######OpenITI# #META# URI: 1358FiliksFaris.HakadhaTakallamZaradusht.Hindawi19595390 #META# Tags: philosophy :: literature #META# ID: 19595390 #META# Title: هكذا تكلم زرادشت: كتاب للكل ولا لأحد #META# AuthorID: 58086140 #META# Author: فريدريك نيتشه #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 83172751 #META# Translator: فليكس فارس #META# Related_books: 1318FriedrichNietzsche.AlsoSprachZarathustra (TRANSL) #META#Header#End# # تمهيد‏ # إهداء‏ # كتب المؤلف‏ # الجزء الأول‏ # مستهل زرادشت‏ # خطب زرادشت‏ # الجزء الثاني‏ # الطفل حامل المرآة‏ # في الجزر السعيدة‏ # الرحماء‏ # الكهنة‏ # الفضلاء‏ # الوغد‏ # العناكب‏ # مشاهير الحكماء‏ # نشيد الليل‏ # نشيد الرقص‏ # نشيد القبور‏ # الانتصار على الذات‏ # العظماء‏ # في بلاد المدنية‏ # المعرفة الطاهرة‏ # العلماء‏ # الشعراء‏ # الحادثات الجسام‏ # العراف‏ # الفداء‏ # حكمة البشر‏ # أعمق الساعات صمتا‏ # الجزء الثالث‏ # المسافر‏ # الرؤى والألغاز‏ # الغبطة القاسرة‏ # قبل بزوغ الشمس‏ # الفضيلة المصغرة‏ # على جبل الزيتون‏ # على الطريق‏ # الآبقون‏ # العودة‏ # الثلاثة الشرور‏ # الروح الثقيل‏ # الوصايا القديمة والوصايا الجديدة‏ # النقاهة‏ # الأمنية العظمى‏ # نشيد آخر للرقص‏ # الأختام السبعة أو نشيد البداية والنهاية، الألف والياء‏ # الجزء الرابع‏ # تقدمة العسل‏ # استنجاد‏ # محادثة مع الملكين‏ # العلقة‏ # الساحر‏ # المعتزل‏ # أقبح العالمين‏ # مختار التسول‏ # الظل‏ # في الظهيرة‏ # السلام‏ # العشاء السري‏ # الإنسان الراقي‏ # نشيد الأشجان‏ # المعرفة‏ # بين غادتين في الصحراء‏ # الانتباه‏ # عيد حمار‏ # نشيد الثمل‏ # النذير‏ # ملحق‏ # تمهيد‏ # إهداء‏ # كتب المؤلف‏ # الجزء الأول‏ # مستهل زرادشت‏ # خطب زرادشت‏ # الجزء الثاني‏ # الطفل حامل المرآة‏ # في الجزر السعيدة‏ # الرحماء‏ # الكهنة‏ # الفضلاء‏ # الوغد‏ # العناكب‏ # مشاهير الحكماء‏ # نشيد الليل‏ # نشيد الرقص‏ # نشيد القبور‏ # الانتصار على الذات‏ # العظماء‏ # في بلاد المدنية‏ # المعرفة الطاهرة‏ # العلماء‏ # الشعراء‏ # الحادثات الجسام‏ # العراف‏ # الفداء‏ # حكمة البشر‏ # أعمق الساعات صمتا‏ # الجزء الثالث‏ # المسافر‏ # الرؤى والألغاز‏ # الغبطة القاسرة‏ # قبل بزوغ الشمس‏ # الفضيلة المصغرة‏ # على جبل الزيتون‏ # على الطريق‏ # الآبقون‏ # العودة‏ # الثلاثة الشرور‏ # الروح الثقيل‏ # الوصايا القديمة والوصايا الجديدة‏ # النقاهة‏ # الأمنية العظمى‏ # نشيد آخر للرقص‏ # الأختام السبعة أو نشيد البداية والنهاية، الألف والياء‏ # الجزء الرابع‏ # تقدمة العسل‏ # استنجاد‏ # محادثة مع الملكين‏ # العلقة‏ # الساحر‏ # المعتزل‏ # أقبح العالمين‏ # مختار التسول‏ # الظل‏ # في الظهيرة‏ # السلام‏ # العشاء السري‏ # الإنسان الراقي‏ # نشيد الأشجان‏ # المعرفة‏ # بين غادتين في الصحراء‏ # الانتباه‏ # عيد حمار‏ # نشيد الثمل‏ # النذير‏ # ملحق‏ # | هكذا تكلم زرادشت # | هكذا تكلم زرادشت # | كتاب للكل ولا لأحد # تأليف # فريدريك نيتشه # ترجمة # فليكس فارس # فريدريك نيتشه. # | تمهيد # ما من مفكر أشد إخلاصا من نيتشه؛ إذ لم يبلغ أحد قبله ما وصل إليه، وهو يسبر ~~الأغوار في طلب الحقيقة دون أن ms001 يبالي بما يعترض سبيله من مصاعب؛ لأنه ما كان ليرتاع من ~~اصطدامه بالفجائع في قراراتها أو من انتهائه إلى لا شيء. # إميل فاكيه # عضو المجمع العلمي الفرنسي # هذا هو نيتشه كما صوره فاكيه بعد أن درس عديد مؤلفاته واستعرض فلسفته، وقد جاراه بهذا ~~التقدير أنصار نيتشه وخصومه من كل شعوب أوروبا فإنك لو استعرضت المؤلفات التي كتبها عنه ~~العباقرة العديدون، ومنهم من يعتقد بتخبطه على غير هدى، ومنهم من يرى وراء كل جملة من ~~أقواله سورة لا تنجلي معانيها إلا للعقل النافذ والحس المرهف لرأيتهم قد أجمعوا على وصفه ~~بالمفكر الجبار المتجه إلى الحقيقة يطلبها وراء كل شيء حتى وراء المبادئ التي يقول ~~بها. # وما أجمع هؤلاء المفكرون إلا على الصواب في هذا الوصف الذي ارتضاه نيتشه لنفسه؛ إذ قال: # لا يكفي لطالب الحقيقة أن يكون مخلصا في قصده بل عليه أن يترصد إخلاصه ويقف موقف ~~المشكك فيه؛ لأن عاشق الحقيقة إنما يحبها لا لنفسه مجاراة لأهوائه، بل يهيم بها ~~لذاتها، ولو كان في ذلك مخالفا لعقيدته فإذا هو اعترضته فكرة ناقضت مبدأه وجب عليه ~~أن يقف عندها فلا يتردد أن يأخذ بها. # إياك أن تقف حائلا بين فكرتك وبين ما ينافيها، فلا يبلغ أول درجة من الحكمة ~~من لا يعمل بهذه الوصية من المفكرين. # عليك أن تصلي نفسك كل يوم حربا، وليس لك أن تبالي بما تجنيه من نصر أو تجني ~~عليك جهودك من اندحار، فإن ذلك من شأن الحقيقة لا من شأنك. # قال نيتشه بهذا المبدأ وعمل به وبالرغم مما يتجلى في تعاليمه من غرور وصلف، فإنه كان ~~يسير في أبحاثه ولا هم له سوى استكشاف الآفاق؛ فيورد اليوم فكرة يكذبها غدا، فكأنه ~~بإنكاره الخير والشر لم يجد بدا من إنكار كل عقيدة ثابتة، فإذا أنت أردت أن تسير وراء هذا ~~الفيلسوف طلبا للعقيدة فلا تتعب نفسك باللحاق به في مراحل يقطعها بخطواته الجبارة؛ لأنه هو ~~نفسه قد أصابه الخبل وبصيرته تائهة في استلهام الحقيقة واستقرائها. # من قال ms002 لك: «إن لا مكتشف لحقيقة ذاته إلا من يهتف: هذا هو خيري وهذا هو شري فيخرس ~~الخلد والقزم القائلين بأن الخير خير للكل والشر شر للجميع.» # من قال لك هذا، لا تتوقع منه أن يأتيك بشرعة تقوم مقام الشرائع التي يثور عليها. # إن نيتشه المفكر الجبار الذي يفتح أمام الفرد آفاقا وسيعة في مجال القوة والثقة بالنفس ~~وتحرير الحياة من المسكنة والذل، تائقا إلى إيجاد إنسان يتفوق على إنسانيته بالمجاهدة ~~والتغلب على العناصر والعادات والتقاليد وما توارثته الأجيال من العقائد الموهنة للعزم؛ يقف ~~وقفة الحائر المتردد عندما يحاول إقامة مجتمع لأفراده المتفوقين بل هو يضطر إلى نقض ~~أولياته القائمة على احتقار الرحمة والرحماء حتى ينتهي إلى قوله: «إن العالم الذي يتفوق ~~على الإنسانية إنما يعود بها بعد هذا الجنوح إلى بذل حبه للأصاغر والمتضعين.» # وهكذا ترى زرادشت الداعي إلى تحطيم ألواح الوصايا جميعها، وإلى إنكار الشريعة الأدبية ~~لإقامة شرعة جديدة ما وراء الخير والشر؛ يعود مفتشا بين أنقاض الألواح التي حطمها على ~~كلمات قديمة يجعلها دستورا لإنسانيته المتفوقة. # إن نيتشه الذي ذهب إلى أبعد مدى في تفحص سرائر الإنسان وأهوائه يضيق به المجال عندما ~~يتجه إلى حل المعضلات الاجتماعية؛ لأنه إذا أمكن للفرد المنعزل أن يختط لنفسه منهجا ~~يوافق هواها باعتقاده أنه هو المبدع لذاته والحركة الأولى لها، فإنه ليمتنع عليه أن يكون ~~عضوا حيا في المجموع إذا هو لم يعترف في علاقته مع إخوانه بأنه ليس مصدرا لذاته ولا ~~مآبا لها. # إن من يطمح إلى مثل ما طمح إليه نيتشه من تكوين مجتمع منظم يسود فيه المتفوقون، ولكل منهم ~~شره الخاص وخيره الخاص لا يوجد في النهاية إلا مجتمعا يتفاوت التفوق فيه بين أفراده ~~فيقضي الأقوى منهم على الأقل قوة منه حتى يقف آخر الظافرين منتحرا بقوته وعنفه كما انتحر ~~إله نيتشه برحمته. # غير أن المبدع لزرادشت لم تفته هذه الحقيقة، فعاد إلى الشريعة الأولى يختلس منها آيتها ~~الكبرى ليوردها وصية لدنياه فقال: # حذار من الطفرة في مسلك الفضيلة ms003 ؛ فعلى كل فرد أن يسير في طريقه وإن جنح عن ~~مسلك الآخرين، فلا يطمحن إلى بلوغ الذروة وحده؛ إذ على كل سائر أن يكون جسرا ~~للمتقدمين وقدوة للمتأخرين. # أين هذه الوصية مما دعا إليه زرادشت في مفكراته نفسها؛ إذ قال: # على أهل السيادة في الإنسانية المتفوقة أن يمهدوا سبل السعادة لمن هم دونهم ~~بتضحية ملذاتهم وراحتهم، وعليهم أيضا أن ينقذوا من لا يصلحون للحياة بالقضاء عليهم ~~دون إمهال. # بل كيف يتفق القسم الأول من هذه الوصية مع قسمها الثاني؟! ومن له أن يضع مقياسا يقضي به ~~لمن يصلحون للحياة كما يقضي به على من لا يصلحون لها إذا اتبع القاضي شرعة زرادشت القائل ~~بأن على أتباعه أن تتجلى القوة فيهم من الرأس حتى أخمص القدم. # ولو أن مذهب نيتشه هذا طبق قبل ميلاده لكانت السلطة التي يراها مثلا أعلى قضت على ~~أبيه وأمه دون إمهال؛ فما كان له هو أن يظهر في الوجود بدماغه الجبار وبسم الداء الذي ~~جال من دمهما الملوث في دمه ... # ثم، أفليس هنالك غير هذه الأدواء الطارئة والتي يمكن للعالم أن يكافحها، ما يقضى على ~~الإنسان بالرضوخ له من حالة في جسمه لا قبل له بتبديلها أو تعديلها؟ أفما تحقق الطب أن كل ~~مولود يجيء الحياة إنما يدخلها مستصحبا معه إليها من سلالته الضعف الذي سيقضي عليه، أفليس ~~في كل دارج على هذه الغبراء علة أو علل كامنة في تكوين أعضائه ستورثه الردى حين تدنو ساعته؟ ~~... # أي جسم مهما ظهر لك صحيحا ليس فيه عضو هو أضعف الحلقات في سلسلة أعضائه، وفي فراغ مناعته ~~المحدودة انفصام العرى وبداية انحلال العناصر في هيكله الفاني؟! # أين هو الجسم المنيع الذي يتوق نيتشه إلى إيجاده مربعا من قمة الرأس إلى أخمص ~~القدم؟! # لقد عمل العالم المتمدن على إيجاده بالرياضة؛ فأوجد الرقاب الغليظة والعضلات المتضخمة ~~مسببا منها تضخم القلب، وجفاء الطبع، وبلادة التفكير، وانحطام أجنحة الخيال. # يريد نيتشه خلق الإنسان المتفوق جبارا كشمشون، وشاعرا كداود، وحكيما كسليمان. فهو يكلف ~~الطبيعة ms004 ما لا قبل لها به، ويطمح إلى إيجاد جبابرة لا يصلحون لشيء في المجتمع؛ لأن الحيوية ~~لا تنصرف من مختلف نوافذها الجسمية في آن واحد دون أن تقبض على صاحبها لتوقفه من سلم ~~الارتقاء على مرتبة معلقة بين الاعتلاء والانحطاط؛ فيكون منه لا الإنسان المتفوق بل الإنسان ~~«التافه» القصير الحياة والقاصر في كل عمل يباشره. # إن المجتمع لا يقوم من الوجهة العملية على أفراد يحاولون الإحاطة بكل شيء فلا ينالون منها ~~شيئا. # وليس الحال إلا على هذا المنوال من الوجهة الروحية أيضا، فإن من تبصر في أحوال الناس ~~وطرائقهم في الحياة، لا بد له أن يسلم أخيرا بأن لكل شخصية حياتها بما كمن في حوافزها، ~~ولكل شخصية ميتتها بما خفي من أدواء جسمها وعلل إرادتها، وبما وراءها من مقدمات وحولها من ~~نتائج. # إن في الحياة مسالك خطتها الإرادة الكلية وليس للإدارة الجزئية أن تتناولها بتحوير، ~~فمصاعد الرقي للأرواح منتصبة من كل مسلك في عالم الظاهر نحو العالم الخفي، وما خصت العناية ~~أقوياء الجسوم بالارتقاء. # ولرب صعلوك في نظر نيتشه لا يصلح للحياة، ويجب أن يقضى عليه دون إمهال تتفجر منه قوة لا ~~تراها إلا البصائر النيرة. # من لنا بسبر الأغوار البعيدة القرار لندرك سر التكامل في الذات والحكمة في حد الأشواط ~~لكل روح لتقوم بقسطها من المقدور. # ومن لنا بإدراك سر الضعف والقوة، وقد يكون الضعف في الجسم السليم والقوة في العليل من ~~الأجسام. # إن لكل مخلوق أن يبلو الحياة بما أعطي من ظاهر الضعف أو ظاهر القوة؛ لأن للصحة محنتها ~~كما للمرض محنته، والأنفس الطامحة إلى مثلها العليا سواء أكانت هذه المثل في هذه الحياة ~~أم ما وراء الحياة؛ إنما تتغذى من الجسد ناحلا عليلا كما تتغذى منه مليئا بالنضارة ~~والصحة والبهاء. # إن للحكمة العليا مقياسها في تقدير الجهاد الأكبر على كل نفس، ومن يدري في أية لحظة وبأي ~~مداد من قوة الجسد أو ضعفه تخط الروح الأسيرة آخر سطر من كتابها؟ ... ~~••• # إن محور الدائرة في فلسفة نيتشه إنما ms005 هو إيجاد إنسان يتفوق على الإنسانية؛ لذلك تراه يهزأ ~~بكل من عده التاريخ عظيما بين الناس قائلا: إن الجيل الذي يلد العظماء لم يولد بعد، ~~وأن لا رجل في هذا الزمان يمكنه أن يتفوق على ذاته، وكل ما بوسع الناس أن يفعلوه في سبيل ~~المثل الأعلى هو أن يتشوقوا إليه ليخرج من سلاتهم في مستقبل الأزمان. # وسوف يرى القارئ في الفصول الأخيرة ما هو تقدير زرادشت للرجال الراقين في هذه الحقبة ~~الشاملة لعصره ولعصرنا، فهو يعتبرهم نماذج فاشلة للإنسان الذي يتوقع نشوءه، غير أن زرادشت ~~وهو يتكلم بلهجة الآمر الناهي ويرسم للحياة طرقها بخطوط متفرقة إن لم تجمعها أنت بقيت ~~حروفا منتثرة لا معنى لها؛ لا يقول لنا بصراحة ما يجب أن نفعله لنصبح جدودا لأحفاد تصلح ~~بهم الحياة، ولكن من يعود بصيرته على مجاراة نيتشه في الرؤى التي يهيم فيها يستوقفه قوله: # إن ما فطرنا عليه هو أن نخلق كائنا يتفوق علينا، تلك هي غريزة الحركة ~~والعمل. # ثم يستوقفه في موضع آخر قوله: # إنني لم أجد امرأة تصلح أما لأبنائي إلا المرأة التي أحبها. # فإذا ما وقف المفكر عند هذا يعرف ما هي تلك الفطرة التي يراها دافعة للإنسان إلى التفوق ~~على ذاته وأنساله. # وما تكون تلك الفطرة إن لم تكن حافز الحب الصحيح، وفي أعماقه غريزة الانتخاب تجتذب ~~الزوجين إلى اتصال يشدد أحدهما فيه ما وهن في بنية الآخر. # ولولا أننا درسنا مليا مسألة اعتلاء الأمم وانحطاطها نبحث صحة النسل واعتلاله في فصل ~~«منابت الأطفال»، من كتابنا «رسالة المنبر إلى الشرق العربي» لكنا نثبت هنا أن إيجاد ~~الإنسان الكامل في إنسانيته، لا الإنسان المتفوق على نوعه كما يريد نيتشه، إنما يقوم على ~~مجاراة حوافز الاختيار الطبيعي في الزواج باعتبار كل شهوة جامحة وكل طمع يسكت هاتف الاختيار ~~سواء في الرجل أو المرأة جناية على الإنسانية. # هذا، وإننا لا نجد بدا من نقل بعض فقرات من فصل منابت الأطفال تأييدا لهذه ~~الحقيقة: # إن الإنسان لا يريد الانقياد للانتخاب الطبيعي ms006 فهو يطمح إلى تحكيم اختياره في حوافز ~~لا يعلم منشأها، فيعمد الرجل إلى استيلاد المرأة أطفالا تتجلى فيهم كوامن علله وعلل ~~المرأة التي يرغمها إرغاما بدلا من أن ينقاد إلى الانتخاب الطبيعي الذي تتذرع به ~~الطبيعة للغلبة على العاهات والأمراض وللقضاء على حوافز الخبل والإجرام. ~~••• # إن الولد المختل العليل إنما هو الضحية البريئة تصفع الطبيعة به أوجه الرجال الفاحشين ~~والنساء الطامعات المضللات. ~~••• # ومما لا ريب فيه أيضا أن الطبيعة في حرصها على طابع الأبوين في الأبناء تطمح دائما ~~إلى الجمع بين رجل وامرأة يصلح أحدهما ما أفسدت الحياة في الآخر، ولا يقف طموح الطبيعة ~~عند حد إصلاح الأعضاء، بل هو يتجه خاصة في الإنسان إلى إصلاح ما تطرق من عيوب إلى صفاته ~~الأدبية العليا، ولعل في هذا بعض التفسير لسيادة الإيقاع بين رجل وامرأة تخالفت ~~أشكالهما وأوضاع أعضائهما ومظاهر قواهما الأدبية والعقلية، فقد لا تجد مصارعا قوي ~~العضلات يعشق مصارعة مثله ولا فيلسوفا يتوله بفيلسوفه، ولكم وقف المفكرون مندهشين ~~أمام امرأة فاضلة تحس بانجذاب نحو رجل متلاعب محتال أو بارعة في الجمال تندفع إلى ~~الالتصاق برجل قبيح. إن بعض العشق ينشأ من حنان خفي في الطبيعة يشبه عطف الطبيب ~~المداوي على العليل المستجدي الشفاء ... ~~••• # إن المفكرين يثورون على الشبان الذين يقدمون على الزواج وفي دمائهم سموم وفي مجاري ~~نطفة الحياة منهم صديد، ومن الأمم من سنت القوانين الصارمة لمنع زواج المبتلى بالعلل ~~الزهرية وبالجنون محافظة على صحة النسل، ولكنني لم أقر لمفكر رأيا في الحيلولة دون ~~الزواج الآلي المجرد عن كل عاطفة، ويتراءى لي أن طفلا يجني أبواه عليه بإيراثه دما ~~أفسدته الأمراض لهو أقل شقاء بنفسه وأقل إضرارا بالمجتمع من طفل يرث من أبويه عهر ~~العاطفة وضلال الفطرة. # لقد تشفي العقاقير أبناء العلل ولكن أي دواء يشفي الطفل الذي زرعه توحش الرجل المفترس ~~في أحشاء المرأة المنكسرة الذليلة؟ إن مثل هذا الطفل لن يكون إلا وحشا كأبيه أو ~~عبدا ذليلا كأمه. ~~••• # إن من الحب ما ينشأ عن الحياة الجسدية ms007 حاجة ملحة متقلبة كالحياة نفسها، وفي النساء ~~كما في الرجال أناس حبهم أشبه بالجوع والظمأ يتهافتون على أية مائدة ويرتوون من أي ~~ينبوع، وماذا عساه يفهم من الحب من يرى المحبوب مائدة وينبوعا؟ قل من الناس من يدرك ~~أن من أنكر على المحبوب شخصيته التي لا تستبدل فقد أنكر هو ذاته شخصيته التي يحس ~~بها. ~~••• # لا صلاح لأمة فسدت منابت أطفالها، وهذه عبر التاريخ ماثلة لعيان من يريد أن ~~يرى. # أفما كانت كل الأمم التي اندثرت واستعبدت تمر أولا في مرحلة تدني الأخلاق وانطلاق ~~الشهوات عابثة بأشرف ما خلق الله في الإنسان. ~~••• # سوف يأتي يوم، وهو غير بعيد، تتنبه المدنية فيه إلى أن الرجل المتفوق الذي ينشده ~~العلماء في الغرب لن يخلق لهم من التمرين لقوى العقل وقوى الجسد، ولا من فحص خلايا ~~المتزوجين بالمجهر حتى ولا من تلقيحهم بالمواد الكيماوية أو تطعيمهم بغدد ~~القرود. # إن الرجل الكامل أو الأقرب إلى الكمال إنما هو ابن الحب الكامل، فالمحبة وحدها هي ~~السبيل المؤدي إلى إدراك الحق والقوة والجمال. # لندع العالم المتمدن يفتش في علومه ونهضة مفكريه على هذا الحب الذي تخيله ماركس ~~متجليا في الحرية التامة للناس في أهوائهم فجاءت البلشفة تثبت انخداع هذا الفيلسوف في ~~نظرياته، ليفتشوا أنهم لن يتصلوا في تجاربهم إلا إلى العبر الزاجرة المؤلمة. # أما نحن، أبناء هذا الشرق الذي انبثق الحق فيه انصبابا من الداخل بالإلهام لا تلمسا ~~من الخارج، فلنا المسلك المفتوح منفرجا أمامنا للاعتلاء والخروج إلى النور بعد هذا ~~الليل الطويل، إذا نحن أخذنا بروح ما أوحاه الحق إلينا. # لا بترقية الزراعة والصناعة، ولا بنشر التعليم والتهذيب ولا بجعل البلاد جنة ثراء ~~وتنظيما، تنشأ الأمة ويخلق الشعب الحر السعيد. # إن الجنين الذي يحمل أسباب شقائه، وهو في بطن أمه لا يمكنه أن يصير رجلا حرا ~~قويا يفهم حقيقة الحياة ويتمتع بالعظمة الكامنة فيها. # إن الاهتمام بإيجاد الطفل الصالح أولى من العمل لإعداد العلم والتهذيب لطفل نصقل ~~مظاهره صقلا وتنحطم كل محاولة للنفوذ إلى علته ms008 المستقرة فيه منذ تكوينه. ~~••• # ليس الفقير المتسول، ولا العليل المتألم، ولا الشيخ الهرم يتمشى بلا سند إلى قبره، ~~ليست المرأة المستعبدة بلقمة، ولا الفتاة المخدوعة المنطرحة على أقذار المواخير، ليس كل ~~هؤلاء الناس الأشقياء في الحياة بأشقى من الأطفال يجور عليهم آباؤهم وأمهاتهم قبل أن ~~يقذفوا بهم إلى الوجود، ويرهقونهم بالقطيعة والإهمال بعد أن يدرجوا عليها بأقدامهم ~~الناحلة المتعثرة ... # الرجل الذي يمسخ حبه الواحد شهوات متعددة، والمرأة التي تتقصف متهتكة ماسخة هيكل ~~نسمات الله مركعا لنفايات البشر من عباد الخيانة والطيش، إنما هما آدم وحواء مطرودين ~~من الجنان إلى أرض الجهود المضيعة والآلام المحتمة، ومن يدري أن حديث معصية الأبوين ~~ليس رمزا لخيانة الحب، تلك الخيانة التي تنزل اللعنة بمرتكبيها وبأبنائهم من بعدهم ~~... # ويل للرجل الذي يهدم بيديه سعادته وسعادة أبنائه، وويل للمرأة التي تدنس منبت ~~أطفالها. # ليس في تمهيد موجز كهذا مجال لبحث فلسفة نيتشه التي أشغلت كبار كتاب القرن التاسع عشر، ~~ولم يزل الفلاسفة يكتبون عنها إلى اليوم، غير أن ما تناولناه إلماما من نظريات نيتشه ~~يكفينا لتحديد ما يجب أن نغفله منها دون أن ننتقص من قدر هذا العبقري لأنه اقتحم أسرار ~~الكون معتمدا ذاته فعاد عن هذه الأسرار مدحورا، وهل من كاتب قبله أو بعده تمكن من حل ~~ألغاز الوجود والوقوف منها عند عقيدة صريحة تستغني عن الإيمان بالقوة الخفية المتعالية عن ~~التعليل والتحليل؟ # حسب نيتشه في موقف حيرته، وما هي بالدرجة الوضيعة على سلم التفكير، أن يهتك سريرته ~~أمامك دون أن يلجأ إلى إعمال السفسطة لإيجاد وحدة ظاهرية وتناسب مزيف في صرح تفكيره، حسبه ~~أنه اندفع وراء المثل الأعلى الكامن في «إرادة القوة» تبعا لتعبيره وفي نفس الإنسان ~~الخالدة تبعا لعقيدة المؤمنين، فبسط أمام المفكرين من مشاهد المجتمع ومن مسالك الأرواح على ~~معابر الأرض ما لم يلمحه سواه من المنشئين. ~~••• # إن ما نرانا بحاجة إلى الوقوف عنده من فلسفة نيتشه في كتاب زرادشت، الذي لم تفته قضية ~~اجتماعية لم يقل فيها كلمة كان لها دويها ms009 في العالم الغربي، إنما هو هذه المبادئ التي ~~تجتث ما غرست قرون العبودية في أوطاننا من استكانة حولت إيمانها إلى استسلام في حين أن ~~روح شرعتها يهيب بالنفس إلى الجهادين في سبيل الوطن والإنسانية جمعاء. # إن الدين الذي يهاجمه نيتشه إنما هو صورة لأصل شوهها الغرب، وما علم هذا الدين أن ~~الحياة معبر على المؤمن اجتيازه، وهو معرض عن كل ما حوله معلق أبصاره على باب قبره، بل ~~علم أن الحياة مرحلة من أشواط الآزال والآباد وما تطهر أنفس لم تحترق بنار الحياة ~~أجسادها، ولم تعد صلاحا لباقياتها بإصلاح زائلاتها. # ليس نيتشه إذن مبدع فكرة التكامل للإنسان على الأرض؛ فإن التكامل مبدأ جعلته الأديان ~~السماوية أساسا لكل وصية تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، غير أن الدين قد أراد للإنسان ~~تكاملا روحيا يهيئه إلى إدراك بارئه وراء المحسوس في حين أن نيتشه، وقد أنكر ما لا تقع ~~الحواس عليه، أراد أن يفلت الإنسان من حدود إنسانيته على هذه الأرض فيجعلها جنة خلد يستوي ~~عليها بجبروته إلها ... # وقد غرب عن هذا الفيلسوف أن المخلوقات كلها في سلسلة الوجود لا تملك الانعتاق من حدود ~~أنواعها، ومهما كرت القرون وتعاقبت الأجيال لا يمكن للجماد أن يفلت من مملكته إلى مملكة ~~النبات، ولا للنبات أن يجتاز حدود مملكة الحيوان، ولا للحيوان أن يجتاح مملكة ~~الإنسانية. # لذلك كان الذاهب في طلب إنسان يتفوق على الإنسانية كالمحاول استنبات الشجرة حيوانا أو ~~استبدال الحيوان إنسانا. # لقد كرت القرون على مبدأ التاريخ الذي نعلم وعلى ما لا نعلم من حقب كرت ما وراءه، ~~والإنسان لم يزل هذا المخلوق الدائر أبدا ضمن حلقة إنسانيته. # لقد كان نيتشه من المعتقدين باستحالة الأنواع حين صرخ بلسان زرادشت وهو يخاطب الحشد في ~~الساحة العمومية: «لقد كنتم من جنس القرود فيما مضى على أن الإنسان لم يفتأ حتى اليوم أعرق ~~من القرود في قرديته.» # ولكنه بالرغم من هذا يصرح بأن هذا النوع القردي، وهو الإنسان لم ينسلخ عن أصله فكيف زين ~~له خياله أن ms010 في هذا النوع إنسانا فائقا لا يزال كامنا منذ البدء ينتظر قدوم فيلسوف في ~~أواخر القرن التاسع عشر يستجلي هذا الجبار ويبعثه بإرادة جديدة تتسلط لا على الحاضر ~~والمستقبل فحسب بل على ما مر وتوارى أيضا في عاصفات الأحقاب؟ ... ~~••• # إن بدعة الإنسان المتفوق إنما هي في تقديرنا تشوق نفس شعرت بأنها كانت وستكون، وقد ضرب ~~الإلحاد حولها نطاقا فتوهمت أنها ستبلغ في هذه الحياة ما ليس من هذه الحياة. # إن نيتشه يعلن إلحاده بكل صراحة، ويباهي بكفره غير أننا لا نكتم القارئ الكريم أن ما ~~قرأناه بين سطوره، وقد مررنا بها كمن عليه أن يتفهم كل معنى ويستجلي كل رمز، يحفز بنا إلى ~~القول بأننا لم نر كفرا أقرب إلى الإيمان من كفر هذا المفكر الجبار الثائر الذي ينادي ~~بموت الله، ثم يراه متجليا أمامه في كل نفس تخفق بين جوانح الناس من نسمته الخالدة، فإن ~~هذا الملحد بالرغم من اعتقاده بأن الجسد هو أصل الذات وأن الروح عرض لها وبأن كلا الروح ~~والجسد فانيتان، لا يملك نفسه من الهتاف وهو يؤكد عودة كل شيء واستمرار كل شيء فيقول: ~~أواه كيف لا أحن إلى الأبدية وأضطرم شوقا إلى خاتم الزواج، إلى دائرة الدوائر حيث يصبح ~~الانتهاء ابتداء. إنني لم أجد حتى اليوم امرأة أريدها أما لأبنائي إلا المرأة التي ~~أحبها؛ لأنني أحبك أيتها الأبدية. # إنني أحبك أيتها الأبدية. # أين هذه الهتفة الرائعة تصدو في أعماق روح تتطير من الزوال من ابتسامة الملحد الصفراء، ~~وهو لا يرى وراءه وأمامه إلا العدم والزوال بل يكاد يرى وجوده خدعة وخيالا كاذبا. # إن فلسفة لا تستنيم لفكرة الفناء ولا ترى في النهاية إلا عودة إلى بداية ليست بالفلسفة ~~الجاحدة، فالمفكر المؤمن بإنسانية عليا تتدرج إلى الكمال حتى ولو قال بألوهية الإنسان على ~~الأرض لا يمكنه إلا أن يؤمن في قرارة نفسه بكمال مطلق تتشوق روحه إليه ما وراء هذا ~~العالم. ~~••• # ولا بد هنا من إيراد تاريخ موجز لحياة هذا الفيلسوف، وليس في حياته القصيرة ms011 وهي مليئة ~~بالآلام من الحوادث ما يستحق التدوين غير المراحل التي مر عليها تفكيره فتأثر بها، وهل ~~نيتشه إلا فكرة وهل حياته إلا وقائع ميادينها السطور والصفحات. # ولد هذا العبقري الثائر سنة 1844 في بلدة روكن من أعمال ألمانيا، وكان أبوه واعظا ~~بروتستانيا من أسرة بولونية هجرت بلادها في القرن الثامن عشر على أثر اضطهاد شرد منها ~~أشياع كنيسة الإصلاح. # وما بلغ فريدريك الخامسة من عمره حتى مات أبوه، فكفلت أمه تربيته وتربية أخته فأرسلته إلى ~~مدرسة نومبورغ، ثم انتقل منها سنة 1864 إلى كليتي بون وليبسيك حتى إذا بلغ الخامسة والعشرين ~~من عمره سنة 1869 تجلى نبوغه فعين أستاذا للفلسفة في كلية بال. # بعد سبع سنوات؛ أي سنة 1876 ظهرت عليه أعراض «الزهري الوراثي» فحكمه صداع شديد أضعف بصره ~~فبقي يلقي الدروس حتى سنة 1879؛ إذ اضطر إلى الاستعفاء ليذهب متنقلا بين روما وجنوا ونيس ~~وسيل ماريا وهو يعمل الفكر ويكتب مصارعا علته عشر سنوات، فلا هو يبرأ منها فيحيا، ولا هي ~~تجتاح دماغه الجبار فيموت إلى أن جاءته سنة 1889 بالفالج مقدمة للجنون فتوارى سنة 1900 بعد ~~أن سبقته إلى الموت عبقريته العليلة وإرادته الوثابة الجبارة. ~~••• # ذلك كان فريدريك نيتشه، مجسم القوة المفكرة التي دارت بها النائبات، وحاصرتها الأوجاع، ~~وتصادمت مع تيارات الفلسفات التي كانت تهب في ذلك العهد في ألمانيا وفي أوروبا بأسرها ~~حاملة للعالم مبادئ تضعضع العقل وتهز المجتمع بتقويضها كل عقيدة تقيم أمام الإنسان غاية ~~لحياته. # فقد كانت أفكار فيخته وشللينغ وهيغل وشوبنهور تهب جميعها ناشرة في أوروبا مزيجا من مذاهب ~~القدرية والعدمية ووحدة الوجود والإرادة الحرة، فقال شوبنهور: إن روح الوجود قوة طائشة ~~عمياء أدركت نفسها في عقل الإنسان وشعوره فوجم حائرا وفي نفسه ظماء في صحراء لا ماء فيها ~~غير وهج السراب. ولم يجد هذا الفيلسوف من علاج لهذه العلة غير التمرد على الحياة نفسها ~~بترك ملذاتها، والالتجاء إلى الزهد وانتظار الفناء في ما يشبه النيرفانا وهي القوة التي ~~تتلاشى كل شخصية فيها. # وكانت ms012 الفلسفة الدينية تقاوم هذه التيارات للاحتفاظ بالعقيدة المسيحية بأبحاث لاهوتية ~~ينسجها حول تعاليم عيسى رهط من المفكرين كنويمن وكورليج وكارليل وشلير ماخر وبيارلرو وجان ~~باينو وشارل سكريتان وأضرابهم فزجوا بالإنجيل في مآذق مجادلات ليست منه وليس منها في شيء، ~~وهل خطر لذلك المعلم الإنساني وهو يدعو إلى تطهير النفس ومقاومة الظلم والأخذ بالرحمة ~~وإقامة الإخاء بين بني الإنسان أن ينشئ مدرسة للتعليل عن مظاهر الكون ومنشأ الروح ~~والانعكاسات من الآفاق والانطباعات في السرائر، بل هل خطر له أن يبحث علاقته بالله وعلاقته ~~هو وحده أو هو وأب الخليقة كلها بروح القدس؟ ~~••• # وأخذ نيتشه بهذه التيارات تهب من كل جانب على فكره الوقاد تلهبه الآلام، وتثير تشوقه إلى ~~حال يعلل فيها سبب وجوده وهدف صبره وجهاده. # إن الرجل المتمتع بصحة الجسم وبشيء من العزم يكتفي من هذه الحياة بما تعطيه فإذا آمن ~~بالله واليوم الآخر وقف عند إيمانه هذا مرتاحا إلى ضميره، وإذا أخذ بفلسفة الجحود رضي بهذه ~~المرحلة من شعوره بذاته وطلب أوفر تمتع بأقل جهد. # ولا يسطو القلق الفكري بخاصة في حالة الحيرة من أمر هذه الحياة إلا على الإنسان الذي يؤدي ~~ثمنا باهظا من أوجاعه لكل لذة يختلسها كالسارق من قوته الأسيرة في ضعفه الجائر. # إن مثل هذا الإنسان، إذا عززته القوة الخفية بالحس المرهف، يطالب الدنيا ببدل لما يبذل ~~فيها فيستنطق نفسه والآفاق ليعلم ما إذا كان لهذه الإنسانية المعذبة المجاهدة ما يبرر ~~محنتها وجهادها. # وفريدريك نيتشه كان ذلك الإنسان فما أرضته من الفلسفة اللاهوتية تلك الأحاجي التي أحيطت ~~المسيحية بها، وما كان ليرضى من جهة أخرى بهذه القوة الهوجاء التي صورها شوبنهور موجدة ~~لإنسان لم يعط له إلا التصور لإقامة أشباح تتراقص حوله وهي غير كائنة إلا في وهمه. # ونظر نيتشه إلى الوجود فرأى وراء صوره المتحولة مادة تتعالى عن الاندثار فنشأت فيه فكرة ~~العودة المستمرة، وبدأت صورة زرادشت ترتسم في ذهنه حتى استكملها فأنشأ كتابه في أوقات ~~متقطعة من سنتي 1883 و1885 في فترات كانت ms013 تسكن فيه حدة دائه أو هو يسكنها بما كان ~~يتناوله من جرعات الكلورال المخدر، وهو نفسه يقول إنه كتب كلا من الأجزاء الثلاثة الأولى ~~من زرادشت في مدى عشرة أيام كان فيها مأخوذا بإلهامه خاضعا لقريحة تحكمت فيه فلم يستطع ~~مقاومتها حتى أرهقته إرهاقا. # إذا نحن عرفنا هذا تجلت لنا العوامل التي ألقت على زرادشت وشاح الأحلام، فإن نيتشه يقبض ~~في فصوله على مشاعر قارئه ليمر به على رؤى يتسامى الخيال فيها إلى أوجه مفلتا من رقابة ~~القوى الواعية، فكأنه يسير بمطالعه في عالم أحلام تبعث أشباحها من انطباعات القوى ~~الواعية، ولكنها تتبع في مرورها وحركاتها ما نحسبه تضعضعا في عالم القوى الساهية ~~المجهولة. ~~••• # لقد ماشينا نيتشه في حلمه وهو يستعير لعقله الباطن أو لسريرته أو لفكرته الساهية اسم ~~زرادشت الفارسي الذي قال بالخير والشر كقوتين تتنازعان حياة الإنسان، فرأينا زرادشت المزيف ~~لا يقلد الأصلي باتخاذه أتباعا له وباقتباسه لهجة حكماء الشرق إلا ليعارض فكرة الخير والشر ~~قائلا: إنها نشأت دخيلة على الإنسانية وإن ليس لهذه الإنسانية أن تتفوق على ذاتها إلا ~~بإنكار الخير والشر وتحطيم ألواح الشرائع المقدرة لقيم الأعمال؛ لأن كل شعب اشترع لنفسه ~~ما لا يتوافق واشتراع جاره. # ولكن نيتشه المتلبس خيال زرادشت في رؤياه لم ينتبه إلى أنه يرتكب تناقضا بينا في ~~دعوته؛ إذ ينكر ما يراه من خير وشر طلبا لحالة جديدة يراها هو خيرا يريد أن يتسلح به ~~للقضاء على شر ينكر وجوده. # ولو كانت الحقيقة كامنة وراء الخير والشر كما يدعي زرادشت الجديد أو بتعبير آخر لو أن ~~هنالك حقيقة مجردة عن الخير فلماذا يطلب زرادشت هذه الحقيقة، وهو يعلن أنها الخير كل الخير ~~للإنسانية إذا هي أدركتها؟ ~~••• # إن تحديد الخير والشر في الكلمات العشر إنما هو أساس كل شرعة تكفل حق الفرد ونظام ~~المجموع. # لقد تتناقض الأحكام التي تستنها الحكومات والجماعات في مجال الأزمان مستوحاة من حالة ~~مؤقتة تدفع إليها حاجة ملحة، فتكتب ألواح تستبدل بتبدل الوضع والملابسات، ولكن ~~السنن التي تستلهم ms014 من الشريعة الموحى بها لا يمكن أن تتعارض إذا هي سلمت من دخيلات ~~الأوضاع الإنسانية، وكل شرعة أصيلة تحتفظ بطابع مصدرها تتوافق حتما وكل شريعة تحدرت ~~مثلها من ذلك الأصل. # إن زرادشت الجديد لم يجل في مسارح حلمه فاتحا لسريرته مجالات التفكير إلا وهو يحتفظ ~~بانطباعات من تواريخ الأمم القديمة الوثنية، وبصور متناقضة من القوانين التي أبدعتها ~~حكومات الغرب وجماعاته ونقاباته الصناعية والمالية فتمثلت هذه السنن أشباح ألواح ~~تتراقص عليها ألوان البدع، فما وسع زرادشت إلا أن يثور عليها ويدعو أتباعه إلى ~~تحطيمها. # أما اللوحان الأولان وكلمة عيسى بأن يعامل الإنسان أخاه بما يريد أن يعامله أخوه به ~~والشريعة الأحمدية التي جاءت على أساس هذا المبدأ بخير الكليات تستنبط منها الأحكام لكل ~~جماعة ولكل زمان، فإن زرادشت لم يبحثها مع أن نفسه كانت تصبو إليها لشعوره بوجودها وراء ~~أقنعة النظم التي أسدلها الغرب على مجتمعاته، وإذ كان لم يتميزها فما ذلك إلا لأن دماغه كان ~~يتصدع بما حشر فيه من فلسفة اليونان القديمة ومن مشاحنات أعلام عصره الذين شغلوا بالجدل ~~والمماحكات المنطقية المجردة حتى أتوا بنظريات تورث الدوار وتبلبل الفكر فيضطر من ألم بها ~~إلى نبذها جميعا؛ لأنها كدود القبور يلتهم بعضها البعض الآخر بعد أن تتغذى من جيفة لا حياة ~~فيها. ~~••• # وفي هذا الحلم يسير زرادشت هادما كل ناموس ونظام؛ لينبئ الناس بالخلود وبقاء الذات في ~~وجود شبهه بالساعة الرملية ينقلب أبدا قسمها المفرغ لاستفراغ قسمها الممتلئ. # ولا يطمعن القارئ في الظفر من زرادشت بما يثبت هذه العقيدة الراسية على خلود مبهم وعودة ~~أشد إبهاما؛ لأنه لن يظفر منه بغير صور يلمحها لمحا في بيان شعري يتلبس الفلسفة دون أن ~~يكون فيه أثر لأي استقراء أو لأي تعليل فيخرج من استغراقه، وهو لا يدري أيقصد نيتشه من ~~العودة المستمرة ما يتوهمه الملحدون من خلود الآباء في الأبناء، أم هو يرمي إلى عودة ~~الشخصية بالذات ناسية ماضيها تاركة في كل مرحلة من مراحلها جثة تتلوها جثة على مدى ~~الأحقاب. # لقد ms015 تمرد نيتشه أمام العدم كما قلنا، وخفيت عنه حقيقة الدين الذي أخذ به الغرب عن عيسى ~~فأحاطه بالمعميات، كما خفيت عنه حقيقة ما أنزل على محمد فشوهه هذا الغرب ~~بالافتراء والتشنيع تعصبا وجهلا، فوقف مفكرا جبارا لا يستسلم لفكرة العبث في غاية ~~الكون ولا يرضى بالنظم الاجتماعية التي أوجدتها المدنية وأسندتها إلى الدين، وهكذا هب يطلب ~~للإنسانية إلها منها يسودها وللأرض معنى أبديا يحول كل زوال فيها إلى خلود مستمر ~~التجدد بين الخفاء والظهور في محدود غير محدود ... # ولو تسنى لنيتشه أن ينفذ حقيقة الإيمان الذي دعا عيسى إليه مكملا ما جاء به موسى ~~لكان تجلى له إيمانا بالقوة ترفع الضعفاء لا بالضعف يسلط عليهم الأقوياء، ولو تسنى له أن ~~يستنير بما جاء به الإسلام من مبادئ اجتماعية عملية عليا تماشي ما جاء به عيسى ولا ~~تنقضه لأدرك أن في الدين الحق دستورا يهدم كل ما أراد هو هدمه من صروح الفساد في المجتمع ~~ويوجد الإنسان المتصف بمكارم الأخلاق محبا للحياة والقوة والجمال والحرية، دون أن يكسر ~~حلقة الإنسانية ويحاول الانطلاق منها، وهو لا يزال يلبس تراب الأرض ويرسف في ~~أغلالها. # ولكن نيتشه باندفاعه إلى معارضة الفلاسفة من معاصريه وبثورته على التفكير الديني والتفكير ~~المطلق في آن واحد؛ رأى أن التكامل لنوال عطف الألوهية الراسخة في الأذهان، والتخلص من ~~عقابها الصارم؛ يقتضي الإعراض عن الزائلات والاستكانة إلى السلطة واعتبار العاطفة الجنسية ~~ملطخة بأوضار الخطيئة الأصلية فثار على هذه الألوهية المزيفة التي عرفها الشرق في أي دور من ~~أدوار وحيه، وهكذا كفر نيتشه بالله فأعلن موته واختناقه برحمته ... # هذا هو جحود نيتشه في تعاليم زرادشت، وهو في تقديرنا إذا نحن استنرنا بالدين الحق كما ~~تدركه ذهنيتنا السامية جحود يتجه إلى غير الإله الواحد الأحد رب الناس أجمعين. # بل إننا إذا ذكرنا القاعدة المثلى التي وردت في حديث للنبي الكريم على قول أو في ~~كلمة لأمير المؤمنين عمر على قول آخر، وهي: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك ~~كأنك تموت غدا.» ms016 # إذا ذكرنا ذلك، يتضح لدينا أن نيتشه قد ذهب إلى أبعد مدى في الامتثال للوصية الأولى ~~وقد فاتته الوصية الثانية وهي وصية راسخة في أرواح أبناء هذه البلاد الشرقية العربية، ~~فليس إذن في عظات زرادشت ما يزعزع عقائدنا أو ينال من إيماننا، بل إن فيها ما يتمشى ~~والمبادئ العليا التي اتخذها السلف الصالح أساسا لإقامة عظمة الدين على عظمة ~~الحياة. # وفي اعتقادنا أن نيتشه قد فاق كل كاتب في تصويره واجب الإنسان نحو الحياة الدنيا؛ لأن ~~العلماء الماديين من جهة اعتبروا الحياة زائلة فما اهتموا لرقي الإنسان الأدبي فيها قدر ~~اهتمامهم بإطالة حياته وإيلائه التنعم الأوفر بالجهد الأقل، ولأن المفكرين المؤمنين، من جهة ~~أخرى، ما كان بوسعهم أن يفكروا للأرض ويحصروا كل جهد فيها كأنها دار قرار؛ لأن العمل ~~للأرض ليس إيمانهم كله بل هو نصف إيمانهم، أما نيتشه فبعد أن أقفل على تفكيره وخياله كل ~~نافذة يمكن للروح أن تتطلع منها إلى السماء، وبعد أن تاقت نفسه إلى الخلود فاستنزله كمعنى ~~لهذه الأرض كما يقول جاعلا هذا التراب وطن الإنسان الدائم، لم يسعه إلا توجيه كل قواه ~~لتصور إنسانية تتمتع بكل ما يمكن اعتصاره من الدنيا وتبلغ عليها من الرقي مرتبة ~~الألوهية. ~~••• # تلك حقائق لم تفت ثلاثة من أعلام الشرق العربي أهابوا بنا إلى ترجمة زرادشت، ونشره في ~~هذه البلاد لتسديد عزم الشبيبة في هذه المرحلة التي يتوقف على نهضتنا فيها مستقبلنا ~~واستعادة أمجاد تاريخنا. أولئك الثلاثة هم: المغفور له السيد مصطفى صادق الرافعي فقيد الشرق ~~والعروبة والإسلام، والأستاذ حافظ عامر بك قنصل مصر العام في الآستانة مؤلف رسالة الحج التي ~~كان لها دوي في أوساط المفكرين، والأستاذ أحمد حسن الزيات القابض على آداب الغرب باطلاعه ~~وتفكيره والرافع علم الآداب الشرقية بقلمه، وقد تفضل الأستاذ المشار إليه فنشر في مجلته ~~الرسالة أكثر من ربع الكتاب في مدى سنة، ولولا تقديرنا أن الزمان سيطول على نشره برمته لما ~~كنا بادرنا إلى طبعه كاملا مستقلا. ~~••• # إن ما دعانا وأصحابنا المشار إليهم ms017 إلى تقرير ترجمة زرادشت هو أننا نظرنا إلى فلسفته من ~~الوجهة الملامسة للمبادئ الدينية الاجتماعية التي تتجه إلى إحياء حضارتنا القديمة على ~~أساسها، وقد رأينا أن هذا المؤلف الفريد في نوعه ليس من الكتب التي تنقل إلى بياننا لما ~~لها من قيمة فلسفية وأدبية فحسب، بل هو من الكتب التي يجدر بالناشئة العربية درسها كما ~~يدرسها طلاب الجامعات في كل قطر أوروبي، فإن كتاب زرادشت قد أثر التأثير الأكبر على تطور ~~الحركة الفكرية في أواخر القرن التاسع عشر في عالم الغرب، واشتمل من المبادئ على ما كان ولا ~~يزال محور الخلاف المستحكم بين ذهنيته وذهنية الشرق العربي بوجه خاص، ولقد مضى على ظهور هذا ~~الكتاب زهاء نصف قرن، ولم يكن العالم العربي في ذلك العهد على اتصال وثيق بالحركة الفكرية ~~الغربية؛ فلم يسمع في هذه البلاد بنيتشه وفلسفته إلا بمقالات موجزة، وكل ما عرف عنه هو ~~أنه يدعو إلى التحرر من ربقة الأوهام واطراح الزهد واليأس والاتجاه إلى إيجاد الإنسان ~~المتفوق. # ولعل المفكرين يسلمون معنا بأن خلو المكتبة العربية من هذا المؤلف الفريد الذي ترجم إلى ~~جميع اللغات الحية؛ فاتخذ أنموذجا بين أبنائها للصراحة والإخلاص في طلب الحقيقة؛ يعد ~~نقصا في هذه المكتبة، ويسجل قصورا علينا، لذلك اقتحمنا إعارة بياننا لكتاب زرادشت الذي ~~قالت فيه الموسوعة الكبرى إنه لا يعد أروع ما كتب نيتشه فحسب، بل أروع ما كتب في اللغة ~~الألمانية على الإطلاق. ~~••• # ولا بد في ختام تمهيدنا من إلفات المفكرين إلى فصل من كتاب زرادشت عنوانه: «بين غادتين ~~في الصحراء» وفيه نشيد لخيال زارا فإننا وقفنا عنده مليا؛ لأنه من نوع البيان المستغرق في ~~الرمزية فلا يفهمه القارئ إلا بحسه الكامن وقد لا يتفق اثنان على تأويله تأويلا واضحا ~~جليا. # ولو أننا ترجمناه بالحرف لجاء كأحد الرسوم التي ابتدعها أنصار التكعيب يقف المشاهد أمامها ~~فلا يدري أجبلا يرى أم شجرة أم إنسانا. # لذلك اضطررنا إلى إملاء بعض الفراغ بين الخطوط، وإلى الالتجاء لكسر النتوءات عند نقل بعض ~~المكعبات ms018 المبهمة الصارمة، فجاء هذا النشيد أقرب إلى البيان المألوف دون أن يخرج عن أصله ~~الرمزي الذي يحتاج إلى كثير من الاستغراق في تفهم معانيه. # وحاذرنا أن نكون تجاوزنا حد الخطوط الأصلية في النقل فرجعنا إلى عالم معروف من علماء ~~الغرب ممن أحاطوا بفلسفة نيتشه وذهبوا إلى حد بعيد في تحليلها، وهو حضرة الدكتور روبرت ~~ريننجر الأستاذ في جامعة فينا نعرض عليه ما رأيناه في رموز نشيد الصحراء، ونسأله إقرارنا ~~على ما أصبنا فيه وتصحيح ما قد نكون ضللنا في تبيانه، فوردنا جوابه مؤرخا في 19 أبريل ~~من هذه السنة وفيه يقول: # إنني أرى خلاصة معنى النشيد في فقرته الأولى المكررة في آخره وهي: «إن الصحراء ~~تتسع وتمتد فويل لمن يطمح إلى الاستيلاء على الصحراء.» فإن نيتشه قد رمز بالصحراء ~~إلى الوجود القاحل الذي لا غاية له، وقد أتيت على بحث هذا الرمز في كتابي «جهاد ~~نيتشه من أجل معنى الحياة وغايتها». # أما سائر ما في النشيد فأراه يرمي إلى وصف أجواء الصحراء المتمتعة بالحرية، وهي ~~بابتعادها عن المعمور تولي أبناءها الحياة الساذجة الطاهرة على نقيض ما تورثه ثقافة ~~أوروبا الشمالية من الخشونة والكثافة. # أما كلمة «صلاة» فقد أصبتم في ترجمتكم إياها: «حيا على الصلاة.» # هذا، وقد يكون النبي محمد هو المرموز إليه بأسد الصحراء ونذيرها حسب ~~تأويلكم. # لقد سرنا وايم الله أن يوافقنا هذا العالم على تأويلنا، وإن يكن ذهب في تفسير اتساع ~~الصحراء وامتدادها إلى غير ما ذهبنا إليه فقد كنا صارحناه بأن ما فهمناه من اتساع الصحراء ~~وامتدادها وتهديد من يطمح للاستيلاء عليها إنما هو انبعاث الإيمان الحق بالفضائل العليا ~~وتمردها على الجحود والتضعضع في الحياة. # وقد كان دليلنا على صحة مذهبنا ما ورد في النشيد من صراحة تؤيدنا خاصة في الفقرة الأخيرة ~~وهي: # ارتفع يا مظهر الجلال ولتهب مرة أخرى نسمة الفضيلة. # ويا ليت أسد الفضائل يزأر أيضا أمام غادات الصحراء فإنه أقوى ما ينبه أوروبا ~~ويحفز بها إلى النهوض. # وها أنذا ابن أوروبا لا يسعني إلا ms019 الخشوع لدوي هذه الآيات البينات. # للعالم الأوروبي تأويله ولنا تأويلنا، وللصحراء في بلاد العرب رموزها فلندع للأزمان ~~تأويلها ولنكرر ما جاء في نشيد الجاحد الطامح إلى الخلود: # إن الصحراء تتسع وتمتد فويل لمن يطمح إلى الاستيلاء على الصحراء. # إن عبير الشرق لا يضوع من نشيد الصحراء فحسب، بل هو يفوح من كل حكمة ينطق بها زرادشت أمام ~~مشاهد التضعضع الأوروبي، ولسوف يقف رجال العلم من أبناء الضاد عند كثير من أقواله، فيعرفون ~~فيها آية من الآيات التي أوحيت لأنبيائهم أو ألهمت لحكمائهم أو حديثا لذلك الأمي ~~الأعظم الذي تناول أدق القضايا الاجتماعية فردها إلى مكارم الأخلاق؛ ليحلها ~~جميعا. # إننا ونحن نخط هذه الأسطر نتذكر صديقنا فقيد الشرق المغفور له السيد مصطفى صادق ~~الرافعي، الذي قل من جاراه في تفهم دين الله والشعور بالقومية العربية ووحدة الإنسانية. ~~إننا لنذكره ونحس بما كان يمكننا أن نستمده من ثقافته العريقة ومعارفه الواسعة من آيات ~~وأحاديث وحكم يتجلى فيها ما أجمع مفكرو الغرب على الخشوع أمامه من نظرات زرادشت الصائبات في ~~اتجاهات العالم المتمدن وفي طلب رقي الإنسان والإهابة به إلى العمل في الأرض كأنه خالد ~~عليها لا يموت. # غير أننا إذا كنا حرمنا الآن من هذه النجدة في كتابة تمهيدنا هذا فلن تحرم البلاد ~~أعلاما يقومون بهذا الواجب نحو مهبط وحي الله ومنبت العباقرة من السلف والمعاصرين. # فليكس فارس # الإسكندرية في 20 / 9 / 1938 # لقد اخترنا إيراد اسم زارا بدلا من زرادشت تخفيفا، وأتينا في سياق الترجمة بردود ~~علقناها على الهامش حيث رأينا لزوما لذلك. # فليكس فارس. # | إهداء # إلى حضرة صاحب السعادة أسعد باسيلي باشا # سيدي الأستاذ # إن حياتك الأدبية التي ولجت منها إلى حياة الأعمال لما تزل تسيطر على حوافزك ~~وتراود تفكيرك وعواطفك، فإنك وإن أصبحت من رجال المشروعات التجارية الكبرى تحكم ~~إعدادها وتنفيذها ما برحت تحتفظ بطابع الفيلسوف في وضع نظريات عملك وبطابع الشاعر في ~~تقدير الحياة والتمتع بها، في حين أن عقم التفكير وجفاف الطبع يسيطران على معظم رجال ~~الثروة ms020 بخاصة في هذه الأقطار التي لم تزل في بدء نهضتها، ولم يجمع الارتقاء بعد في ~~طبقتها الموسرة بين حكمة إنماء الثروة وحكمة التمتع بما في الحياة من مباهج التفكير ~~والشعور والتضامن الإنساني. # لقد أردت أن أنشر في بلاد العرب كتاب «زرادشت» الذي صدم به نيتشه الفيلسوف الألماني ~~الأشهر تيارات الفلسفات المتناقضة منذ نصف قرن في أوروبا موجها الإنسان إلى تلمس ~~مواطن القوة في نفسه لإنشاء الجبابرة في المجتمع، فإذا باسمك يفرض على قلمي فرضا ~~لأتوج به هذا الكتاب، وقد حق علي أن أورد الأسباب التي حفزت بي إلى تقديمه إليك، ~~لا لأبرر عملي تجاه تواضعك، بل لأبرئ نفسي من اختيار تعسفي قد يحمل على محمل التزلف ~~وما أنا من يتدنى إليه ولا أنت من يؤخذ به. # لقد بدأت حياتك في شبابك بتعهد تعليم الناشئة وتهذيبها في مسقط رأسك، ثم بارحت ~~مطارح ظلال الأرز حيث كان الحكم المطلق الجائر يصد العبقريات عن مصاعدها، ولجأت إلى ~~وادي الملوك أنت ورفيقك المرحوم فرح أنطون فقيد الوثبة الأولى نحو النور في تطور ~~التفكير الحديث، وما تحولت عن هذا الرفيق إلى مراكض جهودك حتى تركت في جامعته طابع ~~نفسك الحرة وتفكيرك العميق، وإنك لتذكر، ولا ريب، تقريركما ترجمة «زرادشت» إلى العربية ~~والصفحات المعدودة التي أعار فيها فرح بيانه الجزل للفيلسوف الألماني فسايره في أجوائه ~~وأغواره. فأنت وفرح رأيتما قبل كل أحد في فلسفة نيتشه ما تحتاج النفوس المتواكلة إليه ~~من حزم وانطلاق، كما أدركتما أن إلحاد هذا الفيلسوف لن يؤثر في إيمان الشرق؛ لأنه لا ~~يستند إلا إلى شكوك نشأت من حالة خاصة بالغرب وأن القوة وحدها التي نحتاج إليها في ~~نهضتنا ستنسرب من كتابه الخالد إلى بياننا في كتاب تفتقر المكتبة العربية إليه بعد أن ~~ترجم إلى لغات الدنيا وطالعه المفكرون من كل الشعوب. # لقد أردت بهذا البيان أن أبرر تقديم ترجمتي لزرادشت إليك في نظر القراء لا في نظرك؛ ~~لأنك تعلم أن هذا الكتاب إنما هو تحقيق حلم رأيته أنت ورفيقك القديم وتنفيذ ms021 لرغبة لم ~~تزل مكبوتة في خفايا سريرتك، وإنني لأرى في المرحلة التي قطعتها منذ ذلك العهد ما ~~يزيدك رغبة في نشر زرادشت في بلادك بعد أن تيقنت باختبارك وأثبت بحياتك نفسها وهي ~~مجلى الثقة بالنفس والإيمان بالخير أن الجبار الذي حلم به نيتشه عاملا لدنياه كأنه ~~لا يموت أبدا إنما يستكمله الجبار الآخر الذي يعمل لآخرته كأنه يموت غدا. # الإسكندرية في 20 / 9 / 1938 # فليكس فارس # حضرة صاحب السعادة أسعد باسيلي باشا. # | كتب المؤلف # (1) # رسالة المنبر إلى الشرق العربي. ~~(2) # هكذا تكلم زرادشت، تأليف الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، مترجمة. ~~(3) # اعترافات فتى العصر، تأليف ألفريد دي موسيه، مترجمة. ~~(4) # رواية الحب الصادق، نفدت. ~~(5) # شرف وهيام، نفدت. ~~(6) # النجوى إلى نساء سوريا، نفدت. # الكتب المعدة للطبع: ~~(7) # المراحل؛ سياسة وأدب واجتماع. ~~(8) # القيثارة: ديوان شعر. ~~(9) # قلعة حلب وقصص أخرى. ~~(10) # الأحرار في الشرق، بالعربية. # الأحرار في الشرق، بالفرنسية. ~~(11) # رؤى متصوف عربي، بالفرنسية. ~~(12) # من إلهام الشرق، بالفرنسية. ~~(13) # من حدائق الغرب: مختارات مترجمة. ~~(14) # بين عهدين: قبل الاحتلال وبعده. ~~(15) # أمام المحاكم: الإجرام والقانون. ~~(16) # الأغلال: مسرحية مترجمة. ~~(17) # ثورة أثينا: مسرحية شعرية نثرية. ~~(18) # حديث الأزهار، مترجمة. # | الجزء الأول # كتاب للمجتمع لا للفرد. # فريدريك نيتشه # | مستهل زرادشت # 1 # لما بلغ زارا الثلاثين من عمره هجر وطنه وبحيرته وسار إلى الجبل حيث أقام عشر ~~سنوات يتمتع بعزلته وتفكيره إلى أن تبدلت سريرته، فنهض يوما من رقاده مع انبثاق ~~الفجر وانتصب أمام الشمس يناجيها قائلا: لو لم يكن لشعاعك من ينير أكان لك غبطة ~~أيها الكوكب العظيم؟ منذ عشر سنوات ما برحت تشرق على كهفي، فلولاي ولولا نسري ~~وأفعواني، لكنت مللت أنوارك وسئمت ذرع هذا السبيل، ولكننا كنا نترقب بزوغك كل ~~صباح لنتمتع بفيضك ونرسل بركتنا إليك، أصغ إلي، لقد كرهت نفسي حكمتي كالنحلة ~~أتخمها ما جمعت، فمن لي بالأكف تنبسط أمامي لأهب وأغدق إلى أن يغتبط الحكماء من ~~الناس بجنونهم ويسعد الفقراء منهم بثروتهم. # تلك هي الأمنية التي تهيب بي للجنوح إلى الأعماق، كما تجنح أنت كل مساء منحدرا ~~وراء البحار حاملا إشعاعك إلى الشقة ms022 السفلى من العالم، أيها الكوكب الطافح ~~بالكنوز. # لقد وجب علي أن أتوارى أسوة بك، وجب علي أن أرقد على حد تعبير الأناسي الذين ~~أهفو إليهم. # باركني - إذن - أيها الكوكب، فأنت المقلة المطمئنة التي يسعها أن تشهد ما لا يحد ~~من السعادة دون أن تختلج كمقلة الحاسدين. # بارك الكأس الدهاق تسكب سلسبيلا مذهبا ينثر على الآفاق وهجا من مسراتك. # انظر! إن هذه الكأس تريد أن تندفق ثانية، وزارا يريد أن يعود إنسانا. # وهكذا بدأ جنوح زارا إلى المغيب. # 2 # وانحدر زارا من الجبال فما لقي أحدا حتى بلغ الغاب حيث انتصب أمامه شيخ خرج من ~~كوخه بغتة ليفتش عن بعض الجذور والأعشاب، فقال الشيخ: ليس هذا الرحالة غريبا عن ~~ذاكرتي، لقد اجتاز هذا المكان منذ عشر سنوات، ولكنه اليوم غيره بالأمس. # لقد كنت تحمل رمادك في ذلك الحين إلى الجبل، يا زارا، فهل أنت تحمل الآن نارك ~~إلى الوادي؟ أفما تحاذر يا هذا أن ينزل بك عقاب من يضرم النار؟ # لقد عرفت زارا، هذه عينه الصافية، وليس على شفتيه للاشمئزاز أثر، أفما تراه يتقدم ~~بخطوات الراقصين؟ # لقد تبدلت هيئة زارا؛ إذ رجع بنفسه إلى طفولته، لقد استيقظت يا زارا فماذا أنت ~~فاعل قرب النائمين؟ # كنت تعيش في العزلة كمن يعوم في بحر والبحر يحمل أثقاله، وأراك الآن تتجه إلى ~~اليابسة، أفتريد الاستغناء عمن حملك لتسحب هامتك على الأرض بنفسك؟ # فأجاب زارا: إنني أحب الناس. # فقال الشيخ الحكيم: إنني ما طلبت العزلة واتجهت إلى الغاب إلا لاستغراقي في حبهم، ~~أما الآن فقد حولت حبي إلى الله، وما الإنسان في نظري إلا كائن ناقص، فإذا ما ~~أحببته قتلني حبه. # فأجاب زارا: ومن يصف لك الحب الآن! إنني لا أقصد الناس إلا لأنفحهم ~~بالهدايا. # فقال الحكيم القديس: إياك أن تعطيهم شيئا، والأجدر بك أن تأخذ منهم ما تساعدهم ~~على حمله، ذلك أجدى لهم على أن تغنم سهمك من هذا الخير، وإذا كان لا بد لك من ~~العطاء فلا تمنح الناس إلا صدقة على أن ms023 يتقدموا إليك مستجدين أولا. # فأجاب زارا: أنا لا أتصدق؛ إذ لم أبلغ من الفقر ما يجيز لي أن أكون من ~~المتصدقين. # فضحك القديس مستهزئا وقال: حاول جهدك إذن إقناعهم بقبول كنوزك، إنهم يحاذرون ~~المنعزلين عن العالم، ولا يصدقون بأننا نأتيهم بالهبات، إن لخطوات الناسك في الشارع ~~وقعا مستغربا في آذان الناس، إنهم ليجفلون على مراقدهم؛ إذ يسمعونها فيتساءلون: ~~إلى أين يزحف هذا اللص؟ # لا تقترب من هؤلاء الناس. لا تبارح مقامك في الغاب، فالأجدر بك أن تعود إلى مراتع ~~الحيوان، أفلا يرضيك أن تكون مثلي دبا بين الدببة وطيرا بين الأطيار؟ # فسأل زارا: وما هو عمل القديس في هذا الغاب؟ # فأجاب القديس: إنني أنظم الأناشيد لأترنم بها، فأراني حمدت الله؛ إذ أسر ~~نجواي فيها بين الضحك والبكاء؛ لأنني بالإنشاد والبكاء والضحك والمناجاة أسبح ~~الله ربي، ومع هذا، فما هي الهدية التي تحملها إلينا؟ # فانحنى زارا مسلما وقال للقديس: أي شيء أعطيك؟ دعني أذهب عنك مسرعا كيلا آخذ ~~منك شيئا. # وهكذا افترقا وهما يضحكان كأنهما طفلان. # وعندما انفرد زارا قال في نفسه: إنه لأمر جد مستغرب، ألما يسمع هذا الشيخ في ~~غابه أن الإله قد مات. # 1 # 3 # وإذ وصل زارا إلى المدينة المجاورة، وهي أقرب المدن إلى الغاب، رأى الساحة مكتظة ~~بخلق كثير أعلنوا من قبل أن بهلوانا سيقوم هناك بالألعاب، فوقف زارا في الحشد ~~يخطبه قائلا: إنني آت إليكم بنبأ الإنسان المتفوق، فما الإنسان العادي إلا كائن ~~يجب أن نفوقه، فماذا أعددتم للتفوق عليه؟ # إن كلا من الكائنات أوجد من نفسه شيئا يفوقه، وأنتم تريدون أن تكونوا جزرا ~~يصد الموجة الكبرى في مدها، بل إنكم تؤثرون التقهقر إلى حالة الحيوان بدل اندفاعكم ~~للتفوق على الإنسان، وهل القرد من الإنسان إلا سخريته وعاره؟ لقد اتجهتم على طريق ~~مبدؤها الدودة ومنتهاها الإنسان، غير أنكم أبقيتم على جل ما إن الصحراء تتسع وتمتد فويل لمن يطتتصف به ديدان الأرض، ~~لقد كنتم من جنس القرود فيما مضى، على أن الإنسان لم يفتأ حتى ms024 اليوم أعرق من القرود ~~في قرديته. # ليس أوفركم حكمة إلا كائن مشوش لا يمت بنسبه إلى أصل صريح، فهو مزيج من النبات ~~والأشباح، وما أدعو الإنسان ليتحول إلى شبح أو إلى نبات. # لقد أتيتكم بنبأ الإنسان المتفوق. # إنه من الأرض كالمعنى من المبنى، فلتتجه إرادتكم إلى جعل الإنسان المتفوق معنى ~~لهذه الأرض وروحا لها. # أتوسل إليكم، أيها الإخوة بأن تحتفظوا للأرض بإخلاصكم فلا تصدقوا من يمنونكم ~~بآمال تتعالى فوقها، إنهم يعللونكم بالمحال فيدسون لكم السم، سواء أجهلوا أم ~~عرفوا ما يعملون أولئك هم المزدرون للحياة، لقد رعى السم أحشاءهم فهم يحتضرون، لقد ~~تعبت الأرض منهم فليقلعوا عنها. # لقد كانت الروح تنظر فيما مضى إلى الجسد نظرة الاحتقار فلم يكن حينذاك من مجد ~~يطاول عظمة هذا الاحتقار. لقد كانت الروح تتمنى الجسد ناحلا قبيحا جائعا متوهمة ~~أنها تتمكن بذلك من الانعتاق منه ومن الأرض التي يدب عليها، وما كانت تلك الروح ~~إلا على مثال ما تشتهي لجسدها ناحلة قبيحة جائعة، تتوهم أن أقصى لذاتها إنما يكمن ~~في قسوتها وإرغامها. # أفليست روحكم، أيها الإخوة، مثل هذه الروح؟ أفما تعلن لكم أجسادكم عنها أنها ~~مسكنة وقذارة وأنها غرور يسترعي الإشفاق؟ # والحق ما الإنسان إلا غدير دنس، وليس إلا لمن أصبح محيطا أن يقتبل انصباب مثل ~~هذا الغدير في عبابه دون أن يتدنس. # تعلموا من هو الإنسان المتفوق. # إن هو إلا ذلك المحيط تغرقون احتقاركم في أغواره. # وهل تتوقعون بلوغ معجزة أعظم من هذه المعجزة؟ # لقد آن للاحتقار أن يبلغ أشده فيكم، بعد أن استحال شرفكم ذاته كما استحالت عقولكم ~~وفضائلكم إلى كره واشمئزاز. # لقد آن لكم أن تقولوا: ما يهمني شرفي، وما هو إلا مسكنة وقذارة وغرور، في حين أن ~~على الشرف أن يبرر الحياة نفسها. # لقد آن لكم أن تقولوا: ما تهمني القوى العاقلة في، إذا لم تطلب الحكمة بجوع ~~الأسد، وما هي الآن إلا مسكنة وقذارة وغرور. # لقد آن لكم أن تقولوا: ما تهمني فضيلتي فإنها لما تصل بي إلى الاستغراق، ms025 وقد ~~أتعبني خيري وشري، وما هما إلا مسكنة وقذارة وغرور. # لقد آن لكم أن تقولوا: ما يهمني عدلي، إن العادل يقدح شررا ولما اشتعل. # لقد آن لكم أن تقولوا: ما تهمني رحمتي، أفليست الرحمة صليبا يسمر عليه من يحب ~~البشر، ورحمتي لما ترفعني على الصليب. # أقلتم مثل هذا وناديتم به؟ ليتني سمعتكم تهتفون بمثله! # إن ما يرفع عقيرته على السماء إن هو إلا غروركم لا خطاياكم، إن هو إلا حرصكم حتى ~~في خطاياكم. # أين هو اللهب الذي يمتد إليكم ليطهركم؟ أين هو الجنون الذي يجب أن يستولي ~~عليكم؟ # هأنذا أنبئكم عن الإنسان المتفوق. # إن هو إلا ذلك اللهب وذلك الجنون. # وما فرغ زارا من كلامه حتى ارتفع صوت من الحشد قائلا: «لقد كفانا ما سمعنا عن ~~البهلوان، فليبرز لنا الآن لنراه.» # فضحك الجميع مستهزئين بزارا، وتقدم البهلوان ليقوم بألعابه وهو يعتقد أنه كان ~~موضوع الحديث. # 4 # وبهت زارا مجيلا أنظاره في القوم، ثم قال: ما الإنسان إلا حبل منصوب بين الحيوان ~~والإنسان المتفوق فهو الحبل المشدود فوق الهاوية. # إن في العبور للجهة المقابلة مخاطرة، وفي البقاء وسط الطريق خطرا، وفي الالتفات ~~إلى الوراء وفي كل تردد وفي كل توقف خطر في خطر. # إن عظمة الإنسان قائمة على أنه معبر وليس هدفا، وما يستحب فيه هو أنه سبيل ~~وأفق غروب. # إنني أحب من لا غاية لهم في الحياة إلا الزوال، فهم يمرون إلى ما وراء ~~الحياة. # أحب من عظم احتقارهم لأنهم عظماء، أحب المتعبدين يدفعهم الشوق إلى المروق كالسهم ~~إلى الضفة الثانية. # أحب من لا يتطلبون وراء الكوكب معرفة ما يدعو إلى زوالهم أو ما يهيب بهم إلى ~~التضحية؛ لأنهم يقدمون ذاتهم قربانا للأرض، لتصبح هذه الأرض يوما ميراثا للإنسان ~~المتفوق. # أحب من يعيش ليتعلم، ومن يتوق إلى المعرفة ليحيا الرجل المتفوق بعده، فإن هذا ما ~~يقصد طالب المعرفة من زواله. # أحب من يعمل ويخترع ليبني مسكنا للإنسان المتفوق فيهيئ ما في الأرض من حيوان ~~ونبات لاستقباله، فإن هذا ما يقصد ms026 طالب المعرفة من زواله. # أحب من يحب فضيلته، فما الفضيلة إلا الطموح إلى الزوال وإن هي إلا السهم تنشبه ~~أشواقه . # أحب من لا يحتفظ لنفسه بشرارة واحدة من روحه، فيتجه إلى أن يكون بكليته روحا ~~لفضيلته؛ لأنه بهذا يجعل روحه تجتاز الصراط. # أحب من يكون من فضيلته ميوله ومطمحه؛ لأنه بمثل هذه الفضيلة يتوق إلى إطالة حياته ~~كما يتوق إلى قصرها. # أحب من لا يريد الاتصاف بعديد الفضائل؛ إذ في الفضيلة الواحدة من الفضائل أكثر ~~مما في فضيلتين، والفضيلة الواحدة حلقة ترتبط فيها الحياة. # أحب من يجود بروحه فلا يطلب جزاء ولا شكورا، ولا يسترد، فهو يهب دائما ولا يفكر ~~في الاستبقاء على ذاته. # أحب من يخجل من سقوط زهر النرد لحظه فيرتاب بغش يده، إن أمثاله هم التائقون إلى ~~الزوال. # أحب من يبذل الوعود وهاجة ثم يتجاوز عمله وعده، إن أمثاله هم التائقون إلى ~~الزوال. # أحب من يبرر أعمال الخلف ويدافع عن السلف لأنه بذلك يسلم نفسه إلى نقمة معاصريه، ~~فهو ممن يتوقون إلى الزوال. # أحب من يعلن حبه لربه بتوجيه اللوم إليه؛ إذ يجب أن يهلك بغضب ربه. # أحب من يبلغ التأثر أعماق روحه في جراحها فيعرضه أتفه حدث للفناء، إن أمثاله ~~يعبرون الصراط دون أن يترددوا. # أحب من تفيض نفسه حتى يسهى عن ذاته؛ إذ تحتله جميع الأشياء فيضمحل فيها ويفنى ~~بها. # أحب من تحرر قلبه وتحرر عقله حتى يصبح دماغه بمثابة أحشاء لقلبه، غير أن قلبه ~~يدفع به إلى الزوال. # أحب جميع من يشبهون القطرات الثقيلة التي تتساقط متتالية من الغيوم السوداء ~~المنتشرة فوق الناس، فهي التي تنبئ بالبرق وتتوارى. # ما أنا إلا منبئ بالصاعقة، أنا القطرة الساقطة من الفضاء، وما الصاعقة التي أبشر ~~بها إلا الإنسان المتفوق. # 5 # وبعد أن ألقى زارا هذه الكلمات أجال أنظاره في الحشد وسكت ثم قال في قلبه: لقد ~~تملكهم الضحك، فهم لا يفهمون ما أقول، وما أنا بالصوت الذي يلائم هذه ~~الأسماع. # أعلي أن أسد آذانهم ليتمرنوا على الإصغاء ms027 بعيونهم؟ أم يجب أن أضرب الصنج أسوة ~~بوعاظ الصيام؟ لعل هؤلاء القوم لا يتقون إلا بالألكن من المتكلمين. # إن لهؤلاء الناس ما يباهون به فما عساه أن يكون؟ # إنهم يسمونه مدنية ليميزوا بها أنفسهم على الرعاة، فهم لذلك ينفرون من لفظة ~~الاحتقار إذا ما ذكرت في معرض الكلام عنهم، فلسوف أخاطبهم إذن عن غرورهم. # سأخاطبهم عن أحقر الكائنات، عن الإنسان الأخير. وتوجه إلى الحشد قائلا: لقد آن ~~للإنسان أن يضع هدفا نصب عينيه، لقد آن له أن يزرع ما ينبت أسمى رغباته ما دام ~~للأرض بقية من ذخرها؛ إذ سيأتي يوم ينفذ هذا الذخر منها فتجدب ويمتنع على أية دوحة ~~أن تنمو فوقها. # ويل لنا! لقد اقتربت الأزمنة التي لن يفوق الإنسان فيها سهام شوقه محلقة فوق ~~البشرية؛ إذ تخونه قوسه وتتراخى أوتارها. # الحق ما أقوله لن يخرج من الإنسان كوكب وهاج للعالم حين تزول بقية السديم من ~~نفسه، وهذا السديم لم يزل فيكم. # ويل لنا! لقد اقتربت الأزمنة التي لن يدفع الإنسان فيها بالكواكب للعالم، ويل ~~لنا؟ لقد اقترب زمان الإنسان الحقير الذي يمتنع عليه أن يحتقر نفسه. # اسمعوا! هأنذا منبئكم عن الرجل الأخير. # إنه من يقف متسائلا عن نفسه فلا يعلم أمحبة هي أم إبداع أم تشوق، أم توهج ~~كوكب. # وستصغر الأرض في ذلك الزمان فيطفر على سطحها الرجل الأخير الذي يحول إلى حضارة كل ~~ما يدور به، إن سلالة هذا الرجل لا تباد، فهي أشبه بالبراغيث، والإنسان الأخير أطول ~~البشر عمرا. # ويقول أناسي الزمن الأخير متغامزين: لقد اخترعنا السعادة اختراعا. # لقد هجر هؤلاء البقاع التي تقسو عليها الحياة؛ لأنهم شعروا بحاجتهم إلى الحرارة ~~فأصبح كل واحد يحتك بجاره وقد احتاجوا إلى الدفء جميعا. # إنهم يقتحمون الحياة باحتراس؛ لأن الوجل والمرض في عينهم خطأ، وما سلم من الجنون ~~من يتعثر منهم بالحجارة وبالناس. # إنهم يأخذون قليلا من السموم حيث يجدونها طلبا لملاذ الأحلام ويكرعون منها ما ~~يكفي دفعة واحدة طلبا للذة الموت. # وإذا هم عملوا فإنما يعملون للتسلية ms028 محاذرين أن تذهب هذه التسلية بهم إلى حدود ~~الإنهاك. # ليس بينهم من يصبح غنيا أو يمسي فقيرا، وكلا الفقر والغنى يجلب الضنى، وما ~~منهم من يطمح إلى الحكم أو يرضى بالخضوع وكلاهما محرج مرهق. # ليس هنالك راع وليس هنالك إلا قطيع واحد. إن كلا من الناس يتجه إلى رغبة ~~واحدة، فالمساواة سائدة بين الجميع، ومن اختلف شعوره عن شعور المجموع يسير بنفسه ~~مختارا إلى مأوى المجانين. # ويغمز أمكر هؤلاء الناس بعينهم ويقولون: لقد كان الجميع مجانين فيما مضى. # لقد ساد الاحتراس بين هؤلاء القوم؛ لأنهم أخذوا بالعبر، فهم يتلقون الحادثات ~~متهكمين، وإذا نشأ بينهم خلاف بادروا إلى حسمه صلحا؛ لأنهم يحاذرون أن تصاب معدهم ~~بالعلل والأدواء. # لهؤلاء الناس لذات للنهار ولذات أخرى لليل، غير أنهم يراعون صحتهم أولا. ~~«لقد اخترعنا السعادة اختراعا» ذلك ما يقوله أناسي الزمن الأخير وهم ~~يغمزون. # عند هذا أنهى زارا خطابه أو بالحري تمهيد خطابه فتعالت أصوات التهليل من الحشد ~~وهو يقول: إلينا بهذا الرجل الأخير يا زارا، اجعلنا على مثال أناسي الزمن الأخير ~~فقد تخلينا لك عن الإنسان المتفوق. # ولكن زارا وجم أمام هذا الحشد يسوده مثل هذا الروح فاستولى الحزن عليه وقال في ~~نفسه: إنهم لا يفهمون كلامي، فلست بالصوت الذي تتطلبه هذه الأسماع. # لقد عشت طويلا في هذه الجبال وأنصت طويلا إلى هدير الغدران وحفيف الأشجار، ~~فأنا أكلم هؤلاء الناس الآن كأنني أخاطب رعاة الماعز. # إن روحي صافية تغمرها الأنوار كما تغمر القمم تباشير الصباح، ولكنهم يحسون ~~بالصقيع في قلبي ويحسبونني مهرجا يأتيهم بالمفجع من النكات. # إنهم يحدجونني بأنظارهم ويتضاحكون، ففي قلبهم ثورة البغضاء وعلى شفاههم بسمة ~~الثلوج. # 6 # وطرأ حادث كم الأفواه واسترعى الأبصار، وكان البهلوان بدأ بألعابه فاندفع من ~~النافذة وأخذ يتمشى على الحبل الممدود بين برجين فوق الساحة وما عليها من ~~المتفرجين، وما وصل إلى وسط الحبل حتى فتحت النافذة مرة ثانية، واندفع منها فتى ~~مخطط بالألوان كالمهرجين وسار متبعا خطوات البهلوان صارخا: «إلى الأمام أيها ~~الأعرج! إلى الأمام أيها ms029 الكسلان، أيها المرائي ذو الوجه الشاحب! اذهب لئلا تداعبك ~~نعلي، ما هو عملك بين هذين البرجين؟ أفليس في البرج مكان سجنك؟ أنك تسد الطريق في ~~وجه من هو أفضل منك.» # وكان الفتى يتقدم خطوة كلما قال كلمة حتى أصبح على قاب قوسين من البهلوان، وعندئذ ~~وقع الحادث الذي كم الأفواه واسترعى الأبصار؛ فإن الفتى لم يلبث أن صرخ صرخة الجن ~~وقفز فوق العقبة القائمة في سبيله، ولما رأى البهلوان انتصار خصمه عليه أخذه ~~الدوار، وخلت رجله عن الحبل فرمى عارضة التوازن من يديه وسقط في الفضاء حيث لاحت ~~رجلاه ويداه كعجلة تدور في الهواء. # وماج الحشد على الساحة كالبحر اجتاحته العاصفة الهوجاء، وانفرط الناس مولين ~~الإدبار، وانفرج المكان حيث كان يتجه الجسم بانحداره. # ولكن زارا لم يتحرك فوقع الجسم على مقربة منه حيث تقطعت أوصاله وتهشم، غير أنه ~~كان لم يزل حيا، وما عتم أن عاد روع الجريح إليه فرأى زارا جاثيا قربه فرفع رأسه ~~وقال له: ماذا تفعل هنا؟ ما كنت أجهل أن الشيطان سيضل خطواتي يوما وها هو ذا الآن ~~يجرني إلى جحيمه، أفتريد أن تمنعه؟ # فقال زارا: وشرفي يا صديقي إن ما تذكره لا وجود له، فليس من شيطان وليس من جحيم، ~~إن روحك ستموت بأسرع من جسدك فلا تخش بعد الآن شيئا. # فرفع الرجل بصره مشككا وقال: إذا كان ما تقوله صحيحا فإنني لا أفقد شيئا بفقد ~~الحياة، فلست أنا إذن إلا حيوانا وقد رقصت بالضرب وغذيت بأفخر ~~غذاء. # فقال زارا: لا، ليس الأمر كما تقول فإنك اتخذت المخاطرة مهنة لك ولم يكن فيها ما ~~يشين، أما الآن فمهنتك هي أن تفنى، من أجل هذا سأدفنك بيدي. # ولم يحر المدنف جوابا بل حرك يده باحثا عن يد زارا ليصافحها دلالة على ~~شكره. # 7 # وأمسى المساء مرخيا سدوله على الساحة، فتفرق عنها المتفرجون وقد أرهقهم الفضول ~~والرعب، وبقي زارا جالسا على الأرض قرب الميت فاستغرق في تفكيره ناسيا مرور ~~الزمان حتى هبت نفحات الليل عليه منفردا، فناجى ms030 نفسه قائلا: لقد كان صيدك موفقا ~~اليوم يا زارا! لقد أفلت الناس منك فاصطدت جثة هامدة. # إن حياة الإنسان محفوفة بالأخطار، وهي فوق ذلك لا معنى لها ... فإن مهرجا يمكنه ~~أن يقضي عليها. # أريد أن أعلم الناس معنى وجودهم؛ ليدركوا أن الإنسان المتفوق إنما هو البرق ~~الساطع من الغيوم السوداء: من الإنسان. # ولكنني لم أزل بعيدا عن هؤلاء الناس وفكرتي بعيدة عن مداركهم، فأنا لم أزل ~~متوسطا المدى بين مجنون وجثة هامدة. # إن الليل مظلم ومسالك زارا مظلمة أيضا، تعال أيها الرفيق المتيبس في صقيعه! ~~إنني ذاهب بك إلى حيث أواريك التراب بيدي. # 8 # ورفع زارا الجثة على كاهله ومشي، ولكنه ما قطع مائة خطوة حتى زحمه رجل، وما كان ~~هذا الرجل إلا مهرج البرج، فأسر إليه: اذهب من هذه المدينة يا زارا، فإن مبغضيك ~~فيها كثيرون، هنا يكرهك أهل الصلاح والعدل، فيصفونك بالعدو والمزدرى، ويكرهك ~~المؤمنون بالدين الحق فيرون بك خطرا على عامة الناس، وقد كان من حظك أن هزأ الحشد ~~بك؛ لأنك كنت تتكلم كالمهرجين، وكان من حظك أيضا أن اشتركت والكلب الميت، فقد كان ~~خلاصك هذه المرة في إسفافك إلى هذه المهاوي، ولكنك لن تسلم في الثانية فاذهب من هذه ~~المدينة وإلا فإنني قافز غدا فوق جثة أخرى. # قال الرجل هذا وتوارى وتابع زارا سيره في الشوارع المظلمة، ولما بلغ باب المدينة ~~التقى حفار القبور فوجهوا إلى رأسه أشعة مصابيحهم وإذ عرفوا فيه زارا أشبعوه ~~سخرية وهزءا وقالوا: مرحى يا زارا! لقد صرت الآن حفارا للقبور، إنك تحمل الكلب ~~الميت. لقد أحسنت، فإن أيدينا أطهر من أن تدنس بجثته، أتريد يا زارا أن تختلس من ~~الشيطان طعامه؟ كل هنيئا ولكن الشيطان أمهر منك، ولعله يسرقكما كليكما فيلتهمكما ~~التهاما. # ودار حفار القبور بزارا يتفرسون فيه، أما هو فلزم الصمت وسار في طريقه، وبعد ~~أن مشى ساعتين يقطع الأحراج والمستنقعات، شعر بالجوع لكثرة ما عوت حوله الذئاب ~~الجائعة، فوقف أمام بيت منفرد لاحت له الأنوار من نوافذه، وقال: لقد ms031 عضني الجوع ~~وداهمني كاللص بين الأحراج في الليل البهيم. # إن لجوعي نزوات مستغربة وقد يداهمني حتى بعد الطعام، ولكنه اليوم ند عني منذ ~~الصباح حتى المساء فأين كان هذا الجوع؟ # وطرق زارا باب البيت فظهر له منه شيخ يحمل مشعلا، وقال له: من الآتي إلي وإلى ~~رقادي المضطرب؟ # فأجاب زارا: أتيناك اثنين حي وميت، أعطني مأكلا ومشربا فقد نسيت الغذاء النهار ~~بطوله، إن من يشبع الجياع يولي نفسه قوة، هكذا قالت الحكمة. # فغاب الشيخ وعاد بخبز وخمر وقال: إنها لأماكن موحشة للجياع، وذلك ما دعاني إلى ~~السكن هنا حيث يهرع إلي البشر والحيوان في وحدتي، أفلا تدعو رفيقك ليأكل ويشرب ~~معك فهو أشد تعبا منك. # فقال زارا: إن رفيقي ميت ولا يسهل علي إقناعه بتناول الطعام. # فتمتم الشيخ: ذلك لا يهمني، إن من يطرق بابي عليه أن يأخذ ما أقدمه له، كلا ~~هنيئا. # وعاد زارا إلى السير فمشي ساعتين أيضا وهو يهتدي إلى رسوم الطريق بنور النجوم، ~~وقد كان معتادا السرى ويحب أن يتفرس في كل ما يروق له، وعند ما لاح الصباح كان ~~زارا وصل إلى غابة كثيفة حيث انقطع كل طريق أمامه، فتوقف ووضع الجثة في فراغ شجرة ~~حواها حتى رأسها ليقيها هجمات الذئاب، ورقد بعد ذلك متوسدا نبات الأرض وما عتم حتى ~~استغرق في نومه منهوك الجسم مرتاح الضمير. # 9 # وطال نوم زارا حتى غمرت وجهه أنوار الضحى بعد أن داعبته تباشير الفجر، ففتح عينيه ~~مبهوتا وسرح أبصاره على الغاب ثم حولها يستكشف نفسه ساكنا مستغربا. # وهب من مجلسه فجأة كما يهب الملاح تبدو لعينه الأرض فهتف وقد هزه المرح؛ لأنه ~~اكتشف حقيقة جديدة فخاطب قلبه قائلا لقد انفتحت عيناي. إنني بحاجة إلى رفاق أحياء ~~لا إلى رفاق أموات وجثث أحملهم إلى حيث أريد. # إنني أطلب رفاقا أحياء يتبعونني؛ لأنهم يريدون أن يتبعوا أنفسهم أيان ~~توجهت. # لقد انفتحت عيناي؛ ليس على زارا أن يخاطب جماعات بل عليه أن يخاطب رفاقا، يجب ~~ألا يكون زارا راعيا للقطيع وكلبا ms032 له. # إنني ما جئت إلا لأخلص خرافا عديدة من القطيع، وسوف يتمرد الشعب والقطيع علي، ~~إن زارا يريد أن يعامله الرعاة معاملتهم للصوص. # قلت رعاة غير أنهم يدعون بالصالحين والعادلين، قلت رعاة غير أنهم يدعون ~~بالمؤمنين بالدين الحق. # انظروا إلى أهل الصلاح والعدل لتعلموا من هو ألد أعدائهم، إنه من يحطم الألواح ~~التي حفروا عليها سننهم، ذلك هو الهدام ذلك هو المجرم، غير أنه هو المبدع. # انظروا إلى المؤمنين بجميع المعتقدات تعلموا من هو ألد أعدائهم إنه من يحطم ~~الألواح التي حفروا عليها سننهم، ذلك هو الهدام ذلك هو المجرم، غير أنه هو ~~المبدع. # إلي بالرفاق، إنني أطلبهم مبدعين ولا أطلبهم جثثا وقطعانا ومؤمنين. # إن المبدع لا يتخذ له رفاقا إلا من كانوا مثله مبدعين، إنه يتخذهم ممن يحفرون ~~سننا جديدة على ألواح جديدة. # إن من يطلب المبدع إنما هم الحصاد يعاونونه في الحصاد؛ لأن كل شيء قد أصبح في ~~عينه ناضجا للحصاد، ولكن المائة منجل ليست بين يديه فهو يتميز غضبا ويقتلع ~~السنابل من أصولها. # إن المبدع يطلب رفاقا له بين من يعرفون أن يشحذوا مناجلهم، وسوف يدعوهم الناس ~~هدامين ومستهزئين بالخير والشر، غير أنهم يكونون هم الحاصدين والمحتفلين ~~بالعيد. # إن زارا يطلب من هم مثله مبدعون يشاركونه في الحصاد وفي الراحة فلا حاجة له ~~بالقطعان والرعاة وأشلاء الأموات. # وأنت يا رفيقي الأول، ارقد بسلام لقد أحسنت دفنك في فراغ الشجرة ووقيتك افتراس ~~الذئاب. # غير أنني سأفترق عنك لأن الزمان قد مر سريعا، وقد انبثقت حقيقة جديدة في أفق ~~نفسي ما بين فجرين. # لن أكون راعيا، ولن أكون حفار قبور، ولسوف لا أقف بعد الآن في الجماعات خطيبا ~~فقد وجهت آخر خطبي إلى ميت. # أريد أن أنضم إلى المبدعين، إلى أولئك الذين يحصدون ويرتاحون فأريهم قوس قزح ~~والمراتب التي يرقاها الواصلون إلى الإنسانية المتفوقة. # سأهتف بنشيدي للمعتزلين ولمن يشعرون بمثنويتهم في انفرادهم. إنني سأملأ بغبطتي ~~قلب كل من له أذنان تصغيان إلى ما لم تسمعه أذن بعد. # إنني أسير ms033 إلى هدفي وأتبع طريقي فأقفز فوق المترددين والمتأخرين، وهكذا سيكون ~~سيري جنوحا إلى الغروب. # 10 # وكان زارا يناجي نفسه بهذا القول والشمس في الهاجرة، وإذا به يسمع صوتا جارحا ~~في الفضاء ولاح له نسر يعقد حلقات في طيرانه، وقد تعلق به أفعوان وما كان النسر ~~يقبض عليه بمخلبيه كفريسة، بل كان الأفعوان ملتفا حول عنقه التفاف المحب. # فهتف زارا والحبور يملأ فؤاده: هذان نسري وأفعواني؛ فالنسر أشد الحيوانات ~~افتخارا، والأفعوان أشدها مكرا تحت الشمس، وكلاهما ذاهبان مستكشفين في الفضاء؛ ~~ليعلما ما إذا كان زارا لم يزل في الحياة، فهل أنا لم أزل حيا بعد؟ # لقد اعترضني من المخاطر بين الناس ما لم أجد مثله بين الحيوانات، إنني أتبع السبل ~~المخطرة فلأقتدين بنسري وأفعواني. # وتذكر زارا القديس المنعزل في الغاب فتنهد وقال: لأكونن أوفر حكمة لأكونن ماكرا ~~كأفعواني، غير أنني أطلب المستحيل لذلك أتوسل إلى افتخاري أن يلازم حكمتي ولا ينفصل ~~عنها. # وإذا ما تخلت حكمتي عني يوما وهي تتوق إلى الطيران وا أسفاه؛ فإنني لأرجو أن ~~يطير افتخاري مستصحبا جنوني. # وهكذا بدا جنوح زارا إلى المغيب. # | خطب زرادشت # التحول في ثلاث مراحل # سأشرح لكم تحول العقل في مراحله الثلاث فأنبئكم كيف استحال العقل جملا، وكيف ~~استحال الجمل أسدا، وكيف استحال الأسد أخيرا فصار ولدا. # ما أوفر الأحمال التي تثقل العقل الجلد الصليب وهو مجلى الوقار، فإن صلابته ~~تتوق إلى الحمل الثقيل بل إلى أثقل الأحمال. # يفتش العقل السليم عن أثقل الأحمال؛ فينيخ كالجمل ظهره متوقعا رفع خير حمل ~~إليه. إن العقل السليم ينادي الأبطال قائلا: أي حمل هو الأثقل لأرفعه فتغتبط به ~~قوتي؟ أفليس أثقل الأحمال هو في الاتضاع لإنزال العذاب بالغرور؟ أفليس أثقلها أن ~~يبدي الإنسان اختلالا لتظهر حكمته جنونا؟ # أم أثقلها في تخلي الإنسان من مطلب حين يقترن هذا المطلب بالنصر، أم في ارتقاء ~~قمم الجبال لتحدي من يتحدى؟ # أم أثقلها في أن يتغذى الإنسان بأقماع السنديان والأعشاب ويتحمل مجاعة نفسه من ~~أجل الحقيقة. # أم أثقلها في احتمال ms034 المرض وطرد العواد المعزين، أم في مخادنة الصم الذين ~~لا يسمعون ولا يعون ما تريد؟ # أم أثقلها في الانحدار إلى المياه القذرة إذا كانت الحقيقية فيها والرضى بملامسة ~~الضفادع اللزجة والعقارب التي تقطر صديدا. # أم أثقلها في محبة من يحتقرنا وفي مد يدنا لمصافحة شبح يقصد إدخال الرعب إلى ~~قلوبنا. إن العقل السليم يحمل ذاته جميع هذه الأثقال المرهقة، وكالجمل الذي يسارع ~~إلى طريق الصحراء عندما يرفع الوقر عن ظهره هكذا يندفع هو أيضا نحو ~~صحرائه. # وهنالك في الصحراء القاحلة يتم التحول الثاني؛ إذ ينقلب العقل أسدا؛ لأنه يطمح ~~إلى نيل حريته وبسط سيادته على صحرائه. # وفي هذه الصحراء يفتش عن سيده ليناصبه العداء كما ناصب سيده السابق، فهو يستعد ~~لمكافحة التنين والتغلب عليه. # ومن هو هذا التنين الذي يتمرد العقل عليه فلا يريد بعد الآن أن يرى فيه ربه ~~وسيده؟ # إن التنين هو كلمة «يجب عليك» وعقل الأسد يريد أن ينطق بكلمة «أريد» إن كلمة ~~«الواجب» تترصد الأسد على الطريق تنينا يدرع بآلاف الأصداف وعلى كل قطعة منها ~~تتوهج بأحرف مذهبة كلمة «يجب عليك». # وعلى هذه الأصداف تشع شرائع ألف عام والتنين الأعظم يعج قائلا إن جميع الشرائع ~~تتوهج علي. # كل ما هو سنة قد أوجد من قبل، وبي تتمثل جميع السنن الكائنة، والحق إن كلمة ~~«أريد» يجب ألا ينطق بها أحد بعد! هكذا قال التنين. # فأية حاجة لكم أيها الإخوة بأسد العقل؟ أفما يكفيكم الحيوان القوي الجليل ~~الممنع بامتناعه؟ # من العبث أن تطمحوا إلى خلق سنن جديدة، إن الأسد نفسه ليعجز عن هذا الخلق؛ إذ لا ~~يسعه إلا أن يستعد بتحرير نفسه لخلق جديد، لأن قوته لن تتجاوز هذا الحد. # أيها الإخوة، إن العمل الذي تحتاجون فيه إلى الأسد إنما هو تحرير أنفسكم والوقوف ~~ببطولة الامتناع في وجه كل شيء حتى في وجه الواجب، ذلك أيها الإخوة هو العمل الذي ~~تحتاجون إلى الأسد للقيام به. # إن الاستيلاء على حق إيجاد سنن جديدة يقضي بالجهاد العنيف على العقل الخشوع ms035 ~~الصبور، ولا ريب أن في هذا الجهاد قسوة لا يتصف بها إلا الحيوانات المفترسة. # لقد كان العقل فيما مضى يتعشق كلمة «الواجب» كأنها أقدس حق له ، وقد أصبح عليه ~~الآن أن يجد حتى في هذا الحق المفدى ما يحدو به إلى التعسف والتوهم، ليتمكن ~~بإرهاق عشقه أن يستولي على حريته وليس غير الأسد من يقوم بهذا الجهاد. # ولكن ما هو العمل الذي يقدر عليه الطفل بعد أن عجز الأسد عنه؟ ولماذا يجب أن ~~يتحول الأسد المكتسح إلى طفل؟ # ذلك لأن الطفل طهر ونيسان؛ لأنه تجديد ولعب وعجلة تدور على ذاتها فهو حركة ~~البداية وعقيدة مقدسة. # أجل أيها الإخوة إن العمل الإلهي للإبداع يستلزم عقيدة مقدسة، فإن العقل يطلب ~~الآن إرادته، ومن فقد الدنيا يريد الآن أن يجد دنياه. # لقد ذكرت لكم تحولات العقل الثلاثة فأوضحت كيف استحال العقل جملا وكيف استحال ~~أسدا وكيف استحال أخيرا إلى طفل. # هكذا قال زارا، وكان في ذلك الحين مقيما في مدينة اسمها البقرة العديدة ~~الألوان. # منابر الفضيلة # وبلغ زارا خبر حكيم أطنب الناس في علمه ومقدرته في التكلم عن الكرى وعن الفضيلة ~~فحبوه بالتكريم والتبجيل، واتبعه عدد من الشبان أصبحوا دعامة لمنبره العالي، ~~فذهب زارا وجلس معهم أمام المنبر مصغيا إلى الحكيم فكان يقول: # مجدوا الكرى وعظموه؛ لأن له المقام الأول وتحاشوا مرافقة من ساء رقادهم ومن ~~استحوذ عليهم الأرق. # إن اللص ليقف خاشعا أمام الكرى فيدلج في الليل مخرسا وقع أقدامه، ولكن الساهر ~~المجازف لا يتورع عن حمل بوقه. # ليس بالسهل أن يعرف الإنسان كيف يستسلم لسنة الكرى، وليس إلا لمن عرف كيف ينتبه ~~طول النهار أن ينام ملء جفنيه. # يجب عليك أن تقاوم نفسك عشر مرات في النهار فتغنم خير التعب وتهيئ المخدر ~~لروحك. # عليك أن تصالح نفسك عشر مرات في النهار؛ لأنه إذا كان في قهر النفس مرارة فإن في ~~بقاء الشقاق بينك وبينها ما يزعج رقادك. # عليك أن تجد عشر حقائق في يومك كيلا تضطر إلى السعي وراءها في نومك ms036 فتبقى نفسك ~~جائعة. # عليك أن تضحك عشر مرات في يومك لتكون مرحا كيلا تزعجك معدتك في ليلك والمعدة بيت ~~الداء. # قليل من يعرف هذا من الناس ، ولن يتمتع بالرقاد الهنيء إلا من حاز جميع الفضائل، ~~فإذا ما المرء أدى شهادة زور أو تلطخ بالزنا وإذا هو اشتهى خادمة قريبه فقد حرم ~~وسائل الهناء في نومه. # غير أن المرء يحتاج فوق فضائله إلى شيء آخر وهو أن يندفع إلى الرقاد بفضائله ~~نفسها في الزمن المناسب. # إن من الفضائل من هي كالغانيات المتجنيات، فأقم بينهن حائلا كيلا ينتهين إلى ~~عراك تكون أنت ضحيته. # ليكن سلام بينك وبين ربك وبين الأقربين، فلا نوم هنيء بدون هذا السلام، وسالم ~~شيطان جارك أيضا لئلا يراودك في رقادك. # أكرم السلطة واخضع لها حتى ولو كانت هذا السلطة عرجاء. إن ذلك ما يقتضيه النوم ~~الهنيء. # وما أنا بالجاني إذا كان يحلو للسلطة أن تسير متعارجة. # إن خير الرعاة من يقود قطيعه إلى المروج الخضراء ذلك ما يقتضيه الرقاد ~~الهنيء. # لا أطلب كثيرا من المجد ولا وفيرا من المال وكلاهما يؤدي إلى الاضطراب، ولكن ~~المرء لا ينام هنيئا ما لم يكن له شيء من الشهرة ولديه شيء من المال. # أفضل أن يزورني القليل من الناس على أن يرتاد مسكني عشراء السوء، وهذا العدد ~~القليل يجب عليه ألا يطيل السمر عندي لئلا يعكر صفو رقادي. # تسرني مجالسة البلهاء؛ لأنهم يجلبون النعاس، ولشد ما يغتبطون عندما نحبذ ~~حماقاتهم ونشهد بإصابتهم. # على هذه الوتيرة يقضي فضلاء الناس نهارهم، أما أنا فإنني إذا أمسى المساء أحترس ~~من أن أراود النعاس؛ لأنه سيد الفضائل ولا يرتاح إلى تحرش الساهرين. # وتحت جنح الظلام أستعرض ما فكرت فيه وما فعلته في يومي، فأنطوي على نفسي كالحيوان ~~الصبور وأسائلها عما قهرت به أميالها عشر مرات وعما عقدت به الصلح مع ذاتها عشر ~~مرات، وعن الحقائق العشر والمسرات العشر التي أفعمت بها. # وبينما أكون مستغرقا تهزني الأربعون خاطرة، يستولي النعاس علي فجأة، وهكذا ~~يسودني الكرى سيد الفضائل ms037 دون أن أتوجه بدعوة إليه. # يشغل النعاس جفني فتغمضان، ويلمس فمي فيبقى مفتوحا. # إنه يدلف إلي كلص محبوب فيسرق أفكاري وأبقى أنا منتصبا كعمود من خشب ، ثم لا ~~تمر لحظات حتى أنطرح ممددا على فراشي. # وبعد أن أصغى زارا إلى هذه الأقوال يقرع الحكيم بها الأسماع تملك ضحكه، وأشرق ~~نور في جوانب نفسه فناجاها قائلا: يتراءى لي أن هذا الحكيم قد جن كخواطره ~~الأربعين. # ولكنه جد خبير بحالات الكرى، فما أسعد من يجاور هذا الحكيم! لأن مثل هذا النعاس ~~شديد الانتقال بالعدوى حتى إلى ما وراء الجدران. # إن شيئا من السحر يفوح من منبره العالي، وما يجتمع هذا العدد من الشبان عبثا ~~حول خطيب الفضائل. # إن قاعدة هذا الحكيم إنما هي: اسهروا لتناموا. وفي الحقيقة لو لم يكن للحياة ~~معناها ووجب أن أختار لها حكمة لا معنى لها لما كنت أجد أفضل من هذه ~~القاعدة. # لقد أدركت الآن ما كان يطلب الناس قبل كل شيء عندما كانوا يفتشون على أوليات ~~الفضائل، إنهم كانوا يطلبون النوم الهنيء والفضائل التي يتجلى على مفرقها تاج ~~المخدرات، وما كانت الحكمة في عرف حكماء المنابر، وقد نالوا الإعجاب والثناء، إلا ~~قاعدة نوم لا تقلقه الأحلام. إنهم لم يكتشفوا معنى أفضل من هذا المعنى ~~للحياة. # وكم في أيامنا هذه من أناس يشبهون هذا الواعظ في دعوته إلى الفضيلة غير أنهم أقل ~~إخلاصا منه، ولكن هذا الزمان لم يعد زمانهم ولن يطول وقوفهم والكرى يراود أفكارهم ~~فهم عن قريب سيمددون. # طوبى لمن دب إلى عيونهم النعاس! إنهم عما قريب سيرقدون. # هكذا تكلم زارا ... # المأخوذون بالعالم الثاني # وترامى زارا يوما بخياله إلى ما وراء الإنسانية، فتراءى هذا العالم لديه كما ~~يراه جميع المأخوذين بالعالم الثاني خليقة رب متألم مضطرب، فقال: رأيت الدنيا ~~كأنها أحلام نائم أبدعت أبخرة حوالة متلونة ترتد عنها ألوهية النفس على غير رضى، ~~وقد لاح لي الخير والشر والأفراح والأحزان، وذاتي وذات الآخرين كما تلوح الأبخرة ~~الملونة لعين المبدع، ولعل المبدع أراد أن يتحول ببصيرته ms038 عن ذاته فأوجد ~~العالم. # لا ينتشي المتألم بمسرة أشد من مسرته حينما يعرض عن آلامه وينسى نفسه، هكذا ~~تكشف لي العالم يوما فرأيت مسرته ثملا ونسيانا ، وهو يتقلب أبدا في نقائصه ~~معكسا للتناقض الأبدي. # نظرت إلى العالم يوما فلاح لي مسرة مسكرة يتمتع بها مبدع غير كامل خلقته أنا، ~~فجاء ككل أعمال البشر جنة بشرية. # ما كان هذا الإله إلا إنسانا، بل جزءا من شخصية إنسان؛ لأنه نشأ من ترابي ومن ~~لهبي، إنه لشبح من هذا العالم لا من وراء هذا العالم. # شهدت ذلك، أيها الإخوة، فتفوقت على ذاتي بآلامي، وحملت ترابي إلى الجبل حيث أوقدت ~~نارا تشع نورا فإذا بالشبح يتوارى مبتعدا عني. # فإذا ما آمنت الآن بمثل هذا الشبح، فلا يكون إيماني إلا توجعا وصغارا، ذلك ما ~~أقوله للمأخوذين بالعالم الثاني. # ما أوجدت العوالم الأخرى في هذا العالم سوى الآلام والشعور بالعجز، ذلك ما ~~أوجدته تلك العوالم، فأوجدت معه هذا الجنون السريع الزوال بسعادة ما ذاقها من الناس ~~إلا أشدهم آلاما. # إن المتعب الذي يطمح إلى اجتياز أبعد مدى بطفرة واحدة بطفرة قاتلة، وقد بلغت به ~~مسكنته وجهالته حدا لا يستطيع عنده أن يريد، إنما هو نفسه مبدع جميع الآلهة وجميع ~~العوالم الأخرى. # صدقوني، أيها الإخوة، إن الجسد قد قطع رجاءه من الجسد، فغدا يجس بأنامله مواضع ~~الروح المضللة، وذهب يتلمسها من وراء الحواجز القائمة على مسافة بعيدة. # صدقوني، أيها الإخوة، إن الجسد قد تملكه اليأس من الأرض فسمع صوتا يناديه من قلب ~~الوجود، فأراد أن يخترق برأسه أطراف الحواجز، بل حاول العبور منها إلى العالم ~~الثاني، غير أن العالم الثاني جد خفي عن الناس؛ لأنه بتخنثه وابتعاده عن كل صفة ~~إنسانية ليس إلا سماء من العدم. إن قلب الوجود لا يخاطب الناس إذا لم يكلمهم ~~كإنسان. # والحق إنه ليصعب علينا إثبات الوجود واستنطاقه. أجيبوا أيها الإخوة، أفما يلوح ~~لكم أن أغرب الأمور أثبتها دليلا؟ # أجل! إن هذه الذات على ما فيها من تناقض واختلال تثبت بكل جلاء ms039 وجودها فتبتدع ~~وتعلن إرادتها لتضع المقاييس وتعين قيم الأشياء، وما تطلب هذه الذات في إخلاصها ~~إلا الجسد حتى في حالة استغراقه في أحلامه، وتحفزه للطيران بأجنحته المحطمة. # إن هذه الذات تتدرب على الإفصاح عن رغباتها بإخلاص، وكلما ازدادت تدربا ألهمت ~~البيان للإشادة بالجسد وبالأرض. # لقد علمتني ذاتي عزة جديدة أعلمها الآن للناس: علمتني ألا أخفي رأسي بعد الآن ~~في رمال الأشياء السماوية، بل أرفعها رأسا عزيزة ترابية تبتدع معنى الأرض. # إنني أعلم الناس إرادة جديدة يتخيرون بها السير على الطريق التي اجتازها الناس ~~عن غباوة من قبلهم، أعلمهم أن يطمئنوا إلى هذه الطريق فلا تنزلق أرجلهم عنها كما ~~انزلقت أرجل الأعلاء المتهكمين، وما هؤلاء إلا من ابتدعوا الأشياء السماوية ~~واخترعوا قطرات الدماء المراقة لافتداء البشر، على أن هذه السموم التي أخذوا بلذتها ~~ورهبتها لم يستخرجوها إلا من الجسد ومن الأرض. # لقد شاءوا الفرار من الشقاء وتراءت لهم الكواكب بعيدة صعبة المنال فوجموا يدفعون ~~بالزفرات قائلين: وا أسفاه! لم لا تنفتح أمامنا سبل في السماء ننسحب عليها إلى ~~وجود آخر وسعادة أخرى. # في ذلك الحين اخترعوا أوهامهم وكئوسهم الصغيرة المترعة بالدماء ... وحسب هؤلاء ~~الناس في عقوقهم أنهم فازوا بالنعيم بعيدا عن جسدهم وعن الأرض، وتناسوا أن تنعمهم ~~ورعشة ملذتهم إنما نشأت من جسدهم ومن هذه الأرض. # 1 # إن زارا ليشفق على الأعلاء فلا يغضب لما أوجدوه من وسائل السلوان ولا يتمرمر؛ ~~لأنهم عقوا جسدهم وأرضهم، بل هو يرجو لهم الشفاء والتغلب على أنفسهم ليوجدوا لهم ~~أجسادا أرقى من أجسادهم. # إن زارا لا يغضب أيضا على الناقه الذي يحن إلى وهمه فيذهب في منتصف الليل ~~ليطوف بقبر إلهه، ولكنه لا يرى في دموع هذا الناقه إلا أثر المرض والجسم ~~المريض. # لقد وجد في كل زمان كثير من المرضى المستغرقين المتشوهين فهم يكرهون إلى حد الهوس ~~كل من يطلب المعرفة، ويكرهون أبسط الفضائل وهي فضيلة الإخلاص. # أنهم يلتفتون دائما إلى الوراء، إلى الأزمنة المظلمة؛ إذ كان للجنون وللإيمان ~~حلتهما الخاصة، فكان الإله يتجلى ms040 في هوس العقل، وكانت كل ريبة خطيئة. # لقد عرفتهم جد المعرفة، أولئك المتجلين على صورة الله ومثاله فتيقنت أن جميع ~~رغباتهم تتجه إلى أن يؤمن الناس بهم وأن يصبح كل شك فيهم خطيئة، وما فات مداركي ذلك ~~الإيمان الذي يدعون رسوخه فيهم، فإنهم لا يؤمنون لا بالعوالم الأخرى ولا بقطرات ~~الدماء تفتدي العالم، بل هم كسائر الناس يعتقدون بالجسد، ويرون أن أجسادهم نفسها هي ~~الكائن الواجب الوجود. # غير أن هؤلاء الناس يرون الجسد كائنا معتلا، فيودون أن يبارحوا جلودهم وذلك ما ~~يدفعهم إلى الإصغاء للمبشرين بالموت وما يهيب بهم إلى التبشير بالعوالم ~~الأخرى. # أما أنتم، يا إخوتي، فأصغوا إلى صوت الجسد الذي أبل من دائه؛ لأن هذا الجسد ~~يخاطبكم بصوت أنقى وأخلص من تلك الأصوات. # إن الجسد السليم يتكلم بكل إخلاص وبكل صفاء، فهو كالدعامة المربعة من الرأس حتى ~~القدم وليس بيانه إلا إفصاحا عن معنى الأرض. # هكذا تكلم زارا ... # المستهزئون بالجسد # لأقولن للمستهزئين بالجسد كلمتي فيهم: إن واجبهم ألا يغيروا طرائق تعاليمهم، ~~ولكن عليهم أيضا أن يودعوا أجسادهم فيستولي على ألسنتهم الخرس. # يقول الطفل: أنا جسد وروح، فلماذا لا يتكلم هؤلاء الناس كالأطفال؟ أما الإنسان ~~الذي انتبه وأدرك ذاته فيقول: إنني بأسري جسد لا غير، وما الروح إلا كلمة أطلقت ~~لتعيين جزء من هذا الجسد. # ما الجسد إلا مجموعة آلات مؤتلفة للعقل، ومظاهر متعددة لمعنى واحد. إن هو إلا ~~ميدان حرب وسلام، فهو القطيع وهو الراعي. # إن آلة جسدك إنما هي أداة عقلك الذي تدعوه روحا، أيها الأخ، إن هو إلا أداة ~~صغيرة وألعوبة صغيرة لعقلك العظيم. # إنك تقول: «أنا»، وتنتفخ غرورا بهذه الكلمة، غير أن هنالك ما هو أعظم منها، أشئت ~~أن تصدق أم لم تشأ، وهو جسدك وأداة تفكيره العظمى، وهذا الجسد لا يتبجح بكلمة أنا ~~لأنه هو «أنا»، هو مضمر الشخصية الظاهرة. # إن ما تتأثر الحواس به وما يدركه العقل لا نهاية له في ذاته، غير أن الحس والعقل ~~يحاولان إقناعك بأن فيهما نهاية الأشياء جميعها، ms041 فما أشد غرورهما! # ما الحس والعقل إلا أدوات وألعوبة، والذات الحقيقية كامنة وراءهما مفتشة بعيون ~~الحس ومصغية بآذان العقل. # إن الذات ما تبرح مفتشة مصغية، فهي تقابل وتستنتج، ثم تهدم متحكمة في الشخصية ~~سائدة عليها، فإن وراء إحساسك وتفكيرك، يا أخي، يكمن سيد أعظم منهما سلطانا؛ لأنه ~~الحكيم المجهول، وهذا الحكيم إنما هو الذات بعينها المستقرة في جسدك وهي جسدك بعينه أيضا. # 2 # إن في جسدك من العقل ما يفوق خير حكمة فيك، ومن له أن يعلم السبب الذي يجعل ~~جسدك بحاجة إلى خير ما فيك من حكمة. # إن ذاتك تهزأ بشخصيتك وبألعابها قائلة: ما هي خطرات الفكر وتساميه إن لم تكن ~~جنوحا إلى هدفي، أفلست أنا رائدة الشخصية وملهمة أفكارها؟ # تقول الذات للشخصية: اشعري بألم، فتتألم وتفتكر بالتخلص من هذا الألم وقد تحتم ~~عليها أن تتجه إلى هذه الغاية. # وتقول الذات للشخصية: اشعري بالسرور، فتسر وتفتكر بإطالة أمد هذا السرور، وقد ~~تحتم عليها أن تتجه إلى هذه الغاية. # لي كلمة أقولها للمستهزئين بالجسد، وهي أن احتقارهم إنما هو في الحقيقة حرمة ~~واعتبار؛ إذ من هو يا ترى موجد الاحترام والاحتقار والتقدير والإرادة؟ # إن الذات المبدعة أوجدت لنفسها الاحترام والاحتقار كما أوجدت اللذة والألم، إن ~~الجسم المبدع أوجد العقل لخدمته كساعد يتحرك بإرادته. # إنكم لتخدمون الذات الكامنة فيكم حتى في جنونكم وفي احتقاركم، وأنا أقول لكم أيها ~~المستهزئون بالجسد إن ذاتكم نفسها تريد أن تموت، وقد تحولت عن الحياة؛ لأنها عجزت ~~عن القيام بما كانت تطمح إليه، وما أقصى رغباتها إلا إبداع من يتفوق عليها ولقد مضى ~~زمن تحقيق هذه الرغبة، لذلك تطمح ذاتكم إلى الزوال أيها المستهزئون ~~بالأجساد. # إن ذاتكم أصبحت تتوق إلى الزوال، وهذا ما يدفع بكم إلى الاستهزاء بالأجساد؛ إذ قد ~~امتنع عليكم أن تخلقوا من هو أفضل منكم. # إن هذا العجز قد ولد فيكم النقمة على الحياة والأرض، وها هي ذي تتجلى شهوة في ~~لحظاتكم المنحرفة دون أن تعلموا. # إنني لا أسير على طريقكم أيها المستهزئون ms042 بالأجساد؛ لأنني لا أرى فيكم المعبر ~~الذي يؤدي إلى مطلع الإنسان المتفوق. # هكذا تكلم زارا ... # الملذات والشهوات # إذا كان لك فضيلة يا أخي، وكانت هذه الفضيلة خاصة بك فإنك لا تشارك فيها أحدا ~~سواك، ولا ريب في أنك تريد أن تدعوها باسمها وتداعبها لتتسلى بها، ولكنك بهذا أشركت ~~بها الناس بما أطلقت عليها من تعريف، فأصبحت أنت وفضيلتك مندغمين في القطيع. # خير لك يا أخي أن تقول: إن ما تلذ به روحي وتتعذب به يتعالى عن الإيضاح، ويجل ~~عن أن يسمى، وهذا العجز عن إدراكي له يخلق المجاعة في أحشائي. # لتكن فضيلتك أسمى من أن تستخف بالأشياء عند تحديدها، وإذا ما اقتحمت هذا التحديد، ~~فلا تستحي من أن تتلفظ به تمتمة، فقل وأنت تتمتم: إن هذا هو خيري الذي أحب، إن هذا ~~ما يثير إعجابي، فأنا لا أريد الخير إلا على هذه الصورة، لا أريد هذه الأشياء تبعا ~~لإرادة رب من الأرباب ولا عملا بوصية أو ضرورة بشرية، فأنا لا أريد أن يكون لي ~~دليل يهديني إلى عوالم عليا وجنات خلود ... # قل: ما أحب سوى فضيلة هذه الأرض، لأن ما فيها من الحكمة قليل، وأقل منه ما فيه من ~~صواب متفق عليه، إن هذا الطير قد بنى عشه على مقربة مني، لذلك أحببته وعطفت عليه، ~~وها هو ذا الآن يحتضن عندي بيضه الذهبي على هذه الوتيرة تكلم وأنت تتمتم ممتدحا ~~فضيلتك. # لقد كان لك فيما مضى شهوات كنت تحسبها شرورا، أما الآن فليس فيك إلا الفضائل، ~~وقد نشأت هذه الفضائل من شهواتك نفسها؛ لأنكم وضعت في هذه الشهوات أسمى مقاصدك ~~فتحولت فيك إلى فضائل وملذات هي منك ولك، ولسوف ترى جميع شهواتك تستحيل إلى فضائل، ~~ولسوف ترى كل شيطان فيك يستحيل ملاكا حتى ولو كنت ممن يستسلمون للغيظ والشهوات ~~وكنت من فئة الحاقدين المتعصبين. # لقد كانت الكلاب المفترسة تسكن دهاليزك من قبل، فها هي ذي الآن أطيار مغردة، لقد ~~استقطرت بلسما من سمومك وحلبت ناقة الأوصاب، وأنت الآن تكرع لذيذ ms043 درها. # لن يخلق منك شر بعد الآن، غير أن هناك شرا قد ينشأ من تخاصم فضائلك فاصغ ~~إلي، يا أخي! إنك إذا شعرت بسعادة فما يكون ذلك إلا لفضيلة مستقرة فيك وهي تسهل ~~اجتياز الصراط عليك. # إنها لمزية أن تكون للإنسان فضائل عديدة، غير أن تعدد الفضائل يرمي بالإنسان إلى ~~أشقى الحظوظ، وكم من مجاهد أرهقه النزال في ساحات الفضائل فتوارى لينتحر في ~~الصحراء. # إذا كنت ترى المعارك والحروب شرورا فاعلم يا أخي أنها شروط لا بد منها؛ لأن ~~للحسد والريبة والشتيمة مقامها المحترم بين فضائلك نفسها، تبصر تر أن كلا من ~~فضائلك تطمح إلى المقام الأسمى، وتطمع في الاستيلاء على جميع أفكارك لتستعبدها ~~وتحصر بها وحدها كل ما في غضبك وبغضائك وحبك من قوة. # إن كلا من فضائلك تحسد الأخرى، والحسد هائل مريع يتناول الفضائل أيضا ~~فيبيدها. # إن من يحيط به لهيب الحسد تنتهي به الحال إلى ما تنتهي العقرب إليه فيوجه حمته ~~المسمومة إلى نحره. # أفما رأيت، يا أخي، من الفضائل من تشتم نفسها وتنتحر؟ # ليس الإنسان إلا كائنا وجب عليه أن يتفوق على نفسه، لذلك حق عليك، يا أخي، أن ~~تحب فضائلك لأنك بها ستفنى. # هكذا تكلم زارا ... # المجرم الشاحب # أفما تريدون أن تنزلوا القصاص، أيها القضاة والمضحون، ما لم يهز الحيوان رأسه؟ ~~إليكم رأس المجرم الشاحب، إنها لترتعش، وها إن أفظع احتقار يتكلم في ~~نظراته. # إن عيني المجرم تقولان لكم: ما الشخصية إلا شيء وجب علينا أن نتسامى فوقه، وما ~~شخصيتي إلا عظيم احتقاري للبشر. # لقد انتهى أجل هذا المجرم عندما أصدر حكمه على نفسه، فلا تتركوا لتساميه سبيلا ~~يندفع منه إلى الانحطاط. عاجلوه بالموت فهو المنفذ الوحيد لمن بلغ عذابه بنفسه ~~هذا الحد البعيد. # ليكن قصاصكم، أيها القضاة، رحمة لا انتقاما، وإذا ما حكمتم بالموت فلتكن غايتكم ~~تبرير الحياة. لا يكفيكم أن تقيموا السلم بينكم وبين من تقتلون، بل يجب أن يكون ~~حزنكم تعبيرا عن ولهكم بالإنسان المتفوق، وهكذا تبررون الاستبقاء على ~~أنفسكم. # قولوا إن ms044 هذا الرجل عدو، ولا تقولوا إنه سافل. صفوه بالمرض لا بالدناءة اعتبروه ~~مختلا لا مجرما، وأنت أيها القاضي، لو أنك تعلن للملأ، وأنت في برودك الحمراء، ~~ما ارتكبت من مآت في تفكيرك، لكنت تسمع الناس يهتفون قائلين: اخلعوا هذا الرجل عن ~~كرسيه فهو ممتلئ أقذارا وسموما. # ولكن الفكرة شيء والعمل شيء آخر، كما أن شبح العمل شيء مستقل بنفسه أيضا، فليس ~~بين هذه الأشياء الثلاثة أية علاقة يصح أن تعتبر علاقة العلة بالمعلول. # إن شبح الجريمة كان صورة لاحت لهذا الرجل فعلا وجه الاصفرار؛ لأنه عندما ارتكب ~~جرمه كانت قوته على مستواها، ولكنه ما أتم الجرم حتى وهنت تلك القوة، فلم يستطع ~~أن يتفرس في شبح جرمه. # لقد لاح لهذا الرجل أنه ارتكب فعلة واحدة لا غير، وبذلك يقوم جنونه لأن الشواذ ~~تحول إلى قاعدة في كيانه. إن الدائرة التي يرسمها المجرم تصبح قيدا لتفكيره ~~كالفرخة يرسم المنوم حولها دائرة فلا تستطيع اجتياز خطها، وهكذا لا يكاد المجرم ~~يخرج من جرمه حتى يدخل في دائرة جنونه. # أصغوا إلي، أيها القضاة، إن الجنون الذي يتلو العمل إنما تقدمه جنون آخر قبله، ~~وأنتم لم تسبروا روح المجرم إلى أقصاها. # إن القاضي الأحمر يتساءل عن سبب إقدام المجرم على القتل، فيقول في نفسه: إن ~~القاتل أراد السرقة أولا، أما أنا فأقول: إن نفس المجرم لم تقصد السرقة بل طلبت ~~إراقة الدماء؛ لأنها كانت ظامئة إلى إغماد النصل. إن عقلية المجرم لم تفهم هذا ~~الجنون فاندفع إلى ارتكاب جرمه، وعقليته تناجيه قائلة: ما يهمك أن تريق الدماء ما ~~دام جرمك يوصلك إلى السرقة أو الانتقام، لقد أصغى المجرم إلى صوت عقليته المسكينة؛ ~~لأن ما أسرت به إليه كان ثقيلا كالرصاص، فسرق بعد أن قتل لأنه أراد أن يبرر ~~جنونه ولا يخجل منه. # وعاد جرمه فثقل عليه كالرصاص أيضا، فثقل عقله المسكين فاستولى عليه التخدر ~~والشلل، ولو أن هذا المجرم تمكن من أن ينتفض بهامته لكان تهاوى حمله الثقيل عنه، ~~ولكن من كان سيهز له ms045 رأسه يا ترى؟ # لو أنك أنعمت النظر في هذا الإنسان، لما تجلى لك إلا مجموعة علل تتطلع بالعقل ~~إلى العالم الخارجي مفتشة عن غنيمة تظفر بها. # ليس هذا الإنسان إلا كتلة أفاع اشتبكت، وهي في تدافع مستمر لا تسكن إلا لتتفكك ~~منسابة في شعاب الدنيا تسعى وراء غنائمها. # انظروا إلى هذا الجسم المسكين! إن روحه الضعيفة طمحت إلى استكناه ما في الجسم من ~~ألم ورغبات، فخيل لها أنها متشوقة إلى القتل. # إن من يتسلط عليه هذا المرض في هذه الأيام لتباغته شرورها فيريد أن يعذب ~~الآخرين بما يتعذب هو به، غير أنه قد مر زمان من قبل كان له خير وشر هما غير خير ~~هذه الأيام وشرها. ذلك زمان كانت تحتسب فيه شكوك الإنسان ومطامعه جرائم عليه، فكان ~~المبتلى بالشكوك والمطامع يعد ساخرا ومنشقا عن المجتمع فيعمد هو إلى تعذيب ~~الآخرين بعذابه. # إنكم لا تريدون الإصغاء إلى أقوالي؛ إذ ترونها تلحق الضرر بالصالحين بينكم، ~~ولكنني لا أقيم وزنا لرجالكم الصالحين. # إن في هؤلاء الرجال من تشمئز منه نفسي، وليس ما أكره فيهم ما يعد من الشرور، ~~فإنني أتمنى لهم جنونا يوردهم الردى كجنون المجرم الشاحب. # والحق إنني أريد أن يدعى هذا الجنون حقيقة أو إخلاصا أو عدلا؛ لأن فضيلة هؤلاء ~~الناس لا تقوم إلا على إطالة عمرهم لقضائه بالملذات السافلة ولا ملذة لهم إلا ~~بالارتياح إلى نفوسهم والرضى عنها. # ما أنا إلا حاجز قائم على ضفة النهر، فمن له قدرة على التمسك بي فليفعل، ومن لا ~~طاقة له على ذلك فلا يظن أني سأكون طوع يده يقبض علي كما يقبض الكسيح على ~~عصاه. # هكذا تكلم زارا ... # القراءة والكتابة # إنني أستعرض جميع ما كتب، فلا تميل نفسي إلا إلى ما كتبه الإنسان بقطرات دمه. ~~اكتب بدمك فتعلم حينئذ أن الدم روح، وليس بالسهل أن يفهم الإنسان دما غريبا، إنني ~~أبغض كل قارئ كسول؛ لأن من يقرأ لا يخدم القراءة بشيء، وإذا مر قرن آخر على طغمة ~~القارئين فلا بد من أن ms046 تتصاعد روائح النتن من التفكير. # إذا أعطي لكل إنسان الحق في أن يتعلم القراءة، فلن تفسد الكتابة مع مرور الزمان ~~فحسب، بل إن الفكر نفسه سيفسد أيضا. # لقد كان الفكر فيما مضى إلها فتحول إلى رجل، وها هو ذا الآن كتلة من الغوغاء. إن ~~من يكتب سورا بدمه لا يريد أن تتلى تلك السور تلاوة، بل يريد أن تستظهرها ~~القلوب. # إن أقرب الطرق بين الجبال إنما هو الخط الممتد من ذروة إلى ذروة، ولا يمكنك أن ~~تتبع هذا السبيل؛ إذ لم تكن لك رجلا مارد. يجب أن تكون التعاليم شامخة كهذه الذرى، ~~وأن يكون لمن تلقن لهم قوة الجبابرة وعظمتهم. # لقد رق النسيم وصفا، وهذه المخاطر تحدق بي عن كثب، وفكرتي تتخطر مرحة في ~~قسوتها، أمامي الصراط الممهد فلأتخذن من الجن أتباعا، أنا رب الجسارة والعزم، ~~ومن توصل بأقدامه إلى طرد الأشباح لا يصعب عليه أن يخلق من الجن له أتباعا. # لقد تاقت شجاعتي إلى الضحك، وقد انقطع كل حبل بيني وبينكم. إن السحب المتمخضة ~~بالعواصف لهي سحبكم السوداء الثقيلة وأنا أهزأ الآن بها. # إنكم تنظرون إلى ما فوقكم عندما تتشوقون إلى الاعتلاء، أما أنا فقد علوت حتى ~~أصبحت أتطلع إلى ما تحت أقدامي، فهل فيكم من يمكنه أن يضحك وهو واقف على ~~الذرى؟ # من يحوم فوق أعالي الجبال يستهزئ بجميع مآسي الحياة، ويستهزئ بمسارحها، بل ~~بالحياة نفسها. # تريدنا الحكمة شجعانا لا نبالي بشيء، تريدنا أشداء مستهزئين؛ لأن الحكمة أنثى، ~~ولا تحب الأنثى إلا الرجل المكافح الصلب. # تقولون لي إن الحياة وقر ثقيل، فقولوا لي أيضا لماذا تقابلون الصباح بغروركم، ~~ثم يجيء المساء فلا يجد فيكم إلا المذلة والخضوع؟ # إن الحياة جد ثقيلة، ولكن ما هذا الخور الذي يبدو عليكم؟ أفلسنا كلنا دوابا ~~ولكل دابة منا وقرها؟ وهل من شبه بيننا وبين برعم الورد يرتجف متضايقا لسقوط قطرة ~~الندى عليه! # لا ريب أننا نحب الحياة، وليس سبب ذلك لأننا تعودنا الحياة، بل السبب أننا تعودنا ~~حب الحياة. # إن في الحب ms047 شيئا من الجنون، ولكن في الجنون شيئا من الحكمة، وأنا نفسي التائق ~~إلى الحياة يتراءى لي أن خير من يدرك السعادة إنما هي الفراشات وكرات الصابون ~~الفارغة، ومن يشبهها من الناس، ولا شيء يبكي زارا ويدفعه إلى الإنشاد كنظره إلى ~~هذه الأزواج الصغيرة الخفيفة الرائعة الدائمة الخفقان في جنونها. # إن الإله الذي يمكنني أن أومن به إنما هو الإله الذي يمكنه أن يرقص. # عندما تراءى لي الشيطان رأيته جامدا مستغرقا ملؤه الجد والجلال، فقلت هذا هو ~~الروح الثقيل الذي تتساوى جميع الحالات لديه. # إذا أردت القتل فلا تستعن بالغضب، بل استعن بالضحك. فهيا بنا نقتل الروح ~~الثقيل. # إنني ما زلت راكضا منذ تعلمت المشي، وهأنذا أطير الآن ولست بحاجة إلى من يدفعني ~~لأتحرك. # لقد أصبحت خفيفا، فأنا أطير مشعرا بأنني أحلق فوق ذاتي، وأن إلها يرقص في ~~داخلي. # هكذا تكلم زارا ... # دوحة الجبل # وارتقى زارا ذات مساء الربوة المشرفة على مدينة «البقرة الملونة» فالتقى هنالك ~~فتى كان يلحظ فيما مضى صدوده عنه، وكان هذا الفتى جالسا إلى جذع دوحة يرسل إلى ~~الوادي نظرات ملؤها الأسى، فتقدم زارا وطوق الدوحة بذراعيه وقال: لو أنني أردت ~~هز هذه الدوحة بيدي لما تمكنت، غير أن الريح الخفية عن أعيننا تهزها وتلويها كما ~~تشاء. هكذا نحن تلوينا وتهزنا أياد لا ترى. # فنهض الفتى مذعورا وقال: هذا زارا يتكلم! وقد كنت موجها أفكاري إليه، فقال ~~زارا: ما يخيفك يا هذا؟ أليس للإنسان وللدوحة حالة واحدة؟ فكلما سما الإنسان إلى ~~الأعالي، إلى مطالع النور تذهب أصوله غائرة في أعماق الأرض، في الظلمات ~~والمهاوي. # فصاح الفتى: أجل! إننا نغور في الشرور، ولكن كيف تسنى لك أن تكشف خفايا ~~نفسي؟ # فابتسم زارا وقال: إن من النفوس من لا نتوصل إلى اكتشافها إلا باختراعها ~~اختراعا. # وعاد الفتى يكرر قوله: أجل إننا نغور في الشرور. قلت حقا يا زارا، لقد تلاشت ~~ثقتي بنفسي منذ بدأت بالطموح إلى الارتقاء فحرمت أيضا ثقة الناس، فما هو السبب يا ~~ترى؟ إنني أتحول بسرعة ms048 فيدحض حاضري ما مضى من أيامي، ولكم حلقت فوق المدارج ~~أتخطاها وهي الآن لا تغتفر لي إهمالي، إنني عندما أبلغ الذروة أراني دائما منفردا ~~وليس قربي من يكلمني ، ويلفحني القر في وحدتي فترتجف عظامي، وما أدري ماذا أتيت ~~أطلب فوق الذرى! # إن احتقاري يساير رغباتي في نموها، فكلما ازددت ارتفاعا زاد احتقاري للمرتفعين ~~فلا أدري ما هم في الذرى يقصدون، ولكم أخجلني سلوكي متعثرا على المرتقى، ولكم هزأت ~~بتهدج أنفاسي. إنني أكره المنتفضين للطيران، فما أتعب الوقوف على الذرى ~~العالية! # ونظر زارا إلى الدوحة يتكئ الفتى عليها ساكتا فقال: إن هذه الدوحة ترتفع منفردة ~~على القمة وقد نمت وتعالت فوق الناس وفوق الحيوانات، فإذا هي أرادت أن تتكلم الآن ~~بعد بلوغها هذا العلو فلن يفهم أقوالها أحد. إنها انتظرت ولم تزل تتعلل بالصبر، ~~ولعلها وقد بلغت مسارح السحاب تتوقع انقضاض أول صاعقة عليها. # فهتف الفتى متحمسا: نطقت بالحق يا زارا، إنني اتجهت إلى الأعماق وأنا أطلب ~~الاعتلاء، وما أنت إلا الصاعقة التي توقعتها. تفرس في، وانظر إلى ما آلت إليه ~~حالتي منذ تجليت لنا، فما أنا إلا ضحية الحسد الذي استولى علي. # وكانت الدموع تنهمر من مآقي الفتى وهو يتكلم، فتأبط زارا ذراعه وسار به على ~~الطريق، وبعد أن قطعا مسافة منها قال زارا: لقد تفطر قلبي، إن في عينيك ما يفصح ~~بأكثر من بيانك عما تقتحم من الأخطار. إنك لما تتحرر يا أخي، بل ما زلت تسعى إلى ~~الحرية، وقد أصبحت في بحثك عنها مرهف الحس كالسائر في منامه. # إنك تريد الصعود مطلقا من كل قيد نحو الذرى، فقد اشتاقت روحك إلى مسارح النجوم، ~~ولكن غرائزك السيئة نفسها تشتاق الحرية أيضا. # إن كلابك العقورة تطلب حريتها، فهي تنبح مرحة في سراديبها، على حين أن عقلك يطمح ~~إلى تحطيم أبواب سجونك كلها، وما أراك بالطليق الحر فأنت لم تزل سجينا يتوق إلى ~~حريته، وأمثال هذا السجين تتصف أرواحهم بالحزم غير أنها تصبح وا أسفاه مراوغة ~~شريرة. # على من حرر عقله ms049 أن يتطهر مما تبقى فيه من عادة كبت العواطف والتلطخ ~~بالأقذار؛ لتصبح نظراته براقة صافية. إنني لا أجهل الخطر المحدق بك؛ لذلك أستحلفك ~~بحبي لك وأملي فيك ألا تطرح عنك ما فيك من حب ومن أمل. # إنك لم تزل تشعر بالكرامة ولم يزل الناس يرونك كريما بالرغم من كرههم لك ~~وتوجيههم نظرات السوء إليك. فاعلم أن الناس لا يبالون بالكرماء يمرون بهم على ~~الطريق، غير أن أهل الصلاح يهتمون بهم، فإذا ما صادفوا في سبيلهم من يتشح الكرامة ~~دعوه رجلا صالحا؛ ليتمكنوا من القبض عليه لاستعباده. # إن الرجل الكريم يريد أن يبدع شيئا جديدا وفضيلة جديدة، على حين أن الرجل ~~الصالح لا يحن إلا إلى الأشياء القديمة، وجل رغبته تتجه إلى الإبقاء ~~عليها. # لا خطر على الرجل الكريم من أن ينقلب رجل صلاح، بل كل الخطر عليه في أن يصبح ~~وقحا هداما. # لقد عرفت من الناس كراما دلت طلائعهم على أنهم سيبلغون أسمى الأماني، فما ~~لبثوا حتى هزءوا بكل أمنية سامية، فعاشوا تسير الوقاحة أمامهم، وتموت رغباتهم قبل ~~أن تظهر فما أعلنوا في صبيحتهم خطة إلا شهدوا فشلها في المساء. # قال هؤلاء الناس: ما الفكرة إلا شهوة كغيرها من الشهوات. # وهكذا طوت الفكرة فيهم جناحيها فتحطما، وبقيت هي تزحف زحفا وتدنس جميع ما تتصل ~~به. # لقد فكر هؤلاء الناس من قبل أن يصيروا أبطالا، فما تسنى لهم إلا أن يصبحوا ~~متنعمين، يحزنهم شبح البطولة ويلقي الخوف في روعهم. # أستحلفك بحبي لك وأملي فيك ألا تدفع عنك البطل الكامن في نفسك؛ إذ عليك أن تحقق ~~أسمى أمانيك. # هكذا تكلم زارا ... # المنذرون بالموت # ما أكثر المنذرين بالموت! والعالم مليء بمن تجب دعوتهم إلى الإعراض عن ~~الحياة. # إن الأرض مكتظة بالدخلاء وقد أفسدوا الحياة، فما أجدرهم بأن تستهويهم الحياة ~~الأبدية ليخرجوا من هذه الدنيا. # لقد وصف المنذرون بالموت بالرجال الصفر والسود، ولسوف أصفهم أنا فينكشفون عن ~~ألوان أخرى أيضا. # إنهم لأشد الناس خطرا؛ إذ كمن الحيوان المفترس فيهم، فغدوا ولا خيار لهم إلا ms050 بين ~~حالتين؛ حالة التحرق بالشهوة وحالة كبتها بالتعذيب، وما شهوتهم إلا التعذيب بعينه. ~~إن هؤلاء المسوخ لم يبلغوا مرتبة الإنسانية بعد، فليبشروا بكره الحياة، وليقلعوا ~~عن مرابعها. # هؤلاء هم المصابون بسل الروح، فإنهم لا يكادون يولدون للحياة حتى يبدأ موتهم، ~~وقد شاقتهم مبادئ الزهد والملال. # يود هؤلاء الناس أن يدرجوا في عداد الأموات، فعلينا أن نحبذ إرادتهم، ولنحترس ~~من أن نعمل على بعث هؤلاء الأموات وعلى تشويه هذه النعوش المتحركة. # إذا هم صادفوا مريضا أو شيخا أو جثة ميت، فإنهم يقولون: لقد انتفت الحياة. ولو ~~أنصفوا لقالوا إنهم هم نفي للحياة، وإن عيونهم دحض لها لأنها لا تتجه إلا إلى ~~مظهر واحد من مظاهر الوجود. # هم يتلفعون برداء وسيع من الأسى ويتشوقون إلى الحوادث التي تجر وراءها الموت، ~~ولكنهم يتوقعون الموت وأسنانهم تصطك فرقا، غير أنهم في الوقت نفسه يمدون أيديهم ~~إلى ما لذ وطاب هازئين، فكأن الحياة قشة يهزءون بها ولكنهم يحرصون عليها. إن حكمة ~~هؤلاء الناس تهتف قائلة: «الحياة جنون، أفظع منه التمسك بالحياة، وقد بلغ الجنون ~~بنا هذا الحد الفظيع.» # يقولون إن الحياة آلام، إنهم يقولون حقا، فلماذا لا يضعون حدا لهذه الحياة إن ~~لم يكن فيها سوى العذاب؟ تلك تعاليم ترمي إلى وجوب الانتحار، فيقول البعض وهو يدعو ~~إلى الموت: إن الملاذ الجنسية خطيئة فيجب الامتناع عنها والإضراب عن التوليد. ~~ويقول البعض الآخر: إن الولادة مؤلمة، فعلام تلد النساء وهن لا يقذفن إلى الوجود ~~إلا بالأشقياء؟ وهذه الفئة هي أيضا من المنذرين بالفناء. # وتقول لك فئة أخرى: إن الرحمة لازمة فخذ ما نملك، بل خذ ما تتكون شخصيتنا منه، ~~فإن فعلت فإنك تقطع من الأسلاك التي تشد بنا إلى الحياة. ولو أن رحمة هذه الفئة من ~~الناس تتغلغل في صميم ذاتهم لكانوا يبذلون الجهد في سبيل دفع سواهم إلى كره الحياة. ~~ليستمر هؤلاء الناس على ما هم عليه؛ لأن رحمتهم الحقيقية كامنة في إيقاع ~~الأذى. # إن ما يقصد هؤلاء الناس إنما هو التملص من تكاليف البقاء ms051 فلا يهمهم إن هم ألقوا ~~بأغلالهم على الآخرين. # وأنتم أيضا، أيها المتحملون من الدنيا همومها وجهودها المرهقة، أفما تعبتم من ~~الحياة؟ أفما أنضجت المحن نفوسكم لتقوم هي أيضا منذرة بالموت؟ # أنتم يا من تحبون الأعمال الوحشية، وكل حادث يمتعكم بكل جديد وغريب سريع الزوال! ~~لقد ضقتم ذرعا بأنفسكم، فما تتهالكون في العمل إلا تهربا من الحياة وطلبا ~~للاستغراق؛ لتصلوا بذاتكم إلى نسيان ذاتها، ولو كنتم أشد إيمانا بالحياة لما كنتم ~~تستسلمون هذا الاستسلام الكامل لحاضركم، لقد خلت سرائركم من القوة اللازمة ~~للانتظار، بل خلت مما يستلزم كسلكم نفسه من جلد. # إن صوت المنذرين بالموت يدوي في كل مكان، والعالم مكتظ بمن وجبت دعوتهم إلى الموت ~~أو بالحري إلى الحياة الأبدية، ولا فرق عندي بين ذاك وهذه إذا كان هؤلاء الناس ~~يسارعون إلى إخلاء الأرض. # هكذا تكلم زارا ... # الحرب والمحاربون # لا نريد أن يراعينا خيرة أعدائنا، كما لا نريد أيضا أن يراعينا من نحبهم من صميم ~~الفؤاد. # دعوني أعلن لكم الحقيقة. # إنني أحبكم من صميم الفؤاد، أيها الرفاق في المعارك، فما أنا الآن إلا، كما كنت ~~في الأمس، جندي مثلكم، فأنا إذن من خيار أعدائكم. دعوني أعلن الحقيقة لكم. # إنني عارف ما في قلوبكم من حقد وحسد، فأنتم من العظمة بحيث لا يمكنكم أن تتجاهلوا ~~الحقد والحسد، فلتكن عظمتكم رادعة لكم عن الخجل بما في قلوبكم، وإذا امتنع عليكم أن ~~تكونوا أولياء في معرفة الحق فكونوا على الأقل جنودا يكافحون من أجل هذه المعرفة، ~~وما المكافحون إلا طليعة الأولياء. # لقد كثر عدد الجنود فليتني أرى مثل هذا العدد من المحاربين، وعسى ألا تكون ~~سرائرهم على طراز واحد كالألبسة التي يرتدونها. # لتكن أنظاركم منطلقة تفتش على عدو لكم، وقد لاحت في لمعاتها بوادر البغضاء. عليكم ~~أن تجدوا العدو لتصلوا معه حربا تناضلون فيها من أجل أفكاركم، حتى إذا سقطت هذه ~~الأفكار في المعترك، ينتصب إخلاصكم هاتفا بالظفر. # أحبوا السلام كوسيلة لتجديد الحروب، وخير السلام ما قصرت مدته. إنني لا أشير ~~عليكم بالسلم، ms052 بل بالظفر، فليكن عملكم كفاحا وليكن سلمكم ظفرا. # لا اطمئنان في الراحة إذا لم تكن السهام مسددة على أقواسها، وما راحة الأعزل إلا ~~مدعاة للثرثرة والجدال، فليكن سلمكم ظفرا ... # تقولون إن الغاية المثلى تبرر الحرب، أما أنا فأقول لكم إن الحرب المثلى تبرر كل ~~غاية، فقد أتت الحروب والإقدام بعظائم لم تأت بمثلها محبة الناس، وما أنقذ الضحايا ~~حتى الآن إلا إقدامكم لا إشفاقكم. # إنكم تتساءلون عن الخير، وما الخير إلا الاتصاف بالشجاعة، فدعوا صغيرات الأطفال ~~يقلن: «إن الخير في اللطف والجمال.» # يقولون أن لا قلوب لكم، ذلك لأن قلوبكم تنبض بالإخلاص، وأنا أحب تواضعكم ~~وإخلاصكم. إنكم تستحون لأن أمواجكم تندفع في مدها، وسواكم يخجل من تراجعها في ~~جزرها. # إن قبحكم مريع، فتدثروا به أيها الإخوة؛ لأن في دثار القبح ما ليس في سواه من ~~الروعة والبهاء. # إن النفس لتقف صاخبة عندما تعتلي، والقسوة كامنة في اعتلائكم، فما خفيت حالكم ~~عني، ففي ميدان القسوة يلتقي الشديد العزم بمنهوك القوى فلا يمكنهما أن يتفاهما. ~~إنني أعرف من أنتم. # إذا ظفرتم بعدو فصبوا عليه بغضكم، وحاذروا أن تصبوا عليه احتقاركم، فما عدوكم ~~إلا مدعاة مباهاتكم، فإذا عملتم بوصيتي يصبح انتصاره انتصارا لكم أيضا. # إن الثورة مفخرة للعبيد، فليكن افتخاركم أنتم قائما على طاعتكم، وليكن أمر الآمر ~~فيكم جزءا من هذه الطاعة نفسها. إن المحارب الصادق يفضل ما يجب عليه على ما ~~يريده. فعليكم أن توجهوا ما تؤمرون به إلى هدف رغباتكم، وليكن حبكم للحياة تعبيرا ~~عن أسمى أمانيكم، ولتكن هذه الأماني عبارة عن أرفع فكرة في الحياة. وما أرفع فكرة ~~لكم، وأنا أستميحكم إبداءها لكم كأمر، إلا هذه القاعدة: «ما الإنسان إلا كائن يجب ~~أن نتفوق عليه.» # على هذا الوجه تمر حياتكم بالطاعة والجهاد، فما يهمكم أطالت الحياة أم قصرت فليس ~~من محارب يطلب أن يعامل بالمراعاة. # لقد قلت لكم الحق بلا محاباة؛ لأنني أحبكم من صميم الفؤاد، أيها الإخوة في ~~السلاح. # هكذا تكلم زارا ... # الصنم الجديد # لم يزل في بعض الأماكن ms053 من الأرض شعوب وجامعات، أما نحن فليس عندنا سوى حكومات وما ~~أدراكم ما هي الحكومات؟ # أعيروني أسماعكم لأخاطبكم عن موت الشعوب: ليست الحكومة إلا أبرد مسخ بين المسوخ ~~الباردة، فهي تكذب بكل رصانة؛ إذ تقول: «أنا الحكومة أنا الشعب.» # إياكم وتصديق ما تقول، فما كون الشعوب إلا المبدعون الذين نشروا الإيمان ~~والمحبة، فأتوا بأجل خدمة للحياة، وما الناصبون الأشراك للجموع الغفيرة إلا من ~~يهدمون كيانها؛ ليشيدوا الحكومات على أنقاضها، ويعلقوا نصلا قاطعا فوق رأس ~~الشعب، وينصبوا مئات الشهوات أمام عينه. # إن الشعب، حيث بقي له مرتع على الأرض، لا يفهم ما هي الحكومة، بل هو ينفر منها ~~كما ينفر من العين الساحرة، ويراها شذوذا هادما للشرائع والتقاليد، وإليكم ~~الدليل: إن لكل شعب بيانه عن الخير والشر، وجيرة هذا الشعب لا تفهم هذا البيان الذي ~~أوجده لنفسه محددا به شرائعه وتقاليده، على حين أن الحكومة تكذب في جميع تعابيرها ~~عن الخير والشر، فليس ما تقوله إلا كذبا، وليس ما تملكه إلا نتاج سرقتها ~~واختلاسها. # إن كل ما للحكومة مزيف، فهي تنهش بأسنان مستعارة، وأحشاؤها مختلقة اختلاقا، ~~وما شعارها إلا: «البيان المبهم المشوش عن الخير والشر» فهي تتجه به نحو الفناء، ~~وتقوم بنشره بدعوة صريحة للمنذرين بالموت. # إن عدد من يدخلون الدنيا قد تجاوز الحد، وما أوجدت الحكومة إلا لخدمة الفضوليين ~~الدخلاء على الحياة. انظروا إلى هذه الحكومة كيف تجتذب إليها الدخلاء فتضمهم إلى ~~صدرها وتشبعهم عناقا وتقبيلا. اسمعوها تهدر قائلة: ليس أعظم مني على وجه الغبراء، ~~فأنا يد الألوهية المنظمة. # وعندما تهتف هذا الهتاف، تتهاوى الركاب جاثية، وبين الراكعين كثير من غير طوال ~~الآذان وقصار النظر. # إن هذه الأكاذيب تجد مصدقين لها، وا أسفاه، حتى بينكم أنتم، يا من تجول فيكم ~~النفوس الأبية؛ لأن الحكومة تعرف أن تدغدغ قلوبكم الطافحة بالمكارم الطامحة إلى ~~الجود، إنها لتخترق سرائركم، أنتم أيضا، يا من تغلبتم على الألوهية القديمة، فهي ~~تعرف أنكم تعبتم من الكفاح فتستخدم ملالكم لعبادة الصنم الجديد. # إنه لصنم يتمنى أن يحيط ms054 به الأبطال وفضلاء الرجال، إنه لمسخ بارد يريد أن يدفأ ~~بشمس الضمائر المشعة المشرقة. # إنه ليمنحكم كل شيء إذا أنتم سجدتم له. فهذا الصنم الجديد يشتري لمعان فضائلكم ~~وما في لفتاتكم من عزة وكرامة. إنه في حاجة إليكم؛ ليجتذب إليه العدد الفائض من ~~الدخلاء على الحياة، فهنالك البرج الجهنمي، وهنالك جياد الموت تفرقع بعددها ~~حاملة شارات المراتب والأمجاد، أجل ذلك هو اختراع الموت أتى به للجموع ليحصدها ~~حصدا وهو يباهي بأنه هو الحياة، والمنذرون بالموت يرون بفعلته خير خدمة ~~لمبادئهم. # حيث يكرع الجميع السموم ويضيع كل إنسان نفسه صالحا كان أو طالحا، هنالك ~~تقوم الحكومة؛ لأنها تسود كل مكان يوصف فيه الانتحار البطيء بالحياة. # انظروا إلى هؤلاء الدخلاء. إنهم يختلسون ثمرة جهود المخترعين وكنوز الحكماء ~~ويدعون هذا الاختلاس تمدنا، غير أن كل شيء يصبح أدواء ومصاعب تحت سلطانهم. انظروا ~~إلى هؤلاء الدخلاء وليس فيهم إلا الأعلاء ينفثون غسلين مرائرهم، وينتحلون صفة ~~الصحافيين ... إنهم يتناهشون ويلتهم بعضهم البعض الآخر، وليس لهم قوة على هضم ما ~~يلتهمون. # انظروا إلى هؤلاء الدخلاء. إنهم يحشدون الأموال، وكلما ازدادت ذخائرهم زاد فقرهم، ~~فإنهم يطمحون إلى الاستيلاء على القوة فيبدءون بالقبض على محركها الأول: على ~~الأموال الطائلة، وما هم إلا الدخلاء العاجزون. # انظروا إليهم! انظروا إلى هؤلاء القرود يتسلق بعضهم البعض الآخر فيتدافعون ~~متمرغين في الأوحال على الشفير. إن كلا منهم يطمح إلى التقرب من العرش، وقد عراهم ~~جنون التوصل إليه، فكأن لا سعادة إلا على مقربة منه، وقد يرتفع رشاش الأوحال إلى ~~العرش كما ينزلق العرش نفسه إلى الأوحال. # 3 # إنني أراهم وقد جن جنونهم؛ قرودا لا تسكن لهم حركة وهم يتسلقون قاعدة صنمهم ~~البارد وقد انبعثت منه ومنهم أكره الروائح وأخبثها. # أفيحلو لكم، أيها الإخوة، أن يخنقكم ما يتبخر من أشواق هؤلاء المسوخ؟ حطموا ~~النوافذ واقفزوا منها لتنجوا بأنفسكم. # حاذروا هذه الأبخرة الخانقة، وابتعدوا عن عبادة الأصنام فإنها دين الدخلاء على ~~الحياة. حاذروا هذه الأبخرة وأعرضوا عن هذه الضحايا البشرية. # لم يزل حتى الآن ms055 مجال تسعى في رحبه النفوس الكبيرة نحو الحرية في الحياة، ولم ~~تخل الأرض من أماكن يلجأ إليها المنعزل منفردا أو مزدوجا حيث تهب نسمات البحر ~~الهادئة. فإن الحياة الحرة لم تزل تفتح أبوابها لكبار النفوس، والحق أن من يملك ~~القليل من حطام الدنيا لا يناله إلا اليسير من تحكم المتسلطين. فطوبى لصغار ~~الفقراء! # لا يظهر الإنسان الأصيل في الحياة إلا حيث تنتهي حدود الحكومات، فهنالك يتعالى ~~نشيد الضرورة بنغماته المحررة من كل مطاوعة وتقييد. # هنالك عند آخر حدود الحكومات، قفوا وتطلعوا، يا إخوتي، أفما ترون تحت قوس قزح ~~المعبر الذي يجتازه الإنسان المتفوق؟ # هكذا تكلم زارا ... # حشرات المجتمع # سارع إلى عزلتك، يا صديقي، فقد أورثك الصداع صخب عظماء الرجال، وآلمتك وخزات ~~صغارهم، إن جلال الصمت يسود الغاب والصخور أمامك، فعد كما كنت شبيها بالدوحة التي ~~تحب، الدوحة الوارفة الظل المشرفة على البحر مصغية في صمتها إلى هديره. # على أطراف حقول العزلة تبدأ حدود الميادين حيث يصخب كبار الممثلين ويطن الذباب ~~المسموم. لا قيمة لخير الأشياء في العالم إن لم يكن لها من يمثلها، والشعب يدعو ~~ممثليه رجالا عظاما، إنه يسيء فهم العظمة المبدعة، فيبتدع من نفسه المعاني التي ~~يجمل بها ممثليه والقائمين بالأدوار الكبرى على مسرح الحياة. # إن العالم يدور دورته الخفية حول موجدي السنن الجديدة. وحول لاعبي الأدوار على ~~مسرح الحياة يدور الشعب وتدور الأمجاد، وعلى هذه الوتيرة يسير العالم. # إن للاعب الأدوار ذكاءه، ولكنه لا يدرك حقيقة هذا الذكاء؛ لانصباب عقيدته إلى كل ~~طريقة توصله لخير النتائج وإلى كل أمر يدفع بالناس إلى وضع ثقتهم به. # غدا سيعتنق هذا الرجل عقيدة جديدة، وبعد غد سيستبدل بها أجد منها، ففكرته ~~تشبه الشعب تذبذبا وتوقدا وتقلبا. # إن ممثل الشعب يرى بالتحطيم برهانه، وبإيقاد النار حجته، وبإراقة الدماء أفضل حجة ~~وأقوى دليل. إنه ليعتبر هباء كل حقيقة لا تسمعها إلا الآذان المرهفة، فهو عبد ~~الآلهة الصاخبة في الحياة. # إن ميدان الجماهير يغص بالغوغاء المهرجين، والشعب يفاخر بعظماء رجاله فهم أسياد ~~الساعة ms056 في نظره، ولكن الساعة تتطلب السرعة من هؤلاء الأسياد، فهم يزاحمونك، يا أخي، ~~طالبين منك إعلان رفضك أو قبولك، والويل لك إذا وقفت حائرا بين «نعم» وبين ~~«لا». # وإذا كنت عاشقا للحقيقة فلا يغرنك أصحاب العقول الرعناء المتصلبة، وما كانت ~~الحقيقة لتستند يوما إلى ذراع أحد هؤلاء المتصلبين. # دع المشاغبين وارجع إلى مقرك، فما ميدان الجماهير إلا معترك يهدد سلامتك بين خنوع ~~«نعم» وتمرد «لا». إن تجمع المياه في الينابيع لا يتم إلا ببطء، وقد تمر أزمان قبل ~~أن تدرك المجاري ما استقر في أغوارها. # لا تقوم عظمة إلا بعيدا عن ميدان الجماهير وبعيدا عن الأمجاد، وقد انتحى ~~الأماكن القصية عنها من أبدعوا السنن الجديدة في كل زمان. # اهرب، يا صديقي، إلى عزلتك. لقد طالت إقامتك قرب الصعاليك والأدنياء، لا تقف حيث ~~يصيبك انتقامهم الدساس وقد أصبح كل همهم أن ينتقموا منك. # لا ترفع يدك عليهم فإن عددهم لا يحصى، وما قدر عليك أن تكون صيادا للحشرات. ~~إنهم لصغار أدنياء ولكنهم كثرة، ولكم أسقطت قطرات المطر وطفيليات الأعشاب من ~~صروح شامخات. ما أنت بالصخرة الصلدة، ولشد ما فعلت بك القطرات، ولسوف يتوالى ~~ارتشاقها عليك فتصدعك وتحطمك تحطيما. # لقد أرهقتك الحشرات السامة فخدشت جلدك وأسالت منه الدماء، وأنت تتحصن بكبرك ~~لتكظم غيظك، وهي تود لو أنها تمتص كل دمك معتبرة أن من حقها أن تفعل؛ لأن دمها ~~الضعيف يطلب دما ليتقوى، فهي لا ترى جناحا عليها؛ إذ تنشب حمتها في جلدك. إن ~~هذه الجروح الصغيرة لتذهب بالألم إلى مدى بعيد في حسك المرهف، فتتدفق صديدا يرتعيه ~~الدود. أراك تتعالى عن أن تمد يدك لقتل هذه الحشرات الجائعة، فحاذر أن يجول سم ~~استبدادها في دمك. # إن هؤلاء المشاغبين يدورون حولك بطنين الذباب، فهم يرفعون أناشيدهم تزلفا إليك ~~ليتحكموا في جلدك ودمك. إنهم يتوسلون إليك ويداهنونك كما يداهنون الآلهة والشياطين، ~~فيحتالون عليك بالملاطفة والثناء، وما يحتال غير الجبناء. # إنهم يفكرون بك كثيرا في سرهم فيلقون الشكوك عليك، وكل من يفكر الناس به كثيرا ms057 ~~تحوم حوله الشبهات. # إنهم يعاقبونك على كل فضيلة فيك، ولا يغتفرون لك من صميم فؤادهم إلا ما ترتكب من ~~أخطاء. إنك لكريم وعادل؛ لذلك تقول في قلبك: «إن هؤلاء الناس أبرياء وقد ضاقت عليهم ~~الحياة.» ولكن نفوسهم الضيقة تقول في نجواها: «إن كل حياة عظيمة إنما هي حياة ~~مجرمة.» ويشعر هؤلاء الناس بأنك تحتقرهم عندما تشملهم بعطفك، فيبادلونك عطفك ~~بالسيئات. إنك لتصدعهم بفضيلتك الصامتة فلا يفرحون إلا عندما يتناهى تواضعك فيستحيل ~~غرورا. إن الناس يطمحون بالطبع إلى إلهاب كل عاطفة تبدو لهم، فاحذر الصعاليك؛ ~~لأنهم يحسون بصغارهم أمامك فيتحمسون حتى ينقلب إحساسهم كرها وانتقاما. # أفما شعرت أنهم يخرسون عندما تطلع عليهم، فتبارحهم قواهم كما يبرح الدخان النار ~~إذا همدت. # أجل يا صديقي، ما أنت إلا تبكيت في ضمائر أبناء جلدتك؛ لأنهم ليسوا أهلا لك، ~~فهم لذلك يكرهونك ويودون امتصاص دمك. # إن أبناء جلدتك لن يبرحوا كالحشرات المسمومة؛ لأن العظمة فيك ستزيد أبدا في ~~كرههم لك. # إلى عزلتك، يا صديقي، إلى الأعالي حيث تهب رصينات الرياح، فإنك لم تخلق لتكون ~~صيادا للحشرات. # هكذا تكلم زارا ... # العفة # أحب الغاب، فما تسهل حياة المدن علي وقد كثر فيها عبيد الشهوات ~~الثائرات. # لخير أن يقع الرجل بين براثن سفاح من أن تحدق به أشواق امرأة جامحة ~~ملتهبة. # إنك إذا ما تفرست في رجال المدن، لتشهد لك نظراتهم بأنهم لا يرون في الأرض شيئا ~~يفضل مضاجعة امرأة ... # في أغوار أرواحهم ترسب الأقذار، وأشقاهم من تمرغ عقله بأقذاره. # ليتك حيوان اكتملت حيوانيته على الأقل، ولكن أين منك طهارة الحيوان؟ ما أنا ~~بالمشير عليك بقتل حواسك، إن ما أوجبه إنما هو طهارة هذه الحواس. # ما أنا بالمشير عليك بالعفة؛ لأنها إذا كانت فضيلة في البعض فإنها لتكاد تكون ~~رذيلة في الآخرين، ولعل هؤلاء يمسكون عن التمتع، غير أن شبقهم يتجلى في كل حركة ~~من حركاتهم. # إن كلاب الشهوة تتبع هؤلاء الممسكين حتى إلى ذرى فضيلتهم فتنفذ إلى أعماق تفكيرهم ~~الصارم لتشوش عليه سكينته، ولكلاب الشهوة من مرونة ms058 الزلفى ما تتوسل به إلى نيل قطعة ~~من الدماغ المفكر إذا منعت قطعة اللحم عنها ... # إنكم تحبون المآسي وكل ما يفطر القلوب، أما أنا فلا أثق بكلاب شهواتكم؛ لأن ~~نظراتكم الرصينة تمتلئ شهوة عندما تقع على المتألمين، وقد تنكر الشبق فيكم ~~فدعوتموه إشفاقا، وإني لأضرب لكم مثلا على هذا حالة العدد الوفير ممن أرادوا طرد ~~الشياطين فدخلوا هم في الخنازير بدلا منها. # إذا ما ثقلت العفة على أحد منكم فعليه أن يعرض عنها كيلا تنبسط أمامه سبيلا إلى ~~الجحيم، جحيم أقذار النفس ونيرانها. # لعلكم ترون بذاءة في كلامي، أما أنا فأرى البذاءة حيث لا ترونها أنتم. # ليست البذاءة في قذارة الحقيقة، بل هي في تدنيها وإسفافها، وطالب المعرفة يأنف من ~~الانحدار إلى مهاويها. # إن من الناس من دخلت العفة قلوبهم فلانت هذه القلوب لها. أولئك هم الضاحكون وفي ~~ابتسامهم ما ليس في ابتسامكم من إخلاص. إنهم يهزءون بالعفة ويتساءلون عما يمكن أن ~~تكون. # أفليست العفة غرورا؟ أفليست هي التي جاءت إلينا ولم نذهب نحن إليها؟ # لقد فتحنا قلبنا لها فاستقرت ضيفا ثقيلا فيه، فليبق هذا الضيف نازلا فينا ما ~~طاب له المقيل. # هكذا تكلم زارا ... # الصديق # يقول المنفرد في نفسه: «لا أطيق وجود أحد بقربي.» ولكثرة ما يقف محدقا في ذاته ~~تظهر التثنية فيه، ويقوم الجدال بين شخصيته وبين ذاته فيشعر بالحاجة إلى صديق، وما ~~الصديق للمنفرد إلا شخص ثالث يحول دون سقوط المتجادلين إلى الأغوار كما تمنع ~~المنطقة المفرغة غرق العائمين. # إن أغوار المنفرد بعيدة القرار، فهو بحاجة إلى صديق له أنجاده العالية، فثقة ~~الإنسان في غيره تقوده إلى ثقته بنفسه، وتشوقه إلى الصديق ينهض أفكاره من ~~كبواتها. # كثيرا ما يقود الحب إلى التغلب على الحسد، وكثيرا ما يطلب الإنسان الأعداء ~~ليستر ضعفه ويتأكد إمكانه مهاجمة الآخرين. # من يطمح إلى اكتساب الصديق وجب عليه أن يستعد للكفاح من أجله، ولا يصلح للكفاح ~~إلا من يمكنه أن يكون عدوا. يجب على المرء أن يحترم عداءه في صديقه؛ إذ لا يمكن ms059 ~~لك أن تقترب من قلب صديقك إلا حين تهاجمه وتحارب شخصيته. # أنت تريد الظهور أمام صديقك على ما أنت عليه هاتكا كل ستر عن خفايا نفسك، فلا ~~تعجب إذا رأيت صديقك يعرض عنك ويقذف بك إلى بعيد. # من لا يعرف المصافعة يدفع بالناس إلى الثورة عليه، فاحذر العري، يا هذا، لأنك لست ~~إلها، والآلهة دون سواهم يخجلون من الاستتار. # عليك بارتداء خير لباس أمام صديقك، لتهيب به إلى طلب المثل الأعلى: الإنسان ~~المتفوق. # أفما تفرست يوما في وجه صديقك وهو نائم لترى حقيقته؟ أفما رأيت ملامحه إذ ذاك ~~كأنها ملامحك أنت منعكسة على مرآة مبرقعة معيبة؟ أفما ذعرت لمنظر صديقك وهو مستسلم ~~للكرى؟ # ما الإنسان، أيها الرفيق، إلا كائن وجب عليه أن يتفوق على ذاته، وعلى الصديق أن ~~يكون كشافا صامتا، فأمسك عن النظر علنا إلى كل شيء ما دمت قادرا في غفلتك على ~~كشف كل ما يفعله صديقك في انتباهه. عليك أن تحل الرموز قبل أن تعلن إشفاقك، فقد ~~ينفر صديقك من الإشفاق ويفضل أن يراك مقنعا بالحديد وفي عينيك لمعان ~~الخلود. # ليكن عطفك على صديقك متشحا بالقسوة وفيه شيء من الحقد، فيبدو هذا العطف مليئا ~~بالرقة والظرف. # كن لصديقك كالهواء الطلق والعزلة والغذاء والدواء، فإن من الناس من يعجز عن ~~التحرر من قيوده ولكنه قادر على تحرير أصدقائه. # دع الصداقة إذا كنت عبدا، وإذا كنت عاتيا فلا تطمح إلى اكتساب الأصدقاء. # لقد مرت أحقاب طويلة على المرأة كانت فيها مستبدة أو مستعبدة فهي لم تزل غير ~~أهل للصداقة، فالمرأة لا تعرف غير الحب. # إن حب المرأة ينطوي على تعسف وعماية تجاه من لا تحب، وإذا ما اشتعل بالحب قلبها ~~فإن أنواره معرضة أبدا لخطف البروق في الظلام ... # لم تبلغ المرأة بعد ما يؤهلها للوفاء كصديقة، فما هي إلا هرة، وقد تكون ~~عصفورا، وإذا هي ارتقت أصبحت بقرة ... # ليست المرأة أهلا للصداقة، ولكن ليقل لي الرجال من هو أهل للصداقة بينهم؟ إن فقر ~~روحكم وخساستها يستحقان اللعنة أيها الرجال؛ ms060 لأن ما تبذلونه لأصدقائكم يمكنني أن ~~أبذله لأعدائي دون أن أزداد فقرا. # إنكم لا تتخذون إلا الأصحاب، فأي متى تسود الصداقة بينكم؟ # ألف هدف وهدف # لقد شاهد زارا كثيرا من البلدان وكثيرا من الشعوب، فنفذ إلى حقيقة الخير والشر، ~~وعرف أن لا قوة في العالم تفوق قوتهما. # تحقق أن ليس على الأرض من شعب تحلو له الحياة دون أن يخضع النظم والسنن ~~لتقديره، وأن كل شعب يرى من واجبه، إذا أراد الحياة، أن يجيء بتقدير يختلف عن تقدير ~~من يجاوره من الشعوب، وهكذا كان ما يراه أحدها خيرا يراه الآخر دناءة ~~وعارا. # ذلك ما عرفته، فكم من عمل اتشح العيب في بلد، رأيته مجللا بالشرف والفخر في بلد ~~آخر. # لم أر جارا تمكن من إدراك حقيقة جاره، بل رأيت كلا منهما يعجب لجنون الآخر ~~وقسوته. # لقد علق كل شعب فوق رأسه لوح شريعته، وسطر عليه ما اجتاز من عقبات وما تضمر ~~إرادته من عزم، فما تراءى له صعب المنال فهو موضوع تمجيده، وما خيره إلا حاجة ~~ملحة عز مطلبها، فهو يقدس كل وسيلة تمكنه من الظفر بهذه الحاجة. # إن كل ما يوطد الحكم لهذا الشعب، وكل ما ينيله النصر والمجد ويلقي الرعب في روع ~~جاره مثيرا حسده إنما هو في نظره ذو المكانة الأولى، وما احتل المقام الأول في ~~اعتباره يصبح مقياسا لجميع أموره ومعنى لجميع ما يحيط به، فإذا ما تمكنت من ~~الاطلاع على حاجات أي شعب، وخبرت أرضه وجوه وحالة جاره، فإنك لتدرك النواميس التي ~~تتحكم فيه وتحفزه إلى المجالدة للغلبة على أهوائه، ولتعرف السبب في اختياره مراقيه ~~الخاصة يتدرج عليها لبلوغ أمانيه. ~~«عليك أن تكون سباقا مجليا في كل مضمار، فلتتلفع نفسك بغيرتها كيلا تبذل ~~الولاء إلا للصديق.» # إنها لكلمات إذا وقعت في أذن يوناني ترتعش نفسه لها؛ فيندفع إلى اقتحام الصعاب ~~طلبا للمجد. ~~«قل الحق، وكن ماهرا في تفويق سهامك من قوسك.» # إنها لوصية صعبت وعزت على الشعب الذي اقتبست اسمي منه، وفي هذا الاسم من ms061 ~~المصاعب قدر ما فيه من أمجاد. ~~«أكرم أباك وأمك، ولتكن بارا بهما من صميم قلبك.» # وهذه الوصية القائمة على إرغام النفس قد عمل بها شعب آخر؛ فبلغ القوة وأصبح ~~خالدا. ~~«كن أمينا وابذل للأمانة دمك وشرفك حتى ولو كان جهادك في سبيل ما يضير وما يورد ~~المهالك.» # وهذه أيضا وصية عمل بها شعب آخر، فتغلب على ذاته وأصبح عظيما تثقله الأماني ~~الجسام. # لقد أقام الناس الخير والشر، فابتدعوهما لأنفسهم، وما اكتشفوهما ولا أنزلا عليهم ~~بهاتف من السماء. # لقد وضع الإنسان للأمور أقدارها ليحافظ على نفسه، فهو الذي أوجد للأشياء معانيها ~~الإنسانية. # ما التقدير إلا الإيجاد بعينه، فأصغوا إلي أيها الموجدون. # ما الكنوز والجواهر إلا أشياء أرادها تقديركم جواهر وكنوزا، فما القيمة إلا ~~اعتبار، ولولا التقدير لما كان الوجود إلا قشورا لا نواة فيها. اسمعوا أيها ~~الموجدون: إن قيمة الأشياء تتغير تبعا لتحول اعتبار الموجد، ولا بد لهذا الموجد ~~من أن يهدم في كل حين. # لقد كانت الشعوب تتولى الإيجاد في البدء حتى ظهر الأفراد الموجدون، فما الفرد في ~~الواقع إلا أحدث هيئات الوجود. # لقد أقامت الشعوب لنفسها قدما شريعة خيرها، وما نشأت هذه الشريعة إلا باتفاق ~~المحبة التي طمحت إلى السيادة، والمحبة التي رضيت بالامتثال. # إن هوى المجموع أقدم من أهواء الفرد، وإذا كان خير الضمائر ما يكمن في المجموع، ~~فإن شرها ما يتجلى في الفرد المعلن شخصيته. # والحق أن الشخصية المراوغة التي لا محبة فيها، الشخصية التي ترمي إلى الاستفادة ~~من خير الأكثرية، إنما هي عنوان انحطاط المجموع لا مبدأ كيانه. # ما خلق الخير والشر في كل عصر إلا المتهوسون المبدعون، وما أضرم نارهما إلا عاطفة ~~الحب وعاطفة الغضب باسم الفضائل جمعاء! # لقد شاهد زارا كثيرا من الشعوب والبلدان فما رأى قوة على الأرض تفوق قوة ~~المتهوسين، والقوة معنى لكلمتي الخير والشر. # ما أشبه ما يستدعي التمجيد ويستوجب العقاب بالمسخ الهائل، فمن له بسحق هذا المسخ، ~~أيها الإخوة؟ من سيشد بالأغلال على ما يتلع هذا الحيوان من آلاف الأعناق؟ ms062 # لقد بلغت الأهداف الألف عدا؛ إذ بلغ عدد الشعوب ألفا، فنحن بحاجة إلى قيد واحد ~~لألف عنق؛ لأننا بحاجة إلى هدف واحد، فالبشرية لم تعرف حتى اليوم لها هدفا ، ولكن ~~إذا كانت الإنسانية تسير ولا غاية لها، أفليس ذلك لقصورها وضلالها؟ # هكذا تكلم زارا ... # محبة القريب # إنكم لتعطفون على القريب، وتعبرون عن عطفكم بتزويق الكلام، أما أنا فأقول لكم ~~إن محبتكم للقريب إن هي إلا أنانية مضللة. # إنكم تلجأون للقريب هربا من أنفسكم، وتريدون أن تعدوا هذا العمل فضيلة، وهل يخفى ~~علي كنه تجردكم هذا؟ # إن المخاطب أقدم من المتكلم؛ فالأول مقدس أما الثاني فلم يقدس بعد. ذلك هو ~~السبب في عطف الإنسان على قريبه. # إن ما أشير به عليكم هو أن تنفروا من القريب لا أن تحبوه، وذلك لتتمكنوا من محبة ~~الإنسان البعيد، فإن ما فوق محبة القريب محبة الإنسان البعيد المنتظر، وإني أضع ~~فوق محبة الإنسان محبة الأشياء والأشباح. # إن الشبح الذي يعدو أمامك، يا صديقي، لهو أجمل منك، فلم لا تعيره لحمك ~~وعظمك؟ # لقد استولى الخوف عليكم فلذلك تفزعون إلى القريب، لا قبل لكم باحتمال أنفسكم ~~وما حبكم بالحب الكامل؛ لذلك أراكم تطمحون إلى إغواء قريبكم لتتمتعوا ~~بضلاله. # أتمنى أن تنفروا من جميع فئات الأقربين، ومن جيرتهم أيضا لتضطروا إلى إيجاد ~~الصديق الذي يطفح قلبه بالإخلاص. إنكم لتدعون شهودا عندما تريدون أن تغدقوا الثناء ~~على أنفسكم، وإذا ما توصلتم إلى تضليلهم ليحسنوا الظن بكم تبدءون حينئذ بإحسان الظن ~~بأنفسكم. # ما من أحد يرتكب الكذب إلا إذا تكلم ضد ضميره، فأصدق الناس من لا ضمير له يحول ~~دون قوله الصدق. على هذه القاعدة تتكلمون عن أنفسكم بين الناس لتضللوهم في ~~حقيقتكم. # يقول المجنون في نفسه: «إن مخالطة الناس تفسد الأخلاق، بل هي تفسد بخاصة من لا ~~خلاق لهم.» # إن منكم من يهرع إلى جاره ليفتش عن نفسه، ومنكم من يذهب إليه لينساها. إنكم ~~تسيئون محبة أنفسكم؛ لذلك يصبح انفرادكم بمثابة سجن لكم. # إن الغائبين يؤدون ثمن حبكم للقريب؛ ms063 لأن خمسة يجتمعون منكم يقضون دائما على ~~السادس الغائب. # إنني لا أحب أعيادكم؛ إذ رأيتها مليئة بالممثلين، ورأيت النظارة أبرع منهم ~~تمثيلا. # لا أدعوكم إلى محبة القريب، بل أدعوكم إلى محبة الصديق، فليكن الصديق لكم مظهر ~~حبور الأرض، فتحسون بما ينبئكم بالإنسان المتفوق. # أوصيكم بالصديق يطفح قلبه إخلاصا، غير أن من يطمح إلى الظفر بمثل هذا القلب يجب ~~عليه أن يكون كالإسفنجة قادرا على تشرب السائل المتدفق. أوصيكم بالصديق الذي يحمل ~~عالما في نفسه، فهو الصديق المبدع الذي يسعه أن يقدم لكم هذا العالم في كل حين، ~~فيعرض عليكم ما مر به من عبر الحياة، فتشهدون كيف يتحول الشر إلى خير، وكيف ~~تنتهي الصدف بكم إلى غاياتكم. # ليكن المستقبل والمقاصد البعيدة ما تصبو إليه في يومك، فتحب في صديقك الإنسان ~~المتفوق، وتضعه نصب عينيك كغاية لوجودك. # لا أشير عليكم بمحبة القريب، أيها الإخوة، بل بمحبة الآتي البعيد. # هكذا تكلم زارا ... # طرق المبدع # أتقصد العزلة يا أخي لتجد الطريق التي توصلك إلى مكمن ذاتك؟ إذن، فقف قليلا في ~~تردد واصغ إلي: لقد قال القطيع: «من فتش فقد تاه، ومن انعزل فما أمن ~~العثار.» # وأنت قد عشت طويلا بين هذا القطيع، ولسوف يدوي صوته مليا في داخلك، فإذا قلت ~~له: لقد تغير ضميري جانحا عن ضميرك، فلن تكن إلا شاكيا متألما. # إن اشتراكك بالشعور مع القطيع قد أورثك هذا الألم، وآخر وهج من هذا الضمير ~~المشترك لا يزال يلهب فجيعتك فيجددها، ولكنك ترغب في اتباع هاتف آلامك؛ لأنه يقودك ~~إلى التوغل في ذاتك، فأين برهانك على حقك في المضي إليها وعلى أنك قادر على هذا ~~السفر، أفأنت قوة جديدة وحق جديد؟ أأنت حركة ابتداء؟ أأنت عجلة تدور على ذاتها؟ ~~أبوسعك أن تجعل النجوم تدور حولك؟ # لكم من طموح يتحفز نحو الأعالي، ولكم من طمع يرتعش في أمانيه، فأثبت لي أنك ~~لست من الطامحين الطامعين. # إن كثيرا من ساميات الأفكار لا تعمل إلا عمل الأكر المنتفخة، فلا تكاد تتضخم ~~حتى يحكمها الضمور. # إنك ms064 تدعو نفسك حرا، فقل لي ما هي الفكرة التي تقيمها مبدأ لك، ولا تكتف بقولك ~~إنك خلعت نيرك، فهل كنت يا ترى ذا حق بخلعه؟ إن من الناس من يفقدون آخر مزية لهم ~~إذا هم انعتقوا من عبوديتهم. # لا يهم زارا أن تقول له من أية عبودية تحررت، فلتعلن له نظراتك الصافية الغاية ~~التي تحررت من أجلها. # هل بوسعك أن تسن لنفسك خيرها وشرها فترفع إرادتك شريعة تسود أعمالك، أبوسعك أن ~~تكون قاضيا على نفسك وأن تكون منتقما منها لشريعتك؟ إنه لأمر مريع أن يبقى ~~الإنسان منفردا مع من أقامة قاضيا على نفسه ومنتقما منها بالشريعة التي أوجدها. ~~إن مثل هذا الإنسان ليذهب في الفضاء ذهاب الكوكب مقذوفا إلى فراغ الوحدة ~~وصقيعها. # إنك وقد أصبحت منفردا لا تزال تتألم من المجتمع؛ لأنك لم تطرح شجاعتك ولم يزل ~~للأمل مرتع فيك، غير أنك ستتعب من انفرادك يوما؛ إذ تلين قناتك وينحطم غرورك فلا ~~تتمالك من الهتاف قائلا إنني أصبحت وحيدا فريدا. # سيأتي يوم تحتجب فيه عظمتك عنك فيلتصق صغارك فيك حتى لترتجف فرقا من تساميك ~~نفسه؛ إذ يبدو أمامك كشبح مرعب فتصرخ قائلا: «كل شيء باطل.» # إن في المنفرد عواطف تطمح إلى القضاء عليه، فإن لم تنل منه نالت من نفسها ~~وانتحرت، فهل أنت مستعد لارتكاب جريمة القتل؟ # أتعرف، يا أخي، معنى كلمة الاحتقار، وما ستكون آلامك إذا أنت أردت العدل واضطررت ~~إلى الاقتصاص ممن يحتقرونك؟ # إنك تكره الكثيرين على تغيير اعتقادهم فيك، فتثير حفيظتهم عليك، لقد اقتربت منهم ~~ثم تجاوزتهم، فهم لذلك لن يغتفروا لك. # لقد تفوقت عليهم، فكلما اعتليت فوقهم ازددت صغارا في أعين الحاسدين، وما كره ~~الناس أحدا كرههم للمحلق فوق السحاب. # لقد وجب عليك أن تقول للناس: إنني اخترت ظلمكم نصيبا حق لي منكم لذلك عز إنصافي ~~عليكم. إن الناس يرشقون المنفرد بالمظالم والمثالب، ولكنك إذا كنت تريد أن تصبح ~~كوكبا فعليك أن ترسل أنوارك حتى إلى الراشقين. # واحترس بخاصة من أهل الصلاح والعدل؛ لأنهم يتوقون إلى ms065 صلب من يوجد فضيلة لنفسه. ~~إنهم يكرهون المنفرد. # واحترس أيضا من السذاجة المتقية؛ لأنها ترى الكفر في كل إنسان لا يلتصق بها، وقد ~~كان الساذجون في كل مكان يتوقون إلى إيقاد النار واللعب بها. # كن على حذر من التطرف في حبك، فإن المنفرد يمد يده متسرعا لمصافحة من يلتقي في ~~طريقه. إن من الناس من يجب عليك ألا تمد إليهم يدا، بل مخلبا ناشبا. # غير أن أشد من تصادف من الأعداء خطرا إنما هو أنت، وما يترصدك في المغاور ~~والغابات إلا نفسك. # لقد تبينت الطريق الذي يقودك إلى ذاتك، أيها المنفرد، وطريقك منبسط أمامك وأمام ~~شياطينك السبعة، فستصبح منذ الآن جاحدا لنفسك، ساحرا مجنونا مشككا كافرا ~~شديدا. فيجب عليك أن ترضى بالاحتراق بلهبك؛ إذ لا يمكنك أن تتجدد ما لم تشتعل حتى ~~تصبح رمادا. # إنك تتبع طريق الخالق، أيها المنفرد، فأنت تفتش على إله لك تقيمه من شياطينك ~~السبعة. إنك تتبع طريق العاشق، أيها المنفرد، وقد عشقت نفسك، فأنت لذلك تحتقرها ~~احتقار العاشقين. # يريد العاشق أن يبتدع لأنه يحتقر، وما له أن يدعي الحب إذا كان لم يبدأ باحتقار ~~المحبوب. # توغل في عزلتك يا أخي. سر فلا رفيق لك إلا حبك وإبداعك. إنك ستسير طويلا قبل ~~أن تقفو العدالة أثرك متثاقلة متعارجة. # اذهب إلى عزلتك فإنني أشيعك بدموعي يا أخي؛ لأنني أحب من يتفانى ليوجد في فنائه ~~من يتفوق عليه. # هكذا تكلم زارا ... # الشيخة والفتاة # لماذا تدلج مختفيا في الغسق يا زارا؟ وما هو الذي تخفيه بكل احتراس تحت ردائك؟ ~~أكنز وهبته أم طفل رزقته؟ وإلى أين تتجه على طريق اللصوص يا صديق ~~الأشرار؟ # فأجاب زارا: والحق يا أخي، إن ما أحمل هو كنز وهبته، فهو حقيقة صغيرة طائشة ~~كالطفل، ولولا أنني كممت فمها لصاحت بملء شدقيها. # بينما كنت أسير اليوم منفردا في طريقي عند الغروب، التقيت بشيخة ناجتني قائلة: ~~لقد كلمنا زارا مرارا نحن النساء، ولكنه لم يتكلم عنا مرة واحدة. # قلت لها: يجب ألا يتكلم الرجل عن النساء ms066 إلا للرجال. # فقالت: لك أن تتكلم أمامي عن النساء؛ لأنني بلغت من العمر أرذله، فلن تستقر ~~أقوالك في ذهني. # وقبلت رجاء المرأة العجوز فقلت لها: كل ما في المرأة لغز، وليس لهذا اللغز إلا ~~مفتاح واحد وهو كلمة «الحبل». # ليس الرجل للمرأة إلا وسيلة، أما غايتها فهي الولد، ولكن ما تكون المرأة للرجل يا ~~ترى؟ إن الرجل الحقيقي يطلب أمرين: المخاطرة واللعب، وذلك ما يدعوه إلى طلب المرأة، ~~فهي أخطر الألعاب. # خلق الرجل للحرب، وخلقت المرأة ليسكن الرجل إليها، وما عدا ذلك فجنون، ولا يحب ~~المحارب الثمرة إذا تناهت حلاوتها، فهو لذلك يتوق إلى المرأة لأنه يستطعم المرارة ~~في أشد النساء حلاوة. # تفهم المرأة الطفل بأكثر مما يفهمه الرجل، غير أن الرجل أقرب إلى خلق الطفل من ~~المرأة، ففي كل رجل حقيقي يحتجب طفل يتوق إلى اللعب، فلتعمل النساء على اكتشاف ~~الطفل في الرجل. # لتكن المرأة لعبة صغيرة طاهرة كالماس تشع فيها فضائل العالم المنتظر. # ليتوهج الكوكب السني في حبك أيتها المرأة، وليهتف شوقك قائلا: لأضعن للعالم ~~الإنسان المتفوق. ليكن في حبك استبسال تتسلحين به لاقتحام من يثير الوجل في قلبك. ~~ضعي شرفك في حبك، وما تعرف المرأة من الشرف إلا يسيرا، غير أن الشرف في حبك هو ~~الخلق الذي يجعلك تبادلين المحبة بأكثر منها فلا تنحدرين إلى المقام ~~الثاني. # ليحذر الرجل المرأة عندما يستولي الحب عليها، فهي تضحي بكل شيء في سبيل حبها؛ إذ ~~تضمحل في نظرها قيم الأشياء كلها تجاه قيمته، ليحذر الرجل المرأة عندما تساورها ~~البغضاء؛ لأنه إذا كان قلب الرجل مكمنا للقسوة، فقلب المرأة مكمن للشر. # إلى من توجه المرأة أشد بغضائها؟ # والجواب في قول الحديد للقوة الجاذبة: إن أشد كرهي موجه إليك لأنك تجتذبين وليس ~~فيك من طاقة تربط على ما تجتذبين. # إن سعادة الرجل تابعة لإرادته، أما سعادة المرأة فمتوقفة على إرادة الرجل. # تقول المرأة وقد استسلمت لحبها العميم: لقد اكتمل العالم. # ولا بد لها أن تخضع وأن ترى أعماقا على سطحها؛ لأن روح ms067 المرأة سطحية فهي صفحة ~~ماء متماوجة تداعبها الرياح، في حين أن روح الرجل أعماق تزمجر أمواجها في المغاور ~~السحيقة القرار، وقد تشعر المرأة بقوة الرجل ولكنها لن تفهمها. # عندئذ قالت العجوز: لقد تكلم زارا عن أشياء طريفة أجدر بسماعها من النساء من لم ~~يزلن في مقتبل العمر، ومن الغريب أن ينطق زارا بالحق عن النساء وهو لا يعرفهن إلا ~~قليلا، أفتكون إصابته ناشئة عن أن ليس في حالة المرأة شيء ممتنع. # والآن أصغ إلي يا زارا، فإنني سأعلن لك حقيقة صغيرة مكافأة على ما قلت، وكبر ~~سني يجيز لي أن أعلنها لك، فاسترعها وأطبق شفتيك عليها لئلا يتعالى صراخها من ~~فمك. # فقلت هاتها، هذه الحقيقة الصغيرة أيتها المرأة. وهذا ما قالت العجوز: إذا ما ذهبت ~~إلى النساء فلا تنس السوط. # هكذا تكلم زارا ... # لسعة الأفعى # واستسلم زارا للكرى يوما تحت شجرة التين، وكان الحر شديدا فستر وجهه بساعده ~~فأتت أفعى ولسعته في عنقه؛ فصرخ متألما وانتفض محدقا بها فعرفت عينيه وتململت ~~لتنصرف، فقال لها زارا: «لا تذهبي قبل أن أقدم لك شكري؛ لأنك نبهتني في الزمن ~~المناسب لأقوم بسفر بعيد.» # فأجابت الأفعى وفي صوتها غنة الأسى: بل سفرك قريب فزعافي قاتل. # وابتسم زارا وقال: وهل لزعاف الأفعى أن يقتل تنينا؟ خذي سمك، إنني أعيده إليك ~~فلست من الغنى على ما يسمح لك بتقديمه هدية لي. # وسارعت الأفعى إلى الالتفاف حول عنق زارا تلحس جرحه. # وقص زارا هذه الحادثة يوما على أتباعه فقالوا له: وما هو المغزى الأدبي لهذه ~~القصة، فأجاب: إن أهل الصلاح والعدل يدعونني هداما للمبادئ الأدبية فقصتي لا تتفق ~~وهذه المبادئ. # إذا كان لكم عدو فلا تقابلوا شره بالخير؛ لأنه يستصغر بذلك نفسه، بل أكدوا له أنه ~~أحسن بعمله إليكم، والأجدر بكم ألا تحتقروا أحدا، تظاهروا بالغضب، وإذا وجهت ~~اللعنة إليكم، فلا يسرني أن تمنحوا البركة، إن ما يسرني هو ألا تأبوا اللعن أنتم ~~أيضا، وإذا ما أنزلت بكم مظلمة كبيرة فبادلوا المعتدي مثلها، وأرفقوها بخمس مظالم ~~صغرى؛ ms068 لأنه ما من مشهد أشد قبحا من مشهد من لا يخضع إلا للظلم. # إن اقتسام المظالم بالتساوي إنما هو مساواة بالحق، فهل كنتم تعرفون هذا من قبل؟ ~~من يقدر على إرهاق الناس بظلمه فعليه أن يحتمل هو الظلم أيضا. # لئن ينتقم الإنسان قليلا فذلك أدنى إلى المعروف، وليس من الإنسانية أن يترفع ~~المظلوم عن الانتقام. إنني لأنفر من اقتصاصكم إذا لم يكن عبارة عن حق تؤدونه ~~للمعتدي، فإن من يسند الخطأ إلى نفسه لأنبل ممن يعلنون في كل آن أن الحق في ~~جانبهم، وأخص من هؤلاء من كانوا حقيقة على صواب. إن أغنياء الروح لا يفعلون ~~هذا. # إنني أكره عدالتكم الباردة، فإن في عيون قضاتكم ازورار الجلاد ولمعان سيفه، ~~فأين العدالة تلمح في عينيها الصفاء. أوجدوا لي الحب الذي لا يكتفي بحمل كل أنواع ~~العقاب، بل يحمل أيضا جميع الخطايا. # أوجدوا لي العدل الذي يبرئ الجميع ليحكم على الإنسان الذي يدين. # أتريدون أن أذهب إلى أبعد مما قلت فأعلن لكم أن الكذب نفسه يصبح محبة للإنسانية ~~في نفس من يتوق إلى إقامة العدل؟ # ولكن هل بوسعي أن أقيم العدل بكل إخلاص؟ وكيف يمكني أن أتوصل إلى إعطاء كل ذي حق ~~حقه؟ إذن، لأكتفين بأن أعطي أصحاب الحق حقي الخاص. # وأخيرا، حاذروا ظلم المنفرد؛ إذ ليس بوسعه أن ينسى وأن يبادل الظالمين ظلما، ~~وما المنفرد إلا بئر عميقة يسهل على من يشاء أن يلقي فيها حجرا، ولكن من يقدر أن ~~يستخرج هذا الحجر إذا بلغ قعر البئر السحيق؟ # احترسوا من إهانة المنفرد، وإذا أنتم حقرتموه فأجهزوا عليه بقتله. # هكذا تكلم زارا ... # الطفل والزواج # لي سؤال أخصك به لأسبر أعماق روحك يا أخي: أنت في مقتبل العمر وتتمنى أن يكون لك ~~زوجة وولد، ولكن قل لي هل أنت الرجل الذي يحق له هذا التمني؟ أأنت الظافر المنتصر ~~على نفسه، الحاكم على حواسه، السائد على فضائله؟ أم أن تمنيك هذا ليس إلا شهوة ~~حيوان أو خشية منفرد أو اضطراب من قام النزاع بينه ms069 وبين نفسه؟ # إن ما أريده منك هو أن تتوق بانتصارك وحريتك إلى التجدد بالولد؛ إذ عليك أن تقيم ~~الأنصاب إلى ما فوق مستواك، وهل بوسعك أن تفعل إذا لم تكن متين البنية من رأسك إلى ~~أخمص قدميك؟ # ليس عليك أن ترسل سلالتك إلى الأمام فحسب، بل عليك بخاصة أن ترفعها إلى ما فوق. ~~فليكن عملك في حقل الزواج منصبا إلى هذه الغاية. # عليك أن توجد جسدا جوهره أنقى من جوهر جسدك؛ ليكون حركة أولى وعجلة تدور لنفسها ~~على محورها، فواجبك إذن إنما هو إبداع من يبدع. # ما الزواج في عرفي إلا اتحاد إرادتين لإيجاد فرد يفوق من كانا علة وجوده، ~~فالزواج حرمة متبادلة ترسو على احترام هذه الإرادة. # ليكن هذا معنى زواجك وحقيقته، أما ما يدعوه الدخلاء الأغبياء زواجا فأمر أحار في ~~تعريفه، فما هو إلا مسكنة روحية يتقاسمها اثنان، ودنس يتمرغ به اثنان، ولذة بائسة ~~تتحكم في اثنين، ولكن الدخلاء يرون في مثل هذا الزواج رباطا عقدته السماء. # وما أنا بالمرتضي بمثل هذه السماء، سماء الدخلاء أطبقت شباكها عليهم، تبا لها، ~~وسحقا لمثل هذا الإله الذي يتقدم متراجعا ليبارك اثنين لم يجمع هو بينهما. # لا يضحكنكم هذا الزواج، فكم من طفل من حقه أن يبكي على أبويه! # رأيت رجلا وقورا فحسبته بالغا من النضوج ما يدرك به معنى الأرض، ولكنني رأيت ~~امرأته بعد ذلك فلاحت لي الأرض كأنها مأوى المجانين، أود لو تميد الأرض بي عندما ~~أرى رجلا فاضلا يتخذ له زوجة حمقاء. # من الناس من يتجرد كالأبطال سعيا وراء الحقائق، فلا يلبث حتى يصطاد رباطا ~~مزيفا يدعوه زواجا. ومنهم من اشتهر بحذره في علاقاته وبصرامته في اختياره، فإذا ~~هو بين ليلة وضحاها قد أفسد حياته ووقف يدعو هذا الإفساد زواجا. ومنهم أيضا من ~~كان يفتش عن خادمة لها فضائل الملائكة، فإذا هو ينقلب فجأة خادما لامرأة وقد حق ~~عليه أن يتصف هو بالفضائل الملائكية. # فتشت في كل مكان فما رأيت إلا مشترين يقلبون السلع وعيونهم تتدفق مكرا، ولكن ms070 ~~أمكر هؤلاء الناس لا يتوصل في آخر الأمر إلا إلى ابتياع هرة يدسها في ~~جلبابه. # إن ما تدعونه عشقا إنما هو جنون يتتالى نوبة بعد نوبة حتى يجيء زواجكم خاتما ~~هذه الحماقات بالحماقة المستقرة الكبرى. ويا ليت حب الرجل للمرأة وحب المرأة للرجل ~~كانا إشفاقا يتبادله إلهان يتألمان، ولكن هذا الحب لا يتجلى في الغالب إلا تفاهما ~~بين إحساس حيوانين. وما خير الحب لو تعلمون إلا تحول واضطرام في ألم وخشوع، إن هو ~~إلا المشعل ينير أمامكم مسالك الاعتلاء، وسيأتي يوم يتجه فيه حبكم إلى مقر أبعد ~~وأرفع من مستقر ذاتكم، لقد بدأتم بتعلم الحب؛ لذلك ترتشفون الآن المرارة الطافية ~~كالحبب على كأسه. # إن في كأس كل حب إطلاقا، وحتى في كأس أرقى حب مرارة لا بد لكم من تجرعها، وهذه ~~المرارة هي التي تنبه فيكم الشوق إلى الإنسان المتفوق وتلهب فيكم الظمأ إليه، أيها ~~المبدعون، إذا كان هذا الظمأ هو الذي يدفع بك إلى طلب الزواج يا أخي، وإذا كنت تشعر ~~بشوقك يندفع كالسهم نحو الإنسان المتفوق، فإنني أقدس إرادتك وأقدس زواجك. # هكذا تكلم زارا ... # تخير الموت # كثير من يتأخرون في موتهم، وكثير من يبكرون، فإذا قال قائل للناس بالموت في ~~الزمن المناسب؛ رفعوا عقيرتهم مستغربين، وزارا يعلم الناس أن يموتوا في الزمن ~~المناسب، ولكن أنى لمن يعرف الحياة أن يتخير الموت في أوانه؟ # أفما كان خيرا للدخلاء على الحياة لو أنهم لم يولدوا، ولكن هؤلاء الدخلاء يريدون ~~أن يولي الناس أهمية كبرى لموتهم، وكم من نواة تباهي بأنها كسرت وهي جوفاء. # إنهم يعلقون أهمية على الموت؛ لأنهم ما عرفوا بهجة الموت، فالناس لم يعرفوا حتى ~~اليوم كيف يقدسون أبهج الأعياد، ولسوف أنبئكم بالموت الذي يقدس، الموت الذي يدفع ~~الأحياء ويجتذبهم بحوافزه وآماله، إن من أكمل عمله يموت ظافرا وحوله من يحفزهم ~~الأمل وتنطوي فيهم الأماني. تعلموا أن تموتوا هكذا، ولكن اعلموا أن لا ظفر لمن يموت ~~إذا هو لم يبارك ما أقسم الأحياء بإتمامه. # تلك هي الميتة الفضلى، ms071 تليها في المراتب ميتة من يسقط في المعركة وهو ينشر عليها ~~عظمة روحه، غير أن ما يحتقره المجاهدون والظافرون على السواء إنما هو ميتتكم ~~الشوهاء التي تزحف لصا وتتقدم آمرا مطاعا. # ما أجمل ميتتي إذا أنا تخيرتها فجاءتني لأنني أطلبها. # ولكن متى يجدر بالإنسان أن يطلب الموت؟ # إن من يتجه إلى مقصد في الحياة وله وريث وجب عليه أن يتمنى الموت في الزمن ~~المناسب لغايته ولوريثه؛ لأنه يأنف حرمة لهما من أن يلقي بالأكاليل الذابلة على ~~هيكل الحياة. # إنني لا أريد أن أحبك الخيوط، وأنسحب إلى الوراء كمن يفتلون الحبال. # من الناس من لا يتجاوزون بأعمارهم الحد اللائق بالحقائق والظفر، وخليق بالفم ~~المجرد عن أسنانه ألا يتناول ببيانه جميع الحقائق. على الطامحين إلى الظفر أن ~~يودعوا الأمجاد في الزمن المناسب ليتمرنوا على فن الرحيل عن الدنيا في الزمن ~~المناسب أيضا، ومن واجب المرء أن يتوقف عن عرض نفسه للآكلين عندما يكفون عن ~~تذوقها، ولا يعرف هذه الحقيقة إلا من يود الاحتفاظ بمحبة من حوله. # ولكن من الأثمار كالتفاح من تقضي طبيعته الحامضة عليه أن ينتظر النضوج إلى آخر ~~أيام الخريف، فإذا هو ماثل للنظر باصفرار الشيخوخة وتجاعيد أساريرها. # ومن الناس من يدب الهرم إلى قلوبهم أولا، ومنهم من يدب الهرم إلى عقولهم، ومنهم ~~من يشيخون في ربيع الحياة، غير أن من يبلغ الشباب متأخرا يحتفظ بشبابه أمدا ~~طويلا. # ومن الناس من ضلوا السبيل في حياتهم، فأضاعوا عمرهم، فعلى هؤلاء أن يعملوا على ~~بلوغ التوفيق في موتهم على الأقل. # وهنالك أثمار لا تنضج لأنها تتهرأ في الصيف ولكنها تبقى معلقة بأغصانها؛ لأن ~~جبنها يصدها عن السقوط، وهكذا نرى في العالم أناسا يلتصقون التصاقا بأغصانهم، فهل ~~من عاصفة تهب على الشجرة لتسقط ما عليها من أثمار تهرأت ورعى الدود قلبها؟ ~~ليتقدم دعاة الموت العاجل وليهبوا كالعاصفة على دوحة الحياة، غير أنني لا أرى غير ~~دعاة للموت البطيء يعظون بالصبر واحتمال كل مصائب الأرض. # إنكم تدعون إلى مكابرة الأرض ومجالدتها، أيها المجدفون والأرض ms072 صابرة عليكم ~~صبرها الجميل. # والحق أن ذلك العبراني الذي يمجده المبشرون بالموت البطيء قد مات قبل أوانه، ولم ~~يزل جم غفير يعتقد بأن ميتته المبكرة كانت مقدورة عليه. # وما كان هذا المسيح العبراني قد عرف غير دموع قومه وأحزانهم وكيد أهل الصلاح ~~والعدل؛ لذلك راودته فجأة شهوة الفناء. # ولو أنه بقي في الصحراء بعيدا عن أهل الصلاح والعدل لكان تعلم حب الحياة وحب ~~الأرض، ولكان تعلم الضحك أيضا. # صدقوني، أيها الإخوة، إن المسيح قد مات قبل أوانه، ولو أنه بلغ العمر الذي بلغت، ~~لكان جحد تعاليمه، وقد كان له من النبل ما يكفيه لاقتحام العدول عنها، ولكنه لم ~~يبلغ النضوج، ولم تبلغه المحبة في الشباب؛ فكره الناس وكره الأرض، وهكذا بقيت روحه ~~مثقلة ولم ينشر جناحه المهيض. # 4 # إن في الرجل من الطفولة ما ليس في الشاب، فالرجل الناضج أقل حزنا وأقدر على فهم ~~الحياة والموت؛ لأنه يشعر بحريته للموت وبحريته في الموت، وإذا امتنع عليه أن يثبت ~~شيئا أنكره. # حاذروا أن يكون موتكم تجديفا على الأرض والإنسان أيها الصحاب. تلك هي النعمة ~~التي أستجديها من وداعة روحكم. # ليرسل فكركم وفضيلتكم آخر أشعتهما في احتضاركم كما ترسل الشمس الغاربة آخر ~~أنوارها على الأرض، وإلا فإن ميتتكم ستكون فاشلة. إنني هكذا أريد أن أموت ليزداد ~~حبكم للأرض من أجلي، أيها الأصحاب، أريد أن أعود إلى الأرض التي خلقت منها لأجد ~~الراحة في أحضانها. # لقد كان زارا يرمي إلى هدف وقد أطلق سهمه الآن فارموا إلى هذا الهدف بعدي؛ لأنني ~~من أجلكم أطلقت سهمي الذهبي، فما أشتهي شيئا اشتهائي أن أراكم تطلقون سهامكم ~~الذهبية أيضا، ولسوف أبقى على الأرض قليلا لأمتع عيني بهذا المشهد، فاغتفروا لي ~~هذا التخلف إلى حين. # هكذا تكلم زارا ... # الفضيلة الواهبة # 1 # وبعد أن ودع زارا مدينة «البقرة الملونة» التي شغف قلبه بها؛ شيعه عدد ~~غفير مما كانوا يدعون أنفسهم أتباعه حتى بلغوا إلى منعطف الطريق فقال زارا إنه ~~يريد متابعة سيره وحده، فودعه أتباعه وقدموا إليه عصا ms073 قبضتها من ذهب بشكل ~~أفعى ملتفة حول الشمس، فسر زارا من هذه الهدية واتكأ على العصا قائلا ~~لأتباعه: قولوا لي، لماذا أصبح الذهب ذا قيمة؟ أليس لأنه نادر ولا فائدة منه ، ~~ولأنه وديع في لمعانه، ويبذل نفسه في كل حين؟ لم يبلغ الذهب أسمى مراتب الأشياء ~~القيمة إلا لأنه رمز لأسمى الفضائل، فعين الواهب براقة كالذهب، ووهج الذهب ~~رسول سلام بين النيرين. # إن أسمى الفضائل نادرة ولا نفع منها، فهي تتوهج بنورها الهادئ، وليس بين ~~الفضائل من يطاول فضيلة السخاء. # والحق أنني شاعر برغبتكم، أيها الصحاب، فإنكم تطمحون مثل طموحي إلى الفضيلة ~~الواهبة، فأنتم تريدون أن تحولوا نفوسكم إلى هبات وعطايا، وإلا لكنتم أشبه ~~بالهررة والذئاب، ولهذا تتعطشون إلى حشد جميع الكنوز لأنها ظامئة أبدا إلى ~~العطاء. إنكم تجتذبون كل ما حولكم ليتسرب إلى داخلكم فينفجر ينبوعكم بها ~~كأنها هبة من محبتكم. # إن المحبة السخية الواهبة تستحيل إلى لص يمد يده إلى جمع الأشياء القيمة، وما ~~أرى هذه الأنانية إلا عملا صالحا مقدسا. # غير أن هنالك أنانية أخرى تدهورت إلى أدنى دركات المسكنة في مجاعتها المتحكمة ~~أبدا فيها، تلك هي الأنانية التي تطمح إلى السرقة في كل آن، فهي أنانية المرض ~~بل هي الأنانية المريضة، تحدج كل شيء بنظرات اللص وبنهم الجائع، فتزن لقمات ~~الآكلين من أبناء النعمة وتدب أبدا حول موائد الواهبين، وما مثل هذه الشهوة ~~إلا عرض الداء الدفين ودليل الانحطاط الخفي، وما الطموح إلى السرقة بمثل هذه ~~الأنانية إلا نزعة من نزعات الجسوم العليلة. # أي شيء نراه أقبح الأشياء، أيها الإخوة، أفليس الانحطاط أقبحها؟ وهل يسعكم ~~إلا أن تحكموا بانحطاط مجتمع لا أثر لروح السخاء والعطاء فيه. # إن سبيلنا يتجه إلى الأعالي، وما نقصده إنما هو الارتقاء من نوع إلى نوع؛ ~~لذلك نرتعش عندما نسمع الانحطاط يهتف قائلا: «لي كل شيء.» # وهل روحنا إلا رمز لجسدنا وهي تطمح إلى الاعتلاء، وهل الصفات التي ندعوها ~~فضيلة إلا عبارة عن هذه الرموز عينها؟ # إن الجسد يقطع مسافات التاريخ بكفاحه، ms074 ولكن ما تكون الروح من الجسد يا ترى إن ~~لم تكن المذيع لكفاح الجسد وانتصاراته؟ ما الجسد إلا الصوت، وما الروح إلا ~~الصدى الناجم عنه والتابع له. ليست الكلمات الموضوعة للدلالة على الخير والشر ~~سوى رموز فهي تشير إلى الأمور ولا تعبر عنها، ولا يطلب المعرفة فيها ومنها إلا ~~المجانين. # انتبهوا، أيها الإخوة، إلى الزمن الذي يطمح فكركم فيه إلى البيان بالرموز؛ ~~لأن في هذا الحين تتكون الفضيلة فيكم، وعندئذ يبعث جسدكم ويتجه إلى الأعالي ~~مجتذبا عقلكم من سكونه؛ ليدفع به إلى مراحل الإبداع حتى إذا ما سار عليها عرف ~~قيمة الأشياء وأحب فأجاد في كل أعماله. # في الزمن الذي يختلج فيه قلبكم تتكون فضيلتكم؛ لأن هذا القلب يفيض باختلاجه ~~كالنهر العظيم فيغمر القائمين على ضفافه بالبركة كما يهددهم بأشد ~~الأخطار. # إنما تنشأ فضيلتكم عندما يعجز المدح والذم عن بلوغ شعوركم، فتطمح إرادة ~~الرجولة فيكم إلى السيادة على كل شيء. # إنما تنشأ فضيلتكم عندما تحتقرون النعم والفراش الوثير، وعندما لا تجدون ~~راحة إلا بعيدا عن مواطن الراحة. # إنما تنشأ فضيلتكم عندما تنصب إرادتكم على مقصد واحد، وعندما يصبح هذا التحول ~~في آلامكم ضرورة لا يسعكم التحول عنها. # أفليس هذا شكلا جديدا للخير والشر؟ أفما تسمعون بهذا القول خرير الينبوع ~~العميق الذي غربت مسالكه من قبل عنكم؟ # إنها لفضيلة جديدة تمنح الإنسان قوة وتبعث فيه عزما، هذه الفكرة المتحكمة في ~~روح بلغت الحكمة؛ لأنها شمس مذهبة التفت عليها أفعى الحكمة. # 2 # وصمت زارا مرسلا نظرات الحب إلى أتباعه، ثم ارتفع صوته بنبرات جديدة قائلا: ~~أخلصوا للأرض، يا إخوتي، بكل قوى فضائلكم. لتكن محبتكم الواهبة ولتكن معرفتكم ~~خادمتين لروح الأرض، إنني أطلب هذا متوسلا. # لا تدعوا فضيلتكم تنسلخ عن حقائق الأرض لتطير بأجنحتها ضاربة أسوار الأبدية، ~~ولكم ضلت من فضيلة من قبل على هذا السبيل. # أرجعوا الفضيلة الضالة كما رجعت بها أنا إلى مرتعها في الأرض. عودوا بها إلى ~~الجسد وإلى الحياة لتنفخ في الأرض روحها روحا بشرية. # لقد تاه العقل وتاهت ms075 الفضيلة فخدعتها آلاف الأمور، ولما يزل هذا الجنون ~~يتسلط على جسدنا حتى أصبح جزءا منه فتحول فيه إلى إرادة. # لقد قام العقل وقامت الفضيلة معه بتجارب عديدة فضلا على ألف سبيل، وهكذا ~~أصبح الإنسان عبارة عن تجارب ومحاولات ألصقت بنا الجهل والضلال. وليس ما استقر ~~فينا من التجارب حكمة الأجيال فحسب، بل جنونها أيضا، ولكم يتعرض الوارثون ~~إلى أخطار. # إننا لم نزل نصارع جبار الصدف، ولم يزل العته سائدا على الإنسانية حتى ~~اليوم. # ليكن عقلكم وفضيلتكم بمثابة روح للأرض وعقل لها، أيها الإخوة، فتتجدد بكم ~~قيم الأشياء جميعها، من أجل هذا وجب عليكم أن تبدعوا. # إن الجسد يطهر بالمعرفة، فيرتفع بمرانه على العلم؛ لأن من يطلب الحكمة يطهر ~~جميع غرائزه، ومن ارتقى فقد أدخل المسرة في نفسه. # أعن نفسك، أيها الطبيب، لتتمكن من إعانة مريضك، إن خير ما تبذله من معونة ~~لهذا المريض هو أن يرى بعينه أنك قادر على شفاء نفسك. # إن في الأرض من السبل ما لم تطأها قدم بعد، فما أكثر مجاهلها وما أكثر ~~خفاياها! # اسهروا وانتبهوا أيها المنفردون؛ لأن من المستقبل تهب نسمات سرية حاملة ~~بشائر لا تقرع إلا الآذان المرهفة. # إنكم في عزلة عن العالم، أيها المنفردون، ولكنكم ستصبحون شعبا في آتي ~~الزمان، ومنكم سيقوم الشعب المختار؛ لأنكم اخترتم نفسكم اليوم، ومن هذا الشعب ~~سيولد الإنسان المتفوق. # والحق أن الأرض ستصبح يوما مستشفى للأعلاء، فإن في نشرها عبيرا جديدا هو ~~عبير الإخلاص والأمل الجديد. # 3 # وسكت زارا كمن يقف عند كلمة تتلجلج في فمه، وبعد أن قلب عصاه طويلا بين ~~يديه، أطلق صوته وقد تغيرت نبراته فقال: سأذهب وحدي الآن، أيها الصحاب، وأنتم ~~أيضا ستذهبون بعدي وحدكم لأنني هكذا أريد. # هذه نصيحتي إليكم؛ ابتعدوا عني وقفوا موقف الدفاع عن أنفسكم تجاهي، بل اذهبوا ~~إلى أبعد من هذا؛ اخجلوا من انتسابكم إلي فلقد أكون لكم خادعا. # على من يطلب الحكمة ألا يتعلم محبة أعدائه فحسب، بل عليه أيضا أن يتعلم بغض ~~أصدقائه، وما يعترف التلميذ اعترافا ms076 تاما بفضل أستاذه إذا هو بقي أبدا له ~~تلميذا. لماذا لا تريدون أن تحطموا تاجي؟ # إنكم تحوطونني بالإجلال، ولكن ما هي الكارثة التي تتوقعونها من إعراضكم عني، ~~إن في رفع الأنصاب لخطرا فاحترسوا من أن يسقط عليكم التمثال المنصوب فيقضي ~~عليكم. # تقولون إنكم تؤمنون بزارا، ولكن أية أهمية له؟ تقولون إنكم مؤمنون، ولكن ما ~~أهمية جميع المؤمنين؟ ما كان أحد منهم فتش عن نفسه قبل أن وجدتموني، وهكذا جميع ~~المؤمنين، فليس الإيمان شيئا عظيما؛ لذلك آمركم الآن أن تضيعوني لتجدوا ~~أنفسكم، ولن أعود إليكم إلا عندما تكونون جحدتموني جميعكم. # والحق، يا إخوتي، إنني في ذلك الحين، سأفتش عن خرافي الضالة بعين أخرى فأبذل ~~لكم حبا غير هذا الحب. # سيأتي يوم تصيرون فيه أصحابا لي إذا ما وحد بينكم الأمل الواحد، عندئذ ~~سأرغب في الإقامة بينكم للمرة الثالثة للاحتفاء بأنوار الهاجرة العظمى. # وستبلغ الشمس الهاجرة عندما يصل الناس إلى منتصف طريقهم بين الحيوان والإنسان ~~المتفوق، وعندما يرون أملهم الأسمى على منتهى السبيل الذي يقودهم إلى الفجر ~~الجديد. # في ذلك الحين يتوارى من يسير إلى الجهة الثانية وهو يبارك نفسه؛ إذ ترتفع شمس ~~معرفته لتتكبد الهاجرة. # لقد مات جميع الآلهة، فلم يعد لنا من أمل إلا ظهور الإنسان المتفوق، فلتكن ~~هذه إرادتنا الأخيرة عندما تبلغ الشمس الهاجرة. # هكذا تكلم زارا ... # | الجزء الثاني # ولن أعود إليكم إلا عندما تكونون # جحدتموني جميعكم # والحق، يا إخوتي، إنني في ذلك الحين # سأفتش عن خرافي الضالة بعين # أخرى فأبذل لكم حبا غير هذا الحب. # زرادشت # الفضيلة الواهبة، الجزء # الأول # | الطفل حامل المرآة # ورجع زارا إلى الجبال، إلى عزلة كهفه ليحتجب عن الناس كالزارع ألقى بذوره في أثلام ~~أرضه وبات يتوقع نبتها، ولكنه ما لبث أن حنت جوارحه إلى أحبابه؛ إذ كان عليه أن يمنحهم ~~بعد كثيرا من الهبات، وأصعب ما يلقى المحب اضطراره إلى قبض يده إجابة لداعي محبته ~~وتفاديا للمنة في عطائه. # ومرت على المنفرد الشهور والأعوام وحكمته تزداد نموا فتزيده ألما باتساع ~~آفاقها. # وأفاق يوما ms077 من نومه قبل انفلاق الفجر، واستغرق في تفكيره وهو ممدد على فراشه وتساءل ~~قائلا: لماذا أرعبني هذا الحلم حتى استفقت منه مذعورا؟ رأيت كأن ولدا «يحمل مرآة» ~~اقترب مني وهو يقول: انظر في هذه المرآة يا زارا. # وما نظرت إلى المرآة حتى صرخت وخفق قلبي خفوقا شديدا؛ لأن ما انعكس لي في المرآة لم ~~يكن وجهي، بل وجها تقطبت أساريره بضحكة شيطان ساخر. # والحق ما يفوتني تعبير هذا الحلم وإدراك ما نبهت إليه، فإن تعاليمي مشرفة على خطر، ~~والزوان يريد أن ينتحل صفات الحنطة. لقد استأسد أعدائي فشوهوا تعاليمي حتى أصبح ~~أتباعي يخجلون مما وهبتهم. # لقد فقدت صحبي وآن لي أن أفتش عمن فقدت. # وانتفض زارا لا كمن استولى الذعر عليه بل كمأخوذ برؤى وكشاعر هزه شيطانه؛ فوجم ~~نسره وأفعوانه وحدقا بوجهه وقد لاحت بوادر السعادة عليه كتباشير الفجر، فقال لهما: ~~ماذا حدث لي؟ أفما تريان أنني تغيرت؟ أفما تحسان أن الغبطة قد نزلت علي كأنها عصفات ~~الرياح؟ # لقد جن شعوري بهذه السعادة فلن يسلم بياني من اختلال هذا الشعور. إن سعادتي لم تزل ~~في حداثتها فتذرعا بالصبر معي عليها. # لقد أوجعتني سعادتي فليكن أساتي كل من أرهقتهم الأوجاع. # إن في وسعي الآن أن أنحدر إلى مقر صحبي وإلى مقر أعدائي، فقد أصبح زارا قادرا على ~~استطراد القول والإحسان إلى من يحب. # لقد آن لحبي أن يتدفق كالنهر يندفع من الأعالي إلى الأعماق، ويتجه من المشرق إلى ~~المغرب. # إن نفسي تندفع مرغية مزيدة في الوديان متملصة من الجبال الصامتة نصخب فوقها عواصف ~~الآلام، ولطالما تعللت بالصبر وعلقت أبصاري على بعيد الآفاق، لقد أرهقتني العزلة فما ~~أطيق السكوت بعد. # أصبحت وكأنني بأجمعي فم أو هدير جدول يتحدر من شامخات الصخور، أريد أن أقذف بكلماتي ~~إلى الأغوار، فيجري نهر حبي في المفاوز البعيدة، ولن يضل هذا النهر سبيله إلى مصبه في ~~البحار. # إن في داخلي بحيرة وحيدة قانعة بنفسها، غير أن نهر محبتي يجتذبها في مسيره؛ ليقطع ~~معها السيول ويترامى وإياها في ms078 لجة البحر. # إنني أتبع مسالك لم أعرفها من قبل فألهمت بيانا «جديدا» بعد أن أتعبتني اللهجات ~~القديمة التي ترهق كل المبدعين، وقد امتنع على فكري أن يقتفي رواشم النعال ~~المقطعة. # ما من لغة إلا وأراها بطيئة تقصر عن مجاراة بياني. # سأقفز إلى صهوتك أيتها العاصفة فألهبك أنت أيضا بسوط سخريتي. # أريد أن أقطع أجواء البحار كهتفة مسرة وحبور إلى أن أستقر على الجزائر السعيدة حيث ~~يقيم أحبابي، وبينهم أعدائي أيضا، لشد ما أحب الآن جميع من يتسنى لي أن أوجه إليهم ~~الكلام، وسيكون لهؤلاء الأعداء أيضا قسطهم في إيجاد غبطتي. # عندما أتحفز لاعتلاء أشد جيادي جموحا لا أجد لي معينا أصدق من رمحي متكأ أرتفع ~~عليه. # هو رمحي أهدد به أعدائي، ولكم يستحقون ثنائي إذا ما تمكنت من طرح هذا الرمح من يدي. # لقد طال اصطبار غيومي بين قهقهة الرعود، وقد آن لي أن أرشق الأعماق بقذائف ~~بردي. # إن صدري سيتعاظم بانتفاخه حتى يزفر بالعاصفة الهائلة على الشامخات، وهكذا سأفرج ~~عنه. # إن سعادتي وحريتي سيندفعان اندفاع العواصف، ولكنني أتمنى لو يحسب أعدائي أن ما يزمجر ~~فوق رءوسهم إنما هو روح الشر لا روح سعادة وحرية. # وأنتم أيضا أيها الصحاب سيتولاكم الرعب عندما تنزل عليكم حكمتي الكاسرة، ولعلكم ~~تولون هاربين منها كما يهرب الأعداء. # ليت لي أن أستدعيكم إلي بحنين شبابة الرعاة، وليت تتعلم لبؤة حكمتي أن تزأر بنبرات ~~العطف والحنان، فلطالما وردنا سويا من مناهل العرفان. ولكن حكمتي الوحشية تمخضت بآخر ~~صغارها في الجبال السحيقة بين الجلامد الجرداء، وهي الآن تطوف بجنونها الصحاري القاحلة ~~مفتشة على المروج الناضرة. # إنها لشيخة وحشية هذه الكلمة التي تقصد إنزال أعز ما لديها في مروج قلوبكم ~~الناضرة. # هكذا تكلم زارا ... # | في الجزر السعيدة # ها إن التين يتساقط عن أشجاره عطر النكهة حلو المذاق، وقشوره الحمراء تتشقق ~~بسقوطها، وأنا هو ريح الشمال يهب على هذه الأثمار الناضجة. إن تعاليمي تتساقط إليكم ~~أيها الصحاب كمثل هذه الأثمار فتذوقوها الآن عند ظهيرة من أيام الخريف وقد صفت ms079 فوقكم ~~السماء. # سرحوا أبصاركم فيما حولكم من خيرات الأرض، ثم مدوا بها إلى آفاق البحر البعيد فليس ~~أجمل لمن فاض رزقه من أن يتطلع إلى الأبعاد. # لقد كان الناس يتلفظون باسم الله عندما كانوا يسرحون أبصارهم على شاسعات البحار، ~~أما الآن فقد تعلمتم الهتاف باسم الإنسان المتفوق. # إن الله افتراض وأنا أريد ألا يذهب بكم الافتراض إلى أبعد مما تفترض إرادتكم ~~المبدعة. # أفتستطيعون أن تخلقوا إلها؟ إذن أقلعوا عن ذكر الآلهة جميعا، فليس لكم إلا إيجاد ~~الإنسان المتفوق. # ولعلكم لن تكونوا بنفسكم هذا الإنسان، ولكن في وسعكم أن تصبحوا آباء وأجدادا له، ~~فليكن هذا التحول خير ما تعملون. # إن الله افتراض وأنا أريد ألا يتجاوز بكم الافتراض حدود التصور، فهل تستطيعون أن ~~تتصوروا إلها؟ فاعرفوا من هذا أن واجبكم هو طلب الحقيقة فلا تطمحوا إلى ما لا يبلغه ~~تصور الإنسان وبصره وحسه، أمسكوا بتصوركم كيلا يتجاوز حدود حواسكم. # يتحتم عليكم أن تبدءوا بخلق ما كنتم تسمونه عالما من قبل؛ فيتكون عالمكم من تفكيركم ~~وتصوركم وإرادتكم ومحبتكم وعندئذ تبلغون السعادة يا من تطلبون المعرفة، وكيف تطيقون ~~الحياة إذا لم يكن لكم هذا الرجاء؟ # على من يطلب المعرفة ألا يتورط في ما يريده العقل من المعميات. # لسوف أفتح لكم قلبي فلا تخفى عنكم خافية فيه، فأقول لكم: لو كان هنالك أرباب أكنت ~~أتحمل ألا أكون ربا؟ إذن ليس في الكون أرباب. # لقد استخرجت لذاتي هذه النتيجة، وها هي تستخرجني الآن. # إن الله افتراض ولكن من له بتحمل كل ما يضمر هذا الافتراض من اضطراب دون أن يلاقي ~~الفناء؟ أتريدون أن تأخذوا من الخالق إيمانه ومن النسر تحليقه في أجواز الفضاء؟ # إن الله عبارة عن إيمان ينكسر به كل خط مستقيم ويميد عنده كل قائم، فالزمان لدى ~~المؤمن وهم، وكل فان في عينيه بطل وخداع، فهل مثل هذه الأفكار إلا أعاصير تتطاير ~~فيها عظام البشر وتورث الدوار لشاهدها؟ تلك افتراضات يدور المبتلى بها على نفسه كالرحي ~~حتى يموت. # أفليست من الشر والافتيات على ms080 الإنسانية كل هذه التعاليم تقيم الواحد المطلق الذي لا ~~يناله تحول ولا تغيير؟ # إن الرموز وحدها لا تتغير، وطالما كذب الشعراء، غير أن خير ما يضرب من الأمثال ما ~~يصور الحاضر وآتي الزمان فيأتي حجة لكل زائل لا نقضا له. # ليس في غير الإبداع ما ينقذ من الأوجاع ويخفف أثقال الحياة، غير أن ولادة المبدع ~~تستدعي تحولات كثيرة وتستلزم كثيرا من الآلام. # أيها المبدعون ستكون حياتكم مليئة بمرير الميتات؛ لتصبحوا مدافعين عن جميع ما ~~يزول. # على المبدع إذا شاء أن يكون هو بنفسه طفل الولادة الجديدة أن يتذرع بعزم المرأة التي ~~تلد فيتحمل أوجاع مخاضها. # لقد اخترقت لي طريقا في مئات النفوس والأسرة وأوجاع المخاض، غير أنني كثيرا ما ~~نكصت على أعقابي؛ لأنني أعرف ما تقطع الساعات الأخيرة من نياط القلوب. # ولكن ذلك ما تطمح إرادتي المبدعة إليه، وبتعبير أشد صراحة: ذلك هو المقصد الذي تريده ~~إرادتي. # إن جميع ما في من شعور يتألم مقيدا سجينا، وليس غير إرادتي من بشير يؤذن بالمسرة، ~~ويأتي بالإفراج عن الشعور. # إن الإرادة وحدها تحرر، وما بغير هذه الآية من شرعة صحيحة للإرادة وللحرية، على هذا ~~تقوم تعاليم زارا. # بعدا وسحقا لكل وهن وملال يشلان الإرادة، ويوقفان كل تقدير وإبداع. # إن طالب المعرفة يشعر بلذة الإرادة والإيجاد، وبلذة استحالة الذات إلى ما تحس به في ~~أعماقها، فإذا انطوى ضميري على الصفاء فما ذلك إلا لاستقرار إرادة الإيجاد فيه، وهذه ~~الإرادة هي ما أهاب بي للابتعاد عن الله وعن الآلهة؛ إذ لو كان هنالك آلهة لما بقي شيء ~~يمكن خلقه. # إن طموح إرادتي إلى الإيجاد يدفعني أبدا نحو الناس اندفاع المطرقة فوق الحجر. # أيها الناس إنني ألمح في الحجر تمثالا كامنا هو مثال الأمثلة، أفيجدر أن يبقى ~~ثاويا في أشد الصخور صلابة وقبحا. # إن مطرقتي تهوي بضرباتها القاسية على هذا السجن فأرى حجره يتناثر. # أريد أن أكمل هذا التمثال. إن طيفا زارني، وألطف الكائنات وأعمقها سكوتا قد اقترب ~~مني. # لقد تجلى بهاء الإنسان المتفوق لعيني ms081 في هذا الخيال الطارق فما لي وللآلهة بعد. # 1 # هكذا تكلم زارا ... # | الرحماء # لقد بلغني، أيها الصحاب، قول الناس: «أفما ترون زارا يمر بنا كأنه يمر بين قطيع من ~~الحيوانات.» # وكان أولى بهم أن يقولوا: إن من يطلب المعرفة يمر بالناس مروره بالحيوانات. # إن طالب المعرفة يرى الإنسان حيوانا له وجنتان حمراوان. # ولم يراه هكذا؟ أفليس لأنه كثيرا ما علته حمرة الخجل؟ # هذا ما يقوله طالب المعرفة أيها الصحاب: إن تاريخ الإنسان عار في عار. # ولذلك يفرض الرجل النبيل على نفسه ألا يلحق إهانة بأحد لأنه يستحيي جميع ~~المتألمين. # إنني والحق أكره الرحماء الذين يطلبون الغبطة في رحمتهم، فإذا ما قضي علي بأن أرحم ~~تمنيت أن تجهل رحمتي وألا أبذلها إلا عن كثب. أحب أن أستر وجهي عند إشفاقي وأن أسارع ~~إلى الهرب دون أن أعرف، فتمثلوا بي أيها الصحاب. # ليت حظي يسوقني أبدا حيث ألتقي أمثالكم رجالا لا يتألمون، وفي طاقتهم أن يشاركوني ~~آمالي وولائمي وملذاتي. # لقد قمت بأعمال كثيرة في سبيل المتألمين، ولكن كنت أرى أن الأفضل من هذا زيادة معرفتي ~~في تمتعي بسروري. فإن الإنسان لم يسر إلا قليلا منذ وجوده، وما من خطيئة حقيقية إلا ~~هذه الخطيئة. # إذا نحن تعلمنا كيف نزيد في مسرتنا فإننا نفقد معرفتنا بالإساءة إلى سوانا وباختراع ~~ما يسبب الآلام. # ذلك ما يدعوني إلى غسل يدي إذا أنا مددتها لمتألم، بل وإلى تطهير روحي أيضا؛ لأنني ~~أخجل لخجله وتؤلمني مشاهدتي لآلامه، ولأنني جرحت معزة نفسه بلا رحمة عندما مددت له ~~يدي. # إن عظيم الإحسان لا يولد الامتنان بل يدعو إلى إيقاد الحقد، وإذا تغلب تافه الإحسان ~~على النسيان فإنه يصبح دودا ناهشا. # لا تقبلوا شيئا دون احتراس، وحكموا تمييزكم عندما تأخذون، ذلك ما أشير به على من ليس ~~لهم ما يبذلونه للناس. # أما أنا فممن يبذلون العطاء، وأحب أن أعطي الأصدقاء كصديق، أما الأبعدون فليتقدموا من ~~أنفسهم لاقتطاف الأثمار من دوحتي فليس في إقدامهم على الأخذ ما في قبولهم العطاء من ~~مهانة ms082 لكرامتهم. # غير أنه من اللازب أن يقطع دابر المتسولين؛ لأن في الجود عليهم من الكدر ما يوازي ~~كدر انتهارهم وحرمانهم. # وكذلك هو حال الخطاة وأهل الضمائر المضللة؛ فإن تبكيت الضمير يحفز الإنسان إلى النهش ~~وإيقاع الأذى. # وشر من كل هذا الأفكار الحقيرة، وخير للإنسان أن يسيء عملا من أن تستولي المسكنة ~~على تفكيره. # إنكم تقولون: «إن في التفكير الملتوي كثيرا من الاقتصاد في شر الأعمال.» وما يستحسن ~~الاقتصاد في مثل هذا. # إن لشر العمل أكلانا والتهابا وطفحا كالقروح، فهو حر وصريح؛ لأنه يعلن نفسه ~~داء كما تعلن القروح، في حين أن الفكرة الدنيئة تختفي كنوامي الفطر، وتظل منتشرة حتى ~~تودي بالجسم كله، ومع هذا فإني أسر في أذن من تملكه الوسواس الخناس: «إن من الخير ~~أن تدع الوسواس يتعاظم فيك؛ لأن أمامك أنت أيضا سبيلا يوصلك إلى الاعتلاء.» # مما يؤسف له أن يكون جهل بعض الشيء خيرا من إدراك كله، غير أن من الناس من يشف حتى ~~تبدو بواطنه، ولكن ذلك لا يبرر طموحنا إلى استكناه مقاصده، ومن الصعب أن نعيش مع الناس ~~ما دمنا نستصعب السكوت. # إن ظلمنا لا ينزل بمن تنفر منه أذواقنا، بل يسقط على من لا يعنينا أمره. # وبالرغم من هذا، إذا كان لك صديق يتألم فكن ملجأ لآلامه، ولكن لا تبسط له فراشا ~~وثيرا بل فراشا خشنا كالذي يتوسده المحاربون، وإلا فما أنت مجديه نفعا. # وإذا أساء إليك صديق فقل له: إنني أغتفر لك جنايتك علي، ولكن هل يسعني أن أغفر لك ~~ما جنيته على نفسك بما فعلت؟ # هكذا يتكلم عظيم الحب؛ لأنه يتعالى حتى عن المغفرة والإشفاق. # علينا أن نكبح جماح قلوبنا؛ كيلا تجر عقولنا معها إلى الضلال. # أين تجلى الجنون في الأرض بأشد مما تجلى بين المشفقين؟ بل أي ضرر لحق بالناس أشد من ~~الضرر الناشئ عن جنون الرحماء؟ # ويل لكل محب ليس في محبته ربوة لا يبلغها إشفاق الرحماء. # قال لي الشيطان يوما: إن للرب جحيما هو جحيم محبته للناس. # وقد سمعت ms083 هذا الشيطان يقول أخيرا: لقد مات الإله وما أماته غير رحمته. # احترسوا من الرحمة؛ لأنها لا تلبث حتى تعقد فوق الإنسان غماما متلبدا، وما أنا ~~بجاهل ما تنذر به الأيام. # احفظوا هذه الكلمة أيضا : إن المحبة العظمى تتعامى عن رحمتها؛ لأن لها هدفها الأسمى ~~وهو خلق من تحب. # إنني أقف نفسي على حبي، وكذلك يفعل أمثالي: هذا ما يقوله كل مبدع، والمبدعون قساة ~~القلوب. # هكذا تكلم زارا ... # | الكهنة # وتمثل زارا مرور رهط من الكهنة أمامه، فقال لأتباعه: هؤلاء هم الكهنة، فعليكم - وإن ~~كانوا أعدائي - أن تمروا أمامهم صامتين، وسيوفكم ساكنة في أغمادها فإن بينهم أبطالا ~~ومن تحملوا شديد العذاب فهم لذلك يريدون أن يعذبوا الآخرين. # إنهم لأعداء خطرون، وما من حقد يوازي ما في اتضاعهم من ضغينة، وقد يتعرض من يهاجم إلى ~~تلطيخ نفسه، ولكن بيني وبينهم صلة الدم وأنا أريد أن يبقى دمي مشرفا حتى في ~~دمائهم. # وعاد زارا يتمثل أنهم مروا وانصرفوا، فشعر بألم شديد قاومه لحظة حتى سكن روعه، فقال: ~~إنني أشفق على هؤلاء الكهنة، وأنا لا أزال أنفر منهم، ولكنني تعودت الإشفاق مرغما ~~نفوري منذ صحبت بني الإنسان، ومع ذلك فأنا أتألم مع الكهنة؛ لأنهم في نظري سجناء يحملون ~~وسم المنبوذين في العالم، وما كبلهم بالأصفاد إلا من دعوه مخلصا لهم، وما أصفادهم ~~إلا الوصايا الكاذبة والكلمات الوهمية، فليت لهؤلاء من يخلصهم من مخلصهم. # لقد لاحت لهؤلاء الناس جزيرة في البحر على حين ثارت عليهم زوبعة؛ فنزلوا إليها فإذا ~~هم على ظهر تنين نائم على العباب. # وهل من تنين أشد خطرا على أبناء الحياة من تنين الوصايا والكلمات الوهمية، وقد كمن ~~فيها المقدور طويلا حتى حان وقت انتباه التنين؟ وها هو يهب مفترسا جميع من بنوا ~~مساكنهم على ظهره. # انظروا إلى المساكن التي بناها هؤلاء الكهنة، وقد أسموها كنائس وما هي إلا كهوف تنبعث ~~روائح التعفن منها، وهل للروح أن ترتفع إلى مستواها تحت لألاء هذه الأنوار الكاذبة وفي ~~هذا الجو الكثيف، حيث لا يسود إلا ms084 عقيدة تصم الناس بالخطيئة وتأمرهم بصعود درجات ~~الهيكل زحفا على الركب. # إنني لأفضل أن أنظر إلى اللحظات الفاحشة من أن أرى هذه العيون أطبقت أجفانها معلنة ~~خشوعها واستغراقها. # من ذا الذي اخترع هذه الكهوف وهذه الدرجات يرقاها النادمون زاحفين، أهي من إيجاد من ~~استحيوا من صفاء السماء فلجئوا إلى الاستتار؟ # لن أعود بقلبي لألج مساكن هذا الإله إلا إذا انثملت قبابها، واخترقها نور السماء ~~الصافية لتتكشف عن الشقائق الحمراء النابتة على جدرانها المتهدمة. # لقد أراد هؤلاء الكهنة أن يعيشوا كأشلاء أموات؛ فسربلوا جثثهم بالسواد فإذا هم ألقوا ~~مواعظهم انتشرت منها رائحة اللحود. # إن من يجاور هؤلاء الناس فكأنما هو ساكن على ضفة الأنهار السوداء حيث لا يسمع إلا ~~نقيق الضفادع الحزين. # ليسمعني هؤلاء الناس نشيدا غير هذا النشيد لأمرن نفسي على الاعتقاد بمخلصهم؛ إذ ~~لا يلوح لي أن أتباع هذا المخلص قد ظفروا بالخلاص. # لكم أتمنى أن أراهم عراة، وهل لغير الجمال أن يدعو الناس إلى التوبة، ولكنهم عبارة عن ~~فجائع مستترة لا يسعها أن تجتذب إلى الإيمان أحدا. # والحق أن مخلصي هؤلاء الكهنة نفسهم لم ينحدروا من سماء الحرية، وما وطئوا مسالك ~~المعرفة قط، فما كانت حكمتهم إلا نسيجا ملأته الخروق رقعوه بما أوجد جنونهم من آلهة، ~~لقد أغرقتهم حكمتهم في بحيرة الإشفاق، فهم كلما زفروا فيها أرسلوا بجثة عظمى تطفو على ~~سطحها. # لقد زعق هؤلاء الرعاة بقطعانهم فمضت متدافعة في فجوة واحدة، وقد علا صراخها كأن ~~التوصل إلى مخارج المستقبل ممتنع من غير هذه الفجوة الضيقة. أما والحق ما هؤلاء الرعاة ~~إلا فريق من هذه السائمة، وقد ضاقت عقولهم ورحبت نفوسهم وسرعان ما تصغر العقول إذا كبرت ~~النفوس. # لقد تركوا على كل معبر اجتازته أرجلهم آثار الدماء؛ إذ كانوا يستلهمون جنونهم ~~ليعلموا الناس أن الدماء تقوم شاهدة للحق، وقد جهلوا أن أفسد شهادة تقوم للحق إنما هي ~~شهادة الدم؛ لأن الدم يقطر سما على أنقى التعاليم فيحولها إلى جنون وإلى ~~أحقاد. # أفتقيمون للحق دليلا من اقتحام أحد الناس ms085 للهب في سبيل تعاليمه، وهل لمثل هذا ~~التعليم ما للعقيدة التي تتولد متقدة من لهبها نفسه؟ إذا ما تلاقى رأس بارد بقلب مضطرم ~~نشأت من التقائهما تلك العاصفة التي يدعوها الناس مخلصا، ولكم وجد على الأرض من ~~رجل أعرق منشأ وأرفع مقاما ممن يدعوهم الشعب مخلصين، وما كان هؤلاء المخلصون إلا ~~عاصفات كاسحات تهب متوالية على الأرض. # إذا ما كنتم تنشدون سبل الحرية، أيها الإخوة، فعليكم أن تنقذوا أنفسكم حتى ممن يفوقون ~~هؤلاء المخلصين عظمة ومجدا، فإن الإنسان المتفوق لم يظهر على الأرض بعد. لقد حدقت ~~بأعظم رجل وبأحقر رجل عن كثب وهما عاريان فظهرا لعياني متشابهين، بل رأيت أعظمهما أشد ~~توغلا في المعائب البشرية من الآخرين. # هكذا تكلم زارا ... # | الفضلاء # لا ينبه الشعور الغافل إلا الإرعاء والإبراق، وما تكلم الجمال إلا بنبرات هامسة لا ~~تنفذ إلا إلى أشد الأرواح انتباها. # أسمعتني عصمتي اليوم ضحكة تعالت فيها قهقهة الجمال السامية، فجمالي يسخر بكم أيها ~~الفضلاء؛ إذ سمعته يقول: إنهم يطلبون لفضائلهم ثمنا. # إنكم تتقاضون ثمن فضيلتكم وتطالبون بالجزاء، أيها الفضلاء، طامحين إلى امتلاك أماكن ~~في السماء، بدلا من أماكن في الأرض، وإلى الظفر بالأبدية بدلا من الدهر ~~الزائل. # إنكم لتحقدون علي؛ لأنني أعلم الناس أن ليس هنالك لا حسيب ولا مثيب، والحق أنني ~~أمتنع عن القول بالثواب، بل أذهب إلى أبعد من هذا فأقول أن ليس للفضيلة ما تجزي به ~~نفسها جميل الجزاء. # إن ما يؤلمني هو أن العقاب والثواب قد دسا دسا في غاية كل أمر، بل حشرا حشرا ~~في أعماق نفوسكم، أيها الفضلاء، ولكن لكلمتي أن تلج هذه النفوس ذاهبة فيها كقرن ~~الوعل وكالسكة تشق الأرض لتحرثها. فلتتكشف نفوسكم عن خفاياها أمام النور؛ لأن الحقيقة ~~لن تنفصل عن الضلال فيكم حتى تنطرحوا عراة تحت شعاع الشمس. ذلك لأن حقيقة ذاتكم إنما هي ~~أطهر من أن تسمح بتدنسكم بكلمات الانتقام والعقاب والمكافأة والمقابلة بالمثل. # إنكم تحبون فضيلتكم كما تحب الأم طفلها، وهل سمعتم أن أما طلبت مكافأة على عطف ms086 ~~الأمومة فيها؟ # هل فضيلتكم إلا ذاتكم نفسها وهي أعز ما لكم، وما أمنيتكم إلا أمنية الحلقة التي لا ~~تلتوي وتستدير إلا ليصبح آخرها أولا لها. # إن كل عمل ينشأ عن فضيلتكم إنما هو بمثابة نور كوكب يعروه الانطفاء، فما يزال نوره ~~يخترق مجراه في الأفلاك، وليس من حد ينتهي سيره إليه، وهكذا لن تزال أشعة فضيلتكم سائرة ~~في سبيلها حتى بعد انتهاء عملها وتواريه في عالم النسيان؛ لأن إشعاع الفضيلة مستمر لا ~~يعروه زوال. # لتكن فضيلتكم تعبيرا عن ذاتكم وما تلك غريبة عن هذه فلا تحسبوا أنها جلد ~~ورداء. # هذه هي حقيقة روحكم الكامنة أيها العقلاء، ولكن من الناس من يخيل له أن الفضيلة عبارة ~~عن تشنج تحت السياط الجالدة، ولطالما سمعتم صياح هؤلاء الواهمين. # ومن الناس من يرى الفضيلة في الكسل والرذيلة، وما ينتبه عدلهم إلا عند ما يتثاءب ~~حقدهم وحسدهم، عندئذ يفركون أجفانهم وقد أثقلها النعاس. # من الناس من تشدهم شياطينهم إلى أسفل فكلما تدهوروا على الدركات زادت أحداقهم توهجا ~~وتزايد شوقهم إلى ربهم. إن صوت هؤلاء المتدهورين يبلغ آذانكم، أيها الفضلاء، وهم ~~يصيحون: إن كل ما هو خارج عن كياني إنما هو الله وإنما هو الفضيلة. # وهنالك آخرون يتقدمون مثقلين مقرقعين كأنهم عجلات تحمل صخورا إلى الوادي، وهؤلاء ~~الناس لا ينون يتكلمون عن الفضيلة، وما الفضيلة في عرفهم إلا عبارة عن كابح ~~عجلاتهم. # وهنالك قوم أشبه بالساعات يربط زنبركها فتسمعك تكتكتها، وهم يريدون أن تدعى حركتهم ~~الآلية فضيلة. إنني ألهو بمشاهدة مثل هذه الساعات؛ لأنني ما صادفتها مرة إلا ربطت ~~زنبركها بتهكمي وأكرهتها على تحريك رقاصها. # وهنالك المغترون بذرة من العدل ترتفع فيهم على جبل من الدعوى، فتراهم يجدفون على كل ~~شيء إلى أن يغرقوا العالم بظلمهم، وما تخرج كلمة الفضيلة من أفواه هؤلاء الناس إلا ~~وتحسب أنهم يتجشئونها، وإذا قال أحدهم: لقد عدلت. فكأنه يقول: انتقمت. # هؤلاء من يريدون أن يفقئوا أعين أعدائهم بفضيلتهم، وما يطلبون من الاعتلاء إلا إسقاط ~~سائر الناس. # وهنالك من يدب إليهم ms087 الفساد كأنهم ماء آسن في المستنقعات، فهؤلاء الناس يعلنون أنهم ~~لا ينهشون أحدا ويتحاشون الالتقاء بالناهشين، فإذا عرض عليهم أي رأي أخذوا به ~~تفاديا لكل أخذ ورد. # وهنالك عشاق الحركات المعتقدون بأن الفضيلة نوع من الإيمان، فتراهم في كل حين جاثين ~~على ركبهم وقد قبضت إحدى راحتيهما على الأخرى تمجيدا للفضيلة، وما يدرك قلبهم منها ~~شيئا. # وهنالك من يرون الفضيلة في القول بلزوم الفضيلة، وهم لا يعتقدون إلا بلزوم ردع الشر ~~بالقوة. # وبعض من امتنع عليهم إدراك ما في الإنسان من صفات عليا لا يذكرون الفضيلة إلا عندما ~~ما يحدقون بما فيه من دنايا، وهكذا لا تنشأ فضيلة هؤلاء القوم إلا من عيوب ~~عيونهم. # من الناس من يطلب المعرفة وتقويم ما التوى فيه فيدعو هذه النزعة فضيلة، ومنهم من ~~يطلب قلب كيانه رأسا على عقب فيدعو هذه الرغبة فضيلة أيضا، وهكذا ترى الجميع يعتقدون ~~بوجود الفضيلة في ناحية من نواحي كيانهم، وتراهم يتجهون إلى معرفة ما فيهم من خير وشر. ~~غير أن زارا قد جاء إلى جميع هؤلاء المخادعين وإلى جميع هؤلاء المجانين؛ ليقول لهم إنهم ~~لا يعرفون عن الفضيلة شيئا وأن ليس في وسعهم أن يعرفوها. # ما أتى زارا إلا ليشعركم بأنكم تعبتم من تكرار الأقوال القديمة التي علمكم إياها ~~المخادعون والمجانين، فينفركم من كلمات المكافأة والمقابلة بالمثل والعقاب والانتقام في ~~العدل؛ لتقلعوا عن القول بصلاح الأعمال عند تجردها عن الغايات. # لتكن ذاتكم متجلية في عملكم كما تتجلى الأم في طفلها، وليكن هذا التعبير ما تعرفون ~~الفضيلة به. # والحق أنني انتزعت منكم كثيرا من أقوالكم وسلبتكم أعز ما تتلهون بمضغه عن الفضيلة؛ ~~لذلك أراكم تزورون كالأطفال، وقد كنتم مثلهم تتسلون بألعابكم على الشاطئ فطغت موجة ~~انتزعتها من بين أيديكم وحملتها إلى العباب، فها أنتم تعولون الآن كهؤلاء الأطفال، غير ~~أن الأمواج ستكر راجعة حاملة إليهم ألعابا جديدة ناثرة بين أيديهم الأصداف المخططة، ~~وأنتم أيضا أيها الصحاب ستسلون مثلهم حين تأتيكم التعزية ناثرة بين أيديكم الأصداف ~~المخططة. # هكذا تكلم زارا ms088 ... # | الوغد # ما الحياة إلا ينبوع مسرة، ولكن أيان شرب الوغد فهنالك جدول مسموم أحب كل ما هو نقي، ~~ولكنني لا أحتمل رؤية الأشداق تتثاءب معلنة ظمأ الأرجاس، وقد جاءوا يسبرون أعماق البئر ~~بأنظارهم فانعكست في قرارتها ابتسامتهم الشنعاء توجه سخريتها إلي. # لقد دنسوا المياه المقدسة بأرجاسهم، وما تورعوا فدعوا أحلامهم القذرة سرورا فدسوا ~~سمومهم حتى في البيان. # إن اللهب يتعالى مشمئزا عندما يعرضون قلوبهم المائعة عليه، والروح نفسها تغلي ~~وتتصاعد بخارا عندما يقترب الأوغاد من النار، والأثمار نفسها يفسد طعمها وتتراخى عندما ~~يلمسونها بأيديهم، وإذا ما حدجوا بأنظارهم الأشجار المثمرة فإنها لتجف على ~~أعراقها. # لكم من معرض عن الحياة لم ينفره منها سوي الوغد الزنيم، فعافها إذ لم يشأ أن يقاسم ~~هذا الوغد ما عليها من ماء ولهب وأثمار. # لكم من شارد لجأ إلى الصحراء متحملا السعار عائشا بين الوحوش؛ كيلا يجلس إلى بئر ~~يدور بها حداة العيس بما عليهم من أقذار. # ولكم جاء الأرض من مكتسح أشبه بالبرد المتساقط من السحاب، ولا أمنية له سوى ضرب ~~قدمه في أشداق الأوغاد ليسد حناجرهم. # ما صعب علي الاعتقاد باحتياج الحياة إلى العداء والقتل والاستشهاد كما صعب علي ~~التسليم بضرورة وجود الوغد الزنيم فيها. # أمن ضرورة الحياة هذه الينابيع المسممة والنيران المشبوبة تفوح بالروائح الكريهة، ~~وهذه الأحلام الرجسة وهذه الديدان ترتعي في خبز الحياة؟ # ليس العداء ما قرض حياتي بل الكراهة والاشمئزاز، ولكم استثقلت الفكر نفسه عندما رأيت ~~شيئا من الفكر في رأس الوغد الزنيم. # لقد وليت ظهري للحاكمين عندما أدركت معني الحكم في هذه الأزمان، وتأكدت أنه متاجرة ~~بالقوة ومساومة الأوغاد عليها. # استولى اليأس علي فاجتزت مراحل الماضي والمستقبل وأنا أسد أنفي؛ إذ انتشرت علي ~~منهما روائح البيان السخيف. # لقد عشت طويلا كالكسيح أصابه الصمم والعمى والخرس؛ كيلا أعايش أوغاد السلطة وزعانف ~~الأقلام والمسرات. # ارتفع فكري درجة فدرجة وهو يعاني من حذره ما يعاني ولا عزاء له إلا بالغبطة، وهكذا ~~مرت حياة الأعمى وهو يتوكأ على عصاه. # ما حدث لي يا ms089 ترى؟ وما الذي أنقذني من اشمئزازي وأعاد النور إلى عيني؟ وكيف تمكنت من ~~ارتقاء المرتفعات حيث الينبوع الذي لا يحيط به الأوغاد؟ # أهي الكراهة نفسها استنبتت جناحي وأوجدت لي القوة للاهتداء إلى مفجر الينابيع ؟ ~~والحق أنني ارتقيت الذروة، ولو لم أبلغها لما وجدت ينبوع الغبطة والسرور. # لقد وجدته، أيها الإخوة، فرأيته يتدفق على الذروة غبطة وحبورا، فاهتديت إلى المكان ~~الذي يتاح فيه للإنسان أن يروي ظمأه دون أن يعكر عليه الأوغاد الأدنياء. # إنك لتسيل بشدة، أيها الينبوع المتفجر بالغبطة فتفرغ الكأس التي تملؤها ~~دهاقا. # علي أن أتمرن على الاقتراب منك بتؤدة، أيها الينبوع، فإن قلبي يندفع بعنف إلى ~~مسيلك. لقد استولى اليأس مع الحبور على هذا القلب الذي تمر عليه بحرها أيام صيفه، ~~فهو يتشوق إلى مياهك تنزل عليه بردا وسلاما. # لقد انقضت أحزان ترددي في الربيع وأذاب الصيف ثلوج نقمتي، فأصبحت وكل جوارحي تتوق إلى ~~الاصطياف. إن خير الراحة ما تنتجع في أعالي الجبال قرب الينابيع الباردة. إلي أيها ~~الأصحاب لنحول هذه الراحة إلى غبطة وحبور فهذه ذروتنا، وهنا موطننا حيث نعتصم بالصخور ~~فلا يبلغها الأرجاس ولا يصل إليها عطشهم المدنس. # أرسلوا أنظاركم الطاهرة على ينبوع مسرتي، أيها الأصحاب، فإنها لن تعكره بل تبقي على ~~نقائه فيبتسم لكم. # هنا تتعالى دوحة المستقبل، فلنبن لنا عشا بين أغصانها فتجيء إلينا العقبان حاملة ~~لنا الغذاء، نحن المنفردين. # ذلك عزاء لا يستطيع الأرجاس مقاسمتنا إياه، فهو النار تحرق أشداقهم، وما نعد هنا ~~مساكن للمدنسين، فإن سعادتنا تلفح أجسادهم وأرواحهم، ونحن نريد أن نحيا فوقهم فنهب ~~كالرياح في مسارح العقبان ومطالع الشموس. # إنني سأعصف كالريح الصرصر على الأرجاس فأخمد أنفاسهم بأنفاسي، ذلك هو المقدور. فما ~~زارا إلا ريح عاصفة ترهق الأعماق، وهو ينصح أعداءه وكل متقيئ نافث بألا يبصقوا في وجه ~~الرياح. # هكذا تكلم زارا ... # | العناكب # هذا هو العنكب، فإذا كنت ترغب في مشاهدته فالمس نسيجه ليتحرك ويسرع بالظهور، أهلا بك ~~أيها العنكب، إنني أرى على ظهرك شعارا أسود مثلث الزوايا، وما يخفى ms090 عني أيضا ما تضمر ~~من النقمة في سريرتك. # إن لسعادتك بقعا فاحمة على الجلود، ولها سمها المضلل في النفوس، أيها العنكب، إنني ~~أخاطبكم بالرموز، أيها العناكب المضللون المبشرون بالمساواة، فما أنتم في نظري إلا ~~مستودع لعواطف الانتقام. # سأكشف عن مكانكم وأنا أواجهكم بقهقهة تسقط عليكم من الذري التي أتسنمها، وهأنذا ~~أمزق نسيجكم حتى إذا تملككم الغضب خرجتم من مغاور أكاذيبكم، وتدفقت نقمتكم بكلمة العدل ~~التي تتفوهون بها. # لقد وجب علي أن أنقذ الإنسان من عاطفة الانتقام، وهذا الواجب هو المعبر المؤدي إلى ~~أشرف الآمال ينتصب فوقه قوس قزح بعد هبوب العواصف الكاسحات. ولكن إرادة العناكب لا تتجه ~~إلى هذه الغاية، فهم يتناجون فيما بينهم قائلين: لا عدل إلا في عواصف انتقامنا تهب ~~على العالم لتلقي العار على كل من ليس منا. # وهم يقولون أيضا: ما من فضيلة إلا في طلب المساواة، فلنرفع عقيرتنا ضد كل ~~سلطان. # آي كهان المساواة! لقد تسلط عليكم جنون عجزكم، فهتفتم بهذه المساواة وقد كمنت شهوة ~~عتوكم واستبدادكم وراء ما تعلنون من الفضائل. # إنني أرى فيكم الغرور المتمرمر والحسد المقيم، ولعل الحسد الذي رعى قلوب أسلافكم ~~يتعالى منكم الآن لهبا يندلع بجنون الانتقام، وما الأبناء إلا مظهر ما أضمر الآباء، ~~ولكم أفشى الابن سر أبيه! # إن لهؤلاء الناس مظهر المتحمسين، وما تلهب حماسهم المحبة بل الانتقام، وإذا ما بدت لك ~~منهم رصانة ومرونة، فما مصدرهما فيهم العقل بل الحسد المهيب بهم إلى التفكير، ودليل ~~حسدهم هو أنهم يندفعون دائما إلى أبعد من مراميهم؛ فيطرحهم العياء على وساد ~~الثلوج. # وما تسمع لهؤلاء الناس أنينا يخلو من نبرات الانتقام، فكل ما يصدر عنهم من مديح ~~ينطوي على أذية، فهم يرون منتهي السعادة في إقامة أنفسهم قضاة على العالمين، فأصغوا إلى ~~نصيحتي أيها الأصدقاء: احذروا من تغلبت عليهم غريزة إنزال العقاب؛ لأنهم متحدرون من ~~أفسد الأنواع وعلى وجوههم سيماء الجلادين. # احذروا من لا ينقطعون عن ذكر عدالتهم، فإن نفوسهم خالية من كل صفة حميدة، وإذا ما هم ~~ادعوا الصلاح ms091 والإنصاف فلا تنسوا أنهم لم يتخذوا بين الفريسيين مقامهم إلا لما يشعرون ~~به من عجز. # إنني أربأ بنفسي، أيها الصحاب، أن تنزلوها بين هؤلاء الناس فلا تميزون بيني وبينهم. ~~فهنالك من يذيعون تعاليمي عن الحياة، وهم في الوقت نفسه ينادون بالمساواة وينتمون إلى ~~العناكب المسمومة، هم يدافعون عن الحياة ولكنهم يعرضون عنها قابعين في مغاورهم؛ ~~ليتمكنوا من اجتراح الشرور والإيقاع بمن يقبضون على زمام السلطة في هذا الزمان، وقد ~~تعودوا إنذارهم بالسقوط، ولو أن السلطة كانت في يد العناكب لكانت تعاليمهم تتخذ شكلا ~~آخر؛ لأنهم عرفوا فيما مضى أكثر مما عرف غيرهم؛ كيف يوقدون المحارق ويرهقون مخالفيهم ~~اضطهادا وتعذيبا. # لا أريد أن أحسب من هؤلاء المنادين بالمساواة لأن العدالة علمتني: «أن لا مساواة بين ~~الناس.» وأنه من الواجب ألا يتساووا، وليس لي أن أقول بغير هذا المبدأ وإلا فإن محبتي ~~للإنسان تصبح ادعاء ومينا ... # على الناس أن يسيروا على آلاف الطرق وآلاف المعابر مسارعين نحو آتي الزمان، فتنشأ ~~بينهم الحروب وتتسع شقة التفاوت بينهم على ممر السنين، ذلك ما ألهمني إياه حبي ~~العميم. # يجب أن يقيم الناس في أعماق سرائرهم مثلا عليا وأشباحا يجاهدون في سبيلها، فيسير ~~الصالح والطالح والغني والفقير والرفيع والوضيع إلى التصادم بجميع ما في الأرض من نظم؛ ~~فتضطرم الحروب سلاحا لسلاح ورمزا لرمز، لأن على الحياة أن تتفوق أبدا على ~~ذاتها. # إن الحياة تتجه إلى الارتقاء بدعائمها ودرجاتها، فهي تتطلع إلى الآفاق البعيدة ما ~~وراء الجمال المقتعد عرش غبطته، لتبلغ مستقرها في أعالي الذرى. # إن الحياة بحاجة إلى ارتقاء المرتفعات، فلا غنى لها عن الدرجات والدركات؛ ليعارض ~~المنخفضون المرتفعين، إنها لفي حاجة إلى التفوق على ذاتها وهي متجهة إلى ~~الارتقاء. # انظروا، أيها الصحاب، ها هي مغارة العناكب وقد لاحت فيها خرائب هيكل قديم فأرسلوا ~~عليه نظرات المستلهمين. # والحق أن من جمع أفكاره قديما ليرفعها صرحا من الصخر ينطح السحاب كان كأحكم الحكماء ~~عارفا بأسرار الحياة. # إن الجمال نفسه ليقوم على التفاوت والمجالدة في القوة والتفوق، وهذا ms092 ما يعلمنا إياه ~~هذا الحكيم بأشد الرموز إشراقا. # هنا تتدافع القباب والنوافذ في عراك جلل فتهاجم الظلمة النور ويهاجم النور الظلمة ~~كأنهما إلهان ينازل أحدهما الآخر. # اقتدوا بهذا الرمز، أنتم أيضا في مجال الجمال والثقة بالنفس. لنكن نحن أيضا أعداء ~~فيما بيننا أيها الصحاب. # وليحشد كل منا قواه ليحارب الآخرين. # ويلاه، لقد أصبت أنا أيضا بلسعة العنكبة عدوتي القديمة، فقد توصلت بثقتها بنفسها ~~وبجمالها الإلهي إلى نوال بناني بلسعتها، وها هي تقول الآن: لا بد من إنزال العقاب، لا ~~بد من أن يأخذ العدل مجراه، فإنك تغنيت بعظمة السرائر، فلن يذهب إنشادك جزافا. # أجل لقد انتقمت، ويلاه إنها ستوجه نفسي إلى عاطفة الانتقام. # تقدموا أيها الصحاب وقيدوني بهذا العمود كيلا أتحول عن مبدئي، فخير لي أن أصبح ~~تمثالا جامدا من أن أهب كعاصفة منتقمة. # لن يكون زارا عاصفة وإعصارا، فما هو إلا رقاص ولكنه ليس رقاص عناكب # 1 ~~... # | مشاهير الحكماء # جميعكم أيها الحكماء المتمتعون بالشهرة قد خدمتم الشعب وما يؤمن به من خرافات، ولو ~~أنكم خدمتم الحقيقة لما كرمكم أحد، ومن أجل هذا احتمل الشعب شكوككم في بيانكم المنمق؛ ~~لأنها كانت السبيل الملتوي الذي يقودكم إليه، وهكذا يوجد السيد لنفسه عبيدا يلهو ~~بضلالهم الصاخب، وما الإنسان الذي يكرهه الشعب كره الكلاب للذئب إلا صاحب الفكر الحر ~~عدو القيود الذي لا يتعبد، ولا يلذ له إلا ارتياد الغاب. # إن ما حسبه الشعب في كل زمان روحا للعدل إنما هو العدو الكامن المترصد لروح الحرية ~~يستنبح عليها أشد كلابه افتراسا، وقد قيل في كل زمان: «لا حقيقة إلا في الشعب، فويل ~~لمن يطلبها خارجا عنه.» # لقد أردتم أن تؤيدوا الشعب في ما يبدي من خشوع وإجلال، فدعوتم هذه المذلة «إرادة ~~الحق» فيا لكم من حكماء. # غير أنكم كنتم تقولون في أنفسكم، لقد نشأنا من الشعب وصوت الشعب هو صوت الله، فكنتم ~~كالحمار الصبور المراوغ تعرضون وساطتكم على الشعب، ولكم من ذي سلطان أراد أن توافق ~~عجلته ذوق الشعب فقطر لجرها حمارا صغيرا، ms093 حكيما مشهورا ... # فيا مشاهير الحكماء، إنني أطلب منكم أن تخلعوا عنكم ما تتلبسون به من جلود الأسود، ~~وجلود الوحوش الكاسرة المخططة وفراء المستكشفين للمجاهل والفاتحين؛ إذ لا يسعني أن ~~أومن بالحقائق التي تنادون بها ما لم تقلعوا عن بذل التبجيل والتعظيم، فما رجل الحق ~~إلا الضارب في القفار ولا إله له؛ لأنه حطم بين جنبيه التبجيل والتعظيم، وإذا هو تلفت ~~ورمال الصحراء تحرق قدميه إلى الواحات حيث يتدفق الماء الزلال، ويمتد وارف الظلال، ~~وترتاح الحياة ملقية عصا الترحال، فلا يقتاده الظمأ إلى الاتجاه نحوها طلبا للاغتباط ~~بين المغتبطين؛ لأنه يعلم أن لكل واحة أصنامها، وما يريد الأسد إلا الانفراد محررا من ~~عبودية الأرباب ومن سعادة المستبدين، بعيدا عن الآلهة والمتعبدين وعن الخوف ومنزليه ~~في القلوب، ذلك ما يصبو رجل الحق إليه، وما عاش رجال الحق إلا في القفار يسودونها ~~بانطلاق تفكيرهم في مجالها الوسيع، وهل في المدن إلا مشاهير الحكماء يتناولون خير ~~الغذاء كذوات الضرع تغذى لتحلب. إنهم يجرون عجلة الشعب وقد كدنوا بها ~~كالحمير. # وما أنا بالناقم عليهم ولكن ليعلموا أنهم خدم مشدودون إلى عجلة، وما يرفع من ~~ذلهم توهج الذهب على العجلة التي يجرونها. # ولطالما أخلص هؤلاء الناس في خدمتهم فاستحقوا الثناء؛ لأن الحكمة تقضي بأن يفتش ~~الخادم عن سيد يستفيد من خدماته. # لقد وجب أن يتسامي عقل سيدك وتعلو فضيلته؛ لأنك بهما تعلو أنت. # والحق أنكم قد علوتم بارتقاء عقل الشعب وفضيلته، أيها الحكماء الخادمون للشعب كما ~~اعتلى هو بكم، وما أعلن هذا لتمجيدكم، فإنكم قد بقيتم أنتم شعبا حتى في فضائلكم، وما ~~تزالون شعبا لا بصيرة له ولا يدرك للعقل معنى. # إنما العقل حياة تمزق الحياة تمزيقا، وما تزداد الحياة معرفة إلا بما تتحمل من آلام، ~~فهل كنتم لهذه الحقيقة عارفين؟ # لا يسعد العقل إلا إذا مسح بالدموع وتوج بالتضحية، فهل كنتم لهذه الحقيقة ~~عارفين؟ # إن عماء الضرير وتلمسه لطريقه إنما هو شهادة لقوة الشمس، التي حدق بها فهل كنتم ~~لهذه الحقيقة عارفين؟ # على طالب المعرفة ms094 أن يتعلم البناء باستخدامه الجبال حجارة لإقامة صرحه، وما يصعب على ~~العقل أن ينقل الجبال، فهل كنتم لهذه الحقيقة عارفين؟ # إنكم لا تلمحون من العقل إلا ما يقذف به من شرر، فلا تعرفون أي سندان هو هذا ~~العقل، ولا تعرفون أيضا قساوة المطرقة التي تتهاوى عليه. # والحق أنكم تجهلون كبر العقل، ويصعب عليكم احتمال تواضعه لو أراد تواضع العقل أن يعلن ~~حقيقته. # إنكم ما تمكنتم في أي زمان من إرسال عقلكم إلى مهاوي الثلوج، فما بكم الحرارة الكافية ~~لاقتحامها؛ ولذلك لا تدركون لذة من تنعشه لفحات هذه المهاوي، غير أنني أراكم بالرغم من ~~هذا تتقدمون على مداعبة التفكير، وقد جعلتم الحكمة ملجأ ومستشفى للمتشاعرين ... # لستم عقبانا أيها الحكماء المشتهرون، فأنتم إذن لا تدركون ما يلد العقل من لذة في ~~ارتياعه، فلا يحق لغير المجنح أن يخترق الهواء فوق الوهاد. # ما أنتم إلا فاترون أيها الحكماء، وفي كل معرفة عميقة يهب تيار من الصقيع؛ لأن ~~ينابيع العقل الخفية باردة كالثلج، ولا تلذ ببردها غير الأيدي الملتهبة بحرارة ~~جهادها. # إنني أراكم أمامي أيها الحكماء المشتهرون ملفعين بقساوتكم جامدين على غروركم، فما ~~للريح أن تدفعكم ولا للإرادة أن تهيب بكم إلى الإقدام. # أما رأيتم على مضطربات الأمواج شراعا خفاقا يندفع وقد عصفت في ثنياته هوجاء ~~الرياح. إن حكمتي تجتاز العمر خافقة كهذا الشراع، وقد ملأتها عواصف التفكير، تلك هي ~~حكمتي الشاردة النفور، فهل لكم أن تجاروني في اندفاعي أنتم يا من تخدمون الشعب، أنتم ~~مشاهير الحكماء. # هكذا تكلم زارا ... # | نشيد الليل # لقد أرخى الليل سدوله فتعالى خرير المياه المتدفقة، ولنفسي أيضا ينبوعها ~~المتفجر. # لقد أرخى الليل سدوله فتعالت الأناشيد من أفواه جميع المغرمين، وما روحي إلا نشيد من ~~هذه الأناشيد. إن في داخلي قوة ثائرة تريد إطلاق صوتها، وهي شوق إلى الحب بيانه بيان ~~المغرمين. أنا نور وليتني كنت ظلاما، وما قضي علي بالعزلة والانفراد إلا لأنني ~~تلفعت بالأنوار، ولو أنني كنت ظلاما، لكان لي أن أرسل بركتي إليك أيتها النجوم ~~المتألقة كصغيرات ms095 الحباحب في السماء فأتمتع بما تذرين علي من شعاع. غير أنني أحيا ~~بأنواري فأتشرب اللهب المندلع من ذاتي وقد حرمت لذة الآخذين، وقد خطر لي مرارا أن ~~في السرقة من اللذة ما ليس في الأخذ . # إن يدي لا تقف عن البذل، وذلك هو فقري فأنا أنظر أبدا إلى العيون يملؤها الانتظار ~~وإلى الليالي تلهبها الأشواق، وذلك هو الحسد الذي يقض مضجعي. # يا لشقاء الواهبين ... يا لظلمة شمسي ويا لشوقي إلى الاشتياق ويا لشدة المجاعة في ~~شبعي. # إنهم يأخذون ما أهبهم، ولكنني أبقى بعيدا عن أرواحهم فإن بين الباذل والآخذ هوة ~~عميقة، ولعل أقرب الأغوار قعرا أصعبها ردما. # إن نوعا من الجوع ينشأ في أحشائي فيحفزني إلى إيلام من أرسل إليهم أنواري، فأتوق إلى ~~سلب من أغدق عليهم هباتي، وهكذا أتعطش إلى إيقاع الأذية فأرد يدي بعد أن أكون مددتها، ~~وأتردد تردد الشلال في تدفقه نحو مراميه. # إن مثل هذا الانتقام يراود عظمتي، ومثل هذا المكر ينشأ من عزلتي. # لقد فقدت السعادة في العطاء لوفرة ما أعطيت، وقد زهقت فضيلتي من نفسها ومن جودها. إن ~~من يستمر على بذل الهبات مهدد بفقد الحياء، ولا بد أن تتصلب راحته ويتصلب قلبه. # لم تعد مآقي تذوق الدموع على خجل المسترحمين، وها إن يدي قست حتى امتنع عليها أن ~~تشعر بارتعاش الأيدي إذا امتلأت. # أين هي دموع عيني وأين رقة قلبي، فيا لوحدة جميع الواهبين ويا لصمت كل متلفع ~~بالسناء. # إن شموسا لا عداد لها تدور في قفار الأجواء مخاطبة بإشعاعها لبدات الظلام، وأنا وحدي ~~محروم من حديث هذه الشموس وبيانها. # ويلاه! أية علاقة يمكن أن تربط الأنوار بالأجرام المنيرة من نفسها؟ فإن الأنوار تمر ~~عليها وهي تحدجها بلفتات الجفاء وتمضي ذاهبة في سبيلها، وهكذا تسير جميع الشموس في ~~أجوائها نافرة من كل جرم منير باردة لا تحس أخواتها بحرارتها. # إن الشموس تندفع كالعاصفات في أبراجها متبعة ما اختطته إرادتها الجبارة، وفي ذلك ~~كتمان حرارتها وبرودتها. # هل غيرك أيتها الأجرام الملفعة بظلام الليل من ms096 يخلق حرارة من اللمعان؟ أنت وحدك ~~ترضعين أفاويق القوة من أثداء النور. # ويلاه إن الصقيع يدور بي ويدي تحترق من لفحات الجليد، فأنا مشتعل بسعار لا يطفئ أواره ~~غير عطشكم، لقد سادت الظلمة فلماذا قضي علي أن أكون نورا منفردا متعطشا إلى ~~الظلام؟ # لقد سادت الظلمة فتدفقت كالجداول أشواقي، وهي تريد أن تهتف بما تضمر. # لقد أرخى الليل سدوله، فتعالى خرير المياه المتدفقة ولنفسي أيضا ينبوعها ~~المتفجر. # لقد أرخى الليل سدوله فتعالت الأناشيد من أفواه جميع المغرمين، وما روحي إلا نشيد من ~~هذه الأناشيد. # هكذا تكلم زارا ... # | نشيد الرقص # ومر زارا بالغاب يوما ومعه صحبه فاكتشف وهو يفتش عن ينبوع مرجا منبسطا بين الأشجار ~~والأدغال، وكان هنالك رهط من الصبايا يرقصن بعيدا عن أعين الرقباء، وإذ لمحن القادم ~~وعرفنه توقفن عن الرقص، ولكن زارا اقترب منهن وخاطبهن قائلا: داومن على رقصكن، أيتها ~~الآنسات الجميلات، فما القادم بمزعج للفرحين وما هو بعدو للصبايا. أنا من يدافع عن الله ~~أمام الشيطان، وما الشيطان إلا الروح الثقيل، فهل يسعني أن أكون عدوا لما فيكن من ~~بهاء ورشاقة وخفة روح؟ # وهل لي أن أكون عدوا للرقص الإلهي ترسمه مثل هذه الأقدام الضوامر الرشيقات ~~...؟ # لا ريب في أنني غابة اشتبكت فيها قاتمات الأشجار، وساد الحلك على أرجائها، ولكن من ~~يقتحم ظلماتي بلا خوف ليجدن تحت سرواتي الرهيبات طرقا تحف بجانبيها الورود، وليجدن ~~أيضا الإله الصغير الذي تشتاقه الصبايا منطرحا بسكون قرب الينبوع وقد أغمض ~~عينيه. # لقد نام في وقت الظهيرة، هذا الإله المتراخي، ولعله سعى طويلا ليصطاد من الفراشات ~~عددا كبيرا. # لا يكدركن مني أيتها الراقصات الجميلات تأديبي لهذا الإله الصغير، ولعله يصيح ويبكي ~~ولكنه إله يجلب المسرة حتى في بكائه، فلسوف أقتاده إليكن والدموع سائلة على خديه ليطلب ~~إليكن أن ترقصنه، وإذا ما رقص فسأرافقه أنا بإنشادي فما تجيء نغماتي إلا هزيجا أصفع ~~به الروح الثقيل، روح الشيطان المتعالي الذي يقول الناس إنه يسود العالم. # وهذه هي الأغنية التي رفع زارا صوته بها بينما ms097 كان «كوبيدون» إله الحب يرقص مع ~~الصبايا الفاتنات: # لقد حدقت يوما في عينيك، أيتها الحياة، فحسبتني هويت إلى غور بعيد ~~القرار، غير أنك سحبتني بشابك من ذهب وأطلقت قهقهة ساخرة عندما قلت إن غدرك لا ~~قرار له، وأجبتني: هذا ما تقوله الأسماك جميعها، فهي إذ تعجز عن سبر الأغوار ~~تحسبها لا قرار لها، وهل أنا إلا المتقلبة النفور؟ وهل أنا إلا امرأة، وامرأة ~~لا فضيلة لها، لقد تقول الناس كثيرا عن صفاتي، ولكنهم أجمعوا على أنني غير ~~المتناهية، المليئة بالأسرار. # أيها الناس، إنكم ترون فضائلكم في، فأنتم لا قبل لكم بإدراك شيء آخر غيرها ~~أيها الفضلاء ... # هذا ما كانت تقهقه به في سخريتها تلك الحياة، غير أنني لا أثق بها، ولا أصدق ~~ضحكها عندما تهجو نفسها. # وناجيت يوما حكمتي النفورة فقالت لي غاضبة: إنك تطلب الحياة وتشتاقها ~~وتحبها، وذلك ما يحفز بك إلى بذل الثناء عليها. # ولولا أنني تمالكت نفسي لكنت رددت بعنف على حكمتي، وأعلنت الحقيقة لها وهي ~~تغاضبني، وهل من جواب أشد وقعا على الحكمة من أن تهتك سرائرها. # ما أحب شيئا من صميم الفؤاد إلا الحياة، ولا يبلغ حبي لها أشده إلا حين ~~أكرهها، وإذا ما أنا اندفعت إلى الحكمة، وأغرقت في الالتجاء إليها فما ذلك إلا ~~لأنها تبالغ بتذكيري بالحياة، فإن للحكمة عيني الحياة ولها ابتسامتها، بل لها ~~أيضا شابكها المذهب، فما حيلتي بهما إذا تشابهنا إلى هذا الحد؟ # وعندما سألتني الحياة عن الحكمة أجبتها: هي الحكمة يشتهيها الإنسان بكل قوته ~~ولا يشبع منها، فهو يحدق فيها ليتبين وجهها من وراء القناع ويمد أصابعه بين ~~فرجات شباكها متسائلا عن جمالها وما يدريه ما هو هذا الجمال، ومع هذا فإن أقدم ~~الأسماك لا تنفك عن الانجذاب إلى طعمة شباكها فهي متقلبة شديدة المراس، ولكم ~~رأيتها تعض على شفتها وتسرح شعرها، ولعلها شريرة ومخادعة، بل لعل لها صفات ~~المرأة بأجمعها فهي لا تبلغ أبعد مداها في اجتذاب القلوب إلا عندما تهجو ذاتها ~~... # وبعد أن قلت هذا عن الحكمة ms098 للحياة، مرت على شفتيها ابتسامة شريرة، وغيضت من ~~جفنيها قائلة: عمن تتكلم ... لعلك تتكلم عني أنا ... وهل للإنسان أن يعلن مثل هذه ~~الأمور بوجه من تعنيه حتى ولو كان محقا، فما قولك الآن في حكمتك يا هذا ~~...؟ # وفتحت الحياة المحبوبة عينيها فحسبتني عدت إلى التدهور في الهاوية البعيدة ~~القرار. # هذا ما تغنى به زارا وما انتهى الرقص وتوارت الصبايا عن أبصاره حتى تملكه حزن عميق ~~فقال: لقد اختفت الشمس وترطب المرج وقد بدأ الغاب يرسل لفحاته الياردات. إن شيئا ~~مجهولا يدور حولي ويحدجني قائلا: ألم تزل على قيد الحياة يا زارا؟ ولماذا أنت حي ~~بعد؟ وما هي فائدة هذه الحياة؟ ما هو مصدرك وإلى أين مصيرك أفليس من الجنون أن تبقى في ~~الحياة؟ # ويلاه أيها الصحاب، إن ما يتناجى في إنما هو الغسق فاغتفروا لي شجوني لقد جاء ~~المساء فاغتفروا لي قدوم المساء ... # هكذا تكلم زارا ... # | نشيد القبور # هنالك جزيرة القبور، جزيرة الصمت والسكون، وهنالك أيضا أجداث شبابي، ~~فلأحملن إليها إكليلا من الأزاهر الخالدات. # بهذا ناجيت نفسي، فقررت أن أقتحم الغمر. # يا لصور الشباب وأشباح أحلامه، يا للحظات الغرام! يا لأويقات الحياة الإلهية! ~~لقد تراميت سريعا إلى الزوال، فأصبحت أستعرض ذكرياتك كما أستعرض خيال الأحبة ~~الراقدين في القبور. # إن نفحات الطيب تهب منك يا أعز المضيعات فتروح عن قلبي وتستقطر مدامعي، ~~إنها لنفحات تستنبض قلب العائم وحيدا على العباب. # أنا المنفرد أراني أغنى الناس وأجدرهم بالغبطة؛ لأنك كنت لي يوما أيتها ~~الذكريات ولما أزل أنا لك، فقولي لي: علام تساقطت ثمراتك الذهبية عن ~~أغصانها؟ # إنني لم أزل منبتا لغرامك الذي أورثتنيه يا أيام الشباب، وبذكرك تنور ~~فضائلي بعد وحشتها بعديد ألوانها الزاهية. # وا أسفاه، ما كان أولاك بألا تفارقينني أيتها الأيام الساحرات، فقد اقتربت ~~إلي وإلى شهواتي لا كأطيار يسودها الذعر بل كأطيار تستأنس بالواثق ~~بنفسه. # أجل لقد كنت معدة مثلي للبقاء على العهد إلى الأبد، يا أويقات الشباب، وليس ~~لي أن أدعوك خائنة وقد وصفتك بالأويقات الإلهية. لقد مررت ms099 سراعا أيتها ~~الأويقات الهاربات وما هربت مني ولا أنا هربت منك، فما أنا مسئول ولا أنت أيضا ~~عن خيانتك وعن خيانتي. # لقد أماتوك طلبا لقتلي يا أطيار آمالي، وصوبت الشرور سهامها نحوك لتصل ~~مخضبة بالدماء إلى قلبي فأصابت هذه السهام مقتلا مني؛ لأنك كنت أعز شيء لدي، ~~بل كنت كل ما أملك، لذلك قضي عليك بالذبول في صباك والزوال قبل أوانك. # لقد صوبت السهام إليك وأنت أنعم من الحرير، وأضعف من ابتسامة تمحوها نظرة ~~قاسية. # فليسمع أعدائي ما أقول: إن القتل أخف جرما من جنايتكم علي، فقد سلبتموني ~~ما لا قبل لي بالاستعاضة عنه بشيء، ذلك ما أقوله لكم أيها الأعداء، أفما قتلتم ~~أحلام شبابي وحلتم دون إتياني بمعجزاتي؟ لقد سلبتم مني تفكيري، وهأنذا أحمل هذا ~~الإكليل لتذكاره حاملا معه لعنتي لكم أيها الأعداء؛ لأنكم قصرتم مدى أبديتي ~~فانقطعت كأنها صوت ينقطع في الزمهرير تحت جنح الظلام فما تسنى لي أن أنظر إلى ~~هذه الأبدية إلا لمحا؛ لأنها توارت عني بطرفة عين. # وأتت ساعة ناجتني فيها طهارتي قائلة: يجب أن تكون جميع الكائنات إلهية، وأنت ~~أرسلت إلي الأشباح المدنسة، يا أيام الشباب، فانقضت تلك السانحة وعادت حكمة ~~الشباب تقول لي: «يجب أن تكون جميع الأيام مقدسة في نظري.» وما هذه الكلمة إلا ~~كلمة الحكمة المرحة، وعندئذ أتيتم أيها الأعداء فحولتم ليالي راحتي إلى أرق ~~وهموم، فأين توارت هذه الحكمة المرحة؟ # لقد كنت فيما مضى أتوقع السعادة فأرسلتم على طريقي بومة مروعة مشئومة؛ فتبددت ~~أماني العذاب. # نذرت يوما أن أرجع عن كل كراهة، فحولتم كل ما حولي إلى قروح، فأين مضت ~~مخلصات نذوري الطاهرات؟ # لقد مررت على سبيل السعادة كفيف البصر، فرميتم على طريق الأعمى كوما من ~~الأقذار؛ فأصبحت كارها للطريق القديم الذي تلمسته، وعندما توصلت إلى القيام ~~بأصعب أعمالي، عندما تمكنت من الاحتفال بالانتصارات التي تغلبت فيها على ذاتي ~~أهبتم بمن يحبونني إلى الهتاف قائلين بأنني أوقعت بهم أشد الآلام. # والحق أنكم لم تنقطعوا عن تشريد خير العاملات في قفيري ms100 وتحويل جناها إلى علقم ~~مرير، ولكم أرسلتم إلى إحساني أشد المتسولين إلحاحا، ودفعتم أهل القحة ~~ليطوفوا بإشفاقي، وهكذا نلتم من فضيلتي وهي ممنعة بإيمانها. # وكنت كلما قدمت أقدس ما عندي محرقة للتضحية تسارعون في تقواكم إلى إحراق ~~أدسم ذبائحكم؛ لتتصاعد أبخرة شحمها مدنسة خير ما قدست. # وطمحت يوما إلى الرقص متعاليا بفني إلى ما وراء السبع الطباق، فأفسدتم ~~علي أعز المنشدين لدي، فرفع عقيرته بأفظع الأناشيد وقرع أسماعي بنغمات ~~الأبواق الحزينة الباكية. # لقد كنت قاتلا أيها المنشد البريء، إذا غدوت آلة في يد الغدر، فقضت نغماتك ~~على خشوعي بينما كنت أتهيأ للقيام بأروع رقصي. # ما أنا بالمعبر عن أسمى المعاني بالرموز إلا عندما أدور راقصا؛ لذلك عجزت ~~أعضائي عن رسم أروع الرموز بحركاتها، فأرتج علي وامتنع علي أن أبوح بسر ~~آمالي. لقد ماتت أحلام شبابي وفقدت معانيها المعزيات. # إنني لأعجب لتحملي هذه الصدمات، وأعجب لصبري على ما فتحت في من جراح، فكيف ~~أمكن لروحي أن تبعث من مثل هذه القبور؟ # أجل إن في شيئا لا تنال منه السهام مقتلا، ولا قبل لأحد بدفنه؛ لأنه ~~يزحزح الصخور عنه فتتحطم، وما هذا الشيء إلا إرادتي، والإرادة تجتاز مراحل ~~السنين صامتة لا يعتريها تحول وتغير. إن إرادتي قديمة لا تني تدفع قدمي إلى ~~السير فهي القوة المتصلبة المتعالية عن الفناء. # ليس في من عضو لا يصاب إلا قدمي السائرة إلى الأمام تدفعها هذه الإرادة ~~الثابتة الصامدة المتجلدة، التي تخترق المدافن دون أن تنطرح تحت لحودها. # إن فيك وحدك يا إرادتي يصمد ما لا تبدده أيام الشباب، فأنت لا تزالين حية ~~وفتية تملؤك الآمال، تجلسين على ركام المدافن وقد طبع الزمان عليها قبلاته ~~الصفراء. إنك لن تزالي أيتها الإرادة هدامة لجميع القبور، فسلام عليك يا ~~إرادتي؛ لأنه لا بعث إلا حيث تكون القبور. ~~••• # هكذا تكلم زارا ... # | الانتصار على الذات # ليست إرادة الحق في عرفكم، أيها الحكماء، إلا تلك القوة التي تحفزكم وتضطرم فيكم، تلك ~~هي إرادتكم التي أسميها أنا «إرادة تصور الوجود» فإنكم تطمحون ms101 إلى جعل كل موجود ~~خاضعا لتصوركم، وأنتم تحاذرون بحق أن يكون هذا الوجود قد أحاط به التصور من قبل، ~~فتريدون أن تخضعوا لإرادتكم كل كائن لتتحكموا فيه بالصقل ليصبح مرآة تنعكس عليها صورة ~~العقل. # هذا ما تطمحون إليه، يا أحكم الحكماء، وتلك هي إرادتكم تجاه القوة والخير والشر ~~وتقدير قيم الأشياء. # إنكم تريدون خلق عالم يمكن لكم أن تجثوا أمامه، تلك هي نهاية نشوتكم وآخر أمنية لكم، ~~ولكن البسطاء الذين يدعون شعبا يشبهون نهرا تخوضه أبدا ماخرة تقل الشرائع، وقد ~~جلسن عليها بعظمة وأنزلن على وجوههن الحجاب. # لقد أرسلتم إرادتكم وشرعتكم على نهر الزمان، ولكن إرادة القوة مثلت أمامي وكشفت لي ~~حقيقة الخير والشر في اعتقاد الشعوب. # وهل سواكم، أيها الحكماء، من أنزل بإرادته المتسلطة هذه الشرائع في هذه الماخرة، وقد ~~حليتموهن بالجواهر وأسبغتم عليهن أروع الأسماء. # لقد سار النهر يحملهن بانسيابه وسهم الماخرة يشق أمواجه ومن يبالي بالموجة تقاوم ~~عبثا في إرغائها إزبادها. # إن الخطر الذي يتهدد خيركم وشركم لا يكمن في النهر، أيها الحكماء، بل الخطر كل الخطر ~~في إرادة القوة نفسها؛ لأنها الإرادة الحية الدائمة المبدعة. # إن ما سأقوله عن الحياة سيوضح لكم اعتقادي في الخير والشر عندما أتناول ببياني ما ~~تفعل العادات في الأحياء. # لقد سايرت الكائن الحي على معابره وأشواطه؛ لأتعرف إلى عادته، وعندما كانت ~~الحياة صامتة نصبت أمامها مرآة بألف ضلع؛ لأستنطق عينيها فكلمتني لحاظها. # في كل مكان عثرت فيه على حي. طرقت أذني كلمات الطاعة فما من حي يتعالى عن الخضوع، ~~وعرفت أيضا أن ليس من محكوم في الحياة سوى من لا قبل له بإطاعة نفسه ... تلك هي عادة كل ~~حي ... # وهذا ما سمعت أخيرا: إن تولي الحكم أصعب من الطاعة؛ لأن الآمر يحمل أثقال جميع ~~الخاضعين له، وكثيرا ما ترهق هذه الأثقال كواهل الآمرين. # إن في كل أمر خطرا ومجاذفة، وكل مرة يصدر الحي فيها أمرا يقتحم خطرا. # وإذا ما تحكم الحي في ذاته فإنه يؤدي جزية لسلطانه؛ إذ يصبح قاضيا ومنفذا ms102 وضحية ~~للشرائع التي يستنها. # وتساءلت عن علة هذه الأمور وعن القوة التي ترغم الحي على الانقياد والتحكم فتجعله ~~خاضعا حتى إذا حكم، ولعني توصلت إلى سبر قلب الحياة إلى الصميم، فأصغوا إلى قولي أيها ~~الحكماء . # لقد تيقنت وجود إرادة القوة في كل حي، ورأيت الخاضعين أنفسهم يطمحون إلى السيادة؛ ~~لأن في إرادة الخاضع مبدأ سيادة القوي على الضعيف، فإرادة الخاضع تطمح إلى السيادة ~~أيضا لتتحكم فيمن هو أضعف منها، وتلك هي اللذة الوحيدة الباقية لها فلا تتخلى ~~عنها. # وبما أن الأضعف يستسلم للأقوى والأقوى يتمتع بسيادته على هذا الأضعف، فإن الأقوى يعرض ~~نفسه للخطر في سبيل قوته؛ فهو يجاذف بحياته مستهدفا للأخطار. # إن إرادة القوة كامنة حتى في مجال التضحية والخدمة المتبادلة وبين نظرات العاشقين؛ ~~لذلك يتجه الأضعف إلى السبل الملتوية قاصدا اجتياز الحصن والتربع في قلب الأقوى ~~مستوليا فيه على قوته. # لقد أودعتني الحياة سرها قائلة: لقد تحتم علي أن أتفوق أبدا على ذاتي. وإنكم ~~لتحسبون هذا الاندفاع إرادة إبداع أو غريزة تحفز بي إلى الهدف الأسمى والأبعد منالا ~~بعديد جهاته، في حين أن ليس هنالك إلا وجهة واحدة وسر واحد، وإنني لأفضل العدم على ~~التحول عن هذه الوحدة. # والحق أنكم حيث تشهدون انحدارا وسقوط أوراق من الأدواح، فهنالك تشهدون تضحية الحياة ~~من أجل القوة. # لقد وجب علي أن أكون أنا الجهاد والمستقبل والهدف، وأن أكون في الوقت نفسه الحائل ~~الذي يعترضني في انطلاقي إلى هدفي؛ لذلك لا يعرف الإنسان الطريق المتعرجة التي عليه أن ~~يسلكها إذا هو لم يدرك حقيقة إرادتي. # مهما كان الشيء الذي أبدعه، ومهما بلغ حبي له فإن علي أن أنقلب له خصما، وأتحول ~~عن حبي وحناني، ذلك ما قضته إرادتي علي. # وأنت، أنت يا من تطلب المعرفة ليس لك من سبيل غير سبيلي، فعليك أن تقتفي أثر إرادتي، ~~وما تقتفي إرادتي إلا آثار إرادة الحق. # ما عثر على الحقيقة من قال بإرادة الحياة؛ لأن مثل هذه الإرادة لا وجود لها، وليس ~~للعدم إرادة كما ms103 أن المتمتع بالحياة لا يمكنه أن يطلب الحياة. # ولا إرادة إلا حيث تتجلى حياة، ومع هذا فإن ما أدعو إليه إن هو إلا إرادة القوة لا ~~إرادة الحياة. # إن هنالك أمورا كثيرة يراها الحي أرفع من الحياة نفسها، وما كان ليرى أشياء أفضل من ~~الحياة، لو لم تكن هنالك إرادة القوة. # هذا ما علمتني إياه الحياة يوما، وأنا بهذا التعليم أهتك أسرار قلبكم، أيها الحكماء، ~~فأقول لكم: إنه ليس هنالك من خير دائم وشر دائم؛ لأن على الخير والشر كليهما أن يندفعا ~~أبدا إلى التفوق والاعتلاء. # وأنتم أيها الواضعون للقيم أقدارها بمقاييسكم وموازينكم، وبما تقولونه عن الخير والشر ~~هل كان لكم أن تفعلوا هذا لو لم تكن لكم إرادة القوة؟ وما تطمحون في أعماق ضمائركم إلا ~~إلى الشهرة والشعور بتأثركم وفيضان أرواحكم. إنكم تجهلون أن في الأمور التي تخضعونها ~~لتقديركم قوة أعظم من تقديركم تنمو وتتفوق على ذاتها لتحطم غلافها وقشورها، فمن أراد أن ~~يكون مبدعا سواء أكان في الخير أم في الشر، فعليه أن يبدأ بهدم ما سبق تقديره وبتحطيمه ~~تحطيما. وهكذا فإن أعظم الشر يبدو جزاء من أعظم الخير، ولكن هذا الخير لم يعط إدراكه ~~إلا للمبدعين. # لقد حق علينا القول، أيها الحكماء، مهما كلفنا الجهر به فإن الصمت أشد وطأة علينا؛ ~~لأن كل حقيقة نكتمها إنما تتحول إلى سم زعاف فينا، فلنحطم الحقائق التي نجهر بها ما ~~يمكنها أن تحطم فإن هنالك أبنية عديدة يجب علينا أن نرفعها. # هكذا تكلم زارا ... # | العظماء # إن في بحرا هدأت أعماقه، فمن يظن أنه يخفي مسوخا دأبها المزاح؟ إن أغواري صامدة ~~لا تتزعزع، غير أنها تتماوج بالمعميات وتتجاوب فيها من الضحك نبرات وأصداء. # رأيت اليوم رجلا من العظماء الأجلاء الذين يكفرون من أجل الروح؛ فاستغرقت روحي في ~~ضحكها هازئة بقبحه. غير أن هذا العظيم لم يبد ولم يعد، بل انتفخ صدره كمن يتنفس ~~الصعداء، فلاح لي بحقائقه المروعة وبأثوابه الممزقة غصنا كله أشواك وليس فيه ~~ورود. # ما تعلم هذا القناص الضحك ms104 ولا عرف الجمال، فإنه راجع من غاب المعرفة أغبر الوجه ~~بعد أن صارع فيها الوحوش فانطبعت صورهم على سيمائه، فهو كالنمر يتحفز للوثوب، وما أحب ~~مثل هذه الأرواح المنقبضة على ما تضمر. # تقولون، أيها الصحاب ، إنه لا جدال في الذوق وفي الألوان فكأنكم تجهلون أن الحياة ~~بأسرها نضال من أجل الأذواق والألوان. # ما الذوق إلا الموزون والميزان والوازن ... فويل لكل حي يريد أن يعيش دون نضال من أجل ~~الموزونات والموازين والوازنين. # ليت هذا الرجل العظيم يتعب من عظمته؛ ليظهر الجمال فيه فإنه في ملاله من هذه العظمة ~~يستحق أن أتذوقه فأجد له طعما. # إذا لم يتحول العظيم عن نفسه فلا يمكنه أن يقفز فوق خياله لتغمره أشعة شمسه. لقد ~~تفيأ الظل طويلا هذا المفكر من أجل الروح، فشحب وجهه وكاد في انتظاره أن يموت ~~جوعا، وهذه عيناه تشعان بالاحتقار وشفتاه تتبرمان بالاشمئزاز، إنه يلتمس الراحة الآن ~~ولكنه لم ينطرح تحت الشمس بعد. # ليت هذا الرجل يتمثل بالثور فيفوح من سعادته عبق الأرض لا احتقار الأرض، ليته كالثور ~~الأبيض يعج أمام المحراث فيرتفع عجيجه تسبيحا للأرض وما عليها. # لقد اكفهر وجه هذا العظيم؛ إذ تلاعبت على خديه أظلال يده فاختفت عيناه، وأعماله لم ~~تزل كالخيال تلوح ولا تبدو عليه، فإن اليد ترسل ظلا قاتما على العامل إذا هو لم ~~يتفوق على عمله. # إنني أقدر احتمال هذا الرجل لنير الثور، ولكنني أتمنى أن تشع نظرات الملاك في ~~عينيه، ولن تشع هذه النظرات ما لم ينس ما فيه من إرادة الأبطال؛ لأن ما أريد له هو أن ~~يصير رجلا ساميا لا أن يبقى في مرتبة الرجل العظيم حيث يفقد الإنسان إرادته فتتلاعب ~~به أضعف النسمات. # لقد تغلب هذا العظيم على الجبابرة، وتوصل إلى حل الرموز، ولكن عليه الآن أن ينقذ ~~هؤلاء الجبابرة وهذه الرموز؛ ليحولها إلى طفولة الألوهية. # إن معرفة هذا الرجل لم تتعلم الابتسام ولا الترفع عن الحسد، كما أن موجة شهواته لم ~~تسكن في خضم الجمال، وما عليه أن يدفع بهذه ms105 الشهوات إلى سكون الشبع، بل عليه أن يغرقها ~~في الجمال؛ لأن اللطف لا ينفصل عن مكارم من بلغوا الأوج بتفكيرهم. # على البطل ألا يستسلم للراحة ما لم يضع يده على رأسه يتفوق على راحته، وما يصعب على ~~البطل شيء كإدراكه الجمال؛ لأن الجمال لا يستسلم لأبناء العنف. # إن بين الإفراط والتفريط قيد أنملة، فلا تحتقروا هذا المدى لأنه بعيد وإن قصر، وفيه ~~الأهمية الكبرى. ولكن عضلات العظماء لا تلجأ إلى السكون وإرادتهم لا تنضب، وما من جمال ~~إلا في تنازل القوة إلى الرحمة وحلولها في المنظور. # إنني لا أطالب بالرحمة سواك، أيها المقتدر، فلتكن الرحمة آخر مرحلة تقطعها في انتصارك ~~على ذاتك، وما كنت لأفرض الخير عليك لولا أنني أراك قادرا على ارتكاب كل الشرور، ولكم ~~أضحكني أولئك الصعاليك يعدون أنفسهم رحماء وقد شلت يدهم ولا حول لهم ولا ~~طول. # عليك أن تتمثل في فضيلتك بفضيلة الأعمدة التي تزداد بهاء ودقة وصلابة في لبابها كلما ~~ازداد ارتفاعها. # أجل أيها الرجل العظيم إنك ستبلغ الجمال يوما، فترفع المرآة إلى وجهك لتتمتع برؤية ~~جمالك وعندئذ تختلج روحك بالشهوات وعندئذ تتجلى العبادة في غرورك. # لا يقترب البطل في أحلامه إلى مرتبة البطل الكامل ما لم يغفل الروح ويتحول ~~عنها. # هكذا تكلم زارا ... # | في بلاد المدنية # ذهبت بعيدا طائرا في أجواء المستقبل فارتعشت وذعرت عندما نظرت ما حولي فما وجدت من ~~معاصر لي غير الزمان. وليت الأدبار مسرعا حتى وصلت إليكم، يا رجال اليوم، ونزلت ~~بينكم في بلاد المدنية، فألقيت عليكم أول نظراتي بصفاء نية؛ لأنني جئتكم بقلب مصدوع، ~~ولا أعلم ما أهاب بي إلى الضحك بالرغم من ارتياعي، فإن عيني ما رأت من قبل مثل هذه ~~الخطوط والألوان. # ذهبت في ضحكي وقد ارتعش قلبي واصطكت رجلاي، فقلت في نفسي: «لعل هذه مصانع الآنية ~~الملونة.» # لقد برزتم أمامي يا رجال اليوم، وعلى وجوهكم وأعضائكم من الألوان عشرات الأنواع، ~~وحولكم عشرات المرايا تعكس تموجات ألوانكم، والحق أنكم لا تستطيعون أن تجدوا ما تتقنعون ~~به أشد ms106 غرابة من وجوهكم نفسها، فمن له أن يعرف من أنتم؟ # لقد حفر الماضي في وجوهكم آثاره فألقيتم فوقها آثارا جديدة؛ لذلك خفيت حقيقتكم عن كل ~~معبر وأعجزت كل بيان. # ولو كان لأحد أن يفحص الأحشاء فهل بوسعكم أن تثبتوا أن لكم أحشاء، وما أنتم إلا جبلة ~~هباب وقطع أوراق ألصقت إلصاقا، وهذه جميع الأزمنة وجميع الشعوب تتزاحم مرسلة نظراتها ~~وراء قناعكم كما تفصح جميع حركاتكم عن تراكم كل العادات والمعتقدات فيكم، فإذا ما نزعت ~~أقنعتكم وألقيت أحمالكم ومسحت ألوانكم ووقفت حركاتكم فلا يبقى منكم إلا شبح ينصب مفزعة ~~للطيور. # والحق، ما أنا إلا طائر مروع؛ لأنني رأيتكم يوما عراة لا تستركم ألوانكم؛ فاستولى ~~الذعر علي إذ انتصبتم أمامي هياكل عظام تومئ إلي بإشارات العاشقين. # إنني أفضل أن أكون من عمال الجحيم وخدام الأشباح؛ لأن لسكان الجحيم ما ليس لكم من ~~شخصية معينة، وأمر ما ألقاه هو أن أنظر إليكم سواء استترتم أو تعريتم، يا رجال اليوم ~~... # إن جميع ما يدعو إلى القلق في آتي الزمان، وجميع ما ارتاعت له في الماضي تائهات ~~الطير، إنما هو أدعى إلى الاطمئنان والارتياح من حقيقتكم؛ لأنكم أنتم القائلون: «إنما ~~نحن الحقيقة المجردة عن كل خرافة واعتقاد.» وبهذا تتبجحون وتنتفخون دون أن يكون لكم ~~صدور. # وهل من عقيدة لكم وأنتم المبرقشون بجميع ما عرف الزمان من ألوان حتى اليوم؟ وهل أنتم ~~إلا دحض صريح للإيمان نفسه وتفكيك للأفكار جميعها؟ فأنتم كائنات أوهام يا من تدعون ~~أنكم رجال الحقائق. # لقد قامت العصور كلها تتعارك في تفكيركم، وما كانت هذه العصور في أحلامها وهذيانها ~~إلا أقرب إلى الحقيقة من تفكيركم وأنتم منتبهون. # بليتم بالعقم ففقدتم الإيمان، وقد كانت للمبدع أحلامه وكواكبه قبلكم فوثق من ~~إيمانه. # ما أنتم إلا أبواب فتحت مصاريعها لحفار القبور، وما حقيقتكم إلا القول بأن كل شيء ~~يستحق الزوال. # إنكم تنتصبون أمامي كهياكل عظام متحركة، أيها المبتلون بالعقم، ولا ريب في أن أكثركم ~~لم يخف عليه أمر عندما تساءل: «هل اختطف إله مني شيئا ms107 وأنا نائم؟ والحق أن ما سلب ~~مني يكفي لإيجاد امرأة، فما أضعف أضلاعي!» هكذا يتكلم العدد الوفير من رجال هذا ~~الزمان. # إن حالكم ليضحكني أيها الرجال، ويزيد في ضحكي أنكم لأنفسكم مستغربون، ولشد ما يكون ~~ويلي لو امتنع علي أن أضحك من استغرابكم ولو اضطررت إلى ازدراد ما في أوعيتكم من كريه ~~الطعام. # إنني أستخف بكم لما على عاتقي من ثقيل الأحمال، فما يهمني لو نزل عليها بعض الذباب ~~فإنه لن يزيدها ثقلا، وما أنتم من يحملني أشد الأتعاب أيها المعاصرون. # وا أسفاه! إلى أية ذروة يجب علي أن أرتقي بأشواقي؟ فإنني أدير لحاظي من أعالي الذرى ~~مفتشا عبثا عن مسقط رأسي وأوطاني، فأنا لا أزال في أول مرحلتي تائها في المدن أتنقل ~~أمام أبوابها. # لقد اندفعت بعواطفي نحو رجال هذه الأيام، ولكنني ما لبثت أن تبينت فيهم قوما غرباء ~~عني لا يستحقون إلا سخريتي، وهكذا أصبحت طريدا يتشوق إلى مسقط رأسه وأوطانه، ولا وطن ~~لي بعد الآن إلا وطن أبنائي في الأرض المجهولة وسط البحار السحيقة؛ لذلك وجب علي أن ~~اندفع بشراعي على صفحات المياه لأفتش عن هذا الوطن. # علي أن أكفر عن ذنبي أمام أبنائي؛ لأنني كنت ابنا لآبائي، علي أن أكفر عن ~~حالي العتيد بكل جهودي في آتي الزمان. # هكذا تكلم زارا ... # | المعرفة الطاهرة # عندما أطل القمر علي ليلة أمس خيل إلي أنه أنثى أثقلها الحبل، وكأن في ~~أحشائها كوكب النهار، وقد جاءها المخاض وأنا أميل إلى تذكير القمر مني إلى تأنيثه وإن ~~خلا من صفات الرجولة فإنه رائد ليل يمر على السطوح، وقد ساءت نواياه، فهو كالراهب ~~المتدفق شهوة وحسدا يتمنى لو يتمتع بملذات جميع العاشقين. # لا، إنني لا أحب هذا الهر المتجول على مزاريب السطوح؛ لأنني أكره كل متلصص أمام ~~النوافذ التي لم يحكم إقفالها. # إن القمر ليمر خاشعا متعبدا على بساط النجوم، وأنا أكره كل من ينساب في مشيته فلا ~~تسمع وقعا لأقدامه، فإن خطوات الرجل الصريح تستنطق الأرض، وما يمشي الهر إلا ~~متجسسا، ms108 وهذا القمر لا يتقدم إلا بخطوات الغدر كالهر. # ما أوردت هذا المثل إلا لكم وعنكم يا أبناء الخبث، وقد أرهقكم إحساسكم لطلب المعرفة ~~الصافية، وما أنتم في نظري إلا عبيد الملذات؛ لأنكم أنتم أيضا تحبون الأرض وما عليها ~~ومنها. لقد عرفت طويتكم فإذا في حبكم ما يخجل وما يفسد الأخلاق، فما أشد شبهكم بكوكب ~~الليل! # لقد أقنعوكم بأن تحتقروا كل ما ينشأ من التراب، ولكن هذا الإقناع لم ينفذ إلى ~~أحشائكم، وأحشاؤكم هي أقوى ما فيكم، وهكذا أصبح عقلكم خجلا من سيطرة أحشائكم عليه، ~~فهو يتبع الطرق الخفية المضللة فزعا من خجله. أنصتوا إلى مناجاة عقلكم لنفسه فهو يقول: ~~ليت لي أن أرتقي إلى حيث أنظر إلى الحياة محررا من الشهوة، فلا ألهث أمامها ككلب يدلي ~~لسانه وقد شفه السغب من شهوته. # ليت لي أن أسعد بالتأمل متفوقا على إرادتي متحررا من خساسة الأنانية ومطامحها؛ ~~فيسود علي السلام ولا يبقى لعيني سوى لحظات القمر الثملة. # إن عقلكم يطلب التملص من ذاته؛ لأنه طريد يشتهي أن يتعشق الأرض كما يتعشقها القمر ~~فلا تتمتع إلا عيونكم بجمالها. # إن المعرفة الطاهرة لا تحتل عقولكم ما لم ينبسط أمام الأشياء دون امتلاكها مكتفيا ~~بانعكاس أشباحها عليه كما تنعكس الأشباح على مرآة لها مئات العيون. # أيها الخبثاء المتحرقون بالشهوات، لقد خلت شهوتكم من الطهارة؛ فلذلك تجدفون على ~~الشهوة، فأنتم لا تحبون الأرض كما يحبها المبدعون والمجددون الذين يسرون بما يبدعون ~~وبما يجددون، فلا طهارة إلا حيث تتجلى إرادة الإبداع، فمن اتجه إلى خلق من يتفوق عليه ~~فذلك عندي صاحب أطهر إرادة وأنقاها. # طلبت الجمال فما وجدته إلا حيث تنصب الإرادة بأكملها إلى المراد، وحيث يرتضي ~~الإنسان بالزوال لتجديد الصور وتبديلها، فالمحبة والموت صنوان متلازمان منذ الأزل، فمن ~~أراد المحبة فقد رضي بالموت. هذا ما أقوله لكم أيها الجبناء. # ولكن نظراتكم المنحرفة المؤنثة تحب الاستغراق في التأمل، فتريدون أن يدعى جمالا ما ~~تحدجونه أنتم بعين الحذر والجبن، إنكم لتدنسون أشرف الأسماء. # إن اللعنة التي تحل بكم، ms109 أيها السائرون، وراء المعرفة الطاهرة إنما هي عجزكم عن ~~التوليد في حين أنكم تلوحون كالحبالى المثقلات على الآفاق. # إنكم تحشون أفواهكم بأنبل الكلمات لإيهامنا بأن قلبكم يتدفق عطفا، وما أنتم إلا ~~منافقون. # لقد أخشنت القول لكم فكلماتي مشوهة ذرية، غير أنني أتناولها من الفتات المتساقط من ~~موائد ولائمكم فأستعملها حين أعلن الحقيقة للخبثاء، وهذا ما بيدي من حسك وأصداف يخدش ~~آنافكم أيها الخبثاء. # إن الهواء الفاسد يهب بلا انقطاع حولكم وحول مآدبكم؛ لأنه مشبع من أفكاركم الدنسة ~~وأكاذيبكم وخداعكم. # عليكم أن تبدءوا باطراح خوركم؛ لتتوصلوا إلى الوثوق بأنفسكم، فما ينقطع عن الكذب من ~~لا ثقة له بنفسه. # لقد أخفيتم وجوهكم بأقنعة الآلهة أيها الرجال الأتقياء، فأنتم ديدان قبيحة تتشح ~~برداء الأرباب. # إنكم لجد متبجحون يا رجال التأمل، حتى إن زارا نفسه أخذ بمظاهر جلودكم الإلهية فخفيت ~~عنه الأفاعي الكامنة وراءها. # لقد كنت أرى في عيونكم روح إله أيها الطالبون المعرفة الطاهرة، قبل أن تكشف لي ~~تصنعكم فعرفت أنكم أمهر المتصنعين. # لقد بعد المجال بيني وبينكم فما تميزت فيكم الثعبان القبيح، ولا وصلت إلي رائحته ~~الكريهة، وما خطر لي أن أمامي حرباء تتلون بشهواتها، ولكنني عندما اقتربت منكم تبددت ~~الظلمة حولي، وها إن الفجر يغمركم بأنواره فلكل قمر جنوح إلى الغياب في شهوته. انظروا ~~إلى هذا القمر فهو في أفقه شاحب مذعور، وقد باغته الفجر بأنواره المرسلة، فكل شمس ~~يتجلى حبها الطاهر في تشوقها إلى الإبداع. # أما ترون الفجر ينسحب على البحر وقد اهتاجه الشوق والحنين؟ إنما تشعرون بظمئه في حبه ~~وحر أنفاسه، فكأنه يريد ارتشاف اللجج، وها هي ذي تتعالى نحوه بآلاف نهودها، واللجة ~~نفسها متشوقة إلى وصال كوكب النهار ليرشفها ارتشافا فتتحول إلى سحب ومسالك أنوار، بل ~~هي نفسها تفنى في النور متحولة إلى نور. # وأنا كوكب النهار أحب الحياة وكل لجة بعيدة الأغوار، تلك هي معرفتي. إنني أجتذب كل ~~غور ليتعالى إلي ... # هكذا تكلم زارا ... # | العلماء # وكنت نائما فإذا نعجة تتقدم فتقضم الغار المعقود إكليلا على رأسي، فكانت ms110 تعمل ~~أنيابها فيه وتقول: لم يعد زارا من العلماء. # وذهبت بعد ذلك مزدرية متفاخرة، ذلك ما أخبرنيه أحد الأولاد. # أحب أن أستلقي على الأرض حيث يلعب الأطفال تحت الجدار المتهدم، وقد نبت في شقوقه ~~العوسج والشقائق الحمراء، فإنني لم أزل عالما في عيون الصغار وفي عيون العوسج والشقائق ~~الحمراء؛ لأنها طاهرة حتى في أذيتها. # أنا لم أعد عالما في نظر النعاج. تبارك حظي فهذا ما قضي به علي، والحقيقة هي أنني ~~هجرت مسكن العلماء فخرجت منه جاذبا بابه بعنف ورائي. # لقد جلست روحي الجائعة طويلا إلى الخوان، وما أنا كالعلماء متطبع على المعرفة كمن ~~اتخذ كسر القشور مهنة له، فأنا عاشق الحرية والسير في الهواء الطلق على الأرض ~~الباردة، كما أفضل أن أتوسد جلود الثيران على افتراش أمجاد العلماء وألقابهم. # إن بي من الحماس ومن لهب الفكر ما يقطع علي أنفاسي، فلا يسعني إلا الاندفاع إلى رحب ~~الفضاء هاربا من الغرف المكسوة بالغبار. # ولكن هؤلاء العلماء يتفيئون الظلال فلا يقتحمون السير على المسالك التي تلهبها ~~حرارة الشمس، بل يكتفون بالاستكشاف كالمتفرجين يفتحون أشداقهم وينظرون إلى المارة في ~~الشارع، هكذا يفتح العلماء أشداقهم وينتظرون اتقاد شرارة الفكر في أدمغة المفكرين، ~~وإذا ما لمستهم بيدك تطاير الغبار ما حولهم كأنهم أكياس من الحنطة، ولكن لا يظنن أحد ~~أن هذا الغبار المتطاير منهم هو دقيق السنابل الصفراء التي يتشح بها الصيف في ~~زهوه. # إذا ما تظاهر العلماء بالحكمة، فإن حقائقهم وأحكامهم تهزني برعشة البرداء؛ إذ تنتشر ~~منها روائح المستنقعات، ولكم أسمعتني حكمتهم نقيق الضفادع. # إن لهؤلاء العلماء مهارتهم ولأناملهم لباقتها، فليس من نسبة بين صراحتي وتعقيدهم، ~~فأناملهم لا تني تغزل وتحيك ناسجة للعقل ما يستره؛ فهم كالساعات إذا ما أحكم ربط ~~رقاصها دلت بضبط على سير الزمان وأسمعتك طقطقة خافتة. إنهم يعملون كحجر الرحى فيطحنون ~~كل ما تلقي إليهم من حبوب، وكل منهم يراقب حركة أنامل الآخرين، وجميعهم يتلهون ~~بالنكايات ويترصدون من يتعارج بعلومه، فهم أشبه بالعناكب في تلصصهم، ولكم رأيتهم ~~يستقطرون سمومهم ms111 بكل حذر ساترين أيديهم بقفازات من زجاج، ولهم مهارة خاصة بلعب النرد ~~المزور، ولكم انحنوا فوقه والعرق يتصبب من وجوههم. # لا صلة بيني وبين هؤلاء الناس؛ فإن فضائلهم تبعد عن فضائلي بأكثر مما تبعد عنها ~~أكاذيبهم ونردهم المزور. # وما وجدت مرة بينهم إلا وكنت فوقهم؛ لذلك أبغضني هؤلاء العلماء، فإنهم لا يطيقون أن ~~يسمعوا بمرور أي كان فوق رءوسهم، ولذلك وضعوا الأخشاب فوق رءوسهم، وأهالوا فوقها التراب ~~والأقذار ليخنقوا وقع أقدامي، ولم يزل حتى اليوم أكثرهم علما أقلهم إدراكا ~~لأقوالي. # لقد نصبوا بيني وبينهم حائلا كل ما في الإنسان من ضعف وضلال، وهم يدعون هذا الحصن ~~لمسكنهم بالسقف المستعار. # ولكني بالرغم من كل هذا لا أزال أمشي فوق رءوسهم وأنا أنشر أفكاري، ولو أنني مشيت على ~~عيوبي فلن أزال ماشيا فوق جباههم، ذلك لأنه لا مساواة بين البشر، وهذا ما يهتف به ~~العدل، فما أريده أنا لا حق لهم بأن يتناولوه بإرادتهم. # هكذا تكلم زارا ... # | الشعراء # وقال زارا لأحد أتباعه: منذ بدأت أعرف حقيقة الجسد لم تعد الروح روحا في نظري إلا ~~على أضيق مقياس، وهكذا صرت أرى «كل ما لا يفنى» رمزا من الرموز. # فأجاب التابع قائلا: لقد قلت هذا من قبل يا زارا، ولكنك أضفت إليه قولك: «وكثيرا ~~ما يكذب الشعراء.» فلماذا قلت هذا؟ # فقال زارا: أنت تسأل لماذا، وما أنا ممن يحق عليهم أن يسألوا. ما أنا ابن الأمس وقد ~~مر زمان طويل على إدراكي أسباب ما أرتئيه، وهل أنا خزانة تذكارات لأحفظ الأسباب التي ~~بنيت عليها آرائي؟ إنما يكفيني عناء أن أحفظ هذه الآراء نفسها، أفليس في العالم عصافير ~~تشرد من أماكنها، ولكم وجدت في قفصي من طير غريب يرتجف إذا ما أمررت عليه يدي، ومع ذلك ~~فماذا قال لك زارا يوما؟ لقد قال إن الشعراء كثيرا ما يكذبون، وهل كان زارا نفسه إلا ~~واحدا من هؤلاء الشعراء؟ أفتحسب أنه بهذه الصفة قد أعلن الحق؟ وما الذي يكرهك على ~~تصديقه؟ # فقال التابع: إنني مؤمن بزارا. # أما ms112 زارا فهز رأسه وابتسم قائلا: ليس الإيمان مما يرضيني حتى ولو كان هذا الإيمان ~~معقودا علي، ولكن إذا قال إنسان بكل جد: إن الشعراء يكذبون، فإنه ليقول حقا؛ لأننا ~~نحن الشعراء نكذب كثيرا، ولا بد لنا من الكذب ما دام ما نجده من العلم قليلا، ومن ~~من الشعراء بيننا لم يغش شرابه وفي سراديبنا تستقطر السوائل المسمومة؟ ولكم فيها من ~~أمور يقصر عن وصفها البيان. إن افتقارنا في المعرفة يهيب بنا إلى محبة مساكين العقول، ~~وبخاصة إلى محبة مسكينات العقول الفتيات ... فنحن نعود بشهواتنا إلى الأمور التي تتحدث ~~عنها العجائز في السمر، ونقول إن ما نبحث فيه إنما هو قضية المرأة الأبدية. # يخيل لنا أن أمامنا طريقا سويا يؤدي إلى المعرفة، وأن هذا الطريق لا ينكشف لمن ~~يدركون الأمور بالعلم، فنحن لا نؤمن إلا بالشعب وبحكمته، فالشعراء جميعهم يعتقدون أن ~~الجالس على منحدر جبل مقفر يتنصت إلى السكون يتوصل إلى معرفة ما يحدث بين الأرض ~~والسماء، وإذا هم هزهم الشعور المرهف خيل لهم أن الطبيعة نفسها أصبحت مغرمة بهم؛ ~~فيرونها تنحني على آذانهم لتلهمهم البيان الساحر والأسرار، فيقفون مباهين بإلهامهم أمام ~~كل كائن يزول. # وا أسفاه! إن بين الأرض والسماء أمور كثيرة لا يحلم بها إلا الشعراء، وهنالك أمور ~~أخرى كثيرة فوق السماء، فما جميع الآلهة إلا رموز أبدعها الشعراء. # والحق أننا منجذبون أبدا إلى العلياء، إلى مسارح الغيوم فنرسل إليها أكرا منفوخة ~~ملونة ندعوها آلهة وبشرا متفوقين، والحق أنهم من الخفة على ما يجعلهم أهلا لاقتعاد ~~مثل هذه العروش. # ويلاه! لكم تعبت من كل قاصر يطمح إلى جعل نفسه شيئا معدودا! ولكم أتعبني ~~الشعراء! # وما نطق زارا بهذا الكلام حتى ثارت نفس تابعه، ولكنه كظم غيظه فسكت وسكت زارا أيضا ~~وغيض نظره كأنه يستر أقاصي نفسه، ثم تنفس الصعداء وقال: أنا من الأمس ومن الزمن ~~القديم ولكن في شيئا من الغد وبعده ومن الآتي البعيد، فقد أتعبني الشعراء الأقدمون ~~منهم والمجددون، فما هم في نظري إلا رغوة لا صريح ms113 تحتها، بل هم أسرة بحار جفت مياهها. ~~إن أفكارهم لم تنفذ إلى الأغوار، وقد وقف شعورهم عند أول جرفها، وخير ما ترى في ~~تأملاتهم قليل من الشهوة وقليل من الضجر، فليست بحورهم إلا مجالات تنزلق على تفاعيلها ~~الأشباح، فهم لم يدركوا شيئا بعد من القوى الكامنة في النبرات. لم يبلغ الشعراء درجة ~~النقاء فهم يعكرون جداولهم؛ ليخدعوا الناس ويوهموهم أنها بعيدة الغور. إنهم يريدون أن ~~يقيموا أنفسهم موفقين بين مختلف المعتقدات غير أنهم لا يزالون رجال العمل الناقص ~~السائرين على السبل المتوسطة الحائرة فهم يعكرون المياه بأقذارهم. # وا أسفاه لقد ألقيت شباكي في بحارهم آملا اصطياد خير الأسماك، ولكنني ما سحبت هذه ~~الشباك مرة إلا وقد علق فيها رأس إله قديم، وهكذا كان يجود البحر بحجر على الجائع. ولعل ~~الشعراء أنفسهم خرجوا هم أيضا من البحر وفيهم ولا ريب بعض اللآلئ، فهم أشبه بنوع من ~~المحار الممنع بأصدافه، ولكم وجدت في داخلهم بدل الروح شيئا من الرغوة المالحة. إن ~~الشعراء يقتبسون من البحر غروره، وهل البحر إلا أشد الطواويس غرورا؟ فهو حتى أمام أقبح ~~الجواميس يدحرج أمواجه ويبسط أطالس مراوحه وأطراف وشاحه المفضض، فيحدجه الجاموس بنظرات ~~الغيظ؛ لأن روحه المقتربة من الشاطئ لا تزال ملتصقة بمعلفه ومرعاه فما يبالي بالجمال ~~وبالبحر وببهاء الطواويس. هذا هو المثل الذي أضربه للشعراء، والحق أن فكرهم لطاووس ~~مغرور، بل هو بحر من الغرور، ففكر الشاعر يطلب من يشاهده حتى ولو كان المشاهد ~~جاموسا. # لقد أتعبني هذا الفكر وسوف يأتي زمان - وهو قريب - يتعب فيه هذا الفكر من ~~ذاته. # رأيت بعض الشعراء يتحولون عن الشعر، ويوجهون النقمة إلى ما كانوا عليه، ورأيت من ~~يقدمون كفارة للفكر، وما نشأ هؤلاء المكفرون عن الضلال إلا بين الشعراء. # هكذا تكلم زارا ... # | الحادثات الجسام # على مقربة من جزر زارا السعيدة، تقوم في البحر جزيرة فوقها بركان يقذف حممه عليها ~~بلا انقطاع، ويقول الشعب وبخاصة العجائز فيه: إن هذه الجزيرة منتصبة صخرا يسد باب ~~الجحيم، غير أن هنالك منفذا ضيقا ms114 يخترق البركان وينتهي إلى هذا الباب. # في ذلك الزمان، حين كان زارا يسكن جزره السعيدة ألقى مركب مرساته أمام الجزيرة التي ~~يعلوها الجبل المشتعل، ونزل بحارته إلى البر ليقتنصوا بعض الأرانب، وما حان وقت الظهيرة ~~واجتمع القبطان برجاله بعد أن لموا شعثهم حتى رأى هؤلاء الناس رجلا يخترق الفضاء بغتة ~~إليهم ثم اقترب منهم وصاح بهم بصوت جلي قائلا: لقد حان الزمن، لقد اقترب كثيرا ~~... # ومر بهم الشبح مسرعا وهو يتجه إلى البركان، فتميزوا به شخص زارا؛ لأنهم كانوا رأوه ~~من قبل جميعهم ما عدا القبطان، وأحبوه كما يحب الشعب من يخشى. # فقال شيخ البحارة: هذا زارا يسير إلى الجحيم. # وفي الزمن الذي نزل فيه البحارة إلى جزيرة اللهب، كان شاع اختفاء زارا بين الناس وقال ~~صحبه لمن سألوا عنه: إنه أبحر على مركب تحت جنح الظلام، ولم يعرف أحد الوجهة التي ~~يقصدها. # هكذا ساد القلق من اختفاء زارا، وبعد ثلاثة أيام زاد هذا القلق بعد أن أخبر البحارة ~~بما رأوا، وشاع بين الشعب أن إبليس قد اختطف زارا، ولكن صحب زارا لم يأبهوا لهذه ~~الإشاعة بل ضحكوا منها وقالوا: إن ما نعتقده هو أن زارا قد اختطف الشيطان. # غير أن اختفاء زارا كان يشغل بال صحبه، وما مضت خمسة أيام حتى عاد إليهم، فكان سرورهم ~~عظيما. # وهذا ما نقله زارا لهم عن حديثه مع كلب النار. قال: إن للأرض جلدا ولهذا الجلد ~~أمراضه، وأحد هذه الأمراض الإنسان وهنالك مرض آخر يدعى كلب النار، وقد كان هذا الكلب ~~السبب في تناقل الناس الأكاذيب وتصديقهم لها، وما اجتزت البحار إلا لأكشف هذا السر ~~فرأيت الحقيقة عارية من أخمص قدميها حتى عنقها، فما تخفى عني الآن حقيقة كلب النار، ~~وحقيقة جميع أبالسة التمرد والأقذار التي لا تتفرد العجائز بالذعر منها. # لقد هتفت قائلا: اخرج من أغوارك أيها الكلب الناري وقل لي كم هي عميقة أغوارك ومن ~~أين تأتي بما تنفثه علينا؟ إنك تكرع من البحر بشراهة، وذلك ما تنم عليه مرارة الملح ms115 في ~~ثرثرتك، والحق أنك وأنت كلب الأغوار لا تستمد غذاءك إلا من الأماكن السطحية، فما أنت ~~إلا كالمتكلم من بطنه؛ لأنني في كل مرة سمعت فيها أقوال أبالسة التمرد والأقذار تبينتهم ~~أشبه بك في دناءتك وأكاذيبك، لقد اتفقت أنت معهم على النباح، واتفقتم جميعكم على ذر ~~الرماد ونشر الظلام، فأنتم أعظم المتفاخرين وتعرفون كيف تدفعون بالأوحال إلى الفوران، ~~وحيث تكونون لا بد أن تحيط بكم الوحول وكل ما هو إسفنجي مضغوط ضيق المسام، وما يطلب ~~الانطلاق إلا من اتصف بهذه الصفات. والحرية هي الصرخة التي تفضلونها غير أنني فقدت ~~إيماني بالحادثات الجسام منذ رأيت الصراخ والدخان يتعاليان حولها. # صدقني يا إبليس، الثورات الصاخبة الجهنمية ليست أعظم الحادثات في أكثر ساعاتنا ضجيجا ~~بل هي في أعمقها صمتا، وما يدور حول موجدي الشغب الجديد بل هو يدور على محور موجدي ~~النظم الجديدة. # لا بد لك أيها الشيطان من الإقرار بسخافة ما كانت تنقشع عنه قرقعتك وضباب دخانك، وهل ~~من جسام الأمور أن تتحول مدينة إلى مومياء، وأن يتداعى عامود إلى الأوحال؟ وهذه كلمة ~~أخرى أوجهها إلى هدامي الأعمدة: إن أقصى الجنون هو في إلقاء الملح إلى البحر وفي ~~إسقاط الأعمدة إلى الوحول؛ لأن هذه الأعمدة كانت مطروحة على أوحال احتقاركم، وها هي ذي ~~تنهض بسيماء الآلهة وقد انطبع عليها الألم الساحر، فهي والحق تدين لكم بالشكر؛ لأنكم ~~أسقطتموها أيها الهادمون. # وهأنذا الآن أسدي النصح للملوك والكنائس، ولكل من أضعفته الفضيلة أو أهرمه الزمان ~~فأقول: دع القوة تسقطك لتعود إلى الحياة فترجع الفضيلة إليك. # هكذا تكلمت أمام كلب النار، فقاطعني بهريره قائلا: «الكنيسة، وما هي هذه الكنيسة؟» ~~فقلت: إن الكنيسة شيء أشبه بالدولة، بل هي من أكذب أنواع الدول، ولكن صه أيها الكلب، ~~فإنك أخبر بنوعك من أي كان. إنما الدولة حيوان خبيث على شاكلتك؛ فهي تحب أن تتكلم فترسل ~~بيانها دخانا وهريرا، لتخدع الناس وتجعلهم يعتقدون بأن أقوالها مستمدة من غور الأمور، ~~فهي تريد أن تكون أعظم حيوان على وجه الأرض والعالم ms116 يراها على ما تريد. # 1 # وظهرت على وجه الكلب أفظع معاني الحسد فصاح: ماذا تقول؟ وهل يعتقد أحد أن الدولة هي ~~أعظم حيوان على الأرض؟ # قال هذا وخرجت من بين شدقيه إعصار من الدخان، وازداد هريره حتى حسبته مقتولا بغيظه، ~~ولكنه ما لبث حتى استعاد السكون فقلت له: لقد تملكك الغيظ يا كلب النار، وذلك دليل على ~~أنني أقول الحق عنك، وهأنذا استمر في إعلان الحقائق فأحدثك عن كلب آخر من أتباع النار ~~وهذا الكلب يتكلم حقيقة من قلب الأرض، فلهاثه من ذهب، وما يحسب حسابا للرماد والدخان ~~والزبد الحار فإن حوله ترتفع قهقهة تنتشر كأنها سحاب يزهو بعديد ألوانه، وهو عدو هريرك ~~وزبد شدقيك وما في أحشائك من الاختلال. إن هذا الكلب يأخذ الذهب والضحك من قلب الأرض ~~لأن قلب الأرض من ذهب، فاعلم هذا أنت. # وغلب الكلب على أمره عند سماعه هذه الكلمات؛ فأرخى ذيله خجلا وبدأ يعوي وهو يزحف ~~زحفا إلى مغارته. # هذا ما سرده زارا لأتباعه، ولكن أتباعه ما كانوا يبالون بما يقول وقد اشتد شوقهم ~~إلى إخباره عما حدث للبحارة والرجل الطائر في الهواء. # ولما سمع زارا ما قصوه عليه قال: ماذا عساني أظن بما قلتم؟ أفأكون شبحا من ~~الأشباح؟ ولعل ما رأوه لم يكن سوى خيالي، ولعلكم سمعتم حكاية المسافر وخياله، غير أنه ~~من الواجب علي أن أشدد النكير على خيالي فلا يذهب كما يشاء نائلا من شهرتي. # وهز زارا رأسه بتعجب متسائلا عما يقوله في هذا الحادث، وهو لا يدري لماذا هتف ~~الخيال قائلا: لقد اقترب الزمان. # هكذا تكلم زارا ... # | العراف # «... ورأيت الناس يستولي عليهم حزن عميق، وقد وهنت قوى خيارهم فيما يعملون، فانتشر ~~تعليم يؤدي إلى الإيمان في أن كل شيء باطل ومتشابه وقيد الزوال، فتجاوبت الأصداء في ~~الهضبات مرددة: كل شيء باطل ومتشابه وقيد الزوال. # لقد حصدنا ولكن غلالنا أكمد لونها وتهرأت، فأي شيء تساقط تحت جنح الظلام من وراء ~~كوكبه اللئيم؟ # لقد ذهبت جهودنا سدى، وفسد خمرنا فاستحال سما زعافا، ms117 فكأن عينا حاسدة أصابت ~~حقولنا وقلوبنا فأذوتها. # جففنا جميعنا فإذا نزلت بنا حارقة فلا يتطاير منا غير الرماد، لقد تعب منا كل شيء حتى ~~لسان اللهيب. # غاضت الينابيع أمامنا وتراجع البحر عنا، وقد زلزلت الأرض تحت أقدامنا، ولكنها لم تفغر ~~فاها لتوارينا، فمن لنا ببحر نغرق فيه، إننا نصرخ طالبين البحر فيذهب صوتنا بددا على ~~سطوح المستنقعات. # والحق أننا بذلنا أقصى جهودنا طلبا للموت ولما نزل جثثا تحيا وعيونها جاحظة طي ~~اللحود.» # هذا ما قاله أحد العرافين، فذهب قوله نافذا قلب زارا فبدله تبديلا، وأصبح زارا ~~حزينا متعبا يضرب في الأرض شبيها بمن ذكرهم العراف في نبوءته. # وقال زارا لأتباعه: لن يمضي زمن طويل حتى ينسدل هذا الغسق القاتم على وجه الأرض، وأنا ~~أحاذر ألا أجد وسيلة للعبور بنوري إلى ما وراءه فأنقذه من الانطفاء. هل من حافظ له بين ~~هذه الأحزان وأنا قد أعددته ليضيء في العوالم البعيدة ويشع في طيات الظلام ~~السحيق. # وسار زارا شاردا يحمل همه في قلبه، فأمضى ثلاثة أيام لا يذوق فيها طعاما ولا ~~شرابا ولا يعرف الراحة حتى وقف لسانه عن الكلام، فاستغرق في نوم عميق وجلس صحبه حوله ~~يسودهم القلق طوال الليالي متوقعين أن يفيق ليردوه عن أحزانه. # وأفاق أخيرا فخاطبهم بصوت كأنه ترديد صدى بعيد قائلا: «أصغوا إلي، أيها الصحاب، ~~لأقص عليكم ما رأيت في حلمي وساعدوني على تعبيره، فإن حلمي قد أغمض علي ولم يزل ~~معناه كامنا فيه. # رأيتني هجرت الحياة واخترت مهنة حارس للقبور على الجبل المقفر حيث يرتفع قصر الموت، ~~فكنت أحرس النعوش وهي أسلاب النصر تغص بها الدهاليز المظلمة، فكنت أرى الساقطين في ~~معترك الحياة المسجين في التوابيت المغطاة بالزجاج يحدجونني بنظراتهم المروعة، وهنالك ~~نشقت عرف الأبدية غبارا يتطاير على روحي فيرهقها، ولا أستطيع أن أنفض عنها هذا الغبار ~~الثقيل. # وكانت أصداء الليل تدور بي ومعها شبح العزلة والانفراد، فكان رفيقي سكون الموت تتعالى ~~فيه من حين إلى حين حشرجة المدنفين. # وكنت أحمل المفاتيح وقد علاها الصدأ أعالج ms118 بها أصلب الأبواب؛ فتصرف مصاريعها بصراخ ~~أبح لئيم يذهب مدويا في الدهاليز كأن الدرفات أجنحة أطيار تنكمش وتنعق متململة ~~ممن يريد تنبيهها من رقادها. # وعندما كان يخيم السكوت بعد هذا الدوي كان يبلغ رعبي أشده، فأبقى وحدي محاطا بهذا ~~الصمت الرهيب. # ومر الزمان متمهلا، لو صح أن في مثل هذه الرؤى زمان، إلى أن وقع ما أفقت له ~~مذعورا. # قرع الباب ثلاث مرات بدوي كأنه الرعد القاصف، فهتفت الدهاليز ثلاث مرات بصدى كأنه ~~الزئير، وتقدمت إلى القفل أعالجه فلم يتزحزح قيد أنملة، وهبت العاصفة بشدة فدفعت ~~بالمصراعين ورمت إلي بنعش أسود، وقد تصدع الهواء بالصفير والولولة وسقط النعش ~~فانحطم وخرجت منه آلاف من القهقهات، فرأيت آلافا من الأطفال والملائكة وطيور البوم ~~والمجانين والفراشات الضخمة يطفرون حولي ساخرين. # واستولى الخوف علي فإذا أنا مطروح على الأرض أصرخ صراخا مريعا، فانتبهت لصوتي ~~مذعورا. # وسكت زارا لحظة وهو حائر، فإذا بأحب أتباعه إليه ينهض ويقبض على يده قائلا: «إن ~~تعبير رؤياك إنما هو في حياتك نفسها يا زارا، أفلست أنت النعش، وقد حشدت الحياة فيها ~~سيئاتها وعبوس ملائكتها؟ أفليس زارا يجتاح اللحود مقهقها كالأطفال ساخرا بالساهرين ~~على القبور الخافرين لها، مستهزئا بكل من تقرقع المفاتيح في أيديهم. # لسوف يذعر هؤلاء الناس منك فيطرحهم ضحكك أرضا فيغمى عليهم، ثم ينتبهون وبذلك يثبت ~~عليهم سلطانك. # لقد اطلعت لنا كواكب جديدة في الآفاق ونشرت من الليل ما كنا نجهله من البهاء، والحق ~~أنك مددت ضحك فوق رءوسنا فأظلنا بعديد ألوانه، فمنذ الآن ستتعالى قهقهة الأطفال من ~~النعوش وستعصف من الجهود القاتلة الريح التي نتوقعها. # لقد مثلت نفسك أعداءك فأزعجتك رؤياك، ولكنك انتبهت منسلخا عنهم وعدت إلى روعك، ~~وهم أيضا سينتبهون فيرجعون إليك.» # هكذا تكلم التابع، فدار سائر الأتباع بزارا يشدون على يديه محاولين إقناعه بالنهوض من ~~فراشه والانسلاخ عن أحزانه ليعود إليهم، غير أن زارا بقي جالسا على فراشه وعيناه ~~جاحظتان كأنه عائد من سفر بعيد لا يعرف ممن حوله أحدا، ولكن أتباعه رفعوه وأوقفوه؛ ~~فانتبه ms119 فجأة وتغيرت سحنته فمد يده يداعب شعر لحيته ورفع عقيرته قائلا: كل هذا سيكون ~~عندما يحين زمانه، فأعدوا لنا غذاء طيبا الآن لأكفر عن الرؤيا التي رأيت، غير أن ~~العراف سيجلس إلى جنبي ليأكل ويشرب معي وسأريه بحرا يغرق فيه نفسه. # هكذا تكلم زارا ... # ولكنه حدق في وجه تابعه الذي عبر له حلمه، حدق به طويلا وهو يهز رأسه ... # | الفداء # وسار زارا يوما على الجسر فأحاط به رهط من أهل العاهات والمتسولين، وتقدم إليه أحدب ~~يقول له: التفت إلى الشعب يا زارا، فهو أيضا يستفيد من تعاليمك وقد بدأ يؤمن بسنتك، ~~ولكن الشعب بحاجة إلى أمر واحد ليتوطد إيمانه بك: عليك يا زارا أن تتوصل إلى إقناعنا ~~نحن أهل العاهات، وأمامك الآن نخبة منهم وما لك بعد مثل هذه الفرصة تنتهزها لتقوم ~~باختبارك على مثل هذا العدد من الرءوس، بوسعك الآن أن تشفي العميان والمقعدين فتخفف ~~الأثقال، وتريح المتعبين، تلك هي الطريقة المثلى لهداية هؤلاء القوم إلى الإيمان ~~بزارا. # فأجاب زارا: من يرفع عن ظهر الأحدب حدبته فقد نزع منه ذكاءه. هذه هي تعاليم الشعب، ~~وإذا أعيد النور إلى عيني الأعمى فإنه ليرى على الأرض كثيرا من قبيح الأشياء فيلعن من ~~سبب شفاءه، ومن يطلق رجل الأعرج من قيدها فإنه يورثه أذية كبرى؛ إذ لا يكاد ~~يسير ركضا حتى تتحكم فيه رذائله فتدفعه إلى غايتها. هذه هي التعاليم التي ينشرها ~~الشعب، وهل على زارا إلا أن يأخذ عن الشعب ما أخذه الشعب عنه؟ # غير أنني منذ نزلت بين الناس سهل علي أن أرى منهم من تنقصه عين، ومن تنقصه إذن، ~~وآخر فقد رجليه، وهنالك من فقدوا لسانهم أو أنفهم أو رأسهم. # وهكذا رأيت أقبح الأمور، وهنالك أشياء أشد قبحا إن أعرضت عن ذكرها فلا يسعني السكوت ~~عن أكثرها. # رأيت رجالا فقدوا كل شيء، غير أنهم يملكون شيئا يسوده الإفراط، فهم رجال كأنهم عين ~~عظيمة أو فم واسع أو بطن كبير أو عضو آخر كبير لا غير، وما هؤلاء الناس إلا ms120 أهل العاهات ~~المعكوسة. # وعندما عدت من عزلتي لأجتاز هذا الجسر للمرة الأولى وقفت مندهشا لا أصدق ما أرى ~~فقلت: هذه أذن، أذن وسيعة كأنها قامة رجل، وتقدمت إليها فلاح لي وراءها شيء صغير لم ~~يزل يتحرك ، وهو ناحل ضعيف يستدعي الإشفاق فإن الأذن الكبرى كانت قائمة على ساق دقيق، ~~وما كانت هذه الساق إلا إنسانا، ولو أنك تفرست في هذا الشيء بنظارة لرأيت فوقه وجها ~~يتقطب بالحسد، وينم عن روح صغيرة تريد الانتفاخ وترتجف على قاعدتها. # وقال لي الشعب: إن هذه الأذن ليست رجلا فحسب، بل هي أيضا رجل عظيم بل عبقري من ~~عباقرة الزمان، غير أنني ما صدقت الشعب يوما إذا هو تكلم عن عظماء الرجال، فاحتفظت ~~بعقيدتي وهي أن هذا الرجل ذو عاهة معكوسة؛ إذ ليس له إلا القليل من كل شيء والكثير من ~~شيء واحد. # وبعد أن وجه زارا هذا الخطاب إلى الأحدب ومن تكلم بالوكالة عنهم اتجه نحو أتباعه، وقد ~~تحكم الكدر فيه فقال: والحق أنني أسير بين الناس كأنني أمشي بين أنقاض وأعضاء منثورة عن ~~أجسادها، وذلك أفظع ما تقع عليه عيناي فإنني أرى أشلاء مقطعة كأنها بقايا مجزرة هائلة، ~~وإذا ما لجأت عيني إلى الماضي هاربة من الحاضر فإنها لتصدم بالمشهد نفسه، فهنالك ~~أيضا أنقاض وأعضاء أشلاء وحادثات مروعة، ولكنني لا أرى رجالا ... # إن أشد ما يقع علي أيها الصحاب، إنما هو الحاضر والماضي وما كنت لأطيق الحياة لو لم ~~أكن مستكشفا ما لا بد من وقوعه في آتي الزمان، وما زارا إلا باصرة تخترق الغيب فهو رجل ~~العزم وهو المبدع، هو المستقبل والمعبر المؤدي إلى المستقبل، هو وا أسفاه ذو عاهة ~~ينتصب على هذا المعبر. # وأنتم أيضا تتساءلون مرارا: من هو زارا؟ وبماذا نسميه؟ فلا تتلقون غير السؤال ~~جوابا كما أتلقاه أنا. # أهو من يعد أم من ينفذ الوعد؟ أهو فاتح أم وريث أهو الطبيب أم هو الناقه؟ # أشاعر هو أم رجل حقيقة؟ أمحرر أم متسلط؟ أصالح أم شرير؟ # ما أنا إلا سائر ms121 بين الناس شطرة من المستقبل الذي يتراءى لبصيرتي وجميع أفكاري تتجه ~~إلى جمع وتوحيد كل ما تفرق على أسرار وتبدد على الصدف العمياء. # وما كنت لأحتمل أن أكون إنسانا لو أن الإنسان لم يكن شاعرا محللا للأسرار ~~ومفتديا لإخوانه من ظلم ما تسمونه صدفة ودهرا، وما الفداء إلا في إنقاذ من ذهبوا، ~~وتحويل كل ما كان إلى ما أريد لو أنه كان ... # ما المخلص والمبشر بالغبطة إلا الإرادة نفسها، وهذا ما أعلمكم إياه يا أصحابي، ~~ولكن اعلموا أيضا أن هذه الإرادة لم تزل سجينة مقيدة. # إن الإرادة تنقذ، ولكن ما هي القوة التي تقيد المنقذ نفسه؟ # إن داء الإرادة الوحيد إنما هو كلمة «قد كان» تقف الإرادة أمامها تحرق الإرم عاجزة عن ~~النيل من كل ما كان، فالإرادة تنظر بعين الشر إلى كل ما فات، وليس لها أن تدفع بقوتها ~~إلى الوراء، فهي أضعف من أن تحطم الزمان وما يريده الزمان، وهذا داء الإرادة ~~الدفين. # إن الإرادة تنقذ، ولكن ما هو تصور الإرادة في عملها للتخلص من دائها وهدم جدران ~~سجنها؟ # وا أسفاه! إن كل سجين يصبح مجنونا، وما تنقذ الإرادة السجينة نفسها إلا ~~بالجنون. # إن الزمان لا يعود أدراجه، ذلك ما يثير غضب الإرادة وكيدها، فهنالك صخر لا طاقة ~~للإرادة برفعه، وهذا الصخر إنما هو الأمر الواقع. # لذلك تهب الإرادة وقد تملكها الغيظ مقتلعة الأحجار منتقمة من كل من لا يجاريها في ~~كيدها وثورتها، وهكذا تصبح الإرادة المنقذة قوة شريرة تصب جام غضبها على كل قانع بعجزها ~~عن الرجوع إلى ما فات، وهل انتقام الإرادة إلا عبارة عن كرهها للزمان؛ لأنه أوقع ما لا ~~قبل لها برده؟ # والحق أن إرادتنا مصابة بالجنون، وقد نزلت لعنة على البشرية منذ تعلم الجنون أن ~~يتفكر. إن خير ما طرأ على الإنسان حتى اليوم إنما هو فكرة الانتقام، وهكذا سيبقى العقاب ~~ملازما للألم في كل زمان وفي كل مكان، وهل فكرة الانتقام إلا العقاب بذاته، فما كلمة ~~الانتقام إلا كلمة مكذوبة يقصد بها ms122 التعبير عن الضمير. # إن كل مريد يتألم لأنه لا قبل له بالرجوع إلى الماضي لرد ما فات، ولهذا لزم أن ~~تكون الإرادة بل كل حياة على الإطلاق كفارة وعقابا. # بمثل هذه الاعتقادات تلفع العقل بالغيوم فانبثق منه الجنون هاتفا: كل شيء يزول، ~~فكل شيء يستحق الزوال. # إن العدل نفسه يقضي بأن يفترس الزمان أبناءه، هذا ما أعلنه الجنون. # لقد وضع الناموس الأدبي وفقا للحقوق وللعقاب، فأين المفر من نهر الحياة الجارف؟ وما ~~الحياة إلا عبارة عن عقاب، وهذا أيضا ما أعلنه الجنون. # ليس من حادث واحد يمكننا أن نزيله من الوجود، فهل للعقاب أن يمحو الحادثات؟ وهل من ~~خلود لغير الأعمال في وجود لا ينفك يحول العمل عقابا والعقاب عملا؟ ولا مناص من هذه ~~الحلقة المفرغة ما لم تتوصل الإرادة إلى الفرار من ذاتها فتصبح حينذاك إرادة ~~منفية. # إنكم تعرفون، أيها الإخوة، هذه الأغاني التي يتشدق بها الجنون، وقد أقصيتكم من ~~سماعها عندما علمتكم أن الإرادة مبدعة، كل ما فات يبقى مبددا منثورا كأنه أسرار ~~ومصادفات رائعة إلى أن تقول الإرادة: إنني أنا أردت هذا، ثم تقول: وهذا ما أريده الآن ~~وسأريده غدا. # هل نطقت الإرادة بمثل هذا حتى اليوم؟ وأي متى ستنطق به؟ هل هي تملصت من قيود جنونها ~~فأصبحت تفتدي الحادثات بعزمها وتبشر بالحبور؟ هل هي اطرحت فكرة الانتقام وتوقفت عن ~~حرق الأرم من كيدها؟ من ترى تمكن من تعليمها مسالمة الزمان بل ما يفوق هذه ~~المسالمة؟ # يجب على الإرادة ولا أعني سوى إرادة الاقتدار أن توجه مشيئتها إلى ما هو أعظم من ~~المسالمة، ولكن أنى لها ذلك ومن سيعلمها أن توجه هذه المشيئة إلى ما فات؟ # وتوقف زارا عن الكلام فجأة كأن رعبا شديدا حل به؛ فاتسعت حدقاته وشخص بأتباعه ~~سابرا أفكارهم غير أنه ما لبث أن عاد إلى الضحك، فقال بكل هدوء: ما تهون الحياة بين ~~الناس لأن الصمت صعب على المرء وخاصة إذا كان ثرثارا. # هكذا تكلم زارا ... # ولكن الأحدب الذي كان يصغي إلى هذا ms123 الحديث، وهو يستر وجهه بيديه سمع قهقهة زارا ففتح ~~عينيه مستغربا وقال: لماذا يخاطبنا زارا بغير ما يخاطب به أتباعه. # فقال زارا: وهل من عجب في هذا؟ أفما يصح أن يخاطب الأحدب بأقوال لها حدبتان. # فقال الأحدب: ولا عجب أيضا في أن يخاطب زارا تلاميذه كمعلم أولاد، ولكن لماذا يخاطب ~~أتباعه بغير ما يخاطب به نفسه؟ # | حكمة البشر # ليست الأعالي ما يخيف بل الأعماق، فعلى الجرف تحدق العين في الهاوية وتمتد اليد نحو ~~الذرى فيقبض الدوار بالإرادتين على القلب. # أفتعلمون أيها الصحاب ما هي إرادة قلبي المزدوجة؟ إن الخطر المحدق بي على منحدري إنما ~~هو اتجاه نظري إلى الذروة بينما تتلمس يدي مستندا في الفضاء، وما أعلق إرادتي إلا ~~على الإنسان فتشدني إليه مرهقات القيود؛ لأنني منجذب منه إلى الإنسان المتفوق فإليه ~~تندفع إرادتي الثانية، إنما أنا أحيا بين الناس كالضرير لا يعرف من حوله، كيلا تفقد يدي ~~ثقتها من الوقوع على مستند مكين. # أنا لا أعرفكم أيها الناس، تلك هي ظلمتي أتلفع بها وتعزيتي ألجأ إليها. # فأنا جالس أمام الباب متوجها إلى الأوغاد صائحا بهم: إلي يا من يريد أن ~~يخدعني. # إن أول حكمة بشرية أعمل بها هي أن أستسلم لخداع الناس، فلا أضطر إلى الوقوف أبدا ~~موقف الحذر لأن في الناس من يخدعون. # ولو أنني وقفت هذا الموقف في العالم أكان يتسنى للإنسان أن يثقل منطادي فيمنعه من ~~الانفلات والانطلاق إلى أبعد الآفاق؟ # إن إغفالي للحذر إنما هو عناية تسهر علي لإيصالي إلى ما هو مقدور. # إذا أنت امتنعت عن الشرب من كل كأس فإنك هالك ظمأ، فإذا أردت أن تبقى طاهرا بين ~~الناس فعليك أن تتعود الاغتسال بالماء القذر. # لكم ناجيت قلبي لأعزيه، فقلت له: صبرا أيها القلب الهرم، إنك لم تفلح بهذه النقمة ~~فتنعم بها كأنها نعمة. # وهذه حكمتي البشرية الثانية: إنني أداري المغرور بأكثر مما أداري الفخور؛ لأن الغرور ~~الجريح مبعث كل النائبات، في حين أن العزة الجريحة تستنبت جرحها ما هو خير منها. # إذا ms124 لم يحسن الممثلون لرواية الحياة أدوارهم فيها فخير لك ألا تشهدها، وليس أمهر من ~~أهل الغرور في التمثيل؛ لأنهم يقومون بأدوارهم وكل إرادتهم متجهة إلى اكتساب رضى ~~المشاهدين وإعجابهم، وهم لا يدخرون وسعا في سبيل خلق شخصيتهم وتمثيلها؛ لذلك يلذ لي أن ~~أنظر من خلالهم إلى الحياة فهم خير دواء للسوداء، أنني أداري أهل الغرور لأنهم أساة ~~أحزاني المقيمون الإنسان ممثلا أمام عياني. # وفوق ذلك فمن له أن يسبر الأعماق في تواضع المغرور؟ فأنا أريد الخير لمثله وأشفق عليه ~~بسبب اتضاعه، فهو يريد أن يقتبس منكم ثقته بنفسه متغذيا من نظراتكم، متسولا الثناء ~~من تصدية أكفكم، إن المغرور ليصدق أكاذيبكم إذا ما أحسنتم إيرادها عنه، فما هو إلا حائر ~~يشك بأعماق نفسه في قيمة نفسه. # إذا كانت الفضيلة الحقيقية تجهل ذاتها، فالمغرور كذلك لا يعرف شيئا عن ~~تواضعه. # أما حكمتي البشرية الثالثة فقائمة على أنني لا أدع لاستحيائكم سبيلا إلى تنفيري من ~~مشاهدة الأشرار، فأنا أسر بالنظر إلى ما تخلق حرارة الشمس من عجائب المخلوقات ~~كالنمور وأشجار النخل والأفاعي ذوات الأجراس، ولكم بين الناس من أمثال لهذه المخلوقات ~~العجيبة أفقستها حرارة الشمس أيضا، وفي الأشرار من البدائع الشيء الكثير ... # إن أوفركم عقلا لا يبلغ في نظري منتهى الحكمة، كذلك لا أرى الشر إلا مبالغا في ~~وصفه، ولكم تساءلت مشككا: لماذا لا تزال الأفاعي تطن بأجراسها؟ # إن لكل شيء مستقبله حتى الشرور، فالظهيرة البالغة التناهي في إشراقها لم تنكشف ~~للإنسان حتى اليوم، لكم من أمور تعتبر شرورا في هذا الزمان وهي لا تتجاوز الثلاث عشرة ~~قدما حجما، ولا الثلاثة أشهر بقاء، وغدا سيولد ما هو أعظم منها، ولا بد من أن تخلق ~~الحياة التنين المتفوق خليقا بالإنسان المتفوق، فإن شموسا محرقة ستدخل حرارة ~~الإبداع في الغابات الغضة الرطبة التي لم تمسسها يد بعد. # لا بد من أن تصبح وحوشكم نمورا وعقاربكم تماسيح، فيجد القناص في الغاب ما ~~يرضيه. # والحق أن فيكم كثيرا من المضحكات يا رجال العدل والصلاح، ولشد ما يضحكني ms125 خوفكم ممن ~~دعوتموه إبليسا، لقد بعد المجال بين روحكم وكل عظيم، فإذا ما لاح لكم الإنسان المتفوق ~~بصلاحه أورثكم خوفا ورعبا، فإنكم أيها الحكماء والعلماء، ستولون الأدبار إذا ما ~~لفحتكم الحكمة المشعة على الإنسان المتفوق في غبطته وعريه. # لقد وقعت عيني عليكم، أيها العظماء، فأدركت هذا السر، وهأنذا أعلنه لكم: إنكم ستصفون ~~الإنسان المتفوق الذي أنبئكم به بأنه شيطان الشياطين. # أتعبني هؤلاء العظماء، وأشدهم إرهاقا لي أوفرهم عظمة، فأنا أتوقف إلى اجتياز مرتبتهم ~~فأفوتها وأنا أتجه إلى الإنسان المتفوق. # لقد عرتني هزة عندما شاهدت خيار العظماء في عريهم، فشعرت بجناحين استنبتهما ساعداي ~~لأحلق بعيدا عنهم في آفاق الدهور الآتية. إنني أتوجه إلى الدهور البعيدة، إلى ~~الظهيرات الغارقة بأنوار لم يحلم بها الفن من قبل، فهنالك تتجلى الآلهة خجولة من كل ما ~~يقع من حادثات على الأرض. # ليتني أراكم متنكرين، أيها الإخوة والأقرباء، أهل الصلاح والعدل، فتبدون بحللكم وقد ~~نفخها الغرور، وليتني أجلس بينكم متنكرا أنا أيضا، كيلا أعرف من أنا؛ لأن هذه آخر ~~حكمة لي من حكم البشر. # هكذا تكلم زارا ... # | أعمق الساعات صمتا # ماذا جرى لي يا صحابي؟ لقد سادني الاضطراب؛ فأضعت هداي وأراني مندفعا بالرغم مني إلى ~~الرحيل والابتعاد عنكم وا أسفاه. # أجل، على زارا أن يعود إلى عزلته، غير أن الدب يرجع إلى مغارته كئيبا حزينا، ماذا ~~جرى لي ومن ترى يضطرني إلى الرحيل؟ # إنها «هي» مولاتي الغاضبة، لقد كلمتني فأعلنت لي إرادتها، وما كنت ذكرت لكم اسمها حتى ~~اليوم، هي أعمق ساعاتي صمتا وهي نفسها مولاتي القاهرة، كلمتني أمس. # وسأقص عليكم ما جرى فلا أخفي عنكم شيئا؛ كيلا يقسو قلبكم علي وأنا أفاجئكم برحيلي ~~عنكم. # أتعلمون ما هي خشية من يستسلم للكرى؟ إنه الذعر يستولي على الإنسان من رأسه إلى أخمص ~~قدميه؛ لأن أحلامه لا تبتدئ ما لم تنسحب الأرض من تحته. # إنني أضرب لكم أمثالا، فأصغوا إلي: أمس عند أعمق الساعات صمتا خلت الأرض من تحتي ~~وبدأت أحلامي. # وكان العقرب يدب على ساعة حياتي في ms126 خفقانها، وما كنت سمعت من قبل مثل هذا السكوت ~~يسود حولي ويروع قلبي. # وسمعتها «هي» تقول لي، ولا صوت لها: إنك تعرف هذا يا زارا. # فصحت مذعورا عند سماعي هذه النجوى، وتصاعد الدم إلى رأسي. # فعادت هي تقول، ولا صوت لها: أنت تعرف هذا يا زارا، ولكنك لا تعلنه. # فانتفضت وأجبت بلهجة المتحدي: أجل إنني أعرف هذا، ولكنني لا أريد أن أعلن ما ~~أعرف. # فقالت «هي» ولا صوت لها: أصحيح أنك لا تريد؟ لا تخف نفسك وراء هذا التحدي يا ~~زارا. # فأخذت أبكي وأرتعش كالطفل قائلا: ويلاه، أريد أن أصرح، ولكن هل ذلك بإمكاني؟ ~~أعفيني من هذه المهمة لأنها تفوق طاقتي. # فقالت، ولا صوت لها: وما أهميتك أنت يا زارا، قل كلمتك وتحطم. # فقلت: أهي كلمتي ما يهم، فمن أكون أنا؟ إنني أنتظر من هو أجدر مني بإعلانها، وما أنا ~~أهل لأصطدم بالمنتظر فأنحطم عليه. # فقالت، ولا صوت لها: وما أهميتك أنت ما دمت لم تصل بعد إلى ما أريده من الاتضاع؟ وما ~~أقسى ما يتشح الاتضاع به، وما أصلب جلده! # فقلت: لقد تحمل جلد اتضاعي كثيرا، فأنا ساكن عند قاعدة ارتفاعي، ولم يدلني أحد ~~بعد على ذراه العاليات، ولكنني تمكنت من سبر أغواري ومعرفتها. # فقالت، ولا صوت لها: أي زارا، أنت المعد لنقل الجبال من مكان إلى مكان، أفما بوسعك ~~أن تنقل أغوارك ومهاويك أيضا؟ # فقلت: لم تنقل كلمتي الجبال بعد، فإن ما قلته لم يبلغ حتى آذان الناس، لقد أتيت إلى ~~العالم غير أنني لم أتصل به بعد. # فقالت، ولا صوت لها: وما يدريك ...؟ إن الندى يتساقط على العشب في أشد أوقات الليل ~~سكوتا. # فأجبت: لقد هزأ الناس بي عندما اكتشفت طريقي ومشيت عليها، والحق أن رجلي كانتا ~~ترتجفان إذ ذاك، فقال لي الناس: لقد ضللت سبيلك يا زارا، بل أصبحت لا تعرف أن تنقل ~~خطاك. # فقالت، ولا صوت لها: وأية أهمية لسخريتهم؟ لقد تخلصت من الطاعة يا زارا، فوجب عليك ~~أن تأمر الآن، أفلا تعلم أن من ms127 يحتاج الجميع إليه بأكثر من احتياجهم إلى أي شيء إنما هو ~~من يقضي في عظائم الأمور؟ # إن القيام بالكبائر صعب، وأصعب من هذا أن يأمر الإنسان بها. إن ذنبك الذي لا يغتفر هو ~~أنك ذو سلطان ولا تريد أن تتحكم. # قلت: ليس لي صوت الأسد لأصدر أوامري. # فقالت - كأنها تهمس همسا: لا يثير العاصفة إلا الكلمات التي لا صوت لها. إن من يدير ~~العالم إنما هي الأفكار التي تنتشر كأنها محمولة على أجنحة الحمام. عليك أن تسير يا ~~زارا كأنك شبح لما سيكون يوما في آتي الزمان، هكذا تندفع في سبيلك إلى الأمام وأنت ~~تتولى الحكم. # فقلت: إن الخجل يتولاني. # فعادت تقول، ولا صوت لها: عليك أن تعود طفلا فيذهب خجلك عنك. إن غرور الشباب لما ~~يزل مستوليا عليك؛ لأنك بلغت الشباب متأخرا، ولكن على من يريد الرجوع إلى طفولته أن ~~يتغلب على شبيبته. # واستغرقت في تفكيري وأنا أرتجف، ثم عدت إلى تكرار كلمتي الأولى قائلا: لا أريد، ~~وعندئذ ارتفع حولي صوت قهقهة مزقت قلبي وصدعت أحشائي. # وقالت «هي» للمرة الأخيرة: أي زارا، إن أثمارك ناضجة، غير أنك لم تنضج أنت لأثمارك، ~~فعليك إذن أن تعود إلى العزلة لتزيد في قساوتك لينا. # وعاد الضحك يتعالى، فشعرت أنها انصرفت عني «هي» وعاد الصمت يسود بأعمق مما كان حولي، ~~أما أنا فبقيت منطرحا على الأرض سابحا في عرقي. # والآن، وقد أعلنت لكم كل شيء أيها الصحاب، فهأنذا أعود إلى عزلتي وما أخفيت عنكم ~~شيئا. أرحل عنكم بعد أن علمتكم أن تعرفوا من هو أشد الناس تكتما، ومن يريد أن يكون ~~كتوما. # وا أسفاه، أيها الصحاب، إن لدي ما أقوله لكم أيضا، ولدي ما أبذله، فلماذا لا ~~أبذله الآن؟ ألعلني أصبحت شحيحا؟ # وما نطق زارا بهذا حتى أرهقه سلطان حزنه لاضطراره إلى الرحيل، فبكي منتحبا وما تمكن ~~أحد من تعزيته، ومع هذا ما أرخى الليل سدوله حتى ذهب زارا وحده تحت جنح الظلام متخليا ~~عن صحبه. # | الجزء الثالث # إنكم تنظرون إلى ما فوقكم ms128 عندما # تتشوقون إلى الاعتلاء، أما أنا فقد # علوت حتى أصبحت أتطلع إلى ما # تحت أقدامي، فهل فيكم من يمكنه أن # يضحك وهو واقف على الذرى # من يحوم فوق أعالي الجبال # يستهزئ بجميع مآسي الحياة # ويستهزئ بمسارحها بل بالحياة نفسها. # زرادشت # القراءة والكتابة، الجزء # الأول # | المسافر # وكان قد انتصف الليل عندما توجه زارا إلى أكمة الجزيرة، وهو يجد في السير ليبلغ ~~الشاطئ الآخر عند بزوغ الفجر؛ إذ كان يقصد الإبحار من هذه الجهة حيث ترسو بعض المراكب ~~لتقل طلاب المهاجرة من الجزر السعيدة. # وتذكر زارا الرحلات التي قام بها منفردا منذ صباه، فمرت بمخيلته رسوم الجبال ~~والتلال والذرى التي تسلقها في حياته، فقال: «ما أنا إلا رحالة ومتسلق مرتفعات، وما ~~تستهويني منبسطات الأرض ولا يستقر بي مقام، ومهما قدر علي ومهما وقع لي فلا تعدو ~~الحوادث أن تكون في نظري رحلة واعتلاء، فما لي أن أرى من الآفاق إلا ما انطبع منها في ~~نفسي، ولقد مضى الزمن الذي كان لي فيه أن أتوقع الحوادث من خطرات الحظ، وهل لي أن أنال ~~من الدهر شيئا لم يستقر في نفسي من قبل؟ # إن كل ما يطرأ علي بعد الآن إنما هو ذاتي العائدة تكرارا بعد انفراطها وتمازجها في ~~الأشياء وتصاريف الزمان. غير أنني أصبحت الآن على مدرج آخر الذرى أمام أصعب مسلك ما ~~اقتحمت مثله في حياتي، فأنا أبدأ الآن أشد رحلاتي عناء وأروعها وحشة. # وأنى لمثلي أن يتجنب مثل هذه الساعة التي تهتف قائلة: إنك على مبدأ طريق المجد ~~حيث تتداخل الذرى في المهاوي. أنت تسير على هذه الطريق، وكنت تراها قبلا آخر ما تقتحم ~~من أخطار، فأصبحت لديك آخر ملجأ تهرع إليه. # إنك تسير على طريق المجد فعليك أن تتذرع بالحزم الأوفى؛ لتقطع بنفسك خط الرجوع على ~~نفسك. # إنك تسير على طريق المجد، فأنت منفرد عليها لا يزحمك أحد من ورائك، وقد محت أقدامك ~~آثار خطاك على ما وراءك من المسالك، ولاحت كلمة المستحيل مخطوطة على آفاق هذه ~~الطريق. # ولا بد ms129 لك إذا ما خلت المدارج تحت أقدامك أن تتسلق قمة رأسك؛ إذ لا سبيل لك للاعتلاء ~~إلا إذا اتجهت إليه وإلى ما وراءه وأنت تدوس على قلبك، وهكذا سيشقيك ما كان يحلو ~~لديك. # إن من أفرط في ادخار جهوده لا يلبث حتى يبتلى بالخمول، تبارك كل جهد يشد العزم، ~~فلا خير في أرض تدر اللبن والعسل، ومن يطمح إلى الإحاطة بأمور كثيرة فليتدرب على ~~إرسال أبصاره إلى ما وراء حدود ذاته، وعلى كل متسلق للذرى أن يتعزز بمثل هذا الحزم؛ إذ ~~لا يسع من يتحرى الأمور متجسسا بفضوله إلا الوقوف عند أسهل الأفكار منالا، وأنت يا ~~زارا تطمح إلى الإحاطة بالعلل وإلى نفوذ خفايا الأمور، فعليك أن تحلق فوق ذاتك فتجتازها ~~متعاليا حتى ترى ما فيك من كواكب وهي تتصاغر في كل أفق دون أفقك الرفيع. # أجل إن ذروتي إنما هي حيث أقف ناظرا إلى الأعماق فأرى فيها ذاتي وكواكبها، تلك هي ~~آخر هضبة أطمح إلى بلوغ قمتها.» # بهذا كان يناجي زارا نفسه، وهو يصعد المرتفع معللا بالتعاليم الصارمة ما في قلبه من ~~جراح. # وعندما بلغ الذروة انبسط البحر أمام ناظريه، فوقف مبهوتا واستغرق في صمت طويل، وكانت ~~السماء لا تزال تتألق بالنجوم والهواء يهب باردا على الأكمة. # وهتف زارا حزينا: «لقد تبينت ما قدر علي، وها أنا ذا مستعد للإقدام فهذه آخر ~~عزلة أقتحمها. # سأنحدر إليك أيها البحر المظلم المنبسط عند أقدامي، أنت الليالي المفعمة بالأحزان، ~~أنت القضاء والقدر أيها الخضم البعيد. # إنني أقصد أرفع جبالي مقتحما أبعد أسفاري فعلي إذن أن أهبط إلى مهاو أبعد في ~~أغوارها من كل ذروة رقيتها حتى الآن. # علي أن أذهب من الأسى إلى أغوار ما رسبت في مثلها من قبل فأصل إلى قرارة ما في ~~الأحزان من ظلمات. ذلك ما قدر علي فأنا على أهبة اقتحامه. # لقد تساءلت فيما مضى عن منشأ الجبال فعرفت أخيرا أنها نهدت من البحار، كما تشهد ~~صخورها وجروف ذرواتها، فما يبلغ الأعلى مقامه إلا لانطلاقه من المقام ms130 الأدنى.» # هكذا تكلم زارا، وهو ماثل على قمة الجبل تدور به لفحات الصقيع، ولكنه ما بلغ الشاطئ ~~ووقف بين نتوءات صخوره حتى حل عليه التعب وتزايدت أشواقه، فقال: «إن البحر هاجع أيضا ~~فعينه الوسنى تحدجني بلفتات غريبة وأنفاسه الحرى تهب علي. إنه مستغرق في أحلامه ~~يتقلب مضطربا على جافيات مسانده، إنني أستمع لهديره كأنه يئن بتذكارات مفجعات، وقد ~~يكون هذا الهدير نذيرا بالشؤم في آتي الزمان. # إنني أشاطرك الأسى أيها المدى المظلم الوسيع، فأنا بسببك ناقم على نفسي أتمنى لو طالت ~~يدي فأنقذك من أصفاد أحلامك.» # وانتبه زارا، فإذا هو يضحك ساخرا من ذاته فتمرمر وتساءل عما إذا كان سيبلغ به حماسه ~~إلى إطلاق إنشاده لتعزية البحار، وعما إذا كان سيستمر مضعضعا في سكرة غرامه واستسلامه ~~فقال: «لقد عرفتك في كل زمان يا زارا تقتحم الأمور الخطيرة بلا كلفة وبلا مبالاة، وقد ~~رأيتك طوال حياتك تدغدغ الوحوش المفترسة، فكان يكفيك منها أن تهتاج حبك بأنفاسها ~~الحرى وبنعومة مخالبها لتجتذبك إليها. # ليس من خطر أعظم من الحب يحدق بالمستغرق في عزلته، فإن المنفرد يحب كل شيء يتنسم فيه ~~الحياة، وما أعجب جنوني بالحب وتساهلي فيه!» # هكذا تكلم زارا وقد عاد إلى الهزء بنفسه، غير أنه تذكر من هجر من خلانه، فخيل إليه ~~أنه يسيء إليهم بتفكيره فيهم، فنقم على نفسه وانقلب من ضحكه إلى البكاء، فسالت دموعه ~~مريرة يتمازج فيها الغضب والشوق. # | الرؤى والألغاز # 1 # وعندما تناقل البحارة خبر وجود زارا بينهم - وكان بلغهم ذلك من رجل دخل السفينة ~~معه قادما من الجزر السعيدة - ساد الجميع شيء من القلق وباتوا يتوقعون حدثا في ~~وجوده، غير أن زارا بقي يومين جامدا تساوره أحزانه، تحدق فيه الأنظار فلا يلتفت، ~~وتوجه إليه الأسئلة فلا يجيب، وأخيرا أصغى لما يقال حوله متوقعا سماع أبحاث ~~لها خطورتها تدور على هذه السفينة القادمة من بعيد والمتجهة إلى أماكن سحيقة، وما ~~كان زارا لينفر من الأسفار البعيدة ومن الأخطار، وبعد أن أصغى طويلا حلت عقدة ~~لسانه فانطلق يقول: ms131 إليكم أيها الشذاذ الجريئون أيا كنتم، أيها المستسلمون للشراع ~~الغدار على هائجات الأمواج. # إليكم أيها الثملون بخمرة الأسرار، المنجذبون بين خيوط الظلمات والأنوار إلى ~~نغمات كل شبابة تنوح في المجاهل الخفية، إنكم تنفرون من تلمس طريقكم بيد ~~مرتجفة على ما نصب من دليلات الحبال؛ إذ تفضلون الإدراك بالحس على الإدراك ~~بالاستقراء. # إليكم دون سواكم أوجه الخطاب لأخبر بما تجلى من ألغاز وبما خطر من رؤى لأشد ~~الناس استغراقا في عزلته. # لقد اجتزت الغسق في أشد فتراته وجوما، اقتحمته وقد تقلصت شفتاي وعلا وجهي ~~الاغبرار، وكنت شاهدت من قبل شموسا كثيرة تجنح إلى الغروب. # رأيت أمامي طريقا يتسلل على جروف المرتفعات، طريقا وعرا تعرى جانباه من كل ~~نبات فدفعت عليه أقدامي أتحداه فأسمع صريف حصاه تحتها. # مشيت صامتا أحاول تثبيت الحصى المتطايرة بخطواتي؛ لأنجو من الانزلاق ~~عليها. # واعتليت فإذا بروح الكثافة وهو عدوي الألد يشد بي إلى الأعماق، واعتليت أيضا ~~فإذا بهذا الروح المطبق علي كالقزم من الناس والخلد من سكان الأوجار يسكب في ~~أذني ودماغي كلمات ثقيلة كالرصاص، فسمعته يقول لي متمهلا هازئا: أي زارا، أيها ~~الحجر المدعي الحكمة، لقد رشقت نفسك إلى ما فوق، ولكن أي حجر ارتفع ولم يسقط ~~عائدا إلى مصدره؟ # أي زارا أيها الحجر الحكيم المنقذف إلى العلا ليزعزع الكواكب في مدارها ما أنت ~~إلا القاذف والمقذوف معا، فلا بد لك من السقوط ككل حجر يرشق إلى ما فوق. لقد حكمت ~~بالرجم فكان حكمك به على نفسك، وهذا الحجر الذي فوقته سيرجع ساقطا عليك. # وسكت القزم طويلا حتى ضاقت من سكوته أنفاسي، فالرفيق الصامت يشعرك بوحشة ~~الانفراد أكثر مما تشعر بها وأنت وحدك لا رفيق لك. # وارتقيت أيضا وأنا تائه في تفكيري وأحلامي شاعر بتزايد الضيق في صدري كأنني عليل ~~نبهته أضغاث أحلامه فاستفاق ليشعر بأوجاعه. # غير أنني أعهد بنفسي قوة أسميها شجاعة، وهي القوة التي أرغمت بها كل وهن في نفسي، ~~بهذه الشجاعة تذرعت فصحت بالقزم قائلا: إن واحدا منا يجب عليه أن يتوارى. # ما ms132 من قاتل كالشجاعة التي تهاجم، وما من فيلق يتقدم إلا وفي طليعته الأنغام ~~الحاديات. # إن أوفر الحيوانات شجاعة إنما هو الإنسان الذي قهر بشجاعته سائر الحيوانات، ~~وتغلب على جميع الأوجاع ماشيا وراء حاديات الأنغام بالرغم من أن أوجاع الإنسان ~~أشد ما في الكون من أوجاع. # وللشجاعة أيضا فضيلة ردع الدوار المستولي على الرءوس حين تحدق في الأعماق، وما ~~من موقف للإنسان لا هاوية تحته وما عليه إلا أن يحدق ليرى المهاوي من أي موقف في ~~مواقفه. # إن الشجاعة خير ما يقتل فإنها تقتل الإشفاق أيضا، وما من هاوية أبعد قرارا من ~~الإشفاق؛ لأن نظر الإنسان ليذهب وهو يسبر الآلام إلى أقصى مدى يبلغه عند سبره ~~الحياة نفسها. # إن خير ما يقتل إنما هي الشجاعة إذا هاجمت؛ لأنها ستتوصل أخيرا إلى قتل الموت ~~نفسه؛ لأنها تقول في ذاتها: «يا للعجب! أهذا ما كانت الحياة؟ إذن لأرجعن إليها مرة ~~أخرى.» إن في مثل هذه العقيدة أشد حداء يدفع إلى الإقدام، من له أذنان سامعتان ~~فليسمع. # 2 # واستوقفت القزم قائلا: يجب أن يبقى أحدنا ويفنى الآخر. إنني أنا الأقوى؛ لأنك لا ~~تدرك أعمق أفكاري، وما أعمقها إلا فكرة لا قبل لك باحتمالها. فارتمى القزم عن ~~كتفي فخف حملي، فإذا بهذا القزم يجلس القرفصاء على حجر أمامي، وإذا نحن تجاه باب ~~كأنه وجد صدفة هناك فقلت لرفيقي: انظر إلى هذا الباب فإن له واجهتين، وهنا ملتقى ~~مسلكين لم يبلغ إنسان أقصاهما؛ أحدهما منحدر يمتد إلى أبدية، والآخر مرتفع يمتد إلى ~~أبدية أخرى، والمسلكان يتعارضان متقاطعين عند هذا الباب، وقد كتب اسمه على رتاج ~~واحد «الحين». # فقلت: أتعتقد أيها القزم أن من يتوغل في أحد هذين المسلكين يبقى معتقدا بأن ~~اتجاه أحدهما معارض لاتجاه الآخر؟ # فقال القزم بازدراء: إن كل اتجاه على خط مستقيم إنما هو اتجاه مكذوب فالحقيقة ~~منحرفة؛ لأن الزمان نفسه خط مستدير أوله آخره. # فأجبته قائلا: لا تستخف بالأمر أيها الروح الكثيف، وإلا غادرتك فتعطب رجلك حيث ~~أنت، ولا تنس أنني أنا ms133 حملتك إلى الأعالي. تفكر في «الحين» الذي نحن فيه الآن، فإن ~~من بابه يمتد سلك أبدي لا نهاية له متراجعا إلى الوراء، فإن وراءنا أبدية يا ~~هذا. # أفما كان لزاما على كل شيء معزز بمعرفة السير أن يجتاز هذا المسلك فيما مضى؟ ~~أفما تحتم على كل شيء له طاقة الوصول أن يكون قد وصل فيما مضى فأتم سيره ~~وعبر؟ # وإذا كان كل موجود الآن قد وجد من قبل فما هو اعتقادك في هذا الحين؟ أفما كان ~~لهذا الباب وجود سابق؟ # أفما ترى الأشياء كلها متداخلة، وإن هذا «الحين» يجر وراءه كل ما سيكون، بل يجر ~~نفسه أيضا؟ # أفما يتحتم والحالة هذه على كل معزز بقوة السير أن يندفع مرة أخرى على هذا ~~المسلك المتجه إلى ما فوق؟ # انظر إلى هذه العنكبة التي تدب على مهل تحت شعاع القمر! انظر إلى شعاع القمر نفسه ~~وإلى ذاتي وذاتك مجتمعتين تحت هذا الباب تتهامسان بأسرار الأبد! أفما تعتقد أنه لا ~~بد أن نكون وقفنا جميعا من قبل في هذا المكان؟ # أفليس علينا أن نعود لنندفع تكرارا على المسلك الآخر الذاهب أمامنا متصاعدا ~~مستطيلا مروعا؟ أفما لزم علينا أن نعود تكرارا وأبدا؟ # هكذا كنت أتكلم بصوت يتزايد انخفاضه، وقد أرعبتني أفكاري وما كمن وراء أفكاري، ~~فإذا بي أسمع فجأة نباح كلب على مقربة منا. # خيل إلي أنني سمعت مثل هذا النباح من قبل، ورجعت بتذكاري إلى الماضي فإذا هو ~~يسمعني هذا النباح في أبعد أيام طفولتي، ويمثل لي مثل هذا الكلب الذي أراه الآن وقد ~~وقف شعره، ومد رقبته مرتجفا في أشد الليالي سكونا حيث يتراءى للكلاب أيضا أن في ~~العالم أشباحا. # ونبه نباح الكلب إشفاقي؛ إذ تذكرت أنه عندما عوى منذ هنيهة كان القمر يطل من ~~وراء البيت صامتا كالموت، ومنذ هنيهة كان هذا القمر يستقر فوق السطح كقرص ملتهب ~~يراود ما ليس له، وذلك ما أثار غضب الكلب؛ لأن الكلاب تؤمن بالسارقين ~~والأشباح. # عندما سمعت هذا النباح للمرة الثانية عاودني الإشفاق تكرارا. ms134 # أين توارى القزم الآن ومعه الباب والعنكبة وأحاديث المناجاة؟ أكنت في حلم ~~فاستفقت، فأنا الآن وحيد بين جرداء الصخور لا سمير لي غير شعاع القمر المنفرد في ~~السماء. # لكنني رأيت رجلا مسجى على الأرض، وكان الكلب يقفز وقد اقشعر جلده وهو يهدر ~~هديرا، وإذ رآني قادما نحوه بدأ بالنباح فتساءلت عما إذا كنت سمعت من قبل كلبا ~~ينبح بمثل هذا الصراخ المستغيث. # والحق أن ما رأيت في ذلك المكان ما كنت رأيت مثله؛ لأنني شاهدت أمامي راعيا ~~فتيا ينتفض محتضرا، وقد ارتسم الروع على وجهه وتدلت من فمه أفعى حالكة السواد، ~~فتساءلت عما إذا كنت رأيت قبل الآن مثل هذا الاشمئزاز والشحوب على وجه من الوجوه، ~~لعل هذا الراعي كان يغط في رقاده عندما انسلت الأفعى إلى حلقه وانشبكت ~~فيه. # وبدأت أسحب الأفعى بيدي، ولكنني شددت عبثا، فسمعت من داخلي صوتا يهيب بالراعي ~~قائلا: عض عليها بأسنانك ولا تن حتى تقطع رأسها، وهكذا سمعت بهذا الهتاف أصوات ~~رعبي واشمئزازي وضغينتي وإشفاقي كأنها صوت واحد يتعالى مني. # فيا أيها الشجعان المحيطون بي، أيها الشذاذ المكتشفون، يا من تقتحمون مجاهل ~~البحار مستسلمين للشراع الغدار، وأنتم تسرون بالمعميات والألغاز، عبروا رؤى ~~المنفرد وحلوا ما رأى من معميات وقد كمن فيها ما كان وما سيكون. # أي هذه الرموز يدل على ما فات وأيها يدل على ما هو آت؟ # من هو الراعي الذي اندست الأفعى في فمه؟ ومن هو الإنسان الذي سيصاب بمثل هذه ~~الداهية الدهماء؟ # على أن الراعي بدأ يشد بأسنانه منفذا ما أشرت به، وما لبث أن تفل دافعا برأس ~~الأفعى إلى بعيد، ثم انتفض ووقف على قدميه. # وتبدلت هيئة الراعي فلم يعد راعيا حتى ولا إنسانا؛ إذ جلله الإشعاع وضحك ضحكة ~~ما سمعت حياتي مثلها. # لقد سمعت يا إخواني ضحكة ليست من عالم الإنسان، ولم أزل منذ ذلك الحين أحترق ~~بشهوة لا أجد ما يطفئها. إن شهوة هذه الضحكة تنهش أحشائي فكيف أرضى الموت بعد ~~الآن. # هكذا تكلم زارا ... # | الغبطة القاسرة # وسار ms135 زارا يقطع أبعاد البحر تساوره مثل هذه الهموم، وتدور به مثل هذه الأسرار، حتى ~~إذا تخطى مجال أربعة أيام عن الجزر السعيدة وما ترك عليها من صحبه، اشتدت عزيمته فتغلب ~~على آلامه، وثبت قدميه في موقفه متجها إلى مقدراته مناجيا سريرته وقد عاد إليها ~~مرحها وسرورها قائلا: لقد فزعت إلى عزلتي؛ لأنني تقت إليها، فأنا الآن منفرد أمام صفاء ~~السماء ومدى البحار، وقد خطا النهار إلى عصره وما التقيت بأصحابي للمرة الأولى إلا في ~~وقت العصر، وفي مثل هذا اليوم اجتمعت بهم للمرة الثانية، والعصر هو الساعة التي يهدأ ~~فيها اضطراب الأنوار جميعها؛ لأن السعادة الذاهبة بددا منشورة على مسالكها بين السماء ~~والأرض تتجه إلى الاستقرار في روح الضياء، وها إن السعادة تحول اضطراب النور إلى ~~سكون. # فيا لعصر حياتي! إن سعادتي هي أيضا قد انحدرت يوما إلى الوادي تطلب مستقرا، فلقيت ~~هذه الأرواح النيرة تفتح لها الملجأ الأمين. # يا لعصر حياتي! لكم تخليت عن أشياء في الحياة توصلا إلى مغارس أفكاري الحية، وإلى ~~أنوار الصباح تدور في ذراتها أسمى أماني وآمالي. # لقد طلب المبدع يوما رفاقا له وفتش عن أبناء آماله، فأدرك أنه لن يجدهم إذا هو لم ~~يخلقهم خلقا. # لقد أتممت نصف مهمتي باتجاهي نحو أبنائي وبعودتي إليهم، وقد وجب على زارا أن يبلغ ~~نفسه الكمال من أجل هؤلاء الأبناء، وما يحب الإنسان من صميم قلبه إلا ابنه ونتيجة ~~جهوده، وحيث يتجلى الحب الأشد فهنالك تكمن القوة المولدة، ذلك ما أدركته ~~بتفكيري. # إن أزهار أبنائي لا تزال تتفتق في الربيع والريح تهب على صفوفهم فتهزها، فأبنائي ~~أشجار حديقتي ونبت خير أراضي. # إن هذه الأشجار متراصة في منابتها على الجزر السعيدة، ولسوف أقتلعها واحدة فواحدة ~~لأغرسها متفرقة فتتعلم احتمال العزلة وتنشأ فيها الأنفة والحزم؛ لينتصب كل منها تجاه ~~البحر وقد تصلبت جزوعها وتعقدت أغصانها كمنائر حية للبقاء القاهر. # على كل شجرة أن تشخص في مهب العواصف المترامية إلى البحر حيث يتدافع الغمر إلى قاعدة ~~الجبل، فلا تغفل ليلا ونهارا ms136 عن تفحص سرائرها، عليها أن تتحمل التجارب ليعلم أنها من ~~سلالتي وأنها تحدرت من أصلي تعززها الإرادة المجالدة، فتبدو صامتة حتى عندما تتكلم، ~~وإذا ما استسلمت تبدو معطية وهي آخذة، وهكذا يتحول من يمشي على أثر زارا بأضرابه ~~وبإبداعه إلى شخصية تحفر شريعتي على الواحي فيكتمل بذلك كل شيء. # وهأنذا من أجل هذه الشخصية وأمثالها أسعى إلى تكوين شخصيتي؛ فأمتنع عن ورود السعادة ~~مقتحما كل شقاء في آخر تجربة أتحملها لأدرك سريرتي. # لقد آن الأوان لرحيلي وقد نبهني إلى وجوب الرحيل خيال المسافر وأطول الأزمان وأعمق ~~الساعات صمتا؛ إذ نفخ الريح في فتحة القفل فتراجعت درفة الباب قائلة: هيا. # ولكنني كنت مقيدا بحبي لأبنائي يأسرني تشوقي إلى هذا الحب لأصبح فريسة لهؤلاء ~~الأبناء فأضحي من أجلهم نفسي، وما الشوق عندي إلا صورة ظاهرة لحقيقة فنائي. إن أبنائي ~~لي وفي هذه التملك يجب أن يضمحل كل شوق مستحيلا إلى عقيدة مكينة. # وكان رأسي يلتهب بشمس محبتي فأتحرق بحرارة دمي، فرأيت أشباح الشكوك تدور بي من كل ~~جهة فتمنيت أن يلفحني قر الشتاء حتى تصطك أسناني من رعشة الصقيع، وما عتم أن اكتسح ~~نفسي ضباب الجليد، فشق الماضي لحوده وبعثت منه الآلام التي دفنت وهي حية فيها، وما ~~تناولها الفناء لأنها كانت نائمة على أكفانها. # وكان كل شيء يشير إلي بأن قد حان زمن الرحيل، ولكنني كنت لا أنتبه إلى هذه الدعوة ~~حتى تحركت أعماقي ولسعتني ثائرات أفكاري، ويا ليت لي القوة للتغلب على ارتعاشي عندما ~~أشعر بقوة التفكير في أغواري تحاول أن تخترق لها منفذا، فإنني لا أزال أحس باختلاج ~~قلبي عندما أتنصت لدبيب أفكاري وهي تحاول الانجلاء لي. إن في صمتك نفسه أيتها الفكرة ~~ما يشد على عنقي وأنت أشد صمتا من أغواري، ولكم حاولت أن أستخرجك من الأعماق أيتها ~~الفكرة فخانني العزم واكتفيت بإضماري إياك في ذاتي. إنني لم أتصل بعد إلى جرأة الأسد ~~وإلى منتهى إقدامه. # إنك لجد ثقيلة في أغواري أيتها الفكرة، ولسوف أجد يوما قوة الأسد، ms137 وأتخذ لصوتي ~~زئيره فأرفعك من الغور إلى المنبسط، حتى إذا ما تغلبت بذلك على نفسي تدرجت إلى انتصار ~~أعظم أختتم به أعمالي، وإلى أن أبلغ هذا الظفر سأبقى تائها على بحار لا أعرف لها ~~ساحلا تداعبني خطرات الأحداث فأتلفت إلى ما ورائي وإلى ما أمامي ولا أعلم أين ~~المنتهى. # ألم تحن بعد ساعة جهادي الأخير أم هي ماثلة أمامي الآن؟ والحق أن البحر والحياة ~~يحيطان بي بجمالهما الفتان ويعلقان أبصارهما علي. # فيا لعصر حياتي، يا للسعادة تتقدم ساعة المساء، يا للمرسى في وسط العباب، يا للسكون ~~في قلب الارتياب، إنني أحاذركن ولا أثق بكن جميعا. # أما والحق إنني أخشى جمالكن الغدار كما يخشى العاشق ابتسامة تجاوزت حد التلطف في ~~افترارها. إنني أدفع عني ساعة السعادة كالغيور يصد عن محبوبته، ولما يزل العطف ~~يتجلى في قسوته وجفائه. # بعدا لك أيتها الساعة السعيدة! فقد اجتاحتني بحلولك غبطة قاسرة، وأنا أتوقع أعمق ~~الأحزان. لقد جئتني في غير الأوان. # بعدا لك أيتها السعادة السعيدة! اذهبي واطلبي لك ملجأ هنالك في مقر أبنائي، سارعي ~~إليهم وباركيهم قبل حلول المساء وأنيليهم سعادتي. # لقد اقترب الغسق وجنحت الشمس إلى الغروب فتوارت عني سعادتي. # هكذا تكلم زارا ... # وبات يتوقع نزول شقائه به طوال ليله، غير أنه انتظر عبثا؛ إذ بقي الليل منيرا ~~ساكنا، واستمرت السعادة تخطو مع الساعات متقربة إليه، وما لاح الفجر حتى بدا زارا ~~يتضاحك قائلا: إن السعادة تتأثرني لأنني لا أتأثر النساء، وهل السعادة إلا ~~امرأة؟ # | قبل بزوغ الشمس # أيتها السماء الرافعة قبابها فوق رأسي نقية صافية، أيتها السماء السحيقة وقد غادرت ~~في أبعادك الأنوار، إنني أشخص إليك فتتملكني رعشة الأشواق الإلهية. # أنا لا أسبر أغواري إلا إذا سموت إلى عليائك، ولا أشعر بطهارتي إلا حين يجللني ~~صفاؤك. # إنك تحجبين نجومك كما يتلفع الإله بسنائه. أنت صامتة وبصمتك تذيعين لي ~~حكمتك. # لقد تجليت لي اليوم في سكونك على زبد الآفاق فأعلنت لروحي المزبدة ما فيك من حب ~~وعفاف. جئت إلي جميلة مقنعة بجمالك تخاطبينني بلا ms138 كلام، وتعلنين حكمتك وما كنت أعلم ~~ما في روحك من عفاف. أتيت إلي قبل بزوغ الشمس أنا المنفرد في عزلتي. # أنا وأنت صديقان منذ الأزل فأحزاننا واحدة كارتياعنا، وعمق أغوارنا وشمسنا واحدة ~~أيضا، وما نتناجى إلا لوفرة ما نعلم، ثم يسودنا الصمت فنتبادل ما أعرف وما تعرفين بلغة ~~البسمات، أفما بعثت أنوارك من مكمن أنواري؟ أفليست فكرتك أختا لفكرتي؟ # لقد تعلمنا كل شيء سوية، وتدربنا سوية على الاعتلاء فوق ذاتنا متجهين إلى صميمها ~~مبتسمين بافترار لا تعكره الغيوم، وبلفتات صافية نغرقها في سحيق الأبعاد في حين تتدافع ~~كالأمطار تحتنا النزعات المكبوتة وأهداف الخطيئة. # إلام كانت تتوق نفسي عندما كنت أذهب في الليل شاردا على مسالك الضلال؟ وماذا كنت ~~أطلب في تسلقي الجبال نحو قممها؟ أفما كنت أنت مقصدي أيتها السماء؟ وهل كانت أسفاري ~~جميعها إلا ذهابا مع حافز التدرب؟ وهل كان لإرادتي من هدف غير التحليق في الأجواء؟ وهل ~~أبغضت شيئا بغضي الغمام وكل نقاب يلفع الضياء؟ لقد كرهت بغضي نفسه؛ لأنه يعكر صفاءك ~~أيتها السماء. # إنني أنفر من هذه الغيوم تمر كأنها قطط برية تزحف زحفا؛ لأنها تختلس مني ومنك أيتها ~~السماء الحقيقة الإيجابية الثابتة في كل شيء، فأنا وأنت ننفر من هذه الدخيلات المعكرات ~~من هذه الغيوم الكاسحات، فما هي إلا كائنات مختلطة في نوعها يسودها التردد، فلا تعرف أن ~~تلعن بإخلاص ولا أن تبارك بإخلاص، وخير لي أن ألجأ إلى مغارة أو أسقط في هاوية من أن ~~أقف أمامك يا سماء الضياء، وقد عكرت صفاءك الغيوم الكاسحات، ولكم وددت لو أنني أسمر ~~أردانها على آفاقك بسهام البروق الذهبية، ثم أنزل عليها الرعود تهود قاصفة على مراجل ~~أحشائها أنني أود قرعها بعصا الغيظ؛ لأنها تحجب عني حقائقك أيتها السماء الممتدة بأغوار ~~أنوارها فوق رأسي كما تحجب حقيقتي عنك. # لخير لي أن أسمع هزيم الرعود وولولة العواصف من أن أتنصت إلى مواء هذه الهررة ~~الزحافة المترددة، ففي المجتمع أمثال لهذه الغيوم يسيرون مترددين بخطوات الذئاب، وقد ~~وقفت أشد بغضي ms139 عليهم. ~~«على من لا يعرف أن يمنح البركة أن يتعلم إنزال اللعنات.» ذلك ما ألهمتنيه السماء ~~الصافية مبدأ ينير سمائي كالكواكب في أشد الليالي قتاما. # ما دمت فوقي أيتها السماء الصافية المتألقة بالأنوار فإنني لا أنقطع عن منح البركة ~~وإيراد بياني إيجابا وتأكيدا؛ لأنير بعقيدتي جميع الأغوار المظلمة. # لقد جاهدت طويلا حتى أصبحت مباركا ومؤكدا، وما ناضلت إلا لأحرر ذراعي فأبسطهما ~~للبركة، وتقوم بركتي على الاعتلاء فوق كل شيء كما تعتلي السماء والسقوف المكورة وقباب ~~الأجراس والغبطة الدائمة، فطوبي لمن يبارك هكذا؛ لأن كل الأشياء قد تعمدت من ينبوع ~~الأبدية وما وراء الخير والشر، وما الخير والشر إلا خيالات عابرة وأحزان بليلة وغيوم ~~متراكضة إلى الفناء. # والحق أن من البركة لا من اللعنة أن نعلم بأن فوق كل شيء تمتد سماء الصدفة وسماء ~~البراءة وسماء الحيرة وسماء الاضطراب. # إن كلمة الصدفة لأقدم ما في العالم من نسب للأشياء، وقد أرجعت كل الأشياء إلى هذا ~~النسب النبيل فأنقذتها من عبودية المقصد والهدف، وهكذا رفعت الحرية والغبطة السماوية ~~عاليا ونصبتها كالقباب فوق جميع الأشياء؛ إذ علمت أن ليس من إرادة أبدية تعلو بها ~~لتبسط مقاصدها فوقها. # لقد وضعت حدا لهذه الإرادة بل لهذا الجنون وهذا الاضطراب عندما علمت أن الوقوف عند ~~الحقيقة كان مستحيلا وسيبقى مستحيلا، فما هناك إلا قليل من التعقل وذرات من الحكمة ~~تتلقفها الكواكب كخميرة امتزحت بالأشياء جميعها ولولا الجنون لما امتزجت بها. # ليس للإنسان أن يعطي من الحكمة إلا قليلا، غير أنني وجدت في كل مكان عقيدة لها ~~سعادتها، وهي تفضيل الرقص على أرجل الصدفة العمياء. # فيا أيتها السماء الممتدة فوق رأسي، أيتها السماء الصافية المتعالية، لقد أصبح كل ~~صفائك فيك قائما على اعتقادي بأن ليس في الكون عنكبة خالدة، وليس فيه من الحكمة ما ~~تنسجه العناكب، فلتكن مجالاتك أيتها السماء مسرحا لخطرات الصدف الإلهية، أو فلتكن ~~خوانا يدحرج عليه الآلهة نردهم، فلماذا يعلو أديم وجهك الاحمرار؟ أترى جاء بياني ~~مبهما أم وردت بركتي لك لعنة عليك؟ أم ms140 أخجلك أن أنفرد بك فأردت أن أتوارى، وأكف عن ~~الكلام؛ لأن الفجر قد لاح على الآفاق؟ # إن في العالم من الأغوار ما لا يدركه النهار، ومن الأشياء ما يجب كتمانه أمامه، وقد ~~باغتنا النهار، فلنفترق. # أيتها السماء الممتدة فوق رأسي بطهرها واضطرامها، أيتها الغبطة المتجلية قبل بزوغ ~~الشمس، لقد باغتنا النهار فلنفترق. # هكذا تكلم زارا ... # | الفضيلة المصغرة # 1 # ولما وطئ زارا اليابسة، لم يتجه توا إلى جبله وغاره، بل ذهب يضرب في الآفاق ~~مستفسرا عن كل ما يرى فكان يقول عن نفسه: ما أنا إلا الجدول يتلوى على منعطفاته ~~متجها إلى مصدره لا إلى مصبه، وما قصد زارا من تجواله إلا معرفة ما آلت إليه ~~حالة الناس أثناء غيابه، وهو لا يدري أتعاظم الإنسان أم تصاغر، وسار زارا حتى أدى ~~به المطاف إلى مسلسل من الأبنية الحديثة فوقف أمامها، وهو يعلن دهشته بقوله: إلام ~~ترمز هذه المساكن؟ والحق أنها ليست من صنع روح جبارة تعلن ذاتها بما تصنع، ولعلها ~~أخرجت من حقيبة طفل، فيرجعها طفل آخر إلى مستودع الألاعيب. # أبوسع الرجال أن يدخلوا هذه الحجر ويخرجوا منها وهي كأنها معدة لصغيرات ~~الدمى الرافلات بالحرير أو لصغار الهررة النهمة التي تحشر ذاتها لتفترس فتصبح ~~فريسة. # وشخص زارا مليا، ثم قال والحزن يهدج صوته: لقد أصبح كل شيء صغيرا، فإنني حيثما ~~أوجه أنظاري لا أرى غير أبواب خفضت أرتاجها فإذا شاء أمثالي أن يجتازوها تحتم ~~عليهم أن ينحنوا. # أيطول بي الزمان حتى أعود إلى وطني حيث لا أرغم على الانحناء أمام كل صغير. قال ~~هذا وأرسل نظراته تخترق الآفاق البعيدة وهو يدفع بزفرة الشوق العميق. # وتمالك زارا نفسه فوقف يلقي خطابه عن الفضيلة المصغرة. # 2 # أمر بهذا الشعب مفتحا عيني منتبها إلى نفسي، فإن رجاله لا يغتفرون لي ~~إغضائي عن فضائلهم، وترفعي عن حسدهم عليها. # إنهم يلحقون بي نابحين؛ إذ أقول لهم لا يليق بصغار الناس إلا صغيرات الفضائل. ~~إنهم ينبحون إذ يقصر بي فهمي عن إدراك الفائدة من وجودهم في الحياة، ms141 وما أشبهني ~~بديك غريب تثور الدجاجات عليه بمناقيرها، فلا أحقد عليها؛ لأنني تعودت على احتمال ~~التافه من المزعجات، وما فوقت قط سهامي نحو أي صغير حقير فما ينتفش بريشه لأية ~~حركة إلا القنافذ. # إن صغار الناس يتحدثون عني في سمرهم دون أن يفتكر أحدهم بي، فتذهب ضجتهم تحوك ~~دثارا لتفكيري فأتمتع بنوع من السكون ما كنت أعرفه من قبل. # إن واحدهم يقول لرفيقه: ما له ولنا، إنه الغمامة الربداء وقد تحمل بأهدابها وباء ~~كاسحا فلنحذرها. # وقد رأيت أمس امرأة تجتذب طفلها إليها لترده عن الاقتراب مني، شدت به وهي تصيح: ~~أبعدوا الأولاد فإن هاتين العينين تحرقان روحهم الغضة. # إنهم يتكلفون السعال إذا ما تكلمت حاسبين أن سعالهم يقف بوجه العاصفات فيردها، ~~وقد خشنت آذانهم فامتنع عليها أن تحس بنبرات السعادة في صوتي. # يقولون لا وقت نقفه على زارا، ولكن ما أهمية جيل لا يتسع وقته لزارا؟ # وهب أن هؤلاء الناس جاءوا إلي لتمجيدي، فهل يسعني أن أستنيم إلى أمجادهم، وليس ~~ثناؤهم علي إلا منطقة أشواك لو لمست حقوي لما تخلصت من آثارها حتى بعد طرحها ~~عني. # لقد تعلمت بين هؤلاء الناس حقيقة أخرى، وهي أن من يسدي الثناء يتظاهر بإعادة ما ~~بذل له، وهو لا يرمي في الواقع إلا إلى الاستزادة لنفسه من المديح ~~والإطراء. # سلوا قدمي؛ هل غرهما مثل هذا التزلف؟ إن قدمي تمتنعان عن الأخذ بأي وزن ~~مقيد حين يحلو لهما الرقص كما تشتهيان، إنهم يصورون فضائلهم الصغيرة بأروع بيان ~~لاجتذابي إليها، كما ينقرون على دف سعادتهم الحقيرة استفزازا لرجلي إلى الرقص. ~~وأنا أمر بهؤلاء الناس مفتحا عيني منتبها إلى نفسي؛ لأنهم صغروا ولا يزالون ~~يتصاغرون وما أوردهم هذا الصغار إلا ما اتخذوه قاعدة لسعادتهم وفضيلتهم؛ لأنهم ~~طلبوا الراحة في الفضيلة فحشدوها تواضعا، وهكذا تمرنوا على الإقدام كما يحلو لهم ~~فمشوا متعارجين متماهلين، وأقاموا من زرافاتهم عقبة في سبيل من يقدمون على الإسراع ~~في سيرهم. # إن من هؤلاء من يتجه إلى الأمام، ولكنه لا يفتأ يتطلع إلى الوراء ms142 متلعا عنقه ~~معرقلا سير التابعين. # على الأعين وعلى الأرجل ألا تكذب ذاتها، وما أكثر الكذابين بين ~~الوضعاء! # ولقد يكون بين هؤلاء الناس من يريد ولكن أكثرهم منقاد تعمل إرادة غيره فيه، ولقد ~~ترى بينهم مخلصا غير أن أكثرهم من حثالة الممثلين، فمنهم من يمثل دون أن يدري، ~~ومنهم من يمثل دون أن يريد، وما أقل المخلصين من هؤلاء القوم بخاصة بين فئة ~~الممثلين منهم! # هنا تسترجل النساء لقلة ما يتصف بالرجولة الرجال، وما يحرر المرأة من خلالها ~~ليخلق فيها المرأة الحقيقية إلا من تكاملت الرجولة فيه. # وأخبث ما رأيت بين هؤلاء الناس تظاهر حاكمهم بفضيلة محكومهم، فلا يزال أولو الأمر ~~فيهم يترنمون بتصريف مصدر الخدمة: «خدم، خدما، خدموا؛ نحن نخدم.» وويل للسيد ~~الأول بينهم إذا لم يقل إنه أول الخادمين. # لقد ذهب نظري المتجسس، وا أسفاه! يرود مكامن خبثهم فما خفيت عني سعادتهم؛ فإذا هي ~~سعادة ذباب يترامى بطنينه إلى زجاج النوافذ تتكسر عليه أشعة الشمس، وما رأيت بين ~~هؤلاء القوم إشفاقا إلا وتبينت إزاءه ما يوازيه ضعفا، فتراهم يتعاملون بالإنصاف ~~والعطف كحبوب الرمال تعطف واحدتها على الأخرى. # وما رأيت رجلا فيهم إلا وهو يدعي القناعة فيما أصاب من نذر السعادة، غير أنه ~~لا يني في قناعته يحدج بعين الشهوة قليلا من السعادة يضيفها إلى ما يملك، وما يطمع ~~هؤلاء الناس إلا بأن يتقي بعضهم شر البعض الآخر، فهم لذلك يلجئون إلى التعامل ~~بالحسنى، أما أنا فلا أرى إلا الخور والجبن في هذه الطريقة، وإن كانوا يعرفونها ~~بالفضيلة فيما بينهم. # وإذا صدف وتخاطب هؤلاء الناس بشيء من الخشونة، فإنني لا أتميز في نبرات صوتهم إلا ~~أثر التهاب الحلق، فإن أقل لفحة تصيب هذه الأعناق تبح أصواتها، وما أشد هؤلاء القوم ~~حين يحتالون ويمكرون! ففي أناملهم كل الرشاقة، ولكن في قبضة يدهم شللا وليس ~~لأصابعهم أن تنطوي على راحتها. # وما الفضيلة في عرفهم إلا ما يولد الضعة والتآلف، وبهذا المبدأ توصلوا إلى جعل ~~الذئب كلبا، بل حتى إلى جعل الإنسان خير ms143 الدواجن الخاضعة لتسلط الإنسان. # إنهم لمغتبطون، إنهم يضحكون قائلين: لقد اتخذنا مقامنا على الحالة الوسطى بين ~~مصارعي الثيران يردون المهالك وبين الخنازير سارحة لا تبالي. # وما هذه الحالة التي يدعونها اعتدالا إلا حالة انحطاط وخمول. # 3 # لقد ألقيت إلى هذا الشعب بكلمات كثيرة، فما وسعه إدراك كنهها ولا حفظها، وكل ما ~~بدا منه هو استغرابه ألا أكون أتيت إليه بالمواعظ لمكافحة الفحشاء والرزائل، ~~والحق إنني ما جئت نذيرا يدعو القوم إلى الاحتراس ممن ينشلون الأموال من ~~الجيوب. # لقد استغربوا ألا أكون مستعدا لتنبيه الغافلين عن الحكمة وتسديد التفكير في ~~الحكماء، فكأنهم لا يزالون بحاجة إلى مهرة المعلمين تخدش أصواتهم الآذان كأنها ~~صريف أقلام الحجر على اللوحات السوداء. # فإذا صرخت بهم قائلا: أنزلوا لعناتكم على ما فيكم من جبناء الأبالسة الذين لا ~~يحلو لهم غير الأنين وضم السواعد إلى الصدور للعبادة. هبوا منادين بكفر زارا ~~وإلحاده، وارتفعت فوق أصواتهم أصوات من يعلمونهم الاستكانة والصبر، فلا أملك نفسي ~~من أن أهمس في آذان هؤلاء المعلمين لأقول لهم: أنا هو زارا الكافر الملحد، ولولا ~~شعوري بالاشمئزاز منهم لكنت أسحقهم سحقا؛ لأنهم أشبه بالقمل لا يدبون إلا حيث ~~تبدو الحقارة وينتشر الجرب. # أجل لقد همست في آذان هؤلاء المعلمين قولي إنني أنا زارا الكافر القائل: ~~أرشدوني إلى من هو أشد كفرا مني لأتمتع بتعاليمه وأسر بها. # أنا هو زارا الكافر، فأين أشباهي؟ وما أشباهي إلا من يهبون من ذاتهم لذاتهم إرادة ~~مطرحين الصبر كارهين الاستسلام. # أنا هو زارا الكافر، أنا الصاهر في مرجلي كل ما يدعى صدفة، فلا أزال به حتى ينضج ~~ليصلح لي غذاء، ولكم رأيت الصدف تتقدم إلي كأنها السيد المطاع فترغمها إرادتي ~~على الركوع أمامي خاشعة مسترحمة طالبة إلي أن أجد لها مأوى عندي قائلة: ما يلجأ ~~الصديق إلا إلى صديق. # ولكن لمن أوجه الخطاب إذا كانت كلماتي لا تطرق أسماعا تشبه أسماعي؟ غير أنني ~~سأرسل صوتي في الفضاء لتهب به الرياح قائلا: أيها القوم الوضيع، إنك لتزيد حقارة ~~من يوم ms144 إلى يوم، إنك سائر إلى الذوبان فالاضمحلال، وما يوردك الفناء إلا صغيرات ~~فضائلك وتساهلك وصبرك. # إنكم تدارون كثيرا أيها الناس، وتتخلون عن الكثير، وما الأرض التي تنمون عليها ~~إلا من تراب المداراة والضعف وهل يشتد جزع الدوحة فتتعالى إذا هي لم تنشب أصولها في ~~الأرض القاسية ملتفة حول صلب الصخور؟ # إنكم تنسجون بإهمالكم كفنا لمستقبل الإنسانية، فأنتم العناكب العاملة فيما لا ~~يجدي وهي تتغذى من دم الأنسال المقبلة، فيا لكم من لصوص بما تأخذون، أيها المباهون ~~بحقيرات الفضائل، إنكم تسلبون وتهدمون في حين أن للسارقين أنفسهم بقية من الشرف تقف ~~بهم عند حد السلب إذا لم يكن من موجب للهدم والتحطيم. # إنكم تأخذون بمبادئ صبركم فتقولون إن ما تستولون عليه هو مما يعطى، وأنا أقول ~~لكم إنه مما يؤخذ ويسلب، وما أنتم إلا سالبو أنفسكم لو تعلمون. # فعلام لا تقلعون عن هذا التذبذب في إرادتكم؟ ولماذا لا تختارون الذهاب إلى صميم ~~الكسل أو إلى صميم العمل؟ # ليتكم تفهمون ما أقوله لكم: افعلوا ما تريدون، ولكن تعلموا أولا أن ~~تريدوا. # حبوا قريبكم كأنفسكم، ولكن حبوا أنفسكم أولا. # وهل بينكم من يحب نفسه بالحب الأعظم والاحتقار الأعظم؟ # وهل يجدي القول وليس لكم الأذن التي أسمع بها أنا؟ إن ساعتي لم تحن بعد، وقد جئت ~~بينكم بشيرا لذاتي فأنا الصبح وأنا الديك الصائح ولما يزل الظلام منتشرا على ~~السبل. # إن ساعتكم تقترب باقتراب ساعتي، فإنكم تتصاغرون مع مرور الزمان فيزداد فقركم ~~وتزدادون عقما، فما أنتم إلا أعشاب مسكينة على أرض أشد مسكنة من أعشابها. # لسوف لا يطول الزمان حتى تتعب هذه الأعشاب من نفسها، فتحترق وهي عطشى إلى النار ~~لا إلى الماء. # إنها لأسعد ساعة تلك الساعة التي تنقض الصاعقة فيها، ويا لها من سر يستبق ~~الظهيرة، فإنني سأرسل من هذا السر ومن تلك الصاعقة جداول من نار سأرسل أنبياء ~~يتكلمون بألسنة اللهيب منذرين بالظهيرة العظمى. # هكذا تكلم زارا ... # | على جبل الزيتون # لقد نزل الشتاء ضيفا ماكرا علي، فمددت يدي يلوحهما الازرقاق لمصافحته، ms145 ولكم ~~أود أن أفلت من هذا الضيف بالرغم من محبتي له، ولا سبيل لي للانعتاق منه إلا بالجري على ~~قدمي، فتدب الحرارة فيها وفي أفكاري، فأنا أتجه هاربا من الصقيع إلى حيث ينقطع هبوب ~~الريح فأصل إلى جبل الزيتون، إلى مطرح شعاع الشمس، وهنالك أستقر ضاحكا من ضيفي القاسي ~~الرابض في مسكن يتلهى بالقرقعة وقتل الذباب، وضيفي ينفر من طنين ذبابة واحدة أو ذبابتين ~~فهو يطمح إلى جعل كل مكان مقفرا حتى يرى أشعة القمر نفسها ترتاع من ظلمات ~~السبيل. # إنه لشديد الوطأة هذا الضيف، ولكنني أحترمه ولا أفزع منه إلى إله النار كما يفعل ~~المخنثون؛ لأنه خير للإنسان أن تصطك أسنانه بردا من أن يلجأ إلى الأصنام، ذلك ما ~~تقول به غرائزي فأنا عدو كل صنم ناري يضطرم في وجومه. # إذا ما أحببت أحدا فإن حبي له في الشتاء لأشد منه في الصيف، وفي الشتاء أراني أقوى ~~على الاستهزاء بأعدائي، فأشعر بالشجاعة عندما ألتف بدثاري على فراشي؛ لأن سعادتي ~~المولية تأخذ بالترنم ضاحكة فتضحك معها كاذبات أحلامي. # أي شيء يكرهني على الزحف، وما زحفت يوما سعيا إلى أقدام الأقوياء؟ # وإذا كنت لجأت أحيانا إلى الكذب فما كان كذبي إلا وليد محبتي، وذلك ما يجعلني ~~مرتاحا إلى نفسي حتى وأنا على فراشي والسماء معتكرة بالغيوم. # إنني لأدفأ على الفراش الوضيع البسيط بأكثر مما أدفأ على الفراش المزين الوثير، فأنا ~~حريص على فقري وما يخلص الفقر لي في أي فصل إخلاصه لي في الشتاء، أفيق كل صباح للمشاكسة ~~فأبدأ بالاستحمام بالماء البارد لأهزأ بالشتاء فيزمجر بوجهي هذا الصديق القاسي، وعندئذ ~~يلذ لي أن أداعب ظلامه بأنوار شمعة ضئيلة لأهيب به إلى إرسال شرر النور من رماد ~~آفاقه. # إن روح الأذية لا تنتبه بي في أية ساعة انتباهها عند الفجر عندما تحتك الآنية بالآنية ~~أمام سبيل الماء، وتصهل الخيل وهي تضرب بحوافرها أرض الشوارع الدكناء. # عندئذ أقف شاخصا إلى السماء متوقعا انبثاق أنوارها، فتبدو كالشيخ تمازج السواد ~~بالبياض في لحيته ونصعت بالشيب ms146 قمة رأسه. # فيا لسماء الشتاء من آفاق صامتة تتغلب أحيانا على الشمس فتدعها ملفعة بصمتها، فهل ~~اقتبست من هذه السماء الانقباض على النور في السكون الطويل أم هي تعلمت ذلك مني؟ ولعل ~~كلا منا أوجد هذا الوجوم الصامت لنفسه؟ # إن للأشياء الحسنة مصادرها المتعددة لأنها تطفر مرحة في الوجود فلا يمكن أن تلوح ~~وشيكا وتتوارى. # وما الصمت الطويل إلا في عداد هذه الأشياء الحسنة المرحة؛ لذلك صفا أديم وجهي كأديم ~~السماء بعد إمطارها واستقرت اللحظات الهادئة في عيني، فأنا أحجب شمسي كما تحجب سماء ~~الشتاء شمسها، فأخفي إرادتي وقد تعلمت هذا المكر من الشتاء، فبلغت من فني مرتبة منعت ~~بها صمتي أن يفضح بالصمت نفسه، فأصبحت ألهو بمخادعة المتعظمين وإشغال انتباههم الصارم ~~بالتكلم وباللعب بالنرد، وهكذا لن يتمكن أحد من سبر أعماق حكمتي وأقصى إرادتي، وذلك ما ~~رميت إليه عندما أوجدت السكون الطويل. # ولكم رأيت من رجل ماكر يضع نقابا على وجهه، ويعكر المياه في أعماقه كيلا يتمكن أحد ~~من نفوذ أقصى سريرته، فالتف حوله كبار الماكرين رواد المصاعب فاصطادوا جميع ما أخفى من ~~أسماك في قعر مياهه. # إن من لا يفضحهم الصمت إنما هم من نقت نفوسهم وشفت قلوبهم، غير أن أقصى سرائرهم ~~لا تنكشف للنظر وهي السحيقة الأغوار تحت أطباق المياه الشفافة الصافية. # إنك رمز لنفسي يا سماء الشتاء بأديمك الأبيض وعيونك البراقة الصافية، وورائك مثل ما ~~تضمر هذه النفس من ثورة واضطراب، ولقد حق علي أن أحتجب كمن ابتلع الذهب كيلا أعرض ~~روحي لمباضع المتجسسين، ولقد وجب علي أن أنتعل القباقب المرتفعة؛ لأخفي طول قائمتي عن ~~أعين من يدورون بي من لؤماء الحاسدين، إنها لن تحتمل النظر إلى سعادتي هذه النفوس ~~الجافة العتيقة المتهرئة المفسخة ... # من أجل هذا لا أظهر لهم غير شقائي والثلوج المكللة لذرواتي مخفيا عنهم أن جبلي ~~تمنطقه الشمس بجميع أنوارها، وإذا هم سمعوا من مرتعي شيئا فلا يسمعون إلا ولولة ~~الزوابع أدفع بها إليهم، فلا يخطر لهم ببال أنني أمر أيضا على الأمواج ms147 الحارة فأحمل ~~منها لفحات ريح الجنوب. # إن هؤلاء الناس يشفقون علي لما يطرأ لي من الحادثات ومن تصاريف الزمان، في حين أنني ~~أهتف قائلا دعوا الصدفة تأتي إلي فإنها طاهرة كالأطفال. # أكان لهؤلاء الناس أن يطيقوا تمتعي بالسعادة لولا أنني لم أحط سعادتي بحادثات الشتاء ~~ومصائبه، ولم أتدثر بالفراء وعباءة الشتاء؟ # إنني إن أشفقت لإشفاق هؤلاء المتألمين في كيدهم، وإن ارتجفت من البرد أمامهم، ورضيت ~~بأن تدور رحمتهم بي فما ذلك إلا لحكمة مرحة في نفسي، لا تخفي ما يدور بها من عاصفات ~~الشتاء ولا تستر ما ألم بها من قروح الصقيع. # إن بعض الناس يطلب العزلة بالهرب من المريض، والبعض الآخر يطلبها بالوقوف ~~أمامه. # لأدعهم يصغون إلى أنيني وشكايتي لصقيع الشتاء، إنني بمثل هذا الأنين أفزع من غرفهم ~~الدافئة، فليشفقوا علي وليقولوا إنني سأقضي بالصقيع في برد معرفتي. أما أنا فأركض ~~برجلي الدافئتين على جبل الزيتون، وأطلق صوتي بالإنشاد في مطارح شعاع الشمس هازئا ~~بكل إشفاق. # 1 # هكذا تكلم زارا ... # | على الطريق # وكان زارا وهو يقصد كهفه وجباله يمر بشعوب عديدة ومدن كثيرة متمهلا في رحلاته حتى ~~وصل فجأة إلى مدينة عظيمة، وإذ دخلها انتصب بوجهه مجنون فاتحا ذراعيه؛ ليصده عن ~~التقدم والزبد يرغي على شدقيه، وما كان هذا المعترض إلا من لقبه أهل المدينة ~~بسعدان زارا؛ لأنه كان يقلد حركاته ولهجته ويستعير شيئا من كنوز حكمته. # وخاطب المجنون زارا قائلا: إن هنا المدينة العظمى، وما لك أن تظفر منها بشيء، بل ~~عليك أن تفقد فيها كثيرا. # ما الذي يضطرك في الانغماس في هذه الأوحال، فأشفق على قدميك، وقف عند بابها تافلا ~~عليه وعد أدراجك. # هنا جحيم كل فكرة فريدة، هنا تصهر الأفكار السامية حتى تصبح مزيجا مائعا. # هنا تتهرأ كل عاطفة شريفة، ولا يسمح إلا للعواطف الجافة بأن تعلن عن نفسها بخشيش ~~اصطدامها. # أفما بلغت أنفك رائحة المجازر حيث تنحر الأفكار ومطاعم السوقة حيث تباع بأبخس ~~الأثمان، أفما ترى أبخرة العقول المضحاة تتصاعد منتشرة كالدخان فوق هذه المدينة. ms148 # أفما تلوح لك الأرواح معلقة معروضة كأنها خرق قذرة بالية، فإذا هي تنقلب صحفا تنشر ~~بين الناس. # أفلا تسمع البيان الطلي يستحيل هنا إلى تلاعب ألفاظ وسخائف تغص بها جداول الصحف، ~~فإذا هي مصارف أقذار. # إن بعضهم يتحدى البعض الآخر، ولا يعلمون على ما يختلفون، يأخذ بهم الغيظ كل مأخذ ~~وقد غاب عنهم سببه، فلا يسمعونك إلا طقطقة فلوسهم ورنين دنانيرهم. # لقد استولى عليهم البرد فلا يدفئون إلا بكرع الخمور، وإذا ما دبت الحرارة فيهم لجئوا ~~إلى مهب الأفكار الباردة، فهم أبدا مسوقون بالرأي العام مأخوذون بدرجة غليانه. # هنا مقام جميع الرزائل والشهوات، وهنا أيضا فضائل عديدة لها مهارتها ولها مشاغلها، ~~ولتلك الفضائل الجمة أنامل للكتابة وأرداف من رصاص للمتحلين بها وسادات من الجلد علقت ~~عليها الأنواط، ولهم أيضا بنات هزلت أردافهن فاصطنعن لهن من القش أردافا. # وإنك لتجد هنا كثيرا من الإشفاق والاحتشام وكثيرا من الاتضاع أمام رب الجيوش؛ لأن ~~من مقامه الأعلى تتهاوى الكواكب ومعها النفثات، وكل صدر عاطل عن الكواكب يرسل نحو هذا ~~المقام زفرات شوقه. # إن للقمر جوه وفي هذا الجو تدور أتباعه، والشعب المتسول لا يفتر مع الفضائل ~~المتسولة يرفع الصلاة إلى كل ما يلتمع في مدار القمر، وما الصلاة إلا كلمات: خدم، ~~خدما، خدموا، نحن نخدم. يترنم بها أهل الفضائل، وهم يتجهون إلى الحاكم الأعلى متوقعين ~~سقوط الأنواط المتوهجة على صدورهم الضيقة، غير أن القمر نفسه يدور حول الأرض وما عليها ~~من نتاج التراب، والحاكم أيضا يدور حول كل ما هو أرضي، وما من شيء أعرق في الأرض من ~~ذهب بائعي السلع، إن رب الجيوش ليس ربا للسبائك فإذا ما الحاكم دبر، جاء بائع السلع ~~فقرر. # أي زارا، أستحلفك بكل ما فيك من نور وقوة وصلاح أن تتفل على هذه المدينة، مدينة بائعي ~~السلع وتكر راجعا إلى الوراء. إن الذي يجري في عروق سكانها إنما هو دم مفسود، ~~فاتفل على المدينة الكبرى؛ لأنها المزبلة التي تتراكم فيها الأقذار. # اتفل على مدينة النفوس الضعيفة والصدور ms149 الضيقة، مدينة العيون الحاسدة والأنامل ~~اللزجة، مدينة الوقحين والفجار والمعربدين والطامعين اليائسين، المدينة التي يتكدس فيها ~~من تأكلهم سوس الفساد من أهل الشهوات المضروبين بالقروح المتآمرين. # ابصق على هذه المدينة وعد أدراجك. # ومد زارا يده مطبقا فم المجنون المزبد في حدته قائلا له: أما آن لك أن تصمت؟ لقد ~~تحملت طويلا حركاتك وأقوالك، ما الذي دعا بك إلى الإقامة على ضفاف هذا المستنقع حتى ~~أصبحت أنت أيضا ضفدعا وعقربا؟ # أفما تسيل في عروقك أنت أيضا دماء المستنقعات الفاسد؟ فها أنت تحسن النقيق وتجيد ~~اللعن. # لماذا لم تطفر إلى الغاب، لماذا لم تذهب لحرث الأرض؟ أفليس في كل جهة من البحر جزيرة ~~خضراء؟ # إنني أحتقر احتقارك، وقد كان عليك أن تبذل نصحك لنفسك قبل أن تجود به علي، فإن ~~احتقاري وهو الطائر النذير لن يتعالى من أقذار المستنقعات، بل يهب من مواطن الحب ~~والأشواق. # لقد لقبوك بسعدان زارا، أيها المجنون المزبد، أما أنا فأدعوك خنزيري، ألا فانقطع عن ~~هذا الخوار وإلا دفعت بي إلى استنكار ما مدحت به سكرات الجنون. # ما الذي يهيب بك إلى رفع هذه الأصوات المنكرة؟ إن الناس لم يوجهوا إليك ما كنت ~~تتوقع من ثناء؛ لذلك جلست إلى أكوام الأقذار مزمجرا صاخبا، مفتشا فيها على ما تسلح ~~به انتقامك، أتظن أن أمرك قد خفي علي؟ وهل هذا الإزباد إلا من إرغاء الضغينة في ~~قلبك؟ # اصمت فإن كلماتك تلحق الضرر بي حتى ولو كمنت الحقيقة فيها، ولو انطوت ألف حقيقة في ما ~~أقول؛ لأنك تسيء إلي بأقوالي نفسها. # هكذا تكلم زارا، وهو يتلفت إلى المدينة متنهدا، ثم صرخ بعد صمت طويل: لقد كرهت هذه ~~المدينة العظمى أنا أيضا، وليس هذا المجنون من يثير كراهتي فحسب! فهي مثله وهو مثلها ~~وليس فيهما ما يقبل إصلاحا أو زيادة فساد. # ويل لهذه المدينة العظمى، وليت تجتاحها أعاصير النار فتذريها رمادا؛ إذ لا بد من ~~انطلاق مثل هذه الأعاصير منذرة بالظهيرة العظمى، ولكن انطلاقها مرهون بزمانها ~~ومقدراتها. # أما أنت أيها المجنون، فإنني ms150 أستودعك بهذا التعليم: إذا امتنع على الإنسان أن يبذل ~~حبه فعليه أن يذهب في سبيله! # هكذا تكلم زارا، وسار في سبيله متجاوزا المجنون والمدينة العظمى. # | الآبقون # 1 # وا أسفاه! كل ما كان مخضلا وزاهيا بعديد ألوانه على هذه المروج أصبح الآن ~~باهتا وقد عراه الذبول، ولكم جنيت هنا فيما مضى من عسل الآمال فحملته إلى ~~قفيري. # لقد سطا الهرم على جميع القلوب الفتية، وما آن للهرم أن يتحكم بهؤلاء الفتيان، ~~فما هم إلا متعبون يستسلمون للكسل وهم يبررون حالهم بقولهم: لقد عدنا إلى ممارسة ~~التقوى. # ولكم نظرت إليهم عندما كانوا يندفعون إلى السير بأقدامهم الجريئة، أما الآن فقد ~~تراخت معرفتهم مع أقدامهم فأمسوا وهم يهزءون بما كانوا عليه من الشجاعة في ~~صبيحتهم. # لقد كان أكثرهم يختالون كالراقصين معلنين بضحكهم أنهم من أتباع حكمتي، فإذا هم ~~يستغرقون فجأة بالتفكير، وها هم الآن أمامي وقد انحنت ظهورهم يزحفون على ركابهم نحو ~~الصليب. # لقد كانوا فيما مضى يحومون حول النور والحرية كما تحوم الفراشات والشعراء، ولكنهم ~~ما شعروا بشيء يسير من وقر الأيام ومن صقيعها حتى هرعوا إلى الموقد يصطلون كأصحاب ~~القلانس وأدعياء الحكمة. # أفقد هؤلاء الشجعان إقدامهم لأنني تواريت عنهم في عزلتي فباتوا يتنصتون عبثا ~~لدوي أبواقي وصيحات إنذاري؟ # وا أسفاه! ما أقل القلوب التي تصمد بوجه الزمان! وليس في سواها ما يعزز الروح في ~~حين يسطو الخور على سائر القلوب، وما أكثر الجبناء! فهم السوقة الدخلاء على ~~الحياة. # لا بد لمن كان على مثالي أن يصادف في طريقه ما صادفت، ولا مناص له من أن يكون ~~رفاقه الأولون أشلاء أموات ومتمرني ألعاب. # وإذا ما مر بهؤلاء أتته الفئة الثانية من رهط المؤمنين يسودهم كثير من الحب ~~وكثير من الجنون وإجلال الطفولة وخشوعها. فليحترس من كان على مثالي أن يولي هذه ~~الفئة عواطفه؛ لأن العارف بضعف الإنسانية وتقلبها لا يثق بدوام زهو المروج أيام ~~الربيع. # ولو كان هؤلاء المؤمنون على غير ما هم عليه من غريزة لتبدلت إرادتهم، وليس للنقص ~~أن يجاري ms151 الكمال، فعلام نشكو إذا صارت ناضرات الأوراق إلى الذبول؟ # دع الأوراق تنتثر، دعها تذهب مع الريح، أي زارا، وكف عن الشكوى، فخير لك أن ~~تساعد بزفيرك الرياح الهابة على أغصانها. # انفخ على هذه الأوراق، يا زارا، ليتبدد من حولك كل شيء عراه الذبول . # 2 # يقول الآبقون إنهم إلى التقى راجعون، وأكثرهم جبان لا يجسر حتى على التعلل ~~بتقواه في خروجه، ولكنني أنظر إلى هؤلاء الخائفين، وأعلن لهم بوجههم أنهم قد عادوا ~~إلى الركوع والصلاة، فأقول لكل منهم: إذا لم تكن إقامة الصلاة عارا على الناس ~~فهي عار على أمثالك وأمثالي ممن تنبه شعورهم في تفكيرهم، إن صلاتك تعد منكرا ~~عليك؛ لأنك تعلم أن الشيطان الكامن فيك الذي يحلو له كتف ذراعيه تائقا إلى حياة ~~الرخاء يوسوس في روعك قائلا لك: إن الله موجود. فأنت آبق يهرب من النور؛ لأن النور ~~يشغل تفكيره فاذهب الآن في ضلالك سادرا، وتوغل كل يوم في لبدات الظلام. # والحق أنك أحسنت اختيار الحين للانطلاق، وقد بسطت طيور الليل أجنحتها فهذه ساعة ~~أبناء الظلام المضربين عن الأعمال. لقد حانت ساعة الاصطياد وما هذا الصيد الذي تقدم ~~عليه مهاجمة وعراكا بل هو انزواء في كمين وتراخ وصمت لا يسمع فيه غير همسات ~~الصلاة. ذلك هو صيد أدعياء الحكمة ينصبون فيه شراكا للقلوب فكلما هتكت سترا رأيت ~~وطواطا صغيرا ينطلق من ورائه، ولعله كان مختفيا مع وطواط صغير آخر؛ لأنني في كل ~~جهة أرى جماعات تستتر وما ينبعث عنها من رائحة التقى يستجلب إليها رهطا جديدا من ~~المتقين، فهم يجتمعون لإحياء الليالي قائلين فلنعد إلى حالة الطفولة ولنناج ~~الإله الصالح، يقولون هذا بعد أن تكون معدهم امتلأت بالحلوى من صنع أهل التقى، وهم ~~يجتمعون أحيانا في أوقات السمر؛ ليشهدوا حركات عنكب محتال يقف وراء الكمين ملقيا ~~على رفاقه العناكب مواعظ الحكمة قائلا لهم: إن خير ما يرتاح العناكب إليه إنما هو ~~حبك نسيجها في ظلال الصليب. # أتراهم يقضون أياما طويلة يلقون الشباك في المستنقعات معتقدين أنهم يسبرون ~~الأغوار، ms152 ولا يعلمون أن من يمضي الوقت بالصيد حيث لا أسماك لا يصح أن يدعو عمله حتى ~~محاولة سطحية؟ # وتراهم أحيانا يمزجون تقواهم بالسرور فيتلقون دروسا للعزف على القيثارة عند ~~موسيقي يتلمس الطرق الموصلة إلى قلوب الصبايا وقد أتعبه ثناء العجائر. # أو يذهبون إلى حكيم لم يستكمل جنونه؛ ليتمرنوا على الرهبة والخوف فيقف معهم في ~~غرفة مظلمة منتظرين ظهور الأرواح وقد طارت أرواحهم شعاعا. # أو هم يتنصتون إلى دجال هرم يتجول منشدا بنبرات لقنها الريح الأنين، فهو ~~يقلد الريح داعيا إلى الحزن بصوته الحزين. # ولقد اتخذ بعضهم مهنة الحراسة في الليل، فتعلموا النفخ في الأبواق ليذهبوا في ~~الظلمة ويبعثوا كل قديم طواه الزمان. # مررت أمس قرب جدران الحديقة وقد أخلقها الدهر فسمعت من حارسين خمس كلمات تدور على ~~القديم البالي. # قال أحدهما: إن هذا الإله يعتني برعاية أبنائه، فالآباء من البشر أشد عناية منه ~~بأبنائهم. # فأجاب الآخر: لقد أدركه الهرم فهو لا يهتم لهم. ~~- وهل لهذا الآب من أولاد؟ ~~- من سيثبت هذا إذا هو لم يثبته بنفسه، ولطالما تقت أن أراه آتيا ببرهانه عن ~~جد. ~~- أهو يأتي بالبرهان؟ وفي أي زمان أقام شيئا من الأدلة؟ إنه ليستصعب الإثبات ~~ولكنه يتمسك بأن يؤمن الناس به. ~~- أجل! إن الإيمان ينقذ هذا الأب، وإذا قلت الإيمان فإنما أعني إيمانه هو بنفسه، ~~وتلك شيمة من بلغوا من العمر عتيا، أفما نحن شيوخ وكلنا أشباه؟ # بهذا كان يتحدث حارسا الليل، وحراس الليل أعداء للنور، ونفخ كل منهما في بوقه ~~بالنغم الحزين. # هذا ما شهدت أمس في الليل، وأنا سائر قرب الجدار القديم، فكنت أحس بقلبي يتفجر ~~ضحكا ويهز أحشائي هزا، والحق أنني سأموت مختنقا بضحكي من النظر إلى الحمير ~~الثاملين ومن سماعي أمثال حراس الليل يرتابون بالله. # أفما انقضى منذ زمان طويل عهد الوقوف عند مثل هذه الشكوك؟ ومن يحق له يا ترى أن ~~يتقدم إلى هذه الأشياء المظلمة الثاوية ليبعثها من لحودها؟ # لقد انقضى عهد قدماء الآلهة، فطوتهم الأحقاب وقد كان لهم الفناء بالمرح الإلهي ms153 ~~الذي يليق بهم؛ لأنهم لم يمروا بالغسق ليتراموا إلى ظلمة الموت، وقد كذب من ~~يدعي عكس ما أقول، فقدماء الآلهة انتحروا انتحارا وهم بضحكهم يختنقون، انتحروا ~~عندما تلفظ أحدهم بآية الجحود الكبرى قائلا: أنا هو الرب إلهك لا يكن لك آلهة ~~أخرى أمامي. فكأن هذا الإله قد أخذ بغضبه وغيرته في شيخوخته فذهل هذا الذهول حتى ~~أضحك جميع الآلهة، فتمايلوا على عروشهم هاتفين: أفليس في هذا النهي اعتراف بأن ~~هنالك ألوهية لعدة أرباب، وليس هنالك رب واحد. # من له آذان صاغية فليسمع. # 1 # هكذا تكلم زارا في مدينة «البقرة العديدة الألوان» التي يحبها، وكان لم يبق أمامه ~~سوى مسافة يومين سيرا ليصل إلى مغارته ويلتقي نسره وأفعوانه، فامتلأت روحه مسرة ~~وحبورا. # | العودة # أنت وطني، أيتها العزلة، لقد طال اغترابي في بلاد المتوحشين فها أنذا أعود إليك أيها ~~الوطن وعيناي تذرفان الدموع. # ارفعي شاهدك وهدديني، أيتها العزلة، تهديد الأم وانظري إلي مبتسمة بابتسامتها، ~~وسليني عن حال من هرب منك إلى بعيد كأنه العاصفة الجامحة، من أفلت منك وهو يصيح: لقد ~~طال انفرادي فنسيت الصمت، سليني هل تعلمت الصمت الآن وقولي لي: أي زارا، لم تخف عني ~~منك خافية فقد كنت تشعر أنك وحيد بين الجميع؛ فيسودك من الوحشة ما لم تعرفه وأنت في ~~أحضاني. # إن الفرق بين الوحدة والوحشة لبعيد، هذه هي الحكمة التي تعلمتها الآن، فأدركت أنك ~~ستبقى أبدا الغريب المستوحش بين الناس، حتى ولو بذلوا حبهم لك؛ لأنهم يطمعون منك ~~بمداراتهم قبل كل شيء. # إنك هنا تأوي إلى مسكنك فيمكنك أن تقول ما تريد، ففي العزلة لا يخجل الإنسان من خطرات ~~سريرته المتصلبة. # كل شيء هنا ينقاد إلى بيانك متحببا طائعا؛ لأن الأشياء كلها تقصدك لتعتليك وتعلو ~~أنت رموزها كمطايا تذهب بك مطلوقة العنان نحو الحقائق جميعها. # ههنا، لك أن توجه خطابك إلى كل الأشياء؛ لأن كل كلمة إخلاص تقال لها تتلقاها حمدا ~~لها وثناء عليها. # إن العزلة شيء والوحشة شيء آخر، وهلا ذكرت يا زارا صرخة طيرك فوق ms154 رأسك عندما كنت ~~مضعضعا أمام جثة ميت في الغاب ولا تدري إلى أين المصير، فتتمنى أن يأتي نسرك وأفعوانك ~~لهدايتك بعد أن لاقيت بين الناس أخطارا لم تشهد بين الحيوان مثلها، تلك كانت الوحشة ~~بعينها! # أفما تذكر يا زارا زمنا توسطت فيه جزيرتك كأنك ينبوع خمر يتدفق بين الدنان الفارغة، ~~فيملؤها موزعا خمره على العطاش بلا حساب، حتى أمسيت وحدك الظامئ بين المرتوين، فرفعت ~~صوتك بالشكوى تحت جنح الليل متسائلا عما إذا لم يكن في الأخذ سعادة أوفر من سعادة ~~العطاء، وإذا لم يكن من السعادة في السرقة ما ليس في الأخذ، تلك كانت الوحشة ~~بعينها. # أفما تذكر الزمن الذي طردتك فيه من نفسك أعمق الساعات صمتا، وهي تقول لك همسها: ~~تكلم واهدم، فدفعت بك إلى كره صبرك وسكوتك فقضت على ما فيك من شجاعة متواضعة. تلك ~~كانت الوحشة بعينها. # أيتها العزلة لكم في صوتك من نبرات السعادة في عطفه وحنانه ليس بيني وبينك من شكوى ~~ولا عتاب، فكلانا نمر صريحين من الأبواب المشرعة؛ لأن كل شيء لديك مضيء والساعات تمر ~~فيك عجلى خفيفة، وما تتثاقل الساعات في النور تثاقلها في الظلام. # إنني أشعر ههنا بأن لكل شيء روحه ومعناه، فكل كائن يريد أن يعبر عن سريرته وكل ما ~~سيكون يطمح إلى تعلم البيان مني، أما هنالك فكل قول عبث وهراء وخير حكمة للناس هي ~~النسيان والفناء، وهذا ما تعلمته منهم، وإذا ما أراد أحدهم أن يفهم كل شيء وجب عليه أن ~~يستولي على كل شيء، وما تمتد إلى الأخذ يداي الطاهرتان. لقد تولاني الاشمئزاز من رائحة ~~أنفاسهم، فوا أسفاه على زمن طويل قضيته حيث يضجون ويتنفسون. # يا للعزلة السعيدة أتمتع بها، ويا للعرف الزكي يتضوع حولي. إنني أنشق بملء رئتي ~~هذا الهواء النقي في هذا السكون المتنصت، أما هنالك فكل شيء يتكلم ولا سميع فإذا ما ~~أذاع أحد فضائله بقرع الأجراس خنق الدوي في الساحات رنين الفلوس الكبيرة تقلبها ~~أيدي البائعين. هنالك يتكلم الكل وليس من أحد يفهم ما ms155 يقال، فكل شيء يقع في المياه ~~الجارية ولا ينسرب شيء إلى أعماق منابعها. هنالك كل شيء يتكلم ولا شيء يبلغ نجاحا أو ~~تكاملا. كل يصيح وليس من يرضى باحتضان البيوض في الأعشاش، كل يتكلم وكل كلام ~~متراخ مديد وما كان يقسو من البيان على أفواه أبناء الأمس أصبح لينا تلوكه الأشداق في ~~هذا الزمان. # هنالك كل يتكلم ولم يبق من مستور لم يهتك؛ فما كان يعد بالأمس سرا كمينا في أعماق ~~النفوس تتناوله اليوم مقارع الطبول وحناجر الصائحين، فيا للطبيعة البشرية، ما أنت إلا ~~ضجة في المسالك المظلمة، لقد تجاوزتك فتركتك ورائي خطرا أنقذت منه، وقد كانت المداراة ~~والرحمة أشد ما تعرضت له من أخطار، وكل كائن في البشر يطلب أن يتعامل بالمداراة ~~والرحمة، وما عشت بين الناس إلا وأنا أحفظ حقائقي في قلبي ويداي وأحشائي ترتعش ارتعاش ~~الجنون لأكاذيب الرحمة والإشفاق. # هكذا عشت بين الناس، جلست بينهم متنكرا أكاد أجحد ذاتي؛ لأحتملهم مقنعا نفسي ~~بقولي إنني مجنون لا أدرك حقيقتهم. # إذا أنت عاشرت الناس فإنك لتنسى ما تعرفه عنهم؛ لأن ما ينطح بصرك من المشاهد الخارجية ~~يصده عن سبر أبعادهم وأعماقهم. # لقد جهلوا حقيقتي فدفعني جنوني إلى مداراتهم بأكثر من مداراة نفسي؛ لأنني تعودت أن ~~أقسو عليها فأصبحت هذه المراعاة انتقاما منها لها. # جلست بين الناس تلذعني حشراتهم السامة، وتنال مني شرورهم نوال قطرات الماء ~~المتوالية الانسكاب على الحجر، فكنت أقول لنفسي: «إن الحقارة تحمل براءتها في ~~ذاتها.» # وما رأيت بين الناس حشرات أشد فتكا بسمومها من الصالحين؛ لأنهم يغرزون حماتهم بكل ~~صلاح، ويكذبون بكل صلاح فكيف أتوقع منهم عدلا وإنصافا. # إن الرحمة تعلم الكذب لمن يعيش بين أهل الصلاح، وهي تضغط بجوها الثقيل على الأرواح ~~الحرة؛ إذ يمنع عنها أن تتفهم جهل الصالحين. # إن ما تعلمته هنالك هو أن أستر نفسي وأخفي ثروتي؛ لأنني رأيت كل غني بين الناس ~~فقيرا بعقله، وقد أضلني إشفاقي فقادني إلى النظر في الخفايا وتقدير ما زاد وما نقص في ~~عقل هذا وعقل ms156 ذاك، دعوت الحكماء المتعصبين حكماء ولم أزد، فتعلمت أن أقتضب كما تعلمت ~~استبدال الكلمات فدعوت حفاري القبور منقبين وعلماء. # ولطالما مني الحفارون بالأمراض، ففي المثاوي ما ينبعث كريها قاتلا، وخير ألا ~~نثير من المستنقعات كوامنها، وما الحياة الحياة إلا على القمم، وها أنذا أنشق الهواء ~~الطلق على أعالي الجبل حيث لا أشتم روائح المجتمع الإنساني. # إن الهواء الحي يدغدغ معاطسي فتتسع لاستنشاق القوة والحياة. # | الثلاثة الشرور # 1 # ورأيت في آخر أحلامي هذا الصباح أنني واقف على جرف ينهار إلى ما وراء هذا العالم، ~~وقد نصبت بيدي ميزانا طرحت الدنيا بإحدى كفتيه. # أواه! ليت الفجر لم يباغتني بعنفه، فإنه لغيور علي من أحلام صباحي وعنف ~~أشباحها. # لقد أراني حلمي أن لمن ملك الزمان أن يقيس الدنيا، ولمن أحسن الوزن أن يزنها، ~~ولمن له جناحان جباران أن يجتاز مداها، وكل بصيرة حديدة تقتحم المعضلات بوسعها أن ~~تدرك ما تضمر هذه الدنيا. # بأي صبر تذرع حلمي اليوم ليزن الدنيا، وهو المركب نصفه شراع ونصفه عاصفة، ~~وهو السابح صامتا بجناح الفراش والمنقض متسارعا بمخالب الصقور؟ # هل أسرت حكمة نهاري نجواها إلى هذا الحلم، وهي الحكمة الهازئة بكل «العوالم ~~التي لا حد لها.» وأنا القائل: حيث توجد القوة فهنالك يتسلط الكم فالعدد هو ~~الأقوى. # لقد أحاط حلمي بكل وثوق بهذا العالم المتناهي فما ذهب مع سائق الفضول ولا التجسس، ~~وما ارتعد ولا توسل. # رأيت الدنيا على متناول يدي كتفاحة ناضجة ذهبية ناضرة المنظر ناعمة ~~الملمس. # رأيت الدنيا على الجرف العالي المشرف على البحر كأنها شجرة تومئ إلي وقد انبسطت ~~أفنانها والتوى جزعها كمتكأ للمسافر وقد أنهكه التعب. # رأيت العالم يتقدم لملاقاتي كأنه يدان تحملان طبقا نثر عليه كل ما تشتهي الأعين ~~المتعففة الخاشعة. # إن العالم الذي طالما كان بغيضا مذموما تجلى لي اليوم طيبا في إنسانيته، فهو ~~لا يصد الناس بانكماشه على أسراره، ولا يخدر حكمتهم بالإغراق في إبهامه. # أنا مدين بالشكر لحلم صباحي؛ لأنه وزن العالم في الساعة الأولى فبدأ لي العالم ~~طيبا في ms157 إنسانيته وهكذا جاء الحلم معزيا لقلبي، وها أنذا أقتدي به وقد طلع النهار ~~فأضع في الميزان الثلاثة الشرور العظمى. # إن الذي علم الناس أن يباركوا علمهم أيضا أن يلعنوا، فما هي الأشياء الثلاثة ~~المستحقة اللعنة في الأرض. إنها الثلاثة التي أريد وزنها: الشهوة والتحكم ~~والأنانية، وهي التي استحقت أشد لعنات الناس حتى اليوم. # هذا هو الجرف الذي وقفت عليه في حلمي، وهو يشرف على البحر المتدحرج بقطعانه ~~البيضاء نحوي، وما البحر إلا ذلك الكلب الهرم الأمين وذلك المسخ الرائع يشمخ بمئات ~~الرءوس. # هنا أريد أن أنصب ميزاني فوق البحر الهائج، وأختار شاهدا علي هذه الشجرة ~~المنفردة الوارفة الظلال المالئة الفضاء بعبيرها الشديد. # على أي جسر يتجه الحاضر إلى المستقبل، وما هي القوة التي تكره المرتفع إلى ~~الانخفاض إلى الأدنى، وتدفع بالأرفع إلى مرتبة أعلى. # تساوت كفتا ميزاني فقد طرحت في إحداهما ثلاث مسائل ثقيلة فإذا في الكفة الأخرى ~~ثلاث أجوبة تضاهيها ثقلا. # 2 # الشهوة هي للمتقشفين المتقمصين الصوف الخشن والمحقرين للجسد؛ الحافز ~~والمعذب في وقت واحد، وهي للمستغرقين في بحران العالم الثاني لعنة هذا العالم ~~الأول؛ لأنها تهاجم أهل الضلال فتقصيهم وتطردهم طردا. # الشهوة للئيم نار يتحرق فيها اللؤماء، نار بطيئة الإحراق يتصاعد منها أشد ~~الروائح كراهة. # الشهوة للقلوب الحرة عاطفة بريئة حرة، فهي سعادة الجنة الأرضية، وعرفان المستقبل ~~جميل الحاضر. # الشهوة سم حلو المذاق لكل من عراه الذبول، غير أنها شراب القوة وخمرة الخمر ~~للآساد يكرعونها بثمل الخاشعين. # الشهوة أعظم لذة ترمز إلى السعادة والأمل الأسمى؛ لأن في الحياة أشياء كثيرة حق ~~لها أن تتمتع بالاقتران بل بأكثر منه، فهنالك أشياء بعدت شقة الانفصال بينها بأكثر ~~من انفراجها بين الرجل والمرأة، ومن ترى تمكن يوما من أن يدرك حقيقة تباعد ~~أحدهما عن الآخر ومدى الشقة بينهما؟ # إن الشهوة ... سأضع حصونا بين أفكاري، وأمتنع عن الكلام كيلا يجتاح جنتي الخنازير ~~والمتهوسون. # أما الطموح إلى التحكم فسوط يلهب أشد القلوب قسوة، وعذاب استشهاد يعد للطغاة ~~لهبا قاتما من محارق الأحياء. # إن ms158 الطموح إلى التحكم لجام قاس تراض به أشد الشعوب غرورا، فهو المداعب ~~للفضائل الحائرة الممتطية صهوات الخيلاء. # إن الطموح إلى التحكم زلزال هدام لكل متداع قديم، فهو الثائر المحطم للقبور ~~المكلسة يزمجر وينزل العقاب، وهو نبرة الاستفهام تتعالى تجاه كل جواب ~~مبتسر. # إن للطموح إلى التحكم نظرات تحني هام الرجال فتجعلهم يزحفون زحفا، وتستعبدهم ~~وتهوي بهم إلى دركة أحط من دركة الخنزير والأفعى إلى أن يأتيهم الاحتقار ~~بالسكون. # ما الطموح إلى الحكم إلا المعلم المخوف يلقن الازدراء الأعظم صارخا بوجه المدن ~~والممالك: أفسحي لي المجال ولا يزال يهتف حتى تنادي قائلة: إنني أفسح لك ~~مجالا. # إن الطموح إلى الحكم يتعالى أيضا نحو الأتقياء والمنعزلين ليستهويهم فيذهب إلى ~~ذرى الاعتزاز بالنفس كأنه غرام مشتعل يرسم في الخيال المسرات الحمراء ~~الساحرة. # ومن له أن يدعو هذه الشهوة للتحكم طموحا، وما هي إلا اندفاع من الأعالي إلى ~~الأعماق طلبا للقوة، وما أرى في مثل هذا الانحدار شيئا من حرارة الحمى ولا من ~~أعراض الأدواء. # ليس للذري المنفردة أن تبقى أبدا منقطعة إلى نفسها، فلتنحدر الأنجاد إلى ~~الأغوار ولتهب الرياح العالية في مناسف الأعماق. # إن مثل هذا الطموح لأسمى من أن يصفه بيان فهو «الفضيلة الواهبة» كما دعاه زارا من ~~قديم الزمان، فكان بوصفه هذا يوجه الثناء لأول مرة إلى الأنانية، وما الأنانية إلا ~~توكيد للذات يتفجر من الروح المقتدرة، من روح جبارة اتحدت بجسم متكامل في جماله ~~وانتصاره، فأصبح كل ما حولها يستمد القوة منها ويعكس كالمرآة خيالها. # وما الجسم المرن الذي ينطوي على قوة الإقناع إلا كالراقص الذي يرمز بحركاته عن ~~مسرة نفسه، وهل المرح الأناني في مثل هذه الأرواح والجسوم إلا الفضيلة ~~بعينها. # ومهما يقل هذا المرح الأناني عن الخير والشر فإنه يحوط نفسه بما يقول بغابة مقدسة ~~لوقايتها، فهو يتمتم بأسماء السعادة كتعويذة ترد عنه كل ما يستحق الاحتقار. # إنه ليقصي كل ما هو دنيء؛ إذ يعتبره شرا وما الدنيء المحتقر لديه إلا المتألم ~~لا ينقطع عن الشكوى والأنين، ولا ms159 يتأخر عن التقاط أية فائدة مهما صغرت. # وهذا المرح يكره كل حكمة معولة؛ لأن من الحكمة ما لا تنور إلا في الظلام فتلوح ~~كأشباح الليل هاتفة: كل شيء باطل. # وهو لا يحترم أبناء الريبة القلقة يطلبون من الناس الأيمانات المغلظة بدلا ~~من النظرة الصريحة واليد الممتدة بإخلاص ، كما أنه لا يحترم الحكمة المدعية الحزم ~~بسوء الظن؛ لأن بمثل هذا تنم النفوس عن خورها وجبنها. # وليست المجاملة بأقل دناءة في عينه، فهي كالكلب ينطرح متصاغرا على ظهره، ولكم ~~من حكمة كهذا الكلب زحافة خاشعة متلاطفة. # ولكن ما يكرهه المرح الأناني فوق كل كره الرجل المستنيم للضيم، الممتنع عن ~~الدفاع، المزدرد ما يتفل الناس على فمه من سموم وما يلقى عليه من النظر الشذر، ~~الرجل الموغل في صبره المتحمل لكل شيء والقانع بكل شيء، تلك شيمة المستعبد ~~المأجور. # إن هذه الأنانية السعيدة تتسفل في وجه كل عبودية، فتزدري بكل متصاغر أمام الأرباب ~~يركلونه بأرجلهم وأمام الناس ووراء الناس. # إن هذه الأنانية تعد شرا كل متدن منكسر يستسلم للعبودية بعين منخفضة وقلب ~~منسحق، وكل مصانع ينحني مقبلا الراحات بشفاه متراخية مرتجفة. # إنها لتدعو حكمة مضللة كل كلمة ناعمة يتلفظ بها المستبعدون ومن دب إليهم ~~الهرم ومن أرهقتهم العلل، وتدعو بهذا الوصف أيضا ما يتفوه به الكهان في جنونهم ~~وادعائهم. # إنما الحكماء الكذبة جميع الكهنة وجميع من سئموا الحياة، وكل من تجول فيهم ~~أرواح النساء والمستخدمين، إن مثل هؤلاء الناس يدسون للأنانية ويتآمرون عليها، ~~مدعين أن محاربتها هي الفضيلة بعينها، ولهذا طمح جميع الجبناء والعناكب المتعبة من ~~الحياة إلى الادعاء بالتنزه عن كل مأرب في أعمالهم. # سيتدفق النور مكتسحا لهؤلاء الناس جميعا، وعندئذ يلمع سيف الظهيرة الكبرى، سيف ~~الدينونة الفضاح. # أما من يمجد الذاتية وينادي بالأنانية فذلك وحده يقول بما يعلم عندما يهتف: لقد ~~لاحت تباشير الظهيرة العظمى، ولن يطول الزمن حتى تتوهج أنوارها في الآفاق. # هكذا تكلم زارا ... # | الروح الثقيل # 1 # ليس فمي إلا فم الشعب، فكلماتي قاسية تخدش أسماع المتأنقين، وهي أشد ms160 وطأة على ~~أسماع زعانف الكتاب المسلحين بالأقلام. # ما يدي إلا يد مجنون، فويل منها لألواح الشرائع ومنيعات الحصون، وويل لكل ما يتسع ~~لزخارف الجنون وغرائب سطوره. # وما قدمي إلا حافرا جواد يتراكضان على الأنجاد وفي الأغوار، فأحس بروح أبليس ~~ينفخها المرح في وأنا أنهب أشواطي. # أما معدتي فلعلها حوصلة عقاب؛ لأن أفضل ما تشتهيه لحوم النعاج، وإن لم تكن ~~حوصلة عقاب فهي على كل حوصلة مجنح من أبناء الفضاء؛ لأنني أتغذى من كل طاهر ~~لذيذ فأتوق أبدا إلى الاختطاف والانخطاف، وكيف لا يكون في شيء من الطير وأنا ~~أهفو إلى هذه الحياة. # كفاني أن أعادي كل روح ثقيل لأكون شبيها بالطيور، فأنا العدو الألد لروح ~~الكثافة، بل العدو المقسم ألا يحول عن كرهه وقد تكون معه في رحم أمه، فتلك ~~العداوة لن تطير ولن تتبدد. # لسوف أطلق صوتي بالإنشاد مترنما بهذه المعاني بالرغم من انفرادي في مسكني ~~المقفر حيث لا يسمع أغاني غير أذناي. # لكم في الأرض من منشد لا ينطلق الصوت الشجي من حنجرته، ولا تطابق التوقيع حركة ~~يده ولا تشع عيناه ولا ينتبه قلبه إلا إذا غص البيت بالسامعين، وما أنا من أمثال ~~هذا المنشد. # 2 # إن من سيعلم الطيران للناس في آتي الزمان سيدفع كل ما ضرب حولهم من حدود، بل ~~سيذري معالمها هباء ويبدل اسم الأرض باسم يدل على زوال كثافتها وثقلها. # إن النعامة تعدو بأسرع ما تعدو الخيول الضوامر غير أنها لا تزال كالإنسان تغرس ~~رأسها الثقيل في التراب الثقيل، وما الإنسان بأفضل منها ما زال يجهل كيف يطير، وما ~~زال يشعر أن الحياة ثقيلة كالأرض. # من يريد أن يشعر من نفسه بخفة الطير فعليه أن يتوسل بالأنانية للانعتاق من ~~كثافته، ليحب الإنسان نفسه. هذا ما أعلم به أنا. # وما أدعو الناس إلى إثارة حب الذات بعاطفة المرضى والمحمومين، فإن رائحة السقام ~~تنبعث من أنانية المريض والمحموم. # تعلموا الأنانية الصحيحة السليمة؛ لتتمكنوا من احتمال ذاتكم فلا تضلكم ~~أنانيتكم. هذا هو تعليمي. # وما ضلال الأنانية إلا ms161 بذهابها إلى «محبة الغير» فإن القائلين بالغيرية قد أتوا ~~بأمهر تمويه، وما أرهق الغير أحد بمثل إرهاقهم. # ليس القول بوجوب التمرن على الأنانية وصية من الوصايا تنفذ بين عشية وضحاها، ~~فالتدرب على محبة الذات أدق الفنون وأصعبها، وما يملك زمامه إلا المتحيل الجلود؛ ~~لأن روح الكثافة يجعل المالك في غفلة عما يملك ويعمي صاحب الكنوز طويلا عن ~~مثاويها، فإننا لا نكاد نطرح على السرير حتى نجهز بالكلمتين الثقيلتين: «الخير» ~~و«الشر» ذلك هو ميراثنا، بل تلك هي الوصية التي لا تغتفر لنا الحياة إلا باتباعها، ~~وإذا ما قال قائل: دعوا الأولاد يأتون إلي، فما يدعوهم إلا ليمنعهم في الزمن ~~المناسب من أن يحبوا ذاتهم. تلك هي مآتي الروح الثقيل. # أما نحن، فنذهب ساحبين ما أثقلت به كواهلنا الصلبة إلى الجبال الجرداء، حتى إذا ~~شكونا اللغب والسغب قيل لنا: أنتم محقون بشكواكم فالحياة أعباء ~~وأثقال. # والحق ليس في الحياة من أعباء على الإنسان غير الإنسان نفسه؛ لأنه يوقر كاهله ~~بما لا طائل تحته، فهو نفسه قد استناخ كالجمل مسلما ظهره، فأثقل بأشد الأحمال، ~~وأكثر الناس استسلاما الرجل الصلب الجلود يرفع على كاهله جما من الكلمات ~~والوصايا الثقيلة فتنبسط الدنيا أمامه صحراء قاحلة مترامية الأطراف. # وما يثقل كاهلكم كل دخيل عليكم فحسب، فهنالك ما يرهقكم وهو منكم وفيكم فداخل ~~الإنسان شبيه بحشوة المحار فهو قذر متراخ لزج ينزلق تحت أناملك إذا حاولت ~~إمساكه؛ لذلك تتكفل القشور والظواهر المزخرفة بستر ما وراءها، وما يسهل على المرء ~~أن يستنبت لنفسه قشورا متعاميا بحكمة عن دخائله، إن هذا إلا فن لا بد من ~~التدرب عليه، ولكم على الناس من قشور تنم على المسكنة وقد وضح عليها التمويه، ~~ولكم من قوة ومن صفة طيبة تبقى غائرة فلا يلمحها أحد، وكم من طعام شهي لا يرغب ~~أحد فيه، وما خفيت هذه الحقيقة عن النساء فهن يعلمن أن بين المترهلة والنحيلة ~~مجالا لتمني المتعنتين، وقد يتوقف حظهن من الاستغواء على شيء من الترهل وشيء ~~من النحول. # إن اكتشاف خفايا ms162 الإنسان لمن صعاب الأمور، وأصعب الأمور أن يكتشف الإنسان نفسه ~~فكثيرا ما يضلل العقل الشعور، وما ذلك إلا من تأثير الروح الثقيل. # ليس من مكتشف لحقيقة ذاته إلا من يقول في نفسه: هذا هو خيري وهذا هو شري، وبهذا ~~القول يخرس الخلد والقزم القائلين بأن الخير خير للكل والشر شر ~~للجميع. # والحق أنني أكره أيضا من يرون كل شيء حسنا، ويرون هذا العالم خير العوالم، إن ~~هؤلاء إلا القانعون يرتاحون لكل شيء ويتذوقون كل شيء، وما بهذا يستدل على الذوق ~~السليم، أما أنا فأجل الفم الحساس المتصعب الذي يعرف أن يقول: «أنا» وأريد ولا ~~أريد. # وما من يلتهم كل شيء ويهضم كل شيء إلا من قطيع الخنازير، فكل ناهق بالرضى سائر ~~حمارا بين الحمير. # أحب من الألوان الأصفر القاتم والأحمر الفاقع؛ لأنهما يدخلان لون الدم على جميع ~~الألوان، ومن موه جدران بيته باللون الأبيض يدل على أنه موه نفسه بهذا اللون ~~أيضا. # إنني أحب الدماء وما يتفق ذوقي وأذواق من يعشقون الجثث المحنطة من جهة ومن يعشقون ~~الأشباح من جهة أخرى؛ لأن الفئتين معاديتان لكل ما هو لحم ودم، وأنا لا أريد الوقوف ~~حيث يصيبني رشاش من بصاق الثرثارين، وما يسيل النضار من أشداقهم كما يدعون، ~~وخير لي من المثول أمامهم أن أعاشر اللصوص والخونة. # وإذا ما كرهت الثرثارين فإنني أشد كرها لمن يتلقون رشاش بصاقهم، وما رأيت في ~~الناس من تشمئز لهم نفسي كمن لا أجد لهم شبيها غير الطفيليات، فمثل هؤلاء يطلبون ~~الحياة من الحب وهم لا يشعرون به. # إن من أدعوهم أيضا أشقياء في الحياة هم الألى لا خيار لهم إلا بين حالتين، ~~فإذا لم يكونوا حيوانات مفترسة كانوا مذللين لها، وما أنا بالضارب خيامي في جوار ~~هؤلاء الناس. # وأنا أدعو أشقياء أيضا من يكرهون على الانتظار أبدا، فما أحبذ حياة الجباة ~~والتجار والملوك وكل من يقف حارسا لحانوت أو لقطر من الأقطار. # وأنا أيضا تعلمت الصبر والانتظار إلى زمان طويل، ولكن ما أنتظره إنما هو «أنا» ms163 ~~وما تمرنت عليه هو أن أقف وأمشي وأركض وأقفز وأتسلق وأرقص؛ لأن تعليمي هو هذا: من ~~يريد أن يتعلم الطيران يوما فعليه أن يتدرب أولا على الوقوف فالركض فالقفز ~~فالتسلق فالرقص، وليس لأحد أن يطفر إلى الطيران طفرا. # ما تعلمت التسلق إلى النوافذ إلا بنصب الحبال، وما ارتقيت مرتفعات الصواري إلا ~~بعد أن تقوت عضلات ساقي، إن أعظم اللذات هي اعتلاء صارية المعرفة، والاتقاد ~~بلهب يتلوه لهب فإن في هذا الإشعاع المتردد هداية السفن الجانحة وأمل المشرفين على ~~الهلاك. # لقد بلغت الحقيقة حقيقتي بسلوكي طرقا عديدة واتخاذي وسائل جمة، فما ارتقيت ~~المدارج من سلم واحدة لأبلغ القمة التي أتسنمها الآن وأرسل منها نظراتي إلى ~~بعيد. # وإذا كنت سألت أحيانا عن الطريق فما سألت إلا مكرها؛ لأنني فضلت في كل زمان أن ~~أستنطق السبيل عن وجهته فأختبره بنفسي. # وهكذا كان تقدمي سؤالا وتلمسا وما يتوصل الإنسان إلى استنطاق نفسه وسبله إن لم ~~يتمرن على ذلك، ولكل ذوقه وهذا هو ذوقي لا أراه خير الأذواق، ولا أراه شرها على ~~أنني لا أخجل به ولا أخفيه. # هذا السبيل الذي أنتهج، فأين سبيلكم أنتم؟ # بهذا الاستفهام كنت أجاوب من يسألونني: أين الطريق لأن لكل طريقه وليس هنالك ~~جادة للجميع؟ # | الوصايا القديمة والوصايا الجديدة # 1 # ها أنذا جالس أنتظر بين ركام الألواح القديمة المحطمة والألواح الجديدة، ولما ~~تستكمل كتابة الوصايا عليها. # فأي متى تأتي ساعتي؟ ساعة انحداري وجنوحي، فإنني أريد أن أنحدر إلى الناس ثانية، ~~وذلك هو سبب انتظاري؛ إذ لا بد أن تعلن لي علامة اقتراب الساعة فأرى الأسد الضاحك ~~وسرب الحمام الزاحف. # وإلى ذلك الحين أتكلم كمن له سعة من وقته فأخاطب نفسي وأقص عليها ما أعلم؛ إذ لا ~~يقص علي أحد شيئا جديدا. # 2 # عندما أتيت إلى العالم وجدته جالسا على افتراضات قديمة، واثقا أنه عرف كل شيء ~~وميز بين خير الحياة وشرها. # ورأيت الناس يعتقدون أن كل بحث عن الفضيلة قد انقضى زمانه، وبالرغم من هذه ~~العقيدة كان كل منهم يأتي ms164 على ذكر الخير وهو متجه إلى سريره طلبا للنوم ~~الهنيء. # فوقفت أنبه الغافلين وأنا أعلن أن ليس من أحد عرف حقيقة الخير والشر؛ لأن المبدع ~~وحده يعرفها، وهو من يخلق أهدافا للناس ويولي الأرض معناها ومقدراتها، فليس سواه ~~من يوجد لكل شيء خيره وشره. # وأمرت الناس بأن يهدموا كل قديم ، وأن يقفوا أمام كل عقيدة هرمة ضاحكين مستهزئين ~~بمعلميهم وقديسيهم وشعرائهم ومخلصي عالمهم. # أمرتهم بأن يهزءوا بصرامة حكمائهم وحذرتهم من المفزعات السوداء المنصوبة على شجرة ~~الحياة. # أمرتهم، واتخذت لي مقعدا عند حافة مضيقهم، وقد حفل بالنعوش والأشلاء وحامت فوقه ~~الغربان، وبت أضحك هازئا بماضيهم المتداعي وقد تناثرت أمجاده، وأثور كمن أعطي ~~سلطانا على الخير والشر وكمن مسه الجنون صابا جام الغضب واللعنة على كل ~~كبائرهم وصغائرهم، وما هزئت إلا بأحقر ما في خيرهم وشرهم. # لقد كانت أشواقي تتدفق مني هتافا وضحكا، وما أشواقي إلا الحكمة المتوحشة التي ~~نشأت في أعالي الجبال بجناحين يملأ حفيفهما الفضاء، ولكم تسامت هذه الأشواق بي إلى ~~ما فوق الذرى، فاندفعت معها كالسهم المرتعش يهزه حنينه إلى مصدر النور، إلى مجاهل ~~المستقبل التي لم تبلغها الأحلام، إلى الظهيرات التي لم يلمس الوهم حرارتها، إلى ~~حيث يرقص الآلهة وقد استحيوا من الاستتار بأي رداء. # ليس لي أن أصف ما هنالك بغير الرموز؛ لذلك أجدني محفوزا إلى تمتمة ما أقول ~~فأتذبذب كالشعراء، والحق أنني لأخجل من اضطراري إلى الأخذ ببيانهم. # لقد لاح لي كل شيء رقصا ونكات إلهية؛ لأن العالم قد انطلق هنالك من كل قيد ~~فالتجأ إلى نفسه، فازعا إليها كما يفزع الآلهة أبدا إلى ذاتهم مفتشين عليها ~~بإنكارها وبتكرار العودة إليها. # هنالك لاح لي الزمان سخرية بالأزمان المجزأة، ورأيت واجب الوجود عبارة عن حرية ~~سعيدة تداعب الحرية نفسها. # هنالك وجدت شيطاني القديم وعدوي الحديث روح الكثافة، وما أبدع من قبور وشرائع ~~وضرورة ونتائج وأهداف وإرادة وخير وشر. # وجدت كل هذا ميدانا ممهدا لأقدام الراقصين، فليس من مرقص بلا مسرح، وليس من روح ~~خفيفة لا تزحف عند ms165 أقدامها الخلدان والأقزام. # 3 # هنالك أيضا ظفرت بكلمة «الإنسان المتفوق» وبالتعليم القائم على أن الإنسان كائن ~~يجب أن ينشأ منه ما يجتازه، ليس الإنسان هدفا وغاية إن هو إلا عابر يدعي ~~السعادة في ظهيرته ومسائه. # إن كلمات زارا عن الظهيرة العظمى وجميع ما رفعه فوق العالم إن هو إلا غروب ~~أرجواني ثان ينفلق من ورائه الفجر الجديد. # لقد عرضت لأنظار الناس كواكب جديدة وليالي لا عهد لهم بها، ونثرت الضحك على ~~غيوم الليل والنهار فضربت قبة زاهية بعديد ألوانها. # علمت الناس جميع أفكاري وأبنت لهم جميع رغباتي؛ إذ أردت أن أجمع وأوحد ما في ~~الإنسانية من بدد الأسرار وتصاريف الحدثان، فقمت بينهم شاعرا أحل الرموز وأفتديهم ~~من الصدف العمياء؛ لأعلمهم أن يبدعوا المستقبل وينقذوا بإبداعهم ما انصرم من ~~الأحقاب. # لقد وجهت الناس إلى إنقاذ الإنسانية مما أدرج الماضي في أغوارها بتغيير كل «ما ~~كان» إلى أن تنتصب الإرادات معلنة أن ما تم هو ما كانت تريد أن يكون، وأن هذا ما ~~ستريده في كل زمان. # بهذا رأيت السلام للناس، وهذا ما علمتهم أن يدعوه سلاما. # وأنا الآن أتوقع السلام لي لأعود للمرة الأخيرة للناس؛ لأنني أريد أن أذهب من ~~بينهم إلى الفناء، فأودعهم أثمن كنوزي أسوة بالشمس تلقي على البحار نضارها وهي ~~تتوارى في الظلام، حتى ترى أفقر الصيادين يداعبون صفحة البحر بالمجاذيف ~~المذهبة. # لقد تعلمت هذا الجود من الشمس عندما كنت أشخص إليها غاربة فتندفق الدموع من ~~عيني. # هكذا يريد زارا أن يتوارى فيغرب كما تغرب الشمس، وها هو ذا جالس ينتظر بين ركام ~~الألواح القديمة المحطمة والألواح الجديدة، ولما تستكمل كتابة الوصايا ~~عليها. # 4 # انتبهوا، إنني آتيكم بلوح جديد، ولكن أين هم إخوتي يحملون معي هذا اللوح إلى ~~الوادي؛ لتحفر وصاياه على أعشار القلوب. # إن محبتي لمن سيأتون فيما بعد تقضي بهذه الوصية: لا تدار قريبك؛ لأن الإنسان ~~معبر يجب علينا اجتيازه للتفوق عليه. # وقد أعطي للإنسان أن يجتاز نفسه على طرق عديدة وبوسائل عديدة، فما عليك إلا ms166 أن ~~تتجه للوصول، وليس غير الممثل المضحك من يقول بإمكان التفوق على الإنسان طفرا ~~وقفزا. # تفوق على نفسك في ذات قريبك، فلا تدعه ينيلك حقا بوسعك أن تأخذه اقتدارا، ~~فإن ما تفعله لا يبادلك إياه أحد؛ لأن ليس من مكافأة في العالم، ومن لا قبل له بحكم ~~نفسه وجبت الطاعة عليه. # إن في العالم كثيرين يعرفون أن يتحكموا بأنفسهم، ولكنهم لا يعرفون كيف ~~يطاوعونها. # 5 # إن النفوس النبيلة تأنف أن تأخذ شيئا بلا بدل فهي ترد الحياة قبل كل شيء إذا هي ~~لم تكتسب عيشها، أما القطيع البشري فيريد أن يعيش دون أن يبذل شيئا. # لقد وهبت لنا الحياة فعلينا أن نفكر في كل حين بخير ما يمكننا أن نبذل لقاء هذه ~~الحياة، وهل أشرف من أن نقول: يجب أن نحقق للحياة ما وعدتنا به. # ليس للمرء أن يتمتع بلذة إذا هو لم يبذل لذة، فما اللذة عبارة عن التوجه للتمتع ~~بها؛ لأن التلذذ كالطهارة كلاهما حيي ممنع، وليس لأحد أن يفتش عليها إذا هو لم ~~يملكها امتلاكا، وخير له أن يفتش في هذه الحال على الدنس والأوجاع. # 6 # كل طليعة تضحى، أيها الإخوة، وهل نحن إلا طليعة منذرة، تنزف جراحنا دما في ~~هيكل الأسرار، ونقدم محرقة يذوب لحمها تمجيدا للأصنام القديمة. # إن خير ما فينا لم يزل غضا رطيبا، وذلك ما يهيج شهوة الأشداق الهرمة، فلحمنا ~~طري وجلودنا جلود حملان، فكيف لا نثير جشع الكهان في هياكل الأوثان؟ # إن كاهن الأوثان الهرم لم يزل يسكن ذاتنا الخفية، وهو يتهيأ لإقامة وليمة يبتلع ~~فيها خير ما فينا، فكيف تسلم الطليعة، أيها الإخوة، من أن تصبح ضحية ~~وقربانا؟ # ولكن بهذا تقضي مهمتنا وأنا أحب من لا يتمسك بالبقاء، ومن يتوارون أرفقهم بكل ~~عطفي؛ لأنهم يذهبون إلى الجهة الأخرى. # 7 # ما أقل من يعرفون الصدق والإخلاص! والعارف لحقيقة الصراحة لا يريد أن يكون ~~صريحا، فأكثر الناس تمويها هم المشفقون؛ لأنهم لا ينطقون أبدا بالحق، ومثل هذا ~~الإشفاق مرض كامن في العقل. # إن ms167 الرحماء يرضخون ويستسلمون للقلب يملي إرادته فيهم على العقل والعقل يمتثل دون ~~ترو وإدراك، فما تتكون الحقيقة في الرحماء إلا من تراكم كل ما هو شر في عينهم، ~~فهل لديكم من الشر ما يكفي لإيجاد مثل هذه الحقيقة أيها الإخوة؟! # لا تولد الحقيقة إلا من تزاوج الوقاحة وسوء الظن والرفض القاسي والكره والشقاق في ~~الحياة ، وما أصعب أن تتوافق وتتحد جميع هذه المقدمات! # إن الضمير الشامل قد نشأ حتى اليوم قرب الضمير الشرير، فهيا أيها الإخوة إلى ~~تحطيم الألواح القديمة إذا كنتم تفتشون عن مبدأ المعرفة. # 8 # إذا رأيت المعابر منصوبة فوق مجاري المياه، والجسور معقودة فوق الأنهار، فهل تصدق ~~من ينادي بالثبور وينذر بالغرق إذا كان الحكماء أنفسهم يكذبونه؟! # إن كل ما يعلو النهر من معابر، كل ما هو خير وكل ما هو شر ثابت مكين، وعندما يجيء ~~الشتاء المتسلط على الأنهار يرتاب في ثبات كل الأشياء أشد الناس فطنة، غير أن من ~~يحبون الاستغراق في نوم الشتاء والاستسلام إلى بطالته يحلو لهم أن يعتقدوا برسوخ ~~المعابر وسكون كل حركة في الأعماق، ولكن الهواء المذيب للجليد يكذب هذه الطمأنينة؛ ~~إذ يهب كأنه الثور الهائج ضاربا الجليد بقرنيه، وإذ يتحطم الجليد تتداعي الجسور، ~~وعندئذ تغرق في المياه كل المعابر فلا يجد أحد ما يستند إليه من الخير ~~والشر. # يا لشقائنا، بل يا لسعادتنا! لقد هبت الأرياح تذيب الجليد، فاذهبوا يا إخوتي على ~~الطرق مبشرين بهبوبه. # 9 # إن من الجنون جنونا قديما عرف بالخير والشر، فدار حتى اليوم على محور العرافين ~~والمنجمين. # لقد ساد الاعتقاد فيما مضى بالعرافة والتنجيم؛ لذلك آمن الناس بالقضاء المحتوم ~~فقالوا بالواقع وجوبا، وداخلهم الشك في الكشف فارتدوا إلى الإرادة الحرة ينادون ~~بها قائلين: إذا أنت أردت فقد قدرت. # أيها الإخوة، كل ما بني حتى اليوم على استنطاق النجوم والمستقبل لم يكن إلا ~~افتراضا يقوم على افتراض؛ لذلك لم يعرف أحد شيئا عن الخير والشر، وما قيل عنهما ~~لم يتعد حدود الرجم بالغيب. # 10 # لا تسرق، لا ms168 تقتل: تلك كلمات كانت مقدسة في غابر الزمان، إذا سمعها إنسان جثا على ~~ركبتيه، وأحنى رأسه وخلع نعليه. # غير أنني أسألكم فأجيبوا: هل وجد في الدنيا لصوص وقتلة أوفر سرقة وأشد فتكا ممن ~~استفزتهم هذه الكلمات المقدسة؟ # أفليست السرقة والقتل من طبيعة الحياة نفسها؟ وهل كان تقديس هذه الكلمات النافية ~~إلا قتلا لحقيقة الحياة؟ # أكان القصد من مغالطة الحياة والردع عنها إذن دعوة في سبيل الموت والفناء. # أي إخوتي، حطموا هذه الألواح القديمة ولا تترددوا. # 11 # إنني لأشعر بإشفاق على الماضي وقد أصبح متروكا مهملا، معرضا لما سينشأ في ~~الأجيال الآتية من اعتبار وتفكير وجنون، فإن هذه الأجيال ستصطنع لنفسها جسرا من كل ~~قديم مضى عهده. # لقد يجيء طاغية له روح إبليس يتسلط على الماضي بلطفه وعنفه فيعالجه حتى يصبح ~~معبرا لإقدامه وشعارا له ومكانا يصيح عليه ديك فجره. # غير أن إشفاقي ينطوي أيضا على توقع الخطر: لأن تفكير من ينشأ من الغوغاء لا يذهب ~~إلى عهد أبعد من عهد جده، وهنالك يتناهى في تقديره الزمان القديم. # إلا أن الماضي أصبح متروكا، وقد تسود الغوغاء يوما فتدفع إلى اللجج بميراث ~~العصور. # لذلك وجب أن تقوم فئة لها نبلها الحديث تناوئ الغوغاء وتصد الطغاة، فئة نبيلة ~~تنزل الشرف وصية محفورة على ألواح جديدة. # لا يقوم النبل إن لم يكثر عدد النبلاء، وقد أوردت هذا المبدأ ورمزت إليه عندما ~~قلت: بتعدد الآلهة لا بالإله الواحد تقوم الألوهية. # 12 # إنني أوليكم النبل الجديد، أيها الإخوة، عندما أقتضي منكم أن تبدعوا وتعلموا ~~وتلقوا بذوركم لآتي الزمان. # تلك كرامة لا يسعكم ابتياعها بذهب التعامل كالمتاجرين، وما أزهد قيمة ما يباع ~~ويشرى! # لن يكون حسبكم بعد الآن مشرفا لكم، بل الهدف الذي تتجهون إليه أن شرفكم كامن ~~في إرادتكم وفي الخطوة التي تندفعون بها إلى التفوق على أنفسكم واجتياز حدودها، ذلك ~~هو شرفكم الجديد. # إن خدمتكم لأمير لا تنيلكم شرفا، وما هو قدر الأمراء، وهل يشرفكم أن تقفوا ~~كالحصون حول ما هو كائن لتزيدوا في مناعته ms169 وتطيلوا بقاءه؟ # انسحبوا من السلالة التي تعلمت التلون في القصور، وتعودت الوقوف أبدا أمام ~~المياه الآسنة، إن علم الوقوف على القدمين يعد فضيلة لخدام القصور، وهم لا يتوقعون ~~الحصول على لذة الاستراحة إلا إذا طرحهم الموت عن مواقفهم. # ليس شرفكم أيضا في انتسابكم إلى أجداد قذف بهم روح يدعونه روح القدس إلى أرض ~~الميعاد، إلى الأرض التي لا أجد فيها ما يحمد، وهل تحمد تربة أنبتت أسواء ~~الأشجار: عود الصليب. # 1 # وهل سارت فيالق الفرسان أيان كان يدفعها هذا الروح القدس إلا ومن ورائها قطعان ~~الماعز والبط ورهط المجانين والمعتوهين. # أي إخوتي، ليس إلى ما ورائكم يجب أن يتطلع نبلكم، بل إلى ما هو خارج عن سبيلكم، ~~عليكم أن تنفوا نفوسكم من جميع البلدان والمواطن التي سكنها أجدادكم. # لا تعلقوا قلوبكم إلا على أوطان أبنائكم، وليكن هذا الحب حسبكم النبيل الجديد، ~~تلك هي الأوطان التي لم تطأها قدم بعد وراء البحار السحيقة، وأنا آمركم بنشر شراعكم ~~للتفتيش على مراسيها. # عليكم أن تكفروا أمام أبنائكم عن ذنب تحدركم من آبائكم، وبغير هذه الكفارة ~~لن تنقذوا الماضي. # هذه هي الوصية الجديدة أعلق لوحها فوق رءوسكم. # 13 # لماذا نحن نحيا، وكل شيء باطل! وهل الحياة إلا عبارة عن دق سنابل والاصطلاء قرب ~~نار تحرق ولا تدفئ. # هذه هي الثرثرة القديمة لا تزال تحسب حكمة، والناطقون بها شيوخ تفوح منهم رائحة ~~الانزواء، والتعفن يكسب نبلا فهؤلاء الشيوخ لتعفنهم يكرمون وما يقصر الأطفال عن ~~الإتيان بمثل وصاياهم، لقد لذعتهم النار فهم يخافونها، إن كتب الحكمة القديمة ~~مشحونة بكثير من الأوهام الصبيانية. # إن من يدق السنابل لا يحق له أن يهزأ بمن يستخرج القمح منها، إن هؤلاء المستهزئين ~~لمجانين يجدر بنا تقييدهم، فأمثالهم يجلسون إلى الموائد دون أن يأتوها بشيء حتى ولا ~~بشهية للطعام، فهم يجدفون قائلين: إن كل شيء باطل. # صدقوني أيها الإخوة، إن من يحسن الأكل والشرب لا يمتلك فناء باطلا حطموا، حطموا ~~ألواح الوصايا التي كتبها من لا يزالون أبدا ساخطين متذمرين. # 14 ms170 ~~«إن الطاهر يرى كل شيء طاهرا.» هذا ما يقول به الشعب. # أما أنا فأقول لكم إن كل شيء خنزيري في عين الخنازير. # ولذلك يقف المأخوذون بالتواضع وانسحاق القلب داعين الناس إلى الاعتقاد بأن العالم ~~مستنقع أوحال وأوضار، وما الأوضار إلا في عقول هؤلاء الوعاظ الذين لا يحلو لهم أن ~~ينظروا الدنيا إلا مدبرة فما يستهويهم منها إلا قفاها ... # إلا أنني أصرخ بوجه هؤلاء المأخوذين وإن جنحت عن حدود اللياقة لأقول لهم: إن ~~العالم لشبيه بالإنسان فله أيضا قفاه، وفي هذا العالم كثير من الأقذار أيضا، ~~ولكنه ليس مستنقعا يغص بالأوضار على رحبه. # لقد أرادت الحكمة أن يكون في العالم أشياء كثيرة تنبعث الروائح الكريهة منها، فإن ~~الكراهة تستنبت الأجنحة وتولد الشوق إلى صافيات الينابيع. # إن خير من في الحياة لا يخلون مما يوجب الاشمئزاز، بل في أرقاهم ما يجب اجتيازه ~~والتفوق عليه، فمن الحكمة إذن، يا إخوتي، أن تكون الأقذار كثيرة في هذا ~~العالم. # 15 # لكم سمعت الأتقياء المأخوذين بالعالم الآخر يناجون ضمائرهم بأقوال سداها الضلال ~~ولحمتها الشر، يقولونها مصدقين بها لا مواربين ولا مازحين. ~~«دع العالم على حاله ولا تحرك إصبعا لاعتراضه في سبيله، دع الناس يستسلمون لأية ~~يد تشد على خناقهم، دعهم يتناحرون ويتضاربون ويتعاملون بالسوء ويتسالخون، إياك أن ~~تحرك إصبعا لردعهم، دعهم وما يفعلون فإنهم بذلك ينتهون إلى الزهد بهذا ~~العالم.» ~~«احذر حكمتك؛ لأنها هي أيضا من هذه الدنيا وعليك أن تكبتها وأن تنحرها نحرا؛ ~~لأنك بذلك تتعلم أنت أيضا الزهد بهذا العالم.» # أي إخوتي، تقدموا إلى هذه الألواح القديمة، ألواح وصايا الأتقياء وحطموها ~~تحطيما، بل اقضموا بأسنانكم هذه الوصايا فلا تتفوه شفاهكم بها لأنها كلمات ~~المشنعين بالحياة. # 16 # سمعت الناس يتهامسون في الأزقة المظلمة قائلين: «من يتعلم كثيرا يفقد شهواته ~~العنيفة كلها.» # ورأيت ألواح وصية جديدة تعلق حتى في الساحات العمومية وقد كتب عليها: «الحكمة ~~مرهقة، ولا شيء يستحق العناء، فلا تعلق شهوتك على شيء.» # سارعوا أيها الإخوة إلى تحطيم هذه الألواح الجديدة، وما علقها فوق ms171 الرءوس إلا من ~~تعبوا من الحياة، ما علقها الإ كهان الموت وحراس المواخير، وهل هذه الوصية إلا دعوة ~~إلى العبودية. # لقد تعلم هؤلاء الكهنة والحراس ولكنهم اتبعوا منهجا سيئا؛ فأغفلوا من العلوم ~~خيارها، تعلموا قبل الأوان متسرعين، فازدردوا ما تناولوا حتى استحكم في معدهم ~~الداء، وما عقلهم إلا معدة عليلة ساء هضمها ولهذا ينادي عقلهم بالفناء. # إن الحياة ينبوع مسرة، ولكن المنتصت إلى عقله الممعود وقد ساء التمثيل فيه ~~وحكمته السوداء يخيل له أن في كل ينبوع سموما. # إن المعرفة مسرة لمن تعززه إرادة الأسد، وما المتعب تسيره إرادة سواه إلا قطعة ~~عائمة تتقاذفها الأمواج، وهل الضعفاء إلا من أضلوا السبيل حتى إذا نفدت قواهم وقفوا ~~متسائلين عمن دفع بهم إلى السير قائلين أن لا شيء يستحق الاهتمام، هؤلاء هم من يلذ ~~لهم سماع الداعين إلى الاستعباد بقولهم: لا شيء يستحق الاهتمام، فعليكم أن تشلوا ~~إرادتكم. # أي إخوتي، إن زارا يهب كالهواء اللافح مدغدغا معاطس كل من أتعبهم السير على ~~طرقهم، وهذا الهواء الطلق يخترق حتى جدران السجون ويبلغ حتى سجناء التفكير. # لا مخلص إلا الإرادة لأن الإرادة مبدعة، هذا هو تعليمي، وعلى الإنسان أن يتعلم ~~ليبدع، وعليه أن يأخذ عني دون سواي الطريقة التي تبلغه العلم. # من له أذنان سامعتان فليسمع. # 17 # لقد أعدت السفينة فهي متجه إلى بعيد، ولعلها سائرة إلى لجة العدم، فهل فيكم من ~~يريد السفر إلى المجهول المفترض؟ # ليس منكم واحد يريد أن يركب هذه العائمة، سفينة الموت فعلام تريدون إذن أن ~~تسئموا الحياة؟ # أيها المتعبون من الدنيا قبل أن يستعيدكم ترابها، ما عهدتكم إلا متشوقين للأرض ~~عاشقين لمتاعبكم منها. # هذه شفتكم تتدلى بشهوة ترابية تعلقت فيها، وهذه نظراتكم تجول فيها خيالات ملذات ~~أرضية لما نسيتموها بعد. # إن على الأرض مبدعات وفيرة بعضها للفائدة والبعض الآخر للتنعم، فأحبوا الأرض من ~~أجل هذه المبدعات، وفيها ما جمع كنهود الكواعب بين ما يفيد الحياة ويبهج ~~الحياة. # أما أنتم أيها المتعبون من العالم، أيها المتكاسلون، فقد حق عليكم ms172 أن تدغدغ ~~جلودكم السياط لتشتد عزائمكم وقوائمكم؛ لأنكم إذا لم تكونوا ممن نفدت قواهم فتعبت ~~الأرض منهم، فأنتم ولا ريب من فئة المحتالين المتكاسلين أو من المنتقمين المنقطعين ~~إلى اللذات كالهررة الجشعة الخبيثة. إذا أنتم أصررتم على اختيار الجمود وامتنعتم عن ~~الركض بفرح وحبور، فما لكم إلا أن تتواروا عن الوجود. # لا دواء للداء العقام، هكذا يعلم زارا، فاغربوا إذن عن الحياة. # ولكن الإتيان ببيت الختام في قصيدة أصعب من نظم بيوت جديدة فيها، ووضع حد للحياة ~~يستلزم من الشجاعة ما لا يقتضيه البقاء فيها، وذلك ما يعرفه الشعراء ولا يجهله ~~الأطباء. # 18 # أي إخوتي، لقد كتب التعب وصاياه كما كتب الكسل وصاياه أيضا، وبالرغم من أن نص ~~كليهما واحد فإن معنى كل منهما يختلف عن الآخر، وهل كالكسل ما يدخل التعفن إلى ~~النفوس. # انظروا إلى هذا الرجل وقد تراخت عزيمته، ولم يبق بينه وبين هدفه إلا قيد شبر ~~واحد، ولكن التعب أضناه، فأصبح وهو الجسور المقدام منطرحا على الرمال متبرما ~~حانقا. # ها هو ذا يتثاءب من لغبه، وقد سئم الطريق والأرض والهدف حتى سئم نفسه، فهو لا ~~يريد أن يخطو خطوة واحدة بعد. # إن الشمس ترشقه بسهامها وقد دارت به الكلاب متحفزة؛ لتلغ ما تصبب من عرقه وهو لا ~~يزال ممددا ممنعا بعناده مفضلا على النهوض أن تنثره الشمس رمادا. # يا للغرابة أن يفنى الإنسان وهو على قيد شبر من هدفه! تقدموا وجروا البطل بشعره ~~لإبلاغه الجنة التي تاق إليها. # ولكن لا! خير لهذا الرجل أن تدعوه حيث انطرح ليأتيه الوسن المعزي ويتساقط ~~عليه الرذاذ المبرد من السحاب. # دعوه يغط في نومه إلى أن ينتبه لنفسه، إلى أن يتغلب وحده على التعب وعلى كل ما ~~علمه أن يتعب. # ولكن اطردوا من حوله الكلاب الخبيثة الكسولة وأسراب الذباب المالئة جوه ~~بالطنين، وما هي إلا أرهاط المثقفين المتغذين مما تنضحه رءوس الأبطال. # 19 # إنني أرسم حولي خطوطا وأنصب التخوم حدودا مقدسة؛ لذلك يتناقص عدد من يتسلقون ~~الجبال معي كلما ازددت ارتفاعا ms173 نحو الذرى، فحاذروا يا إخوتي، في أي مرتقى أن ~~يندس بينكم الطفيليون، إن الطفيلي حشرة تتغذى من كل خلية عليلة فيكم، فهي تهتدي ~~بالغريزة إلى مواطن ضعفكم وتدرك بسليقتها الزمن الذي تهي فيه عزائمكم، فلا تلبث أن ~~تعشش في مكامن استيائكم ووهن معزتكم. # إن مثل هذه الحشرة لا تتخذ مقرها الكريه إلا في مكامن الضعف من الأقوياء وفي ~~مواطن الإشفاق من النبلاء، وحيث تلوح لها علة حقيرة لعظيم فهنالك تتخذ مسكنا ~~لها. # إن أدنى فئة وأحطها في أي نوع إنما هم الطفيليون وما يغذي هذه الفئة الدنيئة ~~إلا أرفع فئة وأشرفها في ذلك النوع، وكيف لا يتراكم العدد الأوفر من الطفيليين على ~~نفس طال سلمها فطال المدى بين أحط مدرج وأعلى مدرج فيها. # كيف لا يتراكمون على نفس رحب مداها؛ فتراكضت فيه تائهة مستسلمة للطارئات، على نفس ~~تستغرق في آتي الزمان وتندفع إلى أغوار الإرادة والشوق، على نفس تفزع من ذاتها ~~وتفزع إلى ذاتها مندفعة منجذبة في أفسح دائرة وأبعد مجال، على نفس تناهت في الحكمة ~~فراودتها على مهل طلائع الجنون، وتلك هي النفس التي أحبت ذاتها فوق كل حب فبدت فيها ~~مصاعد ومنازل لكل الأشياء، واتسعت لكل جزر ومد فكيف لا تعلق بأكبر النفوس أحقر ~~فئات الطفيليين ... # 20 # ما أحسبني قاسيا عاتيا، ومع ذلك فإنني أقول لكم: إذا ما رأيتم متداعيا إلى ~~السقوط فادفعوه بأيديكم وأجهزوا عليه. # إن كل شيء يتفسخ ويتداعى في هذا الزمان، فمن ترى يحاول دعم ما هوى؟ أما أنا فإنني ~~أريد سقوطه. # وإذا كنتم لم تتذوقوا لذة دفع الصخور من ذرى المنحدرات فانظروا إلى رجال هذا ~~الزمان يتدهورون إلى أغواري. # ما أنا إلا أول المدحرجين وسيأتي بعدي من تفوق مهارته مهارتي، فاقتدوا الآن ~~بي. # كل إنسان تعجزون عن تعليمه الطيران علموه على الأقل أن يسرع بالسقوط. # 21 # إنني أحب الشجعان، وما يقنع إعجابي منهم بإحكامهم ضرب السيف؛ إذ عليهم أيضا أن ~~يمهروا في اختيار من يضربون. # ولقد يكون الإقدام الأوفى في الإحجام أحيانا وفي الاحتفاظ ms174 بالقوة لمن يستحق أن ~~تبذل له. # لا تتخذوا لكم من الأعداء إلا من يستحق البغضاء، وتجاوزوا عن عداء من لا يستحق ~~إلا الاحتقار؛ إذ عليكم أن تباهوا بعدوكم وما هذه أول مرة آتيكم فيها بهذه ~~الوصية. # احتفظوا بقوتكم، وما أكثر من يجب أن تمروا بهم متغافلين! وأحقهم بإغفالكم أولائك ~~الزعانف الذين يخدشون آذانكم بما يتصايحون به عن الأمم والشعوب. # أعرضوا عما يهاجمون به من حجج، وعما يدافعون به من براهين ، فما أقوالهم إلا مزيج ~~توافر حقه وباطله، ومن أصغى إليها لا يأمن ثورة غضبه، فإذا هو منقاد إلى إرسال ~~ضرباته يمنة ويسرة في الجموع؛ لذلك سارعوا للالتجاء إلى الغابات ودعوا سيوفكم ~~مرتاحة في أغمادها. # سيروا في طريقكم ودعوا الأمم والشعوب تتبع مسالكها، إنها لمسالك جللها الظلام ~~فلن يلوح عليها بارق لأمل. # على تلك السبل لا يسود إلا المتاجرون بالسلع؛ حيث لا بارقة إلا من لمعان ~~دنانيرهم، فقد انقضى عهد الملكية وما هذه الكتل التي يسمونها شعوبا لتستحق قيادة ~~الملوك. # انظروا إلى هذه الأمم وقد أصبحت تمثل دور بائع السلع بمجموعها تروها تجمع حقيرات ~~الأرباح من أقذار أية دمنة لاحت لها، لقد انتصبت كل أمة تترصد الأخرى وتقلدها ~~وتدعي جميعها حرمة الجوار. فيا له عهدا سعيدا ذلك الزمان الذي كان يهب فيه شعب ~~معلنا إرادته بأن يسود غيره من الشعوب. # أقول هذا يا إخوتي؛ لأن من حق الأفضل أن يحكم، ولأنه يريد أن يحكم، ولا تسود ~~قاعدة غير هذه القاعدة إلا حيث لا أفضل منها يعمل بها. # 22 # ويل لهؤلاء الناس لو أن خبزهم يوزع مجانا عليهم، فإنهم لا يجدون من يصبون ~~غضبهم عليه، بأي حديث يتحدثون إذا حرموا قساوة الحياة؟ # إن هؤلاء الناس إلا وحوش كاسرة، في أعمالهم ترصد واختطاف، وفي أرباحهم مراوغة ~~واحتيال، فكيف تلذ لهم الحياة إذا هي خلت من الشدة والقسوة، وهم يرون الارتقاء في ~~التفوق على الحيوانات افتراسا ومراوغة؛ لأن الإنسان في اعتقادهم أفضل حيوان ~~كاسر. # لقد اقتبس الإنسان صفات جميع الحيوانات؛ لذلك كانت حياته أوفر ms175 شدة عليه من حياة ~~أية فئة منها، ولكن الإنسان لم يرتفع فوق الأطيار بعد، وويل له إذا هو تعلم ~~الطيران أيضا؛ إذ لا نعلم إلى أي ارتفاع سيندفع بجشعه وحرصه. # 23 # إن ما أريده للرجل وللمرأة هو أن يكون أهلا للكفاح وأن تكون أهلا للتوليد وأن ~~يكونا كلاهما أهلا للرقص برأسيهما وأرجلهما. # لنعد كل يوم يمر بنا دون أن نرقص فيه ولو مرة واحدة يوما مفقودا، ولنعتبر ~~كل حقيقة لا تستدعي ولو قهقهة ضحك بيانا باطلا. # 24 # انتبهوا لكل زواج تعقدونه واحذوا العقود الفاسدة؛ لأنكم إذا تسرعتم بها لا تجنون ~~غير حلها. على أن فسخ الزواج خير من تحمله بالمصانعة والمخادعة. # قالت لي امرأة: «ما حطمت قيود زواجي حتى حطمت هذه القيود حياتي.» # ما رأيت زوجين لا تكافؤ بينهما إلا وتبينت فيهما عاطفة الانتقام؛ إذ يتحول نفور ~~كل منهما إلى عداء للناس، وقد امتنع عليه أن يسير طليقا لوحده. # لذلك وجب على أهل الإخلاص أن يثقوا بصدق ما يشعرون به، وأن يوجهوا قواهم للاحتفاظ ~~بعواطفهم؛ كيلا ينخدعوا بما يعاهدون عليه، وليطالبوا بالاتحاد إلى حين ليثقوا من ~~إمكان اتحادهم إلى أمد طويل فليس من هينات الأمور أن يجتمع اثنان إلى مدى ~~العمر. # ذلك ما أوصي به المخلصين؛ لأنني إن قلت بغير هذه الوصية عدمت محبتي للإنسان ~~المتفوق ولكل ما أتوقعه لآتي الزمان. # ليس ما فرض عليكم أن تتناسلوا وتتكاثروا فحسب، بل عليكم أن ترتقوا أيضا، فلتكن ~~جنة الزواج مدخلكم إلى المرتقى. # 25 # ليس إلا لمن اختبر حادثات الزمان القديم أن يدرك في الينابيع العتيدة ما سيندفق ~~منها من حادثات لمستقبل الأزمان. # لن يطول الزمن، أيها الإخوة، حتى تنشأ شعوب جديدة وتبدأ ينابيع جديدة بالهدير في ~~مجاهل الأغوار. # تزلزل الأرض زلزالها فتكرع المياه الدافقة فيكثر عدد الظامئين، ولكنها في الوقت ~~نفسه تقذف من باطنها إلى النور بالقوى الخفية وبكثير من الأسرار، وهنالك زلازل تفجر ~~من الأعماق على الأرض ينابيع جديدة، فإذا ما انخسفت البسيطة بالشعوب القديمة تدفقت ~~تلك الينابيع. # في ذلك الحين ms176 إذا ما وقف رجل يدعو الناس هاتفا: تعالوا! ههنا عين تروي كثيرا ~~من العطاش فتشدد القلوب الواهية وتخلق العزم فيمن فقدوا إرادتهم. يهرع الشعب إليه ~~طالبا أن يجرب وما يطمح الناس في تجاريبهم إلا إلى التمييز بين من له أن يأمر ومن ~~عليه أن يطيع، ولكم ستقتضي هذه المحاولة من تفتيش واستقراء ومشاورة ~~واختبار. # إن ما يرسو عليه المجتمع الإنساني إنما هو المحاولات لا النظام المبرم بالعقود، ~~هذا ما أعلمه أنا، وما هدف هذه المحاولات إلا وجود من يحسن الحكم. # فأعرضوا يا إخوتي عن كل قول آخر مصدره القلوب الخائرة والأفكار العاجزة عن وجود ~~الطرق الحاسمة. # 26 # أين يكمن الخطر الأعظم المهدد لمستقبل الإنسانية يا إخوتي؟ إنني أراه كامنا في ~~نفوس أهل الصلاح والعدل، وهم القائلون في نفوسهم: «إننا نعرف ما هو صلاح وعدل وهو ~~كائن فينا، فويل لمن يريدون أن يوجهوا أبحاثهم إليه.» # إن ما يرتكبه الأشرار من المآتي لا يوازي بضره ما يرتكبه الأخيار، فإن وطأتهم ~~لأشد على العالم من وطأة المفترين عليه. # أي إخوتي، لقد تطلع يوما أحد الناس إلى قلوب أهل الصلاح والعدل قائلا: ~~«هؤلاء هم الفريسيون.» فما فهم أحد قوله، وما كان الصالحون العادلون ليفهموه ~~أيضا؛ لأن عقلهم سجين في ضميرهم. إن حماقة الصالحين حكمة لا يدرك كنهها أحد، ولكن ~~لا مفر لهم من وصفهم بالفرنسيين، وقد قضي عليهم أن يصلبوا كل من يبتدع لنفسه ~~فضيلتها. تلك هي الحقيقة لا مرية فيها. # لقد جاء رجل آخر فاكتشف مواطن الصالحين والعادلين، وما خفيت عنه أرضهم ولا ~~قلوبهم، فأورد سؤاله وأجاب عليه: أي إنسان يصب عليه هؤلاء الناس أشد كرههم؟ # إنهم لا يكرهون أحدا كرههم للمبدع؛ لأنه في نظرهم المجرم الهدام لتحطيمه ألواح ~~الوصايا القديمة. # ذلك لأن أهل الصلاح عاجزون عن الإبداع، وما هم إلا بداية النهاية، فلا بدع إذا ~~صلبوا من يحفر وصايا جديدة على ألواح جديدة، وإذا ضحوا المستقبل لأنفسهم، ~~والمستقبل للعالمين أجمعين. # هل كان أهل الصلاح في كل حقبة من حقب الزمان إلا بداية ms177 النهاية. # 2 # 27 # أفهمتهم يا إخوتي هذه الكلمة، وما قلته لكم أولا عن الإنسان الأخير؟ # أفما اتضح لكم أن الخطر الأكبر المهدد مستقبل الإنسانية إنما هو كامن في مبادئ ~~أهل الصلاح وأهل العدل. # هيا! حطموا الصالحين والعادلين. # وعساكم تدركون معنى هذه الكلمة أيضا. # 28 # أراكم تذهبون بددا من حولي، أراكم ترتعشون فكأن كلمتي هذه أدخلت الرعب إلى ~~قلوبكم. # أي إخوتي، إنني ما دفعت بسفينة الإنسان نحو الغمر إلا عندما أهبت بكم إلى تحطيم ~~الألواح وإسقاط الصالحين، وها إن الرعب الأعظم يستولي على من دفعت إلى اجتياز ~~الغمر فقد غارت عيناه وحكمه دوار البحار. # لقد أراكم أهل الصلاح وجهات الأمور الخادعة، وعللوكم بحالات أمن كاذب، وكنتم ~~واجهتم أكاذيبهم وأنتم أطفال فما انقطعتم عن الالتجاء إليها. # لقد شوهوا كل شيء وأفسدوه حتى في أصوله. # ولكن من اكتشف الإنسان لم يفته اكتشاف مستقبل الإنسانية، فكونوا لي أيها الإخوة ~~البحارة الشجعان المجالدين، وهيا بنا إلى الأمام نشق عباب البحر مقتحمين أمواجه ~~الصاخبة، تعلموا السير على الوجهة المستقيمة فإن كثيرين يحتاجون إلى الاقتداء ~~بكم. # البحر هائج وفي البحر كل شيء، فإلى الأمام أيتها العزائم، عزائم البحارة ~~القدماء. # ما يهمنا ما يدور بنا، إننا ننشر الشراع قاصدين وطن أبنائنا ما وراء الغمر حيث ~~ترغي وتزبد أشواقنا الهائجات. # 29 # قال الفحم يوما للماس: من أين لك هذه الصلابة؟ أفما نحن نسيبان. # وأنا أقول لكم: أفما أنتم إخوتي، فمن أين جاءكم هذا الخور؟ # لم هذه الليونة لم هذا الميعان؟ أين توكيد الذات في قلبكم وأين غارت سطور ~~مقدراتكم فلا تلوح في أحداقكم؟ # إذا أنتم اطرحتم العزم الحاسم فكيف تتوقعون الظفر يوما إلى جانبي؟ وكيف يتسنى ~~لكم أن تشاركوني بالإبداع إذا لم يكن لعزمكم لمعان الجراز ومضاؤه؟ # هل يكون المبدع إلا صلبا شديدا؟ وهل من غبطة لكم أعظم من أن تطبعوا يدكم على ~~صفحات القرون فترتسم عليها كارتسامها على قطعة من الشمع؟ # إنها لأعظم غبطة أن يكتب الإنسان على إرادة ألوف الأجيال والأجيال أقوى من الصلب ~~وأسمى شرفا؛ لأن ms178 أصلب الأشياء أشرفها. # إنني أعلق فوق رءوسكم لوح هذه الوصية: اتصفوا بالصلابة وتشددوا. # 30 # أي إرادتي، لقد آن لنا أن نضع حدا لكل الصغائر، وما لي من مطلب سواك؛ لأنك ~~وحدك سؤلي ومقصدي. أنقذيني من كل انتصار حقير. # وأنت أيتها الصدفة التي أدعوها مقدراتي، أنت القائمة في ذاتي فوق ذاتي احفظيني ~~وأعدي للعظائم نفسي. # احتفظي أيتها الإرادة للخاتمة بآخر عظمة فيك، كيلا يهي عزمك عند نوالك الظفر؛ لأن ~~ليس من أحد لا يسقط عندما يبلغ الانتصار. # وا أسفاه! أية عين لم يغشاها الظلام في سكرة الظفر، سكرة الغسق، وا أسفاه! أية ~~قدم لم تتعثر ولم تتحول عن مسلكها ساعة الانتصار. # إنني أعد نفسي لأكون ناضجا للظهيرة العظمى، فألقاها صلبا ألانته النار ~~للانطباع، وغمامة تتمخض بالبروق، وضرعا يتفجر بدره. # أريد أن أهيئ ذاتي وصميم إرادتي فأصبح كالقوس ألتوي شوقا لاحتضان سهمه، ~~وكالسهم يطير شوقا نحو كوكبه. # أريد أن أكون الكوكب المتألق بأنواره في الظهيرة العظمى، وقد هزته الغبطة والسهم ~~السماوي يخترقه ليفنيه. # أريد أن أتحول شمسا وإرادة شمس لا تتزعزع، فأكون مهيأ للاندثار في أفق ~~الانتصار. # هذا ما أطمح إليه، فلنضع حدا يا إرادتي لكل الصغائر، أنت مقصدي، فاحفظيني للظفر ~~الأعظم. # | النقاهة # 1 # وما كانت مضت أيام طويلة على عودة زارا واستقراره في غاره، حتى هب يوما من رقاده ~~كالفاقد الرشد، وأخذ يصيح ويعربد مشيرا إلى مرقده كأن عليه شخصا غريبا يحاول ~~طرده، وساد القلق حيواني زارا؛ فدارا حوله وحكم الرعب جميع الحيوانات الأخرى، فإذا ~~هي تدب وتزحف وتتطاير هاربة إلى بعيد. # وبقي زارا في موقفه قائلا: هيا! انهضي أيتها الفكرة الرائعة المنبثقة من أعماق ~~ذاتي، لقد كنت لك فجرا وأعلنت انجلاءك كالديك الصائح، وأنت لا تزالين منطرحة ~~كالتنين، افتحي أذنيك واسمعي؛ لأنني أريد أن تطلقي صوتك أنت، انهضي فإن هنا من ~~الصواعق ما يعلم حتى القبور أن تصيخ سمعا. # افركي أجفانك واسمعي بعينيك ما أقول لك، فإن صوتي يهب النظر حتى لمن ولدوا ~~عميانا، فإذا ما انتبهت مرة فلن يعاودك ms179 الرقاد؛ لأنني ما تعودت إيقاظ الجدود ~~الأقدمين لأسمح لهم بالرجوع إلى نومهم العميق. # أراك تتحركين وتتثاءبين، فانهضي وتكلمي، إن زارا يدعوك، إن من يهيب بك للنهوض ~~إنما هو الكافر زارا. # أنا هو زارا مؤكد الحياة، مؤكد الألم، مؤكد الدائرة الأبدية، أدعوك يا أعمق ~~فكرة بين أفكاري. # يا لابتهاجي! إنني أراك قادمة، فها أنذا أسمع صوت هاويتي لقد نفضت نحو النور آخر ~~أغواري. # يا لسروري! تقدمي إلي ... هاتي يدك. # لا ... لا ... أرجعيها ... يا للكراهة ... ويا لشقائي! # 2 # وما نطق زارا بهذه الكلمات حتى سقط على الأرض كالميت، وطالت غيبوبته حتى إذا ثاب ~~إليه روعه حكمه ارتعاش شديد، وشحب وجهه وانطرح سبعة أيام على فراشه لا يتناول ~~طعاما ولا شرابا، وكان تابعاه من الحيوانات لا يبارحانه، ولكن نسره كان يذهب في ~~طلب الغذاء ويعود حتى كدس أنواع البقول والفاكهة حول المرقد، وطرح أمامه نعجتين ~~اختطفهما بكل عناء من القطعان السارحة وقد نام عنها رعاتها. # وبعد سبعة أيام جلس زارا على مرقده وأخذ تفاحة ينشق نكهتها، فخيل لحيوانيه أن ~~الزمن قد حان فقالا له: لقد مرت سبعة أيام يا زارا، وأنت مثقل الأجفان أفما آن لك ~~أن تنهض، اخرج من غارك فإن كل شيء يتشوق إليك؛ فالهواء يهب بالعطور نحوك والغدران ~~تتسارع إلى لقياك، وكل شيء يتوق إلى معالجتك وشفائك. # هل أتاك يقين جديد، فأرهقك بثقله وفعلت خميرته فعلها فيك؟ فقد رأيناك ساكنا ~~كالعجين المنتفخ باختماره، وشعرنا بروحك تتدفق من جنبيك. # فأجاب زارا: اذهبا في ثرثرتكما، يا حيواني ودعاني أشدد عزمي بالإصغاء إلى هذه ~~الروح. إن الثرثرة لتبسط العالم كله أمامي كحديقة مترامية الأطراف. # إن العذوبة كلها كامنة في الكلمات والأصوات، فما هي إلا جسور من الوهم ممدودة بين ~~الكائنات المنفصلة إلى الأبد. # لكل نفس عالمها فهي تجد في كل نفس أخرى عالما آخر، وكلما ازداد التشابه بين ~~الأشياء ازداد خداع السراب بينها، وأصعب المآزق اجتيازا أضيقها. # إنني لا أدرك كيف يمكن أن يوجد شيء ليس في أنا؛ لأن نفي الذات ممتنع، غير ms180 أن ~~جميع الأصوات تنسينا هذه الحقيقة وخير لنا أن نتمكن من نسيانها. # ما أعطيت الأسماء والأصوات إلا لتشديد عزم الإنسان، وهل اللغة إلا جنون له لذته؟ ~~أفما ترى الإنسان يرقص بيانه على كل شيء. # ما ألذ الكلمات وما أحلى خداع الأصوات! فإنها ترقص حبنا على جميع ما في قوس قزح ~~من الألوان. # فأجاب الحيوانان قائلين: «إن من له عقليتنا يرى الأشياء متراقصة لنفسها؛ لأن كل ~~الأشياء تتقدم إلى مسرح الوجود فتتصافح وتضحك وتنسحب ثم تعود. # الكل يذهب والكل يرجع وعجلة الكون تدور إلى الأبد، كل شيء يموت، وكل شيء يعود ~~فتنور أزهاره ودوائر الوجود لا انتهاء لها. # تتحطم الأشياء فتتبدد، ثم تعود فتلتئم لتجديد بناء الوجود، يتفرق الشمل على وداع، ~~فإذا بعده تسليم فحلقة الكون أمينة لذاتها إلى الأبد. # إن الوجود يبدأ في كل لحظة، فعلى محور «هنا» تنفتح دوائر الأجواء «هنالك» فالمحور ~~مرتكز في كل مكان وطريق الأبدية كله تعاريج.» # وعاد زارا إلى ابتسامه قائلا: يا لطيشكما! إنكما تعلمان جيدا ما وجب أن يتم في ~~سبعة أيام، ويا للمسخ الذي زحف إلى داخل عنقي ليكتم أنفاسي، غير أنني قضمت عنقه ~~بأسناني فقطعت رأسه ولفظته إلى بعيد، فأتيتما تعيدانه إلى نصابه. # أنا الآن متعب مما قضمت ولفظت، ولا أزال مريضا من إجهاضي. # لقد شهدتما كل هذا، فهل أردتما التلذذ بأشد أوجاعي أسوة بالناس؟ والإنسان أقسى ~~حيوان في الوجود؛ لأنه لا يجد ارتياحا على الأرض إلا بمشاهدة المآسي ومصارعة ~~الثيران والصلب، وما تمتع بلذة الجنان على أرضه إلا يوم اخترع الجحيم. # إذا ما صرخ رجل عظيم سارع صغير إلى نجدته والحسد يكاد يدلي لسانه من فمه، ولكنه ~~يسمي هذا الحسد رحمة وإشفاقا. # انظر إلى صغار الناس وأخص منهم الشعراء بأي بيان ملتهب يشكون الدهر وتصاريفه، ~~وإذا ما أصغيت إلى هذا الأنين الشاكي فلا يفوتنك أن تنصت لنبرات اللذة في كل ~~شكوى. # إن الحياة تقول لمن يشكو، وهي تتحكم فيه بغمزة من عينيها: إنك عاشقي فانتظرني ~~لحظة لأتفرغ لك. # ما يقسو حيوان ms181 على نفسه قساوة الإنسان، فإذا ما سمعت أنين من يدعون أنهم مرتكبو ~~آثام وحملة صلبان وتائبون فتنصت إلى أنينهم وشكواهم تسمع فيها شهقات الشهوة ~~المتلذذة. # وهل أقصد أنا الآن بما أقول أن أشكو الإنسان؟ أي نسري وأفعواني، إن الشر الأعظم ~~ضروري للخير الأعظم بين الناس. هذا ما تعلمته وما تعلمت سواه حتى الآن. # إن الشر الأعظم لخير ما في قوة الإنسان؛ لأنه الحجر الأشد صلابة لنحت المبدع، ~~وعلى الإنسان أن يتكامل في خيره وفي شره. # لم أحمل على عاتقي صليبا لأذهب مفتشا عما إذا كان الإنسان شريرا، بل وقفت ~~هاتفا بما لم يهتف سواي بمثله فقلت: «يا للأسف! أن يكون أعظم شر في الإنسان وأعظم ~~خير فيه لا يتجاوزان هذه الصغارة.» # إن هذا الاحتقار العظيم للناس هو الثعبان الذي تغلغل في حلقي، فكاد يخنقني كما ~~كاد يخنقني أيضا ما أنبأ به العراف إذ قال: كل الأشياء متساوية ولا شيء يستحق ~~العناء، فالمعرفة تخنق طلابها. # وهكذا رأيت الغسق ينسحب متعارجا أمامي، وسمعت صوتا حزينا متعبا كأنه نبرات ~~سكران يراوده الموت يقول لي: «سيعود دورا فدورا إلى الأبد الإنسان الذي يرهقك؛ ~~الإنسان الصغير.» # ذلك كان حزني المتعارج غسقا طال انسحابه؛ فأورثني الأرق ورأيت أرض البشر تستحيل ~~أمامي إلى مغارة اتسع صدرها ضاما إليه كل حي، فلاح لي كل شيء ركام أقذار وأكوام ~~عظام وردوم قرون. # ذهب زفيري يجول بين المدافن متراميا على لحود الناس ملتصقا بها، وقد حكم عليه ~~إلا يغادرها؛ فبات هنالك منتحبا يشكو ويردد ليلا ونهارا: «وا أسفاه إن الإنسان ~~سيعود، سيعود الإنسان الصغير دورا فدورا إلى الأبد.» # ولقد رأيت الناس من قبل، رأيت كبيرهم وصغيرهم، فما أشبه الأكبر بالأصغر فيهم ~~فكلهم مستغرق في بشريته. # ما أصغر الأكبر بين الناس! ويا للشقاء في أن يعود الصغار أبدا. إن هذا ما ~~يرهقني من الوجود. # واندفع زارا يردد قوله: يا للكراهة ... يا للكراهة، وهو يتنهد ويرتعش متذكرا داءه ~~وأوجاعه. # وقاطعه نسره وأفعوانه قائلين: توقف عن الكلام، أيها الناقه، اخرج من هنا واذهب ms182 ~~إلى حيث تنتظرك الدنيا في حدائقها، إلى الورود والنحل والحمام، وقف عند أسراب ~~الأطيار المترنمة لتتعلم أناشيدها، وما أجدر الناقهين بالإنشاد! فإن المتمتعين ~~بالعافية يتكلمون وإذا هم تغنوا فبغير ما يتغنى به الناقهون. # فقال زارا: اسكتا أيها الأحمقان أراكما عرفتما السلوى التي أوجدتها لنفسي في سبعة ~~أيام، ولسوف أعود إلى الإنشاد الذي أوجدته للسلوى فيكون لي منه الشفاء، أفتريدان أن ~~أعدل عن هذا أيضا. # فصاح الحيوانان: انقطع عن الكلام أنسيت أنك ناقه؟ أعد قيثارة جديدة لنفسك، فما ~~تجاري القيثارة القديمة إنشادا جديدا . # أطلق أغنيتك، يا زارا، ولتذهب داوية كالعواصف، أشف نفسك بها لتنهض بما قدر لك ~~وما قدر لأحد قبلك. # إن حيوانيك يعرفان من أنت، يا زارا، وما ستكون، فما أنت إلا النبي المعلن تكرار ~~عودة الأشياء إلى الأبد، وهذا ما قدر عليك القيام به منذ الآن: أن تكون أول من ينشر ~~هذا التعليم وكفاك بهذا العمل علة وأخطارا. # ما غرب عنا تعليمك يا زارا، فأنت تقول بأن جميع الأشياء تعود أبدا، ونحن معها ~~عائدون وبأننا وجدنا من قبل مرارا لا عداد لها ومعنا جميع الأشياء أيضا. # أنت تقول بالسنة العظمى المتكررة، وهي كالساعة الرملية تنقلب كلما فرغ أعلاها ~~ليعود أدناها إلى الانصباب مجددا، وهكذا تتشابه السنوات كلها بإجمالها وتفصيلها ~~كما نعود نحن مشابهين لأنفسنا إجمالا وتفصيلا في هذه السنة العظمى. # إذا ما شئت أن تموت الآن يا زارا، فإننا نعلم ما ستناجي به نفسك، ولكن نسرك ~~وأفعوانك يرجوانك ألا تضع حدا لحياتك الآن. # إذا أنت عزمت على الرحيل، فإنك لتدفع بزفرة الارتياح لا بأنين الألم؛ إذ تطرح عن ~~عاتقك وأنت الصلب الجلود وقرك الثقيل وكربتك المضنية، قائلا: ها أنذا أموت ~~وأتوارى، وعما قليل أصبح عدما، فإن الأرواح تفنى كما تفنى الجسوم، غير أن شبكة ~~العلل الدائرة بي ستعود يوما فتخلقني مجددا، فما أنا إلا جزء عن علل العودة ~~الأبدية لكل شيء. # سأعود بعودة هذه الشمس وهذه الأرض، ومعي هذا النسر وهذا الأفعوان سأعود لا لحياة ~~جديدة ولا لحياة أفضل ms183 ولا لحياة مشابهة، بل إنني سأعود أبدا إلى هذه الحياة بعينها ~~إجمالا وتفصيلا، فأقول أيضا بعودة جميع الأشياء تكرارا وأبدا، وأبشر أيضا ~~بظهيرة الأرض والناس وبقدوم الإنسان المتفوق. # هذه هي كلمتي نطقت بها وقد حطمتني هذه الكلمة، ذلك ما قدر علي أبدا، فأنا ~~أتوارى منذرا وبشيرا. # لقد حانت الساعة الآن، الساعة التي يبارك فيها نفسه من يتوارى، وهكذا ينتهي جنوح ~~زارا إلى المغيب. # قال النسر والأفعوان هذا وتوقعا أن يجيبهما زارا بشيء، ولكن زارا لم يعلم أن ~~حيواناه سكتا عن الكلام؛ لأنه كان قد استغرق في مناجاة نفسه فظهر كأنه نائم وما كان ~~نائما. # ووجم النسر والأفعوان أمام سكون زارا، وذهبا على مهل من قربه. # | الأمنية العظمى # أي نفسي! لقد علمتك أن تقولي كلمة «اليوم» كما تتلفظين بكلمتي «أمس وما قبله» وأن ~~ترقصي فوق كل مندثر أينما كان. # أي نفسي! لقد حررتك من كل قيد خفي وطهرتك من الأدران، وأقصيت عنك العناكب وكل نور ~~يخالطه ظلام. # أي نفسي! لقد نفضت عنك صغائر حيائك وكمينات فضائلك، وأقنعتك بالخروج عارية أمام عين ~~الشمس. # لقد نفخت عاصفة الفكر على بحرك المضطرب، وجلوت الغيوم السوداء من آفاقك، وقضيت فيك ~~على الإثم القاتل. # أي نفسي، لقد أوليتك الحق بأن تقولي «لا» كما تقول العاصفة، وأن تقولي «نعم» كما ~~تقول صافيات الآفاق، فأصبحت هادئة كالنور يجتاز العواصف النافيات المانعات. # أي نفسي، لقد أطلقت لك الحرية تتسلطين بها على ما هو كائن وعلى ما لم يتكون بعد، ~~فما شعرت نفس بمثل ما تشعرين من ملذات آتي الزمان. # أي نفسي، لقد علمتك أن تحتقري احتقارا لا ينخر كالسوس، علمتك الاحتقار الذاهب إلى ~~أقصى المحبة أو إلى أقصى التحقير. # أي نفسي، لقد علمتك الإقناع حتى خضعت الأسباب والمقدمات لما ترتئين، فأصبحت كالشمس ~~تقنع البحار بأن تتعالى إلى مدارها. # أي نفسي، لقد نزعت منك كل خضوع وخنوع ومتابعة واستعباد حتى رأيتك سائدة لكل شقاء، ~~ومتحكمة في الدهر لأنك أنت هي المقدور. # أي نفسي، لقد منحتك أسماء جديدة، ومتعتك بألعاب متنوعة ms184 فدعوتك المقدور ومحيط المحيط ~~وقطب الزمان ومئذنة الآفاق. # أي نفسي، لقد أغدقت الحكمة كلها على مملكتك الأرضية، وأترعت كئوسها بخمرة المعرفة ~~المعتقة منذ أقدم العصور. # أي نفسي، لقد غمرتك بجميع الأنوار والظلمات، وكل ما في الكون من سكنات وشهوات، فرأيتك ~~تنمين أمامي كما تنمو الجفنة في الكروم. # أي نفسي، ما أنت الآن إلا دالية في الكرمة أثقلك جنيك، ونهدت أثداؤك عناقيد يلوح ~~سمرتها النضار، لقد أرهقتك السعادة الكامنة فيك فأنت صابرة خجولة من صبرك. # أي نفسي، ليس في الكون من نفس أشد منك حبا ورحابة وحنانا، فأين يتقارب الماضي ~~والمستقبل إن لم يتقاربا في مجالك. # أي نفسي، لقد وهبتك كل ما ملكت يدي، والآن أراك تبتسمين قائلة: على أي من كلينا حقت ~~كلمة الشكران؟ # أفليس على الواهب أن يشكر من تفضل بقبول هبته؟ وهل العطاء إلا حاجة في نفس من أعطوا، ~~والأخذ إلا إشفاق في نفس الآخذين؟ # أي نفسي، إنني أدرك مغزى ابتسامتك ومعنى شجونك، فأنت الآن تمدين راحات إقبالك مترعة ~~بشهوة العطاء، وتمدين أبصارك على البحار المزبدة وقد ابتسم في عينيك صفاء ~~السماء. # من له أن يرد دموعه عن الفيضان، إذا لاحت له ابتسامتك يا نفسي؟ إن ما في هذه البسمة ~~من العطف والحنان ليستهوي الملائكة للبكاء. # إن عطفك وقد تجاوز حده يمتنع عن النواح والعويل في حين أن ابتسامتك تتشوق إلى ~~البكاء ونحرك يتهدج بالنحيب. # إنك تتناجين قائلة: إن كل دمعة فيها أنين وفي كل أنين شكاية؛ ولذلك تفضلين الابتسام ~~على الجهر بما تتحملين من خيراتك، ومن شوق يهز جوارحك بارتعاش الكرمة تتوق إلى مقاطع ~~القاطفين. # فإذا ما كنت تمتنعين عن البكاء، يا نفسي، مغضية بأجفانك الحمراء، فعليك أن ترفعي ~~صوتك بالإنشاد. # انظري إلي في ابتسامي وأنا منبئك بأنك ستطلقين أناشيدك بصوت مرعد يجعل البحار تتنصت ~~لنبرات شهوتك، إلى أن تسبح عليه العائمة المذهبة والمحلاة بكل ما هو حسن في روغانه ~~وغرابته، حيث ينتصب السيد المجمل بالعزم وفي يده المقطع الماسي لعناقيد الكروم، ذلك ~~هو مخلصك ومحررك يا ms185 نفسي، ذلك هو الكريم الذي أضمر اسمه في أناشيد المستقبل، والحق أن ~~في أنفاسك شيئا من أريج هذه الأناشيد، فأنت الآن مستسلمة للأحلام تنقعين غليلك من ~~الآبار حيث يدوي السكون وتلقين بأشجانك إلى أناشيد آتي الزمان لتجدي فيها الراحة من ~~العناء. # أي نفسي، لقد وهبتك كل شيء حتى فرغت يداي، وآخر ما وهبتك إهابتي بك للإنشاد، فقولي لي ~~الآن من منا وجبت عليه كلمة الشكر؟ # تغني يا نفسي «أطلقي أناشيدك من أجلي ودعيني أوجه إليك آيات شكراني.» # هكذا تكلم زارا ... # | نشيد آخر للرقص # 1 # أرسلت نظراتي إلى أعماق عينيك الساهدتين، أيتها الحياة، فوقف نبضان قلبي؛ إذ رأيت ~~الذهب متوهجا فيهما ورأيت مركبا ذهبيا يشع على بحر الظلام يشد بمهد مذهب ~~مشرف على الغرق. # ورشقت قدمي المصابتين بجنون الرقص بنظرة مسكرة مذيبة ضاحكة مستفهمة، وما قرعت ~~يداك الصغيرتان ضربتين على دفك حتى تحفزت قدماي للوثوب وتنصت عقب كل منهما ~~لأوزانك، وأذن كل راقص مفتوحة في عقب قدمه. # وثبت إليك، أيتها الحياة، ولكنك تراجعت عني وتوليت، فإذا بغدائر شعرك المتطاير ~~تسمعني فحيح الأفاعي وتريني من ألسنتها نصالا. # قفزت متراجعا عنك وعن أفاعيك، فإذا بك متعالية تتحولين مقبلة علي، وقد تدفقت ~~بالشهوات عيناك، مشيرتين إلي بنظراتهما المنحرفة أن أتبع السبل الملتوية، وهكذا ~~تعلمت قدماي المراوغة على منعرجات الطريق. # إنني أخشاك قريبة وأحبك بعيدة، أيتها الحياة، فيجذبني إعراضك عني ويوقفني إقبالك ~~نحوي، فأنا معذب بك وأي عذاب لا أتحمله من أجلك، أنت المحرقة ببردك، الساحرة بكيدك، ~~الجاذبة بإدبارك المحيرة بسخريتك. # أي إنسان لا يكرهك، أيتها الآسرة الغامرة الساحرة التي لا يفوتها مقصد تتجه إليه، ~~ومن لا يحبك وأنت البريئة الرعناء المسارعة إلى المعصية والإثم وفي عينيك لفتات ~~الأطفال؟ # إلى أين تقودينني الآن أيتها الطفلة المهذبة الشاردة؟ أراك تفرين من أمامي حلوة ~~طائشة أيتها الجاحدة الفتية، وها أنذا أتبعك راقصا حتى إلى المآذق التي لا أعرف ~~لها منفذا. # أين أنت؟ مدي إلي يدك أو إصبعا من كفك، فليس أمامي إلا مغاور ومضائق، قفي ... ~~أفلا ترين ms186 البوم والوطاويط تتطاير حولنا. # مهلا يا طير الظلام، أفأنت ساخر بي؟ أين نحن الآن؟ لقد تعلمت من الكلاب نباحهم ~~فأراك تكشر عن أسنانك الصغيرة، وتحدجني بنظراتك المتقدة من وراء لبدتك الصغيرة ~~الجعداء. # أية رقصة تريد أن أرقص، أجبلية أم بحرية؟ أنا هو الصياد، أفما يحلو لك أن ~~تكون كلبي أم تفضل أن تكون طريدتي؟ # أنت هذا الطير أيتها الحياة فتعالي إلى جنبي الآن أيتها القفازة الشريرة، ~~ارتفعي وسيري إلى الجهة الأخرى. # ويلي لقد قفزت فوقعت، فانظري إلي طريحا يتوسل إليك أفما كان خيرا لي أن ~~أتبعك على مسالك أجمل من هذه؟ على مسالك الحب بين الشجيرات الزاهية بعديد ألوانها ~~أو على شاطئ البحيرة حيث تتراقص الأسماك المذهبة. # لقد أضناك التعب الآن وهنالك خرفان ترعى عند الغروب، أفلا يلذ لك أن نرقد حيث ~~تصدو شبابة الراعي. # إنني سأحملك إلى هناك فمدي معصميك إلي، لعلك عطشى ولقد أجد ما أروي به ظمأك ~~ولكن شفتيك تتحولان عن كل شراب. # لقد انقلبت أفعى، هذه الساحرة الرشيقة الوثابة الزاحفة، فلا أدري في أي الأوكار ~~تغلغلت، بعد أن صفعت وجهي وأبقت عليه طابع يدها الحمراء. # لقد تعبت من رعايتك والسير وراءك أيتها الساحرة، لقد أسمعتك أغاني حتى الآن ~~فلسوف تسمعينني صراخك، هيا ارقصي على نقرات سوطي ألهبك به، فإنني ما نسيت ~~سوطي. # 2 # وسدت الحياة أذنيها، وأجابتني قائلة: «لا تقعقع بسوطك، يا زارا، فأنت تعلم أن ~~الضجة تشل التفكير، وقد بدأت تتوارد علي الخواطر، فما أنت وأنا إلا من زمرة ~~المتكاسلين، لقد وجدنا جزيرتنا ومروجنا الخضراء ما وراء الخير والشر، وما اكتشفها ~~معنا أحد؛ لذلك وجب علينا أن يحب أحدنا الآخر، وهب أن حبنا لا يخرج من صميم القلب، ~~أفيحق لنا أن نتبادل من أجل هذا عاطفة النفور. # أنت تعلم أنني كثيرا ما أحبك وأتجاوز الحد في حبك، وما ذلك إلا لغيرتي من حكمتك ~~فيا ويلاه من هذه الحكمة المجنونة الهرمة، ولكن إذا ما هجرتك هذه الحكمة يوما فلا ~~يطول الزمن حتى تهجرك محبتي أيضا.» # وأدارت ms187 الحياة أنظارها ما وراءها وما حولها وقالت: لست بالأمين الوفي يا زارا، ~~فمحبتك أبعد من أن تصل إلى الحد الذي تصف بأقوالك، وأنا أعلم أنك تفكر في هجري عما ~~قليل. # إن على المرتفع جسرا ضخما قديما يدق ساعات الظلام فيصل رنينه إلى أعماق غارك، ~~وعندما يؤذن بانتصاف الليل يخطر لك أن تغادر في مدى الساعة الأولى من الهزيع ~~الثاني، إنني أعلم ذلك يا زارا، فأنت مصمم على هجراني. # فأجبت مترددا: «أجل» ولكنك تعرفين أمرا آخر، وتقدمت أسر في أذنها كلمة أخرى ~~بين غدائر شعرها الذهبية المتطايرة، فقالت: «إذن، أنت تعرف هذا يا زارا! وليس من ~~يعرفه سواك.» # وتراشقنا اللحظات وعدنا نسرحها على المروج الخضراء، وقد دغدغها نسيم المساء ~~البليل واستخرطنا كلانا بالبكاء، وعندئذ شعرت أن الحياة أعز علي من حكمتي. # هكذا تكلم زارا ... # 3 ~~(1) # كن على حذر أيها الإنسان. ~~(2) # ماذا يقول نصف الليل في غوره؟ ~~(3) ~~«لقد نمت، لقد نمت.» ~~(4) ~~«ثم أفقت من حلم عميق.» ~~(5) ~~«إن العالم عميق.» ~~(6) ~~«فهو أعمق مما يعتقد النهار.» ~~(7) ~~«وآلامه عميقة.» ~~(8) ~~«وأعمق من أحزانه أفراحه.» ~~(9) ~~«تقول الآلام للعالم اعبر وانقض.» ~~(10) ~~«ولكن الأفراح تطلب الأبدية.» ~~(11) ~~«تطب الأبدية العميقة.» ~~(12) ~~«!» # | الأختام السبعة أو نشيد البداية والنهاية، الألف والياء # 1 # أنا العراف الممتلئ بالروح الكاشفة الذاهب صعدا على السلسلة المتعالية ~~بين بحرين، السائر بين ما مضى وما سيأتي كغمامة كثيفة متملصة من جميع ~~الأعماق الخانقة والمعادية لكل متعب ليس له أن يحيا، وليس له أن ~~يموت. # أنا تلك الغمامة المعدة صدرها المظلم للمعات الأنوار المنقذة، ~~المتمخضة بالبرق المثبتة الضاحكة مما تثبت، أنا الغمامة الحاملة للصواعق ~~الكاشفة، ويا لسعد من تمخض بمثل هذه الصواعق! ولكنه ملزم بأن يلتصق طويلا ~~بالذروة كما تلتصق الغمامة المثقلة؛ إذ عليه أن يشعل يوما أنوار مستقبل ~~الزمان. # كيف لا أحن إلى الأبدية؟! وكيف لا أضطرم شوقا إلى خاتم الزواج إلى دائرة ~~الدوائر حيث يصبح الانتهاء عودة إلى الابتداء؟! # إنني لم أجد حتى اليوم امرأة أريدها أما لأبنائي إلا المرأة التي ~~أحبها؛ لأنني أحبك أيتها الأبدية! # إنني أحبك ms188 أيتها الأبدية. # 2 # إذا كنت تهجمت بغضبي على القبور فانتهكت حرمتها، ونبذت قصيا معالم ~~الحدود، وألقيت بألواح الشرائع فحطمتها على مهاوي الأغوار. # وإذا كنت بسخريتي نثرت الكلمات المتداعية، وهببت كالريح أكسح نسيج ~~العناكب، وأطهر مغاور الموت المتعفنة القديمة. # وإذا كنت جلست مرحا مسرورا حيث دفنت آلهة الأزمان المنصرمة لأبارك ~~العالم وأغمره بالحب قرب أنصاب من افتروا عليه، فما ذلك إلا لأنني أتوق إلى ~~رؤية المعابد ومدافن الآلهة عندما تخترق عين السماء الصافية قبابها ~~المحطمة، فأجس على الركام المتهدمة كالعشب الأخضر والشقائق الحمراء. # فكيف لا أحن إلى الأبدية ولا أضطرم شوقا إلى خاتم الزواج! إلى دائرة ~~الدوائر حيث يصبح الانتهاء عودة إلى الابتداء. # إنني لم أجد حتى اليوم امرأة أريدها أما لأبنائي إلا المرأة التي ~~أحبها؛ لأنني أحبك أيتها الأبدية. # إنني أحبك أيتها الأبدية. # 3 # إذا كانت هبت علي نسمة من نسمات الإبداع الإلهية التي تكره حتى الصدف ~~العمياء على الدوران راقصة كتراقص الكواكب في الأفلاك. # إذا كنت ضحكت بقهقهة البرق المبدع يصحبه إرعاء العمل. # وإذا كنت تراشقت الزهر مع الآلهة على نرد الأرض حتى ارتجفت الأرض، وتشققت ~~قاذفة لهاث النار في الأجواء، فما ذلك إلا لأن الأرض نرد إلهي يرتعش لوقع ~~الكلمات المبدعة الجديدة ولتساقط الأزهار الإلهية. # فكيف لا أحن إلى الأبدية، ولا أضطرم شوقا إلى خاتم الزواج، إلى دائرة ~~الدوائر حيث يصبح الانتهاء عودة إلى الابتداء. # إنني لم أجد حتى اليوم امرأة أريدها أما لأبنائي إلا المرأة التي ~~أحبها، لأنني أحبك أيتها الأبدية. # إنني أحبك أيتها الأبدية. # 4 # إذا كنت كرعت ما في هذه الكأس من دواء تمازجت جميع العقاقير فيه، وإذا ~~كنت مددت يدي فضممت الأبعد إلى الأدنى وجمعت بين النار والتفكير، وبين ~~المسرات والأحزان مازجا أقبح الأشياء بأحسنها. # وإذا كنت أنا ذرة مفتدية في بحر الرمال أعمل على مزج الأشياء في كأس ~~العقاقير، فما ذلك إلا لأن في الوجود ملحا يلتحم به الخير مع الشر، وما ~~الشر إلا أحد التوابل التي تزبد الكأس فترغي طفاحا. # فكيف لا ms189 أحن إلى الأبدية ولا أضطرم شوقا إلى خاتم الزواج، إلى دائرة ~~الدوائر حيث يصبح الانتهاء عودة إلى الابتداء. # إنني لم أجد حتى اليوم امرأة أريدها أما لأبنائي إلا المرأة التي ~~أحبها؛ لأنني أحبك أيتها الأبدية. # إنني أحبك أيتها الأبدية. # 5 # إذا كنت أحببت البحر وكل ما يشبه البحر وما اشتد هيامي به إلا عند ~~مقاومته لي بزوابعه، وإذا كنت أحمل في نفسي غبطة المستكشف، الغبطة التي ~~تدفع بالشراع إلى المجاهل وتملأ رواد البحار حبورا، وإذا كنت قد صرخت في ~~حبوري: لقد توارت أواخر الشواطئ عن عياني، فتحطمت بتواريها آخر حلقة من ~~قيودي، فها أنذا الآن في وسط المدى الفسيح الصاخب بعيدا عن توالي الأمكنة ~~والأزمان، فهيا بنا، يا قلبي الهرم إلى الأمام! # أواه! كيف لا أتوق إلى الأبدية وأضطرم شوقا إلى خاتم الزواج، إلى دائرة ~~الدوائر حتى يصبح الانتهاء عودة إلى الابتداء. # إنني لم أجد حتى اليوم امرأة أريدها أما لأبنائي إلا المرأة التي ~~أحبها؛ لأنني أحبك أيتها الأبدية. # إنني أحبك أيتها الأبدية. # 6 # إذا ما كانت فضيلتي فضيلة الراقصين، وإذا كنت كثيرا ما رقصت مأخوذا ~~بإشعاع الزمرد والنضار وإذا كان شري شرا ضاحكا يأنس إلى حقول الزنابق ~~وأغصان الورود، فذلك لأن كل ما هو شرير يتحد بالضحك ولكنه يتحد مبررا ~~ومحررا بغبطته نفسها. # إن الألف والياء عندي هما أن تتحول كل كثافة إلى لطافة فيصبح كل ثقيل ~~خفيفا وكل جسم راقصا وكل فكر طائرا، والحق أن في هذا كل بداية وكل ~~نهاية. # فكيف لا أتوق إلى الأبدية وأضطرم شوقا إلى خاتم الزواج، إلى دائرة ~~الدوائر حيث يصبح الانتهاء ابتداء. # إنني لم أجد حتى اليوم امرأة أريدها أما لأبنائي إلا المرأة التي ~~أحبها؛ لأنني أحبك أيتها الأبدية. # إنني أحبك أيتها الأبدية. # 7 # وإذا ما كنت بسطت فوقي سماوات يسودها السكون، وأطلقت جناحي في مجالات ~~سماواتي، وإذا ما كنت سبحت في أعماق مدى الأنوار فملكت حكمة الطيور في ~~حريتي، فما ذلك إلا لأن حكمة الطيور تقول: «ليس في الكون فوق ولا ms190 تحت، ألق ~~بنفسك هنا أوهناك، اذهب إلى الأمام أو تراجع إلى الوراء ما دمت خفيفا، ~~أطلق صوتك بالتغريد ولا تتكلم بعد، أفليس التكلم شيمة أهل الكثافة والثقل، ~~وهل يتصاعد كل قول إلا نحو الخفيف اللطيف، غرد ولا تتكلم بعد.» # أواه! كيف لا أحن إلى الأبدية، وأضطرم شوقا إلى خاتم الزواج، إلى دائرة ~~الدوائر حيث يصبح الانتهاء ابتداء. # إنني لم أجد حتى اليوم امرأة أريدها أما لأبنائي إلا المرأة التي ~~أحبها؛ لأنني أحبك أيتها الأبدية. # إنني أحبك أيتها الأبدية! ... # | الجزء الرابع # أين تجلى الجنون في الأرض بأشد # مما تجلى بين المشفقين، بل أي ضرر # لحق بالناس أشد من الضرر الناشئ # عن جنون الرحماء، ويل لكل محب # ليس في محبته ربوة لا يبلغها إشفاقهم # قال لي الشيطان يوما: إن # للرب جحيما هو جحيم محبته للناس # وقد سمعت هذا الشيطان يقول أخيرا: لقد مات الإله وما أماته غير ~~رحمته. # زرادشت # الرحماء، الجزء # الثاني # | تقدمة العسل # وكرت الأشهر وتوالت السنون على زارا وهو لا يشعر بها، مع أنها جللت بالبياض ناصيته ~~وفوديه. # وجلس زارا يوما على حجر أمام غاره، وأرسل نظراته إلى بعيد ترود تعاريج الأودية وقد ~~ظهر شيء من أفق البحر عند منتهاها السحيق، وبينما هو مستغرق في تفكيره دار حوله نسره ~~وأفعوانه ثم مثلا أمامه قائلين له: علام ترسل نظراتك يا زارا، أتراك تفتش على ~~سعادتك؟ # فأجاب: ما لي وللسعادة، لقد انقضى الزمان الذي كنت أتوقع السعادة فيه، فما أتشوق الآن ~~إلا إلى أعمالي. # فقال الحيوانان: إنك تتكلم كمن تغلغل الخير فيه، أفما أنت عائم على بحيرة من السعادة ~~ينعكس على صفحتها أديم السماء؟ # فأجاب زارا وهو يبتسم: لقد أجدتما التشبيه، ولكنكما تعلمان أيضا أن سعادتي ثقيلة، ~~ولا شبه بينها وبين الأمواج هجوما وتراجعا، فهي تزحمني ولا تبتعد عني وتلتصق بي كأنها ~~الراتنج المذوب. # ودار الحيوانان مرة ثانية حول زارا وعادا يتفرسان به قائلين له: لقد عرفنا السبب إذن ~~في اصفرار لونك واكمداده وتحول لون شعرك إلى لون القنب، أفلا ترى أنك ms191 غارق في المادة ~~الراتنجية اللزجة وفي شقائك؟ # وتضاحك زارا قائلا: والحق أنني جدفت عندما ذكرت المادة الراتنجية، فما حدث لي إلا ما ~~يحدث لكل ثمرة يتداركها النضوج أن العسل هو ما يخثر دمي، ويزيد نفسي استغراقا في ~~صمتها. # وتقرب النسر والأفعوان من سيدهما وقالا: إن الأمر كما تقول ولكن أفلا تريد اليوم أن ~~تصعد إلى الجبل العالي فالهواء نقي يشعرك بلذة الحياة. # فقال: إنكما تعربان عن مشتهاي فأنا أتوق اليوم إلى تسلق المرتفع، ولكن عليكما أن ~~تتداركا لي عسلا من القفير الذهبي، عسلا أصفر وأبيض من أجوده وأبرده؛ لأنني أريد أن ~~أبذله تقدمة إلى الذرى. # ولما وصل زارا إلى القمة وأطلق للحيوانين سراحهما رأى نفسه منفردا، فابتسم وأدار ~~لحاظه ما حوله قائلا: لقد تعللت بتقدمة العسل لأتمكن من الانفراد بنفسي فأتكلم حرا ~~طليقا على القمة بعيدا عن منازل النساك وحيواناتهم. # عندما كنت أذكر التضحية كنت أبدد ما وهب لي بألف راحة منبسطة، فكيف أجسر أن أدعو هذا ~~العمل اليوم تضحية؟ # إنني عندما طلبت العسل لم أطلب سوى طعمة للشرك، فأردت أخذها من القفير المذهب الذي ~~تتشوق إلى التلذذ به الأطيار والدببة. # طلبت خير طعمة يستعملها الصائدون على اليابسة وفي البحر، فإن الدنيا عبارة عن غابة ~~تغص بالحيوانات وحديقة يتنعم بها كل صائد وحشي، ولعلها أشبه ببحر زاخر لا قعر له، فهي ~~والحق بحر محتشد بالأسماك على أنواعها وعديد ألوانها مما يثير شهية الآلهة أنفسهم حتى ~~إنهم ليصبحوا صيادين يرمون بشباكهم إلى هذا العالم المليء بالعجائب والغرائب كبيرها ~~وصغيرها، وأخص من الدنيا عالم الناس برهم وبحرهم فأنا أرسل في مجالاته شبكتي المذهبة ~~هاتفا: انفتحي أيتها الأغوار البشرية. # انفتحي واقذفي إلي بأسماكك اللامعة، فلسوف أتمكن اليوم بخير طعمة أستهوي بها ~~الأسماك البشرية من اصطياد خيارها، وما هذه الطعمة إلا سعادتي نفسها أنشرها إلى الأبعاد ~~بين المشرق والجنوب والمغرب، وأنظر ما إذا كان العدد الغفير من الأسماك البشرية يتعلمون ~~تذوق سعادتي والاشتباك بها، حتى إذا تغلغلت في حناجرهم طعمتي يضطرون إلى الارتفاع نحو ms192 ~~مستواي، وهكذا يرتقي أشد الأسماك تعلقا بالأغوار إلى قرب أشر صياد يصطاد بني ~~الإنسان، وما أنا إلا ذلك الصياد منذ نشأتي وفي أعماق روحي فأنا الجاذب المستهوي ~~المزحزح الرافع والمثقف المعلم. أنا من قال من قبل: يجب عليك أن تصير من أنت. # فليرتفع الناس إلي الآن لأنني أنتظر الإشارات التي تعلن لي أن زمن نزولي قد حان، ~~فإنني لم أنزل بين الناس بعد كما وجب علي أن أنزل؛ لذلك أنتظر هنا على قمة الجبل ~~مراوغا مستهزئا دون أن أعيل صبري ودون أن يعيل هو، أنتظر كمن نسي الصبر؛ لأنه لا شفقة ~~فيه . # لقد أوسعت مقدراتي مجال الزمان أمامي، فهل هي تناستني فشغلت باصطياد الذباب مستظلة ~~وراء صخر كبير؟ والحق أنني ممتن لما قدر الأبد علي؛ لأنه لا يزحمني بل يترك لي متسعا ~~من الدهر لأتلاعب وأرتكب الشرور حتى إنه أجاز لي اليوم أن أتسلق هذا الجبل لأصطاد عليه ~~الأسماك، وهل سمعتم بإنسان يصطاد الأسماك على الذرى؟ لقد يكون ما طلبته جنونا على أنه ~~خير لي أن يحكمني الجنون من أن يسودني الجمود فأتلون بالاخضرار والاصفرار وأنا ساكن ~~على الانتظار في الأعماق، فأنا لا أريد أن أكون كهؤلاء المتحرقين في غيظهم لطول ~~انتظارهم كأنهم عاصفة مقدسة تصيح بالوديان: أصغي إلي، وإلا فإنني أجلدك بسياط ~~الله. # ما يكيدني مثل هؤلاء الثائرين فإنني أقف باعتباري لهم عند حد الاستهزاء، ولا يفوتني ~~سبب غضبهم؛ لأنني أعلم أنهم إن لم يقرعوا طبولهم اليوم فلن يقرعوها إلى الأبد. # أما أنا ومقدراتي فما نوجه خطابنا لا إلى اليوم ولا إلى الأبد، وبوسعنا أن نصبر على ~~الصمت؛ لأن أمامنا مدى طويلا وسيأتي زمن لن يكون فيه للقادم أن يعبر ويتوارى، ومن هو ~~هذا القادم؟ إن هو إلا الصدفة العظمى أي ملك الإنسان؛ إذ يحكم فيه زارا ألف ~~عام. # وإذا كان هذا الملك لم يزل بعيدا، فما يهمني هذا البعد وأنا الواثق من أنه لا بد ~~قادم. إنني أستند من هذه الثقة إلى الأسس الأبدية، إلى هذه الصخور والجبال ms193 القديمة ~~المنتصبة بين الرياح مترصدة ما كان وما سيكون. # فاضحك أيها الشر الكامن في، وأرسل قهقهتك الهازئة من أعالي هذه الجبال، وألق ~~بشباكك لاصطياد خير الأسماك البشرية، اذهب رائدا جميع البحار فإن كل ما فيها هو لي، ~~التقط الجميع وارتفع به إلي. إن هذا ما يتوقعه أوفر المتصيدين شرا. # اذهبي في عرض البحار أيتها الطعمة وغوري في الأعماق لاصطياد سعادتي، واقطر أحلى ~~قطراتك المعسولة أيها القلب طعمة شهية تحل في أحشاء المصائب المروعة الدكناء. # إن أنظاري تمتد إلى أعمق الآفاق فيا للبحار تتسع أمامي ويا لمستقبل الإنسانية يفلق ~~الضحى وما فوقي ينبسط السكون على تورد الآفاق، فيا للصفاء لا تكدره الغيوم. # | استنجاد # وفي صبيحة اليوم التالي، جلس زارا على مقعده الحجري أمام غاره، وسار نسره وأفعوانه ~~يتجولان في الأرض لتدارك أطعمة جديدة وعسلا جديدا؛ لأن زارا كان بدد حتى آخر قطرة من ~~العسل القديم. # وبينما كان مستغرقا في تفكيره وهو متكئ على عصاه يتفرس في ظل جسده، انتفض فجأة؛ إذ ~~لاح له ظل آخر يرتسم قرب ظله، ووقف متلفتا إلى ما وراءه فإذا بالعراف واقفا على مقربة ~~منه، وهو من قاسمه الغذاء يوما على مائدته فأهاب إلى الخمول قائلا: «إن كل الأمور ~~متشابهة ولا شيء يستحق العناء؛ لأن لا معنى للوجود، والحكمة خانقة قاتلة.» # ولكن ملامح هذا العراف كانت تبدلت منذ ذلك العهد، وما أمعن زارا النظر فيه حتى استولى ~~عليه زعر مما رأى على سحنته من طلائع الشؤم. # وأدرك العراف ما يمر في خاطر زارا؛ فبسط كفه ماسحا وجهه كأنه يريد محو ما ارتسم ~~عليه، ومسح زارا وجهه أيضا حتى إذا عاد الاطمئنان إلى كليهما تصافحا فقال زارا: أهلا ~~بك يا بشير التراخي والجمود، ولعلك استفدت شيئا من نزولك ضيفا علي فيما مضى، فاجلس ~~اليوم أيضا إلى مائدتي واسمح أن أجالسك أنا الشيخ الممتلئ غبطة وحبورا. # فهز العراف رأسه قائلا: يخيل إليك أنك شيخ يتدفق غبطة وحبورا، ولكنك على أي حال كنت ~~وأيا كنت يا زارا، لن يطول زمن ms194 حبورك على هذه الذرى فلسوف تجتاح سفينتك العواصف عما ~~قليل. # فقال زارا: وهل أنا بمأمن من هبوبها؟ # فقال العراف: إن الأمواج تدور بجبلك من كل جانب، فهي تعلو وترتفع دون انقطاع وعما ~~قليل ستبلغ هذه الأمواج، أمواج الشقاء والآلام، هذه الذرى فتذهب بسفينتك وتذهب بك ~~أيضا. # وصمت زارا متعجبا. # فاستطرد العراف: أفلا تسمع الآن شيئا؟ أفما يبلغ أذنيك صخب الأغوار وهديرها. # وبقي زارا باهتا يتنصت فإذا به يسمع صوتا مديدا تتلقفه أصداء المهاوي كأن لا هاوية ~~منها تطيق الاحتفاظ بمثل هذا النداء الفجيع! # فصاح زارا بالعراف: أجل يا نذير الشؤم، إنني أسمع صوت استنجاد يصرخ به إنسان، ولعله ~~آت من بحر الظلمات، ولكن ما لي ولمدد الناس! أفما تعلم ما هي آخر خطيئة قدرت ~~علي؟ # فأجاب العراف: بلى إنها الرحمة. # وتدفق قلبه سرورا فرفع ذراعيه هاتفا: لقد جئت لأسقطك في هذه الخطيئة. # وعاد الصوت يدوي أوسع امتدادا وأشد ارتياعا، كأن مصدره يقترب. # فقال العراف: أتسمع يا زارا، إن النداء موجه إليك، تعال، تعال ... فقد لا تصل إلا بعد ~~فوات الأوان. # وبقي محتفظا بصمته ولكنه شعر باضطراب زعزع إرادته فسأل مترددا: ومن ذا يناديني من ~~بعيد؟ # فأجاب العراف: إنك تعرف فعلام تتجاهل؟ ذلك هو الإنسان الراقي يناديك ~~مستنجدا. # وارتعش زارا قائلا: ماذا يريد مني؟ ماذا يطلب الإنسان الراقي هنا؟ # وبدا جلده يتصبب عرقا. # أما العراف فلم يأبه لاضطراب زارا، بل انحنى فوق الهاوية متنصتا، وإذ طال السكوت في ~~الغور أدار ظهره فرأى زارا لم يزل منتصبا مكانه وهو يرتجف فقال له بصوت حزين: لا يلوح ~~لي أنك الرجل الراقص لسعادته، فارقص إذا شئت إلا تقع على الأرض، ولو أنك رقصت بكل ~~حركاتك أمامي الآن فإنني لا أصدق أنك آخر من يتمتع بالسعادة بين الناس، وإذا ما تسلق ~~أحد هذه الذرى آملا أن يجد آخر السعداء فإنه ليفتش عبثا عليه؛ إذ لا يجد سوى المغاور ~~يختبئ فيها من يحب الاستتار، إن مكامن السعادة ليست في هذه الأرجاء، وهل من سعادة ترتجى ~~بين ms195 من دفنوا أنفسهم وتنسكوا؟ فهل وجب علي أن أفتش على السعادة في الجزر السعيدة ~~بعيدا وراء البحار؟ # ولكن ما لي ولهذا ما دام لا شيء في الوجود يستحق العناء والاهتمام، وعبثا نفتش فإن ~~الجزر السعيدة قد توارت من الوجود. # وبعد أن أنهى العراف خطابه ودفع آخر زفرة من صدره عادت الغبطة إلى زارا، فإذا به ~~ينتفض كمن يخرج من الظلمة ليستقبل النور ويقول وهو يلعب بلحيته. # لا وألف لا ... إنني أعلم منك، فالجزر السعيدة لا تزال مكانها فاصمت أيها النداب، ما ~~أنت إلا غمامة تمطر على بسمة الصباح وقد بللتني دموعك، ولكنني أنفضها عني وأفزع منك ~~إلى بعيد، أفما تراني أعاملك بالحسنى؟ لا تعجب لهذا لأنك نازل في مملكتي. # ها أنذا ذاهب إلى مصدر صوت الاستنجاد في هذا الغاب؛ لأفتش على الإنسان الراقي فلعله ~~معرض للخطر بين الوحوش الضارية، وأنا أحاذر أن يلحق به ضرر في مملكتي، وما أكثر الضواري ~~فيها! # وما تحفز زارا للسير حتى قهقه العراف ضاحكا وقال: أي زارا، ما أنت إلا مراوغ ~~محتال، إنك تقصد التخلص مني فتفضل مطاردة الوحوش، ولكن هربك لن يجديك شيئا فلسوف تجدني ~~محتلا غارك عند رجوعك، ستراني متربعا فيه كحزمة حطب ثقيلة. # فقال زارا وهو سائر نحو الغاب: ليكن ما تريد إن كل ما في غاري هو لك أيضا لأنك ~~ضيفي، وإذا ما وجدت فيه شيئا من العسل فلك أن تلحسه لتخفف ما في نفسك من المرارة أيها ~~الدب المزمجر؛ لأننا سنفرح ونطرب سوية هذا المساء لانقضاء هذا اليوم فتشترك معي بالغناء ~~والرقص دبا مثقفا. # أراك تهز رأسك كأنك لا تصدق ما أقول، فاذهب في سبيلك إذن أيها الدب الهرم، ولكن اعلم ~~أنني عراف أنا أيضا. # هكذا تكلم زارا ... # | محادثة مع الملكين # 1 # وما مضت ساعة على سير زارا وتوغله في جباله وأحراشه حتى اعترضت طريقه قافلة ~~غريبة، فرأى ملكين كل منهما متوج وممنطق بالأرجوان، يسوقان أمامهما حمارا محملا، ~~فقال زارا في نفسه: ماذا يطلب هذان الملكان في أراضي، وأسرع إلى ms196 الاختفاء وراء ~~عوسجة حتى إذا اقتربت القافلة من مكمنه تمتم بصوت خافت: يا للغرابة! إنني أرى ملكين ~~ولا أرى غير حمار واحد. # وتوقف الملكان وهما يبتسمان ويلتفتان إلى مصدر الصوت الخافت، فقال ملك الميمنة: ~~إن مثل هذه الأفكار تمر في الخاطر عندنا ولكن لا يعبر أحد عنها. # فهز ملك الميسرة كتفيه وقال: لعل المتكلم راع أو ناسك عاش طويلا بين الصخور ~~والأشجار فالابتعاد عن المجتمع مفسد للأخلاق المهذبة. # فقال الملك الآخر - وقد ظهرت عليه إمارات الكدر: الأخلاق المهذبة! وهل غادرنا ~~مجتمعنا إلا هربا من أخلاقه المهذبة؟ لخير لنا أن نعيش بين النساك والرعاة من أن ~~نعيش بين قومنا وقد اتشحوا المذهبات واستعادوا من الطلاء ملامحهم الكاذبات، ما تجدي ~~الأنساب العريقة إذا كان من يباهون بها قد تهرءوا وغدا أفسد ما فيهم دمهم لما ~~عاث فيه من أمراض قديمة، ولما أدخله عليه الأساة الجاهلون. # لخير من هؤلاء القوم الفلاح السليم، فهو بخشونته واحتياله وصبره ومجالدته أشرف ~~أنواع الإنسان في هذا الزمان. # إن فلاح هذا الزمان خير ما في المجتمع، وطبقته أولى بالحكم ولكن الشعب هو ~~الحاكم، وما أنخدع به بعد الآن فهو عبارة عن غوغاء من جميع الطبقات يختلط فيه ~~القديس والسافل والصعلوك المغرور واليهودي، فكأنك منهم تجاه ما جمعت سفينة ~~نوح. # كيف نذكر العادات الحسنة وليس عندنا إلا الرياء والفساد، وقد نسي الجميع معنى ~~الاحترام. لقد أردنا أن نهرب من كل هذا فلا نعود نرى الكلاب يقتلها الجشع والفضول ~~وتبهرها السعف المذهبة. # لقد بلغ الاشمئزاز مني مداه؛ لأننا نحن أيضا أصبحنا كاذبين نرفل ببرود أجدادنا ~~وقد أخلقها الزمان، ونتقلد الأنواط لنبهر أجهل القوم وأشدهم احتيالا ولنمالئ جميع ~~من يتعاملون بالربا الفاحش مع كل سلطة. # لسنا أول المالكين فعلينا ألا نكون على ما كانوا، لقد تعبنا وشبعنا مخادعة ~~واحتيالا. # لقد أعرضنا عن الشعوب وتولينا عن هؤلاء المشاغبين وهذه الهوام القابضة على ~~الأقلام، فهربنا من رائحة الحوانيت الكريهة ومن الأنفاس الخانقة تحشرج في صدور ~~الجهود القاصرة. # أف للحياة بين الشعوب ويا لشقاء ms197 من يمشون في طلائعها، أية أهمية للملوك! ما لك ~~ولهم. # فقال ملك الميسرة: لقد عاودك داؤك القديم، لقد استولت نوبة الاشمئزاز عليك يا ~~أخي، ولكنك نسيت أن هنا من يسمع حديثنا. # وخرج زارا من مكمنه وقد سمع كل ما دار من حديث بين الملكين فتقدم إليهما وقال: إن ~~من أصغى إليكما فراقه ما سمع إنما هو رجل يدعى زارا، وأنا هو زارا القائل: أية ~~أهمية للملوك بعد. # فاغتفرا لي مسرتي لسماعي منكما ما قلته من قبل. # أنتما الآن في مملكتي وتحت سلطاني، فماذا عساكما تطلبان فيها؟ لعلكما وجدتما في ~~طريقكما من أفتش عليه ، فأنا أفتش على الإنسان الراقي. # وقرع الملكان صدريهما قائلين: لقد كشف أمرنا، فقد اخترقت بكلمتك هذه أعماق ~~قلبنا وأدركت سبب بلوانا. نحن ذاهبون للعثور على الإنسان الراقي، الإنسان الذي ~~يفوقنا بالرغم من أننا في مرتبة الملك، وقد أتينا إليه بهذا الحمار؛ لأن على ~~الإنسان الأعلى أن يكون المعلم الأعلى. # إن أقسى ما يجتاح الأرض من نوازل أن لا يكون أصحاب السلطان على الناس أفضل الناس، ~~كيلا يسود الكذب والفظائع فتلتوي الأمور ذاهبة على غير مجاريها؛ لأنه عندما يكون ~~أرباب السلطان من زعانف القوم بل ومن حيواناته يتعالى الشعب ويتعالى حتى ليسمعك ~~صوته قائلا إنني أنا هو الفضيلة. # فهتف زارا: ماذا أسمع أعند الملوك مثل هذه الحكمة؟! لقد أثارت هذه الكلمات ~~قريحتي، ولسوف أنظم مقطعا بما أوحته إلي، ولعل ما سأنظم لا تقبله آذان الكثيرين، ~~ولكنني منذ زمان طويل نسيت مداهنة الآذان الطويلة. # ونهق الحمار كأنه يحتج، فقال زارا: «في ذلك الزمان، في السنة الأولى من التاريخ ~~الجديد، هتفت آلهة الأقدمين دون أن تكرع خمرا، فقالت: الويل ... الويل ... لقد ساءت ~~الحال! # يا للانحطاط، إن العالم لم يسقط إلى مثل هذه الدركة قبل الآن؟ # فقد استحالت روما إلى عاهرة، # وتدنى قيصرها إلى مرتبة الحيوان، # حتى إن الله نفسه استحال يهوديا ...» # 2 # واستحسن الملكان نشيد زارا، وقال ملك الميمنة: لقد كان من حظنا أن خرجنا على ~~الطريق فلقيناك، وقد كان ms198 أعداؤك عكسوا لنا صورة منك على مرايا نفوسهم فرأيناك ~~شيطانا ضاحكا ساخرا أدخل الرعب إلى قلوبنا، ولكن كلماتك ومبادئك كانت تخترق ~~آذاننا لتهز أحشائنا فتغلبت على ما أدخلت صورة وجهك من الاضطراب في روعنا، فقررنا ~~أن نجيء إليك وأنت القائل: «عليكم أن تحبوا السلم كوسيلة توصلكم إلى حروب جديدة، ~~وأن تفضلوا فترة السلام القصيرة على الهدنة الطويلة الأمد.» وما نطق أحد قبلك بآية ~~حربية كقولك: «لا خير يضاهي الشجاعة وغاية الحرب الحسنى تبرر كل واسطة.» # أي زارا، إن دم أجدادنا قد ثار في عروقنا عندما سمعنا آيتك فكأنه الخمر المعتق ~~يغلي في الدنان لسماعه همسات الربيع، وهل كان أجدادنا يشعرون بلذة الحياة إلا عند ~~اشتباك النصال اشتباك الأفاعي تقطر دما، وهل كانت شمس السلام في أعينهم إلا نورا ~~خاسئا، فكل هدنة طويلة الأمد كانت تلفعهم بالعار. # لكم من زفرة دفعها آباؤنا وهم ينظرون إلى النصال المرهفة تتدلى صابرة على جدران ~~القصور، فإنهم كانوا يشعرون في أحشائهم بظمأ النصال نفسها، وما لمعان الحديد إلا ~~وهج شهوته وتحرقه إلى شرب الدماء. # وبينما كان الملكان يتحدثان بحرارة عن سعادة آبائهما، ثارت عوامل التهكم في زارا ~~وهو ينظر إلى ملامح الملكين التي تنم على الدعة والسكون غير أنه امتلك حوافزه ~~وقال: هيا بنا إلى الذروة، إلى غار زارا فسيعقب هذا النهار سمر طويل، وأنا مضطر ~~لمغادرتكما؛ لأن صوت مستنجد يدعوني من المدى البعيد. # ستنال مغارتي الشرف من نزول ملكين فيها، حيث لا بد لهما من الانتظار طويلا، ولن ~~يصعب الانتظار عليكما وقد تعودتماه في بلاطيكما، وهل بقي للملوك من فضيلة سوى فضيلة ~~الصبر والانتظار؟! # هكذا تكلم زارا ... # | العلقة # وتابع زارا طريقه وهو مستغرق في تفكيره فانحدر من الأعالي حتى بلغ المستنقعات، فإذا ~~به يصطدم وهو ذاهل برجل هزته الصدمة فصرخ متألما، وأتبع صرخته بالشتائم تترى قبيحة ~~سمجة، وبوغت زارا في استغراقه فرفع عصاه على الرجل، ولكن روعه عاد إليه فسخر من نفسه ~~وقال: أرجو عفوك وأستميحك أن أضرب لك مثلا عما وقع لنا: # بينما ms199 كان رجل سائرا في طريق مقفر وقد سرحت أفكاره في مجالات بعيدة عثر بكلب ~~نائم تحت شعاع الشمس، فوقفا الواحد بوجه الآخر كعدوين لدودين يرتعشان خوفا ~~وحذرا، ولو أن الصدف تحولت قيد أنملة لكان تداعب الكلب والمنفرد، أفما هما في ~~القفر فريدان. # فقال الرجل المصدوم والغضب لا يزال آخذا منه مأخذه،: كن من تشاء يا هذا، فما أنت ~~إلا معتد علي بمثلك بأكثر مما اعتديت بصدمتك، انظر إلي، أفكلب أنا؟! # وكان هذا المتكلم جاثما على الأرض، وقد غرس ذراعه في المستنقع كأنه يتصيد منه شيئا ~~فنهض ساحبا ذراعه العاري من الأوحال. # ورأى زارا دما غزيرا يقطر من ذراع الرجل فصاح به: ماذا جرى لك أيها التعس، هل لسعك ~~حيوان. # فأجاب غضوبا هازئا وهو يدير ظهره ليذهب في سبيله: ما يعنيك يا هذا، إنني مقيم في ~~ملكي وليس علي أن أرد على أهوج. # وأمسك زارا بالرجل وقد أشفق عليه فقال له: لقد أخطأت فلست في ملكك بل أنت في ملكي حيث ~~يجب أن لا يضار أحد. ادعني بالاسم الذي تشاء فما أنا إلا من يجب أن أكون وقد أسميت ذاتي ~~زارا. تعال اتبعني إلى مغارتي لأضمد جراحك، فما أنت إلا تعس خانك الحظ، لقد لسعك ~~الحيوان ثم جاء الإنسان بعد ذلك يدوس عليك. # وما سمع الرجل اسم زارا حتى تبدلت سحنته وهتف قائلا: أي شيء أهتم له في الحياة غير ~~هذا الإنسان الفريد «زارا» وغير هذا الحيوان الفريد الذي يعيش من غب الدماء ~~«العلقة». # ما انطرحت على الأرض إلا طلبا لهذا الحيوان فقرصت يدي عشر مرات وإذا بزارا نفسه ~~يقرصني أيضا. # يا لسعادتي؛ إذ قضي لي أن أكون اليوم في هذا المستنقع لأبارك خير حجام بين الأحياء، ~~لأبارك زارا أعظم من علق على الضمائر ليمتص منها. # وفرح زارا لسماعه هذه الكلمات، فقال للرجل وقد مد إليه يده ليصافحه: من أنت يا هذا؟ ~~إن ما بيننا أمورا كثيرة يجب أن نجلوها، غير أنني لا أجد مشقة في الإيضاح وها قد وضح ~~بيننا ms200 النهار. # فأجاب الرجل: أنا «ضمير الفكر»، وليس من عامل أشد صلابة وأكثر تقيدا مني غير زارا ~~معلمي، وقد تعلمت منه أنه خير للإنسان أن يكون مجنونا في عين نفسه من أن يكون حكيما ~~في نظر الناس. # أنا هو الذاهب إلى الأعماق ولا أبالي بضيق المدى أو باتساعه، ولا فرق عندي أكان الغور ~~مستنقعا أم سماء، وإنه ليكفيني من الأرض سعة الكف إذا جمدت وصلحت مستقرا للقدم فليس ~~أمام العلم الموالي للضمير من شيء يعده صغيرا أو كبيرا. # فقال زارا: لعلك إذن من يحاول إدراك منشأ العلقة، فتذهب إلى الغور في بحثها حريا مع ~~ضميرك . # فأجاب: لا يا زارا، كيف لي أن أقوم بهذا العمل الفظيع ولا معرفة لي إلا بدماغ العلقة، ~~وفي دماغها ينحصر الكون في نظري، أفليس هذا الحيز كونا بنفسه؟ أرجو عفوك إذا ما أظهرت ~~كبرياء بقولي إنني أنا الأستاذ في هذا المطلب، ولذلك قلت لك إن هنا ملكي، لقد مر ~~علي زمان طويل وأنا أحصر اهتمامي في بحث دماغ العلقة كيلا تفوتني الحقيقة في دقائقها، ~~إن في هذا المطلب تمتد سلطتي وقد أعرضت عن كل ما عداه؛ لذلك يتمشى علمي موازيا لجهلي، ~~وقد قضى علي ضمير تفكيري أن أعرف شيئا وأجهل سائر الأشياء، فأصبحت كارها لكل عمل ~~فكري لا يتعدى نصف مرحلته، ولكل إنسان اعتكر فكره في حماسه وتردده. # إن عماوتي تبدأ حيث يتناهى إخلاصي لعقيدتي، وأنا راض بالعمى، وإذا ما أردت معرفة شيء ~~انصرفت إليه قاسيا طالبا متعصبا لا ألوي على شيء في سبيل محجته. # أفما أنت القائل يا زارا: إن الحياة نفسها مبضع يشق الحياة. # إن قولك هذا قد جعلني تابعا لتعليمك، فتمكنت بذلك من اكتساب معرفتي ببذل دمي. # فقال زارا: إن الواقع يثبت قولك. # وأشار إلى ساعد الرجل وهي تدمي، وعليها عشر علقات تمتص منها، وأردف قائلا: إن في ~~حالك عبرا، أيها الإنسان، فأنت بنفسك تعليم، ولن أقدم على إسماعك كل تعاليمي. # لنفترق هنا، غير أنني أود أن ألقاك بعد الآن، إن هذه الطريقة ms201 المرتفعة تؤدي إلى غاري ~~فانزل فيه أهلا هذا المساء بين ضيوفي؛ لأنني أريد أن أسترضيك عما ألحقته بك من إهانة ~~عندما دست عليك بقدمي، فأنا أفكر بهذه الترضية الآن ولكنني مضطر إلى مبارحتك إلى حيث ~~يستنجدني الصوت البعيد. # هكذا تكلم زارا ... # | الساحر # 1 # وما دار زارا بالصخر على منعطف طريقه حتى لاح له رجل يأتي بحركات غريبة، ثم يدور ~~كالمجانين وينطرح زاحفا على الأرض، فوقف وقال في نفسه: لعل هذا هو الإنسان الراقي ~~الصارخ المدد، ولعلني أوفق إلى نجدته، وإذ وصل إليه رآه شيخا ارتجفت أعضاؤه ~~وجحظت عيناه، فهرع إليه محاولا رفعه عن الأرض ولكنه حاول عبثا، فبقي هذا الشيخ ~~كأنه في غيبوبة لا يحس بوجود أحد قربه، واستمر يتلفت إلى ما حوله ويبدي إشارت ~~اليائس المتروك، وبعد أن تململ وانطوى على نفسه بدأ يرسل أنينه وشكواه قائلا: من ~~يدفئني؟ من يحبني بعد؟! # إلي بالأيادي الحارة، إلي بالقلوب المتقدة. # أنا المحتضر المحتاج إلى أكف تفرك رجلي الباردتين. # أنا المنتفض تتأكلني الحمى الخفية، المرتعش تهب علي الرياح اللوافح. # أنا طريدك أيها الفكر الذي لا اسم له، أيها المحجب المخوف الملفع بالغمام عينا ~~تحدجني في طيات الظلام. # ها أنذا طريح أتلوى بعذاب الأبد تحت ضرباتك، أيها الصياد العاتي، أنت أيها الإله ~~المجهول ... ~~••• # انزل علي بأشد ضرباتك، اضرب أيضا، اخرق هذا القلب وقطع نياطه تقطيعا. # ما لك تطيل تعذيبي فلا ترشقني إلا بسهام فلت حرابها. # علام تطيل النظر، وفي عينيك الساخرة بريق الألوهية أفما مللت عذاب بني ~~الإنسان؟ # أنت تمتنع عن القتل ولا تقصد إلا التعذيب، لماذا تعذبني أيها الإله الساخر ~~المجهول؟ ~~••• # آه، أراك تقترب مني زاحفا في الليل. # ماذا تريد؟ تكلم. # أراك تزحمني وتدفعني، ها أنت تلاصقني. # إنك تتنصت إلى حشرجة أنفاسي وخفقان قلبي. # فيا لك من حسود! وعلام تحسدني؟ # اذهب عني ... اذهب عني ... # ما هذه السلم تحملها إلي؟ أتريد أن تعلو عليها لتلج قلبي؟ # أتريد أن تنفذ إلى أغوار أفكاري؟ # ارجع أيها المتطاول المجهول ... أيها السارق. ~~••• # ما الذي تريد اختطافه؟ وما ms202 الذي تطلب سماعه؟ # ما الذي تريد اختلاسه، أنت أيها المعذب؟ # أنت أيها الإله الجلاد؟ # أتريد أن أترامى كالكلب على قدميك؟ # أتريد أن أتقدم ثاملا لا أعي زاحفا أحمل إليك غرامي؟ ~~••• # إنك تضرب عبثا، فاضرب يا أقسى العتاة! # أنا لست كلبا! أنا لست فريسة لك، أيها الصياد! # أنا لست أسيرك، أيها اللص الملفع بالغمام. # تكلم أيها المتواري وراء السحب، تكلم أيها المجهول! # قل، ما الذي تطلبه مني، أيها الكامن لعابري السبيل؟ ~~••• # أتطلب فدية؟ يا للغرابة! # وما هي الفدية التي تقتضيها؟ # إن عزة نفسي تشير عليك بأن تطلب كثيرا. # غير أن عزتي الثانية تشير عليك بالإيجاز فيما تقول. # آه! إن ما تطلبه هو أنا بكليتي! ~~••• # يا لجنونك! إنك ترهقني بتعذيبك، إنك تعذب عزتي. # أعطني المحبة ... من يدفئني ... من يحبني بعد؟ # إلي بالأيادي الحارة ... إلي بالقلوب المتقدة. # أعطني ... أنا المنفرد المتشوق في الصقيع حتى إلى أعدائه. # أطلب إليك أن تستسلم لي، وأنت أقسى من يعاديني. # ولكنه توارى! توارى رفيقي الوحيد، أكبر أعدائي، الكائن المجهول، الإله الجلاد ~~... ~~••• # لا ... لا تذهب، ارجع ... عد إلي بتعذيبك. # عد إلى آخر المنفردين فإن دموعي كلها تنهمر شوقا إليك، وآخر أشعة من فؤادي ~~تترامى نحوك. # آواه. عد إلي يا إلهي المجهول، يا ألمي يا منتهى سعادتي! # 2 # وبلغت الثورة في زارا حدها؛ فرفع عصاه وأخذ يقرع بها الرجل الذاهب بنواحه وشكواه، ~~قائلا له بضحكة ملؤها الغضب: توقف أيها المشعوذ، أيها المزيف، أيها الكذاب، لقد ~~عرفت من أنت. # سألهب ساقيك فأنا أعرف كيف أعامل أمثالك، فانتصب الشيخ وصاح: توقف عن ضربي يا ~~زارا، فإن ما شهدته مني لم يكن إلا مزاحا ولعبا، وما اللعب إلا فن من فنوني. لقد ~~أردت أن أعرضك للتجربة، والحق أنك نفذت إلى أعماق سريرتي، فأبنت لي أيضا ما تنطوي ~~أنت عليه، إنك لحكيم قاس يا زارا، وعصاك ذات العقد تضطرني إلى أن أقول لك إنك تجلد ~~الناس بحقائقك جلدا. # فقال زارا - وهو لا يزال على حنقه: لا تداهن يا مشعوذ الأرواح، ما أنت إلا مظهر ms203 ~~لا ينم على حقيقته فليس لك أن تذكر الحقائق بفمك. # بأي دور كنت تقوم أمامي يا طاووس الطواويس، أيها البحر الزاخر بالأباطيل، أيها ~~الساحر المشئوم، أظننت أنني كنت مصدقا أنينك وشكاياتك؟ # فقال الشيخ: كنت أمثل دور كفارة العقل، أفما أنت المخترع لهذا التعبير؟ فتكلمت ~~بلسان الشاعر الساحر الذي ينقلب عليه عقله بعد تبدله لإدراكه فساد عمله وفساد ~~ضميره. # أفما خدعت بتمثيلي يا زارا؟ وهل تكشف لك خداعي قبل أن آمنت بشقائي وألقيت ~~راحتيك على رأسي؟ وقد سمعتك تقول آسفا: «لم يمتع من الحب إلا بالنذر اليسير.» ~~فرقص شري حبورا في داخلي. # فقال زارا: لا ريب في أنك خدعت من قبلي من هم أقوى فراسة مني، وما أنا من يتحوط ~~لنفسه تجاه المخادعين؛ لأن من واجبي ألا أحاذر أحدا، هكذا قضي علي. # أما أنت فقد قضي عليك بأن تخدع الناس، فما يخفى أمرك علي فأنا أعرفك وأعرف أن ~~لكل كلمة من كلماتك معنيين بل ثلاثة وأربعة معان، حتى إن ما اعترفت به الآن ليس ~~فيه الصدق كله ولا الكذب كله. # وهل بوسعك أن تكون على غير ما أنت عليه أيها الشرير الكاذب أيها المزيف، وأنت إذا ~~ما وقفت عاريا أمام طبيبك يوما، فإنك لتجعل داءك نفسه يتنكر عليه، هكذا موهت ~~أمامي كذبك نفسه ونكرته عندما قلت لي: إن ما شهدته مني لم يكن إلا مزاحا ولعبا، ~~فقد ضمنت كذبك شيئا من الحقيقة وأنت شبيه من بعض الوجوه بالمكفر عن ذنوب ~~العقل. # لقد تكشفت لي سريرتك، فأنا أراك بلغت من السحر ما تستهوي به الناس، ولكنك لا تجد ~~من الكذب والرياء ما تستهوي به نفسك، لقد انكسر خيالك وعثرت آمالك؛ لأنك لم تجن ~~غير الكره حقيقة لا حقيقة لك سواها، فأصبحت ولا كلمة صادقة عندك، فكل شيء مزيف ~~فيك إلا شفتاك أو بالأحرى ما التصق بهما من كره أو اشمئزاز. # وصاح الساحر بصوت جلجلت الكبرياء فيه: من أنت يا هذا ليحق لك أن توجه إلي مثل ~~هذا الخطاب، وأنا أعظم الأحياء في ms204 هذا الزمان؟ # ونزل الساحر على زارا بنظرة التمعت بأشعتها الخضراء، ولكنه وجم بغتة وأردف قائلا ~~بصوت حزين: آي زارا ... لقد تعبت من كل هذا ... لقد كرهت جميع فنوني فما أنا بالعظيم ~~وما يجدي التظاهر شيئا، ولكنني طلبت العظمة كما تعلم، أردت أن أمثل دور الرجل ~~العظيم؛ فتمكنت من اكتساب ثقة الكثيرين ولكن أكاذيبي تجاوزت طاقتي ووقفت دوني ~~حائلا اصطدمت به فانحطمت. # أي زارا ... إن كل ما في أكاذيب بأكاذيب ... ولا حقيقة عندي سوى انحطامي. # فأجاب زارا وهو ينكث الأرض بنظراته: لقد كان طلبك للعظمة مشرفا لك وقد خانك ~~مقصدك فما أنت بالعظيم. # إن ما أكرم فيك وما أراه خير صفة لديك هو تعبك من نفسك وهتفتك: «إنني لست ~~عظيما.» لذلك أكرمك كمكفر عن العقل، وهب أن تكفيرك هذا لم يدم إلا لحظة واحدة ~~فإنك كنت في هذه اللحظة صادقا. # ولكن قل لي ما أتيت تطلب هنا في غاباتي وبين صخوري، وإذا كنت انطرحت على طريقي ~~لتلقاني فأي برهان قصدت نواله مني؟ بأية وسيلة أردت أن تنصب شرك تجربتك ~~لي؟ # هكذا تكلم زارا وعيناه تقدحان شررا، فوجم الساحر الشيخ، ثم قال: وهل حاولت ~~تجربتك؟ ما كنت إلا مفتشا، وما أفتش عليه هو الإنسان الصادق المستقيم الإنسان ~~الذي لا يظهر إلا ما يضمر، إن ما أطلبه هو إناء الحكمة الصادقة هو الرجل ~~العظيم. # أفما تعلم يا زارا أنني أطلب زارا. # وساد السكوت على المتخاطبين، وأغمض زارا عينيه مستغرقا بالتفكير، ثم قبض على يد ~~الساحر وقال له بكل تأدب: هنالك على المرتفع الطريق المؤدي إلى مغارتي، وفي هذه ~~المغارة ستجد من تطلب، فإذا ما بلغتها سل نسري وأفعواني ليساعداك بالتفتيش في ~~طولها وعرضها. # لا أكتمك إنني ما رأيت الرجل العظيم حتى الآن؛ لأن العيون لا تزال في خشونتها ~~قاصرة عن تفحص أية عظمة، فإننا في عهد سيادة الشعوب. # ولكم رأيت من متعاظم يتمطى وينتفخ، والشعب يصيح حوله هذا هو الرجل العظيم، ~~ولكن ما يفيد منفخ الحداد تمدده إذا كان الهواء لا يلبث فيه. ms205 # هكذا يخرج الهواء أيضا من الضفدع حين ينتفخ لينشق، وليس من لعبة أشد تسلية من ~~غرز منصل في جلد منتفخ فاسمعوا هذا يا أبنائي: إن يومنا هذا يوم الشعوب فمن له أن ~~يميز بين الكبير والصغير فيها، ومن له أن يطلب العظمة فيظفر بها غير المجانين، وهل ~~من ظافر غير من فقد رشده. # أراك تفتش على الرجل العظيم أيها المجنون الغريب، فمن ترى أوعز إليك بهذا؟ # أفي مثل هذا الزمان يوجد العظيم، أيها المراوغ؟ # لماذا تحاول نصب شراكك أمامي؟ # هكذا تكلم زارا وقد سلا همومه؛ فضحك وسار في طريقه. # | المعتزل # وما سار زارا شوطا في طريقه حتى لاح له رجل كبير الهامة يتشح السواد جالسا على ~~جانب السبيل وعلى وجهه نحول وشحوب، فأزعجه هذا الشبح، وقال في نفسه ويل لي إنني أرى ~~قناع الأحزان، فهذا الرجل من طغمة الكهنة، وما يطلب هؤلاء الناس في مملكتي؟ # لقد تخلصت من ساحر لأقع على مناج للأموات، على ساحر آخر يأتي بالعجائب بنعمة الله ~~وهو يذم الحياة! فليت الشيطان يختطفه، ولكن الشيطان متغيب أبدا عند الحاجة إليه، وإذا ~~ما لبى هذا الملعون الطلب جاء متأخرا. # وكان زارا يتمتم بهذه الكلمات وهو يفكر في وسيلة تمكنه من المرور أمام الرجل الأسود ~~دون أن تقع أنظاره عليه، ولكن هذا الرجل لمح زارا من بعيد فنهض كمن يظفر بما يتوقع، ~~وأسرع إلى ملاقاته قائلا له: أيها المسافر المتجول أيا كنت، أنجد هذا التائه ~~الشيخ المعرض للمخاطر في هذه الأرجاء، إنني أسمع زئير الوحوش من كل جانب، وقد كان هنا ~~رجل بوسعي أن ألجأ إليه ولكنه توارى وعبثا فتشت على مستقره، وهذا الرجل هو آخر ~~الأتقياء، هو الناسك الصالح الذي لم تبلغ أذنيه الكلمات التي ذاعت بين الناس في هذه ~~الأيام. # فقال زارا: وما هي هذه الكلمات؟ لعلها قولهم بأن الإله القديم الذي كانوا يؤمنون به ~~من قبل قد مات. # فأجاب الرجل بلهجة حزينة: لقد قلتها وأنا قد خدمت هذا الإله حتى الساعة الأخيرة من ~~حياته، وها أنذا ms206 أعتزل الآن ولا سيد لي ولكنني لم أنل حريتي؛ لذلك أصبحت ولا أمل لي ~~بالسعادة إلا إذا تلمستها بأيامي الماضيات، وقد أتيت إلى هذه الجبال لأقيم شعائر الدين ~~وأحتفل بالعيد على ما يليق برئيس أعلى وأب من آباء الكنيسة الأقدمين، فأنا هو آخر ~~«البابوات». # ولكن الناسك الذي كان هنا، القديس الذي كان يسبح الله بصلواته وأناشيده قد مات، وقد ~~فتشت عليه في كوخه فما وجدت إلا ذئبين يعويان أمام بابه نادبين، فقد كانت جميع ~~الحيوانات تحن إليه في حياته، لذلك ذهبت في طريقي تائها وأنا مصمم ألا أعود بصفقة ~~المغبون؛ فبدأت أفتش على رجل آخر هو في تقديري أتقى الجاحدين، بدأت أفتش على ~~زارا. # قال الشيخ هذا وهو يحدج مخاطبه بنظرات حادة، فمد زارا يده وقبض على راحة الشيخ، وبعد ~~أن قلبها وتفرس فيها مليا قال له: ما أجمل يدك أيها المحترم فإنها والحق يد تعودت أن ~~تبارك، وها هي ذي الآن في يد زارا نفسه. # أنا هو زارا الجاحد القائل: أين أجد من يفوقني جحودا لأفرح بتعاليمه. # وأرسل زارا نظرا كالسهم يخترق عيني الشيخ سابرا أفكاره وما وراء أفكاره إلى أن قال ~~الشيخ: ما فقد الله أحد بأكثر مما فقده من تناهى في حبه له وفاق الكل بامتلاكه انظر ~~إلي، أفما ترى أنني أشد جحودا منك، ولكن من منا أشد سرورا بذلك من الآخر؟ # وفكر زارا لحظة ثم قال: أخدمته إلى آخر حياته؟ إذن قل لي بأية ميتة قضى، أصحيح ما ~~يقال من أن الرحمة قد قبضت على عنقه فأردته مخنوقا؛ إذ رأى الإنسان معلقا على الصليب ~~فثقل عليه أن يصبح حبه للناس جحيما يورده الفناء؟ # وسكت الشيخ وهو يتلفت ما حوله مرتعشا وقد اكفهر وجهه وبدت دلائل الألم عليه. # فاستمر زارا في كلامه: دعه وشأنه، دعه يذهب، فإنه هالك لا محاله، وأنت تعلم، وإن حق ~~ألا يذكر الأموات إلا بالخير، إنه كان يتبع مسلكا غريبا. # فقال الشيخ: إذا لزم أن نتكلم بين ثلاثة عيون - وكان المتكلم أعور - عن ms207 أحوال الله ~~وأموره، فأنا أحق بذلك لأنني أخبر من زارا بهذه الأمور بعد أن خدمت الله سنوات طويلة ~~واستسلمت لمشيئته، وكم يعلم الخدام من أحوال ساداتهم ما يخفونها هم عن أنفسهم ~~... # لقد كان إلها خفيا ملفعا بالأسرار، وفي الحقيقة إن ابنه لم يأت إليه إلا عن ~~الطريق الملتوي، لذلك كان الزنا أول مرحلة من مراحل الإيمان به. # 1 # من يسبح الله كأنه رب المحبة فقد قصرت مداركه عن بلوغ مرتبة الحب السامية، أفما أراد ~~هذه الإله أن يقيم نفسه قاضيا؟ والمحب يجتاز أي حد من حدود العقاب والثواب. # لقد كان هذا الإله الشرقي في شبابه قاسيا تجول فيه روح النقمة فأوجد جحيما لتسلية ~~صحبه، ولكنه شاخ مع الأيام فأصبح متراخيا رحيما وانقلب جدا بعد أن كان أبا، بل ~~انقلب جدة هرمة تتداعى. # وجلس يوما قرب الموقد يصطلي وقد تجعدت أسارير وجهه وتقطب جبينه لشعوره بوهن رجليه، ~~فأحس بتعبه من إرادته ومن العالم وما عتم حتى قضى مختنقا بعميم رحمته. # فاستوقفه زارا قائلا: أرأيت ذلك بعينك؟ فلقد يكون قضى على هذا الوجه كما يكون قضى ~~بصورة أخرى، فإن الأرباب إذا ماتت تموت بأسباب متنوعة. # وعلى كل فأيا كان السبب، فإنه قد قضى، وشر ما أذكره به هو أنه كان يشوش علي ~~أبصاري وأسماعي، فأنا أحب كل من صفت نظراته وكلماته، وقد كان هو - كما تعلم - على شيء ~~مما تتصف به أنت أيها الكاهن الشيخ، وما يتصف به كل كاهن، فقد كان مبهما ~~غامضا. # أفما كان في تفكيره كثير من الإبهام؟ ولكم ثار علينا بغضبه؛ لأننا لم ندرك غوامض ~~أقواله، وكان الأجدر به أن يأتي ببيان صريح لا يحتمل تأويلا. # وإذا كانت آذاننا هي التي أساءت سماع أقواله فعلام جهزنا بآذان لا تحسن السمع؟ ~~وإذا كان في آذاننا طين يسدها فمن ترى وضع هذا الطين فيها؟ # ولكم انحطم من إناء تحت يد هذا الخزاف الذي لم يتم تعلمه ولم يتقن صنعته، فعلام ~~ينتقم من مخلوقاته التي أبدعها، إذا كانت خرجت مشوهة من ms208 بين يديه؟ # أفما كان هذا العمل خارجا على ما يليق؟ حتى إن اللائق نفسه في الرحمة هتف قائلا: ~~أنقذوني من هذا الإله فخير لي ألا يكون لي إله فأتحكم في مقدراتي، خير لي أن أصاب ~~بالجنون فأقيم نفسي إلها ... # عندئذ صاح الحبر القديم قائلا: ما أسمع منك يا زارا والحق أنك بلغت من التقوى ما لا ~~تدرك مداه، فلا بد أن تكون لقيت إلها هداك إلى كفرك؛ لأن إيمانك نفسه قد صدك عن ~~الاعتقاد بالله، ولسوف يقودك إخلاصك أخيرا إلى ما وراء الخير والشر. # لقد قدر لك أن تأتي بالبركة الأبدية بعينيك وبيدك وفمك، فليست اليد وحدها أداة ~~للبركة. # إنك تحاول الظهور أمامي كأشد الناس كفرا، ولكنني أشتم منك عطر البركة المستمرة ~~فأشعر منها بلذة يخامرها الألم. دعني أنزل ضيفا عليك ولو ليلة واحدة فليس في الأرض ~~مكان أرتاح فيه ارتياحي بقربك. # واستولت الدهشة على زارا فقال: ليكن ما تريد، فهناك على القمة الطريق المؤدي إلى ~~مغارة زارا، وكنت أود أن أذهب بك إليها، أيها المحترم، فإنني أحب جميع الأتقياء ولكنني ~~مضطر إلى الإسراع نحو صوت تعالى مستنجدا بي. # اذهب إلى مغارتي حيث لا يتعرض أحد لضرر فهي ميناء السلام لكل قاصد، وأنا أود أن يستقر ~~على أرضها الجامدة كل حزين. # ولكنني أرى نفسي أضعف من أن أبدد أحزان روحك، ولقد يمر زمان طويل قبل أن يجيء أحد ~~بوسعه أن يقيم إلهك من الموت، وقد مات هذا الإله القديم ولن يحيا بعد. # هكذا تكلم زارا. # | أقبح العالمين # وعاد زارا يتوغل في الأحراش وبين الجبال مرسلا أبصاره إلى كل جهة دون أن يعثر على ~~الصارخ المستنجد، غير أنه كان يقفز في سيره فرحا وهو يقول: لقد كفر هذا النهار عن ~~سيئات صباحه، فما أغرب من تحدثت إليهم في طريقي، ولسوف ألوك كلماتهم وأمضغها حتى أزدرها ~~غذاء لنفسي. # ولما وصل زارا إلى منعطف سبيل تصده صخرة عالية انكشف له مشهد جديد رأى فيه نفسه في ~~مملكة الموت؛ إذ صدمت أبصاره مهاو حمراء ms209 دكناء ليس عليها شجرة ولا نبتة ولا يسمع فيها ~~صياح طير أو زقزقة عصفور، وقد نفر من ذلك الوادي كل ذي حياة حتى الوحوش فما كان يرتاده ~~من حين إلى حين إلا الأفاعي الجسيمة الخضراء عندما كانت تحس بالهرم وتطلب الفناء، ولذلك ~~دعى الرعاة هذا الوادي مقبرة الأفاعي. # وراودت مخيلة زارا تذكارات قديمة وشعر بأنه قد مر بهذا الوادي فيما مضى، فأثقل دماغه ~~وبدا يتباطأ في سيره حتى امتنع عليه نقل قدميه فإذا به يفتح عينيه فجأة، فيرى على حافة ~~الطريق شخصا له وجه إنسان وليس له من هيئة البشر شيء كائنا لا اسم له بين أسماء ~~الكائنات، واستولى على زارا نوع غريب من الخجل، فاستحت عيناه مما رأتا فاحمر وجهه حتى ~~منابت شعره الأبيض، فتولى وأراد أن يبارح هذا المكان فإذا به يسمع صوتا كالهدير أو ~~كبفية المياه إذا سدت مجاريها، وما عتم حتى استحال هذا الصوت إلى نبرات تشبه الكلام ~~وهي تقول: أي زارا ... أي زارا ... حل رمزي إذا قدرت وأعلن الحقيقة عن «الانتقام من ~~الشاهد». # قف مكانك وتراجع إلى الوراء فالأرض متجلدة أمامك، حاذر أن ينزلق غرورك عليها فتنكسر ~~قوائمه. # أنت تحسب نفسك حكيما يا زارا، فحل الرمز المعروض عليك، إذا كان لك أن تكسر أصلب ~~القشور لاكتشاف نواتها فقل لي من أنا. # وما سمع زارا هذه الكلمات حتى هزه الإشفاق هزا؛ فهوى على الحضيض كشجرة توالت على ~~جزعها ضربات الفئوس، ولكنه ما هوى حتى نهض وقد ارتسمت القساوة على وجهه فقال: لقد عرفتك ~~يا هذا، فأنت قاتل الإله، دعني منك فأنا متول عنك، لقد ثقل عليك أن يكون هنالك من لا ~~يزال ينظر إليك ويتفرس في قبحك، وأنت أقبح العالمين، فأقدمت على الانتقام من هذا ~~الشاهد. # قال زارا هذه الكلمات وتحفز للسير، ولكن الكائن الذي لا اسم له تمسك برجليه وصاح به ~~متمتما: لا تذهب، ابق هنا فقد عرفت ما هي الصدمة التي ألقتك صريعا، مرحى لك لأنك ~~تمكنت من النهوض، لقد أدركت ما يشعر به ms210 قاتل إلهه، تعال واجلس إلى جانبي، إنك لن ~~تضيع أوقاتك معي سدى؛ لأنني إذا لم أتوجه إليك فإلى من أتجه، اجلس ولكن لا تنظر ~~إلي، فإنك لتكرم قبحي بإغضائك عنه. # إنهم يطهدونني، وقد أصبحت أنت الآن ملجئي الأخير، إنهم يطهدونني لا بحقدهم ولا بقوة ~~جندهم وما تهمني هذه القوة، بل إنني لأفخر بمصادمتها لي وأسر، وهل في العالم نجاح ~~يضاهي نجاح المطهدين مجدا؟ إن المطارد ينتهي بالمتابعة وهو الراكض دوما وراء ~~متبوعة. إن ما يؤلمني منهم هو أنهم يطهدونني بإشفاقهم، وما أهرب إلا من هذا الإشفاق ~~طالبا ملجأ في أكنافك، فاحمني يا زارا! إنك ملجئي الوحيد وقد نفذت سريرتي وعرفت ما ~~يشعر به قاتل إلهه، ابق هنا وإذا ما أردت الارتحال أيها الرحالة اللجوج فلا تنصرف من ~~الطريق التي اتبعتها أنا لأصل إلى هذا المكان، إنها لبئس الطريق. # لعلك لا تنقم علي لتوجيهي هذه الكلمات إليك ولإسدائك نصحي. إن أنا إلا أقبح ~~العالمين، إن رجلي أضخم الأرجل وأثقلها فما مررت على طريق إلا ودمرتها. # لقد رأيتك متجها نحوي وأنت تقصد المرور بي خلسة ولاح الاحمرار على وجهك فعرفت أنك ~~أنت زارا، ولو أن غيرك مر بي لكان نفحني بصدفة أو بذل لي إشفاقه بنظرة أو بكلمة، ولكنني ~~كما عرفت لم أصل من التسول إلى درجة أرضى فيها بتصدق الناس علي. # إن لدي ثروة وافرة من العظائم بل من أقبحها وأفظعها؛ لذلك شرفني خجلك يا ~~زارا. # وما توصلت إلا بشق النفس إلى التخلص من إزعاج الرحماء لأجد الإنسان الوحيد القائل في ~~هذا الزمان بأن الإشفاق نقمة وليس نعمة، وهل من قائل بهذا سواك، يا زارا؟ # إن الإشفاق إهانة للكرامة سواء أصدر من الناس أم من إله الناس، ولعل في حبس المعونة ~~من النبل ما ليس في المسارعة إلى بذلها. # ولكن صغار البشر يحسبون أن في هذه المسارعة إلى الإشفاق فضيلة لا تضاهيها فضيلة، فهم ~~لا يحترمون الشقاء إذا تعاظم ولا القبح إذا تناهى ولا التشويه إذا لم يبق ولم ~~يذر. # إن ms211 أنظاري تمر على هؤلاء الرحماء كما يمر نظر الكلب على ظهور الأغنام المتزاحمة، فما ~~أراهم إلا صعاليك ترمد صوفهم وامتلأت رءوسهم بأفكار الأنعام. # إنني أقف كالبجعة تحدج المستنقعات بنظرات الاحتقار لأرسل أنظاري على تدافع صغيرات ~~الأمواج وكل إرادة واهية وكل نفس حقيرة. # لقد طال زمن الاعتقاد بهؤلاء الأصاغر، وأولاهم الناس الصواب حتى تولوا القوة وأصبحوا ~~يقولون بأن لا خير إلا ما يرونه هم خيرا. # إن ما يعتبر حقيقة في هذا الزمان إن هو إلا ما علمه ذلك البشير الذي نشأ بين هؤلاء ~~الصعاليك، ذلك القديس الغريب الأطوار الذي وقف مدافعا عن قومه وهو يشهد لنفسه قائلا: ~~«أنا هو الحق.» # إن هذا المدعي قد أفسح المجال منذ زمان طويل لهؤلاء الصعاليك؛ فتطاولوا منتصبين على ~~أظلافهم، إن هذا القائل أنا الحق قد علمهم ضلالا عظيما. # لقد أورد قوله هذا فما تلطف أحد تلطفك بالرد عليه يا زارا؛ إذ مررت أمامه وصحت به: لا ~~... لا ... وألف مرة لا ... # لقد حذرت الناس من ضلاله، فكنت أول المحذرين من الإشفاق، وما وجهت خطابك للمجتمع ولا ~~للفرد، بل وجهته لنفسك ومن هم من مرتبتك، فأنت تبدي استحياءك من خجل الآلام العظمى ~~فتقول: «كونوا على حذر أيها الناس، إن الغمامة الواسعة تمتد من منشأ الإشفاق.» # ثم تقول: «إن المبدعين قساة، والمحبة العظمى تتعالى فوق إشفاقها.» # أي زارا، لقد كنت مدركا إنذارات زمانك عندما نطقت بهذا. # ولكن عليك أن تحاذر أنت أيضا ما فيك من إشفاق؛ لأن كثيرين خرجوا على طريقهم يقصدونك، ~~وما أكثر الغارقين ومن جمدهم الصقيع! # ولأدعونك حتى إلى الاحتراس مني، فإنك قد حللت لغزي من وجهتي حسنه وقبحه، وعرفت من ~~أنا وما فعلت فعرفت من ذلك ما يمكنه أن يصدمك ويصرعك. # وعلى كل، فقد وجب على الإله أن يموت؛ لأنه كان يحدق بعين نافذة لا تخفى عليها خافية ~~فيسبر أعماق الإنسان وأغواره مستكشفا جميع ما كمن فيه من قبح وعيوب. # لقد كان إشفاقه خاليا من الحياء، فكان يذهب هاتكا الأستار عن قبائح ذاتي، أفما حق ms212 ~~على هذا الفضولي الرحيم أن يموت، أفما كان لي أن أنتقم ممن تحرش بخفاياي أو أختار الموت ~~تخلصا منه. # إن إلها يرى كل شيء حتى الإنسان لأجدر به أن يفنى وما يحتمل الإنسان مثله ~~شهيدا. # هكذا تكلم أقبح العالمين، فنهض زارا وقد أحس بالصقيع في أحشائه وقال: يا من لا يعرف ~~ولا يسمى، لقد حولتني عن اتباع طريقك وأنا أدعوك مكافأة لك إلى اتباع طريقي، انظر إلى ~~الذروة، هنالك مغارة زارا. # إن مغارتي متسعة مديدة كثيرة السراديب يجد فيها طالب الخفاء خباء، وعلى مقربة منها ~~حفر وأوجار لكل حيوان من الزحافات والدبابات والأطيار، فاقتد بي يا من هجرت العالم ~~وكرهت الحياة بين الناس، وأرهقك إشفاق الناس تعلم كما تعلمت أنا فلا يتعلم إلا العامل ~~المختبر. # ليكن أول ما تتعلمه التحدث مع نسري وأفعواني؛ فالأول أعظم الحيوانات كبرا، والثاني ~~أشدهم مكرا، فليكونا لك ولي خير من نستشير. # هكذا تكلم زارا وسار في طريقه وقد ازداد تفكيره إسراعا ومشيته تمهلا؛ إذ كان يسائل ~~نفسه عن أمور كثيرة فلا يجد لها جوابا. # وقال في قلبه: ما أشقى الإنسان وما أقبحه مليئا بالضغينة والعيوب الخفية! # قيل لي إن الإنسان محب لذاته، فأية درجة يجب أن تبلغ الأنانية لتتغلب على ما في الذات ~~من صفات حقيرة؟ # لقد مررت الآن بكائن يحب ذاته وهو يحتقرها، فهو في نظري متناه في عشقه واحتقاره؛ ~~لأنني ما عثرت قط من قبل بمثله كائنا يحتقر ذاته إلى هذا الحد، إن في مثل هذا الاحتقار ~~تعاليا وسموا، ولعل هذا الإنسان هو الإنسان الراقي الذي أرسل بصرخة ~~الاستنجاد. # إنني أحب رجال الاحتقار العظيم لأن على الإنسان أن يفوت ذاته ويتفوق عليها. # | مختار التسول # وعندما بارح زارا أقبح العالمين أحس بوحدته، ومشى الصقيع في أعضائه لما مر في رأسه من ~~أفكار غريبة لافحة، ولكنه ذهب يجد السير تارة على المراعي المخصبة المشرفة على البحر ~~وطورا وراء الجبل حيث جف النهر، فانكشف مسيله الموحش تحف به الصخور، فتشددت عزيمته ~~وعادت إليه حرارته فقال في ms213 نفسه: «لعلني على مقربة من إخوان لا أعرفهم يدورون في هذه ~~الأرجاء، ولعل ما أحس به من أنس بعد الوحشة ومن حرارة بعد الصقيع يهب من أنفاسهم فتهش ~~لها نفسي.» # وتطلع من موقفه إلى ما حوله فإذا به يرى قطيعا من الأبقار على مرتفع، فأدرك أن ما ~~ضاع من لهاث هذه القطيع قد كان السبب في إنعاش قلبه. # وما أحست الأبقار بقدومه؛ إذ كانت موجهة انتباهها إلى خطاب كان يلقى عليها، وما تقدم ~~زارا بضع خطوات حتى سمع صوت إنسان يرتفع من وسط الحلقة، وقد أدارت الأبقار رءوسها إلى ~~مصدر الصوت فأسرع زارا إلى اختراق الحلقة، فإذا برجل جالس على الحضيض يتكلم محولا كل ~~جهده لإقناع الأبقار بألا تنفر منه. # وكان المتكلم أحد أنصار السلام ومن وعاظ الجبال المتصفين باللطف، وقد أشع العطف من ~~عينيه. # وتقدم زارا وسأله بدهشة عما يفعل، فأجاب الرجل: إنني أطلب هنا ما تطلبه أنت، فأنا ~~أفتش على سعادة الحياة، وقد أردت أن تعلمني الأبقار حكمتها، فمضت نصف الصبيحة وأنا أهيب ~~بها إلى التكلم حتى كادت تنطق فأتيت أنت تكدر صفونا. # إذا نحن لم نرجع فنصير مثل هؤلاء الأبقار فلن ندخل ملكوت السماء ... لأن علينا أن نقتبس ~~من الأبقار اجترارها. # والحق لو أن الإنسان ربح العالم كله، ولم يتعلم الإمعان في تفكيره كما تمعن الأبقار ~~في مضغها، فأية فائدة له من الحياة؟ لأنه إذا لم يجتر بتفكيره فلا شفاء له من أشد ~~أدوائه، وداء الإنسان العقام اليوم إنما هو داء الاشمئزاز، ومن من أبناء هذا الزمان ~~لا تتقزز نفسه وعيناه وفمه، أفما أنت كسائر الناس يا هذا؟ انظر إلى الأبقار. # قال واعظ الجبل هذه الكلمات ثم أمعن النظر في زارا بعد أن كان يعلقه على أبقاره، ~~فتغيرت سحنته وهتف قائلا: من هو من أخاطب؟ # ونهض عن الأرض فجأة وهو يقول: هذا هو المتعالي عن كل اشمئزاز، هذا هو زارا بعينه، هذه ~~عينه وهذا فمه وهذا قلبه. # وسارع إلى تقبيل يدي زارا وعيناه تفيضان بالدموع كأنه لقي ms214 كنزا أرسلته السماء، ووقفت ~~الأبقار تنظر إلى الرجلين مندهشة حائرة. # وتباعد زارا قائلا: ما لك والتكلم عني، تحدث عن نفسك، أفما أنت من اختار التسول ~~متخليا عن ثروته الكبرى، أفما أنت من رأى العار في الغنى وأربابه ففزع إلى الفقراء ~~ينشر عليهم نعمته، ويجود عليهم بقلبه، فرده الفقراء خائبا؟ # فأجاب المتسول: أجل لقد عدت بالخيبة فلجأت إلى هذه الأبقار، وأنت تعرف ذلك يا ~~زارا. # فقال زارا: وهنا تعلمت فعرفت أن الإجادة في العطاء أصعب من الإجادة في الأخذ، وأن ~~العطاء فن يتوقف إتقانه على إدارة العطف والتحكم في خطراته. # فقال المتسول: بخاصة في هذه الأيام التي ثار فيها كل سافل نفور متكبر مباهيا بطبقة ~~الغوغاء التي ينتمي إليها، وما خفي عليك أن الساعة قد دنت لثورة طبقات المستبعدين وهي ~~ثورة سيطول أمدها ومداها. # إن الصغار يتمردون على كل ما هو إحسان وتصدق، فلينتبه أرباب الثراء وليحذروا. # الويل لكل وعاء متضخم لا يتسرب ما فيه إلا قطرة فقطرة من فوهته الضيقة، فإن أعناق هذه ~~الآنية معرضة للكسر في هذه الأزمان، وقد اصطدمت بالحسد الفاحش والشهوة الغاضبة والظمأ ~~الدافع إلى الانتقام وبكل ما في الغوغاء من غرور، لقد كذب من قال: إن السعادة سائدة بين ~~الفقراء من الناس، فما يتمتع غير الأبقار بملكوت السماء. # وسأل زارا: ولماذا لا يتمتع الأغنياء بالملكوت. # فأجاب المتسول: لماذا تجربني يا هذا وأنت أدرى بالأمر مني، وهل فزعت إلى الفقراء إلا ~~كرها لأغنيائنا؟ وهم أسرى أموالهم وعبيدها وهم ذوو العيون الباردة والقلوب التي تقرضها ~~شهوة الإثراء فتوحي إليهم بكل وسيلة يستغلون بها أية كومة من كوم الأقذار، أفما هربت من ~~هؤلاء الناس وسفالتهم الصارخة بوجه السماء، كما هربت من الطبقة الموشاة بالذهب ~~والمزورة تزويرا المتحدرة من جدود كانت أصابعهم مخالب من حديد فعاشوا عقبانا أو ~~جامعي خرق، من الطبقة التي ماتت النخوة في رجالها فسرحت نساؤها فاحشات سائبات لا فرق ~~بينهن وبين البائحات في المواخير. # لقد رأيت الغوغاء في الطبقة العليا كما رأيتها في الطبقة الدنيا، فلا ms215 فرق بين ~~الأغنياء والفقراء في هذا الزمان؛ لذلك هربت وأمعنت في الهرب حتى أدى بي المطاف إلى ~~هذه الأبقار. # هكذا تكلم رسول السلام والعرق يتصبب منه لاندفاعه بتيار خطابه، فوجمت الأبقار ~~مضطربة، غير أن زارا كان لا يزال يحدق بالمتسول وهو يبتسم حتى إذا وقف عن الكلام قال ~~له: لقد أجهدت نفسك بعنف خطابك فما لفمك أن يتفوه بهذه الكلمات الجافية وما لأذنيك ~~أن تسمعاها، وما أرى معدتك نفسها قادرة على هضمها وتحمل مثل هذا الغضب المتدفق، ~~فمعدتك بحاجة إلى غذاء أخف وما أنت بالرجل الشره، ولعلك من أكلة الأعشاب والبقول تحب ~~مضغ الحبوب ولعق العسل. # فقال المتسول: لقد أصبت فأنا أحب العسل وأمضغ الحبوب فأفتش على ما لذ طعمه وطابت ~~نكهته، وما يساعد بمضغه على إمرار الزمان شأن الكسالى وليس أمهر في الاجترار من الأبقار ~~فهي التي اخترعته كما اخترعت التمدد تحت شعاع الشمس فتخلصت من كل تفكير جدي عميق مضخم ~~للقلب. # فقال زارا: إذن عليك أن تشاهد نسري وأفعواني فليس لهما على الأرض نظير، تلك هي الطريق ~~المؤدية إلى مغارتي فانزل فيها ضيفا علي هذا المساء لتتحدث مع النسر والأفعواني عن ~~سعادة الحيوانات، وهنالك تنتظرني إلى أن أعود لأن صوتا استنجدني من بعيد وأنا ذاهب إلى ~~مصدره، ولسوف تجد في المغارة عسلا جديدا أخذ من القفران الذهبية وهو بارد كالثلج فلك ~~أن تأكله. # استأذن أبقارك الانصراف أيها الرجل الغريب، فإنها خير من أخلص لك وأصدق من علمك ~~الحكمة. # فقال المتسول: ما هي أخلص وأصدق منك يا زارا، فأنت بطيبة قلبك خير من الأبقار. # فقال زارا: سحقا أيها المداهن! لماذا تقصد إفسادي بمعسول القول والثناء؟ # اذهب بعيدا عني. # ورفع زارا عصاه غاضبا فأسرع المتسول بالهرب. # | الظل # وما توارى المتسول وشعر زارا بانفراده، حتى سمع صوتا آخر يهتف به من ورائه قائلا ~~له: توقف وانتظرني، أنا ظلك يا زارا. # ولكن زارا لم يصخ سمعا وقد أزعجه أن تكون جباله آهلة بمثل هذا العدد من الناس، ~~وتساءل عما آلت إليه عزلته ms216 فقال: إن مملكتي ليست من هذا العالم فلأذهبن مفتشا على جبال ~~جديدة. # ها إن ظلي يدعوني، ولكن ما يهمني هذا الخيال وعليه هو أن يتبعني، أما أنا فأهرب ~~منه. # ومشى زارا فإذا به يرى المتسول يركض أمامه وظله يجد في السير من ورائه، غير أن زارا ~~أدرك أن الجنون كاد يستولي عليه، فوقف فجأة ينفض عن نفسه ما علق بها من كيد واحتقار، ~~وهو يقول: أفما يتعرض أمثالي القديسون الشيوخ إلى أغرب الحادثات؟ # والحق أن جنوني قد تزايد في هذه الجبال، وها أنذا أسمع قرقعة ستة أقدام حكمها ~~الجنون. # لا حق لزارا أن يخاف من خيال فيسطو عليه الوهم حتى يرى رجلي خياله أطول من ~~رجليه. # ووقف بغتة والتفت إلى ورائه، فإذا بظله يصطدم به فيكاد يسقط إلى الأرض، وتفرس في ~~هذا الخيال فساده الرعب كأنه يرى شبحا من وراء القبور لما رأى من هزاله وهرمه، وصرخ ~~قائلا: من أنت؟ ولماذا تدعي أنك ظلي، ومنظرك لا يروقني؟ # فأجاب الظل: اعذرني إذا أصررت على ما أدعي، وإذا كان حالي لا يروق لك، فإنني أهنئك ~~على حسن ذوقك، ما أنا إلا جوابة آفاق أقتفي خطواتك منذ زمن بعيد فأذهب على طريق لا ~~تنتهي عند حد، ولا مسكن لي فكأنني اليهودي التائه إلى الأبد بالرغم من أنني لست ~~يهوديا ولا خالدا. # لماذا قضي علي أن أبقى دائما على سفر دون قرار فتحملني عواصف جميع الأرياح، حتى ~~تعبت من ذرع هذه الكرة الأرضية التي لا أول لها ولا آخر. # ليس من سطح لم أنطرح عليه كالغبار المتهاوي بعد ثورته على المرايا وزجاج النوافذ، وكل ~~شيء ألمسه يختلس مني، ولا آخذ منه شيئا فها أنذا ناحل وأكاد أكون هباء. # أنت يا زارا متبوعي الذي سرت وراءه ولم يرني، خفيت عنك ولكنني كنت أصدق ظل لك فما ~~حططت رحالك مرة إلا وحططت قربك رحالي، ثم هببت معك أجول في أبعد العوالم وأشدها ~~صقيعا كالأشباح يلذ لها أن تنطرح على السطوح المثقلة بالثلوج. # ذهبت في إثرك متشوقا ms217 إلى كل محظور بعيد وإلى كل شر، فإذا كنت اكتسبت من الفضائل ~~شيئا فما اكتسبت إلا اقتحامي كل ممنوع، وفي إثرك حطمت كل ما كان يعبده القلب، وقلبت كل ~~معالم الحدود ومحوت كل الصور وأنا أتهافت على أشد الشهوات خطرا، والحق أنني ارتكبت هذه ~~الجرائم كلها، وفي إثرك أيضا فقدت ثقتي في معاني الكلمات وفي الشرائع المقدسة وفي ~~الأسماء العظمى، أفما يبدل الشيطان اسمه كلما استبدل جلده، وهل الأسماء إلا جلود، بل ~~لعل الشيطان نفسه جلد ليس إلا. # وكنت أحث نفسي على السير فأقول: «لا حقيقة في الوجود وكل شيء جائز.» فاندفعت أشق ~~برأسي وقلبي أشد المياه صقيعا، ولكم خرجت بعدها عاريا، وقد لوح الصقيع جلدي ~~بناره. # ويلاه! ماذا فعلت بالعطف وبالحياء وبالإيمان بالصالحين؟ وأين توارى الطهر الكاذب الذي ~~كنت أتشح به من قبل، طهر الصالحين في أكاذيبهم الشريفة؟ # لكم اتبعت الحقيقة وأنا أترسم خطاك فرجعت الحقيقة إلي لتصفعني على وجهي، وما ~~لمست الحقيقة حين لمستها إلا عندما كان يلوح لي أنني أقول الكذب. # لقد انجلت أمور كثيرة أمامي لذلك لم يعد لي شيء، وكل ما أحببته قد مات فكيف يسعني أن ~~أحب نفسي بعد؟! # إن ما أريده هو أن أعيش كما أشتهي وإلا فخير لي ألا أعيش، وتلك هي أيضا إرادة أقدس ~~الناس ولكن أنى لي أن أجد لذة بعد، وقد اضمحلت مقاصدي وأهدافي وليس أمامي من ميناء ~~ينطلق إليه شراعي. # ما تهمني الريح المناسبة؟ وهل لمن لا يعرف وجهته أن يراقب مهب الرياح؟! # لم يبق لي غير قلب متعب وقح، وإرادة لا قرار لها، وجناح مهيض، وظهر تفككت ~~فقراته. # لقد فتشت على مسكني فأشقتني محاولتي، وأنت تعلم يا زارا، أي شوق أكابده من ~~أجله! # أين هو هذا المقر؟ لقد طلبته فما وجدته، فهو أبدا في كل مكان وأبدا لا مكان له، بل ~~هو العبث الأبدي. # هكذا تكلم الظل فارتسم الأسى على وجه زارا فقال: أنت هو ظلي، وما الذي تقتحمه من ~~هينات المخاطر، أيها الروح المطلق المتجول، لقد ms218 كان يومك ثقيلا عليك فاحذر أن يكون ~~مساؤك أشد إرهاقا. # إن التائهين أمثالك يعثرون على سعادتهم أخيرا ولو في سجن من السجون، أفما رأيت كيف ~~يرقص السجناء على جرائمهم وقد بلغوا الأمان. # احذر أن يتسلط عليك إيمان جديد يضيق عليك المجال بأوهامه القاسية؛ لأنك منذ الآن معرض ~~لاستهواء كل ضيق شديد. # لقد غاب هدفك عنك، فكيف تقدر على الذهاب في حزنك أو بلوغ السلوان وقد ضللت طريقك، فيا ~~لك من خيال تائه وفكر شريد، فإذا ما أردت الراحة في ملجأ هذا المساء، أيها الفراش ~~المنهوك، فاصعد إلى مغارتي. # ذلك هو الطريق المرتفع المؤدي إليها، وها أنذا أبتعد عنك؛ لأنني أشعر بشيء كالظل يثقل ~~علي. # سأذهب راكضا وحدي لأتبين النور ما حولي، فإلى مغارتي هذا المساء؛ لأننا سنحيي ليلة ~~راقصة هناك. # هكذا تكلم زارا. # | في الظهيرة # وذهب زارا راكضا في سبيله فلم يصادف عليه أحدا، فلذ له الانفراد بنفسه واستغرق ~~مفكرا ساعات طويلة بما يسره وإذ تكبدت الشمس السماء مرسلة أشعتها عموديا على رأس ~~زارا رأى أمامه شجرة هرمة تعقدت أغصانها وقد التفت عليها جفنة كرم طوقتها من كل ناحية ~~حتى اختفى جزعها، وتدلت من أعاليها العناقيد صفراء ناضجة فأهاب الظمأ به ليمد يده ~~ويقتطف عنقودا يطفئ أواره، ولكنه أحس بحافز آخر يدعوه إلى التمدد تحت ظل الدالية طلبا ~~للراحة والنوم، فانطرح على العشب وما عتم حتى نسي ظمأه فاستسلم للوسن ولكن عينيه بقيتا ~~مفتوحتين تحدقان بجفنة الكرم والشجرة وقد شاقه عشقهما، فقال في نفسه: سكوتا ... لعل ~~العالم قد أكمل الآن فإنني أشعر بما لا عهد لي به من قبل. # أحس بالوسن يهب علي كنسمات تخطر على مويجات البحر اللامعة، فهو لا يغمض أجفاني بل ~~يترك لروحي انتباهتها، ولكنه يتوغل فيها فكأنها تتمدد وتتسع مجالاتها وقد أضناها التعب ~~فهل حان مساء يومها السابع في وسط النهار؟ # إن روحي الغريبة تنطرح ممددة بطولها فكأنها بعد أن ذاقت ألذ الأشياء لا يحلو لها ~~الأسى بعد فهي تبدي امتعاضها. # وها هي تلتصق بالتراب كقارب ms219 دخل فرضته متعبا من أسفاره على البحار المجهولة، أفليست ~~اليابسة أصدق من غادرات البحار؟ # إنها تستغني عن حبل يشدها إلى مرساها فخيط عنكبة يكفيها ليصلقها بترابها. # ها أنذا كالقارب في فرضته أرتاح على التراب الأمين مشدودا إليه، بأوهى ~~الخيوط. # يا لسعادتي! علام لا ترفعين صوتك بالإنشاد يا نفسي وأنت منطرحة على العشب في الساعة ~~التي لا يعزف فيها راع على شبابته؟ # لا ... لا تنشدي! إن حر الظهيرة يرتاح على المروج فاحفظي الصمت يا نفسي؛ لأن العالم قد ~~أكمل. # لا ... لا تنشدي! إن عصافير المروج نفسها صامتة لا تزقزق، انظري! هذه الظهيرة الهرمة ~~راقدة تحرك شفيتها، أتراها ترتشف قطرة من السعادة؟ قطرة معتقة من الخمر الذهبي تحمل ~~السعادة إلى هذه الظهيرة فتبتسم! سكوتا، إنها لابتسامة الآلهة. # كنت أعتقد من قبل وأنا أحسبني حكيما أن السعادة تنشأ من أقل الأسباب، ولكن الزمان ~~علمني أنني كنت مجدفا وأن مجانين الحكماء لا يرتكبون مثل هذا الخطأ. # لقد عرفت الآن أن على الأقل من القليل يتوقف خير الشعور بالسعادة؛ لأنها تقوم على ~~ألطف الأشياء وأعمقها صمتا، على حركة حرباء بين الأعشاب، على لفحة نسيم، على لحظة ~~سكوت، على طرفة عين. # ماذا جرى لي؟ تنصتي يا نفسي؛ هل توارى الزمان؟ أتراني أهوي ساقطا في غور ~~الأبد. # أحس بطعنة في صميم قلبي: فانحطم أيها القلب، خير لك أن تقف عن نبضاتك بعد أن شعرت ~~بهذه السعادة وبعد أن نزلت الطعنة النجلاء عليك. # يا للعجب ألم يكتمل العالم الآن أفما أتم استدارته ونضوجه؟ إلى أين تطير هذه الأكرة ~~المذهبة؟ وهل أنا ذاهب وراءها؟ # سكوتا ...! # وعندها أحس زارا بأنه نائم فتثاءب وشدت به عضلاته، فقال في نفسه: انهض أيها الكسلان ~~النوام! أف لكما أيها الساقان الهرمان، لقد دهمنا الوقت وأمامكما شقة طويلة ~~بعد. # لقد نمت مدة تبلغ نصف الأبد يا هذا فانهض، انهض أيها القلب الشيخ، فلقد تحتاج إلى زمن ~~طويل لتعود إلى انتباهك بعد هذه الرقدة. # وتسلط النعاس على زارا ثانيا فانطرحت روحه بالرغم منه تطلب الراحة قائلة: ms220 اسكت ودعني ~~أفما أكمل العالم! يا لجمال هذه الكرة المذهبة. # وصاح زارا بروحه: انهضي أيتها الكسولة، أيتها المختلسة، ما لك تتثاءبين وتزفرين ~~وتتهاوين إلى الأغوار. # من أنت أيتها الروح؟ # وانتفض زارا مذعورا؛ إذ وقعت أشعة من الشمس على وجهه. # وصاح: أيتها السماء المنبسطة فوقي، إنك تنظرين إلي وتصغين إلى روحي الغريبة. # أي متى تتشربين قطرة الندى التي تساقطت على كل شيء في هذا الوجود؟ أي متى تتشربين ~~هذه الروح الغريبة؟ # أيتها الأغوار الأبدية، أيها القاع المليء جزلا، أيتها الظهيرة التي يرتعش لها كل ~~شيء، أما آن لك أن تتشربي روحي فتندغم فيك؟ # هكذا تكلم زارا ونهض من مرقده تحت الشجرة كأنه يفيق من سكره، فإذا بالشمس لا تزال في ~~كبد السماء فعرف أنه لم ينم إلا زمنا قصيرا. # | السلام # وكان العصر قد خطا خطوة كبرى نحو المساء عندما بلغ زارا مغارته بعد طول المسير، وبعد ~~أن ذهب جهده في التفتيش على المستنجد عبثا. # ولكنه ما أصبح على قاب عشرين قدما من مسكنه حتى وقف مذعورا؛ إذ سمع صوت الاستنجاد ~~يدوي في أذنيه وازدادت دهشته؛ إذ تأكد أن الصوت خارج من مغارته نفسها، غير أن الهتاف ~~كان يصل إليه كأنه هتافات عديدة يدفعها فم واحد. # وأسرع زارا فولج مغارته فإذا هو ماثل أمام جميع من التقاهم في طريقه: ملك الميمنة ~~وملك الميسرة والساحر الشيخ ورئيس الأحبار والمتسول والظل وضمير العقل والعراف الحزين ~~والحمار. # وكان أقبح العالمين واضعا تاجا على رأسه وملتفا بدثارين من القرمز؛ لأن هذا الرجل ~~كان يحب أن يتنكر ويتجمل ككل قبيح. # وكان نسر زارا منتصبا بين هذا الجمع، وقد انتفش ريشه ولاح الاضطراب عليه لاضطراره ~~إلى إبداء الجواب على مسائل تنال من غروره وكان الأفعوان ملتفا حول عنقه. # ودهش زارا مما رأى وذهب نظره يتفرس في كل وجه من وجوه ضيوفه ويطالع صفحات نفوسهم، ~~وكان هؤلاء الضيوف وقفوا عن مقاعدهم وكل منهم ينتظر بخشوع خطاب زارا. # وبعد صمت قصير قال زارا: ما كان صوت الاستنجاد إلا صوتكم إذن ms221 ... فأنا أعلم الآن أين ~~يجب أن أفتش على الإنسان الراقي. # إنه جالس في مغارتي هذا الإنسان، وما أعجب لهذا لأنني أنا دعوته، وأهبت به للحضور وقد ~~وعدته بالعسل والسعادة، ويلوح لي أنكم لا تتصلون إلى الاتفاق فيما بينكم، فكل منكم يسبب ~~الكدر لرفاقه وأنتم مجتمعون هنا في حين أنكم تستنجدون بصوت واحد فأنتم بحاجة إلى من ~~يعيد ضحككم إليكم، إلى رجل مرح رقاص استولى عليه الجنون. # اغتفروا لي هذه اللهجة التي لا تليق بضيوف مثلكم يستسلمون لليأس، ولكنكم لا تعلمون ما ~~يشدد العزم في قلبي، إن مشهد اليائسين يدفع بكل إنسان إلى محاولة مواساتهم وتعزيتهم ~~وهذا ما أشعر به الآن، وأنا مدين لكم بهذا الشعور؛ لذلك أقدم لكم ما أملك، فانزلوا على ~~الرحب في مغارتي هذا المساء وليقم نسري وأفعواني بخدمتكم. # ولكن عليكم أن تردوا عنكم كل يأس فأنتم في منزلي حيث يسود الاطمئنان والسلام. # فأنا إذن أقدم لكم الأمان أولا، ثم أقدم لكم خنصر يدي؛ لأنكم إذا ما قبضتم عليه ~~تقبضون على ساعدي، فأنا لا أتردد في تقديم قلبي لكم، فأهلا وسهلا بكم. # هكذا تكلم زارا وهو يضحك ضحكة الحب والشر، فانحنى الضيوف يردون السلام بإجلال واحترام ~~وتكلم ملك الميمنة باسم الجميع قائلا: لقد عرفنا أنك أنت زارا من طريقة تقديم يدك، ~~وإهداء سلامك لقد تواضعت أمامنا حتى كدت تخجل حرمتنا لك، وما سواك من يعرف التواضع ~~فيقف منه عند حد العزة، فقد أتيتنا بقدوة تصلح من أخلاقنا فتسدد نظرنا وتشدد ~~قلبنا. # إننا لن نتردد في تسلق جبال أعلى من هذا الجبل؛ إذ كان من اعتلائنا ما يبسط أمامنا ~~مشاهد تقشع الغشاء عن العيون وتجعل بصرها حديدا. # لقد انقطعنا الآن عن الصراخ في طلب النجدة؛ لأن قلوبنا قد تفتحت وامتلأت حبورا ونكاد ~~نستعيد قوانا وشجاعتنا. # أي زارا، ليس في الأرض شيء أدعى إلى السرور كالإرادة القوية السامية، فهي أشرف ما ~~ينبت التراب، فإذا ما نمت دوحة واحدة من هذا النبات سرت القوة في كل ما حولها من حدائق ~~ومروج. ms222 # إن من يعلو مثلك يا زارا لشبيه بشجرة الصنوبر ترتفع صامتة فريدة صلبة العود وتمد ~~فروعها القوية الخضراء كأنها تريد اللحاق بما تنشر من سيادة، وكأنها تستنطق الرياح ~~والعواصف وكل ما يبدو على الذرى العاليات، وإذا ما أرسلت جوابا أرسلته بنبرة عالية ~~ظافرة آمرة. # من يتردد في تسلق الذروة ليشاهد مثل هذه الدوحة؟ إن كل من يسوده الأسى القاتم يطرح ~~عنه الاستسلام إليه إذا هو نظر إلى دوحتك يا زارا، وفي النظر إليك طمأنينة من لا قرار ~~له وشفاء القلوب الحائرة. # والحق أن عيونا كثيرة تتجه اليوم نحو جبلك ودوحتك، وقد تنبهت الأشواق إليك وقد تساءل ~~الكثيرون عن حقيقة زارا، وجميع من وصلت معسولات أناشيدك إلى آذانهم، جميع المنفردين ~~أفرادا وأزواجا يقولون: أترى لم يزل زارا في الحياة؟ إذا نحن لم نعش معه كانت الحياة ~~باطلة لا خير فيها، لماذا لا يجيء إلينا بعد أن أعلن قدومه طويلا، أذهب فريسة عزلته، ~~أم علينا أن نسعى نحن إليه. # إن العزلة نفسها قد تراخت وتفككت في هذا الزمان فكأنها قبر ينشق عمن ثوى فيه، ففي كل ~~بقعة بعث ونشور. # وها إن الأمواج تتعالى حول الجبل وبالرغم من ارتفاع ذروتك لقد حق على الكثيرين أن ~~يرقوا إليك، وقد حان الزمن لإطلاق سفينتك من مأواها. # إذا كنت ترانا الآن أمامك نحن من حكمنا اليأس فتغلبنا عليه الآن، فما ذلك إلا دليل ~~على أن من هم خير منا قد خرجوا إلى طريقهم متجهين إليك، إن البقية الأخيرة من أتباع ~~الله بين الناس يسيرون إليك أيضا وهم من تناهى فيهم الشوق والكره والتخمة من الدنيا، ~~هم من لا يريدون الحياة إلا إذا أعطي لهم أن يتدربوا على الأمل، إلا إذا تعلموا منك ~~الأمل الأعظم يا زارا. # هكذا تكلم ملك الميمنة وقد قبض على راحة زارا قاصدا تقبيلها، ولكن زارا تراجع عنه، ~~وابتعد عن الجميع في صمته العميق، ثم عاد إليهم يحدجهم بلفتاته الخارقة لسرائرهم فقال: ~~أيها الرجال الراقون، أيها الضيوف، أصغوا إلي إنني سأخاطبكم بالألمانية وبكل ms223 صراحة ~~فأقول لكم: إن من أنتظر قدومه إلى هذه الجبال ليس أنتم. # فقال ملك الميسرة: إنه سيخاطبنا بالألمانية وبصراحة ... أفلا يتضح أن هذا الحكيم الشرقي ~~لا يعرف من هم الألمان، وكان الأجدر به أن يقول سأخاطبكم بالألمانية الخشنة، وما هي ~~بأقبح ما في هذا الزمان. # فأردف زارا قائلا: لقد تكونون جميعكم رجالا راقين أما أنا فلا أراكم بلغتم ما ~~يستلزمه التفوق من العظمة والقوة، هكذا أنتم في تقديري أو بالحري في تقدير الإرادة ~~الصارمة الكامنة في نفسي وهي صامتة الآن ولكنها لن تسكت أبدا. لقد تكونون من أتباعي ~~ولكنكم لستم مني في مقام ساعدي الأيمن؛ لأن من يمشي على أرجل مريضة كأرجلكم يحتاج إلى ~~عناية ومداراة سواء أعرف نفسه أم خفيت حاله عليه، وأنا لا أداري ساعدي ولا رجلي ~~ولا أداري المجاهدين تحت إمرتي، فكيف تقتحمون ما أصلي من معارك؟! # إذا أنا اعتمدت عليكم عرضت للفشل انتصاري؛ لأن أكثركم ينطرح صريعا لأول قرعة تهدر ~~بها طبولي. # ما أنتم من البهاء على ما أرجو، ولا من النسب على ما أطلب، وأنا أطلب المرايا ~~الصافية لأعكس عليها تعاليمي، فإذا ما انعكست صورتي على مراياكم جلتها مشوهة ~~للناظرين. # إن كواهلكم مثقلة بعديد الأحمال وبخيالات الزمان المنصرم، وفي خباياكم شرور كثيرة ~~ففيكم من الغوغاء خصال مستترة، فأنتم وإن صلحتم وحسن أصلكم لا تزال فيكم عيوب عديدة ~~وأمهر حداد لا يسعه تقويم اعوجاجكم. # ما أنتم إلا جسور يعبر عليها من هم خير منكم، ما أنتم إلا مدارج يرقاها المتجه إلى ~~الاعتلاء فوق ذاته، وعليكم أن تلينوا له ظهوركم، لقد يولد منكم يوما من يصبح وارثا ~~لي، ولكن هذا اليوم لا يزال بعيدا في مجال الزمان، أما أنتم فما لكم أن تحملوا اسمي ~~ولا أن ترثوا خيراتي في هذه الحياة. # لستم أنتم من أنتظر هنا في هذه الجبال، لستم أنتم من سأستصحب عندما أهبط بين الناس ~~للمرة الأخيرة، فما أنتم إلا طليعة القادمين إلي وهم أعظم منكم؛ لأنهم من غير من ~~تناهى فيهم الشوق والكره والتخمة ms224 من الدنيا ومن غير الفئة التي تدعونها البقية الأخيرة ~~من أتباع الله على الأرض. # لا ... وألف لا ... إنني أنتظر سواكم هنا على جبالي العالية، ولن أتحرك للخروج إلى العالم ~~قبل أن يصلوا إلي، فهم أرفع منكم وأقوى، هم رجال المرح الأصحاء من رأسهم إلى أخمص ~~أقدامهم، ولا بد أن يأتي إلي هؤلاء الأسود الضاحكون. # أفما بلغكم أيها الضيوف خبر أبنائي وهم قد خرجوا على طريقهم يقصدون مقري؟ # حدثوني عن حدائقي وجزري السعيدة، حدثوني عن نوعي الجديد، لماذا لا تحدثونني عن كل ~~هذا؟ # أستحلفكم بحق ضيافتي لكم أن تذكروا لي أبنائي، فما جمعت الثروة إلا لهم، وما تحملت ~~للفقر إلا من أجلهم فامتنعت عن العطاء. # إنني أفدي بكل شيء هؤلاء الأبناء وهم النبت الحي، أدواح الحياة المجسمة لأعز ~~آمالي. # وتوقف زارا فجأة عن الكلام لتغلب شوقه عليه فأغمض عينيه، وأطبق فمه متنصتا لخفقان ~~فؤاده. # وساد الصمت جميع من في الغار غير أن العراف الشيخ أخذ يرسم بيديه إشارات ~~غريبة. # | العشاء السري # وتقدم العراف كمن عيل صبره وقبض على يد زارا قائلا: ولكن ... أفما أنت القائل: إن ~~بعض الأمور مقدم على بعض، أفما دعوتني إلى تناول الطعام وهنا من قطعوا شوطا بعيدا ~~للوصول إليك، فهل ترى أن تشبعنا كلاما؟ # لقد تحدثتم كثيرا عن الموت بردا وغرقا واختناقا، ولكن لم يذكر أحد منكم بليتي ~~أنا وهي الخوف من الموت جوعا. # وما سمع النسر والأفعوان هذا الكلام حتى سادهما الرعب فهربا؛ إذ تأكدا أن كل ما جمعاه ~~منذ الصباح حتى المساء لن يكفي لإشباع العراف وحده. # وأردف العراف قائلا: ولم يذكر أحد منكم الخوف من الموت عطشا، أما أنا فبالرغم من ~~أنني سمعت تدفق الفصاحة كالنهر فإنني لا أرتوي منها بل أطلب خمرا؛ لأن الخمر وحده ~~يرتجل الصحة ارتجالا ويقضي على المرض بالشفاء العاجل. # وبينما كان العراف ذاهبا في كلامه يطلب خمرا كان ملك الميسرة يقول: لقد تداركت ~~الخمر فأحضرنا منه حملا ولكن الخبز ينقصنا. # فضحك زارا وقال: إن المنفردين لا خبز لديهم، ولكن ms225 ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل ~~بلحم الخراف أيضا ولدي خروفان، فليذبحا وليعدا ليعطرا فإنني أحب لحم الخروف ~~معطرا، ولدي أيضا أعشاب وأثمار تكفي أهل الشراهة، وأهل الذوق وعندي من الجوز وسائر ~~المغلقات ما يشغلنا كسره وكشف خفاياه. # سنجلس عما قليل لنتناول خير غذاء، ولكن على الجميع أن يمدوا سواعدهم للعمل وليشتغل ~~الملكان كالآخرين؛ لأن زارا وهو ملك يمكنه أن يكون طباخا أيضا. # وفرح الجميع بهذا الاقتراح ما عدا المتسول المتطوع الذي كان يأنف من اللحوم والخمور ~~والتوابل، فقال: اسمعوا ما يقول زارا في شراهته! فهل يتسلق الإنسان الجبال ليتنعم ~~بوليمة؟ وإنني لأفهم الآن ما كان يقصد بتعليمه؛ إذ قال: ليكن الفقر مباركا، وأدرك ~~لماذا يريد إفناء المتسولين. # فقال زارا: كن مرحا مثلي يا هذا واحتفظ بما تعودته امضغ حبوبك واشرب ماءك وامتدح ~~طبخك إذا كان هذا يورثك الحبور، فما أنا أمثل الشريعة إلا لأتباعي ولي، ولست شريعة ~~للناس أجمعين، ولكن من أراد أن يتبعني فعليه أن تقسو عظامه وتخف رجلاه، عليه أن يكون ~~فرحا في الولائم فيطرح عنه الهموم ويبقى مستعدا لاقتحام الصعاب قويا ~~صحيحا. # إن خير ما في الأرض لي ولأتباعي وإذا منع عنا أخذناه عنوة واقتدارا، لنا ألذ غذاء ~~وأنقى سماء وأقوى الأفكار وأجمل النساء. # هكذا تكلم زارا، ولكن ملك الميمنة أجابه قائلا: أليس من الغريب أن يقول حكيم بمثل ~~هذا القول الصواب؟! والحق لمن الغرابة بمكان أن يجمع الحكيم بين الأمرين ولا يكون ~~حمارا. # هذا ما قاله ملك الميمنة وهو يبدي دهشته فأمن الحمار على قوله بالنهيق، وهكذا بدأت ~~هذه الوليمة الطويلة التي دعيت بالعشاء السري في كتب التاريخ، وما دار حديث أثناء هذا ~~العشاء إلا على الإنسان الراقي. # | الإنسان الراقي # 1 # عندما جئت إلى الناس لأول مرة أتيت الجنون الأعظم الذي يرتكبه المنعزلون، فوقفت ~~على الساحة العمومية، ووجهت الخطاب إلى الكل فكأنني ما كلمت أحدا، غير أنني أمسيت ~~ورفاقي حبال وجثث أموات، بل كنت أنا نفسي جثة باردة. # ولكن عندما انبثق الصبح الجديد تبلجت لعيني ms226 حقيقة جديدة علمتني أن أقول: «ما ~~لي وللساحة العمومية ولعامة الناس ولضجتهم وآذانهم الطويلة!» # أيها الرجال الراقون، تعلموا مني قولي: لا يؤمن أحد في الساحة العمومية بالإنسان ~~الراقي، وإذا شئتم أن تتكلموا على هذه الساحة كما تشتهون فإن العامة تتغامز قائلة: ~~«إننا جميعنا متساوون.» # أيها الرجال الراقون، إن طبقة الشعب تنكر الإنسان الراقي فهي ترى الناس على ~~اختلاف طبقاتهم إنسانا واحدا أمام الله. # أما المساواة أمام الله فما لنا ولها ما دام هذا الإله قد مات! ولكن العامة كائنة ~~ونحن نأبى المساواة أمامها، فأعرضوا عن العامة أيها الرجال الراقون، وابتعدوا عن ~~ساحاتها. # 2 # أمام الله! ... ولكن الله قد مات في هذا الزمان أيها الرجال الراقون، وقد كان عليكم ~~الخطر الأعظم، ولولا اندراجه في لحده لما كنتم أنتم تبعثون. # في هذا الزمان تعود الظهيرة إلى ذر أنوارها، ويصبح الإنسان المتفوق ~~سيدا. # أفهمتم معنى كلمتي هذه يا إخوتي؟ أراكم ترتعشون فهل أصيب قلبكم بالدوار؟ وهل فغرت ~~الهاوية فاها أمامكم أيضا؟ أيعوي كلب الجحيم في إثركم يا ترى؟ # إلى الأمام أيها الراقون، لقد آن لطود المستقبل الإنساني أن يلد. # لقد مات الله، ونحن نريد الآن أن يحيا الإنسان المتفوق. # 3 # إن أوفر الناس اهتماما في هذا الزمان يتساءلون عما يحفظ حياة الإنسان، أما زارا ~~فهمه أن يعرف كيف يتفوق الإنسان على إنسانيته. # إن الإنسان المتفوق قبلة أنظاري وعواطفي، وما أهتم للإنسان ولا للقريب ولا للفقير ~~ولا للمحزون ولا لخيار الناس. # أي إخوتي، أنا لا أحب من الإنسان إلا كونه مرحلة وجنوحا، وفيكم أيضا أجد صفات ~~عديدة تحببكم إلي وتبعث الآمال في قلبي. # لقد عرفتم الاحتقار أيها الراقون، وذلك ما يشدد بكم أملي لأن عظماء المحتقرين هم ~~أيضا عظماء الحرمة والجلال. # لقد بلوتم اليأس وذلك ما أكرمه فيكم؛ لأنكم لم تتمرنوا على الاستسلام وعلى ~~دناءة الاحتياط. # إن زعانف القوم هم سادة هذا الزمان الداعون إلى التجلد والصبر والتواضع والتحذر ~~والثبات وإلى ما هنالك من حقيرات الفضائل. # إنهم لأشباه الرجال يتصفون بصفات النساء والمستخدمين ويقودون ms227 الغوغاء طامحين إلى ~~التسلط على مقدرات الدنيا، فيا للكراهة! ... وأف لهؤلاء القوم أشباه الرجال، فإنهم ~~لا ينون يتساءلون عما يطيل حياة الإنسان متلذذا متنعما، وبهذا يسودون هذا ~~الزمان. # اعتلوا فوق هؤلاء الناس يا إخوتي فإنهم ألد أعداء الإنسان المتفوق. # اعتلوا أيها الراقون فوق صغائر الفضائل والمحاذرات ومراعاة ذرات الرمال وأكوام ~~النمل وملذات الذات وطلب السعادة للعدد الأوفر بين الناس. # وخير لكم أن تتمنعوا بيأسكم من أن تستسلموا، إنني أحبكم لأنكم لا تعرفون أن تحيوا ~~في هذا الزمان، أيها الراقون، وبذلك تتمتعون بأفضل ما في الحياة. # 4 # أشجعان أنتم أيها الإخوة؟ ولا أعني تلك الشجاعة التي لا تنجلي في الإنسان إلا ~~أمام شهود، بل شجاعة المنفرد الذي لا يراه أحد: شجاعة النسور التي لم يعد لها من ~~إله شهيد! # إن الأرواح الجامدة والبغال والعميان والسكارى لا تعرف ما هي قوة القلب وما ~~ثبت الجنان إلا من عرف الخوف فتغلب عليه ومن سبر أعماق الهاوية، فما نالت ~~الأعماق جنانه بروعة واضطراب. # الشجاع من حدق في القاع السحيق بمقلة النسر، ومن قبض على الأغوار بمخلبه، ذلك ~~هو الشجاع. # 5 # لقد قال الحكماء إن الإنسان شرير طلبا لتعزيتي، ويا ليت هذه الحقيقة تنطبق على ~~أحوال هذا الزمان، فإن الشر قد أصبح خير ما في الإنسان من قوة، فعلى المرء أن ~~يزداد ارتقاء في خيره وفي شره أيضا، هذا هو تعليمي أنا ... فإن أعظم شر إنما هو أعظم ~~خير للإنسان المتفوق. # إن الدعوة إلى احتمال العذاب وحمل خطايا العالم كانت تليق ببشير الطبقة الحقيرة ~~بين البشر، أما أنا فإنني أسر بالخطيئة العظمى كأعظم تعزية. # على أن مثل هذه الأقوال لا تبذل لمن استطالت آذانهم، وما تليق كل الكلمات بجميع ~~الأفواه، فإن من الحقائق ما تدق عن الأفهام العادية فتتوارى وراء الأبعاد، وليس ~~لأرجل الخرفان أن تتراكض للحاق بها. # 6 # أيها الراقون، أتعتقدون أنني أتيت لأصلح ما شوهتم بأخطائكم؟ أو لأهتم بتهيئة ~~المراقد الوثيرة للمتألمين منكم أو لأدل التائهين في الجبل على المغاور ليخرجوا ~~من مآذقهم؟ ms228 # لا ... فليذهب إلى الفناء الخيار في نوعكم؛ إذ يقتضي أن يتزايد ضيقكم مع كرور ~~الأيام؛ لأن بهذا الضيق وحده يتعالى الإنسان إلى الذرى حتى يبلغ مرامي الصاعقة ~~المحرقة القاتلة. # أنا لا أتوجه بتفكيري وأشواقي إلا نحو العديد القليل ونحو الحادثات الدائمة ~~البعيدة في مجال الأزمان وما يهمني شقاؤكم وآلامكم الحقيرة الزائلة. # إنكم لا تزالون مقصرين في مجال الشقاء، وما بلغت آلامكم ما عليها أن تصل إليه؛ ~~لأنكم من أجل ذاتكم تتألمون لا من أجل الإنسان، وإن ادعيتم بتحملكم هذا العذاب ~~فأنتم كاذبون، فليس بينكم واحد تحمل ما تحملت من أوصاب وآلام. # 7 # إنني لن أرضى بتوقف الصاعقة عن إنزال الأذى، ولا أريد أن تتحول عن مسلكها حين ~~تنقض، بل أريد أن تسدد مرماها وتخدم مقاصدي. # لقد تجمعت حكمتي طويلا، وتكاثفت غمامة يتزايد اربدادها وسكونها ذلك شأن الحكمة ~~التي قدر لها أن تقذف بالصاعقة يوما من الأيام. # أنا لا أريد أن أكون نورا لأبناء هذا الزمان، ولا أن أدعى نورا ما بينهم؛ ~~لأنني أريد إيراثهم العمى، فلتنزل على أعينهم صاعقة حكمتي. # 8 # لا تطلبوا شيئا يفوت قواكم إدراكه، فمن طلب ما لا طاقة له به فقد كذب نفسه؛ ~~لأنه إذ يطلب العظائم وهو مزور ومقلد تنفر منه العظائم حتى يرى ذاته زائغ البصر ~~جمادا مطليا في فمه كلمات كبرى وبين يديه قرقعة لا جدوى لها. # كونوا على حذر من طلاب العظائم أيها الرجال الراقون، فالقناعة خير الكنوز. # أفليست العامة من يسود هذا الزمان؟ وهي مع ذلك لا تميز بين العظيم والحقير ~~والطريق السوي والمسلك الملتوي، فالعامة متقلبة كاذبة دون أن تشعر بجريمة ~~كذبها. # 9 # تمنعوا بالحزم أيها الراقون، يا رجال الشجاعة وحرية الضمير فهذا الزمان زمان ~~العامة، وما تعلمته العامة وقبلت به دون تعليل لا يسعكم هدمه بالبرهان في ~~عقيدتهم. # إن الإقناع لا يقوم في الساحة العامة على المعقول بل على الحركات والنبرات، ولا ~~شيء يلقي بالنفور في روع العامة كالبرهان. # وإذا انتصرت الحقيقة مرة هنالك فتساءلوا بكل ارتياب عن الضلال ms229 الذي دافع عنها ~~فأولاها انتصارها. # احذروا العلماء أيضا فإنهم يكرهونكم لعلة عقمهم، وعيون العلماء باردة جافة لا ~~تلقي نظرها على طير حتى تعريه عن ريشه، إنهم يباهون بامتناعهم عن الكذب، فاحذروا من ~~هذه المباهاة؛ لأن المجال بعيد بين من عجز عن الإتيان بالكذب ومن أحب ~~الحقيقة. # إن فقد الحرارة شيء ورزانة الحكمة شيء آخر، ولا ثقة لي بالعقول الباردة، فمن لا ~~يعرف أن يكذب لا يعرف ماهية الحقيقة ولا كيفيتها. # 10 # إذا أردتم بلوغ الذرى فتسلقوها بأرجلكم، ولا تطلبوا أن تحملوا إليها حملا على ~~ظهور الغير ورءوسهم. # قل لمن يمتطي جوادا ويسير خببا نحو هدفه، لا تنس أن رجلك العرجاء راكبة معك، ~~ولسوف تترجل في آخر الشوط فتهوي على ذروتك إلى الحضيض. # 11 # أيها الرجال الراقون، أنتم المبدعون ولا تحمل المرأة في أحشائها إلا ابنها، لا ~~ترتكبوا شططا، اعلموا من هو القريب ولا تظنوا أن بإمكانكم أن تفعلوا من أجله شيئا ~~كما لا يمكنكم أن تبدعوا بالنيابة عنه. # أعرضوا عن كلمة «من أجل» وتناسوها أيها المبدعون؛ لأن فضيلتكم تتوقف على ألا ~~تفعلوا شيئا من أجل أحد وبسبب أحد أو لأية علة، أصموا آذانكم دون هذه الأدوات ~~الكاذبة. # إن العمل من أجل القريب فضيلة صغار القوم، وقد جرى بينهم القول بالتبادل وبأن ~~إحدى اليدين تغسل الأخرى، ومثل هؤلاء لا حق لهم بأنانيتكم ولا قوة لهم على الاتصاف ~~بها. # إن في أنانيتكم، أيها المبدعون، حزم الحبلى ومحاذرتها؛ لأن محبتكم تحيط بالثمرة ~~التي لم ترها عين بعد، فتحفظها وتمدها بالغذاء، فإذا ما كان حبكم كله منصبا على ~~ولدكم تجلت في ذلك كل فضيلتكم؛ لأنه هو واجبكم وإرادتكم فلا تضللكم كاذبات ~~الشرائع. # 12 # اعلموا أيها الراقون المبدعون أن كل من سيلد مريض، وأن كل من ولد قد ~~تنجس. # سلوا النساء لتعلموا أن لا لذة في التوليد؛ فالدجاج تبيض صائحة والشاعر يبدع ~~متألما. # لقد حل بكم نجس الوالدات أيها المبدعون. # كل مولود جديد يأتي برجس إلى العالم، فعلى كل مبدع أن يطهر نفسه. # 13 # إياكم ms230 وممارسة الفضائل بما لا طاقة لكم به، ولا تكلفوا نفوسكم ما يستحيل ~~حكما. # اقتفوا ما أبقت فضائل آبائكم من آثار؛ إذ كيف يتسنى لكم الارتقاء إذا لم ترتق ~~معكم إرادة آبائكم، ولكن ليحذر الطامح إلى بلوغ الطليعة أن يصبح آخر السائرين، ~~احذروا أن تدخلوا أية قداسة على رزائل آبائكم، فمن العبث أن يطالب بالعفة من تمرغ ~~آباؤه بالنساء وكرعوا الخمر والتهموا لحم الخنازير. # إنكم لتطلبون كثيرا إذا اقتضيتم العفاف من مثل هذا الرجل؛ فحددتم له امرأة أو ~~اثنتين أو ثلاث، أما أنا فلا أصدق بارعوائه حتى ولو أنشأ ديرا وكتب على بابه: «هذه ~~طريق القداسة.» إن هذا الدير إلا ملجأ ومقر لمحاولات الجنون، فما ينمو في العزلة ~~من الإنسان إلا ما استصحبه إليها من حوافز، وهنالك المجال لنمو الحيوان ~~الكامن. # من الخير أن نردع الكثيرين عن العزلة والانفراد. # هل على وجه الأرض في هذا الزمان من يفوق دنسا القديسين المتنسكين في الصحراء ~~يدور حولهم الشيطان من جهة والخنزير من جهة أخرى؟ ... # 14 # ما رأيتكم مرة تنتحون مكانا قصيا عن الناس وقد بدت عليكم دلائل اليأس والخجل، ~~أيها الرجال الراقون، إلا وتمثلتكم كالنمر فات فريسته أو كاللاعب خانه الزهر على ~~صفحة نرده. # ولكنكم لا تبالون فإنكم ما تعلمتم إجادة اللعب والتحدي! وهل نحن في الحياة إلا ~~جلاس مائدة كبرى للسخرية والمقامرة. # ألأنكم أخطأتم وفاتتكم المقاصد العظمى تريدون أن تفوتوا أنفسكم، ولأنكم فشلتم ~~تريدون أن يفشل الإنسان؟ # 15 # كلما تعالت المثل صعب تحقيقها، أفما أنتم أيها الرجال الراقون نماذج فاشلة للمثل ~~الأعلى؟ # ولكن لا تبالوا بهذا بل أقدموا واضحكوا من أنفسكم؛ إذ لا عجب في أنكم نماذج فاشلة ~~أو نصف فاشلة؛ لأن نصفكم منحطم، ومستقبل الإنسان يسير سيره البطيء وهو يتكامل ~~فيكم. # أفما يتدافع ويغلي في مراجلكم أبعد وأعمق ما في الإنسان؟ أفما يكمن فيكم اعتلاؤه ~~إلى السهى وقوته العظمى؟ # وهل من عجب إذا تصدعت مراجل عديدة من بني البشر؟ فاضحكوا يا أهل الرقي فما أكثر ~~الممكنات في مستقبل الإنسان! # أفما نجحت ms231 محاولات عديدة فيما مضى، ولكم على الأرض من أمور بلغت كمالها وإن ~~صغرت. # أحيطوا نفوسكم بهذه الأشياء الصغيرة المتكاملة فإنها تنيل قلوبكم الشفاء بنضوجها، ~~فلا شيء يعلمنا الأمل إلا ما بلغ الكمال. # 16 # إن أعظم ما ارتكب في العالم من أخطاء هو قول القائل: «ويل للضاحكين في هذه ~~الدنيا.» فإن من جاء بهذا الإنذار قد قصر في التفتيش فما وجد على الأرض شيئا ~~يستحق الضحك في حين أن الأطفال يجدون ما يضحكهم. # لقد كان حب هذا النذير قصير المدى فما اتصل إلينا منه شيء نحن الضاحكين، بل إنه ~~أبغضنا ووجه إلينا لعنته وهو يتهددنا بالبكاء وصريف الأسنان. # أفليس من فساد الذوق أن يندفع الإنسان إلى اللعن إذا هو لم يحب؟ هذا ما فعله ذلك ~~النذير لأنه ابن العامة المتعصب، ولو أنه عرف الحب لما كان احتدم غضبا لأنه لم ~~يحب، فكل محبة تتناهى لا تطلب محبة ... بل تطلب أكثر من المحبة. # ابتعدوا عن جميع هؤلاء المتعصبين فهم نوع من الإنسانية مريض فقير، هم من العامة ~~التي تزوغ نظراتها من الحياة وتصيب الأرض بسم أعينها. # ابتعدوا عمن لا يعرفون التساهل فإن خطواتهم ثقيلة على التراب، وقلوبهم مثقلة في ~~الصدور، إنهم لا يعرفون الرقص فكيف لا يثقل عليهم التراب. # 17 # إن جميع الأشياء الحسنة تسير نحو أهدافها على منعرجات السبيل فترفع ظهورها ~~كالهررة هادرة لما تتوقع من سعادة قريبة المنال، فالأشياء الحسنة تضحك ~~أبدا. # لك أن تعرف من خطوات الناس إذا كانوا ظفروا بطريقهم السوي، فانظر إلى خطواتي تدرك ~~حالي، وإذا رأيتني راقصا فاعلم أنني اقتربت من هدفي. # والحق أنني ما استحلت تمثالا ولا انقلبت عامودا لا حياة ولا حس فيه، فأنا أحب ~~الجري في المجال البعيد؛ لأن في الأرض مستنقعات كثيرة ومعاثر لا تجتازها إلا الأرجل ~~الراقصة المنزلقة. # ارفعوا قلوبكم إلى ما فوق أيها الإخوة، ولكن لا تنسوا أرجلكم؛ إذ عليكم أن ~~ترفعوها أيضا وإذا أردتم إجادة الرقص فعليكم ألا تأنفوا من الانقلاب على ~~رءوسكم. # 18 # أنا المتوج نفسي ملكا على ms232 الضاحكين بإكليل ضفرته من الورود يداي، وليس ~~سواي من يقوى على تطويب ضحكة كما فعلت. # أنا زارا الرقاص، الخفيف الخطوات الضارب بجناحيه متحفزا للانتفاض إلى الأعالي ~~مشيرا إلى جميع الطيور بنشر أجنحتها، أنا من بلغ الرشاقة الإلهية. # أنا زارا العراف، أنا الضاحك الصبور المتسامح المحب للوثوب وتجاوز المحدود، أنا ~~المتوج نفسي بنفسي. # 19 # ارفعوا قلوبكم إلى العلا، إخوتي، ولا تنسوا أن ترفعوا أرجلكم أيها الراقصون ~~المجيدون، بل انتصبوا على رءوسكم أيضا. # إن بين طلاب السعادة حيوانات ضخمة ثقلت حركتها، وبينهم من ولد كسيحا فمثل هؤلاء ~~يحاولون الرشاقة كالفيل يجرب أن ينتصب على قمة رأسه، غير أن المجانين بالسعادة خير ~~ممن يجنون بالشقاء، والراقص متثاقلا أفضل ممن يتعارج في مشيته. # تعلموا الحكمة مني، إن لأقبح الأشياء وجهتين لهما حسنهما، ولشر الناس رجلين للرقص ~~فتعلموا أيها الرجال الراقون أن تقفوا سويا على أقدامكم. # أعرضوا عن أشجان العامة وأحزانهم، فإن للمهرجين بينهم في هذا الزمان سيماء ~~الغارقين في الأحزان؛ ذلك لأن هذا الزمان زمان العامة من بني الإنسان. # 20 # كونوا كالهواء المندفع من مغاور الجبال فهو يهب راقصا على هواه فيرتعش البحر ~~متراقصا لدغدغة نسماته. # تبارك من يستنبت أجنحة للحمير ومن يمد أنامله لضرع اللبؤة فيحتلبها، إن هو إلا ~~الروح الطيب الثائر يهب كالعاصفة من أجل ما هو عتيد ومن أجل ما سيكون، إن هو إلا ~~عدو الرءوس الشائكة والرءوس المنثلمة عدو كل الأعراش الذابلة وكل ما دب فيها ~~الفساد. # تبارك روح العاصفة روحا وحشيا طيبا حرا طليقا يرقص على مستنقعات الأحزان ~~كأنه يتمايل منها على ناضرات المروج. تبارك من روح يكره الغوغاء المستكلبين ~~الفاقدين الصواب وكل ناقص يتعزز بالعبوس. # تبارك روح العاصفة من قوة تهب الحياة لكل فكرة حرة، تبارك من زعزع يذري الرمال ~~وهو ضاحك على عيون مقروحة لا ترى في الوجود إلا قتاما. # أيها الرجال الراقون، إن شر ما فيكم هو أنكم لم تتعلموا الرقص على أصوله؛ ~~لتتوصلوا إلى الانطلاق بخطواتكم فوق رءوسكم، وما يضيركم ألا تتوفقوا إذا ~~حاولتم. # إن ms233 الممكنات كثيرة، أيها الراقون، فتعودوا أن تضحكوا ولو علا ضحككم فوق ~~رءوسكم. # ارفعوا قلوبكم أيها الراقصون المجيدون إلى ما فوق، ولا تنسوا أن تضحكوا ضحكا ~~جميلا. # إنني ألقي إليكم بإكليل الورود فهو تاج الضاحكين، لقد طوبت الضحك أيها الرجال ~~الراقون فتعلموه ... # | نشيد الأشجان # 1 # وعندما لفظ زارا الكلمات الأخيرة من خطابه رأى نفسه أمام مخرج غاره فترك ضيوفه ~~وانطلق يستنشق الهواء النقي هاتفا: يا للنفحات الطيبات ويا للسكينة السعيدة، ~~تعاليا إلي يا نسري وأفعواني وقولا لي أراقتكما رائحة هؤلاء الرجال الراقون. ~~إنني أشعر الآن بمقدار حبي لكما. # إنني أحبكما يا نسري وأفعواني. # ودار الحيوانان حول زارا وحدقا به طويلا، وبقي الثلاثة يستنشقان هواء بليلا لا ~~يظفرون بمثله في مجلس الرجال الراقين. # 2 # وما خرج زارا من الغار حتى وقف الساحر الشيخ مرسلا نظرات التجسس ما حوله وهو ~~يقول: لقد أخلي المكان. # فيا أيها الرجال الراقون وما أدعوكم بهذا النعت إلا تشبها بزارا في ثنائه عليكم، ~~فإنه ما كاد يخرج هو حتى عاد فاستولى علي روحي الخداع الماكر الساحر وما هو إلا ~~شيطان أشجاني. العدو اللدود لزارا فلا تلوموا هذا الشيطان إذا طمح إلى إبداء ضروب ~~سحره أمامكم وقد اجتاحته نوبة من نوباته ولطالما حاولت مقاومتها بلا جدوى. # إن روحي الشرير عدو لزارا وهو صديقكم جميعا، سواء أدعيتم رجال الفكر الحر أم ~~رجال الحق أم رجال كفارة العقل أم رجال الثورة أم رجال الشوق الأعظم أنتم المصابين ~~بما أصبت به من الكراهة العظمى، أنتم المؤمنين بأن الله قد مات دون أن يكون على ~~أحد الأسرة إله آخر تشده الأقمطة في طفولته. # إنني أعرف من أنتم يا أهل الرقي، وأعرف أيضا من هو زارا الذي أتوجه إليه بحبي ~~مرغما؛ لأنني أحس بأن قديسا سينبثق منه، ويلوح لي أحيانا أنه هيكل يسكن فيه ~~شيطان الأشجان فأحبه أيضا لحلول روحي الشرير في سريرته. # لقد أوشك هذا الروح أن يستولي علي، وها هو ذا يصرعني، فيا له من شيطان يتقمص ~~أشجان الغسق! # افتحوا أعينكم أيها ms234 الراقون، إن هذا الروح يتجسد ولا أدري أيظهر عاريا في هيئة ~~رجل أم في هيئة امرأة. # لقد بدأ ستار العتمة ينسدل حتى على خير الأشياء. # أعيروا سمعكم وحدقوا، أهو رجل أم امرأة هذا الروح، روح أشجان المساء. # هكذا تكلم الساحر الشيخ، ثم أدار لحاظه فيمن حوله وقبض على قيثارته. # 3 # عندما يعتل الهواء، ويتساقط الندى المعزي دون أن تراه العيون، وما تسقط الأنداء ~~إلا خفية ككل عزاء. # أفما تذكر أيها القلب الملتاع كم ظمئت إلى دمع السماء، إلى قطرات الأنداء؟ # لقد كنت منهوكا يرهقك السغب والشمس تلقي أشعتها على الأعشاب الصفراء متراكضة ~~حولك من خلال الأدواح القاتمة فتبهرك في روغانها، وتلقي في روعك أنك تائق إلى ~~الحقيقة، وما هي إلا خادعة ساخرة. # لا ... ما أنت إلا شاعر ولست إلى الحقيقة متطلعا مشوقا. # ما أنت إلا حيوان وحشي زحاف عليه أن يتفوه بالكذب، حيوان مفجوع بالغنائم، يسدل ~~على وجه قناعا تعددت ألوانه، وهو نفسه قناع لقناعه وغنيمة لفجعته. # أأنت يا هذا طالب حقيقة وحق؟ # لا ... ما أنت إلا مجنون، ما أنت إلا شاعر. # إنك تتكلم بالاستعارات والتشابيه، وترتفع عقيرتك مقنعا بوجه معتوه متراكضا على ~~معابر من كاذبات البيان تائها على أقواس قزح مزيفة تحت آفاق لا حقيقة ~~لها. # إنك تائه يتراكض في كل مكان. # ما أنت إلا مجنون، ما أنت إلا شاعر! ~~••• # أأنت طالب حقيقة وحق؟ # ما أنت إلا مسخ تمثال إلهي يلتمع في صقيعه، وليس له جلال هذا التمثال ولا صمته ~~منصوبا على مدخل بيت الله. # ما أنت إلا عدو كل هيكل مشيد للفضيلة فمسرحك القفار حيث تشب حرا طليقا، وإذا ~~ما حصرت في مسكن قفزت من نوافذه مستسلما لتصاريف الحدثان ذاهبا بهدير شهوتك في ~~مجاهل الغاب بين الوحوش الكاسرة الرقطاء الجميلة كالمعصية وقد قطرت أشداقها شبقا ~~ودماء فتسرح بينها متوحشا زحافا كاذبا. # أو أنت أشبه بالنسور التي تحدق طويلا في الأغوار حتى إذا لاحت الخرفان في ~~مراعيها انقضت عليها. إنها لعدوة الخراف وكل من له نظراتها وصوفها ~~ووداعتها. ~~••• # ما ms235 شهوة الشاعر إلا شهوة النسر والنمر. # تلك هي شهوتك المقنعة بألف وجه أيها المجنون، أيها الشاعر! # لقد نظرت إلى الإنسان كأنه نعجة فمزقت الله فيه كما مزقت النعجة وأنت تقهقه ~~ضاحكا. # تلك هي لذتك، أيها الشاعر، إن هي إلا لذة نسر ونمر، لذة شاعر ومجنون. # لقد جنحت يوما في الهواء البليل جنوح الهلال الحسود على وهج أنوار الغروب، ~~هاربا من النهار عدوه اللدود متواريا عن شجيرات الورود إلى أن يغمرها الظلام ~~ماحيا أشباحها. # أجل لقد جنحت فيما مضى جنوح الهلال هاربا من جنون الحقيقة وشهوة النور، تعبت من ~~النهار ومن أضوائه فانحدرت عليلا نحو المغرب إلى مطارح الظلام، وقد أحرقتني ~~الحقيقة بسعارها. # أفما تذكر أيها القلب الملتاع محنة تعطشك في ذلك الحين؟ # ما لي وللحقائق جميعها، سحقا لها. # ما أنا إلا مجنون ما أنا إلا شاعر. # | المعرفة # هذا ما أنشده الساحر، موقعا في شراك نغمه الغدار الحزين جميع من حوله ما عدا صياد ~~العلقة المقيد بضمير العقل، فإنه لم يقع كالآخرين بل نهض واختطف القيثارة من يد ~~الساحر صارخا: لقد سممت هواء الغار يا هذا. # جددوا الهواء، أدخلوا زارا إلينا. # إن سحرك أيها المراوغ يدفع بالناس إلى الشهوات ومجاهل القفار، ويا لشقائنا إذا كان ~~أمثالك يتكلمون عن الحقيقة ويولونها أهمية، وويل للأفكار الحرة إذا كانت لا تحذر ~~الساحرين، إنها لتفقد حريتها بإهمالها. # إنك تدعو للرجوع إلى السجون وتقتاد الناس إليها أيها الشيطان الحزين، ففي أنينك دعوة ~~مستترة، فما أشبهك بمن يمجدون العفاف فيجيء تمجيدهم دعوة إلى الملذات! # هكذا تكلم صاحب ضمير العقل، غير أن الساحر كان يجيل أبصاره في من حوله، وهو يتنعم ~~بظفره فتتغلب لذته على حنقه من خصمه، وأخيرا نظر إليه قائلا بلطف: إن الأغاني ~~الجميلة تثير خير الأصداء ولذلك يجب أن يعقبها السكوت الطويل، أفما ترى هؤلاء الرجال ~~الراقين يتنصتون، ويلوح لي أنك لم تفهم شيئا من نشيدي؛ لأن تفكيرك محصور في دائرة ~~السحر. # فأجاب صاحب الضمير: إنك تثني علي بالإقرار بالفرق بينك وبيني، وحسنا فعلت، ولكن ms236 ~~أنتم أيها الراقون، ما لي أراكم وأنتم ذوو النفوس الحرة ساكتين كمن تطلع طويلا إلى رقص ~~غانية عارية متهتكة، فإذا بروحه ترتقص في داخله؟! # أفليس فيكم أيها الراقون القوة التي لا تنال منها خزعبلات الساحرين؟! # ولكنني أراكم في واد وأنا في واد، لقد تسنى لي أن أتحدث إليكم طويلا قبل أن عاد ~~زارا إلى مغارته فعرفت أنني معكم على خلاف، فأنتم لا تطلبون ما أطلب عن عقيدة راسخة، ~~وما جئت إلى زارا إلا لأنني أعلم أنه معقل الإرادة الثابتة التي لا تتزعزع في هذه ~~الأزمان التي يتصدع فيها كل شيء ويتداعى. # أما أنتم فإن نظراتكم تدل على أنكم تطلبون الريبة وتتشوقون إلى الشك، فتودون لو ~~يزيد الارتعاش وتعم الزلازل الأرض لتزداد حياتكم اضطرابا، فما أتخوف منه أنا تتوقون ~~أنتم إليه فتستهويكم حياة الوحوش في الغابات والمغاور. # إنكم لتنفرون ممن يدعوكم إلى اجتناب الأخطار فلا تأنسون إلا إلى المضللين ~~الساحرين. # ولكن اعلموا أن هذه الأماني الكامنة فيكم لن يكون لها أن تتحقق؛ لأن الخوف شعور غريزي ~~أولي في الإنسان يفسر كل شيء، ويجلو حقيقة الخطيئة الأصلية والفضيلة الأصلية، وفضيلتي ~~أنا قد نشأت عن الخوف واسمها «العلم». # لقد عاش الإنسان طويلا يسوده الفزع من الحيوانات الكاسرة وبينها الوحش الكامن فيه ~~والذي يدعوه زارا «الحيوان الداخلي»، وقد استحال هذا الخوف مع كرور الزمان إلى ذعر ~~روحي يدعى «علما». # هكذا تكلم صاحب ضمير العلم، وكان زارا قد عاد إلى الغار وسمع نهاية الخطاب، فأخذ ينثر ~~أوراق الورد على رأس صاحب الضمير وهو يهزأ به قائلا: ماذا أسمع؟ والحق أنك مجنون ~~وإلا كنت أنا مجنونا، لذلك أبادر إلى إنزال الحقيقة على رأسك دفعة واحدة، فاعلم أن ~~الخوف شذوذ في الإنسان؛ لأنه ما نشأ في الأصل إلا مفطورا على الشجاعة طماحا إلى ~~تقلبات الحدثان مأخوذا بلذة الشك، مدفوعا لاقتحام المجهول، فالشجاعة أولى عواطف ~~الإنسان؛ إذ استهوته فضائل الضواري وأشد الحيوانات عزما وإقداما، فما عتم حتى غنم هذه ~~الفضائل منها وهكذا صار إنسانا. # ويلوح لي أن هذه ms237 الشجاعة الراقية الوثابة إنسانية بجناح النسر وروغان الأفعى تدعى ~~اليوم ... # فضحك جميع الحاضرين وهتفوا بصوت واحد: تدعى زارا. # وارتفع من بين الحشد شيء أشبه بالغمامة السوداء وتوارى، فبدأ الساحر بالضحك أيضا وهو ~~يقول: لقد خرج روح الشرير مني، أفما دعوتكم إلى الحذر منه عندما أعلنت لكم أنه روح ~~مكار مخادع كذاب، ويتناهى مكره بخاصة عندما يتجلى عاريا، ولكنني أعجز من أن أقاوم ~~سحره، فما أنا من خلقه وما أنا من خلق العالم. # فلنعد الآن إلى صلاحنا وسرورنا. انظروا إلى زارا فإن في عينيه قتاما وأراه ناقما ~~علي، غير أنه لن يثبت على نقمته حتى يجيء الظلام فسوف يسترجع حبه ويعود مثنيا علي؛ ~~لأنه لا يستطيع البقاء طويلا دون أن يرتكب مثل هذا الجنون. # إن زارا يحب أعداءه وهو بين من صادفت في حياتي أقدرهم في هذا الفن، ولكنه في سبيل ~~حبه لأعدائه ينتقم من أصدقائه. # هكذا تكلم الساحر الشيخ فصفق له الحاضرون حتى اضطر زارا إلى الدوران في غاره وهو ~~ينفض راحتيه متبرما من أصحابه بعاطفة تمازج شرها بحبها، فكأنه يحاول عذر الناس ~~والاعتذار إليهم في آن واحد، وعندما وصل إلى مخرج الغار شاقه الهواء الطلق وتذكر نسره ~~وأفعوانه فاندفع طالبا الخروج. # | بين غادتين في الصحراء # 1 # وعندئذ صاح المسافر الذي دعا نفسه خيال زارا قائلا: لا تذهب ابق بيننا؛ لئلا ~~تكر علينا أحزاننا بعد أن تولت عنا، فقد أغدق علينا الساحر شر ما عنده حتى إن ~~رئيس الأحبار الوافر التقوى بدا يسكب الدمع من عينيه ويتوه في بحر الشجون، وليس ~~بيننا من احتفظ بحزمه غير هذين الملكين لتعودهما التحكم بسيمائهما، ولو أنهما كانا ~~على انفراد لكانت تبدو عليها ألاعيب الغيوم وتعصف ريح الخريف باكية فوقهما فنسمع ~~إعوالا ونواحا. ابق هنا يا زارا، لا تذهب فهنا ويلات خفية تريد أن تتكلم، هنا ~~ظلمات وغيوم وهواء كثيف يضغط على الصدور. # لقد بذلت لنا الغذاء الإنساني وأتيتنا بالآيات تتدفق قوة وأملا، فلا تسمح أن ~~تجتاحنا في ختام هذه الوليمة روح التراخي والكسل. ms238 # ليس لسواك أن ينفخ حولنا هواء القوة والنقاء، فإنني ما نشقت في العالم ما يهب ~~علي في غارك من لفحات صافيات، وقد جبت الأقطار ومررت بمعاطسي على أجواء وأجواء ~~فما راقني شميم إلا حيث تقيم. # لأصدقن القول، لقد راقني مرة مثل هذا الشميم من قبل عندما أنشدت ما أوحي إلي ~~بين غادتين في الصحراء حين ملأت صدري من نسمات الشرق المشبعة عطرا في صفائها وأنا ~~بعيد عن أوروبا الهرمة تكدر جوها الغيوم وترهقها رطوبتها وأشجانها. # ذلك زمان عشقت فيه غادتي الشرق في صحرائه، فهنالك سماء غير هذه السماء لا تتلبد ~~فيها الغيوم ولا تعتكر على أديمها الأفكار. # إنكم لأعجز من أن تتصوروا سحر هاتين الغادتين وهما معرضتان عن الرقص جالستان وفي ~~سكونهما أجمل حركات الفنون، وقد كمن الفكر في صدرهما فكأنهما أسرار وألغاز تتماوج ~~أشكالا وألوانا فلا يعروها قتام، وهكذا الألغاز المستسلمة لمن يحل ~~مكنونها. # لقد أوحي إلي هذا النشيد للتشبيب بغادتي الصحراء. # هكذا تكلم المسافر المدعو خيال زارا، ولم يدع مجالا ليجاوبه أحد فقبض على قيثارة ~~الساحر، ولف ساقا على ساق وهو يحدج من حوله بنظرات تشع حكمة ووقارا، وقد انفتحت ~~أرنبتا أنفه تنشقان الهواء مليا، فكأنه غريب في بلاد بعيدة يتنسم أجواءها. # وبدأ ينشد بصوت يزأر زئيرا: # 2 # إن الصحراء تتسع وتمتد فويل لمن يطمح إلى الاستيلاء على الصحراء. # يا للمهابة: يا للبداية تليق بمهابة صحراء إفريقيا. # تليق بأسد أو بنذير يهيب بالناس إلى مكارم الأخلاق. # إنها لروعة لم تسط عليكما يا صديقتي عندما اتيح لي أنا ابن أوروبا أن أجلس عند ~~أقدامكما تحت ظلال النخيل. حيا على الصلاة! ~~••• # يا للعجب! # أراني ماثلا أمام الصحراء، ولكنني عنها جد بعيد، وما ابتلعتني الواحات ~~الصغيرة، بل انفرجت أمامي كأطيب الثغور نكهة فارتميت فيها، وها أنذا عند أقدامكما ~~يا صديقتي العزيزتين. حيا على الصلاة! ~~••• # إنني أمجد تلك الواحة إذا كانت عززت من نزل فيها ... # وأنتما تدركان ما في رموزي من الحكمة. # طوبى لأحشائها إذا كانت كهذه الواحة، ولكنني أشك في ذلك ms239 فأنا قادم من أوروبا، أشد ~~العرائس جحودا. # أصلحها الله إنه السميع المجيب. ~~••• # ها أنذا جالس في ظلال أصغر الواحات فما أشبهني بتمرة سمراء مذهبة، تتشوق إلى ~~ثغر كاعب يفتر عن أسنان محددة ناصعة كالثلج، وهل تحلم قلوب التمر الملتهبة إلا ~~بمثل هذه الثغور؟ حيا على الصلاة. ~~••• # ما أشبهني بهذه التمور عند الظهر، تتطاير حولها الهوام المجنحات وتدور بي شهوات ~~أصغر من هذه الهوام وأشد منها جنونا وشرا، وإلى جانبي «دودو وزليخا» صامتتين ~~كأبي الهول. # إنني أنشق نسمات الجنان والهواء حولي مفضض بأشعة ما أرسل القمر مثلها في الأجواء، ~~فهل أرسلها صدفة أم عن قصد كما قال الشعراء الأقدمون؟ # أما أنا فأشك فيما قيل لأنني آت من أوروبا، وهي أشد العرائس جحودا أصلحها الله ~~إنه السميع المجيب. # إنني أنشق الهواء ملء معاطسي وليس لي أمس ولا غد، فأجلس معلقا أبصاري على ~~النخلة وهي تتأود وتتثنى وتهز ردفها، فكأنها راقصة دارت طويلا على رجل واحدة، ~~حتى لا يسع من يراها إلا أن يقلدها، ولعلها نسيت أن لها رجلا ثانية. # وقد فتشت عبثا على هذه الرجل الصغيرة الساحرة تحت الأردان الخافقة، صدقاني يا ~~عزيزتي، إن هذه الرجل الأخرى قد ذهبت في سبيلها. # ويلاه! أين استقرت تلك الرجل التائهة؟ وأين حطت رحالها؟ ولعلها الآن وحيدة منفردة ~~ترتجف فرقا من هجمات وحش كاسر أو أسد أصفر تجعدت لبدته ولعلها الآن ممزقة ~~إربا. حيا على الصلاة! ~~••• # لا تبكيان يا عزيزتي فقلبكما رقيق وصدركما يدر حنانا. # أي زليخا، كوني كالرجال وتشددي، وأنت دودو الشاحبة لا تذرفي الدمع بعد. # ولكن لا بد في هذه الأرجاء من قوة تشدد القلوب، لا بد من آيات تفوح عطرا ~~وتتسامى جلالا. ~~••• # ارتفع يا مظهر الجلال، ولتهب مرة أخرى نسمة الفضيلة. # ويا ليت أسد الفضائل يزأر أيضا أمام غادات الصحراء فزئير الفضيلة يا بنات ~~الصحراء، أقوى ما ينبه أوروبا ويحفز بها إلى النهوض. # ها أنذا ابن أوروبا، لا يسعني إلا الخشوع والانتباه لدوي هذه الآيات ~~البينات. # وقد توكلت على الله. # إن الصحراء تتسع ms240 وتمتد، فويل لمن يطمح إلى الاستيلاء على الصحراء ... # | الانتباه # 1 # وبعد أن أنشد كل من المسافر والخيال نشيده ضج الغار بالحركة والضحك، فأخذ ~~الجميع يتكلمون في آن واحد حتى الحمار نفسه، فوقف زارا غاضبا ساخرا بضيوفه بالرغم ~~من تسرب شيء من فرحهم إلى قلبه؛ إذ رأى في هذا الحبور أول أعراض الشفاء، فانسحب إلى ~~خارج الغار، وبدأ يخاطب نسره وأفعوانه قائلا: أين ذهب يأسهم، أراهم نسوا ذلك اليأس ~~عندي ولكنهم لم ينسوا الصراخ بعد. # وسد زارا أذنيه؛ إذ تعالى نهيق الحمار يزيد في جلبة هؤلاء الرجال الراقين. # وقال: إنهم فرحون ولعلهم تعلموا مني، ولكن ضحكتهم ليست ضحكتي. # لا بأس فهم شيوخ يمثلون إلى الشفاء بالذهاب على سبيل تخيروه، ولقد احتملت أذناي ~~من قبل أشد من هذه الجلبة وهذا الصخب. # إنه ليوم انتصار هذا اليوم؛ لأن الروح الكثيف يتراجع إلى الوراء وهو عدوي اللدود، ~~لقد بدأ هذا النهار شؤما ولعله ينتهي إلى خير. # ها إن المساء قادم ممتطيا جواده قاطعا البحار على سرجه الأرجواني. # إن السماء تحدجه بلفتات الحبور والأرض تتراخى على أسرارها، فالحياة تستحق ~~الاهتمام قربي أيها النازلون ضيوفا علي. # وإذ دارت الجلبة في الغار أردف زارا قائلا: إنهم تعلموا الضحك لنفسهم فقد فارقهم ~~الروح الكثيف، وهذا تأثير غذائي وآياتي، والحق أنني ما قدمت لهم من الأغذية ما ~~تنتفخ به الأحشاء، بل ما يليق بالمجاهدين فنبهت فيهم شهوات جديدة. # ها إن سواعدهم وأقدامهم تمتلئ أملا جديدا، وقد تمددت قلوبهم فوجدوا بيانا ~~جديدا يولد المرح في تفكيرهم. # وما أجهل أن مثل هذا الغذاء لا يبذل للأطفال ولا للنساء المتراخيات سواء أكن ~~عجائز أم صبايا، فإن للأطفال والنساء علاجات غير هذا العلاج لإقناع أمعائهم وما أنا ~~بطبيبهم ولا بالقوام عليهم. # لقد تخلى هؤلاء الراقون عن اشمئزازهم وفي ذلك ما أعده ظفرا لي، لقد أحسوا أنهم ~~في مأمن عندي فتعروا عن كل حياء سخيف، وها هم يعربون بإخلاص عما يشعرون. # إنهم يفتحون قلوبهم ويعودون إلى أويقات الصفا، ويجترون ممتنين والامتنان خير ~~دليل على ms241 الرجوع إلى الصواب، فلن يطول الزمان حتى يرفعوا الأنصاب لذكرى أفراحهم ~~القديمة. # إن هم إلا ناقهون! # هكذا تكلم زارا وقد استولى عليه الفرح ودار حوله نسره وأفعوانه محترمين سعادته ~~وسكونه. # 2 # وبعد هنيهة اضطربت أذنا زارا لانقطاع الجلبة من الغار وقد ساد فيه سكوت الموت، ~~ولكن رائحة عطرية انتشرت منه كأن هنالك مجمرة تحرق فيها رءوس الصنوبر. # وتساءل زارا عما يفعل القوم في غاره، وتقدم نحو الباب فإذا به يشاهد أمرا من ~~أغرب الأمور فصاح: لقد عادوا إلى التقى، فهم يؤدون شعائر الدين ويصلون، لقد ~~جنوا! # وكان جميع من في الغار جاثين على ركبهم كالأطفال والعجائز يعبدون الحمار. # وبدأ أقبح العالمين يهدر ويتلوى ويستعد للترنم، وما عتم حتى بدأ ينشد قائلا: ~~المجد والحكمة والمنة والثناء والقوة لإلهنا إلى أبد الآبدين. # فجاوبه الحمار بنهقة مستطيلة . ~~- إنه يحمل أثقالنا ويقوم بخدمتنا، فهو الجلود الصبور الذي لا يرد طلبا، ومن أحب ~~إلهه أدبه بصرامته. # فجاوبه الحمار بنهقة. ~~- إنه صموت لا ينهق إلا إيجابا لطلبات العالم الذي أبدع، فهو يمتدح عالمه وإذا ~~سكت فما سكوته إلا لمكره؛ لأنه لا يستهدف للخطأ. # فجاوبه الحمار بنهقة. ~~- إنه يمر ولا من يأبه له في الحياة، فلون جلده رمادي يستر به فضيلته، وإذا كان ~~له عقل فهو يستره لذلك يؤمن الجميع بأذنيه الطويلتين. # فجاوبه الحمار بنهقة. ~~- يا للحكمة الخفية! ويا لصاحب الأذنين الطويلتين! لا يجيب إلا بالإيجاب، ولا يرد ~~طلبا أفما خلق العالم على صورته ومثاله فجاء العالم على أشد ما يكون حماقة ~~وسخافة؟ # فأجاب الحمار بنهقة. ~~- إنك تتبع طرقا مستقيمة وطرقا ملتوية، وما يهمك ما يدعوه الناس استقامة ~~والتواء، فإن ملكوتك قائم ما وراء الخير والشر فبراءتك هي جهلك للبراءة. # فأجاب الحمار بنهقة. ~~- انظر كيف أنك لا تدفع أحدا عنك، فتقبل الصعاليك كما تقبل الملوك، وتدع الأطفال ~~يأتون إليك، وإذا ما جاءك الخطاة استقبلتهم بنهقة الترحيب. # فأجاب الحمار بنهقة. ~~- إنك تحب الأنثى والتين الناضج فلست متصعبا في غذائك فلا تأنف من قضم الشوك ~~إذا جعت، وفي هذا ms242 كمنت حكمتك الإلهية. # فأجاب الحمار مصدقا بالنهيق. # | عيد حمار # 1 # وعند هذا المقطع من المدائح عيل صبر زارا؛ فبدأ ينهق هو أيضا، واندفع إلى وسط ~~ضيوفه وقد استولى عليهم الجنون صارخا: ماذا تفعلون يا أبناء الناس. # وتقدم يرفعهم الواحد بعد الآخر عن الحضيض قائلا: الويل لكم لو رآكم أحد غير ~~زارا، إذن لحكم الكل عليكم بأنكم في دينكم الجديد من أفظع المجدفين أو من أشد ~~العجائز تخريفا وجنونا. # أنت يا رئيس الأحبار كيف تسني لك دون أن تجحد نفسك وأن تعبد حمارا كأنه ~~إله؟! # فأجاب الحبر الكبير: عفوك يا زارا، إنني أعرف منك بأمور الله، ومن الحق أن أكون ~~هكذا، وخير لنا أن نعبد الله في حمار من ألا نعبده مطلقا، تمعن في كلمتي هذه ~~أيها الصديق العظيم يتضح لك أن فيها كثيرا من الحكمة . # إن من قال: «إن الله روح.» قد خطا الخطوة العظمى نحو الجحود، وليس من السهل إصلاح ~~ما تفسده مثل هذه الكلمة في العالم. # إن فؤادي يرتقص فرحا؛ إذ بقي على الأرض شيء يمكننا أن نعبده. # اغتفر يا زارا لرئيس أحبار تقي ما يشعر به. # والتفت زارا إلى المسافر والخيال قائلا: وأنت يا من تدعي الفكر الحر، بل من ~~تتصور إنك فكر حر، كيف تمثل هذا الدور الغريب وتتعبد للوثن؟! # إنك تفعل الآن ما لم تفعله بين الغادات السمر ذوات الدلال يا من اتخذ لنفسه عقيدة ~~جديدة! # فأجاب المسافر والخيال: الأمر محزن وأنت مصيب، ولكنني عاجز عن الإتيان بأي عمل ~~فإن الإله القديم قد بعث فقل ما تشاء يا زارا. # إن السبب في هذا كله هو أقبح العالمين؛ فهو باعث الإله ولو قال إنه هو قاتله فليس ~~موت الإله إلا عقيدة لا ترتكز على شيء. # فقال زارا: وأنت أيها الساحر القديم المراوغ ماذا فعلت؟ من سيؤمن بك بعد الآن في ~~أزمنة الحرية هذه إذا كنت تؤمن بمثل هذه الحماريات الإلهية. # لقد أتيت حماقة فكيف أقدمت عليها وأنت على ما تعلم من المهارة ~~والاحتيال؟! # فأجاب الساحر: لقد ms243 أصبت فما أتيت إلا حماقة، ولقد كلفتني جهدا كبيرا. # فقال زارا: وأنت يا ضمير العقل، تفكر وضع إصبعك في أنفك، أفما يبكتك ضميرك على ما ~~فعلت، أفما تدنس فكرك من هذه العبادة ومن هذا البخور المتصاعد؟! # فوضع ضمير العقل إصبعه في أنفه وأجاب: إن في هذا المشهد شيئا يرتاح له ضميري، ~~وقد لا يكون لي الحق بأن أعبد الله غير أنني أرى أن إلها على هذه الشاكلة يستحق ~~الإيمان. # يجب أن يكون الإله خالدا بحسب ما شهد به الأتقياء، فمن كان له مثل هذا الزمان ~~الطويل له أن يمنح نفسه خير الأزمان، وأن يعيش على مهل وبالسخافة التي تحلو له، ~~فيبلغ الهدف الذي يريد ومن له الفكر المتجاوز حده يميل إلى السخافات وإلى ~~الجنون. # أفلا ترى يا زارا أنك معرض بإفراط حكمتك إلى أن تصير حمارا. # أفلا يتجه الحكيم إلى السبل المتعرجة، وهلا تجد في نفسك ما يثبت هذه ~~الحقيقة؟ # ونظر زارا إلى أقبح العالمين فإذا به لم يزل منطرحا على الأرض وهو يقدم للحمار ~~خمرا ليشرب، فقال له: ماذا أنت فاعل؟ لقد تبدلت يا هذا فعينك تشع نورا، وقد اتشح ~~قبحك برد الجلال. أصحيح ما يقوله رفاقك؟ أأنت بعثته من الموت؟ وما الذي أهاب بك ~~إلى إحيائه؟ فهل كنت على خطأ عندما قتلته وألحقته بغابر الزمان؟ # إنني أراك أنت راجعا إلى الانتباه بعد غفلتك، فماذا فعلت ولماذا هديت نفسك؟ تكلم ~~أيها السر الغامض. # فقال أقبح العالمين: ما أنت إلا لئيم يا زارا، وأنا أسألك فأجب من منا أعلم فيما ~~إذا كان هذا الإله لا يزال حيا أم أنه مات حقيقة. # غير أنني أعلم كما علمتني فيما مضى أن من يريد أن يقتل قتلا لا حياة بعده يلجأ ~~إلى سلاح الضحك فالغضب لا يقتل، أفما قلت هذا يا زارا أنت المستتر، أنت الهادم بلا ~~غضب والقديس الخطر فما أنت إلا لئيم. # 2 # ودهش زارا لما سمع من أجوبة فاندفع إلى باب غاره، ووقف هنالك يصيح بأشد نبراته: ~~لماذا تخفون سرائركم ms244 أمامي، أيها الطائشون، أفما ارتعشت قلوبكم في صدوركم لأنكم ~~عدتم أطفالا أي من أهل التقى، ففعلتم فعل الأطفال وضممتم أكف الضراعة قائلين: ~~«أيها الإله الصالح العزيز.» # ألا فاخرجوا الآن من غرفة الأطفال، إن مغارتي قد شهدت اليوم جميع ألاعيبهم، ~~اذهبوا وتأملوا خارجا في طيش طفولتكم وفي نبضات قلوبكم. # لا ريب في أنكم إذا لم تعودوا أطفالا فلا تدخلون ملكوت السماوات (قال هذا ورفع ~~إصبعه نحو السماء.) # فقالوا: لا ... لا نريد أن ندخل ملكوت السماوات؛ لأننا وقد أصبحنا رجالا لا نطلب ~~في غير الأرض ملكوتا. # 3 # واستأنف زارا الخطاب فقال: أي أصدقائي الجدد، أيها الرجال الغريبو الأطوار، أنتم ~~أيها الراقون إنني لأعجب الآن بكم، لقد عاد سروركم إليكم فتوردت وجوهكم، وقد حق لكم ~~كأزهار جديدة أن تعيدوا فأقمتم للحمار حفلة؛ إذ أردتم أن تسروا وأن يجيء زارا ~~المرح بجنون شيخوخته لينير أرواحكم. # لا تنسوا هذه الليلة وهذا العيد، أيها الرجال الراقون فقد أبدعتم فيما اخترعتم ~~وما يوجد مثل هذه الأعياد إلا الناقهون؛ لأنها نذير الشفاء. # فإذا ما احتفلتم بهذا العيد عيد الحمار، فاصنعوا هذا محبة بأنفسكم ومحبة بي، ~~اصنعوا هذا لذكري ... # هكذا تكلم زارا ... # | نشيد الثمل # 1 # وبينما كان يتكلم خرجوا الواحد تلو الآخر إلى الهواء الطلق وقبض زارا على ذراع ~~أقبح العالمين، وخرج به ليريه مشاهد الليل والشلالات المتدفقة قرب غاره مفضضة بشعاع ~~القمر، وأمام هذه الشلالات وقف جميع هؤلاء الشيوخ وقد تسرب العزاء إلى قلوبهم فشدد ~~عزائمهم، وكان كل منهم معجبا بذاته، وقال زارا في نفسه، لكم تشوقني رؤية هؤلاء ~~الراقين الآن. # وعندئذ وقع أغرب حادث شهده القوم طوال يومهم؛ إذ رأوا أقبح العالمين يهدر مفتشا ~~على كلمات لبيانه، فإذا به يتناول مسألة خطيرة ذهبت تهز أحشاء السامعين. # قال: أيها الأصحاب، هذه لأول مرة أحيا فيها الحياة كلها بيوم واحد، فقد كفاني هذا ~~العيد بصحبة زارا لأتعلم محبة الأرض، فيمكنني الآن أن أقول للموت: أهذه هي الحياة؟ ~~إذن أعدني إليها مرة أخرى. # أفلا تريدون أيها الأصحاب أن تقولوا للموت ms245 ما أقوله له أهذه هي الحياة إذن أعدنا ~~إليها من أجل محبة زارا مرة أخرى. # هكذا تكلم أقبح العالمين وكان الليل قد قارب الانتصاف. # وأحس الرجال الراقون عندئذ بأنهم تحولوا عما كانوا عليه، وقاربوا الشفاء وعلموا ~~أن زارا قد بدل من حالهم فأقبلوا عليه يلثمون راحتيه حبا واحتراما فضحك بعضهم ~~وبكى البعض الآخر، وكان الساحر القديم يرقص طربا، ولعله كان مأخوذا بالسكر، على ~~ما ينقله بعض الرواة، ولكنه ولا ريب كان ثاملا من حياته الجديدة بعد أن تخلى عن ~~حياة التراخي والكسل، وقال بعض الرواة: إن الحمار نفسه بدأ يرقص متأثرا مما سقاه ~~أقبح العالمين، وقد لا يكون الحمار استسلم للرقص في ذلك المساء فليس للأمر أهمية ما ~~دامت الحوادث الجسام التي وقعت حينذاك تفوت ما لرقص الحمار من شأن. # إن من آيات زارا قوله: وأية أهمية لهذا . # 2 # وعندما نطق أقبح العالمين بما ذكرنا كان زارا في حالة اضطراب شديد؛ إذ انعقد ~~لسانه وارتجفت ركبتاه وتماوت نظره، ومن يدري ما كان يدور حينذاك في خلده، فكأنه كان ~~يذهب بفكره مدا وجزرا ويتحفز للطيران، وقد شخص إلى الأبعاد مطلا من الذروة على ~~بحرين أو سائرا كغمام كثيف بين الدابر والمقبل من الزمان. # وأحاط الراقون بزارا يسندونه بسواعدهم إلى أن ثاب رشده إليه فدفع عنه القوم ~~المسارعين إلى تمجيده دون أن يقول شيئا، ولكنه شخص كما يسمع صوتا، فوضع سبابته ~~على شفتيه وصرخ: تعالوا ... # وساد الصمت ودوت من بعيد رنة جرس، فتنصت زارا ومن معه، ثم عاد يقول وقد وضع ~~سبابته على شفتيه ثانية: تعالوا ... تعالوا ... لقد اقترب نصف الليل. # وتغيرت نبرات صوته، ولكنه ظل في موقفه. # وعاد السكوت يثقل على الكل حتى على الحمار والنسر والأفعوان والغار والقمر الباهت ~~والليل نفسه. # ورفع زارا سبابته للمرة الثالثة إلى شفتيه وقال: تعالوا ... تعالوا ... هيا فقد دنت ~~الساعة، هيا بنا إلى الليل. # 3 # أيها الرجال الراقون لقد انتصف الليل، ولسوف أسر إليكم بما أسره إلي الجرس ~~القديم في رنينه. # سأناجيكم بالرهبة والإخلاص الذين ms246 ناجاني بهما جرس نصف الليل القديم البالغ من ~~العمر ما لا يبلغ الإنسان الفرد. # لقد عد هذا الجرس من قلوب آبائكم نبضاتها فهو يزفر ساعة نصف الليل زفيرا، ~~ويرسلها ضحكا في قلب الظلام. # أنصتوا! إن من الأشياء ما لا تعلن في نور النهار أما في هذه الساعة وقد اعتل ~~الهواء، وسكنت ضوضاء قلوبكم فإن الأشياء تتناجى وتتفاهم وتتسلل إلى أرواح السمر ~~فيمتد بها ويطول، فاسمعوا زفير ساعة الليل وضحكها في أحلامها. # أفلا تسمعها أنت تناجيك برهبة وإخلاص، أفلا تسمع ما تقول ساعة نصف الليل في ~~قدمها وعمقها؟ # أيها الإنسان كن على حذر! # 4 # ويل لي! أين تسرب الزمان؟ أفما وقعت في آبار لا قعر لها. # لقد نامت الدنيا، ويلاه إنني أسمع هرير الكلب، وأرى لمعان القمر، إنني لأفضل ~~الموت على أن أبوح لكم بما يعتقده فؤادي عن نصف الليل. # لقد مت وقضي أمري! # لماذا تمدين نسيجك حولي أيتها العنكبة، أتطلبين دما؟ ويلاه لقد تساقطت الأنداء ~~ودنت الساعة، الساعة التي سأرتجف فيها بردا وأتحول منها إلى جليد، الساعة التي ~~تسأل وتسأل ولا تكف عن السؤال قائلة: من سيجرأ على هذا؟ من سيكون سيد العالم، من ~~يرضى ويريد أن يهتف بالأنهار كبيرها وصغيرها، سيري على ما أقرر لك. # لقد دنت الساعة أيها الإنسان الراقي، فكن على حذر إن هذا الخطاب موجه إلى مرهفات ~~الأسماع، إلى أسماعك. # ماذا يقول نصف الليل في أعماقه؟ # 5 # إنني محمول إلى هنالك، وروحي ترقص في كل يوم! من سيكون سيد العالم يا ترى؟ # لقد نور القمر وسكن الهواء، وا أسفاه، هل تسنى لكم أن ترتفعوا بطيرانكم، لقد ~~رقصتم ولكن الساق ليست جناحا. # أيها المجيدون في رقصكم، لقد انقضى زمن الحبور فاستحال الخمر إلى خميرة، لقد فرغت ~~الكئوس وعلت همسات القبور. # إنكم لم تبلغوا الأعالي في طيرانكم لذلك تنادي القبور: «أنقذوا الأموات، لماذا ~~طال بنا الليل؟ فهل أسكرنا شعاع القمر؟» # فيا أيها الراقون أنقذوا القبور، ما لكم لا تنهضون الأموات، كفى الديدان ما ~~رعت! لقد دنت الساعة. # لا ms247 يزال الجرس يدوي برنينه فالقلب يزفر زفرات الاحتقار، إن سوس القلب ينخر ~~شغافه. # ويلاه! ما أعمق هذا العالم. # 6 # أيتها القيثارة! لكم أحب نغمات أوتارك كأنها تتعالى من بعيد ومن الزمان المنصرم ~~عن ضفاف نهر الغرام. # ما أنت أيها الجرس إلا هذه القيثارة المشجية فلكم قرعت قلبك الأحزان، أحزان ~~الآباء والأجداد والسلفاء الأقدمين، حتى أنضجت دعوتك الأزمان فغدت كالخريف المذهب ~~وكقلبي المنفرد، فأصبح صوتك كلاما والعالم نفسه قد نضج كالعناقيد لوحها الاسمرار ~~فهو يريد أن يموت مكفنا بحبوره. # أفما تنشقون يا رجال الرقي عبيرا يضوع خفيا، إن هو إلا عبير الأبد، رائحة ~~خمرة السعادة المعتقة، السعادة الثاملة بشوقها إلى الموت المطلقة إنشادها في نصف ~~الليل قائلة: إن العالم عميق، إن العالم أعمق مما كان يظن النهار. # 7 # دعني ... دعني، إنني أطهر من أن تمسني يدك وقد أكمل عالمي، دعني أيها النهار ~~الأحمق العبوس الثقيل ، أفليست ساعة نصف الليل أشد منك إشراقا؟ # يجب على الأطهار أن يسودوا العالم وهم المجهولون الأقوياء تكمن فيهم أرواح نصف ~~الليل المشعة بأنوار أعمق وأصفى من أنوار النهار. # أيها النهار، إنك حولي وتراود سعادتي؛ لأنك تجد في أنا المنفرد ينبوع كنوز لا ~~تفنى. # أنت تطلبني، أيها العالم، وما أنا بالعالمي ولا بالديني ولا بالإلهي، ما أثقلك ~~أيها النهار وما أثقلك أيها العالم! # لتذهب أيديكما على هدى، لتذهب قابضة على سعادة أعمق وشقاء أعمق، لتذهب مستولية ~~على أحد الآلهة ولتدعني وشأني. # أيها النهار، إن سعادتي عميقة وشقائي عميق، ولكنني لست إلها ولست حتى جحيم إله، ~~وما أعمق أوجاع العالم! # 8 # أيها العالم الغريب، إن أوجاع الإله أعمق من أوجاعك فاقبض على أوجاع الإله ودعني ~~وشأني، فما أنا إلا قيثارة تفيض عذوبة وسحرا. # أنا قيثارة نصف الليل، أنا جرس لا يفهم أحد بيانه وعليه أن ينطق أمام الصم، وأنتم ~~أيها الراقون لا تفهمون ما أقول. # لقد قضي الأمر وتوارى الشباب مع الظهيرة والعصر، فحان وقت المساء وأقبل الليل ~~ونصف الليل، وهذا الكلب وهذا الريح كلاهما يعوي. # وهل الريح ms248 إلا كلب يئن ويعوي، فيا لصوت الريح من زفير وضحك وحشرجة عند انتصاف ~~الليل. # إنها لشاعرة سكرى تجاوزت حدود النشوة وطال سهدها، هذه الساعة القديمة تداعب ~~أوجاعها عند نصف الليل وتداعب أيضا مسراتها، والمسرة عند اشتداد الألم تفوق الألم ~~شدة وعمقا. # 9 # لماذا تمتدحينني، أيتها الكرمة، أفما قطعت جفنتك بقساوة؛ فقطرت دما فما لثنائك ~~يتجه إلى قسوتي الثاملة؟ # أسمعك تقولين: كل شيء بلغ كماله ونضوجه يطلب الموت تبارك منجل الكرام، فما يتمسك ~~بالحياة إلا ما لم يبلغ النضوج بعد. # إن الألم يقول لنفسه مر وانقض، ولكن المتألم يطلب الحياة قاصدا أن ينضج ويصبح ~~مرحا مليئا بالشهوات متشوقا إلى الأبعد والأعلى والأشد صفاء، فكل من يتحمل ~~العذاب يصيح: «أريد ورثة لي، إنما مقصدي هو أولادي لا أنا.» في حين أن المسرة لا ~~تطلب ورثة ولا أولادا. لا تقصد المسرة إلا ذاتها ولا تتشوق إلا إلى الخلود، إلى ~~عودة الأشياء بعد عبورها وإلى كل ما يشبه ذاته مستقرا إلى الأبد. # يقول الألم: انحطم يا هذا، اقطر دما أيها القلب اذهبي أيتها الساق وتطاير أيها ~~الجناح بعيدا نحو الأعالي فما أنت إلا آلام وأوجاع. # فهيا إذن يا قلبي الهرم ما دامت الآلام تقول لك مر وانته ... # 10 # أيها الرجال الراقون ما تراكم تحسبونني؟ أنبي أنا أم متوهم أم ثامل أم معبر ~~أحلام أم جرس يدوي في نصف الليل؟ # أأنا ندى أم بخور من الأبدية؟ # أفما سمعتم؟ أفما شعرتم بأن عالمي قد اكتمل؟ # إن نصف الليل هو الظهيرة أيضا. # إن الألم لذة واللعنة بركة والليل شمس مشرقة. # ابتعدوا كيلا يقال عنكم أيضا إن الحكيم مجنون. # إذا كنتم أحسستم بفرح فقد أحسستم أيضا بجميع الأتراح، فجميع الأشياء متسلسلة ~~متداخلة متعاشقة. # أفما اشتهيتم أن تعود المرة مرتين فهتفتم ارتياحا للذة لحين من الدهر ولطرفة ~~عين؟ إنكم بهذا التمني وددتم لو تعود الأشياء جميعها متسلسلة متداخلة متعاشقة، ~~وهكذا أحببتم العالم، أيها الخالدون، فكان حبكم أبديا لا نهاية له. قلتم للآلام ~~أن تنقضي ولكنكم دعوتموها لتعود؛ لأن كل ms249 لذة تطلب الخلود. # 11 # إن اللذات تطلب الخلود لكل شيء، فتريد عسلا وخميرا وساعة ثاملة في نصف الليل، ~~تريد قبورا وتريد الدموع تنسكب مؤاسية على القبور والشمس الجانحة بنورها الذهبي ~~إلى الغروب. # وأي شيء لا تتشوق اللذة إليه؟! فهي أشد ظمأ وجوعا من الألم وفيها ما ليس فيه من ~~روعة وأسرار، فاللذة تطلب ذاتها وتنهش ذاتها، فهي إرادة تناضل في حلقة مفرغة، تريد ~~حبا وتريد بغضا، تتمتع بالسعة فتجود وتقذف بما تبذل، تتسول تسولا لتهب نفسها ~~وتشكر من يأخذها، فهي تشتهي أن تقابل بالبغضاء. # اللذة المتمتعة تشتهي الأوجاع والاحتراق في الجحيم والعار وكل ما عراه التشويه، ~~فهي تلتهب بظمأ الحياة، وما خفيت عنكم الحياة في هذا العالم. # إن اللذة الثائرة السعيدة تشتاقكم أيها الراقون، وتحن إلى آلامكم أيها الفاشلون؛ ~~لأن اللذة الأبدية تتشوق أبدا إلى كل محاولة فاشلة، فهي تطلب ذاتها إذ تطلب ~~الألم. # انحطم أيها القلب فأنت اللذة وأنت الألم. # تعلموا هذا أيها الراقون: إن اللذة تطلب الخلود. # إن اللذة تطلب الخلود لجميع الأشياء، خلودا لا نهاية له. # 12 # أتعلمتم نشيدي الآن! أأدركتم مغزاه؟ # هيا إذن أيها الرجال الراقون، ترنموا بهذا النشيد، فهو نشيدي وعنوانه «مرة أخرى» ~~ومعناه «مدى الأبد». # تغنوا جميعا بنشيد زارا # أيها الإنسان، كن على حذر # ماذا يقول نصف الليل؟ # لقد استسلمت طويلا للوسن # وها أنذا انتبه من رقادي # إن العالم جد عميق # فهو أعمق مما يعتقد النهار # وآلامه عميقة # واللذة أعمق من الآلام # يقول الألم: مر يا هذا وانقض # ولكن ليس من لذة لا تطلب الخلود # خلودا لا نهاية له! # | النذير # وفي صبيحة اليوم التالي نهض زارا من مرقده فشد حقويه بنطاق، وخرج من غاره ملتهبا ~~قويا كالغزالة التي كانت حينذاك تذر قرنها من وراء الغمام. # وانتصب زارا يناجي الشمس كما ناجاها من قبل قائلا: «لو لم يكن لك من تنيرين، أكانت ~~لك غبطة أيتها المقلة المتوهجة بأنوار السعادة.» # أفما يعز عليك أيها الكوكب العظيم أن يبقى من تنير في مكامنهم وأنت طالع لتهب الأنوار ms250 ~~وتنشرها على العالمين. # لقد نهضت أنا أما هؤلاء الرجال الراقون فلا يزالون مستغرقين في نومهم، أفيكون هؤلاء ~~الرجال رفاقي الصادقين؟ لا ليسوا هم من أنتظر بين هذه الجبال. # أريد أن أبدأ عملي من أول نهاري وهم يجهلون نذير صباحي وصوت أقدامي لا ينذرهم ~~بالشروق. # إنهم راقدون في غاري ولم تزل أحلامهم ترتوي من نشيدي في نصف الليل، فليست آذانهم ~~بالآذان المرهفة لسماع أقوالي. # وكان زارا ذاهبا في نجواه والشمس تصعد في الأفق فإذا به يسمع صرخة نسره على الذرى ~~فقال: لقد انتبه معي نسري وأفعواني للتسبيح أمام الشمس في شروقها، فالنسر يقبض بمخلبه ~~على النور الجديد، إنني أحب الحيوان الصادق ولكن أين رجالي الصادقون؟! # وفي ذلك الحين أحس زارا كأن زرافات من الطيور تدور به، واشتد حفيف الأجنحة حول رأسه ~~حتى اضطر إلى إغماض عينيه، فإذا به يشعر بوقع سهام عليه كأنها مفوقة من قوس عدو جديد، ~~وما كانت تلك الوخزات إلا مداعبة طغمات الحب للحبيب الجديد. # فقال زارا في نفسه وقد استولت الحيرة عليه: ما ألم بي يا ترى؟ # وقعد باحتراس على الحجر الكبير أمام باب غاره، وبدأ يلوح بيديه ليرد عنه الطيور ~~المتدافعة بحنانها إليه، ولكنه شعر بأن راحتيه تغوران في لبدة وسمع من ملمس يديه زئير ~~أسد، زئيرا ملؤه اللطف والحنان. # فصاح زارا: لقد جاء الإنذار. # وأحس بقوة تبدل من قلبه، ففتح عينيه فإذا بوحش ضخم أصفر اللون ممدد عند قدميه، وقد ~~أسند رأسه على ركبتيه كأنه كلب وجد صاحبه القديم فلازمه لا يريد عنه انفكاكا. # وكانت أسراب الحمام لا تزال تتطاير حول زارا، وإذا أصاب جناح أحدها أنف الأسد كان ~~الأسد يهز رأسه مندهشا ويستغرق في ضحكه. # عند هذا المشهد لم يقل زارا غير كلمة واحدة: «لقد اقترب أبنائي.» وصمت صمتا عميقا، ~~غير أنه أحس بسقوط حمل ثقيل عن قلبه فانهمرت دموعه غزيرة تبل راحتيه، وذهل عن كل ما ~~حوله لا يبدي حراكا فجاءت طيور الحمام تقع على كتفيه وتداعب شعره الأبيض ولا تني تغدق ~~عليه ms251 عطفها وحنانها، وكان الأسد مستمرا في إرسال لسانه على راحتي زارا مجففا ما ~~عليهما من دموعه وهو يزأر متمهلا خاشعا. # وطال هذا الموقف ولعله لم يطل فليس لمثله على الأرض من زمان. # وكان الرجال الراقدون نهضوا من رقادهم في هذه الأثناء وتهيئوا للخروج إلى زارا ~~ليقدموا له تحية الصباح، ولكنهم ما أطلوا من باب الغار حتى وثب الأسد وهجم عليهم، وهو ~~يزمجر فصرخوا جميعا والذعر يملأ روعهم وتراجعوا ثم اختفوا عن العيان. # ونهض زارا عن معقده وقد استولى عليه الذهول فأدار لحاظه في كل جهة وهو يتساءل عما جرى ~~له وعما رأى وسمع، ثم ثاب إليه رشده فانجلت أمامه حوادث يومه فقال وهو يمر أنامله على ~~لحيته: في صبيحة الأمس كنت جالسا على هذا الحجر فتقدم العراف إلي، وسمعت لأول مرة ~~صراخ الاستنجاد فيا أيها الرجال الراقون، إن ما أنبأني العراف به أمس إنما كان فشلكم لا ~~غير وقد أراد أن يقودني نحوكم لتجربتي فقال لي: أي زارا، لقد أتيت لأوقعك في آخر ~~أخطائك. # وقهقه زارا ضاحكا غاضبا من كلمة «آخر أخطائك» وتساءل عما تحتفظ هذه الخطيئة ~~له! # وعاد فاستوى على الحجر الكبير واستغرق في تفكيره، ثم نهض بغتة وهو يهتف: «هي الرحمة! ~~الرحمة للرجال الراقين!» # وظهرت قساوة الفولاذ على سيمائه فقال: «لقد كان للرحمة زمانها.» # أية أهمية لشهواتي ورحمتي، ما أنا طالب سعادة، إن ما أسعى إليه هو المهمة التي وضعتها ~~نصب إرادتي. # والآن وقد جاء الأسد، فقد اقترب زمان أبنائي، أما أنا فقد بلغت النضوج ودنت ~~ساعتي! # هذا هو الشفق يلوح على صبيحتي وقد طلع نهاري، فأشرقي بأنوارك أيتها الظهيرة ~~العظمى. # هكذا تكلم زارا وهو يبارح مغارته مليئا بالعزم والقوة كشمس الصباح المنبثقة من وراء ~~الغيوم. # | ملحق # لقد أخذت الشذرات التي خصص هذا الملحق لها من مفكرات فريدريك نيتشه الخاصة، ولعله ~~دونها ليكتب رسالة يوضح فيها ما يجلو الإبهام في بعض أقوال زرادشت، وقد رأينا إلحاقها ~~بهذا الكتاب تكملة لها شأنها لإدراك نظريات هذا الفيلسوف. # 1 # لقد تزعزعت ms252 الأهداف جميعها، وذهبت التقديرات في ميادين التفكير متصادمة ~~متناقضة. # يدعى صالحا من يتبع ما يوحي إليه قلبه، كما يدعى صالحا أيضا من لا يصيخ إلا ~~لصوت الواجب. # يدعى صالحا الرجل اللطيف المسالم، كما يدعى صالحا أيضا الرجل الجسور العنيد ~~القاسي. # يدعى صالحا من لا يكبت نزعاته، كما يدعى صالحا أيضا من يتحكم فيها. # يدعى صالحا من يطمح إلى الحقائق مطلقا، كما يدعى صالحا أيضا من يموه ~~مظاهر الأشياء. # يدعى صالحا من يجاري نفسه كما يدعى صالحا أيضا من يتصف بالخشية ~~والتقوى. # يدعى صالحا الرجل الممتاز النبيل، كما يدعى صالحا أيضا الرجل الذي لا يحتقر ~~أحدا ولا يترفع علي أحد # يدعي صالحا الرجل الطيب الذي يتقي الجدل، كما يدعي صالحا أيضا الرجل المتشوق ~~أبدا إلى العراك والظفر. # يدعى صالحا من يطمح إلى المقام الأول، ويدعى صالحا أيضا من لا قبل له ~~بالانتفاع مما يلحق الضرر بسواه. # 2 # إن في الإنسان قوة عظمى من الحوافز الأدبية غير أنها لا تجد لها هدفا واحدا ~~تتجه بأجمعها إليه، فهي تذهب متعاكسة متناقضة؛ لأنها نشأت من شرائع تعددت ~~ألواحها. # في العالم قوة أدبية لا حد لها، ولكن العالم قد حرم من مقصد واحد تبذل هذه ~~القوة في سبيله. # 3 # لقد هدمت الأهداف جميعها، فعلى الإنسانية أن تقيم لها هدفا، ومن الخطأ أن نعتقد ~~بوجود غاية ترمي الإنسانية إليها حيث لا هدف، لقد أقامت جميع الفرق لنفسها غايات ~~غير أن هذه الغايات اضمحلت جميعها بتبدل حالاتها الأصلية. # إن العلم يهدي السبيل ولا يدل على الهدف غير أنه يورد من المبادئ ما يصور الغاية ~~تصويرا. # 4 # عقم القرن التاسع عشر. # ما صادفت حتى اليوم رجلا أتى بمثل أعلى جديد، غير أن الموسيقى الألمانية فتحت ~~مجالا لآمالي وأولتني الاعتقاد بأنها ستوحد بين القوى. # إن نظرة واحدة تكفي المتأمل ليرى أن كل شيء يتداعى، فيجب أن يعمل الهادمون بطريقة ~~تدع للأقوياء مجالا لإقامة الحياة على شكل جديد. # 5 # إن انحلال المبادئ الأدبية ينتج عنه بالفعل تفكك الشخصية في الفرد ms253 وفي المجموع؛ ~~فيسود الاضطراب كل شيء، لذلك لا بد من وجود غاية يتجه الاستقرار نحوها، لا بد ~~من محبة جديدة. # 6 # لقد كنت أتنفس بحشرجة المختنق ومبادئكم الأدبية معلقة فوق رأسي فعمدت إلى قتلها ~~كما تقتل الأفاعي، أردت الحياة فوجب علي أن أموت. # 7 # ما دمنا في حاجة إلى العمل والقيادة، فليس لنا أن نستغني عن الشخصية الأدبية، ولا ~~بد لنا من الرضى بالواقع؛ لأن القائد لا يسير إلى ما وراء هدفه إذا هو لم يجد لذة ~~في عمله. # 8 # ليس من أحد يرضى بتحمل تبعة العمل، إذا لم يصدر به أمر، ولكن الناس يهرعون جميعا ~~إلى القيام بأصعب الأعمال إذا أمرتهم أنت. # 9 # لمن صعاب الأمور أن يتغلب الإنسان على ما كمن فيه من ماضي الزمان فينظم الحوافز ~~لدفعها متحدة إلى هدف واحد، ذلك لأن هذا العمل لا يقوم على إلغاء الغرائز الشريرة ~~فحسب بل يستدعي منك أيضا أن تمحو الغرائز الطيبة لتعود إلى بعثها. # 10 # حذار من الطفرة على مسلك الفضيلة، فعلى كل فرد أن يسير في طريقه وإن جنح عن طريق ~~الآخرين دون أن يطمح إلى بلوغ الذروة وحده؛ إذ على كل سائر أن يكون جسرا للمتقدمين ~~وقدوة للمتأخرين. # 11 # قد يصبح الإنسان العادي السطحي محتملا، ولا بأس به إذا هو اتجه بإرادته إلى ~~إعانة سواه والإشفاق عليه راضيا بالطاعة مبتعدا عن التهجم، فاحذر أن تزعزع اعتقاد ~~مثل هذا الإنسان بأن هذه الصفات إنما هي الفضيلة بعينها. # 12 # إذا أمكن للإنسان أن يجعل للعمل قيمة، فكيف يتسنى للعمل أن يجعل الإنسان ذا ~~قيمة. # 13 # إن المبادئ الأدبية تشغل من لا قبل لهم بالاستغناء عنها فهي جزء من أسباب حياتهم، ~~ولا يمكن لأحد أن يدحض أسباب الحياة ... إلا إذا كانت معدومة أصلا. # 14 # لو صح أن ليس في الحياة ما يستحق التمسك فيه، لكان ذو المبادئ الأدبية يلحق ~~الضرر بأبناء جنسه من جراء غيريته وفضيلة إحسانه ليستفيد من هذا الضرر ~~لنفسه. # 15 # إن الأمر بمحبة القريب معناه لا ms254 تهتم لقريبك، وعدم الاهتمام بالقريب إنما هو أصعب ~~ما تقضي به الفضيلة. # 16 # إن الإنسان الشرير إنما هو طفيلي، وليس من النبل ألا يحيا الإنسان إلا ليتمتع ~~بالملذات. # 17 # إن العاطفة النبيلة تصدنا عن أن نحيا للتمتع بالملذات فقط؛ إذ علينا أن نقوم بشيء ~~لقاءها، ولكن طبقة العامة تعتقد بأن للإنسان أن يحيا دون أن يتقاضى الحياة شيئا ~~وفي هذه العقيدة علة انحطاطها. # 18 # إن الإنسان المنحط يخضع للسنن المتناقضة، فإذا شئت أن تزرع الفضيلة فيه وجب ~~عليك أن تسلخه عن حياته إرغاما وتسوده طغيانا. # 19 # الحق المطلوب: يجب أن تتم الشرعة الجديدة، ولن تتم إلا بزوال الشرائع العليا ~~وزرادشت ينتصب بوجهها لإلغاء شريعة الشرائع وهي الآداب. # إن الشرائع في مقام السلسلة الفقرية من المجتمع؛ لذلك وجب أن نوحدها بالقضاء ~~منها على ما كان يخضع له الإنسان حتى اليوم بسائق العبودية. # 20 # يجب أن يكون زرادشت في الانتصار على نفسه قدوة تتبعها الإنسانية للانتصار على ~~نفسها في سبيل الإنسان المتفوق لذلك وجب على الإنسانية أن تتغلب على المبادئ ~~الأدبية . # 21 # ما هي سيماء المشترع وما هو ارتقاؤه وما هي آلامه؟ وما هو معنى الاشتراع بوجه ~~عام؟ # ليس زرادشت إلا نذيرا بمشترعين عديدين. # 22 # عناصر مختلفة: ~~(1) # الحاكمون، وهم من لا يتوقون إلا إلى الصور التي يبدعونها؛ لأنهم ~~غزيرو المادة مطلقون يتفوقون على ما هو كائن. ~~(2) # المطيعون، وهم المتحررون الذين يجدون سعادتهم في الحب والاحترام ~~ويدركون معنى الرقي، وعليهم أن يتجهوا بالتأمل إلى إلغاء ما فيهم من ~~عيوب. ~~(3) # المستعبدون، وهم الطبقة المستخدمة، وعليهم تأمين رغد العيش وإيجاد ~~الرحمة بين أفرادهم. # 23 # الواهب والمبدع والمعلم ثلاثة ينذرون بقدوم من سيسود. # 24 # كل فضيلة وكل انتصار على الذات ليسا إلا تمهيدا لطريق من سيسود. # 25 # كل ضحية يقوم بها السائد تحتسب له مائة ضعف. # 26 # إذا ما قام قائد الجند أو الأمير أو المسئول تجاه نفسه بتضحية، فقد حق له أن ~~يمجد على ملأ الأشهاد. # 27 # إن خارقة السائد الذي يثقف نفسه هي أنه ms255 يقيم فيها صورة للشعب الذي يطلب السيادة ~~عليه، حتى إذا تجلت هذه الصورة للشعب أسلس له قياده. # 28 # يعمل المثقف الكبير عمل الطبيعة في ما يعترض سيرها، فيدع للحوائل مجالا للتراكم ~~حتى يتغلب عليها. # 29 # ليس المعلمون المجددون إلا الخطوط الأولى يضعها الرسام الأعظم فتبقى هذه الخطوط ~~مطبوعة على غرارهم. # 30 # إن ما يؤسسه عظماء الأفراد يبقى مجسما لشخصيتهم إلى أن ينمو ويأتي ~~بثماره. # 31 # يحاول الناس أبدا أن يستغنوا عن الأفراد والعظماء فيتوسلون بإنشاء الجمعيات ~~والهيئات، ولكنهم يبقون مطلقا تابعين لهؤلاء الأماثل فينسجون على منوالهم. # 32 # إن الأهداف الاجتماعية ترجع بالإنسان القهقرى، فهي توجد طبقة عاملة وتخلق ~~نوعا من الناس لا بد من عبوديته في المستقبل. # 33 # ليس من ظلم أروع من حق المساواة بين الجميع؛ لأنه يقيم نظاما ينزل الإرهاق الأشد ~~بأهل الرقي. # 34 # ليس في الكون ما يصح أن يسمى حق الأقوى، لأن الأقوى والأضعف متساويان في أن كلا ~~منهما يمد سلطانه على قدر استطاعته. # 35 # تقدير جديد للإنسان: السؤال أولا: # عن عدد القوى الكامنة فيه. # عن عدد الغرائز المختلفة. # عن مؤهلاته المؤثرة ومؤهلاته المتأثرة. # ما هي مميزات رب السيادة؟ # 36 # إن زرادشت مرتاح إلى انتهاء العراك بين الطبقات واستتباب النظام على أساس ~~الميزة الفردية، وقد كانت الخطوات الأولى نحو التمهيد للشعبية مليئة بالأحقاد، فلم ~~يبق الآن بعد اجتياز هذه المرحلة الموفقة إلا القيام بعمل آخر فيه حل المشكل ~~الاجتماعي. # إن تعاليم زرادشت قد وجهت إلى الطبقة المعدة للسيادة في آتي الزمان؛ لأن على من ~~سيحكمون الأرض أن يقوموا مقام الآلهة ليخلقوا في الطبقة المحكومة الثقة التامة ~~الأصيلة، فعليهم أولا أن يمهدوا سبل السعادة لمن هم دونهم بتضحية لذاتهم وراحتهم ~~وعليهم أن ينقذوا من لا يصلحون للحياة بالقضاء عليهم دون إمهال، ثم ينشرون أديانا ~~وطرائق تتوافق وكل حلقة من سلسلة المجتمع. # 37 # إن جهاد السائد إنما يكون في توفيقه بين محبته لمن حوله ومحبته لمن سيأتون في ~~المستقبل البعيد. # إن صلاح المبدع لا يتحمل التجزئة فهو صلاح ms256 واحد، ولكنه يتناول الأقربين من جهة ~~ويمتد إلى الأبعدين من جهة أخرى. # 38 # يقوم الشعور بالسلطان على نضال بين أقانيم الذات للاهتداء إلى الفكرة التي تتعالى ~~كالنجم على سهى الإنسانية وما الذات إلا الأولية المتحركة. # 39 # إن زرادشت يدعو إلى الكفاح للاستفادة من السلطان المتجلي في البشرية. # 40 # إن بلوغ المثل الأعلى إنما يقوم على الكفاح في سبيل السلطان على منهج لا يناقض ~~هذا المثل. # 41 # إن سنة الرجوع إنما هي مدار القطب للتاريخ. # 42 # إن مجال الحقيقة ينفرج بغتة أمام البصائر، فالمعرفة الصعبة المنال تتحصن في ~~السريرة وتكفل مناعتها بالتحوط والتخفي، وقد عشت حتى الآن ونفسي تواري شيئا عن ~~نفسي، غير أن ما بذلته من جهد مستمر في رفع الصخور أولى غريزتي قوة لا حد لها، ~~وها أنذا أقلب الصخر الأخير، وها أنذا أمام الحقيقة وجها لوجه. # استغاثة الحقيقة من أعماق اللحود، لقد أوجدنا الحقيقة ببعثها من مرقدها فكان في ~~ذلك أشد مظهر للشعور بالسلطان فيجب علينا احتقار التشاؤم على ما فهم الناس منه حتى ~~اليوم. # إننا في عراك مع الحقيقة، وقد رأينا أن لا سبيل للصبر عليها إلا بإيجاد الإنسان ~~الذي يقدر على احتمالها، وإلا فلا بد من أن نعود إلى الوقوف أمامها مبهورين حتى ~~تورثنا العمى، وليس بوسعنا أن نقف هذا الموقف بعد الآن. # لقد أوجدنا الفكرة التي كلفتنا أوفر الجهود فلنبدعن الآن إنسانا يستخف ~~حملها فتوليه السعادة. # وإذا ما أردنا التمتع بسلطان الإبداع وجب علينا أن نمنح أنفسنا من الحرية ما لم ~~تمنحه في أي زمن من الأزمان، ولن نبلغ ما نرجو ما لم نطرح عبء المبادئ الأدبية ~~ونكتسب الرشاقة بالحبور، يجب علينا أن نشعر بما نتوقع لآتي الزمان ونمجد المستقبل ~~دون الماضي، علينا أن نصور بأجمل بيان شعري أسطورة المستقبل فنحيا بجميل الأمل نعيش ~~به زمنا رغدا، ثم نسدل الستار ونحول تفكيرنا إلى الأهداف القريبة ~~المعينة. # 43 # على الإنسانية أن تنصب هدفها ما وراء مجالها الحالي لا في عالم الأوهام بل في ~~امتداد كيانها نفسه. ms257 # 44 # كلما أوجدت إرادة تندفع إلى الآتي وجدت حولها بيئتها، ولزم أن نتوقع حدثا ~~عظيما. # 45 # إن ما فطرنا عليه هو أن نخلق كائنا يتفوق علينا، تلك هي غريزة الحركة والعمل، ~~وكما أن كل إرادة تستلزم افتراض هدف لها هكذا يدعو وجود الإنسان إلى افتراض كائن ~~لم يوجد بعد وهو هدف حياة الإنسان نفسه. # إن في الهدف مستقرا للحب وللاحترام، وفيه مكمن للشوق ومنه تنبعث رؤى ~~الكمال. # 46 # إن ما أطالب به هو خلق أناس يعتلون فوق كل نوع إنساني، وعلينا أن نضحي في هذا ~~السبيل أنفسنا وأبناء جنسنا. # إن للآداب التي سادت حتى اليوم حدودها في مجال الزمان والمكان فقد كان لها نفعها؛ ~~لأنها سارت جميعها بالجنس البشري إلى حالة الاستقرار المطلق، ولهذا وجب أن يقتلع ~~الهدف لتركيزه على موقع أرفع. # ولا أجد فائدة من العمل على إيجاد المساواة بين الناس، بل أدعو بعكس ذلك إلى ~~تقوية الفروق وتعميق المهاوي لإلغاء المساواة وخلق الرجال الأشداء، وبهذا يولد ~~الإنسان المتفوق. # وما نقصد أن تصير الإنسانية إلى حالة يتسلط المتفوقون فيها على المتقهقرين، بل ~~يجب أن تبقى الفئتان مفترقتين قدر المستطاع فلا تهتم إحداهما بالأخرى، فيستتب الأمر ~~على مثال ما تصوره أبقراط لآلهته. # 47 # إن للإنسان المتفوق في دائرته العليا ما يقابله في الدائرة السفلى من جنسه، فقد ~~أوجدت المتفوق والمتقهقر في آن واحد. # 48 # كلما ازدادت حرية المرء وانجلت إرادته، ازدادت مطالب شوقه حتى تؤدي به إلى مرتبة ~~التفوق؛ إذ يصبح كل ما هو دون هذه المرتبة عاجزا عن إرضاء محبته. # 49 # في وسط الشوط يولد الإنسان المتفوق. # 50 # لقد سادني الاضطراب بين الناس فكنت أود الحياة بينهم ولا أجد ما يرضيني فيهم، ~~فذهبت إلى العزلة حث انفردت بنفسي وأبدعت الإنسان المتفوق، ملقيا عليه ستار التحول ~~تشع فوقه أنوار الظهيرة. # 51 # إننا نريد أن نخلق كائنا نحوطه بالحب جميعا ونحنو عليه، لذلك وجب علينا أن ~~نحترم أنفسنا. # لنضع نصب أعيننا هدفا نتبادل الحب من أجله، ولنعرض عن سائر الأهداف فإنها ms258 أولى ~~بالهدم. # 52 # إن مبدأ زرادشت هو أن خير الناس أقواهم جسما وروحا، فيجب أن نستثمر منهم الآداب ~~العليا: آداب المبدعين. إن زرادشت يريد استعادة خلق الإنسان على صورته ومثاله. ~~وإرادته هذه تنم عن إخلاصه. # 53 # إن العبقرية لتجد في زرادشت مجسم تفكيرها. # 54 # إن العزلة إلى حين ضرورية لاتساع الذات وامتلائها، فالعزلة تشفي أدواءها وتشدد ~~عزمها. # يجب أن تبنى الجماعات على أساس العراك والنضال وإلا فمصيرها إلى الإقدام على ~~الملاهي والتراجع أمام كل هجوم. إنني أدعو إلى الحرب حربا لا حديد فيها ولا نار ~~تتقارع فيها المبادئ ويتبارى أصحاب الأفكار في ميدانها. # يجب إيجاد فئة النبلاء بانتخاب الأصلح واختيار مراسم جديدة لتأسيس الأسرة. # تقسيم النهار تقسيما جديدا، ونشر الرياضة بين الجميع كبارا وصغارا، واعتبار ~~النضال مبدأ أوليا. # النظر إلى المحبة الجنسية كجهاد من أجل من سيأتون بعدنا. # تعليم التسلط قساوة ولطفا، وعند نوال قوة التحكم في حالة، السعي إلى نوالها في ~~الحالة التي تليها. # اقتباس ما يمكن اقتباسه عن الأشرار وفتح مجال للنضال أمامهم؛ إذ يجب استخدام ~~المنحطين أيضا. # يجب أن يرسو حق العقاب على اتخاذ المجرمين أدوات للتجارب العلمية - ومنها التجارب ~~لإيجاد طريقة جديدة للتغذية - وبذلك يبرر استخدام الفرد لخير المجموع. # إننا نعامل بالمداراة مجتمعنا الجديد؛ لأنه معبر يؤدي إلى المثل الأعلى في آتي ~~الزمان، وما نعمل نحن وندفع بالآخرين إلى العمل إلا في سبيل هذا المثل ~~الأعلى. # 55 # وجود الطرق والوسائل للاندفاع إلى ما وراء الإنسانية، وعلينا أن نجد من الإنسان ~~نوعه الأعلى والأشد. # يجب أن نتمثل أبدا بما في الأصاغر من نزوع إلى الأفضل، إلى التكامل والنضوج، إلى ~~الصحة وإشعاع القوة. # يجب أن يعمل كل واحد عمله اليومي بعاطفة الفنان؛ لإبلاغ ما يقوم بصنعه حد الكمال، ~~والنظر إلى ما يجب صنعه بدون مغالاة كما يليق بأهل الاقتدار. # 56 # تذرعوا بالصبر فإن الإنسان المتفوق مرتبتكم التالية، فيجب عليكم أن تتصفوا ~~بالاعتدال والرجولة. # لنرفعن الإنسان فوق مستواه أسوة باليونان، فلا نطمح إلى الخوارق العقلية، وخير ~~لنا أن نستبعد ms259 العقل الراجح إذا قيده الخلق الضعيف والأعصاب المتهدمة، وليكن هدفنا ~~إنماء الجسد كله لا الدماغ وحده. # 57 # ما الإنسان إلا كائن يجب التفوق عليه، نظرة إلى خطوات اليونانيين المتزنة بلا ~~تسارع ولا إبطاء. # نظرة إلى طلائعي: هرقليت وأمبيدوكل وسبينوزا وغوته. # 58 ~~(1) # التضجر من الذات. ترياق ضد الندم. تحول الأمزجة «الوسائل الغير العضوية». ~~الإرادة في عدم الارتياح. يجب أن يصل عطشنا إلى أشد حالاته قبل أن نحاول ~~اكتشاف ينبوع لإروائه. ~~(2) # تحويل الموت ليصبح وسيلة للظفر والمجد. ~~(3) # المرض وما يتخذ تجاهه. حرية اختيار الموت. ~~(4) # الحب الجنسي كوسيلة لبلوغ المثل الأعلى «التشوق إلى الفناء في القوة ~~المعاكسة.» محبة الألوهية المتألمة. ~~(5) # التوليد كأقدس الأعمال، الحبل. إبداع الرجل والمرأة الذين يتجهان بإيجاد ~~الطفل إلى التلذذ بوحدتهما ورفع هيكل لاتحادهما. ~~(6) # الإشفاق كخطر. إيجاد الأحوال الملائمة ليتمكن كل فرد من معونة نفسه ومن ~~التمتع بحريته في قبول المساعدة أو رفضها. ~~(7) # الثقافة في اتجاه الشر ليثير الإنسان شيطانه الكامن. ~~(8) # الجهاد الداخلي كوسيلة للرقي. ~~(9) # حفظ النوع وفكرة العودة المستمرة. # 59 # سنة أولية: تخطي المراتب دون طفرة، وبلوغ الكمال في كل مرتبة بالشعور ~~بالارتياح فيها. # العمل أولا في التشريع. إن فكرة العودة المستمرة فكرة بعد الوعد بالإنسان ~~المتفوق مروعة ولكنها أصبحت مقبولة الآن. # 60 # إن الحياة نفسها قد أوجدت فكرة هي أصعب ما تحتمل الحياة؛ لأنها تطمح إلى تذليل ~~أعظم عقباتها، وهي أن يطلب الإنسان العدم ليتمكن من العودة إلى الوجود ~~يوما. # لتكن حياتك عبارة عن تحول في ألف روح، وليكن هذا ما قدر عليك، فتصبح إرادتك ~~منصبة على قبول هذه الحلقات المتوالية. # 61 # إن أعظم ما نطمح إليه هو أن نرضى بخلودنا ونتحمله. # 62 # إن الفترة التي أتيت فيها بفكرة العودة المستمرة إنما هي فترة خالدة، أحتمل من ~~أجلها هذه العودة. # 63 # إن مبدأ العودة المستمرة يرهق النبلاء لأول وهلة؛ لأن هذه العودة تؤدي في الظاهر ~~إلى القضاء عليهم للاستبقاء على مخلوقات سخيفة أقل ضررا، ولعل النبلاء يقولون: ~~«يجب إبادة هذا المبدأ وقتل زرادشت.» # 64 # يتردد أتباع زرادشت ويقولون: ms260 «سنتوصل إلى الاعتياد على هذا المبدأ، غير أنه سيدفع ~~بنا إلى القضاء على العدد الأوفر من الناس.» # يضحك زرادشت ويقول: «لقد وضعت المطرقة في يدكم وعليكم أن تستعملوها.» # 65 # إنني لن أخاطبكم كما أخاطب الشعوب؛ لأن كل شعب يقضي على نفسه باحتقارها، ويتبادل ~~الشعوب الاحتقار فيفني أحدهم الآخر. # 66 # إن طموحي إلى فعل الخير يضطرني إلى الصمت غير أن إرادتي المتجهة إلى إبداع ~~الإنسان المتفوق تأمرني بأن أتكلم وأضحي حتى من أحب. # علي أن أتطبع وأتحول فأطبعكم وأحولكم، ولا سبيل لنا بغير هذا إلى احتمال هذا ~~الإنسان المتفوق. # 67 # منشأ الإنسان الراقي. إن ثقافة الرجل الأفضل تقوم على الألم الأشد. بيان عن المثل ~~الأعلى الذي يتجه إليه زرادشت ويستدعي ما تحمل من تضحية في سبيله؛ إذ ترك مسقط ~~الرأس والأسرة والوطن. الحياة عرضة لتحقير الفضيلة السائدة. آلام التجاريب وصدمات ~~اليأس، التخلي عن الملاذ التي تتاح للإنسان عند اتجاهه إلى المثل الأعلى القديم، ~~وهي ملاذ يتذوق منها الحر طعم الأشياء المضرة أو يشتم منها نكهة غريبة. # 68 # إن القلب المبدع قد أولى الأشياء قيمتها ومعناها، ثار شوقه فعمد إلى الابتداع ~~موجدا اللذة والألم، ثم طمح إلى إشباع شهوته ألما. # فعلينا أن نتحمل كل ما أحس به الإنسان والحيوان من آلام فيما مضى، وعلينا أن نجعل ~~لهذه الآلام صفة مثبتة، وأن نقيم لنا هدفا يبرر احتمالنا لها. # 69 # من الأوليات «إن بوسعنا أن نعتبر الألم نعمة والسم غذاء. نظرة في إرادة ~~الألم.» # 70 # إن الإعداد للآتي يستلزم بطولة، ولا سبيل لأن يحتمل الإنسان نفسه إذا هو لم يتشوق ~~إلى الرقي المطلق. # علينا ألا نكتفي بالاتجاه نحو الرقي في حالة واحدة؛ إذ من الواجب أن نطمح إلى ~~مجاراة الحياة فنصير إلى إعداد أنفسنا لتكرار الرجوع في حالات متعددة. # علينا ألا نهتم بآراء الغير؛ لأننا نعرف ما هي مقاييسهم وموازينهم، وإذا كنا نحن ~~موضوع هذه الآراء وجب علينا أن نتلقاها بالإشفاق على أربابها. # 71 # على الأتباع العاملين لنشر المبادئ أن يتصفوا بثلاث صفات: الإخلاص ms261 والقدرة على ~~التفاهم والتساوي في المعرفة. # 72 # وصف الإنسان الراقي على مختلف أنواعه، وما يعتوره من انحطاط وما يهدده من عوامل ~~الفناء. إيراد أمثلة عديدة «كدوهرين» الذي أردته العزلة. # ذكر ما قدر على أهل الرقي في هذا العصر واتجاههم إلى الانقراض. صوت الاستنجاد ~~الموجه إلى زرادشت. أنواع التدني في الرقي. # 73 # الرجال الراقون اللاجئون في محنتهم إلى زرادشت # محاولة التقهقر قبل الأوان بالدعوة إلى الإشفاق. ~~(1) # جوابة الآفاق التائه المضطرب المتناسي حب شعبه في حبه لشعوب ~~عديدة؛ الأوروبي الحقيقي. ~~(2) # ابن الشعب العبوس الطموح اللاجئ إلى العزلة كيلا يعمل على الهدم؛ إنه ~~عدة للعمل. ~~(3) # أقبح العالمين، الذي يجد نفسه مضطرا للتزين والتفتيش أبدا على ~~أساس جديد، فهو يطمح إلى الظهور بمظهر لا يورث النفرة، ولكنه يلجأ إلى ~~العزلة أخيرا كيلا يراه أحد؛ إنه يستحيي نفسه. ~~(4) # عاشق ما يقع تحت الحس: «دماغ العلقة» إنما هو الضمير الفكري المرهق ~~داؤه التطرف؛ فهو من يطلب إنقاذ نفسه من نفسه. ~~(5) # الشاعر الطامح إلى لذة الحرية، يختار العزلة أخيرا طلبا للمعرفة ~~القاسية. ~~(6) # مخترع العقاقير المسكرة، إنه الموسيقي الساحر الذي ينتهي به حاله إلى ~~الانطراح أمام قلب محب هاتفا: «لا تأت إلي فإنني أريد أن أقودك ~~إلى غيري.» # وهنالك أيضا الزاهدون الذين يشتهون السكر ولا قبل لهم به؛ لأنهم ~~قد تجاوزوا حدود الزهد. ~~(7) # العبقري - باعتبار العبقرية إغراق في الجنون - إنه الإنسان المستحيل ~~إلى جليد لفقدانه الحب. ~~«ما أنا بالعبقري ولا بالإله.» # الحنان الأعظم بازدياد الحب. ~~(8) # الغني الذي يهب كل ما يملك، ثم يدور قائلا لمن يصادف: «إذا كنت ~~ثريا فأعطني نصيبي.» ذلك هو الغني المتسول. ~~(9) # الملكان يتخليان عن الملك قائلين: «إننا نفتش على من هو أليق للحكم ~~منا.» # لا وجود للرجل العظيم فلا وجود إذن للتعظيم. ~~(10) # المتظاهر بالسعادة. ~~(11) # العراف المتشائم الذي يرى الضيم أيان اتجه. ~~(12) # مجنون المدينة العظمى. ~~(13) # الشاب على الجبل. ~~(14) # المرأة المفتشة على الرجل. ~~(15) # العامل وحديث النعمة الناحل الحسود. ~~(16) # الصالحون. # جنونهم في سبيل الله أو بالحري في سبيل أنفسهم. ~~(17) # الأتقياء. # جنونهم في سبيل الله أو بالحري في ms262 سبيل أنفسهم. ~~(18) # القديسون. # جنونهم في سبيل الله أو بالحري في سبيل أنفسهم. # 74 # لقد بذلت لكم الفكرة الثقيلة المرهقة المؤدية إلى فناء الإنسانية فهل تبعث هذه ~~الإنسانية يا ترى بعد تذليل عقباتها والقضاء على العناصر القاتلة للحياة؟ # لا تذموا الحياة بل وجهوا الذم إلى أنفسكم. # ما يجب أن يستقر عليه الإنسان الراقي بصفته مبدعا تنظيم جماعة الراقين وتثقيف من ~~سيئول الحكم إلى يدهم يوما. # لتفوقكم أن ينعم بما يأتيه من تحكم ومن تبديل. # إن الإنسان سيعود تكرارا وأبدا، وليس هو العائد فحسب بل الإنسان المتفوق ~~أيضا. # 75 # إن العزلة بأنواعها السبعة إنما هي المحنة الخاصة بالمصلحين، وهي تعزيتهم أيضا ~~فالمصلح يتعالى فوق الأزمنة وارتفاعه يقيض له الاتصال بجميع المصلحين والمجهولين في ~~كل زمان، وليس له من وسيلة للدفاع عن نفسه إلا جماله، فهو يقبض على آلاف السنين ~~الآتية ويزداد حبه كلما امتنع عليه أن يفعل الخير بدافع هذا الحب نفسه. # 76 # إن زارا لا يتململ في صبره وهو ينتظر قدوم الإنسان المتفوق، بل يتوقع هذا الحدث ~~مطمئنا وقد اتجهت كل حركة شطر هدفها متكاملة مسددة الخطى. # إن النهر العميق هادئ في سيره، ولأصغر الأمور ما يبررها. # في القسم الثالث من زرادشت، يجب استعراض كل اضطراب وكل شهوة جامحة وكل اشمئزاز ~~والتغلب عليها. # ما كان اللطف والحنان في القسمين الأول والثاني إلا دليلا على القوة التي لم ~~تتوصل إلى الوثوق من ذاتها. # عند بلوغ زرادشت الشفاء ، يتجلى «القيصر» بكل صرامته وكل خيره وحنانه، وعندئذ ~~يتهدم الحائل ما بين قوة الإبداع والحنان والحكمة، فيسود الجلاء والطمأنينة وتضمحل ~~الشهوات الجامحة وهكذا تبلغ السعادة الخلود؛ إذ يحسن الإنسان التمتع ~~بها. # 77 # زرادشت «القسم الثالث». # لقد بلغت السعادة بنفسي. # عندما ابتعد عن الناس عاد إلى نفسه، فكأن غمامة انقشعت من جوه. # الحياة التي يجب على الإنسان المتفوق أن يتمتع بها إنما هي حياة إله ~~«أبقراطي». # إن ما يرد في هذا القسم الثالث إنما هو وصف الآلام الإلهية، ولم تذكر أحوال ~~المشترع الإنسانية إلا على سبيل ms263 المثال، فإنه يرى أخيرا أن محبته لأصحابه علة ~~يشفى منها فيعود إلى الراحة والسكون، وعندما تأتيه الدعوة ينسحب على مهل. # 78 # يجب أن يؤتى في القسم الرابع بإيضاح مفصل عن سبب إشراق الظهيرة العظمى في ~~حينها، فلا بد إذن من وصف الحقبة الملائمة للظهور على أن يتولى زرادشت تأويل هذا ~~الوصف. # ويجب أن يبين في الفصل الرابع السبب الحقيقي لوجوب خلق الشعب المختار أولا، وهو ~~شعب يلائم رجاله زمانهم فيأتون أضدادا لمن لا تتفق أحوالهم مع الزمان، ولا يعهد ~~زرادشت بحل القضايا إلا لمن يظهرون أخيرا فيدعوهم إلى العمل على تحقيق نظرياته، ~~وهي نظريات صحيحة ولا محاباة فيها والنبل من أخص مميزاتها. # وهكذا يتسلم هؤلاء الناس المطرقة التي ستتولى الملك في العالم. # 79 # التكافؤ في القدرة بين المبدع والعاشق والعارف. # 80 ~~«للحب وحده أن يتولى القضاء.» فالحب يبدع ويجحد نفسه في ما يبدع. # 81 # لا سعادة في اتباع شرعة زرادشت إلا حين يستتب نظام التسلسل، وهو ما يجب تعليمه ~~قبل كل شيء نظاما تقوم عليه الحكومة في العالم؛ إذ توجد طائفة جديدة للسيادة فيه، ~~ومن هذه الطائفة يخلق في كل مكان إله أبقراطي هو الإنسان المتفوق الذي يغير صفحة ~~الوجود ويبدل الحياة تبديلا. # إن العالم الذي يتفوق على الإنسانية إنما يعود بها بعد هذا الجنوح إلى بذل حبه ~~للأصاغر والمتضعين. # زرادشت يموت وهو يبارك جميع حوادث حياته. # 82 # لقد كفانا أن نكون أناسا يصلون فعلينا أن نصبح أناسا يباركون. ms264