######OpenITI# #META# URI: 1357FiliksFaris.Najwi.Hindawi19375281 #META# Tags: literature #META# ID: 19375281 #META# Title: النجوى: رسالة ورواية إلى نساء سوريا #META# AuthorID: 83172751 #META# Author: فليكس فارس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة‏ # النجوى‏ # فتاة لبنان‏ # كلمة‏ # النجوى‏ # فتاة لبنان‏ # | النجوى # | النجوى # | رسالة ورواية إلى نساء سوريا # تأليف # فليكس فارس # | كلمة # هذه رسالة كتبتها قبل إعلان الدستور وأنا تائه بين أحراش لبنان وصخوره أبكي على أمتي ~~وبلادي وأخط لها بيد العجز ما توحي إلي الوطنية لنفعها. # كتبت هذه الرسالة والسلاسل الثقيلة رابطة على يدي؛ فليصغ المطالع إلى خشيش الأغلال من بين ~~السطور. # أبقيت العبارة على ما هي؛ لأن الإصلاح الذي أقصده بما كتبت لهو أشد ضرورة بعصر الحرية ~~منها بعصر العبودية، فعسى أن يصادف وحي الإخلاص همة يستنهضها أو قلبا داميا ~~يعزيه. # بيروت في غرة آذار سنة 1909 # فليكس فارس # | النجوى # إلى الفاتحة عينيها لنور الحياة وقلبها لحياة النور، يدها على الكتاب وعقلها يرتقي إلى ~~أوج الإنسانية كفراشة الربيع البيضاء التي ترفرف مرتقية إلى ما فوق. # إلى زهرة البشرية التي تعطر الدنيا بعبيرها الطاهر، إلى الواضعة يدها الجميلة بيد القوي ~~لتعطيه العزم والشهامة، تنفخ اللطف في الشدة والكرامة في القوة، ومن عينيها ينبثق النور ~~الذي يقود الإنسان إلى السعادة. # إلى الراكعة أمام سرير الطفل ترضع جسمه الضعيف من ثدييها وتسقي روحه اللطيفة من نظراتها ~~سائل الحب والحنان، خلاصة المبادئ الإنسانية السامية، مذوب قلب الأم. # إلى الجالسة جنب فراش المرض والعياء تحارب جراثيم الويل بضعفها العظيم ولطفها الشديد ~~ودموعها القوية، إلى منبت أبناء الوطن، إلى جنة الطفل وحياة الشاب ورفيقة الكهل وتعزية ~~الشيخ، إلى مرضعة الولد الداخل إلى الدنيا ومغلقة أجفان الراحل إلى الأبدية، إلى ألف الحياة ~~الدنيا ويائها أوجه كلامي: أنت يا ابنة سوريا التي هزت يمين جدتها أسرة أعاظم الدنيا، ~~أنت سلالة تلك المرأة الفينيقية التي لم يكن قربها رجل شديد بعزمه إلا وكانت أشد منه ~~انعطافا، أنت خلاصة قوة الدنيا التي انفجرت من أرض الشرق لتسود وجه الكرة بأسرها، أنت ~~العظيمة من قبل وراء خبائك وتمدنك القديم بكرامة أعظم من كرامة باريسية اليوم وهي تمشي مع ~~الرجل قدما لقدم، أنت الحافظة في مهد الخمود الذي طرحك الزمان عليه تلك الفضيلة ms01 الساطعة ~~كالشمس فضيلة الطاعة لرجلك وحفظ شرفك لربك ولبنيك، أنت يا أم ابنة الوطن وخطيبتهم وزوجتهم، ~~أنت الروح الضعيفة المعذبة التي يضغط عليها قلبها كما يشد علينا جور الزمان بسلاسله ~~الحديدية. # أردد أبصاري عليك يا زهرة البلاد وعبيرها فلا أتمالك من دفع أنين وذرف دمعة. # أراك تختبطين في عجاج العاطفة كما يختبط الرجل تعيسا في حياته الاقتصادية، نحن نسقط تحت ~~جناح الفكر المتأمل دون عزاء؛ وأنت تحاربين قلبك؛ وقلبك يحاربك دون أمل. # مرت عليك القرون وتتابعت على سلالتك الأعصار وأنت مبددة من أعالي جبال لبنان إلى أطراف ~~حلب إلى غياض الشام إلى نهر الأردن إلى ضفاف بحر الروم تسيرين سربا منقطعا عن البشرية ~~يربي الإنسانية ويتبعها بكل حالاتها ولكنه بعيد عنها لا علاقة له بها إلا عن طريق الجسم ~~والخدمة الآلية. # مرت عليك أشباح الزمان يا ابنة سوريا وأنت غريبة عن الطفل الذي يشرب من صدرك وترتوي روحه ~~من روحك، غريبة عن الشاب الذي يركع أمامك ولا يخاطب بذاتك السامية غير عينيك وبروز صدرك ~~ونحول خصرك، غريبة عن زوجك وهو يناضل في الحياة بالفكر وأنت لديه آلة تتحرك بلا فهم ولا ~~شعور، غريبة عن الشيخ الذي ينظر إليك كما ينظر المحارب إلى فرسه بعد المعركة نظرة حنان ~~العاقل على ما لا يعقل، لفتة المفتكر إلى رفيق الشقاء وهو من نوع مفروز وجنس آخر ... مئات من ~~السنين جرت على قلبك وشاح الخمود وعلى عقلك ستار الظلمة فكنت محبوبة لجمال جسمك ومكرمة من ~~تعب يديك؛ ولكن روحك كانت محرومة من الاعتبار الذي توجبه الأرواح الراقية على البشرية نحو ~~نفسها الثانية وهي أنت ... # بينما كان الرجل القديم محنيا على الأرض يعالجها أو سائرا وراء تجارته في الأقفار ~~والفيافي، بينما كان يجاهد في حياته ويدافع عن نفسه وقبائل سوريا تتألب ممزقة بعضها ~~بالضغائن والأحقاد والتعصب والجهل، في ذلك الليل الأربد الذي لم يكن بحاجة للقوة أكثر من ~~حاجته للعطف لارتقاء الشواعر عن طريق المرأة كنت أنت يا ابنة سوريا مفروزة عن الألفة التي ~~تحتاجك، ms02 تحنين على ابنك وبين دماغك ودماغه ستار قائم، يملكك زوجك فلا يملك منك غير جسمك وهو ~~بعيد عن روحك النائمة على السكون، كنت عفيفة ولكن عفافك كان ناقصا بالوهم، محبة ولكن حبك ~~كان ضعيفا بالاستعباد، كانت علاقتك بمن حولك تنحصر بالجسد وقد حرموا على روحك الارتقا ~~لتساوي أرواح أبيك وزوجك وابنك، ولا شيء يجعل الحي غريبا حتى في بيته كوجود تفاوت بين نفسه ~~ونفوس من حوله. # أما الآن وقد كسرت الأيام قيدك يا ابنة سوريا؛ أما الآن وقد رفعت رأسك وتطلعت إلى ما فوق؛ ~~فأنت حرة تتسلقين هذا الجدار الأملس الذي اصطلح الناس أن يسموه ارتقاء، وقد يخال لك أنك ~~ترتقين ... أنت اليوم وقد فتحت عينيك الجميلتين للنور؛ وارتفعت أهدابك الطويلة منفرجة عن ~~لمعان الأمل، أنت تريدين أن تحرري روحك من أسرها صارخة أمام الألفة: «إذا كان جسدي إناء ~~الإنسان فنفسي سرير نفسه» ولكنك يا أختي تائهة على السبيل المتشعب، لقد انتبهت روحك من ~~رقادها كالطفل المستقبل شعاع الشفق فهو يتسكع في النور كما يتوه في الظلمة. # كنت بالأمس خامدة العاطفة خاملة النفس أما اليوم فأراك قوية العواطف وقد لامست نفسك شرارة ~~الحركة للحياة، أراك تضلين وتختبطين فأحزن عليك كما أحزن على نصفك الضال؛ ولكن أحب إلي أن ~~أراك سائرة ولو على غير هدى من أن أراك جامدة لا تشعرين بوجدانك؛ لأنني أعلم بأن القوة ~~التي تدفع إلى التقهقر هي نفسها إذا دربت تكون مبدأ الوصول إلى المحجة المثلى؛ وبلوغ ما ~~سمح للإنسان أن يبلغه من الكمال. # أنت يا ابنة سوريا، يا زهرة لبنان تريدين الوصول إلى موقفك الطبيعي الشريف فسلام على تلك ~~الإرادة، وإجلال لذلك القلب الذي رفعته دماء سلالتنا السامية وقدسه حسن القصد، ولكن الطريق ~~التي دلوك عليها والسبيل الذي دفعك الرجل عليه لهو سبيل ضلال يقود إلى الهاوية، وأرى ضعفك ~~يتدحرج عليه وروحك اللطيفة المنتبهة من رقادها ماثلة إلى الوجود تشخص إلى بعيد وهي مرتكزة ~~على شفا جرف هار، فاسمحي أيتها الروح لهذه النفس الجريحة التي علمها ms03 العذاب أن تنظر إلى ~~بعيد، اسمحي لهذه النفس المجردة بقوة التأمل والافتكار عن سفاسف الدنيا وأوهامها أن تناجي ~~بك دعامة الوطن وقوة الأرض التي أحبتها معك؛ لأنها مثلك تحن إلى التراب الذي حمل ~~سريرها. # أنا مثلك يا أختي لا أنظر إلى الحياة إلا من وجه الشعور والعواطف، إن نفس المرأة ونفس ~~الشاعر أختان عقدت يداهما ما وراء المنظور حيث نهاية التأثرات وغاية كل عاطفة وشعور، ولهذا ~~أقدم على مخاطبتك غير خائف ملالا من قلبك ولا إجهادا لفكرك، فلست مكلمك بالمادة والمحسوس، ~~لا أخاطبك عن الخيال بل عن الأصل، عن الروح عن القلب الذي يتراءى أمامه كل شيء سواه أشباحا ~~مظلمة وأوهاما مضلة، فاسمعي: أيتها المرأة التي قطعت شوطا بعيدا من مراحل هذه الحياة، ~~أنت التي مر عليك ثلاثون ربيعا وعشرون صيفا وقد اجتزت الخريف وأنت اليوم في شتا الحياة ~~فلا تؤملين أن تشاهدي شمسا إلا في ربيع البقاء الثاني ما وراء هذه المحسوسات الزائلة، أنت ~~يا شيخة سوريا التي تتذكر آمال الفتوة وقبلات الشبيبة ولم يزل السرير الذي ربيت عليه البنين ~~نصب عينيك، أراك تنظرين إلى الألفة بعين الحنان الجامد والحب المجروح بآخر مظاهره، وإخوتك ~~وبنوك وأبناؤهم يدورون حولك ولا يلحظون وجودك، أنت تجرين جسدك المضني وهو على شفير ~~الأبدية لتقومي بخدمة الرجل زوجك وابنك وبني بنيك وهم ينظرون إليك كجسد بلا روح، كسراج بلا ~~نور، كدماغ جامد خلا من حياة الفكر فلا يشترك معهم بفكر الحياة، عواطفك مجروحة كل يوم يا ~~امرأة الأمس وصبية ما قبله وشيخة اليوم. # فؤادك الذي تمخض بالحب الصادق وولد الإخلاص يموت منفردا على مهد عواطفه، ذلك لأن أباك لم ~~يعلمك غير الطاعة ولم يوجب عليك سوى العفاف، فها أنت الآن نحو بنيك كما أراد أن تكوني معه، ~~أرادك زهرة بلا عطر وجمالا بلا قوة فساعد الطبيعة الكاذبة على فشل نفسك ودماغك فأصبحت آلة ~~تتحرك بقوة واحدة وهي قوة القلب ... ولو أمكن لألفة الأمس أن تميت قلبك لفعلت، ولكن العنصر أو ~~الظلم الذي يقدر أن ms04 يميت من المرأة قلبها لم يزل كامنا في عالم المستحيل. # يقدر المرء أن يلاشي ضمير المرأة، يقدر أن يفسد نفسها ويضلل اعتقادها، أما قلبها فهو حي ~~إلى الأبد، ولهذا لأن قلبك لم يزل حيا، لأن عواطفك ما برحت بكل شدتها كامنة في قلب لا ~~يجسر أن ينبض، ومستترة وراء نفس لم يصقلها التفكر والعلم؛ لهذا أنت معذبة بحبك يا شيخة ~~الوطن ومربية بنيه، من أجل قليل من العلم الإنساني السطحي ومعرفة الاصطلاحات البشرية ~~المتقلبة، من أجل هذه الصلات التي قطعها الرجل بينك وبين الألفة؛ أصبحت مفروزة حتى عن أعز ~~الكائنات لديك ... عن ابنك! # أما أنا أيتها الشيخة المعذبة، أنا الشاعر الذي يعلم نقص ما يعلم وضلال الإنسانية بما ~~تريد أن تعلم، أنا الذي يتساوى عندي الإخلاص فأشعر به بين العلم والتهذيب، كما لا يحتجب عن ~~بصيرتي وراء ليل الجهل وستار الهمجية، أقف أمامك ولا أرى منك غير قلبك فأحني أمامه الرأس ~~إجلالا، وأستميحك عفوا عن رجال أضلوك وماتوا، وعن شبيبة تغتر بهذا الجهل المصقول الذي ~~تحسبه علما فتحتقر كل من لا يعلم، أقبل يدك التي هزت السرير مربية للوطن رجالا كنت لهم ~~أما، وإذ أنت مختلفة عنهم معرفة أصبحت لهم أمة ... تممي السير على طريق حياتك إلى النهاية، ~~ارفعي رأسك إلى ما فوق؛ لأنك لم تنفعي الوطن بحبك وعملك فقط؛ بل تجودين عليه أيضا من ~~تعاستك بأمثولة رائعة تتعلمها بناتك منك؛ لأنهن لم يفقدن الأمل كما فقدته أنت ... واغفري لهذا ~~القلم الذي يشتغل لنفع بلاده، اغفري له دخوله إلى قلبك المعذب ليخرج منه ما كتب، وقد يغتفر ~~للطبيب تشريحه جثة باردة ليستفيد من الأدواء التي قضت عليها معرفة تداوي بها ~~الأحياء! # وأنت يا امرأة اليوم أيتها العقيلة والأم، أنت الملاصقة للألفة ملاصقة تجعل لها عليك ~~حقوقا مقدسة، أنت الواقفة موقف العمل في ميدانك الرحب في هذه الفوضى التي تثيرها عليك ~~عواطفك من الداخل وآراء الناس من الخارج، اسمحي لهذا القلم أن يجول قليلا حول قلبك، ولا ~~تخافي منه؛ لأنه لا ms05 يبضع إلا مكان الألم، ولا يخرج غير الدم الأسود الفاسد، وأنت تحفظين في ~~قلبك نقطة سوداء يا امرأة اليوم تشعرين بوجودها، وعبثا تفتشين على مادة تكوينها، فاسمحي ~~أن أخبرك عنها؛ لأن الناظر من بعيد يرى ما لا يراه البصر الملاصق، اسمحي لي أن أكتب عنك ~~شيئا يا أختي فإن أقلام الكتاب كانت ولم تزل حائمة حول موضوع ترقيك وتمجيد مقامك في كل ~~أقطار العالم المتمدن، أما في سوريا فقلما يهتم الكتاب بك، وإذا شاء أحدهم أن يكتب عنك ~~شيئا فأول ما يتبادر إلى رأس قلمه: الفسطان والحلي والقبعة كأنك خشبة بدون قلب وبلا دماغ، ~~لا يرى الناظر إليها غير الأثواب التي تسترها، أما أنا فلا أرى نتائج الأشياء قبل أن أجتهد ~~للوصول إلى مصادرها؛ ولهذا أنظر إلى قلبك، فيا سيدتي من كنت وأيان كنت، على مقعد الحرير أو ~~على الحجر القاسي، ابنة المثري أو ابنة الفقير، أنت دعامة التهذيب في الوطن، وما أشد حاجة ~~الوطن إلى تهذيب رجاله! أنت نقطة الدائرة في كل أمنية تجول بأفكارنا، وأنت النتيجة التي ~~يرمي إليها الكون بحركته المستمرة، فإن تصبب عرق على الأرض فمن أجلك يرتوي التراب، وإن سالت ~~الدماء في كل مطلب فمن أجلك تسيل الدماء، إن وجد قاتل وسارق فذلك من نتائج سطوتك، وإن قام ~~مصلح وارتفع عظيم فذلك من أغراضك ووحي المكارم عن مهبط قلبك. # ضعي أيتها المرأة يدك على قلبك، فهو يخبرك بما تتوه فيه الأقلام من حقيقة أهميتك في ~~الوجود، وارجعي ملقية معي نظرة المتأمل في الوسط الذي يحتاطك؛ لنرى إذا كنت تقومين بما ~~تنتظره منك الأنظار الشاخصة إلى تقدم البلاد. ~~«أنت كزوجة»، رابطة الزواج ودعامته واحدة، الحب، فهل أنت تحبين زوجك أيتها الامرأة ~~السورية؟ # لو كنت مضطرة للجواب على سؤالي بصوت عال يسمعه الكل لقلت بلا أقل تردد: نعم، ولكن جوابك ~~سيخرج من قلبك فلا تسمعه غير نفسك، وأنا على يقين بأن هذا القلب يدفع كلمة: لا، وهو يخفق ~~ضعيفا بين الخوف والرجاء. # ذلك لأن الحب نفسه له ms06 رئتان وقلب، له هواء يتنفسه ودماء تحييه، له الثقة مقام الدم، ~~والاعتبار مقام الهواء، وأنت لا تعتبرين زوجك يا امرأة سوريا بل تخافين منه، أنت على غير ~~ثقة من وحدانية أمياله، ولهذا قد أصبحت ثقتك تظاهرا كاذبا كتبت العبودية عليه عنوان ~~الرياء، في كل بلاد الله حيث بقيت الألفة على طرزها القديم، وحيث قطعت مرحلة التطآل إلى ~~الأمام وارتكزت على نظام معروف، نجد النسا على حال يخولهن حق النظر إلى القلب واتباع ~~عواطفه، أما هنا حيث يقوم الجهاد بالحياة دون نظام ودون أقل ترتيب اقتصادي، حيث التاجر يكون ~~صانعا والصانع تاجرا، الشاعر ماسك دفاتر والتاجر صاحب جريدة، حيث يندفع الكل إلى الأمام ~~ويتقهقر الكل إلى الوراء، هنا، قد استتب التقلقل والاختلال حتى ضاعت سعة العيش لدينا وأصبح ~~الغني فينا يئن من وطأة الفقر ويشكو الضيق والمسكنة، فأصبح الرجل لا يتبع أمياله بالعمل ~~وكلنا نعمل بلا لذة. # الرجل يخلق وفي أقصى عواطفه ميل خاص يجب أن يكون أساسا لأعماله، وفي نفوس أبناء سوريا ~~نجد أثر تلك العاطفة أشد منها في نفوس كل الشعوب، ومن أجل هذا نرى الشقاء ضاربا أطنابه ما ~~بيننا؛ ذلك لأن ألفتنا خرجت عن نظامها القديم ولم يتسن لها الدخول بنظام جديد يلائمها، ~~فأصبح رجالنا كلهم بلا مركز حقيقي كأعضاء مختلفة عن مركزها، تتألم ولا تجد للوصول إلى ~~محجتها سبيلا، وإذ نحن على ما وصفت، فمن البديهي أن نراك مدفوعة كالرجل بقوة الضرورة ~~وضغط الاختلال إلى دوس عواطفك وسماع صوت الفكر الحاسب دون نداء القلب المحب، أنت يا امرأة ~~سوريا فتشت على رجلك، وهتاف الحاجة وضرورة الألفة يملي عليك كما يفتش هو على إعلاء شأنه ~~بالمادة خانقا صوت موهبته دائسا على الاستعداد الذي أصبح لديه مورد عذاب، بدل أن يكون ~~مورد اللذة والسعادة، أجيبي يا امرأة سوريا، ألم تكن الأساور والأقراط قائمة مقام كنز الحب ~~يوم زواجك؟ أما كنت مخيرة بين شاب فقير وكهل غني فارتعش قلبك المحب أمام اللذة والاحتياج ~~فارتاح دماغك المفكر أمام الضحية والسعة؟ ... أليس ms07 أن جسمك كان يتنعم على الحرير، وقلبك جريح ~~يرسل قطرات الدم فلا يراها غير الله؟ # ارجعي معي إلى الوراء يا زهرة سوريا وتذكري جهاد الصبا وضغط التمدن والحاجة على روح ~~الطبيعة وقوى الوجدان، افتكري بحالة نفسك من قبل وقابلي بينها وبين حالة اليوم، وأخبريني ~~إذا كان صرح سعادتك لا يتزعزع بين عواصف الحياة وهو مرتكز على أساس متقلقل، أخبريني إذا ~~كانت الأيام تمكنت من محو سوء التفاهم الذي وجد منذ البدء بينك وبين الذي تستندين على ~~ذراعه، تبصري مليا وأخبريني عن ماهية الرابطة التي تضم ذاتك مع ذات بعلك، وإن كنت تضيعين ~~في مهامه عواطفك فاسمحي أن أسألك هذا السؤال: افترضي أن جنح المسكنة والشقا تدلى من عالم ~~الغيب مرفرفا فوق بيتك، افترضي أن زوجك يبيع حلاك وقد تعرى كل شيء حولك من كل لامع يبهر ~~وثمين يعجب، فهل تجدين مقام المفقود شيئا؟ ألا تنادين إذ ذاك بالويل والثبور؟ ألا تنظرين ~~إلى زوجك نظرة الاحتقار والبغض؟ نعم يا أختي، إن الفقر الذي لا يولد من طبيعته غير ضيقة ~~وتعب في القلوب المحبة، لا يمكنه إلا التربع على قلبك الخالي من الحب ومن حوله كل جند الشقا ~~والحرب والويل، وليس ذلك من لؤم في طبعك كما يخال لذوي الأفكار السطحية، ليس ذلك من فساد ~~بروحك أيتها الكائنة المعذبة؛ بل هي نتيجة الأشياء وضرورة النتائج المماثلة ~~لمباديها. # انظري إلى المؤمن بالله حينما تتوالى عليه ضربات الزمان كيف يستغني عن المحسوس بتلك القوة ~~الكامنة كحبة الخردل في قلبه؛ لتعطيه الحرارة في بارد الدهر، وتنمو بالأمل القوي على تربة ~~اليأس وقطع الرجاء، رددي إبصارك على الملحد الذي تملأ قلبه الآمال بما يرى، تأملي بحاله وهو ~~ساقط تحت خسارة جزئية، وانظري إلى قنوطه وهو أمر الدمع المتساقطة من جفنيه! تأملي قليلا ~~بهذين الحالين تجدي حلا لما يتعجب منه الناس فيك. # الحب إذا الزواج كالإيمان أمام الدهر، وكما أن الملحد لا يشعر بنقص في وجدانه ما دامت ~~السعة تحتاطه والراحة تجول حوله، هكذا أنت أيتها المرأة ms08 لا تشعرين بغياب الحب إلهك الثاني ~~إلا حينما تسقط كبرياؤك مع مجالي الأبهة التي تعشقينها؛ لأنها وجدت قلبك خاليا من ملاك ~~الحب فسطت عليه. # أيام السعة والبذخ تحبين زوجك أو بالحري تتناسين برودة قلبك نحوه، ويوم الشدة والضيق ~~تطلبين الاستناد إلى ما يفوق الطبيعة، تريدين الالتجا إلى إله الزواج وتفتشين عليه فلا ~~تجدينه، حينئذ عند إقدام الكبرياء الجريحة والأباطيل الممزقة لدى الأقراط المباعة والأساور ~~المفقودة، تضعين يدك على قلبك فتشعرين بأنه ميت كالجنين المنتن في أحشاء أمه! علاقتك بالرجل ~~مادية محضة يا امرأة سوريا، وليست علاقته بك بأشرف من هذه ... أنت تدفنين القلب في رموس ~~الأمجاد الباطلة، أما هو فيجتهد أن يقيم قلبه من الموت بقوة الجمال، ويبعث نفسه الراقدة على ~~مضجع السكون بقوة الزخرفة وطلاء الشخص المحبوب، أنت لا تبغضينه؛ لأنه يخدم فيك ضعف الأنثى ~~ودلالها، وهو يحبك؛ لأنك آلة لهوه وملجأ جسده المتعب من جهاد الحياة. # أهذا الذي جمعه الله كيلا يفرقه إنسان؟ أهذا هو الاتحاد الذي يجب أن يسمو على المادة ~~ويهزأ بالمسكنة والألم والشقاء؟ # لله ما أشد ضغط المادة على الروح، وما أثقل الإنسان على نسمة الأزل التي تحييه! # لا أعلم من أنت يا من تقرئين هذه السطور، لا أعلم ما هي طبقة نفسك ولا ماهية معارفك من ~~العلوم البشرية، لا أعلم إذا كان كلامي يدفع روحك إلى الانحناء على ذاتها والتأمل ~~والاعتبار، ولربما أنت الآن تهزين رأسك بقوة الشك قائلة: «إنني أحب زوجي؛ لأن أساس زواجنا ~~الحب، وما هذه العبارات إلا تخيلات شاعر يرى كل شيء قتاما.» # إذا كان هذا حكمك على ما تقرئين أيتها السيدة؛ فذلك لأنك قد تزوجت شواذا عن القاعدة ~~السورية؛ ذلك لأنك بموقف نادر لا يقاس عليه، أنت صحيح واحد بين ألف مسقوم، وطبيب الأدب يتبع ~~أثر سيده الذي جاء من أجل الأعلاء والمسقومين، اتركي هذه المقالة لسواك، وإن كنت كبيرة ~~النفس في سعادة حبك فاقرأي هذه الكلمات لتردديها على مسامع من حولك ممن يبكين وأنت ~~تتبسمين. # أنت أيتها القارئة التي ms09 أكتب لأجلها هذه السطور، يخال لي أن على أجفانك دموعا ماطرة بعد ~~هيجان الزوبعة في قلبك، لقد انحنى رأسك على نهدك المرتفع كالأمواج تحت العاصفة، وسار الدم ~~السوري القوي بشدة في عروقك، وها إن روحك الجريحة تتململ في قيودها وتريد أن تتمرد ... # وقفة أيتها الروح المتمردة: إنني أبضع الجرح لأخرج منه الدماء الفاسدة، لا لأدخل إليه ~~السم ... الزواج هو رأس شرائع البشرية، فلا يمكن قطعه حتى ولو امتلأ صديدا وتقيحت أهم ~~أقسامه، لا يجب أن يقطع الرأس بل يجب أن يدواى، إذا فسدت يد أو رجل من جسم الإنسان فقطعها ~~ينتج الشفاء أما قطع الرأس فوراءه الموت، في البلاد الراقية أو المهمة القفر حيث يسود ~~الألفة نظام مادي مقرر، إذا فسد زواج من بين ألف وقطع، ففي الأمر نظر يحتمل البحث، ~~وللفيلسوف الراقي جبران أفندي خليل جبران حق برفع صوته إذ ذاك، أما هنا في الألفة السورية ~~حيث لا يغرد قلب واحد حتى نسمع الأنين مرتفعا من ألف قلب، حيث لا يوجد زواج واحد بني على ~~الحب حتى ينطح بصرنا ألف زواج دعامته اللؤم والمال والتعصب والجهل، هنا ذلك الرأس الذي يشمل ~~طيه كل الرءوس قد امتلأ صديدا وضربته القروح فما يجب أن نفعل؟ # أننادي بما نادى المفتكر الرائع جبران، ونقطع كل الرءوس لتسقط ألفتنا بأسرها على حضيض ~~الفحشاء فيأكلها دود الفساد حيث لا يرجى لها بعث ولا حياة؟ # أيتها المرأة إذا كنت قرأت «رواية وردة الهاني» قبل أن تقع أبصارك على هذه السطور، فأول ~~ما يطرأ على فكرك هو الاقتدا بها بكسر قيودك المقدسة والتحرر من ربقة عبوديتك الشريفة، ~~وليست هذه النتيجة التي أريد الوصول إليها؛ لأنني لا أنادي باستعمال دواء هو أشد هولا من ~~العلة، لا أريد أن تكسر السلاسل؛ بل أريد أن أعلم الأسير الباكي كيف يحرك قيوده لتسمعه ~~رنينا مطربا، أنا لا أنادي بهدم السجن الذي قدسته الشريعة ورضي به السجين، ولا أطلب أن ~~أملأ سوريا بأطفال بلا أم وبنساء بلا حياء ... بل أريد أن أقول ms10 للمرأة المعذبة بأن في فؤادها ~~ينابيع عواطف لا تنضب، وأنها تقدر أن تخرج منه ما يخفف قيودها ويذهب جدران سجنها، إن فقدت ~~الجنة على الأرض بفقدان الحب، فقد بقي بوسعها أن تحول وادي الدموع إلى مسكن عفاف ووقار، إلى ~~مقر سكينة وسلام. # بكل زواج رفرف عليه الويل وضرب فيه سوس الشقا يوجد ضعف بالثقة والاعتبار أكثر مما يوجد ~~برودة في الحب، وإذا برد الحب فما يحتاج أكثر من نظرة لامعة وكلمة ذائيبة لتدب في ثلجه ~~حرارة الصيف، ولكن إذا زالت الثقة ومات الاعتبار فالطامة كبرى والصعوبة أشد، مركز الحب في ~~العاطفة في القلب، وما أخف قلب الإنسان وأغرب تقلباته، كل سنة كل شهر بل وكل يوم، أما ~~الاعتبار والثقة فمركزهما في نور الوجدان في الفكر في الدماغ في ميزان الأعمال البشرية ~~ومبدأ الضمير الحي، ولهذا لا يمكن أن يوجد حب يثبت بوجه العاصفة ما لم يكن كشجرة عظيمة ~~أصولها في الدماغ وأزهارها في القلب. # فيا امرأة سوريا، إن قلبك خال من الأزهار التي تغطي الحياة؛ لأن أصول شجرة الحب ضعيفة في ~~دماغك، وأفكارك لا ترطبها بذلك السائل الذي لا يكون الإنسان بدونه إنسانا، وهو الإرادة، ~~لقد جار عليك الرجل من وراء جور الوسط الاقتصادي عليه؛ فوضعك موضع الآلة التي لا عقل ولا ~~إرادة لها؛ فرضيت بما أراد، زينك بالأقراط والحلي والفساطين كي يغوي بك الحيوان الذي يلذ ~~به، ويميت روحك اللطيفة التي لم يتعلم أن يفهمها بعد، رضيت بهذا الهوان، ولم يقم أحد ~~ليناديك بأن الرجل أضلك، وأنت مسرورة بالضلال كالشارب من المبرد ينهل من دمه ولا ~~يرتوي. # لو كنت أنا من جنسك وكنت عقيلة ذات بعل وأتاني الرجل بالملابس الفاخرة والحلي الثمينة ~~ليجمل بها جسدي، لو رأيت بعينه بريقا حين لبسي لهذه الحلي، ولم يكن هذا اللمعان من قبل ~~لرميت الفسطان بوجه الرجل وقلت له: «اذهب فأنت تحب جسدي فقط، وأنا لي قلب تجول فيه الروح، ~~وأنت تحتقر روحي كأنني حيوان ...» # إذا كان الرجل يتعامى عن نفس المرأة ولا ms11 يريد أن يرى بها غير لذة جسمه، أفليس من واجبات ~~المرأة أن تعلن قوة تلك النفس بالصبر والثبات والتعقل واحتقار الأمجاد الكاذبة، إذا كانت ~~المرأة بكل ظرف وحالة تبرهن للرجل عن تعلقها بالزخرفة وتحول عاطفتها إلى كل ما هو لامع ~~وكاذب، أفلا يعذر الرجل إذ ذاك إذا حسب الجنس اللطيف في بيته إناء أو رياشا وضع للزخرفة ~~والتبرج؟ أنت يا امرأة سوريا تشكين من رجلك أمرين؛ أولهما: عدم اندغام نفسه بنفسك، والثاني: ~~كسره لقيود الأمانة وهو يشددها عليك، تشكين منه وتبكين، وقد عمدت إلى مداواة العلة مرارا ~~فلم ينجع الدواء، لماذا؟ ذلك لأنك ضللت بتشخيص العلة ولم يسدد نظرك لمعرفة مركزها. # تريدين أن تدغمي روحك بروحه؛ فتعمدين إلى التزلف إليه بالدلال والغنج، وقد غرب عنك أن ~~زمان التوله قد مضى وقضت روحه مع أحلام الشبيبة المتوارية وراء العمر، يخال لك أن التحبب ~~يولد اندغام الروح، فأنت على ضلال بظنك، وأنا أقول لك بأنك كلما تحببت إلى زوجك بالدلال ~~فإنما أنت تزيدين اقتراب جسمه لجسمك، وتمددين المجال الذي يفصل عاطفتك عن عاطفته، فاتحة هوة ~~هائلة بين روحه وروحك. # اعلمي يا أختي بأن أرواح البشر متماثلة من حيث الجوهر فقط، وهي تختلف بعاطفتها من حيث ~~القوى التي تربحها في جهاد الحياة، وما الدنيا إلا مدرسة النفوس تمر بها أشباحا لتخرج من ~~الباب الأخير، وفي نفس كل منا ما انطبع عليها وكون ذاتيتها، النفوس مخلوقة في الأزل لحياة ~~الأرض، والأرض تخلقها خلقا جديدا للأبدية، ومن أجل هذا نجد الأرواح المترامية بالأجساد ~~على هاوية القبر تسير كلها بالحياة على نسق واحد من حيث المادة، ولكنها تنقسم إلى ما لا ~~نهاية له من حيث الداخليات المكونة وسم النفس، فمنها من تتلائم لبلوغها درجة متشابهة ~~فتتفاهم، ومنها من تلتقي بالمادة وبينها وبين رفيقتها بون عظيم من حيث الداخليات، فتتدافع ~~بخشونة وألم فلا يمكن لها أن تتفاهم. # وهذا التدافع والانضمام نشاهده بكل مظاهره بين رجل ورجل، ولكنه أشد وضوحا وأكبر مفعولا ~~بين الرجل والمرأة، ذلك لأن نفس ms12 المرأة وإن تكن من المصدر الذي خرجت منه نفس الرجل فهما ~~مختلفان بالنوع، وإن توحدتا بالجنس، ليست الامرأة أنثى بالجسد فقط، فهي امرأة بنفسها أيضا، ~~وليس الرجل ذكرا بجسده فقط، فهو بنفسه أيضا، ويتضح هذا من اهتزاز روحين يقتربان إلى ~~بعضهما بقوة الحب الجنسي قبل أن تنتبه في الجسد قوة الجنس الحيواني، فإن الاضطراب الذي يشعر ~~به اليافع حين اتحاد روحه بروح من يهوى، لهو مخالف بالنوع عن الاضطراب الذي يهز نفسه عند ~~لقيا الصديق، فمع هذا يشعر بارتياح الشيء إلى مماثله، ومع تلك تشعر الروح (الرجل) الإيجابية ~~بانجذاب للروح (المرأة) السلبية؛ فتتولد قوة التجاذب من انضمام مختلفتين. # ولولا كون الرجل رجلا أبديا بروحه، والمرأة امرأة بروحها الأبدية؛ لكان اختلاف الجنس ~~محصورا بالجسد الترابي فقط، وخلت الأرض من ذلك الانعطاف المتين العرى الذي لا يمكن أن ~~يتولد عن غير التجاذب في الأنفس المختلفة جنسا والمتلائمة عاطفة. # حب الحيوان يتولد عن وجوب التناسل الأرضي فهو زائل، الحيوان يحب بفصول معلومة من السنة ~~أي شبيه له جمعته به الصدفة، فميله الغريزي بالمادة أقوى من إرادته، أما الإنسان فحر ~~بعاطفته لا تحكمه ظروف ولا تقيده فصول، لا يحكم الجسم على روحه بأميالها؛ لأن الإنسان خلق ~~وفي ذاته قوتان؛ قوة حب الجسد لتنازع البقا وإبقاء النوع، وقوة حب النفس بترقية النفس للأبد ~~بالعواطف السامية، ولهذا لا بد لكل إنسان أن يشعر بأن في عاطفته حبين؛ حب للأرض، وحب ~~للسماء. # أخاف أن أتعب دماغك يا امرأة سوريا بهذه الفلسفة المتعبة، وكنت أحب أن أقرر مبدئي هذا ~~بالمقدمات والنتائج الطويلة، ولكن يكفي الآن أنني أوضحت لك وجود حبين في هذه الحياة، ولو ~~كنت أخاطب الرجل لكنت لا أرى بدا من الاستناد على الحقائق العلمية، أما أنت فيكفيني ~~لإقناعك أن تناجي قلبك المركب من تراب ومن روح، فيقول لك إنه أحب بالروح مرة ولم يسلم من حب ~~الجسد أحيانا. # وإذا أنت على ثقة من وجود هذين الحبين فاسمحي لي أن أسألك عن ماهية الحب الذي يربطك ~~بزوجك. ms13 # اسمحي أن أجاوب عنك، وهذا الجواب هو الجرح المؤلم الذي سيخرج نقطة الدم السوداء الكامنة ~~في قلبك. # إن رابطة زواجك على ما هي لهي أدنى رتبة من رابطة الاتحاد الذي يقرب الحيوان لحفظ النوع، ~~الحيوان يتبع البداهة وهي شريعته فهو يتبعها، أما الإنسان فشريعته غير هذه، ومع ذلك فهو ~~يقتبس بداهة الحيوان، ولا يكفي بأخذها على ما هي بل يدفعها إلى أبعد انحطاط بإدخال التجارة ~~عليها؛ لأن من بين مخلوقات الله كلها لا يوجد غير الإنسان تاجرا ومضاربا ومحتكرا؛ لبعد ~~المحجة التي تصل إليها أنانيته، فالزواج الخالي من اتحاد الروحين لهو أسقط من اتحاد الحيوان ~~لكونه لا يرتكز على حب الجسد للجسد فقط؛ بل يرسو أيضا على حب الأمجاد الباطلة والزخرفة ~~والتبرج والطمع والكسل وكل معائب البشر وسفالاتهم، هو مدعوم بفساد في الرجل من جهة، وبزخارف ~~المرأة وأنانيتها الكاذبة من جهة أخرى. # الرجل يجود بماله لينعم جسده بقتل روحه، والمرأة تجود بجسدها بالتدليس والمراوغة قاتلة ~~عواطفها، إذا وجد الرجل برودة في حب شريكته فهو يعمد إلى الأطالس والحلي مقويا بذلك شر ~~المرأة وضلالها، وهي إذا لحظت منه فتورا تسرف بالدلال وتبذر بالخلاعة، مفتكرة أنها تداوي ~~الرجل فتزيده ولوعا بالتهتك وتقتل نفسه بالتدريج، حتى يصل الزوجان إلى درجة لا يظنان بها ~~أن لهما نفسا ... # أغلب الزيجات السورية منضمة بقوة الجمال مقدسة بشريعة المال، وما بين هاتين القوتين لقد ~~أصبح الزواج الشقي كسفينة محطمة، تحمل العائلات التعيسة لتقلبها على أمواج الغنى والفقر تحت ~~رحمة الزوابع وإعصار الجمال وفقدانه. # أيتها العائلات السورية ما أتعس داخليتك! حرب الاقتصاد المنهك القوى من الخارج، وفي قلبك ~~حرب الحيوان الذي يقتل الروح ويقضي على مبدأ التعزية الوحيد للإنسان، قلت لك يا امرأة سوريا ~~بأنك تشكين من زوجك أمرين؛ الأول: عدم اندغام نفسه بنفسك، والثاني: كسره لقيود الأمانة وهو ~~يشددها عليك، وقد بحثت بهذا الداء الأخير بحثا وافيا بفصل خاص هو «الخائن والخائنة»، ~~ووجهت كلامي به للرجل؛ لأنه مخطئ بظن نتج عنه كل ضلاله، فحاولت إقناعه بالبراهين القاطعة ms14 ~~ليصلح نفسه، أما الداء الأول فهو متأت عن خطإ مزدوج يقترفه الزوج والزوجة معا، ولو ~~تمعنا مليا لوجدنا جرثومة هذا الخطإ متأصلة بالأكثر في قلب المرأة وعواطفها، ولهذا اسمحي ~~لي أيتها العقيلة أن أوجه كلامي إليك. # لقد بينت لك السبب الذي تتألف منه النفوس وتندغم به الأرواح لتتفاهم، وأظهرت لك ضلال ~~السبيل الذي تسيرين عليه، وضرر الدواء الذي تستعملينه لشفاء العلة، وها أنا ذا أكرر لديك ~~القول بعبث محاولة الجسد أن يكتسب محبة الروح، أنت تحسبين بالتبرج والزينة قوة تحول إليك ~~عواطف الرجل، فتعمدين إلى الملابس المتنوعة الأشكال التي تأتيك عن موض أوروبا وأنت لا ~~تعلمين مصدرها الأصلي، وأنا أقول لك بأن هذه الأنواع بالملبس المكشوف الذي تحاول النساء به ~~ضمور البطن وبروز الصدر وتضخم الردف، إنما هي موض تمخض بها دماغ المتهتكات، فطبقن الأزياء ~~على نتائج أمور أجل العقائل عن إدراكها ... وقد رأت نساء العالم المتمدن هذه الأزياء ورأين ~~رهطا من الرجال يتبعون لابساتها، فخيل لهن أن الجاذب للثوب والقوة للزي؛ فلبسن مثل هذه ~~الأزياء ولم يعلمن ما وراء الأكمة من الخفايا الهائلة، وأنت يا امرأة الوطن رأيت هذه ~~الملابس فأعجبتك؛ لأن في قلبك الساذج مبدأ حب السطوة بالحب، وقد ضللت بتحسينك الجسد دون ~~الروح، ضللت لأنك تريدين مخاصمة العاهرة وهي من هذه الحيثية أقوى منك، فمهما بالغت بتقليدها ~~فإنما أنت تقلدين ملابسها فقط، ولا يمكن لك أن تقلدي المبدأ السافل الذي أوحى هذه الملابس ~~في هذا العصر الفاسد، الذي ضلت به المرأة من جور الرجل، وأمست المرأة الضالة شبكة هائلة له ~~لم يبق من دواء لحفظ عفاف الرجل سوى غلبة المرأة الفاضلة وانتصارها على المرأة الساقطة، ~~فاعلمي أيتها السيدة بأن زوجك معرض بكل يوم لقوة عدوتك، وأول واجب عليك هو الانتصار عليها، ~~ولكن كيف يجب أن تحاربي؟ # احترزي محاربة عدوتك بسلاحها؛ فإنك مهما بالغت بالتشبه لا لا تصلين إلى مناهضتها، ويوم ~~تصل قوتك إلى درجة قوتها ففي ذلك الحين تصبحين مثلها وتمتنع عليك وحدة الحب؛ فيتحول مهد ~~العائلة ms15 إلى جحيم دائم ... # حولي كل قواك إلى استعمال سلاح الروح، فإنه الضربة القاضية على عدوتك التي ماتت روحها ~~وتحول جمال نفسها إلى زخرفة باطلة. # اتركي زوجك يشعر بقوة غالبة فيك تنبعث عن نفسك كما تنبعث أشعة الحياة من نور الشمس ~~المشرقة، تعلمي أن تقاومي الشدة باللين، والقساوة بالحنان، والتوحش باللطف، تعودي أن تناهضي ~~الكذب بالصدق، والرياء بحرية الضمير، واعلمي بأن المشترع العظيم لما نادى بهذه الحكمة ~~السامية قائلا: من ضربك على خدك الأيمن فحول له الأيسر، اعلمي بأن ذلك الفادي العارف ~~بخفايا القلب البشري لم يطلب من الإنسان إلا ما يعزز الإنسانية، أراد أن يقاوم الشر بالخير ~~لا أن تداوى الجراح بالجراح والفاسد بأفسد منه. # إذا خانك زوجك فأول ما يخطر على بالك أن تخونيه أيتها الامرأة، وما أنت إذ ذاك إلا خائنة ~~نفسك، أنت منتقمة ولست مصلحة، إذا جار عليك فأول ما يعن على بالك أن تنادي بالويل ~~والثبور؛ فتحاربينه بسلاح الفجور، وكل خطوة يخطوها زوجك نحو الهوة تسبقينه أنت بمثلها إلى ~~قعر الهاوية. # لا تتمردي أيتها العقيلة، لا تقولي إنني ظالم بما أطلب، ارجعي إلى وجدانك واسمعي فهو ~~يناديك بما أخاطبك به الآن. # إذا كان إصلاح الفتاة موكول إلى ضمير أبيها، إذا كانت تربية نساء الغد ملقاة على عاتق رجل ~~اليوم، فإصلاح رجل اليوم لهو من واجب امرأته، الرجل يربي الطفلة ويوحي المكارم إلى قلب ~~الغادة، ولكن حين تصبح الغادة عقيلة فأول واجباتها ترقية عواطف الرجل؛ لأن الرجل أشد ~~التصاقا بالمادة منها، هو يجاهد في ألفة سوريا الضالة، ولهذا فهو أقرب إلى الفساد لبعده عن ~~العاطفة المجردة، إذا وجدت ابنة ضالة فاحكم بضلال أبيها، ولكنني كلما رأيت رجلا فاسدا ~~فأول ما يخطر على أحكامي ضعف في روح زوجته ووهن في عواطفها. # نعم أيتها المرأة أنت مطالبة بإصلاح زوجك، إذا كان الرجل رأس المرأة فالمرأة أعظم من ~~الرأس؛ لأنها روح الرجل التي توحي إليه بالمكارم والانحطاط دورا فدورا ... وروحك إن لم تكن ~~ساقطة إلى آخر أدوار السقوط، فهي دائما ms16 أرقى من نفس الرجل؛ لأن أبواب الفساد كثيرة أمامه ~~وأنت لا هاوية إلا هاوية التبرج والولوع بالجمال الزائل أمامك، أنت أقرب منه إلى نفسك؛ لأن ~~الرجل ملاصق في كل يوم للأباطيل يمشي في هذه الحياة مجاهدا في سبيل رزقه والكبرياء وحب ~~التحكم والكذب والسرقة والاحتيال والخداع، كلها تتبعه كجند الويل في معترك تنازع البقاء ~~الذي جعله التمدن أشد وقعا على النفوس من معترك الأسنة والصفاح. # بينما يكون الرجل تائها في مهامه وأعماله، وضغط المادة يلاشي بالتدريج عظمة وجدانه، ~~تكونين أنت أيتها الامرأة راكعة إلى جانب السرير تقوين روحك من لمعات العالم الأعلى الذي ~~يتجلى أمامك مجردا من بين أهداب طفلك الشاخص إلى الحياة بكل مجد النفس وعفافها. # بينما يكون الرجل عاملا بتجارته لاحتكار لقمة الخبر التي ينبتها أخوه من الأرض بعرق ~~جبينه، بينما يكون مدفوعا بقوة الحاجة والتطلب سائرا بالظلم إلى البطر وبحمل الويل إلى ~~الاختلاس والكفر، تكونين أنت أيتها المرأة تعدين بيتك لاستقبال ضنك الرجل وتحويله إلى راحة ~~لاستقبال ظلمه وتحويله إلى حنان وشفقة، لاستقبال كفره وتحويله إلى إيمان بين يديك وعلى شفاه ~~ملائكة البشر وهم الأطفال ... # بينما يكون الرجل سائرا في عرض الفلاة وعلى صفحات البحار يشحذ البتار ويملئ المدافع من ~~سواد قلبه ليطلقها على إخوته مع نار شره، تكونين أنت أيتها المرأة جالسة إلى سرير الجريح ~~ضامدة جراحه بيدك، ولفتات الحنان تسيل من مقلتيك مبرهنة له بانحصار الإنسانية فيك، وأن الله ~~خلقك هيكلا تتجلى به روحه للإنسان حينما يعميه الضلال، أنت إذ ذاك تقولين له: «إذا كانت يد ~~الرجل تضرب، فيد المرأة تعرف أن تشفي، إذا كانت قساوة الرجل تلقي العار على الإنسانية، ~~فحنان المرأة يشتري ذلك العار ويرفعه عنها، إذا كان ضلال الرجل وظلمه يقودان إلى الكفر، ~~فتضحية المرأة وعذوبة روحها يثبتان وجود الله.» # هذه أنت أيتها المرأة فاعرفي من أنت، لقد قيل عنك أيتها المرأة بأنك أفقدت الرجل جنة ~~الخلد منذ البدء، فمن ترى يثبت لنا هذه القصة المحجوبة حقيقتها وراء الأعصار الخالية ... أنا ~~لا ms17 أرجع ثمانية آلاف سنة إلى الوراء لأعرف ما هو مقام المرأة إزاء الرجل؛ بل أدير أنظاري ~~إلى ما حولي فأتأكد بأن المرأة هي تلك الحلقة الذهبية التي تربط الرجل بما فوق، وهي إذا ~~فسدت حلقة حديدية تربطه في اللجة، أعلم بأن المرأة كائن تقيده الأرض بالرجل، وروحه تجول قبل ~~الموت في عوالم بعد الموت، أعلم بأن روح الرجل تغشيها كثافة المادة أكثر من روح المرأة، ~~وأنه إذا صعب على الرجل أن يرقي امرأة فاسدة لطبقة نفسه، فليس بالصعب على المرأة الراقية أن ~~ترفع روح الرجل الدنسة إلى طبقة روحها. # كلمة إخلاص حقيقية خارجة من صميم قلب المرأة، ونسمة مجد تهب من روحها تقدر أن تدفع روح ~~الرجل المتأخرة إلى الطبقات العلوية التي سمح للأرواح أن تتسنمها على هذه الأرض. # الرجل لا يمكنه أن يفسد امرأة فاضلة ويجرها إلى السقوط ما لم يستعن بقوة الجن ويمضي ~~السنين الطوال معالجة بالاسترحام والقسوة، وهو بعد العناء الشديد لا يكفل لنفسه نجاحا ~~بقصده السافل. # أما الرجل فمهما زاد فضله وارتقت نفسه، فهو أقل مقاومة للشر من المرأة، لفتة فاحشة تضرم ~~النار في قلبه، حركة نهد واهتزاز ردف تدفع نفسه إلى شفير الهاوية. # سطوتك عظيمة أيتها المرأة؛ لأن نفسك أقوى من نفس الرجل، وسلطتك تتبعه من جنب سريره حتى ما ~~وراء قبره وتلازمه في عالم الأرواح وفي الخلود. # إذا كانت روحك وروح زوجك لا تتفاهمان، فذلك لأن كل روح تجول بطبقتها وحدها فهو يئن منك ~~وأنت تبكين منه. # إذا كنت تشعرين بأن زوجك أدنى منك طبقة وأقرب إلى المادة، فانزلي معه إلى طبقته، وبعد أن ~~تتملك يداك بقلبه انشري جناح روحك أيتها الملاك وارتفعي مع قبضة التراب الزائلة إلى طبقة ~~الحب الخالد الذي لا يزول، تدرجي به رويدا إلى حيث يصبح الحب عبادة والعطف تقديسا، وحينئذ ~~انظري إلى نتيجة جهادك وضعي يدك على قلبك فيناجيك بكل أسرار الحب وأمجاده، فإن المرأة تحب ~~الرجل الراقي ولكنها تعبد الرجل الذي صار بفضلها راقيا. # وإذا كنت أيتها المرأة ms18 منتفخة بالكبرياء، وحب التبرج قاتل نفسك، فاعلمي بأنك عبدة أميالك ~~أولا وعبدة الذي يتبع تلك الأميال ثانيا، اعلمي بأنك ما دمت أسيرة هذه السفاسف فلست ~~امرأة؛ بل أنت حيوان ضال يسير إلى الهاوية ومعه كل ما يحمل، أيتها المرأة أنا لم أجد كائنا ~~حكمته الأميال وتمكن من الحكم، كل نفس تضغط عليها المادة لا يمكن لها أن تصلح ذاتها، فكيف ~~تقدر على إصلاح السوي؟ إن الذي لا يحكم على نفسه فهو مخلوق للعبودية، إذا كنت لا تحتقرين ~~الخاتم والفسطان فكيف تريدين أن تنجلي روحك ليعبدها الرجل؟ إذا كنت ترين كل جمالك بجسدك ~~وتحولين كل قواك للتسلط بهذا الجمال، فالرجل يحب هذا الجسد الذي تحصرين به جمالك، ولكنه لا ~~يتعلق بك ولا يفهم أن لك ذاتا مستقلة، المرأة التي لا تجد بذاتها غير طرف كحيل وخصر نحيل ~~وثغر بسام تقدمها لزوجها، فلتكن على ثقة بأن هذا الزوج سيخونها بأول فرصة تنفرج لديه، أيتها ~~المرأة افهمي جيدا ما أقول: جمال الجسد يجذب الجسد إلى كل جمال مشابه به فكلما قدمت لرجلك ~~تحسينا جديدا تنفتح قابليته فيركض وراء كل حسن أينما وجده، المادة لا تشبع ... الذوق ~~الترابي متشعب إلى ما لا نهاية له، وأعصاره تهب من حيث لا ندري ... جمال الجسد يسكر ويزول، ~~أما جمال الروح فيؤثر على الروح، والنفس المحبة إذا فهمت كيف تسطو على نفس من تحب فهي ~~تعطيها السعادة وتربطها إلى الأبد ... # الرجل يمكن أن يحفظ عاطفة الصداقة لخمسين رجل مثله برتبة واحدة؛ لأن الأرواح متشابهة بهم ~~نوعا وجنسا، والمرأة يمكن لها ما يمكن للرجل من تعدد الصديقات، أما الحب المتأصل ما بين ~~نفس رجل ونفس امرأة تتفاهمان، فذلك حب لا يقبل شركا؛ لأن السلب والإيجاب من أصل واحد ~~يندغمان اندغاما لا يقبل الانفصال، وكما أن التعقل الواحد لا يمكن له أن ينتج إرادتين ~~مختلفتين هكذا، لا يمكن لروح الرجل أن تحب امرأتين، وكما أن الإرادة الواحدة لا يمكن أن ~~تنقسم لتعقلين مختلفين هكذا المرأة لا يمكن لها أن تحب ms19 أكثر من رجل واحد. # أنت مخيرة أيتها المرأة بين حب الجسد وحب الروح، وكل حب مرتكز على الجمال وقد عرفت ماهية ~~الجمالين فادفعي إلى الارتقاء أيهما تشائين، قوي عواطفك كل يوم بالتدرب على كل ما هو رحمة ~~وحنان ومغفرة ونكران ذات، ترفعي عن السفاسف والحدة التي تعلن ضعف العقل، فلا يطول حتى تري ~~نفسك محلقة في فضاء جديد يمدك بقوة عجيبة، تشدد روحك إلى رفع كل من حولك لطبقتها، فيسود ~~التفاهم بينك وبين رجلك وتكون العائلة مديونة لك بسعادتها. # أيتها السيدة لا تعترضي علي مدعية بأن زوجك بالغ درجة من التقهقر تتلاشى عندها كل ~~محاولة سامية، أنا أعلم بأن الخير أصل؛ لأنه أزلي، والشر طارئ حوال لأنه عارض لا كيان له ~~بذاته، ولهذا لا يمكن أن نجد على الأرض كائنا نزع منه مبدأ الخير إلى النهاية، فتشي عن ~~أسباب الشر في رجلك، اطمحي إلى معرفة مبدأ الشقا ولا تتلهي بالبكاء على نتائجه فقط، ليس ~~الشر إلا مصيبة على عاتق الشرير تتمرر روحه من حملها، ليس سكير إلا ويتحرق بعد سكره، ليس ~~محب للتهتك إلا ويسطو عليه خمود تتألم الروح منه حين يتلاشى الشبق بعد جهاد الأجسام، ليس ~~سارق إلا ويود ألا يكون كذلك، ليس قاتل إلا وترتجف روحه طي جسده المتعب، ليس متكبر إلا ~~ونفسه تتمرر من حمل كبريائه. # كل شر في الإنسان له حالتان؛ حالة الهياج وحالة الوهن والهمود. # لم يذكر لنا التاريخ رجلا أعظم شرا من نيرون العاتي، وكان هذا الرجل مع كل شره في ~~حياته المملوءة بالمظالم والمغموسة بالدماء ينطرح أحيانا باكيا عند أقدام العرش، وفي نفسه ~~كل المصائب التي كان يلقيها على كاهل الشعب بالعبودية والموت، فلو وجدت في تلك الفترات نفس ~~سلبية راقية، نفس امرأة تعرف كيف ترقي الأرواح المنحطة إلى طبقتها لتحولت صفحة التاريخ ~~السوداء التي تختم ملك الرومان إلى صفحة أمجاد وعظمة وارتقاء. # في مثل هذه الفترات يجب أن تتجلى روحك بكل عظمتها أيتها المرأة، لا تحاولي إصلاح زوجك وهو ~~ثامل بشره؛ لأن ms20 مثل هذا الإصلاح يستوجب العنف والصرامة، وأنت إذ تحاولين الحصول على ~~هاتين الصفتين لا تبلغين القوة اللازمة لمعارضة الرجل، بل تفقدين قوة عذوبتك وشدة روحك، ~~انتظري حتى تسقط الزوبعة وحين يسطو الهمود على زوجك بمفعول رد الفعل، تقدمي حينئذ وأظهري ~~النصح بلا تعنيف، تأسفي معه على سقوطه ولا ترمي خطيته بوجهه كفساد لا يزول؛ لأن كبرياء ~~الرجل منتبهة دائما لتعضد كل ما يأتيه حتى الشر، فإذا جرحت هذا القسم من محبة الذات ~~البشرية، يتحول ندم الرجل إلى عنف وصلف، ويبدأ أن يبرهن لك عن صلاح الشر فيصير الأسود ~~أبيض ويحول الحسن إلى قبيح، وهكذا لا يلبث أن يقنع نفسه بالحجة التي يدافع بها فيدخل الشر ~~إلى روحه ويتأصل بها فلا يزول، إذا كان الضلال خطأ في زوجك فلا تحوليه بتعنيفك إلى صفة ~~ملازمة ... كوني حكيمة وارفعي الوهن والزيغان من روحك أولا، وحينئذ كل كلمة تنطقين بها يكون ~~لها دوي في نفس من يسمعها، إن هذه العوالم السابحة في الفضاء بنظام أبدي لهي محركة بقوة روح ~~واحدة، تنبعث عنها كل الأرواح المستقلة إلى أمد، وليست القوى المادية إلا مظهرا أو خيالا ~~لإرادة تلك الروح السامية التي بدونها لم يكن شيء مما هو كائن. # فاجتهدي أيتها المرأة أن ترقي نفسك إلى الأوج الأعلى لتلامس قوى الروح الأولى فتصبح قوتك ~~مطلقة وإرادتك صالحة واجبة الإتمام على كل من يشعر بها. # أيتها المرأة اعلمي بأن التفاهم هو الذي يولد الحب الأكيد ولا يخال لك بأن الحب هو أصل ~~التفاهم، انظري ما حولك وتمعني تجدي أكثر من شاب وفتاة كان أصل زواجهما حب مولد عن نظرة ~~وابتسامة وسلام، فما مر على اتصالهما ردح من الدهر حتى تحول الحب إلى نفور وحارت اللذة ~~عذابا أليما، ليس التفاهم ابن الحب بل الحب نتيجة التفاهم، فاعرفي أن تميزي بين الأصل ~~والفرع، كوني على ثقة بأن وجود روحين في طبقة واحدة من الرقي ينتج الحب الجسدي اضطرارا، ~~ومن الشواذ أن يقترب جسدان بالحب وينتهي اقترابهما بالتفاهم الروحي، النتيجة لا ms21 تصير مصدرا ~~لأصلها، فاجتهدي أن تجمعك بزوجك طبقة واحدة من الارتقاء، وحينئذ تكوني أتممت الواجب الذي ~~تنتظره الإنسانية منك وتناديك به الوطنية وقد حصرت بك نصف آمالها. # أيتها العقيلة إن وجود التفاهم قبل الزواج لهو خير من الاجتهاد لإيجاده فيما بعد، ~~والوقاية أفضل من العلاج، ولكن هذه الألفة السورية المقسمة بأوهام العائلات وقوة المال، هذه ~~الألفة التي رسا ترتيبها على الظاهر واختنقت بها الداخليات في النفوس، لهي بعيدة جدا عن ~~تقريب الذاتين المتفاهمتين، وقلما تتفاهم روحان في بلادنا إلا وتقف بينهما الحواجز ~~الهائلة سدا منيعا، لا يوجد شاب واحد في سوريا يمكنه أن يترك روحه تجول بين غاداتها ~~طالبة أختها للانضمام وإيجاد السعادة، كل شاب منا قد أحب مرة وتفاهمت روحه مع من يحب، ~~فجاءت قوة المادة تقطع الرباط وتجرح القلب رامية الروحين على حضيض اليأس والقنوط، لا يوجد ~~غادة في سوريا يمكنها أن تتبع أميال روحها، وقلما نادى قلب غادة بالحب دون أن تخنق صوته يد ~~الحاجة وضغط الوسط المادي. # نحن الآن نجاهد في ألفة ارتكز بها كل شيء على حرب الاقتصاد السياسي، فأصبحت كل حاجات ~~النفس مساقة بقوة المادة، ولهذا يجب على المفكرين الذين يتألمون لجرح العواطف وبيع الأرواح ~~أن يداووا العلة من أصلها، ويشتغلوا لرفع الضنك الذي يخنقنا لرضوخ حياتنا المادية لعبودية ~~الأجانب، وحين تتفرق قوى الحياة بالتناسب ما بين طبقات النفوس لا بحسب طبقات المال، فحينئذ ~~يمكن للأرواح أن تتفاهم قبل الزواج، ونكفي المرأة مئونة الشقا الذي تتحمله والعظمة التي ~~نكلفها إياها لمداواة العلة الهائلة. # أما الدواء الذي يصفه المفكرون أيتها المرأة السورية، دواء التمرد وكسر القيود، فذلك حكم ~~يشابه مبدأ الفوضويين الذين يريدون نزع السلطة من بين الناس، فلا يصلون إلا لنتيجة واحدة ~~وهي قتل أفراد معدودين وإهلاك القاتل نفسه ... # هكذا أنت أيتها المرأة إذا تمردت على رباط الزواج فإنما أنت جارحة لمبدأ الشريعة جرحا ~~واحدا، ومثخنة نفسك بألف جرح، لم نر لليوم امرأة تركت زوجها في سوريا ولم تتلقفها الأيدي ~~الغريبة مرارا لتطرحها أخيرا ms22 إلى الهوة الهائلة الفاغرة فاها لابتلاع الأزهار الجميلة ~~التي أضلها الريح، ودفعتها عواصف التمرد إلى سبيل الشقاء. # ابقي أيتها المرأة في بيتك واعلمي بأن مملكتك محصورة ضمن هذه الجدران التي اخترتها لك ~~مسكنا، فإن كان هذا المسكن خاليا من الحب؛ فذلك لأنك ساعدت الرجل على طرح الروح من ~~نوافذه، إذا كان هذه المسكن مملوءا بشياطين الغيرة فذلك لأنك رضيت من الرجل حبه لجسدك ~~وحصرت كل جمالك بالظواهر الكاذبة. # مهما كنت محرومة من الجمال أيتها المرأة فمن السهل أن تصيري أجمل من أجمل امرأة، إذا كانت ~~قامتك محدوبة بلا ارتفاع ولا تناسب، فالحركة التي تعطيها الروح الراقية للجسد تجعل قامتك ~~هيفاء وخطواتك كلها مجد وعظمة حقيقية، إذا كانت عيناك صغيرتين بلا معنى ولا قوة، فحين ترتقي ~~روحك يخرج من بين أجفانك نور يكسف نور الشمس ويدخل الحياة بمن حولك، إذا كان فمك واسعا ~~ضخما بلا أقل جمال، فحين ترتقي روحك تمر على شفاهك ابتسامة تجعل المصائب سعادة والظلام ~~نورا باهرا. # لقد سمعت مرارا رجالا يقولون: إن فلانة ليست جميلة ولكن بها شيئا لا نعلم ما هو يقبض ~~على روح الرجل فيجعله أسيرا. # فإلى مثل هذا الجمال قد حولت أبصارك يا أختي وهذا هو الحسن الذي علمتك أن تكتسبيه. # أول شرط لبلوغ الجمال هو إهمال الجمال حتى يتولد ~~حسن النفس ويعود منصبا من الداخل إلى الخارج، فيصبح جمالا حقيقيا يخشع أمامه الناظر ~~وهو لا يعرف ماهيته ... # إذا قمت بكل هذه الواجبات التي خططتها لك وبقي الرجل مستمرا على غيه، إذا بقيت روحه ~~جامدة لا تشعر؛ فذلك لأن داءه داء عياء لخلوه من كل عاطفة وسقوطه إلى درجة الحيوان؛ ذلك ~~لأن روح ذلك الرجل لم تعد مرتكزة على إحدى طبقات النفوس البشرية، ويخال لي أنها أتت إلى ~~العالم لتخرج منه محملة بالرجاسات والدنايا التي تكون ذاتية حياتها الأبدية، ومثل هذا ~~الرجل يندر وجوده إن لم أقل يستحيل، وإن كانت الأقدار قد ألقت عليك مثل هذه المصيبة ~~الهائلة، فإن الحياة لم تحرمك من موضع ms23 تسكبين عليه حبك المعذب، انحني على السرير أيتها الأم ~~ورقي نطفة حياة الرجل الذي تمرد على مجدك السماوي، علمي الإنسان يفهم اتحاد الأرواح، فإن ~~الولد الذي لم يحب أمه لا يقدر فيما بعد أن يدغم روحه بروح جنسك السامي. # أنت ضحية رجل لم يستمد من عيني أمه ذلك الشعاع الذي يرثه الإنسان ويتركه لمن بعده إلى ~~نهاية الدنيا، لست ضحية الرجل أيتها العقيلة التاعسة، بل أنت ضحية أم مثلك، فأعدي لأختك في ~~الجنس ولدا لا يتمرد على نور الحياة التي يبعثها الله من جنانه إلى الأرض، متألقة من بين ~~أجفان الملاك الذي يعزي الإنسان ويذكره بالأبدية. # وإذا حرمك الله من الطفل وكانت روحك أرملة، وكان زوجك حيوانا تسلطت الأنانية عليه فلا ~~يشعر بوجود شيء غير ذاته، إذا كنت بهذه الحالة أيها الملاك الشهيد وحاولت عبثا أن تتفاهمي ~~مع زوجك، فاعلمي بأن روحك المرتقية هي حرة في طبقتها السامية كالهواء على جبال صنين، انظري ~~من علو مجدك إلى الحيوان السافل الذي يملك جسدك وتأسفي على مخلوق يكفيه قصاصا أنه محروم من ~~تعزية انضمام الأرواح، وليس الجحيم في الأبدية غير انفراد النفس مع شرها وحرمانها عذوبة ~~الارتقاء، أما أنت فليست نفسك منفردة في طبقتها، هي تلامس الخير والحق، وحين تلمس روح زوجك ~~الساقطة، فحينئذ تنبعث من ذلك التقارب شرارة تنير قلبك وتحرق قلبه، هي شرارة الضحية السامية ~~التي ما برحت منذ بداية العالم تجول في كل طبقات العالم، عند أقدام العروش وفي زوايا القصور ~~والمحاكم والكنائس والسجون، على مناضد الكتاب ومن فوق منابر الخطباء، هي شرارة الضحية التي ~~لمعت منذ عشرين قرنا بكل قوة النور من جنب الفادي، فحملتها كلمته المقدسة من قرب الموت ~~لتدخل الحياة في الموت، تلك الكلمة التي يجب أن يتعلمها كل عظيم وهي: # اغفر لهم يارب؛ لأنهم لا يدرون ما يفعلون. # أيتها الامرأة لك أسوة بالنفوس الكبيرة التي لم تفهمها صغارة الوجود، فسلام على روحك؛ ~~لأنني أعبد بها إله الضحية. ~~••• # لقد كثر لغط الكتاب في تحديد واجباتك كأم ms24 أيتها المرأة، امتلأت الجرايد وشحنت الكتب ~~منادية بوجوب ارتقاء الوالدة لتهذب بنيها وتربيهم على المبادئ الحسنة الرفيعة، حتى أصبح كل ~~مناد بهذا الموضوع كالمنشد أغنية يتشدق بها أولاد الأسواق، وغدا هذا البحث متبذلا يعطيه ~~المعلمون موضوعا لتمرين الصبيان على الإنشاء بين جدران المدارس. # أنا لا أريد زيادة صفحة جديدة على الصفحات التي طرحها الابتذال على حضيض النسيان، وألقتها ~~الأيدي موضع الضجيج الذي لا يتجاوز تأثيره مفعول تخديش الآذان. # لقد كتب علماء الأخلاق كلاما مطولا في موضوع الأم، فذهبت بعض أقوالهم مثلا وبقي بعضها ~~في المجلدات الضخمة التي لا تصل إليها أيدي الكل، فاتخذها رهط الكتاب موردا للانتحال ~~مرددين في الألفة السورية ما هو فضلات المفكرين وكسرات تتساقط عن موائد المنشئين. # إن مثل هذه الأقوال المجموعة نثرا من كل مجموع لا تضمها قوة موحدة، ولا يدفعها إلى ~~الاستنتاج منطق صحيح، لهي كالأرياح العاصفة من كل جهة تتلاطم قواها على المحجة فتحطمها ولا ~~تديرها، هذه الأقوال التي تخاطب العقل تارة وتلمس القلب أخرى، تقع على شعور الأم فتزيده ~~همودا إذا كان هامدا وتدخل إليه الضجر إذا كان منتبها. # أيتها الأم لا تخافي، أنا لا أكتب لك فصلا من هذه الفصول المملة بالمواعظ المتناقضة، إن ~~ما ستقرئينه ليس كتابة فيلسوف ولا قصيدة شاعر، ليس ذلك مواد شريعة ولا صوت كاهن ينادي على ~~المذبح، إن ما سأكتبه لهو أعمق من صوت الفيلسوف، هو أقوى من قوة الشريعة وأعلى من هتاف ~~الكاهن، هو كلام لولد صغير بكى فسمعت بكاءه يدوي في الألفة كالرعد، وتساقطت دموعه ~~فالتقطتها برأس هذا القلم الذي تعود أن يغمس في الدموع ليجفف الأهداب المبللة من ضلال ~~الإنسان. # رأيت ولدا بلا أم يردد مع الأنين ما لم يكتبه فيلسوف من واجبات الأم، فأصغيت إليه ~~طويلا حتى تبين لي أنني لا أبلغ نصف فصاحته مهما تأملت وكتبت، فعرفت أن المفتكر لا يمكنه ~~أن ينطق بكلمة تصور الأشجان كالكلمة التي تخرج من قلب المضروب نفسه، مهما بالغ المفكر في ~~تحديد واجبات الأم، فلا يمكنه ms25 أن يحددها كالطفل الذي يشعر بوجدان لم تكيفه آراء البشر ~~وأضاليلهم. # فيا أيتها الأم ويا أيتها الغادة السائرة بحكم الله إلى الأمومة، طالعي بإمعان هذه ~~الرواية الصغيرة التي أنقلها لك كما وردت لي بعباراتها الساذجة، وأقوالها التي تعلو بضعفها ~~على كل قوة، اتركي فلسفة الأخلاقيين ولغط الكتاب المختلفين على كيفية تربيتك، واسمعي صوت ~~الطفل فهو صوت من الله، تعلمي منه واجباتك فقد كنت مثله طفلة وشعرت مثله بتلك المحبة ~~البنوية التي تلامس العبادة، واجتهدي ألا تدعي ابنك يعبد بك صنما مدنسا لئلا يتعود ~~الركوع أمام باعال والسجود أمام الصنم الذهبي ... # اعتراف ولد # كان لي أم أجمل من كل الأمهات ومن كل النساء، أذكرها وهي محنية فوق سريري تتجلى ~~لعيني بأغرب جمالها الساحر، فتلقي على جبيني قبلة تترك بعدها عبيرا سماويا يتضوع ~~طويلا بين ستائر مهدي، فكنت أتبسم لمرآها وأنظر إليها كنظري لشعاع الشمس أو لتموج ~~الألوان السبعة في الأفق، كنت أفرح لقربها بكل القوى السامية التي أعطاها الله لنا نحن ~~الأطفال. # كنت أحب أبي وأحب مرضعتي، أما أمي فكنت أعبدها، وما تفردت وحدي بالإعجاب بها، فإن كل ~~ناظر إليها كان يشعر بعظمة جمالها، وكم من مرة سمعت الناس يقولون وهم يتأملون بملامح ~~وجهي: لا عجب أن يكون هذا الصبي جميلا فإن أمه إلهة الجمال، وما أشد ما كان فرحي حينما ~~صرت أخرج معها إلى المدينة لابسا سروالي الأحمر القصير، متمسكا بيدها وهي تخطر ~~كالغزال بل كروح لا تمس الأرض رجلاها فتستأسر الأبصار، وأسمع من كل فم كلمات الإعجاب، ~~حينئذ كنت أشعر بحركة غريبة في فؤادي الصغير وأنادي بصوت عال: يا أماه! يا ~~أماه! # فتجيبني: مالك يا ولدي. # فأسكت، وما كنت أنادي هكذا إلا ليعلم الكل أن هذه هي أمي الجميلة. # ولست أذكر أني أغضبتها بتصرفي ولا مرة، وكان يكفي لوصيفتي أن تذكرني بوالدتي لأحجم عن ~~كل عمل مغاير لإرادتها. # وكان لي أن أرى أمي مرتين بالنهار فقط فأذهب إليها لتسمع مثائلي، فإذا أجدت بحفظها ~~سمحت لي بالبقاء في غرفتها وهي ms26 تسرح غدائر شعرها الذهبي المترامي على أكتافها كحلقات ~~تشبه النجوم التي تترجرج في كبد الضحى. # كم كنت أحب في ذلك الحين أن أسمع صوتها الرخيم يكلمني بهدوء، ولكن الأمهات كثيرات ~~الشغف بكل ما لا يدعى واجبا، فكانت أفكارها مشردة تترفع عن السقوط إلى درجة فهم ولدها ~~الذي يعبدها ... # كان لأمي فساطين عديدة تجربها وزيارات متتابعة تقوم بها، وأشخاص عديدون تتلهى بحبهم ~~عني، وكم من مرة ذهبت إلى المراقص بأول الليل ولم ترجع إلا بعد رقادي فحرمت منها قبلة ~~المساء ... # وأذكر بأن مرة سمح لي بالسهر لبعد عودتها من المرقص كي أراها بثوبها الجميل، فلما ~~دخلت إلى البهو الكبير بعد أن أعياني الهجود رأيتها مسربلة بالحرائر، وقد ظهر صدرها ~~كبرج عاج عليه الثديان اللذان أرضعاني مطلوقين لكل ناظر ... فانبهرت عيناي من هذا المشهد، ~~وكدت لا أعرف أمي بتلك الغانية الهيفاء، لو لم ينبض قلبي بشدة فجثوت على ركبتي ولم أجسر ~~أن أمس طرف ثوبها فقالت لي: مالك لا تقبلني يا ولدي؟ # فشرقت إذ ذاك بدموعي وأجبت: أنت جميلة جدا يا أماه، أنت أجمل ما أرى ... لا تتركيني ... ~~ابقي معي دائما، فكان جوابها: ألا تريد أن تسكن روعك أيها المجنون، أين الوصيفة لتأخذه ~~إلى سريره؟ # ولما بلغت السادسة من عمري أرسلت إلى المدرسة، فكنت أرقد مع بقية الأولاد في غرفة ~~النوم الباردة وأتأسف على حالتي غير ذاكر من ماضي شيئا سوى أمي ... # وكانت تحضر كل أسبوع لمشاهدتي، فأفتخر بها لكونها أجمل كل أمهات رفاقي تستجلب أنظار ~~الكل للتأمل بها، فكنت أتمسك بثوبها مخافة أن يخطفها الناس مني، ولكن وا أسفاه! ذلك ~~الفرح لم يكن ليدوم؛ فإن أمي كانت تخرج من غرفة المقابلة قبل انقضاء الوقت المعين ~~فأتبعها إلى خارج المدرسة وهي ماسكة يدي الصغيرة والجموع شاخصة إلينا كأننا ~~قمران. # وما كانت تتوارى عن إبصاري حتى أعود إلى مقامي مشرد الفكر وقلبي الصغير منقبض يقطر ~~دما، فأذهب إلى فراشي للرقاد دون أن يزور الكرى أجفاني؛ لأن فكرا واحدا كان يتملك ~~عقلي وهو: أمي، ms27 فأتساءل بحزن: لماذا أمهات رفاقي يلبثن طويلا عند أولادهن وتقبلنهم ~~بأشد الحنان وتحضرن غالبا لمشاهدتهم، مع أن أمي ترفق حنوها بالضجر، فهل أن الجمال يسبب ~~الفتور في الواجبات؟ # وما طال حتى اعترتني حمى خبيثة ذهبت بقواي؛ فأرسلت إلى مستشفى المدرسة ومنه إلى ~~البيت فازدادت آلامي، ولكنني نسيتها إذ رأيت أمي جالسة قرب سريري تمر يدها البيضاء على ~~جبيني المحترق، فكان دائي لديها وهما وأصبح عذابي قربها عذبا، وما عاد إلي روعي بعد ~~ما تحملت من ضنى المرض، حتى رأيت دلائل التعب بادية على محيا أمي العزيزة، فزادت معرفة ~~الجميل قوة حبي وأصبحت وادا لو أنني أبقى مريضا، ولكنني لم ألبث حتى عادت إلي بعض ~~القوة، فلم أعد أرى أمي إلا نادرا وأخيرا تحسنت حالتي فلم أعد أراها أبدا ... # فوددت إذ ذاك أن تعود الحمى إلي لأموت. # وبقيت بعد هذا طويلا في البيت وأبي يعتني بي، فعرفت حينئذ من نفسي محبة صادقة لأبي ~~الذي كان يلازمني وهو شاحب الوجه ودلائل الحزن المذيب تلوح على محياه، ككل الأزواج ذوي ~~العقائل الجميلات الطامحات إلى اللهو والبذخ ... # وإذ كنت مع أبي على انفراد قلت له همسا: أليس أن كل الناس يحبون أمي لجمالها؟ # فأخذني بذراعيه دون أن ينبس ببنت شفة ولكنني شعرت بخفقان قلبه إذ قبلني. ~~••• # ويلاه! ماذا جرى؟ فإنني أتعس الأبناء، إنني أشد حزنا من كل ولد على الأرض، ولا أقدر ~~أن أشكو أحزاني لأحد، لقد تركتنا أمي، فأين هي؟ # من يعلمني بمقرها، ومن أسأل عنها؟ # إن أبي حزين جدا، ويخال لي من ملامحه أن أمي ميتة فهو يبكيها. # ولكن كيف ماتت ولم أرها، كيف تكون ميتة ولا نلبس عليها الحداد ولا نذكرها ~~بالصلاة؟ # جربت مرارا أن أسأل عنها، ولكنني عبثا حاولت التغلب على الجبن المستولي علي، ~~فكأنني إذ أريد الاستعلام عن أمي مقدم على جناية أو سابر جرحا داميا، أواه كم أغبط ~~الأولاد الذين لهم أمهات لا يختلن إلا بجمال النفس دون ذلك الجمال الحسي الرائع الذي ~~كان سبب إعجابي فأمسى أصل ms28 بلواي ، وحبب إلي الموت! نعم إنني أريد دخول القبر وأرى أبي ~~يتوق مثلي إلى الفناء. # أواه ما أرهب ذلك السكوت الذي يجلل والدي وهو جالس على كرسيه يشتغل بالكتابة ويده ~~ساترة جبينه المصفر! أدخل إلى غرفته بهدوء وأمسح أقلامه وأمتنع عن اللعب خشوعا لدى ~~حزنه، أسير إليه مقبلا يديه، فيحفظ الصمت وأنا أيضا لا أجسر على رفع إبصاري إلى ~~وجهه الشاحب، فألقي رأسي على صدره، ولا نلبث حتى تمتزج دموعنا: دموع الزوج التعيس، ~~ودموع الابن المتروك، فتجري ببطء دون أن يراها أحد في انفراد تلك الغرفة ~~القاتمة. ~~••• # يوم الاثنين الماضي وضعت في غرفة مظلمة طول النهار، ومع ذلك كنت مسرورا؛ ذلك لأن ~~وصيفتي كانت تتكلم مع رفيقة لها مسنة وقد دار الحديث على أناس يسمونهم بأهل الفساد ~~ولم أعرف من هم؟ # فقالت العجوز وهي تنظر إلي: أتأسف على ولد كهذا تكون أمه فاسدة القلب وشقية ~~الحياة. # وما سمعت هذا الكلام حتى أصبح كل شيء أمامي نارا ودما، فهببت كالأسد المجروح ألطم ~~العجوز بكل قواي، وأرفسها برجلي، فكان جزائي السجن في غرفة مظلمة لأنني دافعت عن ~~أمي. # نعم إنني بقيت بياض النهار في ظلام سجني وقلبي يختلج فرحا، إذ تعذبت لأثأر لتلك الأم ~~الغائبة التي تركت ولدها فأدفع عنها تهمة الذين يهينونها. # لقد مرت الأيام الطوال وأمي لم ترجع، ويلاه لقد أصبحت بلا أم، لقد اختلسها الناس مني ~~وأبعدوها عن حب ابنها الصغير، نعم لقد سرقها الغرباء دون إرادتها؛ إذ من المحال أن تقبل ~~بترك ولدها الذي كانت تمر يدها على شعره وتقول له: يا صغيري العزيز. # لقد اختلسوها لأنها جميلة. # ويلاه يارب اسمع طلبتي وأعدها إلي ولو مشوهة الوجه قبيحة المنظر، فإنني أجدها ~~دائما جميلة. # ارجعها إلي يا إلهي؛ فما من شيء أصعب على الابن من أن يدعى يتيما ويبكي أما ~~أحبها بكل قواه وهي لم تزل تتخطر في مروج الحياة. # انتهى # أيتها القارئة المنحنية على هذه السطور، غادة كنت أو عقيلة أو أما، إذا كانت ~~مدامعك لم تزل جافة ms29 فذلك لأن عاطفة البشرية قد استحجرت في قلبك الجامد، إذا سمع رجل ~~نداء طفل يتعذب ولم يبك، فذلك الرجل لا يزيد نقصه عن القساوة، أما المرأة فإنها ~~مطالبة بالحنان على أغراس الإنسانية التي يعروها الذبول، فإن لم تحييها من حرارة القلب ~~وتسقيها من مورد الدمع، فتلك امرأة شاذة عن مبدأ طبيعتها، تلك أم بربرية متوحشة! وأنا ~~لا أكتب لمثل هذه الصخور الجوامد، أنا أكتب للجنس اللطيف السامي الذي ينزل الله على ~~صفحات قلبه كل ما في الدين من آيات العظمة، وفي الأدب من مبادئ الكرامة والمجد. # أنا أكتب للمرأة التي تتأثر وتبكي؛ لأن البكاء في المرأة هو عنوان لشدة نفسها وقوة ~~قلبها، فسلام على العيون الدامعة، وإجلال للقلوب الرقيقة النابضة بالحنو، طوبى لليد ~~الناعمة التي ترتجف من وراء اختلاج العواطف المنبثقة من الأزل ولم يقتلها ضلال الناس ~~وزخارفهم وأمجادهم الباطلة. # إن المرأة التي لا تسمع نداء الأدب ولا تفهم كلام الفلسفة، فهي جاهلة متقهقرة، أما ~~الأم التي لا تسمع نداء الطفل فهي مجرمة تستحق الاحتقار. # هل عرفت أيتها القارئة مبدأ الغيرة السامية التي تدفقت من حديث الطفل المعترف بأدق ما ~~يشعر؟ # ليس الولد غيورا عن أنانية يولدها ضلال الإحساس؛ لأنه أقرب الكائنات إلى الأزل، ~~فشعوره عادل طاهر لم تكيفه الاعتقادات البشرية، ولهذا فغيرة الولد هي غيرة النفس على ~~حقوقها المكتوبة في شريعة الوجدان. # لما كتبت عن واجبات المرأة كعقيلة لم أجد بدا من تحديدها؛ لأنها تترواح بين اعتقاد ~~الزوج وأميال الزوجة، كتبت وحددت لأن الألفة المنقلبة بشرائعها وأوهامها كانت ولم تزل ~~تعطي للرجل وللمرأة دورا فدورا حقوقا جائرة وحرية ظالمة، فرجعت بوجداني المجرد إلى ~~مبدأ العواطف إلى النفس، وأخرجت منها شريعة التفاهم والعدالة التي يجب أن يعتبرها كل ~~زوج وزوجة يطلبان السعادة بالحب والمجد الحقيقي بالحياة. # أما الآن وأنا أكتب عن الأم فأجدني واقفا بين كائنين؛ الأول: معرض للضلال بالأهواء ~~ومحبة الجمال الزائل، والثاني: لا يعرف مبدأ لشعوره غير ما غرسه الله في قلبه، فلا أجد ~~موجبا للرجوع إلى نفسي ms30 واستنتاج شريعة الأمومة من وجدانها المجرد، لماذا أكتب عن ~~واجبات الأم وقرب كل أم ولد كتبت شريعة الأمومة بكل حركاته وسكناته، كتبت على جبينه ~~وعلى ابتسامته، حفرت على لفتاته وسالت على خديه مع دموعه. # أيتها الأم إذا كنت تريدين معرفة ما يجب عليك نحو ابنك فتنازلي من علو زخرفتك وحبك ~~للهو إلى ملاحظة ما تظهره أعمالك على أسارير وجهه، وعلى تلك الصفحة المقدسة طالعي وصايا ~~الفضيلة التي حفرتها أصبع الله. # انظري أيتها الأم كيف يتململ ولدك حينما يراك تفرقين ابتساماتك إلى كل من حولك ... ~~انتبهي إلى حركته الموجعة حينما يقترب إليك غريب ليهمس في أذنك كلاما لا يسمعه ولو ~~سمعه لما فهم منه شيئا! ... # انظري أيتها الأم إلى ابنك تسيل الدموع من عينيه حينما يخطر لك أن تبارحي البيت قصد ~~التنزه وحدك، اسمعي زفيره وافهمي منه ما يقول: «لا تذهبي وحدك يا أماه، خذيني معك فأكون ~~لك حلية كهذه الحلي التي تفتخرين بها، بل أكون أشد لمعانا منها، ولكنني أحرسك كعاطفة ~~مقدسة أرد عنك هجمات الشر كجناح كله قوات سماوية، مناغاة من فمي تطرد الأبالس من حولك، ~~وابتسامة من شفتي تبدد أرواح الشر التي تريد الإيقاع بك، دمعة من عيني تذكرك بعهدك ~~وإيمانك، خذيني معك؛ لأن ضعفي أقوى من سلاح الجنود ولفتاتي أرهب من حكم القضاة.» # ولكنك أيتها الأم قلما تسمعين لهذا الهاتف الذي ~~يدوي من السحاب بقوة الألوهية، فيصل إلى أذنك المصغية لضجيج الاجتماعات المضلة كأنه ~~صراع مزعج يدفعك إلى الهرب ... # بعد عودتك من المرقص أيتها الأم السورية وأنت مرتدية ثوبا مكشوفا يعري زنديك ويطلق ~~نهديك للأنظار، عندما تدخلين على ابنك بهذه الصورة، وفي قلبه دماء أجداده السوريين تجول ~~بقوة تضيق بها أنفاسه، حينئذ تمعني بلفتاته وقد اتقدت بها نار السماء، وجالت بينها ~~غيرة النفس الأبدية من ضلال الكبرياء الزائلة، تمعني وافهمي ما تعني تلك الدمعة ~~المحترقة التي تجول بين أجفان الولد وهو لا يجسر أن يجود بها. # تلك الدمعة تقول كما قال الفادي العظيم عن هيكل أورشليم: # بيتي ms31 بيت الصلاة يدعى وأنتم جعلتموه مغارة للصوص. # تلك الدمعة تقول: «يا أماه! إن زنديك خلقا لتربيتي وأوجدا وسادة لرأسي، إن نهديك ~~خلقا ينبوعا لماء حياتي، فمن قال لك إن هذه الكنوز أوجدت لخدمة البهرجة والكبرياء ~~القاتلة، أية شريعة أوجبت لك أن تدنسي هيكل أبي ومركع نفسي التي تناجي خالقها من بين ~~ذراعيك؟ من حلل لك أن تجعلي هذه الكنوز التي وقفها الله على العيلة محجة للشهوات، ~~ومرمى لسهام الأنظار. # ألا تعلمين بأن كل لفتة تلقى على ينبوع حياتي تطبع عليه وصمة الدنس وتموهه بالعار! ~~... # أنت هيكلي يا أماه، وهذا الهيكل هو بيت صلاة البشرية، فمن قال لك أن تفتحيه كمغارة ~~للصوص؟ # أنا لا أريد أن أجرحك أيتها المرأة السورية، أنت أفضل من نساء كثير من الشعوب ~~المتمدنة، ولكن للتشبيه قوة هائلة تسطو على أرقى النفوس فتفسدها، لا أقول إنك فاسدة ~~القلب يا أختي، بل أجزم بأن هذا الضلال الذي تحسبينه تمدنا سوف يدخل إلى قلبك ~~الفساد. # أنت الآن تلبسين «الداكولته» عن محبة الزينة فقط، ولكن عن قريب سوف تلبسينه عن ضلال ~~حقيقي وفساد لا يشفى، أنت تريدين أن تدعي عصرية، وهذا الميل يحارب فيك عفاف الشرق وحرمة ~~الدما السورية، أنت تحاربين طبيعتك السامية اليوم، وغدا ستنقلب تلك الطبيعة إلى ضلال ~~متأصل في النفس فيقوم العراك بينها وبين الواجب، وعلى الحضيض الذي يقوم فوقه هذا الجهاد ~~تتبدد كرامة بيتك كالدخان، ويسقط طفلك ضحية برية تطلب الانتقام وتستنزل اللعنة على ~~مبدأ شقائه. # أيتها الأم، إن بين يديك اليوم سعادة امرأة الغد، ربي ابنك على مبادئ الفضيلة والأدب، ~~ولا يمكن لك أن تقومي بهذا الواجب دون أن تكوني أنت فاضلة أولا. # اعلمي بأن التهذيب ليس تمثيل رواية تقوم بالإلقاء والإيماء، لا يدخل إلى النفس غير ما ~~يخرج من النفس، إذا كنت ساقطة ومباديك سافلة وأعمالك شاذة فعبثا تدلين ابنك على ~~طريق الشرف والمجد بالأقوال والتهديد. # سر التهذيب مبني على ملامسة النفس التي تريد ترقيتها، وأنت أيتها المرأة إذا لم تكن ~~روحك راقية فعبثا ms32 تحاولين الظهور بمظهر الفضل، إذا كانت عين الجسد تغش بالمنظورات ~~فالنفس لا تخدع، وخصوصا نفس الولد؛ لأنها قوية تشعر بالخفايا ولا يطلى عليها المحال ... ~~أيتها المرأة لقد قيل عنك: إن من تهز السرير بيمينها تهز الدنيا بشمالها، وأنا أرى تلك ~~الشمال التي تهز الدنيا ليست اليد بل هي القلب، هي قوة العاطفة التي تغير وجه ~~الأرض. # إن الرجل خرج من الميتة بواجب العمل والجهاد للحياة، أما أنت فما ألقى الله عليك غير ~~واجب المخاض والولادة، فاركعي إلى جنب السرير أيتها الأم؛ لأن السرير وحده يجب أن يكون ~~محور حياتك؛ فالأمومة محجتك القصوى في هذه الدنيا. ~~••• # كتبت عن شيخة بلادي وعقيلة رجاله وأم بنيه، فلم يبق علي غير كتابة صفحة إلى خطيبة ~~شبانه وامرأة غده، وليست هذه الصفحة إلا خلاصة الصفحات المتقدمة، ويكفي للآنسة أن تتمعن ~~مليا بما خاطبت به المرأة لتتعلم من أدواء أختها ما يكفل لها حسن المقبل والابتعاد عن ~~التورط والسقوط. # أيتها الآنسة، أنت اليوم بموقف يباين موقف امرأة اليوم حينما كانت آنسة مثلك، وسطك ~~أشد ضلالا وكل ما يحتاطك يتكاتف على إلقاء الهوان عليك، امرأة اليوم كانت ربع متمدنة ~~وها هي الآن تئن وتشكو، وأنت اليوم نصف متمدنة فسوف يزيد أنينك عن أنينها ويربو عذابك ~~على عذابها إذا لم تتداركي الشقا قبل حلوله. # أيتها الغادة، إن مباديك ستكون أساسا لألفة الغد؛ لأن علم الرجل ينحصر تأثيره على ~~ثروة البلاد وفقرها، أما أنت فمن علمك يتكون أدب الأمة، ومن قلبك تنبعث سعادتها، وأنت ~~اليوم تحصرين علمك بما يقهقر أدبنا وتربين قلبك على ما يولد شقاءنا. # يا ابنة سوريا، إن لكل شعب تمدنا خاصا ولغة خاصة يجعلانه مميزا عن بقية الشعوب، ~~أما بنو سوريا فهم اليوم خليط من كل أمة، آدابهم مجموعة من أضاليل كل الأمم، ولغتهم ~~ممزوجة بكل لغة، فقدنا استقلال التجارة والحاصلات فأجبرنا الاقتصاد السياسي على التوسع ~~بعلوم الأجانب وإتقان لغاتهم، وهذه هي أول مظاهر العبودية في الشعوب، نحن تعلمنا ~~الإفرنسية والإنكليزية وأهملنا لغة أجدادنا؛ لأن أرضهم ms33 لم تعد تدر علينا، ونحن لم نعد ~~نحنو عليها، تعلمنا هذه اللغات؛ لأن تمدننا سبق قوانا فانسلخت أعمالنا عن أميالنا، ~~ولو أمكن لأبناء سوريا أن يعيشوا بوحدة لغتهم لما فضلوا عليها لغة، وما ألقوا وراء ~~المحيط رحالا. # رجل الوطن مضطر أن يتفرنج بلسانه، ولكن أنت ياغادة الوطن وأساس آدابه، من أجبرك على ~~إدخال التفرنج إلى أعماق قلبك؟ # إذا كان التفرنج متسلطا على السوق والمكتب والإدارة بقوة الضرورة، فأية ضرورة صيرت ~~مهد أطفالنا خاليا من كل هيئة سورية وكرامة عربية؟ أيتها الغادة، إن رجالنا مضطرون إلى ~~التفرنج بلسانهم وبدفاتر تجارتهم، ولكنهم سوريون بقلوبهم، عرب بآدابهم، ولكن إذا دام ~~الحال على ما هو من أمر تهذيبك، فسوف يصبح السوريون أجانب حتى بأعماق قلوبهم، دماغ ~~الرجل موقوف على أعماله أما عواطفه وأمياله فموقوفة على عواطفك وأميالك. # ليقو حب الوطن في قلبك أيتها الغادة، فلا يلبث حتى تري الرجل يهرق دماءه في سبيل ~~الوطنية، تعلمي لغة البلاد وتعودي أن تلذ لك آدابها ويحرك قلبك شعرها، فلا يطول الزمن ~~حتى تري اللغة مرتقية وأشعارها ترن في الخافقين، وكلها وحي العواطف ومودع الأدب ~~والرقي، أما إذا بقيت محولة كل قواك إلى اقتباس لغات الأجانب وتقليد تمدنهم بكل ما هو ~~ناقص ومشين، فسوف تصبح ألفتنا كمجموع قردة تنقله بلا مبدأ، وتتحرك دون محرك أولي معقول، ~~سوف يصبح كتابنا ألمانيين وإفرنسيين وإنكليز، فتتحول قوة الفكر السوري إلى لغات ~~الأجانب؛ لأجل إرضاء ذوقك الضال، فيضحك الأجانب من ضعفهم، وكان يمكنهم أن يكتبوا بلغتهم ~~مفيدين مجيدين. # سوف تصبح مجتمعاتنا موضا لتبلبل الألسن كأننا أمام برج جديد نقيمه بضلالنا لبابل ~~العصرية ... سوف يشب أولادنا على صفات كلها خارجية وتخلو أنفسهم من الوسم الداخلي الذي ~~يميز الشعوب ويعطي القوة للأمة ... # وكل هذه المصائب التي أراها معلقة بيدك لتسقط على الألفة الوطنية إنما مركزها في ~~ذوقك وأصلها من عواطفك. # أيتها الغادة، إن كاتب هذه السطور لهو سوري لبناني من أبيه، وأجنبي إفرنجي من أمه، إن ~~الذي يكلمك الآن بالعربية لم يسمع غير الإفرنسية، ms34 حتى نهاية طفولته رضع لغة الفرنسيس مع ~~اللبن، ولم تغمض أجفانه في السرير إلا على أناشيد تلك اللغة. # نعم أيتها القارئة العزيزة، لكنت أحق الناس أو أقربهم إلى المعذرة لو «تقبعت» ~~وتفرنجت، ولكنني أعد ناكر الوطنية خائنا، والمتبرر من شعبه الضعيف جبانا، وأنا لا ~~أريد أن أوسم بالخيانة والجبن، طربوشي شعار عثمانيتي التي أفتخر بها، فلا أبدله بقبعة ~~سفير، وسوريا بلادي، شعبها الضعيف أخي، فأحب إلي أن أكون ضعيفا معه من أن أكون ~~قويا مع الشعب الذي تقربني صلة الرحم إليه، ولو لم يكن اسمي ذكرا لوالد أمي أحفظه ~~كإرث مقدس، لكنت استبدلته باسم أمين دون أن أجعله «فيدال» أو ببطرس دون قلبه «بيينار» ~~أو بحبيب دون تحويله إلى «آمه»، كما يفعل شبان العصر الذين يستحون بطربوشهم وبلغتهم حتى ~~وبأسمائهم أيضا. # أيتها الغادة، أنت التي تحولين شبان العصر إخوتي إلى قردة يتقلدون ولا يفهمون. # أنت تنادين يوحنا باسم جان فيلذ له ما يخرج من فمك فيقلب اسمه، أنت التي تجدين القبعة ~~أجمل من الطربوش فيجاري ذوقك، أنت التي تكلمينه بالإفرنسية والإنكليزية بنصف اللسان ~~الذي تعلمته فينسى بالكلمة التي تخرج من مبسمك كل الكلمات التي ناغته بها أمه وهو على ~~السرير، لا تحنقي ياغادة سوريا، أنا لا أكتب متحاملا، فالذي أخطه هو نتيجة اختبار طويل ~~وتأمل عميق، وجدتك يا أختي بكل مقام وحالة؛ رأيتك غنية وتمعنت فيك فقيرة، حادثتك متعلمة ~~واختبرتك جاهلة، فعلمت من كل هذا البحث أنك لست سورية مرتقية لعلة اندفعاك وراء التمدن ~~الكاذب، ولست أوربية بالغة مبلغ هذا الشعب من الارتقاء؛ لأنك خلقت لغير هذا التمدن ~~ولغير هذا النوع من التهذيب. # كلمتك بالإفرنسية فملئت أسماعي من ذكر هيكو ولامارتين وإسكندر دوماس، وحين سألتك أبسط ~~الأمور عنهم اتضح لدي ما تعرفين، وانجلى لباصرتي زيف التقليد! # كلمتك بالعربية فخلطت نصف جوابك بالإفرنجي، حادثتك عن لغة بلادنا ففتحت عينيك بدهش، ~~وارتسمت على شفتيك ابتسامة احتقار دون أن تفهمي شيئا، وكان جوابك: «ماذا تفيدني اللغة ~~العربية؟ أنا لم أجتهد بها، وفي المدرسة ms35 لا يعلموننا أكثر من ساعة مبادئ القراءة ~~العربية فقط.» # أيتها الغادة، إذا كانت لغة بلادك لا تنفعك؛ لأنها تحمل في الوطن نسمة الارتقاء ~~واستقلال الأمة بتمدنها الصحيح، إذا كانت هذه اللغة أدنى من أن يتنازل إليها عقلك ~~السامي، فتكرمي بالجواب غير مأمورة: أية فائدة ترجينها من وراء اللغات الأجنبية؟ # أتريدين الاستخدام أنت أيضا في إدارات الأجانب؟ أتريدين معاطاة القومسيون أنت أيضا ~~لاستنزاف هذا الموطن الأجرد؟ ألا يكفي أن نصف رجالنا أصبحوا عبيدا تدفعهم الضرورة إلى ~~دفع الألفة للعبودية حتى تصبحي أنت يا غادة سوريا، وأنت رابطة الوطن، أول من يحل هذه ~~الرابطة المقدسة. # لقد يخطر على بالك أن تجاوبي: إن المجتمعات في الصالونات تستوجب أن يعرف الإنسان لغة ~~الإفرنج، وهذا من ضرورات التمدن. # جميلة هي صالوناتكم يا إخوتي السوريين، ومضحكة هي تقاليدكم الجديدة. # أنا لم أدخل صالونا منها حتى بين كبراء قومنا وأغنيائهم دون أن ينجلي لي فيها نقص ~~التقليد وفراغه من كل حسن وجميل، كل حركة فيها تستوجب الضحك، كل عبارة تلفظ فيها تنافي ~~مبدأ الأدب الأوروبي على خط مستقيم، أنت يا غادة سوريا في هذه المجتمعات كخيال أسود ~~يتحرك على الحائط، وحقيقته بعيدة جدا عنه. # لو دخل مجتمعاتنا التقليدية سيدة أجنبية رسخت فيها عوائد بلادها منذ الصغر، وتأملت ~~بحركاتك يا أختي السورية، بخطوات رجليك، باهتزاز رأسك، بلفظك وتركيب عبارتك، لعادت ~~ساخرة بك، متأسفة على ألفة كان يمكنها أن تكون سورية معتبرة بعوائدها الأصلية، ففضلت ~~أن تصير إفرنجية ناقصة مضحكة ساقطة. # دخلت اليوم إلى أحد صالوناتنا المتمدنة، فرأيت فيه عدة من السيدات والرجال، من ~~الأوانس والشبان، وكلهم يتكلمون ولا أحد يسمع، هذا يسرد حديثا بالإفرنسية، وتلك تناظر ~~رفيقتها بالإنكليزية، فتجيبها هذه تارة بالعربية، وتارة بالإيطاليانية، وكان الحديث ~~فارغا من كل روح؛ لأن المتحادثين كانوا فاقدين المعرفة بأساس ألفتهم، ولا يعرفون من ~~ألفة الإفرنج غير تمثيل حركاتهم، وقف أحد الشبان وكان لابسا نظارة ذهبية على عينيه، ~~وأخذ يلقي على الحضور قصيدة لفيكتور هيغو، فأصغى إليه الكل، وخصوصا السيدات، ولم ~~يكن ms36 يفهمن من قصيدة فيلسوف شعراء الفرنسيس غير رنة الوزن فقط، ومع هذا كن ~~يتمايلن؛ ليقال إنهن فرنسويات، وكلهن لطف وشعور، وكان يزداد حماس الشاب من هذه المظاهر ~~الكاذبة، فيرفع صوته متقلدا الإفرنج بلفظ لو سمعه هيغو، لندم على نظمه تلك القصيدة ~~التاعسة ... # وبعد سكوت قصير قالت إحدى الأوانس: أين للشعر العربي هذه الرقة وهذا الجمال؟ # وكنت على ثقة بأن حضرتها لم تفهم شيئا من شعور هيغو؛ لأنها لو كانت تشعر بشيء لما ~~ألقت الاحتقار بوجه وطنها، وطعنت بلغة أبيها وأمها، خيل لي أن سهما يشق فؤادي، ~~فنظرت إلى الغادة وقلت لها: هل قرأت شيئا من الشعر العربي أيتها الآنسة؟ ~~- أنا لم أعد أقرأ شيئا من الشعر العربي بعد خروجي من المدرسة، ولكنني لم أزل أذكر ~~القصائد التي تتعلمها البنات وهي ... وأمثال هذه الأشياء الباردة، فكيف تريد بعد أن أعمد ~~إلى مطالعة الشعر العربي؟ # سكت؛ لأنني وجدت جوابها مقنعا من بعض الوجوه، وجدت أن هذه الجريمة التي تقترفها ~~بنات الوطن نحو الوطن لهي نتيجة التعليم الفاسد الذي يريد الأجانب أن يستندوا عليه ~~لإماتة اللغة العربية من كل القصائد الذي تعلمت أوروبا منها الشعر، وأحنى هيغو رأسه ~~أمامها قائلا: إن الجمال بالشعور هو جمال عربي، من كل هذه القصائد التي لا تموت لم يجد ~~الأجانب غير النظم الساقط ليقدموه قاعدة تنفر منه قلوب الناشئة من كل القطع الإنشائية ~~التي تدخل إلى أقسام النفس، فترتعش لها عظمة وشعورا، لم يجد الأجانب غير القصص ~~الخرافية المأخوذة عن أسقط طبقات الإنشا العربي، حرقت الأرم وقلت للآنسة: إذا كنت لا ~~تقرئين الدواوين العربية فأنت - ولا شك - تقرئين كتابات هيغو. ~~- نعم إنني أقرأه وألذ به كثيرا. ~~- إذا كان ما تقولين صحيحا فأعجب جدا كيف أنك لم تقرئي رأي هيغو نفسه في آداب ~~لغتنا وشعرنا؟ إذا كان أهل الوطن يساعدون بسكوتهم على قتل لغتهم وتحقيرها فكان يجب أن ~~تتعلمي من شاعر الفرنسيس محبة آداب اللغة التي تكلم بها أجدادك. # لم يكن لكلامي موقع حسن في أذن الآنسة المتفرنجة ms37 فهزت كتفيها وقامت إلى البيانو تضرب ~~عليه قطعة بولكا من أبسط ما أبدع الفرنساويون في صناعة الألحان، وكانت تتمايل طربا لدى ~~وقع هذا النغم الفارغ على أذنها ... # وبعد أن انتهت من الضرب أدارت وجهها نحوي، وقالت: وهذا ما تقول به يا مسيو؟ # فأجبت: هذا موال إفرنجي ... ~~- آه، أنت بلا ذوق. ~~- نعم، أنا بلا ذوق يا سيدتي، ولكنني أفضل أن أسمع الشيخ سلامة ينشد: سلام على حسن ~~يد الموت لم تكن لتمحوه أو تمحو هواه من القلب، من أن أسمع هذه البولكة التي لا تعني ~~شيئا، أنا أفهم الموسيقى الإفرنجية أكثر مما تفهمينها أيتها الآنسة؛ لأن مقاطع أنغامها ~~لم تزل ترن في أذني من حين كنت مضجعا على سريري، وأعرف من الأنغام الفرنساوية ما لم ~~تحلمي به، ولكنني درست الموسيقى العربية أيضا، فأنا أعرف منك بالاثنين، ولا أريد الآن ~~أن ألقي عليك درسا بالأنغام، بل أريد أن تعرفي أيتها الآنسة بأن تفضيلك أسقط موسيقى ~~عند الإفرنج على أجمل ما ينشد منشد، وأرق شعر نطق به شاعر عربي، لهو دليل على انتصار ~~التقليد المشين في ألفتنا الشقية وانهزام الروح الراقية من بين ناشئتنا ... # خرجت من ذلك المجمع، والدما تقطر من قلبي على وطن تبيعه ألفته بالقشور اللوامع، خرجت ~~حزينا على غادات يدفعن رجال الغد بذوقهن الضال إلى احتقار لغة البلاد ومجدها الساذج ~~وعوائدها الجميلة، مع أن الغادات هن في كل بلاد عنوان الوطنية يشجعن آدابها وينصرن ~~شعراءها ويقوين المجاهدين في سبيلها، وهنا أرى فتاتنا واقفة على منحدر الجبل العالي، ~~وبنانها يدل الشبيبة إلى الهاوية، بدل أن يدلها إلى الذروة، إلى قمة الوطنية واعتبار ~~أرماس الجدود. # لو لم تكن غادة الفرنسيس أشد ولوعا من الرجل بأرض بلادها، لما كنا نرى شبيبة تلك ~~البلاد تفتح غمرات الموت في سبيل الوطنية، وعلى شفاهها ابتسامة الاحتقار للموت من وراء ~~الحب الذي غرسته الغادة في القلب، ألفة بلادي تحتقر لغتي فلمن أكتب؟ كبراء قومي لا ~~يفهمونني فلمن أجر هذه القصبة التي كان صريرها يملأ الدنيا علما وشعورا ms38 وتمدنا ؟ ~~فأصبحت تئن على الورق أنينا فلا يتجاوز صوتها أذن الكاتب ... # أكثر من مرة مسكت هذا القلم وحطمته، أكثر من مرة ذودته دمعة في ساعات السآمة والكلال، ~~وعدت إلى الريشة الحديدية التي تطيع أناملي أكثر من القلم، ولكنني لم أكن أبقى طويلا ~~تحت اليأس؛ لأنني كنت أرى على قمة لبنان وطني غادة يكسف وجهها نور الشمس، رجلها راسخة ~~على الثلوج وهي أطهر منها، ورأسها ينطح السحاب بكل قوة سوريا، ومجد العرب تلك الغادة ~~ذلك الملاك كانت تمد يدها نحوي وتقول: «ارجع إلى القلم يا ابن سوريا، اكتب بلغة وطنك ~~وجاهد، تكلم فأنا غادة لبنان سامعة ما تقول، إذا كانت عذارى البلاد لا تفهم، فأنا عذرا ~~الوطنية لا أحول أذني عنك، خذ يدي فأنا خطيبتك، إذا كتبت فمن أجلي تكتب، وإن تكلمت من ~~أجل حبي تتكلم، أنا صورة مجد الشعوب ورمز حياة الأمم أنا مثال الوطنية ...» # كنت أحني الرأس عند هذه النجوى كالقصبة الضعيفة التي تتلوى من هبوب العاصفة، كنت أضع ~~يدي على قلبي وأسير بين انتقاد المتشدقين الذين يتلهون بالحرف الذي يميت، ولا يشعرون ~~بالروح التي تحيي، كنت أتبسم حزنا على المدعين الذين لا يعتقدون بوجود قوة إلا قوتهم، ~~ولا يسمعون صوتا غير صوتهم، كنت أحتمل هزء الأجانب أقاربي بي، وهم يقولون لي: اترك ~~هذه المتاعب، وهذا الشعب الذي يفهم الفضل تطفلا، اخرج من هذا الوسط الذي يعيش فيه ~~الأديب غريبا، ولا يحل به إلا المتزلف المحاري، ادخل بيننا؛ فأنت على الأقل إن كتبت ~~تكتب مثلنا، وإن تكلمت فلا ينقص كلامك صحة عن كلامنا، تعال فيما بيننا ينصر أهل ~~الفكر ولا يلقى قلم الكاتب كعار على وجهه ... # أنت في وسط تغلي فيه مراجل المبادئ المختلفة وألفتك تتناهبها العناصر المتعاكسة، فإذا ~~نطقت بحقيقة هب بوجهك أنصار المبادئ الفاشية للمقاصد الذاتية ... أنت يمكنك أن تكون ~~راقيا في أمة راقية، فلماذا تفضل الجهاد ما بين شعب ستمر عليه الأجيال ولا يفتح عينيه ~~للنور؟ # كنت أسمع هذه الأقوال فأكاد أن أرضخ لصحتها، ولكن يد ms39 الملاك الواقف على أعالي جبل ~~لبنان كان ينبعث نور عينيه إلى جبيني، ويلقي يده على قلبي، فأرفع الرأس وأتقدم في هذا ~~السبيل الضيق الوعر قائلا: «هم إخوتي ذلك الشعب الضعيف الذي يضلله أهل الضلال، هذه ~~الرءوس النائمة على سكون الأجيال تتمخض فيها كل القوى التي تجعل هذا الشعب المبدد أمة ~~عظيمة وهو متسلسل من قادة الأمم وحاملي مشكاة العلم على منارة الدنيا.» # لغتي مهد الفلسفة والأدب وأرض أجدادي مورد السعة والثروة، فسوف أجاهد مع هذا النزر ~~اليسير من فضلاء وطني، وتحت الراية العثمانية المحبوبة سوف نجاهد لإحياء بلادنا وترقية ~~شعبنا، وإذا لم يقدر لنا أن نكون فاتحة دور الرقي الذي نرجوه فنكون على الأقل ضحية ~~تجعل ختما شريفا على قبر شعب أماته التقليد، ودفنته الأجيال في حفرة التشبه والأسر، ~~وكم ابتلعت هذه الحفرة من أمة ولاشت من شعب. # يا غادة سوريا، إن الذين ربوك على مباديك الحالية جعلوك خائنة لوطنك دون أن تشعري، ~~وأنت لا تزالين تحبين التفرنج الذي لم يقف على قبعتك، ولم يهب على ملابسك فقط؛ بل هو ~~متأصل بأميالك وقد تملك على ذوقك، وها هو يلعب بقلبك ليجعلك شقية، ويدفع وراءك رجال ~~الغد إلى حفرة العدم. # وقد يخال لك أن لا أهمية لعواطفك في أحوال الوطن وتقدمه وتقهقره، فاسمحي يا أختي أن ~~أقول لك، ولربما تتعجبين من هذا القول: أنت أساس التقدم ومبدأ نجاح الأمة، إن الذي لا ~~يفعله ساعد الشاب القوي من تلقاء نفسه توحين أنت إلى القيام به بابتسامة ونظرة، وإن ما ~~يتوه عنه عقل الشاب مع كل افتكاره تنزلينه أنت عليه بكلمة ولفتة. # انظري يا غادة سوريا إلى ما حولك وتأملي، هذه شبيبة بلادك، هم إخوتك وطلاب يدك كلهم ~~صفر الوجوه من اليأس بالجهاد، أحنت الضيقة ظهورهم قبل أن يلامسها الهرم، واختفى من ~~عينيهم لمعان الأمل قبل أن تضرم نار الحب لفتاتهم. # انظري، هذا أخوك يأسره دفتر المضارب، وذاك يركض لإرادة المحتكر، ذلك تديره يد الأجنبي ~~ولا يسمح له أن يفتكر بما يعمل، بل ms40 يجب عليه أن يقوم بالواجب كالآلة الصماء، وهذا ~~كاليهودي التائه يقف مفتشا على حجر يلقي عليه رأسه فتناديه قوة المادة المشوشة: امش ~~امش، فيقوم متوكئا على إرادته المنحلة، ويتابع سيره ناظرا إلى الأرض؛ لأن الزمان لا ~~يسمح له أن يرفع إبصاره إلى السماء. # انظري يا غادة سوريا، أنت التي ورثت رقة القلب وعوامل الانعطاف تراثا مقدسا من أمك، ~~انظري إلى شاطئ بحر الروم، كم سالت عليه من دمعة! وكم تفطر على شاطئيه من قلب! تأملي في ~~ضعف بلادك، وابكي على الأرض التي حملت سريرك وضمت رفات أجدادك، واعلمي بأنك قادرة على ~~تحويل أرض الوطن الجرداء إلى جنة زاهرة، أنت قادرة أن تسدي باب المهاجرة المفتوح ~~كالهاوية التي لا قرار لها، أنت قادرة أن تحولي اصفرار اليأس اللامع على جبين الشبيبة ~~إلى حمرة القوة والأمل. # الدواء سهل يا غادة سوريا إذا تحرك قلبك وعاشت عواطفك. # اخلعي أثوابك التي حاكتها يد الأجانب كقيود تأسر قلبك، والبسي ما حاكته يد ابن الوطن ~~فلا يلبث حتى يقتدي الرجل بك فتعيش صناعة النسج وعلى حياتها يتوقف نصف حياة ~~الأمة. # احتقري الزخرفة الأوروبية والرياش الذي لا فائدة منه وهو يستغرق نصف ثروة ~~البلاد. # شباننا يركضون وراء هذه السفاسف؛ لأنها من ذوقك، فهم يريدون مرضاتك، ولكن حين يرون ~~على شفاهك ابتسامة الاحتقار لهذه اللوامع المفنية للبلاد، فحينئذ يحولون أبصارهم معك ~~إلى أحياء وطنهم ومصانعه ومزارعه المهملة. # تعودي أن تحبي لغة أجدادنا، فلا يطول الأمر حتى يألفها ذوقك، وحينئذ ينجلي لك ~~الجمال الكامن في آدابها والقوة المرقية التي تجول بشعرها، وحين تصلين إلى هذه الدرجة ~~تصبحين سورية مرتقية، وتزول عنك وصمة الاقتداء بالشعوب التي لا يمكن لك الوصول إلى ~~كمالها، كوني سورية عظيمة، ولا تكوني إفرنجية منحطة فيعتبرك الأجانب أنفسهم ويحفظ لك ~~التاريخ ذكرا جميلا. # ضحي بأميالك الضالة، وقوي إرادتك في هذا السبيل الشريف يا أختي؛ فإنك بعاطفة واحدة ~~تحيين أمة كبيرة تولاها القنوط والعجز، كوني وطنية حقيقية فتحيي الأمل الميت في قلب ~~الشبيبة التاعسة، مدي يدك أيها ms41 الملاك إلى هذه القيود الثقيلة التي نجرها في عبودية ~~حياتنا، واكسري حلقاتها الضيقة؛ فيدك اللطيفة هي وحدها قادرة على ذلك. # حرري هذه الشبيبة الشقية من أسرها؛ لترفع رأسها إلى العلا وتفتش على ملجإ قلبها بين ~~يديك، ولا تعود تائهة بقوة فقرها الذي ولده تطلبك بين ظلمات الفسق القاتل والضعف ~~المميت. # أطلب منك هذا باسم إخوتي المعذبين، وأستعير صوت الوطنية الواقفة ناحبة على جبالنا ~~لأكلم فيك دماء سوريا العظيمة التي تجول في قلبك الرقيق. # أيتها الملاك، إن حياة الغد بين يديك، أنت الجحيم وأنت النعيم، وتحت إرادتك حياة ~~الوطن وموته، قدرتك عظيمة أيتها الغادة اللطيفة، فلا تستعمليها للشر كشيطان، بل حوليها ~~لخير أخيك وخطيبك، كوني ملاكا كما نعتقد بك، فتعدي لنفسك جنة الحياة الدنيا قبل جنان ~~الخلود. # | فتاة لبنان # خير الروايات ما تسبر فيها جراح الأمة، وأرقاها ما ترك في نفس المطالع ميلا ~~إلى الإصلاح. ~~*** # مر الهزيع الثاني من الليل والصبية لم تنم بعد. # نام أبوها منهوك القوى من العمل في الحقول طول النهار، ورقدت أمها قرب أختها الصغيرة، ~~وساد السكوت على تلك العيلة الهادئة التي تحيا بالعمل، ولا يدخل بابها رغيف خبز ما لم يقطر ~~من جباه أفرادها ما يعادله عرقا. # بين ذلك السكوت العميق في قلب الظلام المجلل الحرش والرامي أطرافه على القرية الحقيرة، ~~كان البيت الصغير مختلطا مع أشباح الليل، منفردا تناجيه أرواح الطبيعة التي تتساوى عندها ~~الأكواخ والقصور. # كان السراج يبعث نورا ضئيلا على الأوجه الأربعة: ثلاثة منها لا يرتسم على جباهها غير ~~تموجات الخيال الذي ترسله الأحلام، حينما يقوم الوهم مقام الأفكار قاسما حياة المرء إلى ~~شطرين؛ شطر الراحة وشطر العذاب، والوجه الرابع ذلك الوجه المستدير المشرق بعينين زرقاوين ~~كالسما الصافية تحطاته دائرة من الشعر الأشقر، كأنه هالة شفافة على أطراف القمر، ذلك ~~الوجه كان مستندا على كف عبثت بها المياه المحرقة في معمل الحرير، ولكن زندها العاري ~~الناصع البياض لم يزل ناعما صافي اللون، كأنه مسبوك من شعاع الشمس، أو مكون من ذرات ~~الأثير الوردي ms42 عند الشروق. # لو أتيح لشاعر أن ينظر من الكوة المفتوحة إلى داخل البيت لتوهم أن القمر المتعب من ذرع ~~السماء قد ولج هذا المسكن الحقير ليرتاح من مصافحة السحب ومناجاة العاشقين، ولكن القمر كان ~~لم يزل بعد وراء الجبل العالي يتقدم ببطء؛ ليتسنم ذروته ويقف مرسلا شعاعه إلى الكوة ~~المفتوحة؛ حيث القمر الإنساني ينتظر شروق أخيه. # وردت الصبية أنظارها إلى النافذة، فتلاشى ما كان يحمله ذلك النظر المتقد بين ذرات ~~النور الضعيف المنبعث من السراج الساهر مع عيني الغادة الساهدة. # مر الهزيع الثالث من الليل، فأطل القمر من على الرابية فترجرج الظلام الساكن في مطارح ~~شعاعه، وما لبث حتى انجلت دقائق الوشاح الليلي عن جثمان الطبيعة الأبدية، فتحركت الطيور في ~~أعشاشها وقد خدعها شبيه النهار، وصغرت دوائر النجوم السابحة في الفضاء كأنها تراجعت إجلالا ~~لملك السكون. # كل الأشياء التي لا تنام في الطبيعة؛ الغدير المتسرب بين الأعشاب، والأعشاب نفسها، ~~الأشجار الباسقة، وأوراقها المتحركة بحركة الحياة الدائمة، الصخور النامية من دقائق الأثير ~~تحت جنح الليل كما بالنهار، كل الطبيعة التي لا تنام لأن إرادتها مقيدة بغير هذا العالم ~~وحركتها مربوطة ما وراء المنظور في الأزل، كل منظور انتباهه كرقاده، هزته حركة خفية لدى ~~ملامسة نور القمر له، فكأن ذلك النور يد الأم الساهرة، تمر بخفة وحنان على وجه الطفل ~~الراقد. # كل موجود شعر بانبثاق نور الشمس الغائبة وراء مدار الأرض والمرسلة صورتها على مرآة القمر ~~الصافي، ذلك الجرم المنطفئ، ذلك المظلم المنير، ولكن الحيوان بفرعيه الناطق والأعجم فقد ~~بات كما هو ولم يتحرك؛ لم يشعر بنور القمر؛ لأنه قسم من الطبيعة، خرج منها وانفصل عنها، ~~فهو نائم لرضوخ إرادته للضرورة. # أما الجماد فإنه لا ينام، نظامه متعلق بقوة خارجة عنه تديره كقلب صبية الكوخ الساهدة ~~التي أصبحت حياتها في حياة كائن ينفصل عنها، وأضحت إرادتها مندغمة في إرادته، فهي ككل جماد ~~الطبيعة لا تنام، هي كالزهرة التي تحيي الليل بأسره، تمتص جراثيمها خلاصة الأرض لتهدي ~~عبيرها نسيم الصباح، وذلك النسيم يذبلها ms43 ويطرحها ميتة على التراب الذي تغذت منه. # مع الغدير الجاري على الحصباء، ومع النبات والجماد، شعرت الصبية بامتداد نور القمر على ~~الأرض، وأول أشعة اخترقت النافذة الحقيرة كانت ميعاد خروجها لتحت القبة الزرقاء، فجلست على ~~فراشها بتحذر، ونظرت إلى ما حولها، وإذ تأكدت استغراق الكل بالوسن قامت وفتحت الباب مندفعة ~~إلى الخارج، ودمها يكاد أن يتفجر من صمامات فؤادها النابض بشدة، كأنه يريد الخروج من ~~صدرها. # تقابل القمران وجها لوجه فارتعشت الأشجار كأنها تنحني أمام الجمالين؛ جمال الفتاة ~~المستعير الإشراق من الجرم السماوي التائه في الفضاء، وجمال ذلك الكوكب الذي انعكست عليه ~~آيات المحاسن الحية، وهي معلنة مجد الدائم على الزائل. # وهنالك تحت الصفصافة القديمة المدلية أغصانها على ماء الغدير كأنها تحنو عليه وهو يتململ ~~متألما على الحصباء، هنالك على مرج نضر رصعته الأزاهر كالنجوم على الأطلس المستدير، هنالك ~~كان فتى ... هو في عنفوان شبابه، جميل الطلعة، طويل القامة، ملتف بدثار رمادي طويل مشقوق من ~~وسطه؛ حيث يغطي الكتفين، وينفرج عن عنق جمع القوة والجمال، وكان الشاب واقفا وأنظاره ~~مصوبة نحو باب الكوخ كأنها كرة النار موجهة لافتتاح قلعة حصينة. # فتح الباب وظهرت الفتاة، فأسند الشاب قلبه بيده الشمال، وبيده اليمنى ألقى بالدثار على ~~المرج، فظهر لعين الغادة بكل جمال الفتوة تحت نور القمر المتألق، وقد ارتفع عن الجبل كأنه ~~يتملص من رءوس الأشجار ليشاهد مأساة هائلة جديدة، تمثلها الأهواء على ملعب الأرض ~~الأبدي. ~~- جميل! ~~- سلمى! ~~- نعم أنا ... أتيت؛ لأنني لا أريد الإخلاف بوعدي لك، رغما عن تعب النهار الذي أنهك قواي، ~~لم يغمض لي جفن، وقد حملني الشوق إليك ... أحب لقاءك يا جميل؛ لأنني لا أشعر بالحياة إلا ~~بقربك، ولكن شيئا خفيا لا أعلم ما هو يكاد أن يقعدني عن ملاقاتك كلما ضربت لي ميعادا، ~~كلما فتحت الباب تحت جنح الليل وأنت تنتظرني هنا، أتبين من بعيد على نور النجوم القاتم قبة ~~الكنيسة المرتفعة فوق كل القرية، كأنها تسود على ما أرى، كما يعلو الكاهن المذبح وهو أعلى ~~من ms44 الشعب يقرأ في ذلك الكتاب الذي يوحي بالابتعاد عن كل قبيح ... ~~- سلمى! ... دعي الأوهام بحق حبنا، وهو أقوى من الموت وأحر من النار، دعي الكنائس ~~المرتفعة إلى عنان الجو؛ فإنها مبنية من تعب الفقير لتسخر به، دعي الكاهن فهو ضعيف العزم ~~يفضل المتاجرة بالأوهام من أن يشتغل كباقي الناس، ويعيش منعتقا من ربقة الضلال الذي يأسر ~~نفسه به ويأسر الناس. # وكان فم جميل لم يزل مفتوحا يريد أن يندفع بكلامه إلى حد بعيد، فمدت سلمى يدها إلى ~~فمه وألقت أصابعها المحروقة على شفتيه الورديتين، وقالت: اسكت يا جميل وإلا أغلقت أذني عن ~~سماع كلامك، لماذا تجدف على بيت الله وهو ملجأ النفوس المعذبة؟ إذا تركتني أنت، فإلى أين ~~ألتجي؟ ~~- أنا لا أتركك يا سلمى، ولكن اعتقادك بأن الكنيسة هي ملجأ الحزانى لهو اعتقاد فاسد، ولو ~~نظرت كما نظرت أنا في أميركا والبلاد المتمدنة كيف أن الكنائس والكهنة ترتفع على قلوب ~~التعساء لغيرت ظنك وضحكت من نفسك. ~~- أنا لم أذهب لأميركا يا جميل، ولا أعلم ما يعبد الناس هنالك؛ إذ إنني خلقت في قريتي على ~~سفح لبنان وطني؛ حيث الكنيسة مسقوفة بجذوع الأشجار كبيوتنا، والكاهن فقير مثلنا يشتغل بحقله ~~مع أولاده ليعيش، أنا لست متعلمة في الكليات، ولا أعرف أن أقرأ بغير كتاب الصلوة الذي ~~أهدتني إياه السيدة أولغا في الصيف الماضي، حينما أتت من بيروت لتصطاف في مزرعتنا، ومع ذلك ~~مع كل جهلي يا جميل أراك مخطئا باعتقادك، مع أنك درست في بيروت وسافرت إلى أميركا، والناس ~~يقولون عنك إنك فيلسوف. ~~- سلمى! أنا أتيت تحت جنح الظلام من طرف القرية لهنا كي أراك وأسمع كلمة الحب من فمك ~~الجميل، أتيت لألقي رأسي المتعب على صدرك البلوري، وها أنا ذا أرى بدل هيامك معارضات وهمية، ~~وأجد نفسي مضطرا للتفلسف معك، أرى الكنيسة والكاهن واقفين حاجزا بيني وبين صدرك المشتعل ~~بالوجد، فأريد أن أريك وهن هذين الحاجزين، أنت لم تعرفي شيئا من العالم يا سلمى، أنت لا ~~تقدرين على التمييز لتعرفي بأن ms45 الكنيسة ليست إلا شركا يصطاد به القوي الضعيف، فاعلمي بأن ~~الإنسان لا يحتاج لمعبد وكاهن ليعيش، أنت لا تجهلين بأنني عاقل ودارس فاسمعي مني، وأنا لا ~~أريد أن تكوني على ضلال: إن الشريعة هي مثل الترتيب في المعمل الذي تشتغلين به، تتغير حسب ~~إرادة الناس وضرورة الأيام، فالأديان كلها أكاذيب وأضاليل، ولا شريعة غير القوة، ولا إله ~~إلا إله واحد وهو الحب، أنا آخذ حقي من الدنيا قدر قوة يدي ودماغي، وأنت تأخذين حقك قدر ~~جمالك ولطفك، فاتركي الأوهام والكاهن والكنيسة إلى جانب، وتعالي نعبد قلوبنا، انطرحي على ~~يميني؛ لأنها قوية ولا تخافي. ~~- أخاف أن تتركني يا جميل فلمن ألتجي بعدك؟ أنا أحبك بكل سذاجة قلبي وقوة شبيبتي، ولكن ~~باسم من تحلف، وأمام من تربط عهدك وأنت لا تعتقد بدين ولا بشريعة؟ ~~- أحلف بشرفي وهذا القمر السائد في الفلك، كما تسودين في قلبي وهو شاهد علي، فسوف ~~أحلك من قيود المعيشة الفقرية، سوف أنزع اليد المتسلطة عليك في معمل الحرير حيث أنت عبدة ~~ذليلة، وأقودك معي إلى العالم الجديد فترين هنالك نور الحياة وتذوقين لذة العيش. # وباتت سلمى جامدة مسحورة بجمال حبيبها، كأن قوة غريبة تضغط على قلبها الضعيف، وكالعصفور ~~المخلوب أمام الأفعى الهائلة، شعرت الصبية بانجذاب عواطفها إلى الهاوية المفتوحة ~~أمامها. # وبقي جميل يتكلم طويلا عن فساد المبادئ الفاشية بين الشعب الساذج، فكانت كلماته تسقط ~~كنقط السم على قلبها، وكان الفتى الضال يمد مباديه السافلة إلى قلب الفتاة الطاهر طاردا ~~منه كل المحاسن التي أوجدها الإيمان به. # هي ترى الله والشريعة مجسمين بالكاهن والكنيسة، ولا تفهم من سر الفدا غير تمثيله على ~~المذبح، وكان جميل يعرف بأن الله ليس الكاهن وليست الشريعة الهيكل، ولكنه عرف بأن ذلك القلب ~~الساذج يحصر كل اعتقاده بالمنظور، وأنه حين يخلو من ذلك الاعتقاد يخرج العفاف منه، ويضمحل ~~في شكوكه كل طهارة وحذر، فأخذ يبين لسلمى ضلال بعض الكهنة في حياتهم المملوءة خبثا، يوشيها ~~المجد وتحتاطها السعة والبذخ، قائلا بأن سلطة كهذه لا يمكن ms46 لها أن تمثل شريعة مجردة ~~منبعثة عن نور السماء. # تحت تلك الصفصافة الضائعة على سفح لبنان فوق الوادي العميق قرب الغدير الصافي السائل ~~بهدوء بين الأعشاب دوى صوت فولتير مرة ثانية على الأرض. # وكانت سلمى قد جلست على دثار جميل المفروش على الأرض، وجميل جاث أمامها، ويده المحترقة ~~بحرارة الشر ملقاة على كتفها المرتجفة ... فقالت: جميل ... اسمع لكلامي؛ فإنني ساذجة لا أعرف ~~كيف أتكلم، ولكن لا يجب أن يتعلم القلب ليشعر: كنت أحب لو كنت مثل أبي قانعا بأرض أبيك ~~وأجدادك، أبوك قد قضى وأمك ماتت وأنت وحيد في هذه المزرعة الحقيرة، لا نسيب لك ولا قريب، ~~تعيش منفردا عن القوم، كأنك لست منهم وتتكبر على لابسي العباءة، كأن أباك لم يرتد مثلها ~~ليقوم بمصاريف تعليمك في المدرسة، أنت كالطير الغريب في مزرعة لبنان يا حبيبي، تركت عشك ~~الجميل لتملأ دماغك بأفكار لا أفهمها، وما عدت إلينا إلا بزي جديد ملفوفا بأثواب غريبة ~~لتركب غارب البحر، وتبقى هنالك السنين الطوال، وها أنت ما بيننا كأنك لست منا، فلا يمكن لنا ~~أن نفهمك كما لا يمكن لك أن تفهمنا، ولو لم يكن رباط الحب أقوى من المدى وأعلى من طبقة ~~العوائد، لما كنت تراني الآن بين يديك، أحبك يا جميل وأذعر منك، أشتاق إلى مرآك وأحذر ~~لقياك، فأنت أمامي جميل مشرق كالقمر، ومظلم مخيف كأطراف الوادي البعيد. ~~- ويلاه يا سلمى! كفي ملامك فإن غصن الورد لا ينتقل من تربته ويرمى لرحمة العواصف إلا ~~لقوة غالبة وإرادة جائرة، بلادي صخرة جرداء وافقها ضيق على النظر الطامح إلى بعيد، تعلمت أن ~~أرتفع بأفكاري إلى الأمور السامية فاحتقرت المحراث وثقلت على كاهلي ملابس أجدادي، فاندفعت ~~كما يندفع إخواني أبناء لبنان إلى الأوقيانس البعيد، وهنالك ذقت ما لا يحلم به سكان صخورنا، ~~ولهذا أريد أن أعيش كما يحبب العيش لي وسوف أعود إلى بلاد الذهب والسرور. ~~- ويلاه يا جميل يرتجف قلبي من كلامك، وهذه الأرباض الهادئة تضطرب منك، فكأنك نسر خارج ~~من بيضة حمام، ينتفض ms47 بجرأة وشدة مخالفا كل شريعة ونظام، أنت ولدت مثلي في هذه المزرعة ~~الساكنة الهادئة، ولكنك لم تعد صالحا لسكناها، كما لم يعد بها شيء يحببها إليك، ويكفيني أن ~~أنظر إلى أثوابك التي لا يصنع في بلادنا منها قطعة واحدة لأتأكد بأنك صرت غريبا، وبك كل ~~الأميال التي تجعلك معرضا لحياة الاستعباد في بلاد الأجانب، اسمع لصوت حبي، دع عنك هذه ~~المطامع، وخذ لك أرضا تشتغلها بما لديك من المال فتأتيك بالأرباح، اشتر أرض أبيك التي ~~باعها ليعلمك، وهذه يدي بيدك لنحيا بسكون ونموت بسلام في مزرعتنا الصغيرة، ففي بساطتها نلقى ~~السعادة والراحة. # وكان صوتها هادئا ترن به كل نغمات الحب الصادق والاسترحام، فكأن لبنان الساذج السعيد ~~تجسم بذات تلك الفتاة الطاهرة القانعة لينزع من قلب جميل مطامع المهاجرة وضلال الحياة ~~الجديدة. # وألقى جميل رأسه على كتف الفتاة، فتمثلت لديه صورة الحياة الهادئة في مزرعته قرب سلمى وهي ~~تحبه بكل قواها، رأى نفسه ساكنا في بيت أبيه القديم وأرزاقه تدر عليه اللبن والعسل، ~~وتخيل أنه بنى معملا صغيرا يشتغل به مع عدد من أهل المزرعة بصناعة النسج التي تعلمها في ~~المهجر، فاهتز بنفسه وجدان اللبناني القديم فوضع فمه على شفتي سلمى الورديتين، فكأن بهذه ~~القبلة التي رنت على كتف الغدير فتلاشى صداها مع خريره كانت رابطة عهد جديد بين قوة لبنان ~~وجماله ... # ولكن تلك النفس اللبنانية المجبولة على العفاف لم تكن لتقوى طويلا بطبعها على ما تطبعت ~~عليه، وذلك الاعتقاد اللبناني القديم الذي رسخ مع الأدهار لم يكن ليقوى على الشكوك المتسلطة ~~عليه من فساد بعض التقاليد السطحية. # تلك الليالي التي قضاها جميل بين غابات نيويورك وعواهر مرسيليا، تمثلت لوجدانه المشكك ~~كشبح اللذة الكاملة ومودع السعادة الحقيقية، وذلك السم الذي دار بدمه مع ملاصقة الفواحش ~~والنزول إلى قعر الدنس، ذلك السم كان لم يزل جاريا يحارب دماء اللبناني القوية. # وكانت سلمى قد سكرت من مظاهر الجمال الطاهر الذي لاح لعينيها على وجه جميل حين افتكاره ~~بسعادة الحب وسكنى الوطن، فارتخت عزائمها ms48 ورقدت روحها بين طيات الأمل. # كل شيء في هذا الكون مقسوم إلى قسمين؛ قسم يأمر وقسم يرضخ، ذرات الدقائق، الجوهر الفرد لا ~~يكون إلا مزدوجا، ولا يمكن تصوره منفردا ما لم يصبح عدما، وفي ذات ذلك الجوهر المزدوج ~~يوجد متعد ولازم، يوجد سابق ولاحق، أول وثان، تابع ومتبوع، فلا يمكن اندغام متشابهين ~~ما لم يكن متسلط وراضخ، لا يوجد اشتراك تام إلا بالظواهر في الطبيعة المنظورة. # روح سلمى الثملة بعواطف الحب الأكيد وحياته الأمل، وروح جميل المحترقة بحمى الملاذ ونارها ~~ذكر الضلال الماضي وأمل اللذة العتيدة، حياة طاهرة وحياة مفسودة تندغمان بقوة مجهولة تضم ~~كل شيء حتى كأنها تمزج الخير بالشر مزجا. # سر هائل في هذا الكون يجعل القوة سائدة وهي مفصولة عن الخير، فكأنما قد قدر على الصلاح ~~أن يلازم الضعف ويرضخ أبدا للجور، فيفتخر بالانكسار وتكون حياته بالضحية. # توسط القمر كبد السماء، وأصبحت أشعته الساقطة عموديا على الأرض تقصر الأشباح، وتضم كل ~~خيال لجرمه، فأنيرت المروج العارية حول الصفصافة، وأصبح خيالها مستديرا يغطي جذعها ~~والدائرة المنبسطة حولها، فكأن القمر رأى ما سيكون هنالك فضن على المجرم بنوره، وخشي أن ~~تتلطخ أشعته الفضية بدماء الطهارة المهدورة. # هنالك لم يكن حبيبان، هنالك لم يكن غير خادع ومخدوع، قاتل وقتيل. ~~••• # ساد السكوت وتوالت الساعات وكان القمر قد جنح إلى جانب الأفق محمرا كأنه متشرب من أبخرة ~~الجريمة المستورة، ودامت الأرض سائرة في هذا الكون الفسيح لتتمم دورتها اليومية. # تكحل الشرق بغبار ذهبي، وهب نسيم الصبح عليلا ليحيي الروض الشاخص إلى السماء بجمود ~~المفتكر، فاتخذت مياه الغدير لونا ذهبيا يتوهج على الحصباء بين المرج وقد ظهرت عليه زهرة ~~حمراء جديدة بين أزاهر الطبيعة البيضاء الطاهرة ... # كان الوسن لم يزل سائدا على أجفان الإنسان، وهنالك في الكوخ الحقير اختلطت ذرات النهار ~~بنور السراج الضئيل، وقد شح زيته وقارب الانطفاء، وعلى الصفصافة القديمة التي زرعها أبو ~~سلمى على تلك الأغصان الخضراء الناضرة، بين السكوت المجلل الطبيعة بخشوعها، كان عصفور صغير ~~قد فتح عينيه للنور ms49 وبدأ يغرد! ~~••• # أشرقت الشمس على ثغر بيروت المفتر بكل جماله أمام بحر الروم الصافي فكانت السماء تبتسم ~~للأرض، والأرض تهدي السماء أبخرة الصباح الزرقاء المتصاعدة إلى العلا كأنها عرف البخور، ~~وهنالك عند أقدام لبنان حيث ترتفع الصخور على صفحة الماء الممتد إلى أطراف الأفق كان ~~الترامواي اللبناني سائرا مخلفا وراءه المعاملتين وجونيه ووجهته بيروت. # من ركاب الطبقة الثانية كان الشاب عاشق سلمى مسندا يده إلى نافذة القطار، وأنظاره تسبح ~~على وجه الماء وتسير نحو الأفق كأنها تريد الوصول إلى ما وراء الحجاب، وكان يفتكر: لقد مضت ~~سنة منذ وطئت رجلاي أرض أجدادي، فأخال هذا العام قرنا طويلا، ما أثقل رجل الزمان السائرة ~~على قلب فارق وسطه ولم يعد يشعر بالحياة إلا على ما تعود! هنالك في الولايات المتحدة لا ~~يحتاج الإنسان لإجهاد الفكر ليعيش هنالك، كل شيء مرتب؛ التجارة والصناعة حتى الكذب ~~والاحتيال والسرقة لها أبواب معلومة ونظام متبع، وهنا إذا أراد المرء الإتيان بعمل فعليه ~~أن يحارب العناصر والأحياء معا، عليه أن ينكر ذاته لقاء الصالح العام، فينجح من حوله ويبقى ~~هو تعيسا، في كل بلاد الله ينجح الفرد ليعم التقدم كل الأمة، أما هنا فيجب أن يسقط أفراد ~~كثيرون ليدخل الرقي عن الطريق العامة ويعود مقسما على الأفراد، كان معي حين حضوري سبع ~~مائة ليرة ضخمت كيسي بعد جهاد أربع سنوات، وها أنا ذا أرى بأسف أن داء الهزال يسطو على هذا ~~الكيس، فهو كالمريض الذي تجهده الحمى ولا يتغذى، فقد أصيب بفقر الدم، وكل مدة يجب أن أحضر ~~لبيروت؛ لأنها تمثل لي خيال البلاد المتمدنة، فلا أخرج منها إلا منهوك القوى فارغ ~~الجيب. # بيروت استغرقت نصف مالي، ولكن بيروت ستعوض علي. # بنات الهوى يفرغن الكيس، ولكن أولغا ستملؤه، أبوها تاجر معتبر وواسع الثروة، فلا تقل ~~الدوطة عن الست مائة ليرة وحينئذ وداعا يا لبنان! # أولغا ليست جميلة، ولكنها متمدنة، هي تلبس كورسه إيديال وقبعة إفرنسية ووشاحا إنكليزيا ~~وأساور أميركانية و... و... # وبحصر الكلمة هي خلاصة تمدن العالم ms50 كله ... تتكلم الإنكليزية والإفرنسية وتخلطها بشيء من ~~العربي ... مسكينة سلمى ما كان أحقرها في عيني في الصيف الغابر حينما كانت تذهب للتنزه مع ~~الغانية المتمدنة، سلمى تلبس قميصا من دير القمر، وفسطانها من ديما بيت شباب مفصل على طرز ~~باريزي محض، فهي تخاف أن تشد على صدرها، وفي رجلها حذاء من جلد زحله ضخم بلون أغبر؛ لأنها ~~تصبغه كل سنة مرة. # ولاحت على شفتي جميل ابتسامة صفراوية مركبة من كل العواطف المتزاحمة المتلاطمة في ~~قلبه. # حين افتكاره بسلمى، تذكر الليلة التي أوشكت أن تمحى من مخيلته، وقد طبعت بكل تفاصيلها على ~~قلب الفتاة المخدوعة، وعلى سفح لبنان وأشجاره وغديره؛ لأن لبنان كان محتملا إهانة جديدة من ~~أبنائه بشخص فتاته الطاهرة الساذجة. ~~••• # جنحت الشمس عن الهاجرة وهوت على منحدر المدار الذي ينتهي على أفق البحر، في أحد بيوت ~~بيروت الكبيرة بإحدى قاعاته الواسعة العالية كانت عانس تبلغ الخامسة والثلاثين من سنيها، ~~عريضة الأكتاف ثقيلة الردف مقطوعة من وسطها بزنار مذهب مربوط برخاء؛ لأنه لا يحتاج للشد، ~~والكورسه من وراء الفسطان واصل إلى آخر ما يمكن للشريط أن يشد، وكانت جالسة على مقعد مخملي ~~أحمر، وفسطانها الكحلي الفاتح متدل برخاء وترتيب على الأرض، وبيدها جريدة لم تزل مربوطة ~~بغلافها، وبعد أن قلبت العانس جريدتها مرارا بين يديها ضربت على جرس كان بجانبها فدخلت ~~الخادمة. ~~- خذي هذه الورقة يا مريم فلربما تلزم للمطبخ. # وتناولت الخادمة الجريدة وبعد أن نظرت إليها بإمعان قالت: هذا جرنال معلمي نسيب وهو ~~يسألني كل أسبوع عنه فكيف تريدين أن ألقيه بين أوراق المطبخ؟ ~~- آه هذه الجريدة العربية خذيها حالا واحرقيها فإن نسيب قد أصبح مجنونا من يوم مطالعته ~~هذه الورقة، فهو كل أسبوع يملأ آذاننا بأخبار جديدة وآراء مضحكة، فهو تارة يقول لي أن أتعلم ~~العربي، وتارة يعطيني أوامر كيلا أقف على الكشف، مرة يعارضني إذ يجدني أحادث شابا على ~~خلوة، ومرة يأتينا منشدا أشعارا يقول عنها إنها أسمى من نفس موسى وأرفع من خيال هيغو، ~~وأنا أحتمل ms51 تشدقه فلا أفهم غير قرقعة القاف والضاد والعين، فأخاف على أذني أن تنسد. # والبارحة أتانا بنغمة جديدة، هو يريد أن ألبس قطعة ديما أحضرها من جهنم ... وقد لبس ثوبا ~~شديد الشبه بملبوس الإيطاليان الذين يشتغلون على الطرق، وهو يقول إن هذه الأقمشة هي مصنوعات ~~الوطن. # خذي هذه الورقة بالله عليك؛ لأنني أخاف أن يطلع عليها نسيب ويكون بها وصفة جديدة تأتيه ~~بجنون جديد. # وأخرجت الجريدة العربية من غرفة المتفرنجة محمولة على أيدي مريم وهي لا تدري أن بها ~~شرارة الحياة لبلاد تفتح عينيها للنور، ألقيت الجريدة في النار فالتهبت ومريم ناظرة إلى ~~لسان اللهيب الأزرق المتلاعب في الموقد، وهي لا تدري بأن تلك النار هي روح الوطنية وأنفس ~~الكتاب السائلة كقطرات الدمع على تأخرنا وضلالنا، وهنالك في الغرفة الواسعة كانت أولغا قد ~~أخذت من جنبها كتاب «صفحة غرام» بقلم أميل زولا، واستغرقت في القراءة معجبة بالسموم التي ~~كانت تدخل لقلبها ضاحكة من جنون أخيها وحبه للجرايد العربية. # وما لبث حتى فتح الباب على مهل ودخلت الخادمة قائلة: سيدتي أتى جميل. ~~- أين هو؟ دعيه يدخل حالا. # وإذا أدارت مريم وجهها لتذهب استوقفتها أولغا قائلة: أين أمي يا مريم؟ ~~- هي في غرفتها تلبس أثوابها لتذهب لزيارة مدام بطرس. ~~- لا تقولي لها إن جميل أتى، دعيها تذهب فعند رجوعها تراه. ~~- أمرك يا سيدتي. # وما توارت الخادمة خلف الباب حتى وقفت أولغا بتحذر لئلا تنقطع الشريطة الماسكة طرف المشد ~~بربطة الساق، فتراجع ردفها قيد ذراع إلى الوراء وانحنى صدرها إلى الأمام، وبدأت تتخطر في ~~الغرفة كأنها سابحة في الهواء، واستوقفت المرآة أنظارها فلبست وجها جديدا يلائم حالة ~~الملتقى، ثم ركضت إلى المقعد وارتمت عليه مرتبة طيات ثوبها بكل تأن. # فتح الباب ودخل جميل حاملا بيده علبة مذهبة الحواشي، وتقدم حتى لاصق ركاب أولغا فبقيت ~~جالسة (مودة إفرنسية: السيدات لا يقمن للرجال.) # رأت أولغا سيدات الإفرنج يفعلن هكذا في المحافل الرسمية، فخيل لها أن هذه العادة مقبولة ~~بكل ظرف حتى مع الحبيب! # هكذا تعودنا أن ms52 نتمثل بالأجانب ... كل شيء من وجهه القبيح. # اهتزت أولغا على مقعدها دلالة على فرحها، ومدت يدها الشمال بحركة مرتقصة، فأخذها جميل ~~ورفعها إلى شفتيه، فقالت: أهلا وسهلا، إمتى حضرت لبيروت؟ ~~- بقطار الظهر. # أول كلمة نطق بها الخطيب أمام خطوبته كانت كذبا! وصل جميل بقطار الصباح، وسار توا ~~لمشاهدة إحدى الغانيات قرب مرسح التريانو، وبعد أن مضى معها الساعات الطوال توجه لسوق ~~الطويلة، واشترى العلبة هدية لأولغا، وأتى لديها قائلا إنه وصل بقطار بعد الظهر! ~~- اجلس هنا قربى ... وقل لي إمتى نسافر؟ # ثم ألقت أنظارها على العلبة، فلم تعد تستطيع الصبر لسمع الجواب، فأردفت: ما هذه ~~العلبة؟ ~~- هي أساور أحضرتها لك، تقدمة أرجو قبولها. ~~- لا سبيل للرجاء، فقبولها مني واجب عليك ... إمتى نسافر؟ ~~- حالا بعد الزفاف إذا شئت. ~~- وإمتى الزفاف؟ ~~- الأحد القادم. # وطال الحديث بين الخطيبين. # قاربت الشمس أن تغرب، ووالدة أولغا لم ترجع بعد من زيارتها، قام جميل قاصدا المبيت في ~~لوكندة أميركا، فوقفت أولغا وشيعته إلى الباب، وهنالك تعانق الخطيبان، والخادمة واقفة على ~~قمة الدرج تنظر إليهما، وبعينيها بارقة نار خضراء ... # هذه القبلة المتبادلة بين الضلال والدوطة، بين الخداع وحب المجد، هذه القبلة الباردة بين ~~شفاه المتمدن والمتمدنة، كانت عربون اتصال تحل عليه البركة الإلهية وتجعله مقدسا ... وهنالك ~~على سفح لبنان في حقول المزرعة الهادئة كان صدى القبلات المحفوظة في تموج النسيم يدوي مع ~~خرير الغدير كنواح الغادة التي تجبل خبزها بدمها وتمزج شرابها بدموعها ... ~~••• # وكانت الباخرة الإفرنسية تتأهب للإقلاع من مينا بيروت، والزوارق تتوارد إليها زرافات ~~ووحدانا، وقد اختلط المودع بالمسافر، ووقفت الأم لجنب ابنتها، والابن لجنب أبيه، الصديق ~~قرب صديقه، والحبيبة قرب الحبيب، وكلهم شاخصون إلى السماء كأنهم يستطلعون ما كتب لهم في ~~المجهول. # من يدري إن لم يكن بذلك الملتقى أواخر القبلات وأوائل الدموع التي لا يجففها غير ~~الكفن. # على ظهر الباخرة كان كاهن وشاب واقفين، ويد كل واحد منهما بيد صاحبه، وكلاهما شاخصان إلى ~~قمم لبنان العالية. # وكان الشاب يقول للكاهن: لا تلق الملام على ms53 شبان سوريا المتخرجين في المدارس؛ فهم أتعس ~~شبيبة في العالمين، دعهم يذهبون، وإذا ضاقت بهم الحال يجدون معملا يشتغلون فيه، أما إذا ~~مكثوا هنا فلا معامل ولا معادن ولا زراعة راقية، فإما أن يضربوا بمعاولهم الأرض أو أنهم ~~يطوفون في البلاد بأجساد أنحلها الهم، ونفوس تنتظر الفكاك من أسر الحياة، لبنان لا يحتاج ~~لمثل هذه الثمرات الساقطة على الأرض وقد عبث بها الهراء؛ لأنها ناضجة قبل أوانها، فنهضة ~~لبنان لا تقوم إلا بقوة الأيادي العاملة والأجساد الشديدة التي كان يجب أن تخرج كنوز الأرض، ~~وها هي تتدفق من جبالنا العالية إلى شاطئ هذا البحر ليحملها إلى قلب العالم الجديد. ~~- أنت تطلب عذرا لنفسك يا سعيد، فلا أراك مصيبا بكل ما تقول. ~~- أنا مقتنع كل الاقتناع بما أقول، وهذا برهاني: قبل أن تجبرني الظروف على الإبحار، قبل ~~أن أصرف آخر درهم أبقاه لي أبي بعد وفاته، وقفت مرارا على هذا المرفأ أتأمل بالمهاجرة في ~~حين لم أكن من طلابها، فكنت أرى أبناء الوطن بل نسمته وروحه يبارحونه جسدا أنحلته ~~الأدواء، فألقي على الأجساد القوية الضخمة المملوءة شدة وحياة نظرة أسف وتمرمر، أما القسم ~~المهذب الراقي من إخوتي فكنت أزودهم دمعة ورحمة، كنت أشعر معهم بما أشعر به اليوم، وأتأسف ~~على وطن يكفيه خمودا وعارا أنه يقذف عنه شعلة الذكاء المنزلة عليه برءوس أتعس أبنائه، فما ~~أشبه حالة ألفتنا اليوم يا أبي بتلك المغاور البعيدة الأطراف التي يسطو عليها الفساد، إلى ~~درجة تنطفئ بها كل شعلة تلمع بديجوره الأربد! ولكم رأينا من تلك اللمعات ما بيننا! ~~لكم لاح لنا من نور يسطع وشيكا ثم يتبدد بكربون الفساد فكأنه لم يكن ... أين أديب إسحق ~~ونجيب حداد واليازجي، وأي نفع أبقوه للبلاد بل أية حياة نفخوها في قومنا؟ وهم لم يتركوا ~~غير نفثات أقلامهم تدخل إلى صدور الشبيبة فتدفعها إلى القنوط وتجرها إلى القبر، فكأن تلك ~~الأقلام تحمل مع الفكر السامي ميكروب السل الذي أفنى تلك الأجساد التاعسة. # إذا بارح الوطن رجال العمل عن ms54 طمع وجشع وكسل وبعض الضغط فلا يبارحه رجال الفكر والعلم ~~إلا كرها، وعن ملالة من ألفة تحتاج لانتباه ولد بأكثر مما تطلب عقل رجل، تحتاج لمن يحسن ~~الجمع والضرب والقسمة بأكثر من احتياجها، لمن يحل صعاب الرياضيات في موقف الاختراع المفيد ~~والأعمال الكبيرة، تحتاج لمن يكتب: «بعد سؤال الخاطر العاطر واصلكم صورة الحسابات.» بأكثر ~~من احتياجها لمن يلقي القلم على القرطاس، فيغرد تغريدا، تحتاج لمن يعرف استجلاب البضائع ~~الأجنبية بأكثر من استعدادها لقبول أهل الفكر والعمل المستقل الذي يخرج من الوطن ما يفيد ~~أبناءه، تحتاج لكل من ينادي بالمبادئ المقتبسة عن الأجانب بقطع النظر عن ملائمتها للبلاد، ~~وترفض كل رأي ينزع إلى الإفادة بارتكاز مبدئه على الحاجة الماسة وضرورة الوسط الحالي ~~... # ووقف سعيد عن كلامه بغتة كما ينقطع مطر الربيع حينما يتساقط بشدة من السحب التي تلامس ~~الجبال. # وكان رفيقه الكاهن يلعب بأطراف لحيته وأصابعه النحيلة ترتجف بحركة عصبية تدل على تهييج ~~شديد، وبعد سكوت قصير فتح الكاهن فاه وقال: لربما يكون بكلامك بعض الحقيقة يا سعيد، فأنت ~~تظهر وجوب بقاء الفلاح العامل في البلاد لأن وجوده ضروري لحياة الأرض، ولكنني لست من رأيك ~~بعدم نفع الطبقة الراقية للوطن، اعلم يا سعيد أن ألفة بلادنا واقفة بين خائنين؛ وهما الغني ~~الحريص يقضي ليله بلعب الميسر ونهاره بالرقاد على فراش الرخاء والكسل، والفلاح الجاهل ~~الطامع الذي ضربه طاعون التشبه والتطاول، فترك أرض آبائه وذهب إلى حيث يقنع بلبس السترة ~~والبنطلون، إذا احتج المهاجرون المتعلمون بأن المدارس التي لا نعرف واجباتها زرعت في قلوبهم ~~كل ما يدفع للمهاجرة، فبم يتعلل الفلاح يا ترى؟ أما الطبقة المتهذبة الفقيرة فما أراها ~~إلا سفينا ضائعا بين بحر الشعب الهائج وزوابع الأغنياء ورعود صلفهم ومواطر ضلالهم، تلك ~~الطبقة لا تقدر أن تدير القوة الجاهلة لقصر اليد، ولا يمكن لها إقناع ذوي الثروة لفتح أبواب ~~الأعمال المفيدة، شبيبة الوطن المهذبة هي العسكر المجاهد الذي يحتمل كل الجراح في هذا الممر ~~الصعب، فيجب عليها أن تثبت لتكون رابطة ms55 الاتحاد بين الصناديق المقفلة والأرض المهملة، يجب ~~عليها ألا تيئس من الوصول يوما إلى موقفها الذي تعده لها العناية السرمدية. # أنا لا ألومك لتركك هذه البلاد يا سعيد، أنت تهرب من الجولان بالشوارع والتعرض للفساد، ~~أنت تهاجر كيلا تموت فيك القوة والموهبة، ولكن سيأتي يوم وهو قريب ينتصر العلم به على جهل ~~العامل وضلال المثري، وحينئذ يصير كل شاب متهذب وعالم مسئولا أمام وطنه إذا بارحه، يصبح ~~مطالبا أمام الله والألفة إذا هرب من موقفه؛ لأنه يكون إذ ذاك جنديا جبانا يخلي الأرض ~~التي وضع للمحافظة عليها نهبا مقسما للأعداء ... # اذهب يا سعيد إلى حيث قدر لك، ولكن خذ مني وصية واحرص على إتمامها: لا تقف كل حياتك في ~~بلاد المهجر لجمع المال فقط، بل تعلم من أرض العمل ما يمكنك نفع بلادك به إذا رجعت، لقد ~~مر الوقت، وعن قريب سيحملك البخار إلى بعيد، فليكن الله حارسا لك، ولا تدع الفساد ~~يسطو عليك، كلما قامت بوجهك صعوبة تذكر إلهك يا سعيد، تذكر وطنك فأنت مديون له، لا تترك ~~هذا العش الجميل خاليا من كل فراخه ... ~~••• # نزل الكاهن الشيخ على سلم الباخرة وعيناه دامعتان وجبينه العالي مصفر كالشمس التي تلامس ~~أفق الماء آذنة بالمغيب، وما وضع رجله على مقعد القارب حتى اصطدم بقارب آخر كان يشق الماء ~~بسرعة للوصول إلى السلم، فأدار الكاهن وجهه فرأى أحد أبناء وطنه من المزرعة القريبة لقريته ~~جالسا وقربه فتاة ضخمة ترفرف القبعة فوق جبينها، وعلى وجهها نقاب صفيق يلاعبه الهواء، فدهش ~~الشاب إذ رأى الكاهن وقال له: الوداع يا أبانا بطرس. ~~- جميل ... إلى أين؟ ~~- إنني من أميركا وإليها أعود. ~~- لا يا ولدي أنت من لبنان، قدر الله أن ترجع إليه. ~~- المستقبل لله، أرفقنا بدعاك يا أبي. ~~- مع السلامة، وليكن الله معك يا جميل. # وكان جميل يتكلم وعيناه مصوبتان نحو المرفأ، وجبينه يتقطب بحركة اغتصابية، وفؤاده ينبض ~~بشدة وهو يجتهد أن يخفي اضطرابه. # ضرب النوتي بمجذافه صفحة الماء فمخر الزورق عبابه وسار توا بالكاهن الشيخ ms56 إلى المرفأ، ~~وإذ وضع خادم الله رجله على الدرج حانت منه التفاتة فرأى ابنة قروية واقفة أمام الحاجز ~~الحديدي وبيدها منديل غطت به عينيها وقطرات الدمع تتساقط من بين أصابعها إلى الأرض. # وكانت الباخرة قد صرخت بصوتها الأبح معلنة المسير، وارتفع من داخونها ضباب أسود كثيف، ~~فأدار الكاهن وجهه لجهتها فرأى صديقه «سعيد» واقفا على المؤخر وبيده منديل يومي به إليه ~~مودعا، فارتفعت أفكار الكاهن الشيخ إلى العلا، وهو يناجي رحمة خالقه بأسرار الحياة وحالة ~~لبنان، ولكن لم يطل وقوفه تحت جنح التأمل والصلاة حتى سمع صوت زفير متقطع وتنهد متحشرج، ~~فأدار وجهه، فرأى القروية قد هوت على البلاط أمام غرفة البوليس محافظ المرفأ. # سقطت القروية على الأرض وارتمت يداها برخاء على صدرها المرتجف، فلاح وجهها المصفر لعيني ~~الكاهن كأنه شبح اليأس وخيال الموت، فتبين من تلك الملامح الشاحبة صورة سلمى تلك الفتاة ~~التي طالما رآها جاثية بخشوع في كنيسة قريته. # تألب الناس حول الفتاة واحتاطوها بأحداقهم، فتقدم الكاهن دافعا الجمهور بلطف حتى وصل قرب ~~سلمى وكانت غائبة عن رشدها، فأخذ بيدها طالبا معونة أحد الحمالين رافعا إياها بين ذراعيه ~~إلى خارج المرفأ، وهنالك وضعها في عربة وسار بها إلى إحدى اللوكندات القريبة تتبعهما أنظار ~~الحضور، وكان ما بينهم شاب مرتد آخر زي وبيده قضيب خيزران يلاعبه فقال: لا يمكن أن يسطو ~~الهرم على هؤلاء الغربان وما كان أولى أن نسميهم نسورا فهم يجددون شبابهم أمام كل فتاة ~~وسيدة! ~~••• # في إحدى غرف النزل العلوية المطلة نوافذها على البحر كانت سلمى ملقاة على السرير وأجفانها ~~تأبى الارتفاع عن نور عينيها كأنها تضن عليه أن يختلط بنور الحياة. # وكان الأب بطرس جالسا على المقعد بعيدا عن السرير يتطلع من النافذة إلى البحر، ويعود ~~ملقيا أنظاره الهادئة على وجه القروية الشاحب وأفكاره تائهة بين العالمين تسقط كالنسر ~~لتنظر الأرض عن قريب، وتعود محلقة مثله إلى السحاب فتنفسح أمامها مجالات المنظور. # كان الكاهن إذ ذاك بحالة لا يدركها إلا فئة قليلة ممن يصدقون بالغير ms57 المتناهي . # كان يفتكر بالمادة ونظامها فيراها محسوسة أمامه، ولكنه لا يرى غير قسم صغير منها، لا يرى ~~غير الوسط الذي يحتاطه فترتبك مباديه ويتململ ثم يدفعه التأمل بقوة الإيمان إلى ما فوق، ~~فتضعضع أفكاره كأنها نور ضعيف بين الضباب فيرى المادة كلها والألفة بأسرها، يتبين شرائع ~~الإنسان ومطامعه وسعيه وجهاده ولكنه لا يتمكن من سبر هذا الغور البعيد. # المفتكر كالنسر يلمس المحسوس لمسا فلا يرى إلا دائرة محدودة لا يتجاوزها بصره، يريد أن ~~يرى كل شيء، فيحلق في عالم الخيال، وإذ يصل إلى أعلى ذروة يتسنمها الفكر يلقي نظره على ~~الأرض فيراها منبسطة أمامه واسعة الأرجاء، يحدها الأفق من جوانبها الأربع ... ولكن ... ماذا ~~يرى؟ يرى كل شيء ولا يرى شيئا ... تكاد الجبال تغور في السهول وتختلط الأمواه بالصحراء ~~الفاصلة، فلا تتبين عينه المحدقة بإرادة المعرفة غير جرم بعيد لا يفهم منه شيئا. # هذي هي الدنيا وأسرارها أمام العقل الإنساني الذي يريد أن يفهم خفايا العناية الأزلية ~~المدبرة الكون تحت مظاهر الظلم والشقاء، تلك القوة غير المفهومة التي تنزل الرحمة دموعا ~~والسرور شقاء والكرامة هوانا. # إذا أراد الفيلسوف أن يعرف الدنيا وأحوالها بواسطة الاستقراء الحسي، فإنما هو لامس جزءا ~~صغيرا من الطبيعة المنظورة، هو يستقري، هو يلمس، ولكنه لا يلمس أكثر مما تصل إليه اليد في ~~هذه الدائرة المحدودة التي يسمونها أفق العقل المادي ... فتكون أحكام المفتكر بهذه الحالة ~~صحيحة على ما يرى، وفاسدة على ما لا يرى ... أما إذا ارتقى إلى ما فوق ليبحث فهو بعيد جدا ~~عما ينظر، يرى كثيرا ولا يفهم شيئا، يشعر بالحقيقة ولكنه لا يلمسها، يتأكد بأن الأرض ليست ~~إلا شبحا وهميا يسبح في الأطلس الفسيح، وحقيقة ذلك الخيال ثابتة إلى الأبد في مكان مجهول ~~... يقتنع ويؤمن، ولكنه لا يتمكن من إقناع سواه ممن لا يصدقون بغير ما يلمسون. # على تلك الذروة العالية كان الكاهن الشيخ واقفا في تلك الساعة ناظرا إلى ما وراء أفق ~~البحر، إلى السفينة الحاملة المجرم المتمتع بالحرية ولذة اللقاء وهو يبسم ms58 لعروسته ~~ولأموالها، ثم يلقي أنظاره على القروية النحيلة الفاقدة الرشد الساقطة وهي بريئة تحت حمل ~~الشقاء والرازحة تحت ضربة القضاء الهائل. # كان الكاهن يرى بعيني جسده شقاء المهانة وسعادة المهين، أما روحه المرتقية إلى ما فوق ~~فكانت ترى غير ذلك، كانت ترى العروس وعروسته محاطين بضباب أسود كثيف، والقروية المخدوعة ~~المتروكة محاطة بهالة النور اللامعة التي تكلل رءوس الشهداء ولا تنظرها العيون ~~الترابية. # تململت سلمى على فراشها وفتحت أجفانها، وكان الظلام قد هجم بطلائعه على المدينة، ودخل منه ~~ضباب رمادي إلى الغرفة، فتحت عينيها وشخصت إلى السقف وهي تقول: جميل آه ما أقساك! # فوقف الكاهن على مهل وتقدم إلى قرب السرير، وقال بصوت الطبيب الذي يكلم جريحا: لقد ~~أكثرت من ذكر جميل وأنت غائبة عن الرشد يا سلمى، فعرفت سرك الهائل، افتحي عينيك واجلسي يا ~~ولدي؛ فقد أتت ساعة التعزية بالله. # فحدقت الفتاة بأبصارها وإذ تبينت قربها شبح الكاهن الأسود تراجعت إلى زاوية السرير وغطت ~~عينيها بيديها وتمتمت بصوت خافت يرتجف خوفا: إلى أين تتبعني أيها الرجل؟ لقد رميت بنفسي ~~إلى قعر البحر تخلصا من عذابي، وها أنت واقف أمامي لم تزل تطاردني، اذهب عني ... دعني في ~~سكون الموت ... احترم الفناء إذا كنت لا تعتبر الشقاء ... # فوقف الكاهن مبهوتا مما يسمع، وقد داخله شك هائل! أي رجل تعنين يا سلمي؟ أنا الأب ~~بطرس كاهن قرية ... أنا أبو سعدى صديقتك، أنا الذي باركت زواج أبيك وأمك، أنا الذي سكب ماء ~~المعمودية على رأسك، فلماذا تخافين مني؟ # وما سقطت هذه الكلمات على قلب سلمى الجريح حتى جرى الدم بشدة في عروقها فجلست وفركت ~~عينيها كأنها مستفيقة من حلم عميق، وقالت: الأب بطرس ... أبو سعدى، ويلاه أين أنا؟ # وأدارت لحاظها في جوانب الغرفة، كأنها تفتش على مهد فتوتها، على الحقول الجميلة والكنيسة ~~البسيطة، لمعت عيناها لحظة وعاد إليها الجمود، فانطرحت على فراشها؛ إذ وقفت أمامها تلك ~~الصفحة السوداء التي كتبها الزمان ولم تعد تقوى على محوها يد بشرية، انطرحت بكل قوى ~~اليأس وهي ms59 تقول : اذهب أيها الماكر، أنا أمقتك، دعني، لقد كفاني الخداع الذي أحتمل ويلاته من ~~الدنيا، فلا أريد أن تشترك السماء بالغضب علي؟ # وأخذت الفتاة تردد كلمات متقطعة غير مفهومة، والكاهن الشيخ واقف يصلي، ودموعه سائلة ~~ببطء على لحيته الطويلة البيضاء. ~~••• # أنيرت الغرفة. # وكان الكاهن الشيخ واقفا أمام النافذة وسلمى جالسة على المقعد، وكانت تتكلم بصوت مرتجف ~~وفي عينيها لمعات تلوح وتنطفئ كآخر شعاع الشمعة الذائبة. ~~- نعم يا أبي بعد أن هربت من مزرعتي المحبوبة حاملة لعنة والدي على رأسي ودموع أمي ~~بقلبي، بعد أن ودعت ابتسامة أختي الصغيرة وتغريد شحارير الحقل الذي شرب عرق جبيني سنوات ~~عديدة، بعد أن طوى الدهر صفحة فتوتي وعفافي حضرت إلى هذه المدينة مفتشة على قاتلي، فوجدته ~~يتأهب للزفاف، وجدته في لوكندة أميركا وغرفته مملؤة بالأثواب الجاهزة لعروسته، فانطرحت على ~~أقدامه، ووضعت يده على قلبي ليسمع فيه نبضات قلبين فكان جزائي الطرد والإهانة، وبعد يومين ~~من ذلك الملتقى الهائل شهدت حفلة زواجه ذليلة صاغرة، ورجعت إلى النزل وعلى رأسي جبال من ~~الحزن، فرأيت هنالك رجلا يعتبره الناس، وهو يتكلم عن الدين والتقوى والأدب، وكانت غرفته ~~إزاء غرفتي فأردت أن أفتح له قلبي، وأطلب منه مشورة ورحمة، فكانت تعزية هذا الفاضل لي إهانة ~~لأشجاني وتطاولا على جسدي المضنى، وقد كان لابسا ثوبا يشبه ثوبك يا أبي، ولهذا ذعرت إذ ~~فتحت عيني ورأيتك، فاغفر وقد عرفت السبب. # لقد قال لي جميل إن الفضل ليس إلا ستارا للفظائع، فلم أصدق ولكنني في ذلك الحين شككت ~~بوجود الله وقد احتقرت الدنيا ومن عليها فقمت متملصة من يد الرجل هاربة تائهة على ساحة ~~البرج، وهنالك استوقفتني مناظر مريعة، هنالك رأيت وردة ابنة القرية المجاورة لنا لابسة ~~أثواب الحرير تتخطر ضاحكة ثاملة، وكنت أحسبها من قبل ميتة إذ سافرت من قريتها ولم ترجع ولم ~~يسمع أحد عنها شيئا. # أدخلتني إلى غرفتها حيث مجالي الفخفخة والراحة، وبعد حديث طويل فهمت من الدنيا ما لم أكن ~~أعرفه من قبل، عرضت علي وردة البقاء ms60 معها فرفضت، وقلت لها إنني أريد الموت، قلت لها إن ~~جميل مسافر غدا مع عروسته، فأريد أن ألقي بنفسي إلى البحر الذي سيحمله، بكيت كثيرا وكنت ~~خائفة واجفة في ذلك المكان الذي ترتفع حوله جلبة الفسق وأصوات المدينة السكرى، فأردت الخروج ~~ولكن وردة لم تتركني، تعلقت بثوبي قائلة: ابقي هنا يا سلمى، نامي على سريري آمنة من كل ~~طارئ، فأنت الآن في حرم صديقة طفولتك، لقد اشتغلنا سنتين في معمل الحرير، فلك علي حق ~~الرفيقة وواجب الصداقة، نامي يا أختي، وها أنا ذا ذاهبة لأقوم بفروضي الثقيلة الهائلة، ولا ~~بد أن تعرفي يوما ماهية هولها يا سلمى. # ذهبت وردة وأقفلت الباب وكنت تعبة محطمة من اليأس فاستغرقت في نوم ثقيل حتى ~~الصباح. # في وسط الفساد والضلال كنت آمنة على نفسي، وفي المجتمع الطاهر الظواهر لم أكن غير ~~حمامة في مخالب النسور. # بنت الهوى حمتني، وفاضل الناس أراد إهانة روحي الجريحة ليأخذ من ضعفها ما يسلي بطره ~~وضلاله. # أنا مذنبة يا أبي، أما جميل فمجرم ... هو دفعني إلى الضلال مفسدا اعتقادي أولا، ثم توصل ~~إلى إلحاق الدنس بي فترك في أحشائي نطفة حياته وتبرر منها ... فها أنا ذا أرملة وزوجي ~~حي. # هو مكرم من الناس يتزوج بعذراء ولا يبتعد أحد عنه، وأنا مطرودة مهانة لا أجسر أن أنظر ~~إلى السماء، ويخال للناس أن لا حق لي أن أمشي على أرضهم. # لا أفهم يا أبي ماهية هذا العدل الذي يرحم القاتل، ويجور على المقتول. # جميل لم يحفظ شيئا من نتائج فعلته، وأنا أحمل ثمرة إفساده لي، ولهذه العلة يقول الناس إن ~~جرمي أشد فظاعة من جرمه، فكأن هذه الدنيا لا تجور إلا على الساقط تحت الظلم. ~~- مهلا يا سلمى إذا كانت عماوة الناس لا ترى الخطيئة إلا على عاتق المظلوم التعيس، ~~فالشريعة السماوية أرفع من أن تحدد الأمور كما يفهمها الإنسان الضال، أنت مذنبة عن ضعف، ~~وجميل مجرم عن قوة، إذا كانت المادة تظهر للنظر أن جميل أعطى وأنت أخذت، فالعقل يرى ms61 غير ~~هذا، أنت أعطيت قسرا وجميل أخذ جبرا، أنت مسروقة وهو سارق، ولكن شريعة الفادي لهي مبنية ~~على المغفرة يا ولدي، اغفري يا سلمى؛ فهذه الفضيلة التي تصير الرجل عظيما ترفع المرأة ~~إلى أوج الألوهية، انظري إلى ما فوق يا ولدي؛ فإن الفادي لم يأت الأرض لأجل الأصحاء، بل ~~لأجل المسقومين، أتى ليرسم نقطة واحدة على الفكر البشري وتلك النقطة هي المغفرة والأمل، فلا ~~تتركي الشكوك تتسلط على إيمانك؛ لأن المشترع الكبير قد أتى لأجلك ولأجل إخوانك في الشقاء، ~~وهم يغطون بدموعهم وجه الأرض. # وأحنت سلمى رأسها بتعب كزهرة أضناها الذبول فلم تعد تقدر على احتمال النسيم الرطيب الذي ~~سيحمل إليها الحياة، وبقيت برهة ساكتة ولكن قلبها الجريح لم يلبث حتى دفع الدم إلى جسمها ~~بشدة فرفعت رأسها وقالت: لما كنت على المرفأ أذود خادعي بنظراتي الأخيرة كدت أن أصرخ: هذا ~~قاتلي أوقفوه، ولكن قوة سرية أغلقت فمي، فرأيت أن الناس كلهم ينظرون إلي شذرا، رأيت ~~الشيوخ يرمون علي نظرات الاحتقار، والشبان والكهول يحدجونني بلفتاتهم، فأرى على مرآة ~~عينيهم صورة المشاهد التي يطبعها الفساد على أدمغتهم حين مرآهم فتاة مثلي يمكن التلاعب ~~بحقارتها واغتنام الملاذ من آلامها وهوانها. # رفعت أنظاري إلى ما فوق، فردها اعتقاد الناس بي إلى أسفل، نظرت إلى البحر الحامل مجسم ~~الطمع هاربا من وطنه وذراعي القناعة والحب المفتوحتين له، نظرت إلى هذا الأزرق البعيد الذي ~~يسرق شباننا من بلادهم كما يقتلع حبهم من قلب فتيات لبنان، فأحببت أن أطرح بنفسي إلى اللجة، ~~أردت أن أغرق وأموت حيث مرت سفينة قاتلي، فخفت من الناس الواقفين حولي ولم أذكر خالقي؛ ~~لأنني لم أعد أخافه بعد أن رأيت جميلا لا يخشاه. # في تلك الساعة يا أبي حينما يصبح الإنسان مخيرا بين الحياة والموت، في تلك الدقيقة ~~الهائلة وقف شبح وردة أمامي وقد فتحت ذراعيها العاريتين وهما مطوقتان بالأساور الذهبية التي ~~رنت بأذني كصوت جرس مزرعتنا حين يدوي في الليل لينبي بموت صديق أو قريب ... رأيت وردة تنظر ~~إلي وتتبسم، ms62 فأدرت لحاظي عنها إلى وجه البحر العابس المتجعد، وارتعشت معاطفي فبكيت؛ لأنني ~~لم أر غير وردة والبحر، الحياة التي أخاف منها، والموت الذي أحبه بقلبي وأبتعد عنه بقوة ~~لا أعرفها، وكأن نفسي المتراجعة عن موت الحياة وحياة الموت وقفت متزعزعة أمام المجهول، ~~فشعرت بها كأكرة نور تتحول بغتة إلى ظلام منحل، سقطت على الأرض في حين ظهر لي وجهك يا أبي، ~~رأيتك ولم أعرفك؛ لأن السراج الوحيد لا يمكنه أن يبدد ظلام حياة دخلت في الليل ولم تعد ~~تقبل النور. # وكان صوت سلمى يرن ضعيفا في غرفة النزل الضيقة؛ لأنه كان أوهن من أن يموج دقائق ~~الهواء الفاسد المنتشر بين الجدران الواطئة، ولكن أذن الكاهن كانت تسمع ذلك الصوت كأنه ~~قهقهة الرعد ودوي المدفع، فكان يلتفت إلى جهة الباب خشية أن يسمع أحد ذلك الكلام الذي يجب ~~أن يهز الكرة لترتجف له الأرض. # وبعد أن وقف الكاهن متأملا، قال لسلمى وقد وضع يده على كتفها، وقال بكل وقار خادم الله ~~وعفاف الشيخ: لماذا لم تطالبي جميل بحقوقك، والقانون يقضي عليه بالتعويض؟ ~~- أنا لا أعرف القانون يا أبي، ولكنني سألت، فقيل لي إن دون الوصول إلى الإثبات عقبات ~~هائلة يستحيل على الحقيقة اجتيازها، فلا أربح سوى احتقار الناس والفضيحة والشنار، وآخر ما ~~يصل إلي من التعويض عن حياة أصبحت لغوا هو بضعة دنانير يذهب بها العار ليسطع لامعا ~~بدنائته أمام الألفة وقلبي المخدوع، عبثا تخرج الشرائع من مصدر الحق السامي إذا كان البشر ~~لا يفهمون قوة العدل، ماذا يهمني إذا انتصر لي القانون وهو حين يبرز حكما على الجريمة يضحك ~~منها الجاني وتزيد بها جراح المجني عليه؟ ماذا يفيدني حكم العدالة في المحكمة، والمحكمة ~~الكبرى المؤلفة من الشعب كله ظالمة عمياء، لا ترى الجرم إلا على كاهل الضعيف؟ # وكان الكاهن يفتكر. # في الشريعة روح سامية تتجلى على المواد لتجعلها حية تدير عنان الأحياء، والناس يقرون ~~بوجود تلك الروح الأزلية التي أنزلها الله على أقلام المشترعين ولكنهم يخالفونها كل يوم ليس ~~بأفعالهم ms63 فقط ، بل بمبادئهم أيضا، بكل حركة وكل رأي نرى مخالفة عادات الألفة للشرع، فهي ~~تقر به به إقرارا ظاهريا، ولكنها تعتقد بالأمور كما تشاء، بكل شريعة وضع عقاب للرجل ~~الجاني على العذراء ولم يوضع عقاب على المرأة الجانية على الرجل؛ لأن منذ تشكيل المحاكم ~~البشرية حتى اليوم لم يقم رجل دعوى على امرأة اغتصبته، ذلك لأنه يكون دائما متعديا في ~~حين أن المرأة تكون غالب الأحيان مخدوعة مهانة، ومع ذلك فالناس لا يفهمون، وإذا وجدوا ~~خائنا وخائنة فهم يحولون كل احتقارهم إلى هذه ويجدون أعذارا لذاك! # منذ أيام قام أحد الكتبة المفكرين شارحا تساوي الجرم بالخداع بين الرجل والمرأة، وأراد ~~أن يعارض رأي الألفة بتبرير الرجل وألقى كل الذنب على المرأة، فانتصر لمآل الشريعة الشاملة ~~مبينا مطابقتها للواقع المحسوس من حيث المبدأ والنتائج، قصد أن يجعل الرأي العام مطابقا ~~للحقيقة، أراد أن يقوم بهذه الخدمة فعارضه قسم كبير ممن يعتقدون بإبقاء حاجز الجهل بين ~~الفكر العام والشريعة الشاملة السامية. # التفت الكاهن للفتاة وقال لها: سأتركك الآن يا سلمى، فنامي إلى الغد، والله المدبر الأمور ~~يسهل أمامك سبل الخلاص. ~~- نعم يا أبي، سأنام إلى الغد ولكن في أحضان الجزع والشقاء، ولا أومل من الله شيئا؛ لأن ~~الله إنما يوصل إلى الناس عدله بواسطة الناس، وهؤلاء قد فسدوا فلا يصلحون رسلا لرحمة ~~خالقهم، لم يبق أمامي غير وردة والاستخدام والاستعطا، ولربما فضلت الحالة ~~الأخيرة. # خرج الكاهن متعجبا من حديث سلمى، وهو لا يفهم كيف أن الشقاء يولد الفلسفة حتى في أبعد ~~الناس عن العلم؟ # انطرحت الفتاة على فراشها واستغرقت بالبكاء ولم يلبث حتى ساد الوسن على عينيها ~~المتعبتين، وكان الكاهن لم يزل بعد ساهرا يصلي وهو يجول بأفكاره على الألفة السورية ليرى ~~بها موضعا ينصر فيه الضعيف الساقط؛ ليجد مكانا يقدر به الشريف أن يعضد الضال التعيس دون ~~أن يرمى بالحيف وسوء الظن، جال طويلا حتى عثرت آماله، ورأى نفسه وهو رسول الدين الآمر ~~بالرحمة والغفران عاجزا عن مديد المساعدة لأولى الناس ms64 بالبر والإشفاق، مقيدا بعوائد ~~الألفة واعتقاداتها التي انفصلت على كل جميل وعظيم، فأحنى رأسه بتعب، وقال واليأس يكيف ~~مقاطع صوته: إذا ضاقت مجالي الإسعاف على الدين والأدب، وإذا أصبح الدين عاجزا عن إحياء ~~النفوس البرية؛ لأن الناس تريد قتلها وتتهم بالضلال كل من يناصرها، فقد بقي وجه واحد أساعد ~~به المخدوعة التاعسة. # وفتح الكاهن هميانه فوجد به خمسة دنانير قلبها بيده، وقال: في العالم دولتان؛ دولة ~~المادة، ودولة الروح، وقد أصبحت الأرواح مهانة كيفما انقلبت حتى لا يمكنها أن تحسن بعد ... ~~فليس من قوة لغير المادة في هذه الألفة التي ضعف بها كل شيء لا يكون محسوسا، ولهذا حصر ~~الإحسان في الدرهم مميتا كل شفقة أدبية ومساعدة روحية تجعل النفوس عاضدة للنفوس. # كثير من الناس من يضحك مع الضاحكين؛ لأن الضحك اشتراك المادة مع المادة ولكن أين الذين ~~يبكون مع الباكين؟ أين الصديق على شقاء الصديق؟ أين الابن على عجز أبيه؟ أين الحبيب على قبر ~~حبيبته في هذه الألفة الجاشعة المسكينة التي يقتلها الطمع وهي ملقاة على حضيض ~~الهوان. # أين الذي يجلس مع العشارين ليردهم إلى الحق الرفيع، أين الذي لم تدنس قدماه من دموع ~~الزانية النادمة؟! # وأنا خادم ذلك المحسن العظيم الذي ظهر على الأرض، أنا الذي حصرت واجباتي بشفاء جراح ~~النفس، أينما وجدت أجدني مقيدا بعماوة الألفة التي تحيط بي، كان يجب أن آخذ سلمى إلى بيتي ~~وأساويها بسعدى ابنتي، ولكن حنان نفسي لا يمكن له أن يبرر جسدها، فهي أمام الناس شقية ساقطة ~~ودنس جسدها يوصل الأذى إلى كل عيلتي فنسقط كلنا معها ولا نقدر أن نرفعها. # وبهت الكاهن برهة طويلة كانت مبادي المسيح بها تناضل ضد عوائد الألفة وضلالها ولكنه رفع ~~رأسه أخيرا وفي عينيه ذلة المنكسر وقال: عفوا يا رب فقد امتنع علي أن أكون خادما ~~لمباديك الإلهية بروحي وقلبي، فاسمح أن أحصر إحساني بهذا المال القليل الذي أصبح وحده مدار ~~البشرية بعد أن اشتريتها بدمك وعززتها بروحك الأزلية، وكثير من أمثالي يضنون على إخوتك ms65 ~~التعساء حتى بهذا المعدن الزائل ... ~~••• # مر شهران على هذه الحوادث. # في أسواق بيروت المكتظة بالناس كانت امرأة شاحبة اللون غارقة العينين حاملة طفلا على ~~ذراعيها وهي تتوسل إلى المارة باسم الله والولد، باسم الدين والرحمة، هي ترتجف من الضعف ~~وأثوابها ممزقة تستر جسما كان منذ أشهر قلائل كدمية الرخام ممثلة مجموع الجمال ... تدلى ~~شعرها الأشقر قصيرا على كتفيها وقد فقد لمعانه، اختلط بنور عينيها قتام مهيم فهي ظلمة ~~متوهجة يخشع أمامها الناظر. # إذا كانت لفتات العلماء والشعراء تدخل الاعتبار في قلب الناظر إليهم ففي لفتات المجانين ~~ما يولد الخشوع والارتهاب، إذا دلت العين التي وراءها قوة مفكرة على وجود نفس سامية في ~~الإنسان، ففي العيون الجامدة وقوة ضعفها المذيب برهان لكمون النفس الناطقة؛ لأن لا شيء أدعى ~~إلى ظهور القوة الخفية من وجود العذاب فيها. # لو عاد جميل من وراء الأوقيانس البعيد ورأى هذه المرأة حاملة ابنه متسولة على قارعة ~~الطريق هل يعرف بها سلمى يا ترى؟ # لو مر اللبناني قرب هذه المرأة وهو يعرف روايتها، فهل يجود عليها بدرهم ذاكرا أنها صورة ~~وطنه المخدوع الضائع مثل هذه الفتاة التاعسة في أحضان المدنية القاسية ... # هي شريدة وحيدة بين هذه الألفة السائرة وراء السعادة وقد نضب ماء وجهها مع مياه حياتها، ~~وكل من عرف حالها يلقي عليها الملام، ومن القساة الجهلة من يعنفها ويلعنها ... # هكذا تفهم الألفة ماهية الجرائم، فأكبر المخلوقات إثما لدى الناس من ~~سقط ليتعذب ... ms66