######OpenITI# #META# URI: 1357YusufAsif.TarikhSalatinBaniCuthman.Hindawi92741931 #META# Tags: history #META# ID: 92741931 #META# Title: تاريخ سلاطين بني عثمان #META# AuthorID: 19072415 #META# Author: عزتلو يوسف بك آصاف #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # بنو عثمان‏ # باشوات مصر‏ # مقدمة المؤلف‏ # فذلكة في تاريخ القسطنطينية عاصمة الخلافة ~~الكبرى‏ # في أصل بني عثمان‏ # السلطان الأول‏ # السلطان الثاني‏ # السلطان الثالث‏ # السلطان الرابع‏ # السلطان الخامس‏ # السلطان السادس‏ # السلطان السابع‏ # السلطان الثامن‏ # السلطان التاسع‏ # السلطان العاشر‏ # السلطان الحادي عشر‏ # السلطان الثاني عشر‏ # السلطان الثالث عشر‏ # السلطان الرابع عشر‏ # السلطان الخامس عشر‏ # السلطان السادس عشر‏ # السلطان السابع عشر‏ # السلطان الثامن عشر‏ # السلطان التاسع عشر‏ # السلطان العشرون‏ # السلطان الحادي والعشرون‏ # السلطان الثاني والعشرون‏ # السلطان الثالث والعشرون‏ # السلطان الرابع والعشرون‏ # السلطان الخامس والعشرون‏ # السلطان السادس والعشرون‏ # السلطان السابع والعشرون‏ # السلطان الثامن والعشرون‏ # السلطان التاسع والعشرون‏ # السلطان الثلاثون‏ # السلطان الحادي والثلاثون‏ # السلطان الثاني والثلاثون‏ # السلطان الثالث والثلاثون‏ # السلطان الرابع والثلاثون‏ # السلطان الخامس والثلاثون‏ # بنو عثمان‏ # باشوات مصر‏ # مقدمة المؤلف‏ # فذلكة في تاريخ القسطنطينية عاصمة الخلافة ~~الكبرى‏ # في أصل بني عثمان‏ # السلطان الأول‏ # السلطان الثاني‏ # السلطان الثالث‏ # السلطان الرابع‏ # السلطان الخامس‏ # السلطان السادس‏ # السلطان السابع‏ # السلطان الثامن‏ # السلطان التاسع‏ # السلطان العاشر‏ # السلطان الحادي عشر‏ # السلطان الثاني عشر‏ # السلطان الثالث عشر‏ # السلطان الرابع عشر‏ # السلطان الخامس عشر‏ # السلطان السادس عشر‏ # السلطان السابع عشر‏ # السلطان الثامن عشر‏ # السلطان التاسع عشر‏ # السلطان العشرون‏ # السلطان الحادي والعشرون‏ # السلطان الثاني والعشرون‏ # السلطان الثالث والعشرون‏ # السلطان الرابع والعشرون‏ # السلطان الخامس والعشرون‏ # السلطان السادس والعشرون‏ # السلطان السابع والعشرون‏ # السلطان الثامن والعشرون‏ # السلطان التاسع والعشرون‏ # السلطان الثلاثون‏ # السلطان الحادي والثلاثون‏ # السلطان الثاني والثلاثون‏ # السلطان الثالث والثلاثون‏ # السلطان الرابع والثلاثون‏ # السلطان الخامس والثلاثون‏ # | تاريخ سلاطين بني عثمان # | تاريخ سلاطين بني عثمان # | من أول نشأتهم حتى الآن # تأليف # عزتلو يوسف بك آصاف # | بنو عثمان # (1) عثمان غازي بن إرطغرل # 699ه ~~(2) أرخان غازي بن عثمان # 721ه ~~(3) مراد الأول خدا وندكارين أرخان: مات في معركة كوسوفو # Kossovo # 761ه ~~(4) بايزيد الأول يلدرم بن مراد # 792ه ~~(5) محمد الأول چلبي بن بايزيد (بمنطقة آسيا الصغرى) # 805ه ~~(6) أمير سليمان بن بايزيد (بمنطقة أدرنه حتى سنة 813ه) # 806ه ~~(7) موسى چلبي بن بايزيد (بمنطقة أدرنه حتى سنة 816ه) # 813ه ~~(8) مصطفى چلبي بن بايزيد ms01 (بمنطقة أدرنه حتى سنة 825ه) # 822ه ~~(9) محمد الأول ... بمفرده # 816ه ~~(10) مراد الثاني قوجه بن محمد (للمرة الأولى) # 824ه ~~(11) محمد الثاني الفاتح بن مراد الثاني (للمرة الأولى) # 847ه ~~(12) مراد الثاني (للمرة الثانية) # 848ه ~~(13) محمد الثاني (للمرة الثانية) في شهر رجب # 848ه ~~(14) مراد الثاني (للمرة الثالثة) # 849ه ~~(15) محمد الثاني الفاتح (للمرة الثالثة نهائيا) فتح القسطنطينية ~~... في 19 جمادى الأولى سنة ~~857ه # 855ه ~~(16) بايزيد الثاني ولي بن محمد (ترك الحكم في سنة 918ه) # 886ه ~~(17) شاه زاده جم بن محمد (الثاني) مطالب بالحكم # 886ه ~~(18) سليم الأول ياوز بن يزيد # 918ه ~~(19) سليمان الأول القانوني بن سليم # 926ه ~~(20) سليم الثاني بن سليمان # 974ه ~~(21) مراد الثالث بن سليم # 982ه ~~(22) محمد الثالث بن مراد # 1003ه ~~(23) أحمد الأول بن محمد (مات في 22 ذي القعدة 1026ه) # 1012ه ~~(24) مصطفى الأول بن محمد (المعتوه) # 1026ه ~~(25) عثمان الثاني بن أحمد # 1027ه ~~(26) مصطفى الأول (للمرة الثانية) في رجب # 1031ه ~~(27) مراد الرابع غازي بن أحمد (مات في سنة 1049ه) # 1032ه ~~(28) إبراهيم بن أحمد (ترك الحكم وقتل بجنلي كوشك سنة 1058ه) # 1049ه ~~(29) محمد الرابع أوچي بن إبراهيم (ترك الحكم) # 1058ه ~~(30) سليمان الثاني بن إبراهيم (مات سنة 1102ه) # 1099ه ~~(31) أحمد الثاني بن إبراهيم (مات سنة 1106ه) # 1102ه ~~(32) مصطفى الثاني بن محمد (عزل) # 1106ه ~~(33) أحمد الثالث بن محمد (ترك الحكم في سنة 1149ه) # 1115ه ~~(34) محمود الأول بن مصطفى # 1143ه ~~(35) عثمان الثالث بن مصطفى # 1168ه ~~(36) مصطفى الثالث بن أحمد # 1171ه ~~(37) عبد الحميد الأول بن أحمد (مات سنة 1203ه) # 1187ه ~~(38) سليم الثالث بن مصطفى # 1203ه ~~(39) مصطفى الرابع بن عبد الحميد # 1222ه ~~(40) محمود الثاني بن عبد الحميد # 1223ه ~~(41) عبد المجيد الأول بن محمود # 1255ه ~~(42) عبد العزيز بن محمود «ترك الحكم سنة 1293ه وقتل نفسه بالانتحار» # 1277ه ~~(43) مراد الخامس بن عبد المجيد # 1293ه ~~(44) عبد الحميد الثاني بن عبد المجيد «خلع سنة 1327ه» # 1293ه ~~(45) محمد الخامس رشاد بن عبد المجيد # 1336ه ~~(46) عبد المجيد الثاني بن عبد العزيز (ترك الحكم) # 1341ه # | باشوات مصر # أولا: في عهد سليم الأول وسليمان الأول. ~~(1) خاير بك بركس ms02 (مات في جزيرة ردوس سنة 928ه) # 923ه ~~(2) مصطفى (ترك الحكم في سنة 929ه) # 928ه ~~(3) كوزلجه قاسم (ترك الحكم في سنة 929ه بعد تقلده بحوالي 24 يوما) # 929ه ~~(4) أحمد (مات سنة 930ه) # 929ه ~~(5) كوزلجه قاسم مرة ثانية (ترك الحكم سنة 931ه) # 930ه ~~(6) إبراهيم الصدر الأعظم (استدعي إلى القسطنطينية في سنة 931ه) # 931ه ~~(7) خادم سليمان (ترك الحكم سنة 941ه) # 931ه ~~(8) خسرو (ترك الحكم سنة 943ه) # 941ه ~~(9) خادم سليمان للمرة الثانية (استدعي إلى القسطنطينية سنة 945ه) # 943ه ~~(10) داود (مات سنة 956ه) # 945ه ~~(11) علي سمير (تقلد منصب الصدر الأعظم ثم استدعي إلى القسطنطينية سنة ~~961ه) # 956ه ~~(12) دوقه كين زاده محمد (ترك الحكم سنة 963ه) # 961ه ~~(13) إسكندر (عزل سنة 966ه) # 963ه ~~(14) خادم (ترك علي الحكم سنة 967ه) # 966ه ~~(15) لالا شاهين (ترك الحكم في سنة 971ه) # 967ه ~~(16) علي صوفي (ترك الحكم سنة 973ه) # 971ه # ثانيا: في عهد سليم الثاني. ~~(1) محمود (قتل بالرصاص سنة 975ه) # 973ه ~~(2) سنان (ذهب إلى اليمن سنة 976ه) # 975ه ~~(3) جركس إسكندر (ترك الحكم سنة 979ه) # 976ه ~~(4) سنان (مرة ثانية بعد عودته من اليمن) # 979ه ~~(5) حسين (ترك الحكم سنة 982ه) # 980ه # ثالثا: في عهد مراد الثالث. ~~(1) خادم مسيح (ترك الحكم سنة 988ه) # 982ه ~~(2) خادم حسن (ترك الحكم سنة 991ه) # 988ه ~~(3) إبراهيم (ترك الحكم سنة 993ه، وله حروب في لبنان) # 991ه ~~(4) دفتر دار سنان (ترك الحكم سنة 995ه) # 993ه ~~(5) أويس (ترك الحكم سنة 999ه) # 995ه ~~(6) حافظ أحمد (ترك الحكم سنة 1003ه) # 999ه # رابعا: في عهد محمد الثالث. ~~(1) كرد (ترك الحكم سنة 1004ه) # 1003ه ~~(2) سيد محمد (ترك الحكم سنة 1006ه) # 1004ه ~~(3) خضر (ترك الحكم سنة 1010ه) # 1006ه ~~(4) ياوز علي (ترك الحكم سنة 1012ه) # 1010ه ~~(5) الحاج إبراهيم (قتل بالرصاص سنة 1013ه) # 1012ه # خامسا: في عهد أحمد الأول. ~~(1) كورجي محمد (ترك الحكم سنة 1014ه) # 1013ه ~~(2) حسن بن حسين (ترك الحكم سنة 1016ه، ومات في إستانبول) # 1014ه ~~(3) أوغور محمد (عزل سنة 1020ه) # 1016ه ~~(4) صوفي محمد (ترك الحكم سنة 1024ه) # 1020ه # سادسا: في عهد مصطفى الأول (حكمه الأول) ثم عثمان ms03 ~~الثاني. ~~(1) أحمد (ترك الحكم سنة 1027ه) # 1024ه ~~(2) لفكه لي مصطفى (ترك الحكم سنة 1027ه. يعين صدرا ~~أعظم سنة 1031ه) # 1027ه ~~(3) جعفر (ترك الحكم سنة 1028ه) # 1028ه ~~(4) مصطفى (ترك الحكم سنة 1029ه) # 1029ه ~~(5) مره حسين (بقي في الحكم حتى سنة 1031ه، ثم عين صدرا ~~أعظم سنة 1031ه) # 1031ه ~~(6) ببر محمد # 1031ه # سابعا: في عهد مصطفى الأول (في حكمه الثاني). ~~(1) إبراهيم # 1031ه ~~(2) قره مصطفى (ترك الحكم سنة 1032ه) # 1032ه # ثامنا: في عهد مراد الرابع. ~~(1) چيچي علي (ترك الحكم سنة 1023ه) # 1033ه ~~(2) قره ثانية (للمرة الثانية) # 1033ه ~~(3) بيرام (ترك الحكم سنة 1038ه) # 1035ه ~~(4) طباني يامي محمد (ترك الحكم سنة 1040ه، وأصبح صدرا أعظم) # 1038ه ~~(5) موسى (ترك الحكم سنة 1040ه) # 1040ه ~~(6) خليل (ترك الحكم سنة 1042ه) # 1045ه ~~(7) بقيرجي أحمد (ترك الحكم سنة 1045ه) # 1042ه ~~(8) دلي حسين (ترك الحكم سنة 1047ه) # 1045ه ~~(9) جوان قبيجي سلطان زاده محمد (ترك الحكم سنة 1050ه) # 1047ه # تاسعا: في عهد إبراهيم الأول. ~~(1) نقاش مصطفى (ترك الحكم سنة 1052ه) # 1050ه ~~(2) مقصود (ترك الحكم سنة 1054ه) # 1052ه ~~(3) أيوب (ترك الحكم سنة 1056ه) # 1054ه ~~(4) حيدر أغا زاده محمد (ترك الحكم سنة 1057ه) # 1056ه ~~(5) مشتري مصطفى (ترك الحكم سنة 1057ه) # 1057ه ~~(6) شرف محمد (ترك الحكم سنة 1559ه) # 1057ه # عاشرا: في عهد محمد الرابع. ~~(1) طرخونجي أحمد (ترك الحكم سنة 1060ه، وعين صدرا أعظم) # 1059ه ~~(2) خادم عبد الرحمن (ترك الحكم سنة 1062ه) # 1060ه ~~(3) خاصكي محمد (ترك الحكم سنة 1066ه) # 1062ه ~~(4) خاليجي زاده داماد مصطفى (ترك الحكم سنة 1068ه) # 1066ه ~~(5) شاهسوار زاده غازي محمد (قتل سنة 1070ه) # 1066ه ~~(6) كورجي مصطفى (ترك الحكم سنة 1071ه) # 1070ه ~~(7) دفتر دار إبراهيم (ترك الحكم سنة 1074ه) # 1071ه ~~(8) سلحدار عمر (ترك الحكم سنة 1077ه) # 1074ه ~~(9) صوفي إبراهيم (ترك الحكم سنة 1079ه) # 1077ه ~~(10) قره قاش علي (ترك الحكم سنة 1080ه) # 1079ه ~~(11) إبراهيم (ترك الحكم سنة 1084ه) # 1080ه ~~(12) جانبولاد زاده حسين (ترك الحكم سنة 1086ه) # 1084ه ~~(13) دفتر دار أحمد (ترك الحكم سنة 1087ه) # 1086ه ~~(14) عبد الرحمن (ترك الحكم سنة 1091ه) # 1087ه ~~(15) عثمان (ترك الحكم ms04 سنة 1094ه) # 1091ه ~~(16) حمزة (ترك الحكم سنة 1098ه) # 1091ه ~~(17) حسن (ترك الحكم سنة 1099ه) # 1098ه # حادي عشر: في عهد سليمان الثاني وأحمد الثاني ومصطفى ~~الثاني. ~~(1) داماد حسن (عزل سنة 1101ه) # 1099ه ~~(2) مفتش كيايا أحمد (مات سنة 1102ه) # 1101ه ~~(3) خزينه دار علي (ترك الحكم سنة 1106ه) # 1102ه ~~(4) إسماعيل (ترك الحكم سنة 1109ه) # 1106ه ~~(5) فراري حسين (ترك الحكم سنة 1111ه) # 1109ه ~~(6) قره محمد (ترك الحكم سنة 1116ه) # 1111ه # ثاني عشر: في عهد السلطان أحمد الثاني. ~~(1) سليمان (عزل في 7 جمادى الآخرة سنة 1116ه) # المحرم 1116ه ~~(2) رامي محمد (عزل في جمادى الأولى سنة ~~1118ه. صدر أعظم في 7 رمضان ~~1114ه) # جمادى الآخرة 1116ه ~~(3) علي (عزل في جمادى الآخرة 1119ه) # جمادى الأولى 1119ه ~~(4) داماد حسن (للمرة الثانية) (عزل في 23 ~~شعبان سنة 1121ه) # جمادى الآخرة 1119ه ~~(5) إبراهيم (عزل في جمادى الآخرة سنة 1122ه) # شعبان 1121ه ~~(6) كوسج خليل (4) (عزل في جمادى الآخرة سنة 1123ه) # جمادى الآخرة 1122ه ~~(7) ولي (عزل في شعبان سنة 1126ه) # جمادى الآخرة 1123ه ~~(8) عبدي (عزل في رجب سنة 1129ه) # شعبان 1126ه ~~(9) كيايا علي (للمرة الثانية) (عزل في 6 ذي ~~القعدة سنة 1132ه) # رجب 1129ه ~~(10) رجب (عزل في 3 رجب 1133ه) # ذو القعدة 1132ه ~~(11) نشانجي محمد (صدر أعظم سنة 1129ه. عزل في المحرم سنة 1148ه) # رجب 1133ه ~~(12) علي موره لي (عزل في جمادى الآخرة سنة 1138ه) # المحرم 1138ه ~~(13) محمد (للمرة الثانية) (عزل في صفر سنة 1140ه) # جمادى الآخرة 1138ه ~~(14) أبو بكر (عزل في 13 ذي الحجة سنة 1141ه) # صفر 1140ه ~~(15) عبدي (للمرة الثانية) # 1140ه # ثالث عشر: في عهد محمود الأول. ~~(1) كوبريلي زاده عبد الله (عزل في المحرم سنة 1146ه) # ذو الحجة 1141ه ~~(2) سلحدار محمد # المحرم 1146ه ~~(3) عثمان (عزل سنة 1147ه) ~~(4) أبو بكر (للمرة الثانية) ... (عزل في رجب سنة 1147ه) ~~(5) حكيم زاده علي عالي (صدر أعظم في 15 ~~رمضان سنة 1144ه. عزل سنة ~~1154ه) # رجب 1147ه ~~(6) يحيى (عزل في 11 جمادى الأولى سنة 1156ه) # 1154ه ~~(7) محمد سعيد (عزل في المحرم سنة 1157ه) # جمادى الأولى ms05 1156ه ~~(8) راغب محمد (عزل في رمضان سنة 1161ه. صدر أعظم في 20 ربيع الثاني سنة ~~1170ه) # المحرم 1157ه ~~(9) الحاج أحمد (صدر أعظم سنة 1153ه) # رمضان 1161ه ~~(10) ملك محمد # رمضان 1161ه ~~(11) بلطه جي مصطفى # 1166ه ~~(12) حسن الشعراوي # 1166ه # رابع عشر: في عهد عثمان الثالث. ~~(1) حكيم زاده علي (للمرة الثانية) # المحرم سنة 1169ه ~~(2) سعد الدين (توفي سنة 1171ه) ~~(3) محمد سعيد (للمرة الثانية) # شعبان سنة 1170ه # خامس عشر: في عهد مصطفى الثالث. ~~(1) باهر كوسه مصطفى (صدر أعظم سنة 1165ه) ~~(2) بكر # 1176ه ~~(3) أحمد # 1178ه ~~(4) سلحدار ماهر حمزة (صدر أعظم سنة 1182ه) # 1179ه ~~(5) ملك محمد (للمرة الثانية) # 1180ه ~~(6) راقم محمد # ذو القعدة 1180ه ~~(7) دو تدار محمد # 1182ه ~~(8) علي بك (ولد سنة 1140، وتوفي في 15 صفر سنة 1187ه) # 1182ه # فتح مكة # ربيع الأول 1184ه # فتح سورية # ربيع الأول 1185ه ~~(9) أبو الذهب محمد الخازندار # المحرم 1187ه # | مقدمة المؤلف # تطوى السنون والأحقاب، وتتعاقب الأجيال والدول، ولا يبقى من أبناء الأوائل غير ما يتلقى ~~الأواخر عن ألسنة الرواة في أساليب القصص بأحاديث السمر، مرويا كما يشاء الميل أو يقتضيه ~~الغرض، وعلى هذا النمط كانت تضيع الحقائق كما ضاع الصاع في أيام العزيز بأرض الكنانة على ~~عهد فرعون مصر، أو تنقلب صورها عن دائرة أوضاعها، كما النور إلى ظلام عند الأعين ~~الرمدة. # ولما بدا في الوجود فن الكتابة وتعممت صناعة الطباعة قلما وجدنا مستودعا لأحوال ~~الغابرين يركن إلى ودائعه في سرد حوادث أيامها؛ لأن حملة الأقلام كانوا تحت مؤثرات ~~الخوف وعوامل الضغط، فاضطروا إلى تدوين الحوادث مدبجة بعبارات المحاباة والمجاملة، ~~ليأمنوا غدر أصحاب القوة والسلطان. ولم تنطلق الأقلام على صفحات الأوراق كما شاء استقلال ~~الفكر، وقضت به أمانة النقل لا في عصر اليونان والرومان، ولا على عهد حضارة العرب وفتوحات ~~نابليون، ولا إلى آخر أيام السلطان عبد الحميد خان، إنما الحقائق تجلت بقاياها بعد زوال ~~سلطات الفرد، وحلول الشورى محل الحكم المطلق، وأمكن الكتاب والمؤرخون أن يقرروا الوقائع ~~كما وقعت، ويسردوا الحوادث كما حصلت، ويبرزوا سير النوابغ وأعمال الملوك على ms06 حقيقتها ~~مظهرين ما حسن منها وما قبح عبرة للعالمين. # ولا أفيد للرقي العصري من معرفة تاريخ الماضي، فمنه يعرف كيف دالت الدول وقامت على ~~أطلالها أخرى، وانقرضت الأمم وتبوأ مجدها غيرها، وكيف أن التنازع في الكيان والبقاء رجحت ~~كفته في جانب الرأي الأصيل ومن استطاع أن يتملك القلوب بالإحسان، ويربطها بقيود الألفة، لا ~~أن يفرقها بالنفرة، ويخضعها بالإرهاب والقسوة. # فالتاريخ مرآة الأولين تنعكس منه صور أعمالهم، فيستدرك فيها النقص، ويتقوى محل الضعف، ~~وفيه يبقى الأثر الخالد الجليل الأعمال، والاسم الحي لأعاظم الرجال، ومنه ترهب النفس ~~الظالمة، فتردع عن غيها تحاشيا من تخليد سيئاتها. # والإنسان كما أنه يتطلع إلى أصل كيانه، يتوق كذلك إلى معرفة منشأ دولته، وجامعة أوطانه، ~~فمن المفيد إذن الوضع أمام النظر لكل عثماني صور ملوكه مع تاريخ موجز لكل منهم؛ ليتمثل ~~لديه كل عصر مضى على كيان دولته؛ لعله يعتبر ويستفيد من الدستور، وكما استفاد منه باقي ~~الأمم، ولا يقنع من الثمر بالقشور. # | فذلكة في تاريخ القسطنطينية عاصمة الخلافة ~~الكبرى # من هي القسطنطينية # القسطنطينية: هي المدينة الكبرى عاصمة المملكة العثمانية، وتخت الخلافة العظمى، أسسها ~~بيزنس، رئيس الماغريين قبل التاريخ المسيحي بألف ومائتي سنة، ودعيت بزنتية نسبة إليه، ~~وكانت فيما غبر القرية الأولى بين تعداد قرى طراشيا التي هي الآن قسم من بلاد الروم ~~إيلي. وقد ملكها داريوس الأول أحد ملوك الفرس عام 521 قبل المسيح، وجعلها نزهة للعين في ~~حسن الرونق والانتظام، وعقيب وفاته التي وقعت سنة 485ق.م استولى عليها أهل يونياس من ~~شعب هالان - وهو جنس يوناني قديم العهد يسبق ظهور المسيح بخمسة عشر جيلا - وبعد ذلك ~~اغتنمها الملك أكسرخوس الأول، وهو الخامس من ملوك الفرس قبل المسيح من 472 إلى ~~485. # ثم خلفه في امتلاكها أهالي مدينة سبارط من بلاد الموره - وهي قاعدة بلاد لاكونيا - ~~ولم يطل زمن امتلاكهم لها حتى انتزعها من أيديهم أهالي مدينة أثينا التي أسسها شيكروب ~~المصري عام 1643 قبل المسيح، وبعد ذلك بمدة طويلة استقلت القسطنطينية، وعظمت قواها ~~البحرية حتى صارت ms07 من أعظم المدن منعة واقتدارا؛ فتطاولت إليها أطماع الملوك وحصرها ~~فيليب، ملك مكدونيا - وهو والد إسكندر الكبير المدعو الملك فيليب الثاني الكبير ابن ~~أمنيتاس ثامن ملوك مكدونيا - فلم يستطع امتلاكها. ولما انتشبت الحرب بين الرومان وملك ~~البنطس، ساعدهم أهالي القسطنطينية في ميادين المعركة إلى أن فازوا بالنصر. وفي سنة ~~193ب.م دخلت القسطنطينية تحت إمرة القائد الروماني المدعو بسنيوس فيجار، وفي عهده ~~حاصرها نحو 3 سنين الملك سبتيم سافار، أحد ملوك الرومانيين، فدخلها بعد حرب عنيفة ~~وعاجلها بالدمار. ولم يتجدد بناؤها إلا على عهد الملك كركللا، ابن الملك سبتيم، الذي ~~أقيم ملكا عليها سنة 211ب.م، غير أن رونقها البهيج لم يعاودها إلا في زمن قسطنطين، ملك ~~الرومانيين الذي أكمل ترميمها في الجيل الرابع سنة 330ب.م، وسميت القسطنطينية باسمه. ~~وهو قسطنطين الأول الملقب بالكبير، ابن الملك قسطنطين من زوجته الملكة هيلانة. ولد عام ~~274ب.م، وتوفي عام 337 عن ثلاثة أولاد؛ وهم: قسطنطين وقسطنسوس وقسطان. ولقبها فروق؛ لأن ~~فيها تفرقت القياصرة غربا وشرقا. وأقام بها وتملك على الرومانيين في الشرق، ثم جعلها ~~تخت قيصاريته، فصارت كرسيا لملوك الشرق، وما لبثت أن فاقت على رومية التي كانت وقتئذ ~~في مقدمة المدن بعظيم بنائها، ووفرة شعبها، وكثرة ثروتها، واتساع تجارتها. # وفي عام 413ب.م مادت بها الأرض في الطول والعرض، وحدثت فيها زلزلة هائلة فدكتها ~~وصيرتها قاعا صفصفا، فجدد بناءها الملك تاودوسيوس الثاني، وفي عام 857 حدثت فيها ~~أيضا زلزلة فدمرتها ثانية، فجدد بناءها عام 858 قبيلة يونانية من مدينة أركوس، ثم ~~تواترت عليها دهمات الملوك، وعاودتها الحروب، وأغارت عليها الدول من التتار والأعجام ~~وأهل البلغار والصليبية وغيرهم حتى حل بها الخراب المرة بعد الأخرى؛ ففي سنة 593 ~~حاصرتها القبائل غير المتحدة من التتار، فلم يتمكنوا من الاستيلاء عليها، وفي عام 625 ~~حاصرها الفرس، ومن سنة 671 إلى سنة 678 حاصرها العرب الذين أغاروا على إسبانيا، وفي عام ~~755 حاصرها البلغار، وفي عام 866 حاصرها شعب يدعى فاريك - وهو نورماندي جاء من بلاد ~~ناروج - ثم عقبه ms08 الصليبيون واستولوا عليها سنة 1203، وأقاموا عليها ملكا هو ألكسيس ~~الرابع ابن إسحاق، الملقب بألكسيس الصغير - وكان عمه ألكسيس الملك قد طرد أباه إسحاق ~~وأودعه السجن سنة 1195، فأنجاه منه ولده ألكسيس الرابع وجعل له حظا في الملك، ولما ~~علم بذلك ألكسيس الملك تعاصى على أخيه إسحاق وانتزع من يده الملك عام 1195، وما فات من ~~مدة ملكه زمن طويل حتى جاهر بعدوانه ابن أخيه ألكسيس الصغير وخلعه من الملك عام 1203، ~~وتربع مكانه مدة ستة أشهر - ثم خلعه ديكاي مرتزقل المدعو ألكسيس الخامس بعد أن أماته ~~خنقا، وفي أيامه عاد الصليبيون ثانية إلى القسطنطينية، وأسسوا فيها المملكة اللاتينية، ~~ثم قلبوا ديكاي عن منصة الحكم وولوا مكانه «بدوان»، أمير مقاطعة قديمة في فرنسا تدعى ~~فلاندر، وهذا الأمير كان قائدا لجيش الصليبيين. وفي عام 1261 حضر الملك ميخائيل ~~بالولوغوس الثامن، ملك مدينة نيس، واستولى على القسطنطينية بغتة. وهذا الملك هو من ~~أوجه العائلات في الشرق. تولى الملك في مدينة نيسا من أعمال الأناضول، وتوفي عام 1282 ~~بينما كان يجهز جيوشا ليسوقها إلى فتح طراشيا. ثم هجم على إسلامبول مرارا عديدة ~~السلطان أورخان سنة 1337 والسلطان بايزيد والسلطان مراد الأول. أما السلطان أورخان فقد ~~أخذ عدة مدن عنوة، من جملتها مدينة نيسا، وذلك عام 1323، وسلب ما في ضواحي الآستانة عام ~~1337، وسن شرايع المملكة، ورتب القوانين. أما السلطان مراد الأول فقد أتم تحصين ~~المملكة عام 1362، وأحدث طريقة الإنكشارية. وقد استولت على الآستانة دولتنا العلية، ~~وانتزعتها من الدولة الرومانية في التاسع والعشرين من شهر مايو عام 1453، الموافق لليوم ~~العشرين من جمادى الأولى سنة 857ه، تحت راية السلطان محمد الثاني الملقب ~~بالفاتح. # ويدعوها الأتراك ب «إسلامبول»، وهي من أحسن مدن العالم موقعا، وأجملها مركزا، كائنة ~~على خليج البحر الأسود، ومشادة على سبع تلال من أطراف أوروبا، يفصلها عن آسيا مضيق من ~~البحر عرضه نحو ميل، وهو معروف بالبوغاز، وتبعد عن باريس عاصمة الفرنسيس 660 ميلا، وعن ~~ويانه عاصمة النمسا 275 ميلا، وعن سان بطرسبورج عاصمة بلاد الروس 475 ميلا، ms09 يحيطها من ~~جهة الشمال ثلاثة أسوار قديمة، ومن بقية الجهات: البحر. عدد سكانها قد جاوز المليون ~~ونصف، الثلثان منهم إسلام، والباقي نصارى ويهود . وتنقسم باعتبار وضعها إلى أربعة أقسام؛ ~~الأول: هو المدينة الكبيرة القديمة، والثاني: غلطه، والثالث: البوغاز، والرابع: ~~إسكودار. أما المدينة الكبيرة فهي ذات الأبنية العظيمة، والقصور الشاهقة، والقشال ~~الواسعة، وفيها الجوامع العظيمة، التي تنطح السماك، ذات المنارات البديعة المصفحة من ~~النحاس المذهب. وأشهر هذه الجوامع جامع أجيا صوفيا، الذي كان كنيسة عظيمة أيام النصارى ~~بناها المعلم أنتيموس إلى الملك قسطنطين في بحر ثماني سنوات، وهي من أحسن الأبنية ~~القديمة. وقد كان لها قبة عظيمة أخربتها الزلزلة، ثم صار تجديدها فلم تأت كما كانت من ~~حيث ارتفاعها وحسن استدارتها واستوائها، ولأجل زيادة تمكينها وضع تحتها بين العضائد ~~الكبيرة عدة من أعمدة الصب القديمة المصرية، وعقدت عليها قناطر تعتمد عليها القبة، وفي ~~هذه القبة 24 شباكا ينفذ منها الضوء إلى الداخل، ويليها قبتان لطيفتان وست قبب ~~صغار. # وإسلامبول بعيدة عن الوصف، كساها مركزها الطبيعي الهيبة والوقار، وأكسبها البهجة وحسن ~~الرونق، فإنها واقعة على خليج البحر الأسود وبين بحر مرمرا، وكائنة بين أوروبا وآسيا ~~على البوغاز الذي يصل بحر مرمرا بالبحر الأسود. أما بحر مرمرا فيصله بوغاز الدردانيل ~~ببحر جزائر الروم والبحر المتوسط، ويفصل المدينة عن آسيا مضيق من البحر عرضه نحو ميل، ~~له منظر يشرح الصدر، ويبهج الناظر، وهي ممتدة على لسان في البحر مثلث الزوايا موقعه على ~~الشاطئ الغربي من مدخل البوغاز الجنوبي المعروف بالبوسفور، وفي الجانب الشمالي من ~~المدينة فرع من البوغاز يدعى القرن الذهبي، وهو المعروف بالميناء، التي عند آخرها محل ~~يقصده الناس للترويض يدعى كاغد خانة، كائن بالقرب من الترسخانة في بقعة خضراء طولها نصف ~~ميل تجري إليها المياه العذبة في قناة تكتنفها أشجار الحور والسرو والزيزفون وغير ذلك. ~~وفي هذه الروضة قصر للانشراح تحيط به حديقة غناء مطرزة بأشكال الزهور والرياحين، ~~بناها الطيب الذكر السلطان أحمد الثالث عام 1724، وفي تلك القناة يتدفق الماء زلالا، ~~وفي ms10 وسطها حاجز تنفجر المياه بالقرب منه، وتصب في ثلاثة مجار مرصوفة بالصدف حتى تنتهي ~~إلى بركة عليها حوض من النحاس الأصفر، وعليه ثلاث حنفيات تجري المياه من أفواهها، وعلى ~~ذاك الحاجز ثلاثة كشوك من الرخام الأبيض مغشاة بالنحاس المموه بالذهب، ومن هناك ~~تأخذ القناة في الضيق بالتتابع إلى أن تختلط مع ماء آخر. وهذا ما يدعى القرن الذهبي؛ ~~حيث تسير الزوارق حاملة رجالا ونساء بقصد التنزه والانشراح في ذلك الوادي، ولا سيما ~~يوم الجمعة. # ثم إن مرسى المينا لفي غاية الطمأنينة والسعة، ويفصلها مضيق من البحر طوله نحو ميلين، ~~وعرضه نحو نصف ميل، وفيها ترسو السفن، وهي من أحسن مراسي الدنيا موقعا وأمنا، وعلى ~~جانبها المحلات الخارجة عن المدينة، وهي المعروفة بالصوائح الخارجة الكبيرة، وهي بيريه ~~وغلطه ومحلة الطوبخانة وقاسم باشا والفنار محلة الأروام. أما بيريه المشهورة باسم بك ~~أوغلي، فهي محلة الإفرنج واقعة في الجهة الشمالية، وبها مركز التجارة، ولا يقطنها إلا ~~الوجوه من الغرباء؛ كقناصل الدول ونحوهم، وبها كنائس الإفرنج والأرمن والمطابع ~~ومستشفيات الإفرنج والمدارس والمراسح والفنادق، وفي وسط هذه المحلة غلطه سراي، وهي ~~مدرسة الطب التي احترقت عام 1848ب.م، وأمامها محل تياترو واسع الأرجاء، متقن البناية، ~~يقصده مشخصو الإفرنج من عواصم أوروبا. # وفي الآستانة عدة مدارس لنشر العلوم والفنون؛ منها: طبية، وأخرى حربية، ومكاتب ~~للملاحين، وما ينوف عن خمسمائة وثلاثين مدرسة تحوي نيفا وأربعين مكتبة، فيها مؤلفات ~~شتى أكثرها بخط اليد، وفيها عدة مطابع، وجملة معامل لصنع الطرابيش والجوخ وخلاف ذلك. ~~أما غلطه فقد شادها أهالي جينوا، وما برحت إلى اليوم محاطة بالسور المنسوب إليهم، ~~ومحيطه مقدار 8000 قدم، وموقعها في القسم المجاور للبحر على الجهة الجنوبية من بيريه، ~~وسكانها أغلبهم من الأروام واليهود، وفيها محل للجمرك، ومخازن لشحن الوابورات، وبها ~~الجوامع الكثيرة، وترسخانة الطوبخانة، ومعامل لسبك المدافع ومعدات الحرب والدمار، وفيها ~~برج يدعى برج المسيح - أو برج الحرس - علوه 140 قدما، بناه أهالي جينوا عام 1446 بعد ~~المسيح، والغرض من بنائه كان التنبيه على أهالي القسطنطينية ms11 عند حدوث الحريق بما يتفقون ~~عليه من العلامات، إشارة إلى أن الحريق في موضع كذا. # وفي محلة قاسم باشا توجد الترسخانة الكبيرة والترسخانة البحرية وحوش البحرية، ~~والمسافر عند دنوه من المدينة بحرا ينظرها ذات منظر بهج ورائق؛ إذ يشاهد رءوس المآذن ~~المذهبة، وقبب الجوامع المسنمة، وشوامخ الأبنية الجميلة، والأبراج المزخرفة، والمنابر ~~العالية، وفي معاليها أكاليل من ورق السرو الأثيث، وما شاكل ذلك من الأشجار التي تظلل ~~المدافن العظيمة المحتفرة في جوانب الأسوار، غير أن المسافر عندما يدخلها ويتوغل فيها ~~يتعذر عليه أن يعرف من أين دخل وكيف يخرج. # أما أبنيتها فأكثرها من الأخشاب والقرميد واللبن، ثم إن البوغاز المعروف بالبوسفور ~~يفصل بين آسيا وأوروبا، ويصل البحر الأسود بالبحر الأبيض، وهو ممتد على مسافة 20 ميلا ~~بالطول وبالعرض من ميل إلى ميل ونصف، ينحدر فيه الماء بشدة منصبا في بحر مرمرا المتصل ~~بالبحر الأبيض، وعلى ساحله من كلتا الجهتين قرى شهيرة كل قرية منها تضاهي مدينة صغيرة، ~~وفيها من السرايات الأنيقة، والمنازل الفاخرة، والأسواق الرحبة، والحدائق البديعة، ~~والمتنزهات الجميلة ما يقر النواظر، ويشرح الخواطر، وفيها سفارات الدول الأجنبية خلا ~~سفارة دولة إيران، فإنها بالقرب من الباب العالي. ومجمل القول: إن هذا البوغاز على جانب ~~عظيم من حسن الموقع، ووفرة الانتظام، يقصر المقام عن سرده؛ فإن بناياته وافرة الاتفاق، ~~تعلوها الروابي النضرة القائمة فوقها الأشجار الوارفة الظلال، والحدائق الأنيقة التي ~~تجلي عن القلوب صدى الكروب. # وقد يقصده السواح من أقطار الأرض ليشاهدوا غريب موقعه، ويتمتعوا بجودة هوائه. ~~وفي الجهة اليمنى منه يوجد حوض ماء ضمن قبوة يدعى حوض القديسة صوفيا، يزوره قوم كثيرون ~~من النصارى والمسلمين قصد التبرك، وفي الجهة الشمالية يوجد قصر مبني على الشاطئ، وحوله ~~حديقة لاحقة بأملاك الحكومة المصرية هناك، كان القصد من بنائه إيواء المسافرين من ~~المصريين، وفيه ترسو البارجة العظيمة (المحمودية) ذات المائة والعشرين مدفعا. # أما القسطنطينية فهي محاطة بالأسوار الكبيرة المربعة، وسور عال جدا، وبأبراج كبيرة ~~مربعة يبلغ عددها نحو 20 برجا - كان قد شادها ملوك ms12 اليونان منذ الجيل الخامس عشر - ولم ~~يزل بعضها إلى اليوم متينا. أما قلعة السبعة أبراج المتصلة بالأسوار، فهي معدة ~~اليوم حبسا عموميا للحكومة، على حين كانت قديما من جملة أبواب المدينة، ويقول ~~المؤرخون: إن القسطنطينية كان لها ثلاث وأربعون بوابة، ثم صارت إلى اثنتين وعشرين بقي ~~منها إلى الآن سبع بوابات. وقال مؤرخو الإنكليز: إن فيها أربعمائة وخمسة وثمانين ~~جامعا، وفيها مآذن كثيرة شاهقة في الجو، وبها ما ينوف عن الألفي حمام، وأشهر هذه ~~الجوامع جامع أجيا صوفيا المتقدم الذكر. ولأجل زيادة الإيضاح نقول: إن الذي بناه هو ~~الملك جوستينيان الأول، أحد ملوك الشرق، سنة 531ب.م، وتم في سنة 538. وقد اشتغل فيه مدة ~~سبع سنوات ونصف مائة مهندس مع مائة قلف وعشرة آلاف فاعل، وطوله 270 قدما، وعرضه 243. ~~وهذا الجامع - كما تقدم القول - كان كنيسة عظمى في أيام النصارى من أحسن كنائس الدنيا، ~~ويوجد خلافه سبعة جوامع ملكية كلها مزينة من الداخل بالرخام، ومن الخارج بالمناهل، ~~ولأكثرها مستشفيات ومكاتب لإغاثة الفقراء، ثم إنه يوجد في الآستانة ما ينيف عن مائتي ~~مستشفى للمرضى، وتسع مارستانات للمجانين. وخارج جامع أجيا صوفيا توجد ساحة مربعة فيها ~~أربع مآذن، وفي وسطه قبة عظيمة وسطها يعلو الأرض 180 قدما، وقطرها 115، وأسفلها محاط ~~برواقين محمولين بين اثنين وستين عامودا، وقد خربتها الزلازل التي دمرت المدينة في ~~أوقات مختلفة، فتجددت ثانية. # وأبواب هذا الجامع من النحاس الأصفر منقوش عليها تماثيل قديمة من عهد بانيه، ولم يزل ~~على سقفه آثار من الصور؛ منها: صورة سيدنا عيسى عليه السلام، وصورة الملك قسطنطين، ~~ويوجد في داخله 170 عمودا جميلا من الحجر السماقي والرخام، وعلى كل منها تاج قد زاغ ~~عن أصله الهندسي بالنظر لما حصل فيه من التغيير والتبديل. ويظن أن هيكلا عظيما كان ~~هناك فهدم، وعلى دائره ممشى يصعد عليه بسلم حلزونية عجيبة، وفوق المنبر يخفق سنجق ~~السلطان محمد الفاتح. أما الآن فقد تبدلت الهيئة القديمة، ولم يبق منها إلا الأثر ~~بعد العين، وقد كانت جدران هذا الجامع مزدانة ms13 بالنقوش المذهبة التي لما نظرها الطيب ~~الذكر السلطان محمد الفاتح أمر بأن تغشى بالآجر كي لا ترى. وفي عهد السلطان ~~عبد المجيد خان نزع عنها الكلس، وترمم ما فقد من الجامع المذكور حتى عاد إلى رونقه ~~الأول، ثم إن كثيرا من المائة والسبعين عامودا المذكورة قد جلب من هيكل الشمس في ~~بعلبك، ومن هيكلي الشمس والقمر في هاليبولي من مصر، ومن جامع ديانه المشهور في أفسس، ~~ومن أثينا ومن جزائر بحر الروم. # أما جامع السلطان سليمان العظيم الملقب بالسليمانية، فهو أجمل ما يكون في ~~القسطنطينية، بني في أواسط الجيل السادس عشر، وكمل عام 1556ب.م. أما الجوامع ~~المشيدة، وتحسب من الطراز الثاني بالنظر إلى كبرها، فهي جامع السلطان أحمد ومحمد ~~الثاني. # وفي القسطنطينية ساحة عظيمة تدعى ساحة آت ميدان كانت معدة لسباق الخيل طولها 900، ~~وعرضها 450 قدما، وفيها مسلة من حجر الصوان بقطعة واحدة، جيء بها قديما من مدينة سيبس ~~قاعدة مملكة الفراعنة ملوك مصر. وهذه المسلة قد بناها ثاوادسيوس الكبير، أحد ملوك ~~الرومانيين. وفي الساحة الكبيرة يوجد العامود المتعطل لقسطنطين الملك معرى ومنزوعا ~~عنه تمثاله النحاسي المصبوب صب رمل من عمل الأتراك في أول ما اغتنموا المدينة. وبين ~~المسلة وعمود قسطنطين عامود آخر من نحاس أصفر على شكل حبل ملفوف، ويسمى عامود الحية؛ ~~لأن عليه ثلاث حيات عظيمة متشابكة مع بعضها البعض، أقامه اليونانيون رصدا لتنفير ~~الأفاعي، كما جرت العادة عندهم في بعض الخرافات. وكانت الحيات حاملة الكرسي المصنوع من ~~ذهب في هيكل مدينة دلفي على ثلاثة قوائم كان يجلس عليها في الأزمنة القديمة الكاهن وأحد ~~العرافين؛ لأخذ الوحي من الوثن جوابا على ما يسأل من أمر مهم يختص بمعرفة المستقبل، ~~وكان يجلس على هذه الكراسي عدد معلوم من النساء، وقال بعض المؤرخين: إنهن عشرة كن يخبرن ~~بروح النبوة، ويسكن في عدة أقسام مختلفة من بلاد العجم واليونان وإيطاليا. # وفي قسم آت ميدان من الجهة الشرقية يوجد الباب العالي؛ حيث يجلس الصدر الأعظم ورجال ~~الدولة الفخام، وبالقرب منه السرايا المعروفة ms14 بطوب قبو سراي، وهي السراي التي جددها ~~السلطان محمد الفاتح المنفصلة عن المدينة بسور متين، ولها ثمانية أبواب بعضها من جهة ~~المدينة، وبعضها من جهة البحر. وطول هذه السراي نحو ستة آلاف ذراع ، ومبنية على مركز ~~وقاعدة البزنتيوم، وتعد من السرايات الشهيرة العظيمة. تحيطها جنينة فسيحة تشب فيها ~~الأشجار الشامخة في الجو، وعلى أطرافها الباب الهمايوني، وهو مدخل للسراي الخارجة ~~المباح للجميع أن يدخلوا إليها، وهو عظيم الارتفاع على شكل دائرة تغشاها الكتابات ~~العربية، وقائم عليه خمسون بوابا خفراء، وعلى أحد طرفي الباب كان هرم يدعى هرم ~~الجماجم، كانت تعلق عليه رءوس المجرمين مكتوبا عليها ما يدل على ماهية الذنب الذي ~~بسببه حكم على صاحبها بالقتل، وعند أطراف تلك السراي فسحة رحبة يقوم عليها بناء يشتمل ~~على قبة قديمة شادها الملك قسطنطين الكبير، وهناك دار الأسلحة يوجد فيها جميع أنواع ~~الأسلحة القديمة العهد معلقة على الترتيب، وهي مؤلفة من دروع وزرديات وسيوف ورماح ~~وآلات إطلاق البارود وما شاكل ذلك من أدوات الحرب، وهناك أيضا أربعة أشخاص من الخشب ~~عليها ملابس حديدية التي كانوا يلبسونها قديما؛ أحدها مرتد بزي الشراكسة، والثاني بزي ~~أهل الفلاح، والثالث بزي الإنكشارية، والرابع بزي العسكر العثماني، ثم وبالقرب من تلك ~~الفسحة توجد بقعة أخرى فيها الديوان الكبير، وأمامه سماط من شجر السرو على صفين ينتهي ~~إلى قاعة الديوان المشيدة من الرخام المزدان بالنقوش الذهبية، وفيما يليها توجد دار ~~عظيمة فيها كرسي الحضرة الفخيمة الشاهانية تحت قبة عالية مصنوعة من حجر الرخام، وعلى ~~جانبها سراي الحرم المصون، وهناك حمام السلطان سليم الثاني وفيه 32 حجرة، ومن هناك ~~تنظر الخزينة الملكية والضربخانة ودار الكتب وباب المالية والأوقاف. أما الحدائق ~~المحاطة بالسراي فحدث عنها ولا حرج؛ فأغصان أشجارها تتدلى على مماشيها بنوع يبهج ~~الناظر، وينابيع المياه المنبجسة من أعمدة الرخام القائمة فيها تتدفق كأنهار تجري في ~~جنة غناء. أما زخرفة السراي العثمانية فلا شيء يفضلها في الجمال، لا سيما ما يختص ~~بالذات الشاهانية؛ فإن حجرة عظمتها فيها منتهى التأنق ms15 والتحسين، وهي مغشات بالقماش ~~الصيني الفاخر، وأرضها مفروشة بالطنافس الثمينة والتخت من فضة الكانوبا، والوسادات ~~والأفرشة السفلى وملاءات اللحاف كلها وثائر منسوجة من قماش ذهبي. # وبالقرب من آت ميدان يوجد نفق تحت الأرض يدعى بينك برديراده، أي ألف عامود وعامود، ~~كان قيسارية قديمة معروفة بقيسارية ألف عامود وعامود، وهي طبقتان مركبة على أعمدة غليظة ~~من الحجر، وأكثر أعمدتها مطمورة بالتراب، وبالقرب منها يوجد العمود المحروق، وهو غليظ ~~وطويل، ومن الحجر الرملي عليه تماثيل أشخاص وكتابات قديمة، ويقال: إن قوما من اليهود ~~اشتروه من أحد الملوك العثمانيين؛ لظنهم أنه مصنوع من معادن ذهبية توهما منهم بكثرة ~~لمعانه، ثم أحرقوه ليستخرجوا ما فيه من الذهب؛ ولذلك دعي بالعمود المحروق، وقد شاده ~~الملك قسطنطين الكبير، وكان علوه أولا 130 قدما، وفوقه تمثال أبولون من نحاس، وهو ~~بمثابة رجل عظيم البنية مثل الجبار، ويقال بأن صانعه كان فيدياس النقاش الشهير، ولما ~~حدثت الزلزلة في إسلامبول عام 1150 تعطل ذلك العامود وسقط، ولم يبق من علوه إلا ~~90 قدما. وأبولون هو إله اليونانيين والرومانيين القدماء كانوا يعبدونه، ويعتقدون أنه ~~الشمس مصدر الحرارة والضياء، وأنه المتولي صنعة الرمي بالقوس، وأمر النبوة، وصناعة ~~الطب، وفن الموسيقى. # ومما يستحق الذكر أيضا في القسطنطينية الخانات المشاعة التي شادتها الحكومة لينزل ~~فيها المسافرون من التجار، ويقيمون بها مجانا؛ ترغيبا لهم في جلب السلع والبضائع ~~توسيعا لنطاق التجارة. أما أسواق المدينة فهي فسيحة جدا، وأشهرها سوق البازستان، وهي ~~مبنية بالحجارة، ولها أبواب لا تفتح إلا في أوقات معلومة من النهار، وفيها أقدم تجار ~~المسلمين وأغناهم، وبها تباع الأسلحة الثمينة، والملابس الفاخرة، والتحف النفيسة، ~~ويلاصق هذه السوق عدة أسواق شهيرة، مثل: قلبجي جارشوسي وأذروجارشو. # أما أهالي هذه المدينة فهم على جانب عظيم من الرقة والدعة يؤانسون الغريب، ويكرمون ~~مثوى الضيف، مشهورون في الفنون والصنائع، ولهم حسن محاضرة ومذاكرة. امتازوا بصون اللسان ~~عن سفاسف الكلام، والمدينة اليوم هي مطمح الأنظار، ومحط رحال السياسة، أدام الله مولانا ~~أمير المؤمنين نورا لبهجتها، وقمرا يسطع عليها ms16 ما كرت الأيام، وتوالت ~~الأعوام. # | في أصل بني عثمان # لقد اختلف أكثر المؤرخين في أصل سلالة آل عثمان؛ فالبعض ينسبون هذه العائلة الشريفة إلى ~~سلالة عيسى بن إسحاق، وبعضهم يذهب أنها من طائفة بني قطورة جاءت من الحجاز بسبب القحط، ~~ونزلت في بلاد القرمان، وكل فريق من المؤرخين يسرد الدلائل التي تؤيد مذهبه، وتقوي حجته، ~~لكنهم قد أجمعوا أنها أشرف سلالة من العشائر الإسلامية، وأن جد آل عثمان هو سليمان شاه أتى ~~بجماعته عام 1200 ميلادية، الموافق لسنة 621 هجرية، ونزل في صحاري بلاد أرمينية الكبرى؛ حيث ~~مكث نحو سبع سنوات اشتعلت أثناءها نار الحرب بين الخوارزمي وعلاء الدين سلطان قونية وكبير ~~السلاجقة، فتحزب سليمان شاه إلى السلطان علاء الدين، ونزل مع جيوشه إلى ميادين الوغى، ولبث ~~يكافح معه حتى انتصر على أعدائه بواسطته. # وفي عام 628ه، لما أراد سليمان شاه المحكي عنه مغادرة تلك الأصقاع قاصدا عربستان مر ~~بجماعته على نهر الفرات، وبينما كان يعبره مات فيه غريقا، ودفن عنده في مكان يعرف إلى ~~الآن بمزار الأتراك، وترك أربعة أولاد؛ هم: سنقورتكين، وكون طوغدي، وأرطغرل، ودوندر، فرجع ~~سنقورتكين وكون طوغدي إلى ناحية الشرق، وبقي أرطغرل ودوندر عند السلطان علاء الدين، وحضرا ~~معه جملة حروب، فأظهر فيها أرطغرل البسالة والإقدام، ثم وقعت حرب شديدة بين السلطان علاء ~~الدين على أعدائه، فشتت شملهم، وأباد أثرهم، فكافأه علاء الدين بأن أعطاه بلاد سكود واسكي ~~شهر. # عاش أرطغرل 90 عاما، وتوفي عام 680، ودفن بمدينة سكود تاركا ثلاثة أولاد؛ وهم: عثمان ~~بك، وساوجي بك، وكندوز بك، وقد تقلد منهم قيادة الجيش عثمان بك بالنظر لشجاعته ~~وبسالته، فأسس بناء الدولة والملك، ومن المحقق أن نسل آل عثمان الأثيل يتصل بيافث بن نوح، ~~وهاك سلسلتهم الطاهرة: # السلطان عثمان بن أرطغرل، بن سليمان شاه، بن قيالب قزل ~~بوغا، بن تيمور، بن قونلوغ، بن تفاد، بن ~~قينون، بن سافور، بن بولغاي بن بايسنقور، بن توقتمور، بن باسوق، بن جندور، بن باقي، بن كوك ~~ألب، بن أرغو، بن قره ms17 خان، بن قونلق، بن ~~توترق، بن قره خان، بن بايسوق، بن بولواج، بن ~~تغار، بن سونج، بن جاربوغا، بن قورتلمش، بن قره خان، بن عمود، بن سليمان شاه، بن قره ~~خول، بن قولفاي، بن باتيمور، بن طوسي، بن ~~بابلق، بن طورغا ، بن طوغمش، بن كوجك بك، بن أونوق، بن قوتاق، بن جك جكتمور، بن طورج، بن ~~قزل، بن يماق، بن باشبوغا، بن قورتلمش، بن فورجه، بن بالجق، بن قوماي، بن قره أوغلال، بن ~~سليمان شاه، بن قولو، بن بولغار، بن باتيمور، بن طورمش، بن كوكب ألب، بن أوغوز، بن قره ~~خان، بن قاني خان، بن بولجاي، بن ماجيه، بن أبي الحارث، بن يافث، بن نوح. # وقد تولى من آل عثمان حتى الآن تخت السلطنة السنية خمسة وثلاثون سلطانا عظمت بهم شوكتها، ~~وامتدت سطوتها، وعظم شأنها، وبذخ مقامها. وبما أن الوقوف على ترجمة حياتهم السعيدة من ~~الأمور التي تكسبنا العز والفخار، وتمنحنا البهجة والوقار؛ لما أتوه من الفعال التي لا تذكر ~~معها أعمال الأكاسرة، وانتصارات القياصرة، كيف أنهم فتحوا المدن العظيمة، ودمروا الحصون ~~المنيعة، وقهروا الجبابرة، وامتلكوا معظم الدنيا برا وبحرا، وكيف كانت الدول الإفرنجية ~~ترتعد من سطوتهم، وتقدم لهم الطاعة والخضوع، وتتزلف إليهم في سائر الأمور حتى إلى يومنا ~~هذا، أردت أن أغبط نفسي وأسعدها بتدوين قليل، ودون القليل، من ترجمة كل طيب الذكر من ~~السلاطين الفخام آل عثمان الكرام، خلد الله ذكرهم، وأعز شأنهم على الأنام ~~طرا. # | السلطان الأول # السلطان عثمان الغازي بن أرطغرل # ولد الطيب الذكر السلطان الأول، السلطان عثمان الغازي بن أرطغرل، عام 656 ~~هجرية، وشب على البسالة والإقدام والشجاعة والكرم، ولما بلغ الحلم انتقل والده إلى جنة ~~ربه، فخلفه في قيادة جيش عشيرته، ولبث مصافيا للسلطان علاء الدين، ويساعده في افتتاح ~~جملة مدن منيعة، وعدة قلاع حصينة، فأتحفه مكافأة له بالطبل والعلم، وبسكة ضرب المعاملة، ~~وأمر بأن تخطب صلاة الجمعة باسمه العزيز. وفي عام 699، زحف جيش جرار من جماعة التتر على ~~سلطنة علاء الدين، وفزعوا عليه ms18 بالحرب العوان، وبعد أن ناهضهم طويلا ولم ينله الله ~~الفوز عليهم؛ شق رعاياه عليه عصا الطاعة، وجاهروا بعدوانه، فاضطروا إلى المهاجرة لبلاد ~~الروم، وهناك توفي، وحينئذ انقرضت الدولة السلجوقية، فقام الأهلون على قدم وساق، ونادوا ~~باجتماع الكلمة باسم عثمان الغازي بن أرطغرل سلطانا عليهم، فجلس على مهد السلطنة عام 699 ~~للهجرة، وتمركز في مدينة قره حصار، ودعاها بادشاه، ثم حصن مدينة يكي شهر وجعلها مركزا له، ~~وأخذ يحكم بالقسط والعدل، وينصف المظلوم من الظالم، ويعطي لكل ذي حق حقه حتى رتع سكان ~~سلطنته في بحبوحة الرغد والسعادة، وبعد أن نظم أحوال داخلية البلاد شرع في توسيع نطاق ملكه، ~~فحاصر مدينة أذنك، وشاد أمامها قلعة حصينة دعاها «نزغان» باسم قائد الجيش. # وفي عام 707ه، داخل والي بروسه الخوف من طموح السلطان عثمان إلى بلاده، فأثار عليه سرا ~~ولاة البلاد المجاورة ليقاوموه، ولكن لما اتصل به الخبر شن عليهم الغارة عاملا ~~بهم السيف حتى مزق شملهم، وقتل صاحب قلعة كستل، وبعث بابنه أورخان خان يقود جيشا ~~كثيفا إلى مدينة بورصه، وبعد أن حاصرها مدة دخلها عنوة، وأذن لأهلها أن ينصرفوا منها بدون ~~أن يهرق منهم قطرة دم، وكان ذلك عام 726ه، ثم شرع في تنظيم أحكامها، وتحصين قلاعها. # وفي أثناء ذلك جاء رسول من قبل والده يستدعيه إليه، فأطاع وراح مسرعا، ولما أن دخل على ~~أبيه ألفاه يتقلب على فراش الموت، فاغرورقت عيناه بالدموع وخاطبه بقوله: يا أعظم سلاطين ~~البر والبحر، كم قهرت أبطالا، وافتتحت بلدانا! ما لي أراك في هذه الحالة؟ فأجابه والده: ~~لا تجزع يا بني، هذا مصير الأولين والآخرين، وإنني الآن أموت فرحا مسرورا لكونك تخلفني ~~وتقوم مقامي بإدارة هذا الملك السامي. ولم يتم كلامه حتى انتقلت روحه إلى جنة السعادة، ~~ونقلت جثته إلى زاوية قلعة بروسه؛ حيث دفن بكل إكرام وإجلال. وكان ذلك عام 726ه، بعد أن ~~عاش سبعين سنة قضى منها 27 عاما على تخت السلطنة. # وكان رحمه الله شجاعا باسلا، شديد البأس، سديد الرأي، عالي الهمة، ms19 كريم الخلق، أبي ~~النفس، كريما يحب الإحسان لبني الإنسان، ومن وفرة كرمه لم يترك شيئا لخليفته سوى حلة ~~مطرزة، وعمامة مضرجة، وبعض مناطق من القطن نسجت على هيئة بسيطة. رحمه الله وجعل الجنة ~~مأواه. # | السلطان الثاني # السلطان أورخان ابن السلطان عثمان الغازي # ولد السلطان أورخان ابن السلطان عثمان الغازي عام 680 للهجرة، وما بلغ سن المراهقة حتى ~~ظهرت عليه مخائل النجابة والذكاء، ومال إلى حمل السلاح، ومصافحة البيض الصفاح، وركوب الخيل ~~والاختلاط مع الأبطال من الرجال، والنزول إلى ميادين الوغى والقتال. # وقد قلده والده قيادة الجيش في جملة غزوات، فعاد فائزا منصورا، وجلس على كرسي المملكة ~~عام 726ه، عقيب وفاة والده الطيب الذكر السلطان عثمان الغازي، فعين أخاه علاء الدين ~~وزيرا، وأمره بوضع الشرائع، وسن النظامات على ما يلائم طبائع العباد، ثم نقل كرسي ~~الحكومة إلى مدينة بروسه، وجعلها مركز السلطنة، واهتم بعدئذ في توسيع نطاق المملكة، فأقام ~~أخاه علاء الدين وكيلا عنه بالنظر لما تبينه فيه من الإخلاص، وزحف بجيش جرار يبلغ ~~العشرين ألف مقاتل على بلاد اليونان، فاشتبك معهم بحرب يشيب لهولها الأطفال، فأولاه الله ~~النصر عليهم، وانتزع منهم قلعتي أزميد وأزنيق، وامتلك ولايتي قره سي وبرغمه، ثم حاصر قلعتي ~~سمندره وأيدوس زمنا طويلا حتى استولى عليهما، وأسر صاحب قلعة سمندره في يوم كان خارجا ~~فيه لدفن أحد أولاده. # وفي عام 750ه، رغب في فتح بلدان من أوروبا، فوكل بذلك ابنه سليمان خان، الذي كان قد ~~ولاه منصب الصدارة العظمى بدلا عن أخيه علاء الدين، فركب بثمانين بطلا من رجاله على ~~لوحي خشب عابرا بهم في بحر مرمرا إلى الجهة الأخرى، ولما وطئوا اليابسة افتتحوا مدينة ظنب ~~ومدينة كليبولي، واستولوا على عدة قلاع حصينة ومدن من بلاد اليونان ضموها إلى السلطنة ~~العثمانية. # وفي عام 760ه، ركب سليمان خان جوادا ذات يوم، وأخذ يلعب بالجريد، فسقط على ظهره ومات، ~~فدفنه والده بكل احتفال وتعظيم على شاطئ بحر مرمرا؛ حيث شاد له مقاما، ومن شدة ما تأسف ~~عليه وانفطر قلبه ms20 حزنا لفراقه؛ تراكمت عليه الأمراض، وقبض بعد سنة من موت ولده عام 761 ~~عقيب أن قضى على كرسي الملك 35 سنة، قضاها في تنظيم شئون الرعية، وفتح المدن والبلاد، ~~وضمها إلى سلطنته العلية. وقد واروه التراب بما لاق له من التعظيم بجوار ضريح والده ~~الطيب الذكر السلطان عثمان الغازي أسكنهما الله فسيح جناته . # وكان هماما عادلا رءوفا ذا هيبة، محبا لنشر العلوم والآداب، كريم النفس، ثاقب ~~الفكر، كبير العقل، رحمه الله رحمة واسعة، وسقى ضريحه صواب الرضوان والنعمة. # | السلطان الثالث # السلطان مراد الأول ابن السلطان أورخان الغازي # ولد عام 726 للهجرة، ويفع على كرم الأخلاق وتمام الكمال، مزدانا بكرم الخلق، ووفرة ~~الحلم، ولما بلغ أشده حضر جملة مواقع في محاربة والده لليونان، فأظهر بسالة لا توصف، ~~وإقداما يسير بذكره الركبان، وقد جلس على سرير السلطنة عقيب وفاة والده عام 761ه، ~~بالغا من العمر خمسا وثلاثين سنة، ولم يقبض على منصة الأحكام حتى شاقه فتح البلاد ~~توسيعا لنطاق المملكة، فساق جيوشا نحو بلاد أوروبا، فضرب أدرنه، وعندما افتتحها نقل إليها ~~كرسي السلطنة واستقر بها عام 763، ثم ساق جنوده نحو بلاد البلقان فتبوءوا مدنها، وافتتحوا ~~حصونها، وبعد ذلك أبرم معاهدة صلح بينه وبين ملك اليونان، بيد أن تلك المعاهدة لم تطل ~~زمنا؛ حيث اجتمع جيش جرار من اليونان وبوسنه والمجر والأفلاق، وحاصروا مدينة أدرنه، ~~فوثبت عليهم الجنود العثمانية - وهم نيام - مهللين مكبرين ضاربين الطبول، حتى استيقظ ~~عسكر العدو مذعورا من تلك الأصوات، فالتجأ إلى الفرار طارحا نفسه في مياه نهر هناك. ثم ~~وجه عساكره المظفرة إلى جهة آسيا، فافتتحت فيها جملة بلاد، وفي أثناء ذلك بلغه أن بعض ~~اليونان شقوا عصا الطاعة، ورغبوا في العصيان، فزحف عليهم عاملا بهم السيف حتى أخضعهم، ~~واغتنم مدينة أنديجر، وحاصر مدينة سيذيبولي فأخضعها بعد زمن طويل، وقد عقد لولده بايزيد على ~~بنت حاكم قرمان، بغية أن يجعل الألفة والاتحاد مع حكام آسيا الصغرى، وجرت حفلة النكاح بحضرة ~~نواب سوريا ومصر، ووزعت بأثنائها على العلماء الكرام والرجال ms21 الفخام هدايا ثمينة من ~~أوان ذهبية وفضية مزركشة بالزمرد والياقوت. # وفي سنة 791، تألفت عساكر من الصرب وبوسنه وهرسك والأرناءوط والأفلاق والبغدان، ~~وتعاهدوا على محاربة الجنود العثمانية، والاستيلاء على بلادها، ولما بلغ الخبر مسامع ~~السلطان ألف مجلسا من أمراء العساكر وكبار رجال الدولة للمداولة معهم فيما يجب اتخاذه من ~~التدابير توصلا لعاقبة محمودة، فأبطل ولده بايزيد كل مشورة وهتف قائلا: الحرب الحرب، ~~والقتال القتال. فدقت حينئذ طبول الحرب، وسارت الجنود إلى ساحات الكفاح سير الذئاب ~~الكاسرة، ولما بلغوا ميادين الوغى وثبوا على الأعداء وثبات الأبطال، والتحموا معهم في ~~القتال التحاما لم يعد يرى معه إلا جماجم طائرة، وفرسان غائرة، ودوي سرح تدك الجبال ~~الشامخة. وبعد عدة ساعات، انجلت المعركة عن فوز العساكر الشاهانية، عقبت أن أسروا قرال ~~السرب، ثم بعد ذلك أخذ السلطان مراد يتمشى بين القتلى، وإذ كان ينظر إليها بعين الاندهاش، ~~نهض رجل من بينها ملطخا بالدماء وطعنه بخنجر، فسقط على الأرض يتخبط بدمه، ومات شهيدا ~~بعد بضع ساعات، لكن قبل وفاته أمر بقتل حاكم السرب المأسور، وتقطيع القاتل له إربا إربا، ~~ثم نقلت جثته الشريفة إلى بروسه، وهناك دفنت بكل تعظيم وتبجيل. أسكنه الله دار ~~النعيم. # عاش خمسا وستين سنة، وتوفي سنة 791 بعد أن تربع على تخت السلطنة مدة ثلاثين عاما أعلى ~~فيها شأنها، ووسع نطاقها، وأوجد العلم العثماني وهيئة الطغراء الشاهانية، وشاد أبنية ~~عظيمة من جوامع ومدارس وقلاع وحصون وغير ذلك، ومن أشهر آثاره سراي أدرنه، وكانت غزواته ~~وفتوحاته 37. # كان رحمه الله شديد البأس، عالي الهمة، ثابت العزم، قوي الجأش، واسع العقل، لين ~~العريكة، محبا للرعية. رحمه الله رحمة واسعة. # | السلطان الرابع # السلطان بايزيد الأول ابن السلطان مراد الأول # ولد عام 761ه، وجلس على كرسي الملك بعد وفاة والده الطيب الذكر عام 791 وله من العمر ~~ثلاثون عاما، ولقب بالبرق لخفته ومهارته بالحرب، وكان أخوه الأكبر يعقوب خان أولى ~~بالخلافة منه بالنظر لكونه الكبير، ولكي يأمن من منازعته قتله، فلامه رجال السلطنة على ذلك ~~وشدوا عليه ms22 النكير باللوم والتعنيف، فقال لهم: إن أمير المؤمنين الذي هو ظل الله في أرضه ~~يجب أن يكون واحدا في الأرض كما أن الله واحد في السماء. ومن ذاك الوقت جرت العادة بين ~~ملوك آل عثمان بقتل إخوة السلطان أو سجنهم في محابس معدة لهم تحت الحفظ، ولم تنسخ تلك ~~العادة إلا على عهد الطيب الذكر السلطان عبد المجيد خان. # وبعد أن جلس السلطان بايزيد على تخت السلطنة جرد جيشا كثيفا زحف به إلى السرب، ~~فاستولى على مدينة أزبورنا وويدين، ولما تقدم حتى يمتلك مدينة سكوب خاف ملك السرب، وعقد ~~للسلطان بايزيد على أخته تقربا منه وتوددا، وليأمن شر غائلته تعهد له بتقديم جانب له ~~من العساكر، وخراجا له سنويا من المال وافر المقدار. وفي تلك الأثناء وقعت منازعة بين ~~«جوان» ملك القسطنطينية، وبين ابنه أندرونيكوس وولد ابنه بشأن الملك، ولما حبسهما الملك ~~جوان استغاثا بالسلطان بايزيد، فأنقذهما وقلدهما الملك، فتعهدا لجلالته بأن يدفعا إليه ~~قناطير مقنطرة من المال في كل عام، ثم سجن مكانهما في برج هناك الملك جوان وولده عمانويل، ~~غير أن الملك جوان فلت مع ولده من السجن، وامتثل بين يدي السلطان بايزيد، وعاهده على أن ~~يقدم له فورا مقدار الذهب المتعهد به ابنه أندرونيكوس، علاوة على ذلك 62 ألف مقاتل، فقبل ~~منه السلطان ذلك، وأجلسه على كرسي الملك، ونفى ابنه أندرونيكوس إلى جزائر البحر ~~الأبيض. # وفي تلك الأثناء وقع الصلح بين السلطان بايزيد وملك السرب، وتعهد هذا الأخير ببناية ~~الجوامع والمدارس والمحاكم. وفي عام 794 أمر ببناء جامعه الشهير في مدينة أدرنه، وخصص ~~لمصاريفه بعضا من دخل مدينة الأشهر التي اغتنمها من أيدي اليونان، وشاد بها جملة جوامع ~~ومدارس، ثم هجم على بلاد علاء الدين، حاكم قرمان، فاستولى على ولاية قونية وسيواس وملاطية، ~~وبعد أن أخضع البلاد في جهة الأناضول عبر البحر للجهة الثانية من قارة أوروبا، طلب من ~~جوان ملك القسطنطينية ما عاهده به، فلبى الطلب، وبعث إليه بقسم من عساكره تحت قيادة ولده ~~عمانويل. وفي ms23 ذلك الزمان، توجهت العمارة العثمانية فاستولت على جزيرة رودوس وعلى عدة جزر ~~خلافها، فاستاء الملك جوان من ذلك، وشرع يحصن أسوار القسطنطينية ويستعد للدفاع، ولما بلغ ~~ذلك السلطان بايزيد أعلمه بقوله: إما أنك تهدم أسوار القسطنطينية، وإما أني أطفئ نور عيني ~~ولدك عمانويل. فهاله هذا التهديد، واضطر إلى السمع والطاعة، ولم يلبث طويلا بعد ذلك حتى ~~مات كئيبا حزينا، ولما علم عمانويل بوفاة والده غافل السلطان بايزيد وجاء القسطنطينية ~~يتولى مكان والده، فأرسل السلطان قسما من جنوده لحصار القسطنطينية، وقسما آخر لمحاربة ~~البلغار الفلاق، فاستولوا على عدة مدن منها، ثم أخضع البلاد الجنوبية من جهة الأناضول، ~~وانتقل منها فامتلك جهات قاضي بهران الدين وعلى المقاطعات العشر السلجوقية. # وفي عام 1394 ميلادية، الموافق سنة 796ه، عقيب أن أخمد الفتن في جهات الأناضول، حشد ~~الجيوش وأعد مهمات الحرب لفتح القسطنطينية، فقطع إلى جهة أوروبا، واستولى على مدينة ~~سالونيك وتمركز فيها، ثم ساق الجيوش إلى الجهة الشمالية في بلاد البلغار. ولما بلغ ذلك ~~سيزمان، قرال البلغاريين، خاف كثيرا وجاء إلى أوردي علي باشا، وزير السلطان بايزيد، ومعه ~~ولده، ووضع كل منهما في عنقه منديل الأمان، فأمنهما على حياتهما، وأرسل الأب إلى مدينة ~~فيليبولي، وأبقى الولد في معسكر السلطان، ولم يلبث مدة حتى اعتنق دين الإسلام، ولما علم ~~سيجموند، ملك المجر، افتتاح السلطان بايزيد بعض مدائن البلغار التي تحت لوائه، أنفذ للسلطان ~~رسولا يقول: من أين لك الحق أن تستولي على البولغارستان؟ فلما امتثل الرسول بين يدي ~~السلطان أراه حزمة من القوس والنشاب وقال له: اذهب وأخبر مولاك بما نظرت. وكان هذا الجواب ~~دليلا على مقاومة الجنود العثمانية، فانطلق حالا إلى مدينة رومية، وانطرح على أقدام ~~البابا بونفياس الثاني طالبا منه المعونة والإسعاف، فأنجده البابا مع كارلوس الثالث، ملك ~~فرنسا، بعشرة آلاف مقاتل، وأنفذهم إليه تحت قيادة الشاب نافار ابن ملك بورغونيا. وقد انضم ~~إلى أولئك الجنود شيفالير سنجان في القدس الشريف، وصاحب الفلاق مع جنوده حتى توفر لدى ~~صاحب المجر ثمانون ألف مقاتل ms24 زحفوا على عساكر الإسلام، وأقاموا على حصار نيكوبولي. # أما السلطان بايزيد فقد ابتدرهم بالهجوم، واشتبك معهم في الصدام والكفاح في معركة جرت بها ~~الدماء أنهرا وسيولا، وانجلت عن فوز العساكر العثمانية، بعد أن استأسروا من الأعداء 10 ~~آلاف أسير، ولما أحضروهم أمام السلطان ذبحوهم أمامه، إلا الشاب نافار فإنه لم يقتل بأمر ~~السلطان بالنظر لشجاعته وبسالته. وعقيب هذه النصرة أغار بايزيد على بلاد المجر، وفتح فيها ~~جملة حصون، ثم قهر جوان ملك القسطنطينية، وضرب عليه جزية قدرها عشرة آلاف ريال، وأمره بقيام ~~جامع، وتنصيب قاض للإسلام. # وبعد جملة انتصارات وعدة فتوحات عاد مظفرا منصورا إلى مدينة بورصه، وهناك أقام ~~يتمتع باللذات مدة من الزمان، وبينما هو على تلك الحال إذ وفد إليه رسول من قبل الملك ~~تيمورلنك ملك التتر ينهيه من هذه الغفلة، فأغلظ له الجواب، وانصرف الرسول مخذولا، فتحزب ~~ملك القسطنطينية مع بعض ملوك أوروبا واستنجدوا تيمورلنك، الذي كان يفتح حينئذ البلاد في ~~جهة خوارزم وبين النهرين لمقاتلة السلطان بايزيد. فلما علم السلطان بايزيد بعزائم المذكورين ~~جمع جيوشه، وتقدم بهم حتى قطع البحر من جهة أوروبا وحاصر القسطنطينية عاقدا العزم على ~~فتحها. وفي أثناء ذلك، بلغه زحف عساكر التتر إلى أطراف بلاده، فشق عليه الأمر، وبالأخص ~~عندما علم بخذلان أبطاله في مدينة سيواس، حيث استظهر عليها تيمورلنك وقتل ابنه أرطغرل، لكنه ~~بعد أن تدبر للأمر استصوب رفع الحصار عن القسطنطينية، وحشد جيوشه التي كانت متفرقة في جهات ~~أوروبا وآسيا عائدا بها إلى بورصه. أما انتصارات تيمورلنك فقد ملأت الأسماع، وألقت في قلوب ~~العساكر العثمانية الخوف والرعب، بالنظر لما كانت تأتيه من القساوة في معاملة الأسراء، فمن ~~معاملته السيئة أنه عندما افتتح سيزاوار بنى فيها برجا من أجساد محاربيه، وأنه أخذ نحو ~~ألفين من الرجال الأحياء ثم وضع بعضهم فوق بعض نظير الحجارة، وبناهم بالطين واحدا فوق ~~الآخر، وفي واقعة سيواس أخذ فرسان الأرمن، وأحنى رءوسهم بين أرجلهم وألقاهم في خنادق واسعة ~~وردمهم بالتراب. # أما السلطان بايزيد فانتقاما لدم ابنه ms25 زحف بجنوده على تيمورلنك، والتقى به في سهل أنقرة، ~~وكان قواد عساكر تيمورلنك أربعة من أولاده، وقواد السلطان بايزيد خمسة من أولاده؛ وهم: موسى ~~وسليمان ومحمد وعيسى ومصطفى، فانتشب بينهم القتال من الصباح إلى المساء، غير أن أكثر جنود ~~السلطان بايزيد، وبالأخص الآلايات المؤلفة من التتر خانوه منضمين إلى عساكر تيمورلنك، فلما ~~نظر ذلك عول على الانهزام، وفي أثناء هربه سقط عن ظهر جواده، وأخذ أسيرا في 19 ذي ~~الحجة سنة 803ه، الموافق 20 يوليو سنة 1420 ميلادية، فلما رأى ولده موسى أنه أخذ أسيرا ~~تبعه، وانهزم أخواه سليمان ومحمد، أما مصطفى فقد اختفى ولم يذكر عنه المؤرخون شيئا، بل ~~لقبوه بالضائع، ولما وصل السلطان بايزيد أمام تيمورلنك اقتبله بما يليق به من الإجلال ~~والتعظيم، ثم أجلسه إلى جانبه، وأمنه على حياته، وأمر بأن تنصب له ثلاثة صواوين، وأمر حسن ~~برلاص أن يكون له نديما. وكان تيمورلنك قد قدم إلى تلك الأطراف بسبب أحمد جليار، سلطان ~~العراق، الذي كان أغار عليه فهرب والتجأ إلى السلطان بايزيد، ولما طلبه منه ولم يرد أن ~~يسلمه إليه أغار على بلاده منتقما منه؛ لإغاثته بعض ملوك أوروبا وملك القسطنطينية الذين ~~استنجدوه عليه. # وبعد هذه الحادثة بثمانية شهور توفي السلطان بايزيد في آق شهر عام 805، فنقل ابنه موسى ~~جثته إلى بروسه، حيث دفنه قرب ضريح أبيه السلطان مراد الأول تغمدهما الله برحمته ~~ورضوانه. # | السلطان الخامس # السلطان محمد خان جلبي ابن السلطان بايزيد الأول # ولد عام 781ه، ولما بلغ أشده خاض ميادين الوغى تحت دربة والده ملازما إياه حتى ~~يوم وفاته، وبعد ذلك وقعت المنازعة بينه وبين إخوته مدة إحدى عشرة سنة، فاختلس تيمورلنك تلك ~~الفرصة وأخذ يتلاعب برجال الدولة بما اشتهر به من الذكاء والدهاء، وفي تلك المدة ثار ~~الإنكشارية وتمردوا، فقتلوا سليمان ابن السلطان، فانتقم منهم أخوه موسى وأحرق منهم كثيرين، ~~ثم إن موسى هذا كاد لأخيه محمد خان، فرجع كيده في نحره وقتل، فهدأت بموته القلاقل ~~والاضطرابات، وجلس أخوه محمد خان على تخت ms26 السلطنة عام 816ه، فجاءه رسل من ملوك اليونان ~~والإفرنج يقدمون لعظمته التهاني والهدايا، فأنعم على ملوك اليونان ببعض أماكن كان اغتنمها ~~منهم أسلافه، وعقد الصلح مع ملوك الإفرنج، ثم شرع في إصلاح شأن السلطنة، وإعلاء شأنها ~~باسترجاعه البلاد التي كان سلخها عنها تيمورلنك، واستعاد بغداد من أمير قرمان، وأخضع بلاد ~~السرب، وفتح مدينة أزمير، وضرب الجزية على بلاد الفلاق، وحارب مشيخة البندقية، وعقد الصلح ~~مع عمانويل ملك القسطنطينية، ونصب كرسي ملكه في أدرنه، وهو أول من شكل العساكر ~~البحرية. # وفي عام 824ه، مرض بالإسهال الدموي، وقبل أن يدنف كتب إلى ابنه مراد، الذي كان وقتئذ في ~~أماسيا، يخبره بمرضه، ويشير إلى استخلافه. وبعد أيام قليلة توفي في العام ذاته، فأراد كبراء ~~الدولة إخفاء موته عن الجنود إلى أن يحضر ولده، وكان الديوان يجتمع كل يوم للنظر في تدبير ~~أمور المملكة حسب العادة المألوفة، فأصدر أمرا للجنود ليتوجهوا إلى فتح بعض البلاد، ~~فأطاعوا وطلبوا قبل سفرهم مشاهدة سلطانهم المحبوب، فاعتذر لهم رجال الديوان بأن ذلك يزعجه ~~ويثقل مرضه، فلم يرضوا ولبثوا ملحين في نوال ملتمسهم، فأمروهم أن يمروا تحت كشك القصر، ~~وهناك ينظرون السلطان، حيث إن جثته لم تكن دفنت، فأجلسوه في نافذة من القصر، وجلس خلفه رجل ~~يحرك له يده، فمرت الجنود تحت النافذة، وفرحوا فرحا عظيما من مشاهدة سلطانهم، وذهبوا إلى ~~الحرب كالأسود الكاسرة، واستمر خبر وفاته مكتوما عن العساكر وعامة الناس مدة أربعين ~~يوما حتى وصل ولده السلطان مراد، وجلس على تخت السلطان، ونقل جثة والده بكل إكرام إلى ~~بورصة حيث واراها التراب في جوار جامع يشيل. تغمده الله برضوانه. # وكان رحمه الله يحب بناء الجوامع، ويميل إلى رجال العلم والمشايخ، ويرسل الصدقات. وهو أول ~~من أرسل صرة من الذهب إلى شريف مكة المكرمة ليوزعها على الفقراء، وكان ذكي العقل، شديد ~~البياض، أسود العينين، عريض الحاجبين، فسيح الجبهة، مرتفع الصدر، مستقيما في تصرفاته، ~~عادلا في أحكامه، كريما شفوقا على الرعية. وهو الذي خلص المملكة من الدمار، وأعاد لها ms27 ~~شرفها الباذخ حتى إن بعض المؤرخين لقبه بنوح في تخليصه فلك المملكة من طوفان التتر. # | السلطان السادس # السلطان مراد خان الثاني ابن السلطان محمد جلبي # ولد عام 806 للهجرة، وجلس على كرسي الملك عام 824، وبعد جلوسه أعلم بذلك ملك المجر ~~وملك اليونان وأمير مانتشا وكرماني، فهنأه أمير كرماني وسيسموند، وطلب إليه أن يهادنه خمس ~~سنوات، ثم طلب منه ملك القسطنطينية إتمام المعاهدة التي ارتبط بها مع والده المغفور له ~~السلطان محمد خان، وتأمينا على إتمامها يلزم أن يرسل إليه أخويه على سبيل الرهن، أما إذا ~~أبى فإنه يطلق سراح مصطفى ابن السلطان بايزيد الملوذ به في سالونيك، ويعلم بوجود دول ~~الإفرنج، فأغلظ السلطان له الجواب بواسطة وزيره بايزيد باشا، ولم يخش له وعيدا ولا ~~تهديدا. ولما أن سمع الجواب استشاط غيظا، وأطلق للحال سبيل مصطفى، ثم مده بقوة حربية ~~تحت شرط أن يعيد إليه مدينة كاليبولي وبعض مدن أخرى انتزعها من يده سلاطين آل عثمان في ~~الكفاح والقتال، ففلت مصطفى من مربضه، وساق عشرة مراكب حربية تحت إدارة ضباط من قبل ~~عمانويل، ملك القسطنطينية، ثم سير جنودا برية، ولما أشرفوا على كاليبولي سلمت ~~لهم ما عدا القلعة فحاصروها، وإذ ذاك أرسل السلطان مراد وزيره بايزيد بثلاثين ألف مقاتل، ~~فناهضهم مصطفى حتى تغلب عليهم، وقبض على قائدهم بايزيد وقتله. # وحدث بعد فتح المدينة أن ضباط ملك القسطنطينية طلبوا من مصطفى أن يقيم بوعده، ويسلمهم ~~إياها، فأجابهم بأنه يجاهد لمنفعته وليس لمنفعة ملكهم، فلما سمعوا منه ذلك خاب منهم الأمل، ~~وأخبروا ملكهم بما كان، فندم على ما فعل. أما السلطان مراد فعندما بلغه قتل بايزيد، وانفشال ~~جنوده، نهض لمحاربة أخيه بنفسه، غير أن مصطفى عرض له في تلك الأثناء رعاف شديد أوقفه عن ~~المحاربة مدة ثلاثة أيام انضم في خلالها أكثر جنوده إلى عساكر أخيه السلطان مراد، ولما كان ~~رأى ذلك هرب إلى كاليبولي، ثم فر منها إلى الفلاق، فخانه بعض أتباعه على الطريق وقتلوه، ~~فخمدت بموته نيران الفتن، وانطفأت الحروب الداخلية، ms28 وأعاد السلطان مراد لسلطنته ما كان لها ~~من الرونق والبهجة. # وبعد ذلك زحف على القسطنطينية، ولما أن صار على مقربة من أسوارها نادى بالحرب، وأباح ~~للعساكر السلب والنهب والسبي، فكروا عليها جملة كرات وارتدوا عنها دون أن يدخلوها ~~بالنظر لمنعة أسوارها، ثم سار السلطان إلى بلاد آسيا وامتلك منها جملة مدن، ثم استولى على ~~مدائن واقعة على شاطئ البحر الأسود، وعقد الصلح مع أهل السرب والفلاق، وشن الغارة على ~~البلغار، فلم ينتصر عليهم، واستشهد من جنوده نحو العشرين ألفا، بيد أن انخذاله لم يضعف منه ~~العزيمة، فجهز ثمانين ألف مقاتل أرسلهم تحت إمرة شهاب الدين باشا، فقاومه ملك البلغار وأخذه ~~أسيرا، واستأسر من جماعته نحو 500، ثم جرد عسكرا آخر وتولى الحرب بنفسه، فلم يظفر ~~بأعدائه، وانكسرت عساكره وأسر منهم نحو أربعة آلاف جندي، فارتدوا إلى وراء البلقان، وعقد ~~مع الأعداء هدنة صلح على عشر سنين، وتنازل عن الملك لولده محمد البالغ من العمر 14 سنة، ~~وأناط الوزراء بتدبير مهام السلطنة، وانعزل في مدينة مونيزيا. وقد تنحى عن الملك بسبب الحزن ~~الذي استولى عليه لوفاة ولده علاء الدين، أما ملوك الأعداء فلما علموا بتنازله لولده أخلفوا ~~وعودهم، وانطلق قوم من الفلاق فأحرقوا 24 مركبا من المراكب السلطانية، واستولوا على جملة ~~قلاع من قلاع مدائن الدولة، وفتحوا مدينة وارنو. ولما استفحل أمرهم، وعظم خطبهم، أسرع رجال ~~الدولة في استدعاء السلطان مراد لينقذ البلاد من الوقوع في أيدي الأعداء، فلبى طلبهم، ~~وسار إلى محاربة سلطان المجر بأربعين ألف مقاتل، فهزم جيوشه ومزقهم شر ممزق، ثم رمى ~~سلطانهم بجريدة فألقاه عن ظهر جواده، وأسرع إليه أحد الإنكشارية فقطع رأسه ووضعه على سنان ~~رمحه مناديا بعساكر المجر بقوله: ها هو رأس ملككم. فانخذلوا عند علمهم بذلك، ولجأوا إلى ~~الإدبار والفرار، ولما هدأت الحال رجع السلطان إلى مونيزيا، ومكث في التكية متعبدا، وما ~~فاتت مدة حتى احتاجت إليه المملكة؛ لأن الإنكشارية لاستخفافهم بولده أحدثوا شغبا في ~~المدينة، وأحرقوا بعض المنازل والأسواق ناهبين فاتكين دون رأفة وشفقة. ms29 ولما أن حضر أرسل ~~ولده إلى مونيزيا، وكبح جماح الإنكشارية، وردعهم بسيفه البتار عن التمرد والعصيان، ثم ركب ~~على قسطنطين، أمير الموره، وعلى بلاد الأرناءوط بستين ألف مقاتل فأخضعهم. # وفي عام 855ه، الموافق عام 1450م، توفي بداء النقطة، فأسفت المملكة على موته أي أسف، ~~وكان قبل ذلك قد أوصى ولده السلطان محمد الثاني بفتح القسطنطينية. # عاش 49 سنة قضى منها على تخت السلطنة 21 سنة، وكان تقيا صالحا، وبطلا صنديدا، محبا ~~للخير، ميالا للرأفة والإحسان. # | السلطان السابع # السلطان محمد خان الفاتح ابن السلطان مراد الثاني # هو ابن السلطان مراد، ولد في مدينة أدرنه عام 833ه، وصعد على تخت الملك عام 855، وحال ~~جلوسه وضع نصب عينيه تنفيذ وصية والده القاضية عليه بفتح القسطنطينية، فشرع في بناء القلاع ~~على شاطئ بوغاز القسطنطينية، وإعداد جميع ما يلزم من مهمات الحرب، ولما بلغ ملك القسطنطينية ~~ذلك هاله الأمر، وبعث رسله على الفور إلى السلطان محمد خان يستجلي منه حقيقة نواياه. ولما ~~لم يكترث السلطان به أو يلتفت إلى رسله؛ طلب الإمداد من دول الإفرنج، ووعدهم مكافأة لهم بضم ~~الكنيسة الرومية إلى الكنيسة الرومانية، فأرسل البابا وملك نابولي ومشيخة جينوا عددا ~~عظيما من الجنود لينضموا إلى عساكره في ساحات القتال، غير أن اليونان لما عرفوا بأن ~~مساعدة دول الإفرنج لهم مبنية على ضم كنيستهم إلى الكنيسة الرومانية استاءوا كثيرا، وكمنوا ~~البغضة في قلوبهم لملكهم قسطنطين دراغايس ابن الملك عمانويل؛ لأنه سيكون السبب بضم تينك ~~الكنيستين، وكانوا يزعمون أن الله سوف يخرب القسطنطينية حتى يصيرها قاعا صفصفا، وأن ~~المدافعة عنها تعد منهم من باب الكفر والإلحاد. وكان أحد وزرائهم المدعو نوتاراس ينادي في ~~شوارع المدينة قائلا: أود من سويداء القلب أن أشاهد في القسطنطينية تاج السلطان محمد من أن ~~أرى بها إكليل بابا قلنسوة كردينال. وبناء عليه تألف اليونان قلبا وقالبا واتحدوا على ~~إخلاء المدينة، فخلوها ولم يبق فيها من يدافع عنها إلا جنود الإفرنج. # وفي أول شهر أبريل لعام 1453، زحف السلطان محمد إلى القسطنطينية بجيش ms30 كثيف يبلغ مائة ~~وخمسين ألفا، وسير عدة مراكب حربية إلى أمام البوغاز، لكنها لم تتمكن من الدخول فيه ~~لوجود سلسلة حديدية منيعة، فبسط ألواحا ودهنها بالشحم، ثم وضعها فوق السلسلة، وسحب ثمانين ~~مركبا في ليلة واحدة مسافة ميلين، ولما نظرها أهالي المدينة في اليوم التالي تولاهم ~~العجب من دخول تلك المراكب إلى المينا، وقد تقدم القبطان ليحرقها؛ فأطلقت عليه كلة أصابت ~~مركبه فأغرقته بجميع من فيه، وحينئذ أمر السلطان محمد ببناء جسر من البراميل تضم إلى بعضها ~~بشناكل من حديد، ويوضع فوقها ألواح مسمرة حتى يشدد بواسطته الحصار على المدينة. وبعد حصار ~~خمسين يوما، وهدم أربعة أبراج وتخريب سور مار رومانس، أرسل السلطان لملك القسطنطينية يقول: ~~إن سلم يسلم. فلم يقبل بذلك، فأمر السلطان بالهجوم دفعة واحدة على المدينة من البر والبحر ~~في اليوم التاسع والعشرين من شهر مايو، بيد أن الملك قسطنطين جمع جنوده في عشية ذلك اليوم، ~~وأخذ يخاطبهم بكلام محزن متأسفا على انقراض الدولة الرومانية، وصار يحرضهم ويحثهم ~~على الكفاح والقتال بعبارات محزنة يرق لها الجماد، وبعد حديث طويل أخذوا بالبكاء والعويل، ~~وطفق يقبل بعضهم بعضا قبلات الوادع، ثم ذهبوا نحو الأسوار، وذهب الملك إلى كنيسة أجيا ~~صوفيا يزورها حتى يكون مستعدا للموت. أما جنود السلطان محمد خان فقد أوقدوا الأنوار في ~~تلك الليلة المعهودة، وضجوا بالتهليل والتكبير، وقبل أن يبادروا إلى الهجوم بلغهم حضور نجدة ~~من المجر وإيطاليا فتوقفوا، وبعد ذلك بيومين استنأنفوا التضييق على المدينة، فدخلها منهم ~~نحو خمسين نفرا من أحد الأبواب، ثم اقتفاهم بعض الجنود فانكسر من أمامهم الأهلون، وأغلق ~~الحراس الأبواب وألقوا مفاتيحها في البحر. # أما الملك قسطنطين الذي كان يحارب على السور بنفسه، فلما شاهد شمل عساكره تمزق غاب عن ~~رشده وصوابه، وعندما يئس من الفوز تجرد من أسلحته المذهبة خوفا من الأسر، واخترق صفوف ~~الإنكشارية فقتلوه، وبموته لم تقم للأروام قائمة، ولم تصدر عنهم مقاومة. ومن ذلك الوقت ~~أصبحت المدينة عرضة للنهب والسلب والحريق، ولما دخلها السلطان محمد أمر بقطع ms31 رأس الملك ~~قسطنطين المائت، فقطعوه وطافوا به في جميع بلاده، ثم أمر بقتل أولاد الملك ما عدا صغيرهم، ~~مع قتل كثيرين من أمراء المدينة وأشرافها. وبعد ثلاثة أيام من ذلك العهد، دقت طبول ~~الاجتماع، فردعت الجنود عن السلب والنهب، ومنحت الأهالي التأمين على أرزاقهم وأعناقهم، وسمح ~~لهم ببعض الكنائس الحقيرة، ثم ولى السلطان على الأروام بطريركا، وقلده بنفسه عصا ~~البطريركية وختمها، وكان ذلك في اليوم التاسع والعشرين من شهر مايو سنة 1453، الموافق ليوم ~~20 من جمادى الأولى سنة 857. وقد قال الإنكليز: إن مدينة القسطنطينية قد حوصرت تسعا وعشرين ~~مرة من بنائها من الملك قسطنطين الأكبر إلى عهد افتتاحها من السلطان محمد الفاتح الذي ضمها ~~إلى سلطنته، وأعلم بذلك سلطان مصر وشريف مكة وشاه العجم، ثم زحف على السرب فنكبها نكبة ~~عظيمة وعاد إلى القسطنطينية، وشرع في بناء جامع الشيخ أيوب شمس الدين. ولما أتم بناءه أقام ~~فيه الصلوات، فقلده شيخ الإسلام سيفا بيده، ومن ذلك الوقت جرت العادة أن السلطان الذي ~~يجلس على تخت الملك يذهب إلى ذاك الجامع ويتقلد بالسيف. وفي ذاك الجامع صخرة كبيرة فوقها ~~بيرق ملفوف بغشاء أخضر رمزا عن وظيفة أيوب عند الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~. # وبعد فتوحات عديدة، حاصر قلعة بلغراد بمائة وخمسين ألف مقاتل وثلاثمائة مدفع، ففقد من ~~عساكره عددا عظيما وجملة مدافع، وانجرح في فخذه فرجع عنها وذهب إلى أدرنه، وبعد أخذ ~~القسطنطينية بسبع سنين فتح مدينة أثينا عاصمة بلاد اليونان، وفي سنة 1461م، الموافقة سنة ~~865ه، فتح إيالة طرابزون وولاية سينوب، وفي سنة 866 استولى على جزيرة نسيوسه وإقليم بوسنه، ~~ثم جهز عمارة بحرية بمائة ألف مقاتل لفتح جزيرة رودس، فحاصرها ثلاثة أشهر، ثم ظعن عنها وأخذ ~~في إعداد تجريدتين: الأولى لفتح جزيرة قبرص، والثانية لمحاربة شاه العجم، وبينا هو كذلك ~~اعتراه مرض عضال، فمات في مدينة أزنكميد في جمادى الأولى سنة 886، ودفن بجوار جامعه الشريف ~~في ضريح مخصوص. # كانت مدة ملكه 31 سنة، وعاش ثلاثا وخمسين سنة، وفي مدة ملكه ms32 افتتح مملكتين و12 ولاية، ~~واستولى على أكثر من مائتي مدينة، وبنى عدة جوامع ومدارس، وكان يعتبر العلماء، ويحب رجال ~~الأدب. وهو طويل القامة، ضخم الوجه، كثيف اللحية أشقرها. وقد أعقب ولدين؛ يسمى أكبرهما ~~بايزيد، والآخر جم. # | السلطان الثامن # السلطان بايزيد الثاني ابن السلطان محمد الفاتح # ولد عام 851 للهجرة، وجلس على سرير السلطنة في سن 35 من عمره، أي عام 886، وذلك عقيب ~~موت والده الطيب الذكر، فنازعه أخوه جم على السلطنة بدعوى أنه ولد عام 801 قبل جلوس ~~والده على كرسي الملك بسبع سنين؛ ولذلك يعتبر كأحد الرعايا، ومن ثم جرد فرقة من ~~الجنود وساقها إلى نواحي بورصة، فالتقى بألفي مقاتل من أليكشارية أخيه السلطان بايزيد، ~~فاشتبك معهم في موقعة دموية انجلت عن فوزه وانتصاره، ودخل المدينة فنودي به سلطانا عليها، ~~وأمر الخطباء بأن يخطبوا في الجوامع باسمه. فلما علم السلطان بايزيد بذلك ألف جنوده، ونزل ~~معهم بذاته إلى ساحات الحرب، فالتقى بعساكر أخيه في سهل يكي شهر، وبعد أن ناهضهم طويلا ~~هزمهم شر هزيمة. وإذ كان جم راكضا مهزوما التقى بجماعة من التركمان فسلبوا منه ثيابه، ~~وجردوه من سلاحه، فاستعار ثوبا من وزيره، وسار إلى مصر، وعندما وصلها تلقاه جركس قايد ~~بك بكل اعتبار وأكرم وفادته. # ثم بعد أن مكث في مصر أربعة شهور ذهب لتأدية فريضة الحج الشريف، وغب عودته عاد لمنازعة ~~أخيه، فأرسل أخوه يقول له: بما أنك اليوم قد قمت بواجباتك الدينية في الحج، فلماذا تسعى إلى ~~الأمور الدنيوية؟ ومن حيث إن الملك كان نصيبي بأمر الله، فلماذا تقاوم إرادة الله؟ فأجابه ~~بقوله: هل من العدل أن تضطجع على مهد الراحة والنعيم، وتقضي أيامك بالرغد واللذات، وأنا ~~أحرم من اللذة والراحة، وأضع رأسي على وسادة من الشوك؟ ثم جرد شرذمة من الجنود وناهض ~~عساكر أخيه، فانكسر وهرب ثانية إلى مكان يدعى كاش إيلي. وإذ ذاك بعث إليه السلطان يعرض ~~عليه الصلح، فقبل تحت شرط أن يعطيه بعض أقاليم في بلاد الأناضول، فأجابه السلطان: إن الخطبة ~~لا ms33 يمكن تجزئتها إلى اثنتين، وعوض أن تصبغ قوائم جوادك وأطراف ردائك بدماء المسلمين، ~~فالأجدر بك أن تذهب إلى مدينة القدس، وتقتنع بالمعيشة فيها من إيراداتك، ماذا وإلا يحل بك ~~الويل والثبور. فحينئذ قام جم وتوجه إلى جزيرة رودس، فلاقاه الشفالرية الذين كانوا ~~يتولونها، ونصبوا له جسرا مفروشا بالنسائج الثمينة من الشاطئ إلى المراكب ليخرج من ~~البحر بحصانه، ولما خرج ساروا به إلى القصر الذي أعدوه له. ومذ بلغ السلطان بايزيد ذلك، ~~أخطر حاكم رودس بقوله: إنه إذا أراد استمرار الصلح بينهما؛ فعليه أن يسلمه أخاه جم، فرفض ~~حاكم رودس تسليمه، إنما خوفا من غضب السلطان أنزله في مركب أبحر به إلى مدينة نيس، من ~~أعمال إيطاليا في ذلك الزمان، ثم انتقل منها إلى مدينة روسليون، من أعمال فرنسا على عهد ~~الإمبراطور لويس، ثم طلبه البابا إينوشنسيوس من إمبراطور فرنسا؛ ليكون عنده رهنا حتى يأمن ~~من إغارة العثمانيين على إيطاليا. وعلى عهد البابا إسكندر السادس توفي جم في مدينة نابولي ~~مسموما. # وفي سنة 897 بعث السلطان بعمارة إلى أساكل بلاد الأرناءوط، وجرد عسكرا وسار به إلى تلك ~~الأصقاع، وبينما كان مارا في طريق ضيق قابله رجل بهيئة درويش وهم أن يضربه بخنجره، ~~فابتدره من كان حول السلطان بطعنة كانت القاضية، ومن ذاك العهد جرت العادة أن لا يقابل أحد ~~السلطان بسلاحه. # وفي سنة 903 زحف على بولونيا، وأسر منها في موقعة واحدة عشرة آلاف أسير، وضبط بلاد ~~الإرنبودوهرسك، وفي عام 1509م زلزلت الأرض زلزالها في القسطنطينية، فأخربت ألفا وسبعين ~~بيتا، ومائة وتسعة جوامع، وجانبا عظيما من السراي الملوكية وأسوار المدينة، وعطلت مجاري ~~المياه، وصعد البحر إلى البر فكانت أمواجه تتدفق فوق الأسوار. ولبثت تلك الزلزلة تحدث ~~يوميا مدة 45 يوما، ولما أن سكنت جمع السلطان 15 ألفا من الفعلة وأمرهم بإصلاح ما ~~هدم. # وفي سنة 918، سلم زمام الملك لابنه السلطان سليم، وتوفي وهو ذاهب إلى ديمتوقه، فنقل نعشه ~~إلى إسلامبول حيث دفن بجوار جامعه الشريف. # عاش سبعا وستين عاما، وكان قوي ms34 البنية، أحدب الأنف، أسود الشعر، رقيق الطبع، محبا ~~للعلوم، مواظبا للدرس، وشاعرا أديبا، ورعا تقيا يقضي العشر الأخيرة من شهر رمضان في ~~خلوة بمفرده، أو مع الشيخ محيي الدين ياوز في التعبدات الدينية. أقام في مدة ملكه جملة ~~مدارس وجوامع، وكان يرسل إلى الكعبة كل سنة مبلغا وافرا من المال، وكان بارعا في رمي ~~السهام، ويباشر الحروب بنفسه، وعند رجوعه من الغزوات يجمع الغبار عن رجليه وثيابه حتى صنع ~~منه لبنة أوصى أن توضع بعد وفاته تحت رأسه تمسكا بحديث الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«من تغطت رجلاه بغبار طريق الله لا تمسه النار في الآخرة.» # | السلطان التاسع # السلطان سليم ابن السلطان بايزيد الثاني # ولد عام 875ه، الموافق سنة 1480م، وجلس على تخت الملك سنة 918، وبعد جلوسه نازعه في ~~الملك ابن أخيه علاء الدين، وجاء مدينة بورصه فافتتحها وضرب على أهلها الجزية الباهظة، ولما ~~بلغه ذلك استخلف ولده سليمان، وذهب لردع علاء الدين بسبعين ألف مقاتل من البر، وسير ~~عمارة في البحر مؤلفة من مائة وخمسين مركبا. وفي تلك الأثناء، نهض أخوه أحمد، والد علاء ~~الدين، واستولى على أماسيا، وقلد أخاه مصطفى تخت الوزارة، فأرسل السلطان شرذمة من الخيالة ~~ليخطفوا حرم أخيه مصطفى، فصادفهم أحمد في الطريق واستخلص منهم الحرم وأسرهم. كل ذلك بلغ ~~مسامع السلطان سليم، فأحدث فيه الغيظ الشديد، غير أنه تجلد على كتمان الغضب حتى مكنته ~~الفرصة، فقتل سائر إخوته مع أولادهم حتى لم يبق منهم أحد، وإذ ذاك تواردت إليه التهاني من ~~جميع الدول، ما عدا إسماعيل شاه العجم؛ لأنه كان متحزبا لأخيه أحمد، فغضب واستشاط ~~السلطان غيظا؛ لأنه كان قد حمى عنده أولاد إخوته وحرض والي مصر على مناهضة الدولة ~~العثمانية. # وفي سنة 920، زحف إسماعيل شاه بجيش جرار على بلاد الدولة ومعه مراد ابن أخي السلطان سليم، ~~فكتب إليه السلطان مستهزئا به، وأرسل إليه عروة ومسواقا وطيلسانا يفهمه بذلك أنه ليس من ~~سلالة الملوك، بل من سلالة المشايخ الذين يتمسكون بالبدع، فأجابه بفظاظة وأرسل إليه ms35 علبة ~~ذهب ملأى من الأفيون، فغضب السلطان وركب في الحال بمائة وأربعين ألف مقاتل، وستين ألف جمل ~~تحمل الأثقال والمهمات، أردفها بأربعين ألفا تسير وراءها لحفظ خطة الرجوع. ولما أن تأكد ~~ذلك شاه العجم شعر بعجزه، وأن ليس له طاقة لمناهضة الأتراك، فأحرق بلاده وأخلاها من الأطعمة ~~والمنافع، وانهزم برجاله، ولما بلغتها العساكر العثمانية وجدتها خالية خاوية لا مأوى بها ~~ولا مأكل، فتضايق الجند من ذلك، وتقدم أحد قوادهم المدعو حمدان باشا إلى السلطان يعلمه ~~بتذمر الجنود، فأمر بقتله، وكتب إلى إسماعيل شاه يعيره بهذه الهزيمة، وأرسل إليه ثياب ~~امرأة دلالة على جبنه وخوفه ، فأجابه إسماعيل شاه بأنه ينتظره في سهل شليدران، ومن ثم ~~انطلق السلطان إلى ذاك السهل؛ حيث التقى بعدوه في غرة رجب من سنة 920، فابتدره بالقتال، ~~وأمر جيوشه بالهجوم فوثبوا على الأعجام وبددوا شملهم في ساحات المعركة، فانهزموا شر ~~هزيمة، وجرح إسماعيل شاه في يده ورجله، ثم سقط عن جواده، وما وصل الأرض حتى انقض عليه ~~أحد الفوارس العثمانيين واستل خنجره ليقتله، فانطرح عليه وزيره مراد صارخا: أنا هو ~~الشاه. فقبض عليه وأخذه أسيرا، أما إسماعيل شاه فاغتنم تلك الفرصة، ونهض عن الأرض، وركب ~~جواد أحد الجند فانطلق مسرعا حتى وصل إلى تبريز، ومن شدة خوفه لم يأمن على نفسه فيها، ~~واستأنف الهزيمة حتى درغازين، وفي تلك الأثناء اغتنم السلطان سلب الأعجام، فسبى حرم الشاه ~~ونهب أمواله، ثم قتل جميع الأسرى الذين وقعوا في قبضة يده، ثم سار إلى تبريز، ولما دخلها ~~امتثل أمامه بديع الزمان الذي من سلالة تيمورلنك، فخلع عليه وأكرمه وأجلسه على كرسي بجانبه، ~~وفرض له نفقة يومية. وكان لإسماعيل شاه أموال غزيرة في تبريز، وجواهر ثمينة، وتحف وأقمشة ~~وأسلحة، فاغتنمها السلطان، وتوجه منها إلى أماسيا، فضبط ولايتي الكرد والكرج، واستولى على ~~جميع بلاد ديار بكر، وافتتح قلعة ماردين. وفي سنة 922، عزم على محاربة قنصو الغوري، ملك ~~مصر، فجرد الجنود وزحف إلى عربستان، فالتقى به في مرج دابق من بلاد سوريا، وهناك التحم ~~الجيشان ms36 في موقعة لم تطل برهة حتى انجلت عن فشل المصريين وتبديد جمعهم، وسقط ملكهم عن ~~جواده فمات، وكان عمره ثمانين سنة، وحينئذ قطع رأسه ضابط من ضباط العساكر العثمانية وطرحه ~~على أقدام السلطان سليم، فغضب من إهانة الدم الملوكي، وأراد قتل الضابط المذكور، فتشفع فيه ~~الوزراء حتى عفا عنه، لكنه عزله من وظيفته. # وبعد ذلك بمدة سار إلى حلب الشهباء، واستولى عليها وصلى في جامعها الكبير، حيث لقبه ~~الخطيب بخادم الحرمين الشريفين (وهذا اللقب كان يختص بسلاطين مصر)، فخلع عليه حلة ثمينة، ثم ~~سار إلى حماة وحمص وطرابلس فالشام، وفيها رفع العلم العثماني، وأقام نحو أربعة شهور انقاد ~~إليه بأثنائها أمراء العرب وأكابر سوريا ووجوه جبل لبنان. وكان يطوف بالجامع الأموي المشهور ~~متفرجا على الآثار القديمة. أما الجامع المذكور فيبلغ طوله 550 قدما، وعرضه 150 قدما، ~~وهو مبني على أعمدة عظيمة من الحجر السماقي والرخام المختلف الألوان، وفي قبته يوجد 600 ~~قنديل معلقة بسلاسل من الذهب والفضة، وفيه أربعة محاريب لأصحاب المذاهب الأربعة؛ وهم: ~~الحنفية والشافعية والحنبلية والمالكية. # في سنة 922، توجه إلى مصر لمحاربة طومان باي الذي جلس بعد الغوري وشق عصا الطاعة، فقاتله ~~عند غزة وقهر جنوده، ثم تقدم واشتبك مع مماليك مصر بعدة وقائع قتل فيها منهم نحو 25 ~~ألفا، ولما أن وصل السلطان بجيوشه إلى مصر القاهرة حاصرها ثلاثة أيام، وفتحها في اليوم ~~الأخير، وقد قبض على ثمانين ألفا من أهاليها وقتلهم جميعا. # أما طومان باي فكان هرب إلى شرقي الديار المصرية، وبعد مدة لم شمله، وجمع من بقي من ~~المماليك، وضم إليهم ستمائة ألف من العرب وكر على القاهرة، فتغلب على العساكر العثمانية ~~وأخرجهم منها عقيب مقتلة عظيمة. # وكان السلطان سليم قد ضجر من كثرة الحروب وهدر الدماء، فأمر مصطفى باشا، أحد قواده، أن ~~يطلب الصلح من طومان باي، بشرط أن يكون تحت سلطة الدولة، فلم يقبل بذلك وفتك بالرسول وأورده ~~حياض المنون، وحينئذ جدد السلطان الحرب على المماليك، فظفر بهم، واقتفى أثر طومان باي ~~المنهزم ms37 حتى أدركه، وذلك سنة 925. # وبعد إقامته في الديار المصرية مدة طويلة عاد إلى القسطنطينية، وطفق يكثر المهمات ~~الحربية، ويجدد المراكب، ويجمع الجيوش وينظمهم، إلا أنه أدركته المنية في اليوم الثامن من ~~شهر شوال لسنة 926، فأخفوا موته إلى أن يحضر ولده سليمان الذي كان وقتئذ في سروخان مكان ~~ولايته. # عاش أربعا وخمسين عاما، قضى منها على تخت السلطنة 8 سنوات، وكان طويل القامة، قصير ~~الرجلين، عظيم الجثة، كبير العينين، غليظ الحاجبين. وهو أول سلطان لم يطلق لحيته، وكان ~~رجال الدولة يعيبونه بذلك. وكان عالما يحب رجال الآداب، وشاعرا يميل إلى حسن النظم، وله ~~ديوان أشعار بالتركية والفارسية والعربية. رحمه الله وجعل الجنة مأواه. # | السلطان العاشر # السلطان سليمان خان ابن السلطان سليم # ولد عام 900 للهجرة، وتولى زمام السلطنة عام 926، فقام بحق الخلافة، ورفع شأن السلطنة ~~إلى أوج العظمة والأبهة، ووضع لها عدة قوانين تتعلق بالإدارة؛ ولذلك لقب بالقانوني، ثم ~~افتتح عدة فتوحات، وباشر الحرب بذاته 13 دفعة، وشاد الأبنية الشاهقة، والأسوار الشامخة، ~~وترأف بحال الناس، فأطلق سراح 600 مسجون من مأسوري مصر، وردع الظالمين عن المظالم. وفي ~~أيامه ثار أهل المجر على المباشر الذي كان يجمع الخراج من قبل الدولة وقتلوه، فركب ~~السلطان سليمان بجنوده المظفرة متوليا قيادة الجند، فقاتل المجر حتى استظهر عليهم وامتلك ~~بلادهم وأخذ قلعة بلغراد، ثم عاد إلى إسلامبول، وبعد عودته بعشرة أيام مات له ثلاثة ~~أولاد. # وحدث في تلك الأثناء اختلاف ونزاع بين شرلمان، ملك إسبانيا، ولويس الأول، ملك فرنسا، على ~~دوقية ميلان، وكان البابا ليون العاشر مبلبل البال من جراء تعاليم لوثر المخالفة للعقيدة ~~الكاثوليكية، فاغتنم السلطان سليمان خان تلك الفرصة للهجوم على الدول النصرانية، وابتدأ في ~~اختضاع جزيرة رودس التي كان يملكها من نحو 150 سنة شفاليرية ماريوحنا الأورشليمي، وكانت ~~مانعا قويا يحول دون العثمانيين عن مهاجمة أوروبا، فساق إليها عام 1522م مائتي ألف جندي ~~تحت قيادة صهره مصطفى باشا، وثلاثمائة مركب تحمل عشرة آلاف بحري تحت قيادة بيري باشا، ~~فضربوا الجزيرة وحاصروها مدة ms38 طويلة بدون نتيجة، وحينئذ حضر السلطان بذاته وتولى إدارة ~~القتال، فأمر بالهجوم على القلعة، وبعد عدة ساعات ارتدت عساكره خاسرة، وقد اشتدت مقاومة ~~المحاصرين نحو 3 شهور اشتدادا فائق الحد حتى تضايقت العساكر الشاهانية، وفقد منها نحو ~~ثمانين ألفا، وإذ ذاك أمر السلطان الجنود بإطلاق المدافع على المدينة إطلاقا دائما، ~~فأطلقوا عليها 220 ألف مدفع دمرتها وأحرقتها حتى صارت تلا من الرماد، ولم يبق مع ~~المحاصرين شيئا من الذخيرة والمؤنة، فاضطروا للتسليم تحت شرط أن تصان الكنائس ~~النصرانية، ويرخص بإقامة شعائر الدين المسيحي، ولا يضرب على الأهالي ضرائب مدة خمس سنوات. ~~وكان رئيس تلك الجزيرة رجلا فرنساويا يدعى ليل آدم، فقابله السلطان ومدحه على شهامته، ~~وبعد مدة، أبحر ليل آدم مع أربعة آلاف من أتباعه وذهبوا إلى إيطاليا، ومنها إلى مالطة. أما ~~الجزائر القريبة من رودس، فلما علم سكانها بما كان وحدث خضعوا للسلطان بدون قتال. وفي تلك ~~الأثناء، عزل الصدر الأعظم بيري باشا، وعين بدلا عنه إبراهيم باشا، وكان رجلا عاقلا ~~شجاعا فتح جملة بلدان في نواحي بلغراد، وقتل من عساكر المجر 25 ألفا، وسبى نحو مائة ألف ~~من السراري والمماليك، واغتنم الخزينة الملوكية. # وفي سنة 934، تمرد أهالي حلب وثاروا على الملا والقاضي فقتلوهما في وسط الجامع، فأنفذ ~~السلطان أوامره بتأديب المذنبين، ثم سار بتجريدة مؤلفة من 150 ألف مقاتل حتى اقترب من ~~مدينة فيلبي، فنصب خيامه في سهل واسع هناك، ثم سار بالجنود حتى بلغ مدينة موهكز من أعمال ~~المجر، فقدم له حاكمها الطاعة والخضوع، وحينئذ خلع عليه وأعطاه ثلاثة أفراس من جياد الخيل ~~عليها سروج مرصعة، وبعد ذلك ساق جنوده، وافتتح مدينة بودا كرسي بلاد المجر، وعند ~~أواخر تلك السنة تقدمت العساكر السلطانية حتى وصلت إلى تحت أسوار مدينة ويانه، حيث نصب ~~السلطان خيامه، وكان حول صيوانه الملوكي 12 ألف أليكشاري، و120 ألف مقاتل، و400 مدفع، و20 ~~ألف جمل تنقل المهمات، وكانت العمارة البحرية الراسية في نهر الطونة مؤلفة من ثلاثمائة قطعة ~~تحت قيادة قاسم باشا. وبعد ms39 أن هدم جملة قلاع، واستولى على حدود بلاد النمسا، وهجم جملة ~~دفعات على ويانه، عاد إلى القسطنطينية، وأمر بتطهير أولاده الثلاثة: مصطفى ومحمد وسليم، ~~وأعد لذلك حفلة شائقة دعا إليها كبار رجال المملكة ورئيس مشيخة البندقية. # وفي عام 932، وصله كتاب من الملك فرنسيس الأول، ملك فرنسا، يتضمن الشكوى من تغلب ~~الأعداء على مملكته، والاستغاثة به، فأرسل إليه الجواب بهذه الصورة. # الله # بنعمة الله الذي تجل قدرته، وتتعظم كلمته، وببركة شمس سموات النبوة، وكوكب برج ~~الأولياء، رئيس طغمة الأبرار سيدنا محمد الطاهر # صلى الله عليه وسلم ~~، وبظل أنفس صحابته الأربعة ~~الطاهرين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي عليهم صلوات الله. # شاه سلطان خان ابن السلطان سليم خان الغازي، أنا سلطان السلاطين، وملك الملوك، ~~وواهب تيجان الملك، ظل الله على الأرض، بادشاه، وسلطان البحر الأبيض والأسود، وبلاد ~~الروم إيلي والأناضول وقرمان وارز روم وديار بكر وكردستان وإذربيجان والعجم ودمشق ~~وحلب ومصر ومكة والمدينة والقدس الشريف وسائر بلاد العرب واليمن وإيالات شتى، ~~افتتحها ابن السلطان بايزيد شاه، السلطان سليمان خان، أكتب إليك يا فرنسيس آغا، ملك ~~مملكة فرنسا: # إن الكتاب الذي أعرضته إلى سدتي الملوكية، ملجأ الملوك، مع تابعك فرنكيبان ~~المستحق أمانتك، والألفاظ الشفاهية التي نقلها إلى مسامعي الشريفة، أعلمتني أن ~~العدو حاكم في مملكتك، وأنك الآن قد صرت أسيرا، وتطلب من لدني خلاصك. فجميع ما ~~قلته جرى عرضه على أقدام كرسي عظمتي ملجأ العالم، وقد فهمت الشروح كافة، ولا عجب ~~إذا انكسر الملوك وصارت أسارى، فليتشدد قلبك ولا تخمد نفسك، وفي مثل هذه الأحوال قد ~~رأينا سلفاءنا الممجدين، وأجدادنا المعظمين ما تأخروا عن الدخول في قتال الأعداء، ~~ومثابرة الفتوحات، وأنا أيضا اقتفاء لآثارهم، وقد أخضعت في كل الأيام ولايات ~~كثيرة، وفتحت حصونا قوية يتعذر الدنو منها، ولا أنام ليلا ولا نهارا، وسيفي لا ~~يفارق جانبي. فليسهل علينا العدل الإلهي إتمام عمل الخير، وفضلا عن ذلك اسأل رسولك ~~عن جميع الأحوال والحوادث التي شاهدها بأم عينه، واقنع بما يقول لك. # تحريرا في العشر الأول ms40 من هلال ربيع الثاني سنة 932ه، من السدة الملوكية في ~~محروسة الآستانة العلية. # وأنجد السلطان ملك الفرنسيس بعمارة بحرية تحت قيادة بربروس، ولما وصلت إلى مرسيليا انضمت ~~إلى عمارة الملك فرنسيس، وبعد الفوز والظفر عادت إلى القسطنطينية. # وفي عام 935ه، جاء كتاب من الملك فرنسيس إلى السلطان يطلب إليه إرجاع كنيسة في القدس ~~الشريف، فأجابه هكذا: # إلى فرنسيس آغا، ملك بلاد فرنسا: # أرسلت إلى سدتي الملوكية مقر السلاطين العظام، ومشرق حسن الإدارة والسعادة، ومحل ~~اجتماع الملوك، تحريرا تخبرني به أنه يوجد في أورشليم المحروسة، التي هي في مملكتي ~~السعيدة، كنيسة كانت قديما في أيدي أمة عيسى عليه السلام، ثم تغيرت أخيرا فصارت ~~جامعا، وبالنظر للصداقة التي بين عظمتنا الملوكية وبينك، نحن نجيب سؤالك الذي أمام ~~حضرتنا الملوكية، مصدر توزيع المواهب والسعادة. غير أن سؤالك لا يعد من جملة ~~السؤالات المتعلقة بالأموال والعقارات، ولكن بمتعلقات الأديان؛ لأنه بموجب أمر الله ~~الطاهر، وتطبيقا لسنن نبينا شمس الكونين، أن هذه الكنيسة من زمان غير معلوم قد ~~صارت جامعا لإقامة صلاة المسلمين، ومن ثم يكون تغيير حالة موضع قد تسمى ~~جامعا وأقيمت فيه الصلوات مغايرا لدين المسلمين. وبالاختصار أقول لك: إنه لا ~~يمكني إجابة سؤالك، ولكن ما عدا الأماكن المعدة لإقامة شعائر الدين، فكل مكان ~~يكون في أيدي النصارى يبقى لهم، ولا أسمح لأحد في مدة حكمي العادل أن يشوش راحتهم، ~~وما داموا تحت ظل حمايتي، فأرخص لهم أن يمارسوا أمور دينهم وطقوسهم في معابدهم بدون ~~معارضة. # تحريرا في العشرة الأولى من هلال محرم الحرام سنة 935. # وفي اليوم التاسع عشر من شهر رمضان من السنة ذاتها، خرج السلطان من القسطنطينية بمائة ألف ~~مقاتل لمحاربة بلاد السرب، فافتتح في طريقه عدة قلاع، واستولى على جملة بلاد، ثم عاد إلى ~~القسطنطينية وعقد الصلح مع ملوك أوروبا، ثم وجه عساكره لمحاربة العجم، ولما ساق الجنود ~~إلى فتح بغداد علم بذلك حاكمها ذو الفقار خان، فسلم مفاتيحها إلى السلطان، فقتلته جماعته ~~على خيانته، ثم سار إلى تبريز فدخلها، ms41 ثم رجع إلى القسطنطينية، وهناك أوشوا له على وزيره ~~إبراهيم باشا، فقتله وقلد خير الدين باشا، المعروف بالبربوس، رئاسة العمارة البحرية، ~~فاستولى بها على عدة جزر واقعة عند حدود إيطاليا. وفي سنة 1435 ميلادية، تقدم خير الدين ~~المذكور إلى تحت أسوار مدينة تونس وافتتحها، غير أن هذا الفتح لم يطل أمره إلا مدة قليلة؛ ~~لأن حاكم تونس التجأ إلى ملك إسبانيا، كارلوس الخامس، فركب إليها واسترجعها إليه. # وفي شهر مايو من سنة 1534، ركب السلطان ومعه ولداه مصطفى وسليم على مدينة وان من أعمال ~~البندقية فامتلكها بعد حصار تسعة أيام، وفي عام 1547 جاء القسطنطينية رسول من عند علاء ~~الدين، سلطان الهند، يستنجد الدولة العثمانية على البرتغال والكاسب ميرزا الذي عصى على ابن ~~شاه العجم، فأنجده السلطان . وفي عام 1556، جاءه كتاب من شاه العجم هذا نصه: # أيها الملك المحبوب من الله، الذي غمرك الباري تعالى بمواهبه، والذي سقيت من ندى ~~الخالق المحيي، سلطان البرين، وخاقان البحرين، أنت الذي اسمك نظير اسم نبي الإنس ~~والجان، وأنت مركز الفلكين، وخادم الحرمين الشريفين، أنت الذي جمعت في شخصك القوة ~~والمجد والفخر والقدرة والخلافة والفطنة والعدل والشرف والإنصاف والاستقامة، ~~السلطان سليمان خان، فلترفع سناجقك فوق السموات، وتنقش أسماء سلطنتك على ألواح ~~الأبدية. # فأجابه السلطان بقوله: # يا من بيدك العظمة السامية مثل السماء، واللامعة مثل الشمس، والمحاطة بشعاع ~~المنظر المهيب، والمشتملة على حذاقة دارا، ونجابة خسرو، وسعادة المشتري، وإكليل ~~كوكباد، وقضيب فريدون، وشاه كرسي العظمة، وقمر سماء القدرة، أنت مشرق نجوم السجايا ~~البديعة، ومغرس الفضائل الجسيمة، الجامع في شخصك المناقب الحميدة، واللامع بأشعة ~~العواطف الشريفة، والذي عندك نظر المحامي الصادق، والمالك محبة من بنعمته يفرق ~~السعادة، أنت مطلع السعود، تامصب شاه، فلتحط بك النعم الإلهية، وتضئ لك الأنوار ~~السماوية. # وفي عام 967ه، توجه القبطان شابيالي بعمارة عظيمة إلى جزيرة جربا وتملكها بعد حصار ثلاثة ~~شهور، وقبض على حاكمها وأحضره إلى إسلامبول، فلما بلغ ذلك ملك إسبانيا ركب على بلاد الجزائر ~~وأخذ بعض قلاع ومراكب تخص الدولة، ms42 فغضب السلطان من ذلك، وعزم على فتح مالطة، فساق إليها ~~القبطان شابيالي بعمارة مؤلفة من مائة وواحد وثمانين مركبا. وفي اليوم العشرين من شهر مايو ~~من عام 1565، وصلت المراكب إلى تلك الجزيرة، ورمتها بنيران مدافعها حتى دمرت حصونها، ~~واستلمتها بعد سبعة أيام، ثم سار السلطان إلى بغداد وهو مريض، ومنها إلى سملين فتسلمها ~~وافتتح جملة قلاع وبلدان. وتوفي عام 974، فأخفى محمد باشا الصقلي، قائد الجيوش، خبر وفاته ~~مدة ثلاثة أسابيع حتى وصل إسلامبول ودفنه بتربته المنيفة. عاش أربعا وسبعين سنة، قضى منها ~~على تخت السلطنة 48 سنة. رحمه الله رحمة واسعة. # | السلطان الحادي عشر # السلطان سليم الثاني ابن السلطان سليمان خان # ولد عام 930ه، الموافق عام 1525 ميلادية، وجلس على كرسي الخلافة عام 974ه، الموافق 1566ه، ~~وهو يبلغ من العمر أربعة وأربعين سنة، وحال جلوسه أخذ بإصلاح الأمور الداخلية، وتنظيم شئون ~~البلاد، فنهض في ذلك وجاق الأليكشارية، وهاجوا في القسطنطينية، فأخمد فتنتهم بالإحسان، ~~وبتوزيع الأموال. وفي أثناء ذلك، جاء رسول من قبل شاه العجم بهدية فاخرة تهنئة لجلوسه، وهي ~~لؤلؤتان وزن الواحدة منهما يبلغ أربعين درهما، وياقوتة بقدر التفاحة الصغيرة، وجدد العهد ~~بين الدولة وشاه العجم. وكان صاحب اليمن في تلك الأيام ادعى الخلافة، فأرسل السلطان سليم ~~عسكرا لمحاربته، فقهروه وأخذوا مدينة صنعاء وبعض الأماكن من تلك الجهات. # وكان للسلطان سليم قبل جلوسه نديم يهودي، يقال له: زوسفنلسي، يحب شرب الخمر كثيرا، فطلب ~~من السلطان أن يفتح جزيرة قبرص طمعا بجودة الخمر الذي بها، فوعده السلطان أنه متى جلس على ~~تخت الملك يأخذ قبرص ويجعله حاكما عليها، ولما جلس السلطان سليم ذكره ذاك اليهودي بوعده، ~~فأشهر عليها الحرب، وساق لفتحها عمارة بحرية مؤلفة من 360 مركبا، وبعد حروب كثيرة تغلبت ~~العساكر الشاهانية عليها وفتحتها. # وحدث في سنة 979 أن اتحدث مشيخة البندقية مع البابا وملك إسبانيا وأعلنوا الحرب ضد ~~الدولة، وجردوا لذلك عمارة مؤلفة من مائتي قطعة حربية بعساكرها، تولى قيادتها الدون ~~جوان بن كارلوس الخامس ملك إسبانيا، فأشعل الحرب ms43 على مراكب الدولة في مياه آنية بختي، فشتت ~~عمارة الدولة، وقتل منها عدد عظيم يبلغ نحو ثلاثين ألف نفر، وفقد من المراكب 224 مركبا، ~~وقتل قبطان باشا، وما بقي من تلك التجريدة عاد إلى القسطنطينية، فكان عند الإفرنج عيد فرح ~~وسرور شملتهم به البهجة والمسرات بتلك الغلبة غير المنتظرة. # وقد بلغ السلطان ذلك، فغضب وتأسف وأمر بإعداد عمارة عظيمة للأخذ بالثار، فأرسلت مشيخة ~~البندقية في تلك الأثناء تطلب الصلح على شروط تعود بالشرف على الدولة، فصدر الأمر بقبولها، ~~وبعد ذلك أصيب السلطان بحمى شديدة ثقلت وطأتها عليه، فأخنت على حياته، وتوفي بسببها عام ~~982، فدفن بتربته الكائنة بالقرب من جامع أجيا صوفيا. عاش اثنين وخمسين سنة، قضى منها على ~~تخت السلطنة 8 سنوات. # | السلطان الثاني عشر # السلطان مراد خان الثالث ابن السلطان سليم الغازي # ولد عام 953، وجلس على سرير الملك عام 982 وهو ابن تسعة وعشرين سنة، فجدد العهد مع دول ~~الإفرنج. وفي سنة 983ه، هجم على بلاده عساكر المجر فردهم عنها خاسرين، وامتلك منهم بعض ~~قلاع وبلاد ضمها إلى ولاية بوسنه، وفي سنة 984، أخضع جزائر الغرب وبلاد فاس إلى الخلافة ~~العظمى، وفي 985، حصلت ثورة داخلية في إيران تطاير شرارها إلى الحدود، فأرسل من طرف الصدارة ~~لأمراء الكرد والكرج رسائل تضمنت النصح لإزالة الهياج والفساد فأطاعوا، وفي سنة 975 تجاوزت ~~عساكر العجم حدود بلاد الدولة، فردعهم عنها في حرب شديدة أسعر نارها عليهم في صحاري حلب ~~وهزمهم، ثم تأثرهم حتى مدينة تفليس، وبعد ذلك استأنفت دولة العجم القتال، فكسرتها العساكر ~~السلطانية وانتزعت منها ولايتي شروان والضاغستان، وفي السنة ذاتها ثار أمير القرم وشق عصا ~~الطاعة لأوامر الدولة العلية، فقهره السلطان، وأوقع به وبجنوده الخزي والفشل، ثم حدثت حرب ~~في جهة الروم إيلي مع النمسا، فانتصرت عليها العساكر العثمانية، وسلخت منها قلعتي يانق ~~وتاتار حصار، ثم عادت بعدئذ إلى القسطنطينية رافعة علم الفوز، وناشرة راية النصر، وفي مدة ~~سلطنته عصت عساكر الأليكشارية نحو اثنتي عشرة دفعة، فأطفأ شرهم، وأخمد عصيانهم باللطف ~~والملاينة ms44 وتفريق الأموال عليهم. وكان يحب النساء حتى أولد منهن مائة وخمسة عشر ولدا، ثم ~~عرض له عارض فجائي توفي بسببه عام 1003، ودفن بجوار جامع أجيا صوفيا في تربته المخصوصة. ~~عليه رحمة الله ورضوانه. # | السلطان الثالث عشر # السلطان محمد خان الثالث ابن السلطان مراد الثالث # ولد عام 974ه، وجلس على سرير السلطنة عام 1003، عقيب وفاة والده باثني عشر يوما؛ لأنه ~~كان مقيما في مغنيسا، وحال جلوسه أصلح الأحوال المختلة في داخلية السلطنة، وعزل بعض رجال ~~الدولة، ونصب مكانهم من وجد بهم الأهلية والإخلاص، ولم تمض مدة حتى نزع الأفلاق والبغدان ~~إلى المجاهرة بالعدوان، وساقوا عساكرهم إلى حدود البلاد العثمانية، حيث طفقوا يقلقون ~~الأهالي المتوظفين في الجهة الكائنة على أطراف نهر الطونا. وفي سنة 1004، أرسل إليهم ~~السلطان عددا من جنوده لمحاربتهم، فالتقوا بهم في صحاري يركوكي، وهناك اشتد القتال بينهم، ~~فتقهقرت العساكر السلطانية لعدم ثبات الأليكشارية، ورجعوا إلى مدينة روسجق، وبعد حين ساق ~~السلطان تجريدة أخرى أولى قيادتها إلى سنان باشا، وأرسله إلى ساحات المعركة، فساء ~~التدبير وعاد إلى القسطنطينية خاسئا، وفي عام 1005، أعد السلطان تجريدة أخرى تولى ~~قيادتها بنفسه، وسار بها إلى بلاد المجر، فالتقى بعساكر الأعداء في سهول مهاج، فشتت ~~شملهم، وحاصر قلعة أكرى ففتحها بعد سبعة أيام، وبعد ذلك لمت العساكر النمساوية شعثها فصدمت ~~عساكر الدولة، وقتلت منهم عددا وافرا، وبينما كانت تنهب الخيام وتسلب الأموال هجم عليها ~~الوزير جفال بن سنان باشا بفرقة كانت تحت قيادته، فاستظهر عليهم وقتل عددا وافرا، فأنعم ~~عليه السلطان بمنصب الصدارة بدلا عن إبراهيم باشا، ثم عزله وأرسله واليا على ~~الشام. # وقد رجعت العساكر الشاهانية من ميادين الحرب إلى القسطنطينية فائزة منصورة، فجاء رسل من ~~دولة إيران وبخارى وفاس وونديك، وقدموا التهاني والتبريك للسلطان محمد خان على فوزه ~~وانتصاره. وفي آخر مدته فشا الفساد في بعض الممالك المحروسة، ونهضت عساكر المجر والنمسا ~~للأخذ بالثأر، واستولوا على بعض بلاد الدولة، ثم استعرت نار الحرب بين الدولة والعجم، ~~واضطرم لهيب الفتن في جهات الأناضول. وقبل ms45 أن يطفئ السلطان تلك النيران توفي إلى رحمة الله ~~عام 1012ه، فدفن في جامع أجيا صوفيا بجوار ضريح السلطان سليم خان الثاني. رحمه الله وأسكنه ~~فسيح جنانه. # | السلطان الرابع عشر # السلطان أحمد الأول ابن السلطان محمد الثالث # ولد عام 998، وجلس عام 1012 بالغا من العمر أربعة عشر سنة، فطهر السلطنة من أدران ~~المفسدين، وعين جفال زاده قائدا على الجيوش في بلاد الشرق، ولم تأت سنة 1013 حتى نهضت ~~عساكر إيران وتوغلت في بلاد الدولة إلى أن تملكت مدينة قبرص، واستولت على مدينتي روان ~~وشروان، وساقت إلى الأمام حتى أشرفت على قلعتي وان وماكو فارتدت خاسئة خاسرة. وبأثناء ذلك ~~وقع اختلاف ونزاع بين علماء مصر ووزرائها، فسعى السلطان في إصلاح ذلك. # وفي سنة 1014، التجأت دولة المجر إلى كنف الدولة العلية لتنجدها على دولة النمسا، فعين ~~السلطان رجلا مجريا أعطاه لقب ملك المجر، وأرسل إليه تاجا وسيفا، ثم أصحبه بالعساكر ~~العثمانية إلى حقول المعركة، فحارب دولة النمسا واسترجع منها ما كانت استولت عليه من بلاده، ~~ثم ركب السلطان من القسطنطينية وسار إلى مدينة بروسه، وبينما كان يناهض عساكر الشاه عباس ~~ويرجعها القهقرى عن البلاد التي كانت اغتصبتها في وجهة الأناضول، بلغه هياج وجاق ~~الأليكشارية في إسلامبول، فعاد للحال تداركا لشرورهم، وألف مجلسا حربيا، فحكم بإعدام ~~المهيجين. وسنة 1015، أبرم مراد باشا، الصدر الأعظم للدولة العلية، معاهدة مع ملك النمسا ~~قضت بالمهادنة مدة 20 سنة. # وفي عام 1016، ثارت بعض الجهات في بلاد الأناضول، فتوجه لإذلالها، وهجم على أهالي مدينة ~~أنقرة ثم قونية؛ لمحاربة كلاندرا أوغلى وقرى سعيد وكينالي وموصللي جاويش، وجانبولاد حاكم ~~الأكراد، وفخر الدين معن حاكم جبل لبنان، وبعد أن ناهضهم طويلا وشن عليهم الغارة؛ تمكن ~~من الفتك ببعضهم، وطرد الآخرين من بلاد قونية وأنقرة، ثم عاد إلى القسطنطينية، وفي أثناء ~~ذلك جاء رسل من أوروبا والهند والكرج، فلاطفهم مراد باشا، وأنالهم ما يطلبون من قبل ~~دولهم. # وفي عام 1020، تمردت الأعجام، فحاربهم مراد باشا من قبل الدولة، وهزم الشاه عباس إلى ~~جبال صوراب ms46 بعد أن استولى على تبريز، وإذ ذاك طلب الشاه الصلح، وعرض 200 حمل حرير، وفي ~~أثناء ذلك توفي مراد باشا فجأة، فعين مكانه في منصب الصدارة نصوح باشا، ولم يمكث هذا طويلا ~~حتى قتل، وعين بدلا عنه محمد باشا، وبالنظر لهذه الحوادث أخلف الأعجام عهدهم، وامتنعوا ~~عن إرسال الحرير الذي تم عليه الصلح، فأصدر السلطان أمره إلى الصدر الأعظم بأن يقتص منهم، ~~فسار بعدد وافر من الجند إلى حلب الشهباء، وانطلق منها إلى نكشيفان واستولى عليها بعد ~~أربعين يوما. # وفي عام 1026، أصيب السلطان أحمد الأول بحمى خبيثة، وقبل أن يشرف إلى الموت أوصى بتفويض ~~الملك لأخيه مصطفى، فلما توفي جلس مصطفى على تخت السلطنة مدة فلم يستطع أن يدبر شئونها، ~~وخلع بعد ثلاثة أشهر، فنصب مكانه السلطان عثمان بكر السلطان أحمد، وحجر على السلطان مصطفى ~~في يدي قلعة. وفي عهد السلطان أحمد كثر استعمال التبغ وزرعه في الممالك العثمانية، فأمر ~~بمنعه. ومن أشهر آثاره بناء الجامع الكبير المعروف بالأحمدية ذات الست منارات، وجملة مدارس ~~وقشال. # عاش ثمانية وعشرين سنة، قضى منها على تخت السلطنة 14 سنة، ودفن في قرب جامعه الشريف ~~بتربته المخصوصة. # | السلطان الخامس عشر # السلطان عثمان الثاني ابن السلطان أحمد الأول # ولد عام 1013ه، وجلس عام 1026 بالغا من العمر 13 سنة، وحال تبوئه زمام السلطنة نظر ~~إلى الأحوال الداخلية فأصلح أمرها، وعقد الصلح مع الدول الأجنبية كي يتمكن في تلك الفترة من ~~حشد الجنود، وجمع الأموال، وتشييد الحصون. وفي سنة 1028، أرسل إلى محاربة الشاه عباس جيشا ~~كثيفا تحت قيادة خليل باشا، وبعد أن بلغ مدينة أذربيجان قاتل جنود العجم في جملة مواقع، ~~وانتصر عليهم في موقعة أزربيل الشهيرة، ولما تبين شاه العجم عجزه عن المدافعة، طلب إبرام ~~الصلح حسب الشروط التي توافق الدولة. وحدث بعد ذلك أن مال البولونيون والأفلاق والبغدان إلى ~~الثورة، فانطلق السلطان عثمان بنفسه في سنة 1030 لكبح جماحهم، فحاربهم بالقرب من قلعة ~~حوتين، وعقب قتال عنيف ضاع فيه من الفريقين نحو مائة ألف ms47 عسكري، عقدت شروط الصلح، وعاد إلى ~~الآستانة. وفي أثناء سفره شاع بأنه تزوج ببعض بنات الذوات والوزراء من أعاظم رجال الدولة، ~~وأنه يصغي إلى كلام ندمائه، فهاج وجاق الأليكشارية من جراء ذلك، وبالأخص عندما تبالغ لهم ~~أن السلطان مزمع أن يذهب إلى الحج الشريف، ويجمع عسكرا من الشام ومصر من رجال العرب ~~تكون مطيعة لأوامره طوع البنان، ويهلك بهم نسل الأليكشارية ويمحى أثرهم، ومن ثم اتحدوا ~~وتجمعوا مع العلماء في فسحة آت ميدان، وأرسلوا الدفتردار إلى السراي يطلب من لدن السلطان ~~رأس الصدر الأعظم وعمر خوجه وقزلراغاسي وبعض الندماء، فزجرهم السلطان، ورفض قطعيا إجابة ~~طلبهم، فهجم بعضهم على السراي التي كان السلطان مصطفى محبوسا بها، وأخرجوه من سجنه ونصبوه ~~على كرسي السلطنة، وذلك بعد أن خلعوا السلطان عثمان، وطافوا به في شوارع المدينة طواف ~~الازدراء والإهانة، ثم وضعوه في قلعة يدي، وقتلوه بأمر داود باشا الصدر الأعظم، وكان ذلك ~~عام 1031. # عاش 18 سنة قضى منها على تخت السلطنة خمس سنوات، ودفن في تربة أبيه السلطان أحمد، عليهما ~~رحمة الله ورضوانه. # | السلطان السادس عشر # السلطان مصطفى ابن السلطان محمد الثالث # ولد عام 1000ه، وجلس سنة 1031 على الكيفية التي ذكرت، وهذه كانت المرة الثانية لجلوسه؛ ~~فإنه كما تقدم جلس قبل الطيب الذكر السلطان عثمان، وبالنظر لضعف عقله خلع بعد ثلاثة ~~أشهر، وفي مدة تنصيبه المرة الأخيرة كثر الفساد، وعم البلاء في البلاد، فندم الأهالي، ~~وتأسف الجنود على ابن السلطان عثمان. وبعد جلوسه بيومين، تجمهرت الجنود السباهية ~~أمام سراي داود باشا الصدر الأعظم حين كان السلطان مع والدته عنده في ذلك اليوم، وصرخوا ~~قائلين: لماذا قتلت لنا السلطان عثمان الذي أوصيناك بحفظ حياته؟ فأجابهم: إني قتلته بأمر ~~السلطان مصطفى سلطان العالم. وبعد حين من الزمن تجمهروا في الجامع الذي أخذ منه السلطان ~~عثمان للقتل، وكتبوا إلى السلطان مصطفى يسألونه عما إذا كان هو الآمر بقتل ابن أخيه، ~~ويطلبون منه أن يبرئهم من هذا الذنب أمام الشعب، فأجابهم: إنه لم يأمر بذلك أصلا، ms48 وإن داود ~~باشا كاذب فيما ادعاه، وإن الذين قتلوه موجودون في قيد الحياة؛ فليقتلوا. فلما سمعوا ذلك ~~أسرعوا إلى داود باشا، وحكموا عليه بالإعدام، ثم قادوه إلى مكان الإعدام، وحينئذ أخذ ~~يعترضهم بقوله: إن السلطان مصطفى أمره بقتل السلطان عثمان، وأبرز خطا شريفا بذلك، وبعد ~~ذلك عقد الديوان جلسة قرر فيها قتل داود باشا وجميع الذين اشتركوا معه في قتل السلطان ~~عثمان، فأخذوا أولا داود باشا إلى السبعة أبراج، وأدخلوه الغرفة التي قتل فيها السلطان ~~عثمان، وهناك جرعوه كأس المنية، وبعد ذلك بحثوا على مشاركيه وقتلوهم. وفي سنة 1032، خلع ~~السلطان مصطفى مرة أخرى وأجلس مكانه السلطان مراد. وتوفي السلطان مصطفى عام 1048 ~~للهجرة، ودفن في جوار أجيا صوفيا في تربة مخصوصة. وفي مدته قلت واردات الدولة مقدار مائة ~~ألف كيس سنويا، وتقهقرت، واستولى الأعداء على أكثر مقاطعاتها. # | السلطان السابع عشر # السلطان مراد الرابع ابن السلطان أحمد الأول # ولد عام 1018، وجلس على عرش الملك عام 1032 للهجرة وهو في سن الرابعة عشر من سنيه، ومع ~~صغر سنه كان ذا عقل ثاقب، ورأي صائب، ومن أعظم أبطال ذلك الزمان، فاستبشرت به السلطنة ~~بإصلاح شأنها، وانتشالها من هوة الخراب المحدق بها. وفي اليوم الثاني من جلوسه، توجه ~~إلى جامع أيوب وتقلد السيف حسب العادة، فحدث في أثناء جلوسه أن وقعت بغداد في أيدي العجم، ~~وجاهر بعدوانه اثنان من خانات التتر محمد عزاي وشاهين عزاي، وطردا صاحب القرم من منصبه الذي ~~أجلسته به الدولة، وقتلا معتمد المسكوب مذ كان آتيا إلى القسطنطينية يحمل الهدايا إلى ~~السلطان، ثم تقدمت فرقة من القزق إلى أطراف القسطنطينية ونهبت بعض البلاد، ثم عصى أبازه ~~باشا، والي ديار بكر، ونشر بيرق العصيان في ضواحي آسيا الصغرى، وخلع نير الطاعة بكر ~~الصوباشي، محافظ بغداد، فأرسلت الدولة لإذلاله شرذمة من الجند تحت قيادة حافظ باشا، ولما ~~بلغه ذلك استدعى شاه العجم ليسلمه بغداد، فأرسل إليه شنغاي خان ومعه ثلاثمائة نفر ~~ليستلموا منه مفاتيح المدينة، لكن حدث قبل وصولهم أن وصلتها عساكر ms49 الدولة وأقامت عليها ~~الحصار. وفي أثناء ذلك وصلها رسول العجم وقال لحافظ باشا: إن بكر الصوباشي صار تابعا ~~لجلالة الشاه، فإذا ابتغيت دوام الصداقة بيننا؛ فارحل عن بغداد. أما الوزير حافظ باشا، فقد ~~استاء من ذلك القول، وأغلظ الجواب للرسول، وبعد ذلك نصب القتال بينه وبين المحاصرين، ولما ~~رأى من جنوده العجز عن فتح بغداد لأنها كانت حصينة، وتواردت إليها بكثرة جنود الأعجام، ~~انقلب عنها عن طريق الموصل بعد أن نصب بكر الصوباشي واليا عليها. وهذا الأخير أدرك غايته ~~بهذه التولية، ونهض على جنود الشاه فقتلهم، وداس بأرجله العمامة التي كان أهداه إياها الشاه ~~عباس. ولما بلغ الشاه هذا الأمر المنكر جرد جيشا جرارا جاء به إلى تحت أسوار بغداد، ~~وطلب من بكر تسليمها، فجاوبه بإطلاق المدافع من الأبراج وطعنات الرماح، ثم أنجده حافظ باشا ~~قائد جيوش الدولة بفرقة من العساكر تحت راية كور حسين باشا. ولما علم قائد عساكر العجم ~~بقدوم عساكر الدولة طلب كور حسين باشا ليتحادث معه بأمر الصلح، فذهب مصحوبا ببعض الضباط، ~~وإذ كان سائرا معهم إلى مقر المواجهة وثب عليهم جماعة من الأعجام كمنوا لهم في الطريق ~~فقتلوهم، وقدموا رءوسهم إلى الشاه عباس فعلقها على شرفات السور. # ومكث الحصار على بغداد ثلاثة شهور طوالا حتى تضور الأهلون من الجوع، فالتجأ أكثرهم إلى ~~معسكر الأعجام، وكان لبكر الصوباشي ولد يقال له محمد يشبه أباه في الخيانة ونقض الزمام، ~~كان وقتئذ مستلما قلعة المدينة، فأرسل إليه الشاه عباس ليسلمه المدينة واعدا إياه بأن ~~يوليه حكمها، فانخدع بذلك، وفتح له أبواب القلعة، فدخلتها الأعجام في الليل بضجيج عظيم ~~وقبضوا على بكر وأتوا به إلى الشاه، ولما وصل أمامه رأى ولده جالسا عن يمينه، وسمعه يوبخه ~~على الخيانة التي وقعت منه بحق الشاه، ثم أخذوه ووضعوه في قفص من حديد طرحوه موقد نار كي ~~يقرروه عن المكان الذي أخفى فيه أمواله، ثم أخذوا ذلك القفص ووضعوه في قارب مشحون بالزفت ~~والكبريت وأشعلوه فيه. وبالنظر للخلاف الديني الكائن بين الأعجام ms50 وأهل السنة، حدث بينهم ~~قتال شديد، وكفاح عنيف سفكت فيه الدماء كثيرا. وكان في بغداد خطيبان؛ أحدهما يدعى نوري ~~أفندي، والآخر عمر أفندي، فدعاهما الأعجام بعد أخذ بغداد وألزموهما بأن يجدفا على عمر ~~وعثمان، ولما لم يقبلا بذلك علقوهما في نخلة هناك، وأطلقوا عليهما الرصاص. أما الشاه عباس ~~الذي وعد ابن بكر بالولاية مكان أبيه مكافأة له على تسليمه المدينة، فخاف من خيانته، وأرسله ~~إلى خراسان، وهناك سقاه كأس الحمام. # وأقام الشاه بعد ذلك مدة يسيرة في مدينة بغداد، وخرج منها إلى الموصل لمحاربة حافظ باشا، ~~فحاصرها فلم يستطع أن يفتحها عقيب طويل الحصار، ولما ارتد عنها جمع حافظ باشا جنوده ~~وسار بهم إلى بغداد ليستردها من الأعجام، فما أمكنه ذلك، وانقلب عنها إلى الموصل، وبعد مدة ~~عزل وعين مكانه خليل باشا، الذي سار بجانب من العساكر إلى مدينة حلب، وضم إليه ما ~~بقي بها من عساكر حافظ باشا، وزحف بهم إلى أرض روم، فارتد عنها خاسرا بعد أن هلك معظم ~~عساكره، فعزلوه وأقاموا مكانه خسرو باشا، فهاجم أرض روم وافتتحها وقبض على أبازه باشا حاكم ~~المدينة العاصي، وأحضره إلى القسطنطينية، وفي تلك الأثناء توفي الشاه عباس، فسار خسرو باشا ~~بمائة وخمسين ألف مقاتل إلى مدينة حلب، وكان يفعل في أثناء طريقه أفعالا قاسية ترتعد ~~لذكرها الفرائص، من جملتها ما فعله مع ترميش بك حاكم قونية، فكتب إليه يقول: # أرسل لي أموالك وإلا أقطع رأسك. # فأجابه: # إذا كانت الساعة لم تحضر بعد ~~فباطلا تخوفني، وإن لطخت يدك بدمي الطاهر، فتكون يدي كالطوق في عنقك يوم القيامة، ~~واعلم أني الآن تجاوزت من العمر حد الثمانين، قضيت معظمه في خدمة الدولة بالصدق ~~والإخلاص، ولا أتأسف على موتي، ولكن لو أنصف الدهر لكان الأجدر بك أن تموت جزاء ~~خيانتك. # ولما اتصل كلامه بمسامع خسرو باشا أرسل فقتله ~~وظبط أمواله، ثم قتل أبا بكر الدفتردار ووزع أمواله على الجنود، وبعد ذلك تقدم خسرو باشا ~~إلى بلاد الأعجام، فأخرب سراية حصن باد وهمدان وغيرهما، واقتفى ms51 أثر الأعجام فهربوا من ~~أمامه، ثم حاصر مدينة بغداد جملة أيام وارتد عنها خاسرا، ثم قطع نهر الدجلة، وأخرب الجسر ~~خلفه. ومن وفرة أعماله القبيحة صدر الأمر بعزله، ونصب مكانه حافظ باشا، فهاجت الجنود، ~~وعادوا إلى القسطنطينية فتجمعوا في فسحة آت ميدان، وأخذوا يطلبون قتل الذين كانوا السبب في ~~عزل خسرو باشا، وهم: الصدر الأعظم، والمفتي يحيى أفندي، والدفتردار مصطفى أفندي، ونديم ~~السلطان حسن أفندي، ثم طلبوا أيضا رءوس بعض الوزراء، فردعهم السلطان ووبخهم، غير أنهم ~~لبثوا مصرين على طلبهم وتهددوا السلطان بالعزل، وكان حافظ باشا قد حضر إلى الآستانة ~~واستتر في هذه الحادثة وراء ستار كان داخل القاعة الكبرى حيث كان العساكر مجتمعين، فلما سمع ~~منهم ذلك خرج من خبائه وجاء إلى وسطهم وسجد أمام كرسي الجلالة الشاهانية، ثم نهض قائلا: # يا أيها الباد شاه، يهلك ألف عبد نظير عبدك حافظ ولا تسقط شعرة من رأسك أو مسمار ~~من كرسيك، فأتوسل إليك بحق جلالتك وسلامة قلبك أن تتركهم يقتلوني؛ كي أموت شهيدا، ~~ويسقط دمي المسفوك على رءوسهم، ولكن أطلب من إحسانك الملوكي أن تأمر بدفن جثتي في ~~إسكودار. # ثم انثني وقبل الأرض قائلا: # بسم الله الذي لا إله إلا هو، إنا لله وإنا إليه راجعون. # وبعد نهاية كلامه، تقدم بوجه باش وقلب منكسر نحو الجنود ليقتلوه، فهجم عليه بعضهم وطعنه ~~بخنجر، فخر على الأرض قتيلا، ثم تحولوا إلى حسين أفندي، نديم السلطان، فأماتوه، وارتضوا ~~بعزل المفتي، أما الدفتردار فهرب، وعقيب ذلك سكن الاضطراب. وكان خسرو باشا علة هذه البلايا ~~مقيما في مدينة قونية ينتظر نتيجة شروره، وحينئذ صدر الأمر إلى مرتضى باشا أن يتوجه ~~بالجنود واليا على ديار بكر، ويقتل في طريقه خسرو باشا، ويستولي على أمواله، غير أن خسرو ~~كان يبلغه سريعا كل ما يحدث بالآستانة، فلما وقف على ذلك الأمر شرع يتحصن في منزله مع ~~جماعته، ولما وصل مرتضى باشا إلى قونية أعلم القضاة بأمر السلطان، وقتل خسرو باشا، واستولى ~~على أمواله التي بلغت نحو مائتي ألف ms52 ذهب دوكة، وأرسلها إلى السلطان. # وحدث بعد ذلك أن الأمير فخر الدين معن حاكم جبل لبنان شق عصا الطاعة وتمرد على الدولة، ~~فعاهد ملك توسكان وسافر إلى فيورنسه ليؤيد العهد بذاته، بعد أن حارب عساكر السباهية التي ~~كانت تحت قيادة خسرو باشا في دمشق وأعدم منهم عددا وفيرا، فأرسلت الدولة عسكرا لتأديبه ~~سلمت قيادته إلى كوشك أحمد باشا والي دمشق. وبعد قتال عنيف انخذلت جنود الأمير فخر الدين، ~~واضطر إلى الهروب، فاختفى في مغائر نيحا الكائنة في أطراف مقاطعة الشوف من أعمال لبنان. وقد ~~حاصره أحمد باشا هناك، وطفق يحتال على فتح منافذ لتلك المغائر، فصنع حراقات عظيمة ووضعها ~~على تلك الصخور الحاجزة، وصار يصب الخل عليها حتى تفتتت وتمكن من فتح منفذ منها، ~~وإذ ذاك أرسل الدخان من ذلك المنفذ إلى الداخل؛ حتى اضطر الأمير فخر الدين إلى التسليم، ~~فأخذه أحمد باشا إلى القسطنطينية، ولما امتثل بين يدي السلطان عفا عنه حلما وكرما، ووضع ~~ولديه الأمير مسعود والأمير حسين في مكتب المماليك في غلطه سراي. وبعد أن أقام فخر الدين ~~مدة من الزمن، وردت الأخبار إلى إسلامبول بأن ابنه الأمير ملحم معن جاهر بعصيان الدولة، ~~ونهب مدينة بيروت وصيدا وصور وعكا، وحارب جنود أحمد باشا والي دمشق وكسرهم، فغضب السلطان من ~~هذه المنكرات التي حصلت بدسائس الأمير فخر الدين، فأمر بقطع رأسه، فقطعوه على باب السراي، ~~ثم أمر بقتل ولديه، فقتلوا الأمير مسعود، أما الأمير حسين فقد اختفى في غرفة أحد المماليك، ~~ولما ظهر عفا عنه وبعثه رسولا من قبل الدولة إلى الهند. # ثم سار السلطان بالجنود إلى فتح بغداد وتخليصها من أيدي الأعجام، فوصلها بعد ثلاثين ~~يوما، وفي اليوم الثاني من وصوله إليها أمر الجنود بالهجوم، فوثبوا عليها وافتتحوها ~~عقيب مقتلة دموية. وبعد ذلك رجع السلطان من بغداد تاركا بها عشرة آلاف جندي لمحافظتها، ~~وفي عام 1402 حصل حريق في القسطنطينية أتلف نصفها، ثم مرض بداء النقرس لسبب ما كابده من ~~الأتعاب والمشاق في فتوحاته، وتوفي في اليوم ms53 السادس من شوال سنة 1049 هجرية. # عاش 29 سنة، قضى منها 17 سنة سلطانا، وكان أنيس المحاضرة، يحب البذخ وركوب الخيل، ويقال: ~~إن معالف خيله كانت من الفضة الخالصة، وكذلك السلاسل والأرسان، وكان عنده من جياد الخيل نحو ~~الثمانمائة حصان لركوبته، وثمانمائة أخرى لنقل أمتعته وقت السفر، وخمسمائة لنقل أمتعة ~~دائرته، و600 لنقل خزينته، و880 لنقل الخيام، وكان كل واحد من مماليكه له 30 فرسا من جياد ~~الخيل. رحمه الله رحمة واسعة. # | السلطان الثامن عشر # السلطان إبراهيم ابن السلطان أحمد الأول # ولد عام 1024، وجلس على عرش السلطنة سنة 1049. وتفصيل ذلك هو أن السلطان مراد الرابع ~~توفي دون أن يعقب ذكورا، ولم يبق بعد موته من نسل آل عثمان سوى أخيه السلطان إبراهيم، وهذا ~~كان مسجونا مدة سلطنة أخيه كما جرت العادة، ولما توفي أخوه أسرع كبار المملكة إلى مكان ~~الحبس ليخبروه بذلك، فعند قدومهم خاف وارتعب واهما أنهم قادمون لقتله، ولم يصدق ما قالوه ~~له، ولذلك لم يفتح لهم باب السجن، فكسروه ودخلوا عليه يهنئونه، فظن أنهم يحتالون عليه ~~للاطلاع على ضميره، فرفض قبول الملك بقوله: إنه يفضل الوحدة التي هو بها على ملك الدنيا. ~~ولما أن عجزوا عن إقناعه حضرت إليه والدته، وأحضرت له جثة أخيه دليلا على وفاته، وحين ذاك ~~اطمأن باله، وجلس على سرير السلطنة، ثم أمر بدفن جثة أخيه باحتفال وافر، وساق أمامها ثلاثة ~~أفراس من جياد الخيل التي كان يركبها في حرب بغداد، ثم مضى إلى جامع أيوب وهناك قلدوه ~~بالسيف ونادوا له بالخلافة. أما هيئته فما كانت تعجب الناظرين؛ لأن وجهه كان مشوها ~~بالجدري، وكان ما عدا ذلك ضعيف الرأي جبانا، فسلم الأحكام إلى أمه ووزير الصدارة قره ~~مصطفى باشا، وانهمك في بحار الملذات بين ألف وخمسمائة سرية. # وفي سنة 1025، جاءه رسول من شاه العجم يعلمه بجلوس الشاه عباس الثاني، وفي السنة ذاتها، ~~ولد له ولدان؛ وهما: محمد وسليمان، فخابت بذلك آمال التتار الذين كانوا يؤملون أنه ~~بعد موت السلطان إبراهيم تنقطع سلالة آل ms54 عثمان، ويصير حق السلطنة لهم، ثم ساق جنودا تحت ~~قيادة سياوش باشا وحسين باشا لمحاربة القزق، فلم يظفروا عليهم، ولذلك أرسل عسكرا آخر ~~بقيادة سلطان زاده محمد باشا، فحاصروا آزاق وقرمان، وبعد عدة هجمات دخلوها ظافرين. # وفي شهر ربيع الأول من سنة 1055، أرسل عمارة بحرية مؤلفة من أربعمائة مركب لمحاربة ~~جزيرة كريت، وذلك لأن مراكب أهالي ونديك ومالطة تعدت على مراكب الدولة، ثم ذهبت فاحتمت عند ~~مشيخة البندقية في كريت، ولما وصلت العمارة العثمانية إلى الجزيرة المذكورة أقامت الحصار ~~على مدينة قندية، التي هي من أعظم مدن تلك الجزيرة، واستولت عليها في مدة يسيرة، ثم تحولوا ~~عنها إلى افتتاح باقي مدائن الجزيرة، وبعد أن مكثوا يحاربونها مدة خمسة وعشرين سنة تيسر ~~لهم افتتاحها وذلك على عهد السلطان محمد الرابع. ومن كون السلطان إبراهيم كان منهمكا في ~~الملذات، ومهتما في البذخ والإسراف، حتى إنه أمر بصنع قائق مرصع بحجار الماس، وبما أن ~~أعماله كانت غير مرضية خلع وجلس مكانه ولده السلطان محمد وهو ابن السبع سنوات، فهاجت ~~عساكر السباهية، الذين كانوا نظير الأليكشارية في الاقتدار، من إقامة صبي ملكا عليهم، ~~وطلبوا إرجاع السلطان إبراهيم، فخاف أكابر الدولة الذين سعوا في خلعه من رجوعه لئلا ينتقم ~~منهم، وعولوا على قتله، فذهبوا إلى السرايا المسجون بها ومعهم قرة علي السياف، ولما ~~دخلوا عليه أمروا السياف بقتله، فلم يتجاسر أن يرفع يده عليه، ثم انطرح على أقدام الوزير ~~يتوسل إليه أن يقتله ولا يجبره على قتل السلطان، فضربه الوزير بالعصا على رأسه ففجه. أما ~~السلطان فلما رآهم داخلين عليه نهض خائفا مذعورا وقال لهم: ماذا تريدون مني؟ ألست أنا ~~سلطانكم؟ فأجابوه: كلا؛ لأنك ما اتبعت آثار أجدادك، وخالفت ناموس الشريعة، وخربت المملكة، ~~وأضعت زمانك منقادا وراء الملذات، وقد كانوا استفتوا المفتي عن قتله تحت حجة أنه كان ~~يبيع الوظائف بالمال، فأفتاهم بقتله، وإذ ذاك جاءه آغا الأليكشارية ووزير الصدارة محمد ~~باشا، وأعلموه بأنه قد حكم عليه بالموت، ثم وثبوا عليه وأعدموه الحياة سنة 1058، ودفن ms55 في ~~تربة السلطان مصطفى. رحمهما الله وأسكنهما الجنان. # | السلطان التاسع عشر # السلطان محمد خان الرابع ابن السلطان إبراهيم # ولد عام 1051، وجلس على تخت المملكة عام 1058 وهو ابن سبع سنين، فكانت جدته ماهبيكر، ~~المعروفة باسم كوسم سلطان، تدبر أمور المملكة طبق العادة المألوفة حينا من الزمن، غير ~~أنها ما استمرت طويلا مستقيمة في التصرفات، وانبرت تتلاعب بالأحكام حسب الأهواء، فأشار بعض ~~رجال الدولة على السلطان بقتلها فقتلت. وكانت غنية جدا تركت بعد موتها عشرين صندوقا ~~من الذهب البندقي، و300 شالا من أفخر الشيلان، وعدة علب من الذهب منقوشة المينا بما يدهش ~~العقول، فكانت مملوءة من الحجارة الثمينة النادرة الوجود، مثل: الزمرد والماس والياقوت. ~~وأمر السلطان أيضا بقتل قره مراد باشا، الصدر الأعظم؛ لفساد ألقاه، وعين مكانه حسن باشا، ~~فلم يستقم، وعين مكانه سياوش باشا، ثم عزل لما ألقى في حقه الطواشي سليمان آغا من الدسائس ~~والفتن، وعين بدلا عنه كورجي محمد باشا، وكان عمره خمسا وتسعين سنة، وغير أهل لسياسة ~~الملك بالنظر لكبر سنه ، فكثر الفساد، وعم الاختلال، وثار ذوو الأغراض؛ حتى إن السلطنة أشرفت ~~على الاضمحلال. وفي 1062، عزل محمد باشا، وأقيم مكانه طرخونجي أحمد باشا، فأخذ في إصلاح ~~الأمور، ومداركة الاختلال، ونفي الطواشي سليمان آغا إلى مصر، فهدأت الخواطر. وفي سنة 1064، ~~ضربت عمارة الدولة عمارة مشيخة البندقية فدمرتها، وفي أثناء ذلك تجمع الجنود في فسحة آت ~~ميدان، وأحدثوا هياجا طلبوا فيه من السلطان إعدام بعض الكبراء، فأجاب طلبهم لتسكين الهياج، ~~وأمر بقتل قزلر آغاسي، طواشي الحريم، وقبو آغاسي، كبير المماليك، فقتلوهما وطرحوهما إلى ~~الجنود الثائرين، فعلقوهما مع ستة أشخاص آخرين بشجرة دلب في آت ميدان. وفي سنة 1066، دخلت ~~عمارة تابعة لمشيخة البندقية إلى جناق قلعة وضربت عمارة الدولة التي كانت في مياهها، ~~فتغلبت عليها واستولت على بعض جزائر في البحر الأبيض تابعة للدولة. # وقد كانت الدولة في أوائل خلافة هذا السلطان معرضة لأخطار الانحطاط، تقذفها أمواج ~~الاضطراب من جميع الجهات، فمن الجهة الواحدة كانت دول الأعداء تضرم عليها نار ms56 الحروب، ومن ~~الجهة الأخرى كانت عمارة الأعداء قافلة بوغاز جناق ولا تسمح لمراكب الدولة بالخروج منها إلى ~~البحر الأبيض، وكانت جزيرة كريت مجاهرة بالعصيان، وكانت وجاقات الأليكشارية والسباهية في ~~تمرد وهياج وغير منقادين لأوامر ولاة الأمور، وكانت الخزينة خالية من النقود، والسلطان حديث ~~السن لا يتجاوز الثماني سنوات، غير أن الباري جل جلاله لم يسمح باندثار هذه الدولة المشيدة ~~الأركان، بالرغم عما ألم بها من الأخطار، فنشط السلطان إلى مداركة الأمر، واستدعى ~~إليه كوبرلي محمد باشا، المشهور بسمو المدارك وحسن التدبير، فقلده منصب الصدارة، ووكل إليه ~~الحل والربط، فأخذ الوزير بحل المصاعب، وتدبير الأمور، وإصلاح البلاد، وأخذ يجتهد في جمع ~~الأموال، وتقوية الجنود؛ حتى يتيسر له في بحر خمس سنوات انتشال الدولة من المخاطر التي كانت ~~محدقة بها، ويقال بأنه لم يجلس وزير على تخت الصدارة مثله، فإنه كان شجاعا، صائب الرأي، ~~ثابت الجأش، محمود السيرة، توصل بدرايته إلى تنظيم الأحكام، وبشجاعته إلى قهر المجر والقزق، ~~وحارب مشيخة البندقية في سنة 1067، فقهرها واستولى على جزيرتي تيندوس وليمنوس، وحارب بلاد ~~السرب، وانتصر عليهم، وكبح جماح أبازه باشا والي الأناضول الذي جاهر بالعصيان، وحارب ~~الأروام في بلاد الأفلاق الذين أثاروا نار الحرب، وقتلوا مأمور الدولة، واستولوا على مدينة ~~تركويش، وقتلوا جميع من وجدوا بها من الإسلام. وفي تلك الأثناء، أرسل عساكر من التتر فضربوا ~~جنود المسكوب، وقتلوا منهم في مدة 15 يوما 20 ألفا، فاستأسروا منهم عددا وافرا، ثم أرسل ~~ملاك أحمد باشا، والي بورصه، مع بعض الجنود لمحاربة المجر، فانتصر عليهم، وبتدبيره انتصرت ~~عساكر الدولة جملة انتصارات أظهرت له الفضل والأبهة، فحسده الكثيرون من رجال الدولة، ولكي ~~يستريح من شرهم قتل معظمهم، وهم: الوزير أحمد باشا والي حلب، ومحمد باشا صهر السلطان، وسعد ~~الدين زاده أفندي قاضي القسطنطينية، والشاعر وجدي، وكامل زاده محمد، والشيخ صوفر والي مصر، ~~ثم حصن البلاد العثمانية تحصينا منيعا. # وفي 7 ربيع الأول لسنة 1072، انتهت حياة هذا الرجل العظيم بعد أن مكث في منصب الصدارة خمس ~~سنوات ms57 وثلاثة أشهر وعشرة أيام. وكان السلطان جاء يتفقده قبل مماته، ولما ودعه أخذ يوصيه ~~قائلا له: احذر من مداخلة النساء وتسلطهن على الأحكام، وأوصاه أن يقيم صدرا كثير المال، ~~وأن يشتغل دائما في الفتوحات والغزوات، فسأله السلطان عن رجل يرى فيه اللياقة لمنصب ~~الصدارة، فأجابه أنه يرى اللياقة في ولده أحمد، فأقامه صدرا وقلده زمام الحكم، فسار على ~~سنن أبيه في تحسين شئون الدولة. وفي سنة 1076، قتل حكام قبرص وساقز بالنظر لوفرة ظلمهم ~~وفسادهم، وفي سنة 1077، جرد العساكر لافتتاح قلعة كريت، وكانت هذه السنة من أنحس السنين، ~~حدثت بها جملة حروب وزلازل قوية أخربت عدة بلاد، وحدث فيها طاعون شديد، وأمطرت السماء بردا ~~غريبا بلغت زنة البردة 240 درهما، وظهر في مدينة أزمير رجل يهودي يدعى سبتاي لاوي، زعم ~~أنه المسيح المنتظر من اليهود، وتظاهر بالوداعة، وأخذ يحدث الناس بدنو الأوان، فسار من ~~أزمير إلى القدس، وهناك طفق يخابر اليهود الموجودين في المملكة العثمانية، ويعلنهم بمجيئه، ~~فآمن به أكثر اليهود، وحضروا إلى أورشليم ليتباركوا منه، وكانوا يحدثون عنه أنه يعمل ~~العجائب، ويفعل المعجزات التي تقصر عن إدراكها الأفهام. ولما بلغ خبره والي أزمير أرسل ~~معتمدين من قبله ليقبضوا عليه، وقد بلغه ذلك فسار من أورشليم إلى القسطنطينية بجمع غفير من ~~تلامذته، وقبل أن يدركها أرسل الصدر الأعظم فقبض عليه من المركب الذي كان حاضرا به من ~~نواحي جناق قلعة، وزجه في السجن. # أما اليهود الذين كانوا يعتبرون هذا الاضطهاد كتتميم للنبوات السابقة عن المسيح، فإنهم ~~شرعوا يستأذنون الوزير ليرخص لهم بمقابلة مسيحهم لتقبيل مواطئ قدميه، وبعد اللتيا والتي ~~سمح لهم بذلك، بعد أن ضرب عليهم مبلغا من المال يدفعونه إلى الخزينة، ومن ثم ساروا ~~يتواردون إلى السجن مقر مسيحهم حتى غص بهم. وكان السلطان وقتئذ في مدينة أدرنه، ولما ~~اعتلم بأمره أراد أن يراه ويسأله عن ذاته، فعندما امتثل بين يديه طفق يتكلم بالتركية عن غير ~~دراية بها، فقال له السلطان: إن كلامك بالتركي لا يستفاد منه أنك تعرف هذه ms58 اللغة، على حين ~~يجب على مسيح نظيرك أن يكون فصيح اللسان بجميع اللغات، ثم قال له: هل تفعل شيئا من ~~العجائب؟ فأجابه: نعم، ولكن في بعض الأوقات، فقال له السلطان: أرغب أن أمتحن فيك هذه ~~الأعجوبة، ثم أمر بأن يعرى من ثيابه ويوقف في فسحة الميدان، وترميه الجنود بالنبال؛ فإن ~~أصابته ولم تلحق به أذى يكون صادقا في دعواه، ماذا وإلا يكون دجالا ذميما. ولما أن سمع ~~ذلك انطرح على الأرض وطفق يتوسل إلى السلطان بقوله: أرجوك عفوا عن حياتي؛ فإن قوتي لا تقدر ~~على هذه الأعجوبة؛ فأمر السلطان بقتله، وحينئذ ترامى على أقدامه وطلب الدخول في دين ~~الإسلام، فقبل إسلامه، ومن ذاك الحين صار يعظ اليهود ليعتنقوا الدين الإسلامي، فأسلم منهم ~~كثيرون. وفي السنة ذاتها ظهر رجل من الأكراد يدعي المهدوية، والتف حوله جمهور عديد، فقبض ~~عليه والي الموصل وأرسله إلى القسطنطينية، ولما تمثل بين يدي السلطان أمر أن يفعل به ما ~~كان يريد أن يفعله مع المسيح الكذاب، فارتضى ومات قتيلا بالسهام. # ثم جهز السلطان جيشا كثيفا سيره إلى فتح قلعة كريت تحت قيادة أحمد فاضل باشا، ولما ~~دنا منها انضم إلى الجنود التي كانت محاصرة تلك الجزيرة من نحو 22 سنة، وفي تلك الأثناء ~~أرسل السلطان خطا شريفا إلى أحمد فاضل باشا يستنهضه إلى الإسراع لفتح الجزيرة، فشدد ~~الحصار عليها، ومن شدة ما تضايقت جمهورية ونديك حاكمة الجزيرة المذكورة استنجدت بملوك ~~الإفرنج، فأنجدتها دولة فرنسا وحكومة البابا ومالطة، فأرسلوا لها عددا كثيرا من المراكب ~~والجنود، وبعد مواقع كثيرة استظهرت عليهم العساكر العثمانية، وقتلت القائد الفرنساوي، ~~واستولت على الجزيرة استيلاء تاما. وبعد ذلك توفي أحمد باشا، وعين بدلا عنه مصطفى ~~باشا. # وفي رمضان من سنة 1084، ولد للسلطان ولد سماه أحمد، وافتتحت الدولة في السنة ذاتها جملة ~~مدن وقلاع، وحاربت ملوك الإفرنج وقهرتهم، وفي سنة 1092، جرد مصطفى باشا عسكرا حارب به دولة ~~النمسا فقهرها، وزحف على بلادها حتى بلغ ويانه وحاصرها، وإذ ذاك حضر ملك بولونيا لإغاثة ~~النمسا، فهجم ms59 على عساكر الدولة بغتة فغلبهم وقهرهم وشتتهم، وحينئذ انهزم مصطفى باشا ~~إلى بلغراد. وبعد هذه الحروب نشط الأعداء في كل الجهات، وجاهروا بعدوان الدولة، فزحفت عساكر ~~النمسا إلى إستراغون وبودن وبوسنه، وعساكر مشيخة البندقية تقدمت نحو الهرسك والموره ~~والأرناءوط، وطفق البابا إينوشنسيوس الحادي عشر يحرض أهالي أوروبا على طرد المسلمين من ~~بلادهم، فطردوهم من بلاد المجر والبغدان وسواحل البحر الأبيض ودلماسيه وباقي الجهات. ولما ~~بلغ السلطان ذلك ساق الجنود وأنجدهم بالمهمات والذخائر، فلم يستطيعوا الثبات والمقاومة؛ لأن ~~عساكر الأعداء استظهرت عليهم في جملة مواقع وقتلت معظمهم. وفي نهاية حكم هذا السلطان حصل ~~قحط في بلاد الدولة أهلك نصف سكانها، وحدث حريق في إسلامبول دمر فيها عدة منازل، وكان ~~السلطان إذ ذاك يتلاهى في الصيد والملذات، فثار عليه وجاق الأليكشارية وخلعوه، وأقاموا في ~~سنة 1100 أخاه السلطان سليمان مكانه. وفي سنة 1104 توفي ودفن في تربة أجداده. # | السلطان العشرون # السلطان سليمان الثاني ابن السلطان إبراهيم # ولد عام 1052 للهجرة، وجلس على عرش السلطنة عام 1099ه، وذلك أنه بعد خلع السلطان محمد دخل ~~عليه الصدر الأعظم مصطفى باشا في مكان سجنه وناداه: «يا سلطاننا»، فلم يجب خوفا من سوء ~~العاقبة، وبعد ذلك تقدم نحوه وأطلعه على واقعة الحال، ففرح وشكر الله وجلس على كرسي الملك ~~وهو في السابعة من سنه، وبعد ذلك تجمعت عساكر الأليكشارية والسباهية في فسحة آت ميدان، ~~وطفقوا يقتلون ويولون الأحكام من يريدونه، فأخمد السلطان هياجهم بتفريق الأموال، لكنهم ~~نهضوا بعد مدة قليلة وقتلوا سياوش باشا الصدر الأعظم، ونهبوا منازل الوزراء وما تركوا منكرة ~~إلا فعلوها، فلما ضاق ذرع الأهالي وما عاد في إمكانهم احتمال تلك الأفعال الوحشية، أخرجوا ~~السنجق النبوي وهجموا عليهم، فشتتوا شملهم، وقتلوا معظمهم، وقد اغتنمت دولة النمسا تلك ~~الفرصة التي بها كانت الدولة العلية مرتبكة في داخليتها، وزحفت بجنودها على ولايتي بوسنه ~~وهرسك، فاستولت عليها، وافتتحت قلعة بلغراد وجملة بلاد، وهجمت أيضا مشيخة ونديك على مدينتي ~~مدره وكرقه وغيرهما من مدائن الدولة. # وفي أواخر عام ms60 1099ه، حاربت الدولة حكومة النمسا فكسرتها واستردت ما انتزعته منها من ~~البلاد، وفي سنة 1101ه، عين مصطفى باشا الكوبرلي للصدارة العظمى، فسعى في سن القوانين ~~الملائمة لطبائع الأهلين، ورفع المظالم عن عاتقهم، وأجرى التحسين الكافي في الأحوال المالية ~~والإدارية، ونظم الجنود، وبعدئذ سار لمحاربة النمسا، ففتح مدائن ويدين سمندره وبلغراد، ~~وشتت شمل الأعداء. # وفي عام 1102ه، توفي السلطان في أدرنه، ونقلت جثته إلى إسلامبول، وهناك واراها التراب ~~في تربة السلطان سليمان القانوني. # عاش خمسين سنة، قضى منها على تخت السلطنة ثلاث سنوات. أسكنه الله فسيح جناته. # | السلطان الحادي والعشرون # السلطان أحمد الثاني ابن السلطان إبراهيم # ولد عام 1052ه، وجلس على تخت الملك عام 1102 بالغا من العمر خمسين سنة، وبعد مضي شهر من ~~جلوسه أشهرت عليه الحرب دولة النمسا، فأرسل لمقاومتها جيشا عظيما تحت إمرة مصطفى باشا. ~~وقد التقى الجيشان في سهل صلانقامين، واشتد القتال بينهما اشتدادا مهولا، فقتل في حقل ~~المعركة مصطفى باشا عقيب أن أظهر شجاعة الأبطال، ومات من الجيشين نحو النصف، وانجلت ~~الموقعة عن انهزام الجنود العثمانيين. # وفي عام 1104ه، ثارت نار الفتنة في جبل لبنان ، وامتد شرارها إلى جبل حوران والبصرة، ولما ~~استفحل أمرها، أمر السلطان والي الشام بردع أهالي جبل لبنان وحوران، ووالي بغداد بسحق ذوي ~~التمرد في البصرة. وفي تلك الأثناء حدث أن جنود النمسا ساروا يعيثون في بلاد الدولة، ~~ويسومون أهلها قتلا وخسفا، فسار الصدر الأعظم بأمر السلطان إلى بلغراد لردعهم، فاستخلص ~~منهم بلاد السرب، وفتك بهم فتكا ذريعا، وظفر عليهم مبينا، وعاد بعساكره المنصورة إلى ~~أدرنه. # وفي عام 1105ه، أرسلت جمهورية ونديك عمارتها إلى جزائر البحر الأبيض، فحاصرت جزيرة قبرص ~~واستولت عليها، وافتتحت ولاية هرسك، فساق الباب العالي جنوده لمحاربتها، وإذ ذاك تداخلت ~~دولة الإنكليز وهولانده لدى السلطان لإبرام شروط الصلح مع النمسا، فأبى قبل أن يأتيه الله ~~بالفوز على أعدائه. توفي ودفن في تربة جده السلطان سليمان، وكان ذلك سنة 1106 ~~للهجرة. # عاش ثلاثا وخمسين سنة، قضى منها على سرير السلطنة ms61 أربع سنين. وكان عالما فاضلا حسن ~~الصفات، وكريم الأخلاق. # | السلطان الثاني والعشرون # السلطان مصطفى الثاني ابن السلطان محمد الرابع # ولد عام 1074ه، وجلس عام 1106 بالغا من العمر 32 سنة، وحال جلوسه أمر بحشد الجيوش، وشحذ ~~السيوف، وإعداد معدات الحرب، وعند إنجاز ذلك أشهر الحرب على دولة النمسا وجمهورية ونديك، ~~فعمل بهما السيف والحسام، واسترد من النمسا بلاد السرب، وأغرق مراكب جمهورية ونديك في البحر ~~الأبيض، واسترجع جزيرة ساقز. # وفي سنة 1108ه، حاصرت الروس قلعة أزاق فاستولت عليها، وهجمت عساكر ونديك على جزيرة الموره ~~وأخذتها، وأشهرت دول الإفرنج المعادية نار الحروب على الدولة من كل الجهات، فناهضتها جنود ~~السلطان بكل بسالة وإقدام، وفي سنة 1112 توصلت دولة الإنكليز مع دولة هولانده في أمر الصلح ~~بين الدولة العلية والنمسا، وقد تم أمره في قارلوفجه بحضرة معتمدين من قبل دولة الإنكليز ~~وهولانده وألمانيا وبولونيا والروسية ومشيخة ونديك، وبعد البحث والتروي تقرر باتفاق الآراء ~~ما يأتي: # أولا: # أن لا تطلب الدولة العلية ويركو أو نحوه. # ثانيا: # أن الأراضي التي على سواحل نهر الطونه وصاوه تضع دولة النمسا يدها ~~عليها. # ثالثا: # يبقى في يد جمهورية ونديك بلاد الموره والجزائر السبعة ودلماسيا، وأن ~~تترك قلعة أنيه بختي وبلاد الأرناءوط للدولة. # رابعا: # تعتبر حدود البولونيين من مياه طورله. # خامسا: # أن يعاف أمراء القرم من الويركو. # سادسا: # أن تبقى قلعة أزاق في يد الروسية. # ثم وقع المرخصون على هذه المعاهدة، وأخذ كل منهم صورة منها، وعاد السلطان إلى أدرنه ~~تاركا حسين باشا وزيرا للصدارة، فأخذ هذا الوزير بإخماد الهياج المضطرم في القسطنطينية، ~~وتشييد القلاع وإصلاح المالية إلى أن توفي. # وفي عام 1114، تداخل فيض الله أفندي، صهر الشيخ واني، ومفتي الأنام في الأحكام، واحتكر ~~المناصب العلمية إلى أقربائه؛ لأن في يده كان فصل الأمور، وعزل الوزراء وتوليتهم، وفي تلك ~~الأثناء اتحد الجند والعلماء، وتجمعوا في آت ميدان، وانضم إليهم نحو ستين ألفا، ثم أخذوا ~~السنجق الشريف من السرايا، وبعثوا من قبلهم رسلا ~~إلى السلطان في أدرنه يطلبونه، فتكدر ms62 منهم، ~~وكره الحكم، فسلم زمامه لأخيه السلطان أحمد. وبعد مضي خمسة أشهر من اعتزاله عن تدبير ~~السلطنة توفي إلى رحمة ربه، وذلك عام 1115 للهجرة. # | السلطان الثالث والعشرون # السلطان أحمد الثالث ابن السلطان محمد الرابع # ولد عام 1084 للهجرة، وجلس على عرش السلطنة عام 1115 بالغا من العمر 41 سنة، وبعد جلوسه ~~حدث أن هاج وجاق الأليكشارية على شيخ الإسلام فيض الله أفندي وقتلوه، ونفوا أولاده، ثم ~~عمدوا إلى إنفاذ الغايات والمقاصد، وعزلوا أعظم رجال الدولة واستبدلوهم بمن أرادوا. أما ~~السلطان فلما رسخت قدمه اقتص من الجانين، وأعطى القوس باريها؛ بتقليد المناصب لذويها من ~~أصحاب الأهلية واللياقة، ثم أعلم الدول بجلوسه كما سبقت العادة، فهنأته بذلك، وفي السنة ~~ذاتها خانت جمهورية ونديك العهود، واعتدت على بعض بلاد الدولة، فساق السلطان لمحاربتها ~~عمارة بحرية دمرت مراكب الجمهورية، واستولت على أغلب جزائر مملكتها. وفي عام 1121ه، حاربت ~~دولة الروس كارلوس الثاني ملك السويد، ولما تغلبت عليه التجأ إلى كنف الدولة هاربا، ~~فاقتبلته بما يليق من الإكرام، ومكث لديها ضيفا عزيزا مدة طويلة كان يهيج بأثنائها رجال ~~الدولة على محاربة الروسية فلم يذعنوا له. # وفي سنة 1125ه، زحف ملك المسكوب على بلاد الدولة، فساقت لمقاتلته جيشا جرارا سلمت ~~قيادته للصدر الأعظم محمد باشا، فالتقى الجيشان عند ساحل نهر بروت، وطفقوا بالمطاعنة ~~والكفاح عدة أيام حتى احمرت الأرض من الدماء، وأخيرا وثبت العساكر الشاهانية وثبة ~~واحدة على جنود المسكوب فكسروهم وأخذوا منهم قلعة أزاق، وحينئذ طلبت الروسية إبرام الصلح، ~~فقبل الصدر الأعظم منها ذلك تحت شرط أن تعيد لممالك الدولة بحر أزاق، وتهدم القناطر المقامة ~~عليه، وتمنع من المداخلة في مصالح القزق، ولا تعارض في رجوع الملك كارلوس إلى بلاده، فقبلت ~~الروسية بهذه الشروط، وبموجبها تمت معاهدة الصلح وأمضاها الصدر الأعظم. ولما أرسلت ~~للسلطان كي يصدق عليها رفضها وعزل الصدر الأعظم، وأقام مكانه يوسف باشا، فجدد عهد الصلح مع ~~الروس على مدة 25 سنة، فعزله السلطان لهذا السبب، وعين بدلا عنه سليمان باشا، ثم ms63 عزله ونصب ~~داماد باشا، فصدق على معاهدة الصلح لمدة 25 سنة. # وفي سنة 1126ه، سافر الملك كارلوس الثاني من بلاد الدولة عائدا إلى بلاده شاكرا حامدا ~~ما لاقاه من حسن الضيافة وكرم المعاملة، وفي عام 1127، غزت الدولة بلاد الموره مع سائر ~~جزائرها، فتأثرت النمسا من ذلك، واتحدت مع جمهورية ونديك، ونقضت عهود قارلوفجه، وأعلنتا ~~الحرب على الدولة. وقد التقت الجيوش عند سواحل نهر الطونة، وهناك استخدموا السلاح والبيض ~~الصفاح، وبعد طويل القتال والكفاح انكسرت عساكر الدولة، وقتل قائدها الصدر الأعظم، فأقيم ~~بدله خليل باشا والي بغداد. وهذا أفرغ جهده في جمع الجنود ومقاومة العدو فلم يفلح، واستظهرت ~~عليه النمسا فاغتنمت منه قلعتي بلغراد وطمشوار، ولما باد أكثر من معظم جيوش المتحاربين ~~توسطت دولة الإنكليز في إبرام الصلح، وبعد طويل المخابرات تقررت أن تترك الدولة جزيرة (بره ~~وزه) وجزائر اليونان لجمهورية ونديك، وأن تعطي للنمسا بعض بلاد في جهات الصرب والأفلاق. ~~وعلى هذه الشروط حصلت معاهدة الصلح في سنة 1130ه. # وحدث بعد ذلك أن أهل السنة المتوطنين في بلاد العجم كثر عليهم الاعتداء من الشيعيين، ~~فرفعوا تظلماتهم إلى السدة السلطانية يلتمسون الشاهانية لإغاثتهم، فافتتحت في مسيرها عدة ~~حصون منيعة، وما توقفت عن المسير حتى دخلت تبريز، وأغاثت المتظلمين، وقهرت الأعجام، وبعد ~~ذلك صالحتهم بناء على طلب الشاه. # وفي سنة 1143ه، تنازل السلطان أحمد عن كرسي الخلافة لأخيه محمود خان، ولبث بعد ذلك نحو ست ~~سنوات، وقضى عام 1149. رحمه الله وجعل الجنة مأواه. # | السلطان الرابع والعشرون # السلطان محمود الأول ابن السلطان مصطفى الثاني # ولد عام 1108ه، وجلس سنة 1143 بالغا من العمر 35 سنة، وفي حكمه اعتمد على أحد الرجال ~~المدعو بترونه خليل، وأحله محل ابن أخيه، فانقاد وراء أهواء النفس، وأخذ يولي ويعزل من ~~المناصب من يريد، وانضم إليه حزب كبير من المفسدين، وطفقوا يفعلون المنكرات، ويرتكبون ~~السيئات حتى أوغروا صدور العموم عليهم حقدا، فنهضوا وقتلوهم عن آخرهم، ثم ثار وجاق ~~الأليكشارية واقتتلوا مع الأهالي دفعتين، فباد منهم ما ينوف عن ms64 15 ألفا، وفي عام 1144 عين ~~السلطان للصدارة العظمى عثمان باشا، فأخمد نار الفتن المستعرة في داخلية البلاد، وأصلح أهم ~~الأحوال، وسار بقسم عظيم من الجنود لمحاربة العجم فكسرهم واستولى على مدن كرمنشاه وأرديلان ~~وهمدان، ولما علم الشاه طهمسب بانخذال جنوده في ميادين القتال سار بذاته إلى حقول المعركة، ~~وبعد قتال عنيف انتصرت عليه الجيوش العثمانية، واستولت على أعظم مدائن سلطنته حتى دخلت ~~تبريز، وإذ ذاك طلب عقد الصلح من جلالة السلطان فلم يقبل، وبعد حين عزل عثمان باشا، وأقيم ~~مكانه زاده علي باشا. # وفي تلك الأثناء حدث شغب في بلاد العجم انتهى بعزل الشاه طهمسب، وإقامة ولده الشاه عباس ~~الثالث بدلا عنه، فعين نادر خان قائدا للجيوش، وأمره بمحاربة الدولة، فزحف بجيوشه على ~~مدينة بغداد، ولما اقترب منها التقى بجنود الدولة فقاتلها على شاطئ نهر الفرات، وكافحها ~~بعزم شديد، لكنه لم يظفر بها، وانتصر على جيوشه بعد أن أهلكت منهم عددا جسيما، وأصيب ~~بجرح بليغ اضطره إلى الفرار، ثم استأنفت دولة العجم الحرب بغتة مع الدولة فانتصرت ~~عليها. # وحدث في بحر تلك المدة أن توغلت عساكر الروس في بعض بلاد الدولة، واتحدوا مع عساكر النمسا ~~فاستولوا على جزيرة القرم، ثم انفردت عساكر النمسا وسارت إلى بلاد السرب والأفلاق والبغدان، ~~وحاربتهم ونهبت بلادهم بعد أن استولت على قلعة نيش، ولما اعتلم السلطان بذلك سير جيوشه ~~إلى سواحل الطونه، ففرقت شمل جنود النمسا، واستردت منهم الأفلاق والبغدان وقلعة نيش، ثم ~~تحولت لقتال الروس فهزمتهم عند نهر بروت، وحينئذ تداخلت فرنسا بأمر الصلح مع الروسية ~~والنمسا والدولة العلية، بشرط أن تترك النمسا السرب والأفلاق وأرسوفا، وأن تهدم الروسية ما ~~أقامته من الاستحكامات على سواحل بحر الأزاق. وعلى ذلك تمت المعاهدة سنة 1152. وفي سنة ~~1168، توفي السلطان ودفن في تربة أبيه السلطان مصطفى، فارتدت المملكة عليه أثواب الحداد؛ ~~لأنه كان عادلا كريما عالي الهمة، رءوفا يحب المساواة بين سائر طبقات الناس. # | السلطان الخامس والعشرون # السلطان عثمان خان الثالث ابن السلطان مصطفى الثاني # هو أخو ms65 السلطان محمود الأول، ولد عام 1110، وجلس سنة 1168 بالغا من العمر 58 سنة، ومن ~~كونه قضى معظم حياته في السجن بالنظر لخلافة أخيه على سرير السلطنة، فكان يحب الوحدة ~~والابتعاد عن المشاغل والاهتمام في إصلاح أمور الدولة، وقد سلم القزلر آغاسي زمام الحكم، ~~فكان يعزل ويولي من يشاء من الوزراء وأصحاب المناصب، وقد جره طيشه إلى عزل الصدر الأعظم علي ~~باشا وتعيين سعيد أفندي مكانه، وكان السلطان يخاف أن الشعب يعزله ويولي مكانه أحد أولاد ~~السلطان أحمد الثالث وهم محمد وبايزيد وأورخان فأمر بقتلهم، وفي سنة 1169 حدثت حريقة عظيمة ~~أتلفت عدة بنايات ونحو ثلثي سكان المدينة وقسما كبيرا من جامع أجيا صوفيا، وفي سنة 1171 ~~توفي إلى رحمة ربه، ودفن في تربة أخيه السلطان محمود، رحمهما الله. # | السلطان السادس والعشرون # السلطان مصطفى خان الثالث ابن السلطان أحمد الثالث # هو بكر السلطان أحمد الثالث. ولد سنة 1129، وجلس سنة 1171 بالغا من العمر 42 سنة، ~~وريثما استقر في الملك أخذ في تنظيم الأحوال، وسن الشرائع، وتوطيد دعائم الأمن في داخلية ~~البلاد بمعاضدة الصدر الأعظم راغب محمد باشا، الذي تقلد عدة مناصب؛ منها: ولاية مصر التي ~~انتشلها من أيدي المماليك بعد أن أبادهم. # وحدث في تلك الأثناء أن كاترينا، زوجة ~~بطرس السادس قيصر الروس، خلعت بعلها عن كرسي السلطنة، وجلست مكانه، وطفقت تحشد الجيوش وتشعل ~~الحروب تحت سماء أوروبا، ثم ساقت جيوشها إلى سكان بولونيا الذين ساروا ضد شيعة لوتر، ~~وبواسطة ما استعملت من الدهاء والرشوة أجلست على هذه الحكومة الكونت بينياتوفسكي - أحد ~~عشاقها في مدة صباها - فغضب السلطان من ذلك، واعتمد على إشهار الحرب ضد الروس، غير أن ~~الملكة كاترينا تعهدت لجلالته بأن تنجلي بعساكرها عن بولونيا، وعقيب ذلك نهض خان القرم على ~~بلاد السرب الجديدة، فأحرق فيها كل الأبنية الروسية، وأسر من الروس 35 ألف رجل، وكان يستعد ~~أن يبلي الروس ويبيدهم، بيد أن أجله لم يطل ومات مسموما، وعين عوضه دولة غراي. وهذا ~~كان قاصرا في العقل والتدبير. وبعد ms66 ذلك تقدمت عساكر التتر لتعبر نهر دنستر، فمنعها الصدر ~~الأعظم وحارب المسكوب في شوكسن فكسرهم، وهربوا إلى مدينة بندر، لكنهم استأنفوا القتال ~~فظفروا بجيوش الدولة وشتتوها، وبعدئذ هيجت كاترينا شعب اليونان، ودفعتهم إلى طلب ~~الحرية والاستقلال، مذكرة إياهم بحرية آبائهم ومجد أجدادهم، ومن كون شريعة المسكوب ~~قريبة لشريعة اليونان، أرسلت كاترينا معتمدا من قبلها إليهم، فتوجه أولا إلى الموره ~~وتحدث سرا مع بناكي، مستلم مدينة كلاماتا، وبعد جملة مخابرات تعاهد اليونانيون على طلب ~~الحرية آملين نوالها بإسعاف المسكوب، واعتمادا على ذلك عاد المعتمد إلى كاترينا، وأخبرها ~~بأن اليونان ينهضون على قدم وساق حتى عاينوا عمارة المسكوب قادمة لمعاضدتهم؛ فاغترت ~~كاترينا بذلك، وانتهزت هذه الفرصة لإخراج اليونان عن طاعة الدولة، وفي سنة 1183، سيرت ~~قسما من العمارة إلى البحر الأبيض، فتوهمت الدولة من دخولها فيه أن القصد هو توقيف أهل ~~السويد على حدودهم، وإذ كانت الدولة مطمئنة من هذا القبيل وفد الجنرال أسبيردون الروسي ~~بعمارة إلى بحر السند، وهو مضيق الدانيمرك، ومنه دخلت البحر الأبيض من جهة جبل طارق، وطرحت ~~أمراسها في بوغاز كورون من جزائر اليونان، ونزل منها من كان فيها من الجند إلى البر، وكانوا ~~قليلي العدد، ولما شاهدهم الأروام تذمروا من قلتهم؛ لأنهم كانوا بانتظار جيش كثيف، ~~وكذلك تكدر المسكوب الذين اعتمادا على مواعيد معتمدهم كانوا يؤملون أن يتوارد إليهم ~~الأروام من كل الجهات متى علموا بقدومهم، أما بناكي فقد انتخب أربعة آلاف مقاتل وسار بهم ~~لمحاصرة كورون، التي كان فيها فرقة قليلة من الجيش العثماني، وبعد حصار شهرين رجعوا عنها ~~خائبين، وبعد ذلك تجمعت عساكر الدولة وسارت تقتفي أثر الأروام والمسكوب، فأحرقت بتراس ~~ريبوليتزا وميغالو بوليس ولاقونيا، وعملت فيهم السيف، وأفنت معظمهم، غير أن جيوش المسكوب ~~الذين صاروا على حدود نهر الطونا قد انتصروا على عساكر الدولة هناك وتغلبوا عليهم. # وفي سنة 1184ه، استأنفت الجنود العثمانية الحرب والقتال مع عساكر المسكوب فقهرتهم ~~وأرجعتهم إلى مدينة بطرسبورج خاسرين، وحينئذ تداخلت النمسا بين الدولتين بشأن عقد الصلح، ~~فرفض المسكوب ذلك، ms67 وحشد الجنود وجمع العساكر وساقهم إلى القتال، فالتقوا بعساكر الدولة في ~~جوار حوتين وكسروها بعد أن استولوا على الفلاق والبغدان، ثم عاودت الدولة الحرب مع الروس ~~على أمل استرجاع البلاد التي فقدتها، فلم تنجح بالنظر لعصيان الأليكشارية وعدم انقيادهم ~~لأوامر قوادهم، وحينئذ قطع الروس نهر الطونه وامتلكوا وارنه وسائر جزر القرم، وأقاموا ~~عليها حاكما من التتر، ثم اتحدوا مع البروسيان والنمساويين على تقسيم بلاد اللهستان، فتكدر ~~السلطان من ذلك وعقد العزم على الذهاب إلى دار الحرب - وكان مريضا - وبينا كان يحتفز ~~للذهاب توفي رحمه الله، وكان ذلك عام 1187، بعد أن قضى في تدبير الملك نحو 16 سنة بالحكمة ~~والمهارة. # | السلطان السابع والعشرون # السلطان عبد الحميد ابن السلطان أحمد الثالث # ولد عام 1137ه، وجلس سنة 1187، وأخذ منذ جلوسه في تسكين الفتن الداخلية، وإعداد مهمات ~~القتال، وتقوية المعاقل والحصون، ثم جرد جيشا جرارا لمقاتلة الروس سلم قيادته للصدر ~~الأعظم، وبعد عدة وقائع كان الفوز بها للعساكر الشاهانية، حدث شغب بين الأليكشارية أودى بهم ~~إلى شق عصا الطاعة، والتمرد على قائدهم، فتركوه في ساحات المعركة وعادوا إلى القسطنطينية، ~~ولما أعلم الباب العالي بما كان؛ أصدر أمره بعقد الصلح. وقد تم ذلك بمعاهدة تعرف بمعاهدة ~~«كوجك قانيارجه»، كان من أحكامها تخويل الاستقلال للتتر في جهات القرم والقوبان، وأن تترك ~~للروسية ممالك «قبارطاي وكرجستان»، وأن تكون ولاية الأفلاق والبغدان ممتازة، ثم حدث اختلاف ~~شديد بين أمراء القرم أفضى بينهم إلى حمل السلاح، وكان ذلك بدسائس الروسية التي أخلت ~~بمعاهدة كوجك قانيارجه، وحملت الدولة العلية على محاربتها محافظة على تلك المعاهدة، فساقت ~~الجيوش واستولت على أكثر بلاد الروسية، بعد أن استرجعت قرمان وأزوم والبغدان. وفي سنة 1203، ~~توفي السلطان، ودفن في تربته الشريفة بجوار بغجه قبوسي. عاش 66 سنة، قضى منها 16 عاما ~~على سرير السلطنة، رحمه الله وأفاض عليه سحاب رضوانه. # | السلطان الثامن والعشرون # السلطان سليم الثالث ابن السلطان مصطفى الثالث # ولد عام 1175ه، وجلس سنة 1203، وبعد جلوسه وجه مزيد عنايته إلى تنظيم الجنود، وحشد ~~الجيوش، ms68 وتقوية المعاقل، وتعزيز المالية، وبينا كان يشتغل في هذه المهام أشهرت عليه الحرب ~~دولة الروسية والنمسا، فدفع جيوشها عن بلاد السلطنة بقوة جنوده المظفرة التي ساقها إلى حقول ~~المعركة تحت قيادة الصدر الأعظم يوسف باشا وقبودان باشا، ولما التقت الجيوش اشتبكوا بالقتال ~~والكفاح في عدة مواقع أظهرت فيها عساكر آل عثمان شجاعة غريبة، وأخيرا تقهقرت، واستولت ~~الروسية والنمسا على قلعة بلغراد وبندر وإيالتي الأفلاق والسرب والمدن التي على سواحل نهر ~~الطونه، ثم زحفت جنود الروس على قلعة إسماعيل الشهيرة فحاصرتها، وبعد مدة طويلة افتتحتها ~~عنوة عقيب أن فقد من العساكر عدد جسيم جدا، وحينئذ توسطت دولة الإنكليز مع ~~بروسيا لإبرام عقد الصلح بين الدولة العلية والروسية، تحت شرط أن يعطى للروسية القرم ~~وجزيرة كامان ومقاطعة بسرابيا والأراضي التي بين نهر البوغ ودنيستر؛ حيث أقامت الروسية ~~مدينة أودسيا تذكارا لنصرتها في ذلك الزمان. # وحدث في تلك الأثناء أن ثارت الأمة الفرنساوية وقتلت ملكها لويس الخامس عشر، وظهر ~~نابوليون بونابرت الشهير الذي دوخ الدنيا بفتوحاته، فافتتح مصر وبعض جهات فلسطين، ثم صافى ~~الدولة العلية وكاشفها روابط الحب، ووعدها بالمساعدة على تنظيم جنديتها بأن يرسل ~~إليها ضباطا ماهرين، ويعزز عمارتها البحرية لمنع الروس والإنكليز من العبور في بوغاز ~~إسلامبول، فلما علم بذلك كله إمبراطور الروس غضب وتكدر، وأرسل للحال قسما من جيوشه إلى ~~احتلال بلاد الأفلاق والبغدان، فتأثرت الدولة من ذلك ونوت على إشهار الحرب. أما دولة ~~الإنكليز فلم يرضها اتحاد الدولة مع فرنسا، وبذلت جهد المستطاع في حمل الدولة على إخراج ~~سفير فرنسا من الآستانة، فما رضيت بذلك بالرغم عن إلحاح الأميرال الإنكليزي الذي كان راسيا ~~بأسطوله الحربي في مياه إسلامبول. ولما قطع المذكور أمله من بلوغ المراد قلع مراسيه من ~~بوغاز جناق قلعة، وسار للإسكندرية، فدفعه عنها الطيب الذكر محمد علي باشا الكبير. # وبعد ذلك ثار وجاق الأليكشارية، ونهضوا يثيرون الفتن، ويكثرون من الفساد، ويقتلون بعض ~~رجال الدولة لكونهم وافقوا السلطان سليم على إدخال النظام العسكري الجديد في بلاد الدولة، ~~ثم ms69 نادوا في المدينة باسم السلطان مصطفى، وخلع السلطان ~~سليم، وأرسلوا له شيخ الإسلام يخبره بذلك، ~~فلما امتثل بين يديه، وعلم منه ذلك، نزل عن كرسيه وسار إلى الحبس ليقضي بقية العمر، وبعد ~~مدة قضى شهيدا في الحبس عام 1222ه، ودفن في تربة والده السلطان مصطفى. # | السلطان التاسع والعشرون # السلطان مصطفى الرابع ابن السلطان عبد المجيد خان # ولد عام 1193، وجلس عام 1223، وحال جلوسه وجه عنايته إلى تنظيم الجندية، وتأديب ~~الأليكشارية، وما صفت له الأيام طويلا حتى نشط المفسدون، وألقوا الفتن بين رجال الدولة ~~وكبار المملكة، واجتهد مصطفى باشا البيرقدار، حاكم روستجق، في إقناع بعض الرجال على خلع ~~السلطان مصطفى، وإرجاع السلطان سليم إلى كرسي الخلافة، فجمع عسكرا وجاء به إلى الآستانة، ~~ولما وصل إلى السراي واعتلم السلطان بنواياه أشار بقتل السلطان سليم، فقتل في الحبس ~~شهيدا، وحينئذ هاج القوم في القسطنطينية وتكدروا من موت السلطان سليم، وخلعوا مصطفى، ~~ثم حجروا عليه في الحبس الذي كان فيه أخوه، وبعد حبسه بثلاثة شهور قتل في الحبس شهيدا، ~~ودفن في تربة أخيه السلطان عبد الحميد خان، رحمهما الله رحمة واسعة. # | السلطان الثلاثون # السلطان محمود الثاني ابن السلطان عبد الحميد خان # ولد عام 1199ه، وجلس على عرش السلطنة عام 1223ه، فأقام مصطفى باشا البيرقدار وزيرا ~~للصدارة، وسلمه مهام تنظيم الجنود، وأمر بإصلاح المختل، فشمر عن ساعد الجد، وطفق يعلم ~~وجاقات الأليكشارية نظام الجندية الجديد حتى برعوا فيه، ثم التفت إلى ذوي الفتن والشرور، ~~فقطع دابرهم، ومحا أثرهم، وأعدم قاتلي السلطان سليم، غير أن مدة وزارته لم تطل إلا ثلاثة ~~شهور، قام عند انقضائها الأليكشارية وأضرموا النار في سرايته، فأحرقوه مع عائلته بأسرها، ~~وانبروا يفتكون بكل من كان مائلا إلى النظام الجديد. ولما استفحل أمرهم جمع قاضي باشا ~~العساكر الجديدة وهجم بهم على الأليكشارية مطلقا عليهم الرصاص حتى شتت شملهم، وسكن ~~هياجهم. # وحدث بعد ذلك أن وجهت رتبة الصدارة العظمى إلى يوسف ضياء باشا، فقتل السلطان مصطفى خوفا ~~من تجديد الفتن، فتكدر السلطان محمود من قتل ms70 أخيه وحزن وتألم. وفي سنة 1225، سطت عساكر ~~الروس على بلاد الدولة، وتقدمت حتى استولت على الأفلاق والبغدان وقلعة إسماعيل وجملة جهات ~~أخرى، وفي عام 1226، عصى سليمان باشا، والي بغداد، وامتنع عن دفع الأموال المرتبة لجانب ~~الخزينة، فأرسل إليه الصدر الأعظم لقمع عصيانه خالد أفندي فقتله، وفي السنة ذاتها تمرد ~~ابن مسعود على الدولة، وأخذ يقلق الحجاج، ويزعج البلاد، ويقطع الطرق، ويسلب المارة، فكلفت ~~الدولة ساكن الجنان محمد علي باشا الكبير، حاكم مصر، بتأديبه، فحاربه، وبعد أن قبض عليه ~~أرسله إلى الآستانة حيث مات قتيلا. وبعد ذلك عزل يوسف باشا من الصدارة، وأقيم مكانه أحمد ~~باشا، فجمع الجنود، وسار بهم إلى روستجق. وفي سنة 1228، توسطت الدولة بعقد الصلح بين ~~الدولة العلية والمسكوب، وتمت معاهدة (بكرش) التي من أحكامها أن تترك الدولة العلية إلى ~~الروس سواحل الطونه ومقاطعة بسرابيا، وفي سنة 1231، اشتبكت الدولة بالقتال مع الأروام، ~~فانتهز الفرس تلك الفرصة وزحفوا إلى بغداد للاستيلاء عليها فلم يفلحوا، وفي عام 1232، ~~تمرد علي باشا، والي يانيه، على الدولة مدعيا الاستقلال، ثم عصى الأفلاق والبغدان ~~واليونان فقمعتهم الدولة، وكبحت جماحهم، وفي سنة 1237، ثار الأروام في الموره على الإسلام، ~~ففتكوا بهم، ونهبوا أموالهم، واستحلوا بهم ما حرم الله، فتكدر السلطان من ذلك، وأصدر أمره ~~إلى محمد علي باشا، حاكم مصر، بمناهضة الأروام، فأرسل لمقاتلتهم عمارة بحرية تحت قيادة ولده ~~المرحوم إبراهيم باشا، ولما وصلت إلى الموره انضمت عساكرها إلى عساكر الدولة، وقاتلوا ~~اليونان وفتكوا بهم فتكا ذريعا، فأخذوا يستغيثون بالدول عموما، وبإنكلترا خصوصا، حتى ~~توسطت بالصلح، فلم يقبل الباب العالي، وإذ ذاك اتفق وكلاء فرنسا والروسية مع إنكترا في ~~لوندره، وقرروا شروط الصلح وأرسلوها إلى الباب العالي فرفضها، وحينئذ أرسلت هذه الدول ~~مراكبها الحربية إلى مياه ناوران في أساكل اليونان، فأطلقت قنابلها على مراكب الدولة ~~فأغرقتها. وفي سنة 1243 استقل اليونان استقلالا تاما. # وبعد ذلك عمد السلطان محمود إلى تعليم الأليكشارية الفنون الحربية الحديثة، فأمر محمد ~~سليم باشا، الصدر الأعظم، أن يجمع رجال السلطنة وكبار الأليكشاريات ms71 في بيت شيخ الإسلام طاهر ~~أفندي، وبين لهم الأضرار التي نجمت للبلاد بأسباب الأليكشارية وعدم إطاعتهم لأوامر ~~الدولة، وبعد أن أعرب لهم ذلك تفصيلا أخذ يتلو عليهم الأمر السلطاني القاضي بتعليم العساكر ~~النظام الجديد، ووضعهم تحت أحكام قانونية حتى يتعهدوا بإنفاذه. وبعد إتمام ما ذكر، حدث أن ~~البعض نكثوا العهد واتحدوا مع الأليكشارية فهجموا على منزل الصدر الأعظم، طالبين قتل من كان ~~السبب بإحداث النظام الجديد، وطفقوا بعد ذلك ينهبون ويقتلون ويحرقون، فتملص منهم الصدر ~~الأعظم وحضر إلى السلطان، فأوقفه على ما أحدثه الأليكشارية من الشغب والهياج، فأمره السلطان ~~أن يجمع عساكر الطوبجية والإسلام أمام باب السراي، ولما تم اجتماعهم خرج إليهم السلطان ~~محمود، وألقى خطابا حثهم فيه على قتل المفسدين الذين يخالفون أوامر خليفة الله في أرضه، ~~فامتثلوا أمره، وأخرجوا السنجق الشريف إلى فسحة السراي، وسلمه السلطان إلى شيخ الإسلام وعاد ~~إلى كرسيه، وحينئذ هجم الإسلام وعساكر الطوبجية على الأليكشارية، وأطلقوا عليهم المدافع ~~والرصاص، وعملوا فيهم السيوف حتى قتلوهم عن آخرهم، وأراحوا الدولة والبلاد من شرورهم ~~ومفاسدهم، وعقيب ذلك ابتدأت الدولة أن تكثر من الجنود النظامية، وتعدل القوانين ~~القديمة، وتصلح المراكب المتعطلة، وإذ ذاك اختلست الروسية تلك الفرصة وقطعت نهر الطونه. وفي ~~سنة 1245، جهزت الروسية جيشا كثيفا مؤلفا من مائتي ألف مقاتل، وزحفت بهم على بلاد ~~الدولة، فاستولت على أكثرها حتى وصلت إلى أدرنه، وعندئذ عقدت معاهدة أدرنه التي من مقتضاها ~~أن لا يقيم الإسلام في بلاد الأفلاق والبغدان، وأن يحق لسفن الروس المرور بالبحر الأسود ~~والأبيض، وفي السنة ذاتها استولت فرنسا على الجزائر بعد حرب دموية، وفي سنة 1247، عصى محمد ~~علي باشا الكبير، حاكم مصر، فأرسل ولده المغفور له إبراهيم باشا بثلاثين ألف مقاتل، وأردفهم ~~بالعمارة البحرية، فافتتح بهم غزة ويافا، ثم حاصر عكا بحرا وبرا مدة ثمانية أشهر، ولما ~~استعصت عليه استنجد بالأمير بشير، حاكم جبل لبنان، فأسرع حالا لنجدته بما لديه من الرجال ~~والمال. ولما بلغ الدولة ذلك أصدرت منشورا شريفا أعلنت به عصيان حاكم مصر، ms72 وأمرت محمد ~~باشا، والي حلب، بجمع العساكر ومحاربة إبراهيم باشا الذي أخذ في التقدم فائزا منصورا في ~~جميع مواقعه، حتى استولى على صور وصيدا وبيروت، ثم وجه عسكرا إلى طرابلس الشام فافتتحها، ~~وامتلك حمص، ثم سار بالعساكر المصرية واستلم الشام، وامتلك حلب، وحارب العساكر الشاهانية في ~~أنطاكيه وبيلان. وفي سنة 1255، صدرت الأوامر إلى حافظ باشا بأن يجمع العساكر العثمانية ~~لمحاربة إبراهيم باشا، وقد التقى الفريقان في سهل بالقرب من زيب؛ حيث اشتد القتال وجرت ~~الدماء، ونادى دلال المنايا في ميادين المعركة ببيع الأرواح رخيصة، وبعد أن قتل عدد ~~جسيم من الطرفين استظهر إبراهيم باشا على العساكر العثمانية، وهزمها إلى مرعش، وأخذ يستولي ~~على بلاد الدولة حتى تبوأ جملة بلاد. وفي تلك الأثناء انتقل السلطان محمود إلى دار ~~البقاء، وذلك عام 1255، بعد أن جلس على سرير السلطنة 32 سنة، وكان شجاعا عاقلا عادلا يحب ~~الرعية وتأييد شوكة السلطنة، رحمه الله رحمة واسعة. # | السلطان الحادي والثلاثون # السلطان عبد المجيد خان ابن السلطان محمود خان الثاني # ولد سنة 1237ه، وجلس عام 1255 بالغا من العمر 18 سنة، وعقيب جلوسه أقام خسرو باشا ~~صدرا أعظم، فلم يستطع أن يستميل إليه كبار رجال الدولة، وقد جاراهم في بعض الأمور فوقع ~~النفور بينه وبينهم، واستحكمت حلقاته حتى لم يعد في الإمكان إصلاح ذات البين، وبالنظر لما ~~وقع من الشقاق تأخرت أحوال العمارة البحرية التي أرسلتها الدولة إلى مصر، وحينئذ أقال ~~السلطان من منصب الصدارة خسرو باشا، وعين مكانه رشيد باشا الذي شمر عن ساعد الجد، وابتدأ ~~في إجراء التنظيمات وسائر ما من شأنه أن يمهد أمام العباد سبل الراحة والإسعاد، ثم أصدر ~~منشورا تضمن إجراء العدالة، ورفع المظالم، تلاه في الكلخانة بحضرة السلطان الأعظم وشيخ ~~الإسلام والوزراء العظام وسائر العلماء الفخام، وبعد ذلك سعى في حسم مسألة مصر، فأنهاها بما ~~يوافق مصالح الدولة، ومنع سفن الدول الحربية من الدخول في بوغاز البحر الأسود والبحر ~~الأبيض. وفي سنة 1265، ساح السلطان في جهات الروم إيلي الشرقية، ثم عاد ms73 إلى القسطنطينية ~~وشرع في إصلاح الأحوال الداخلية، وفي السنة ذاتها نقضت الروسية العهود، وطلبت من الدولة وضع ~~حمايتها على سائر المنسوبين إليها المقيمين في الممالك المحروسة، فأبت الدولة ذلك، وامتنعت ~~عن القبول بأمر ليس فيه للحق وجه، ولما اعتلمت الروسية بعدم إجابة طلبها أشهرت الحرب على ~~الدولة عام 1270، فسارت الجنود الشاهانية إلى جهة الأناضول والروم إيلي، واقتتلت مع عساكر ~~الروس عند سواحل نهر الطونه فأهلكتهم، وحينئذ جمعت الروسية كل قواها، وألفت جيشا كثيفا ~~من تسعمائة ألف رجل ساقتهم إلى حقول المعركة، فلما رأت الدول ذلك فقهت وخامة العاقبة، ~~واتحدت إنكلترا وفرنسا وساردينا مع الدولة العلية، وأرسلن مراكبهن تحمل المدافع والجنود، ~~فأخربت قلع سواستبول وسائر شطوط الروسية البحرية، وأوقفوا الروس عند حدودهم. # وعقيب ذلك عقدت معاهدة باريس، وتم بموجبها الصلح عام 1273، وتفرغ السلطان لسن ~~النظامات المتعلقة بالتجارة والصناعة والزراعة، فشكل محاكم التجارة، وأسس المكاتب ~~الرشيدية، واعتنى في نشر المعارف والعلوم، وتعميم العدالة والأمن. وفي عام 1277 توفي إلى ~~رحمة الله عن عمر أربعين سنة، قضى منها على عرش الملك 22 عاما، ودفن في جوار جامع السلطان ~~سليم في تربته المخصوصة، رحمه الله رحمة واسعة. # | السلطان الثاني والثلاثون # السلطان عبد العزيز خان ابن السلطان محمود الثاني # ولد عام 1245ه، وتبوأ كرسي الخلافة سنة 1277 وعمره اثنان وثلاثون عاما، فوجه عنايته ~~إلى إصلاح العدلية والبحرية، وتعميم المعارف في سائر أنحاء السلطنة. وفي سنة 1284ه، الموافق ~~1867م، سافر إلى أوروبا ليحضر المعرض الباريزي ، فاحتفلت به الدول العظمى في جميع الجهات ~~التي مر بها، وأعدت لجلالته أبهر الزينات؛ كونه أول سلطان عثماني طاف عواصم الإفرنج ليرى ~~رقيهم العصري ويدخله في بلاده. # ولما عاد من باريز أصدر أمره إلى نوابغ ~~السياسة العثمانية؛ وهم: فريد باشا، وعالي باشا، وفؤاد باشا، بترجمة جميع النظامات واللوائح ~~المتعلقة بالدستور الفرنساوي، فقامت البلاد وقعدت؛ لأن إدخال الدستور في تركيا يئول إلى قلب ~~البلاد واكتساح سلطة الفرد. وهذا لم يكن موافقا لعظماء البلاد وأمرائها. أما الفئة ~~المتعلمة فلم تستطع التظاهر بسائر أفكارها، ms74 ولكنها كما وفقت لاستمالة أوروبا في مؤتمر ~~باريز عام سنة 1856 في مساعدة إنكلترا وفرنسا وإيطاليا، وحملتها على الاعتراف باستقلال ~~الدولة العثمانية، وعدم المداخلة في أمورها الداخلية، وفقت أيضا إلى استصدار ~~الفرمانات والخطوط الشريفة من السلطان عبد العزيز بشأن حرية الأهالي، ومساواتهم في الحقوق ~~والمعاملات، ومنع الجور والظلم والاستبداد من سائر إدارات الدولة. # وكان كبير هذه الفئة التي سميت بحزب ~~تركيا الفتاة هو المرحوم مصطفى باشا فاضل، ابن المرحوم إبراهيم باشا المصري؛ فإنه بعد سنة ~~من جلوس السلطان عبد العزيز تعين ناظرا للمعارف ثم للمالية، وأجرى فيها عدة إصلاحات، ~~وكان الصدر الأعظم وقتئذ يوسف كمال باشا، صهر محمد علي باشا الكبير والي مصر، وكان عالي ~~باشا في نظارة الخارجية، وفؤاد باشا في رئاسة مجلس الأحكام. وحدث أن فؤاد باشا تعين حكما ~~لفصل الخلاف بين مصطفى فاضل وإخوته على تقسيم ميراث أبيهم، فوقع بينهما عداء بسبب ذلك، ولما ~~تولى فؤاد باشا منصب الصدارة عزل مصطفى باشا من نظارة المالية، فشق عليه الأمر، وقدم ~~للسلطان عبد العزيز لائحة شدد فيها النكير على الاستبداد، وكشف الغطاء عن عورات الدولة، ~~وأوضح أسباب ضعفها وانحطاطها بعبارات لم يسمع بمثلها قبل ذلك في بلاط الملوك، وهاجر إلى ~~باريز عام سنة 1865، والتحق به الشبان الأذكياء، فأنفق على تعليمهم، ونبغ منهم عدة في الأدب ~~والكتابة والسياسة. وهذا هو نص لائحته: # تتصور أوروبا أن المسيحيين وحدهم في تركيا خاضعون للمعاملات الاستبدادية، ~~ولاحتمال أنواع الأذى والتحقير المتولد عن الظلم، وليس الأمر كذلك؛ فإن المسلمين ~~ربما كانوا أكثر مظلومية وأشد انحناء تحت نير العبودية من المسيحيين؛ لأن المسلمين ~~ليس وراءهم دولة أجنبية تحامي عنهم، فرعايا جلالتكم من جميع المذاهب مقسومون إلى ~~صنفين: ظالمون ظلما لا حد له، ومظلومون بلا شفقة ولا مرحمة، فالأولون يجدون في ~~الحكومة المطلقة التي تستعملها جلالتكم إغراء وتشويقا على جميع الرذائل، والآخرون ~~تفسد أخلاقهم بعلاقاتهم المضرة مع ساداتهم، وهم مجبورون على الخضوع دائما للشهوات ~~الرذيلة، ولا يستطيعون إيصال شكواهم لأعتاب سدتكم الملوكية؛ لأن ظلامهم يرون ~~هذه الاستغاثة ms75 من أكبر المفاسد، فاعتادوا دناءة الأخلاق التي لا يمكن تصورها. ~~ا.ه. # فحزب تركيا الفتاة يمكن أن نعتبر وجوده من سنة 1862 ميلادية، وقتما تولى مصطفى فاضل ~~باشا نظارة المعارف العثمانية. # وفي عام 1278 هجرية، الموافق سنة 1871 ميلادية، توفي عمر باشا أشهر قواد الدولة، وعالي ~~باشا أشهر سواسها، وتولى مسند الصدارة محمود نديم باشا، وكان شديد التعصب للإدارة القديمة ~~يكره الإصلاحات الجديدة، وقد تمكن بمكره من التقرب للسلطان عبد العزيز، فأسقط الرجال ~~المشهورين بالميل إلى الإصلاح والحرية، واستبدلهم بالمرتكبين والغاشمين، وصارت أموال الدولة ~~تنفق بلا حساب؛ حتى اضطرت إلى الاقتراض من أوروبا من مصارف الآستانة بالفوائد الفاحشة، ~~ولأجل تسديدها كانت توضع الضرائب على الفقراء من الأعشار والأغنام حتى وقعت البلاد في الفقر ~~والشقاء. # ومن الغلطات السياسية أن محمود نديم باشا استصدر من السلطان عبد العزيز فرمانا بفصل ~~الكنيسة البلغارية عن الكنيسة الرومية، وتعيين أكسارخوس للبلغارية مستقلة عن بطريرك الروم ~~في القسطنطينية، وكان ذلك بمساعي الجنرال إغناتيف، سفير الروسية، تمهيدا لإيجاد الدولة ~~البلغارية في المستقبل، مع أن الباب العالي كان يعتبر هؤلاء الأمم الصغيرة والصرب والأفلاق ~~والبغدان والجبل الأسود والهرسك تابعين لبطريركية القسطنطينية؛ لاشتراكهم في الدين ~~الأرثوذكسي. # ومن الغلطات المالية أيضا إعطاء البارون هرش النمساوي امتياز سكة حديد الرومللي. وهذه ~~الغلطات قد عرفنا نتائجها اليوم؛ حيث استقلت البلغار، واستولت دولة النمسا على سكة حديد ~~الرومللي. # ولما استحوذ الخلل على سائر فروع الإدارة، تصادف أن مدحت باشا نقل من ولاية بغداد إلى ~~ولاية أدرنه ، فمر بالآستانة وطلب مقابلة الحضرة السلطانية، ولما امتثل بحضرتها أعرض لها ~~طرف الخلل، وسوء الإدارة، ووخامة العاقبة في بلاد السلطنة، فعزل محمود نديم باشا من ~~الصدارة، وعين مكانه مدحت باشا، لكنه لم يبق فيها إلا ثلاثة أشهر حتى عزل، وبعد إبدال ~~وتغيير عاد محمود باشا نديم إلى الصدارة، وراج سوق الارتكاب، وبيع الرتب والنياشين ~~والمزايدة في الوظائف والمناصب، حتى هاجت الأقطار، واجتمع من طلبة العلم في جوامع الآستانة ~~ستة آلاف طالب، وهجموا على الباب العالي في 22 مايو ms76 سنة 1876 للفتك بمحمود باشا نديم، ~~وتولية محمد رشدي باشا مكانه، فأجيب طلبهم، وتشكلت وزارة رشدي باشا منه للصدارة، ومن حسين ~~عوني باشا للحربية، وقيصرلي أحمد باشا للبحرية، وراشد باشا للخارجية، وخير الله أفندي ~~لمشيخة الإسلام. وفي أثناء ذلك أشعلت نار الثورة في الجبل الأسود والأفلاق والبغدان، ~~فتحزبت لهم دولة الروس وتظاهرت بعدوان الدولة. # أما حزب تركيا، فقد أدرك حرج الموقف، واتحد مع أعضائه الذين أدخلوا في الوزارة، وهم: ~~حسن فهمي باشا، وشاكر باشا، وسعد الله باشا، واستمالوا إليهم أمراء الحربية وشيخ الإسلام، ~~واستصدروا الفتوى بخلع السلطان في 17 جمادى الأولى سنة 1293، الموافق 30 مايو سنة 1876، ~~ونادوا بابن أخيه السلطان مراد سلطانا على الممالك العثمانية. # وقد نقل السلطان عبد العزيز من سراي «طولمه بغجة» إلى «طوب قبو» المقابلة لها على ساحل ~~البحر، ثم نقل إلى سراي «جراغان» المجاورة لطولمه بغجة على ساحل البوغاز، وبعد خمسة أيام ~~أشيع موته، واختلف فيه؛ لأنه قيل: إنه قتل عمدا، وقيل أيضا: إنه انتحر بقطع شرايين ذراعه ~~بالمقص، وإن من كشفوا على الجثة وجدوها في الدور الأسفل من السراية ملقاة على سجادة بقرب ~~الباب، وعلى كل فإنه مات في جمادى الأولى سنة 1293، وخلفه السلطان مراد خان. # | السلطان الثالث والثلاثون # السلطان مراد الخامس ابن السلطان عبد المجيد خان ~~الغازي # ولد سنة 1256ه، وجلس في سابع عشر جمادى الأولى سنة 1293 للهجرة، الموافق 30 مايو سنة ~~1876، ففرحت الأمة العثمانية، وأقامت الأعياد في سائر السلطنة. # ثم حدثت مسألة جركس حسن بك، ياور السلطان عبد العزيز؛ فإنه دخل دار مدحت باشا حيث كان ~~الوزراء مجتمعين في المداولة بشأن مطالب روسيا، وفتك بالسر عسكر وراشد باشا ناظر الخارجية، ~~فأثرت هذه الحادثة على السلطان مراد حتى أوجبت اختلال شعوره، فخلع بفتوى من شيخ الإسلام، ~~وذلك بعد ثلاثة شهور وثلاثة أيام من جلوسه، وقد كانت مقاطعات البلقان في هياج لأن الهرسك ~~والصرب والجبل الأسود والبلغار طلبوا الاستقلال ليتخلصوا من الظلم والاستعباد، ولأن دول ~~أوروبا تطالب الدولة بإجراء الإصلاحات وتحسين حال المسيحيين. # وقد ms77 نقل السلطان إلى سراي «جراغان» على ساحل البوغاز، وسجن فيها إلى أن توفي سنة ~~1908. # | السلطان الرابع والثلاثون # السلطان عبد الحميد خان الثاني ابن السلطان ~~عبد المجيد خان # ولد عام 1258، وجلس في يوم الخميس الواقع في حادي عشر شعبان سنة ثلاث وتسعين ومائتين ~~وألف، واشترط عليه المغفور له مدحت باشا ثلاثة شروط: # أولا: # إعلان القانون الأساسي. # ثانيا: # استشارة الوزراء في أمور الدولة. # ثالثا: # تعيين ضياء بك وكمال بك ~~كاتبين خصوصيين للمابين، وسعد الله بك باشكاتبا؛ لأنهم من الأحرار ~~الحريصين على إجراء أحكام القانون الأساسي. # وبعد شهر من جلوسه عقد مؤتمر دولي مؤلف من 11 مرخصا، 2 من إنكلترا؛ وهما: السير هنري ~~إليوت، واللورد سالسبوري، و2 من فرنسا، و2 من النمسا، و1 من إيطاليا، وواحد من ألمانيا، و2 ~~من الدولة؛ وهما: صفوت باشا، وأدهم باشا، فعقدوا الجلسة الأولى في 23 ديسمبر سنة 1876. ~~وكانت الغاية من هذا المؤتمر النظر في الإصلاحات الواجب إدخالها في بلاد الدولة لتحسين ~~الحالة، ورفع المظالم، ولم يتم افتتاح الجلسة الأولى حتى دوت أصوات المدافع إيذانا ~~بإعلان القانون الأساسي المتكفل بإعطاء الحقوق والحرية لجميع الرعايا بدون استثناء. وقد قصد ~~السلطان عبد الحميد بإعلان هذا القانون إقناع الدول بعزمه على إجراء جميع الإصلاحات ~~المطلوبة، فلا يبقى فائدة من أعمال المؤتمر؛ حيث إن الأمة تولت إصلاح شئونها بنفسها. # وكانت الوزارة تحت رياسة محمد رشدي باشا، فاستعفى وتولاها مدحت باشا، فشكل مجلسا ~~عاليا تألف من الوزراء والمشيرين والرؤساء الروحيين والأعيان من مسلمين ونصارى ويهود، ~~وعرض عليهم لائحة المؤتمر، وأفهمهم طلبات الدول التي بها استقلال الأمم البلقانية، وأن ~~مرادها يؤدي إلى الحرب، فاجتمعت كلمتهم على رفض تلك الطلبات؛ لأن قبولها فيه إهانة عظمى ~~لشرف الأمة، حتى إن الروم عزموا على تشكيل فرقة متطوعة لمحاربة الصرب مع عساكر ~~الدولة. # فبناء على ذلك أجاب الباب العالي في 20 كانون الثاني سنة 1877 برد طلبات الدول، ورفض ~~المؤتمر الدولي، إشارة لقطع العلائق بين أوروبا والباب العالي. # ثم حاول السلطان في اجتماع «مجلس المبعوثان» حتى ضاق صدر ms78 مدحت باشا، وكتب إليه رأسا ما ~~يأتي: # لم يكن غرضنا من إعلان القانون الأساسي إلا قطع دابر الاستبداد، وتعيين ما ~~لجلالتكم من الحقوق وما عليها من الواجبات، وتعيين وظائف الوكلاء، وتأمين جميع ~~الناس على حريتهم وحقوقهم حتى تنهض البلاد إلى معارج الارتقاء، وإني أطيع أوامركم ~~إذا لم تكن مخالفة لمنافع الأمة ... # ونحو ذلك من هذا القبيل، فغضب السلطان من هذه الجرأة، وعزل مدحت باشا ونفي على الباخرة ~~«عز الدين» إلى إيطاليا، ووجهت الصدارة إلى أدهم باشا. # وبعد خروج السفراء من الآستانة بعث البرنس غورجاكوف، ناظر خارجية روسيا، إلى الدول ~~منشورا في 31 يناير سنة 1877، طلب فيه مداخلتها جمعاء في إجراء الإصلاحات بالممالك ~~العثمانية، وإلا اضطر القيصر وحده إلى اتخاذ التدابير الفعالة، وأرسل الجنرال أغناتيف إلى ~~عواصم أوروبا ليقنع الدول بأن الباب العالي بدأ بالإخلال في معاهدة باريس. # فلما رأى السلطان إصرار أوروبا على إصلاح الروم إيلي، أصدر إرادته في انتخاب «المبعوثان»، ~~ونفاذ أحكام القانون الأساسي، وافتتح المجلس في 4 ربيع الأول سنة 1294، الموافق 19 مارس سنة ~~1877 في سراي «طولمه بغجة» بمحلة بشكطاش، بحضرة السلطان، بالنطق الآتي: # أيها الأعيان والمبعوثان: # إنني أبدي الامتنان بافتتاح المجلس العمومي الذي اجتمع المرة الأولى في دولتنا ~~العلية، وجميعكم تعلمون أن ترقي شوكة واقتدار الدول والملل إنما هو قائم بواسطة ~~العدالة، حتى إن ما انتشر في العالم من قوة دولتنا العلية، وقدرتها في أوائل ~~ظهورها، كان من مراعاة العدل في أمر الحكومة، ومراعاة حق ومنفعة كل صنف من صنوف ~~التبعة. وقد عرف الناس أجمع تلك المساعدات التي أبداها أحد أجدادنا العظام المرحوم ~~محمد خان الفاتح في مطلب حرية الدين والمذهب. وكافة أسلافنا العظام أيضا قد سلكوا ~~على هذا الأثر، فلم يقع في هذا المطلب خلل بوقت من الأوقات، وغير منكر أن المحافظة ~~منذ ستمائة عام على صنوف تبعتنا وملتهم ومذاهبهم كانت النتيجة الطبيعية لهذه القضية ~~العادلة. والحاصل بينما كانت ثروة الدولة والملة وسعادتها صاعدتين في درج الترقي في ~~تلك الأعصار والأزمان بظل حماية العدالة ووقاية ms79 القوانين، أخذتا بالانحطاط ~~تدريجا؛ بسبب قلة الانقياد للشرع الشريف وللقوانين الموضوعة، وتبدلت تلك القوة ~~بالضعف ... إلخ. # وقد تعين أحمد وفيق رئيسا ل «مجلس المبعوثان»، وانعقدت الجلسة الأولى تحت رئاسته، فدارت ~~فيها المذاكرة على وضع العريضة الواجب تقديمها جوابا على النطق الشاهاني، ثم حدث أن مرخصي ~~الدول الست الذين تألف منهم مؤتمر الآستانة اجتمعوا في لوندرا، فوقعوا في 31 مارس سنة ~~1877 على مضبطة بدون أن يكون معهم مرخص الدولة، طلبوا فيها من الباب العالي التخلي عن عشرين ~~ناحية من أملاك الدولة إلى إمارة الجبل الأسود؛ بحجة أن لغتهم سلافية، فحضر ناظر الخارجية ~~إلى «مجلس المبعوثان» وقرأ عليهم نص تلك المضبطة، مبينا لهم أحوال السياسة الخارجية، ~~وأفهمهم بأن رفض التسليم بما جاء في تلك المضبطة يؤدي إلى الحرب مع روسيا. # ومعلوم أن ليس للدولة معين من بقية الدول كما كان لها في حرب القرم، فاعترض أكثر ~~المبعوثين على قبول المضبطة، وأظهروا من الحماسة والغيرة بالوطنية ما لا مزيد عليه، ورفضوا ~~قبولها بالأغلبية، وعندئذ نظم الباب العالي احتجاجه على المضبطة المذكورة في 9 أبريل سنة ~~1877، وأسنده على أن محتويات تلك المضبطة مجحفة باستقلال المملكة العثمانية المصدق عليه في ~~معاهدة باريز، وفي 24 أبريل سنة 1877 أعلنت الحرب، ودامت ثمانية أشهر، وأظهرت فيها ~~الجنود العثمانية من الشجاعة والجلد ما دل على قوتها، ولكن قلة التجهيزات العسكرية، وسوء ~~الإدارة، وفراغ الخزينة من المال، وصدور الأوامر المتناقضة من جانب السلطان إلى القيادة ~~العامة أتاح النصر للروس في تركيه أوروبا، ثم في آسيا، فتجاوزت جنودهم نهر الطونه وجبال ~~البلقان، واستولوا على القرص، وحاصروا أرضروم من جهة الأناضول، وفتحوا قلعة بلافنا، فأبلى ~~عثمان باشا الغازي وعساكره بلاء حسنا اندهشت له أوروبا. # وفي يوم الخميس 7 ذي الحجة سنة 1294، الموافق 13 ديسمبر سنة 1878، عقد «مجلس المبعوثان» ~~جلسته الثانية، وتوجهوا مع أعضاء مجلس الأعيان والوكلاء والوزراء والعلماء إلى سراي بشكطاش، ~~فدخل عليهم جلالة السلطان في الساعة السادسة عربية من ذلك اليوم، وسلم إلى سعيد باشا ~~باشكاتب المابين الشاهاني، فتلاه ms80 على الحاضرين وهو: # أيها الأعيان والمبعوثان: # إنني ممتن من افتتاح المجلس العمومي ومشاهدة مبعوثي الملة، وأذكر لكم انتشاب ~~نار الحرب بيننا وبين الروس، وإن الضرورة قد قضت علينا بهذه الحرب محافظة على ~~الحقوق العمومية، وحق المساواة بين جميع سكان المملكة، وإدخال غير المسلمين في ~~السلك العسكري، والمحافظة على القانون الأساسي، وإصلاح المالية، ثم إن إيجاد ~~الحقائق في المسائل القانونية والسياسية، وتأمين منافع البلاد يتوقفان على مبادلة ~~أرباب الشورى وأفكارهم بالحرية التامة، وبما أن القانون الأساسي يأمركم بذلك، فلا ~~أرى احتياجا إلى حثكم على ذلك. # ثم انعقد «مجلس المبعوثان» تحت رئاسة حسن فهمي أفندي، ودارت المذاكرات من ديسمبر سنة 1877 ~~إلى فبراير سنة 1878، وكثر الجدال بشأن محاكمة المرتكبين، وقطع دابر الرشوة، وتحسين أحوال ~~المحاكم، حتى قال أحد «المبعوثان»: «إن عساكر الضبط في الولايات تنهب الأهالي، وإن المحاكم ~~ترتشي على إبطال الحق ...» وغير ذلك من القول المؤلم. # ثم استقدم مدحت باشا من أوروبا، وكانت الحرب الروسية في منتهاها؛ لأن عساكر الروس كانوا ~~استولوا على أدرنه وما جاورها، فدولة النمسا طلبت وقتئذ عقد مؤتمر في فيينا من الدول ~~الموقعات على معاهدة باريس؛ لوضع المعاهدة الجديدة بين تركيا وروسيا، وأرسلت إنجلترا ~~أساطيلها الحربية إلى بحر مرمرا، وتداخلت أوروبا بالمسألة الشرقية لإرجاع الروس عن أبواب ~~الآستانة، فاغتنم السلطان وقوع بعض الخلاف بين الدول واستغنى عن مشورة «مجلس المبعوثان»، ~~فشكل في 11 فبراير سنة 1878 مجلسا عاليا من وكلاء الدولة وأعيانها والرؤساء الروحانيين. ~~وهذا المجلس استدعى إليه خمسة أشخاص من «مجلس المبعوثان»؛ وهم: الرئيس، ووكيلاه، وأحد ~~مبعوثي الآستانة، ومبعوث آخر إسرائيلي؛ للمداولة معه في الحالة الحاضرة، فمندوب الآستانة ~~الحاج أحمد أفندي كتخدا أجابه بأن جملة مسائل حصلت بدون سؤال «المبعوثان» عنها؛ ولذلك فإنهم ~~يلقون كل مسئولية الخراب على عاتق الوزارة. # ولما بلغ السلطان ذلك عدل عن سياسة والده المرحوم السلطان عبد المجيد، من حيث إجراء ~~الإصلاحات، وإعطاء الحرية، وتطبيق القانون الأساسي، ورجع إلى سياسة جده السلطان محمود ~~معتقدا أن الشعوب التي وضعها الله تحت سلطته لا ms81 يمكن تسييرها إلا بالقوة والاستبداد، فأصدر ~~إرادته في 14 فبراير سنة 1878 بتعطيل «مجلس المبعوثان» لأجل غير مسمى. # ثم أوعز السلطان إلى اضطهاد رجال «المبعوثان»، فتبعثروا بين مصر وباريس والولايات ~~المتطرفة، فمنهم خليل غانم، مبعوث بيروت، فإنه هاجر إلى باريس وانقطع فيها إلى تحرير القسم ~~الشرقي في جريدة الدنيا، وفيه أماط النقاب عن سائر ما يجريه السلطان ورجاله من المظالم ~~والاستبداد، ولبث على هذه الخطة إلى أن توفي. # أما الحرب الروسية فقد انتهت في أواخر شهر فبراير من سنة 1878، وكان الفوز فيها للروس، ~~وعقد السلطان معهم شروط الصلح الابتدائية بالمعاهدة المعروفة بسان إستفانوس، ثم في 10 رجب ~~سنة 1295، الموافق 13 يوليو سنة 1878، استبدلت بهذه المعاهدة معاهدة برلين، فاستقلت ولاية ~~البلغار، وجعلت الروم إيلي الشرقية ولاية ممتازة، واستقلت السرب والجبل الأسود والأفلاق ~~والبغدان، واحتلت النمسا بلاد بوسنه وهرسك، واحتلت إنجلترا جزيرة قبرص، وفي سنة 1303 ثارت ~~الروم إيلي الشرقية للتوصل إلى انضمامها للبلغار، فحصل لها الاتحاد النوعي، ثم أخذ السلطان ~~يغير ويبدل في الوزارة إلى أن تولاها جواد باشا مع حداثة سنه، وعدم اختباره بأحوال ~~المملكة؛ لأنه كان من أمراء العسكرية ولم يسبق له الاشتغال بأمور السياسة، فعلى عهده حصل ~~اضطهاد الأحرار، وراج سوق الجاسوسية، وانتشرت الرشوة في سائر فروع المصالح والإدارات، وصارت ~~الوظائف والرتب والنياشين تباع بيع السلع. ولأن المادة 61 من معاهدة برلين أوجبت على الباب ~~العالي السرعة في إجراء التحسينات والإصلاحات التي تقتضيها حالة البلاد في الولايات ~~المأهولة من الأرمن لحمايتهم من الجراكسة والأتراك، فإنجلترا قامت تطالب السلطان بذلك، ~~فانحرفت سياسته عنها واتجهت نحو ألمانيا، وبقي الأرمن يتألمون من صنوف الظلم التي تقع ~~عليها، ولما لم يجدوا لهم مغيثا ألفوا في سنة 1890 جمعية لتحريرهم، وكان رأس مالها ~~130000 فرنك، فأحس بها أحرار العثمانيين، وتشاوروا معها خفية لإصلاح عموم الولايات ~~العثمانية؛ لأن الظلم والغدر شاملان للأرمن والأتراك ولعموم المسلمين والمسيحيين، ويزيد ~~المسلمون على غيرهم باحتمالهم أعباء الخدمة العسكرية التي تقعدهم عن زرع الأراضي ~~والاتجار، ثم انتشرت فروع لهذه ms82 الجمعيات في أوروبا، فشعر السلطان بذلك، وأوعز إلى ~~المقربين منه ليبثوا روح العداء بين الأكراد والأرمن، فاشتعلت نار الفتن بينهم في سنة 1894، ~~وحدثت مذابح ساسون وسواها، وخربت ثلاثون قرية من قرى الأرمن عن آخرها، وذبحت النساء ~~والأطفال ذبح الأغنام. # فهذه الحادثة قد شجعت الجمعيات الأرمنية مع جمعية رجال الأحرار فنهضوا، واشتدت نقمتها على ~~السلطان، وبثوا روحهم بين تلامذة المدارس العليا في الآستانة، فاجتمع أربعة من تلامذة مدارس ~~الطب؛ وهم: إسحاق سكوتي من ديار بكر، وعبد الله جودت وحكمت أمين من قونية، ومحمد أمين من ~~قوقاسيه، وألفوا جمعية سموها جمعية الاتحاد والترقي، جعلوا موضوعها طلب الإصلاحات الدستورية ~~للمساواة بين أصناف الرعية، والحصول على حرية القول والعمل، وضمانة الأرواح والأموال، ~~وتقييد السلطان بالقوانين؛ فانضم إليهم كثيرون من تلامذة المدارس وأرباب الأقلام، واتخذوا ~~في قبول الأعضاء وإدخالهم في هذه الجمعية طرقا تشبه الطرق الماسونية، وزادوا عليهم أسلوبا ~~غريبا يأمن به الداخل كشف أمره حتى بين إخوانه أعضاء الجمعية، بحيث إن العضو الواحد لا ~~يعرف من سائر الأعضاء - ولو كانوا ألوفا - إلا اثنين: العضو الذي أدخله، والعضو الذي توسط ~~في إدخاله. # ثم إن فروع الجمعية المركزية كانت أولا في الآستانة، ثم انقلبت إلى باريس، ثم إلى ~~سالونيك، ومؤلفة من لجنة إدارية يتعارف أعضاؤها ويجتمعون، ثم يصدرون أوامر إلى اللجان ~~الفرعية، فإذا عرف أعضاء الإدارة أحدا من العثمانيين توسم فيه الذكاء والميل إلى الحرية ~~وإصلاح المملكة، تدرج في إطلاعه على وجود الجمعية، فإذا طلب الانتظام في سلكها وعده في ~~النظر بطلبه، ثم خاطب اللجنة بشأنه، فإذا قبلته سلمته نمرة يعرف بها من سجلاتها، ودعته ~~للحضور في جلسة سرية يحضرها أعضاء اللجنة متنكرين، فيقسم اليمين على الإنجيل والقرآن ~~والمسدس، ويخرج ولا يعرف غير صديقه الذي أدخله . # وقد نمت هذه الجمعية ودخل في سلكها عدد كثير من ضباط وأمراء العسكرية، وأنشئت لها جملة ~~فروع؛ منها فرع الآستانة تحت رئاسة شفيق بك من كبار الياوران، وفرع في بساماتيا تحت رئاسة ~~الشيخ الناقلي، وفرع في سالونيك، وآخر في بيروت، ms83 ثم في دمشق تحت رئاسة شفيق بك العظم، وفرع ~~في رودس، وآخر في مصر. # واشتهر مراد بك الداغستاني أنه من رؤساء هذه الجمعية، وهو كاتب بليغ له مكانة رفيعة بين ~~أرباب الأقلام، ولما أنشأ جريدة ميزان زادت شهرته، ونهضت الجمعية على أيامه حتى بدأت تجاهر ~~بمطالبها، فكتب مراد بك تقريرا في الحالة الحاضرة ورفعه إلى السلطان، فكانت النتيجة تأجج ~~نار الغضب عليه، فانتبهت الجمعية المركزية للخطر المحدق برجالها، وعزم أعضاؤها على مفاجأة ~~مجلس الوكلاء في أثناء اجتماعه بالباب العالي، وخلع السلطان عبد الحميد، وإعادة السلطان ~~مراد أو تولية ولي العهد، وعولوا في تنفيذ طلبهم على كاظم باشا، قائد الفيلق الأول في ~~الآستانة، وبينما هم يتحفزون إلى العمل اعترضهم نجيب باشا، سفير تركيا في مدريد سابقا؛ لأن ~~القوة التي كانت بيد كاظم باشا لم تكن كافية، فأخروا القرار إلى وقت آخر. وهذا التأخير ~~أوجب مناقشات حادة، حتى إن نادر بك، سكرتير الجمعية المركزية، اعترض على التأخر بصوت ~~جهوري، فوصل صداه إلى بعض المتلصصين، فوشى به إلى السلطان، فجمعهم بقوة الضابطة، وأنزلهم ~~في باخرة مع عائلاتهم لتوزيعهم على جهات بعيدة، وهكذا تشتتت هذه الجمعية ولم تقم لها ~~قائمة إلا عندما غضب الداماد محمود باشا، صهر السلطان عبد الحميد، وخرج من الآستانة مع ~~نجليه: البرنس صباح الدين، ولطف الله أفندي، وذلك في شهر ديسمبر عام 1899، واستوطنوا باريس، ~~فالتف حوله رجال الأحرار، وعادوا إلى الاشتغال في قلب دولة الظلم والاستبداد، وظهر في ~~مقدمتهم أحمد رضا بك، وهو رئيس «مجلس المبعوثان» الآن، فإنه نشأ في عهد مصطفى باشا وعالي ~~باشا، وتشرب منهما روح الحرية والوطنية، وهو ابن المرحوم علي بك إنكليز؛ لأنه كان قد تعلم ~~الإنكليزية، ووقف على المدنية الأوروبية. وقد حضر إلى باريس عام 1890، وحرر إلى السلطان ~~لائحة مفصلة مشتملة على وسائل إصلاح الإدارة والمالية والزراعة والتجارة والعدلية، فنقم ~~عليه السلطان عبد الحميد، وخصوصا عندما ترأس شعبة باريس ونشر جريدته (منشورات) بالتركية ~~والعربية. # ثم جددت شعبة مناستير أعمالها، وأخذت تنشر مبادئ الجمعية بين ضباط ms84 الجنود، فانتظم فيها ~~كثيرون منهم، وأشهر أعضاء هذه الشعبة طلعت بك ومدحت بك، وكانت المخابرات متصلة بينهما ~~وبين الجمعية المركزية في باريس. # ولما تمكنت الجمعية من انضمام ضباط وأمراء الفيلقين الثاني والثالث المعسكرين في ~~سالونيك ومناستير وأسكوب وأدرنه وأزمير مع ضباط وأمراء الفيلق الرابع المعسكر في أرضروم، ~~أخذت في تأليف العصابات الوطنية في مقدونية؛ لمقاومة كل حركة عدائية. وأول من باشر تأليف ~~العصابات كان نياظي بك البطل المشهور، ثم اقتدى به زميله أنور بك، وكلاهما من الفيلق ~~الثالث، وتبعهما كثير من الضباط، فانتشر كل منهم في جهة من جهات مقدونية وألف عصابة ~~لإعداد الأهالي لقبول روح الحرية والاستقلال، وإعادة «مجلس المبعوثان»؛ لأن الإسلام يأمر ~~بالشورى. # ولما كانت البلاد قد سئمت من الظلم والاستبداد، فقد استقبل الأهالي نياظي وزملاءه بكل ~~ارتياح، وأقسموا لهم اليمين على الإخلاص لهم، وأنهم معهم ضد كل من يقاوم الحرية والإصلاح ~~وإعادة القانون الأساسي. # وقد حاول السلطان كثيرا إمحاق هذه الروح من بلاد السلطنة، ولكن بعد أن أعيته الحيل، ~~وتظاهرت الفيالق الثلاثة بتعضيد رجال الأحرار، جمع الوزراء وشيخ الإسلام والشيخ أبو الهدى ~~وشاورهم في شأن الجمعية، من حيث إعادة القانون الأساسي، فأشاروا عليه جميعا ~~بإعادته. # وفي يوم 24 يوليو سنة 1908، الموافق 2 جمادى الثاني سنة 1326، أصدر السلطان إرادة شاهانية ~~بإعادة «مجلس المبعوثان» الذي صدر به القانون الأساسي سنة 1876، وعينت وزارة هذا العهد ~~الجديد مشكلة من سعيد باشا كجك للصدارة، وعمر رشدي باشا للحربية، ولبث باقي الوزراء في ~~مناصبهم. # وقد أقيمت حفلات فخيمة في سائر أنحاء السلطنة بلغت فيه مظاهرات التآخي بين جميع أصناف ~~الأمة منتهى مظاهرها، وقام الخطباء ونوابغ الشعراء يتبارون في إطراء الحرية، والتغني ~~بالدستور، حيث أجادوا في وصفه بأنه منبت الحرية والمساواة، ومصدر العدالة والمصافاة، وأنه ~~السيف القاطع لأيدي الظلام الواقي من أعساف الحكام، الحاقن للدماء، والدافع للبلاء، وغير ~~ذلك من نفيس القول. # أما السلطان عبد الحميد، فبعد إعلان الدستور، فقد استعمل كل حيلة ودهاء ليؤكد للدستوريين ~~أنه أصبح دستوريا أكثر منهم، وأعلن ذلك مرارا، ms85 كما أعلن أنه كان مغرورا بالمقربين ~~إليه، لكنه سعى سرا في تأليف جمعية باسم الجمعية المحمدية، مشكلة من الأشراف والعلماء ~~مرماها بأن الشورى تعم المساواة بالعباد على مبدأ الشريعة المطهرة، فأقبل الناس على الدخول ~~فيها. وفي مدة قليلة تألف لها شعب في عموم الولايات العثمانية، وقامت في أول أعمالها في ~~يوم عيد المولد النبوي الشريف، حيث تجمهر عدد كبير من الصفطاء وعامة الشعب مع أفراد الجنود، ~~وقاموا بمظاهرة كبرى أمام الباب العالي و«مجلس المبعوثان» طالبين إجراء حصول الشريعة، ~~فأحدثت هذه المظاهرة الخوف والاضطراب في الآستانة. # وفي يوم الأربعاء 10 فبراير سنة 1908، شاع أن الصدر الأعظم عزل رضا باشا ناظر الحربية، ~~وعارف باشا ناظر البحرية؛ اتقاء لمؤامرة ضد السلطان، فقدم شيخ الإسلام مع ناظري الداخلية ~~والعادلية مع رئيس مجلس الشورى استقالتهم؛ لعدهم ذلك العزل مخالفا للقانون الأساسي، على أن ~~الناس اشتد هياجهم على أثر ذلك، واعتقدوا أن الصدر الأعظم لم يعزل ناظري الحربية والبحرية ~~إلا عندما تأكد أن هناك مؤامرة ضد السلطان، وأن مدبريها هم أعضاء جمعية الاتحاد والترقي ~~بما فيهم ناظر الحربية، فأصبح السخط عاما على هذه الجمعية؛ لأن الشعب أصبح يحب السلطان ~~بعد أن تظاهر بمظهر الدستوري، ومخافة أن خلعه يؤدي إلى فتن قد تسبب إلغاء الدستور، ثم حدث ~~أن عساكر الآستانة تمردت على ظباطها، وطافوا في الشوارع معيثين بالأمن، فانضم إليهم جملة ~~آلاف من العامة، وهجموا على «مجلس المبعوثان»، فأطلقوا على نوافذه رصاص بنادقهم. أما ~~طلباتهم فكانت قاصرة على أن يكون الدستور وجميع الأحكام منطبقة على التربية الإسلامية، وقد ~~انتدب شيخ الإسلام سماحة ضياء الدين أفندي لمفاوضتهم وإقناعهم بالكف عن التمرد، فلم ~~يسمعوا. # وفي 13 أبريل سنة 1909، اجتمع مئات من الجنود بسلاحهم وقصدوا ميدان جامع أجيا صوفيا دون ~~ظباطهم؛ لعرض بعض المطالب على مجلس الأمة، فأرسلت الحكومة فصيلة من الجنود لصدهم، فاقتتل ~~الفريقان قتالا شديدا، وبسببه أقفلت العاصمة، واستولى الرعب على السكان، وتفاقم الخطب حتى ~~أصبحت الآستانة ميدانا للفوضى، وتعطلت المصالح والمدارس ونظارات الحكومة، واختفى معظم ~~أعضاء «المبعوثان». ms86 # واقتضي لتسكين هذا الهياج وتأييد الدستور زحف جنود الاتحاد من سالونيك ومقدونيا تحت ~~قيادة شوكت باشا إلى الآستانة، فحاصروها واحتلوا مواقعها وقبضوا على الجنود الثائرين في يوم ~~الجمعة 23 أبريل سنة 1909. وفي يوم السبت 24 أبريل سنة 1909، استيقظ الناس على دوي ~~المدافع من جهة يلدز؛ لأن السلطان أصر على المقاومة، فحصرت السراي، وبعد مدة أرسل قومندان ~~الاحتلال إلى جواد بك قائد جنود يلدز إنذارا بالتسليم فسلم، ولكن بعض الجنود الذين بداخل ~~السراي لم يقبلوا بالتسليم. وفي صباح يوم الأحد حملوا ستين مدفعا وطافوا في الشوارع، ~~فضربتهم جنود الاتحاد وفتكت بهم عن آخرهم. أما السلطان فسلم يوم السبت مع رجاله من طاهر ~~باشا إلى نادر أغا وعبد الغني أغا وكل أغوات القصر، وقبل التسليم طلب التأمين على حياته ~~فأجيب طلبه، وعند ذلك نقل إلى سراي «طولمه بغجة»، وأعلنت الأحكام العرفية في الآستانة، ~~واستلم أحكامها محمود شوكت باشا قائد الجنود الفاتحة. # واجتمع مجلس النواب في سان إستفانوس وقرروا خلع السلطان عبد الحميد، بعد أن صدرت الفتوى ~~بذلك، وأعلن خلعه في يوم الثلاثاء 27 أبريل سنة ~~1909، الموافق 7 ربيع الآخر سنة 1327، ونودي بحضرة رشاد أفندي سلطانا باسم السلطان محمد ~~الخامس، ثم نقل السلطان عبد الحميد المخلوع من الآستانة إلى سالونيك، وهناك وضع في سراي ~~اللاتيني تحت الخفارة مع أربعة من نسائه، وهو باق فيها إلى الآن، وعين له المرتب اللازم ~~بعد أن صودرت جميع أملاكه وأمواله ومجوهراته، فسبحان الدائم الذي لا يتغير. # | السلطان الخامس والثلاثون # سيدنا ومولانا الخليفة الأعظم أمير المؤمنين ~~وسلطان العثمانيين السلطان محمد خان الخامس رشاد الدين ~~ابن السلطان عبد المجيد خان # هو السلطان الدستوري الطيب الأخلاق، الحميد المآثر، المحبوب من رعاياه، وفقه الله إلى ~~ما يحبه ويرضاه، أشرقت شمس أنوار جلالته في عالم الوجود عام 1844م، فكانت تلك السنة سنة خير ~~وبركات على الممالك المحروسة العثمانية، وشب جلالته مع أخويه السلطانين مراد وعبد الحميد ~~على ما يشب عليه أصحاب النجابة آل البيت السلطاني، وعرف عن جلالته - أعز الله به العثمانيين ms87 ~~- حسن خلقه، ولين عريكته، وميله إلى رعيته، وعنايته بفقرائهم، حتى كان يسميه الناس بأبي ~~الفقراء وسيد الرحماء، وانخرط في سلك الجندية على عهد ساكن الجنان عمه عبد العزيز خان إلى ~~أن نال رتبة فريق، وكل رسومه القديمة هي برتبته العسكرية. # وما زال حرا في غدوه وإيابه يعمل لخير العثمانيين، ويهتم بشئون الدولة إلى أن خلع ~~السلطان عبد العزيز، ثم وليه خلع أخيه ساكن الجنان السلطان مراد خان، وتولى الأمر ~~السلطان عبد الحميد، فحجر عليه كما حجر على عموم أهل البيت المالك. وذلك الحجر هو التزامه ~~سرايه، فلا يخرج منه إلا وطائفة الجواسيس محدقة به، ملتفة حوله، وإذا عاد إليها لازمه ~~الجواسيس كظله، فلا يجرؤ أن يتصل به أحد من العثمانيين، وظل على تلك الحالة السيئة مدة ~~حكم عبد الحميد الطويلة إلى أن أعلن الدستور المبارك، فخرج للناس، وأنسوا بجلالته غاية ~~الاستئناس، ووجدوا فيه الخلق الرضي، والنفس الشريفة، والمبادئ الدستورية، حتى حسبوه مثالا ~~حيا لمدحت باشا كما قال أدباء الأتراك. # ولما حدثت حوادث 13 أبريل سنة 1909، وانجلت عن خلع السلطان عبد الحميد في 27 منه، نودي ~~بجلالته خليفة للمسلمين، وسلطانا للعثمانيين، فاستبشر العالم الإسلامي بجلالته، واغتبط ~~العثمانيون بتوليته العرش متفائلين خيرا. # وقد حقق جلالته الظنون بما أظهره من حسن الاستعداد، والسعي المتواصل لخير الأمة، فضلا ~~عما أظهره من حسن السياسة، وحبه لرعيته، وسعيه المتواصل لتقدمها ونجاحها، وفي كل يوم لنا ~~من جلالته آلاء محمودة، وآثار بارة مشهودة، فالله المسئول أن يمدنا بطول بقائه فخرا ~~وذخرا؛ ليتجدد به مجد المسلمين، وفخار العثمانيين. آمين. ms88