######OpenITI# #META# URI: 1357CumarIskandari.TarikhMisrMinFathCuthmani.Hindawi60390836 #META# Tags: history #META# ID: 60390836 #META# Title: تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قُبيل الوقت الحاضر #META# AuthorID: 15830979 :: 60304038 #META# Author: عمر الإسكندري :: سليم حسن #META# EditorID: 37026274 #META# Editor: أ. ج. سفدج #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الباب الأول: عهد الدولة العثمانية‏ # 1 - الفتح العثماني لمصر‏ # 2 - نبذة في تاريخ الدولة العثمانية‏ # 3 - حكم العثمانيين في مصر‏ # ملخص بأهم الحوادث التاريخية الواردة في الباب الأول‏ # الباب الثاني: تاريخ مصر من الحملة الفرنسية إلى انتهاء عهد محمد علي‏ # 1 - الحملة الفرنسية على مصر‏ # 2 - محمد علي باشا‏ # 3 - الطريق البري بين الهند وأوروبا‏ # ملخص لأهم الحوادث التاريخية في الباب الثاني‏ # الباب الثالث: تاريخ مصر بعد عهد محمد علي باشا‏ # 1 - عباس باشا الأول وسعيد باشا‏ # 2 - قناة السويس‏ # 3 - إسماعيل باشا‏ # 4 - المسألة المالية وانتهاء حكم إسماعيل باشا‏ # 5 - أوائل حكم توفيق باشا‏ # 6 - الحوادث العرابية‏ # 7 - عهد الاحتلال البريطاني‏ # ملخص لأهم الحوادث في الباب الثالث‏ # الباب الأول: عهد الدولة العثمانية‏ # 1 - الفتح العثماني لمصر‏ # 2 - نبذة في تاريخ الدولة العثمانية‏ # 3 - حكم العثمانيين في مصر‏ # ملخص بأهم الحوادث التاريخية الواردة في الباب الأول‏ # الباب الثاني: تاريخ مصر من الحملة الفرنسية إلى انتهاء عهد محمد علي‏ # 1 - الحملة الفرنسية على مصر‏ # 2 - محمد علي باشا‏ # 3 - الطريق البري بين الهند وأوروبا‏ # ملخص لأهم الحوادث التاريخية في الباب الثاني‏ # الباب الثالث: تاريخ مصر بعد عهد محمد علي باشا‏ # 1 - عباس باشا الأول وسعيد باشا‏ # 2 - قناة السويس‏ # 3 - إسماعيل باشا‏ # 4 - المسألة المالية وانتهاء حكم إسماعيل باشا‏ # 5 - أوائل حكم توفيق باشا‏ # 6 - الحوادث العرابية‏ # 7 - عهد الاحتلال البريطاني‏ # ملخص لأهم الحوادث في الباب الثالث‏ # | تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قبيل الوقت الحاضر # تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قبيل الوقت الحاضر # تأليف # عمر الإسكندري وسليم حسن # مراجعة # أ. ج. سفدج # محمد علي باشا رأس الأسرة المحمدية العلوية (عن صورة بدار الكتب ~~السلطانية). # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي يقص الحق من أنباء ما قد سبق، والصلاة والسلام على محمد أفضل من صدق ~~فيما نطق، وعلى آله ضياء الغسق، ونظام النسق، وبعد؛ فهذا الكتاب يعتبر كجزء ثان لأول، ~~هو «تاريخ مصر إلى الفتح العثماني»؛ غير أن السابق ms001 - لتطاول عصوره وتعدد أجياله - كان ~~مجمل العبارة لطيف الإشارة، وهذا اللاحق - لتقارب العهد بحوادثه، وتعاظم العبرة ~~بوقائعها - صار مسهب القول في جملة أغراضه عامة، وفي حوادث مصر الهامة خاصة. # وهو باتباعه هذه الخطة يطابق منهاج دراسة التاريخ لتلاميذ السنة الثانية من المدارس ~~الثانوية المصرية، ملما بوقائع يحتمها المقام ويوجب سردها المنهاج إجمالا وإن لم ~~يصرح بها تفصيلا، كما أنه بمزاياه المعهودة النظير في صنوه يفسح الرجاء لأن يقبل عليه ~~غير التلاميذ من القراء. # وقد استقى هذا الكتاب من أوثق كتب التاريخ المعتبرة عربية وفرنجية، أهمها: تاريخ ابن ~~إياس، تاريخ القرماني، تاريخ الإسحاقي، دولة المماليك للأستاذ السير وليم ميور، تاريخ ~~تركيا للأستاذ استانلي لينبول، تاريخ أوروبا «مجموعة رفنجتون»، الترك العثمانيون تأليف ~~كريسي، اضمحلال الدولة الإغريقية واستيلاء الترك على القسطنطينية تأليف إدون پيرز، ~~دائرة المعارف البريطانية، القاهرة وبيت المقدس ودمشق للأستاذ مرجوليوث، دليل دار ~~الآثار العربية، تحفة الناظرين للشيخ الشرقاوي، حقائق الأخبار عن دول البحار لصاحب ~~السعادة إسماعيل باشا سرهنك، قصة القاهرة للأستاذ استانلي لينبول، مصر في القرن ~~التاسع عشر تأليف كمرون، نابليون في مصر تأليف الحاج براون، الانقلاب المصري تأليف ~~پيتن، تاريخ الجبرتي، البحر الزاخر لمحمود باشا فهمي، مذكرات عن محمد علي تأليف مري، ~~محمد علي ومصر تأليف سنت جون، خطط علي باشا مبارك، بعض كتابات ألسن فلب، «الخديوية» ~~تأليف ديسي، «مصر» تأليف البارون دي ملزتي، مصر والخديوي تأليف إدون ديليون، تكوين ~~التاريخ الأوروبي تأليف هلند روز، دليل دار الآثار المصرية، مصر الحديثة للورد كرومر، ~~الاقتصاد السياسي للطلبة المصريين تأليف الأستاذ طد، تاريخ القناطر الخيرية تأليف ~~الماجور براون، تكوين مصر الحديثة للسير أوكلند كلفن، إنجلترا في مصر تأليف ملنر، ~~تقارير معتمدي بريطانيا العظمى في مصر. # هذا، وإن عظيم الشكران وجزيل الثناء لمن كان لهم آثار مساعدة في تجميل رونق هذا ~~الكتاب بالصور البديعة، وأجدرهم بالذكر حضرة البارع الدقيق علي أفندي يوسف الموظف ~~بتنظيم القاهرة. # وفي نية المؤلفين إعداد كتاب في جزءين في تاريخ أوروبا الحديثة وآثار حضارتها، وفي ~~الرجاء أن ينتهي ms002 الجزء الأول منهما قريبا إن شاء الله تعالى. # وحرر بالقاهرة في 8 ذي القعدة سنة 1334 الموافق 6 سبتمبر سنة 1916. # الباب الأول # عهد الدولة العثمانية # الفصل الأول # الفتح العثماني لمصر # كانت الدولة العثمانية منذ استتب سلطانها بآسيا الصغرى على تصادق ومصافاة ~~لدولة المماليك الجراكسة المصرية، تدور بين سلاطينهما رسائل الوداد وعقود ~~المهادنة. وابتدأ ذلك من عصر السلطان الظاهر برقوق المصري ومعاصره السلطان يلدرم ~~«بايزيد» العثماني. # وبقيت هذه الحال مرعية إلى زمن السلطان «بايزيد الثاني» ابن محمد الفاتح؛ إذ نازعه ~~أخوه الأمير «جم» في الملك، فقاتله بايزيد وهزم جيوشه، وفر جم إلى الأشرف قايتباي ~~سلطان مصر ملتجئا فأجاره، وطلب بايزيد تسليمه إليه، فلم يجبه قايتباي، فحقد عليه. ~~وانضم ذلك إلى النزاع القائم بينهما على إمارة أبناء ذي الغادر # 1 ~~- التي كانت في حماية مصر، ثم تدخلت الدولة العثمانية في شئونها وادعت ~~حمايتها - وإلى ما بلغ بايزيد من أن قايتباي أخذ من رسول ملك الهند هدايا كان أرسلها ~~إلى السلطان بايزيد؛ فاتخذ بايزيد من كل ذلك ذريعة إلى إعلان الحرب على الدولة المصرية، ~~فجهز جيشا عظيما توغل في البلاد الشامية إلى قرب حلب؛ حيث التقى به جيش للمصريين؛ ~~فكانت الهزيمة على العثمانيين، فأتبعه بجيش آخر كانت عاقبته كسابقه. وزحف الجيش المصري ~~على البلاد العثمانية فالتقى بجيش جرار عثماني، فكانت الحرب بينهما سجالا مدة انتهت ~~بالصلح والمصافاة، إلا أنها صارت سببا لتجسيم التنافس والتزاحم بين الدولتين على ~~الاستئثار بالعظمة وبسط النفوذ والزعامة على الممالك الإسلامية. # من أجل ذلك لم يدم هذا الصلح طويلا؛ إذ أخذ العثمانيون من جهة يحرضون القبائل ~~والإمارات التابعة لمصر على التخلص من سيادتها، ويضعون العراقيل في سبيل تجارتها مع ~~غربي آسيا وأواسطها؛ مما جعل ورود الصوف ومنسوجاته وأنواع الفراء الفاخرة والمماليك ~~الجراكسة إلى البلاد المصرية نادرا جدا، بل ممتنعا في أواخر أيام الغوري، وكان أشدها ~~على المصريين امتناع ورود الرقيق من المماليك؛ إذ هم مادة الجيش ورجال الحكومة. ومن جهة ~~أخرى أخذ سلاطين مصر يجيرون كل من التجأ إليهم ms003 من أبناء السلاطين العثمانيين والأمراء ~~الفارين من وجه الدولة العثمانية، ثم استرسلوا في الأمر وهبوا يوادون من عادى ~~العثمانيين من سلاطين الدول المجاورة لهم، مثل «أوزون حسن» سلطان العراق، ثم بعده الشاه ~~إسماعيل الصفوي «المؤسس الثاني لدولة إيران الحالية» وغيرهما، ولم تزد هذه الموادة على ~~أكثر من تبادل المراسلات، مع أن الشاه حاول جعلها محالفة دفاع وهجوم فلم يفلح لبعد ما ~~بين الأمتين في المذاهب؛ وذلك من أغلاط الغوري. واستطار شرر هذه الإحن والأحقاد بسماح ~~الغوري بأن يمر بطريق الشام الوفد الذي أرسله الشاه إسماعيل إلى مملكة البندقية ليعرض ~~عليها أن يتحدا معا على محاربة العثمانيين، وبإجارة السلطان الغوري للأمير قاسم ابن ~~أخي السلطان سليم الأول العثماني، وإجارة الشاه إسماعيل للأمير مراد أخي قاسم، وكان ~~السلطان سليم أراد قتلهما، فطلبهما منهما فلم يجيباه؛ فكان ذلك - إلى خوفه من استفحال ~~دولة الفرس الجديدة أو تحول المودة القليلة بين مصر وفارس إلى حلف سياسي وتناصر حربي - ~~سببا لإعلان سليم الحرب على الفرس أولا ثم على مصر ثانيا. # ولما زحف السلطان سليم على بلاد الشاه إسماعيل وهزمه هزيمة منكرة أراد أن يكتسح جميع ~~بلاده ويقضي على البقية من دولته، فوجد الشاه أتلف كل ما خلفه في مدنه وقلاعه من ~~المئونة والذخائر، وانتظر سليم ورود غيرها من بلاده، فعلم أن قبائل التركمان وإمارة ~~الغادرية التابعة لمصر قد أغارت على قوافله ومنعت وصولها إليه؛ فقلت الأقوات في معسكره ~~واضطرب الجيش، فحرمه ذلك ثمرة انتصاره. # هذه كل المساعدة التي قامت بها مصر للشاه، مع أنها لو سيرت جيشا يقطع خط الرجعة على ~~العثمانيين لكان التاريخ على غير ما هو عليه. فاضطر سليم إلى الرجوع إلى بلاده منتقما ~~في طريقه من إمارة الغادرية؛ فقتل أميرها علاء الدين وضم بلاده إلى ملكه، وولى غيره من ~~أبناء أسرته الغادرية، واحتج الغوري على ذلك، فقابل سليم احتجاجه بإرسال رأس علاء الدين ~~إليه؛ وحينئذ علم الغوري أن الحرب واقعة لا محالة؛ فاستعد لملاقاته بتجهيز جيش عزم على ~~أن يقوده بنفسه، ولكن ms004 بعد فوات الفرصة؛ فإن الشاه إسماعيل لم يعد في القوة التي كانت له ~~قبل؛ فقد هلكت أبطاله، وتشتت شمل رجاله، وخربت بلاده، فأمن السلطان سليم غائلته وتفرغ ~~لحرب مصر. ومع كل هذا كان من الممكن انتفاع الغوري بما بقي للشاه من القوة، ولكنه لم ~~يفعل أو لم يقنع الشاه بضرورة ذلك. # أراد الغوري أن يستجمع كل ما عنده من قوة العدد والعدة، وكانت موارد الثروة قد نضبت ~~بمصر لقطع البرتقال طريق التجارة الهندية عليها، فلم يكد يهم بجمع المماليك حتى تخاذلوا ~~وتعللوا عليه بقلة النفقة المصروفة لهم وما هم فيه من العسر. وكان الفساد قد دب في ~~أخلاقهم، وقلت وطنيتهم، وجرأهم على ذلك ميل الغوري إلى مماليكه الخاصة الذين جلبهم ~~لنفسه واتخذهم عدة له يتقوى بهم على المماليك القدماء إذا هموا به، وبعد تساهل من ~~الطرفين أمكن الغوري أثناء شتاء سنة (1515م/922ه) إعداد جيش يخرج به إلى حدود آسيا ~~الصغرى، فجمع في هذا الجيش - على قلته - أكثر من في مصر من رجال القوة الحربية والأدبية؛ ~~فخرج فيه الخليفة العباسي، وقضاة المذاهب الأربعة، ورؤساء مشايخ الطرق الصوفية، وكبار ~~العلماء والأعيان، ورؤساء المغنين والموسيقيين والمضحكين وأرباب الصناعات وغيرهم، وترك ~~بمصر حامية من المماليك تقدر بنحو ألفين، وأناب عنه الدوادار الكبير «طومان باي» ابن ~~أخيه، وبلغه أن الأسطول العثماني يقصد الإسكندرية؛ فعزز حاميتها، وحصن قلاعها بنحو ~~مائتي مدفع، وخرج من القاهرة بموكب عظيم تتقدمه الطبول والزمور وتدق أمامه الكئوس. خرج ~~بهذا الجيش في شدة حمارة الصيف على غير عادة الملوك في خروجهم؛ فقاسى الجنود الأهوال ~~والشدائد في اجتياز صحراء طور سيناء وأودية فلسطين، ودخل كل مدينة في الشام بموكب عظيم ~~وخاصة مدينة دمشق وحلب وحماة. # السلطان الغوري في حاشيته - وهو الجالس على يمين الباب - (رسم علي ~~أفندي يوسف، عن صورة بدار الآثار العربية). # وخرج السلطان سليم من القسطنطينية بجيش عظيم مدرب على الحرب، ذكر بعضهم أنه يبلغ 150 ~~ألف مقاتل مسلحين بكثير من المكاحل والمدافع والبندقيات، فلما صار على حدود الشام أراد ~~أن ms005 يكيد للمصريين بمكيدتين، نجح في إحداهما وأخفق في الأخرى؛ ففي الأولى تمكن من أن ~~يستميل إليه «خير بك» نائب حلب من قبل مصر و«جان بردي الغزالي» نائب حماة، ووعد الأول ~~بولاية مصر والآخر بولاية الشام، ومع أن نائب الشام وغيره أخبروا السلطان الغوري بخيانة ~~خير بك، لم يعبأ بكلامهم لما يرى من شدة تواضعه وإخلاصه. # وفي الثانية أراد أن يخدع الغوري بصرفه عن القتال وأخذه على غرة؛ فأرسل إليه أولا ~~أثناء بروزه من القاهرة بتوسط الخائن نائب حلب رسالة يعتذر فيها عما فرط منه في شأن ~~البلاد التابعة لمصر، ويعده بأن يعيدها إليه ويفتح طريق تجارة الرقيق والصوف والفراء، ~~وبالجملة يفعل كل ما يطلبه الغوري؛ وكاد الغوري وأمراء عسكره يخدعون بذلك لولا مراعاتهم ~~جانب الحيطة بالخروج إلى الشام. وأرسل إليه ثانية وهو بحلب رسلا عليهم أحد قواده وقاضي ~~«عسكر الروم إيلي» يصرفون الغوري عن قصده، ويؤكدون إخلاص سلطانهم له وشدة رغبته في ~~المهادنة والصلح، بشرط أن لا يتدخل الغوري بينه وبين الشاه إسماعيل الذي لم يقصد سليم ~~بخروجه غيره، والذي أفتى علماء القسطنطينية بجواز حربه وقتله لرفضه وخروجه عن شعائر أهل ~~الملة. فأكرمهم الغوري وسيرهم معززين إلى معسكر سليم، وأرسل إليه رسله صحبة أمير كبير ~~من المصريين يعرض عليه توسطه في الصلح بينه وبين الشاه؛ فغضب سليم وهم بقتل الرسول، ~~فشفع فيه فأطلقه مهانا مشعثا، وقال له قل لأستاذك: إن إسماعيل الصفوي خارجي وأنت ~~مثله، وسأبدأ بك قبله، وموعدنا «مرج دابق» - على بعد يوم شمالي حلب - فخرج الغوري في نحو ~~ثلاثين ألف مقاتل، وخلف أمواله وذخائره في قلعة حلب الحصينة في حامية لها. فلما كان ~~صبيحة يوم الأحد 25 رجب سنة 922ه - وهو اليوم الذي سقطت فيه الدولة المصرية من عالم الدول ~~المستقلة العظيمة - دهمه العثمانيون بجيش يربو على الجيش المصري بأضعاف، فعبأ الغوري ~~كتائبه. وكان من غلطاته الكبرى في خرجته هذه أنه آثر مماليكه الخواص - الذين اشتراهم ~~بماله - بكل كرامة ورعاية وإنعام، وقصر في استجلاب مودة المماليك القدماء من ms006 عتقى ~~السلاطين والأمراء، حتى شاع بينهم أن السلطان يريد أن يجعلهم أمام مماليكه الخواص ~~ليكونوا دريئة لهم من مدافع العثمانيين التي تفوق مدافع المصريين عظما وسرعة قذف وبعد ~~مرمى؛ ففسدت نيات بعضهم، وانضم ذلك إلى خيانة «خير بك» و«جان بردي الغزالي». # فلما التقى الجمعان حملت الميمنة والقلب حملة أزالوا بها العثمانيين من مواقفهم، ~~وقتلوا منهم بضعة آلاف، واستولوا على كثير من أعلامهم ومدافعهم، وكادت الغلبة تكون ~~للمصريين، وهم السلطان سليم بالهرب، لولا أن خير بك انهزم بكتيبته - وكان على الميسرة - ~~وتبعه جان بردي الغزالي؛ فاختل نظام الجيش المصري، واتفق أن وصل للعثمانيين في ذلك ~~الوقت مدد من المدفعية، وظهر كمين لهم أحاط بالجيش المصري، ورأى المماليك القدماء من ~~المصريين أن المماليك الخواص لا يقاتلون؛ ففترت هممهم ووهنت عزائمهم وتخاذلوا ولم ~~يصبروا على نيران المدافع العثمانية، فركنوا إلى الفرار، وبقي السلطان الغوري في جماعة ~~قليلة يناديهم ليعودوا فلم يلتفتوا إليه، ففلج لساعته، وسقط عن جواده. ولما شاع موته في ~~العسكر تفرقوا واستولى العثمانيون على معسكرهم وغنموا منه ما لا يحصى، ولم يوقف ~~للغوري على أثر، واستمرت الواقعة من طلوع الشمس إلى ما بعد الظهر. ولما رجع المنهزمون ~~إلى حلب انقلب عليهم أهلها واستولوا على ودائعهم عندهم وفتكوا بهم، فلاقوا منهم شرا ~~مما لاقوا من العثمانيين. وانتظر أهل حلب قدوم السلطان سليم فسلموه المدينة، واستولى ~~على قلعتها بدون قتال، وغنم منها ألوف الألوف من الأموال والذخائر، وخطب باسمه في مسجدها، ~~وانضم إليه خير بك وغيره من المماليك الخونة، وحلقوا لحاهم أو قصروها، وتزيوا بزي ~~العثمانيين، ثم ذهب السلطان سليم إلى دمشق فاستولى عليها، ودانت له جميع مدن الشام بلا ~~منازع، ومكث بها مدة ثلاثة أشهر يرتب نظامها، ويحكم أمورها. # أما بقية المنهزمين من المصريين فرجعوا إلى مصر في حالة يرثى لها، ورجع معهم جان بردي ~~الغزالي، وكأنه قصد برجوعه إلى مصر أن يفت في عضد المصريين، ويكون عونا وجاسوسا ~~للعثمانيين، وكانت أفعاله كلها في مصر ترمي إلى ذلك؛ لأنه خرج عقب دخوله ms007 مصر بحملة إلى ~~الشام لينقذ غزة من العثمانيين، ففرق عساكره في البلاد، ولم يلاق العثمانيين إلا بفئة ~~قليلة لم تلبث أن انهزمت، وكانت هزيمتهم سببا في فشل طومان باي - الذي خلفه الغوري ~~سلطانا على مصر - في تأليف جيش عظيم آخر يدافع عن القاهرة؛ فقد كابد في جمعه مشقات ~~عظيمة، وتخاذل المماليك واشترطوا عليه شروطا أشد مما اشترطوا على الغوري، وبقوا في ~~خلاف: هل يحاربون العثمانيين على حدود جزيرة الطور وهم منهوكو القوى من قطع الصحراء أو ~~في شمالي القاهرة، حتى دهمتهم جيوش العثمانيين وصارت على مقربة من القاهرة؛ فخرج طومان ~~باي في جيش مختلط من جميع أجناس المحاربين، وأسرع في حفر الخنادق ونصب المدافع في ظاهر ~~الريدانية - صحراء العباسية وعين شمس إلى بركة الحج - وكان يظن أن الجيش العثماني ~~يقابله وجها لوجه فيها، فكان غير ما ظن؛ إذ لم يكد الجيشان يتلاقيان يوم 29 ذي الحجة ~~سنة 922ه حتى افترق الجيش العثماني لكثرته إلى ثلاث فرق: فرقة كانت وجهتها المصريين ~~بالريدانية، وفرقة سارت تحت الجبل الأحمر والمقطم وأحاطت بهم من اليمين إلى الخلف، ~~وفرقة سارت إلى جهة بولاق وأحاطت بهم من الشمال. # وصبر المماليك ساعة قتل فيها عدد عظيم ~~من العثمانيين وقوادهم، منهم سنان باشا أكبر القواد والوزراء للسلطان سليم، ولم يدم ذلك ~~إلا ريثما تمت حركة الالتفاف، وعندها وجهت المدافع والبنادق على المصريين من كل صوب، ~~ولم يكن لهم نظيرها، فلم يسعهم إلا الفرار، وصبر طومان وجماعة صبر الأبطال، ولكنهم ~~اضطروا أخيرا إلى الفرار إلى الجيزة، وسار العثمانيون إلى القاهرة فدخلوها فرقا ونزل ~~السلطان سليم بمعسكره الخاص على ساحل بولاق والجزيرة الوسطى # 2 # ولم يدخل المدينة، وبقي كذلك إلى يوم الثلاثاء رابع المحرم سنة 923ه، فلما ~~كانت ليلة الأربعاء خامس الشهر لم يشعر السلطان سليم بعد صلاة العشاء إلا وقد هجم عليه ~~في معسكره السلطان طومان باي بمن التف حوله من المماليك؛ فاختل نظام المعسكر واختلط ~~الحابل بالنابل، وساعد المماليك كثير من العامة والغوغاء ونوتية بولاق، فما بزغ الفجر ms008 ~~حتى قتل من العثمانيين خلق كثير، ثم جاءت فرقة أخرى مددا للمماليك بقيادة الدوادار ~~الأمير علان من جهة الناصرية، وحمي وطيس القتال بين الفريقين من بولاق إلى الناصرية، ~~وملك المماليك أكثر المدينة بعد أن قتلوا الألوف في شوارعها وحاراتها من العثمانيين ~~المتفرقين، ثم جمع العثمانيون شملهم وطردوا المماليك من حي بولاق إلى قناطر السباع ~~- السيدة زينب - حتى تحصنوا - المماليك - بحي الصليبة وحفروا الخنادق حولهم من جميع ~~الجهات. وخطب يوم الجمعة للسلطان طومان باي على منبر جامع شيخون وغيره، واستمر القتال ~~كذلك أربعة أيام بلياليها من ليلة الأربعاء إلى صبيحة يوم السبت 8 المحرم، فحاصر ~~العثمانيون حي الصليبة من كل جهاته، واشتد الأمر على المماليك؛ فتخاذلوا وتسللوا عن ~~السلطان طومان باي، فبقي يقاتل في نفر من المقدمين الأمراء وبعض العبيد، حتى إذا لم ~~يبق للدفاع فائدة فر إلى بركة الحبش - بين الساحل القبلي بمصر القديمة وبين معادي ~~الخبيري - وعدى من ساحل طرة إلى ضفة النيل الغربية بالجيزة، واستولى العثمانيون على ~~المدينة مرة أخرى، وطلع السلطان سليم إلى القلعة بعد ذلك بعشرة أيام، واستحوذ على ما ~~فيها من الأموال والذخائر، وبقي بالقلعة نحو شهر شاع في خلاله أن طومان باي صار في عسكر ~~عظيم ممن تراجع إليه من المماليك والتف حوله من عرب الصعيد، وأنه قادم إلى القاهرة. # وبعد أيام جاءت رسل من عند طومان باي إلى السلطان يعرضون عليه الصلح بأن تكون مصر تحت ~~سيادة العثمانيين في الخطبة والسكة والخراج، وأن يكون طومان باي نائبا عن سلطان ~~العثمانيين في مصر؛ فقبل ذلك السلطان سليم، وأرسل إليه وفدا من قضاة مصر وأعيانها وبعض ~~المقدمين، فلما وصلوا إلى السلطان طومان باي بجهة البهنسا ثار المماليك بطومان باي ولم ~~يرضوا بالصلح وقتلوا بعض رجال الوفد، فلم يسع طومان باي إلا مجاراتهم مكرها، وتقدم إلى ~~بلاد الجيزة لينازل العثمانيين في موقعة فاصلة، فاجتاز السلطان سليم إليه النيل بجيوشه. ~~والتقى الجيشان بقرب «وردان» يوم الخميس (10 ربيع الأول سنة 923ه/1517م)، فدارت الدائرة ~~أولا على العثمانيين وقتل ms009 منهم مقتلة عظيمة، إلا أن نيران المدافع والبندقيات ~~العثمانية مزقت جيش المصريين المختلط - الخالي يومئذ من أكثر المعدات الحربية - كل ممزق، ~~فكانت هذه الموقعة الخامسة هي ختام الوقائع الحربية التي دافع بها المماليك المصريون عن ~~بلادهم، ولم يقم لهم بعدها قائمة إلا ما كان من استبداد بعض سلائلهم بشأن مصر كما ~~سيأتي. # أما السلطان طومان باي، فإنه لما فر من وجه السلطان سليم ذهب إلى أحد رؤساء الأعراب ~~بالبحيرة المدعو «حسن بن مرعي» وكان له عليه أياد عظيمة، فاختفى عنده واستحلفه أن لا ~~يخونه، ولكنه نقض الحلف وكاشف السلطان سليما بأمره، فأرسل إليه عسكرا قبضوا عليه ~~منتكرا في زي الأعراب، وجاءوا به إلى السلطان سليم، فحين رآه قام له وعاتبه ببعض ~~الكلام وبقي معه في معسكره سبعة عشر يوما يحضر مجلسه ويسائله السلطان سليم عن شئون ~~مصر وإدارتها وسياسة أهلها وكيفية ريها وجباية خراجها وبقية أمورها؛ مما جعل طومان باي ~~يطمئن إليه ويظن من إقباله عليه أنه سيكون نائبا عنه في ملك مصر. # غير أن ذلك الأمر كان استدراجا من السلطان سليم؛ إذ بعدما وقف منه على كل ما أراد ~~أمر في يوم الاثنين (21 ربيع الأول سنة 923ه/1517م) بأن يعودوا بطومان باي إلى القاهرة، ~~فدخلوا به وهو بزي الأعراب من جهة شارع أمير الجيوش إلى البرقوقية، حتى إذا صار تحت باب ~~زويلة أنزلوه عن فرسه، وكان لا يدري ماذا يصنع به، فلما رأى الحبال مدلاة من حلقة ~~الباب على أنه مشنوق، فتشهد وقرأ الفاتحة وسأل الناس أن يقرءوا له الفاتحة، وشنق بين ~~ضجيح الناس عليه بالبكاء، وبقي مصلوبا ثلاثة أيام، ثم أنزل ودفن خلف مدرسة الغوري ~~- جامع الغوري - وكان له من العمر نحو 44 سنة، ولم يشنق ممن حكم مصر - من الخلفاء ~~والسلاطين - سلطان غيره. # أما السلطان «سليم»، فإنه أقام بمصر نحو ثمانية أشهر؛ فكان معسكره أول الفتح ببولاق ~~والجزيرة الوسطى، ثم أقام بالقلعة نحو شهر، ثم بمدينة الجيزة وإمبابة قريبا من شهر، ثم ~~أقام بجزيرة الروضة والمقياس مدة، ms010 ثم توجه بجنده إلى مدينة الإسكندرية، فكانت مدة ~~غيابه وإيابه 15 يوما، ثم رجع وأقام بجزيرة الروضة وبني له بها بجانب المقياس في طرف ~~الجزيرة الجنوبي جوسق من الخشب أقام به بقية المدة إلا زمنا يسيرا أقامه ببيت الأشرف ~~قايتباي المطل على بركة الفيل. # السلطان سليم فاتح مصر (رسم علي أفندي يوسف). # وفي أثناء إقامته بمصر سن لها بعض أنظمة إدارية، ونقل إلى القسطنطينية أكثر ما في ~~القلعة ومنازل الأمراء والسلاطين والمساجد والزوايا والأربطة من النفائس والذخائر ~~والكتب حتى أعمدة الرخام ومركباته. # ونفى من مصر إلى القسطنطينية كل أبناء السلاطين وأكثر المقدمين والأمراء والخليفة ~~العباسي بعدما تنازل له عن الخلافة وأكثر العلماء والقضاة وكل من له نفوذ وإمرة بمصر. # ثم أمر بجمع رؤساء الصناعات المشهورين بإجادة العمل فيها من كل الطوائف؛ فجمعوا منهم ~~نحو ألف صانع ونقلوهم إلى الأستانة ليذيعوا الصناعات الدقيقة فيها، فرجع بعضهم إلى مصر ~~بعد عهده وبقي آخرون. قيل إنه بطل في مصر بذلك نحو 50 صناعة؛ فكان كل ذلك سببا في ~~تأخر مصر في الصناعات. # أما ولاية مصر فاختار لها السلطان سليم أثناء إقامته أكبر وزرائه «يونس باشا» واليا ~~عليها، ثم رجع عن ذلك قبيل سفره من مصر وولى عليها ملك الأمراء «خير بك»، وولى على الشام ~~«جان بردي الغزالي». # وباستيلاء السلطان سليم على مصر صارت البلاد جزءا من الدولة العثمانية. # ويجدر بنا قبل الكلام على حكم العثمانيين في مصر أن نذكر شيئا عن منشئهم ونهوضهم، ~~وأهم الحوادث في تاريخهم أيام حكمهم في مصر، حتى نكون على علم بأهم الأحوال التي أحاطت ~~بمصر في ذلك العهد. # وهي إحدى الدول التركمانية التي أسست على أنقاض دول التتار ورأسها قراجا بن ~~ذي الغادر، وقد استولت على أكثر أرمينية وكردستان وديار بكر، وخضعت أخيرا ~~للمصريين؛ فكان لا يتولى أمير منها إلا بإذن صاحب مصر. # ثم إن أحد أمرائها التجأ إلى العثمانيين مستنصرا فنصروه وولوه الإمارة ~~افتياتا على المصريين، بل أمدوه بما انتصر به على ولاة مصر؛ فكان ذلك سببا ms011 ~~للنزاع بين الدولتين المصرية والعثمانية. # هي الجزيرة التي أمام قصر النيل. # الفصل الثاني # نبذة في تاريخ الدولة العثمانية ~~(1) منشأ العثمانيين ونهوضهم # العثمانيون جيل من الأجيال التركية المتشعبة من الجنس المغولي المعتبر من أعظم ~~الأجناس البشرية عددا، وأصل منشئه «بلاد منغولية»، ومنها انتشر غربا وشمالا ~~وتشعبت منه في آسيا أمم وقبائل استقلت بنفسها وصار لبعضها ملك كبير: مثل أمة ~~«الهون» المفتتحة شرقي أوروبا يقودها زعيمها «أتيلا»، ومثل دولة الأتراك السلاجقة # 1 # المستبدة بملك العباسيين، ومنهم الدولة المعروفة بسلطنة الروم ~~السلجوقية، وقد سبق ذكرها في الكلام على الحروب الصليبية. # 2 # وفي أوائل القرن السابع الهجري - الثالث عشر المسيحي - قامت للمغول دولة وثنية قوية ~~بقيادة زعيمهم العظيم «جنكيزخان» ثم حفيده «هولاكو»، فاكتسحت ممالك آسيا الوسطى ~~والغربية، وقوضت عرش الخلافة العباسية، وأتت من فظائع التقتيل والتخريب ما لا ~~ينساه التاريخ، وكانت القبائل التركية الإسلامية تفر من وجوههم مؤثرين الهجرة على ~~الخضوع لجورهم. ومن هذه القبائل قبيلة صغيرة تدعى «الأغوز»، خرجت من ديارها في ~~أواسط آسيا وغربت حتى وصلت إلى آسيا الصغرى التي بقي جزء منها وقتئذ في حوزة ~~السلاجقة؛ تلك هي القبيلة التي نشأت منها الدولة العثمانية. # وبينما تتجول هذه القبيلة في آسيا الصغرى يرأسها كبيرها «أرطغرل» إذ وجدت جيشين ~~يقتتلان، أحدهما من المغول والآخر من السلجوقيين؛ فانضمت إلى الجيش الذي كاد ينهزم، ~~وهو السلجوقي، فانتصر بها على المغول وطردهم من بلاده، فرأى السلطان السلجوقي «علاء ~~الدين» وجوب مكافأة «أرطغرل» على معونته له، فأقطعه قطعة من الأرض قرب مدينة ~~«بروسة» على تخوم أملاك الدولة الرومانية الشرقية تسمى «إسكي شهر» - سلطانوني - ~~فكانت مهد الدولة العثمانية، وفيها ولد «عثمان» بن «أرطغرل» الذي تنسب الدولة إليه. # ولد عثمان سنة (656ه/1258م) فنشأ مولعا بالحرب مظفرا فيها، فانتزع في صباه من ~~دولة الروم الشرقية مدينة «قره حصار» وغيرها، فمنحه سلطان «قونية» لقب «بك» ورقاه ~~إلى مرتبة الأمراء. # وفي سنة (699ه/1300م) قضى المغول على البقية الباقية من الدولة السلجوقية، ولكنهم ~~لم يستطيعوا أن يحكموا تلك البلاد بأنفسهم، فاستقلت فيها عشر ms012 إمارات تركية؛ إحداها ~~إمارة «عثمان» الذي اعتبر من ذلك الحين المؤسس للدولة العثمانية وأول حاكم مستقل ~~فيها، أما باقي الإمارات التركية فاندمجت في هذه الإمارة على توالي الأيام، وسموا ~~أنفسهم عثمانيين أيضا. # وأخذ عثمان ينظم أملاكه ويوسع نطاقها في الجهة الغربية؛ فاستولى على كثير من ~~أملاك الدولة الرومانية الشرقية. وقبل وفاته فتح ابنه «أرخان» مدينة «بروسة» بعد ~~حصار طويل، فصارت بعد حاضرة للدولة. # وفي سنة (726ه/1326م) خلف عثمان ابنه «أرخان» (726-761ه/1326-1359م)، فواصل ~~الحرب على الدولة الرومانية الشرقية، فافتتح منها «نيقوميدية» و«نيقية» - أزنيق - ~~وكثيرا من البلاد الآسيوية التي كانت لم تزل في حوزتها. ثم جنح «أرخان» إلى السلم، ~~فقضى نحو 20 عاما بلا طعن ولا نزال، عني فيها بتثبيت دعائم ملكه في البلاد التي ~~فتحها، وإصلاح الحكومة وتنظيم الجيش. وقد كان لعمله الأخير أكبر أثر في اتساع رقعة ~~المملكة وتأييد مجدها؛ وذلك بفضل إنشاء طائفة «الإنكشارية» - العسكر الجديد - التي ~~كونها وعني بتدريبها حتى صارت أهم فرقة في الجيش. # ومنشأ هذه الطائفة أن الدولة كانت تأخذ كل عام نحو ألف صبي من أبناء النصارى ~~الذين قتل آباؤهم في الحرب، وتلقنهم الدين الإسلامي، وتربيتهم تربية عسكرية منظمة، ~~منطبقة على أدق القواعد الحربية التي امتاز بها الترك في ذلك الزمان، حتى صارت هذه ~~الطائفة لا مثيل لها في القوة والإقدام والمرانة على الحرب، وكان يفتح أمامهم طريق ~~الرقي إلى أكبر المناصب في الدولة؛ فعد ذلك أكبر مشجع لهم على الطاعة وخوض غمار ~~الحروب، وبقي هذا النظام متبعا نحو ثلاثة قرون. غير أنه تسوهل فيه أخريات هذه ~~المدة؛ فكانت الجنود الجدد تجمع من الأسرات التركية، ومن أبناء الإنكشارية أنفسهم. ~~ولما طال عليهم الأمد استأثروا بالسلطة وأساءوا استعمالها، وأصبحوا منبع الشغب ~~والقلاقل في الدولة، فقضى عليهم السلطان محمود الثاني أوائل القرن التاسع عشر سنة ~~(1241ه/1826م). # بعض ضباط الإنكشارية (رسم علي أفندي يوسف). # ولما أتم «أرخان» تنظيم الجيش وإصلاح الشئون الداخلية عاد إلى العمل على توسيع ~~نطاق أملاكه، فأغار على الشاطئ الأوروبي، واستولى فيه على مدينة «غليبولي» ms013 وغيرها ~~من المدن شمالي مضيق الدردنيل (758ه/1357م)؛ فكان ذلك مبدأ الفتوح العثمانية في ~~أوروبا، التي أخذت من وقتئذ تزداد وتعظم ويقفو بعضها بعضا. # ولما تولى الملك «مراد الأول» ابن أرخان (761-792ه/1359-1389م) هم بمواصلة تلك ~~الفتوح؛ فأخضع معظم بلاد «الروملي» - الروم إيلي - واستولى فيها على «أدرنة» - التي ~~أصبحت عاصمة جديدة للدولة - و«فلبو بوليس » - فلبة - وغيرهما من المدن العظيمة، ~~فضاق بذلك نطاق أملاك الدولة الشرقية وهال هذا الفوز الكبير أمراء أوروبا؛ فعزموا ~~على رد الترك إلى بلادهم في آسيا، فخرج لذلك الوجه ملوك «البوسنة» - البشناق - ~~و«المجر» و«الصرب» بجيش عظيم ساروا به إلى «أدرنة»، فهزمهم الترك شر هزيمة سنة ~~(765ه/1363م) ثم قفوا على أثر ذلك بإخضاع «بلغاريا»، وضمها إلى أملاكهم سنة ~~(791ه/1388م) فعاود الفزع إمارات أوروبا الشرقية، وتحالفوا على قهر مراد، فسار إلى الصرب ~~ليردهم، فالتقى بهم في واقعة «قوصوة» الشهيرة سنة (792ه/1389م)، فاصطلم جيوشهم ~~اصطلاما، إلا أنه قتل على أثر الموقعة؛ طعنه صربي ثار به من بين القتلى، وكانت ~~نتيجة تلك الواقعة أن دخلت «الصرب» أيضا في حوزة الدولة العثمانية. # ولم تكن غزوات مراد قاصرة على أوروبا، بل كان سيل جيوشه يتدفق على آسيا؛ فاستولى ~~في أوائل حكمه على مدينة «أنقرة»، وواصل بعد فتوحه فيها، فاندرجت أربع من الإمارات ~~العشر التي قامت على أنقاض دولة السلاجقة في سلك الأملاك العثمانية. # ثم خلفه ابنه «بايزيد الأول» (792-805ه/1389-1402م)، فلم يقل عن أبيه مهارة ~~وإقداما؛ فأخضع باقي الإمارات التركية في آسيا، ووطد أركان دولته في أوروبا، وزاد ~~عليها كثيرا من مدن الروملي، التي كانت لم تزل بعد في يد المسيحيين. # من أجل ذلك عم الهول والفزع معظم الأوروبيين، من كثرة فتوح العثمانيين وسرعة ~~تقدمهم في أوروبا، وقامت بها ضجة دينية للحض على غزاتهم؛ فقام البابا يدعو الناس ~~باسم الدين إلى مقابلتهم، وخرج لذلك جيش أوروبي عظيم بقيادة «سجسمند» ملك ~~المجر، ضم بين كتائبه كثيرا من فرسان فرنسا وألمانيا، وكان بايزيد إذ ذاك غائبا ~~في آسيا؛ ففاز الأوروبيون في بادئ الأمر، واستردوا من الترك كثيرا من ms014 المدن، ثم ~~شرعوا في حصار مدينة «نيقوبوليس»، وهي من أمنع المدن على نهر «الطونة»، فلما علم ~~بايزيد بذلك أسرع للقائهم، فهزمهم هزيمة تعد من أنكر الهزائم التي دونها التاريخ؛ ~~بحيث لم ينج من جيوشهم إلا النزر اليسير، سنة (799ه/1396م). # وشرع بايزيد بعد واقعة نيقوبوليس هذه في غزو بلاد اليونان؛ فأخضع منها «تساليا» ~~و«أبيروس»، وكان على وشك التأهب لفتح القسطنطينية، التي طالما تاقت نفسه ونفس ~~الفاتحين من المسلمين لغزوها، لولا أن داهمته غارة التتار على أملاكه الآسيوية ~~بقيادة الجبار الشهير «تيمورلنك»، فخرج بايزيد لصده، وتقابل الجيشان في «أنقرة» ~~سنة (805ه/1402م)، فكانت الهزيمة على العثمانيين، وأخذ بايزيد أسيرا، # 3 # فبقي في أسره حتى مات كمدا بعد ذلك بثمانية أشهر. # وقد كادت هذه الهزيمة تكون قاضية على العثمانيين لولا أن هلك «تيمورلنك» وتشتت ~~شمل دولته إثر وفاته، وكان لبايزيد أربعة أولاد، بقوا عشر سنين يقتتلون من أجل ~~العرش. # ثم انتهى الأمر بتغلب أحدهم «محمد الأول» (816-824ه/1413-1421م)، فكان من خيرة ~~سلاطين آل عثمان؛ لم شعث الدولة بعد أن مزقها «تيمورلنك»، وكبح جماح الإمارات التي ~~كانت أخذت تتمرد على الدولة لما رأته من انهزامها الشنيع، وأصلح ما أفسدته الفتن ~~التي حدثت بينه وبين إخوته قبل خلوص الملك له. ولم يمض عليه ثمانية أعوام حتى ~~استرجع للدولة كل ما كان لها قبل واقعة أنقرة؛ فكان ذلك من أمجد ما وعاه التاريخ ~~للدولة العثمانية. # ومات السلطان «محمد الأول» سنة (824ه/1421م) في الثالثة والثلاثين من عمره، فخلفه ~~«مراد الثاني» (824-855ه/1421-1451م)، فعمل على مواصلة الفتوح التي وقفتها غارة ~~تيمورلنك، وكان إمبراطور دولة الروم الشرقية قد مالأ أحد المطالبين بالملك من ~~أبناء مراد؛ فقابل ذلك مراد بمحاصرة القسطنطينية، وقد كاد يفتحها لولا أنه اضطر إلى ~~فض الحصار عنها لإخماد ثورة أثارها عليه في آسيا أحد إخوته. # ثم قامت بأوروبا نهضة جديدة لإخراج العثمانيين من هذه القارة؛ فخرج لذلك جيش ~~جرار، جمعت كتائبه من ممالك أوروبية عديدة، يقوده «هونياد» القائد المجري العظيم، ~~الذي لم ير الترك قبل ذلك أحدا من المسيحيين ms015 في بأسه وبطشه؛ فاكتسح الجيش كل ~~شيء أمامه حتى اجتاز البلقان، فاضطر السلطان مراد إلى عقد مهادنة مع المسيحيين ~~لمدة عشر سنوات، على أن يتنازل عن الصرب ويعطي «بلاد الأفلاق» للمجر - معاهدة ~~إزجدن سنة 848ه/1444م. # هونياد المجري (عدو الترك العنيد). # ثم رأى مراد أن يستريح من عناء الملك، فتنازل عن العرش لابنه «محمد الثاني» - وكان ~~حديث السن - وأقام بآسيا يطلب الراحة، فلما رأى المسيحيون ذلك طمعوا في الدولة، ~~فنقضوا عهدهم، وزحفت جيوشهم بقيادة «هونياد» على الأراضي العثمانية، واستولت على ~~كثير من حصون بلغاريا، فلما علم مراد بذلك رجع إلى الملك وسار بجيش إليهم، وكانوا ~~قد استولوا على «ورنة»، فالتقى بهم خارج المدينة في معركة فاصلة، انتهت بانهزام ~~المسيحيين هزيمة شنيعة، وقتل فيها بعض ملوكهم وأمرائهم (سنة 848ه/نوفمبر سنة 1444م)، ~~وكان العثمانيون أثناء الموقعة يحملون في جملة أعلامهم لواء معلقة عليه صورة من المعاهدة، ~~تذكرة للأعداء بغدرهم ونقضهم للعهود والمواثيق، ثم أتم مراد إخضاع البوسنة والصرب، ومات ~~عام (855ه/1451م)؛ فترك لابنه محمد الثاني ملكا واسعا ثابت الأركان. # تولى «محمد الثاني» الشهير بمحمد الفاتح (855-886ه/1451-1481م) وهو في الحادية ~~والعشرين من عمره، فبادر بالتأهب لفتح القسطنطينية، وأعد لذلك المعدات العظيمة، وفي ~~سنة (857ه/1453م) تم له فتحها بعد أن أعيا كثيرا من ملوك المسلمين قبله؛ فقضى بذلك ~~على دولة الروم الشرقية القضاء الأخير، ويعد فتح القسطنطينية من أهم الحوادث ~~التاريخية، كما يعتبر عام فتحها (857ه/1453م) مبدأ التاريخ الحديث. ~~(2) اضمحلال الدولة البوزنطية # 4 # وسقوط القسطنطينية في يد العثمانيين # ذكرنا في كتاب «تاريخ مصر إلى الفتح العثماني» أن قسطنطين الأكبر نقل عاصمة ~~الدولة الرومانية إلى مدينة «بوزنطة» على شواطئ البوسفور سنة 330م، وأنها سميت ~~من ذلك الحين بالقسطنطينية منسوبة إليه، وفي سنة 395م تم تقسيم الدولة إلى قسمين: ~~الدولة الغربية، وعاصمتها رومية، والدولة الشرقية، وعاصمتها القسطنطينية. # فلم تعمر الدولة الغربية طويلا لكثرة غارات الأمم المتبربرة عليها؛ إذ استولى ~~عليها القوط سنة 476م. # أما الدولة الشرقية فلبثت نحو 1000 سنة تمكنت فيها - بفضل مناعة موقعها - من رد ms016 غارات ~~الأمم المتبربرة الأوروبية من القوط والسلاف وغيرهم، كما صدت غارات الفرس والعرب عن ~~حاضرتها نفسها، وعن معظم أوروبا، ولكنها لم تستطع الدفاع عن أكثر أملاكها خارج ~~أوروبا؛ فقد رأينا كيف نزع العرب من يدها شرقي آسيا الصغرى وسورية وفلسطين ومصر ~~وبرقة وإفريقية وجزائر البحر الأبيض الشرقية. # أنهكت كل هذه المكافحات قوى الدولة وفتت في عضدها، إلى أن دخلت عليها عوامل فناء ~~أخرى شديدة كان فيها القضاء على البقية الباقية منها. وهذه العوامل الجديدة ترجع ~~إلى ثلاثة حوادث عظيمة، وهي: ~~(1) # غارة الصليبيين على القسطنطينية في إحدى حروبهم الصليبية التي ~~شنوها على المسلمين، وتأسيسهم دولة لاتينية بها استمرت نحو 60 عاما ~~(600-660ه/1204-1261م). ~~(2) # مهاجمة الترك لأملاكها من كل جانب. ~~(3) # انتشار الوباء العظيم المعروف بالموت ~~الأسود. # أما غارة الصليبيين على القسطنطينية فبيانها أن حملة صليبية كبيرة خرجت من غربي ~~أوروبا سنة (600ه/1204م) للإغارة على مصر - قلب الدولة الإسلامية في ذلك الحين - ومرت ~~الحملة في طريقها على القسطنطينية، فطمعت في ثروتها العظيمة وأملاكها الشاسعة، ورأى ~~رجالها من ضعف الدولة الرومانية ما شجعهم على ذلك؛ فنسوا غرضهم الأصلي، واستولوا ~~على القسطنطينية، وأسسوا بها دولة تعرف بالدولة اللاتينية نسبة إلى لغتهم، وبقوا ~~بها نحو ستين عاما خربوا فيها كثيرا من البلاد، ونهبوا معظم نفائسها القديمة، ~~ونقلوها إلى بلادهم، ولم يحدثوا في البلاد أي إصلاح أثناء إقامتهم بها، لجهلهم نظام ~~الملك وإدارة شئون حكومة منتظمة مشيدة على أساس مكين مثل حكومة الدولة الرومانية، ~~وكانت البلاد في أيامهم - لاختلافهم في الرأي وتنافسهم فيما بينهم - ميدانا للفتن ~~والقلاقل الدائمة، أما إمبراطور الروم فإنه انحاز إلى آسيا الصغرى، وجعل مقر ملكه ~~في «نيقية» التي ما زالت حاضرة للروم حتى انتهزوا فرصة ضعف الصليبيين في سنة ~~(660ه/1261م) واستردوا القسطنطيينة، وأعادوا إليها مقر ملكهم. # على أن الدولة لم تتخلص من كل ما لحقها من أذى هذه الحادثة، فإن تشتت شملها أثناء ~~حكم اللاتين كان قد ذهب برجالها الملمين بالقوانين وأنظمة الحكومة؛ فلاقت صعوبة ~~كبيرة في تشييد ما هدمه الصليبيون من جديد. وإن ms017 انتشار الفتن في البلاد هذه المدة ~~حمل الكثيرين على المهاجرة من الأرض فباتت خرابا بلاقع بعد أن كانت من أخصب بقاع ~~الدنيا، واضطر أيضا أصحاب المتاجر التي كانت تمر بين الشرق والغرب عن طريق البسفور ~~إلى تحويل متاجرهم إلى جهات أخرى أكثر مأمنا وأقل اضطرابا. # ثم لما رجع مقر الدولة إلى القسطنطينية، وحاول قياصرتها إصلاح ما فسد منها، وجدوا ~~من المنازعات الدينية والاضطرابات الداخلية بين أهل الدولة أكبر عقبة في تحقيق ~~أمنيتهم؛ فإنهم لما علموا أن الصليبيين عازمون على إعادة الكرة عليهم لجئوا إلى ~~التودد إلى «البابا» ليدفعهم عنهم، فوعدهم هذا بمد يد المساعدة في ذلك، وفي رد ~~غارات الترك عن دولتهم إذا عملوا هم على توحيد الكنيستين: الشرقية بالقسطنطينية، ~~والغربية برومية، واعتراف الأولى للبابا بالسيادة؛ فجد القياصرة في ذلك ما استطاعوا ~~وعزلوا من خالفهم فيه من البطارقة؛ فكان ذلك سببا في ظهور أحزاب متضادة، بعضها ~~يؤيد البطريق، وبعضها يعاضد الإمبراطور. وما زال الأمر كذلك حتى تم توحيد الكنيستين ~~في سنة (843ه/1439م) عقب انعقاد مجلس ملي بإيطاليا دعا البابا إليه القيصر وممثلي ~~بطريقية الأستانة؛ فثار غضب أهل القسطنطينية لذلك، ولما رآه بعضهم بنفسه عند انعقاد ~~المجلس من قلة نفوذ البابا بين دول أوروبا الغربية وعدم مقدرته على مساعدة دولتهم ~~بشيء، وازداد حنقهم عند إعلان توحيد الكنيستين. ومن ذلك العهد استفحل خطب الفتن ~~الدينية. # على أن الفتن الداخلية في الدولة لم تكن قاصرة على الأمور الدينية، بل كان عرش ~~الملك نفسه منشأ فتن مستمرة منذ عاد مقر الدولة إلى القسطنطينية؛ فإن أول إمبراطور ~~انتزع هذه العاصمة من اللاتين - وهو ميخائيل الثامن - كان نفسه مغتصبا للملك؛ اغتصبه ~~من طفل كان وصيا عليه، فأشعل الشرارة الأولى من نار المنازعة في شأن العرش، وبقيت ~~هذه النار مستعرة حتى آخر أيام الدولة. # وقد كان لغارة اللاتين على القسطنطينية ضرر آخر لا يقل عن جميع ما تقدم؛ وذلك أن ~~الشعوب القاطنة في البلقان بعد أن كانت خاضعة للدولة، وملتئما بعضها ببعض - لعظم ~~سلطانها وشدة بأسها - وجدت ms018 من ضعف الدولة اللاتينية باعثا على استقلال كل منها ~~بنفسها دون مراعاة لما يعود عليها من النفع من اتحادها. ثم استطار الشر بينها وصار ~~بعضها يستعين بالأتراك وغيرهم على اقتناص ما تصل إليه يده من أملاك الدولة؛ وبذلك ~~كثرت غارات البلغار والصرب والمجر والتتار على أملاكها، حتى صارت من أكبر العوامل ~~على فنائها. # وأما ثاني الأمور الأساسية التي أدت إلى سقوط الدولة الرومانية الشرقية، فهو ~~مهاجمة الترك لها من كل جانب بلا انقطاع، مقتلين الكثير من سكان تلك الجهات، ~~ومشردين الباقين أمامهم إلى الفلوات والأطراف القاصية؛ مما خرب البلاد وذهب بغالب ~~أهليها. # وزاد هذا النقص وباء عظيم انتشر في أوروبا نحو قرن من الزمان حتى أفنى ألوف ~~الألوف من أهلها؛ ذلك هو الوباء الهائل المعروف في التاريخ ب «الموت الأسود». ظهر في ~~شرقي أوروبا عام (747ه/1347م)، ثم اطرد إلى باقي أنحاء القارة، فكان أنى انتقل ~~يفتك بالناس فتكا ذريعا، حتى زادت نسبة من ماتوا به في بعض الممالك على النصف، # 5 # وقد وجد هذا الوباء منبتا خصبا له في مدن الدولة الرومانية الغاصة ~~بالسكان، والتي لم تلق من حكومتها المشتغلة بالفتن الدينية والقلاقل السياسية ~~العناية اللازمة لاتخاذ التدابير الصحية التي تكفي لمقاومته أو لنقص فتكه، حتى أصبح ~~عدد سكان البلاد لا يكفي لجمع الجيوش التي تقوم بالدفاع عن الدولة. # 6 ~~(3) الدولة العثمانية في أوج عظمتها (857-974ه/1453-1566م) # هكذا كانت حال الدولة الرومانية عندما جلس محمد الثاني على عرش آل عثمان، فعمل في ~~الحال على تحقيق أمنية بيته، وهي فتح القسطنطينية وجعلها مقرا له؛ فأعد لذلك ~~جيشا عظيما سار به لفتح المدينة في ربيع عام (857ه/1453م). # أما شكل المدينة فسهل التصور؛ إذ هي أشبه بمثلث متساوي الساقين محاط بالأسوار ~~من كل جانب، رأسه بارز شرقا في مياه البسفور، والضلع الشمالية يحدها الميناء ~~المسمى «القرن الذهبي»، والضلع الجنوبية يحدها بحر مرمرة، أما قاعدة هذا المثلث فهي ~~الأسوار الغربية التي تفصل المدينة عن باقي القارة الأوروبية. # فبدأ السلطان بمهاجمة الأسوار الغربية، وكانت تمتد من ms019 القرن الذهبي إلى بحر ~~مرمرة، ثم رأى على ضخامة مدافعه # 7 # أنه لا يستطيع التغلب عليها لمناعتها وعظم سمكها؛ فعول على مهاجمة ~~المدينة من أضعف جهاتها وهي الجهة المشرفة على القرن الذهبي، وكان الروم قد احتاطوا ~~لذلك، ومدوا سلسلة عظيمة على مدخل القرن الذهبي حتى لا تدخله سفن الأعداء لتهاجم ~~الأسوار من تلك الجهة، فلم يثن ذلك من عزم العثمانيين، واحتالوا على نقل سفنهم إلى ~~القرن الذهبي بطريقة صعبة لا تزال من أعجب ما حدث في التاريخ؛ وذلك أنهم مهدوا ~~طريقا بريا بين البسفور والقرن الذهبي يبلغ طوله نحو الفرسخين، ووضعوا عليه ~~عوارض ضخمة من الخشب تتدحرج عليها أسطوانات طويلة من الخشب أيضا «بكر»، وسيروا ~~فوقها 80 سفينة صغيرة من أسطولهم الذي كان بالبسفور؛ فجرت عليها السفن والريح تدفع ~~في شراعها كأنها تجري على الماء، حتى بلغت القرن الذهبي، فنزلت فيه بلا عناء، وكان ~~السلطان محمد أثناء نقل هذا الأسطول يضلل حامية المدينة بالإلحاح على ضربها ~~بالمدافع من باقي الجهات الأخرى؛ وعندئذ اشتركت السفن والجيش البري في ضرب الأسوار، ~~فلم تقو على احتمال هذه النيران. وحمل العثمانيون على المدينة حملة صادقة، فدخلوها ~~بعد قتال عنيف قتل فيه إمبراطور الروم «قسطنطين باليولوغوس»، وكان ذلك في أواخر ~~عام (857ه/1453م)، وبه سقطت دولة الروم الشرقية. # ودخل السلطان محمد عاصمته الجديدة في موكب حافل، وسار توا إلى كنيسة ~~«أياصوفيا»، فصلى فيها ظهر ذلك اليوم، وبقيت مسجدا إسلاميا إلى الآن. وهذا البناء ~~من أجمل آثار دولة الروم الشرقية، ومن أحسن النماذج لفن المباني البوزنطية. # استولى السلطان محمد الفاتح على عاصمة الروم وهو لا يتجاوز الثالثة والعشرين من ~~عمره، فلم تقف فتوحه عند ذلك، ولم يلبث أن تم له إخضاع معظم «المورة» و«الصرب» ~~و«البوسنة»، وأراد الإغارة على إيطاليا وألبانيا، فحال دونها وقوف «إسكندر بك الألباني» ~~و«هونياد المجري» في طريقه إليهما. # وذلك أن أولهما كان أول أمره في خدمة مراد الثاني، ثم نصبه واليا على ألبانيا ~~- موطنه الأصلي - فخرج على الدولة وأراد أن يستقل بألبانيا، وساعدته طبيعة ms020 تلك ~~البلاد الجبلية على صد الجند العثمانية سنة بعد أخرى، فلم يقم للسلطان إخضاع ~~ألبانيا إلا بعد عشرين عاما، أي بعد وفاة إسكندر بك في عام (871ه/1467م)، ولم يعش ~~محمد الثاني لتحقيق أمنيته في إيطاليا. # أما «هونياد» فإنه وقف للسلطان في «بلغراد» عام (860ه/1456م) عندما أراد الإغارة ~~على المجر وألبانيا، وهزمه هزيمة كبيرة اضطرته إلى الرجوع من تلك المدينة بعد أن ~~خسر من جيوشه نحو 25000 مقاتل، فانصرف عن تلك البلاد الشمالية. # جامع أياصوفيا. # على أن صد جيوشه في هذين الموضعين لم يمنعه من مواصلة فتوحه في الجهات الأخرى؛ ~~فاستولى في آسيا على «طربزون» - أطرابزندة - من بقية أملاك الروم، وأخضع ~~إمارة «القرمان» التركية إخضاعا نهائيا، وفي سنة (879ه/1475م) دانت له بلاد ~~«القرم» فبقيت خاضعة للدولة نحو ثلاثة قرون من الزمان. ثم كان عاقبة تغلبه على ~~ألبانيا أن أزال أكبر عقبة في سبيل توسيع أملاكه من الغرب؛ فتوغل في أملاك ~~البندقية توغلا فزع منه البنادقة، ولم يسعهم إلا أن عقدوا معه محالفة لتسلم لهم ~~مدينتهم، سنة (882ه/1477م). # محمد الفاتح (رسم علي أفندي يوسف). # أما إيطاليا فلم يبرح أمرها قط من ذهن محمد الثاني، وكان جل أمانيه فتحها ورفع ~~لواء الإسلام على رومية في الغرب، كما رفعه على القسطنطينية في الشرق. # ورأى أن يمهد الطريق لذلك بانتزاع جزيرة «رودس» من أيدي «فرسان القديس يوحنا»، ~~فسير عليهم أسطولا عظيما، وضيق الحصار على جزيرتهم ثلاثة أشهر، ولكنه لم يقو ~~عليهم، وفترت همة جنود الإنكشارية لما علموا أن السلطان منع استيلاءهم على شيء من ~~غنائم الجزيرة، فاضطر محمد إلى فض الحصار، وأبرم مع الفرسان صلحا عام ~~(885ه/1480م). # ثم عاد فوجه همه لفتح إيطاليا، فأرسل جيشا استولى على مدينة «أترنتو» سنة ~~(885ه/1480م). # وكان في العام التالي يشتغل بإعداد حملة عظيمة لإتمام فتح تلك البلاد، فمات ~~فجاءة عام (886ه/1481م)؛ وبموته انصرف العثمانيون عن هذه الجهة، وفي أيام خلفه ~~أخلى العثمانيون «أترانتو» ذاتها، ولم يحتلوا بعدها شيئا من الأراضي الإيطالية. # ثم خلفه ابنه «بايزيد الثاني» (886-918ه/1481-1512م)، فكان أضعف ms021 سلاطين آل ~~عثمان إلى ذلك الوقت، ولم يكد يجلس على العرش حتى خرج عليه أخوه الأصغر «جم» ~~مطالبا بالملك، وكان قوي البأس، فلاقى بايزيد صعوبة كبيرة في مكافحته، إلى أن ~~اضطره إلى الفرار إلى مصر. وكان بايزيد محبا للسلم، لا يدخل الحروب إلا مدافعا، ~~ولم يزد في أملاك الدولة إلا بضع مدن في مورة، وقد علمنا ما كان من أمره مع مماليك ~~مصر وانتصارهم على جيوشه في الشام. على أن قوة الأسطول عظمت في عهده، وصارت من ذلك ~~الحين موضع خطر على الممالك الأوروبية، فلم يلبث أن اشتبك مع أسطول البنادقة في ~~موقعة هائلة هي فاتحة الانتصارات البحرية العثمانية على ممالك البحر الأبيض، وكانت ~~جنود الإنكشارية لا يعجبهم انكماش بايزيد وضعفه، فالتفوا حول أصغر أولاده «سليم»، ~~وأرغموا بايزيد على التنازل عن العرش سنة (918ه/1512م). # فتولى السلطان «سليم الأول» (918-926ه/1512-1520م)؛ فكان من أعظم سلاطين ~~العثمانيين وأكثرهم انتصارا وفتحا، وكان مجيدا لقيادة الجيوش والسياسة، كثير ~~الاطلاع، ولوعا بالأدب، إلا أن شيئا يخالطه من القسوة والميل إلى سفك الدماء، وقد ~~قيل إنه قتل من أقاربه وعماله ما لم يقتله أحد قبله ولا بعده من ملوك آل عثمان. ~~ورأى السلطان سليم أن يقف فتوح الدولة في أوروبا فترة، وأن يستعيض عن ذلك بالاستيلاء ~~على شيء من ممالك الشرق النفيسة. # فبدأ بدولة فارس، وكان على عرشها حينئذ الشاه إسماعيل الصفوي، وكان قد ذاع صيته ~~بفتوحه في المشرق، وأصبح لا يبالي بنشر مذهب الشيعة - الذي يمقته العثمانيون - في ~~آسيا الصغرى، ويحرض أمراء تلك الجهة على الخروج على العثمانيين؛ فعزم السلطان سليم ~~على غزو فارس، وعجل ذلك إيواء الشاه إسماعيل لابن أخي سليم، الفار من وجهه. # ففي سنة (920ه/1514م) خرج السلطان سليم بجيش عظيم يريد غزو الفرس، مارا في ~~طريقه على «ديار بكر» و«كردستان»؛ فتراجع الفرس إلى داخل بلادهم وخربوا كل ما في ~~طريق الترك من المرافق كي تضمحل جيوشهم جوعا وتعبا، ولما التقى الفريقان في وادي ~~«جلديران» قرب «تبريز» كانت الجنود العثمانية في شدة التعب، إلا ms022 أن الفرس لم يقووا ~~على مقاومة قوة الإنكشارية والمدافع العثمانية، فانهزموا شر هزيمة؛ فدخل السلطان ~~سليم «تبريز» - حاضرة الفرس في ذلك الوقت - وأمر بإرسال ألف من أمهر صناعها إلى ~~القسطنطينية، ثم اضطر بعد أيام إلى الانصراف إلى بلاده، لتمرد جنود الإنكشارية ~~عليه. وكانت نتيجة تلك الحرب استيلاء العثمانيين على «ديار بكر» و«كردستان». # وبعد عامين (1922ه/1516م) خرج السلطان سليم لفتح مصر، ففتحها كما أوضحنا في غير ~~هذا المكان، وجنى بيت آل عثمان من فتح مصر فائدة لم يجنها من فتح غيرها من البلدان؛ ~~إذ إنه بتنازل الخليفة العباسي بمصر عن الخلافة للسلطان سليم الأول سنة (923ه/1517م) ~~صار له ولسلاطين آل عثمان من بعده زعامة على العالم الإسلامي لم تكن لهم من ~~قبل. وكان السلطان يتأهب بعد ذلك لفتح «رودس»، فمات قبل أن يتم عمله، بعد ثمانية ~~أعوام من حكمه. # فتولى ابنه السلطان «سليمان القانوني» (926-974ه/1520-1566م)، وهو أعظم سلاطين ~~آل عثمان، وعصره أزهر عصر في تاريخهم؛ إذ كانت للدولة في أيامه مكانة لم تحزها قبله ~~أو بعده؛ صادفت أيامه تلك النهضة العلمية العظيمة التي انتشرت في أنحاء أوروبا في ~~القرن السادس عشر من الميلاد المسيحي، وحدت بالغربيين إلى تلك الاستكشافات العلمية ~~والجغرافية - التي أسست عليها المدنية الحديثة، والتي كانت سائرة حينئذ بسرعة لم يسبق ~~لها مثيل - فلم يقتصر العثمانيون على السير بجانبهم في ذلك المضمار، بل فاقوهم فيه ~~في عدة أمور، ولا سيما الفنون الحربية. ولم يكن بين ملوك أوروبا في عصر سليمان من ~~يفوقه غزوا أو سياسة أو إدارة. # أما فتوح سليمان فلم تكن بأقل من فتوح سليم أو محمد الفاتح؛ إذ تم له في العامين ~~الأولين من حكمه ما استعصى عليهما قبله؛ ففي سنة (927ه/1521م) استولى على «بلغراد»، ~~وفي قابل فتح «رودس»، انتزعها من فرسان القديس يوحنا بعد حصار أظهر فيه من الكفاءة ~~والدراية بالعلوم الحربية ما عظم به شأن الدولة في أعين الأوروبيين. # على أن معظم غزوات سليمان كانت موجهة إلى الغرب للتغلب على النمسا والمجر، ولا ~~سيما الأخيرة ms023 التي طالما وقفت في وجه العثمانيين، ومنعتهم من الزحف في أوروبا إلى ما ~~وراء الصرب والبوسنة؛ ففي سنة (932ه/1526م) غزا بلاد المجر، فلما التقى بجيوشهم في ~~موقعة «موهاكر» الفاصلة لم يثبت جيش المجر أكثر من ساعة واحدة قتل فيها ملكهم «لويس ~~الثاني» وكثير من الأمراء، وفتح السلطان معظم المدن والقلاع التي بالأقاليم ~~الجنوبية، ثم ولى على البلاد ملكا من أهلها وهو «جان زابولي»، وغادرها ومعه أكثر من ~~مائة ألف أسير. # وبعد خروجه من البلاد أغار عليها «فردنند» ملك النمسا، واستولى على مدينة ~~«بودا»، وخلع الأمير الذي نصبه سليمان؛ فاستغاث الأمير بالسلطان، فخرج في جيش عظيم ~~مؤلف من 250000 مقاتل و300 مدفع، فاسترد «بودا» وأعاد «زابولي» إلى عرشه، ثم اتخذ ~~عمل «فردنند» ذريعة للإغارة على النمسا، فسار نحو «ويانا» - فينا - وكان فصل الشتاء ~~قد أقبل وكثر المطر، فاضطر العثمانيون لترك مدافعهم الضخمة بالمجر، فلما وصل سليمان ~~إلى «ويانة» ألقى عليها الحصار عشرين يوما سنة (935ه/1529م)، ثم وجد أن الجو وقلة ~~المدافع يحولان دون الاستيلاء على المدينة، فرجع عنها. وكان هذا أول نزال فشل فيه، ~~فلم ينسه طول حياته. # وبقيت الحرب إلى سنة (940ه/1533م)، فتم الصلح على تقسيم بلاد ~~المجر بين زابولي وفردنند. ولما مات الأول عام (946ه/1539م) أغار فردنند على البلاد ~~جميعها، فغزا السلطان سليمان بلاد المجر كرة أخرى، وكان هذه المرة يترك حامية في كل ~~مدينة يفتتحها، لجعلها من الأملاك العثمانية، ثم تم الصلح بين الفريقين؛ فاعترف ~~فردنند للسلطان بسيادته على المجر وترنسلوانيا، وتعهد أن يدفع له جزية سنوية. وربما ~~كان خذلانه أكبر لو لم يشغل سليمان عن تلك الجهات بحروبه مع فارس وغيرها من بلاد ~~المشرق. ومما فتحه السلطان في المشرق جزء كبير من أرمينية وأرض الجزيرة والعراق ~~وفيه مدينة بغداد العظيمة. # وفي عصر هذا السلطان تقدمت البحرية العثمانية تقدما عظيما حتى صارت تهابها ~~الأمم في جميع البحار، من البحر الأبيض فالبحر الأحمر، إلى المحيط الهندي. وظهر في ~~الدولة إذ ذاك من مهرة الملاحين وأمراء البحر من تفتخر بهم ms024 أعظم دولة بحرية، وفي ~~مقدمتهم «أسرة بربروس» الشهيرة، ورأسها «خير الدين بربروس» أكبر قواد أوروبا البحرية ~~في عصره. ولد في جزيرة «لسبوس»، ثم اتخذ هو وأخوه قطع طريق البحر مهنة لهما، ~~وكانت منتشرة وقتئذ في البحر الأبيض المتوسط، ثم عظم شأنه في هذه المهنة وصارت له ~~سطوة عظيمة، واستولى على كثير من ثغور شمالي إفريقية، إلى أن صار صاحب الكلمة ~~العليا في بلاد الجزائر؛ وعند ذلك قدم ولاءه للباب العالي، فنصبه السلطان سليم ~~الأول حاكما عاما للجزائر سنة (926ه/1519م)، وأجزل له العطاء، وأمده بألفي جندي ~~من الإنكشارية، وفي سنة (941ه/1533م) اختاره السلطان سليمان قائدا للأسطول ~~العثماني الذي سيره لمحاربة أساطيل «شارل الخامس » «شرلكان» ملك إسبانيا، وكانت ~~بقيادة أندريادوريا» الجنوي، فقهره «بربروس» وانقض على سواحل إيطاليا فسلب ونهب ~~منها شيئا كثيرا، ثم ولى وجهته شطر تونس يريد الاستيلاء عليها، وكان يحكمها وقتئذ ~~أحد ملوك الدولة الحفصية من بقايا الموحدين؛ فلجأ إلى شارل الخامس المذكور، فذهب ~~شارل بنفسه إلى إفريقية في جيش عظيم، فلم يقدر بربروس على مقاومته وانجلى عن ~~المدينة. ثم وقع خصام بين الدولة والبندقية لاعتداء بعض لصوص البحر من البنادقة على ~~سفير الدولة في وقت السلم؛ فخرج «بربروس» إلى البحر الأدرياتي للانتقام من ~~البندقية؛ فاستغاثت بالبابا وشارل الخامس، فساعداها بأسطوليهما، ولكن بربروس هزم ~~الأساطيل الثلاثة في موقعة «برويزة» سنة (945ه/1538م) وقد حط ذلك كثيرا من شأن ~~البنادقة. # وفي عام (948ه/1541م) أغار «شارلكان» على بلاد الجزائر، فصده بربروس، وساعده الحظ ~~بأن عصفت الرياح على سفن شارلكان فحطمتها، وبقي بربروس مصدر الرعب والفزع في البحر ~~الأبيض إلى أن أرسله سليمان القانوني عام (950ه/1543م) لمساعدة حليفه ملك فرنسا في ~~الإغارة على الأملاك الإسبانية، فاستولى بربروس على «نيس»، وبقي بفرنسا إلى أن خشي ~~بأسه الفرنسيون أنفسهم، وأجزلوا له العطايا والهدايا، حتى جلا عن بلادهم وذهب إلى ~~الأستانة حيث قضى بقية أيامه في هدوء متقلدا منصب قبودان باشا. # سليمان القانوني (رسم علي أفندي يوسف). # ومن أعظم أفراد هذا العصر أيضا «بيري ريس» و«سيدي علي»، ms025 وكانت لهما اليد ~~الطولى في بسط نفوذ الدولة على شواطئ بلاد العرب وفارس والهند. # ومنهم «بيالة باشا»، فإنه حارب القائد الجنوي «دوريا» وانتصر على أساطيله ~~انتصارا مبينا عند جزيرة «جربة» من أعمال تونس عام (967ه/1560م). # ومن أشد رجال هذا العصر بأسا «دراغوت» - طرغود - كان مثل بربروس في أول أمره ~~مشتغلا بقطع الطريق في البحر، ولما علم بربروس بما له من الصيت الهائل في ذلك ضمه ~~إليه ونصبه وكيلا له، ومن ذلك العهد أخذ يبدي من المهارة البحرية ما جعله أكبر ~~قواد عصره، وانتصر على «دوريا» في عدة مواقع. ومن أهم أعماله أنه فتح مدينة ~~«المهدية» عاصمة بلاد تونس في ذلك الوقت. # على أن الأساطيل العثمانية على قوتها وشدة بأسها لم تقدر على التغلب على «فرسان ~~القديس يوحنا» أصحاب جزيرة مالطة. وكانت هذه الجزيرة قد أعطاها لهم الإمبراطور شارل ~~الخامس عندما طردهم العثمانيون من جزيرة «رودس» سنة (928ه/1522م)، فبقوا محافظين ~~على مالطة من ذلك العهد، وصدوا عنها العثمانيين مرارا، وفي أواخر أيام سليمان ~~أرسلت الدولة إليها أسطولا عظيما سنة (973ه/1565م) بقيادة مصطفى باشا بيالة ~~ودراغوت، فحاصروها أربعة أشهر ثم اضطروا للجلاء عنها بعد قتال عنيف؛ وذلك لما أبداه ~~فرسان القديس يوحنا من الشجاعة والصبر. ولم يبق من حاميتها بعد هذا الصحار إلا ~~ستمائة فارس، بعد أن كان بها تسعة آلاف. # ومات السلطان سليمان عام (974ه/1566م) أثناء غارته الأخيرة على المجر، وكانت سنه ~~إذ ذاك ستا وسبعين سنة. ~~(4) ابتداء اضمحلال الدولة العثمانية (974-1049ه/1566-1640م) # أجمع المؤرخون على أن عصر سليمان الأكبر هو العصر الذي بلغت فيه الدولة العثمانية ~~أقصى مجدها وعظمتها؛ ففي مدة ثلاثة قرون تسنى لقبيلة آل عثمان الصغيرة أن تبسط ~~سلطانها ونفوذها على البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود والبحر الأحمر، وتمد ~~فتوحها من مكة المكرمة إلى بودا من جهة، ومن بغداد إلى الجزائر من جهة أخرى؛ فكان ~~كل من الشاطئين الشمالي والجنوبي للبحر الأسود في قبضة يدهم، وجزء عظيم من مملكة ~~النمسا والمجر الحالية يعترف بسلطانهم، وقد دان لسلطانهم أيضا شمالي ms026 إفريقية، من ~~أطراف بلاد الشام إلى حدود بلاد مراكش. # وبعد موت سليمان ابتدأت الدولة في الانحطاط المستمر، اللهم إلا فترات كانت تنتعش ~~فيها وتظهر بعض مجدها العسكري القديم. وترجع أسباب الانحطاط إلى عوامل خارجية وأخرى ~~داخلية؛ فإن نمو الأمة الروسية، وظهور طائفة من أكابر القواد في المجر وبولندا ~~والنمسا، لمن أهم الأسباب الخارجية التي أفضت إلى اضمحلال الدولة التركية، وأدت إلى ~~انتقاصها إلى مساحتها الحالية. # ثم كانت ثمة جراثيم داخلية تفت في عظام الدولة، وتثل عرش مجدها وعظمتها ~~الأثيلين؛ إذ إن حكم ولايات الدولة العثمانية المختلفة الأديان والمذاهب والأجناس، ~~وحفظ نفوذها فيها، يحتاجان إلى نشاط وحكمة يفوقان مثلهما في إدارة شئون الدول ~~الأخرى المؤلفة غالبا من عنصر واحد ودين واحد؛ لأن نفوذ الأتراك المستمد من القوة ~~العسكرية، والذي يتحكمون به في رقاب كثير من الشعوب الأجنبية المختلفة في كل شيء لم ~~يكن ليدوم طويلا إلا بعناية خاصة بإعداد الجيش لكل طارئ فجائي من جهة، وبإرضاء تلك ~~الشعوب المختلفة والتوفيق بينها واكتساب احترامها للدولة من جهة أخرى. # وذلك ما لم يتهيأ للحكومة العثمانية بعد سليمان؛ لأنها لم تعر كل هذه الأمور ~~شيئا من الالتفات؛ إذ بعد أن نهض الملوك السالفون من آل عثمان بالدولة إلى ذروة ~~مجدها - بما أوتوه من الذكاء والحذق - خلف من بعدهم خلف أضاع تلك الأملاك الشاسعة ~~التي نالها أجداده بحد السيف وحافظوا على كيانها بحسن إدارتهم، ولم يكن لهؤلاء ~~السلاطين الضعفاء هم إلا الانغماس في اللذات، غير مكترثين بتضعضع ملكهم. # فلما أصبح الجنود بلا سلطان شجاع يقودهم إلى ساحة الوغى وسقطت هيبة السلاطين من ~~أعينهم، أخذوا يشعرون بما لهم من الحول والقوة، وابتدءوا يعزلون ويولون من السلاطين ~~من يشاءون، مبتزين الأموال الكثيرة والأعطية الجزيلة من كل سلطان يقيمونه على ~~العرش؛ فأدى استئثارهم بالسلطة الواسعة التي كانوا يستعملونها حسب أهوائهم إلى ~~الانغماس في الترف والفساد، ففقد جنود الإنكشارية منهم بالتدريج ما كان لهم من ~~الصفات الحربية القديمة، وأصبحوا لا يوثق بهم في ساحة القتال؛ فكان ما يبذل لهم ms027 من ~~العطايا عند تولي كل سلطان تفوق قيمته في أعينهم أعظم انتصار لهم في ساحة ~~القتال. # هذا إلى أن الجيش لم يدخل فيه من الإصلاحات ما يجاري به جيوش الممالك الأوروبية ~~الأخرى من استخدام آلات القتال الجديدة والتفنن في الطرق الحربية التي كانت آخذة في ~~التحسن عندهم. # على أن أعظم نقص ظهر في الجيش كان في قواده وضباطه؛ فلم تكن ترقية القواد بحسب ~~الكفاءة الشخصية، بل بحسب ما يبذلونه من الرشوة لولاة الأمور وبطانة السلطان. # وليس غرضنا هنا أن نذكر بالتفصيل حوادث انحطاط الدولة وتدهورها التي هي في الجملة ~~عبارة عن سلسلة هزائم يتخللها بعض انتصارات، وعدة معاهدات صلح تخسر الدولة في كل ~~منها شيئا من أملاكها، ثم سير ملوك وحكام ضعفاء منهمكين في الشهوات، عمي ~~البصيرة، إلا نفرا قليلا نهضوا بالدولة فترات يسيرة؛ وإنما غاية ما نستطيعه هنا ~~هو أن نذكر بالإيجاز أهم الحوادث التي من أجلها انكمشت الدولة الدولة التركية ~~وأصبحت في حجمها الحالي: # بعد سليمان الأكبر تولى الملك ابنه «سليم الثاني» (974-982ه/1566-1574م) ~~وكان ضعيفا لاهيا سكيرا؛ ولذلك لقب بالمجنون. # ولكن النظام الباهر الذي وضع أساسه سليمان ورجال دولته لم يتلاش دفعة واحدة على ~~يد خلفه؛ إذ كان كثير من عمال سليمان لا يزالون بعد أحياء، يدب في نفوسهم ذلك الروح ~~العظيم الذي بثه فيها مولاهم، ونخص بالذكر منهم وزيره «صقلي محمود» الذي لم يأل ~~جهدا في حكم البلاد على طريقة سيده؛ فكان من أعماله أنه أمر «سنان باشا» فأخضع ~~بلاد العرب عام (978ه/1570م). # وبعد ذلك ابتدأ فتح جزيرة «قبرس» وانتزاعها من يد البنادقة، وقام بأمر هذه الحملة ~~«لالا مصطفى» أحد نظراء «صقلي»، وقد كلف فتح هذه الجزيرة الدولة خمسين ألف مقاتل، ~~أحفظت مصارعهم قائدهم مصطفى، فلم يشتف لهم في ساعة النصر إلا بالانتقام من قائد ~~حامية الجزيرة شر انتقام؛ إذ سلخ جلده حيا. # وبهذا الفتح قويت شوكة العثمانيين في البحر، إلا أن ذلك لم يدم طويلا حتى اتحدت ~~عليهم إسبانيا والبابا والبندقية وغيرها - واشترك معهم فرسان القديس ms028 يوحنا - في مايو ~~سنة (979ه/1571م)، وكان غرض البندقية من هذا الاتحاد استرداد جزيرة قبرس فقط، غير ~~أن «فليب» ملك إسبانيا أبى إلا أن يجعله تحالفا عاما؛ فتم الاتفاق على أن تكون ~~إسبانيا والبابا والبندقية متحدة جميعا على مغاربة تونس وطرابلس والجزائر والترك، ~~وأن تحمي كل منها أملاك الأخرى، وألا تعقد إحداهن صلحا على انفراد، وأن تعين كل من ~~دول التحالف قائدا لأسطولها، وأن توكل القيادة العامة إلى «دون جون» النمسوي. # ظهر أسطول الحلفاء في 16 سبتمبر سنة 1571 في مياه «مسيني»، ولما وصل إلى «كرفو» ~~بلغه أن الأسطول العثماني في خليج «ليبنتو». وفي سابع أكتوبر كان الأسطولان على ~~مقربة بعضها من بعض في هذا الخليج، وكان أسطول الحلفاء يشمل 264 سفينة ذات حجوم ~~مختلفة بعضها مسلح بأضخم المدافع، تحمل 26000 جندي و50000 مجذف وبحري. أما ~~الأسطول التركي فكان يحتوي على 300 سفينة، وما لا يقل عن 120000 جندي ومجذف، وكان ~~غرض أمير البحر التركي «بيالة باشا» في الموقعة التي نشبت أن يشتت جناحي أسطول ~~خصمه، غير أن هذه الحركة لم تفلح؛ لأن «بربريجو» قائد سفن البندقية في الجناح ~~الأيسر و«أندريا دوريا» في الجناح الأيمن احتميا بالشاطئ، وبعد ذلك نشبت معركة ~~عنيفة خسر فيها الحلفاء خسارة عظيمة. غير أن البنادقة تمكنوا أخيرا من صد عدوهم ~~بعد جرح قائدهم «بربريجو» جرحا مميتا، وقتل القائد التركي محمود «سيركو» - شلوك - ~~الذي كان يهاجمه. وفي غضون ذلك كان قلب الأسطول بقيادة «دون جون» منتصرا بعد كفاح ~~شديد أشبه بالحرب البرية منه بالحرب البحرية، قتل فيه القائد التركي «بيالة باشا» ~~وسلم معظم المراكب التركية أو حطم. أما «علي الألوج» - داي الجزائر - الذي كان ~~متغلبا على ما أمامه من سفن «جنوة»، فإنه لما رأى ما حل بالترك ولى هاربا؛ فتم ~~بذلك النصر للمسيحيين. # ويمكن معرفة ما لهذه الموقعة التي لم تستغرق أكثر من أربع ساعات من الأهمية إذا ~~علمنا أن الترك لم تكن هزمت في البحار إلى ذلك اليوم. أما الخسائر فلا يمكن تقديرها ~~بالتحقيق، غير أنه ms029 من المؤكد أن خسائر الترك كانت ضعفي خسائر الخلفاء، وأن ما نجا ~~من سفنهم لم يتجاوز الخمسين. # وكان المنتظر بعد هذه الهزيمة المنكرة أن تفقد الدولة سيادتها على البحار، إلا أن ~~ذلك لم يكن، وغاية ما أثرت أنها برهنت لدول أوروبا أنه يمكن التغلب على الترك. أما ~~تأثيرها في سيادة الترك في البحر الأبيض خاصة فكان ضئيلا جدا؛ إذ إنهم بعد ~~الهزيمة بمدة وجيزة أنشئوا لهم أسطولا بلغ عدد سفنه 250. ومما يبرهن على قلة ~~تأثيرها أيضا أن البندقية نقضت عهودها مع حليفتيها، وطلبت إلى الباب العالي أن ~~يعقد معها صلحا على انفراد، وقبلت أن تبقى قبرس في قبضة الباب العالي، وأن تدفع له ~~الثمن الذي كلفه فتحها إياه. # بقيت بعد ذلك الدولة ربع قرن في مسالمة مع البندقية ، وذلك لا يرجع إلى تأثير ~~المعاهدة فقط، بل إلى تأثير نفوذ بعض أزواج السلطان؛ إذ لما تولى مراد الثالث ~~(982-1003ه/1574-1595م) الملك بعد موت أبيه سليم الثاني - وكان ضعيفا - ترك مناصب ~~الدولة تباع لمن يدفع فيها أكبر قيمة، وكان طوع إرادة نسائه وخاصة حظيته «صفية»، ~~وأصلها من سبي البندقية؛ فتسلطت عليه في مصلحة وطنها. # ولما مات هذا السلطان خلفه ابنها محمد الثالث (1003-1012ه/1595-1603م)، وهو ~~واحد من أبناء مراد الثالث البالغ عددهم 102، وقد قتل منهم محمد هذا ثمانية عشر عند ~~توليته عرش الخلافة، ولم تضعف في أيامه سلطة «صفية»، وبقيت هي صاحبة النفوذ ~~والسلطان. # وكان أكبر مساعد لها في هذه المدة «سيكالا»، وهو من عنصر جنوى؛ تزوج بإحدى حفيدات ~~سليمان الأكبر، وارتقى في الجيش العثماني بما كان له من الذكاء والحظوة، ولقد أدى ~~خدمة عظيمة للترك في عام (1004ه/1596م)؛ وذلك أنه بعد أن حارب الترك جنود النمسا ~~وترنسلوانيا واستولوا على «إرلو»، قضوا في مكافحتهم في سهل «كرزت» ثلاثة أيام بانت ~~الهزيمة بعدها في الترك، وفكر السلطان مرتين في الهرب، فحمل سيكالا على جيوش ~~الأعداء، وشتت شملها وأفنى من رجالها خمسين ألفا. # على أن هذا النصر لم يخلص الدولة من الثورات العسكرية والحروب الخارجية، وما ms030 ~~كانت تشعر به البلاد من الاستياء العام، وأوضح دليل على وهن نفوذها أن النمسا حينما ~~عقدت معها صلحا في عهد السلطان أحمد الأول (1012-1026ه/1603-1617م) وكان يناهز ~~الرابعة عشرة من عمره؛ لم تعاملها إلا معاملة النظير للنظير، لا الضعيف للقوي، ~~ومنعت ما كان مفروضا عليها من الجزية السنوية. # ثم سادت السكينة في الأصقاع التركية الشمالية؛ لأن يدي إمبراطور النمسا كانتا ~~مغلولتين في حرب الثلاثين سنة، # 8 # وكان من مصلحته أن يكون على وفاق تام مع الترك، على حين أن الدولة ~~نفسها لم تر فائدة من مهاجمته؛ لأنها كانت إذ ذاك قد استرجعت كل فتوحها. # وفي سنة 1032ه تولى السلطان «مراد الرابع» أريكة الملك ~~(1032-1049ه/1623-1640م)، وكان شديد البأس، ولوعا بالحرب، إلا أنه رأى أن يبرم ~~عقد صلح من جديد مع إمبراطور النمسا ليضمن به بقاء السكينة والهدوء في أجزاء الدولة ~~العثمانية مدة النصف الأول من القرن السابع عشر، حتى يتمكن من توجيه كل قواه إلى ~~الفرس. # كان مراد الرابع آخر ملوك آل عثمان الحربيين، وأول حرب أثارها كانت على مملكة ~~فارس، وسببها أنه في مدة مراد الثالث قامت حرب مع الشاه كان النصر فيها حليف الترك، ~~وعقد الصلح في عام (998ه/1590م)، فضمت الترك إلى أملاكها بلاد «جرجيا» و«تبريز» ~~وبعض الأقاليم المتاخمة لجنوبي بحر قزوين، إلا أن الفرس ما زالت تنازع الترك هذه ~~الأقاليم حتى استرجعتها في عام (1028ه/1619م)، وأرجعت حدود الدولة من هذه الناحية ~~إلى ما كانت عليه في عهد «سليم الأول»، فعزم مراد على فتح هذه الأصقاع ثانية، فلاقى ~~في سبيل ذلك أهوالا عظيمة. # فإنه لما تولى عرش الخلافة - وهو في الحادية عشرة من عمره - كانت البلاد في حاجة ~~إلى رجل يقبض على زمامها بيد من حديد، لتوالي المصائب عليها وهبوب عواصف الفتن ~~والثورات فيها؛ فكانت الفرس منتصرة، وآسيا الصغرى في ثورة، وولاة الأقاليم متمردين، ~~وأصبحت بلاد المغرب مستقلة، والخزينة خالية، والجيش ثائرا. # مراد الرابع (رسم علي أفندي يوسف). # إلا أنه رغم كل هذه الصعوبات العظيمة تمكن بمساعدة أمه من حفظ ms031 كيان الدولة بعد ~~انهزامات مؤلمة؛ ففي التاسعة من حكمه ثارت الإنكشارية وطلبوا رأس وزيره الأول «حافظ ~~باشنا»، فسلم هذا نفسه إليهم فداء لمليكه، إلا أن السلطان انتقم له بعد من هذه ~~الفئة الضالة شر انتقام؛ إذ تمكن من قتل الثوار في كل إقليم وخصوصا الإنكشارية، حتى ~~تكدست رءوسهم على ضفاف البسفور. وقد قيل إن من قتلوا في هذا الحادث يبلغون مائة ~~ألف أو يزيدون. # ومن ذلك العهد قبض السلطان مراد الرابع على زمام الأمور بكل يقظة؛ فانتشر العدل ~~وساد النظام في كل مكان بحالة لم ير مثلها منذ أيام سليمان الأكبر. # ولما استتب الأمن في نصابه سار مراد الرابع قاصدا حدود الدولة الآسيوية ينشر ~~فيها السكينة؛ ففي عام (1045ه/1635م) أعاد فتح «أريوان»، وعاقب ولاة آسيا الصغرى على ~~تمردهم. وفي عام (1048ه/1638م) قصد «بغداد» ليسترجعها من يد الفرس، فأخذها عنوة بعد ~~أن أظهر في فتحها ضروب الشجاعة، وبعد أن فنيت كل حاميتها إلا ثلاثة آلاف، وتم بعدها ~~عقد الصلح مع الشاه، وكانت نتيجته أن استردت الفرس بلاد «أريوان»، أما بغداد فبقيت ~~من هذا الوقت في يد الأتراك، ودخل «مراد» القسطنطينية دخول المنتصر الظافر. # وفي العام التالي وافته منيته وهو في الثامنة والعشرين من عمره، وبموته مات آخر ~~سلطان حربي من ملوك آل عثمان. ~~(5) عهد سلطة الوزراء - أسرة كبريلي (1049-1103ه/1640-1691م) # تولى شئون الملك بعد مراد الرابع السلطان «إبراهيم الأول» (1049-1058ه/1640- ~~1648م)، فلم يكن قوي العزيمة كسابقه؛ فدب في أيامه روح الفساد وسوء الإدارة في ~~داخلية البلاد؛ ولذلك لم يفلح في فتح جزيرة إقريطش «كريت» بعد أن جهز لها أسطولا ~~في عام (1055ه/1645م)، ولم يمكث طويلا حتى عزل وقتل. # وتولى بعده «محمد الرابع» (1058-1099ه/1648-1688م)؛ ففي العام الثاني من حكمه ~~هزم الأسطول التركي في بحر الأرخبيل، وقامت الثورات الداخلية في آسيا الصغرى، وأصبحت ~~الحال في العاصمة أسوأ حال؛ إذ كان الوزراء يولون ويعزلون تباعا حسب إرادة نساء ~~القصر، وطبقا لرغبات الجنود، واحتل الدردنيل عام (1066ه/1656م) أسطول للبنادقة هدد ~~القسطنطينية نفسها. وقصارى القول أن الدولة في ms032 هذه الآونة كادت تتمزق شذر مذر؛ ~~لعدم وجود رجل قوي الشكيمة يدير شئونها، حتى قيضت لها المقادير رجلا شديد البأس، ~~حفظ كيانها هو وأفراد أسرته من بعده، ذلك الرجل هو «محمد كبريلي» رئيس أسرة كبريلي ~~الشهيرة، وهي من عنصر ألباني استوطن القسطنطينية من زمن، وكان محمد هذا وقت ظهوره ~~قد ناهز السبعين من عمره، وكان محترما من الصغير والكبير لقوة عقله وحسن أخلاقه. ~~ولهذه الصفات اختارته أم السلطان «محمد الرابع» - الذي كان لا يزال فتى - صدرا أعظم، ~~فقبل ذلك بشرط أن يطلق له العنان في إدارة شئون البلاد؛ فكانت نتيجة ذلك أنه أظهر ~~شدة بأس مقرونة بعدل؛ فأعاد النظام في كل أصقاع الدولة. # وقضى في ذلك خمسة أعوام على أشد ما يكون وزير يقظة لكيد الكائدين، وضربا على ~~أيدي المفسدين، فلم تر الدولة في كل عصورها رجلا مطاعا مثله، ذلك على شدة فيه ، ~~وقد قتل في أيام وزارته بأمره 36000 شخص في سبيل توطيد السكينة. # وكان هو ومن خلفه من أفراد أسرته هم القابضين على زمام الأمور في البلاد ~~العثمانية، ولهم يرجع كل الفضل في انتعاش الدولة في النصف الأخير من القرن السابع ~~عشر؛ فكان همهم الأكبر أن يعيدوا للدولة مجدها القديم وأن يحيوا في سبيل حكمها ~~السنة التي سار عليها محمد الفاتح ومن قبله من السلاطين. وقد ظهرت ثمرة حكم محمد ~~كبريلي في مدة وجيزة جدا؛ إذ انمحت آثار الفوضى وعاد النظام إلى نصابه، وفي العام ~~الثاني من توليته طرد أسطول البندقية عن الدردنيل بعد قتل قائده «موسنيجو»، ~~واسترجعت الدولة جزيرة «لمنوس» و«تندوس»، ثم ضيق الحصار على جزيرة «إقريطش»، وأعد ~~المعدات لتجديد الفتوح العثمانية في أوروبا. ولما مات «محمد كبريلي» في عام (1072ه/1661م)، ~~كانت كل أجزاء الدولة متحدة الكلمة منبثا فيها روح النشاط، متوجهة بكل قواها لمنازلة عدوها العنيد ~~إمبراطور النمسا. # لبس أحمد كبريلي حلة أبيه، وقبض على زمام الأمور بعده، فكان مثله في الحزم، وحذا ~~حذوه في سياسة البلاد، وكان مبدأ توليه شئون الدولة هو أجل انفراط عقد ms033 المحالفة مع ~~النمسا، فسار على رأس جيش يبلغ 200000 جندي، وانقض به على بلاد النمسا والمجر عام ~~(1074ه/1663م)، فعبر نهر الطونة عند «جران» واستولى على قلعة «نيوهوزل» وخرب من ~~«مرافيا» حتى أسوار مدينة «أولمتز»، إلا أن «لويس الرابع عشر» مد إلى الإمبراطور يد ~~المساعدة نكاية بالترك الذين أهانوا سفيره في بلادهم؛ فأعد جيشا يبلغ 30000 مقاتل، ~~ولما وصل هذا الجيش إلى «منتكوكيولي» قائد الجيوش النمساوية أحس أنه يمكنه تهديد ~~جناح الجيش التركي إذا زحف عليه من جهة «فينا»، إلا أن أحمد تقهقر إلى الجنوب نحو ~~«بودا» فتقابل الجيشان عند «سنغوتار» على نهر الراب سنة (1075ه/1664م)، فلم يقو أحمد ~~على عدوه وانهزم أمامه. ورأى الإمبراطور أن يعقد صلحا حتى يتخلص من تدخل فرنسا في ~~شئونه، فتم ذلك بمعاهدة «فزفار» في أغسطس سنة 1664م، وقد اعترف فيها بسيادة السلطان ~~على «ترنسلوانيا»، وبعدئذ وجه الصدر عنايته إلى محاربة البنادقة، واشترك هو بنفسه ~~في حصار «إقريطش» - كريت - وهي من خيرة أملاكهم، فسقطت في يد الأتراك بعد حرب عوان ~~في (17 سبتمبر سنة 1669م/1080ه). # وعقب فراغه من حرب البنادقة دخل مع بولندا في حرب عوان؛ وسبب ذلك يرجع إلى عسف ~~البولنديين وظلمهم لقبائل «القوزاق» القاطنين مقاطعة «أوكرين»، وكان البولنديون ~~يعتبرونهم من رعاياهم، ثم زاد غضب القوزاق وسخطهم على البولنديين حينما تولى ~~«ميخائيل» ملك بولندا؛ إذ كانوا يرون في توليته ابتداء عصر لاضطهادهم؛ لأنه هو ابن ~~أكبر ملك أجحف بحقوقهم وسامهم الخسف وسوء العذاب؛ فثاروا في عام (1081ه/1670م) ~~وآذنوا بالحرب ذلك الملك الطاغي، إلا أنهم هزموا على يد قائده الشهير «جون ~~سوبيسكي». # فلما ضاقت بهم الحال، وأيقنوا أن لا مناص من الخسف والظلم، طلبوا إلى الباب ~~العالي أن يكونوا تحت سيادته ليحميهم من هذا الملك الغشوم؛ فاغتنم «أحمد كبريلي» ~~هذه الفرصة وأعلن الحرب على بولندا بحجة حماية رعاياها المظلومين. # ففي عام (1803ه/1672م) ظهر السلطان بنفسه ومعه «أحمد كبريلي» أمام حصن «كامنيك» ~~المنيع، وهو مفتاح مقاطعة «بادوليا» - في بولندا - فسقط الحصن في يد الترك في أقل من ms034 ~~شهر، فجبن عند ذلك ميخائيل ملك بولندا، وعقد صلحا مع الترك كان من أهم شروطه أن ~~يتنازل لهم عن «بادوليا» و«أوكرين» ويدفع جزية سنوية للباب العالي. # إلا أن مجلس الأعيان البولندي رأى من العار قبول هذه المعاهدة، وجمع كل من يستطاع ~~تجنيدهم من الجند بقيادة «جون سوبيسكي» ليقاوم بهم عدوهم حتى النهاية. وبالرغم من ~~عدم مساعدة الدول الأخرى له، والدسائس التي كانت تكاد له في بلاده وتمرد الجنود ~~عليه، تمكن بحذقه ومهارته الحربية وقوة شكيمته من استدامة الحرب بينه وبين الترك ~~أربعة أعوام؛ فوقف تقدمهم في «بادوليا» و«غليسيا» وانتصر على أعظم قوادهم انتصارات ~~باهرة في موقعتي «شكزم» سنة (1084ه/1673م) و«لمبرغ» سنة (1086ه/1675م)، وشتت شمل ~~الجيوش التركية إلى أن اجتاز نهر «الطونة». # جون سوبيسكي (عدو الترك اللدود). # وفي عام (1085ه/1674م) - وحينما كانت الحرب في منتهاها من الشدة - مات الملك ~~ميخائيل؛ فانتخب البولنديون بطلهم «جون سوبيسكي» مليكا عليهم، ولكنهم خذلوه مع ~~حبهم له؛ فبعد توليته بيومين وجد نفسه وجيشه محاطين بالترك عند «زرانو» على نهر ~~الدنيستر، ولم ينجده البولنديون. ومع ذلك كانت هيبته وشهرة اسمه سببا في خلاصه من ~~هذه الورطة؛ إذ فضل القائد التركي إبراهيم أن يعقد صلحا رابحا على أن ينازل الأسد ~~في عرينه، وفعلا تم عقد صلح «زرانو» (سنة 1087ه/أكتوبر سنة 1676م)، وأهم شروطه أن ~~تتنازل بولندا عن «كامنيك» و«بادوليا» وجزء من «أوكرين». وبعد مضي سبعة أيام من ~~تاريخ معاهدة «زرانو» مات أحمد كبريلي، إلا أن سياسته لم تقبر معه. # خلف أحمد كبريلي في منصب الصدارة العظمى صهره «قره مصطفى»، وكانت أمانيه وأطماعه ~~لا تقل عن سلفه، ولكنه لم يعط نصيبا وافرا من المقدرة وحسن التدبير؛ فهدم ما بناه ~~محمد وأحمد كبريلي بجدهما ونشاطهما بكبريائه وانغماسه في الشهوات وافتخاره الكاذب. ~~وكان في بادئ أمره يشعر بحسن المستقبل، فعزم عزما أكيدا على أن يخترق قلب البلاد ~~الأوروبية ويقضي عليها القضاء المبرم بفتح «ويانة». # فابتدأ يتأهب سرا بما لم يسمع بمثله من قبل، وجدد علائقه الودية مع «فرنسا»، ~~وعقد صلحا مع ms035 «الروسيا»، ووثق صلته ببولندا، وكان غرضه من ذلك أن يترك الإمبراطور ~~وحيدا، وأوشك أن يتم له فعلا ما أراد؛ إذ كان المجر أيضا ناقمين منذ سنتين على ~~الإمبراطور «ليبولد» لتضييقه عليهم في معتقداتهم الدينية والسياسية؛ فثاروا عليه ~~سنة (1085ه/1674م) بقيادة «توكولي»، ثم انضم إليهم بعد أمير «ترنسالوانيا»، ~~فتمكنوا في عام (1092ه/1681م) من إجبار الإمبراطور أن يعيد إليهم ما سلبهم من ~~الحقوق السياسية، ويمنحهم الحرية الدينية. # إلا أن «توكولي» لم يكتف بذلك، بل رغب في أن يكون هو واليا على المجر؛ ولذلك ~~صفا إلى «قره مصطفى» الذي مناه بولاية المجر إذا انضم إليه على الإمبراطور؛ وبذلك ~~تم كل شيء «لقره مصطفى» بعد أن وثق من عدم مساعدة «لويس الرابع عشر» للإمبراطور، ومن ~~منعه ألمانيا أيضا من مؤازرة النمسا. # أماط «قره مصطفى» اللثام عن أغراضه سنة (1093ه/1682م)، وأعلن في ~~(ربيع 1094ه/1683م) أن المجر ولاية عثمانية، وعبر نهر الطونة على رأس جيش يبلغ ~~150000 جندي. فلما رأى الإمبراطور حرج موقفه، وأن فرنسا تقف سدا أماه في كل باب ~~يطلب منه المساعدة، يئس من مقاومة الترك. # إلا أن «جون سوبيسكي» نكث العهد وأقنع أمته بضرورة مساعدة الإمبراطور، وفي 31 ~~مارس أبرمت محالفة بين الدولتين تعهدت فيها بولندا بتجريد 40000 مقاتل للدفاع عن ~~النمسا. # وكانت الجيوش التركية في هذه الأثناء متابعة الزحف نحو «فينا» حتى اضطر ~~الإمبراطور «ليبولد» إلى الانتقال بحاشيته إلى «بساو»، وفي 9 يوليو خفقت الأعلام ~~التركية على مقربة من أسوار فينا، وفي 14 منه حوصرت المدينة وحفرت خنادق ~~الحصار. # وكانت حالة المدينة سيئة جدا، غير متأهبة للحصار، وكان عدد حاميتها 14000 مقاتل ~~فقط، وهي غاصة بالقرويين اللاجئين إليها من الأرياف، وكانت أسوارها قديمة متداعية ~~إلى السقوط، على حين أن المهندسين من الترك ورجال مدفعيتهم كانوا من أمهر رجال ~~أوروبا في ذاك العصر. # ومع كل هذا لم ينتفع قره مصطفى بهذه الفرصة، وأضاعها بتلكئه وتوانيه؛ فإنه بعد أن ~~شتت شمل رجال الإمبراطور وأنزلهم من معاقلهم، وأصبحت المدينة ممكنة الفتح معورة من ~~كل جهاتها، ms036 لم يقدم على مهاجمتها، بل تردد، وكان غرضه أن تسلم المدينة بلا حرب، ~~ويأخذ ما فيها من الخيرات لقمة سائغة لنفسه. # وكان جون سوبيسكي في هذه الأثناء يجمع جموعه بكل سرعة عند «كركاو» لإنقاذ ~~المدينة. وكان «الدوق لورين» قائد قوات الإمبراطور قد بعد عن المجر وعسكر شرقي ~~«فينا» على مسافة منها، ووكل أمر الدفاع عنها إلى الكونت استهرمبرج قائد الحامية، ~~ولم يجرؤ على الزحف لتخليص المدينة حتى أتاه «جون سوبيسكي» في 2 سبتمبر سنة 1683م ~~وتسلم قيادة الجيش، ثم زحف نحو المدينة وصار على مقربة من معسكر الجيش التركي حين ~~كانت الحاجة ماسة إليه جدا؛ إذ كانت الأتراك قد نقبوا أسوار المدينة، وتفشى المرض ~~في أهليها، فلما رأت الحامية طلائع النجدات دب في نفوسهم روح الأمل، وأيقنوا أن ~~النصر أصبح منهم قاب قوسين أو أدنى، وتمت لهم أمانيهم بهجوم «جون سوبيسكي» على ~~مقدمة الجيش التركي، ثم باشتباكه معه في معركة عنيفة شتت فيها شمل الأتراك وأنقذ ~~المدينة، وقد نجا «قره مصطفى» بحياته بعد أن يئس من الخلاص، وجمع شتات جيشه المنهزم ~~عند «بلغراد». # ومن هذا الحين ابتدأ نجم الأتراك يأفل في أوروبا. أما «قره مصطفى» فإن الترك ~~باعوه ذلك النصر المضيع بضرب عنقه، على أن خلفه إبراهيم كان نصيبه القتل والهزيمة ~~أيضا؛ إذ اندحرت الترك في نفس العام في شهر أكتوبر عند «بركاني» على يد «جون ~~سوبيسكي»، فأجلاهم عن كل بلاد المجر. # وفي العام التالي (1095ه/1684م) انضمت جيوش البندقية إلى جيوش «جون سوبيسكي» ~~لاقتفاء جيوش الترك المنهزمة. وفي هذا العام عقد «الحلف المقدس» بين الإمبراطور ~~وبولندا والبندقية على الترك، ولم تمض إلا فترة يسيرة حتى ظهرت ثمرته؛ لأنه بالرغم ~~من اعتزال «جون سوبيسكي» قيادة الجيش في (1097ه/1685م) لاعتلال صحته وشيخوخته، بقيت ~~فتوح الحلف المقدس تمتد على نهر الطونة برا، وفي البحر الأبيض المتوسط بحرا. # ولم تمض هذه السنة حتى استرد «دوق لورين» جميع المجر التركية عدا «بودا»، ~~واستولى الأسطول البندقي على عدة بلاد على ساحل «ألبانيا». وفي العام المقبل سقطت ms037 ~~«بودا» في يد «لورين»، وأخضع لورين جميع المجر، وفي عام (1099ه/1687م) دحر الصدر ~~الأعظم عند مدينة «موهاكز» التاريخية، واسترجع القائد «لورين» «كرواتيا» ~~و«سلافونيا» وأخضع «ترانسلوانيا»، ثم عبر نهر «الطونة» وأخذ «بلغراد» عنوة، واستمر ~~في الزحف حتى وصل إلى «نيش» عام (1100ه/1688م). # وكان مرسيني أمير البحر البندقي في الوقت نفسه يظهر نشاطا عظيما في البحر ~~الأبيض المتوسط؛ إذ أخضع في عام (1098ه/1686م) أهم بلاد المورة، ولم يأت عام ~~(1106ه/1694م) حتى خسرت الترك كل أملاكها في بلاد «اليونان» وعلى الساحل ~~«الأدرياتي». # وكانت قد قامت ثورة في عام 1688 في القصر السلطاني، كانت نتيجتها عزل محمد الرابع ~~وتولية ابنه سليمان الثاني (1098-1102ه/1687-1691م)، فعهد هذا أمر الصدارة العظمى ~~إلى «مصطفى كبريلي» أخي أحمد كبريلي؛ فأظهر ما هو مشهور عن رجال هذه الأسرة من شدة ~~البأس وسعة الخلق؛ فاتبع سياسة التسامح الديني في كل أنحاء الدولة، وأعاد النظام في ~~الجيش، فلم يمض عامان من توليته زمام الأمور حتى أصبح النصر حليف الترك؛ ففي عام ~~(1102ه/1690م) استرجع مصطفى كبريلي «نيش» و«بلغراد» وغزا «المجر»؛ ولكنه هزم وقتل ~~في سنة (1103ه/1691م) في واقعة «سلانكمن» على يد حاكم «بادن». # وبموت هذا الرجل قضي على آمال الترك المرجوة. واستمرت الحرب بعد مدة ثمانية ~~أعوام كان النصر فيها سجالا، إلا أن جيوش الإمبراطور وجيوش البندقية بقيت محافظة ~~على «المجر» و«ترانسلوانيا» وبلاد «المورة»، وفي عام (1108ه/1696م) انتصرت الجيوش ~~النمسوية بقيادة البرنس «يوجين» نصرا مبينا على السلطان «مصطفى الثاني» ~~(1106-1115ه/1695-1703م) الذي كان يقود الجيش بنفسه عند «زنتا». # وابتدأ يظهر شأن بطرس الأكبر - قيصر الروس العظيم - فدخل في هذه الآونة الحرب وأخذ ~~من العثمانيين بلدة «آزاق». فلما رأى السلطان حرج موقفه، وأن لا فائدة من امتداد ~~أمد الحرب - إذ أيقن أنه بانقراض أسرة كبريلي قد انقضى عصر الفتوح - عقد صلح ~~«كارلوتز» سنة (1110ه/1699م)، وكان أهم شروطه أن يسترجع الإمبراطور كل بلاد «المجر» ~~- ما عدا تمسوار - والجزء الأعظم من كرواتيا و«سلافونيا»، وأن تكون له السيادة على ~~«ترانسلوانيا». أما بولندا، فإنها استرجعت «بادوليا» وفيها «كامنيك»، وتنازلت ms038 ~~الدولة أيضا عن آزاق ل «الروسيا». وأما البندقية، فإنها بقيت في بلاد المورة. ومنذ ~~هذه المعاهدة سقطت هيبة الدولة من أعين دول أوروبا سقوطا نهائيا. ~~(6) الدولة العثمانية وحروبها مع الروسيا والنمسا في القرن الثامن عشر # أخذت الدولة العلية تضعف شيئا فشيئا خلال القرن الثامن عشر؛ وذلك يرجع إلى ~~سببين عظيمين؛ الأول: نهوض الأمة الروسية وتحالفها مع النمسا على الأتراك لبسط ~~سلطانها وطرد الأتراك من أوروبا، والثاني: اختلال النظام وسوء الإدارة في البلاد ~~العثمانية وثوران من فيها من الشعوب المختلفة في وجه الدولة. # ولما ظهرت علامات الضعف والاضمحلال في الدولة أخذت دول أوروبا تنظر فيما سيئول ~~إليه أمرها، ومن يكون الوارث لأملاكها، وتعرف هذه المسألة عندهم «بالمسألة ~~الشرقية»، ويرجع تاريخها إلى عام (1108ه/1696م) عندما استولى الروس على مدينة ~~«آزاق» التي تنازلت عنها الدولة للروسيا رسميا في معاهدة «كرلوتز»، كما تنازلت ~~أيضا عن بعض ممتلكاتها إلى النمسا؛ وبذلك دخلت سياسة الشرق الأدنى في طور ~~جديد. # وبعد هذه المعاهدة وقف تيار تقدم الروس في الجنوب فترة؛ وذلك لما تنازلوا للترك ~~عنه في معاهدة «بروث» الآتي ذكرها سنة (1123ه/1711م) بعد أن انهزمت الروسيا هزيمة ~~منكرة. ولكن ما لبثت هذه الفترة أن انقضت وعادت الروسيا إلى مناوأة الترك طول القرن ~~الثامن عشر بلا انقطاع. # وكان ضعف الدولة المستمر في خلال هذا القرن سببا لمشاكل جديدة وارتباكات شديدة ~~بين دول أوروبا؛ فبينما كانت الروسيا تبذل جهدها لبسط سلطانها على البحر الأسود، كانت ~~النمسا - من جهة أخرى - تعمل طاقتها لمد أملاكها على نهر الطونة، إلا أن عمل كل من ~~الروسيا والنمسا كان داعيا لقلق فرنسا وتدخلها، وفي سنة (1188ه/1774م) ابتدأت مقاصد ~~الروسيا تظهر جليا بعد معاهدة «كجوك قينارجة» - كتشك كينارجي - التي سيأتي ذكرها، ~~ففطنت إنجلترا للأمر، وأخذت تخاف انحلال عرى الدولة العثمانية، كما أخذت أوروبا من ~~ذلك الحين تهتم أيضا بالمسألة الشرقية وتنظر إن كان بقاء الدولة وحفظ كيانها في ~~أوروبا خيرا من ضمها إلى الروسيا أم لا. # وأول من عمل على توسيع نطاق الدولة الروسية وجعلها ms039 في مصاف دول أوروبا العظمى هو ~~قيصرها بطرس الأكبر (1100-1137ه/1689-1725م)، وكانت قبل عهده بعيدة عن الحضارة ~~الأوروبية، منزوية عن العالم المتمدين. فلما تولى هذا القيصر الملك عام (1100ه/1689م) ~~خطا بها خطوات واسعة في سبيل العمران؛ إذ غير أنظمتها وسياستها الداخلية ~~دفعة واحدة؛ فاتخذ «بتروغراد» مقرا لملكه بعد أن كان مدينة «مسكو»، وأدخل ~~العادات ووسائل المعيشة الغربية في بلاده، وضرب بيد من حديد على سلطة الأشراف، ووضع ~~الكنيسة والجيش - الذي دربه على الأنظمة الأوروبية - تحت مراقبته نفسه. أما سياسته ~~الخارجية فلم تقل حزما وبعد نظر عن سياسته الداخلية؛ إذ رأى أنه لا يتسنى للروسيا ~~أن تكون مملكة تجارية إلا إذا أرسخ قدمها على البحرين البلطي والأسود، وكان الأول ~~في قبضة السويد والثاني في يد الترك؛ فجعل همه ابتداء منأواة السويد، وبعد حروب ~~طويلة تم له مقصده في معاهدة «نيستاد» سنة 1721م؛ إذ تنازلت السويد للروسيا عن ~~ليفونيا، وإيثونيا، وإنجريا، وكرليا، وغيرها. # أما الترك فأخذ منها آزاق في معاهدة «كرلوتز» كما سبق، إلا أن العثمانيين ~~استردوها ثانية في عهد أحمد الثالث (1115-1143ه/1703-1730م)؛ وذلك أن الروس لما ~~هزموا «شارل الثاني عشر» ملك السويد في موقعة «بلطاوا» لجأ شارل إلى الترك وطلب ~~منهم المساعدة، فلبت الترك دعوته إذ وجدت في ذلك فرصة لاسترداد ما خسرته، فشنت ~~الحرب على الروسيا. وبعد مواقع عنيفة تمكن القائد التركي «بلطجي باشا» من حصر الجيش ~~الروسي ووشك القبض على قيصر الروس عند نهر «بروث»، ولكنه نجا من الأسر بما قدمته ~~زوجته «كترين» من الرشوة إلى الخائن «بلطجي باشا»، فأفلت بطرس وجيشه - بل روسيا ~~الجديدة كلها - من براثن الفناء، واضطرت الدولة بعد هذه الغلطة الشنيعة إلى عقد صلح ~~«بروث» عام 1171م الذي استرجعت به من الروسيا ميناء «آزاق». ويعتبر عقد الروس لهذه ~~المعاهدة - على ما نالهم فيها من الخسائر الطفيفة - من أكبر سعودهم؛ إذ لو لم تتقيد بها ~~الترك وواصلت عليهم الحرب، لقضت - لا محالة - على دولتهم وهي في إبان نهضتها. # بطرس الأكبر. # وبعد مضي خمسة عشر عاما على معاهدة ms040 «كرلوتز» أراد «قومرجي علي» الصدر الأعظم أن ~~يمحو العار الذي لحق بالدولة في هذه المعاهدة باسترداد بلاد المجر والمورة. وكانت ~~الفرصة سانحة له؛ إذ كانت الدولة قد انتصرت على بطرس الأكبر - كما أسلفنا - وكانت ~~«الإمبراطورية» - النمسا - قد أنهكتها الحروب الأوروبية، ولم يكن للبنادقة من القواد ~~مثل «مروسيني» وأمثاله حتى يقودها إلى الظفر، فضلا عن أن بلاد المورة نفسها عندما ~~غزيت لم تظهر أي مقاومة جدية؛ فكانت النتيجة أن تمكن قومرجي بزحف واحد من استرجاع ~~بلاد المورة سنة (1127ه/1715م). # على أنه لم يتم له في المجر ما أراد؛ فإنه هزم عند «بيتر وردن» هزيمة منكرة على ~~يد الأمير «يوجين» في أغسطس سنة (1128ه/1716م)، وقتل الصدر الأعظم في هذه الموقعة، ~~فاضطر الباب العالي إلى عقد صلح «بساروتز» عام (1130ه/1718م)، وكان أهم شروط هذا ~~الصلح أن أبقت الدولة للنمسا مقاطعة تمسوار وبلغراد، وبقي معها المورة. # وبعد معاهدة «بساروتز» لم تفكر الترك في منازلة الروس، بل وجهوا همهم نحو «فارس»؛ ~~إذ كانت نار الثورة متأججة فيها؛ ففي عام (1135ه/1722-1723م) لجأ «الشاه طهماسب» ~~إلى الروسيا والدولة ليساعداه على منازع له في الملك، فانتهز الباب العالي هذه ~~الفرصة واستولى على بعض جهات فارس، وساعده على ذلك خروج الأرمن على الفرس. # وفي عام (1136ه/1724م) عقدت معاهدة بين الترك والروس على أن تستولي الروسيا على ~~الأقاليم المحيطة ببحر قزوين، وتستولي الترك على إقليمي «جورجيا» و«أذربيجان»، إلا ~~أن هذا الأمر لم يدم طويلا؛ إذ ظهر في فارس عام (1141ه/1729م) زعيم قوي يدعى «نادر ~~شاه» عمل على تخليص بلاده من نير الأجانب، وما زال بالترك حتى أجلاهم عن البلاد ~~الفارسية عام (1148ه/1735م) بعد حروب طويلة. # وكانت الروسيا تريد امتداد الحرب بين الترك والفرس حتى تحقق غرضها في مسألة ~~الوراثة البولندية - وهي تنصيب أمير من قلبها على هذه البلاد - لذلك تنازلت للفرس ~~عما أخذته في عام (1136ه/1724م) وأمدتهم بالذخائر، وبهذه الحروب الفارسية ضيعت ~~الدولة فرصة عظيمة بعدم مهاجمتها للروسيا أثناء حرب الوراثة البولندية؛ والسبب في ~~ضياعها يرجع إلى السلطان «أحمد الثالث» ms041 ووزيره «إبراهيم»؛ إذ كانا لا يميلان إلى ~~منأواة الروسيا والنمسا، على حين كانت الروسيا تسعى جهدها دائما في منأواة الدولة. # وفي عام (1138ه/1726م) عقدت روسيا محالفة مع النمسا نعلم منها سر سياسة كلتا ~~الدولتين في القرن الثامن عشر. وأهم شروطها أن تتعهد كل للأخرى أن تمدها بنحو ~~30000 مقاتل إذا هاجمها غير الترك، أما إذا كانت الدولة العثمانية هي المهاجمة فيجب ~~على كلتا الدولتين أن تحارباها معا بكل ما لديهما من القوة. # وبعد أن نجحت النمسا والروسيا في تنصيب أمير على «بولندا» من قبلهما لم يكن ~~أمامهما عائق من مهاجمة الدولة والسعي في تقسيمهما بينهما، وقد كانت الفرصة سانحة ~~للروسيا في هذه الآونة لمحو أثر معاهدة «بروث»؛ إذ إن بولندا التي كان يطمح بطرس ~~الأكبر أن يجعلها الطريق الموصل إلى بلاد الترك قد خضعت لنفوذ الروسيا، والترك ~~مغلولو الأيدي في حربهم مع نادر شاه، والنمسا أيضا كانت تطمح إلى الزحف على نهر ~~الطونة لتعويض ما فقدته من الممتلكات في جهات أخرى من أوروبا. هذا إلى أن نادر شاه ~~كان أكد للروسيا قبل صلحه مع الدولة أن لا يمسها بمكروه إذا دارت رحى الحرب بينها ~~وبين الترك، وإلى أن الروسيا فوق ذلك كان لها أعوان وجراثيم فتن في قلب المملكة ~~العثمانية من الشعوب المسيحية التي كانت شديدة الميل إلى الروسيا، حتى أنه لما أشيع ~~خبر نشوب الحرب في عام (1148ه/1735م) ثارت كل الرعايا المسيحيين العثمانيين آملين ~~الخلاص من حكم الدولة، ومن هذا الوقت أخذت الروسيا تستعمل أطماع هؤلاء الرعايا ~~الدينية والوطنية في تمزيق أحشاء الدولة العثمانية وتبديدها. # كل هذه الأمور تدل على أن الروسيا كانت تتأهب لمحاربة الدولة وتنتظر حدوث أي شيء ~~تتمسك به لشهر الحرب عليها، وفي عام (1148ه/1735م) وجدت لذلك فرصة مناسبة، وهي زحف ~~جيوش من التتار على بلاد «القوقاس» - القبجاق - وأرمينية. وكان هؤلاء التتار خاضعين ~~للدولة العثمانية، فخرجت الجيوش الروسية لصدهم وغزوهم في ديارهم، ثم أخذت تتأهب ~~لملاقاة الترك، فعهدت بالقيادة العامة إلى «ميونخ»، وضم هذا إليه غيره ms042 من الضباط ~~الأجانب المستأجرين. # وكان «ميونخ» هذا من أكبر قواد القرن الثامن عشر، ولد في ألمانيا وحارب في الجيوش ~~النمساوية والبولندية والروسية، وبهر بطرس الأكبر بما له من الصفات الحربية ~~العظيمة؛ فسعى في استخدامه. # وأول ما عزم عليه في هذه الحرب استرجاع «آزاق»، فأخذ يستعد في (شتاء 1735-1736م)، ~~وفي (ربيع 1148ه/1736م) انقض على «القرم» وناط حصار «آزاق» بالقائد «لاسي» ~~الأرلندي، وفي شهر مايو وصلت أخبار الحملة الروسية إلى القسطنطينية؛ فأعلنت الدولة ~~الحرب على الروسيا في 28 منه، وكان ميونخ وقواده قد توغلوا في شبه جزيرة القرم ~~واحتلوا كثيرا منها، إلا أنهم تكبدوا في ذلك خسائر فادحة، واضطروا للجلاء عنها ~~والتراجع إلى «أوكرين» في 25 أغسطس سنة 1736م بعد أن ارتكبوا في القرم من الفظائع ~~والمنكرات ما لا يوصف. # ثم دخلت الحرب في طور جديد لتجديد تحالف الروسيا مع النمسا في (سنة 1149ه/9 يناير ~~1737م) تأكيدا لمعاهدة 1726م؛ فأثارت النمسا الحرب أيضا على الدولة العثمانية ~~التي قابلتهما بمقاومة أدهشت أوروبا بأسرها؛ فاضطرت ميونخ إلى التقهقر عن أوكرين، ~~وردت النمسويين مقهورين حتى إقليم «بنات»، فأحجموا عن الحرب وأخذوا يفاوضون الدولة ~~سرا في عقد الصلح معهم على انفراد؛ فغاظ ذلك ميونخ غيظا شديدا، وكانت له آمال ~~كبيرة في القضاء على الترك؛ من ذلك أنه عرض على قيصرة الروسيا في ذلك العهد أساس ~~ذلك المشروع الخطير الذي يسمى «المشروع الشرقي» وفحواه أن الروسيا ترى أن لها الحق ~~الطبيعي في الزعامة على المسيحيين من رعايا الدولة، فيجب عليها أن تعمل على نشر ~~الدولة «البوزنطية» بالقسطنطينية؛ ولذلك كان جل أماني «ميونخ» مواصلة الحرب، ~~وبالفعل أغار على «ملدافيا» - البغدان - وهزم جيوش الدولة في «شكزم» سنة (1152ه/18 ~~أغسطس 1739م)، إلا أن توالي هزائم النمسويين وعقدهم وحدهم الصلح مع الدولة قضى ~~على أمانيه، وخاصة بعد أن علم بعزم السويد على محاربة الروسيا وبقيام بعض الفتن في ~~داخلية بلاده؛ ولذلك رضيت الروسيا بعقد الصلح وأبرمت مع الدولة معاهدة بلغراد ~~الشهيرة في سبتمبر سنة 1739م؛ ففي المعاهدة التي عقدت مع النمسا ms043 على انفراد أخذت ~~الدولة العلية بلغراد و«أرسوفا» وجيمع بلاد الصرب والبوسنة وبلاد الأفلاق ~~والبغدان. # أما الروسيا فإنها لم تأخذ مما فتحته سوى آزاق بعد هدم قلاعها، واشترطت عليها ~~الدولة ألا تدخل أساطيلها في البحر الأسود؛ بأن يكون بحيرة عثمانية بحتة. # وهذه هي آخر معاهدة رابحة عقدتها الترك مع الدول الأوروبية، وقد لقيت الدولة في ~~إبرامها مساعدة عظمى من فرنسا؛ لأنها كانت تخشى اتساع سطوة الدولتين: الروسية ~~والنمسوية. # بعد ذلك ساد السلام بين الروسيا والدولة مدة طويلة مات في أثنائها السلطان «محمود ~~الأول» (1143-1168ه/1730-1754م)، وخلفه السلطان «عثمان الثالث» ~~(1168-1171ه/1754-1757م)، ولم يحصل في عصره شيء جدير بالذكر. ثم تولى ~~بعده السلطان «مصطفى الثالث» (1171-1187ه/1757-1773م)، وكان ولوعا بالحروب، ~~فلما رأى أن ازدياد نفوذ الروس في بولندا يتعاظم بهمة قيصرتهم العظيمة «كترين الثانية» التي تولت ~~الملك سنة (1176ه/1763م) خشي على بلاده، ورأت ذلك أيضا الحكومة الفرنسية بالنسبة لبلادها ~~فوافقته على رأيه؛ ولذلك عزم الباب العالي على منازلة الروس، وقوى عنده هذا العزم ~~أن الروس كانوا منذ (1179ه/1765م) يحرضون اليونان و«الجبليين» و«البوسنيين» على ~~الخروج على الدولة. وفي سنة (1182ه/1768م) اشتد حنق الباب العالي؛ إذ دخلت الجنود ~~الروسية أملاك الدولة أثناء مطاردتهم لبعض البولندية الفارين من وجوههم، وأحرقوا ~~«بلطة» التابعة لخان القرم أحد ولاة الدولة؛ فأعلن الباب العالي الحرب على الروسيا ~~في 6 أكتوبر سنة 1768 لذلك وبحجة الدفاع عن حرية البولنديين. # ابتدأت الحرب بين الدولتين، فلازم سوء الطالع الدولة من أول نشوبها؛ فلم تلبث أن ~~انهزمت أمام الروس على نهر دنيستر واحتلت الروسيا «ملدافيا» - البغدان - وبلاد ~~«الأفلاق» و«بساربيا» و«القرم». وفي خلال هذه المدة كان الأسطول الروسي ظافرا في ~~البحر؛ فانتصر على أسطول الدولة عند ثغر «جشمة» - شزمي - في يوليو سنة 1770م، ولولا ما ~~أبداه القبودان حسن باشا الجزائرلي من الشجاعة لأحدق الخطر بالقسطنطينية، وما زالت ~~الجيوش الروسية تجد في فتح بلاد الدولة بقيادة القائدين العظيمين «رومانوف» ~~و«سوفاروف» وغيرهما، حتى خشيت الدولة العلية العاقبة وطلبت الصلح في سنة 1774م، ~~وكانت «كترين» مشغولة أيضا بحزب بولندا وبثورة ms044 داخلية أثارها قوزاق نهر الدون. ~~وكانت إنجلترا أيضا قد استرجعت قوادها من الجيوش الروسية لما رأته من توالي هزائم ~~الترك، فلم تر «كترين» بدا من إيقاف الحرب مع الدولة مع كثرة انتصاراتها فيها، ~~وأبرمت معها معاهدة كجوق قينارجة - كتشك كينارجي - سنة (1188ه/1774م)، وهي أهم ~~معاهدة عقدت بين الدولة والروسيا وأول طور جدي في المسألة الشرقية. على أن الروسيا لم تنل ~~بهذه المعاهدة أملاكا شاسعة؛ إذ كان ما أخذته قاصرا على «كنبورن» و«كرتش» و«آزاق» ~~والأقاليم المجاورة لها؛ مما ثبت قدمها على شمالي البحر الأسود، ولكنها نالت بها ~~حقوقا سياسية كبيرة كان لها شأن عظيم في المستقبل؛ لأن الدولة قبلت في هذ المعاهدة ~~أن تضمن للروسيا حكومة عادلة وحرية دينية للرعايا المسيحيين، وجعلت للروسيا الحق في ~~المطالبة بحقوقهم كلما رأت حاجة إلى ذلك. وهذا حق كبير لا يستهان به؛ إذ أخذته ~~الروسيا بعد ذريعة للتدخل في شئون الدولة كلما رأت ذلك من مصلحتها، وقد كان ذلك ~~أكبر مكدر لصفو الدول الأوروبية على الدوام. # كترين الثانية. # سادت السكينة بعد ذلك فترة بين الدولة والروسيا، ولكن «كترين» كانت لا تزال ~~متشبثة ب «المشروع الشرقي» وتمني نفسها بإنفاذه متى سنحت الفرصة. وفي عام ~~(1197ه/1783م) نقضت العهد وضمت القرم إليها بالرغم من تهادنها مع الدولة؛ فخشيت فرنسا ~~وإنجلترا من توغل كترين في الأملاك العثمانية ، ونصحت للباب العالي بالتنازل عن ~~«القرم» و«كوبان»؛ فتم ذلك بمقتضى معاهدة القسطنطينية (سنة 1198ه/يناير سنة 1784م). # على أن الروسيا لم تقف عند هذا الحد، ودأبت على إنفاذ مشروعها الشرقي وتوسيع نطاق ~~أملاكها من الأملاك العثمانية؛ فأخذت تعمل منذ عام (1200ه/1786م) على دس الدسائس في ~~كل ولايات الدولة، فنجحت دسائسها فعلا في مصر (راجع ظهور علي بك الكبير في الفصل ~~التالي)، وفي اليونان والبغدان؛ فشرعت الدولة تستعد للحرب إلى أن أرغمتها روسيا على ~~خوض غمارها بتعدد إهاناتها. # وآخر ما حدث من ذلك أن «كترين» خرجت إلى القرم في موكب حافل، ولما وصلت في طريقها ~~إلى «خرسون» كتبت على أحد أبوابها: «الطريق إلى بوزنطة» ms045 إشارة إلى أنها عما قريب ~~ستفتح القسطنطينية؛ عند ذلك ثارت خواطر مسلمي الدولة، واضطر الباب العالي إلى إعلان ~~الحرب على الروسيا سنة (1201ه/1787م)، فأسرع القائد حسن باشا إلى مهاجمة «كنبورن»، ~~ولكنه رد عنها بعد أن تكبد خسائر فادحة لوقوف القائد العظيم «سوفاروف» في وجهه، ~~وكانت الروسيا قد عقدت معاهدة جديدة مع النمسا على الدولة العثمانية، ولكن النمسا ~~لم تقدر على القيام بمساعدة تذكر في هذه الحرب لاشتغالها بالاضطرابات القائمة في ~~الأراضي الواطئة - وكانت من أملاكها - ثم اضطرت إلى إبرام معاهدة «سستوفا» مع الدولة ~~(سنة 1206ه/أغسطس سنة1791م)؛ وبذا انسحبت من الحرب. أما الروسيا فإنها بقيت قادرة ~~على مواصلة الحرب بفضل مهارة «سوفاروف»، فاستولى على جهتي «أوخاكوف» و«إسماعيل» سنة ~~(1205ه/1790م)، وانضم إلى ذلك انتصارات الجيوش الروسية في «القوقاس» و«كوبان». وأخيرا ~~انتبهت أوروبا إلى أطماع «كترين»، ورأت أن لا بد من وقوفها عند حد؛ فتدخلت إنجلترا ~~وبروسيا وهولندا في الأمر، ولم تبد الروسيا معارضة؛ لأنها أخذت توجه أنظارها نحو ~~فرنسا التي كانت نار الثورة تتأجج فيها وينتظر اشتباك النمسا وبروسيا معها في حرب؛ ~~وبذلك يخلو الجو للروسيا في بولندا؛ لذلك رضيت كترين بمهانة الدولة وأبرمت معها ~~معاهدة «ياسي» (سنة 1206ه/يناير سنة 1792م)، وأهم شروطها أن اعترف الباب العالي بكل ~~مواد معاهدة «كينارجي» وترك للروسيا أيضا القرم وباقي الأراضي العثمانية إلى نهر ~~الدنيستر؛ وبذا صارت الروسيا صاحبة السيادة المطلقة على شمالي البحر الأسود. # هذا ما وصلت إليه الدولة في أواخر القرن الثامن عشر من جراء السياسة الروسية، وقد ~~خسرت أملاكا أخرى في القرن التاسع عشر، ولكن دول أوروبا العظمى لم تسمح للروسيا ~~إلى الآن بتنفيذ ما يرمي إليه المشروع الشرقي الذي كان تحقيقه جل أمانيها، وإن يكن ~~سمحت لغيرها بالتصرف في كثير من أملاكها. # سموا السلاجقة نسبة إلى «سلجوق»، رئيس القبيلة التي نشئوا منها. # كتاب تاريخ مصر إلى الفتح العثماني (صحيفة 221). # من الأقاصيص المتداولة أنه وضع في قفص من حديد. # أي الدولة الرومانية الشرقية. سميت البوزنطية نسبة إلى بوزنطة؛ الاسم ~~القديم لمدينة القسطنطينية. وتعرف ms046 أيضا بالدولة «الإغريقية» لانطباع ~~المسحة الإغريقية فيها قبل نقل العاصمة إليها بمدة طويلة. # كان عدد سكان إنجلترا في ذلك الحين بين 3000000 و4000000، فمات به أكثر ~~من نصفهم. # لم يفتك الوباء بالترك فتكا ذريعا، ولعل السبب الأول في ذلك راجع إلى ~~إقامتهم في الخلوات. # قيل إنها كانت أضخم مدافع عرفت إلى ذلك العهد، وكانت تقذف نحو 12 ~~قنطارا من الحجر على مسافة ميل. # حرب دارت بين كثير من دول أوروبا من سنة 1618 إلى 1648م. وأصلها أسباب ~~دينية. # الفصل الثالث # حكم العثمانيين في مصر # 923-1213ه/1517-1798م # باستيلاء السلطان سليم على مصر في سنة (923ه/1517م) أصبحت جزءا من أملاك الدولة ~~العثمانية، ودخلت في طور طويل دام نحو ثلاثة قرون (923-1213ه/1517-1798م) لم يكن لها ~~فيه شأن سياسي يذكر في التاريخ، وقد كانت مصر في معظم ذلك العصر مشهدا للفتن ~~والمشاحات؛ إما بين سلائل المماليك أنفسهم، وإما بنيهم وبين الولاة العثمانيين، وإما ~~بين هؤلاء وجنود الحامية العثمانية. وكل هذه الحوادث متشابهة، ولم يكن لها أثر دائم في ~~تاريخ مصر؛ لذلك نعدل عن تتبع أخبار فتن ذلك العصر، ونكتفي بالكلام على حالة البلاد فيه ~~بوجه عام، فنقول: ~~(1) نظام الحكومة # بعد أن تم للسلطان سليم فتح مصر وضع لإدارتها نظاما يكفل بقاء خضوعها وعدم ~~استقلال أحد فيها بأمرها، فأودع مقاليد حكمها ثلاث سلطات، له من تنافس رجالها أكبر ~~كفيل ببغيته: ~~«السلطة الأولى» الوالي: # وأهم أعماله الأوامر التي ترد عليه من السلطان إلى عمال ~~الحكومة ومراقبة تنفيذها. ~~«والسلطة الثانية» جيش الحامية: # وقد كونه السلطان سليم من ست فرق - وجاقات - ونصب عليهم ~~قائدا يقيم بالقلعة، وجعل على كل فرقة ستة من الضباط، وشكل من ~~هؤلاء الضباط مجلسا - ديوانا - يساعد الوالي في إدارة شئون البلاد، ~~وجعل لهذا الديوان الحق في رفض مشروعات الوالي إذا لم ير فيها ~~مصلحة. ~~«والسلطة الثالثة» المماليك: # نصب كل واحد منهم على سنجق - مديرية - من الأربع والعشرين ~~مديرية التي تتكون منها البلاد. وكان هؤلاء الرؤساء من المماليك ~~يعرفون «بالبيكوات» وتسمى مديرياتهم «سناجق». # ولما انقضى حكم ms047 السلطان سليم في (سنة 926ه/1520م) وخلفه السلطان سليمان القانوني ~~أنشأ مجلسين آخرين يعرفان بالديوان «الأكبر» و«الأصغر»، يجتمع أولهما عند التحدث في ~~الشئون الخطيرة، ويجتمع الثاني كل يوم، وأعضاء الأول من رجال الجيش والعلماء معا، ~~وليس بالثاني أحد من العلماء ونحوهم، وأضاف سليمان أيضا فرقة سابعة إلى الجيش ضم ~~إليها عتقى المماليك؛ فبلغ بذلك جيش الحامية نحو 20000. # 1 # ذلك هو النظام الذي وضعه العثمانيون لإدارة مصر، ولا غاية لهم منه سوى المحافظة ~~على بقاء البلاد خاضعة للدولة، سواء أكان ذلك في صالحها أم لم يكن. وقد بقيت هذه ~~السياسة ناجحة نحو قرنين من الزمان، إلى أن أخذت الدولة في أسباب التقهقر، وزحفت ~~النمسا والروسيا على حدودها الشمالية، فضعف نفوذها في مصر، وانتقلت السلطة الحقيقية ~~إلى أيدي المماليك. ~~(2) الضرائب # لما فتح العثمانيون مصر في سنة (923ه/1517م) فرضوا عليها خراجا سنويا يرسل ~~للسلطان، يجمع من ضرائب الأملاك وخاصة الأراضي، وكانت هذه الضرائب تسمى «الميري» ~~- أي الأموال الأميرية - وكان لكل جهة ملتزم يتعهد بتوريد ما يخصها من الخراج، ومن ~~أجل ذلك تعفى أرضه من الضريبة، ويكلف الفلاحون زرعها له بالمجان، علاوة على ضريبة ~~أخرى يجبيها لنفسه منهم، وكانت حقوق هؤلاء الملتزمين ومناصبهم وراثية. # وكان جانب عظيم من الأرض موقوفا على المساجد والمدارس والأربطة وغيرها من الأمور ~~الخيرية، وهو معفى أيضا من الضريبة، ويزرع بعضه - إن لم يكن كله - بالتسخير. # 2 # وأنشأ السلطان سليم بالقاهرة قلما يعرف بقلم «الأفندية» لتقرير الضرائب ومراقبة ~~جمعها وتسلمها من الملتزمين، وجعل فيه دفاتر لحصر حساب الحكومة وأخرى لتدوين انتقال ~~الملكية. # فيعلم مما تقدم أن كاهل الفلاح كان مثقلا بالضرائب وأعمال السخرة. وليت مصابه ~~وقف عند ذلك الحد؛ فإن ما كان يبتزه منه بيكوات المماليك أنفسهم كان أدهى وأمر، فإن ~~كل بيك من حكام المديريات كان يفرض على محصول الأراضي ضريبة لإدارة المديرية تسمى ~~«كشوفية»، وكثيرا ما يفرض على السكان ضرائب أخرى إضافية كما احتاج إلى المال ~~لمحاربة نظرائه من المماليك أو مكافحة الباشا أو السلطان. # بهذه الضرائب المضاعفة - التي ms048 لم يكن لها حد معلوم - تسرب الفقر إلى أهل البلاد ~~حتى وصلوا في أواخر القرن الثاني عشر الهجري إلى درجة من الفاقة التي لم يسبق لها ~~مثيل. ~~(3) المباني # لم تعد مصر بعد أن فتحها العثمانيون دولة ذات أملاك عظيمة كما كانت من قبل، بل ~~صارت ولاية لا ثروة لها إلا من داخلها، وهذه الثروة ذاتها أخذت في الاضمحلال ~~بتسرب الإهمال في مرافق الزراعة والصناعة، ثم إن اهتداء البرتقال إلى طريق للهند ~~حول جنوبي أفريقيا حول التجارة المارة بين أوروبا والهند من طريق مصر إلى المحيط ~~الأتلنتي - كما سيأتي ذكره - كل ذلك أضعف كثيرا من ثروة البلاد فصارت لا تقوى على ~~إنشاء الآثار العظيمة التي كانت تقام من قبل. # على أنه لم ينشأ عن هذه الحالة إهمال المباني جملة؛ فالقاهرة مملوءة بالجوامع ~~التركية، وبها من السبل والأربطة - التكايا - والوكائل والربوع التي شيدت في هذا ~~العصر شيء كبير، وإنما نشأ عنها توخي الاقتصاد في إقامة المباني وزخرفتها، فلم تعد ~~الجوامع تبنى بتلك السعة العظيمة التي نشاهدها في أبنية القرون السالفة، ولم يصرف ~~على زخرفتها من المال شيء يذكر بجانب ما كان ينفق على مثلها في تلك الأزمان. ومن ~~نتائج الاقتصاد في مباني هذا العصر أيضا أن صارت السبل والمكاتب تبنى لها أبنية ~~قائمة بذاتها بعد أن كانت من ملحقات الجوامع. # كذلك قلت الدقة في البناء، لقلة الثروة من جهة، ولتقهقر الصناعات من أخرى، وليس ~~من آثار هذا العصر ما يلاحظ عليه آثار الدقة إلا القليل، ومثل ذلك شيد في أوائل عهد ~~العثمانيين في مصر. ومن أهم هذا النوع سبيل «خسرو باشا» بالنحاسين المشيد ~~(945ه/1538م) وهو المجاور لقبة الصالح أيوب بالنحاسين. # وقصارى القول أن آثار العصر التركي في مصر - وإن كانت جميلة في بابها - هي أقل ~~رونقا ودقة من آثار المماليك، وسواء في ذلك المباني أو الترميمات؛ فإن هذه ~~الترميمات لم تتناسب في أي أثر رمم في هذا العصر مع جمال البناء الأصلي، وكثيرا ~~ما تكون أشبه بالرقع الخلقة في الثوب الجميل. # واستحدث ms049 العثمانيون في بناء الجوامع بمصر الشكل التركي، وهو متخذ من شكل كنائس ~~«بوزنطية» القديمة. وأهم شيء في أوضاعه اتخاذ القباب بدلا من السقف المستوية، ~~فصارت القبة في كل جامع هي المركز الذي يدور عليه البناء بعد أن كانت إشارة إلى ~~الأضرحة والترب في الزمن السابق، ومن مميزات هذه المباني أيضا اتخاذ «القاشاني» # 3 # المحلى بالأشكال الفرنجية دون العربية، وبناء المنائر الأسطوانية الشكل ~~أو المنشورية الكثيرة الأضلاع جدا حتى تقرب من الأسطوانية، وتنتهي غالبا بمخروط ~~أو هرم كثير الأضلاع يتخذ من الخشب. # فأول جامع بني في مصر على هذه الأشكال البوزنطية هو جامع سليمان باشا الشهير الآن ~~بسارية الجبل الذي شيد داخل القلعة سنة (935ه/1528م)، ويليه جامع سنان باشا ببولاق ~~المشيد سنة (979ه/1571م)، ثم جامع الملكة صفية بالداودية المبني سنة (1019ه/1610م). # وقد حوكيت الأوضاع العربية في بعض مباني هذا العصر، إلا أن هذه المحاكاة قلما ~~كانت تامة، حتى في أقرب المباني إلى الوضع العربي مثل سبيل عبد الرحمن كتخدا المبني ~~سنة (1157ه/1744م)، وهو في ملتقى شارعي النحاسين والجمالية، ويكفي للدلالة على أنه ~~ليس عربي الشكل من كل وجه شكل شبابيكه ومصبعاتها النحاسية - قارن هذه بشبابيك خسرو ~~باشا العربية الشكل. # ولم يكن الولاة وحدهم هم المشيدين لهذه الآثار، بل إن معظمها كان من عمل أمراء ~~المماليك أنفسهم، وشيخ المشيدين والمرممين في ذلك العصر هو «عبد الرحمن كتخدا» من ~~كبار المماليك الذين استحوذوا على جانب عظيم من السلطة في أواسط القرن الثامن عشر ~~بعد الميلاد، فإن بالقاهرة من آثاره 18 جامعا ما بين منشأ ومجدد، وذلك عدا الكثير ~~من الزوايا والأضرحة الصغيرة التي رممها، وعدا السبل الكثيرة التي أنشأها، وله ~~أيضا قناطر - كبار - وأعمال أخرى هندسية، ومن أجمل آثاره سبيله الصغير، السالف ~~الذكر، وإن كان في الحقيقة أصغر أعماله. ومن مبانيه جامع خارج باب الفتوح وآخر ~~بالقرب من باب الغريب ملحق به صهريج وسبيل ومدرسة، وبنى صهريجا آخر للسقائين ~~بالقرب من جبانة الأزبكية، وجدد ضريح السيدة زينب وضريح السيدة سكينة، وشيد غيرهما ~~بالقرب ms050 من باب القرافة وبجهة عابدين وغيرها. ومن أهم آثاره تجديداته بالأزهر، فإن ~~معظم ما جدد أو زيد في هذا الجامع حتى جعله في شكله الحالي؛ من عمل عبد الرحمن ~~كتخدا، ذلك إلى ما أنشأه فيه من دور الكتب والمطابخ وغيرها تشجيعا لطلب العلم. # وآخر ما أقيم بمصر من الآثار التركية الجميلة المكتب والسبيل اللذان بناهما ~~السلطان مصطفى الثالث (1173ه/1759م) تجاه مسجد السيدة زينب عند مدخل شارع الكومي ~~الموصل للمدرسة السنية، والمدرسة والسبيل والمكتب التي بناها السلطان محمود الأول ~~(1164ه/1750م) في شارع درب الجماميز في مدخل حارة الحبانية أمام قنطرة سنقر. ~~والبناءان في قمة ما وصل إليه فن العمارة التركية البحتة من الإتقان. # يعلم مما تقدم أن الآثار العربية لم تهمل أثناء العصر العثماني في مصر، بل عني ~~بصيانتها وزيد عليها بقدر ما تسمح به ثروة البلاد في ذلك الحين، وإن ما أصاب الآثار ~~العربية من الإهمال - بل الإبادة - لم يبتدئ إلا منذ أوائل القرن الثالث عشر الهجري ~~- التاسع عشر م - عندما استولت الحكومة على ريع الأوقاف التي كان يصرف منها على ~~صيانتها. وزاد الطين بلة ما ابتدأ به ذلك العهد من إصلاح البلاد على النمط ~~الأوروبي؛ إذ اقتضى ذلك إنشاء شوارع مستقيمة بالقاهرة، وغالى القائمون بهذا ~~الإصلاح، فهدموا كثيرا من الآثار النفيسة لإيجاد فضاء للشوارع أو الميادين المراد ~~إنشاؤها. وأوضح مثال لذلك «شارع محمد علي»، فإنه لم يتم إنشاؤه إلا بعد أن هدم ~~لأجله الكثير من المباني الأثرية الفاخرة؛ من ذلك جامع بديع كان ب «ميدان باب ~~الخرق» تلهج كتب التاريخ بفخامته، # 4 # وجامع «قوصون» - قيسون - وجامع أزبك - موضع العتبة الخضراء - وكان ~~الأخيران من الجوامع الفخمة العظيمة. ~~(1) سبيل ومكتب خسرو باشا، (2) وسبيل ومكتب عبد الرحمن كتخدا. (رسم علي ~~أفندي يوسف). # وربما كان الخطب أعظم لو لم تؤلف «لجنة حفظ الآثار العربية»؛ ألفها الخديوي توفيق ~~باشا سنة 1881 لمنع العبث بهذه الآثار وللمحافظة عليها، فكان لأعمالها أعظم ثمرة في ~~ذلك. ~~(4) المماليك وأهل البلاد # مماليك هذا العصر - كمن سبقهم من المماليك - لم ms051 يمتزجوا بالسكان الأصليين، بل عاشوا ~~مترفعين في معزل عنهم. وقليل منهم من تزوج وكون له أسرة؛ إذ كان ديدنهم الحروب ~~والفروسية، فلا يرضون بشيء يشغلهم عنها. ومعظمهم كان يموت في ساحة الوغي وسنه لا ~~تتجاوز الخامسة والثلاثين، ومن عاش منهم عيشة هادئة ورضي بالزواج - وهو النزر ~~اليسير - كان نسله يندمج على مدى الأيام في المصريين. # وقد غالى المماليك في أواخر العصر العثماني في ابتزاز الأموال من الأهلين، ~~وانغمسوا في الترف في مسكنهم وملبسهم ومعيشتهم، على غير عاداتهم الأولى المبنية على ~~الخشونة والسذاجة في كل شيء، وصارت حلة البيك منهم لا يقل ثمنها عما يعادل 600 جنيه ~~الآن - مع عظم قيمة النقود في تلك الأيام - ولا يمتطون إلا خيول «نجد» العربية ~~الأصيلة التي يبلغ ثمن أحدها نحو 300 جنيه. # ولم يكن ذلك قاصرا على البيكوات أنفسهم، بل إن مماليكهم الذين لم يرتقوا بعد إلى ~~مراتب الرياسة كانت ركائبهم مزينة بأفخر الحرائر، ومرقشة من كل جانب بالذهب والفضة، ~~على حين أن المصريين الأصليين لم يسمح لهم إلا بركوب البغال والحمير. # شكل مملوك (عن كتاب وصف مصر). # وصار أهل البلاد هم العبيد الحقيقيين، و«المماليك» هم السادة؛ إذ استولى المماليك ~~على جميع الأملاك إلا ما كان منها موقوفا على الأعمال الخيرية في وصاية العلماء. ~~وتشعثت حال الفلاح حتى صار رثا في ملبسه ومسكنه ومأكله؛ لا يكاد يفيق من دفع ~~ضريبة شرعية أو غير شرعية حتى يطالب بدفع أخرى، وإذا امتنع عن الدفع - فقرا أو ~~ادعاء - ضرب وعذب حتى يدفع، وربما قتل من أجل ذلك. # واختل الأمن في تلك الأيام، وكثرت مناسر اللصوص وقطاع الطرق؛ فتأخرت التجارة، ~~وأهملت مرافق الزراعة، وانقرض معظم الصناعات، وكانت قد دخلت في طور تقهقر بعد أن ~~نقل السلطان سليم أمهر الصناع إلى القسطنطينية، فقضى الفقر واختلال الأمن على ~~البقية الباقية منها. # وفي أواخر القرن الثاني عشر ه - الثامن عشر م - كان تكرير السكر لا يزال جاريا في ~~بعض أنحاء البلاد، وكذلك بقي أثر من صناعة الحرير والكتان التي كانت لمصر ms052 فيها شهرة ~~فائقة من قبل، كما بقيت نماذج من صناعة الزجاج. # على أن الذي لطف هذه الحالة أن ما كان يجبى من البلاد كان يصرف في نفس البلاد؛ ~~فالثروة التي كانت ترد متجزئة إلى خزائن الأمراء وتتجمع فيها، تنفق بعد متجزئة إلى ~~التجار من الأهلين بعد دفع الخراج، الذي لم يكن كبيرا. ولم يكن ظلم المماليك ~~وعسفهم ليمنعهم من الكرم وبذل الصدقات؛ فكان كبار القوم يعيشون في رخاء وسعة، ~~وكانت بيوتهم مفتحة للقادمين في الغداء والعشاء، وكانوا في الأعياد يوزعون كثيرا ~~من الأرز والعسل واللبن على الفقراء والمساكين، كما يوزعون عليهم الحلوى أيضا في ~~أيام الجمعة والمواسم. # ولم يكن أمراء المماليك وحدهم هم أصحاب القصور الفاخرة، بل شاركهم في ذلك كثير من ~~التجار، وكان من بين المنازل الكبيرة المطلة على بركة الأزبكية - حديقة الأزبكية ~~الآن - منزل لتاجر شهير يدعى «أحمد الشرايي» غاية في الحسن، وكانت لهذه الأسرة ثروة ~~طائلة، وبيتهم يؤمه العلماء من كل جانب لاشتماله على كل ما يرغبه الطالب من الكتب ~~التي كانوا يعنون بجمعها من كل سوق، ولا يضنون على أحد بإعارتها. # وإن اهتمام هذه الأسرة وأمثالها بجمع الكتب وتسهيل إعارتها يدلنا بعض الدلالة على ~~مقدار إقبال الناس على العلم في هذه الأيام. ويؤيد لنا ميل الناس إلى الانقطاع إلى ~~طلب العلم ذكر ذلك العدد الكبير من أهل العلم والتأليف الذي عني «الجبرتي» بكتابة ~~تراجمهم؛ من مشايخ الأساتذة والعلماء، والمؤرخين والشعراء، وغيرهم ممن ليس لهم نظير ~~في زماننا، غير أن اشتغالهم كان قاصرا على مدارسة قواعد العلوم اللسانية والشرعية ~~والرياضة النظرية، فلا هم تأثروا بالنهضة العلمية بأوروبا، ولا هم رجعوا إلى النهضة ~~العربية القديمة التي جعلت عصر الرشيد والأمين والمأمون من أزهر عصور العلوم ~~العملية. ~~(5) تجارة مصر وشواطئ البحر الأبيض، وتأثرها بالاستكشافات البرتقالية في ~~أفريقيا # كان سلاطين دولتي المماليك البحرية والبرجية في سعة عظيمة من المال، تدل عليها ~~مبانيها الشاهقة وآثارهم النفيسة؛ لأن موارد ثروتهم لم تكن بالطبع قاصرة على ~~الزراعة التي هي أساس ثروة مصر الآن، ms053 بل إن كثيرا منها كان من الضرائب المفروضة ~~على التجارة الهندية العظيمة عند مرورها إلى أوروبا؛ وذلك أنه قبل الاهتداء إلى ~~الطريق المؤدية من أوروبا إلى الهند حول جنوبي أفريقيا لم يكن للتجارة الهندية مع ~~أوروبا إلا طريق البحر المتوسط؛ تنقل البضائع برا من الخليج الفارسي أو البحر ~~الأحمر إلى إسكندرونة أو الإسكندرية على شاطئ البحر الأبيض، ومنهما تنقل بطريق هذا ~~البحر إلى مدينة «البندقية» حيث توزع في أوروبا، وسواء أنقلت البضائع بطريق الخليج ~~الفارسي أم بطريق البحر الأحمر - وهو الأغلب لموافقته - تمر لا محالة من أراضي ~~المماليك؛ إذ هم المالكون في ذلك الوقت لمصر والشام معا؛ فانتفع المماليك بهذه ~~المزية أيما انتفاع، وضربوا مكوسا كبيرة على التجارة عند دخولها في أملاكهم وعند ~~خروجها منها؛ فكان ذلك يأتيهم بدخل لا يستهان به. # بقايا الصناعات المصرية: (1) مصنع نسيج (2) مصنع زجاج. # وقد كان لمرور التجارة الهندية من هاتين الطريقين أكبر أثر في ترويج تجارة البحر ~~الأبيض المتوسط، وعظمت بسببها ثروة الدولتين اللتين اشتهرتا بالملاحة فيه؛ وهما: ~~«جنوة» و«البندقية»، ولا سيما الأخيرة؛ فإن تجارها نالوا لدى المماليك حظوة كبيرة ~~وصلت بهم في آخر الأمر إلى احتكار نقل هذه التجارة العظيمة. # ولم يتفق المؤرخون على تفاصيل مقدار المكوس التي كان يجبيها المماليك من هذه ~~التجارة، ولكن المفهوم من تقدير معظمهم أنها لم تقل عن سدس ما تساويه البضاعة وقت ~~وصولها إلى حدود الأملاك المصرية، وسدس ما تساويه أيضا عند خروجها من موانيها؛ ~~فإذا فرضنا أن أحد تجار العرب اشترى من الهند بضاعة بما يعادل 10000 جنيه مثلا، ~~وسلك طريق البحر الأحمر حتى رسا بها في السويس، أصبحت قيمتها بالطبع أعظم كثيرا ~~مما اشتريت به من المواني الهندية، ولنفرض أنها صارت تساوي 18000 جنيه مثلا؛ فيكون ~~ما يدفع عنها من المكوس حينئذ يعادل 18000 × ~~= 3000 جنيه، ثم يشتريها تاجر آخر، فينقلها إلى الإسكندرية ~~ليبيعها إلى أحد تجار البندقية، فتزيد قيمتها بالطبع بقدر ما دفع عليها من المكس ~~وأجر النقل، وبقدر الربح الذي يريده التاجر الثاني، ms054 ولنفرض أنها صارت تساوي 30000 ~~جنيه، فتكون مكوسها بالإسكندرية تعادل 30000 × ~~= 5000 جنيه؛ أي إن مجموع ما دفع عليها من المكوس يبلغ 3000 + 5000 ~~= 8000 جنيه، وذلك عدا ما يكون قد دفع عنها لعمال الحكومة على سبيل الهدايا أو ~~الرشوة مما يقدر بألف جنيه أو ألفين؛ أي إن مجموع ما دخل الأراضي المصرية من المال ~~بسبب مرور هذه البضاعة فيها «10000 جنيه تقريبا» يقرب من الثمن الأصلي الذي دفع ~~عنها في الهند. زد على ذلك أن تجار العرب كانوا تحت رحمة المماليك؛ يصادرونهم ~~أحيانا، ويقترضون منهم قهرا كلما احتاجوا إلى المال، ومن ذلك نعلم السر في بقاء ~~دولتي المماليك البحرية والجراكسة على تلك الدرجة العظيمة من الثروة التي مكنتهم من ~~حفظ أبهة الملك وتشييد القصور الشاهقة والمباني الفاخرة جيلا بعد جيل. # ولا يخفى أن البضاعة التي اشتراها تاجر البندقية من مصر بمقدار 35000 جنيه كانت ~~تباع في أوروبا بأبهظ الأسعار، وربما بلغ ثمنها هنالك 70000 جنيه؛ فاشتغل الحسد في ~~الممالك الأوروبية الأخرى من هذه الأرباح العظيمة، التي لا ينقطع تدفقها في جيوب ~~البنادقة والمصريين بسبب احتكار التجارة الهندية؛ فدفعهم ذلك إلى التفكير في ~~الاهتداء إلى طريق أخرى توصل إلى الهند، حتى ينالهم شطر من أرباح تلك التجارة ~~العظيمة، وساعد على إثارة هذه الهمة قيام النهضة العلمية العامة التي ابتدأت في ~~أوروبا بعد فتح القسطنطينية - نهضة إحياء العلوم - وولدت في تلك البلاد روح الاستطلاع ~~والاستكشاف. # وأول من فكر من الأوروبيين في البحث عن طريق أخرى إلى الهند هم «البرتقال»، وهم ~~أمة تسكن الجزء الغربي من شبه جزيرة الأندلس، كانوا إحدى الإمارات التي استولت ~~عليها العرب في الأندلس، وانسلخوا عن حكمهم قبل إجلاء العرب من تلك البلاد في سنة ~~(897ه/1492م) بقرنين تقريبا. ومن ذلك الحين أخذوا يدافعون عن استقلالهم من غارات ~~مملكة «قشتالة» - كستيل - المجاورة لهم، حتى أمنوا شرها بانتصارهم عليها في واقعة ~~«الجبروتا» سنة (787ه/1385م). # ثم تولى عرش البرتقال الأمير «هنري» - الشهير بهنري «الملاح» لكثرة استكشافاته ~~البحرية وعظم ما أصلحه في ms055 الملاحة - فتم في أيامه من الاستكشافات ما نسخ آراء ~~الأقدمين بشأن شكل العالم المعمور، وكانت عاقبته كشف طريق الهند والدنيا ~~الجديدة. # شرع هذا الملك منذ سنة (821ه/1418م) في العمل على كشف طريق جديد للهند، فأقام ~~بثغر «سجر» في الجنوب الغربي من البرتقال - وهو يكاد يكون أقصى نقطة في أوروبا من جهة ~~الغرب - وأنشأ فيه مرصدا ومدرسة بحرية لتعليم الملاحة، ودعا إليها علماء الفلك ~~وكبار الملمين برسم المصورات الجغرافية، وعني بصنع السفن العظيمة للاستكشاف خاصة، ~~وأدخل فيها استعمال بيت الإبرة - البوصلة - ناقلا استعمالها عن العرب، وحسن آلة ~~«الأسطرلاب» التي يعرف بها خط العرض بالتقريب. # ثم عول بعد استشارة من حوله من العلماء على تتبع شاطئ أفريقيا بقصد بلوغ الهند. ~~وكان الشاطئ الغربي من أفريقيا لا يعلم منه حينئذ لأهل أوروبا شيء جنوبي «رأس ~~بوجادور». وكانت المصورات الجغرافية التي رسمها الأقدمون بعضها يمثل بقية أفريقيا ~~بنصف دائرة تمتد من الشمال الغربي - جهة مراكش - إلى جنوبي البحر الأحمر، وبعضها ~~يتركه غير محدود إشارة إلى أنه لم يكشف بعد. # فرأى هنري أن يستكشف عن هذا الشاطئ، حتى إذا سار حوله إلى الشرق بحث عن طريق ~~تؤدي إلى الهند من تلك الجهة؛ فأرسل لهذا الوجه بعوثا بحرية سنة بعد أخرى، فكان كل بعث ~~يصل إلى وراء ما وصل إليه سالفه، حتى وصل آخر بعث في عهده إلى «جزائر الرأس ~~الأخضر». وما زالت هذه الاستكشافات يتبع بعضها بعضا حتى بلغ «برتلوميودياز» الملاح ~~البرتقالي الشهير إلى طرف أفريقيا الجنوبي، وسار حوله حتى وصل إلى خليج «ألجوا» سنة ~~(891ه/1486م)، وسمي هذا الطرف «رأس الزوابع» - لهول ما لاقاه في السير حوله - ولكن ~~ملك البرتقال «ابن هنري» أدرك قيمة هذا الكشف العظيم، ورأى أنه فاتحة خير لتحقيق ~~أمنية دولته؛ وهي الاهتداء إلى طريق الهند، وعمل على مواصلة هذه الاستكشافات. # وفي هذه الأثناء كان المستكشف العظيم «خرستوف كلومب» قد خرج في بعث بحري أمده به ~~ملك الإسبان، وسار به غربا يأمل الوصول إلى الهند من هذا الطريق الغربي اعتقادا ~~منه بكروية ms056 الأرض، فوصل إلى إحدى جزائر الهند الغربية سنة (897ه/1492م)، فظن الناس ~~أن هذه جزء من بلاد الهند، وأن «كلومب» قد كشف للإسبان طريقا إلى تلك البلاد أقصر ~~وأسهل من الطريق الطويل الذي يعاني البرتقال كشفه، فوقفت الاستكشافات البرتقالية ~~فترة من الزمن، إلى أن اتضح أن كلومب لم يهتد إلى طريق الهند ذاتها، وأن طريقه إن ~~أدى إليها يكون أطول من الطريق حول أفريقيا؛ فرجع البرتقال إلى مواصلة استكشافاتهم، ~~وفي سنة (901ه/1496م) أرسل ملكهم «إمانويل» بعثا لهذا الغرض برياسة الملاح العظيم ~~«فاسكو دي جاما»، فوصل إلى رأس الزوابع الذي سماه تفاؤلا «رأس الرجاء الصالح»، ~~وبعد أن كابد مصاعب جمة في المسير حوله، لشدة الرياح الجنوبية الشرقية، سار إزاء ~~شاطئ أفريقيا الشرقي. # ومن ثم شرع يسأل من الثغور التي يمر عليها عن الطريق المؤدية إلى الهند، فكان ~~كلما حل بثغر وجده مسكونا بالعرب، فكانوا يمتنعون عن إرشاده مخافة أن يجر عليهم ~~ذلك منافسة تجارية لا طاقة لهم بها، وبعد أن أخفق سعيه في «مزنبيق» و«كلوة» ~~و«منبسة» فاز في «ملندة»؛ حيث أخذ ما يلزمه من الزاد واصطحب معه أحد الهنود ~~العالمين حق العلم بالطريق إلى «قليقوت» - على الشاطئ الغربي للهند - فوصلها «جاما» ~~بهداية هذا الدليل في ثلاثة وعشرين يوما. # فاسكو دي جاما في حضرة الزامرين. # ولم يرحب به في بادئ الأمر ملكها الملقب «زامرين» - أي ملك البحار - بل زاد في ~~تنفيره منه تجار العرب في تلك الجهات؛ إذ أفهموه أن البرتقال ليسوا إلا لصوص بحر لا ~~عمل لهم إلا النهب والسلب في البحار، ولكن «جاما» - أول مستعمر أوروبي في الشرق - ~~استعمل الملق والثبات ، وما زال بالزامرين يتملقه ويشرح له غرضه حتى استماله ورغبه ~~في تبادل التجارة مع البرتقاليين، وعقد معه معاهدة تجارية كانت بعد ذلك سببا في ~~زوال ملكه. # بذلك تم للبرتقال كشف طريق جديدة للهند؛ فكانت فاتحة لانقلاب عظيم في تجارة ~~العالم بأسره؛ إذ أن نقل البضائع صار ينفق عليه بهذه الطريق ثلث ما كان ينفق ~~بالطريق القديمة، فوق متاعبها ومضايقها؛ فكانت ms057 النتيجة أن تحول مجرى هذه التجارة ~~العظيمة من مصر والشام والبحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الأتلنتي حول شواطئ ~~أفريقيا. # وقد وقع خبر كشف الطريق الجديدة وقوع الصواعق على مصر والأمم التجارية بالبحر ~~الأبيض، ولا سيما البنادقة؛ لعلمهم أن فيه الضربة القاضية على أهم منابع ثروتهم. ~~وكان البرتقال قد أخذوا في توسيع نفوذهم في بلاد الهند، غير مكتفين بالعلائق ~~التجارية، بل استولوا بالسيف والمدفع على إمارة «قليقوت» وجعلوها في عداد ~~مستعمراتهم. # وذلك أن السلطان الغوري اتحد سرا مع البنادقة ومع ملك «قليقوت» - الذي ~~اتضح له سوء نية البرتقال - على أن يعملوا معا على نزع سيادة البرتقال من الشرق؛ ~~فأنشأ الغوري أسطولا عظيما، وساعده البنادقة بجلب الأخشاب اللازمة لبنائه، فظهر ~~الأسطول في البحار الهندية والتقى بسفن البرتقال بالقرب من شواطئ بمباي، فكانت ~~الغلبة للمصريين، وقتل ولد الوالي البرتقالي «ألميدا» بالهند في تلك الموقعة، ولكن ~~لم يلبث البرتقال أن جمعوا أسطولا آخر، وحاربوا المصريين في موقعة بحرية عظيمة ~~بالقرب من جزيرة «ديو» أمام بمباي سنة (915ه/1509م) انتصروا فيها على المصريين في ~~موقعة كانت هي الفاصلة في أمر التجارة الهندية. # فإنه لما خضعت مصر بعد للدولة العثمانية لم يصبح لها من الأمر شيء في مكافحة ~~البرتقال. ولما اشتد عبث البرتقال بسفن غيرهم ممن حاولوا الاتجار في تلك البحار، ~~بعث السلطان سليمان القانوني أحد ولاة مصر بأسطول لردعهم فلم يفلح. والحق أن ~~العثمانيين لم ينتهزوا الفرص المناسبة لمنازلة البرتقال والاستيلاء على الثروة ~~الهائلة التي كان يجنيها المماليك من مرور تجارة الهند من مصر والشام، فكان الواجب ~~عليهم أن يتحدوا مع البنادقة - شركائهم في هذه الخسارة - ويستعينوا بهم في القضاء ~~على أساطيل البرتقال، ولكنهم غفلوا عن ذلك، بل كانوا هم القاضين على قوة البنادقة ~~بحروبهم التي شنوها عليهم واستيلائهم على كثير من أملاكهم. # ومن ذلك الحين كثر التلصص في البحر الأبيض، فقضى على البقية الباقية من التجارة ~~التي كانت تمر من هذا البحر. ~~(6) أشهر الولاة وأهم الحوادث # أول من ولى العثمانيون على مصر من الولاة «خير ms058 بك»؛ ولاه السلطان سليم مكافأة له ~~على مساعدته في فتح مصر والشام، وبقي في منصب الولاية أكثر من خمس سنوات كان فيها ~~مكروها من جميع الرعايا المسلمين؛ فقرب منه اليهود والنصارى وأخذ يناصرهم، فلم يغن ~~ذلك عنه شيئا، ولما ازداد كربه من الحياة أفرج عن كثير من مسجوني القاهرة، ووزع ~~كثيرا من المال والخيرات على المساكين وخدمة المعاهد الدينية، وقد أبدى أسفه ~~الشديد وهو في سياق الموت على ما فرط منه، ودفن بمسجده الذي بناه بالتبانة بالقرب ~~من باب الوزير بجهة الخيربكية المسماة بهذا الاسم نسبة إليه. # وخلفه «مصطفى باشا» زوج أخت السلطان سليمان القانوني، وهو أول من لقب بلقب باشا ~~من ولاة مصر، وكان لا يعرف العربية، ولا يظهر شيئا من الحفاوة للوافدين عليه ~~والمهنئين له من أهل البلاد. # ولم يمض عهد طويل بعد الفتح حتى ظهر فضل احتياط السلطان سليم لتقييد سلطة ~~الوالي، فإن الوالي الثالث «أحمد باشا» هم بعمل ما كان يخشى منه؛ إذ أراد الاستقلال ~~بملك مصر؛ فأمر بضرب السكة باسمه، والدعاء له في الخطبة، ولكنه لم يلبث أن قبض عليه ~~وأرسل رأسه إلى القسطنطينية بعد أن علق على باب زويلة. # على أن تاريخ مصر في القرنين الأولين من الفتح العثماني ليس به شيء من الأخبار ~~الممتعة، ولا يشتمل غالبا على غير سلسلة من الولاة لا يكاد الواحد منهم يعين حتى ~~يعزل، منهم نفر قاموا بتشييد بعض المساجد والمدارس، ومنهم من لم يشتغل بشيء سوى ~~التزود من المال قبل أن تنقضي مدة ولايته. ومع ذلك كان ولاة القرن الأول وأكثر ~~الثاني في العدل وضبط الأمور خيرا ممن أتى بعدهم. # ومن أعظم الولاة العاملين في ذلك العصر «سليمان باشا»؛ نصب على مصر سنة ~~(931ه/1525م)، فاهتم بالنظر في أحوال البلاد وإصلاح ما فسد منها، فعين مأمورا لمسح ~~الأراضي، ورتب الضرائب على أحسن نظام، واستحدث دفاتر جديدة لأعمال الحكومة، وشيد ~~كثيرا من المباني النافعة. وفي مدة ولايته كثر تعدي سفن البرتقال على بلاد البحر ~~الأحمر وسواحل الهند حتى قطعت ms059 المواصلات التجارية بين مصر وتلك الجهات؛ فاستغاث ~~«درشاه» حاكم «كجرات» بالسلطان سليمان القانوني، فأصدر السلطان أمرا إلى سليمان ~~باشا بإنشاء أسطول بالديار المصرية والخروج به إلى البحر الأحمر لكسر شوكة ~~البرتقال؛ فجهز سليمان باشا الأسطول وشحنه بالجيوش وأقلع به من السويس سنة ~~(944ه/1538م)، فاستولى على «عدن»، ثم توجه إلى بلاد الهند، فالتحم مع البرتقال في المياه ~~الهندية في موقعة عظيمة كان النصر فيها للبرتقال بالرغم مما بذله سليمان باشا من ~~الجهد العظيم. # وكانت ولاية مصر قد أسندت أثناء اشتغال سليمان باشا بأمر حملة الهند إلى «خسرو ~~باشا» سنة (941ه/1535م)، فأتم الإصلاحات التي بدأها سليمان باشا، ثم زاد في مقدار ~~الجزية التي ترسل للدولة، فاستدعي إلى الأستانة مخافة أن يكون قد أحدث ضرائب جديدة ~~تضر بالبلاد، ولما عاد سليمان باشا إلى مصر تسلم مقاليد الأمور ثانية، وبقي واليا ~~عليها إلى ان استدعي إلى الأستانة وأسند إليه مسند الصدارة العظمى بها. # ثم تتالت الولاة على مصر حتى وليها «سنان باشا» سنة (975ه/1567م)، فأخذ يتصرف في ~~شئون البلاد بحكمة وتدبر، وبعد تسعة أشهر وردت عليه الأوامر السلطانية بأن يستعد ~~لفتح بلاد اليمن واستخلاصها من «الزيديين» # 5 # فجهز جيشا، وخرج به من مصر سنة (976ه/1568م) بعد أن أناب عنه في ~~الولاية «إسكندر باشا»، # 6 # ولما عاد من فتح اليمن سنة (979ه/1571م) تسلم ولاية مصر ثانية وأخذ ~~يشيد المباني؛ فأنشأ في بولاق سنة (979ه/1571م) رباطا - تكية - ومسجدا كبيرا لا ~~يزال إلى الآن من أعظم الآثار العثمانية بمصر، وهو ثاني مسجد بني بها على الأشكال ~~البوزنطية، وبقي سنان باشا بمصر سنتين كان أثناءهما موضع محبة الأهلين، لكثرة ~~إصلاحاته وعظم مبراته. # ومن أفضل الولاة الذين ولوا مصر بعده «مسيح باشا» (982-988ه/1574-1580م)، وكان ~~من أكثر الحكام عفة واستقامة، وأشدهم حرصا على نشر الأمن وإقامة العدل. إلا أنه ~~تشدد في معاقبة المفسدين؛ فقتل منهم نحو عشرة آلاف، وشيد مدرسة وتربة له خارج ~~القرافة بشارع نور الدين بعرب اليسار، ووقف عليهما أوقافا باسم الشيخ نور الدين ~~القرافي. # ثم أخذ نفوذ ms060 الولاة في الاضمحلال، لعجز الكثير منهم وقوة شوكة الجنود بالبلاد ~~وتدخلهم في كل شئونها، حتى صاروا هم الآمرين الناهين للولاة. فلما ولي «أويس باشا» ~~على مصر (995-999ه/1587-1591م)، وأراد أن ينظم أولاد العرب من المصريين في سلك ~~الجيش، اشتعل لهيب الفتنة بين الجنود، ولم يقبلوا أن يتشبه بهم غيرهم في لباسهم، ~~وهجموا على أويس باشا وأهانوه (997ه/1589م)، فاضطر إلى الإذعان لمطالبهم. ومما ~~يجدر ذكره بمنابسة ولاية أويس باشا أنه حدث في عهده زلزال عظيم سقط به عدة منارات ~~وبيوت، وتفلق جبل المقطم قرب أطفيح إلى ثلاث فلق تفجر منها الماء. # جامع سنان باشا: (1) من الخارج، (2) من الداخل. (رسم علي أفندي ~~يوسف). # وما زال روح الفتنة ينتشر في الجنود عاما بعد عام، ويشتد تطاولهم على الولاة، ~~حتى ولي «قره مصطفى باشا» سنة (1032ه/1622م)، وكان قوي البأس ساهرا على توطيد ~~السكينة، فأخذ يتجول بنفسه في الأسواق، وينظر في الشكاوى والأسعار، ويحكم في ~~الجنايات بنفسه؛ فهابه الجند. وكان لأعماله وقع حسن في القلوب، وعظم في أعين الناس. ~~ولما جلس السلطان مراد الرابع على عرش آل عثمان سنة (1032ه/1623م) عزل هذا الوالي ~~من مصر ونصب مكانه «علي باشا الجشنجي»؛ فطلبت منه الأجناد الأعطية المعتاد توزيعها ~~عند تولية الوالي الجديد، فلما لم يجب طلبتهم لم يعترفوا بعزل قره مصطفى باشا، ~~واضطروا علي باشا إلى العودة من حيث أتى، وعندما ركب البحر أطلقوا على سفينته ~~بعض القذائف من قلعة منار الإسكندرية، # 7 # فلم ينج إلا بصعوبة. ثم أرسل الجنود مندوبا منهم إلى الأستانة، فنال ~~لهم أمرا سلطانيا ببقاء قره مصطفى باشا في الولاية؛ فعاد الباشا إلى مصر سنة ~~(1035ه/1625م)، وفي عهده ظهر بالبلاد وباء شديد، فصار يغتصب أموال المتوفين لنفسه ~~كأنه الوارث للناس؛ فرفعت في حقه الظلامات لدار الخلافة، فعزله السلطان ثم قتل بعد ~~بالقسطنطينية. ولقره مصطفى باشا من العمارات والمدارس التي شيدها بمصر شيء ~~كثير. # ولم يكن الوباء الآنف الذكر الوحيد من نوعه في هذا العصر، بل حدث غيره طواعين ~~كثيرة، وكانت تصحبها غالبا المجاعات - وتلك ms061 سنة معتادة في التاريخ. ومن أوبئة هذه ~~المدة طاعون حدث سنة (1012ه/1603م) فتك بكثير من القرى والأمصار، وآخر تفشى بالبلاد ~~سنة (1028ه/1619م) فاشتد بطشه حتى أقفلت الأسواق وتعطلت الأعمال. وفي سنة ~~(1030ه/1621م) حدث غلاء عظيم أعقبه وباء آخر بقي يفتك بالبلاد نحو ثلاثة أشهر، ولم يكد ~~ينسى هذا حتى حدث سنة (1035ه/1625م) وباء أنكى من السالف، وأعظم من هذا كله وباء ~~حدث سنة (1052ه/1642م) لم يسمع بمثله من قبل، كثرت فيه الموتان حتى صارت الموتى ~~تدفن بلا صلاة، وخربت به 230 قرية، وأعقبه قحط وغلاء. # وفي هذه الأثناء كانت الجنود العثمانية بمصر دائبة على جمع السلطة في قبضتهم، حتى ~~جعلوا الولاة ألعوبة في أيديهم؛ فعجزوا عن ردعهم وتأمين الرعايا شر مفاسدهم، وصارت ~~كل طائفة من الجند تأخذ في حمايتها جملة من التجار أو المزارعين أو الملاحين ~~فيقتسمون معهم الأرباح، وفي نظير ذلك يحمونهم من أداء حقوق الحكومة. وما زالوا في ~~شغب على الولاة، وهم معهم في مكافحات، حتى عظمت قوة البيكوات المماليك، فقضوا على ~~نفوذ الطائفتين. ~~(6-1) عودة النفوذ إلى المماليك البيكوات # أدت كثرة تنقل ولاة العثمانيين إلى عدم تأييد نفوذهم في مصر، وإلى استرجاع ~~المماليك - الراسخة قدمهم بالبلاد - لكثير من قوتهم الأولى، وساعد على نمو هذه ~~القوة طول أمد النزاع بين الولاة والجند، حتى اشتغل الطائفتان بمشاحاتهم عن كل ~~ما سواها. # ومما ساعد المماليك على القبض على السلطة تمهيدهم الطريق لاتحادهم، باختيارهم ~~زعيما من بينهم وهو حاكم القاهرة، المسمى إذ ذاك «شيخ البلد». وكان المماليك ~~قد تعودوا من قديم الزمان جلب مماليك أحداث وتدريبهم ليكونوا لهم حاشية ~~وأنصارا، فسمحت لهم الدولة بالسير على هذا النظام، فأصبح لزعمائهم من ذلك قوة ~~لم يعد للولاة قبل بدفعها؛ وذلك أن المماليك الأحداث الذين يشرون بالمال كانوا ~~يحررون عادة بعد بضعة أعوام، فيبقون الحرمة لأسيادهم، حتى إذا ولجوا أبواب ~~الرقي وصاروا أنفسهم بيكوات، لا يألون جهدا في تلبية دعوة موالين الأولين متى ~~استمدوا منهم المعونة؛ فكان يكون لشيخ البلد دائما عصبية من مواليه ms062 وعتقاه ~~البيكوات يعظم بها شأنه، وصار للمماليك قوة لم يكتفوا باستخدامها في عزل من ~~أرادوا عزله من الولاة، بل أخذوا يطمحون إلى التخلص من السيادة العثمانية جملة، ~~وبخاصة عندما دخلت الدولة في طور التقهقر وشغلت بحروبها مع النمسا والروسيا - ~~كما ذكرنا آنفا. # وتنبه بعض الولاة إلى ما يرمي إليه المماليك؛ فعملوا على دس الدسائس بينهم، ~~وتفريق كلمتهم. وكان المماليك منقسمين إلى أحزاب - أعظمها «القاسمية»، و«الفقارية» # 8 ~~- ولم تسلم الطائفتان من عداوة بينهما، فلما عهد بولاية مصر إلى ~~«حسين باشا كتخدا» سعى في تفريقهما، وتفاقمت العداوة بينهما حتى وصلت سنة ~~(1119ه/1707م) إلى حد أثار بين الفريقين حربا استعرت نيرانها ثمانين يوما، وقيل إن ~~المتخاصمين كانوا أثناء هذه المدة يخرجون من القاهرة نهارا للمحاربة، ثم ~~يعودون إليها بالليل فيبيتون فيها كغيرهم من السكان. # وأسفرت هذه الفتنة الطويلة عن قتل شيخ البلد «قاسم بك إيواظ» زعيم القاسمية، ~~فخلفه ابنه «إسماعيل بك»، فأصلح ما بين المماليك ووحد كلمتهم، وصارت لشيخ البلد ~~الكلمة العليا على الوالي؛ فعمل الوالي سرا على تحريض الفقاريين عليه إلى أن ~~قتله أحدهم «ذو الفقار»، فوهب له الوالي ثروة إسماعيل بك، وأسند منصب شيخ البلد ~~إلى «جركس بك» بعد أن فتك بأتباع إسماعيل بك. ويعرف إسماعيل بك هذا بإسماعيل بك ~~الكبير، ومن آثاره بمصر سبيل ومكتب بجهة سوق العصر القديم بمدخل الداودية وحوش ~~الشرقاوي كانا من أجمل مباني ذلك العصر، وبقي منهما الآن جزء خرب. # ثم استعان ذو الفقار بما آل إليه من الثروة في شراء المماليك وتدريبهم حتى ~~صارت له قوة كبيرة؛ فانتزع السلطان من جركس بك، ووضع نفسه في منصب شيخ البلد، ~~ولكنه لم يلبث أن ثار عليه المماليك وقتلوه، فقبض أحد قواده «عثمان بك» على ~~السلطة، فصار شيخا للبلد بعد أن انتقم لسيده شر انتقام. # سبيل ومكتب إسماعيل بك الكبير (في أيام رونقهما). # وكان عثمان بك ذا مقدرة وبأس؛ فعمل على توطيد السكينة وسهر على حفظ الأمن ~~وإقامة العدل، فحسنت سيرته وأحبه الأهلون، وبقي ذكره بعده زمنا طويلا، ms063 حتى إنه ~~لما ثار عليه أعداؤه واضطروه إلى الهروب من مصر صارت الناس تؤرخ حوادثهم بسنة ~~خروجه، فكانوا يقولون: «هذا الأمر حدث بعد خروج عثمان بك بكذا من السنين، وولد ~~فلان في سنة كذا من خروج عثمان بك.» # وسبب فراره من مصر أن قوي في عهده شأن حزبين من المماليك، وهما: «الكردغلية» ~~و«الجلفية»، فاتفق «إبراهيم بك» زعيم الحزب الأول و«رضوان بك» زعيم الثاني على ~~توحيد كلمة حزبيهما، ونزع السلطة من عثمان بك، وجعلها في أيديهما معا، وبعد ~~نزاع طويل بينهما وبين عثمان بك تغلبا عليه، ففر خوفا منهما إلى الشام. # ثم اقتسما السلطة بينهما، واتفقا على أن يشغلا منصبي شيخ البلد وأمير الحج ~~بالتناوب سنة بعد أخرى. ولما رأى الولاة أن السلطة قد سلبت من أيديهم، عملوا ~~على النكاية بإبراهيم بك ورضوان بك، ودبروا لقتلهما مكايد لم يفلحوا فيها، إلا ~~أن البلاد لم تهدأ من الفتن بعد، وبقي أمراء المماليك في هيج على أنفسهم. # هكذا كانت حالة البلاد في هذا العصر الأخير، لا يكاد يفارقها الخلل والفوضى؛ ~~تارة بثوران الجند ومكافحتهم للولاة، وطورا بتنازع المماليك مع الولاة مرة ومع ~~أنفسهم أخرى. وما زالت الحال كذلك حتى قبض على أزمة الأمور أحد المماليك ~~الأقوياء، وهو «علي بك الكبير»؛ فكان ذلك ابتداء حوادث جديدة ذات شأن ~~آخر. # زوال ما كان للسلطان من القوة والنفوذ في مصر، على يد علي بك ~~الكبير # كان «علي بك الكبير» # 9 # في أول نشأته مملوكا لإبراهيم بك السالف الذكر، فما زال يتقدم ~~عنده لذكائه ومقدرته، حتى رقاه إلى رتبة «بك»، ومن ذلك الحين أخذ «علي بك» ~~يعقد الآمال على أن يتقوى شيئا فشيئا حتى يصير يوما ما شيخا للبلد؛ ~~فقضى ثمانية أعوام في شراء المماليك وتدريبهم، ولم يدخر في أثنائها وسعا ~~في استجلاب مودة البيكوات الآخرين. وأخيرا تنبه شيخ البلد «خليل بك» إلى ~~أفعاله، ورأى أن يقضي عليه قبل أن يستفحل أمره، فهجم عليه بجيوشه، فلم يقو ~~عليه علي بك؛ فاضطر إلى الفرار إلى الصعيد، وهنالك التقى ms064 بكثير من الساخطين ~~على خليل بك فانضموا إليه، وزحف الجميع على القاهرة، فدخلوها بعد أن ~~انتصروا على خليل بك وأتباعه في عدة مواقع أظهر فيها علي بك مقدرة كبيرة؛ ~~وبذلك تم له أمر شياخة البلد سنة (1177ه/1763م). # وكان سيده إبراهيم بك قد مات قتلا، فلما تولى علي بك شياخة البلد أمر ~~بإعدام قاتله، فلم يرق ذلك في أعين بيكوات المماليك، وتألبوا عليه وألجئوه ~~إلى الفرار إلى بيت المقدس، ثم وشوا به إلى السلطان، فأمر بطلبه إلى ~~الأستانة، فاحتمى بأمير عكاء، فسعى هذا له لدى الباب العالي وأظهر براءته، ~~فثبته السلطان في منصب شيخ البلد، فرجع إلى القاهرة وتسلم زمام الأمور بها ~~مرة أخرى. # ولما استتب له الأمر سهر على إصلاح البلاد وتوطيد السكينة بها، ورأى أن ~~يكثر من أتباعه كي يأمن غوائل المستقبل، فرقى ثمانية عشر من المماليك إلى ~~رتبة البيكوية، ليكونوا هم وحاشيتهم أنصارا له إذا احتاج إلى مساعدتهم. # ثم طمحت نفسه إلى الاستقلال بمصر، فشرع يعمل على ذلك سرا وينتهز له كل ~~فرصة. # ولما نشبت الحرب بين الدولة والروسيا في سنة (1182ه/1768م) طلب الباب ~~العالي من مصر أن تمده باثنى عشر ألف مقاتل، فأذعن علي بك لمطالب الدولة، ~~وشرع في جمع الجيش، ولكن الدولة شكت في إخلاصه، واعتقدت أنه يجمع هذا الجيش ~~لمساعدة الروسيا عليها لتساعده على الاستقلال بمصر؛ فأرسلت بكتاب إلى الوالي ~~بمصر تأمره فيه بقتل علي بك. # وكان لعلي بك عيون بالأستانة، فبادروا بتبليغه الخبر قبل وصول الكتاب إلى ~~مصر؛ فتربص لحامل الكتاب وقتله قبل أن يصل إلى الوالي، ثم أعلن للمماليك أن ~~الدولة أرسلت في هذا الكتاب أمرا إلى الوالي بذبح جميع المماليك. وكان ~~«علي بك» خطيبا مؤثرا، فأثار حمية المماليك، ونفرهم من الباب العالي، ~~وذكرهم بمجد سلاطين المماليك الأقدمين، وأن الدولة تريد القضاء على هذا ~~المجد، وعليهم أنفسهم؛ فأوقد النار في قلوبهم، وقر قرارهم على خلع الباشا ~~وإخراجه من مصر في الحال، والدفاع عن استقلال البلاد. ثم أعلن استقلال مصر ~~وامتنع عن دفع الجزية ms065 للباب العالي سنة (1183ه/1769م). # ولاشتغال الدولة بمحاربة الروسيا لم تقدر على الالتفات إليه؛ فانتهز علي ~~بك هذه الفرصة لتوطيد ملكه بمصر، ثم أرسل جيشا لفتح بلاد العرب، فاستولى ~~على «جدة» لتكون له مركزا للتجارة الهندية وموضعا يراقب منه ملاحة البحر ~~الأحمر، ولم يلبث أن أخضع باقي جزيرة العرب، وفي ذلك الحرمان الشريفان. # ثم وجه همته لفتح الشام، فأنفذ لذلك جيشا به 30000 مقاتل بقيادة «محمد ~~بك أبي الذهب»، فكان حليفه النصر واستولى على كثير من مدن الشام. # وعند ذلك أكبر «أبو الذهب» على سيده هذا الملك العظيم فحسده، ورأى أيضا ~~أن الدولة ربما التفتت لمصر وأرجعتها إلى سلطانها فيصبح علي بك وأتباعه في ~~خطر، فخطب ود الباب العالي واتفق معه على أن ينزع الملك من علي بك، ويقبض ~~هو على زمام الأمور بمصر، مع الخضوع للدولة. فقصد مصر بالجيش الذي كان معه ~~بالشام، ولم يلبث أن استولى على البلاد، وفر علي بك إلى عكاء واحتمى ~~بحاكمها مرة أخرى، وهنالك وجد أسطولا للروسيا، ففاوضه بشأن تحالفه معها، ~~فأمده الأسطول بالذخيرة والرجال؛ وبذلك استرجع المدن السورية التي كان قد ~~فتحها له أبو الذهب، وعادت إلى الدولة بعد رجوع أبي الذهب عن الشام. # مراد بك (عن كتاب وصف مصر). # ثم جاءته الأخبار من مصر أن الناس في استياء من حكم أبي الذهب، وأنهم ~~يودون قدومه لإنقاذهم منه؛ فخرج إلى مصر بقوة صغيرة، فانتصر أولا على جيوش ~~أبي الذهب بجهة الصالحية، ثم دس هذا على رجال علي بك من أوقع في قلوبهم ~~الفتنة، فانقبلوا على «علي بك» وخذلوه، فانهزمت جيوشه وأخذ هو أسيرا إلى ~~القاهرة، فمات بها بعد بضعة أيام بسبب الجراح التي أصابته وهو يدافع في ~~الواقعة الأخيرة دفاعا شديدا. # ومن أعماله تجديد قبة الإمام الشافعي، وإنشاء سوق ببولاق. # وكافأ الباب العالي «أبا الذهب» على ذلك، فمنحه لقب «باشا» وولاه حكم مصر ~~سنة (1186ه/1772م)، فلم يتمتع بذلك؛ إذا مات بعدها بعامين، ودفن بجامعه الذي ~~شيده أمام الأزهر، وهو آخر جامع كبير أنشئ بمصر ms066 في عهد العثمانيين. # عند ذلك قبض على أزمة الأمور اثنان من المماليك، وهما: «إبراهيم بك» و«مراد بك»، ~~واتفقا على أن يتوليا شياخة البلد وإمارة الحج بالتناوب كما حدث بين رضوان ~~بك وإبراهيم بك من قبل. فوقع بينهما شيء من الاختلاف في أول الأمر، ثم صلح ~~ما بينهما وبقيا قابضين على مقاليد الأمور من ذلك الحين إلى أن أغار ~~الفرنسيون على البلاد سنة (1213ه/1798م)، ما عدا فترة (من 1786 إلى 1790م) ~~عاد النفوذ فيها إلى العثمانيين. # وذلك أن الدولة أرسلت حملة لتوطيد السكينة وإطفاء الفتن التي انتشرت في ~~البلاد في أوائل حكم إبراهيم بك ومراد بك، فوصلت الحملة في شهر يونيو سنة ~~1786م، واستولت على القاهرة بعد قتال لم يقو فيه المماليك على مقاومة ~~المدافع التركية؛ ففر إبراهيم ومراد إلى الصعيد. # وعهد العثمانيون بشياخة البلد لأحد بيكوات المماليك المدعو «إسماعيل بك» ~~وفي سنة (1205ه/1790م) حدث بالبلاد وباء شديد اكتسح أسرة إسماعيل بك، فعاد ~~إبراهيم بك ومراد بك من الصعيد واستردا منصبهما، وأخذا يحكمان البلاد بحزم ~~لا بأس به، إلا أنهما اشتطا في ابتزاز أموال الناس، وخصوصا التجار، حتى ~~الفرنج منهم؛ فكثرت شكاوى هؤلاء إلى دولهم؛ مما لفت نظر أوروبا إلى مصر ~~وجعله الفرنسيس ذريعة لإغارتهم عليها في (1213ه/1798م). # وقد أدخل الترك كثيرا من الألقاب في مصر، لا يزال كثير منها مستعملا ~~إلى الآن، منها: لقب «باشا» الذي كان يطلق على الولاة المرسلين من ~~القسطنطينية، ولقب «أغا» وكان يطلق على قائد الجيش أو الفرقة الواحدة، ولقب ~~«كتخدا» أو «كخية» وهو وكيل الباشا، وكان يطلق أيضا على موظف خاص في كل ~~فرقة بالجيش، أما لقب «البك» و«الأفندي» فكان لكل منهما معنى خاص في مبدأ ~~الأمر فقد بالتدريج حتى صارا يستعملان في معنييهما الحاليين. # روي أن السلطان سليم لما هم بمغادرة الديار المصرية شاوره «خير بك» في ~~إبقاء أوقاف المماليك أو حلها - وكانت نحو عشرة قراريط من أرض مصر، جميعها ~~معفى من الضرائب - فأمر السلطان سليم بإبقائها، فاعترض عليه وزيره، فضرب ~~عنقه. # القاشاني قطع ms067 من الخزف المطلي بالميناء، عليها أشكال هندسية أو نباتية ~~ملونة. # هو جامع إسكندر باشا المتولى على مصر سنة 963ه، وهو غير إسكندر باشا ~~الفقيه الجركسي الذي أنابه سنان باشا عند خروجه إلى اليمن، وسيأتي ذكره ~~بعد. # وهم قوم من شيعة زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي كرم الله ~~وجهه، وهم جملة فرق جمهرتهم الآن باليمن ولهم فيها إمام لا يزال خارجا على ~~الخلفاء من العرب أو الترك. # اسمه إسكندر باشا الفقيه الجركسي، وهو مسلم طبعا. # المسمى الآن حصن قايتباي. # نسبة إلى زعيمين لهما، هما: قاسم وذو الفقار. # سمي «الكبير» لكثرة انتصاراته. # ملخص بأهم الحوادث التاريخية الواردة في الباب الأول ~~(+) إشارة تدل على أن الحوادث خاصة بالدول المسيحية المعاصرة للدولة. ~~(⋆) # إشارة تدل على أنها خاصة بمصر. # أهم الحوادث # هجريا # ميلاديا # منشأ الدولة العثمانية # 627-857 # 1230-1453 # أرطغرل # 627-687 # 1230-1288 ~~+ حكم اللاتين بالقسطنطينية # 600-660 # 1204-1261 # علاء الدين السلجوقي يمنح أرطغرل «أسكي شهر» # مولد عثمان في أسكي شهر # 656 # 1258 # عثمان (تحت إمرة علاء الدين) # 680-699 # 1288-1300 # يفتح قره حصار وغيرها - يمنحه علاء الدين لقب بك # قضاء المغول على الدولة السلجوقية # 699 # 1300 # عثمان (مستقلا) # 699-726 # 1300-1326 # فتح بروسة على يد ابنه أرخان # أرخان # 726-761 # 1326-1359 # افتتاح نيقوميدية وإزنيق # 20 عاما في السلم وتثبيت دعائم الملك # إنشاء طائفة الإنكشارية # ظهور الموت الأسود # 747 # 1347 # مبدأ الفتوح العثمانية بأوروبا (غليبولي) # 758 # 1357 # مراد الأول # 761-792 # 1359-1389 # إخضاع معظم الروملي (أدرنة، فلبة) # تحالف ملوك البوسنة والصرب والمجر عليه وقهره إياهم عند «أدرنة» # 765 # 1363 # إخضاع بلغاريا # 791 # 1388 # انتصاره على أمراء أوروبا الشرقية في واقعة قوصوة وإخضاع الصرب (عدا ~~فتوحه في آسيا واندراج 4 إمارات تركية في سلك الدولة العثمانية) # 792 # 1389 # بايزيد الأول # 792-805 # 1389-1402 # إخضاع باقي الإمارات التركية في آسيا وكثير من مدن الروملي - توطيد ~~أركان الدولة في أوروبا # تحالف المسيحيين على العثمانيين ثانية بقيادة سجسمند ملك المجر # قهر المسيحيين في واقعة نيقوبوليس # 799 # 1396 # غزو جزء من اليونان (تساليا وإبيروس) ms068 # قهر تيمورلنك لبايزيد وأخذه أسيرا في أنقرة # 805 # 1402 # أربعة أولاد لبايزيد يتنازعون الملك # 805-816 # 1402-1413 # محمد الأول «المتغلب عليهم ~~» # 816-824 # 1413-1421 # لم شعث الدولة بعد تمزيقها في واقعة أنقرة # مراد الثاني # 824-855 # 1421-1451 # يعمل على مواصلة الفتوح العثمانية - يحاصر القسطنطينية ~~+ توحيد الكنيستين (برومية والقسطنطينية) # 843 # 1439 # نهضة جديدة لإخراج الترك من أوروبا # انتصار المسيحيين بقيادة هونياد ومعاهدة أزجدن # 848 # 1444 # يتنازل عن العرش لابنه محمد الثاني - الأوروبيون ينقضون العهد ويغيرون ~~على أملاك الدولة بقيادة هونياد # مراد يرجع إلى الملك ويهزمهم في وارنة # 848 # 1444 # يتم إخضاع البوسنة والصرب # محمد الثاني # 855-886 # 1451-1481 # يتأهب لفتح القسطنطينية # الدولة العثمانية في أوج عظمتها # 857-974 # 1453-1566 # محمد الثاني يفتح القسطنطينية - سقوط الدولة البوزنطية - ابتداء ~~التاريخ الحديث # 857 # 1453 # إخضاع معظم المورة والصرب والبوسنة # وقوف إسكندر بك وهونياد في سبيل فتح إيطاليا والمجر # هونياد يهزم السلطان عند بلغراد # 860 # 1456 # إخضاع ألبانيا # 871 # 1467 # فتح طربزون وإخضاع القرمان # إخضاع القرم # 879 # 1475 # قهر البنادقة وعقد محالفة معهم # 882 # 1477 # حصار رودس (لم يفلح لحسن دفاع فرسان القديس يوحنا) # 885 # 1480 # فتح أترنتو # 885 # 1480 ~~+ وصول برتلوميودياز إلى طرف أفريقيا الجنوبي # 891 # 1486 ~~+ وصول خرستوف كلومب إلى إحدى جزائر الهند الغربية # 897 # 1492 ~~+ وصول فاسكو دي جاما إلى قليقوت # 901 # 1496 # بايزيد الثاني # 886-918 # 1481-1512 # أضعف سلطان إلى ذلك العهد - مكافحات مع أخيه جم ~~⋆ # انتصار المماليك على جيوشه في الشام # زيادة قوة الأسطول العثماني - انتصاره على البنادقة ~~⋆ # موقعة ديو # 915 # 1509 # الإنكشارية ترغمه على التنازل لأصغر أولاده سليم # 918 # 1512 # سليم الأول # 918-926 # 1512-1520 # تحويل تيار الفتوح إلى آسيا # غزو فارس (الاستيلاء على ديار بكر ~~وكردستان) # 920 # 1514 ~~⋆ # فتح مصر (مواقع مرج دابق والريدانية ووردان) # 922-923 # 1516-1517 # تنازل الخليفة العباسي بمصر عن الخلافة للسلطان سليم # 923 # 1517 # سليمان القانوني # 926-974 # 1520-1566 # أزهر عصور في تاريخ آل عثمان - تقدم عظيم في العلوم واتساع كبير في ~~أملاك الدولة # فتح بلغراد # 927 # 1521 # فتح رودس (من فرسان القديس ms069 يوحنا) # 928 # 1522 ~~⋆ # تنصيب «سليمان باشا» واليا على مصر # 931 # 1525 # غزو المجر - موقعة موهاكز - قتل ملكهم وتولية سليمان «جان زابولي» ~~عليها # 932 # 1526 # غزو المجر ثانية لإغارة ملك النمسا عليها - الإغارة على النمسا وحصار ويانة # 935 # 1529 # عقد صلح مع النمسا على اقتسام المجر بين ملك النمسا وزابولي # 940 # 1533 ~~⋆ # إنابة خسرو باشا عن سليمان باشا لاشتغال هذا بحملة بحرية على ~~البرتقال # 941 # 1535 ~~⋆ # خروج سليمان باشا بأسطول من مصر لصد البرتقال في الشرق واستيلائه ~~على عدن # 944 # 1538 # إغارة ملك النمسا ثانية على المجر وعودة السلطان إلى غزوها # 946 # 1539 # اعتراف النمسا بسيادة السلطان على المجر وترنسلوانيا وتعهدها بدفع جزية ~~سنوية له # فتح بغداد # تقدم القوة البحرية # استيلاء «خير الدين بربروس» على الجزائر وتنصيبه واليا عليها من قبل ~~الباب العالي # 926 # 1519 # قهره أساطيل شرلكان # 941 # 1533 # قهره أساطيل شرلكان والبابا والبندقية في موقعة برويزة # 945 # 1538 # صده شرلكان عن بلاد الجزائر # 948 # 1541 # انتصار «بيالة باشا» على «دوريا» عند جزيرة جربة (تونس) # 967 # 1560 ~~«طرغود» يفتح المهدية عاصمة تونس # حصار مالطة وعدم مقدرة البحرية العثمانية على التغلب على فرسان القديس ~~يوحنا # 973 # 1565 # ابتداء اضمحلال الدولة العثمانية # 974-1049 # 1566-1640 # سليم الثاني «كان ضعيفا لاهيا سكيرا» # 974-982 # 1566-1574 ~~⋆ # تنصيب سنان باشا على مصر # 975 # 1567 ~~⋆ # فتحه بلاد اليمن # 976-979 # 1568-1571 # انتزاع الترك جزيرة قبرس من البنادقة # 979 # 1571 # اتحاد أوروبا على الدولة وقهرها في موقعة «ليبنتو» البحرية # 979 # 1571 # مراد الثالث # 982-1003 # 1574-1595 # مسالمة البندقية # 982 # 1574 ~~⋆ # ولاية مسيح باشا على مصر # 982-988 # 1574-1580 ~~⋆ # خروج الجنود العثمانية على أويس باشا لتجنيده المصريين # 997 # 1589 # محمد الثالث # 1003-1012 # 1595-1603 # انتصار العثمانيين بقيادة سيكالا على النمسا وترنسلوانيا في سهل ~~كرزت # 1004 # 1596 ~~⋆ # وباء في مصر # 1012 # 1603 # أحمد الأول # 1012-1026 # 1603-1617 # استمرار الثورات العسكرية وابتداء ظهور النمسا على الدولة ~~⋆ # وباء آخر في مصر # 1028 # 1619 ~~⋆ # وباء آخر # 1030 # 1621 # مراد الرابع «من أعظم سلاطين العثمانيين» # 1032-1049 # 1623-1640 # يوطد العلائق مع ms070 النمسا ليوجه قواه إلى الفرس ~~⋆ # تنصيب قره مصطفى على مصر # 1032 # 1623 ~~⋆ # صرفه بعلي باشا الجشنجي - تمرد الجند لذلك ~~⋆ # إعادة قره مصطفى # 1035 # 1625 ~~⋆ # وباء شديد في مصر # 1035 # 1626 # أعاد السلطان فتح أريوان # 1045 # 1635 # استرجع بغداد من الفرس # 1048 # 1638 # عهد سلطة الوزراء - أسرة كبريلي # 1049-1103 # 1640-1691 # إبراهيم الأول # 1049-1058 # 1640-1648 ~~⋆ # وباء بمصر وغلاء # 1052 # 1642 # لم يفلح في فتح جزيرة إقريطش # 1055 # 1645 # عزل وقتل # 1058 # 1648 # محمد الرابع «ازدياد اضطراب الدولة» # 1058-1099 # 1648-1688 # انهزام الأسطول التركي في بحر الأرخبيل # 1059 # 1649 # أسطول البنادقة يهدد القسطنطينية # 1066 # 1656 # نهوض الدولة على يد محمد كبريلي # 1067-1072 # 1657-1661 # وزارة أحمد كبريلي # 1072-1087 # 1661-1676 # الإغارة على النمسا والمجر # 1074 # 1663 # انهزام الترك عند سنغوتار وعقد معاهدة فزفار # 1075 # 1664 # استيلاء الترك على إقريطش من البنادقة # 1080 # 1669 ~~+ خروج القوزاق على بولندا وانهزامهم على يد جون سوبيسكي # 1081 # 1670 # غزو الترك لبوندة وفتحهم كامنيك وتنازل بولندا لهم عن بادوليا ~~وأوكرين # 1083 # 1672 # رفض الشعب البولندي للمعاهدة وقهرهم الترك بقيادة جون سوبيسكي في شكزم ~~ولمبرغ # 1084-1086 # 1673-1675 # صلح زرانو بين الترك وبولندا # 1087 # 1676 # وزارة قره مصطفى # 1087-1094 # 1676-1683 # تأهبه سرا للإغارة على النمسا بتوثيق صلته بفرنسا والروسيا وبولندا ~~منذ تداول عهده ~~+ خروج المجر على النمسا # 1085-1092 # 1674-1681 # إغارة قره مصطفى على المجر # 1094 # 1683 # حصاره لمدينة فينا # 1094 # 1683 # فشل الحصار لنقض جون سوبيسكي العهد ومؤازرته لإمبراطور النمسا # قتل قره مصطفى لفشله # عقد الحلف المقدس بين النمسا وبولندا والبندقية على الترك # 1095 # 1684 # خسائر متوالية للترك برا وبحرا # 1097-1100 # 1685-1688 # سليمان الثاني # 1098-1102 # 1687-1691 # نهضة قصيرة على يد مصطفى كبريلي # 1098-1103 # 1687-1691 # موته في موقعة سلانكمن # 1103 # 1691 # مصطفى الثاني # 1106-1115 # 1695-1703 # انتصار الجيوش النمساوية على الترك في واقعة زنتة # 1108 # 1696 # معاهدة كارلوتز (بين الترك والنمسا والروسيا وبولندا) # 1110 # 1699 # الدولة العثمانية في القرن الثامن عشر م ~~+ نهضة الروسيا على يد بطرس الأكبر # 1100-1137 # 1689-1725 # استيلاء بطرس على آزاق # 1108 ms071 # 1696 # أحمد الثالث # 1115-1143 # 1703-1730 ~~⋆ # تفاقم العداوة بين القاسمية والفقارية في مصر # 1119 # 1707 # انتصار الترك على الروس على نهر بروث وعقد معاهدة بروث # 1123 # 1711 # استرجاع قومرجي علي بلاد المورة من البنادقة # 1127 # 1715 # انهزامه في المجر على يد الأمير يوجين عند بيتروردن # 1128 # 1716 # معاهدة بساروتز # 1130 # 1718 # حرب الترك مع الفرس (انتهت بجلاء الترك عن فارس) # 1135-1148 # 1722-1735 ~~⋆ # قتل إسماعيل بك شيخ البلد وتولي جركس بك شياخة مصر # 1136 # 1723 # انتهاز الروسية فرصة اشتغال الترك بمحاربة الفرس وعقدها محالفة مع ~~النمسا على الدولة # 1138 # 1726 ~~⋆ # تولي عثمان بك شياخة البلد بمصر # 1142 # 1730 # محمود الأول # 1143-1168 # 1730-1754 # إشهار الروس الحرب على الترك # 1148 # 1735 # دخول النمسا في الحرب وهزم الترك لها وللروسيا ومهادنة النمسا للترك ~~على انفراد # 1149 # 1737 # غيظ ميونخ (قائد الروس) وعمله على تحقيق المشروع الشرقي # هزمه جيوش الترك في شكزم وعقد معاهدة بلغراد بين الترك والروسيا # 1152 # 1739 ~~⋆ # اتفاق إبراهيم بك ورضوان بك على عثمان بك بمصر وطردهما إياه إلى ~~الشام واقتسام السلطة بينهما # 1156 # 1743 # عثمان الثالث # 1168-1171 # 1754-1757 # مصطفى الثالث # 1171-1187 # 1757-1773 ~~+ تولي كترين الثانية عرش الروسيا # 1176 # 1763 ~~⋆ # تولي علي بك الكبير شياخة البلد بمصر # 1177 # 1763 # إعلان الترك الحرب على الروس لتعديهم على خان القرم # 1182 # 1768 ~~⋆ # الباب العالي يستنجد علي بك في حربه مع الروسيا # 1182 # 1768 ~~⋆ # إعلان علي بك الكبير استقلاله بمصر # 1183 # 1769 # انتصار الروس على الترك بحرا عند جشمة # 1184 # 1770 ~~⋆ # إرسال علي بك الكبير محمدا «أبا الذهب» للاستيلاء على الشام # 1185 # 1771 ~~⋆ # اتفاق أبي الذهب مع الدولة وتوليته واليا على مصر من قبلها # 1186 # 1772 ~~⋆ # وفاة علي بك # 1187 # 1773 # عبد الحميد الأول # 1187-1203 # 1773-1789 # معاهدة كجوق قينارجة بين الروس والترك # 1188 # 1774 ~~⋆ # وفاة أبي الذهب # 1189 # 1775 ~~⋆ # اقتسام السلطة بين مراد بك وإبراهيم بك # 1189-1201 # 1775-1786 # نقض كترين العهد وضم القرم إليها # 1197 # 1783 # معاهدة القسطنطينية بين الروس والترك # 1198 # 1784 # إعلان الترك الحرب ms072 على الروسيا لتعدد إهاناتها لهم # 1201 # 1787 ~~⋆ # رجوع السلطة إلى الباب العالي في مصر # 1200-1205 # 1786-1790 # سليم الثالث # 1203-1222 # 1789-1807 # استيلاء الروس بقيادة سوفاروف على أوخاكوف وإسماعيل # 1205 # 1790 # توسط إنجلترا وغيرها في إبرام معاهدة ياسي بين الروس والترك # 1206 # 1792 # رجوع السلطة في مصر إلى مراد بك وإبراهيم بك # 1205-1213 # 1790-1798 ~~⋆ # غارة الفرنسيس على مصر # 1213 # 1798 # الباب الثاني # تاريخ مصر من الحملة الفرنسية إلى انتهاء عهد محمد علي # الفصل الأول # الحملة الفرنسية على مصر ~~(1212-1216ه/1798-1801م) # قضت مصر تحت حكم ولاة العثمانيين والأجناد والمماليك نحو ثلاثة قرون عانت فيها من ~~أنواع الظلم وسوء الإدارة ما أضعف تجارتها وجعلها في معزل عن بقية العالم؛ فأصبحت لا ~~تدري شيئا عن قوى الدول الأوروبية وأطماعها أو علاقة بعضها ببعض. وقد كان يقيم بمصر في ~~ذلك الحين كثير من جالية الفرنسيين والإنجليز، ولكن المصريين لم ينتفعوا بإقامتهم ~~بينهم، بل اكتفوا بالنظر إليهم بعين الازدراء والمقت؛ ظنا منهم أن دولهم ما زالت ~~على الضعف الذي سمعوه عنهم أيام الحروب الصليبية، وفاتهم أن الزمن قد تغير، وأن ~~أوروبا أصبحت على مبلغ من القوة وسعة العلم وعظم الدراية بالفنون الحربية بحيث لا يمكن ~~مصادمته إلا بمثله. # وكانت دولة فرنسا قد قويت شوكتها بين دول أوروبا، وظهر فيها في أواخر القرن الثامن ~~عشر - من التاريخ الميلادي - قائد حربي عظيم أخذ يتغلب على ممالك أوروبا، وبات كثير من ~~دولها في خوف منه؛ ذلك هو البطل الشهير «نابليون بونابرت». # وفي أواخر سنة (1212ه/1798م) جرد «نابليون» هذا حملة على مصر، فامتلكها، ودخلت ~~البلاد من ذلك الحين في طور يعتبر ابتداؤه مبدأ تاريخها الحديث. نعم، لم يلبث ~~الفرنسيون بمصر أكثر من ثلاث سنين، ولكن فتحهم لها كان الحلقة الأولى من سلسلة حوادث، ~~لعبت أوروبا أهم أدوارها، وأفضت عاقبتها إلى المركز الاجتماعي والسياسي الذي تشغله مصر ~~الآن. # ولم تكن الحملة الفرنسية على مصر فجائية أو من خواطر اللحظات، بل إن «ليبنتز» أحد ~~وزراء لويس الرابع عشر ألح عليه سنة 1672م بوجوب غزو ms073 مصر، وبين له أن امتلاكها يجعل ~~فرنسا سيدة العالم، وقد رأى ذلك غيره من وزراء فرنسا بعده، ولكن فرنسا لم تخط خطوة ~~في هذه السبيل إلا في عهد «نابليون». # على أن نابليون نفسه لم يقدم على هذه الحملة إلا بعد تفكير طويل؛ فاستشار فيها ~~العلماء، وقرأ لأجلها الكتب، وبعدئذ عرض اقتراحه على هيئة الحكومة الفرنسية مع إيضاح ~~طويل. # أما أهم الأسباب التي حدت بنابليون إلى الإقدام على هذه الحملة واقتنعت بها ~~الحكومة الفرنسية فهي؛ أولا: رغبته في زيادة نفوذ فرنسا في البحر الأبيض المتوسط، وضم ~~وادي النيل إليها لما فيه من الخيرات الكثيرة التي تغني فرنسا عن كثير من المستعمرات ~~البعيدة، ولما له من المكانة التجارية العظمى. وثانيا: تمهيد الطريق لقهر الإنجليز ~~بطردهم من الهند واستيلاء الفرنسيين عليها؛ لأن مصر هي مفتاح الطريق إلى تلك البلاد. ~~وفي الحقيقة كانت لنابليون أطماع كبيرة في الشرق بأسره، وكانت نفسه تتوق إلى أن يأتي ~~فيه بمثل ما أتاه الإسكندر من قبله. # 1 # كل هذه الاعتبارات - إلى ما عسى أن يكون قد نال الفرنسيين المقيمين بمصر من عسف ~~المماليك وظلمهم - جعلت فرنسا تقدم على تجريد تلك الحملة، مع ما فيها من المبادأة ~~بالعدوان لسلطان آل عثمان الذي كان صديقها في ذلك الحين. # نابليون بونابرت. # ورأت الحكومة الفرنسية أن يكون إعداد هذه الحملة بغاية التستر والتكتم كي لا يعلم ~~بمسيرها أحد، وخاصة إنجلترا أشد أعداء فرنسا في ذلك الحين؛ فسهر «نابليون» على إعداد ~~ما يلزم لها من الجند والسفن الحربية والمراكب النقالة؛ فجهز لها نحو 40 ألف مقاتل، ~~عليهم ضباط من نخبة قواد فرنسا، مثل: «كليبر» و«دييزيه» و«مينو» و«مورات»، وأعد لها ~~أسطولا كبيرا جعل على رأسه القائد العظيم «بروي»، وسلحه بالكثير من المدافع ~~والذخيرة، واصطحب معه كذلك من لا يقلون عن مائة رجل من أعظم علماء فرنسا؛ جمعهم من ~~أكبر أساتذة كل علم وفن، وجهزهم بكثير من الكتب والآلات العلمية، مما رأى أن يكون له ~~فائدة في الاستكشاف عن حالة مصر خاصة والشرق عامة. ومن ms074 أهم ما عني بإحضاره معهم ~~مطبعة عربية كان للحملة منها فوائد كبرى. # وفي (اليوم الثاني من ذي الحجة سنة 1212ه/19 مايو سنة 1798م) أقلع نابليون بهذه القوة ~~من ميناء طولون، وانضمت إليها بعض المراكب من الجهات الأخرى، وقصد جزيرة مالطة فاستولى ~~عليها بلا عناء، وكانت إذ ذاك في يد «فرسان القديس يوحنا»، وترك أحد قواده حاكما ~~عليها، ثم غادرها. # وكان إعداد هذه الحملة قد تم وعلمه بعض الدول، غير أنه لم يعلم بمقصدها أحد. # وأوجست إنجلترا منها خيفة، وظنت أنها ربما تقصد شواطئ «إرلندا» رجاء الإغارة على ~~الجزائر البريطانية؛ فعهدت البحرية الإنجليزية إلى «نلسن» أمير البحر الإنجليزي ~~العظيم بأن يقتفي أثر هذا الأسطول الفرنسي، وأن يلحق به كل ما أمكنه من الضرر، فتلقى ~~«نلسن» هذه التعليمات، ولكنه لم يبحث عن نابليون غربي البحر الأبيض حيث ينتظر وجوده لو ~~كانت وجهته الحقيقة إرلندا، بل أداه ذكاؤه الفطري أن يقصد «مالطة»، فلما وصلها وجد أن ~~نابليون قد غادرها بجيشه منذ خمسة أيام، وأنه سار شرقا؛ فأدرك أن وجهة نابليون لا بد ~~أن تكون مصر، ورأى أن يتبعه إليها، وبالفعل وصل بأسطوله الإنجليزي إلى الإسكندرية يوم ~~(8 المحرم سنة 1213ه/21 يونيو سنة 1798م)، فلم يعثر للفرنسيين فيها على أثر، فبعث وفدا ~~إلى حاكم المدينة «السيد محمد كريم» - وكان مصري الجنس - يستفسر منه عن قدوم أسطول ~~فرنسي إلى البلاد المصرية، فراع أهل المدينة رؤية الأسطول الإنجليزي، وأوجسوا منه خيفة؛ ~~إذ لم يكن لهم علم بعزم الفرنسيين على غزو بلادهم، وحاروا أيضا في أمر استعلام ~~الإنجليز عن مجيء الأسطول الفرنسي؛ فلم يعرفوا لاهتمامهم هذا علة. وذلك يدلك على الدرجة ~~التي وصلت إليها مصر في تلك الأيام من قصر النظر وقلة الدراية بأخبار العالم والتنافس ~~الحاصل بين ممالكه. فأكد رجال «نلسن» للحاكم أن الأسطول الإنجليزي ما أتى إلى هذه ~~البلاد إلا ليدفع عنها الأسطول الفرنسي، وأن غاية ما يبغيه الإنجليز أن يسمح لهم ~~بانتظار الأسطول الفرنسي خارج الميناء، وأن يشتروا من المدينة بالمال ما يحتاجون إليه ms075 ~~من الزاد، فلم يقتنع السيد محمد كريم بحسن نية الإنجليز، وامتنع عن إجابة ملتمسهم، ~~وأجابهم بصراحة - ما كانت لتغني عنه شيئا لو قصد الإنجليز البلاد سوءا - إذ قال: «إن ~~مصر بلاد السلطان، وليس للفرنسيين أو سواهم شيء فيها، فاذهبوا أنتم عنا.» # نلسن. # ولما كان هم نلسن منصرفا إلى مطاردة الأسطول الفرنسي، لم ير داعيا إلى استعمال ~~القوة في الإسكندرية، وأقلع عنها مؤقتا ليتجول قليلا في البحر الأبيض المتوسط ويأخذ ~~من بعض جزائره ما يحتاج إليه من الزاد. # ومضى أسبوع بعد إقلاع العمارة الإنجليزية، ولم يظهر في المياه المصرية أحد من ~~الأعداء؛ فهدأ روع الناس بالإسكندرية والقاهرة، وبينا هم كذلك إذا بالعمارة الفرنسية ~~العظيمة قد لاحت أمام الثغر الإسكندري، فعاد الفزع وزاد عما كان، وبعث حاكم المدينة ~~بالرسل إلى القاهرة على جناح السرعة، يستنجد مراد بك وإبراهيم بك، ويصف لهما حرج الحالة ~~وهول العمارة الفرنسية، وقال عنها إنها: «لا يعرف أولها من آخرها.» # فلما وصل الخبر إلى مراد بك أسرع إلى مقابلة إبراهيم بك بمنزله - مستشفى قصر العيني ~~الآن - فبادر إلى عقد جمعية عمومية من كبراء البلاد ليتداولوا فيما يجب عمله لصد ~~الأعداء، فاجتمعت الجمعية توا من كبار المماليك والعلماء، وحضرها «بكر باشا» والي ~~السلطان بمصر، # 2 # وبعد أن تباحثوا في الأمر قر قرارهم على أن يسير مراد بك إلى الإسكندرية ~~لصد الأعداء، وأن يبقى إبراهيم بك بالقاهرة للدفاع عنها لو اقتضى الأمر ذلك. # هذا ما كان من أمر المماليك. أما العمارة الفرنسية فإنها وصلت أمام الإسكندرية في ~~(اليوم الثامن عشر من المحرم/أول يوليو) وعند ذلك أرسلت زورقا إلى الميناء يطلب القنصل ~~الفرنسي، فتردد «السيد محمد كريم» أولا في تسليمه ثم أذن له بالذهاب، فعلم منه نابليون ~~ما كان من أمر العمارة الإنجليزية وما يعده المماليك للدفاع عنه البلاد، فأقر على ~~إنزال جيشه إلى البر في الحال، واختار لذلك نقطة غربي الإسكندرية بنحو ثلاثة أميال - ~~العجمي الآن - فسار بأسطوله إليها وشرع في إنزال رجاله وعدده ليلا بكل سرعة، فتم له ~~ذلك ms076 من غير أن يعترضه أحد. وبعد أن استراح برهة على الرمال جرد قسما من جيشه وسار على ~~الأقدام قاصدا الإسكندرية، فقابلتهم قبيل الفجر بعض فصائل من عرب «أولاد علي»، ~~تبادلوا معهم بعض الطلقات، ثم فروا مذعورين، فاستمر الجيش في المسير نحو الإسكندرية، ~~حتى صار على مقربة من أسوارها. # فقابلتهم حامية المدينة بما لديها من وسائل الدفاع، فقسم نابليون رجاله إلى ثلاثة ~~أقسام وهاجم بهم الأسوار هجوما عاما من اليمين واليسار والقلب، فدخلوا المدينة عنوة، ~~وانسحب الحاكم ورجاله إلى قلعة «فاروس» في طرف الميناء الشرقية - قايتباي الآن - ولما ~~دخل الفرنسيون المدينة مخترقين شوارعها الضيقة، أمطرهم الأهلون من نوافذ المنازل وابلا ~~من المقذوفات، فقابلهم الفاتحون بأشد منها، وكادوا يفتكون بالعباد فتكا ذريعا لولا أن ~~أرسل نابليون رسولا إلى الإسكندريين يؤمنهم على أموالهم وأرواحهم ودينهم وتقاليدهم، ~~وأخبرهم بأن فرنسا لا تقصد سوءا إلا بالمماليك، وأنها تحرص على مودة الأهلين وود ~~سلطانهم الأعظم؛ فهدأ الناس حقنا للدماء، واستسلم إليه السيد محمد كريم، لقلة ما بقي ~~معه من الذخيرة، فأكرم نابليون مثواه، وقال له: «قد أخضعتك بالقوة، ولي أن أعاملك ~~معاملة الأسير، ولكن نظرا لما أبديته من الشجاعة، ولأن الشجاعة حليفة الشرف، أرد ~~إليك سيفك، أملا أن تخلص للجمهورية الفرنسية بقدر ما أخلصت لتلك الحكومة العاتية.» ~~فأعرب السيد محمد كريم عن رغبته في خدمة الجمهورية، وأبقاه نابليون في منصبه تحت إشراف ~~«الجنرال كليبر» - وكان هذا قد اضطر إلى البقاء بالإسكندرية لجرح أصابه وقت مهاجمة ~~الأسوار. # ولم تكد الجنود الفرنسية تنزل إلى المدينة وتتجول في أنحائها، حتى لحقهم الملل ~~واستولت عليهم الكآبة؛ فإنهم - فضلا عن تألمهم من الحر الشديد الذي لم يعتادوه في ~~بلادهم، والذي كان بالطبع على أقصى درجاته في هذا الفصل من السنة - لم ترق المدينة ~~في أعينهم، ولم يجدوا فيها شيئا من العظمة والبهاء مما سمعوا به قبل مجيئهم، وكان من ~~مميزات الإسكندرية في القرون الأولى ، ثم ذهب باضمحلال شأن المدينة على مدى الأيام. وكل ~~ما وقع عليه نظرهم من شوارع ملتوية، وأزقة ms077 ضيقة قذرة، وآثار مهملة، وملابس وأزياء لا ~~تنطبق على ذوقهم الفرنسي؛ لم يزدهم إلا قنوطا واعتقادا بأنهم مسخرون في غزوة لا ~~فائدة فيها. # على أن نابليون ذاته لم يظهر عليه شيء من ذلك، بل بقي ثابت الجأش، كله حركة ونشاط، ~~ولم يكد يتم له الاستيلاء على الإسكندرية حتى أمر بإنزال كل المعدات الحربية إلى ~~البر، كي لا يفاجئه «نلسن» على غير أهبة. ثم التفت إلى تنظيم حكومة الإسكندرية، فعهد ~~بإدارة شئونها إلى ديوان، فشكل من سبعة أشخاص مختارين، وأمر بإنزال جماعة العلماء ~~الذين معه، وكلفهم مباشرة البحث والتنقيب بالإسكندرية ريثما يتم له فتح العاصمة ~~فيستدعيهم إليها، فشرعوا في عملهم بكل همة ونشاط. ومن أنفع ما بدءوا به أنهم رسموا ~~مصورا وافيا للإسكندرية وضواحيها. # وقبل أن يزحف نابليون بجيشه إلى القاهرة أمر بكتابة منشور بالعربية ليلقي به ~~السكينة في قلوب الأهلين، وعهد بكتابته إلى المستشرقين من علمائه، وطبع بالمطبعة ~~العربية التي معهم، وقد رأى نابليون في هذا المنشور أن يخضع المصريين من باب الدين ~~واحترامه لعقائدهم وخليفة نبيهم؛ فغالى في مصانعتهم حتى شك معظم الأهلين في صدق نيته، ~~وأخذوا يهرعون إلى القرى والبلاد التي بمعزل عن طريق الفرنسيين حتى لا يقعوا في حبال ~~مكايدهم. ومما قلل من ثقة الأهلين بهذا المنشور أن نابليون كان وعدهم عند استيلائه ~~على الإسكندرية بعدم التعرض لحريتهم وتقاليدهم، ولكن ما لبث أن جردهم من السلاح ~~وأمرهم أن يحملوا على صدورهم شارة الجمهورية الفرنسية - وهي قطعة مستديرة من القماش ~~مؤلفة من ثلاثة الألوان: الأزرق والأبيض والأحمر - وها هي بعض عبارات هذا المنشور ~~العجيب، نقلا عن كتاب المؤرخ الشهير الشيخ عبد الرحمن الجبرتي الذي كان معاصرا لهذه الحملة: # بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله، ولا ولد له ولا شريك له في ملكه. ~~من طرف الفرنساوية المبني على أساس الحرية والتسوية؛ السر عسكر الكبير أمير ~~الجيوش الفرنساوية بونابارته، يعرف أهالي مصر جميعهم أن من زمان مديد الصناجق ~~الذين يتسلطون في البلاد المصرية يتعاملون بالذل والاحتقار في حق ms078 الملة ~~الفرنساوية، ويظلمون تجارها بأنواع الإيذاء والتعدي، فحضر الآن ساعة عقوبتهم. ~~واحسرتاه، من مدة عصور طويلة هذه الزمرة المماليك المجلوبين من بلاد الأبنزة ~~والجراكسة يفسدون في الإقليم الحسن الأحسن الذي لا يوجد في كرة الأرض كلها. ~~فأما رب العالمين القادر على كل شيء، فإنه قد حكم على انقضاء دولتهم. يا أيها ~~المصريون، قد قيل لكم إنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم، فذلك كذب ~~صريح، فلا تصدقوه، وقولوا للمفترين إنني ما قدمت إليكم إلا لأخلص حقكم من يد ~~الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله - سبحانه وتعالى - وأحترم نبيه ~~والقرآن العظيم. وقولوا أيضا لهم: إن جميع الناس متساوون عند الله، وإن الشيء ~~الذي يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط، وبين المماليك والعقل ~~والفضائل تضارب، فماذا يميزهم عن غيرهم حتى يستوجبوا أن يتملكوا مصر وحدهم ~~ويختصوا بكل شيء أحسن فيها من الجواري الحسان والخيل العتاق والمساكن المفرحة؟ ~~فإن كانت الأرض المصرية التزاما للمماليك فليرونا الحجة التي كتبها الله ~~لهم، ولكن رب العالمين رءوف وعادل وحليم، ولكن بعونه تعالى من الآن فصاعدا لا ~~ييأس أحد من أهالي مصر عن الدخول في المناصب السامية وعن اكتساب المراتب ~~العالية؛ فالعلماء والفضلاء والعقلاء بينهم سيدبرون الأمور؛ وبذلك يصلح حال ~~الأمة كلها. وسابقا كان في الأراضي المصرية المدن العظيمة والخلجان الواسعة ~~والمتجر المتكاثر، وما أزال ذلك كله إلا الظلم والطمع من المماليك. # أيها ~~المشايخ والقضاة والأئمة والجربجية وأعيان البلد، قولوا لأمتكم: إن الفرنساوية ~~هم أيضا مسلمون مخلصون، وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في رومية الكبرى وخربوا فيها ~~كرسي البابا، الذي كان دائما يحث النصارى على محاربة الإسلام، ثم قصدوا جزيرة ~~مالطة وطردوا منها الكواللرية الذين كانوا يزعمون أن الله تعالى يطلب منهم ~~مقاتلة المسلمين، ومع ذلك الفرنساوية في كل وقت من الأوقات صاروا محبين مخلصين ~~لحضرة السلطان العثماني وأعداء أعدائه، أدام الله ملكه. ومع ذلك إن ~~المماليك امتنعوا من إطاعة السلطان غير ممتثلين لأمره، فما أطاعوا أصلا إلا ~~لطمع أنفسهم، طوبى ثم ms079 طوبى لأهالي مصر الذين يتفقون معنا بلا تأخير، فيصلح ~~حالهم وتعلو مراتبهم، طوبى أيضا للذين يقعدون في مساكنهم غير مائلين لأحد من ~~الفريقين المتحاربين، فإذا عرفونا بالأكثر تسارعوا إلينا بكل قلب، لكن الويل ~~ثم الويل للذين يعتمدون على المماليك في محاربتنا؛ فلا يجدون بعد ذلك طريقا ~~إلى الخلاص، ولا يبقى منهم أثر. # ترك نابليون «كليبر» بالإسكندرية، وشرع في الزحف على القاهرة في (23 المحرم/7 يوليو) ~~واختار لذلك طريق الصحراء الغربية مخترقا مدينة «دمنهور»، وكان قد أرسل قسما من جيشه ~~بطريق الساحل الشرقي للاستيلاء على «رشيد» # 3 # وعززه بأسطول من المراكب الصغيرة، حتى إذا تم لهما فتح المدينة سار ~~الأسطول في النيل وبجانبه الجيش لينضما إلى جيش نابليون عند «الرحمانية». وجد ~~«نابليون» في البر حتى وصل إلى دمنهور بعد أن لاقت جيوشه من التعب والحر والظمأ ما ذهب بقواهم # 4 # وزاد من سخطهم، فاستراحوا بها يوما، ثم واصلوا المسير نحو الرحمانية فجر ~~يوم 26 المحرم، وقبل وصولها التقوا بشرذمة من المماليك لم تكد تشتبك معهم حتى فرت ~~أمام نيرانهم الحامية. # ولما وصلوا إلى الرحمانية رأت جنود نابليون النيل لأول مرة، فهرولوا إليه يطفئون ~~ظمأهم، ويمتعون أبصارهم التي ملت الصحراء ورمالها، وأبدوا رغبة عظيمة في البقاء ~~طويلا بالرحمانية، فرأى نابليون أن يبقى بها بضعة أيام ريثما يلحق به الجيش والأسطول ~~اللذان ذهبا لفتح رشيد. # وكان هذان قد نجحا في مهمتهما، وسار الأسطول في النيل، وانضم الجيش إلى نابليون، ثم ~~سار الجيش إزاء الأسطول على ضفة النيل الغربية، إلا أن الريح كانت شديدة، فساقت الأسطول ~~أمام الجيش حتى وصل منفردا إلى «شبراخيت» - بعد الرحمانية - فالتقى هنالك قبل وصول ~~نابليون بأسطول المماليك وجيشهم المؤلف من 4000 فارس على رأسهم «مراد بك»، فوقع ~~الأسطول الفرنسي بين نارين، وكاد الماليك يفتكون به لولا أن اشتعلت النار بذخيرة إحدى ~~سفن المماليك، فعاقهم ذلك حتى وصل نابليون، فقسم جيشه إلى خمسة مربعات، وأمسك عن إطلاق ~~النار حتى أقدم عليه فرسان المماليك بشجاعتهم المعتادة، ولما صاروا على مرمى مدافعه ms080 ~~أطلقها عليهم، فكانت تحصدهم حصدا؛ فاضطر مراد بك إلى الانحياز إلى القاهرة بمن بقي من ~~رجاله (29 المحرم/14 يوليو). # وكان أهل القاهرة قد استولى عليهم الجزع منذ نزول الفرنسيس إلى أرض الإسكندرية، فلما ~~جاءهم نبأ انهزام مراد بك بشبراخيت وتقهقره إلى القاهرة هاجوا وماجوا، وأخذ الكثير منهم ~~يفرون من المدينة. ولما سمع «إبراهيم بك» بتقهقر زميله شرع في تحصين «بولاق» - فرضة ~~القاهرة في ذلك الحين - وعمل على نصب المدافع على النيل بين بولاق وشبرا، وأقبل عليه ~~الأهلون يساعدونه بكل ما لديهم من الوسائل، فاكتظت بهم بولاق حتى كان يخيل للناظر أن ~~سكان القاهرة انتقلوا إليها، وكان الجميع يزداودن فزعا كلما سمعوا باقتراب الفرنسيس، ~~فامتلأ الجو بصياحهم وعويلهم وتضرعاتهم، والعقلاء منهم ينصحون لهم بالتزام السكينة، ~~ويذكرونهم بأن ذلك لا يجدي نفعا، وأن النبي وأصحابه كانوا يقاتلون بالسيوف والرماح، ~~لا بالعويل والصياح. # أما مراد بك فإنه استعد للقاء الفرنسيس ببلدة «أنبابة» من أعمال الجيزة وخندق بها، ~~ونصب المدافع أمام عسكره مخافة أن يحصل له ما حصل بشبراخيت يوم هاجم الأعداء بفرسانه من ~~غير المدافع. # وقد كانت تجزئة المماليك لقواهم على الوجه المتقدم من أكبر غلطاتهم؛ إذ كان خير طريقة ~~لهم أن يجمعوا كل قواهم على الشاطئ الشرقي وينتظروا قدوم العدو، فيضطروه إلى عبور نهر ~~النيل العظيم، فيهاجموه مجتمعين أثناء عبوره، ولكنهم غفلوا عن ذلك كما غفلوا عن غيره من ~~الحيل الحربية، واعتمدوا على شجاعتهم وانتصاراتهم القديمة، ونسوا أنهم إنما يحاربون ~~دولة في مقدمة دول أوروبا؛ لها من الدراية بالفنون الحربية الحديثة ما تذوب أمامه كل ~~شجاعة، ويفنى به كل استبسال. وصل نابليون إلى «أنبابة» في (اليوم السابع من شهر صفر/21 ~~يوليو)، فرأى المماليك أمامها في انتظاره، وقد ملئوا الجو بصياحهم وحماستهم، وبريق ~~دروعهم وملابسهم المطرزة بالقصب يتلألأ في الشمس فيزيد منظرهم روعة ومهابة، ورأى وراءهم ~~الأهرام تتجلى في الصحراء وتذكر القادم بأنه في أرض الفراعنة الأقدمين، فأشار ~~إليها وقال محرضا جنوده على القتال: # أيها الجند، إن أربعين قرنا تنظر إليكم من قمة ms081 ~~هذه الأهرام. # فكانت هذه الكلمة من أشهر كلماته المأثورة. # ورأى نابليون أن المماليك يتأهبون لمهاجمته من الأمام كعادتهم، فقسم جيوشه فرقا، ~~كل منها على شكل مربع مجوف، وساقها على المماليك على هيئة هلال؛ يستعد وسطه للقاء ~~قلب المماليك، ويحيط طرفاه بجناحيهم. # فأدرك مراد بك قصده، فأمر أبسل قواده «أيوب بك الدفتردار» أن يهاجم الفرقة التي ~~أرادت الالتفاف حولهم من الغرب، فانطلق أيوب بك على الفرنسيس برجاله انطلاق السهام، ~~فأفسح لهم هؤلاء الطريق حتى صاروا في وسط المربع، ثم أصلوهم نارا حامية من ثلاث جهات، ~~ففتكوا بهم فتكا ذريعا. # ثم هجم قلب الجيوش الفرنسية على خنادق المماليك واستولوا عليها برءوس الحراب، ~~وساقوا فرقة أخرى للإحاطة بالمماليك من الشرق، فلما رأى مراد بك أن الفرنسيس كادوا ~~يحيطون به، وأن طرفي هلال جيوشهم آخذان في الاقتراب، بادر بالتقهقر، واضطر إلى ترك ~~مئات من رجاله في الميدان، فحصرهم الفرنسيس بينهم وبين النهر، وما زالوا بهم حتى أفنوهم ~~قتلا وغرقا. # ولم يستطع مراد بك بعد استئناف القتال، فأسرع إلى منزله وأخذ ما قدر على حمله من ~~المال والنفائس، وقصد إلى الصعيد. # هذه هي الموقعة التي تعرف عند المصريين بواقعة «أنبابة» وعند الفرنسيس بواقعة ~~«الأهرام»؛ استمرت أقل من ساعة من الزمان، فكانت - كما رأيت - القاضية على المماليك، ~~ولم يخسر فيها الفرنسيس غير عشرة قتلى وثلاثين جريحا؛ فكانت أكبر برهان على فضل ~~الأنظمة الحربية الحديثة وفوقها على شجاعة القرون الوسطى وإقدامها. # ولم يكد إبراهيم بك يسمع بهذه الكارثة حتى أسرع بالتأهب للفرار من القاهرة، وحذا حذوه ~~بقية المماليك، ثم ازداد الفزع فتبعهم معظم الأهلين، وظل الناس طول الليل يخرجون ~~بنسائهم وأطفالهم من المدينة، بعضهم قاصد إلى الصعيد، وبعضهم إلى جهة بلبيس ~~والسويس، وفي هذه الطريق سار إبراهيم بك. # وفي الصباح (8 صفر) اجتمع علماء المدينة بالجامع الأزهر ليتداولوا في الأمر، فقر ~~قرارهم على التسليم، وذهب وفد منهم ومن الأعيان إلى بونابرت بالجيزة يخبره بالأمر، ~~فأحسن مقابلتهم، وأمنهم على حياتهم ومالهم ودينهم بعبارات تشبه عبارات المنشور، ~~مؤكدا أنه ms082 صديق المصريين والسلطان، وأنه ما أتى إلا لتخليصهم من نير المماليك ~~الظلمة. # ولما سمع أهل المدينة بذلك هدأ روعهم، وأرسلت الزوارق إلى الجيزة، فجاءت بمعظم ~~الجيش، فنزل قسم منه بالقلعة. وفي يوم (10 صفر/25 يوليو) دخل نابليون نفسه القاهرة بعد ~~أن ترك «ديزيه» لحماية الشاطئ الغربي، ونزل بقصر محمد بك الألفي على شاطئ بركة الأزبكية ~~- حديقة الأزبكية الآن. # ورأى نابليون أن يبدأ باستئصال شأفة المماليك؛ فأرسل «ديزيه» في فرقة من الجيش ~~لمطاردة مراد بك بالصعيد، وأرسل أخرى في طلب إبراهيم بالشرقية، فلم تقو عليه لقلة ~~عددها، واضطر نابليون أن يذهب إليه في جيش بنفسه، فقابله إبراهيم بك بالصالحية، فانهزم ~~واضطر إلى الفرار جهة الشام، بعد أن كبد الجيوش الفرنسية خسارة كبيرة. # ثم عاد نابليون إلى القاهرة، واستولت رجاله على أملاك البكوات وأموالهم، وتشددوا مع ~~نسائهم حتى اضطروهن إلى أن يفدين أنفسهن بالمال؛ من ذلك أن زوجة مراد بك فدت نفسها ~~بمبلغ 125000 ريال. وحاول بعض الغوغاء الاشتراك مع الجند في نهب بيوت المماليك، فقابلهم ~~نابليون بالشدة؛ فساعد ذلك على رجوع السكينة بعض الشيء. # نابليون أمام الأهرام (رسم علي أفندي يوسف، عن صورة بدار الكتب ~~السلطانية). # ولما رأى نابليون أن قد هدأت الأمور، عمل على تنظيم الحكومة، وأن يدخل في البلاد كل ~~ما يستطيع من الإصلاحات التي تقتضيها الحضارة الفرنسية، فنصب أحد رجاله حاكما على ~~القاهرة، وجعل آخر مديرا للشئون المالية، وأمر بتشكيل مجلس نيابي - ديوان - من الأهلين ~~ليسترشد بهم في إدارة البلاد. وتكون الديوان بادئ الأمر من عشرة من المشايخ، منهم ~~الشيخ عبد الله الشرقاوي - مؤلف كتاب «تحفة الناظرين» في تاريخ مصر - والسيد خليل ~~البكري - نقيب الأشراف وشيخ سجادة البكرية في ذلك الوقت - وغيرهما من أفاضل العلماء. ~~ثم وسع من نطاق المجلس، فانضم إليه أعضاء يمثلون جميع الطوائف المقيمة بمصر، ومن ~~جملتهم أعضاء من الفرنسيين. # واندفع نابليون في إدخال كثير من الإصلاحات الأخرى الخاصة بالصحة العامة أو الأمن ~~وغير ذلك، غير ناظر لاستياء الناس أو رضاهم، ومكتفيا باعتقاده أنه إنما ms083 يريد الإصلاح ~~على النمط الأوروبي. فمن ذلك أنه أمر الأهلين بكنس شوارعهم ورشها في أوقات معينة، ~~وبوضع مصباح على كل منزل، مع تهديد كل من يخالف ذلك بالعقوبات الشديدة، ووضع أنظمة لقيد ~~عقود الزواج والوفيات والمواليد، مع تأدية مغارم لكل ذلك؛ مما جعل المصريون يحسون ~~تدخله في حريتهم الشخصية - وكانوا لم يعهدوا شيئا من ذلك في عهد أظلم المماليك - ~~فقلت ثقتهم بوعود نابليون ومواثيقه، وأخذوا ينظرون شزرا إلى كل قانون جديد يسنه، ~~خصوصا عندما أمر بهدم أبواب الحارات والدروب. # وكان نابليون قد أخذ يحصن القاهرة؛ فهدم لذلك كثيرا من الآثار والمساجد، فزاد استياء ~~الأهلين، ولما جمع العلماء وكلفهم تعليق شارات الحكومة الفرنسية ذات الألوان الثلاثة، ~~ونهرهم عندما رفضوا ذلك، أمسكوا عن مساعدته في تحسين العلائق بينه وبين العامة، وأخذ ~~سخطهم في الاستفحال. # وبينما نابليون مشتغل بإصلاحاته هذه إذ جاءه نبأ تدمير الإنجليز لأسطوله في خليج ~~«بوقير». # وذلك أن «نلسن» أمير البحر الإنجليزي لم يفتر عن البحث عن الأسطول الفرنسي حتى عثر ~~عليه في خليج «بوقير» في (17 ربيع الأول/أول أغسطس)، فوقعت بين الأسطولين موقعة بحرية ~~عظيمة انتهت بتدمير الأسطول الفرنسي؛ فكانت من أهم الوقائع التي كونت مجد بريطانيا ~~البحري، والفضل في ذلك للبطل العظيم «نلسن» قائد الأسطول الإنجليزي، فإنه مع فوق ~~الفرنسيس عليه في عدد مراكبهم، ونصبهم القلاع والاستحكامات على الشواطئ لمعاونة ~~الأسطول، تمكن من شطر الأسطول الفرنسي شطرين، أحاط بأحدهما من الجانبين وفتك به، ~~وشتتت السفن الإنجليزية شمل المراكب الباقية؛ فلم ينج منها من الغرق أو الحريق إلا ~~القليل. # وكان الفرنسيس في أول الواقعة قد أرسلوا بعض مراكبهم الصغيرة لتغري الأسطول ~~الإنجليزي على الاقتراب من شواطئهم المحصنة، حتى يقع بين نارين، فلم يعبأ بهم نلسن، ~~وكان من مهارته ما رأيت. وفي هذه الواقعة جرح نلسن في رأسه جرحا خفيفا، ومات ~~«برويس» قائد الأسطول الفرنسي بعد أن أظهر من البسالة والثبات ما يجعله في مقدمة أعاظم ~~الرجال. # بلغ نابليون ذلك فحزن حزنا شديدا لانقطاع كل اتصال بينه وبين فرنسا، ولكنه ms084 أظهر ~~الجلد واستمر في تقوية مركزه في الديار المصرية، وبقيت مشروعاته تلي بعضها بعضا من ~~غير أن يعبأ باستياء الأهلين، حتى بلغ السيل الزبى، وخرج سكان القاهرة على الفرنسيس ~~خروجا عاما في (10 جمادى الأولى/22 أكتوبر)، أي بعد نزولهم مصر بشهرين ~~تقريبا. # بعض أعضاء المجلس النيابي: (1) السيد خليل البكري، (2) الشيخ عبد الله ~~الشرقاوي، (3) الشيخ المهدي الكبير، (4) الشيخ سليمان الفيومي. (رسم علي ~~أفندي يوسف، عن مجموعة بدار الكتب السلطانية). # بيان واقعة بوقير البحرية أغسطس سنة 1789. # وتلخص أهم أسباب هذه الثورة فيما يأتي: ~~(1) # قتل الفرنسيس للسيد محمد كريم - حاكم الإسكندرية - لاتهامه بمخابرة ~~المماليك. ~~(2) # غلو الفرنسيس في ضرب الضرائب وكثرة إلحاحهم ولجاجهم في الاستفسار عن ~~الأملاك الشخصية. ~~(3) # هدم بعض المساجد لتحصين القاهرة. ~~(4) # خوف الأهلين من بعض إصلاحات نابليون وحملها على محمل سيئ، مثل هدم أبواب ~~الحارات. وكانت هذه الأبواب تغلق في الليل فتصير كل حارة كأنها حصن في ~~ذاتها. ~~(5) # انهزام الفرنسيين في موقعة بوقير البحرية، وسماع المصريين بأن الباب ~~العالي أرسل جيشا لفتح مصر. # وقد استفحل أمر الثورة وأظهر فيها عوام القاهرة إقداما كبيرا لم يعهد فيهم من قبل؛ ~~فذبحوا كثيرا من رجال الفرنسيين، ثم تحصنوا في الأحياء الوطنية - داخل حدود مدينة ~~الفواطم - ونصبوا المتاريس على مداخلها، ووقفوا يدافعون عنها بما لديهم من الأسلحة ~~والذخيرة. ولكن ماذا تجدي الشجاعة والحماسة أمام القوة والعلم؟ فإن نابليون لم يكد يسمع ~~بالخبر حتى طار برجاله إلى مواضع المتاريس، فصوب عليها المدافع، ثم رأى أن الثائرين ~~لجهلهم لم يحصنوا التلول المشرفة على القاهرة من الشرق # 5 # فأسرع بإرسال المدافع لتنصب عليها، وطاول زعماء الثورة؛ يطلب منهم الصلح ~~خديعة منه ليتم له نقل المدافع إلى المواقع المذكورة، فلما أصبح الصباح ورأى الثائرون ~~المدافع مصوبة عليهم استولى عليهم الفزع، وعلموا أنهم وقعوا في شرك أعمالهم، ولما ~~انهالت المقذوفات طول المساء على حي الأزهر - مقر المشايخ ومنبعث الفتنة - هاج الأهلون ~~وماجوا، واضطر المشايخ إلى الذهاب إلى بونابرت وإظهار خضوعهم له، فأشبعهم تأنيبا ~~وتعنيفا على ما سببوه من سفك الدماء، ثم ms085 أمر بالكف عن إطلاق النيران وأمسك الأهلون ~~أيضا عنه، إلا سكان حي الحسينية - ومعظمهم من طائفة الجزارين - فإنهم لما فطروا ~~عليه من الشدة والعنف استمروا في القتال حتى نفدت جميع مقذوفاتهم، والفرنسيس يصلونهم ~~طول الوقت نارا حامية حتى ألحقوا كثيرا من الضرر بحيهم، وما زالت آثار هذا التخريب ~~باقية إلى الآن. # ثم دخل الفرنسيس المدينة وتجولوا في أسواقها لإعادة النظام والسكينة، ثم دخلت طائفة ~~منهم الجامع الأزهر بخيولهم، وحطموا قناديله، وأزالوا بعض الآيات القرآنية المنقوشة ~~على جدرانه، ثم غالوا فاتخذوا الجامع إصطبلا لخيولهم؛ فعظم استياء الناس، وأرسل ~~المشايخ وفدا إلى نابليون يلتمسون إصدار الأمر بإخلاء الأزهر من الجند، فأجاب ملتمسهم ~~بعد التحذير والتهديد. # فهدأت المدينة ورجعت المياه إلى مجاريها، وإن كان نابليون قلل بعد ذلك من اعتبار ~~المشايخ في الديوان وغيره، وأصبح عملهم قاصرا على نشر المنشورات التي يحثون العامة ~~فيها على التزام السكينة والخضوع للفرنسيس والاعتراف بما أبداه إليهم نابليون من ~~الجميل. # وبعد أن أخمد نابليون الثورة تفرغ لتحصين مصر لصد غارات العثمانيين. وكان هؤلاء قد ~~أخذوا يسعون في استرجاعها، وعقدوا لذلك معاهدة مع إنجلترا وروسيا، وعولوا في فتحها ~~على تسيير جيشين إليها: الأول يزحف على «العريش» من جهة الشام، والثاني يجتمع في ~~جزيرة «رودس» ومنها ينقله الأسطول الإنجليزي إلى سواحل مصر، إلا أنهم أساءوا التدبير في ~~إنفاذ هذه الخطة؛ إذ وصل الجيش الأول إلى العريش قبل أن يستعد الثاني للقيام؛ فتسنى ~~لنابليون مقابلة كل منهما على حدة بجموع جيوشه، مع أنه كان يضطر إلى تجزئتها لو وصل ~~الجيشان في وقت واحد. # فلما علم نابليون بذلك أسرع بمعظم جيشه للقاء جيش الشام، فبلغ العريش بعد أحد عشر ~~يوما واستولى عليها عنوة، وسقطت «غزة» في يده بعد ذلك بقليل. وفي (اليوم الخامس ~~والعشرين من رمضان سنة 1214ه/3 مارس سنة 1799م) بلغ «يافا» وحاصرها، ولما رأت حاميتها ~~أن لا قبل لهم به استأمنوا إليه فأمنهم، ولكنه غدر بهم واستعرضهم جميعا رميا ~~بالرصاص؛ وتلك وصمة كبرى في تاريخ حياته لا يغفرها له ms086 التاريخ مهما انتحل له من ~~الأعذار، وإنه إنما قتلهم جميعا ليخلص من عبء ثقيل هو إطعامهم وحراستهم. # وبعد أن حصن يافا أسرع إلى حصار «عكاء»، فلم يقدر عليها لحسن دفاع حاكمها «أحمد ~~باشا الجزار» ومساعدته بحرا بأسطول إنجليزي بقيادة «السير سدني سمث»، فرجع عنها ~~بعد أن حاصرها 50 يوما. # ولم يكد يصل إلى مصر حتى جاءه خبر وصول البوارج العثمانية إلى الإسكندرية وإنزال ~~10000 من الأتراك بجهة «بوقير» يوم (9 المحرم سنة 1214ه/13 يونيو سنة 1799م)، فسار ~~إليهم وهزمهم شر هزيمة. # على أن ذلك لم يطيب من خاطر نابليون؛ فإن انقطاع المواصلات عنه بمصر بعد تدمير ~~أسطوله بموقعة «بوقير البحرية»، وعجزه عن الاستيلاء على عكاء التي هي في نظره مفتاح ~~الشرق، وضياع أمله في فتح الهند؛ كل ذلك ملأه يأسا، وذهب أدراج الرياح ما كان له من ~~الآمال في تكوين دولة عظيمة بالمشرق. ثم إن «السير سدني سمث» كان قد أرسل إليه طائفة من ~~الصحف الأوروبية، فقرأ فيها أن الحرب تجددت بين فرنسا والنمسا، وأن الأخيرة استردت ~~شمالي إيطاليا الذي كان قد استولى عليه هو قبل مجيئه إلى مصر؛ فعول في الحال على أن ~~يعود إلى فرنسا سرا، فغادر مصر يوم (19 ربيع الأول سنة 1214ه/22 أغسطس سنة 1799م) بعد ~~أن عهد بقيادة الجيش للقائد «كليبر». # خرج نابليون من مصر وترك الجيش الفرنسي تهدده الأخطار من كل جانب؛ إذ كان عدده قد نقص ~~كثيرا في معارك الشام وغيرها، ودب السخط في نفوس الجند وقلت أموال الخزينة، وأصبح ~~الجيش في حاجة إلى الذخيرة والملابس، وأرسلت الدولة العثمانية جيشا آخر إلى العريش ~~يقوده الصدر الأعظم، وأسطولا إلى دمياط؛ تريد إعادة الكرة على مصر، هذا إلى أن ~~المماليك عادوا إلى مكافحة الفرنسيس. نعم، إنهم في جمادى سنة 1214ه هادنوا المماليك ~~الذين كانوا قد تغلبوا على معظم الصعيد بزعامة رئيسهم مراد بك، بأن ولوا مرادا حكم ~~بلاد الصعيد، بشرط أن يكون خاضعا لسلطتهم مستعدا لمعونتهم، ولكنه كان متربصا بهم ~~النوازل حتى يستبد في قومه ms087 بملك مصر. # القائد كليبر (رسم علي أفندي يوسف، عن صورة بدار الكتب ~~السلطانية). # وكان «كليبر» من أكبر قواد الفرنسيس وأعظمهم مهارة، إلا أنه أدرك صعوبة التغلب على ~~هذه الأمور، ورأى من المصلحة أن لا يبقى بمصر، وعرض الصلح على الصدر الأعظم والسير سدني ~~سمث، واتفق معهما على أن يخرج من مصر بجنوده وجميع مهماته، ويسافر إلى فرنسا على نفقة ~~الدولة العثمانية، ويعرف ذلك «بمعاهدة العريش» (شعبان سنة 1214ه/يناير 1800م)، فلما ~~علمت بذلك الحكومة الإنجليزية استنكرت تصرف السير سدني سمث، وأرسلت إليه الأوامر بأن ~~لا يعقد صلحا مع الفرنسيس إلا إذا سلموا جميع جيشهم بمصر. فكان ذلك من الغلطات التي ~~دونها التاريخ للحكومة الإنجليزية؛ إذ إن غرضهم الأصلي لم يكن إلا إخراج الفرنسيس من ~~مصر، وها هو ذا قد عرض عليهم بلا ضرب ولا طعن. فأبلغ السير سدني سمث أوامر حكومته إلى ~~كليبر، فانقطعت بذلك المفاوضات بين الطرفين. # وكان كليبر بعد معاهدة العريش قد سمح لجيش الصدر الأعظم بدخول مصر، فسار وعسكر بجهة ~~«بلبيس»، ثم انتشر عسكره في ضواحي القاهرة والأقاليم المحيطة بها يجمعون المعونات ~~والضرائب، ودخل كثير منهم المدينة، وغفلوا عن احتلال القلاع والحصون التي أخلاها ~~الفرنسيون. فلما تحقق الفرنسيون تغير نية الإنجليز انتهزوا فرصة تشتت الجيش ~~العثماني وأوقعوا بكل قسم منه على انفراده بغتة، وكانت الواقعة الفاصلة بعين شمس؛ ~~فانهزم الترك وتبعهم الفرنسيس إلى «الصالحية»، فتقهقروا إلى الشام. # ولما عاد كليبر إلى مصر وجد أن رؤساء العثمانيين الذين بقوا بالقاهرة هم وبعض ~~المشايخ والتجار أثاروا أهلها وعامتها على الفرنسيس، فهاجوا وملكوا البلد وحصنوا ~~مداخل الدروب ومنعوا الفرنسيس من دخول المدينة؛ فحصلت بين الطرفين مناوشات عظيمة انتهت ~~بعد نحو ثلاثين يوما بإبرام الصلح بينهما على أن يخرج العثمانيون إلى بلادهم، وأن يغرم ~~العلماء والأهلون نحو عشرة آلاف ألف فرنك. # أما شأن مراد بك ومن معه من المماليك في هذه الثورة، فإنهم جاءوا إلى «دير الطين» - ~~الساحل القبلي - ينتظرون لمن يكون الغلب فيكونون معه، فلما حدث ما حدث رجعوا إلى ~~الصعيد. ms088 # وبذلك رجع للفرنسيس نفوذهم في مصر ، إلا أنه لم يمض قليل حتى قتل «القائد كليبر» ~~غيلة؛ قتله «سليمان الحلبي» أحد طلبة العلم من نزلاء السوريين، بإيعاز من أحد زعماء ~~المماليك - على ما قيل - وذلك في (20 المحرم سنة 1215ه/14 يونيو سنة 1800م). # فعهد بقيادة الجيش الفرنسي إلى القائد «مينو»، وكان أقل كفاءة من كليبر غير محبوب من ~~الجيش مثله، وكان شديد الميل إلى البقاء بمصر، فتظاهر باعتناق الإسلام وتسمى «عبد ~~الله مينو»، وتزوج ببنت أحد كبار المصريين من أهل رشيد. # ولم يفتر الإنجليز عن العمل على إخراج الفرنسيس من مصر؛ ففي شهر (شوال سنة ~~1215ه/فبراير سنة 1801م) أرسلوا جيشا بقيادة «السير رلف أبركرومبي» فوصلت السفن ~~الإنجليزية إلى الإسكندرية، وأنزلت الجنود بجهة «بوقير»، ثم وصل جيش عثماني وانضم ~~إليهم. فعهد مينو بقيادة مدينة القاهرة إلى القائد «بليار» وجاء بمعظم الجيش الفرنسي ~~إلى الإسكندرية؛ فالتحم الفريقان في موقعة فاصلة عند «كانوب» قرب بوقير انهزم فيها ~~الفرنسيس وتراجعوا إلى الإسكندرية، فحوصروا بها ومات «أبركرومبي» في هذه الواقعة فعهد ~~بالقيادة إلى «هتشنسن»، وفي أثناء ذلك تقدم الجيش التركي الذي كان بالعريش، فسار ~~هتشنسن للانضمام إليه بعد أن عهد بفتح الإسكندرية إلى أحد قواده. # فالتقى الجيشان بجهة «الرحمانية» وسارا نحو القاهرة، فلم يأنس بليار من نفسه مقدرة ~~على صدهم وعرض عليهم الصلح على أن تخرج الجيوش الفرنسية من مصر وتسافر مخفورة إلى فرنسا ~~على نفقة الحكومة الإنجليزية، فقبل الإنجليز ذلك، وأنزلت الجنود الفرنسية بقوارب في ~~النيل إلى رشيد وبوقير ونزلوا هنالك في السفن التي أعدت لهم. # فدخلت الجنود العثمانية وبعض رجال الجيش الإنجليزي إلى مصر ومعهم من أمراء مصر ~~إبراهيم بك الكبير والبرديسي والألفي والسيد عمر مكرم وغيرهم، فامتلأت قلوب الأمة ~~المصرية فرحا لتخلصهم من أذى الفرنسيس وجورهم. # أما عبد الله «مينو» فكان قد أصر على الدفاع عن الإسكندرية، فشدد الإنجليز ~~والعثمانيون عليه الحصار، وانتهى الأمر بقبوله التسليم والخروج من مصر بنفس الشروط التي ~~سلم بها «بليار»، فسافر بجنوده إلى فرنسا في (اليوم العاشر من ms089 جمادى الأولى سنة ~~1216ه/18 سبتمبر سنة 1801م)؛ وبذلك تم جلاء الفرنسيس عن مصر بعد أن قضوا فيها نحو ~~ثلاثة أعوام. # ذكرنا فيما تقدم أن نابليون أحضر معه إلى مصر نحو مائة رجل من أكبر علماء فرنسا ~~الملمين بكل فن وعلم، وكان أهم غرض من إحضارهم الانتفاع بآرائهم في كل ما يلزم للجيش ~~والجالية التي كان يرمي نابليون إلى توطينها بالبلاد، فلم يكد رجال البعث يبلغون الديار ~~المصرية حتى انكبوا على دراسة جميع ما فيها من آثار ونبات وحيوان ومعادن، ورسموا كل شيء ~~ووصفوه وصفا مسهبا، وقد نجحوا في أعمالهم نجاحا تاما حتى إنه قيل في وصف الحملة ~~الفرنسية: «إنها كانت علمية أكثر منها حربية.» # وبعد خروج نابليون من مصر عني «كليبر» بتنظيم أعمال هذه الهيئة العلمية؛ فقسم ~~أعضاءها إلى تسعة أقسام: قسم لدرس الشئون الزراعية، وآخر للصناعة والتجارة، وقسم ~~للجغرافيا، وآخر للآثار، وآخر للإدارة، وآخر لدرس الأخلاق والعادات، وهكذا. # القائد مينو (رسم علي أفندي يوسف، عن صورة بدار الكتب ~~السلطانية). # ومن أهم أعمالهم بمصر أنهم فحصوا أمر برزخ السويس وإمكان شق ترعة فيه بين البحرين ~~الأبيض والأحمر، فدرسوا المشروع درسا دقيقا برياسة مهندسهم العظيم «لابير»، وكتبوا ~~فيه تقريرا وافيا كانت له أكبر فائدة للمسيو «ديلسبس» الذي حفر هذه الترعة فيما بعد ~~في عهد الخديوي إسماعيل. ولم ينجز الفرنسيس هذا المشروع إذ ذاك لوقوعهم في خطأ حسابي ~~توهموا به أن سطح البحر الأحمر أعلى من سطح البحر الأبيض بتسعة أمتار. # ومن أعمالهم أنهم درسوا الأمراض الخاصة بالبلاد وطرق علاجها، ولا سيما الرمد، وفحصوا ~~نظام الري وطرق إصلاحه، ومسحوا أرض القطر، ورسموا له خريطة عظيمة نشرت عند عودتهم إلى ~~فرنسا. # أما بحوثهم في الآثار المصرية القديمة فكفاهم فخرا أنهم أول من لفت نظر أوروبا إلى ~~درس هذه الآثار، وأن ما دونوه فيها كان الأساس الأول لبحوث العلماء الأوروبيين بعد، ~~وقد كشفوا كثيرا من المدن والآثار المصرية القديمة، ورسموا لها صورا جميلة، # 6 # وأشكالا تبين دواخل أهم المعابد وما على جدرانها من النقوش، ms090 وكان كل ذلك ~~طبعا بالقلم والقرطاس؛ إذ لم يكن التصوير الشمسي وقتئذ معروفا ، ولا يفوتنا أن رجال ~~هذه الحملة هم الذين عثروا على حجر رشيد الذي كان له الفضل الأكبر في انجلاء تاريخ مصر ~~القديم. # وفي سنة (1217ه/1802م) أمرت الحكومة الفرنسية بجمع أعمال علماء الحملة ونشرها في ~~مؤلف واحد، فظهرت في ذلك الكتاب العظيم المسمى «وصف مصر» # Description de ~~l’Egypte ~~، فكان ~~أكبر وأوفى مؤلف ظهر إلى الآن في وصف الديار المصرية. # ووافقت الحكومة الفرنسية أخيرا على تجريد الحملة؛ لأنها أخذت تخشى سطوته بعد ~~انتصاراته في أوروبا. # كانت السطوة الحقيقية في هذه الأيام للمماليك، ولكن لما كان هؤلاء يعلمون ~~أنهم أجانب عن البلاد، بعيدون عن أهلها في الشعور والعادات، خشوا ازدياد ~~الجفاء بينهم، وعملوا على اكتساب مودة العلماء ليحببوا فيهم الأهلين؛ فكانوا ~~يشاورونهم في الأمر، ويصغون لرغباتهم، حتى صار للعلماء قول مستمع في إدارة ~~شئون الحكومة. # أما الوالي فلم يكد يكون له من الأمر شيء سوى تسلم الجزية وإرسالها إلى ~~السلطان. وكان المماليك دائما يرتابون في إخلاصه لهم ويخشون دسائسه لدى ~~الباب العالي، حتى إن «مراد بك» قال لبكر باشا في هذا الاجتماع الذي نحن بصدده: ~~«إن الفرنسيس ما قدموا إلى هذه البلاد إلا برضاء الباب العالي، إن لم يكن ~~بإيعاز منه.» # وكانت إذ ذاك مدينة تجارية عظيمة وتمتاز عن الإسكندرية بكثرة حدائقها وجمال ~~منظرها. # لأن أكثر الترع كان نيليا. # أي من جهة باب الوزير وباب البرقية «جبانة المجاورين». # هذه الصورة بعضها مطابق تماما لحالة الآثار وقت رسمها وبعضها يمثل شكلها في ~~أيام رونقها، واستعانوا في رسمها بالنظر إلى الأجزاء التي لم تنهدم في الأثر ~~واستنتاج شكل التي تهدمت بطريق المحافظة على التماثل في البناء. # الفصل الثاني # محمد علي باشا ~~(1) نشأته ونهوضه # ولد محمد علي باشا ابن إبراهيم أغا من سلالة ألبانية ببلدة «قولة» أحد المواني ~~الصغيرة التي على الحدود بين تراقية ومقدونية عام (1183ه/1769م)، وهو العام الذي ~~ولد فيه «ولنجتون» القائد الإنجليزي العظيم «ونابليون» الفاتح الكبير، ولكل منهما ~~أثر عظيم ms091 في تاريخ حياة المترجم. وإنه لمن العبث أن نسرد هنا الأقاصيص التي تعزى ~~إليه في حداثة سنه؛ إذ لم نعثر عليها في أصل يعتمد عليه. # توفي والده إبراهيم أغا وهو في سن الطفولة، فتولى أمره عمه «طوسون»، غير أن هذا ~~وافته منيته بعد مدة وجيزة، فقام بأمر تربيته أحد أصدقاء والده، وقد تبناه وعني به ~~حتى بلغ الثامنة عشرة من عمره، فتعلم طرفا من الفروسية واللعب بالسيف، ثم زوجه ~~إحدى قريباته، وكانت من ذوات اليسار. وخدم حاكم قولة، واكتسب رضاه بما كان يأتيه من ~~ضروب المهارة والحذق في جباية الأموال من القرى المجاورة التي كانت لا تؤدي ما ~~عليها إلا بالشدة واستعمال القوة الجبرية، وأعانته ثروة زوجته على الاتجار في ~~الدخان، فاصطحب المسيو «ليون» أحد صغار التجار - ويغلب أنه كان وكيلا لأحد المحال ~~التجارية بمرسيليا مسقط رأسه - وشاركه في الاتجار في هذا الصنف، فلم تعد عليه هذه ~~التجارة بالأرباح الطائلة، إلا أنه استفاد فائدة جمة من مرافقته للمسيو «ليون»؛ ~~فاكتسب منه كثيرا من العادات والآداب الفرنسية التي تركت في نفسه أثرا عظيما، ~~وساعدته مساعدة كبيرة في بقية أطوار حياته. # هذا كل ما رواه التاريخ من سيرته الأولى، وهو يحملنا على أن نترك الثلاثين سنة ~~الأولى من تاريخ حياته صحيفة بيضاء؛ وذلك أمر لا بد منه لمن نشأ في بلدة صغيرة لم ~~تكن ذات شأن كبير من قبل. # وقبل أن نشرح طريقة استيلاء محمد علي على الديار المصرية وإبادته للمماليك يجب ~~علينا أن نصف حالة الدولة العثمانية في إبان شبابه، حتى يتمكن القارئ من الوقوف على ~~سر نجاحه: كانت الدولة العثمانية إذ ذاك مكونة من عدة شعوب مختلفة، ذوي أديان ~~متباينة ونحل متضادة؛ مما طرق إليها الضعف، وأدخل عليها الوهن والاختلال الذي كاد ~~يبلغ أقصاه في عصر محمد علي؛ إذ قد بدأ في عهد صغره أمر «علي باشا والي يانينة»، ~~وهو أيضا من الألبانيين: أولئك القوم الذين فتحوا الشرق بقيادة الإسكندر، ~~واستوطنوا مصر في عهد البطالسة، وهددوا رومية في زمن بيروس. ms092 خرج ذلك الرجل على ~~دولته، فنكث فتلها، وأقلق بالها، واستقل بأمر ألبانيا مدة خمسين عاما انتهت بقتله ~~غيلة سنة (1237ه/1822م). # وكانت كذلك جميع أجزاء الدولة مفككة العرى ثائرة على الباب العالي؛ فمصر ~~والأناضول وسورية كلها كانت في فتن وقلاقل، وبلاد العرب مع الدولة في حرب عوان، ~~وكانت الولاة في يانينة وبغداد كأمراء مستقلين، واستقل بالفعل في عكاء أحمد باشا ~~الجزار، وشرع يحذو حذوه معظم ولاة الدولة، ووقف دولاب أعمال الحكومة الداخلية جملة، ~~وكان الجيش مؤلفا من رعاع الناس وسفلتهم، وكان السلطان أشبه بسجين أو ألعوبة في يد ~~وزرائه وعساكره الإنكشارية، وكان الباب العالي مكونا من فئة الوزراء الذين يتهددهم ~~الخطر في كل لحظة؛ فقد كان كل منهم يتحين الفرص لاغتيال زميله، أو للسعي في عزل ~~السلطان وتولية غيره؛ ليكون هو الصدر الأعظم الجديد. # تلك كانت حال الدولة بالاختصار في شبيبة محمد علي، ومنها يسهل تفهم أطوار حياته ~~وعلاقته مع الدولة. وبالرغم من كل هذا كان عامة مسلمي الدولة مطيعين خاضعين للسلطان ~~من آل عثمان؛ لأنه خليفة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # والإمام الواجب تنصيبه دينا، ولو لم ~~يكن له من الأمر شيء. بخلاف الوزير أو الوالي اللذين لم يكن كل منهما في نظرهم إلا ~~فردا من رجال الحاشية توصل إلى مركزه السامي بالحظوة أو الرشوة؛ لذلك نرى أن كل ~~الفتن والقلاقل في ذلك العهد كانت نتيجة المنافسة القائمة بين حكام الأقاليم ورجال ~~الباب العالي، وأن فوز أحدهم بأمنيته كان متوقفا على حسن الحظ والإقدام والخداع، ~~لا على الكفاءة الشخصية والمواهب الطبعية. # بلغ محمد علي الثلاثين من عمره عام (1212ه/1798م)، وكان لا يزال في مسقط رأسه بين ~~أولاده الثلاثة: إبراهيم وطوسون وإسماعيل. وقد ذكرنا أن تجارة الدخان لم تعد عليه ~~بربح طائل؛ لذلك كان ميالا للاحتراف بمهنة أخرى، فلم يلبث إلا قليلا حتى دخل في ~~طور جديد من أطوار حياته، والسبب في ذلك يرجع إلى الحملة الفرنسية على مصر. # وذلك أنه في (سنة 1213ه/عام 1799م) أعلن الخليفة الحرب على الفرنسيين ms093 لغزوهم مصر، ~~فأصدر الأوامر بجمع الجيوش من أنحاء الدولة، فجمع حاكم قولة «الشربجي» فرقة عددها ~~300 من الجنود المتطوعين -الباش بزق - بقيادة ابنه «علي أغا»، ورافق محمد علي هذه ~~الفرقة وكيلا له عليها، فتوجهت بطريق البحر إلى الدردنيل، ومن ثمة انضمت إلى عامة ~~الجيش في جزيرة رودس. # ولما وصل الجيش إلى ميناء بوقير من الديار المصرية التحم بالجيش الفرنسي، فكانت ~~الدائرة على الترك، واضطرهم الفرنسيون إلى الالتجاء لسفنهم وسفن الإنجليز المرافقة ~~لها بعد مذبحة شنيعة. وكان محمد علي قد أشرف على الغرق لولا أن قيض الله له «السير ~~سدني سمث» فانتشله من الماء بيده وأنزله في سفينته. # وبعد ذلك رجع محمد علي إلى بلدته، ثم عاد سنة (1215ه/1801م) مع جيش «القبطان حسين ~~باشا» الذي جاء ليساعد القائد الإنجليزي «أبركرومبي» على إجلاء الفرنسيين. ومن هذا ~~الوقت بقي في مصر حتى صار واليا عليها. # وقد نال إعجاب قائده والقواد الإنجليز بما كان يأتيه من ضروب الشجاعة وشدة البأس ~~عند هجومه على حصن الرحمانية؛ إذ دخله عنوة بعد أن اضطر القائد الفرنسي إلى إخلائه؛ ~~وكان هذا سببا في رقيه إلى رتبة قائد في الجيش. ~~(1-1) نهوض محمد علي # بعد إخلاء الحملة الفرنسية البلاد ورجوعها إلى فرنسا ابتدأت جماعة المماليك ~~تشرئب أعناقها لأن تقبض على زمام الأمور في البلاد كما كانت من قبل، في حين أن ~~الباب العالي كان يطمح إلى طرد المماليك من الديار المصرية، واسترجاعها بعد أن ~~اغتصبت منه مدة من الزمان، لكن المقادير جاءت بعكس ما أمل الفريقان؛ إذ أراد ~~الله أن تكون نصيبا لمحمد علي. # بدأ النزاع بين الباب العالي والمماليك عندما أراد الأول أن يستقل بالسيادة ~~في مصر، فاستخدم للتغلب عليهم طريقة غير مقبولة؛ وذلك أن القبطان حسين باشا دعا ~~البكوات العظام من حزب مراد بك إلى معسكر بوقير، بعلة التفاوض معهم في صيرورة ~~حكومة مصر، فكان معظمهم غير مرتاح البال إلى هذه الدعوة، إلا أن خوفهم من نزع ~~السلطة كلها من أيديهم حملهم على تلبيتها، وطمأن خاطرهم قرب ms094 معسكر القائد ~~«هتشنسون» الإنجليزي. # قابلهم الباشا القبطان بتهلل واستبشار وأكرم مثواهم، ثم دعاهم إلى ركوب زورق له ~~لزيارة القائد الإنجليزي، بحجة أنه يريد أن يتفاوض معه أيضا، ولما بعدوا عن ~~الشاطئ قليلا لحقه زورق يحمل بعض الأوراق، فاستأذنهم ليقرأها على انفراد وترك ~~الزورق بمن فيه من البكوات؛ فظهر لهم عند ذلك أنه يريد بهم سوءا، فأمروا ~~النواتي بالرجوع فامتنعوا وأطلقوا عليهم النار، فقتلوا ثلاثة وجرح عثمان بك ~~البرديسي واثنان آخران، فلما علم القائد الإنجليزي بذلك استشاط غضبا، فاعتذر ~~له الباشا القبطان بأسباب واهية. وفي الوقت الذي حدثت فيه تلك الحادثة عند ساحل ~~البحر كانت تمثل الرواية نفسها في القاهرة، وقد احتمى معظم من بها من البكوات ~~بالمعسكر الإنجليزي فيها، فأسعفهم القائد «رمزي» رغم إلحاح الصدر الأعظم في ~~تسليمهم إليه؛ فكانت هذه الحادثة مدعاة إلى اشتعال نيران الحقد في صدور ~~المماليك، وقد زادها لهيبا جعل «محمد خسرو» مملوك الباشا القبطان واليا على ~~مصر في (ربيع الأول سنة 1216ه/يوليو سنة 1801م)؛ حصل له القبطان ذلك المنصب ~~بتوسط الصدر الأعظم يوسف باشا لدى الباب العالي. # ويعتبر خسرو باشا الوالي الجديد على الديار المصرية من أشهر رجال الترك في ~~القرن الثالث عشر، وكان ذا حظوة عظيمة لدى السلطان، وقد خاصم محمد علي مدة نصف ~~قرن كان في أثنائها عدوه المبين لأسباب سنذكرها في موضعها. وكان من الذين يعتد ~~برأيهم في جسام الأمور ومعضلات السياسة كما سيجيء، ولا يعزى فشله في مصر إلى ~~قلة الذكاء والشجاعة، بل لأنه ابتدأ حروبا داخلية في وقت كانت فيه خزانته ~~خلوا وجيشه غير مدرب، على قوة عظيمة من فرسان المماليك الذين كان في قبضتهم ~~خيرات البلاد وفيضها. # ومن العبث أن نتجاهل ما كان للمماليك من المزايا العظيمة التي يمتازون بها ~~على الأتراك في حربهم لهم؛ وذلك لأنهم التحموا بالجيوش الفرنسية أكثر من ~~الأتراك، فاقتبسوا من طرقهم الحربية ما زادهم فوقا على الأتراك، ذلك إلى أنهم ~~يعرفون البلاد أكثر من جنود الترك الذين وصلوا إليها حديثا، وأنهم كانوا لا ~~يزالون ms095 أصحاب النفوذ والسلطان في البلاد. # فلما أراد «خسرو» مطاردتهم ونزع البلاد من أيديهم، ظهرت كل هذه العقبات ~~أمامه، فضلا عن أنهم القابضون على أزمة الأحكام في المديريات، فأصبح القصد ~~إذن من حربه لهم انتزاع البلاد من قبضتهم؛ فأرسل لذلك «طاهر باشا» قائد ~~الألبانيين بجيش كان نصيبه الخيبة والفشل، وطارده عثمان بك البرديسي قائد ~~المماليك من الوجه القبلي إلى الوجه البحري حتى ساحل البحر. ولما وصلت أخبار ~~هذه الهزيمة إلى خسرو أعد مددا أرسله بقيادة محمد علي، وكان ممن نال ثقة خسرو ~~في هذا الحين، إلا أن عثمان بك بادر إلى مناجزة الجيش التركي قبل أن يصل إليه ~~المدد الذي كان يقوده محمد علي، وبدد شمله. # فلما علم خسرو بالهزيمة الثانية وجه لوما إلى الألبانيين وخاصة إلى محمد ~~علي، وأراد أن يحاكمه على تقصيره أمام مجلس عسكري، وكان غرضه بذلك اغتياله، ~~فامتنع محمد علي عن الحضور، ومن هذا العهد ابتدأت بذور العداوة تنبت بين هذين ~~الرجلين؛ تلك العداوة التي فتت في عضد الدولة ومزقت أحشاءها كل ممزق. # وبعد الهزيمة الأخيرة أبت عساكر الترك الحرب كل الإباء لتأخر رواتبهم، وثاروا ~~وحاصروا الخزانة ونهبوا وسلبوا القاهرة، فاعتصم خسرو بالقلعة، وأصلى العصاة ~~منها نار حامية، فأراد إذ ذاك طاهر باشا قائد فرقة الألبانيين - وعددهم 5000 - أن ~~يتوسط بين خسرو والعصاة، فأبى خسرو وساطته، فانضم إلى العصاة عليه، ولما لم يجد ~~خسرو لديه حينئذ جندا تحميه ولى هاربا إلى دمياط، وبقي بها ينتظر فرصة يسترد ~~بها ما فقده. # ولما علم طاهر بذلك جمع رءوس العلماء وأشراف العاصمة وشاورهم في الأمر، فرضوا ~~أن يكون نائبا عن الوالي عليهم، فأعلن أنه هو الحاكم على مصر حتى يولي الباب ~~العالي خلفا لخسرو باشا، وذلك في (صفر 1218ه/مايو 1803)، وكان من سوء طالع طاهر ~~باشا أنه وقع في نفس الحيرة التي وقع فيها خسرو؛ إذ لم يمكنه دفع مؤخر رواتب ~~الجند، وبعد 22 يوما من قبضه على زمام الأحكام تألب عليه الجند، واغتاله ~~ضابطان - موسى أغا وإسماعيل أغا - بعد أن ms096 تظلما له من تأخير رواتب الجنود. # فأصبح محمد علي - بعد هرب خسرو وقتل طاهر - رئيس الأجناد غير المماليك من ~~الأرناءوط وغيرهم؛ لأن رتبته في الجيش كانت تلي رتبة طاهر باشا، ولأنه كان ~~محبوبا لدى العلماء والأهالي لما كان يبديه من العطف والحنان عليهم، فحاز ~~رضاهم بدفاعه، وكاد يعلن نيابته عن الوالي لولا أن رأى مركزه لا يقل خطرا عن ~~مركز طاهر؛ لعدم قدرته على دفع مؤخر رواتب الجند، وعلى مقاومة خسرو باشا ~~والمماليك معا بمن كان تحت إمرته من الألبانيين؛ فرأى أنه من الحكمة والكياسة ~~أن ينضم إلى عثمان بك البرديسي هو ومن معه، فتحالفا ونصبا إبراهيم بك الكبير ~~نائبا عن الوالي العثماني، لكبر سنه ومكان احترامه عند المماليك، وطردوا ~~الإنكشارية من مصر. # وكان بمصر وقتئذ «أحمد باشا» والي المدينة وينبع، مارا بها، يستمد واليها ~~ويتأهب للخروج إلى منصبه، ويؤلف حملة يكافح بها الوهابيين؛ فاشترك في هذه ~~الحوادث وفي مقتل طاهر باشا، وجعل نفسه واليا على مصر، أو على الأقل نائبا عن ~~خسرو ريثما يحضر من دمياط، وكاد يتم له مراده لولا مناصبة محمد علي وإبراهيم ~~بك له وعدم اعترافهما له بأي حق في التدخل في شئون البلاد. ولم يشعر بسلطته ~~أحد؛ لأنها لم تدم أكثر من يوم وليلة، ثم جاءه التقليد من الأستانة بنيابته عن ~~الوالي حتى يحضر، ولكن بعد فوات الفرصة؛ فإنهم طردوه وباقي الإنكشارية من مصر، ~~فخرج إلى الحجاز. # ثم إن البرديسي ومحمد علي تعاونا على إخضاع المماليك الثائرين الذين كانوا ~~يهددون العاصمة، وبعد أن تم لهما ذلك عملا على بت الأمر في قضية خسرو؛ فأعد ~~لذلك عثمان بك البرديسي جيشا بريا، أما محمد علي فإنه جهز أسطولا صغيرا ~~ونزل به إلى دمياط، وكان قد أخذ لذلك عدته، وبعد مناوشات خفيفة أخذ خسرو سجينا ~~إلى القاهرة. # ولما علم الباب العالي بسير الأحوال في مصر استولى عليه الخوف والقلق، واتضح ~~له جليا أن خسرو أصبح غير لائق لولاية مصر، فأصدر عهدا بتولية «علي باشا ~~الجزائري»، ونزل هذا الوالي ms097 الجديد بالإسكندرية في (ربيع الأول سنة 1218ه/8 ~~يوليو سنة 1803م)، فرأى أنه لا يمكنه مقاومة البرديسي ومحمد علي بحد السيف، ~~فاتفق معهما ظاهرا، على حين أنه كان يعمل في الخفاء على هدم قوتهما وتكوين حزب ~~وطني مصري يناهض المماليك، ولكن من سوء حظه أن بعض مراسلاته مع السيد «السادات» ~~وقعت في يد البرديسي - وكان هذا ضيفا عنده - فاحتال البرديسي في قتله، وتم له ~~ذلك في (شوال سنة 1218ه/يناير سنة 1804م). # وفي الشهر التالي لمقتل علي باشا الجزائري ظهر رجل ذو سطوة وبأس وأعوان ~~كثيرين، وهو «محمد بك الألفي» الذي يعد من أكبر المماليك في الديار المصرية؛ ~~وذلك أنه رجع من إنجلترا بعد أن مكث بها سنتين، وكان قد سافر إليها عام (1802م) ~~مع الحملة الإنجليزية، وسبب سفره أن الإنجليز كانوا قد عاهدوا المماليك في ~~واقعة سنة (1801م) أن يأخذوا بناصرهم، ليتخذوهم صنائع وأعوانا لهم بمصر إذا ~~اقتضى الحال تدخلهم في شئونها مرة أخرى. فلما رجعت الحملة صار يتغنى قوادها ~~بفروسية المماليك وشجاعتهم وخدماتهم، فسهل على الأمة الإنجليزية تعزيز هذا ~~الاتفاق، وعزموا على مساعدة الألفي وحماية المماليك. فلما وصل إلى السواحل ~~المصرية علم أنه لا يمكنه الوصول إلى ضالته إلا بتوحيد قوى المماليك وجعلهم تحت ~~حماية الإنجليز، وكان ذلك لا يتم له إلا بالاتحاد مع البرديسي عدوه العنيد، ~~وإبراهيم بك الكبير. فلما نزل عند بوقير قابله أعوانه بكل حفاوة وإكرام، وإذ ~~كان في ريبة من أمر البرديسي اتخذ مسكنه في دمياط، وأصدر الأوامر إلى أتباعه ~~بالاجتماع في ضيعته بالجيزة، ومعهم كل ما يمكن جمعه من العدة والعدد، على أن ~~يلحق بهم بعد. # إلا أن وصوله إلى الديار المصرية لم يرق في نظر كل من البرديسي ومحمد علي؛ ~~لأن الأول رأى أن من الخطل أن تكون نتيجة خلعه واليين وقتله ثالثا أن يشاركه ~~في السلطة مناظر كان بعيدا عن الديار أثناء حربه معهم، وفاته أنه لو اتحد مع ~~الألفي كما اتحد مع إبراهيم بك لاستعادوا سلطة المماليك في مصر؛ لأن محمد علي ms098 ~~غريب عن البلاد وهو وحده لا يقوى على مقاومتهم، ولكن تدبير محمد علي ودهاءه ~~وسعوده كلها حالت دون اتفاقهم، خصوصا أنه رأى أن البرديسي في قبضته ولا داعي ~~قط لإشراك مملوك آخر في حكم البلاد؛ فاتفق الاثنان على أن يتخلصا من محمد ~~الألفي، وفعلا حاصر محمد علي ومن كان معه من الألبانيين قصره في الجيزة وأخذ ~~أتباعه على غرة، وقتل منهم خلقا كثيرا، وفر الباقون. أما البرديسي فسار بجيشه ~~ليفتك بالألفي في طريقه إلى القاهرة، فقابله بالمنوفية هو وحاشيته، فأفلت ~~الألفي من يده وهرب إلى سورية، أما من كان معه فقتل معظمهم وسلب كل ما معهم من ~~المتاع والمال. # اتبع محمد علي أثناء كل هذه المكافحات التي ناصب بها السلطان ومحمد الألفي ~~خطة أظهرت ما كان عليه من الدهاء والحكمة؛ إذ إنه اختفى وراء الستار، وأظهر ~~البرديسي بمظهر العاصي في وجه السلطان والمهاجم للألفي بك، مع أن محمد علي كان ~~يساعده في جباية الأموال اللازمة للجيش الذي كانا يستظهران به على من ينازعهما ~~السلطة. # ولما هرب الألفي من الديار المصرية طلب محمد علي من البرديسي رواتب الجند، ~~وأنذره أنه إذا تأخر اضطر إلى تركه وحيدا وساعد الترك عليه وانضم إليهم، فلم ~~يسع البرديسي إلا تلبية طلبه، وبذل كل جهده في جباية ما يلزم من المال بالقوة ~~من التجار، فأثار غضب الأهالي وهيجهم، ولا سيما أن ذلك أعقب ضرائب فادحة جمعتها ~~الحكومة واستعمل الجباة في استخراجها العنف والشدة معهم؛ إذ كانوا يضربون من ~~يمتنع منهم، وقد يقتلونه. # فانتهز هذه الفرصة محمد علي وانسلخ من البرديسي، وأظهر استياءه لجمع هذه ~~الضرائب الفادحة، ووعد الأهالي بالأخذ بناصر الذين يعارضون في جمعها، فمال إليه ~~الناس، وأصبح محبوبا عند عامة أهل القاهرة وأشرافها، ولما وثق من أن الرأي ~~العام يؤيده، وأن هذه أحسن فرصة للقضاء على سلطة البرديسي والتخلص منه ومن ~~أتباعه، قام في فجر يوم (30 ذي القعدة سنة 1218ه/12 مارس سنة 1804م) هو وجميع من ~~التف حوله من الجند وحاصروا قصر البرديسي - الذي ms099 كان محصنا بالمدافع - فتمكن ~~محمد علي من رشو رجال مدفعية البرديسي فحولوا مدافعهم على سيدهم؛ إلا أن ~~البرديسي وإبراهيم بك الكبير اقتحما الطريق وفرا هاربين إلى بلاد سورية. # فصفا الجو عندئذ لمحمد علي، وأصبح صاحب الكلمة النافذة في القاهرة، إلا أنه ~~رأى الفرصة لم تحن بعد للقبض على زمام الأمور في الديار المصرية للأسباب ~~الآتية: ~~(1) # أنه رأى لا بد من أن عثمان بك البرديسي ومحمد بك الألفي سيتفقان ~~على مناوأته، وهو لا يقوى على مكافحتهما متحدين. ~~(2) # أن أتباعه من الجند لم تكن إلا عصابة صغيرة من الألبانيين لا ~~تقوى على منازعة جميع الماليك. ~~(3) # أنه كان يعتبر في هذه الفترة خارجا على الدولة لاشتراكه في خلع ~~خسرو، وأن الدولة ربما أرسلت جيشا لقهره والضرب على يده. # فأراد أن يتخلص من هذا المأزق الحرج بإذاعته أنه يريد تحرير القطر المصري من ~~جور المماليك وعسفهم، حتى يكون قد خدم الدولة خدمة جليلة تمحو ما مضى من سيئاته ~~وعصيانه، ومهد السبيل لذلك أنه لما علم أن الباب العالي عين واليا جديدا بدلا من ~~الجزائري # 1 # قام في الحال وأطلق خسرو باشا - وكان سجينا - ليتولى الأمور حتى يصل ~~الوالي الجديد، ولكن الجند لم يرضوا بأي حال إعادة تنصيبه واليا؛ فاضطر محمد ~~علي بعد إطلاقه بثلاثة أيام أن يسفره إلى رشيد، ومن ثم أبحر إلى القسطنطينية ~~بعد أن أظهر له عجزه عن حمايته. # وبعد هذا الحادث بزمن وجيز وصل «أحمد خورشيد باشا» الوالي الجديد، واعترف ~~بتوليته كل الجيش من ترك وألبان، وأذعنوا له بالطاعة، ولكنه أظهر بعد فترة من ~~الزمن أنه وال ضعيف الإرادة غير كفء لهذا المنصب، وعجز كسابقيه عن دفع مرتب ~~الجند والأتراك، فرجعوا إلى السلب والنهب. أما محمد علي فاتبع الطريق الأقصد، ~~ومنع أتباعه من الألبانيين من مصادرة الأهالي، بل كان بالعكس يجتهد في حمايتهم ~~من ظلم الأتراك وعسفهم. ولما رأى الأهالي ما ارتكبه الجنود ثاروا على الوالي ~~والتجئوا إلى محمد علي ليوقف هذه المظالم، فأمنهم على حياتهم وأموالهم بشرط أن ~~يدفعوا له ms100 من المال ما يقوم بحاجة أتباعه من الألبانيين. وفي هذه الأثناء جاء ~~إلى خورشيد باشا الوالي أمر سلطاني باستدعاء الألبانيين وقائدهم محمد علي، ~~فتأهب هو وجنده للرحيل من الديار المصرية، فرجاه كبار الأمة وعلماؤها في البقاء ~~بمصر خوفا من تسلط الأتراك وبطشهم، فقبل ذلك منهم وأبى الرجوع. وفي هذه ~~الأثناء جمعت المماليك جموعها على مقربة من المنية للإغارة على القاهرة، فولى ~~خورشيد محمد علي قائدا على الجيش الذي أعده لمحاربة المماليك، فحاربهم في عدة ~~وقائع لم تكن فاصلة. وفي خلال هذه الحروب وصل جيش من الدلاة من قبل الباب ~~العالي أكثر همجية وأبشع حالا من الجيش الذي في داخل البلاد ليحل محل ~~الألبانيين، فلما علم محمد علي بذلك ظن أنه وقع بين نارين، فقفل راجعا إلى ~~القاهرة وواجه الجيش الجديد جهة «البساتين» و«دير الطين»، وأخبرهم أنه لم يحضر ~~لخلاف ولا عصيان، ولكن لطلب النفقة والمئونة، وأنه يرمي معهم إلى غرض واحد وهو ~~تأييد الوالي والسلطان وإبادة المماليك؛ فانخدعوا بقوله، وأفسحوا له الطريق، ~~فدخل القاهرة دخول المنتصر بعد أن اتفق مع الدلاة وأجزل لهم العطاء والهدايا، ~~فأصبحوا معه على الوالي، وسمح لهم بالذهاب في طول البلاد وعرضها، يجمعون ~~الضرائب ويأكلونها. # ولما عاثت جنود الأكراد - الدلاة - في الأرض فسادا قام الأهالي في وجه خورشيد، ~~وطلبوا من محمد علي أن يحميهم ويكون الوالي عليهم، فقبل ذلك وشن الغارة على ~~الوالي، فاعتصم هذا بالقلعة، ولما لم يجد له وسيلة يتخلص بها من محمد علي اجتهد ~~في الحصول على عهد من الباب العالي بتنصيب محمد علي واليا على جدة، فلم يلتفت ~~محمد علي لهذا التنصيب، وحاصر خورشيد باشا في القلعة، وأطلق عليها المدافع ~~إطلاقا ذريعا، وذلك في (صفر سنة 1220ه/مايو سنة 1805م). # وحينئذ اجتمع علماء البلد ووجهاؤها وأقاموا محمد علي واليا على مصر، فقام ~~إليه الشيخ الشرقاوي و«السيد عمر مكرم» نقيب الأشراف وألبساه «الكرك» إيذانا ~~بالولاية. وكان في يد السيد عمر أمر العامة في جميع أنحاء مصر، لا يعصون له ~~أمرا؛ فأيد أمر محمد علي ms101 بنفوذه وجاهه أكثر من 4 سنين تأييدا لم يقم به أحد ~~مثله، وأرسل العلماء رسولا إلى الباب العالي ليلتمس العفو عما فرط منهم في حق ~~الوالي ويرجو اعتماد تنصيب محمد علي خلفا له، فعلم السلطان من ذلك مقدار ميل ~~الأهلين لمحمد علي، وأيقن أنه أصبح صاحب الكلمة العليا في مصر، فوافق على ~~تنصيبه واليا عليها في (ربيع الآخر سنة 1220ه/يوليو سنة 1805م). ولما علم ~~خورشيد باشا بهذا النبأ سلم له القلعة وتخلى عنها. ~~(1-2) توطيد سلطة محمد علي في مصر # كانت لا تزال سلطة محمد علي بعد يوليو سنة 1805 مزعزعة الأركان؛ لأن اختياره ~~واليا كان بالرغم من الباب العالي، فكان أولياء الأمور في القسطنطينية يتحينون ~~أول فرصة للتخلص منه، فإنه وإن كان أدار الشئون المصرية بالضبط والمهارة، وقام ~~بها خير قيام، لا يبعد أن يجاهر يوما ما بالعصيان في وجه الباب العالي كما فعل ~~من قبل. هذا إلى أن ما حاق بالمماليك من المصائب والنكبات المتتابعة جعلهم ~~يتحدون معا على محمد علي عدوهم العنيد، ثم دهمه أمر لم يكن في الحسبان، وهو ~~ورود حملة إنجليزية لغزو مصر، والسبب فيها يرجع إلى تحالف فرنسا مع الترك بعد ~~توليته بعام ونصف، وكانت فرنسا إذ ذاك في حرب عوان مع إنجلترا، فأرسلت الأخيرة ~~حملة لتغزو البلاد المصرية باتفاق مع حليفتها الروسيا مؤملة أن ترجع البلاد ~~المصرية إلى حكم المماليك على الأقل، وتقضي على آمال الترك فيها «وأرسلت أيضا ~~أسطولها ليقتحم الدردنيل»، فساعد الحظ محمد علي باشا وتخلص من كل هذه الأخطار ~~التي كانت تحدق به، الواحد بعد الآخر؛ فأرضى الباب العالي، وقضى على المماليك ~~وسلطتهم، وتغلب بمعونة الأهالي وحامية رشيد على الحملة الإنجليزية. # ذكرنا سابقا أن المماليك كانوا يهددون القاهرة في أول ولاية محمد علي، وكان ~~هذا أول خطر يحدق به؛ لأن جميع ما لديه من الجند كانوا مشاة لا يقوون على ~~مكافحة فرسان المماليك خصوصا في الخلوات؛ حيث يمكنهم الكر والفر بكل نظام ~~وبدون أدنى خطر، فدبر لهم مكيدة أنفذها بعض ms102 الموالين له؛ وذلك أنهم اتفقوا سرا ~~مع رؤساء المماليك على أن يفتحوا لهم أبواب القاهرة في يوم الاحتفال بفتح ~~الخليج، أي في الوقت الذي يكون فيه محمد علي وجميع ضباطه مشغولين لاهين في ~~الاحتفال خارج المدينة، على شرط أن يدفعوا لهم مالا في مقابل هذه الخدمة. ~~فاغتر المماليك ووقعوا في هذه الأحبولة، فلما حل اليوم المعهود دخلوا المدينة ~~من باب الفتوح، فلم يجدوا في حراسته إلا ثلة ضئيلة من الفلاحين تغلبوا عليها ~~بدون عناء، ثم ساروا قاصدين باب زويلة، فلما صاروا في قلب المدينة انصبت عليهم ~~النيران من جانبي الشارع من النوافذ، وكان قد استعد لذلك محمد علي، فلما تنبهوا ~~لغلطتهم التجأ أكثرهم إلى جامع برقوق، وسلم معظمهم عندما أمنهم الوالي على ~~حياتهم، إلا أنه رغم ذلك ذبح معظمهم في (جمادى الآخرة سنة 1220ه/أغسطس سنة ~~1805م). # ثم أراد محمد علي أن يجمع مالا لإعطاء الجند مرتبهم مخافة أن يعزل كسابقيه، ~~وأراد أيضا أن يجزل العطايا إلى أمير البحر التركي - وكان راسيا بأسطوله في ~~مياه الإسكندرية، يحمل الأوامر بمساعدة المماليك على محمد علي. ولما رأى أنه ~~من المحال أن يضرب الضرائب على الفلاحين، ولا سيما أن جميع الأراضي كانت ~~لا تزال في قبضة المماليك، جمع بعض المال من أقباط مدينة القاهرة، ووجد بفحص ~~دفاتر الحساب أن الجباة منهم اختلسوا ما لا يقل عن 4800 كيس، فأجبرهم على ~~دفعها؛ وبذلك أجزل العطايا إلى أمير البحر التركي وأرجعه من حيث أتى، وكان ~~ذلك في أكتوبر سنة 1805. ولم يمر على هذا الحادث إلا زمن يسير ~~حتى عاد أمير البحر التركي نفسه يصحبه «موسى باشا» والي سلونيك ليكون واليا ~~على مصر، ولينتقل محمد علي معه ليتولى منصب موسى باشا؛ فتظاهر محمد علي بإظهار ~~الطاعة لأوامر الباب العالي، ثم ادعى أنه يتعذر عليه أن يغادر مصر توا؛ لأن ~~الجنود أبوا عليه النقلة ولا حيلة له في دفعهم، فإن فئة كبيرة من الضباط ~~عاهدوا أنفسهم وأغلظوا الأيمان والمواثيق ألا يخضعوا لأحد غيره، وأن يعاضدوه ~~ويأخذوا بناصره ولو ms103 على السلطان. وقد تظلم العلماء والأشراف لدى الباب العالي، ~~والتمسوا إبقاء محمد علي. ومن حسن حظه أن نشبت في هذه الفترة نار حرب بين الروس ~~والترك، فاضطر الترك بطبيعة الحال إلى استدعاء أسطولهم إلى المياه التركية، ~~فأبحر الأسطول بعد أن أجزل محمد علي العطاء لأمير البحر وموسى باشا معا، ~~وأخيرا وصل إلى مصر في (24 شعبان سنة 1221ه/نوفمبر سنة 1806م) عهد بتأييد محمد ~~علي في منصب والي مصر. # وفي أثناء هذه الحوادث جمع الألفي بك والبرديسي شعث جيشهما، وأوثقا عرى ~~التحالف بينهما وبين البدو، وشنا الغارة على محمد علي في بلاد الوجه البحري، ~~وشجعهم على ذلك الأسطول التركي الذي كان راسيا في المياه المصرية. فاشتبك ~~الألفي مع فرقة أرسلها عليه محمد علي، فانهزمت عند «النجيلة»، ثم انضم الألفي ~~بعد انتصاره إلى البرديسي وحاصرا دمنهور، فدافع الأهالي عنها دفاعا صادقا، ~~وأظهروا شدة وبسالة لم تكن في الحسبان، على حين أن الألفي والبرديسي كانا ~~يتنازعان السيادة والأفضلية، وكان محمد علي يستعد للواقعة الفاصلة بينه وبين ~~المماليك بعدما تخلص من الأسطول التركي كما تقدم، فساعدته السعادة وحسن الجد ~~بموت عدويه العظيمين؛ فمات البرديسي بالحمى في (سنة 1221ه/أكتوبر سنة 1806)، ~~ومات الألفي في (ذي القعدة سنة 1221ه/يناير سنة 1807م)، وبموتهما تفرق أتباعهما ~~أيدي سبأ، وفر معظمهم إلى الوجه القبلي. # ثم وصلت الحملة الإنجليزية التي أسلفنا الذكر عن سبب مجيئها إلى الديار ~~المصرية باختصار، وكان الغرض من هذه الحملة تأييد سلطة المماليك ونزع البلاد من ~~يد الباب العالي، ولكن كانت نتيجة الحملة الفشل التام؛ والسبب في ذلك يرجع إلى ~~غلو الإنجليز في تقدير ما كان لدى المماليك من الجند. # وصلت هذه الحملة في (أول المحرم سنة 1222ه/مارس سنة 1807م) واستولت على ~~الإسكندرية، ثم سير قائدها «فريزر» قوة لتحتل رشيد، فتغلبت عليها أولا لضعف ~~حاميتها، إلا أن الحامية عادت وأخذتهم على غرة وبددت شملهم. ولما علم محمد علي ~~بما جرى في الإسكندرية رجع من مطاردة المماليك في الصعيد إلى القاهرة، وجهز ~~جيشا سيره إلى رشيد، فالتقى هو ms104 وأهالي البلاد من رشيد ودمنهور وبعض أهل ~~البحيرة مع الإنجليز عند قرية «الحماد» - جنوبي رشيد - وهزموهم شر هزيمة، ثم ذهب ~~محمد علي إلى جهة الإسكندرية وأراد أن يحاصرها، ولكن ولاة الأمور الإنجليز ~~كانوا أرسلوا إلى قائد الحملة بالرجوع، فأخلى الإسكندرية بعد أن عقد شروط الصلح ~~مع الوالي في دمنهور، وتركت الحملة البلاد المصرية في (رجب سنة 1222ه/سبتمبر ~~سنة 1807م). أما العمارة البحرية التي أرسلتها الأمة الإنجليزية لاختراق ~~الدردنيل فإنها حطمت، ولم ينج منها إلا بضع سفن. # وكان من نتائج هذه الحملة رضاء الباب العالي عن محمد علي، فمنحه السلطان خلعة ~~وسيف شرف، وأمر بإرجاع ابنه إبراهيم إليه - وكان معتقلا في القسطنطينية. وقد ~~صار لهذه الإنعامات السلطانية أثر عظيم في توطيد سلطته؛ إذ كان في هذا الوقت في ~~وجل شديد من جنده، حتى إنه استعد للاعتصام بالقلعة إذا تألبوا عليه. ~~(1-3) القضاء على المماليك # لما وثق الباب العالي من محمد علي أراد أن يستخدمه في إصلاح شئون الدولة، ~~فأول أمر كلفه إياه إخضاع طائفة الوهابيين الذين كانوا يتدخلون في أمر الحج، ~~واحتلوا الحرمين الشريفين وسلبوهما. ولهذه الطائفة مذهب خاص سنتناول الكلام ~~عليه فيما بعد. فجاءت الأوامر إلى محمد علي بإخضاع هؤلاء القوم، فاضطر أن يعد ~~جيشا أعظم عددا وأكثر تدربا من الجيش الذي عنده، وأن يكون له أسطول لنقل ~~الجنود في البحر الأحمر، فوجد أن لا مندوحة من زيادة الضرائب إلى درجة أقصت عنه ~~كل من كان ملتفا حوله، ولقد كان مركزه إذ ذاك غاية في الخطر، فرأى أن لا ~~يتحرك بجيشه إلى محاربة الوهابيين قبل أن يقضي على البقية الباقية من المماليك، ~~وخاصة بعد أن ظهر له أنهم جميعا مزمعون على قتله. وكان قد رأى أولا أن يتفق ~~معهم، وأرسل لهذا الغرض حسين باشا الأرناءوطي يبلغهم أنه يعطيهم كل ضياعهم، ~~فأبوا ذلك، ففكر في قهرهم بحد السيف، فحاربهم في موقعة عند أسيوط انهزم فيها ~~جيشه، إلا أن المماليك انتكث فتلهم وتفرقوا ثانية في طول البلاد وعرضها، في ~~(أواخر رجب سنة ms105 1225ه/أغسطس سنة 1810م). ولم تمض مدة يسير حتى خدع شاهين بك ~~- رئيس المماليك بعد موت الألفي - واحتال لذلك محمد علي بمنحه كل الأراضي التي ~~على ضفة النيل اليسرى من الجيزة إلى بني سويف وفيها الفيوم؛ فخضع كل المماليك ~~اقتداء به، ووقعوا على شروط الصلح في سلخ عام 1810م، ورجعوا إلى القاهرة ~~واتخذوا مساكنهم في قصورهم كما كانوا من قبل. # وكان شغل محمد علي الشاغل في هذه الأثناء تخليص الحرمين الشريفين من أيدي ~~الوهابيين، إلا أنه لم يجرؤ على تسيير جندي واحد إلى بلاد العرب ما دامت ~~المماليك تهدد ولايته وتناصبه العداء، وكان على يقين من وثوبهم به في أول فرصة ~~تتغيب فيها الأتراك عن البلاد، وقد تمثل له جليا مبلغ تحفزهم لقتله غيلة ~~عندما وافته الأخبار وهو في مدينة السويس مهتما بشئون الحملة إلى بلاد العرب ~~من «محمد بك لاظ الكخية» يحذره من المماليك، وكانوا يريدون اغتياله وهو راجع ~~إلى القاهرة؛ فأخذ الحيطة، وبدلا من مكثه في السويس إلى اليوم الذي ضربه ~~لرجوعه تركها في غلس الظلام على ظهر نجيب سريع العدو غير معلن أحدا وجهته، ~~ووصل القاهرة في فجر اليوم الثاني يصحبه أربعة من الخدم؛ فهذه المؤامرة وغيرها ~~جعلته يفكر في القضاء عليهم بأية وسيلة قبل أن يسبقوه إلى ذلك. # وفي شهر (صفر سنة 1226ه/فبراير سنة 1811م) جمع محمد علي جيشا مؤلفا من 4000 ~~جندي في القاهرة تحت قيادة «طوسون باشا» ثاني أولاده، لغزو بلاد العرب وإخضاع ~~الوهابيين، ورأى أنه لا بد قبل مسير الحملة من الديار من الاحتفال بها وتسليم ~~وسام الشرف السلطاني له، فدعا في اليوم المضروب جميع ضباط الجيش والأعيان، ~~وعددا عظيما من الجند، ثم دعا جميع المماليك ورؤسائهم، وأعد لهم وليمة فاخرة ~~تذكارا لهذا اليوم المشهود، فاجتمع الجميع في القلعة في يوم الجمعة خامس صفر ~~- أول مارس - وكان عدد من حضر من المماليك يقرب من الخمسمائة. # وكان الغرض الحقيقي من دعوة المماليك التخلص من شرهم ودسائسهم، فأسر محمد ~~علي بذلك إلى «حسن باشا» و«صالح قوج» ms106 الأرناءوطيين فقط، وفي صبيحة هذا اليوم ~~أسر به إلى «إبراهيم أغا» - حارس الباب - فنظم الموكب في القلعة على الترتيب ~~الآتي: ابتدأ الموكب بعساكر الدلاة، ثم تبعهم العساكر الإنكشارية، ثم الجنود ~~الألبانية بقيادة صالح قوج، وتلاهم المماليك، ففرقة من الجنود النظامية. فلما ~~سار الموكب وانفصل الدلاة ومن خلفهم من الإنكشارية عند باب العزب، أمر صالح قوج ~~بإغلاق الباب وأشار إلى طائفته بالمقصود، فأعملوا السيف في رقاب المماليك، وقد ~~انحصروا جميعهم في المضيق المنحدر، وهو الحجر المقطوع في أعلى باب العزب - بين ~~الباب الأسفل والباب الأعلى - الذي يتوصل منه إلى رحبة سوق القلعة. وكان قد جهز ~~محمد علي عددا من الجند على الحجر والأسوار، فلما بدئ بالضرب من أسفل أراد ~~المماليك التقهقر فلم يستطيعوا إلى ذلك سبيلا؛ وذلك لوجود خيلهم في مضيق صغير ~~جدا لا يسع جوادين جنبا إلى جنب، وقد أعمل جنود محمد علي فيهم السيف قتلا ~~وفتكا حتى فني كل من كان منهم في القلعة. # ولما قتل شاهين بك كبير المماليك وعلم الناس بهذا الخبر أغلقوا الحوانيت، ~~وصارت العساكر بعد ذلك تنهب وتسلب في جميع أنحاء العاصمة بدعوى البحث عمن هرب ~~من المماليك للفتك بهم، ولما علم محمد علي بما ارتكبه الجنود من السلب، والنهب، ~~ركب جواده ونزل بشخصه يمنع العسكر من ارتكاب هذه الجرائم. وقد حذا حذوه ابنه ~~طوسون باشا في إيقاف الجنود عند حدها. ويقال إن محمد علي كان في شدة الوجل ~~خوفا من خيبة تدبيره، وكان قد أعد الخيل للهرب إذا لم يفلح. # وفي أثناء حدوث هذه الحوادث في القاهرة أصدر في الوقت نفسه أوامره لكل حكام ~~المديريات بقتل من يعثرون عليه من المماليك؛ فكان مجموع من قتل منهم بالقاهرة ~~والمديريات يزيد على الألف. وهكذا انقرضت هذه الطائفة التي عاثت في الأرض ~~فسادا أكثر من ستة قرون، أذاقت في خلالها المصريين كل صنوف الذل والعذاب. # محمد علي في القلعة وقت مذبحة المماليك (رسم علي أفندي يوسف، ~~عن صورة بدار الكتب السلطانية). ~~(2) الحروب الوهابية في بلاد العرب # من ms107 أعظم الثورات المشهورة، وأكبر الفتن الدينية التي شاهدتها بلاد العرب من عهد ~~القرامطة، الثورة التي أضرم نارها الوهابيون؛ وذلك أنهم أثبتوا في حماستهم العسكرية ~~وشجاعتهم البدوية صفات العرب القديمة وتمسكهم بالدين. ومؤسس هذه النهضة رجل اسمه ~~«عبد الوهاب» من بني تميم بنجد، وقد أطلق على ما كان متمسكا به من العقيدة «المذهب ~~الوهابي». # ولد عبد الوهاب صاحب هذا المذهب عام (1108ه/1696م) في قرية تسمى «العيينة» من ~~إقليم «العارض». وقد جاور في أثناء شبابه بمكة والمدينة ومعظم مدن المشرق المشهورة، ~~وخاصة البصرة. ولما رأى في أثناء سياحاته العديدة أن الدين الحقيقي داخله الفساد، ~~وتسلطت عليه البدع والمنكرات، عزم على إصلاح ما أفسده المفسدون. وكانت قواعد مذهبه ~~وسياسته على غاية من الإيجاز في الإصلاح الإسلامي، وهي أشبه بالإصلاح البروتستنتي ~~عند المسيحيين. # وكان الوهابيون في عقيدتهم ومذهبهم على طريق أهل السنة والجماعة، والأساس الأصلي ~~لمذهبهم هو توحيد الله، واعتقاد أن النبي # صلى الله عليه وسلم # إنسان أدى ما يجب عليه من إبلاغ ~~الرسالة، ورفض جميع تفاسير القرآن التي لم تأت من طريق السنة، ومن معتقداتهم أن ~~الناس عند الله سواء، وكلهم عباده، أكرمهم عنده أتقاهم وأصلحهم في أعماله، ~~وبنوا على هذا الاعتقاد أن الاستغاثة بالذين توفوا من الأولياء الصلحاء والأنبياء ~~إثم عند الله، وبدعة حدثت في الدين يجب استئصالها وإزالة كل أثر يقويها، كالتناصيب ~~التي على القبور والقباب وما أشبهها، فأزالوها وحرموا زيارتها والتوجه إليها ~~والاستغاثة عندها. ويرون أن الحلف بسيدنا محمد # صلى الله عليه وسلم # جريمة كبرى، ويلعنون من ~~يكثر من الخضوع للموتى لعنا مؤبدا، ولا يلفظون بلفظ «سيد» للنبي # صلى الله عليه وسلم # في ~~صلاتهم. # أما آدابهم فهي على نقاء وصفاء؛ إذ يحرمون جميع الموائع المسكرة وكل المواد ~~المخدرة، ويحرمون جميع أنواع الفجور والفسق والعدول عن الحق والإنصاف والعمل ~~بالحيل والخداع والاغتصاب والمقامرة. أما في شهامة التعصب الحقيقي للدين فإنهم ~~يغارون على كل صغيرة مخلة بالدين الحق، ووجهوا أيضا جل قوتهم إلى تحريم الملابس ~~الحريرية، والترف في العيش، وحلق الرأس، والبكاء ms108 والنحيب على الميت. # ولما أراد عبد الوهاب نشر مذهبه قام في وجهه أناس كثيرون واضطهدوه، ففر هاربا ~~إلى «الدرعية»، وهي إحدى مدن نجد وعلى بعد 400 ميل من شرق المدينة، فحماه «محمد بن ~~سعود» حاكمها، ومال إلى مذهبه فاعتنقه وعمل على نشره، وكان غرضه من ذلك أن يمد ~~سلطانه على البلاد العربية ، فاتخذ ذلك وسيلة إلى مطامعه الشخصية، فامتد سلطانه ~~وسلطان ابنه «عبد العزيز» على جميع بلاد نجد من سنة (1159 إلى 1206ه/1746-1791م). ~~ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن عبد الوهاب عاش حتى رأى مذهبه منتشرا في طول البلاد ~~وعرضها، وتوفي سنة (1201ه/1787م) بعد أن بلغ من العمر الخامسة والستين تقريبا، ~~تاركا ثمانية عشر ولدا من عشرين زوجة. # ولقد أقلق بال شريف مكة انتشار مذهب عبد الوهاب وازدياد نفوذ عبد العزيز بن سعود ~~في البلاد العربية، فجرد في عام (1213ه/1798م) حملة على عبد العزيز كان نصيبها ~~الفشل. # ولما أمن عبد العزيز جانب شريف مكة - لأنه كان لا يقوى على مقاومته - وجه جل ~~عنايته إلى نشر مذهب الوهابية، وتوسيع نطاق ملكه في وادي الفرات ودجلة، فلم يوفق ~~إلى ذلك لأن والي بغداد هزمه هزيمة منكرة، وإن كان لم يقتف أثره في أواسط بلاد ~~العرب خوفا من هلاك جيشه في وسط الصحراء؛ ومن ذلك الحين لم يجرؤ عبد العزيز على ~~محاربة والي بغداد، إلا أنه قام في عام (1216ه/1801م) وهاجم «كربلاء» وقتل رجالها، ~~واستحيا نساءها، وانتهك حرمة ضريح الحسين وسلب أشياء كثيرة. وفي العام التالي دخل ~~مكة بدون معارضة من شريفها «غالب»، وكان تركها وانحاز إلى جدة. # وفي نفس العام قام أحد المتعصبين من الأعجام واغتال عبد العزيز وهو يصلي، ~~انتقاما لما ارتكبه من الفظائع في كربلاء، فقام بأعباء الملك بعده ابنه «سعود ~~الثاني»، وهو أعظم رجال هذه الأسرة؛ إذ وصلت في عصره مملكة الوهابيين إلى أوج عزها ~~ومجدها. وقد دخل في السنة التي تولى فيها الضريح النبوي، ونهب كل ما فيه من الكنوز؛ ~~ومن هذا العهد أصبحت بلاد العرب كلها تحت ms109 سلطانه، ثم ابتدأ من عام (1221ه/1806م) ~~يتشدد في جمع الضرائب، حتى كره الناس حج بيت الله الحرام، ومن غلوه في مذهبه أنه ~~أغلق أبواب جميع القهوات وحرم شرب الدخان ولبس الحرير وغيره مما يتزين به. # ومما سبق يعلم أن ما كلفه محمد علي من قبل الباب العالي كان في الحقيقة فتح بلاد ~~العرب للدولة من جديد، وكان بقاؤه على ولاية مصر متوقفا على نجاحه في إخضاع ~~الوهابيين. ~~(2-1) حملة محمد علي على الوهابيين # قبل أن يعد محمد علي حملته على بلاد العرب كاتب شريف مكة، ولما وثق من ~~موالاته له، وعلم أنه لم ينقد للوهابيين إلا كرها، جهز جيشا عظيما يبلغ 8000 ~~من الألبانيين، وأرسله بطريق البحر الأحمر في أسطول أعده لهذا الغرض، كان يصنع ~~سفنه قطعا مفككة بالقاهرة، ثم يرسلها إلى السويس على ظهور الإبل لتركب هناك، ~~وقد أفاد من هذا الأسطول فائدة عظيمة؛ إذ به يمكنه أن يسيطر على جميع ثغور ~~العرب، ويصبح في قبضته كل التجارة وطرق الحج إلى بيت الله الحرام. # نزلت هذه الحملة في ثغر «ينبع» بقيادة ابنه طوسون، فلم يلق بها أدنى مقاومة؛ ~~لأن شريف مكة «غالبا» سلمها طوع إرادته؛ ومن ثم سار نحو المدينة. وكان العدو ~~قد كمن له، فتغلب في طريقه بعد مناوشات خفيفة على قريتي «بدر» و«الصفراء»، إلا ~~أن العدو بيته عند «الجديدة» في درب ضيق جدا وكاد يقضي على كل الجيش، فلم يبق ~~منه إلا 3000 جندي التجئوا إلى ينبع بعد أن أنهكهم التعب، وهرب بعد هذه النكبة ~~كل الألبانيين، فلما علم محمد علي بذلك استشاط غضبا وأنب «صالح قوج» رئيسهم ~~على تخاذلهم وما أظهروه من الجبن. وكان يريد الفتك بصالح قوج، لولا ما له عليه ~~من المآثر خصوصا بلاءه في حادثة القلعة، فاكتفى بنفيه من مصر مع من هرب معه من ~~الألبانيين بعد أن أجزل لهم العطاء. وكان يعتقد أنه لا يهدأ له بال ما دامت هذه ~~الفئة الثائرة المتمردة في داخل البلاد. # وفي عام (1227ه/1812م) أرسل محمد علي ms110 مددا إلى طوسون بطريق القصير، فسار به ~~نحو المدينة، ودخلها عنوة بعد أن دوخ الوهابيين؛ وكانت هذه ضربة قاضية على سعود ~~الثاني، وابتدأ المذهب الوهابي يتدهور بعض الشيء، ثم ذهب طوسون توا إلى مكة ~~بطريق جدة، فلم يلق إلا الإكرام من شريف مكة وسلمه مفاتيح الكعبة، فأرسلها ~~طوسون هي ومفاتيح الحجرة الشريفة إلى والده، فأرسلها إلى الباب العالي يبشره ~~برجوع الحرمين إلى حوزته. وأراد بعد ذلك طوسون أن يقتفي أثر الأعداء في داخل ~~البلاد؛ فهزمه الوهابيون شر هزيمة عند «طربة»، وهي بلد صغيرة في شرقي مكة وعلى ~~مقربة منها. وكانت خسائر هذه الهزيمة عظيمة جدا، حتى إن سعودا زحف بجيشه على ~~المدينة ثانية وهددها بالأخذ عنوة. # ولما وصل خبر هذه النكبة إلى محمد علي، عزم على أن يتولى قيادة الجيش بنفسه، ~~فأخذ العدة لذلك، وتوجه إلى الأقطار الحجازية، ولما وصل هناك أدى فريضة الحج، ~~ثم علم من بعض الأفراد أن الشريف غالبا مذبذب في ولائه، فاحتال في القبض عليه ~~بواسطة طوسون ابنه، وأرسله إلى القسطنطينية حيث قتل هناك بعد مدة وجيزة. # ثم ابتدأ محمد علي بعض مناوشات مع الوهابيين لم تكن فاصلة، وكان كلا الفريقين ~~يخاف منازلة خصمه. # وفي أوائل سنة (1229ه/1814م) مات سعود الثاني، وبموته فقد الوهابيون أعظم ~~ساعد وأكبر بطل، بلغت في مدته دولتهم شأوا بعيدا لم تبلغه من قبل ولا من بعد؛ ~~فإن عبد الله ابنه الذي خلفه كان أقل منه ذكاء وفروسية وقدرة. وكان آخر ألفاظ ~~فاه بها سعود يوصي بها ابنه الأكبر: «يا عبد الله، لا تدخل في حرب مع الترك في ~~ميدان مكشوف أبدا، والزم أنت وعساكرك في حربهم المواقع الصعبة حتى لا يتيسر ~~لهم النصر، وخذ لنفسك الحذر، ولا راد لقضاء الله وقدره.» ولو اتبع عبد الله هذه ~~النصيحة لما تغلب عليه المصريون قط، إلا أنه خالف والده، والتحم مع محمد علي في ~~أول واقعة عند «بيصل» حيث دارت الدائرة فيها عليه، وذلك في سنة (1230ه/1815م). # ثم حصلت حوادث في هذه الفترة اضطرت ms111 محمد علي أن يرجع إلى مصر، منها أنه ~~لما علم بهرب نابليون من منفاه في «إلبا»، وتوقع احتمال غزو الترك للبلاد المصرية، ~~رجع مسرعا بطريق القصير فقنا، ووصل القاهرة في اليوم الذي جرت فيه موقعة ~~«ووترلو». ومنها أنه علم أيضا بتدبير مؤامرات على عزله وقتله، وظن أن ذلك ~~بإيعاز من رجال الباب العالي، أما رئيس المؤامرة فهو «لطيف باشا» أحد المماليك، ~~وكشف سر هذه المؤامرة «الكخيا لاظ أوغلي باشا»، فقتل لطيفا ومن معه بعد أن ~~حاول الهرب والاختفاء، وكان غرضه أن يكون واليا على مصر إذا نجح في قتل محمد ~~علي. # وعند عودة محمد علي هم بتنظيم جيشه على الطراز الغربي، فأبى عليه ذلك الجند، ~~مقلدين الأتراك في ذلك، ولما علم طوسون بتلك الفتن والقلاقل من جهة، وتألب ~~الجيش عليه من جهة أخرى عاد مسرعا إلى مصر، وتوفي بالإسكندرية عقب مرض لم ~~يمهله أكثر من عشر ساعات. # وكان قبل سفره قد عقد شروط صلح مع الوهابيين، إلا أنهم نبذوها ظهريا؛ ولذلك ~~جهز محمد علي حملة أخرى إلى بلاد العرب بقيادة ابنه إبراهيم باشا في (شوال سنة ~~1231ه/سبتمبر 1816م). ولم يسلك إبراهيم طريق السويس، بل نزل في النيل بجنده ~~- في سفن أعدت لذلك الغرض - إلى قنا، ومن ثم على ظهور الإبل إلى القصير، ثم إلى ~~ينبع، ومنها إلى طريق المدينة المنورة. # قد أعمل الفكرة ذلك البطل العظيم في استنباط الخطط الحربية التي وقفته بين ~~صميم عظماء الرجال ومشاهير القواد، وأعانه على تنفيذ تلك الخطط مهرة الضباط ~~والمهندسين الفرنسيين، على أن والده قد أوصاه أن يحارب كل قبيلة معاضدة للعدو ~~على انفرد؛ ليكون بذلك أقدر على الفتك بجنودها، وتفريق كلمتها وتمزيقها شر ~~ممزق، كما نصح له ألا يتوغل داخل البلاد، وحذره من الإغارة على الدرعية من طريق ~~غير طريق المدينة المنورة؛ ليحفظ لنفسه خط الرجعة، وليكون وصول المدد إليه من ~~السهولة بمكان. وأول موقعة التحم فيها جيشه مع الوهابيين كانت عند «الريس» سنة ~~(1232ه/1817م)، وفي هذه الملحمة انهزم جيشه هزيمة لم تثن ms112 من عزمه، ولم تفت في ~~ساعده، بل استمر سنة كاملة في كفاح وجلاد، حتى ذلل كل صعوبة اعترضته في هذا ~~المضمار؛ ولذلك أخضع قرى كثيرة، وصار قاب قوسين أو أدنى من الدرعية حاضرة ~~الوهابيين، وهي على بعد 400 ميل من المدينة المنورة التي اتخذها قاعدة لأعماله ~~الحربية. # وابتدأ إبراهيم باشا في حصار الدرعية في (جمادى الآخرة سنة 1233ه/أول شهر ~~أبريل سنة 1818م)، فمكث مدة يعالج فتحها وهو مستعص عليه، وفي غضون ذلك انفجر ~~مخزن ذخيرته فلم تفتر همته ولم يساوره اليأس؛ لأنه كان على يقين من استياء ~~العالم الإسلامي أجمع من فظاعة الوهابيين، هذا إلى أن تلك الحروب في الحقيقة ~~كانت حربا بين العنصرين التركي والعربي، وكلاهما يود لو يضعف الآخر أمامه، ~~فيميل عليه ميلة واحدة يكون فيها القضاء المبرم عليه. # عبد الله سعود في سرادق إبراهيم باشا. # بعد ذلك أخذ إبراهيم باشا يمد يد التخريب والتدمير في ضواحي مدينة الدرعية، ~~ليحول بينها وبين المؤنة والمدد؛ وبذلك اضطر عبد الله إلى الخضوع والاستسلام ~~لسيطرته وسلطانه، فسلم نفسه في (ذي القعدة سنة 1233ه/سنة 1818م). ولم يعامله ~~إبراهيم باشا إلا بكل كرامة وإحسان، ثم أرسله إلى والده بالقاهرة فبالغ في ~~إكرامه أيضا، ثم أرسله إلى الباب العالي بعد أن استرد منه كل ما سلبه من الحرم ~~الشريف، وبعد وصوله بزمن يسير أمر به فقتل. فلما بلغ أهل الدرعية مقتله هاجوا ~~وماجوا، وانتثر عقد نظامهم؛ ولذلك أرسل محمد علي في طلب قرابة عبد الله إلى ~~القاهرة، وأجرى عليهم وظائف تقوم بمعاشهم. # أما مدينة الدرعية فأصبحت أثرا بعد عين؛ لأن إبراهيم باشا رأى بقاءها عامرة ~~حجر عثرة في طريقه، ولو تركها من غير تخريب لكانت ركنا مكينا ومعقلا حصينا ~~لأعدائه، فلم يبق عليها لذلك، وساعده على تخريبها الأهالي أنفسهم، تقربا إليه ~~واسترضاء له. # هكذا انتهت الحروب في بلاد العرب بعد القضاء على سلطة الوهابيين، الذين كانوا ~~يدعون أنهم يسعون في سبيل استرداد مجد الإسلام الضائع. ~~(3) فتح السودان # بعد أن تم النصر المبين لمحمد علي ms113 وقضى على الوهابيين القضاء المبرم، واستأصل ~~شأفتهم من بلاد العرب، عنت له حاجة شديدة إلى فتح السودان، وضمه إلى سلطانه ونفوذه؛ ~~وذلك لأسباب سياسية ومادية. # أما الأسباب السياسية فتلخص فيما يأتي: لما قضى محمد علي على دولة المماليك في مذبحة القلعة هرب أناس كثيرون ~~منهم واعتصموا بالوجه القبلي، فطاردهم إبراهيم باشا حتى اجتازوا الحدود المصرية، ~~وتحصنوا في دنقلة وأقاموا بها القلاع والحصون، وقد احتال محمد علي في القبض ~~عليهم والإيقاع بهم فلم يفلح. # هذا إلى أن جنده الألبانيين كانوا خطرا عليه في كل وقت؛ لأنهم كانوا لا ينزلونه ~~من أنفسهم إلا منزلة فرد منهم، وكان الضباط يشقون عصا طاعته ويأتمرون فيما بينهم ~~ليسقطوه، ولم يذعنوا للإصلاح الذي أدخله في الجيش؛ ولذلك كان يصدرهم في مقدمة الجيش ~~عند الالتحام ليبيدهم ويقضي عليهم فيربأ بنفسه عنهم، ويستبدل بهم أبناء السودان ~~- الذين شبوا على الشجاعة والصبر ومقاومة أعباء الحروب - بعد تدريبهم على الفنون ~~الحديثة الحربية؛ لأنه اعتقد أن أبناء مصر لا يصلحون للتجنيد لما ينقصهم من الصفات ~~التي تؤهلهم لذلك. # أما الأسباب المادية فتلخص أيضا فيما يأتي: أراد محمد علي فتح السودان ليتسنى له ~~بذلك تجديد طرق القوافل التي كانت بين مصر والسودان؛ فيتسع نطاق التجارة بين القطرين، ~~ويناله من هذه التجارة ما يفرضه عليها من ضرائب ومكوس جمة، حتى يسترد ما أنفقه في محاربة ~~الوهابيين، ويكون ذلك موردا دائميا من موارد خزانته، فضلا عما كان يسمع عن السودان وما فيه من ~~مناجم الذهب الغنية التي يمكن استخراجها والانتفاع بها. # وإن من البواعث التي حركته لفتح السودان ما رآه من أن سعادة مصر متوقفة على ~~استحواذه عليه وضمه إلى ملكه؛ لأن ريف مصر متوقف ريه على روافد النيل العليا؛ ولذلك ~~أصبح من المحتم أن يكون النهر وروافده تحت سلطة واحدة، ليمكنها بذلك توزيع المياه ~~على حسب الحاجة مع مراعاة المصلحة العامة. # ولما عزم محمد علي على إنفاذ رأيه، ورأى أن فتح السودان أمر من العظم بمكان، سير ~~جيشا بادئ بدء إلى واحة سيوة ms114 لإخضاعها قبل الزحف على السودان، حتى لا تكون مصدر شر ~~بجواره، فسار هذا الجيش الصغير في (جمادى الأولى سنة 1235ه/فبراير سنة 1820م)، ~~فأخضع سكان الواحة، وصارت جزءا متمما لمصر من ذلك الوقت. # أما حملة السودان فإنها ابتدأت السير من القاهرة في (شوال سنة 1235ه/يوليو سنة ~~1820م)، وكانت مؤلفة من ثلاثة آلاف راجل، وألف وخمسمائة فارس، واثني عشر مدفعا، ~~وخمسمائة من عرب العبابدة تحت إمرة شيخهم «عابدين كاشف» - وكان قد وعده محمد علي ~~بولاية دنقلة بعد فتحها - فتجمع الجيش في أسوان، حيث رتبت هناك الميرة والذخيرة. # ولما خرج إسماعيل باشا - وهو أصغر أولاد محمد علي - لتولي قيادة الجيش اجتاز هو ومن ~~معه الحدود المصرية، ودخلوا أرض دنقلة، حيث تقيم البقية الباقية من المماليك الذين ~~طاردهم إبراهيم باشا كما تقدم والتجئوا إلى هذا الإقليم. # فلما علموا بذلك انقسموا قسمين: قسما سلم صاغرا بدون معارضة، وآخر ركب رأسه ~~فارا إلى كردفان بعد أن تشتت شمله وناله من العناد والذلة ما ناله. # ومما هو خليق بالذكر هنا أن إبراهيم بك الكبير مات بدنقلة قبل الحملة بزمن يسير، ~~وبموته انقرضت رؤساء هذا العنصر الذي حكم مصر ستة قرون تقريبا. # سار إسماعيل وبيده زمام القيادة العامة ولم يعترضه في طريقه عقبات تذكر حتى وصل ~~مدينة «كرتي»، حيث سحق عرب الشيخية وشتت شملهم في موقعتين فاصلتين؛ ومن ثم يمم ~~جيشه «بربر»، ودخلها بدون مقاومة في (جمادى الآخرة سنة 1236ه/مارس سنة 1821م). ~~وفي 4 شعبان من تلك السنة دخل أيضا مدينة «شندي» التي سلمها الملك «نمر»، وتم له ~~إخضاع قبيلة الشيخية. وما زال إسماعيل متوغلا في البلاد حتى وصل رأس الخرطوم، ثم ~~حول وجهه شطر النيل الأزرق، ولحسن حظه دخل «سنار»، وهي حاضرة أكبر إقليم في ~~السودان، بدون معارضة تذكر؛ وذلك أن سلطانها «بادي» وأخاه كانا إذ ذاك يتنازعان ~~الملك، فنجح إسماعيل في تثبيت عرش «بادي»، الذي قابله بكل تجلة وحفاوة، ثم قبل أن ~~يكون نائبا عن محمد علي في هذه الأرجاء الشاسعة مع الاعتراف بسلطانه. ومن هناك ms115 ~~أرسل إسماعيل آلافا من العبيد إلى أسوان؛ حيث أعد لهم معسكر لتدريبهم على الفنون ~~الحربية الحديثة. # وتفشى المرض في جيش إسماعيل أثناء إقامته بسنار، حتى اضطر إلى أن ~~يطلب مددا ومئونة من أبيه لانحطاط قوة الجيش لقلة عدده وفتور عزيمته، ذلك إلى أن ~~جنده كانوا بين قبائل شتى معادية لهم، ولا يمكنهم أن يصدوا هجماتهم إذا ثار ثائرهم ~~وخرجوا عليهم. # لذلك كان إسماعيل قلقا مضطربا، ولكن هدأ روعه وسكن اضطرابه إذ علم بوصول ~~المدد إليه، فرجع قافلا منحدرا إلى ملتقى النيل الأزرق بالنيل الأبيض، حيث وصل المدد ~~الذي أرسله أبوه تحت إمرة أخيه «إبراهيم باشا»، فلما وصل إسماعيل بجيشه والتقى ~~بأخيه اتفقا على تقسيم العمل والجيش معا؛ فكانت مهمة إسماعيل الزحف بجيشه إلى ~~أعالي النيل الأزرق بقدر استطاعته، وأما مهمة إبراهيم فهي الاستكشاف عن النيل ~~الأبيض من الجهة الغربية، وكان الباعث له على ذلك رغبته في الوصول بجيشه إلى المحيط ~~الأتلنتي إذا كان النيل الأبيض متصلا بنهر النيجر، وإذا لم يتحقق له ذلك عاد إلى ~~كردفان وعبأ جيشا يسير به نحو الشمال مخترقا الصحراء حتى يصل إلى طرابلس، ومن ~~هناك إلى البحر الأبيض المتوسط. وإن هذه الخطة لتدل صراحة على مقدار ما كان يطمح ~~إليه محمد علي وأولاده، كما تدل على مقدار هممهم العالية وثقتهم بأنفسهم. # وصل إسماعيل في زحفه على النيل الأزرق إلى «تومات»، أما إبراهيم باشا فقد اعترضه ~~مرض شديد، حال بينه وبين تنفيذ خطته، واضطره إلى العودة لمصر بعد أن وصل جيشه إلى ~~جبل «دنكا» جنوبا. # وفي منتصف عام (1237ه/1822م) أرسل محمد علي جيشا ثالثا تحت قيادة صهره «محمد بك ~~الدفتردار» لغزو كردفان، فهزم بعض القبائل عند مدينة «بارا»، واستولى على الأبيض، ~~وضم إقليم الأبيض إلى مصر. # ومما قام به هذا الجيش أيضا الانتقام من «نمر» ملك شندي على نكايته بإسماعيل ومن ~~معه. # وذلك أن إسماعيل وهو عائد إلى مصر ظافرا منصورا أهان نمرا إهانة شنيعة، فأسرها ~~نمر في نفسه، وأخذ يفكر في طريقة الانتقام من إسماعيل، ms116 حتى بيت رأيه على أن يأدب ~~مأدبة فاخرة يدعو فيها إسماعيل ومن معه، فلما تم له ذلك، ولبى دعوته إسماعيل ومن ~~معه، أمر أتباعه وأشياعه بأن يجمعوا حول نزله حطبا ومواد ملتهبة ثم يضرموا فيها ~~النار، ففعلوا فشبت النار في النزل، فدمرته وحرقت جميع من فيه، وكان بين المحروقين ~~إسماعيل، الذي لبى دعوته جاهلا بنيته الخبيثة. # على أن الجيش لم يظفر بقتل نمر، ولكنه أحرق شندي بعد أن أخضع كل الإقليم، وبعد ~~ذلك بنى مدينة الخرطوم سنة (1238ه/1823م)، وجعلها حاضرة البلاد. # ومما تقدم نعلم أن الحملة على السودان لم تقم بتحقيق جميع الأغراض التي كان يرمي ~~إليها محمد علي؛ لأنه لم يجد في السودان ذهبا يفي بنفقات استخراجه من مناجمه، ولأن ~~طرق القوافل لم تثمر لكثرة الضرائب الفادحة التي كانت تجبى على البضائع عند الحدود ~~المصرية. أما التجنيد من أبناء السودان فلم يتحقق تماما؛ لأنه جند منهم جيشا ~~عظيما، ولكن جو مصر لم يكن ملائما لهم؛ فمات عدد عظيم من هذا الجيش؛ ولذلك أضرب ~~محمد علي عن التجنيد منهم، وعاد إلى التجنيد من المصريين. # وقد ازداد الاتجار بالرقيق بعد فتح السودان زيادة عظيمة، حتى اضطرت إنجلترا ~~وفرنسا للتدخل في الأمر، فوعد محمد علي أن يقضي على هذه الحرفة الشنيعة التي ~~تنافي الإنسانية؛ ولذلك خرج لزيارة السودان عام (1254ه/1838م)، وأمر بمنع بيع ~~الرقيق جملة، ولكن رغم ذلك كله بقي الاتجار به منتشرا إلى زمن قريب، ولم يضمحل ~~تماما إلا بعد الاحتلال البريطاني كما سيأتي. ~~(4) أعمال محمد علي باشا في الديار المصرية # مقدمة # علمنا ما كانت عليه البلاد من الفوضى في عهد العثمانيين، وكيف كانت تئن تحت ~~ظلم المماليك وعسفهم، وجور الجنود الأتراك الذين ساموا العباد نهبا وسلبا، ~~حتى عم الفقر وكثرت الاضطرابات، وأصبحت البلاد كأنها بلا حكومة؛ فلم يكن إصلاح ~~هذه الحالة بالأمر الهين على كل من أراد النهوض بالبلاد، وجعلها في صف الأمم ~~الراقية. # فلما قبض محمد علي على زمام الأمور بمصر وهم بإصلاح شأنها، ظهرت أمامه كل ~~هذه الصعوبات، ms117 وعرف مقدار الأعباء الملقاة على عاتقه، فلم يدع وسيلة في سبيل ~~تحقيق هذه الأمنية إلا اتخذها. وقد كان يشعر بصعوبة المهمة التي أقدم عليها، ~~حتى قال في حديث له عن إصلاحاته: «إن ثمرة غرسي سيجنيها أحفادي من بعدي؛ لأن ~~بلادا عم فيها الارتباك وساد، ودرست فيها معالم الحكومة وآثارها، وأصبح أهلها ~~في الدور الأول من النشء، وبلغوا من الجهل درجة لا يتسنى لهم معها أن تقوم بعمل ~~نافع؛ لا يدخلها التمدين إلا ببطء.» # ولو نظرنا إلى الأعمال الخطيرة التي قام بها في سبيل إصلاح البلاد لدهشنا من ~~أن فردا واحدا وفق لكل هذه الأعمال التي لا زالت خالدة بيننا إلى الآن؛ فهو ~~الذي وضع أساسا متينا لحكومة عادلة منتظمة، وأنقذ البلاد من ذلك النظام ~~الممقوت الذي وضعه السلطان سليم، وهو تقسيم البلاد بين الوالي المولى من قبل ~~الباب العالي وبين المماليك، وأغاثها من جور الجنود العثمانيين الذين كانوا ~~يغيرون على البلاد إذا تأخر ما هو مفروض لهم، وأنشأ الطرق وحفر الترع وأصلح ~~الزراعة، وشيد المعامل ودور الصناعة، وأسس المدارس الابتدائية والثانوية ~~والعالية، واستحضر إليها كبار الأساتذة الغربيين لنشر العلوم الحديثة بين أبناء ~~رعيته، وأوفد البعوث العلمية إلى أوروبا لتعود مزودة بعلومها ومعارفها وأسرار ~~تقدمها، وكان في ذلك يحارب جهل الأمة حتى قضى على ما عندها من خرافة أو عادة ~~ممقوتة، وكان يسوق التلاميذ إلى تلقي العلوم والمعارف رغم معارضة آبائهم ~~وعويلهم كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. # قام محمد علي بتلك الأعمال الجليلة التي لا ينكرها إنسان، مع أنه لم ينل في ~~صغره نصيبا من التعلم، كما أنه لم يكن ملما تمام الإلمام بالحضارة الأوروبية؛ ~~ولذلك لا يدهش المؤرخ خطؤه أحيانا في بعض الإصلاحات والمشروعات الصناعية، ولا ~~يأخذ عليه ذلك، بل يغتفر له غلطاته بملء صدره بشفاعة أعماله النافعة. # وإذا قلنا بأن غرضه الأول في مصر لم يكن إلا أن ينشئ له ملكا ينصره بجميع ~~الوسائل الممكنة لجمع الأموال، وحشد الجنود لحروبه العديدة التي لم تجن منها ~~مصر ثمرة تذكر؛ ms118 فلا يغرب عنا أنه ما لبث حتى أدرك أن لا قيام لملكه إلا بإصلاح ~~مصر، فأخلص في محبتها، وعمل على أن ينهض بها إلى مستوى الرقي والفلاح قدر ~~استطاعته، مقتديا في ذلك بالدول الأوروبية العظيمة، وكفاه فخرا أنه أول حاكم ~~شرقي أدخل المدنية الحديثة في بلاده، وكثيرا ما كان يصرح في خلال أحاديثه ~~بمحبته لمصر وميله لرقيها. من ذلك أنه قال لأحد الغربيين أثناء حديث له: # لا شك أنك تعلم أن مصر كانت في قديم الزمان سيدة ممالك العالم وعلمها ~~الذي يهتدى به. أما الآن فقد أخذت أوروبا هذه المكانة، وإني لآمل أن ~~يأتي يوم تنهض فيه إلى مكانتها الأولى في التمدين والعمران. وما هذه ~~الدنيا إلا صعود وانخفاض. ~~(4-1) الحكومة في عهد محمد علي # إن من يفكر في الصعوبة التي تعترض الحاكم عند إنشائه نظام حكومة جديدة في ~~بلاد كمصر كانت مجالا فسيحا للسلب والاضطهاد والفوضى؛ لا يسعه إلا أن ~~يعترف بأن ما قام به محمد علي في تلافي هذا الخلل يستحق عليه أعظم ثناء، ويجعله ~~في عداد كبار المصلحين على قلة عددهم وبخل الزمان بأمثالهم؛ لذلك يقابل ~~بالقبول ما بالغ به في مدحه «السير مري» - في مذكراته عن حياة محمد علي - إذ ~~يقول: # إن العالم الإسلامي منذ فناء دولة العرب الزاهرة من بلاد الأندلس لم ~~يظهر فيه حاكم يضارعه في أعماله وصفاته، فمثله مثل صلاح الدين في عدله ~~وتسامحه الديني. # ويجب على من يريد أن يحكم على محمد علي وما أدخله على حكومة مصر من ~~التغييرات، وأن يقارنه بنابغ من ساسة عصره الغربيين، أن يلاحظ الزمان والمكان ~~لكل منهما، حتى تكون مقارنته قوية الأساس، لا يتطرق إليها الخطأ. # تولى محمد علي الحكم فلم يغير ما كان عليه نظام الحكومة في عصر المماليك حتى ~~عام (1241ه/1826م)، وهو العام الذي أدخل فيه التعديل العظيم في نظام الحكومة، ~~متخذا الأنظمة التي وضعها نابليون للبلاد رائدا له. # فأنشأ «ديوانا خديويا» # 2 # جعل مقره القلعة، وكان يرأسه الوالي، وينوب عنه في غيابه ~~«الكتخدا»، ms119 وكان عمله الفصل في الأمور التي ليست خاصة بالقاضي الشرعي أو التي ~~لا يحتاج الأمر فيها إلى عرضها على القاضي، أو على مجلس آخر وذلك لظهورها ~~وجلائها. وكان هذا الديوان يفصل في القضايا التي يعرضها ضابط القاهرة # 3 # بعد تحقيقها ابتداء في المحارس «القرهقولات». # ثم أنشأ مجلسين: أحدهما كان يسمى «مجلس المشاورة الملكي» وينتخب هو أعضاءه ~~بنفسه، وكان عددهم يتراوح ما بين 30 و40 عضوا، وكانوا ينظرون في شئون البلاد ~~العامة، وعليهم تعرض القوانين قبل سنها. ومع أن رأي هذا المجلس كان استشاريا ~~محضا، تمكن به محمد علي من تخفيف عبء المسئولية الملقاة على عاتقه أمام شعبه ~~وأمام الدول الأجنبية. # وأما المجلس الآخر فكان بمثابة مجلس الوزراء الآن. # وقد أنشأ محمد علي فوق ذلك عدة دواوين أخرى تنم أسماؤها عن اختصاصاتها، ~~وأهمها «مجلس المشاورة العسكرية»، و«ديوان دار الصناعة - الترسخانة - أو البحرية»، ~~و«ديوان التجارة»، وكان هذا الديوان مكونا من تجار مختلفي الجنس والديانة، يرأسهم ~~نقيب - شاهبندر - التجار أو رئيس تجار القاهرة. # وقد اقتضت إدارته الداخلية للبلاد تقسيم القطر إلى سبع مديريات، وإلغاء ~~الأقسام التي كانت في عهد المماليك، ثم قسم كل مديرية إلى عدة مراكز بلغت 64 ~~مركزا، ثم قسم المراكز إلى أخطاط أي نواح، يدير شئونها موظف يلقب بالناظر، ~~وإلى قرى يتولى أمورها العمد ومشايخ البلاد، وكان غرضه من هذا التقسيم تسهيل ~~جمع الضرائب. # بيد أنه رغم هذه الأنظمة والتقسيمات كان يتولى شئون البلاد بنفسه منفردا ~~بالسلطة وحده؛ فكان يفاوض سفراء الدول الأجنبية بنفسه، ويسمع شكوى رعاياه ~~ومطالبهم بلا واسطة، ويتصرف في مالية البلاد، ويقوم بالمشروعات العامة. ~~(4-2) التقدم المادي # أراد محمد علي أن ينهض بالبلاد بإدخال الإصلاحات الغربية فيها ابتداء، وفاته ~~أن البلاد كانت تسبح في ظلمات الجهل، وأنها في حاجة إلى زمن كبير تنفقه في ~~التعليم حتى تصل إلى درجة تمكنها من استثمار الأرض بالطرق الفنية، وإدارة ~~المعامل والسير في التجارة حسبما يقتضيه النظام الأوروبي الذي عمل على إدخاله ~~في البلاد. ولا شك أنه كان يشعر بشيء من ms120 ذلك، إلا أن الأحوال التي وجد فيها ~~كانت تحتم عليه السير في هذه الطريق بسرعة؛ إذ كان في شدة الحاجة إلى المال ~~للإنفاق على الجيش ودفع الجزية للباب العالي، وإرضاء أولي الشأن في ~~القسطنطينية، ورأى أنه لا يتم له هذا الغرض إلا إذا جعل جميع موارد البلاد تحت ~~سيطرته مباشرة؛ من زراعة وصناعة وتجارة. # الزراعة # كانت الزراعة أول عمل وجه إليه محمد علي عنايته الخاصة؛ إذ رأى أنها ~~ينبوع ثروة البلاد، وعليها يتوقف أهم دخلها السنوي؛ فجعل زراعة جميع ~~الأراضي تحت إشرافه، كي لا يفر أحد من دفع الضرائب، وتشدد لذلك في المحافظة ~~على الأمن العام، فقبض بيد من حديد على عصابات اللصوص التي كانت منتشرة في ~~جميع أنحاء البلاد. # ولم يكتف بضرب الضرائب الفادحة، بل عزم على نزع ملكية جميع الأراضي ~~ليستغلها على نفقته الخاصة، فلما هم بإبراز هذه الفكرة إلى حيز الفعل قامت ~~في وجهه صعوبات عظيمة كان لا بد من تذليلها؛ وذلك أن الأراضي الزراعية في ~~مصر كان بعضها أوقافا خيرية يدير شئونها جماعة العلماء، وكان جزء آخر كبير ~~جدا ملكا للمماليك أصحاب الشأن والنفوذ في البلاد، وما بقي كان في قبضة ~~عامة أفراد الأمة، فاستعمل محمد علي مع كل طائفة من هؤلاء التهديد والوعيد، ~~حتى أصبح المالك الوحيد لأكثرها؛ فإنه استولى على أملاك المماليك في الوجه ~~البحري بعد حربه مع الإنجليز عام 1807م وطرده المماليك من ريف مصر إلى ~~صعيدها. # واستولى بعد ذلك على معظم الأراضي الموقوفة التي كانت تحت رعاية العلماء، ~~فجعل الوقف تحت رقابته من غير أن يحله، فاحتج عليه العلماء وتجمهروا ~~وعارضوه معارضة شديدة، فأقنعهم بالدليل القاطع أنه الوالي من قبل الخليفة ~~الذي يتولى أمور المسلمين جميعا، فهو أحق فرد في مصر برعاية الوقف؛ ومن ~~هذا الوقت بقي الوقف تحت إشراف الأسرة المحمدية العلوية. # ونزع بعد ذلك ملكية الأراضي التي كانت لبقية الأفراد، مدعيا حق التسلط ~~على كل الأراضي؛ لأنه الحاكم النائب عن الخليفة المالك للأرض بحكم الفتح ~~الإسلامي القديم، فاستحضر كل الملاك ms121 وطلب منهم إبراز حقوق ملكيتهم، فقدموا ~~إليه حججهم رغم أنوفهم، فكان يضرب ببعضها عرض الحائط، ويظهر بطلان بعضها، ~~ويمني بعض الملاك أحيانا بعوض يعطاه من الخزانة. ولما أصبحت جميع الأملاك ~~في قبضة يده جمع كل ما لديه من الحجج وأعدمها، وبتعاقب الأيام أصبح من ~~المستحيل معرفة ما كان للمماليك أو للوقوف أو لأفراد الأمة من الأرض؛ إذ لم ~~تقو المحاكم على معارضة محمد علي، وكانت الأهالي تحت رحمته؛ وبذلك أصبح ~~معظم أراضي القطر في قبضة يده إلا جزءا يسيرا كان في قبضة بعض العلماء ~~والأمراء. # اهتم بعد ذلك بتدبير الوسائل التي تسهل عليه زراعة هذه الأراضي، فاستخدم ~~الفلاحين طبعا في زراعتها، فأصبحوا بمثابة الموالي، وكانت القاعدة أنه ~~مادام الفلاح قادرا على دفع ما فرض عليه أداؤه من ثمرتها، يبقى في الأرض ~~يتعيش منها وتخلفه من بعده ذريته. # وظل الفلاحون هكذا محرومين من التمتع بحق امتلاك الأراضي إلى زمن غير ~~بعيد، وذلك عندما سن سعيد باشا قانونه المختص بأرض مصر، وتلاه من بعده ~~قانون المقابلة الذي وضعه إسماعيل باشا، ثم القانون الذي سنته المحاكم ~~الحديثة خاصا بحق امتلاك الفلاح للأرض. # ثم أمر محمد علي مديري البلاد بمسح الأطيان، وتقدير عدد الفدادين التي ~~تخص كل قرية، ماعدا الضياع التي كانت توهب للمقربين وذوي الحظوة؛ فهذه ~~كانوا لا يتدخلون في أمرها، وكانت بالطبع شيئا قليلا، أما العدد الأوفر ~~من القرى المصرية فكانت تحت سيطرة محمد علي؛ إذ كان يدير شئون كل قرية فئة ~~من مشايخ البلد يرأسهم عمدة منصب من قبل المدير، مسئول أمامه عن مقدار ما ~~يطلب من قريته من الضرائب؛ ولذلك كان العمدة يوزع الأراضي على الفلاحين حسب ~~اختياره، ثم يجمع منهم الضرائب على قدر ما يفلح كل من الأرض. وما أشبه ~~الفلاح في هذه الحالة بالحيوان تحت رحمة العمدة! أما العمدة فكان مثله كمثل ~~السوط في يد المدير الذي كان صاحب البأس والسطوة الذي لا يسيطر عليه أحد ~~إلا الوالي مالك مصر الوحيد. # هذه هي الطريقة التي اتبعها محمد علي ms122 منذ عام (1223ه/1808م) وسار على ~~مقتضاها 20 عاما، وبها أمكنه أن يجند الجيوش، ويعد الأساطيل، ويحارب الأمم ~~ويخضعها. # وكان من عادته أن يعين أنواع المحصولات التي تزرع في كل بقعة من بقاع ~~المملكة، ثم تؤخذ المحصولات جميعها وتوضع في أهراء الحكومة، ويقدر أثمانها ~~طائفة من رجال الحكومة؛ فكان جزء منها يؤخذ في مقابل الضرائب التي على ~~الأرض، وما بقي تشتريه الحكومة فتصنع بعضها في مصانعها، والجزء الأعظم يباع ~~إلى التجار الأوروبيين؛ وبهذا احتكر محمد علي كل التجارة في مصر. # ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نذكر شيئا عن المحصولات التي جلبها هذا ~~المصلح الكبير إلى البلاد ولا نزال ننتفع بها، وكانت نتيجة زرعها ازدياد ~~ثروة البلاد؛ مما أعانه على شن الغارة على أعدائه. وأهم هذه النباتات ~~وأعظمها ربحا للبلاد القطن الذي أشار بغرسه المسيو «جوميل» في عام (1235ه/1820م)، ~~وهو أحد النساجين الفرنسيين المستخدمين بالحكومة المصرية وقتئذ، ~~وقد أنتجت تجارب زرعه محصولا حسنا، لجودة التربة وملاءمة الجو؛ وبذلك ~~ابتدأ طور جديد في تاريخ مصر المادي. وجلب بذوره من الهند أولا، ثم من ~~أمريكا فيما بعد من صنف يعرف بقطن «الجزائر»، وهو أجود نوع في العالم. وقد ~~كان يزرع القطن في مصر قبل عصر محمد علي بقرون عديدة، غير أنه كان من صنف ~~رديء، ولا يعرف تاريخ جلبه إلى البلاد. # وقد عني فرنسي آخر بزراعة القنب في مصر، لصنع الحبال اللازمة للأسطول، ~~بزراعتها من جزائر الهند الشرقية، وأحضر من آسيا الصغرى زراعا مهرة في ~~زراعة الخشخاش، وزرع الغابات والحراج، ليستغني بها عن الأخشاب التي تجلب من ~~البلاد الأجنبية. ولم يفته تحسين زراعة الجنائن؛ إذ أنشأ ابنه إبراهيم باشا ~~في جزيرة الروضة حديقة غناء، فيها من الفاكهة والرياحين ما لذ وطاب، وذلك ~~بهمة رجل أيقوسي من مهرة العالمين بفن الجنائن. # ومما سبق يظهر جليا أن جلب هذه المحصولات وزراعتها، وتحسين حالة الري، ~~- مما سيأتي ذكره عند الكلام على الأعمال العامة - كان من أكبر النعم على ~~مصر لو كان الفلاح يضمن بيع محصوله ms123 بأثمان مناسبة، ولكن لسوء حظه كانت ~~معاملاته كلها وبيع محصوله يتوقف على عمال الحكومة الذين يلاحظون الزراعة، ~~وعلى أمانة الذين يقدرون أثمان المحصولات التي كانت تشتري جميعها الحكومة. ~~والظاهر أن الفلاحين كانوا يتحملون في ذلك مغارم كبيرة؛ إذ كانت تشترى منهم ~~بأثمان بخسة وموازين مغشوشة، فضلا عن أنهم كانوا لا يأخذون أثمان سلعهم ~~نقدا، بل في معظم الأحيان يجبرون أن يبادلوا بها مصنوعات معامل الحكومة ~~ترويجا لها. # الصناعة # رأى محمد علي أن الممالك الصناعية بأوروبا على جانب عظيم من الثروة وسعة ~~الرزق، فحاول إدخال صناعاتها في مصر، وأن يشجع الصناعات الوطنية أيضا، حتى ~~يتسنى له صنع كل ما يحتاج إليه من لوازم الجيش ومعدات الأسطول، وينافس ~~الغرب في صناعة المنسوجات. # ولا يخفى ما في ذلك من المصاعب لضرورة جلب الفحم والحديد والأخشاب ~~والآلات من الخارج، ولأنه أيضا يلزم المصريين زمن طويل وخبرة كبيرة حتى ~~يصلوا إلى درجة بها يمكنهم أن ينافسوا أعمال أوروبا. إلا أنه قاوم كل هذه ~~الصعوبات وأنشأ عدة معامل في أنحاء القطر، وفت بغرضه مدة من الزمان. # فمن أهم ما أنشأه معامل الغزل ونسيج القطن والحرير والكتان والصوف. ~~فكان للقطن خاصة ثمانية عشر معملا في أمهات مدن القطر، كالمنصورة ودمياط ~~ورشيد - التي كان ينسج فيها كرباس أشعة السفن - وفي المحلة الكبرى وزفتى ~~ومنية غمر وبني سويف. وأهم هذه المعامل معمل بولاق، وكان يسمى «معمل مالطة» ~~لكثرة المالطيين فيه، وكان رئيسه المسيو «جوميل» الفرنسي. # وأنشأ مبيضة للمنسوجات بين بولاق وشبرا. # وأنشأ في بولاق معملا للجوخ، أحضر له في مبدأ الأمر رجالا من الفرنسيين ~~لإدارته، ثم أرسل الشبان إلى معامل «سيدان» و«ليون» بفرنسا ليتعلموا صناعته، ~~فلما رجعوا حسنوا صناعة هذا الصنف، وصار يستعمل في ملبوس الجيش. # وأسس مصابغ للمنسوجات استعمل فيها النيل - النيلة - الذي كان يستخرج من البلاد. # وأنشأ كذلك معملا عظيما للطرابيش بمدينة فوه بإدارة رجل مغربي، وجلب له ~~مهرة العمال من تونس، فنجح نجاحا باهرا؛ إذ كان ما يصنعه في اليوم يربو ~~على 720 طربوشا. # وأنشأ أيضا ms124 معامل للسكر في الصعيد؛ أهمها معمل الروضة ومعمل ساقية ~~موسى، وأوجد معاصر للزيت، فكان في الوجه البحري منها عشرون، وفي القاهرة ~~أربعون. # وقد وجه عنايته الخاصة إلى إيجاد جميع المواد الأصلية اللازمة لهذه ~~الصناعات في البلاد المصرية؛ فأكثر من زراعة القطن والقنب والكتان - كما ~~أسلفنا - وربى الأغنام وعني بأمرها عناية عظيمة، وجلب كل صنف منها لتحسين ~~نوع الصوف الذي في البلاد، غير أن ذلك لم يجد نفعا لعدم ملاءمة الجو لهذه ~~الأغنام؛ فاضطر أخيرا للعدول عن ذلك بعد أن بذل فيه كل مجهود. # واجتهد أيضا في إنماء دودة القز في البلاد، ليستغني بنتاجها عما يأتي ~~إليه من الخارج، فزرع لأجلها أشجار التوت بوفرة في رأس الوادي، وحفر ~~السواقي لريها، وجلب أناسا كثيرين ممن لهم دراية بتربية دودة القز، فبلغ ~~ما جمعه من الحرير سنة (1249ه/1833م) عشرة آلاف أقة تقريبا. # هذه بعض المصانع التي شيدها محمد علي في أنحاء البلاد، وناهيك بمصانعه ~~الأخرى من المسابك وغيرها من لوازم الجيش والأسطول. ولكنها لم تدم ~~طويلا للصعوبات التي بيناها آنفا، وتلاشى بعضها في مدة حياته، واضمحل ~~الباقي عقب موته، وأصبحت كأن لم تكن؛ يشهد بذلك ما قاله أحد مهندسي ~~الإنجليز من أنه «زار دار الصناعة ببولاق عقب وفاة محمد علي، فوجد فيها من ~~الآلات المهملة ما لا تقل قيمته عن 1200000 جنيه.» # والسبب في عدم اضمحلال هذه المعامل جملة في أيام محمد علي يرجع إلى ~~أمرين؛ أولهما: أنه كان القابض على زمام مالية البلاد، فكان ينفق على هذه ~~المعامل كل ما تحتاج إليه. ثانيهما: أن المحصولات التي كان يشتريها من ~~الأهالي كان لا يدفع ثمنها نقدا، بل كان يبادل بها منهم مصنوعات المعامل. ~~على أن معظم المعامل - كما سبق - أغلق في أواخر أيامه، وبادت البقية الباقية ~~منها في أيام عباس الأول. ~~(4-3) الأشغال العامة # قام محمد علي بعدة أشغال عامة عظيمة، عادت على البلاد بالمنفعة الجليلة ~~والفوائد التي لا تزال مصر تجني ثمارها إلى الآن. ومن أعظم هذه المشروعات ~~ثلاثة: حفر ترعة المحمودية، ms125 وإصلاح مرفأ الإسكندرية، وإنشاء القناطر الخيرية. ~~«أولا» ترعة المحمودية: # لا يخفى أن تجارة مصر في ذلك الوقت كانت تتوقف على نهر النيل ~~وفروعه المنتشرة في أنحاء البلاد، وكان أهم الثغور التجارية ~~حينئذ دمياط ورشيد، غير أنهما لوقوعهما عند مصبي النيل تسد ~~فرضهما رمال البحر وغرين النهر؛ مما يجعلهما غير صالحين للسفن ~~الكبيرة التي تنقل التجارة الخارجية. ولاحظ ذلك محمد علي فعزم ~~على تحويل مجرى تلك التجارة إلى الإسكندرية رغم ما بها من ~~العيوب؛ لأنها معرضة للرياح الشمالية الغربية، وماء البحر ~~عندها ضحضاح، فرأى أن من أعظم المشروعات المفيدة لذلك حفر ترعة ~~تربط الإسكندرية بالنيل، فحفرها وسماها «المحمودية» نسبة إلى ~~السلطان محمود الثاني، فأفادت هذه الترعة البلاد فائدة كبرى؛ ~~إذ أصبحت تجري فيها السفن ذاهبة إلى الإسكندرية حاملة حاصلات ~~البلاد في زمن قصير بدون مشقة كبيرة. وقد جمع الألوف من ~~العمال وسخرهم لحفرها من جميع مديريات القطر، حتى تمت في أقرب ~~وقت مع الأبنية اللازمة لها. وقد بلغت نفقاتها 300 ألف جنيه، ~~كما أورده «كلوت بك» في كتابه على مصر. # ومن فوائد هذه الترعة أيضا أنها كانت سببا في عمران البلاد ~~التي مرت بها وإحياء أراضيها من العطف إلى الإسكندرية، بعد أن ~~كان أكثرها غير صالح للزراعة. # أما مدينة الإسكندرية فإنها تغيرت بسببها تغيرا عظيما، ~~وجرت شوطا بعيدا في الثروة والعمارة، وبقيت هذه الترعة أعظم ~~طريق للتجارة بين مصر والإسكندرية حتى أنشئت السكة الحديدية. ~~«ثانيا» ميناء الإسكندرية: # بعد أن حفر محمد علي باشا ترعة المحمودية، كلف «موجيل بك» أن ~~يصلح مرفأ الإسكندرية حتى يتسنى له بناء عمارة بحرية يحقق بها ~~ما تطمح إليه نفسه، ويجذب بها التجار الأجانب إلى الثغر؛ ~~تسهيلا لبيع حاصلات البلاد التي كانت جميعها في قبضة يده. ~~فأصلحه وبنى فيه دار صناعة بحرية وأحواضا لبناء السفن؛ فاتسع ~~بذلك نطاق المدينة، وانتابها التجار من كل حدب وصوب، وأصبحوا ~~يتنافسون في شراء حاصلات مصر، حتى إن إحدى الشركات التجارية ~~الإنجليزية اشترت في عام من الأعوام محصول القطن كله. ~~«ثالثا» القناطر ms126 الخيرية: # هذه من أجل مشروعات محمد علي باشا وأعظمها فائدة للزراعة، ~~وقد كان لها الفضل الأكبر في تنظيم الري في الوجه ~~البحري. # وقد قيل إن نابليون لما قدم إلى مصر في غارته المشهورة أدرك ~~الفائدة التي تنجم عن إنشاء قناطر على النيل عند تفرعه لتنظيم ~~المياه في الفرعين وقت انخفاضه؛ لأنه إذا حجزت المياه عن أحد ~~الفرعين اتجه ماء النيل كله إلى الفرع الآخر، فيرتفع سطحه على ~~سطح النيل الأصلي، وتفيض المياه منه إلى الترع فتروي الأراضي، ~~وقال نابليون عندئذ: «إن هذه الفكرة لا بد أن تخرج يوما ما ~~إلى حيز الوجود.» # فلم يمض طويل عهد حتى تحقق ذلك القول، وظهر المشروع إلى حيز ~~الوجود على يد البطل العظيم محمد علي باشا. ومن أهم الأمور ~~التي حدت به إلى إنفاذه انتشار زراعة القطن في الوجه البحري؛ ~~إذ كان ينمو في فصل الصيف ويروى فيه. # وأول فكرة خطرت لمحمد علي لتدارك ذلك أن يزاد في عمق الترع ~~حتى تنصب فيها مياه النيل وقت انخفاضه، فترفع منها بالسواقي ~~والشواديف وغيرها من آلات الرفع إلى الأرض التي يراد ريها. غير ~~أنه اتضح أن إنفاذ هذا المشروع يتطلب أموالا جمة وجهدا ~~عظيما من الحكومة والأهلين لا يكاد يكون في الإمكان. # ثم لاحظ محمد علي أن أكثر ترع الوجه البحري واقع بطبيعة ~~الحال شرقي دال النيل وفي وسطها لارتفاع سطح الفرع الشرقي عن ~~الغربي؛ فعمد إلى زيادة المياه في تلك الترع بإقامة سد أصم على ~~الأخير يكون من أحجار يرمى بعضها فوق بعض، ليمتنع الماء عن فرع ~~رشيد ويرتفع في فرع دمياط فيملأ الترع الكثيرة المتفرعة من ~~هذا الفرع. وفعلا شرع في العمل سنة (1249ه/1833م). # ولكن «لينان بك» - لينان باشا فيما بعد - أحد المهندسين ~~الفرنسيين النبغاء الذين كانوا في خدمة الحكومة المصرية، أشار ~~عليه بعدم إقامة هذا السد الأصم لما ينشأ عنه من حرمان أراضي ~~فرع رشيد، ولرفعه مياه النيل وقت الفيضان في فرع دمياط إلى ~~درجة يخشى منها، وعرض عليه مشروعا آخر، وهو إقامة ms127 قنطرتين ~~عظيمتين في عرض فرعي دمياط ورشيد بعد نقطة افتراقهما عند رأس ~~الدال، في كل قنطرة عيون تحكم عليها أبواب ترتج في كلا ~~الفرعين بالتناوب أثناء الصيف، فإذا حجزت المياه وراءها عن فرع ~~ارتفع الماء في الفرع الآخر، وملأ الترع العظيمة التي تستمد ~~منه والتي يتوقف عليها الري الصيفي في الوجه البحري، وفي أيام ~~الفيضان تفتح الأبواب فتسير المياه في مجراها الطبيعي بلا مقاومة. # فأعجب محمد علي باشا بالمشروع الجديد، وأمر بتشكيل لجنة ~~لدرسه والبدء بإنفاذه في الحال. # 4 # وبعد فحص طويل قر رأي اللجنة على مشروع لينان باشا ~~كما هو ، واختير لموضع القنطرتين موضعان على بعد 9 كيلومترات ~~في فرع رشيد و5 كيلومترات في فرع دمياط. وعمل التصميم على أن ~~تستقي من النيل ثلاثة «رياحات» عظيمة؛ أحدها من فرع رشيد، ~~والآخران من فرع دمياط. # ثم ابتدأ العمل في أواخر (1249ه/1833م)، واستعان محمد علي على ~~إنجازه بسرعة بتسخير الألوف من العمال، ولكن لسوء الحظ انتشر ~~بالبلاد وباء عام (1251ه/1835م)، ففتك بكثير من العمال، وكاد ~~العمل يقف جملة بالرغم من مقاومة لينان باشا ومثابرته. وما زال ~~كذلك في الاحتضار حتى نصب لينان باشا على وزارة الأشغال فلم ~~يعد له ذلك الإشراف المباشر على إنشاء القناطر. وسئم محمد علي ~~بطء العمل، وانقلب شغفه مللا إلى أن أمر بتشكيل لجنة للنظر ~~في الاستغناء عن المشروع، فأقرت اللجنة فائدة المشروع وأوصت ~~بمواصلة العمل فيه، ولكن ملل الباشا كان قد بلغ أشده، فأمر ~~بإيقاف العمل واستعمال ما بقي من المواد المعدة له في غيره من ~~الأعمال. # وبقي المشروع كأن لم يكن إلى أن قدم إلى مصر مهندس فرنسي ~~آخر يدعى «المسيو موجيل» - موجيل بك فيما بعد - عام (1258ه/1842م)، ~~فعرض على محمد علي مشروعا آخر ضمنه إنشاء قلاع على ~~القناطر لجعلها مركزا حربيا للدفاع عن مصر، لعلمه باهتمام ~~الباشا بالشئون الحربية، فأعجب الباشا بالمشروع أيما إعجاب، ~~وأمر لينان باشا أن يمد موجيل بك بما لديه من المعلومات في هذا ~~الشأن. # ويختلف مشروع موجيل بك عن مشروع ms128 لينان باشا بأن موضع ~~القنطرتين في الأخير كان على بعد 9 كيلومترات من رأس الدال في ~~فرع رشيد و5 كيلومترات في فرع دمياط، بيد أن موجيل بك رأى ~~إقامة القنطرتين في موضعين قريبين جدا من رأس الدال؛ فصارتا ~~قريبتين إحداهما من الأخرى كأنهما عمل واحد، وفي ذلك تسهيل ~~لإدارة حركة القناطر وصيانتها بعد إنشائها. على أن مشروع لينان ~~باشا كان يمتاز باختيار موضعين صالحين جدا لإنشاء القناطر، ~~لصلابة الأرض عندهما وموافقة الشواطئ لذلك. # فشرع موجيل بك في العمل عام (1259ه/1843م) مبتدئا بفرع ~~دمياط، فلم تعترضه صعوبة تذكر، إلى أن ابتدأ العمل في فرع رشيد ~~سنة (1263ه/1847م). فأخذ الملل يستولي على محمد علي، وأمر أن ~~تضاعف السرعة في إنجاز العمل، فأضر ذلك بالأساس حتى صار من ~~الضروري إصلاحه في العام التالي. ورأى موجيل بك أن يرجئ العمل ~~سنة حتى يصلح وتعظم متانته فلم يرض الباشا. وبينا الأمر كذلك ~~إذ مات محمد علي عام (1264ه/1848م) قبل أن يرى نتيجة المشروع ~~الذي طالما تاقت نفسه إلى إتمامه. # ثم تولى عباس باشا الأول ولم تكن له ثقة في نجاح هذا العمل ~~فأراد توقيفه، لكنه خشي الرأي العام، وسمح بمواصلته. وفي سنة ~~(1269ه/1853م) أغضبه بطء موجيل بك فعزله، وسلم القناطر إلى ~~مظهر بك، ثم استؤنف العمل في إنجاز القناطر دون الشروع في ~~إصلاح أساسها وتقويم ما تصدع منها، فتمت بكل لواحقها من طرق ~~وشرفات وقلاع عام (1277ه/1861م). # وقد قدرت نفقاتها لذلك الوقت بنحو 1800000 جنيه، عدا أعمال ~~السخرة التي لا يستهان بها، وقد قدر «السير ولككس» ما تكلفته ~~القناطر على البلاد بنحو 4000000 جنيه. # وعندما جربت القناطر لأول مرة اتضح أنها لا تفي بكل الغرض ~~المراد منها إلا بعد الإصلاح. وسنأتي على ذكر ذلك عند الكلام ~~على الأعمال العامة التي تمت بعد عام (1300ه/1882م). # القناطر الخيرية. # هذه هي أهم الأشغال العامة التي قام بها محمد علي، وقد كاد ~~يهم بإنفاذ مشروعات أخرى خطيرة، مثل مد سكة حديدية بين السويس ~~والقاهرة، ومثل حفر قناة السويس مما ms129 سنتكلم عليه في موضعه. ~~ونقول بمناسبة هذا المشروع الأخير: إنه بعد أن خرجت الحملة ~~الفرنسية من مصر ظل بعض العلماء الفرنسيين يفكرون في إبراز هذا ~~المشروع الخطير إلى الوجود، وقصد جماعة منهم ليحببوا إلى محمد ~~علي حفر هذه الترعة، فقابل مشروعهم في أول الأمر بصدر رحب، ~~وكلف المسيو لينان - لينان باشا - أن يرسم له خطة لذلك، لكنه عاد ~~فتراخى في الأمر. ويقال إنه لم ينظر إلى المشروع بعين الرضى؛ ~~إذ قال مرة في حديث له: «إني لا أريد أن أجعل وادي النيل ~~طريقا دوليا.» وقال في حديث آخر: «إني أخشى أن تكون هذه ~~الترعة بسفورا آخر.» # 5 ~~(4-4) نهضة التعليم # تولى محمد علي شئون مصر في عصر ساد فيه الجهل بين أهلها، وانحطت فيه مداركهم، ~~ودرست دور العلم عندهم، وهذه نتيجة طبيعية لحكم المماليك البيكوات، الذين قبضوا ~~على البلاد بيد من حديد مدة وضعوا فيها بين المصري وبين نور العلم الحديث ~~حجابا كثيفا لم يزده طول حكمهم إلا جدة؛ والسبب في ذلك يرجع إلى ما فطروا ~~عليه من الجهالة، وعدم ميلهم إلى التعلم، واعتزالهم العالم بأسره. # فلما رأى محمد علي ما عليه البلاد من التدهور أراد أن يصلح حال رعيته ~~بالتعليم، فوجه إليه شطرا عظيما من عنايته، فاعترضه في طريقه عدة عقبات؛ إذ ~~كان الآباء يمتنعون عن إرسال أبنائهم إلى دور العلم مع تكفله بنفقات تعليمهم ~~وإطعامهم وإلباسهم، وكان يحبب إليهم العلم والتعليم بإعطائهم الرواتب ~~الشهرية. ومن العجيب أنه كان مع هذا يضطر غالبا إلى أن يقود التلاميذ إلى دور ~~العلم بالسلاسل والأغلال. ومن هؤلاء أفراد نبغوا وساروا فيما بعد بالتعليم شوطا ~~بعيدا. # أما المدارس التي أسسها محمد علي فكانت على ثلاثة أنواع: ابتدائية، وتجهيزية، ~~وخاصة، فأنشأ خمسين مدرسة ابتدائية في أمهات البلاد، وكان عدد من فيها من ~~الطلبة أحد عشر ألفا تقريبا، وأسس مدرسة لتعليم نخبة أبناء الأمة سماها كلية ~~الأمراء، كان يتعلم فيها أبناؤه وأبناء الأمراء، بلغ عدد تلاميذها نحو 500 تلميذ. # أما مدارسه الخاصة فكانت عديدة، وأهمها ms130 وأعظمها فائدة للبلاد مدرسة الطب، ~~التي قضت على عهد التمائم، والسحر، والرقى وغيرها من أنواع الشعوذة التي كان ~~يتطبب بها المصريون. والفضل في إنشاء هذه المدرسة راجع إلى الدكتور «كلوت بك» ~~أحد نجباء الفرنسيين الذين كانوا في خدمة الحكومة المصرية. # أسست هذه المدرسة بأبي زعبل كطلب الدكتور المذكور سنة (1242ه/1827م)، وكان ~~غرضه من إنشائها ترقية هذا الفن في البلاد حتى يوجد بها أطباء تسد حاجة الجيوش ~~البرية والبحرية. وقد قدم له في هذا الشأن تقريرا جاء في آخره: «يجب أن يكون ~~بمصر مدرسة للطب تكون تلاميذها من المصريين المخلصين، الذين يغارون على بلادهم ~~ويحبون تقدم وطنهم. ويتوصل إلى ذلك بإنشاء مستشفى عمومي يتعلم فيه مائة وخمسون ~~شابا ممن لهم إلمام تام بمعرفة اللغة العربية قراءة وكتابة ومبادئ الحساب، ~~ويجب أن تدرس لهم اللغة الفرنسية وأنواع الطب بفروعه ولا سيما الجراحة، وتكون ~~مدة الدراسة بها أربع سنوات، يختبر التلميذ في آخر كل سنة منها.» # كلوت بك. # فسر محمد علي من المشروع وأمر بتأسيس المدرسة وجعلها تحت رياسة كلوت بك، ~~وأسس محمد علي بجوار هذه المدرسة مدرسة للطب البيطري، وولى رياستها للمسيو ~~«هامون» الفرنسي، ومدرسة للهندسة بالخانقاه جعل رئيسها «لامبير بك» وأخرى ~~للموسيقى بالقلعة، وبنى مدرسة لتعليم الفنون والصنائع، وأخرى لتعليم الألسن، ~~وقد قال عنها «علي باشا مبارك» في كتاب «الخطط» في ترجمة رفاعة بك ناظرها ما ~~يأتي: «عرض رفاعة بك على محمد علي تأسيس مدرسة لتعليم اللغات الأوروبية ينتفع ~~بها الوطن، ويستغنى بمن يتخرج فيها عن الدخي، فأجابه إلى ذلك، ووجه به إلى ~~مكاتب القطر لينتخب التلاميذ لهذا الغرض، فأسس المدرسة، وعند الامتحان امتحن ~~التلاميذ في اللغة الفرنسية وغيرها من العلوم المدرسية فظهرت نجابتهم. ثم أنشأ ~~بها قلما للترجمة، ترجم فيه كثير من الكتب الأوروبية في كل فرع من العلوم، ~~وكان بهذه المدرسة أيضا قسم تجهيزي خاص، فنبغ فيها رجال بارعون في إنشاء اللغة ~~العربية والعلوم. غير أن هذه المدرسة قد ألغيت في عهد عباس باشا الأول.» # ولم يفت محمد علي ms131 أمر تحسين الزراعة العملية، فأنشأ لها مدرسة ببلدة «نبروه» ~~من أعمال مديرية الغربية، وأحضر إليها المعلمين وآلات الفلاحة من أوروبا ~~لتدريس هذا الفن علما وعملا، إلا أن جهل الأهالي وقف عقبة كئودا أمام سيرها؛ ~~فاضطر محمد علي إلى نقلها إلى شبرا الخيمة لتكون تحت رياسة «المسيو هامون»، ~~ولكن ذلك لم يجد نفعا أيضا، وأخذت في الاضمحلال حتى أغلق بابها. # ولم تقف همة محمد علي باشا عند إنشاء المدارس في جميع أنحاء القطر، بل أرسل ~~عددا كبيرا من الشبان المصريين إلى أعظم ممالك أوروبا - وخصوصا فرنسا - لتلقي ~~العلوم بها، حتى إذا ما عادوا إلى مصر استغنى بهم عن استزادة عدد الأوروبيين. ~~فأرسل البعوث من المصريين ليتعلموا العلوم الغربية، وليستعينوا بآراء الفرنسيين ~~وأفكارهم وطرق حياتهم على إصلاح شأن مصر. ومن الغريب أن آباء التلاميذ كانوا ~~يندبون حظ أبنائهم الذين ساعدهم الحظ الأوفر باختيارهم للرحيل إلى أوروبا، ~~واستعملوا كل الوسائط لحرمان أولادهم من ثمرة العلم، فلم يثن كل ذلك عزم محمد ~~علي، وأرسل في عام (1242ه/1826م) أربعين طالبا فتحت لهم مدرسة خاصة في باريس ~~عهد أمر إدارتها إلى الأستاذ الشهير «المسيو جومار»، فقام بها خير قيام، واختار ~~لها مدرسين أكفاء، وخصص كل واحد من التلاميذ بدراسة فرع من العلوم خاص ليتقنه. ~~وكان ممن تعلم بهذه المدرسة إسماعيل باشا الخديوي، والأمير أحمد، والأمير مصطفى ~~فاضل، والأمير حليم باشا، وشريف باشا، ومراد باشا، وعلي مبارك باشا. # 6 # ثم أرسل عام (1248ه/1832م) اثني عشر طالبا آخرين إلى باريس ليتمموا علوم ~~الطب، ثم أرسل غيرهم حتى صار ما أرسله إلى أوروبا إلى عام (1258ه/1842م) يربو ~~على 120 طالبا، أكثرهم إلى فرنسا، وقليل منهم إلى إنجلترا، وألمانيا. # 7 # وكان ديوان المعارف في ذلك العصر يديره رجل كبير الهمة خطا به خطوات واسعة، ~~وقد أشار إلى ذلك «بيتون» المؤرخ الإنجليزي في كتابه على مصر؛ إذ قال: «إن ديوان ~~المعارف في عصر محمد علي كان في يد «أدهم بك» الذي قام بإدارة شئونه خير قيام، ~~حتى كان أحسن دواوين الحكومة ms132 نظاما.» # بعض طلبة البعوث العلمية. # ومع ما بذله محمد علي في نشر العلوم، كان كثيرون ممن زاروا البلاد المصرية من ~~الغربيين في أيامه متفقين على أن أكبر غلطة له أنه أراد أن يطفر بمصر طفرة في ~~سبيل الرقي؛ فكانت النتيجة أن ما تعلمه الأهالي لم يبن على أساس متين. ونحن لا ~~يسعنا إلا أن نقول: إن مساعي محمد علي في تحسين حال التعليم في البلاد كانت من ~~أنجح أعماله في مصر؛ إذ كان هو نفسه ممن يعتقد نفع التعليم الأوروبي، فأثر هذا ~~الاعتقاد في كثير من الأهالي أصحاب النفوذ في البلاد، وكان إدخاله العلوم ~~الحديثة في البلاد ونبوغ الذين تعلموها في مدارس أوروبا من المصريين من الدواعي ~~التي أدت إلى محو كثير من الاعتقادات القديمة في التعليم. ولا شك أن بعض الذين ~~تعلموا في فرنسا نبغوا وبنوا ركنا عظيما في تاريخ مصر الحديث، فضلا عن أن ما ~~ترجموه هم وتلاميذهم من الكتب إلى اللغة العربية وطبع في مطبعة بولاق التي ~~أسسها محمد علي أفاد العالم المصري فائدة خالدة الأثر. # ومن أياديه على العلم أنه شجع العلماء الغربيين - وخاصة الفرنسيين - الذين أتوا ~~إلى مصر ليدرسوا تاريخ الآثار المصرية، ونخص بالذكر من هؤلاء الأفاضل العالم ~~«شمبليون» الذي خص كل حياته بحل رموز هذه اللغة حتى أتيح له ذلك في عام ~~(1236ه/1821م) بعد أن جاهد في سبيل ذلك جهاد الأبطال. ثم العالم «لبسيسوس»، وقد ~~وضع قاموسا لهذه اللغة. ثم العالم «أمبير». وقد حل هؤلاء العلماء مشكلات عويصة في ~~هذه اللغة ومهدوا الطريق لمن جاءوا بعدهم، واشتهروا في هذا الفن إلى وقتنا هذا. ~~(4-5) الجيش # نال محمد علي ولاية مصر بفطنته وذكائه، وباغتنام الفرص والتغلب على من نازعه، ~~وقد حصل ذلك على كره من الباب العالي، وإن استطاع أن يرضيه ويحافظ على مركزه ~~سنين قلائل بما ناله من الفخار بعد قهره الحملة الإنجليزية عام (1222ه/1807م)، ~~وتغلبه على المماليك في جميع أنحاء القطر، وقهر الوهابيين. ولكن بتعاقب الأيام ~~ظهر له جليا أن رضى الباب العالي ms133 غير ثابت، وأن لا مندوحة له من تنظيم جيش ~~قوي يعتمد عليه في دفع كل عدو؛ لذلك وجه جل عنايته لإعداد جيش يحميه من تدخل ~~الباب العالي في الشئون المصرية، ويقهر به كل من ناوأه. وقد عظم شأنه بهذا ~~الجيش، حتى قيل إنه كان في نهاية عظمته يريد أن يرث الدولة العثمانية. # ولا يخفى أن قوته كانت في أول أمره مستمدة من أبناء جلدته من العساكر ~~الألبانية، وهو لم يكن في نظرهم ممتازا عنهم إلا برتبيته العسكرية؛ لذلك كان ~~وجودهم حوله خطرا يتهدده في كل لحظة، كما كانت الجنود العثمانية أيام المماليك ~~خطرا على من يرسله الباب العالي من الولاة؛ فعمل على إبادتهم والاستعاضة عنهم ~~بغيرهم ممن هم أقل تمردا وعصيانا. # ولما رأى أنه لا يستطيع إبادتهم مرة واحدة اضطر إلى مجاملتهم في مبدأ الأمر، ~~ورأى أن أهم أسباب ثورانهم وسلبهم ونهبهم في البلاد راجع إلى تأخير رواتبهم، ~~فكبح جماحهم وجعلهم طوع إرادته مدة بدفعه رواتبهم بحالة منتظمة وبذله العطايا ~~لهم. # وفي شهر (شعبان سنة 1230ه/أغسطس سنة 1815م) أراد أن ينظم جيشه على الطريقة ~~الأوروبية، وكان الجنود لا يألفون النظام ولا سيما الأوروبي؛ فعارضوا في ذلك أشد ~~المعارضة، وكانت النتيجة أن شبت نار الثورة في القاهرة، وتآمر الجنود على الفتك ~~به، ونهبوا الأسواق، واضطروه إلى الاعتصام منهم بالقلعة، وقتل في تلك الفتنة كل ~~منظمي الجيش، إلا أنه بحذقه ودهائه تمكن من إخضاع الضباط بالعطايا، وأظهر لهم ~~عدوله عن هذا المشروع، فمال الجند إلى الخضوع. # على أن كل هذا لم يثن عزم محمد علي عن تنظيم الجيش كما أراد، غير أنه اتبع ~~الحيطة والسياسة في إبراز فكرته وتنفيذ غرضه، فأقصى الألبانيين عن القاهرة ~~تدريجا؛ فأرسل بعضهم إلى بلاد العرب، وبعضهم إلى بلاد النوبة، ومن بقي فرقه في ~~معسكرات الأقاليم. # بعد ذلك أسس مدرسة لتعليم النظام الحربي في بلدة أسوان لتكون قريبة من بلاد ~~النوبة وبعيدة عن القاهرة، وعهد بأمرها إلى رجل من ضباط نابليون بونابرت اسمه ~~المسيو «سيف». # ولد هذا الجندي ms134 العظيم في مدينة «ليون» من أعمال فرنسا عام 1788م، وابتدأ أول ~~طور في حياته بالخدمة البحرية، وحارب الإنجليز في موقعة «الطرف الأغر»، ثم انضم ~~إلى جيش نابليون البري، وحارب في عدة مواقع بقيادة نابليون. ولم يساعده الحظ في ~~الالتحام بموقعة «ووترلو»، فترك فرنسا قاصدا مصر، حيث نال الحظوة التامة عند ~~محمد علي بما قام به من الخدم التي سنذكرها في موضعها. وقد اعتنق الدين ~~الإسلامي، وترقى في الجيش المصري حتى وصل إلى أعلى رتبة فيه، وكان يعرف بعد ~~إسلامه باسم سليمان باشا الفرنسي - الفرنساوي. # القلعة (منظر عام). # قام ذلك الرجل العالي الهمة بتنظيم هذا الجيش بأسوان مدة ثلاثة أعوام، أعد في ~~أثنائها ضباطا كثيرين ليقوموا بأمر الجيش الجديد، وكان معظمهم من شبان ~~المماليك وصغار ضباط الألبانيين والأتراك، أما العساكر الذين تألف منهم الجيش ~~الجديد فكانوا في أول الأمر من أسرى حروب السودان، غير أن كثرة الوفيات بينهم؛ ~~لعدم ملاءمة الجو اضطرت محمد علي إلى العدول عن التجنيد منهم، وابتدأ يجند ~~الجيش من فلاحي مصر. وقد كان هؤلاء يأبون الانتظام في سلك الجندية كل الإباء، ~~وبذلوا في ذلك كل طاقتهم؛ فكان الآباء يشوهون خلق أبنائه: إما بقطع الأصابع، ~~أو بفقء العين، أو بنزع الثنايا، وكثير منهم هربوا إلى بلاد سورية. فلم يثن كل ~~ذلك عزم محمد علي، ونجح أخيرا في تجنيد عدد عظيم منهم، صار فيما بعد على جانب ~~عظيم من النظام وكمال العدة، حتى إنه في عام (1238ه/1823م) عندما ثار ~~الألبانيون لما علموا بحرق إسماعيل باشا ابن محمد علي في قرية شندي دخل «سيف» ~~القاهرة يقود 25000 من الجنود المدربين على النظام الجديد ليحموا الباشا من شر ~~هذه الطائفة الطاغية، ويثبتوا قدمه ويوطدوا سلطانه؛ فأنعم على هذا البطل ~~الفرنسي برتبة الكولونيل «بك» مكافأة له على ما قام به، ثم رفع راتبه إلى 1600 ~~جنيه في السنة، ومن هذا الوقت أصبح لمحمد علي جيش يركن إليه، وكان معظمه من ~~السودان والفلاحين. # ثم أسس مدرسة للعساكر المشاة في «الخانقاة». أما الفرسان فاتخذ ms135 لهم قصر مراد ~~بك على الضفة اليسرى من النيل، وعهد بأمر تعليمهم إلى أحد رجال نابليون، وهو ~~المسيو «فران». ولم يفته أمر تعليم فرقة خاصة للمدفعية لما يعلمه من الأعمال ~~الجليلة التي تقوم بها هذه الفرقة في حومة الوغى؛ إذ كانت ذكرى حروب الفرنسيس ~~في موقعة أنبابة لا تزال جديدة في ذهنه، وقد أبلت فيها المدفعية الفرنسية بلاء ~~حسنا، فناط بالكولونيل «سيجيرو» الإسباني تأسيس مدرسة للمدفعية، فنظمها وقام ~~بأمرها خير قيام؛ فرفع مقامه محمد علي ومنحه رتبة بك. # ولم يترك محمد علي بابا إلا طرقه رغبة في تقوية جيشه الذي تتوقف عليه قوته ~~وعظمته، فحول جزءا عظيما من قلعة الجبل إلى دار صناعة؛ حيث كان يشتغل فيها ~~مئات من المصريين في صب المدافع وصنع معدات الجنود والذخيرة وكل ما يلزمهم. ~~وكان يشرف على هؤلاء عمال مهرة أحضرهم محمد علي من أوروبا لهذا الغرض، وقد تمكن ~~بكل هذه المعدات من إعداد جيش من أعظم جيوش العالم في ذلك العصر. # ولم يتبع في تأليف الجيش الطريقة التي كان يتبعها في أعماله الأخرى؛ أي ~~السرعة، بل كانت زياداته تدريجية؛ ففي عام (1238ه/1823م) كان عدد الجيش الجديد ~~25000 جندي، وفي عام (1241ه/1826م) عندما أشعل اليونان نيران حرب استقلالهم بلغ ~~90000، وفي عام (1248ه/1832م) بلغ 150000 من الجنود النظامية يستعملون 100 مدفع ~~من مدافع الميدان. وقال كلوت بك في كتابه على مصر، عند كلامه على الجيش: إن عدد ~~الجنود المصرية عظم في عصر محمد علي حتى بلغ 276000، منهم 130000 من الجنود ~~المنتظمة، و41000 من المرتزقة - الباشبزق - و19000 بحري، والباقي من المهندسين ~~وغيرهم. ~~(4-6) البحرية # أول أسطول أنشأه محمد علي كان أيام حربه مع الوهابيين، وكان الغرض منه نقل ~~العساكر من السواحل المصرية إلى بلاد العرب، وقد أفاده فيما بعد؛ إذ كان يحافظ ~~به على السفن التجارية الذاهبة إلى الشرق من لصوص البحر، وعلى مر الأيام رأى ~~ضرورة بقاء أسطول في البحر الأبيض لحماية السفن التجارية من لصوص اليونان. # وقبل نشوب حرب اليونان اشترى بعض السفن من ms136 البندقية ومرسيليا، وصنع بعضها ~~الآخر هناك على حسابه، إلا أن معظم أسطوله حطم في هذه الحرب في واقعة «نوارين» ~~كما سيأتي بعد في موضعه. # ولما علم محمد علي ما للأسطول من الفائدة بعد هذه الواقعة، أسس في عام ~~(1245ه/1829م) دار صناعة بحرية بالإسكندرية، وبنى فيها مصانع خاصة لفتل الحبال ~~وصناعة الحديد وعمل الصواري والقلوع وكل ما يلزم للسفن، وأنشأ فيها أيضا ~~مدرسة بحرية أعدها لتمرين عدد من الشبان المصريين على العلوم والمعارف اللازمة ~~لضباط البحرية. وكان المنوط به إنشاء هذه السفن المهندس البحري «دي سريزي»، أما ~~إدارة المدرسة فكانت في يد المسيو «بيسون»، وقد ترقى بعد إلى رتبة أمير البحر ~~للأسطول المصري ورقى هذان الرجلان العمارة البحرية إلى درجة جعلتهما في صف ~~سليمان باشا منظم الجيش البري. # وقد بلغ عدد المراكب الحربية في عام (1248ه/1832م) ثلاثين قطعة تحمل 1300 ~~مدفع، وفيها من العساكر البحرية من لا يقل عن 12000 جندي. # وأرسل جملة من التلاميذ لتلقي الفنون البحرية العملية على سطح المراكب ~~الإنجليزية. # ولم يفته أمر تحصين الشواطئ، فأنشأ الحصون - الاستحكامات - اللازمة ~~لحفظ السواحل، مخافة الإغارة على البلاد كما حصل في عام (1222ه/1807م)؛ فأحضر لذلك ~~مهندسين حربيين من الأجانب، وكلفهم اختيار المواقع المهمة من جميع السواحل ~~المصرية، وأنشأ بها المعاقل، ونصب بها المدافع اللازمة والعساكر الكافية؛ ~~فتضاعفت بذلك قوة مصر، وعظم شأنها، كما يدل على ذلك حروبه التي سنذكرها. ~~(4-7) ميزانية الحكومة # قد رأينا المشروعات العظيمة التي قام بها محمد علي؛ من إصلاح الزراعة وتنمية ~~الصناعة، ونشر التعليم وترقيته، وتنظيم الجيش وإنشاء البحرية. ويجدر بنا الآن ~~أن ننظر كيف كان يتسنى له جمع المال اللازم لكل هذه المشروعات وتوزيعه عليها. ~~على أن الوقوف على ذلك باليقين ليس بالأمر الهين؛ لأن دفاتر المالية في ذلك ~~العهد لم يكن يعتمد عليها، ولأن الحكومة المصرية لم تنشر لها ميزانية سنوية إلا ~~بعد عهد محمد علي، إلا أن بعض الأوروبيين الذين كانوا بمصر في ذلك العهد وعنوا ~~بهذه الشئون قدروا ذلك بوجه تقريبي يساعدنا على ms137 تفهم الوارد والمنصرف. وقد كانت ~~الميزانية في أول أمرها صغيرة بالطبع، لصغر الجيش وعدم اتساع نطاق المشروعات، ~~وقد قدر الدخل لعام (1236ه/1821م) بمبلغ 1200000 جنيه، والمصروف بأقل من ذلك ~~بيسير. أما في عام (1249ه/1833م) فكان تقدير الميزانية كما يأتي: # الإيراد 2500000 جنيه # المنصرف 2000000 جنيه # منه: # منه: # 1125000 # ضريبة الأراضي # 1200000 # للجيش # 450000 ~~«الميزانية الصغيرة» (من تجارة الحاصلات) # 400000 # للبحرية # 180000 # المكوس على الحبوب # 112000 # الرسوم الجمركية # 350000 # ضريبة الرءوس (الفرضة) # ثم نمت بعد ذلك الميزانية، حتى قدر الدخل في سنة ~~(1253-54ه/1838م) بنحو 4500000، والمصروف بنحو 3500000 جنيه. ~~(5) حرب اليونان # بعد سقوط نابليون بونابرت أبرم تحالف متين بين الروسيا وبروسيا والنمسا «الحلف ~~المقدس»، كان الغرض منه المحافظة على عروش الملوك في أوروبا، ومقاومة كل ثورة عليهم ~~بحد السيف. غير أن هذه المحالفة لم تسكن تيار مبادئ الثورة الفرنسية؛ ذلك التيار ~~الذي لم يكد يعم فرنسا حتى فاض على جميع بقاع أوروبا؛ ففي سنتي (1235 و1236ه/1820 ~~و1821م) شبت ثورات في جنوبي إيطاليا وإسبانيا وبلاد اليونان. # على أن الثورة في بلاد اليونان كان الغرض منها إعلان الحرب على الترك لنيل ~~استقلال داخلي؛ فكان قيصر الروس بمقتضى ذلك التحالف المتين مضطرا إلى محاربة ~~اليونان، مع أن السياسة الروسية كانت من زمن بعيد ترمي إلى مساعدة اليونان وكل ~~المسيحيين في شبه جزيرة البلقان على الدولة العثمانية. أما فرنسا وإنجلترا فلم تر ~~حكومتاهما مؤازرة اليونان بالرغم من ميل الأهالي فيهما إليها؛ وذلك لعدم إضعاف ~~الترك أمام الروس؛ فكانت النتيجة أن اليونان لم تساعدها إحدى هذه الدول رسميا، ~~إلا بأفراد تطوعوا من تلقاء أنفسهم. # وكانت الدولة العلية في هذا الوقت في منتهى الضعف والانحلال؛ إذ كان علي باشا ~~والي يانينة قد أنهك قواها كما سبق ذكره. هذا إلى أن السلطان محمودا الثاني لما ~~رأى ما عليه جيشه من سوء النظام والاختلال اجتهد في إصلاحه وتنظيمه على الطرق الحديثة ~~الغربية، فثار الجنود به وتألبوا، وأبوا إدخال النظام الجديد - كما حصل في عام (1230ه/1815م) ~~لمحمد علي حينما أراد إصلاح ms138 جيشه - فاحتال على قتل العساكر الإنكشارية، رأس ~~كل فتنة وسبب كل نكبة نكبت بها الدولة، فتم له ذلك عام (1241ه/1826م). فكان ~~قضاؤه عليهم وقت أن كانت الدولة في حاجة إلى جندي واحد؛ وبذلك أصبح بلا جيش ~~تقريبا. # ولما شبت نار الثورة اليونانية وتفاقم خطبها، وكادت تنتهي باستقلال اليونان بدون ~~مساعدة الدول الأخرى لها، رأى السلطان محمود الثاني أن يستنجد بمحمد علي على ~~قمع الفتنة في البلاد اليونانية. # ففي عام (1239ه/1823م) عين الباب العالي محمد علي واليا على جزيرة إقريطش فوق ~~ولايته لمصر، وأصدر إليه الأوامر بإخماد الثورة هناك، فأرسل ابنه إبراهيم باشا، ~~فهزم الثوار في صيف ذلك العام. # إبراهيم باشا. # وفي سلخ هذا العام (1824م) جعله السلطان واليا على بلاد المورة لإخضاعها؛ فجهز ~~لذلك جيشا مؤلفا من 17000 مقاتل بإمرة إبراهيم باشا، وأقلع الجيش من ميناء ~~الإسكندرية في (ذي القعدة سنة 1239ه/يوليو 1824م)، فالتقى الأسطول التركي الذي كان ~~بقيادة خسرو باشا بالعمارة البحرية المصرية في جزيرة رودس، إلا أن فوز القائد ~~«بياوليس» اليوناني أجبر العمارتين على الانزواء في جزيرة إقريطش عدة شهور. ثم تحين ~~إبراهيم باشا الفرص، وأفلت من المدمرات اليونانية، ونزل في «مودن» بالقرب من «نوارين»، # 8 # في (شعبان سنة 1240ه/فبراير 1825م). وبعد أشهر قلائل أخضع كل بلاد ~~المورة، واستولى على أمهات المدن فيها إلا «نوبليا». وكان أهم وقائع هذه الحرب ~~الاستيلاء على «تريبولتزا»؛ إذ فتحها إبراهيم باشا عنوة بعد جهاد عظيم. # ولما أمده والده بمدد جديد انتقل إلى شمالي بلاد اليونان ليساعد رشيد باشا في ~~حصار «مسولونجي»، وكان هذا يحاصرها من عدة شهور بدون فائدة، فعبر إبراهيم خليج ~~«كورنثة» ومعه 10000 جندي، واستولى على الجزائر الواقعة عند مدخل ميناء المدينة، ~~وبنى فيها قلاعا حصينة؛ فأغلق بذلك الميناء، وأتم الحصار برا وبحرا حتى لم يعد ~~من الممكن وصول المدد إليها بأية طريقة، فسلمت في (رمضان 1241ه/أبريل سنة 1826م)، ~~بعد أن خسر الجيش المصري عليها 6000 جندي، وخسر الترك 20000. # وفي أثناء ذلك قامت نار الثورة في بلاد المورة ثانية، فرجع ms139 إبراهيم باشا ~~لإطفائها، إلا أنه عامل الأسرى اليونان بالقسوة، وأرسل ما يقرب من 5000 أسير إلى ~~مصر بيعوا بها - على ما قيل - بيع الرقيق. # وكان رشيد باشا أثناء تلك الفترة يحاصر «أثينا»، وفتحها عنوة بعد المقاومة ~~الشديدة، ثم وجه السلطان محمود الثاني ومحمد علي جل جهدهما إلى تدمير الأسطول ~~اليوناني الراسي عند «هيدرا»، وكان لا يزال قويا. # ولما علمت الأمة الإنجليزية والأمة الفرنسية بما فعله إبراهيم باشا في بلاد ~~المورة من تخريب البلاد واستعباد نسائها وأطفالها، حنقتا عليه. وانتهزت الروسيا ~~هذه الفرصة فبدأت تفاوضهما في أمر التدخل؛ فعقد لذلك مؤتمر في لندن في (29 ذي ~~القعدة سنة 1241ه/يوليو سنة 1826م)، قرر إرسال عمارة بحرية قبل الدول الثلاث، تكون ~~القيادة العامة فيها للقائد الإنجليزي «كدرنجتون». # وكانت إنجلترا وفرنسا لا تزالان تحذران ازدياد النفوذ الروسي في شبه جزيرة ~~البلقان، فأمرت الحكومة الإنجليزية القائد «كدرنجتون» بأن يتجنب محاربة الترك ما ~~أمكنه ذلك، وأن يعمل طاقته لإبرام اتفاق أساسه أن يمنح الخليفة اليونان استقلالا ~~داخليا مع بقائها جزءا من أملاك الدولة العثمانية. # وفي أثناء هذه المفاوضات أرسل محمد علي عمارة بحرية لتساعد العمارة التي كانت في ~~المياه التركية على تحطيم الأسطول اليوناني، الذي كان يتوقف عليه مصير الحرب. ~~وعندما وصلت هذه العمارة إلى المياه التركية كان القائد «كدرنجتون» قد تمكن من ~~إبرام هدنة مع إبراهيم باشا في مصلحة اليونان، وفي أثنائها كانت المفاوضات دائرة ~~بين السلطان وبينه؛ للنظر في منح اليونان استقلالا داخليا كما قدمنا، فلم يتعرض ~~كدرنجتون لدخول العمارة التركية المصرية في خليج «نوارين». # وفي اليوم التالي أخبر إبراهيم باشا القائد «كدرنجتون» أن أحد زعماء اليونان ~~- كوكرين - ومن تبعه من مواطنيه يهاجمون «بتراس»، وأنه مضطر إلى الذهاب إلى تخليصها ~~من أيديهم، فلم يقبل «كدرنجتون» مبارحته خليج نوارين، إلا أنه تمكن من الإفلات ببعض ~~سفنه، وحاولت بقية العمارة اتباعه فلم يمكنها، واضطرت إلى الانزواء في الخليج. # عند ذلك أصدر كدرنجتون أوامره إلى أسطول المتحالفين بالدخول في خليج نوارين، وأن ~~ترسو سفينته على مقربة من ms140 العمارة التركية المصرية، فأراد الترك أن يمنعوه من ~~الدخول فلم يفلحوا، فلما دخلت أساطيل المتحالفين وجدت الأسطول التركي المصري مصفوفا ~~داخل الميناء على شكل نصف دائرة، يرتكز أحد طرفيها على قلعة البلد، والآخر على قلعة ~~جزيرة «سفا كتيري» عند مدخل الميناء، وكان يحمل ما لا يقل عن 19000 جندي و2082 ~~مدفعا تقريبا. # ولما رست الأساطيل المحالفة في الميناء، اقتربت إحدى الحراقات التركية من إحدى ~~البوارج الإنجليزية، فأرسلت هذه لها زورقا يأمرها بالابتعاد؛ فكان الجواب أن صوبت ~~على الزورق نارا حامية أتت على كل من فيه، فانتشب حينئذ القتال، وتكاثف الدخان حتى ~~أصبح من الصعب الوقوف على ما حصل، إلا أن «محرم بك» قائد الأسطول المصري أخبر ~~كدرنجتون أنه لا يريد القتال، فأخلى له السبيل. لكنه عدل عن فكره الأول وصوب مدافعه ~~على السفينة الإنجليزية «آسيا»، فاستؤنف القتال، ولم يمكث طويلا حتى دمرت سفينته، ~~وظلت الحرب مشتعلة مدة ثلاث ساعات، فأسفرت النتيجة عن تدمير معظم العمارة المصرية ~~التركية. # وتقول الحكومة الإنجليزية إنها لم تكن تقصد الحرب، وإنها عادت باللائمة على ~~كدرنجتون؛ إذ كان غرضها الوحيد من هذه المظاهرة البحرية إجبار الدولة العلية على ~~منح اليونان استقلالا داخليا وإيقاف القتال بأي حال. # أما إبراهيم باشا فلم يكن حاضرا تلك النكبة، بل كان في بلاد المورة يهدئ الأحوال ~~بها، وقد أصبحت كلها في قبضته. فلما سمع هذا الخبر أبرق وأرعد، فلم يجده ذلك نفعا. ~~ولما ثاب إلى رشده اختار خطة للدفاع، فكان حاله في بلاد المورة كحال نابليون ~~بونابرت في مصر بعد موقعة بوقير البحرية؛ إذ انقطعت بينه وبين أبيه طرق المواصلات. # ولم تكن موقعة «نوارين» هذه كافية لاستقلال اليونان؛ ولذلك أصبح من المحتم على ~~الحلفاء التدخل في أمرها، إلا أنه ظهر لإنجلترا وفرنسا أن كل تدخل من قبلهما يخفض ~~من شأن الدولة العلية ويزيد النفوذ الروسي؛ فاقترح «بالمرستون» وزير خارجية إنجلترا ~~في ذلك الوقت أن يحتل بلاد المورة ستة آلاف من الجنود الإنجليزية، ومثلها من ~~الفرنسيين، حتى يمنح الباب العالي تلك البلاد ms141 استقلالها الداخلي، فأبى البرلمان ~~الإنجليزي ذلك، فقامت فرنسا بالأمر وحدها وأرسلت 15000 جندي لتحتل المورة (صفر سنة ~~1244ه/أغسطس سنة 1828م). # وعند ذلك ظهر «كدرنجتون» في المياه المصرية عند الإسكندرية، وأرجع بعض السفن التي ~~كانت ذاهبة لمساعدة إبراهيم، ثم أرسل إلى محمد علي باشا إنذارا نهائيا بتخريب ~~الإسكندرية إذا لم يسرع باستدعاء إبراهيم وإخلاء المورة، وبمساعي المستر «بركر» ~~السفير الإنجليزي في مصر تم الاتفاق مع محمد علي على إخلاء بلاد المورة بشروط، ~~أهمها: # أن يطلق محمد علي سراح الأسرى اليونانيين الذين بيعوا في مصر، وأن تتخلى ~~الجيوش المصرية عن «المورة» في أقرب وقت، بحيث ينقلهم محمد علي على سفنه، ~~وأن يخفر الأسطول الإنجليزي السفن المصرية في ذهابها وإيابها، وأن يتعهد ~~«كدرنجتون» بإرجاع أسرى المصريين وسفنهم التي أخذت منهم أثناء الحرب. # ويقال إن محمد علي وافق على هذه الشروط بدون معارضة كبيرة، خصوصا لما وصله من ~~الأخبار أن الباب العالي أراد أن يقبض على جنوده؛ إذ أصدر الأوامر إلى قائد الأسطول ~~التركي أن يدعو الجنود المصرية إلى النزول في سفنه بدعوى أنه يريد نقلهم إلى ~~الإسكندرية - وهو مأمور سرا أن يرسلهم إلى الدردنيل. والسبب في نصب هذه الأحبولة ~~التي فطن لها إبراهيم باشا وتجنبها أن الباب العالي هاله نجاح محمد علي في «المورة» ~~برا، فخشي بأسه وخاف على ملكه. # فأخلى إبراهيم باشا بلاد «المورة» في (ربيع الأول سنة 1244ه/أكتوبر سنة 1828م). ~~ولما كان السلطان محمود الثاني لا يزال مصمما على رفض تحرير بلاد اليونان أعلنت ~~عليه الروسيا الحرب سنة (1245ه/1829م) وهزمت جيوشه في عدة مواقع فاصلة، فلما رأى ~~السلطان ذلك اضطر إلى إبرام معاهدة «أدرنة» في السنة نفسها، وكان من أهم شروطها ~~تحرير بلاد اليونان واستقلالها استقلالا تاما. ~~(6) حرب الشام # بعد أن وضعت حرب اليونان أوزارها ورجعت الجنود المصرية إلى بلادها، طلب محمد علي ~~من الباب العالي أن يوليه على عكاء علاوة على ولاية مصر مكافأة له على مساعدته في ~~هذه الحرب، كما وعده بذلك من قبل، فرفض طلبه، فلما أعلنت الروسيا ms142 الحرب على الدولة ~~في عام (1245ه/1829م) لم يهتم محمد علي بإجابة طلب السلطان أن يمد الدولة بجيش مؤلف ~~من 20000 مقاتل وبعمارته البحرية؛ إذ رأى أن لا فائدة تعود عليه وعلى بلاده من ~~إفناء ثروتها ورجالها في مساعدة دولة تضن بمكافأته على جليل خدماته. # ولاحظ محمد علي حينئذ أن الأحوال ملائمة لأن ينال بحد السيف ما مناه به الباب ~~العالي، وأن هذه أحسن فرصة لديه؛ إذ كانت الدولة في هذه الفترة في منتهى الضعف ~~والانحلال لتشتيت السلطان محمود شمل العساكر الإنكشارية، وفتكه بهم جملة في عام ~~(1241ه/1826م) على يد حسين باشا - كما قدمنا - ولتضعضع الجيوش التركية لما حل بها من ~~الانهزام الأخير على يد الروس في حرب عام 1829م. # ولم يكن أمام محمد علي إذ ذاك معارض من دول أوروبا العظام؛ إذ كان كل منها مشتغلا ~~بما في بلاده من الاضطراب والفتن؛ فكانت فرنسا منهمكة في إطفاء نار «ثورة يوليو سنة ~~1830» وإنجلترا مغلولة اليدين من جراء الاضطرابات التي قامت من أجل قانون الإصلاح، ~~وكانت الثورة مشتعلة في بلجيكا وإسبانيا والبرتغال. أما الروسيا فكانت مشغولة أيضا ~~بإخضاع ثورة «بولندا». # ومما ساعد في فساد العلائق بين محمد علي والدولة أن خسرو باشا كان حينئذ أكبر ~~رجال الدولة نفوذا؛ إذ كان هو المدبر للخليفة وقطب السياسة في القصر السلطاني، ولا ~~يخفى ما في صدره من الحقد والبغضاء لمحمد علي من يوم خلعه عن ولاية الديار المصرية ~~عام (1218ه/1803م) كما سبق آنفا. فصار همه الوحيد طول حياته إيغار صدر الخليفة على ~~محمد علي، والعمل على ثل عرشه. وكان له في ذلك غرضان؛ الأول: أن ينتقم لنفسه منه، ~~والثاني: أن يحظى هو بولاية مصر؛ ولذلك لما نصب خسرو أمير البحر للعمارة التركية في ~~حرب اليونان لم يساعد إبراهيم باشا تمام المساعدة، بل عمل جهده على إفناء الجيش ~~المصري بعد الحرب بالمكيدة التي لم تفلح - كما ذكرنا. # وكانت حالة الفلاح المصري في هذه الفترة غاية في الشقاء والبؤس؛ إذ أثقل عاتقه ~~محمد علي بالضرائب، وبتسخيره في ms143 حفر الترع، وتجنيده تجنيدا إجباريا، وقد أثرت ~~هذه العوامل فيه تأثيرا سيئا؛ فكان يهلك من المصريين الآلاف في حفر الترع وتحت ~~تعذيب محصلي الضرائب. ولما ضاقت الحال واشتد الكرب بالناس هاجر خلق كثير من سكان ~~الوجه البحري إلى بلاد الشام هربا من مظالم الحكام. ورجا محمد علي من «عبد الله ~~الجزار» والي عكاء إرجاع كل من هاجر إلى مصر ثانية، فحرضه خسرو باشا على ألا يجيب ~~طلبه، ولما لم تجد مساعي محمد علي عند والي عكاء هدده بإعلان الحرب عليه. وزيادة ~~على ما سبق كان عبد الله الجزار قد شجع المصريين على نقل حاصلات الوجه القبلي بطريق ~~صحراء سورية بدلا من تصديرها عن طريق الإسكندرية؛ فكان ذلك مضرا بمصالح محمد ~~علي. # عند ذلك لجأ عبد الله الجزار إلى الباب العالي ليوقف محمد علي عند حدوده، وأن لا ~~يتدخل في شئون ولاية عكاء، فأرسل الباب العالي إلى محمد علي بأن المصريين ليسوا ~~عبيده، بل هم أحرار يسكنون أنى شاءوا، وفي أي جزء من أجزاء الدولة أرادوا. # وفي هذه الآونة جرت مفاوضات بين رئيس الوزارة الفرنسية ومحمد علي بشأن غزو بلاد ~~الجزائر بأسطول فرنسي مصري، فاقترح محمد علي على فرنسا أن تسلمه أسطولها ليكون ~~بقيادته، ويتعهد هو بإخضاع «داي» الجزائر، فلم تقبل فرنسا ذلك. وخاف أيضا محمد علي ~~من أن تفتح فرنسا الجزائر، فتمتد الفتوح الفرنسية شرقا وتكون خطرا على مصر. هذا ~~إلى أن ولنجتون الإنجليزي أعلنه أن أي تدخل منه في أمر بلاد الجزائر يكون مدعاة إلى ~~خلعه. ولما علم الباب العالي بذلك حض محمد علي أيضا على عدم التدخل في هذا الأمر ~~وهدده بالخلع، ثم علم محمد علي بعد ذلك أن السلطان على وشك أن يخلعه لما سبق، فأعلن ~~الحرب عليه خوفا على ضياع ملكه. # ابتدأ محمد علي في إعداد الحملة لذلك في أواخر سنة 1246ه، إلا أنها تأخرت إلى ~~(جمادى الأولى سنة 1247ه/نوفمبر 1831م) لتفشي الهيضة - الكلرا - في مصر وفتكها بالناس ~~فتكا ذريعا. # فسار الجيش البري من الطريق القديم ms144 مجتازا الصحراء إلى العرش، وكان عدده يتراوح ~~بين الثلاثين والأربعين ألف مقاتل، وكان مؤلفا من ست فرق من المشاة وأربع من ~~الخيالة وقوة كافية من المدفعية. أما الأسطول فإنه كان يحمل المدافع الضخمة ~~والذخيرة، ويقل إبراهيم باشا وأركان حربه، وبينهم البطل العظيم «سليمان باشا ~~الفرنسي». # زحف الجيش البري في أوائل شهر نوفمبر، فاستولى على غزة ويافا بدون أدنى ~~مقاومة، وفي هذا الميناء اجتمع الجيش بالأسطول، ثم تولى إبراهيم باشا قيادة الجيش ~~وزحف على عكاء، حيث اجتمعت جموع عبد الله الجزار، وكان غرض هذا أن يقهر إبراهيم ~~ويرده على عقبيه كما فعل ذلك من قبل «أحمد باشا الجزار» مع نابليون، ولكن فاته أن ~~أحمد باشا الجزار كان يساعده أسطول السير سدني سمث من جهة البحر. ومع عظم جيش ~~إبراهيم وحسن استعداده قد دافع عبد الله الجزار عن المدينة دفاعا شديدا مدة ستة ~~أشهر حاول في خلالها عثمان باشا والي حلب أن يخلص حامية عكاء، إلا أن إبراهيم باشا ~~داهمه في الطريق، وهزمه هزيمة منكرة. وبعد ذلك سقطت عكاء في يده في (ذي الحجة سنة ~~1247ه/مايو 1832م)، وأسر عبد الله الجزار ومن معه وأرسلوا إلى الإسكندرية. # وفي أثناء حصار عكاء أصدر الباب العالي أمرا في أول ذي الحجة سنة 1247ه/2 مايو ~~سنة 1832م يقضي بعزل محمد علي عن الديار المصرية وجزيرة إقريطش - كريد - وتولية ~~حسين باشا - مبيد الإنكشارية - عليها، وتسليمه قيادة الجيش الذي سيره على محمد علي، ~~إلا أن ذلك كان على غير رغبة خسرو باشا؛ إذ كان غرضه من عزل محمد علي أن يكون هو ~~خلفه، على أنه قد نظم الجيش على الطريقة الغربية عدة سنوات ليكون هو القائد له في ~~ساحة القتال، وبذل جل طاقته ليحصل على قصده، فلم يصغ له الباب العالي. فلما خابت ~~كل أمانيه عزم على أن يعرقل مساعي حسين باشا ويفسد عليه كل خططه، وساعده على ذلك ~~أنه كان وزيرا للحربية في هذه الآونة. فلما اجتمعت الجيوش في «أذنة» - أطنة - وكان ~~عددهم 45000 أبوا الإذعان لأوامر ms145 حسين باشا - بتحريض من خسرو باشا - ونبذوا كل نظام ~~أراده. # وبعد سقوط عكاء سار إبراهيم باشا بجيشه إلى «دمشق» فسلمت إليه بدون مقاومة، ~~وكان ذلك في (16 المحرم سنة 1248ه/15 يونيو سنة 1832م). # ثم زحف على «حمص» حيث التقى بمحمد باشا والي طرابلس يقود نحوا من 30000 مقاتل ~~- وكانوا مقدمة الجيش التركي - وذلك في (9 صفر سنة 1248ه/8 يوليو سنة 1832م)، فلم ~~ينتظر محمد باشا لسوء تدبيره تلاحق الجيش التركي الذي يقوده حسين باشا شمالي هذه ~~النقطة بنحو 50 ميلا، بل هاجم جيش إبراهيم، فهزمه إبراهيم شر هزيمة وأخذ منه كل ما ~~لديه من الذخيرة والميرة وألفي أسير وستة وثلاثين مدفعا؛ وبذلك أصبحت جل بلاد ~~الشام في يد إبراهيم. ولما علمت القبائل المجاورة بانتصارات إبراهيم باشا أرسلت ~~إليه وفود المهنئين، ووعدته بالمساعدة. # أما حسين باشا فإنه كان قاصدا حلب، فلما علم أهل البلدة بهزيمة الجيش العثماني ~~أغلقوا أبوابها في وجهه؛ فاضطر إلى التقهقر إلى إسكندرونة، حيث يرسو الأسطول ~~العثماني. أما إبراهيم باشا فإنه دخل حلب بدون عناء ولا مقاومة في (18 صفر/17 ~~يوليو)، ثم اقتفى أثر الجيش التركي فوجده محتميا في مضيق «بيلان» - بين حلب ~~والإسكندرونة - فهاجمه وشتت شمله، وذلك في (أول ربيع الأول/29 يوليو)، وكانت نتيجة ~~هذه الهزيمة أن غادر الأسطول العثماني الإسكندرونة. # وفي الحال أرسل إبراهيم باشا ابن أخيه عباسا ليحتل بلدة أذنة خلف «جبال طوروس»؛ ~~وبذلك استولى إبراهيم باشا في مدة لا تتجاوز سبعة أشهر على كل بلاد سورية. # وقد عد إبراهيم باشا في الطبقة الأولى من قواد ذلك العصر بما أظهره من الحذق ~~والدراية بالفنون الحربية. ولا يفوتنا أن نعطي سليمان باشا الفرنسي - رئيس أركان ~~حربه - نصيبه من الفخر في هذه الحروب؛ إذ كان في هذه الوقائع سيفه القاطع، وعضده ~~المتين. # سليمان باشا الفرنساوي في حضرة محمد علي باشا وإبراهيم ~~باشا. # أما حسين باشا فإنه نفي إلى نهر الطونة بعد أن ألقى خسرو باشا كل اللوم على ~~عاتقه، وطلب خسرو ثانية من الباب العالي أن يوليه ms146 قيادة الجيش ويمنحه ولاية مصر، ~~فأبى السلطان عليه ذلك وعهد بقيادة الجيش إلى «رشيد محمد باشا» وهو أحد رجال الدولة ~~العظام؛ اشترك مع إبراهيم باشا في حرب «المورة»، وخاصة في حصار «مسولونجي»، واشتهر ~~بعدها بمحاربة مصطفى باشا والي أشقودرة عند خروجه على الدولة. فعزم خسرو على إحباط ~~مساعي مناظره الجديد كما قضى على حسين باشا وجيشه من قبل. # ويظهر أن خسرو كان يعتقد أن من مصالح دول أوروبا المحافظة على كيان الدولة العلية؛ ~~فكان لا يهمه هزيمة جيش حسين باشا، أو القضاء على جنود رشيد باشا أمام جيش محمد ~~علي؛ إذ كان على يقين أن الدول العظام لا تسمح لمحمد علي أن يجني ثمار انتصاراته. ~~ولا غرابة، فقد أحس محمد علي بخطر تدخل الدول، ورحب بالصلح عندما كان جيش إبراهيم ~~في أطنة، غير أنه طلب من السلطان ولاية سورية فلم يقبل. # وفي هذه الأثناء طلب إبراهيم باشا من والده المدد، فسير له جيشا مؤلفا من 50000 ~~مقاتل، وأمره بمواصلة القتال والزحف، فتقدم في زحفه حتى وصل إلى «قونية». وفي خلال ~~ذلك جمع رشيد باشا جموعه عند «أخشير» - شمالي قونية - وكانت الدولة وعدته أن تمده ~~بعساكر البشناقيين هناك، فخندق عند أخشير وعزم على انتظار هجوم المصريين في هذا ~~المكان، غير أن خسرو باشا لم يرسل له المدد واستبقاه في القسطنطينية، محتجا بأن ~~ما لديه من الجند كاف للتنكيل بجيش محمد علي، ثم سعى في إرسال الأوامر إلى رشيد ~~بالإسراع في مهاجمة المصريين خوفا من تدخل الروسيا، فأمر السلطان رشيد باشا ~~بالهجوم على المصريين، فحاول رشيد باشا إقناع السلطان أنه ليس لديه مئونة في أخشير، ~~وأن الجيش في حالة يرثى لها. # وفي أثناء هذه الأزمة وصل «الكونت مورافييف» الروسي إلى القسطنطينية في خدمة ~~خاصة، فساعد خسرو في آرائه، فكانت النتيجة أن رشيد باشا لم يجب إلى طلبه وترك ~~للقضاء والقدر. # على أن الجيش المصري كان في حالة صعبة جدا لما كان يقاسيه من البرد، ولو انتظر ~~رشيد باشا قليلا لاضطر إبراهيم إلى ms147 التقهقر، ولكنه عجل بمناجزته حسب أوامر ~~السلطان. وكان جيش إبراهيم حينئذ لا يتجاوز الثلاثين ألف مقاتل. # وبعد أن تأهب الجيشان تقدم الجيش العثماني إلى الأمام، أما الجيش المصري فمكث في ~~مكانه لا يبدي حراكا، وكان الضباب الكثيف الكثير الانتشار في بلاد الأناضول - وفي ~~مثل هذا الشهر خاصة - سادلا أستاره على الجيشين ومخفيا كلا منهما عن الآخر؛ ~~ولذلك لم يبدأ إبراهيم باشا بالضرب كي لا يعرف العدو مكانه. أما رشيد باشا فبمجرد ~~وصوله على مسافة 400 متر ابتدأ بإطلاق النار، فعلم إبراهيم باشا وسليمان باشا ترتيب ~~الجيش العثماني وتفريق مدفعيتهم، ثم شاهد أيضا سليمان باشا أن المشاة العثمانية ~~انفصلت بسبب الضباب عن الفرسان، فأمر المشاة المصرية بالدخول بين الفريقين ليستحيل ~~اجتماعهما ورجوعهما إلى ما كانا عليه من الالتئام. ولقد أوقعت هذه الحركة الرعب ~~والفزع في قلوب الترك، وأخذتهم الدهشة، إلى أن فاجأتهم الفرسان المصرية وأعملت في ~~فرسانهم السيف فبددت شملهم، ووجهت المدفعية المصرية نارها على مشاة الترك فحصدتها ~~حصدا. ولما رأى رشيد باشا أن لا مناص من الهزيمة اجتهد أن يستجمع جناح جيشه الأيسر ~~فلم يفلح، ووقع أسيرا في يد المصريين، فجاءوا به إلى إبراهيم باشا، ولما علم الجيش ~~بأسر قائدهم ولوا الأدبار؛ وبذلك انتهت واقعة «قونية» الفاصلة (27 جمادى الآخرة سنة ~~1248ه/21 نوفمبر 1832م). # وقد فرح سكان آسيا الصغرى فرحا عظيما بانتصارات إبراهيم. أما هو فتقدم بجيشه ~~إلى «كوتاهية» غربي «أخشير» وهدد «بروسة»، في الوقت الذي كان فيه بعض جنوده وعماله ~~قد أخضعوا أكثر بلاد الأناضول، وأصبح اسمه ذا تأثير عظيم في قلوب القوم، حتى إن ~~أربعة من جنده وضابطا واحدا استولوا على مدينة «أزمير» العظيمة. # 9 # ولما وصلت أخبار هذه الهزيمة إلى الأستانة حنق الباب العالي وخاف من ضياع ملكه؛ ~~لأن بلاد آسيا الصغرى تعتبر قلب الدولة وحصنها المكين. # عند ذلك مدت الروسيا يد المساعدة للدولة العثمانية، فطلبت من الباب العالي أن ~~يسمح لها أن ترسل له قوة بحرية وأخرى برية لمساعدته، إلا أن السلطان محمودا الثاني ~~توانى في ms148 قبول ذلك، وفاوض محمد علي في شروط الصلح، فلم يرض إلا بكل بلاد سورية ~~وولاية «أذنة» - أطنة. وفي هذا الحين أرسلت الروسيا القائد «مورافييف» يلتمس من ~~محمد علي بكل وداد واحترام إيقاف إبراهيم عن الزحف على الأستانة. # وأما بقية الدول العظام فقد أزعجها تدخل الروسيا، فاستفسر «الكونت بروكش أوستين» ~~سفير النمسا في مصر من محمد علي عن أغراضه، واجتهدت إنجلترا وفرنسا في إيقاف زحف ~~إبراهيم، ونصحتا للباب العالي أن يتنازل عن صيداء وعكاء ونابلس وبيت المقدس إلى ~~محمد علي. إلا أن هذا أبى إلا كل بلاد سورية وأذنة، وأمر إبراهيم بالزحف على ~~الأستانة؛ وذلك بتحريض من فرنسا لأنها رغم اتفاق سفيرها مع السفير الإنجليزي في ~~الأستانة كانت تعمل في الخفاء مع محمد علي، وتشجعه بتوسط سفيرها في القاهرة رغبة ~~في ازدياد نفوذها في البلاد المصرية. # فلما احتل إبراهيم باشا «كوتاهية» (فبراير سنة 1833م) اضطر الباب العالي إلى طلب ~~المساعدة من الروسيا رسميا، فأرسلت له جيشا مؤلفا من 12000 مقاتل تساعده عمارة ~~بحرية، وعسكر الجيش على الشاطئ الآسيوي عند «أنكيار سكلسي» - هنكار إسكله سي - ~~على البسفور؛ فأقلق تدخل الروسيا بال فرنسا وإنجلترا، فشددتا على الباب العالي في ~~الاتفاق مع محمد علي؛ فأبرم معه اتفاق «كوتاهية» في (ذي الحجة سنة 1248ه/مايو سنة ~~1833م)، وبه ولى الباب العالي محمد علي بلاد سورية، وجعل إبراهيم باشا محصلا ~~لولاية أذنة، وعلى ذلك تم الصلح واطمأن خاطر إنجلترا وفرنسا من جهة روسيا. # أما قيصر روسيا فإنه لم يقف عند ذلك الحد، بل اجتهد في إقناع السلطان أن كيان ~~دولته يتوقف على مساعدة الروسيا لها ومحالفتها إياها؛ فاقتنع بذلك لما رآه من خذل ~~الدول الغربية له، وأبرم معاهدة هجومية دفاعية مع الروسيا تعرف بمعاهدة «أنكيار ~~سكلسي» - هنكار إسكله سي - في (صفر سنة 1249ه/يونيو 1833م). وأهم شروطها أن تتعهد ~~روسيا بحماية البلاد العثمانية من إغارة أي دولة، وفي مقابل ذلك تتعهد الترك بإغلاق ~~الدردنيل في وجه أساطيل جميع الدول. وكان إبرام هذه المعاهدة سرا بدون علم ~~الدول الأخرى. ms149 ~~(6-1) حكومة محمد علي في بلاد الشام وغزوته الثانية لها # لم يكن اتفاق كوتاهية حلا نهائيا للنزاع بين الدولة العثمانية ومحمد علي؛ ~~إذ كان هذا من جهة يعتقد أن حكمه في كل الولايات التي تحت سلطته لم يكن إلا ~~لأجل محدود، وكان على يقين أن الباب العالي لا بد أن ينزعها من يده متى سمحت له ~~قوته وساعدته الأحوال، وأن ما امتلكه بحد السيف لا بد له أن يعمل جهده ليحافظ ~~على كيانه بحد السيف أيضا، فأفلح في إثارة نار الفتنة في بلاد ألبانيا، وكان ~~يدس الدسائس في الأستانة لخلع محمود الثاني وتولية ابنه عبد المجيد مكانه. ومن ~~جهة أخرى كانت الإشاعات تتواتر أن السلطان يريد الاستفادة من معاهدة «أنكيار ~~سكلسي» بإعلان الحرب على محمد علي، وكانت الفرص مساعدة للسلطان؛ إذ تألب معظم ~~أهل الشام على إبراهيم باشا، وثاروا في وجهه، وابتدأ تذمرهم منه في ربيع عام ~~(1250ه/1834م). # والسبب في ذلك يرجع إلى عسف حكومته وظلمها؛ إذ اتضح جليا لأهل الشام أن ~~حكومة الباب العالي كانت أقل ظلما، وأحسن حالا من حكومة محمد علي. وقد ذكرنا ~~آنفا أنه لما دخل إبراهيم باشا بلاد الشام قابله الأهالي بالتهلل والاستبشار ~~والتفوا حوله، وإنما كان ذلك يرجع إلى أمرين: # الأول: # عدم ميل الأهالي إلى السلطان محمود الثاني من جراء المصائب ~~التي انصبت على الدولة العثمانية في مدته، ولا سيما إبرامه ~~لمعاهدة «أدرنة » التي اعتبرتها الأمة من أعظم النكبات التي ~~انتابت الدولة. # والثاني: # قسوة الأحكام التركية منذ فارقها الفرنسيون سنة (1214ه/1799م)؛ ~~لأنها قبل حملة نابليون عليها كانت تتمتع بشبه ~~استقلال، ولكن بعد الحملة قررت الدولة عليها الضرائب الفادحة، ~~وأبقت الجنود التي أرسلتها لطرد الفرنسيين في البلاد يعيثون ~~فيها فسادا. # فلا غرابة بعدئذ أن يستقبل أهل الشام إبراهيم باشا بكل فرح وابتهاج؛ لأنه ~~أدخل بعض إصلاحات في بادئ الأمر كانت مفيدة له وللبلاد؛ إذ صرف معظم السنتين ~~الأوليين في درس أحوال الشام، وفي توطيد عرى التحالف بينه وبين القبائل القوية ~~التي ينتظر أن يركن إليها ms150 عند الحاجة في تنظيم قوة حربية يعتمد عليها في إخماد ~~نار الفتن الداخلية، أو صد هجمات الدولة حال إعلانها الحرب عليه. وقد جعل ~~الحاكم العام على البلاد الشامية «شريف باشا» أحد أقربائه، وكان ذا أخلاق فاضلة ~~وخبرة في الأمور السياسية، وجعل «حنا بحري» أحد السوريين مساعدا له في إدارة ~~الشئون المالية، وكان ذا حذق ومهارة في ذلك، ثم ساوى بين كل الديانات أمام ~~القانون؛ لا فرق بين المسلم والمسيحي، وعقد في كل بلدة من أمهات البلاد مجلسا ~~كانت تنتخب أعضاؤه من المسلمين والمسيحيين على السواء. وكل هذه المجالس كانت ~~تحت سيطرة «مجلس المشاورة» في عكاء؛ إذ كان بمثابة محكمة عليا، تتسلم دخل ~~البلاد، وتولي الحكام، وتخابر الحكومة الرئيسية في مصر. # وبعد أن وضع إبراهيم هذه الأنظمة، رأى أن لا بد لضمان سير الأحوال على ما ~~يروم من جيش عظيم يعول عليه، وأن يكون له موارد للثروة يستقي منها. فأول عمل ~~قام به للحصول على المال أن احتكر جميع أصناف الحرير وبعض المواد الأخرى، وسخر ~~الأهالي وأكرههم على زرع الحاصلات التي لا غنى للبلاد عنها كالحبوب، وعلى غرس ~~النباتات التي تلائم طبيعتها، فكان من نتائج ذلك مهاجرة الأهلين إلى بلاد ~~الجزيرة وآسيا الصغرى، كما هاجر أهل مصر عام (1245ه/1829م) وكان سببا من ~~أسباب حربه الأولى مع الدولة. # وفي أثناء سير الأحوال في البلاد الشامية أصدر محمد علي باشا ثلاثة أوامر ~~لابنه إبراهيم ، وهي: (1) أن يضرب الجزية «الفرضة» على كل فرد بدون تمييز بين ~~الجنسية والديانة (2) أن يجند جيشا من البلاد بالإجبار، وأن يأخذ كل ما يحتاج ~~إليه هذا الجيش من الحيوان (3) أن ينزع السلاح من كل السكان. # ومن الغريب أن هذه الأوامر كلها صدرت دفعة واحدة؛ فكانت النتيجة أن تذمر ~~الأهالي وثاروا في عام (1252ه/1835م)، وأحدثوا فتنة تفاقم خطبها وامتد لهيبها ~~في طول البلاد وعرضها، وكان أهم ما دعاهم إلى العصيان نزع السلاح منهم، غير أن ~~إبراهيم باشا استطاع أن يخضع العصاة في دمشق وحلب، وما جاورهما من البلاد بدون ~~عناء. ms151 # أما في طرابلس وعكاء وجبال لبنان ونابلس - التابعة لولاية دمشق - فقد قاومه ~~الثائرون فيها مقاومة عنيفة، حتى إن محمد علي لما علم بحرج مركز إبراهيم باشا ~~أعد كل ما يمكن جمعه من الجند والذخيرة وسار بنفسه إلى مساعدته، فنزل في ~~يافا، وبحذقه ومهارته تمكن من ضم سبعة من رءوس الثوار إليه في مدة وجيزة، ثم ~~حارب أهالي نابلس، ودخل بلدهم دخول المنتصر، وفي هذه الأثناء ثارت طائفة النصيرية # 10 # فأخضعها المصريون سريعا، إلا أن الدروز، والمارونية # 11 # استمروا في مقاومة الجنود المصرية حتى (رجب سنة 1252ه/أكتوبر سنة ~~1836م)؛ إذ تمكن فيه إبراهيم باشا ومحالفه الأمير بشير الشهابي # 12 # والي لبنان من إخضاعهم ونزع السلاح منهم في أقل من ستة عشر ~~شهرا. # ومن ذلك الحين ابتدأ الأهالي في الشام ينفرون من محمد علي، وينظرون إليه بعين ~~العداوة والبغضاء، ولا سيما بعد أن بدل بالحكام الملكيين غيرهم من الجيش، ونشر ~~عساكره في جميع أنحاء البلاد. # ولا يفوتنا أن نذكر أن إخضاع الثورات الداخلية في الشام - التي تبلغ مساحتها ~~أربعة أمثال مساحة مصر الزراعية - وجلب الجنود إليها وما يلزمهم من البلاد ~~المصرية؛ كل ذلك أثقل عاتق الحكومة المصرية وسبب أزمة مالية سنة ~~(1260ه/1844م). # وفي أثناء هذه الفتن الداخلية في بلاد الشام كان السلطان محمود الثاني يريد ~~منازلة محمد علي، آملا استرجاع ما فقد؛ ففي سنة (1249ه/1834م) احتج على دول ~~أوروبا العظام التي كانت تمنعه عن الدخول في الحرب مع خصمه محمد علي لتخليص ~~رعاياه من ظلمه. فلما علم محمد علي بنية الباب العالي أعلن للدول أنه إذا ظهر ~~الأسطول العثماني في جنوب جزيرة رودس، فإنه لا يرى مندوحة من مهاجمته وإعلان ~~عدم الطاعة والإذعان للخليفة. فصرحت الدول العظام بأنها ستكون ضد المعتدي؛ ~~ولذلك خاف كل من الفريقين، وأجل إعلان الحرب مدة ست سنوات. ولكن بالرغم من كل ~~ذلك بقي كلا الجانبين يستعد للحرب. # أما الروسيا التي كان الباب العالي يعتمد على مساعدتها، فإنها أحجمت عن الخوض ~~في هذا المشروع الذي لم تتحقق من ms152 حسن عواقبه؛ لأن قيصر الروس ابتدأ يدرك أنه ~~إذا شرع في إنفاذ شروط معاهدة هنكار إسكله سي، قامت في وجهه دول أوروبا وأخضعته ~~بحد السيف. فإن دول أوروبا الكبرى وخاصة إنجلترا وفرنسا والنمسا كانت تحذر ~~تدخل الروسيا، وأخذت على عاتقها أن تمنع استنجاد الدولة العلية بها، سواء أكان ~~الاعتداء من السلطان على محمد علي أم من محمد علي عليه. # ومما شجع الباب العالي الأخبار التي كانت تأتيه عن تمرد أهل الشام، وعدم ~~رضاهم بحكم إبراهيم باشا، وعن انهزام المصريين شر هزيمة أمام عرب «حوران» في ~~سنة (1254ه/1838م)؛ ولذلك ابتدأ في استعداده البري والبحري بهمة جديدة. # وكان محمد علي في هذه الأثناء في رحلته إلى بلاد السودان (1254ه/1838م) ~~ليقف على حقيقة كنوز الذهب التي كان يمني نفسه أن يستعين بها على شن الغارة على ~~السلطان إذا اضطره الحال إلى ذلك. # وفي (ذي القعدة سنة 1254ه/يناير سنة 1839م) عقد الباب العالي مجلسا حربيا ~~قرر فيه تجهيز 80000 جندي بقيادة حافظ باشا. فلما علم سفراء الدول بذلك اضطربوا ~~وخافوا من ضياع الدولة؛ لأن فرنسا وإنجلترا والنمسا كانت لا تزال تخاف من ~~تدخل الروسيا تنفيذا لمعاهدة هنكار إسكله سي. # وفي 22 يناير عقد الباب العالي مجلسا آخر لتقرير الحرب أو السلم، انتهى ~~بتقرير محمود الثاني أخيرا إعلان الحرب؛ وذلك لأن حافظ باشا كان يمنيه بالنصر، ~~ورشيد باشا - الذي كان في هذه الآونة قائما بتأدية مأمورية خاصة في باريس ~~ولندن - صرح للباب العالي خطأ أن كلا من إنجلترا وفرنسا لا تتعرضان للسلطان ~~إذا هو هاجم محمد علي. # قفل محمد علي راجعا من سنار عندما علم من عباس بن طوسون - وكان نائبا عنه في ~~مصر - بالاستعدادات الحربية التي كانت قائمة على قدم وساق في القسطنطينية، ولما ~~وصل إلى القاهرة كتب منشورا وأرسله إلى جميع سفراء الدول معلنا فيه أنه بريء ~~من كل هذه المشاكل، وأن لا بد له من مقابلة القوة بالقوة. ولما وصل هذا المنشور ~~إلى يد السلطان احتدم غيظا وشدد في الإسراع بتجديد الحملة، ms153 ومن فرط حنقه قال: ~~«إني أفضل الموت على التراخي في إخضاع هذا العاصي.» # أما محمد علي فإنه أراد أن يداهم الدولة قبل أن تتم إعداد جيشها الذي كان ~~يقوم بأمر تنظيمه القائد «فون ملتك» وضباط آخرون من الألمان. وحدث أن الحكومة ~~الإنجليزية أبرمت مع الدولة في ذلك الحين معاهدة تجارية تتعلق بجميع ممالك ~~الدولة؛ فكانت ضربة قاضية على آمال محمد علي التجارية؛ لأنه كان محتكرا كل ~~التجارة المصرية كما سبق، فلما علم بذلك محمد علي هدد الدولة بإعلان استقلاله، ~~ولو تم له ذلك لكان الضربة القاضية على الباب العالي؛ إذ كان في ذلك نزع سيادته ~~الاسمية والفعلية حتى من بلاد الحجاز مصدر زعامته الدينية. إلا أن الحكومة ~~الإنجليزية أنذرت محمد علي بواسطة سفيرها في مصر المستر «كمبل» أنه إذا شرع في ~~ذلك كانت إنجلترا خصمه. # وحذرت إنجلترا الباب العالي أيضا، وأظهرت له أنها لا تساعده إذا كان هو ~~المعتدي، ولا تتحمل شيئا من نتائج هذه الحرب. أما إذا اعتدى محمد علي فإنها ~~تأخذ بناصر الدولة؛ ولذلك خاف كل منهما أن يبتدئ بالعداء. إلا أن شدة بغض محمود ~~الثاني لمحمد علي جعلته يهاجمه أولا؛ ولذلك عندما طلب محمد علي أن يكون لخلفه ~~حق الوراثة لجميع الولايات التي تحت سلطته من بعده، أعلن السلطان أن محمد علي ~~خائن للخليفة، وأرسل الجيش لإخضاعه. # تجمع الجيش التركي عند «سيواس» بقيادة حافظ باشا، ثم زحف إلى جهة الجنوب حتى ~~وصل إلى نهر الفرات، عند بلدة صغيرة تسمى «بيرجك » على الضفة اليسرى منه، ثم ~~وصلت الأوامر إلى حافظ باشا بأن يجتاز النهر، وينتقل إلى الشاطئ الأيمن. # فلما وصل هذا الخبر إلى إبراهيم باشا أرسل إلى والده يخبره بذلك، فأمده بالذخيرة ~~وجيش بقيادة أحمد باشا «المنكلي» ناظر الحربية المصرية. وكان إبراهيم باشا في ~~هذا الحين بمدينة حلب لقربها من الحدود الشمالية، ووفرة المئونة فيها، ثم سار ~~من هذه البلدة قاصدا «نصيبين» - بلدة على نهر الفرات - وكان قد علم أن الجيش ~~التركي عسكر فيها، وأنه حصلت بعض مناوشات ms154 بين الباش بزق السلطانية وبين فرسان ~~العرب عند «تل باشر» جعلت سليمان باشا الفرنسي يهتدي أثناءها إلى التحصينات ~~المهمة التي أقيمت أمام نصيبين، وتبين له أنه يتعذر مهاجمتها من هذه الجهة، ~~ففكر إبراهيم باشا وسليمان باشا في الدوران حول نصيبين ليهاجموها من الجهة ~~التي لم يحصنها الترك. # عند ذلك أشار القائد «ملتك» ومن معه من الضباط الألمان على حافظ باشا أن ~~يهاجم المصريين أثناء سيرهم غير متأهبين للحرب، فلم يقبل حافظ باشا ذلك، فدار ~~إبراهيم بجيشه وهاجم الجيش التركي. وبالرغم من محاولة بعض الفرق الشامية من ~~جيش إبراهيم الانضمام إلى جيش الترك شتت الجيش المصري شمله في (11 ربيع الآخر ~~سنة 1255ه/24 يونيو سنة 1839م). وكانت خسائر الترك فادحة جدا حتى أصبح ~~السلطان في الحقيقة بلا جيش، ومن حسن حظ الخليفة محمود أنه مات قبل أن يصل خبر ~~هذه الهزيمة إلى القسطنطينية بعدة أيام؛ وهكذا أصبحت الدولة العلية للمرة الثانية تحت ~~رحمة محمد علي. # ولما تولى الخلافة السلطان «عبد المجيد» كان سنه إذ ذاك لا يتجاوز السابعة ~~عشرة، فتسلم خسرو باشا منصب الصدارة العظمى، وكان قبل ذلك مغضوبا عليه. ولما ~~علم بذلك أحمد باشا فوزي أمير البحر التركي - وكان خسرو باشا من أشد أعدائه - حزن ~~حزنا شديدا، وصمم على تسليم العمارة البحرية إلى محمد علي، بدعوى أنه خائف ~~على حياته من خسرو، وأنه ربما اغتاله كما اغتال السلطان محمودا الثاني - حسب ~~اعتقاده - وأظهر أن لا بد من عزله لسلامة الدولة، وقد صرح برأيه هذا إلى ~~القبودان «ووكر» الإنجليزي مساعده. # فأقلع بأسطوله من الدردنيل، وكانت مأموريته في هذا الحين أن يساعد حافظ باشا ~~من جهة البحر، فالتقى في أثناء سيره بالأسطول الفرنسي، وأخبر قائده «لالند» بما ~~أخبر به الأميرال «ووكر» من أن الحزب الروسي - أي حزب خسرو - سم السلطان، وأنه ~~متوجه بالأسطول إلى إقريطش، فأخبره «لالند» أن إقريطش في يد محمد علي، وأن معنى ~~الذهاب إليها تسليم العمارة البحرية له. وبعد ذلك بأيام قلائل وصل الأسطول ~~التركي إلى المياه المصرية، وانضم ms155 إلى الأسطول المصري. فلما علم الضباط بنية ~~أميرهم هموا بالتألب عليه، فاستمالهم محمد علي. # رسا الأسطول التركي في الميناء الغربي بالإسكندرية، على بعد ستة أميال من ~~الشاطئ، وكان مؤلفا من 20 بارجة تحمل 21 ألف جندي بحري، ثم نزل الضباط وقابلوا ~~محمد علي، إلا أن القائد «ووكر» لم يرجع ثانية إلى الأسطول، محتجا بأن ~~الحكومة الإنجليزية لم تخول له الخدمة تحت إمرة محمد علي. # ولما علم سفراء الدول بهذا الحادث استولى عليهم الهلع، وأظهروا لمحمد علي ~~استياءهم من خيانة أمير البحر، وأنهم لا يريدون أن يكون شريكا له في هذه ~~الجريمة، ونصحوا له أن يرجع الأسطول التركي إلى الأستانة؛ فغضب لذلك محمد علي، ~~وقال: إن الحرب تبيح لأحد الفريقين أن يقبل الفارين من الفريق الآخر. وكانت ~~حالة الدولة في هذا الحين في منتهى التعس والاضمحلال، حتى إن خسرو باشا طلب من ~~أمير البحر أن يرجع مع العفو التام من الخليفة، فأجابه هذا أنه ليس خارجا على ~~الباب العالي، وإنما يخشى غدره وخيانته، وأنه لن يبرح المياه المصرية ما دام هو ~~المحرك لسكان سياسة الدولة، والقابض على زمامها. ~~(6-2) تدخل دول أوروبا # كان أول هم لدى الدول الكبرى منع الروسيا من إنفاذ شروط معاهدة «هنكار إسكله ~~سي» والانتفاع بها؛ ولذلك كان من المحتم عليها أن تعمل جميعها للوصول إلى ذلك. ~~إلا أن الباب العالي، لمنع زحف إبرهيم باشا على القسطنطينية، قرر إعطاء مصر ~~لمحمد علي وذريته من بعده، وإعطاء الشام لإبراهيم إلى أن يخلف والده على مصر. ~~وكان هذا الاتفاق على رغبة من الروسيا لأنه يخلصها من اتفاق هنكار إسكله سي، ~~ولا يحط من سلطتها في القسطنطينية، فرأت الدول الكبرى أن الأمر أشد خطورة من أن ~~يفصل فيه الباب العالي وحده؛ ولذلك كتبت إليه تعلمه ألا يفاوض محمد علي في شيء، ~~ولا يتفق معه إلا بواسطة الدول. فلما فطنت الروسيا لغرضهم لم تعارض في الأمر؛ ~~وبذلك ظهرت الدول الكبرى بمظهر المشجع للباب العالي على معارضته لمحمد علي ورفضه ~~لمطالبه. # إلى هذا ms156 الحد كانت فرنسا وإنجلترا متفقتين؛ لأنهما اجتهدتا معا في إيقاف ~~النفوذ الروسي في البلاد العثمانية، ورأتا أن أحسن حل للمشكل القائم بين محمد ~~علي والدولة وضع الدولة تحت حماية الدول الكبرى جميعا. ثم ابتدأ الخلاف لأن ~~«بالمرستون» وزير خارجية إنجلترا كان يعتقد أن الدولة العلية لا تصير في أمان ~~إلا إذا كانت صحراء سيناء الحد الفاصل بينها وبين محمد علي. والرأي العام في ~~فرنسا من جهة أخرى كان ميالا لمحمد علي؛ إذ كان يرى فيه حليفا يعتمد عليه في ~~منازعة الدولة البريطانية في البحر الأبيض المتوسط. # لذلك عرضت فرنسا على إنجلترا أن يمنح محمد علي وذريته من بعده كل الولايات ~~التي تحت يده؛ فلم يوافق على ذلك بالمرستون مع شدة ميله إلى استجلاب مودة ~~فرنسا. غير أنه عرض عليها في (شعبان سنة 1255ه/أكتوبر سنة 1839م) أن تكون مصر ~~وراثية لأسرة محمد علي، وأن يتولى محمد علي أيضا ولاية عكاء إلى طرابلس ودمشق. ~~وبعد مفاوضات طويلة أعلن «تييرس» رئيس الوزارة الفرنسية في مايو سنة 1840 أن ~~فرنسا لا تقبل ذلك، بدعوى أن هذه الشروط لا توافق محمد علي، وأنه إذا أعلن بها ~~اندفع في زحفه على آسيا الصغرى، وأن أساطيل الدول لا يمكنها أن تقوم بعمل ما ~~ضده «اللهم إلا امتلاك بعض البلاد على الساحل»، وليس في قدرتها طرده من بلاد ~~الشام. وكان تييرس في هذه الأثناء يخابر محمد علي والباب العالي سرا في إبرام ~~اتفاق لمنح محمد علي كل بلاد سورية، فلما علم بالمرستون بذلك قطع كل رجاء في ~~مؤازرة فرنسا له. # وفي أثناء ذلك أرادت الروسيا أن تتفق مع إنجلترا في حل المسألة التركية ~~المصرية، فأرسلت سفيرا عرض على الحكومة الإنجليزية أن الروسيا مستعدة أن لا ~~تتدخل في المسألة التركية وحدها، وأنها تبادر إلى النزول عن شروط معاهدة هنكار ~~إسكله سي، وفي مقابل ذلك يقفل الدردنيل والبسفور في وجه كل السفن ويسمح للروسيا ~~وحدها أن تمر منها لحماية الدولة العلية وقت الخطر. # فابتدأت الدول الأربع «الروسيا، وبروسيا، والنمسا، وإنجلترا» ms157 تفاوض محمد علي ~~بواسطة «الكولونيل هدجس» السفير الإنجليزي بمصر - وكان قد عين بدلا من ~~الكولونيل «كمبل» للقيام بهذه المهمة خاصة - فلم يصغ محمد علي لكل تهديدات ~~«هدجس» ووعيده، مرتكنا على ما كانت تعده به فرنسا من المساعدة؛ ولذلك رفض كل ~~مفاوضات الدول الأخرى، فلما يئست الدول الأربع منه أبرمت مع الدولة العثمانية ~~«معاهدة لندن» في (15 جمادى الأولى سنة 1256ه/15 يوليو سنة 1840م) بدون علم ~~فرنسا، وقررت في هذا المجتمع أيضا الطرق التي يجب اتخاذها لإخضاع محمد علي. ~~وأهم شروط هذه المعاهدة ما يأتي: ~~(1) # إلزام محمد علي بإرجاع ما فتحه من بلاد الدولة العلية، وأن يحفظ ~~لنفسه الجزء الجنوبي من الشام الشامل مدينة عكاء. ~~(2) # أن يكون لإنجلترا الحق بالاتفاق مع النمسا في محاصرة فرض الشام، ~~ومساعدة كل من أراد الهجرة من أملاك محمد علي والرجوع إلى ~~الدولة. ~~(3) # أن يكون لسفن الروسيا والنمسا وإنجلترا معا حق الدخول في ~~البسفور والدردنيل لوقاية القسطنطينية لو تقدمت الجيوش المصرية ~~نحوها، وأن لا تدخلها سفن ما دامت الدولة غير مهددة بخطر. # وفي مادة خاصة اشترطت الدول أنه إذا خضع محمد علي لرأي الدول في مدة عشرة ~~أيام أعطته ولاية مصر وراثية، وجنوبي بلاد الشام الشامل لولاية عكاء مدة حياته، ~~وإذا أصر على عصيانه إلى ما بعد هذه المدة أعطته ولاية مصر فقط، وإذا لم يخضع ~~في مدة عشرة أيام أخرى عادت الدول إلى النظر في الأمر من جديد. # ولما وصل خبر هذه المعاهدة إلى فرنسا هاج الرأي العام، وقامت الاستعدادات ~~الحربية على قدم وساق؛ فنصحت الحكومة الإنجليزية لملك فرنسا «لويس فليب» ~~بواسطة ملك البلجيك أن يتبصر في عواقب هذه الاستعدادات الحربية، ففطن لذلك ~~الملك وعزل «تييرس» رئيس الوزارة، وعين بدله «جيزوت». إلا أنه لم يتمكن من ~~إيقاف الاستعدادات الحربية لهياج الرأي العام. # أما محمد علي فقد مضت عليه المدة المعينة ولم يقبل شيئا من هذه الشروط؛ ~~فأعلن الباب العالي خلعه وحصر الشواطئ المصرية والشامية. وكان محمد علي من جهة ~~لا يزال مؤملا مساعدة فرنسا له، ms158 ومرتكنا على قوة جيش ابنه إبراهيم، ومن جهة ~~أخرى كانت فرنسا تعتقد في عظم جيوش محمد علي وأنه يمكنه أن يقاوم الدول حتى ~~تجهز هي جيشها. ولكن الحوادث أظهرت غير ذلك، فأحجمت فرنسا عن مساعدة محمد علي ~~بعد سقوط وزارة «تييرس» وتلاشي جيش إبراهيم أمام قوى الدول المتحدة كما سيأتي، ~~وسهل عليها الأمر نزول إنجلترا عن الإصرار على حرمان محمد علي من مصر ~~ذاتها. ~~(6-3) الحملة الأخيرة # لما جاء إلى سليمان باشا الفرنسي والي بيروت نبأ ما قرره الباب العالي بدأ في ~~الاستعداد الحربي، وأبلغ سفراء الدول أن بلاد الشام في حالة حرب. وكان إبراهيم ~~في ذاك الوقت في دمشق بجيشه المؤلف من أربعين ألفا كاملي العدة، وهو الجيش الذي ~~كسر الترك في واقعة نصيبين وقونية من قبلها. # وكان محمد علي في أعظم سطوته وبأسه؛ إذ قد بلغ عدد جيشه في هذا الوقت ربع ~~مليون جندي منها 130000 من الجنود النظامية و40000 من رجال البحرية، فأول عمل ~~قام به مناصبا الدولة أن أعلن: ~~(1) # أن الفرنسيين آتون لمساعدته. ~~(2) # أنه حامي الإسلام ضد الكفار. ~~(3) # تحذيره المارونية من الإنجليز، وقال: إنهم يقصدون بتدخلهم في ~~الأمر نصرة الدروز على كاثوليك لبنان. # إلا أن ذلك لم يجد نفعا؛ لأن أهالي الشام كانوا قد سئموا حكمه، فثاروا على ~~إبراهيم باشا بمساعي «رتشرد وود» أحد رجال السفارة الإنجليزية، فإنه جمع رؤساء ~~القبائل، وأوضح لهم عاقبة الحالة حتى أفلح في إثارة خواطرهم على إبراهيم. وربما ~~كان هذا أكبر سبب في هزيمة الجيش المصري؛ إذ بمجرد ظهور أسطول المتحالفين في ~~المياه الشامية قامت الثورة في لبنان ، فكان تأثيرها في القضاء على ملك محمد ~~علي في الشام أكثر من أساطيل الحلفاء وجيوشهم. # ابتدأت المناوشات عندما وصلت أساطيل الحلفاء أمام بيروت بقيادة «ستبفورد» ~~و«نبيير» الإنجليزيين، ومعها جيش عثماني مؤلف من 4000 جندي. فشرعت الأساطيل في ~~إطلاق قنابلها على بيروت (رجب سنة 1256ه/سبتمبر 1840م)، ونزل الجيش العثماني ~~بالقرب من المدينة، إلا أنها لم تفلح في الاستيلاء عليها لحسن دفاع سليمان باشا ~~عنها، ms159 ولما وصل الخبر إلى إبراهيم في دمشق سير مددا إلى بيروت، هزم في الطريق ~~عند قرية «برومانة» في (رجب سنة 1256ه/سبتمبر سنة 1840م)، ثم أنزل الحلفاء قوة ~~أخرى عند صيداء فاستولت عليها عنوة قبل أن يصل إليها إبراهيم باشا الزاحف ~~لتخليصها، فاشتبك مع الحلفاء في 8 أكتوبر في موقعة فاصلة عند «قلعة ميدان» كانت ~~الدائرة فيها عليه، وقد قال شاهد عيان: إن إبراهيم باشا نجا مع ثلة صغيرة من ~~الفرسان بكل مشقة راجعا إلى دمشق. ولما سمع سليمان باشا بذلك أخلى بيروت ~~وانضم إلى إبراهيم، ثم استولت أساطيل الحلفاء على «عكاء»، وكانت فيها حامية ~~مصرية عظيمة، فلم تقو على المقاومة أكثر من ثلاثة أيام. # فلما علم محمد علي بسقوط هذه المدينة حزن حزنا شديدا، ثم أرسل بعدها بزمن ~~يسير إلى إبراهيم يأمره بإخلاء كل بلاد الشام؛ لأن مركزه أصبح حرجا جدا. ولم ~~يتمكن من إرسال النجدات برا؛ لأن ما لديه من الجند كان يحرس بحارة الأسطول ~~التركي الذين تألبوا على أحمد باشا فوزي قائدهم، وأنكروا عليه ما أتى به من ~~العصيان؛ فاضطر محمد علي إلى إنزالهم إلى الشاطئ وحراستهم، ولم يمكنه إرسال ~~المدد أيضا من جهة البحر خوفا من أسطول الحلفاء الذي كان يتجول في تلك ~~المياه. # ولما وصل الخبر إلى إبراهيم بإخلاء بلاد الشام أخذ في إخلائها. وقد أظهر من ~~المهارة والحذق هو وسليمان باشا في تقهقر جيشه في وسط صحراء سورية ما شهدت به ~~الأعداء، وقام كل ضابط من رجاله بواجبه، وحافظ على النظام إلى آخر لحظة من ~~حياته. # ابتدأ ذلك التقهقر من مدينة دمشق في (5 ذي القعدة سنة 1256ه/29 ديسمبر سنة ~~1840م)، وكان عدد الجيش 62000 جندي، يتبعهم عشرون ألفا من الأطفال، والنساء. ~~وقد لاقى الجيش في سيره عناء شديدا؛ إذ كانت الأعراب تتخطفه من أطرافه وأهل ~~البلاد يناوشونه، حتى كان يضطر إلى محاربتهم من آن لآخر. وبعد أسبوع وصل إلى ~~بلدة «المزاريب»، ومن ثم سير إبراهيم باشا سليمان باشا بالمدافع والخيل من طريق ~~الصحراء إلى ms160 العقبة، وسار هو ومن معه إلى أن وصل إلى «غزة». وكان قد هلك أثناء ~~هذا التقهقر ثلثا من معه من الجند وكثير من المستخدمين الملكيين. فكتب إلى ~~والده يخبره بقدومه، ويطلب منه إرسال ما يلزم من السفن لنقل الجند إلى ~~الإسكندرية وما يلزمهم من المئونة، فأرسل له أسطولا مكونا من ثماني ~~سفن. # وبعد سقوط «عكاء» أبحر «نبيير» بأسطول الحلفاء إلى الإسكندرية، وقابل محمد ~~علي وأخبره أنه إذا خضع للخليفة أخذت دول التحالف على عاتقها أن تتوسط لدى ~~الباب العالي ليعطيه مصر وراثة، أما إذا استمر على عدم الإذعان فإنه يضطر إلى ~~ضرب الإسكندرية وتخريب قصر رأس التين نفسه؛ فقبل ذلك محمد علي بعد أن يئس من ~~مساعدة فرنسا له، ورد الأسطول العثماني إلى القسطنطينية. # أما الباب العالي فلم يقبل هذا الاتفاق، إلا أن «بالمرستون» أشار على دول ~~التحالف أن تنصح له بالقبول، فطلبت الدول أولا من محمد علي أن يخضع للباب ~~العالي خضوعا تاما بلا قيد ولا شرط، فامتثل لذلك وأرسل في (ذي القعدة 1256ه/يناير ~~1841م) رقعة يظهر فيها خضوعه ويعترف بسيادة الباب العالي. # بالمرستون (زعيم ساسة أوروبا في المسألة التركية ~~المصرية). # ولما وصلت هذه الرسالة إلى الباب العالي عاد «بالمرستون» فأوعز إلى الدول ~~المتحالفة أن يطلبوا إلى الباب العالي أن يمنح محمد علي ولاية مصر وراثية، فتم ~~ذلك بتقليد «فرمان» في (21 ذي الحجة سنة 1256ه/13 فبراير سنة 1841م)، هذا ~~مؤداه: # أولا: # أن الولاية تكون لمن يختاره الباب العالي من أولاد محمد ~~علي باشا الذكور، ثم لأولاد أولاده الذكور، وهلم جرا، ~~بحيث لا يكون لأولاد البنات الحق في الحكم مطلقا. # ثانيا: # يجب على من يختاره السلطان واليا على مصر أن يسافر ~~بنفسه إلى القسطنطينية لتسلم تقليد التولية بيده. # ثالثا: # أن الذي ينتخب واليا لمصر يعتبر كأحد وزراء الدولة في ~~مخاطباته مع الباب العالي، وفي المقابلات السلطانية؛ بحيث ~~لا يكون له أدنى امتياز عنهم من هذه الوجهة مطلقا. # رابعا: # أن والي مصر يكون ملزما باتباع أمر التنظيمات العالي ~~الذي أصدره ms161 السلطان عبد المجيد عند توليته، وكل ما أصدره ~~أو يصدره الباب العالي من القوانين واللوائح. ويكون الوالي ~~ملزما أيضا بالسير في ولايته طبق المعاهدات المبرمة أو ~~التي تبرم بين الباب العالي والدول الأجنبية أيا كانت ~~بلا تغيير ولا تبديل؛ إذ الحكومة المصرية لم تخرج عن كونها ~~ولاية عثمانية كباقي الولايات. # خامسا: # أن سائر الضرائب على اختلاف أنواعها يكون تحصيلها باسم ~~الجناب السلطاني، ويكون تحصيلها وتوزيعها بحسب القواعد ~~المتبعة في باقي ولايات الدولة العلية. # سادسا: # أن ربع المتحصل يدفع للخزانة الشاهانية، والثلاثة ~~الأرباع الباقية يصرف منها ما يلزم لنفقات الإدارة وجباية ~~الأموال، وما يلزم أيضا للوالي وأسرته، وثمن البر الذي ~~يرسل سنويا إلى مدينتي مكة والمدينة المنورة. # سابعا: # أن هذه الضرائب تدفع بقيمة واحدة مدة خمس سنين تبتدئ من ~~سنة 1257 هجرية. وبعد انقضاء هذه المدة يمكن تعديلها، إما ~~بزيادة أو نقصان حسبما تستدعيه ثروة الحكومة والأهالي. # ثامنا: # أنه لضبط المتحصل من الضرائب ومعرفة ما يخص الدولة ~~بالتحقيق يلزم أن تعين لجنة من الدولة تقيم في مصر لهذه ~~الغاية، وينظر في تعيينها بعد كما تقتضيه الإرادة الشاهانية. # تاسعا: # يكون لمصر الحق في ضرب العملة، من فضية وذهبية ~~ونحاسية، بشرط أن يكون ذلك باسم السلطان المعظم، وأن لا ~~تختلف العملة المصرية عن العملة العثمانية لا في الشكل ~~ولا في الهيئة ولا في العيار. # عاشرا: # عدد الجيش المصري يجب أن لا يتجاوز ثمانية عشر ألفا في ~~مدة السلم، وأما في أيام الحرب فيزاد هذا المقدار إلى الحد ~~الذي تقرره الدولة؛ إذ إن العساكر المصرية تكون ملزمة ~~حينئذ بالاشتراك والمساعدة في القتال مع باقي الجنود ~~الشاهانية. # حادي عشر: # أن مدة الخدمة العسكرية يجب أن لا تتجاوز خمس سنين، ويكون ~~جمع العسكر بطريق القرعة كما هو المتبع في الدولة، ومن ~~حيث إن الجيش المصري يبلغ - في ذاك الوقت - زهاء ثمانين ~~ألفا، يؤخذ منهم عشرون ألفا، ويرجع الباقي إلى بلادهم، ~~ويرسل أيضا من هذا المقدار ألفان إلى دار السعادة كي لا ~~يبقى في مصر إلا الثمانية ms162 عشر ألفا المقررة. # ثاني عشر: # من حيث إن مدة الخدمة العسكرية خمس سنين، يؤخذ سنويا ~~من أفراد القرعة أربعة آلاف شاب، يرسل منهم إلى دار ~~الخلافة أربعمائة، ويبقى الباقون في مصر. # ثالث عشر: # أن من أدى مدة الخدمة المطلوبة من الجند يعود إلى بلده، ولا ~~يجوز إدخاله في الجيش مرة أخرى. # رابع عشر: # أن ملابس العساكر المصرية وعلامات رتبهم تكون مشابهة ~~لجنس ولون ملابس العساكر الشاهانية. # خامس عشر: # كذلك ملابس البحارة وضباط البحرية وبيارق المراكب ~~تكون مماثلة لما هو متبع في بحرية الدولة العلية. # سادس عشر: # لا يكون لوالي مصر الحق في منح الرتب العسكرية للضباط ~~البحرية والبرية إلا لغاية «صاغ قول أغاسي» - بدخول ~~الغاية. # سابع عشر: # لا يكون لوالي مصر الحق في إنشاء سفن حربية إلا بعد ~~الحصول على إذن صريح من الدولة العلية. # ثامن عشر: # من حيث إن حق الوراثة على ولاية مصر لم يمنح لمحمد علي ~~باشا وأسرته إلا بهذه الشروط، فلو أخلوا بأحدها سقط حقهم، ~~وصار لجلالة السلطان الحق في تولية من يشاء. # ومنح الباب العالي محمد علي أيضا ولايات النوبة ودارفور وكردفان وسنار مدة ~~حياته بدون أن تنتقل إلى ورثته كمصر، بمقتضى تقليد شاهاني أصدر في اليوم ~~الذي أصدر فيه التقليد الأول، أعني في 13 فبراير سنة 1841م. وكلفه أن يقدم ~~حسابا عن هذه الولايات سنويا إلى دار الخلافة العظمى، وأن يمنع ما كان ~~متبعا في السودان من إغارة الجند على قرى الأهالي وخطف بناتهم وصبيانهم. وأن ~~يمنع جملة عادة خصي بعض هؤلاء التعاس الحظ لاستخدامهم في القصور حرسا على ~~الحريم - أغاوات - وأن يحفظ للضباط الموجودين رتبهم، ويرسل إلى الباب العالي ~~قائمة بأسمائهم، من الرتبة التالية لصاغ قول أغاسي فما فوق، ليصدر أمرا ~~بتثبيتهم في وظائفهم. # فقبل محمد علي باشا كل هذه الشروط وإن لم يكن ذلك عن رضى، ثم طلب من ~~الدول أن تساعده في تخفيف بعضها وتغيير بعضها الآخر. فقبلت الدول ملتمسه ~~وأرسلت إلى الباب العالي لائحة بتاريخ (18 المحرم سنة 1257ه/13 مارس ms163 سنة 1841م) ~~تطلب منه ذلك؛ فتنازلت الحضرة السلطانية بمقتضى تقليد آخر تاريخه صفر (1257ه/أبريل ~~سنة 1841م) بتعديل تقليدها الصادر في (21 ذي الحجة سنة 1256ه/13 فبراير سنة ~~1841م)، وهاك أهم ما فيه من الشروط المعدلة: # أولا: # أن حق الوراثة يكون للأكبر سنا بين أولاده الذكور، مع ~~بقاء الشرط الملزم لمن يستحق الولاية بهذه الكيفية ~~بالسفر إلى مقر دار الخلافة العظمى لتسلمه التقليد ~~بيده. # ثانيا: # أن ما تدفعه الحكومة المصرية للدولة العلية - صاحبة ~~السيادة - من الخراج لا يكون ربع دخل الحكومة قبل أخذ ~~نفقات الجباية والإدارة، بل يصير تقديره فيما بعد مع ~~مراعاة حالة الحكومة المصرية. # ثالثا: # أن يكون للوالي حق في منح الرتب لغاية «أميرالاي» - بدخول ~~الغاية - أما ما فوق ذلك فلا يكون إلا بإذن من الباب العالي. # ولما أقرت الدول هذا التعديل أصدرت الحضرة الشاهانية تقليدا آخر في 11 ربيع ~~الآخر سنة 1257ه/أول يونيو سنة 1841م مؤيدا لما في التقليد السابق. # وفي (غرة جمادى الأولى سنة 1257ه/20 يونيو سنة 1841م) صدر تقليد ~~آخر بجعل مقدار ما تدفعه الحكومة المصرية إلى الدولة العلية سنويا ثمانية آلاف ~~كيس. ~~(7) شيخوخة محمد علي وحكم إبراهيم # بعد أن انكمش محمد علي في ولاية مصر، وحرمته الدول من فتوحاته التي اكتسبها بحد ~~السيف وأريقت من أجلها دماء المصريين، لم يكن في قدرته النهوض بها إلى الدرجة التي ~~كانت تصبو إليها نفسه. والسبب في ذلك يرجع إلى أمرين؛ الأول: تقدمه في السن واضمحلال ~~قواه العقلية والجثمانية، والثاني: أن حالة البلاد الداخلية كانت قد انحطت دفعة ~~واحدة لما حل بأهلها من المصائب من جراء كل هذه الحروب التي قاموا بأعبائها، ~~وأنفقوا عليها من دمائهم وأموالهم، حتى أصبحت البلاد في حالة يرثى لها. # ومع ذلك ابتدأ محمد علي يحصن مدينة الإسكندرية على يد مهندسين فرنسيين، وذلك ~~حينما أجبرته الدولة على تنقيص جيشه إلى ثمانية عشر ألف جندي. وأرسل حفيده عباس ~~باشا إلى الباب العالي يلتمس منه أن يمنحه تقليدا أوسع نطاقا من الأخير، فأرضاه ~~الباب العالي بأن منحه ms164 لقب الصدارة العظمى من غير أن يجيبه إلى طلبه. # ولكن شاءت المقادير إلا معاكسة محمد علي؛ ففي سنة (1259ه/1843م) انتشر طاعون ~~الماشية في البلاد وتبعه هبوط النيل؛ فأصبحت البلاد على حافة الخراب. وفي العام ~~نفسه اجتاح الجراد زراعة البلاد فتركها قاعا صفصفا؛ وبذلك وقف دولاب الحكومة، ~~واستولى الرعب والوجل على قلوب حكام البلاد، فاجتمع مجلس في القاهرة وكتب تقريرا ~~عن سير الأحوال في البلاد وما آلت إليه من الانحطاط، إلا أنهم لاقوا صعوبة عظيمة ~~في تبليغ هذا التقرير إلى الباشا، ولما وصل إليه استشاط غضبا. وكان يخاف أن يخلعه ~~ابنه إبراهيم، ففكر في التخلي عن الملك والذهاب إلى مكة ليقضي باقي أيامه فيها، ~~فتوسط سفراء الدول، وأزالوا ما في نفسه نحو ابنه البار. # وابتدأت بعد ذلك الأحوال تتحسن شيئا فشيئا في السنتين التاليتين، إلا أن صحة ~~إبراهيم في هذه الأثناء اضمحلت دفعة واحدة، فأشار عليه الأطباء بالسفر إلى أوروبا، ~~فعمل بذلك. وبعد أن طاف في كثير من البلدان - خصوصا إيطاليا وفرنسا وإنجلترا - رجع ~~إلى الديار المصرية وعلامات الصحة بادية عليه، فلم يجد والده هناك، بل علم أنه سافر ~~إلى مقر الخلافة (رجب سنة 1262ه/يونيو سنة 1846م) ليحظى بالمثول بين يدي الخليفة ~~ويقدم له ولاءه وطاعته. # وقد قوبل محمد علي من الخليفة بكل حفاوة وإكرام، وهنا تقابل مع أشد أعدائه خسرو، ~~فتعانقا طويلا واتفقا على تناسي الماضي. ولما طالت مدة إقامة محمد علي في دار ~~الخلافة ابتدأ رجال القصر يعاملونه معاملة قاسية؛ فأثر ذلك في صحته تأثيرا سيئا، ~~فلما رجع إلى مصر في أواخر ذلك العام كان أشبه بالشبح منه بالإنسان. # وفي أثناء عودته زار مسقط رأسه «قولة» التي تركها منذ عام (1214ه/1799م)، وبعد ~~ذلك ترك مقاليد الأمور لحفيده عباس باشا الأول؛ لأن حالة إبراهيم الصحية لم تمكنه ~~من القيام بأعباء الأمور في البلاد. وكانت خاتمة أعمال محمد علي وضع أول حجر أساسي ~~للقناطر الخيرية في (22 ربيع الآخر سنة 1263ه/أبريل سنة 1847م) بين جم غفير من ~~المشاهدين. # ثم أشار الأطباء ms165 ثانيا على إبراهيم بالسفر إلى أوروبا، وفي مدة غيابه ذهب والده ~~إلى نابلي في إيطاليا، حيث سمع بخلع «لويس فليب» ملك فرنسا، فتذكر خدماته له في ~~الأزمة الأخيرة، وعزم على تجريد حملة لإرجاعه إلى عرشه، فلما علم بذلك إبراهيم قفل ~~راجعا إلى مصر. # جامع محمد علي (بالقلعة). # وفي (شعبان سنة 1264ه/يوليو سنة 1848م) أصدر الباب العالي تقليدا بتولية إبراهيم ~~باشا على الديار المصرية، فذهب لتقديم ولائه إلى الباب العالي في القسطنطينية، وبعد ~~عودته بزمن يسير جدا، عاوده المرض الذي أضنى صحته منذ سنين عديدة، فقضى على ذلك ~~الرجل العظيم في (13 ذي الحجة سنة 1264ه/نوفمبر سنة 1848م) ودفن بالقرافة، وبموته ~~رجع عباس باشا من مكة، فتقلد الأمور في البلاد، ثم سافر توا إلى القسطنطينية ~~ليتسلم تقليد التولية. # أما محمد علي فلم يمكث بعد تولية عباس إلا أشهرا قلائل، كان في أثنائها منحط ~~القوى العقلية والجثمانية جملة لكبر سنه، إلى أن فاضت روحه بالإسكندرية في (13 ~~رمضان سنة 1265ه/2 أغسطس سنة 1849م)، وبذا انتهت حياة عظيم من أكبر رجال ~~الشرق. # ونقلت جثته إلى القاهرة حيث دفنت بمسجده الذي شيده بالقلعة سنة (1246ه/1831م)، ~~وهو من أجمل المباني التي شيدت بمصر على الطراز التركي الحديث. # ويسمى علي باشا الطرابلسي أيضا نسبة إلى طرابلس الغرب. # هكذا كان يسمى، وإن كان لم يمنح لقب «خديوي» رسميا للوالي إلا في ~~عهد إسماعيل. # هذا الضابط بمثابة الحكمدار في وقتنا هذا. # ومن شدة رغبته في إنجازه على وجه السرعة أنه أراد ~~هدم أهرام الجيزة لاستخدام أحجارها فيه، لولا أن ~~أقنعه لينان باشا أن قطع الأحجار من المحاجر أسهل من ~~ذلك، وأشد اقتصادا. # يعني أنها تصبح موضع نزاع بين الدول العظام ربما ~~أفضى إلى استيلاء أقواهن على مصر. # وقد جاء في كتاب المسيو «هامون» في تاريخ مصر في عهد محمد علي، نقلا ~~عن تقرير المسيو «جومار» إلى محمد علي سنة (1244ه/1828م) ما يأتي: # أنه خصص تلميذين بدرس العلوم السياسية، وكان يدرس لهما ~~قانون حقوق الدول والاقتصاد السياسي، وأكثر لغات ms166 أوروبا ~~المستعملة في السياسة، وتنقلا في بلاد أوروبا للوقوف على عادات ~~أهلها. واختار أربعة للإدارة العسكرية، وثلاثة للبحرية، وثلاثة ~~للعلوم الآلية - الميخانيكية - يتعلمون الهندسة العلمية، ~~ويتدربون في المعامل، ويتمرنون على الأشغال اليدوية. وخص فرقة ~~بفن المدفعية والاستحكامات، وتفرغ منهم أيضا عدد لدرس ~~الكيمياء الصناعية، وخاصة ما يتعلق بالصباغة وعمل الزجاج، ~~وصناعة السكر؛ ليكونوا مديرين للمعامل التي شيدت في مصر. وخص ~~بعضهم بالزراعة العملية، والتاريخ الطبيعي والتعدين؛ وذلك ~~للبحث عما عساه أن يوجد في مصر من المعادن. # وقد أوردنا في الصفحة التالية صور بعض طلبة البعوث العلمية، التي ~~أرسلها محمد علي باشا إلى أوروبا، وهم: (1) رفاعة بك «ناظر مدرسة ~~الألسن» (2) مختار بك «أحد وزراء المعارف» (3) حسن بك «وزير بحرية» (4) ~~مظهر بك «مهندس القناطر الخيرية» (5) مصطفى محرمجي «مهندس» (6) محمد ~~شافعي «أحد نظار مدرسة الطب» (7) محمد علي باشا الحكيم «طبيب وجراح» ~~(8) محمد السكري «مدرس بمدرسة الطب». # على الشاطئ الغربي من شبه جزيرة مورة. # ثم عادت الجنود العثمانية فاحتلتها لعدم إرسال إبراهيم باشا ما يكفي من ~~الجند للاحتفاظ بها. وقد ذكرنا الحادثة إيضاحا لمقدار تأثير صيت إبراهيم ~~باشا. # طائفة قريبة من الإسماعيلية في المذهب، تقطن الجبل بين لبنان ونهر ~~العاصي. # طائفة مسيحية تقطن لبنان، تابعة لكنيسة رومية ظاهرا، لكنها محافظة ~~على تقاليدها القومية. # هو رأس بيت عربي يزعم انتماءه إلى قريش، وقد تنصر بشير هذا وتبعه ~~بعض أهل بيته ليتولى زعامة نصارى لبنان - وهم أكثر قطانه. # الفصل الثالث # الطريق البري بين الهند وأوروبا # كان من أهم موارد الثروة في مصر في عهد المماليك الضرائب التي كانت تجبى على البضائع ~~والسلع المتبادلة بين أوروبا والهند على طريق مصر، وقد ظلت هذه الطريق مسلوكة حتى كشف ~~البرتقال طريق الرجاء الصالح كما سبق، فتحولت التجارة إليها منذ ذلك العهد، وهجرت طريق ~~مصر لسهولة الأولى وقلة نفقاتها وصون البضائع وقلة الخطر فيها، خصوصا أن البحر ~~الأبيض المتوسط كان يهدد تجارته في ذلك العهد لصوص البحر من الترك وغيرهم. وكانت ~~القوافل التي تحمل التجارة من السويس إلى الإسكندرية تسطو ms167 عليها قبائل الأعراب وقطاع ~~الطريق. # بقيت طريق الرجاء الصالح متبعة حتى أواخر القرن الثامن عشر، عندما فكر بعض رجال ~~إنجلترا في إحياء طريق مصر. ولا غرابة؛ فإن نفوذ الدولة البريطانية كان قد اتسع في بلاد ~~الهند، وأصبح من الضروري لها اتخاذ طريق أقصر للمواصلة بينها وبين هذه المستعمرة ~~العظيمة من طريق الرأس التي كانت تستغرق زمنا طويلا. # وأول من عني بإحياء هذا المشروع «جورج بلدوين» سفير إنجلترا في مصر في عهد الثورة ~~الفرنسية، وأول عمل قام به للوصول إلى غرضه أنه حصل على إذن من الباب العالي يخول له ~~الملاحة في البحر الأحمر، ثم أحضر سفينة من لندن إلى الإسكندرية، وأخرى من «كلكتة» إلى ~~ميناء السويس، ثم صعد الهرم الأكبر يرافقه ثلة من أصدقائه، ومعه ثلاث زجاجات ملئت ~~بالماء: إحداها من النيل، والثانية من نهر التاميس، والأخيرة من ماء الكنج، ثم شربوا من ~~مزيج الثلاث على ذكر اتحاد الثلاثة الأنهار واتساع نطاق التجارة البريطانية على طريق ~~الديار المصرية. غير أن الباب العالي لم يلبث أن ألغى الإذن. # وبعدئذ أظهر أحد التجار الإنجليز بمدينة الإسكندرية، وهو «المستر برجز» لمحمد علي ~~الفوائد المادية التي تعود على البلاد من اتصال التجارة بين مصر والهند، وذلك أثناء ~~حربه مع الوهابيين، فصادف هوى في نفس الوالي، وأرسل بعض السفن إلى مياه بمباي، ولكن ~~المشروع لم يفلح طويلا. # ولما ابتدأ احتكار محمد علي للتجارة في الديار المصرية، تلهى الفرنسيون النازلون ~~بمصر بالوظائف الأميرية عن سواها من الأعمال، وكان نظير ذلك لرجال الإنجليز الحظ الأوفر ~~في التجارة المصرية، فكانوا يتغنون بمدح محمد علي في بلادهم، ويذكرون له الأيادي ~~البيضاء في تشجيع التجارة، فلما سمع بذلك «توماس وجهورن» أحد رجال الأسطول الإنجليزي ~~الموظفين في «شركة الهند الشرقية» أخذ يعمل بكل قواه العقلية والجثمانية لإحياء هذه ~~الطريق، خصوصا بعد أن توطدت دعائم الأمن العام في مصر بفضل إصلاحات محمد علي، ~~وصار استعمال البخار في تسيير السفن من أكبر المشجعات أيضا على الدأب وراء إنفاذ فكرته. ~~فقدم اقتراحه في أول ms168 مرة إلى شركته في سنة (1238-39ه/1823م)، فلم توافق عليه بالرغم من ~~مساعدة «بركر» سفير إنجلترا في مصر، ظنا منها أنه من الأمور الصعبة التنفيذ. # ولكن المشروع لم يندثر نهائيا؛ ففي سنة (1244-45ه/1829م) أرسل السير «جون ملكم» ~~حاكم بمباي باخرة إلى السويس لنقل التجارة، فلم تواصل رحلاتها إلا زمنا يسيرا لكثرة ~~نفقات الفحم، إلا أن «بركر» ما زال بفكرة «وجهورن» يحمدها ويعضدها حتى طلبت منه الحكومة ~~الإنجليزية تقريرا رسميا في هذا الصدد. فاقتنعت إنجلترا بالتقرير، وما جاء شهر (رمضان ~~سنة 1246ه/فبراير 1830م) حتى أصبح نجاح مشروع «وجهورن» من المحقق. # وفي أثناء هذا الجهاد الطويل كان محمد علي من أكبر المشجعين لوجهورن، حتى إنه من شدة ~~ميله لمحمد علي، قدم رسالة إلى البرلمان الإنجليزي يرجوه فيها أن ينظر إلى مصر بعين ~~الرعاية والشفقة، وأن لا يجعلها في حوزة تركيا، ولا شك أن محمد علي خدم الأمة ~~الإنجليزية من هذه الوجهة؛ ولذلك يعترف بعض الإنجليز بأن بريطانيا العظمى مدينة له في ~~إحياء هذه الطريق. # أما وجهورن فقد جنى ثمرة جهاده بعد أن لاقى أهوالا وقاسى شدائد جمة مدة عشرين عاما؛ ~~ففي (27 رمضان سنة 1261ه/أول أكتوبر سنة 1845م) أبحرت باخرة من بمباي تحمل بريدا، ~~فوصلت السويس بعد 19 يوما، ثم نقل البريد برا إلى الإسكندرية، فبلغها في اليوم ~~التالي، ومنها نقل على طريق تريست ونهر الرين والبلجيك، فوصل لندن في صبيحة يوم الواحد ~~والثلاثين من شهر أكتوبر، أي إنه لم يستغرق في طريقه أكثر من شهر. # 1 # ولقد بذلت الحكومة الفرنسية جهدها لإثبات أن الطريق من فرنسا آمن وأقصر، ~~فاتخذت أخيرا شركة البواخر الشرقية التي أسست سنة (1255-56ه/1840م) ميناء مرسيليا ~~مركزا عاما للبريد الأوروبي. # وقد زاد في سهولة هذه الطريق أنه قبل ممات محمد علي أسست شركة سفن تجارية تجري في ~~ترعة المحمودية والنيل بين مصر والإسكندرية، فكان متوسط المسافرين على طريق مصر بين ~~عامي (1258-1265ه/1842-1849م) يبلغ 15000 في العام الواحد. # وتوفي «وجهورن» عام (1266-67ه/1850م)، وكان لا يزال يعترف إلى آخر لحظة من ms169 حياته أن ~~السبب في نجاحه يعزى إلى كرم وتشجيع محمد علي، صاحب الأيادي البيضاء عليه، ولا يزال اسم ~~«وجهورن» مقرونا بالتبجيل، وله تمثال منصوب في ميناء السويس، ويمتاز وجهورن على ~~«ديلسبس» بأنه لم يستنفد أموال الخزينة المصرية، ولم يحول المشروع الذي قام به ضد مصلحة ~~من أحسن إليه، كما فعل الآخر. وقد اعترف بعض رجال الأمة الإنجليزية بفضل محمد علي ~~فأهدوه في عام (1255-56ه/1840م) وساما، زين أحد وجهيه برسم محمد علي، ونقشت على الثاني ~~العبارة الآتية: # إلى مشجع العلم والتجارة والنظام، الحامي لرعايا وأموال الممالك المتضادة، ~~والفاتح للطريق البري إلى الهند. # كان البريد ينقل بين السويس والقاهرة على الجمال بطريق الصحراء، وكان بعض ~~رجال الإنجليز قد عرض على محمد علي إنشاء خط حديدي على هذا الطريق، فوافق على ~~هذا الرأي، وأحضرت بعض المواد اللازمة لإنشاء الخط بالفعل، إلا أن محمد علي ~~ارتاب فيما بعد في عاقبة الأمر، وأحجم عن المشروع. # ملخص لأهم الحوادث التاريخية في الباب الثاني # أهم الحوادث # هجريا # ميلاديا # أولا: الحملة الفرنسية # 1212-1216 # 1798-1801 # تجريد نابليون حملة على مصر # 1212 # 1798 # إقلاعه بجيشه إلى البلاد المصرية # 2 ذي الحجة 1212 # 19 مايو 1798 # وصول نلسن أمير البحر الإنجليزي بأسطوله إلى الإسكندرية مقتفيا أثر ~~الأسطول الفرنسي فلم يعثر عليه # 8 المحرم 1213 # 21 يونيو 1798 # وصول العمارة الفرنسية أمام الإسكندرية # 18 المحرم 1213 # 1 يوليو 1798 # زحف نابليون على القاهرة من طريق الصحراء بعد إخضاع الإسكندرية # 22 المحرم 1213 # 7 يوليو 1798 # الاستيلاء على رشيد # 1213 # 1798 # انهزام مراد بك أمام نابليون عند شبراخيت وتقهقره إلى القاهرة # 29 المحرم 1213 # 14 يوليو 1798 # انهزام المماليك في واقعة أنبابة (الأهرام) # 7 صفر 1213 # 21 يوليو 1798 # اجتماع العلماء بعد الموقعة وتقريرهم التسليم لنابليون # 8 صفر 1213 # 22 يوليو 1798 # دخول نابليون القاهرة # 11 صفر 1213 # 25 يوليو 1798 # إصلاحات نابليون في القاهرة # 1213 # 1798 # تدمير العمارة الفرنسية في موقعة بوقير البحرية على يد نلسن # 17 ربيع الأول 1213 # أغسطس 1798 ms170 # خروج سكان القاهرة على الفرنسيس خروجا عاما وإخماد الثورة على يد ~~نابليون # 10 جمادى الأولى 1213 # 22 أكتوبر 1798 # تجريد نابليون حملة على بلاد الشام لصد غارة الترك على مصر # 1213 # 1799 # وصول الحملة إلى يافا # 25 رمضان 1213 # 3 مارس 1799 # حصار نابليون لعكاء ورجوعه عنها لمناعتها # 1213 # 1799 # انتصار نابليون على الترك في واقعة بوقير البرية # 9 المحرم 1214 # 13 يونيو 1799 # مغادرة نابليون مصر قاصدا فرنسا وعهده بالقيادة لكليبر # 19 ربيع الأول 1214 # 22 أغسطس 1799 # مهادنة الفرنسيين للمماليك بعد تغلب الآخرين على معظم الصعيد # 1214 # 1799 # إدراك كليبر صعوبة مركزه وإبرامه معاهدة العريش مع سدني سمث # شعبان 1214 # يناير 1800 # عدم موافقة الحكومة الإنجليزية على هذه المعاهدة # 1214 # 1800 # دخول الترك مصر بعد المعاهدة ووقوع الثورة فيها وإخمادها على يد ~~الفرنسيس وعودة النفوذ لهم فيها # 1214 # 1800 # مقتل القائد كليبر # 20 المحرم 1215 # 14 يونيو 1800 # وصول الحملة الإنجليزية بقيادة السير رلف أبركرومبي لطرد الفرنسيس # شوال 1215 # فبراير 1801 # انهزام الفرنسيس عند كانوب وموت أبركرومبي وتولي هتشنسن مكانه # 1215 # 1801 # جلاء الفرنسيس عن مصر بعد تسليم بليار بالقاهرة ومينو بالإسكندرية # 10 جمادى الأولى 1216 # 18 سبتمبر 1801 # طبع الحكومة الفرنسية أعمال البعث العلمي في مؤلف يدعى وصف مصر # 1217 # 1802 # ثانيا: محمد علي باشا # 1183-1265 # 1769-1849 ~~(1) نشأته ونهوضه # 1183-1220 # 1769-1805 # مولد محمد علي في قولة # 1183 # 1769 # قدومه إلى مصر في واقعة بوقير البرية # 1213 # 1799 # قدومه إلى مصر وقت حملة أبركرومبي # 1215 # 1801 # تولية خسرو على مصر من قبل الباب العالي # 1216 # 1801 # نزاع بين خسرو والمماليك وبينه وبين الجنود العثمانية يظهر فيه محمد علي ~~تدريجيا وينتهي بهروب خسرو إلى دمياط # الأهالي يختارون طاهر باشا خلفا لخسرو # 1218 # 1803 # مقتله بعد 22 يوما # محمد علي يصبح رئيس الجنود الألبانية في مصر # اتحاده مع البرديسي علي خسرو - مداخلة والي ينبع - أخذ خسرو سجينا إلى ~~القاهرة # تولية علي باشا الجزائري # ربيع الأول 1218 # يوليو 1803 # البرديسي يحتال ms171 حتى يقتله # شوال 1218 # يناير 1804 # وصول الألفي بعد أن مكث بإنجلترا سنتين # اتحاد محمد علي والبرديسي على الألفي - فرار الألفي إلى سورية # تظاهر محمد علي بالخضوع للدولة وتأليبه الأهالي على البرديسي ومهاجمته إياه ~~وطرده هو وإبراهيم بك إلى الشام # تولية خورشيد باشا - ضعفه وتمرد الجند عليه والتجاء الأهالي إلى محمد ~~علي # بقاء محمد علي بمصر رغم إرادة الدولة - اتفاقه مع الدلاة # محاصرته خورشيد باشا بالقلعة (برغبة الأهالي) # صفر 1220 # مايو 1805 # اختيار الأهالي محمد علي واليا على مصر # موافقة الباب العالي على ذلك # ربيع الآخر 1220 # يوليو 1805 ~~(2) توطيد سلطته في مصر # 1220-1226 # 1805-1811 # أول فتك بالمماليك # جمادى الآخرة 1220 # أغسطس 1805 # الباب العالي يحاول إبعاد محمد علي عن مصر - تظلم الأهالي ووصول ~~عهد بتأييده في الولاية # شعبان 1221 # نوفمبر 1806 # اتحاد البرديسي والألفي عليه # موت البرديسي # 1221 # 1806 # موت الألفي # 1221 # 1807 # وصول الحملة الإنجليزية إلى مصر لتأييد سلطة المماليك # أول المحرم 1222 # مارس 1807 # استيلاء الحملة على الإسكندرية - رجوع محمد علي من مطاردة المماليك بالصعيد ~~وهزمه الإنجليز عند الحماد - عقد شروط الصلح مع محمد علي وترك الإنجليز ~~البلاد # رجب 1222 # سبتمبر 1807 # رضاء الباب العالي عن محمد علي والإنعام عليه وفك عقال إبراهيم ابنه # خوف محمد علي من المماليك والعمل على الفتك بهم - هزمه لهم عند أسيوط - ~~انتشارهم في طول البلاد وعرضها # استرضاء محمد علي للمماليك وعقد مهادنة معهم # 1225 # 1810 # تدبير المماليك الكيد لمحمد علي وهو راجع من السويس ووقوف محمد علي على ذلك ~~- فتك محمد علي بالماليك في مذبحة القلعة # صفر 1226 # فبراير 1811 ~~(3) الحروب الوهابية # 1226-1235 # 1811-1819 # مولد ابن عبد الوهاب صاحب المذهب الوهابي بالعيينة من إقليم العارض (مذهب ~~الوهابيين يوافق مذهب أهل السنة الصحيحة) # حماية محمد بن سعود لابن عبد الوهاب وتشجيعه على نشر مذهبه # وفاة ابن عبد الوهاب # 1201 # 1787 # امتداد سلطان أولاد سعود على جميع بلاد نجد # 1159-1206 # 1746-1791 # قلق شريف مكة من انتشار المذهب الوهابي وتجريده حملة على عبد العزيز ms172 # 1213 # 1798 # فشل ~~الحملة والعمل على نشر المذهب في وادي الفرات - هزم والي بغداد لعبد العزيز ~~بن سعود # مهاجمة ابن سعود كربلاء وتخريبها # 1216 # 1801 # دخول عبد العزيز مكة في العام التالي بدون معارضة الشريف # قتل عبد العزيز وتولية سعود الثاني، وهو أعظم رجال هذه الأسرة # تشديد سعود الثاني في جمع الضرائب حتى أضربت الناس عن الحج # 1221 # 1806 # تجريد محمد علي حملة على الوهابيين بأمر الباب العالي # 1226 # 1811 # وصول طوسون إلى ينبع وانهزامه عند الجديدة وهرب جنده # وصول المدد إلى طوسون وفتحه المدينة وإرسال مفاتيح الكعبة والحجرة النبوية ~~إلى والده # 1227 # 1812 # مطاردة طوسون الوهابيين وانهزامه عند طربة # سفر محمد علي إلى الأقطار الحجازية عند سماعه بهذه النكبة لتولية القيادة ~~بنفسه # وفاة سعود الثاني وتضعضع الوهابيين # 1229 # 1814 # انهزام خلفه عبد الله سعود عند بيصل # عودة محمد علي لوقوع قلاقل داخلية في مصر - عودة طوسون عند سماعه بتلك القلاقل - موته فجأة # 1230 # 1815 # نقض الوهابيين شروط الصلح التي عقدها معهم طوسون قبل عودته # تجريد حملة إلى بلاد العرب بقيادة إبراهيم باشا للقضاء على الوهابيين # شوال 1231 # 1816 # هزيمة إبراهيم عند الريس # 1232 # 1817 # حصاره الدرعية وتسليم عبد الله له وأمره بتخريب البلد # ذي القعدة 1233 # 1818 # مقتل عبد الله بالأستانة ~~(4) فتح السودان # 1235-1239 # 1820-1823 # عزم محمد علي على فتح السودان لأسباب مادية وسياسية # تجريده حملة للاستيلاء على سيوة # جمادى الأولى 1235 # فبراير 1820 # مسير حملة السودان من القاهرة بقيادة إسماعيل # شوال 1235 # يوليو 1820 # فرار المماليك من دنقلة وتشتتهم عندما سمعوا بمجيء إسماعيل # سحق إسماعيل عرب الشيخية في كرتي - فتحه بربر # جمادى الآخرة 1236 # مارس 1821 # فتح شندي وسنار ومرض الجيش أثناء إقامة إسماعيل بسنار # وصول المدد إلى إسماعيل بقيادة أخيه إبراهيم - تقسيم القيادة بينهما # وصول إسماعيل في زحفه إلى تومات وعودة إبراهيم إلى مصر لمرضه بعد أن وصل ~~إلى جبل دنكا # وصول مدد بقيادة محمد بك الدفتردار لغزو كردفان # 1237 # 1822 # هزمه بعض القبائل عند بارا واستيلاؤه ms173 على الأبيض # انتقام الدفتردار من نمر لحرقه إسماعيل بحرق شندي # بناء الخرطوم وجعلها حاضرة للبلاد السودانية # 1238 # 1823 ~~(5) حرب اليونان # 1239-1245 # 1823-1829 # شبوب نار الثورة في جنوبي إيطاليا وإسبانيا وبلاد اليونان # 1235-1236 # 1820-1821 # إعلان اليونان الحرب على الترك لنيل استقلالها وعدم مساعدة الدول لها # انتصار اليونان في بادئ الأمر واستنجاد السلطان بمحمد علي على قمع ~~الفتنة # تولية محمد علي على جزيرة إقريطش # 1239 # 1823 # تولية محمد علي على بلاد المورة # 1239 # 1824 # إقلاع الجيش المصري من الإسكندرية إلى بلاد اليونان # ذي القعدة 1239 # يوليو 1824 # نزول الجيش المصري في مودن # شعبان 1240 # فبراير 1825 # إخضاع بلاد المورة واستيلاء إبراهيم على أمهات ~~المدن فيها # حصار مسولونجي وتسليمها # رمضان 1241 # أبريل 1826 # قيام الثورة في بلاد المورة ثانيا وإخضاعها # فتح رشيد باشا مدينة أثينا # استياء دول أوروبا العظمى من فظائع إبراهيم وعقدهم مؤتمرا لذلك في ~~لندن # ذي القعدة 1241 # يوليو 1826 # إقرار المؤتمر على إرسال عمارة بحرية تعهد القيادة العامة فيها ~~لكدرنجتون # اشتباك العمارة المصرية التركية مع أساطيل الحلفاء في خليج نوارين وتدمير ~~العمارة المصرية التركية # المحرم 1243 # أغسطس 1827 # احتلال فرنسا لبلاد المورة بعد رفض البرلمان الإنجليزي الاشتراك معها # صفر 1244 # أغسطس 1828 # ظهور الأسطول الإنجليزي في المياه المصرية وتهديده محمد علي # اتفاق محمد علي مع الإنجليز على إخلاء بلاد المورة # إخلاء إبراهيم بلاد المورة # ربيع الأول 1244 # أكتوبر 1828 # تصميم السلطان محمود على رفض تحرير اليونان، وإعلان الروسيا الحرب عليه ~~لذلك # 1245 # 1829 # انهزام الترك أمام الروس واضطرارهم لعقد معاهدة أدرنة وإقرارهم فيها على ~~تحرير اليونان # 1245 # 1829 ~~(6) حرب الشام # 1247-1256 # 1832-1841 # استياء محمد علي من الباب العالي لعدم مكافأته على مساعدته في حرب المورة ~~ولأسباب أخرى # 1245 # 1829 # ابتداء استعداد محمد علي للحملة على الشام # خروج الحملة بعد تأخرها بسبب الهيضة # جمادى الأولى 1247 # مايو 1832 # زحف الجيش البري واستيلاؤه على غزة ويافا # حصار عكاء وسقوطها في يد إبراهيم # ذي الحجة 1247 # مايو 1832 # إصدار الباب العالي أمرا بخلع ms174 محمد علي في أثناء حصار عكاء # ذي الحجة 1247 # مايو 1832 # فتح دمشق # 16 المحرم 1248 # 15 يونيو 1832 # انهزام محمد باشا والي طرابلس عند حمص # 9 صفر 1248 # 8 يوليو 1832 # استيلاء إبراهيم على حلب # 18 صفر 1248 # 17 يوليو 1832 # هزيمة حسين باشا في مضيق بيلان # 1 ربيع الأول 1248 # 29 يوليو 1832 # هزيمة رشيد باشا في واقعة قونية # 27 جمادى الآخرة 1248 # 21 نوفمبر 1832 # احتلال كوتاهية # شوال 1248 # فبراير 1833 # معاهدة كوتاهية # ذي الحجة 1248 # مايو 1833 # معاهدة هنكار إسكله سي # صفر 1249 # يونيو 1833 # ابتداء خروج أهل الشام على إبراهيم باشا # 1250 # 1834 # استفحال الثورة في الشام - سفر محمد علي باشا إلى الشام لإطفائها # 1252 # 1835 # انهزام المصريين في الشام أمام عرب حوران # 1254 # 1838 # تقرير الباب العالي إعلان الحرب على محمد علي انتهازا لفرصة خروج الشام # ذي القعدة 1254 # يناير 1839 # رجوع محمد علي من السودان لما علم بذلك # ذي القعدة 1254 # يناير 1839 # هزيمة الجيش التركي بقيادة حافظ باشا عند نصيبين # 11 ربيع الآخر 1255 # 24 يونيو 1839 # مجيء الأسطول العثماني إلى مصر وانضمامه إلى محمد علي # 1255 # 1839 # ابتداء تدخل دول أوروبا في المسألة المصرية التركية # 1255 # 1839 # انفراد فرنسا بمؤازرة محمد علي # 1255 # 1839 # معاهدة لندن لإخضاع محمد علي # 15 جمادى الأولى 1256 # 15 يوليو 1840 # إعلان الباب العالي خلع محمد علي عن الشام # 5 رجب 1256 # 2 سبتمبر 1840 # عدم خضوع محمد علي وشروع الدول في إخضاعه بالقوة # 1256 # 1840 # ضرب أساطيل الحلفاء ميناء بيروت # رجب 1256 # 2 سبتمبر 1840 # هزيمة إبراهيم باشا في برومانه ثم في قلعة ميدان وإخلاء بيروت واستيلاء ~~الحلفاء على عكاء # 1256 # 1840 # ابتداء إخلاء الشام # 5 ذي القعدة 1256 # 29 ديسمبر 1840 # خضوع محمد علي للسلطان # ذي القعدة 1256 # يناير 1841 # صدور تقليد من السلطان بمنح محمد علي ولاية مصر وراثية # 21 ذي الحجة 1256 # 13 فبراير 1841 # تخفيف شروط هذا التقليد بتقليد آخر # صفر ms175 1257 # أبريل 1841 # تأييد هذا التقليد بآخر # 11 ربيع الآخر 1257 # 1 يونيو 1841 ~~(7) شيخوخة محمد علي وحكم إبراهيم # انتشار طاعون الماشية بمصر وهبوط النيل واجتياح الجراد الزراعة # 1259 # 1843 # سفر محمد علي باشا إلى الأستانة # رجب 1262 # يوليو 1846 # وضع محمد علي باشا أول حجر من أساس القناطر الخيرية # 22 ربيع الآخر 1263 # أبريل 1847 # تقليد إبراهيم باشا ولاية مصر # شعبان 1264 # يوليو 1848 # اشتداد المرض على إبراهيم ووفاته # 13 ذي الحجة 1264 # نوفمبر 1848 # وفاة محمد علي باشا # 13 رمضان 1265 # 2 أغسطس 1849 # الباب الثالث # تاريخ مصر بعد عهد محمد علي باشا # الفصل الأول # عباس باشا الأول وسعيد باشا ~~(1) عباس باشا الأول (1265-1270ه/1849-1854م) # بعد موت محمد علي كادت مصر تكون نسيا منسيا، لا أهمية لها في نظر أوروبا، لولا ~~مرور تجارة الهند عن طريق مصر؛ وذلك لأن من خلفه من ذريته لم ينالوا تلك الصفات ~~التي ميزته، وجعلته في مصاف عظماء الرجال في عصره. # تولى الملك عباس باشا الأول - ابن طوسون بن محمد علي - في (27 ذي الحجة سنة ~~1264ه/24 نوفمبر سنة 1848م)، وكان إذ ذاك يناهز السادسة والثلاثين من عمره، فكان أول عمل ~~قام به أن هدم كل ما أفنى فيه جده العظيم زهرة حياته، غير مفرق بين النافع والضار؛ ~~فكما قضى على احتكار التجارة المجحف بحق الفلاح، نقص الجيش إلى تسعة آلاف، وأغلق ~~المعامل والمدارس، واستغنى عن كثير من الموظفين الغربيين، وأظهر ميله إلى العادات ~~والأنظمة التركية والبلدية. # عباس باشا الأول. # مضى عباس باشا معظم حكمه بمعزل عن الناس، متهاونا في شئون الملك، غير مكترث بما ~~في ذلك من الضرر. ولعل له عذرا في ذلك؛ إذ إنه لما شاهد فشل حروب الشام بقيادة ~~إبراهيم باشا، ورأى سقوط جده الكبير والقضاء على كل آماله، رأى أنه من العبث مقاومة ~~أوروبا، وأدرك أن البلاد في حاجة إلى السكينة والراحة، وأن لا داعي إلى المظاهر ~~الأوروبية الكاذبة التي كان يعتقد أنها تسربت إلى مصر قبل ميعادها. # تلك كانت ms176 خطته. ولما رأى أنه يحيط به قطيع من الذئاب الغربية، وطائفة من الموظفين ~~المتملقين الذين لا هم لهم إلا جمع الثروة من حوله، اعتزل جميعهم إلا نفرا قليلا ~~من سفراء الدول وخدمه الخاصة؛ فكانت حياته سرا غامضا. وقد ذمه كثيرون من أجل ~~ذلك، ولكن كفاه فخرا أنه خلص الأمة من نهب الأجانب في مدة حكمه، ولم يثقل كاهلها ~~بشيء من الديون كما فعل غيره من بعده. # وفي أيامه أنشئ أول خط حديدي في مصر، بل في ممالك الشرق بأجمعها؛ وذلك هو الخط ~~الممتد بين الإسكندرية والقاهرة، وقد قام بهذا المشروع «ربرت استيفنسن» مخترع القطر ~~البخارية؛ إذ أخذ على عاتقه جلب كل المهمات اللازمة لمده، وابتدأ العمل سنة (1268ه/1852م)، ~~وتممه في عام (1272ه/1856م)، وكان الموعز لمد هذه السكة الحكومة ~~الإنجليزية لتسهيل نقل البريد والمسافرين بين الهند وأوروبا عن طريق مصر، وقد عارضت ~~في الأمر الحكومة الفرنسية؛ فسبب ذلك بعض التأخير في إنجاز المشروع. # وكان عباس باشا يريد حرمان عمه «سعيد» من الملك بعده ليكون لابنه «إلهامي»، فأتت ~~المقادير على عكس ما أراد؛ إذ قتل فجأة في قصره في بنها، وكان ابنه إلهامي غائبا ~~عن الديار المصرية، فورث الملك سعيد باشا بدون أدنى معارضة، وذلك في (ذي الحجة سنة ~~1270ه/12 يوليو سنة 1854م). # ولقد كثرت الإشاعات عن سبب مقتل عباس باشا الأول؛ فالمتداول على الألسن أن خصيين ~~قتلاه خنقا وهو نائم في فراشه. وقال آخرون إنه قتل بإيعاز بعض أقربائه الذين ~~كانوا يريدون نزعه من ولاية الملك. وهناك فريق آخر يعزي سبب قتله إلى أسباب سياسية، ~~وكتم خبر موته عدة أيام، ثم نقلت جثته من بنها إلى قصره بالعباسية، # 1 # ومنها نقلت إلى مقرها الأخير بقرافة الإمام الشافعي بالقاهرة. ~~(2) سعيد باشا (1270-1279ه/1854-1863م) # سعيد باشا. # كان سعيد باشا في حداثته محبوبا من والده محمد علي، فرباه تربية عالية في مدارس ~~فرنسا أهلته لتولي زمام الملك، وقليل من الأمراء من نال نصيبا وافرا من العناية ~~كسعيد. قبض على زمام الأمور والبلاد في حالة حسنة؛ ms177 إذ كانت خالية من الديون ~~الأجنبية، وكان دخلها السنوي البالغ ثلاثة آلاف ألف من الجنيهات كافيا لسد كل ~~حاجاتها، وكانت التجارة متقدمة والأراضي الزراعية آخذة في الازدياد، فلم يك ينقص ~~البلاد إلا شيء من الحزم في حاكمها يستطيع به السير في سبيل المحافظة على مصالح ~~الأمة حسب ما تقتضيه الأحوال، إلا أنه من سوء حظ البلاد لم تتوافر هذه الصفة في ~~سعيد. تولى الملك وهو نشيط بطبعه محب للعمل؛ فكان مبدأ حكمه يبشر بحسن مستقبل مصر، ~~ولكنه ما لبث أن أخذ مقاليد الأمور كلها في يده ولم يثق بأحد من الوطنيين ليشركه ~~معه في إدارة شئون الملك؛ فقضى على المجلس الخصوصي «مجلس النظار»، ولم يدرب أحدا ~~من أبناء الأمة على شئون البلاد حتى يكون له عونا. ولم يتبع طريقة عباس باشا في ~~عزلته، بل كان يقابل الأجانب ويحادثهم ويكرم مثواهم، وبالغ في ذلك حتى ضاعت هيبته ~~فلم يفلح في حكم البلاد. ذلك إلى أنه أصبح بدينا منغمسا في اللذات، لا يقوى على ~~مزاولة العمل بالجد والنشاط اللذين عهدا فيه من قبل، فاعتل نظام الحكومة ودب فيه ~~روح الفساد وسوء الإدارة. # وكان شغله الشاغل مدة حكمه تنظيم الجيش، لاعتقاده أنه ماهر في الفنون الحربية؛ ~~فكان يغير في نظامه، ويبدل من حين لآخر، فتراه طورا يجند جيشا يربو على 50000، ~~وطورا ينقصه إلى نصف ذلك العدد، متبعا في ذلك ما تمليه عليه أهواؤه وميوله، وقد ~~اختار نقطة القناطر الخيرية فجعلها معسكرا لجيشه، لاعتقاده أنها مركز حربي هام لصد ~~غارات المغيرين، كما كان يقيم بجيشه كثيرا في صحراء مريوط. # ومع ضعفه الأخلاقي، كان مخلصا في اهتمامه بتحسين حالة البلاد التي كان يعتبرها ~~كضيعته الخاصة؛ فعمل جهده في مد السكك الحديدية وحفر الترع وغرس الأشجار، وتحسين ~~حالة الفلاح؛ فأصدر قانون الأراضي الشهير في عام (1274ه/1858م) الذي به أصبح الفلاح ~~لأول مرة المالك الحقيقي لما يفلحه من الأرض، ثم محا بعض الشيء من الاحتكارات ~~المجحفة بحق الفلاح ، وهو أول من وضع نظام الضرائب المتبع الآن بدلا ms178 من الاحتكار ~~والعشرية، وغيرها من المكوس التي كانت في عصر محمد علي. # غير أنه لم يشجع العلم وأهله؛ لأنه كان يعتقد أن فتح المدارس ينبه عقول عامة ~~الناس، فيجعل قيادتهم أمرا عسيرا. # وأهم الحوادث التي حدثت في أيامه، بل أهم الأغلاط التي ارتكبها في مدة حكمه من ~~الجهة المصرية اثنتان؛ الأولى: فتح باب استدانة الحكومة، والثانية: إذنه لفردناند ~~«ديلسبس» بحفر ترعة السويس لتوصيل البحر الأبيض بالبحر الأحمر؛ ففي عام (1278ه/1862م) ~~أمضى عقد قرض في لندن مع «فرهلنج غوشن» بمبلغ 3292800 جنيه، فلما توفي في ~~عام (1279ه/1863م) كان على البلاد ديون أجنبية قدرها ثلاثة آلاف ألف، وعليه هو ما ~~يربو على ضعفي ذلك؛ فكان ما تركه من الدين لخلفه يبلغ عشرة آلاف ألف من الجنيهات ~~تقريبا. # وأما إذنه بحفر قناة السويس، فإنه عاد على البلاد وأهلها بالويلات، ونضب من أجلها ~~معين ثروتها ورجالها. وقد حصل على هذا الإذن المسيو «ديلسبس» بما كان له من المكانة ~~العالية عند سعيد قبل توليته، وبما كان يعده به من الفوائد التي تنجم من ذلك ~~المشروع الخطير مع قلة النفقات، بدعوى أن كل ما يحتاج إليه من المال لحفر الترعة ~~سيكون من فرنسا. وسيتضح لنا في الفصل التالي أن كل وعود ديلسبس كانت أضغاث أحلام ~~وأوهاما كاذبة، وأن معظم نفقات القناة كان من دماء الفلاح المصري. # سميت صحراء الريدانية «العباسية» منذ عهد عباس باشا الأول، لاتخاذ قصره ~~بها. # الفصل الثاني # قناة السويس # تدل الآثار القديمة على أن فكرة توصيل البحر الأبيض بالبحر الأحمر سنحت في عالم ~~الوجود منذ أزمان غابرة، وأنه كان يوجد في عهد «سيتي الأول» (1380ق.م) ترعة واصلة بين ~~البحرين بطريق النيل، تخرج منه عند «بوبسطة» وتصب في البحر الأحمر مخترقة وادي ~~الطميلات، وهي المسماة عند قدماء المؤرخين بترعة «سيزستريس». # ثم أهملت هذه الترعة وبقيت كذلك إلى أيام «نخاو» (609ق.م)، فهم بإعادة حفرها، وبعد ~~أن هلك في ذلك ما يقرب من 120000 من فلاحي مصر أوقف العمل فجأة توهما منه أن الآلهة ~~أنذرته عاقبة ms179 العمل لمصلحة الأجانب، فكأن الاعتقاد بأن حفر الترعة ليس إلا عملا ~~قاصرا على نفع الأجانب كان يجول في خلد الأقدمين، كما جال في خلد محمد علي باشا حين ~~تردد في إنفاذ مشروع قناة السويس عندما عرض عليه كما ذكرنا آنفا. # ولما استولى الفرس على مصر شرع «دارا» (520ق.م) في كري هذه الترعة القديمة، فلم يتسن ~~له إتمام العمل، وبقيت الترعة مهملة حتى جاء «بطليموس الثاني» فأتم حفرها وكريها عام ~~(277ق.م)، غير أنها أهملت بعد ولم يقم الرومان فيها بإصلاح يذكر. # فلما فتح عمرو بن العاص مصر سنة (20ه/641م) واستأمره الخليفة عمر بن الخطاب عام قحط ~~الحجاز المسمى عام الرمادة استأذنه في توصيل البحرين، فأذن له بكري الترعة القديمة، ~~فأعادها وسماها «خليج أمير المؤمنين»، وجرت بها سفن الميرة إلى الحجاز، ولبثت مسلوكة ~~حتى عهد «أبي جعفر المنصور» العباسي، فأمر بردمها عام (145ه/770م) حتى لا تنقل فيها ~~الميرة إلى محمد بن عبد الله بن الحسن الخارج عليه بالحجاز. # هذه هي المشروعات القديمة، وكلها ترمي إلى توصيل البحرين بطريق النيل، فلما قدم ~~نابليون إلى مصر في غارته المشهورة فكر في إعادة توصيل البحرين بحفر ترعة بينهما من ~~مائهما كما أشرنا قبل، ثم امتنع عن إنفاذ مشروعه لتوهم «لابير» مهندس الحملة أن سطح ~~البحر الأحمر يعلو على سطح البحر الأبيض بتسعة أمتار. وبقيت هذه الغلطة شائعة إلى أن ~~أصلحت نهائيا في عهد محمد علي باشا؛ إذ حضر إلى مصر في سنة (1263ه/1847م) بعث من ~~أوروبا ليفحصوا المشروع، فاشترك معهم لينان باشا مهندس الحكومة المصرية العظيم، فأقر ~~الجميع بفساد رأي لابير وأثبتوا أن البحرين في مستوى واحد. على أن محمد علي كان يشك في ~~نجاح المشروع ويخشى عاقبته، إلا أنه لم يأل جهدا في مساعدة رجال البعث في بحثهم لئلا ~~يظهر بمظهر المعرقل لمسعاهم. # وظل بعد ذلك المشروع موقوفا حتى تولى سعيد، فنال منه المسيو «فردناند ديلسبس» سنة ~~(1271ه/1854م) إذنا ابتدائيا بحفر القناة. وقد كان ديلسبس سفيرا لفرنسا في مصر في ~~عهد محمد علي ، وكانت ms180 تتوق نفسه إلى تأليف شركة لحفر القناة، فوعده سعيد باشا حينئذ بأن ~~يساعده عندما يتولى أريكة مصر. فلما تولاها طلب إليه ديلسبس الوفاء بوعده، فنال منه ~~الإذن المذكور وتلاه إذن آخر في (ربيع الآخر سنة 1272ه/يناير 1856م) يلخص أهم شروطه ~~فيما يأتي: # حق تمتع الشركة بفوائد القناة مدة تسع وتسعين سنة من سنة فتحها، وأن يحفر ~~المسيو ديلسبس ترعة تستمد مياهها من النيل من مصر إلى الإسماعيلية، ويمنح في ~~مقابل ذلك كل الأراضي اللازمة للأبنية والأعمال بدون مقابل خالية من كل ~~الضرائب، وأن يكون له الحق في أخذ أجر من الملاك الذين ينتفعون بالماء العذب ~~الذي يؤخذ من هذه الترعة، وأن يكون للشركة الحق أيضا في تعدين كل مناجم ~~الحكومة ومحاجرها بدون ثمن أو ضرائب، وأن تعفى من كل المكوس على الواردات ~~التي تجلب لها، وأن يتم القيام بهذا المشروع في مدة لا تتجاوز ست سنوات إلا إذا ~~حصلت عوائق لا يمكن تلافيها، وأن يكون أربعة أخماس الفعلة العاملين في حفر ~~الترعة من الفلاحين. وقد وضعت شروط خاصة بعدد الفعلة الذين يتناوبون العمل في ~~كل ثلاثة أشهر، ثم حددت رسوم المرور في القناة باعتبار عشرة فرنكات على كل ~~مسافر ومثلها على كل طن من حمولة السفن، وأن تكون الشركة مصرية بحيث يسري عليها ~~قانون البلاد، وأن تقسم الأرباح - بعد أن يخصم منها فائدة لأموال المساهمين ~~بنسبة 5٪ ومثلها للمال الاحتياطي - على الترتيب الآتي: 15٪ للحكومة المصرية، 10٪ ~~لمؤسسي الشركة، 75٪ للمساهمين والمديرين والعمال. وبعد انتهاء المدة المقررة ~~تصير القناة وكل مشتملاتها ملكا للحكومة المصرية. # وقبل أن يأذن سعيد باشا لديلسبس استشار سفير إنجلترا هل يصادف رفضه لهذا المشروع ~~ارتياحا من إنجتلرا؛ فلم يكن في قدرة السفير أن يعطيه تصريحا رسميا عن هذا السؤال؛ ~~لأن إنجلترا وفرنسا كانتا حليفتين في حرب القرم، إلا أن ديلسبس ألح في طلبه، واقتفى أثر ~~سعيد أينما حل وحيثما ذهب، حتى أمضى عقد الاتفاق في (ربيع الآخر سنة 1272ه/يناير سنة ~~1856م). # ولما كان من الواجب قبل الشروع في العمل الحصول ms181 على إذن من الباب العالي، ذهب ديلسبس ~~إلى القسطنطينية للسعي في ذلك، فوجد من أولى الشأن بها معارضة عظيمة يرجع السبب الأكبر ~~فيها إلى تأثير ساسة الإنجليز. والسبب في معارضة إنجلترا في المشروع هو أنها كانت ترى ~~بلادها من الوجهة التجارية والحربية أقرب إلى الهند من أي مملكة أخرى في أوروبا، عدا ~~إسبانيا والبرتقال، وكلاهما ليس بشيء في نظرها. فإذا فتح طريق قناة السويس أصبحت كل ~~شواطئ البحرين الأبيض والأسود أقرب من إنجلترا إلى الهند؛ ولذلك كان غرض نابليون عندما ~~فكر في حفر ترعة الإضرار بإنجلترا في الهند نفسها؛ إذ إن مهاجمتها فيها قبل حفر القناة ~~صعبة جدا لعظم بعدها، أما إذا فتحت القناة أصبحت المسافة بين مرسيليا وبمباي لا تزيد ~~على 4600 ميل. # فردناند ديلسبس. # فلما علم ديلسبس بتأثير الساسة الإنجليز في القسطنطينية ذهب إلى لندن وقابل اللورد ~~بالمرستون، فوجد منه معارضة أيضا؛ إذ قال له: إن حفر القناة يضر بمصالح إنجلترا، ويذهب ~~بسيادتها البحرية، وإنه وسيلة تريد فرنسا التوصل بها إلى التدخل في الشرق. # فلم يثن كل ذلك من عزم ديلسبس، وما زال يواصل سعيه في أوروبا مستعينا بقرابته من ~~الإمبراطورة «يوجين» - زوجة نابليون الثالث إمبراطور فرنسا - حتى وافق الباب العالي على ~~المشروع عام (1275ه/1858م)، وفي هذا العام فتح ديلسبس باب الاشتراك في شراء أسهم شركة ~~القناة مقدرا رأس مال الشركة بمبلغ 200000000 فرنك، وهو مكون من 400000 سهم، ثمن السهم ~~500 فرنك. فأقبل الناس على شراء الأسهم حتى جمع معظم رأس المال في أقل من شهر واحد. ~~وكان معظم المساهمين من فرنسا، وجزء منهم من ممالك الدولة العثمانية، واشترت مصر من ~~الأسهم 85506. # 1 # أما إنجلترا فأحجمت حينئذ عن شراء شيء منها. # وابتدأ العمل في حفر القناة قريبا من موقع مدينة بورسعيد الحالية في (رمضان سنة 1275ه/أبريل ~~سنة 1859م)، فكان سيره في أول الأمر غاية في البطء لما يحيط به من الصعوبات. وأهم ~~ذلك قلة تدرب عمال السخرة على العمل، وصعوبة الحصول على الماء الذي يستقون منه قبل ms182 أن ~~يتم حفر الترعة العذبة. ولما كانت الشركة فقيرة - بالنسبة لعظم المشروع - استعان ديلسبس ~~على هذه الصعوبات بالسعي في حمل سعيد باشا على الإكثار من العمال المسخرين بدون ~~مراعاة للاتفاق الأصلي؛ فصارت تساق الآلاف من الفلاحين يحرسهم الجنود إلى الترعة، حيث ~~يشتغلون طوال اليوم تحت مراقبة حراس مسلحين بالسياط، وكان عدد الذين يشتغلون في حفر ~~الترعة لا يقل عن 25000 عامل بدون أجر، وينوب عنهم مثلهم في كل ثلاثة أشهر، وكانوا ~~يعيشون على الشظف، وقد أودى بحياة الكثيرين منهم ما كانوا يقاسونه من الجوع والظمأ ~~والعري وحر الصيف وقر الشتاء وإجهاد الجسم والبؤس. وكان كلما هلك منهم أحد أتي ~~بغيره من الفلاحين، ولو تم مشروع حفر الترعة على حسب الاتفاق الأصلي لسبب نقصا ~~عظيما في تعداد سكان البلاد. # شاع هذا الأمر وأصبح من الفضائح حتى في مصر، وتناولته ألسنة المعارضين لحفر الترعة ~~وخاصة إنجلترا. وكان اللورد بالمرستون رئيس الوزارة الإنجليزية في ذاك الحين يعارض في ~~أمر تسخير الفلاحين؛ لأنه من جهة يعتبره ضربا من الاسترقاق، ولأنه من جهة أخرى كان لا ~~يريد أن يرى النفوذ الفرنسي يسود في مصر؛ لذلك أوعز إلى السفير الإنجليزي في ~~القسطنطينية أن يحتج على تسخير الأهالي في الأراضي العثمانية لفائدة شركة أجنبية. # وبقي الحال كذلك إلى أن تولى الخديوي إسماعيل باشا في (رجب سنة 1279ه/يناير 1863م)، ~~ولم يكن للشركة لديه تلك الحظوة التي كانت لها عند سعيد، فرأى أن ما نالته من الامتيازات ~~مجحف بحقه وحق مصر، وشرع يعمل على إلغاء شيء منها، ولكيلا يكون سببا في ~~إفلاس الشركة وإغضاب الشعب الفرنسي وإمبراطورهم نابليون الثالث أمد الشركة بمعونة ~~مالية، بأن دفع لها مبلغ 2000000 جنيه كان مستحقا على سعيد باشا ثمنا لأسهم اشتراها ~~عددها 177642، إلا أنه بقي مصمما على حرمان الشركة من بعض مزاياها حتى طلب من الباب ~~العالي في (صفر سنة 1280ه/يونيو 1863م) الموافقة على إنقاص عدد العمال الذين يسخرون في ~~حفر القناة، وعلى أن ترد الشركة للحكومة المصرية ما منحه إياها سعيد باشا ms183 من الأراضي ~~عام 1856م، فصادف الاقتراح ارتياحا من الباب العالي ولا سيما أن إنجلترا كانت تسعى ~~لديه في إنفاذه؛ فوافق عليه وهدد الشركة بتوقيف العمل إن لم ترض به. # وقد كاد يكون في ذلك القضاء المبرم على المشروع؛ لأن الشركة كانت تعلق كل آمالها على ~~جلب العمال من مصر بدون أجر، وكان العمل لا يزال في مبدئه، والشركة لم يكن في مقدورها ~~أن تقترض مالا جديدا، ولولا ما بذله المسيو ديلسبس من الهمة والحزم لخاب المشروع؛ ~~فإنه تمكن بمساعدة الإمبراطور يوجين وبميل الشعب الفرنسي إلى مشروعه من استجلاب مساعدة ~~الحكومة الفرنسية، ناسبا سعي إنجلترا في إيقاف عمل السخرة في مصر إلى حسدها فرنسا، ~~فمالت إليه قادة السياسة الفرنسية، وانتهى الأمر بتحكيم الطرفين «الإمبراطور نابليون ~~الثالث» في حل هذا المشكل. # فناط الإمبراطور الفصل في هذه المسألة بجماعة من رجال بلاده طبعا، فجاء الاتفاق فوق ~~ما كانت تأمل الشركة؛ إذ ألزمت اللجنة المحكمة إسماعيل باشا أن يدفع للشركة غرامة قدرها ~~3360000 جنيه نظير إخلاله بشروط الاتفاق الأصلي بشأن أعمال السخرة وغيرها. فمن هذا ~~المبلغ 1560000 جنيه نظير منعه الفعلة المصريين المسخرين من حفر الترعة، و1200000 جنيه ~~لاسترجاعه الأراضي التي على ضفتي القناة ما عدا ما عرضه 200 متر على كلا الجانبين، ~~و640000 جنيه في مقابل حفر ترعة الإسماعيلية، وقد تم دفع كل ذلك في عام 1869م. # بهذا الحل وباستبدال عمال مدربين بعمال السخرة أصبح مركز الشركة المالي ثابت الأركان، ~~لا يخشى معه على المشروع من أي عطلة تعترضه كما حصل ذلك من قبل. # ومن هذا الحين أقبل الخديوي على المشروع؛ يعضده بكل نفوذه الأدبي، ويفتخر ~~بأنه القائم بأكبر مشروع ظهر في القرن التاسع عشر. # وعندما قرب انتهاء العمل استعد إسماعيل باشا استعدادا عظيما للاحتفال بفتح الترعة ~~في (شعبان سنة 1286ه/نوفمبر سنة 1869م)، فكان أكبر وأفخم احتفال حدث في الأزمنة ~~الحديثة، وسنتكلم عليه في موضعه عند الكلام على إسماعيل باشا. # على أن معونة مصر المالية لم تقف عند هذا الحد؛ فإن الشركة حصلت ms184 منها عام 1866م على ~~مبلغ يربو على 300000 جنيه لنزولها لها عن أراضي الطميلات، وكانت قد اشترتها قبل ذلك ~~بخمسة أعوام بنحو 74000 جنيه، وفي عام 1868م أخذت الشركة من الحكومة المصرية مبلغا آخر ~~يقرب من 1200000 جنيه لنزولها عن بعض المباني التي أقامتها في منطقة القناة. # أما نفقات حفر القناة فقد بلغت حسب المدون في دفاتر الشركة 432807882 فرنكا؛ أي نحو ~~17500000 جنيه، وقد قدر مجموع ما أنفقته الحكومة المصرية في ذلك بنحو 16000000 ~~جنيه. # على أن المشروع لم يثمر ربحا عقيب حفر الترعة؛ إذ كانت فائدته قاصرة على السفن ~~الشراعية دون البخارية؛ لأنه كان يتعذر على السفن البخارية العادية فضلا عن بواخر ~~البريد الكبرى أن تسافر إلى الهند، لعظم مقدار ما كانت تحتاج إليه من الفحم في ذلك ~~الوقت، ولكن هذه الصعوبة ما لبثت أن تلاشت؛ إذ اخترعت في ذلك الحين الآلات المركبة التي ~~جعلت البواخر لا تحرق من الفحم إلا نصف ما كانت تحرقه قبل اختراعها؛ فسهل على هذه السفن ~~الانتفاع بالقناة؛ فاتسع نطاق التجارة المارة بالترعة، وزادت قيمتها زيادة عظيمة. # ومع كل ذلك أيضا لم يأت المشروع بالربح الكافي، لقلة قيمة الرسوم التي كانت تجبيها ~~الشركة - وكانت فئتها حينئذ 10 جنيهات على كل طن - وكثرة ما تنفقه على إصلاح القناة؛ ~~فانحطت قيمة سهام الشركة سنة (1288ه/1871-1872م) من 20 جنيها إلى 7 جنيهات لكل سهم، ~~وتوقفت عن دفع أرباح المساهمين، فعقد لتلافي ذلك مؤتمر دولي بالقسطنطينية عام (1290ه/1873م) ~~نظر في الأمر وخول للشركة زيادة الرسوم التي تجبيها من السفن بقدر 40٪ إلى أن ~~تصلح حالتها المالية؛ فحسن بذلك حال الشركة، وأخذت في النجاح المطرد والتقدم المستمر. # ومما يؤسف له أن مصر لم تستفد من نجاح ترعة السويس مطلقا؛ فإنه فوق خسارتها القناطير ~~المقنطرة من الأموال، وإرهاقها الفلاحين المصريين إرهاقا عظيما، وفضلا عن تحول ~~التجارة المارة بين أوروبا والهند من داخل مصر إلى طريق القناة؛ مما أحدث نقصا كبيرا ~~في دخل سكك حديد الحكومة المصرية، تنازلت لشركة فرنسية في ms185 سنة (1297ه/1880م) عما كان ~~يخصها من أرباح الشركة وقدره 15٪ في مقابل مبلغ حقير قدره 700000 جنيه كانت الحكومة قد ~~اقترضته من تلك الشركة ولم تقدر على سداده؛ فحرمت بذلك مصر من مصدر دخل عظيم، ولم يتم ~~لولاة مصر من إنشاء الترعة شيء مما كان يمنيهم به ديلسبس من توطيد دعامة حكمهم واتساع ~~جاههم وسلطانهم. فترى مما تقدم كله أنه لم يخسر من وراء إنشاء هذه الترعة إلا الأسرة ~~المحمدية العلوية ومصر والفلاحون. وإلى سعيد وإسماعيل وكثرة بذلهما وسخائهما يرجع نجاح ~~مشروع ديلسبس، وإيجاد تلك الفوائد الجليلة التي عادت على فرنسا وبريطانيا العظمى وغيرهما ~~من البلاد. # وكان تعدد مصالح الدول الأوروبية في الترعة مدعاة لجعلها على الحياد، ولكن الدول أدخلت ~~على الاتفاق الأصلي عدة تعديلات منذ إبرامه، وربما عادت إلى النظر في أمر القناة بعد ~~زماننا هذا. # هذه جزء من الأسهم التي اشترتها إنجلترا عام 1875م من إسماعيل باشا بمشورة ~~«اللورد بيكونسفيلد»، وكان عددها 176602 بيعت بمبلغ 3976582 جنيها. # الفصل الثالث # إسماعيل باشا # 1279-1296ه/1863-1879م # يعتبر إسماعيل باشا - ابن إبراهيم باشا - المتمم الحقيقي لأعمال محمد علي، والسائر ~~بإصلاحاته في الطريق التي أبلغت مصر العناية التي هي عليها الآن. # تولى إسماعيل عرش مصر ومدارسها مغلقة ومشروعات محمد علي مهملة؛ فكان عمله في كل شيء ~~عمل المنشئ من جديد. ولو نظرنا إلى مجموع ما تم في عهده من الإصلاحات والأعمال الهامة ~~لعلمنا مقدار ما كان عليه من الذكاء والنبوغ، وما كان يرمي إليه من النهوض بمصر حتى ~~يجعلها في مستوى أرقى الدول الأوروبية. # إسماعيل باشا (رسم علي أفندي يوسف، عن صورة بدار الكتب ~~السلطانية). # ومع أنه لم ينل حظا وافرا من التعلم في نشأته، كان ما حصله من المعارف - مضافا إلى ~~ما فطر عليه من الذكاء وقوة الملاحظة - كافلا أن يقوم بعبء المشروعات الخطيرة التي أقدم ~~عليها. وكل ما يعلم عن تعلمه أنه أرسل إلى باريس في الخامسة عشرة من عمره، فتعلم بها ~~اللغة الفرنسية حتى صار يتكلمها بطلاقة. وفي أثناء إقامته ساح كثيرا ms186 في أوروبا، وبقوة ~~ملاحظته وقف على كثير من الأمور الاجتماعية وغيرها من أسباب الحضارة الأوروبية. ولم يرب ~~تربية خاصة تؤهله لتولي الملك - كما تربى سعيد من قبله - إذ لم يكن يخطر بالبال حينئذ أنه ~~سيتولى عرش مصر يوما ما ؛ لأن ولاية العهد كانت لأخيه أحمد أكبر أمراء الأسرة؛ ولذلك ~~بقي إسماعيل مشتغلا بمزارعه بعيدا عن حاشية سعيد حتى مات أخوه في حادثة كفر الزيات # 1 # ولم يغير كثيرا من خطته بعد مماته. # جلس إسماعيل على أريكة مصر في (27 رجب سنة 1279ه/18 يناير سنة 1863م)، وكان عمره إذ ~~ذاك 32 سنة، فلم يلبث أن ظهرت فيه كفاءة عظيمة ورغبة شديدة إلى رفع شأن البلاد ~~وترقيتها، بإدخال كل الإصلاح الذي يراه مؤديا إلى ذلك. ومع الاعتراف بأن السرعة التي ~~سار بها في سبيل هذا الإصلاح والإنفاق عن سعة في كل شيء أديا إلى استدانته من أوروبا ~~القناطير المقنطرة من الذهب التي تضاعفت هي وفوائدها حتى وصلت في أواخر أيامه إلى عبء ~~ثقيل لا حول ولا قوة للبلاد على احتماله؛ مما أوجب تدخل الدول الأوروبية في شئون مصر. قد ~~يغتفر له ذلك إذا راعينا مقدار ما قام به من الإصلاح، ولاحظنا أن سعيدا قد فتح له من ~~قبل باب الاستدانة المشئوم؛ إذ مات وهو مدين بمبلغ 10000000 جنيه. # وتلخص أهم أعمال إسماعيل في مصر فيما يأتي: ~~(1) # الفصل في أمر وراثة العرش وحصرها في أكبر أولاد الوالي والحصول على لقب ~~خديوي. ~~(2) # الإصلاحات الإدارية، وتأييد الاستقلال الداخلي. ~~(3) # الإصلاحات القضائية، ومساواة جميع الناس أمام القانون المدني ~~المختلط. ~~(4) # التعليم العالي. ~~(5) # منع الرقيق. ~~(6) # إلقاء المؤاخذة - المسئولية - على النظار، وتشكيل مجلس شورى النواب. ~~(7) # توسيع منابع الثروة للبلاد بتنمية الزراعة، وبالمشروعات العامة. ~~(8) # توسيع نطاق الأملاك المصرية. ~~(9) # إتمام مشروع ترعة السويس (أفاد العالم في مجموعه وإن أضر بمصر في ~~ذاتها). ~~(1) وراثة العرش # بعد أن تولى إسماعيل ببضعة أسابيع زار مصر السلطان «عبد العزيز»، فكان أول من ~~زارها من سلاطين آل عثمان من عهد سليم الأول؛ فاحتفل به إسماعيل باشا احتفالا ms187 ~~كبيرا، واجتهد في أن تكون هذه المقابلة فاتحة لعلاقات ودية بينه وبين الباب ~~العالي. وبعد أن عاد السلطان إلى الأستانة أخذ إسماعيل باشا يسعى سرا للحصول على ~~أغراض يرمي إليها لتعزيز ملكه، واستعان على نيلها بالمال كلما وجد إلى ذلك سبيلا؛ ~~فسعى لدى الباب العالي في شأن تغيير القانون الصادر به تقليد سنة 1841م بشأن وراثة ~~عرش مصر، وهذا القانون يقضي بأن يئول العرش لأكبر فرد في الأسرة بشرط موافقة الباب ~~العالي. # فلما رأى إسماعيل أن ذلك ربما يحدث فتنا بين أفراد الأسرة من أجل العرش - بالسعي ~~لدى الباب العالي، أو بقتل بعضهم بعضا - طلب إلى الباب العالي أن يجعل الوراثة ~~لأكبر أولاد الخديوي بلا شرط ولا قيد، ليحسم كل نزاع بين أفراد الأسرة في هذا ~~الشأن، فلم يقبل الباب العالي ذلك في أول الأمر، لعلمه أنه ينقص من نفوذه في مصر، ~~فإن هذه المزية لم تتمتع بها الأسرة المالكة في تركيا نفسها، وزار إسماعيل ~~القسطنطينية وسعى بنفسه في الأمر فلم يفلح، ولكن عزيمته لم تفتر، وذهب إليها في ~~زيارة أخرى أجزل فيها العطاء فنال مراده، وأصدر الباب العالي عهدا بجعل الوراثة في ~~أكبر أنجال الخديوي في (12 المحرم سنة 1283ه/27 مايو سنة 1866م)، وذلك في مقابل ~~زيادة الجزية التي تدفعها مصر من 320000 إلى 600000 جنيه. # وسعى أيضا إسماعيل باشا لدى الباب العالي ليمنحه لقبا أرقى من «الباشا» ~~المعتاد، وكان غرضه من ذلك تثبيت امتياز مصر عن باقي ولايات الدولة، وهو ذلك ~~الامتياز الذي حصله محمد علي بتقليد سنة 1841م، فمنحه السلطان لقب «خديوي» في (ربيع ~~الأول سنة 1284ه/يوليو سنة 1867م). وهو لفظ فارسي الأصل معناه الأمير العظيم، وكان ~~يمنحه الفرس لحاكم الهند في عهد حكمهم لها، وبعد فما زال الخديوي يسعى لدى الباب ~~العالي في اكتساب امتيازات جديدة بفضل ما كان يبذله من المال، حتى أصدر الباب ~~العالي في ربيع الآخر سنة (1290ه/1873م) عهدا مثبتا كل الحقوق التي منحها ~~للخديوي بمقتضى العهود السابقة، وبهذا العهد أيضا اعترف الباب ms188 العالي باستقلال ~~الخديوي استقلالا تاما بشئون مصر الداخلية، وأذن له بأن يعمل بدون استشارته في ~~قرض الديون، وعقد المخالفات التجارية وغيرها مع الدول الأجنبية، ما دامت تلك ~~المحالفات لا تناقض مصلحة الدولة ولا محالفاتها السياسية مع الدول، وأن يزيد جيشه ~~حسب ما يراه صالحا، على شرط أن لا يكون في أسطوله مدرعات، وقد زادت الجزية المصرية ~~في مقابل ذلك إلى 665000 جنيه. # ولا شك أن مثل هذا العهد كان من الممكن أن يعود على مصر بأعظم الفوائد؛ إذ يكون ~~من أكبر الدواعي التي تحمل كل خديوي لمصر على أن يسهر على ما فيه صالح البلاد، كي ~~يترك وراءه ملكا منظما ثابت الأركان. ~~(2) الاستقلال الداخلي والإدارة # لم يكن هم إسماعيل باشا قاصرا على الوصول إلى جعل الوراثة لأكبر أنجال الخديوي، ~~بل كان يبذل همته في أن يمنح استقلالا إداريا يتصرف به في شئون البلاد الداخلية؛ ~~إذ كان أعظم غرض له في الحياة أن يوثق عرى الارتباط بين مصر وممالك الغرب ~~المتمدينة. والوصول إلى ذلك محال ما دام الباب العالي صاحب النفوذ والسلطان في ~~البلاد؛ إذ كان يخشى أن يعترضه فيما يقدم عليه من المشروعات، وأي فائدة تجنيها ~~البلاد وأي عمل عظيم يمكن لأقدر حاكم أن يقوم به إذا كانت يده مغلولة في شئون ~~البلاد الداخلية؟ # لذلك قضى إسماعيل سنوات عديدة من حياته يبذل في أثنائها المال الوفير للوصول إلى ~~ضالته المنشودة، حتى منحه الباب العالي استقلالا داخليا في عام (1290ه/1773م) ~~بمقتضى العهد السابق الذكر. # ولما أصبح إسماعيل صاحب النفوذ والسلطان في مصر أخذ ينظم إدارتها الداخلية؛ فأدخل ~~في البلاد جملة إصلاحات لم يأت بها وال تولى الشئون المصرية قبله؛ فأعاد نظام ~~الإدارة الذي وضعه محمد علي وأهمل في عصر عباس باشا الأول بعد أن أدخل فيه ~~بعض الإصلاحاته، ثم رتب نظام المكوس ترتيبا متقنا، واشترى إدارة البريد المصري من ~~شركة ووضعها تحت سيطرة أحد مهرة الغربيين - كما سيأتي ذكره بعد - وقسم القطر إلى ~~أربع عشرة مديرية، وحسن طرق الاتصال والقضاء وغير ms189 ذلك، مما سنتكلم عليه فيما ~~بعد. ~~(3) الإصلاحات القضائية ومساواة جميع الناس أمام القانون # كان أهم مشروع داخلي وجه إليه إسماعيل باشا عنايته إصلاح القضاء، وجعله مستقلا ~~عن الإدارة، ونشر العدل وكان من قبل معدوما؛ لأن القانون الذي وضع في عهد محمد علي ~~لم يغير من النظام القديم شيئا وكان حبرا على ورق، فأراد إسماعيل باشا أن يؤسس ~~المحاكم المختلطة ليتساوى الجميع أمام القانون، ويكون الأجنبي والوطني في مستوى ~~واحد، وكان غرضه أن يقضي على المحاكم «القنصلية» والامتيازات الأجنبية، بشرط أن ~~يتكفل للأجانب بكل ما يضمن راحتهم. # ولم تكن هذه الفكرة بنت يومها، بل كانت مختمرة عند الخديوي قبل أن يتولى عرش مصر، ~~فلما مات أخوه أحمد في حادثة كفر الزيات، وأصبح هو الوارث للملك تفرغ لدرس ~~الإصلاحات القضائية، ورأى أثناء ذلك ما كان للأجانب من الامتيازات، فعزم على أن ~~يغير ذلك تغييرا تاما، فيكون أول من خطا خطوة في سبيل المساواة ونشر العدل بين ~~رعاياه. # فلما تولى الملك لم تساعده الأحوال في أول أيام حكمه على تخليص البلاد من هذا ~~النظام الرديء؛ إذ كان منصرفا بكل قواه إلى تحصيل عهد الوراثة والاستقلال الداخلي ~~من الباب العالي. # ولما سنحت له الفرص في عام (1284ه/1867م) فاتح الوزارة الفرنسية في هذا الصدد؛ ~~ففاوض نوبار باشا «المسيو موسير» وزير خارجية فرنسا في هذا المشروع حسب إرادة ~~الخديوي، فعقدت لجنة في باريس كان الغرض منها فحص التغيير الذي يريد نوبار إدخاله ~~في القانون؛ فكانت هذه أول خطوة في سبيل إنشاء المحاكم المختلطة. # وقد ساعد الخديوي أيضا في تحقيق أمنيته هذه بعض وزرائه، وأولاهم بالذكر شريف ~~باشا، ورياض باشا، ونوبار باشا، غير أن معظم نجاح المشروع يرجع إلى الأخير # 2 # إذ قضى سبعة أعوام من حياته في كفاح مع دول أوروبا حتى أفلح أخيرا في ~~تأسيس هذه المحاكم التي مع ظهور بعض الفائدة منها لم تأت بكل ما كان مؤملا ~~فيها. # وإنا نشك في أن إسماعيل باشا كان يعرف كل النتائج التي تنجم من هذا التغيير، ms190 فإنه ~~كان يريد بالمحاكم المختلطة القضاء على نفوذ محاكم السفارات التي كان يظهر أنها ~~ستقضي على شيء من سلطته الفردية، لا عليها كلها كما فعلت هذه المحاكم وبرهنت عليه ~~الحوادث؛ إذ اتضح له أخيرا أن سلطة هذه المحاكم تعلو سلطته؛ لأنها أصبحت تفصل في ~~كل القضايا حتى التي على الحكومة وعلى شخصه نفسه، بل كانت من أكبر العوامل على ~~عزله، ومع ما كان فيها وقت إنشائها من النقائص كانت أكثر فائدة من محاكم الأقسام ~~التي كان يفصل حينئذ في قضاياها المدير أو ناظر القسم؛ يدلك على ذلك أن كثيرا من ~~الأهالي كانوا يفضلون الفصل في قضاياهم أمام المحاكم المختلطة على محاكم الأقسام ~~التي كان كل من المدير وناظر القسم يستعمل السوط في تحقيق قضاياها، ثم لا يفلح في ~~تحقيق قضية واحدة من بين خمسين. # نوبار باشا. # وقد لاقى نوبار باشا الصعوبات الجمة في إرضاء كل من الأهالي والأجانب، وخصوصا ~~سفراء الدول الذين رأوا أن تأسيس هذه المحاكم يكون من ورائه محو سلطتهم في البلاد، ~~وكانت فرنسا أكبر معارض لإنشاء هذه المحاكم على حسب التغييرات التي اقترحها نوبار ~~باشا، في حين أن إنجلترا كانت أكبر عضد له فيها؛ إذ رأت أن النظام المتبع حينئذ مضر ~~بكل من الأهالي والأجانب، ولذلك كانت تصرح دائما أنها مستعدة لمعاضدته، أما الباب ~~العالي فإنه رغم معاضدة إنجلترا للمشروع ورغبة معظم الدول الأوروبية فيه، وضع ~~العقبات في سبيل إنفاذه بعلة أنه مخالف للشرع، فأبى السلطان والعلماء في القاهرة ~~إدخال هذا الإصلاح الذي يعد افتياتا على حقوقهم، وأعلن العلماء في القاهرة أن مثل ~~هذا التغيير لا يتفق مع الدين الحنيف. فعزل إسماعيل باشا المفتي الذي أفتى بذلك، ~~واستبدل به آخر وافق على إنشائها، ومن هذه اللحظة لم تجئ أي معارضة من هذه ~~الناحية. # وبعد أن انتهى من معظم المعارضات شكل هذه المحاكم في (ذي الحجة سنة 1291ه/أول ~~يناير سنة 1875م)، إلا أنها لم تفتح أبوابها إلا في (شهر المحرم سنة 1293ه/فبراير ~~سنة 1876م)، وذلك للعراقيل التي كانت ms191 تضعها فرنسا. # وقد أسس من هذا النوع ثلاث محاكم من الدرجة الأولى: في القاهرة، والإسكندرية، ~~والمنصورة، ثم محكمة استئناف عليا بالإسكندرية. # وهذه المحاكم تفصل في القضايا المدنية، وبعض المخالفات التي يكون فيها أحد الخصمين ~~أو كلاهما من الأوروبيين أو الأمريكانيين المختلفي الجنسية. أما إذا كان الخصوم من ~~الأجانب المتحدي الجنسية، فالمحكمة لا تفصل في النزاع إلا إذا كان موضوعه عقارا ، ~~وهي مستقلة تماما عن الحكومة، وتعين القضاة بها اثنتا عشرة دولة من دول أوروبا ~~والولايات المتحدة، ويجدد هذا النظام في كل خمسة أعوام مرة، وهي في مصر أشبه في ~~الحقيقة بمملكة صغيرة، ولقضاتها الحق في شرح القانون وتقرير ما لهم من السلطة، ولا ~~توجد هيئة تشريعية معتبرة يرجع إليها إذا تعدت هذه المحاكم حدود اختصاصها، وغاية ما ~~تستطيع الحكومة المصرية عمله في هذا الصدد أن تفاوض الدول، حتى إذا اتفقن جميعا ~~على رأي عمدن إلى تعديل القانون. ~~(4) التربية والتعليم # رأى إسماعيل باشا - كما رأى جده العظيم محمد علي من قبله - أنه لا يتسنى له القيام ~~بإصلاحاته ومشروعاته الخطيرة في البلاد إلا بتعليم أبناء الأمة، وإن اختلفت أغراض ~~كل من الرجلين؛ فكان الغرض الأول لمحمد علي من التعليم أن يكون عددا عظيما من ~~الضباط والموظفين ليساعدوه في إدارة شئون البلاد، أما إسماعيل فقد غرست فيه تربيته ~~الأوروبية مبادئ حب العلم والتعليم، فأراد أن ينشر العلم لذاته بين جميع طبقات ~~الأمة؛ لذلك وجه شطرا عظيما من عنايته إلى هذه الوجهة، وكانت الأحوال مساعدة له، ~~لخصب مدارك المصري وقوة حافظته التي لا تضارع في أكثر الشعوب، ولما له من المجد ~~الأثيل والباع الطويل والميل القديم للعلوم والمعارف؛ يشهد بذلك جامعة الإسكندرية ~~في عصر البطالسة، والجامع الأزهري الذي يؤمه آلاف الطلاب من جميع بقاع العالم ~~الإسلامي. # وقد ساعد الحظ إسماعيل؛ إذ وجد في خدمته نخبة من أكابر الغربيين، نهضوا بالتعليم ~~ورقوه، ونؤثر بالذكر منهم «دور بك» و«كلوت بك» و«روجرز بك». وكان لبعض نظار الحكومة ~~فضل عظيم في هذه النهضة، وبخاصة «شريف باشا» و«رياض باشا» ms192 و«علي مبارك باشا» الذي ~~سار بالتعليم شوطا بعيدا، وكان له القدح المعلى في نهضة البلاد الحديثة. # ولا يفوتنا أن الفضل كل الفضل راجع طبعا إلى رئيسهم الأكبر الخديوي إسماعيل، فأول ~~عمل قام به أنه أصدر قانونا في 10 رجب سنة (1284ه/1867م) كان الغرض منه وضع ~~أساس منهج قويم للتعليم في جميع أنحاء القطر. وقد ظهرت فائدته؛ إذ زاد عدد التلاميذ ~~في مدة وجيزة إلى 52000 تلميذ يتعلمون في 1301 معهد، ثم ازداد بعدها عدد التلاميذ ~~إلى 140977 وعدد المدارس إلى 4817، وكان في القاهرة وحدها ما يزيد على 295 مدرسة ~~بلغ عدد تلاميذها 10000 تلميذ، عدا طلبة الأزهر الشريف، والمعاهد الأجنبية، ~~والمعاهد التابعة للأوقاف، والمدارس الحربية لتعليم الجيش الذي كان يبلغ إذ ذاك ~~ثلاثين ألفا. # 3 # علي مبارك باشا. # وأهم مدارسه العالية والخصوصية مدرسة الهندسة، ومدرسة الطب والولادة، ومدرسة ~~الحقوق، ومدرسة الفنون والصنائع، ومدرسة اللغة المصرية القديمة، ومدرسة الألسن ~~والمعلمين - قلم الترجمة - ومدرسة دار العلوم - المعلمين الناصرين. وكان التعليم في ~~كل هذه المدارس بالرغبة، لا بالإكراه كما كان في عصر محمد علي. # ولا يتسرب إلى ذهن القارئ أن كل هذه المدارس أسسها إسماعيل باشا، بل وضع الحجر ~~الأساسي للكثير منها محمد علي باشا، كمدرسة الطب التي شيدها في عام (1242ه/1827م) ~~كما أسلفنا من قبل، غير أن الفضل يرجع إلى الخديوي في تنظيم هذه المدارس وزيادة ~~ميزانية نظارة المعارف ورفعها أولا من ستة آلاف جنيه في عهد سعيد إلى أربعين ألف ~~جنيه، ثم وقف عليها أراضي الوادي بعد أن اشتراها ثانية من شركة قناة السويس. # وكان غرض إسماعيل باشا من قانون رجب سنة 1284ه نشر التعليم، وتوحيد نظامه ~~في جميع أنحاء البلاد مع مراعاة ما يلائم كل طور من أطوار الدراسة، فكان لا يجهد عقول ~~التلاميذ في الطور الأول بالمواد التي لا فائدة لهم منها، بأن جعل التعليم في ~~المدارس الابتدائية قاصرا على مبادئ الكتابة والقراءة، وخص المدارس التجهيزية بمن ~~كان يريد التقدم في مضمار التعليم، أما المدارس العالية والخصوصية فكان يتعلم ms193 فيها ~~الطلاب كل العلوم الدراسية وفيها اللغات، وكان يترك لهم الحرية في اختيار اللغة ~~التي يتعلمونها بشرط أن يتعلموا اللغتين العربية والتركية، وكان طلاب المدارس ~~الخاصة على قسمين: قسم يتعلم على نفقته الخاصة، والآخر على نفقة الحكومة؛ ولذلك كان ~~يتحتم على هؤلاء أن يخدموا في وظائف الحكومة مدة معينة. وكان ينتخب أحسن الطلاب ~~لمدرسة الهندسة ومدرسة الطب، وحثالة التلاميذ تذهب إلى المدارس الحربية، وفي ذلك ~~إجحاف عظيم بالمجتهدين من الطلبة؛ لأن معظم الترقية كانت في الجيش. # ولا شك أن هذا القانون الذي يشمل أربعين مادة وضع أساسا متينا للتعليم في ~~البلاد، إلا أن الحاجة إلى المال والرجال كانتا حجر عثرة في طريق تنفيذه؛ إذ أخذت ~~الحكومة على عاتقها عدة أعباء ثقيلة؛ فكانت تعلم التلاميذ مجانا، وتتكفل بطعامهم، ~~وملبسهم، وتعطيهم رواتب شهرية؛ ولذلك كان الآباء أحيانا يمنعون أبناءهم من الذهاب ~~إلى المدرسة إذا قصر أولوا الأمر في شيء من النفقة، وربما كان للفلاح عذر في ذلك، ~~فإن حالته الأدبية كانت منحطة، وربما كان غير قادر على دفع نفقات التعليم لما كان ~~يعانيه من دفع الضرائب الفادحة والسخرة. # وقد شجع الخديوي أعيان الأمة على تعليم أولادهم، فوضع لهم مثالا ليحذوا حذوه بأن ~~عني بتربية أنجاله وأمراء أسرته؛ فإنه عند توليته نقل مدرسة «المنيل» إلى قصر ~~عابدين بعد أن كانت بجزيرة الروضة، وكان يتعلم بها مع الأمراء ستون تلميذا من ~~أبناء الأهالي، فلم يفرق في المعاملة بين الفريقين، وكان من المحتم على الأمراء ~~تمضية الامتحانات كغيرهم من التلاميذ. # 4 # ولم تقف همته عند تعليم الشبان من أبناء الأمة، بل وجه عنايته إلى تعليم البنات ~~أيضا؛ فأسس مدرسة لذلك الغرض تحت رعاية إحدى زوجاته على نفقتها الخاصة، وكان الغرض ~~منها تعليم البنات المصريات الواجبات المنزلية، حتى يستغنين عن الإماء والعبيد؛ فكانت هذه أول ~~مدرسة من نوعها في كل بقاع الدولة العثمانية. # غير أنه كان في هذه المدارس بعض العيوب: فمنها قلة الأساتذة الأوروبيين الذين ~~يحسنون العربية؛ إذ لا يخفى ما في إلقاء المحاضرات بواسطة ms194 مترجم من النقص، ومنها أن ~~المعلمين الوطنيين كان ينقصهم أشياء كثيرة أخصها معرفة طرق التعليم، فكان لا هم لهم ~~إلا إنماء حافظة التلاميذ، وهذه - بلا شك - طريقة عقيمة تذهب بكثير من ثمرات ~~التعليم. # دار الكتب # ولا يفوتنا عند الكلام على التعليم أن نذكر أن الفضل في إنشاء دار الكتب ~~الحالية يرجع إلى همة الخديوي إسماعيل؛ إذ جمع لها كل ما وصلت إليه يده من الكتب ~~المنسوخة باليد والمصاحف المزخرفة التي كانت مبعثرة في جميع أنحاء البلاد، ~~ولا ريب أن هذه المجموعة لا تقل في بابها عن مجاميع لندن وباريس وتورين. على أن ~~المجموعة الفارسية التي فيها لا يوجد لها نظير في العالم بأسره. # واشترى إسماعيل باشا مجموعة الكتب التي كانت عند أخيه الأمير مصطفى باشا ~~فاضل بعد مماته بمبلغ 40000 جنيه، وأهداها إلى دار الكتب. # فإسماعيل باشا يعتبر بما قام به - وبما تم في عصره من التعليم والنهوض بالأمة - ~~من أعظم المشجعين للنهضة الحديثة بالديار المصرية. # دار الآثار المصرية # لا يكاد يوجد في العالم أرض تضارع مصر في كثرة آثارها القديمة ونفاستها، إلا ~~أن هذه الآثار كانت إلى أواخر أيام محمد علي باشا مهملة؛ لا يهتم بها ملوك مصر، ~~ولا يفتر قناصل الدول الأجنبية وتجارها عن تبديدها وتهريب ما وصلت إليه أيديهم ~~منها إلى بلادهم. فلما قدم شمبليون مصر لدرس النقوش الهيروغليفية عرض على محمد ~~علي باشا عام 1830م إنشاء مصلحة لحفظ العاديات المصرية، ولكن الباشا لم يعمل ~~بنصيحته وقتئذ بتحريض قناصل الدول وتصويرهم مشروع شمبليون بأشنع صورة لأغراضهم ~~الشخصية. # غير أن نصيحة شمبليون تركت أثرا في نفس محمد علي، فأصدر أمرا بعد ذلك بخمس ~~سنوات بمنع تصدير الآثار وإقامة حراس عليها، وفي (ربيع الآخر سنة 1251ه/أغسطس ~~سنة 1835م) أنشأ مصلحة للآثار أمام بركة الأزبكية للمحافظة على العاديات والبحث ~~عنها في أنحاء البلاد، ولم تكن أعمال هذه المصلحة منتظمة في أول أمرها، وبقيت ~~كذلك إلى سنة (1265ه/1849م) إذ أصدرت نظارة المعارف - التي كانت المصلحة تابعة ~~لها حينئذ - أمرا إلى «لينان ms195 بك» بعمل فهرست للآثار وجمعها في مكان واحد. إلا ~~أن ذلك لم يضرب على أيدي السرقة والمبددين، حتى إنه لما نقلت الآثار إلى القلعة ~~لم تشغل بها إلا حجرة واحدة. # وفي سنة (1226ه/1850م) قدم إلى مصر رجل من أذكياء الفرنسيين المشتغلين ~~بالآثار يدعى «المسيو مريت» - مريت باشا فيما بعد - أوفدته حكومته إلى وادي النيل ~~لمشتري مخطوطات قبطية، فعدل عن ذلك وعكف على درس آثار سقارة حتى كشف بها ~~السرابيوم، ولم تكن له علاقة رسمية بمصلحة الآثار وقتئذ، ولكنه لشغفه بالآثار ~~والمحافظة عليها ساعد الحكومة كثيرا حتى زادت محتويات دار العاديات زيادة ~~عظيمة بين سنتي (1853-54). ولكن ما لبثت أعماله أن ذهبت أدراج الرياح؛ إذ زار مصر ~~في عام (1271ه/1855م) «الأرشدوق مكسمليان» النمسوي، فطلب من عباس باشا الأول أن ~~يهديه شيئا من العاديات المصرية فسمح له بأن يأخذ كل ما أراد من القلعة! وإذا ~~شاء أحد أن يعرف ما كانت تحويه دار عاديات القلعة فما عليه إلا أن يذهب اليوم ~~إلى فيينا. # أما المسيو «مريت» فإنه بقي مشتغلا بالآثار المصرية، باذلا وسعه في أن تكون ~~له صفة رسمية فيها حتى يضمن ثمرة أتعابه، فتم له ذلك في (ذي القعدة سنة 1274ه/يوليو ~~سنة 1858م)؛ إذ جعله سعيد باشا بتوسط المسيو ديلسبس مأمورا لأعمال ~~العاديات بمصر. # وقد لاقى في أول الأمر مصاعب جمة في تنظيم الآثار وإدارة حركتها، لقلة المال ~~ولعدم ثبات سعيد باشا على مؤازرته؛ إذ كان أحيانا يأمر بتوقيف أعماله. ولكن ~~مريت بقي مثابرا على بحثه، متنقلا طول النهار بين المصانع والطلال، حتى أخذت ~~دار العاديات تمتلئ بسرعة، وسمح له سعيد باشا بنقلها إلى مخازن أعدت لها في ~~بولاق. # ثم مات سعيد باشا ومشروع مريت في نشأته، فحزن كثيرا وخشي أن لا يلقى من ~~إسماعيل باشا ما لاقاه من سعيد من المؤازرة، ولكنه ما لبث أن وجد من إسماعيل ~~باشا أكبر عضد لمشروعه، فأمر في الحال بإصلاح مخازن بولاق وتوسيعها، وافتتحها ~~بحفلة رسمية في 5 جمادى الأولى سنة (1280ه/18 أكتوبر 1863م). ms196 # ثم بقيت دار العاديات سائرة في طريق التقدم بفضل معاضدة إسماعيل باشا ~~ومثابرة مريت، ولما أقيم معرض باريز (عام 1284ه/1867م) نقل أجمل ما فيها إلى ~~فرنسا لعرضه بالمعرض، فكان موضوع إعجاب الفرنسيين وغيرهم من الأوروبيين؛ لذلك ~~طلبت «الإمبراطورة يوجيني» من إسماعيل باشا أن يبقي العاديات بباريز لإهدائها ~~لفرنسا، فكاد يجيب طلبها لولا مقاومة مريت باشا. # أفلتت العاديات من هذه الأزمة، فوقعت بعدها في ضيق شديد للعسر المالي الذي ~~أخذ بخناق الحكومة في ذلك الوقت. وفي سنة (1295ه/1878م) فاض النيل على أماكن ~~بولاق، وكاد يغرق الآثار؛ فعني مريت بحفظها في صناديق، وبقي محافظا عليها حتى ~~أعيد افتتاح الدار بعد هبوط النيل. # مريت باشا. # وبقي مريت مثابرا على تنظيم دار العاديات المصرية وإصلاحها حتى مات في (صفر ~~سنة 1298ه/يناير 1881م)، وهي تضارع أعظم دور العاديات الأوروبية. # وفي عام (1308ه/1891م) نقلت دار الآثار إلى الجيزة، فبقيت بها إلى عام ~~(1320ه/1902م)؛ إذ نقلت إلى مكانها الحالي قرب قصر النيل. # ودفن مريت باشا بناووس في دار الآثار المصرية، لا يزال إلى الآن بها يستقبل ~~القادم عليها. ~~(5) منع تجارة الرقيق # بعد أن بذل إسماعيل باشا جهده في تأمين الأمة على نفسها ومالها، وساوى بين ~~أفرادها أمام القانون، وبذل جل طاقته في رفع شأن الأهالي بالتعليم، رأى أن من ~~الكرامة والرحمة أن لا يتغاضى عن تجارة الرقيق في داخل بلاده؛ فلم يكتف بمنعها على ~~الورق كما فعل من قبله محمد علي باشا وسعيد باشا، بل عزم عزما أكيدا على اقتلاع ~~أصول هذه المهنة والقضاء عليها ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ولما كانت هذه المهنة ~~عادة متأصلة في كل البلاد، وكان الدين الإسلامي، بل كل الشرائع السماوية لا تمنع بيع ~~الرقيق بشروط خاصة، صادف إسماعيل باشا صعوبات جمة في سبيل تحقيق أمنيته وتنفيذ ~~عزمه. # وكان أول من لفت نظر الأمم المتمدينة إلى الفظائع التي ترتكب في أواسط أفريقيا من ~~جراء هذه المهنة كبار المستكشفين من الإنجليز، نخص بالذكر منهم «لفنجستون» و«بيكر» ~~و«استانلي»؛ إذ كانوا يروون عن ذلك الحكايات ms197 التي تفتت الأكباد وتدمي القلوب، لما ~~كان يقاسيه أهل تلك البلاد من الذل والهوان وأنواع العذاب. ومهما بالغ الإنسان في ~~وصف هذه الفظائع، فإنه لا يمكنه أن يفهم حالة العبيد والاتجار فيها إلا إذا قرأ ~~كتاب «الإسماعيلية» أو كتاب «ألبرت نيانزا» اللذين وضعهما «السير صمويل بيكر» في ~~هذا الصدد. ويكفي أن نقول هنا إن جلابي العبيد خربوا بلاد السودان، بصيدهم ما لا ~~يقل عن خمسين ألف زنجي كل عام تحت ستر الاتجار في العاج. # وأول من فكر في القضاء على هذه الحرفة المشئومة بالفعل ولي عهد إنجلترا في ذلك ~~الوقت؛ إذ عرض على الخديوي أن ينوط بالسير صموئيل بيكر محو الاتجار بالرقيق على ~~النيل الأبيض وتوطيد النظام في السودان؛ فرحب الخديوي بهذا الإصلاح، وعزم على أن ~~يضرب بسهم صائب في أحشاء هذه السلعة بالرغم من معارضة رعيته وعدم ميلهم ~~لذلك. # ولا شك أن تحريم الاتجار في الرقيق صادف قبولا حسنا في نظر دول أوروبا العظام، ~~إلا أنه أثقل عاتق الحكومة المصرية بما كلفها من النفقات؛ إذ أنفق بيكر وحده في هذا ~~السبيل نحو 500000 جنيه، ولم يجد إسماعيل باشا معضدا له من بين رعيته إلا شريف ~~باشا ونوبار باشا والأنجال والأمراء. أما باقي الرعية فكانوا ينظرون إلى المشروع ~~شزرا. # وأول أعمال المسيو صمويل بيكر في هذا السبيل أن الخديوي عهد إليه سنة ~~(1286ه/1869م) بالاستكشاف عن الجهات التي قرب منابع النيل الأبيض، وضمها إلى ~~الحكومة المصرية، فخرج بحملة مصرية إلى إقليم خط الاستواء، ثم زحف بها حتى بلغ بلدة ~~«جندوكورو»، والبلاد الواقعة على بعد درجتين شمالي خط الاستواء، وأعلن رسميا ~~إلحاق المقاطعات الاستوائية بالحكومة المصرية سنة (1288ه/1871م) وكان أينما حل يؤسس ~~باسم مصر نقطا عسكرية لمنع تجارة الرقيق، أهمها نقطة «التوفيقية». وكان بالسودان ~~في ذلك الوقت عدة بيوت تجارية كبيرة لنقل البضائع من أطراف السودان إلى مصر، فجمع ~~أصحابها رجالا مسلحة من الزنوج، وشيدوا لهم معاقل حصينة ليستعينوا بها على الاتجار ~~فيما يريدون، وخصوصا تجارة الرقيق لما فيها لهم من الأرباح ms198 الطائلة. واستفحل أمرهم ~~في هذه التجارة حتى إن «بيكر» لما عاد من سياحته الأولى وصف للخديوي مبلغ نفوذهم ~~العظيم في القاصية. # فأرسل الخديوي إلى «حكمدار» السودان أن يتفق مع أصحاب تلك المعاقل على تسليمها ~~للحكومة بمقابل تعويض يدفع لهم ابتغاء منع تجارة الرقيق، فقبل بعضهم وامتنع بعضهم ~~الآخر بزعامة «الزبير». # ومن ذلك الحين صار للزبير شأن كبير في هذه الحرفة، وصار رئيس تجار الرقق، وبنى ~~لنفسه في «شكا» قصرا يضارع قصور الملوك، ونظم له جيشا مسلحا لاقتناص الرقيق، ~~وبعد مكافحة طويلة بينه وبين الحكومة ، طلب العفو من الخديوي فجعله مديرا لبحر ~~الغزال دفعا لتفاقم الشر. # أما السير «صموئيل بيكر» فإنه ذهب في رحلة ثانية إلى مديرية بحر الغزال، ووصل في ~~سفره إلى بحيرة «فكتوريا نيانزا» فرتب المقاطعات الاستوائية، وأنشأ فيها نقطا ~~عسكرية، ولما أخلص النصح في خدمة مصر لقبه الخديوي حاكما عاما على هذه ~~المقاطعات؛ فبقي عليها حتى استقال في سنة (1290ه/1873م) بعد أن ترك خلفه حكومة ~~مبنية على أساس متين وطرد صيادي الرقيق من هذه الجهات. # وقام بأعباء العمل بعده الكولونيل «غردون». وكل من يعرف ما فطر عليه هذا الرجل من ~~شدة البأس والمثابرة على العمل، يعلم أنه أتى كل ما يمكن لإنسان أن يفعله في سبيل ~~القضاء على طائفة الجلابين، إلا أنه بمجرد تركه لهذه الأصقاع النائية عادت هذه ~~المهنة إلى ما كانت عليه بل زادت في الانتشار، حتى إنه في أيام قيامه بهذه الخدمة ~~في السودان كان يجلب الرقيق إلى الحدود المصرية ويتجر فيه، وسنتكلم على غردون عند ~~الكلام على السودان. # وكان ثالث رجل قام بهذه الخدمة رئيس جمعية تحريم الاتجار في الرقيق «كمت دلا ~~سلا»، وكان لا يقل عن سابقه في النشاط والقوة، فطارده بجميع قواه في الوجه القبلي ~~إلى الجنادل الثانية - الشلال الثاني - فنجح نجاحا باهرا حتى لم تتمكن قافلة واحدة ~~من قوافل الرقيق من الوصول إلى أسيوط. # ومع ما بذل كل هؤلاء الثلاثة في سبيل منع الرقيق لم يتمكن أحد منهم إلا من تسكين ms199 ~~هذه الرذيلة مدة، وسد بعض الطرق في وجهها. وقد صرح الثلاثة أن من المستحيل محو هذه ~~المهنة دفعة واحدة. ولا شك أن الصعوبات أمامهم كانت عظيمة، ولا سيما أن شيخ الجامع ~~الأزهر في ذلك العصر أوعز إلى الخديوي أن تحريم الرقيق جملة مخالف للشرع، إلا أن ~~الخديوي رغم ذلك، ورغم عدم مساعدة الدول له مساعدة جدية، أمضى معاهدة مع بريطانيا ~~العظمى لمنع بيع الرقيق في (24 رجب سنة 1294ه/4 أغسطس سنة 1877م)، وأخرى في (المحرم ~~سنة 1295ه/يناير سنة 1878م)، وهذا منتهى ما يمكن لإنسان أن يأتي به. وفي الحقيقة ~~لم يغل «اللورد أبريدين» الإنجليزي حين قال: «إنه لا يتسنى لأي حاكم شرقي أو أوروبي ~~أن يعمل على محو الرقيق وتحسين حالة رعيته في زمن قصير كما فعل حاكم مصر الحالي.» ~~- يعني إسماعيل. ~~(6) منح السلطة للنظار وإنشاء مجلس شورى النواب # كان أول من سار بالبلاد في سبيل الحكم الدستوري محمد علي باشا؛ إذ رأى ضرورة ~~إشراك الرعية معه في تدبير شئون مصر؛ فألف من كبار رجال حكومته مجلسا يسمى «المجلس ~~المخصوص» ليعاونه في إدارة شئون البلاد، ويمكن اعتباره الأساس لمجلس الوزراء ~~الحالي. وأنشأ أيضا مجلسا للشورى - مجلس المشاورة الملكي - ألفه من العلماء ~~والأعيان. # وقد محي هذان المجلسان بعد وفاة محمد علي، وبقيا كذلك إلى أن جاء إسماعيل باشا ~~فأعاد المجلس المخصوص وناط به فحص جميع المشروعات التي يريد إدخالها، وكان يرأس ~~جلساته بنفسه في الغالب، وزاد من اختصاصه حتى صار شبيها بمجلس الوزراء الآن. غير ~~أنه بقي هو صاحب النفوذ المطلق لا يعمل نظاره إلا برأيه، فلما تدخلت الدول الأوروبية ~~في شئون مصر طلبت إليه أن يمنح أعضاء المجلس سلطة فعالة بحيث يكونون هم المسئولين ~~عن قراراته؛ فشكل وزارة مؤاخذة برياسة نوبار باشا (سنة 1295ه/أغسطس سنة 1878م)، كان ~~ضمن أعضائها اثنان من الأجانب - كما سيأتي مفصلا عند الكلام على المسائل المالية - ~~فكان ذلك أول مجلس نظار أنشئ بالديار المصرية. # وأعاد إسماعيل باشا أيضا مجلس الشورى وسماه «مجلس شورى النواب»، وافتتحه في ms200 (10 ~~رجب سنة 1283ه/19 نوفمبر سنة 1866م)، وهذه من أهم الخطوات في سبيل الحكم النيابي ~~في جميع ممالك الشرق بأسرها. وكان انتخاب هؤلاء الأعضاء بأغلبية الأصوات في جميع ~~البلاد، إلا أن عيبها الكبير هو أن المدير كانت له اليد الفعالة في انتخاب الأعضاء؛ ~~ولذلك كان معظمهم ينتخب من أغنياء المديريات من غير نظر إلى عملهم ومداركهم، وكان ~~أغلبهم يأبى أن يكون منتخبا مخافة أن يغضب المدير أو الحكومة في أمر من الأمور، ~~حتى إن الحكومة كانت تضطر في أغلب الأحيان إلى انتخاب الأعضاء بالقوة الجبرية. ~~ويقال إن إسماعيل باشا لم يكن غرضه من هذا المجلس أن يتدخل معه في أمور البلاد، ~~بل ليشاركه أعضاؤه في المؤاخذة. وكانت وظيفة هذا المجلس أن يناقش الحكومة، ويبدي لها ~~رأيه في كل التغيرات المالية وفي المشروعات العامة الجديدة وكل ما يتعلق بصالح ~~البلاد من الأمور التي تعرضها عليه الحكومة. وكان يجتمع في كل عام مدة شهرين فتعرض ~~عليه الحكومة التقرير السنوي عن إدارة البلاد أثناء العام. # وكان أعضاء هذا المجلس لا يدرون في أول الأمر شيئا من أعمال المجالس النيابية ~~ونظامها، فلما هم شريف باشا بتعليمهم واجباتهم وطريقة السير في العمل ظهر من جهلهم ~~وغرارتهم ما يضحك. ~~(7) التقدم المادي والأعمال العامة # يجدر بنا الآن بعد أن تناولنا الكلام على الإصلاحات الاجتماعية والأدبية في عصر ~~الخديوي إسماعيل باشا أن نذكر شيئا من إصلاحاته المادية التي لا تزال آثارها تدل ~~على عظمته، وعلى ما كان يطمح إليه في سبيل رقي البلاد وفلاحها. # وإن كثيرا من أعداء إسماعيل يدعون أنه لم يفد البلاد، ولم يقم فيها بعمل يذكر، ~~إلا ما شيد من القصور العديدة والمباني الضخمة، والبذل عن سعة في ملاذه وأغراضه حتى ~~استنفد أموال البلاد وتركها تنوء تحت عبء ثقيل من الديون. ولكننا سنظهر هنا ~~بالبراهين القاطعة، مستشهدين بكلام مشاهير عصره، أن أكثر أقوالهم غير مطابق للواقع، ~~وأن إسماعيل باشا أفاد البلاد ورقاها، وأن ما قام به وتم في عصره من الإصلاحات ~~والمشروعات العامة لا يضارع، ms201 ولا يتسنى لأي حاكم آخر في موضعه أن يأتي بمثله. إلا ~~أن خطأه الوحيد يرجع إلى السرعة، وتعدد المشروعات، وعدم الحيطة في الإنفاق على ~~أعماله. # الزراعة # كان إسماعيل يعلم أن ثروة البلاد في زراعتها؛ لذلك وجه جانبا عظيما من ~~عنايته إلى تحسين حالها؛ فكان أول عمل قام به أن حفر أكثر من مائتي ترعة، ورصف ~~مسافات طويلة من شواطئ النيل، وأنشأ آلاف الأميال من الطرق الزراعية في جميع ~~أنحاء القطر، وأقام عليها ما لا يقل عن 500 قنطرة؛ من أهمها قنطرة الجزيرة ~~- كوبري قصر النيل - التي تعتبر من أعظم الأعمال الهندسية في القطر المصري . ثم ~~أصلح ما لا تقل مساحته عن 1500000 من الفدادين؛ فزاد بذلك الأراضي المزروعة في ~~القطر بنسبة 30٪. وإن لم يكن لإسماعيل باشا حسنة أو إصلاح في البلاد غير هذه ~~لكفى. # وفي أوائل حكمه اشتعلت نار الحرب الأهلية في الولايات المتحدة، فحصرت ولايات ~~الشمال تجارة الولايات الجنوبية، ومنعت صدورها إلى أسواق أوروبا، وفي ذلك القطن ~~الذي لا غنى لإنجلترا وفرنسا عنه؛ فارتفعت بذلك أسعار القطن في مصر ارتفاعا لا ~~مثيل له، فانتهز الخديوي هذه الفرصة وأكثر من زرع هذا المحصول، وشاركه في ذلك ~~الأهلون من تلقاء أنفسهم، حتى صار المال يتدفق إلى مصر تدفقا، وزادت قيمة ~~الصادرات المصرية من 4000000 جنيه في عام (1279ه/1862م) إلى 14000000 جنيه ~~في عام (1281ه/1864م). ولكن ما لبثت الحرب الأمريكية أن انتهت، وعادت أثمان القطن ~~إلى حالتها الأولى. # فوجه الخديوي عنايته إلى زرع قصب السكر؛ فكان ذلك شغله الشاغل، وأنفق عليه ~~الأموال الطائلة، وسخر الأهالي في زرعه، وأنشأ من أجله خطا حديديا من ~~القاهرة إلى أسيوط. وقد احتكر زراعته في أملاكه الخاصة على الضفة اليسرى من ~~النيل بين القاهرة وأسيوط، واشترى لصنعه من الخارج الآلات الكافية لتشييد أربعة ~~وعشرين معملا أقيم بعضها وأهمل بعضها الآخر. وقد أنفق إسماعيل على هذه المعامل ~~وما يلزمها سبعة آلاف ألف جنيه، عدا نفقات الترعة الإبراهيمية التي حفرها لري ~~هذه الأراضي، وسخر في حفرها عددا عظيما من ms202 أهالي القطر، وبعد أن أتم حفرها ~~نصب عليها الآلات الرافعة، وهذه الترعة من أكبر الترع التي أنشئت في مصر ~~وأعظمها فائدة وأكثرها نفقة. # وكان معظم العمال الذين يشتغلون في معامل السكر يجبرون على العمل، ويتقاضون ~~أجورهم إما من السكر أو العسل. # التجارة # ووجه إسماعيل همه أيضا نحو تحسين حال التجارة، لعلمه أن مصر كانت من قديم ~~الزمان مركزا عظيما للتجارة؛ فبنى خمس عشرة منارة في البحر الأبيض المتوسط ~~والبحر الأحمر، لترشد السفن التجارية القادمة إلى مصر، فأنفق عليها ما لا يقل ~~عن 200000 جنيه، ثم شرع في بناء مرافئ ميناء الإسكندرية وميناء السويس، فناط ~~إصلاح ميناء السويس بشركة فرنسية، وبلغت نفقاته 500000 جنيه، أما ميناء ~~الإسكندرية فإنه عهد أمر إصلاحه إلى شركة إنجليزية عقدت معه اتفاقا على ألفي ~~ألف وخمسمائة ألف جنيه، وقد اعترف «السير رفرز ولسن» - أحد الموظفين في الحكومة ~~المصرية في عهد إسماعيل - أن هذا الاتفاق كان مجحفا بمصر، وأن الميناء لم ينفق ~~عليه أكثر من خمسمائة ألف وألف ألف. فخدع إسماعيل في هذا العقد كما خدع قبله ~~سعيد باشا في عقد قناة السويس. وهذا في الحقيقة مثل من كثير من أنواع الاتفاقات ~~التي كان يخدع فيها إسماعيل، ويضيع من جرائها الأموا ل الطائلة. # وبنى أيضا أسطولا تجاريا ليحمل المتاجر والبريد بين مصر والدولة العلية ~~وبلاد اليونان وغيرها، وأنفق عليه خمسمائة ألف وألف ألف من الجنيهات. # الأعمال العامة # قام إسماعيل باشا بعدة مشروعات وأعمال عامة تمت في عصره فأفادت البلاد، ~~وجعلتها تضارع البلاد الأوروبية في المدنية والحضارة. # ومن بين هذه المشروعات مد السكك الحديدية في جميع أنحاء البلاد، وقد أنفق ~~عليها الأموال الطائلة. وكان طول ما أنشئ من السكك الحديدية قبل توليته لا يزيد ~~عن 330 ميلا، فازدادت في مدته حتى بلغت 1330 ميلا، أنفق عليها ما يقرب من ~~عشرة آلاف ألف من الجنيهات. # وقد شرع في مدته أيضا في مد خط حديدي يخترق أواسط أفريقيا مبتدئا من دنقلة، ~~فكان تصميمه أن يبلغ 1100 ميل، إلا أن العمل ms203 أوقف لقلة المال بعد أن دفع من ~~نفقاته 400000 جنيه. على أن هذا الخط لو تم لأتى بنفقاته في مدة سنين قلائل، ~~لمروره في وسط سهول فيها الأنواع الكثيرة من الحيوان؛ مما يكفي لسد حاجات مصر، ~~بل كل جنوبي أوروبا. كما أثبت ذلك القائد «إستون» رئيس أركان حرب الجيش المصري ~~حينما كان يستكشف عن أواسط أفريقيا؛ إذ قال: «إن محصول الحيوان في هذه الجهة لا ~~ينفد.» # وأنشأ إسماعيل باشا أيضا ما لا يقل عن 5200 ميل من خطوط الأسلاك البرقية، ~~واشترى مصلحة البريد من أحد الغربيين المدعو المسيو «شيني» في عام (1282ه/1865م)؛ ~~وبذلك أصبحت تحت إدارة الحكومة ونفوذها. وأسس ما يزيد على 210 من ~~مكاتب البريد في طول البلاد وعرضها؛ فكان مقدار ما وزع من الخطابات في عام ~~(1295ه/1878م) يبلغ 2500000. # وأنار أيضا أمهات المدن - كالإسكندرية والقاهرة - بالغاز ومد بها أنابيب ~~المياه، وأنشأ الشوارع الفسيحة بالقاهرة والإسكندرية والسويس، وزينها على النمط الغربي ~~الحديث، وقد بلغ ما أنفقه عليها ما يقرب من ثلاثة آلاف ألف من الجنيهات. # وإن أكبر دليل قاطع على تقدم البلاد المادي ازدياد صادراتها ووارداتها في ذلك ~~العصر ازديادا مطردا. ~~(8) حروب إسماعيل باشا والفتوح التي تمت في عصره # 5 # لم يكن إسماعيل باشا ميالا للحروب كجده الأكبر محمد علي، إلا أنه رغم ذلك كان ~~يعنى بجيشه عناية كبيرة؛ إذ أحضر له كبار الضباط من الممالك الأوروبية وأمريكا ~~لتدريبه، نخص بالذكر منهم «إستون باشا» الأمريكي رئيس أركان حربه. # وقد بلغ أقصى عدد الجيش النظامي في عصره ستين ألف مقاتل مسلحة بنحو 144 مدفعا، ~~عدا ثلاثين ألف مستحفظ، وستين ألف جندي غير نظامي. # وكان من أهم أغراض إسماعيل باشا توسيع نطاق ملكه في أفريقيا، وضم كل ما يمكن ~~اكتشافه أو فتحه من أراضيها إلى مصر، فمن ذلك أنه عهد إلى السير صمويل بيكر ~~بالاستكشاف عن الجهات التي قرب منابع النيل الأبيض وضمها إلى الحكومة المصرية ~~(1286ه/1870م) كما سبق ذكره عند الكلام على منع الرقيق. # وفي عام (1287ه/1870م) ولى «منزنجر» السويسري محافظا ms204 على «مصوع»، وكان الخديوي ~~قد اشتراها هي وسواكن من الباب العالي في عام (1283ه/1866م) في مقابل ضريبة سنوية ~~قدرها 30000 جنيه، وقد اهتم «منزنجر» هذا بتوسيع أملاك مصر في السودان الشرقي؛ فألحق ~~بها «بلاد البوغوس» و«بركة القضارف». # أما في وادي النيل، فقد طلب الخديوي من الحكومة الإنجليزية بإرشاد ولي عهد إنجلترا ~~أن تمنحه تنصيب القائد «غردون» مديرا لمقاطعة خط الاستواء، فوصل إلى مصر ونصبه ~~الخديوي «حكمدارا» لخط الاستواء في (ذي الحجة سنة 1290ه/يناير سنة 1874م)، ومن ذلك ~~الحين اهتم الخديوي بأمر السودان اهتماما عظيما؛ فقسم بلاده الجنوبية إلى قسمين؛ ~~أولهما: السودان الحقيقي - وآخر حدوده «فاشودة» جنوبا - وجعل إدارته لحاكم السودان ~~العام، والثاني: إقليم خط الاستواء، وهو ما كان جنوبي فاشودة، وجعله تحت إدارة غردون؛ ~~فبسط غردون نفوذ الحكومة المصرية على تلك الجهات، وأسس النقط العسكرية لضبط السفن ~~التي تتجر بالرقيق. # فتح دارفور # وفي عام (1290ه/1873م) حسن «الزبير» للخديوي أمر فتح بلاد دارفور، وكانت ~~مملكة مستقلة، فعضدته الحكومة المصرية، وتلاقى الزبير بجيش سلطان دارفور المؤلف ~~من 20 ألف مقاتل، فهزمه مرارا وانتهى الأمر بفتح هذه البلاد، وصارت تابعة ~~للحكومة المصرية؛ فعهدت الحكومة إلى الزبير إدارة الجهات الجنوبية من دارفور، ~~ومنحه الخديوي رتبة باشا. ثم شكا الزبير كثيرا من ثقل الضرائب على الأهالي، ~~وطلب أن يتشرف بمقابلة الخديوي فأذن له بذلك، فسافر إلى القاهرة وأناب عنه قبل ~~سفره إليها ابنه سليمان. ولما لم ينل الزبير مطالبه عند قدومه إلى القاهرة لم ~~تأذن له الحكومة المصرية بالرجوع إلى السودان، وأبقته في القاهرة مخافة أن يثور ~~بالسودان عند عودته. # الزبير باشا. # فتح هرر # في سنة (1292ه/1875م) تنازلت الدولة العلية للحكومة الخديوية عن مدينة «زيلع» ~~وملحقاتها في مقابل مبلغ تدفعه سنويا قدره 13365 جنيها مصريا، وبعد أن ضمت زيلع ~~إلى الأملاك المصرية أخذت الجنود المصرية تستطلع أحوال «هرر» وتتعرف مسالكها، ~~ولما تم لها ذلك سارت فرقة بقيادة «محمد رءوف باشا» في (شعبان سنة 1292ه/سبتمبر ~~1875م) فوصلت بعد قليل إلى مدينة هرر، واحتلتها بدون مقاومة تذكر، ms205 ورفعت ~~العلم المصري فوق قصر أميرها. # حملة نهر جوبا وجهات قسمايو # ولما أن تم للخديوي توسيع الأملاك السودانية من الجهة الجنوبية، عزم على إرسال ~~حملة إلى بلاد الصومال الجنوبية لضم البلاد الواقعة على نهر جوبا إلى مصر، حتى ~~يتسنى له إيصال أملاكها في تلك الأصقاع بما لها في جهات خط الاستواء؛ فجهز لذلك ~~حملة بقيادة «ماكيلوب باشا» من طريق البحر في (شهر المحرم سنة 1292ه/فبراير ~~1875م)، فلما وصلت إلى بلدة «براوة» الواقعة شرقي نهر «الجب» خضعت بعض القبائل ~~للحكومة المصرية. ثم ترك فيها ماكيلوب باشا محافظا وحامية وتقدم إلى «قسمايو» ~~عند مصب نهر جوبا. ولما لم تتمكن الجنود من السير فيه بالقوارب رجعوا إلى ~~«قسمايو» ونزلوا إلى البر، وأخذت الحملة تستكشف عن النهر. ولكن الحكومة رأت أن ~~تستدعي ماكيلوب باشا وحملته خوفا من وقوع المشاكل بينها وبين حكومة زنجبار ~~التي كانت تحت حماية إنجلترا، هذا إلى نشوب الحرب وقتئذ بين مصر ~~والحبشة. # حرب الحبشة # علمنا فيما سبق أن الحكومة المصرية ضمت إلى أملاكها في السودان الشرقي بلاد ~~البوغوس وبركة القضارف على يد «منزنجر باشا» والي مصوع، ثم أرادت أن تعين ~~الحدود بينها وبين الحبشة من تلك الناحية، وأن تستولي على بعض مقاطعات تتمكن ~~بها من مد طريق حديدي بين مصوع والخرطوم على طريق كسلة «والتاكة»؛ فجردت لذلك ~~حملة بقيادة «أرندروب بك». # فلما وصلت هذه الحملة إلى بلدة «سعد زجه» ورأى النجاشي توغل الجنود المصرية ~~في بلاده، أخذ يتقهقر أمام القوات المصرية خديعة منه. حتى إذا وصلت الجنود ~~المصرية إلى بلدة «عدخالة» أرسل القائد «أرندروب بك» إلى ملك الحبشة «يوحنا» ~~يطلب منه جعل نهر «خور الجاش» الحد الفاصل بين الأملاك المصرية والحبشة، فلم ~~يقبل. وكان «أرندروب» قد بلغه أن ملك الحبشة يستعد للهجوم عليه من ثلاث جهات، ~~فعزم على أن يبدأه بالهجوم، فتقدم نحو «جونديت» واشتبك مع العدو، وكان جيشه ~~أضعاف الجيش المصري يقوده النجاشي نفسه؛ فكانت الدائرة على الجيش المصري، وفني ~~معظمه وقتل قائده العام، وتقهقرت فلوله إلى الحدود الأصلية ms206 بين الحبشة ومصر. # وكان الخديوي في هذه المدة أمر منزنجر باشا حاكم السودان الشرقي والبحر ~~الأحمر أن يجرد حملة على بلاد الحبشة، ويذهب بها من طريق «غندار» (عام 1875م) ~~فخرج عليه بعض القبائل في الطريق، فاغتالته وفتكت بجيشه. # ولما ذاعت أخبار هذه الهزيمة غضب الخديوي وعزم على الفتك بالحبشة محافظة على ~~شرف الجيش المصري، فأخذ يجهز لذلك جيشا عظيما نصب عليه «راتب باشا» قائدا ~~عاما، والجنرال «لورنج باشا» الأمريكي رئيس أركان الحرب له. # وبعد أن تمت كل المعدات أخذت السفن تنقل الجيوش من السويس إلى مصوع، ~~وكان الخديوي قد أصدر أمرا لثالث أنجاله «الأمير حسن باشا» بمرافقة الحملة تشجيعا ~~للجنود وتدريبا له، وبعد أن نزلت كل الجنود في مصوع أخذ الجيش يزحف على بلاد ~~الحبشة، فاستمر في التوغل حتى وصل إلى «قرع » في (3 المحرم سنة 1293ه/يناير سنة ~~1876م) بعد أن ترك وراءه بعض الجنود لحفظ خط الرجعة بين مصوع والحبشة، ولما ~~عسكر الجيش في قرع وأقام الاستحكامات رأت القبائل المجاورة قوته، فأخذت تنضم ~~إليه وتذعن له بالطاعة. # أما الأحباش فإنهم لما رأوا ذلك جمعوا جيشا عظيما بقيادة النجاشي، وقصدوا ~~المصريين أولا في «قياخور»، وكانت تحميها قوة مصرية بقيادة «عثمان رفقي باشا»، ~~فلم يفلحوا في مهاجمتها لمناعة الاستحكامات المصرية، فقصدوا جيش القائد العام ~~وأخذوا في مهاجمته عند قرع، وبعد معركة لم تدم طويلا تشتت شمل الجيش المصري ~~بعد أن هزم شر هزيمة وقتل منه عدد عظيم، منهم «محمد علي باشا الحكيم» الطبيب ~~الشهير، وقد نجا القائد العام والأمير حسن بعد أن رأيا الهلاك عيانا. أما الأحباش فكانت ~~خسارتهم أيضا في هذه الحروب جسيمة. # ثم ابتدأت المفاوضات في أمر الصلح، فقبلت الحكومة المصرية المهادنة بشرط أن ~~ترد الحبشة ما أخذته من الأسلحة المصرية، وأن تكون التجارة متبادلة بين ~~المملكتين، فامتنع ملك الحبشة من رد السلاح معتذرا بأن جيشه ليس منظما حتى ~~يتسنى له جمع كل الأسلحة. وبعد مدة وجيزة تقرر الصلح وأذن ملك الحبشة بعودة ~~الأسرى (27 ربيع الأول سنة 1293ه/أبريل ms207 سنة 1876م). ثم عاد القائد العام ~~والأمير حسن وفلول الجيش المصري. # رجوع غردون إلى الحكومة المصرية # وفي عام (1294ه/1877م) دعا الخديوي «غردون باشا» للخدمة في الحكومة المصرية، ~~فاشترط عليه أن يجعله الحاكم العام على جميع الأقطار السودانية، فقبل منه ذلك. ~~ولما تولى الأمر في هذه الأصقاع الواسعة رأى عدم استطاعته الانفراد بالحكم فيها ~~وإدارة شئونها وحده؛ فقسم المديريات الاستوائية إلى قسمين: سمى الأول منهما ~~«مديرية خط الاستواء» وجعل مقرها «لادو»، وجعل الحاكم عليها أمين باشا - الدكتور ~~شنتزر. أما القسم الثاني فإنه سماه «مديرية بحر الغزال» وجعل المدير لشئونها ~~المسيو «جسي» الطلياني. # وكان للمسيو جسي اليد الطولى في كشف جميع مجاهل هذه المديرية، وقد أحسن ~~معاملة الأهالي فيها وعودهم الأعمال العسكرية، وشجعهم على إنشاء السفن للاتجار؛ ~~فكان ذلك مدعاة لحنق الجلابين لأن فيه كسادا لتجارتهم، فأرادوا أن يخرجوا ~~عليه، فتجمعوا بقيادة «سليمان بن الزبير» الشديد الحنق على الحكومة المصرية ~~لمنعها والده من العودة إلى بلاده. # فلما علم غردون بذلك وجه إليه بعض الجنود تحت إمرة «جسي»، فتقاتلا قتالا ~~شديدا كان النصر فيه حليف الجيش المصري، وقتل سليمان في هذه الموقعة. وقد وجد ~~«جسي» معه رسائل من والده «الزبير باشا» تدل على أنه كان هو المحرض على هذا ~~العصيان. # وبقي غردون يدير شئون السودان ويكافح تجارة الرقيق فيه حتى استقال في أوائل ~~حكم توفيق باشا. ~~(9) إتمام قناة السويس # سبق أن أفردنا فصلا في هذا الكتاب للكلام على ترعة السويس أوضحنا فيه مشروع ~~حفرها، وأتينا بشيء من تاريخ هذا المشروع منذ أزمان غابرة. ولا بد لنا من كلمة هنا ~~على افتتاح هذه الترعة؛ لأن ذكرها مقرون دائما باسم إسماعيل؛ إذ له العمل الأكبر ~~في نجاح مشروعها واليد القوية في إنجازه بعد أن دخل في طور احتضار وكاد يذهب أدراج ~~الرياح. # عز على إسماعيل باشا أن يقف هذا المشروع الخطير بعد أن قارب الانتهاء، فأقبل عليه ~~يعضده بكل الوسائل، حتى إذا قرب أجل افتتاح الترعة أخذ على عاتقه أن يتكفل بإقامة ~~حفلة الافتتاح على ms208 نفقاته الخاصة، غير مدخر وسعا في جعلها على حال من العظمة ~~والفخام، بحيث تلائم ذلك المشروع الخطير. # أقام إسماعيل باشا حفلة الافتتاح بالإسماعيلية، فكانت غاية في الإبداع؛ دعا إليها ~~ملوك أوروبا وأمراءها وعظماءها وعلماءها وأدباءها، فأجاب الدعوة منهم عدد عظيم، ~~وفي مقدمتهم «الإمبراطورة - زوجة إمبراطور فرنسا نابليون الثالث - ثم ~~إمبراطور النمسا «فرنسيس يوسف»، والأمير فردريك ولي عهد ألمانيا. # ثم أخذ إسماعيل باشا يعد المعدات ويقيم الزينات، غير ضان بما يحمله ذلك من المال، ~~ظانا أن في ذلك إرضاء لزواره الأوروبيين، ووسيلة إلى رفع قدره وقدر مصر في أعينهم. ~~ومن أهم ما أعده لتلك الحفلة أن شيد بالإسماعيلية قصرا بديعا على شواطئ بحيرة ~~التمساح لتقام فيه حفلة راقصة احتفاء بالإمبراطورة يوجيني، لما كان لها من المكانة ~~في هذا الاحتفال؛ إذ كانت هي النائبة فيه عن فرنسا صاحبة المشروع . وأقام السرادقات ~~الفخمة المزينة بجميع أنواع الزينة، لتمد فيها الأسمطة للزائرين أيام الاحتفال. # ولما علم أن الإمبراطورة يوجيني ربما تود أثناء إقامتها في مصر أن تزور ~~الأهرام، أمر أن ينشأ على وجه السرعة طريق يصلح لسير العجلات - العربات - من ~~القاهرة إلى قاعدة الهرم الأكبر، فجد في إنشائه نحو 10000 عامل حتى تم في أقل من ~~ستة أسابيع. ومن المباني التي شيدها سريعا بمناسبة هذا الاحتفال أيضا ملهى ~~«الأوبرا» بالقاهرة. # أما ما لاقاه الزائرون في مصر من أنواع الكرم والحفاوة فلا يكاد يدخل تحت وصف؛ إذ ~~كان قدومهم من أوروبا وعودتهم إليها على نفقة مصر، وسمح لهم بالسفر مجانا في جميع ~~خطوط السكك الحديدية، وأمرت الحكومة موظفيها أن لا يدخروا وسعا في مساعدتهم ~~وإرشادهم أثناء وجودهم بمصر، وأعدت لهم العجلات والدواب والتراجمة بدون مقابل. ~~وفي الجملة لا نكون مغالين إذا قلنا إنه كان في استطاعة كل زائر أن يقضي بمصر نحو ~~شهرين من غير أن يصرف درهما واحدا من ماله. وقد بلغ مجموع ما أنفق على هذا ~~الاحتفال نحو 1400000 جنيه. # حفلة افتتاح قناة السويس بالإسماعيلية. # وكانت الحفلة في (شعبان سنة 1286ه/نوفمبر سنة 1869م)، ms209 وبها ابتدأ طور جديد في ~~تاريخ الملاحة، فصارت السفن التي تجري بين الشرق والغرب تسير بطريق ترعة السويس ~~بعد أن كانت تعاني أعباء الرحلة الطويلة حول جنوبي أفريقيا. وقد كان لابتداء هذا ~~الطور وقع عظيم في أنحاء العالم المتمدين، ولم يأت ذكره في ناد من الأندية أو دائرة ~~من الدوائر إلا كان مقرونا باسم بطله الأكبر «إسماعيل باشا خديوي مصر». # غرق قطار السكة الحديدية عند قنطرة كفر الزيات، وكان يقل الأمير أحمد وغيره ~~من أمراء الأسرة من الإسكندرية إلى القاهرة. # كان نوبار باشا من أنجب رجال عصره: رباه قريبه بغوص باشا - من مستشاري محمد ~~علي - تربية سياسية، فكان يحسن معظم لغات أوروبا قراءة وكتابة ويلم بكل ~~الأحوال الأوروبية، مع كونه أرمينيا مسيحيا استطاع أن يخدم ثلاثة من ولاة ~~مصر مدة عشرين عاما، حائزا لكل رضاهم إلى أن غضب عليه إسماعيل باشا. ~~وكانت خاتمة إصلاحاته تأسيس المحاكم المختلطة التي نحن بصددها. # وقد قارن المستر «أدون دي ليون» في كتابه عن الخديوي عدد المتعلمين في ~~مصر من الشبان الذين في سن التعليم بنظرائهم في أوروبا في ذلك الحين فقال: ~~«إن نسبة المتعلمين في مصر تبلغ 23٪، على حين أنها تبلغ في الدولة ~~العثمانية 10٪، وفي الروسيا 3٪، وفي إيطاليا لم تتجاوز 31٪.» # وبعد فترة ألحقت هذه المدرسة بمدارس العباسية التي تمت في عهد شريف باشا ~~ناظر المعارف في ذلك الحين، حتى صار بها قسم ابتدائي يبلغ عدد تلاميذه ~~1200، وقسم تجهيزي بلغ عدد تلاميذه 700 بينهم أمراء الأسرة الخديوية، عدا ~~ثلاث مدارس أخرى، ومدرسة للهندسة ومدرسة للمعلمين، وكان يجمع الجميع بناء ~~واحد ضخم. # انظر # خريطة السودان # المصري. # الفصل الرابع # المسألة المالية وانتهاء حكم إسماعيل باشا # لو نظرنا إلى مقدار ما قام به «إسماعيل باشا» من المشروعات والأعمال العامة في أنحاء ~~البلاد، وراعينا ما كان في قصوره وحفلاته من أنواع البذخ والأبهة مما ضارع به أكبر ملوك ~~الأرض، علمنا أن ذلك كان يتطلب نفقات جمة تضيق خزائن مصر عن تحملها. فكان رحمه الله ~~يستعين على ذلك بإنجاز بعض ms210 أعماله من غير أن يدفع أجرها نقدا، فيبقي عليه دينا - وهو ما ~~يسمى بالدين السائر - ويقترض ديونا من الدول الأوروبية لتسديد نفقات بعضها الآخر - وهذه ~~تسمى ديونا ثابتة. وكانت الديون الثابتة لا تعطى إلا إذا قدم لأصحابها ما يضمن ~~سدادها، مثل دخل بعض مصالح الحكومة والأموال المجبية من بعض المديريات. فإذا تعذر عليه ~~الحصول على ما يبغي من الدول الأوروبية لجأ إلى جمع ما يطلبه من المال من أهل البلاد، ~~سواء أكان ذلك بزيادة الضرائب أم باقتراض ديون أهلية. # ومن أشهر ما جمعه بهذه الطريقة الأخيرة المبالغ التي جباها بمقتضى القانون المعروف ~~بقانون «المقابلة». أعد هذا القانون بمشورة ناظر المالية الشهير «إسماعيل باشا صديق ~~المفتش»، الذي يعرف اسمه كل فلاح عاش في هذا العهد، والذي كانت له المقدرة العظيمة في ~~جباية الضرائب من الفلاحين. ومؤداه أن كل مالك من ملاك الأرض يمكنه أن يصبح معفى على ~~الدوام من دفع نصف ما عليه من الضريبة السنوية إذا دفع للحكومة ما يعادل تلك الضريبة ~~ستة أعوام، وله أن يدفع هذا المبلغ جملة أو على ستة أقساط سنوية - وفي هذه الحالة تدفع ~~أيضا الضريبة الأصلية حتى يتم تسديد الأقساط. # 1 # ولما كثرت الديون الأوروبية على مصر، وأوشكت موارد الضمان التي يمكن تقديمها عنها أن ~~تنفد، أصبح من الصعب اقتراض ديون جديدة، وما أمكن اقتراضه منها كان بأرباح باهظة جدا ~~لم يسبق لها مثيل. من ذلك أن إسماعيل باشا استقرض في (جمادى الآخرة سنة 1290ه/يونيو سنة ~~1873م) دينا قدره 32000000 جنيه ليسدد به جميع الديون السائرة، فلم يتمكن من عقد ~~القرض إلا في شهر مايو سنة 1874م؛ فكان مجموع ما قبضته الحكومة بالفعل من هذا الدين بعد ~~طرح جميع أنواع النفقات والخصم و«السمسرة» يبلغ 20062000 جنيه فقط؛ أي بنقص 37٪ عن مقدار ~~ما حسب دينا على الحكومة، فضلا عن أن المبلغ الذي قبضته الحكومة لم يدفع كله نقدا، بل ~~كان منه 9000000 جنيه من سندات الخزانة المصرية. # 2 # وتعهد إسماعيل باشا في عقد هذا القرض ms211 أن لا يقترض ديونا أخرى مدة سنتين، ثم اشتدت ~~حاجته إلى المال، فلجأ إلى جمع قرض من الأهلين يعرف بدين «الرزنامة». وشروطه أن كل من ~~يدفع للحكومة مبلغا يأخذ نظيره دفعا سنوية على الدوام قدر كل منها 9٪ من أصل ما دفعه. ~~فجمعت الحكومة بهذه الطريقة 3420000 جنيه، ولكنها لم تدفع من الدفع السنوية المذكورة ~~إلا جزءا من دفعة السنة الأولى فقط. # وفي سنة (1292ه/1875م) ازدادت أزمة الخديوي المالية، وصار يصدر سندات على خزائن ~~الحكومة بقيمة تقل كثيرا عن قيمتها الاسمية. ولما اشتدت الأزمة على الحكومة عرضت ما ~~لها من أسهم القناة للبيع - وكان عددها 176602 - فاشترتها الحكومة الإنجليزية بثمن بخس ~~يقل عن 4000000 جنيه، فلم يفرج ذلك شيئا يذكر من الأزمة، وصار يخشى كل يوم من تدخل ~~الدول الأوروبية في شئون مصر محافظة على الأموال التي أقرضتها رعاياها الحكومة المصرية. # وفي (رمضان سنة 1292ه/أكتوبر سنة 1875م) حدث ما يمكن اعتباره مبدأ التدخل الأوروبي في ~~الشئون المصرية؛ ذلك أن «الخديوي إسماعيل باشا» طلب إلى الحكومة الإنجليزية أن تبعث إلى ~~مصر موظفا إنجليزيا ذا إلمام بالشئون المالية ليساعده على إصلاح مالية مصر، فاختارت ~~إنجلترا لذلك «المستر كيف»، فحضر وفحص الأمور مستعينا في عمله بما أمكنه الوقوف عليه ~~من المعلومات، ثم قدم تقريرا بما يلزم عمله لتسوية الديون المصرية، ولكن الخديوي لم ~~يعمل باقتراحه؛ فلم يكن لبعثه إلى مصر أثر يذكر. # 3 # وفي (11 ربيع الأول سنة 1293ه/18 أبريل سنة 1876م) توقف الخديوي عن صرف قيمة ~~سندات الخزانة المصرية؛ فكان ذلك اليوم المبدأ الحقيقي للمشكلة المالية المصرية ولتدخل أوروبا ~~في شئون مصر. # عند ذلك تذعرت دول أوروبا، فاهتم الخديوي بتأمينها على أموال رعاياها، وسعى إلى ذلك ~~بكل الوسائل، إلى أن أصدر أمرا في يوم (8 ربيع الآخر سنة 1293ه/2 مايو سنة 1876م) ~~بإنشاء لجنة يقال لها «صندوق الدين» تشكل من مندوبي الدول، ويعهد إليها إدارة شئون ~~الدين المصري وتدبير ما يجب لانتظام تسديده، ثم أصدر أمرا آخر في 7 مايو بتوحيد جميع ~~الديون ms212 المصرية من سائرة وغير سائرة وجعلها دينا واحدا قدره 91000000 جنيه وربحه 7٪ ~~وينتهي تسديده في 65 سنة. ولم تقبل الحكومة الإنجليزية إرسال مندوب يمثلها في صندوق ~~الدين أسوة بباقي الدول، ولكن أضيف إلى لجنة الصندوق فيما بعد عضو إنجليزي بدون ~~مؤاخذة إنجلترا وهو «السير إفلن بيرنج» الذي منح فيما بعد لقب «لورد» وصار يعرف ~~ب «اللورد كرومر». وسنعود إلى ذكره في هذا الكتاب. # على أن توحيد الديون المصرية على هذا الوجه لم يرض إنجلترا؛ لأن معظم الدائنين ~~الإنجليز كانوا حملة سندات مضمونة بموارد ثابتة، وغير الإنجليز كان معظم أموالهم ديونا ~~سائرة، فلم ير الإنجليز من الإنصاف أن يعامل الفريقان بطريقة واحدة؛ لذلك أرسلت كل من ~~إنجلترا وفرنسا مندوبا للنظر في تعديل هذا الاتفاق، فاختارت إنجتلرة «المستر غوشن» ~~- للورد غوشن فيما بعد - واختارت فرنسا «المسيو جوبر»، ففحصا الحالة المالية وقدما ~~اقتراحا بما يلزم، وأصدر الخديوي به أمرا عاليا في (غرة ذي القعدة سنة 1294ه/18 نوفمبر ~~سنة 1876م) حذف به من الدين الموحد ما يأتي: ~~(أ ) # 4293000 جنيه قيمة الديون التي اقترضت في سنة 1864 و1865 و1867م؛ ~~أي قبل اشتداد الأزمنة المالية، واعتبر ذلك الدين نوعا قائما بذاته، ويسدد من أقساط ~~المقابلة. ~~(ب) # 17000000 جنيه قيمة سندات جديدة أطلق عليها اسم «الدين الممتاز» ~~وجعل سعرها 5٪، وجعل الضامن لسدادها دخل السكك الحديدية وميناء الإسكندرية # 4 # ترغيبا في شرائها ليصرف ثمنها في تسديد الديون ~~السائرة. ~~(ج) # 8815000 جنيه قيمة دين الدائرة السنية، واعتبر هذا الدين قائما ~~بذاته ويسدد من دخل تلك الدائرة. # وبذلك نقص الدين الموحد إلى 59000000 جنيه، وجعل سعره 6٪، واتفق على أن يسدد 1٪ من أصله ~~سنويا. # واقترح اللورد غوشن على الخديوي عدة إصلاحات لتوطيد مركز الحالة المالية، وتسهيل ~~السير بانتظام في دفع أرباح الدين وأقساطه. # فشرع الخديوي في إنفاذ هذه الاقتراحات، وأدخل بحكومته عدة موظفين أوروبيين من أصحاب ~~الكفاءة الكبيرة للقيام بذلك الإصلاح. # من ذلك أنه وافق على تعيين مراقبين عموميين لحساب الحكومة: أحدهما إنجليزي لمراقبة ~~الدخل وهو «السير رفرز ولسن»، والثاني ms213 فرنسي لمراقبة المصروفات وهو «المسيو بلنيير». # على أن الخديوي لم يلبث أن رأى ذلك ينقص من نفوذه، فلم يطلق للمراقبين كل الحرية في ~~العمل؛ فلم يكن لذلك الإصلاح الأثر المطلوب، ولم توفق الحكومة إلى أن تجمع قبل الميعاد ~~المحدود لدفع أرباح الدين ما يكفي من المال لتسديدها، فاتبعت كل طريقة في جمع الضرائب ~~قبل ميعادها حتى تيسر جمع المال المطلوب فسلم لصندوق الدين في آخر لحظة؛ أي قبل الميعاد ~~المحدود ببضع ساعات. # دلت هذه الحالة السيئة على أن شئون الحكم لم تزل في حاجة إلى الإصلاح، وأحست لجنة ~~صندوق الدين أن اتفاق سنة 1876م بشأن تسديد الدين ربما كانت شروطه شديدة، فطلبوا إلى ~~الخديوي أن يأمر بتشكيل لجنة تحقيق تفحص الشئون المالية فحصا شاملا حتى تقف على ~~أسباب ذلك العجز في مورد الحكومة؛ فلم يرض الخديوي في أول الأمر بمنح اللجنة كل هذه ~~الحقوق الكبيرة، ورأى أن تكتفي اللجنة المراد إنشاؤها بإعادة النظر في المقدار الحقيقي ~~للدخل. ولكن الدول تمسكت بطلب لجنة صندوق الدين، وفي (غرة ربيع الآخر 1295ه/4 أبريل ~~سنة 1878م) أصدر إسماعيل باشا أمرا عاليا بتشكيل لجنة للتحقيق # 5 # لها الحق المطلق في إجراء كل ما تريد من التحريات والتحقيقات، وعهدت رياسة ~~اللجنة إلى «المسيو ديلسبس»، وجعل رياض باشا والسير رفرز ولسن وكيلين لها، وجعل ~~مندوبو الدول أعضاء فيها. # فشرعت اللجنة في فحص كل شيء يختص بالمالية المصرية؛ من النظر في الأنظمة الإدارية ~~والضرائب وأنواع الديون المطالب بها وأصلها وغير ذلك. ولم يكد الأعضاء يشرعون في إنجاز ~~مهمتهم حتى اعترضهم حادث وقف العمل فترة؛ وذلك أنه لما كان قد خول لهم حق الاستفسار من ~~أي موظف في الحكومة عن أي شيء استدعوا «شريف باشا» - ناظر الحقانية وأعظم الوزراء إذ ~~ذاك - للحضور أمامهم للإجابة عن استعلاماتهم، فلم يرض «شريف باشا» بالحضور أمامهم ~~محافظا على كرامته، وقال إنه مستعد للإجابة عن أسئلة اللجنة كتابة، فأصرت اللجنة على ~~استحضاره فاضطر إلى الاستعفاء. وبعد مضي هذه الحادثة التي اعترضت السير في التحقيق ms214 عادت ~~اللجنة إلى مباحثها، وانكب أعضاؤها على العمل يوميا حتى وقفوا على مواضع الخلل في ~~المالية؛ فكشفوا بذلك عيوبا خطيرة مما لم يكن على بال، من أهمها عدم التفريق بين ~~المطلوب من الحكومة والمطلوب من الأسرة الخديوية، والإسراف في شراء لوازم الجيش وغيره ~~لمجرد الرغبة في اقتناء كل شيء جديد أو اختراع ظريف يعرضه الأوروبيون على الخديوي ~~ويبالغون له في محاسنه، وزيادة أجور الأعمال التي يقوم بها المتعهدون الأوروبيون ونحوهم ~~زيادة فاحشة عما تستحق - من ذلك أن نفقات إصلاح ميناء الإسكندرية بلغت 2500000 جنيه مع ~~أنها لم تعادل أكثر من 1500000 جنيه - واقتراض الأموال بأرباح باهظة لم يسمع بمثلها. # شريف باشا. # ولاحظت اللجنة أن الحكومة - فضلا عن إثقالها كاهل الأهلين بجميع أنواع الضرائب - قد جبت ~~منهم مبلغين بشروط لا يمكن الاستمرار على العمل بها؛ أولهما: ما أخذ منهم بمقتضى قانون ~~«المقابلة»، وثانيهما: دين «الرزنامة»، فعولت على مراعاة ذلك عند تسوية الحالة المالية. ~~ورأت أيضا أن الدائنين لم ينحصروا في أصحاب المصارف والمقاولين، بل منهم طائفة كبيرة من ~~أصحاب المهنات الحقيرة؛ كالحمارين والجمالين والحلاقين، وأن كثيرا منهم لم تكن ~~بأيديهم من الحجج القوية ما يكفي لتبرير دفع مطالبهم. # وقفت اللجنة على كل ذلك، وقررت الحيطة العامة التي يجب اتخاذها لتلافي هذا المرض، ~~ولكنها رأت قبل التعرض للتفصيلات الواجب اتباعها في حل المشكلة المالية أن تطلب إلى ~~الخديوي إصلاحات لا يتسنى بدونها السير بمقتضى اقتراحاتها؛ فطلبت من سموه أمرين؛ الأول: ~~أن يتنازل عن جميع أملاكه للحكومة، ويجعل له نظير ذلك راتب سنوي يفي بحاجاته إذا راعى ~~جانب الاعتدال. والثاني أن لا يستقل بإدارة شئون البلاد، بأن يشرك معه وزراء مؤاخذين ~~على أعمالهم، حتى لا يتم عمل إلا بعد مراعاة مصلحة البلاد. # وأرسلت اللجنة إلى سموه تقريرا بذلك في (أوائل شعبان سنة 1295ه/أغسطس سنة 1878م)، ~~وبعد أن نظر في مطالبهم عول على إجابتها، وأمر بتشكيل وزارة مستقلة برياسة نوبار باشا ~~بتاريخ (29 شعبان سنة 1295ه/23 أغسطس 1878) وأدخل في عدادها السير رفرز ولسن والمسيو ms215 دي ~~بلنيير؛ فصار للأوروبيين وزيران في الحكومة بعد أن كان لهم مراقبان محدودا النفوذ، وفي ~~(19 شوال/أكتوبر) أصدر أمرا عاليا بالتنازل عن معظم أملاك الأسرة الخديوية للحكومة، ~~وجعلت هذه الأملاك «الدومين» ضمانة لدين جديد قدره 8500000 جنيه للاستعانة به في عدة ~~شئون، منها تسديد الديون الثابتة - ذات السندات - وهذا الدين هو الذي عرف بدين ~~«روتشيلد» # 6 # نسبة إلى أصحاب البيت الذين أقرضوه الحكومة، وقد تم تسديده في ~~سنة (1331ه/1913م) فألغيت إذ ذاك مصلحة الدومين التي كانت تدير الأملاك الضامنة ~~لهذا الدين، ودخلت هذه الأملاك من ذلك الحين ضمن الأملاك الأميرية العادية. # واستمرت اللجنة في فحص الشئون المالية وإدخال الإصلاحات الجديدة تمهيدا لتسوية ~~الدين بطريقة نهائية. وكانت بالطبع تتبع فيما يختص بدفع أرباح الدين وأقساطه النظام ~~الذي سن بموافقة صندوق الدين في سنة 1876م - نتيجة بعث غوشن - ريثما تفرغ من وضع ~~نظامها الجديد. ولا يخفى أن ذلك النظام لم يكن بحيث تقوى موارد البلاد على القيام بشروطه؛ ~~فعانى الوزراء مصاعب جمة في جمع الأموال اللازمة، ولم يعاونهم الخديوي بنفوذه الأدبي، ~~فظن الأوروبيون أنه يعرقل مساعي الإصلاح الذي يريدونه لما فيه من سلبه بعض نفوذه، ~~وساعدهم على هذا الاعتقاد أن ثار الجند لعدم قيام الوزارة الجديدة بدفع ما تأخر لهم من ~~الرواتب، فتجمهروا أمام وزارة المالية وقبضوا على «نوبار باشا» و«السير رفرز ولسن» ~~وأهانوهما، ولم ينصرفوا إلا بعد أن حضر الخديوي، وأمرهم بالانصراف فانصرفوا سريعا؛ ~~فكان ذلك سببا في الظن بأنهم ثاروا بإيعاز منه. # وعند ذلك أعلن الخديوي أعضاء اللجنة أنه لا يعد نفسه مؤاخذا عما يحدث من الخلل أو ~~الاضطراب بالبلاد ما لم يكن له نصيب فعال في حكمها. وبعد أن تداول معهم في هذا الشأن ~~أقيل «نوبار باشا» من رياسة الوزارة، فخافت الدول أن يعود الخديوي إلى الاستبداد ~~بالسلطة ففاوضوه في الأمر، ثم أقر الخديوي على أن يعهد برياسة الوزارة الجديدة لولي ~~العهد ابنه «الأمير توفيق»، بشرط أن لا يتدخل هو في قرارات مجلس النظار، وأن يكون ~~للناظرين الأوروبيين جميع ms216 الحقوق المخولة لباقي النظار. # فشرعت الوزارة الجديدة في العمل بالاتفاق مع أعضاء صندوق الدين ولجنة التحقيق حسب ~~العادة، وكانت أرباح بعض الدين تستحق الدفع في (8 ربيع الآخر سنة 1296ه/أول أبريل سنة ~~1879م)، فلم يتوافر لدى صندوق الدين المبلغ اللازم لدفعها في حينها، فقرر أعضاؤه ~~بالاتفاق مع لجنة التحقيق والوزارة تأجيل الدفع إلى أول مايو، فأظهر الخديوي استياءه من ~~ذلك، وقال إنه عار على مصر، وعده دليلا على أن كل هذا التدخل الأوروبي لم يأت بالنتيجة ~~المطلوبة. وكان تقرير لجنة التحقيق قد قارب الانتهاء وعرف جل ما فيه، وعلم الخديوي أن ~~التقرير سيعلن رسميا إفلاس الحكومة المصرية؛ فانتهز فرصة حدوث كل ذلك، وعمل على ~~استرجاع نفوذه وخلع الوزارة التي بها عضوان من الفرنج وكل أعمالهما بإشارتهما. # وقام هو بإعداد مشروع لتسوية الأمور المالية مخالف لمشروع اللجنة ولا يقتضي إعلان ~~الإفلاس، وكان قد استمال الأعيان والعلماء فقدموا إليه معروضا أظهروا فيه بالنيابة عن ~~الأمة استياءهم من الحالة الحاضرة، ومن عزم الفرنج على إعلان إفلاس الحكومة، وطلبوا ~~إليه تشكيل وزارة مصرية محضة تكون مؤاخذة أمام مجلس الأعيان، فعزل الخديوي الوزارة وشكل ~~غيرها برياسة «شريف باشا» اختار جميع أعضائها من المصريين، وعول أيضا على رفض المشروع ~~الذي ستقدمه لجنة التحقيق لحل المسائل المالية، وعزم على العمل بموجب المشروع الذي حضره ~~هو بمعونة أتباعه. # فأثارت كل هذه الأمور غضب الدول الأوروبية، وعلموا أنه لا يمكن إنجاز أي عمل لتسوية ~~المالية المصرية وتثبيت حقوق رعاياها ما دام إسماعيل باشا خديويا على مصر؛ إذ ظهر أنه ~~يأبى إلا أن يكون هو صاحب السلطة في البلاد، وأن يتصرف في شئونها ومالها كيف شاء، وبعد ~~أن تفاوضت فيما بينها قررت عزله من خديوية مصر، فعرضت عليه أن يستقيل، فلم يقبل وأحال ~~الأمر على السلطان، فما زالت الدول تستعمل النفوذ والتهديد لدى الباب العالي حتى ~~استصدروا منه أمرا بعزل إسماعيل باشا، فجاء منه إلى مصر نبأ برقي بذلك في (6 رجب سنة ~~1296ه/26 يونيو سنة 1879م)، فلم يبد إسماعيل ms217 باشا مقاومة أخرى، وعهد بأمر البلاد إلى ~~ابنه «توفيق باشا» - وكان قد ورد إليه نبأ برقي آخر بتوليته على مصر. # وخرج إسماعيل باشا من مصر في (10 رجب/30 يونيو) وأبحر من الإسكندرية على سفينته ~~«المحروسة» إلى إيطاليا. # كل من له إلمام بالرياضة يعلم أن هذه الطريقة فيها غبن فاحش للحكومة. # معنى ذلك أن الحكومة نظير حصولها على 11000000 جنيه نقدا زادت دينها بقدر ~~23000000 جنيه (الفرق بين 32000000 و9000000). # يقدر مجموع الديون المصرية في ذلك الحين من سائرة وغير سائرة بنحو 90000000 ~~جنيه. فلو راعينا أن مجموع دخل الحكومة المصرية زاد على نفقاتها في مجموع المدة ~~التي حكمها «إسماعيل باشا» بمبلغ 40000000 جنيه، وأن نصيب مصر من أسهم القناة ~~بيع بمبلغ 4000000 جنيه، كان مجموع ما صرفه إسماعيل باشا وسعيد باشا في غير شئون ~~الإدارة العادية يساوي 134000000 جنيه. من ذلك 16000000 جنيه أنفقت على قناة السويس ~~و40000000 جنيه على السكك الحديدية وإصلاح الأراضي وغير ذلك من الأشغال العامة، ونحو ~~52000000 جنيه في تسوية الديون واستبدالها ودفع أرباحها وأقساطها؛ فيكون الباقي ~~حينئذ نحو 25000000 لا تعرف الأوجه التي صرف فيها. # وجعلت هاتان المصلحتان تحت مراقبة لجنة من مندوبي الدول. # كانت تسمى ديوان التحقيق. # بيت روتشيلد من أكبر البيوت المالية بإنجلترا. # الفصل الخامس # أوائل حكم توفيق باشا ~~(1296-1298ه/1879-1881م) # تولى توفيق باشا أريكة مصر (19 شعبان سنة 1296ه/8 أغسطس 1879م) والمصاعب تحيط ~~بالبلاد من كل جانب؛ فالخزانة خالية، والجيش معتل النظام، والأهلون ساخطون - الفقراء ~~منهم لما نالهم من الجور، والأغنياء مخافة أن يفقدوا ما نالوه من المزايا في عهد ~~إسماعيل - والأوروبيون ناقمون لأن أموالهم لم تدفع إليهم، ولأن الاضطرابات السائدة جعلت ~~التجارة في كساد فقلت بذلك أرباحهم. ولم يكن لتوفيق باشا - رحمه الله - من الدهاء والعزم ما ~~يجعله خير مكافح لكل هذه الخطوب، إلا أنه كان محبا للبلاد شديد الميل إلى ما فيه ~~راحتها، فلم يدخر وسعا في العمل على إسعادها، وإنقاذها مما حل بها من العناء بإدخال كل ~~ما يمكنه من ms218 الإصلاح. # توفيق باشا. # وقبل أن يسير هذا الإصلاح في مجراه اقتضت الأحوال الفصل في أربعة أمور هامة؛ أولها: ~~تحديد مقدار نفوذ الخديوي في حكم البلاد، والثاني: تقرير العلاقة بين الخديوي والدولة ~~العلية، والثالث: تعيين نوع الإشراف الذي يكون للأوروبيين على شئون مصر، والرابع: الفصل في ~~المسائل المالية بطريقة تكفل الاتفاق بين الحكومة المصرية ودائنيها الأوروبيين. # ففي المسألة الأولى عول الخديوي على إشراك وزرائه معه في حكم البلاد وعدم الاستئثار ~~بالسلطة؛ فعهد إلى «شريف باشا» بتشكيل وزارة، فقدم إليه هذا مشروعا يقتضي جعل الحكومة ~~نيابية محضة، فلم يوافق عليه الخديوي لاعتقاده أن البلاد لا تستطيع أن تخطو دفعة واحدة ~~من حكومة استبدادية مطلقة إلى حكومة نيابية محضة؛ فاضطر شريف باشا إلى الاستقالة (29 ~~شعبان سنة 1296ه/18 أغسطس سنة 1879م)، فعزم الخديوي على ترؤس مجلس الوزراء بنفسه، إلا ~~أن هذه الطريقة لم تدم طويلا، وفي (4 شوال/22 سبتمبر) استدعى «رياض باشا» وكلفه لتشكيل ~~وزارة، وحفظ الخديوي لنفسه الحق في ترؤس مجلس الوزراء متى رأى حاجة إلى ذلك، إلا أنه ~~جعل للوزراء نفوذا حقيقيا في إدارة شئون البلاد؛ فحلت بذلك المسألة حلا مرضيا، ~~وشرعت وزارة رياض باشا في مباشرة أعمالها على أساس ثابت. # أما مسألة علاقة مصر بالدولة فكان الباب العالي يريد، بمناسبة عزل إسماعيل باشا أن ~~يزيد من سيادة الدولة على مصر ، ويلغي الامتيازات التي منحها لإسماعيل. وكان عند إصدار ~~الأمر بعزله أصدر معه أمرا سلطانيا بإلغاء تقليد سنة (1290ه/1873م). # رياض باشا. # ولما كانت تولية الخديوي الجديد تقتضي إصدار تقليد آخر، عول الباب العالي على أن يكون ~~هذا سالبا للامتيازات الأولى، فعارضت دولتا فرنسا وإنجلترا في الأمر، وطلبتا الاطلاع على صورة ~~التقليد قبل إصداره. # وقد علمنا - فيما سبق - أن تقليد سنة 1873م يتضمن الميزات الأربع الآتية: (1) جعل الوراثة ~~لأكبر أولاد الخديوي بدلا من جعلها لأكبر فرد في الأسرة (2) منح مصر الحق في عقد ~~معاهدات تجارية مع الدول (3) تخويل الخديوي حق اقتراض المال من الدول الأجنبية (4) ~~تخويل حق زيادة الجيش إلى أي عدد ms219 أراد. # فعارضت فرنسا في إلغاء هذه الامتيازات كل المعارضة؛ لأنها كانت تعمل في ذلك الحين على ~~تقويض أملاك الدولة ونزعها من يدها، فلا ترضى بأن يرجع إليها في مصر نفوذ كان قد ضاع ~~منها. أما إنجلترا فلم يكن من سياستها إذ ذاك العمل على إضعاف الدولة؛ فلم تعارض فيما ~~يريده الباب العالي إلا في مسألة الوراثة، فإنها رأت بقاءها في أكبر أولاد الخديوي أضمن ~~للسكينة في مصر. ولكن فرنسا تمسكت كل التمسك بأمر آخر وهو عدم إلغاء الامتياز الخاص ~~بعقد المعاهدات التجارية، وبعد أخذ ورد أذعن الباب العالي لهذين الطلبين واكتفى في ~~التقليد الجديد بتعديل ما جاء في تقليد سنة 1873م بشأن الجيش واقتراض الديون من الدول ~~الأجنبية؛ فاشترط أن لا يزيد الخديوي الجيش على 18000 في وقت السلم - وفي وقت الحرب يكون ~~الأمر للدولة - وأن لا يعقد قروضا جديدة «إلا بالاتفاق مع الدائنين الحاضرين أو وكلائهم، ويكون ~~ذلك منحصرا في تسوية أحوال المالية الحاضرة.» # أما المسألة الثالثة وهي تعيين نوع إشراف الأوروبيين على شئون الحكومة، فقد تم الاتفاق ~~بين الخديوي وبين الدول الأوروبية على أن تجدد «المراقبة الثنائية» التي كانت في عهد ~~إسماعيل، بشرط أن تقتصر أعمال المراقبين على الفحص والتدقيق، وأن لا تتعداهما إلى ~~التدخل في شئون الإدارة. فعين «السير إفلين بيرنج» مراقبا من قبل إنجلترا، و«المسيو دي ~~بلنيير» مراقبا من قبل فرنسا (ذي الحجة سنة 1296ه/نوفمبر سنة 1879م)، واشترطت ~~حكومتاهما أن لا يعزل أحدهما عن منصبه إلا بعد موافقة دولته، فتسلم المراقبان أعمالهما، ~~ولم يقسما اختصاصهما بل عملا معا بالتكافل، وعولا في مهمتهما على السير مع رجال ~~الحكومة المصرية بالحزم والمجاملة كي يكسبا ثقتها، فتيسر لهما إجراء ما يلزم من الإصلاح ~~في مالية البلاد وشئونها بدون مقاومة منها. وبالفعل حازا ثقة الحكومة فأذن لهما بحضور ~~جلسات مجلس النظار، وأعدا مشروعات كثيرة نافعة كان لها الأثر الأكبر في تسوية الديون ~~المصرية تسوية نهائية، وفي كثير من الإصلاح الذي تم بالبلاد عقب الاحتلال البريطاني. # وأما المسألة الأخيرة وهي الفصل ms220 بين الحكومة المصرية ودائنيها، فتقرر بشأنها تشكيل ~~لجنة شبيهة بلجنة التحقق التي سبق ذكرها يقال لها «لجنة التصفية»، الغرض منها عمل حل ~~نهائي للمشاكل التي بين الحكومة ودائنيها، بحيث لا يغبن أحد الطرفين أكثر من الآخر، ~~فشكلت اللجنة من أعضاء ممثلين للدول الأوروبية العظمى، وفيهم أعضاء لجنة صندوق ~~الدين، برياسة «السير رفرز ولسن»، واتفقت الدول على أن ترضى بما تقرره اللجنة في هذا ~~الشأن، ولم يكن المراقبان من بين أعضاء هذه اللجنة، بل بقيا في جانب الحكومة ليدفعا ~~عنها من الغبن ما عسى أن يطمع فيه أعضاء اللجنة. # وفي أثناء اشتغال اللجنة بالفحص والمناقشة في أمر تصفية الدين، انصرف المراقبان إلى ~~عمل كل إصلاح فيه التسهيل لسير أعمال الحكومة في المستقبل على أساس متين، وقاما من تلقاء ~~نفسهما بتحضير مشروع لتصفية الديون رجاء أن تتبعه اللجنة إن لم توفق هي إلى عمل مشروع ~~من عندها - لوقوع الخلاف يومئذ بين أعضائها. وأهم ما جاء في هذا المشروع أن ينقص ربح ~~الدين الموحد من 7٪ إلى 4٪، وأن يصرف النظر عن جميع الأرباح المتأخرة التي لم تدفع في ~~الماضي. ومن الإصلاحات التي قام بها المراقبان أنهما سهرا على العمل بما اقترحته لجنة ~~التحقيق من الإصلاح؛ فألغي قانون المقابلة نهائيا، وأنقص الفرق بين الأراضي العشرية ~~والخراجية بزيادة ضريبة إضافية على الأراضي العشرية قدرها 150000 جنيه، وألغى معظم ~~الضرائب الدنيئة مثل العوائد الشخصية ورسوم القبانة والصرافة ورسوم الأرضية في ~~أسواق الريف. ومن أهم هذا الإصلاح تعيين مواعيد محدودة لجمع ضريبة الأراضي بحيث تدفع ~~الأقساط في أوقات تناسب المزارعين. ولا يخفى ما كان يلاقيه هؤلاء من قبل من جراء ~~مطالبتهم بها في غير موعد وبدون إنذار. # وأما مسألة تصفية الدين فلم يقدم أعضاء اللجنة عنها تقريرا، وإنما تم الاتفاق على حل ~~للمسألة - ربما استمد أكثره من اقتراحات المراقبين - وصدر بذلك أمر عال في (8 شعبان سنة ~~1297ه/17 يوليو سنة 1880م) يعرف ب «قانون التصفية» ويلخص فيما يأتي: ~~(1) # يخفض ربح الدين الموحد إلى 4٪، ويكون الضمان لذلك الدين دخل ms221 المكوس ~~- الجمارك - بما فيها رسوم الدخان، ودخل مديريات الغربية والمنوفية والبحيرة، ~~وتدفع هذه الأموال إلى صندوق الدين مباشرة. ~~(2) # يدخل في الدين الموحد الباقي من الديون القصيرة الأجل التي اقترضت ~~في سنة 1864 و1865 و1867م بنقص 20٪ من قيمتها. ~~(3) # يستصدر قرض ممتاز جديد بمبلغ 8743800 جنيه لدفع الديون السائرة ~~التي لم تسدد بعد. ~~(4) # تدير «الدائرة السنية» إدارة تشرف عليها هيئة من مندوبي الدول، ~~ويكون ربح القرض المستصدر عليها 4٪ حتما، و5٪ إذا كفت غلة أراضي الدائرة ~~لذلك - لم تكف الغلة قط لدفع 5٪. ~~(5) # تدفع الديون السائرة جزئيا أو بالكامل، وبالنقد أو بسندات مالية من السندات ~~الممتازة، حسب أهمية المستندات التي بأيدي أصحاب هذه الديون. ~~(6) # يصرف مبلغ 150000 جنيه سنويا لمدة 50 سنة للذين دفعوا أموال ~~«المقابلة»؛ إذ إن الضرائب المفروضة على أرضهم لن تخفض كما كانوا ~~ينتظرون. ~~(7) # يقسم دخل الحكومة إلى قسمين: قسم خاص بنفقات إدارة البلاد لا يزيد ~~بحال من الأحوال على 4520000 جنيه، وقسم لسد أرباح الدين وأقساطه، وهو ~~الباقي من الدخل - البالغ في تلك السنة 8412000 جنيه. # هذه هي الأنظمة النهائية التي حلت بها مسألة المالية المصرية وأقرتها الدول. ويلاحظ أنه ~~بمقتضاها نقص مقدار الدين المصري وأرباحه عما كان عليه بمقتضى الأنظمة السابقة. # أما بيان أجزاء الدين عند صدور قانون التصفية، فيمكن تلخيصه فيما يأتي: # الدين الموحد # الدين الممتاز # دين الدائرة السنية # دين الدومين (روتشيلد) # الجملة # جملة الأرباح سنويا # بسعر 4٪ # بسعر 5٪ # بسعر 4٪ # بسعر 5٪ # 57776340 # 22587800 # 9512900 # 8499620 # 98276660 # 3972387 # وبعد الفصل في مسألة الدين تفرغت المراقبة الثنائية والوزارة المصرية لإدخال كثير من ~~الإصلاح. وكان من أهم ذلك أن شكلت لجنة علمية للنظر في أمر التعليم برياسة علي إبراهيم ~~باشا ناظر المعارف في (7 جمادى سنة 1297ه/27 مايو 1880م) فاجتمعت مرارا، وعدلت مناهج ~~التعليم ووسعت نطاقه في البلاد، ثم قدمت تقريرا بما تراه من الإصلاح، فأقرته الحكومة ~~وأبلغت ميزانية المعارف إلى ضعفي ما كانت عليه. واهتمت الحكومة أيضا بطرق الري وإنشاء ~~الترع والقناطر والجسور وغير ذلك من أسباب زيادة الثروة. وبالاختصار دخلت ms222 البلاد في ~~طور إصلاح جديد كان يرجى منه خير كبير لولا أن داهمتها تلك الحوادث المشئومة المعروفة ~~بالثورة العرابية. # الفصل السادس # الحوادث العرابية # 1298-1299ه/1881-1882م # عندما كانت الإصلاحات التي ذكرناها سائرة في طريق تقدم البلاد كان روح الاستياء يتفشى ~~في الجيش يوما بعد يوم؛ ذلك لأن معظم الترقي بين ضباطه كان قاصرا على الأتراك منهم ~~والشراكسة، وقلما وجد وطني متقلدا إحدى الرتب والألقاب السامية. وكان الضباط المصريون ~~يتوقعون أن ينال الجيش شيء من الإصلاح العام الذي دخل البلاد فلم يحظوا بأمنيتهم، ~~فحقدوا على الحكومة. وازداد سخطهم حينما أصدر «عثمان رفقي باشا» الشركسي الأصل ناظر ~~الحربية قانون القرعة القاضي بمنع الترقي من «تحت السلاح»؛ إذ جعلت فيه مدة الخدمة ~~العسكرية في الجيش العامل أربع سنوات فقط، يذهب الجندي بعدها إلى بلده، ويبقى «رديفا» ~~خمس سنوات و«احتياطيا» ست سنوات. والمدة الأولى غير كافية للحصول على معلومات عسكرية ~~تؤهل الجند للترقي. # عند ذلك تذمر بعض الضباط المصريين بزعامة «علي فهمي» و«أحمد عرابي» و«عبد العال حلمي» ~~من أمراء «الآلايات«، وقرروا الاحتجاج على ذلك بإرسال معروض إلى رياض باشا رئيس النظار ~~يطلبون فيه: أولا عزل «رفقي باشا» من وزارة الحربية، وثانيا إجراء تحقيق في كفاءة من ~~فازوا بالترقي حديثا بدون استحقاق. وكان المعروض شديد اللهجة فأدى إلى سلوك الحكومة ~~مسلكا جعل هذه الحادثة فاتحة لغيرها من الحوادث التي سميت بالثورة العرابية. # ولم يكن أحمد عرابي المحرك الأول لهذه الثورة، وإنما كان المحرك لها «علي فهمي بك»؛ ~~لأنه أمير «الآلاي» المعهود إليه حراسة القصر الخديوي، وكان قد أوقع به رفقي باشا عند ~~الخديوي لأمر في نفسه، فحقد «علي فهمي» عليه ذلك وعمل على النكاية به. أما إطلاق لفظ ~~«عرابية» على هذه الحوادث، فلأن أحمد عرابي هو الذي بعد انضمامه إلى أصحاب الحركة ~~الأولين ظهر عليهم حتى صار هو المحرك لكل شيء فيما بعد. وسبب ظهوره على غيره أنه كان ~~قبل الانضمام إلى الجيش يطلب العلم بالأزهر الشريف، فكانت له مقدرة متوسطة في الخطابة ~~لم تكن عند غيره ms223 من الضباط، فضلا عن أن انتماءه للبيت العلوي الشريف يرشحه لأكبر زعامة ~~إسلامية، فأصبح بكل هذا صاحب المقام الأكبر في الثورة. واعتقد الناس في إخلاصه لأنهم ~~لم يروا له غرضا خاصا مما كان يظن في غيره من أصحاب هذه الحركة. # أما المعروض الآنف الذكر فقدمه إلى رياض باشا أحمد عرابي وعلي فهمي بأنفسهما (13 صفر ~~سنة 1298ه/15 يناير 1881م)، فألح عليهما أن يسترجعاه، وهو في نظير ذلك يبذل غاية وسعه ~~في تلبية مطالبهما. فلما لم يذعن الضابطان لنصحه وسمع الخديوي بالأمر، استشاط غضبا ~~وأمر بتأديب هؤلاء العصاة وقمع روح الفتنة في الجيش. وفي يوم (28 صفر/30 يناير) عقد مجلس ~~النظار برياسة الخديوي - ولم يصرح للمراقبين الأوروبيين بحضور الجلسة - وقرر القبض أولا ~~على الضابطين المشار إليهما ومحاكمتهما أمام مجلس حربي، ثم النظر في مظالمهما. # وفي (غرة ربيع الأول/فبراير) استدعي الضابطان إلى وزارة الحربية دون أن يخبرا بأن ذلك ~~لمحاكمتهما. ولكن قرار مجلس النظار كان قد بلغهما سرا، فاتفقا مع ضباط فرقهما ~~ورجالهما على أن هؤلاء إن وجدوا أن رئيسيهما لم يعودا بعد ساعتين ذهبوا لإنقاذهما ~~بالقوة. ولما بلغ الضابطان نظارة الحربية - قصر النيل - قبض عليهما، وأحيلا في الحال على ~~مجلس عسكري للمحاكمة. فبينا هذا المجلس مجتمع إذ هجم ضباط «الآلايين» ورجالهما وأخرجوا ~~رئيسيهما من حجرة اجتماع المجلس بعد أن عبثوا بأثاثها وأهانوا ناظر الحربية، ثم سار ~~أحمد عرابي وعلي فهمي بجندهما إلى قصر عابدين وطلبا إلى الخديوي عزل ناظر الحربية. ~~وبعد أن نظر الخديوي في حرج الأمر لم ير بدا من إجابة طلبهما، فصرف عثمان رفقي باشا ~~بمحمود باشا سامي البارودي؛ ففرح الثوار، وطلب فهمي بك وعرابي بك العفو من الخديوي بعد ~~أن أعربا له عن رغبتهما في الولاء لسموه. # هذ هي ثاني مرة ثار فيها رجال الجيش؛ ثاروا في عهد إسماعيل فلم يصبهم أذى، وعزل نوبار ~~باشا من رياسة الوزراء عقب ثورانهم، وثاروا هذه المرة فغلبوا الوزارة والخديوي على أمرهم، وفازوا ~~في الحال بعزل رفقي باشا موضوع كراهتهم وأصل تمردهم، ms224 فعلموا من ذلك أن لا شيء يقف في ~~سبيل مطالبهم، وأن الفوز في ثباتهم وتمسكهم برأيهم. # وبعد أن عزل الخديوي ناظر الحربية أمر بتشكيل لجنة للنظر في مظالم رجال الجيش ورفع ~~رواتب الضباط والجند المصريين، وأعلن أنهم سيكونون في مستوى واحد مع غيرهم من الأتراك ~~والجراكسة. وبالاختصار هدأت الأحوال قليلا، وكان يظن أن الخطب انتهى عند هذا الحد. # على أن رجال الجيش لم يهدأ روعهم، وعاشوا في خوف من الخديوي خشية أن يكيد لهم كيدا، ~~عقابا لهم على ثورانهم. وكانوا يرون كل يوم من الشبهات ما زاد اضطرابهم، خصوصا أن ناظر ~~الحربية الجديد «محمود سامي باشا» عزل ونصب مكانه «داود باشا» ابن أخي الخديوي. وفي مساء ~~(13 شوال/8 سبتمبر) ذهب إلى بيت عرابي بك رجل غير معروف، فلم يسمح له بالدخول، ~~فراب عرابي بك أمره، وذهب في الحال ليقص ذلك على زملائه من الضباط، وإذا بهم قد حدث لهم ~~ذلك الأمر بعينه! فأيقنوا أن هناك مكيدة لاغتيالهم. # وازداد اعتقادهم يقينا عندما أصبحوا فرأوا أن الأوامر صدرت ل «الآلاي» الثالث «من ~~الرجالة» بالسفر إلى الإسكندرية؛ فهاجوا وماجوا، وسار عرابي بك بقسم من الجيش يبلغ ~~2500 رجل معهم 18 مدفعا إلى ميدان عابدين، واصطفوا أمام قصر الخديوي في عصر (14 شوال/9 ~~سبتمبر) يريدون مطالب جديدة. # فهال الخديوي الأمر وطلب «السير أوكلند كلفن» المراقب الإنجليزي # 1 # ليستشيره فيما يجب عمله، فحضر هذا وسار مع الخديوي إلى قصر عابدين، ونصح له ~~بالظهور بالثبات، وأن لا ينس أنه مليك البلاد، وأن له هيبة تصغر أمامها كل شجاعة لعرابي ~~ورجاله. # فنزل الخديوي إلى الميدان، فتقدم إليه عرابي بك ليعرض مطالبه، وكان ممتطيا جواده ~~وبيده حسامه، فناداه الخديوي أن «ترجل واغمد سيفك.» ففعل ذلك بالامتثال الواجب للملوك. ~~ثم سأله الخديوي عما يقصد من عمله هذا، فقال: «يا مولاي، للأمة ثلاثة مطالب قد أتى الجيش ~~إلى هنا للحصول عليها بالنيابة عن الأمة، ولن ينصرف حتى يحظى بها.» # عند ذلك أشار «السير أوكلند كلفن» على الخديوي أن لا يناقش ms225 الجند في هذه الأمور ~~حفظا لكرامته، وأن يدخل القصر ويترك له أمر المفاوضة معهم فيما يريدون، فخاطب السير ~~أوكلند كلفن الجيش، وشرح لهم حرج الحالة، ونصح لهم بالانصراف قبل أن يتفاقم الخطب. ~~فتمسك الثائرون بمطالبهم، وهي: ~~(1) # عزل جميع النظار وتشكيل وزارة جديدة. ~~(2) # تشكيل مجلس نيابي للأمة. ~~(3) # زيادة عدد الجيش إلى 18000. # وبعد المداولة رضي الخديوي بعزل النظار، مع إرجاء الفصل في الطلبين الآخرين إلى أن ~~يؤخذ رأي الباب العالي. # فقبل عرابي ذلك، وانصرف الجيش داعيا للخديوي بطول البقاء. وطلب عرابي إلى الخديوي أن ~~يصفح عنه؛ فكان له ذلك. # وكانت شوكة عرابي قد عظمت، ونفذت كلمته في الجيش، ثم تعدته إلى الكثير من العمد ~~والأعيان والعلماء، بما ينشره بينهم من الأقوال الجاذبة من «إنقاذ الوطن» وغير ذلك من ~~الزخارف الباطلة التي كان لها أسوأ عاقبة في البلاد. وسهل انقياد بعض الأهلين له ما ~~رأوه من تدخل الأجانب في شئون مصر، وإجحافهم بحقوق الوطنيين عند إعداد قانون التصفية. ~~ثم داخل «عرابيا» الغرور، فبالغ في ادعاء ما ليس من حقه؛ من ذلك أنه أصدر في 9 سبتمبر ~~منشورا لقناصل الدول يطمئنهم فيه على رعايا دولهم، ويخبرهم أنه المؤاخذ على حفظ النظام! ~~وهو حق غريب استباحه لنفسه، وكان الأجدر تركه لأمير البلاد أو لأحد وزرائه. # ولما انقضت مظاهرة عابدين طلب الخديوي من شريف باشا أن يشكل وزارة جديدة، فتردد أولا ~~لعلمه أنه سيكون ألعوبة في يد الحزب العسكري؛ إذ كانوا هم العاملين على إسقاط من قبله. ثم ألح ~~عليه الأعيان ورجال الجيش، فقبلها على شرط أن يتعهد رؤساء الحزب العسكري بالامتثال للأوامر، ~~فقبلوا ذلك وشكلت الوزارة في (19 شوال سنة 1298ه/14 سبتمبر سنة 1881م). # أحمد عرابي. # ورأى شريف باشا تهدئة للأفكار أن يبعد رؤساء الحزب العسكري عن العاصمة، فأشار على ~~عرابي بالذهاب مع «آلايه» إلى رأس الوادي، وعلي عبد العال بالذهاب مع آلايه إلى دمياط، ~~فامتثلا. وصادف غيابهما عن القاهرة حضور وفد من قبل الباب العالي للنظر فيما سمعته ~~الدولة من المشاكل الجارية في مصر، ms226 فوجد ظاهر الأمور هادئا فأعلم الدولة بذلك. # وبعد سفر الوفد أصدر الخديوي أمرا في (26 المحرم سنة 1299ه/18 ديسمبر 1881م) بتنصيب ~~«محمد سلطان باشا» رئيسا لمجلس شورى النواب، فاجتمعت أعضاؤه، وشكلت منهم لجنة المراجعة ~~قانون المجلس، فأقرت اللجنة أكثر مواده إلا ما تعلق منها بميزانية الحكومة؛ فإن اللجنة ~~رأت أن للمجلس الحق في مراجعتها، مع أن شريف باشا قد شرع في القانون عدم جواز ذلك ~~للمجلس، عملا برغبة المراقبين والدول الأوروبية؛ لأنهم كانوا يخشون تسرب الاضطراب ثانية ~~إلى الشئون المالية؛ مما يؤدي إلى نقض أحكام قانون التصفية. # وكانت عرى الاتفاق بين الأعيان ورجال الجيش قد وثقت، ثم قوي جانب الجميع بثبوت قدم ~~الحزب العسكري وتنصيب عرابي باشا في (ربيع الأول سنة 1299ه/يناير 1882م) وكيلا لنظارة ~~الحربية إرضاء لذلك الحزب، فتمسكت اللجنة برأيها، ولم ير شريف باشا وسيلة إلى إجابة طلبه ~~لعلمه أن الدول لا تسمح بذلك مطلقا. # وكانت الحكومة الفرنسية منذ مظاهرة 9 سبتمبر سنة 1881م ترى وجوب بسط إنجلترا وفرنسا ~~شيئا من الإشراف على الديار المصرية. فلما رأس الوزارة الفرنسية المسيو «غمبتا» في شهر ~~ديسمبر عمل بكل قواه على تنفيذ هذه السياسة، وعرض الفكرة على اللورد «غرنفل» وزير ~~الخارجية البريطانية، موضحا له أن الحوادث الجارية بمصر تستدعي التدخل في شئون تلك ~~البلاد محافظة على الأموال والمصالح الأوروبية. # ولم يكن من سياسة بريطانيا العظمى في ذلك الحين مشاركة فرنسا في بسط شيء من النفوذ ~~على مصر، ولكن دفعتها الرغبة في إرضاء تلك الدولة - لما بينهما من التحالف - إلى إظهار شيء ~~من الموافقة على رأي المسيو غمبتا، على أن هذا الوزير طالما عرض عليه اللورد غرنفل أن ~~يطلب من الباب العالي أن يتدخل هو في أمر مصر ويحتلها بجنوده إن اقتضى الأمر ذلك؛ فكان ~~دائما يقابل ذلك بالرفض. # ثم وجد المسيو غمبتا من عزم مجلس شورى النواب المصري على طلب فحص الميزانية فرصة ~~للشروع في إنفاذ ما يرمي إليه؛ فعرض على اللورد غرنفل أن ترسل حكومتا إنجلترا وفرنسا ~~- بالاشتراك - مذكرة إلى ms227 معتمديها بمصر ليخبرا الخديوي ب «رغبة دولتيهما في مساعدته ومساعدة ~~حكومته للتغلب على المصاعب المتنوعة التي تزيد الارتباك والقلق في القطر المصري، وأن ~~الدولتين على وفاق تام فيما يختص بمصر، خصوصا بعد ما حدث من الحوادث الأخيرة التي من ~~أهمها اجتماع مجلس شورى النواب.» # فوافق اللورد غرنفل على إرسال المذكرة بعد تردد، واشترط في جوابه أن موافقة الحكومة ~~البريطانية على ذلك لا يقيدها بالقيام بأي عمل في المستقبل للتدخل في مصر إن اقتضى ~~الأمر ذلك؛ فرضيت الحكومة الفرنسية بالشرط، وأرسلت المذكرة وبلغت رسميا للخديوي في (19 ~~صفر سنة 1299ه/8 يناير 1882م)، فقابلها الخديوي بالشكر والامتنان. # على أن المذكرة وقعت على غير الخديوي وقوع الصاعقة، وارتاب جميع الطبقات في نيات ~~الدولتين، واعتقد أعضاء مجلس الشورى أنهم المقصودون بذلك، وأن الدولتين تريدان تقويض ~~سلطة مجلسهم؛ فزاد اتحادهم مع رجال الجيش وتمسكوا بأذيال عرابي وحزبه. أما الباب العالي ~~فثار خاطره أيضا لهذا العمل الذي فيه افتيات على حقوقه؛ إذ هو صاحب السيادة في مصر، ~~وكان هو الأولى بالتدخل في شئونها. # فلما رأى شريف باشا ما كان للمذكرة من الأثر السيئ، طلب إلى الدولتين أن ترسلا مذكرة ~~إيضاحية تفسر الأولى وتبين أن الدولتين لا ترميان إلى غرض سيئ. فوافقت الحكومة الإنجليزية ~~على هذا الرأي، ولكن المسيو غمبتا عارض أشد المعارضة، وقال إنه يذهب بهيبة الدولتين، ~~فعملت الحكومة الإنجليزية هذه المرة أيضا برأيه على غير رغبتها. # وفي هذه الأثناء كان يزداد سخط أعضاء مجلس الشورى، وازدادوا تمسكا برأيهم في أمر ~~الميزانية. ولما رأوا أن شريف باشا يعارضهم طلبوا إلى الخديوي إقالته فاستقال. ثم شكل الخديوي ~~وزارة جديدة في (26 ربيع الأول سنة 1299ه/15 فبراير سنة 1882) برياسة «محمود سامي ~~باشا البارودي» طبقا لرغبة أعضاء المجلس، وجعل أيضا عرابي باشا وزير الحربية فيها. # محمود باشا سامي البارودي. # على أن إذعان الخديوي لرغبة الأعيان بهذه الصفة لم يقصد به إلا حل عاجل للمشكلة ~~ريثما يتم الاتفاق على من يوكل إليه قمع هؤلاء الثوار بالقوة؛ لأنه يستحيل حكم البلاد ms228 ~~بوزارة رأسها من المنتمين للحزب الثائر، ووزير الحربية فيها عرابي نفسه، وهو أكبر عامل ~~في الثورة. # وبمجرد تشكيل الوزارة الجديدة أخذ نفوذ الحزب العسكري في الازدياد يوما بعد يوم، حتى ~~امتد إلى جميع أعمال الحكومة، وفي يوم 20 فبراير كتب «السير إدورد ملت» المعتمد ~~البريطاني بمصر إلى حكومته يخبرها بأن المراقبة الثنائية أصبحت اسمية فقط. # ثم زادت الوزارة الجديدة من عدد الجيش، ورفعت رواتب رجاله بلا اكتراث بما يصيب ~~الميزانية من جراء ذلك، ورقت كثيرا من الضباط بدون اختبار؛ فجر كل ذلك إلى اشتداد ~~الخلاف بين الخديوي ووزرائه، وتفاقم الخطب حتى كان يظن أن العرابيين يرمون إلى عزل ~~الخديوي، وتنصيب محمود باشا سامي مكانه. # كل هذه الأعمال حركت همة الدول الأوروبية من جديد. وكانت وزارة المسيو غمبتا في فرنسا ~~قد سقطت وخلفه المسيو «دي فريسنيه»، ولم يكن هذا شديد الإصرار على التدخل في مصر كما ~~كان سلفه، إلا أنه رأى أن فرصة عدم التدخل قد فاتت، وأن الحال في مصر وصلت إلى حد ~~يستحيل معه السكوت؛ إذ ظهرت كل معالم الثورة في أنحاء البلاد. # وكان الباب العالي قد احتج على إرسال مذكرة إنجلترا وفرنسا، فرأت هاتان عرض المسألة ~~على باقي الدول الأوروبية للنظر في الطريقة التي يجب بها الفصل في الأمر، فلم تبد الدول ~~معارضة في النظر في الأمر، ولكنها لم تفعل شيئا فعالا للوصول إلى نتيجة، فبادرت ~~الحكومة الفرنسية بمفاوضة الحكومة الإنجليزية في الأمر، فأقر قرارهما على إرسال أسطول ~~من قبل الدولتين إلى مياه الإسكندرية، وتكليف الوزارة المصرية الاستقالة، ورأت الحكومة ~~الإنجليزية فوق ذلك أن يطلب إلى الباب العالي أن يصدر أمرا إلى مصر يعضد به الخديوي ، ~~ويستدعي زعماء الثورة إلى الأستانة للإجابة عن عملهم، فوافقت على ذلك الحكومة الفرنسية ~~بعد تردد. # وفي (8 رجب/26 مايو) قدم معتمدا إنجلترا وفرنسا مذكرة إلى رئيس مجلس النظار طلبا فيها ~~استقالته من الوزارة، وإبعاد عرابي باشا عن القطر المصري مؤقتا مع حفظ راتبه وألقابه، ~~وأن يقيم عبد العال باشا وعلي فهمي باشا ms229 في الأرياف ولهما أيضا رواتبهما وأوسمتهما، ~~فاستقالت الوزارة، ولكن لم يسافر أحد ممن ذكروا في المذكرة. # أما الأسطول الإنجليزي الفرنسي فقد وصل إلى مياه الإسكندرية حسب الاتفاق. وكان قائد ~~السفن الإنجليزية «السير بوشمب سيمور»، فلما وصل وجد أن النفوذ كله في المدينة بيد ~~الحزب العسكري، وأن الأحوال في هيج واضطراب، فأخبر دولته بذلك. وكانت الوفود من الأعيان ~~والعلماء وغيرهم تذهب إلى الخديوي يرجونه إرجاع عرابي إلى منصبه، فلم يقبل منهم. # أما الباب العالي فإنه لما بلغه رجاء إنجلترا وفرنسا أراد أن يظهر بمظهر صاحب السيادة ~~في البلاد، وقال إنه سيرسل سفيرا من قبله لفحص المسألة، وإنه لا داعي لبقاء أساطيلهما ~~بالإسكندرية، فلم توافق الدولتان على استرجاع أساطيلهما، ورأتا أن مجرد بقائها بالمياه ~~المصرية يكفي لإرهاب الثائرين، وإلقاء الرعب في قلوبهم. # ولما لم يجد هذا التأثير الأدبي نفعا، وازدادت الحالة خطورة يوما بعد يوم، دعت ~~إنجلترا وفرنسا الدول الأوروبية إلى مؤتمر بالأستانة للنظر في المسألة المصرية، ودعي ~~إليه الباب العالي، فلم يرض بإرسال مندوب من قبله اعتقادا أن حل المسألة المصرية من ~~شأنه هو، لا من شأن مؤتمر يعقده غيره من الدول. ثم أسرع إلى إرسال المشير مصطفى درويش ~~باشا مبعوثا من قبله إلى مصر لتفقد أحوال العسكرية. ومن الغريب أن الباشا المذكور قال ~~في تقريره إلى الحضرة السلطانية إن العسكر محافظة على الطاعة والنظام، وطلب لضباط ~~الجيش نحو 200 وسام، منها الوسام المجيدي من الطبقة الأولى لعرابي نفسه! # ثم اشتد غلو الحزب العسكري، وأخذ يجمع الجيوش ويعد العدة، فزاد خوف الأوروبيين ~~المقيمين بالبلاد، حتى إن سكان الإسكندرية منهم تأهبوا للدفاع عن أرواحهم عند الحاجة، ~~وبقيت الأحوال تزداد صعوبة واضطرابا حتى جاءت تلك الحادثة المشئومة الشهيرة بحادثة 11 ~~يونيو أو «واقعة الأحد». # وأصل هذه الحادثة أنه في يوم (24 رجب سنة 1299ه/11 يونيو سنة 1882م) تشاجر رجل ~~مالطي مع مكار مصري في الإسكندرية لامتناع المالطي عن إعطاء الأجر الكافي نظير ركوب ~~حمار المكاري. وكان المالطي ثملا بالخمر، فطعن المكاري بمدية، فانتصر ms230 لكل منهما قوم من ~~أبناء ملته، فتذمر بعض الرعاع من الوطنيين، وأرادوا أن يثأروا من الأوروبيين، ولا سيما ~~أن حوادث الحركة العرابية كانت قد أوغرت صدور بعض الفريقين من بعض، وابتدأ الأوروبيون ~~يطلقون النيران من نوافذ بيوتهم على كل مار من الوطنيين؛ فازداد غضب المتجمهرين، وتضاعف ~~الخطب. ولم يوجد من يزجر الرعاع أو يشرح لهم ضرر فعلتهم، مع تمادي الأوروبيين المتحصنين ~~في بيوتهم في إطلاق النار حتى عظم القتال بين الفريقين، ونهب كثير من مخازن المدينة، ثم ~~صدرت الأوامر للجند بتفريق المتجمهرين، فلم يأت الغروب إلا وقد هدأت الأحوال وسكن ~~الاضطراب، وقبضت الحكومة على كثير ممن وقعت عليهم شبهة القيام بهذه الثورة. # وقد كان لهذه الحادثة المحزنة أثر سيئ لدى الدول الأوروبية، وقللت من عطفهم على مصر ~~والقائمين بالحركة العرابية فيها، وقالوا إن هذه الحركة يصحبها شيء من التعصب الذميم. ~~وقد كان ذلك من أكبر المؤثرات فيما قرروه في المؤتمر الذي عقد في الأستانة للنظر في ~~شئون مصر. # أما ما كان من أمر هذا المؤتمر، فإنه عقد بالأستانة في (6 شعبان/23 يونيو) وشرع ~~أعضاؤه في التفاوض في الأمر، ولكن مفاوضاتهم سارت بغاية البطء لاختلاف مشارب الدول ~~الأوروبية في أمر مصر، وخوف كل منها من تحمل المؤاخذة، بالرغم من اعتقادهم جميعا بأن ~~الحالة في مصر أصبحت تدعو إلى التدخل بالقوة، وبقي الباب العالي محجما عن إرسال مندوب ~~من قبله إلى المؤتمر. ثم عرض عليه المؤتمر في 6 يوليو أن يرسل قوة إلى مصر بشروط معينة ~~لتثبيت عرش الخديوي بمقتضى التقاليد السابقة، فأخذ يرجئ ويماطل إلى أن أعلن في يوم (21 ~~شعبان/10 يوليو) أنه سيرسل مندوبا إلى المؤتمر في اليوم الثاني. # على أن الفصل في أمر مصر كان في الحقيقة قد أفلت من يد الباب العالي والمؤتمر بإعلان ~~قائد الأسطول الإنجليزي بالإسكندرية في فجر 10 يوليو المذكور أنه سيضرب قلاع المدينة إن ~~لم تسلم له في مدة أربع وعشرين ساعة. # وذلك أنه منذ قدومه إلى المياه المصرية كان يلاحظ الهيج يزداد في ms231 المدينة يوما بعد ~~يوم، ثم بلغه أن عرابي باشا يأمر بزيادة تحصين قلاع الثغر ليضرب منها الأسطول ~~الإنجليزي، فطلب إبطال هذا التحصين، فأخبره عرابي أنه ليس بالقلاع أدنى حركة تحصين ~~جديدة، وأن ليس بها إلا المدافع القديمة العهد، ولكن «سيمور» أبصر بعد ذلك أن الاستعداد ~~في القلاع قائم على قدم وساق، فأصدر بلاغا إلى قناصل الدول بالإسكندرية في فجر 10 ~~يوليو بأنه سيضرب المدينة إن لم تسلم إليه قلاعها. # وكانت الحكومة الإنجليزية قد عرضت على الحكومة الفرنسية أن تشرك أسطولها مع الأسطول ~~الإنجليزي في ضرب المدينة إن اقتضى الأمر ذلك، فامتنع المسيو «فريسنيه» بعلة أن حكومته ~~تأبى أن تتحمل تبعة هذا العمل. فعزم الأسطول الإنجليزي على الانفراد بالعمل، وفي الساعة ~~السابعة من صباح (22 شعبان 1299ه/11 يوليو سنة 1882م) أطلقت العمارة الإنجليزية - وعددها ~~14 سفينة بين مدرعة ومدفعية - مدافعها على قلاع الإسكندرية، فجاوبتها قلاع الإسكندرية ~~بعد 15 طلقة، واستمر تبادل النار بين الفريقين 10 ساعات، انتهت بدك تلك القلاع الضعيفة ~~دكا من غير أن يصيب السفن الإنجليزية أذى يذكر. # وفي اليوم التالي تراجعت حامية المدينة إلى الداخل، وعند خروجها من الإسكندرية أمر ~~أحد الأمراء «الآلايات» المدعو «سليمان داود» - بغير علم عرابي - أن تحرق المدينة؛ ~~فاشتعلت فيها النيران ونهبها الرعاع. وفي يومي 24 و25 شعبان أنزل الأسطول الإنجليزي ~~بعض الجنود فاحتلوا المدينة، فعاد إليها الأمن وأخذ الأهلون يرجعون إليها بعد أيام قلائل. # ثم أخذت الجيوش الإنجليزية والهندية تفد إلى الإسكندرية لمحاربة عرابي، بقيادة «جارنت ~~ولسلي»، وكان عرابي قد عسكر بجهة «كفر الدوار» على بعد بضعة أميال من الإسكندرية، فلما ~~وجد الإنجليز أن موقعه هناك حصين رأوا أن يدخلوا البلاد من الشرق من جهة قناة السويس. ~~وعلم بذلك عرابي، فعزم على ردم القناة كي لا تمر منها السفن الإنجليزية ، ولكن المسيو ~~ديلسبس حمله على الكف عن هدم هذا العمل الخطير، وقال إنه يمنع بحق حياد القناة مرور أي ~~سفن حربية منها، فخدع عرابي بأقواله، ولم يقدر ديلسبس طبعا على إنجاز وعده، ونزلت ms232 ~~الجنود الإنجليزية من طريق القناة؛ فاستعد العرابيون للقائهم بجهة «التل الكبير». وكانت ~~أهالي القطر تمد جيش عرابي بحاجاته طوعا أو كرها، حتى اجتمع له من الخيل والبغال شيء ~~كثير. # وكان الباب العالي طول هذه المدة يتباطأ في الفصل في أمر مصر، وأخيرا اشترك في ~~مفاوضات مؤتمر الأستانة بإرساله مندوبين من قبله في 20 يوليو. ثم أعرب لرجال المؤتمر ~~أنه مستعد لإرسال جيش لإخماد الثورة المصرية، فاشترطت عليه الدول شروطا خاصة، مؤداها ~~أن لا يغير علاقة الدولة بمصر عما تقضي به التقاليد السابقة. وكانت في مقدمتهم في ذلك ~~بإنجلترا؛ لأنها أصبحت منذ ضرب الإسكندرية أكبر الدول ارتباطا بالشئون المصرية، ولم ~~تبد لها إحدى الدول شيئا من المعارضة لعلمها بوجوب قيام إحدى الدول بإطفاء الثورة. # فاشترطت إنجلترا على الباب العالي أن لا يرسل جنديا واحدا إلى مصر إلا بعد أن يصدر ~~منشورا بأن عرابي باشا عاص للسلطان، وبعد إبرام اتفاق حربي مع إنجلترا بشأن أعمال ~~الجيش التركي والإنجليزي بمصر. # فأخذ الباب العالي يعرض عدة صور بما يصدره في المنشور على إنجلترا - فتشير هذه ~~بتعديلها حسبما تراه موافقا للأحوال - ثم كتب صورة نهائية ونشرها قبل أن يطلع مندوب ~~إنجلترا عليها (22 شوال/6 سبتمبر)؛ فغضبت لذلك إنجلترا، وامتنعت عن توقيع الاتفاق ~~الحربي؛ عند ذلك شرع الباب العالي يفاوض إنجلترا بشأن توقيع الاتفاق بالرغم مما حصل، ~~وكادت الحكومة الإنجليزية تقبل ذلك في (29 شوال/13 سبتمبر) لولا أن جاءت الأنباء في ذلك ~~اليوم بأن الجيوش الإنجليزية بددت شمل جيش عرابي في صبيحة ذلك اليوم عند التل الكبير؛ ~~وبذلك زالت الأسباب الداعية إلى مفاوضة الباب العالي في هذا الشأن. # أما موقعة التل الكبير فكانت في السحر في الساعة الرابعة من صباح (29 شوال سنة ~~1299ه/13 سبتمبر سنة 1882م)، وكان عدد الجيش الإنجليزي فيها يبلغ 17400 مقاتل. وجيش ~~عرابي نحو 27 ألف جندي ما بين نظامي وغير نظامي، فلم يجد هذا الفرق شيئا أمام العلم وحسن ~~النظام، ولم تدم الواقعة أكثر من عشرين دقيقة انتهت بتبديد الإنجليز لجيش ms233 عرابي، وفر ~~عرابي نفسه إلى القاهرة بعد أن بذل جهده عبثا في رد المنهزمين من جيوشه إلى أماكنهم، ~~وأراد عرابي الوقوف للإنجليز في طريق القاهرة فخذله الناس، وانكسرت نفوس مساعديه. # فسار الإنجليز إلى القاهرة فدخلوها بلا مقاومة، وتسلموا القلعة وباقي الثكنات ~~العسكرية في (22 ذي القعدة سنة 1299ه/5 أكتوبر سنة 1882م)؛ وبذلك ابتدأ احتلالهم للقطر ~~المصري. # ثم سلم عرابي نفسه، وقبض الإنجليز على معظم زعماء الثورة. # وكان هذا قد نصب مكان السير إفلن بيرنج الذي نقل إلى منصب آخر بالهند. # الفصل السابع # عهد الاحتلال البريطاني ~~(1) قدوم اللورد دفرين إلى مصر # دخلت مصر منذ عام (1299ه/1882م) في طور جديد، وهو الاسترشاد بدولة أوروبية عظيمة ~~في السير في سبيل تهدئة أحوالها وتنظيم إدارتها. وقد سبق أن أوضحنا الأسباب التي ~~دعت بريطانيا العظمى إلى إرسال جيش لاحتلال مصر، والآن نبين كيف امتد هذا الاحتلال ~~إلى اليوم، مع ذكر أهم الأعمال العامة التي تمت في عهده. # بعد أن أودع عرابي السجن وأخمدت نار الثورة كان أول واجب إعمال التدبير لتهدئة ~~أحوال البلاد ومنع حدوث مثل هذه الفتنة في المستقبل؛ لذلك أمرت الحكومة البريطانية ~~اللورد «دفرين» - سفيرها في الأستانة - أن يسافر إلى مصر ويبدي للحكومة الخديوية ما ~~يراه من المشورة والنصح، لاتخاذ الحيطة الكافلة بتثبيت عرش سمو الخديوي وإسعاد ~~جميع طبقات الأمة. وكانت الحكومة قد سجنت - غير زعماء الثورة - عددا كبيرا من ~~الأهلين، والعلماء لشبهات يسيرة. فلما حضر اللورد «دفرين» إلى مصر نصح للحكومة ~~بالنظر في أمرهم، فعملت بمشورته، ثم أصدر الخديوي أمرا بالعفو عن جميع الضباط ~~الذين تقل رتبتهم عن «البكبشي»، مع تجريدهم من رتبهم وحرمانهم من معاشهم. # اللورد دفرين. # ثم عينت «لجنة تحقيق» للنظر في أمر عرابي ومحمود سامي، وعبد العال وطلبة وعلي ~~فهمي، فأقرت محاكمتهم أمام مجلس عسكري بتهمة ثورانهم على الحكومة. فأثبت المجلس ~~إدانتهم وحكم عليهم بالإعدام، ثم أبدل بالحكم أخف منه وهو النفي المؤبد إلى جزيرة ~~«سرنديب» - سيلان - بالهند. # بعد أن دخلت الجنود الإنجليزية مصر واحتلتها لم يكن هناك داع ms234 للمراقبة الثنائية؛ ~~إذ في إنجلترا وحدها الكفاية للمحافظة على الأموال الأوروبية، وفي بقاء المراقبة ~~احتمال لفساد العلائق بين فرنسا وإنجلترا لتوقع الخلاف بينهما في الرأي، على أن ~~الحكومة المصرية نفسها طالما وجدت المراقبة الثنائية حجر عثرة في سبيل أعمالها؛ ~~ولذلك اقترح شريف باشا إلغاءها، فأيدته الحكومة الإنجليزية في رأيه وساعدته على ~~إنفاذ رغبته بالرغم من احتجاج فرنسا، وتشنيع الصحف الفرنسية عبثا، وفي (9 ربيع ~~الأول سنة 1300ه/18 يناير سنة 1883م) أصدر الخديوي أمرا عاليا بإلغائها، فغادر ~~المراقب الفرنسي مصر بحجة قيامه بإجازة، وعين المراقب الإنجليزي مستشارا ماليا ~~للحكومة المصرية. # ونظر اللورد دفرين أثناء إقامته بمصر في عدة أمور لإصلاح البلاد، فمن أهم ذلك ~~إنشاء جيش مصري جديد؛ لأن القديم قد حل لقيامه بالثورة، ولأن إنجلترا كانت في ذلك ~~الوقت تنوي استرجاع جيوشها من مصر في أقرب فرصة، فيحل الجيش الجديد محل الجيوش ~~البريطانية. ولما لم يجد اللورد دفرين العدد الكافي من المصريين اللائقين لأن ~~يكونوا ضباطا في الجيش، اقترح أن ينصب عليه قائد إنجليزي، ويضم إليه بعض كبار ~~الضباط من الإنجليز، فوقع الاختيار على «السير إفلن وود» فنصب «سردارا» للجيش ~~المصري في أوائل سنة (1300ه/1883م) وأخذ في القيام بتنظيم الجيش. # واقترح اللورد دفرين إصلاح الشرطة، فعهد بأمرها إلى «الجنرال بيكر» وألحقت ~~إدارتها بوزارة الداخلية. # ونظر أيضا في تشكيل هيئات نيابية تساعد الحكومة في إدارة شئون البلاد؛ فاقترح ~~إنشاء مجلس شورى لسن القوانين يؤلف من 26 عضوا، يكون بمثابة مرشد لمجلس النظار، ~~وتشكيل جمعية عمومية مكونة من 46 من الأعيان، تجتمع كل سنتين مرة يسترشد بهم كل من ~~مجلس النظار والشورى في الوقوف على رغبات أهل البلاد، على أن هذا النظام لم يمكن ~~إنفاذه دفعة واحدة لعدم تدرب البلاد على الحكومة النيابية، ورأت إنجلترا إرجاءه إلى ~~أن يتم هذا التدريب. # على أن إنجلترا لم تقصد بقاءها بمصر أمدا طويلا، بل كانت على العكس من ذلك ~~عازمة على الجلاء عنها بعد أن ترسخ قدم الإصلاح فيها، وتخرج من الأزمة التي كانت ~~سببا ms235 في نزول الجيش البريطاني الديار المصرية. يدل على ذلك ما جاء في خطاب الملكة ~~فكتوريا يوم افتتحت البرلمان البريطاني في (7 ربيع الآخر سنة 1300ه/15 فبراير سنة ~~1883م) وتصريحات اللورد دفرين في التقرير الذي رفعه للحكومة البريطانية عن حالة ~~مصر. # غير أنه حدثت أمور ومشاكل عاقت تقدم مصر على الوجه الذي تريده إنجلترا، فاضطرت ~~للبقاء فيها إلى هذا اليوم. ومن أعظم هذه المشاكل قيام الفتن والحروب في السودان؛ ~~فإنها - فضلا عن جعلها البلاد في خطر إذا انجلت عنها الجيوش البريطانية - عاقت سير ~~الإصلاحات العديدة التي اقترحها اللورد دفرين، وهي تتناول أمورا كثيرة، أهمها ~~الجيش والشرطة والهيئات النيابية والتعليم والمحاكم والري ومسح الأراضي ~~وتخفيض الضرائب وإصلاح حال الفلاح وغير ذلك. # وبعد أن وضع اللورد دفرين الخطة للإصلاح الذي يريده في مصر عاد إلى مقره ~~بالأستانة، وعهد بإنفاذ هذا الإصلاح إلى معتمد بريطانيا العظمى في مصر؛ بحيث يكون ~~مركزه في ذلك مركز الناصح والمرشد للحكومة المصرية ووزرائها. # ثم اختير لهذا المنصب «السير إفلين بيرنج» - اللورد كرومر فيما بعد - فوصل إلى مصر ~~في (9 ذي القعدة سنة 1300ه/11 سبتمبر سنة 1883م)؛ أي بعد مغادرة اللورد دفرين ~~بأربعة أشهر، فبقي فيها يواصل هذا العمل إلى أن استقال من منصبه في صيف عام ~~(1325ه/1907م). # ولما كان للحروب السودانية الأثر الأكبر في تأخير سير هذه الإصلاحات، حسن بنا أن ~~نأتي على ذكرها أولا، ثم نعود إلى الكلام على الإصلاحات التي لم نشرحها بعد. # اللورد كرومر. ~~(2) حروب السودان # استولى محمد علي باشا على السودان سنة (1235ه/1820م)، ولكنه لم يوطد فيه نفوذ ~~مصر؛ فبقيت سلطة الحكومة عليه ضئيلة منذ هذه المدة، وكاد يكون الحل والعقد فيه ~~بأيدي الباشوات الترك وجباة الضرائب من البشبزق وغيرهم ممن لم يكن لهم هم سوى جمع ~~الثروة وابتزاز الأموال من أبناء السودان التعاس. وكان الشغل الشاغل لكل حاكم عام ~~ولي السودان في هذه المدة إطفاء الثورات التي لم تخمد نارها قط في أنحاء البلاد، ~~وصد هجمات الحبشة على الحدود السودانية. # وقد استتب النظام ms236 نوعا في المقاطعات الاستوائية في سنة (1291ه/1874م) على يد وال ~~إنجليزي هو «الجنرال غردون»، ولكنه ما لبث أن غادر البلاد في سنة (1293ه/1876م) ~~فعاد باشوات الأتراك إلى ظلمهم القديم، وبعد قليل قامت ثورة في السودان استفحل ~~أمرها وانتهت بزوال حكم المصريين من تلك البلاد. # ومن أهم الأسباب التي أفضت إلى قيام هذه الفتنة: # أولا: # ظلم جباة الضرائب وحبهم للرشوة. # ثانيا: # وقوف الحكومة المصرية في وجه تجارة الرقيق. # ثالثا: # مؤازرة بعض رجال الجيش المصري للثائرين، وإطماعهم في النجاح ~~إذا ثاروا على الحكومة، فقد قيل: إن «عرابيا» كان يرسل إشارات برقية إلى أهل ~~السودان يحرضهم على مقاومة سلطة الخديوي. # ومما سهل الأمر على الثائرين جلاء الجنود المصرية عن السودان لإطفاء الثورة ~~العرابية. # ثم استفحلت الثورة بزعامة رجل يدعى محمد أحمد ظهر في السودان وادعى أنه ~~«المهدي» المنتظر؛ ولذلك لقب بالمهدي. # ولد «المهدي» في مدينة دنقلة عام (1259ه/1843م)، واشتغل في صباه مع عمه في صنع ~~السفن بجزيرة أمام «سنار»، ثم ضربه عمه ذات يوم ففر منه، والتحق بأحد معاهد التعليم ~~العربية التي كان يتعلم فيها الدراويش، فدرس بها الدين مدة، ثم ذهب إلى «بربر» ومنها ~~إلى «كانا» على النيل الأبيض، فتقلد منصب «فقير» - شيخ - في سنة (1287ه/1870م) ~~واستوطن بجزيرة «أبا» بالقرب من كانا المذكورة. # ثم أخذ صيته في الازدياد، فجمع ثروة طائلة، والتفت حوله التلاميذ، وتزوج ببنات أعاظم ~~رؤساء قبائل البقارة؛ فعظمت بذلك عصبيته بين قبائل تلك الجهة. وفي سنة (1298ه/1881م) ~~أخذ يكتب الرسائل إلى فقهاء السودان يخبرهم أنه هو المهدي المنتظر، وأن كل من لم يؤمن به ~~هالك لا محالة، سواء أكان وثنيا أم مسيحيا أم مسلما. فشاع ذكره في السودان، حتى بلغ أمره ~~مسامع الحاكم العام رءوف باشا في (أوائل رمضان سنة 1298ه/يوليو سنة 1881م). ولم يكد ~~يسمع العلماء بأمره حتى أفتوا بأنه دجال، وكاد السودانيون أنفسهم ينفضون من حوله، بالرغم من ~~جهلهم وتخريفهم، ولولا اسيتاؤهم من الحكومة في ذلك الوقت ما اندفعوا معه في مقاومتها. # المهدي. # فاستدعاه رءوف باشا إلى ms237 الخرطوم ليحضر في مجمع من العلماء ويقيم الحجة على ~~دعواه، فأبى المهدي الظهور. وخرج رءوف باشا ليقبض عليه، فانقض عليه أتباع المهدي في ~~الطريق وفتكوا بمن معه وقتلوه. # فلما خلفه «عبد القادر باشا حلمي» في ولاية السودان انتصر على أتباع المهدي ~~- الدراويش - في بضع مواقع صغيرة. غير أن ذلك لم يذهب بقوتهم، وأخذت ثروتهم تتضاعف ~~يوما فيوما حتى اتضح للحكومة المصرية المتباطئة في أمره أنها ليست بالأمر اليسير، ~~بعد أن أهملت المهدي حتى انقض على مدينة «الأبيض» في (أوائل سنة 1300ه/1883م) ~~واستولى عليها. # على أن مركز الحكومة المصرية إزاء هذا الحادث كان في شدة الحرج؛ لعدم وجود جيش ~~مدرب لديها تمد به والي السودان، الذي لم يعدل منذ نشوب الفتنة عن استصراخها ~~واستنجادها. وقد كان لإنجلترا جيش احتلال في مصر، لكنها لم ترغب إذ ذاك في التدخل ~~في الأمر، كي لا تضطر إلى تجريد حملة على السودان كالتي جردتها على مصر. فأخبرت ~~الحكومة أنها إذا أرادت إخماد الفتنة في السودان فليكن ذلك بالجيوش المصرية. # وفي ربيع سنة (1300ه/1883م) استخدمت الحكومة المصرية عددا من الضباط الإنجليز في ~~الجيش المصري المؤلف لإنقاذ السودان، وعلى رأسهم «هكس باشا»، فتقلد قيادة الجيوش السودانية ~~في (رمضان/يوليو)، وجعل وكيله «علاء الدين باشا» التركي، غير أن جيوشه لم تكن على ما يرام ~~من التدرب، ومعظمهم - من جنود وضباط - كان من جيش عرابي المنحل وممن نبذهم ~~«الجنرال وود» لعدم لياقتهم لجيشه الجديد، ذلك إلى قلة وسائل النقل، وعدم توافر الأموال ~~الكافية للإنفاق على الحملة. # خرج هكس باشا بجيشه المختلط من الخرطوم في (ذي القعدة سنة 1300ه/سبتمبر سنة ~~1883م) يريد استرداد «الأبيض»، فوصل إلى «الدويم» دون أن يلقى أحدا من الأعداء، ~~وقد أخذ التعب والظماء يفعلان بجيشه أكثر مما تفعله النيران، وبينا هم بين الدويم ~~والأبيض إذ خرج عليهم الدراويش من كمين في الطريق، وأفنوهم عن آخرهم. # وصل خبر هذه الفاجعة إلى القاهرة في (المحرم سنة 1301ه/نوفمبر سنة 1883م)، فكان ~~وقعه كالصاعقة في نفوس أولي الشأن؛ إذ به انقطع ms238 كل أمل في القضاء على المهدي عاجلا، ~~وخشي الناس أنه عما قريب يأخذ «الخرطوم» نفسها. # إخلاء السودان # وكانت الحكومة الإنجليزية لا تزال مصرة على عدم إرسال جيش من قبلها إلى ~~السودان، ورأت أن الجيوش القليلة التي يتسنى للحكومة المصرية إرسالها لا تفيد ~~بشيء، بل ربما أدى إرسالها إلى زيادة الويل؛ فنصحت للحكومة المصرية بإخلاء ~~السودان من خط الاستواء إلى جنوبي وادي حلفا، ريثما تتحسن الأحوال ويقوى مركز ~~مصر ذاتها فتعود إلى فتح السودان من جديد. فلم يوافق «شريف باشا» رئيس الوزارة ~~على إخلاء السودان بحجة أنه المورد الحيوي لمصر، ولأن الإقرار بسلخه عنها مسقط ~~لحقوقها عليه، فيصبح نهبا للدول، فاعتزل منصبه وخلفه في رياسة الوزارة «نوبار ~~باشا» فوافق على سلخه من مصر. # وكان في النية أولا إرسال عبد القادر باشا إلى الخرطوم لتولي استرجاع الجنود ~~المصرية من السودان، ولكن قر الأمر أخيرا على إرسال غردون باشا - الجنرال ~~غردون - الإنجليزي في هذه المهمة، لما له من النفوذ والمحبة عند أهل السودان، ~~فيكون ذلك أكبر عون في هذا العمل الشاق الذي إن لم تراع فيه الحكمة ورباطة ~~الجأش، استخف السودان بالحكومة المصرية وفتكوا بجيشها قبل أن يجلو عنهم، وكان ~~يظن أن «غردون» يستطيع بما له من المكانة المذكورة أن يطيب خاطر القبائل فلا ~~تنتشر الثورة أثناء جلاء الجيش المصري. وفي (ربيع الأول سنة 1301ه/يناير 1884م) ~~أرسل غردون في هذه المهمة وجعل وكيله «الكولونيل استيوارت»، وكان من أحذق الضباط ~~الإنجليز. # وفي أثناء ذلك كان أمر المهدي قد استفحل، وأخذت دعوته تنتشر في أنحاء السودان ~~حتى لحقت السودان الشرقي؛ ففي (شوال سنة 1301ه/أغسطس سنة 1884م) وصلت رسل ~~المهدي إلى تلك الجهة بالقرب من «سنكات» وأخذوا يثيرون القبائل على الحكومة. ~~وكان زعيم هذه الحركة رجل من سلالة تركية قديمة يدعى «عثمان دقنة»، أصله تاجر رقيق ~~جهة سواكن، ولما كسدت تجارته بتضييق الحكومة على الرقيق تألب عليها وانضم إلى ~~المهدي، فلقبه أميرا من أمرائه، ولم يلبث أن انضمت إليه جميع قبائل السودان ~~الشرقي، فلم يبق تحت ms239 نفوذ الحكومة المصرية إلا حاميات «سنكات» و«طوكر» و«سواكن» ~~و«ترنكتات» على البحر الأحمر. # ورأت الحكومة المصرية أن ترسل لإنقاذ حاميتي طوكر وسنكات «الجنرال بيكر» مع ~~رجال الشرطة الذين عهد إليه تدريبهم. وربما كان هؤلاء الرجال في الجملة خيرا ~~ممن خرج بهم «هكس باشا»، وإن لم يكونوا على ما يرام من النظام والتدرب؛ إذ إن ~~بعضهم لم يفق في تعلمه رجال الشرطة العاديين، وكثير منهم كان قريب العهد بمبادئ ~~الحركات النظامية. خرجت هذه القوة لإنفاذ غرضها، فالتقت بالدراويش عند «الطيب» ~~في (جمادى الأولى سنة 1301ه/فبراير سنة 1884م)، فانهزمت شر هزيمة؛ إذ كانت ~~الجنود ترمي سلاحها وتلوذ بالفرار لقلة تدربهم على الحرب. وقد كان عدد رجال هذه ~~الحملة 3700، فلم ينج منهم سوى 1300 رجل. # عند ذلك اضطرت الحكومة الإنجليزية بعد إبادة الجيوش المصرية القديمة والجديدة ~~إلى فعل ما لم ترض به من قبل، وهو إرسال حملة إلى السودان؛ فأمرت القائد البحري ~~«هيوت» بإنزال قوة في «سواكن»، وأرسلت إلى «ترنكتات» قسما من جيش الاحتلال ~~بمصر بقيادة «السير جيمس جراهام»، وكانت حاميتا طوكر وسنكات قد اضطرتا إلى ~~التسليم قبل أن تصلهما النجدة، فخرج «جراهام» إلى الطيب حيث هزم بيكر من قبل، ~~فكسر الأعداء كسرة شنيعة، ثم جد في اقتفاء «عثمان دقنة» فالتقى به بجهة «طماي» ~~ففتك بجيشه من قبل وأحرق معسكره، ولكنه لم يقدر على القبض عليه. # وبعد أن ألحق هاتين الهزيمتين بالدراويش اكتفى بالرجوع إلى سواكن، وباتت هذه ~~المدينة هي وترنكتات في مأمن من العدو، ثم استدعي جراهام إلى مصر في (أواخر ~~جمادى الأولى سنة 1301ه/مارس سنة 1884م). # غردون باشا. # أما غردون باشا فإنه بلغ الخرطوم في (19 ربيع الآخر سنة 1301ه/فبراير 1884م) ~~فنصب حاكما عاما على السودان. وقد كان لقدومه في أول الأمر وقع حسن في نفوس ~~القبائل، واستتبت السكينة في الخرطوم. غير أنه لم يشرع توا في إخلاء السودان ~~حسبما كان معهودا إليه، بل أخذ يضيع الوقت في مخابرة أولي الشأن بالقاهرة في ~~الطريقة التي يجب أن يحكم بها السودان بعد إخلائه، ms240 وعرض عليهم من ذلك عدة خطط ~~ومشروعات، مندفعا في ذلك بخوفه على الأهلين من ثورة المهدي ومن الفوضى التي ~~لا بد أن تنتشر في طول البلاد وعرضها عقب جلاء الجيش المصري. ومما اقترحه في ~~هذا الشأن أن يرسل إليه «الزبير باشا» ليساعده في الجلاء، وبعد ذلك تعهد إليه ~~ولاية السودان. وقد عرض هذا الاقتراح بإلحاح أكثر من مرة، ثم رأى أولو الشأن ~~بعد رفضه بتة. على أن غردون كان في ذلك الحين يستهين بقوة المهدي ويطلب من ~~الحكومة مرارا أن تمده بجيش «ليقضي على المهدي»، وأن تعدل عن إخلاء ~~السودان. # ولا يخفى أن ذلك كان مخالفا للاتفاق الذي أرسل بمقتضاه إلى السودان، فلم ~~ترسل إليه الحكومتان الإنجليزية والمصرية شيئا من الجند، وصار نطاق نفوذ ~~المهدي يتسع يوما بعد يوم حتى عم القبائل التي بين «بربر» و«الخرطوم»، فانضموا ~~إلى المهدي في (أواخر رجب سنة 1301ه/مايو 1884م)، فانقطع بذلك خط الرجعة على ~~غردون، وأصبحت حالته تؤذن بالخطر. # حملة إنقاذ غردون # والظاهر أن الحكومة الإنجليزية لم تعرف بادئ الأمر الخطر الذي كان يتهدد ~~«غردون» مع وجوده بلا جيش في السودان، فلما حدث ما تقدم ورأت الخطر يحدق به، ~~أسرعت إلى إرسال نجدة من القاهرة لإنقاذه بقيادة «اللورد ولسلي». # 1 # وبينا هذه الحملة في طريقها أرسل غردون «الكولونيل استيوارت» في ~~نفر من الرجال على باخرة من الخرطوم قاصدين مقابلة الحملة القادمة لنجدته، ~~وإبلاغها ما يهمها معرفته عن الحالة في السودان. فمرت الباخرة على «بربر» دون ~~أن تلاقي شيئا، إلا أنها اصطدمت بصخر قرب «أبي حمد»، وفتكت بمن فيها إحدى ~~قبائل البدو غدرا بعد أن أنزلتهم في ضيافتها. # وفي يوم 30 ديسمبر وصل «ولسلي» بجيشه إلى «كورتي» فرأى أن يسير قوتين للقاء ~~الدراويش جهة «المتمة»؛ قوة تذهب بطريق النيل، والأخرى بالصحراء، فوصلت هذه ~~القوة الأخيرة إلى «المتمة»، وهزمت جيوش المهدي عند «أبي قليع» ثم بلغت «جوبات» ~~في (3 ربيع الأول سنة 1302ه/20 يناير سنة 1885م)، وهنا اتصلت بالبواخر التي ~~ذهبت بطريق النيل. وعلم «ولسلي» أن ms241 غردون في خطر، وأنه يخشى العاقبة كثيرا إذا ~~تأخر وصول النجدة عن 24 يناير، فأسرع «ولسلي» إلى تسيير باخرتين بالجند ~~لإنقاذه، ولكن هذه الرحلة لم تكن بالأمر السهل. وفي (8 ربيع الآخر/25 يناير) ~~اصطدمت إحدى السفينتين بصخور الشلال السادس، فعطل المسير أربعا وعشرين ~~ساعة. # وبينا هذه النجدة تعاني الوصول إلى «الخرطوم» إذ استولى الدراويش على ~~المدينة، وقتلوا «غردون»، وذلك في (9 ربيع الآخر سنة 1302ه/26 يناير 1885م). ~~ومما ساعد على سقوط المدينة خيانة «فرج باشا» قائد الحصون؛ فإنه انضم إلى جيوش ~~المهدي في الليلة السابقة لسقوط المدينة. # وعند ذلك صدرت الأوامر للورد «ولسلي» أن يهاجم الخرطوم ليستردها، فشرع ~~يهاجمها من ثلاث جهات، ولكن بعد قليل عدلت الحكومة الإنجليزية عن استمرار ~~القتال لاشتغالها ببعض مناوشات على حدود الهند، وفي (22 رمضان/5 يوليو) أخليت ~~مدينة «دنقلة»، وصارت «وادي حلفا» أقصى الحدود المصرية. # وكان هذا النصر قد ضاعف ثقة أتباع المهدي به، وظنوا أنه سيقودهم إلى فتح جميع ~~ممالك الأرض، وأنه لن يموت إلا بعد فتح الحرمين. ولكن ما لبث أن خاب فألهم؛ إذ لم تمض ~~عليه بضعة أشهر في عاصمته «أم درمان» حتى لحقته المنية كغيره من البشر في (9 رمضان ~~سنة 1302ه/21 يونيو سنة 1885م). وكان قبل وفاته قد أوصى بالخلافة من ~~بعده ل «عبد الله التعايشي»، فبايعه أتباع المهدي وسموه «خليفة المهدي». أما جثة ~~المهدي فإنها دفنت في الحجرة التي فارقته الحياة فيها، ثم أقيمت عليها قبة صار ~~الناس يزورونها للتبرك. # ولم يكد «التعايشي» يتسلم مقاليد الأمور حتى عزم على فتح مصر، ولكن الجيش ~~المصري كان قد تم تدريبه، فخرجت من مصر فرقة بعض جيوشها مصرية وبعضها إنجليزية، ~~وهزمت جيوش «الخليفة» بلا عناء عند «جنس» في (23 ربيع الأول سنة 1303ه/30 ~~ديسمبر سنة 1885م) فسلمت مصر من غارته. # ولكن نفوذه عم السودان ولم يخرج عن دائرة سلطته إلا عدة من المقاطعات ~~النائية؛ فإنها كانت من نصيب الممالك المجاورة لها؛ فأعطيت «مصوع» وما يجاورها ~~لإيطاليا، وأعطيت «بوغوس» لملك الحبشة مكافأة له ms242 على مساعدته في تسهيل جلاء ~~الجيوش المصرية من «أماديت» و«سنبيت» و«غلباط»، خصوصا أن هذه كلها بلغت مصر ~~سالمة. وأعلنت إنجلترا امتلاك مقاطعة «بربرة» وزيلع وأوغندا، وضمت بلجيكا إلى ~~مستعمراتها - الكنغو الحرة - وبعض الأقاليم المجاورة لها، وشرعت فرنسا في ~~الاستيلاء على بحر الغزال والنيل الأبيض. # مضت كل هذه الحوادث ولم يفعل الباب العالي فيها شيئا يذكر، وإنما أرسل في ~~آخر الأمر سفيرا إلى مصر ليساعد الخديوي في توطيد الأمن في السودان بالطرق ~~السلمية، فابتدأت المفاوضات مع الدراويش، ولكن لم يكن لذلك أية نتيجة. على أن ~~مصر كانت طول هذه المدة آخذة في النهوض من إفلاسها شيئا فشيئا، وقوي جيشها ~~وصار يصد جموع الدراويش كلما حاولوا الاعتداء على الأراضي المصرية، وفي (ربيع ~~الآخر سنة 1306ه/ديسمبر سنة 1888م) أجلتهم حامية سواكن عن الجهات المجاورة لها، ~~فلم يعيدوا الكرة عليها بعد. # وفي سنة 1889م حدث حادث من أكبر حوادث هذه الحروب؛ إذ إن «ولد النجومي» - أحد ~~الأمراء المستمسكين بدعوة المهدي - خرج في 13000 مقاتل يريد غزو مصر في (رمضان سنة ~~1306ه/مايو سنة 1889م)، فالتقى بجيش يقوده «السير فرنسيس غرنفل» عند «طوشكى»، ~~فكانت هذه أول تجربة عظيمة لاختبار قوة الجيش المصري الجديد، فانتصر على جيش ~~«ولد النجومي» انتصارا مبينا فلم ينج منه إلا 3000 رجل وصرع ولد النجومي نفسه ~~وهو يقاتل في هذه الموقعة قتالا شديدا. وبعد هذه الموقعة أخذت قوة التعايشي ~~في أسباب الضعف. # وفي سنة (1308ه/1891م) رأت الحكومة أن الدراويش لا يزالون في سواكن، وأن ~~تجارة الرقيق سائرة بلا انقطاع بين بلاد العرب وفرض البحر الأحمر، فأرسلت ~~عليهم حملة بحرية من سواكن إلى «ترنكتات»، فانهزم الدراويش بجهة «طوكر» وفر ~~«عثمان دقنة» وقتل معظم من معه من الأمراء، ومن ذلك الحين هدأت الأحوال في ~~السودان الشرقي. # استرجاع السودان # لم يأت عام (1313ه/1895م) حتى تقدمت مالية مصر وتحسنت حال جيشها؛ فصار ~~يظن من السهل تجريد حملة على السودان لاسترجاعه. وكانت الحكومة إذ ذاك تنظر في ~~مشروع آخر عظيم وهو إقامة خزان على النيل - خزان أسوان ms243 - ورأت أن ادخار المال ~~لهذا المشروع النافع أولى من صرفه على الحروب السودانية، فكان يظن أن فتح ~~السودان سيرجأ إلى ما بعد ذلك، لولا أن حدثت أمور خارجية اضطرت الحكومة إلى ~~العمل بغير رغبتها؛ وذلك أن الأحباش اتحدوا مع الدراويش وشنوا الغارة على ~~الطليان وهزموهم بجهة «عدوة» في (رمضان سنة 1313ه/مارس 1896م) وذاع الخبر أنهم ~~عما قريب يهجمون على كسلة؛ # 2 # ولذلك طلبت إيطاليا من إنجلترا - لما بينهما من الصداقة - أن تساعدها ~~بإرسال حملة إلى السودان تتهدد الدراويش فتقل وطأتهم على المستعمرة الإيطالية الجديدة ~~- مصوع والإريتريا. # وقد كان لدى إنجلترا حينئذ من الأسباب والاعتبارات ما يحملها على تلبية هذا ~~الطلب، الذي أقل ما فيه سبق فرنسا إلى أعالي النيل وصدها عن التوغل في جنوبي ~~السودان، والأخذ بثأر غردون الذي لم يزل قلب كل إنجليزي يدمى لمصرعه. فقررت ~~إنجلترا إجابة دعوة إيطاليا، وفي الحال أعد لذلك جيش مكون من الجنود المصرية ~~والإنجليزية، بقيادة «السير هربرت كتشنر» سردار الجيش المصري في ذلك الوقت - وهو ~~اللورد كتشنر المتوفى غرقا سنة 1916م، وكان يشغل منصب وزير الحربية البريطانية. # اللورد كتشنر. # خرج كتشنر من مصر ووجهته دنقلة، فأمر بإنشاء خط حديدي من وادي حلفا، وكلما ~~أنشئ منه جزء تقدم الجيش، حتى وصل في (ذي الحجة سنة 1313ه/يونيو 1896م) إلى جهة ~~قريبة من «عكاشة». فبلغه هناك أن 3500 من الدراويش مجتمعون عند «فركة» جنوبي ~~عكاشة على بعد 16 ميلا منها، فسار إليهم ليلا وفتك بهم فتكا ذريعا، ثم تفشى ~~الهواء الأصفر في الجيش، ولكن تيسر التغلب على المرض وعلى غيره من المصاعب حتى ~~سقطت «دنقلة» في يد الجيش المصري الإنجليزي في (15 ربيع الآخر سنة 1314ه/23 ~~سبتمبر سنة 1896م)، وجلت جيوش التعايشي عن هذه المديرية بأكملها. ثم استمر ~~الجيش في الزحف نحو الخرطوم، متغلبا على ما لاقاه من المصاعب في طريقه، حتى ~~استولى على «أبي حمد» في 7 أغسطس سنة 1897م وعلى «بربر» في 31 منه، ووقف تقدم ~~الجيش بعد ذلك عدة أشهر ريثما يتم إنشاء ms244 الخط الحديدي المخترق صحراء العطمور. # وفي (7 شعبان سنة 1315ه/أول يناير سنة 1898م) سمع السير هربرت كتشنر أن ~~الدراويش سيهجمون على جيشه في جموع كبيرة، فبعث إشارة برقية إلى القاهرة يطلب ~~المدد، فأرسل إليه قسم من الجيوش البريطانية، ثم وقفت الجيوش المصرية ~~الإنجليزية وقفة المدافع إلى أن ترى فرصة ملائمة للزحف على الخرطوم. # وكان «الأمير محمود» - ابن عم التعايشي - قد عسكر بنحو 12000 مقاتل عند ~~«النخيلة» على نهر عطبرة، فخرج كتشنر لملاقاته في (26 ذي القعدة/20 مارس) ~~متوخيا التأني في مسيره، وفي (16 ذي الحجة/8 أبريل) التحم الجيشان فلم تدم ~~الموقعة أكثر من 40 دقيقة، وانتهت بأسر الأمير محمود وقتل نحو 2000 من ~~رجاله. # ولم ينته شهر أغسطس عام 1898م حتى تمكن السردار من حشد نحو 22000 مقاتل على ~~بعد 40 ميلا شمالي الخرطوم، وعزم على لقاء الأعداء، وفي (15 ربيع الآخر سنة ~~1316ه/2 سبتمبر سنة 1898م) التقى بالدراويش في موقعة «أم درمان» الفاصلة التي ~~لم تقم لهم بعدها قائمة؛ كان عددهم يتراوح بين 40 و50 ألف مقاتل، فقتل منهم ~~أكثر من 11000 وجرح نحو 16000، ولم يخسر جيش السردار سوى 500 ما بين قتيل ~~وجريح. وفي اليوم الرابع من شهر سبتمبر استولى الجيش الإنجليزي المصري على ~~الخرطوم، ورفع على مكان مركز حكومتها العلمان المصري والإنجليزي أحدهما بجانب ~~الآخر. # أما الخليفة التعايشي، فإنه فر من وجه الجيوش الفاتحة، وأراد في العام المقبل ~~أن يغير على أم درمان، فسار إليه جيش السودان، وقتله وبدد شمل جيشه في (رجب سنة ~~1317ه/نوفمبر سنة 1899م). وبقتله انقضت دولة الدراويش. # 3 # واقعة أم درمان. # وقد هدأت أحوال السودان منذ فتح أم درمان بفضل حسن إدارة الحكومتين ~~الإنجليزية والمصرية اللتين تحكمانه بالاشتراك. وفي (6 رمضان سنة 1316ه/19 ~~يناير سنة 1899) عقد وفاق بين الحكومتين يعرف ب «اتفاقية السودان» وضحت فيه ~~شروط حكم السودان، وألغي به ما كان للباب العالي من السيادة على تلك البلاد. # وما زال السودان في تقدم تدريجي مستمر منذ دخوله تحت حكم إنجلترا ومصر، وهو ms245 ~~وإن كان للآن لم يكسب إحدى الحكومتين شيئا، وصرفت من خزانة مصر الخاصة مبالغ ~~سنوية لإصلاحه، فإنه بلا شك سيعوض ذلك لوفرة موارده الطبيعية، خصوصا عندما ~~يزداد عدد سكانه بعد أن نقص نقصا فاحشا أيام فتنة المهدي. ~~(3) تقدم مصر منذ عام 1882م (خصوصا الأشغال العامة التي تمت بها منذ ذلك العهد) # يرجع التقدم العام الذي حدث بمصر منذ عام (1299ه/1882م) إلى أمرين أساسيين ؛ ~~الأول: الإصلاحات الإدارية التي أجريت في مصالح الحكومة على اختلافها، والثاني: ~~الأشغال العامة التي أجريت لتحسين الري وزيادة ثروة البلاد. # وقد كانت الحالة المالية في مقدمة ما نظر فيه بعد إخماد الثورة العرابية، وذلك من ~~وجهتين؛ الأولى: حالة السكان وما يمكن عمله لتحسينها، والثانية: حل ميزانية الحكومة ~~وكيف يتسنى وضعها على أساس متين بحيث يكفي الدخل المنصرف مع عدم الإضرار بتقدم ~~البلاد. # فبالنظر في أحوال الأهلين اتضح أنهم في بؤس شديد، وأن المفروض على أرضهم من الضرائب ~~يزيد كثيرا عن الحد المعتدل بالنسبة لقيمة ما تنبته الأرض من المحصول؛ إذ إن أثمان المحصولات ~~كانت قد نزلت كثيرا في السنوات الأخيرة؛ فصار ثمن إردب القمح مثلا 75 قرشا بعد أن كان ~~109 قروش في (1292ه/1875م)، وكذلك ثمن الطن من السكر نزل من 23 جنيها إلى 15 ~~جنيها. ذلك إلى ضعف الأرض بسبب إجهادها بزراعة القطن؛ إذ دلت الإحصاءات أن محصول ~~الفدان من القطن في الأربع السنوات (1296-1299ه/1879-1882) نقص من ثلاثة ~~قناطير ونصف إلى قنطارين وعشر قنطار. # فرأت الحكومة أن أول واجب عليها تحسين حال الفلاح، حتى إذا ما انتعش وزادت ثروته ~~أدى ذلك حتما إلى زيادة دخل الحكومة؛ فخففت ضريبة الأرض في المديريات الفقيرة، ~~وأبطلت ضريبة الملح وغيرها، وألغت السخرة التي هي في الحقيقة نوع من الضريبة. # 4 # غير أن هذه الإصلاحات وحدها لم تكن تكفي لتحسين دخل الحكومة والقيام بعبء الدين ~~والشروط الثقيلة التي تكفلت بها مصر بمقتضى قانون التصفية؛ فبذلت إنجلترا وسعها لدى ~~الدول في تخفيف هذه الشروط مخافة الوقوع في إفلاس نهائي، فزادت نسبة ما ms246 يخص الحكومة ~~المصرية من الدخل بتخفيض نسبة ما يعطى لصندوق الدين، وصار للحكومة الحق أيضا في ~~الاستيلاء على نصف ما يزيد من الدخل بعد دفع الأرباح، بدل أن كان جميعه يعطى لصندوق ~~الدين لتسديد الأقساط. # ورأت الحكومة أيضا أن كل ذلك ربما لا يكفي لإصلاح حال المالية المصرية وهي على ~~وشك الإفلاس، فتوسطت إنجلترا لدى الدول في عقد قرض جديد، لتستعين به مصر على وضع ~~ميزانيتها على أساس متين، وللقيام بمشروعات عامة في الري تزداد بها ثروة البلاد حتى ~~تتحسن ماليتها على مدى الأيام، وبعد الجهاد الطويل أمكن عقد قرض جديد بضمانة ~~إنجلترا قدره 9000000 جنيه يسمى «الدين المضمون» في سنة (1302ه/1885م)، واشترط في ~~عقده أن تنتظم حالة المالية المصرية قريبا، وإلا شكلت لجنة دولية أخرى للنظر في شئون ~~مصر. # وقد خصص هذا المبلغ للأوجه الآتية: ~~(1) # تعويض ما خسره أصحاب الأملاك بالإسكندرية وقت نشوب الفتنة في تلك ~~المدينة أيام الثورة العرابية. ~~(2) # سد العجز في ميزانية الحكومة لعامي 1882 و1883م. ~~(3) # تحسين الري - وسيأتي الكلام على ذلك مفصلا. # وقد جعلت الحكومة نصب عينها أن لا يحدث أي فشل في تنظيم المالية، كي لا يفضي ~~الأمر إلى تدخل الدول الأوروبية حسبما اشترطته في عقد الدين الأخير، فتوخت الاقتصاد ~~التام في جميع أوجه الصرف، اللهم إلا في تحسين الري الذي كان من شأنه زيادة الثروة ~~فيما بعد، والمساعدة الكبيرة في تثبيت الحالة المالية التي هي موضوع الخوف والقلق. # وقبل الانتقال إلى وصف الأشغال العمومية التي تمت بمصر في ذلك العهد، نقول كلمة ~~عن المصاعب التي لاقتها إنجلترا من الدول في سبيل السير في عملها في مصر: كانت ~~فرنسا أول من وضع العراقيل في سبيل إنجلترا في مصر؛ لحنقها من إلغاء المراقبة ~~الثنائية واستئثار إنجلترا بأمر مصر، ثم عضدتها الروسيا في ذلك، وشاركهما الباب ~~العالي طبعا في الاستياء، احتجاجا على استمرار الاحتلال البريطاني لمصر. # ثم كرر الباب العالي احتجاجه، وبعد المفاوضة مع إنجلترا تم الاتفاق في (المحرم سنة ~~1303ه/أكتوبر 1885م) على أن ترسل كل من ms247 الدولتين العثمانية والإنجليزية سفيرا إلى ~~مصر لفحص شئونها والاتفاق على أجل ينتهي فيه الاحتلال البريطاني. # فأرسلت إنجلترا «السير درمندولف»، وأرسل الباب العالي «مختار باشا الغازي»، غير ~~أنه لم يتم الاتفاق على تحديد أجل الجلاء لمعارضة فرنسا والروسيا في شروط الاتفاق، ~~وكل ما نتج عن بحوث السفيرين أن جرت بعض مفاوضات مع الدراويش لم يكن لها أثر يذكر، ~~وقد أشرنا إلى ذلك عند الكلام على السودان. وقد بقي مختار باشا بمصر إلى وقت قريب ~~احتجاجا حيا على الاحتلال البريطاني. # على أنه قد حلت في عام 1885م مسألة من المسائل الدولية الكبرى، وهي بيان مركز ~~قناة السويس من الوجهة الدولية، فحصل الاتفاق على أن تكون هذه الترعة مفتوحة لجميع ~~السفن وقت السلم، وفي أوقات الحرب يسمح لسفن المتحاربين بالمرور من القناة بشرط ~~ألا تقع بينها أعمال حربية إلى مسافة ثلاثة أميال من طرفي القناة، وأن لا يسمح ~~للسفن الحربية التابعة للدول المتحاربة بالبقاء في الموانئ المصرية أكثر من 24 ~~ساعة، وحفظ للحكومة المصرية الحق في عمل أي شيء تراه ضروريا للمحافظة على ~~القناة. # وبقيت فرنسا تنظر شزرا إلى بقاء إنجلترا في مصر، وتضع العراقيل في سبيلها مهما ~~يكن عملها في صالح مصر، حتى عام (1322ه/1904م). فعقدت الدولتان بينهما «الاتفاق ~~الودي» المشهور، وبه قبلت فرنسا أن تطلق يد إنجلترا في مصر، في نظير أن تسمح ~~إنجلترا بإطلاق يد فرنسا في مراكش؛ وبذلك حلت مشكلة من أكبر المشاكل الدولية الخاصة ~~بمصر. وبمقتضى هذا الاتفاق أيضا صار جميع دخل الحكومة يرد إلى الخزانة المصرية، ~~بعد أن كان جزء منه يورد إلى صندوق الدين توا، وكان لدى صندوق الدين مبلغ ~~10000000 جنيه متوافر من السنين الماضية، فسلمه إلى الحكومة لتستعين به على إنجاز ~~بعض المشروعات العامة. # الأشغال العامة # قد كانت الأشغال العامة التي تمت بمصر منذ عام 1882م لتحسين الري وتوسيع ~~نطاقه من أعظم الأمور التي سهلت تنظيم المالية المصرية، وسارت بالبلاد في طريق ~~التقدم العظيم الذي نشاهده الآن؛ شرعت الحكومة منذ عام (1300ه/1883م) في ~~الاهتمام ms248 بشئون الري؛ فبدأت في ذلك العام بإصلاح «القناطر الخيرية». أنشئت هذه ~~القناطر في عهد محمد علي باشا - كما ذكرنا في غير هذا المكان - ولكنها أهملت مدة ~~طويلة وقرر الخبيرون أن قد لحقها من الخلل ما يجعلها غير صالحة للاستعمال؛ إذ ~~حدثت صدوع في عقود المنافذ، وجرى الماء تحت الأساس نفسه. وكان الغرض من إنشاء ~~هذه القناطر في أول الأمر أن تحجز المياه وراءها حتى يرتفع سطحها عن المستوى ~~الأصلي - بعد القناطر - بقدر 4,5 من الأمتار؛ وبذلك تستقي منها ثلاث ترع كبيرة ~~سطحها أعلى من سطح النيل، وهي: الرياح البحيري، والرياح المنوفي، والرياح ~~التوفيقي. على أن الرياح الأول يجري في الصحراء بعد تفرعه من القناطر بمسافة ~~صغيرة، فلما أهمل تراكمت عليه رمال الصحراء وطمرته. أما الرياح الثاني فكان ~~مستعملا عام (1300ه/1883م)، ولكن الثالث لا يزال مشروعا لم ينفذ بعد. # فرأت مصلحة الري أن من أول واجباتها إصلاح هذه القناطر العظيمة والترع التي ~~تستقي منها؛ فوجهت إلى ذلك معظم عنايتها بين عامي (1301ه و1306ه/1884 و1889م). ~~وقد قامت بعبء هذا العمل الشاق عاما بعد عام في أيام انخفاض النيل، بالرغم من ~~عظم الصدوع التي بالبناء وما اعترض العمل من المصاعب، إلى أن أصلح الأساس ~~وضمت الصدوع - بالأسمنت - وانتهى الأمر ببناء منطقة من الحجر حول الأساس ~~لوقايتها. ومما زاد العمل صعوبة أن القناطر كانت تستخدم في أيام الفيضان فيما ~~أعدت له، وقد قال أحد المهندسين في ذلك: «إن هذا العمل كان أشبه شيء بإصلاح ~~ساعة بدون إيقاف أتراسها.» # وتم في أثناء ذلك كري رياح البحيرة، ومنعت عنه الرمال بزرع ضفافه بالأعشاب، ~~وزيد أيضا في عمق رياح المنوفية، ووضع باب - هاويس - عند تفرعه. أما الرياح ~~التوفيقي، وهو الذي يروي المديريات التي شرقي فرع دمياط، فحفر بين عامي 1887 ~~و1889. # ولم تكد تتم هذه الأعمال العظيمة حتى ظهرت فائدتها؛ فقد زاد محصول القطن ~~بالوجه البحري في (1309-1310ه/1891-1892م) على متوسط محصول الإحدى عشرة ~~سنة السابقة بنحو 1600000 قنطار. هذا إلى ما حدث من الزيادة في المحصولات الأخرى. ms249 ~~وقد بلغت قيمة ما زاده محصول القطن وحده في مجموع المدة التي أصلحت فيها ~~القناطر (1301-1306ه/1884-1889م) ما يربو على 5000000 جنيه. # أما نفقات هذا العمل فقد دفع معظمها من قرض عام 1885م، ولكن جزءا منها سدد ~~مما حدث في الميزانية من زيادة الدخل على المصروفات. # ولا يخفى أن الغرض من القناطر ليس خزن المياه وقت الفيضان للانتفاع بها وقت ~~انخفاض النيل، إنما كان الغرض منها حجز المياه حتى يرتفع سطحها فتصب في ~~الرياحات الثلاثة العظيمة، فتروي هذه الوجه البحري بمياهها، ولو كان النيل منخفضا. # وقد أجري إصلاح آخر في القناطر عام (1314ه/1897م)، وذلك بإنشاء سد أصم أمام ~~القناطر - نحو المصب - كي لا تندفق المياه دفعة واحدة بعد حجزها؛ فأصبحت تتسرب ~~على دفعتين؛ وبذلك نقص الفرق بين مستوى المياه خلف القناطر وأمامها - فرق ~~التوازن - وذلك يخفف من الضغط الشديد على القناطر أثناء الفيضان. # ومما زاد في انتظام توزيع المياه في الوجه البحري إنشاء «قناطر زفتى»؛ فإنها ~~أيضا تحجز المياه وراءها حتى يعلو سطحها فتملأ الترع التي تتفرع من النيل عند ~~هذه النقطة. وقد بلغت نفقات هذه القناطر 320000 جنيه، وتم إنشاؤها في سنة ~~(1320ه/1902م). # وأجري منذ ذلك العام تعديل كثير في ترع الوجه البحري. وابتدأت الحكومة في إنشاء ~~مصارف عظيمة في مديريتي البحيرة والغربية؛ وبذلك سيتسع نطاق أراضي مصر الزراعية ~~وعلى مدى الأيام سيتم تجفيف بحيرة مريوط، وتصبح أرضا صالحة للزراعة. # على أن ما تم من الأعمال في الوجه البحري لم يصرف الحكومة عن الاهتمام بالوجه ~~القبلي، إلا أن قلة المال والرجال حتمت عليها في أوائل هذا العهد الاقتصار في ~~مصر العليا على المشروعات الصغيرة. وكان معظم الوجه القبلي في ذلك الحين يروى ~~بالحياض؛ أي إنه وقت الفيضان تغمر مياه النيل المساحات الفسيحة من الأرض، فلا ~~يتسنى مباشرة شيء من الأعمال الزراعية فيها إلى انخفاض النيل. ففي عام ~~(1308ه/1891م) أنشأت الحكومة بجهة «قشيشة» ببني سويف سدا لتصريف المياه؛ ~~فكان ذلك أكبر عون على تنظيم المياه التي تركد على تلك الأراضي الواسعة. ms250 # ولا يخفى أن هذه الطريقة - وهي الري بالحياض - معيبة، بالإضافة إلى مزايا الري ~~الدوري؛ إذ به تجري المياه إلى الأراضي في الترع فيتسنى تنظيم توزيعها من حيث ~~الزمن والمقدار معا؛ لذلك أقدمت الحكومة على مشروع عظيم وهو تحويل الري ~~بالحياض إلى ري دوري في مديريات أسيوط والمنية وبني سويف والجيزة، فحفرت ~~لذلك الترع، واهتمت اهتماما خاصا بترعة الإبراهيمية فوسعتها وأصلحتها. # وفي سنة (1315ه/1898م) شرعت في إنشاء «قناطر بأسيوط» لحجز المياه حتى ~~ترتفع وتملأ ترعة الإبراهيمية، فتروي المديريات التي تمر فيها. وقد تم إنشاء هذه ~~القناطر عام (1320ه/1902م) قبيل الفيضان، وكان النيل منحطا جدا في هذه ~~السنة، فبادرت وزارة الأشغال بإغلاق أبواب القناطر، فارتفع سطح المياه في ترعة ~~الإبراهيمية مترا ونصف متر، وقد قدر ما اكتسبه المزارعون من هذا العمل تلك ~~السنة بما يربو على 600000 جنيه. # ولما رأت الحكومة ثمرة عملها في المديريات التي تقدم ذكرها، عولت على إجراء ~~مثله في المديريات التي في أقاصي الصعيد؛ فأنشأت «قناطر إسنا» التي تم إنشاؤها ~~عام (1327ه/1909م)، فأفادت مديريتي قنا وجرجا فائدة قناطر أسيوط في المديريات ~~الشمالية. # ويلاحظ أن جميع هذه القناطر لا تخزن المياه لادخارها إلى وقت الحاجة، وإنما ~~هي ترفع سطح الماء في النيل حتى يتسنى ملء الترع فتوزع المياه بها في أنحاء ~~البلاد. # وكانت الحكومة قد فكرت منذ عام (1307ه/1890م) في مشروع لخزن مياه النيل وقت ~~الفيضان للانتفاع بها وقت انخفاض النيل في ري جميع أنحاء مصر، فلا يحرم جزء ~~منها من الزراعة. فتأخر إنفاذ المشروع إلى سنة (1315ه/1898م)؛ إذ ابتدئ في ~~إنشاء خزان عظيم عند «أسوان» في نفس الوقت الذي ابتدأ فيه إنشاء قناطر أسيوط. ~~وهذا البناء من أعظم ما شيده الإنسان، انتهى تشييده سنة (1320ه/1902م) فكان ~~طوله يبلغ 2156 مترا، وارتفاعه عن قاع النهر نحو 28 مترا، والفرق بين مسطح ~~الماء قبله وبعده - فرق التوازن - 20 مترا، وبه 180 بابا، ويخزن المياه إلى ~~ارتفاع يزيد على سطح البحر بنحو 106 أمتار. وقد بلغت نفقات إنشائه هو وقناطر ~~أسيوط ms251 4700000 جنيه، ولكنه أفاد من أول سنة من إنشائه فائدة تكاد توازي كل ~~هذه النفقات؛ إذ لولاه في تلك السنة هو وقناطر أسيوط لكانت الطامة الكبرى على ~~البلاد؛ فقد كان النيل فيها منخفضا جدا، ولم يكد يشعر بنقصه أحد، وجاء منخفضا ~~مرة أخرى في عام (1323ه/1905م)؛ فكان الخزان أيضا أكبر عون للبلاد. # ويتضح من الجدول الآتي الفائدة التي عادت على مصر من هذه المشروعات العامة في ~~سني انخفاض النيل: # سنة م # عدد الأفدنة التي لم تزرع (الشراقي) # 1877 # 1000000 # 1888 # 269110 # 1889 # 188137 # 1902 # 128663 # 1904 # 46871 # 1905 # 45000 # وعندما أنشئ الخزان كان الغرض منه إيجاد المياه اللازمة لجميع أراضي مصر ~~المزروعة في أي وقت من السنة. ثم فكرت الحكومة في زيادة سعته بتعليته بحيث يمكن ~~به ري 1000000 فدان في شمالي «الدال» لم تكن تصل إليها المياه من قبل. فتم هذا ~~العمل عام (1330ه/1912م) وزاد مقدار ما يخزن وراء الخزان من المياه من 940000000 ~~متر مكعب إلى 2420000000 متر مكعب، وهي زيادة هائلة جدا، وسببها أن الزيادة في ارتفاع ~~الخزان زادت في امتداد المياه المحجوزة خلفه جنوبا إلى بعد 325 كيلومترا. # وقد تم بفضل إنشاء الخزان تحويل ري الحياض بمصر الوسطى إلى ري دوري، وعندما ~~تجف بحيرة مريوط وغيرها سيرويها الخزان بمياهه طول أوقات السنة. # خزان أسوان. # على أن الحكومة لا تزال لديها مشروعات أخرى لتحسين الري؛ ففي نيتها أن تصلح ~~ري المديريات الجنوبية، بإنشاء قناطر عند تفرع ترعة السوهاجية لتسهيل امتلاء ~~تلك الترعة. وشرعت كذلك في إنشاء خزان آخر عظيم على النيل الأبيض، ليحفظ البلاد ~~إذا اشتد الفيضان، ويكون بمثابة حوض عظيم لخزن مقادير وافرة من المياه. وقد ~~ذكرنا أن نفقة إنشاء خزان أسوان وقناطر أسيوط بلغت 4700000 جنيه، ولكنا لا نكون ~~مبالغين إذا قلنا إن مجموع ما اكتسبته مصر إلى الآن من وراء إنشائهما لا يقل ~~عن خمسة أمثال هذا المبلغ. وكذلك بلغت نفقات تحويل ري الحياض إلى ري دوري بمصر ~~الوسطى نحو 6500000 جنيه، ولكنه عاد ms252 على البلاد بفائدة تقدر بنحو 26750000 ~~جنيه. # وبالجدول الآتي بيان دخل الحكومة ومصروفها في عدة سنوات، ولكن يجب عند الرجوع ~~إليه أن نلاحظ أن ضريبة الأرض في تلك المدة نقصت عما كانت عليه: # السنة # الوارد # المصروف # 1886 # 9241586 # 9232746 # 1890 # 10237000 # 9590000 # 1894 # 10161000 # 9470000 # 1895 # 10431000 # 9421000 # 1897 # 11093000 # 9709000 # 1901 # 11944000 # 9924000 # 1903 # 12464000 # 11720000 # 1905 # 14813000 # 12125000 # 1907 # 16368000 # 14280000 # 1908 # 15522000 # 14408000 # 1909 # 15887313 # 14900015 # 1910 # 15965693 # 14414499 # 1912 # 17515743 # 15470584 # 1913 # 17368616 # 15728785 # وقد تم في هذا العصر أيضا إصلاحات أخرى كثيرة تناولت كل ~~مصالح الحكومة. من أهم ذلك إصلاح المحاكم الأهلية؛ فإنها كانت قبل الثورة ~~العرابية غير منتظمة، لا تحكم بمقتضى قانون خاص، وكانت الحكومة المصرية قد أحست ~~بهذا النقص، وأعدت قانونا أهليا شبيها بالقانون الفرنسي لتجعله ساريا في جميع المحاكم ~~الأهلية. فلما احتل الإنجليز مصر وابتدأت نهضة الإصلاح عقب قدوم اللورد دفرين، ~~عرضت الوزارة المصرية هذا القانون فتمت الموافقة عليه، وعمل به. # وكانت المحاكم الأهلية قبل لا تنظر في قضايا الجرائم الكبيرة، بل كانت تنظر ~~أمام لجان خاصة يرأسها المدير تسمى «لجان الأشقياء»، لم تكن أحكامها دائما ~~مطابقة للعدالة؛ فتقرر إلغاؤها. على أن حالة المحاكم الأهلية كانت سيئة جدا، ~~ولم يكن من السهل إصلاحها في وقت قريب؛ فبقي الإصلاح سائرا فيها ببطء إلى أن ~~اقترح اللورد كرومر عام (1308ه/1891م) تعيين مستشار قضائي بوزارة الحقانية ~~ليشرف على هذه المحاكم ويصلح ما اعتل فيها. فعارض في ذلك رياض باشا رئيس ~~الوزارة واعتزل منصبه، فخلفه مصطفى فهمي باشا، ووافق على تعيينه. # 5 # بذلك دخلت المحاكم في طور إصلاح جدي؛ فنظمت أعمالها وسهلت حركتها وفصل ~~منها القضاة الذين لم تتوافر فيهم شروط الكفاءة، وأصلحت مدرسة الحقوق لتخريج قضاة ~~أكفاء. ثم زيد في عدد المحاكم تسهيلا للتقاضي بين أهل القطر. وفي الجملة يعتبر ~~جوهر نظام المحاكم الحالي مستحدثا في هذا العصر. # كذلك عم الإصلاح باقي مصالح الحكومة؛ فنظمت أعمال المالية وضبط حسابها، ~~ومسحت الأراضي وحدت الضرائب، وعينت لجبايتها ms253 مواعيد تناسب حال الفلاح، وألغيت ~~السخرة، وبطل استعمال السوط - الكرباج - إلا في بعض أنواع العقاب. وزيد من الطرق ~~الزراعية في أنحاء البلاد حتى صار مجموعها لا يقل عن 2500 كيلومتر، وسمح ~~للشركات الأوروبية بمباشرة أعمال مالية شتى؛ فانتشرت بذلك سكك الحديد الضيقة في ~~الوجهين القبلي والبحري، وفيها تسهيل كبير لنقل حاصلات البلاد. وأنشأت الشركات ~~أيضا خطوط «الترام» في القاهرة والإسكندرية؛ فسهل الانتقال فيهما، كما أنشئ ~~فيهما كثير من المباني العظيمة التي أكسبت هاتين المدينتين فخامة وجمالا ~~تضارعان فيهما كثيرا من المدن الأوروبية العظيمة. ومن أعظم ما أنشأته الحكومة ~~من هذه المباني قصر المحكمة المختلطة الكبرى بالإسكندرية، ودار العاديات ~~المصرية بالقاهرة، ولا سيما البناء الأخير الذي أصبح بجماله وفخامته لائقا ~~لأن يضم بين جدرانه تلك الكنوز النفيسة من المخلفات المصرية القديمة. # وكثرت العناية بالأمور الصحية، وانتشرت المستشفيات في أنحاء البلاد. ذلك إلى ~~ما أنشئ من المكاتب والمدارس في جميع أطراف القطر، وإعادة عهد البعوث العلمية ~~إلى أوروبا حيث يغترف الشبان المصريون من أبحر المعارف والعلوم الأوروبية. # وجملة القول أن في البلاد المصرية نهضة مباركة عظيمة، يجب على كل مصري ~~معاضدتها، والسير بها إلى ما فيه خير مصر وفلاحها. # هو الذي قاد الجيوش البريطانية في واقعة التل الكبير. # كان الطليان قد استولوا على كسلة من المهدي في سنة 1894م، ولكنهم ~~تخلوا عنها عام 1897م لكثرة النفقات التي يتطلبها حكمها، فعادت الجيوش ~~المصرية إلى احتلالها (25 ديسمبر سنة 1897). # ولما فتح كتشنر باشا أم درمان رأى ألا يبقي لذكرى المهدي تعلقا ~~بقلوب قبائل السودان؛ فأمر بهدم قبته ونبش قبره، وبعثرت عظامه في ~~النيل، وبعث بجمجمته إلى دار التحف البريطانية. وقد أعجبت إنجلترا ~~بفوزه فمنحته لقب «لورد الخرطوم» وصار من ذلك الحين يسمى «لورد ~~كتشنر». # وبقي مسموحا بها لحماية شواطئ النيل وقت الفيضان فقط. # هو السير جون سكوت. # ملخص لأهم الحوادث في الباب الثالث # أهم الحوادث # هجريا # ميلاديا # عباش باشا الأول وسعيد باشا # 1265-1279 # 1849-1863 # عباس باشا الأول # 1265-1270 # 1849-1854 # إنشاء الخط الحديدي بين القاهرة ms254 والإسكندرية # 1268-1272 # 1852-1856 # مقتل عباس باشا الأول في قصره ببنها # ذي الحجة 1270 # يوليو 1854 # سعيد باشا # 1270-1279 # 1854-1863 # إذنه لديلسبس ابتداء بحفر قناة السويس # 1271 # 1854 # عقد الاتفاق النهائي لحفر القناة # ربيع الآخر 1272 # يناير 1856 # سن قانون الأراضي # 1274 # 1858 # موافقة الباب العالي على حفر القناة # 1275 # 1858 # ابتداء العمل في حفر القناة # رمضان 1275 # يناير 1859 # إمضاء عقد أول قرض مصري في لندن # 1278 # 1862 # وفاة سعيد باشا # 1279 # 1863 # إسماعيل باشا # 1279-1296 # 1863-1879 # افتتاح دار الآثار المصرية رسميا ببولاق # 1280 # 1863 # غلاء القطن بسبب الحرب الأهلية في أمريكا # 1281 # 1864 # شراء إسماعيل باشا مصلحة البريد للحكومة # 1282 # 1865 # جعل الوراثة في أكبر أنجال الخديوي # 2 المحرم 1283 # 27 مايو 1866 # شراء إسماعيل باشا مصوع وسواكن من الباب العالي # 1283 # 1866 # تشكيل مجلس شورى النواب # رجب 1283 # 1866 # منح إسماعيل باشا لقب خديوي # ربيع الأول 1284 # يوليو 1866 # سن قانون 10 رجب بشأن التعليم وترقيته # 1284 # 1867 # إتمام حفر القناة وحفلة افتتاحها # شعبان 1286 # نوفمبر 1869 # تولية منزنجر السويسري على مصوع # 1287 # 1870 # إعلان ضم المقاطعات الاستوائية إلى مصر رسميا # 1288 # 1871 # انحطاط قيمة سهام قناة السويس لقلة الربح # 1288 # 1871-1872 # انعقاد مؤتمر دولي بلندن للنظر في أمر القناة # 1290 # 1873 # تقليد من الباب العالي مؤيد للتقاليد السابقة ومنح إسماعيل باشا استقلالا ~~داخليا # 1290 # 1873 # فتح دارفور # 1290 # 1873 # تشكيل المحاكم المختلطة # ذي الحجة 1291 # يناير 1875 # الحملة على حوض نهر جوبا وجهات قسمايو # المحرم 1292 # فبراير 1875 # فتح هرر على يد محمد رءوف باشا # شعبان 1292 # سبتمبر 1875 # فشل حملة منزنجر على بلاد الحبشة # 1292 # 1875 # تنازل الدولة عن زيلع للخديوي مقابل جزية # 1292 # 1875 # بيع نصيب الحكومة من سهام القناة لإنجلترا # 1292 # 1875 # وفد «كيف» لإصلاح المالية المصرية # رمضان 1292 # أكتوبر 1875 # هزيمة الجيوش المصرية عند قرع # المحرم 1293 # يناير 1876 # افتتاح المحاكم المختلطة # 1293 # 1876 # إبرام الصلح بين مصر والحبشة بعد موقع قرع # ربيع ms255 الأول 1293 # أبريل 1876 # توقف إسماعيل عن دفع قيمة سندات الخزانة # ربيع الأول 1293 # أبريل 1876 # إنقاص الدين الموحد باتفاق إنجلترا وفرنسا # ذي القعدة 1293 # نوفمبر 1876 # عودة غردون وتنصيبه حاكما عاما على السودان # 1294 # 1877 # تشكيل لجنة التحقيق # ربيع الآخر 1295 # أبريل 1878 # وزارة مؤاخذة برياسة نوبار باشا # شعبان 1295 # أغسطس 1878 # التنازل عن معظم أملاك الأسرة الخديوية # شوال 1295 # أكتوبر 1878 # ثوران الجند وقبضهم على نوبار ورفرز ولسن # 1295 # 1878 # إقالة نوبار باشا وتنصيب الأمير توفيق # 1295 # 1878 # عدم رضاء الخديوي بقرارات لجنة التحقيق والوزارة وحله الوزارة # 1296 # 1879 # تنازل إسماعيل باشا عن أريكة مصر # رجب 1296 # يونيو 1879 # توفيق باشا (توليته) # شعبان 1296 # أغسطس 1879 # استقالة وزارة شريف باشا # 29 شعبان 1296 # 18 أغسطس 1879 # تشكيل وزارة برياسة رياض باشا # شوال 1296 # سبتمبر 1879 # تشكيل لجنة علمية للنظر في أمر التعليم # 17جمادى الآخرة 1297 # 27 مايو 1880 # إصدار قانون التصفية # 8 شعبان 1297 # 17 يوليو 1880 # تقديم العرابيين معروضا إلى رياض باشا # 13 صفر 1298 # 15 يناير 1881 # مظاهرة عابدين # 15 شوال 1298 # 9 سبتمبر 1881 # منشور عرابي لسفراء الدول يطمئنهم فيه # 15 شوال 1298 # 9 سبتمبر 1881 # تشكيل وزارة برياسة شريف باشا # 20 شوال 1298 # 14 سبتمبر 1881 # تنصيب محمد سلطان باشا رئيسا لمجلس الشورى # 26 المحرم 1299 # 18 ديسمبر 1881 # إرسال فرنسا وإنجلترا مذكرة إلى الخديوي تعدانه بالمساعدة إن اقتضى الحال # 19 صفر 1299 # 8 يناير 1882 # تنصيب عرابي باشا وكيلا للحربية # ربيع الأول 1299 # يناير 1882 # استقالة وزارة شريف باشا وتشكيل وزارة البارودي # ربيع الأول 1299 # فبراير 1882 # طلب فرنسا وإنجلترا استقالة الوزارة وإبعاد عرابي # رجب 1299 # مايو 1882 # حاثة 11 يونيو (واقعة الأحد) # 24 رجب 1299 # 11 يونيو 1882 # انعقاد مؤتمر في الأستانة للنظر في شئون مصر # 6 شعبان 1299 # 23 يونيو 1882 # ضرب الأسطول الإنجليزي قلاع الإسكندرية # 22 شعبان 1299 # 11 يوليو 1882 # موقعة التل الكبير # 29 شوال 1299 # 13 سبتمبر 1882 ms256 # أول ظهور المهدي # 1298 # 1881 # قدوم اللورد دفرين إلى مصر # 1300 # 1882 # صدور أمر عال بإلغاء المراقبة الثنائية # ربيع الأول 1300 # يناير 1883 # تنصيب السير إفلن وود سردارا للجيش المصري # 1300 # 1883 # تنصيب السير إفلن بيرنج معتمدا لإنجلترا في مصر # ذي القعدة 1300 # سبتمبر 1833 # استيلاء المهدي على مدينة الأبيض # 1300 # 1883 # خروج جيش هكس من الخرطوم لاسترداد الأبيض # ذي القعدة 1300 # سبتمبر 1883 # خبر إبادة جيش هكس باشا # المحرم 1301 # نوفمبر 1883 # خروج غردون إلى السودان لإخلائه # ربيع الأول 1301 # يناير 1884 # وصول غردون إلى الخرطوم # ربيع الآخر 1301 # فبراير 1884 # هزيمة الجنرال بيكر عند الطيب # جمادى الأولى 1301 # فبراير 1884 # جراهام يقهر عثمان دقنة عند طماي # جمادى الأولى 1301 # مارس 1884 # قطع المهدي خط الرجعة عليه # رجب 1301 # مايو 1884 # وصول حملة إنقاذ غردون إلى الشلال السادس # 8 ربيع الآخر 1302 # 25 يناير 1885 # استيلاء الدراويش على الخرطوم ومقتل غردون # 9 ربيع الآخر 1302 # 26 يناير 1885 # وفاة المهدي وتولي التعايشي الخلافة # رمضان 1302 # يوليو 1885 # قهر التعايشي عند جنس بعد عزمه على فتح مصر # ربيع الأول 1303 # ديسمبر 1885 # قهر ولد النجومي الزاحف إلى مصر في طوشكى # رمضان 1306 # مايو 1889 # إصلاح القناطر الخيرية # 1301-1306 # 1884-1889 # تهدئة السودان الشرقي # 1308 # 1891 # خروج كتشنر لاسترجاع السودان # 1313 # 1896 # واقعة أم درمان # ربيع الآخر 1316 # سبتمبر 1898 # اتفاقية السودان بين مصر وإنجلترا # رمضان 1316 # يناير 1899 # إنشاء سد قشيشة # 1308 # 1891 # إنشاء قناطر زفتى (انتهاؤها) # 1320 # 1902 # إنشاء قناطر أسيوط وخزان أسوان # 1315-1320 # 1898-1902 # إنشاء قناطر إسنا (انتهاؤها) # 1327 # 1909 # تعلية خزان أسوان (انتهاؤها) # 1330 # 1912 ms257