؛ ولو أن الأقدار تشبه بالمدارس ~~المختلفة، لقلنا إن "حافظ" تخرج منها في مدرسة التجارة العليا ... فهو كان ~~أبرع من يتاجر بالنادرة. # وهذه النوادر كأنها هي أيضا صنعت "حافظ" في شكل نادرة؛ فكان فقيرا، ومع ~~هذا كان للمال عنده متمم، هو إنفاقه وإخراجه من يده؛ وكان يتيما، ولكنه ~~دائما متودد؛ وكان حزينا، ولكنه أنيس الطلعة؛ وكان يائسا، ولكنه سليم ~~الصدر، وكان في ضيق، ولكنه واسع الخلق؛ وتمام النادرة فيه أنه كان طوال ~~عمره متبسطا مهتزا كأن له زمنا وحده غير زمن الناس، فتتراكم عليه الهموم ~~وهو مستنيم إلى الراحة، ويعتريه من الجوع مثل مكسلة الشبع ويسترسل إلى ~~البطالة وكأنه مشمر للجد، ويستمكن الحزن منه في ساعة فيتهدد حزنه بالساعة ~~التالية ... # رأيته في أحد أيام بؤسه الأولى قبل أن يتصل عيشه، وكان يعد قروشا في يده، ~~فقلت: ما هذه القروش؟ # قال: كنت أقامر الساعة فأضعت ثلاثين قرشا ولم يبق لي غير هذه القروش ~~الملعونة، فهلم نتعش. ودخل إلى مطعم كان وراء حديقة الأزبكية، فزعمت له ms816 أني ~~تعشيت ... فأكل هو ودفع ثمن طعامه ثلاثة قروش؛ وكنت أطالع في وجهه وهو ~~يأكل، فما أتذكره الآن إلا كما طالعته بعد عشرين سنة من ذلك التاريخ حين ~~دعاني "حافظ" إلى مطعم بار اللواء وقد فاضت أنامله ذهبا وفضة، وكان رحمه ~~الله قد أصدر الجزء الثاني من "البؤساء" ورآني في القاهرة فأمسك بي حتى ~~قرأت معه الكتاب كله فيما بين الظهر والمغرب، وركبنا في الأصيل عربة وخرجنا ~~نتنزه، أي خرجنا نقرأ ... # وكان على وجه "حافظ" لون من الرضى لا يتغير في بؤس ولا نعيم، كبياض ~~الأبيض وسواد الأسود؛ وهذا من عجائب الرجل الذي كان في ذات نفسه فنا من ~~الفوضى الإنسانية، حتى لكأنه حلم شعري بدأ من أبويه ثم انقطع وترك لتتممه ~~الطبيعة! # ومن نظر إلى "حافظ" على اعتبار أنه فن من الفوضى الإنسانية رآه جميلا ~~جمال الأشياء الطبيعية لا جمال الناس؛ ففيه من الصحراء والجبال والصخور ~~والغياض والبرق والرعد وأشباهها؛ وكنت أنا أراه بهذه العين فأستجمله، ويبدو ~~لي # PageV03P257 # جزلا مطهما، وأرى في شكله هندسة كهندسة الكون؛ تتمم محاسنها بمقابحها وكم ~~قلت له: إنك يا حافظ أجمل من القفر ... # أما هو فكان يرى نفسه دميما شنيع المرآة متفاوت الخلق كأنه إنسان مغلوط ~~في تركيبه ... # وقد سألته مرة: هل أحب؟ # فقال: النساء اثنتان: فإما جميلة تنفر من قبحي، وإما دميمة أنفر من ~~قبحها! ولهذا لم يفلح في الغزل والنسيب، ولم يحسن من هذا الباب شيئا يسمى ~~شيئا؛ وبقي شاعرا غير تام، فإن المرأة للشاعر كحواء لآدم: هي وحدها التي ~~تعطيه بحبها عالما جديدا لم يكن فيه، وكل شرها أنها تتخطى به السموات نازلا ~~... # وتهدم حافظ في أواخر أيامه من أثر المرض والشيخوخة، وكان آخر العهد به أن ~~جاء إلى إدارة "المقتطف" وأنا هناك، فلم يرني حتى بادرني بقوله: ماذا ترى ~~في هذا البيت في وصف الأمريكان: # وتخذتم موج الأثير بريدا ... حين خلتم أن البروق كسالى* # فنظرت إلى وجهه المعروق المتغضن وقلت له: لو كان فيك موضع قبلة لقبلتك ~~لهذا البيت! فضحك ms817 وأدار لي خده؛ ولكن بقي خده بلا تقبيل. # وشهرة هذا الأديب العظيم بنوادره ومحفوظاته من هذا الفن أمر مجمع عليه؛ ~~وكان يتقصص النوادر والفكاهات ومطارحات السمر من مظانها في الكتب ورجال ~~الأدب وأهل المجون، فإذا قصها على من يجالسه زاد في أسلوبها أسلوبه هو، ~~وجعل يقلبها ويتصرف فيها ويبين عنها أحسن الإبانة بمنطقه ووجهه ونبرات في ~~لسانه ونبرات في يده. # وهو أصمعي هذا الباب خاصة، يروي منه رواية عريضة، فإذا استهل سح بالنوادر ~~سحا كأنها قوافي قصيدة تدعو الواحدة منها أختها التي بعدها. # وقد أذكرتني "ألقوافي" مجلسا حضرته قديما في سنة1901 أو1900، PageV03P258 # وكان "مصباح الشرق" قد نشر قصيدة رائية لابن الرومي، فتعجب المرحوم الشيخ ~~محمد المهدي من بسطة ابن الرومي في قوافيه، فقال له "حافظ": هلم نتساجل في ~~هذا الوزن حتى ينقطع أحدنا؛ وكانت القافية من وزن: قدرها، أحمرها، أخضرها ~~... الخ، وجعلت أنا أحصي عليهما؛ فلما ضاق الكلام كان الشيخ المهدي يفكر ~~طويلا ثم ينطق باللفظ، ولا يكاد يفعل حتى يرميه حافظ على البديهة، فيعود ~~الرجل إلى الإطراق والتفكير؛ ثم انقطع أخيرا وبقي حافظ يسرد له من حفظه ~~الغريب. # أما في النوادر فالعجيبة التي اتفقت له في هذا الباب أنه جاء إلى طنطا في ~~سنة 1912 ومديرها يومئذ المرحوم "محمد محب باشا" وكان داهية ذكيا وظريفا ~~لبقا، وكنت أخالطه وأتصل به، فدعا "حافظ" إلى العشاء في داره؛ فلما مدت ~~الأيدي قال الباشا: لي عليك شرط يا حافظ، قال: وما هو؟ قال: كل لقمة ~~بنادرة! # فتهلل حافظ وقال: نعم، لك علي ذلك، ثم أخذ يقص ويأكل، والعشاء حافل، ~~وحافظ كان نهما، فما انقطع ولا أخل حتى وفى بالشرط؛ وهذا لا يمنع أن الباشا ~~كان يتغافل ويتغاضى ويتشاغل بالضحك، فيسرع حافظ ويغالط بفمه ... # ولكن هذه المضحكات أضحكت من "حافظ" مرة كما أضحكت به؛ فلما كان يترجم ~~"مكبث" لشكسبير -وهي كأعماله الناقصة دائما- دعوه لإلقاء محاضرة في نادي ~~المدارس العليا، والنادي يومئذ يجمع خير الشباب حمية وعلما وكان صاحب السر ~~فيه "السكرتير" زينة شباب ms818 الوطنية المرحوم أمين بك الرافعي؛ فقام حافظ ~~فأنشدهم بعض ما ترجمه نظما عن شكسبير، ومثله تمثيلا أفرغ فيه جهده، فأطرب ~~وأعجب: ثم سألوه المحاضرة فأخذ يلقي عليهم من نوادره، وبدأ كلامه بهذه ~~النادرة: عرضت على المعتصم جارية يشتريها، فسألها أنت بكر أم ثيب؟ فقالت: ~~كثرت الفتوح على عهد المعتصم ... # ونظر حافظ إلى وجوه القوم فأنكرها ... وبقيت هذه الوجوه إلى آخر المحاضرة ~~كأنها تقول له: إنك لم تفلح! # ولقد كان هذا من أقوى الأسباب في تنبه "حافظ" إلى ما يجب للشباب عليه إن ~~أراد أن يكون شاعره، فأقبل على القصائد السياسية التي كسبهم بها من بعد؛ ~~ونادرة المعتصم كالعورة المكشوفة؛ ولست أدري أكان حافظ يعرف النادرة ~~البديعة الأخرى # PageV03P259 # أم لا؛ فقد عرضت جارية أديبة ظريفة على الرشيد فسألها: أنت بكر أم إيش؟ # فقالت: أنا "أم إيش" يا أمير المؤمنين ... # وفن "الشعر الاجتماعي" الذي عرف به حافظ، لم يكن فنه من قبل، ولا كان هو ~~قد تنبه له أو تحراه في طريقته؛ فلما جاءت إلى مصر الإمبراطورة "أوجيني" ~~نظم قصيدته النونية التي يقول فيها: # فاعذرينا على القصور، كلانا ... غيرته طوارئ الحدثان # ولقيته بعدها فسألني رأيي في هذه القصيدة، وكان بها مدلا معجبا، شأنه في ~~كل شعره؛ فانتقدت منها أشياء في ألفاظها ومعانيها، وأشرت إلى الطريقة التي ~~كان يحسن أن تخاطب بها الإمبراطورة؛ فكأنني أغضبته؛ فقال: إن الشيخ محمد ~~عبده، وسعد زغلول، وقاسم أمين -أجمعوا على أن هذا النمط هو خير الشعر، ~~وقالوا لي: إذا نظمت فانظم مثل هذا "الشعر الاجتماعي"، ثم كأنه تنبه إلى ~~أنها طريقة يستطيع أن ينفرد بها، إن كل قصائد شوقي الآن غزل ومدح، ولا أثر ~~فيها لهذا الشعر، على أنه هو الشعر. # وتتابعت قصائده الاجتماعية، فلقيني بعدها مرة أخرى فقال لي: إن الشاعر ~~الذي لا ينظم في الاجتماعيات ليس عندي بشاعر. وأردت أن أغيظه فقلت له: وما ~~هي الاجتماعيات إلا جعل مقالات الصحف قصائد؟ ... # فالأستاذ الإمام وسعد زغلول وقاسم أمين: أحد هؤلاء أو جميعهم أصل هذا ~~المذهب الذي ms819 ذهب إليه حافظ، وهو كثيرا ما كان يقتبس من الأفكار التي تعرض ~~في مجلس الشيخ محمد عبده، من حديثه أو حديث غيره، فيبني عليها أو يدخلها في ~~شعره، وهو أحيانا رديء الأخذ جدا حين يكون المعنى فلسفيا؛ إذ كانت ملكة ~~الفلسفة فيه كالمعطلة، وإنما هي في الشاعر من ملكة الحب، وإنما أولها ~~وأصلها دخول المرأة في عالم الكلام بإيهامها وثرثرتها ... # وكنت أول عهدي بالشعر نظمت قصيدة مدحت فيها الأستاذ الإمام وأنفذتها ~~إليه، ثم قابلت حافظ بعدها فقال لي: إنه هو تلاها على الإمام، وإنه ~~استحسنها؛ قلت: فماذا كانت كلمته فيها؟ قال: إنه قال: لا بأس بها ... # فاضطرب شيطاني من الغضب، وقلت له: إن الشيخ ليس بشاعر، فليس # PageV03P260 # لرأيه في الشعر كبير معنى!. قال: ويحك!. إن هذا مبلغ الاستحسان عنده. # قلت: وماذا يقول لك أنت حين تنشده؟ قال: أعلى من ذلك قليلا.. فأرضاني ~~والله أن يكون بيني وبين حافظ "قليل" وطمعت من يومئذ. # وأنا أرى أن "حافظ إبراهيم" إن هو إلا ديوان الشيخ "محمد عبده": لولا أن ~~هذا هذا، لما كان ذلك ذلك. # ومن أثر الشيخ في حافظ أنه كان دائما في حاجة إلى من يسمعه، فكان إذا عمل ~~أبياتا ركب إلى إسماعيل باشا صبري في القصر العيني، وطاف على القهوات ~~والأندية يسمع الناس بالقوة ... إذ كانت أذن الإمام هي التي ربت الملكة ~~فيه؛ وقد بينا هذا في مقالنا في "المقتطف". # وكان تمام الشعر الحافظي أن ينشده حافظ نفسه؛ وما سمعت في الإنشاد أعرب ~~عربية من البارودي، ولا أعذب عذوبة من الكاظمي، ولا أفخم فخامة من حافظ ~~-رحمهم الله جميعا. # وكان أديبنا يجل البارودي إجلالا عظيما، ولما قال في مدحه: # فمر كل معنى فارسي بطاعتي ... وكل نفور منه أن يتوددا # قلت له: ما معنى هذا؟ وكيف يأمر البارودي كل معنى فارسي وما هو بفارسي؟ ~~قال: إنه يعرف الفارسية، وقد نظم فيها، وعنده مجموعة جمع فيها كل المعاني ~~الفارسية البديعة التي وقف عليها؛ قلت: فكان الوجه أن تقول له: أعرني ~~المجموعة التي ms820 عندك ... # أما الكاظمي فكان حافظ يجافيه ويباعده، حتى قال لي مرة وقد ذكرته به: ~~"عققناه يا مصطفى! ". # وما أنسى لا أنسى فرح حافظ حين أعلمته أن الكاظمي يحفظ قصيدة من قصائده، ~~وذلك أنهم في سنة 1901 -على ما أذكر- أعلنوا عن جوائز يمنحونها من يجيد في ~~مدح الخديو، وجعلوا الحكم في ذلك إلى البارودي وصبري والكاظمي، ثم تخلى ~~البارودي وصبري، وحكم الكاظمي وحده، فنال حافظ الميدالية الذهبية، ونال ~~مثلها السيد توفيق البكري. # ولما زرت الكاظمي وكنت يومئذ مبتدئا في الشعر، ولا أزال في الغرزمة* ~~PageV03P261 # قال: لماذا لم تدخل في هذه المباراة؟ قلت: وأين أنا من شوقي وحافظ وفلان ~~وفلان فقال: "ليه تخلي همتك ضعيفة؟ " ثم أسمعني قصيدة حافظ وكان معجبا بها، ~~فنقلت ذلك إلى حافظ، فكاد يطير عن كرسيه في القهوة. # وكان تعنت حافظ على الكاظمي؛ لأنه غير مصري، ففي سنة 1903 كانت تصدر في ~~القاهرة مجلة اسمها "الثريا"، فظهر في أحد أعدادها1 مقال عن الشعراء بهذا ~~التوقيع، وانفجر هذا المقال انفجار البركان، وقام به الشعراء وقعدوا، وكان ~~له في الغارة عليهم كزفيف الجيش وقعقعة السلاح، وتناولته الصحف اليومية، ~~واستمرت رجفته الأدبية نحو الشهر؛ وانتهى إلى الخديو؛ وتكلم عند الأستاذ ~~الإمام في مجلسه، واجتمع له جماعة من كبار أساتذة العصر السوريين، كالعلامة ~~سليمان البستاني، وأديب عصره الشيخ إبراهيم اليازجي، والمؤرخ الكبير جورجي ~~زيدان -إذ كان صاحب المجلة سوريا- وجعلوا ينفذون إلى صاحب المجلة دسيسا بعد ~~دسيس ليعلموا من هو كاتب المقال. # وشاع يومئذ أني أنا الكاتب له؛ وكان الكاظمي على رأس الشعراء فيه، فغضب ~~حافظ لذلك غضبا شديدا، وما كاد يراني في القاهرة حتى ابتدرني بقوله: ورب ~~الكعبة أنت كاتب المقال، وذمة الإسلام أنت صاحبه! # ثم دخلنا إلى "قهوة الشيشة"، فقال في كلامه: إن الذي يغيظني أن يأتي كاتب ~~المقال بشاعر من غير مصر فيضعه على رءوسنا نحن المصريين!. فقلت: ولعل هذا ~~قد غاظك بقدر ما سرك ألا يكون الذي على رأسك هو شوقي ... # وغضب السيد توفيق البكري غضبا من نوع آخر، ms821 فاستعان بالمرحوم السيد مصطفى ~~المنفلوطي استعانة ذهبية ... وشمر المنفلوطي فكتب مقالا في "مجلة سركيس" ~~يعارض به مقال "الثريا"، وجعل فيه البكري على رأس الشعراء ... ومدحه مدحا ~~يرن رنينا. # أما أنا فتناولني بما استطاع من الذم، وجردني من الألفاظ والمعاني جميعا، ~~وعدني في الشعراء ليقول إني لست بشاعر ... فكان هذا رد نفسه على نفسه*. ~~PageV03P262 # وتعلق مقال المنفلوطي على المقال الأول فاشتهر به لا بالمنفلوطي؛ وغضب ~~حافظ مرة ثانية، فكتب إلي كتابا يذكر فيه تعسف هذا الكاتب وتحامله، ويقول: ~~قد وكلت إليك أمر تأديبه1 ### | .... # فكتب مقالا في جريدة "المنبر"، وكان يصدرها الأستاذان محمد مسعود وحافظ ~~عوض، ووضعت كلمة المنفلوطي التي ذمني بها في صدر مقالي أفاخر بها ... وقلت: ~~إني كذلك الفيلسوف الذي أرادوه أن يشفع إلى ملكه، فأكب على قدم الملك حتى ~~شفعه؛ فلما عابوه بأنه أذال حرمة الفلسفة بانحنائه على قدم الملك وسجوده ~~له، قال: ويحكم!. فكيف أصنع إذا كان الملك قد جعل أذنيه في رجليه ... # ولم يكن مضى لي في معالجة الشعر غير سنتين حين ظهر مقال "الثريا"، ومع ~~ذلك أصبح كل شاعر يريد أن يعرف رأيي فيه؛ فمررت ذات يوم "بحافظ" وهو في ~~جماعة لا أعرفهم، فلما اطمأن بي المجلس قال حافظ: ما رأيك في شعر اليازجي؟ ~~فأجبته: قال: فالبستاني؟ فنجيب الحداد؟ ففلان؟ ففلان؟ فداود عمون؟ قلت: هذا ~~لم أقرأ له إلا قليلا لا يسوغ معه الحكم على شعره. قال: فماذا قرأت له؟ ~~قلت: رده على قصيدتك إليه: # شجتنا مطالع أقمارها # قال: فما رأيك في قصيدته هذه؟ قلت: هي من الشعر الوسط الذي لا يعلو ولا ~~ينزل. # فما راعني إلا رجل في المجلس يقول: أنصفت والله!. فقال حافظ: أقدم لك ~~داود بك عمون! ... # رحم الله تلك الأيام!. PageV03P263 ### | شوقي # 1: # هذا هو الرجل الذي يخيل إلي أن مصر اختارته دون أهلها جميعا لتضع فيه ~~روحها المتكلم، فأوجبت له ما لم توجب لغيره، وأعانته بما لم يتفق لسواه، ~~ووهبته من القدرة والتمكين وأسباب الرياسة وخصائصها على قدر أمة تريد أن ~~تكون شاعرة، ms822 لا على قدر رجل في نفسه؛ وبه وحده استطاعت مصر أن تقول ~~للتاريح: شعري وأدبي! # شوقي: هذا هو الاسم الذي كان في الأدب كالشمس من المشرق: متى طلعت في ~~موضع فقد طلعت في كل موضع، ومتى ذكر في بلد من بلاد العالم العربي اتسع ~~معنى اسمه فدل على مصر كلها كأنما قيل النيل أو الهرم أو القاهرة؛ مترادفات ~~لا في وضع اللغة ولكن في جلال اللغة. # رجل عاش حتى تم، وذلك برهان التاريخ على اصطفائه لمصر، ودليل العبقرية ~~على أن فيه السر المتحرك الذي لا يقف ولا يكل ولا يقطع نظام عمله، كأن فيه ~~حاسة نحلة في حديقة، ويكبر شعره كلما كبر الزمن، فلم يتخلف عن دهره، ولم ~~يقع دون أبعد غاياته، وكأنه مع الدهر على سياق واحد، وكأن شعره تاريخ من ~~الكلام يتطور أطواره في النمو فلم يجمد ولم يرتكس، وبقي خيال صاحبه إلى آخر ~~عمره في تدبير السماء كعراص الغمامة، سحابه كثير البرق ممتلئ ممطر ينصب من ~~ناحية ويمتلئ من ناحية. # والناس يكتب عليهم الشباب والكهولة والهرم، ولكن الأديب الحق يكتب عليه ~~شباب وكهولة وشباب؛ إذ كانت في قلبه الغايات الحية الشاعرة، ما تنفك يلد ~~بعضها بعضا إلى ما لا انقطاع له، فإنها ليست من حياة الشاعر التي خلقت في ~~قلبه، ولكنها من حياة المعاني في هذا القلب. PageV03P264 # أقرر هذا في شوقي -رحمه الله- وأنا من أعرف الناس بعيوبه وأماكن الغميزة ~~في أدبه وشعره؛ ولكن هذا الرجل انفلت من تاريخ الأدب لمصر وحدها كانفلات ~~المطرة من سحابها المتساير في الجو، فأصبحت مصر به سيدة العالم العربي في ~~الشعر، وهي لم تذكر قديما في الأدب إلا بالنكتة والرقة وصناعات بديعية ~~ملفقة، ولم يستفض لها ذكر بنابغة ولا عبقري، وكانت كالمستجدية من تاريخ ~~الحواضر في العالم، حتى أن أبا محمد الملقب بولي الدولة صاحب ديوان الإنشاء ~~في مصر للظاهر بن المستنصر -"وقد توفي سنة 341ه"، وكان رزقه ثلاثة آلاف ~~دينار في السنة غير رسوم يستوفيها على كل ما يكتبه- سلم لرسول التجار ms823 إلى ~~مصر من بغداد جزأين من شعره ورسائله يحملهما إلى بغداد ليعرضهما على الشريف ~~المرتضي وغيره من أدبائها، فيستشيرهم في تخليد هذا الأدب المصري بدار العلم ~~إن استجادوه وارتضوه، كأن حفظ ديوان من شعر مصر ونثرها في مكتبة بغداد ~~قديما يشبه في حوادث دهرنا استقلال مصر وقبولها في عصبة الأمم. # وهذا أحمد بن علي الأسواني إمام من أئمة الأدب في مصر "توفي سنة 562"، ~~وكان كاتبا شاعرا يجمع إلى علوم الأدب الفقه والمنطق والهندسة والطب ~~والموسيقى والفلك- أراد أن يدون شعر المصريين، فجمع من شعرهم "وشعر من طرأ ~~عليهم" أربع مجلدات، كأن الشعر المصري وحده إلى آخر القرن السادس للهجرة، ~~في العهد الذي لم يكن ضاع فيه شيء من الكتب والدواوين لا يملأ أربع مجلدات ~~... على اختلافهم في مقدار المجلدة، فقد تكون جزءا لطيف الحجم؛ والأسواني ~~نفسه يبلغ ديوانه نحو مائة ورقة. # وأخوه الحسن المعروف بالمهذب "الأسواني المتوفى سنة 561" قال العماد ~~الكاتب: إنه لم يكن بمصر في زمنه أشعر منه، وسارت له في الناس قصيدة سموها ~~النواحة، وصف فيها حنينه إلى أخيه وقد رحل إلى مكة وطالت غيبته بها وخيف ~~عليه؛ فالرجل أشعر أهل مصر في زمنه، وحادثة النواحة تجعله في هذا المعنى ~~أشعر من نفسه، على أنه مع هذا لم يقل إلا من هذا: # يا ربع أين نرى الأحبة يمموا ... هل أنجدوا من بعدنا أم أتهموا # رحلوا وفي القلب المعنى بعدهم ... وجد على مر الزمان مخيم # وتعوضت بالأنس نفسي وحشة ... لا أوحش الله المنازل منهم ... # ولولا ابن الفارض والبهاء زهير وابن قلاقس الإسكندري وأمثالهم، وكلهم # PageV03P265 # أصحاب دواوين صغيرة، وليس في شعرهم إلا طابع النيل، أي الرقة والحلاوة ~~لولا هؤلاء في المتقدمين لأجدب تاريخ الشعر في مصر؛ ولولا البارودي وصبري ~~وحافظ في المتأخرين؛ وكلهم كذلك أصحاب دواوين صغيرة، لما ذكرت مصر بشعرها ~~في العالم العربي؛ على أن كل هؤلاء وكل أولئك لم يستطيعوا أن يضعوا تاج ~~الشعر على مفرق مصر، ووضعه شوقي وحده! # والعجب أن دواوين المجيدين من شعراء المصريين لا تكون ms824 إلا صغيرة، كأن ~~طبيعة النيل تأخذ في المعاني كأخذها في المادة، فلا فيض ولا خصب إلا في وقت ~~بعد أوقات، وفي ثلاثة أشهر من كل اثني عشر شهرا؛ ومن جمال الفراشة أن تكون ~~صغيرة، وحسبها عند نفسها أن أجنحتها منقطة بالذهب، وأنها هي نكتة من بديع ~~الطبيعة! # على أنك واجد في تاريخ الأدب المصري عجيبة من عجائب الدنيا لا تذكر معها ~~الإلياذة ولا الإنيادة ولا الشاهنامة ولا غيرها، ولكنها عجيبة ملأتها روح ~~الصحراء إن كانت تلك الدواوين الصغيرة من روح النيل؛ وهي قصيدة نظمها أبو ~~رجاء الأسواني المتوفى سنة 335ه، وكان شاعرا فقيها أديبا عالما كما قالوا، ~~وزعموا أنه اقتص في نظمه أخبار العالم وقصص الأنبياء واحدا بعد واحد، ~~قالوا: وسئل قبل موته كما بلغت قصيدتك؟ فقال: ثلاثين ومائة ألف بيت ### | .... # وما أشك أن هذا الرجل وقع له تاريخ الطبري وكتب السير وقصص الإسرائيليات ~~فنظمها متونا متونا ... وأفنى عمره في 130 ألف بيت حولها التاريخ إلى خبر ~~مهمل في ثلاثة أسطر1. # كل شاعر مصري هو عندي جزء من جزء، ولكن شوقي جزء من كل، والفرق بين ~~الجزأين أن الأخير في قوته وعظمته وتمكنه واتساع شعره جزء عظيم كأنه بنفسه ~~الكل؛ ولم يترك شاعر في مصر قديما وحديثا ما ترك شوقي، وقد اجتمع له ما لم ~~يجتمع لسواه؛ وذلك من الأدلة على أنه هو المختار لبلاده، فساوى الممتازين ~~من شعراء دهره وارتفع عليهم بأمور كثيرة هي رزق تاريخه من القوة المدبرة ~~التي لا حيلة لأحد أن يأخذ منها ما لا تعطي، أو يزيد ما تنقص، أو ينقص ما ~~تزيد؛ وقد حاولوا إسقاط شوقي مرارا فأراهم غباره ومضى متقدما، PageV03P266 # ورجع من رجع منهم ليغسل عينيه ... ويرى بهما أن شوقي من النفس المصرية ~~بمنزلة المجد المكتوب لها في التاريخ بحرب ونصر، وما هو بمنزلة شاعر وشعره. # ولد شاعرنا سنة 1868 في نعمة الخديو إسماعيل باشا، ونثر له الخديو الذهب ~~وهو رضيع في قصة ذكرها شوقي في مقدمة ديوانه القديم، ثم كفله الخديو توفيق ms825 ~~باشا وعلمه وأنفق عليه من سعة، وأنزل نفسه منه منزلة أب غني كما يقول شوقي ~~في مقدمته، ثم تولاه الخديو عباس باشا وجعله شاعره وتركه يقول: # شاعر العزيز وما ... بالقليل ذا اللقب # وإذا أنت فسرت لقب شاعر الأمير هذا بالأمير نفسه في ذلك العهد، خرج لك من ~~التفسير: شاعر مرهف معان بأسباب كثيرة؛ ليكون أداة سياسية في الشعب المصري، ~~تعمل لإحياء التاريخ في النفس المصرية، وتبصيرها بعظمتها، وإقحامها في ~~معارك زمنها، وتهيئتها للمدافعة، وتصل الشعر بالسياسة الدينية التي توجهت ~~لها الخلافة يومئذ لتضرب فكرة أوروبا في تقسيم الدولة بفكرة الجامعة ~~الإسلامية ولا يخرج لك شوقي من هذا التفسير على أنه رجل في قدر نفسه، بل في ~~قدر أميره ذلك؛ وكان ممتلئا شبابا يغلي غليانا، ومعدا يوميذ لمطامع بعيدة ~~ملفقة حشوها الديناميت السياسي ... # كنت ذات مرة أكلم صديقي الكاتب العميق فرح أنطون صاحب "الجامعة" وكان ~~معجبا بشوقي إعجابا شديدا، فقال لي: إن شوقي الآن في أفق الملوك لا في أفق ~~الشعراء! قلت: كأنك نفيته من الملوك والشعراء معا؛ إذ لو خرج من هؤلاء لم ~~يكن شيئا، ولو نفذ إلى أولئك لم يعد شيئا، إنما الرجل في السياسة الملتوية ~~التي تصله بالأمير، هو مرة كوزير الحربية، ومرة كوزير المعارف. # وهذه السياسة التي ارتاض بها شوقي ولابسها من أول عهده، واتجه شعره في ~~مذاهبها، من الوطنية المصرية، إلى النزعة الفرعونية، إلى الجامعة ~~الإسلامية، فكانت بهذا سبب نبوغه ومادة مده الشعري هي بعينها مادة نقائصه؛ ~~فلقد ابتلته بحب نفسه وحب الثناء عليها، وتسخير الناس في ذلك بما وسعته ~~قوته، إلى غيرة أشد من غيرة الحسناء تقشعر كل شعرة منها إذا جاءها الحسن ~~بثانية، وهي غيرة وإن كانت مذمومة في صلته بالأدباء الذين لذعوه بالجمر ... ~~ونحن منهم، غير أنها ممدوحة في موضعها من طبيعته هو؛ إذ جعلته كالجواد ~~العتيق الكريم ينافس حتى ظله، فعارض المتقدمين بشعره كأنهم معه، ونافس ~~المعاصرين ليجعلهم كأنهم ليسوا معه، ونافس ذاته أيضا ليجعل شوقي أشعر من ~~شوقي؛ وعندي أن كل ms826 # PageV03P267 # ما في هذا الرجل من المتناقضات فمرجعه إلى آثار تلك السياسة الملتوية ~~التي ردت بطبيعة القوة عن وجوهها الصريحة، فجعلت تضطرب في وجوه من الحيل ~~والأسباب مدبرة مقبلة، متهدية في كل مجاهلها بإبرة مغناطيسية عجيبة لا ~~يشبهها في الطبيعة إلا أنف الثعلب المتجه دائما إلى رائحة الدجاج. # ومؤرخ الأدب الذي يريد أن يكتب عن شوقي لا يصنع شيئا إن هو لم يذكر أن ~~هذا الشاعر العظيم كان هدية الخديو توفيق والخديو عباس لمصر، كالدلتا بين ~~فرعي النيل؛ وما أصابه المتنبي من سيف الدولة مما ابتعث قريحته وراش أجنحته ~~السماوية وأضفى ريشها وانتزى بها على الغايات البعيدة في تاريخ الأدب أصاب ~~شوقي من سمو الخديو عباس أكثر منه، فكان حقيقا أن يساوي المتنبي أو يتقدمه، ~~ولكنه لم يبلغ منزلته؛ لأن الخديو لم يكن كسيف الدولة في معرفته بالأدب ~~العربي ورغبته فيه؛ وسر المتنبي كان في ثلاثة أشياء: في جهازه العصبي ~~العجيب الذي لا يقل في رأيي عما في دماغ شكسبير، وفي ممدوحه الأديب الملك ~~الذي ينزل من هذا الجهاز منزلة المهندس الكهربائي من آلة عظيمة يديرها بعلم ~~ويقوم عليها بتدبير ويحوطها بعناية، ثم في أفق عصره المتألق بنجوم الأدب ~~التي لا يمكن أن يظهر بينها إلا ما هو في قدرها، ولا يتميز فيها إلا ما هو ~~أكبر منها، ولا يتركها كالمنطفئة إلا شمس كشمس المتنبي تتفجر على الدنيا ~~بمعجزاتها النورانية. # ولقد -والله- كان هذا المتنبي كأنه يوزع الشرف على الملوك والرؤساء؛ وهل ~~أدل على ذلك من أن أبا إسحاق الصابي شيخ الكتاب في عصره يراسله أن يمدحه ~~بقصيدتين ويعطيه خمسة آلاف درهم، فيرسل إليه المتنبي: ما رأيت بالعراق من ~~يستحق المدح غيرك، ولكني إن مدحتك تنكر لك الوزير "يعني المهلبي" لأني لم ~~أمدحه، فإن كنت لا تبالي هذا الحال فأنا أجيبك ولا أريد منك مالا ولا من ~~شعري عوضا! فأين في دهرنا من تشعره عزة الأدب مثل هذا الشعور ليأتي بالشعر ~~من نفس مستيقنة أن الدنيا في انتظار كلمتها؟ # على أن شوقي ms827 لم يكن ينقصه باعتبار زمنه إلا "الجمهور الشعري"، وكل بلاء ~~الشعر العربي أنه لا يجد هذا الجمهور، فالشاعر بذلك منصرف إلى معان فردية ~~من ممدوح عظيم أو حبيب عظيم أو سقوط عظيم ... حتى الطبيعة تظهر في الشعر ~~العربي كأنها قطع مبتورة من الكون داخلة في الحدود لابسة الثياب؛ ومن ذلك ~~ينبغ الشاعر وليس فيه من الإحساس إلا قدر نفسه لا قدر جمهوره، وإلا ملء ~~حاجاته لا ملء الطبيعة؛ فلا جرم يقع بعيدا عن المعنى الشامل المتصل ~~بالمجهول، ويسقط # PageV03P268 # بشعره على صور فردية ضيقة الحدود، فلا تجد في طبعه قوة الإحاطة والتبسط ~~والشمول والتدقيق، ولا تؤاتيه طبيعته أن يستوعب كل صورة شعرية بخصائصها، ~~فإذا هو على الخاطر العارض يأخذ من عفوه ولا يحسن أن يتوغل فيه، وإذا هو ~~على نزوات ضعيفة من التفكير لا يطول لها بحثه ولا يتقدم فيها نظره، وإذا ~~نفسه تمر على الكون مرا سريعا، وإذا شعره مقطع قطعا، وإذا آلامه وأفراحه ~~أوصاف لا شعور، وكلمات لا حقائق، وظل طامس ملقى على الأرض إذا قابلته ~~بتفاصيل الجسم الحي السائر على الأرض. # واجتمع لشوقي في ميراث دمه ومجاري أعراقه عنصر عربي، وآخر تركي، وثالث ~~يوناني، ورابع شركسي؛ وهذه كثرة إنسانية لا يأتي منها شاعر إلا كان خليقا ~~أن يكون دولة من دول الشعر، وإلى هذا ولد شاعرنا باختلاله العصبي في عينيه، ~~كأن هذا دليل طبيعي على أن وراءهما عينين للمعاني تزاحمان عيني البصر؛ وما ~~لم يكن التركيب العصبي في الشاعر مهيأ للنبوغ، فاعلم أنه وقع من تقاسيم ~~الدنيا في غير الشعر، وليس في الطبيعة ولا في الصناعة قوة تجعل حنجرة ~~البلبل في غير البلبل؛ ومع كل ما تقدم فقد أعين شوقي على الشعر بفراغه له ~~أربعا وأربعين سنة، غير مشترك العمل، ولا متقسم الخاطر، على سعة في الرزق ~~وبسطة في الجاه وعلو في المنزلة، وبين يديه دواوين الشعر العربي والأوروبي ~~والتركي والفارسي؛ وإن تنس فلا تنس أن شاعرنا هذا خص بنشاط الحياة، وهو روح ~~الشعر لا روح للشعر بدونه، ms828 فسافر ورحل وتقلب في الأرض، وخالط الشعوب ~~واستعرض الطبيعة يتخللها ببصره ما بين الأندلس والأستانة، وظهيره على ذلك ~~ماله وفراغه، وإنما قوة الشعر في مساقط الجو، ففي كل جو جديد روح للشاعر ~~جديدة؛ والطبيعة كالناس: هي في مكان بيضاء وفي مكان سوداء، وهي في موضع ~~نائمة تحلم وفي موضع قائمة تعمل، وفي بلد هي كالأنثى الجميلة، وفي بلد هي ~~كالرجل المصارع؛ ولن يجتمع لك روح الجهاز العصبي على أقواه وأشده إلا إذا ~~أطعمته مع صنوف الأطعمة اللذيذة المفيدة، ألوان الهواء اللذيذ المفيد. # وعندي أنه لا أمل أن ينشأ لمصر شاعر عظيم في طبقة الفحول من شعراء ~~العالم، إلا إذا أعيد تاريخ شوقي مهذبا في رجل وهبه الله مواهبه، ثم تهبه ~~الحكومة المصرية مواهبها. # والكتاب الأول الذي راض خيال شوقي وصقل طبعه وصحح نشأته الأدبية، # PageV03P269 # هو بعينه الذي كانت منه بصيرة حافظ وذكرناه في مقالنا عنه، أي كتاب ~~"الوسيلة الأدبية" للمرصفي؛ وليس السر في هذا الكتاب ما فيه من فنون ~~البلاغة ومختارات الشعر والكتابة، فهذا كله كان في مصر قديما ولم يغن شيئا ~~ولم يخرج لها شاعرا كشوقي، ولكن السر ما في الكتاب من شعر البارودي؛ لأنه ~~معاصر، والمعاصرة اقتداء ومتابعة على صواب إن كان الصواب، وعلى خطأ إن كان ~~الخطأ؛ وقد تصرمت القرون الكثيرة والشعراء يتناقلون ديوان المتنبي وغيره، ~~ثم لا يجيئون إلا بشعر الصناعة والتكلف، ولا يخلد الجيل منهم إلا لما رأى ~~في عصره، ولا يستفتح غير الباب الذي فتح له، إلى أن كان البارودي، وكان ~~جاهلا بفنون العربية وعلوم البلاغة، لا يحسن منها شئا، وجهله هذا هو كل ~~العالم الذي حول الشعر من بعد؛ فيا لها عجيبة من الحكمة! وهي دليل على أن ~~أعمال الناس ليست إلا خضوعا لقوانين نافذة على الناس. وأكب البارودي على ما ~~أطاقه، وهو الحفظ من شعر الفحول؛ إذ لا يحتاج الحفظ إلى غير القراءة، ثم ~~المعاناة والمزاولة؛ وكانت فيه سليقة، فخرجت مخرج مثلها في شعراء الجاهلية ~~والصدر الأول من الحفظ والرواية، وجاءت بذلك ms829 الشعر الجزل الذي نقله المرصفي ~~بإلهام من الله -تعالى- ليخرج به للعربية حافظ وشوقي وغيرهما، فكل ما في ~~الكتاب أنه ينقل روح المعاصرة إلى روح الأديب الناشئ، فتبعثه هذه الروح على ~~التمييز وصحة الاقتداء، فإذا هو على ميزة وبصيرة، وإذا هو على الطريق التي ~~تنتهي به إلى ما في قوة نفسه ما دام فيه ذكاء وطبع؛ وبهذا ابتدأ شوقي وحافظ ~~من موضع واحد، وانتهى كلاهما إلى طريقة غير طريقة الآخر، والطريقتان معا ~~غير طريقة البارودي. # تحول شوقي بهذا الشعر لا إلى طريقة البارودي، فإنه لا يطيقها ولا تتهيأ ~~في أسبابه، وخاصة في أول عهده، وكأن لغة البارودي فيها من لقبه، أي فيها ~~البارود ... ولكن تحول نابغتنا كان عن طريقة معاصريه من أمثال الليثي وأبي ~~النصر وغيرهما، فترك الأحياء وانطلق وراء الموتى في دواوينهم التي كان من ~~سعادته أن طبع الكثير منها في ذلك العهد: كالمتنبي وأبي تمام والبحتري ~~والمعري، ثم أهل الرقة أصحاب الطريقة الغرامية: كابن الأحنف والبهاء زهير ~~والشاب الظريف والتلعفري والحاجري، ثم مشاهير المتأخرين: كابن النحاس ~~والأمير منجك والشرقاوي. وقد حاول شوقي في أول أمره أن يجمع بين هذا كله، ~~فظهر في شعره تقليده وعمله في محاولة الابتكار والإبداع وإحكام التوليد، مع ~~السهولة والرقة وتكلف الغزل بالطبع المتدفق لا بالحب الصحيح. # PageV03P270 # وأنا حين أكتب عن شاعر لا يكون همي إلا البحث في طريقة ابتداعه لمعانيه، ~~وكيف ألم وكيف لحظ، وكيف كان المعنى منبهة له، وهل أبدع أم قلد، وهل هو شعر ~~بالمعنى شعورا فخالط نفسه وجاء منها، أم نقله نقلا فجاء من الكتب؛ وهل يتسع ~~في الفكرة الفلسفية لمعانيه، ويدقق النظرة في أسرار الأشياء، ويحسن أن ~~يستشف هذه الغيوم التي يسبح فيها المجهول الشعري ويتصل بها ويستصحب للناس ~~من وحيها؛ أم فكره استرسال وترجيم في الخيال وأخذ للموجود كما هو موجود في ~~الواقع؟ وبالجملة هل هو ذاتية تمر فيها مخلوقات معانيه لتخلق فتكون لها مع ~~الحياة في نفسها حياة من نفسه، أم هو تبعية كالسمسار بين طرفين: يكون ~~بينهما، ms830 وليس منهما ولا من أحدهما؟ في هذه الطريقة من البحث تاريخ موهبة ~~الشاعر، ولا يؤديك إلى هذا التاريخ إلا ذلك المذهب إليه إن أطقته، أما ~~تاريخ الشاعر نفسه فما أسهله؛ إذ هو صورة أيامه وصلته بعصره، وليس في تأريخ ~~ما كان إلا نقله كما كان. # وإذا عرضنا شوقي بتلك الطريقة رأيناه نابغة من أول أمره، ففيه تلك ~~الموهبة التي أسميها حاسة الجو؛ إذ يتلمح بها النوابغ معاني ما وراء ~~المنظور، ويستنزلون بها من كل معنى معنى غيره. # انظر أبياته التي نظمها في أول شبابه وسنه يومئذ 23 سنة على ما أظن، وهي ~~من شعره السائر: # خدعوها بقولهم حسناء ... والغواني يغرهن الثناء # ما تراها تناست اسمي لما ... كثرت في غرامها الأسماء # إن رأتني تميل عني كأن لم ... تك بيني وبينها أشياء # نظرة فابتسامة فسلام ... فكلام فموعد فلقاء # دع غلطته في قوله "تميل عني"1، فإن صوابها: تمل؛ إذ هي جواب إن الشرطية؛ ~~ولكن تأمل كيف استخرج معانيه؛ وأنا كنت دائما وما أزال معجبا بالبيتين ~~الثاني والرابع، لا إكبارا لمعناهما، فهما لا شيء عندي، ولكن إعجابا بموهبة ~~شوقي في التوليد، فإنه أخذ البيت الثاني من قول أبي تمام: # أتيت فؤادها أشكو إليه ... فلم أخلص إليه من الزحام # فمر المعنى في ذهن شوقي كما يمر الهواء في روضة، وجاء نسيما يترقرق ~~PageV03P271 # بعدما كان كالريح السافية بترابها؛ لأن الزحام في بيت أبي تمام حقيق بسوق ~~قائمة للبيع والشراء، لا بقلب امرأة يحبها، بل هو يجعل قلب المرأة شيئا ~~غريبا كأنه ليس عضوا في جسمها، بل غرفة في بيتها ... وقد سبق شاعرنا أبا ~~تمام بمراحل في إبداعه وذوقه ورقته. # والبيت الرابع من قول الشاعر الظريف: # قف واستمع سيرة الصب الذين قتلوا ... فمات في حبهم لم يبلغ الغرضا # رأى فحب فسام الوصل فامتنعوا ... فرام صبرا فأعيا نيله فقضى # وهذه "فاءات" تجر إلى القبر ونعوذ بالله منها ... ومما كنت أعيبه على ~~شوقي ضعفه في فنون الأدب، فإن المويلحي الكاتب الشهير انتقد في جريدته ~~"مصباح الشرق" أبيات "خدعوها" عند ms831 ظهور الشوقيات في سنة 1899، فارتاع شوقي ~~وتحمل عليك ليمسك عن النقد، مع أن كلام المويلحي لا يسقط ذبابة من ارتفاع ~~نصف متر ... ومن مصيبة الأدب عندنا، بل من أكبر أسرار ضعفه، أن شعراءنا لا ~~طاقة لهم بالنقد، وأنهم يفرون منه فرارا ويعملون على تفاديه وأنهم لا ~~يحسنون غير الشعر؛ فلا البارودي ولا صبري ولا حافظ ولا شوقي كان يحسن واحد ~~منهم أن يدفع عن نفسه أو يكتب فصلا في النقد الأدبي، أو يحقق مسألة في ~~تاريخ الأدب. # ومن معاني شوقي السائرة: # لك نصحي وما عليك جدالي ... آفة النصح أن يكون جدالا # وكرره في قصيدة أخرى فقال: # آفة النصح أن يكون جدالا ... وأذى النصح أن يكون جهارا # والبيتان في شعر صباه أيضا، وهما من قول ابن الرومي: # وفي النصح خير من نصيح موادع ... ولا خير فيه من نصيح مواثب # فصحح شوقي المعنى وأبدل المواثبة بالجدال، وذلك هو الذي عجز عنه ابن ~~الرومي؛ ومن إبداعه في قصيدته "صدى الحرب" يصف هزيمة اليونان: # يكادون من ذعر تفر ديارهم ... وتنجو الرواسي لو حواهن مشعب # يكاد الثرى من تحتهم يلج الثرى ... ويقضم بعض الأرض بعضا ويقضب # وهذا خيال بديع في الغاية، جعل هزيمتهم كأنها ليست من هول الترك، بل من # PageV03P272 # هول القيامة؛ وهو مع ذلك مولد من قول أبي تمام في وصف كرم ممدوحه أبي ~~دلف: # تكاد مغانيه تهش عراصها ... فتركب من شوق إلى كل راكب # فقاس شاعرنا على ذلك؛ وإذا كادت الدار تركب إلى الراكب إليها من فرحها، ~~فهي تكاد تفر مع المنهزم من ذعرها؛ ولكن شوقي بني فأحكم وسما على أبي تمام ~~بالزيادة التي جاء بها في البيت الثاني. # ومن أحسن شعره في الغزل: # حوت الجمال فلو ذهبت تزيدها ... في الوهم حسنا ما استطعت مزيدا # وهو من قول القائل: # ذات حسن لو استزادت من الحس ... ن إليها لما أصابت مزيدا # غير أن شوقي قال: لو ذهبت تزيدها في الوهم ... والشاعر قال: لو استزادت ~~هي؛ فلو خلا بيت شوقي من كلمة "في الوهم" لما ms832 كان شيئا، ولكن هذه الكلمة ~~حققت فيه المعنى الذي تقوم عليه كل فلسفة الجمال؛ فإن جمال الحبيب ليس شيئا ~~إلا المعاني التي هي في وهم محبه؛ فالزيادة تكون من الوهم، وهو بطبيعته لا ~~ينتهي؛ فإذا لم تبق فيه زيادة في الحسن فما بعد ذلك حسن، وقد بسطنا هذا ~~المعنى في صور كثيرة في كتبنا: "رسائل الأحزان" و "السحاب الأحمر"، و ~~"أوراق الورد"؛ فانظر فيها. # ومما يتمم ذلك البيت قول شوقي في قصيدة النفس: # يا دمية لا يستزاد جمالها ... زيديه حسن المحسن المتبرع # وهذا المعنى يقع من نفسي موقعا وله من إعجابي محل؛ فهذه الزيادة التي فيه ~~كزيادة العمر لو أمكنت، وهي في موضعها كما ينقطع الخط ثم يتصل، وكما يستحيل ~~الأمل ثم يتفق ويسهل؛ وقد علمت مأخذ الشطر الأول، أما الثاني فهو من قول ~~ابن الرومي: # يا حسن الوجه لقد شنته ... فاضمم إلى حسنك إحسانا # وفي القصيدة التي رثى بها ثروت باشا وهي من أحسن شعره تجد من أبياته هذا ~~البيت النادر: # وقد يموت كثير لا تحسهمو ... كأنهم من هوان الخطب ما وجدوا # وشوقي يعارض بهذه القصيدة أبا خالد بن محمد المهلبي في داليته التي رثى # PageV03P273 # بها المتوكل، وكان المهلبي حاضرا قتله هو والبحتري، فرثاه كل منهما ~~بقصيدة قالوا: إنها من أجود ما قيل في معناهما؛ وبيت شوقي مأخوذ من قول ~~المهلبي: # إنا فقدناك حتى لا اصطبار لنا ... ومات قبلك أقوام فما فقدوا # أي لم يحس موتهم أحد؛ ولكن البيت غير مستقيم؛ لأن الذي يموت فلا يفقد هو ~~الخالد الذي كأنه لم يمت؛ فاستخرج شوقي المعنى الصحيح وجعل العدم الذي هو ~~آخر الوجود في الناس، أول الوجود ووسطه وآخره في هؤلاء الذين هانوا على ~~الحياة فوجدوا وماتوا كأنهما ماتوا وما وجدوا. # وإلى ما علمت من قوة هذه الشاعرية، ودقتها فيما تتأتى له، ومجيئها ~~بالمعاني النادرة مستخرجة استخراج الذهب، مصقولة صقل الجوهر، معدلة بالفكر، ~~موزونة بالمنطق- تجد لها تهافتا كتهافت الضعفاء، وغرة كغرة الأحداث؛ حتى ~~لتحسب أن طفولة شوقي كثيرا ما تنبعث ms833 في شعره لاعبة هازلة، أو كأن للرجل ~~شخصيتين كما يقول الأطباء، فهما تتعاوران شعره كمالا ونقصا، وعلوا ونزولا، ~~أو قل هي العربية واليونانية في ناحية من نفسه، والتركية والشركسية في ~~ناحية أخرى: لتلك الابتكار والبلاغة والمنطق، ولهذه التهويل والمبالغة ~~والخلط؛ وشوقي هو بهما جميعا؛ تفتنه القوية منهما فيعجب بها إعجاب القوة، ~~وتخدعه الضعيفة فيعجب بها إعجاب الرقة؛ ما أعجب بيته الذي قاله في الحنين ~~إلى الوطن من قصيدته الأندلسية الشهيرة: # وطني لو شغلت بالخلد عنه ... نازعتني إليه في الخلد نفسي # وهذا البيت مما يتمثل به الشبان وكتاب الصحافة، ولم يفطن أحد إلى فساده ~~وسخافة معناه؛ فإن الخلد لا يكون خلدا إلا بعد فناء الفاني من الإنسان ~~وطبائعه الأرضية، وبعد أن لا تكون أرض ولا وطن ولا حنين ولا عصبية؛ فكان ~~شوقي يقول: لو شغلت عن الوطن حين لا أرض ولا وطن ولا دول ولا أمم ولا حنين ~~إلى شيء من ذلك- فإني على ذلك أحن إلى الوطن الذي لا وجود له في نفسي ولا ~~في نفسه ### | .... # وهذا كله لغو ... والمعنى بعد من قول ابن الرومي: # وحبب أوطان الرجال إليهموا ... مآرب قضاها الشباب هنالكا # إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمو ... عهود الصبي فيها فحنوا لذلكا # ومنازعة النفس هي الحنين، ومعنى ابن الرومي وإن كان صحيحا غير أنه لا ~~يصلح لفلسفة الوطنية في زمننا. # PageV03P274 # وإن في شوقي عيبين يذهبان بكثير من حسناته: أحدهما المبالغات التركية ~~الفارسية مما تنزعه إليه تركيته ولا مبالغة في الدنيا تقاربها، كقول بعض ~~شعرائهم إن النملة بزفرتها جففت الأبحر السبعة ... وهو إغراق سخيف لا يأتي ~~بخيال عجيب كما يتوهمون، بل يأتي بهذيان عجيب؛ وإذا كان الصدق يأنف من ~~الكذب، فإن الكذب نفسه يأنف من هذا الإغراق؛ ومن هذه التركية في شوقي ~~إضافات وهمية، هي من تلك المبالغات كذيل الحمار من الحمار: قطعة فيه ودليل ~~عليه وآخر لأوله ولا محل لها في ذوق البلاغة العربية، كقوله: # عيسى الشعور إذا مشى ... رد الشعوب إلى الحياة # وقوله في سعد باشا في حادثة الاعتداء عليه: ms834 # ولو زلت غيب "عمرو الأمور" ... وأخلى المنابر سحبانها # ويدخل في جنايات هذه التركية على شعره تكراره الأسماء المقدسة والأعلام ~~التاريخية: كيوشع وعيسى وموسى وخالد وبدر وسيناء وحاتم وكعب وغيرها مما هو ~~شائع في نظمه ولا تجده أكثر ما تجده إلا ثقيلا مملولا؛ ولهذه الألفاظ عندنا ~~فلسفة لا محل لها الآن، فهي أحيانا تكون السحر كله والبلاغة كلها، على شرط ~~أن يكون القلب هو الذي وضعها في موضعها، وأن لا يضعها إلا على هيئة قلبية، ~~فيكون كأنه وضع نفسه في الشعر ليخفق خفقانه الحي في بضعة ألفاظ، وهذا ما لم ~~يحسنه شوقي -والعيب الثاني أن ألفاظ شاعرنا يثبت أكثرها على النقد؛ لضعفه ~~في الصناعة البيانية، ثم لضعف الموهبة الفلسفية فيه واعتباره التهويل شعرا ~~والمبالغة بلاغة وإن فسدت بهما البلاغة والشعر؛ انظر إلى قوله من قصيدته ~~الشهيرة 28 فبراير: # قالوا: الحماية زالت قلت لا عجب ... قد كان باطلها فيكم هو العجبا # رأس الحماية مقطوع فلا عدمت ... كنانة الله حزما يقطع الذنبا # قلنا: فإذا قطع "رأس الحماية" وبقيت منها بقية ما ذنب أو يد أو رجل؛ فإن ~~هذه البقية في لغة السياسة التي تنقذ الألفاظ وحروفها ونقط حروفها ... لن ~~تكون ذنبا ولا يدا ولا رجلا، بل هي "رأس الحماية" بعينه ### | .... # على أن شوقي إنما عكس قول الشاعر: # لا تقطعن ذنب الأفعى وترسلها ... إن كنت شهما فأتبع رأسها الذنبا # وهذا كلام على سياقه من العقل، فما غناء قطع ذنب الأفعى إذا بقي رأسها، ~~وإنما الأفعى كلها هي هذا الرأس. # PageV03P275 # ولقد ظهر لي من درس شوقي في ديوانه أمر عجبت له؛ فإني رأيته يأخذ من أبي ~~تمام والبحتري والمعري وابن الرومي وغيرهم؛ فربما ساواهم وربما زاد عليهم، ~~حتى إذا جاء إلى المتنبي وقع في البر وأدركه الغرق؛ لأنه نشأ على رهبة منه ~~كما تشير إليه عبارته في مقدمة ديوانه الأول؛ وقد وصف خيل الترك في قصيدة ~~أنقرة بقوله: # والصبر فيها وفي فرساها خلق ... توارثوه أبا في الروع بعد أب # كما ولدتم على أعرافها ولدت ... في ms835 ساحة الحرب لا في باحة الرحب # وشعره هذا كله يرتعد أمام قول المتنبي: # أقبلتها غرر الجياد كأنما ... أيدي بني عمران في جبهاتها # الثابتين فروسة كجلودها ... في ظهرها، والطعن في لباتها # فكأنها نتجت قياما تحتهم ... وكأنهم ولدوا على صهواتها # فانظر أين صناعة من صناعة وأين شعر من شعر؟ وقال في "صدى الحرب" يصف ~~مدافع الدردنيل: # قذائف تخشى مهجة الشمس كلما ... علت مصعدات أنها لا تصوب # إذا هب حاميها على السفن انثنت ... وغانمها الناجي فكيف المخيب # وهذا الاستفهام "فكيف المخيب" استفهام مضحك؛ لأنه إذا كان الناجي غانما، ~~فالمخيب خاسر بلا سؤال ولا فلسفة؛ والكلمة الشعرية في هذا كله هي قوله ~~"وغانمها الناجي"، وهي كالهاربة تتوارى خوفا من بيت أبي الطيب: # أغر أعداؤه إذا سلموا ... بالهرب استكبروا الذي فعلوا # فهذا هو الشعر لا ذاك؛ على أني أشهد أن في قصيدة "صدى الحرب" أبياتا هي ~~من أسمى الشعر، وكأن شوقي -رحمه الله- كان ينظم هذه القصيدة من إيمانه ومن ~~دمه ومن كل مطامع دنياه وآخرته، يبتغي بها الشهرة الخالدة في الناس، ~~والمنزلة السامية عند الخديو، ونباهة الشأن عند الخليفة، والثواب عند الله ~~تعالى؛ ولو هو في أثناء عملها أسقط نصفها أو أكثر لجاءت فريدة في الشعر ~~العربي، غير أن الحرص كان يغتره، وكان طول عمره مفتونا بشعره؛ فجاء في هذا ~~الشعر بالطم والرم كما يقولون؛ وله كثير من الكلام الرذل الساقط بضعفه ~~وتهافته؛ ولولا تلك التركية الفارسية وضعفه البياني، لما رضي أن يكون ذلك ~~في شعره؛ وليت شعري كيف غاب عن مثله أن التهويل والإغراق والإحالة مما يهجن ~~الشعر ويذهب بأثره # PageV03P276 # في النفس ويحيله إلى صناعة هي شر من الصناعة البديعية؛ لأن هذه تكون في ~~والألفاظ؛ والألفاظ تحتمل العبث البديعي ويخرج بها الأمر إلى أن يكون ضربا ~~من الرياضة كمعاناة بعض المسائل في الجبر والهندسة تركيبا وحلا؛ ولكن ~~المعاني لا تحتمل ذلك؛ إذ هي تفكير لا يلتوي إلا فسد، والمعاني التي يأتي ~~بها الشاعر يجب أن تكون فيها مزية بخاصتها من الجمال والبيان، وأن تكون ms836 ~~أخيلتها هي الحقائق التي أول مواضعها فوق حقائق البشر. # وهناك ضرب آخر من المبالغة يجيء من سقوط الخيال؛ لأن في الأسفل مبالغة ~~كما في الأعلى، وإن كانت مبالغة الأسفل زيادة في السخرية منه والهزء به؛ ~~وهذه المبالغة تأتي من جمع أشتات مختلفة وإدماجها كلها في معنى واحد، كهذا ~~الذي حاول أن يدمج الطبيعة كلها في حبيبته فزعم أن فيها من كل شيء، ونسي أن ~~كل قبيح وكل بغيض هو من كل شيء ... # إن الخيال الشعري يزيغ بالحقيقة في منطق الشاعرلا ليقبلها عن وضعها ويجيء ~~بها ممسوخة مشوهة، ولكن ليعتدل بها في أفهام الناس ويجعلها تامة في ~~تأثيرها؛ وتلك من معجزاته؛ إذ كانت فيه قوة فوق القوة عملها أن تزيد ~~الموجود وجودا بوضوحه مرة وبغموضه أخرى. # ولعلماء الأدب العربي كلمة ما أراهم فهموها على حقها ولا نفذوا إلى سره؛ ~~قالوا: أعذب الشعر أكذبه؛ يعنون أن الشعر المبالغة والخيال: ولا ينفذون إلى ~~ما وراء ذلك، وما وراءه إلا الحقيقة رائعة بصدقها وجلالها؛ وفلسفة ذلك أن ~~الطبيعة كلها كذب على الحواس الإنسانية، وأن أبصارنا وأسماعنا وحواسنا هي ~~عمل شعري في الحقيقة؛ إذ تنقل الشيء على غير ما هو في نفسه؛ ليكون شيئا في ~~نفوسنا، فيؤثر بها أثره جمالا وقبحا وما بينهما؛ وما هي خمرة الشعر مثلا؟ ~~هي رضاب الحبيبة؛ ولكن العاشق لو رأى هذا الرضاب تحت المجهر لرأي.. لرأى ~~مستنقعا صغيرا. ولو كان هذا المجهر أضعاف الأضعاف مما يجهر به لرأيت ذلك ~~الرضاب يعج عجيجا بالهوام والحشرات التي لا تخفى بنفسها ولكن أخفاها ~~التدبير الإلهي بأن جعل رتبتها في الوجود وراء النظر الإنساني، رحمة من ~~الله بالناس؛ فأعذب الشعر ما عمل في تجميل الطبيعة كما تعمل الحواس الحية ~~بسر الحياة؛ PageV03P277 # ولهذا المعنى كان الشعراء النوابغ في كل مجتمع هم كالحواس لهذا المجتمع. # ومن سخيف الإغراق في شعر شوقي قوله في رثاء مصطفى باشا كامل، وهي أبيات ~~يظن هو أنه أوقع كلامه فيها موقعا بديعا من الإغراب: # فلو ان أوطانا تصور هيكلا ... دفنوك بين ms837 جوانح الأوطان # أو كان يحمل في الجوارح ميت ... حملوك في الأسماع والأجفان # أو كان للذكر الحكيم بقية ... لم تأت بعد رثيت في القرآن # فهذه فروض فوق المستحيل بأربع درجات ... وتصور أنت ميتا يحمل في الجوارح ~~فيترمم فيها ويبلى ... وما زال الشاعر في أبياته يخرج من طامة إلى طامة، ~~حتى قال: رثيت في القرآن، ولو سئلت أنا إعراب "لو" في هذه الأبيات لقلبت: ~~إنها حرف نقص وتلفيق وعجز ... وكيف يسوغ في الفرض أن تكون للقرآن بقية لم ~~تنزل، والله تعالى يقول فيه: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] ؛ ~~والأمر أمر دين قد تم، وكتاب مقدس ختم، ونبوة انقضت؛ والشاعر ماض في غفلته ~~لم يتنبه لشيء ولم يدر أنه يفرض فرضا بهدم الإسلام كله، بل حسب أنه جاء ~~بخيال وبلاغة فارسية؛ وشوقي في الحقيقة كامل كناقص، وإن من معجزات هذا ~~الشاعر أن يكون ناقصا هذا النقص كله ويكمل. # وفي الشوقيات صفحات تكاد تغرد تغريدا، وفيها صفحات أخرى تنق نقيق ~~الضفادع؛ وفي هذا الديوان عيوب لا نريد أن نقتصها؛ فإن ذلك يحتاج إلى كتاب ~~برأسه إذا ذهبنا نأتي بها ونشرح العلة فيها ونخرج الشواهد عليها، ولكن من ~~عيوبه في التكرار أن له بيتا يدور في قصائده دوران الحمار في الساقية، وهو ~~هذا البيت: # وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا # بل هذا البيت: # وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن تولت مضوا على آثارهما قدما # بل هو هذا: # كذا الناس بالأخلاق يبقى صلاحهم ... ويذهب عنهم أمرهم حين تذهب # بل هو هذا البيت: # ولا المصائب إذ يرمي الرجال بها ... بقاتلات إذا الأخلاق لم تصب # وقد تكرر "فيما قرأته من ديوانه" ثلاث عشرة مرة، فعاد المعنى كطيلسان ابن # PageV03P278 # حرب الذي جعل الشاعر يرقعه ثم يرقعه حتى ذهب الطيلسان وبقيت الرقع ### | .... # والبيت الأول من العين النادر، ولكن أفسده في الباقي سوء ملكة الحرص في ~~شوقي، أو ضعف الحس البياني، أو ابتذاله الشعر في غير موضعه، أو وهن فكرته ~~الفلسفية من جوانب كثيرة؛ وهذه الأربعة هي ms838 الأبواب التي يقتحم منها النقد ~~على شعر صاحبنا، ولو هو كان قد حصنها بأضدادها لكان شاعر العربية من ~~الجاهلية إلى اليوم، ولكان عسى أن ينقل الشعر إلى طور جديد في التاريخ؛ ~~ولكن الفوضى وقعت في شوقي من أول أمره؛ فأرسل إلى أوربا لدرس الحقوق وكان ~~الوجه أن يرسل لدرس الآداب والفلسفة، وغامر في سياسة الأرض، وكان الحق أن ~~يشتغل بسياسة السماء، وتهالك في مادة الدنيا، وكان الصواب أن يتهالك في ~~معانيها. # إن الفوضى ذاهبة مذاهبها في الأدب والشعر، فكل شاعر عندنا كمؤلف يضع ~~رواية ثم يمثلها وحده وعليه أن يمثلها وحده، فهو يخرج على النظارة في ثياب ~~الملك فيلقى كلاما ملكيا، ثم ينفتل فيجيء في ثواب القائد فيلقى كلاما ~~حربيا، ثم ينقلب فيعود في هيئة التاجر فيلقى كلاما سوقيا، ثم يروح فيرجع في ~~مباذل الخادم، ثم.. ثم.. يتوارى فيظهر في جلدة بربري.. وهذه الفوضى التي ~~أهملتها الحكومة وأهملها الأمراء والكبراء هي حقيقة مؤلمة، ولكن هي ~~الحقيقة! # وشوقي على كل هذا هو شوقي: أول من احتفى بتاريخ مصر من الشعراء، وأول من ~~توسع في نظم الرواية الشعرية فوضع منها ست روايات، وهو صاحب الآيات البديعة ~~في الوصف، وهذه الناحية هي أقوى نواحيه، ولقد ألهمتني قراءة البارع من شعره ~~في أغراضه وفنونه المختلفة أن الله تعالى ينعم على الآداب الجميلة بأفراد ~~ممتازين في جمال أرواحهم وقوتها، تجد الآداب لذتها فيهم وسموها بهم، كأن ~~الأمر قياس على ما يقع من عشق الناس لبعض المعاني، فيكون في المعاني ما ~~يعشق بعض الناس، ومتى بلغ عشق المعنى لإنسان مبلغ الاختصاص والوجد ظهر الفن ~~أبدع ما يرى، كأن المعنى الأدبي يتجمل ويتحبب ليستميل هذا الإنسان الحاكم ~~عليه حكم الحب. # فيا مصر، لقد مات شاعرك الذي كان يحاول أن يخرج بالجيل الحاضر إلى الزمن ~~الذي لم يأت بعد، فإذا جاء هذا الزمن الزاخر بفنونه وآدابه العالية، وذكرت ~~مجد شعرك الماضي، فليقل أساتذتك يومئذ: كان هذا الماضي شاعرا اسمه شوقي! # PageV03P279 ### | بعد شوقي # *: # كان يتوجه الظن على شوقي رحمه ms839 الله فيزعم الزاعم أن شوقي هو يحيى شعره، ~~وهو يرفع منه، وهو يشيع حوله قوة الجذب من مغناطيس الثروة والمكانة، وأن ~~الرجل ما أوفى على الشعراء جميعا لأنه أفضلهم، بل لأنه أغناهم؛ ولا من أنه ~~أقواهم قوة، بل لأنه أقواهم حيلة؛ وأن الشاعر لو جاء يومه لبطل السحر ~~والساحر، فترجع العصا وهي عصا بعد أن انقلبت حية، ويؤول هذا الشعر إلى ~~حقيقته، وتتسم الحقيقة بسمتها؛ كأن شوقي كان يعمل لشعره بقوة السموات ~~والأرض لا بقوة رجل من الناس. # فقد ذهب الرجل إلى ربه، وخلا مكانه، وبطلت كل وسائله، ونام عن شعره نومة ~~الأبدية، وتركه لما فيه يحفظه أو يضيعه إن كان فيه حق من الشعر أو باطل، ~~وأصبح الشاعر هو وماله وجاهه وشعره في حكم الكلمة التي يقولها الزمن، ولم ~~تعد هذه الكلمة في حكمه؛ فهل أثبته الزمن أو نفاه، وهل سلم له أو كابره، ~~وهل رده في أغمار الشعراء أو جعل الشعراء بعده أدلة من أدلته؟ # أول ما ظهر لي أن الزمن بعد شوقي أصبح أقوى في الدلالة عليه وأصدق في ~~الشهادة له، كما تكون الظلمة بعد غياب القمر شرحا طويلا لمعنى ذلك الضياء، ~~وإن سطعت فيها الكواكب وتوقد منها شيء وتلألأ شيء؛ فقد دل الزمن على أن ذلك ~~الشأن لم يكن لشاعر كالشعراء يقال في وصفه إنه مفتن مجيد مبدع؛ ولكنه للذي ~~يقال فيه إنه صوت بلاده وصيحة قومه. # كانت تحدث الحادثة، أو يتخالج الناس معنى من الهم الذي يعمهم، أو ~~يستطيرهم فرح من أفراح الوطن، أو يزول عظيم من العظماء فيزيد صفحة في ~~PageV03P280 # التاريخ، أو ينشأ كون صغير من أكوان الحضارة في الشرق كبنك مصر، أو ترتج ~~زلزلة في الحياة العربية أينما ارتجت، فإذا كل ذلك قد وقع في الدنيا ~~بهيئتين: إحداهما في ذهن شوقي، فيرسل قصيدته الشرود السائرة داوية مجلجلة، ~~فلا تكاد تظه رفي مصر حتى تلتقي حولها الأفكار في العالم العربي كله، فتكون ~~شعرا من أسرى الشعر وأحسنه، ثم تجاوزه فإذا هي صلة من أقوى ms840 الصلات الذهنية ~~بين أدباء العربية وأوثقها، ثم تجاوزها فإذا هي عاطفة تجمع القلوب على ~~معناها، ثم تسمو فوق هذا كله فإذا هي من هذا كله زعامة مصر على الشعر ~~العربي. # واليوم يقع مثل ذلك فتتطاير بعض الفقاقيع الشعرية من هنا وثم ملونة ~~منتفخة ماضية على قانون الفقاقيع في الطبيعة، من أن لحظة وجودها هي لحظة ~~فنائها، وأن ظهورها يكون لتظهر فقط لا لتنفع. # ولست أماري في أن بيننا شعراء قليلين يجيدون الشعر، ولهم فكر وبيان ومذهب ~~وطريقة: ولكن ما منهم أحد إلا وهو يشعر من ذات نفسه أن الحوادث لم تختره ~~كما اختارت شوقي، وأنه في الحياة كالواقف على باب ديوان ينتظر أن يعهد ~~إليه، وأن يخرج له التقليد؛ فهو ينتظر وسينتظر. # وهذا عجيب حتى كأنه سحر من سحر الزمن حين تفصل الدنيا بين العبقري الفذ ~~وبين من يشبهونه أو ينافسونه -بضروب خفية من الصرفة والعوائق، لا هي كلها ~~من قوة العبقري، ولا هي كلها من عجز الآخرين. # وأعجب من ذا أن "شوقي" كان في العالم العربي كأنه عمل تاريخي متميز من ~~أعمال مصر، غير أنه مسمى باسم رجل؛ وكان على الحقيقة لا على المجاز- كأن ~~فيه شيئا من هذه الروح التاريخية المتغلبة التي تخلد بأسماء الآثار الفنية ~~وتكسبها العظمة في الوجودين: من محلها ومن نفس الإنسان. # وأعجب من هذا وذلك أني لم أر شعرا عربيا يحسن في وصف الآثار المصرية ما ~~يحسن في وصفها شعر شوقي، حتى لأسأل نفسي: هل تختار بعض الأشياء العظيمة ~~وصفها ومفسر عظمتها، كما تختار المرأة الجميلة عاشقها ومستجلي حسنها؟ # وما بان شوقي على غيره إلا بأنه رجل أفرغ في رأسه الذهن الشعري الكبير، ~~فكان في رأسه مصنع عماله الأعصاب، ومادته المعاني، ومهندسه الإلهام؛ ~~والدنيا # PageV03P281 # ترسل إليه وتأخذ منه؛ وعلامة ذلك من كل شاعر عظيم أن تضع دنياه على اسمه ~~شهادتها له؛ ولهذا ما يكون بعض الشعراء كأن اسمه في وزن اسم مملكة، فإذا ~~قلت: شكسبير وانجلترا، فهما في العظمة النفسية من وزن واحد، وكذلك المتنبي ms841 ~~والعالم العربي، وكذلك شوقي ومصر. # قالوا: كان الفرزدق ينقح الشعر، وكان جرير يخشب "أي يرسل شعره كما يجيء ~~فلا يتنوق فيه ولا ينقحه"؛ وكان خشب جرير خيرا من تنقيح الفرزدق ولم يتنبه ~~أحد إلى السر في ذلك؛ وما هو إلا السر الذي كان في شوقي بعينه، سر الامتلاء ~~الروحي قد أمد بالطبع، وأعين بالذوق، وأوتي القوة أن يتحول بآثاره في ~~الكلام؛ فكل ما كان منه فهو منه: يجيء دائما قريبا بعضه من بعضه، ولا يكاد ~~ينفذ إلى شعور إلا اتحد به. # وقد كان عمرو بن ذر الواعظ البليغ* إذا تكلم في مجلسه نشر حوله جوا من ~~روحه، فيجعل كل ما حوله يتموج بأمواج نفسية؛ فكان كلامه يعصف بالناس عصف ~~الهواء بالبحر يقوم به ويقعد، وكان من الوعاظ من يقلده ويحكيه ولا يدري أنه ~~بذلك يعرض الغلطة على ردها وصوابها، فقال بعض من جالسه وجالسهم: ما سمعت ~~عمرو بن ذر يتكلم إلا ذكرت النفخ في الصور، وما سمعت أحدا يحكيه إلا تمنيت ~~أن يجلد ثمانين.. # فالفرق روحاني طبيعي كما ترى، لا عمل فيه لأحد ولا لصاحبه، وهو يشبه ~~الفرق بين عاصفة من الهواء وبين نسيم من الريح يرسلان على جهتين في البحر؛ ~~ففي ناحية يلتج الماء ويثب ويتضرب ويقصف قصف الرعد، وفي الأخرى يترجرج ~~ويتزحف ويقشعر ويهمس كوسواس الحلي. # والشأن كل الشأن للكمية الوجدانية في النفس الشاعرة أو الممتازة، فهي ~~التي تعين لهذه النفس عملها على وجه ما، وتهيئها لما يراد منها بقدر ما، ~~وتقيمها على دأبها إلى زمن ما، وتخصها بخصائصها لغرض ما؛ وإذا أنت حققت لم ~~تجد الفروق بين النوابغ بعضهم من بعض إلا فروقا في هذه الكمية ذاتها مقدارا ~~من مقدار؛ ولولا ذلك لكان أصغر العلماء أعظم من أكبر الشعراء؛ فقد يكون ~~الشاعر كأنه تلميذ في العلم، ثم يكون العلم كأنه تلميذ لقلب هذا الشاعر ~~وعواطفه؛ ولئن عجز النقد العلمي أن ينال من الشاعر العبقري، لقديما عجز في ~~كل أمة. PageV03P282 # وقد كان فيمن حاولوا إسقاط شوقي من هو ms842 أوسع منه اطلاعا على آداب الأمم، ~~وأبصر بأغراض الشعر وحقيقته، وكان مع ذلك حاسدا شانئا قد ثقب في قلبه ~~الحقد؛ والحاسد المبغض هو في اتساع الكلام وطغيان العبارة أخو المحب ~~العاشق؛ فكلاهما يدور الدم في كبده معاني ووساوس، وكلاهما يجري كلامه على ~~أصل مما في سريرته، فلا تجد أحدهما إلا عاليا بمن يحب، ولا تجد الآخر إلا ~~نازلا نازلا بمن يبغض؛ وكان هذا الناقد شاعرا، فانضاف شعره إلى حسده، إلى ~~بغضه، إلى ذكائه، إلى اطلاعه، إلى جهده، إلى طول الوقت وتراخي الزمن؛ وهذه ~~كلها مفرقات نفسية.. بعضها أشد من بعض كالبارود، إلى الديناميت، إلى ~~الميلينيت؛ ولكن شوقي كان في مرتقى لم يبلغه الناقد، فانقلب جهد هذا عجزا، ~~وأصبح البارود والتراب في يده بمعنى واحد1.. # ومن أعجب ما عجبت له من أمر هذا الناقد، أني رأيته يقرر لناس صواب ~~الحقيقة بزعمه، فإذا هو يقرر غلطه وجهله وتعسفه؛ وهو في كل ما يكتب عن شوقي ~~يكون كالذي يرى الماء العذاب وعمله في إنبات الروض وتوشيته وتلوينه، فيذهب ~~يعيبه للناس بأنه ليس هو البنزين ... الذي يحرك السيارات والطيارات! # تناول شوقي بعد موته فجرده من الشخصية، أي من حاسة الشعر، ومن إدراك السر ~~لا يخلق الشاعر الحق إلا لإدراكه والكشف عن حقائقه؛ وكان فيما استدل به على ~~ذلك أن لا يحسن وصف الربيع بمثل ما وصفه ابن الرومي في قوله: # تجد الوحوش بها كفايتها ... والطير فيه عتيدة الطعم # فظباؤه تضحى بمنتطح ... وحمامه يضحى بمختصم # وزعم أن ابن الرومي قد ولد بحاسة لم يولد بها شوقي، ولهذه الحاسة اندمج ~~في الطبيعة فأدرك سر الربيع، وأنه غليان الحياة في الأحياء، فالظباء تنتطح ~~من الأشر ... الخ الخ وبنى على ذلك ناطحة سحاب.. لا ناطحة ظباء*. # أما شوقي الشاعر الضعيف العاجز لم يولد بمثل تلك الحاسة، فلو أنه شهد ألف ~~ربيع لما أحس هذا الإحساس، ولا استطاع أن يجيء هذا القول المعجزة؛ وكل ذلك ~~من هذا الناقد جهل في جهل في جهل، وأعاليل بأضاليل بأباطيل؛ فابن ~~PageV03P283 # الرومي في ms843 هذا المعنى لص لا أكثر ولا أقل، فلم يحس شيئا ولا ابتدع ولا ~~اخترع. # قال الجاحظ: يقال في الخصب "أي الربيع": نفشت العنز لأختها؛ وخلفت أرضا ~~تظالم معزاها "أي تتظالم"؛ قال: لأنها تنفش شعرها وتنصب روقيها في أحد ~~شقيها فتنطح أختها، وإنما ذاك من الأثر، "أي حين سمنت وأخصبت وأعجبتها ~~نفسها". # فأنت ترى أن ابن الرومي لم يصنع شيئا إلا أنه سرق المعنى واللفظ جميعا، ~~ثم جاء للقافية بهذه الزيادة السخيفة التي قاس فيها الحمام على الظباء ~~والمعزى.. فاستكره الحمام على أن يختصم في زمن بعينه وهو يختصم في كل يوم؛ ~~وإنما شرط الزيادة في السرقة الشعرية أن تضاف إلى المعنى فتجعله كالمنفرد ~~بنفسه أو كالمخترع. # ولعمري لو كان للطبيعة مائة صورة في الخيال الشعري، ثم قدم شوقي للناس ~~تسعا وتسعين منها، لقال ذلك الناقد المتعنت: لا، إلا الصورة التي لم ~~يقدمها.. # وكان شعر شوقي في جزالته وسلاسته كأنما يحمل العصا لبعض الشعراء يردهم ~~بها عن السفسفة والتخليط والاضطراب في اللفظ والتركيب؛ فكثر الاختلال في ~~الناشئين من بعده، وجاءوا بالكلام المخلط الذي تبعث عليه رخاوة الطبع وضعف ~~السليقة، فتراه مكشوفا سهلا ولكن سهولته أقبح في الذوق من جفوة الإعراب على ~~كلامهم الوحشي المتروك. # والآفة أن أصحاب هذا المذهب يفرضون مذهبهم فرضا على الشعر العربي، كأنهم ~~يقولون للناس: دعوا اللغة وخذونا نحن! وليس في أذهانهم إلا ما اختلط عليهم ~~من تقليد الأدب الأوروبي، فكل منهم عابد الحياة، مندمج في وحدة الكون، يأخذ ~~الطبيعة من يد الله ويجاري اللانهاية، ويفنى في اللذة، ويعانق الفضاء، ~~ويغني على قيثارته للنجوم؛ وبالاختصار: فكل منهم مجنون لغوي.. # وأنا فلست أرى أكثر هذا الشعر إلا كالجيف، غير أنهم يقولون: إن الجيفة لا ~~تعد كذلك في الوجود الأعظم، بل هي فيه عمل تحليلي علمي دقيق؛ لقد صدقوا؛ ~~ولكن هل يكذب من يقول: إن الجيفة هي فساد ونتن وقذر في اعتبار # PageV03P284 # وجودنا الشخصي، وجود النظر والشم، والانقباض والانبساط، وسلامة الذوق ~~وفساد الذوق. # وكان حاسدو شوقي يحسبون أنه إذا أزيح ms844 من طريقهم ظهر تقدمهم؛ فلما أزيح من ~~الطرق ظهر تأخرهم.. وهذه وحدها من عجائبه -رحمه الله. # وقد كان هذا الشاعر العظيم هبة ثلاثة ملوك للشعب، فهيهات ينبغ مثله إلا ~~إذا عمل الشعب في خدمة الشعر والأدب عمل ثلاثة ملوك.. وهيهات! # PageV03P285 ### | الشعر العربي في خمسين سنة # 1: # إذا اعتبرت الشعر العربي قبل خمسين سنة خلت "أي قبل إنشاء المقتطف" ~~وتأملت حليته ومعرضه، ونظرت في منهاجه وطريقته، وتصفحت معانيه وأغراضه -لم ~~تر منه إلا شبيها بما تراه من بقايا الورق الأخضر في شجرة ثقل عليها الظل ~~فهو جامد مستوخم، وحم في ظلها شعاع الشمس فهو بارد يرتعد، فالحياة فيها ~~ضعيفة متهالكة، لا هي تموت كالموت ولا هي تحيا كالحياة، وما ثم إلا ماء ~~ناشف ورونق عليل ومنظر من الشجرة الواهنة كأنه جسم الربيع المعتل بدت عروقه ~~وعظامه. # كان ذلك الشعر فاسد السبك، متخلف المنزلة، قليل الطلاوة، بين مديح قد ~~أعيد كل معنى من معانيه في تاريخ هذه اللغة بما لا يحصيه إلا الملائكة ~~الموكلون بإحصاء الكذب، وبين هجاء ساقط هو بعض المواد التي تشتعل بها نار ~~الله يوم تطلع على الأفئدة، وبين غزل مسروق من القلوب التي كانت تحب وتعشق، ~~وبين وصف لا عيب لموصوفه سواه، وشكوى من الدهر يشكو الدهر منها، وتحزن وبأس ~~وندب تجعل ديوان الشاعر كما سمي أحد ظرفاء القرن الثاني عشر للهجرة ديوان ~~أحد أصحابه "بالملطمة.." ورثاء كقراءة القراء في جنازات الموتى، لا فيها ~~عظة السكوت ولا فائدة النطق، وتغمر كل ذلك أنواع من الصناعة بينة التعسف، ~~ضعيفة التقليد، لا ترى المتأخر فيها مع المتقدم إلا قريبا مما يكون عمل ~~اللص في أخذ المال، من عمل صاحب المال في جميعه؛ والعجيب أنك إذا اعترضت ~~الشعر من القرن العاشر للهجرة إلى القرن الثالث عشر "السادس عشر للميلاد ~~إلى التاسع عشر" رأيته نازلا من عصر إلى عصر بتدريج من الضعيف إلى الأضعف، ~~حتى كأنما ينحط بقوة طبيعية كقوة الجذب، كلما هبطت شيئا أسرعت شيئا إلى أن ~~تلصق بالأرض، وبعضهم يسمي هذه ms845 العصور بالعصور المظلمة، ولم PageV03P286 # يتنبه أحد إلى أن في الأدب ناموسا كناموس رد الفعل، يخرج أضعف الضعف من ~~أقوى القوة، وأن انحطاط الشعر في تلك العصور -على أنه لم يكن إلا صناعة ~~بديعية- إنما سببه القوة الصناعية العجيبة التي كانت للشعر منذ القرن ~~السادس إلى العاشر، بعد أن نشأ القاضي الفاضل المتوفى سنة 596ه "1199م"؛ ~~وكان رجلا من الرجال الذين يخلقون حدودا للحوادث تبدأ منها أزمنة وتنتهي ~~عندها أزمنة؛ ففتن الناس بأدبه وصناعته، وصرف الشعر والكتابة إلى أساليب ~~النكتة البديعية؛ وظهرت من بعده عصابته التي يسمونها العصابة الفاضلية، وما ~~منهم إلا إمام في الأدب وعلومه، فكان في مصر القاضي ابن سناء الملك، وسراج ~~الدين الوراق، وأبو الحسين الجزار، وأضرابهم؛ وكان في الشام عبد العزيز ~~الأنصاري، والأمير مجير الدين بن تميم، وبدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي، ~~وأمثالهم؛ فهذه العصابة هي التي تقابل في تاريخ الأدب العربي عصابة البديع ~~الأولى: كمسلم، وأبي تمام، وابن المعتز، وغيرهم؛ وكلتا الفئتين استبدت ~~بالشعر وصرفته زمنا، وأحدثت فيه انقلابا تاريخيا متميزا؛ بيد أن العصابة ~~الفاضلية بلغت من الصنعة مبلغا لا مطمع في مثله لأحد من بعدها، حتى كأنهم ~~لم يدعوا كلمة في اللغة يجري فيها نوع من أنواع البديع إلا جاءوا بها ~~وصنعوا فيها صنعة؛ وكان بعضهم يأخذ من بعض ويزيد عليه، إلى آخر المائة ~~الثامنة، فلم يتركوا بابا لمن يأتي بعدهم إلا باب السرقة بأساليبها ~~المعروفة عند علماء الأدب. # ولهذا لا تكاد تجد شعرا عربيا بعد القرن التاسع إلا أول النهضة الحديثة، ~~إلا رأيته صورا ممسوخة مما قبله؛ وكل شعراء هذه القرون ليسوا ممن وراءهم ~~إلا كالظل من الإنسان: لا وجود له من نفسه، وهو ممسوخ أبدا إلا في الندرة ~~حين يسطع في مرآة صافية؛ ومتى كان الشعراء لا ينشئون إلا على فنون البلاغة ~~وصناعاتها، وكانت هذه كلها قد فرغ منها المتقدمون؛ فما ثم جديد في الأدب ~~والفن إلا ولادة الشعراء وموتهم، وإلا تغير تواريخ السنين.. وهذا إذا لم ~~نعد من الأدب تلك الصناعات المستحدثة ms846 التي ابتدعها المتأخرون مما سنشير إلى ~~بعضه: كالتاريخ الشعري وغيره. # إن الفكر الإنساني لا يسير التاريخ، ولا يقدر قدرا فيه، ولا ينقله من رسم ~~إلى رسم؛ لأنه هو نفسه كما خلق مصلحا خلق مفسدا وكما يستطيع أن يوجد يستطيع ~~أن يفني، وكما تطرد به سبيل تلتوي به سبيل أخرى؛ وما أشبه هذا الفكر # PageV03P287 # في روعته بقطار الحديد: يطير كالعاصفة ويحمل كالجبل ويدهش كالمعجزة، وهو ~~مع كل ذلك لا شيء لولا القضيبان الممتدان في سبيله، يحرفانه كيف انحرفا، ~~ويسيران به أين ارتميا، ويقفان به حيث انتهيا؛ ثم هو بجملته ينقلب لأوهى ~~اختلال يقع فيهما. # لا جرم كانت العصور مرسومة معينة النمط ذاهبة إلى الكمال أو منحدرة إلى ~~النقص، حسب الغايات المحتومة التي يسير بها الفكر في طريق القدر الذي ~~يقوده. # فهذه علوم البلاغة التي أحدثت فنا طريفا في الأدب العربي، وأنشأت الذوق ~~الأدبي نشأته الرابعة في تاريخ هذه اللغة، بعد الذوق الجاهلي، والمحدث ~~والمولد -هي بعينها التي أضعفت الأدب وأفسدت الذوق وأصارته إلى رأينا في ~~شعر المتأخرين، كأنما انقلبت عليهم علوما من الجهل، حتى صار النمط العالي ~~من الشعر كأنه لا قيمة له؛ إذ لا رغبة فيه، ولا حفل به؛ لمباينته لما ألفوا ~~وخلوه من النكتة والصناعة؛ وحتى كان في أهل الأدب ومدرسيه من لا يعرف ديوان ~~المتنبي! # ولا يصف لك معنى الشعر في رأي أدباء ذلك العهد كقول الشيخ ناصيف اليازجي ~~المتوفى سنة 1871: # مللت من القريض وقلت يكفي ... لأمر شاب قوته بضعف # أحاول نكتة في كل بيت ... وذلك قد تقصر عنه كفى # أجل الشعر ما في البيت منه ... غرابة نكتة أو نوع لطف # يريد النكتة البلاغية وأنواع البديع، وذلك ما قصرت عنه كفه وكف غيره؛ ~~لأنه شيء مفروغ منه، حتى لا يأتي المتأخر بمثال فيه إلا وجدته بعينه لمن ~~تقدموه على صور مختلفة ينظر بعضها إلى بعض وما يأتي اختلافها إلا من ناحية ~~الحذق في إخفاء السرقة بالزيادة والنقص، والإلمام والملاحظة والتعريض ~~والتصريح وغيرها مما يعرفه أئمة الصناعة، ولا يتسبب ms847 إليه بأقوى أسبابه إلا ~~من رزق القوة على التوليد والاختراع. # إذا عرفت ذلك السر في سقوط الشعر واضطرابه وسفسفته، لم تر غريبا ما هو ~~غريب في نفسه، ومن أن بدء النهضة الشعرية الحديثة لم تكن العلم الذي يصحح ~~الرأي، ولا الاطلاع الذي يؤتي الفكر، ولا الحضارة التي تهذب الشعور، ولا ~~نظام الحكم الذي يحدث الأخلاق، وإنما كان ضربا من الجهل وقف حدا # PageV03P288 # منيعا بين زمن فنون البلاغة وبين زماننا؛ وكان كالساحل لذلك الموج ~~المتدفع الذي يتضرب على مدة ثمانمائة سنة من القرن السادس إلى الرابع عشر ~~للهجرة؛ ولله أسرار عجيبة في تقليب الأمور وخلق الأحداث ودفع الحياة ~~الفكرية من نمط إلى نمط، وإخراج العقل المبتدع من هيئة إلى هيئة، وجعل بعض ~~النفوس كالينابيع للتيار الإنساني في عصر واحد أو عصور متعاقبة، وإقامة بعض ~~الأشخاص حدودا على الأزمنة والتواريخ؛ فكان الذي أحدث الانقلاب الرابع في ~~تاريخ الشعر العربي، وأنشأ الذوق نشأته الخامسة، هو الشاعر الفحل محمود ~~باشا البارودي الذي لم يكن يعرف شيئا البتة من علوم العربية أو فنون ~~البلاغة؛ وإنما سمت به الهمة؛ لأنه حادثة مرسلة للقلب والتغيير، فأبعده ~~الله من تلك العلوم، وأخرجه لنا من دواوين العرب، كما نشأ مثل ابن المقفع ~~والجاحظ من فصحاء الأعراب، ويسر له من أسباب ذلك ما لم يتفق لأحد غيره مما ~~لا محل لبسطه هنا، ولا تكاد تجد شعر أديب متأخر يستقيم له أن يذكر في شعر ~~كل عصر من لدن زمننا إلى صدر الإسلام ثم لا تنحط مرتبته غير كلام البارودي ~~هذا؛ وهو وحده الذي يقابل القاضي الفاضل في أدوار التاريخ الأدبي، على بعد ~~ما بينهما؛ لأن شعره هو الذي نسخ آية الصناعة، ودار في ألسنة الرواة، وكان ~~المثل المحتذى في القوة والجزالة ودقة التصوير وتصحيح اللغة؛ ولم يشأ الله ~~أن يسبقه إلى ذلك أحد؛ لأن النهضة الاجتماعية في هذا الشرق العربي كانت في ~~علم الله مرهونة بأوقاتها وأسبابها؛ ولولا ذلك لسبقه شاعر القرن الحادي عشر ~~الأمير منجك المتوفى سنة 1080ه "1669م"؛ ms848 فقد اتفقت لهذا الأمير نشأة كنشأة ~~البارودي، فكان كثير الحفظ من دواوين العصور الأولى، وكان يقلد أبا فراس ~~الحمداني ويحتذي على مثاله؛ ولكن عصره كان في العصور الهالكة، فخرج الشاعر ~~ضعيفا كما يخرج كل شيء في غير وقته ولغير تمامه وبغير وسائله الطبيعية. # ونشأت العصابة البارودية وفيها إسماعيل صبري وشوقي وحافظ ومطران وغيرهم، ~~وأدركوا ما لم يدركه البارودي وجاءوا بما لم يجئ به، واتصل الشعر بعضه ~~ببعضه، وسارت به الصحف، وتناقلته الأفواه، وأنسي ذكر البلاغة وفنونها ~~بالنشأة المدرسية الحديثة التي جعلت من ترك البلاغة بلاغة؛ لأنها صادفت ~~أوائل الانقلاب ليس غير؛ وبذلك بطل في مصر عصر أبي النصر والليثي والساعاتي ~~والنديم وطبقتهم، وفي الشام عصر اليازجي والكستي والأنسي والأحدب وأضرابهم، ~~وفي العراق عهد الفاروقي والموصلي والبزاز والتميمي وسواهم؛ # PageV03P289 # واستقل الشعر عربيا وخرج كما يخرج الفكر المخترع ماضيا في سبيل غير ~~محدودة. # لا ريب في أن الطرق التي تتبع في تربية الأمة وتكوين روحها العالمية لا ~~بد أن يكون لها أثر بين في شعر شعرائها؛ فإنما الشعر فكر ينبض وعاطفة ~~تختلج، وما أرى الشاعر الحق من أمته إلا كالزهرة الصغيرة من شجوتها: إن لم ~~تكن خلاصة ما فيها من القوة، فهي خلاصة ما في الشجر من معنى الجمال ولونه ~~وملمسه، ولا تعدم مع هذه الصفة أن تكون وحدها الكوكب الساطع في هذا الأفق ~~الأخضر كله، ولقد اطردت النهضة منذ خمسين سنة أو حولها، في الأدب والعلم؛ ~~وفي الفكر والفن والصناعة؛ وساتوى لنا من ذلك ما لم يتفق لهذه الأمة في عصر ~~من عصورها، حتى بلغنا من ذلك أن صرنا كأنما فتحنا أرضا من أوربا وتغلبنا ~~عليها، أو أنشأنا أوربا عربية وما نزال نعمرها وننقل إليها العلوم والفنون ~~والآداب، ونستخرج لها الأمثلة والأساليب؛ غير أن الشعر العربي مع هذا كله ~~لم يوف قسطه ولم يبلغ مبلغه في مجاراة هذه النهضة قوة ابتكار وسلامة اختراع ~~وحسن تنوع، لسببين: الأول أنه لا يزال كما كان منذ فسدت اللغة العربية: شعر ~~فئة لا شعر أمة، ms849 فهو يوضع للخاصة لا للشعب. ويدور مع الأغراض والحاجات لا ~~مع الطبائع والأذواق؛ وذلك لو تأملت هو من بعض الأسرار في سمو هذا الشعر ~~وقوة إحكامه وإبداع تنسيقه وجمال توشيحه منذ الدولة العباسية إلى القرن ~~الخامس؛ ثم انحطاطه بعد ذلك وتدنيه شيئا فشيئا حتى بلغ الدرك الأسفل في ~~العصور المتأخرة؛ إذا كانت الفئة التي يوضع لها ويصف أهواءها وأغراضها ~~وتتقبله وتثيب عليه وتحسن وزنه ونقده، هي في الناحيتين كما ترى من طرفي ~~المنظار الذي يقرب البعيد، فهي بالنظر في أوله واضحة جلية مترامية إلى ~~الجهات، وبالنظر في آخره ضئيلة ممسوخة لا تكاد تعرف. وما أقضي العجب من ~~غفلة بعض الكتاب في هذا الزمن إذ يناهضون العربية ويزرون على الفصاحة ~~ويعملون على انكماش سوادها وتقليل أهلها، وما يدرون أنهم بذلك يسقطون الشعر ~~قبل الكتابة على خطأ أو عمد وقلما تجد واحدا من هؤلاء يحسن معالجة الشعر، ~~فإن أصبت له شعرا وجدته لا غناء فيه أو في أكثره، وأين وضعت يدك منه لم ~~تخطئ أن تقع على مثل مما يمثل به لعيب من عيوب البلاغة. # وهذه النهضة التي نحن في صدد الكلام عنها أوسع مدى وأوفر أسبابا من تلك ~~التي كانت في الدولة العباسية، بما دخلها من أدب كل أمة، وما اتصل بها من # PageV03P290 # أساليب الفكر: ولكن أين رجال الفصاحة المتمكنون منها، المتعصبون لها ~~العاملون على بثها في الألسنة، مع أن عصرهم أوسع من عصر الرواة، بكثرة ما ~~أخرجت المطابع من أمهات الكتب والدواوين، حتى أغنت كل مطبعة أدبية عن راوية ~~من أئمة الرواة. # والسبب الثاني الذي من أجله لا يزال الشعر متخلفا عن منزلته الواجبة له ~~سقوط فن النقد الأدبي في هذه النهضة؛ فإن من أقوى الأسباب التي سمت بالشعر ~~فيما بعد القرن الثاني وجعلت أهله يبالغون في تجويده وتهذيبه، كثرة النقاد ~~والحفاظ. وتتبعهم على الشعراء، واعتبار أقوالهم، وتدوين الكتب في نقدهم، ~~كالذي كان في دروس العلماء وحلقات الرواية ومجالس الأدب، وكالذي صنفه مهلهل ~~بن يموت في نقد أبي نواس وأحمد ms850 بن طاهر، وابن عمار في أبي تمام، وبشر بن ~~تميم في البحتري، والآمدي في الموازنة، والحاتمي في رسالته، والجرجاني في ~~الوساطة، وما لا يحصى من مثل هذه الكتب والرسائل، وأنت من النقد في هذه ~~النهضة بين اثنين: صديق هو الصديق أو عدو هو العدو.. فإن ابتغيت لهما ثالثا ~~فكاتب لا تتعادل وسائل النقد فيه فلا خير في كلامه، أما الناقد الذي استعرض ~~علم العربية وآدابها، وكان شاعرا كاتبا قوي العارضة، دقيق الحس ثاقب الذهن، ~~مستوي الرأي بصيرا بمذاهب الأدب متمكنا من فلسفة النقد مبرزا في ذلك كله- ~~فهذا الخيال يذكرني كلمة قلتها يوما للبارودي إذ قلت له: إن الشاعر لا يكون ~~لسان زمنه حتى يوجد معه الناقد الذي هو عقل زمنه؛ فقال: ومن ناقد الشعر في ~~رأيك؟ قلت: الكاتب وهو شاعر، والأديب وهو فيلسوف، والمصلح وهو موفق؛ فكأنما ~~هولت عليه حتى قال -رحمه الله- "فين دا كله؟ " قلت: فلعله لا ينشئ لنا هذا ~~العقل الملتهب إلا العصر الذي يوجد لنا أسطولا كأسطول انجلترا. # وعلى ما نزل بالشعر العصري من هذين السببين فقد استقلت طريقته وظهر فيه ~~أثر التحول العلمي والانقلاب الفكري، وعدل به أهله إلى صور الحياة بعد أن ~~كان في أكثره صورا من اللغة، وأضافوا به مادة حسنة إلى مجموعة الأفكار ~~العربية، ونوعوا منه أنواعا بعد أن كان كالشيء الواحد، واتسعت فيه دائرة ~~الخيال بما نقلوا إليه من المعاني المترجمة من لغات مختلفة، وهو من هذه ~~الناحية أوسع من شعر كل عصر في تاريخ هذه اللغة: إذ كان الأولون إنما ~~يأخذون من اليونانية والفارسية، ثم أخذ المتأخرون قليلا قليلا من التركية؛ ~~أما في العهد الأخير فيكاد # PageV03P291 # العقل الإنساني كله يكون مادة الشاعر العربي، لولا ضعف أكثر المحدثين من ~~النشء الجديد في البيان وأساليبه، وبعدهم من ذوق اللغة واعتياص مرامها ~~عليهم، حتى حسبوا أن الشعر معنى وفكر، وأن كل كلام أدى المعنى فهو كلام، ~~ولا عليهم من اللغة وصناعتها، والبيان وحقيقته؛ وحتى صرنا والله من بعض ~~الغثاثة والركاكة والاختلال في شر من ms851 توعر نظم الجاهلية وجفاء ألفاظه ~~وكزازة معانيه؛ وهل ثم فرق بين أن تنفر النفس من الشعر؛ لأنه وعر الألفاظ ~~عسير الاستخراج شديد التعسف، وبين أن تمجه؛ لأنه ساقط اللفظ، متسول المعنى، ~~مضطرب السياق؟ ثم تراهم ينجزون الشعر كله على اختلاف أغراضه نمطا واحدا من ~~تسهيل اللفظ ونزوله، حتى كأن هذه اللغة لا تنوع في ألفاظها وأجراس ألفاظها، ~~مع أن هذا التنوع من أحسن محاسنها وأخص خصائصها دون غيرها من اللغات، كما ~~أن كل تنوع هو من أبدع أسباب الجمال والقوة في كل فن؛ ولا يدري أصحابنا أن ~~كل ذلك من عملهم عبث في عبث إذا هم لم يعطوا الشعر حقه من صناعة اللغة؛ ~~وهذا شاعر الفرس الشهير مصلح الدين السعدي الشيرازي إمام من أئمة البلاغة ~~في قومه لا يدفع مكانه وشعره مثل من أسمى الأمثلة في جمال المنطق الروحي، ~~وليس في الناس إلا من يسلم له هذا المحل من النبوغ، وهو مع ذلك حين نظم ~~الشعر لم تنفعه نافعة من حكمة أو خيال أو فكر، وذهب في التعسف كل مذهب، ~~وحمل على كلامه من العيوب ما لم يسلم معه إلا صحة الوزن، كقوله في وصف نكبة ~~بغداد وتخريبها: # فقد ثكلت أم القرى ولكعبة ... مدامع في الميزان تسكب في الحجر # على جدر المستنصرية ندبة ... على العلماء الراسخين ذوي الحجر # نوائب دهر ليتني مت قبلها ... ولم أر عدوان السفيه على الحبر # محابر تبكي بعدهم بسوادها ... وبعض قلوب الناس تألف بالغدر # لحى الله من تسدي إليه بنعمة ... وعند هجوم اليأس أحلك من حبر # فانظر أي شعر هذا في الركاكة والهذيان والسخف، وفي خمود الفكر وضعف الروح ~~وذهاب الرونق، وتأمل كيف هوى به السعدي من مكانته التي بوأه إياها أدبه ~~العالي، وكيف سقط إلى حيث ترى، مع أنه في محراب الفكر إمام وراءه صفوف من ~~عصور البلاغة. # ومن ههنا نشأ في أيامنا ما يسمونه " الشعر المنثور"، وهي تسمية تدل على # PageV03P292 # جهل واضعها ومن يرضاها لنفسه؛ فليس يضيق النثر بالمعاني الشعرية، ولا هو ~~قد خلا ms852 منها في تاريخ الأدب؛ ولكن سر هذه التسمية أن الشعر العربي صناعة ~~موسيقية دقيقة يظهر فيها الاختلال لأوهى علة ولأيسر سبب، ولا يوفق إلى سبك ~~المعاني فيها إلا من أمده الله بأصح طبع وأسلم ذوق وأفصح بيان؛ فمن أجل ذلك ~~لا يحتمل شيئا من سخف اللفظ أو فساد العبارة أو ضعف التأليف، ولا تستوي فيه ~~أمسى المعاني مع شيء من هذه العلل وأشباهها، وتراه يلقي بمثل "السعدي" من ~~الفلك الأعلى إلى الحضيض، لا يقيم له وزنا ولا يرعى له محلا ولا يقبل فيه ~~عذرا ولا رخصة؛ غير النثر يحتمل كل أسلوب، وما من صورة فيه إلا ودونها صورة ~~إلى أن تنتهي إلى العامي الساقط والسوقي البارد؛ ومن شأنه أن ينبسط وينقبض ~~على ما شئت منه، وما يتفق فيه من الحسن الشعري فإنما هو كالذي يتفق في صوت ~~المطرب حين يتكلم لا حين يغني: فمن قال: "الشعر المنثور" فاعلم أن معناه ~~عجز الكاتب عن الشعر من ناحية وادعاؤه من ناحية أخرى. # والذي أراه جديدا في الشعر العربي مما أبدعته هذه النهضة أشياء: # أولا: هذا النوع القصصي الذي توضع فيه القصائد الطوال، فإن الآداب ~~العربية خالية منه؛ وكان العرب ومن بعدهم إذا ذكروا القصة ألموا بها ~~اقتضابا وجاءوا بها في جملة السياق على أنها مثل مضروب أو حكمة مرسلة أو ~~برهان قائم أو احتجاج أو تعليل وما جرى هذا المجرى مما لا ترد فيه القصة ~~لذاتها ولا لتفصيل حوادثها؛ وهو كثير في شعر الجاهليين والإسلاميين، والجيد ~~منه قليل حتى في شعر الفحول؛ فإن طبيعة الشعر العربي تأباه؛ والذين جاءوا ~~به من العصريين لا يجدون منه إلا قطعا تعرض في القصيدة وأبياتا تتفق في بعض ~~معانيها وأغراضها مما يجري على أصله في سائر الشعر طال أو قصر؛ والسبب في ~~ذلك أن القصة إنما يتم تمامها بالتبسط في سردها وسياقة حوادثها وتسمية ~~أشخاصها وذكر أوصافهم وحكاية أفعالهم وما يداخل ذلك أو يتصل به، وإنما بني ~~الشعر العربي في أوزانه وقوافيه على التأثير لا على ms853 السرد، وعلى الشعور لا ~~على الحكاية؛ ولا يريدون منه حديث اللسان ولكن حديث النفس؛ فهو في الحقيقة ~~عندهم صناعة روحية يصنعون بها مقادير من الطرب والاهتزاز والفرح والحزن ~~والغضب والحمية والنزعة؛ فلا جرم كان سبيلهم إلى ذلك هو التحديد لا ~~الإطلاق، وضبط المقادير # PageV03P293 # لا الإسراف؛ إذ كان من شأن هذه الأمور في طبيعة النفس أن ما زاد منها عن ~~مقداره تحول وانقلب في تأثيره، وذلك هو السبب أيضا في أن هذا الشعر ما لم ~~يكن قائما على اختيار اللفظ وصنعة العبارة وتصفيتها وتهذيبها واختيار الوزن ~~للمعنى وإدارة الفكر على ما يلفت من ضروب المجاز والاستعارة ونحوها- سقط ~~ورك بمقدار ما ينقصه من ذلك؛ وليس الشأن في إطالة القصيد؛ فمن الشعراء من ~~نظم رويا واحدا في أربعة آلاف بيت، ومنهم من نظم تفسير القرآن كله؛ ولكن ~~عيب مثل هذا الشعر في العربية أنه شعر ... وما أخمل ابن الرومي على جلالة ~~محله إلا طول قصائده وسياقه الكلام فيها مع ذلك على ما يشبه أسلوب الحكاية ~~وخروجها مخرج المقالة يتحدث بها، فلم تحي له إلا مقطعات وأبيات ومات سائر ~~شعره وهو حي وميت على السواء، حتى قال فيه صاحب الوساطة: "ونحن نستقرئ ~~القصيدة من شعره وهي تناهز المائة أو تربي أو تضعف، فلا نعثر فيها إلا ~~بالبيت الذي يروق أو البيتين، ثم قد تنسلخ قصائد منه وهي واقفة تحت ظلها ~~جارية تحت رسلها لا يحصل منها السامع إلا على عدد القوافي..". # والعجيب أن بعض الكتاب في عصرنا ممن لا تحقيق لهم في مثل هذه المسائل، ~~يعدون أحسن محاسن ابن الرومي ما هو أقبح عيوبه، وقاتل الله صناعة الكتابة، ~~فكما أنها لملء الفراغ هي كذلك لإفراغ الملآن1.. # ثانيا: صياغة بعض الشعر على أصل التفكير في الإنجليزية أو الفرنسية أو ~~غيرهما من لغات الأمم، فيخرج الشعر عربيا وأسلوبه في تأدية المعنى أجنبي؛ ~~وأكثر ما يأتي هذا النوع من أمريكا، وأنا أعجب بكثير منه لما فيه من ~~الغرابة والحسن. # وما زالت أجناس الأمم يضيق بعضها بأشياء ويتسع ms854 بعضها بأشياء فلسنا مقيدين ~~بالفكر العربي ولا بطريقته، وعلينا أن نضيف إلى محاسن لغتنا محاسن اللغات ~~الأخرى؛ ولكن من غير أن نفسدها أو نحيف عليها أو نبيعها بيع الوكس؛ ومتى ~~كان هذا النوع من الشعر رصينا محكما جيد السبك رشيق المعرض، كان في النهاية ~~من الرقة والإبداع؛ ولم يأت التجديد في هذه اللغة إلا من هذه الناحية، ~~كالذي تراه فيما أخذ عبد الحميد وابن المقفع من نمط الأداء في اللغة ~~الفارسية. # ثالثا: الانصراف عن إفساد الشعر بصناعة المديح والرثاء، وذلك بتأثير ~~الحرية الشخصية في هذا العصر؛ والمدح إذا لم يكن بابا من التاريخ الصحيح لم ~~PageV03P294 # يدل على سمو نفس الممدوح، بل على سقوط نفس المادح؛ وتراه مدحا حين يتلى ~~على سامعه، ولكنه ذم حين يعزى إلى قائله! وما ابتليت لغة من لغات الدنيا ~~بالمديح والرثاء والهجاء ما ابتليت هذه العربية؛ ولذلك أسباب لا محل ~~لتفصيلها. # رابعا: الإكثار من الوصف والإبداع في بعض مناحيه والتفنن في بعض أغراضه ~~الحديثة: وذلك من أسمى ضروب الشعر، لا تتفق الإجادة فيه والإكثار منه إلا ~~إذا كان الشعر حيا، وكانت نزعة العصر إليه قوية، وكان النظر فيه صحيحا؛ ~~ولما وصف الشيخ أحمد الكردي "من شعراء القرن الثاني عشر" السفينة واستهل ~~بهذا الوصف مدح الوزير راغب باشا، عدوا ذلك حادثة من حوادث الأدب في عصره ~~فتأمل! # خامسا: إهمال الصناعات البديعية التي كان يبنى عليها الشعر، فينظم البيت؛ ~~ليكون جناسا أو طباقا أو استخداما أو تورية ... الخ، أو ضربا آخر من صناعة ~~العدد والحساب، كالتاريخ الشعري بأنواعه، أو صناعة الحرف، كالمقلوب والمهمل ~~وغيرهما: أو صناعة الفكر، كاللغز والمعمى؛ أو صناعة الوضع كالتشجير ~~والتطريز، إلى ما يلتحق بهذا الباب الذي ذهب أهله فلا يتيسر لأحد من بعدهم ~~أن يجاريهم فيه، وكانت لهم في كل ذلك عجائب استقصيناها بالتدوين في موضعها ~~من "تاريخ آداب العرب"1؛ بيد أن إهمال صناعة البديع شيء وإهمال فن البديع ~~نفسه شيء آخر؛ ومن هنا جاء ما نراه في بعض الشعر الحديث "والشعر المنثور" ~~من ms855 الإغراق السخيف الذي لا يقوم على أصل، من التعدي في ضروب الاستعارة، ~~والبعد في المجاز، والإحالة في الوضع، ونحوها مما يرجع إلى الجهل بطبيعة ~~البلاغة، ومما لا نعده إلا ضربا من الفساد يلتحق بما كان في العصور الماضية ~~وإن كان على الضد منه. # سادسا: النظم في الشؤون الوطنية والحوادث الاجتماعية، مما يجعل الشعر ~~محيطا بروح العصر وفكره وخياله، وهو باب لا ينهض به إلا أفراد قلائل، ولا ~~يزال ضعيفا لم يستحكم؛ وقد قالوا: إن للقاضي الفاضل اثني عشر ألف بيت في ~~مدح الوطن والحنين إليه، ولكن لا أحسب أن بها مائة من نحو ما ينظم في هذا ~~العصر مما أدى بالشعر إلى أن يدخل في باب السياسة ويعد من وسائلها، وفي طرق ~~التربية ويعد من أسبابها. # سابعا: اسخراج بعض أوزان جديدة من الفارسية والتركية، وهو قليل، جاء ~~PageV03P295 # به شوقي في قصيدتين ولم يتابعه أحد؛ لإفراط ذلك الوزن في الخفة حتى رجع ~~إلى الثقل.. ثم نظم بعض الشعر من أوزان مختلفة قريبة التناسق على قاعدة ~~الموشح، ولكنه شعر لا توشيح، كما ينظم بعض شعراء أمريكا وسوريا؛ ولم يحدث ~~مثل ذلك في العربية، فإن القصيدة كانت تنظم من بحر واحد، وقد يخرج منه وزن ~~آخر: ولا نعرف في تاريخ الأدب قصيدة تتألف من وزنين إلا الذي قالوا إن حسين ~~بن عبد الصمد المتوفى سنة 984ه "1576م" قد اخترعه ونظم فيه أبياته التي ~~مطلعها: # فاح عرف الصبا وصاح الديك ... وانثنى البان يشتكي التحريك # قم بنا نجتلي مشعشعة ... تاه من وصفه بها النسيك # وعارضها ولده الإمام الشهير بهاء الدين العاملي صاحب الكشكول بأبيات ~~قالوا: إنها سارت في عصره مسير المثل، ونسج عليها شعراء ذلك العصر، ~~كالنابلسي وغيره، ومطلعها: # يا نديمي بمهجتي أفديك ... قم وهات الكؤوس من هاتيك # خمرة إن ضللت ساحتها ... فسنا نور كأسها يهديك # على أن هذا الوزن بشطريه مستخرج من الخفيف، فليس باختراع كما زعموا، ~~وإنما هو ابتداع في التأليف الشعري؛ وقد اجتزأنا بما مرت الإشارة إليه، ~~فإنه كل ما تغير به ms856 الرسم في هذه الصناعة؛ وتركنا الأمثلة تفاديا من ~~الإطالة. # وبعد فلا ريب أن النفس البشرية في حاجة أبدا مع دينها الروحي إلى دين ~~إنساني يقوم على الشعور والرغبة والتأثير، فيفسر لها حقائق الحياة، ويكون ~~وسيلة من وسائل تغييرها؛ ليجعلها ألطف مما هي في اللطف؛ وأرق مما تكون في ~~الرقة، وأبدع مما تتفق في الإبداع؛ ذلك الذي يصل بظهوره وإبهامه بين الواضح ~~والغامض، والخالد والفاني؛ ذلك الذي لا يجمل الجمال إلا به، ولا تسكن النفس ~~إلا إليه؛ ذلك هو الشعر! # PageV03P296 ### | صروف اللغوي # *: # كان شيخنا هذا رجلا حصيفا جيد المنزعة حسن الرأي، ممكنا له فيما كان ~~يعترضه من مسائل اللغة، قويا على الأحوال التي تجري له من أوضاعها فيما ~~يعانيه من النقل ويزاوله من الترجمة على اختلاف مناحيها وكثرة فنونها، وعلى ~~أنها لا تزال كل يوم تنبعث من علم وتحتفل من رأي وتمد مد السيل كأنها دنيا ~~عقلية لا يبرح عقل الإنسان دائبا يحلق فيها ويبنيها من معاني الكون ~~وأسراره، فلا الكون ينفد لتتم، ولا هي تتم قبل أن ينفد الكون. # وثبت شيخنا على ذلك عمر دولة من الدول في خمسين سنة ونيف، يضرب قلمه في ~~السهل والصعب، وفي الممكن والممتنع؛ وإنه ليمر في كل ذلك مرا لا ينثني، ~~ويحذو حذوا لا يختلف، كأن الصعب عنده نسق السهل، والممتنع صوغ الممكن؛ فلو ~~قلت: إنه بني في أصل خلقه وتركيبه على أن يكون قوة من قوى التحويل لتحقيق ~~المشابهة العقلية بين الشرق والغرب لما أبعدت، ولو زعمت أن ذلك القلم الحي ~~لم يكن إلا عرفا في جسم الإنسانية لكان عسى.. # وانتهى شيخنا في العهد الأخير إلى أن صار يعد وحده حجة اللغة العربية في ~~دهر من دهورها العاتية، لا في الأصول والأقيسة والشواذ وما يكون من جهة ~~الحفظ والضبط والإتقان، بل فيما هو أبعد من ذلك وأرد بالمنفعة على اللغة ~~وتاريخها وقومها، بل فيما لا تنتهي إليه مطمعه أحد من علمائها وكتابها ~~وأدبائها؛ إذ وقع الإجماع على أنه انفرد في إقامة الدليل العلمي ms857 على سعة ~~العربية وتصرفها وحسن انقيادها وكفايتها، وأنها تؤاتي كل ذي فن على فنه، ~~وتماد كل عصر بمادته؛ وأنها من دقة التركيب ومطاوعته مع تمام الآلات ~~والأدوات بحيث ينزل منها رجل واحد بجهده وعمله منزلة الجماعات الكثيرة في ~~اللغات الأخرى، كأنها آخر ما انتهت إليه الحضارة قبل أن تبدأ الحضارة. ~~PageV03P297 # ولا يذهبن عنك الفرق بين رجل حافظ والكتاب أحفظ منه، وهو من الكتاب خرج ~~وإلى الكتاب يرجع؛ وبين رجل يكون ترجمانا من تراجمة العقل الإنساني المعني ~~بتأويل الكون وتفسيره، والطائر بالألفاظ الإنسانية على أجنحة العلوم ~~والفنون والمخترعات والمعاني؛ فإن ذاك ينقل عن الواقع ثم لا يتعدى هذه ~~المنزلة ولا يتجاوز متون الألفاظ، وأما هذا فلا يزال يضطرب مع الألفاظ ~~ومعانيها يجاذبها ويدافعها، ثم لا يزال يضع يده في النسيج اللغوي يسدي ~~ويلحم، فهو مدفوع إلى المسالك الدقيقة من مذاهب الوضع وطرقه، وأساليب الأخذ ~~والانتزاع؛ وهو مقيد أبدا بخاص المعنى وخاص اللفظ على التعيين والتحديد، لا ~~يجد فسحة من ضيقين؛ فإن لم يكن مثل هذا في منزلة الواضع فهو في المنزلة ~~بعده ولا ريب. # إنما اللغوي الأكبر عندي هو هذا الكون، وما العالم باللغة وفنونها إلا ~~وسيلة لتهذيب الطريقة تهذيبا عقليا، فيجب من ثم إن يكون للغوي رأي وعلم ~~وذكاء وبصر، ويجب أن يطابق النواميس، فلا يتعادى ما بينه وبينها؛ لأنه ~~وسيلة إنطاقها ليس غير؛ ومن ذلك أرى الدكتور صروف في الغاية، فقد كان ينزع ~~في مذهبه اللغوي منازع علمية دقيقة توزن وتقاس وتختبر، في حين لا تزيغ ولا ~~تهن ولا تختل، وتراها تنطلق وهي مقيدة، وتتقيد وهي مطلقة؛ إذ كان لا يعتد ~~اللغة عربية للعرب، بل عربية للحياة؛ وما تهدمه وتبنيه وما تحدثه وتنسخه ~~فهي على أصولها فيمن قبلنا، ولكن فروعها فينا نحن وفيمن يلينا وفيمن بعد ~~هؤلاء، قلنا أن نتولاها على تلك الأصول وعلى ما يشبهها في الطريقة حين ~~تنتقل الحال ويتغير الرسم، ولعلة إن وجبت، ولقياس إن جاز. والدكتور بهذا ~~الاعتبار يشتد في التمسك بالقواعد والضوابط ولا يترخص ms858 في شيء منها غير أنه ~~لا يكون كأقوام يرون الفروع من الجذوع قد خرجت، فيحسبون الثمرات سبيلها من ~~الجذوع أيضا.. وإن لم تجيء منها فستجيء منها. # عرض لي يوما أحد هؤلاء اللغويين فانتقد في المقطم قصيدة من القصائد التي ~~رفعتها إلى الملك فؤاد، وتمحل في نقده ودلل ببعض ما نقله من كتب اللغة، ~~فكان فيما تكلم فيه لفظا: "الأزاهر والورود"، فقال إنهما ليسا من اللغة ولم ~~يجريا في كتبها؛ وكان من ردي عليه أن قلت له: إن العرب جمعوا الجمل ستة ~~جموع، وجمعوا الناقة سبعة؛ لأنها أكرم عليهم منه، وإن لكل حياة صورها ~~الدائرة في ألفاظها، فالزهر والورد عند المولدين والمحدثين أكرم من الجمل ~~والناقة عند العرب، أو هذان كهذين؛ ثم هما من خاص الألفاظ المولدة، فلنا أن ~~نجمعهما # PageV03P298 # على كل صور الجمع التي يسوغها القياس؛ لأن ههنا الموجبة التي لم تكن مع ~~العرب فيهما؛ فمن الصحيح أن تقول: زهور، وأزهار، وأزاهر، وأزاهير الخ، فلما ~~لقيت الدكتور بعد نشر هذا الرد هنأني به، ثم قال فيما قال: يحسبون أن العرب ~~هم الجمل والناقة وليس غير ما استجمل وما استنوق.. أما هذا الدهر الطويل ~~العريض فليس عندهم شيئا، وهم يستطيعون أن ينكروا على المولدين ألف كلمة، ~~ولكن هل في استطاعتهم أن ينكروا على التاريخ ألف سنة؟ فذكرت له الأصل الذي ~~قرره أبو علي الفارسي في العربي الصحيح نفسه: من أنه ليس كل ما يجوز في ~~القياس يجب أن يخرج به سماع، فإذا أخذ إنسان على طريقة العرب وأم مذهبهم ~~فلا يسأل ما دليله وما سماعه وما روايته، ولا يجب عليه من ذلك شيء، حتى قال ~~أبو علي: لو شاء شاعر أو متسع أن يبني بإلحاق اللام* اسما وفعلا وصفة لجاز ~~له، ولكان ذلك من كلام العرب؛ وذلك نحو قولك: خرجج أكثر من دخلل، وضربب زيد ~~عمرا، ومررت برجل ضربب وكرمم، ونحو ذلك. قال تلميذه ابن جني: فقلت له: ~~أترتجل اللغة ارتجالا؟ قال: ليس بارتجال لكنه مقيس على كلامهم فهو إذا من ms859 ~~كلامهم. # وسألني مرة عن وجه الخلاف بين ما يسمونه القديم والجديد، فقلت له: إن ~~الخلاف ليس علي جديد ولا قديم، ولكن على ضعف وقوة؛ فإن قوما يكتبون وينظمون ~~ولكن لم تقسم الفصاحة والبلاغة على مقدار ما يطيقونه من ذلك، ولا يتسع ~~الصحيح لآرائهم في اللغة والأدب، وقد أرادوا أن يسعوا كل ذلك من حيث ضاقوا، ~~ويطاولوه من حيث تقاصروا، وينالوه من حيث عجزوا؛ فظنوا بالأمر ما يظن إنسان ~~يمشي على الأرض ويعرف أنها تدور، فيؤول ذلك بأنه هو يدير الأرض على محورها ~~بحركة قدميه ... نحن نقول: أسلوب ركيك، فيقولون: لا بل جديد، وتقول: لغة ~~سقيمة، فيقولون: بل عصرية، ونقول: وجه من الخطأ، فيقولون: بل نوع من ~~الصواب، وهلم جرا أو سخيا ... ثم قلت له: أفتجد أنت الركاكة واللحن والخطأ ~~والغثاثة وإن وأخواتها بابا جديدا أو أمرا مبتدعا أو شيئا يحتاج إلى اسم ~~جديد غير اسمه العربي؟ قال: لا، وأنا معك في هذا، وطريقتي في المقتطف أن ~~اللغة في قواعدها عربية، ولكن من قواعدها أن لكل مقام مقالا، فنحن نكتب ~~كتابة صحيحة ونريد بها أن ترفع العامة ولا تنزل بالخاصة، فنخدم العربية من ~~الجهتين. PageV03P299 # ثم نشر بعد ذلك في عدد شهر مايو سنة 1927 مقالا جعل عنوانه "أسلوبنا في ~~الترجمة والتعريب" وابتدأه بهذه العبارة: "اللغة جسم حي نام، وشأن من يحاول ~~منعها من النمو شأن الصينيين الذين يربطون أقدام بناتهم لكي لا تنمو وتبلغ ~~حدها الطبيعي، ولكن إذا كان النمو مشوها فلا بد من تقييده وتهذيبه؛ وكل ما ~~نقوله نحن هو التقييد والتهذيب واتقاء الشوهة أن تلم باللغة وأساليبها ~~فتترادف على محاسنها بمعايبها، وتطمس مفاتنها بمقابحها؛ فإن هذه المعايب ~~والمقابح إذا هي استجمعت وانساغت في لغة من اللغات لبستها بأشكالها فلا ~~تزال تنكر منها حتى لا تبقي لها وصفا يعرف، والحسن وحده هو الذي يحد ~~بالأوصاف والتعاريف، وهو الذي يدقق فيه ويبالغ فيه قياسه وتقديره، فإن وقع ~~فيه الفضول واختلطت الحدود وضعفت الملاءمة وجرى الوصف ناقصا وزائدا فقد خرج ~~إلى القبح، ms860 وإن خرج إلى القبح لم يعد الناس يحدون له حدا أو يعبأون له ~~بقاعدة، ووجدوا فيه كل الأوصاف الجميلة مقلوبة منكرة؛ لأنه هو جمال مقلوب؛ ~~"فتقييد التشويه وتهذيبه" كلمتان فيهما الكلام كله، أو هما المصراعان لهذا ~~الباب؛ ومن أجل ذلك كنا نعد الدكتور من حجتنا على أصحاب الجديد؛ لأنه ~~أوسعهم إحاطة وأكثرهم علما وأمدهم عملا، ثم لن يدانيه أحد منهم إلا إذا جمع ~~لنفسه عمرين، وهل في الجديد رجل ذو عمرين؟.. # قلنا: إن الشيخ كان في المنزلة التي تلي منزلة الواضع، وقد دفعته العلوم ~~إلى ذلك دفعا، لأنه مقيد بخاص المعنى في كل ما يترجم أو يعرب، ثم بالخصائص ~~العلمية الدقيقة التي لا تحتمل في أدائها ما تحتمل المعاني الأدبية؛ وقد ~~تصدر للكتابة والترجمة منذ شباب هذا العصر، ومنذ بدأ الناس يقرأون العلوم ~~الحادثة في الشرق؛ فلا جرم لم يكن لغويا كأبي عمرو وأبي زيد والخليل ~~والأصمعي وأبي حاتم وأبي عبيدة وأضرابهم ممن يحملون عن العرب ويؤدون ما ~~حملوه، ولا كان لغويا في طريقة سيبويه والكسائي والزجاج والأخفش واليزيدي ~~وأشباههم ممن ينظرون في اللغة وعللها وأقيستها وشواذها؛ ولكنه لغوي فيما ~~يعمر بين الشرق والغرب، يحمل بلسان ويؤدي بلسان غيره ويوافق بين المعاني ~~الجديدة والألفاظ القديمة، ويشابك بين خيوط التاريخ في هذه وهذه، ويأخذ ~~اللغة للاستعمال لا للحفظ وللتعليم لا للتدوين وللمنفعة لا للمباهاة ~~وللفائدة لا للتنبل؛ ويترجم وإن في خياله العالم الواسع الذي ينقل عنه ~~بعلمائه وأدبائه وكتبه ومجلاته ومصطلحاته، ويكتب وإن له تلك الملكة الدقيقة ~~التي كونتها العلوم الرياضية # PageV03P300 # والطبيعية والفلسفية وغيرها؛ فلم يكن بد من أن يبتدع، وأن تكون له طريقة ~~يوافق فيها ويخالف، وقد بسط هو القواعد التي أخذ بها وجرى عليها، فكتب فيها ~~مقالا في "المقتطف" شهر يوليو لسنة 1906، وأعاد نشره في عدد شهر مايو لسنة ~~1927، وهو يوافق فيه أكثر العلماء، وخاصة الإمام الجاحظ؛ ومع أن قاعدة ~~الجاحظ لم تكن يومئذ معروفة، ولكن كلا الشيخين حصيف الرأي تام الإدارة في ~~عمله، قوي الحسبة والتدبير فيما يأخذ ms861 وما يدع؛ وخلاصة رأي الدكتور أنه ينظر ~~في الكلمة الأعجمية، فإن أصاب لها مرادفا في العربية يحددها ويفي بها فذاك، ~~وإلا أمرها في كتابته وهو مقيد بقاعدة القارئ وما هو أخف على قارئه في ~~المئونة وأبين له في الدلالة، فإن كانت اللفظة الأعجمية أوفى وأشبع في ~~استعمال عدل إليها، قال: وغني عن البيان أننا التزمنا أن نجاري العلماء في ~~المصطلحات العلمية التي تفقد دلالتها بتعريبها: كالحامض الكبريتوس ~~والكبريتيك ... الخ، فإن لكل من هذه الملحقات والزوائد التي فيها، معنى ~~خاصا يدل على تركيب الحامض المراد كما يعلم دارسو الكيمياء؛ قال: فمن يسمي ~~الحامض الكبريتيك بالحامضي الكبريتي كمن يسمي الفرس حمارا؛ لأن لكل منهما ~~رأسا وذنبا.. # والجاحظ يقول في مثل ذلك: إن رأيي في هذا الضرب من هذا اللفظ أن أكون ما ~~دمت في المعاني التي هي عبارتها والمادة فيها على أن ألفظ بالشيء العتيد ~~الموجود "يعني اللفظ العلمي الاصطلاحي" وأدع التكلف لما عسى ألا يسلس ولا ~~يسهل إلا بعد الرياضة الطويلة.. ولكل صناعة ألفاظ قد جعلت لأهلها بعد ~~امتحان سواها، فلم تلزق بصناعتهم إلا بعد أن كانت بينها وبين معاني تلك ~~الصناعة مشاكلات. # فأنت ترى الجاحظ لا يمتنع من الألفاظ الأعجمية والعامية كما هي ما دامت ~~المعاني قائمة، وقاعدته هي الأخف والأدل والأفهم والأشيع، وهذا بعينه يقول ~~الدكتور فيه: "يشترط في حسن التعبير أن يؤدي المعنى المراد إلى ذهن السامع ~~بأقل ما يكون من الوقت والكلفة والإسراف في القوة العصبية". # وقد كلمني بعضهم في خطأ الدكتور من ناحية الألفاظ الأعجمية وإقحامها في ~~كتابته، وأنه يجنح إلى ذلك بأوهى سبب؛ ولا أراه خطأ، بل أنا أرد ذلك إلى ما ~~بينه آنفا من أمر الناقل والواضع ولا يعجزنا أن نجد لصنع الدكتور نصا يقوم ~~به وينهض بحجته؛ فقد قال أبو علي الفارسي: إن العرب إذا اشتقت من الأعجمي ~~خلطت فيه، فإذا كان هذا في الاشتقاق وهو لا يكون إلا من أصل، فكيف # PageV03P301 # بالتعريب؟ على أنه لا خلط ولا اضطراب، إنما هو سبيل الوضع ms862 وحكمة الدلالة ~~وأن اللغة هكذا تجيء، ثم يأتي بعد ذلك النحوي يقول لماذا ولأن ... # وقد أعجبني حسن تقسيم الدكتور لقواعده التي بسطها في مقاله المستفيض، حتى ~~أني لأراه بابا جديدا في التقسيم المعروف عند علماء البلاغة واللغة ~~لابتذاله الألفاظ وغرابتها؛ إذ لم يبق عندنا غريب ومبتذل ولا بيننا عرب ~~ومحدثون. # بيد أن من تلك القواعد أن الأستاذ يترخص في الألفاظ العامية وهو يجد ~~فصيحها، ويقول في ذلك: "إذا أسمعت الفلاح المصري كلمة بذار مرة في الأسبوع ~~أو في الشهر، سمع كلمة "تقاوي" مائة مرة وألف مرة، فرأينا أن محاولة تغيير ~~لغة العامة في هذه الكلمات وأمثالها ضرب من العبث وإضاعة للوقت وتضييع ~~للفائدة، فجاريناهم فيما نكتبه لهم". وهذا ما كنت أجادله فيه ولا أسلم له ~~بشيء منه؛ لأنه أغفل أصلا اجتماعيا عظيما، فإن عامتنا غير منقطعة من ~~العربية الفصحى، ولا يزال فيهم ميراثها من القرآن والحديث وكلام العلماء في ~~أمور دينهم، وهذه هي وسائل مزجهم بالفصيح وردهم إليه، ولا تزال هذه الوسائل ~~تفعل ما تفعله النواميس المحتومة ولولاها لما بقي للفصحى بقية بعد. # وقد كان جاء إلى مصر من بضع سنين رجل من أمريكا هو من تلاميذ الدكتور ~~القدماء، فنزح إلى ذلك البر فاتجر فأثرى وفشت له نعمة عظيمة؛ ولما لقيته ~~لقيت في يده صحيفة وضع فيها مسائل في اللغة والنحو، وكأن أعدها ليسأل عنها؛ ~~وفي أولها هذا السؤال: لماذا يقال فصح الرجل فصاحة فهو فصيح، ثم يقول: شعر ~~شعرا فهو شاعر؟ ألم يكن القياس أن يقال شعر شعارة فهو شعير، والفصاحة ~~والشعر من باب واحد؟ # وهذا السؤال وإن كان في ظاهر الرأي لغوا وعبثا ولكنه دقيق في تاريخ اللغة ~~وأقيستها، ولا محل لبسط الكلام عليه في هذا الموضع، غير أني أنهيت الخبر ~~للدكتور صروف وقلت له: إن صاحبك هذا يضع قواعد اللغة في الميزان الذي في ~~حانوته.. وأنت كذلك تعالج بعض الألفاظ أحيانا ببعض الغازات والحوامض. # قلت هذا؛ لأني لم أسلم له قط فيما كان يراه في مثل البذار ms863 والتقاوي، على ~~أنه قيد الكلام بقوله "فيما نكتبه لهم"، وهذا احتراس يدافع عنه بقوة كما ~~ترى. # ولا يمتري أحد في أن هذه النهضة اللغوية التي أدركناها وعملنا فيها لم ~~تكن سوى نمو طبيعي لعمل رجال أفذاذ نظن الدكتور صروف في طليعتهم؛ لأنه كان # PageV03P302 # أطولهم جهادا وأكثرهم عملا وأظهرهم أثرا؛ وكان المقتطف يجيء لها كل شهر ~~كأنه قطعة زمنية مسلطة بناموس كناموس النشوء، حتى لألم هذا المقتطف أن يكون ~~عصرا من العصور قد خرج في شكل الكتابة؛ ولقد كاشفني الدكتور في آخر أيامه ~~أنه كان يود لو ختم عمله بوضع معجم في اللغة يصلح أن يقال فيه إنه معجم ~~الشعب، وفصل لي طريقته؛ إذ كنت أكلمه في كتاب لغوي افتتحت العمل فيه من زمن ~~ولا يعرف أحد من أمره خبرا1 فقال لي: خذ بين طريقتي وطريقتك، وامض أنت في ~~هذا العمل؛ فإني لو وجدت فراغا لما عدلت بهذا الأثر شيئا، وما كل سهل هو ~~سهل.. # على أن شيخنا هذا لو قد كان تفرغ للغة وتوفر عليها واجتمع لها بذلك العمر ~~وتلك العلوم والأدوات، لكان فيها بأمة من الأشياخ الماضين من لدن أبي عمرو ~~بن العلاء إلى الدكتور يعقوب صروف، ولكن لعل الدهر أضيق من أن يتسع أو هو ~~أوسع من أن يضيق ... لإمام آخر كأبي علي الفارسي، يفرغ سبعين سنة لفرع واحد ~~من علوم اللغة هو علم القياس والاشتقاق والعلل الصرفية ويجعله همه وسدسه ~~على ما قال تلميذه ابن جني: "لا يعتاقه عنه ولد، ولا يعارضه فيه متجر، ولا ~~يسوم به مطلبا، ولا يخدم به رئيسا؛ فكأنه إنما كان مخلوقا له". # وكانت للدكتور طريقة جريئة في رد الألفاظ العربية إلى أصولها والرجوع بها ~~إلى أسباب أخذها واشتقاقها وتصاريفها من لغة إلى لغة، وأعانه على ذلك ثقوب ~~فكره وسعة علمه ودقة تمييزه وميله الغالب عليه في تحقيق ناموس النشوء وتبين ~~آثاره في هذه المخلوقات المعنوية المسماة بالألفاظ؛ وكان معجبا بكل ما جاءه ~~من هذا الباب ولو كان من خطأ؛ لأنه إلى الرأي ms864 يقصد وللطريقة يمكن ومع ~~الحاضر يجري. # وهذا باب يحتاج إلى التسمح والتساهل؛ إذ لا يمكن تحقيقه، ولا تتفق الحيطة ~~فيه، وليس إلا أن يتلوح شيء منه ويسنح شيء وتتلامح علة ويعرض سبب؛ ثم هو في ~~الدكتور من بعض الدلالة على استحكام ملكة الوضع فيه، ونزعه إلى أن يقتاس ~~بقياسه ويستخرج من علله؛ وقد تراه يبعد في ذلك فينصب لك الدليل من وراء ~~بضعة آلاف سنة، وأنا الساعة أعان ذاكرتي وأديرها من ههنا وههنا لأجد، كلمة، ~~قال لي مرة في تاريخها: إن العرب أخذوها عن اليونان حين PageV03P303 # كانت مكة نفسها جارية في حكمهم، ولكن أنسيت هذه الكلمة؛ إذ لم أرتبطها، ~~وإذ كنت لا أرى هذا المذهب ولا أحسن أن أقول فيه قولا، وأعد كل ما يقال فيه ~~من باب تلفيق الأدلة، كأنه ذئب ذلك الأعرابي الذي يريد أن يجعل في الناس ~~منه مثل غرائز الغنم ... فيقول: "إلا تره تظنه". # والدكتور صروف رجل مالي في المال وفي اللغة جميعا. فمذهبه القصد في ~~الدلالة والقصد في الوقت والقصد في القوة، وقد صرفته ثلاثتها عن الشعر وعما ~~كان في حكمه من تحبير النثر وتوشيته، على أنه يحسنهما لو أراد ولو سخت نفسه ~~بالوقت ينفقه ولا يتعرف قدر ما مضى منه في هذه الساعات، بل في ساعة الكون ~~الكبرى التي يتعاقب فيها عقربا النهار والليل، كما كان ينفق البارودي يوما ~~في بيت أو بيتين. # وكان شيخنا في آخر مجالسي معه قبل وفاته بشهر أو نحوه، أطلعني على كل ما ~~نشره في مجلدات "المقتطف" من شعره، فأعجبت بأشياء منه، وأشرت على صديقنا ~~الأستاذ فؤاد صروف أن يعيد نشر قصيدة الرقاش التي ترجمها الدكتور عن ~~الإنجليزية في نسق سلس موشح القوافي، والتي يقول فيها صاحبها يصف مخازي ~~المدنية: # مخاز توالت فصالت وصارت ... على الحلم دودا وفي العظم سوسا # وسألني الدكتور بعد أن فرغت من شعره: في أي طبقة تعدني من شعرائهم؟ ففكرت ~~قليلا ثم قلت له: في طبقة الدكتور صروف!. فضحك لها كثيرا. # وكانت له آراء في ms865 الشعر العربي غير بعضها في آخر عهده، ومما قاله لي مرة: ~~إن الذي يريد أن يخلد ذكره في هذا الشرق فلا ينسى، لا ينبغي له أن يطمع في ~~هذا إلا إذا بنى هرما كهرم الجيزة!. وهي كلمة فلسفية كبيرة تنطوي على شرح ~~طويل يعرفه من يعرفه. # وقد كادت قاعدة القصد التي أومأت إليها تنتهي به في آخر مدته إلى القول ~~بإسقاط الإعراب بتة، وأظن ذلك خاطرا سنح له فأخذ بأوله وترك أن ينظر في ~~أعقابه، فزرته مرة في شهر يناير لسنة 1927، وكان يصحح تسويده جواب كتبه عن ~~سؤال ورد عليه في هل يمكن الرجوع إلى اللغة الفصحى في القراءة والتكلم، وما ~~الفائدة من ذلك؟ فلما أمر بالجواب على نظره دفعه إلي فقرأته، فإذا هو يرى ~~أن كل حركة من حركات الإعراب والبناء يتهور فيها وقت ما؛ قال: فإذا قضينا # PageV03P304 # على أبناء العربية ألا يتكلموا إلا كلاما معربا نكون قد أضعنا عليهم ثلث ~~الوقت الذي يقضونه في التكلم من غير فائدة تجنى. # ولقد جادلته في ذلك ولججت في الخلاف معه، وقلت له: إن هذه قاعدة مالية، ~~ثم إنك أغفلت أمر العادة وما تيسره، وفي الكلام إيجاز يقوم مع الإعراب، هذا ~~المقام لا يكون من الإيجاز بد، وفي اللهجات العامية من الحشو ومط الصوت ~~وفساد التركيب ما يذهب بأكثر من ثلث الوقت؛ فأحسبه اقتنع وإن كنت رأيته لم ~~يقتنع. # وإنه ليحضرني بعد هذا كلام كثير في فضائل وآدابه وشمائل نفسه الزكية ~~ومنزعه في الأخلاق الطيبة الكريمة، ولو ذهبت فضل لخرجت إلى الإفاضة في فنون ~~مختلفة، ولكني أجتزئ من كل ذلك بأنه كان يظهر لي دائما كأنه في ظل من محبة ~~الله. # PageV03P305 ### | الشيخ الخضري # 1: # تحول الكتاب إلى كتاب، ورجع المفكر إلى فكرة، وأصبح من كان يدارس الناس ~~فإذا هو درس يذكر أو ينسى، وتناول التاريخ عالما، من علمائه فجعله نبأ من ~~أنبائه، وكان يبنيه فوضعه في بنائه، وقيل: مات الشيخ الخضري! # آه لو يرجع إنسان واحد من طريق الموت التي أولها هذه النقطة ms866 الصغيرة ~~المسماة بالكرة الأرضية، وآخرها حيث تجد كلمة: "الآخرة" بلا معنى لا محدود ~~ولا مظنون! وآه لو استطعنا أن نتكلم عن الميت كأنه حي بيننا، ونحن كثيرا ما ~~نتكلم عن الحي كأنه مات في زمن! إني لأكتب هذه الكلمات وكأني أنظر إلى وجه ~~أبي -رحمه الله- وأشهد ذلك السمت العجيب، وذلك الوقار الذي يغمر النفس هيبة ~~وجلالا، وأستروح ذلك الحب الذي هو أحد الطرق الثلاث المنتهية من الأرض إلى ~~السماء، ومن المخلوق إلى الخلق، والمبتدئة من السماء إلى الأرض ومن الخالق ~~إلى المخلوق: طريق الأم، وطريق الأب، وطريق الإنسانية؛ أكتب وكأن يدا من ~~وراء المادة تمسح على قلبي فأجد ثقلة وفترة، وأستشعر حنينا وشوقا، وأحس هذا ~~القلب ينازعني إلى قوم ذهبوا بلا رجعة، وفارقوا بلا وداع، وغابوا عنا بلا ~~خبر؛ دخلوا إلى أنفسنا ولا تحويهم، وخرجوا منها ولا تخلو منهم؛ فما دخلوا ~~ولا خرجوا، وهذه هي الحيرة التي يتركها الميت العزيز للحي المتفجع كيما ~~يعرف بأمواته ما هو الموت! # كنا منذ بضع وثلاثين سنة في مدينة المنصورة، وكان أبي يومئذ كبير قضاة ~~الشرع في ذلك الإقليم، فإني لألعب ذات يوم في بهو دارنا إذ طرق الباب، ~~فذهبت أفتح فإذا أنا بشيخ لم يبلغ سن العمامة*، ولم أميز من هيئته أهو طالب ~~علم أو هو عالم، فكان حدثا لكنه يتسم بسمة الجد؛ ورأيته لا تموج به الجبة ~~PageV03P306 # كالعلماء، غير أنها لا تمجه كالطلبة؛ وكان في يده مجلد ضخم لو نطق لقال ~~له: دعني لمن هو أسن منك! فما قدرته يزن عشرين مجلدا من مثله، ونظر إلي ~~نظرة كأني لا أزال أراها في عينه إلى الساعة، فسلمت عليه فقال: أين الشيخ؟ ~~يعني -الوالد- قلت: خرج آنفا؛ قال: فادفع إليه هذا الكتاب، وقل له جاء به ~~الخضري. # ثم أغلقت الباب وانتحيت جانبا وفتحت المجلد، فإذا هو جزء من التفسير ~~الكبير للفخر الرازي، كان قد استعاره من مكتبتنا؛ وعرفت الشيخ من يومئذ، ~~وكان أستاذا للعربية في مدرسة الصنائع، يضع كتاب النحو والصرف مع المطرقة ~~والمنشار والقدوم، ms867 فيذهب شيء في شيء، وكأنه لا يعلم شيئا؛ وقلما كنا نذكره ~~في مدرستنا إذ كان لنا شيخ فحل ثقة من رجال الأزهر، غير أن الخضري كان له ~~موضع في كل مجلس، وكان يداخل قوما من الخاصة يعنون بالمسائل الإسلامية ~~وفلسفتها وتقريبها من العامة والدهماء، وبإشارة من بعض هؤلاء وضع أول كتبه: ~~"نور اليقين في سيرة سيد المرسلين"، ويكاد هذا الاسم يدل على وزن الأستاذ ~~في أول عهده، وأنه لا يزال وراء السجعة الآتية من القرون الأخيرة لم يمض ~~على وجه ولم يعرف بمذهب. # إن الذي يريد أن يقول قولا صحيحا في هذا الفقيه العالم المؤرخ الأديب ~~المربي، يجب أن يرجع بتياره إلى منبعه مبلغ انبعاثه وقوة جريته ومد عبابه؛ ~~فما كان الخضري شيئا قبل أن يتعلق بمدار ذلك النجم الإنساني العظيم الذي ~~أهدته السماء إلى الأرض وسمى في أسمائها "محمد عبده"، لقد أخرجته دار ~~العلوم كما أخرجت الكثيرين؛ ولكن دار علومه الكبرى كانت أخلاق الأستاذ ~~الإمام وشمائله وآراءه وبلاغته وهمة نفسه. ألا أنه لا بد من رجل واحد يكون ~~هو الواحد الذي يبدأ منه العدد في كل عصر، وأنت فكيف تأملت الخضري فاعلم ~~أنك بإزاء معنى من معاني الشيخ محمد عبده، على فرق ما بين النفسين، بل أنت ~~من الخضري كأنك ترى الشيخ ساريا في مظهر من مظاهر الزمن. # كان يحضر دروس الشيخ، ويختلف إلى ناديه، ويناقله بعض الرأي، ويعارض معه ~~بعض الكتب التي كان يرجع إلى الشيخ في تصحيحها أو الإشراف على طبعها، فنفذ ~~الشيخ إلى نفسه ووجد السبيل إلى الاستقرار فيها، فهو من بعد حريص على وقته، ~~مجد في عمله، دائب على طريقه، آخذا بالأخلاق الفاضلة، مصلح مرب غيور، وكل ~~ذلك في سمت وهيبة، وجزالة رأي، وشرف همة، وإخلاص حق الإخلاص؛ وما أرى فوضى ~~عصرنا هذا وانحطاطه وإسفافه وسخافة قولهم: جديد # PageV03P307 # وقديم، وجريء ورجعي، وحر وجامد -إلا من خلاء العصر وفراغه من النفس ~~الكبيرة، وحاجته إلى إمام عظيم؛ ومتى أصبحنا نضرب في دائرة لا مركز لها، ~~فهي المربع ms868 وهي المستطيل وهي كل شكل إلا أن تكون الدائرة؛ والذين رأوا ~~طاغور الشاعر الهندي المتصوف حين نزل بمصر، ورأوا سحره وتحويله كل جديد مدة ~~أيام إلى قديم، وإخراسه هذه الألسنة عن نقده ومعارضته، وعن معاندة الحق ~~طيشا ونزقا وضلالا وتجديدا ... يستطيعون أن يدركوا ما أومأنا إليه، ~~ويتبينوا السر فيما نحن فيه، ويتمثلوا ما كان للشيخ محمد عبده في عصره، بل ~~في خلق عصره. # وانتهى الخضري إلى مدرسة القضاء الشرعي، فألف كتابه في الأصول، اختصر فيه ~~وهذب وقارب، فهو كتاب في هذا العلم لا كتاب هذا العلم، وأساتذة الأصول قوم ~~آخرون لو أنت منهم مثل الشيخ الرافعي الكبير، لرأيت البحر الذي يذهب في ~~ساحله نصف طول الأرض، وقد بعث الخضري على ذلك أن جماعة يومئذ كان منها ~~صديقنا المرحوم حفني ناصف، والشيخ المهدي، وغيرهما، اجتمعوا على إبداع نهضة ~~في التأليف، فذهب ثلاثة منهم بحصة الأدب، وفرغ الخضري للأصول؛ أخبرني بذلك ~~حنفي بك -رحمه الله- ثم لما اختار القائمون على الجامعة المصرية القديمة ~~صديقنا العلامة المؤرخ جورجي زيدان لدرس التاريخ الإسلامي فيها. طار الخبر ~~في الأمة بأنهم اختاروا القنبلة.. وشعر الناس بمعنى الهدم قبل أن يتهدم ~~شيء، فاضطرت الجامعة إلى أن تنحيه، وعهدت في الدرس إلى الأستاذ الخضري، ~~فألقى دروسه التي جمعها في كتابه "تاريخ الأمم الإسلامية". وقال في مقدمة ~~هذا الكتاب: "أرجو أن أكون قد وفقت لتذليل صعوبة كبرى. وهي صعوبة استفادة ~~التاريخ العربي من كتبه"؛ نقول: وعلى أن الشيخ أحسن في كتابه، وجاء بمادة ~~غزيرة من فكره ورأيه، وبسط واختصر، وباعد وقرب، فإن كلمته هذه إما أن تكون ~~أكبر من التاريخ أو أكبر من كتابه. # ورد في السنة الماضية على كتاب "الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين، وكان ~~رده خطابا أراد أن يحاضر به طلبة الجامعة؛ لأنه أستاذ أستاذهم؛ فكأنه أراد ~~جعل أستاذهم هذا تلميذا معهم، وأبت عليه الجامعة ما أراد، ولعلها فطنت إلى ~~هذا الغرض؛ ولما علم أني شرعت في طبع ردي على الدكتور طه1، كلمني في ~~PageV03P308 # استلحاق مقاله وجعله ذيلا ms869 في الكتاب، وقدرناه يومئذ في نحو خمسين صفحة أو ~~دونها، وقد سألته أن ينفي منه ما كان في مقادير الرصاص، ويقتصر على ما هو ~~في وزن القنابل، فقال: "كله قنابل"!. ثم اتسع كتابي وجاوز مقداره إلى ~~الضعف، فوسع هو رده وزاد فيه وطبعه في قريب من ضعفه على حدة. # دع كتابه المشهور "مهذب الأغاني"، فهذا لا يقال: إن الشيخ ألفه، بل ألفته ~~خمس عشرة سنة؛ وأظن كل ذلك لا يذكر في جنب الكتاب الذي كان يعمل فيه أخيرا، ~~وهو كتاب "الأدب المصري"، أخبرني أنه في جزأين ودعاني إلى داره لأرى ~~"المكتبة الخضرية"؛ ولأطلع على هذا الكتاب، فوعدته ولم يقدر لي؛ وقد حدثني ~~أنه معني أشد العناية باستجماع الفروق التي يمتاز بها الأدب المصري عن ~~الأدب الحجازي والشامي والعراقي والأندلسي، وأنه أصاب من ذلك أشياء متميزة ~~منذ الدولة الطولونية، يحق لمصر أن تقول فيها: هذا أدبي؛ وكان يكتم خبر هذا ~~الكتاب، حتى أن صديقنا الأستاذ حافظ بك عوض صاحب جريدة "كوكب الشرق"، اقترح ~~عليه أن يكتب فصلا في الشعراء المصريين وأدبهم يعقده لكتاب حفلة تكريم شوقي ~~بك؛ ثم لقيه بعد ذلك فقال له الشيخ: إن البحث سائر على أحسن وجوهه! # كان الخضري يفرح للقائي ويهش لي، وكنت أتبين في وجهه أشعة روحه الصافية، ~~ولعله كان يرى بي في نفسه ذلك الشيخ الذي أعطاني المجلد، كما كنت أرى به في ~~نفس ذلك التلميذ الذي أخذ المجلد منه! على أن مرجع ذلك في الحق إلى سعة ~~صدره، وفسحة رأيه، وبسطة ذرعه، وسمو أدبه وإنصافه؛ فلا يحقد ولا يحسد، ولا ~~يتجاوز قدره، ولا ينزل بأحد عن قدره، ولا يدعي ما لا يحسن؛ وقد عرف قراء ~~"المقتطف" مثلا من أخلاقه هذه أو أكثرها حتى انتقده صديقنا الأستاذ عبد ~~الرحيم بن محمود، وتناول الجزء الأول من كتابه "مهذب الأغاني" وراح يتقلقل ~~له كجلمود صخر.. فوسعه الشيخ وعني به ورد عليه في "المقتطف"، ونعته ~~بالأستاذ الجهبذ وانتصف منه، وأنصفه معا. ولقد اقترحت عليه مرة أن يضع ~~كتابا ms870 في حكمة التشريع الإسلامي وفلسفته، فقال لي: "مش قده" يعني أن العمل ~~أكبر منه، ولكن هذا نبهه إلى وضع كتابه في "تاريخ التشريع الإسلامي. # ولما أصدرت الجزء الأول من "تاريخ آداب العرب" في سنة 1911، لم أهده إلى ~~الشيخ، فاشتراه وقرأه، ثم لقيته وسألته رأيه فيه، فقال: "جدا كويس" # PageV03P309 # فكان تقديم "جدا" تقريظا، و"كويس" تقريظا آخر؛ وهو يقول هذا على حين كان ~~بعض إخوانه الشيوخ يكاد يموت غما بهذا الكتاب وما كتب عنه، وعلى حين كلمني ~~بعضهم مرتين في ترك هذا العمل ونفض يدي منه؛ لأنه -زعم- عمل شاق بلا ~~فائدة.. # وقد زرت الأستاذ الخضري في وزارة المعارف في السنة الماضية، فبعد أن جلست ~~إلى جانبه نهض مرة ثانية وجعل يثبتني بقوة في الكرسي، كأنه لم يطمئن بعد ~~إلى أني جلست، ثم فاض بكلام كثير، فكان فيما قاله: "أنا الآن أعيش في غير ~~زمني"، وكأنما كان ينعي إلي نفسه بهذه الكلمة من حيث لا يدري ولا أدري، ~~وقال لي: إنه يجلس إلى مكتبة في كل يوم ست ساعات، يقرأ ويؤلف أو ينسخ؛ لأن ~~كل كتبه المخطوطة هو ناقلها وناسخها ومصححها، وأنه يتلو كل يوم أربعة أجزاء ~~من القرآن الكريم. قال: ولا يعتريه البرد ولا مرض من أمراضه، لما اعتاد من ~~رياضة صدره بهذه التلاوة، وقال: إن كل ما هو فيه إنما هو من بركة القرآن. # ولنمسك عند هذا الحد؛ فإن للذكرى غمزا على القلب، وبالجملة فقد كان -رحمه ~~الله- عالما كالكتاب، وكاتبا كالعلماء؛ فهو من هؤلاء وأولئك يلف الطبقتين، ~~وهو وحده منزلة بين المنزلتين؛ وبذلك تميز وظهر، فإنه في إحدى الجهتين عقل ~~جريء تمده رواية واسعة في علوم مختلفة، فنراه يبعث من عقله الحياة إلى ~~الماضي حتى كأنه لم يمض، وهو في الجهة الأخرى علم مستفيض لا يقف عند حد ~~الصحيفة أو الكتاب، بل لا يزال يلتمس له عقلا يخرجه ويتصرف به، حتى يكبر عن ~~أن يكون قديما بحتا فينتظم الحاضر إلى ماضيه ويطلقهما إطلاقا واحدا.. لم ~~يكن الشيخ جديدا إلا بالقديم، ولا ms871 قديما إلا بالجديد؛ فإننا لا نعرف قديما ~~محضا ولا جديدا صرفا، ولا نقيم وزن أحدهما إلا بوزن من الآخر إذا أردنا ~~بهما سنة الحياة؛ وأنت لن تجد حيا منقطعا مما وراءه، بل أنت ترى الطبيعة ~~قيدت كل حي جديد إلى أصلين من القديم لا أصل واحد هما أبواه فمنهما يأتي ~~ومنهما يستمد وهما أبدا فيه وإن كان على حدة؛ وبعد، فلو جاريت السخافة ~~العصرية المشهورة لقلت: إن المذهب القديم.. قد انهد ركن من أركانه، ونقص ~~قنطار كتب من ميزانه؛ ولكن هذه السخافة في رأيي كما ترى من جماعة ائتلوا أن ~~يطفئوا نجما في السماء؛ لأنه قديم، فاتفقوا على ذلك وأجمعوه بينهم وفرغوا ~~من أمره، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون كيف يهيئون العربات والمضخات التي ~~تحمل إلى السماء بضعة أبحر ليصبوها على النجم ... # PageV03P310 ### | رأي جديد 1 في كتب الأدب القديمة: # أدب الكاتب لابن قتيبة من الدواوين الأربعة التي قال ابن خلدون فيها من ~~كلامه على حد علم الأدب: "وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا ~~الفن وأركانه أربعة دواوين: وهي "أدب الكاتب" لابن قتيبة، و "كتاب الكامل" ~~للمبرد، و "كتاب البيان والتبيين" للجاحظ، وكتاب "النوادر" لأبي علي القالي ~~البغدادي؛ وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها". # وقد يظن أدباء عصرنا أن كلمة ابن خلدون هذه كانت تصلح لزمنه وقومه، وأنها ~~تتوجه على طريقة من قبلهم في طبقة بعد طبقة إلى أصول هذه السلسلة التي ~~يقولون فيها: حدثنا فلان عن فلان إلى الأصمعي أو أبي عبيدة أو أبي عمرو بن ~~العلاء وغيرهم من شيوخ الرواية ونقلة اللغة. ولكنها لا تستقيم في آدابنا ~~ولا تعد من آلائنا ولا تقع من معارفنا، بل يكاد يذهب من يتغرر منهم بالآراء ~~الأوروبية التي يسميها علمه ... ومن يسترسل إلى التقليد الذي يسميه مذهبه.. ~~إلى أن تلك الكتب وما جرى في طريقتها هي أموات من الكتب، وهي قبور من ~~الأوراق، وأنه يجب أن يكون بيننا وبينها من الإهمال أكثر مما بينها وبيننا ~~من الزمن، وأن ms872 بعث الكتاب منها وإحياءه يوشك أن يكون كبعث الموتى: علامة ~~على خراب الدنيا.. # فأما أن يكون ذلك علامة على خراب الدنيا، فهو صحيح إذا كانت الدنيا هي ~~محرر جريدة.. من أمثال أصحابنا هؤلاء، وأما تلك الكتب فأنا أحسبها لم توضع ~~إلا لزمننا هذا ولأدبائه وكتابه خاصة، وكأن القدر هو أثبت ذلك القول في ~~مقدمة ابن خلدون لينتهي بنصه إلينا فنستخرج منه ما يقيمنا على الطريقة في ~~هذا العصر الذي وقع أدباؤه في متسع طويل من فنون الأدب ومضطرب عريض من ~~مذاهب الكتابة وأفق لا تستقر حدوده من العلوم والفلسفة ... فإن هذه المادة ~~PageV03P311 # الحافلة من المعاني تحيي آداب الأمم في أوروبا وأمريكا، ولكنها تكاد تطمس ~~آدابنا وتمحقنا محقا تذهب فيه خصائصنا ومقوماتنا، وتحيلنا عن أوضاعنا ~~التاريخية، وتفسد عقولنا ونزعاتنا، وترمي بنا مراميها بين كل أمة وأمة، حتى ~~كأن ليست منا أمة في حيزها الإنساني المحدود من ناحية بالتاريخ ومن ناحية ~~بالصفات ومن ناحية بالعلوم ومن ناحية بالآداب؛ ومن ذلك ابتلي أكثر كتابنا ~~بالانحراف عن الأدب العربي أو العصبية عليه أو الزراية له، ومنهم من تحسبه ~~قد رمي في عقله لهوسه وحماقته، ومنهم من كأنه في حقده سلح قلبه، ومنهم ~~المقلد لا يدري أعلى قصد هو أم جور، ومنهم الحائر يذهب في مذهب ويجيء من ~~مذهب ولا يتجه لقصد، ومنهم من هو منهم وكفى.. # وقلما تنبه أحد إلى السبب في هذا؛ والسبب في حقارته وضعفه "كالمكروب": ~~بذرة طامسة لا شأن لها، ولكن متى تنبت تنبت أوجاعا وآلاما وموتا وأحزانا ~~ومصائب شتى. # السبب أن أولئك الأدباء كلهم ثم من يتشيع لهم أو يأخذ برأيهم، ليس منهم ~~واحد ترى في أساسه الأدبي تلك الأصول العربية المحضة القائمة على دراسة ~~اللغة وجمعها وتصنيفها وبيان عللها وتصاريفها ومطارح اللسان فيها، ~~والمتأدية بذلك إلى تمكين الأديب الناشئ من أسرار هذه اللغة وتطويعها له، ~~فيكون قيما بها وتكون هي مستجيبة لقلمه جارية في طبيعته مسددة في تصرفه، ~~حتى إذا نشأ بها واستحكم فيها أحسن العمل لها وزاد في ms873 مادتها وأخذ لها من ~~غيرها وكان خليقا أن يمد فيها ويحسن الملاءمة بينها وبين الآداب ويجعل ذلك ~~نسجا واحدا وبيانا بعضه من بعضه، فينمو الأدب العربي في صنيعه كما تنمو ~~الشجرة الحية: تأخذ من كل ما حولها لعنصرها وطبيعتها وليس إلا عنصرها ~~وطبيعتها حسب. # إن "أدب الكاتب" وشرحه هذا للإمام الجواليقي* وما صنف من بابهما على ~~طريقة الجمع من اللغة والخبر وشعر الشواهد والاستقصاء في ذلك والتبسط في ~~الوجوه والعلل النحوية والصرفية والإمعان في التحقيق، كل ذلك عمل ينبغي أن ~~يعرف على حقه في زمننا هذا؛ فهو ليس أدبا كما يفهم من المعنى الفلسفي لهذه ~~PageV03P312 # الكلمة، بل هو أبعد الأشياء عن هذا المعنى؛ فإنك لا تجد في كتاب من هذه ~~الكتب إلا التأليف الذي بين يديك، أما المؤلف فلا تجده ولا تعرفه منها إلا ~~كالكلمة المحبوسة في قاعدة.. وكأنه لم يكن فيه روح إنسان بل روح مادة ~~مصمتة، وكأنه لم ينشأ ليعمل في عصره بل ليعمل عصره فيه، وكأن ليس في الكتاب ~~جهة إنسانية متعينة، فثم تأليف ولكن أين المؤلف؟ وهذا كتاب ابن قتيبة، ولكن ~~أين ابن قتيبة فيه؟ # وما أخطأ المتقدمون في تسميتهم هذه الكتب أدبا؛ فذلك هو رسم الأدب في ~~عصرهم، غير أن هذا الرسم قد انتقل في عصرنا نحن، فإنا نحن المخطئون اليوم ~~في هذه التسمية، كما لو ذهبنا نسمي الجمل في البادية "الإكسبريس"، والهودج ~~عزبة "بولمان". # ومن هذا الخطأ في التسمية ظهر الأدب العربي لقصار النظر كأنه تكرار عصر ~~واحد على امتداد الزمن، فإن زاد المتأخر لم يأخذ إلا من المتقدم؛ وصارت هذه ~~الكتب كأنها في جملتها قانون من قوانين الجنسية نافذ على الدهر، لا ينبغي ~~لعصر يأتي إلا أن يكون من جنس القرن الأول. # هذه الكتب من هذه الناحية كالخل: يسمى لك عسلا ثم تذوقه فلا يجني عليه ~~عندك إلا الاسم الذي زور له؛ أما هو فكما هو في نفسه وفي فائدته وفي طبيعته ~~وفي الحاجة إليه، لا ينقص من ذلك ولا يتغير. # الحقيقة التي ms874 يعينها الوضع الصحيح أن تلك المؤلفات إنما وضعت لتكون أدبا، ~~لا من معنى أدب الفكر وفنه وجماله وفلسفته، بل من معنى أدب النفس وتثقيفها ~~وتربيتها وإقامتها، فهي كتب تربية لغوية قائمة على أصول محكمة في هذا ~~الباب، حتى ما يقرؤها أعجمي إلا خرج منها عربيا أو في هوى العربية والميل ~~إليها؛ ومن أجل ذلك بنيت على أوضاع تجعل القارئ المتبصر كأنما يصاحب من ~~الكتاب أعرابيا فصيحا يسأله فيجيبه، ويستهديه فيرشده؛ ويخرجه الكتاب تصفحا ~~وقراءة كما تخرجه البادية سماعا وتلقينا، والقارئ في كل ذلك مستدرج إلى ~~التعريب في مدرجة مدرجة من هوى النفس ومحبتها، فتصنع به تلك الفصول فيما ~~دبرت له مثلما تصنع كتب التربية في تكوين الخلق بالأساليب التي أديرت عليها ~~والشواهد التي وضعت لها والمعالم النفسية التي فصلت فيها ومن ثم جاءت هذه ~~الكتب العربية كلها على نسق واحد لا يختلف في الجملة فهي أخبار وأشعار ولغة ~~وعربية وجمع وتحقيق وتمحيص، وإنما تتفاوت بالزيادة والنقص والاختصار # PageV03P313 # والتبسط والتخفيف والتثقيل ونحو ذلك فما هو في الموضوع لا في الوضع، حتى ~~ليخيل إليك أن هذه كتب جغرافية للغة وألفاظها وأخبارها؛ إذ كانت مثل كتب ~~الجغرافية: متطابقة كلها على وصف طبيعة ثابتة لا تتغير معالمها ولا يخلق ~~غيرها إلا الخالق سبحانه وتعالى. # وإذا تدبرت هذا الذي بيناه لم تعجب كما يعجب المتطفلون على الأدب العربي ~~والمتخبطون فيه من أن يروا إيمان المؤلفين متصلا بكتبهم ظاهر الأثر فيها، ~~وأنهم جميعا يقرون إنما يريدون بها المنزلة عند الله في العمل لحياطة هذا ~~اللسان الذي نزل به القرآن وتأديته في هذه الكتب إلى قومهم كما تؤدى ~~الأمانة إلى أهلها، حتى لولا القرآن لما وضع من ذلك شيء البتة. # وأنا أتلمح دائما العامل الإلهي في كل أطوار هذه اللغة وأراه يديرها على ~~حفظ القرآن الذي هو معجزتها الكبرى، وأرى من أثره مجيء تلك الكتب على ذلك ~~الوضع، وتسخير تلك العقول الواسعة من الرواة والعلماء والحفاظ جيلا بعد جيل ~~في الجمع والشرح والتعليق بغير ابتكار ولا وضع ms875 ولا فلسفة ولا زيغ عن تلك ~~الحدود المرسومة التي أومأنا إلى حكمتها، فلو أنه كان فيهم مجددون من طراز ~~أصحابنا من أهل التخليط، ثم ترك لهم هذا الشأن يتولونه كما نرى بالنظر ~~القصير والرأي المعاند والهوى المنحرف والكبرياء المصممة والقول على الهاجس ~~والعلم على التوهم ومجادلة الأستاذ حيص للأستاذ بيص ... إذن لضرب بعضهم وجه ~~بعض وجاءت كتب متدابرة، ومسخ التاريخ وضاعت العربية وفسد ذلك الشأن كله، ~~فلم يتسق منه شيء. # ومما ترده على قارئها تلك الكتب في تربيته للعربية أنها تمكن فيه للصبر ~~والمعاناة والتحقيق والتورك في البحث والتدقيق في التصفح، وهي الصفات التي ~~فقدها أدباء هذا الزمن، فأصبحوا لا يثبتون ولا يحققون، وطال عليهم أن ~~ينظروا في العربية، وثقل عليهم أن يستبطنوا كتبها؛ ولو قد تربوا في تلك ~~الأسفار، وبذلك الأسلوب العربي لتمت الملاءمة بين اللغة في قوتها وجزالتها ~~وبين ما عسى أن ينكره منها ذوقهم في ضعفه وعاميته وكانوا أحق بها وأهلها. # وذلك بعينه هو السر في أن من لا يقرؤون تلك الكتب أول نشأتهم، لا تراهم ~~يكتبون إلا بأسلوب منحط، ولا يجيئون إلا بكلام سقيم غث، ولا يرون في الأدب ~~العربي إلا آراء ملتوية؛ ثم هم لا يستطيعون أن يقيموا على درس كتاب عربي. ~~فيساهلون أنفسهم ويحكمون على اللغة والأدب بما يشعرون به في حالتهم # PageV03P314 # تلك، ويتورطون في أقوال مضحكة، وينسون أنه لا يجوز القطع على الشيء من ~~ناحية الشعور ما دام الشعور يختلف في الناس باختلاف أسبابه وعوارضه، ولا من ~~ناحية يجوز أن يكون الخطأ فيها؛ وهم أبدا في إحدى الناحيتين أو في كلتيهما. # وهذا شرح الجواليقي من أمتع الكتب التي أشرنا إليها، وصاحبه هو الإمام ~~أبو منصور موهوب الجواليقي المولود في سنة 465 للهجرة، والمتوفى سنة540، ~~وهو من تلاميذ الإمام الشيخ أبي زكريا الخطيب التبريزي؛ أول من درس الأدب ~~في المدرسة النظامية ببغداد* وقرأ الجواليقي على شيخه هذا سبع عشرة سنة، ~~استوفى فيها علوم الأدب من اللغة والشعر والخبر والعربية بفنونها، ثم خلف ~~شيخه على ms876 تدريس الأدب في النظامية بعد علي بن أبي زيد المعروف بالفصيحى**. # وما نشك أن هذا الشرح هو بعض دروسه في تلك المدرسة، فأنت من هذا الكتاب ~~كأنك بإزاء كرسي التدريس في ذلك العهد، تسمع من رجل انتهت إليه إمامة اللغة ~~في عصره، فهو مدقق محيط مبالغ في الاستقصاء لا يند عنه شيء مما هو بسبيله ~~من الشرح، معني بالتصريف ووجوهه مما انتهى إليه من أثر الإمام ابن جني ~~فيلسوف هذا العلم في تاريخ الأدب العربي، فإن بين الجواليقي وبينه شيخين ~~كما تعرف من إسناده في هذا الشرح. # وقد قالوا: إن أبا منصور في اللغة أمثل منه في النحو، على إمامته فيهما ~~معا؛ إذ كان يذهب في بعض علل النحو إلى آراء شاذة ينفرد بها، وقد ساق منها ~~عبد الرحمن الأنباري مثلين في كتابه "نزهة الألباء"، ولكن هذا الشذوذ نفسه ~~دليل على استقلال الفكر وسعته ومحاولته أن يكون في الطبقة العليا من أئمة ~~العربية***، وهو على ذلك رجل ثقة صدوق كثير الضبط عجيب في التحري والتدقيق؛ ~~حتى PageV03P315 # كان من أثر ذلك في طباعه أن اعتاد التفكير وطول الصمت فلا يقول قولا إلا ~~بعد تدبر وفكر طويل، فإن لم يهتد إلى شيء قال: لا أدري، وكثيرا ما كان يسأل ~~في المسألة فلا يجيب إلا بعد أيام. # وكان ورعا قوي الإيمان، انتهى به إيمانه وعلمه وتقواه إلى أن صار أستاذ ~~الخليفة المقتفي لأمر الله، فاختص بإمامته في الصلوات، وقرأ عليه المقتفى ~~شيئا من الكتب، وانتفع بذلك وبان أثره في توقيعاته كما قالوا. # والذي يتأمل هذا الشرح فضل تأمل يرى صاحبه كأنما خلقه الله رجل إحصاء في ~~اللغة، لا يفوته شيء مما عرف إلى زمنه، وهو ولا ريب يجري في الطريقة ~~الفكرية التي نهجها ابن جني وشيخه أبو علي الفارس؛ ومن أثر هذه الطريقة فيه ~~أنه لا يتحجر ولا يمنع القياس في اللغة، ويلحق ما وضعه المتأخرون بما سمع ~~من العرب، ويروي ذلك جميعه ويحفظه ويلقيه على طلبته؛ ومن أمتع ما جاء من ~~ذلك ms877 في شرحه قوله في صفحة 235، وهو باب لم يستوفه غيره ولا تجده إلا في ~~كتابه، وهذه عبارته: # قولهم: يدي من ذلك فعلة: المسموع منهم في ذلك ألفاظ قليلة، وقد قاس قوم ~~من أهل اللغة على ذلك فقالوا: يدي من الإهالة سنخة، ومن البيض زهمة، ومن ~~التراب تربة، ومن التين والعنب والفواكه كتنة وكمدة ولزجة، ومن العشب كتنة ~~أيضا، ومن الجبن نسمة، ومن الجص شهرة، ومن الحديد والشبهة والصفر والرصاص ~~سهكة وصدئة أيضا، ومن الحمأة ردغة ورزغة، ومن الخضاب ردعة، ومن الحنطة ~~والعجين والخبز نسغة، ومن الخل والنبيذ خمطة، ومن الدبس والعسل دبقة ولزقة ~~أيضا، ومن الدم شحطة وشرفة ومن الدهن زنخة، ومن الرياحين ذكية، ومن الزهر ~~زهرة، ومن الزيت قنمة، ومن السمك سهكة وصمرة، ومن السمن دسمة ونمسة ونمسة، ~~ومن الشهد والطين لثقة، ومن العطر عطرة، ومن الغالية عبقة، ومن الغسلة ~~والقدر وحرة، ومن الفرصاد قنئة، ومن اللبن وضرة، ومن اللحم والمرق سمرة، ~~ومن الماء بللة وسبرة، ومن المسك ذفرة وعبقة، ومن النتن قنمة، ومن النفط ~~جعدة. انتهى. # فالمسموع من هذه الألفاظ عن العرب لا يتجاوز سبعا فيما نرى، والباقي كله ~~أجراه علماء اللغة وأهل الأدب على القياس، فأبدع القياس منها أربعا وثلاثين ~~كلمة: ولو تدبرت كيفية استخراجها ورجعت إلى الأصول التي أخذت # PageV03P316 # منها لأيقنت أن هذه العربية هي أوسع اللغات كافة، وأنها من أهلها كالنبوة ~~الخالدة في دينها القوي: تنتظر كل جيل يأتي كما ودعت كل جيل غير لأنها ~~الإنسانية، لهؤلاء وهؤلاء. # إن ظهور مثل هذا الشرح كالتوبيخ لأكثر كتاب هذا الزمن أن اقرءوا وادرسوا ~~وخصوا لغتكم بشطر من عنايتكم، وتربوا لها بتربيتها في مدارسكم ومعاهدكم، ~~واصبروا على معاناتها صبر المحب على حبيبته، فإن ضعفتم فصبر البار على من ~~يلزمه حقه؛ فإن ضعفتم عن هذا فصبر المتكلف المتجمل على الأقل! # PageV03P317 ### | أمير الشعر في العصر القديم # 1: # الوجه في إفراد شاعر أو كاتب من الماضين بالتأليف، أن تصنع كأنك تعيده ~~إلى الدنيا في كتاب وكان إنسانا وكان عمرا، وترده حكاية وكان ms878 عملا، وتنقله ~~بزمنه إلى زمنك، وتعرضه بقومه على قومك، حتى كأنه بعد أن خلقه الله خلقة ~~إيجاد بخلقه العقل خلقة تفكير. # من أجل ذلك لا بد أن يتقصى المؤلف في الجمع من آثار المترجم وأخباره، وأن ~~يحمل في ذلك من العنت ما يحمله لو هو كان يجري وراء ملكي من يترجمه لقراءة ~~كتاب أعماله في يديهما.. ولا بد أن يبالغ في التمحيص والمقابلة، ويدقق في ~~الاستنباط والاستخراج، ويضيف إلى عامة ما وجد من العلم والخبر خاصة ما عنده ~~من الرأي والفكر، ويعمل على أن ينقح ما انتهى إليه الماضي في أدبه وعلمه ~~بما بلغ إليه الحاضر في فنه وفلسفته؛ وذلك من عمل العقل المتجدد أبدا ~~والمترادف على هذه الحياة بمذاهبه المختلفة، يشبه عمل الدهر المتجدد أبدا ~~والمترادف بالليل والنهار على هذه الأرض، كل نهار أو ليل هو آخر وهو أول، ~~وكذلك العقول كلها آخر من ناحية وأول من ناحية. # والتجديد في الأدب إنما يكون من طريقتين: فأما واحدة فإيداع الأديب الحي ~~في آثار تفكيره بما يخلق من الصور الجديدة في اللغة والبيان، وأما الأخرى ~~فإبداع الحي في آثار الميت بما يتناولها به من مذاهب النقد المستحدثة ~~وأساليب الفن الجديدة وفي الإبداع الأول إيجاد ما لم يوجد، وفي الثاني ~~إتمام ما لم يتم؛ فلا جرم كانت فيهما معا حقيقة التجديد بكل معانيها، ولا ~~تجديد إلا من ثمة، فلا جديد؛ إلا مع القديم. PageV03P318 # وإذا تبينت هذا وحققته أدركت لماذا يتخبط منتحلو الجديد بيننا وأكثرهم ~~يدعيه سفاها ويتقلده زورا، وجملة عملهم كوضع الزنجي الذرور الأبيض ~~"البودرة" على وجهه ثم يذهب يدعي أنه خرج أبيض من أمه لا من العلبة.. فإن ~~منهم من يصنع رسالة في شاعر وهو لا يفهم الشعر ولا يحسن تفسيره ولا يجده في ~~طبعه؛ ومنهم من يدرس الكاتب البليغ وقد باعده الله من البلاغة ومذاهبها ~~وأسرارها، ومنهم من يجدد في تاريخ الأدب، ولكن بالتكذب عليه والتقحم فيه ~~والذهاب في مذهب المخالفة، يضرب وجه المقبل حتى يجيء مدبرا، ووجه المدبر ~~حتى ms879 يعود مقبلا، فإذا لكل فريق جديد، وينسى أن جديده بالصنعة لا بالطبيعة ~~وبالزور لا بالحق. # ألا إن كل من شاء استطاع أن يطب لكل مريض، لا يكلفه ذلك إلا قولا يقوله ~~وتلفيقا يدبره، ولكن أكذلك كل من وصف دواء استطاع أن يشفي به؟ # وبعد؛ فقد قرأت رسالة امرئ القيس التي وضعها الأديب السيد محمد صالح سمك، ~~فرأيت كاتبها -مع أنه ناشئ بعد- قد أدرك حقيقة الفن في هذا الوضع من تجديد ~~الأدب، فاستقام على طريقة غير ملتوية، ومضى في المنهج السديد، ولم يدع ~~التثبت وإنعام النظر وتقليب الفكر وتحصين الرأي، ولا قصر في التحصيل ~~والاطلاع والاستقصاء، ولا أراه قد فاته إلا ما لا بد أن يفوت غيره مما ذهب ~~في إهمال الرواة المتقدمين وأصبح الكلام فيه من بعدهم رجما بالغيب وحكما ~~بالظن. # فإن امرأ القيس في رأيي إنما هو عقل بياني كبير من العقول المفردة التي ~~خلقت خلقتها في هذه اللغة، فوضع في بيانها أوضاعا كان هو مبتدعها والسابق ~~إليها، ونهج لمن بعده طريقتها في الاحتذاء عليها والزيادة فيها والتوليد ~~منها؛ وتلك هي منقبته التي انفرد بها والتي هي سرد خلوده في كل عصر إلى ~~دهرنا هذا وإلى ما بقيت اللغة؛ فهو أصل من الأصول، في أبواب من البلاغة ~~كالتشبيه والاستعارة وغيرهما، حتى لكأنه مصنع من مصانع الغة لا رجل من ~~رجالها؛ وكما يقال في أمننا في أمم الصناعة: سيارة فورد وسيارة فيات، يمكن ~~أن يقال مثل ذلك في بعض أنواع البلاغة العربية: استعارة امرئ القيس، وتشبيه ~~امرئ القيس. # ولكن تحقيق هذا الباب وإحصاء ما انفرد به الشاعر وتأريخ كلماته البيانية ~~مما لا يستطيعه باحث وليس لنا فيه إلا الوقوف عند ما جاء به النص. # ولقد نبهنا في "إعجاز القرآن" إلى مثل هذا؛ إذ نعتقد أن أكثر ما جاء في ~~القرآن الكريم كان جديدا في اللغة، لم يوضع من قبله ذلك الوضع ولم يجر في # PageV03P319 # استعمال العرب كما أجراه، فهو يصب اللغة صبا في أوضاعه لأهلها لا في ~~أوضاع أهلها؛ وبذلك ms880 يحقق من نحو ألف وأربعمائة سنة ما لا نظن فلسفة الفن قد ~~بلغت إليه في هذا العصر؛ إذ حقيقة الفن على ما نرى أن تكون الأشياء كأنها ~~ناقصة في ذات أنفسها ليس في تركيبها إلا القوة التي بنيت عليها، فإذا ~~تناولها الصنع الحاذق الملهم أضاف إليها من تعبيره ما يشعرك أنه خلق فيها ~~الجمال العقلي، فكأنها كانت في الخلقة ناقصة حتى أتمها. # وهذا المعنى الذي بيناه هو الذي كان يحوم عليه الرواة والعلماء بالشعر ~~قديما، يحسونه ولا يجدون بيانه وتأويله، فترى الأصمعي مثلا يقول في شعر ~~لبيد؛ إنه طيلسان طبري. أي محكم متين، ولكن لا رونق له؛ أي فيه القوة وليس ~~فيه الجمال؛ أي فيه التركيب وليس فيه الفن. # والعقل البياني كما قلنا في غير هذه الكلمة، هو ثروة اللغة، وبه وبأمثاله ~~تعامل التاريخ، وهو الذي يحقق فيها فن ألفاظها وصورها؛ فهو بذلك امتدادها ~~الزمني وانتقالها التاريخي وتخلقها مع أهلها إنسانية بعد إنسانية في زمن ~~بعد زمن، ولا تجديد ولا تطور إلا في هذا التخلق متى جاء من أهله والجديرين ~~به؛ وهو العقل المخلوق للتفسير والتوليد وتلقي الوحي وأدائه واعتصار المعنى ~~من كل مادة وإدارة الأسلوب على كل ما يتصل به من المعاني والآراء، فينقلها ~~من خلقتها وصيغها العالية إلى خلق إنسان بعينه، هو هذا العبقري الذي رزق ~~البيان. # وللسبب الذي أومأنا إليه بقي امرؤ القيس كالميزان المنصوب في الشعر ~~العربي يبين به الناقص والوافي؛ قال الباقلاني في كتابه "الإعجاز": وقد ترى ~~الأدباء أولا يوازنون بشعر "يريد امرأ القيس" فلانا وفلانا ويضمون أشعارهم ~~إلى شعره، حتى ربما وازنوا بين شعر من لقيناه "توفي الباقلاني سنة 403 ~~للهجرة" وبين شعره في أشياء لطيفة وأمور بديعة، وربما فضلوهم عليه أو سووا ~~بينهم وبينه أو قربوا موضع تقدمه عليهم وبروزه بين أيديهم، اه. # ومعنى كلامه أن امرأ القيس أصل في البلاغة، قد مات ولا يزال يخلق، وتطورت ~~الدنيا ولا يزال يجيء معها، وبلغ الشعر العربي غايته ولا تزال عربية عند ~~الغاية. # وعرض الباقلاني ms881 في كتابه طويلة امرئ القيس* فانتقد منها أبياتا كثيرة، ~~PageV03P320 # ليدل بذلك على أن أجود شعر وأبدعه وأفصحه وما أجمعوا على تقدمه في ~~الصناعة والبيان، هو قبيل آخر غير نظم القرآن لا يمتنع من آفات البشرية ~~ونقصها وعوارها؛ فركب في ذلك رأسه ورجليه معا ... فأصاب وأخطأ، وتعسف ~~وتهدى، وأنصف وتحامل؛ وكل ذلك لمكانة امرئ القيس في ابتكاره البياني الذي ~~لا يمكن أن يدفع عنه؛ ولما انتقد قوله: # وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل # قال: "فقد قالوا: عنى بذلك أنها كبيضة خدر في صفائها ورقتها، وهذه كلمة ~~حسنة ولكن لم يسبق إليها بل هي دائرة في أفواه العرب". ألا ليت شعري هل كان ~~الباقلاني يسمع من أفواه العرب في عصر امرئ القيس قبل أن يقول "وبيضة خدر"؟ # على أن الكناية عن الحبيبة "بيضة الخدر" من أبدع الكلام وأحسن ما يؤتى ~~العقل الشعري، ولو قالها اليوم شاعر في لندن أو باريس بالمعنى الذي أراده ~~امرؤ القيس -بما فسرها به الباقلاني- لاستبدعت من قائلها ولأصبحت مع القبلة ~~على كل فم جميل؛ بل هم يمرون في بعض بيانهم من طريق هذه الكلمة، فيكنون عن ~~البيت الذي يتلاقى فيه الحبيبان "بالعش"، وما يتخذ العش إلا للبيضة. إنما ~~عني الشاعر العظيم أن حبيبته في نعومتها وترفها ولين ما حولها، ثم في مسها ~~وحرارة الشباب فيها، ثم في رقتها وصفاء لونها وبريقها، ثم في قيام أهلها ~~وذويها عليها ولزومهم إياها، ثم في حذرهم وسهرهم، ثم في انصرافهم بجملة ~~الحياة إلى شأنها وبجملة القوة إلى حياطتها والمحاماة عنها -هي في كل ذلك ~~منهم، ومن نفسها كبيضة الجارح في عشه، إلا أنها بيضة خدر، ولذلك قال بعد ~~هذا البيت: # تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا ... علي حراصا لو يسرون مقتلي # فتلك بعض معاني الكلمة وهي كما ترى، وكذلك ينبغي أن يفسر البيان ### | .... # PageV03P321 ### | البؤساء # 1: # ترجم حافظ هذا الجزء الثاني من البؤساء فطوى به الأول، وكانوا يحسبون ~~الأول قد عقمت بمثله البلاغة فلا ثاني له. وبين الجزأين زمن لو اتسع ms882 به ~~أديب في قراءة كتب الأدب لاستوعبها كلها، فكأن ارتفاع السن بحافظ في هذه ~~المدة جعل منه في قوة الأدب حافظين يترجمان معا. # وما البؤساء في ترجمته إلا فكر فيلسوف تعلق في قلم شاعر فانطفعت عليه ~~حواشي البيان من كل نواحيه، وجاء ما تدري أشعرا من النثر أم نثرا من الشعر، ~~وخرجت به الكتابة في لون من الصفاء والإشراق كأنما تنحل عليه أشعة الضحى. # ترجم حافظ فوضع اللغة بين فكره ولسانه، ووقف تحت سحابة من السحب التي خفق ~~عليها جناح جبريل، فما تخلو كنايته من ظل يتنفس عليك برائحة الإعجاز؛ وتراه ~~يتحدر مع الكلام ويتناول منه ويدع، فما نزع به الكلام منزعا إلا وجده ~~متمكنا منه وأصابه حيث أصابه كالتيار جملة واحدة تلف أول النهر وآخره على ~~مد ما يجري؛ فهو حيث كان في السهل وفي الصعب، غير أنه يستسر في موضع ~~ويستعلن في موضع، ويجيش ويهدر ويترامى في العمق فيدوي دويا. # ومن هنا يحسبه بعضهم يجنح إلى ما يستجفي من الكلام، وإلى استكراه بعض ~~الألفاظ والتكليف لبعضها؛ وإنما ذاك وضع من أوضاع اللغة ومذهب من مذاهب ~~البلاغة، ولا بد أن يشتد القول ويلين، وأن يكون في أجراس الحروف ما في نغم ~~الإيقاع؛ وما أشبه هندسة البيان بهندسة الطبيعة التي تغمز النهر وترمي ~~بالبحر وتقذف بالجبل الأشم، وما الجبل لو تحققت في وجوه التناسب الطبيعي ~~إلا بحر قد تحجر فانتشرت أمواجه من صخوره، وكلا اثنيهما على ما بين الصلابة ~~واللين تعبير في أساليب القوة عن القوة، وتوضح لأقوى ما لا يمكن أن يظهر، ~~بأقوى ما لا يمكن أن يخفى. PageV03P322 # يخطئ الضعاف من الكتاب وبخاصة في أيامنا هذه.. إذا حسبوا الفصاحة العربية ~~قبيلا واحدا من اللفظ الرقيق المأنوس؛ ولقد تجد بعض هؤلاء الضعفاء وإنه ~~ليرى في الكلام الجزل المتفصح ما يرى في جمجمة الأعاجم إذا نطقوا فلم ~~يبينوا؛ وإنما هي العربية، وإنما فصاحتها في مجموع ما يطرد به القول؛ ~~والفصاحة في جملتها وتفصيلها إحكام التناسب بين الألفاظ والمعاني، والغرض ~~الذي يتجه ms883 إليه كلاهما؛ فمتى فصل الكلام على هذا الوجه وأحكم على هذه ~~الطريقة، رأيت جماله واضحا بينا في كل لفظ تقوم به العبارة، من النسج ~~المهلهل الرقيق، إلى الحبك المحكم الدقيق، إلى الأسلوب المندمج الموثق الذي ~~يسرد في قوة الحديد؛ إذ يكون كل حرف لموضعه، ويكون كل موضع لحرفه، ويكون كل ~~ذلك بمقدار لا يسرف، وقياس لا يخطئ، ووزن لا يختلف؛ وهذه هي طبيعة الفصاحة ~~العربية دون سائر اللغات، وبها أمكن الإعجاز في هذه اللغة ولم يمكن في ~~سواها. # ومترجم البؤساء أحد الأفراد المعدودين الذين أحكموا هذه الطريقة ونفذوا ~~إلى أسرارها، ففي كل موضع من كتابته موضع روعة، حتى ما تدري أيكتب أم يصوغ ~~أم يصور، وكأنه لا ينقل من لسان إلى لسان، بل من فكر إلى فكر، فترى أكثر ~~جملة كأنها تضيء فيها المصابيح. # ومن الخواص التي انفرد بها حافظ أنه ظاهر في صنعة ألفاظه ظهور هيجو في ~~صنعة معانيه؛ إذ لا تجد غيره من المترجمين يتسع لهذا الأسلوب أو يطيقه؛ ~~وأكثر الكتب المترجمة إلى العربية إنما تطمس على اسم المترجم قبل أن تكشف ~~عن اسم المؤلف، فلا يحيا الميت إلا بموت الحي؛ وهم في أكثر ما يصنعون لا ~~يعدون أن يصححوا العامية أو يفصحوا بها قليلا، فيستوي في صنعة البيان أن ~~يكون ناقل الكتاب هذا أو ذاك أو ذلك؛ لأنهم سواسية، ولا تؤتيك كتبهم أكثر ~~مما يؤتيك الاسم المعلق على مسماه. # غير أنك في البؤساء ترى مع الترجمة صنعة غير الترجمة، وكأنما ألف هيجو ~~هذا الكتاب مرة وألفه حافظ مرتين، إذ ينقل عن الفرنسية؛ ثم يفتن في التعبير ~~عما ينقل، ثم يحكم الصنعة فيما يفتن، ثم يبالغ فيما يحكم؛ فأنت من كتابه في ~~لغة الترجمة، ثم في بيان اللغة، ثم في قوة البيان؛ وبهذا خرج الكتاب وإن ~~مترجمه لأحق به في العربية من مؤلفه، وجاء وما يستطيع أحد أن ينسى أنه ~~لحافظ دون سواه. # وتلك طريقة في الكتابة لا يستعان عليها إلا بالأدب الغزير، والذوق ~~الناضج، والبيان المطبوع؛ ثم ms884 بالصبر على مطاولة التعب ومعاناة الكد في تخير # PageV03P323 # اللفظ وتجويد الأسلوب وتصفية العبارة؛ فلقد ينفق الكاتب وقتا في عمر ~~الليل ليخرج من آخره سطرا في نور الفجر، وبهذا الصنيع جاءت صفحات البؤساء ~~على قلتها كشباب الهوى؛ لكل يوم منه فجره وشمسه، ولكل ليلة قمرها ونجومها. # والذي نغتمزه في هذه الترجمة أن الضجر يستبد أحيانا بصاحبنا فيستكرهه على ~~غير طبعه، ويرده إلى غير مألوفه؛ ومن ثم يضطرب ذوقه وسليقته أو يذهب به ~~عنهما، فيعدل بالمعنى عن لفظه المعروف الذي استعمله الأدباء فيه، كاستعماله ~~قارن بين كذا وكذا، وإنما يستعملون مثل بينهما، أو يخل بوزن الكلمة في ~~ميزان الذوق، فترى العبارة اليابسة في الجملة الخضراء التي ترف؛ وذلك ما لا ~~مطمع لأحد أن يسلم منه؛ لأنه أثر الضعف الإنساني فيمن ارتهنوا أنفسهم ~~بملابسة القوة العليا في هذه الإنسانية. # ولم يتنزه عنه كتاب إلا ذلك الكتاب العزيز الذي اهتزت له السموات السبع ~~والأرض ومن فيهن. # PageV03P324 ### | الملاح التائه # 1: # إذا أردت أن أكتب عن شعر فقرأته، كان من دأبي أن أقرأه متثبتا أتصفح عليه ~~في الحرف والكلمة، إلى البيت والقصيدة والنهج، إلى ما وراء الكلام من بواعث ~~النفس الشاعرة ودوافع الحياة فيها، وعن أي أحوال هذه النفس يصدر هذا ~~الشاعر، وبأيها يتسبب إلى الإلهام، وفي أيها يتصل الإلهام به، وكيف يتصرف ~~بمعانيه، وكيف يسترسل إلى طبعه، ومن أين المأتى في رديئه وسقطه، وبماذا ~~يسلك إلى تجويده وإبداعه. # ثم كيف حدة قريحته وذكاء فكره والملكة النفسية البيانية فيه، وهل هي ~~جبارة متعسفة تملك البيان من حدود اللغة في اللفظ إلى حدود الإلهام في ~~المعنى، ملكة استقلال تنفذ بالأمر والنهي جميعا، أو هي ضعيفة رخوة ليس معها ~~إلا الاختلال والاضطراب، وليس لها ما يحمل الضعيف على طبعه المكدود كلما ~~عنف به سقط به؟ # أتبين كل هذا فيما أقرأ من الشعر، ثم أزيد عليه انتقاده بما كنت أصنعه ~~أنا لو أني عالجت هذا الغرض أو تناولت هذا المعنى، ثم أضيف إلى ذلك كله ما ~~أثبته من أنواع الاهتزاز ms885 التي يحدثها الشعر في نفسي؛ فإني لأطرب للشعر ~~الجيد الوثيق أنواعا من الطرب لا نوعا واحدا، وهي تشبه في التفاوت ما بين ~~قطرة الندى الصافية في ورق الزنبقة وقطرة الشعاعة المتألقة في جوهر الماسة ~~وموجة النور المتألهة في كوكب الزهرة. # وأكثر الشعر الذي في أيامنا هذه لا يتصل بنفسي ولا يخف على طبعي، ولا ~~أراه يقع من الشعر الصحيح إلا من بعد، وهو مني أنا كالرجل يمر بي في الطريق ~~لا أعرفه: فلا ينظر إلي ولا أنظر إليه، فما أبصر منه رجلا وإنسانية وحياة ~~أكثر مما أراه ثوبا وحذاء وطربوشا! والعجيب أنه كلما ضعف الشاعر من هؤلاء ~~قوي على PageV03P325 # مقدار ذلك في الاحتجاج لضعفه، وألهم من الشواهد والحجج ما لو ألهم بعدده ~~من المعاني والخواطر لكان عسى ... # فإذا نافرت المعاني ألفاظها واختلفت الألفاظ على معانيها قال: إن هذا في ~~الفن.. هو الاستواء والاطراد والملاءمة وقوة الحبك؛ وإذا عوض وخانه اللفظ ~~والمعنى جميعا وأساء ليتكلف وتساقط ليتحذلق وجاءك بشعره وتفسير شعره ~~والطريقة لفهم شعره قال: إنه أعلى من إدراك معاصريه، وإن عجرفة معانيه هذه ~~آتية من أن شعره من وراء اللغة، من وراء الحالة النفسية، من وراء العصر، من ~~وراء الغيب: كأن الموجود في الدنيا بين الناس هو ظل شخصه لا شخصه، والظل ~~بطبيعته مطموس مبهم لا يبين إبانة الشخص. وإذا أهلك الشاعر الاستعارة وأمرض ~~التشبيه وخنق المجاز بحبل -قال لك: إنه على الطريقة العصرية وإنما سدد ~~وقارب وأصاب وأحكم، وإذا سمى المقالة قصيدة.. وخلط فيها خلطه وجاء في أسوأ ~~معرض وأقبحه وخرج إلى ما لا يطاق من الركاكة والغثاثة- قال لك: هذه هي وحدة ~~القصيدة، فهي كل واحد أفرغ إفراغ الجسم الحي: رأسه لا يكون إلا في موضع ~~رأسه ورجلاه لا تكون إلا في موضع رجليه.. # تلك طبقات من الضعف تظاهرت الحجج من أصحابها على أنها طبقات من القوة، ~~غير أن مصداق الشهادة للأقوياء عظامهم المشبوحة، وعضلاتهم المفتولة، ~~وقلوبهم الجريئة، أما الألسنة فهي شهود الزور في هذه القضية خاصة. # هناك ميزان ms886 للشاعر الصحيح وللآخر المتشاعر: فالأول تأخذ من طريقته ومجموع ~~شعره أنه ما نظم إلا ليثبت أنه قد وضع شعرا، والثاني تأخذ من شعره وطريقته ~~أنه إنما نظم ليثبت أنه قرأ شعرا ... وهذا الثاني يشعرك بضعفه وتلفيقه أنه ~~يخدم الشعر؛ ليكون شاعرا، ولكن الأول يريك بقوته وعبقريته إلى الشعر نفسه ~~يخدمه؛ ليكون هو شاعره. # أما فريق المتشاعرين فليمثل له القارئ بما شاء وهو في سعة.. وأما فريق ~~الشعراء ففي أوائل أمثلته عندي الشاعر المهندس علي محمود طه. أشهد: أني ~~أكتب عنه الآن بنوع من الإعجاب الذي كتبت به في "المقتطف" عن أصدقائي ~~القدماء: محمود باشا البارودي، وإسماعيل باشا صبري، وحافظ، وشوقي -رحمهم ~~الله وأطال بقاء صاحبنا- فهذا الشاب المهندس أوتي من هندسة البناء قوة ~~التمييز ودقة المحاسبة، ووهب ملكة الفصل بين الحسن والقبح في الأشكال مما # PageV03P326 # علته من العلم وما علته من الذوق وهذا إلى جلاء الفطنة وصقال الطبع وتموج ~~الخيال وانفساح الذاكرة وانتظام الأشياء فيها؛ وبهذا كله استعان في شعره ~~وقد خلق مهندسا شاعرا، ومعنى هذا أنه خلق شاعرا مهندسا؛ وكأن الله -تعالى- ~~لم يقدر لهذا الشاعر الكريم تعلم الهندسة ومزاولتها والمهارة فيها إلا لما ~~سبق في علمه أنه سينبغ نبوعه للعربية في زمن الفوضى وعهد التقلل، وحين فساد ~~الطريقة وتخلف الأذواق وتراجع الطبع ووقوع الغلط في هذا المنطق لانعكاس ~~القضية، فيكون البرهان على أن هذا شاعر وذاك نابغة وذلك عبقري -هو عينه ~~البرهان على أن لا شعر ولا نبوغ ولا عبقرية؛ وهذه فوضى تحتاج في تنظيمها ~~إلى "مصلحة تنظيم" بالهندسة وآلاتها والرياضة وأصولها والأشكال والرسوم ~~وفنونها، فجاء شاعرنا هذا وفيه الطب لما وصفنا؛ فهو ينظم شعره بقريحة ~~بيانية هندسية، أساسها الاتزان والضبط، وصواب الحسبة فيما يقدر للمعنى، ~~وإبداع الشكل فيما ينشئ من اللفظ، وألا يترك البناء الشعري قائما ليقع إذ ~~يكون واهنا في أساسه من الصناعة، بل ليثبت إذ يكون أساسه من الصناعة في ~~رسوخ وعلى قدر. # وديوان "الملاح التائه" الذي أخرجه هذا الشاعر لا ينزل بصاحبه من شعر ~~العصر دون ms887 الموضع الذي أومأنا إليه؛ فما هو إلا أن تقرأه وتعتبر ما فيه ~~بشعر الآخرين حتى تجد الشاعر المهندس كأنه قادم للعصر محملا بذهنه وعواطفه ~~وآلاته ومقاييسه ليصلح ما فسد، ويقيم ما تداعى، ويرمم ما تخرب، ويهدم ~~ويبني. # ديوان الشاعر الحق هو إثبات شخصيته ببراهين من روحه، وههنا في "الملاح ~~التائه" روح قوية فلسفية بيانية، تؤتيك الشعر الجيد الذي تقرؤه بالقلب ~~والعقل والذوق، وتراه كفاء أغراضه التي ينظم فيها؛ فهو مكثر حين يكون ~~الإكثار شعرا، مقبل حين يكون الشعر هو الإقلال؛ ثم هو على ذلك متين رصين، ~~بارع الخيال، واسع الإحاطة، تراه كالدائرة: يصعد بك محيطها ويهبط لا من أنه ~~نازل أو عال، ولكن من أنه ملتف مندمج، موزون مقدر، وضع وضعه ذلك ليطوح بك. # وهو شعر تعرف فيه فنية الحياة، وليس بشاعر من لا ينقل لك عن الحياة نقلا ~~فنيا شعريا، فترى الشيء في الطبيعة كأنه موجود بظاهره فقط، وتراه في الشعر ~~بظاهره وباطنه معا؛ وليس بشعر ما إذا قرأته، واسترسلت إليه لم يكن عندك ~~وجها من وجوه الفهم والتصوير للحياة والطبيعة في نفس ممتازة مدركة مصورة. # ولهذا فليس من الشرط عندي أن يكون عصر الشاعر وبيئته في شعره، وإنما # PageV03P327 # الشرط أن تكون هناك نفسه الشاعرة على طريقتها في الفهم والتصوير، وأنت ~~تثبت هذه النفس بهذه الطريقة أن لها أن تقول كلمتها الجديدة، وأنها مخولة ~~له الحق في أن تقولها؛ إذ هي للعقول والأرواح أخت الكلمة القديمة: كلمة ~~الشريعة التي جاءت بها النبوة من قبل. # وليس في شعر علي طه من عصرياتنا غير القليل، ولكن العجيب أنه لا ينظم في ~~هذا القليل إلا حين يخرج المعنى من عصره ويلتحق بالتاريخ، كرثاء شوقي، ~~وحافظ، وعدلي باشا، وفوزي المعلوف، والطيارين دوس وحجاج، والملك العظيم ~~فيصل؛ فإن يكن هذا التدبير عن قصد وإرادة فهو عجيب، وإن كان اتفاقا ومصادفة ~~فهو أعجب؛ على أنه في كل ذلك إنما يرمي إلى تمجيد الفن والبطولة في ~~مظاهرها، متكلمة، وسياسية، ومغامرة، ومالكة. # أما سائر أغراضه فإنسانية عامة، ms888 تتغنى النفس في بعضها، وتمرح في بعضها، ~~وتصلي في بعضها؛ وليس فيها طيش ولا فجور ولا زندقة إلا ... ظلالا من الحيرة ~~أو الشك، كتلك التي في قصيدة "الله والشاعر"، وأظنه يتابع فيها المعري؛ ~~ولست أدري كم ينخدع الناس بالمعري هذا، وهو في رأيي شاعر عظيم، غير أن له ~~بضاعة من التلفيق تعدل ما تخرجه "لا نكشير" من بضائعها إلى أسواق الدنيا. # ومما يعجبني في شعر علي طه أنه في مناحي فلسفته وجهات تفكيره يوافق رأيي ~~الذي أراه دائما، وهو أن ثورة الروح الإنسانية ومعركتها الكبرى مع الوجود ~~-ليستا في ظاهر الثورة ولا العراك مع الله كما صنع المعري وأضرابه في طيشهم ~~وحماقتهم، ولكنها في الهدوء الشعري للروح المتأملة، ذلك الهدوء الذي يجعل ~~الطبيعة نفسها تبتسم بكلام الشاعر كما تبتسم بأزهارها ونجومها، ويجعل ~~الشاعر أداة طبيعية متخذة لكشف الحكمة وتغطيتها معا؛ فإن العجب الذي ليس ~~أعجب منه في التدبير الإلهي للنفوس الحساسة -أن زخرفة الشعر وما يجري مجراه ~~في الفن إنما هي ضرب من زخرف الطبيعة حين تبتدع الشكل الجميل لتتمم أغراضها ~~من ورائه؛ ولو ثارت الأزهار -مثلا- على الوجود وخالقه ثورة أولئك الشعراء ~~لما صنعت شيئا غير إفساد حكمتها هي وما يتصل بهذه الحكمة من المصالح ~~والمنافع، ولن تنتصر إلا ببقائها أزهارا، فذلك حربها وسلمها معا. # وأسلوب شاعرنا أسلوب جزل، أو إلى الجزالة، تبدو اللغة فيه وعليها لون خاص ~~من ألوان النفس الجميلة يزهو زهوه فيكثر منه في النفس تأثيرها وجمالها، # PageV03P328 # وهذه هي لغة الشعر بخاصته؛ ولا بد أن ننبه هنا إلى معنى غريب، وذلك أنك ~~تجد بعض النظامين يحسنون من اللغة وفنون الأدب، فإذا نظموا وخلا نظمهم من ~~روح الشعر- ظهرت الألفاظ في أوزانهم وكأنها فقدت شيئا من قيمتها، كأن ~~موضعها ثم هو الذي أعلن إفلاسه؛ إذ أقام مقام الذي يريد أن يعطي ثم هو إذا ~~وقف لا يصنع شيئا إلا أن يعتذر بأنه لم يجد ما يعطيه.. فهذا كان رجلا من ~~الناس، وكان في ستر وعافية، فلما وقف موقفه انقلب ms889 مدلسا كاذبا مدعيا ~~فاختلفت به الحال وهو هو لم يتغير. # وما الأسلوب البياني إلا وسيلة فنية لمضاعفة التعبير، فإن لم يكن هذا ما ~~يعطيه كان وسيلة فنية أخرى لمضاعفة الخيبة؛ وهذا ما تحسه في كثير من شعر ~~النظامين أو البديعيين في العصور الميتة، وتحسه في الشعر الميت الذي لا ~~يزال ينشر بيننا. # وعلي طه إذا حرص على أسلوبه وبالغ في إتقانه واستمر بجريه على طريقته ~~الجيدة متقدما فيها، متعمقا في أسرار الألفاظ وما وراء الألفاظ، وهي تلك ~~الروعة البيانية التي تكون وراء التعبير وليس لها اسم في التعبير، معتبرا ~~اللغة الشعرية -كما هي في الحقيقة- تأليفا موسيقيا لا تأليفا لغويا.. فإنه ~~ولا ريب سيجد من إسعاف طبعه القوي، وعون فكره المشبوب، وإلهام قريحته ~~المولدة- ما يجمع له النبوغ من أطرافه، بحيث يعده الوجود من كبار مصوريه، ~~وتتخذه الحياة من بلغاء المعبرين عنها في العربية؛ ومن ثم تنظمه العربية في ~~سمط جواهرها التاريخية الثمينة، ويصله السلك بشوقي وحافظ والبارودي وصبري، ~~إلى المتنبي والبحتري وابن الرومي وأبي تمام، إلى ما وراء ذلك، إلى الجوهرة ~~الكبرى المسماة جبل النور البياني، إلى امرئ القيس. # وليس هذا ببعيد على من يقول في صفة القلب: # يا قلب عندك أي أسرار ... ما زلن في نشر وفي طي # يا ثورة مشبوبة النار ... أقلقت جسم الكائن الحي # حملته العبء الذي فرقت ... منه الجبال وأشفقت رهبا # وأثرت منه الروح فانطلقت ... تحسو الحميم وتأكل اللهبا # وعجبت منك ومن إبائك في ... أسر الجمال وربقة الحب # وتلفت المتكبر الصلف ... عن ذلة المقهور في الحرب # PageV03P329 # ووهمت نارا ذات إيماض ... فبسطت كفك نحوها فزعا # مرت بعينك لمحة الماضي ... فوثبت تمسك بارقا لمعا # والأرض ضاق فضاؤها الرحب ... وخلت فلا أهل ولا سكن # حال الهوى وتفرق الصحب ... وبقيت وحدك أنت والزمن # ولو ذهبنا نختار من هذا الديوان لاخترنا أكثره، فقصائده ومقاطيعه تتعاقب، ~~ولكن تعاقب الشمس على أيامها: تظهر جديدة الجمال في كل صباح؛ لأن وراء ~~الصباح مادة الفجر، وكذلك تأتي القصائد من نفس شاعرها. # PageV03P330 ### | "المقتطف" و"المتنبي" # 1: # "المقتطف" شيخ مجلاتنا؛ ms890 كلهن أولاده وأحفاده؛ وهو كالجد الأكبر: زمن ~~يجتمع، وتاريخ يتراكم، وانفراد لا يلحق، وعلم يزيد على العلم بأنه في الذات ~~التي تفرض إجلالها فرضا وتجب لها الحرمة وجوبا ويتضاعف منها الاستحقاق ~~فيتضاعف لها الحق. # وهل الجد إلا أبوة فيها أبوة أخرى. وهل هو إلا عرش حي درجاته الجيل تحت ~~الجيل، وهل هو إلا امتداد مسافاته العصر فوق العصر؟ # والمقتطف يكبر ولا يهرم، ويتقدم في الزمن تقدم المخترعات ماضية بالنواميس ~~إلى النواميس، مقيدة بالمبدأ إلى الغاية؛ وهو كالعقل المنفرد بعبقريته: ~~واجبه الأول أن يكون دائما الأول؛ فلقد أنشئ هذا المقتطف وما في المجلات ~~العربية ما يغني عنه، ثم طوى في الدهر سبعة وثمانين مجلدا أقامها سبعة ~~وثمانين دليلا على أن ليس ما يغني عنه؛ ثم أسفت الدنيا حوله بأخلاقها ~~وطباعها، وتحولت مجلات كثيرة إلى مثل الراقصات والمغنيات والممثلات ... ~~وبقي هو على وفائه لمبدئه العلمي والسمو فيه والسمو به، كأنما أخذ عليه في ~~العلم والأدب ميثاق كميثاق النبيين في الدين والفضيلة؛ فبين يديه الواجب لا ~~الغرض، وهمه الإبداع بقوى العقل لا الاحتيال بها، وهديه الحقيقة الثابتة في ~~الدنيا لا الأحلام المتقلبة بهذه الدنيا، وطريقه في كل ذلك طريق الفيلسوف، ~~من هدوء نفسه لا من أحوال الدهر، فهو ماض على اليقين، نافذ إلى الثقة، ~~متنقل في منزلة منزلة من يقينه إلى ثقته، ومن ثقته إلى يقينه. # وقد بدأ المقتطف مجلدة الثامن والثمانين بعدد ضخم أفرده للمتنبي2. ولئن ~~كانت الأندية والمجلات قد احتفلت بهذا الشاعر العظيم، فما أحسب إلا أن روح ~~الشاعر العظيم قد احتفلت بهذا العدد من المقتطف. PageV03P331 # ولست أغلو إذا قلت: إن هذه الروح المتكبرة قد أظهرت كبرياءها مرة أخرى، ~~فاعتزلت المشهورين من الكتاب والأدباء، ولزمت صديقنا المتواضع الأستاذ ~~محمود شاكر مدة كتابته هذا البحث النفيس الذي أخرجه المقتطف في زهاء ستين ~~ومائة صفحة، تدله في تفكيره، وتوحي إليه في استنباطه، وتنبهه في شعوره، ~~وتبصره أشياء كانت خافية، وكان الصدق فيها، ليرد بها على أشياء كانت ~~معروفة، وكان فيها الكذب، ثم تعينه ms891 بكل ذلك على أن يكتب الحياة التي جاءت ~~من تلك النفس ذاتها، لا الحياة التي جاءت من نفوس أعدائها وحسادها. # ولقد كان أول ما خطر لي بعد أن مضيت في قراءة هذا العدد أن المؤلف جاء ~~بما يصح القول فيه إنه كتب تاريخ المتنبي ولم ينقله؛ ثم لم أكد أمعن في ~~القراءة حتى خيل إلي أنه قد وضع لشعر المتنبي بعد تفسير الشراح المتقدمين ~~والمتأخرين تفسيرا جديدا من المتنبي نفسه، وما الكلمة الجديدة في تاريخ هذا ~~الشاعر الغامض إلا الكلمة التي نشرها المقتطف اليوم. # إن هذا المتنبي لا يفرغ ولا ينتهي، فإن الإعجاب بشعره لا ينتهي ولا يفرغ ~~وقد كان نفسا عظيمة خلقها الله كما أراد، وخلق لها مادتها العظيمة على غير ~~ما أرادت، فكأنما جعلها بذلك زمنا يمتد في الزمن. # وكان الرجل مطويا على سر ألقي الغموض فيه من أول تاريخه، وهو سر نفسه، ~~وشر شعره، وسر قوته؛ وبهذا السر كان المتنبي كالملك المغصوب الذي يرى التاج ~~والسيف ينتظران رأسه جميعا، فهو يتقي السيف بالحذر والتلفف والغموض، ويطلب ~~التاج بالكتمان والحيلة والأمل. # ومن هذا السر بدأ كاتب المقتطف، فجاء بحثه يتحدر في نسق عجيب، متسلسلا ~~بالتاريخ كأنه ولادة ونمو وشباب؛ وعرض بين ذلك شعر أبي الطيب عرضا خيل إلي ~~أن هذا الشعر قد قيل مرة أخرى من فم شاعره على حوادث نفسه وأحوالها؛ وبذلك ~~انكشف السر الذي كان مادة التهويل في ذلك الشعر الفخم، إذ كانت في واعية ~~الرجل دولة أضخم دولة، عجز عن خلقها وإيجادها فخلقها شعرا أضخم شعر، وجاءت ~~مبالغاته كأنها أكاذيب آماله البعيدة متحققة في صورة من صور الإمكان ~~اللغوي. # ومن أعجب ما كشفه من أسرار المتنبي سر حبه، فقال: إنه كان يحب خولة أخت ~~الأمير سيف الدولة، وكتب في ذلك خمس عشرة صفحة كبيرة، وكأنها لم # PageV03P332 # ترضه فقال: إنه كان يؤمل أن يكتب هذا الفصل في خمسين وجها من المقتطف؛ ~~وهذا الباب من غرائب هذا البحث، فليس من أحد في الدنيا المكتوبة "أي ~~التاريخ" يعلم ms892 هذا السر أو يظنه، والأدلة التي جاء بها المؤلف تقف الباحث ~~المدقق بين الإثبات والنفي؛ ومتى لم يستطع المرء نفيا ولا إثباتا في خبر ~~جديد يكشفه الباحث ولم يهتد إليه غيره، فهذا حسبك إعجابا يذكر، وهذا حسبه ~~فوزا يعد. # ولعمري لو كنت أنا في مكان المتنبي من سيف الدولة لقلت إن المؤلف قد ~~صدق.. فهناك موضع لا بد أن يبحث في القلب الشاعر الذي وضعت يه الدنيا ~~حكمتها، وطوت فيه القوة سرها، وبث فيه الجمال وحيه؛ وأصغر هذه الثلاث أكبر ~~من الملوك والممالك، ولكن الحبيبة أكبر منها كلها ### | .... # PageV03P333 ### | محمد # *: # عمل الأستاذ توفيق الحكيم في تصنيف هذا الكتاب أشبه شيء بعمل "كريستوف ~~كولمب" في الكشف عن أمريكا وإظهارها من الدنيا للدنيا: لم يخلق وجودها، ~~ولكنه أوجدها في التاريخ البشري، وذهب إليها فقيل جاء بها إلى العالم، ~~وكانت معجزته أنه رآها بالعين التي في عقله، ثم وضع بينه وبينها الصبر ~~والمعاناة والحذق والعلم حتى انتهى إليها حقيقة ماثلة. # قرأ الأستاذ كتب السيرة وما تناولها من كتب التاريخ والطبقات والحديث ~~والشمائل، بقريحة غير قريحة المؤرخ، وفكرة غير فكرة الفقيه، وطريقة غير ~~طريقة المحدث، وخيال غير خيال القاص، وعقل غير عقل الزندقة، وطبيعة غير ~~طبيعة الرأي، وقصد غير قصد الجدل؛ فخلص له الفن الجميل الذي فيها؛ إذ قرأها ~~بقريحته الفنية المشبوبة، وأمرها على إحساسه الشاعر المتوثب، واستلها من ~~التاريخ بهذه القريحة وهذا الإحساس كما هي في طبيعتها السامية متجهة إلى ~~غرضها الإلهي محققة عجائبها الروحانية المعجزة. # وقد أمدته السيرة بكل ما أراد، وتطاوعت له على ما اشتهى، ولانت في يده ~~كما يلين الذهب في يد صائغه؛ فجاء بها من جوهرها وطبيعتها ليس له فيها خيال ~~ولا رأي ولا تعبير، وجاءت مع ذلك في تصنيفه حافلة بأبدع الخيال، وأسمى ~~الرأي، وأبلغ العبارة؛ إذ أدرك بنظرته الفنية تلك الأحوال النفسية البليغة، ~~فنظمها على قانونها في الحياة، وجمع حوادثها المدونة فصورها في هيئة وقوعها ~~كما وقعت، واستخرج القصص المرسلة فأدارها حوارا كما جاءت في ألسنة أهلها؛ ~~وبهذه ms893 الطريقة أعاد التاريخ حيا يتكلم وفيه الفكرة وملائكتها وشياطينها، ~~وكشف ذلك الجمال الروحاني فكان هو الفن، وجلا تلك النفوس العالمية فكانت هي ~~الفلسفة، وأبقى على تلك البلاغة فكانت هي البيان، كانت السيرة كاللؤلؤة في ~~الصدفة، فاستخرجها فجعلها اللؤلؤة وحدها. PageV03P334 # إن هذا الكتاب يفرض نفسه بهذه الطريقة الفنية البديعة، فليس يمكن أن يقال ~~إنه لا ضرورة لوجوده؛ إذ هو الضروري من السيرة في زمننا هذا، ولا يغتمز فيه ~~أنه تخريف وتزوير وتلفيق؛ إذ ليس فيه حرف من ذلك، ولا يرد بأنه آراء يخطئ ~~المخطئ منها ويصيب المصيب؛ إذ هو على نص التاريخ كما حفظته الأسانيد، ولا ~~يرمي بالغثاثة والركاكة وضعف النسق؛ إذ هو فصاحة العرب الفصحاء الخلص كما ~~رويت بألفاظها؛ فقد حصنه المؤلف تحصينا لا يقتحم، وكان في عمله مخلصا أتم ~~الإخلاص، أمينا بأوفى الأمانة، دقيقا كل الدقة، حذرا بغاية الحذر. # ومن فوائد هذه الطريقة أنها هيأت السيرة للترجمة إلى اللغات الأخرى في ~~شكل من أحسن أشكالها يرغم هذا الزمن على أن يقرأ بالإعجاب تلك الحكاية ~~المنفردة في التاريخ الإنساني؛ كما أنها قربت وسهلت فجعلت السيرة، في نصها ~~العربي كتابا مدرسيا بليغا بلاغة القلب واللسان، مربيا للروح، مرهفا للذوق، ~~مصححا للملكة البيانية. # وحسب المؤلف أن يقال بعد اليوم في تاريخ الأدب العربي: إن ابن هشام كان ~~أول من هذب السيرة تهذيبا تاريخيا على نظم التاريخ، وأن توفيق الحكيم كان ~~أول من هذبها تهذيبا فنيا على نسق الفن. # PageV03P335 ### | ديوان الأعشاب # *: # أبو الوفاء شاعر ملء نفسه، ما في ذلك شك، مذهبه الجمال في المعنى يبدعه ~~كأنما يزهر به، والجمال في الصورة يخرجها من بيانه كما تخرج الغصون ~~والأوراق من شجرتها، وله طبع وفيه ورقة، وهو يجري من البيان على عرق، ~~وسليقته تجعله ألزم لعمود الشعر وأقرب إلى حقيقته، حتى أنه ليعد أحد الذين ~~يعتصم الشعر العربي بهم، وهم قليل في زمننا، فإن الشعر منحدر في هذا العصر ~~إلى العامية في نسقه ومعانيه، كما انحدر التمثيل، وكما انحدرت أساليب ~~الكتابة في بعض الصحف والمجلات. ms894 # وللعامية وجوه كثيرة تنقلب فيها الحياة، ومرجعها إلى روح الإباحة الذي ~~فشا بيننا ونشأ عليه النشء في هذه المدنية التي تعمل في الشرق غير عملها في ~~الغرب، فهي هناك رخص وعزائم، وهي هنا تسمح وترخص، في ظل ضعيف من العزيمة، ~~وإهمال البلاغة العربية الجميلة كما هي في قوانينها ليس إلا مظهرا لتلك ~~الروح تقابله المظاهر الأخرى، من إهمال الخلق، وسقوط الفضيلة، وتخنث ~~الرجولة، وزيغ الأنوثة، وفساد العقيدة، واضطراب السياسة، إلى ما يجري هذا ~~المجرى مما هو في بلاغة الحياة المبينة كالمرذول والمطرح والسفساف في بلاغة ~~الكلام الفصيح؛ كل ذلك في مواضعه تحلل من القيود وإباحة وتسمح وترخص، وكل ~~ذلك عامية بعضها من بعض، وكل ذلك لحن في البلاغة والخلق والفضيلة والرجولة ~~والأنوثة والعقيدة والسياسة. # والشعر اليوم أكثره "شعر النشر" في الجرائد، على طبيعة الجرائد لا على ~~طبيعة الشعر؛ وهذه إباحة صحافية غمرت الصحف، وأخضعت أذواق كتابها لقوانين ~~التجارة، فإنهم لينشرون بعض القصائد كما تنشر "الإعلانات": لا يكون الحكم ~~في هذه ولا هذه لبيان أو تمييز أو منفعة، بل على قدر الثمن أو ما فيه معنى ~~الثمن! # ومن مادية هذا العصر وطغيان العامية عليه، أننا نرى في صدر بعض الجرائد ~~PageV03P336 # أحيانا شعرا لا يكون في صناعة الشعر ولا في طبقات النظم أضعف ولا أبرد ~~منه. ولا أدل على فساد الذوق الشعري، ولكنه على ذلك الأصل الذي أومأنا إليه ~~يعد كلاما صالحا للنشر، وإن يكن صالحا للشعر. # وهكذا أصبحت العامية في تمكنها تجعل من الغفلة حذقا تجاريا، ومن السقوط ~~علوا فلسفيا، ومن الركاكة بلاغة صحفية، ومتى تغير معنى الحذق، ودخلته ~~الإباحة، ووقع فيه التأويل، وأحيط بالتمويه والشبه فالريبة حينئذ أخت ~~الثقة، والعجز باب من الاستطاعة، والضعف معنى من التمكين، وكل ما لا يقوم ~~فيه عذر صحيح كان هو بطبيعة التلفيق عذر نفسه. # وأكثر ما تنشره الصحف من الشعر هو في رأيي صناعة احتطاب من الكلام.. وقد ~~بطل التعب إلا تعب التقشش والحمل، فلم تعد هناك صناعة نفسية في وشي الكلام، ~~ولا طبع ms895 موسيقي في نظم اللغة، ولا طريقة فكرية في سبك المعاني، وبهذه ~~العامية الثقيلة أخذ الشعر يزول عن نهجه، ويضل عن سبيله، ووقع فيه التوغر ~~السهل.. والاستكراه المحبوب.. وصرنا إلى ضرب حديث في الوحشية، هو الطرف ~~المقابل للشعر الوحشي في أيام الجاهلية؛ فما دام الكلام غريبا، والنظم ~~قلقا، والمأتي بعيدا، والمعنى مستهلكا، والنسج لا يستوي، والطريقة لا ~~تتشابه فذلك كله مسخ وتشويه في الجملة وإن اختلفت الأسباب في التفصيل، وإذا ~~كان المسخ جاهليا بالغريب من الألفاظ، والنافر من اللغات، والوحشي من ~~المعاني؛ وكان عصريا بالركيك من الألفاظ، والنازل من التعبير، والهجين من ~~الأساليب، والسخيف من المعاني؛ ثم بالسقط والخلط والاضطراب والتعقيد فهل ~~بعض ذلك إلا من بعضه؟ وهل هو في الشعر الجميل إلا كسلخ الإنسان الذي مسخه ~~الله فسلخه من معان كان بها إنسانا، ليضعه في معان يصير بها قردا أو خنزيرا ~~ليس عليه إلا ظاهر الشبه، وليس معه إلا بقية الأصل؟ # فالقردية الشعرية، والخنزيرية الشعرية، متحققان في كثير من الشعر الذي ~~ينشر بيننا، ولكن أصحاب هذا الشعر لا يرونهما إلا كمالا في تطور الفن ~~والعلم والفلسفة؛ وأنت متى ذهبت تحتج لزيغ الشعر من قبل الفلسفة، وتدفع عن ~~ضعفه بحجة العلم، وتعتل لتصحيح فساده بالفن- فذلك عينه هو دليلنا نحن على ~~أن هذا الشعر قردي خنزيري، لم يستو في تركيبه، ولم يأت على طبعه، ولم يخرج ~~في صورته؛ وما يكون الدليل على الشعر من رأي ناظمه وافتتانه به ودفاعه عنه، ~~ولكن من إحساس قارئه واهتزازه له وتأثره به. # PageV03P337 # والشاعر أبو الوفاء جيد الطريقة، حسن السبك، يقول على فكر وقريحة، ويرجع ~~إلى طبع وسليقة، ولكن نفسه قلقة في موضعه الشعري من الحياة؛ وفي رأيي أن ~~الشاعر لا يتم بأدبه ومواهبه حتى يكون تمامه بموضع نفسه الشعري الذي تضعه ~~الحياة فيه؛ والكلام يطول في صفة هذا الموضع، ولكنه في الجملة كمنبت ~~الزهرة: لا تزكو زكاءها ولا تبلغ مبلغها إلا في المكان الذي يصل عناصرها ~~بعناصر الحياة وافية تامة، فلا يقطعها عن شيء ولا يرد ms896 شيئا عنها؛ إذ هي بما ~~في تركيبها وتهيئتها إنما تتم بموضعها ذاك لتهيئة وتركيبه، فإن كانت الزهرة ~~على ما وصفنا، وإلا فما بد من مرض اللون، وهرم العطر، وهزال النضرة، وسقم ~~الجمال. # ولولا أن الحكمة وفت الأستاذ أبا الوفا قسطه من الألم، ووهبته نفسا ~~متألمة حصرتها في أسباب ألمها حصرا لا مفر منه -لفقدت زهرته عنصر تلوينها، ~~ولخرج شعره نظما حائلا مضطربا منقطع الأسباب من الوحي؛ غير أن جهة الألم ~~فيه هي هي جهة السماء إليه، ولو هو تكافأت جهاته المعنوية الأخرى، وأعطيت ~~كل جهة حقها، وتخلصت مما يلابسها -لارتفع من مرتبة الألم إلى مرتبة الشعور ~~بالغامض والمبهم، ولكان عقلا من العقول الكبيرة المولدة التي يحيا فيها كل ~~شيء حياة شعرية ذات حس. # ولكن ما دامت الحياة قد وزنت له بمقدار، وطفقت مع ذلك وبخست، فقد كان ~~يحسن به أن يقصر شعره على أبواب الزفرة والدمعة واللهفة، أو انقطعت وسيلته ~~إليه أن تبلغ؛ ويظهر لي أن أبا الوفا يحذو على حذو إسماعيل باشا صبري، وهو ~~شبيه به في أنه لم تفتح له على الكون إلا نافذة واحدة؛ غير أن صبري أقبل ~~على نافذته ونظر ما وسعه النظر، أما أبو الوفا فيحاول أن ينقب في الحائط ~~ليجعلهما نافذتين. # أما أنه ليس من الشعر أن تنزل الحيرة الفلسفية عن منزلتها بين اليقين ~~والعقل، أو المشهود والمحجب، أو الواقع والسبب، أو الرسم والمعنى -فتنقلب ~~بين شعر القلب العاشق، وشعر الفكر المتأمل، شعر المعدة الجائعة، وتضع بين ~~أشواق الكون شوقها هي إلى الطعام والثياب والمال.. # على أنه كان الأمثل في التدبير، والأقرب إلى طريقة النفس الشاعرة أن يصرف ~~أبو الوفا هذا الشعور المادي الذي يتلذع به، فيحوله فيجعله بابا من حكمة ~~السخر الشعري بالدنيا وأهلها وحوادثها، كما صرفه ابن الرومي من قبل فأخطأ ~~في تحويله، فجعله مرة بابا من المدح والنفاق، ومرة بابا من الهجاء ~~والإقذاع. # PageV03P338 # ولو بذل الشاعر أبو الوفا مجهوده في ذلك، واتهم الدنيا ثم حاكمها، ونص ~~لها القانون، وأجلس القاضي، وافتتح ms897 المجلس، ورفعها قضية قضية، ثم أخذها ~~حكما حكما، تارة في نادرة بعد نادرة، ومرة في حكمة إلى حكمة، وآونة في ~~سخرية مع سخرية -إذن لاهتدى هذا المتألم الرقيق إلى الجانب الآخر من سر ~~الموهبة التي في نفسه، فأخرج مكنون هذه الناحية القوية منها، فكان ولا ريب ~~شاعر وقته في هذا الباب، وإمام عصره في هذه الطريقة. # على أن في صفحات ديوانه أشياء قليلة تومئ إلى هذه الملكة، ولكنها مبثوثة ~~في تضاعيف شعره، والوجه أن يكون وجهه في تضاعيفها، وإنه ليأتي بأسمى الكلام ~~وأبدعه، حين يعمد إلى ذلك الأصل الذي نبهنا إليه، فيصرف لهفة نفسه إلى بعض ~~وجوهها الشعرية، كقوله في "حلم العذارى" وهي من بدائعه ومحاسن شعره: # ها هما عيناك تغري ... ني على شتى الظنون # فيهما بحر وموج ... وسهول وحزون # ووضوح وغموض ... واضطراب وسكون # ومعان بينات ... ومعان لا تبين # وتهاويل فنون ... من رشاد وجنون # وأشعات حيارى ... من منى أو من حنين # ليت شعري أي سر ... خلف هاتيك الجفون # آه إن السر أنبا ... عنه ذان الطائران # حينما مالا على غص ... نيهما يعتنقان.. # فهذه أبيات في شعر الجمال كالمحراب ملؤه عابده.. # PageV03P339 ### | النجاح وكتاب سر النجاح # 1: # ما خلق الله ذا عقل من بني آدم إلا أودع في تركيبه شيئين كالمقدمة ~~والنتيجة، وأعطاه بهما القدرة على الوسيلة والغاية، "ليحيا من حي عن بينة ~~ويهلك من هلك عن بينة"، ففي تركيب الإنسان قوة الرغبة في النجاح وأن يتأتى ~~إلى سره أو يبلغ منه أو يقاربه، وفي هذا التركيب عينه ما يهتك به هذا ~~الحجاب ويفضي منه إلى هذا السر ويجمع بك عليه، وما أنكر أن النجاح قدر من ~~الأقدار، ولكنه قدر ذو رائحة قوية خاصة به يستروحها من تحت السماء وهو لا ~~يزال في السماء وبينه وبين الأرض أمد ودهر وأسباب وأقدار كثيرة، ولولا أن ~~هذه الخاصية فيه وفي الإنسان منه لما توفرت رغبة في عمل ولا صح نشاط في ~~الرغبة ولا توجه عزم إلى النشاط ولا توثقت عقدة على العزم. # غير أن في الإنسان ms898 كذلك ما يفسد هذه الخاصية أو يضعفها أو يعطلها تعطيلا، ~~فإذا هي تضل ولا تهدي وكانت تهدي ولا تضل، وإذا هي زائغة عن الحق ملتوية عن ~~القصد وكانت هي السبيل إلى الحق وهي الدليل على القصد؛ وما ينال منها شيء ~~إلا واحد من ثلاث: العجز، وضعف الهمة، واضطراب الرأي. # فأما العجز فمنزلة تجعل الإنسان كالنبات يرتفع عن الأرض بعوده ولكنه غائر ~~فيها بأصول حياته، وأما ضعف الهمة فمنزلة الحيوان الذي لا هم له إلا أن ~~يوجد كيفما وجد وحيثما جاء موضعه من الوجود؛ إذ هو يولد ويكدح ويكد ليكون ~~لحما وعظما وصوفا ووبرا وشعرا أثاثا ومتاعا، وكأنه ضرب آخر من النبات إلا ~~أنه نوع آخر من المنفعة. # وأما اضطراب الرأي فمنزلة بين المنزلتين ترجع إلى هذه مرة وإلى هذه مرة ~~وتقع من كلتيهما موقعها، والعجز وضعف الهمة واضطراب الرأي في لغة العقل ~~معان ثلاثة لكلمة واحدة هي الخيبة، وما أسرار النجاح إلا الثلاثة التي ~~تقابلها وهي القوة والعزيمة والثبات. PageV03P340 # ولكن في هذا الإنسان طفولة وشبابا، وهما حالتان لا بد منهما، وهما من ~~الضعف والنزق بطبيعتهما، وفيهما يتثاقل الإنسان إلى أغراضه، ويرتد عن ~~صعابها، وينخذل دون غاياتها؛ وليس يأتي للطفل أن يدرك الرجل في معانيه، ولا ~~للشاب أن يبلغ الحكيم في كماله؛ فكأن هذين ليس لهما أمل في أسباب النجاح، ~~وكأن كليهما لا يحسن أن يطوي فؤاده على شيء ولا أن يجمع رأيه على أمر، غير ~~أن من حكمة الله ورحمته أنه أرصد من نواميسه القوية لضعف الطفولة ونزق ~~الشباب ما هو سناد يمنع، وموئل يعصم، وقوة تصلح، وهو ناموس القدوة الذي ~~يتمثل في الأب والأم والصاحب والعشير والمعلم والكتاب؛ لأن الله جلت قدرته ~~يبث في الخلق ما يوجههم دائما إلى الاعتقاد ويحملهم عليه ويبصرهم به، حتى ~~كأن الحياة كلها إنما هي ممارسة لفضيلة الإيمان به من حيث يدري الإنسان أو ~~لا يدري. # و"كتاب سر النجاح" الذي ترجمه أستاذنا العلامة الدكتور يعقوب صروف في سنة ~~1880، وظهرت طبعته الرابعة في هذه الأيام، ms899 هو والله في باب القدوة ناموس ~~على حدة، وما رأيت كتابا تلاءم نسجه واستوت أجزاؤه ووضع آخر على أوله وانصب ~~كله إلى الغرض الذي كتب فيه وجاء مقطعا واحدا في معناه وفائدته -كهذا ~~الكتاب الذي يعلم الضعيف كيف يقوى، والعاجز كيف يعتمد، والمضطرب كيف يقبل، ~~والساقط كيف ينتهض، ويعلمك مع ذلك كيف تريح الكد بالكد، وكيف تسقط التعب ~~بالتعب، وكيف تمضي عزيمتك وتعتقدها وتضرب كرة الأرض بقدميك وإن لم تكن ملكا ~~ولا قائدا ولا فاتحا، وإن كنت من صميم السوقة، وإن كنت من فقرك وراء عتبة ~~واحدة؛ لا أقول: إن هذا الكتاب علم، فإن هذا القول يسقط به دون منزلته ولا ~~يعدو في وصفه أن يجعله مجموعا من الورق الصقيل على طبع جيد، مع أنه مجموع ~~من الأرواح والعزائم وأعصاب القلوب؛ ولكني أقول في وصفه العلمي إن المدارس ~~تخرج من الكتب تلاميذ.. وهذا الكتاب يخرج من التلاميذ رجالا أقوياء أشداء ~~معصومين عصيب جذوع الشجر العاتي، من قوة النفس وصلابتها وصحة العزيمة ~~ومضائها، وتصميم الرأي ونفاذه؛ ومما يعطي من قوة الصبر والثبات ومطاولة ~~التعب إلى أبعد حدود الطاقة الإنسانية. # وما تقرؤه حق قراءته وتستوفيه على وجهه من التدبير والإمعان إلا خرجت منه ~~وقد وضع في نفسك شيئا أعظم من نفسك كائنا من كنت وكيف كنت، فإن تكن طفلا ~~خرجت رجلا، وإن كنت رجلا خرجت حكيما، وإن كنت # PageV03P341 # حكيما استحدث في نفسك ما يجعلك بالحكمة فوق الدنيا وكنت بها في الدنيا. # قال الأستاذ المترجم في مقدمته: "أشهد لأبناء وطني أنني لم أنتفع بكتاب ~~قدر ما انتفعت بهذا الكتاب". وهذه هي الكلمة التي لا يقول غيرها من يقرأ ~~"سر النجاح"، ولا يمكن أن يقول غيرها؛ إذ هو مبني في وضع من فائدة النفس ~~وما يرهف حدها ويبتعث ملكاتها ويستنهض قواها ويستنفذ وسائلها على ما يشبه ~~القواعد التي لا تؤدي إلا إلى نتيجة واحدة من أين اعتبرتها، ك "اثنان ~~واثنان أربعة"، وثلاثة وواحد أربعة، وأربعة وحدات أربعة، وهلم جرا.. # تلك شهادة المترجم، أما أنا ms900 فأشهد لقد عرفت منذ زمن طالبا في الأزهر، ~~فلما تعرف إلي جعل يشكو ويتبرم وينفض لي نفسه ويقول: الأزهر وعلومه وفنونه ~~ومسائله ومشاكله، والمتون وما فيها، والشروح وما إليها، والحواشي وما يرد ~~ويعترض ويجاب به ويقال فيه، وكل كلمة بساعة من العمر، وكل سطر بيوم، وكل ~~جزء بسنة، وتركت ورائي كذا وكذا فدانا وأقبلت على كذا وكذا علما، فلا حصدت ~~من هذه ولا من تلك! قلت: وما يمسكك والباب مفتوح ولا يسألك الأزهر إلى أين ~~ولا تسألك الدنيا إذا خرجت إليها من أين؟ قال: والله ما ربطني إلى هذه ~~الأعمدة خمس عشرة سنة كاملة على يأس ومضض إلا كتاب "سر النجاح" وما أمضيت ~~نيتي مرة على وجه من وجوه العيش إلا رأيت هذا الكتاب قد ضرب وجه هذه النية ~~فردها إلى هذا المكان وألقاها في هذا المستقر، وما هممت بترك الأزهر إلا ~~انتصب في وجهي كل الأبطال الذين قرأت أخبارهم فيه وأمسكوني، لا من يدي ولا ~~من رجلي، ولكن من اعتقادي وإيماني وأملي! # قلت: فوالله لا يدعك حتى تنجح، وما ربط الله على قلبك بهذا الكتاب وثبت ~~فؤادك باليقين الذي فيه إلا وقد كتب لك الخير كله. # PageV03P342 ### | أبو تمام الشاعر: تحقيق مدة إقامته بمصر # 1 # لم يبق بد من أن نبلغ بالكلام في هذا المعنى إلى مقطع الحق فيه، وأن ننفذ ~~بتحقيقه إلى خاصته، وننتهي من خاصته إلى برهانه؛ فإن علماء الأدب قديما ~~وحديثا ألقوا خبر أبي تمام كلاما مرسلا بحري في الرواية على طرقها ~~المختلفة، لا على التاريخ في وجهه المتعين، ويؤخذ على أنه خبر كالأخبار إن ~~صدق فقد صدق وإن كذب فهو على ما يجيء؛ إذ لم يكن يعنيهم من الشاعر إلا ~~شعره، يحملونه عنه أو يأخذونه من رواته، أو يجدونه في ديوانه؛ أما أخبار ~~الشاعر فهي لا تتصل بالكتاب ولا بالسنة، فتجتمع لهم كما تجتمع ويتناولونها ~~كما اتفقت بما دخلها من الكذب والتزيد والتلفيق، وما يكون فيها مما يظاهر ~~بعضه بعضا أو ينقض بعضه على بعض؛ والمحقق ms901 منهم من يروي الصدق والكذب معا ~~ليخرج من التبعة، فلا بد من تبعة في أحد النقيضين؛ وليبرأ بصدق أحدهما من ~~كذب أحدهما كما صنع ابن خلكان في سياقه خبر أبي تمام وهذا نص عبارته: # كانت ولادة أبي تمام ... بجاسم وهو قرية بين دمشق وطبرية، ونشأ بمصر، ~~قيل: إنه كان يسقي الماء بالجرة في جامع مصر، وقيل كان يخدم حائكا يعمل ~~عنده بدمشق وكان أبوه خمارا بها. # والذين يعرفون طرق الرواية ومصطلحاتها يدركون من هذه العبارة أن ابن ~~خلكان ينتفي من أن تكون عليه تبعة أحد الخبرين أو كليهما، فإن الرواية متى ~~افتتح PageV03P343 # الخبر "بقيل أو يقال" فقد دل على أن هذا الخبر غير مقطوع به؛ إذ تسمى هذه ~~الصيغة عندهم صيغة التمريض، فهي لا تفيد الصحة ولا الجزم بها، وظاهر أن أبا ~~تمام لا يمكن أن يكون قد نشأ بمصر وبدمشق في وقت معا. # وابن خلكان قد وقف على الكتاب الذي عمله الصولي في أخبار أبي تمام ونقل ~~عنه، وهو المرجع في هذا الباب؛ فلا بد أن يكون هذا الكتاب قد خلا من تحقيق ~~هذه الرواية، بل نحن نرجح أنه قد خلا منها بتة، فلم يذكر أن نشأة أبي تمام ~~كانت بمصر؛ لأن صاحب الأغاني أغفلها ولم يشر إليها بحرف، مع أنه ينقل عن ~~الصولي نفسه ويقول في كتابه: "أخبرني الصولي" وكانت أهملها صاحب مروج ~~الذهب، وهو ينقل أيضا عن الصولي، وهذا يثبت لنا أن الخبر لم يكن معروفا ~~يومئذ، وإلا هو التاريخ عند أبي الفرج والمسعودي إن لم يكن هو هذا؟ # ولكن ذكرت الرواية في كتاب الأنباري "طبقات الأدباء"، واقتصر ناقلها على ~~أن أبا تمام نشأ بمصر، وأنه كان يسقي الماء بها، ولم يذكر رواية عمله ~~بدمشق؛ والأنباري متأخر توفي سنة577، فهو بعد موت أبي تمام بثلاثة قرون ~~ونصف، فلا قيمة لروايته، وشأنه شأن غيره من الناقلين؛ ونحن نرى أن هذه ~~الرواية قد صنعت في مصر نفسها للغض من أبي تمام والزراية عليه، وبقيت مروية ~~فيها ثم حملت كما ms902 تحمل كل رواية لذاتها لا لتحقيقها، سواء أكانت موجهة على ~~الحق أم معدولا بها عنه؛ ولا أوضع في المهنة من سقاية الماء في الجامع ~~بالجرة، ولعمري ما ذكرت "الجرة" هنا عبثا؛ والغلو في التحقير هو بعينه ~~الدليل على الكذب، فهذه الكلمة كأثر المجرم في جريمته.. # وبعد، فإنا نقرر أن هذا الشاعر العظيم لم ينشأ بمصر، وأنه ولد وتأدب في ~~الشام ثم قدم إلى مصر شاعرا ناشئا يتكسب بأدبه كما قدم عليها غيره من ~~الأندلس والمغرب والشام، والعراق، وأنه لم يأت إلى مصر إلا في ولاية عبد ~~الله بن طاهر الأديب الشاعر القائد العظيم، وقد جعلت له ولاية مصر والشام ~~والجزيرة في سنة 210 أو 211 على خلاف بين المؤرخين، وكانت سن أبي تمام ~~يومئذ بين 21 و23 سنة؛ وقد كان ابن طاهر مغناطيسا للشعراء في كل مكان ~~ينزله، حتى قال فيه بعضهم وعزم على الهجرة إلى مصر: # يقول رجال إن مصر بعيدة ... وما بعدت مصر وفيها ابن طاهر # وأبعد من بمصر رجال نراهم ... بحضرتنا معروفهم غير ظاهر # عن الخير موتى ما تبالي أزرتهم ... على طمع أم زرت أهل المقابر # PageV03P344 # وقد قصده أبو تمام إلى مصر، كما قصده بعد ذلك إلى خراسان في سنة220، وهي ~~السنة التي وضع فيها أبو تمام أو في التي تليها كتاب "الحماسة" كما حققناه ~~ولا محل لذكره هنا. # ونحن نسوق أدلتنا على صحة ما ذهبنا إليه في نفي أن يكون أبو تمام قد نشأ ~~بمصر أو جاءنا طفلا، أو تكون منها طبيعته في الشعر، أو يكون لها أثر في ~~عبقريته: ### | 1- # المجمع عليه بلا خلاف أن الشاعر ولد في الشام، وما دام كذا لقد قالت ~~الطبيعة كلمتها في أصل نبوغه وعبقريته، فإن الأديب يولد ولا يصنع كما يقول ~~الإنجليزي؛ وكل العلماء يعرفونه بالطائي! ولا يطعن في نسبه إلا من لا يحقق ~~وهو نفسه يباهي بطائيته، وذلك كالشرح على كلمة الطبيعة في أسباب نبوغه ~~الوراثية؛ وقد تنقل الرجل بين مصر والشام والعراق وخراسان وأرمينيا وغيرها، ~~فما بلد أولى ms903 من بلد بأن يكون مثار عبقريته. ### | 2- # إن الشاعر إنما يتكسب من شعره يمدح من يهتز له أو يعطي عليه، ولم يمدح ~~أبو تمام أحدا من أهل مصر؛ فإن كان مدح فيها عبد الله بن طاهر فإنما إليه ~~قصد وله جاء؛ وابن طاهر ليس مصريا، وقد جاء إلى مصر ورجع منها قبل أن يحول ~~عليه الحول، فلو أن نشأة هذا الشاعر كانت بمصر وتأدبه كان فيها لأصبنا له ~~مدحا كثيرا في أعيانها وعلمائها؛ إذ هو متى قال الشعر لا يتكسب إلا منه؛ ~~وفي ديوان الشاعر هجاء لابن الجلودي نظمه في مصر، ولكن ابن الجلودي ليس ~~مصريا بل هو قائد من قواد المأمون، ولاه محاربة الزط سنة 205، ثم أقدم بعد ~~ذلك مصر، ثم ولي عليها في سنة 214؛ فكل المصرية في شعر أبي تمام هي في ~~هجائه للشاعر المصري يوسف السراج، ولعلها في بعض مقاطيع أخرى من الغزل أو ~~الوصف. ### | 3- # ولد أبو تمام في سنة 188 أو190، ومن الثابت أنه كان بمصر في سنة 214، حين ~~نظم قصيدته الدالية والنونية في رثاء عمير بن الوليد -وعمير هذا ليس مصريا، ~~بل هو من خراسان، وكان بمصر عاملا لأبي إسحاق المعتصم بن الرشيد فلو كان ~~أبو تمام قد جاء إلى مصر طفلا كما يقال لكانت مدة قوله الشعر فيها لا تقل ~~عن عشر سنوات، مع أن كل ما نظمه وهو فيها لا يبلغ عشر قصائد؛ وهذا ديوانه ~~بين أيدينا وإليه وحده المرجع في الدلالة على صاحبه. ### | 4- # روى المرزباني في "الموشح" عن العباس بن خالد البرمكي قال: أول ما نبغ ~~"أي قال الشعر" أبو تمام الطائي أتاني بدمشق يمدح محمد بن الجهم فكلمته # PageV03P345 # فيه فأذن له؛ فدخل عليه وأنشده، ثم خرج فأمر له بدراهم يسيرة، ثم قال: إن ~~عاش هذا ليخرجن شاعرا. # فهذا نص على أن الشاعر لم يكن يومئذ إلا في ابتداء الشعر، ولم يكن قد خرج ~~شاعرا بعد وكان شعره من الطبقة التي يثاب عليها "بدراهم يسيرة". وأبو تمام ~~بعد ذلك هو نفسه الذي نثر ms904 عليه عبد الله بن طاهر ألف دينار فترفع أن يمسها ~~وترك الخدم ينتهبونها، وكان ذلك سببا في تغير ابن طاهر عليه. ### | 5- # نقل ابن خلكان في ترجمة ديك الجن الشاعر الحمصي المشهور، عن عبد الله بن ~~محمد بن عبد الملك الزبيدي قال: كنت جالسا عند ديك الجن، "يعني بحمص" فدخل ~~عليه حدث فأنشده شعرا عمله، فأخرج ديك الجن من تحت مصلاه درجا كبيرا فيه ~~كثير من شعره، فسلمه إليه وقال: يا فتى تكسب بهذا واستعن به على قولك. فلما ~~خرج سألته عنه فقال: هذا فتى من أهل جاسم، يذكر أنه من طيء، يكنى أبا تمام، ~~واسمه حبيب بن أوس، وفيه أدب وذكاء وله قريحة وطبع. فهذا نص آخر على أن أبا ~~تمام كان يومئذ حدثا -أي غلاما- وكان لا يزال يطلب الأدب، وقد أعانه أستاذه ~~بنسخ من قصائده يتخرج بها ويحذو عليها؛ فهو قد نشأ في الشام وتأدب فيها. ### | 6- # نظم أبو تمام قصيدته اللامية: # أصب بحميا كأسها مقتل العذل # يصف تقتير الرزق عليه بمصر وخيبة أمله الذي أمله من المال، وفي هذه ~~القصيدة يحن إلى الشام ويستقي لها ويذكر أرض البقاعين وقرى الجولان التي ~~نشأ فيها: ولا يحن الشاعر لأرض إلا إذا كان فيها حبه أو شبابه وأدبه، أما ~~الطفولة فمنسية بآثارها؛ إذ لا آثار لها في النفس متى شب المرء إلا بعيدا ~~بعيدا، وإنما الحنين لما تتعلق به الغريزة المميزة. ### | 7- # في هذه القصيدة يقول أبو تمام يخاطب أحبابه: # عدتني عنكم مكرها غربة النوى ... لها وطر في أن تمر ولا تحلى # والنوى في لغة الشاعر هي رحيله للتكسب بشعره؛ ولما رجع عوف بن محلم ~~الشيباني إلى وطنه بعد وفادته على عبد الله بن طاهر في خراسان؛ سئل عن حال ~~فقال: رجعت من عند عبد الله بالغنى "والراحة من النوى"؛ ويؤيده قول أبي ~~تمام في قصيدته تلك: # نأيت فلا مالا حويت ولم أقم ... فأمتع، إذ فجعت بالمال والأهل # PageV03P346 # يعني أنه اغترب مكرها يطلب الكسب لا غير، ولا كسب للشاعر إلا من شعره، ~~فهو ms905 بنص كلامه عن نفسه قدم إلى مصر شاعرا يتكسب ويتعرض للغني كما يصنع ~~غيره. ### | 8- # في هذه القصيدة اللامية يقدم لنا أبو تمام -رحمه الله- دليلا يأكل ~~الأدلة، كأنما ألهم من وحي الغيب أننا سنحتاج إلى هذا الدليل يوما لندفع به ~~عنه؛ فهو يحن إلى حيبب له في الشام، ويقول: إن غربة النوى التي وصفها: # أنت بعد هجر من حبيب فحركت ... صبابة ما أبقى الصدود من الوصل # أخمسة أحوال مضت لمغيبه؟ ... وشهران بل يومان ثكل من الثكل # يعني أنه قال هذا الشعر وقد مضى على إقامته في مصر خمس سنوات، وكان قد ~~جاء من الشام عاشقا ذلك العشق الذي فيه "الصدود والوصل"، والطفل لا يحب مثل ~~هذا الحب ولا يحن ذلك الحنين؛ فإذا كان الشاعر قدم إلى مصر في سنة210، كما ~~رجحناه، وسنه بين21 و23 سنة فيكون قد نظم هذه القصيدة في سنة 215، وعمره ~~يومئذ بين 26 و28 سنة؛ فلو أن أبا تمام جاء من الشام طفلا صغيرا فكيف للطفل ~~أن يقول مثل هذا الشعر بعد خمس سنوات؟ وما هجر الحبيب "وصبابة ما أبقى ~~الصدود من الوصل"؟ ### | 9- # مدح شاعرنا محمد بن حسان الضبي بقصيدة نونية يذكر فيها تنقله في البلاد ~~فقال فيها: # بالشام أهلي، وبغداد الهوى، وأنا ... بالرقمتين، وبالفسطاط إخواني # وما أظن النوى ترضى بما صنعت ... حتى تشافه بي أقصى خراسان! # فأنت ترى أنه جعل أهله بالشام، وجعل أصدقاءه بمصر؛ فلو أنه كان قد نشأ ~~بها لجعل بها أهله؛ إذ لا ينشأ إلا مع أبيه وأمه، والبيت الثاني دليل منه ~~هو على أنه لم ينزل بمصر مقيم ولا متوطنا، بل متنقلا كما نزل بغيرها. ### | 10- # تقول كتب الأدب في مدارس الحكومة: إن أبا تمام نقل إلى مصر صغيرا فنشأ ~~بها وقد بينا فساد ذلك، ثم خرج إلى مقر الخلافة فمدح المعتصم؛ وهذا غير ~~صحيح؛ فإن أبا تمام خرج من مصر قبل أن يدخلها المأمون في سنة 216، حين ~~جاءها وقتل بها عبدوس الفهري؛ فلو كان الشاعر يومئذ لمدح المأمون، وذكر هذه ~~الواقعة، والمعتصم ولي ms906 الخلافة سنة 218، وديوان أبي تمام يثبت أنه في سنة ~~217، كان بالعراق، وقد مدح المأمون بقصيدته الميمية، وذكر في مدحه وقعة ~~الروم، وهذه كانت في تلك السنة. # PageV03P347 # يخلص من كل ما تقدم أن أبا تمام ولد في الشام وتأدب فيها، وقدم إلى مصر ~~كبيرا يتكسب بالشعر، فأقام بها بين خمس سنين وست، ولم يجد له عيشا بها بعد ~~قتل عمير بن الوليد الذي قتل في سنة 214؛ فإنه كان يعيش في كنفه، وقد صرح ~~في قصيدته النونية التي رثاه بها أنه يأمل من بعده في ابنه محمد. # فقدوم الشاعر إلى مصر كان في سنة210 أو حواليها، وخروجه منها كان في ~~سنة215 أو حواليها، والله أعلم. # PageV03P348 ### | القديم والجديد # 1: # أقول للأستاذ الفاضل الدكتور طه حسين "في رفق ولين" وفي عجلة أيضا: إني ~~في هذه الأيام ضنين بما أملك من وفتي أشد الضن، أحسب السماء تتفجر من يومي ~~في ساعة كالفجر، فلا يصرفني عن تلك الساعة شيء ولا يصرفها عني شيء؛ إذ بين ~~يدي كتاب في الرسائل أعمل فيه وأستعين الله على الفراغ منه في وقت معين، ~~وقد أظل أو كاد؛ فلا يرين الأستاذ أني أستطير هذه المرة كالطيرة الأولى، ~~فإن جناحي في فضاء آخر، وإن هذا الكتاب الذي أعالجه لا يجشمني عرفا من ~~القرية كما قالوا قديما، بل لعله في ألمه أشبه "بعملية" تشريح في القلب، ~~وستذهب الدقائق التي أكتب فيها هذه الكلمة مأسوفا عليها، لأنها ذاهبة ~~بصفحتين من كتابي. # وأما بعد، فلا أرى من الإنصاف أن يعمد الدكتور إلى جمل يقتضبهن من مقالي ~~في مجلة الهلال ثم يهدفها للرد، وكان عسى أن يدفع عنها شيء مما قبلها أو ما ~~بعدها أو يشد منها بعض جهاتها أو يأتي بها في سياق يبين عن معناها. # وزعم الأستاذ أنه لا يفهم من كلامي هذه الجملة "وأنت تعلم أن الذوق ~~الأدبي في شيء إنما هو فهمه، وأن الحكم على شيء إنما هو أثر الذوق فيه، وأن ~~النقد إنما هو الذوق والفهم جميعا.. ثم دار بهذه الكلمات دورة ms907 العاصفة ~~وجعلها مسألة كمسألة الدور والتسلسل المشهورة، بل جعلها من قبيل "قصة ~~وقضية".. فتراه يقول: ذوق هو الفهم، وفهم هو الذوق، وفهم ليس بالذوق، وذوق ~~ليس بالفهم، وهلم صاعدا ونازلا؛ وضرب لنا مثلا بالموسيقى فقال: "ما نظن أن ~~الذين يطوقون الموسيقى ويطربون لها يفهمونها جميعا". وأنا أفسر كلامي بهذا ~~المثل نفسه، أقتصر عليه ولا أعدوه. # نأتي الآن بأستاذ قد برع في الموسيقى وخالطت أعصابه ولحمه ودمه، وندفع ~~PageV03P349 # إليه قطعة ملحنة ونقول له: اسمع وافهم واحكم وانتقد؛ يسمعها مرة بعقله أو ~~لعقله يتبين ما يكون فيها صوابا وما يكون خطأ، ثم ما يعلو عن الصواب من ~~الإجادة والإتقان، وما ينحط عن الخطأ من الإساءة والتخليط؛ فهذا هو الفهم. # ويسمعها مرة ثانية بحسه أو لحسه، فيرى أثر ما فهم، ويديرها في ذوقه ليعرف ~~كيف موقعها من الغرض الذي وضعت له، فإنها لم توضع لتكون أصواتا، بل لتخلق ~~من الأصوات شيئا؛ فهذا هو الذوق، وهو كما تراه بعد الفهم وناشئ عنه. ومثل ~~الأستاذ طه حسين لا يخفى عليه أن من يقول: إن الذوق في شيء إنما هو فهمه، ~~أو إنما هو عن فهمه، أو إنما ينشأ عن فهمه، فالعبارة في باب المجاز واحدة ~~لا تختلف. # ثم إن أستاذ الموسيقى وقد سمع القطعة مرتين، أو مرة كمرتين إن بلغ أن ~~يكون له في كل أذن واحدة أذنان، يستفتي ذوقه الفني ويحكم للقطعة أم عليها؛ ~~فهذا هو أثر الذوق. # الآن قد حكم الأستاذ وانتقد وجزم برأيه، فندب له فلان يقول: أخطأت وأسأت ~~وجهلت وغفلت، أو تعصبت وحططت في هوى صاحب اللحن؛ فمن أين جاء هذا الخلاف ~~وكيف وقع هذا القول؟ بل كيف ساغ للثاني أن يجهل الأول ويرى غير رأيه ويحكم ~~غير حكمه، إلا إذا كان قد فهم غير فهمه فأنشأ له الفهم ذوقا وأحدث له الذوق ~~حكما وجاءت من هذه المقدمات تلك النتيجة التي نسميها النقد، وما هي في ~~الحقيقة إلا الذوق والفهم جميعا، فالذين يذوقون الموسيقى ويطربون لها ولا ~~يفهمونها فقد فهموها على ms908 مقدار ما استقر في نفوسهم من أساليب التطريب وما ~~فيهم من المطاوعة لهذه العاطفة؛ أو لا تراهم يقولون في أمثال هؤلاء: إن لهم ~~آذانا موسيقية؟ فهذه الأذن هي الفهم بعينه، لأنها حاسة اجتمعت من مران ~~طويل، وقد تقوم في بعض الناس على جهله بالموسيقى مقام علم برأسه. # ويقول الأستاذ طه: إنه قد يقرأ كلامي ويفهمه ولا يذوقه، ولكن عدم الذوق ~~هنا هو الذوق؛ وليت شعري ما معنى قول المتنبي: # ومن يك ذا فم مر ... # ولو كان الأستاذ وأمثاله هم في هذا القياس المتر والكيلومتر، لوجب ألا ~~أجد من يذوق كلامي ويعجب به ويغالي فيه ويكون ذنبا من ذنوبي عند الله ~~بإسرافه في المغالاة، وأنا واجد لكل واحد مثل الأستاذ طه عشرة ومائة من ~~غيره، ولو خرج هو إلى العالم لرأى وسمع، وفيهم من هم أعلى منه كعبا وأمد ~~عنقا وأضخم هامة وأبدع بديعا وأبلغ وأزكى وأعلم إلى عدد من هذه الواوات. # PageV03P350 # وعجبت للدكتور يريد أن لا يفهم من عبارتي كما يقول إلا أن "الذوق هو نفس ~~الفهم، فاللفظان يدلان على معنى واحد، وإذن وإذن وإذن..". # فهل يرى إذا قلت له: رأيت القمر وفلانة ليلة كذا فكانت إنما هي القمر ~~-أني أقصد بهما معنى واحدا فيقول لها: "وإذن" فليسا شيئين مختلفين وإنما هو ~~شيء واحد، وإذن فكيف صار لها وجه في السماء ووجه في الأرض وبقيت مع ذلك ~~امرأة من الإنس؛ وإذن فهذا كلام لا يفهم ... # قال بعضهم إن "لو" تفتح عمل الشيطان، يريد أنها أداة التمني، والمذهب ~~الجديد سيضم "إذن" إلى "لو" ثم ما هي الكلمة الثالثة يا ترى؟ # أنا -مع إعجابي بالدكتور الفاضل- أرى أنه مستهتر بأشياء، وأن من خلقه أن ~~ما لا يرضى عنه وما لا يفهمه "ليسا شيئين مختلفين". فإذا لم يكن من الفهم ~~بد قال: إنه لا يقتنع، فإذا ضايقته وضيقت عليه لم يبق إلا ما يقول النحاة ~~في "أي" التي حيرهم إعرابها وبناؤها: أي كذا خلقت ... # وأنا وأمثالي إنما نحرص أشد الحرص على هذه اللغة؛ لأنها ms909 أساس الأمة ~~الإسلامية فلا نرضى غلا أن يكون هذا الأساس ثابتا متينا لا يزعزعه شيء ولا ~~يثلمه شيء ولا يضعفه شيء؛ والدكتور وأمثاله لا يبالون أن تكون هذه الأمة ~~كبيوت أمريكا المتحركة ... # لست أنكر التجديد، بل لعل الدكتور يذكر مناقشتي إياه في "الجريدة" ~~وإصراره يومئذ أن ليس لأحد أن يدخل في اللغة كلمة، وأن قول الناس تنزه ~~ومتنزه ونزهة الخ كلها منا لكلام العامي، وتعلقه بنص ابن سيده في ذلك، ~~واستخراجي له نص ابن قتيبة وكلاما كثيرا من استعمال العلماء، ثم قوله ~~أحسنت، ولكن لو جئتني باللفظة في كلام المبرد والجاحظ وفلان وفلان ما ~~اقتنعت. # إنما أنكر شيئا واحدا، وهو أن يقال مذهب قديم ومذهب جديد؛ فقد وسع الله ~~على الناس فيما علموا وفيما جهلوا، ولكن أصحابنا يريدون ألا نكتب إلا نمطا ~~بعينه، ولا نذهب إلا مذهبا بعينه؛ لأن كل ذلك هو الجديد؛ فأيهما خير لنا ~~ولهم وللذين سيخرجون تاريخهم من قبورنا: أن نعتد اللغة والأدب كل ما اجتمع ~~من قديم وجديد ونحكم هذه اللغة ونحفظها وندفع عنها ونجعل تجديدها كتجدد ~~الحسناء في أثوابها وفي ألوانها دون تشويه ولا مسخ ولا مس الجسم الجميل، أن ~~تقول: هذه الشفة وهذا الأنف وهذا الموضع الممتلئ الخدل وهذا الموضع # PageV03P351 # الهضيم الناحل وتعال يا دكتور هات المبضع والمشرط والمقص والمنشار ~~والإبرة والخيط وإذن ... ؟ # لقد أذكر أني رأيت في بعض مقالات الأستاذ طه حسين أو في بعض ما يقرظ به ~~الكتب أنه قال: إن القديم قد أثبت دائما أنه أقوى وأمتن وأصح؛ فهل رجل عن ~~هذا الرأي أم ظهر في الجديد ما هو أقوى وأمتن وأصح؟ ثم يا أيها الملأ ~~أفتوني ما هو هذا الجديد؟ أهو ذاك الخيال الشارد المجنون، أم تلك الشهوات ~~المتوثبة المتلهفة، أم ذلك الأسلوب الفج المتسوخم، أم العامية السقيمة ~~الملحونة؛ أم هو في الحقيقة بين رغبة في النبوع قبل أن تتم الأداة وتستحكم ~~الطريقة، كما هو شأن فريق من الكتاب، فيختصرون الطريق بكلمة واحدة هي ~~المذهب الجديد - وبين غربة في التعصب ms910 للآداب الأجنبية كما هو شأن فريق آخر- ~~وبين رغبة في الحط من قيمة بعض الناس ورميهم بالجهل والسخف وأنه لا قيمة ~~لما يجيئون به، كل ذلك في تعبير علمي يصح أن يكون نظرية علمية ... وقبلهم ~~قالها العرب في القرآن الكريم: {لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير ~~الأولين} فقد شاءوا فلم يقولوا؛ ولو أن المذهب الجديد فسر القرآن يوما.. ~~لقال في معنى أساطير الأولين إنهم أرادوا بهذا المذهب القديم ... # ويقول الدكتور طه: إن هناك قوما ينصرون المذهب الجديد وليس لهم من اللغات ~~الأجنبية وآدابها حظ، وحظهم من اللغة العربية وآدابها موفور؛ ثم طلب رأيي ~~في هؤلاء وما أصل مذهبهم الجديد؛ فأقول: إني أعرف بعضهم، وأعرف أن أدمغتهم ~~لا يشبهها شيء إلا جلود بعض الكتب التي ليس فيها إلا متن وشرح وحاشية: جلد ~~ملفوف على ورق، وورق ينطوي على قواعد محفوظة، وهم أفقر الناس إلى الرأي؛ ~~وهذه علة حبهم للأساليب الجديدة القائمة على الترجمة ونقل الآراء من الغرب ~~إلى الشرق، وبالمعنى الصريح المكشوف: من الأدمغة المملوءة إلى الأدمغة ~~الفارغة، وفيهم بعض أذكياء، ولكن ذكاءهم في حواسهم، فإن لم يكن هذا ~~فليقولوا هم لماذا؟ # ولو أنك سألت العنكبوت: ما هي الظبية الحوارء العيناء التي تطمعين فيها ~~وتنصبين لها كل هذه الأشراك والحبائل؟ لقالت لك: مهلا حتى تقع فتراها! فإذا ~~وقعت رأيتها ثمة ورأيتها ذبابة.. # ولكن ماذا يقول الدكتور في الأستاذ الإمام الكبير الشيخ محمد عبده؟ أكان # PageV03P352 # يدعو إلى مذهب جديد في اللغة والأدب ويفتتن بالروايات الغرامية وبأسلوب ~~"إميل زولا" في روايته المعروفة وبمثل رواية "الأجرسون". # إن كان الناس عند الدكتور من بعض الحجج فإن الشيخ وحده بأمة كاملة ممن ~~يعنيهم. # وأختتم هذه الكلمة بالشكر للأستاذ طه حسين والثناء عليه، ثم إني مسترسل ~~في عملي، وهذا عذري إليه. # PageV03P353 ### | المرأة والميراث # قرأت في "المقطم" كلمة الكاتب المعروف سلامة موسى فيما يزعمه إجابات ~~مختصرة عن اعتراضات تهافت بها رأيه في الدعوة إلى مساواة المرأة بالرجل في ~~الميراث، وهو ينصح لمن يريد أن يناقشه أن ms911 يقرأ نص محاضرته في "السياسة ~~الأسبوعية". # وقد رجعت إلى نص المحاضرة فإذا الكاتب هو هو في ضعف تفكيره وسوء تقليده، ~~يكاد لا يميز بين الرأي الصحيح الثابت في نفسه؛ لأنه قائم على حكمته ~~الباعثة عليه، وبين الرأي المتغير في كل نفس بحسبها؛ لأنه قائم على منزع أو ~~غفلة أو مرض في النفس. # ترى الكاتب لا يدعو إلا إلى تقليد أوربا، وتكاد عباراته في ذلك لا تحصى ~~ويقول: إن "المصلح المثمر عندنا هو مقلد لأوربا لا غش في تقليده" فليس إلا ~~أوربا وتقليدها وإذا لم يكن في أوربا قرآن ولا إسلام فالإصلاح المثمر عند ~~الكاتب ألا يبقى من ذلك شيء ... # "مقلد أوربا لا غش في تقليده"، وما هو الغش في التقليد؟ هو أن تستعمل ~~رأيك وفكرك فتدع وتأخذ على بينة في الحالين، وأن تأبى أن تحمل على طبيعتك ~~الشرقية ما لا تصلح عليه ولا تقوم به؛ وإذا انقلبت أوربا شيوعية أو إباحية ~~وجب ألا نغش في التقليد.. وإذا كانت الشمس لا تطلع ستة أشهر في بعض جهات ~~أوربا وتطلع في مصر كل يوم وجب أن يكون المصري أعمى ستة أشهر ... # والظاهر أن الكاتب يقول بالتقليد؛ لأنه طبيعي فيه.. ورأيه في الميراث ~~إنما هو ترجمة.. لعمل مصطفى كمال؛ وإن كان مصطفى كمال قد أصلح الترك في ~~سنوات كما يقولون: فبرهان التاريخ لا يخضع للمشقة ولا لمحاكم الاستقلال ولا ~~يأتي إلا في وقته الذي سيأتي فيه، وسيرى الناس يومئذ ما يكون وهما مما يكون ~~حقيقة. # ويرد الكاتب على رأي الأستاذ الأخلاقي رئيس تحرير "المقطم" في خشيته أن ~~يقتصر الإصلاح على القشور دون اللباب، فيقول: إنه "معتقد أن الأمة التي # PageV03P354 # تشرع في اتخاذ المدنية الحديثة يجب أن تبدأ بالقشور ... لأنها أسهل عليها ~~من اللباب بل هي لا تستطيع غير ذلك". أكذلك بدأت اليابان؟. وهل كل الطباع ~~كطبيعة بعض الناس، تستطيع أن تعتلف قشور المدنية.. وتنصرف إلى مداقها ~~وسفاسفها؟ # ولا ريب أن حضرته لا يفهم الدين الإسلامي؛ لأنه ليس من أهله، فهو يقرنا ~~على ذلك، ms912 وهو بذلك يقرنا على أنه متطفل في اقتراحه؛ وإن الذي يقرأ في ~~محاضرته قوله: "إن الطبقة الغنية في الأمة هي التي تقرر ديانة الأمة.." ~~يستيقن أنه لا يفهم دينا من الأديان، وأنه قصير النظر في أمور الاجتماع ~~وأبواب السياسة؛ وأن يمينه وشماله وأمامه ووراءه إن هي إلا جهات الزمام ~~الذي ينقاد فيه؛ فلا شخصية له، وإنما يتابع وينقاد للآراء التي يترجم منها ~~بلا نقد ولا تمييز. # إن ميراث البنت في الشريعة الإسلامية لم يقصد لذاته، بل هو مرتب على نظام ~~الزواج فيها، وهو كعملية الطرح بعد عملية الجمع لإخراج نتيجة صحيحة من ~~العملين معا، فإذا وجب للمرأة أن تأخذ من ناحية وجب عليها أن تدع من ناحية ~~تقابلها؛ وهذا الدين يقوم في أساسه على تربية أخلاقية عالية ينشئ بها طباعا ~~ويعدل بها طباعا أخرى، كما بيناه في مقالنا المنشور في "مقتطف" هذا الشهر؛ ~~فهو يربأ بالرجل أن يطمع في مال المرأة أو يكون عالة عليها؛ فمن ثم أوجب ~~عليه أن يمهرها وأن ينفق عليها وعلى أولادها، وأن يدع لها رأيها وعملها في ~~أموالها، لا تحد إرادتها بعمله ولا بأطماعه ولا بأهوائه؛ وكل ذلك لا يقصد ~~منه إلا أن ينشأ الرجل عاملا كاسبا معتمدا، متهيئا لمعالي الأمور، فإن ~~الأخلاق كما هو مقرر يدعو بعضها إلى بعض، ويعين شيء منها على شيء يماثله، ~~ويدفع قويها ضعيفها، ويأنف عاليها من سافلها؛ وقد قلنا إنه لا يجوز لمتكلم ~~أن يتكلم في حكمة الدين الإسلامي إلا إذا كان قوي الخلق، فإن من لا يكون ~~الشيء في طبعه لا يفهمه إلا فهم جدل لا فهم اقتناع. # للمرأة حق واجب في مال زوجها، وليس للرجل مثل هذا الحق في مال زوجه؛ ~~والإسلام يحث على الزواج، بل يفرضه؛ فهو بهذا يضيف إلى المرأة رجلا ويعطيها ~~به حقا جديدا، فإن هي ساوت أخاها في الميراث مع هذه الميزة التي انفردت بها ~~انعدمت المساواة في الحقيقة، فتزيد وينقص؛ إذ لها حق الميراث وحق النفقة ~~وليس له إلا مثل حقها في ms913 الميراث إذا تساويا. # PageV03P355 # فإن قلت كما يقول سلامة موسى: إن في الحق أن تنفق المرأة على الرجل وأن ~~تدفع له المهر ثم تساويه في الميراث، قلنا: إذا تقرر هذا وأصبح أصلا يعمل ~~عليه بطل زواج كل الفقيرات وهن سواد النسوة؛ إذ لا يملكن ما يمهرن به ولا ~~ما ينفقن منه؛ وهذا ما يتحاماه الإسلام؛ لأنه فيه فساد الاجتماع وضياع ~~الجنسين جميعا؛ وهو مفض بطبيعته إلى جعل الزواج للساعة ولليوم وللوقت ~~المحدود.. ولإيجاد لقطاء الشوارع، بدلا من أن يكون الزواج للعمر وللواجب ~~ولتربية الرجل على احتمال المسؤولية الاجتماعية بإيجاد الأسرة وإنشائها ~~والقيام عليها والسعي في مصالحها. # من هنا وجب أن ينعكس القياس إذا أريد أن تستقيم النتيجة الاجتماعية التي ~~هي في الغاية لا من حق الرجل ولا من حق المرأة بل من حق الأمة؛ وما نساء ~~الشوارع ونساء المعامل في أوربا من نتائج ذلك النظام الذي جاء مقلوبا، فهن ~~غلطات البيوت المتخربة والمسؤولية المتهدمة، وهن الواجبات التي ألقاها ~~الرجال عن أنفسهم فوقعت حيث وقعت! # وإذا انزاحت مسؤولية المرأة عن الرجل انزاحت عنه مسؤولية النسل، فأصبح ~~لنفسه لا لأمته؛ ولو عم هذا المسخ الاجتماع أسرع فيه الهرم وأتى عليه ~~الضعف، وأصبحت الحكومات هي التي تستولد الناس على الطريقة التي تستنتج بها ~~البهائم، وقد بدأ بعض كتاب أوربا يدعون حكوماتهم إلى هذا الذي ابتلوا به ~~ولا يدرون سببه وما سببه إلا ما بينا آنفا. # ثم إن هناك حكمة سامية، وهي أن المرأة لا تدع نصف حقها في الميراث لأخيها ~~يفضلها به -بعد الأصل الذي نبهنا إليه- إلا لتعين بهذا العمل في البناء ~~الاجتماعي؛ إذ تترك ما تتركه على أنه لامرأة أخرى، هي زوج أخيها؛ فتكون قد ~~أعانت أخاها على القيام بواجبه للأمة، وأسدت للأمة عملا آخر أسمى منه ~~بتيسير زواج امرأة من النساء. # فأنت ترى أن مسألة الميراث هذه متغلغلة في مسائل كثيرة لا منفردة بنفسها، ~~وأنها أحكم الحكمة إذا أريد بالرجل رجل أمته وبالمرأة امرأة أمتها، فأما ~~إذا أريد رجل نفسه وامرأة نفسها، ms914 وتقرر أن الاجتماع في نفسه حماقة وأن ~~الحكومة خرافة، وأن الأمة ضلالة، فحينئذ لا تنقلب آية الميراث وحدها بل ~~تنقلب الحقيقة. # ومما نعجب له أن سلامة موسى يتكلم في محاضرته كأن كل الوالدين ذوو مال ~~وعقار، فنصف الأمة على هذا محروم نصف حقه وكأنه لا يعرف أن السواد # PageV03P356 # الأعظم من الناس لا يترك ما يورث، لا على الربع ولا على النصف؛ وأن كثيرا ~~ممن يموتون عن ميراث لا يحيا ميراثهم إلا أياما من بعدهم، ثم يذهب في ~~الديون، إذ لا تركة مع دين، وكثيرون لا يسمن ميراثهم ولا يغني، فلم تبق إلا ~~فئات معينة من كل أمة لا يجوز أن تنقلب من أجلها تلك الحكمة الاجتماعية ~~التي هي من حظ الأمومة كلها لقيام بعض الأخلاق عليها كما بسطناه. # ومما تشمئز له النفوس الكريمة قول المترجم في محاضرته: فلو كانت الفتيان ~~يرثن مثل إخوتهن الذكور، لكان "في ثروتهن" إغراء للشبان على الزواج.. # إن الدين الإسلامي لا يعرف مثل هذا الإسفاف في الخلق ولا يقره، بل هو ~~يهدمه هدما ويوجب على كل رجل أن يحمل قسطه من المسؤولية ما دام مطيقا إن ~~كره أو رضي، ولعمري، إن تلك الكلمة وحدها من كاتبها لهي أدل من اسم المحل ~~على بضاعة المحل ... # PageV03P357 ### | كلمة مؤمنة في رد "كلمة كافرة" # 1: # تلقيت كتابا هذه نسخته: # أكتب إليك متعجلا بعد أن قرأت "كلمة كافرة" في "كوكب الشرق" الصادر مساء ~~الجمعة 27 من أكتوبر؛ كتبها متصدر من نوع قولهم: # حبذا الإمارة ولو على الحجارة ... وسمى نفسه "السيد، فإن صدق فيما كتب ~~صدق في هذه التسمية. # طعن القرآن وكفر بفصاحته، وفضل على آية من كلام الله جملة من أوضاع ~~العرب، فعقد فصله بعنوان "العثرات" على ذلك التفضيل، كأن الآية عثرة من ~~عثرات الكتاب يصححها ويقول فيها قوله في غلط الجرائد والناشئين في الكتابة؛ ~~وبرقع وجهه وجبن أن يستعلن، فأعلن بزندقته أنه حديث في الضلالة. # غلى الدم في رأسي حين رأيت الكاتب يلج في تفضيل قول العرب: "القتل أنفى ~~للقتل" على ms915 قول الله -تعالى- في كتابه الحكيم: {ولكم في القصاص حياة} ~~[البقرة: 179] ، فذكرت هذه الآية القائلة: {وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم} [الأنعام: 121] وهذه الآية: {شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى ~~بعض} [الأنعام: 112] ثم هممت بالكتابة فاعترضني ذكرك، فألقيت القلم؛ ~~لأتناوله بعد ذلك وأكتب به إليك. # ففي عنقك أمانة المسلمين جميعا لتكتبن في الرد على هذه الكلمة الكافرة ~~لإظهار وجه الإعجاز في الآية الكريمة، وأين يكون موقع الكلمة الجاهلية ~~منها؛ فإن هذه زندقة إن تركت تأخذ مأخذها في الناس؛ جعلت البر فاجرا، وزادت ~~الفاجر فجورا: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25] ~~. PageV03P358 # واعلم أنه لا عذر لك. أقولها مخلصا، يمليها على الحق الذي أعلم إيمانك ~~به، وتفانيك في إقراره والمدافعة عنه والذود عن آياته؛ ثم اعلم أنك ملجأ ~~يعتصم به المؤمنون حين تناوشهم ذئاب الزندقة الأدبية التي جعلت همها أن تلغ ~~ولوغها في البيان القرآني. # ولست أزيدك، فإن موقفي هذا موقف المطالب بحقه وحق أصحابه من المؤمنين ~~وأذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سئل علما فكتمه جاء يوم ~~القيامة ملجما بلجام من نار" أو كما قال.. # والسلام عليكم ورحمة الله. # م. م.ش # قرأت هذا الكتاب فاقشعر جسمي لوعيد النبي صلى الله عليه وسلم، وجعلت أردد ~~الحديث الشريف أستكثر منه وأملأ نفسي بمعانيه، وإنه ليكثر في كل مرة، فإذا ~~هو أبلغ تهكم بالعلماء المتجاهلين، والجهلاء المتعالمين؛ وإذا هو يؤخذ من ~~ظاهره أن العالم الذي يكتم علمه النافع عن الناس يجيء يوم القيامة ملجما، ~~ويؤخذ من باطنه أن الجاهل الذي يبث جهله الضار في الناس يجيء يوم القيامة ~~ملجما مبرذعا.. أي: فهذا وهذا كلاهما من حمير جهنم! # والتمست عدد "الكوكب" الذي فيه المقال وقرأته، ولم أكن أصدق أن في العالم ~~أديبا مميزا يضع نفسه هذا الموضع من التصفح على كلام الله وأساء الأدب في ~~وضع آية منه بين عثرات الكتاب، فضلا عن أن يسمو لتفضيل كلمة من كلام العرب ~~على الآية، فضلا عن أن يلج في هذا التفضيل، فضلا عن ms916 أن يتهوس في هذه ~~اللجاجة؛ ولكن هذا قد كان، ولا حول ولا قوة إلا بالله! # ولعمري وعمر أبيك أيها القارئ، لو أن كاتبا ذهب فأكل فخلط فتضلع فنام ~~فاستثقل فحلم.. أنه يتكلم في تفضيل كلمة العرب على تلك الآية، واجتهد جهده، ~~وهو نائم ذاهب الوعي فلم يأل تخريفا واستطالة، وأخذ عقله الباطن يكنس دماغه ~~ويخرج منه "الزبالة العقلية" ليلقيها في طريق النسيان أو في طريق الشيطان ~~-لما جاء في شأوه بأسخف ولا أبرد من مقالة "السيد" فسواء أوقع هذا التفضيل ~~من جهة الهذيان والتخريف كما فعل كاتب النوم، أم وقع من جهة الخلط والحبط ~~ما فعل كاتب الكوكب -فهذا من هذا، طباق سخافة بسخافة.. # نعم إن مقالة الكوكب أفضل من مقالة الكاتب الحالم ... ولكن قليل # PageV03P359 # الزيت في الزجاجة التي أهديت لجحا لا يعد زيتا ما دام هذا القليل يطفو ~~على ملء الزجاجة من.. من البول! # ولقد تنبأ القاضي الباقلاني قبل مئات السنين بمقالة الكوكب هذه فأسفلها ~~الرد بقوله: # "فإن اشتبه على متأدب أو متشاعر أو ناشئ أو مرمد فصاحة القرآن وموقع ~~بلاغته وعجيب براعته فما عليك منه، إنما يخبر عن نفسه، ويدل على عجزه، ~~ويبين عن جهله، ويصرح بسخافة فهمه وركاكة عقله" ما علينا ... # يقول كاتب الكوكب بالنص: # قالت العرب قديما في معنى القصاص: "القتل أنفى للقتل"، ثم أقبل القرآن ~~الكريم على آثار العرب "هكذا" فقال: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ~~لعلكم تتقون} [البقرة: 179] ، وقد مضت سنة العلماء من أساطين البيان أن ~~يعقدوا الموازنة بين مقالة العرب هذه وبين الآية الحكيمة أيتهما أشبه ~~بالفصاحة "هكذا"، ثم يخلصون منها إلى تقديم الآية والبيان القرآني ... ثم ~~قال: من رأي كاتب هذه الكلمة تقديم الكلمة العربية على الآية الغراء، ~~"اللهم غفرا" على ثلج الصدر بإعجاز القرآن "كلمة للوقاية من النيابة ... ~~وإلا فماذا بقي من الإعجاز وقد عجزت الآية؟ زه زه يا رجل ... " # ثم قال: إن فيم تقدم به الكلمة العربية على الآية الحكيمة -"اللهم غفرا"- ~~مزايا ثلاثا: أولى هذه المزايا الثلاث، هذا ms917 الإيجاز الساحر فيها؛ ذلك أن: ~~"ألقتل أنفى للقتل" ثلاث كلمات لا أكثر، أما الآية فإنها سبع كلمات "كذا"، ~~وعلى تلك فهي أقدم عهدا وأسبق ميلادا من آية التنزيل "تأمل" حاشا كلام الله ~~القديم، والإيجاز ميزة أية ميزة؛ الميزة الثانية للكلمة الاستقلال الكتابي ~~وقد التعاقد بينها وبين شيء آخر سابق عليها، حتى أن المتمثل بها المستشهد ~~يبتدئ بها حديثا مستتما ويختتمه في غير مزيد ولا فضل، فلا يتوقف ولا يستعين ~~بغيرها، أما الآية فإنها منسوقة مع ما قبلها بالواو، فهي متعاقدة مترابطة ~~معه، لا يتمثل بها المتمثل حتى يستعين بشيء سواها، وليس الذي يعتمد على ~~غيره فلا يستقل كالذي يعتمد على نفسه فيستقل؛ الميزة الثالثة أن الكلمة ~~ليست متصلة في آخرتها بفضل من القول تغني عنه، على حين تتصل بالآية بما ~~تغني عنه من القول. ويعتد كالفضل وهو كلمتا {يا أولي الألباب} [البقرة: ~~179] و {لعلكم تتقون} [البقرة: 179] ، وإن كان لا زيادة في القرآن ولا ~~فضول. # PageV03P360 # ثم قال: إن مدرسا جاء بالفصل الذي عقده الإمام السيوطي في كتابه ~~"الإتقان" لتفضيل الآية على الكلمة وفيه قرابة خمسة وعشرين حجة؛ قال: إنها ~~انحطت بعد أن رماها بنظره العالي إلى أربع: "أما الباقيات فمن نسج الانتحال ~~والتزيد"، قال: وأولاها أن الآية أوجز لفظا، والكاتب يرى الآية: "سبع كلمات ~~في تحديد ودقة"، قال: إذا لقد بطلت حجة الإيجاز في الآية "اللهم غفرا"، ~~قال: والثانية: "أن في الكلمة العربية تكرارا لكلمة القتل سلمت الآية منه، ~~ورد الكاتب أن هذا التكرار: "يتحلل طلاوة ويقطر رقة، "قال": وهذا فمي فيه ~~طعم العسل، "قلنا: وعليه الذباب يا سيدنا ... " والثالثة: أن في الآية ذكرا ~~للقصاص بلفظه على حين لا تذكر الكلمة إلا القتل وحده، وليس كل قتل قصاصا؛ ~~ودفع الكاتب هذا بأن الكلمة انطوت على قتلين أحدهما ينفي صاحبه، فذاك هو ~~القصاص؛ قال: "إذن فالكلمة والآية في قصد القصاص يلتقيان فرسي رهان"؛ ~~والرابعة: أن القصاص في الآية أعم يشمل القتل وغيره. وأقر الكاتب أن للآية ~~فضلا على الكلمة من هذه الناحية، ms918 ولكن الكلمة حكمة لا شريعة، وهي من قضاء ~~الجاهلية، فليس عليها أن تبين ما لم يعرفه العرب ولم يخلق بعد، قال: "إذن ~~فليست الكلمة مقصرة عن بيان، متبلدة عن إحسان". # هذا كل مقاله بحروفه بعد تخليصه من الركاكة والحشو وما لا طائل تحته، ~~ونحن نستغفر الله ونستعينه ونقول قولنا، ولكنا نقدم بين يدي ذلك مسألة، فمن ~~أين للكاتب أن كلمة: "القتل أنفى للقتل" مما صحت نسبته إلى عرب الجاهلية، ~~وكيف له أن يثبت إسنادها إليهم وأن يوثق هذا الإسناد حتى يستقيم قوله: إن ~~القرآن أقبل على آثار العرب؟ ... # أنا أقرر أن هذه الكلمة مولدة وضعت بعد نزول القرآن الكريم وأخذت من ~~الآية، والتوليد بين فيها، وأثر الصنعة ظاهر عليها؛ فعلى الكاتب أن يدفع ~~هذا بما يثبت أنها مما صح نقله عن الجاهلية؛ ولقد جاء أبو تمام بأبدع وأبلغ ~~من هذه الكلمة في قوله: # وأخافكم كي تغمدوا أسيافكم ... إن الدم المغبر يحرسه الدم # "الدم يحرسه الدم" هذه هي الصناعة وهذه هي البلاغة لا تلك، ومع هذا فكلمة ~~الشاعر مولدة من الآية، يدل عليها البيت كله؛ وكأن أبا تمام لم يكن سمع # PageV03P361 # قولهم: "القتل أنفى للقتل"، وأنا مستيقن أن الكلمة لم تكن وضعت إلى ~~يومئذ*. # ولو أن متمثلا أراد أن يتمثل بقول أبي تمام فانتزع منه هذا المثل الدم ~~يحرسه الدم"، أيكون حتما من الحتم أن يقال له: كلا يا هذا فإن البيت سبع ~~كلمات فلا يصح انتزاع المثل منه ولا بد من قراءة البيت بمصراعيه كما يقول ~~كاتب الكوكب في الآية الكريمة ليزعم أنها لا تقابل الكلمة العربية في ~~الإيجاز؟ # إن الذي في معاني الآية القرآنية مما ينظر إلى معنى قولهم القتل أنفى ~~للقتل كلمتان ليس غير، وهما "القصاص، حياة"؛ والمقابلة في المعاني المتمثلة ~~إنما تكون بالألفاظ التي تؤدي هذه المعاني دون ما تعلقت به أو تعلق بها مما ~~يصل المعنى بغيره أو يصل غيره به؛ إذ الموازنة بين معنيين لا تكون إلا في ~~صناعة تركيبهما، ويخيل إلي أن الكاتب يريد ms919 أن يقول إن في باقي الآية ~~الكريمة لغو وحشو، فهو حميلة على الكلمتين: القصاص حياة، يريد أن يقولها، ~~ولكنه غص بها، وإلا فلماذا يلج في أنه لا بد في التمثل، أي لا بد في ~~المقابلة، من رد الآية بألفاظها جميعا؟ # فإذا قيل: إنه لا يجوز أن يتغير الإعراب في الآية، ويجب أن يكون المثل ~~منتزعا منها على التلاوة، قلنا: فإن ما يقابل الكلمة منها حينئذ هو هذا، ~~"في القصاص حياة"، وجملتها اثنا عشر حرفا، مع أن الكلمة أربعة عشر، ~~فالإيجاز عند المقابلة هو في الآية دون الكلمة. # وأما قوله تعالى: {أولي الألباب لعلكم تتقون} [البقرة: 179] ، لو كان ~~الكاتب من أولي الألباب لفهمها وعرف موقعها وحكمتها، وأن إعجاز الآية لا ~~يتم إلا بها، إذ أريد أن تكون معجزة زمنية كما سنشير إليه، ولكن أني له وهو ~~من الفن البياني على هذا البعد السحيق، لا يعلم أن آيات القرآن الكريم ~~كالزمن في نسقها: ما فيه من شيء يظهره إلا ومن ورائه سر يحققه. # ثم إن الإيجاز في الكلمة العربية ليس من "الإيجاز الساحر" كما يصفه ~~الكاتب، بل هو عندنا من الإيجاز الساقط؛ وليس من قبيل إيجاز الآية الكريمة ~~ولا يتعلق به فضلا عن أن يشبهه؛ إذ لا بد في فهم صيغة التفضيل من تقدير ~~المفضل عليه، فيكون المعنى "القتل أكثر نفيا للقتل من كذا"، فما هو هذا ~~"الكذا" أيها الكاتب المتعثر؟ # أليس تصور معنى العبارة وإحضاره في الذهن قد أسقطها ونزل بها إلى ~~PageV03P362 # الكلام السوقي المبتذل وأوقع فيها الاختلال؟ وهل كانت إلا صناعة شعرية ~~خيالية ملفقة كما أومأنا إلى ذلك آنفا، حتى إذا أجريتها على منهجها من ~~العربية رأيتها في طريقة هذا الكلام العربي الأمريكاني كقول القائل: "الفرح ~~أعظم من الترح"، "الحياة هي التي تعطى للحياة" ... ؟ # بهذا الرد الموجز بطلت الميزات الثلاث التي زعمها الكاتب لتلك الكلمة، ~~وإن الكلمة نفسها لتبرأ إلى الله من أن تكون لها على الآية ميزة واحدة فضلا ~~عن ثلاثة. # ولنفرض "فرضا" أن الكلمة وثيقة الإسناد إلى عرب ms920 الجاهلية وأنها من ~~بيانهم، فما الذي فيها؟ ### | 1- # إنها تشبه قول من يقول لك: إن قتلت خصمك لم يقتلك. وهل هذا إلا هذا؟ # وهل هو إلا بلاغة من الهذيان؟ ### | 2- # إنها تشبه أن تكون لغة قاطع طريق عارم يتوثب على الحلال والحرام لا يخرج ~~لشأنه إلا مقررا في نفسه أنه إما قاتل أو مقتول، ولذلك تكرر فيها القتل على ~~طرفيها، فهو من أشنع التكرار وأفظعه. ### | 3- # إن فيها الجهل والظلم والهمجية، إذ كان من شأن العرب ألا تسلم القبيلة ~~العزيزة قاتلا منها، بل تحميه وتمنعه، فتنقلب القبيلة كلها قاتلة بهذه ~~العصبية؛ فمن ثم لا ينفي عار القتل عن قبيلة المقتول إلا الحرب والاستئصال ~~قتلا قتلا وأكل الحياة للحياة، فهذا من معاني الكلمة: أي القتل أنفى لعار ~~القتل، فلا قصاص ولا قضاء كما يزعم الكاتب. ### | 4- # إن القتل في هذه الكلمة لا يمكن أن يخصص بمعنى القصاص إلا إذا خصصته ~~الآية فيجيء مقترنا بها، فهو مفتقر إليها في هذا المعنى، وهي تلبسه ~~الإنسانية كما ترى، ولن يدخله العقل إلا من معانيها؛ وهذا وحده إعجاز في ~~الآية وعجز من الكلمة. # وقبل أن نبين وجوه الإعجاز في الآية الكريمة ونستخرج أسرارها، نقول لهذا ~~الطفيلي: إنه ليس كل من استطاع أن يطير في الجو ورقة في قصبة في خيط جاز له ~~أن يقول في تفضيل ورقته على منطاد زبلين، وأن فيما تتقدم به على المنطاد ~~الكريم ميزات ثلاثا: الذيل، والورق الملون، والخيط ... # PageV03P363 # يقول الله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179] . ### | 1- # بدأ الآية بقوله {ولكم} [البقرة: 179] ، وهذا قيد يجعل هذه الآية خاصة ~~بالإنسانية المؤمنة التي تطلب كمالها في الإيمان، وتلتمس في كمالها نظام ~~النفس، وتقرر نظام النفس بنظام الحياة؛ فإذا لم يكن هذا متحققا في الناس ~~فلا حياة في القصاص، بل تصلح حينئذ كلمة الهمجية: القتل أنفى للقتل، أي ~~اقتلوا أعداءكم ولا تدعوا منهم أحدا، فهذا هو الذي يبقيكم أحياء وينفي عنكم ~~القتل؛ فالآية الكريمة بدلالة كلمتها الأولى موجهة إلى الإنسانية العالية، ~~لتوجه هذه الإنسانية في بعض معانيها إلى ms921 حقيقة من حقائق الحياة. ### | 2- # قال: {في القصاص} [البقرة: 179] ولم يقل في القتل، فقيده بهذه الصيغة ~~التي تدل على أنه جزاء ومؤاخذة، فلا يمكن أن يكون منه المبادأة بالعدوان، ~~ولا أن يكون منه ما يخرج عن قدر المجازاة قل أو كثر. ### | 3- # تفيد هذه الكلمة "القصاص" بصيغتها "صيغة المفاعلة" ما يشعر بوجوب التحقيق ~~وتمكين القاتل من المنازعة والدفاع، وألا يكون قصاص إلا باستحقاق وعدل؛ ~~ولذا لم يأت بالكلمة من اقتص مع أنها أكثر استعمالا؛ لأن الاقتصاص شريعة ~~الفرد، والقصاص شريعة المجتمع. ### | 4- # من إعجاز لفظة القصاص هذه أن الله -تعالى- سمى بها قتل القاتل، فلم يسمه ~~قتلا كما فعلت الكلمة العربية؛ لأن أحد القتلين هو جريمة واعتداء، فنزه ~~-سبحانه- العدل الشرعي حتى عن شبهه بلفظ الجريمة؛ وهذا منتهى السمو الأدبي ~~في التعبير. ### | 5- # ومن إعجاز هذه اللفظة أنها باختيارها دون كلمة القتل تشير إلى أنه سيأتي ~~في عصور الإنسانية العالمة المتحضرة عصر لا يرى فيه قتل القاتل بجنايته إلا ~~شرا من قتل المقتول؛ لأن المقتول يهلك بأسباب كثيرة مختلفة، على حين أن أخذ ~~القاتل لقتله ليس فيه إلا نية قتله؛ فعبرت الآية باللغة التي تلائم هذا ~~العصر القانوني الفلسفي، وجاءت بالكلمة التي لن تجد في هذه اللغة ما يجزئ ~~عنها في الاتساع لكل ما يراد بها من فلسفة العقوبة. ### | 6- # ومن إعجاز اللفظة أنها كذلك تحمل كل ضروب القصاص من القتل فما دونه، ~~وعجيب أن تكون بهذا الإطلاق مع تقييدها بالقيود التي مرت بك؛ فهي بذلك لغة ~~شريعة إلهية على الحقيقة، في حين أن كلمة القتل في المثل العربي تنطق # PageV03P364 # في صراحة أنها لغة الغريزة البشرية بأقبح معانيها؛ وبذلك كان تكرارها في ~~المثل كتكرار الغلطة؛ فالآية بلفظة القصاص تضعك أمام الألوهية بعدلها ~~وكمالها، والمثل بلفظة القتل يضعك أمام البشرية بنقصها وظلمها. ### | 7- # ولا تنس أن التعبير بالقصاص تعبير يدع الإنسانية محلها إذا هي تخلصت من ~~وحشيتها الأولى وجاهليتها القديمة، فيشمل القصاص أخذ الدية والعفو وغيرهما؛ ~~أما المثل فليس فيه إلا حالة واحدة بعينها كأنه وحش ليس من طبعه ms922 إلا أن ~~يفترس. ### | 8- # جاءت لفظة القصاص معرفة بأداة التعريف، لتدل على أنه مقيد بقيوده ~~الكثيرة؛ إذ هو في الحقيقة قوة من قوى التدمير الإنسانية فلا تصلح ~~الإنسانية بغير تقييدها. ### | 9- # جاءت كلمة "حياة" منونة، لتدل على أن ههنا ليست بعينها مقيدة باصطلاح ~~معين؛ فقد يكون في القصاص حياة اجتماعية، وقد يكون فيه حياة سياسية، وقد ~~تكون الحياة أدبية، وقد تعظم في بعض الأحوال عن أن تكون حياة. ### | 10- # إن لفظ "حياة" هو في حقيقته الفلسفية أعم من التعبير "بنفي القتل"؛ لأن ~~نفي القتل إنما هو حياة واحدة، أي ترك الروح في الجسم، فلا يحتمل شيئا من ~~المعاني السامية، وليس فيه غير هذا المعنى الطبيعي الساذج؛ وتعبير الكلمة ~~العربية عن الحياة "بنفي القتل" تعبير غليظ عامي يدل على جهل مطبق لا محل ~~فيه لعلم ولا تفكير، كالذي يقول لك: إن الحرارة هي نفي البرودة. ### | 11- # جعل نتيجة القتل حياة تعبير من أعجب ما في الشعر يسمو إلى الغاية من ~~الخيال، ولكن أعجب ما فيه أنه ليس خيالا، بل يتحول إلى تعبير علمي يسمو إلى ~~الغاية من الدقة، كأنه يقول بلسان العلم: في نوع من سلب الحياة نوع من ~~إيجاب الحياة. ### | 12- # فإذا تأملت ما تقدم وأنعمت فيه تحققت أن الآية الكريمة لا يتم إعجازها ~~إلا بما تمت به من قوله: {يا أولي الألباب} [البقرة: 179] فهذا نداء عجيب ~~يسجد له من يفهمه؛ إذ هو موجه للعرب في ظاهره على قدر ما بلغوا من معاني ~~اللب، ولكنه في حقيقته موجه لإقامة البرهان على طائفة من فلاسفة القانون ~~والاجتماع، هم هؤلاء الذين يرون إجرام المجرم شذوذا في التركيب العصبي، أو ~~وراثة محتومة، أو حالة نفسية قاهرة، إلى ما يجري هذا المجرى؛ فمن ثم يرون ~~أن لا عقاب على جريمة؛ لأن المجرم عندهم مريض له حكم المرضى؛ وهذه # PageV03P365 # فلسفة تحملها الأدمغة والكتب، وهي تحول القلب إلى مصلحة الفرد وتصرفه عن ~~مصلحة المجتمع، فنبههم الله إلى ألبابهم دون عقولهم، كأنه يقرر لهم أن ~~حقيقة العلم ليست بالعقل والرأي، بل هي ms923 قبل ذلك باللب والبصيرة، وفلسفة ~~اللب هذه هي آخر ما انتهت إليه فلسفة الدنيا. ### | 13- # وانتهت الآية بقوله تعالى: {لعلكم تتقون} [البقرة: 179] ، وهي كلمة من ~~لغة كل زمن، ومعناها في زمننا نحن: يا أولي الألباب، إنه برهان الحياة في ~~حكمة القصاص تسوقه لكم، لعلكم تتقون على الحياة الاجتماعية عاقبة خلافه ~~فاجعلوا وجهتكم إلى وقاية المجتمع لا إلى وقاية الفرد. # وبعد فإذا كان في الآية الكريمة -على ما رأيت- ثلاث عشرة وجها من وجوه ~~البيان المعجز، فمعنى ذلك من ناحية أخرى أنها أسقطت الكلمة العربية ثلاث ~~عشرة مرة. # PageV03P366 ### | "القتل أنفى للقتل" ليست مترجمة: # بعد أن نشرت مقالة "الكلمة المؤمنة" في "البلاغ"، كتب الأديب الفلسطيني ~~الأستاذ إسعاف النشاشيبي: إن هذه الكلمة مترجمة عن الفارسية، وقد نقلها ~~الثعالبي في كتابه "الإيجاز والإعجاز"، فنشرنا في "البلاغ" هذا التعليق: # قال الأستاذ الكبير محمد إسعاف النشاشيبي في كلمته للبلاغ إن عبارة ~~"القتل أنفى للقتل"، ليست بعربية ولا مولدة، بل هي مترجمة؛ أي فهي مطموسة ~~الوجه من كونها أعجمية وقع الخطأ في نقلها إلى العربية، فكانت غلطة من ~~جهتين. # وإنه ليسرني أن تكون فوق ذلك زنجية نقلت إلى المالطية، ثم ترجمت إلى ~~العربية، فتكون غلطة من أربع جهات، لا من جهتين فقط ... ولكن هذه الكلمة لم ~~يشر إلى أصلها غير "الثعالبي"، وهو مع ذلك لم يقطع فيها برأي، بل أشار إلى ~~ترجمتها في صيغة من صيغ التمريض المعروفة عند الرواة فقال: "يحكى أن فيما ~~ترجم عن أزدشير.." و"يحكى" هذه ليست نصا في باب الرواية، وقد يكون هذا ~~الإمام اتقى الله فابتعد بالكلمة وطوح بها إلى ما وراء بلاد العرب، أو تكون ~~الكلمة ألقيت إليه على أنها مشتبه في نسبتها؛ ولو كانت العبارة مترجمة ~~لتناقلها الأئمة معزوة إلى قائلها أو لغتها التي قيلت فيها. # ولقد ذكرها العسكري في كتابه "الصناعتين" على أنها "من قولهم"، أي العرب ~~أو المولدين؛ ونقلها الرازي في تفسيره، فقال: إن للعرب في هذا المعنى كلمات ~~منها "قتل البعض إحياء للجميع" وأحسنها "القتل أنفى للقتل"؛ وكذلك جاء ms924 بها ~~ابن الأثير في كتاب "المثل السائر" ولم يعزها؛ وقال مفسر الأندلس أبو حيان ~~في تفسيره: إنها تروى برواية أخرى وهي: "القتل أوقى للقتل"، وكل ذلك صريح ~~في أن خبر الترجمة قد انفرد به الثعالبي. # PageV03P367 # ولا يقوم الدليل على ترجمتها إلا بظهور أصلها الفارسي، فإن كان علم ذلك ~~عند أحد فليتفضل به مشكورا مأجورا. # "تنبيه": نشرنا هذه الكلمة ومضت بعدها سنوات ولم يقف أحد على أن للعبارة ~~أصلا فارسيا، فلم يبق عندنا ريب أنها من صنيع بعض الزنادقة وقد ولدها من ~~الآية الكريمة ليجريها في مجرى المعارضة؛ وقد كتب الأستاذ الكبير عبد ~~القادر حمزة صاحب جريدة "البلاغ" أن تلك العبارة حكمة مصرية قديمة؛ ولا ~~نمنع أن يكون هذا، فإن بعض الحكم مما تتوارد عليه العقول الإنسانية ~~النابغة؛ إذ كانت الطبيعة البشرية كأنها تمليه؛ غير أن العبارة ليست في ~~كلام الجاهلية القديمة ولا الحديثة، وألفاظ المصرية غير ألفاظ العربية، فلم ~~يبق إلا توارد الخواطر، والله أعلم. # PageV03P368 ### | "القتل أنفى للقتل" ليست جاهلية: # وبعد كلمتنا تلك عن الترجمة نشر أديب في البلاغ أن الكلمة جاهلية، ~~فتعقبناه بهذا التعليق: # أثبت الأستاذ عبد العزيز الأزهري فيما نشره في "البلاغ" أن هذه الكلمة ~~عربية في دعواه، واحتج لذلك بحجج، أقواها زعمه: "أنها وردت بين ثنايا عهد ~~القضاء الذي بعث به سيدنا عمر إلى أبي موسى الأشعري؛ ولا ندري أين وجد ~~الكاتب كلمة: "القتل"، فضلا عن: "القتل أنفى للقتل" -في ذلك العهد المشهور ~~المحفوظ، وقد رواه الجاحظ في "البيان والتبيين"، وجاء به المبرد في ~~"الكامل"؛ ونقله ابن قتيبة في "عيون الأخبار". وأورده ابن عبد ربه في ~~"العقد الفريد"، وساقه القاضي الباقلاني في "الإعجاز"؛ وفي كل هذه الروايات ~~الموثقة لم تأت الكلمة في قول عمر، بل لا محل لها في سياقه، وإنما جاء ~~قوله: "فإن أحضر بينة أخذت له بحقه وإلا وجهت عليه القضاء، فإن ذلك أنفى ~~للشك". # أما سائر حجج الكاتب فلا وزن لها في باب الرواية التاريخية وقد أصبح ~~عاليها سافلها كما رأيت. # والذي أنا واثق ms925 منه أن الكلمة لم تعرف في العربية إلى أواخر القرن الثالث ~~من الهجرة، وهذا الإمام الجاحظ يقول في موضع من كتابه "البيان والتبيين"، ~~في شرح قول علي -كرم الله وجهه-: "بقية السيف أنمى عددا وأكثر ولدا، ما ~~نصه: "ووجد الناس ذلك بالعيان للذي صار إليه ولده من نهك السيف وكثرة الذرء ~~وكرم النجل؛ قال الله تبارك وتعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} ~~[البقرة: 179] وقال بعض الحكماء: "قتل البعض إحياء للجميع". # PageV03P369 # ولم يزد الجاحظ على هذا، ولو كانت الكلمة معروفة يومئذ لما فاتته كما هو ~~صنيعه في كتبه*، خصوصا وهي أوجز وأعذب مما نسبه لبعض الحكماء؛ وهذه العبارة ~~الأخيرة "قتل البعض ... " هي التي زعم الرازي في تفسيره أنها للعرب ... فلا ~~عبرة في هذا الباب بكلام المفسرين ولا المتأخرين من علماء البلاغة، وإنما ~~الشأن للتحقيق التاريخي. # ونص الجاحظ في كتاب "حجج النبوة" على أن قوما منهم ابن أبي العوجاء، ~~وإسحاق بن الموت، والنعمان بن المنذر: "أشباههم من الأرجاس الذين استبدلوا ~~بالعز ذلا، وبالإيمان كفرا، وبالسعادة شقوة، وبالحجة شبهة، كانوا يصنعون ~~الآثار، ويولدون الأخبار، ويبثونها في الأمصار، ويطعنون بها على القرآن"؛ ~~فهذا عندنا من ذاك. # وإن لم ينهض الدليل القاطع على أن الكلمة مترجمة عن الفارسية بظهور أصلها ~~في تلك اللغة ورجوعه إلى ما قبل الإسلام، فهي -ولا ريب- مما وضع على طريقة ~~ابن الرواندي الزنديق الملحد الذي كان في منتصف القرن الثالث وألف في الطعن ~~على القرآن وقال في كتابه: "الزمردة": "إنا نجد في كلام أكثم بن صيفي شيئا ~~أحسن من {إنا أعطيناك الكوثر} فكأن واضع الكلمة يقول على هذه الطريقة: "إنا ~~نجد في كلام العرب شيئا أبلغ من {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179] . # وهؤلاء المتطرفون على القرآن الكريم إنما يريدون ما يصنعونه من مثل هذه ~~الكلمة أن يوجدوا للعامة وأشباههم من الأحداث والأغرار وأهل الزيغ والضعفاء ~~في العلم -سبيلا إلى القول في نقض الإعجاز، ومساغا إلى التهمة في أن القرآن ~~تنزيل؛ والخطأ في مثل هذا يتجاوز معنى الخطأ في البيان ms926 إلى معنى الكفر في ~~الدين، وذلك ما يرمون إليه؛ وهذه بعينها PageV03P370 # هي طريقة المبشرين اليوم، فكأن إبليس من عهد أولئك الزنادقة إلى عهد ~~المبشرين لم يستطع أن يتغير، ولا أن يكون ... أن يكون مجددا ... # تم الجزء الثالث من وحي القلم، وبه تم الكتاب # PageV03P371 ms927