######OpenITI# #META# URI: 1357AnisZakariyaNusuli.DawlaUmawiyyaFiSham.Hindawi60208373 #META# Tags: history #META# ID: 60208373 #META# Title: الدولة الأموية في الشام #META# AuthorID: 95061819 #META# Author: أنيس زكريا النصولي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة الكتاب‏ # 1 - تأسيس الدولة الأموية‏ # 2 - مأساة الحسين‏ # 3 - الحركة الزبيرية‏ # 4 - سياسة الشدة ومظاهرها‏ # 5 - الفتوح الأموية‏ # 6 - العدل والإصلاح في الدولة الأموية‏ # 7 - العمران الأموي‏ # 8 - أحوال الاجتماع الأموي‏ # 9 - الأدب الأموي‏ # 10 - سقوط الدولة الأموية‏ # المصادر التاريخية التي اعتمدنا عليها‏ # مقدمة الكتاب‏ # 1 - تأسيس الدولة الأموية‏ # 2 - مأساة الحسين‏ # 3 - الحركة الزبيرية‏ # 4 - سياسة الشدة ومظاهرها‏ # 5 - الفتوح الأموية‏ # 6 - العدل والإصلاح في الدولة الأموية‏ # 7 - العمران الأموي‏ # 8 - أحوال الاجتماع الأموي‏ # 9 - الأدب الأموي‏ # 10 - سقوط الدولة الأموية‏ # المصادر التاريخية التي اعتمدنا عليها‏ # | الدولة الأموية في الشام # | الدولة الأموية في الشام # تأليف # أنيس زكريا النصولي # من أحق بتاريخ أمية من أبناء أمية! # ومن أحق بتاريخ معاوية والوليد من أبناء معاوية والوليد! # فاقبلوا يا أبناء سورية الباسلة المتحدة المستقلة هذه الثمرة الصغيرة. # أنيس # | مقدمة الكتاب # يتحقق الباحث في كتاب الدولة الأموية في الشام أننا لم نقسم فصوله حسب السنين أو الملوك ~~أو الحادثات أو الفتن والحروب كما فعل غيرنا، ولم نهتم في جمع الحقائق حولها فنجعلها نقطة ~~الدائرة أو المحور الذي يدور عليه كلامنا، بل رتبنا كتابنا هذا حسب حركات نعتقد أنها صورة حية ~~للمبادئ والأفكار والأعمال التي قام بها الأمويون في العصر الذي سادوا فيه وتغلبت مدينتهم على ~~العالم المعروف يومذاك، إننا أقدمنا على كتابة التاريخ على هذا النمط لأننا نعتقد أن التاريخ ~~سلسلة حركات مستديمة متصلة مشتبكة يأخذ بعضها برقاب بعض، وهي تربط الماضي بالحاضر والحاضر ~~بالمستقبل، وتظهر الصلة بينها في رقي الجماعات الإنسانية في البيئات المختلفة، وقد جعلنا هذه ~~الحركات عناوين لفصول هذا الكتاب وهي: ~~(1) # تأسيس الدولة الأموية (وقد لخصنا هذا الفصل عن كتابنا معاوية بن أبي سفيان). ~~(2) # مأساة الحسين. ~~(3) # الحركة الزبيرية. ~~(4) # سياسة الشدة ومظاهرها. ~~(5) # الفتوح الأموية. ~~(6) # العدل والإصلاح في الدولة الأموية. ~~(7) # العمران الأموي. ~~(8) # أحوال الاجتماع الأموي. ~~(9) # الأدب الأموي. ~~(10) # أسباب سقوط الدولة الأموية. # وكان جل اعتمادنا على المصادر التي تراها فيما يلي: إنما رجعنا لدى تضارب الروايات إلى ~~الطبري لصدق إسناده وتحريه الحقائق ms001 من ينابيعها، فهو من أولئك المؤرخين الذين ينقلون لك ~~التاريخ كما تركه السلف، قال: «لم نقصد بكتابنا هذا قصد الاحتجاج ... وليعلم الناظر في كتابنا هذا ~~أن اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره ... إنما هو على ما رويت من الأخبار ... والآثار التي ~~مسندها إلى رواتها ... إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضيين وما هو كائن من أنباء الحادثين غير ~~واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانهم إلا بأخبار المخبرين ونقل الناقلين دون الاستخراج ~~بالعقول ... وليعلم أنه لم يؤت ذلك قبلنا، وإنما أوتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنا إنما ~~أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا.» # 1 # ثم إننا جربنا أن نعمل العقل والبصيرة فيما كتبناه، فلم نشد بفضل أناس ليسوا من الفضل في ~~شيء، ولم نجعل لعلاقاتنا الدينية والطائفية والسياسية والاجتماعية تأثيرا في تدويننا التاريخ، ~~ولم نكتب هذه الصفحات والصبغة التقديسية للسلف هدفنا، والحق أننا أردنا أن نثبت الحقائق ~~ونفسرها حسب اجتهادنا ونحن بعيدون جد البعد عن التعصب، فإن وفقنا في هذا العمل الصغير فحسبنا ~~هذا التوفيق في خدمة تاريخ العرب. # مدينة السلام في 1 كانون الثاني سنة 1927 # أنيس زكريا النصولي # الفصل الأول # | تأسيس الدولة الأموية # (1) حياة معاوية # الرجال ذوو الشخصيات الكبيرة التي تطل على هذا العالم قليل، غير أن أنوارهم وضاءة ~~فيظلون منارا يهتدى به، وباعثا قويا يدفع أبناء الأجيال المقبلة على استثمار نتاج ~~قرائحهم ومجهوداتهم كما يكون جوهم العقلي والأدبي والسياسي والديني جوا راقيا صافيا لا ~~تشوبه غيوم الظلمة والجهالة، من هؤلاء الرجال شاب عاش منذ اثني عشر قرنا ونيف، ربي في سهول ~~الحجاز المقفرة وهو طفل، وأظلته سماء سورية وهو يانع، ذلك الشاب هو معاوية بن أبي ~~سفيان. # ولد معاوية في مكة، وتهذب على أبيه أبي سفيان الزعيم الكبير في الجاهلية، ثم أصبح ~~كاتبا لوحي النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، # 1 # وحاز على ثقته لطموحه وذكائه وخصب آماله، إن هذا المنصب جعله يحتك برجال ~~الإسلام الذين أصبحوا بعد ذلك إما من أخصامه وإما من ms002 دعاته في نزاعه المشهور مع علي بن أبي ~~طالب، فعرف الخليفتين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وطلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين، والدهاة ~~المشهورين أمثال عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، وكثيرا من الأنصار الذين كانت تغلو مراجل ~~الحقد في صدورهم حسدا من أبناء قريش وغيرهم من الزعماء الذين جمعتهم المصلحة فتفيئوا ظل ~~الراية الإسلامية، ولطالما اعترف معاوية بفائدة الاختبارات والدروس الجمة التي تلقاها من ~~ذلك المركز، ثم نراه بعد ذلك قائدا بسيطا في جيش الفتح الذي اجتاح سورية بقيادة أخيه يزيد بن ~~أبي سفيان، # 2 # فحاكما للشام والعراق نحوا من عشرين سنة، فخليفة يخضع له العالم الإسلامي لمدة لا ~~تنقص عن مدة ولايته. # حقا إن حياته السياسية الطويلة تظهر لنا قوة الزعامة في الرجل وتمكنه من منصبه ~~والمحافظة عليه دون أن يعتريه اليأس فينقلب خاسرا مدحورا، ويعترف أعداؤه السياسيون بقوة ~~شخصيته التي تسحر النفوس فتجذبها، غير أنهم يتألمون منه لأنه جعل من الخلافة ملكا ضخما ~~فخما، وحطم أساس الشورى في الإسلام بقيامه على علي بن أبي طالب وإقراره الملك في ~~أعقابه. ~~(1-1) لماذا ساعده أنصاره؟ # أما مساعدوه في أعماله ومشيدو دولته فكانوا أشبه شيء بحلفائه منهم برجال خضعوا له، ~~فعمرو بن العاص لم يسلك سبيله ويلتف حوله إلا حين شرط مصر والمغرب طعمة له، # 3 # ونسخة الشرط تقول أخيرا: «هذا ما أعطى معاوية بن أبي سفيان عمرو بن العاص، أعطاه ~~أهلها - أهل مصر - فهم له جيوشه، ولا تنقصه طاعته شرطا»، # 4 # وكان عمرو لا يحمل إليه شيئا من الأموال، بل يفرق الأعطية في الناس، فما فضل ~~من شيء أخذه لنفسه، # 5 # ويقول الفخري: «إنه لم يكن بينهما مودة قلبية، وكانا يتباغضان سرا، وربما ظهر ~~ذلك على صفحات وجهيهما وفلتات ألسنتهما» # 6 # مما يدل على أن المصلحة المشتركة كانت العامل الأكبر في اتحادهما، فمعاوية كان ~~يطمع في الخلافة والسلطة وعمرو في مصر السعيدة الخصبة. ~~(1-2) أشهر قادته # ولا شبهة أن عبد الرحمن بن خالد وحبيب بن مسلمة الفهري وبسر بن ms003 أرطاة والضحاك بن قيس وأبا ~~الأعور السلمي وحمزة بن مالك الهمداني وشرحبيل بن السمط الكندي كانوا من أعظم قواده ومدبري ~~دولته وحكام أجناده، # 7 # فالأربعة الأول الذين ذكرنا أسماءهم آنفا هم مكيون ، أما أبو الأعور السلمي ~~فهو من قيس، القبيلة التي ينتسب إليها معاوية نفسه، ولم يقع معاوية في غلط التحزب لقبيلة أو ~~حزب ما فيقسم أهل البيت الواحد بعضهم على بعض، بل استثمر مواهب مواطنيه، سواء كانوا أنصارا ~~أم يمنيين، أجل حين اعتلى معاوية عرش الخلافة أخذت القبائل القرشية تخفف من غلواء عدائها، ~~فأسس في دمشق حكومة مادتها تشتيت الأحزاب، ولكنه لم ينتسب علنا إلى واحدة منها. # كل هؤلاء القادة قدموا شبانا إلى سورية حين الفتح سوى شرحبيل، وقد استخدموا عند ~~يزيد بن أبي سفيان وظلوا في عداد رجال معاوية نحوا من ثلاثين سنة، ولقد كانوا قادة كبارا ~~لم يتبوءوا مراكزهم إلا عن جدارة واستحقاق، فاستعملهم معاوية في الحروب التي أشعل نارها حبا ~~باتساع المملكة الأموية، وقد أبلى حبيب بن مسلمة البلاء الحسن في العراق وأرمينيا وصفين، # 8 # ولعب كل من أبي الأعور السلمي وبسر بن أرطاة دورا مهما في فتح مصر وأفريقيا، # 9 # وبسر هذا رجل ذو شخصية غريبة وشجاعة نادرة، كان له في بث دعوة معاوية شأن، وهو ~~من أولئك البدويين الذين لا تتخلل الرحمة قلوبهم، فيفتك بأعدائه إن تمكن منهم فتكا ذريعا، ~~هؤلاء القادة هم الذين قاموا بمعظم مغازي معاوية في الأناضول وغيرها، فبينا نرى عبد الرحمن بن ~~خالد وحبيب بن مسلمة يضربان المملكة البيزنطية الضربة تلو الأخرى إذا بأبي الأعور وبسر يقودان ~~أسطول معاوية للانتصار في المواقع البحرية، ومن الغريب أن هؤلاء القادة الأشداء كانوا في بعض ~~الأحايين رجال إدارة وسياسيين. # 10 # ومثلا على ذلك نقول: إن أبا الأعور وحبيبا تخابرا مع علي أثناء معركة صفين ~~وهيآ الكتاب أو «البروتوكول» المبدئي لمؤتمر أذرح، وقد حكم حبيب بن مسلمة أخيرا جند قنسرين ~~في شمال سورية إلى الحدود البيزنطية، وتولى أبو الأعور جند الأردن، وشرحبيل جند حمص. ms004 ~~(1-3) اليمنيون والقيسيون # كان اليمنيون يؤلفون القسم الأعظم من الجيش السوري، ويشهد الطبري بذلك حيث يقول إنهم ~~«أعظم جند أهل الشام». # 11 # وقد اعتمد عليهم معاوية في قتال البيزنطيين وأهل العراق، فكانوا سيوفه البتارة حين ~~محنه، ومع ذلك فقد ذكروه أحيانا بأعمالهم المجيدة، # 12 # وكان اليمنيون أيضا ساعده الأيمن في تجهيز الأسطول وقيادته؛ ولذا عطف عليهم ~~لإخلاصهم لقضيته، واستمالهم بكرمه، وجعل بعضهم من بطانته، ولما اعتنق هؤلاء الإسلام ~~- ذلك الدين الجديد - ظلوا ينظرون إلى «مبدأ العربية الشامل» # 13 # المبدأ الجامع لشتاتهم، فلم تكن الحزبية معروفة تماما في بلاطه، وأصبحوا بتوالي ~~الأيام شاميين ومن أعظم دعاته. # إن معاوية وإن كان قيسيا في انتسابه، فقد علم علم اليقين أن الاتفاق مع القبائل ~~العربية المتوطنة سورية منذ أجيال دعامة كبيرة في سبيل دعوته، وركنا متينا في توطيد ~~العائلة المالكة الأموية، وكان اليمنيون - أولئك الذين اعتادوا النظام والحياة الهادئة في ظل ~~الحكومة البيزنطية - من أكبر مساعدي معاوية على إدارة سورية. # أما القيسيون فقد كانوا يسكنون التخوم في الجهة الشرقية من سورية وهم أقلية، نجد أغلبهم ~~في قنسرين، والاعتماد عليهم دون سواهم غلط فادح لكثرة اليمانية، ويشهد بذلك أن معاوية حين ~~ابتدأ في نزاعه مع علي أشير عليه باكتساب رضى اليمانية وعلى الأخص زعيمهم شرحبيل بن ~~السمط. # إن اليمنيين والقيسيين بامتزاجهم مع سكان سورية رقت عقليتهم ونمت أفكارهم نوعا ما، ~~فنزعوا عنهم ثوب البداوة، ومن المهم أن نقرر أن هؤلاء العرب - وخصوصا أبناؤهم - أخذوا ~~ينسون وطنهم الأول ويرون في سورية وطنا ثانيا، وقد كانوا ذوي ليونة ومران قابلين لكل ~~تجدد. # كان معاوية يستشير رجاله وذوي الرأي من نبلاء سورية في أموره، وطالما أبديت الآراء ~~بصراحة أمامه دون رهبة أو وجل كما هو الشائع اليوم في المجالس النيابية عند الغربيين، ويقول ~~الحصري: إنه «إذا أراد أن يفعل شيئا ألقى منه طرفا إلى الناس»، ويؤكد لامنس أن معاوية ~~«جدير بأن يتربع في أيامنا هذه على كرسي الرئاسة في أي مجلس من مجالسنا التشريعية». # 14 ~~(2) الحرب الأهلية أو ms005 نزاع معاوية مع علي # لما قتل عثمان اجتمع أناس من المهاجرين والأنصار، فأتوا عليا وبايعوه سنة 35 ~~هجرية/655م، والأنصار هم أكثرية حزب علي، إن هؤلاء منذ وفاة الرسول # صلى الله عليه وسلم # لم يرضوا عن أبي ~~بكر خليفة للمسلمين، بل اعترضوا واحتجوا على ذلك، ولو نظرنا إلى الأمر جليا لتحققنا أنهم ~~لم يفوزوا في انتخاب علي خليفة في الفرص الثلاث التي سنحت لهم، بل تربع على عرش الخلافة أبو ~~بكر فعمر فعثمان كما هو مشهور، على أن هذا لم يمنع بعضهم من التألم والحزن لمقتل عثمان ~~كحسان بن ثابت والنعمان بن بشير وكعب بن مالك، ولو استثنينا النبلاء من أهل المدينة لوجدنا ~~العدد القليل من أشراف بقية البلاد الإسلامية موالية لعلي، ويمكننا القول: إن أغلب سادة قريش ~~وقفت على الحياد أو ظاهرت معاوية وكاتفته، فتأثر ابن أبي طالب كثيرا من عدائهم له، # 15 # أما مهاجرو مكة فقد تحزبوا لعلي وهم في أماكنهم وعن بعد، وكان الهاشميون ~~أعوانه وقوام حزبه بطبيعة الحال، غير أن منهم من تخلى عنه كعائشة أم المؤمنين وأسامة بن زيد ~~الذي تبناه الرسول وعقيل بن أبي طالب أخي علي، وهو شاب قبل الإسلام متأخرا ولم يشترك في ~~أي معركة أو غزوة قبل فتح مكة. ~~(2-1) المعتزلة # أطاعت خراسان ومصر والعراق عليا اسميا، ولم يكن له السلطة المطلقة البتة في هذه ~~المقاطعات، واعتزل عن بيعته سعيد بن زيد وعبد الله بن سلام والمغيرة بن شعبة وسعد بن أبي ~~وقاص وعبد الله ابن الخليفة عمر بن الخطاب وأبو موسى الأشعري، # 16 # أحد حكمي مؤتمر أذرح، فسموا المعتزلة - وهم غير الفرقة الفلسفية الإسلامية - ~~وكان هؤلاء يعتقدون أنه لا يجوز دينا الاشتراك في الفتنة ومقاتلة السوريين إخوانهم في ~~الإسلام، يدلنا على ذلك ما قاله أسامة معتذرا لعلي حين طلب منه الانضمام إلى صفوفه: «اعفني ~~من الخروج معك في هذا الوجه، فإني عاهدت الله أن لا أقاتل من يشهد أن لا إله إلا الله»، # 17 # وقول آخر: «أتريد أن تسير بنا إلى ms006 إخواننا من أهل الشام فنقتلهم.» # 18 # وقد خاطب سعد عليا بقوله: «أعطني سيفا يفرق المسلم من الكافر»، # 19 # ثم انضم معظم هؤلاء الرجال المعتزلة إلى معاوية ومنهم تألف حزب العثمانية # 20 ~~«الذين يقدمون بني أمية على بني هاشم، ويقولون الشام خير من المدينة»، # 21 # وقد قعدوا عن علي بن أبي طالب ولم يشهدوا حروبه، واعتقدوا أن عثمان قتل خطأ، ~~ولكعب بن مالك أحدهم مراث في الخليفة المقتول وتحريض للأنصار على نصرته قبل قتله، ~~وتأنيب لهم على خذلانه، # 22 # فاتحاد هؤلاء الرجال مع معاوية أو اعتزالهم كاف لأن يؤكد لنا أن حقوق علي في ~~الخلافة كانت أمرا مشكوكا فيه لم تثبت أصوله في صدور القوم أجمعين. ~~(2-2) العثمانية # تدل كلمة «عثمانية» في الأصل على أقرباء عثمان الخليفة الثالث ومواليه، غير أنها ~~أطلقت في الحرب الأهلية للدلالة على حزب الخليفة المقتول الذين قاموا يطلبون قصاص من ~~سفك دم ذلك الشهيد المظلوم في عرفهم، وتطرف بعضهم فقالوا: إن لعلي يدا في الثورة ~~التي نشبت في المدينة وكان من نتيجتها قتل عثمان؛ ولذا فهو غير جدير بتسلم عرش الخلافة، ~~وإنه لمن الغلط الفادح أن نعتقد بأن العثمانية هم حزب معاوية ومريدوه، بل بالعكس، فإن كل ~~من التف حول معاوية وناصره من أجل الاقتصاص لعثمان والأخذ بثأره هم من العثمانية. # 23 # أما القبائل فكان قسم منها مع علي وقسم آخر مع معاوية، لكن باهلة وبكر القبيلتان ~~العراقيتان الصميمتان كانتا من أخلص المخلصين لدعوة ابن أبي طالب، ثم انضمت إليه تغلب في ~~الجزيرة واشتركت معه، كما اتحدت قبلا مع غيره محافظة على مصالحها لقربها من العراق، ولم ~~يكن بنو تغلب من الذين يضحون بأنفسهم في سبيله؛ لأننا نراهم بعد ذلك في صفوف معاوية في ~~الكوفة، إلا أن المتوطنين سورية منهم كانوا من حزب ابن أبي سفيان، وتردد شاعرهم الأخطل ~~الشامي - كما يسميه الفرزدق - على بلاط الأمويين قدما كاف للدلالة على ذلك. # ومهما يكن من أمر هؤلاء فإن اليمن ومصر والعراق كانت دعامة الحزب العلوي ومادته ~~الحية، ms007 غير أنه كان بها كثير من العثمانية الذين تألموا لفاجعة المدينة وغيرهم من المعتزلة، ~~ففي مصر كان عددهم نحوا من عشرة آلاف، وقد حسب علي هؤلاء من الخونة # 24 # لأنهم لم ينصروه، وحارب معظمهم بجانب معاوية في معركة صفين، ومن ثمة ساعدوه على ~~فتح مصر والعراق والتغلب عليهما، ويعدد معاوية الأسباب التي جعلته يفوز على علي في نزاعهما ~~فيقول: «أعنت على علي بثلاث: كان رجلا ظهره علنه، وكنت كتوما للسر، وكان في ~~أخبث جند وأشده خلافا، وكنت في أطوع جند وأقله خلافا، وخلا بأصحاب الجمل فقلت: إن ~~ظفر بهم أعددت ذلك عليه وهنا، وإن ظفروا به كانوا أهون شوكة علي منه»، # 25 # ويزيد العقد الفريد أنه قال: «وكنت أحب إلى قريش منه»، أي من علي «فيا لك من ~~جامع إلي ومفرق عنه». # 26 # هذا عدا عن تفوق سياسيي معاوية - وأغلبهم من الأرستقراطية المكية - على رجال ~~علي الأنصار كما يظهر لنا من تتبع حوادث مؤتمر أذرح. ~~(2-3) معركة صفين # حين قتل عثمان وهبت عواصف الآلام في صدور من تخلف عن بيعة علي وغيرهم من العثمانية ~~تربص معاوية يتتبع سير الأحوال، فلم يتابع عليا نظرا لما جاش في صدره من الأطماع في ~~السيادة والسلطة على العرب، سيما ولعائلة أبي سفيان مجد تالد في قريش، ولأنه خاف من علي إذ ~~علم أنه متى استتب له الأمر عزله ولم يستعمله، # 27 # فاستشار معاوية عمرو بن العاص في القيام عليه، فأشار على معاوية «أشرب قلوب ~~أهل الشام اليقين بأن عليا مالأ على قتل عثمان قبل أن يدعوهم إلى الخلاف، وأن يتقدم إلى ~~ذلك بالتوطين للأشراف منهم، خصوصا رأسهم شرحبيل بن السمط.» # 28 # فدس إلى أهل الرضا عنده أن يخبروه بفاجعة عثمان، الواحد أثر الآخر حتى أشبعوا نفسيته ~~بأنه قتل مظلوما، فأتى معاوية وقال: «والله لئن بايعته لنخرجنك من الشام»، # 29 # فأجاب: «ما كنت لأخالف أمركم، وإنما أنا واحد منكم»، إن معاوية بعد أن ذلل ~~هذه الصعوبة وتأكد من إخلاص زعيم أهل الشام عمد إلى اكتساب ms008 قلوب العامة، فأرسل شرحبيل في ~~مدائن سورية يبايعهم على النصرة والمعونة والأخذ بثأر خليفتهم المظلوم، ولطالما بكى واستبكى ~~الناس مذكرا إياهم بمصاب عثمان؛ # 30 # مما يدلنا أن معاوية لم يحرم من المواهب الخطابية التي تؤثر في النفوس ~~فتستهويها وتضرب على وترها الحساس فتجتذبها، فأجابه الناس كلهم إلا نفرا من أهل حمص. # ثم بين معاوية للعالم الإسلامي الأسباب التي دعته للثورة ، وضمنها في رسالة بعث بها ~~إلى مندوبي ابن أبي طالب، وهي أساس المبادئ العثمانية، وتقول: «أما بعد ... فإنكم دعوتم إلى ~~الطاعة والجماعة، فأما الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا، وأما الطاعة لصاحبكم فلا نراها، إن ~~صاحبكم قتل خليفتنا وفرق جماعتنا وتأوى ثارنا وقتلتنا، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله فنحن لا ~~نرد ذلك عليه، أرأيتم قتلة صاحبنا، ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم؟ فليدفعهم إلينا فلنقتلهم ~~به ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة»، # 31 # إن معاوية أوجد لعلي بذلك مشكلة صعب حلها، إذ كيف يسلم قتلة عثمان وهم يده ~~وعضده وأنصاره وبطانته؟ # 32 # وإن لم يفعل ذلك تسرب الشك إلى صدر الأمة فتعتقد أن لعلي دخلا في فاجعة المدينة ~~سواء كان مجرما أو بريئا، وقد أجاب ابن أبي طالب على ذلك بكلمات مبهمة غير محددة مما لا ~~تبعث اليقين إلى النفوس؛ لأنه لم يدفع بها عن نفسه التهمة التي صوبها إليه معاوية وكانت ~~السبب الأكبر في تزعزع أركان دعوته والتخلي عنه، وهاك جوابه: «وأما ما سألت من دفعي إليك ~~قتلته فإني لا أرى ذلك؛ لعلمي بأنك إنما تطلب ذلك ذريعة إلى ما تأمل ومرقاة إلى ما ~~ترجو، وما الطلب بدمه تريد.» # 33 # القتال بين جيش علي وجيش معاوية # ثم التقوا بصفين من أرض الشام على الفرات، فجرت بينهم مناوشات وحروب، وكان أولها ~~أن معاوية وأصحابه سبقوا إلى شريعة الماء فملكوها ومنعوا أصحاب ابن أبي طالب من الماء، غير ~~أنهم أجبروا على مغادرتها بعد مناوشة انجلت عن تقهقرهم، # 34 # والجدير بالذكر أنه حين كان يكف القتال تتوادع الجنود ويختلطون بعضهم ببعض، فلا ~~يعرض أحد ms009 من الفريقين لصاحبه إلا بخير، ورجوا أن يقع الصلح، # 35 # وكانت طريقة القتال أن تخرج الجماعة من هؤلاء إلى الجماعة من أولئك فيقتتلون ~~بين العسكرين، وقد كرهوا الالتقاء بجميع الفيلقين مخافة الاستئصال، # 36 # ولم تقع هزيمة ما على أحد الفريقين إلى أن كان يوم الهدير، # 37 # وهو أعظم يوم بصفين، وبه زحف أهل العراق على أهل الشام فأزالوهم عن مراكزهم ~~وحمل الناس بعضهم على بعض حملة شعواء ، حتى تكسرت الرماح وتقطعت السيوف ونفد النبل ~~وتكادموا بالأفواه وتحاثوا بالتراب، # 38 # وذلك أن عليا أمر كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام؛ إلا ~~أن تكون قبيلة ليس بالشام منها أحد فيصرفها إلى قبيلة أخرى كباهلة فإنه صرفها إلى لخم. # 39 # بروتوكول صفين # وحين ظهرت أمارات الفتح أشار عمرو على معاوية برفع المصاحف على الرماح # 40 # والدعاء إلى ما فيها من أمر الله، وغايته من ذلك: أولا: إيقاع الانقسام في ~~أحزاب علي؛ لأن هذا أمر إن قبلوه اختلفوا وإن ردوه تفرقوا، ثانيا: رفع الحرب عن ~~السوريين إلى أجل أو إلى حين على الأقل، ولقد أثر ذلك على عقلية الجنود إذ قيل لهم: ~~«من لثغور أهل الشام بعد أهل الشام، ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق»، إن ذلك العامل ~~الذي أبان لهم ما يصيبهم من الضرر «مدموغا بطابع الدين» جعلهم يفترون عن القتال ويصيب ~~سهم ابن العاص مرماه. # والحقيقة هي أن التفرقة وقعت في جند علي، فقام بعضهم وقال: إنها مكيدة، فأجابهم آخرون: ~~«إنا قد بدأنا بدعاء أهل الشام إلى كتاب الله فردوا علينا فاستحللنا قتالهم، فإن رددناه ~~عليهم حل لهم قتالنا»، # 41 # وأخيرا قر قراراهم بعد الجدال في مسألة الشك واليقين من صدق أمرهم على أن ~~يرضوا بالتحكيم، وهيأ مندوبو كل من الفريقين الكتاب أو البروتوكول الآتي بيانه: # 42 # أولا: # ينزل الحكمان والفريقان عند حكم الله عز وجل وكتابه. # ثانيا: # الحكمان هما: أبو موسى الأشعري عن أهل العراق وعمرو بن العاص القرشي من قبل ~~أهل الشام. # ثالثا: # يعتمد ms010 الحكمان على السنة العادلة الجامعة غير المفرقة فيما لم يجداه في ~~كتاب الله. # رابعا: # الأمن والاستقامة ووضع السلاح جار بين أفراد الحزبين أينما ساروا على أنفسهم ~~وأهليهم وأموالهم وشاهدهم وغائبهم. # خامسا: # الأمة لهما أنصار على ما يتقاضيان به، وليس لعلي ومعاوية أن ينقضا مما حكم ~~به في كتاب الله وسنة نبيه، وهما آمنان في حكومتهما على دمائهما وأموالهما ~~وأشعارهما وأبشارهما وأهليهما وأولادهما. # سادسا: # مكان قضيتهما الذي يقضيان فيه مكان عدل بين أهل الكوفة (العراق) وأهل الشام، ~~ويأخذ الحكمان من أرادا من الشهود. # سابعا: # أجل القضاء إلى رمضان، وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه على تراض ~~منهما. # نقد بروتوكول صفين # حقا إن معاهدات السياسيين بها شيء من الإبهام وعدم التحديد، ولعلهم أنفسهم يودونها ~~أن تكون كذلك كيما يعلقوا المسائل تعليقا دون حل نهائي لها، إذ ربما تسنح الفرص بعد ذلك ~~بتتميمها، ومن هذا القبيل نرى أن المادة الأولى من هذا الاتفاق غير محدودة، إذ ما معنى حكم ~~الله؟ وما هي التفصيلات الدقيقة التي يجب أن يبحث فيها أعضاء المؤتمر حين يضعون أيديهم على ~~«حكم الله» إذا وجدوه ووصلوا إليه؟ # ثانيا: ترى هل كان أحد الحكمين أو كلاهما منتخبين من قبل الحزبين بتمامهما أم ~~كان هنالك فئة غير راضية عن أحدهما أو كليهما؟ إلا أننا نعرف أن عليا نفسه لم يكن ~~راضيا عن أبي موسى، ويثبت لنا ذلك رأيه فيه حيث قال: «إنه ليس لي بثقة، قد فارقني ~~وخذل الناس عني، ثم هرب مني حتى أمنته بعد أشهر»، # 43 # وللنقادة الأحنف بن قيس رأي في أبي موسى وهو: «قد عجمت هذا الرجل وحلبت ~~أشطره فوجدته كليل الشفرة قريب القعر.» # 44 # ناهيك ثالثا بأن التحكيم نفسه لم تقبل به فئة كبيرة من الناس دعوا بعد ذلك ~~بالخوارج، وتفصيل الخبر أنه لما خرج الأشعث يقرأ مواد الكتاب الذي عقد بين الطرفين على ~~الناس قامت طائفة من بني تميم فيهم عروة بن أدية حيث قال: «تحكمون في أمر الله عز وجل ~~الرجال، لا حكم إلا ms011 لله»، # 45 # كذلك صرحت له تماما فئة من عنزة وبعض من أشراف مراد وغيرهم من بني راسب، ~~إذ تنادوا: «لا يحكم الرجال في دين الله»؛ # 46 # مما يدل أن عليا لم يصل إلى منصب الخلافة إلا بأمر الله، ومنصبه جليل سام لا ~~رأي للناس فيه أو في انتخاب الرجل الذي يجب أن يتسنمه، إذ إن الله خصه به، ولقد قاموا على ~~علي لأنه شك في صحة خلافته وجعل نفسه عرضة للحكم الذي يصدره الحكمان. # رابعا: إننا لو تصفحنا العقد لتحققنا أن عليا لم يلقب فيه بأمير المؤمنين # 47 # مما يبرهن لنا أن خليفة المسلمين رضي بأن ينزل نفسه منزلة معاوية حاكم ~~دمشق، وأن يخضع وإياه لصوت القضاء، وهذا ضعف في سياسته كما لا يخفى. ~~(2-4) مؤتمر أذرح # دومة الجندل وأذرح # كانت دومة الجندل البلدة التي صمم الحكمان على جعلها مقرا للمؤتمر في بادئ الأمر، ~~إذ إنها في مركز وسط بين سورية والعراق، وقد انتخبت أذرح أيضا مكانا لاجتماعهما، وهي ~~من أعمال الشراة ثم من نواحي البلقاء وعمان # 48 # مجاورة لأرض الحجاز، تبعد نحوا من ميل عن الجرباء، ويستطاع القول إنها في ~~منتصف المسافة بين معان وبطرا (وادي موسى) في أيامنا هذه. # وكانت أذرح محطا للقوافل القرشية التي أمت سورية أيام الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وقد لعبت ~~دورا مهما في الأعصر الرومانية إذ جعلوها مخيما ومركزا للمواصلات مع البحر الأحمر، ~~وهي غنية بمياهها في تلك البقاع الجرداء، ووريثة بترا في اجتذابها القوافل حين مرورها إلى ~~شرقي الأردن، ولقد خسرت مركزها التجاري حين الفتح الإسلامي، وكان لمعان النصيب الأوفر في ~~النمو والازدهار بعدها، وآخر ذكرى لها في التاريخ الأموي هو تنازل الحسن بن علي عن ~~الخلافة فيها لمعاوية، والظاهر أنها خربت أيام الحملات الصليبية على سورية؛ لأن مؤرخيهم ~~لا يذكرونها مع كثرة معسكرات اللاتين كوادي موسى # 49 # وغيرها في تلك الجهات، ومن الشائع المتعارف لدى المؤرخين العرب سوى الطبري # 50 # أن دومة الجندل كانت مركز المؤتمر، وذلك لإثباتهم الروايات دون غربلة ms012 وانتقاد، ~~غير أننا لو تصفحنا أقوال الشعراء لأكدنا أن المؤتمر لم يعقد إلا في أذرح، ويشهد بذلك ~~قول ذي الرمة يمدح بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري: # أبوك تلاقي الدين والناس بعدما # تساموا وبيت الدين منقطع الكسر # فشد إصار الدين أيام أذرح # ورد حروبا قد لقمن إلى عقر # 51 # ولنا من شعر كعب بن جعيل في عمرو بن العاص ما يثبت ما نحن بصدده: # 52 # كأن أبا موسى عشية أذرح # يطيف بلقمان الحكيم يواربه # فلما تلاقوا في تراث محمد # سمت بابن هند في قريش مضاربه # وقال الأسود بن هيثم في المؤتمر: # لما تداركت الوفود بأذرح # وفي أشعري لا يحل له غدر # 53 # أدى أمانته ووفى نذره # عنه وأصبح غادرا عمرو # وإن كان المؤتمر لم يعقد في دومة الجندل فذلك يرجع إلى سلوك علي؛ لأنه أمل أن ~~يؤخر تاريخ انعقاده لبينا يتسنى له ضم الخوارج إلى حظيرته بعد أن انشقوا عنه، ~~ولربما لقطع العلائق ثانية مع معاوية، ثم إن عليا لم يدفع مندوبيه لحضور المؤتمر ~~ويحرج عليهم في ذلك؛ ولذا تأخروا عن الميعاد المضروب له، # 54 # مما جعل أنصار علي نفسه يجبرونه على الوفاء بعهده، أما أهل ~~الشام فقد قدموا للموعد الذي واعدهم إياه الحكمان. # أجل، قررت بعد ذلك دمشق والكوفة أن تكون أذرح مركزا لاجتماع الحكمين؛ نظرا ~~لتوفر أسباب الحياة فيها وكثرة مياهها، مما فضلت به على دومة الجندل، وقد رجا معاوية ~~المعتزلة حضور المؤتمر ليشهدوا ما يكون من أمرهما. # 55 # المقابلة بين حزب علي وحزب معاوية # لا بدع أن الحزبين لم يكونا متعادلين في المندوبين السياسيين اللذين ~~مثلاهما؛ لأن عمرا ذلك الداهية المشهور يعلم من أين تؤكل الكتف في الأمور السياسية ~~الخطيرة، عدا ما اتصف به من فصاحة اللسان، ولما كان معاوية يشك في حسن مقاصده فقد أرسل ~~له أخاه عتبة مشيرا. # أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص # أما أبو موسى الأشعري فكان حاكما للكوفة يوم مثلت مأساة المدينة، إلا أنه حين ~~اشتعلت نار الحرب الأهلية اعتزل ms013 الفتنة، وهو من أصحاب رسول الله، له شرف ونبل، لكنه لم ~~يكن ليعد من أنداد عمرو في أساليب السياسة والدهاء، ولقد كان خطيبا ذا أفق عقلي محدود، ~~ومهما يكن من أمرهما فإن المفاوضات التي دارت بين الاثنين تظهر لنا شخصيتهما وقواهما ~~العقلية في الدفاع عن آرائهما. # وتفصيل الخبر هو أنه حين نظر الحكمان في أمرهما وما اجتمعا عليه «أراد عمرو أبا موسى ~~على معاوية فأبى، وأراده على ابنه فأبى، وأراد أبو موسى عمرا على عبد الله بن عمر فأبى عليه»، # 56 # ومن ثمة قررا أن يجعلا الأمر شورى بين المسلمين، فيختارون لأنفسهم من أحبوا، ~~وعموما نرى جميع المؤرخين من العرب ينسبون إلى عمرو بن العاص أنه خدع أبا موسى ~~بتثبيته صاحبه معاوية وخلعه عليا بعد أن خلع زميله الزعيمين، ترى هل من الممكن أن يعلو ~~رجل عرش الخلافة إذا غش مندوبه مندوبا آخر فحسب؟ إن حيلة عمرو لا يقبلها المنطق، ~~إذ إنه لو تسنى له أن يخدع أبا موسى لأثار الرأي العام عليه، ولحول الأنظار نحو علي، ~~سيما وقد شهد المعتزلة المحايدون والأربعمائة مندوب من العراق قرارات المؤتمر، # 57 # ثم كيف تفسر ثورة الخريث بن راشد؟ # 58 # ذاك الرجل الذي أخلص لعلي وشهد معه معركة صفين والنهروان، ولم يندفع البتة مع ~~تيار الخوارج، لو خدع عمرو أبا موسى هل يعقل ان ينفخ الخريث في بوق الثورة وينشق ~~على ابن أبي طالب بينا يعلم أن صاحبه خدع خدعا؟ # لم تكن ثورة الخريث نتيجة لخدعة عمرو الخيالية، إنما لأنه أراد أن ينفذ إرادة الحكمين ~~المتفقين، ويدعو إلى الشورى، ولأن عليا ضعف عن الحق إذ جد الجد، # 59 # فخلعه حكمه الذي ارتضاه لنفسه، وهذا كان الرأي الذي خرج عليه من الكوفة. # وصفوة القول أننا حين نضع المسائل في غربال الانتقاد ونقابلها بما وقع من الأمور بعد ~~مؤتمر أذرح نتحقق أن حيلة عمرو العلنية لا تستند على أساس ثابت من الصحة، إذ كيف يرجو ~~عمرو أن يرشح معاوية للخلافة بعد أن أمضى مع أبي ms014 موسى على خلعه، # 60 # ومما يدلنا أن حيلة عمرو باطلة هو أنه لم يرد شيء عنها في الاحتجاجات التي ~~قدمها علي معترضا على مؤتمر أذرح، إنما اتهم الحكمين بأنهما لم يسيرا حسب ما في كتاب ~~الله؛ ولذا وسعه الخروج عن حكمهما. # إن الحزبين لم يقتتلا في سهل صفين إلا لأن عليا لم يرض بتسليم قتلة عثمان للقضاء، ~~فأبى أهل الشام - العثمانية - الاعتراف به خليفة للمسلمين؛ ولذا عقد مؤتمر أذرح، وحضور ~~العراقيين هذا المؤتمر لم يكن إلا مجاملة يقومون بها قبل أن يكون النصر حليف ابن أبي ~~طالب، أما السوريون فقد قدموا وفي أدمغتهم فكرة الشك في حق علي بالخلافة وترشيح ~~معاوية لها مع أنه لم يدعها علنا، وود ابن أبي سفيان من صميم القلب أن يظهر ~~مداخلة خصمه في فاجعة المدينة كيما لا يكون لنصير القتلة حق بالخلافة. # الغلط الفادح الذي ارتكبه الأشعري # والغلط الفادح الذي ارتكبه الأشعري هو أنه سوى بين علي أمير المؤمنين ومعاوية حاكم ~~الشام في المنزلة، كما نص بذلك «بروتوكول» صفين، # 61 # مع أن ابن أبي طالب قد اعترفت به مصر واليمن والحجاز وخراسان، ولم ~~يبق خارجا عنه إلا سورية، # 62 # هذا عدا أن معاوية لم يلتف حوله حزبه إلا كمنتقم لعثمان وليس ~~كمدع للخلافة، فالأشعري لم يميز هذا التفصيل الدقيق الخطير، بل حكم على علي ومعاوية ~~كمرشحين للخلافة، وبذلك حط من مركز ابن أبي طالب ورفع منزلة معاوية وأمله بتحقيق ~~مطامعه الخفية، وحول أنظار الناس نحوه دون أن يشعر بما فعل. # ولو أمعنا النظر في سير المفاوضات بين الاثنين لرأينا أن الأشعري لم يكن متأكدا من ~~حق علي بالخلافة، إذ أطلق العنان لعمرو أن يحدثه عن حقوق معاوية في أن يخلف عثمان، # 63 # هذا لم يكن موضوع المناظرة، ولعمري إن عمرا الداهية أبعد في مفاوضاته ~~كثيرا عما أتوا من أجله، فجعل يرشح رجالا ضعافا للخلافة إلى أن أنهكه، وقر ~~قرارهما على خلع الزعيمين والرجوع إلى الشورى؛ مما أدى إلى النتائج التي وصفناها آنفا، ~~هذا ما ms015 نظنه الصحيح من مناقشات مؤتمر أذرح، أما الباقي من الروايات فعليه مسحة من روح ~~التعصب والاختلاف في إثبات الحديث. # معاوية مؤسس الدولة الأموية في الشام # خرج معاوية من هذا المؤتمر خاسرا حقا ليس له، ورابحا عطف الناس، إذ إن عليا لم ~~يعترف بما أقر عليه الحكمان، وهو تخليه عن المركز العظيم الذي تسنمه أعواما عديدة ~~والرجوع إلى الشورى، وإن ظل علي بعد ذلك متمكنا من الحجاز والعراق وغيرهما من ~~الأقطار، فقد بقي معاوية المسيطر على الشام والرجل الذي بدأ يرى فيه العالم ~~الإسلامي الشخصية الكبيرة القادرة على توطيد السلام؛ ولذا نقول: إن مفاوضات مؤتمر أذرح ~~السياسية أدت إلى نتائج عظيمة لم تكن لتأتي عن طريق صفين وغيرها من المعارك التي تسفك ~~فيها الدماء الزكية. # ومما جعل لمعاوية النصيب الأوفر في النجاح إبان المفاوضات هو روح الطاعة التي تحلى ~~بها الشاميون، # 64 # لكن الفوضى نشبت بين العراقيين حتى قال لهم العباس يوما: «أما ترون ~~رسول معاوية يجيء لا يعلم بما جاء به ويرجع لا يعلم بما رجع به، ولا يسمع لهم (للشاميين) ~~صياح ولا لغط، وأنتم عندي كل يوم تظنون الظنون؟» # 65 # ويقول ذوو الرأي من العرب: إنه لو مضى علي بمن أطاعه - إذ عصاه من عصاه - فقاتل ~~حتى يظفر أو يهلك لكان ذلك الحزم. # 66 # الإسلام يقول: إن النفوذ والقوة بعد الله هما في يد الجماعة الإسلامية، وليس من خطيئة ~~بعد الكفر أكبر من خطيئة الخروج على الجماعة والثورة عليها، وللخليفة ممثلها وحامل عصاها أن ~~يحكم بموجب كتاب الله والسنة والإجماع والقياس، وقد انتخب معاوية بن أبي سفيان خليفة ~~للمسلمين عام الجماعة في إيلياء # 67 ~~(بيت المقدس سنة 41ه/661م)، ودعي هذا العام بعام الجماعة لاجتماع الأمة بعد ~~الفرقة على خليفة واحد، وذلك حين بايع له الحسن - بعد مقتل أبيه - بالخلافة، وكان قد أرسل ~~معاوية بصحيفة بيضاء للحسن مختوم على أسفلها، وكتب إليه أن اشترط في هذه فما اشترطت فهو لك، # 68 # ثم اعترف العرب عموما بمعاوية خليفة للمسلمين. # الفصل الثاني ms016 # | مأساة الحسين # (1) العوامل لتحطيم العرش الأموي في الشام بعد وفاة معاوية # عزم معاوية بن أبي سفيان عزما أكيدا طيلة أيامه على استئصال شأفة المعارضين للمركزية ~~الأموية، فبذل الأموال ووهب المناصب وجيش الجيوش ونظم فرق العيون والأرصاد والشرطة في ~~طول البلاد وعرضها، وقطع ألسنة الناس والشعراء بكرمه وحلمه ودهائه، وبما صرفه من الجهود القوية ~~في سبيل استرضاء الناس والتودد إليهم والتحبب إلى زعمائهم، فتوفق في البلوغ إلى غايته بعض ~~التوفيق، إذ سكنت الأحزاب إلى حكمه ورضخت لعدله، لكن كان هنالك عوامل جمة تعمل في الخفاء ~~لتحطيم عرش الأمويين في الشام بعد وفاة معاوية الأول: # فالعامل الأول: # في عرفنا هو قيام الحزب العلوي برئاسة الحسين بن علي بن أبي طالب لاسترجاع ما ~~فقده من السلطة في مؤتمر أذرح ونشاطه إلى ذلك نشاطا عظيما. # وأما العامل الثاني: # فهو طمع الزعماء من الصحابة إلى التغلب والسيطرة كعبد الله بن الزبير وعبد الله ~~بن عمر بن الخطاب وغيرهما. # وأما العامل الثالث: # فهو نفرة الحجازيين والعراقيين من الأمويين لاحتكارهم أعمال الدولة ومهام الأمور ~~فيها، فلم تكن للحجازي والعراقي يد فعالة في تسيير دفة الأحكام كما كان للشامي، ولا ~~ريب أن انتقال العاصمة من المدينة إلى دمشق جعل زمام الأمور بطبيعة الحال تحت سيطرة ~~النبلاء العرب الشاميين، ثم إن التجاء الزعماء الحجازيين إلى العراق وبثهم الدعوة ضد ~~بني أمية حرك في صدور أبناء الرافدين أسباب الفتن التي أدت إلى المذابح الشائنة ~~والحروب الأهلية بين أبناء الوطن الواحد، ففتك الشامي بالعراقي وأعمل العراقي السيف ~~بالشامي، وإذا تتبعنا مصدر هذه الفتن لتحققنا أن محركها الأكبر هو استثمار ~~الزعماء والأحزاب للعاطفات الدينية في سبيل الوصول إلى غاياتهم السياسية كما سيتبين ~~معنا. # وأما العامل الرابع: # فهو قيام رجال من ولاة الأمويين الذين لجئوا إلى البطش وسياسة الدم والحديد، فنجحوا ~~نجاحا باهرا في توطيد الأمن وتهدئة الثورات - مؤقتا - ولكن لم يكد كابوسهم يرتفع عن ~~الصدور حتى قذفت تلك الصدور نيرانا وحمما. ~~(2) الحزب العلوي ومأساة الحسين بن علي ~~(2-1) لعن يزيد # اعتلى عرش ms017 بني أمية في دمشق بعد وفاة معاوية أبو خالد يزيد بن معاوية، وكان ذلك سنة ستين ~~للهجرة (679م)، وهو شاب يلعنه معظم المؤرخين، فيتعرضون له بالسب والشتيمة والتكفير، وهم - ~~حسبما رأيت - فئتان: فئة تقيم عليه النكير، لأن في أيامه قتل الحسين بن علي سليل العترة ~~النبوية وحفيد الشجرة الهاشمية، ولأنه أمر بغزو الكعبة حينما التجأ إليها ابن الزبير في ~~ثورته المشهورة، فاجترأ على أكبر مؤسسة إسلامية يحج إليها المسلمون، وفئة تصب جام غضبها ~~عليه لسوء سيرته الشخصية وتمتعه بملاذ الحياة الدنيا، فتقول: إنه تعاطى كئوس الراح ولبس ~~الحرير ولاعب الحيوانات الأليفة كالقردة، واستهوته أسباب المدنية البيزنطية فجد في أثرها، ~~وروى الشعر واسترسل في التشبيب والغزل: # أما الفئة الأولى: # فهي مخطئة في اعتقادنا؛ لأنها ترجع أسباب الحادثات إلى الملوك، وترى أنهم هم ~~الذين يكونون مجاري التاريخ، وما التاريخ إلا سلسلة حركات متصلة لا بد أن تعمل ~~عملها، سواء أكان يزيد مستوليا على العرش أو غير يزيد، وسنفصل لك الأسباب التي ~~دعت إلى مأساة الحسين تفصيلا مسهبا يريك أن لكل حادث سببا، وأن لكل سبب ~~نتيجة هي مرهونة بأوقاتها، وأن اللعنة التي يلعنها المسلمون ليزيد هي ليست من الأهمية ~~على شيء في نظر التاريخ العلمي الذي يستبصر بنور الحياد الصحيح ويترفع عن الحزبية ~~وتعصباتها. # وأما الفئة الثانية: # فليس لها أن تحكم على شاب ربي في محيط شامي يختلف تمام الاختلاف عن المحيط ~~الحجازي الذي عاش في كنفه الخلفاء الراشدون، فالمحيط الحجازي هو مركز الزهد والتقشف ~~والتمسك برابطة الدين وتعاليمه، بينما دمشق هي عاصمة البيزنطيين الشامية وفيها من ~~أسباب مدنيتها ما أدهش العرب وجعلهم مع الزمن ينسجون على منوالها ويقتبسون ~~فوائدها، ومما لا ريب فيه أن المؤرخين يرتكبون خطأ فاحشا إذا جعلوا مقياس حكمهم على ~~يزيد هو المقياس الذي يقيسون به أعمال عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة مثلا، وإن لكل ~~زمن مقياسا، فلا يمكنك البتة أن تحكم على ابن القرن الثاني وتزن أعماله بميزان ~~ابن القرن الأول، ناهيك أيضا باختلاف الأمكنة ومؤثراتها، ms018 فالشام هو غير الحجاز ~~والحجاز هو غير العراق، وقس على ذلك. ~~(2-2) وفاة معاوية، مراسم الدفن # أعلن الضحاك بن قيس الوزير الأول في الدولة الأموية إذ ذاك وفاة معاوية، فصعد منبر ~~المسجد الجامع ومعه أكفان الخليفة الحليم وقال: «أيها الناس ... إن معاوية بن أبي سفيان كان ~~عبدا من عباد الله، ملكه على عباده، فعاش بقدر ومات بأجل، وهذه أكفانه كما ترون، نحن ~~مدرجوه فيها، ومدخلوه قبره، ومخلون بينه وبين ربه، فمن أحب منكم أن يشهد جنازته ~~فليحضر بعد صلاة الظهر.» # 1 # بمثل هذه الكلمات الموجزة البليغة ودع الضحاك معاوية وواراه الناس في مرقده الأخير، ~~ولدى البحث والتدقيق وجدنا أن هذه الخطبة هي شبيهة كل الشبه برسالة بعث بها يزيد ~~الأول لدى تسنمه عرش الخلافة إلى الوليد بن عتبة والي المدينة يخبره بوفاة أبيه فيقول: «بسم ~~الله الرحمن الرحيم، من يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أما بعد، فإن معاوية ~~كان عبدا من عباد الله، أكرمه الله واستخلفه وخوله ومكن له، فعاش بقدر ومات بأجل ~~فرحمه الله، فقد عاش محمودا ومات برا تقيا والسلام»، # 2 # مما يؤيد لنا أن الرسالتين صدرتا من دائرة مخصوصة في بلاط يزيد لها لون واحد ~~وروح واحدة، ولعلها - ونحن هنا نتكهن - للضحاك نفسه. ~~(2-3) يزيد الشديد # يتأكد طالب التاريخ لدى دراسته أحوال يزيد أنه كان يميل إلى الشدة في تثبيت دعائم ملكه، ~~فلم يتوان ولم يكسل ولم يغض النظر عن الزعماء الذين أرادوا الوثوب به والتنكيل بحزبه، ~~فأرسل إلى الولاة في الأطراف يطلب منهم البيعة له دون إبطاء ولا مماطلة، يثبت لنا رأينا هذا ~~رسالته إلى الوليد بن عتبة حاكم المدينة، فهو يأمره بها أن لا يتساهل البتة مع الحسين بن علي ~~وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير، وأن يكون لهم بالمرصاد إذا أرادوا العصيان ~~والثورة. # ويروي لنا الطبري نص الرسالة كما يأتي: «... أما بعد، فخذ حسينا وعبد الله بن عمر ~~وعبد الله بن الزبير أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا، والسلام»، ms019 # 3 # وكان هؤلاء النفر قد أبوا على معاوية الإجابة إلى بيعة يزيد حين دعا الناس إلى ~~بيعته وأنه ولي عهده من بعده، ورأى مروان بن الحكم رأي يزيد في الشدة والحزم حتى لا يطمع ~~طامع في بني أمية، فأشار على الوليد بن عتبة في المدينة قائلا: «أرى أن تبعث إلى هؤلاء ... ~~فتدعوهم إلى البيعة والدخول في الطاعة، فإن فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم، وإن أبوا ~~قدمتهم فضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فإنهم إن علموا بموت معاوية ~~وثب كل امرئ منهم في جانب وأظهر الخلاف والمنابذة ودعا إلى نفسه ... أما ابن عمر فإني لا ~~أراه يرى القتال ولا يحب أن يولى على الناس إلا أن يدفع إليه هذا الأمر عفوا.» # 4 # وقد أكد مروان ابن الحكم للوليد بن عتبة ضرورة استعمال الشدة مع الزعماء الذين لا ~~يظهرون بيعتهم علنا، حتى إنه دعاه إلى الفتك بالحسين حينما أبى مبايعة يزيد، وأجاب «... فإن ~~مثلي لا يعطي بيعته سرا، ولا أراك تجتزئ بها مني سرا دون أن تظهرها على رءوس الناس ~~علانية ... فإذا خرجت إلى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع الناس فكان أمرا واحدا ...» # 5 # وعد مروان بن الحكم هذا الجواب دليلا على المماطلة والتبرم من الخضوع ~~والاعتراف لبني أمية بالخلافة، لا سيما وأن الحسين لم يأت دار الإمارة في المدينة إلا ومعه ~~مواليه وأهل بيته، ويروي لنا الطبري أنه قال لأصحابه لما انتهى إلى باب الوليد: «إني داخل، ~~فإن دعوتكم أو سمعتم صوته قد علا فاقتحموا علي بأجمعكم، وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم»، # 6 # وهذا يبرهن لن جليا أن حبل الثقة كان قد انقطع بين الطرفين. # وتنص التصريحات التي أدلى بها الجانبان نصا صريحا على أن الفتنة آتية لا ريب فيها، ~~وأن كلا من الحزبين قد أخذ يعد عدته ليناجز صاحبه الوقيعة، وأن الكلمة النهائية ~~هي ليست للمفاوضات بل للسيف، ولما جبن الوليد أمام الحسين ولم يجبره على البيعة وترك ~~أمامه السبل آمنة مطمئنة قال له مروان قوله المشهور: ms020 «والله لئن فارقك الساعة ولم ~~يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينكم وبينه، احبس الرجل ولا يخرج ~~من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه»، # 7 # وكان ضعف الوليد في عرف يزيد مدعاة لعزله عن منصبه. ~~(2-4) مؤامرات الحزب العلوي في الكوفة # أبى الحسين البيعة ليزيد، فجمع أهل بيته وشيعته وانطلق إلى مكة، فاختلف الناس إليه ~~والتفوا حوله حلقات حلقات، واحتفلوا به وانتصروا له، فكثر رجاله وانتشرت دعوته بينهم، ~~وقد اتصل هناك برسل الكوفيين من الشيعة الغاضبين على يزيد فشجعوه على القدوم إليهم لينادوا ~~به أميرا للمؤمنين بدلا من يزيد بن معاوية المغتصب لعرش أبيه علي بن أبي طالب ابن عم ~~الرسول. ~~(2-5) رسائل الكوفيين للحسين بن علي # حملت الأخبار وفاة معاوية، فنشط الحزب الشيعي في الكوفة وأنشأ يدبر المؤامرات ~~ويهيئ الوسائل الفعالة لاسترجاع عرش الخلافة إلى أصحابه الشرعيين، فعقدوا الاجتماعات في بيت ~~أكبر زعمائهم سليمان بن صرد، واندفعوا اندفاعا كليا في إلقاء الخطب الحماسية التي تظهر ~~مساوئ الحكم الأموي وفضائحه ودسائسه، فاعتلى سليمان مرة منصة الخطابة وافتتح إحدى جلساتهم ~~بقوله: «إن معاوية قد هلك، وإن حسينا قد تقبض على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكة وأنتم ~~شيعته وشيعة أبيه، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه، وإن خفتم ~~الوهل والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه»، # 8 # فأجاب القوم - والحماس آخذ منهم مأخذه: «لا، بل نقاتل عدوه ونقتل أنفسنا دونه»، # 9 # وعمدوا إلى كتابة الرسائل، الواحدة إثر الأخرى وكلها توثق للحسين طاعتهم ~~وإخلاصهم وتفانيهم في الدفاع عنه والذود عن حرمته، وإني مورد لك بعض هذه الوثائق لتلمس بيديك ~~شيئا من حماس القوم وتهالكهم - ولو عن بعد - في نصرته ومحبته: # الرسالة الأولى # بسم الله الرحمن الرحيم # من سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر وشيعته من ~~المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة، سلام عليك ... فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا ~~هو، أما بعد، فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد، ms021 انتزى على هذه الأمة ~~فابتزها أمرها واغتصبها فيأها وتآمر عليها بغير رضى منها، ثم قتل خيارها ~~واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها، فبعدا له كما بعدت ~~ثمود، إنه ليس علينا إمام فاقبل، لعل الله يجمعنا بك على الحق، والنعمان بن بشير - ~~الوالي - في قصر الإمارة، لسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه إلى عيد، ولو بلغنا ~~أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء الله، والسلام ورحمة الله عليك. # 10 # الرسالة الثانية # بسم الله الرحمن الرحيم # لحسين بن علي، من شيعته من المؤمنين والمسلمين. أما بعد، فحي هلا فإن الناس ~~ينتظرونك ولا رأي لهم في غيرك، فالعجل، والسلام عليك. # 11 # الرسالة الثالثة ~~... أما بعد، فقد اخضر الجناب وأينعت الثمار وطمت الجمام ، فأقدم على جند لك ~~مجند، والسلام عليك. # 12 # فترى مما تقدم أن الكوفيين قد حبسوا أنفسهم عليه، وأسرفوا في ذلك إسرافا شديدا، ~~وغلوا في انتصارهم للحسين غلوا عظيما، حتى ليقول الدينوري صاحب الأخبار الطوال: إنه ~~«ورد إليه خمسون كتابا من أشراف الكوفة ورؤسائها، كل كتاب منها من الرجلين والثلاثة ~~والأربعة، وتتابعت عليه في أيام فملأ منها خرجين.» # 13 ~~(2-6) رسائل الحسين للكوفيين # أمام هذه الجهود العظيمة التي بذلها الكوفيون في بث دعوته، وتلك المواعيد الجميلة ~~الجذابة التي تواردت عليه في أيام قلائل، لم ير الحسين رأيا أصوب من الالتحاق بهم، ~~فمهد لذلك السبل، فأرسل مسلم بن عقيل بن أبي طالب - وهو ثقته - وطلب إليه المسير إلى ~~الكوفة لنشر الدعوة وتنظيم الحركة العلوية تنظيما يدعو إلى النجاح، وأخذ البيعة وجمع الرجال ~~والأموال، وبعث معه رسالة يدعوهم بها إلى التكاتف والتعاضد، وهي ترمي إلى معرفة أحوالهم ~~تماما قبل الإقدام على استلام مهام الزعامة فيهم، ووردت هذه الرسالة بنصوص عديدة، لكنها لا ~~تختلف في مطالبها الجوهرية، وإليك نصين منها يثبتان دعوانا: # النص الأول # بسم الله الرحمن الرحيم # من الحسين بن علي إلى من بلغه كتابي هذا من أوليائه وشيعته بالكوفة، سلام ~~عليكم، أما بعد، فقد أتتني ms022 كتبكم وفهمت ما ذكرتم من محبتكم لقدومي، وأنا باعث ~~إليكم بأخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل ليعلم لي كنه أمركم، ويكتب ~~إلي بما يتبين له من اجتماعكم، فإن كان أمركم على ما أتتني به كتبكم ~~وأخبرتني به رسلكم أسرعت القدوم عليكم إن شاء الله، والسلام. # 14 # النص الثاني # بسم الله الرحمن الرحيم # من حسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين. # أما بعد، فإن هانئا وسعيدا # 15 # قدما علي بكتبكم، وكان آخر من قدم علي من رسلكم، وقد فهمت كل الذي ~~اقتصصتم وذكرتم ومقالة جلكم أنه ليس علينا إمام فاقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى ~~والحق، وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أن يكتب إلي ~~بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إلي أنه قد أجمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجى على مثل ~~ما قدمت علي به رسلكم وقرأت في كتبكم أقدم عليكم وشيكا إن شاء الله، فلعمري ما ~~الإمام إلا العامل بالكتاب والآخذ بالقسط والدائن بالحق والحابس نفسه على ذات الله، والسلام. # 16 ~~(2-7) مسلم بن عقيل في الكوفة واجتماع الشيعة بحضرته # ثم رحل مسلم إلى الكوفة، فدعت إليه الشيعة وعقدوا اجتماعا في حضرته تجلت فيه آيات ~~التأثر والحماس والغضب للبيت العلوي، وقد افتتح جلستهم مسلم فقرأ كتاب الحسين فبكوا ~~خشوعا وحنانا لمقدمه، وتتابعت الخطب من أشهر المتفوهين والبلغاء، وكلها تؤيد الرسائل ~~المتطرفة التي بعثوها للحسين، فزاد إيمان مسلم بالحركة العلوية، لا سيما وقد رنت كلمات ~~التضحية مرارا في أذنه، فقام الزعيم عابس بن أبي شبيب يؤكد إخلاصه واستعداده للموت في سبيل ~~الدعوة فقال: «... أما بعد، فإني لا أخبرك عن الناس ولا أعلم ما في أنفسهم، وما أغرك منهم، ~~والله أحدثك عما أنا موطن نفسي عليه، والله لأجيبنكم إن دعوتم أو لأقاتلن معكم ~~عدوكم أو لأضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله، لا أريد بذلك إلا ما عند الله»، # 17 # وأيد حبيب بن مظاهر الفقعسي رأي زميله عابس بن أبي شبيب ms023 فقال مخاطبا إياه: «... ~~رحمك الله قد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك ... وأنا والله الذي لا إله إلا هو على مثل ما هذا ~~عليه.» ~~(2-8) ضعف النعمان بن بشير والي الكوفة # والغريب أن النعمان بن بشير والي الكوفة لم يقتلع جرثومة التآمر على الحكومة الأموية، ~~ولم يضرب زعماء العلويين بيد من حديد فيخفت أصواتهم ويشل سواعدهم، ولا ريب أنه كان ~~ضعيف الرأي في الحكم يميل ظاهرا إلى الحسين، يدلنا على ذلك قوله إلى أحد من يهوى هوى ~~الأمويين لما أخذ يؤنبه ويتهمه بالضعف أو التضاعف في حفظ مصلحة الدولة والاهتمام في ~~سلامتها «أن أكون ضعيفا وأنا في طاعة الله أحب إلي من أن أكون قويا في معصية الله، ~~وما كنت لأهتك سترا ستره الله.» # 18 # ولنا من خطبه في الكوفة برهان آخر على أنه كان يرى الفتنة يقظى ولا بد أن تشتعل، وأنه ~~لن يهاجم القائمين بها قبل أن يهاجموه، فجعل لأنصارها قوة وطيدة الأركان ويدا فعالة في ~~ترتيب المؤامرة وتنظيمها على الأسس المتينة، قال من خطاب له في المسجد الجامع: «... أما ~~بعد، فاتقوا الله عباد الله، ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فإن فيهما يهلك الرجل ~~وتسفك الدماء وتغصب الأموال، إني لم أقاتل من لم يقاتلني ولا أثب على من لا يثب علي، ~~ولا أشاتمكم ولا أتحرش بكم ولا آخذ ... بالظنة ولا التهمة، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم لي ~~ونكثتم ببيعتكم وخالفتم إمامكم، فوالله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت ~~قائمه في يدي ولو لم يكن لي منكم مناصر، أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن ~~يرديه الباطل.» # 19 ~~(2-9) ولاية عبيد الله بن زياد العراق # عزل يزيد الأول النعمان بن بشير لتهاونه وحبه العافية وعدم فتكه بالمتآمرين، وولى مكانه ~~عبيد الله بن زياد بإشارة سرجون مولاه. وكان عبيد الله واليا للبصرة إذ ذاك، فضمت الحكومة ~~إليه المصرين، وفوضت إليه السلطة الواسعة وطلبت منه استعمال الشدة واتهام الناس ~~على الظنة وإعدام من يرى في ms024 قلبه ضعفا في طاعة الخليفة أو الاشتراك في التدبير على المركزية ~~الأموية، وبعبارة ثانية فقد خولته سلطة الحاكم المطلق أو الديكتاتور في العراق # Dictator ~~. # أسباب نجاحه في قمع الثورة # وإني لأميل إلى الاعتقاد أن عبيد الله بن زياد نجح في مهمته وقضى على أركان الحزب ~~العلوي لسببين رئيسيين: الأول اتباعه سياسة الشدة والإرهاب والإعدام لمجرد الظن والتهمة، ~~وإعلان الأحكام العرفية من أقصى البصرة إلى أقصى الكوفة، واعتماده على القساة في تنفيذ خططه ~~وانتهازه الفرص دون تردد ومراوغة، فثبت دعائم الخلافة الأموية بعد أن كادت تميد في أرض ~~العراق، ثم إنه أحسن كل الإحسان إلى مريديه وأتباعه، فجعل منهم ألسنة شكر تسبح بحمده، ~~وأولى من أطاعه نعمة الأمان على نفسه وأهله ومقتنياته، وأساء كل الإساءة إلى عشائر ~~الذين يرون خذل الأمويين ووجوب التخلص منهم مبدأ قويما، فاستقامت له الأمور واستقرت ~~الأحوال ، ولنا من بعض فقرات تلاها في خطبه في البصرة والكوفة ما يؤيد دعوانا، وهاك ~~أهمها: # قال في المسجد الجامع في البصرة: «... يا أهل البصرة، إياكم والخلاف والإرجاف، فوالله ~~الذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خالف أو أرجف لأقتلنه ووليه، ولآخذن ~~الأدنى بالأقصى والبريء بالسقيم حتى تستقيموا، وقد أعذر من أنذر.» # 20 # وقال في الكوفة: «... يا أهل الكوفة، إن أمير المؤمنين قد ولاني مصركم، وقسم ~~فيئكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، والشدة على عاصيكم ومريبكم، ~~وأنا منته في ذلك إلى أمره، وأنا لمطيعكم كالوالد الشفيق، ولمخالفكم كالسم ~~النقيع، فلا يبقين أحد منكم إلا على نفسه.» # 21 # وقال في الكوفة أيضا: «... إن أمير المؤمنين - أصلحه الله - ولاني ثغركم ~~ومصركم، وأمرني بإنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم وبالشدة على ~~مريبكم وعاصيكم، وأنا متبع فيكم أمره ومنفذ فيكم عهده، فأنا لمحسنكم ومطيعكم ~~كالوالد البر، وسوطي وسيفي على من ترك أمري وخالف، فليبق امرؤ على نفسه، ~~الصدق ينبي عنك لا الوعيد»، ووجه خطابه إلى عرفاء الناس فاستطرد قائلا: «اكتبوا لي ~~الغرباء، ومن فيكم من طلبة أمير المؤمنين، ومن ms025 فيكم من الحرورية وأهل الريب الذين رأيهم ~~الخلاف والشقاق، فمن كتبهم لنا فبرئ، ومن لم يكتب لنا أحدا فيضمن لنا ما في عرافته ~~أن لا يخالفنا منهم مخالف ولا يبغي علينا منهم باغ، فمن لم يفعل برئت منه الذمة، ~~وحلال لنا ماله وسفك دمه، وأيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم ~~يرفعه إلينا صلب على باب داره وألغيت تلك العرافة من العطاء وسير إلى موضع بعمان الزارة.» # 22 # بطش عبيد الله بن زياد في الكوفيين بطش الأسد بفريسته بعد أن صدرت إليه إرادة ~~يزيد العليا في دمشق بأن لا يكف عن محبذي روح الثورة والفوضى أبدا، وأن يطلب مسلم ~~بن عقيل طلب الخرزة حتى يظفر به فيقتله أو ينفيه لأنه داعية الحسين الأشد، # 23 # ثم قضى قضاء مبرما - حينما بلغه أن في نية الحسين القدوم إلى العراق - أن ~~يضع ابن زياد «المناظر والمسالح، وأن يحترس على الظن ويأخذ على التهمة وأن لا يقاتل ~~إلا من قاتله.» # 24 # وأما السبب الثاني الذي مهد السبيل لنجاح ابن زياد في العراق فهو بذله الأموال ~~للأشراف من أهل الكوفة أنفسهم، ومعظمهم قد تعاهدوا وأقسموا الأيمان المغلظة على نصرة ~~الحسين بن علي، فاستمال ودهم واستخلص نصيحتهم واستولى على قلوبهم؛ فصارت سيوفهم تضرب في ~~جانبه بعد أن كانت مشهورة عليه، ولما أحدق الخطر بعبيد الله وحاصره الكوفيون بقيادة ~~مسلم - كما سيأتي معنا - كان أشراف الكوفة هم الساعد القوي في تشتيت شملهم، واللسان ~~البليغ في تفريق جموعهم، فقال كثير بن شهاب في الناس: «أيها الناس، الحقوا بأهليكم ولا ~~تعجلوا الشر ولا تعرضوا أنفسكم للقتل، فإن هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد ~~أقبلت، وقد أعطى الله الأمير حربا لئن أتممتم على حربه ولم تنصرفوا من عيشتكم ~~أن يحرم ذريتكم العطاء ويفرق مقاتلتكم في مغازي أهل الشام عن غير طمع، وأن يأخذ البريء ~~بالسقيم والشاهد بالغائب حتى لا يبقى له فيكم بقية من أهل المعصية إلا أذاقها وبال ما ~~جرت أيديها.» # 25 # وقال غيره من ms026 الأشراف: «يا أهل الكوفة اتقوا الله ولا تستعجلوا الفتنة ولا تشقوا عصا ~~هذه الأمة، ولا توردوا على أنفسكم خيول الشام، فقد ذقتموهم وجربتم شوكتهم ...» وكان ~~الرجل من أهل الكوفة يأتي ابنه وأخاه وابن عمه فيقول: انصرف فإن الناس يكفونك، وتجيء المرأة ~~إلى ابنها وزوجها وأخيها فتتعلق به حتى يرجع، فصلى مسلم العشاء في المسجد وما معه إلا ~~زهاء ثلاثين رجلا. # 26 # وللفرزدق الشاعر شهادة في الكوفيين تؤيد لنا طمع الأشراف بالدرهم وعبادتهم الدينار ~~واهتمامهم بمصالحهم قبل غيرها، فسأله الحسين عن أموال الناس في الكوفة فأجاب: «قلوب الناس ~~معك وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء.» # 27 # والخلاصة أن الجماعات التي أقامت النكير على بني أمية وراسلت الحسين وأكدت له إخلاصها ~~وذرفت أمام مسلم أعز دموعها هي الجماعات التي ابتاعها عبيد الله بالدرهم والدينار. ~~(2-10) فاجعة مسلم بن عروة المرادي # قدم مسلم إلى الكوفة وأمامه عدو ذو بأس شديد وحيلة واسعة، فلا بد له إذن من تجنبه ~~والدعوة سرا كي لا يفسد عليه أمره فتفشل مساعيه وتذهب أدراج الرياح، فالتجأ إلى دار أحد ~~زعماء الشيعة المعروفين وهو هانئ بن عروة المرادي، فبث ابن زياد العيون لمعرفة مقر مسلم ~~واستطلاع أخبار الجماعات الذين بايعوه ليقبض عليهم، فيروي لنا الطبري أنه «دعا مولى له ~~فأعطاه ثلاثة آلاف وقال له: اذهب حتى تسأل عن الرجل الذي يبايع له أهل الكوفة فأعلمه ~~أنك رجل من أهل حمص جئت لهذا الأمر، وهذا مال تدفعه إليه ليتقوى، فلم يزل يتلطف ويرفق به ~~حتى دل على شيخ من أهل الكوفة يلي البيعة فلقيه فأخبره ... فأدخله إليه فأخذ منه المال ~~وبايعه، ورجع إلى عبيد الله فأخبره.» # 28 # فطلب ابن زياد من هانئ تسليم مسلم فأبى عملا بحرمة الشهامة العربية، واعتذر قائلا: «ما ~~دعوته إلى منزلي ولكنه جاء فطرح نفسه علي»، فشدد عليه وهدده فأجابه: «أنا أدفع جاري ~~وضيفي وأنا حي صحيح أسمع وأرى، شديد الساعد كثير الأعوان ... والله لو لم أكن واحدا ليس لي ms027 ~~ناصر لم أرفعه حتى أموت دونه ... والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه.» # 29 # فأمر به فحبس في جانب القصر. # تألم مسلم تألما عميقا لهذه المعاملة وتأثر تأثرا بليغا، فاندفع مع أصحابه - ~~ويقدرون بأربعة آلاف - ونادى بشعاره، وقدم مقدمته وعبأ ميمنته وميسرته، وسار في ~~القلب، وهاجم قصر عبيد الله بن زياد، فكاد ينتصر لولا أشراف الكوفة الذين غرهم المال فأخذوا ~~يرهبونهم تارة ويمنونهم الخير تارة أخرى إلى أن تسلل عنه جنده، وظل شريدا طريدا لا ~~مأوى يأوي إليه، ولا قلب يعطف عليه سوى قلب امرأة عجوز فأدخلته إلى دارها، لكن ابنا ~~لها وشى به، فأحاطت الشرطة البيت وقبضت عليه بعد أن أعمل فيها سيفه ودافع دفاعا ~~مجيدا، أما وقد وقع مسلم وهانئ في قبضة عبيد الله فما كان منه إلا أن أمر ~~بإعدامهما، فأصعد مسلم إلى أعلى القصر حيث ضربت عنقه وألقيت جثته إلى الناس، وأخذ ~~هانئ إلى سوق الكوفة فصلب فيه، وهكذا ختم الفصل الأول من هذه المأساة. # فرثاهما الشعراء، وأبلغ ما قرأت الأبيات المنسوبة إلى عبد الرحمن بن الزبير، وهي: # فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري # إلى هانئ في السوق وابن عقيل # إلى بطل قد هشم السيف أنفه # وآخر يهوى من طمار قتيل # أصابهما ريب الزمان فأصبحا # أحاديث من يسعى بكل سبيل # ترى جسدا قد غير الموت لونه # ونضخ دم قد سال كل مسيل # 30 ~~(2-11) الحسين في العراق # وثق مسلم كل الوثوق قبيل مقتله من الحزب العلوي في الكوفة، إذ بايعه حسبما يروي لنا ~~المؤرخون بين الاثني عشر ألفا والثمانية عشر ألفا، فكتب إلى الحسين يستحثه على القدوم، ~~وتلخص رسالته كما يلي: «... أما بعد، فإن الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل ~~الكوفة ثمانية عشر ألفا، فعجل حين يأتيك كتابي، فإن الناس كلهم معك ليس لهم في آل معاوية ~~رأي ولا هوى.» # 31 # فتحرك الحسين إلى العراق ومعه خمسة وأربعون فارسا ومائة راجل، فنزل كربلاء ~~فوجه إليه ابن زياد عمر بن سعد بن أبي ms028 وقاص في أربعة آلاف فارس ليصده وليأخذ ليزيد ~~منه البيعة، وجعل ولاية الري والديلم جائزة له كيما لا يفتر عزمه ولا يتلكأ في ~~المسير إليه، وأتبعه بالحصين بن نمير وشمر بن ذي الجوشن ليتغلبا على رأيه وعزيمته، ~~وليرى فيهما منافسين ينتظران الوثوب إلى مقامه إن هو أهمل ما أوكل إليه. ~~(2-12) واقعة كربلاء # أصر عمر بن سعد بن أبي وقاص على الحسين في البيعة ليزيد، والنزول على حكم ابن زياد ~~فأبى، فاشتعلت نار الوقيعة بين الطرفين، فلم يزل أصحاب الحسين يقاتلون ويقتلون ويتنافسون ~~في الذود عنه حتى فنوا عن بكرة أبيهم، ولم يبق منهم أحد، وبقي الحسين ينتظر منيته ~~وكل يهاب قتل ابن بنت رسول الله إلى أن أقدم شمر واحتز رأسه، ثم داست الخيل ظهره ~~وصدره، والحقيقة التي لا غبار عليها أن أصحاب الحسين قاتلوا أعداءهم قتال المستميت، وأظهروا ~~من ضروب الشجاعة ما يفوق الوصف، وقد قتل من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلا سوى ~~الجرحى. # أسباب سقوط الحسين # أما الأسباب التي أدت إلى سقوط الحسين فهي في عرفنا كما يأتي: # السبب الأول: # هو اعتماد الحسين اعتمادا كليا على الكوفيين الذين أثبت التاريخ ~~ترددهم وشقاقهم وعبثهم بحقوق أبيه وأخيه من قبله، وعدم استعدادهم الاستعداد ~~الحربي الكافي لطرد الجيش الأموي القليل العدد من العراق، فهم من الجماعات الذين ~~يتهالكون في الحب والإخلاص - ولكن عن بعد، وفي عالم النظريات - فلا يبذلون ~~درهما واحدا في تهيئة خطة منظمة يسيرون بحسبها ويجدون في تحقيقها، وكل ما ~~لديهم من السلاح خطب حماسية وكلام جذاب ودموع سخية يذرفونها حينما يذكرون ~~آلامهم وبؤسهم وظلامتهم، ولنا من نصائح المخلصين للحسين أكبر دليل على ما ~~قدمناه، قال أحد أعمامه ينصحه: «إني أنشدك الله لما انصرفت، فوالله لا تقدم إلا ~~على الأسنة وحد السيوف، فإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مئونة ~~القتال ووطئوا لك الأشياء تقدمت عليهم كان ذلك رأيا.» # 32 # وقال عبد الله بن مطيع: «إذا أتيت مكة فإياك أن تقرب الكوفة فإنها بلدة مشئومة، ms029 ~~بها قتل أبوك وخذل أخوك واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه، فإنك سيد العرب لا ~~يعدل بك - والله - أهل الحجاز أحدا، ويتداعى إليك الناس من كل جانب، لا تفارق ~~الحرم فداك عمي وخالي، فوالله إن هلكت لنسترقن بعدك.» # 33 # وقال عبد الله بن عباس وهو يؤكد تنفذ الأمويين في العراق وضعف أخلاق ~~الكوفيين - ويستشهد التاريخ على ذلك: «أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبين لي ~~ما أنت صانع ... أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم، فإن ~~كانوا قد فعلوا ذلك فسر إليهم، وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم ~~قاهر لهم وعماله تجبي بلادهم فإنهم إنما دعوك إلى الحرب والقتال، ولا آمن عليك ~~أن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك وأن يستنفروا إليك، فيكونوا أشد الناس عليك.» # 34 # ولابن عباس أيضا في نصيحة الحسين: «إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك ~~والاستئصال، إن أهل ... قوم غدر فلا تقربنهم، أقم بهذه البلد فإنك سيد أهل ~~الحجاز، فإن كان ... يريدونك فاكتب لهم فلينفوا عدوهم.» # 35 # وقال أبو سعيد الخدري يرجو الحسين أن لا يستسلم لأهل الكوفة: «يا أبا عبد الله ~~... إني لكم ناصح وإني عليكم مشفق، وقد بلغني أنه كاتبكم قوم من شيعتكم ~~بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم، فلا تخرج فإني سمعت أباك بالكوفة يقول: والله لقد ~~مللتهم وأبغضتهم وملوني وأبغضوني، وما بلوت منهم وفاء، ومن فاز بهم ~~فاز بالسهم الأخيب، والله ما لهم ثبات ولا عزم على أمر ولا صبر على السيف.» # 36 # ويظهر أن لمعاوية رأي الجماعات الذين تقدمت آراؤهم في أهل الكوفة، فعرف ~~تخاذلهم وانقسام بعضهم على بعض، فقال ليزيد حين أوصاه: «انظر إلى حسين بن علي ابن ~~فاطمة بنت رسول الله، فإنه أحب الناس إلى الناس، فصل رحمه وأرفق به يصلح ~~لك أمره، فإن يك منه شيء فإني أرجو أن يكفيه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه (يعني ~~بهم أهل الكوفة).» # 37 # السبب الثاني: # هو عدم اهتمام الحسين الاهتمام الكلي في تنظيم دعوته Propaganda # ونشرها بين الناس، ms030 فظن أن القوم سيقدمون على بيعته ~~ويتهالكون في نصرته لانتسابه إلى رسول الله، وقد فاته أن الحياة جهاد، والقوي ~~القوي فيها هو السباق إلى اكتساب ولاء الناس، إما ببذل الأموال لهم وإشراكهم ~~في بعض المطامع الدنيوية، وإما بإسناد المناصب العالية لأشرافهم وزعمائهم كما فعل ~~الأمويون. # وقد نبهه أخوه محمد ابن الحنفية فأوصاه بقوله: «تنح بتبعتك عن يزيد بن ~~معاوية وعن الأمصار ما استطعت، ثم ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك، فإن ~~بايعوا لك حمدت الله على ذلك، وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ~~ولا عقلك ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك، إني أخاف أن تدخل مصرا من هذه الأمصار ~~وتأتي جماعة من الناس فيختلفون بينهم، فمنهم طائفة معك وأخرى عليك فتكون لأول ~~الأسنة، فإذا خير هذه الأمة كلها نفسا وأبا وأما أضيعها دما وأذلها أهلا، ~~فانزل مكة فإن اطمأنت بك الدار فسبيل ذلك، وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف ~~الجبال وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس، وتعرف عند ذلك ~~الرأي فإنك أصوب ما يكون رأيا وأحزمه عملا حتى تستقبل الأمور استقبالا، ولا تكون ~~الأمور عليك أبدا أشكل منها حين تستدبرها استدبارا.» # 38 # ونوه عبد الرحمن بن الحارث بن هشام إلى أهمية الدرهم والدينار وتأثيرها في ~~النفوس، فقال للحسين: «قد بلغني أنك تريد المسير إلى العراق، وإني مشفق عليك من ~~مسيرك، إنك تأتي بلدا فيه عماله وأمراؤه ومعهم بيوت الأموال، وإنما الناس عبيد ~~لهذا الدرهم والدينار، ولا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره ومن أنت أحب ~~إليه ممن يقاتلك معه.» # 39 # السبب الثالث: # هو تخلي الحسين عن اليمن والحجاز وبهما أنصاره الحقيقيون وشيعة أبيه القوية ~~المخلصة، وامتازت اليمن ببعدها عن مركز الخلافة ومناعة حصونها وكثرة شعابها، فكان ~~بوسع الحسين أن يبث دعاته في الأقطار وهو آمن مطمئن، فإن فشل في حملته الأولى ~~تلافى أغلاطه في الحملة الثانية، وهكذا كان بإمكانه المطاولة ولديه الوقت الكافي ~~لإثارة الخواطر ضد المغتصبين، فذكر ms031 له ذلك ابن عباس فقال: «... فإن أبيت إلا أن تخرج ~~فسر إلى اليمن، فإن بها حصونا وشعابا، وهي أرض عريضة طويلة ولأبيك بها شيعة، ~~وأنت عن الناس في عزلة فتكتب إلى الناس وترسل وتبث دعاتك، فإني أرجو أن يأتيك عند ~~ذلك الذي تحب في عافية.» # 40 # السبب الرابع: # هو تشجيع ابن الزبير للحسين من طرف خفي على الرحيل إلى العراق كيما ~~يتخلص منه، فإنه استهوى الحجازيين وتمكنت محبته من قلوبهم، فما عادوا ~~ليهتموا بابن الزبير أو يجتمعوا حوله ويستمعوا له، والبرهان على ذلك أنه لما نزل ~~الحسين إلى مكة أقبل أهلها يختلفون إليه مع جميع المعتمرين والحجاج من آهل ~~الآفاق، فعلم حق العلم أن الحجازيين لا يبايعونه ولا يتابعونه في طلب للخلافة، ~~والجهاد من أجلها، ما دام الحسين زعيما في البلد الحرام، فكان يرسل رسله له ~~ليقنعوه بأن الكوفيين هما مادة حزبه ونسيج قوته، ويظهر أن هذه الدعوى كان ~~لها أثرها في نفس الحسين، ولطالما نشط ابن الزبير لئن يظهر بمظهر المخلص له ~~خيفة أن يتهمه بالنفاق وخشية أن يفسد عليه تدابيره، فصرح له مرة: «أما لو ~~كان لي بها (العراق) مثل شيعتك ما عدلت بها ... أما إنك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا ~~الأمر هنا ما خولف عليك إن شاء الله.» # 41 # وقال له أيضا: «لو أقمت بهذا الحرم وبثثت رسلك في البلاد وكتبت إلى ~~شيعتك بالعراق أن يقدموا عليك، فإذا قوي أمرك نفيت عمال يزيد عن هذا البلد، وعلي ~~لك المكاتفة والمؤازرة، وإن عملت بمشورتي طلبت هذا الأمر بهذا الحرم، فإنه مجمع ~~أهل الآفاق ومورد أهل الأقطار ولم يعدمك بإذن الله إدراك ما تريد ورجوت أن تناله.» # 42 # وكان المسور بن مخرمة يحذر الحسين من ابن الزبير ودعواه في تفاني الكوفيين ~~في محبته فقال له: «إياك أن تغتر بكتب أهل العراق، وبقول ابن الزبير لك الحق ~~بهم فإنهم ناصروك، إياك أن تبرح الحرم، فإنهم إن كانت لهم بك حاجة فسيضربون آباط ~~الإبل حتى يوافوك فتخرج في قوة وعدة.» ms032 # 43 # ولما أزمع الحسين على مبارحة الحجاز إلى الكوفة تألم ابن عباس، ~~ذلك الدماغ المفكر، وأنشد ابن الزبير الأبيات المشهورة الآتية: # يا لك من قنبرة بمعمر # خلا لك الجو فبيضي واصفري # ونقري ما شئت أن تنقري # 44 # السبب الخامس: # هو يقظة الأمويين وإرسالهم الأشداء من ولاتهم إلى المصرين، فسد ابن ~~زياد دون الحسين وشيعته المذاهب، فمنع الناس من الدخول إلى الحدود العراقية أو ~~الخروج منها إلا بإذن خاص، واحتل احتلالا عسكريا «ما بين واقصة إلى طريق الشام ~~وطريق البصرة»، فضمن معرفة الصادر والوارد من الدعاة معرفة طيبة، ووجه ابن ~~زياد الجموع الكثيرة لقتال الحسين، وكان يحكم بالموت على كل من يتخلف أو يرتدع عن ~~خوض المعركة، فخافه الناس وجهز لنزاله نحوا من أربعة آلاف، بينا جنود الحسين - ~~وهم أهله وأصدقاؤه - لا يتجاوزون المائة، فتأمل النسبة بين العددين، فهي كنسبة ~~واحد إلى أربعين على وجه التقريب. # 45 # السبب السادس: # هو استيلاء الجيوش الأموية على الفرات ومواضع الماء في كربلاء، فمنعوا أنصار ~~الحسين من الدنو منها، فكادوا يهلكون عطشا، وكانت أوامر ابن زياد شديدة بهذا ~~الخصوص، فطلب إلى عمر بن سعد «أن امنع الحسين وأصحابه من الماء فلا يذوقوا منه ~~حثوة»، فبعث خمسمائة فارس نزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ~~فيستنتج من ذلك أن الموقع الحربي كان في قبضة الأمويين دون العلويين، وأنه لا ~~بد للحسين من الهجوم إذا أراد الوصول إلى الماء، وهذا يعني ضرورة التضحية، وأنت ~~تعلم قلة عدد جنوده وبؤسهم بعد رحلتهم الطويلة من الحجاز إلى العراق. # 46 # السبب السابع: # هو ارتياب الحسين في حقه بالخلافة واعترافه اعترافا صريحا ليزيد بإمارة ~~المؤمنين، وقوله لعمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن والحصين بن نمير أنه مستعد لمبايعة ~~يزيد في دمشق، فيروي لنا الطبري: «لقي الحسين الخيول بكربلاء فنزل يناشدهم الله ~~والإسلام، وكان بعث «ابن زياد» إليه عمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وحصين بن نمير ~~فناشدهم الحسين الله والإسلام أن يسيروه إلى أمير المؤمنين فيضع يده ms033 في يده ~~فقالوا: لا، إلا على حكم ابن زياد.» # 47 # تألم يزيد لقتل الحسين # كل ما أوردناه لك من الأسباب قضى على سقوط الحسين، فكان مقتله يدعو إلى التألم لمصابه؛ ~~خصوصا حينما ناشد قادة ابن زياد «الله والإسلام» أن يسيروه إلى يزيد قريبه ونسيبه ~~ونده بدلا من إجباره على السير إلى رجل لا يعترف له بحكم وهو دونه بمراحل في الشرف ~~والنبل، وتميل الناس بطبعها إلى نصرة الضعيف، لا سيما إذا كان لهذا الضعيف صلة برسول ~~الله كصلة الحسين بجده المصطفى، وحمل رأس الحسين إلى ابن زياد فنصبه في الكوفة وطاف به ~~في الأسواق وأرسله حالا إلى يزيد في الشام، فيروي لنا الكثيرون من المؤرخين أنه بكى لمرآه، ~~وقال: «ويحكم، قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن مرجانة - ابن ~~زياد - أما والله لو كنت صاحبه لعفوت عنه، رحم الله أبا عبد الله.» # 48 # ولم يتأخر ابن زياد عن احترام نساء الحسين، فأجرى عليهن الرزق، وأمر لهن بالنفقة ~~والكسوة وبعثهن إلى دمشق، فدخلن البلاط الأموي وبنات أعمامهن الأمويات تستقبلهن باكيات ~~نائحات على صريع كربلاء، وأقمن عليه المناحة والحداد ثلاثا. # لا شك أن يزيد لم يفكر البتة بقتل الحسين، ولم يأمل أن تتطور المسألة العلوية ~~فتلعب هذا الدور المهيب، ويقدم ابن زياد على الفتك به، لكنه خضع للنتائج التي لم يحسب ~~لها مثل هذا الحساب، فاستشهد قائلا لما وضع رأس الحسين بين يديه: # يفلقن هاما من رجال أعزة # علينا وهم كانوا أعق وأظلما # 49 # ومهما تحامل المتطوفون من المؤرخين على يزيد بقولهم: إنه أساء معاملة آل الحسين، ~~فلنا من شهادة السيدة سكينة ابنته ما يرد عليهم قولهم ويخفف من غلوائهم، فقد قالت ~~فيه: «ما رأيت رجلا كافرا بالله خيرا من يزيد بن معاوية»، # 50 # فإنه كساهم وأوصى بهم وخرج معهم رسوله إلى المدينة مقر سكناهم. # رثاء الحسين # بكى المسلمون الحسين ولا يزالون يتألمون لفاجعته، وتعقد الشيعة في العاشر من محرم ~~(ذكرى مقتله الواقع في 10 محرم 61ه/680م) الاجتماعات ms034 المؤثرة، فتراهم يضربون صدورهم ~~بأيديهم، ويشجون رءوسهم بالحديد فيهلك بعضهم، ولعل العلم يصدهم في المستقبل عن مثل هذه ~~العادة فيحولون مجرى أحزانهم إلى فعل الخير والإحسان وبث الفضيلة بين أبنائهم ~~وبناتهم، وأبلغ ما قرأت من المراثي في الحسين مرثاة لزينب ابنة فاطمة أخته حين مرت به ~~صريعا فنادت: «يا محمداه، يا محمداه، صلى عليك ملائكة السماء، هذا حسين بالعراء، مرمل ~~بالدماء مقطع الأعضاء، يا محمداه وبناتك سبايا وذريتك مقتلة تسفي عليها الصبا.» # 51 # وبكته زوجته عاتكة بنت زيد بقولها: # وحسينا فلا نسيت حسينا # أقصدته أسنة الأعداء # غادروه بكربلاء صريعا # لا سقى الغيث بعده كربلاء # 52 # التهاويل الغريبة في مأساة الحسين # ولا يتوهمن بعض القراء أن العداء الشخصي كان متأصلا بين يزيد والحسين كما ~~يدعي البعض، فوفد الأخير على معاوية، وكان جنديا في الجيش الذي توجه لغزو القسطنطينية ~~بإمرة يزيد. # هذا ما نظنه الحقيقة من أمر هذه المأساة، ولا تغرنك التهاويل والمبالغات التي يدعي ~~بها البعض، فهي خلو من البراهين الثابتة. # الفصل الثالث # | الحركة الزبيرية # (1) الأسباب التي ساعدت ابن الزبير على النجاح # كان للزعماء من الصحابة مطامع سياسية عظيمة، فعمل أكابرهم على بذل الأموال والأرواح ~~في سبيل الوصول إليها، ولم يتوان ابن الزبير في السعي وراء تسنم عرش الخلافة؛ خصوصا ~~بعد وفاة معاوية بن أبي سفيان، لكن أنى له النجاح وقد تطلب الزعامة ابن بنت الرسول ~~والتف الناس حوله في الحجاز، أما الأسباب التي جعلته يلعب دورا كبيرا في التاريخ ~~الأموي ويظهر بمظهر الزعيم القوي الشكيمة فهي كما يأتي: ~~(1-1) السبب الأول: فاجعة كربلاء ومقتل الحسين # أعلن عبد الله ابن الزبير دعوته للناس وحقه في الخلافة بعد مقتل الحسين، وكان قبلا ~~لا يجرأ على التصريح بطلبها، فاستفاد من فاجعة كربلاء وأخذ يحمل الحملات الخطابية الواحدة ~~إثر الأخرى ضد بني أمية، فعرض بيزيد ووصف استهتاره وتمتعه بملاذ الحياة الدنيا، ثم رجع ~~فبكى حسينا واستبكى الناس عليه، وعدد مزاياه الشريفة، فذكر ورعه وتقاه وشجاعته ~~وفضله وإحسانه، ولام أهل الكوفة وعاب عليهم غدرهم بالحسين ms035 ورياءهم وحماسهم الفارغ من أجل ~~قضيته، فأثر على الحجازيين خاصة وعلى الأحزاب المعارضة الغاضبة عامة، فالتفوا حوله ~~ورأوا به الزعيم القادر على أن يثأر للدم الزكي المسفوك ظلما وعدوانا، فأنت ترى أن الرجل ~~الذي كان يشجع الحسين على الرحيل إلى العراق ويمدح الكوفيين ويرفع ذكرهم، هو الرجل ~~نفسه الذي كان يقف يومذاك على منابر مكة ليعرض بهم ويغمز من قناتهم. # وقد أثبت التاريخ لنا أيضا أن ابن الزبير كان يكره الحسين ويضمر له العداء، ويراه ~~«أثقل خلق الله»، # 1 # فتحول كرهه للحسين إلى حبه بعد وفاته، ومديحه للكوفيين إلى ذمهم بعد ~~خيانتهم، وكل هذا في سبيل تنفيذ مآربه السياسية، وإليك البرهان على صحة دعوانا، فقام يخطب في ~~مكة بعد سماعه بمقتله: ~~«أفبعد الحسين نطمئن إلى هؤلاء القوم ونصدق قولهم ونقبل لهم عهدا، ألا ولا نراهم ~~لذلك أهلا، أما والله لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه، كثيرا في النهار صيامه، أحق بما ~~هو فيه منهم وأولى به في الدين والفضل، أما والله ما كان يبدل بالقرآن الغناء، ولا بالبكاء ~~من خشية الله الحداء، ولا بالصيام شرب الحرام، ولا بالمجالس في حلق الذكر الركض في ~~تطلاب الصيد (يعرض بيزيد)، فسوف يلقون غيا.» # 2 ~~(1-2) السبب الثاني: الصحابة لا تنازع ابن الزبير # خلا الجو لابن الزبير بعد مقتل الحسين، فلم يتنازعه منازع من الصحابة ولا أبناء ~~الصحابة، وقد كنا نأمل أن يقوم عبد الله بن عمر ويدعي الخلافة لنفسه فلم يفعل حبا ~~بالسلام واتقاء للفتنة وحقنا لدماء المسلمين، ولا ريب أن عبد الله كان يحن إلى التربع ~~في دستها، لكنه فضل العافية والسلامة على القتال والهلاك، وسعى سعيا حثيثا ليحمل ابن ~~الزبير والحسين على جمع كلمة الأمة بدلا من تفرقتها، وطلب إليهما مبايعة يزيد الأول ~~فأبيا، ويذكر الطبري أنه خاطبهما بقوله: «اتقيا الله ولا تفرقا جماعة المسلمين ...» ~~وأقام أياما فانتظر حتى جاءت البيعة من البلدان فتقدم إلى الوليد بن عتبة فبايعه.» # 3 # وقد تألم لمقتل الحسين، فنوه حينما رثاه وترحم عليه بما صرح به ms036 مرارا من وجوب ~~الاتحاد والتعاضد والانتصار لرأي الجماعة، فقال: «غلبنا الحسين على الخروج، ولعمري لقد رأى في ~~أبيه وأخيه عبرة، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له أن لا يتحرك ما عاش، وأن ~~يدخل في صالح ما دخل فيه الناس، فإن الجماعة خير.» # 4 ~~(1-3) السبب الثالث: ضعف الحامية الأموية وتعدد الولاة في الحجاز # وساعد ابن الزبير على نشر دعوته ضعف الحامية الأموية في الحجاز، وتعدد الولاة ~~الذين تقلبوا في إدارته لأمد قصير، فلم يتح لهم الحظ درس الأحوال الحجازية درسا ~~دقيقا، وكان بعضهم ضعفاء الإرادة لم يجربهم الدهر ولم تحنكهم الأيام، فارتكبوا ~~أغلاطا فادحة كبدت الأمويين كثيرا من الدماء، نستنتج هذا من دفاع عمرو بن سعيد أمير ~~الحجاز عن نفسه يوم اتهم بسوء الإدارة، قال: «إن جل أهل مكة وأهل المدينة قد كانوا مالوا ~~إليه - ابن الزبير - وحووه وأعطوه الرضا، ودعا بعضهم بعضا سرا وعلانية، ولم يكن معي ~~جند أقوى بهم عليه لو ناهضته، وقد كان يحذرني ويتحرز مني، وكنت أرفق به وأداريه ~~لأستمكر منه فأثب عليه، مع أني قد ضيقت عليه ومنعته في أشياء كثيرة لو تركته وإياها ما ~~كانت له إلا معونة، وجعلت على مكة وطرقها وشعابها رجالا لا يدعون أحدا يدخلها حتى ~~يكتبوا إلي باسمه واسم أبيه ومن أي بلاد الله هو، وما جاء به وما يريد، فإن كان من أصحابه ~~أو ممن أرى أنه يريده رددته صاغرا، وإن كان ممن لا أتهم أخليت سبيله.» # 5 # ويصف الطبري أحد الولاة وهو عثمان بن محمد بن أبي سفيان بقوله: «فتقدم فتى غر حدث ~~غمر لم يجرب الأمور ولم يحنكه السن ولم تضرسه التجارب، وكان لا يكاد ينظر في شيء من ~~سلطانه ولا عمله.» # 6 ~~(1-4) السبب الرابع: فقر الحجازيين واغتصاب الأمويين لأملاكهم وأراضيهم # لا ريب أن لاقتصاديات الأمة الشأن الأكبر في مجاري حياتها السياسية، فإن كانت المشاريع ~~التجارية والزراعية والمعدنية وغيرها سائرة سيرا حسنا يضمن لأهلها ربحا جزيلا تظل تلك ~~الأمة ناعمة البال قريرة ms037 العين لا تفكر في الثورة ولا في العصيان، ولو درسنا طبيعة الوسط ~~الحجازي لوجدناها فقيرة قاحلة إلا فيما ينتجه نخيلها من التمور التي يصدرونها للخارج ~~فيعيشون عليها، وكان معاوية يسعى لإضعاف الحجاز وتقوية الشام، فلم يبذل للحجازيين في العطاء ~~فأجبروا على بيع أملاكهم فاشتراها منهم بأبخس الأثمان، فلما قام ابن الزبير عاضدوه ~~آملين أن ينصفهم ويرد عليهم أموالهم وأملاكهم. # أما قلب الثورة الخفاق وعصبها النابض فكانت المدينة، ويقص علينا ابن قتيبة كيفية ~~تألمهم من اغتصاب معاوية لأموالهم فيقول: «... وأقبل ابن ميثاء - قيم أملاك معاوية - ~~بسراح له من الحرة يريد الأموال التي كانت لمعاوية، فمنع منها وأزاحه أهل المدينة عنها، ~~وكانت أموالا اكتسبها معاوية ونخيلا يجد منها مائة ألف وسق وستين ألفا، ودخل نفر من قريش ~~والأنصار على عثمان بن محمد - والي المدينة - فكلموه فيها فقالوا: قد علمت أن هذه ~~الأموال كلها لنا، وأن معاوية آثر علينا في عطائنا، ولم يعطنا قط درهما فما فوقه، حتى مضنا ~~الزمان ونالتنا المجاعة فاشتراها منا بجزء من مائة من ثمنها، فأغلظ لهم عثمان في القول ~~وأغلظوا له، فقال لهم: لأكتبن إلى أمير المؤمنين بسوء رأيكم وما أنتم عليه من كمون ~~الأضغان القديمة والأحقاد التي لم تزل في صدوركم، فافترقوا على موجدة، ثم اجتمع رأيهم على ~~منع ابن ميثاء القيم عليها.» # 7 # اغتصب معاوية أموال أهل المدينة وضيق على الحجازيين الخناق، وضربهم في صميم ~~اقتصادياتهم كي لا تقوم لهم قائمة، أما يزيد فجرى على عكس سياسة أبيه فغمرهم بعطاياه ~~وأكرم زعماءهم وأحسن إلى فقراءهم ووعدهم بإجراء العطاء عليهم مضاعفا إن هم أخلدوا إلى ~~السكينة وارتاحوا إلى الحكم الأموي، ولم يكن لابن الزبير تجاه هذه المواعيد إلا أن يسرف ~~الإسراف الكلي في ذم يزيد وانتقاده الانتقاد المرير، ومع أن الخليفة في دمشق أكرم وفادة ~~الوفود الحجازية فهو لم يظهر أمامهم بمظهر الرجل المتحفظ في سلوكه الخاص وآدابه الشخصية، ~~فشرب الخمر وعزف بالطنابير وجالس القيان والفتيان، وراح يلهو متنعما لا يعبأ بالتقاليد ~~التي سنها القوم، فغضبوا وقالوا: ms038 هو ذا رجل يحطم تعاليمنا ويقوض أركان ديننا، وانتشرت ~~الدعوة ضد الأمويين المغتصبين لأموال الأمة المعرضين عن الكتاب الكريم والسنة الشريفة ~~والشريعة المطهرة السمحاء، وهاك الدليل على سياسة الكرم التي امتاز بها يزيد واستهتاره الذي ~~وصفناه: قال ابن قتيبة: «فإن أقروا بالطاعة ونزعوا من غيهم فلهم علي عهد الله وميثاقه ~~أن لهم عطاءين في كل عام، ما لا أفعله بأحد من الناس طول حياتي، عطاء في الشتاء وعطاء في ~~الصيف، ولهم علي عهد أن أجعل الحنطة عندهم كسعر الحنطة عندنا ... والعطاء الذي يذكرون أنه ~~احتبس عنهم في زمان معاوية فهو علي أن أخرجه لهم وافرا كاملا.» # 8 # وروى الطبري: «قدم وفد من أهل المدينة فيهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري ورجال ~~كثير من أشراف المدينة على يزيد بن معاوية، فأكرمهم وأحسن إليهم وأعظم جوائزهم، ~~فلما قدم أولئك النفر الوفد المدينة قاموا فيها فأظهروا شتم يزيد وقالوا: إنا قدمنا من ~~عند رجل ليس له دين، يشرب ويعزف بالطنابير ويضرب عنده القيان ويلعب بالكلاب ويسامر الخراب ~~والفتيان، وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه فتابعهم الناس.» # 9 # ثار أهل المدينة بقيادة عبد الله بن حنظلة الغسيل ووثبوا على الأمويين وأحزابهم فيها، ~~فأجبروا على الهرب والالتجاء إلى دار مروان بن الحكم - في ظاهر المدينة - وهي حصينة متينة ~~الأركان، وأخذوا يرسلون الكتب إلى يزيد يسألونه بها المعونة والإمداد، فمن رسائلهم إليه: «... ~~أما بعد فإنا قد حصرنا في دار مروان بن الحكم ومنعنا العذب ورمينا بالحبوب، فيا ~~غوثاه يا غوثاه.» # 10 # فجهز إليهم يزيد جيشا قويا بقيادة مسلم بن عتبة المري، ويقول عنه الفخري: «إنه أحد ~~جبابرة العرب وشياطينهم»، # 11 # واستمالت الحكومة الناس لقتال الحجازيين بما وهبته لهم من الأموال، فنادى ~~مناديها في الشام: «سيروا إلى الحجاز على أخذ أعطياتكم كملا ومعونة مائة دينار توضع في يد ~~الرجل من ساعته، فانتدب لذلك اثنا عشر ألف رجل»، # 12 # ويقدر المؤرخون عدد هذا الجيش باثني عشر ألفا. # استعرض يزيد الأول الجيوش الأموية في دمشق قبيل خروجها لإخماد الثورة ms039 في المدينة، فأتى ~~إلى الخيل يتصفحها وينظر إليها وهو متقلد سيفا متنكب قوسا عربية، وأخذت الفرق تمر أمامه ~~ومعها راياتها، وكان واقفا على نشز من الأرض يحيط به الحرس الفرسان، # 13 # ولم يشأ يزيد إلا أن يودع جنده قبل مبارحتها العاصمة بكلمات حماسية، فوجه خطابه ~~إلى القائد العام وقال: «إذا قدمت إلى المدينة فمن عاقك عن دخولها أو نصب لك حربا ~~فالسيف السيف، ولا تبقي عليهم وانتهبها ثلاثا وأجهز على جرحاهم واقتل مدبرهم، وأنشأ ~~يردد: # أبلغ أبا بكر # 14 # إذا الأمر انبرى # وانحطت الرايات من وادي القرى # أجمع سكران من القوم ترى # أم جمع يقظان نفى عنه الكرى # 15 # ويروي الفخري أنه استشهد بالبيت الآتي حينما بلغته ثورة المدينة: # لقد بدلوا الحلم الذي في سجيتي # فبدلت قومي غلظة بليان # 16 # التقى الجيش الأموي بثوار المدينة في الحرة، وهو مكان بظاهر يثرب، وقد استقتل أنصار ابن ~~الغسيل واستماتوا في الدفاع عن حصونهم وأموالهم وأهلهم حتى كادوا يهزمون جيوش مسلم مرارا، ~~فقام مسلم خطيبا يهز أوتار قلوبهم ببلاغته ويحضهم على القتال واكتساب أجر الشهادة وجزاء ~~أمير المؤمنين، والغريب أنه كلما كانت تشد عليه خيول الأعداء تراه يغضب فتتردد على لسانه ~~كلمات الإهانة أيضا شأن الكثيرين من القواد العسكريين، فهم يمدحون ويذمون في آن واحد، قال ~~من خطاب له مرة: «يا أهل الشام إنكم لستم بأفضل العرب في أحسابها ولا أنسابها، ولا أكثرها ~~عددا ولا أوسعها بلدا، ولم يخصصكم الله بالذي خصكم به من النصر على عدوكم وحسن ~~المنزلة عند أئمتكم إلا بطاعتكم واستقامتكم ... فتموا على أحسن ما كنتم عليه يتمم الله لكم ~~حسن ما ينيلكم من النصر ... إنكم أهل البصيرة ودار الهجرة، والله ما أظن ربكم أصبح عن أهل بلد ~~من بلدان المسلمين بأرضى منه عنكم ... إن لكل امرئ منكم ميتة هو ميت بها، والله ما من ميتة ~~بأفضل من ميتة الشهادة وقد ساقها إليكم فاغتنموها، فوالله ما كلما أردتموها وجدتموها»، # 17 # وقال يؤنب جيشه لما حمل عليه أهل المدينة حملات منكرة: ms040 «يا أهل الشام، ~~أهذا القتال قتال قوم يريدون أن يدفعوا به عن دينهم ويعزوا به نصر إمامهم، إن قبح الله ~~قتالكم منذ اليوم ما أوجعه لقلبي وأغيظه لنفسي، أما والله ما جزاؤكم عليه إلا أن تحرموا ~~العطاء وأن تجمروا في أقاصي الثغور، شدوا مع هذه الراية ترح الله وجوهكم.» # 18 # هزم مسلم الثوار وأباح المدينة ثلاثا، فأرهب القوم وجعل الرعب يسود في قلوبهم، وقد ~~قتل نحو من سبعمائة رجل من المهاجرين والأنصار وأبنائهم ومواليهم وخلفائهم، وعدد غير ~~قليل من الأهلين بينهم النساء والأطفال، ويقدره بعضهم بعشرة آلاف، # 19 # وصالحهم على أنهم خول وقن ليزيد بن معاوية يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء. # 20 # انتصر مسلم لبراعته الحربية، فكان دائما يسرع إلى عدوه فيفاجئه ويضربه في قلبه قبل أن ~~يمكنه من الاستعداد وتهيئة الخطط، ويعجل معه الوقيعة الفاصلة حتى يصدمه الصدمة الأولى ~~فيوهن قواه المعنوية والمادية، ثم كان له إدارة منظمة لمعرفة أخبار أعدائه ونشر الدعوة ضدها ~~وتنوير الأذهان لما يريد بثه من الأفكار والآراء التي ترتئيها الحكومة لخيرها، واعتمد ~~اعتمادا تاما على أهل الشام، فكانوا مادة جنده القوية المخلصة، ولم يستعن بالزعماء ~~القرشيين، فقال مرة للحصين بن نمير السكوني نائبه في قيادة الجيش: «لا تمكن قرشيا من أذنك ~~... ولا تردن أهل الشام عن عدوهم.» # 21 # تابعت الحملة سيرها إلى مكة بعد إخضاع الثوار في المدينة؛ وذلك لمناجزة ابن الزبير ~~الوقيعة، فتوفي مسلم بن عقبة في الطريق في «قفا المشلل» أو «ثنية هرشا» في آخر المحرم سنة ~~64ه/683م، وكان شيخا مريضا، فاستولى الحصين بن نمير على قيادة الجند بعده، ويلقبه ~~المؤرخون ببرذعة الحمار، والتجأ فلول أهل المدينة إلى ابن الزبير لينصروه ويثأروا لدمهم ~~المهدور، فشدت الحملة عليه شدة منكرة فصابرها وجالدها أربعة وستين يوما، وهو محصور ضمن ~~أسوار الكعبة، ويدعي الكثيرون من المؤرخين أن الأمويين حرقوا البيت، وفي هذا الادعاء شيء ~~كثير من الصحة إذ قذفوه بالمجانيق، ولكن لا يغرب عن بالنا أنه كان للزبيريين نصيب طيب في ~~إحراق الكعبة، ms041 فقال الطبري: «كانوا - أشياع ابن الزبير - يوقدون حول الكعبة، فأقبلت شرارة ~~هبت بها الريح فاحترقت ثياب الكعبة واحترق خشب البيت.» # 22 # وروى ما سمعه من المشاهدين العيانيين عن أسباب اشتعالها فقال: «قد خلصت إليها - إلى ~~الكعبة - النار ورأيتها مجردة من الحرير، ورأيت الركن قد اسود وانصدع في ثلاثة أمكنة، ~~فقلت: ما أصاب الكعبة؟ فأشاروا إلى رجل من أصحاب عبد الله بن الزبير قالوا هذا احترقت ~~بسببه، أخذ قبسا في رأس رمح له فطيرت الريح به فضرب أستار الكعبة ما بين الركن اليماني والأسود.» # 23 # ووصف العقد الفريد الضرر الذي أصاب الكعبة فقال: «احترق الخشب والسقف وانصدع الركن ~~واحترقت الأستار وتساقطت إلى الأرض»، # 24 # والحقيقة التي لا مرية فيها أن ابن الزبير أحب أن يستفيد من حرمة الكعبة ~~وقداستها فعاذ بها، كما أن الأمويين لم يتأخروا عن إحراقها في سبيل التخلص من عدوهم الجبار، ~~وإن كان في ذلك إغضاب المسلمين، فاعتنى ابن الزبير في التحصن بالكعبة كيما يضع الأمويين تجاه ~~أمر واقع فيعملون فيها نيرانهم، ويكون له من ذلك سلاح يطعنهم به، فنجح في خطته التي ~~دبرها نجاحا باهرا. # بينما كان الأمويون يحاصرون ابن الزبير ويضيقون عليه الخناق إذ جاءت الأخبار بوفاة يزيد ~~في حوارين من أعمال حمص 14 ربيع الأول سنة 64ه/683م، واختلاف الأحزاب الأموية فيما بينها من ~~أجل العرش ، فنشط ابن الزبير إذ ذاك وجرب أن يفتح باب المفاوضات على مصراعيه آملا أن ~~يجتذب خصومه المحاربين إلى حزبه، فأفلح وكف القوم عن قتاله - بعد وفاة يزيد بأربعين ~~يوما - وسعى في عقد مؤتمر الأبطح، وإليك وصف المخابرات فيه ونتائجه. # كانت نقطة الخلاف والمشادة بين مندوبي الأمويين والزبيريين في مؤتمر الأبطح تنحصر فيما ~~يلي: هل تكون الشام مركز الحركة الزبيرية أم الحجاز؟ وهل يظل الشاميون أصحاب الدولة والسيطرة ~~والسلطان إذا انتقل ابن الزبير إلى دمشق ونشر دعوته هناك أم لا؟ تلك هي الأسئلة التي ~~وجهها الحصين بن نمير إلى ابن الزبير فأبى الأخير الإجابة عليها والقبول بها؛ لأنه كان لا ~~يثق ms042 بالشاميين وفيهم أبناء يزيد وآل مروان، ولأن الحجازيين ناصروه فكانوا جنده الأمين ~~ورجاله المخلصين؛ ولذا لا يعدل بهم احدا، ولم يناصره أهل الحجاز إلا لتكون العاصمة عندهم ~~فيستلمون زمام الأمور ويديرون دفة الأحكام ويودعون الفقر الذي أحاق بهم وكاد يقضي ~~عليهم، وقد شجع الحصين ابن الزبير على قبول آرائه ووعده بأخذ البيعة له من وجوه أهل ~~الشام في جيشه إن اتبع نصائحه فرفض، وإنا لنعتقد أن ابن الزبير ارتكب غلطا فادحا في ~~عدم ثقته بالحصين؛ لأن الأمويين كانوا عازمين على بيعته لقيام القادة الشاميين في نصرته من ~~أقصى فلسطين إلى أقصى قنسرين - كما سيأتي - معنا، وهاك ملخص المفاوضات والأحاديث التي دارت ~~بين الحصين وابن الزبير. # الحصين يخاطب ابن الزبير: إن يك هذا الرجل قد هلك فأنت أحق الناس بهذا الأمر، هلم ~~فلنبايعك ثم اخرج معي إلى الشام، فإن هذا الجند الذي معي هم وجوه أهل الشام وفرسانهم، فوالله ~~لا يختلف عليك اثنان، وتؤمن الناس وتهدر هذه الدماء التي كانت بيننا وبينك والتي كانت ~~بيننا وبين أهل الحرة. # ابن الزبير ~~: # أنا أهدر تلك الدماء؟! أما والله لا أرضى أن أقتل بكل رجل منهم عشرة. # الحصين ~~: # قبح الله من يعدك بعد هذه داهيا قط أو أديبا، قد كنت أظن أن لك رأيا، ألا ~~أراني أكلمك سرا وتكلمني جهرا، وأدعوك إلى الخلافة وتعدني القتل والهلكة. # ابن الزبير ~~: # إما أن أسير إلى الشام فلست فاعلا، وأكره الخروج من مكة، ولكن بايعوا لي هناك فإني ~~مؤمنكم وعادل فيكم. # الحصين ~~: # أرأيت إن لم تقدم بنفسك ووجدت هنالك أناسا كثيرا من أهل هذا البيت يطلبونها يجيبهم ~~الناس. ~~(1-5) السبب الخامس: تخاذل الأمويين من أجل العرش # لو أتيح ليزيد الأول أن يعمر لعامل ابن الزبير معاملة شديدة، ولأرسل عليه ~~الحملة تلو الحملة، يدلنا على هذا سياسة الإرهاب التي ما فتئ منذ ولايته الخلافة يسير ~~بحسبها، وكان من نتائجها فاجعة الحسين بن علي وقد أسهبنا في وصفها، فما قولك بابن الزبير ~~الذي أوصى معاوية ابنه بإعدامه وهو على فراش ms043 الموت، قال معاوية: «إن الذي يجثم لك جثوم ~~الأسد ويراوغك روغان الثعلب فإن أمكنته فرصة وثب، فذاك عبد الله بن الزبير، فإن فعل وظفرت به ~~فقطعه إربا إربا، إلا أن يلتمس منك صلحا، فإن فعل فاقبل منه واحقن دماء قومك بجهدك وكف ~~عاديتهم بنوالك وتغمدهم بحلمك»، # 25 # ولكن مات يزيد وهو في ريعان الشباب، فعقبه على عرشه ابنه معاوية الثاني، وهو ~~شاب ضعيف ربعة في الرجال يعتريه صفار، غلب عليه الزهد والتقشف في الحياة، وكان من دعاة ~~القدرية، ويعتقد هؤلاء أن معاوية نازع عليا بغير حق، وأن ولاية يزيد للخلافة ليست صادقة، ~~فاعتزل وأعلن في خطاب العرش ما يؤيد فلسفته هذه فقال: «إن جدي معاوية نازع الأمر من كان ~~أولى به وأحق، ثم تقلده أبي، ولقد كان غير خليق به، ولا أحب أن ألقى الله عز وجل بتبعاتكم، ~~فشأنكم وأمركم ولوه من شئتم.» # 26 # ويروي لنا الطبري أنه قال: «أما بعد، فإني قد نظرت في أمركم فضعفت عنه، فابتغيت لكم ~~رجلا مثل عمر بن الخطاب رحمة الله عليه حين فزع إليه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت لكم ستة في ~~الشورى مثل ستة عمر فلم أجدها، فأنتم أولى بأمركم فاختاروا له من أحببتم»، # 27 # ويظهر أن الرجل كان عاجزا عن القيام بالأمر ضعيف الإرادة، استهواه عمر المقصوص ~~زعيم القدرية يومئذ فملكت تعاليمه عليه لبه حتى أفقدته معنى الرجولة والبطولة في مكافحة ~~الحياة، ولعل هذا ناتج عن كثرة ما حمل نفسه من أنواع العبادة، إن تخلي معاوية الثاني عن ~~عرشه وتصريحاته هذه آلمت الحزب الأموي فسعى لاغتياله، وتضاربت الأقوال في كيفية وفاته فقال ~~بعضهم: إنه دس إليه فسقي سما، وقال غيرهم إنه طعن، ولم تدم خلافته أكثر من ثلاثة ~~أشهر. # ومهما يكن من ضعف معاوية الثاني وعجزه عن استلام زمام الأحكام فإن تنازله عن العرش ~~خلق مشاكل عظيمة كادت تفت في ساعد بني أمية، فصحت عزيمة الزبيريين على مهاجمة صفوف ~~أعدائهم في كل قطر، فقام زفر بن عبد الله الكلابي والي قنسرين ms044 وبايع لعبد الله بن الزبير، ~~كذلك فعل النعمان بن بشير الأنصاري بحمص، وكان الضحاك بن قيس الفهري حاكم دمشق يهوى هوى ابن ~~الزبير ويدعو إليه سرا، وانتشرت دعوتهم بفلسطين فطردوا الأمويين منها، ولم يبق ثابتا ~~على ولائهم إلا الأردن، وهي تحت أمرة حسان بن مالك بن بحدل الكلبي، فترى مما تقدم أن ~~الشام شمالها وجنوبها تقريبا أخذ يدين لابن الزبير، هذا هو المشكل الأول في عرفنا. # وأما المشكل الثاني فهو اختلاف بني أمية بعضهم مع بعض وانقسامهم على أنفسهم، فتعدد ~~المرشحون منهم للخلافة، وأشهرهم اثنان: الأول خالد بن يزيد الوريث الشرعي للعرش، وكان صبيا ~~لم تحنكه الأيام ولم تعركه التجارب، والثاني مروان بن الحكم شيخ بني أمية، وأما المشكل ~~الثالث فهو طلب الضحاك بن قيس للخلافة، فدعا قيسا وغيرها إلى البيعة لنفسه فبايعوه، # 28 # ويظهر أنه أراد استعمال ابن الزبير سلما يرقى عليه إلى أطماعه ومآربه؛ لأن ~~مصلحته ومصلحة ابن الزبير واحدة في الشام، فالأمويون أعداؤهما على السواء، فإذا تمكن ~~الضحاك من الاستعانة بالزبيريين على آل مروان وأبناء يزيد يسهل عليه بعد مناوأتهم ~~والاستعداد لمنازلتهم. # لا بد للأمويين تجاه هذه الأخطار المحدقة بهم من التكاتف والاتحاد والتذرع بالصبر ~~والتمسك بحبال المفاوضة، فاتفقت الأحزاب في الشام كلها على عقد مؤتمر يحلون به جميع العقد ~~السياسية التي أوجدت الخلاف والضعف في جميع أنحاء القطر، فقررت الأحزاب المروانية «دعاة ~~مروان بن الحكم» والأموية الشرعية «دعاة خالد بن يزيد» ومعظمهم من بني كلب مع الأحزاب القيسية ~~الداعية إلى ابن الزبير ونصرة الضحاك على الاجتماع في الجابية، وكان الضحاك يأمل أن ينال ~~من الأمويين الكثير من مطالبه السياسية لعشيرته فيما إذا انضم إليهم، فيتربع رجالها في دست ~~المناصب العالية، فرضي بالتخلي عن ابن الزبير إن أجابوه إلى ما يبغيه من المطامع، فاشتم ~~دعاة الزبيريين منه ذلك فسعوا سعيا حثيثا لإحباط مفاوضات الجابية ونادوا أن السيف خير ~~حكم بينهم وبين خصومهم، وبرهاننا على هذا ما قاله ثور بن معن بن يزيد الأخنس السلمي ~~للضحاك: «... دعوتنا إلى ms045 طاعة ابن الزبير فبايعناك على ذلك وأنت تسير إلى هذا الأعرابي ~~من كلب «يعني حسان بن مالك» تستخلف ابن أخيه خالد بن يزيد»، فقال له الضحاك: فما الرأي؟ ~~قال: الرأي أن نظهر ما كنا نسر وندعو إلى طاعة ابن الزبير ونقاتل عليها، فمال ~~الضحاك بمن معه من الناس فعطفهم ثم أقبل يسير حتى نزل بمرج راهط، # 29 # فغلب الضحاك على أمره وسار بجيشه إلى مرج راهط بدلا من أن يبعث مندوبيه ~~إلى مؤتمر الجابية. # اجتمعت الأحزاب الأموية على اختلافها في الجابية، وقررت - بعد جدال عنيف - مبايعة ~~مروان بن الحكم لأمرين: الأمر الأول لسنه وشيخوخته، # 30 # وبلوه الحياة ومعرفته حلوها من مرها، ولأن العرب تميل بطبعها إلى الزعيم الشيخ ~~المحنك، فقال أهل الأردن لمروان: أنت شيخ كبير وابن يزيد غلام وابن الزبير كهل، وإنما يقرع ~~الحديد بعضه ببعض فلا تباره بذا الغلام، وارم بنحرك في نحره ونحن نبايعك، ابسط يدك، فبسطها ~~فبايعوه بالجابية يوم الأربعاء لثلاث خلون من ذي القعدة سنة 64ه/683م. # 31 # والأمر الثاني لجهاده الدائم في نصرة قومه، وللصفات السياسية الباهرة التي تحلى بها، ~~فكان من أكبر أنصار عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية، فعدد له مناقبه ~~هذه أنصاره، فقال روح بن زنباع الجذامي: «أما مروان بن الحكم فوالله ما كان في الإسلام ~~صدع قط إلا وكان مروان ممن يشعب ذلك الصدع، وهو الذي قاتل عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ~~يوم الدار، والذي قاتل علي بن أبي طالب يوم الجمل، وإنا نسري للناس أن يبايعوا الكبير ~~ويستشبوا الصغير.» يعني بالكبير مروان بن الحكم وبالصغير خالد بن يزيد بن معاوية. # 32 # وقال ابنه عبد العزيز بن مروان: «ما أحد أولى بهذا الأمر من مروان بن الحكم، إنه ~~لكبير قريش وشيخها وأفرطها عقلا وكمالا ودينا وفضلا، والذي نفسي بيده لقد شاب شعر ~~ذراعيه من الكبر»، # 33 # فتعاونت الأحزاب كلها على الوقوف وقفة الرجل الواحد أمام الزبيريين وعلى ~~رأسهم الضحاك بن قيس. # كان جيش الضحاك يتألف من ms046 جل أهل دمشق وحمص وقنسرين وفلسطين، ومعظمهم من قيس ومضر، ~~ويقدرون جميعا بثلاثين ألفا وأكثرهم فرسان، أما مروان فكان في ثلاثة عشر ألفا من اليمن ~~وكلب والسكاسك والسكون وغسان وسواهم، # 34 # والتقى الجيشان في مرج راهط، ودامت المعارك مستمرة بين الطرفين نحوا من عشرين ~~يوما، والحرب يبنهما سجال إلى أن كادهم مروان ودعاهم إلى الموادعة والصلح، فلما اطمأنوا إلى ~~ذلك «أخذهم على حين غرة وحمل عليهم حملة منكرة، وهم على غير عدة ولا أهبة»، # 35 # فتم النصر له، وقتل الضحاك مع ثمانين شريفا من أشراف الشام أصحاب القطيفة، ~~وهؤلاء يأخذ كل منهم ألفين في العطاء. # 36 # ومما ساعد مروان على الانتصار اشتعال الثورة في دمشق بقيادة يزيد بن أبي النمس الغساني، ~~فغلب عليها ووضع يده على الخزائن وبيت المال، وبايع مروان وأمده بالرجال والأموال ~~والسلاح، فقطع على الضحاك سبل الإمداد والمخابرة مع العاصمة، ويقول المؤرخون: إن هذه الثورة ~~فتت في عضد الزبيريين، وكانت أول فتح فتح على بني أمية. # أكثر شعراء اليمن من التفاخر على قيس في هذه المعركة فأنشد الفرزدق: # وقد جعلت للدين في المرج بالقنا # لمروان أيام عظام الملاحم # رأيت بني مروان سلت سيوفهم # عشا كان في الأبصار تحت العمائم # ولو رام قيس غيرهم يوم راهط # للاقى المنايا بالسيوف الصوارم # ولكن قيسا روغمت يوم راهط # بطود أبي العاص الشديد الدعائم # فترى أن العصبية القبائلية كانت داء وبيلا # 37 # يسري في مفاصلهم سريان الحمى الفتاكة في الجسم الإنساني، وسنصف لك الويلات ~~والمصائب التي حلت في الدولة من جرائها. # لما رأى ابن الزبير ما أصابه من الانكسار في معركة مرج راهط أراد أن يطلق آخر سهم في ~~كنانته صوب الشام، فبعث أخاه مصعب بن الزبير نحو فلسطين، فسرح له مروان عمرو بن سعيد بن ~~العاص في جيش، فصده وهزمه وأرجعه على أعقابه، ففقد آماله في الشام. # وجه مروان وجهه نحو مصر الخاضعة لابن الزبير لفتحها وتثبيت أقدامه فيها بعد أن ~~وطد نفوذه من أقصى الشام إلى أقصاه، فسير حملة على ms047 رأسها ابنه عبد العزيز، ورجا أن يكون ~~الفتح عن طريق أيلة، فأجمع ابن حجوم والي مصر على حربه فحصن الفسطاط وحفر حولها الخنادق، ~~وبعث أسطولا إلى السواحل السورية ليناوش المرابطين فيها ويشاغلهم، فيهتم مروان بإرسال الفرق ~~من جيشه لهذه الجبهة الساحلية الجديدة، وجهز حملة لمقاومة الجيوش المهاجمة، أما الأسطول ~~فنزل عليه عاصف غرق معظمه، وأما الحملة فانهزمت أمام الفاتحين واستسلم قسم كبير منهم. # 38 # دخل مروان مصر فوضع العطاء في الناس فبايعوه وأقدموا على نصرته، ثم بنى القصر المعروف: ~~«بالدار البيضاء» في الفسطاط، وجعلها مقر الأحكام لنائبه فيها، وولى عليهم ابنه عبد ~~العزيز، وأمره بالإحسان إليهم والمشورة في تدبير أمورهم وبذل الهمة في تفريق زعمائهم، ~~نستنتج هذا من الوصايا التي أوصاه بها، فقال له مرة: «يا بني، عمهم بإحسانك يكونوا ~~كلهم بني أبيك، واجعل وجهك طلقا تصف لك مودتهم، وأوقع إلى كل رئيس منهم أنه خاصتك ~~دون غيره يكون عينا لك على غيره، وينقاد وقومه إليك»، # 39 # وقال له أيضا: «وأوصيك أن لا تعد الناس موعدا إلا أنفذته، وإن حملت على ~~الأسنة، وأوصيك أن لا تعجل في شيء من الحكم حتى تستشير.» # 40 # كل ما قدمناه يؤكد لنا أن مروان لم يتغلب على ابن الزبير إلا بعد الجهد الطويل، ~~فاستمال الزعماء وقبل شروطهم القاسية، وكان يعتقد بعضهم أنهم شركاء له في ملكه، فاشترط ~~الحصين بن نمير جزاء نصرته له أن يجعل البلقاء مأكلة لكندة، # 41 # وقد ظل يوجس خوفا من آل يزيد لئلا يثب لهم رأي في التخلص منه، فتزوج أم خالد ~~بن يزيد وهي فاختة ابنة أبي هاشم بن عتبة ليسقط خالدا عن درجة الخلافة، # 42 # وكان مروان لا يعتبر خالدا ويجرب أن يصغر أمره عند أهل الشام، فينسبه إلى ~~الحمق مع أنه كان فصيحا بليغا، فتآمر عليه مع والدته وأعدماه خنقا حسبما يروي لنا معظم ~~المؤرخين. ~~(1-6) السبب السادس: حركة التوابين، الثأر للحسين بن علي # كان اختلاف الأمويين بعضهم على بعض سببا كبيرا في نشاط الحركة الزبيرية كما ms048 أسهبنا في ~~قولنا، لكن حركة التوابين التي قامت على أثر فاجعة الحسين بن علي أخذت تناوئ بني أمية وتسعى ~~في إعدام من اشترك في التدبير على ابن بنت الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وتنشر الدعوة ضد سياسة الشدة التي ~~اتبعها عبيد الله بن زياد وأمثاله. وقد استفاد ابن الزبير من هذه الحركة واستعان بأكابر ~~الرجال على تشجيعها سرا وعلانية حتى يشغل الأمويين في الساحة العراقية وينال الفرصة ~~الكافية لتثبيت مركزه وتقوية جيشه. # دعت الشيعة الحسين إلى الكوفة، ووعده رجالها بالنصرة فلم يبروا بوعدهم وتخلوا عنه في ~~الساعة الأخيرة، فوقع في معركة كربلاء مضرجا بدمائه، فرأت فئة منهم أنه لا يغسل عارهم ~~ولا يمحو إثمهم وذلهم إلا إعدامهم قتلته، فأسسوا حزبا جديدا دعوه «بحزب التوابين» كان ~~من أركانه سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة الفزاري وعبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي وعبد ~~الله بن وال التميمي ورفاعة بن شداد البجلي، عقد هؤلاء الخمسة مع دعاتهم اجتماعا خاصا ~~في دار سليمان بن صرد زعيمهم، فأنبوا بعضهم البعض على تراخيهم في الذود عن حرمة الحسين، ~~وأقسموا على الأخذ بثأره إلى النفس الأخير، وهيئوا الأسباب التي تؤمن لحركتهم النجاح، ~~وكانت علائم الحماس والألم والتأثر لقتل الحسين بادية في خطبهم، فقام المسيب بن نجبة ~~يحرض القوم على الاستشهاد في سبيل آل البيت، أولئك الذين قتلوا على مقربة منهم وهم عنهم ~~لاهون، فقال: «... كنا مغرمين بتزكية أنفسنا وتقريظ شيعتنا حتى بلا الله أخيارنا، فوجدنا ~~كاذبين في موطنين من مواطن ابن ابنة نبينا # صلى الله عليه وسلم ~~، وقد بلغتنا قبل ذلك كتبه ~~وقدمت علينا رسله، وأعذر إلينا يسألنا نصره عودا وبدءا وعلانية وسرا، ~~فبخلنا عنه بأنفسنا ... حتى قتل إلى جانبنا، لا نحن نصرناه بأيدينا ولا جدلنا عنه بألسنتنا ~~ولا قويناه بأموالنا، ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا، فما عذرنا إلى ربنا وعند لقاء ~~نبينا # صلى الله عليه وسلم ~~، وقد قتل فينا ولده وحبيبه وذريته ونسله، ألا والله لا عذر ~~دون أن تقتلوا قاتله والموالين عليه، أو ms049 تقتلوا في طلب ذلك، فعسى ربنا أن يرضى ~~عنا عند ذلك ...» # 43 # فأمن رفاعة بن شداد على كلامه وقال: «... دعوت إلى جهاد الفاسقين وإلى التوبة من الذنب ~~العظيم، فمسوغ منك مستجاب لك مقبول قولك ...» # 44 # ثم تكلم سليمان فشجعهم على الاستعداد لأعدائهم بالسلاح والأموال والرجال ~~فقال: «... فإني والله ألا يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذي نكدت فيه المعيشة وعظمت فيه ~~الرزية وشمل فيه الجور أولي الفضل من هذه الشيعة لما هو خير، إنا كنا نمد ~~أعناقنا إلى قدوم آل نبينا ونمنيهم النصر ونحثهم على القدوم، فلما قدموا ونينا ~~وعجزنا وأذهلنا وتربعنا وانتظرنا ما يكون حتى قتل فينا ولدينا ولد نبينا وسلالته ~~وعصارته وبضعة من لحمه ودمه؛ إذ جعل يستصرخ فلا يصرخ ويسأل النصف فلا يعطاه، ~~اتخذه الفاسقون غرضا للنبل ودربة للرماح حتى أقصدوه وعدوا عليه فسلبوه، ألا انهضوا فقد سخط ~~ربكم، ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضى الله، والله ما أظنه راضيا دون أن ~~تناجزوا من قتله ... ألا لا تهابوا، فوالله ما هابه امرؤ قط إلا ذل ... اشحذوا السيوف ~~وركبوا الأسنة وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل حتى تدعوا حين تدعوا وتستنفروا.» # 45 # تمكن حزب التوابين الركن المتين من أركان الشيعة من لم شعثه والالتفاف حول زعيمه لسببين. # السبب الأول: # لتبرع الزعماء بالأموال الكثيرة لأجل الدعوة، فمكنهم هذا من استنفار الناس ~~للجهاد وتشويقهم للقتال، فقدم خالد بن سعيد بن نفيل كل أمواله وأملاكه ومزارعه ~~في سبيل الحزب فقال: «أشهد الله ومن حضر من المسلمين أن كل ما أصبحت ~~أملكه - سوى سلاحي الذي أقاتل به عدوي - صدقة على المسلمين أقويهم به على قتال الفاسقين»، # 46 # وقال غيره مثل قوله. # والسبب الثاني: # لاستعمالهم البلغاء من الرجال في نشر دعوتهم، فمثلوا مقتل الحسين تمثيلا ~~محزنا مبكيا، فكانوا أينما حلوا ينالون من أعدائه الذين انتهكوا حرمته، ~~فاحتزوا رأسه وداسوا بخيلهم على جسده، وحملوا على قتلته أولئك الذين لا تعرف ~~الشفقة قلوبهم ولا المرحمة نفوسهم، فكانوا يبكون ويستبكون الناس على القتيل ms050 حفيد ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # وإليك خطبة عبيد الله بن عبد الله المري أشهر دعاتهم، فإنه كان يجوب الأنحاء ~~العراقية ويلقيها على مسامع الناس: «... لله أنتم ألم تروا ويبلغكم ما اجترم إلى ابن بنت ~~نبيكم، أما رأيتم إلى انتهاك القوم حرمته واستضعافهم وحدته وترميلهم إياه بالدم وتجرارهموه ~~على الأرض، لم يراقبوا فيه ربهم ولا قرابته من الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، اتخذوه للنبل غرضا وغادروه ~~للضباع حزرا، فلله عينا من رأى مثله ولله حسين بن علي، ماذا غادروا به ذا صدق وصبر، وذا ~~أمانة ونجدة وحزم، ابن أول المسلمين إسلاما وابن بنت رسول رب العالمين، قلت حماته ~~وكثرت عداته حوله، فقتله عدوه وخذله وليه، فويل للقاتل وملامة للخاذل، إن الله لم ~~يجعل لقاتله حجة ولا لخاذله معذرة إلا أن يناصح الله في التوبة فيجاهد القاتلين وينابذ ~~القاسطين، فعسى الله عند ذلك أن يقبل التوبة ويقيل العثرة، إنا ندعوكم إلى كتاب الله ~~وسنة نبيه والطلب بدماء أهل بيته وإلى جهاد المحلين والمارقين، فإن قتلنا فما عند الله ~~خير للأبرار، وإن ظهرنا رددنا هذا الأمر إلى أهل بيت نبينا.» # 47 # واستمال حزب التوابين سكان المدائن، فبثوا بينهم دعوتهم ورجوهم إلى قتال أعدائهم، ~~فانتصروا لهم ووجهوا قواهم لتنشيط هذا الحزب ... ولو دققنا في الأسباب التي جعلت أهل ~~المدائن ينضمون إلى الكوفيين لتحققنا أنها مبنية على الأسس المالية، فسكان المدائن وأرباب ~~الثروة فيها هم شركاء لأهل الكوفة في نخيلهم ودورهم وعطائهم؛ ولذا لم يكن بوسعهم أن ~~يتخلوا عنهم ويناضلوهم، فلما طلب إليهم سليمان بن صرد الالتحاق بالحزب في رسائله ~~المشهورة إليهم سمعوا له وأجابوا، وإني مورد لك نص بعض الرسائل التي جرت بين الفريقين ~~لتفهم روح المفاوضة ومعناها إذ ذاك: # رسالة سليمان بن صرد لأهل المدائن ~~... إن أولياء الله من إخوانكم وشيعة آل نبيكم نظروا لأنفسهم فيما ابتلوا به من ~~أمر ابن بنت نبيهم الذي دعي فأجاب ودعا فلم يجب، وأراد الرجعة فحبس وسأل الأمان ~~فمنع، وترك الناس فلم يتركوه وعدوا عليه ms051 فقتلوه، ثم سلبوه وجردوه ظلما ~~وعدوانا ... # وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون # 48 ~~... فلما نظر إخوانكم وتدبروا عواقب ما استقبلوا رأوا أن قد خطئوا ~~بخذلان الذكي الطيب وإسلامه وترك مواساته ... ولا توبة دون قتل قاتليه أو قتلهم ... فقد ~~جدوا إخوانكم فجدوا وأعدوا واستعدوا وقد ضربنا لإخواننا أجلا يوافوننا إليه ~~وموطنا يلقوننا فيه، فأما الأجل فغرة شهر ربيع الآخر سنة 65ه/684م، وأما ~~الموطن الذي يلقوننا فيه فالنخيلة ... وإنكم جدراء بتطلاب الفضل والتماس الأجر والتوبة إلى ~~ربكم من الذنب، ولو كان في ذلك حز الرقاب وقتل الأولاد واستيفاء الأموال وهلاك ~~العشائر ... إن التقوى أفضل الزاد في الدنيا ... ولتكن رغبتكم في دار عافيتكم وجهاد عدو ~~الله وعدوكم وعدو أهل بيت نبيكم ... # 49 # من رسائل أهل المدائن للتوابين ~~... نجيبهم ونقاتل معهم ورأينا في ذلك مثل رأيهم ... نحن جادون مجدون معدون ~~مسرجون ملجمون، سننتظر الأمر ونستمع الداعي فإذا جاء الصريخ أقبلنا. # 50 # انتشرت دعوة التوابين انتشارا عظيما بعد وفاة يزيد الأول، فأصبحوا عددا رهيبا ~~يخاف الناس جانبهم، وأخذت الدولة في دمشق تعد عدتها لمنازلتهم وإخماد ثورتهم، ~~والناظر بعين بصيرة نقادة إلى حركتهم من أولها إلى منتهاها يرى أنها صارت إلى الانحلال ~~لأسباب خمسة هي كما يأتي: # السبب الأول: ~~«الدعوة تتطلب إعدام أشراف الكوفة لقتلهم ~~الحسين، خوف التوابين من إعدامهم»: قرأنا فيما سبق أن أشراف الكوفة كانوا ~~الساعد الأقوى في إعدام الحسين، ومع ذلك فقد تردد سليمان وأتباعه في قتالهم لأن بينهم ~~إخوانهم وبني عمومتهم وأعز أقاربهم، ولأنهم إن علموا بنوايا التوابين نحوهم صمدوا لهم ~~وقاتلوهم قتالا شديدا، ولا ريب أن التوابين ارتكبوا غلطا فادحا في استعدادهم لمنازلة ~~الأمويين الأقوياء قبل اقتصاصهم من الزعماء الأشراف القتلة الذين كانوا يرتعون في بحبوحة من ~~العيش بين ظهرانيهم، والذين كانوا على اتصال تام مع الحكومة الأموية، فمنحوا أعداءهم ~~الأشراف بذلك فرصة الاستعداد لكيدهم والتدبير عليهم. # نستشهد على صحة هذه الفكرة من الأقوال التي صدرت من زعماء التوابين بذا الخصوص، قال أحد ~~زعمائهم: «إنما خرجنا نطلب بدم الحسين، وقتلة الحسين ms052 كلهم بالكوفة، منهم عمر بن ~~سعد بن أبي وقاص ورءوس الأرباع وأشراف القبائل، فأنى نذهب ها هنا وندع الأقتال والأوتار.» # 51 # وقال سليمان بن صرد: «والله لو قاتلتم غدا أهل مصركم ما عدم رجل أن ~~يرى رجلا قد قتل أخاه وأباه وحميمه أو رجلا لم يكن يريد قتله»، # 52 # وروى لنا الطبري: «جاء إلى سليمان أصحابه من الشيعة فقالوا: قد مات هذا ~~الطاغية - يزيد الأول - والأمر الآن ضعيف، فإن شئت وثبنا على عمرو بن حريث - نائب عبيد ~~الله بن زياد على الكوفة - فأخرجناه من القصر، ثم أظهرنا الطلب بدم الحسين وتتبعنا ~~قتلته ودعونا الناس إلى هذا البيت المستأثر عليهم المدفوعين عن حقهم، فقالوا في ذلك ~~فأكثروا فقال لهم سليمان بن صرد: رويدا لا تعجلوا، إني قد نظرت فيما تذكرون فرأيت أن ~~قتلة الحسين هم أشراف أهل مكة وفرسان العرب، وهم المطالبون بدمه، ومتى علموا ما تريدون ~~وعلموا أنهم المطلوبون كانوا أشد عليكم.» # 53 # السبب الثاني: ~~«التوابون ضعاف في جيشهم وعدتهم»: ذكرنا ~~أن التوابين تكاتفوا وتعاضدوا وأقسموا الأيمان على الفتك بقتلة الحسين وبذلوا الأموال ~~في سبيل هذه الغاية، ولكن أموالهم كانت قليلة نسبة لأموال الأمويين، وجيشهم ضعيفا لا حول ~~له ولا قوة على الثبات أمام الجيش الأموي، هذا عدا أولئك الذين تخلوا عنهم بتأثير الذهب ~~الوهاج الذي كانت تدفعه الحكومة بسخاء، فيروي لنا الطبري: «دعا سليمان بن صرد إلى ديوانه ~~لينظر فيه إلى عدة من بايعه حيث أصبح فوجدهم ستة عشر ألفا، فقال: سبحان الله! ما أرانا ~~إلا أربعة آلاف من ستة عشر ألفا »، # 54 # ويروي أيضا: «أتى سليمان عسكره فداره ووجوه أصحابه فلم يعجبه عدة الناس.» # 55 # ويقول بذا الخصوص: «خاطب سليمان بن صرد حزبه فقال: ونظرت فيمن تبعني منكم فعلمت ~~أنهم لو خرجوا لم يدركوا ثأرهم، ولم يثنوا أنفسهم ولم ينكوا عدوهم ...» # 56 # وقد صرح التوابون أنهم فقراء، وأنه ليس عندهم مال يهبونه للناس كما تفعل ~~الحكومة في دمشق، وأن لا غاية لهم سوى التوبة بثأرهم للحسين، وكان هذا ms053 اعتراف ظاهر على ~~عجزهم وضعفهم، والناس لا يستهويهم الكلام الجذاب إلى أمد طويل، وإن استهواهم فإلى حين، ~~قال سليمان بن صرد: «... أيها الناس من كان إنما أخرجته إرادة وجه الله وثواب الآخرة فذلك ~~منا ونحن منه، فرحمة الله عليه حيا وميتا، ومن كان إنما يريد الدنيا وحرثها ~~فوالله ما نأتي فيئا نستفيئه ولا غنيمة نغنمها ما خلا رضوان الله رب العالمين، وما معنا من ~~ذهب ولا فضة ولا خز ولا حرير، وما هو إلا سيوفنا في عواتقنا ورماحنا في أكفنا، وزاد ~~قدر البلغة إلى لقاء عدونا، فمن كان غير هذا ينوي فلا يصحبنا.» # 57 # السبب الثالث: ~~«المنافسة في طلب الزعامة تهيض جناحهم»: ~~كان بين الشيعة رجال ينافسون سليمان بن صرد في طلب الزعامة والرئاسة، أشهرهم المختار بن ~~أبي عبيد الثقفي - وسنتكلم عنه مفصلا - فخرج رجاله يثبطون همم الناس عن اللحاق ~~بسليمان مدعين جهله في الأمور العسكرية وضعفه في قيادة الجند، وقالوا: إن المختار ~~إنما يدعو لمحمد بن علي ابن الحنفية فهو وزيره وأمينه، فانقسم التوابون بعضهم على بعض، ~~فئة تدعو لسليمان وفئة تدعو للمختار، فكان هذا الانقسام مما سهل على الحكومة الأموية ~~ضرب سليمان وأتباعه ضربة قاضية، قال الطبري بهذا الشأن: «... فسليمان أثقل خلق الله على ~~المختار، وكان المختار يقول لأصحابه: أتدرون ما يريد هذا - يعني سليمان بن صرد - إنما يريد ~~أن يخرج فيقتل نفسه ويقتلكم، ليس له بصر بالحروب ولا علم بها.» # 58 # السبب الرابع: ~~«التوابون يرفضون مساعدة ابن ~~الزبير»: أراد ابن الزبير أن يستفيد من التوابين، فجرب أن يقنع زعماءهم في الانضمام ~~إليه والانتصار له، فأبوا أن يقاتلوا في صفوفه لئلا يكونوا سلما يرقى عليه ~~لمطامعه وآلة هنية لينة يديرها كيفما شاء، ولقد حاول أنصار ابن الزبير أن ~~يؤكدوا للتوابين أن الأمويين أعداء لكلا الطرفين على السواء، وعرضوا عليهم المساعدات ~~المالية فما أعاروهم أذنا صاغية ولا قلبا واعيا؛ لأن دعوتهم معينة مفهومة لا تتجاوز ~~طلب الثأر للحسين وإرجاع الإمامة لأهلها من العلويين. # إن التوابين لم يفيدوا الزبيريين الإفادة ms054 الكلية إذا لم ينضموا إليهم، ولكنهم شاغلوا ~~الأمويين في الساحة العراقية مدة ليست بالقليلة، استراح في خلالها ابن الزبير وهيأ ~~الأسباب القوية لمناجزتهم في معركة فاصلة، فقال دعاة ابن الزبير للتوابين لإقناعهم: ~~«أنتم إخواننا وأهل بلدنا وأحب أهل مصر خلقه الله إلينا، فلا تفجعونا بأنفسكم ولا ~~تستبدوا علينا برأيكم، ولا تنقصوا عدونا بخروجكم من جماعتنا، أقيموا معنا حتى نتيسر ~~ونتهيأ، فإذا علمنا أن عدونا قد شارف بلدنا خرجنا إليهم بجماعتنا فقابلناهم.» # 59 # وذكر المؤرخون أن ابن الزبير لم يتأخر عن بذل الأموال لهم، فيروي الطبري: «عرضوا على ~~سليمان أن يقيم معهم حتى يلقوا جموع أهل الشام على أن يخصوه وأصحابه بخراج «جوخي» خاصة ~~لهم دون الناس»، # 60 # وكان يعتقد التوابون أن القتال مع ابن الزبير ضلال في ضلال، قال سليمان ~~في ذلك: «... ولا أرى الجهاد مع ابن الزبير إلا ضلالا، وإن نحن ظهرنا رددنا هذا ~~الأمر إلى أهله، وإن أصبنا فعلى نياتنا تائبين من ذنوبنا، إنا لنا شكلا ولابن الزبير شكلا.» # 61 # السبب الخامس: ~~«أهل المدائن يتأخرون عن اللحاق بإخوانهم ~~التوابين»: أجمع التوابون أن يكون معسكرهم في النخيلة، وموعد اجتماعهم ~~في ربيع الثاني سنة 65ه/684م، وذلك لتعبئة صفوفهم ولتهيئة الخطط الحربية الضرورية قبل الزحف ~~لملاقاة الجيوش الأموية القادمة بقيادة عبيد الله بن زياد، فلم يوافهم أنصارهم من أهل ~~البصرة وأهل المدائن للميعاد المضروب بينهم، وقد أقعدهم عن اللحاق بهم قلة النفقة وسوء ~~العدة، فأقاموا مدة يتجهزون، فانتهز الأمويون الفرصة وناجزوا التوابين الوقيعة في «عين ~~الوردة» قبل قدوم الإمداد لهم فكسروهم شر كسرة. # المعركة # أقام التوابون يوما وليلة بالقرب من قبر الحسين قبل زحفهم للقتال، يثيرون أحقادهم ~~ويشعلون نار الضغائن في صدورهم ويستفزون هممهم لطلب الثأر بالبكاء على الحسين، وقد ~~ازدحموا حول قبره ازدحاما شديدا يترحمون عليه ويستغفرون له ولأنفسهم، فزادهم هذا حنقا ~~على حنق وألما على ألم، ثم ساروا لملاقاة عدوهم الزاحف إليهم من دمشق بطريق الرقة، ~~فانتهوا إلى عين الوردة، ورسم لهم حاكم قرقيسيا الخطة الحربية التي يجب أن ms055 يسيروا ~~بحسبها، وهي تأمرهم بالانتباه إلى حماية خط الرجعة لئلا يفقدوا الماء والمادة والذخيرة من ~~أيديهم، وأن لا ينازلوا أعداءهم في فضاء وسيع يتم لهم به الالتفاف حولهم، وأن يشاغلوهم ~~بالكتائب بدلا من النزول إليهم دفعة واحدة في صف واحد. # وقد حفظ لنا التاريخ نص هذه الخطة وهاك هي: «... إن القوم قد فصلوا من الرقة فبادروهم ~~إلى عين الوردة، فاجعلوا المدينة في ظهوركم ويكون الرستاق والماء والمادة في أيديكم وما بين ~~مدينتنا ومدينتكم فأنتم له آمنون ... اطووا المنازل الساعة إلى عين الوردة، فإن القوم يسيرون ~~سير العساكر وأنتم على خيول ... وإن بدرتموهم إلى عين الوردة فلا تقاتلوهم في فضاء ترامونهم ~~وتطاعنونهم، فإنهم أكثر منكم، فلا آمن أن يحيطوا بكم، ولا تقفوا لهم ترامونهم وتطاعنونهم، ~~فإنه ليس لكم مثل عددهم، فإن استهدفتم لهم لم يلبثوا أن يصرعوكم، ولا تصفوا لهم حين ~~تلقونهم فإني لا أرى معكم رجالة ولا أراكم كلكم إلا فرسانا والقوم لاقوكم بالرجال ~~والفرسان، فالفرسان يحمي رجالها والرجال يحمي فرسانها، وأنتم ليس لكم رجال يحمي فرسانكم ~~فالقوهم في الكتائب ... ثم بثوها ما بين ميمنتهم وميسرتهم، واجعلوا مع كل ~~كتيبة إلى جانبها، فإن حمل على إحدى الكتيبتين ترجلت الأخرى فنفست كتيبة عنها الخيل ~~والرجال، ومتى شاءت كتيبة ارتفعت ومتى شاءت كتيبة انحطت، ولو كنتم في صف واحد فزحفت ~~إليكم الرجال فدفعتم عن الصف انتقض وكانت الهزيمة.» # 62 # بعث عبيد الله بن زياد الحصين بن نمير على مقدمته في اثني عشر ألفا لملاقاة ~~التوابين، فاجتمع بهم في عين الوردة، فدارت المفاوضات بين مندوبي الفريقين لحقن دماء ~~المسلمين، فلم يصلوا إلى نتيجة مرضية؛ لأن التوابين أصروا على خلع عبد الملك بن ~~مروان - وكان قد ولي الخلافة - أولا، وتسليم عبيد الله بن زياد لهم ثانيا، ولم ~~يتساهلوا إلا في طرد آل الزبير ودعاتهم من العراق على أن يكون حق الخلافة لآل بيت النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # أدت هذه المفاوضات حتما إلى القتال، فاشتبك الطرفان في معركة دامية انتصر بها ~~التوابون في اليوم ms056 الأول، وأظهروا من ضروب الشجاعة والتضحية ما جعل أعداءهم يقرون ~~لهم ببطولتهم، فشهدوا لهم وقالوا: «إنهم كانوا يقدمون على شوكة شديدة ويقاتلون فرسانا ~~شجعانا ليس فيهم سقط رجل»، # 63 # لكن هبطت الأمداد على الأمويين في اليوم الثاني فأكثروا فيهم الجراح ~~وأفشوها، فاستمات التوابون في اليوم الثالث فكسروا - جفون سيوفهم - فقتل أكثر ~~زعمائهم وبينهم سليمان بن صرد، فتقهقروا بعد هذه الهزيمة في الظلام حاملين جرحاهم، وعبروا ~~الخابور متجهين إلى بلادهم، وقد تركوا وراءهم فرقة من الجند لتحمي مؤخرتهم وتشاغل أعداءهم ~~لدى ارتدادهم. # ويجدر بنا أن نذكر وصايا سليمان بن صرد للتوابين قبل دخولهم المعركة، وهي كلها ~~تأمر بالرحمة والمواساة والعطف على الجرحى والمصابين والأسرى، قال: «لا تقتلوا مدبرا، ولا ~~تجهزوا على جريح، ولا تقتلوا أسيرا من أهل دعوتكم؛ إلا أن يقاتلكم بعد أن ~~تأسروه أو يكون من قتلة إخواننا ... فإن هذه كانت سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.» # 64 ~~(1-7) السبب السابع: الأزارقة الخوارج يساعدون ابن الزبير # الخوارج في عرف الإسلام هم كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة ~~عليه، - سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو كان بعدهم على التابعين ~~بإحسان والأئمة في كل زمان، # 65 # ويطلق اسم الخوارج على جماعات عديدة تختلف في مبادئها ونواحي تفكيرها، ويهمنا ~~من أمرهم في بحثنا هذا التعرف إلى طائفة الأزارقة وعلاقتها مع ابن الزبير. # قامت هذه الطائفة غاضبة على جماعة المسلمين لاختلافها وإياهم في بعض المبادئ الدينية ~~السياسية، فهم: # أولا: # يكفرون عليا ويقولون: إن الله أنزل في شأنه، وزادوا على ذلك تكفير عثمان ~~وطلحة والزبير وعائشة وعبد الله بن عباس وسائر المسلمين معهم وتخليدهم في النار، ~~ويحملون الحملات المنكرة على عثمان ويصمونه بوصمات بعضها بعيد عن الحق، ~~ويبالغون في ذلك أشد المبالغة، فيقولون عنه: إنه «آثر القربى ... ورفع الدرة ووضع ~~السوط ومزق الكتاب وحقر المسلم وضرب منكري الجور وآوى طريد الرسول - الحكم ... - ~~وضرب السابقين بالفضل وسيرهم وحرمهم، ثم أخذ فيء الله الذي أفاءه عليهم فقسمه ~~بين فساق ms057 قريش ومجان العرب، فسارت إليه طائفة من المسلمين أخذ الله ميثاقهم ~~على طاعته لا يبالون في الله لومة لائم، فقتلوه فنحن لهم أولياء ومن ابن عفان ~~وأولياءه برآء.» # 66 # ثانيا: # يوجبون على كل من ينضم إليهم أن لا يتأخر عن القدوم إلى ديار هجرتهم للذود عن ~~بيعة دينهم، فهم يكفرون القعدة من رجالهم عن قتال أعدائهم، ويظهرون البراءة ~~منهم أينما كانوا وحيثما حلوا. # ثالثا: # يأمرون بقتل نساء مخالفيهم وأطفالهم، وهذا غاية القسوة والهمجية، وهم يرون وجوب ~~التخلص من أعدائهم باستعمال الشدة معهم وإعدام نسلهم. # رابعا: # يسقطون الرجم عن الزاني إذ ليس في القرآن ذكره، ويسقطون حد القذف عمن قذف ~~المحصنين من الرجال، ويوجبون الحد على قاذف المحصنات من النساء. # خامسا: # يأمرون بالتصريح في مبادئهم ونشرها، ويقولون: إن التقية غير جائزة في قول ولا ~~عمل. # سادسا: # يعتقدون أن جميع المشركين في النار. # سابعا: # يجوزون أن يبعث الله تعالى نبيا يعلم أنه يكفر بعد نبوته أو كان كافرا قبل ~~البعثة. # ثامنا: # يجمعون على أن من ارتكب كبيرة من الكبائر كفر ويكون مخلدا في النار. # 67 # وكان أول خروج هؤلاء الأزارقة في أربعين رجلا وذلك في خلافة يزيد الأول، أما مقرهم ~~فكانت الأهواز، وهم يلقبون بالأزارقة نسبة لرئيسهم نافع بن الأزرق، والغريب أن ابن الزبير ~~- حبا في توطيد سلطانه وتمكينا لسيادته ودعوته تجاه الأمويين - أظهر أنه على مبادئهم ~~وآرائهم «فأعطاهم الرضا من غير توقف ولا تفتيش»، # 68 # فقاتلوا في صفوفه واستماتوا في الدفاع عن البيت الحرام، وكانوا من أشد أعداء ~~الأمويين، وقد وفدوا عليه ولحقوا به وانتصروا له، # 69 # فكانوا ركنا متينا من أركان جيشه، لكنه لما مات يزيد الأول تزحزح كابوس ~~الأمويين عن صدر ابن الزبير، فأخذ يناقشهم في مبادئهم ويجرب أن يجلبهم إلى حظيرة الجماعة ~~الإسلامية، حتى إنه صرح مرة لما جادلهم في عثمان بقوله: «إني ولي لابن عفان في الدنيا ~~والآخرة وولي أوليائه وعدو أعدائه.» # 70 # حقا لقد جاء هذا التصريح سابقا لأوانه؛ إذ جعل هذه الطائفة تناصبه العداء وتكيده، ms058 مع ~~أنه كان في حاجة ماسة إلى من يناصره ويأخذ بيده أمام الحكومة الأموية. # قلنا: خرجت طائفة الأزارقة في ولاية يزيد الأول، فعهد هذا إلى عبيد الله بن زياد والي ~~البصرة يومئذ أن ينازلهم ويعاملهم بالشدة، فكان لا يدع أحدا ممن يتهم برأي الخوارج ~~إلا قتله حتى قتل بالتهمة والظنة تسعمائة رجل حسبما يروي لنا الدينوري، # 71 # والحقيقة أن هذه السياسة القائمة على الدم لم تمت حركة الأزارقة ولم تخنقها، ~~بل زادتها قوة ونشاطا، خصوصا حينما توفي يزيد وأجبر ابن زياد على الهرب إلى دمشق خوفا ~~على حياته، فبدلا من أن يكون الأزارقة في العراق وفارس رجال ابن الزبير وسيفه البتار ~~أصبحوا عليه، يناوئونه ويضربونه الضربة تلو الضربة، فنستنتج أن الأزارقة بعد أن كانوا من ~~أحزابه أخذوا يفتون في عضده ويخنقون دعوته في البصرة وفارس. # لما ضعفت الدولة الأموية عن القيام بحماية العراقيين خصوصا سكان الجنوب راسل أهل ~~البصرة ابن الزبير يعلمونه أن لا إمام لهم، ويسألونه حمايتهم وصد الخوارج عنهم، وهم ~~لقاء ذلك ينصرونه ويثبتون أقدامه ويجهزون له الجيوش، فبعث إليهم المهلب بن أبي صفرة ~~القائد المشهور - وسنصف فتوحه في وقتها - من خراسان، فقدم البصرة وبث روح الإقدام والجهاد ~~في القبائل والعشائر، واشترط عليهم الطاعة، وأن له ما يغلب عليه من البلاد فقبلوا ذلك ~~درءا للأخطار المحدقة بهم وتخلصا من الفوضى، وكان المهلب نزر الكلام إلا فيما يختص ~~بمصلحته، فصعد منبر المسجد الجامع في البصرة وألقى خطبته التي أملى بها شروطه وهي: «إنه قد ~~غشيكم عدو جاهد يسفك دماءكم وينتهب أموالكم، فإن أعطيتموني خصالا أسألكموها قمت ~~لكم بحربهم واستعنت بالله عليهم ... انتخب منكم أوساطكم لا الغني المثقل ولا السبروت المخف، ~~وعلى أن لي ما غلبت عليه من الأرض، وألا أخالف فيما أدبر من رأيي في حربهم، وأترك ورائي الذي ~~أراه وتدبيري الذي أدبره.» # 72 # بلغت الحملة التي قادها المهلب لقتال الأزارقة نحوا من عشرين ألفا، فواقعهم في نهر ~~«تستر» فهزمهم، ثم في «نسلي» من أعمال الأهواز فهزمهم أيضا، وقتل ms059 زعيمهم نافع بن الأزرق، ~~وما زال يلاحقهم من بلد إلى بلد حتى ضربهم في سابور من أرض فارس، وقد ضيق عليهم وسد ~~السبل دونهم بعد ذلك في أيام عبد الملك بن مروان حتى قال أحدهم: # حتى متى يتبعنا المهلب # ليس لنا في الأرض منه مهرب # ولا السماء أين أين المذهب # 73 # والغريب أن هؤلاء الأزارقة كانوا يناضلون نضالا هائلا، وينتخبون الزعيم إثر الزعيم بعد ~~مقتلهم، فترى قائمة من أسماء قادتهم بعد مصرع ابن الأزرق أشهرهم عبد الله بن ماحوز ~~وقطري ابن الفجاءة وعبد ربه وغيرهم، والحقيقة التي نريد تأييدها من كلامنا هذا كله أن ~~الأزارقة كانوا يدا قوية في نجاح دعوة ابن الزبير في أول أمرها، وكان بوسعه أن يحتفظ بهم ~~لو أحسن أساليب السياسة فأجل المناقشة معهم في مبادئهم أو غض الطرف عنها، فيظلون جنده ~~القوي في الساحة العراقية ومدده العظيم في قتال بني أمية، لكنه أخطأ في مناقشتهم ~~ومجادلتهم في آرائهم، فحملوه أحمالا باهظة لا قبل له بها إذ أثاروا عليه حربا ضروسا ~~في العراق وفارس كلفته دماء غزيرة وأموالا كثيرة كان بوسعه أن يتجنبها. ~~(1-8) السبب الثامن: الحركة المختارية تنشط ابن الزبير # يتحقق الباحث عن الحركات الثورية التي قامت في صدر الإسلام أنها نهضت تدفعها عوامل ~~سياسية جمة قد لا تظهرها في البدء إنما تجعل الدين ستارها، فتضرب على وتره فتهز ~~عاطفات التعصب الكامنة في النفوس، وتستهوي عامة الناس فتجعلهم آلة تسيرهم حسبما تشاء ~~ونعاجا تذبحهم على مذبح الجشع والمصلحة. # رأى المختار بن أبي عبيد الثقفي حبل الأمن مضطربا في الأقطار العربية، ومطامع ~~الزعماء تقرض بمقراضها جسم المملكة الأموية، فغلب عبد الله بن الزبير على الحجاز والعراق، ~~ونجدة الحروري على العروض، وعبد الله بن خازم على خراسان، فتحركت في نفسه محبة السيطرة ~~والسيادة، فدعا القوم في العراق إلى الثورة فأجابوه، وسنبين لك الأسباب التي رفعت شأنه ~~وقدرت لحركته النجاح نوعا. # حياة المختار السياسية # نرى المختار لأول مرة على مسرح التاريخ حينما نزل مسلم بن عقيل رسول الحسين ms060 في داره، ~~وجعل يبايع له ويدعو الناس إلى معونته، وذلك قبيل التجاء مسلم إلى دار هاني بن عروة ~~المرادي، ثم كانت فاجعة كربلاء فقبض عليه عبد الله بن زياد وضربه وسجنه وأهانه في ~~كبريائه، فاستعطف عبد الله بن عمر صهر المختار يزيد الأول ورجا منه إخلاء سبيله ~~مشترطا أن لا يتداخل في سياسة الحكومة، فأجابه إلى ذلك على أن يخرج من العراق، وإن لم يفعل ~~برئت منه الذمة، فرحل إلى مكة وفي نفسه من الحقد والضغينة على ابن زياد ما جعله ينتهز ~~كل فرصة للإيقاع به والانتقام لأنفته، حتى لقد قال: «قتلني الله إن لم أقطع أنامله ... ~~وأعضاءه إربا إربا.» # 74 # أراد ابن الزبير أن ينتصر بالمختار، فرحب به وأوسع له وغمره بإحسانه وعطفه، فاشترى ~~منه دينه على الشروط الآتية: أولا: يبايع المختار ابن الزبير على أن لا يقضي الأمور دونه، ~~ثانيا: يكون المختار الوزير الأول في دولته، فلا يأذن لأحد قبله ويوله على أحسن عمله، ~~وقد أبلى المختار البلاء الحسن في أعداء ابن الزبير، وشهد الحصار الأول يوم أحرق البيت ~~وخدم رئيسه خدمة صادقة، والظاهر أن المختار تألم ألما شديدا من ابن الزبير، لأنه لم ~~يوف له بالعهود التي أخذها على نفسه فلم يستعمله، وجعل يقدم عليه من هم دونه منزلة ~~وكفاءة، فأقام يستطلع أخبار الكوفة ويتزود بالمعلومات الكثيرة عنها إلى أن انتهز فرصة قيام ~~حزب التوابين فرحل إليها، وجعل يدس الدسائس بين أعضاء هذا الحزب حتى انشعبت إليه فرقة ~~تؤيده وتعظمه وتبث دعوته. # قضت الدولة الأموية على حركة التوابين في معركة عين الوردة، ولكنها لم تقض على ~~الأحقاد المتأصلة في نفوس الشيعة، فكانت تغلو مراجل الضغينة في صدورهم إذ لاقوا من المذلة ~~والإهانة بعد معركة كربلاء وعين الوردة ما جعلهم مستعدين استعدادا تاما لقبول زعيم ~~نشيط يدير دفة سياستهم ويستلم زمام أمورهم، وقد كان المختار شابا طموحا عالي الهمة # 75 # لم تفتر همته عن جمعهم تحت لوائه، فتكللت مساعيه بالنجاح، وإنا موردون ~~لك الأسباب التي أعانته على الثورة ms061 وهاكها: # أولا: ~~«المختار يطلب بثأر الحسين ويدعو لابن الحنفية»: ~~لا ريب أن السبب الرئيسي الذي دفع المختار للثورة هو محبته للزعامة والتغلب كما نوهنا ~~سابقا، وكان لا يتأتى له النهوض إن لم يجعل طلب الثأر للحسين وإرجاع الإمامة إلى آل ~~بيت النبي غايته التي ليس وراءها غاية، فنشر هذه الدعوة بين الموتورين من الشيعة، فلاقت ~~أرضا خصبة وجوا صالحا للنمو والحياة، ويؤكد لنا الشهرستاني أن أمره لم ينتظم إلا ~~بانتسابه إلى محمد ابن الحنفية أخي الحسين علما ودعوة ولاشتغاله بقتال الذين أجمعوا على ~~الفتك بآل البيت، # 76 # فدعا الناس قائلا: «إن المهدي ابن الوصي محمد بن علي بعثني إليكم أمينا ووزيرا ~~ومنتخبا وأميرا، وأمرني بقتال الملحدين والطلب بدماء أهل بيته والدفع عن الضعفاء.» # 77 # ومن أقواله يدعوهم أيضا: «إني قد جئتكم من قبل ولي الأمر ومعدن الفضل ووصي الوصي ~~والإمام المهدي بأمر فيه الشفاء وكشف الغطاء وقتل الأعداء وتمام النعماء ... إني إنما أعمل ~~على مثال قد مثل لي وأمر قد بين لي، فيه عز وليكم وقتل عدوكم وشفاء ~~صدوركم، فاسمعوا مني قولي وأطيعوا أمري، ثم أبشروا وتباشروا، فإني لكم - بكل ما تأملون - ~~خير زعيم»، # 78 # ونشط في بث دعوته نشاطا عظيما بعد مقتل سليمان بن صرد ورجوع فلوله إلى ~~أوطانها، فكتب للتوابين يعزيهم بمصرع أبطالهم ويهنئهم بما نالوه من الأجر والفوز عند ~~ربهم، ويدعوهم إلى الانضمام إليه ليجرد في عدوهم السيف ويثأر لابن بنت الرسول، وهاك رسالته ~~لشيعته: «... أما بعد ... فإن الله أعظم لكم الأجر وحط عنكم الوزر بمفارقة القاسطين ~~... فإني لو قد خرجت إليكم جردت ... في عدوكم السيف ... فرحب الله بمن قارب منكم واهتدى، ~~ولا يبعد الله إلا من عصى وأبى»، # 79 # فانضم إليه قسم كبير منهم كانوا من أشد أنصاره في حركته وأعظم أحزابه في ~~حروبه. # لقد كان المختار أعظم خطورة في دعوته من سليمان بن صرد، إذ اجتمعت فيه صفات ~~الزعامة، فخافه ابن الزبير في الكوفة فقبضوا عليه وأودعوه السجن، والحقيقة التي لا شبهة ~~فيها أن المختار ms062 أراد الوثوب على العراق والتخلص من النفوذ الزبيري، بينما كان سليمان يسعى ~~لقتال بني أمية أعداء ابن الزبير، فشتان بين الزعيمين، فإن لكل منهما مبدأ كما ~~ترى. # اتفقت الشيعة على القيام بتأييده، فصار دعاته يبايعون له وهو مسجون إلى أن أخلي ~~سبيله، ولا شك في عرفنا أن المختار أخذ يدعو لابن الحنفية، وابن الحنفية جاهل تمام ~~الجهل ما ينتحله باسمه، وذلك لضعفه وأثرته الخمول على الشهرة، إن هذا الضعف في زعماء ~~آل البيت كان من أكبر المصائب على الإسلام، إذ جعل لأحزابهم وأصحاب النفوذ والمطامع من ~~رجالاتهم الفرص الكافية لادعاء مبادئ باسمهم لم يفكروا بها ولم تخطر لهم على ~~بال. # فاستثمر المختار بعض التصريحات التي صرح بها ابن الحنفية بعد مقتل الحسين وأخذ يقول ~~للناس: إن إمامكم ابن الحنفية يدعوكم لطلب الثأر لآل بيت نبيكم. وقس على ذلك من الأقوال ~~المأثورة المؤلمة، ومن هذه التصريحات ما قاله ابن الحنفية لأحد الوفود العراقية في الحجاز: ~~«... وأما ما ذكرتم من دعاء من دعاكم إلى الطلب بدمائنا فوددت أن الله انتصر لنا من ~~عدونا بمن شاء من خلقه.» # 80 # وقد استمال المختار هذه الوفود فأكدت صدق دعوته للناس بقولها: «كنا أحببنا أن ~~نتثبت لأنفسنا خاصة ولجميع إخواننا عامة، فقدمنا على المهدي ابن علي فسألناه عن حزبنا ~~هذا وعن ما دعانا إليه المختار منها فأمرنا بمظاهرته ومؤازرته وإجابته إلى ما دعانا ~~إليه، فأقبلنا طيبة أنفسنا منشرحة صدورنا، وقد أذهب منها الشك والغل والريب.» # 81 # وما فتئ المختار منذ ذلك الحين يلقي الخطب إثر الخطب في المجالس، وكلها ترمي إلى ~~الدعوة لابن الحنفية بواسطته، فترى أن الرجل عرف كيف يستفيد من أقوال ابن الحنفية المبهمة ~~الصادرة عن قلب طيب ونفس زكية تحب العافية وترجو السلام وتود أن لا تسفك الدماء ~~باسمها، فأعلن عن رغبته هذه بكتاب بعثه له: «... وأن أحب الأمور كلها إلي ما أطيع ~~الله فيه، فأطع الله ما استطعت فيما أعلنت وأسررت، واعلم أني لو أردت القتال لوجدت ~~الناس إلي سراعا والأعوان لي ms063 كثيرا، ولكني أعتزلهم وأصبر حتى يحكم الله لي وهو خير الحاكمين.» # 82 # وأوصاه مرة بالكف عن القتال، فروى الطبري أنه ذكر: «قل للمختار فليتق ~~الله وليكفف عن الدماء.» # 83 # ثانيا: ~~«المختار يستميل كبار الزعماء إلى حزبه ~~ويطمعهم بالفوائد المالية»: علم المختار حق العلم أن لا سبيل إلى اجتذاب قلوب الزعماء ~~أرباب المصالح إلا بمنحهم ما تصبو إليه نفوسهم من المناصب، وما تتوق إليه ذواتهم من ~~الأرباح المادية، فكتب رسالة عن لسان ابن الحنفية إلى إبراهيم بن الأشتر سيد الكوفة، وبها ~~يؤكد على أنه إن نصره وأطاعه وطلب دماء أهل بيته فله كل ثغر ظهر عليه فيما بين ~~الكوفة وأقصى بلاد الشام، فاستماله وبسط له يده فبايعه على الجهاد في أعدائه. وليس بوسعنا ~~أن نمر بهذه الرسالة دون أن نثبت أنها مزورة ليس عليها مسحة من الحقيقة، نستشهد على ~~ذلك بما قاله الشعبي وهو يتهم المختار بأن الكتاب مزور، وأن من شهد بصحته كاذب. # قال الشعبي: «أنا والله لهم على شهادتهم متهم، غير أنه يعجبني الخروج، وأنا أرى رأي ~~القوم وأحب تمام ذلك الأمر، فلم أطلعه على ما في نفسي من ذلك»، # 84 # أما نص الكتاب الذي ادعى المختار أنه من ابن الحنفية فهاكه: «بسم الله ~~الرحمن الرحيم ... من محمد المهدي إلى إبراهيم بن مالك الأشتر ... سلام عليك، فإني أحمد الله ~~الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإني قد بعثت إليكم بوزيري وأميني ونجيي الذي ارتضيته ~~لنفسي، وقد أمرته بقتال عدوي والطلب بدماء أهل بيتي، فانهض معي بنفسك وعشيرتك ومن أطاعتك، ~~فإنك إن نصرتني وأجبت دعوتي وساعدت وزيري، كان عندي بذلك فضيلة ولك بذلك أعنة الخيل ~~وكل جيش غاز وكل مصر ومنبر وثغر ظهرت عليه فيما بين الكوفة وأقصى بلاد أهل الشام، ~~على الوفاء بذلك على عهد الله، فإن فعلت ذلك نلت به عند الله أفضل الكرامة، وإن أبيت ~~هلكت هلاكا لا تستقيله أبدا، والسلام عليك.» # 85 # ثالثا: ~~«المختار يؤمن الأشراف ويعدل بين الناس»: لم ~~يكد المختار يعلن عن عزيمته ms064 في طلب الثأر للحسين، وإرجاع الإمامة إلى ابن الحنفية حتى ~~أحسن السيرة جهده، فقعد للعدل وأمن الناس وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وأدنى ~~الأشراف فكانوا جلساءه وحداثه، فظنوا أنه صادق النية فيما رمى إليه فتهافتوا عليه، ~~لكن العقد الفريد يقول: إن هذه كلها كانت مظاهر لإدراك بغيته، فلما أدركها بانت مقاصده السياسية. # 86 # رابعا: ~~«الأمويون لا يحسنون صنعا بانتخاب عبيد الله بن زياد ~~للاستيلاء على العراق، العراقيون يبغضون عبيد الله، يلتفون حول المختار»: كلنا ~~يعلم سياسة الشدة التي جرى عليها عبيد الله بن زياد في العراق، تلك السياسة التي أدت إلى ~~قتل الحسين بن علي، فكرهه الناس وأرادوا الفتك به بعد وفاة يزيد الأول، فتمكن من الهرب ~~إذ التجأ إلى الأزد، وقد قدم به هؤلاء إلى الشام آمنا مطمئنا، # 87 # زد على هذا استعماله الدهاقين من الفرس لجباية الأموال؛ لأنهم أبصر ~~بالمسائل المالية في عرفه من العرب، وأوفى بالأمانة وأهون بالمطالبة، وكان عبيد الله ~~بن زياد بخيلا فجرب أن لا يبذل في العطاء إذا تمكن من ذلك. إن كل هذه العوامل دفعت ~~العراقيين إلى الالتفاف حول المختار ومناصرته. # خامسا: ~~«المختار يستفيد من ثارات العصبية القبائلية»: ~~قلنا فيما سبق أن العصبية القبائلية كانت داء وبيلا، ولا نزال نذكر معركة مرج راهط وما ~~أحلت اليمن فيها بقيس من المذلة الشنيعة، فلما قدم جيش عبيد الله بن زياد من قبل مروان ~~بن الحكم لإخضاع العراق، ومر بالجزيرة أصلاه أهلها القيسيون نارا حامية؛ وذلك ~~لأنهم أهل خلاف لمروان وآل مروان، ولأنهم أرادوا الانتقام ليوم راهط، إن هذه الحرب التي ~~أشعلها القيسيون على اليمنيين أنصار مروان كلفت عبيد الله ثمنا باهظا إذ سفكت فيها ~~دماء غزيرة، وأخرته سنة كاملة عن القدوم إلى العراق، وقد تمكن المختار من الاستعداد خلال ~~هذه المدة استعدادا كاملا. # سادسا: ~~«المختار يداري ابن الزبير لئلا يصبح بين ~~نارين»: ثار المختار في العراق وطرد الحامية الزبيرية وأعلن استقلاله، وهو ~~متأكد كل التأكد أنه لا بد له من مناجزة عدوين قويين طامعين في ms065 تثبيت سلطانهما في ~~بلاد الرافدين، الأول بنو أمية في الشام والثاني ابن الزبير في الحجاز، أما بنو أمية فمن ~~الصعب المفاوضة معهم لكره الشيعة لهم وما ارتكبه ولاتهم من المظالم في ~~المصرين حسب اعتقادهم، وأما ابن الزبير فقد تسهل المخابرة معه؛ لأن المختار سيقوم ~~بقتال أعدائه الأمويين الذين كادوه كيدا عظيما، فإن انتصروا على المختار تخلص منه وإن ~~انتصر عليهم كان أهون شوكة منهم عليه، فتوادعا حتى يستجمع لأحدهما الأمر فيثب بصاحبه، وهاك ~~ما كتبه المختار لابن الزبير بهذا الشأن: «... أما بعد فقد عرفت مناصحتي إياك وجهدي على ~~أهل عداوتك، وما كنت أعطيتني إذا أنا فعلت ذلك من نفسك، فلما وفيت لك وقضيت الذي كان لك ~~علي خست بي ولم تف بما عاهدتني عليه ورأيت مني ما قد رأيت فإن ترد مراجعتي ~~أراجعك، وإن ترد مناصحتي أنصح لك.» # 88 # سابعا: ~~«المختار يدعي مبادئ جديدة في الإسلام، كرسي علي عند ~~شيعته كالتابوت عند بني إسرائيل»: أحب المختار أن يصبغ مبادئه السياسية بصبغة ~~دينية تؤثر في قلوب العامة من أتباعه، فادعى أنه يوحى إليه، واخترع «مبدأ البدء»، ~~ويفسره لنا الشهرستاني بقوله: «ومن مذهب المختار أنه يجوز البدأ على الله تعالى، والبدأ ~~له معان: البدأ في العلم وهو أن يظهر له خلاف ما علم، والبدأ في الإرادة وهو أن ~~يظهر له صواب على خلاف ما أراد وحكم، والبدأ في الأمر وهو أن يأمر بشيء ثم يأمر ~~بعده بخلاف ذلك، وإنما صار المختار إلى اختيار القول بالبدأ لأنه كان يدعي علم ما ~~يحدث من الأحوال، إما بوحي يوحى إليه وإما برسالة من قبل الإمام، فكان إذا وعد ~~أصحابه بكون شيء وحدوث حادثة فإن وافق كونه قوله جعله دليلا على صدق دعواه، ~~وإن لم يوافق قال قد بدا لربكم.» # 89 # ثم أتى بكرسي قديم قد غشاه وعصبه بالحرير والديباج وزينه بأنواع الزينة، وكان يخرج ~~به على بغل يمسكه عن يمينه سبعة وعن يساره سبعة، وادعى أن به قوة معنوية، فإذا حارب ~~خصومه ووضعه في براح ms066 الصف فلهم الظفر والنصرة؛ لأن فيه «السكينة والبقية والملائكة من فوقكم ~~ينزلون مددا لكم»، # 90 # وطالما ذكر لهم أن هذا الكرسي محله فيهم كمحل التابوت في بني إسرائيل، وإذا ~~علمنا بعد ذلك أن المختار أخذ يعتمد على الأعاجم الفرس، فلا بدع أن يأتي لهم بمثل هذه ~~المبادئ القريبة من أفهامهم والمغروسة في دمائهم. # وللشعراء العرب قصائد جمة في وصف هذا الكرسي، وهي كلها تقريبا تظهر لنا كفرهم به ~~واستصغارهم إياه، قال أعشى همدان: # شهدت عليكم أنكم سباية # وأني بكم يا شرطة الشرك عارف # وأقسم ما كرسيكم بسكينة # وإن كان قد لفت عليه اللفائف # وأن ليس كالتابوت فينا وإن سعت # شبام حواليه ونهد وخارف # وقال المتوكل الليثي: # أبلغ أبا إسحاق (المختار) إن جئته # أني بكرسيكم كافر # ذكرنا لك الأسباب التي وفقت المختار في حركته بعض التوفيق، وجعلته يستقل ~~بالكوفة استقلالا لا شائبة عليه، ولقد كان بوسعه - لو أحسن السياسة في هاتيك الربوع - ~~أن يتمتع زمنا طويلا بسيادته وسلطانه، فارتكب سلسلة من الأغلاط الفادحة رمت به من شاهق ~~مجده إلى الحضيض، فقتلت حركته بعد أن كاد يقتطف ثمارها. # اعتمد المختار في دعوته على الفرس بدلا من العرب، فأخذ يقربهم ويسند إليهم ~~المناصب ويبذل لهم في العطاء، وكان ذلك بعد أن اشتد ساعده وعظمت هيبته، فاغتاظ أشراف ~~الكوفة من عمله وأضمروا له السوء، واجتهدوا في إعدامه واغتياله، فكادهم كيدا عظيما بعد ~~أن غمرهم بإحسانه وعمهم بعدله، وطلب قتلة الحسين منهم، فثاروا به ثورتهم ~~المشهورة والمعروفة بثورة أهل السبيع والكناسة # 91 # سنة 66ه/685م فأخمدها وضرب عنق كل من شهد مقتل الحسين أو اشترك في ~~التدبير عليه، وقامت طائفة الموالي والعبيد تنتقم من أشراف الكوفة؛ لأن فئة كبيرة منهم ~~آذتهم وعاملتهم - فيما سلف - معاملة قاسية، فاستفاد المختار من عداء طبقة الموالي ~~لطبقة الأشراف، وبعبارة ثانية من عداء العرب الأشراف للفرس الموالي، فجعل يوسع شقة ~~الخلاف بين الطرفين، ويوغر الصدور بالأحقاد لتكون له الطاعة العليا. # قال الدينوري: «... وأكثر من استجاب له - للمختار - همدان وقوم كثير من ms067 أبناء العجم ~~الذين كانوا بالكوفة، ففرض لهم معاوية وكانوا يسمون بالحمراء، وكان منهم بالكوفة زهاء ~~عشرين ألفا ... وجمع ألف رجل من الفعلة بالمعاول، وتتبع دور من خرج إلى قتال الحسين بن ~~علي فهدمها وجعل يستقصي من ظفر به منهم، وأمر أن يكون عطاءهم وأموالهم لأبناء العجم ~~الذين كانوا معه ... ومكث المختار يطلب قتلة الحسين وتجبى إليه الأموال من السواد ~~والجبل وأصبهان والري وأذربيجان والجزيرة ثمانية عشر شهرا، وقرب أبناء العجم وفرض لهم ~~ولأولادهم الأعطيات، وقرب مجالسهم وباعد العرب وأقصاهم وحرمهم فغضبوا من ذلك.» # 92 # ويقول الطبري في هذا المعنى: «المختار معه عبيدكم - عبيد أهل الكوفة - ومواليكم، وكلمة ~~هؤلاء واحدة، وعبيدكم ومواليكم أشد حنقا عليكم من عدوكم ... وانظروا كل من شهد منهم - من ~~أشراف الكوفة - قتل الحسين فأعلموني به، فأخذوا لا يمر عليه برجل قد شهد قتل ~~الحسين إلا قيل له: هذا ممن شهد قتله فيقدمه فيضرب عنقه؛ حتى قتل منهم قبل أن ~~يخرج مائتين وثمانية وأربعين قتيلا، وأخذ أصحابه كلما رأوا رجلا قد كان يؤذيهم أو ~~يماريهم أو يغريهم خلوا به فقتلوه حتى قتل ناس كثير منهم ... وتجرد المختار ~~لقتلة الحسين فقال: ما من ديننا ترك قوم قتلوا الحسين يمشون أحياء في الدنيا ~~آمنين ... الحمد لله الذي جعلني سيفا ضربهم به ورمحا طعنهم به وطالب وترهم ~~والقائم بحقهم، إنه كان حقا على الله أن يقتل من قتلهم وأن يذل من جهل ~~حقهم، فسموهم لي ثم اتبعوهم حتى تفنوهم ... اطلبوا في قتلة الحسين، فإنه لا يسوغ ~~لي الطعام والشراب حتى أطهر الأرض منهم وأنقي المصر منهم.» # 93 # فترى أن الضعف الداخلي كان جليا كل الجلاء في الحركة المختارية، فالتجأ أشراف الكوفة ~~إلى مصعب بن الزبير والي البصرة لأخيه عبد الله بن الزبير، وجعلوا يعينون الزبيريين بكل ~~ما لديهم من مال وقوة، ويشجعونهم على تجهيز حملة ينتقمون بها لسيطرتهم المضاعة وأملاكهم ~~المفقودة، فتربص ابن الزبير ليرى ما سيكون بين بني أمية والمختار. # وجه المختار لقتال عبيد الله بن زياد «يزيد بن أنس» ms068 مع ثلاثة آلاف فارس، فالتقى مع ~~مقدمة الجيوش الأموية في «بنات تلي» من أعمال الموصل، فقتل وانهزم أصحابه، وأخذوا ~~يتسللون ويرجعون إلى الكوفة، وقد أسقط في يد المختار آنئذ؛ إلا أن ابن الأشتر ~~الشجاع جمع صفوفه وخرج إليهم بجيشه وأمعن في السير حتى جاوز الحدود العراقية وأوغل في ~~الموصل، فالتقوا في «باربيثا» على الخازر - وبينها وبين الموصل خمسة فراسخ - وكانت جموع ابن ~~الأشتر من الأعاجم، حتى لقد روى لنا الدينوري أن عمير بن الحباب - أحد قادة الشام - قال له ~~قبل المعركة: «لقد اشتد غمي منذ دخلت عسكرك، وذلك أني لم أسمع فيه كلاما عربيا، وإنما ~~ملك هؤلاء الأعاجم وقد جاءوك صناديد أهل الشام وأبطالهم، وهم زهاء أربعين ألف رجل، قال ~~إبراهيم: وما قوم أشد بصيرة في قتال أهل الشام من هؤلاء الذين تراهم معي، وإنما هم أولاد ~~الأساورة من أهل فارس والمزاربة»، # 94 # وقد انضم عمير هذا إلى ابن الأشتر وكان قيسيا ونادى في قيس: يا لثارات مرج ~~راهط، فنكسوا أعلامهم وانهزموا، فأعمل ابن الأشتر ورجاله السيف في الأمويين، فدب الرعب ~~في صفوفهم، فقتل عبيد الله بن زياد والحصين بن نمير وغيرهما من القادة المشهورين، وغلب ~~ابن الأشتر على الموصل وبعث عماله على سنجار ودارا وما والاها من أرض الجزيرة. # 95 # سطع نجم المختار في الديار العراقية بعد معركة الخازر وتشتيت شمل الجيش الأموي ومقتل ~~قائده عبيد الله بن زياد، ولم يبق أمامه لتأمين استقلاله إلا طرد الزبيريين من البصرة، ~~وكانوا أصحاب الحول والقوة في الجنوب، كذلك ابن الزبير؛ فإنه بعد انكسار الأمويين أمام ~~المختار رأى أن مجابهته واقعة لا بد منها، فأخذ كل من الفريقين يستعد للوثوب بصاحبه ~~ولضربه ضربة قاضية لا يرجو الحياة من بعدها، فأرسل ابن الزبير أخاه مصعبا واليا على ~~البصرة ليناظر أعمال المختار ويراقبها مراقبة شديدة، وقد كان الأشراف الكوفيون يستنجدون ~~مصعبا على قتال المختار ويهيئون له أسباب الفتح، ويبثون الدعوة ضد المبادئ الدينية ~~الجديدة التي قام يؤيدها، ويقولون: إنه من الذين يودون القضاء على ms069 النفوذ العربي ~~واستبداله بالنفوذ الفارسي، أما يد الزبير البطاشة في قتال المختار فكان المهلب بن أبي ~~صفرة صاحب الوقائع المشهورة مع الخوارج فاستقدمه من فارس ومعه الجموع العديدة والأموال ~~الكثيرة، ويظهر لنا أن ابن الأشتر بعد فتحه الجزيرة أراد استثمار الأرباح التي وعده ~~بها المختار في الموصل آنفا، فتقاعد عن مساعدته وتهاون في أمره، فأجبر على إسناد ~~القيادة في جيشه لأحمر بن شميط، فالتقى الجيشان في «المذار» وتزاحفا ثم اشتبكا في معركة ~~دموية قتل بها القائد ابن شميط وقسم عظيم من جموعه، وتراجعت البقية الباقية إلى الكوفة، ~~ولو دققنا في الأسباب التي أدت إلى هذا الانكسار المريع لتحققنا أنها ترجع ~~للمنافسة الشديدة بين العرب الأشراف أصحاب الإقطاعات الواسعة والموالي عبيدهم، فأحب ~~الكوفيون أن ينتقموا لأنفسهم فاستمالوا عبد الله بن وهب بن أنس أحد قادة المختار - وهو من ~~أشراف الكوفة أيضا - وأوعزوا إليه أن يوقع بالموالي والعبيد الفرس، فأشار على أحمر بن ~~شميط أن لا يركب هؤلاء الخيل ليثبتوا في ساحة الوغي لدى اشتداد القتال، وليصابروا حين ~~الأزمة فلا يولوا الأدبار على متونها، فعمل برأيه وكان لا يتهمه ففتكوا بهم فتكا ~~ذريعا. # ويثبت لنا الطبري مناصحة عبد الله بن وهب بن أنس لابن شميط وقوله له، فيروي: «إن ~~الموالي والعبيد آل خور عند المصدوقة، وإن معهم رجالا كثيرا على الخيل وأنت تمشي، ~~فمرهم فلينزلوا معك فإن لهم بك أسوة، فإني أتخوف إن طوردوا ساعة وطوعنوا وضوربوا أن ~~يطيروا على متونها ويسلموك، وإنك إن أرجلتهم لم يجدوا من الصبر بدا، وإنما كان هذا منه ~~غشا للموالي والعبيد لما كانوا لقوا منهم بالكوفة، فأحب إن كانت عليهم الدبرة أن يكونوا ~~رجالا لا ينجو منهم أحد ولم يتهمه ابن شميط، وظهر أنه إنما أراد بذلك نصحه ليصبروا ويقاتلوا»، # 96 # وقد انتقم الأشراف الكوفيون من الموالي انتقاما هائلا، فلم يدركوا ~~منهزما إلا قتلوه ولا أسيرا إلا ضربوا عنقه. # فلما علم المختار ما أصاب جيشه في «المذار» صمد لهم في «حروراء» أو «نهر البصريين»، ~~وحال بينهم ms070 وبين الكوفة، وحصن قصره فيها وأدخل إليه المؤن والذخيرة، فحمل عليه أصحاب ~~مصعب حملة شعواء وانقضوا على رجاله وأعملوا فيهم السيف، حتى ليصف بعض المؤرخين حالهم ~~بقوله: «كأنهم أجمة فيها حريق.» # 97 # فلم يبق أمام المختار إلا التحصن في قصره ومناوشة أعدائه، ولكن كيف يتأتى له ~~الفوز والثبات أمام مصعب، وأهل الكوفة أنفسهم من أعظم أعدائه وأشدهم بلاء عليه، فكانت لا ~~تخرج فرقة من رجاله من القصر لقتال الزبيريين إلا رموهم بالحجارة وصبوا عليهم الماء ~~القذر، ثم قطع مصعب عنهم الماء والمادة، أما جيشه فكان يأتيه الإمداد بواسطة السفن في ~~الفرات. # ويروي لنا المؤرخون أنه كان يبني سفنه هذه من قصب واسط ولم تكن بنيت بعد، # 98 # واستحكمت الضائقة في صفوف المختار، حتى لقد كانت نساء الجند تأتي أزواجها ~~ببعض القوت، فأجبر مصعب أن يضع الحرس لمنع النساء من القدوم نحو الحصن، ويذكر لنا ~~الطبري ذلك فيقول: «... فكانت معايشهم أفضلها من نسائهم، فكانت المرأة تخرج من منزلها معها ~~الطعام واللطف والماء قد التحفت عليه، فتخرج كأنما تريد المسجد الأعظم للصلاة وكأنها ~~تأتي أهلها وتزور ذات قرابة لها، فإذا دنت من القصر فتح لها فدخلت على زوجها وحميها ~~بطعامه وشرابه ولطفه ... فجعل المصعب دوريا حتى يمنع من يأتيهم من أهليهم وأبنائهم ... وكان ~~القوم إذا اشتد عليهم العطش في قصرهم استقوا من ماء البئر، ثم أمر لهم المختار بعسل ~~فصب فيه ليغير طعمه فشربوا منه.» # 99 # ثم استقتل المختار وخرج من قصره مع بعض جنده فخر صريعا، ونزلت بقية الجيش على ~~حكم مصعب فأعدمها وجلها من العجم، وكان يود لو يبقي على العرب ويطلق لهم ~~الحرية فتغلبت عليه العصبية الدينية دون العصبية الجنسية فساقهم جميعا للموت، وكان مقتل ~~المختار في 14 رمضان سنة 64ه/683م، وذلك بعد أن ثبت في قصره نحوا من أربعة أشهر. # والخلاصة أننا قد أسهبنا لك في وصف الأسباب التي دفعت ابن الزبير لمطاولة الأمويين ~~وكفاحهم كفاحا مستمرا، أما سياسة الشدة التي اتبعوها فيما بعد فقد جعلت ابن ~~الزبير ms071 وأمثاله يسقطون أمامهم الواحد إثر الأخر، وسنأتيك في الفصل التالي على إيراد أشكال ~~هذه السياسة وتطوراتها. ا.ه. # الفصل الرابع # | سياسة الشدة ومظاهرها # (1) الأمويون والشدة # أقدم الأمويون على اتباع سياسة الشدة والاتهام على الظنة بعد أن سادت الفوضى في الأقطار ~~العربية وعمت الثورة مختلف الساحات الشامية والعراقية والحجازية، فلو أجلت نظرك في خارطة ~~البلاد الإسلامية لرأيت أن الزعماء كانوا ينازعون المركزية الأموية نزاعا عظيما، ويسعون ~~جهدهم للاستقلال والمحافظة على نفوذهم، فوطد ابن الزبير أركان دولته في الحجاز والعراق، ~~وساعد التوابين وأنصار المختار والأزارقة، فراح هؤلاء جميعا يلقون بذور الفتنة من أقصى ~~فارس إلى أقصى مصر، ويحرضون الناس على خلع الأمويين واستئصالهم، ولطالما سعوا لأن يضربوا ~~آل أمية بعضهم ببعض، فأزهرت جهودهم وكادت تثمر لولا سياسة الشدة التي اتبعها عبد الملك بن ~~مروان وولاته. ~~(2) مظاهر سياسة الشدة # تظهر سياسة الشدة الأموية حسب اعتقادنا في مظاهر أربعة لا بد لنا من تفصيلها وبيان ~~حقيقتها، فالمظهر الأول هو بطش عبد الملك بن مروان بالزعماء الشاميين وعلى رأسهم عمرو بن سعيد ~~بن العاص، أولئك الذين أرادوا الاحتفاظ بحقوقهم السياسية وابتغوا تحطيم التاج المرواني بأية ~~وسيلة ممكنة. # وأما المظهر الثاني فهو الانتقام من الزبيريين وأحزابهم انتقاما هائلا يريك أن المصلحة ~~السياسية لا ترحم صديقا ولا تشفق على خليل، بل تذبح كل من يقف عثرة في سبيلها. # وأما المظهر الثالث فهو إخفات الثورات الداخلية - وأشهرها ثورة ابن الأشعث - بالدم ~~والحديد. # وأما المظهر الرابع فهو إخلاص الولاة الأمويين - وفي طليعتهم الحجاج بن يوسف - إخلاصا ~~تاما في تنفيذ هذه السياسة. # تسنم عبد الملك بن مروان عرش الخلافة سنة 66ه/685م، فعول على البطش بأعدائه حيثما ~~كانوا، وباشر الأمور بنفسه فلم يكلها إلى غيره، ومما لا ريب فيه أن اعتناء عبد الملك ~~بمراقبة كل صغيرة وكبيرة من شئون دولته أيقظ النفوس الهاجعة وعرفها معنى التدبير ~~والحزم. ~~(2-1) عبد الملك وعمرو بن سعيد بن العاص # لم يكد عبد الملك يدير أحكام دولته حتى قام عمرو بن سعيد بن العاص - وهو من الزعماء ms072 ~~الأمويين المعروفين الذين كانت لهم يد قوية في تثبيت دعائم الحكم المرواني - يطالب ~~بالخلافة ويدعي أنها من حقه، وأن مروان بن الحكم أوصى له بها، وانقسمت الأحزاب الأموية ~~إلى فرقتين، فرقة تؤيده وتناصره، وفرقة تهوى هوى عبد الملك وتسعى لنشر لوائه، فدخل العقلاء ~~بينهما قبل أن تشتعل نيران حرب عديدة طاحنة، وبينوا لهما ما يصيب الأمويين من جراء هذه ~~الفتنة، وأظهروا خطورة موقفهم تجاه الأعداء المحدقين بهم، فتوصلوا إلى عقد معاهدة بين ~~الطرفين موادها ما يأتي: # المادة الأولى: # يتفق عبد الملك بن مروان وعمرو بن سعيد أن يكونا مشتركين في الملك، فيكون مع ~~كل عامل لعبد الملك شريك لعمرو بن سعيد. # المادة الثانية: # يتسمى عبد الملك باسم الخلافة، فإن مات عبد الملك فالخليفة من بعده عمرو بن ~~سعيد. # المادة الثالثة: # لا يقطع عبد الملك شيئا دون عمرو بن سعيد ولا ينفذ أمرا إلا بمحضره. # 1 # لو درسنا هذه المعاهدة درسا دقيقا لتحققنا أن هذه الشروط التي عقدت بين ~~الطرفين لا يمكن تنفيذها؛ إذ لم يسبق أن رأينا في التاريخ الإسلامي خليفتين لكل منهما عامل ~~في الولايات، وهل من المعقول أن لا يشتبك أنصار الطرفين في معارضة بعضهما البعض، فتصبح الفوضى ~~هي الحاكمة الناهية بدلا من السيدين المطلقين، ثم إننا لو أضفنا هذا إلى ما نعرفه من ~~صلابة عبد الملك وحبه الشديد لإدارة زمام الدولة بنفسه لتأكدنا أن عبد الملك لم يقدم ~~على تصديق هذه المعاهدة إلا ليطاول عدوه ويجد فرصة ينتهزها للوثوب به، قال الدينوري ~~في هذا المعنى: «... وكان روح بن زنباع من أخص الناس بعبد الملك، فقال له - وقد خلا به يوما: ~~يا أمير المؤمنين هل من رأيك الوفاء لعمرو؟ فقال: ويحك يا ابن زنباع، وهل اجتمع فحلان في هجمة ~~قط إلا قتل أحدهما صاحبه»، # 2 # وكان عمرو بن سعيد رجلا معجبا بنفسه متهاونا في أمره مغترا بأعدائه، ~~فساعد ذلك عبد الملك على كيده والتدبير عليه. # 3 # صمم عبد الملك على اغتيال عمرو بن سعيد بن العاص، فأدنى مجلسه ms073 وقربه وأحسن إليه، ~~ولم يرد له أمرا فارتاح هذا لسياسته، فدعاه مرة إلى قصره فقدم آمنا مطمئنا، ~~فغدر به وذبحه عبد الملك بيده ذبح النعاج، ولما قدمت فئة من أنصاره لتثأر له رمى ~~عبد الملك ببدر الأموال إليها مع رأس القتيل فاهتموا بجمعها والتقاطها، فكان للأصفر الرنان ~~التأثير الكبير على نفوسهم حتى أنهم لم يحفلوا بالرأس، وقد وصف لنا الطبري والدينوري هذا ~~الحادث وصفا دقيقا، فقال الأول: «بعث عبد الملك إلى عمرو أن ائتني ... ومضى في مائة رجل من ~~مواليه، وقد بعث عبد الملك إلى بني مروان فاجتمعوا عنده، فلما بلغ عبد الملك أنه بالباب ~~أمر أن يحبس من كان معه وأذن له، فدخل ولم تزل أصحابه يحبسون عند كل باب ~~حتى دخل عمرو قاعة الدار وما معه إلا وصيف له، فرمى عمرو ببصره نحو عبد الملك فإذا حوله بنو ~~مروان ... فلما رأى جماعتهم أحس بالشر ... ثم أمر بالأبواب فغلقت، ودخل عمرو فرحب به ~~عبد الملك وقال: ها هنا يا أبا أمية يرحمك الله، فأجلسه معه على السرير وجعل يحدثه طويلا، ~~ثم قال: يا غلام خذ السيف عنه، فقال عمرو: إنا لله يا أمير المؤمنين، فقال عبد الملك: ~~أوتطمع أن تجلس معي متقلدا سيفك، فأخذ السيف عنه ... أمر عبد الملك بعمرو ~~فصرع وجلس على صدره فذبحه ... وانتفض عبد الملك رعدة فحمل عبد الملك عن صدره فوضع على سريره.» # 4 # وقال الثاني: «... وأحس أصحاب عمرو بذلك وهم بالباب فتنادوا، فأخذ عبد الملك خمسمائة ~~صرة قد هيئت وجعل في كل صرة ألف درهم، فأمر بها فأصعدت إلى أعلى القصر، فألقيت ~~إلى أصحاب عمرو مع رأس عمرو، فترك أصحابه الرأس ملقى وأخذوا المال وتفرقوا ... ثم أخذ ~~عبد الملك من أصحاب عمرو ومواليه خمسين رجلا فضرب أعناقهم وهرب الباقون فلحقوا بعبد ~~الله بن الزبير.» # 5 # لم نفكر البتة أن يقوم عبد الملك بذاته ويصرع عمرو بن سعيد، ولكن هي سياسة الشدة والرهبة، ~~فلا تبقي على أحد يقف في سبيلها، وقد اعترف عبد الملك بذلك ms074 فصرح لأبناء عمرو بن سعيد ~~حين قدموا عليه بقوله: «إن أباكم خيرني بين أن يقتلني أو أقتله، فاخترت قتله على ~~قتلي، وأما أنتم فما أرغبني فيكم وأوصلني لقرابتكم وأرعاني لحقكم.» # 6 ~~(2-2) القضاء على الحركة الزبيرية في العراق والحجاز # صفت الأحوال لعبد الملك في الشام واستقرت له الأمور بعد مقتل عمرو بن سعيد وإعماله ~~السيف في أتباعه، فوجه وجهه نحو العراق المضطرب بنيران الفتن والفوضى، وكان مصعب ~~واليا عليه لأخيه عبد الله بن الزبير، فبذل جهده في تهدئة الثورات وإرضاء الزعماء، ~~ولكن كان الخرق قد اتسع فأصبح العراق مقرا لمختلف الشيع السياسية المتضاربة في آرائها ~~ومبادئها، فتمكنت الأزارقة من بث دعوتها في البصرة، ورتع أنصار المختار وفلول التوابين ~~في الكوفة والمدائن، وقام الأمويون يسعون لاستجلاب أحزاب تؤيدهم؛ ولذلك كان حكم العراق ~~على مصعب أمرا عسيرا، وقد أراد عبد الملك أن يضرب مصعبا ضربة قاسية، وأن يستفيد من ~~الاضطراب السائد في بلاد الرافدين، فجهز جيشا قويا وسار به نحو العراق وناجز مصعبا في ~~معركة «دير الجاثليق» على الدجيل، ففاز عليه وقتله واحتز رأسه سنة 71ه/690م. # وإنا لنعتقد أن عبد الملك فاز على مصعب وقضى على الحركة الزبيرية في العراق للأسباب الآتية: # أولا: # انتهز عبد الملك الفرصة وهاجم الزبيريين في العراق قبل أن يحملوا عليه في ~~عرينه الشام «فتعشى بهم قبل أن يتغدوا به»، ويكون لهم الوقت الكافي للاستعداد، وقد ~~أكد لنا الدينوري ذلك فقال: «... ولما صفا الأمر لعبد الله بن الزبير ودانت له ~~البلدان إلا أرض الشام، جمع عبد الملك بن مروان إخوته وعظماء أهل بيته فقال لهم: إن ~~مصعب بن الزبير قد قتل المختار ودانت له أرض العراق وسائر البلدان ولست آمنه أن ~~يغزوكم في عقر داركم، وما من قوم غزوا في عقر دارهم إلا ذلوا، فما ترون؟ ~~فتكلم بشر بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين: أرى أن تجمع إليك أطرافك وتستجيش جنودك ~~وتضم إليك قواصيك، وتسير إليه وتلف الخيل بالخيل والرجال بالرجال والنصر من عند الله، ~~فوجه رسله إلى ms075 كور الشام.» # 7 # ثانيا: # استمال عبد الملك الكثيرين من أشياع مصعب، فوعدهم بالصلات الحسنة والمناصب ~~السنية، فالتحق قوم من جنده بعبد الملك يوم معركة دير الجاثليق، واعتزلت ~~ربيعة عنه، ولم يثبت معه إلا أهل الحفاظ وإبراهيم بن الأشتر قائد المختار المشهور، ~~وكان قد انضم إلى مصعب بعد أن اختلف مع المختار، وأسند هذا الأخير قيادة الجند ~~المختارية لأحمد بن شميط، ولدينا من الوثائق التاريخية ما يؤكد لنا أن ابن الأشتر ~~أحب الانضمام إلى عبد الملك والتخلي عن مصعب إذ وعده الأمويون بالعراق، وهاك ~~اعترافه الصريح بهذا المعنى: «رأيي اتباع أهل الشام ... ولكن ليس قبيلة تسكن الشام ~~إلا وقد وترتها.» # 8 # ثالثا: # أحب العراقيون الإخلاد إلى الراحة والسلام، خصوصا بعد ما رأوا ضعف الزبيريين ~~أمام القوى الأموية، وما حل ببلادهم من الخراب والدمار حينما أصبحت ساحة ~~للقتال، فهموا بغدر مصعب والاستسلام لعبد الملك، يدلنا على ذلك ما قاله قيس بن ~~الهيثم يحرضهم على الثبات ويحذرهم من الشاميين بقوله: «ويحكم لا تدخلوا أهل ~~الشام عليكم، فوالله تطمعوا بعيشكم ... ليضيقن عليكم منازلكم، والله لقد رأيت سيد أهل ~~الشام على باب الخليفة يفرح أن أرسله في حاجة، ولقد رأيتنا في الصوائف واحدنا على ~~ألف بعير، وأن الرجل من وجوههم ليغزو على فرسه وزاده خلفه.» # 9 # رابعا: # كان مصعب بطلا، وقد شهد له بذلك عبد الملك نفسه، ولسنا بحاجة إلى إثبات شجاعته، ~~فقد روى الفخري أن عبد الملك قال يوما لجلسائه: من أشجع الناس؟ قالوا: أنت، قال: لا، ~~لكن أشجع الناس من جمع في داره بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين (يعني مصعبا)، # 10 # ومع هذا كله فلم يستصحب معه القادة الأكفاء أصحاب البصر في الحروب ~~والدربة في قيادة الجند كالمهلب بن أبي صفرة وغيره، فقد ذكر لنا الطبري أنه: أخبر ~~ابن خازم بمسير مصعب إلى عبد الملك فقال: أمعه عمر بن عبيد الله بن معمر؟ قيل: ~~لا، استعمله على فارس. قال: أفمعه المهلب بن أبي صفرة؟ قيل: لا، استعمله على ~~الموصل . قال: أفمعه ms076 عباد بن الحصين؟ قيل: لا، استخلفه على البصرة. فقال: وأنا ~~بخراسان: # خذيني فجريني جعار وأبشري # بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره # 11 # ولم يكن لمصعب علم بالفنون الحربية وإن ربي في بيت شجاعة وفروسية، بينما كان ~~عبد الملك شابا مدربا مارس القتال وشهد المعارك وعرف أبواب الحيلة فيها ~~على أنواعها. # خامسا: # قاد عبد الملك من الشاميين كل قادر على حمل السلاح، وقد أجبر - في بعض ~~الأحيان - على استعمال القسوة مع الذين أرادوا التخلف عن القتال والانزواء في بيوتهم ~~حبا بالعافية والسلامة. فكان له جيش عديد، حتى إنه «لما نظر أصحاب مصعب إلى ~~كثرة جموع عبد الملك تواكلوا وشملهم الرعب.» # 12 # أما ساعد عبد الملك القوي في تجنيد الجند وتجهيز الجيوش فكان الحجاج بن يوسف، ~~فاستعمل هذا الشدة مع المتقاعسين عن القتال. وقد أكد لنا ذلك العقد الفريد فقال: ~~«لما استقرت البيعة لعبد الملك أراد الخروج إلى مصعب، فجعل يستنفر أهل الشام ~~فيبطئون عليه، فقال له الحجاج بن يوسف: سلطني عليهم، فوالله لأخرجنهم معك. ~~قال له: قد سلطتك عليهم. فكان الحجاج لا يمر على باب رجل من أهل الشام قد ~~تخلف عن الخروج إلا أحرق عليه داره، فلما رأى ذلك أهل الشام خرجوا.» # 13 # ولما تم لعبد الملك الاستيلاء على العراق بعث عماله على البلاد وأكثر الحامية ~~في المصرين وبذل للناس في العطاء، وقد أقام حفلة كبرى في الخورنق بعد استيلائه على ~~الكوفة دعى إليها الأشراف والوجوه، فجلسوا معه وتحادثوا وإياه، ثم مدت الموائد فأكلوا ~~وشربوا، وطاف القصر يشاهد آثاره الباقية وأطلاله الدارسة. ويمكنا أن نعد هذه الحفلة من ~~الوجهة السياسية الفصل الأخير من فصول الحركة الزبيرية في العراق. ~~(أ) القضاء على الحركة الزبيرية في الحجاز # خفقت الأعلام الأموية على العراق بعد أن قتل عبد الملك صديقه وعشير صباه مصعبا، ~~حبا بتوطيد ملكه وتنفيذا لسياسة الشدة التي اتخذها غايته الأولى وهدفه الذي لا هدف ~~بعده في إدارة أحكام الدولة. نعم لم يبق أمامه إلا ابن الزبير في الحجاز، فوضع نصب ~~عينيه ms077 مقاومته والقضاء على حركته، وقد ساعده على ذلك عوامل ثلاثة: # العامل الأول: # خضعت العراق لعبد الملك فأسقط في يد ابن الزبير إذ حرم منها الرجال والذخيرة ~~والمادة، فأصبح جيشه في حال بائسة، لا سيما وكلنا يعلم فقر الحجاز ونضوب مواردها. ~~وقد وصف مشاهد غنى الجند الأموي الذي وجهه عبد الملك إلى مكة فقال: ~~«وأصحابه - للحجاج قائد الحملة - متسلحون، ورأيت الطعام عندهم كثيرا، ورأيت العير ~~تأتي من الشام تحمل الطعام والكعك والسويق والدقيق، فرأيت أصحابه مخاصيب. ولقد ~~ابتعنا من بعضهم كعكا بدرهم فكفانا إلى أن بلغنا - الجحفة - وإنا لثلاثة نفر.» # 14 # العامل الثاني: # أحب الحجازيون - بحكم السابقة - الاستسلام للأمويين بعد أن هدأت العراق ~~ورضخ سكانها للحكم الأموي، فتخلوا عن ابن الزبير وأعلموه أن مصيره للهلاك، ~~إذ من العبث مقاومة عبد الملك وهم فقراء معدمون، فوصف لنا مشاهد عياني أيضا ~~كيفية خذلان الحجازيين لابن الزبير فقال: «رأيت ابن الزبير يوم قتل وقد تفرق ~~عنه أصحابه، وخذله من معه خذلانا شديدا، وجعلوا يخرجون إلى الحجاج حتى خرج ~~إليه نحو من عشرة آلاف. وذكر أنه كان ممن فارقه وخرج إلى الحجاج ابناه حمزة ~~وخبيب فأخذا منه لأنفسهما أمانا»، # 15 # وعاجل عبد الملك ابن الزبير ليضعف قوى الحجازيين المعنوية، فأرسل ~~إليه الجيوش، وقد فعل ذلك عملا برأي الحجاج، فقال له: «إنك يا أمير المؤمنين ~~متى تدع ابن الزبير يعمل فكره ويستجيش ويجمع أنصاره وتثوب إليه فلاله كان في ~~ذلك قوة له، فأذن في معاجلته لي.» فأذن له. # 16 # العامل الثالث: # بخل ابن الزبير على أصحابه ورجاله، فتفرقوا عنه وتقربوا من الأمويين الذين ~~أسرفوا في شراء دين الناس واجتذاب قلوبهم. وقد ذكر لنا عبد الملك أنه تغلب ~~على ابن الزبير لخصال ثلاث استحكمت فيه، وهي: «عجب قد ملأه واستغناء برأيه وبخل ~~التزمه، فلا يسود بها أبدا.» # 17 # والحقيقة التي نود تقريرها أن بخل ابن الزبير جعل الأحزاب العراقية ~~وغيرها تتخلى عنه وتنضم إلى الأمويين. وقد ذكر لنا العقد الفريد أن الوفود ~~الكوفية كانت تقدم عليه ولا ms078 تحظى بشيء من المال. قال : لما قتل المصعب بن ~~الزبير المختار بن أبي عبيد خرج حاجا فقدم على أخيه عبد الله بن الزبير ~~بمكة ومعه وجوه أهل العراق، فقال له: يا أمير المؤمنين، جئتك بوجوه أهل العراق، لم ~~أدع لهم بها نظيرا لتعطيهم من هذا المال. قال: جئتني بعبيد أهل العراق لأعطيهم ~~مال الله، والله لا فعلت. فلما دخلوا عليه وأخذوا مجالسهم قال لهم: يا أهل الكوفة، ~~وددت والله أن لي بكم من أهل الشام صرف الدينار والدرهم بل لكل عشرة رجلا. قال ~~عبيد الله بن ظبيان: أتدري يا أمير المؤمنين ما مثلنا ومثلك فيما ذكرت؟ قال: وما ~~ذلك؟ قال: فإن مثلنا ومثلك ومثل أهل الشام كما قال أعشى بكر بن وائل: # علقتها عرضا وعلقت رجلا # غيري وعلق أخرى ذلك الرجل # أحببناك نحن، وأحببت أنت أهل الشام، وأحب أهل الشام عبد الملك. ثم انصرف ~~القوم من عنده خائبين، فكاتبوا عبد الملك ابن مروان وغدروا بمصعب بن الزبير. # 18 # كانت هذه العوامل كلها تعمل للقضاء على الحركة الزبيرية، فبعث عبد الملك الحجاج بن ~~يوسف قائدا للحملة الحجازية وعددها سبعة آلاف، فسار من العراق حتى نزل بالطائف. وكانت رحى ~~المعارك تدور على جبل عرفة بين الفريقين إلى أن تم للحجاج حصر ابن الزبير في الكعبة، ثم ~~تحصن الأمويون في جبل أبي قبيس ورموا منه الكعبة بالمنجنيق، وجعلوا يدخلون عليه المسجد ~~فيشد عليهم إلى أن قتل سنة 73ه/692م، وكان حصر الحجاج لابن الزبير نحوا من ثمانية ~~أشهر. # وأظهر عبد الله بن الزبير من ضروب الشجاعة في ثباته على القتال ما ظل حديث العرب بعد ~~مماته زمنا طويلا. وأثبت المؤرخون موقفه في ساعاته الأخيرة واجتماعه بأمه أسماء بنت ~~أبي بكر وتحريضها إياه على الثبات في سبيل المبادئ التي قضى لأجلها أتباعه، وتدلنا ~~الأحاديث المؤثرة التي جرت بين الأم وولدها على البطولة النسوية المشبعة بروح العروبة ~~وحرارة الإسلام، وهاك حديثهما: # عبد الله بن الزبير ~~: # خذلني الناس حتى ولدي وأهلي، فلم يبق معي إلا اليسير ممن ms079 ليس عنده من الدفع ~~أكثر من صبر ساعة، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟ # أسماء بنت أبي بكر ~~: # أنت والله يا بني أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض له فقد ~~قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك يتلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما ~~أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك، وإن قلت: ~~كنت على حق؛ فلما وهن أصحابي ضعفت. فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين، وكم ~~خلودك في الدنيا! القتل أحسن. # عبد الله بن الزبير ~~: # هذا والله رأيي والذي قمت به داعيا إلى يومي هذا، ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت ~~الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن يستحل حرمه، ولكنني أحببت ~~أن أعلم رأيك فزدتني بصيرة مع بصيرتي، فأنظري يا أمه فإني مقتول من يومي هذا، ~~فلا يشتد حزنك وسلمي لأمر الله، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر ولا عملا ~~بفاحشة، ولم يجره في حكم الله ولم يغدر في أمان، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد، ولم ~~يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به، بل أنكرته، ولم يكن شيء آثر عندي من رضا ربي، ~~اللهم إني لا أقول هذا تزكية مني لنفسي، أنت أعلم بي، ولكن أقوله تعزية لأمي لتسلو ~~عني. # أسماء ~~: # إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسنا إن تقدمتني، وإن تقدمتك ففي نفسي ~~أخرج حتى أنظر إلى ما يصير أمرك. # عبد الله ~~: # جزاك الله يا أمه خيرا، فلا تدعي الدعاء لي قبل وبعد. # أسماء ~~: # لا أدعه أبدا، فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق، اللهم ارحم طول ذلك ~~القيام في الليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة وبره بأبيه وبي، ~~اللهم قد سلمته لأمرك فيه ورضيت بما قضيت، فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين. # 19 # وردد عبد الله بن الزبير في آخر أيامه هذا البيت: # لسنا على الأعقاب تدمي كلومنا # ولكن على أقدامنا تقطر الدما ms080 # وتمادى الحجاج في الانتقام من ابن الزبير، فإنه سلخ جلده وحشاه تبنا وصلبه، # 20 # فتخلص الأمويون بموته من عدو رهيب جبار. ~~(2-3) إخفات الثورة الأشعثية # كان العراق مركز المعارضة ومحرك الثورات ضد الأمويين، فالتجأ إليه زعماء الأحزاب ~~الغاضبة من مختلف الجهات، ولا بد لنا من القول إن العراقيين كانوا دوما يتوقون ~~للاستقلال ويحنون إلى استلام زمام الأحكام، ويودون لو تنتقل الخلافة إلى مصرهم ليصبحوا ~~اليد العاملة في الحكومة العربية، فصادفوا من تشجيع الأحزاب المعارضة ما جعلهم ينتهزون الفرص ~~للقيام في وجه الدولة الأموية كلما كانت تسنح الأيام بذلك، فعلم عبد الملك ذلك فيهم حق ~~العلم، فالتجأ إلى القوة في سياستهم وعزز الحامية الأموية في بلادهم وفتك بالمعارضين ~~المشاغبين، إن هذه التدابير كلها لم تجده نفعا؛ لأن للقوة تأثيرا وقتيا لا بد أن ~~يزول حين يرتفع كابوسها. ~~(أ) الأسباب التي هيأت ثورة ابن الأشعث في العراق # إنا لنعتقد أن الأسباب التي دعت العراقيين للثورة ودفعتهم لنصرة عبد الرحمن بن ~~محمد بن الأشعث وغيره من الزعماء تنحصر في عوامل لا بد لنا من درسها وتدقيقها: # العامل الأول: ~~«الأمويون يسوقون العراقيين دوما ~~للقتال»: جند الأمويون أهل المصرين ودفعوهم إلى مجاهل البلاد الفارسية ~~والتركستانية السحيقة لفتحها وإعلاء كلمة الإسلام فيها؛ كيما يأمنوا شرهم وقلاقلهم في ~~بلادهم، فإنهم طالما التحقوا بالزعماء النافخين في بوق الانفصال عن المركزية الأموية ~~والداعين إلى نصرة آل البيت والمطالبة بحقهم في الخلافة، وصرح لهم الحجاج - مندوب عبد ~~الملك السامي في العراق - بهذه الحقيقة علنا، فذكر لهم أن الدواء الناجع لقتل جرثومة ~~الفوضى والثورة هو إرسالهم للفتح والغزو، فتستثمر الدولة قواهم الكامنة في الأعمال ~~الصالحة بدلا من تحميلها ما لا قبل لها به من الفساد فقال: «يا أهل العراق إني لم أجد ~~لكم دواء أدوأ لدائكم من هذه المغازي والبعوث، لولا طيب ليلة الإياب وفرحة القفل فإنها ~~تعقب راحة، وإني لا أريد أن أرى الفرح عندكم ولا الراحة بكم، وما أراكم إلا كارهين ~~لمقالتي، إنا والله لرؤيتكم أكره، ولولا ما أريد ms081 من تنفيذ طاعة أمير ~~المؤمنين فيكم ما حملت نفسي مقاساتكم ، والصبر على النظر إليكم، والله أسأل حسن ~~العون عليكم.» # 21 # اتبع الحجاج هذه السياسة فجهز من العراقيين جيشا قويا يبلغ عشرين ألفا لفتح ~~تركستان ومناجزة الأتراك، وقد أسند قيادة هذا الجيش لعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث أحد ~~الزعماء الطموحين، فسار إلى بلاد الترك وجعل يفتتح مدنها ويضمها إليه ويبعث إليها ~~عماله ويضع الأرصاد على الشعاب والمسالح في الأمكنة المختلفة، وكان من رأيه أن لا يتقدم ~~ويوغل في الفتح حتى يتعرف المسلمون إليها ويجترئون على طرقها، ثم يمعن فيها بعد ذلك غزوا ~~ويضربها ضربة قاضية، فلا يجازف بأرواح المسلمين ولا يرمي بهم في التهلكة ولا يسوقهم إلى ~~الموت، فغضب الحجاج لهذه الخطة التي سلكها ابن الأشعث فضعف رأيه وكتب له: «... إني لم ~~أعدد رأيك الذي زعمت أنك رأيته رأي مكيدة، ولكني رأيت أنه لم يحملك عليه ~~إلا ضعفك والتياث رأيك، فامض لما أمرتك به من الوغول في أرضهم والهدم لحصونهم وقتل ~~مقاتلتهم وسبي ذراريهم.» # 22 # ولم يبعث الحجاج على الكتابة لابن الأشعث بمثل هذه اللغة القاسية إلا السياسة التي ~~تقول بالفتح مهما كلف هذا الفتح من الضحايا، لا سيما إن كانت «على حساب» العراقيين ~~الغاضبين في عرف الحجاج، فعول ابن الأشعث على رفع راية العصيان ورمي أوامر الحجاج عرض ~~الحائط، فاعتلى منبر الخطابة في جيشه وصرح لهم أنه لم يدفعهم إلى المجاهل السحيقة في ~~تركستان حبا بالمحافظة على أرواحهم، وأن خطته التروي في درس أحوال البلاد ~~وجغرافيتها قبل الإقدام على فتحها دفعة واحدة، ثم استنهض هممهم ووصف لهم ما قاساه ~~أسلافهم من المذلة والمهانة، وما أصابوه من الجوع والبؤس، فقال من خطاب له: «يا أيها ~~الناس، إني لكم ناصح ولصلاحكم محب، ولكم في كل ما يحيط بكم نفعه ناظر، وقد كان ~~من رأيي فيما بينكم وبين عدوكم رأي استشرت فيه ذوي أحلامكم وأولي التجربة للحرب منكم فرضوه ~~لكم رأيا، ورأوه لكم في العاجل والآجل صلاحا، وقد كتبت إلى أميركم الحجاج ms082 فجاءني منه ~~كتاب يعجزني ويضعفني ويأمرني بتعجيل الوغول بكم في أرض العدو وهي البلاد التي هلكت ~~إخوانكم فيها بالأمس، وإنما أنا رجل منكم أمضي إذا مضيتم وآبى إذا أبيتم، فثار إليه ~~الناس فقالوا: لا، بل نأبى على عدو الله ولا نسمع ولا نطيع.» # 23 # وقام أحد المفوهين من الزعماء المقربين لابن الأشعث وبين للجند طمع الحجاج ~~واهتمامه بالغنائم قبل اهتمامه بأرواح المسلمين، ووجوب بيعتهم لقائدهم الشجاع وجهاد الحجاج ~~بدلا من جهاد عدوهم، فقال: «... إن الحجاج - والله - ما يبالي أن يخاطر بكم فيقحمكم بلادا ~~كثيرة اللهوب واللصوب، فإن ظفرتم فغنمتم أكل البلاد وحاز المال وكان ذلك زيادة في ~~سلطانه، وإن ظفر عدوكم كنتم أنتم الأعداء الذي لا يبالي عنتهم ولا يبقي عليهم، اخلعوا عدو ~~الله الحجاج وبايعوا عبد الرحمن، فإني أشهدكم أني أول خالع، فنادى الناس من كل ~~جانب: فعلنا فعلنا، قد خلعنا عدو الله.» # 24 # والغريب أن ابن الأشعث لم يقدم في البدء على خلع عبد الملك، بل ظل مترددا ~~حتى قدم فارس، ثم تم رأيه على خلعه أيضا والمناداة بنفسه خليفة للمسلمين، يدلنا هذا ~~أن ابن الأشعث حينما اقترب من فارس والعراق لدى رجوعه وجد الأفكار مهيئة للثورة ~~ولقبول زعيم نشيط يعرف كيف يقود الأمة في جهادها ضد الأمويين وولاتهم العتاة، وقد بايعه ~~الناس على كتاب الله وسنة نبيه وخلع أئمة الضلالة وجهاد المحلين. # العامل الثاني: ~~«الولاة الأمويون في العراق وقسوتهم»: ~~أسند الأمويون ولاية المصرين إلى رجال قساة لا يعرفون الرحمة ولا تتخلل الشفقة إلى ~~قلوبهم، فاتبعوا سياسة الشدة بحذافيرها، وراحوا يتهمون الناس على الظنة، فجردوا السيف ~~على الرءوس وأعملوا السوط في الظهور، وجعلوا السجن مقبرة للزعماء المعارضين، ولو ~~تصفحنا تاريخ الولاة الأمويين في العراق أمثال زياد ابن أبيه وعبيد الله بن زياد والحجاج ~~بن يوسف وغيرهم لتحققنا أن ملك بني أمية لم يقم إلا على سيوفهم، ولا تتوطد أركانه ~~إلا على أسنتهم، فمنعوا الشعب أن ينتقد سياسة الحكومة أو يندد بأعمال رجالها أو ~~يسدد سهام غضبه إلى مبادئها، ms083 وكانوا يحرصون على ذلك حرصا شديدا، حتى إنهم أجبروا ~~مرارا على ارتكاب كثير من الفظائع في سبيل تنفيذ هذه السياسة، وقطعا لألسنة الناس ~~المريرة، وسادت سياسة القسوة في الحجاز أيضا فحرموا على الحجازيين إيواء العراقيين ~~المعارضين للحكومة الأموية في بلادهم، وهددوا من يخالف هذه القوانين بالإعدام، وإني مورد ~~لك أشهر الخطب التي عثرت عليها لهؤلاء الولاة لتتعرف تماما إلى ما نقصد بسياسة ~~الشدة والإرهاب، ولتفهم معنى خنق الحرية الكلامية والسياسية خنقا لا حياة لها من ~~بعده. # أشهر خطبة لزياد ابن أبيه في البصرة وتعرف بالبتراء ~~... أما بعد ... فإن الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والعمى الموفي بأهله على النار ~~ما فيه سفهاؤكم، وتشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام، ينبت فيها الصغير ولا يتحاشى ~~عنها الكبير ... ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه، ~~من ترككم هذه المواخير المنصوبة والصفقة المسلوبة في النهار المبصر والعدد غير قليل، ~~ألم يكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار ... ما أنتم بالحلماء، ولقد ~~اتبعتم السفهاء، فلم يزل بكم ما ترون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الإسلام ... إني ~~رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، لين في غير ضعف، وشدة في غير ~~عنف، وإني لأقسم بالله لآخذن الولي بالمولي، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح ~~بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول انج سعيد فقد هلك سعد، أو تستقيم لي ~~قناتكم ... # وإياي ودعوى الجاهلية، فإني لا أجد أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه، وقد أحدثتم ~~أحداثا لم تكن، وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة، فمن غرق قوما أغرقناه، ومن حرق قوما ~~أحرقناه، ومن نقب بيتا نقبنا عن قلبه، ومن نبش قبرا دفناه فيه حيا، فكفوا ~~عني ألسنتكم وأيديكم أكف عنكم يدي ولساني، ولا يظهرن من أحدكم ريبة بخلاف ما عليه ~~عامتكم ضربت عنقه ... # أيها الناس، إنا أصبحنا لكم ساسة ... نسوسكم سلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء ~~الله الذي خولنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحيينا، ولكم علينا العدل ms084 فيما ولينا ... ~~واعلموا أن مهما أقصر فيه فلن أقصر عن ثلاثة، لست محتجبا عن طالب حاجة ولو أتاني ~~طارقا بليل، ولا حابسا عطاء ولا رزقا عن إبانة، ولا مخمدا لكم بعثا، فادعوا الله ~~بالصلاح لأئمتكم فإنهم ساستكم المؤدبون لكم، وكهفكم الذي إليه تأوون ومتى يصلحوا ~~تصلحوا، ولا تشربوا قلوبكم بغضهم فيشتد لذلك أسفكم ... وايم الله، إن لي فيكم ~~لصرعى كثيرة، فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي. # 25 # من خطاب لخالد بن عبد الله القسري والي مكة في عهد الوليد # يا أيها الناس ... إنكم بأعظم بلاد الله حرمة، وهي التي اختار الله من البلدان فوضع بها ~~بيته، ثم كتب على عباده حجه من استطاع إليه سبيلا. أيها الناس ... فعليكم بالطاعة ولزوم ~~الجماعة، وإياكم والشبهات، فإني والله ما أوتى بأحد يطعن على إمامه إلا صلبته ~~في الحرم، إن الله جعل الخلافة منه بالموضع الذي جعلها، فسلموا وأطيعوا ولا تقولوا ~~كيت وكيت، إنه لا رأي فيما كتب به الخليفة ورآه إلا إمضاؤه، واعلموا أنه بلغني أن ~~قوما من أهل الخلاف يقدمون عليكم ويقيمون في بلادكم، فإياكم أن تنزلوا أحدا ممن ~~تعلمون أنه زائغ عن الجماعة، فإني لا أجد أحدا منهم في منزل أحد منكم إلا هدمت ~~منزله، فانظروا من تنزلون في منازلكم، وعليكم بالجماعة والطاعة، فإن الفرقة هو البلاء الأعظم. # 26 # من خطاب لعثمان بن حيان المري والي المدينة في عهد الوليد # أيها الناس ... إنا وجدناكم أهل غش لأمير المؤمنين في قديم الدهر وحديثه، وقد ضوى ~~إليكم من يزيدكم خبالا أهل # 27 ~~... هم أهل الشقاف والنفاق، هم والله عش النفاق وبيضته التي تفلقت عنه، ~~والله ما جربتهم قط إلا وجدت أفضلهم عند نفسه الذي يقول في آل أبي طالب ما ~~يقول، وما هم لهم بشيعة، وإنهم الأعداء لهم ولغيرهم، ولكن لما يريد الله من سفك دمائهم، ~~فإني والله لا أوتى بأحد آوى أحدا منهم أو أكراه منزلا ولا أنزله إلا ~~هدمت منزله وأنزلت به ما هو أهله. # ثم إن البلدان لما ms085 مصرها عمر بن الخطاب - وهو مجتهد على ما يصلح رعيته - ~~جعل يمر عليه من يريد الجهاد فيستشيره الشام أحب إليك أم العراق؟ فيقول: الشام أحب ~~إلي، إني رأيت العراق داء عضالا وبها فرخ الشيطان، والله لقد أعضلوا بي، وإني لأراني ~~سأفرقهم في البلدان، ثم أقول لو فرقتهم لأفسدوا من دخلوا عليه بجدل ~~وحجاج وكيف ولم ... فإذا خبروا عند السيوف لم يخبر منهم طائل، لم يصلحوا على ~~عثمان فلقي منهم الأمرين، وكانوا أول الناس فتق هذا الفتق العظيم، ونقضوا عرى ~~الإسلام عروة عروة وانغلوا البلدان، والله إني لأتقرب إلى الله بكل ما أفعل بهم ~~لما أعرف من رأيهم ومذاهبهم. # ثم وليهم أمير المؤمنين معاوية فدامجهم فلم يصلحوا عليه، ووليهم رجل الناس جلدا ~~فبسط عليهم السيف وأخافهم فاستقاموا له، أحبوا أو كرهوا، وذلك أنه خبرهم ~~وعرفهم، والله ما رأينا شعارا قط مثل الأمن ... والله ما أنتم بأصحاب قتال ... فدعوا ~~عيب الولاة، فإن الأمر إنما ينقض شيئا فشيئا حتى تكون الفتنة وبين الفتنة من ~~البلاء، والفتن تذهب بالدين وبالمال والولد. # 28 # أشهر خطب الحجاج بن يوسف # وجه كلمته هذه لبعض الثوار في العراق: # أما بعد ... فإنكم استخلصتم الفتنة، فلا عن حق تقاتلون ولا عن منكر ~~تنهون، وايم الله إني لأهم أن يكون أول ما يرد عليكم من قبلي خيل تنسف ~~الطارف والتالد، وتدع النساء أيامى، والأبناء يتامى، والديار خرابا، والسواد بياضا ~~... والسعيد من وعظ بغيره. والسلام. # 29 # ومن خطب الحجاج في الكوفة # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا # متى أضع العمامة تعرفوني # أما والله إني لأحمل الشر محمله وأحذوه بنعله وأجزيه بمثله، وإني لأرى رءوسا قد ~~أينعت وحان قطافها، وإني لأنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى قد شمرت عن ساقها ~~تشميرا ... إني والله يا أهل العراق ما أغمز كتغماز التين، ولا يقعقع لي بالشنان، ولقد ~~فررت عن ذكاء وجزيت إلى الغاية القصوى، إن أمير المؤمنين عبد الملك نثر كنانته ثم ~~عجم عيدانها، فوجدني أمرها عودا وأصلبها مكسرا؛ فوجهني إليكم، فإنكم طالما ~~أوضعتم في الفتن ms086 وسننتم سنن الغي، أما والله لألحونكم لحو العود ولأعصبنكم ~~عصب السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، إني والله لا أعد إلا وفيت ولا أخلق ~~إلا فريت، فإياي وهذه الجماعات وقيلا وقالا وما يقول، فيما أنتم وذاك، والله لتستقيمن ~~على سبل الحق أو لأدعن لكل رجل منكم شغلا في جسده. # 30 # وللحجاج أيضا: # شاهت الوجوه، إن الله ضرب مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من ~~كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون، وأنتم أولئك ~~وأشباه أولئك فاستوسقوا واستقيموا، فوالله لأذيقنكم الهوان حتى تذروا العصيان، ~~ولأعصبنكم عصب السلمة حتى تنقادوا، أقسم بالله لتقبلن على الإنصاف ولتدعن ~~الإرجاف، وكان وكان، وأخبرني فلان عن فلان، والهبر وما الهبر، أو لأهبرنكم ~~بالسيف هبرا يدع النساء أيامى والولدان يتامى، وحتى تذروا السهمى وتقلعوا عن ها وها، ~~إياي وهذه الزرافات، لا يركبن الرجل منكم إلا وحده، ألا إنه لو ساغ لأهل المعصية ~~معصيتهم ما جبي فيء ولا قوتل عدو ولعطلت الثغور، ولولا أنهم يغزون كرها ما غزوا طوعا. # 31 # ومن خطب الحجاج في الكوفة # أما والله لا تقرع عصا بعصا إلى جعلتها كأمس الدابر. # 32 # وله أيضا: # يا أهل ... # 33 # يا أهل الشقاق، يا أهل النفاق، والله إن كان أمركم ليهمني قبل أن آتيكم، ~~ولقد كنت أدعو الله أن يبتليكم بي ويبتليني بكم فأجاب دعوتي، ولكنني سرت ~~البارحة فسقط سوطي مني، فاتخذت هذا - وأشار إلى سيفه - مكانه، فوالله لأجرنه ~~فيكم جر المرأة ذيلها ولأفعلن ولأفعلن ولأفعلن. # وقال الحجاج بعد معركة دير الجماجم في العراق - وسنأتي على وصفها: «يا أهل ... إن الشيطان ~~قد استبطنكم فخالط اللحم والدم والعصب والمسامع والأطراف، ثم أفضى إلى الأسماع، ثم ارتفع ~~فعشش ثم باض وفرخ، ثم دب ودرج فحشاكم نفاقا وشقاقا وأسعركم خلافا، ~~اتخذتموه دليلا تتبعونه وقائدا تطيعون ومؤامرا تشاورونه، فكيف تنفعكم تجربة أو ~~ينفعكم بيان، ألستم أصحابي بالأهواز حتى رمتم المكر وأجمعتم على الكفر، وظننتم أن الله ~~عز وجل يخذل دينه وخلافته، وأنا أرمقهم بطرفي ms087 وأنتم تسللون لواذا، وتنهزمون سراعا، ~~يوم الراوية ما كان من فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم، ويراه الله فيكم وقلوص وليكم ~~إذا وليتم، كالإبل الشاردة على أوطانها النوازع، لا يسأل المرء عن أخيه ولا يلوي الشيخ على ~~بنيه حين عضكم السلاح ونخستكم الرماح، يوم دير الجماجم، وما يوم الجماجم، به كانت ~~المعارك والملاحم. # ضرب يزيل الهمام عن مقيله # ويذهل الخليل عن خليله # يا أهل ... اللذات بعد الفجرات، والعقلات بعد الحزات، والنزوة بعد النزوات، إن ~~بعثناكم إلى ثغوركم عللتم وجبنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم، لا ~~تتذكرون نعمة ولا تشكرون معروفا، هل استخفكم ناكث أو استغواكم غاو أو استفزكم عاص، ~~أو استنصركم ظالم، أو استعضدكم خالع إلا لبيتم دعوته وأجبتم صيحته ~~ونفرتم إليه خفافا وثقالا وفرسانا ورجالا، يا أهل ... هل شغب شاغب أو نغب ناغب أو زفر ~~زافر إلا كنتم أتباعه وأنصاره، يا أهل ... ألم تنفعكم المواعظ؟ ألم تزجركم الوقائع؟ ~~ألم يشدد الله عليكم وطأته ويذقكم حر سيفه وأليم بأسه ومثلاته؟!» # 34 # وله أيضا: # يا أهل ... وأهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق وعبيد العطاء وأولاد الإماء، ألا يرفأ ~~الرجل منكم صلعة، ويخسر حمل رأسه وحقن دمه، ويبصر موضع قدمه، والله ما أرى الأمور تمضي ~~حتى أوقع بكم وقعة تكون نكالا لما قبلها وتأديبا لما بعدها. # 35 # أما وقد أثبتنا لك هذه الخطب فيمكننا أن نقول: إنها لا تخلو من التهديد والوعيد ~~والإهانة والتنديد. ثم إننا نشتم منها رائحة الدعوة المنظمة ضد العراقيين، فأحب ~~الأمويون أن يظهروا ثوراتهم بمظهر الحركات الداعية إلى التدمير والتقتيل والتخريب، ~~ولطالما استمسك بنو أمية بعروة الخلافة وبينوا جلالها وأهميتها الدينية، فادعوا أن الله ~~ناصرها ومذل أعدائها، وأن الذين يسعون في الخلاف عليها هم الكفرة الفجرة، ولا غرابة ~~في ذلك، فالعاهل الأموي كان خليفة رسول الله، ومن يخرج على الخليفة فإنما يخرج على رسول ~~الله، ومن يخرج على رسول الله فإنما يخرج على الله ومقره جهنم وساءت مصيرا، ذلك هو ~~تعلقهم بالحق الإلهي في حكم الأمم # Divine Right Theary ~~، ~~فنرى أن ms088 سياسة الشدة والإرهاب كانت عاملا كبيرا في إشعال نيران الثورات ضد الأمويين في ~~العراق. # العامل الثالث: ~~«ابن الأشعث طموح يسعى للاستقلال»: لم ~~يركب ابن الأشعث مركب الثورة الخشن ، ولم يقدم على العصيان إلا لما كان يجول في ~~صدره من الأطماع، فود الانفصال عن الأمويين والسيطرة على العراق وغيره من الأقطار إن ~~بسم له الزمن وساعدته الأيام، وقد عرف ذلك فيه الحجاج بن يوسف فبعثه إلى فتح ~~تركستان، وكانت قد أنهكت جيوش الأمويين علة لا يئوب منها. # وروى لنا كل من الطبري والدينوري أن الحجاج كان يضمر لابن الأشعث حقدا هائلا ~~ويرى إعدامه، والظاهر أيضا أن ابن الأشعث بادله هذا البغض، فاستلم قيادة الجند وفي ~~نفسه ما في نفسه من الإيقاع بالحجاج والثورة عليه، قال الطبري: وكان الحجاج، وليس بالعراق ~~رجل أبغض إليه من عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكان يقول: ما رأيته قط إلا ~~أردت قتله، # 36 # وذكر عن لسان ابن الأشعث أنه قال: «وأنا ... إن لم أحاول أن أزيله عن ~~سلطانه فأجهد الجهد إذ طال بي وبه بقاء»، # 37 # وقال الدينوري: «كان الحجاج يقول: ما نظرت إلى عبد الرحمن قط إلا ~~اشتهيت أن أضرب عنقه.» # 38 # نفرت الناس إلى ابن الأشعث حينما اقترب من العراق، وهب الغاضبون من كل صوب إلى ~~اللحاق به، فكثرت جموعه حتى قاربت المائة ألف، إنه مهما يكن من المبالغة في هذا ~~العدد فلا شبهة أن مركز الحجاج أصبح مزعزع الأركان ضعيفا لا يلبث أن يسقط ~~إن لم يتداركه الأمويون بالنجدات المتوالية. فعمد عبد الملك إلى مخابرة ابن الأشعث وسماع ~~مطاليبه، وعرض عليه أولا نزع الحجاج عن العراق وإجراء الدولة العطاء على العراقيين ~~كما تجريه على أهل الشام، ثانيا: الخيار لابن الأشعث في حكم أي مصر شاء من العراق ما ~~دام حيا. # وقد أرسل عبد الملك ابنه عبد الله وأخاه محمد بن مروان إلى ابن الأشعث ليتفقا ~~معه، فتخلص له طاعته ويحقن دماء المسلمين، وكان من رأي ابن الأشعث أن يعقد الصلح مع ~~الأمويين ms089 وينزل عند مطاليبهم، لكن عاملان اعترضا سبيله وجعلاه يرجع خائب الآمال. الأول: ~~نشاط الحجاج إلى إقناع عبد الملك أن العراقيين لا يلبثوا أن يخالفوه ويسيروا إليه ويجدوا ~~في حربه إن خلعه عنهم وأعطاهم ما شاءوا، ولا يزيدهم ذلك - في عرفه - إلا جرأة ~~وعداء، وذكر له أن الحديد بالحديد يفلح، وقد وقف الحجاج هذا الموقف لأن منصبه ~~أصبح على شفا جرف هار، فكان له ما أراد، والثاني: اعتقاد العراقيين أنه بوسعهم طرد ~~بني أمية من العراق؛ خصوصا بعد أن تغلبوا على جيوش الحجاج في المناوشات الأولى وفازوا ~~باحتلال البصرة والكوفة، فقالوا: «إن الله قد أهلكهم - جند الحجاج - فأصبحوا في ... والضنك ~~والمجاعة والقلة والذلة، ونحن ذوو العدد الكثير والسعر الرفيع والمادة القريبة، ولا والله ~~لا نقبل فأعادوا خلعه - لعبد الملك - ثانية.» # 39 # انسحب الحجاج من البصرة إلى الشمال بعد أن جعلها مقرا لأعماله الحربية، وذلك ~~حينما وجد جموعه قليلة نسبة للجموع الأشعثية، ولم تكد البصرة تسقط بأيدي الثوار حتى ~~وثبت الكوفة وطردت عامل الحجاج عنها فاحتلها ابن الأشعث، وقد طاول الحجاج ~~ابن الأشعث إلى أن أتته النجدات المتواصلة من الشام، ثم التقى به في «دير الجماجم» - ~~موضع قريب من الكوفة - وأخذوا يتزاحفون في كل يوم ويقتتلون، وقد دامت المعركة نحوا من ~~مائة يوم - 2 ربيع الأول إلى 15 جمادى الأخرى سنة 83ه/702م - حتى تم الفوز للحجاج، فهرب ~~ابن الأشعث إلى الفلوجة ومنها للبصرة، وبدأت فلوله تأتيه من الأطراف وتجتمع إليه من ~~الجهات، وراح يستعد لمناجزة الحجاج الوقيعة، فاشتبك الفريقان في «مسكن» على دجيل، فانهزم ~~العراقيون ومضى ابن الأشعث إلى سجستان حيث قضى مسلولا، ويقال: إن رتبيل ملك تركستان احتز ~~رأسه وأرسله إلى الحجاج بشرط أن لا تغزى بلاده مدة عشر سنين، وأن يؤدي بعد العشر سنين ~~في كل سنة تسعمائة ألف، والمهم أن حركة ابن الأشعث التي أيدت لنا نفور العراقيين من ~~الحكم الأموي أخمدت بالسيف، وتتبع الحجاج الزعماء الذين ناوءوه وجهدوا عليه الجهد ~~كله، فأعدم معظمهم، وكتب إلى عماله في الجهات ms090 أن لا يبقوا على أحد ~~منهم. ~~(3) إخلاص الولاة الأمويين في العراق وتفانيهم في تنفيذ سياسة الشدة # إذا أردنا أن يكون لنا صورة حية تمثل خضوع الولاة الأمويين في العراق لسادتهم الأمويين ~~وإخلاصهم لهم الإخلاص التام في السر والعلن ومحافظتهم على طاعتهم مهما كلفهم ذلك ~~من التضحية؛ فلنأخذ الحجاج بن يوسف مثلا صادقا. ~~(3-1) الحجاج بن يوسف: حياته، أعماله # ولد الحجاج بين سني تسعة وثلاثين وإحدى وأربعين هجرية، و659 و661م في قرية الكوثر من ~~أعمال الطائف، وأمه الفارعة بنت همام، وكانت عند المغيرة بن شعبة فطلقها فتزوجها بعده يوسف ~~أبو الحجاج، # 40 # وكان في صباه معلما يقرئ صبيان قريته القرآن الكريم، نستشهد على ذلك بقول ~~الشاعر: # أينسى كليب زمان الهزال # وتعليمه صبية الكوثر # 41 # وغلبت عليه الفصاحة واشتهر بالخطابة والأدب، فعد من أشهر الخطباء والأدباء في ~~العصر الأموي، وقد روى لنا الجاحظ أنه: «قال عبد الملك لخالد بن سلمة المخزومي: من أخطب ~~الناس؟ قال: أنا، قال: ثم من؟ قال: سيد جذام (يعني روح بن زنباع)، قال: ثم من؟ قال: أخيفش ~~ثقيف (يعني الحجاج)، قال: ثم من؟ قال: أمير المؤمنين، قال: ويحك جعلتني رابع أربعة؟ ~~قال: نعم هو ما سمعت.» # 42 # وقال أبو العلاء: «ما رأيت أحدا أفصح من الحسن ومن الحجاج»، وقال عتبة بن عمرو: ~~«رأيت عقول الناس يقرب بعضها من بعض إلا الحجاج وأياس بن معاوية، فإن عقولهما كانت ترجح على ~~عقول الناس.» # 43 # وكان متين الأخلاق شريفا، فلم يتعاط الخمرة ولم يسكر، حتى إنه رفض أن يحتسيها مع ~~الخليفة الوليد الأول، قال ابن عساكر: وتغدى الحجاج يوما مع الوليد، فلما انقضى غداؤهما ~~دعاه الوليد إلى شرب النبيذ، فقال: يا أمير المؤمنين، الحلال ما حللت، ولكني أنهى عنه أهل ~~عملي، وأكره أن أخالف قول العبد الصالح: وما أريد أن أخالفكم لما أنهاكم عنه. # 44 # واشتهر باستحسانه للجرأة الأدبية وبغضه للنفاق، فيروى أنه خطب الحجاج يوما ~~فقال: «أيها الناس، الصبر على محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله، فقام إليه ms091 رجل ~~فقال له: ويحك ما أصفق وجهك وأقل حياءك، تفعل ما تفعل ثم تقول مثل هذا، فأمر به ~~فأخذ، فلما نزل عن المنبر دعا به فقال له: لقد اجترأت علي، فقال له: يا حجاج، أنت ~~تجترئ على الله تعالى ولا تنكره على نفسك ، واجترأت عليك فأنكرت علي، فخلى سبيله.» # 45 # وقال المدائني: «أتي الحجاج بأسيرين ممن كان مع ابن الأشعث، فأمر بضرب ~~أعناقهما، فقال أحدهما: أصلح الله الأمير إن لي عندك يدا، قال: وما هي؟ فقال: ذكر ~~ابن الأشعث أمك يوما بسوء فنهيته، قال: من يعلم ذلك؟ قال: هذا الأسير الآخر، ~~فسأله الحجاج فقال: قد كان ذلك، فقال له: لم لم تفعل مثل ما فعل؟ قال: أينفعني الصدق ~~عندك؟ قال: نعم، قال: لبغضك وبغض قومك، فقال الحجاج: خلوا عن هذا لصدقه وعن هذا لفعله.» # 46 # وبلغت به الصراحة حدا أنه عدد عيوبه فقال: «أنا لجوج حقود حسود»، # 47 # وأولع الحجاج بتزيين نفسه وترتيب هندامه، حتى لقد قال فيه ابن بردة - أحد ~~أشراف العراق: «كان عدو الله يتزين تزين المومسة، ويصعد المنبر فيتكلم بكلام الأخيار، فإذا ~~نزل عمل عمل الفراعنة، وأكذب في حديثه من الدجال.» # 48 # أما فلسفته في الحياة فترمي إلى الحث على الأعمال الصالحة؛ لأن هذه الدنيا ليست بدار ~~قرار، وكانت مواعظه كلها تحض على التقوى ومخافة الله واليوم الآخر، وهاك ~~أشهرها: ~~(1) ~~«ألا أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل، رجل خطم نفسه وزمها فقادها بخطامها إلى ~~طاعة الله، وكبحها بزمامها عن معصية الله.» ~~(2) ~~«امرؤ زود نفسه، امرؤ اتهم نفسه على نفسه، امرؤ اتخذ نفسه عدوة، امرؤ حاسب ~~نفسه قبل أن يكون الحساب إلى غيره، امرؤ نظر إلى ميزانه، امرؤ نظر إلى ~~حسابه.» ~~(3) ~~«أما بعد، فإن الله كتب على الدنيا الفناء وعلى الآخرة البقاء، فلا فناء لما ~~كتب عليه البقاء، ولا بقاء لما كتب عليه الفناء، فلا يغرنكم شاهد الدنيا على ~~غائب الآخرة، وا قهراه، وأطول الأمل بقصر الأجل.» ~~(4) ~~«امرؤ غفل عن الله تعالى، امرؤ أفاق واستفاق فأبغض المعاصي والنفاق وكان ms092 إلى عند ~~الله بالأشواق، امرؤ ذهبت ساعة من عمره لغير ما خلق لحري أن تطول عليها ~~حسرته إلى يوم القيامة.» # 49 ~~(5) ~~«امرؤ زود عمله، امرؤ حاسب نفسه، امرؤ فكر فيما يقرؤه في صحيفته ويراه في ~~ميزانه، امرؤ كان عند قلبه زاجرا وعند همه ذاكرا، امرؤ أخذ بعنان قلبه كما يأخذ ~~الرجل بخطام جمله، فإن قاده إلى طاعة الله قبله وتبعه وإن قاده إلى معصية الله كفه.» # 50 # وغالى بعض الناس في قولهم: إنه لم يعتقد بالله ولا بالإسلام، ولعل ذلك ناتج عن إسرافه في ~~سفك الدماء حبا بتوطيد نفوذ الأمويين، والحقيقة أنه كان يرى في الإسلام بلسما وملجأ، ~~نستشهد على رأينا هذا ببيتين من الشعر قالهما في أخيه محمد بن يوسف لما أتاه ~~نعيه: # حسبي ثواب الله من كل ميت # وحسبي بقاء الله من كل هالك # إذا ما لقيت الله عني راضيا # فإن شفاء النفس فيما هنالك # 51 # وقال عمر بن عبد العزيز - وكان يبغض الحجاج: «ما حسدت الحجاج عدو الله على شيء ~~حسدي إياه على حبه للقرآن وإعطائه أهله، وقوله حين حضرته الوفاة: اللهم اغفر لي فإن ~~الناس يقولون إنك لا تفعل»، وقال حين حضرته الوفاة: # يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا # بأنني رجل من ساكني النار # أيحلفون على عمياء ويحهم # ما علمهم بكثير العفو غفار # 52 # وكان بدء حياته السياسية انخراطه في سلك الشرطة، فترقى فيها لنشاطه وجلادته حتى أصبح ~~رئيسا لشرطة عبد الملك حينما خرج لقتال مصعب بن الزبير في العراق، وقد أبدى من المهارة ~~والإخلاص والتضحية في خدمة الأمويين ما دعا عبد الملك إلى إسناد قيادة الحملة الحجازية ~~لتأديب ابن الزبير إليه، فجرى على سياسة الشدة والإرهاب، فأعدم المتخلفين من الجند ~~والزعماء، فهابوه ونفذوا أوامره بتمامها، وكان يقدم الشجعان والمخلصين ويغمرهم ~~بعطاياه، فصار له حزب من الجند يأتمر بأمره ويسعى لاكتساب رضاه، وولي بعد ذلك مندوبا ~~ساميا للخليفة على الحجاز واليمامة، ثم انتقل لمثل منصبه في العراق، وبقي فيه نحوا من ~~عشرين عاما، ساس خلالها البلاد ms093 بيد من حديد، فأخفت الثورات وأرسل الجيوش لفتح تركستان ~~والهند - وسنصف الفتوح في حينها - وقد مات الحجاج سنة 95ه/713م وله من العمر أربع وخمسون ~~عاما. # جاهد الحجاج في أعداء الأمويين جهادا عظيما، فقتل وأسرف في القتل، حتى ليقال ~~إنه قتل صبرا مائة وعشرين ألفا ومائة وثلاثين ألفا، # 53 # وأحصي بمحبس الحجاج في واسط ثلاثة وثلاثون ألف إنسان لم يحبسوا في ~~دم ولا تبعة ولا دين، # 54 # لسنا لنحاسب المؤرخين على هذه الأرقام الضخمة، لكننا نعتقد اعتقادا أكيدا أن ~~الحجاج لم يتأخر عن إعدام المعارضين للأمويين ونفيهم وسجنهم، وصرح مرة أنه مستعد ~~للتنكيل بكل من لا يطيع عبد الملك، فقال من خطاب له في البصرة: «اتقوا الله ما استطعتم، ~~فهذه لله وفيها مثوبة، واسمعوا وأطيعوا فهذه لعبد الله وخليفة الله وحبيب الله عبد الملك بن ~~مروان، والله لو أمرت الناس أن يأخذوا في باب واحد وأخذوا في باب غيره لكانت دماؤهم لي ~~حلالا من الله»، # 55 # ويذكر الطبري: «لما قرأ عليهم - أهل الكوفة - كتاب عبد الملك قال القارئ: ~~أما بعد، سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله، فقال له - أي قال الحجاج للقارئ: «اقطع يا ~~عبيد العصا»، أيسلم عليكم أمير المؤمنين فلا يرد راد منكم السلام، هذا أدب ابن نهية، ~~أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب، ابدأ بالكتاب فلما بلغ إلى قوله «أما بعد، سلام ~~عليكم» لم يبق منهم أحد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة الله.» # 56 # لم يخدم الحجاج الأمويين حبا بالثروة التي قد يجمعها من ورائهم، بل طاعة لهم ومحبة ~~بهم، فقد مات ولم يترك إلا ثلاثمائة درهم ومضجعا وسيفا وسرجا ورحلا ومائة درع موقوفة. ~~ا.ه. # الفصل الخامس # | الفتوح الأموية # قام الأمويون بفتوحهم العظيمة حينما استتبت لهم الأمور في البلاد، وهدأت نيران الثورات، ~~واستظل الناس في بحبوحة العيش الرغيد، فأقدموا على توسيع رقعة المملكة الأموية في ساحات ~~ثلاث، هي الساحة البيزنطية والساحة الشرقية والساحة الإفريقية الأوروبية. ~~(1) الفتوح في الساحة البيزنطية # أطلقنا على الساحة الأناضولية اسم الساحة البيزنطية لأنها ms094 كانت تخضع للبيزنطيين في ~~القسطنطينية، ويدعوهم العرب في مصنفاتهم بالروم، ولأن الأمويين أشعلوا لهم في هذه الديار ~~حربا ضروسا بقيت زمنا طويلا، ويمكننا أن نقول: إن هذه الحرب هي عبارة عن سلسلة من الغزوات ~~المتقطعة امتدت من عهد معاوية الأول إلى سقوط الدولة الأموية في الشام، وقد تتابعت هذه السلسلة ~~من الغزوات أيضا على عهد العباسيين. ~~(1-1) ملطية، طرندة # فلما ولي معاوية الأول الشام فتح «ملطية» عنوة، ورتب فيها رابطة من المسلمين، وشحنها ~~بالجنود الشامية والجزرية، وأكثر فيها العدة والسلاح، وكل همه من ذلك أن يجعلها محطة يضرب بها ~~المسلمون الروم دائما، فتبقى طريقا للصوائف العربية، وقد انتهز البيزنطيون الفرصة أيام ~~الحركة الزبيرية فأغاروا عليها وشعثتها قواهم، وأنزلوها قوما من الأرمن والنبط وغيرهم من ~~النصارى، فبذلت الجيوش الأموية جهدها في تثبيت أقدامها في الأناضول، فحصنت «طرندة» سنة ~~83ه/702م، وبنت بها المساكن وهي على بعد ثلاث مراحل من ملطية، وكانت الطوالع من جند الجزيرة ~~والشام تقيم بها في الصيف، فإن نزل الشتاء وتساقطت الثلوج قفلوا عنها، ورحل عمر بن عبد ~~العزيز أهل طرندة عنها وأباح لهم السكنى في ملطية، وحصنها وجهزها بالجند لاعتقاده أنها ~~أكثر ثباتا على مقاومة العدو، وذلك لمناعة موقعها الحربي، ولم يتهاون البيزنطيون في أمر ~~ملطية، فخرج إليها منهم عشرون ألفا سنة 123ه/740م فثبت العرب فيها واستقتلت النساء العربيات، ~~فروى لنا البلاذري أنهن ظهرن على السور وعليهن العمائم فقاتلن. ~~(2) الثغور الشامية أو العواصم # وكانت لمسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد اليد الطولى في هذه الفتوح، فسقطت أمام ~~جهودهما حصون طوانة وقسطنطين وغزالة والأخرم وأذرولية وغيرها كسمسطية وماسة والحديد، وكلها من ~~ناحية ملطية، وفتحا كذلك حصني سوسنة وبولس من أعمال المصيصة، وهي مدينة على شاطئ جيحان ~~تقارب طرسوس، ويقول عنها معجم البلدان: إنها «من مشهور ثغور الإسلام، وقد رابط بها ~~الصالحون قديما، وبها بساتين كثيرة يسقيها نهر جيحان، وكانت ذات سور وخمسة أبواب، ومن ~~مصنوعاتها الفراء تحمل إلى الآفاق وربما بلغ الفرو منها ثلاثين دينارا.» # 1 # وبنى المصيصة ms095 على أساسها القديم عبد الله بن عبد الملك بن مروان، ووضع بها سكانا من ~~الجند فيهم ثلاثمائة رجل انتخبهم من ذوي البأس والنجدة المعروفين، ولم يكن المسلمون سكنوها قبل ~~ذلك، وبنى فيها مسجدا فوق تل الحصن. # 2 # والمهم من كل ما قدمناه أنه كان للمسلمين على الحدود الأناضولية السورية ثغور تعرف ~~بالثغور الشامية، وقد سماها الرشيد العباسي فيما بعد «بالعواصم » وهي أنطاكية وما جاورها، ~~فكانت الجيوش الأموية تسير منها إلى الحصون والمسالح البيزنطية فتنهبها وتعمل فيها السيف ~~والنار؛ خصوصا في المنطقة الواقعة ما بين الإسكندرونة وطرسوس اليوم، وكان أهلها يخلونها بأيام ~~الصوائف أو يصمدون للأمويين إن عاونتهم حكومة القسطنطينية وشحنتها بالمقاتلة والذخيرة، وطالما ~~كمن أهل هذه الديار للكتائب الأموية فأصابوا غرة المتخلفين والمنقطعين عنها، فخلف لذلك ~~الولاة فيها الجند الكثيف إلى حين خروجهم. ~~(2-1) معاملة الفاتحين لسكان سورية # ولا يغرب عن بالنا أن المسلمين لدى فتحهم البلاد السورية عاملوا أهلها معاملة طيبة، ~~وأسندوا إليهم المناصب الجليلة، ولم يتداخلوا في شرائعهم، فأبقوا لهم محاكمهم وقضاتهم، ~~فاستفادت بعض العناصر المغلوبة على أمرها من هذا التساهل وراحت تتواطأ مع الروم على ~~المسلمين كالجراجمة واللبنانيين، أما الجراجمة فهم من الجرجومة، وهي مدينة على جبل اللكام ~~بين بياس وبوقا، فلما فتح أبو عبيدة بن الجراح أنطاكية ثانية بعد غدرها ونقضها عهوده ~~الأولى غزا الجرجومة، فبدأ أهلها بطلب الصلح والأمان ولم يقاتلوه، فعقد معهم صلحا ~~تضمن الشروط الآتية: # أولا: # يصالح المسلمون الجراجمة على أن يكونوا أعوانا للمسلمين وعيونا ومسالح في جبل ~~اللكام. # ثانيا: # لا يأخذ المسلمون الجزية من الجراجمة. # ثالثا: # ينقل الجراجمة أسلاب من يقتلون من عدو المسلمين إذا حضروا معهم حربا في ~~مغازيهم. # رابعا: # يدخل من كان في مدينتهم من تاجر وأجير وتابع من الأنباط وغيرهم وأهل القرى في ~~هذا الصلح. وقد سمي هؤلاء بالرواديف لأنهم تلوهم وليسوا منهم. # 3 # فنرى أن هذا الصلح لا يعقده غالب مع مغلوب لما هو عليه من التساهل وحسن المعاملة، ولا ~~شبهة أن الجراجمة كانوا أقوياء الشكيمة شديدي المراس، ms096 فأحب أبو عبيدة أن يستفيد من ~~صداقتهم، فعقد معهم هذا الصلح الشريف الضامن نوعا لاستقلالهم، غير أنهم كانوا لا يستقيمون ~~للولاة الأمويين، فيثورون المرة تلو المرة، ويكاتبون البيزنطيين ويمالئونهم، وإذا غزت ~~الصوائف قطعوا على اللاحق والمتخلف من المسلمين وأعملوا فيه السيف، فأجبر معاوية الأول - ~~اتقاء لشرهم - أن ينقل إلى السواحل السورية قوما من زط البصرة سنة 49-50ه/669-670م، ~~وقد وهب لهم الأرضين وبذل لهم في العطاء كيما يكونوا شوكة في عين الجراجمة. # الجراجمة # لما استفحل أمر ابن الزبير ودانت له الحجاز والعراق، وقام عمرو بن سعيد يطلب الخلافة، ~~هاجم البيزنطيون جبل اللكام، فحالفهم الجراجمة وراحوا يساعدونهم ويبثون دعوتهم، وقد تم ~~لهم الفوز والغلبة حتى أخضعوا لبنان لسلطانهم وكادوا يستولون على دمشق، فاضطر عبد الملك ~~بن مروان يومئذ إلى أن يؤدي للجراجمة ألف دينار في كل جمعة، وأن يصالح البيزنطيين على مال ~~يؤديه لهم مخافة أن يخرجوا إلى عاصمته فيغلبون عليها. # عرف الأمويون أنه لا مناص لهم من التغلب على الجراجمة حفظا للتخوم الشامية ~~الشمالية، واستبقاء للثغور التي افتتحوها في الساحة البيزنطية، فوجه إليهم الوليد بن عبد ~~الملك أخاه مسلمة بن عبد الملك سنة 89ه/707م، فأناخ عليهم وخرب مدنهم وقراهم وأجبرهم ~~على قبول الشروط الآتية: # أولا: # ينزل الجراجمة بحيث أحبوا من الشام ويجري على كل امرئ منهم ثمانية دنانير وعلى ~~عيالاتهم القوت من القمح والزيت، وهو مديان من قمح وقسطان من زيت. # ثانيا: # لا يكره الجراجمة ولا أحد من أولادهم ونسائهم على ترك النصرانية. # ثالثا: # يلبس الجراجمة لباس المسلمين. # رابعا: # لا يؤخذ منهم ولا من أولادهم ونسائهم جزية. # خامسا: # يغزون مع المسلمين فينقلون أسلاب من يقتلونه مبارزة. # سادسا: # يؤخذ من تجاراتهم وأموال موسريهم ما يؤخذ من أموال المسلمين، # 4 # فسكن بعضهم حمص وغيرها من الأمكنة المجاورة لها، واستجلب الوليد بن عبد ~~الملك أيضا بعض الزط فبعث بهم الحجاج إليه ومعظمهم من الأسرى الذين قبض عليهم ~~محمد بن القاسم في السند، فسار بذلك على خطة معاوية الأول، ولا ريب عندنا أن جماعات ~~النصيرية ms097 في بلاد العلويين من أعمال سورية قد ورثوا كثيرا من العقائد النصرانية ~~والهندية لاختلاط الجراجمة والزط بهم، وإنا لنوجه أنظار من يدرسون العقائد ~~النصيرية إلى هذه النقطة في أبحاثهم. # اللبنانيون # كان اللبنانيون يحالفون الجراجمة ويكاتبون البيزنطيين، ويرجع ذلك في اعتقادنا للرابطة ~~الدينية التي تربط هذه الجماعات بعضها ببعض، فعاملهم الأمويون بالرحمة والعدل، فأخلدوا ~~للسكينة، فلما قامت الدولة العباسية أجلت الفئة الثائرة منهم عن بلادها، وكادت تبطش ~~بالبقية الباقية، لولا نصيحة الإمام الأوزاعي ووساطته في حمايتهم، والأوزاعي مدفون في ضاحية ~~بيروت. # قال البلاذري في هذا الصدد ما يأتي: «خرج بجبل لبنان قوم شكوا عامل خراج بعلبك، فوجه ~~صالح بن علي بن عبد الله بن عباس من قتل مقاتلتهم، وأقر من بقي منهم على دينهم ~~وردهم إلى قراهم، وأجلى قوما من أهل لبنان ...» فكتب الأوزاعي إلى صالح رسالة طويلة حفظ ~~منها: وقد كان من أجلاء هذه الذمة من جبل لبنان ممن لم يكن ممالئا لمن خرج على خروجه ~~ممن قتلت بعضهم ورددت باقيهم إلى قراهم ما قد علمت، فكيف يؤخذ عامة بذنوب ~~خاصة حتى يخرجوا من ديارهم وأموالهم وحكم الله تعالى # ألا تزر ~~وازرة وزر أخرى ~~، # 5 # وهو أحق ما وقف عنده واقتدي به، وأحق الوصايا أن تحفظ وترعى وصية رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # فإنه قال: «من ظلم معاهدا وكلفه فوق طاقته فأنا حجيره.» # 6 ~~(2-2) الحملة على القسطنطينية # صمم الأمويون مرارا على مهاجمة البيزنطيين في عقر دارهم، فيستولون على الأناضول ~~والقسطنطينية وينشرون لواء الإسلام في أوروبا، ويقطعون كل أمل للعناصر الثائرة في سورية ~~كالجراجمة وغيرهم من التطلع إلى الحماية الأجنبية، فيحبطون بذلك كل المؤامرات والدسائس ~~الداعية لقتل نفوذهم في الشام، فجرد معاوية الأول حملته المشهورة بقيادة سفيان بن عوف فكان ~~نصيبها الفشل، وقد أسهبنا في وصفها في كتابنا «معاوية بن أبي سفيان»، فعزم سليمان بن عبد ~~الملك الخليفة الشاب على افتتاحها مهما كلفه الأمر، فجهز جيشا بلغ مائة وعشرين ألفا سنة ~~98ه/716م بقيادة أخيه مسلمة بن عبد الملك، فعبر ms098 الخليج وحاصر المدينة وضيق على أهلها كل ~~التضييق؛ حتى أنهم قبلوا أن يعطوا عن كل رأس دينارا إن رجع عنها فأبى إلا فتحها ~~عنوة، فالتجأ أحد زعمائهم - البطريق لاوون - إلى الحيلة، فوعد مسلمة أن يفتح له أبواب ~~المدينة إن تنحى عنهم بجيشه وأمدهم بالطعام، واستوثق منه الأمان لنفسه ولذويه، فأمدهم ~~وتنحى عنهم جانبا إلى بعض الرساتيق ليطمئنوا، وأعد البطريق لاوون السفن والرجال فنقلوا ~~في ليلة ذلك الطعام ولم يتركوا منه إلا ما لم يذكر حسب رواية ابن العبري، # 7 # وأصبح لاوون محاربا. وقد ذكر المؤرخون أن لاوون خدع مسلمة خديعة يعاب ~~عليها. # ومهما بالغ المؤرخون العرب في أمر هذه الحيلة، فالحقيقة كل الحقيقة أن البرد الشديد ~~والثلوج الكثيفة والجوع وصعوبة المواصلات بين القيادة العامة للجيش والعاصمة دمشق والعصابات ~~البلغارية التي استجاشها لاوون للفتك بالجند من ورائه والأسطول الذي سد دونهم سبل البحار، ~~كل هذه العوامل سببت فشل الحملة وأنهكت قواها، وقد نزل مسلمة بفناء القسطنطينية ثلاثين ~~شهرا، فشتى وصاف. # ووصف لنا ابن العبري والطبري ما أصاب هذه الحملة من الآلام والشدائد، فقال الأول: «ولقي ~~جنده ما لم يلقه جيش آخر، حتى كان الرجل يخاف أن يخرج من العسكر وحده من البلغاريين ~~الذين استجاشهم لاوون، ومن الإفرنج الذين في السفن، ومن الروم الذين يحاربونهم من داخل، ~~وأكلوا الدواب والجلود وأصول الشجر والورق»، # 8 # وقال الثاني: «وأكلوا الدواب والجلود وأصول الشجر والورق وكل شيء غير التراب.» # 9 # ولم يفكر الأمويون بعد هذا الفشل بغزو القسطنطينية لما أصاب البلاد من الإحن الداخلية ~~التي سببت سقوطهم وأدت إلى زوال ملكهم، وظلوا محافظين على ثغورهم في الساحة ~~البيزنطية إلى أيامهم الأخيرة. ~~(3) الفتوح في الساحة الشرقية # كان للأمويين القدح المعلى في الفتوح شرقا، فهم الذين مهدوا السبل لنشر المدنية ~~العربية والتعاليم الإسلامية بين الأمم الفارسية والتركستانية والهندية والصينية، فسيروا ~~جيوشهم إلى الشرق الأوسط والشرق الأقصى، وبذلوا الضحايا الجسيمة في سبيل الاستيلاء على هذه ~~الأقطار، وقد نجحوا في استجلابهم قسما كبيرا من هذه الأمم إلى الحظيرة الإسلامية ms099 نجاحا ~~باهرا، غير أنهم لم يتمكنوا من التغلب على لغاتها المختلفة المتباينة تغلبا عظيما، فلم ~~تمتصها اللغة العربية كليا، ولعل هذا ناشئ عن كثرة عددهم وارتحال قبائلهم وراء الماء والكلأ، ~~وقيام الدولة العباسية على سيوف الأعاجم أخيرا، فإنها اهتمت بنشر الإسلام أكثر من اهتمامها ~~بنشر العربية وتعميمها، ولم يقم الأمويون بهذه الفتوح إلا حبا بالموارد الاقتصادية ودفعا ~~لخطر الثائرين العراقيين وإعلاء لكلمة الله. ~~(3-1) فتح طبرستان وجرجان # أما العراق فكان المركز العام للجيوش الفاتحة والمحطة الحصينة لتسيير الحملات ~~الواسعة الواحدة إثر الأخرى إلى الشرق، وكان بدء المغازي في هذه الساحة على عهد عثمان بن ~~عفان، فإنه أرسل سعيد بن العاص والي الكوفة سنة 29ه/649م إلى طبرستان فغزاها وصالح أهلها ~~على مائتي ألف درهم، فكانوا يؤدونها إلى غزاة المسلمين، وكانت الجيوش الإسلامية لا تنفك عن ~~غزوها، فربما أعطوا الأتاوة عفوا وربما أعطوها بعد قتال، وامتاز أهل طبرستان بالشجاعة وشدة ~~البأس وممارسة القتال، فكانوا دائما يمتنعون من أداء الصلح، فظلوا يحاربون ويسالمون إلى ~~أيام الدولة العباسية، # 10 # فلما ولي معاوية بن أبي سفيان أراد تأديبهم، فأرسل مصقلة بن هبيرة على رأس جيش ~~يبلغ عدده عشرة آلاف، فتوغل مصقلة بجيشه في بلادهم، فأخذ العدو عليه المضايق ورموا جنده ~~بالصخور من أعالي الجبال، فهلكت الحملة عن بكرة أبيها وهلك مصقلة، فضرب الناس به المثل، ~~فقالوا: حتى يرجع «مصقلة من طبرستان»، # 11 # فحذر قادة العرب من التوغل في البلاد الجبلية ذات المجاهل قبل التأكد من ~~دراستها ومعرفة أحوالها معرفة تضمن لهم السلامة. # يزيد بن المهلب بن أبي صفرة # لم تزل طبرستان ثائرة حتى قدمها يزيد بن المهلب في جند كثيف من أهل المصرين وأهل الشام، ~~فأقام عليها وحاصر أهلها حصارا شديدا وقطع عنهم المادة والذخيرة، فكانوا يخرجون إلى ~~يزيد ويقاتلونه قتال المستميت إلى أن عيل صبرهم فخضع دهقانهم المعروف «بصول» على أن ~~يؤمنه على نفسه وأهل بيته وماله ويدفع إليه المدينة وما فيها وأهلها، فصالحه وقبل منه ~~ووفى له، وقد أراد يزيد أن لا يقوم ms100 لسكانها الأتراك بعد هذا اليوم قائمة، فقتل منهم ~~أربعة عشر ألفا دفعة واحدة، # 12 # وغنم جميع أموالها وكنوزها وسبيها. # ثم أتى جرجان فاستقبله سكانها بالأتاوة التي كان سعيد بن العاص صالحهم عليها، ~~فقبلها وهابوه وأظهروا له الطاعة والخضوع، وكان من رأي يزيد أن يضرب أهل طبرستان وجرجان ~~ضربة قاضية، فجعل يمهد فيها الطرق ويصلحها ويقطع الأدغال التي تعيق سير جنده ويتوغل ~~في داخلها، فوثب به الجرجانيون ونقضوا عهودهم وغدروا به واستجاشوا بالديلم وحالفوا ~~طبرستان فقطعوا عليه جميعهم مادته وطرق المواصلات بينه وبين العرب، فخرج منها وأصحابه ~~كأنهم فل حسبما يذكر الطبري، # 13 # ولا ريب أن هذه الحملة شتتت شمل أهل طبرستان وجرجان، ولكنها لم تخضعهم ~~إلى السلطة الأموية تمام الخضوع. # وكان أول من جدد البناء بجرجان يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، ونبغ بها رجال اشتهروا ~~بالعلم والأدب وكتب الحديث والفقه، ويقول ياقوت الحموي: إنه يرتفع منها الإبريسم وثياب ~~الإبريسم ويحمل إلى جميع الآفاق، كذلك الأحجار الكريمة. # 14 # أما يزيد بن المهلب بن أبي صفرة صاحب هذه الفتوح فكان واليا لخراسان بعد أبيه ~~المهلب، وقد مكث فيها نحوا من ست سنين، فعزله عبد الملك بن مروان برأي الحجاج لمنافسة ~~بين القائدين، وطالما خشي الحجاج من يزيد لما كان يرى فيه من النجابة والذكاء وعلو الهمة ~~والكرم، وكيف لا يخافه وأهل العراق تميل إلى يزيد وترغب فيه وتوده لو يكون حاكمها ~~وسيدها، فترصده بالمكروه فحبسه وعذبه، فتمكن من الهرب إلى الشام واستجار بسليمان بن ~~عبد الملك فأجاره، وشفع له عند أخيه الوليد فأمنه وكف عنه. # ولا ريب عندنا أن أهل العراق كانوا ينضمون دائما إلى صفوف يزيد بن المهلب لأنه كان ~~يكره سيطرة أهل الشام على العراق ويرى وجوب الانفصال عن الشام أو التغلب على الأمويين ~~ورفع الإحن والمظالم التي سامها الحجاج للناس، فحث أهل المصرين مرة على مناصبة ~~الشاميين العداء والتربص لهم، فقال من خطاب له بواسط: «... يا أهل العراق، يا أهل السبق ~~والسباق ومكارم الأخلاق، إن أهل الشام في ms101 أفواههم لقمة دسمة قد رتبت لها الأشداق وقاموا لها ~~على ساق، وهم غير تاركيها لهم بالمراء والجدال، فألبسوا لهم جلود النمور»، # 15 # فيمكنك إذن أن تميز بين هذه الخطبة وخطب الحجاج في العراقيين وما لها من ~~التأثير في النفوس إن سيئا وإن حسنا. # قال ابن خلكان يصف المهلب: «وكان كريما جوادا، فقال فيه الأخطل الشاعر: # فما لسرير الملك بعدك بهجة # ولا لجواد بعد جودك جود # وأجمع علماء التاريخ على أنه لم يكن في دولة بني أمية أكرم من بني المهلب ، كما لم ~~يكن في بني العباس أكرم من البرامكة، وكان لهم في الشجاعة مواقف مشهورة»، # 16 # وظل يزيد واليا لخراسان إلى أن أفضت الخلافة لعمر بن عبد العزيز، وكان عمر ~~يعتقد أن يزيدا أصاب أموالا كثيرة في فتوحه لجرجان وطبرستان ضمها لنفسه ولم يسلمها ~~لبيت مال المسلمين، وقد مال إلى هذا الاعتقاد من قراءاته للرسائل التي بعث بها يزيد إلى ~~سليمان، قال في بعضها: «قد فتحت طبرستان وجرجان ولم يفتحهما أحد من الأكاسرة ولا أحد ممن ~~كان بعدهم غيري، وإني باعث إليك بقطارات عليها أحمال الأموال والهدايا.» # 17 # ويظهر أن الخليفة عمر كان يكره آل المهلب ويقول: «هؤلاء جبابرة ولا أحب مثلهم»، # 18 # وكان يزيد أيضا يبغض عمر ويظنه مرائيا، فترى أن البغضاء كانت متبادلة بين ~~الطرفين، فحبسه الخليفة واستمر يزيد في سجنه إلى سنة 101ه/719م - أي إلى أيام عمر الأخيرة - ~~ثم هرب مخافة أن يقع بين يدي يزيد بن عبد الملك المتزوج من آل أبي عقيل رهط الحجاج ~~حالما يتسنم عرش الخلافة بعد وفاة عمر العادل، والحقيقة أن يزيد غالى في وصفه للغنائم ~~وأسرف في ذلك كل الإسراف حبا بإعلاء كلمة سليمان بن عبد الملك سيده وصديقه واكتسابا ~~للشهرة، فعاد هذا عليه بالوبال، وقد دافع يزيد عن نفسه بهذا المعنى دفاعا مجيدا، قال ~~منه: «... كنت من سليمان بالمكان الذي قد رأيت، وإنما كتبت إلى سليمان لأسمع الناس به، وقد ~~علمت أن سليمان لم يكن ليأخذني بشيء سمعت ولا بأمر ms102 أكرهه.» # 19 # ولحق يزيد بن المهلب بالبصرة فالتف حوله العراقيون، وطلب الخلافة وخلع يزيد بن ~~عبد الملك، وأطاعه أهل الأهواز وفارس، فخرج في مائة وعشرين ألفا، فندبت له الحكومة الأموية ~~مسلمة بن عبد الملك، فناجزه الوقيعة في عقر بابل، وهي قرية تقع بالقرب من كربلاء، # 20 # فكسره وقتله وشتت شمل جيشه، وقال يزيد بن عبد الملك لما حمل ~~إليه رأس يزيد بن المهلب: إن يزيد طلب جسيما وركب عظيما ومات كريما، # 21 # وهكذا قضى فاتح جرجان وطبرستان صريعا في العقر وهو يتطلب الاستقلال للعراق ~~والسلطان لذاته. # وكان الحسن البصري إمام البصرة يومئذ يثبط الناس عن يزيد بن المهلب ويدعوهم إلى السلام ~~والطاعة للخليفة والكف عن سفك الدماء ويزهدهم في النزاع والفتنة، وقد كان لأقواله ~~تأثير كبير على الناس، فلم ينجدوا يزيد النجدة المطلوبة، بل أخذوا في إهمال أمره ~~أخيرا، ومن أقوال الحسن البصري بهذا الصدد: «أيها الناس الزموا رجلكم، وكفوا أيديكم، واتقوا ~~الله مولاكم، ولا يقتل بعضكم بعضا على دنيا زائلة وطمع منها يسير ليس لأهلها بباق وليس ~~الله عنهم فيما اكتسبوا براض، إنه لم يكن فتنة إلا كان أكثر أهلها الخطباء والشعراء ~~والسفهاء وأهل التيه والخيلاء، وليس يسلم منها إلا المجهول الخفي والمعروف النقي، فمن كان ~~منكم خفيا فليلزم الحق وليحبس نفسه عما يتنازع الناس فيه من الدنيا، فكفاه والله بمعرفة ~~الله إياه بالخير شرفا، وكفى له به من الدنيا خلفا منكم، ومن كان معروفا شريفا فترك ما ~~يتنافس فيه نظراؤه من الدنيا إرادة الله بذلك فواها لهذا ما أسعده وما أرشده وأعظم أجره ~~وأهدى سبيله، فهذا غدا - يعني يوم القيامة - القرير عينا الكريم عند الله مآبا.» # 22 ~~(3-2) فتح سجستان # وجه معاوية الأول ابن عامر واليا على البصرة، فأرسل هذا عبد الرحمن بن سمرة إلى ~~سجستان فافتتح بعض مدنها عنوة والبعض الآخر صلحا، حتى بلغ كابل فحاصرها أشهرا ورمى ~~حصونها بالمنجنيق فخضع أهلها. # 23 # وتشتهر سجستان برياحها الشديدة وطبيعتها الجبلية وجوها القاسي، ويمتاز أهلها بكبر الجثة ~~والجلادة ومعظمهم ms103 من الفرس، وقد امتنعوا على بني أمية فلم يشتموا عليا على منابرهم ولم ~~يلعنوه، ويقول معجم البلدان: «إن أهلها يعتمون بثلاث عمائم وأربع، كل واحدة لون، ما ~~بين أحمر وأصفر وأخضر وأبيض وغير ذلك من الألوان على قلانس لهم شبيهة بالمكوك، ويلفونهم ~~لفا يظهر ألوان كل واحدة منها، وأكثر ما تكون هذه العمائم إبريسم طولها ثلاثة أو أربعة ~~أذرع، ولا تخرج لهم امرأة من منزل أبدا، وإن أرادت زيارة أهلها فبالليل، وبها كثير من ~~الخوارج يظهرون مذهبهم ولا يتحاشون منه ويفتخرون به عند المعاملة.» # 24 ~~(3-3) فتح خراسان # تشتمل خراسان على أمهات من البلاد أشهرها نيسابور وهراة، ومرو - وكانت عاصمتها - وبلخ ~~وطالقان ونسا وأبيورد وسرخس وما يتخلل ذلك من المدن التي هي دون نهر جيحون، فلما انتشر ~~الإسلام فيها رغب الناس في تعاليمه ومبادئه، فأسرعوا إليه ودخلوا في حظيرته وصالحوا ~~عن بلادهم، فلم يفتحها العرب عنوة ولم يتكبد سكانها الخسائر الجمة التي تأتي بها ~~الحروب عادة، ولم يصابوا بالويلات التي أصيب بها أهل جرجان وطبرستان، فخف خراجهم ولم تسفك ~~دماؤهم. # دخل المسلمون خراسان سنة 18ه/639م في أيام الخليفة عمر بن الخطاب، وقد تملك الأحنف بن ~~قيس مدنها في مدة يسيرة، غير أن السيطرة الإسلامية لم يرسخ سلطانها في هذه الأصقاع إلا ~~حينما وجه عثمان بن عفان والي البصرة عبد الله بن عامر بن كريز إليها سنة 30ه/650م، ~~ففتح ابن عامر «أبرشهر» عاصمة نيسابور صلحا بعد أن أمر أهلها وأكدوا له أن يؤدوا ~~للخزينة كل سنة مليون درهم (1000000)، ثم احتل هراة وبادغيس وبوشنج وصالح أهلها، ~~وحفظ لنا التاريخ نسخة من كتاب الصلح الذي عقده ابن عامر معهم وهو: «بسم الله الرحمن ~~الرحيم ... هذا ما أمر به عبد الله بن عامر عظيم هراة وبوشنج وبادغيس، أمره بتقوى الله ~~ومناصحة المسلمين وإصلاح ما تحت يديه من الأرضين، وصالحه عن هراة سهلها وجبلها على ~~أن يؤدي من الجزية ما صالحه عليه، وأن يقسم ذلك على الأرضين عدلا بينهم، فمن منع ما ~~عليه فلا عهد ms104 له ولا ذمة.» # 25 # وكان الصلح على وصائف ووصفاء ودواب ومتاع وأن يوسعوا للمسلمين في منازلهم ... ولم يكن عند ~~القوم يومئذ عين، ومضى بعد ذلك إلى طخارستان ومدينتها بلخ، ومرو الروذ فاحتلهما بعد قتال ~~شديد ثم رمت الطالقان والفارياب والجورجان سلاحها وخضعت جميعها للمسلمين. # فلما كانت الحرب الأهلية المشهورة بين علي ومعاوية التاث أمر خراسان وانتقضت على ~~العرب، وغدر أهلها بالحامية العربية في مختلف الحصون، ولم تزل كذلك حتى تم الأمر ~~لمعاوية فحارب أرباب النكث وأخضعهم، وعمد إلى إرسال العيالات العربية إليها، فأمر زياد بن ~~أبي سفيان أن يحول من المصرين زهاء خمسين ألفا إلى خراسان، فهدأت البلاد وأصبحت المقر ~~العام للفتوح الإسلامية في الهند والسند والصين، وانتشرت المدنية العربية بين ظهراني ~~سكانها، فكان منهم البرامكة والقحاطبة والطاهرية والساسانية وغيرهم من الجماعات المعروفة ~~بالسخاء والجود، وقد نبع منهم رجال رفعوا للحديث والفقه والشريعة والأدب منارا عاليا ~~كمحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج القشيري، وأحمد بن حنبل، وأبي حامد الغزالي، ~~والفارابي، والزمخشري، وغيرهم من أرباب العلم والفضل. # 26 ~~(3-4) فتح ما وراء النهر # أسهب الجغرافيون العرب في وصف بلاد ما وراء النهر، وذكروا شيئا كثيرا من محاسنها ~~وجمالها وأخلاق سكانها وطرق معايشهم، وفصلوا لنا تفصيلا تاما عن عمارة بلدانها ~~وصادراتها، ولم أر وصفا دقيقا لهذه البلاد كوصف ياقوت لها، قال: «... ما وراء النهر من ~~أنزه الأقاليم وأخصبها وأكثرها خيرا، وأهلها يرجعون إلى رغبة في الخير والسخاء واستجابة ~~من دعاهم إليه ... مع شدة شوكة ومنعة وبأس وعدة وآلة وكراع وسلاح. # فأما الخصب فيها فهو يزيد على الوصف، ويتعاظم عن أن يكون في جميع بلاد الإسلام ~~وغيرها مثله، وليس في الدنيا إقليم أو ناحية إلا ويقحط أهلها مرارا قبل أن يقحط ما وراء ~~النهر، ثم إن أصيبوا في حر أو برد أو آفة تأتي على زروعهم ففي فضل ما يسلم في عرض ~~بلادهم ما يقوم بأودهم حتى يستغنوا عن نقل شيء إليهم من بلد آخر، وليس بما وراء النهر من ~~موضع يخلو ms105 من العمارة من مدينة أو قرى أو مياه أو زروع أو مراع لسوائمهم، وليس شيء لا بد ~~للناس منه إلا وعندهم منه ما يقوم بأودهم ويفضل عنهم لغيرهم. # وأما مياههم فإنها أعذب المياه وأخفها، فقد عمت المياه العذبة جبالها ونواحيها ~~ومدنها، وأما الدواب ففيها من المباح ما فيه كفاية على كثرة ارتباطهم لها وكذلك الحمير ~~والبغال، وأما لحومهم فإن بها من الغنم ما يجلب من نواحي التركمان الغربية. # وأما الملبوس ففيها من الثياب القطن ما يفضل عنهم فينقل إلى الآفاق، ولهم القز ~~والصوف والوبر والإبريسم، وفي البلاد من معادن الحديد ما يفضل عن حاجتهم في الأسلحة ~~والأدوات ، وبها معادن الذهب والفضة والزئبق، وأما فواكههم فإنك إذا تبطنت الصغد وأشروسنة ~~وفرغانة والشاش رأيت من كثرتها ما يزيد على سائر الآفاق. # وأما الرقيق فإنه يقع عليه من الأتراك المحيطة بهم ما يفضل عن كفايتهم وينقل إلى ~~الآفاق، وهو خير رقيق بالمشرق كله. # وبها من المسك والزعفران ما ينقل إلى الأمصار الإسلامية وكذلك الأوبار من السمور ~~والسنجاب والثعالب وغيرها. # وأما سماحتهم فإن الناس في أكثر ما وراء النهر كأنهم في دار واحدة، ما ينزل أحد بأحد ~~إلا كأنه دخل دار صديقه، لا يجد المضيف من طارق في نفسه كراهة، بل يستفرغ مجهوده في غاية ~~من إقامة أوده من غير معرفة تقدمت ولا توقع مكافأة، بل اعتقادا للجود والسماحة في ~~أموالهم. # والغالب على أهل ما وراء النهر صرف نفقاتهم إلى الرباطات وعمارة الطرق والوقوف على سبيل ~~الجهاد ووجوه الخيرات، وبما وراء النهر زيادة على عشرة آلاف رباط في كثير منها إذا نزل الناس ~~أقيم لهم علف دوابهم وطعام أنفسهم. # وأما بأسهم وشوكتهم فليس في الإسلام ناحية أكبر حظا في الجهاد منهم، وذلك أن جميع ~~حدود ما وراء النهر دار حرب، فمن خوارزم إلى أقصى فرغانة هم القاهرون للأعداء يمنعونهم من ~~دار الإسلام. # وهم أحسن الناس طاعة لكبرائهم وألطفهم خدمة لعظمائهم؛ حتى دعا ذلك الخلفاء إلى أن ~~استدعوا من وراء النهر رجالا، وكانت الأتراك جيوشا ms106 ذات بأس وإقدام وحسن طاعة، فقدم ~~إلى الخلفاء «العباسيين» منهم جماعة صاروا قوادا وحاشية للخلفاء، ثم قوي أمرهم ~~وتوالدوا وتغيرت طاعتهم حتى غلبوا على الخلفاء مثل الأفشين وآل أبي الساج، وهم من أشروسنة ~~والإخشيد من سمرقند.» # 27 # ويراد بكلمة ما وراء النهر في عرف العرب كل المقاطعة الواقعة شرقي نهر جيحون، فهي تشتمل ~~على بلاد الصغد وأشروسنة وفرغانة وألشاس وبخارى وغيرها، وكان معاوية أول من وجه وجهه ~~نحو بلاد ما وراء النهر، فاستعمل عبيد الله بن زياد على خراسان وأوصاه بغزوها، فعبر النهر ~~وعمره خمس وعشرون سنة ومعه جيش يتألف من أربعة وعشرين ألفا، ففتح بخارى وصالح أهلها على ~~ألف ألف درهم (1000000)، ثم دخل بيكند - مدينة التجار - وتقع بين بخارى وجيحون ولها ذكر ~~عظيم في الفتوح، قال صاحب كتاب الأقاليم: «... إن بها من الرباطات ما لا أعلم ببلد من البلدان ~~من وراء النهر أكثر منها، بلغني أن عددها نحو ألف رباط، ولها سور عظيم ومسجد جامع به ~~محراب ليس أحسن زخرفة منه.» # 28 # وولى معاوية سعيد بن عثمان بن عفان خراسان، فقطع النهر سنة 55ه/674م، وأقبل إليه أهل ~~الصغد وكس ونسف في مائة وعشرين ألفا، فهزمهم وأفشى فيهم الجراح بمعركة بخارى، ودخل مدينة ~~بخارى نفسها ظافرا كما دخلها عبيد الله بن زياد من قبله، وصالح أهلها على سبعمائة ألف ~~درهم، وأخذ رهنا من أبناء عظمائهم لئلا ينقضوا عهودهم. # المهلب بن أبي صفرة، وقتيبة بن مسلم # لما تولى الحجاج العراقين وخراسان بذل جهدا عظيما في إتمام الفتوح المشرقية، ~~وكان المهلب بن أبي صفرة ومحمد بن القاسم وقتيبة بن مسلم الباهلي قواده الكبار وسيوفه ~~البتارة، فهم الذين نشروا لواء بني أمية حتى الصين، فغزا المهلب سنة 99ه/717م مغازي ~~كثيرة، فأدت إليه الصغد الأتاوة وخضعت له كس ونسف وخجندة، وقد مات بزاغول من أعمال ~~مرو الروذ حزنا على وفاة ابنه المغيرة، ولا نعلم تماما السنة التي ولد فيها، إنما ~~يمكننا أن ندعي أن مولده كان قبل وفاة النبي بسنين، ولا شبهة أنك تذكر ms107 وقائعه مع الخوارج ~~في البصرة والأهواز وما قام به من جليل الأعمال في الحركة الزبيرية، وأسندت إليه ولاية ~~خراسان قبل وفاته، ولم يزل واليا بها إلى سنة 83ه/702م، وهو من القادة المجربين في ~~الحرب، حتى إن ابن قتيبة في كتابه «المعارف» عابه بالكذب، ولكن لنذكر أن الحرب خدعة كما ~~قال الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وعرف بكلمات ووصايا تناقلها الأدباء من بعده؛ أشهرها: # أوصى المهلب ابنه يزيدا بقوله: «يا بني استعقل الحاجب واستظرف الكاتب، فإن حاجب الرجل ~~وجهه وكاتبه لسان»، وله في حسن السمعة والثناء الجميل: «الحياة خير من الموت، ~~والثناء الحسن خير من الحياة، ولو أعطيت ما لم يعطه أحد لأحببت أن تكون ~~لي أذن أسمع بها ما يقال في غدا إذا مت.» # 29 # ورثاه نهار بن توسعة الشاعر بقوله: # ألا ذهب الغزو المقرب للغنى # ومات الندى والجود بعد المهلب # لمع نجم قتيبة بن مسلم الباهلي بعد وفاة المهلب، فولاه الحجاج خراسان، فأتى بخارى ~~وبيكند وغزاهما مع أنهما صالحا قبل ذلك، فأصاب فيهما كثيرا من آنية الذهب والفضة، فقوي ~~جيشه واغتنى جنده وتنافسوا بشراء الخيل وحسن الهيئة والعدة وغالوا بالسلاح، فقال ~~الكميت: # ويوم بيكند لا تحصى عجائبه # وما بخارى مما أخطأ العدد # 30 # ثم أرسل جيشا يتألف من عشرين ألفا بقيادة أخيه عبد الرحمن بن مسلم إلى الصغد، وأتاه ~~بعد ذلك بنفسه مددا، فتحالفت الشاش وفرغانة مع الصغد على العرب ففتك بهم فتكا ذريعا، ~~ورمى عاصمة الصغد سمرقند - مدينة الفيل - بالمجانيق فرضخت وقبلت التسليم حسب الشروط ~~الآتية: ~~(1) # يقبض مسلم ألفي ألف ومائتي ألف في كل عام (مليونين ومائتي ألف). ~~(2) # يعطى مسلم تلك السنة ثلاثون ألف رأس ليس فيهم صبي ولا شيخ ولا عيب. ~~(3) # يخلي الصغد مدينة سمرقند لقتيبة، فلا يكون لهم فيها مقاتل، ويخلف فيها حامية ~~من المسلمين. ~~(4) # يتخذ المسلمون بسمرقند مسجدا. ~~(5) # يقبض قتيبة على بيوت النيران وحلية الأصنام. # 31 # وحرق المسلمون معظم الأصنام وبيوت النيران وسلبوا حليها، ويقال إنهم وجدوا من ~~بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب ms108 والفضة خمسين ألف مثقال، # 32 # والمهم أن قتيبة كان لا يطمع من الغزو بالغنيمة فقط كما فعل أسلافه، بل ~~جعل يشحن المدن التي يفتتحها بالعدة والرجال ويستخلف فيها آلات الحرب، ويعلن بها الأحكام ~~العرفية؛ حتى إنه أوصى أخاه عبد الله بن مسلم حينما ولاه سمرقند بقوله: «لا تدعن ~~مشركا يدخل بابا من أبواب سمرقند إلا مختوم اليد ... وإن وجدت معه حديدة سكينا فما ~~سواه فاقتله، وإن أغلقت الباب ليلا فوجدت فيها أحدا منهم فاقتله.» # 33 # ووصف الشعراء فتح سمرقند وما ناله المسلمون من الفوز فقال نهار الشاعر: # وما كان مذ كنا ولا كان قبلنا # ولا هو فيما بعدنا كابن مسلم # أعم لأهل الترك قتلا بسيفه # وأكثر فينا مقسما بعد مقسم # وقال كعب بن الأشعري - وينسب بعضهم هذه الأبيات لغيره وهي: # كل يوم يحوي قتيبة نهبا # ويزيد الأموال مالا جديدا # باهلي قد ألبس التاج حتى # شاب منه مفارق كن سودا # دوخ السغد بالقبائل حتى # ترك السغد بالعراء قعودا # فوليد يبكي لفقد أبيه # وأب موجع يبكي الوليدا # كلما حل بلدة أو أتاها # تركت خيله بها أخدودا # أما بلاد الصغد فقصبتها سمرقند، وهي مشهورة ببساتينها ومزارعها وأرجائها، ويحيط بها ~~سور له اثنا عشر بابا، من الباب إلى الباب فرسخ، وفي أعلاه الأبرجة للحرب، # 34 # وأعجب الجغرافيون بجمال الصغد، ففضلها الإصطخري على الغوطة فقال: «إن صغد ~~سمرقند أنزه البلدان، وتشتبك في أوديتها الخضرة والبساتين، وقد حفت بالأنهار الدائم ~~جريها والحياض في صدور رياضها وميادينها، وهي أزكى بلاد الله وأحسنها أشجارا وثمارا، ~~وفي عامة مساكن أهلها المياه الجارية والبساتين والحياض، قل ما تخلو سكة أو دار من نهر جار.» # 35 # ومن مدن الصغد مدينة كس (أو كش)، تقع بالقرب من سمرقند، وهي نحو ثلاثة فراسخ في مثلها، ~~حصينة وتكثر فيها الأوبئة القتالة والحميات المخيفة لانخفاضها. # 36 # وأما بقية بلاد ما وراء النهر فأشهرها أشروسنة، تقع بين نهر سيحون وسمرقند، وهي طيبة ~~الهواء عذبة المياه كثيرة الجبال. # 37 # ومنها فرغانة، وهي كورة واسعة كثيرة الخيرات عظيمة ms109 الرقعة تضم الرساتيق الكبيرة ~~والبساتين الجمة، أكبر مدنها خجندة وبها الأعناب والجوز والتفاح والورد والبنفسج وأنواع ~~الرياحين والفستق، وليس بما وراء النهر أكثر من قرى فرغانة، وربما بلغ حد القرية مرحلة ~~لكثرة أهلها وانتشار مواشيهم وزروعهم. # 38 # ومنها الشاش، وهي الثغر الكبير في وجه الترك، وبها الرباطات القوية، وتمتاز بعمران ~~قراها ووفرة مساجدها. # وقد افتتح قتيبة كل هذه المدن التي وصفناها بعد عناء شديد، وكان ذلك سنة 94ه/712م، ~~ولم يتمكن المسلمون من بلاد الصغد أو خوارزم إلا حينما اشتدت الحرب الأهلية بين سكانها، ~~فذكر لنا كل من البلاذري والطبري أن شابا من العائلة المالكة يعرف ب «خرزاذ» أو ~~«خرزاد»، أسس حزبا قويا في البلاد، وراح يظلم الشعب ويغتصب أمواله وأعراضه حتى ضاق ~~المليك به ذرعا، فأرسل إلى قتيبة يدعوه وبعث في ذلك رسلا، وقد هيأ له أسباب الفتح، ~~فتمكن من الانتصار وانتقم من الأحزاب المعارضة ورفع لواء الأمويين في تلك الجهات. والظاهر ~~أن قبائل الصغد كانوا ينزلون خوارزم، فعرفت خوارزم ببلاد الصغد، وتجد المؤرخين العرب لا ~~يفرقون بين البلادين، فيقولون إن سمرقند هي عاصمة خوارزم، ويؤكدون أن الصغد كانوا ~~نازلين بها. # 39 ~~(3-5) فتح الصين # عزم قتيبة بن مسلم بعد أن وطد نفوذه في بلاد ما وراء النهر على افتتاح الصين، فهيأ ~~لذلك الأسباب وأرسل كتائبه الكشافة لتمهد له الطرق لاحتلال كاشغر، فتم له فتحها وسبيها ~~سنة 96ه/714م، ثم حالت الاضطرابات الداخلية في العاصمة دمشق - وسنفصل لك ذلك - دون التوغل ~~في الصين، فرضي ابن مسلم - بعد المفاوضة مع ملوكها - على قبول ما قدموه له من الأموال ~~والهدايا، وكان من نتائج احتكاك الجيوش الإسلامية بجماعات الصينيين انتشار الإسلام في ربوعهم، ~~وإني مورد لك ما يرويه الطبري بخصوص المفاوضات التي دارت بين قتيبة والصينيين، وهي كلها تؤكد ~~لنا أن العرب لم يتقدموا في فتوحهم إلى أقاصي الصين كما يقول بعض الغلاة من المؤرخين، قال ~~الطبري: «... وغل قتيبة حتى قرب من الصين، فكتب إليه ملك الصين أن ابعث إلينا رجالا من أشراف ~~من ms110 معكم يخبرنا عنكم ونسائله عن دينكم، فانتخب قتيبة من عسكره اثني عشر رجلا لهم جمال ~~وأجسام وألسن وشعور وبأس ... فكلمهم قتيبة وفاطنهم، فرأى عقولا وجمالا، فأمر لهم ~~بعدة حسنة من السلاح والمتاع الجيد من الخز والوشي واللين من البياض والرقيق والبغال والعطر، ~~وحملهم على خيول مطهمة تقاد معهم ودواب يركبونها، وأمرهم بقوله: فإذا دخلتم فأعلموه أني ~~قد حلفت أن لا أنصرف حتى أطأ بلادهم وأختم ملوكهم وأجبي خراجهم، فدعا ملك الصين بصحاف من ذهب ~~فيها تراب، وبعث بحرير وذهب وأربعة غلمان من أبناء ملوكهم، ثم أجازهم فأحسن جوائزهم، فساروا ~~فقدموا بما بعث به، فقبل قتيبة الجزية وختم الغلمة وردهم ووطئ التراب.» # 40 # أسباب نجاح قتيبة بن مسلم # مهما يكن من أمر هذه الرواية فإن فتوح قتيبة بن مسلم تكللت بأكاليل النجاح للأسباب ~~الآتية: # السبب الأول: ~~«القادة يبذلون الأموال»: كان قتيبة يبذل ~~الأموال عن سعة لجنده فلا يبخل أبدا، ويرجع الفضل في ذلك للحجاج، فإنه لم يتأخر يوما عن ~~إمداد المسلمين في دار الحرب بكل ما لديه من الوسائل الفعالة، ويعتقد الترك أن هذا هو ~~السبب الأول في انتصاره عليهم، نستنتج ذلك من كلام أحد ملوكهم - المعروف برتبيل - لقومه، ~~فقال لهم مرة: «كان الحجاج رجلا لا ينظر فيما أنفق إذا ظفر ببغيته، ولو لم ~~يرجع إليه درهم، وأنتم لا تنفقون درهما إلا إذا طمعتم في أن يرجع إليكم مكانه عشرة.» # 41 # السبب الثاني: ~~«الطلائع الكشافة تعينه حربيا»: ~~بعث قتيبة الطلائع الكشافة من أهل البلاد العجم والترك ممن يستنصح لدرس أحوال أعدائه ~~درسا مفصلا، فكانت تأتيه التقارير عن جغرافية الأصقاع التي سعى لفتحها مع وصف شعابها ~~ونجادها وطرقها ومدنها وأدغالها، كما لا يتوغل المسلمون فيقعون في أغلاط يمكنهم اجتنابها، ~~وامتحن طلائعه هذه ليعرف درجة إخلاصها له في أعمالها، فذكر الطبري أنه إذا «بعث بطليعة ~~أمر بدوح فنقش ثم يشقه شقتين، فأعطاه شقة واحتبس شقة لئلا يمثل مثلها، ~~ويأمره أن يدفنها في موضع يصفه له من مخاضة معروفة أو تحت شجرة معلومة أو ms111 خربة، ثم يبعث ~~بعده من يستبريها ليعلم أصادق طليعته أم لا.» # 42 # السبب الثالث: ~~«الحث على الجهاد»: اعتمد قتيبة في ~~فتوحه على إشعال نيران الحمية الإسلامية وإيقادها، فأشار لجنده في خطبه عما يجده المجاهد ~~في اليوم الآخر من الثواب الطيب والفوز العظيم، وما يلاقي عند ربه من العفو والرحمة والأجر، ~~وما الجنات التي تجري تحتها الأنهار إلا مقرا للشهداء الأبرار، فكان يستنهض هممهم ~~ويستثير عزيمتهم بمثل هذه الوعود، قال يحثهم على الجهاد: إن الله أحلكم هذا المحل ليعز ~~دينه ويذب بكم عن الحرمات، ويزيد بكم المال استغاضة والعدو وقما، ووعد نبيه # صلى الله عليه وسلم # النصر بحديث صادق وكتاب ناطق فقال: # هو الذي أرسل رسوله ~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون ~~، # 43 # ووعد المجاهدين في سبيله أحسن الثواب وأعظم الذخر عنده فقال: # ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة ~~في سبيل الله # إلى قوله: # أحسن ما كانوا ~~يعملون ~~، # 44 # ثم أخبر عمن قتل في سبيله أنه حي مرزوق فقال: # ولا ~~تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ~~ربهم يرزقون ~~، # 45 # فتنجزوا موعد ربكم ووطنوا أنفسكم على أقصى أثر وأمضى ألم وإياي والهوينا. # 46 # السبب الرابع: ~~«دربة قتيبة والقادة الذين سلفوه في الساحة ~~الشرقية»: كان قتيبة والقادة الذين سلفوه في الفتوح المشرقية من الرجال ~~العمليين، فإذا وجدوا فرصة سانحة تمكنهم من أعدائهم انتهزوها، وطالما وعدوا ونقضوا ~~وعودهم حينما رأوا القدرة في جانبهم والقوة في صفوفهم، فكان العجم يعيرون قتيبة بالغدر ~~فيذكرون أنه وعد بإخلاء سمرقند ولم يف بوعده، ووصف أحدهم المهلب بن أبي صفرة - وهو ~~كقتيبة - بهذا المعنى بقوله: «كان إذا وجد الفرصة سار كما يسور الليث، وإذا دهمته الطخمة ~~راغ كما يروغ الثعلب، وإذا ماده القوم صبر صبر الدهر.» # 47 # أغلاط القادة العرب # أما الأغلاط التي وقع بها القادة العرب فأشدها فظاعة تشجيعهم روح العصبية بين ~~القبائل، فطمع بها أهل البلاد المغلوبة على أمرها، وجعلوا يفرقون بين العرب ويوغرون ~~صدور بعضهم ms112 على بعض بالأحقاد، فتمكنوا بهذا من التضييق عليهم عندما تضعضعت قواهم ~~وتفرقت صفوفهم، ولو فرق القادة يوم افتتحوا هذه البلاد بطون القبائل في مختلف الأنحاء ~~وشجعوها على الاختلاط لما أصيب العرب بما أصيبوا به من التقتيل في أواخر الدولة ~~الأموية في خراسان وما وراء النهر. # مأساة قتيبة بن مسلم # كان قتيبة سيفا من سيوف الأمويين البتارة، فقضى عمره خواضا للمعارك رافعا راية ~~الجهاد حاملا بذور المدنية الإسلامية شرقا إلى الصين، فعقه جنده أخيرا وقتلوه، ~~وإليك تفصيل الحادث: # سعى الوليد بن عبد الملك في بيعة ابنه عبد العزيز من بعده، ودفع الخلافة عن أخيه ~~سليمان بن عبد الملك، فدس إلى القواد والشعراء وكبار الدولة لينشروا لعبد العزيز ~~ذكرا وليصفوا مناقبه وما تحلى به من جميل الخصال، فأجابه الحجاج وقتيبة وغيرهما ~~وجعلوا يبثون له الدعوة في البلاد، وقد طمع جرير بالجوائز والهبات عند ذاك فقال يمدح عبد ~~العزيز: # إذا قيل أي الناس خير خليفة # أشارت إلى عبد العزيز الأصابع # رأوه أحق الناس كلهم بها # وما ظلموا فبايعوه وسارعوا # وقال يحض الوليد على بيعة عبد العزيز: # إلى عبد العزيز سمت عيون الر # عية إذ تحيرت الرعاء # إليه دعت دواعيه إذا ما # عماد الملك خرت والسماء # وقال أولو الحكومة من قريش # علينا البيع إن بلغ الغلاء # رأوا عبد العزيز ولي عهد # وما ظلموا بذاك ولا أساءوا # فماذا تنظرون بها وفيكم # جسور بالعظائم واعتلاء # فزحلفها بأزفلها إليه # أمير المؤمنين إذا تشاء # فإن الناس قد مدوا إليه # أكفهم وقد برح الخفاء # ولو قد بايعوك ولي عهد # لقام الوزن واعتدل البناء # 48 # فتألم سليمان من هذه الفئة وحقد عليها، وود لو يوقع بها إذا أتاحت له الأيام ~~ذلك، فلما قضى الوليد الأول اعتلى عرش الخلافة مخافة قتيبة، وأعلن خلعه وجعل يذمه ~~ويثير ضغائن العراقيين ضد بني أمية والشاميين، ودعاهم إلى الاستقلال والانفصال كما دعاهم ~~يزيد بن المهلب من قبله، فلقب سليمان «بهبنقة العائشي»؛ وذلك لأنه كان يعطي ويصطنع أهل ~~النعم واليسار ويدع من سواهم، وكان هبنقة وهو ms113 يزيد بن ثروان يؤثر سمان إبله بالعلف والمرعى ~~ويقول: «أنا لا أصلح ما أفسد الله.» # 49 # وخطب مرة في أهل العراق بخراسان فقال: «... إن الشام أب مبرور، وإن العراق أب مكفور، ~~حتى متى يتبطح أهل الشام بأفنيتكم وظلال دياركم؟ يا أهل خراسان انسبوني تجدوني عراقي الأم ~~عراقي الأب عراقي المولد عراقي الهوى والرأي والدين ... وقد أصبحتم اليوم فيما ~~ترون من الأمن والعافية، قد فتح الله لكم البلاد وآمن سبلكم، فالظعينة تخرج من ~~مرو إلى بلخ بغير جواز، فاحمدوا الله على النعمة»، # 50 # فأصدرت الحكومة الأموية أوامرها حالا للجيوش في الساحة الشرقية بالقفول ~~وإعطاء الجند أعطياتهم والعفو التام عن المجرمين الذين كانوا في سجن قتيبة، وكان الناس قد ~~سئموا القتال وودوا الرجوع إلى الأوطان وتطلعوا إلى السلام فلم يجبه أحد إلى خلع ~~سليمان، فشتم كبار الزعماء ونسبهم إلى الغدر والمكر، فثاروا به بقيادة وكيع بن حسان بن ~~قيس التميمي وهو أعرابي جاف، واتحدت العجم معهم عليه لبلائه فيهم فقتلوه مع أهله ~~واحتزوا رأسه وهو لا يتجاوز الخامسة والخمسين، فارتاح سليمان لمقتله، لكنه فقدت ~~به بنو أمية بطلها المغوار، فبكاه الشعراء وأسف لمقتله الناس، فقال عبد الرحمن بن ~~جمانة يرثيه: # كأن أبا حفص قتيبة لم يسر # بجيش إلى جيش ولم يعل منبرا # ولم تخفق الرايات والقوم حوله # وقوف ولم يشهد له الناس عسكرا # دعته المنايا فاستجاب لربه # وراح إلى الجنات عفا مطهرا # وشهد بقتيبة أحد الأعاجم فقال: «يا معشر العرب، قتلتم قتيبة، والله لو كان قتيبة ~~منا فمات فينا جعلناه في تابوت فكنا نستفتح به إذا غزونا، وما صنع أحد قط بخراسان ما ~~صنع قتيبة، ألا إنه قد غدر وذلك أن الحجاج كتب إليه أن اختلهم واقتلهم في الله.» # 51 ~~(3-6) فتح الهند والسند # قلنا فيما تقدم أن الفتوح المشرقية بدأت على عهد عثمان بن عفان، وكان عبد الله بن عامر بن ~~كريز والي العراق إذ ذاك ساعده الأيمن ويده البطاشة، فأراد غزو الهند والاستيلاء ~~عليها، فوجه كشافته إلى حدودها لاختبار أحوالها، ms114 فرجعوا وثبطوا همته اعتقادا منهم ~~أن البلاد لا تخضع إلا لجيش قوي متين، فقالوا له: «إن قل الجيش فيها ضاعوا، وإن كثروا جاعوا.» # 52 # ولم يقم بفتح الهند وتثبيت أقدام المسلمين فيها إلا محمد بن القاسم، وقد ولاه الحجاج ~~في أيام الوليد الأول فارس، وعقد له على جيش يتألف من ستة آلاف وكلهم من الشام، وجهزه بكل ~~ما يحتاج إليه، حتى الخيوط والمسال كما روى البلاذري. # 53 # وهنا يعدد لنا المؤرخون أسماء البلاد التي افتتحها، فيقولون: إنه سار مع «شيراز» المقر ~~العام لجيشه إلى «مكران» ف «قنزبور» ف «أرمائيل» ف «الديبل» ف «البيرون» ف «سهبان» ف «مهران» ~~ف «برهمناباذ» ف «ساوندري» ف «الرور» ف «الملتان»، ولا ريب أن أشهر المعارك التي خاض ~~غمارها محمد بن القاسم هي معركة الديبل، فإنه خندق حول المدينة ورماها بالمنجنيق، ~~فافتتحها عنوة، ومكث يقتل من فيها ثلاثة أيام، ثم اختط بها للمسلمين وبنى لهم مسجدا ~~وأنزلها أربعة آلاف من جنده، وقد امتازت الديبل بمنارتها العظمى وبها الأصنام المقدسة ~~وكانت تعرف عندهم «بالبد»، أما الملتان من أعمال السند فهي أيضا من المدن المقدسة عند ~~الهنود، وكانت تهدى إلى بدها الأموال وينذر له النذور، وتحج إليه أهل السند فيطوفون به ~~ويحلقون رءوسهم ولحاهم. # 54 # محمد بن القاسم # نصر محمد بن القاسم الوليد في دعوته لابنه عبد العزيز، فعزله سليمان بن عبد ~~الملك وعين مكانه يزيد بن أبي كبشة السكسكي، وأمره بسجنه، فقبض عليه وعذبه ثم ~~نقله إلى واسط العراق فأعدمه صالح بن عبد الرحمن والي المصرين، فقضى وهو يتمثل بهذا ~~البيت: # أضاعوني وأي فتى أضاعوا # ليوم كريهة وسداد ثغر # وقال يتألم من سجنه ويذكر ماضيه: # فلئن ثويت بواسط وبأرضها # رهن الحديد مكبلا مغلولا # فلرب فتية فارس قد رعتها # ولرب قرن قد تركت قتيلا # وقال: # وما دخلت خيل السكاسك أرضنا # ولا كان من عك علي أمير # ولا كنت للعبد المزوني تابعا # فيا لك دهر بالكرام عثور # وبكى الهنود محمدا لسماحته وعدله وكرم خلقه، ورثاه حمزة بن بيض الحنفي ms115 ~~بقوله: # إن المروءة والسماحة والندى # لمحمد بن القاسم بن محمد # ساس الجيوش لسبع عشرة حجة # يا قرب ذلك سوددا من مولد # 55 # فترى أن ثلاثة من قادة الفتوح المشرقية وهم يزيد بن المهلب وقتيبة بن مسلم ومحمد بن ~~القاسم ذهبوا ضحية المصالح السياسية، وهذا دليل كاف لأن يبرهن لنا أن السياسة لا ترحم ~~أحدا. ~~(4) الفتوح في الساحة الإفريقية، الأوروبية ~~(4-1) إخضاع القبائل البربرية # كانت العراق هي المقر العام للفتوح المشرقية، أما الثغور الشامية فظلت دوما المحطة ~~الرسمية للمغازي في الساحة البيزنطية، وأصبحت مصر بعد خضوعها للمسلمين المركز الحصين لجيشهم ~~في اقتحام شمالي إفريقية. # فلما ولي عبد الله بن أبي سرح مصر على عهد عثمان بن عفان كان يرسل جرائد الخيل ويبعث ~~السرايا فيفرقها في الأطراف، فيغزو القبائل البربرية ويستاق مواشيها ويصيب أموالها، فلم ~~يختط للمسلمين بها بلدا بل كانت أعماله محصورة في الغزو والسلب ، وكان ذلك بين سنة 27ه وسنة ~~29ه و(647-649م). ~~(4-2) القيروان # وفتح عقبة بن نافع الفهري إفريقية على عهد معاوية الأول - ونقصد بإفريقية البلاد التي كان ~~يقطنها البربر حوالي القيروان اليوم - في عشرة آلاف من المسلمين، فاختط القيروان وبنى بها ~~الدور والمساكن، وشيد المسجد الجامع فيها وأنزلها جنده سنة 50 للهجرة و(670م)، وتابع ~~عقبة فتوحه حتى تم الاستيلاء على طرابلس، فأخضع قبائل لواته # 56 # ونشر بينها الإسلام. ~~(4-3) فتح تونس وطنجة # أسند عبد الملك بن مروان ولاية مصر إلى أخيه عبد العزيز بن مروان، فحصر همه في ~~إتمام الفتوح الإفريقية، فأخضع تونس، ثم وجه موسى بن نصير إلى طنجة، ففتحها واختط فيها ~~للمسلمين وحصنها تحصينا تاما، وولاها طارق بن زياد مولاه، ووطئت جيوشه السوس الأدنى ~~والسوس الأقصى، فأطاعت له قبائل هوارة وزناتة وكتامة وصنهاجة وسجوما، # 57 # وجعل ينشر الإسلام بينها بنشاط زائد وهمة لا تعرف الملل، فكان يتقرب منهم ~~ويصلي بهم ويخطب فيهم، # 58 # وبذل الأموال في سبيل ذلك، فروى ابن قتيبة: «إن موسى إذا أفاء الله عليه شيئا ~~اشترى من ظن منهم أنه يقبل الإسلام وينجب، ms116 فيعرض عليه الإسلام، فإن رضى قبله من ~~بعد أن يمحص عقله ويجرب فطنة فهمه، فإن وجده ماهرا أمضى عتقه وتولاه»، # 59 # وقال ابن خلكان: «... وترك موسى خلقا كثيرا من العرب لتعليم البربر القرآن وفرائض الإسلام»، # 60 # ولذا لا نعجب أبدا إن رأيناه بعد ذلك مادة جيشه في فتح الأندلس. # موسى بن نصير # أسس موسى بن نصير في تونس دارا لصناعة السفن، وأجرى البحر إليها مسيرة اثني عشر ~~ميلا، فأقحمه إياها فصارت ملجأ للمراكب إذا هبت الأنواء والرياح في فصل الشتاء، وكانت ~~هذه المراكب خفرا للسواحل الإفريقية، وبلغ عددها نحوا من مائة مركب حوالي سنة 84ه/703م، ~~وغزا بها سرقوسة من أعمال صقلية وسردانية وافتتح جزيرة ميورقة. # أما فاتح إفريقية موسى بن نصير فقد ولد في خلافة عمر بن الخطاب سنة 19ه/640م، وكان ~~أبوه مسيحيا من عين التمر، وهي بلدة قريبة من الأنبار غربي الكوفة، تقرب من قرية يقال ~~لها شفاثا ويجلب منها التمر إلى سائر الأمصار، وفتحها المسلمون على يد خالد بن الوليد سنة ~~13ه/634م عنوة، وكان والده نصير على حرس معاوية بن أبي سفيان ومنزلته عنده مكينة، # 61 # وقضى موسى مغضوبا عليه منفيا في وادي القرى بالحجاز. # 62 # لسنا نبحث في كتابنا هذا عن الفتوح الأوروبية - فتوح إسبانيا وجنوبي فرنسا - فإننا ~~أشبعناها درسا في كتاب الدولة الأموية في قرطبة. # 63 # فتحت الدولة الأموية هذه الأصقاع الشاسعة فأخذت في عمرانها ونشرت العدل في ربوعها، ~~وسنت القوانين المختصة بالخراج والجزية، وجعلت للمجتهد نصيبا طيبا في استثمار ~~الأرضين، وحرمت الكسول من تملكها كما لا تلعب يد الفساد والدمار فيها فتصبح قفراء لا ~~تزدهي بالزروع النضرة ولا تزدهر بالثمار الشهية، وإليك أحكام أراضي الخراج في البلاد التي ~~افتتحها العرب: # قال تلميذ أبي حنيفة المشترع الإسلامي الكبير أبو يوسف ما نصه: ~~(1) # إنما أرض أخذت عنوة مثل السواد والشام وغيرهما، فإن قسمها الإمام بين من غلب ~~عليها فهي أرض عشر وأهلها رقيق. ~~(2) # وإن لم يقسمها الإمام وردها للمسلمين عامة - كما فعل عمر بالسواد - فعلى ~~رقاب أهلها ms117 الجزية وعلى الأرض الخراج وليسوا برقيق. ~~(3) # إذا أسلم كافر من أهل العنوة أقرت أرضه في يده يعمرها ويؤدي الخراج عنها ولا ~~اختلاف في ذلك. ~~(4) # إذا عطل أرضه قيل له ازرعها وأد خراجها وإلا فادفعها إلى غيرك يزرعها، ~~فأما أرض العشر فإنه لا يقال له فيها شيء. ~~(5) # وإذا أصابت الغلات آفة أو غرق سقط الخراج عن صاحبها، وزاد على ذلك ~~مالك والشافعي بقولهما: «إذا كان في البلاد سنة أعجمية قديمة لم يغيرها ~~الإسلام ولم يبطلها فشكاها قوم إلى الإمام لما ينالهم من مضرتها يغيرها ~~وإن قدمت؛ لأن عليه نفي كل سنة جائزة سنها أحد من المسلمين فضلا عما سن ~~أهل الكفر.» # 64 # الفصل السادس # | العدل والإصلاح في الدولة الأموية # (1) عبد الملك بن مروان # ثبت الأمويون عرشهم على الجماجم، فأعملوا السيف والنطع، وراحوا يفتكون بأعدائهم فتكا ~~ذريعا، وليست الأعمال الرهيبة التي قام بها مروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان في العراق ~~والحجاز والشام عنا ببعيدة، فلما استتبت لهم الأحوال جعلوا يبسطون الحق في الجهات ~~المختلفة، ويحذرون من ارتكاب الأغلاط الإدارية الفاحشة التي قد تكلفهم نتائجها أضرارا ~~جسيمة ومسئولية عظيمة، فكان عبد الملك يأمر بالرفق والتريث في الأحكام والاهتمام بالمشاورة ~~وطلب النصيحة. # ذكر لنا المؤرخون أنه أوصى أخاه عبد العزيز حين مضى إلى مصر أميرا عليها فقال له: «ابسط ~~بشرك وألن كنفك وآثر الرفق في الأمور فإنه أبلغ بك، وانظر حاجبك فليكن من خير أهلك ~~فإنه وجهك ولسانك، ولا يقفن أحد ببابك إلا أعلمك مكانه لتكون أنت الذي تأذن له أو ~~ترده، وإذا خرجت إلى مجلسك فابدأ بالسلام يأنسوا بك، وتثبت في قلوبهم محبتك، وإذا انتهى إليك ~~مشكل فاستظهر عليه بالمشاورة فإنها تفتح مغاليق الأمور، وإذا سخطت على أحد فأخر ~~عقوبته، فإنك على العقوبة بعد التوقف عنه أقدر منك على ردها بعد إمضائها.» # 1 ~~(1-1) قطع دابر الرشوة والتخلص من الموظفين الخونة # وقطع دابر الرشوة فعزل الموظفين الخائنين الذين لا يعرفون من الوظيفة إلا إملاء جيوبهم ~~وتأخير مصالح الناس وعدم قضائها في ms118 أوقاتها، فكان بذلك شديد اليقظة كثير التعاهد لولاته ~~شديدا في أحكامه عليهم، روى الجاحظ: «بلغه أن عاملا من عماله قبل هدية، فأمر بإشخاصه ~~إليه، فلما دخل عليه قال له: أقبلت هدية منذ وليتك؟ قال: يا أمير المؤمنين بلادك عامرة ~~وخراجك موفور، ورعيتك على أفضل حال، قال: أجب فيما سألتك عنه، أقبلت هدية منذ وليتك؟ قال: ~~نعم، قال: لئن كنت قبلت ولم تعوض إنك للئيم، ولئن أنلت مهديك - لا من ~~مالك - أو استكفيته ما لم يكن يستكفاه إنك لجائر خائن، ولئن كان مذهبك أن ~~تعوض المهدي إليك من مالك وقبلت ما اتهمك به عند من استكفاك وبسط لسان ~~عائبك وأطمع فيك أهل عملك إنك لجاهل، وما فيمن أتى أمرا لم يخل فيه من دناءة أو ~~خيانة أو جهل مصطنع نحيناه عن عمله.» # 2 ~~(1-2) اهتمام بكل صغيرة وكبيرة # ولم يكل الأمور في أعدائه وأهل حربه ومنافسيه إلى غيره حتى يباشرها بنفسه، وإن ~~اهتمامه بكل صغيرة وكبيرة جعلته يركب الخطأ في بعض الأحيان، لكن ذلك أثار في جمهور ~~الموظفين روح اليقظة والاهتمام بالمسئولية، فسار على سياسة الشدة التي اتبعها يزيد الأول ~~ابن معاوية من قبله، فأمر ابنه الوليد وهو على فراش الموت ألا يتهاون في أمر بيعته، ~~وأن يلبس جلد النمر لخصومه، وأن يتدرع بالصبر، فقال له: «يا وليد، لألفينك إذا ~~وضعتني في حفرتي أن تقتصر عينك كالأمة الورهاء، بل ائتزر وشمر والبس جلد النمر، ~~وادع الناس إلى البيعة ثانيا، فمن كان برأسه كذا فقل بالسيف كذا.» # 3 ~~(1-3) شخصية عبد الملك # توفى عبد الملك بن مروان سنة 86ه/706م، فكانت خلافته ثلاث عشرة سنة وخمسة أشهر تقريبا، ~~وقد قضى وواروه التراب خارج باب الجابية في دمشق، ويحقق أنه ولد سنة 26ه/646م في خلافة ~~عثمان بن عفان، وشهد يوم الدار مع أبيه وهو غلام لا يتجاوز العاشرة من عمره، وأمه عائشة بنت ~~معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية، وعرف منذ صغره برجاحة عقله وصلابة رأيه وقوة ~~عزيمته، فكان يعتقد اعتقادا تاما ms119 حينما نازع أنداده في تطلب الخلافة أنه هو القادر ~~دون سواه على ضبط زمام الدولة وتسيير دفتها نحو الإصلاح والعمران والسلام، فقال مرة: «ما أعلم ~~مكان أحد أقوى على هذا الأمر مني ... وإن ابن الزبير لطويل الصلاة كثير الصيام، ولكن لبخله لا ~~يصلح أن يكون سائسا.» # 4 # وكان عبد الملك شابا أديبا ذكيا فاضلا، له إلمام واسع بعلوم الشريعة والحديث والفقه ~~واللغة، قال الشعبي: «ما ذاكرت أحدا إلا وجدت لي الفضل عليه إلا عبد الملك بن مروان، فإني ما ~~ذاكرته حديثا إلا زادني فيه وشعرا إلا زادني فيه»، واشتهر بمواقفه الخطابية، فقيل لعبد ~~الملك: لقد أسرع إليك الشيب، قال: «شيبني صعود المنابر والخوف من اللحن»، # 5 # ويروى أنه لما اشتد مرضه وقاربته الوفاة قال: أصعدوني على شرف فأصعدوه إلى ~~موضع عال، فجعل يتنسم الهواء ثم قال: «يا دنيا ما أطيبك، إن طويلك لقصير، وإن كثيرك ~~لحقير، وإن كنا منك لفي غرور»، # 6 # والخلاصة أنه كان معروفا بالصدق مشهورا بالفضل والعلم، لا يختلف في دينه ولا ~~ينازع في ورعه. # 7 ~~(2) الوليد الأول # خلف عبد الملك ابنه الوليد الأول، وكانت ولاية العهد لعبد العزيز بن مروان، فأراد عبد ~~الملك خلع أخيه وتولية الوليد لتصبح الخلافة في ولده، فراح ينشط الناس على استخلافه فتم ~~له ذلك، وإنا لن نبحث لك عما أصاب الدولة من المحن من تسمية الخلفاء لمرشحين أو ثلاثة ~~للخلافة يتلو الواحد منهم الآخر في ولاية العهد، إنما نحب أن نلفت نظرك إلى هذه المسألة ~~التي لعبت دورا مهما في انحلال جسم المملكة الأموية، ولو لم يعجل القدر فيموت عبد العزيز في ~~أيام أخيه عبد الملك لما تناول الوليد الخلافة بسهولة. # 8 ~~(2-1) الوليد تهون عليه الدماء في سبيل مصلحة الدولة # نهج الوليد على منهج أبيه عبد الملك، فحمل سيف النقمة والشدة في يد، وغار العدل والرحمة ~~في اليد الأخرى، وكان عظيم السطوة، تهون عليه الدماء في تنفيذ مصالح الدولة. # 9 # ولما كان الخلفاء الذين تقدموه قد مهدوا له طرق الأمن، ms120 وأمنوا له سبل الطاعة؛ ~~التفت إلى الفتوح والعمران وتشييد صرح العدالة على أسس متينة، فافتتح معظم المغرب ~~والأندلس، واجتازت جيوشه نهر جيحون حتى بلغت ما وراء النهر، واختلط مع أفراد شعبه، فمنع ~~الفقهاء والمجذمين من سؤال الناس وأعطى كل مقعد خادما وكل ضرير قائدا. # 10 # ولم يكن الوليد خطيبا فصيحا يحكم قواعد اللغة كأبيه، بل عرف بأنه لحان لا يحسن ~~النحو، روى الطقطقي أن أباه عبد الملك عاتبه وقال له: إنه لا يلي العرب إلا من يحسن ~~كلامهم، فدخل الوليد بيتا وأخذ معه جماعة من علماء النحو وأقام مدة يشتغل فيه، فخرج ~~أجهل مما كان يوم دخوله، فلما بلغ ذلك عبد الملك قال قد أعذر. # 11 # ويذكرون أنه كان مغرما بنشر القرآن، فبذل الأموال في سبيل ذلك، قال الطبري: «أتاه رجل ~~من بني مخزوم يسأله في دينه، فقال نعم إن كنت مستحقا لذلك، قال: يا أمير المؤمنين وكيف لا ~~أكون مستحقا لذلك مع قرابتي؟ قال: أقرأت القرآن؟ قال: لا، قال: ادن مني، فدنا منه، ~~فنزع عمامته بقضيب كان في يده وقرعه قرعات بالقضيب، وقال لرجل: ضم هذا إليك فلا يفارقك ~~حتى يقرأ القرآن ... وقام إليه عثمان بن يزيد فقال: يا أمير المؤمنين إن علي دينا، فقال: ~~أقرأت القرآن؟ قال: نعم، فاستقرأه عشر آيات من الأنفال وعشر آيات من براءة فقرأ، فقال: ~~نعم، نقضي عنكم ونصل أرحامكم على هذا.» # 12 # وكان كريما جوادا محبوبا من شعبه، حتى ليقال: «إنه كان يمر بالبقال فيقف ~~عليه فيأخذ حزمة البقل فيقول بكم هذه، فيقول: بفلس، فيقول: زد فيها.» # 13 # وامتاز بعقل راجح وصدر رحب، فكان يسمع للناصحين نصحهم ولا يتأخر عن طلب المشاورة، ~~فقال له أسيلم بن الأحنف قبل أن يستخلف: «أصلح الله الأمير، إذا ظننت ظنا فلا ~~تحققه، وإذا سألت الرجل فسلهم عما نعلم، فإذا رأوا سرعة فهمك كما تعلم ظنوا بك ذلك فيما ~~لا تعلم، ودس من يسأل لك عما لا تعلم»، # 14 # وتوفي في دمشق سنة 96ه/714م وهو لا يتجاوز السادسة ms121 والأربعين. # قلنا إن أيام الوليد كانت أيام فتوح وتوسع وعمران، فعقبه أخوه سليمان بن عبد الملك ~~وأتم تلك السلسلة من الفتوحات العظيمة في الساحات الثلاث؛ البيزنطية والشرقية والإفريقية ~~الأوروبية، وقد شعر الناس أنهم في بحبوحة من العيش في عهده فقالوا: «سليمان مفتاح الخير، ~~ولي فأطلق الأسارى، وخلى أهل السجون وأحسن ... واستخلف عمر بن عبد العزيز»، # 15 # وذكر ابن العبري أنه رد المظالم وأخرج المحبسين. # 16 ~~(3) سليمان بن عبد الملك # نشأ سليمان بالبادية عند إخوانه بني عبس، فشب فصيح اللسان كثير الأدب، ولا ريب أنه كان ~~من أجل شبان بني أمية، فيصفه المؤرخون بقولهم: «... وكان طويلا أبيض جميلا قضيفا جعد الشعر ... ~~شديد العجب بشبابه وجماله»، # 17 # واعتنى بلباسه وهندامه، وتأنق في ذلك كثيرا حتى لقب نفسه «بالملك الفتي» «والملك ~~الشاب.» ~~(3-1) عيوبه # ويعاب سليمان بأمرين: الأول لغيرته وحسده، ففتك بموسى بن نصير فاتح المغرب ~~والأندلس، وقد ذكرنا ذلك في فصل الفتوح، وعذب غيره من كبار الرجال أصحاب الخدمات الباهرات ~~لمجرد سوء الظن أو لبادرة حسد تطرأ عليه، والثاني لكثرة نهمه وشغفه بالنساء، روى الفخري: ~~«... وكان نهما، فيقال: إن الطباخ كان يأتيه بالشواء فلا يصبر حتى يبرد فيأخذه بكمه ~~...» # قال الأصمعي: كنت مرة أفاوض هارون الرشيد، فجرى حديث أصحاب النهم، فقلت كان سليمان بن ~~عبد الملك شديد النهم، وكان إذا أتاه الطباخ بشواء تلقاه فأخذه بأكمامه، فقال الرشيد: ما ~~أعلمك يا أصمعي بأخبار الناس؟ لقد اعترضت منذ أيام جباب سليمان فوجدت أثر الدهن في ~~أكمامها فظننته طيبا، قال الأصمعي: ثم أمر لي بجبة منها، # 18 # وقال الطبري: «ولي سليمان فكان صاحب نكاح وطعام، فكان الناس يسأل بعضهم بعضا ~~عن التزويج والجواري.» # 19 # ويبالغ المؤرخون في رواياتهم عن نهمه، غير أنها تظهر لنا ولا شبهة حقيقة ناصعة، وهي أن ~~الخليفة الفتي أو الشاب كان يحب أن يتمتع بجميع الشهوات الجسمانية، وقد أسرف في تمتعه بها ~~إسرافا زائدا؛ حتى إنها قضت عليه وعجلت في وفاته، قال ابن عبد ربه: «وكان سبب موت ~~سليمان بن ms122 عبد الملك أن نصرانيا أتاه وهو بدابق - بالقرب من حلب - بزنبيل مملوء بيضا وآخر ~~مملوء تينا، قال: قشروا، فقشروا فجعل يأكل بيضة وتينة حتى أتى على الزنبيلين، ثم أتوه بقصعة ~~مملوءة مخا بسكر فأكله فأتخم فمرض فمات.» # 20 ~~(4) عمر بن عبد العزيز # لم يتمكن عبد الملك بن مروان والوليد الأول وسليمان من بسط العدالة بسطا تاما ترتاح له ~~النفوس وتطمئن له القلوب، وكان ذلك لقسوة الظروف أولا، ولتغلب بعض الصفات الرديئة ~~عليهم ثانيا، فألمعنا إلى ما اشتهر به سليمان من الغيرة والحسد، وإلى ما عرف به الوليد من ~~إراقة الدماء في سبيل المصلحة، وإلى ما تغلب على عبد الملك من طبع السيطرة على كل صغيرة ~~وكبيرة، وهذا لا ينفي أننا ننكر على هؤلاء الرجال ما تحلوا به من المزايا الشريفة والخصال ~~الحميدة والمواهب العالية، والحق أن العدالة الأموية لم تظهر بمظهرها الجليل الكبير إلا في ~~عصر عمر بن عبد العزيز خليفة سليمان بن عبد الملك. ~~(4-1) نشأته # نشأ عمر في المدينة وتأدب بها على أشهر أساتذتها المتضلعين بعلوم القرآن والحديث والفقه ~~والشريعة كصالح بن كيسان وعبيد الله بن عبد الله، ودرس العربية وتفرعاتها فأصاب منها ~~سهما وافرا، وكان شابا ولوعا بتزيين نفسه، فتأنق في ملبسه، وتغلبت عليه الخيلاء فزها ~~واستكبر في بعض الأحايين على الناس، قال ابن الجوزي بإسناده: «حدثني علي بن جذيمة قال: ~~رأيته في المدينة وهو أحسن الناس لباسا، ومن أطيب الناس ريحا، ومن أخيل الناس في مشيته»، # 21 # ثم لم تطل به الحال على هذا المنوال، فنراه قد خلع عنه ثوب الصلف وارتدى ~~رداء التواضع لما أسندت إليه المناصب الإدارية، وقد ولي الحجاز وهو ابن خمس وعشرين ~~سنة، وكان ذلك في أيام الوليد الأول، فبرهن على اقتداره في تدبير الأمور وتثبيت دعائم ~~الحق والانتصار للضعيف، وأوسع المجال لعقلاء المدينة وفقهائها لأن ينبهوه على أغلاطه ~~وأن ينيروا سبيله في إحقاق الحق وإزهاق الباطل، فدعا مرة عشرة نفر من علمائها وقال ~~لهم: «إني دعوتكم لأمر تؤجرون فيه وتكونون فيه ms123 أعوانا على الحق، إن رأيتم أحدا يتعدى ~~وبلغكم عن عامل لي ظلامة، فأحرج بالله على أحد بلغه ذلك إلا أبلغني.» # 22 # ولم يقبل عمر بن عبد العزيز منصب الولاية على الحجاز إلا بعد أن أقر له الوليد السلطة ~~التامة ليقتص من أرباب العدوان وأهل الظلم وإن أجبر ألا يرفع للخزينة درهما واحدا، قال ابن ~~الجوزي: «استعمل الوليد بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز على الحجاز - المدينة ومكة ~~والطائف - فأبطأ عن الخروج، فقال الوليد لحاجبه: ويلك ما بال عمر لا يخرج إلى عمله؟ قال: ~~زعم أن له إليك ثلاث حوائج، قال: فعجله علي، فجاء به الوليد فقال له عمر: إنك ~~استعملت من كان قبلي، فأنا أحب أن لا تأخذني بعمل أهل العدوان والظلم والجور، فقال له ~~الوليد: اعمل بالحق وإن لم ترفع إلينا درهما واحدا.» # 23 ~~(4-2) عمر شاب إداري عادل # اتصف عمر بشجاعته الأدبية وصراحته النادرة المثال، فكان ينتقد أعمال الخلفاء الذين ~~سلفوه ويسلقهم بقوارص الكلام ولا يخاف في التنديد على من يشذون عن أحكام القرآن والسنة ~~لومة لائم، فتألم منه بنو أمية، حتى ليقال: إنهم هم الذين دبروا الدسائس للخلاص منه، ~~وهاك مثالا حيا على ما قدمناه: «دخل عمر بن عبد العزيز على سليمان بن عبد الملك وعنده ~~ابنه أيوب، وهو يومئذ ولي عهده وقد عقد له من بعده، فجاء إنسان يطلب ميراثا من بعض نساء ~~الخلفاء، فقال سليمان: ما أخال النساء يرثن في العقار شيئا، فقال عمر بن عبد العزيز: ~~سبحان الله، وأين كتاب الله؟ فقال: يا غلام اذهب، فأتني بسجل عبد الملك بن مروان الذي كتب في ~~ذلك، فقال عمر: لكأنك أرسلت إلى المصحف، قال أيوب: والله ليوشكن الرجل يتكلم بمثل هذا عند ~~أمير المؤمنين ثم لا يشعر حتى يفارقه رأسه، فقال له عمر: إذن أفضي الأمر إليك وإلى مثلك مما ~~يدخل على أولئك أشد مما خشيت أن يصيبهم من هذا، فقال سليمان لأيوب: مه، لأبي حفص تقول هذا؟ ~~فقال عمر: والله لئن جهل علينا يا ms124 أمير المؤمنين ما حلمنا عنه.» # 24 ~~(4-3) عمر صريح الآراء، لا يخاف من النقد لومة لائم # وكان من الذين يقدسون الحرية الفكرية ويرون وجوب تشجيعها والمحافظة عليها، فجادل ~~الخوارج من الحرورية وراسلهم، وطلب إليهم أن يحجوه ويقنعوه بالبراهين إن كانوا - في ~~زعمهم ومبادئهم - صادقين، روى الطبري: «كتب عمر إلى بسطام بن يشكر وهو شوذب زعيم الحرورية في ~~العراق يسأله عن سبب مخرجه، فكان في كتاب عمر إليه: بلغني أنك خرجت غضبا لله ولنبيه، ~~ولست بأولى بذلك مني، فهلم أناظرك، فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل فيه ~~الناس، وإن كان في يدك نظرنا في أمرنا»، # 25 # فجاءه وفد منهم إلى الشام فأمنهم وطيب قلوبهم وجلس وإياهم وجها لوجه ~~يتجادل معهم، ومما يبتهج له الخاطر أن المؤرخين حفظوا لنا أحاديثهم معه وهي كما ~~يأتي: # رسولا الحرورية ~~: # أخبرنا عن يزيد، لم تقره خليفة بعدك (يزيد بن عبد الملك)؟ # عمر ~~: # صيره غيري. # رسولا الحرورية ~~: # أفرأيت لو وليت مالا لغيرك ثم وكلته إلى غير مأمون عليه، أتراك كنت أديت ~~الأمانة إلى من ائتمنك؟ # عمر ~~: # أنظراني ثلاثا. # وعلق الطبري على هذا الحديث بقوله: «خاف بنو مروان أن يخرج ما عندهم وفي أيديهم من ~~الأموال وأن يخلع يزيدا، فدسوا إليه من سقاه سما .» # 26 # تسنم عمر بن عبد العزيز عرش الخلافة بعد وفاة سليمان بن عبد الملك، فجمع الناس في ~~المسجد الجامع بدمشق وصرح لهم أنه أسند إليه الأمر دون أن يستشيروه أو يستشيروا الشعب ~~فيه؛ ولذا فهم أحرار في خلع بيعته وانتخاب سواه، فصاح الناس صيحة واحدة: «قد اخترناك يا ~~أمير المؤمنين ورضينا بك»، فلما هدأت الأصوات ولم يعترض أحد على ولايته الخلافة خطب ~~خطبته العرش، قال من جملتها: أوصيكم بتقوى الله ... وأصلحوا سرائركم يصلح الله الكريم ~~علانيتكم، وأكثروا ذكر الموت وأحسنوا الاستعداد قبل أن ينزل بكم، فإنه هادم اللذات ... وإني ~~والله لا أعطي أحدا باطلا ولا أمنع أحدا حقا. # يا أيها الناس، من أطاع الله وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له، أطيعوني ms125 ما أطعت ~~الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. # 27 ~~(4-4) الاحتفال بتنصيب الخلفاء على العرش # ثم أرادت الحكومة الاحتفال بتنصيبه رسميا كما جرت العادة، فهيأت موكب الخلافة وهو ~~يتألف من كبار رجال الدولة وعظمائها، وقد يركبون وراء الخليفة على البراذين والخيل ~~والبغال، ولكل دابة سائس، فلما رأى تلك الأبهة قال: ما هذا؟ قالوا: مركب الخلافة، قال: دابتي ~~أوفق لي، وركب دابته وصرف تلك الدواب، ثم أقبل سائرا فقيل: منزل الخلافة، فقال: فيه عيال أبي ~~أيوب، وفي فسطاطي كفاية حتى يتحولوا، فأقام في منزله حتى فرغوه، # 28 # نحن لا نرى دليلا أكبر من الذي قدمناه على ديمقراطية عمر وشدة تواضعه واستخفافه ~~بمظاهر الحياة الفارغة. # ويذكر أن جاءه صاحب الشرطة يسير بين يديه بالحربة فقال: «تنح عني ما لي ولك، إنما أنا ~~رجل من المسلمين»، # 29 # ولم يكد يستلم زمام الأحكام حتى أمر بستور دار الخلافة فهتكت، والثياب التي ~~كانت تبسط للخلفاء فحملت، وأمر ببيعها وإدخال أثمانها في بيت مال المسلمين، # 30 # وسرح عمر حرس الخلافة وكانوا حوالي ستمائة وقال لهم: إن بي عنكم لغنى، كفى ~~بالقدر حاجزا، وبالأجل حارسا، ولا أطرحكم من مراتبكم، من أقام منكم فله عشرة دنانير، ~~ومن شاء فليلحق بأهله، # 31 # وكان عمر يقعد للناس على الأرض فقيل له: لو أمرت ببساط يبسط لك فتجلس ويجلس ~~الناس عليه كان ذلك أهيب لك في قلوب الناس، فتمثل: # قضى ما قضى فيما مضى ثم لا ترى # له صبوة إحدى الليالي الغوابر # ولولا التقى من خشية الموت والردى # لعاصيت في حب الصبا كل زاجر # 32 ~~(4-5) إصلاحات عمر # قام عمر بإصلاحات جمة عقب توليه الخلافة، فأصدر أمرا إلى قادة جيوشه في جميع الساحات ~~والتخوم يطلب إليهم به أن تكون الرحمة من شعائرهم والشفقة قبلة أنظارهم، كتب عمر إلى الجراح ~~أحد قادته: إنه بلغني أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان إذا بعث جيشا أو سرية قال: «اغزوا ~~بسم الله وفي سبيل الله تقاتلون من كفر بالله، لا تغلوا ms126 ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا ~~تقتلوا امرأة ولا وليدا»، فإذا بعثت جيشا أو سرية فمرهم بذلك. # 33 ~~(4-6) الحرص على أموال المسلمين # وحرص حرصا زائدا على دماء المسلمين، فأبى أن يجازف بأرواحهم أو أن يجشمهم من المشاق ما ~~لا طاقة لهم به، فعهد إلى بعض رجال الحرب بهذه النصائح الثمينة: «أرفق بمن معك في ~~مسيرهم، ولا تجشمهم مسيرا تتعبهم، ولا تقصر بهم عن منزل يرفق بهم، فإنكم تسيرون إلى عدو ~~جام الأنفس والكراع، فلا ترفقوا بأنفسكم وكراعكم في مسيركم يكن لعدوكم فضل عليكم في القوة، ~~أقم بمن معك في كل جمعة يوما وليلة ليكون لهم راحة يجمون بها أنفسهم وكراعهم، ~~ولتكن عيونك من العرب وممن تطمئن إلى نصحه من أهل الأرض، فإن الكذوب لا ينفعك خبره وإن ~~صدق في بعضه، وإن الغاش عين عليك وليس بعين لك.» # 34 # والغريب أن عمر بلغت به العدالة إلى حد أنه أمر أن لا يكسى البيت الحرام، وأن تبذل ~~الأموال المخصصة للكسوة في سبيل الفقراء والمحتاجين، «كتبت الحجبة إلى عمر أن يأمر للبيت ~~بكسوة كما كان يفعل من كان قبله، فكتب إليهم: إني رأيت أن أجعل ذلك في أكباد جائعة فإنه ~~أولى بذلك من البيت.» # 35 ~~(4-7) امتحان الحكام والولاة # وسعى لأن يمتحن نزاهة الرجال الذين أراد توليتهم حكاما وولاة على البلاد الإسلامية ~~ليطمئن ضميره وليتخلص من جور الطغاة وعسفهم، فذكر ابن الجوزي أنه لما «ولي عمر الخلافة وفد ~~عليه بلال بن أبي بردة فهنأه ... فجزاه عمر خيرا، ولزم بلال المسجد يصلي ويقرأ ليله ~~ونهاره، فهم عمر أن يوليه العراق، ثم قال: هذا رجل له فضل، فدس إليه ثلة له فقال له: ~~إن عملت لك في ولاية في العراق ما تعطيني؟ فضمن له مالا جليلا، فأخبر بذلك عمر ~~فنفاه وأخرجه»، # 36 # وأبعد الولاة القساة السفاكين عن استلام زمام البلاد لئلا يفسدوا في ~~الأرض، فكتب عمر إلى الجراح بن عبد الله عامله على خراسان: «بلغني أنك استعملت ~~عمارة، ولا حاجة لي بعمارة ولا بضرب عمارة، ms127 ولا برجل قد صبغ يده في دماء المسلمين فاعزله.» # 37 # وكان عمر لا يفتأ يذكر عماله بواجباتهم، وما عليهم تجاه الله والأمة والبلاد من ~~المسئولية الكبرى، فطلب إليهم أن يجمعوا الخراج الطيب الحلال، فلما كتب ميمون بن مهران أحد ~~الولاة إلى عمر بن عبد العزيز أن يستعفيه من الخراج أجابه: «يا ابن مهران، إني لم أكلفك ~~بغيا في حكمك ولا في جبايتك، فاجب ما جبيت من الحلال، ولا تجمع للمسلمين إلا ~~الحلال الطيب»، # 38 # ثم أمرهم أن يلوا أرباب الخبرة وأهل الفضل في المناصب، وأن يرفعوا السنن ~~الخبيثة التي أنهكت العامل والفلاح، وأن لا يعجلوا في أحكام الإعدام والصلب قبل استئذانه، ~~وأن لا يستوفوا الضرائب التي لا يخولهم القانون حق استيفائها، وأن يسهلوا على التجار ~~والمسافرين مصالحهم فيبنون لهم الخانات ويضيفونهم، # 39 # وإليك وثائق تثبت لك كل هذه الحقائق التي ذكرناها: # كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الرحمن بن نعيم والي خراسان: «أما بعد ... فكن عبدا ~~ناصحا لله في عباده، ولا يأخذك في الله لومة لائم، فإن الله أولى بك من الناس، وحقه عليك ~~أعظم، فلا تولين شيئا من أمراء المسلمين إلا المعروف بالنصيحة لهم أو التوفير عليهم وأداء ~~الأمانة فيما استرعى، وإياك أن يكون ميلك ميلا إلى غير الحق فإن الله لا يخفى عليه خافية، ~~ولا تذهبن عن الله مذهبا فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه.» # 40 # وكتب إلى زرعة الكاوي وكان قد ولاه خراج خراسان: «إن للسلطان أركانا لا يثبت إلا ~~بها، فالوالي ركن، والقاضي ركن، وصاحب بيت المال ركن، والركن الرابع أنا، وليس من ثغور ~~المسلمين ثغر أهم إلي ولا أعظم عندي من ثغر خراسان، فاستوعب الخراج وأحرزه في غير ظلم، فإن ~~يك كفافا لأعطياتهم فسبيل ذلك وإلا فاكتب إلي حتى أحمل إليك الأموال فتوفر لهم أعطياتهم.» # 41 # وكتب رسالة إلى أمير الكوفة عبد الحميد ... وهذا نصها: «من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى ~~عبد الحميد ... سلام عليك ... أما بعد ... فإن أهل الكوفة قد أصابهم ms128 بلاء وشدة وجور في أحكام ~~الله، وسنة خبيثة سنها عليهم عمال السوء، وإن قوام الدين العدل والإحسان، فلا يكونن ~~شيء أهم إليك من نفسك فإنه لا قليل من الإثم، ولا تحمل خرابا على عامر ولا عامرا على ~~خراب، انظر الخراب فخذ منه ما أطلق وأصلحه حتى يعمر، ولا يؤخذ من العامر إلا وظيفة ~~الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض، ولا تأخذن في الخراج ... أجور الضرابين ولا هدية النيروز ~~والمهرجان ولا ثمن الصحف ولا أجور الفتوح ولا أجور البيوت ولا دراهم النكاح، ولا خراج على ~~من أسلم من أهل الأرض فاتبع في ذلك أمري، فإني وليتك من ذلك ما ولاني الله، ولا تعجل ~~دوني بقطع ولا صلب حتى تراجعني فيه ...» # 42 ~~(4-8) الاستئذان في أحكام الإعدام # وقال عمر في القصاص لولاته: «ادرءوا الحدود ما استطعتم في كل شبهة، فإن الوالي إذا أخطأ ~~في العفو خير من أن يتعدى في العقوبة.» # 43 ~~(4-9) الاهتمام بمصالح الشعب # ونصب نفسه للعدل فضرب على أيدي المغتصبين بيد حديدية، وجعل يضيق عليهم الخناق، ~~فبدأ ببني أمية أنفسهم وأخذ ما كان تحت سيطرتهم من الغصوب، فردها على أهلها دون إبطاء ولا ~~تأخير، فحمده الناس وشكروا له سعيه إذ ستر بيوتات كثيرة كان الظلم قد فضحها، وعائلات ~~عديدة كان الفقر قد أخذ ينال من شرفها، وأطفال يتامى كان الجهل قد بدأ يهيئ لهم مستقبلا ~~مظلما، وتمادى في تحري المغتصبين والظالمين والتفتيش عن سيئاتهم حتى خاف بعض خاصته ~~عليه من الاغتيال والاعتداء، فقالوا: «يا أمير المؤمنين ... ألا تخاف غوائل قومك؟ فقال: أبيوم ~~سوى يوم القيامة تخوفونني، فكل خوف أتقيه قبل يوم القيامة لا وقيته»، # 44 # وخاطب مرة أفراد الأسرة المالكة يؤنبهم على تمتعهم بالأموال الحرام والأملاك ~~المغتصبة بلهجة شديدة فقال: «يا بني مروان، إنكم قد أعطيتم حظا وشرفا وأموالا، إني ~~لأحسب شطر أموال هذه الأمة أو ثلثيها في أيديكم.» # 45 # وأصدر عمر قانونا خول به الموظفين البارعين الأوفياء حق الزيادة في رواتبهم إن قاموا ~~بما يفرضه عليهم الواجب خير ms129 قيام، وكان ذلك ليقطع دابر الرشوة ويجعل للمأمور مجالا ~~للتقدم، فيعمل بنشاط وهمة ويسعى لاكتساب رضى رؤسائه بالإحسان إلى أرباب المصالح وقضاء ~~حاجاتهم بسرعة ودقة، فانتقده أحد أخصائه على ما يتقاضاه عماله من المعاشات الباهظة بقوله: ~~«ترزق الرجل من عمالك مائة دينار في الشهر ومائتي دينار في الشهر وأكثر من ذلك»، ~~فأجابه: «أراه لهم يسيرا إن عملوا بكتاب الله وسنة نبيه، وأحب أن أفرغ قلوبهم من ~~الهم بمعايشهم وأهليهم»، # 46 # ولا ريب أنه متى كان المأمور مرتاح البال من جهة العيال فلا يفكر بخيانة ~~الحكومة، بل يجرب أن يحافظ على مركزه جهد الطاقة. ~~(4-10) إصلاح القضاء # وأصلح القضاء بصورة خاصة، فاشترط على القاضي أن يكون عالما بما نصت عليه السنة، ~~حليما، ذا أمانة، عفيفا، مشاورا. # 47 ~~(4-11) محاربة المسكرات # ثم وجه عمر وجهه إلى تقويم الأخلاق ومحاربة العادات الفاسدة المبنية على التعصب ~~والرذيلة، فنهى شعبه عن تعاطي المسكرات، وأبان لهم ما يصيبهم من الآفات والنكبات بواسطتها، ~~وما يتكبدونه من الآلام والعذاب بما تحمله إليهم من المضار والفضائح، فهي هتاكة للأجسام ~~مضنكة للعقول مضيعة للأموال. # كتب عمر إلى عدي بن أرطاة وأهل البصرة: «أما بعد ... فإنه قد كان في الناس من هذا الشراب ~~أمر ساءت فيه رعيتهم، وغشوا فيه أمورا انتهكوها عند ذهاب عقولهم وسفه أحلامهم بلغت بهم الدم ~~الحرام والفرج الحرام والمال الحرام، وقد أصبح جل من يصيب من ذلك الشراب يقول شربنا شرابا ~~لا بأس به ، ولعمري إن ما حمل على هذه الأمور وضارع الحرام لبأس شديد، وقد جعل الله عنه ~~مندوحة وسعة من أشربة كثيرة طيبة ليس في الأنفس منها جائحة: الماء العذب الفرات واللبن والعسل ~~والسويق ... وقد بلغنا أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # نهى عن نبيذ الجر والدباء والظروف المزفتة، وكان ~~يقول: «كل مسكر حرام»، فاستغنوا بما أحل الله عما حرم، فإنا من وجدناه يشرب شيئا من هذه ~~بعدما تقدمنا إليه أوجعناه عقوبة شديدة، ومن استخفى فالله أشد عقوبة وأشد تنكيلا، وقد ~~أردت بكتابي هذا ms130 اتخاذ الحجة عليكم اليوم وفيما بعد اليوم، أسأل الله أن يزيد المهتدي منا ~~ومنكم هدى، وأن يراجع بالمسيء منا ومنكم التوبة في يسر وعافية، والسلام.» # 48 ~~(4-12) منع الناس من شتم علي # ومنع الناس من شتم علي بن أبي طالب، وكان بنو أمية يسبونه علنا على المنابر منذ ~~عهد معاوية الأول، ويرجع ذلك للخلاف الذي قام بين الأمويين والعلويين، وجعل مكان السب في ~~خطبة الجمعة: # إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ~~ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم ~~لعلكم تذكرون ~~، # 49 # فمدحه الشعراء على ذلك، قال كثير عزة: # وليت فلم تشتم عليا ولم تخف # بريا ولم تتبع مقالة مجرم # وقلت فصدقت الذي قلت بالذي # فعلت فأضحى راضيا كل مسلم # وقد لبست لبس الهلوك ثيابها # وأبدت لك الدنيا بخد ومعصم # وتومض أحيانا بعين مريضة # وتبسم عن مثل الجمان المنظم # فأعرضت عنها مشمئزا كأنما # سقتك مذوقا من سمام وعلقم # وقد كنت منها في جبال أرومها # ومن بحرها في زاخر السيل مفعم # وقال الشريف الرضي يرثيه ويذكر منعه شتم علي: # يا ابن عبد العزيز لو بكت العي # ن فتى من أمية لبكيتك # أنت نزهتنا من السب والشت # م فلو أمكن الجزاء جزيتك # غير أني أقول إنك قد طب # ت وإن لم يطب ولم يزك بيتك # دير سمعان لا عدتك الغوادي # خير ميت من آل مروان ميتك # 50 ~~(4-13) الرفق بالحيوان # وكان عمر يرفق بالحيوان ولا يأذن البتة في التثقيل عليه بالأحمال، وناشد مأموريه وخواصه ~~وشعبه أن يهتموا بالعجماوات وأن يرحموها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ولم يغض النظر عن ~~أولئك القساة الذين يسرفون في ضربها وتعذيبها، قال ابن الجوزي: «كان لعمر بن عبد العزيز ~~غلام على بغل له يأتيه بدرهم كل يوم، فجاءه بدرهم ونصف، فقال ما بدا لك، قال: نفقت السوق؟ ~~قال: لا، ولكنك أتعبت البغل، أجمه ثلاثة أيام.» # 51 ~~(4-14) العوامل التي دفعت عمر للإصلاح والعدل # أما وقد عددنا لك ما قام به عمر من الإصلاحات الجمة فلنذكر العوامل التي ms131 دفعته ~~للعمل الصالح واتباع سنن الخير والعدل والإحسان. # أما العامل الأول فهو تقريبه للعلماء والفقهاء أصحاب الورع والتقوى وأهل النصح والغيرة ~~على العرب والإسلام، أمثال محمد بن كعب القرظي وميمون بن مهران والحسن البصري، وكان دائما ~~يكاتب رجال الفضل ويستشيرهم ويطلب معرفة آرائهم في المسائل الحقوقية والتشريعية ~~والسياسية، أرسل عمر إلى محمد بن كعب القرظي يسأله أن يصف له العدل فأجابه: «... كن ~~لصغير المسلمين أبا، ولكبيرهم ابنا، وللمثل منهم أخا، وعاقب الناس بقدر ذنوبهم ~~على قدر أجسامهم، ولا تضربن لفضلك سوطا واحدا فتتعدى فتكون عند الله عز وجل من العادين.» # 52 # وقال القرظي ينصح عمر أيضا: «لا تصحب من الأصحاب من خطرك عنده على قدر قضاء حاجته، ~~فإذا انقطعت حاجته انقطعت أسباب مودته، اصحب من الأصحاب ذا العلى في الخير والأناة في الحق، ~~يعينك على نفسك ويكفيك مؤنته.» # 53 # وقال عمر لميمون بن مهران: كيف لي بأعوان على هذا الأمر أثق بهم وآمنهم، قال: «يا ~~أمير المؤمنين لا تشغل قلبك بهذا، فإنك سوق، وإنما يحمل إلى كل سوق ما ينفق فيها، ~~فإذا عرف أن النافق عندك الصحيح لم يأتوك إلا بالصحيح.» # 54 # ووعظ الحسن البصري عمر فقال له: «أما بعد ... اعلم يا أمير المؤمنين أن الدنيا دار ~~ظعن وليس بدار إقامة ... ولها في كل حين صرعة ... هي تهين من أكرمها وتذل من ~~أعزها ... ولها في كل حين قتلى، فهي كالسم يأكله من لا يعرفه وفيه حتفه ... فكن يا أمير ~~المؤمنين كالمداوي جرحه بصيرا على شدة الدواء مخافة طول البلاد، يحتمي قليلا مخافة ما ~~يكره طويلا، فإن أهل الفضائل كان منطقهم فيها بالصواب ومشيهم بالتواضع، ومطعمهم الطيب من ~~الرزق، مغمضين أبصارهم عن المحارم، فخوفهم في البر كخوفهم في البحر، دعاؤهم في ~~السراء كدعائهم في الضراء ... واعلم يا أمير المؤمنين أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به، ~~وأن الندم على الشر يدعو إلى تركه، وليس ما يغني - وإن كان كثيرا - بأهل أن يؤثر على ~~ما يبقى - وإن كان طلبه عزيزا - واحتمال المئونة ms132 المنقطعة التي تعقب الراحة الطويلة ~~خير من تعجيل راحة منقطعة تعقب مئونة باقية وندامة طويلة ... وانظر يا أمير المؤمنين الدنيا ~~نظر الزاهد المفارق، ولا تنظر نظر المبتلى العاشق ...» # 55 # وقل له أيضا: «يا أمير المؤمنين إن استقمت استقاموا، وإن ملت مالوا، يا أمير المؤمنين ~~لو أن لك عمر نوح وسلطان سليمان ويقين إبراهيم وحكمة لقمان ما كان لك بد من أن ~~تقتحم العقبة، ومن وراء العقبة الجنة والنار، ومن أخطأته هذه دخل هذه.» # 56 # وأما العامل الثاني فيرجع إلى فلسفة عمر في الحياة، تلك الفلسفة التي تقول بالزهد وتخاف ~~حساب الله واليوم الآخر مخافة عظمى ... وتسعى لاجتناب الشر واتباع الخير والاهتمام بالمصالح ~~العامة قبل الاهتمام بالمصالح الخاصة، وكانت فلسفة عمر توحي إليه بالقناعة والتضحية والتعبد ~~والنسك واحتقار الدنيا والنظر إليها نظر الراحل عنها، فهو يخاف الساعة الأخيرة ويرهب ~~عذاب الله، وكل شيء لديه في سبيل مرضاة الله سهل حلو المذاق. # وهاك بعض فقرات من خطبة ترينا مذهبه في الحياة: «أيها الناس ... إنكم لم تخلقوا عبثا ~~ولن تتركوا سدى، وإن لكم معادا ينزل الله فيه للحكم فيكم والفصل بينكم، وقد خاب وخسر ~~من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم الجنة التي عرضها السموات والأرض، ~~ألا واعلموا إنما الأمان غدا لمن حذر الله وخافه وباع نافذا بباق، وقليلا بكثير، ~~وخوفا بأمان، وسيخلفها بعدكم الباقون، كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين، وفي كل ~~يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله قد قضى نحبه وانقضى أجله، فتغيبونه في صدع من ~~الأرض ، ثم تدعونه غير موسد ولا ممهد، قد فارق الأحبة وخلع الأسباب فسكن ~~التراب وواجه الحساب، فهو مرتهن بعمله، فقير إلى ما قدم غني عما ترك، فاتقوا ~~الله قبل نزول الموت وانقضاء مراقبته، وايم الله إني لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند ~~أحد منكم من الذنوب أكثر مما عندي، فأستغفر الله وأتوب إليه، وما منكم من أحد تبلغنا عنه ~~حاجة إلا أحببت أن أسد من حاجته ما قدرت عليه، وما منكم ms133 من أحد يسعه ما ~~عندنا إلا وددت أنه ساواني ولحمتي حتى يكون عيشنا وعيشه سواء، وايم الله أن لو أردت غير ~~هذا من الغضارة والعيش لكان اللسان مني به ذلولا عالما بأسبابه، ولكنه مضى من الله كتاب ~~ناطقة وسنة عادلة يدل فيها على طاعته وينهي عن معصيته.» # 57 # ومن خطبه: «من وصل أخاه بنصيحة له في دينه، ونظر له في صلاح دنياه، فقد أحسن ~~صلته وأدى واجب حقه، فاتقوا الله فإنها نصيحة لكم في دينكم فاقبلوها، وموعظة منجية ~~في العواقب فالزموها، الرزق مقسوم فلن يغدر المؤمن ما قسم له، فأجملوا في الطلب فإن ~~في القنوع سعة وبلغة وكفافا، إن أجل الدنيا في أعناقكم وجهنم أمامكم وما ترون ذاهب، ~~وما مضى فكأن لم يكن، وكل أموات عن قريب، وقد رأيتم حالات الميت وهو يسوق وبعد فراغه وقد ~~ذاق الموت والقوم حوله يقولون قد فرغ رحمه الله، وعاينتم تعجيل إخراجه وقسمة تراثه، ~~ووجهه مفقود، وذكره منسي، وبابه مهجور، كأن لم يخالط إخوان الحفاظ ولم ~~يعمر الديار، فاتقوا هول يوم لا تحقر فيه مثقال ذرة في الموازين.» # 58 # وله أيضا: «من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، ومن لم يعد ~~كلامه من عمله كثرت ذنوبه، والرضا قليل، ومعول المؤمن الصبر، وما أنعم الله على ~~عبد نعمة ثم انتزعها منه فأعاضه مما انتزع منه الصبر إلا كان ما أعاضه خيرا مما ~~انتزع منه، # إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير ~~حساب ~~.» # 59 # وغلبت على عمر خصال طيبة، فكان صفوحا حليما كريما، حتى ليقال إنه عرض له رجل بيده ~~طومار «فظن القوم أنه يريد أمير المؤمنين فخاف أن يحبس دونه، فرماه - الرجل - بالطومار ~~والتفت أمير المؤمنين فأصابه في وجهه فشجه، فنظرت إلى الدماء تسيل على وجهه وهو في ~~الشمس، فقرأ الكتاب وأمر له بحاجته وخلى سبيله.» # 60 # ولطالما أكرم ضيوفه وجلساءه وعاملهم معاملة الأخ للأخ والصديق للصديق، روى ابن ~~الجوزي أنه «سمر ضيف عند عمر فاعتل السراج فذهب الضيف ليصلحه، فأمره عمر بالجلوس ms134 ثم ~~قام فأصلحه، ثم عاد فجلس فقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز وجلست وأنا عمر بن عبد ~~العزيز، ولؤم بالرجل أن يستخدم ضيفه.» # 61 # ولما رأى الناس كرم خلقه وشدة غيرته على مصالحهم واهتمامه بتثبيت دعائم العدل في ~~مختلف الأقطار راحوا يطمئنون للحكم الأموي، فدخل الأعاجم زرافات ووحدانا في الإسلام حتى قل ~~خراج الدولة، ورمى الثوار والخوارج والعصاة في البلاد سلاحهم وقالوا: لا يجوز قتال ~~الإمام العادل. # توفي عمر بدير سمعان من أعمال حمص مسموما كما أجمع المؤرخون سنة 101ه/719م، ويقال: إن ~~بني أمية هم الذين دبروا له هذه المكيدة؛ لأنه ضيق عليهم ووضع يده على ما اغتصبوه من ~~الأموال والأملاك، فحزنت الأمة عليه ورثاه شعراؤها وأدباؤها كالفرزدق وغيره، قال ~~الفرزدق: # كم من شريعة حق قد شرعت لهم # كانت أميتت وأخرى منك تنتظر # يا لهف نفسي ولهف اللاهفين معي # على العدول التي تغتالها الحفر # لم يبك عمر المسلمون فحسب، بل بكاه المسيحيون من رعيته وأعدائه، قال أحد ~~الأنباط: «أبكي على نور كان في الأرض فطفئ»، وقال أحد كبار البيزنطيين: «إني لست أعجب من ~~الراهب أن أغلق بابه ورفض الدنيا وترهب وتعبد، ولكن أعجب ممن كانت الدنيا تحت ~~قدميه فرفضها وترهب.» # 62 # نهج بعض الخلفاء من أمويين وعباسيين منهج عمر؛ لأنه أصبح المثل الأعلى في العدل عندهم، ~~وقد اشتهر من بني أمية بعد هشام بن عبد الملك، فراقب أمور الدولة مراقبة شديدة، ~~ووضع العيون والأرصاد في سائر الأمصار، فأحصى أعمال ولاته وحفظ أقوالهم وأخبارهم، قال ~~ابن قتيبة مبالغا: «فلا خبر يكون ولا قصة تحدث في مشرق الأرض ولا مغربها إلا وهو ~~يتحدث به في الشام وينظر فيه هشام، وقد أقصر نفسه على هذه الحال وحببت إليه ~~هذه الأفعال، فكانت أيامه عند الناس أحمد أيام.» # 63 # وكان هشام رجلا عاقلا مفكرا، لا يبت في أمر قبل فحصه واختباره ومعرفة ما ~~يرمي إليه من النتائج، وقد وصف عقال بن شبة هشاما بقوله: «دخلت على هشام ~~فدخلت على رجل محشو عقلا»، # 64 # وقال ms135 الطبري: «لم يكن أحد من بني مروان أشد حصرا في أمر أصحابه ودواوينه ~~ولا أشد مبالغة في الفحص عنهم من هشام»، # 65 # ويمتاز بدقة نظره وحبه المفرط لجمع الأموال والاحتفاظ بها، حتى إنه نعت ~~بالبخيل، تلك هي إصلاحات بني أمية، وكلها ترمي إلى العدل وإعلاء كلمة الحق كما رأيناه. ~~ا.ه. # الفصل السابع # | العمران الأموي # (1) أسباب العمران # أخفت عبد الملك بن مروان نيران الحروب الأهلية، فقضى الشطر الأكبر من حياته وهو يطارد ~~الزعماء ويلاحق أرباب العصيان، فمهد بذلك السبل للتوغل والفتوح في الساحات المختلفة والاهتمام ~~في البناء والعمران، فأسست المدن الوسيعة وشيدت المساجد في الشام والحجاز والعراق، ~~وزينت العاصمة دمشق بأنواع الزينة، فحفرت فيها الترع والأقنية لري المزارع والبساتين، وكان ~~الوليد خلفه شديد الكلف بالعمارات والأبنية واتخاذ المصانع والضياع، فزاد ذلك في رغبة الشعوب ~~الإسلامية على اقتفاء أثره واتباع خطاه، ولا ريب أن الأموال الكثيرة التي تدفقت على خزانة ~~الدولة من مختلف الأمصار هيأت أسباب العمران، وكان السلام منتشرا فعمت الرفاهية وسادت ~~الطمأنينة، فالتفت الناس إلى مجاراة ولاتهم وحكامهم في استحداث الأبنية التاريخية التي لا ~~تزال أثرا شاهدا على علو كعب الأمويين في فن العمارة. ~~(2) جغرافية سورية # قسم العرب الفاتحون سورية إلى خمسة أجناد وهي: (1) جند فلسطين (2) وجند الأردن (3) وجند ~~حمص (4) وجند قنسرين (5) وجند دمشق أما جند فلسطين فأشهر مدنه بيت المقدس وغزة وعسقلان، ~~وأما جند الأردن فكانت مدينته طبرية، وعرف به الغور واليرموك وبيسان، وأما جند حمص فكانت ~~عاصمته حمص، وأما جند قنسرين فكانت عاصمتها مدينة قنسرين في ابتداء الإسلام، ثم قامت حلب ~~مقامها في عصر الدولة الحمدانية ، وذلك حينما غلبت الروم - البيزنطيون - عليها سنة 351ه/962م ~~وتفرق أهلها في البلاد، فطائفة عبرت الفرات وطائفة نقلها سيف الدولة ابن حمدان إلى حلب، # 1 # وأما جند دمشق فكان يشتمل على الغوطة وقراها وبساتينها. # ولما امتدت الفتوح أطلق العرب على البصرة والكوفة اسم المصرين أو العراقين، وجعلوا ~~مصر مقاطعة بذاتها، وقد ذكر الجغرافيون أن أشهر مدنها كانت الفسطاط وعين الشمس والفرما ~~والعريش وبوصير ms136 والإسكندرية وإيلة، وكانت الولايات العجمية كالأهواز وتستر وجور وأصطخر وحلوان ~~وتلقب بفارس، أما خراسان فكانت تشمل الري ومرو وهراة وبلخ وخوارزم وجرجان وكابل وسمرقند ~~وفرغانة ودينور وطبرستان وأصبهان وغيرها، وقد غير العباسيون هذه التعاليم الجغرافية ونظموها ~~تنظيما أقرب إلى الكمال والدقة. # 2 ~~(3) جغرافية الدولة الأموية # ذكرنا لك هذه الأقسام الجغرافية لتتعرف إلى المملكة الأموية، وكل قصدنا من إيرادها ~~أن نظهر أن الدولة الأموية اهتمت اهتماما كليا في عمارة سورية، وبذلت الأموال ~~الطائلة في تشييد مدنها وتزيين أسواقها ومرافقها بالنسبة إلى غيرها من المقاطعات الإسلامية، ~~وكانت الخزينة كريمة في صرف أموال الجباية والخراج المجلوبة من الولايات الفارسية ~~والتركستانية والمصرية وغيرها في سبيل إنشاء المدن السورية وتنظيم العاصمة دمشق. ~~(3-1) دمشق # أجمع المؤرخون والجغرافيون العرب على أن دمشق هي بلد قد وهبتها الطبيعة جمالا ~~فائقا، فتراها كثيرة الأنهار وافرة الجنان، قال ياقوت: «قل أن تمر بحائط إلا ~~والماء يخرج منه في أنبوب إلى حوض يشرب منه ويستقي الوارد والصادر، وما رأيت بها ~~مسجدا ولا مدرسة ولا خانقاها إلا والماء يجري في بركة في صحن هذا المكان ويسبح في منصته»، # 3 # وهي نضيرة البقاع تحيط بها من جميع جهاتها الجبال وأشهرها جبل قاسيون، وتمتاز ~~بكثرة الفواكه، حتى إنها تحمل إلى مصر وحران، ويصف المقدسي دمشق فيذكر شيئا عن أحوال ~~اجتماعها فيقول: «دمشق هي مصر الشام ودار الملك أيام بني أمية وثم قصورهم وآثارهم، ~~بنيانهم خشب وطين، أكثر أسواقها مغطاة ولهم سوق على طول البلد مكشوف حسن ... وهو ~~بلد قد خرقته الأنهار وأحدقت به الأشجار وكثرت به الثمار مع رخص أسعار، لا ترى ~~أحسن من حماماتها ولا أعجب من فواراتها ولا أجزم من أهلها ... وهي طيبة جدا غير أن في ~~هوائها يبوسة ... ولحومها عاسية ومنازلها ضيقة وأزقتها غامة وأخبازها ردية، والمعايش بها ضيقة.» # 4 ~~(أ) الصالحية # ويصفها القلقشندي ثم يذكر الصالحية فيقول: «وهي مدينة عظيمة البناء، ذات سور شاهق ~~ولها سبعة أبواب: باب كيسان، باب شرقي، باب توما، باب الصغير، باب الجابية، باب الفراديس، ms137 ~~الباب المسدود، وهي ... حسنة الترتيب، جليلة الأبنية، غوطتها أحد مستنزهات الدنيا العجيبة ~~المفضلة على سائر مستنزهات الدنيا ... بها الجوامع والمدارس والزوايا والأسواق المرتبة ~~والديار الجليلة المذهبة السقف المفروشة بالرخام المنوع، ذات البرك والماء الجاري، وربما ~~جرى الماء في الدار الواحدة في أماكن منها، والماء محكم عليها من جميع نواحيها، ~~وغالب بنائها بالحجر، وعناية أهلها بالمباني كثيرة، ولهم في بساتينهم منها ما تفوق به ~~وتحسن بأوضاعه، ويستعمل في عماراتها خشب الحور وأجل حاضرتها ما هو في جانبيها الغربي ~~والشمالي. # فأما جانبها الغربي ففيه قلعتها، تحيط بها وبالمدينة جميعها أسوار عاليه، ويحيط بها ~~خندق يطوف الماء منه بالقلعة، إذا دعت الحاجة إليه أطلق على جميع الخندق المحيط بالمدينة ~~فيعمها. # وبإزاء المدينة في سفح جبل قاسيون مدينة الصالحية، وهي مدينة ممتدة في سفح الجبل ~~بإزاء المدينة في طول مدى يشرف على دمشق، وغوطتها ذات بيوت ومدارس وأسواق وبيوت جليلة، ~~ولكل من دمشق والصالحية البساتين الأنيقة يتسلسل جداولها، وتغني دوحاتها، ويتمايل أغصانها، ~~وتغرد أطيارها، وفي بساتين النزهة بها العمائر الضخمة والجواسق العلية والبرك العميقة ~~والبحيرات الممتدة تتقابل بها الأواوين والمجالس، تحف بها الغراس والنصوب المطرزة بالسرو ~~الملتف والحور الممشوق القد والرياحين المتأرجة الطيب والفواكه الجنية والثمرات الشهية ...» # 5 # فترى أن ياقوت والمقدسي والقلقشندي أجمعوا على الاعتراف بجمال دمشق ولطف بساتينها ~~وكثرة مدارسها وأبنيتها في مختلف العصور التي عاشوا بها، وهي بلا جدال بلد صحي أعجب ~~الخلفاء الأمويين والعباسيين، حتى قال ابن عساكر: «لم تزل ملوك بني العباس تخف إلى دمشق ~~طلبا للصحة وحسن المنظر، منهم المأمون، فإنه أقام بها، وبنى القبة التي في أعلى جبل ~~مروان، وصيرها موقدا يوقد في أعلاه النار، ويقال: إن المأمون نظر يوما من بناء كان ~~فيه إلى أشجار الغوطة وبنائها فحلف بالله إنها خير مغنى على وجه الأرض.» # 6 ~~(ب) جامع بني أمية # ولو أتيح لنا زيارة دمشق في أواخر عهد الوليد لاستجلب أنظارنا مسجدها الجامع ~~المعروف اليوم بجامع بني أمية، فترى به القواعد الكبيرة والأساطين العظيمة والأعمدة الجميلة ms138 ~~والمحاريب المزينة والقبب البديعة والأروقة المرصعة والفسيفساء الملونة والنقوش المتنوعة ~~والفصوص المذهبة والمرمر المصقول، وقد جمع الوليد لدى عمارته أشهر البناة والمهندسين من ~~الهند وفارس والمغرب وبيزنطية، ويقال: إنه أنفق عليه خراج الشام سبع سنين. # أسباب تشييد مسجد بني أمية # أما الأسباب التي دفعت الأمويين لتشييد المسجد الجامع فهي. # أولا: # مجاراة المسيحيين ومضاهاتهم في بناء معابدهم كما يؤثر الخلفاء على العامة، ~~ولئلا يقال: إن بيع النصارى أحسن فنا وأدق بناء وأجمل زخرفة من مساجد ~~المسلمين، نستشهد على هذا بما رواه المقدسي حينما سأل عمه معترضا على كثرة الأموال ~~التي أنفقت على هذا الجامع قال: «وقلت يوما لعمي: يا عم لم يحسن الوليد ~~حيث أنفق أموال المسلمين على جامع دمشق، ولو أصرف ذلك في عمارة الطرق ~~والمصانع ورم الحصون لكان أصوب وأفضل، قال: لا تفعل يا بني، إن الوليد ~~وفق وكشف له عن أمر جليل، وذلك أنه رأى الشام بلد النصارى، ورأى لهم ~~فيها بيعا حسنة قد افتن زخارفها وانتشر ذكرها كالقمامة وبيعة لد والرها، ~~فاتخذ للمسلمين مسجدا شغلهم به عنهن وجعله أحد عجائب الدنيا، ألا ترى أن ~~عبد الملك لما رأى عظم قبة القمامة وهيئتها خشي أن تعظم في قلوب المسلمين فنصب ~~على الصخرة قبة على ما ترى.» # 7 # ثانيا: # منافسة الأجانب البيزنطيين في بنائهم أيضا وحبا بالظهور أمام الأغيار ~~بمظهر القوة والغنى، وكان عمر بن عبد العزيز الخليفة العادل يود لو ينزع الحلي ~~التي زين بها الوليد المسجد الجامع لتصرف على قضاء حاجات المسلمين وتنفق ~~في مصالحهم، فغير رأيه وقال: «لا أرى مسجد دمشق إلا غيظا على الكفار، فنزل ~~عما كان هم به من نزع حليه .» # 8 # ثالثا: # ضيق فناء المسجد الذي اتخذه معاوية للمصلين، وكان موضع هذا المسجد كنيسة يصلي ~~المسلمون في ناحية منها والنصارى في ناحية، فلم يزالوا كذلك حتى كثر عدد ~~المسلمين في دمشق وتوافدت الناس إليها من كل صوب في أيام الوليد، فطلب إلى ~~المسيحيين أن يعطوه النصف المختص بهم لقاء إضعاف ثمنه، وتعهد لهم ms139 ببناء كنيسة ~~في دمشق حيث شاءوا، فأبوا عليه فهدمه مدعيا أن المسلمين الفاتحين أخذوه ~~عنوة وأضافه للمسجد، وكان أول من هدم فيه حجرا. # قال ابن عساكر يصف هدم هذا النصف من الكنيسة: «لما عزم الوليد على الهدم ~~قال له النصارى: لا يهدمها أحد إلا جن ... فخرج الوليد ومعه وجوه أهل البلد ~~حتى ملئوا الكنيسة، فأتى بفأس وقال: إن هؤلاء يزعمون أن أول من يهدمها يجن ~~وأنا أول من يجن في الله تعالى، وتناوله كل من حضر.» # 9 # ومما هو جدير بالذكر؛ أن الجند الإسلامي المحارب اشترك في نقل الأدوات اللازمة للبناء ~~واستجلبها من مختلف الأصقاع، أخبرنا ذلك أحد الغزاة الشاميين فقال: «كنا معشر أهل ~~الشام وإخواننا من أهل مصر وإخواننا من أهل العراق نغزو، فيفرض على الرجل منا أن ~~يحمل من أرض الروم قسما من الفسيفساء وذراعا في ذراع من رخام، فيحمله أهل العراق ~~وأهل حلب إلى حلب، ويستأجر من يحمله إلى دمشق، ويحمله أهل حمص إلى حمص ويستأجروا من يحمله ~~إلى دمشق، ويحمل أهل دمشق ومن ورائهم حصتهم إلى دمشق.» # 10 # أسهب المؤرخون والأدباء في وصف المسجد الأموي وذكر أروقته ومحاريبه ~~ونقوشه وأعمدته، وإنني مقتطف لك فقرات بعيدة عن المبالغة، وهي لأشهر الثقات الذين ~~كتبوا في هذا الموضوع: # قال المقدسي: «الجامع أحسن شيء للمسلمين اليوم، ولا يعلم لهم مال مجتمع أكثر ~~منه، قد رفعت قواعده بالحجارة الموجهة كبارا مؤلفة، وجعل عليهم شرف بهية، وجعلت ~~أساطينها أعمدة سودا ملسا على ثلاثة صفوف واسعة جدا، وفي الوسط إزاء المحراب قبة ~~كبيرة، وأدير على الصحن أروقة متعالية، ثم بلط جميعه بالرخام الأبيض، وحيطانه إلى ~~قامتين بالرخام المجزع، ثم إلى السقف بالفسيفساء الملونة ، في المذهبة صور أشجار وأمصار ~~وكتابات على غاية الحسن والدقة ولطافة الصنعة، وأقل شجرة أو بلد مذكور إلا وقد مثل ~~على تلك الحيطان، وطليت رءوس الأعمدة بالذهب، وقناطر الأروقة كلها مرصعة بالفسيفساء، ~~وأعمدة الصحن كلها رخام أبيض وحيطانه بما يدور والقناطر وفراخها بالفسيفساء نقوش وطروح، ~~والسطوح كلها ملبسة بشقاق الرصاص، ms140 والشرافيات من الوجهين بالفسيفساء، وعلى الميمنة في ~~الصحن بيت مال على ثمانية عمد مرصع حيطانه بالفسيفساء، وفي المحراب وحوله فصوص عقيقية ~~وفيروزجية كأكبر ما يكون من الفصوص، وعلى الميسرة محراب آخر دون هذا للسلطان، وقد كان ~~تشعث وسطه فسمعت أنه أنفق عليه خمسمائة دينار حتى عاد إلى ما كان، وعلى رأس ~~القبة ترنجة فوقها رمانة كلاهما ذهب. # ومن أعجب شيء فيه تأليف الرخام المجزع كل شامة إلى أختها، ولو أن رجلا من أهل الحكمة ~~اختلف إليه سنة لاستفاد منه كل يوم صنعة وعقدة أخرى ... ويدخل إليه العامة من أربعة أبواب: ~~باب البريد عن اليمين، كبير له فرخان عن يمين وشمال على كل واحد من الباب الأعظم، والفرخان ~~مصراعان مصفحة بالصفر المذهب، وعلى الباب والفرخين ثلاثة أروقة كل باب منهما يفتح إلى ~~رواق طويل قد عقدت قناطر على أعمدة رخام ... وجميع السقوف مزوقة أحسن تزويق، وفي هذه ~~الأروقة موضع الوراقين ومجلس خليفة القاضي ... يقابله عن اليسار باب حيرون وباب الساعات وباب ~~الفراديس، وعلى كل من هذه الأبواب ميضأة مرخمة ببيوت ينبع فيها الماء وفوارات خارجة في ~~قصاع عظيمة من رخام، ومن الخضراء وهي دار السلطان أبواب إلى المقصورة مصفحة مطلية ... ~~وأنفق عليه ثمانية عشر حمل بغل ذهب.» # 11 # وقال ابن عساكر: «قال أبو يوسف يعقوب بن سفيان: قرأت في قبلة مسجد دمشق صفائح مذهبة ~~بلازورد «بسم الله الرحمن الرحيم الله لا إله إلا هو الحي القيوم» # 12 # إلى آخر الآية، لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا نعبد إلا إياه، ربنا ~~الله وحده، وديننا الإسلام، ونبينا محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، أمر ببناء هذا المسجد وهذه الكنيسة ~~التي كانت فيه عبد الله الوليد أمير المؤمنين في «ذي القعدة من سنة ست وثمانين»، وهذه ~~الكتابة في ثلاث صفائح منها وفي الرابعة سورة الفاتحة إلى آخرها ثم النازعات ثم عبس ثم ~~التكوير الكل بتمامها، وقدمت بعد ذلك فرأيت هذا قد محي وكان ذلك قبل المأمون ... وكانت ~~القناديل إذا أطفئت في مسجد ms141 دمشق يسد الواحد منا أنفه لما يفوح من رائحة ~~المسك ... وكان في مسجد دمشق اثنا عشر ألف مرخم، ويقال: إن المرمر كان كثيرا.» # 13 # وروى ياقوت في معجم البلدان عن أحد الأدباء: «هو جامع المحاسن ... معدود من إحدى العجائب، ~~قد زور بعض فرشه بالرخام وألف على أحسن تركيب ... صنعته مؤتلفة، بساطه يكاد يقطر ~~ذهبا ويشتعل لهبا، وهو منزه عن صور الحيوان إلى صنوف النبات وفنون الأغصان، لكنها لا ~~تجنى إلا بالأبصار ولا يدخل عليها الفساد كما يدخل على الأشجار والثمار، بل باقية على ~~طول الزمان»، وقال أيضا: «لو عاش الإنسان مائة سنة وكان يتأمله كل يوم لرأى فيه كل يوم ما ~~لم يره في سائر الأيام من حسن صنائعه واختلافها.» # وقال موسى بن حماد البربري: «رأيت في مسجد دمشق كتابة بالذهب في الزجاج محفورا سورة ~~«ألهاكم التكاثر» إلى آخرها»، وحكى الجاحظ في كتاب البلدان: «مسجد دمشق مبني على ~~الأعمدة الرخام طبقتين، الطبقة التحتانية أعمدة كبار والتي فوقها صغار، في خلال ذلك صورة كل ~~مدينة وشجرة في الدنيا بالفسيفساء الذهب والأخضر والأصفر، وفي قبة القبلية المعروفة «بقبة ~~النسر» ليس في دمشق شيء أعلى ولا أبهى منظرا منها، ولها ثلاث منائر أشهرها المنارة ~~البيضاء، ولم يزل جامع دمشق على تلك الصورة يبهر بالحسن والتنميق إلى أن وقع فيه حريق في ~~سنة 461ه فذهب بعض بهجته.» # 14 # وذكر القلقشندي مساحته فقال: «وذرعه في الطول من المشرق إلى المغرب مائتا خطوة، وهي ~~ثلاثمائة ذراع، وعرضه من القبلة إلى الشمال مائة خطوة وخمس وثلاثون خطوة وهي مائتا ذراع.» # 15 ~~(ج) قصر الخضراء # وقد يستلفت نظرك أيضا لدى زيارتك دمشق قصر معاوية الأول ويعرف بالخضراء، فزاد عبد ~~الملك عليه وحسنه واشتراه حسبما روى ابن عساكر بأربعين ألف دينار. # 16 ~~(د) أنهار دمشق # وإذا توغلنا في أنحاء العاصمة وزرنا بساتينها لرأينا أن مسقاها من بردى، وهو ~~يقسم على سبعة أنهر: أربعة غريبة، وهي نهر داريا ونهر المزة ونهر القنوات ونهر بانياس، ~~واثنان شرقية وهما نهر يزيد ونهر ms142 تورا، ونهر بردي ممتد بينهما، # 17 # وكان نهر يزيد صغيرا لا يسقي إلا قريتين من قرى الغوطة، فلما ولي أمر ~~بحفره وعرضه فقام الفلاحون يعارضونه فلطف بهم، أخبرنا ذلك ابن عساكر فقال: «وولي يزيد ~~فنظر إلى أرض واسعة ليس لها ماء وكان مهندسا، فنظر إلى النهر - نهر يزيد - فإذا هو صغير، ~~فأمر بحفره، فمنعه من ذلك أهل الغوطة ودافعوه، فلطف بهم على أن ضمن لهم خراج ~~سنتهم من حاله، فأجابوه إلى ذلك، فاحتفر نهرا سعة عرضه ستة أشبار في عمق ستة أشبار على ~~أن له ملء جنبتيه.» # 18 # وكان يزيد الأول مهندسا، فأصلح مجاري الأنهار لينتفع بها الأهلون، وشاد السكان المباني ~~على جانبي نهر تورا حتى دعاه القلقشندي بنيل دمشق، وتجد الناس منتزهاتها بالقرب منه وهو ~~أشبه شيء بالزمردة الخضراء لالتفاف الأشجار عليه، والحقيقة أن هذه الأنهار ينتفع بها ~~الدمشقيون وأهل الغوطة فيتوزع منها الماء إلى البساتين والمزارع من المواصي، ويدخل من بعدها ~~إلى البلد في القنى، ثم يتفرق إلى البرك والحمامات، ويجري في الشوارع والسقايات. # 19 ~~(ه) رصافة الشام # نزع الخلفاء الأمويون إلى الترف والرفاهية والتمتع بملاذ الحياة الهادئة، فشاد هشام ~~بن عبد الملك رصافة الشام، وهي في غربي الرقة وتبعد عنها نحوا من أربعة فراسخ، وكان ينزلها ~~في الصيف فيضرب بها السرادقات، وإذا حل الطاعون في دمشق وفشا بها هرب منها وجعل ~~الرصافة مكان إقامته، ويذكر المؤرخون أنها من عمل الغساسنة، فأتى هشام وعمر سورها ~~وبنى بها قصوره، والغريب أنه ليس عندها نهر ولا عين جارية إنما يستقي أهلها من الصهاريج، ~~وإذا فرغت هذه الصهاريج في مواسم الصيف الشديدة القيظ يرسل أغنياؤهم في طلب الماء من ~~الفرات، قال ياقوت: «يمضي أحدهم إلى الفرات العصر فيجيء بالماء في غداة غد»، # 20 # ويدين سكان الرصافة بالنصرانية، أما معاشهم فتخفير القوافل وجلب المتاع ~~وغزل الصوف ونسجه. # 21 # قلنا: إن هشاما كان يرتاد الرصافة لترويح الخاطر من عناء الأشغال وانتجاعا للصحة ~~وهربا من الطاعون في بعض الأحيان، فقدمت عليه الوفود من الجهات ms143 لقضاء حاجاتها وأتت إليه ~~أهل المظالم تطلب العدل والإنصاف من أرباب الجور والعسف، فأسس مجلسا للقضاء أدنى إليه ~~الضعفاء والنساء واليتامى، وأقصى عنه المتنفذين والأقوياء، وقد طار صيت الرصافة فوصف لنا ~~الكتاب والمتأدبون جمالها وأطنبوا في مديح هشام وعدالته. # فقال فيها أحد النبلاء من العراق: «قدمت على هشام وقد خرج منتدبا في قرابته وأهله ~~وحشمه وحاشيته من أهله إلى بعض وادي الرصافة، فنزل في أرض قاع صحصح أفيح في عام قد بكر ~~وسيمه - مطره - وقد ألبست الأرض أنواع زهرتها وأخرجت ألوان زينتها من نور ربيعها، فهي ~~في أحسن منظر وأجمل مخبر، بصعيد كأن ترابه قطع الكافور، فلو أن قطعة دينار ألقيت ~~فيه لم تثرب، وقد ضرب له سرادقات من حبرات اليمن مزرورة بالفضة والذهب، وضرب له ~~فسطاطه في وسطه فيه أربعة أفرشة من خز أحمر مثلها مرافقها، وعليه دراعة خز أحمر وعمامة ~~مثلها، وضربت حجر نسائه من وراء سرادقه، وعنده أشراف قريش وقد ضربت حجر بنيه ~~وكتابه وحشمه بقرب فسطاطه. # وكان له موضع بالرصافة أفيح من الأرض يبرز فيه فتضرب له به السرادقات، فيكون فيه ~~ستين ليلة بارزا للناس مباحا للخلق لا يفنى أيامه تلك إلا برد المظالم والأخذ على يد ~~الظالم من جميع الناس وأطراف البلاد، ويصل إلى مخاطبته بذلك الموضع داعي السوام والأمة ~~السوداء فمن دونهما، قد وكل رجالا أدباء عقلاء بإدناء الضعفاء والنساء واليتامى منه، ~~وأمرهم بإقصاء أهل القوة والكفاية حتى يأتي على آخر ما يكون من أمره فيما دفع ~~إليه، لا ينضم إليه رجل يريد الوصول إليه فينظروا أوضع منه إلا أدنوا الأوضع ~~وأبعدوا الأرفع حتى ينظر في شأنه ويعرف أمره وينفذ فيه ما أمر، ولا يرفع إليه ~~ضعيف ولا امرأة أمرا وظلامة على غطريف من الناس مرتفع القدر ... إلا أمر باقتضاء ~~يمينه ... حتى لربما تمر به المرأة والرجل أو عابر سبيل لا حاجة له فيما مر به فيقال له: ~~ما حاجتك؟ وما قصتك؟ وما ظلامتك؟ فيقول: إنما سلكت أريد موضع كذا أروم بلد كذا، فيقول ms144 ~~له: لعلك ظلمك أحد من آل الخليفة تهاب أمره وتتوقع سطوته فذلك الذي منعك عن ~~رفع ظلامتك إلى أمير المؤمنين؟ فيقول: لا والله لا أبغي إلا ما قلت، فيقال له: اذهب ~~بسلام، حتى لربما أتت عليه تارات من الليل وساعات من النهار لا ينظر في شيء ولا يأتيه أحد ~~في خصومة لاستغناء الناس عن المطالب وتعففا من المظالم ووقاية من سطواته وتخوفا من ~~عقوبته، وقد وسع العباد أمنه وأشعرهم عدله وصارت البلاد المتنائية الشاسعة ~~كدار واحدة ترجع إلى حاكم قاض يرقبه الناس في المواضع النائية عنه كما يرقبه من معه.» # 22 # وكان سليمان بن عبد الملك واليا على جند فلسطين في أيام أخيه الوليد، فنزل «لد» - ~~أكبر محطة في فلسطين للسكك الحديدية اليوم - فلم تعجبه ولم ترق له الإقامة فيها، فقدم ~~الرملة، وهي رباط للمسلمين منذ الفتح فمصرها وبنى بها قصره ودارا تعرف بدار الصباغين، ~~واختط المسجد وعمره وزينه واحتفر لهم الآبار والأقنية، وكان بنو أمية ينفقون على ~~آبار الرملة إلى أواخر أيامهم، وأصاب الرملة الدمار في خلال الحروب الصليبية، وهي تكاد تكون ~~اليوم قرية، وكانت زاهية زاهرة في أيام المقدسي الجغرافي، فيقول عنها: «قصبة فلسطين بهية ~~حسنة البناء خفيفة الماء مرية واسعة الفواكه جامعة الأضداد بين رساتيق جليلة ... وقرى نفيسة ~~والتجارة بها مفيدة والمعايش حسنة، ليس في الإسلام أبهى من جامعها ولا أحسن ولا أطيب من ~~حواريها، ولا أبرك من كورتها ولا ألذ من فواكهها، موضوعة بين رساتيق زكية ومدن محيطة ~~ورباطات فاضلة، ذات فنادق رشيقة وحمامات أنيقة وأطعمة نظيفة وإدامات كثيرة ومنازل فسيحة ~~ومساجد حسنة وشوارع واسعة ... قد خطت في السهل وقربت من الجبل والبحر وجمعت التين والنخل ~~وأنبتت الزروع على البعل وحوت الخيرات والفضل، غير أنها في الشتاء جزيرة من الوحل وفي ~~الصيف ذريرة من الرمل، لا ماء يجري ولا خضر ولا طين جيد ولا ثلج، كثيرة البراغيث عميقة ~~الآبار مالحة وماء المطر في جباب مقفلة، فالفقير عطشان والغريب حيران. # وجامع القصبة في الأسواق أبهى وأرشق من ms145 جامع دمشق، يسمى «الأبيض» ليس في الإسلام ~~أكبر من محرابه، ولا يعد منبر بيت المقدس أحسن من منبره، وله منارة بهية بناه هشام بن ~~عبد الملك ... وأرض المغطى مفروشة بالرخام والصحن بالحجارة المؤلفة وأبواب المغطى من الشربين ~~والتنوب مداخله محفورة حسنة جدا.» # 23 ~~(3-2) واسط العراق # يمكننا القول دون جدال: إن الأمويين شادوا الرصافة والرملة حبا بالنزهة وطلبا للراحة، ~~أما تأسيسهم المدن في العراق فكان لمقصد غير المقصد الذي ذكرناه وأتينا على بيانه، كلنا ~~يعلم أن العراق كان دوما متهيئا للثورة على بني أمية، وكلنا قد شعر بالضغائن التي كان ~~يحملها أهل الكوفة وأهل البصرة على الأمويين وولاتها، فأقام الحجاج مدينة متوسطة بين البصرة ~~والكوفة لا تبعد أكثر من خمسين فرسخا عن كل منهما؛ ولذلك كان بوسعه أن يشرف على أعمال ~~سكان المصرين ويضربهم كلما حدثتهم النفس بالعصيان، وشرع الحجاج في عمارة واسط في سنة ~~84ه وفرغ منها سنة 86ه/703-705م، وتمتاز واسط بطيب هوائها وكثرة بساتينها ونخيلها، وقد أكد ~~له أطباؤه وبعض ثقاته أنهم استطابوا ليلها واستعذبوا أنهارها واستمرءوا طعامها وشرابها. # 24 # أما أشهر المباني التاريخية التي شادها الحجاج في واسط فهي المسجد الجامع والقبة ~~الخضراء والقصر والسور، وكان ذرع قصره أربعمائة في مثلها، وذرع المسجد الجامع مائتين في ~~مائتين، ونقل الحجاج إلى قصره والمسجد الجامع أبوابا من الجهات المختلفة من العراق، ~~فاحتج أهل هذه الجهات وضجوا وقالوا: قد غصبتنا على مدائننا وأموالنا، فلم يلتفت ~~إلى قولهم ولم يغنهم احتجاجهم عليه فتيلا، وقد زار ياقوت واسطا فوصفها بقوله: «ورأيت ~~أنا واسطا مرارا فوجدتها بلدة عظيمة ذات رساتيق وقرى كثيرة وبساتين ونخيلا يفوت الحصر، ~~وكان الرخص موجودا فيها من جميع الأشياء ما لا يوصف، بحيث إني رأيت فيها كوز زبد ~~بدرهمين، واثنتي عشرة دجاجة بدرهم، وأربعة وعشرين فروجا بدرهم ، والسمن اثنا عشرة رطلا ~~بدرهم، والخبز أربعون رطلا بدرهم، واللبن مائة وخمسون رطلا بدرهم، والسمك مائة رطل بدرهم، ~~وجميع ما فيها بهذه النسبة.» # 25 ~~(3-3) جامع بيت المقدس # جرت السنة لدى الخلفاء ms146 الأمويين أن يشيدوا المساجد ويعمروا بيوت الله لتكون زينة ~~للمدن ومركزا وسيعا لاجتماع المسلمين وغيظا على الأجانب والأغيار، فأقام الوليد الجامع ~~الأموي في دمشق، وقد أسهبنا لك في وصفه وبيان محتوياته، وبنى والده عبد الملك ~~بمساعدته جامع بيت المقدس أو جامع الصخرة، وتباينت رواية الذين زاروه وشاهدوه من المؤرخين ~~في العصور المختلفة في ذكر مساحته وعدد عمده ومحاريبه ومنابره والأموال التي أوقفت ~~له. # قال المقدسي: «... وللمغطى ستة وعشرون بابا: باب يقابل المحراب يسمى باب النحاس الأعظم ~~مصفح بالصفر المذهب ... والسقوف كلها إلا المؤخرة ملبسة بشقاق الرصاص، والمؤخر مرصوف ~~بالفسيفساء الكبار والصحن كله مبلط وسطه دكة يصعد إليها من الأربع جوانب في مراق واسعة ~~وفي الدكة أربع قبات، وطول المسجد ألف ذراع بذراع الملك الإشباني، وعرضه سبعمائة، وفي سقوفه ~~من الخشب أربعة آلاف خشبة وسبعمائة عمود رخام، وعلى السطح خمسة وأربعون ألف شقفة رصاص، وخدامه ~~مماليك له أقامهم عبد الملك من خمس الأسارى؛ ولذلك يسمون الأخماس، لا يخدمه غيرهم، ولهم ~~نوب يحفظونها، وكانت وظيفته في كل شهر مائة قسط زيت وفي كل سنة ثمانمائة ألف ذراع حصر.» # 26 # وقال ابن عبد ربه في العقد الفريد: «طول المسجد سبعمائة ذراع وأربع وثمانون ذراعا، ~~وعرضه أربعمائة ذراع وخمسة وخمسون ذراعا، ويسرج في المسجد ألف وخمسمائة قنديل، وعدد ما فيه ~~من الأبواب خمسون بابا، وعدد ما فيه من العمد ستمائة وأربعة وثمانون عمودا، وفيه الصخرة ~~الملبسة صفائح الرصاص، ومن فوق ذلك صفائح النحاس مطلية بالذهب، وجميع ما يسرج في الصخرة من ~~القناديل أربعمائة قنديل وأربعة وستون قنديلا بمعاليق النحاس وسلاسل النحاس، وفي المسجد ثلاث ~~مقاصير للنساء، طول كل مقصورة ثمانون ذراعا في عرض خمسين ذراعا، وفيه من المصاحف الجامعة ~~سبعون مصحفا وفيه من المحاريب عشرة، وفيه أربعة وعشرون جبا للماء، وفيه أربعة منائر ~~للمؤذنين، وجميع سطوح المسجد والقباب والمنارات ملبسة صفائح مذهبة، وله من الخدم ~~بعيالاتهم مائتا مملوك وثلاثون مملوكا يقبضون الرزق من بيت مال المسلمين، ووظيفته في كل عام ~~من الحصر ثمانية آلاف.» ms147 # 27 # وقال الهمداني في كتاب البلدان: «يقال: إن طول مسجد بيت المقدس ألف ذراع وعرضه ~~سبعمائة، وفيه سبعمائة عمود، وخمسمائة سلسلة نحاس، ويسرج فيه كل ليلة ألف وستمائة قنديل، ~~وفيه من الخدم مائة وأربعون خادما، وله من الحصر كل سنة ثمانمائة ألف ذراع، وفيه خمسة وعشرون ~~ألف جب للماء، وفيه ستة عشر تابوتا للمصاحف، وفيه أربعة منابر للمطوعة وواحد للمرتزقة، وله ~~أربعة مياضئ ... وقبة الصخرة بناها عبد الملك بن مروان على اثني عشر ركنا وثلاثين عمودا ... هذا ~~أيام خليفتنا المعتضد بالله.» # 28 # وقال ياقوت في معجم البلدان: «وهو طويل عريض وطوله أكثر من عرضه، وهو على غاية ~~الحسن والإحكام، مبني على الأعمدة الرخام الملونة والفسيفساء التي ليس في الدنيا أحسن منه، ~~لا جامع دمشق ولا غيره، في وسط صحن هذا الموضع مصطبة عظيمة في ارتفاع نحو خمسة أذرع كبيرة ~~يصعد إليها الناس من عدة مواضع بدرج، وفي وسط هذه المصطبة قبة عظيمة على أعمدة رخام ~~مسقفة برصاص منعمة من برا وداخل بالفسيفساء مطبقة بالرخام الملون قائم ومسطح، وفي وسط هذا ~~الرخام قبة أخرى قبة الصخرة التي تزار.» # 29 # أحببت أن أثبت لك هذه الروايات المختلفة المتباينة لتعلم معنى المبالغة وكم يجب أن ~~نحذر منها في دراستنا التاريخ، ولو درست هذه الروايات تماما لوجدت أن الهمداني والمقدسي ~~يعطيانك على وجه التقريب عين الأرقام فيما يختص بمساحة مسجد بيت المقدس وعدد عمده وأذرع ~~الحصر التي تفرش فيه، لكن الغرابة كل الغرابة حينما تأتي إلى عدد الآبار فيعددها ابن عبد ~~ربه فإذا هي 24 ويعددها الهمداني فإذا هي 25000 فتأمل! أليست هذه الحال من الفضائح في ~~التاريخ فاجتنبها ما قدرت رحمك الله، وهاك قائمة تسهل عليك نوعا المقابلة بين ~~هذه الروايات: # المقدسي # ابن عبد ربه # الهمداني # ياقوت # الطول والعرض # 700 × 1000 # 455 × 784 # 700 × 1000 # عدد القناديل # 1500 # 1600 # العمد # 700 # 684 # 700 # الأبواب # 26 # 50 # الحصر # 800000 ذراع # 800000 # 800000 # الآبار # 24 # 25000 # 25000 # الخدم # 280 # 140 # 140 ~~(3-4) المسجد الحرام # واهتم ms148 الأمويون في تجديد المسجد الحرام في مكة وتوسيعه وإتقانه وتحسين كسوته، فزاد عبد ~~الملك بن مروان في ارتفاع حائط المسجد، وحمل إليه السواري من مصر في البحر إلى جدة، وحملت ~~من جدة على العجل إلى مكة، ولما ولي الوليد زاد في حليته وزين سقفه بأطواق الياقوت والزبرجد ~~المجلوب من الأندلس، # 30 # وكان أول من بناه عمر بن الخطاب، فلما كانت السلطة في الحجاز لابن الزبير جعل ~~فيه عمدا من الرخام وزاد في أبوابه وحسنها ... وطيب الأمويون الكعبة بأنواع الطيب وكسوها ~~الديباج بعد أن كانت تكسى بالثياب اليمانية والقباطي، # 31 # ووصف لنا ابن عبد ربه البيت الحرام بقوله: «صحنه كبير واسع، ذرعه طولا ~~أربعمائة ذراع وأربعة أذرع، وذرعه عرضا ثلاثمائة ذراع وأربعة أذرع، وله عمد رخام بيض عددها ~~في طوله من الشرق إلى الغرب خمسون عمودا وفي عرضه ثلاثون عمودا، وجملة عمد المسجد أربعمائة ~~وأربعة وثلاثون عمودا، طول كل عمود منها عشرة أذرع ودوره ثلاثة أذرع، المذهبة من رءوس العمد ~~ثلاثمائة وعشرون رأسا، وسور المسجد كله من داخله مزخرف بالفسيفساء، وله ثلاثة وعشرون بابا.» # 32 ~~(3-5) مسجد المدينة # اعتنى الأمويون أيضا في توسيع مسجد المدينة وتزيينه، فاشترى عمر بن عبد العزيز الدور ~~التي حوله في عهد الوليد وزادها فيه وجدد بناءه، وبعث إلى بيزنطية يشتري الفسيفساء ~~فوجهوا إليها منها أربعين وسقا فشحنها إلى المدينة ورصع بها المحاريب والسقوف، وأول من ~~بنى هذا المسجد الرسول محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان بناؤه باللبن وسقفه جريد وعمده خشب النخل، ~~فأصلحه عثمان بن عفان حينما تولى وبناه بالحجارة المنقوشة. # 33 ~~(3-6) الأمويون والتماثيل # نحمد للأمويين اهتمامهم بالعمران وانصرافهم إليه وبذلهم الأموال الطائلة في سبيله، ولكننا ~~لا نحمد لهم صنيعهم في تخريبهم التماثيل، فقد أساءوا بذلك إلى العلم والفن، أساءوا إلى العلم ~~لأننا فقدنا بفقدها آثارا ناطقة عن الأمم التي سكنت هذا الشرق الإسلامي قبل العرب، ~~وأساءوا إلى الفن لأن التماثيل تخبرنا عن مبلغ ما وصلت إليه تلك الأمم من رقة ~~الشعور ومعرفة الجمال، فأمر ms149 يزيد بن عبد الملك سنة أربع ومائة (722م) بكسر الأصنام في ~~أنحاء البلاد كلها فكسرت ومحيت التماثيل وخصوصا من مصر. # 34 # ا.ه. # الفصل الثامن # | أحوال الاجتماع الأموي # أتحنا لأنفسنا في الفصل الذي سلف أن نزور دمشق في أواخر عهد الوليد، وأن نتمتع بمناظرها ~~الجميلة الفتانة، وأن نشاهد عمرانها، فرأينا المسجد الجامع وقصر الخضراء، ثم تجولنا في ~~أطرافها فكحلنا العيون بمرأى الغوطة الملتفة الأشجار ونهر بردى مع روافده السبعة، وإننا الآن ~~نود لو نسير وإياك فنختلط مع سكانها كبيرهم وصغيرهم، شريفهم ووضيعهم؛ لنتعرف إلى أحوال ~~اجتماعهم وطراز حياتهم وأساليب تجارتهم وأنواع نقودهم وشكل بريدهم ومعاني التربية والأخلاق عندهم، ~~إننا بذلك نفهم ما ورثنا من عادات وتقاليد، وما طرأ عليها من التطور والتغيير خلال هذه ~~العصور. ~~(1) التجارة # اشتدت الحركة التجارية في الشام حينما كثرت الأموال وبدأ الأغنياء ينزعون للترف ~~ويقلدون البيزنطيين في لبس الحرير واتخاذ الأثاث الغالي في بيوتهم، فكنت ترى التجار من ~~الفرس والبيزنطيين والأندلسيين والصقالبة وبعض العرب يجلبون من المغرب الخدم والجواري ~~والغلمان والديباج وجلود الخز والفراء والسمور والسيوف، ثم يمضون إلى المشرق فينتابون السند ~~والهند والصين فيحملون منها المسك والعود والكافور والدارصيني، وقبلتهم في ذهابهم وإيابهم ~~دمشق عاصمة الخلافة، وكانوا يسافرون من المشرق إلى المغرب ومن المغرب إلى المشرق برا وبحرا، ~~أما الطرق التي يتبعونها في رحلاتهم الطويلة فكانت إما من فرنسا إلى مصر - من فرنجة إلى ~~الفرما - ومنها يركبون البحر الأحمر - القلزم - إلى جدة، ثم يمضون إلى الصين والهند، وإما من ~~فرنسا إلى أنطاكية فالجابية، ثم يركبون في الفرات فالدجلة إلى بغداد فالبصرة، ومنها يبحرون ~~إلى عمان فالهند. # 1 # واشتهر لدى الدمشقيين جماعات التجار الصقالبة، وكان يحمل هؤلاء جلود الخز وجلود الثعالب ~~السود والسيوف من أوروبا، فيبحرون إما من فرنسا وإما من الأندلس إلى السوس الأقصى، ~~فيصيرون إلى طنجة ثم إلى تونس فمصر فالرملة فدمشق فالكوفة فبغداد فالبصرة فالأهواز ففارس فكرمان ~~فالسند فالهند فالصين، وكان يصحبهم في رحلاتهم الخدم الصقالبة المستعربة وغير المستعربة ~~فيترجمون لهم. # أما البلاد الشامية ms150 فكانت تصدر الزيت والصابون والفواكه والحبوب والكاغد والثياب والسكر ~~والزجاج والقطن والحديد والحوارة - وبه تبيض السقوف والسطوح - والحجارة البيضاء والرخام ~~وغيرها، وقد ذكر المقدسي ما تصدره كل بلد في الشام، فقال: «يرتفع من فلسطين الزيت ~~واليقطين والزبيب والخرنوب والملاحم والصابون، ومن بيت المقدس الجبن والقطن والتفاح والمرايا ~~وقدور القناديل والإبر، ومن بيسان النيل والتمور، ومن عمان الحبوب والخرفان والعسل، ومن طبرية ~~شقاق المطارح والكاغد، ومن القدس الثياب المنيرة والبلعيسية والحبال، ومن صور السكر والخرز ~~والزجاج المخروط والمعمولات، ومن مآب قلوب اللون، ومن بيسان الأرز، ومن دمشق المعصور والديبا ~~ودهن البنفسج والصفريات والكاغد والجوز، ومن حلب القطن والثياب والأشنان والمغرة وقصب السكر ~~والرطب والزيتون والنارنج والجوز والهليون والموز والسماق والكرنب والكمأة والترمس.» # 2 # وتعامل التجار الأجانب في المملكة الأموية بواسطة النقود البيزنطية والفارسية، وقد ~~عرفها العرب منذ الجاهلية، فقال البلاذري: «كانت دنانير هرقل ترد على أهل مكة في الجاهلية ~~وترد عليهم دراهم الفرس البغلية، فكانوا لا يتبايعون إلا على أنها تبر»، # 3 # وكانت مختلفة الأوزان فوزن بعضها عشرين قيراطا واثني عشر قيراطا، والبعض ~~الآخر عشرة قراريط. # ولا يغرب عن بالنا أنه كانت لقريش في مكة أوزان في الجاهلية، فدخل الإسلام فأقرها ~~وثبتها، فكانت تزن الفضة بوزن تسميه درهما، وتزن الذهب بوزن تسميه دينارا، وكان عندهم ~~وزن الشعيرة وهو واحد من الستين من وزن الدرهم، والأوقية وتزن أربعين درهما، والنش وتزن عشرين ~~درهما، والنواة وتزن خمسة دراهم. ~~(2) النقود # قلنا إن النقود المتداولة بين أيدي الناس في المملكة الأموية كانت بيزنطية وفارسية، فلما ~~استولى عبد الملك بن مروان على زمام الأمور نقل السكة والنقود إلى العربية، ويروى أن خالد ~~بن يزيد بن معاوية أشار على عبد الملك بقوله: «يا أمير المؤمنين حرم دنانيرهم، فلا يتعامل ~~بها، واضرب للناس سككا ولا تعف هؤلاء الكفرة مما كرهوا في الطوامير ...» وكانت الأقباط تذكر ~~المسيح في رءوس الطوامير وتنسبه إلى الربوبية وتجعل الصليب مكان «بسم الله الرحمن الرحيم»، # 4 # فضرب الدنانير وأمر عماله بضربها، فأنشأ الحجاج دارا ms151 لضرب السكة في ~~العراق وجمع فيها الطباعين، فكان يضرب المال للخليفة مما يجتمع له من التبر، وختم أيدي ~~الطباعين وشدد النكير عليهم ووضع قانونا يقضي بالقصاص الصارم والعذاب الشديد على ~~المزيفين، ويذكر البلاذري أن عمر بن هبيرة وخالد بن عبد الله القسري ويوسف بن عمر ولاة العراق ~~بعد الحجاج أفرطوا في الشدة على الطباعين وأصحاب الغيار، فقطعوا الأيدي وسجنوا المزيفين؛ ~~لذلك كانت الدراهم الهبيرية والخالدية واليوسفية أجود نقود بني أمية، وكتب الحجاج على النقود ~~التي سكها «بسم الله الرحمن الرحيم»، وكتب أيضا بعد ذلك «الله أحد الله الصمد.» ~~(3) دواوين الحكومة # قد تعجب فئة منا كيف أن الحكومة الأموية لم تعجل حالا لدى استلامها زمام الأحكام في ~~ضرب نقود عربية باسمها تقوم مقام نقود الأغيار، وقد تستغرب هذه الفئة إذا قلنا لها: إن ~~دواوين الحكومة الأموية ظلت تكتب باليونانية في الشام، وبالفارسية في العراق، وبالقبطية في ~~مصر، حتى عهد عبد الملك بن مروان، ولكن ليس هناك ما يدعو إلى العجب والاستغراب، فكان الفرس ~~والآراميون والقبطيون يفوقون العرب في إدارة الدواوين وضبط حسابات المالية وتدقيق المسائل ~~الكتابية، هذا عدا أن العربية كانت تصارع اللغة القبطية في مصر والآرامية واليونانية في سورية ~~والفارسية في العراق ولم تتغلب عليها، فلما كانت سنة 81ه/700م اشتدت حركة التعصب للعربية ~~ومقاتلة اللغات الغريبة عن العرب، وكثر عدد المتعلمين من الشبان الأمويين الذين أخذوا ~~ينافسون الأجانب، فأمر عبد الملك بنقل جميع دواوين الحكومة إلى العربية في جميع الأقطار، وألف ~~لجنة للقيام بهذا العمل الخطير عهد رئاستها إلى سليمان بن سعد، وأمده بالمال فأعانه بخراج ~~الأردن سنة كاملة - ويقدر بمائة ألف وثمانين ألف دينار - فلم تنته السنة إلا ~~ونقلت جميع الدواوين إلى العربية، فتأثر الكتاب البيزنطيون من ذلك إذ فقدوا وظائفهم ~~وأجبروا أن يتطلبوا العيش من غيرها، روى ذلك البلاذري فقال: «فلم تنقض السنة حتى ~~فرغ من نقله وأتى به عبد الملك، فدعا بسرجون كاتبه فعرض ذلك عليه فغمه وخرج من عنده ~~كئيبا، فلقيه قوم من كتاب الروم فقال: ms152 اطلبوا المعيشة من غير هذه الصناعة فقد قطعها ~~الله عنكم.» # 5 # وقد بذل الموظفون الفرس مالا كثيرا لصالح بن عبد الرحمن رئيس اللجنة التي أوكل إليها ~~نقل الديوان من الفارسية إلى العربية في العراق فلم يفلحوا؛ لأن الحجاج كان من ورائه يشرف ~~على كل صغيرة وكبيرة، ولأن صالح بن عبد الرحمن يصبح رئيسا لشعبة كبرى من هذه الدواوين إن ~~نجح في إتمام تعريبها، فلم يزل مكبا على تعريبها مع زملائه حتى تم له ما أراد، واعترف ~~أحد الكتبة الفرس عما أصابهم من الألم من نقل هذه الدواوين إلى العربية فقال: «بذلت ~~لصالح مائة ألف درهم على أن يظهر العجز عن نقل الديوان ويمسك عن ذلك فأبى ونقله.» # 6 # ولم ينقض عام 87ه/705م حتى أمر عبد الله بن عبد الملك بالدواوين فنسخت بالعربية، ~~وكانت قبل ذلك تكتب بالقبطية، وصرف الأمير عبد الله أشناس عن الديوان. # 7 ~~(4) الموازين # أما الموازين التي كان يستعملها التجار فكانت تختلف باختلاف البلاد الأموية، وقد عرفنا ~~منها: (1) القفيز (2) الويبة (3) المكوك (4) الكيلجة (5) والقب (6) والمدى (7) ~~والغرارة (8) والرطل (9) والأوقية (10) والدرهم (11) والحبة (12) والدانق. # فأما الكيلجة فهي نحو صاع ونصف، والمكوك نحو ثلاث كيالج، والويبة مكوكان، والقفيز أربع ~~ويبان، والمدى نحو ثلثي القفيز، والغرارة قفيز ونصف، وكل رطل اثنا عشر أوقية، والدرهم ستون حبة، ~~والحبة شعيرة واحدة، والدانق عشر حبات، وهذه الأوزان تتفاوت في البلاد. ~~(5) البريد # ولا شبهة لدينا أن البريد كان يسهل على التجار أمورهم، فكانوا دوما على اتصال مع ~~زملائهم في بقية الأقطار الأموية، وديوان البريد مصلحة تختص بالحكومة رأسا، فيبعث صاحبها ~~بتحارير الخلافة وأوامرها ومراسيمها إلى مواضعها، ويتولى عرض الكتب من جميع النواحي على مقام ~~الخلافة، ويحسن بصاحب البريد أن يكون عالما بأسماء البلدان والمواضع والمنازل وعدد الأميال ~~والفراسخ التي بينها، قادرا على وصفها وبيان عمرانها وطبيعتها وطرقها ومسالكها، وهو الذي ~~يعين المأمورين الضليعين في هذا المسلك في المحطات المختلفة. # قال أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي: «ويكون إليه - لصاحب البريد - النظر في أمر ~~المرتبين في السكك وتنجز ms153 أرزاقهم وتقليد أصحاب الخرائط في سائر الأمصار، والذي يحتاج إليه في ~~صاحب هذا الديوان هو أن يكون ثقة إما في نفسه أو عند الخليفة القائم بالأمر في وقته؛ لأن هذا ~~الديوان ليس فيه من العمل ما يحتاج معه إلى الكافي المتصفح، وإنما يحتاج إلى الثقة المتحفظ، ~~والرسوم التي يحتاج إليها من أمر الديوان ما يضبط بها أعماله وأحواله، ولا غنى بصاحب هذا ~~الديوان أن يكون عارفا بأمر الطرق ومواضع السكك والمسالك إلى جميع النواحي، ولا يحتاج في ~~الرجوع بهذه المعرفة إلى غيره، وما أن سأله عنه الخليفة وقت الحاجة إلى شخوصه وإنقاذ جيش يهمه ~~أمره وغير ذلك مما تدعو الضرورة إلى علم الطرق بسببه وجده عتيدا عنده ومضبوطا قبله ولم يحتج ~~إلى تكلف عمله والمساءلة عنه.» # 8 ~~(6) العلم والتربية # عرفنا شيئا عن تجارة الدولة الأموية وأحوال تجارها والطرق التي سلكوها، ونقودهم ~~وموازينهم والبريد الذي سهل عليهم سبل مواصلاتهم ومخابراتهم، وإنا سنجرب الآن أن نفهم ~~شيئا عن العلوم التي اشتغل بها الأمويون وأصول التربية التي استناروا بنورها. # اعتنى العرب منذ الجاهلية بأحكام اللغة ونظم الشعر وتأليف الخطب ومعرفة الأخبار والسير، ~~وكان لهم بعض الاطلاع بأوقات مطالع النجوم ومغاربها وبأنواء الكواكب وأمطارها على حسب ما ~~أدركوه بفرط العناية وطول التجربة لاحتياجهم إلى معرفة ذلك في أسباب المعيشة لا على طريق تعلم ~~الحقائق ولا على سبيل التدرب في العلوم، # 9 # وكانت العرب في صدر الإسلام لا تهتم بشيء من العلم إلا بلغتها ومعرفة أحكام ~~الشريعة وصناعة الطب لاحتياج الناس إليها في جميع الأدوار. # 10 # كانت الدولة الأموية دولة فتوح وتوسع، فلم تعتن الاعتناء اللازم في إنشاء المدارس ~~وتهيئة المناهج العلمية ليسير الطلاب بحسبها، بل جل ما نعرفه أن الخلفاء والنبلاء والقادة ~~كانوا يأتون بمؤدبين ليؤدبوا أطفالهم، ويعرف هؤلاء المؤدبون عادة بسمو أخلاقهم وغزير ~~علمهم وشدة ورعهم وتقاهم، ولو درسنا الوصايا والنبذ التي اقتطفناها من مختلف المصادر ~~لتحققنا أن النبيل الأموي كان يعلم الدين فيقرأ القرآن الكريم ويحفظ الحديث الشريف، ثم يروي ~~الشعر والأقوال ms154 المأثورة ويلقن الحساب واللغة، وقد يحذرون حذرا شديدا من اللحن، وكان ~~المربون ينشئون في طلابهم خصالا حميدة، فيطلبون إليهم الاعتماد على النفس والابتعاد عن ~~الملاهي والمعازف والغناء ومراعاة سنن الاقتصاد ونبذ الصلف والعجب بالنفس، وأمروهم بمؤازرة ~~الغير ومساعدته جهد الطاقة، وكانوا يهتمون بالرياضة فيشجعونهم على النزول في ميادين السباق ~~والفروسية ويمرنونهم على الصيد والقنص والمصارعة، وهاك فقرات تؤيد لك ما قدمناه: # ذكر الكلبي مؤدب محمد بن سليمان بن عبد الملك قال: «بعث إلي سليمان بن عبد الملك ~~فدخلت عليه فسلمت عليه بالخلافة فرد علي السلام، ثم أومأ إلي فجلست، فسكت عني ~~حتى إذا سكن جأشي قال لي: يا كلبي إن ابني محمدا قرة عيني وثمرة قلبي، وقد رجوت أن ~~يبلغ الله به أفضل ما بلغ رجلا من أهل بيته، وقد وليتك تأديبه فعلمه القرآن، وروه ~~الأشعار فإن الشعر ديوان العرب، وفهمه أيام الناس، وخذه بعلم الفرائض، وفهمه السنن، ولا ~~تفتر عنه ليلا ولا نهارا، فإذا أخطأ بكلمة أو زل بحرف أو هفا بقول فلا تؤنبه بين يدي ~~جلسائه، ولكن إذا خلا لك مجلسه لئلا تمحكه، وإذا دخل عليه الناس للتسليم فخذه بألطافهم وإظهار ~~برهم، وإذا حيوه بتحية فليحيهم بأحسن منها، وأطيبا لمن حضر بمائدتكما الطعام، ~~واحمله على طلاقة الوجه، وحسن البشر، وكظم الغيظ، وقلة القذر، والتثبت في المنطق، والوفاء ~~بالعهد، وتنكب الكذب.» # 11 # وقال عتبة بن أبي سفيان لعبد الصمد مؤدب ولده: «ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بني إصلاح ~~نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت والقبيح عندهم ما استقبحت، ~~وعلمهم كتاب الله، ولا تكرههم عليه فيملوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، ثم روهم من ~~الشعر أعفه ومن الحديث أشرفه، ولا تخرجهم من علم إلى غيره حتى يحكموه، فإن ~~ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم، وتهددهم بي وأدبهم دوني، وكن لهم كالطبيب الذي ~~لا يعجل بالدواء قبل معرفة الداء، وجنبهم محادثة النساء، وروهم سير الحكماء، ~~واستزدني بزيادتك إياهم أزدك، وإياك أن تتكل على عذر مني لك فقد ms155 اتكلت على كفاية منك، وزد في ~~تأديبهم أزدك في بري إن شاء الله تعالى.» # 12 # وقال عبد الملك لرومان مؤدب أولاده: «مرهم بإحراز ما أقبل قبل إدباره، وكتمان ما ~~في الأنفس دون الخلصان، ومؤازرة الثقة من الإخوان، وتوقع انتقاد الإخوان، وقلة التعجب من عذر الخلان.» # 13 # وقال عمر بن عبد العزيز لابنه عبد الملك: «فإن ابتلاك الله بغنى فاقتصد في غناك، وضع لله ~~نفسك، وأد إلى الله فرائض حقه من مالك ... وإياك أن تفخر بقولك وتعجب بنفسك أو يخيل إليك ~~أن ما رزقه لكرامة لك على ربك وفضيلة على من لم يرزق مثل غناك.» # 14 # وقال عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده: «من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى سهل مولاه، ~~أما بعد فإني اخترتك على علم مني بك لتأديب ولدي، فصرفتهم إليك عن غيرك من موالي وذوي ~~الخاصة بي، فحدثهم بالجفاء فهو أمعن لإقدامهم، وترك الصحبة فإن عادتها تكسب الغفلة، وقلة ~~الضحك فإن كثرته تميت القلب، وليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من ~~الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن، فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن حضور المعازف واستماع ~~الأغاني واللهج بها ينبت النفاق بالقلب كما ينبت العشب الماء، ولعمري لتوقي ذلك ~~بترك حضور تلك المواطن أيسر على ذي الذهن في الثبوت على النفاق في قلبه ... وليفتتح كل غلام ~~منهم بجزء من القرآن يتثبت في قراءته، فإذا فرغ تناول قوسه ونبله وخرج إلى الفرض ~~حافيا فرمى سبعة أرشاق ثم انصرف إلى القائلة.» # 15 # وقال الحجاج لمعلم ولده: «علم ولدي السباحة قبل الكتابة، فإنهم يصيبون من يكتب ~~عنهم ولا يصيبون من يسبح عنهم.» # 16 # وكتب عمر بن عبد العزيز إلى ساكني الأمصار: «أما بعد، فعلموا أولادكم السباحة ~~والفروسية، ورووهم ما سار من المثل وحسن من الشعر.» # 17 # وقال ابن التوأم: «علم ابنك الحساب قبل الكتاب، فإن الحساب أكسب من الكتاب، ومئونة ~~تعلمه أيسر، ووجوه منافعه أكثر.» # 18 # وكان ابن التوأم يقول أيضا: «من تمام ما يجب ms156 على الآباء من حفظ الأبناء أن يعلمه ~~الكتاب والحساب والسباحة.» # 19 # ودخل على الوليد فتى من بني مخزوم فقال له: «زوجني ابنتك»، فقال: «هل قرأت القرآن؟» قال : ~~«لا»، قال: «أدنوه مني»، فأدنوه فضرب عمامته بقضيب كان في يده وقرع رأسه به قرعات، ثم ~~قال لرجل: «ضمه إليك فإذا قرأ زوجناه.» # 20 # وقال عبد الملك: «اللحن هجنة على الشريف»، # 21 # وكان يقال: «اللحن في المنطق أقبح من آثار الجدري في الوجه.» # 22 # وقال عبد الملك - وكان ينفر من لحن الوليد: «أضر بالوليد حبنا له فلم نوجهه إلى البادية.» # 23 ~~(6-1) تعليم القبائل # وأرسل الأمويون المعلمين إلى القبائل الرحل ليعلموهم أمور دينهم وشيئا من القرآن ~~الكريم والكتابة ومبادئ الحساب، فذكر ابن الجوزي أن عمر بن عبد العزيز بعث يزيد بن أبي ~~مالك الدمشقي والحارث بن يمجد الأشعري يفقهان الناس في البدو، وأجرى عليهم رزقا، # 24 # وأحسنوا إلى الفقهاء ووصلوهم بالجوائز وأغدقوا عليهم النعم المتوالية، ~~فكتب عمر بن عبد العزيز إلى والي حمص: «انظر إلى القوم الذين نصبوا أنفسهم للفقه وحبسوها ~~في المسجد عن طلب الدنيا، فأعط كل رجل منهم مائة دينار يستعينون بها على ما هم عليه من ~~بيت مال المسلمين حين يأتيك كتابي هذا، وإن خير الخير أعجله، والسلام عليك.» # 25 ~~(6-2) تعليم البنات # أما البنات فكن يتعلمن القرآن ويحفظن الشعر، فذكر كتاب الأمالي أنه كانت مولاة لبني ~~الحجاج تحفظ شعرا وترويه وتنشده فتيات بني الحجاج. # 26 # ولا ريب أن بعض المحافظين كانوا يتجنبون تعليم البنات جهدهم سوى ما يختص بتعليمهم أمور ~~دينهم، حتى قيل: «لا تعلموا بناتكم الكتاب ولا ترووهن الشعر، وعلموهن القرآن ومن ~~القرآن سورة النور.» # 27 ~~(6-3) الطب # عرف العرب الطب منذ الجاهلية، وذلك لاحتكاكهم بفارس وبيزنطية، فلما جاء الإسلام أباح ~~دراسته وأكرم الأطباء، وقد كان النبي يحث الناس على الاهتمام به # 28 # لحاجتهم إليه، وشجعت السياسة الأطباء على الاقتراب من أولي الأمر ليكونوا ~~أعوانا لهم على التخلص من أعدائهم، فقال معاوية بن أبي سفيان حينما بلغه أن ms157 ابن أثال ~~الطبيب سقى الأشتر قائد علي بن أبي طالب شربة عسل فيها سم: «إن لله جنودا منها العسل.» # 29 # أشهر الأطباء في العصر الأموي # وكان معظم الأطباء من الذميين وأغلبهم نصارى في أيام بني أمية، ونبغ من الأطباء ~~رجال معدودون، أشهرهم الحارث بن كلدة الثقفي، وهو شاب حجازي ولد في الطائف، ورحل ~~في طلب صناعة الطب، فذهب إلى اليمن وفارس فأخذ عن أشهر أطباء جنديسابور وأصاب في بلاد ~~العجم مالا كثيرا لمداواته عظمائها وكبرائها، وتمرن في طبابة العيون حتى طار صيته فيها، ~~وكان معاصرا للنبي والخلفاء الراشدين وأدرك أيام معاوية بن أبي سفيان، ثم هزه الحنين ~~فاشتاقت نفسه إلى موطنه فرجع إلى الحجاز، فدرس أمراض العرب وعرف ما تعتاده القبائل من ~~المعالجات، وكان الحارث موسيقيا ماهرا، فضرب على العود، ولعله اقتبس ذلك من فارس، وله ~~كلمات ونصائح طبية مأثورة يتناقلها العرب منها: ~~«الداء الدوي إدخال الطعام على الطعام.» ~~«لا تدخل الحمام شبعانا، ولا تقم بالليل عريانا، ولا تقعد على الطعام غضبانا، ~~وأرفق بنفسك يكن أرضى لبالك، وقلل من طعامك يكن أهنأ لنومك.» ~~«من سره البقاء - ولا بقاء - فليباكر الغداء وليعجل العشاء وليخفف الرداء ~~وليقلل الجماع.» # 30 # ونبغ من الأطباء عبد الملك بن أبجر الكناني، وهو من الشبان الذين اشتغلوا في صناعة ~~التدريس بالإسكندرية، وقد اعتنق الإسلام على يد عمر بن عبد العزيز، ولما أراد عمر أن ~~يهيئ الأسباب لدراسة الطب في أنطاكية وحران كان الطبيب عبد الملك ساعده الأيمن، وكان هذا ~~الخليفة العادل يعتمد عليه ويجله. # 31 # وعرف منهم ابن أثال، وهو طبيب دمشقي ممتاز، عاش في أيام معاوية الأول، وكان ~~خبيرا بالأدوية المفردة والمركبة وقواها، ملما بالسموم القواتل، ويتهمه ~~المؤرخون أن معاوية لم يقربه إلا ليكون آلته في التخلص من بعض الأمراء والخصوم ~~السياسيين، ويستشهدون على صحة دعواهم بقولهم: إن معاوية دس إلى ابن أثال أن يسقي عبد ~~الرحمن بن خالد بن الوليد سما حينما حدثته نفسه بطلب الخلافة، قال ابن أبي أصيبعة: ~~«إن معاوية لما أراد أن ms158 يظهر العقد ليزيد قال لأهل الشام: إن أمير المؤمنين قد كبرت ~~سنه ورق جلده ودق عظمه واقترب أجله، ويريد أن يستخلف عليكم، فمن ترون؟ فقالوا: عبد ~~الرحمن بن خالد بن الوليد، فسكت وأضمرها ودس إلى ابن أثال الطبيب النصراني فسقاه ~~سما، فمات ففتك ابن أخيه بالطبيب، فألزم معاوية بني مخزوم دية ابن أثال اثني عشر ألف درهم.» # 32 # واستعمل معاوية بن أبي سفيان أبا الحكم الدمشقي في المقاصد السياسية التي كان يريد ~~تنفيذها وإتمامها، وكان هذا زميلا لابن أثال عالما بأنواع العلاج والأدوية، وعمر الحكم ~~حتى تجاوز المائة سنة، وطبب يزيدا الأول وعبد الملك بن مروان، ويروي القفطي أن معاوية ~~كان يسيره مع الحجاج إلى مكة. # 33 # وعرف ابنه الحكم من بعده، وقد تعلم على أبيه ومارس هذه الصناعة ونال صيتا ~~طيبا كوالده. # واختص ثياذوق الطبيب النصراني بخدمة الحجاج وصحبه، وكان يعتمد عليه ويثق ~~بمؤازرته، فأغدق عليه نعمه وأجرى عليه رزقا كثيرا، ودرس عليه طلاب مشهورون، وقد أدرك ~~بعضهم الدولة العباسية كفرات بن شحتاثا طبيب عيسى بن موسى الأمير العباسي، ومات فرات في زمن المنصور، # 34 # وألف بعض الكتب القيمة «كالكناش الكبير»، وكتاب إبدال الأدوية وكيفية دقها ~~وإيقاعها وإذابتها، و«شيء من تفسير أسماء الأدوية»، وله حكم ونصائح طيبة منها: ~~«لا تأكل طعاما وفي معدتك طعام.» ~~«ولا تأكل ما تضعف أسنانك عن مضغه فتضعف معدتك عن هضمه.» ~~«ولا تشرب الماء على الطعام حتى تفرغ ساعتين، فإن أصل الداء التخمة وأصل التخمة ~~الماء على الطعام.» ~~«وعليك بدخول الحمام في كل يومين مرة واحدة، فإنه يخرج من جسدك ما لا يصل ~~إليه الدواء.» ~~«وأكثر الدم في بدنك تحرس به نفسك.» ~~«وعليك في كل فصل قيئة ومسهلة.» ~~«ولا تحبس البول وإن كنت راكبا.» ~~«واعرض نفسك على الخلاء قبل نومك.» ~~«ولا تكثر الجماع فإنه يقتبس من نار الحياة.» # واختص بخدمة الحجاج أيضا الطبيب ثاودون، وله مؤلفات جمة منها «الكناش» صنفه لابنه ~~ليستعين به، وعرف من الأطباء ماسرجويه وهو بصري سرياني اللغة يهودي المذهب، وتولى ~~تعريب ms159 بعض الكتب الطبية عن السريانية ككناش أهرون القس وغيره، وقد عاش في زمن مروان بن الحكم. # 35 ~~(7) الثياب والعادات الاجتماعية # لو ساعدنا القدر ورأينا أحد الخلفاء الأمويين في المسجد الجامع حين صلاة الجمعة أو في أحد ~~أيام الأعياد الرسمية لاستلفتت أنظارنا البردة التي عليه، وهي ثوب كان يلبسه الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، قال ابن الأثير: وهي شملة مخططة، وقيل كساء أسود مربع فيه صفر، وقد اختلف في وصولها ~~إلى الخلفاء، # 36 # ولرأينا القضيب الذي يحمله، وهو عود كان النبي يأخذه بيده، ثم لو اقتربنا من ~~الخليفة وحدقنا في يده اليمنى لشاهدنا خاتما، والأصل في اتخاذ الخاتم أن النبي قيل له: إن ~~الملوك لا يقرءون كتابا غير مختوم، فاتخذ خاتما من ورق وجعل نقشه «محمد رسول الله»، واتخذ ~~الخلفاء بعد ذلك خواتيم، وصار كل ينقش ما يشاء من الكلمات، فنقش معاوية على خاتمه «لا قوة ~~إلا بالله»، ونقش يزيد الأول على خاتمه «ربنا الله»، ونقش معاوية الثاني «بالله ثقة معاوية»، ~~ونقش مروان بن الحكم «آمنت بالله مخلصا»، ونقش الوليد «يا وليد إنك ميت»، ونقش غيرهم ألفاظا ~~كلها تدل على خضوعهم للعزة الإلهية واعتمادهم عليها، وكان الخاتم والقضيب والبردة من شعائر ~~الخلافة، وظل يتوارثها الخلفاء الواحد إثر الآخر. # أما مجالس الخلفاء فكان فرشها الأثاث القطني في الصيف، والأثاث الصوفي في الشتاء، وكل ذلك ~~على أتم أسلوب وأفخم طريقة. # ويؤكد صاحب البيان والتبيين أن ظهور دوائر الحكومة بمظاهر الأبهة ضروري فيقول: «وهل يملأ ~~عيون الأعداء ويرعب قلوب المخالفين ويحشو صدور العوام إفراط التعظيم وتعظيم شأن السلطة ~~والزيادة في الأقدار إلا الآلات؟ وهل دواؤهم إلا في التهويل عليهم؟ وهل يصلحهم إلا ~~إخافتك إياهم؟ وهل ينقادون لما فيه الحظ لهم ويسلمون بالطاعة التي فيها صلاح أمورهم إلا ~~بتدبير يجمع المحبة والمهابة؟» # 37 # ويلبس الناس الخفاف والقلانس في الصيف كما يلبسونها في الشتاء إذا دخلوا على ~~الخلفاء وعلى الأمراء وعلى السادة والعظماء؛ لأن ذلك أشبه بالاحتفال والتعظيم والإجلال، وأبعد ~~من التبذل والاسترسال، # 38 # ويتعممون أحيانا، ms160 أما «العقداء» وهو أن تعقد العمامة في القفا، وأما الميلاء ~~وهو أن تعقد ميالة على الرأس. # 39 ~~(7-1) التأنق في الثياب # وكان بعض الخلفاء يتأنقون في ملابسهم ويكثرون منها، حتى لقد قيل: إنه لم يكن في بني ~~مروان أعطر ولا ألبس من هشام بن عبد الملك، ويبالغ المؤرخون في تعداد ثيابه، فيروى أنه ~~خرج حاجا فحمل ثياب ظهره على ستمائة جمل، # 40 # ويقول ابن قتيبة عن إسراف هشام في ملبسه: «وكان قد حبب إليه التكاثر من الدنيا ~~والاستمتاع بالكساء، لم يلبس ثوبا قط يوما فعاد إليه، حتى لقد كان كساء ظهره وثياب مهنته لا ~~يستقل بها ولا يحملها إلا سبعمائة بعير من أجلد ما يكون من الإبل ... وكان مع ذلك يتقللها»، # 41 # وكان سليمان بن عبد الملك شابا وضيا جميلا يعجبه التأنق في اللباس، فيروى ~~أنه لبس ذات يوم وتهيأ ثم قال لجارية له حجازية: كيف ترين الهيئة؟ قالت: أنت أجمل الناس، قال: ~~أنشديني على ذلك، فقالت: # أنت خير المتاع لو كنت تبقى # غير أن لا بقاء للإنسان # أنت خلو من العيوب ومما # يكره الناس غير أنك فان # 42 # والحقيقة التي نريد إيرادها أن بعض الخلفاء أسرفوا في اقتنائهم الثياب إسرافا زائدا، ~~كما أن بعضهم قتر على نفسه كعمر بن عبد العزيز الخليفة العادل، فكان لا يلبس إلا جبة بسيطة ~~وسراويل رخيصة ولا يعتم إلا بعمة غليظة، وزهد عمر في الثياب والعطر منذ أن تولى مصالح ~~المسلمين، فقال ابن الجوزي: «صلى عمر بن عبد العزيز الجمعة، ثم جلس وعليه قميص مرقوع الجيب ~~من بين يديه وخلفه، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل قد أعطاك، فلو لبست، فنكس ~~مليا ثم رفع رأسه فقال: إن أفضل القصد عند الجدة وأفضل العفو عند المقدرة.» # 43 # وذكر شاهد عيان: «رأيت على عمر قلنسوة بيضاء لاطية برأسه وعمامة غليظة يعتم بها، ~~ورأيته وعليه قميص قطري كتان ثمن دينار ودرهمين، وملاءة قرقتية مثل ذلك في الصيف، وكان ~~عليه في الشتاء طيلسان، ورأيت ms161 عليه جبة مبطنة بفراء مكان القطن وفوق الجبة ثوب أبيض ظهارة وبطانة.» # 44 # وكان عمر يهتم بالثياب الفاخرة والعطر قبل خلافته، فذكر ابن الجوزي: «كان عمر بن عبد ~~العزيز يسرف في عطره، فلقد كان يدخل في طيبه حمل القرنفل، ولقد رأيت العنبر على لحيته ~~كالملح، فلما أفضت إليه الخلافة ترك ذلك وتبذل ... وكان عمر يعامل رياح بن عبده وكان ~~تاجرا من أهل البصرة، أمره وهو بالمدينة أن يشتري له جبة خز، فاشتراها له بعشرة ~~دنانير، ثم أتاه بها فمسها فقال: إني لأستخشنها، فلم ولي الخلافة أمرني فاشتريت له جبة ~~صوف بدينار، فأتاه بها فجعل يدخل يده فيها ويقول: ما ألينها! فقال التاجر: عجيبا! ~~تستخشن الخز أمس وتستلين الصوف اليوم.» # 45 # عرف عمر بن عبد العزيز بالعدل والإنصاف والإحسان لجميع أفراد شعبه، ومع ذلك فقد خصص ~~الثياب التي يجب أن يلبسها النصارى ووضع شروطا طلب إليهم حفظها، فأمر أن «لا يركب ~~نصراني سرجا ولا يلبس قباء ولا طيلسانا ولا سراويل ذات خدمة، ولا يمشين بغير زنار من ~~جلد، ولا يمشي إلا مفروق الناصية، ولا يوجد في بيت نصراني سلاح إلا أخذ.» # 46 ~~(8) السلاح # عرف العرب كثيرا من أنواع السلاح، فاستعملوا الترس - وهو المجن - وعليه تدور الدوائر، ~~والرمح - ويسمونه رشاء المنية - والنبل - ويقولون عنها إنها رسل لا تؤمر ومنايا تخطئ وتصيب - ~~والسيف - وهو ظل الموت - والقوس والكنانة، والسهم، # 47 # والرمح، وهو طبقات، فمنها الخطل وهو الذي يضطرب في يد صاحبه لإفراط طوله، ولا يحمله ~~إلا القوي الساعد الشديد العضل، والنيزك، وهو أقصر الرماح، والمربوع والمخموس والتام، وقد ~~اعتنى العرب بسلاحهم؛ لأنهم أمروا دينا أن يذودوا عن حوضهم بسلاحهم، وأن يحافظوا على ~~استقلالهم وكيان أوطانهم، فقال الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: «اركبوا وارموا، وأن ترموا أحب إلي من أن ~~تركبوا»، وروى عقبة بن عامر قال: «سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول وهو قائم على المنبر: وأعدوا ~~لهم ما استطعتم من قوة، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن ms162 القوة الرمي.» # 48 # وتطورت الأسلحة منذ عهد الجاهلية إلى زمن الأمويين، فاقتبس العرب أنواعا عديدة من الأسلحة ~~الحربية كالمجانيق والرتيلة والعراوة والرمي بالبنجكان والزرق بالنفط والنيران، وراحوا يتعلمون ~~الفنون والأساليب العسكرية الفارسية، فقسموا جيوشهم إلى فرق عرفت بالميمنة والميسرة والقلب ~~والجناح والطليعة والكمين، ونظموا ثيابهم وأمتعتهم وأجهزتهم، فأخذوا عنهم السراويلات ~~والأقبية والطبول والبنود والخود والأعلام. # ولدينا وثيقة تاريخية تثبت لنا أن العرب اقتبسوا بعض هذه الفنون عن الفرس، قال أحد ~~الأعاجم - يفتخر على العرب في هذا المعنى: «إنما كانت رماحكم من مران، وأسنتكم من قرون ~~البقر، وكنتم تركبون الخيل في الحرب أعراء، فإن كان الفرس ذات سرج فسرجه رحالة من أدم، ولم يكن ~~ذا ركاب، والركاب من أجود آلات الطاعن برمحه والضارب بسيفه، وربما قام فيهما أو اعتمد عليهما، ~~وكان فارسكم يطعن بالقناة الصماء، وقد علمنا أن الجوفاء أخف محملا وأشد طعنة، وتفخرون ~~بطول القناة ولا تعرفون الطعن بالمطارد، وإنما القنا الطوال للرجالة والقصار للفرسان والمطارد ~~لصيد الوحش ... ولا تعرفون البيات ولا الكمين ولا الميمنة ولا الميسرة ولا القلب ولا الجناح ولا ~~الساقة ولا الطليعة ولا النفاضة ولا الدراجة، ولا تعرفون من آلة الحرب الرتيلة ولا العراوة، ولا ~~المجانيق ولا الدباب، ولا الخنادق ولا الحسك، ولا تعرفون الأقبية ولا السراويلات ولا تعليق ~~السيوف ولا الطبول ولا البنود والتجفافيف ولا الجواشن ولا الخود ولا السواعد ولا الأجراس ولا ~~الوهق والرمي بالبنجكان ولا الزرق بالنفط ولا النيران، وليس لكم في الحرب صاحب علم يرجع ~~إليه المنحاز ويتذكره المنهزم، وقتالكم إما سلة وإما مزاحفة، والمزاحفة على مواعد متقدمة، ~~والسلة مسارقة وفي طريق الاستلاب والخلسة.» # 49 ~~(9) السباق # أقام الخلفاء الأمويون حفلات جليلة للسباق، وكانوا يعدون الخيل ويروضونها ويستجلبونها ~~من البلاد البعيدة، وكان يشترك في بعض الحفلات المولعون والغواة من جميع أقطار المملكة، وقد ~~تعلن الحكومة عن ميعاد السباق وتنشر أخباره، فبذل الناس الأموال في سبيل الحصول على الجوائز ~~والمفاخرة بخيولهم المجلية والمصلية، ويروي لنا المؤرخون أن بعض الخلفاء كانوا يقتنون الخيول ~~للسبق فقال ابن ms163 عبد ربه: «وكان هشام بن عبد الملك رجلا مسبقا لا يكاد يسبق، فسبقت ~~له فرس أنثى وصلت أختها ففرح لذلك فرحا شديدا»، # 50 # واشتهر منهم الفرسان الأبطال كالوليد بن يزيد، قال الجاحظ: «كان عمر بن الخطاب يأخذ ~~بيده اليمنى أذن فرسه اليسرى ثم يجمع جراميزه # 51 # ويثب، فكأنما خلق على ظهر فرسه، وفعل مثل ذلك الوليد بن يزيد وهو يومئذ ولي ~~عهد هشام.» # 52 # وبذلت الحكومة الأموال لتشجيع السباق حتى يكون غيظا للعدو، ذكروا أن سليمان بن عبد ~~الملك «أمر أهل مملكته أن يقودوا الخيل بسبق بينهم، فمات من قبل أن تجري الحلبة، فلما ولي ~~عمر بن عبد العزيز أبى أن يجريها، فقيل له: يا أمير المؤمنين تكلف الناس مئونات عظاما ~~وقادوها من بلاد بعيدة وفي ذا غيظ للعدو، فلم يزالوا يكلمونه حتى أجرى الحلبة وأعطى الذين ~~سبقوا، ولم يخيب الذين لم يسبقوا، أعطاهم دون ذلك.» # 53 ~~(10) الزواج # اتبع الأمويون كتاب الله وسنة رسوله في زواجهم، فما غالوا في أثمان المهر، ولا طلبوا من ~~الزوج شروطا قاسية إن كان صحيح البدن عفيفا نزيها، وكانوا يعتقدون أن المتزوج أسعد بالا ~~وأهنأ عيشا من العازب، لا سيما إن شاركته زوجته في بؤسه وسعادته وأتراحه وأفراحه، أما المرأة ~~الجميلة المطيعة النظيفة المقتصدة الكريمة الأصل الشريفة المحتد، فهي الجوهرة المكنونة التي لا ~~تقدر بثمن، قال ابن القرية - الخطيب المشهور - يعدد صفات الزوجة الطيبة: ... وجدت أسعد ~~الناس في الدنيا وأقرهم عينا وأطيبهم عيشا وأبقاهم سرورا وأرخاهم بالا وأشبهم شبابا ~~من رزقه الله زوجة مسلمة أمينة عفيفة حسنة لطيفة نظيفة مطيعة، إن ائتمنها زوجها ~~وجدها أمينة، وإن قتر عليها وجدها قانعة، وإن غاب عنها كانت له حافظة، تجد زوجها أبدا ~~ناعما وجارها سالما ومملوكها آمنا وصبيها طاهرا، قد ستر حلمها جهلها، وزين ~~دينها عقلها ... قوامة صوامة ضاحكة بسامة، إن أيسرت شكرت، وإن أعسرت صبرت ... ~~وإنما مثل المرأة السوء كالحمل الثقيل على الشيخ الضعيف يجره في الأرض جرا، فبعلها مشغول ~~وصبيها مرذول. # 54 # وقال خالد بن صفوان: ms164 «اطلب لي زوجة أدبها الغنى وذللها الفقر، لا ضرعة صغيرة ولا عجوزا ~~كبيرة، قد عاشت في نعمة ... لها عقل وافر وخلق طاهر وجمال ظاهر ... كريمة المحتد رخيمة ~~المنطق، لم يداخلها صلف.» # 55 # وكانت الأميرات الأمويات خاضعات لجميع الأحكام الإسلامية، فهن عرضة للطلاق ولاحتمال ~~الضرائر، خطب محمد بن الوليد بن عتبة إلى عمر بن عبد العزيز أخته فقال: «... أحسن بك ظنا ~~من أودعك حرمته واختارك ولم يختر عليك، وقد زوجناك على ما في كتاب الله في إمساك ~~بمعروف أو تسريح بإحسان.» # 56 ~~(11) الموت والدفن # لا نعلم تماما مراسم الدفن حين الموت، ولكن يغلب على ظننا أنها لم تتغير عما هي عليه ~~اليوم، ولم نعثر على وصف لها فيما قرأنا من المصادر التاريخية، إنما ذكر الجاحظ كيفية دفن ~~عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، فقال: إنهم سووا عليه قبره بالأرض وجعلوا على ضريحه ~~خشبتين من زيتون إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه، ثم قام والده يؤبنه ويطلب له الرحمة ~~والمغفرة ويشهد الناس على رضائه بما أقسم له الله، قال في معرض رثائه له: «رحمك الله يا بني، ~~فقد كنت برا بأبيك وما زلت منذ وهبك الله لي بك مسرورا، ولا والله ما كنت قط مسرورا ~~بك ولا أرجى لحظي من الله فيك منذ وضعتك في الموضع الذي صيرك الله إليه، فغفر الله لك ذنبك ~~وجازاك بأحسن عملك وتجاوز عن سيئاتك، ورحم الله كل شافع يشفع لك بخير من شاهد وغائب، ~~رضينا بقضاء الله وسلمنا لأمره فالحمد لله رب العالمين»، # 57 # وأخذ الناس بعد تشييع جنازته يعزونه ويرجون له الصبر والسلوان. # وكانت النساء ذوات المصائب تتزاحم في الجنائز لتوديع راحلهن العزيز، فقال الأصفهاني في كتاب ~~الأغاني: «إنه غلب النساء على جنازة كثير عزة الشاعر يبكينه ويذكرن عزة في ندبتهن له في ~~المدينة، حتى جعلنا ندفع عن جنازته النساء»، # 58 # وكن يقمن المناحات ويضربن صدورهن بالنعال حزنا على فقيدهن. # 59 # وقال المقدسي: إن الناس كانوا يمشون خلف الجنائز ويخرجون إلى المقابر لختم القرآن ms165 ثلاثة ~~أيام إذا مات ميت، # 60 # ولا تزال هذه العائدة شائعة في بيروت موطني. ~~(12) أعيادهم # وكان الأمويون يقيمون الأفراح والليالي الملاح في عيدي الفطر والأضحى وعيد المولد النبوي، ~~وتعارفوا أعياد النصارى وقدروا بها الفصول فقالوا إن الفصح وقت النيروز، والعنصرة وقت الحر، ~~والميلاد وقت البرد، وعيد بربارة وقت الأمطار، وعيد الصليب وقت قطاف العنب، ومن أمثال الناس في ~~ذلك: «إذا جاء عيد بربارة فليتخذ البناء زمارة، يعني فليجلس في البيت»، «وإذا جاء القلندس فتدفأ واحتبس.» # 61 ~~(13) شهورهم # أما الشهور المعروفة بينهم فكانت الرومية وهي: كانون الثاني، شباط ... إلى آخر شهور السنة، ~~واستعملت الحكومة الحساب الهجري الإسلامي. ~~(14) مآكلهم المحبوبة # ومن مآكلهم المحبوبة التي تراها في الأسواق خصوصا في الشام فهي أولا الفول المنبوت بالزيت ~~والمسلوق، وهو يباع مع الزيتون، ثانيا: الترمس المملح ويكثرون من أكله، ثالثا: الزلابية ~~وتصنع من العجين وهي غير مشبكة، رابعا: الناطف، ويصنع من الخرنوب ويسمونه القبيط. ~~(15) حرفهم # ولو زرت أسواق الأمويين في الشام لوجدت أن أكثر الصباغين والصيارفة والدباغين من ~~اليهود، وأكثر الأطباء والكتبة من النصارى، ومعظم الموظفين وأرباب المناصب وأصحاب الأملاك ~~والمزارعين ورجال الحرب من المسلمين. # الفصل التاسع # | الأدب الأموي # إذا أردنا أن تكون لنا صورة حية تمثل الأدب ومناحيه في العصر الأموي فلندرسه أولا في حياة ~~الشعراء الذين كانت لهم صلة قوية وعلاقات متينة في مجاري السياسة الأموية وبلاط الخلفاء وقصور ~~ولاتهم وأمرائهم في الأقطار العربية المختلفة، ثانيا في حياة أرباب الفن من المغنين والمغنيات، ~~أولئك الذين كانت لهم اليد الطولى في إحياء فن الغناء والموسيقى، ثالثا في مجالس السمر والأنس ~~التي كان يعقدها الخلفاء وأرباب النفوذ من رجال الدولة من وقت لآخر، إننا لو تتبعنا هذه المصادر ~~الثلاثة لرأينا أن الأدب أخذ - نوعا ما - يتخلص من جاهليته، فلم يعد ليسرف في وصف حياة ~~البداوة، بل جعل يتطرق إلى وصف المدينة البيزنطية الجديدة التي جعل الأمويون يجدون في اقتباس ~~أسبابها. # الشعراء والأمويون # علم الأمويون حق العلم أنه لا بد لهم من جماعات يبثون دعوتهم ويثبتون ms166 أقدامهم في ~~نزاعهم المشهور مع الأحزاب المعارضة لهم كالعلويين والزبيريين والخوارج وغيرهم، فاعتمدوا في ذلك ~~على بعض الشعراء المعروفين كجرير والأخطل والفرزدق، وجعلوا يتقربون من خصومهم الأدباء فوصلوهم ~~بالجوائز وأغدقوا عليهم النعم ليقطعوا ألسنتهم ويضموهم إلى صفوفهم، فيسبحون بحمدهم ويتغنون ~~بكرمهم بدلا من أن ينشروا عيوبهم وفضائحهم في طول البلاد وعرضها. # لو درست شعر جرير والفرزدق والأخطل وغيرهم من شعراء العصر الأموي لوضحت لديك حقيقة ~~جلية، وهي أن معظم منظوماتهم قيلت إما في الفخر وإما في المدح والهجاء وإما في النسيب، ~~وقد برز جرير في كل من هذه الأبواب، وكان هواه في آل الزبير، فاستقدمه الحجاج وأكرم وفادته ~~واستماله بإحسانه، فمدحه بقصائد عدة، ثم وفد جرير إلى عبد الملك فأنشده القصيدة المشهورة في ~~مدح بني أمية، قال منها: # ألستم خير من ركب المطايا # وأندى العالمين بطون راح # ويروى أن عبد الملك أثابه عليها مائة وثمانية من الرعاء. # 1 # ويمتاز شعر جرير بسهولة ألفاظه، وكان أقلهم تكلفا وأرقهم نسيبا. # 2 # وهجا الفرزدق نحوا من أربعين سنة، ولم يتهاج شاعران في الجاهلية ولا الإسلام بمثل ما ~~تهاجيا به، وإذا أحببت أن تتعرف إلى شيء من هذا الهجاء فعليك بقراءة أشعارهما في ~~ديوانهما، وكتب العرب الأدبية المشحونة بأخبارهما، كالأغاني وطبقات الشعراء والشعر والشعراء ~~وغيرها، ولم يتعرض له أحد في هجو - ونستثني الفرزدق والأخطل - إلا افتضح أمامه ~~وسقط. # قال الأصمعي: «كان ينهشه ثلاثة وأربعون شاعرا فينبذهم وراء ظهره ويرمي بهم واحدا واحدا»، # 3 # وقد عاش نيفا على ثمانين سنة ويكنى بأبي حزرة. # وروى الناس الأبيات المقلدة للشعراء الأمويين، والمقلد هو البيت المستغني بنفسه المشهور ~~الذي يضرب به المثل، وهاك بعض الأبيات المقلدة التي قالها جرير: # زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا # أبشر بطول سلامة يا مربع ~~••• # وإني لعف الفقر مشترك الغنى # سريع إذا لم أرض داري انتقاليه ~~••• # يحالفهم فقر قديم وذلة # وبئس الخليطان المذلة والفقر ~~••• # دعون الهوى ثم ارتمين قلوبنا # بأسهم أعداء وهن صديق ~~••• # أوانس أما من أردن عناءه # فعان ومن أطلقن فهو طليق ~~••• # إن ms167 الذين غدوا بليل غادروا # وشلا بعينك ما يزال معينا ~~••• # غيضن من عبراتهن وقلن لي # ماذا لقيت من الهوى ولقينا ~~••• # تريدين أن أرضى وأنت بخيلة # ومن ذا الذين يرضي الأخلاء بالبخل ~~••• # بنفسي من تجنبه عزيز # علي ومن زيارته لمام ~~••• # ومن أمسى وأصبح لا أراه # ويطرقني إذا هجع النيام # 4 # وله في الهجاء: # فغض الطرف إنك من نمير # فلا كعبا بلغت ولا كلابا # وقال في الفخر: # إذا غضبت عليك بنو تميم # حسبت الناس كلهم غضابا # وقال في النسيب : # إن العيون التي في طرفها حور # قتلننا ثم لم يحيين قتلانا # أما الأخطل فكان شاعر الأمويين، وقد اختصهم بمدحه، فرفع ذكرهم بقصائده الخالدة، ~~ووصف كرمهم وحلمهم وعفوهم، وذم أعداءهم السياسيين فهجاهم هجاء مريرا، فتألم بعض الأنصار ~~منه وشكوه إلى معاوية الأول، فدافع عنه يزيد بن معاوية دفاعا قويا فلم ينله أذى، ~~والحقيقة أن الأخطل لم يجرؤ على الأنصار إلا بعد أن وعده يزيد بالنصرة والحماية. # وكان الأخطل مسيحيا تغلبيا من أهل الحيرة، واسمه غياث بن غوث ويكنى أبا مالك، واشتهر ~~بمحبته للخمرة، وكان لا يجيد النظم إلا إذا شربها، وتساهل الخلفاء معه فأذنوا له أن ~~يحضر مجالسهم وهو سكران وعلى صدره صليب من ذهب، قال أبو الفرج الأصفهاني: «كان الأخطل يجيء ~~وعليه جبة خز وحرز خز، في عنقه سلسلة ذهب فيها صليب ذهيب، تنفض لحيته خمرا، حتى يدخل على ~~عبد الملك بن مروان بغير إذن.» # 5 # وقد أكد لنا أبو الفرج أيضا أنه بلغ من تساهل الأمويين معه وإعجابهم به أنهم ~~أذنوا له أن يشرب الخمرة في البلاط فقال: «دخل الأخطل على عبد الملك بن مروان فاستنشده، فقال: ~~قد يبس حلقي فمر من يسقيني، قال: اسقوه ماء، فقال: شراب الحمار وهو عندنا كثير، قال: ~~فاسقوه لبنا، قال: عن اللبن فطمت، قال: فاسقوه عسلا، قال: شراب المريض، قال: فتريد ماذا؟ ~~قال: خمر يا أمير المؤمنين، قال: أوعهدتني أسقي الخمر لا أم لك؟! لولا حرمتك بنا ~~لفعلت بك وفعلت، فخرج فلقي فراشا لعبد الملك، فقال: ويلك ms168 إن أمير المؤمنين استنشدني وقد ~~صحل صوتي، فاسقني شربة خمر، فقال: أعدله بآخر فسقاه آخر ... اسقني ثالثا فسقاه ثالثا ... فدخل على ~~عبد الملك فأنشده، ثم ألقى عليه من الخلع ما يغمره وأحسن جائزته، وقال: إن لكل قوم شاعرا، وإن ~~شاعر بني أمية الأخطل.» # 6 # وكان الأخطل مع إدمانه للخمرة متعصبا لدينه يخاف جماعة الأكليروس ويرهب قصاصهم، وطالما ~~أنزلوا به عقوبتهم لتشبيبه وغزله بالجميلات من بنات العائلات ربات الخدور، ولهجوه بعض ~~المتنفذين ممن يكره أو يضمر لهم العداء، قال إسحاق بن عبد الله: «خرجت إلى دمشق أنظر إلى ~~بنائها، فإذا كنيسة وإذا الأخطل في ناحيتها ... فقال: ... إن لك موضعا وشرفا، وإن الأسقف قد ~~حبسني، فأنا أحب أن تأتيه تكلمه في إطلاقي ... قلت: نعم، فذهبت إلى الأسقف وانتسبت إليه، فكلمته ~~وطلبت إليه في تخليته فقال: مهلا أعيذك بالله أن تكلم في مثل هذا فإن لك موضعا وشرفا، ~~وهذا ظالم يشتم أعراض الناس ويهجوهم، فلم أزل به حتى قام معي فدخل الكنيسة، فجعل يوعده ويرفع ~~عليه العصا، والأخطل يتضرع إليه وهو يقول له: أتعود؟ أتعود؟ فيقولوا: لا ... فقلت له يا أبا مالك، ~~تهابك الملوك وتكرمك الخلفاء، وذكرك في الناس عظيم أمره، قال: إنه الدين إنه الدين.» # 7 # وروى أبو الفرج بإسناده: «رأيت الأخطل بالجزيرة وقد شكي إلى القس وقد أخذ بلحيته وضربه ~~بعصاه، وهو يصي كما يصي الفرخ، فقلت له: أين هذا مما كنت فيه بالكوفة؟ فقال: يا ابن أخي إذا جاء ~~الدين ذللنا.» # 8 # أما أشهر القصائد التي قالها في مدح بني أمية فأهمها ما أنشده في حضرة عبد الملك بن ~~مروان، قال من قصيدة أمامه: # حشد على الحق عيافو الخنا أنف # إذا ألمت بهم مكروهة صبروا # شمس العداوة حتى يستقاد لهم # وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا # بني أمية نعماكم مجللة # تمت فلا منة فيها ولا كدر # وقال يمدح يزيد الأول: # وترى عليه إذا العيون شزرانه # سيما الحليم وهيبة الجبار # وألطف ما قرأت من أبياته المقلدة قوله: # وإذا افتقرت إلى الذخائر لم ms169 تجد # ذخرا يكون كصالح الأعمال # واستمال الأمويون الفرزدق، وكان يهوى هوى العلويين، وهو شاعر تميم، وقد ولد في البصرة في ~~أواخر خلافة عمر بن الخطاب، واستعان الناس به على هجاء أعدائهم، فأمر زياد ابن أبيه بإلقاء ~~القبض عليه، فهرب إلى المدينة والتجأ إلى سعيد بن العاص حاكمها على عهد معاوية الأول فأجاره ~~وأمنه، ويقول المؤرخون إنه رعى الغنم وهو صغير، ثم انغمس في شهواته وتهتك وهو كبير؛ حتى إن ~~زوجته النوار بنت أعين طلبت طلاقه ونازعته مرارا. # أما شعره فقد امتاز بفخامته وجزالته، ولم يكن الفرزدق سمح الكلام سهل الغزل، وهو ~~أكثر الشعراء الأمويين بيتا مقلدا، فمن ذلك قوله: # وكنا إذا الجبار صعر خده # ضربناه حتى تستقيم الأخادع ~~••• # ترجى ربيع أن تجيء صغارها # بخير وقد أعيا ربيعا كبارها ~~••• # وإنك إذ تسعى لتدرك داره # لأنت المعنى يا جرير المكلف ~~••• # ترى كل مظلوم إليناه فراره # ويهرب منا جهده كل ظالم ~~••• # ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا # وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا # 9 # وقال يمدح سليمان بقوله: # وكما أطلقت كفاك من قيد بائس # ومن عقدة ما كان يرجى انحلالها # وقال قصيدته المشهورة في مدح علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: # هذا الذي تعرف البطحاء وطأته # والبيت يعرفه والحل والحرم # هذا ابن خير عباد الله كلهم # هذا التقي النقي الطاهر العلم # إذا رأته قريش قال قائلها # إلى مكارم هذا ينتهي الكرم # يغضي حياء ويغضي من مهابته # فما يكلم إلا حين يبتسم # من معشر حبهم دين وبغضهم # كفر وقربهم منجى ومعتصم # إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم # أو قيل من خير أهل الأرض؟ قيل هم # مقدم بعد ذكر الله ذكرهم # في كل بدء ومختوم به الكلم # من يعرف الله يعرف أولوية ذا # فالدين من بيت هذا ناله الأمم # وقام نصيب الشاعر الأسود يمدح بني أمية خصوصا عبد العزيز بن مروان والخليفة هشام بن عبد ~~الملك، وكان مقدما في النسيب والمديح، غير أنه لم يكن له حظ في الهجاء، # 10 # روى نصيب تاريخ ms170 حياته فقال: «قلت الشعر وأنا شاب فأعجبني قولي، فجعلت آتي مشيخة ~~من بني ضمرة، ومشيخة من خزاعة، فأنشدهم القصيدة من شعري ثم أنسبها إلى بعض شعرائهم ~~الماضين، فيقولون: أحسن والله، هكذا يكون الكلام، وهكذا يكون الشعر، فلما سمعت ذلك منهم ~~علمت أني محسن، فأزمعوا وأزمعت الخروج إلى عبد العزيز بن مروان وهو يومئذ بمصر ... فقدمت ~~مصر وبها عبد العزيز فحضرت بابه مع الناس، فتنحيت عن مجلس الوجوه، ثم دعي بي فدخلت على عبد ~~العزيز فسلمت فصعد بي بصره وصوب، ثم قال: أنت شاعر ويلك، قلت: نعم أيها الأمير، ~~فأنشدته فأعجبه شعري.» # 11 # وقد أحبه عبد العزيز فابتاعه ثم أعتقه، وأجاد نصيب الرثاء حتى إن هشام بن عبد الملك كان ~~إذا قدم عليه أخلى له مجلسه واستنشده مراثي في بني أمية، فإذا أنشده بكى وبكى معه، ويذكر أبو ~~الفرج أنه إذا سدت على نصيب أبواب الشعر ولم تنجده قريحته أمر براحلة فشد بها رحله ~~ثم سار في الشعاب الخالية فطرب لذلك وفتح له. # 12 # وأجمل ما يروى لنصيب من الشعر وصفه لحياة العاشقين قال: # وقفت لها كيما تمر لعلني # أخالسها التسليم إن لم تسلم # ولما رأتني والوشاة تحدرت # مدامعها خوفا ولم تتكلم # مساكين أهل العشق ما كنت أشتري # جميع حياة العاشقين بدرهم # وقال يمدح هشام بن عبد الملك: # إذا استبق الناس العلا سبقتهم # يمينك عفوا ثم صلت شمالها # وكان من أشد الشعراء تعصبا للبيت العلوي كثير عزة، وقد غالى في التشيع وذهب ~~مذهب الكيسانية وقال بالرجعة والتناسخ، وصرح بمذهبه هذا على رءوس الأشهاد، وجادل فيه ~~خصومه، ومع ذلك فلم يضطهده الأمويون، بل عاملوه بالحسنى واحترموه وأجلوه حتى لا ينالهم ~~أذاه، ويقول الرواة: إنه كان ذميم الخلقة، قصير القامة، معجبا بنفسه فيه خطل، ذكر ذلك أبو ~~الفرج الأصفهاني فقال: «رأيت كثير يطوف بالبيت، فمن حدثك أنه يزيد على ثلاثة أشبار ~~فكذبه، وكان إذا دخل على عبد العزيز بن مروان يقول طأطئ رأسك لا يصبه السقف، وهو دميم»، # 13 # وأخرج عبد الملك شعر ms171 كثير إلى مؤدب ولده ليرويهم إياه، يدلنا هذا على إعجاب ~~عبد الملك بشاعريته وإن اختلف معه في المبادئ السياسية. # وعرف كثير بحبه لعزة الضمرية وهي ابنة حميد بن وقاص، وقد نسب إليه كثير من الشعر ~~بهذا المعنى، ونحن لا نعلم منتحله من صحيحه، غير أننا نترك ذلك لأهل الاختصاص في الآداب ~~العربية، وكانت عزة فتاة جميلة فتانة، رآها مرة تسير مع بعض النسوة فأحبها وأحبته وهواها ~~وهوته، ففاضت قريحته بأرق الشعر في وصفها والتحنان إليها، وقد روى أبو الفرج كيفية حب ~~كثير لعزة فقال: وكان أول عشق كثير عزة أن كثيرا مر بنسوة من بني ضمرة ومعه جلب غنم، فأرسلن ~~إليه عزة وهي صغيرة فقالت: يقلن لك النسوة بعنا كبشا من هذا الغنم وأنسئنا بثمنه إلا أن ~~ترجع، فأعطاها كبشا وأعجبته، فلما رجع جاءته امرأة منهن بدراهمه، فقال: وأين الصبية التي ~~أخذت مني الكبش؟ قالت: وما تصنع بها؟ هذه دراهمك، قال: لا آخذ دراهمي إلا ممن دفعت ~~الكبش إليها، وخرج وهو يقول: # قضى كل ذي دين فوفى غريمه # وعزة ممطول معنى غريمها ~~«... ويقال: إنها دلته على الماء حينما أراد أن يسقي غنمه ... ثم أحبته عزة بعد ذلك ~~أشد من حبه إياها.» # 14 # ووصفت إحدى النساء المعاصرات جمال عزة فقالت: «اجتمعت جماعة من نساء الحاضر أنا فيهن، فجئنا ~~عزة، فرأينا امرأة حلوة حميراء نظيفة ... ومعها نسوة كلهن لها عليهن فضل من الجمال والخلق، إلى ~~أن تحدثت ساعة فإذا هي أبرع النسوة، وأحلاهن حديثا، فما فارقناها إلا ولها علينا الفضل في ~~أعيننا، وما نرى في الدنيا امرأة تروقها جمالا وحسنا وحلاوة.» # 15 # ولما مات كثير في المدينة بكاه الناس، وندبته النساء ندبا شديدا، وإليك أرق شعر ~~كثير في عزة: # فقلت لها يا عز كل مصيبة # إذا وطنت يوما لها النفس ذلت # ولم يلق إنسان من الحب ميعة # تعم ولا غماء إلا تجلت # كأني أنادي صخرة حين أعرضت # من الصم لو تمشي بها العصم زلت # صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة # فمن مل منها ms172 ذلك الوصل ملت # ولكثير فيها: # وقد زعمت أني تغيرت بعدها # ومن ذا الذي يا عز لا يتغير # تغير جسمي والخليقة كالتي # عهدت ولم يخبر بسرك مخبر # 16 # أرباب الفن من المغنين والمغنيات # أحب العرب منذ القدم سماع الأنغام الشجية التي تهز النفوس وتحرك المشاعر وتواسي ~~القلوب الجريحة، وولعوا ولعا خاصا بالأغاني المطربة التي تلهو بها الأرواح وترتاح لها ~~الأفئدة، نستشهد على ذلك بما رواه صاحب «محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء»، فقال بإسناده إنه ~~سئل بعضهم عن أجود الغناء فأجاب: «ما أطربك وألهاك أو أحزنك وأشجاك» # 17 # وقال ابن عبد ربه : «صناعة الغناء مراد السمع ومرتع النفس وربيع القلب ومجال الهوى ~~ومسلاة الكئيب وأنس الوحيد وزاد الراكب لعظم موقع الصوت الحسن من القلب وأخذه بمجامع النفس»، # 18 # وتود العرب أن يصغي الحضور إلى المغنين إذا بدءوا بالغناء، وإنه لمن سوء الأدب ~~عندهم أن يتكلم المرء بينا المغنون ينشدون، قال الشاعر: # لو كان لي أمر قضيت قضية # إن الحديث مع الغناء حرام # أما الغناء عند العرب فكان على ثلاثة أوجه: النصب، والسناد، والهزج، فأما النصب فغناء ~~الركبان والقينات، وأما السناد فالثقيل الترجيع الكثير النغمات، وأما الهزج فالخفيف كله، ~~وهو الذي يثير القلوب ويهيج الحليم، وكانت هذه الأوجه من الغناء ظاهرة فاشية في المدينة والطائف ~~وخيبر ووادي القرى ودومة الجندل واليمامة؛ وذلك لأنها مجامع أسواق العرب. # 19 # لم يشجع الإسلام الفنون عموما في أول عهده لتغلب النزعة الدينية على الخلفاء الراشدين ~~ولانهماكهم في تثبيت دعائم دولتهم، وانشغالهم في الفتوح، ولعزلة الحجاز عن الشام وفارس ~~نوعا، فلما جاءت الدولة الأموية وقامت في دمشق أخذت تشجع الغناء والموسيقى. # وقد عقد الخلفاء مجالس خاصة لسماع أشهر المغنين في عصرهم، وكانوا ينشدون الأبيات ~~موقعة على الألحان فيطربون، ذكر المؤرخون أن معاوية الأول كان يهوى سماع حكمة الشعر تصدر ~~مع حكمة الألحان، فرووا أنه: أعد عبد الله بن جعفر طعاما لمعاوية ودعاه إلى منزله وأحضر ~~ابن صياد المغني، ثم تقدم إليه يقول إذا رأيت معاوية واضعا يده في الطعام ms173 فحرك أوتارك ~~وغن، فلما وضع معاوية يده في الطعام حرك ابن صياد أوتاره وغنى بشعر عدي بن زيد، ~~وكان معاوية يعجب به: # يا لبيني أوقدي النارا # إن من تهوين قد حارا # رب نار بت أرمقها # تقضم الهندي والغارا # ولها ظبي يؤججها # عاقد في الخصر زنارا ~~... فأعجب معاوية غناؤه حتى قبض يده عن الطعام وجعل يضرب برجله الأرض طربا، فقال عبد ~~الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى ~~به بأسا؟ قال: لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان، # 20 # ويذكرون أن بديح المغني غناه شعرا في فتاة كانت تتولى خضابه فقال: # أليس عندك شكر للتي جعلت # ما ابيض من قادمات الشعر كالحمم # وجددت منك ما قد كان أخلقه # صرف الزمان وطول الدهر والقدم # فطرب معاوية طربا شديدا وقال ... كل كريم طروب. # 21 # أما أشهر المغنيات في العصر الأموي فكانت سلامة القس، وهي مولدة من مولدات المدينة، وقد ~~أخذت أصول الغناء عن معبد وابن عائشة وجميلة فمهرت، وأصبحت يشار إليها بالبنان، وسميت سلامة ~~القس؛ لأن عبد الرحمن بن أبي عمار الجشمي أحد قراء المدينة شغف بها، وكان يلقب بالقس ~~لتقاه وورعه، فغلب عليها لقبه، واشتراها يزيد الثاني ابن عبد الملك حينما وفد إلى المدينة في ~~خلافة سليمان ففتن بها، والحقيقة أن أهل المدينة ودعوها وداعا حافلا لما أرادت الرحيل إلى ~~البلاط الأموي في دمشق، قال أبو الفرج يصف هذا الوداع المؤثر: «قدمت رسل يزيد بن عبد الملك ~~المدينة فاشتروا سلامة المغنية من آل رمانة بعشرين ألف دينار، فلما خرجت من ملك أهلها ~~طلبوا إلى الرسل أن يتركوها عندهم أياما ليجهزوها بما يشبهها من حلي وثياب وطيب ... فقالت لهم ~~الرسل هذا كله معنا ... وشيعها الخلق من أهل المدينة ... وأذن للناس عليها فانقضوا حتى ~~ملئوا رحبة القصر ... فوقفت بينهم ومعها العود فغنتهم القصيدة التي مطلعها: # فارقوني وقد علمت يقينا # ما لمن ذاق ميتة من إياب # فلم تزل تردد هذا الصوت حتى راحت، وانتحب الناس بالبكاء ms174 عند ركوبها، فما شئت أن أرى باكيا ~~إلا رأيته» # 22 # وإذا قلنا: إن سلامة كانت نجمة متألقة في سماء الفن في الحجاز والشام فلا نكون مبالغين، ~~ودليلنا على ذلك أن الشعب كان يحبها حبا جما ويهوى سماع غنائها، وكانت تمتاز بجمالها ورخامة ~~صوتها وحسن شعرها. # وعرف طويس المغني مولى بني مخزوم بجودة غنائه، «وطويس» لقب غلب عليه، واسمه عيسى بن ~~عبد الله، وكان يجيد النقر على الدف، عالما بأحوال المدينة وأنساب أهلها، والغريب من أمره ~~أنه كان يهوى كيد سكان يثرب، فطلب عثراتهم وفضائحهم لينشرها بين الناس فخافوه ~~وأكرموه. # ويقال: إن ولاة الأمويين ودوا مجالسته والاستماع لإنشاده وحديثه، خصوصا أبان بن ~~عثمان حاكم المدينة على عهد عبد الملك بن مروان، ووصفه أبو الفرج بإسناده فقال: «كان ~~مفرطا في طوله مضطربا في خلقه أحول»، # 23 # وقد توفي في خلافة الوليد الأول. # مجالس السمر عند الخلفاء والولاة # عقد الخلفاء الأمويون مجالس أدبية خاصة لأهلهم وأصدقائهم، حضرها نخبة من فحول الشعراء ~~والأدباء وطائفة من الشواعر المجليات، وكانت هذه المجالس عارية عن الشراب والغناء تتجلى فيها ~~روح الخلفاء ومداعباتهم وآرائهم في الأدب وأهله. # حضرت ليلى الأخيلية مجلس معاوية الأول، وهي من النساء المتقدمات في الشعر، وكان توبة ~~الخفاحي يحبها ويهواها ويتغزل بها، فسألها معاوية عن توبة فقال: ويحك يا ليلى، أكما يقول الناس ~~كان توبة؟ قالت: «يا أمير المؤمنين، ليس كما يقول الناس حقا، والناس شجرة بغي يحسدون أهل ~~النعم حيث كانت وعلى من كانت، ولقد كان يا أمير المؤمنين سبط البنان حديد اللسان شجا للأقران، ~~كريم المختبر عفيفا جميل المنظر.» # 24 # قال توبة في ليلى - وكانت تحفظ ذلك وتنشده: # وهل تبكين ليلى إذا مت قبلها # وقام على قبري النساء النوائح # كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها # وجاد لها دمع من العين سافح # وأغبط من ليلى بما لا أناله # بلى كل ما قرت به العين طالح # ولو أن ليلى الأخيلية سلمت # علي ودوني جندل وصفائح # لسلمت تسليم البشاشة أو زقا # إليها صدى من جانب ms175 القبر صائح # وله فيها: # حمامة بطن الواديين ترنمي # سقاك من الغر الغوادي مطيرها # أبيني لنا لا زال ريشك ناعما # ولا زلت في خضراء غض نظيرها # وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت # فقد رابني منها الغداة سفورها # وقد رابني منها صدود رأيته # وإعراضها عن حاجتي وبسورها # وأشرف بالقور اليفاع لعلني # أرى نار ليلى أو يراني بصيرها # يقول رجال لا يضيرك نأيها # بلى كل ما شف النفوس يضيرها # بلى قد يضير العين أن تكثر البكا # ويمنع منها نومها وسرورها # وقد زعمت ليلى بأني فاجر # لنفسي تقاها أو عليها فجورها # وقال فيها: # عفا الله عنها هل أبيتن ليلة # من الدهر لا يسري إلي خيالها # كذلك دخلت عزة صاحبة كثير على عبد الملك بن مروان فأنشدته شعر كثير فيها، وحضر ~~كثير نفسه على عبد الملك بن مروان، فقال عبد الملك: أأنت كثير عزة؟ قال: نعم، قال: «أن تسمع ~~بالمعيدي خير من أن تراه»، فقال: يا أمير المؤمنين كل عند محله رحب الفناء شامخ البناء عالي ~~السناء، وأنشده القصيدة التي مطلعها: # ترى الرجل النحيف فتزدريه # وفي أثوابه أسد هصور # فقال عبد الملك: لله دره ما أفصح لسانه وأضبط جنانه وأطول عنانه! # 25 # واجتمع الشعراء بباب الحجاج وغيره من القواد والولاة الأمويين الكبار فأنشدوهم جيد ~~الشعر، قال الحكم بن عبدل الأسدي بين يدي الحجاج: # وإني لأستغني فما أبطر الغنى # وأعرض ميسوري لمن يبتغي عرضي # أكف الأذى عن أسرتي وأذوده # على أنني أجزي المقارض بالقرض # وأبذل معروفي وتصفو خليقتي # إذا كدرت أخلاق كل فتى محض # وأقضي على نفسي إذا الحق نابني # وفي الناس من يقضى عليه ولا يقضي # وأمنحه مالي وودي ونصرتي # وإن كان محني الضلوع على بغضي # ولست بذي وجهين فيمن عرفته # ولا البخل - فاعلم - من سمائي ولا أرضي # 26 # ا.ه. # الفصل العاشر # | سقوط الدولة الأموية # (1) الأحزاب السياسية تجعل الدين ستارا لمبادئها # أثبتنا في الفصول التي سبقت ما قاساه الأمويون في توطيد دعائم ملكهم من أنصار ~~الأحزاب العلوية كالتوابين والخوارج ودعاة المختار، تلك الأحزاب التي قام ms176 يدير دفة سياستها ~~زعماء غلبت عليهم المطامع الشخصية وتمكنت منهم الروح الاستقلالية، فسعوا لأن يجعلوا ~~من مأساة الحسين سلما يرتقون عليه إلى المناصب السياسية، ولطالما ودوا لأن يكون لهم من ~~الدين ستار يخفون وراءه مذاهبهم الحقيقية. # وقد فتك الأمويون بهذه الأحزاب فتكا ذريعا وأعملوا في رجالها السيف وتتبعوا آثارهم ~~ليفنوهم عن بكرة أبيهم، فلم يتمكنوا من ذلك لانتصار هؤلاء بمبدأ التقية، ويقول هذا المبدأ ~~بجواز الاستخفاء وكتمان ما تكنه الصدور من العقائد إن كان عليهم من حرج أو بأس أو ~~ضرر. # ثم ظهر هذا النزاع بين الأمويين والشيعة العلوية على اختلاف فرقها بمظهر شديد رهيب في ~~أواخر القرن الأول للهجرة، وقد كان المحرك الأعظم له جماعات الأعاجم من الفرس، أولئك الذين ~~حقدوا على بني أمية استمساكهم بروح العصبية العربية، واحتكارهم المراكز السياسية للنبلاء العرب، ~~واحتقارهم للموالي والدخلاء على العربية، ولا غرابة في أن يكون هذا النزاع خطيرا؛ لأن الفرس ~~راموا من ورائه استرجاع ما فقدوه من السطوة والسلطان بعد زوال دولتهم وتقلص ظلها، فساعدوا ~~الشيع التي قامت تطلب الخلافة لآل البيت وضحوا بأموالهم وأنفسهم لإنهضاها وتقويتها وبث ~~دعوتها سرا وعلنا، ونعتقد أن هذا النزاع ظهر بمظاهر عدة: أولا بمظهر الحركة الزيدية، ~~ثانيا بمظهر الحركة الجعفرية، ثالثا بمظهر الحركة الأباضية، رابعا بمظهر الحركة العباسية، ~~وسنبين كلا منها في حينه. ~~(2) أسباب سقوط الدولة الأموية # حطم بنيان الدولة الأموية في الشام الدعوة المنظمة التي بثتها هذه الأحزاب، والأموال ~~الطائلة التي بذلها الرؤساء والجمعيات السرية، وقد انتشر رجالها في كل صقع يدعون لآل البيت ~~وينالون من بني أمية، الفئة الضالة المضلة الفاسقة المغتصبة في عرفهم، ولم يتعاضد الأمويون ~~تجاه هذه الأزمة الصعبة والضائقة والمخيفة، بل راحوا يثيرون روح العصبية بين اليمانية والمضرية، ~~ويستميلون تارة هؤلاء إلى صفوفهم وطورا أولئك، فهيأ بذلك مجالا لأن ينصب لهم أعداؤهم ~~المكائد، ففرقوا جموعهم وعصفت بهم ريح الفوضى، فزلت أقدامهم وانقرضت دولتهم. ~~(3) الفرس يحركون الأعاجم والشيعة عند بني أمية # ثم قام يدير زمام المعارضين للمركزية الأموية رجال أقوياء مخلصون ms177 كأبي مسلم الخراساني ~~وبكير بن ماهان وغيرهما، بينما كان الخلفاء المتأخرون من الأمويين لاهين مستهترين، لا يباشرون ~~إدارة الأمور بأنفسهم، بل يكلونها لأرباب اللهو وأهل المجون، وقد أسرفوا في ذلك إسرافا ~~هائلا، وتنازعوا على الخلافة فأخذوا يضربون بعضهم البعض ويثيرون القلاقل في مختلف البلاد؛ ~~فضعفت هيبتهم ولعبت بهم يد الفساد، وإليك تفصيل هذه الأسباب: ~~(3-1) الحركة الزيدية # قلنا: إن الحركة الزيدية هي مظهر من مظاهر النزاع بين الفرس والعرب، وتدلنا مبادؤها ~~دلالة صريحة لا ريبة فيها أن الفرس عمدوا إلى اتخاذ زعماء آل البيت سلما يرتقون عليه إلى ~~آمالهم وأمانيهم، وتلخص مبادئ الزيديين فيما يلي: ~~(1) # يسوق الزيديون الإمامة في أولاد فاطمة بنت علي بن أبي طالب، ولا يجوزون ثبوت ~~إمامة في غيرهم. ~~(2) # إذا خرج فاطمي عالم زاهد شجاع بالإمامة أصبحت طاعته واجبة، سواء كان من أولاد ~~الحسن أو من أولاد الحسين. ~~(3) # يجوز خروج إمامين في قطرين يستجمعان هذه الخصال ويكون كل واحد منهما واجب الطاعة. # 1 ~~(أ) زيد بن علي بن الحسين # أما زعيم هذه الحركة فهو زيد بن علي بن الحسين، وكان شابا طموحا يعتقد كل الاعتقاد ~~أن الخلافة حق من حقوق آل البيت اختلسها بنو أمية واستأثروا بها وجعلوها وسيلة لإشباع ~~مطامعهم الدنيوية، وردد مثل هذه الأفكار في مجالسه الخصوصية والعمومية، فانتبه زعماء ~~الفرس لمقالته وآرائه فأعاروها أذنا صاغية، وفرقوا الأموال في الكوفة الثائرة الغاضبة ~~لمناصرته وتأييده، فجاءه زعماؤها وأكدوا له إخلاصهم لآل البيت وتفانيهم في محبة أبناء ~~الرسول واستعدادهم للفتك في بني أمية وطردهم من العراق. # وقد حفظ لنا التاريخ وثيقة تثبت بعض أقوالهم، وهي لا تختلف عن الأقوال التي راحوا ~~يؤكدونها للحسين قبل الفاجعة التي نزلت به، وهاكها: «... معك مائة ألف سيف نضرب بها ~~دونك، وليس عندنا من بني أمية إلا نفر قليل، ولو أن قبيلة واحدة منا صمدت لهم ~~لكفتهم بإذن الله ... نحن نبذل أنفسنا دونك ونعطيك من الأيمان والعهود والمواثيق ما تثق ~~به، فإنا نرجو أن تكون المنصور، وأن يكون هذا الزمان الزمان الذي ms178 يهلك فيه بنو أمية.» # 2 # ولو تأملنا في مبادئ الزيدية لتحققنا أن الفرس سعوا لأن يكون زعماء هذه الحركة جماعة ~~من آل البيت نظرا للمكانة الرفيعة التي لهم في قلوب المسلمين، وكلنا يعلم أن المسلمين ~~عموما يحبون آل البيت المطهرين ويعترفون لهم بالأفضلية والمقام الرفيع، وقد تمكن الفرس ~~بهذه الوسيلة من أن يجعلوا الخلل يتسرب إلى نفوس الأمة، لا سيما وأن الأموال كانت دوما ~~تدعم دعوتهم وأهل نصرتهم. # وكان زعماء آل البيت ضعافا، فظلوا تحت تأثير المورفين الفارسي والأفكار الفارسية؛ ~~ولذلك لم تكن لهم الكلمة العليا في تدبير الأمور وترتيب الخطط وتنظيم الأسباب في الحركات ~~التي قاموا بها. # ونعتقد أن زيدا زعيم هذه الحركة لم ينجح لأمرين: الأول لأنه لم يكن من أولئك الزعماء ~~الضعفاء الذين وصفناهم، فلم يستسلم للفرس سياسيا ولم يرم بنفسه في أحضانهم، بل سعى ~~سعيا متواصلا لأن يكون زعيما حقا يتمتع بكل نفوذ وسلطان، وهذا ينافي الخطة التي درج ~~عليها الفرس، فدعوا جماعته للتخلي عنه في أحرج الأوقات وأشدها خطرا. # ولما كانت الشيعة تكره الشيخين أبا بكر وعمر، وكان زيد لا يحض على بغضهما ~~لقربهما من الرسول ولبلائهما الحسن في الإسلام أخذ الفرس يبذلون جهدهم للتخلص منه ~~ولانتخاب زعيم يصلح صلاحا تاما لخدمة مآربهم، فجادلوه فيهما وأحبوا استطلاع رأيه ونشره ~~كيما يتفرق عنه الشيعة، فصرح مرة أنه تجوز إمامة المفضول مع قيام الأفضل، وسألوه التفصيل ~~فأجاب: «كان علي بن أبي طالب أفضل الصحابة، إلا أن الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة ~~رأوها وقاعدة دينية راعوها من تسكين ثائرة الفتنة وتطبيب قلوب العامة، فإن عهد الحروب التي ~~جرت في أيام النبوة كان قريبا وسيف أمير المؤمنين علي (عليه السلام) عن دماء المشركين من ~~قريش لم يجف بعد، والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كما هي، فما كانت القلوب ~~تميل إليه كل الميل ولا تنقاد له الرقاب كل الانقياد، وكانت المصلحة أن يكون القيام بهذا ~~الشأن من عرفوه باللين والتودد والتقدم بالسن والسبق في الإسلام والقرب من ms179 رسول الله، ألا ~~ترى أنه لما أراد في مرضه الذي مات فيه تقليد الأمر عمر بن الخطاب زعق الناس وقالوا لقد ~~وليت علينا فظا غليظا، فما كانوا يرضون بأمير المؤمنين عمر لشدة وصلابة وغلظ له في ~~الدين وفظاظة على الأعداء حتى سكنهم أبو بكر. # وكذلك يجوز أن يكون المفضول إماما والأفضل قائم فيرجع إليه في الأحكام ويحكم بحكمه في القضايا»، # 3 # هذا ما دعا الشيعة ومنهم قوام حزبه المعروفين بالزيدية - نسبة له - لأن ~~يرفضوه. # أما الأمر الثاني فهو قيام هذه الحركة في غير أوانها، فكانت دولة بني أمية أيام هشام ~~بن عبد الملك قوية الشأن عظيمة السلطان منظمة الجيوش سريعة البطش والعقاب، فجهز إليه ~~حاكم العراق الأموي يوسف بن عمر الثقفي جيشا قويا واحتاط لنزاله، فالتقى به بكناسة ~~الكوفة، وكان جيش زيد يتألف من أربعة عشر ألف مقاتل على وجه التقريب، فسرت دعوة الفرس هذه، ~~فتخلت عنه الشيعة في الساعة الأخيرة كما تخلوا عن جده الحسين وهو في أشد الحاجة إليهم، ~~فهزم بعد أن ثبت ثباتا يدعو إلى الإعجاب ثم قتل، وأمر به يوسف بن عمر فصلب ~~وأحرق وذري رماده في الفرات. # 4 ~~(3-2) الحركة الجعفرية # كثر عدد المرشحين للخلافة حينما اضطرب حبل بني أمية، وكان الفرس يساعدون هؤلاء المرشحين ~~في كل مكان ليقف الأمويون تجاههم موقف الحائر المرتبك الذي لا يعرف كيف يتخلص من ضائقته إذا ~~نزلت به واستحكمت حلقاتها. # ومن المهم أن نقر أن هؤلاء الفرس متى قضوا لبانتهم من الرجال الذين يخدمون آراءهم ~~ومصالحهم رموهم جانبا وانتبذوهم قصيا، ولو أجلت نظرك في الديار العراقية - مركز ~~الدعوة الفارسية وحصنها الحصين في أواخر القرن الأول وبدء القرن الثاني للهجرة - لرأيت الفرس ~~يمدون أبناء الرسول من جهة ويعينون أبناء العباس من جهة أخرى، وبعبارة أتم كانوا يشجعون ~~العباسيين والعلويين على طلب الخلافة وإشعال نيران الثورة، إنهم لم يكتفوا بذلك، بل بذلوا ~~الأموال الطائلة في إنماء قوى الأباضية الخوارج وغيرهم؛ حتى تئن البلاد من ثقل الحكم الأموي ~~وتشعر بوطئته الشديدة، والغريب ms180 أنهم كانوا يمنون جميع المرشحين بالخلافة، وهم عن كثب ~~يراقبون سير هذه الحركات وتدرجها ونموها ليشدوا أزر القوية منها. ~~(أ) جعفر الطيار # وكان من الذين يتطلعون إلى الاستيلاء على عرش الخلافة شاب يدعى عبد الله بن معاوية بن ~~عبد الله بن جعفر بن أبي طالب «الطيار»، وعرف بفضله واشتهر بتقاه وشجاعته، فبث الفرس ~~دعوته في الكوفة - والكوفة كما علمنا سوق الدعوات ومركز المؤامرات - بعد مقتل زيد، وذلك في ~~عهد مروان بن محمد، فالتف حوله فئة كبيرة منهم، فنازلهم الأمويون وأجبروهم على الانسحاب إلى ~~المدائن، ثم عبروا دجلة وتوجهوا إلى بلاد العجم فغلبوا على همدان وأصفهان وجوارهما، ولما ~~قويت الدعوة العباسية في فارس قاومت أنصار عبد الله وقتلت زعيمهم فقضي على مرشحي آل ~~البيت للمرة الثانية. # 5 ~~(3-3) الحركة الأباضية # لم يكن النزاع بين الفرس والعرب نزاعا سياسيا فحسب، بل كان نزاعا دينيا أيضا، ~~فأراد الفرس أن يصبغوا الإسلامية بصبغة وثنية، ويلونوها بلون جديد ويبعثوا بها روحا ~~جديدة توافق رغائبهم، ودعم الفرس مبادئهم بالقوة، فقالت فئة منهم - وكانت من دعاة ~~العباسيين - بوجوب الترخيص للمسلمين في نساء بعضهم البعض، وهذه هي الإباحية الأولى التي لا ~~تحترم سنن الزواج الثابتة ولا تقرها، وهي التي نفاها الإسلام بنصوصه الصريحة في القرآن ~~والحديث، وتعرف تلك المبادئ بالمبادئ الخرمية. # 6 # أما الأباضية فهم فرقة من الخوارج ثارت في أيام مروان بن محمد بمكة واليمن، ~~وكان زعيمها عبد الله بن أباض، وتقول مبادؤهم بوجوب قتال الخليفة الأموي؛ لأنه خليفة باغ ~~مسيطر على الإسلام بغير حق، ولهم آراء دينية تختلف عن آراء أهل السنة، وهي متأثرة من التعاليم ~~والأفكار الفارسية، وإليك أهمها: ~~(1) # المخالفون من أهل القبلة كفار غير مشركين. ~~(2) # مناكحة أهل القبلة جائزة وموارثتهم حلال. ~~(3) # غنيمة أموال أهل القبلة من السلاح والكراع عند الحرب حلال وما سواه حرام. ~~(4) # حرام قتل أهل القبلة وسبيهم في السر غيلة إلا بعد نصب القتال وإقامة ~~الحجة. ~~(5) # دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد إلا معسكر السلطان فإنه دار بغي. ~~(6) # مرتكبو الكبائر موحدون ms181 لا مؤمنون. # 7 # فترى أنهم يتساهلون في أمور الدين، وهذا بعض ما تطلب الفرس وقاتلوا من أجله، ولذاك ~~ساد التساهل في الدولة العباسية يوم استلموا زمام أمورها وانتشر في بغداد أكثر من انتشاره في ~~دمشق وقرطبة، وهو نتيجة لما قدمناه، ثم هم يشيرون بالحرب واعتبار معسكر السلطان دار بغي ~~ليضربوا الخلافة الأموية من أسسها، فتوفقوا في تحطيم العرش الأموي مع غيرهم، ولكنهم لم يوفقوا ~~في الاستيلاء على عرش الخلافة. ~~(3-4) الحركة العباسية # تحركت الدعوة العباسية تدعمها سيوف الفرس وترعاها أموالهم ويبثها رجالهم، وكانت ~~كغيرها من الحركات التي وصفناها؛ لا هم لها إلا القضاء على النفوذ الأموي ونقل الخلافة ~~إلى آل البيت، ومن المهم أن نؤكد هنا أن الناس الذين قاموا يؤيدونها لم يفكروا البتة أنهم ~~ينصرون آل العباس، وأن آل العباس سيضطهدون العلويين ويضربونهم في الصميم ويلاحقونهم في كل ~~صقع كما فعل الأمويون بهم من قبل، بل اعتقدوا اعتقادا راسخا أنهم يدافعون عن حق ~~مغصوب لأبناء النبي، وأن لا بد من إرجاع هذا الحق إلى أصحابه، ولا يكون ذلك إلا بقتال ~~الأمويين ومناوأتهم وكفاحهم. ~~(أ) الجمعيات السرية # قام الفرس يبثون الدعوة ضد بني أمية وينالون منهم ويثيرون أحقاد الناس وضغائنهم في كل ~~مكان، فوجدت دعوتهم أرضا خصبة وجوا صالحا في أدمغة الشيعة، وكان بدء هذه الحركة منذ ~~أن سلم الحسن بن علي زمام الخلافة إلى معاوية بن أبي سفيان، فأخذوا يؤسسون الجمعيات ~~السرية والأحزاب القوية في العراق وخراسان، ورشحوا محمد بن علي وهو محمد ابن الحنفية ~~للخلافة وعرضوا عليه قبض زكاتهم لينفقها في مجاهدة الأعداء وتنظيم الحركة ضدهم، فقبل ~~ذلك منهم وعين الدعاة في البلاد المختلفة لنشر أمره بين المخلصين والثقات سرا، وحذر ~~كل الحذر لئلا ينشر أمره، فلما أدركته الوفاة ولى عبد الله ابنه من بعده، فلم ينجح في ~~إعلان الثورة؛ لأن الأمويين كانوا يراقبون خصومهم ويعدون عليهم أنفاسهم. # فعقبه محمد بن علي بن عبد الله بن العباس في الحميمة، وكان مفكرا فلم يرسل دعاته في ~~الشام ومصر لأن ms182 هواهم في بني أمية، ولم يجعل الكوفة مركز أعماله خيفة أن يغدر به الكوفيون ~~وهم الذين أثبتت الحوادث خيانتهم لعلي بن أبي طالب والحسين ابنه وزيد بن علي وغيرهم، ولم ~~يقم بالحجاز لأن الحجاز بلاد فقيرة لا قوة لأهلها ولا حول لرجالها، فوجه وجهه نحو ~~خراسان، واعتمد بكل قوته على الفرس ورمى بنفسه في أحضانهم ودعاهم إلى نصرته، وقد فعل هذا ~~اعتقادا منه أنهم مخلصون لقضيته متفانون في محبة آل البيت، ولا غرابة في ذلك لأنهم ~~كانوا يرسلون له الأموال الطائلة المرة إثر الأخرى. # روى ياقوت: «وكان محمد بن علي بن عبد الله بن العباس قال لدعاته حين أراد توجيههم إلى ~~الأمصار: أما الكوفة وسوادها فهناك شيعة علي وولده، والبصرة وسوادها فعثمانية تدين بالكف، ~~وأما الجزيرة فحرورية - خارجية - مارقة، وأعراب كأعلاج، ومسلمون أخلاف النصارى، وأما ~~الشام فليس يعرفون إلا آل أبي سفيان وطاعة بني مروان، عداوة راسخة وجهل متراكم، وأما ~~مكة والمدينة فغلب عليهما أبو بكر وعمر، ولكن عليكم بأهل خراسان فإن هناك العدد الكثير ~~والجلد الظاهر، وهناك صدور سليمة وقلوب فارغة لم يتقسمها الأهواء ولم تتوزعها النحل ولم ~~يقدم عليها فساد، وهم جند لهم أبدان وأجسام ومناكب وكواهل وهامات ... وأصوات هائلة ~~ولغات فخمة تخرج من أجواف منكرة.» # 8 # وقال محمد بن علي أيضا: «أبى الله أن تكون شيعتنا إلا أهل خراسان، ولا ننصر إلا ~~بهم، ولا ينصرون إلا بنا، إنه يخرج من خراسان سبعون ألف سيف مشهور، قلوبهم كزبر ~~الحديد، يطوون ملك بني أمية طيا ويزفون الملك إلينا زفا.» # 9 # ثم إن خراسان بلاد بعيدة عن عاصمة الخلافة الأموية، وليس للعرب بها سلطان قوي أو نفوذ ~~عظيم، فيمكن للحركة العباسية أن تنمو وأن تثبت تجاه القوى الأموية، وأن ينتقل رجالها في ~~جبالها ووهادها انتقالا سريعا قبل أن يكون للحكومة الوقت الكافي لتشتيت شملهم والقضاء ~~عليهم. # والحقيقة التي لا غبار عليها أن دعاة العباسيين أظهروا مهارة تامة في تكتمهم، ~~فحذروا حذرا شديدا من العرب في فارس، وكانوا لا يفشون أسرارهم ms183 إلا للمخلصين لهم، ~~ويأخذون عليهم العهود والمواثيق المؤكدة، وأظهروا براعة تامة في تمثيل جور بني أمية ~~واعتدائهم وتهتكهم واستهتارهم واستخفافهم بأمور الدين والشريعة المطهرة، وجعلوا يسيرون من ~~مقاطعة إلى مقاطعة ومن كورة إلى كورة فيدعون الناس إلى مبادئهم فيستجيبون لهم. # قال الدينوري: «وقد ساروا - دعاة العباسية - من مدينة مرو إلى بخارى، ومن بخارى إلى ~~سمرقند، ومن سمرقند إلى كش ونسف، ثم عطفوا على الصغانيان، وجازوا منها إلى ختلان، وانصرفوا ~~إلى مرو الروذ والطالقان، وعطفوا إلى هراة وبوشنج، وجازوا إلى سجستان، فغرسوا في هذه ~~البلدان غرسا كثيرا وفشا أمرهم في جميع أقطار خراسان، فطلبهم عمال بني أمية فلم ~~يدركوا لهم أثرا.» # 10 ~~(ب) زعماء العباسيين # أما أشهر رجال الدعوة العباسية العاملين فكانوا بكير بن ماهان، وهو شاب فارسي ~~غني وخطيب مفوه، وسليمان بن كثير، ولاهز بن قريط، وقحطبة بن شبيب، وغيرهم من رجال ~~الفرس والشيعة، وقد خدموا القضية العباسية خدمة كبرى فضحوا بأموالهم وأوقاتهم وراحتهم في ~~سبيلها. # وعقب محمد بن علي ابنه إبراهيم المعروف بالإمام. وكان ساعده الأيمن وعضده المتين ~~شاب فارسي يدعى أبا مسلم الخراساني. ولد أبو مسلم حوالي سنة 100 هجرية/718م في رستاق ~~فريدين من قرية تسمى سنجرد، وقيل إنه من قرية ماخوان على بعد ثلاثة فراسخ من مرو، وتعاطى ~~والده التجارة بين خراسان والعراق، فجلب إلى الكوفة الأغنام والمواشي ورجع حاملا منها ~~المنسوجات والمحصولات العراقية، وقد ضمن مرة بعض رساتيق للحكومة وقاطع عليها ~~فلحقه عجز فيها وناء تحت أعباء الديون، فهرب مع زوجته «وشيكة» وهي كوفية الأصل فارسية ~~التربية، وعرج في طريقه على رستاق لبعض أصدقاه وهم آل العجلي بماه البصرة مما يلي أصبهان، ~~ونزل عندهم ضيفا كريما، ولما اشتد طلب الحكومة له التجأ إلى أذربيجان فمات بها. # نشأ أبو مسلم في بيت عيسى ومعقل ابني إدريس العجلي، فتعهداه وأرسلاه إلى المدرسة ~~مع أولادهما، فخرج أديبا لبيبا يشار إليه بالبنان حسب رواية ابن خلكان. ~~(ج) خراسان بركان الثورة العباسية # ثم دارت الأيام دورتها وانتشرت الدعوة العباسية في خراسان ms184 وفارس، فاشترك آل العجلي في ~~المؤامرة على الدولة الأموية، وراحوا يشجعون الناس على تأخير الخراج عن خزينة الحكومة، ~~فقبضت عليهم وساقتهم إلى واسط، وهناك صدر الأمر بسجنهم. فلحق بهم أبو مسلم يخدمهم ~~ويختلف إليهم في حبسهم، فاجتمع مدة إقامته في واسط بدعاة العباسيين واتصل بنقبائهم، فمال ~~إلى مناصرتهم انتقاما من أولئك الذين سببوا نكبة عائلته وسجن أوليائه. فلما آنسوا ~~منه الذكاء وتوقد الخاطر أوعزوا إليه بالمسير إلى محمد بن علي زعيمهم وهو في ~~الحميمة من أعمال الشام، فركب إليه فاستقبله واستخدمه في بث الدعوة فوجده كثير العبرة ~~مخلصا. # أبو مسلم الخراساني # قدم إبراهيم الإمام أبا مسلم وأسند إليه منصب الزعامة على جميع النقباء في ~~خراسان، وحضه على التكتم واستعمال الشدة مع أحزاب بني أمية ومناصريهم من العرب. قال يوصيه ~~حينما توجه إلى فارس: «يا أبا عبد الرحمن - يعني أبا مسلم - إنك رجل منا - أهل البيت - ~~فاحفظ وصيتي. انظر هذا الحي من اليمن فأكرمهم، فإن الله لا يتم هذا الأمر إلا ~~بهم، وانظر هذا الحي من ربيعة فإنهم معهم، وانظر هذا الحي من مضر فإنهم العدو القريب، ~~فاقتل من شككت في أمره ومن وقع في نفسك منه تهمة ... السيف السيف لا تتق ~~العدو بطرف ... إن استطعت أن لا تدع بخراسان أرضا فيها عربي فافعل، وأيما غلام بلغ خمسة ~~أشبار فاقتله.» # 11 # فترى أن الإمام لم يكن لينظر إلى العرب عموما إلا أعداء لحركته وعاملا من عوامل ~~الانحلال فيها، بينما كان الفرس - في نظره - الحصن الحصين لدعوته، فاعتمد عليهم اعتمادا ~~كليا. # وأعجب الإمام بما امتاز به أبو مسلم من الصفات الباهرة كحسن المنطق والعقل الوافر ~~والأدب الجم والرصانة والصبر وعدم الاهتمام بالمظاهر الخلابة، ومقدرته على كتمان ~~الأمور وضبط الشعور، فقال فيه: «هذا عضلة من العضل.» # 12 # وقال ابن خلكان يصف أبا مسلم: «كان أبو مسلم خافض الصوت فصيحا بالعربية والفارسية، ~~حلو المنطق راوية للشعر عالما بالأمور، لم ير ضاحكا ولا مازحا إلا في ~~وقته، ولا يكاد يقطب في شيء من أحواله، تأتيه ms185 الفتوحات العظام فلا يظهر عليه أثر ~~السرور، وتنزل به الحوادث الفادحة فلا يرى مكتئبا، وإذا غضب لم يستفزه الغضب، ~~وكان من أشد الناس غيرة، لا يدخل قصره غيره، وكان أقل الناس طمعا وأكثرهم طغاما.» # 13 # ووصفه ابن العبري بقوله: «كان أبو مسلم ذا رأي وعقل وتدبير وحزم ومروءة، وكان فاتكا ~~قليل الرحمة قاسي القلب سوطه سيفه.» # 14 # ولم يكد أبو مسلم يستلم مهام منصبه حتى أظهر براعة تامة في نشر الدعوة، ~~فوجه رجاله إلى النواحي من خراسان بزي التجار، ونظم حركته فولى على شيعته في البلاد ~~رجالا من أهلها، وكان على اتصال دائم بهؤلاء الزعماء، فأصدر إليهم أوامره وطلب منهم ~~تنفيذها حرفيا، وبلغ من نجاحه أنه أجمع الخراسانيون على محبته وصار من أعز الناس عندهم ~~منزلة وأرفعهم مقاما، فقال الدينوري: «إنهم كانوا يتحالفون فلا يحنثون ويذكرونه فلا يملون.» # 15 # اللواء والراية # وعرف دعاة العباسيين باللواء والراية في بدء أمرهم، وقد بعث بهما الإمام إلى أبي ~~مسلم في خراسان، أما اللواء فيدعى «الظل»، وأما الراية فتدعى «السحاب»، وكان تأويلهما ~~«أن السحاب يطبق الأرض، وكما أن الأرض لا تخلو من الظل، كذلك لا تخلو - تيمنا - من خليفة ~~عباسي إلى آخر الدهر.» # 16 # سياسة فرق تسد # لجأ أبو مسلم الخراساني إلى السياسة المعروفة بسياسة «فرق تسد» حينما أراد مناوأة ~~العرب الأمويين المنتشرين في الأقطار الفارسية، واستغل اختلاف بعضهم على بعض، فراح يشعل ~~نار العصبية في صدورهم ويرسل دعاته إلى الزعماء ليوقعوا بينهم الضغينة والبغضاء. # ولو درسنا أحوال القبائل العربية في أواخر القرن الأول للهجرة لتحققنا أن الخلفاء ~~الأمويين المتأخرين لجئوا أيضا إلى تفرقة العرب وإنماء روح العصبية بينهم، فأحسنوا إلى ~~فئة منهم وأغدقوا عليها النعم وعينوا لها الرواتب وأسندوا لرجالها المناصب دون ~~الفئة الأخرى، فجاء أبو مسلم وبذل الأموال لإثارة الفتن بين مختلف القبائل العربية؛ ~~فتكللت مساعيه بأكاليل النجاح، ووقعت العصبية بين المضرية واليمانية بخراسان. ~~(د) العصبية القبائلية تهدم صرح المملكة الأموية # كانت الحكومة الأموية - على عهد مروان بن محمد الخليفة الأخير - لا ms186 تستعمل أحدا من ~~اليمانية ولا تستعين بهم في الشئون الحربية والإدارية والسياسية؛ وذلك لأن نصر بن سيار ~~الليثي والي خراسان كان متعصبا على اليمانية مبغضا لهم، فغضب الكرماني زعيمهم واجتمع ~~إليه أحياء العرب واعتزل الحكومة ونصب لها العداء، فاستفاد أبو مسلم من هذه الفرصة وأخذ ~~يتقرب من كلا الزعيمين الكرماني ونصر بن سيار الليثي، وينفذ إليهما الكتب ويمني ~~الحزبين بالمساعدة والمعونة، ويرجو لكل منهما الانتصار على عدوه، وصار يعرض عليهما ~~الجوائز ويؤمنهما، عسى ينضم أحد منهما إليه، فصرح لهم مرارا «إن الإمام أوصاني بكم ~~ولست أعدو رأيه فيكم.» # 17 ~~(ه) العصبية بين المضرية واليمانية # قال ابن قتيبة: «وجعل أبو مسلم يكتب الكتب ثم يقول للرسل مروا بها على اليمانية فإنهم ~~يتعرضون لكم ويأخذون كتبكم، فإذا رأوا فيها أني رأيت المضرية لا وفاء لهم ولا خير فيهم ... ~~فلا تثق بهم ولا تطمئن إليهم، فإني أرجو أن يريك الله في اليمانية ما تحب، ويرسل ~~رسولا آخر بمثل ذلك على اليمانية فيقول مر على المضرية فكان الفريقان جميعا معه.» # 18 # فمال الكرماني إليه لأن حبل الثقة كان قد انقطع بينه وبين نصر، خصوصا بعد أن ~~أذاقه الأخير عذاب السجن، نتأكد من هذا لأن عقلاء العرب حينما اشتد الخلاف بين اليمانية ~~والمضرية وبدأ أبو مسلم يضيق الخناق على كل عربي أموي، سعوا لعقد الصلح بين ~~الزعيمين، فأبى الكرماني وصرح أنه لا يثق بحسن نوايا نصر نحوه. قال الطبري: «قال ~~عقيل: إني أرى أمرا أخاف أن يذهب فيه العقول، قال الكرماني: إن نصرا يريد أن آتيه ولا ~~آمنه ونريد أن يعتزل ونعتزل ونختار رجلا من بكر بن وائل نرضاه جميعا، فيلي أمرنا ~~جميعا حتى يأتي أمر من الخليفة وهو يأبى هذا، قال يا أبا علي - الكرماني - إني أخاف أن ~~يهلك أهل هذا الثغر، فإن أميرك - وقل ما شئت - تجاب إليه، ولا تطمع سفهاء قومك، فقال ~~الكرماني: إني لا أتهمك في نصيحة ولا عقل، ولكني لا أثق بنصر، فليحمل من مال خراسان ما شاء ~~ويشخص، قال: ms187 فهل لك في أمر يجمع الأمر بينكما، تتزوج إليه ويتزوج إليك، قال لا آمنه على حال.» # 19 ~~(و) العرب في الديار الفارسية يقتتلون # مكث العرب يقتتلون في خراسان نحوا من عشرين شهرا، وأبو مسلم لا يهدأ عن إيقاد نيران ~~الفتنة ليوهن قواهم ويشل سواعدهم، وليكون له الوقت الكافي لضربهم ضربة قاسية لا ~~تقوم لهم من بعدها قائمة. # وقد تألم نصر بن سياب الليثي لما أصاب القوم من عوامل التفرقة والخذلان، فاستنجد ~~الحكومة في دمشق - وكان على رأسها مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية - ليدرأ خطر ~~العباسيين ولينازلهم في عقر دارهم قبل أن يهاجموه ويجبروه على الانسحاب إلى العراق، أو ~~ليشاغل أبا مسلم على الأقل قبل أن يشتد ركنه ويعلو شأنه. وكان يرجو أن يجمع كلمة العرب ~~ويستعين على مخالفيه منهم بالقوة، فأرسل إلى الخليفة رسالة قال منها: «قد بايعه - بايع أبا ~~مسلم - مائتا ألف رجل من أقطار خراسان، فتدارك يا أمير المؤمنين أمرك وابعث إلي ~~بجنود من قبلك يقو بهم ركني وأستعن بهم على محاربة من خالفني - يعني الكرماني.» # 20 # وذكر في آخر رسالته الأبيات المشهورة: # أرى بين الرماد وميض نار # ويوشك أن يكون لها ضرام # فإن لم يطفها عقلاء قوم # يكون وقودها جثث وهام # فإن النار بالعودين تذكى # وإن الحرب أولها الكلام # فقلت من التعجب ليت شعري # أأيقاظ أمية أم نيام # فإن يقظت فذاك بقاء ملك # وإن رقدت فإني لا ألام # فإن يك أصبحوا وثووا نياما # فقل قوموا فقد حان القيام # 21 # فأجابه: «احسم أنت هذا الداء الذي قد ظهر عندك.» # 22 # ويدلنا هذا على أن الحكومة كانت مضعضعة مشلولة لا قدرة لها على ضبط زمام ~~الأمور والدفاع عن كيانها، ولما أعيت نصرا الحيل ولم ينجده أحد يقال إنه كتب ~~للخليفة: # يا أيها الملك الواني بنصرته # قد آن للأمر أن يأتيك من كثب # أضحت خراسان قد باضت صقورتها # وفرخت في نواحيها بلا رهب # فإن يطرن ولم يحتل لهن بها # يلهبن نار حرب أيما لهب # ولما أبطأ عليه الغوث ms188 أرسل إليه: # من مبلغ عني الإمام الذي # قام بأمر بين ساطع # أتى نذير لك من دولة # قام بها ذو رحم قاطع # والثوب إن أنهج فيه البلى # أعيي على ذي الحيلة الصانع # كنا نداريها فقد مزقت # واتسع الخرق على الراقع # 23 # هذه وثائق ظاهرة بينة تشهد لنا أن العصبية فتت في عضد بني أمية وكانت من أعظم ~~الأسباب التي أدت إلى سقوطهم. ~~(ز) مقتل إبراهيم الإمام زعيم العباسيين # قبض مروان بن محمد على إبراهيم الإمام وأحضره إلى حران حينما كثرت شيعته ~~وتعددت أحزابه، وكانت حران مركز مروان ومقامه، ثم أمر به فأعدم، ويذكر المؤرخون ~~أنه سمه، فخاف أخواه السفاح والمنصور فهربا إلى الكوفة مع بعض خاصتهما، وأظهر ~~السفاح بها الدعوة وخطب بالناس في المسجد الجامع وبويع بالخلافة سنة 132ه/749م، ووفدت عليه ~~الزعماء من أطراف العراق تبايعه وتقدم خضوعها له، وندب عمه عبد الله بن علي لقتال مروان ~~بن محمد، فترى مما تقدم أن العراق وخراسان أعلنتا خلع بني أمية. ~~(ح) هزيمة مروان بن محمد في معركة الزاب # أما وقد خلعت كل من خراسان والعراق طاعة الأمويين؛ فلم يعد أمام مروان إلا ~~مناجزة العباسيين الوقيعة الفاصلة، لعله يصدمهم صدمة توهن معنوياتهم، فجهز جيشا بلغ ~~عدده نحوا من مائة وعشرين ألف مقاتل وزحف به نحو العراق فالتقى مع عبد الله بن علي على ~~الزاب الكبير، فانهزم جيش مروان وغرق منه عدد وافر، وكان أصحاب مروان فاتري الهمة قد لعبت ~~بهم الدعوة العباسية وأثر عليهم الذهب الفارسي فولوا هاربين جزعين، وبذل جهده ~~ليثبت أقدامهم فعين لهم الأعطيات والرواتب فلم يفلح، وكانت الفوضى قد انتشرت في ~~صفوفهم فما أطاعوا الأوامر التي أصدرها لهم زعمائهم ولا أعاروها اهتماما. # روى الفخري: «واشتد القتال فصار مروان إذا أمر طائفة من العسكر بشيء قالوا: قل ~~للطائفة الأخرى، وبلغ من أمره أنه قال لصاحب شرطته: انزل إلى الأرض، فقال: والله لا ~~ألقي نفسي في التهلكة، فقال له مروان: لأفعلن بك، وتهدده، فقال: وددت أنك تقدر ~~على ذلك ... ولما رأى مروان ms189 فترة أصحابه وضع ذهبا كثيرا قدام الناس وقال: يا أيها الناس ~~قاتلوا وهذا المال لكم، فصار الناس يمدون أيديهم إلى المال ويتناولون منه شيئا شيئا.» # 24 ~~(ط) الثورة في سورية # مضى مروان بعد هزيمته إلى الموصل فحران فالشام، فوثب عليه أهل حمص ودمشق والأردن ~~وفلسطين وأعملوا السيف في جنده وانتهبوا أمواله وذخائره، وكان بعد انكساره يستقري مدنهم ~~ويستنهض هممهم فيروغون عنه ويهابون الحرب ويودون الخلاص منه، ولا غرابة في ذلك؛ فإن ~~الشام كانت قد ملت الفوضى والقتال وزهدت في مساعدة الخلفاء الأمويين المترفين الذين لا ~~يهوون إلا إشباع مطامعهم واتباع ملذاتهم الشخصية. # فكر مروان مرارا بطلب النجدة والمعونة من البيزنطيين تجاه هذه الضائقة الشديدة التي ~~نزلت به، عله يسترجع ما فقده من السطوة والسلطان، فمنعه من ذلك أنصاره المخلصون ~~وأشاروا عليه بالذهاب إلى مصر الغنية فيجمع شمله ويجعل الشام هدفه وإفريقية حصنه وموئله، ~~وقد جادل مروان بن محمد إسماعيل بن عبد الله القسري في هذا الموضوع، وحفظ لنا الدينوري ~~أقوالهما: # قال مروان - يخاطب إسماعيل بن عبد الله القسري: «أجمعت على أن أرتحل بأهلي وولدي ~~وخاصة أهل بيتي ومن اتبعني من أصحابي حتى أقطع الدرب وأصير إلى ملك الروم فأستوثق منه ~~بالأمان، ولا يزال يأتيني الخائف والهارب من أهل بيتي وجنودي حتى يكثف أمري وأصيب قوة على ~~محاربة عدوي.» # فقال إسماعيل بن عبد الله القسري لمروان: «أعيذك بالله أن تحكم أهل الشرك في نفسك ~~وحرمك؛ لأن الروم لا وفاء لهم، ثم إن الرأي عندي أن تقطع الفرات وتستقري مدن الشام مدينة ~~مدينة، فإن لك بكل مدينة صنائع ونصحاء، وتضمهم جميعا إليك، وتسير حتى تنزل ببلاد مصر، ~~فهي أكثر أهل الأرض مالا وخيلا ورجالا، فتجعل الشام أمامك وإفريقية خلفك، فإن رأيت ما ~~تحب انصرفت إلى الشام وإن تكن الأخرى اتسع لك الهرب نحو أفريقية فإنها أرض واسعة نائية منفردة.» # 25 ~~(ي) مقتل مروان الثاني في مصر # اتجه مروان نحو مصر ليجمع شمله ويطلق آخر سهم في كنانته، فلحق به أبو عون ~~العلي ms190 أحد قادة عبد الله بن علي، وبث رجاله في أثره فاكتشفوا مكانه في بوصير إحدى قرى ~~الصعيد - مصر - فطعنوه فصرعوه واحتزوا رأسه وحملوه إلى السفاح في الكوفة، ولم ~~يمت مروان رخيصا بل دافع إلى النفس الأخير. وقد أفل بمقتل مروان نجم بني أمية ~~في الشام. ~~(ك) الدعوة الفارسية العباسية ضد بني أمية # قلنا: إن العصبية القبائلية كانت سببا كبيرا في سقوط الأمويين وزوال دولتهم، والآن ~~نزيد أن الدعوة التي بثها أعداؤهم من الفرس والشيعة لعبت دورا مهما في بلاط ~~الخلفاء العباسيين، فأعملوا السيف في رقابهم ولاحقوهم في كل قطر من الأقطار ~~العربية؛ حتى إنهم أفنوا معظمهم، ولم يفلت منهم إلا عبد الرحمن الداخل ~~المعروف بصقر قريش، وكان بعض الشعراء من أكبر المحرضين على إعدامهم، وهم بلا ريب يمثلون ~~لنا آراء الأحزاب المعارضة فيهم. ~~(ل) الشعراء يحرضون العباسيين على إعدام بني أمية # أنشد سديف أحد موالي بني العباس في حضرة السفاح: # يا ابن عم النبي أنت ضياء # استبنا بك اليقين الجليا # جرد السيف وارفع العفو حتى # لا ترى فوق ظهرها أمويا # لا يغرنك ما ترى من رجال # إن تحت الضلوع داء دويا # بطن البغض في القديم فأضحى # ثاويا في قلوبهم مطويا # وقال أيضا يحضه على بني أمية ويذكر من قتل مروان وبني أمية من ~~قومه: # كيف بالعفو عنهم وقديما # قتلوكم وهتكوا الحرمات # ابن زيد وابن يحيي بن زيد # يا لها من مصيبة وترات # والإمام الذي أصيب بحرا # ن إمام الهدى ورأس الثقات # قتلوا آل أحمد لا عفا الذن # ب لمروان غافر السيئات # 26 # وله: # أصبح الملك ثابت الآساس # بالبهاليل من بني العباس # طلبوا وتر هاشم فشفوها # بعد ميل من الزمان وباس # لا تقيلن عبد شمس عثارا # واقطعن كل نخلة وغراس # ذلها أظهر التودد منها # وبها منكم كحز المواسي # ولقد غاظني وغاظ سوائي # قربهم من منابر وكراسي # واذكرن مقتل الحسين وزيدا # وقتيلا بجانب المهراس # 27 # وقال أحد شيعة بني العباس: # إياكم أن تلينوا لاعتذارهم # فليس ذلك إلا الخوف والطمع # لو أنهم أمنوا ms191 أبدوا عداوتهم # لكنهم قمعوا بالذل فانقمعوا # أليس في ألف شهر قد مضت لهم # سقوكم جرعا من بعدها جرع # حتى إذا ما انقضت أيام مدتهم # منوا إليكم بالارحام التي قطعوا # هيهات لا بد أن يسقوا بكأسهم # ريا وأن يحصدوا الزرع الذي زرعوا # أنا وإخواننا الأنصار شيعتكم # إذا تفرقت الأهواء والشيع # إياكم أن يقول الناس إنهم # قد ملكوا ثم ما ضروا ولا نفعوا # 28 # وقال آخر: # فلا عفا الله عن مروان مظلمة # ولا أمية بئس المجلس البادي # كانوا كعاد فأمسى الله أهلكهم # بمثل ما أهلك الغادرين من عاد # 29 ~~(م) تفنن العباسيين في تعذيب الأمويين # استعمل العباسيون الحيلة في استقدام بني أمية، فأمنوهم على أرواحهم وأموالهم ~~وأملاكهم، وأكدوا لهم أنه لن يضطهدوهم، وسوف يحافظون عليهم ويقيدونهم في ديوان العطاء، ~~فقدموا على السفاح مطمئنين إليه عائذين به، فنكث عهده وتفنن في تعذيبهم ~~وإعدامهم. # مائدة السفاح الرهيبة # قال أبو الفرج الأصفهاني بإسناده: «دعا أبو العباس بالغداء حين قتلوا وأمر ببساط ~~فبسط عليهم وجلس فوقه يأكل وهم يضطربون تحته، فلما فرغ من الأكل قال: ما أعلمني ~~أكلت أكلة قط أهنأ ولا أطيب لنفسي منها، فلما فرغ قال: جروا بأرجلهم فألقوا في ~~الطريق يلعنهم الناس أمواتا كما لعنوهم أحياء، فرأيت الكلاب تجر بأرجلهم وعليهم ~~سراويلات الوشي حتى أنتنوا، ثم حفرت لهم بئر فألقوا فيها.» # 30 # وروى الأغاني: «قتل الأمويين وصلبهم في بستانه حتى تأذى جلساؤه بروائحهم، ~~فكلموه في ذلك فقال: والله لهذا ألذ عندي من شم المسك والعنبر. غيظا عليهم وحنقا»، # 31 # وكانت تأخذ السفاح رعدة حينما يذكر ما فعله الأمويون مع آل البيت وما ~~ارتكبوه من المظالم فيتلذذ بقتلهم، قال مرة - يخاطب بعضهم قبل تسليمهم ليد ~~الجلاد: «أرى قتلاكم من أهلي قد سلفوا، وأنتم أحياء تتلذذون في الدنيا.» # 32 # وطالما ردد هذا البيت: # أحيا الضغائن آباء لنا سلفوا # فلن تبيد وللآباء أبناء # مذبحة نهر أبي فطرس # وصدرت الأوامر العباسية إلى جميع الأقطار الإسلامية وكلها تقول بإبادتهم عن بكرة أبيهم، ~~فذبح عبد الله بن علي نحوا ms192 من ثمانين رجلا على نهر أبي فطرس بفلسطين، واحتذى أخوه داود ~~بن علي بالحجاز فعله، # 33 # وما زالوا يلاحقونهم حتى نالهم ضر عظيم، فهلك بعضهم جوعا وعطشا، وشاهد ~~من بقي منهم أنواع الشدائد وصنوف الإحن. ~~(4) تهتك الخلفاء الأمويين واستهتارهم وإهمالهم واجباتهم تجاه الأمة # أغرق الخلفاء الأمويون المتأخرون في مجونهم واستهتارهم وتهتكهم، وأسرفوا إسرافا ~~زائدا في اتباعهم سبل الشهوات والملاذ، فأهملوا واجباتهم تجاه الأمة التي اعتمدت عليهم في ~~تدبير أمورها والاعتناء بمقدراتها، إنهم لم ينسجوا على منوال معاوية الأول وعبد الملك ~~بن مروان والوليد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز فيوطدون دعائم الأمن والسلام، ويضربون ~~أصحاب القلاقل وأهل الفتن بيد حديدية، ويسنون القوانين التي تصلح حال السكان وتنمي ~~تجارتهم وتنشط صناعتهم وتحيي زراعتهم، بل أخذوا يقربون الندماء والفساق والمأمورين ~~الذين لا يعرفون من المنصب إلا إرضاء ساداتهم، ولا يفهمون من روح المسئولية سوى تعداد الأيام ~~والشهور لقبض رواتبهم. ~~(4-1) يزيد الثاني الوالد المغرم # جاء يزيد بن عبد الملك (يزيد الثاني) سنة 101ه/719م بعد عمر بن عبد العزيز، فكان شديد ~~الفخر ظاهر الكبر، يحب اللهو والأنس والطرب، ولو أمعنا النظر في أحواله الخاصة وسلوكه ~~الشخصي لحكمنا أنه قضى عمره مغرما عاشقا لا يجد في الحياة إلا عبادة الحب والجمال، ~~وقد تولع يزيد بحبابة وسلامة الغانيتين الحجازيتين ولعا شديدا ملك عليه لبه ~~وأنساه سياسة الدولة وإدارتها، فترك زمام الأمور بيد أصدقائه ومريديه، وهما من مولدات المدينة ~~وكانتا أديبتين ترويان الأشعار وتضربان على العود ضربا حسنا، وفتن بهما الشعراء ~~المعاصرون لهما فقالوا فيهما القصائد العامرة، ويذكر «الأغاني» أن الناس في الحجاز كانت ~~تتناقل أبياتهما في الأندية الخاصة والعامة. # 34 # وبلغ من حب يزيد لهاتين الغانيتين الفتانتين أنه جعل لهما مطلق التصرف في شئون ~~الدولة، حتى قال المؤرخون: «وعمل ابن هبيرة في ولاية العراق من قبل حبابة ... ولم تزل حبابة ~~تعمل له في العراق حتى وليها.» # 35 # فترى أنه كان لبعض المحظيات الكلمة النافذة في إسناد الوظائف للولاة، وحكى الرواة أن ~~حبابة غنت يزيد ms193 بن عبد الملك يوما: # بين التراقي واللهاة حرارة # ما تطمئن وما تسوغ فتبرد # فأهوى ليطير من شدة غرامه وهيامه بها، فقالت تداعبه: «يا أمير المؤمنين إن لنا فيك حاجة.» # 36 # ومرضت حبابة يوما فبكى لذلك بكاء مرا وحزن حزنا عميقا، قال الطبري: ~~مرضت حبابة وثقلت فقال: كيف أنت يا حبابة؟ فلم تجبه، فبكى وقال: # لئن تسل عنك النفس أو الهوى # فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد # وسمع جارية لها تتمثل: # كفى حزنا بالهائم الصب أن يرى # منازل من يهوى معطلة قفرا # 37 # وأجمع المؤرخون أنه لم يتمالك عن نبش حبابة بعد وفاتها لكلفه بها كلفا جنونيا، ~~روى المدائني: «إنه اشتاق إليها بعد ثلاثة أيام من دفنه إياها، فقال: لا بد من أن ~~تنبش، فنبشت وكشف له عن وجهها وقد تغير تغيرا قبيحا فقيل له: يا أمير المؤمنين ~~اتق الله، ألا ترى كيف قد صارت؟ فقال: ما رأيتها قط أحسن منها اليوم، أخرجوها، فجاءه ~~مسلمة بن عبد الملك ووجوه أهله فلم يزالوا به حتى أزالوه عن ذلك ودفنوها، وانصرف فكمد ~~كمدا شديدا حتى مات فدفن إلى جانبها.» # 38 # قلنا: إن يزيد بن عبد الملك كان يهوى حبابة ويحبها حبا جما، وكانت ذكراها تعاود ~~قلبه الجريح حتى لفظ نفسه الأخير، والغريب أن سلامة كانت مفتونة به فتألمت من تقديمه حبابة ~~عليها، وهذا ما نغص عيشها، ومع ذلك فلم تنس يزيدا وبكته بكاء مرا، قالت سلامة ~~تتمثل يوم قضى: # لا تلمنا إن خشعنا # أو هممنا بالخشوع # قد لعمري بت ليلي # كأخي الداء الوجيع # كلما أبصرت ربعا # خاليا فاضت دموعي # قد خلا من سيد كا # ن لنا غير مضيع ~~(4-2) الوليد الثاني وإسرافه في احتقار المبادئ الإسلامية # مات يزيد بن عبد الملك مغرما بائسا، وهو من تلك الشبيبة التي يسحرها جمال الحياة ~~وتستهويها بهجة الدنيا فتسير في تيارها غير مبالية بما تأتي به من النتائج، وقد وصفه ~~المسعودي بقوله: «... لا يعرف صوابا فيأتيه ولا خطأ فيدعه»، # 39 # فخلفه رجال كان من مبادئهم أن لا يتقيدوا ms194 ضمن القواعد التي وضعتها الشرائع ~~المقدسة والتقاليد المعروفة، فجعلوا يتبعون فلسفتهم الخاصة في الحياة فلا يفكرون في سهام ~~النقد والملامة التي يسددونها إليهم، وكان من هؤلاء الوليد بن يزيد بن عبد الملك «الوليد ~~الثاني»، وقد لهج هذا الخليفة بالشراب والنساء والصيد، وطلب الندماء والمغنيين فحملوا ~~إليه، وعرف لدى شعبه بالإلحاد واشتهر بالزندقة، فاحتقر المبادئ الدينية الإسلامية ولم ~~يراقب في ذلك أحدا، ويقال: إنه دعا ذات ليلة بمصحف، فلما فتحه وافق ورقة فيها: # واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد * من ~~ورآئه جهنم ويسقى من ماء صديد # 40 # فقال: أسجعا أسجعا، علقوه، ثم أخذ القوس والنبل فرماه حتى مزقه ثم ~~قال: # أتوعد كل جبار عنيد # فها أنا ذاك جبار عنيد # إذا لاقيت بك يوم حشر # فقل لله مزقني الوليد # 41 ~~(أ) الوليد اللاهي # وكان مدمنا للشراب حتى ليروى أنه خاطب الناس بشعر يوم الجمعة في المسجد الجامع ~~فصعد المنبر وقال: # ما يزرع الزارع يوما يحصده # وما يقدم من صلاح يحمده # فاستغفروا ربكم وتوبوا # فالموت منكم فاعلموا قريب # 42 # ولا ريب عندنا أن المؤرخين يبالغون في قولهم: إنه شرب ليلة سبعين قدحا، ولو كان ~~حقا ما يدعون لقضى سريعا من تأثير السم المعروف بالكئول، والحقيقة التي نريد تأييدها هو ~~أنه كان سكيرا، ولكن لا يمكننا قبول تلك الروايات المحشوة بالمبالغة، وإليك مثلا منها: «... ~~قام الوليد فصلى العصر ثم جلس يتحدث إلى المغرب، ثم صلى المغرب ودعا بالعشاء فتعشيت معه، ~~ثم جلس يتحدث حتى صلى العتمة ثم تحدثنا قليلا، ثم قال: اسقينني، فأتوه بإناء مغطى ~~وجاء جوار فقمن بيني وبينه، فشرب وانصرفن ومكث قليلا ثم قال اسقينني ففعلن مثل ذلك، وما ~~زال والله ذلك دأبه حتى طلع الفجر فأحصيت له سبعين قدحا»، # 43 # ويذكر الكثيرون أنه لم نعي إليه هشام بن عبد الملك سلفه في الخلافة قال: ~~«والله لأتلقين هذه النعمة بسكرة قبل الظهر، ثم أنشأ يقول: # طاب يومي ولذ شرب السلافه # إذ أتاني نعي من بالرصافه # وأتانا البريد ينعي هشاما # وأتانا بخاتم الخلافه # فاصطبحنا ms195 من خمر عانة صرفا # ولهونا بقينة عزافه # ثم حلف أن لا يبرح موضعه حتى يغنى في هذا الشعر ويشرب عليه، فتغنى له فيه وشرب ~~وسكر ثم دخل فبويع له بالخلافة»، # 44 # فتجد أن الوليد بويع بالخلافة ونشوة الخمر تلعب في رأسه. ~~(ب) شعره الجيد في الخمريات # وللوليد أشعار جياد في الخمريات، وهي تصف تأثير ابنة الكرمة على النفوس الطروبة وصفا ~~دقيقا رائعا، وقد سرق الشعراء المتأخرون من معانيها وسلخوا صورها وأودعوها في أشعارهم، ~~وكان أبو نواس من أشهر الأدباء الذين سطوا عليها وادعوها. # قال الوليد من خمرياته: # أصدع نجي الهموم بالطرب # وأنعم على الدهر بابنة العنب # واستقبل العيش في غضارته # لا تقف منه آثار معتقب # من قهوة زانها تقادمها # فهي عجوز تعلو على الحقب # أشهى إلى الشرب يوم جلوتها # من الفتاة الكريمة النسب # فقد تجلت ورق جوهرها # حتى تبدت في منظر عجب # فهي بغير المزاج من شرر # وهي لدى المزج سائل الذهب # كأنها في زجاجها قبس # تذكو ضياء في عين مرتقب # في فتية من بني أمية أهل # المجد والمؤثرات والحسب # ما في الورى مثلهم ولا بهم # مثلي ولا منتم لمثل أبي ~~(ج) الوليد اللاهي، سعدة وسلمى # وكان الوليد الثاني عصبيا لا يثبت على قرار، فبينا تراه قد وهب قلبه لفتاة من ~~الفتيات الجميلات وراح يستعطفها ويتقلب على فراش الألم إن صدته وخذلته إذا به يسلوها ~~ويعشق غيرها ويستميت في رضى حبيبته الجديدة، ثم تعاوده ذكرى حبه القديم فيبكي كالأطفال ~~ويتوجع على ما فاته، فهو محب للحسان مستعد لأن يضحي لأجلهن ما عز وهان، أحب ~~الوليد سعدة بنت سعيد بن خالد فتزوجها، ثم علق بأختها سلمى فطلق سعدة وطلب سلمى إلى ~~أبيها فرده خائبا، ولم يحظ بها إلا بعد اعتلائه عرش الخلافة، وكان دوما يتألم ~~لانفصاله عن سعدة ويتحرق على فراقه لها، قال الأغاني: كان الوليد متزوجا سعدة بنت سعيد بن ~~خالد، فمرض سعيد وجاءه الوليد عائدا، فدخل فلمح سلمى بنت سعيد أخت زوجته وسترها حواضنها ~~وأختها، فقامت فبرعتهن طولا فوقعت ms196 بقلب الوليد، فلما مات أبوه طلق زوجته وخطب سلمى ~~إلى أبيها فلم يزوجه سعيد ورده أقبح رد، وهويها الوليد ورام السلو عنها فلم يسل، ~~ويقال إنه لما طلق سعدة ندم على ذلك وغمه، وكان لها من قلبه محل، ولم تحصل له سلمى ~~فاهتم لذلك وجزع وراسل سعدة، وقد كانت زوجت غيره فلم ينتفع بذلك، وله من رسالة ~~لها: # أسعدة هل إليك لنا سبيل؟ # وهل حتى القيامة من تلاق؟ # فأجابته: # أتبكي على لبنى وأنت تركتها # فقد ذهبت لبنى فما أنت صانع ~~... وخرج الوليد بن يزيد ... لعله يراها، فلقيه زيات معه حمار عليه زيت فقال له: هل لك أن ~~تأخذ فرسي هذا وتعطيني حمارك هذا بما عليه وتأخذ ثيابي وتعطيني ثيابك، ففعل الزيات ذلك، ~~وجاء الوليد وعليه الثياب وبين يديه الحمار يسوقه متنكرا حتى دخل قصر سعيد فنادى من ~~يشتري الزيت، فاطلع بعض الجواري فرأينه فدخلن إلى سلمى وقلن: إن بالباب زياتا ~~أشبه الناس بالوليد فاخرجي فانظري إليه، فخرجت ورأته ورآها فرجعت القهقرى وقالت: ~~هو والله الفاسق الوليد، فقلن: لا حاجة بنا إلى زيتك فانصرف، وقال: # إنني أبصرت شيخا # حسن الوجه مليح # ولباسي ثوب شيخ # من عباء ومسوح # وأبيع الزيت بيعا # خاسرا غير ربيح # وقال أيضا: # فما مسك يعل بزنجبيل # ولا عسل بألبان اللقاح # بأشهى من مجاجة ريق سلمى # ولا ما في الزقاق من القراح # ولا والله لا أنسى حياتي # وثاق الباب دوني واطراحي # 45 ~~(د) مجالس أنس الوليد # أفرط الوليد الثاني في لهوه وانهمك انهماكا زائدا في تهيئة أسباب الأنس والحبور، ~~فأحيا الليالي الطوال وهو غارق بين الكأس والطاس لا هم له إلا التمتع بملاذ الحياة ~~الدنيا. # وكان يدعو إلى مجالس سمره رفاقه وخاصته، ويسرف إسرافا عظيما في سبيل إرضائهم ~~واكتساب مودتهم، فجلب الوصائف والوصيفات ليقفوا بين أيديهم، وكانوا من أجمل الحور ~~والولدان. # روى حماد الرواية يصف مجلسا من مجالس أنس الوليد قال: دعاني الوليد يوما من الأيام ~~في السحر والقمر طالع، وعنده جماعة من ندمائه وقد اصطبح فقال: أنشدني في ms197 النسيب فأنشدته ~~أشعارا كثيرة، فلم يهش لشيء منها حتى أنشدته قول عدي بن زيد: # أصبح القوم قهوة # في الأباريق تحتذى # من كميت مدامة # حبذا تلك حبذا # فطرب ثم رفع رأسه إلى خادم - وكان قائما كأنه الشمس - فأومأ إليه فكشف سترا خلف ~~ظهره، فطلع أربعون وصيفا ووصيفة كأنهم اللؤلؤ المنثور في أيديهم الأباريق والمناديل ~~فقال: اسقوهم وأنا في خلال ذلك أنشده الشعر، فما زال يشرب ويسقى إلى طلوع الفجر، ثم ~~لم نخرج عن حضرته حتى حملنا الفراشون في البسط فألقونا في دار الضيافة، فما ~~أفقنا حتى طلعت الشمس. # 46 ~~(ه) الوليد يفسد اليمانية عليه # وجعل أنداد الوليد الثاني وخصومه السياسيون ينالون منه ويذمونه ويذكرون فضائحه ~~وتماديه في الفجور، وينشرون أقواله التي تنم عن إلحاده وزندقته؛ حتى ثقل أمره على ~~رعيته وأصبحت دمشق تهوى إعدامه، وكان من أكبر أعدائه آل الوليد بن عبد الملك وولد ~~هشام بن عبد الملك لأنه أساء إليهم وضربهم وسجنهم وشهرهم، وذلك لمنافستهم له ~~ومؤامرتهم التي كانوا يدبرونها ضده، ونعتقد أن الوليد ارتكب غلطا فادحا في إفساده ~~اليمانية عليه وهم عظم جند أهل الشام، فقال في ذمهم ومدح بني نزار القيسيين: # ونحن المالكون الناس قسرا # نسومهم المذلة والنكالا # ونوردهم حياض الخسف ذلا # وما نألوهم إلا خبالا # شددنا ملكنا ببني نزار # وقومنا بهم من كان مالا # 47 ~~(4-3) يزيد الثالث يتغلب عليه ويعرف بالناقص # قام على رأس اليمانية وغيرهم من المعارضين يزيد بن الوليد بن عبد الملك (يزيد الثالث)، ~~وأظهر النسك والتواضع والزهد في الحياة، وقال بوجوب الإصلاح في دواوين الحكومة، ووعد ~~بالعدل ونادى بالسلام والنهوض باقتصاديات البلاد، فحاصروا الوليد الثاني في قصره وقتلوه ~~ثم احتزوا رأسه ونصبوه على رمح وطافوا به في دمشق، وكان ذلك سنة 125ه/742م، ولا يغرب عن ~~بالنا أن الوليد كان قد زاد أهل الشام في أعطياتهم وأجرى على فقرائهم الرزق وأخرج لعيالاتهم ~~الكسوة، ومع ذلك فقد ناصروا الأحزاب المعارضة له ليتخلصوا من الفوضى التي سادت في ~~البلاد. # وأعلن يزيد الثالث منهج سياسته حينما اعتلى ms198 عرش الخلافة وأخذ يبرر الوسائل التي ~~اتخذها في قتله للوليد بن يزيد بن عبد الملك، قال من خطبة العرش: أيها الناس ... والله ما ~~خرجت أشرا ولا بطرا ولا حرصا على الدنيا ولا رغبة في الملك، وما بي إطراء نفسي وإني ~~لظلوم لها، ولقد خسرت إن لم يرحمني ربي، ولكني خرجت غضبا لله ودينه، وداعيا إلى الله وسنة ~~نبيه، لما هدمت معالم الهدى، وأطفئ نور التقوى، وظهر الجبار العنيد المستحل لكل ~~حرمة والراكب لكل بدعة، مع أنه والله ما كان يؤمن بيوم الحساب، ولا يصدق بالثواب والعقاب، ~~وإنه لابن عمي في النسب، وكفئي في الحسب، فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمره، وسألته أن لا ~~يكلني إلى نفسي، ودعوت إلى ذلك من أجابني من أهل ولايتي، حتى أراح الله منه العباد، ~~وطهر منه البلاد، بحول الله وقوته، لا بحولي وقوتي. # أيها الناس إن لكم علي أن لا أضع حجرا على حجر، ولا لبنة على لبنة، ولا أكري نهرا ولا ~~أكنز مالا، ولا أعطيه زوجا ولا ولدا ، ولا أنقل مالا من بلد إلى بلد حتى أسد فقر ~~ذلك البلد وخصاصة أهله بما يغنيهم، فإن فضل فضل نقلته إلى البلد الذي يليه ممن هو أحوج ~~إليه منه. # وإني لا أجمركم - الحبس - في ثغوركم فأفتنكم وأفتن أهاليكم، ولا أغلق بابي دونكم فيأكل ~~قويكم ضعيفكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم ما أجلبهم به عن بلادهم وأقطع نسلهم، ولكن عندي ~~أعطياتكم في كل سنة، وأرزاقكم في كل شهر، حتى تستدر المعيشة بين المسلمين فيكون أقصاهم ~~كأدناهم، فإذا أنا وفيت لكم فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة والمكاتفة، وإن أنا لم ~~أوف لكم فلكم أن تخلعوني، إلا أن تستتيبوني فإن أنا تبت قبلتم مني، وإن عرفتم أحدا ~~يقوم مقامي ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيتكم فأردتم أن تبايعوه فأنا أول من ~~بايعه ودخل في طاعته، أيها الناس لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. # 48 # لم يكد يزيد الثالث أو الناقص # 49 # يستلم زمام الأحكام حتى ms199 عاجلته المنية فقضى وأحوال الدولة مرتبكة والفتن مشتعلة ~~في حمص وفلسطين، والظاهر أن أهل حمص قاموا يثأرون للوليد بن يزيد، وأهل فلسطين أخذوا يشجعون ~~آل سليمان بن عبد الملك على القيام بطلب الخلافة. ~~(4-4) مروان الثاني يتغلب على الفوضى # كانت الضغينة تأكل قلوب المضرية بني نزار وهم أحزاب الوليد الثاني كما قدمنا، ~~فاتحدوا وصمموا على خلع إبراهيم بن الوليد أخي الخليفة يزيد الثالث - وكان قد بايعه قبل ~~وفاته. والحقيقة أن الدمشقيين لم يعترفوا به، فكانت فئة منهم تسلم عليه بالخلافة وفئة أخرى ~~تسلم عليه بالإمارة، أما الحزب المضري فلم يبايعه، بل بايع مروان بن محمد الملقب ~~بالحمار لصبره وجلده في الحروب، فخلعه وسار نحو دمشق وقتل إبراهيم، وهكذا فقد لعبت العصبية ~~دورا مهما في تاريخ بني أمية، وكان من نتائجها سقوطهم تحت سيوف العباسيين. # وأما مروان فأراد أن يتخلص من الفوضى فلم يتمكن؛ لأن أعداءه الفرس والشيعة كان قد انبسط ~~نفوذهم واتسع سلطانهم، فلم يقدر على الثبات أمامهم. # وبقتله أفل نجم بني أمية في الشام كما أسهبنا. ~~(انتهي ) # الخلفاء الأمويون. # معاوية بن أبي سفيان (الأول) # 41 # 661 # يزيد بن معاوية (الأول) # 61 # 680 # معاوية بن يزيد (الثاني) # 64 # 683 # مروان بن الحكم # 65 # 684 # عبد الملك بن مروان # 66 # 685 # الوليد بن عبد الملك (الأول) # 86-87 # 705 # سليمان بن عبد الملك # 97 # 715 # عمر بن عبد العزيز # 99 # 717 # يزيد بن عبد الملك (الثاني) # 102 # 720 # هشام بن عبد الملك # 106 # 724 # الوليد بن يزيد (الثاني) # 126 # 743 # يزيد بن الوليد (الثالث) # 127 # 744 # إبراهيم بن الوليد # 127 # 744 # مروان بن محمد # 127 # 744 # الدولة الأموية في الشام # 133 # 750 # جدول الخلفاء الأمويين # شكل : # The Caliphtae Rise, Decline and Fall By Sr ~~Wm Muler Edinburgh 1915 p s18 ~~. # | المصادر التاريخية التي اعتمدنا عليها # (1) # الطبري: تاريخ الرسل والملوك لناشره # M J De Goeje ~~، # S II V I. ~~، # S II V II. ~~، # S IJ V III # ليدن 3-1881. ~~(2) # القلقشندي: صبح الأعشى، تأليف ms200 الشيخ أحمد أبي العباس القلقشندي، المطبعة الأميرية ~~بالقاهرة، 1332ه/1914م. ~~(3) # مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع. # Edited by: J. g. Z. Juyn Boll. # Jomus Zrimus. Z. J. Brill. ~~(4) # معجم البلدان: تأليف الإمام شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي ~~البغدادي. # Jerdin and Wusten feld. Leipzig, 1869. ~~(5) # عيون الأنباء في طبقات الأطباء: تأليف الطبيب موفق الدين أبي العباس أحمد بن القاسم بن ~~خليفة بن يونس السعدي الخزرجي المعروف بابن أبي أصيبعة، نقله من النسخ الموجودة في بعض خزائن ~~الكتب وصححه العبد الفقير امرؤ القيس الطحان، الطبعة الأولى، المطبعة الوهبية، ~~1299ه/1882م. ~~(6) # أخبار العلماء بأخبار الحكماء، للوزير جمال الدين أبي الحسن علي ابن القاضي الأشرف يوسف ~~القفطي المتوفى سنة 646ه، مطبعة السعادة مصر سنة 1326ه، الطبعة الأولى. ~~(7) # طبقات الشعراء، تأليف محمد بن سلام الجمحمي، مطبعة بريل في مدينة ليدن، سنة 1913، لناشره: # Joseph Hell ~~. ~~(8) # محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، للراغب الأصبهاني، مطبعة الهلال مصر سنة ~~1902م، هذبه واختصره: إبراهيم زيدان. ~~(9) # الفصل في الملل والأهواء والنحل، للإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري المتوفى سنة ~~456ه، المطبعة الأدبية سنة 1317ه الطبعة الأولى، مصر. ~~(10) # الملل والنحل، للإمام أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني المتوفى سنة 548، (على ~~هامش الملل والنحل). ~~(11) # الأغاني، للإمام أبي الفرج الأصفهاني، مصر، مطبعة التقدم. ~~(12) # المشتبه في أسماء الرجال، تأليف الشيخ الإمام الحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد ~~بن عثمان الذهبي، مدينة ليدن سنة 1863م، لناشره # Dr. J. De ~~Gong ~~. ~~(13) # التاريخ الكبير، للحافظ الكبير ثقة الدين أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد ~~الله بن الحسين بن عساكر، مطبعة روضة الشام لصاحبها قارصلي خالد. اعتنى بترتيبه وتصحيحه الشيخ ~~عبد القادر بدران، دمشق سنة 1329ه. ~~(14) # كتاب الولاة وكتاب القضاء، تأليف أبي عمر محمد بن يوسف الكندي المصري، مهذب ومصحح بقلم # Rhuxon Guest ~~، مطبعة الآباء اليسوعيين، بيروت سنة ~~1908م. ~~(15) # العقد الفريد، لأبي عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه القرطبي الأندلسي المتوفى سنة 328ه، ~~المطبعة ms201 الجمالية مصر، الطبعة الأولى سنة 1331ه/1913م. ~~(16) # وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تأليف القاضي أحمد الشهير بابن خلكان، طبع ~~مصر. ~~(17) # مختصر الدول، للعلامة غريغوريس أبي الفرج بن أهرون الطبيب الملطي المعروف بابن العبري، ~~وقف على طبعه الأب أنطون صالحاني اليسوعي، المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين في بيروت ~~1890م. ~~(18) # طبقات الأمم، للقاضي أبي القاسم صاعد بن أحمد بن صاعد الأندلسي المتوفى سنة 462ه، نشره ~~وذيله بالحواشي وأردفه بالروايات والفهارس الأب لويس شيخو اليسوعي، المطبعة الكاثوليكية ~~للآباء اليسوعيين، بيروت سنة 1912م. ~~(19) # سيرة عمر بن عبد العزيز، تصنيف الحافظ جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي القرشي ~~البغدادي، نسخه وصححه ووقف على طبعه محب الدين الخطيب، مطبعة المؤيد، مصر 1331ه. ~~(20) # الأمالي في لغة العرب، تأليف أبي علي إسماعيل بن القاسم القالي البغدادي، المطبعة الكبرى ~~الأميرية ببولاق مصر، الطبعة الأولى، سنة 1324ه. ~~(21) # أمالي السيد المرتضى، للشريف أبي القاسم علي بن الطاهر أبي أحمد الحسيني المتوفى سنة ~~436ه، في التفسير والحديث والأدب، مطبعة السعادة بمصر، الطبعة الأولى، سنة 1325ه وسنة ~~1907م. ~~(22) # كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي ~~السلطان الأكبر، للعلامة عبد الرحمن بن خلدون المغربي. ~~(23) # الشعر والشعراء، تأليف أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري المتوفى سنة 276ه، ~~صححه وعلق حواشيه السيد محمد بدر الدين أبو فراس النعساني الحلبي مصر، الطبعة الأولى سنة ~~1322ه. ~~(24) # تاريخ الكامل، للعلامة أبي الحسن علي بن أبي الكرم ... المعروف بابن الأثير الجزري الملقب ~~بعز الدين، المطبعة الأزهرية المصرية، مصر، الطبعة الأولى سنة 1301ه. ~~(25) # كتاب الإمامة والسياسة، تأليف أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة المتوفى سنة 270ه، مصر، ~~مطبعة النيل سنة 1322ه، وسنة 1904م. ~~(26) # مختصر كتاب البلدان، تأليف أبي بكر أحمد بن محمد الهمداني المعروف بابن الفقيه، ليدن، ~~مطبعة بريل سنة 1302ه، و1885م. # Edidit H. J. De goeje ~~. ~~(27) # أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، جمع الشيخ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي ~~بكر البناء الشامي المقدسي المعروف ms202 بالبشاري، الطبعة الثانية، ليدن، بريل سنة 1906. # Desoriptis Imperii Moslemier. # Edidit M. J. De Goeje. ~~(28) # كتاب المسالك والممالك، عن ابن خرداذبه ليدن سنة 1306. # Edidit M. J. De Goeje. P. J. Brill, 1899. ~~(29) # كتاب الخراج وصنعة الكتابة، لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، بريل ليدن ~~1899. ~~(30) # كتاب الأمالي، إملاء الحجة أبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي النحوي البغدادي ~~المتوفى سنة 337ه، الطبعة الأولى سنة 1324، مصر، مطبعة السعادة. ~~(31) # البيان والتبيين، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، المتوفى بالبصرة سنة 255. وقف على طبعه ~~محب الدين الخطيب المحرر بجريدة المؤيد، مطبعة الفتوح الأدبية، مصر سنة 1332ه. ~~(32) # المحاسن والأضداد، تأليف أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، مطبعة السعادة مصر، الطبعة الأولى ~~سنة 1324ه. ~~(33) # التنبيه والإشراف، لأبي الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي ليدن، مطبعة بريل سنة ~~1893. ~~(34) # كتاب الأخبار الطوال، لأبي حنيفة أحمد بن داود الدينوري. # جمعها واعتنى بترتيبها وطبعها وتعليق مقدمتها أغناطيوس كراتشقوفسكي المعلم بالمدرسة ~~الكلية الإمبراطورية في بطرسبرج، مطبعة بريل، ليدن سنة 1912. # Zgree Kratehkorsky. ~~(35) # فتوح البلدان، لأحمد يحيي بن جابر البغدادي الشهير بالبلاذري، مطبعة الموسوعات مصر 1319، ~~سنة 1901م، الطبعة الأولى. ~~(36) # كتاب الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية، تأليف محمد بن علي طباطبا المعروف ~~بابن الطقطقي، مطبعة المعارف، مصر، سنة 1923. ~~(37) # الدولة الأموية في قرطبة، للمؤلف، المطبعة العصرية بغداد، 1926. ~~(38) # معاوية بن أبي سفيان، مطبعة طيارة، بيروت سنة 1924، للمؤلف. ms203