######OpenITI# #META# URI: 1356ShukriKhuri.MururFiArdHana.Hindawi82731791 #META# Tags: literature #META# ID: 82731791 #META# Title: مرور في أرض الهناء ونبأ من عالم البقاء #META# AuthorID: 40482505 #META# Author: شكري الخوري #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # القسم الأول‏ # القسم الثاني‏ # القسم الثالث‏ # مقدمة‏ # القسم الأول‏ # القسم الثاني‏ # القسم الثالث‏ # | مرور في أرض الهناء ونبأ من عالم البقاء # | مرور في أرض الهناء ونبأ من عالم البقاء # تأليف # شكري الخوري # | مقدمة # في مكتبتي بضعة عشر كتابا، اشتريت بعضها منذ سنتين وبعضها منذ سنة وبعضها منذ أشهر، وقد ~~أكون اشتريتها إذ الحالة تقضي بإمساك ثمنها، أو نفقته في شئون أكثر لزوما، وأنا حتى الآن ~~لم أتصفح منها كتابا، كنت أمر أمام معرض مكتبة غارو فأرى «فيكتور هوغو»، و«ليون تولستوي»، ~~و«جول سيمون»، و«هنريك سينكيوفيتش»، وسواها من أسماء نبهاء الكتاب فوق عناوين تلك الكتب ~~وأشتريها، على كون الوقت غير موفور لي لمطالعة كل ما تصبو إليه النفس، وكون الحالة المادية ~~لا تسمح بمشترى كل كتاب مفيد، كانت شهرة المؤلفين تحملني على مشترى تلك الكتب. وكم مجلدا ~~هناك ينطوي على أفكار أسمى، وأساليب أدل وألطف، ولا يعنى به أحد؛ لأن اسم المؤلف لا يكون ~~بعد قد ذاع. # ومن حق الناس بين شيوع التأليف والنشر هذا الشيوع الكثير ألا يقبلوا على الكاتب حتى ~~يكون له في عالم المطالعة حيثية معلومة معترف بها. نعم، إن النظر إلى القول أصح من النظر ~~إلى القائل، وإن اعتبار القول لمجرد كونه لآرنست رنان مثلا هو نتيجة اعتبار القول لذاته، ~~إلا أن لاعتبار القول دورا من الاختبار طويلا بطيئا، وليس من شأن المطالعين كلهم أن ~~يختبروا، الذي لا يستطيع أن يشتري ويطالع أكثر من خمسة كتب في السنة لا يشتري - على الغالب - ~~إلا كتبا لمؤلفين ذوي شهرة، فإذا طالع كتابا لمؤلف غير شهير فكأن يقع له بصدفة أن يتصفح ~~منه شيئا يحرك فيه الرغبة. # فانظر كم هو صعب، وكم يستوجب من الوقت اشتهار الكاتب، والكتاب كثيرون، والذين اشتهروا ~~منهم وانصرف إليهم معشر المطالعين كثيرون أيضا. # وبديهي أن الكاتب لا ينشئ مقاله إلا واسطة ينقل بها من نفسه إلى نفوس الناس فكرا يحسب ~~انتقاله مفيدا في سبيل ما، فإذا أراد نشر مقاله، وهو غير مشهور بعد، والجمهور منصرف ms01 إلى ~~ذوي الشهرة من المؤلفين، فلا بد له من واسطة تجعل لكتابه نصيبا من عناية الناس. # فذلك سبب. # وقد يكون موضوع الكتاب مستوجبا لأن يسبق بكلمة بيانية لكاتب غير المؤلف، معروف بالبحث ~~في الموضوع نفسه. # وذلك سبب. # ويساق المؤلف أحيانا - بحكم الضرورة - إلى ذكر شيء عن نفسه وعن قيمة كتابه في المقدمة، إلا ~~أن الأمر على كون المؤلف يساق إليه مضطرا، فلا يبرح أن يكون معثرة، قال فولتر في كلام عن ~~المقدمات: «إن الحديث عن «أنا» - كما قال باسكال - ممقوت. قلل الحديث عن نفسك ما استطعت، فإن ~~محبة الذات في القارئ ليست أقل منها فيك، إنه لن يغتفر لك أقل محاولة لإكراهه على أن ~~يحبك.» # وذلك سبب. # ثلاثة وقد تكون هي كل الأسباب التي لأجلها جرى بعض كتاب الغرب على تصدير بعض الكتب ~~بمقدمات لغير المؤلفين. # أما في السبب الأول، فلكي يشهد صاحب المقدمة لمعشر القارئين بأنه طالع الكتاب ورآه حريا ~~بالمطالعة، وهو على الغالب لا يكتب المقدمة إذا لم يوافقه ضميره على هذه الشهادة. # أما في الثاني، فلكي يبدي رأيه في آراء المؤلف وأفكاره، كأخصائي في موضوع الكتاب. # أما في الثالث، فلكي يقول عن المؤلف وعن الكتاب ما تحكم الضرورة بأن يقال، ولا يستطيع ~~المؤلف أن يقوله عن نفسه وعن كتابه. # قدمت هذا البيان لأني - على ما أظن - أول كاتب عربي ينشئ مقدمة لكتاب لكاتب آخر، بطلب من ~~صاحب الكتاب نفسه. # ولقد بحثت فيما عساه أن يكون من هذه الأسباب، الأمر الذي حمل شكري أفندي الخوري على أن ~~يسألني مطالعة هذا الكتاب، فكتابة كلمة يصدر بها، فكانت نتيجة بحثي أن الأمر لا يمكن أن ~~يكون متفرعا من السبب الأول والثالث من الأسباب الثلاثة التي بسطتها، فإن المؤلف معروف وله ~~جمهور يطالعه، فهو غني عن أن يشهد لكتابه بأنه حري بالمطالعة، وموضوع الكتاب لا يقضي على ~~مؤلفه بأن يورد في المقدمة شيئا عن نفسه. ولم يبق إلا أن الصديق أحسن بي نيته فعدني ~~أخصائيا في موضوع كتابه ، ويريد أن أبسط ms02 رأيي في الأقوال التي تزدان بها هذه الصفحات ~~التالية. ~~••• # منذ نحو ثلاثة أشهر وردني من شكري أفندي الخوري نسخة من نشرة أذاعها في عزمه على طبع ~~كتاب عنوانه «مرور في أرض الهناء ونبأ من عالم البقاء»، ولا أقول إنني لم أحفل بموضوع ~~النشرة، ولكنني لم أتوقع من وراء العنوان شيئا كبيرا، غاية ما قدرت أن وراء العنوان ~~تصورا جميلا، فلما كلفت مطالعة أول نسخة جمعت من الكتاب لأكتب له مقدمة - وعهدي أن ~~الكتب التي يكتب مقدماتها غير مؤلفيها يجب أن تكون سامية الموضوع خطيرة الشأن - ضايقني أنني ~~وقعت بين محظورين، لا هان علي أن أكتب مقدمة لكتاب لا أتوقع أنه يستحق هذا الاهتمام، ولا ~~هان علي أن أقول للصديق: إن الكتاب لا يستحق كل هذه العناية. ما خطر لي أن ذلك التصور ~~الجميل الذي تم لي به عنوان الكتاب سيكون قالبا بديعا لأبحاث ومواضيع ذات شأن ~~خطير. # انظر ما هو هذا الشيء الذي يجب أن يصفق له الكتاب الذين يعتبرون هذه القاعدة أول قواعد ~~الإنشاء؛ التوفيق بين الأسلوب والغرض. # أراد المؤلف أن يصف وينتقد الفساد الذي يعتور الهيئة الاجتماعية على اختلاف مصادره - ولا ~~سيما في المجموع الشرقي - فاتخذ لغرضه هذه الواسطة البليغة. # جعل كلامه كله رسالة من صديق ميت إلى صديق حي. # ووصف بلسان المكاتب مشهدين عظيمين؛ عالما أرقى من هذا العالم، ودينونة على مدخل عالم ~~البقاء. # وما كان أقدر المؤلف إذ اختار هذه الواسطة. # أما جعله الكلام رسالة من عالم البقاء، فمن شأنه أن يجعل أبعد الناس عن الأوهام أن يعنى ~~بالحديث ويتروى فيه. # أما وصفه للمشهدين، فقد استطاع به أن ينتقد نقائص الهيئة الاجتماعية بدقة متناهية، ~~وحيلة لطيفة، في المشهد الأول مثل لنا كيف كانت الطمأنينة سائدة في هذا العالم، وكيف ~~كانت الراحة تشمله، لولا الجهل والطمع والشراسة والمناكرة والمكر، وما يتفرع منها ومن ~~أمثالها، كل ما هو قابل للزوال من مفاسد هذا العالم ذكر أنه قد زال من «أرض الهناء»، ووصف ~~كيف أن الناس هناك بعد زواله ms03 قد أصبحوا أقرب إلى الملائكة منهم إلينا، وفي المشهد الثاني ~~وضع تحت الدينونة «أحد ملوك الشرق العظام»، وراهبا، ومتصرفا من متصرفي لبنان، وواحدا من ~~مشايخ المسلمين، وبخيلا، ولصا، وكاهنا، وصحافيا، وطبيبا، وسكيرا، ومحاميا، أكثر ~~إذا لم أقل: كل نقائص الهيئة الاجتماعية - ولا سيما الشرقية - ورد ذكرها هناك بصورة جلية ~~قبيحة، وأية صورة لتلك النقائص أمثل وأسوأ من هذه التي ترى فيها مصادر النقائص نفسها من ~~الحكام، والكهنة، والأطباء، والصحافيين، وسائر المصادر تحت طائلة الديان ينالون جزاء ما ~~قدمت أيديهم. # نعم، إن المؤلف أجاد كثيرا في الواسطة التي اتخذها لغرضه، وما كان هذا الغرض إلا نبيلا، ~~فالكتاب - على ما أرى - واحد من بضعة كتب جليلة ظهرت بالعربية في عهد النهضة الأخير. # وليس هذا يعني أن الكتاب خال من العيب، فيه عيوب كلية وعيوب جزئية، وأنا ذاكر من هذه ~~العيوب ما لا يزال عالقا على الذهن وهو أظهرها. # اقتتال الروحين اللذين كانا يخفران «أبا الأجران» واحد تلك العيوب، قد كان في إمكان ~~المؤلف ابتكار حيلة أخرى للتعريج بأبي الأجران على «أرض الهناء». # لهجة الديان في المحاكمات عيب آخر، قد كان ممكنا للمؤلف أن يجعل الديان أكثر ~~رزانة. # طريقة القصاص غير لائقة، كان أولى بالمؤلف أن يصرف بعض الخطاة إلى الجحيم، وبعضهم إلى ~~المطهر. # وقد انتقدت على الكتاب اكتفاء المؤلف بذكر الراهبات من الأجواق التي رآها صاعدة إلى ~~السماء، ما كان أكمل الحديث لو أنه تضمن ذكر غير الراهبات من أهل الصلاح، أو لو أن المؤلف ~~وضع تحت الدينونة فريقا من أهل الصلاح هؤلاء، كما وضع تحتها الفريق المفسد، وعين مكافأة ~~الصالحين كما عين جزاء الطالحين. # ولقد كان ممكنا استدراك هذه العيوب بشيء من الروية، ولكن المؤلف - على ما علمت - كان يكتب ~~ما يكفي الملزمة الواحدة، وبعد أن يطبعه يكتب ما يكفي الملزمة الأخرى، وما كانت الروية مع ~~هذه الطريقة ممكنة. إن المؤلف لا يجب أن يطبع كتابه قبل أن يراجعه مرارا. # أما الأغلاط اللغوية، ففضلا عن كونها ليست من الأغلاط التي تؤثر ms04 على جوهر الحديث، لا يجب ~~أن تنتقد على كاتب يمارس الكتابة ويمارسها في مثل هذا الكتاب، وهو لم يدرس قط قاعدة ~~لغوية. # ذلك، ولولا هذه العيوب التي صرحت ببعضها وأشرت إلى بعضها، ولو أن المؤلف لم يتقيد في ~~بعض ظروف الحديث بشيء من «المراعاة»، لكنت أضع هذا الكتاب إلى جانب «جهنم» دانتي ولا أخشى ~~معارضا. # نعوم لبكي # سان باولو، 25 نيسان سنة 1905 # | القسم الأول # رسالة من أبي الأجران إلى فنيانوس # يا أخي العزيز، إن جئت لأصف لك حالتي بعد فراقك، وما أنا عليه من الشوق إلى رؤياك، يلزمني ~~على الأقل عشرون رسالة من مثل هذه الرسالة لأشفي غليلي؛ خصوصا لأني فارقتك قبل أن أتمتع ~~برؤياك وأتلذذ بمسامرتك، فأكتفي الآن بقولي: «دس قلبك بيد لك.» # وعدتك قبل فراقك أنني سأفرغ جهدي حتى أكاتبك، وأخبرك عن كل ما أراه في هذه الدنيا وما ~~يحدث لي فيها، وها قد مضى على مفارقة روحي جسدي أكثر من سنتين، وفي هذه المدة كنت أترقب ~~الفرص وأسعى السعي المتواصل، وأعمل جميع الوسائط، وأرشو زيدا، وأترجى عمرا من الملائكة ~~الذين يذهبون نحوكم لجلب الأرواح التي تفارق أجسادها، حتى سهل الله لي أن حظوت بابن حلال ~~اسمه الملاك «حنوش»، وبعد تعب كلي اقتنع بأن يأخذ مكتوبي هذا، بالرغم عن شدة المراقبة التي ~~تقف بوجه كل من يريد أن يجعل صلة بين هذه الدنيا وبين دنياكم، ولا أظن أن أحدا قبلي أرسل ~~من هذه الدنيا أخبارا وأنباء عما يجري كما سأخبرك الآن. كم كنا نتشوق إلى عود واحد من ~~الدنيا الآخرة حاملا لنا شيئا من أخبارها، أو يبعث لنا على الأقل بخبر يفيدنا عما فيها، ~~وما يحدث للبشر هناك، حتى يكون الإنسان منا على بصيرة من أمره. # وأما الآن فأخوك أبو الأجران قام بهذا الواجب، الذي هو أهم عمل فيه نفع للبشر، وأرسل هذه ~~الرسالة التي بين فيها كل شيء يهم بني الإنسان، فأرجوك أن تطبعها وتنشرها في كل المسكونة، ~~حتى يعلم الجميع حالة هذه الدنيا؛ ليكونوا على ms05 بينة من أمرهم ويسيروا على نور. # أصغ يا حبيب القلب فنيانوس لما سأقصه عليك. # في الساعة التي كانت بها روحي تتملص من جسدي، وأنت وأم موسى بجانبي تندبان، وتنوحان، ~~وتعددان، شعرت حينئذ بيدين قابضتين علي، وبعد أن انفصلت الروح عن الجسد تماما رأيت بجانبي ~~ملاكين واقفين وهما باللباس الأبيض، أحدهما ذو وجه باش، والآخر ذو وجه قطوب، ثم حملاني ~~وصعدا بي الفضاء وسارا كالنسيم، وبعد أن قطعا مسافة طويلة «طحل» أحدهما وقال لرفيقه: ~~«عامهلك يوه احترق مسيننا ونحن مروجين، شو صاير علينا آخدين المسألة مقاطعة، انشا الله عمرو ~~لا يطلع، مانك شامم ريحتو عرق.» # فنظرت إليه نظرة «ورابية»، وقلت له: ماذا يعنيك من الناس حتى تمس إحساساتهم، إن كنت «شريب ~~عرق أو شريب هوا»، فهذا أمر لا يعنيك، أنت عبد مأمور، وليس من شأنك أن تدين العالم. فقال له ~~الملاك الذي قلت لك عنه إنه بشوش: فماذا يهمنا نحن، سواء صعدت منه رائحة العرق أو رائحة ~~الخمر؟! فجاوبه صاحبنا وقال: هل تريد أن تنحرف معه وتساعده؟ «بدي أحرق ديبك عاديبو عاديب ~~الساعة اللي صرنا فيها ملايكة». ورفع يده وضربه بملء كفه، فقام الثاني وأراد أن يجاوبه ~~بالمثل، فصرخت أنا: يا ويلاه، يا حالاه! وصرت خائفا أن أسقط من ذلك المكان السحيق، «قرود ~~الله ما بتعود تهديني». فقلت لهما: اعملا معروفا لأجل خاطري، حلا هذا المشكل، فمتى وصلنا ~~اعملا الذي تريدانه، لعنة الله على شرب الخمر، حتى في السماء مكروه. فرضخ الأول لكلامي ~~وسكتنا، ولكنه قال لرفيقه: عندما نصل «يفرجها الله بيني وبينك». عند هذا الحد وقف الخصام ~~وتابعا السير. # ولما نظرت الملاك الأول لطيفا بهذا المقدار صاحبته، وكنت من ذلك الوقت أحادثه ويحادثني ~~بأمور شتى. # فسألته عما إذا كان محل قصدنا لم يزل بعيدا، فأجاب: إننا سنصل قريبا إلى محطة نستريح ~~فيها يوما واحدا، فقلت له: ماذا تكون هذه المحطة؟ قال: أرض مثل أرضكم إلا أن اسمها «أرض ~~الهناء». # واستأنفت الحديث معه في شئون كثيرة، فلم يطلعني على شيء منها، ms06 وإنما أخبرني عن حالة ~~رفيقه الذي قال عنه إنه كان بزمانه لصا، ولما سمع رفيقه كلمة لص، أوسعه شتيمة وسبابا، ~~وما زالت القضية تتجسم بينهما حتى جرتهما إلى الملاكمة، وكنت أنا بينهما واقعا في حيص ~~بيص فصرخت: «بعرضكم يا هو هلق بتوقعوني دخل الله ودخلكم، يا فلان يا علان.» والمصيبة أني ~~كنت أجهل اسميهما، فبدأت أصرخ وأستغيث: يا شدراخ ويا مدراخ «بيعوناياها بحقها، المسألة موش ~~حارزه». وبعد أن بح صوتي من فرط الصراخ عادا إلى السكينة، ثم سألت صاحبي عن اسمه، قال: اسمي ~~«حنوش»، واسم رفيقي «منوش». فقلت له: عاشت الأسماء يا حنوش. # وما مضى علينا قليل من الوقت حتى نظرت عن بعد أرضا، فقلت: ما هذا يا حنوش؟ قال: هذه هي ~~أرض الهناء، وبعد قليل نصل إليها. فصرنا كلما قربنا منها تنكشف لنا بوضوح، وبعد برهة ~~قصيرة وجدت نفسي واقفا مع حنوش ومنوش على الأرض، فلما دخلنا وجدت مدينة عامرة، فقال حنوش: ~~هذه هي المحطة التي سنمكث فيها يوما واحدا، فيمكنك أن تروح وتجيء فيها كيفما شئت، فلا خوف ~~عليك من أحد، فالدنيا أمان وسلام، وغدا في مثل هذه الساعة نستأنف المسير إلى الدنيا ~~الآخرة. # فتركتهما يا أخي فنيانوس وتوغلت في المدينة أسرح فيها نظري، فلم أر إلا جمالا مجسما، ~~شوارع واسعة نظيفة مبلطة، والأشجار على جوانبها، وفي منعطف كل شارع قائمة حديقة صغيرة، ~~وفيها المقاعد للاستراحة، والناس قعود بكل احتشام ووقار، وفي وسط كل حديقة بركة ماء ~~لطيفة، ووجدت البيوت كلها على طرز واحد وعلو واحد، لا يزيد البيت عن طابقين، وفي جانب كل ~~بيت حديقة، ورأيت الناس بين رائح وغاد، وجوههم كالفضة النقية، يطفح منها البشر والسرور، ~~وترتسم عليها سمات الانشراح والطمأنينة، معتدلي القامة، مرتدين بثوب من العافية قشيب، إذا ~~ابتسم أحدهم ظهرت أسنانه كاللؤلؤ المنضد، عيون كالبلور، والنساء يا فنيانوس «الله يطعم كل ~~محب»، منظرهن يسبح الخالق، جمال متناه خال من كل تصنع، لا خطوط، ولا حمرة، ولا بودرا، ~~ثياب بسيطة بغاية اللطافة والجمال، لا مشد ms07 يضغط على صدر المرأة، ولا أذيال طويلة تكنس ~~الأرض بها، فإذا قلت لك: «بيتاكلوا من غير ملح صدقني»، وسلامة الطوية وطيبة القلب ظاهرة على ~~وجوه الناس عموما، ومن شدة تزاحم الناس في الأسواق أكدت أن هذا اليوم يوم عيد كبير ~~عندهم، ومع هذا فلم أجد من يمس أحدا، ولا من يعكر صفاء رفيقه، والذي أعجبني أكثر من كل ما ~~رأيته منظر الأطفال والغلمان، فإنهم حقا ملائكة، وقد نغص علي هذا المنظر عندما افتكرت ~~بإهمال الوالدين عندكم أولادهم، وتركهم ينامون بالأوساخ ويقومون بالأوساخ، ويأكلون مائة مرة ~~في اليوم، ولا رادع يردعهم، فتسقم أجسامهم، وتصفر ألوانهم «وتعمص أعينهم». # أما عن عربات الكهرباء فحدث ولا تخف، تسير بدرجة وسطى من السرعة، من غير ضجيج ولا ~~غوغاء، نظيفة جميلة مرتبة، وبالإجمال إن القوم بفرح دائم، وسرور متواصل، ولم يقع نظري مع ~~كل ما رأيته من الخلائق على رجل أعور، أو أقرع، أو أكتع، أو مشوه الوجه، أو «وسخ»، أو ~~أعرج، أو أصفر اللون، أو سقيم، فالجمال ظاهر في كل شيء، والهنا شامل الجميع في هذه الدنيا ~~التي سميت بحق «أرض الهناء». # وفيما أنا سائر انتهيت إلى حديقة جميلة من حدائق هذه المدينة، فدخلت إليها فرأيتها ~~متجملة بالأزهار والرياحين المتنوعة الأشكال، وشلالات المياه تصب في أحواض واسعة نظيفة، ~~سابحة فيها الطيور المتنوعة كالسفن الماخرات، تتيه عجبا بجمالها، وفيها كثير من الملاهي ~~وأدوات الرياضة، وفيما أنا أسرح الطرف بهذا الجمال الفائق الوصف، حانت مني التفاتة إلى رجل ~~مسن جالس على مقعد من مقاعد الحديقة، ذي نظر حاد، وقد وخط الشيب رأسه، مهاب الطلعة، ~~فتفرست به لأتمتع بجمال الإنسان الكامل، فنظر إلي الشيخ وكأن في نظره قوة مغناطيسية ~~جذبتني إليه، وتقدمت منه ففاتحني بالحديث وقال: ألست أنت من الآتين من أرض آدم؟ قلت له: ~~نعم، وقد وصلت اليوم مع ملاكين، وسنستريح من تعب السفر يوما واحدا، وحبذا لو كانت الفرصة ~~أكثر من ذلك، لأشترك في هذا الهناء الذي أنتم تتمتعون به، ويا ليتني كنت من سكان هذه ms08 ~~الأرض؛ لأن الذي يعرف أرضنا ويرى هذه الأرض يحزن ويأسف؛ لأنه لم يكن من سكانها. # فأخذني بيدي وأجلسني بجانبه، وقال: يا ولدي إن هذه الدنيا كدنياكم في كل شيء، وكلتاهما ~~بشكل واحد، ولا فرق بين هذه وتلك، إلا أن السكان هنا أرقى من السكان هناك وأقدم منهم ~~بالعمران؛ ولذلك تجد أننا مرتقين في كل شيء، فلا بد من أن تصل أرضكم يوما إلى ما وصلنا ~~إليه نحن من التقدم، فنحن لم نسبقكم بهذا العمران إلا جيلا واحدا تقريبا، فإنه منذ مائة ~~سنة لم تكن حالتنا كما هي الآن من التقدم والعمران والبساطة، فالذي يخاطبك الآن قد ذاق ~~حلوها ومرها؛ لأنه نظر بعينه أيام الانقلاب وهو لم يزل في سن الصبوة. # فقلت: من أين لك أيها الشيخ الجليل معرفة حالة أرضنا، حتى قابلتها بحالة هذه الأرض من حيث ~~الارتقاء والعمران؟ # فأجاب: من الذين يمرون علينا من الأرواح التي كانت في أرضكم، فقد حادثت كثيرا منهم على ~~اختلاف أجناسهم، وألسنتهم، وبلادهم، فعلمت منهم عن حالة أكثر الممالك السياسية والأدبية، ~~فوجدت أن بعضها أوشكت أن تصل إلى ما وصلنا إليه نحن، وبعضها لم تزل كأنها باقية من عهد ~~الخليقة متأخرة لكثرة ما يجري فيها من العسف والظلم، فمن مدة 10 سنوات تقريبا وصل إلى هنا ~~أكثر من نصف مليون روح، وقد علمت منها أنها فارقت أجسادها بسبب القتل والفظائع، وقد نالت من ~~الظلم والجور ما تقشعر منه الأبدان، وفي هذه السنة أيضا وصل قسم كبير كلهم يشكون مما شكاه ~~الأولون، وقد طبق صراخهم وتظلمهم الخافقين، وكلهم يئنون من جور الحاكم الذي لولاه لكانوا ~~سعداء في كل شيء، فبكاء العذارى والنساء والأطفال منهم قد كان أشد تأثيرا على عواطفي، ~~حتى كنت أبكي لبكائهم، وأشاركهم ببلواهم. ولم ينته الشيخ من كلامه حتى جال الدمع في عيني؛ ~~لأن الذين يعنيهم هم أولاد بلادي، هم إخواني في الوطنية، هم من البلاد التي قال إنها لم ~~تزل كأنها باقية على حالها من عهد الخليقة بتأخرها وشقائها، وحق ما ms09 قال، فنظر إلي الشيخ ~~وقال: ما بال أحوالك قد تغيرت، والدمع بلل وجنتيك، هل أنت من تلك المملكة المتأخرة؟ فسكت ~~عن الجواب، وأخذت أمسح دموعي لعله يكتفي بهذا الجواب، ويوفر علي حديثا عن بلادي يؤلمني، ~~تلك البلاد التي طبق ذكر مظالمها واختلالها الخافقين حتى وصل إلى أرض الهناء. صرنا والله ~~نستحي أن ننتمي إليها ولو كنا في غير أرضنا، فأمسكني الشيخ من يدي وأخذ يقول: لا تحزن يا ~~ولدي، فأنا علمت أنك من تلك البلاد، فلا بد من يوم ترزقكم فيه العناية حكاما مخلصين، ~~عفيفي النفس، عادلين، ذوي شفقة على الرعية، ينهضون بكم من هذه السقطة؛ لأن قيام البلاد ~~متوقف على أفراد من الحكام، فمتى تحولت القوة إلى يد أهل العدل والإنصاف ضغطت على الفساد ~~وأخمدت أنفاسه. # فكل ما تنظره يا ولدي في هذه الأرض من التقدم والحضارة، وما تراه من السعادة والراحة ~~والهناء، عائد فضله إلى أفراد قلائل، اتحدوا مع الملك الأكبر وأخلصوا الخدمة، واتخذوا ~~العدل لهم دليلا، والمساواة هاديا، فأنقذوها من وهدة التأخر والجهل والانحطاط. # كانت أسباب الانحطاط والتأخر والشقاء كثيرة في هذه الأرض كما هي عندكم الآن، مثل طمع ~~أرباب الأموال الذين جمعوا أموال العالم في صناديقهم، وبات أكثر العمال هم وعيالهم بحالة ~~من الشقاء لا يمكن وصفها، ومثل انتشار المسكر الذي عم الكبير والصغير، والغني والفقير، ~~حتى هدم أركان الأجسام، وأفسد العيال، وشوه وجه الإنسانية، فقل الزواج الشرعي، وكثر ~~الفساد، وضعف النسل، وكثرت الأمراض المخيفة، ومثل إهمال التعليم الذي هو شر من كل ما ~~سبق. # ولكن قد أرسلت إلينا العناية أفرادا قبضوا على القوة ونفذوها بما يعود على هذه الأرض ~~بالخير، فألقوا الأمان أولا، ثم أوقفوا تيار مطامع أرباب الأموال عند حد معلوم، وعضدوا ~~العمال الذين قاموا بثورات كثيرة، وقتلوا بعض أصحاب المال، فخاف هؤلاء على حياتهم ~~فتساهلوا، وأعطوا العمال أكثر مطالبهم العادلة، كاقتصارهم على 8 ساعات عمل في الأربع ~~والعشرين ساعة مع زيادة في المعاش، وقد اتفق على ذلك كل أرباب المعامل في أربعة أقطار ms10 هذه ~~الدنيا، حتى لا يلحق الضرر مملكة دون أخرى بالتزاحم، وأجبرت الحكومة العمال على تحسين ~~معيشتهم، فعمرت لهم البيوت الصالحة للسكنى، ونظمت عيشتهم على قدر ما تسمح لها الظروف، ثم ~~وضعت ضرائب فادحة على الخمر؛ كي لا يتمكن الفقير الجاهل من معاطاتها، وأنذرت أصحاب معامل ~~التقطير بإقفال محلاتهم بعد عشر سنين من تاريخ الإنذار، وألزمتهم أن يقللوا كمية التقطير ~~سنة بعد سنة، حتى إذا أتت السنة العاشرة يكونون قد سلموا من الضرر الذي كان واقعا عليهم ~~لو كانت أبطلت معاملهم بغتة، ولما نقص شرب المسكر ظهرت النتيجة الحسنة في صحة السكان، وتوفر ~~لديهم المال الذي كان يذهب ليجلب لهم الموت العاجل، وصاروا ينفقونه فيما يعود عليهم ~~بالنفع. # ثم ساعدت على إنشاء المدارس، وجعلت التعليم إجباريا على طريقة جديدة، فمنعت تدريس ~~الكتب التي لا يفهمها التلميذ ولا يقبلها عقله، ووضعت قاعدة يدرس عليها التلميذ نظريا ~~وعمليا معا، وأجبرت الجميع على تعلم مبادئ الطب قبل كل شيء، فكانوا يأتون ببعض الحيوانات ~~التي تشرح أمام الطلبة عموما؛ لتتبين لهم مواضع الأعضاء الداخلية والأعضاء الرئيسية في ~~الجسم، وكيفية سير الطعام وتحوله إلى دم، وكيفية الدورة الدموية في الجسم، فيشب التلميذ ~~عارفا بكل ما يقتضي لحفظ حياته، وصيانة جسمه من الآفات والأمراض، عالما بأسرار تركيب ذلك ~~الهيكل الإنساني، الذي يجب عليه مداراته وعدم إفنائه بالإفراط، ويصبح عارفا ما سيتأتى ~~مثلا عن شرب الخمر من المصائب، والأمراض، وانحطاط القوة الأدبية والجسدية، ويدرك الأضرار ~~التي ينتجها الإفراط في التدخين، كالسعال، وضعف الهضم، ورخاوة الأعصاب، والتسمم البطيء، ~~ويهرب من البطالة والكسل؛ لعلمه ما تورث جسمه من الضعف والخمول، وما تجلبه من الفساد الذي ~~يقصر العمر ... ويعلم أن النوم في المحلات الرطبة يورث الأمراض العصبية، ويضعف الدم، ويكمد ~~اللون، فيتجنبها، ويمتنع عن السهر الطويل المتواصل؛ لأنه يدرك أن النوم يعوض كل ما يفقده ~~الجسم من القوة، ويتجنب المكوث في المجتمعات مدة طويلة؛ لأنه يدرك ما ينتج عن ذلك من فساد ~~الهواء وجلب عدوى الأمراض، ويعلم بعدئذ أضرار العزوبة فيستدرك ms11 حاله بالزواج الشرعي، ويعيش ~~عيشة هنيئة صالحة، فيسلم من الأمراض القتالة، ولا يغفل عن الأضرار التي تتأتى من كثرة ~~ألوان الطعام، وما يزيد منها عن حاجة الجسد من الفضلات التي تتعب الجسم وتسقمه، ويداوم غسل ~~جسمه وتبديل ثيابه؛ لئلا يمتلئ سطحه من الجراثيم المضرة، فتذهب بقوته وجماله وبهائه. # وجعلت أيضا علم الحقوق من جملة الدروس العمومية، حتى تعم معرفته بين الناس، وليعلم الفرد ~~ما له وما عليه من الحقوق نحو حكومته ونحو الناس ونحو نفسه، وتجبر عموم المدارس الطلبة على ~~تعلم الصنائع والفنون كافة، حتى إذا خرج التلميذ من المدرسة يكون عضوا عاملا في الهيئة ~~الاجتماعية لا عالة عليها. # ومن شروط المدارس عندنا أيضا ألا يدرس التلميذ أكثر من 4 ساعات في اليوم، وما تبقى من ~~الوقت يصرفه في الرياضة المعتدلة، والنزهة، والموسيقى. # أما البنات فتقتصر دروسهن على العلوم البسيطة، ويعتنى بهن على نوع خاص، بتلقينهن تربية ~~الأطفال وما يتعلق بصحتهم ونموهم وترقية عقولهم، وغير ذلك مما يختص باستحضار الأطعمة على ~~طريقة صحية، ثم الخياطة على أنواعها، وقد قام من طلب من الحكومة تعليم المرأة كل العلوم ~~التي يتعلمها الرجال كالحقوق، والمحاماة، ومسك الدفاتر، والمتاجرة، وغيرها من الأعمال التي ~~لا تليق إلا بالرجل، فبعد البحث والتروي رفض هذا الطلب؛ لأن المرأة لها وظيفة طبيعية لا ~~يمكنها أن تتحمل غيرها، كالحبل والولادة والرضاعة وتربية البنين وسياسة العائلة، وقد ~~تكفيها هذه الأتعاب وحدها، فلا يجب أن نضيف عليها أعمالا خلقت للرجل وحده ولو كانت ~~المرأة تتمكن من عملها. # ولهذا ارتقت حالتنا من كل الوجوه، والفضل في ذلك عائد إلى الحكومة الملكية الدستورية، ~~فقلت الجرائم، وتحسنت الصحة العمومية، وخفت وطأة الأمراض، ونقصت الوفيات كثيرا؛ لأن ~~المثري وغير المثري يعيشان عيشة صحية بسيطة بدون عناء ولا تعب، وقد أصبح أكثر الناس يعرفون ~~أسباب الأمراض فيتجنبونها؛ ولذلك قل عدد الأطباء الرسميين؛ لأن الجميع أصبحوا شبه أطباء، ~~وقل استعمال العقاقير الطبية؛ لأن طرق الوقاية أصبحت معروفة من العموم، فالذي يصاب بمرض ~~يلتجئ إلى الطبيعة، فيتنشق الهواء ms12 النقي، ويشرب الماء القراح الطاهر، ويكثر من أكل الفواكه ~~والنباتات المقوية المنعشة، ويمتع نظره بجمال الطبيعة، ويريح عقله وجسده من المتاعب. # وفضلا عن ذلك فقد ارتقت عقولنا وسمت مداركنا إلى حد أن أصبح الإنسان منا يعلم ما في ~~أفكار غيره تقريبا، فكثرت الاختراعات والاكتشافات المفيدة لنوع الإنسان، ومع كل ذلك ~~فالبساطة سائدة في كل أعمالنا، وسلامة النية شاملة عموم الناس من كافة الطبقات. # ومع كل هذا فقد سنت الحكومة قانونا للزواج بغاية الصرامة، فإذا دخل الشاب في سن الثلاثين ~~وهو بصحة تامة ولم يتزوج، يجازى كأنه جان؛ لأن الشاب إذا طالت مدة عزوبته أصبح ضارا ~~بالهيئة الاجتماعية من حيث الآداب العمومية، ومن حيث النظام الطبيعي، فوجوده على هذه الحالة ~~خطر على العفاف؛ ولذلك استعمل الضغط على حريته الشخصية المعتبرة في كل شيء عندنا. # فالحكومة يا بني عندنا كالأم الحنونة، لا تغفل عن كل ما يعود علينا بالنفع، فهي تجمع ~~الأموال منا بالقسط، وتصرفها بكل دقة، وتبين للشعب في آخر كل حول مداخيلها ومصاريفها، فلا ~~يقع حيف على أحد. وقد خففت الضرائب على بعض النباتات والأثمار النافعة؛ لكي يكثر زرعها ~~وترخص أثمانها؛ حتى يسهل على الفقير الانتفاع بها والتلذذ بأكلها، فأصبحنا بعد هذا في هناء ~~وراحة دائمين، وطالت أعمارنا، حتى صار أكثرنا يعمرون فوق المائة عام. كل هذا عائد - كما سبق ~~القول - إلى إخلاص القابضين على زمام الأحكام، وشفقتهم وحسن عنايتهم بالهيئة المحكومة، فالويل ~~للأمة التي حكامها بعيدون عن شرف النفس وعفتها، والشفقة والإنصاف والعلم ~~والمعرفة. # فلما سمعت هذه الأقوال، ونظرت بعيني هذه الدنيا الجميلة، صارت نفسي حزينة حتى الموت؛ ~~لأنني افتكرت بحالة أرضنا، وعلى الخصوص بلادنا وظلم حكامها، الذين هم أعداء الرعية الألداء، ~~لا، بل هم أشبه بالذئاب الكاسرة، يفترسون الخراف الأليفة، ويمتصون دماءها، حتى أصبح الشقاء ~~مخيما على ربوعنا، فالبلاد التي كانت منذ خمس سنوات رازحة تحت سلطة الجهالة والظلم - ~~كالسودان المصري في وسط أفريقيا - أصبحت الآن بفضل الحكام أرقى من بلادنا في كل شيء، فمتى ~~كان الحاكم عادلا ms13 محبا للرعية ، لا يقف في طريقه تعصب الأديان، ولا اختلاف المذاهب، ولا ~~تباين المعتقدات، ولا جهل الشعب، فالحاكم العادل يوقف كلا عند حده، فيجري القانون على ~~الجميع. # وفيما أنا أتفكر بهذه الأمور، وأقابل حالتنا بحالة هذه الأرض، تنبهت إلى أن الوقت قد أزف، ~~فنهضت وأخذت يد الشيخ وقبلتها، ثم شكرته كثيرا على مؤانسته، وودعته، وذهبت إلى المكان ~~المعين؛ لأن وقت السفر قد قرب، وبعد أن مشيت مسافة طويلة تنبهت لأمر هام، هو أنني لم أسأل ~~الشيخ عن ديانات هذه الأرض، ولا هو أتى على ذكر شيء منها، فتمنيت لو كان بالإمكان العودة ~~إليه لأسأله عن هذا الأمر. ولكن ما الحيلة، فقد آن الرحيل إلى عالم البقاء، وهناك البكاء ~~وصرير الأسنان. وصلت إلى المكان المعين، ولم أجد حنوش ولا منوش، فقلت: لعلهما استبطآني ~~وذهبا يفتشان علي، أو تركاني وسافرا، فصرت أتمنى أن تصح الأخيرة؛ لكي أعيش في هذه الأرض ~~ثانيا، وأتمتع بجمالها، وأستريح بعدلها وعزها وكمالها. # وفيما أنا أفتكر إذ أقبل علي حنوش وعلى وجهه علائم الغضب والكدر، وفيه تخدش طفيف، ~~وحالته «بالويل»، فقلت له: ما بالك يا حنوش على هذه الحالة، قد أشغلت بالي؟ قال: لا أشغل ~~الله لك بالا، فإن المسألة بيني وبين رفيقي منوش، فهذا النحس بقي غاضبا علي منذ الساعة ~~التي تخاصمنا فيها ونحن في الطريق، ولما وصلنا عاد إلى التحرش بي، فانتهت المسألة ~~بالملاكمة، وقد تركته الآن وهو منهوك القوى من كثرة ما في قلبه من الحقد والكيد، لا يقوى ~~على متابعة السير، فالتزمنا أن نبقى إلى الغد، ففرحت لهذه الصدفة، وشكرت منوش الذي كان ~~السبب لهذا التأخر. # ولكنني عجبت، كيف أنه يوجد في عالم البقاء أناس كمنوش ذوي طباع رديئة، ~~بعد أن يتركوا المادة! وهل يسمح لهم أن يتصرفوا بهذه الطباع الشرسة مع الناس؟ فسألت حنوش عن ~~ذلك، فأجاب: إن طباع السوء لا تتغير، فالذي كان سيئا في العالم يبقى سيئا هنا، والنفوس ~~الساقطة ساقطة في كل مكان، والنفوس الشريفة شريفة في عالم المادة وفي ms14 عالم الأرواح ، فنفس ~~بونابرت، ونفس لاون الثالث عشر، ونفس بستور مكتشف أسباب الأمراض في العالم، وغيرهم من ~~أقرانهم، تلك النفوس المدركة السامية هل تظن يعتريها تغير في عالم البقاء؟ إنها ممتازة على ~~ما سواها من النفوس، كبيرة وعظيمة كما كانت على الأرض مع المادة، فصغير النفس وقليل ~~المعرفة، والخامل والذي لا تشعر نفسه بلذة الوجود، ولا تتفلسف في موجودات العالم، ولا ~~تتلذذ بمناظر نباته وجباله وبحاره وحيواناته، ولا تسبح الخالق المبدع؛ تبقى كذلك في دنيا ~~البقاء. فالنفوس الكبيرة الشاعرة التي كانت تتحد مع السماويات هي وحدها التي تتلذذ بعالم ~~الخلود، ومن حالة رفيقي حنوش التعيسة تتحقق ذلك، فإنه كان على الأرض لصا شرسا، لا يعرف ~~من الدنيا إلا إملاء بطنه، ولا يهتم لغيره، ولا يتوجع لمصائب الناس، ولا يشفق على مظلوم، ~~ولا يرحم مستجيرا، ولا يعزي حزينا، أما سمعت القول الحقيقي: «كما في السماء كذلك على ~~الأرض.» فقلت له: إن ما قلته حق يا صاحبي حنوش. ثم استأذنته بالعودة إلى المدينة مرة ~~ثانية؛ لأن ميعاد السفر قد تأجل للغد، وذهبت إلى المحل الذي التقيت فيه بالشيخ لأسأله عن ~~ديانات هذه الأرض، وكيفية سير الناس من هذا القبيل. # وقبل أن أصل إلى الحديقة وجدته خارجا ~~من بابها، وهو يثب وثبا كأنه شاب في الثلاثين من عمره، معتدل القامة، خفيف الحركة، فلما ~~قربت منه سحرني ببشاشته ولطفه، ثم ظهرت على وجهه علائم الاستغراب ببقائي أكثر من يوم في ~~عالم الهناء، وقبل أن يسألني عن سبب بقائي حكيت له حكايتي مع الملاكين، ثم أعادني إلى ~~الحديقة فجلست بجانبه، وقلت له: يا سيدي قد سها عني أن أسألك عن أمر هو من الأهمية عندي ~~بمكان، وقد شكرت الله على وقوع الخلاف بين الملاكين حتى أتيح لي أن أعود ثانيا وأسألك عن ~~هذا الأمر. فقال: لك ما تريد. فقلت: ما هو دين هذه الأرض؟ وكيف فعله في الناس؟ فهل هو كما ~~في أرضنا؟ # فقال: قد قلت لك يا ولدي قبل الآن إن حالتنا كحالتكم من ms15 كل الوجوه ، إن كان في الدين، أو ~~في السياسة، أو في غير ذلك، ولكن ارتقاء عقولنا وارتفاعها عن الأمور الصغيرة غير الجوهرية ~~جعلانا أن يبقي كل منا اعتقاده في قلبه، فاختلاف الناس بالمعتقد كثير في هذه الأرض كما هو ~~عندكم، ولكن لا يتعرض أحد لمذهب الآخر، فالكل يعتقدون بخلود النفس، ويؤمنون بخالق قدير ~~حليم عادل رحوم شفوق، لا ينتقم من الخلائق عن الهفوات الصغيرة. # وقد أخذت شعوب هذه الأرض دورها من الشقاق والانقسام بما يختص بالأديان، عندما كان الجهل ~~مخيما على ربوعنا، أما اليوم فقد حلت المعرفة محل الجهل، وارتفع الشقاق والخصام، فرجال ~~الدين اليوم كثيرون، وربما أنهم يزيدون عن الذين عندكم، ولكنهم لا يعيشون كعيشتهم عندكم من ~~الوظيفة الدينية، فقد تطوعوا بالخدمة الروحية حبا بالغاية المقدسة فقط، وعلى رجاء سعادة ~~نفوسهم في الآخرة، فهم يخدمون مبادئهم بدون مقابل؛ لأن الذي يؤخذ مجانا يعطى مجانا، ~~فتراهم فوق قيامهم بخدمة النفوس - التي من الطبع لا تستغرق إلا القليل من وقتهم - يشتغلون مثل ~~بقية الناس بالصنائع، والفنون، والمتاجرة، والتأليف، وتثقيف العقول، والوعظ والإرشاد، وبث ~~روح الشفقة، تابعين الوصية القائلة: بعرق جبينك تأكل خبزك. # هذه يا بني حالتنا الدينية، وقد يمضي علي وقت طويل لا أتباحث فيه مع أحد، ولا أجادل ~~أحدا في هذه المسائل، ولكني كنت إذا رأيت أحدا يهزأ بالروحيات، وينكر وجود الخالق، أتأثر ~~وأعمل الجهد في إقناعه؛ لأن حياة الجحود - أي الحياة المادية وحدها - هي حياة خشنة قاسية، لا ~~تعرف الشفقة والحب ولا تشعر براحة داخلية. # فقلت له: صدقت أيها الشيخ المهاب، فإني حينما كنت حيا في أرضنا كنت أنظر بعض النساء ~~المتقدمات في السن يذهبن إلى المعابد وبأيديهن الشموع، وقلبهن مفعم بالأمانة، فأحسدهن على ~~حياتهن الروحية، وأقول: هنيئا للمؤمن الذي يرجو السعادة، فإن قلبه كله محبة. # ولما بلغنا إلى هذا الحد من الكلام كانت الشمس قد مالت إلى الغروب، فقال لي الشيخ: بما ~~أنك ستبقى في هذه الأرض إلى الغد، فاذهب معي هذه الليلة إلى بيتي، فتأكل العشاء معي ms16 وتنام. ~~فلم أمانع وسرت معه في طريق كلها مخازن ودكاكين ملآنة بالبضائع المتنوعة، مرتبة مهندمة ~~نظيفة، والقائمون بإدارتها أنقياء باسمون، على محياهم لوائح الأمانة والاجتهاد في العمل، ~~والنصاحة في الخدمة، وكان قد ابتدأ بعضهم بقفل أبواب المخازن، فسألت الشيخ عن سبب قفل ~~المخازن في مثل تلك الساعة، فقال: إن كل الأعمال والأشغال عندنا هي في النهار، أما الليل ~~فهو للراحة؛ ولذلك كل الناس تقف عن العمل عند الغروب، ولا يبقى إلا بعض المحال العمومية؛ ~~ليذهب الناس إليها للنزهة والرياضة والاستفادة، وتمضية قسم من الليل ليستعيضوا بعض ما ~~فقدوه من القوة في عمل النهار. # وبعد برهة وصلنا إلى بيت بسيط للغاية، جميل الهندسة، فقال: هذا هو بيتي. فلما قربنا من ~~الباب الخارجي سمعت أصوات الفتيان والفتيات من الداخل يقولون: ها قد أتى الجد. وأقبلوا ~~عليه، فتعلق بعضهم بأثوابه، والبعض الآخر أخذوا يثبون عليه ويقبلون يديه، وهو ينهض الصغير ~~منهم ويقبله، فوصلنا إلى داخل الدار بهذا الموكب الذي يفوق موكب الملوك والسلاطين مجدا ~~وبهاء؛ لأن أصوات الأولاد كانت أطرب من الألحان، وأشد وقعا في النفس؛ وحينئذ فكرت ~~بالحالة التي قضيتها في أرضنا «كالمسمار الأقطش» وحيدا، لا امرأة تشاطرني الأتعاب، ولا ~~أولاد أتلذذ بهم، الآن أدركت لذة البنين، الآن علمت أن لا سعادة إلا سعادة العائلة، ولكن ~~ماذا يفيد الآن وقد «عدى السبت في مخ اليهودي»، ولا ينفع الندم على ما فات. # ولما صرنا ضمن الدار ونحن على الحالة المتقدم ذكرها، أقبل البعض من أهل البيت، وقبلوا يد ~~الشيخ، ثم عرفهم بي، وقال: إن هذه الروح هي روح أحد سكان أرض المرحوم آدم، وقد أسعده الحظ ~~بأن يبقى هنا أكثر من يوم، وغدا يستأنف المسير إلى العلى. فرحبوا بي كثيرا ثم جلسنا، وبعد ~~قليل دخل علينا رجل، وبعد أن ألقى السلام قبل يد الشيخ وجلس، فقال لي الشيخ: هذا أحد ~~أولادي، وستراهم الآن جميعا، فإنهم يأتون من أشغالهم، وسترى أيضا أولاد أولادي، وهم الآن ~~شبان كبار، وهؤلاء الأطفال الذين تجدهم أمامك هم أولاد ms17 أولاد أولادي ، فقلت له: «الله ~~يجبرك بهم ويمتعك برؤية أحفاد أحفادك.» # وفيما نحن بالحديث إذ دخل رجل وعلى منكبيه مجرفة وبيده فراعة، ثم دخل رجل آخر لابس ~~لباسا كلباس الكهنة، ثم تبعه ثالث وعلى وجهه غبار من الفحم، فأقبلوا جميعا على يد الشيخ ~~وقبلوها، وبعد ذلك دخلوا الدار وهم بالحالة التي ذكرتها، وبعد برهة دقت الساعة السادسة، ~~فقال لي الشيخ: قم إلى العشاء. فقمت ودخلنا إلى فسحة جميلة مزينة الجدران بالرسوم المفرحة ~~التي تسر النفس وتشرح الخاطر، وفي وسطها مائدة طويلة تسع أكثر من عشرين شخصا، مغطاة بغطاء ~~أبيض ناصع كالثلج، وعليها باقات من الزهور البديعة الألوان، والصحون موضوعة على دائرتها، ~~وبجانبها الملاعق والسكاكين والشوكات، وهي تلمع كالبلور، نظيفة كالثلج، فجلس الشيخ إلى رأس ~~المائدة وأجلسني بجانبه، ثم أتى الرجال والنساء والأولاد الكبار وأخذ كل مركزه، وبعد ذلك ~~أحضر الطعام، وأخذ كل منهم حاجته، وابتدأت تلك الأفواه الجميلة تفتح وتطبق، ودارت حركة ~~الأكل بهدوء وشهية، ثم بعد برهة أتي بشكل آخر، وأدير على العموم، فالتفت إلي الشيخ ~~وقال: كيف رأيت طعامنا؟ أما هو لذيذ؟ قلت له: إنه لذيذ جدا، وعلى فرض أنه لم يكن لذيذا، ~~فبهذا الاجتماع وبهذا المنظر الذي يسبح الخالق يصير لذيذا. قال: كل ولا تستح؛ لأنه لا ~~يوجد غير هذين الصنفين من الطعام، فإن العادة القديمة التي كنا نكثر فيها ألوان الطعام قد ~~بطلت؛ نظرا للأضرار التي تتأتى عنها، فصرنا نقتصر على شكل واحد أو شكلين في اليوم، ~~والمأكولات عندنا حيوانية ونباتية، ولكننا نكثر من الثانية لأنها ألذ وأفيد. # فقلت بنفسي: لو علموا حقيقة ما نحن عليه من الشراهة في أكلنا وشربنا، لكانوا يعجبون ~~لبقائنا أحياء، فكم نشرب من العرق قبل الأكل ومن النبيذ معه، كم نطبخ من الألوان التي لا ~~تهضم إلا بعد شق النفس، يكفينا الكبة والمحشي، هذا فضلا عن الحلويات والسيكارات وراء ~~الأكل، ثم القهوة والشاي، بقطع النظر عن الأركيلة وتوابعها. # حقا إننا في ضلال، إننا في ظلمة من الجهل، نقصف أعمارنا بأيدينا من ms18 كثرة ما «ندهور» ~~في ذلك الزلعوم من المأكولات في وقت الطعام وفي غير وقته، سائرين على المثل المعهود: «تضر ~~ولا تفوت.» # وفيما أنا أفكر بهذا كنت أسمع النكات اللطيفة تصدر من البعض، والضحك يخرج من الأفواه ~~قهقهة مطربة، تدل على انبساط وانشراح وعافية. # فالتفت إلي الشيخ وقال: ما لك شديد الفكرة؟ قلت: أفكر بحالتنا في دنيانا، وحالتكم من حيث ~~المشروبات الروحية، واقتصاركم على الماء. فأعاد علي الحديث الأول وقال: إننا كنا مثلكم من ~~هذا القبيل، ولكن ارتقاء عقولنا ومعرفتنا التامة بما يضر وينفع، جعلانا ننبذ كل هذه ~~الأمور القتالة ظهريا، ونتمسك بكل مفيد، ناظرين إليه نظرة حكمية حيث لا تقوى علينا ملكة ~~من الملكات، فلا بد يا ولدي من أن يأتي يوم يصير فيه سكان أرضكم مثلنا، فإن الارتقاء زاحف ~~كالجيوش الجرارة، وسيدوس بأرجله كل معاند، وأخيرا يسود التأخر ويلاشيه من أرضكم، وإذا وجد ~~من يصادمه الآن فهذا سيسحق ويضمحل من أمامه. # وقبل أن ننهض عن المائدة أحضروا كمية وافرة من الفاكهة المتنوعة الأشكال والألوان، من ~~تفاح وخوخ وعنب وتين ومشمش، وغير ذلك من الفاكهة التي يأكلها الإنسان بعينيه قبل فمه، ~~ثم ابتدءوا يلتهمونها التهاما، فقال الشيخ: كل يا ولدي وإلا «راحت عليك»، فنحن نتشاره فقط ~~في أكل الفاكهة، فإنها هي التي تنعش القلب، وهي التي تبل الريق وتشرح الصدر وتنقي ~~الدم. # وبعد أن انتهينا نهض الشيخ ونهض الجميع، ثم رفعوا أياديهم ورنموا هذه الترنيمة: # نشكرك اللهم يا واجد الوجود، ومبدع الكائنات؛ لأنك أشبعتنا من خيراتك، ونسألك أن تشبع كل ~~جائع، وتعطي كل محتاج؛ كي لا يدفع الجوع أحدا إلى الكفر بعزتك الإلهية، واجعلنا أن يحب ~~بعضنا بعضا محبة أكيدة، وامنح أجسادنا قوة، وعقولنا رفعة؛ لنقترب منك ونسبحك تسبحة لا ~~يدخلها رياء، ولا يمازجها غش. # بعد ذلك ذهب الكل وغسلوا أفواههم، ورجعوا إلى القاعة التي كنا فيها، حيث اجتمع كل أفراد ~~العائلة؛ رجال ونساء، وأولاد وبنات. # قال لي الشيخ: يجب أن أعرفك بأولادي وجميع أهل البيت. فقلت له: لي الشرف ms19 الأكبر يا سيدي. ~~فأشار إلى أحد الجلوس وقال: هذا ولدي البكر، ومهنته الزراعة، وهو الذي نظرته داخلا قبل ~~العشاء والفأس بيده، وهو الآن جالس كالملك؛ لأنه بدل ثياب الزارع بثياب الراحة، وهذا ولده ~~الذي بجانبه يشتغل معه في الحقل، انظر إلى وجهه الذي أكسبته الشمس لونا جميلا، ومنحته ~~قوة ونشاطا. وهذا الآخر ولدي، وهو كاهن، ولكنه يشتغل بالتأليف وتثقيف العقول، ويعيش من ~~تعبه، وقد تطوع بخدمة النفوس مجانا، فهو يزور المرضى، ويسلي الحزانى، ويسعى في حل المشاكل، ~~وهو متزوج وله أربعة بنين ها هم بجانبه، ثم أشار إلى ثالث وقال: هذا مصور بارع، وهذه ~~الرسوم التي تراها الآن على جدران هذه القاعة هي من عمله، وأولادي كلهم أصحاب صنائع، وعندي ~~حفيد طبيب متغيب الآن في بلدة قريبة من هذه المدينة، أما البنات والنساء اللواتي تراهن ~~أمامك فهن قرائن وبنات أولادي. # فهذه هي العائلة يا ولدي، الرجال تقضي معظم النهار بالعمل باعتدال، ولا فرق عندنا بين ~~الزارع والصانع والتاجر والحاكم، وبين الطبيب والحائك، الكل شرفاء، ولا يوجد حقير ذليل إلا ~~الكسلان الخامل القليل العمل، فهذا - والحمد لله - أصبح وجوده قليلا بيننا، ونساؤنا يقتصرن ~~بأشغالهن على ما يتعلق بالبيت، ولا يتداخلن بأعمال الرجال، ولا يتعدين الحدود التي وضعتها ~~لهن الطبيعة. # وبعد قليل نهض أحد أولاده واستأذن وخرج، ثم تبعه آخر وخرج، ولم يمض إلا القليل حتى خرج ~~أكثر أعضاء العائلة من رجال ونساء، ولم يبق في البيت إلا أنا والشيخ وبعض الأفراد. # فسألت الشيخ عن سبب ذهاب أكثر الحضور، فقال: إن منهم من يذهب إلى الجمعيات العلمية حيث ~~يتلقنون العلوم والمعرفة والفنون، ومنهم من يذهب إلى استماع العظات الدينية، ومنهم من يذهب ~~لزيارة خطيباتهم، ومنهم من يذهب لرصد الفلك والاستفادة من ذلك العلم الشريف المطرب، ومنهم ~~من يذهب للنزهة ليخففوا عنهم أتعاب النهار، ويكسبوا أجسادهم قوة وانتعاشا بتنشقهم الهواء ~~النقي، ومنهم من يذهب للرياضة الجسدية التي تقوي العضلات وتشد المفاصل، وقبل مضي ساعتين من ~~الوقت تجد الجميع هنا، الكل ينامون باكرا؛ لكي ms20 يتمكنوا من النهوض باكرا، ويذهب كل منهم ~~إلى أشغاله. فقلت له: حقا إنكم سعداء بكل شيء، وإن أرضكم هي أرض الهناء بلا مراجعة، ترى ~~هل يرتجى لأرضنا التي يسميها بعضهم أرض الشقاء أن تصير يوما كأرضكم، ويصير سكانها يعرفون ~~واجباتهم نحو نفوسهم، ونحو قريبهم، ثم نحو خالقهم، كما أنتم الآن تعرفونها بالفعل لا ~~بالقول؟! # قال: هذا لا بد منه يا ولدي، فسيأتي يوم تصبح فيه تلك الأرض سعيدة تبعا لسنة الارتقاء، ~~وقد ابتدأ أن يظهر ذلك فيها كما علمت من القادمين منها، وإذا كان يوجد - حتى الآن - قسم منها ~~لم يزل منحطا كبلاد آسيا وأفريقيا مثلا، فسترزق من يقوم اعوجاجها، ويضبط شئونها، فلا ~~تستبعد شيئا يا ولدي، فالانقلاب يأتي بغتة. قلت: من فمك «لدينة ربنا» أيها الشيخ ~~الوقور. # ثم تناول الشيخ مجلة من على الطاولة الموضوعة في وسط القاعة وأخذ يطالع، وما كان أشد ~~استغرابي عندما رأيته يطالع مع كبر سنه بدون نظارات، ولما فرغ من المطالعة قلت له: إن ~~قسما كبيرا من سكان أرضنا - وخصوصا أهل النشأة الجديدة - لا يمر عليهم وقت طويل إلا ~~ويضعون على أعينهم النظارات، إما لقصر في النظر؛ أو لتسطح في القرنية، وكثيرون الذين لا ~~يستطيعون أن يقرءوا كلمة بدون نظارة. # فقال: هذا يا ولدي من كثرة المطالعة، وقد حصل ذلك في أرضنا من قبل، فقد كانوا يدرسون ~~التلميذ ليلا ونهارا حتى يخرج من المدرسة شغفا بمطالعة القصص الغرامية، والحكايات ~~الخيالية التي لا تفيد شيئا إلا ضياع الوقت، وضعف النظر، فضلا عن أنها تهيج في الشبان ~~عاطفة بغير أوانها، وقد كثرت الجرائد التي صدرت في أول النهضة؛ لأن كل من له أدنى إلمام ~~بالكتابة أنشأ جريدة، أو أصدر مجلة، أو ألف قصة في حب سعد لسعدا، أو غرام حنا بحنة، ولما ~~تفاقم الخطب، وصار أكثر الشبان ينظرون إلى هذا الكون البهي ذي الجمال العجيب بعيون من ~~زجاج، أوقفت الحكومة أكثر الجرائد التي لا تفيد، ونشطت الجرائد الصادقة المهمة، وعززت ~~المجلات والمؤلفات العلمية، وأبقت على بعض ms21 الجرائد الفكاهية تسلية لخواطر السكان، فخف بذلك ~~الضرر، وصار الشعب لا يطالع إلا الحقائق المجردة التي يستفيد منها حقيقة، ونبذ كل الكتب ~~والجرائد التي ليس في مادتها غذاء للعقل فماتت، والآن تجد أن المطالعة أصبحت أقل من قبل، ~~ولكنها تفيد أكثر؛ لأن كل كلمة تكتب الآن - إن كان من قبيل العلم أم الأدب أم الفكاهة أم ~~السياسة - هي خلاصة الحقائق، ولم يبق في ميدان الإنشاء إلا من نبغ فيه، وشهد له الجميع ~~بالمقدرة العلمية والأدبية؛ ولهذا تعزز هذا المركز كثيرا. هذا هو التغير الإصلاحي الذي جعل ~~الإنسان منا أن يستفيد من المطالعة القليلة، ويريح عينيه ويبعد عنهما العلل وقصر ~~النظر. # وأمامك الآن جريدة واحدة يومية ومجلة، فنطالع في الأولى أصدق الأخبار عن أبعد أقطار هذه ~~الكرة، ونطالع في الثانية أهم الاكتشافات العلمية، وبعض فصول في الأدب والفلك والصناعة ~~والهندسة والطب وعلم الطبيعيات والفلسفة. # وفي أثناء حديثي مع الشيخ كنت أرى النساء يطالعن بعض المقالات الفكاهية ويضحكن، فعجبت من ~~اتفاق الكنة مع الحماة وجلوسهن معا في سرور وانبساط؛ لأنني كنت أرى في بلادنا عداوة الكنة ~~مع الحماة كعداوة القط والفأر، فاقتربت من الشيخ وأسررت إليه كي لا تسمع السيدات قائلا: هل ~~لك أن تفيدني عن الأسباب التي جعلت الكنة أن تتفق مع حماتها، فإني أرى الآن في هؤلاء ~~السيدات غير ما كنت أراه في أرضنا. فضحك الشيخ وقال: كان زمان ومضى، فإن ما تراه الآن من ~~الاتفاق بين الكنة وحماتها هو أولا من حكمة الرجل، ومقدرته على إدارة شئون عائلته، ~~وثانيا من انتشار الأدب ومعرفة كل منهن واجباتها، فمتى كان الرجل رجلا في بيته بكل زبدة ~~الكلمة، سار كل شيء على نظام تام، فالعداوة التي كانت تقع بين الكنة وحماتها لم تكن إلا ~~على أمور تافهة، وكلها ناتجة عن اختلاف في الأذواق والطباع، وعن الجهل الذي كان متسلطا ~~على المرأة، أما الآن فقد زال كل هذا، وحل محله الوفق، وسلطة الرجل في البيت هي من أهم دعائم ~~راحته وسعادته، اللهم السلطة ms22 المقرونة بالحب والاعتدال. # ثم سألني الشيخ عما إذا كنت أريد أن أنام، فأجبته بنعم؛ لأنني تعب من مشاق السفر، ~~فأدخلني إلى غرفة ضمن الدار لم يكن فيها إلا سرير بسيط لطيف، مغطى بالأغطية البيضاء ~~النظيفة، وكرسي واحد، وطاولة عليها إبريق من الماء، وحنفيتان خارجتان من جدار الحائط، يصبان ~~الماء عند اللزوم في حوض للاستحمام، وبجانبهما مرآة وفرشاة ومشط، وفي الغرفة أربع نوافذ، ~~وفي أعلاها نوافذ صغيرة تفتح عند اللزوم لتجديد الهواء في الليل، وقال الشيخ: مثل هذه كل ~~غرف النوم عندنا، خالية من كل أثاث، ومع اتساعها لا ينام فيها أكثر من اثنين أو ثلاثة على ~~الكثير، وطول النهار تفتح النوافذ ليتجدد فيها الهواء وتدخلها الشمس فتطهر، فهذه حالة كل ~~السكان هنا من فقراء وأغنياء، وكلهم يراعون - قبل كل شيء - القواعد الصحية على قدر ما تسمح حالة ~~كل منهم، فالفقير الجاهل عندنا بعد أن كان في سالف الزمن ينام على الحضيض هو وأولاده، وينفق ~~أكثر مدخوله على المسكر والتدخين، وعلى أمور تضره، أصبح الآن - بعد أن أدرك ما هي الحياة ~~الحقيقة - في نعيم تام، يؤثث بيته، ويعد فيه وسائل الراحة من دريهمات قليلة، يجمعها من ~~اقتصاده، ولا أظن أن في الكون أحدا يدرك ما هي الحياة، ويعجز عن تنظيف مسكنه وترتيبه على ~~طريقة بسيطة، فإذا لم يكن من الحرير يكون من الصوف، وإذا لم يكن من هذا فيكون من القطن ~~والكتان، فالاعتماد على النظافة والترتيب والذوق، لا على قيمة المفروشات والملبوسات. # ثم تركني الشيخ بعد أن أشار علي بغسل وجهي وأسناني قبل النوم، حتى لا تنام معي الجراثيم ~~المرضية، التي تتجمع في بحر النهار على وجهي ويدي من المعاملة ومصافحة الناس، وقال: إن أفضل ~~الغسيل ما كان قبل النوم. وقفل باب الغرفة وذهب. # فبعد أن نزعت ثيابي الخارجية، وغسلت وجهي كما قال الشيخ، استلقيت على السرير، وبعد قليل ~~من الوقت نمت نوما هنيئا لم أذقه في كل حياتي الماضية، لا برغوث يقلقني، ولا بق يمتص دمي، ~~ولا بعوض يحرمني راحتي ms23 ويأتي بالأدواء ، «ولا قع ولا مع»؛ لأن الأولاد - على ما ظهر لي في هذه ~~الأرض - لا يعرفون البكاء على الإطلاق، ولا قنديل من الغاز يملأ الغرفة رائحة كريهة مميتة، ~~ولا روائح «عطنة»، ولا شيء من كل هذه، ولا جيران يتخاصمون. # وفي الصباح انتبهت من نومي، فوجدت حركة في داخل الدار، فنهضت وتحممت، فكان الماء باردا في ~~حنفية وسخنا في أخرى، ثم لبست ثيابي وخرجت، وفي من النشاط والقوة شيء كثير، فوجدت أكثر ~~أهل البيت وقوفا على مائدة، عليها من المأكولات البسيطة كالجبن والزيتون والحليب والعسل، ~~يتناول كل منهم ما يشتهي، فدعوني لمشاركتهم، فأكلت قليلا وقلت بفكري: هؤلاء الناس يعرفون ~~كيف يعيشون حقيقة، نحن نقوم من الصباح إلى التدخين والقهوة والأركيلة، ونسم أجسادنا ونضعف ~~معدنا بهذه المواد السامة، فإلى متى يبقى الإنسان في أرضنا غائصا في الجهالة، يستعمل كل ~~وسائط الانتحار البطيء. آه، ما أمر تلك المعيشة مع تلك العوائد المضرة التي تتملك ~~فينا. # ثم خرجت فوجدت الشيخ في الحديقة يشتغل فيسقي الأشجار، ويحرث الأرض، فأقبلت عليه وحييته، ~~وفيما أنا أتحدث معه سمعت صوت حنوش ينادي: أبا الأجران، قد آن أوان الرحيل. # فحالا هممت على يد الشيخ فقبلتها وقلت له: «خاطرك دعيلنا بالتوفيق»، فقد آن وقت الرحيل. ~~فقال: مع السلامة، ربنا يبلغك السعادة. # فخرجت من الدار وقابلت حنوش، فسألني عن صحتي وانشراحي، ثم سرنا إلى المكان المعهود، ~~وقابلنا منوش، وبعد ذلك صعدنا في الأعالي بسرعة النسيم، ولم تمض برهة إلا وعالم الهناء قد ~~احتجب عنا، ولم نعد نرى شيئا منه. # وبعد أن سرنا مسافة طويلة سألني حنوش عما إذا كنت سررت في أرض الهناء، فقلت له: إنني ~~أشكر رفيقك منوش الذي كان السبب في مكوثي يوما ثانيا فيها، وكنت أود أن يبقى متوعك المزاج ~~إلى أيام كثيرة، حتى أتمتع بهناء هذه الأرض الجميلة، فنظر إلي منوش نظرة كلها معان، ~~فسكت خوفا من إعادة الخصام. # ثم قلت لحنوش: يا ليت أرضنا تصير يوما مثل هذه الأرض التي لا ظلم فيها، ولا جوع، ms24 ولا طمع ، ولا ~~سكر، ولا فساد، ولا مزاحمة، ولا قساوة، ترى هل يتم لتلك الأرض - وخصوصا بقعتنا - ما تم ~~لهذه؟! آه «يا حسرتي»! قد تركتها وأنا غير مجبور الخاطر، تركتها وأنا بعيد عن مسقط رأسي، ~~بعيد عن بلاد نخر عظمها سوس الاستبداد، ومزق لحمها الظلم والعسف، وبدد شمل سكانها ~~الانشقاق، كنت أود أن يطول عمري لأرجع إليها وأنظر ذلك الانقلاب الموعود به، ولكن خابت ~~آمالي لأن الموت قد عجل علي وأنا في سن الكهولة؛ السن الذي يهدأ فيه الفكر، وتسكن أمواج ~~الشهوات في الجسد، ويعتدل في كل مطاليبه؛ السن الذي يجب أن أخدم فيه وطني وأولاد جنسي، ولكن ~~الذنب ذنبي في تقريب أجلي، أنا أستأهل «ضرب البراطيش»؛ لأنني خالفت الوصايا، خالفت شروط ~~الحياة الحقيقية. إني استعملت كل وسائط الانتحار البطيء، كنت أكرع العرق من «الصرماية»، كنت ~~لا أنام من الليل إلا ربعه، وما تبقى كنت أمضيه «بأكل الهواء والتعتير»، كنت أنام في أوضة ~~مظلمة رطبة لا تنظرها الشمس بعين مع أربعة أو خمسة أنفس، كان يمضي علي سنة وسنتان وجسمي لا ~~يترطب بالماء، وكنت لا أنزع ثيابي إلا كل شهر أو شهر ونصف مرة، كنت آكل كيفما اتفق لي، لا ~~أراعي في الطعام شرطا من شروط النظافة والتغذية. وكانت كسوتي خفيفة أمضي فيها فصول السنة ~~كلها، فكان البرد يخرق عظامي، وفضلا عن هذا كله كنت أحمل على ظهري حملا يرزح تحته البعير، ~~وأمشي وأنا على تلك الحالة طول النهار، والعرق يسقط من جسمي بغزارة. # آه يا أخي حنوش! إن ~~كثيرين أمثالي من أولاد جنسي تركوا بلادهم وتغربوا، فانهدمت أركان أجسامهم من ثقل الحمل، ~~فهم بهذا يعجلون انقراض أعمارهم، كل ذلك لأجل كسب المال، وهذا المال الذي يكسبونه من ~~وراء هذه الحرفة المنهكة لا يكفيهم بعد ذلك أجرة تطبيب وثمن دواء. # ولكن الذنب ليس عليهم، بل على الظروف التي وجدوا فيها، فهي التي تقودهم وهم صاغرون، ولا ~~أنسى أن للجهل يدا في ذلك. # فنظر إلي حنوش نظرة الشفوق الرحوم، وكفكف دمعتي، ms25 وطيب خاطري بكلام رقيق لطيف ~~معز. # ثم سألته عما إذا كنا اقتربنا من دنيا الآخرة، فقال: إننا قربنا من مكان القصاص الأول، ~~وستنظر بعينك كل شيء، وأنا ورفيقي سنبقى معك إلى النهاية، وربما بقينا إلى ما بعد قصاصك ~~الذي سيكون الآن خفيفا بسيطا؛ نظرا لما أنت عليه من طيبة القلب، وخلوص النية، وسلامة ~~الطوية، ومحبتك لوطنك وأهله. # فلا تجزع، فإن الله شفوق رحوم غفور. # | القسم الثاني # ولم ينته حنوش من كلامه حتى وصلنا إلى مكان ساد فيه السكوت، وتولى عليه النظام التام، ~~وفي صدر المكان رجل مهاب جالس على كرسي، ومن حوله الجنود، وفي أيديهم آلات متنوعة الأشكال، ~~وفي القرب منه جمع كبير من الناس، كلهم شاخصون إليه، فسألت حنوش عن هذا المشهد المهيب، ~~فقال: هذا هو مكان القصاص الابتدائي، وهذه الجموع هي الأنفس التي ستحاكم الآن، وهذا الرجل ~~الجالس على كرسي الحكم، هو المأمور الذي ينفذ الأحكام على المذنبين بأمر من العزة ~~الإلهية. # ثم أشار إلي حنوش بأن أجلس بجانبه إلى أن يأتي دوري بالمحاكمة، فجلست أنتظر محاكمة ~~البشر. # وبعد هنيهة نادى ذلك المأمور بصوت عال: أحضروه إلى هنا. وحالا أحضر الجنود رجلا تظهر ~~على محياه العظمة والكبرياء، ذا وجه عبوس، يستدل من حركاته التذمر والأنفة لكونه مساقا ~~كمجرم، فسألت حنوش عن هذا الرجل، فقال: هذا أحد ملوك الشرق العظام. ولما وقف أمام المأمور، ~~أمر له بمائة جلدة بقضبان من حديد محمية، فلما سمع بهذا القصاص وهذا الحكم كبر عليه ~~الأمر، وصاح موجها كلامه للمأمور: أنا أقاص؟! أنا ملك جليل القدر، أجازى من رجل صعلوك ~~مثلك؟! اعرف من الذي أمامك، إن ألوفا من الجند وملايين من الخلائق كانت طوع إشارتي. # فتأثر المأمور لهذه العظمة الفارغة، وأجابه بقوله: اصمت أيها الظالم، إنك في مكان لا فرق ~~فيه بين الملك والجندي. كتفوه أيها الجنود، وألقوه على الأرض، الآن أريد أن «أفرك رقبتك» ~~جزاء على مطاولتك وعدم طاعتك، هل تظن نفسك أن ملكك سيدوم في العالم الأول والآخر، لو كنت ~~عادلا نزيها ms26 شفوقا على رعيتك، محبا تقدمها ونجاحها في العالم الأرضي، لكنت الآن مكرما ~~معززا سعيدا، ولكنك كنت ظالما غليظ القلب، تصم آذانك عن نداء المظلومين والمصابين من جور ~~مأموريك وأعوانك وجواسيسك، وكنت فوق هذا مستبدا لا تقبل نصيحة نصوح ولا مشورة مخلص، ~~ولا تريد أن يشاركك أحد في سياسة الرعية، فألغيت مجالس الشورى، وأبعدت عنك كل ذي نفس ~~أبية، وقربت إليك كل مدلس منافق، قلبه كالصخر الأصم، حتى أصبحت بلادك في مؤخرة البلدان من ~~حيث العلم والتمدن والصناعة والزراعة، فنخر عظمها سوس الفساد من جرى حكمك، الذي أبعد ~~الأمان عن السكان، وأصبحوا لا يأمنون على عرضهم ومالهم وأرواحهم. هذه العظمة التي تريد أن ~~تتظاهر بها الآن، هل كنت تتظاهر بها عندما يأتيك أحد معتمدي الدول، ويرغمك على المصادقة على ~~مطاليب تكون فائدتها راجعة إلى بلاده، ومضارها على رعاياك، يظهر أنك «لا تجيء إلا بالكسر ~~مثل البطيخ». # دمرت بلادك من كثرة الضرائب التي فرضتها على الرعية التعيسة، وجعلت فلاحها في حالة من ~~أتعس الحالات، هل نسيت يا أيها النحس أنك كنت تقتني في دار ملكك ما يزيد عن الألف امرأة ~~تسجنها وتجعلها رهن شهواتك الحيوانية، وتحرمها من الحياة العائلية السعيدة «تشتهي الرزق»، ~~إن الوحوش الضارية أعف نفسا منك، فكيف مع هذا يمكنك أن تدير أعمال الملك وتسوس الرعية، ~~وأنت غائص ببحر الفساد، وساقط على حضيض الفحشاء، كان الواجب عليك أن تكون قدوة صالحة ~~لرعيتك، «يا قليل الهيبة» في نظام العائلة التي يتوقف عليها عمار البلاد وإسعاد ~~العباد. # كم قتلت من أقرب الناس إليك، كم ظلمت منهم من الأبرياء، وأوديت بحياتهم في ظلمات السجون، ~~لمجرد ظن فاسد، أو من وشاية واش، كل ذلك لخوفك على هذه الروح الشقية. # لو كنت عادلا لما كنت تخاف من أحد، لو كنت شفوقا رحوما لما كان أحد يسطو على حياتك، ~~وكنت تسير في الشوارع والأسواق بلا حراس ولا جنود، لو كنت محبا لبلادك لكنت في غنى عن ~~ذلك التحفظ والحذر وقلق البال، ولكن الظالم سيبلى بالظلم. # كم ms27 اغتصبت من أملاك الفقراء، وجعلتها من أملاكك الخاصة يا غاشم! كم اغتصبت من العذارى ~~البتولات، وضحيتهن على مذبح شهواتك الرديئة، وفرقتهن عن أهلهن! كم سفكت من الدماء في الحروب ~~التي أنتجتها مطامعك وعنادك، فعادت نهايتها عليك بالفشل والخراب! # ملكت بلادك فعلا للغرباء بما أعطيتهم من الامتيازات، وأصبحت حاكما عليها بالقول فقط، ~~وأمست الرعية في أسوأ حال. # خسئت أيها المنافق الغاشم، تحمل الآن العذاب المر أيها الوحش؛ لتكون عبرة لغيرك، واخفض ~~من كبريائك وأنانيتك. انزلوا عليه أيها الجنود بسياط الغضب المحمية. # فلما نزلوا عليه صرخ المسكين: «آه دخيلك» ~~ارحمني، أنا الخاطئ حقيقة، أنا الجاني، أنا الظالم، إنني أعترف بهذا كله، فقط ارحمني واعف ~~عني، الآن عرفت أنني أستأهل كل عذاب، الآن تمثلت أمامي كل أعمالي الوحشية، الآن أسمع في ~~أذني أصوات المظلومين والمنكوبين الذين كنت السبب في بلواهم، وأصوات اليتامى والقاصرين ~~يصرخون، الآن شعرت بوخذ الضمير، أنا المسئول وحدي عن شقاء رعيتي وتأخر بلادي، أنا كنت ~~قادرا على السير بموجب القوانين الدستورية، وعلى إبعاد الخونة المدلسين المنافقين عني، ~~وألا أجعل ميزة بين المسلم والنصراني واليهودي والدرزي، ولكن آه من الذين كانوا يخدعونني ~~ويزينون لي كل أعمالي ويقدسونها! آه لو كنت أظفر بواحد منهم الآن، لكنت أمتص دمه، وأشفي ~~غليلي، وأبرد نار قلبي. # أيها المأمور العادل، أسألك أن تعفو عني وتنجيني من هذا الضرب المؤلم المميت، ~~آمان. # فجاوبه المأمور: إن أيام الرحمة قد مضت، فلتمت الآن بعذابك أيها المجرم. فصرخ المأمور ~~ثانيا: «تمموا القصاص أيها الجنود، وانزلوا عليه بشدة لتشفى قلوب المظلومين الذين ينظرون ~~إليه الآن.» # آه يا أخي فنيانوس، إني لا أقدر أن أصف لك حالة هذا الملك المسكين، فيا ليته كان خسر كل ~~ملكه وعاش حقيرا وضيعا في دنياه، ولا رأى هذا العذاب المر القاسي، إن لحمه قد نثر عن ~~عظمه، وأصبح بحالة تقشعر لها الأبدان، وقد غاب عن الوجود من شدة الألم، ما ضره لو كان ~~عدل في حكمه، وهدم ذلك السور الواقف بينه وبين رعيته، وتقرب منها ونادى ms28 تعالوا إلي أيها ~~المظلومين فأنا أنصفكم! ما ضره لو كان جعل بجانبه مجلسا يستشيره في شئون الدولة! فهل كان ~~ذلك يخفض من منزلته؟! أو جمع من أطراف البلاد أفرادا تقيمهم الرعية نوابا عنها ليساعدوه ~~ويطلعوه على مطاليب الرعية، ويبينوا له ما تحتاجه البلاد من المشروعات النافعة. # لو كان أنفق نصف ما ينفقه على الهدايا العظيمة إلى القياصرة والملوك، على تعزيز بحرية ~~الدولة، أو على الأقل على إشباع بطون العساكر التي أضناها الجوع والعري والمرض والويلات، ~~لكان نهض بوطنه نهضة يستحق عليها الجزاء الحسن، أما وإنه قد اهتم لنفسه، وقال بعد حياتي ~~لا حياة، وبدد أعظم الأموال في غير محلها، ورشا بها الجرائد العظيمة في بعض الممالك ~~الغريبة؛ كي تمدحه وتطنب بصفاته، وضغط على حرية أصحاب الجرائد في بلاده وأخرس ألسنتهم؛ لئلا ~~ينشروا عنه عيبا أو يكشفوا سترا؛ فاستحق هذا القصاص. # فلتعتبر ملوك الشرق وسلاطينه، وليشفقوا على رعاياهم، ويسيروا على طريق العدل، ويتقربوا من ~~الرعية؛ ولينصفوا المظلوم من ظالمه ولا يحابوا، وليخافوا الله ويقتصروا على امرأة واحدة؛ ~~لكي يتمكنوا من رفع منار العدل في الرعية، وينشطوا الصنائع، ويقووا الزراعة والتجارة، ~~ويرفعوا عن عاتق الفلاح المسكين تلك المظالم التي لا تحتمل ولا تطاق، حتى لا يصيبهم ما ~~أصاب رصيفهم من العذاب وتبكيت الضمير والشقاء الذي لا يحتمل في القصاص الابتدائي، والله ~~أعلم كيف يكون القصاص النهائي. ~~••• # وبعد هنيهة أتوا بشخص «كاتع رقبته مثل أبو زهرا»، فعرفته من أول نظرة، إنه راهب، ولما وقف ~~أمام المأمور أمر له بخمس جلدات «على كعابه تكون سخنة»، فلما سمع الراهب هذا القصاص جثا ~~على ركبتيه وقال بخشوع كلي: أي ذنب فعلته يا سيدي حتى استوجبت هذا القصاص؟ قد تركت العالم ~~وملاذه وزخارفه، وانفردت في الدير منقطعا إلى العبادة والصوم، وبعد هذا كله أجازى بمثل هذا ~~الجزاء. # فقال له المأمور: اصمت «يا دقن التيته»، نسيت الآن ما كنت تفعله من الأمور المغايرة ~~للقانون الرهباني، أول كل شيء كانت قناني العرق المثلث تعد بالعشرات تحت سريرك مع توابعها، ms29 ~~كالمحالي والمكسرات ، وكنت لا تشرب أقل من 400 درهم عرق كل يوم، أهذا من قانون الرهبنة؟! ~~وثانيا نسيت عندما كنت تتلصص من خلف السياج «يا منقوم». # فجاوب الراهب وقال: لست أنا يا سيدي، فإنك غلطان، بل هذا أبونا الرئيس. فأجابه: أبونا ~~الرئيس يأتي دوره، فأمره لا يعنيك، وأيضا أي شغل لك عند شركاء الدير حتى كنت أكثر الأحيان ~~«تظمط» إلى هناك، ألا تعلم أنك تطوعت لخدمة الله والقريب، أين مواظبتك على العمل في الحقل؟ ~~أين مواصلتك المطالعة والتنقيب في العلوم والصنائع لكي تفيد الناس بها؟ هل خلقت فقط لكي ~~تملأ بطنك «مخلوطة وتطرق طلم» ولتمسيد الدقن، واستماع كلمة «مجد لله يا بونا»؟ الله يتمجد ~~بالعمل لا بالكسل، الله يتمجد بضرب المعول في الحقل، وزرع البنادورة والقلقاس، لا بالقعود ~~تحت السنديانة. الله يتمجد عندما تكون مع رفاقك الرهبان دائبين على اقتباس العلوم والمعارف ~~لتنفعوا بها الناس، بمثل هذه الأعمال تمجد الله، لا بجمع المال وتستيف الليرات في الكمر، ~~ماذا ينفعك المال؟ وأي لزوم له ما دمت ناذرا العفة والطاعة؟ هل أولادك يعوون من الجوع؟ ~~كنت تحسد على الأقل رهبان الإفرنج الذين يؤسسون المدارس والمعالم والكنائس في كل مكان، ~~ويفيدون بني البشر، ويخففون عنهم المتاعب المتأتية عن الجهل والغباوة. # فبكى الراهب المسكين وقال: كل ما قلته حق أيها المأمور، «خطيتي عظيمة»، ولكن مسألة ~~«التلصص» من خلف السياج أنت غلطان فيها، فاعف عني وارحمني. # فقال المأمور: لا رحمة الآن، انزلوا عليه أيها الجنود. فنزلوا عليه بالقضبان المحمية خمس ~~جلدات، حتى فقد رشده وحملوه إلى الداخل بحالة تعيسة، فليعتبر الرهبان من هذا القصاص، ~~وليعلموا أنهم وجدوا لحمل أثقال البشر، لا لتكثير الصلاة وترديدها كالببغاء، بدون أن ~~يعلموا مضامينها ومقاصدها السامية، كنت أود ألا أرى هذا القصاص الذي وقع على راهب من ~~أولاد وطني، الذين أحبهم وأعتبر دعوتهم الشريفة، ولكن ما العمل وقد قدر لي أن أبقى مكسور ~~الخاطر في تلك الدنيا وفي هذه. ~~••• # وساد السكوت برهة من الزمن، ثم خرق هذا السكوت صوت المأمور ms30 بقوله: أحضروا المجرم إلى ~~هنا. فحالا أحضر شخص تلوح على محياه علائم الرزانة والهدوء، وأول ما وقع نظري عليه عرفته، ~~وقلت لحنوش: أليس هذا الرجل أحد متصرفي جبل لبنان؟ قال: نعم، ومن أين لك معرفته؟ قلت: أعرفه ~~عندما كنت في العالم الأول. ثم أشار علي بالسكوت فسكت. # ولما وقف المتصرف بين يدي المأمور فاتحه بقوله: إن ما استوجب قصاصك الآن هو خيانتك ~~لوظيفتك، وعدم قيامك بالواجب نحو ذلك الجبل المقدس، فقد أفسدت فيه، وارتشيت، واستبددت، ~~وعسفت، وكنت تجعل الحق باطلا والباطل حقا، كنت كأحد جواسيس الأستانة تشي بمن تريد أن ~~تلحق به ضررا من سكان لبنان، وكنت تنم برؤسائه أنهم يتظاهرون بالميل إلى الدولة تظاهرا ~~ويميلون في الباطن إلى دول أوروبا، كنت تفعل كل هذا غير خائف من توبيخ الضمير ولا من غضب ~~الله. # ثم أمر الجنود بأن يجلدوه 70 جلدة بقضبان الانتقام، فصرخ المتصرف قائلا: تصبر أيها ~~المأمور ولا تعجل علي بهذا الحكم القاسي، أمهلني لأدافع عن نفسي، فإني أعلم أنني بريء مما ~~اتهمتني به، وسينظر سيدي ذلك متى سمح لي بالكلام. # فلما رأى المأمور تواضع الرجل وخضوعه، سمح له بالدفاع عن نفسه. # فقال المتصرف: أمرت أيها المأمور الجليل بمجازاتي ومقاصتي بناء على ما تراءى لك من أنني ~~المسبب تأخر لبنان، وأنني وحدي المرتشي الخائن وظيفتي وذمتي، وأن كل ما حصل في لبنان في ~~أيامي من الفوضى في الأحكام، وما أنتجته هذه الفوضى من تزعزع أركان العدالة فيه أنا المسئول ~~عنه، مع أن الواقع بخلاف ذلك. إن خوفي من هذا القصاص المخيف المرعب الذي أمرت به يجعلني أن أبوح بكل شيء؛ لأبرئ نفسي ~~وأرفع عن عاتقي تلك الأوزار والذنوب التي رميتني بها. # أنت تعلم يا حضرة المأمور العادل أن الوظائف في حكومتنا لا تنال بالأهلية والاستحقاق، بل ~~بالمحسوبية والتوصيات والرشوة، ولما انتهت مدة سلفي المتصرف «فلان»، سعيت بوسائط عديدة منها ~~محلل ومنها محرم، وأهمها وعودي للبعض بالمال الكثير بعد نوال الوظيفة على سبيل الرشوة وإن ~~تكن دينا، وغير ذلك ms31 مما لا لزوم لذكره الآن، حتى حصلت على هذه الوظيفة، التي كنت أسمع أن ~~الذي ينالها يسعد إلى آخر يوم من حياته؛ لأن المتصرف في ذلك الجبل الجميل كالسلطان في ~~الأستانة، مطلق التصرف، يفعل ما يشاء، ومن جملة الوسائط التي استعملتها والتي أعترف بها ~~أمامك أني جعلت نفسي لاتينيا، مع أنني كنت غير لاتيني، أو بالحري كنت على لا شيء؛ لأنه ~~من الواجب - كما لا يخفى - أن يكون متصرف لبنان لاتينيا، ولو اقتضى الأمر أن يكون المتصرف ~~يهوديا لما كنت تأخرت عن أن أجعل نفسي كذلك لكي أنال الوظيفة. # ولما كان تعيين المتصرف الذي يقدمه الباب العالي أولا لسفراء دول الغرب كفرنسا ~~وإنكلترا وروسيا وإيطاليا، موقوفا على قبول هؤلاء ورضاهم، جعلت همي بعد ترشيحي لهذه ~~الوظيفة إرضاء هؤلاء السفراء، واستعملت ما استطعته من السياسة والدهاء، ولما كنت أزور سفير ~~روسيا كنت أعده بأنني سأسير في ذلك الجبل على ما يوافق نفوذ روسيا ومصلحتها؛ لأن روسيا هي ~~صديقة دولتنا الأبدية القرار، فيصدق السفير كلامي ويمد إلي يد المساعدة لتعييني، ومثل ذلك ~~كنت أفعل مع باقي السفراء، حتى أحوز على رضاء الجميع، وأتخلص من المعارضة؛ لأنه كثيرا ما ~~كان يحصل في مثل هذا الوقت اختلاف ما بين السفراء على تعيين المتصرف؛ لأن كلا منهم يسعى ~~ليجعل المتصرف منفذا لمصالح دولته، غير مهتم لصالح ذلك الجبل الذي تعهدت الدول بحمايته ~~وحفظ استقلاله. # وفي اليوم الذي تم فيه تعييني متصرفا على لبنان باتفاق السفراء مع الباب العالي، أنعمت ~~الحضرة السلطانية على عبدها المطيع ... # هنا قاطعه المأمور بقوله: ألا تخجل من أن تقول عبدها؟ حذار أن تعيد مثل هذه الكلمة، عد ~~إلى حديثك. ~~- أنعمت علي الحضرة السلطانية برتبة الوزارة؛ لكي تظهر سيادتها على الجبل من طرف خفي، ~~وأعلن ذلك رسميا، ثم طير الخبر حالا إلى لبنان بواسطة بعض المكلفين بذلك من وجوه لبنان ~~ورؤسائه، وكان ذلك قبل أن ترسل الحكومة الخبر رسميا إلى لبنان. # ولم تغرب شمس ذلك اليوم إلا وقد تواردت علي أنباء التهاني ms32 من بعض كبار لبنان ورؤسائه، ~~وكلها تعرب عما خالج أفئدة اللبنانيين من الفرح والسرور بتعييني متصرفا عليهم؛ نظرا لما ~~يعهدونه بي من الدراية والحكمة والاستقامة، وغير ذلك من الصفات الشريفة، مع أنه لم يسبق لي ~~أن عرفت أحدا منهم، ولا سمعوا باسمي من قبل، فاستدللت من هذا على فساد وصغارة في المحيط ~~اللبناني المرتقي. # وقبل تعييني كانت تمضي علي سنوات لا تردني فيها رسالة برقية من أحد، ولا أسمع فيها كلمة ~~تعظيم ولا تكريم؛ لأن في الأستانة من البشوات أمثالي ألوف، وقد أصبحوا بسعر الفجل، ~~فاستكبرت بعد تعييني هذا الأمر، ونفختني العظمة وشمخت بأنفي، وبعد أن كنت بشوش الوجه رقيق ~~الجانب شأن بعض أكابر الأتراك، «عقدت نونتي وصار ذنبي يفرط الجوز»، وأنت لا تجهل الطبع ~~البشري المنحوس. # ومن ذلك الحين دخلت في طور جديد من أطوار حياتي، فكثر زواري، وتقرب الناس مني، فصرت ~~كيفما سرت يأخذ القوم سلامي، ويحيوني ويكرموني الإكرام الزائد. # هذا وقد أرسل بعض وجهاء لبنان على إثر تعييني إلى بعض معارفهم في الأستانة من البشوات، ~~وذوي المكانة لكي يعرفوهم بي، لينالوا حظوة في عيني عندما أصل إلى لبنان وطنهم، فتعرفت ~~بمدة أسبوع واحد على أكثر وجوه لبنان وأمرائه ومتوظفي الحكومة فيه، وأنا لم أزل في ~~الأستانة منتظرا الأوامر بالسفر. # وعند ورود البريد من لبنان ومصر وصلني من الجرائد والرسائل ما يكفي لإيقاد فرن يوما ~~كاملا، ففضضتها كلها، ووجدت فيها القصائد الرنانة بمدحي وتهنئتي وتفخيمي، وقرأت المقالات ~~الضافية والفصول الطوال عن صفاتي وعدلي، ثم عن جمالي وجسمي وطولي وعرضي، وعن كيفية نومي ~~وأكلي وشربي، وعن مشروبي من الخمور، وعن عدد أولادي وبناتي، وقد زادوا فيهم وأطنبوا - على ~~الأخص - بمعارفي الواسعة، وتضلعي في عدة لغات كالإفرنسية والإنكليزية واللاتينية وغيرها، ~~مع أنني لا أعرف من هذه اللغات إلا اسمها، ولا أدرك من العلوم والمعارف إلا علم المجاملة ~~التركية وبعض اصطلاحات بالإفرنسية. # فهذه المظاهرة وهذه الخفة التي ظهرت من أرباب أقلامهم، وقادة أفكارهم وكبارهم، جعلتني ~~أطمع بهم، وداخلني شيء من الاحتقار ms33 لأولئك الناس الذين يعدون نفوسهم كبارا. # والأجمل من كل ذلك هو أن أحدهم لما علم بتعييني متصرفا على لبنان، وقف على الإثر في ~~غرفته، وارتجل شعرا بمدحي، وهنأ لبنان واللبنانيين في، فهل ينتظر بعد هذا من إنسان ضعيف ~~ألا يأخذه البطر والتكبر، وألا يطمع بمثل هؤلاء الناس ويحتقرهم ويستبد بهم. # فصار المأمور يقلب شفتيه ويرفع حاجبيه علامة الاستغراب، وأنا من جهة أحترق غيظا لثبوت ~~هذه التهم على إخواني، الذين كنت أود ألا أسمع عنهم في هذا العالم مثل هذه الأخبار ~~المحزنة. آه «يا حسرتي» عليك يا لبنان! آه «يا حرقة قلبي» على عزك الماضي ومجدك القديم! يا ~~أيها الجبل الذي ينطح بهامته السحاب، يا من قد نظرت عيناي النور في ربوعك، وانتفخ صدري لأول ~~مرة من نسيمك المحيي، اغفر لنا هذه الذنوب التي نقترفها باسمك، بحق أرزك، بحق قممك العالية، ~~بحق وهادك وبطاحك، بحق نبوعك وعيونك، بحق جمالك وبهائك، بحق كرمك وزيتونك، وتوتك وليمونك، ~~انعطف علينا، واجعلنا أن نعتصم بالإخاء، ونتكاتف على محبتك وخدمتك، وألا نعظم الغريب ليذل ~~بعضنا بعضا، ناد أولادك المهاجرين الذين تركوك، لا بغضا فيك، بل كرها للفساد السياسي ~~الحاصل بين بنيك، نادهم ليعودوا إليك ويحتموا تحت كنفك ويعتزوا بك، قد أضناهم البعاد وتولدت ~~في قلوبهم الحسرات؛ نادهم كي يعودوا حاملين الهدايا من المحبة الحقيقية، والألفة الأخوية، ~~والحرية التي أعطانا إياها الله، الحرية المقدسة البعيدة عن الزيغ والتطرف؛ ليسعدوا بقربك ~~ويمجدوا الخالق في معابدك وأديرتك الدهرية، واذكرني - أنا المسكين الخاطئ الذي فارقت الحياة ~~الجسدية - وأنا بعيد عنك ومشتاق إلى لقياك، وادع لي بالسعادة الدائمة لأحيا إلى ~~الأبد. # ثم عاد المتصرف إلى الكلام وقال: وقبل أن أبارح الأستانة أخذت من الحكومة التعليمات ~~الكافية لحفظ سلطة الدولة في ذلك الجبل، ومع هذا أخذت أيضا وصايا كثيرة من بعض أصحاب ~~النفوذ ببعض الوجوه في لبنان لأجل الوظائف، وبعد إتمام كل ما يلزم وصدور الأمر بالسفر ~~سافرت، ولما وصلت إلى برت سعيد، استقبلت بعض الرسائل البرقية الترحيبية من لبنان، وعند ~~وصولي ms34 إلى ميناء بيروت احتاط الباخرة أسطول كبير من الزوارق والقوارب، حاملة الذوات، ~~والوجوه، والحكام، والمأمورين، والمتوظفين، الذين تركوا أشغالهم وأتوا من أمكنة بعيدة ~~للسلام علي، والأخذ بخاطري ورضاي، وقد صعدت إلى البر بين الجماهير الكثيرة المصطفة على ~~الرصيف، فقابلني هناك - بصفة رسمية - حكام ولاية بيروت، وبعض الجنود الذين أخذوا سلامي. # ولكيلا أطيل الشرح وأثقل عليك، صعدنا إلى مركز المتصرفية في الجبل، وكان على كل الطريق ~~التي مررت فيها جموع وخلائق لا تحصى ولا تعد، وصوت البارود يدوي دويا يصم الآذان، ~~فتجاوبه الأصدية من تلك الوديان، وكبار الرجال والوجهاء والأمراء كلهم بخدمتي، يحيطون بي من ~~كل جانب، والفرسان أمامي تلعب بالجريد، وكلهم يدعون لي ولعائلتي بطول العمر، وينشدون ~~الأناشيد الحماسية لرفعة مقامي، وكيفما حولت نظري أجد التحية والتعظيم وإحناء ~~الرءوس. # حينئذ أخذت أتأمل بعبودية هذا الشعب، وصغر نفس كباره الذين يجبرون العامة على هذا ~~التظاهر المعيب، ويفنون قوى هذه الطبقة النشيطة التي كلها استعداد للأعمال العظيمة في سبيل ~~رضائي، مع صرف الأموال وتعطيل الأشغال، فقلت: ماذا رأوا مني حتى عاملوني هذه المعاملة ~~كفاتح عظيم، إنهم لم يروا بعد شيئا من خيري ولا من شري، بالحقيقة إنهم أذلاء. # نعم، كنت أسمع عن مثل هذا عندما كنت في الأستانة، ولكن ليس السمع كالعيان، رأيت أكبر ذات ~~في لبنان يقف بين يدي صاغرا ذليلا، يتمنى أن يكون في خدمتي أينما ذهبت، ويفتخر أن يسمى من ~~ياوران المتصرف. # وبعد أن حللت في سراي الحكومة، وأخذت الراحة الكافية وحان وقت تلاوة الفرمان، اجتمع في ~~بتدين مركز المتصرفية جميع الحكام والوجوه، وكثير من رؤساء الطوائف، وجم غفير من الشعب، ~~ولما تلي الفرمان رفعت الأيدي وأمن الجميع، وهتفوا بالدعاء، وهم غير عالمين بأن تلاوة ~~مثل هذا الفرمان - الذي لا يفرق شيئا عن فرمانات الولاة في ولايات المملكة، والذي هو على نص واحد ~~يعطى به الوالي الحكم المطلق تقريبا - هو برهان كاف على محاولة الدولة نزع امتياز لبنان، ~~ومحو استقلاله الإداري؛ لأنها تعلم أن لا مطالب بهذه الحقوق؛ لأن ms35 الشعب ضعيف وجاهل، والكبار ~~منه لا يهتمون إلا بالوظائف والعظمة الفارغة. # أما سعيهم لنوال الوظائف فهو غريب؛ إذ إن كلا منهم يعمل كل واسطة، وينفق الأموال ~~الطائلة، وربما رهن أرزاقه لأجل الوظيفة؛ كل ذلك لكي يتظاهر أمام أقرانه بالعظمة، ويستبد ~~بذويه وأهل بلده، متخذا قوة الحكومة لتنفيذ غايته في الناس، مع أنه عندما يقف الواحد منهم ~~أمامي يكون كأنه واقف أمام العزة الإلهية، وقد يكون الشخص منهم أغنى وأعلم مني، عارفا ~~بالقوانين، ذكيا متضلعا بجملة لغات، وربما يكون في بيته كالملك عائشا برغد وهناء، ذا ~~أرزاق كثيرة، تغنيه عن مثل هذا التذلل، ومع ذلك فهو يفضل أن يكون خادما لي - أنا الغريب عنه - ~~من أن يكون مخدوما معززا في بيته، مستقلا حرا، كل ذلك لكي يتظاهر بالفخفخة المعيبة، ~~ويقطب حاجبيه في وجه أقرب الناس إليه، وينتقم ممن يحسبهم أعداءه. # وقبل أن جئت لبنان، لم أكن أظن أن الشعب يسترسل في الرشوة إلى هذا الحد، كنت أرى «خيالة ~~الإنكليز» الليرات تتوارد علي فرقا وفيالق حتى بهرت عيني. # أما الوسائط لذلك فكثيرة، إنهم يغتنمون فرصة الأعياد والمواسم، ويرسلون إلي التحاويل، أو ~~يتركون القيم المهمة بعد زيارتهم لي، ومثل ذلك تفعل نساء الوجهاء والكبراء مع امرأتي، ~~فيأتينها بالهدايا الثمينة والأموال الوفيرة، ويتوسطنها في أمور كثيرة، والذي يرى نفسه ~~مقصرا بالمال يعمل وسائط أخرى، كالالتجاء إلى الرؤساء الروحيين واستنجادهم لما لهم من ~~النفوذ، وهؤلاء كل منهم يعمل على مناصرة أبناء طائفته والمحافظة على حقوقها المهضومة، ~~فأصبح أنا - بعد هذه الأعمال - تائها في بحر هذا المحيط المضطرب، الذي يصلي ويتعبد كثيرا، ~~وأضطر إلى استعمال الخداع والدهاء، فأعد هذا وذاك اليوم وأخلف بوعدي في الغد، وأنتحل ~~الأعذار، وأجامل الرؤساء وألاطفهم، وأساير كلا على حسب هواه، وبعض الأحيان أتظاهر بالغضب، ~~وأمتنع عن مقابلة الناس هربا من إيفاء الوعود، أو أتمارض وأحتجب عن الأنظار. # وآخرا لما أتعب من هذه الأعمال المضنية وهذا التصنع المقلق للبال، الذي لا يتعبون هم ~~منه، آخذ لي منهم معينا وأسميه «كاخيه الباشا»، وأجعله ms36 واسطة بيني وبين الشعب من جميع ~~الطبقات، فهو الذي يستلم الرشوة، وهو الذي يعزل ويوظف، ويصبح هو المسئول عن كل شيء، ~~وبالاختصار هو القاضي الماضي، فأرتاح أنا من جميع أعمالي فائزا بالغنيمة. # أما الوشايات التي يستعملونها ضد بعضهم فحدث عنها ولا حرج، قد تصلني مكاتيب غفل كلها ~~قذف وطعن وفضح أسرار بعضهم بعضا، هذا عدا عما أسمعه في أذني، وقد صرت أخيرا لا أصدق ~~أحدا ولا أكذب أحدا، أسمع الكلمة من هذه الأذن وتخرج من الأذن الثانية. # وما كنت أعتبر من اللبنانيين إلا المتنحين عن الوظائف، فهؤلاء قد كان لي منهم بعض ~~الأصدقاء، أقضي معهم أوقاتا طويلة للإفادة والاستفادة، وكنت أرى فيهم عفة نفس وحب الاستقلال ~~الذاتي، وأدبا ومعرفة، إلا أن التنغص كان مالئا أفئدتهم، والتذمر ظاهرا على وجوههم، من ~~كثرة ما يرونه من الحيف والظلم والفساد في الأحكام، ولكن يا للأسف فإن مثل هؤلاء قليلون ~~في لبنان. # أما الاستقلال الذي يتبجحون به ويتشدقون بذكره، فهذا اسم لغير مسمى؛ لأن القانون الذي هو ~~حبر على ورق لا يصنع وحده استقلالا إذا كانت الرجال صغارا، فلو كنت وجدت في لبنان رجالا ~~أعزاء النفوس، أصحاب حزم وعزم، ذوي أمانة ومحبة لوطنهم، لا تهمهم الوظائف، لكنت أعضدهم ~~وأعمل معهم على حفظ استقلالهم، وأعيش وإياهم إلى آخر حياتي، وأستغني عن الأستانة وعن كل ~~بلاد غير لبنان، الذي هو أشرف بقعة، وأجمل موضع في الشرق كله، وأهنأ عيشا من سواه، ولكن ~~أهل البلاد متغافلون، لا يطالبون بحقوقهم المعطاة لهم من أعظم دول الغرب، والذي لا يطالب ~~بحقوقه تضيع لا محالة، فلماذا يجعلون علاقتهم مع الأستانة وحدها؟ لماذا يخولون الحق للمتصرف ~~وحده بمخابرة الباب العالي في كل أمور لبنان؟ مع أن مجلس الإدارة هو فوق المتصرف، وعلاقة ~~حكومة لبنان بالأستانة كعلاقتها بحكومة فرنسا وإنكلترا وروسيا وإيطاليا تماما، فإهمال ~~نواب الأمة هذه الواجبات وهذه الحقوق، وانشغالهم بالمفاسد والوشايات، وتزاحمهم على الوظائف، ~~يجعل للدولة حقا شرعيا بالمداخلة في شئونهم ومعاملتهم كمعاملة باقي رعاياها، مع أن ~~استقلال لبنان مكفول ms37 من الدول المار ذكرها ، ولا يتعين حاكم إلا بمصادقتها جميعا. # هذا وللبنانيين الذين هاجروا إلى مصر وأميركا جرائد قد أنشئوها في ديار غربتهم؛ خدمة ~~لمصالحهم وصالح الوطن الذي أقاموا فيه، وقد جعلت أكثر اهتمامها بشئون لبنان، ولما تعينت ~~متصرفا، أظهرت كل شهامة وعزة نفس، ولامت الشعب على مظاهراته بإكرامي قبل أن يرى أعمالي، ~~وهي مهتمة بالجبل وحكومته أكثر من المقيمين فيه، ولكنها في أكثر الأحيان تبني أقوالها ~~وانتقاداتها على الوهم، فتارة تسلقني بألسنة حداد، وطورا تمدحني وتثني على أعمالي، ثم ~~تعود إلى ذمي تبعا لما يتراءى لها عن بعد، وقد تدرج كل ما يردها من الأخبار إن كان كذبا ~~أو صحيحا، وتبني عليه العلالي والقصور، ولكنها جاعلة الحق كله على مجلس الإدارة، فكثيرا ~~ما طعنت على أعضائه وانتقدتهم انتقادا مرا جعلهم صغارا في عيون نفوسهم، ولا أنكر أن ~~كلام تلك الصحف قد أفاد وجعل بعض التأثير. # ولا خفاك أن المال الذي كنت أجمعه من الرشوة والهدايا والعطايا من سراة اللبنانيين ~~وكبارهم، الذين يمتصون دم الشعب اللبناني، ويسلبون أمواله من طريق الرشوة والاستبداد، كنت ~~أدفع فائضه إلى الأستانة؛ لأنها تعلم حالة الجبل وأهله، فتفرض علي إيفاء «البركة» أي ~~العشر. # فهل تجد بعد هذا الإيضاح أيها المأمور الكريم أنني مذنب ومستحق القصاص؟ والله لو كنت ~~مكاني في متصرفية لبنان، محاطا بالمفاسد والمخاصمات، لكنت تفعل فعلي، وتقول: «اللي من إيده ~~الله يزيده»، وتجمع الأموال التي تأتيك عفوا، وتتنعم بها إلى ما شاء الله. # فهذه هي مصيبتي في لبنان واللبنانيين، فعسى أن تكون هذه الإيضاحات كافية لتبرئتي، وإعفائي ~~من هذا القصاص الشديد الذي حكمت علي به، فقد أظهرت للمأمور العادل كل دقائق الأمور، وتبين ~~له أن الحق على اللبنانيين أنفسهم لا علي. # فأجابه المأمور بعد أن فرك جبهته: إن كل هذه الأعذار التي قدمتها لا تبرئك من تبعة ~~المسئولية، فإن الحاكم يجب عليه أن يكون مخلصا للشعب، محبا له، شفوقا عليه، غيورا على ~~مصالحه، وإذا كان الشعب على الحالة التي ذكرتها عنه، فيجب عليك ms38 تربيته بصرامة القانون، لا ~~أن تجاريه وتسير معه في طريق الغش والفساد، وتساعد على سقوطه. ثم صرخ المأمور بالجنود، ~~وأمرهم بتنفيذ القصاص، فحالا سقطوا على المتصرف المسكين بالجلد، فوقع على الحضيض فاقد ~~الرشد، وصرخت أنا صرخة الفرح، وقلت: «سلم دياتكم»، فإنه باستحقاق نال هذا الجزاء؛ لأنه ~~كان يعد كثيرا ولا يفي، بالقول فتح ميناء جونيه، وعمر البلاد، ووسع نطاق الزراعة، وأنشأ ~~المعاهد العلمية، وجعل لبنان جنة، وبالفعل خرب لبنان، وجعله كإحدى الولايات ~~العثمانية. # فالتفت المأمور إلى الجهة التي صدر منها صوتي، وقال: من هو الذي تجاسر على الكلام؟ أحضروه ~~إلى هنا، فحالا رأيت حنوش ومنوش سائقي إلى أمام المأمور، فقال: اجلدوا هذا الإنسان جلدة ~~واحدة؛ لأنه كثير الغلبة. «فنفضوني» جلدة، يا الله، حسيت روحي طلعت من أظافر رجلي «ريتو ما ~~حدا يدوق» موت أحمر، ثم أرجعوني إلى مكاني مقطوع الظهر، ومنوش من جهة يقول لي: تستاهل «يا ~~ديوس». ~~••• # أخيرا حمل الجنود المتصرف التعيس إلى الداخل، وهو بحالة تنفطر لها الأكباد، ثم رجعوا ~~ومعهم رجل على رأسه عمامة وعيناه «معمصتان»، وعليه هيئة السرساب، وقد عرفت لأول نظرة أنه ~~أحد إخواننا مشائخ الإسلام، ولما اقترب من المأمور صرخ فيه: تحضر لاستقبال القصاص أيها ~~المذنب نحو وطنك، والعامل على تفريق قلوب الشرقيين، بحثك أولادك الإسلام على عدم الاتحاد ~~مع إخوانهم المسيحيين، وتبشيرك بالجامعة الدينية بدلا من الجامعة الوطنية، قد حكمت عليك ~~بثلاثين جلدة من يد سطانائيل الجبار، بقضبان ملتهبة من نار الانتقام. # فلما سمع الشيخ بهذا القصاص شهق شهقة، وغاب عن الصواب برهة، ثم عاد فأفاق وهو يفرك عينه ~~ويبكي وقال: أيها المأمور الشفوق، إن هذا الحكم الذي صدرته علي لهو جائر لا يحتمل، وأنا ~~لست أول من نادى بالاتحاد الديني، فقد تعلمت من الذين سبقوني أن لا أمان لغير المسلم؛ فلذلك ~~حرضت أولاد جنسي على ألا يؤمنوا لغير المسلمين؛ ولهذا يعود الذنب على الأولين، ولو كنت ~~أعلم أن هذا التعصب ذنب لكنت عدلت عنه. # فأجابه المأمور: لا بد من تنفيذ الحكم. وأمر ms39 سطانائيل بالجلد، فرفع هذا يده، ونزل على ~~الشيخ، ومن أول جلدة سقط المسكين لا حراك به. # وقد أثر في منظره، حتى أبكاني وأخذتني الشفقة عليه؛ لأنه بعد تلك الجلدة لم ينبس ببنت ~~شفة، حينئذ قلت بفكري: متى يزول هذا التباعد الواقع بين المسلم والنصراني، إنني أرى ~~النصارى تتقرب من الإسلام وتتساهل معهم، فقد فتحوا المدارس وأنشئوا الجرائد، وكل ذلك خدمة ~~للجامعة الوطنية، ومدوا أيديهم إلى إخوانهم المسلمين، وقالوا لهم: تعالوا نتحد، ونهدم أركان ~~ذلك السد الذي بيننا والحائل دون اقترابنا. ولكن كلما زاد المسيحيون تقربا، زادوا هم تباعدا، ~~فأصبح كل فريق يشتغل لنفسه، ولكن ليس لخدمة البلاد بل لتقهقرها. # فيا أيها المشائخ الأجلاء، اعتبروا بقصاص رصيفكم، واعملوا على تقريب المسلم من أخيه ~~المسيحي، وأوصوا شعبكم بالاتحاد معهم، والتكاتف على النهوض؛ لأن كلمة من فمكم تفعل ما لا ~~تفعله مائة جريدة ومجلة في مئات من السنين، فأحسنوا النية بالمسيحيين إخوانكم بالوطنية، ~~واعملوا معا على الانضمام تحت لواء الجامعة الوطنية، وحرضوا الحكام الذين تتسلطون ~~عليهم ليحكموا بالعدل والمساواة، وينفذوا القانون على الجميع بدون تمييز، ودعوا الدين ~~معززا مكرما ضمن المعابد ولا تمزجوه بالسياسة، وهذا القول يوجه إلى رؤساء النصرانية ~~أيضا. # واعلموا - حفظكم الله - أن النهوض من كبوتنا - نحن الشرقيين - وحل المسألة الشرقية، متوقف على ~~الأمة الإسلامية؛ لأنها هي الدعامة القوية في جسم الأمة الشرقية، ومتى سارت في مقدمة باقي ~~الملل تحت علم الجامعة الوطنية فأنا الكفيل بالفوز القريب، ولكن إذا بقيت على ما هي عليه من ~~الابتعاد وعدم التقرب من باقي الشعوب الشرقية بداعي الدين فالسقوط قريب؛ لأن أفاعي الغرب ~~فاغرة أفواهها لابتلاع بلادنا، فنضيع أخيرا بين تلك الأمم الغربية، ونخسر كل شيء لنا. ~~••• # وبعد أن نفذوا الحكم على الشيخ حملوه إلى الداخل، وهو لا حراك فيه من شدة الألم الذي ~~أصابه، وعادوا وهم سائقون رجلا ذا هيئة كئيبة، فقلت لحنوش: من هذا؟ قال: أحد البخلاء. ~~ولما وقف أمام المأمور أمر بجلده أربعين جلدة على بطنه، فلما سمع البخيل هذا الحكم، جثا ms40 على ~~ركبتيه، ورفع يده ، وقال: ارحمني يا سيدي، وأشفق على مسكنتي، إنني كنت في حياتي «كافي الناس ~~خيري وشري»، لا أتداخل بأمر أحد، ولا أسيء إلى أحد. فأجابه: اصمت يا بخيل، تكفيك هذه ~~الوصمة - وصمة البخل - تطلب الآن الشفقة يا ذا النفس الساقطة، كان الأحرى بك أن تشفق على نفسك ~~التي حرمتها من ملاذ العالم المحللة، مع وجود المال الكثير معك، أنزلوا عليه أيها الجنود ~~- بدون إبطاء - أربعين جلدة من «كعب الدست»؛ لأن وجوده كان في ذلك الكون كالعدم، فكم رد من ~~أمامه جائعا فقيرا، وكم خيب طلب سائل محتاج، وتمنع عن دفع بارة واحدة للمشاريع ~~الخيرية، كم حرم أهله وذويه من أكثر لزوميات الحياة كالإقامة في البيوت الصالحة للسكن، ~~وكالكساء اللازم، وكالمأكولات المغذية النظيفة، كم نادى الدينار: أنت معبودي، أنت سندي ~~ومرغوبي، فابق في جيبي ولا تتزحزح. فسقط الجنود عليه بالضرب حتى أغمي عليه، وفي وسط هذا ~~الإغماء كان يتقيأ الليرات الإنكليزية والفرنساوية والعثمانية، ومنها ليرات من أبي الخمسة ~~وبشالك ومتاليك وزهراويات مقدحة، وغير ذلك من العملة القديمة، التي يظهر أنه جمعها من ~~عهد بعيد، فقلت: ليت شعري! هل أنقذته أمواله من هذا العذاب المر، فقد أهان نفسه في العالم ~~الأول وفي الأخير، وحرمها من الطيبات، وأضر غيره بجمعه تلك الأموال، التي كان يجب أن تكون ~~متوزعة بين أيدي الناس ليستفيدوا منها، وينتفعوا بصرفها. ~~••• # ثم حملوا المنحوس إلى الداخل، «والمصاري تهر» من جميع منافذ جسمه ... وعاد الجنود بشخص ذي ~~عيون كعيون النمس، فقلت لحنوش: لا شك أن هذا الرجل لص. فقال: وهو عند قولك. فلما انتصب أمام ~~المأمور، أمر له بعشر جلدات على يديه، ومثلها على رجليه، فانتفض اللص عند سماعه هذا القصاص، ~~وحنى رأسه وبكى، ثم نظر إلى المأمور وخاطبه قائلا: إن ذنبي لا يستأهل هذا القصاص الشديد، ~~ارفق بحالي، وتحنن على ضعفي، فإن جسمي لا يقوى على حمل هذا القصاص. فقال له المأمور: اسكت ~~«يا حرامي»، تقول إن جسمك لا يقوى على حمل هذا القصاص، مع أنك ms41 كنت تحمل بأسة البريم ، وبالة ~~المقصور الأميركاني، وتذهب بها كأنك «موش حامل شي»، نسيت كل ذلك يا ابن الحرام، نسيت عندما ~~كنت تمد يدك إلى جيوب الناس، وتنشل منها الريال «والسينكونتا ميل ريس»، وربما يكون المسروقة ~~منه بحاجة إلى إعالة عائلته، كم مرة سرقت الدجاج من «القن» بواسطة لم يسبقك إليها أحد، ~~حيث كنت تربط حبة الحمص بخيط وترميها إلى داخل القن، فتنقرها الدجاجة وتبتلعها وتبقي الخيط ~~بيدك، فتسحبها من القن بهدوء وسكينة؛ لأن الدجاجة لا تقوى على الصياح لوجود حبة الحمص مع ~~الخيط بحلقها، نسيت عندما كنت تسطو على عرائش عنب بيض الحمام، وتحرم أصحابها من أكل عنقود ~~منها. # ثم صرخ المأمور: نفذوا الحكم أيها الجند حالا. فما كاد الجنود ينزلون عليه بالسياط ~~المحمية حتى سقط على الأرض كالقتيل. # وقد لحظت على قميصه ماركة «برج إيفل» فتأكد عندي أنها مسروقة من معمل القمصان، الذي يخص ~~معلوف شركاء في سان باولو، وقد يظهر أنه كان «ماسكهم زباين»؛ لأنه علم أنهم قد اشتروا ~~المغسلة بما فيها من العمار والأرض والآلات، فطمع وقال: إن سرقة قميص لا تؤثر ~~شيئا. # لعنة الله على الحرام، ما أقبحه! لأنه مهما تحاشى اللص كتم سرقته، فلا بد من أن تظهر يوما ~~ولو في غير دنيا. ~~••• # وعلى حسب العادة، أدخلوا اللص إلى الداخل، وأتوا برجل عبوس بلحية طويلة، وعليه علائم ~~الحدة والعنفوان، فقلت لحنوش: أليس هذا أحد الكهنة؟ فقال: نعم. فقلت: الكهنة أيضا ~~يحاكمون؟ قال: كهنة، ورؤساء كهنة، ومنسونيورات، وخورفسقفات، وأرشمندريتات، وجميع طبقات ~~الإكليروس، الكل يقفون أمام المأمور بدون استثناء. # فلما اقترب من المأمور قال له: يا أبانا، أريد أن تجلد 14 جلدة، فلا تأخذ على خاطرك؛ لأن ~~العدالة تقضي بذلك. فنظر إليه الخوري وقال بحدة: أي عدالة هذه، لا أفتكر أنني عملت شيئا ~~يقتضي القصاص. فأجابه المأمور: طول بالك يا أبانا، لا تأخذ المسألة بحدة، نعم، أنت لا ~~تفتكر أنك عملت ذنبا؛ لأنك كنت تحل وتربط لنفسك. «اندفوه» أيها الجنود بالقضبان السود، ~~ولكن بهدوء، «لأن أبونا ms42 طبعاته حدين». وغمزهم، فعاود الخوري إلى الاعتراض، وقال: كيف أقبل ~~هذا القصاص المحط من قدري الآن، وكنت في زماني أقف بوجه مطراني غير مهتم له ولا لأحد ~~في الكون، وأيضا قد سافرت إلى أميركا من غير إذن، فكيف أنت الآن تعمل على إهانتي واحتقاري؟ # فجاوبه المأمور: خذ المسألة برواق يا محترم، وافحص ضميرك، تجد أنك تستأهل القصاص، هل كنت ~~تقوم بواجب الإنسانية نحو المنكوبين والضعفاء والفقراء، وتعزيهم في مصائبهم؟ هل أغثت يوما ~~فقيرا ونشلته من مصيبته ولو مؤقتا؟ إن وظيفتك تقضي أن تكون للفقراء نصيرا، وللحزانى ~~معزيا، وللخطاة موبخا، وللمرضى مسليا، وللمصابين مقويا، سيدك أوصاك بالكرز والإرشاد ~~دائما بدون التفات إلى الماديات، فهل سرت حسب وصيته؟ لا أظن ذلك. كنت تسر كثيرا عندما ~~تسمع الطعن والقذف بحق رصيفك الكاهن، وتلتذ مثل إذا «سقسقوا على بطنك موي باردة»، لماذا هذا ~~كله؟ كم مرة صعدت على المذبح وقلبك كله حقد؟ كم مرة لبست وجهك بالمقلوب عندما تكون في ~~الكنيسة؟ ولا تخاطب الناس إلا «بالنبر والقفط»؟ كم مرة ضربت الشماس «المعتر» لغير ذنب؟ أما ~~يكفيه أنه خادم «بلاش»، نسيت لما كنت تنظر من تحت لتحت، عندما تكون الصينية دائرة على ~~الجمهور لترى إذا كانت موفقة أم لا؟ نسيت لما كنت تأكل نصف القداس وتنهيه بربع ساعة؟ ~~نسيت مزاحمتك أنت والخوري طاميش على تكبير الجرس حتى صيرت جرس كنيستك قنطارا ونصف قنطار؟ ~~كم سببت بذلك تسقيط صدور الشبان الذين كانوا يبصقون الدم؟ كل ذلك من تكبير جرسك يا حبيبي، ~~كم مرة ضربت الخورية بعصاة الغليون بدون شفقة ولا رحمة؟ كم مرة ذهبت لعند المطران ووشيت ~~بالخوري روكز؟ كم من الأحزاب عملت؟ وكم من المشاكل أوجدت؟ وأهم شيء كان متمكنا منك ~~العناد، العناد يا أبانا، كان من الواجب أن تكون رقيق الجانب، متساهلا متواضعا، تغفر لمن ~~يسيء إليك لتستحق أن تدعى كاهن الله، كاهن المسيح، الذي هو معدن الوداعة والشفقة والحنان، ~~«ولكن النبيدات كانوا عامينلك قلبك، كنت تشم ريحة النبيذ الطيب سفر سنة.» # فلما سمع ms43 الكاهن هذا الكلام، تنهد وطفرت الدموع من عينيه، وصار يقرع صدره ويقول: خطيئتي ~~عظيمة أيها المأمور، إنني نادم على جميع خطاياي، اعفني من هذا القصاص. فأجابه المأمور: هذا ~~غير ممكن، ما كتب فقد كتب. # فأجابه الكاهن: ما دام العفو محالا فإني أقبل القصاص إكراما لجروحات المسيح. فقال له ~~المأمور: مثل ما تريد يا أبانا. حالا «ندفه» الجنود 14 جلدة مؤلمة أفقدته صوابه، فحملوه ~~أخيرا إلى الداخل، وعادوا برجل حركاته كحركات «أبي زهرة». ~~••• # فقلت لحنوش: لا شك أن هذا الرجل صحافي. قال: هو عند قولك. فلما وقف أمام المأمور أظهر ~~الخضوع، وحياه تحية معتبرة، ثم لفظ خطابا وافتتحه بقوله: أطال الله بقاء مأمورنا ~~المعظم وحاكمنا المكرم، ومتعنا بعدله وحلمه، فإنه - حفظه الله - معدن الرحمة والشفقة، كريم ~~النسب، غيور ووطني صادق ... # فقاطعه المأمور بقوله: ما هذا «الطق الحنك»؟ هل تريد أن تنشئ جريدة هنا؟ أما كفاك ~~تدليسا وتبخيرا في تلك الدنيا حتى جئت الآن تعيدها؟ هل تظن أن هذه العملة تسلك هنا كما ~~تسلكها هناك؟ «ألبخوه» أيها الجنود 30 جلدة من قضبان الرصاص. فصرخ الصحافي وقال: العفو يا ~~سيدي، فإني لا أعرف لي ذنبا يستحق هذا القصاص، هذا جزاء من كرس نفسه لخدمة العموم؟ يا ~~الله ما هذا الظلم؟ فصاح به المأمور: اصمت يا ثعلب، إن ذنبك عظيم لا يغتفر، نسيت أنك قلت: ~~إنني سأخدم وطني ومواطني الخدمة المنزهة، وأضحي مصلحتي الذاتية حبا بالمصلحة العمومية. ثم ~~بعد مدة قصيرة أخلفت بوعدك هذا، وبعت مبدأك باشتراك واحد، كم مرة تظاهرت بالغيرة على ~~الدين وأنت جاحد لا تؤمن بشيء؟ كم مرة اتخذت الطوائف وسيلة لتنفيذ غاياتك وترويج جريدتك عند ~~البسطاء، وناديت: الأرثوذكسية قد أهينت، انهضوا يا قوم، وقفوا بوجه الجريدة التي تقصد إهانة ~~الملة والدين؟ # ثم تميل إلى جهة أخرى وتنادي بأعلى صوتك: يا بني مارون، إن الصحافي الفلاني قد أهان ~~طائفتكم، أهان رؤساءها، كل ذلك لكي تلقي الشغب والفساد في الناس يا كاذب، كم مرة كتبت ~~مقالات الطعن والقدح بقلمك وذيلتها بإمضاء سوري، ms44 أو وطني حر، أو «ب. ع.» أو «خ. ر.»؟ كم مرة خنت ~~ضميرك وسكت - حبا بذاتياتك - عن المطالبة بحقوق الشعب الذي تجندت لخدمته؟ كم مرة تظاهرت ~~بالغيرة على الوطنية ثم انقلبت عليها لما لم تجد فائدة مادية؟ أين مبدؤك؟ أين عهودك يا ~~منافق؟ إذا كنت لم تخجل من القراء أفلا تخجل على الأقل من رصفائك، وتخاف من أن تصغر في ~~عيونهم؟ أنسيت ادعاءك ومظاهرتك بالترفع، مع أنك كنت «أحمر من أبي حيط» لا تعرف كيف تفتكر ~~ولا كيف تكتب، إن ثوب الغش والتمويه رقيق شفاف، فلا يلبث أن يظهر كل شيء تحته. # وأهم ما كنت تفعله النميمة، والمساعي الشريرة، والكذب، ومحبتك ضرر رصفائك، حتى كنت تشتهي ~~لهم الموت ليخلو لك الجو - كفى كفى - نفذوا القصاص أيها الجنود بكل سرعة. فلما سقطوا عليه ~~صرخ: «دخيلك أمان جانم»، إنني أتوب يا سيدي، أتوب، اعف عني، ارحمني، فإني لا أعود ثانيا ~~إلى التدليس، ولا أغير مبدئي، ولا أكذب، ولا ... ولا ... فجاوبه المأمور: لا يلزمنا جريدة هنا، هذا ~~الكلام كان يصح قبل الآن، امتنع عن الكلام وإلا ضاعفت لك القصاص. ولم ينهوا جلده حتى صار ~~صاحبنا في عالم الغيب مما أصابه من الأوجاع؛ لأن الضرب كان بالأكثر على أصابع يده اليمنى ~~التي كان يقبض بها القلم، فحملوه بعدئذ إلى الداخل. ~~••• # وعاد الجنود ومعهم رجل مهاب، على عينيه نظارات، يمشي بتأن، فقلت لحنوش: من هذا؟ قال: ~~أحد الأطباء. # ولما اقترب من المأمور قال: إنني أستغرب كثيرا يا حضرة المأمور من استدعائي للمحاكمة؛ ~~لأن طبيبا مثلي حائزا على شهادة الدكترة بالطب، فضلا عن الألقاب العلمية مثل: «ب. ع.»، و«د. ~~ف.» وما أشبه ذلك من الحروف ... لا يفعل شيئا يستوجب المحاكمة، فقد يصعب علي الوقوف هنا ~~كمذنب، وأراني متأثرا جدا من هذه الإهانة التي لحقتني الآن. # فجاوبه المأمور بقوله: «لا تأخذ على خاطرك» يا جناب الدكتور، فلو لم تكن مذنبا لما كنت ~~دعيت إلى الوقوف أمامي الآن، فإن التشكيات من أعمالك كانت تتصاعد إلى هذه الدنيا بتواتر ms45 من ~~المرضى الذين كنت تداويهم، وخصوصا الفقراء منهم؛ لأنك ما داويت مريضا إلا «وتجيب آخرته» ~~كونك لم تراع حالة الأشخاص، وظروف المكان والزمان، فكنت تصف الدواء كما تعلمته من المدرسة، ~~بدون أقل فلسفة ولا تفكير بحالة المريض الوراثية، ومعيشته العائلية، فضلا عن حرفته وما ~~يتعلق بها، وكثيرا ما كنت تصف الدواء قبل أن تتحقق المرض، مستخفا بحياة البشر الثمينة، ~~التي كان يجب عليك - بعد أن عاهدت نفسك على القيام بهذه المهنة الشريفة - صيانتها والاعتناء ~~بها، وإنقاذها من الأمراض على قدر استطاعتك. # فأجابه الطبيب: إن ما بلغك أيها المأمور هو غير صحيح، واسمح لي بأن أقول لك: إن في قولك ~~مبالغة. # فأجابه المأمور: إن ما أقوله حق، وليس فيه أقل مبالغة، ولا لزوم للأخذ والرد، فقد حكمت ~~عليك الآن بجزاء ... # فقاطع الطبيب المأمور بقوله: قبل أن تحكم علي أيها الفاضل تبصر بالأمر جيدا؛ لأنني - كما ~~سبق القول - بريء مما اتهمت به، وإذا كنت لم تزل بريبة من قولي، فيمكنك أن تختبرني بأحد ~~المرضى هنا، فإذا وجدت بعدئذ في قصورا وعدم خبرة في فن الطب فلك ما تريد من القصاص، ~~فإذا أجبت سؤلي وليتني ممنونية كبرى. # فقال المأمور: «أستغفر الله يا دكتور»، فإن ما طلبته عدل. والتفت إلى الجنود وقال لهم: ~~اذهبوا وأحضروا ذاك الرجل المريض المرتمي في الداخل. وفي الحال أتوا برجل ذي هيئة كئيبة ~~من الخمول، عيناه كبرك الدم، ووجهه منتفخ ذو احمرار مائل إلى الزرقة، رجلاه ضخمتان، ~~وعلائم الانحطاط بادية عليه، فقلت لحنوش: من هذا المصاب بهذه العاهات؟ قال: هذا أحد ~~المدمنين على شرب المسكر. # ولما اقترب العليل أشار المأمور إلى الطبيب لكي يفحصه بتدقيق، ولا «يتحجج» بشيء، فإن كل ~~لوازم التطبيب كالسماعة والقراعة وميزان الزئبق وغيرها موجودة. # فاقترب الطبيب، وأخذ يفحص العليل، وبعد أن تمم ذلك التفت إلى المأمور وقال: إن العليل ~~مصاب بداء الزهري. # فنظر إليه المأمور مبتسما وقال: غلطان يا جناب الدكتور. دقق جيدا بالفحص، فأعاد الطبيب ~~ثانيا ثم قال: لا يستبعد أن يكون داؤه مرض ms46 النقرس؛ لأن هذا الداء يشبه ببعض أطواره داء ~~الزهري. # فأجابه المأمور: إذن لم تتحقق للآن مرض العليل؟ # فقال الطبيب: لا أخفي - حضرة المأمور - أن الأمراض الباطنية تصعب معرفتها قبل أن تجرب فيها ~~الأدوية. # أجابه: إذن تريد أن تداوي المريض «عالخيري»، ما شاء الله يا حضرة الدكتور. فقال الطبيب: ~~اسمح لي لأعيد الفحص مرة أخرى وأدقق جيدا. # أجابه: لك ما تريد يا دكتور، بشرط أن تكون هذه المرة هي المرة الأخيرة. # وبعد أن أعاد الفحص للمرة الثالثة، وقلب العليل ظهرا لبطن، «وحرق مسينو بالمقلوب»، ~~قال: أظن أن مرضه غير قابل للشفاء، نظرا لتراكم ال... # فحالا قاطعه المأمور بقوله: كفى، كفى. «بينت غزلتك». هل لك بعد هذا أن تكذب ما قيل عنك إنك دجال، وكل بيت تدخله يتبعك إليه عزرائيل؟ ~~هل تظن أن المدرسة والألقاب تصنع أطباء؟ ليتك تعلمت الدباغة لكان أفيد لك، فإن للطب أناسا ~~خلقوا له وهو خلق لهم. # ولكي أبين لك ماهية مرض هذا الرجل، سأحضر في الحال الطبيب القانوني الماهر الدكتور ~~«شمروخ»؛ لكي يفحصه أمامك، وينبئك عن مرضه، ثم يشرحه لترى الأعضاء المصابة بأم عينك، وبعد ~~ذلك أنفذ الحكم عليك قصاصا لك، وعبرة لسواك. # فبهت الطبيب، واصفر لون وجهه، وألقى بنظره إلى الأرض. # وأرسل المأمور حينئذ، ودعا الدكتور شمروخ، فحضر للحال، وأمره بفحص المريض ففحصه حالا، ~~وقال: إنه مصاب في كل أعضائه الرئيسية بالتهابات حادة، وأسباب ذلك معاطاته المسكر. # فتنحنح المأمور والتفت إلى الطبيب «ب. ع.» وقال له: ما رأيك؟ # فجاوبه بنظرة من «تحت لتحت» بدون أن يقول كلمة واحدة. # وبعد ذلك صرخ المأمور بالسكير، وقال له: أيها الشقي المجرم، إن جزاءك الآن التشريح، حتى ~~تكفر عن ذنبك بإفادة الطب، بتمثيل أعضائك الداخلية للعيان. # فصاح المسكين قائلا: ارحمني أيها المأمور المحترم، إنني نادم من كل قلبي. # فأجابه المأمور: تطلب الرحمة يا شقي، كنت ترحم على الأقل امرأتك وبنيك، عندما كنت تتركهم ~~النهار بطوله بدون زاد، وتأتي في المساء «عميان» من السكر، فتطعمهم بدل الخبز ضربا ولكما، ~~وبدلا من ms47 أن تقابلهم بالكلام اللين والعاطفة الأبوية ، كنت تنفجر كالبركان بالسباب ~~والشتائم والقول المعيب، حتى اضطررتهم أخيرا إلى التسول، وقدتهم إلى التعاسة، وجعلتهم من ~~أولاد الأزقة، وصيرت امرأتك التي يجب أن تكون وإياها جسدا واحدا، بحالة لا يرضاها لها ~~العدو فضلا عن الصديق، وفوق كل ذلك فقد هدمت بناء جسدك بما أدخلته فيه من الكحول، وجعلته ~~أن يتلاشى وينحط، الأمر الذي ألبسك جناية القتل. # فقال السكير وهو يتلعثم: إنني أتوب يا سيدي، اعف عني، فإني لا أعيدها مرة ثانية، «وعيب ~~علي» إذا كنت أذوق العرق بعد أو النبيذ أو الكاشاصا أو الويسكي، وغير البيرا وقليل من ~~الفرموت قبل الأكل لا أشرب، فأشهد علي بذلك، والله خير الشاهدين. # فقال له المأمور: «إنشا الله تضل بخير». وحالا أمر الجراح بتشريحه، وبأسرع من لمح البصر ~~بنج الجراح السكير، ومدده على طاولة، وشقه من أعلى صدره إلى أسفل بطنه، ثم نادى رصيفه لكي ~~يساعده، وينظر إلى العلل التي أورثها شرب المسكرات، فأول ما تناول فحص الرئة، فكانت متكمشة ~~من الخلل الحاصل من وقوف حركة الدم فيها، وعدم تمكنها من الحصول على الهواء النقي، لانسداد ~~شعبها، وفي أثناء الزفير والشهيق كان يسمع صوتا كصوت الصفارة تماما، وكان لون الرئة قاتما ~~قبيحا. # ثم مد يده إلى القلب فوجده مضطربا، وضرباته غير منتظمة، وهو أشبه بحالة صاحبه المتعبة، ~~ثم فحص المعدة فوجدها مفحمة محترقة من تأثير الكحول عليها، وهي لا تقوى على هضم الطعام، ~~فتتركه للأمعاء بدون أن تأخذ منه شيئا مما يحتاجه الجسم من الغذاء. # وبعد ذلك أخذ بفحص الكبد، ذلك العضو الكبير الحجم، والأكثر قبولا لأضرار المسكر؛ نظرا ~~لقربه من المعدة، فوجد الالتهاب قد تطرق إلى كل أجزائه، وأصبح منظره مخيفا، وهو أشبه بكتلة ~~من اللحم المنتن الفاسد. # ثم فحص دم العليل فوجد المادة الليفية ضعيفة فيه؛ ولذلك لا يمكن لهذه المادة بعد أن تمسك ~~قوام الدم في حالة نزفه، ولو كان من أصغر جرح في الجسم. # وفي أثناء العملية تصاعدت رائحة كريهة من جوف السكير، ms48 ملأت المكان حتى تعسر على الناس ~~التنفس؛ ولذلك سمع صوت من الداخل يقول: «ما هذا يا حضرة المأمور؟! فقد زهقت أرواحنا من هذه ~~الرائحة الكريهة، وصرنا نخاف أن تتفشى الأوبئة بيننا، فاعلم أن المسئولية عليك ~~وحدك.» # فالتفت المأمور إلى الداخل وقال: من هذا الذي تجاسر ورفع صوته؟ فقال جندي: إنه أحد المحامين. ~~قال: تحفظوا عليه ريثما ننهي محاكمة الطبيب. # وأخاط الجراح جراح السكير، وعمل كل ما هو واجب لحفظ حياة العليل، ثم تحول إلى فحص ~~الرأس، فشقه من الجهة الخلفية، فظهر الدماغ للعيان يشبه خارطة مرتسما عليها خطوط وزوايا ~~وتعرجات وعلامات. # فقال الجراح لرصيفه: انظر كيف فعل الخمر بالرأس، انظر كيف أن خطوط الفطنة والإدراك قد ~~فقدت بالكلية، وزوايا الحافظة قد تكسرت، انظر الاضطراب الحاصل فيه، انظر إلى الأوعية ~~الدموية كيف هي مائتة، ومكان العقل فيه قد صار في ظلمة مدلهمة، وقد أصبح كدماغ الخنزير ~~تماما. # وبعد هذا كله ضمد الجرح، وأعاد كل شيء إلى حاله الأصلي، ومنع البنج عن السكير، فأفاق وهو ~~غير شاعر بشيء، إلا أن المأمور أمر بأن تفرك جراحه بالملح قصاصا له على ما أتاه من الذنوب ~~والمعاصي من جرى إدمانه على شرب المسكر. # فنفذ الجنود الحكم على التعيس، وهو يصرخ ويستغيث، ولا من مغيث، ثم حملوه إلى الداخل، ~~وذهب الدكتور شمروخ من حضرة المأمور، وبقي الطبيب المذنب وحده، ففاتحه المأمور بقوله: كيف ~~حال الدكتور بعد هذا الفحص؟ أين شهادتك؟ أين «ب. ع.» و«بلوط»؟ قد حكمت عليك بخمسين حقنة مورفين ~~تحت الجلد، وإن فهت بكلمة واحدة جعلتها مضاعفة. # فعض الدكتور على إصبعه، وبكى بكاء مرا، ثم قال: هذا جزاء الكسل والإهمال، فإني أستحق ~~القصاص، وبعد هنيهة أتوا بالحقن، وابتدءوا بحقنه، فتخدر جسمه وتورم، ولسان حاله يقول: طابخ ~~السم آكله. ~~••• # بعد هذا نظرت إلى حنوش، ذلك الصديق المحبوب، وقلت له: يا أخي حنوش، إن أمثال هذا الطبيب ~~كثيرون على الأرض، فإن الواحد منهم يكتفي بالحصول على شهادة المدرسة التي يتعلم فيها، ولا ~~يعود بعد خروجه منها يتعب ms49 نفسه بالدرس والتنقيب والتمرين لاكتشاف المفيد من العلاجات ~~لتخفيف ويلات البشر. # كم كنت أرى الطبيب يدخل إلى بيت العليل بوجه عبوس، وجبهة قاطبة، كأنه ذاهب إلى خصام ~~وقتال، فيسرع حالا إلى جس نبض المريض، ثم يطلب منه مد اللسان، فيراه وقبل أن يحقق جيدا ما ~~هو مرضه يأخذ القلم، ويكتب الوصفة على التخمين، ويذهب غير ملتفت إلى جسم المريض، إذا كان ~~بحاجة إلى غسل وتنظيف، ولا يستفحص عن المأكول والمشروب الذي يأكله، ولا عن المسكن إذا كان ~~صالحا لإقامة المريض فيه، ولا يتحرى الأسباب التي قادت الشخص إلى المرض ويمنعها، ولا يوصي ~~أهل البيت بضرورة تجديد هواء غرفة المريض، ومنع الاجتماعات عنده وكثرة اللغط والتدخين؛ كل ~~هذه الأمور المهمة يهملها الطبيب جانبا، ويتكل على ملعقة الدواء! فماذا تنفع الأدوية إذا ~~كان لا يمنع أسباب الأمراض، ويساعد المصاب على إزالتها؟! فالعقاقير الطبية مهما كانت خالصة ~~من الغش نافعة، فإنها لا تفيد شيئا إذا لم تقرن مع المعيشة «الهيجينية»؛ أي: الاقتصار على ~~المآكل البسيطة المغذية، واستنشاق الهواء النقي، والسكن في الأمكنة الجيدة المناخ، مع نظافة ~~الجسم وإراحة العقل، والرياضة الخفيفة. # كل هذا يا حبيبي حنوش هين بجانب مداواة الأطباء للفقراء، قد يداوونهم ويطببونهم، ويكتبون ~~في الجرائد وعلى أبواب بيوتهم أنهم يداوون الفقراء مجانا. نعم، يداوونهم مجانا ولا أنكر ~~ذلك، ولكن كيف تكون هذه المداواة وأين؟ هل يذهبون إلى بيوتهم كما يذهبون إلى بيوت الأغنياء؟ ~~كلا، بل يجب على المريض الفقير - مهما كان مرضه - أن يذهب إلى محل عيادة الطبيب، مسكين ذلك ~~الفقير المصاب بذات الرئة أو بالحمى، فإنه يلتزم أن يترك فراشه، ويذهب ماشيا على قدميه ~~المائتين والهواء البارد، ينشر عليه عباءة من القشعريرة فتزيد في مرضه، مسكين الفقير المصاب ~~بداء المفاصل المضطر إلى المداواة، فإنه يذهب متوكيا على عصاه، تسنده أمه أو امرأته أو ~~ولده، ويذهبون به إلى المداوي الذي يكتب له الوصفة من غير أن يعزيه بكلمة أو يطمنه ~~بابتسامة، فيأخذ المسكين زجاجة الدواء معه ظانا أنه أتى بترياق الحياة، ms50 فيصل إلى بيته ~~منهوك القوى ، لا يقوى على الكلام، ثم يأتوه بملعقة ربما تكون بيد الأولاد يلعبون بها في ~~الأرض، أو تكون من نحاس وعليها الصداء المسم، فيتناول بها الدواء لجهله، ويتركها على كرسي ~~أو يرمي بها على طاولة قذرة فتتلوث بالجراثيم؛ فيزيد بذلك مصاب العليل بزيادة العلل، وقد ~~لا يكون عنده قدح من الزجاج ليشرب به، فيستعمل الوعاء الذي تستعمله العائلة، ويكون مع هذا ~~كله نائما على فراش ناشف في غرفة مظلمة، يوقدون فيها النار ويشعلون في الليل قنديلا من ~~زيت البترول، وينام فيها أكثر من أربعة أو خمسة أنفس. # مسكين الفقير الذي يصاب بألم الأضراس، فإنه لا يجد من يداويه ويخفف عنه أوجاعه المرة؛ ~~لأن أطباء الأسنان لا يداوون الفقراء مجانا، فبعد أن تنكد عيشه الأوجاع يذهب إلى أحد ~~الحلاقين، فينزع له ضرسا أو ضرسين في وقت واحد، فيخسر بذلك أهم عضو في جسمه، ويفرط عقد ~~أسنانه الذي عليها تتوقف لذة الحياة، وجمال الوجه، وراحة المعدة، وحسن التغذية. # تصور يا عزيزي حنوش هذه الحالة المحزنة، وقل: مسكين الفقير الجاهل، مسكين؛ ما أشقاه عند ~~حلول المرض على جسمه، مسكين الفقير الذي يكون في بلاد ليس في رؤسائها وحكامها وأطبائها ~~رحمة ولا شفقة، فقد يداس ويسحق. # هذا، ولا أنكر أنه يوجد بعض الأطباء ذوي عواطف شريفة، تطفح الرحمة من قلوبهم، برعوا في ~~مهنتهم، فلا يصفون الدواء قبل تحقيق الداء، فيطببون الفقير بعناية كما لو كانوا يطببون ~~الغني، وكثيرا ما أنفقوا من جيوبهم ثمن الدواء، وسعوا في ترغيب الفقراء الذين يخافون من ~~المستشفيات وذكرها - لاعتقادهم أن من يدخل إليها لا يخرج منها إلا مائتا - إلى الذهاب إليها؛ ~~لأنها أصلح للمعالجة من البيوت، ولكن هؤلاء الأطباء الرحماء قليلون. ~~••• # بعد أن حملوا الطبيب إلى الداخل، أمر المأمور بإحضار المحامي الذي تجاسر على الكلام في ~~أثناء محاكمة الطبيب، فذهب بعض الجنود لإحضاره، وبعد هنيهة عادوا وهم يقولون: إن المحامي ~~عاص، لا يريد أن يحضر إلى هنا، فقد تطاول على مقامكم بالكلام، ونسب إليكم الظلم ms51 ~~والاستبداد والإخلال بالحكم. فأمر بإحضاره بالقوة الجبرية إذا تمنع ثانيا عن الحضور، فدخل ~~الجنود ثانيا، وكان قد اجتمع حول المحامي أكثر رصفائه المحامين، وتعصبوا ضد الجنود، ولما ~~وجد الجنود ذلك استعملوا القوة، وأتوا بالمحامي وهو يصرخ ويصخب، ويقول: إنني لا أقبل بحكم ~~المأمور؛ لأنه ظالم شرير مستبد، أريد أن أميز الدعوى إلى المحكمة العليا. # ولما أوقفوه أمام المأمور انتهره هذا بقوله: إني سأزيد بقصاصك أيها الوقح لمخالفتك النظام، ~~ولتطاولك علي بالكلام، ولعصيانك الجنود، ولما سببته من الشغب، وخرق حرمة النظام، هل تظن ~~أنك تقدر على استعمال وظيفتك في هذه الدنيا كما كنت تستعملها على الأرض «طويلة على دقنك»؟ ~~فأجابه المحامي: إن الحرية المعطاة لنا من لدن الخالق تخولنا أن نطالب بحقوقنا أينما كنا، ~~ومهما كنت مستبدا فلا تقوى على إسكاتنا والضغط علينا، أنت ظالم أيها المأمور، أنت ~~غشوم. # فتأثر المأمور لهذه الإهانة، وصاح: كتفوه أيها الجنود، واضربوه «بنبوت الغفير» خمس ~~ضربات. فصرخ المحامي ورفس الأرض وقال: إن الضرب للبهائم، لا «للأوادم»، احذر من أن تنفذ ~~هذا القصاص علي؛ لأنه مخالف للشريعة، هل تظن أنك تقدر على أن تسوق الكل بعصا واحدة، ألا ~~تعلم أن المحامين - ولو كانوا بعض الأحيان يستعملون الحيل والمواربة - هم دعامة الأمة ورجالها ~~العظام؟! انظر إلى كل الحكام والوزراء والقضاة في العالم، فإنهم كلهم كانوا محامين، تيقظ ~~جيدا فإن البند الماية والسابع والأربعين من القانون يجعل لي الحق بتمييز دعواي، والقساوة ~~التي استعملتها نحو الأنفس قد هيجت في القلوب نار الثورة، التي ربما لا يتمكن أحد من ~~إخمادها إلا بعد أن تسيل الدماء أنهارا. # فالتفت المأمور إلى الجنود وهو متهيج بالغضب، وقال: انزلوا عليه بنبابيت السنديان ~~القاسية. فسقطوا عليه حالا وهو يصرخ: فليمت الاستبداد، فليسقط المأمور، ولتعش ~~«الأبوكاتية». # وفيما هم على هذه الحالة، إذ سمع صراخ وصياح في الداخل، ثم تعاظم كثيرا، وكنت أسمع هذه ~~التقاطيع: فليمت المأمور، فليسقط الظلم والظالمون. حينئذ أقبل أحد الجنود يرتجف خوفا وهو ~~يقول: ثورة يا سيدي المأمور في الداخل، قد أصلوا ms52 نارها «الأبوكاتية» انتقاما لرصيفهم الذي ~~أمرت بضربه، قد هيجوا الأنفس كلها بما ألقوه من الخطب الحماسية ضدك، والحالة حرجة جدا، ~~فأسرع لتدارك الأمر قبل استفحاله. # فوقف المأمور مذعورا، وأمر بالنفير، فاجتمع الجنود من كل جهة، ولما وجد أن الحالة زادت ~~خطارة أعلن الحكم العرفي، وقال: ويل للمحامين، ويل للمنافقين ... أما كفاهم قلة دين وتلاعب ~~بحقوق البشر على الأرض حتى اتصل بهم الأمر إلى إقلاق الراحة، وتهييج الأنفس في هذه الدنيا ~~أيضا، إنني «سأربي القمل في رءوسهم». # ولم يمض إلا القليل من الوقت حتى اشتبك الجنود مع الثائرين، وعلت الضوضاء، وتواترت ~~الطلقات النارية، وصار الجنود يلقون القبض على كل من يرونه أمامهم، فوقعت الرعبة في القلوب، ~~وتعاظم الخطب، وانقطع التواصل بين الأنفس. ~~••• # فأسرع حنوش ومسكني بيدي وقال: اتبعني بعجل حتى لا تصاب بمكروه؛ لأن الحالة حرجة، ~~والأحكام العرفية شديدة الوطأة. فذهب بي إلى مكان ساد فيه السكوت، فشعرت بانشراح بعد تلك ~~الشدة، ثم قال لي: أنت الآن يا أبا الأجران مشرف على طريق السعادة، وسترى أجواق الصديقين ~~صاعدة فوق هذه السحب البيضاء الجميلة إلى العلى، حيث السعادة الدائمة، فإني سأتركك برهة ~~وأعود إلى المكان الذي كنا فيه لأرى ماذا جرى بأمر الثورة. # فقلت له: إياك تهملني يا صديقي حنوش، فإني أخشى أن تذهب وتتركني قبل أن أحاكم. فقال: هذا ~~لا يمكن، فإني سأعود إليك قبل أن أذهب إلى أرضكم لجلب الأرواح. فقلت له: أيها الصديق الذي ~~ليس في صداقته غش، إذا كلفتك بغرض ما هل تتمه لي؟ أود أن أبعث معك رسالة إلى صديق لي على ~~الأرض اسمه فنيانوس، وأظنك ما نسيته، فإنه ذلك الشاب الذي كان يبكي ويتفجع ساعة موتي، وقد ~~وعدته بأن أطلعه على بعض ما يحدث لي في هذه الدنيا، والآن أحب أن أكتب ما شاهدته، فهل لك أن ~~تفعل معي هذا الجميل وتنقل إليه رسالتي. # قال: إن طلبك هذا صعب المنال يا أبا الأجران؛ لأن المراقبة شديدة على الملائكة الذين ~~يذهبون إلى أرضكم، فكم من الناس غيرك ms53 حاولوا إرسال بعض الأخبار عن هذه الدنيا إلى تلك ~~الديار ولم يفلحوا، ولكن ... ولكن اكتب أنت الآن ما تريد أن تكتبه، وبعد عودتي ننظر في ~~الأمر، لعلنا نهتدي إلى طريقة تكون سليمة العاقبة. # بعد هذا ذهب حنوش وبقيت وحدي في ذلك المكان الجميل، الذي لم تر عيني أبهج منه، فأخذت أكتب ~~وقد جادت قريحتي، وصار فكري يسبق قلمي بسرد الحوادث وتبيانها، وبقيت مجدا في التحرير إلى ~~أن سردت كل ما جرى لي، وما رأيته من اليوم الذي فارقتك فيه إلى الآن، وفيما أنا أكتب كنت ~~أسمع أصوات الصاعدين إلى العلى من الناحية اليمنى، يرتلون ويترنمون بالتسابيح المطربة ~~الشجية، وقد حجبت عن ناظري الغيوم البيضاء رؤية هؤلاء الصديقين السائرين مع السحب نحو ~~السعادة، وهذه الأنغام الرقيقة المنعشة للنفس كانت كأصوات الأجراس التي تقرع في ليلة ذات ~~أرياح، فتارة تقوى وتارة تضعف تبعا لسير الرياح، وتترك في الفضاء الواسع صدى حفيفا ~~لتلك الأصوات الجميلة. # وكانت أصحاب تلك الأصوات تتراءى كالأشباح من وراء السحب الشفافة بأثوابها البيضاء، وما ~~أشبهني في هذا الوقت بصاحب الرؤيا الغريبة. # وفيما أنا على هذه الحالة سمعت من الجهة الخلفية صراخا وضوضاء، فأيقنت أن الثوار قد ~~أقبلوا إلى هذا المكان، فارتعدت فرائصي، واضطربت بكليتي، وأصابتني في الحال قشعريرة، ~~واستولى علي الخوف لوجودي منفردا في هذا المكان، فوقفت مكاني رافعا نظري إلى فوق، ~~فشاهدت عن بعد سحابة بيضاء سائرة نحو العلى، ملتفة حول جوقة ترنم وتسبح بأصوات منعشة ~~رخيمة، وكانت من أطرب ما سمعته أذني، وشد ما كانت دهشتي عندما ظهر لي من خلال تلك السحب ~~راهبات جاثيات، متشحات بالبياض، وعلى رءوسهن الأكاليل، رافعات أيديهن إلى العلى، ومن شدة ~~بهجتي وسروري بمرآهن الملائكي، صرخت وأنا على هذه الحالة المطربة، تعالي إلي أيتها ~~العذارى الطاهرات، اقتربن مني وأبعدن عني الخوف والفزع، اقتربن يا من كنتن رحمة للإنسانية، ~~فإن بقربكن شجاعة لي وقوة. ولما سمعن ندائي اقتربن قليلا، وهن ملتفتات إلي بوجوههن ~~الطافحة بشرا ومحبة، وقلن: تشجع أيها الأخ ولا تخف، فإنك ms54 في مكان أمين. # وما كدن ينهين كلامهن حتى صعدن إلى الأعالي ببطء وهدوء، فرفعت يدي وصرخت بأعلى صوتي: قفن ~~أيتها الصديقات، قفن لأمتع نظري بمرآكن المعزي، طوباكن يا ذوات الشفقة والحنان، أما كفاكن ~~أتعابا على الأرض بحملكن مصائب البشر، حتى جئتن إلى هنا وكنتن سببا لتحفيف ويلاتي ~~وتشجيعي. قفن قليلا لأسبح معكن الخالق لعله يستجيبني ويخلصني. مهلا أيتها النقيات، ولا ~~تتوارين عن نظري بسرعة، مهلا يا من كرستن ذواتكن لفادي البشر، وكنتن على الأرض رحمة ~~للعالم، إن السعادة لمثلكن، يا من وجدتن في محيط لا يعرف إلا كلمة أنا، أنا، كل شيء ~~يتطلبه لنفسه، فلا يشبع ولا يرتوي، أعمته الأنانية، وجعلته يدوس أخاه في الإنسانية، ولا ~~يبالي بسقوطه، فكنتن بين هذه الخشونة تنادين ليس لنا بل للفقير، لليتيم، للبائس، للمتوجع، ~~للمنقطعين، للمرذولين من الهيئة، للإنسانية أجمع، لا تتطلبن شيئا إلا القوت. # آه ما أشرف عواطفكن وأرق إحساساتكن! كم جبرتن من القلوب المنكسرة بكلامكن المعزي! ~~كم داويتن من المرضى الذين تركوا من أهلهم وأصدقائهم وكنتن لهم خير مواس وأكبر معين! كم ~~وقفتن على الأبواب متسولات مستعطيات لتطعمن اليتامى الفقراء! كم كنتن تذهبن إلى المقابر، ~~وتجثون على قبور المنقطعين وتصلين عن نفوسهم، وتضعن من زهور الحقل ضمات على تلك القبور ~~العارية فتنعشنها! أنتن إذا نظر إليكن الجاحد الذي لا يؤمن بالثواب والعقاب يعود إلى ~~الإقرار بذلك، إذ يسمع صوتا في قلبه يقول له: من المستحيل أن تذهب أعمال كأعمالكن في ~~العالم الآتي بدون جزاء، فإذا كان لا يوجد ثواب وعقاب، فلا فرق إذن بينكن وبين من كرسن ~~ذواتهن للرذيلة والفحشاء. # طوباكن، طوباكن يا من كنتن قدوة طاهرة للفتيات. طوباكن يا من أنكرتن ذواتكن ونذرتن الفقر ~~الاختياري حبا بالله والقريب. اصعدن إلى الأعالي واجلسن في الأماكن المعدة لكن، اصعدن ~~وصلين لأجل أبي الأجران هذا الخاطئ الرافع يديه الآن نحوكن؛ لكي يكون معكن يوما يسبح ~~الله ويمجده، صلين لأجل أخي فنيانوس كي لا يحيد عن سبل الحق. اطلبن من الرب؛ لأن طلباتكن ~~مستجابة لكي ms55 يلهم من بيدهم الأمر والنهي في العالم ليتجنبوا أسباب الحروب المخيفة. اطلبن ~~على الأخص لكي يسكب على قلوب ولاة أمورنا نعمة العدل؛ لترتفع عن عاتق الرعية المظالم ~~والمغارم. تضرعن لأجل المهاجرين السوريين المتفرقين في أربعة أقطار المسكونة؛ كي لا تنطفئ ~~في قلوبهم نار المحبة لبلادهم، حتى يعودوا يوما إليها، ويشفوا قلوب والديهم من لوعة ~~الفراق. اطلبن للشبان منهم سلامة من الأشراك المنصوبة لهم التي تجلب الأمراض والعاهات؛ ~~ليعودوا أيضا إلى أرض لهم فيها من هن بانتظارهم ليكن لهم شريكات في الحياة ...؟ # تضرعن لأجل وقوف المهاجرة السورية عند حد، فقد أصبحت البلاد خالية خاوية من الرجال، وكل ~~ذكر من سن الخامسة عشرة إلى سن الخمسين قد هجر البلاد، إنها لحالة مخيفة ومحزنة معا لم يدون ~~مثلها المؤرخون. # ولبثت رافعا نظري وباسطا يدي، ومناديا إلى أن توارين عن عيني، فالتفت إلى الوراء وأنا ~~أمسح دموعي المتساقطة، وأتنهد تنهدات عميقة، وقد نشف ريقي من كثرة النداء، فرأيت حنوش ~~قادما، ولما وصل ورآني على هذه الحالة المؤثرة سألني عما أصابني، فأخبرته بالأمر، ثم قال: ~~هيا بنا لنعود إلى المكان الذي كنا فيه كي تنتظر المحاكمة، وأخبرك أن الثوار قد فازوا ببعض ~~مطاليبهم، وعين مأمور جديد غير ذلك الذي سبب الثورة بكثرة ضغطه وقساوته، واعلم يا أخي أبا ~~الأجران أنه لولا الثورات لما استقامت حكومة، فإن الثورة في أكثر الأحيان تكون دواء شافيا ~~من مرض الظلم والجور، أنا لا أنكر أن ذلك المأمور المعزول كان طيب القلب، ولكنه كان قاسيا ~~لا يرحم ولا يشفق، وقد استعمل الضرب والجلد في الوقت الذي أبطل في كل مكان، واستعيض عنه ~~بالعقوبات غير المؤذية. # وقبل أن نترك هذا المكان سمعنا أصواتا كالأصوات السابقة، صادرة من بين الغيوم، فالتفت ~~إلى مصدر الأصوات، فرأيت أجواقا محمولة على السحب رافعة أعلام الصليب الأحمر، فصرخت ثانية ~~وبسطت يدي نحوهم وقلت: أنتم أيضا تستحقون السعادة، أنتم يا من انضممتم تحت رسم الصليب، ~~وخضتم الحروب لتخففوا ويلاتها، باستحقاق وعدل نلتم السعادة يا من خدمتم هذه ms56 الراية الشريفة، ~~هذا الرسم الذي تطمئن لرؤيته القلوب، وترتاح إليه النفوس، فسلام وألف سلام على مبادئكم ~~السامية الشريفة وعواطفكم الرقيقة. ~~••• # ثم رجعت مع حنوش إلى المكان السابق الذي كنا فيه، فوجدنا الحالة قد انتظمت وعاد كل شيء ~~إلى مجراه، وكانت الجنود في تلك الساعة تستعد لاستقبال المأمور الجديد الذي يرجى أن يكون ~~رحوما شفوقا، حتى لا أنال منه ما كنت أتوقعه من المأمور السابق؛ لأنني - كما تعلم - كنت من ~~الذين تعاطوا المسكرات ومن محبي «الدمعة». # وقد هيأت هذه الرسالة وتوسلت إلى حنوش لكي يوصلها إليك، فقبلها بعد أن تردد طويلا، ولي ~~تمام الثقة بوصولها ليدك. # وسيذهب حنوش قبل أن أتحاكم، ولا أعلم ما الذي ينالني من القصاص، فادع لي وصل لأجلي وزر ~~قبري كلما سنحت لك الفرص، فإني أشعر من هنا براحة. # والآن أستودعك الله يا فنيانوس الحبيب، يا أعز الناس إلي، أستودعك الله إلى وقت نلتقي ~~فيه في هذه الدنيا؛ حيث نكون معا في السعادة. ابتعد عن كل ما يحرمك إياها، لا تسكر ولا ~~تظلم، كن شفوقا مخلصا محبا للجميع، لا تحرم المحتاج من مساعدتك، كن قويا نشيطا ذا ~~ضمير حي، حافظ على صحة جسدك كما تحافظ على صحة نفسك؛ لكي تعيش سعيدا على الأرض، لا تهمل ~~واجباتك، اصنع البر وساعد على إنماء الفضيلة وحارب الظلم والظالمين. # هذه وصيتي لك، وسلامي إلى جميع السوريين المحبوبين، وخاصة إلى أم موسى التي لها علي ~~أتعاب «وشوتفة». # وأختم رسالتي بتقبيل وجنتيك تكرارا. # أخوك بالرب # شعيا أبو الأجران # عن عالم البقاء، في 1 كانون الثاني سنة 1905 # | القسم الثالث # فنيانوس يناجي أبا الأجران # من أين لي الآن أن أجاوبك يا حبيب القلب، يا أبا الأجران، على رسالتك التي هبطت علي وأنا ~~سائر للنزهة في ضواحي سان باولو، فأنا أشكر لك اهتمامك بأخيك فنيانوس بإرسالك هذه الرسالة ~~التي لم يسبقك إليها أحد من قبل. # لما وعدتني قبل فراقك هذه الدنيا بأنك ستجتهد وترسل شيئا من تلك الدنيا إلى هذه، ما كنت ~~أتوقع أن يتم ms57 ذلك، وقد تم الآن ما كنت أحسبه محالا ووفيت بوعدك. # إن محبتك لأولاد وطنك واهتمامك بهم في هذه الدنيا وفي الآخرة، وإفادتك للعالم أجمع عما ~~يحدث للبشر في عالم البقاء قد خلد لك ذكرا أبديا، فطوباك يا حبيب القلب طوباك، إنني ~~سأسير بحسب وصيتك وأذكرك على ممر الدقائق والساعات. ~~••• # آه لو أتمكن من إعلامك عن حالتنا الحاضرة، وما جد عندنا من الأمور وما صارت إليه النزالة ~~السورية في هذه البلاد! آه لو يتيسر لي ذلك؛ لأنني أعلم شدة رغبتك في الاطلاع على أحوال ~~إخوانك الذين فارقتهم قبل الأوان وربيت الحسرات في قلوبهم. # أين عيونك تنظر الآن حالة جرائدنا وجمعياتنا ومطابعنا ومدارسنا وكنائسنا وتجارتنا، ~~وقد كثر إنشاء الجمعيات في كل مكان، فمنها تموت قبل أن تخلق، ومنها تعيش أياما قليلة ثم ~~تموت، ومنها يحصل لها غيبوبة مدة من الزمن ثم تعود وتفيق، ومنها موجودة بالروح، ومنها باقية ~~في قيد الحياة تعارك الأيام والأيام تعاركها، ولا بد من نتيجة من وراء هذه الحالة التي هي ~~درس وتعليم. # ومن الجمعيات التي لا يخشى عليها من السقوط الجمعية التي تعرفها، وهي الجمعية الخيرية ~~المارونية؛ فقد ارتبطت ببعض المشاريع المهمة، مثل إنشائها صاحبتك جريدة المنارة، وإنشاء ~~المدرسة واعتنائها بتشييد الكنيسة التي تمت في السنة الماضية على أحسن هندسة وترتيب؛ فلذلك ~~قلت: لا يخشى عليها من السقوط، وهذا لا يمنع من أن أقول إنه يوجد بعض التهاون في كثير من ~~أمورها يجب ملافاته بزيادة السعي في سبيل الخير، الذي هو أقوم سبيل يصل بالإنسان إلى الكمال ~~والسعادة الحقيقيتين. # ومن الجمعيات الحية - والتي غايتها دينية محضة - الأخوية المارونية، وجمعية القديس ~~نيقولاوس في عاصمة البلاد، وأظنك ما نسيتهما، فكل واحدة منهما مهتمة ببناء كنيستها، وربما في ~~الوقت القريب تباشر العمل. # أما جمعية الشبان السوريين، فهي لم تزل باقية كما تعهدها، وقد زاد فيها أنها سعت في فتح ~~مدرسة هي الآن في سن الطفولية؛ لأن رغبة السوريين في تثقيف أولادهم قليلة، وهي حالة تستوجب ~~الأسف. # وقد تأسس من مدة ms58 مجلس ملي في سان باولو للروم الأرثوذكس ، غايته القيام بالشئون الدينية، ~~وقد اجتهد وسعى بإنشاء كنيسة للطائفة، وقد تم بناؤها الآن. # ويوجد في أكثر القرى الكبيرة جمعيات للسوريين، مما يدل على تنبه الأفكار في هذه الأيام، ~~وميلها إلى العموميات. # أما جرائدنا فهي الآن تعد على أصابع اليد، كما كانت في زمانك، ف «المناظر» يصدر الآن مرتين ~~في الأسبوع بدون انقطاع وبكل نظام، وقد أصبحت مطبعته من المطابع المستعدة؛ نظرا لما فيها ~~من المعدات، فهي تطبع الكتب والجرائد والأوراق على اختلاف أجناسها، إن كانت بالعربية أو ~~بالبرتغالية؛ ولذلك قد أصبح «المناظر» معززا من كل الوجوه، وصار ينتظر منه بعد هذا الإفادة ~~المطلوبة للسوريين المهاجرين وللوطن. # و«صاحبك الصواب» لم يزل كما تعهده يصدر أسبوعيا مع زيادة في مادته، ومطبعته مستوفية ~~الشروط، مستعدة لطبع كل ما يأتيها من الكتب والجرائد وغيرهما، وبالفكر مضاعفة صدوره وربما ~~يصدر يوميا. # والمنارة التي تصدرها الجمعية الخيرية المارونية قد أصبحت من الجرائد المهمة، وهي باقية ~~- على ما تعهد - أسبوعية، وفي النية تكبير حجمها حتى تزيد فائدتها وتعم منفعتها. # وجريدة العدل كذلك - كما تعهدها - تصدر كل أسبوع بدون انقطاع. # وقد صدر بعد موتك بمدة قصيرة جريدة اسمها «الأفكار»، وهي وارثة جريدة «البرازيل» تصدر ~~أسبوعية أيضا. # ويوجد مطبعة مستقلة اسمها المطبعة الشرقية تخص جناب الأديب نخول أفندي حنا، وهي تطبع كل ~~ما يطلب منها بإتقان، وفي عزم صاحبها جلب أحرف عربية من جميع الأجناس. # أما جرائد الولايات المتحدة العربية «يا حياتي»، فقد تكاثرت حتى زادت على 12 جريدة، ولكن ~~في هذين اليومين قد دب فيها الفناء، فمات منها في برهة أسبوعين 5 جرائد، وباق الآن في قيد ~~الحياة: الكوكب، الذي هو أساس الجرائد العربية في المهجر كله، وهو يصدر 3 مرات في ~~الأسبوع. # وجريدة الهدى - التي يحبها قلبك - صارت الآن أكبر الجرائد العربية في العالم كله، تصدر كل ~~يوم ملآنة بالمقالات البليغة والفوائد الكثيرة. وتليها جريدة «مرآة الغرب»، التي تصدر يومية ~~أيضا بحجم كبير، وهذه الجريدة اشتهرت بعدائها للدولة العثمانية، ms59 وهي تنتقد أعمالها بكل ~~جرأة. وقد صدرت أيضا جريدة اسمها «المحيط»، وهي الآن تصدر مرتين في الأسبوع، ثم ظهر بعدها ~~جريدة أخرى اسمها «المهاجر»، وهي تبحث بأمور شتى، وقد كتبت في ترك الوطنية السورية، وحضت ~~السوريين على الاندغام بالأميركان، وهي أسبوعية، وصدر بعدها جريدتان أسبوعيتان الواحدة اسمها ~~«البستان» والأخرى «الدليل». # ولم يقم في نيويرك غير الجمعية التي تعهدها «جمعية الشبان المارونيين»، أما في غير ~~النيويرك، فيوجد كثير من الجمعيات، وفي جمهوريات أميركا الوسطى قد أنشأ السوريون أيضا ~~جمعيات كثيرة. ~~••• # وفي الأرجنتين لم يظهر غير الجريدتين اللتين تعرفهما «الصدق» و«السلام»، الأولى أسبوعية ~~والثانية تصدر مرتين في الأسبوع، وفيها قسم باللغة الإسبانية، تدرج فيه بعض نبذ تاريخية عن ~~سوريا ولبنان، وللنزالة هناك مدرسة يديرها اثنان من كهنة الموارنة الكريميين، وقد مضت مدة ~~طويلة ولم أسمع صوت جمعية سورية في تلك البلاد، ولعلها راقدة رقادا وقتيا. # هذه يا أخي المحبوب أبا الأجران حالة مشاريعنا السورية في المهجر، فإنها قلما زادت عما ~~كانت عليه في أيامك السعيدة. فأسألك أن تدعو لها بالنجاح والفلاح؛ لأن دعاءك مستجاب، وألق ~~نظرك عليها من العلو، واذكرها بصلواتك وتضرعاتك. ~~••• # أما الحالة التجارية، فقد تنظمت عن ذي قبل، وأصبح بعض التجار السوريين لا يضاهيهم أحد ~~بضبط الأشغال، وحسن الإدارة. # ومن هؤلاء التجار الذين يستحقون الذكر ... الخواجا بطرس روفايل كرم، الذي كان دخوله إلى هذه ~~البلاد في 29 أيار سنة 1984، وأظنك ما نسيت محله الذي تأسس سنة 1988 في ريوجنايرو في شارع الفندكا نمرو 192، ذلك المحل الشهير الذي زاد الآن نجاحا واتساعا؛ ~~نظرا لحسن إدارة صاحبه الغيور، الذي له في كل مشروع عمومي يد كريمة. # بطرس روفايل كرم ~~«عمشيت» Pedro Rafael Carmo ~~. # يجد الطالب في هذا المحل كل ما يحتاجه من البضائع التي تستجلب من مواردها الأصلية بأثمان ~~معتدلة، توافق الشاري والبائع. # ومن الذين عرفوا كيف يلجون باب التجارة الوسيع، وكيف يتصرفون بحكمة ودراية في الشئون ~~التجارية، الخواجات أرسانيوس منضور وشركاه، وبعد مزاولة التجارة سنين عديدة في عاصمة بلاد ~~البرازيل، عرفوا ms60 أن النفع الأكيد لا يتأتى لهم ولزبائنهم إلا إذا جلبوا البضائع من الفبارك ~~الأوروبية رأسا، فعمدوا إلى جلب الخردة والروائح المتعددة الأشكال من باريس ولندرا وغيرهما ~~من العواصم. # وقدر كم يرتاح الشاري مع من كان صاحب خبرة في التجارة، وكم يسر إذا وجد الرزانة والجد ~~في المعاملة مع الصدق والإخلاص، وهذا شأن أصحاب هذا المحل المؤسس على الجد والنشاط من زمن ~~مديد. # A. Mandur & Comp # Rua da Alfandega, 225. Rio de Janeiro # ومن المشاريع الصناعية التي يفتخر السوري بها، هي ما قام به الخواجات «معلوف شركاء» ~~بشرائهم المغسلة الوحيدة في سان باولو «لافاداريا بوليستا» بما فيها من المعدات والآلات ~~والعمار مع نبعة الماء، وقد تبلغ مساحة أرضها مائة متر عرضا وطولا. # ومتوسط الدخل من أجرة الغسيل والكي 11 كونتا شهريا. # وقد ضموا إليها معمل القمصان خاصتهم، فأصبح عدد العمال في ذلك البناء الواسع ما يزيد عن ~~170 عاملا، ما عدا الذين يشتغلون للمحل في بيوتهم. # جورج معلوف «أحد أصحاب المعمل». # وهو ينجز كل يوم من 25 إلى 30 دزينة من القمصان، و80 إلى 100 دزينة من كمام وأطواق. # وقد اشتهرت قمصان معملهم في كل مكان بماركتها «برج إيفل» الشهير، حتى إن أكثر المحلات ~~الكبيرة في الريو وسان باولو تستورد منها. هذا فضلا عن مقطوعية البرور؛ لأن جودة القماش وحسن ألوانه، وإتقان الشغل، واعتدال ~~الأثمان، تجعل الناس أن يتواردوا على هذا المعمل، الذي يديره شباننا الأذكياء أصحابه ~~الخواجات قيصر وجرج ونقولا معلوف. # وفي المعمل 3 عربات للنقل وغير ذلك من المعدات المسهلة للعمل. # نمرة التلفون 505 وهذا العنوان: # Maluf Co. Alameda Barão da Limeira, 117. S. Paulo ~~. # أما عزيزنا الخواجا مخايل يوسف الحكيم «بشري»، ذلك الرجل الذي لا يكل ولا يمل عن العمل، ~~والذي هو عنوان النشاط والإقدام، قد وسع دائرة أشغاله وجلب إلى محله البضائع المختلفة ~~الأشكال والأجناس من أقمشة وخردة وأثواب مخيطة، كل هذا يباع في محله بأثمان مناسبة، وكل من ~~عامله عرف كيف يستفيد من وراء معاملته البسيطة، فما أجمل ms61 البساطة في كل شيء، محله في شارع ~~25 دي مارسو نمرو 10 سان باولو. # ولا أظنك نسيت ذلك البنك اللبناني الذي تأسس سنة 1892 في بلدة ربيرونزينيو البرازيل، من ~~أعمال ولاية سان باولو، لصاحبه الشاب الأمين الخواجة يوسف جبور «مزياره» ذلك الشاب الذي ~~بمجرد نظرك إليه يتجسم لك الصدق والاستقامة في شخصه. # وهذا البنك يسحب البوالص على أوروبا وآسيا، ويرسل إليها أية كمية كانت، ويخصم الحوالات ~~على سان باولو وسانطوس وريو دي جنايرو وبرتو الكري، وهو يراسل أكثر الشركات البحرية، وفوق ~~ذلك فهو ممثل محل كونسيسون وشركاه في هذه الجهة. # لديه ماكينة كبيرة من آخر طرز لقشر وتهيئة البن والأرز، وهو يشتري من هذه الأصناف ويدفع ~~كعادته أعلى أسعار البندر إذا صار تهيئتها في ماكينته، له ممثلون في خط باوليستا وأرارا ~~كوارا. # Banco Libano # Fundado no anno de 1892 # José Gabriel Misiara # وكم يسر قلبك إذ تعلم ما وصل إليه ذلك الشهم النشيط الدكتور فريد جبور، نزيل مدينة ~~كامبوس، ففضلا عن أنه يطبب الأسنان، ويخفف أوجاع الناس من أغنياء وفقراء، فإنه قد أنشأ ~~محلا للتصوير الشمسي كامل المعدات، وهو المحل الوحيد المتقن في تلك المدينة ~~الكبيرة. ولا عجب في ذلك، فإنه تلقن دروسه الابتدائية في المدرسة البطريركية في بيروت، وفوق ذلك ~~فهو من معاصر الشوف، فما أحلى هذا العصير الجيد وألذه. # مخايل يوسف الحكيم «بشري». # فريد جبور «معاصر ~~الشوف» # Alfredo Jabôr ~~. # ولكثرة مداخلته بين أهالي هذه البلاد، استطاع أن يفيد أولاد بلاده بأمور كثيرة في كامبوس ~~وضواحيها، وله أياد بيضاء في الأعمال الخيرية العمومية. # ومحله الآن في براسا سان سالفادور نمرو 22 كامبوس من ولاية ريو برازيل. # وفيما تقدم دلالة على أن السوريين قد خطوا خطوة كبيرة في الصنائع، وأصبح قسم كبير منهم ~~يشتغل بأعمال شتى، ومن هؤلاء ذلك الرجل البشوش ذو القلب الطيب الخواجة بولس عبد الله الخوري، ~~صاحب معمل الشمسيات في ريو جنايرو، فقد كملت في ذلك المعمل كل المعدات، حتى صار يجاري ~~أكبر المعامل الوطنية في إتقان ms62 الشغل ومتانته، يصنع الشمسيات من الحرير والصوف والقطن ~~والكتان للرجال وللنساء وللأولاد، وفضلا عن ذلك، فإنه يتمكن من أن يبيع بأرخص ما يباع في ~~السوق. # وقد عرف ذلك مواطنوه السوريون، فأقبلوا عليه إقبالا يدل على تقديرهم إياه حق ~~قدره. # ومحله الآن في شارع الفندكا نمرو 155 ريو جنايرو برازيل. Paulo Abdalla Curi # 155, Rua Da Alfandega, 155 # Rio de Janeiro # وكم تستعجب يا أبا الأجران لو قلت لك: إن أحد شبان السوريين الأذكياء، وهو أسعد أفندي ~~فارس، قد افتتح مكتبة مختصة لمبيع وشراء كتب ومؤلفات إفرنجية على اختلاف أجناسها، فمتى أراد ~~السوري يفعل كل شيء، ويتمكن من مجاراة باقي الأمم، وهذا شاب غريب عن هذه البلاد، غريب اللغة ~~أيضا، استطاع بذكائه أن يجاري الوطنيين في تجارة الأدب، ويفوز. # أما المكتبة فواقعة في شارع مارشال ديودورو نمرو 13 سان باولو. # أسعد فارس «عبادات» # Assad Fares ~~. # وكثير من السوريين قد أصبحوا الآن ثقة عند أصحاب معامل الأقمشة في البرازيل، فجعلوهم ~~وكلاءهم ومعتمديهم، ففي سان باولو مستودع كبير لأقمشة فابركة «أراتوزينا» في بيراسيكابا ~~لصاحبها رودولفو ميراندا، وقد اعتمد صاحب هذه الفابركة وطنينا اللبق النشيط الخبير في تصريف ~~البضائع الخواجة سليم بطرس عبد القادر، وجعله وكيلا عموميا في حاضرة سان باولو، وقد ~~يتصرف عن يده كمية وافرة من الأقمشة المعروفة بهذه الماركات مسكلا برازيل كازميرا ~~إيبيرانكا، كازميرا باوليستا، رزكادو إيتاليانو بريم عربي، بريم ث. # سليم بطرس عبد القادر «بشري». # المكتب العمومي في شارع جوزه بونيفاسيو نمرو 9 أول طابق، وفي ريو جنايرو فابركة سان جوان ~~شارع الفندكا نمرو 11 أول طابق. # Fabrica De Tecidos “Arethuzina” Em Piracicaba # DE # Rodolpho Miranda # Escripterio em S. Paulo: Rua José Bonifacio 3 (1 ° andar) # Caixa do Correio, 357-Endereço telegr. “COMPA”-S. Paulo # Correspondencia na Capital Federal: FABRICA S. ~~JOÃO # Rua Da Alfandega, 11 (1 ° Andar) # ومن الأعمال الكبيرة التي للسوري يد فيها أيضا، هي فابركة لعمل الروائح الوطنية، خاصة ~~بوغار وشركاه، فهي تصنع نوعا خاصا من الكينا المثبت من مصلحة ms63 الصحة وكافة الأصناف من المياه ~~النباتية وزيوت وبرليانتينا، ومسحوق أونغارا، وخل وبودرا رز ودواء للأسنان. # وتعمل هذه الفابركة أيضا صابون مرسيليا 72 في الماية، صابون معطر جيد على الطريقة ~~الأجنبية، صابون للمداواة، صابون غليسارين وكوكو، مسحوق الصابون وكرامي دي صابون، إلى آخر ~~ما هنالك من الأشكال والأجناس. # والذي يسهل على الزباين السوريين المشترى، مستخدمو المعمل، الذين يوجد فيما بينهم شبان ~~سوريون. # المعمل في شارع فيكتوريا، نمرو 15، سان باولو، نمرة التلفون 335، صندوق البريد ~~393. # على الزباين أن يطلبوا الكاتالوك. Perfumaria Paulista # Bogaert & C. # وقد أصبح للسوريين مطاعم وفنادق غاية في الإتقان والهندام. # من هذه الفنادق لوكندة الخواجا نجيب جرجر شعيا، في ريو جانيرو، فهي واقعة بأهم نقطة في ~~شارع الفندكا، نمرو 340 علوي. # نجيب جرجر شعيا. # فإذا رقد الزائر على فرشها، فكأنه راقد في بيته، وإذا شبع من المأكولات اللذيذة التي ~~تأكلها العين قبل الفم، فإنه لا يشبع من لطف صاحبها وبشاشته وحسن استقباله. # النظافة في هذه اللوكندة مستوفاة كل الشروط، فلا لزوم لزيادة شرح، أما الذين يقصدون السفر ~~إلى الوطن وغير جهات، فلهم من همة نجيب ودرايته ما يسهل لهم ذلك، إن كان من معرفة أترام ~~البواخر، أو من قطع أوراق السفر. # Nagib Chaia # 340, Rua Da Alfandega, 340 # Rio De Janeiro # ولا أظنك نسيت ذلك الغيور الذي قل من يهتم بالعموميات مثله، وهو الخواجة يوسف لطيف، صاحب ~~الفندق السوري الشهير، فإنه قد نقل من محله القديم من مدة سنة إلى محل بني خصوصيا على ~~ذوقه، وهو واقع في شارع 25 دي مارسو نمرو # A # 161 في سان باولو. # يوسف لطيف # José Lotaif ~~. # وإذا دخلت إليه فكأنك داخل إلى رتوسري أوروباوي؛ لأن الإتقان ظاهر في كل شيء. # وإذا صعدت إلى الطابق العلوي تجد الغرف مثل الهفاف، يشتهي الإنسان النوم فيها، ولو كان ~~غير نعسان، وفي البناية صالون خصوصي للزوار، مزين بالرسوم الجميلة، ومفروش بالسجاد الثمين، ~~ويوجد فيه الكتب والمجلات والجرائد، للمطالعة وتمضية الوقت. # أما البضائع السورية، فحدث عنها ولا حرج، فإنك تجد ms64 كل ما تطلبه نفسك وما يشتهيه قلبك، ~~مكسرات ومفقشات ودمعات وحلويات وططلات ومربيات ونقولات وغير ذلك من الأشكال التي لا ~~يحصيها عد. # وإذا نظرت إلى داخل الدار تجد بركة ماء جميلة، وفي وسطها النوفرة، فإنها تبهج النظر وتسر ~~الخاطر. # الشيخ جبران العيراني. # أما حبيب قلبك - الشيخ جبران العيراني - فإنه إذا مسك التراب يقلب ذهب، قد أنشأ معملا ~~«مسلقا» للبرغل، وهو يجلب القمح من موارده الأصلية كالشيلي والأرجنتين، فإذا دخلت المحل، ~~وجدت كوم البرغل تلولا متراكمة فوق بعضها بعضا، وقدر كم هي مقطوعية السوريين من هذا ~~الصنف الذي يحافظون على استعماله في هذه البلاد كمحافظتهم على الوطنية. # فالنبع الوحيد الذي يستقي منه الجميع هو عند الشيخ العيراني، الذي أصبح أشهر من نار على ~~علم. # هذا من خصوص البرغل، أما من خصوص المحل الواقع في شارع 25 دي مارسو، نمرو 177 في سان ~~باولو، فهو ملآن من جميع البضائع والحبوب، فهو لا يفرق شيئا عن محلات بيروت، فكل الذي ~~تطلبه من مشروبات ومخللات وزيوت وأسمان وحلويات، فهو موجود بكثرة. # وإذا سألت عن صاحبك الودود الخواجا لاون أبليان، ذلك الندب الخفيف الروح، فإني أطمنك عنه، ~~وقد وسع دائرة أشغاله وصارت الفيرما هكذا: # L. Apelian & C. # Rua Da Alfandega, 378. Rio De Janeiro # وقد سافر مرارا عديدة إلى باريس، وعقد مقاولات مع أهم معامل أوروبا لتصدير البضائع إليه ~~رأسا. # ونظرا لخبرته وطول ممارسته في بيع وشراء الأقمشة على أنواعها، أصبح محله مقصودا من ~~الجميع، وكل من عامل هذا المحل استفاد كثيرا؛ لأن تعدد أشكال الأقمشة التي ترد متتابعة ~~وحسن ألوانها تجعل سوقها رائجة. # والبضائع التي توجد في محل لاون أبليان وشركاه لا يجدها الشاري في غير محلات، ناهيك عن ~~رخص الأسعار ولطافة أصحاب المحل وحسن معاملتهم وسماحتهم، والله مبارك في السموح. ~~••• # واذكر يا حبيبي أبا الأجران صاحبك الدكتور يوسف رزق الله، ذلك المحامي القدير البارع، فإن ~~مكتبه الآن في لاركو داسه نمرو 1، ومسكنه في شارع غالباون بوينو، نمرو 8 في سان باولو، وهو ~~مستعد دائما ms65 لقضاء المصالح الشرعية - وأخصها التجارية - بمهارة ودقة نظر، قلما يسبقه بهما ~~أحد. # وافتكر أيضا بصاحبك الخواجا خليل قواص صاحب محل الخياطة، فإنه يصنع الكبات المختلفة ~~الأجناس، ويصدر منها إلى الداخلية بأثمان قلما يجدها الطالب في غير محل، ذلك مع جودة ~~الأقمشة وحسن الذوق بالتفصيل والتخريم والخياطة، هذا فضلا عن الثياب التي يجهزها بإتقان ~~كلي، ويضاف إلى ذلك جودة الأقمشة الموجودة دائما في محله الواقع في شارع 25 دي مارسو، نمرو ~~111 في سان باولو. # ويكون بعلم الجناب أن حبيبنا الشيخ حبيب زخريا وأخاه، قد افتتحا معملا لعمل المرايات ~~والبراويز على اختلاف الأشكال والأقيسة، فمنها المذهب ومنها الملون والمعرق الفاخر، ويوجد ~~فضلا عن كل هذا صور القديسين والقديسات على أنواعها، وهذا المعمل يصلح المرايات الكبيرة ~~المصابة ببعض الخدوش بضبط وإتقان، كل هذا لا يذكر بجانب لطف الشيخ وكرم أخلاقه، أما المحل ~~ففي شارع 25 دي مارسو، نمرو 109، في سان باولو. # حنا المقدسي. # أما الخواجة متري شاغوري الذي تعرفه من زمان العز، فهو الآن قد فتح محلا للصياغة وتصليح ~~الساعات في شارع 25 دي مارسو، نمرو 103، في سان باولو، والإقبال عليه من الجميع عظيم؛ نظرا ~~لإتقانه العمل في كلا الصنفين وسرعة إنجازه! # هذا كله «بوش» عند عمك أبو عبد الله الخواجة حنا المقدسي، فإن شهرته في عالم المهاجرة ~~تغني عن الوصف. # فمتى دخل الزائر إلى لوكندته المعروفة، فأول ما يقابله به «كوم باصو»، ثم يأكل الزائر ~~مريا ويشرب هنيئا. # ولا أظن أنه يوجد أحد من المهاجرين لا يعرف لوكندة أبو عبد الله، فإنها كعبة القصاد، ومحط ~~رحال الغريب، فالكل دخلوا تحت سقف لوكندته بدون استثناء. # نجيب إلياس الشويري. # العرق المثلث، السنامورا، الصنوبر، التنباك تجده عند عمك أبو عبد الله، وإذا كنت طماع ~~فوشوشه، أما نفسه في الطبخ فلا لزوم لنشرحه. # ولم تزل اللوكندة في شارع 25 دي مارسو، نمرو 2 في سان باولو. # وفي هذه الآونة الأخيرة قد تقدم السوري في البرازيل إلى الأمام وولج أبوابا كانت في ~~الماضي مقفلة بوجهه، من ms66 هذه الأبواب باب طب الأسنان؛ نظرا لاحتياج السوري إليه في هذه ~~البلاد. # ومن الذين درسوا على أساتذة ماهرين بهذا الفن، وبرعوا في تطبيب الأسنان وأتقنوه كما يجب، ~~نجيب أفندي إلياس الشويري، فقد فتح محلا جميلا متقنا في شارع فلورنسيو دي أبريو، نمرو ~~11 في سان باولو، وفرشه وزينه وجلب إليه العدد والآلات والاستحضارات الكهربائية المخترعة ~~حديثا. # فإذا قلع الضرس أو السن، فلا يشعر المصاب بأقل ألم، هذا فضلا عن الأعمال المدهشة فيما ~~يختص بتحضير وجبات الأسنان الذهبية، وسبكها وتركيبها بالفم ثابتة، فقد يفوق الصياغ في وضعها ~~وضبطها وجمالها وثبوتها في الفم وجمال منظرها، ويوجد في محله أيضا من المطهرات والمضادات ~~للفساد، والأدوية المقوية للأضراس والأسنان وإزالة الرائحة الكريهة من الفم، مما يساعد على ~~حفظ الأسنان وجمالها. # أما المسألة التي يشكر عليها نجيب أفندي، هي أنه قد خصص ساعة من النهار لتطبيب الفقراء ~~مجانا. # وفضلا عن ذلك، فهو مهتم الآن بتصنيف كتاب عربي في طب الأسنان، وهو أول كتاب - على ما نظن - ~~من نوعه، وسيكون له فائدة كبرى للعيال، وحفظ أسنان الأولاد من التلف؛ لأن بحثه يكون عاما ~~بهذا الخصوص. ~~••• # هذا الرسم - كلام بسركم - هو لمؤلف هذا الكتاب، وضعناه هنا سيرا على الطريقة التي جعلناها ~~للإعلانات في هذا الكتاب؛ لأن عندنا بضائع قديمة رأينا من المناسب الإعلان عنها، من هذه ~~البضائع كتاب: «التحفة العامية». # الذي قال فيه الشاعر العامي اللطيف منصور أفندي خنفور: # حاوي لطائف كلها حكمة وأدب # بتلذ للقاري الذكي وبتطربه # حاوي لطائف كلها حكمة وأدب # بتلذ للقاري الذكي وبترتغب # في وضعه أول كتاب بينحسب # أيمن قراه يلقاه وافق مشربو # أيمن قراه يلقاه عافكره تمام # سهل العبارة حر في معنى الكلام # خالي من الغايات وصنوف المرام # مبني على أس الفوائد مذهبو # مبني على التعليم جامع للمثال # يسحر الأفكار كالسحر الحلال # لو قراه إنسان مرة بالتمام # لا يمكنو غير يوضعو في مكتبو # لا يمكنه غير يوضعه بمكتب حصين # ويحفظو تاريخ حينا بعد حين # وإذا جئنا أن ننقل ما قالته الجرائد عنه، ms67 يلزمنا على الأقل أكثر من نصف هذا الكتاب، فقد ~~وصفه بعض الكتاب بأنيس العيال، ومسلي الهموم، ومبعد الغموم، ومعمل الضحك، ومعين الإنسان على ~~النجاح، ومصون الوجه من الغضون، ومساعد على الهضم، ومدرسة لأخلاق الشعب اللبناني. # وبرهانا على ذلك، فإن حضرة المعلم الشهير يوسف أفندي حرفوش قد نقل قسما كبيرا من ~~التحفة لكتابه «المنتخبات العامية في اللغة العربية»، الذي جعله كدستور لتعليم من يأتي إلى ~~كلية حضرات الآباء اليسوعيين في بيروت من الأجانب. # فمن هنا تعلم أهمية التحفة العامية، ومركزها في عالم الأدب. # ومن الكتب التي اعتنينا بطبعها ونشرها، كتاب «الخطوة الأولية في اللغة البرتغالية». # وهو الكتاب الوحيد الذي يعين السوري على حفظ لغة البلاد البرازيلية. # وقد قابلته جرائد هذه البلاد بوجه باش، وكتبت عنه الكلام الجميل، وحضت السوري على ~~استخدامه لينتفع به. # وقد ذكره المقتطف، والهلال، والمشرق، والجامعة، وجميع الجرائد العربية بالحسنى. # ويليق بنا أن نأتي على شهادة حامي ذمار اللغة البرتغالية، ورافع منارها الدون كارلوس ملك ~~البرتغال بكتاب الخطوة الأولية. # قال كاتب أسراره الخصوصي الكونت د أرنوزو: # حضرة السنيور شكري خوري # أمرني جلالة الملك المعظم والمحبوب، لأشكر لحضرتكم النسخة «المقدمة» من تأليفكم الجميل ~~في اللغة البرتغالية لاستعمال العرب التأليف الذي قدره جلالته قدره ... # الإمضاء # قد طبعنا من هذا الكتاب ألف نسخة، وجلدنا منها 500، وقد مضى على ظهوره سنتان، والخمسماية ~~نسخة المجلدة باق منها ماية نسخة، فيكون قد بيع منه 400 نسخة، مع أن السوريين في البرازيل ~~يزيد عددهم على الأربعين ألفا، كلهم بحاجة إلى مساعد يساعدهم على إتقان لغة هذه البلاد، ~~ومع هذا لم يبع من الكتاب أكثر من القيمة المذكورة أعلاه! # وفي العام الماضي صدرت إدارة الهدى كتابنا «طولة العمر في حديث أبو يوسف ونمر»، بعد أن ~~نشرت قسما منه في الجريدة، ولما احترقت إدارة الهدى، أكلت النار قسما منه، ثم أعادت ~~الإدارة طبعه مرة ثانية. # وإليك الصدى الذي أحدثه «طولة العمر» في العالم العربي. # قالت مجلة المشرق المعروفة بدقة بحثها في المسائل الشرقية: # ونزيد صاحب الكتاب علما ms68 بأننا وجدنا تأليفه الحديث أهلا بشقيقه السابق في طريقته ~~الكتابية، وتفننه بالمواضيع، وحسن وصفه للعادات بذوق سليم، ودقة نظر، وكل ذلك باللهجة ~~الشائعة في لبنان، فمن يقرأ فصوله يجد في كل سطر منها مرآة حية لأحوال أهل الجبل في كل ~~أطوار حياتهم، لولا بعض استخفاف في أمور الدين في ثلاثة أو أربعة أمكنة، لقلنا إن هذا ~~المصنف في جنسه بلغ الكمال. # ثم نشرت المجلة نبذتين من الكتاب. # وقالت مجلة المنار الإسلامي الشهيرة: ~~«طولة العمر» كتاب ألفه شكري أفندي الخوري السوري المقيم في البرازيل باللغة العامية ~~السورية، وأودعه من الفوائد والنصائح الصحية والأدبية ما لا يستغني عنه أحد من العامة، على ~~أنه لا يقصر عن إفادة الخاصة ... وقد رأينا فيه من قدرته على تصوير أفكار العوام، ما يناسب ~~قدرته على ضبط عباراتهم في الكتاب، وكلا الأمرين عسير على الناشئين في دور العلم، ~~والمشتغلين بالكتابة والتأليف باللغة العربية الصحيحة، وإننا لنعرف من أنفسنا العجز عن ~~المضي في ذلك ... # ثم انتقدت ما جاء في الكتاب عن الجرائد والجامعة الإسلامية وسوريا والحجاز والسياسة، ~~بكلام أخذ من المجلة صفحتين. # ومن أقوال جريدة مرآة الغرب: ~~... فهو كتاب يصح أن يكون سميرا للفتاة والشاب معا ... # ومن قول جريدة الكوكب: ~~... هو حديث فكاهي ملذ، ذو فائدة تستحق الاعتبار. # وقال السلام: # لهجة الكتاب تشوق إلى الناس قراءته. # وهذا مقدمة قول المناظر في الكتاب: # أصدر ... شكري أفندي الخوري كتابا ثانيا باللغة العامية، وأهدانا منه نسخة. # الكتاب الأول هو التحفة العامية، ولكن أين التحفة من «حديث أبو يوسف ونمر». # هذا الكتاب أسمى بحثا وغرضا من ذاك ... وأخص ما بحث فيه «أبو يوسف» المسألة الشرقية، وما ~~في شئون الدولة العلية من الخلل والزيجة والعزوبة، والعيشة الصحية، بحث فيها موفيا، وملأ ~~بحثه فوائد وفكاهة وإسخانا. # وقالت المنارة: ~~«طولة العمر» أقل فكاهة من التحفة العامية، ولكنها أجزل فائدة؛ لأنها تبحث ~~بموضوع الصحة والحياة المعيشية. # وقال الصواب: # هو كتاب نفيس فيه من النصائح والأدب ما يفيد فائدة كبيرة، ومن المجون ما ~~يسلي ويجلي الغم عن ms69 الصدر، ومن قرأ التحفة العامية يعلم ما هي طريقة شكري أفندي الخوري ~~بتدبيج النكات الأدبية التي تدخل القلوب من غير استئذان، فتجلي عنها الهم. # وقد كتبت جريدة الاتحاد المصري مقالة افتتاحية بإمضاء «نجيب» عن «طولة العمر»، وأشارت ~~بوجه إجمالي إلى مغازي الكتاب، ومن قول النجيب: # لما استلمت هذا الكتاب، ورأيت غلافه البنفسجي القاتم، وقرأت عنوانه الطويل، كتبت عنه ما ~~نكتبه عادة عن الكتب التي ترد إلى الإدارة مثنيا على المؤلف، سائلا للكتاب مزيد ~~الانتشار، وأخذت الكتاب «بنوع الصدفة» معي إلى المنزل، فلما قرأته في الليل أمام أولياء ~~العهد من أوله إلى آخره، ورأيت ما فيه من حكم باهرة، ومغاز أدبية سامية، ونوادر ونكات ~~لطيفة، قلت إن هذا الكتاب يستحق أكثر من تلك الكلمات «البائخة»، وأسرعت صباحا إلى ~~المطبعة، فألغيت ما كتبته عنه قبلا على نية أن أفيه بعض حقه من التقريظ. # ومن قول الشاعر الفكاهي اللطيف أسعد أفندي رستم: # وهو في مذهبي كتاب فريد # كل شيء مما حواه ابتكار # ثم قال: # فلمنشيه خالص الشكر مني # وثنا يستحقه واعتبار # هو في العلم صاحبي ونسيبي # وابن بكفيا للشويري جار # وكلانا في عالم اللطف فرد # ولنا فيه لا يشق غبار # ولئن لي به يحق افتخار # فبمثلي له يحق افتخار # وقال جرجس أفندي عساف الشاعر المحبوب: # كتاب كما يرجو «العوام» ومبحث # كما يشتهي الأحرار من كاتب حر # فجد له محتاجة كل صحة # وهزل به تجلى الهموم عن الصدر ~~«ومنها»: # وبين أضرار الخمور مقدما # لنا جرعات السم في قدح الخمر # هذا بعض ما قاله أهل الأدب عن كتبنا، وضعناه لنظهر فضلهم عليها. ms70