######OpenITI# #META# URI: 1358FiliksFaris.IctirafatFataCasr.Hindawi61502415 #META# Tags: novels #META# ID: 61502415 #META# Title: اعترافات فتى العصر #META# AuthorID: 94830742 #META# Author: ألفريد دي موسيه #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 83172751 #META# Translator: فليكس فارس #META# Related_books: 1273AlfredDeMusset.ConfessionDeEnfant (TRANSL) #META#Header#End# # تمهيد‏ # إهداء‏ # الجزء الأول‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الجزء الثاني‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الجزء الثالث‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الجزء الرابع‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الجزء الخامس‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # تمهيد‏ # إهداء‏ # الجزء الأول‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الجزء الثاني‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الجزء الثالث‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الجزء الرابع‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الجزء الخامس‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # | اعترافات فتى العصر # | اعترافات فتى العصر # تأليف # ألفريد دي موسيه # ترجمة # فليكس فارس # ألفريد دي موسيه. # | تمهيد # في سنة 1836، أي منذ قرن تقريبا، نشر ألفريد دي موسيه كتابه الخالد ~~«اعترافات فتى العصر»؛ ليصف الأدواء التي استحكمت بأبناء جيله بعد أن ~~اجتاحت أوروبا بأسرها أعاصير الحروب، فوقفت على أطلالها شبيبة تعثرت ~~آمالها وتزعزع إيمانها. # ومنذ ثلاثين عاما، عندما وقفت الطليعة الأولى من فتيان القرن ~~العشرين في الأقطار العربية تستشرف غدها حائرة بين تذكاراتها وآمالها، ~~قرأت اعترافات موسيه، فرأيت «داء العصر» الذي يصفه فيها متجليا ~~بأوائل أعراضه بين شبيبة موتورة عن ماضيها، حائرة في حاضرها، يستهويها ~~الإلحاد في إيمانها والتسيب في عواطفها، فبادرت إلى ترجمة الفصول ~~الأولى من هذه الاعترافات، وبدأت أنشرها في جريدتي لسان الاتحاد، وإذا ~~بزعازع السياسة تهب ms001 دافعة الأقلام إلى معاركها، محولة لها عن ~~الإصلاح الاجتماعي، إلى أن اجتاحت الدنيا كارثة الحرب العظمى تزيد داء ~~العصر استفحالا في هذه البلاد ككل بلاد ضرب حولها نطاق النار والدم ~~مكرهة أو مختارة، وما انقشع عثير الروع ملقيا بياضه على لمم الطليعة ~~الأولى، حتى بدأ فتيان الكتيبة الثانية يقتحمون الحياة، وفي كل موطن من ~~بلادهم رجة لم تستقم لهم معها طريق، وفي كل أفق من آفاقهم لمعات بروق، ~~وحالكات غيوم. # إن شبيبتنا اليوم تعاني داء روع الغرب في أوائل القرن التاسع عشر، ~~وهو لما يزل يقوض في أساس مجتمعاته، غير أنه استحال هنالك إلى علة ~~مزمنة أدمنها الشعور، وما من علة أقتل للفرد وللمجتمع من علة لا تؤلم ~~ضحاياها. ولقد يقرأ فتيان الغرب في هذه الأيام اعترافات موسيه، فيضحكهم ~~جحوده المتألم وضلاله الباكي، ومن من أبناء الحضارة الناضجة يجيز ~~للألم أن يلمس قناعة إلحاده وجامحات أهوائه؟ # أما هنا فداء العصر لم يزل يراود تفكير الشبيبة وعواطفها مراودة لا ~~تستسلم لها العقول والقلوب؛ فإن شمس هذه السماء لم تشرق يوما على جيل ~~جحد ربه، وقتل صيانة حبه بالقضاء على غيرته المقدسة. # ويقيني أن كل فتى يقذف به تيار التقليد إلى هذه الحياة التي يصفها ~~موسيه في اعترافاته، تجتاحه نوب من صراع الحقيقة مع الباطل في أعماق ~~سريرته؛ لذلك أكملت نقل الاعترافات إلى العربية لأهديها إلى الشبيبة ~~الحائرة المتألمة في أوطاني شهادة على المدنية الزائفة التي تراود ~~حياتهم وتغالبها فطرتهم، شهادة حق يؤديها للتاريخ شاعر تسامى بإلهامه ~~فوق إلحاد «فولتير»، ويأس «غوته»، وشكوك «بيرون». # ليقرأ فتيان عصرنا الحائرون هذه الاعترافات الخالدة التي كتبها موسيه ~~بدماء قلبه عبرا، لا بد أن يجد فيها كل فتى صورة لحادث من حوادث ~~حياته، إن لم يجد فيها صورا لمعظم حوادثها ... # ليقرءوا بإمعان نصائح «ديجنة»، فما هي إلا نبرات الوساوس الداوية في ~~آذانهم من المشارب والمراقص والشواطئ والمواخير، وكل ظاهرة اجتماعية ~~تدل على تفكك روابط الأسرة وتسيب الأخلاق، وليصغوا بعد ذلك إلى أقوال ~~«أوكتاف»، وما هي إلا ms002 صوت الحياة يهتف به موسيه شاعر الآلام، بل شاعر ~~الحقيقة المتألمة، صارخا من أعماق الضلال، مفتشا على جنتي إيمانه ~~وحبه. # إن على شبيبة اليوم، وهي الكتيبة التي تلت طليعتنا الأولى في القرن ~~العشرين، أن تتم جهادنا وتحقق أحلامنا؛ فنحن نتطلع إليها كتباشير الضحى ~~بعد ليلنا الطويل؛ لنراها تنفض عنها ما علق بها من «أدواء العصر»، ~~متنكبة مزالق العقول والقلوب، عاملة بالدعوة والقدوة المثلى على إقامة ~~الحضارة الصحيحة، راسية على الحرية ومكارم الأخلاق. # إن من جحد إيمانه جحدته حياته! # ومن اتخذ الحب ألعوبة طرده الحب من جناته. # فليكس فارس # الإسكندرية، أول سبتمبر سنة 1938 # | إهداء # إن كتابا ينقل إلى العربية قطعة من روائع البيان الفرنسي لجدير ~~بأن يتوج باسم وطني يتحف هذا البيان كل يوم بما يعزز العروبة ~~وأبناءها. # لذلك أصدر كتابي هذا باسم صديقي: ~~«الكونت عزيز دي صعب» # صاحب جريدة «لاريفورم» اليومية الكبرى التي تصدر في هذا الثغر ~~لخدمة مصر وسائر الأقطار العربية. # إن الإسكندرية ملتقى الشرق والغرب تحت علم «الفاروق» العظيم، ~~وليست الأقلام الوطنية العاملة فيها ببيان الجاليات الأجنبية على ~~تأييد حق البلاد وثقافتها بأقل فضلا وفائدة من الأقلام العربية، ~~تبعث هذه الثقافة من مثاويها لاستعادة الأمجاد القديمة. # فلا يستغربن حضرة الكونت مفاجأتي بإهدائي كتابي إليه؛ لأنها ~~مفاجأة تحمل ما يسيغها، فتفرض نفسها فرضا بصراحتها ~~وإخلاصها. # فليكس فارس # الكونت عزيز دي صعب. # لقد كان الفضل في إكمالي ترجمة «الاعترافات» لفقيد الأدب العربي، ~~المغفور له العميد مصطفى صادق الرافعي، وللأستاذ الكبير أحمد حسن ~~الزيات، العلم الخفاق في أجواء هذا الأدب، وقد نشر الترجمة تباعا في ~~مجلته الرواية. # وإنني لأرى من واجب الوفاء لصديقي الفقيد الخالد «مصطفى صادق ~~الرافعي»، أن أدون له كلمة كتبها عن الاعترافات في آخر رسالة بعث بها ~~إلي قبل وفاته بأسبوع، قال رحمه الله: # أما الاعترافات فهي جيدة جدا، ولو كان مؤلفها هو المترجم ~~لما استطاع أكثر مما استطاع الشيخ فليكس فارس. # قضيت أيام الشباب مطاردا # غسق الدجى والنور ملء إهابي # حتى إذا لاحت تباشير الضحى # لم ms003 يبق مني غير رسم شبابي # فليكس فارس # | الجزء الأول # | الفصل الأول # لا يدون تاريخ حياته من لم يبتل الحياة، فما أكتبه ليس تاريخا ~~لحياتي. ~~••• # منيت في شرخ الصبا بعلة نفسية تروعت لها ثلاثة أعوام، وها أنا ~~ذا أسرد ما تحملته منها. # ولو أنني كنت المصاب وحدي بهذه العلة لاخترت كتمانها، ولكن ~~الكثيرين يشكون الداء الذي أشكو. فإلى هؤلاء أوجه رسالتي، وسواء ~~استوقفهم بياني أو مروا به غافلين؛ فإن هذا البيان سينهش ما أطبقت ~~النوائب عليه مني كما ينهش الثعلب رجله ليتركها للفخ وينجو ~~بنفسه. # | الفصل الثاني # في إبان الحروب الإمبراطورية، بينما كان الآباء والإخوة في بلاد ~~الألمان، قذفت الأمهات المضطربات هذا الوجود بسلالة شاحبة عنيفة ~~مستعرة الأحشاء؛ تلك سلالة تمخضت الحياة بها بين معركتين، وربيت في ~~المدارس على دوي الطبول، فكان إذ ذاك ألوف من الأولاد يحدج بعضهم ~~البعض الآخر شزرا، وهم يمرنون على القوة عضلاتهم الضعيفة، وكان ~~الآباء الملطخون بالدماء يلوحون للأبناء من حين إلى حين، فيرفعونهم ~~لحظة إلى صدورهم المحلاة بالذهب، ثم يتركونهم إلى الأرض ويعودون ~~إلى صهوات الجياد. # ولم يكن في فرنسا غير رجل واحد يتمتع بالحياة، أما الباقون ~~فكانوا يجتهدون أن يملئوا صدورهم من الهواء الذي كان ينشقه ذلك ~~الرجل ثم يزفر به إلى الناس. وكانت البلاد تقدم له كل سنة ثلاثمائة ~~ألف من شبانها جزية فرضت للقيصر؛ ليتمكن وهو يجرها كالسائمة ~~وراءه من بلوغ الأمجاد التي يطمح إليها، بل ذلك هو الركب الذي كان ~~يحتاج إليه ليجتاز الدنيا متجها إلى الوادي الحقير حيث ترامى ~~على جزيرة قفراء تحت أغصان الصفصاف الباكي. # وما مرت في التاريخ ليال ساهدة كالليالي التي مرت في عهد هذا ~~الرجل! وما شوهد في أي زمن من الأزمان مثل هذا العدد الغفير من ~~الأمهات ينتحبن متفجعات باكيات على الأسوار والحصون! وما أصغى ~~الناس برهبة إلى من يتحدثون عن الموت إصغاءهم في تلك الأزمان. ~~ومع ذلك لم يشهد التاريخ مثلما تجلى في ذلك العهد من سرور ومن قوة ~~حياة، وما أوقدت موسيقى الحروب ms004 من حماس في كل القلوب، وما لمعت في ~~فرنسا شموس كتلك الشموس التي جففت على الأرض أنهارا من الدماء، ~~وكان الناس يصفونها بشموس أوسترلتز، ويعتقدون أن الله إنما يشرقها ~~لخدمة ذلك الرجل، غير أنه هو كان يطلقها من أفواه مدافعه المرعدة، ~~فلا تنعقد من نيرانها الغيوم إلا في اليوم التالي لمعاركه. # وكان أبناء ذلك العصر ينشقون الحياة تحت تلك السماء الصافية ~~الأديم، حيث لمعت الأمجاد، وتموجت الأنوار منعكسة على الفولاذ، وما ~~جهلت تلك الشبيبة أنها معدة للمجازر، ولكنها كانت تعتقد أن ~~«مورات» أرفع من أن يناله الموت - وكانت رأت الإمبراطور يمر بين ~~كرات المدافع، ويقطع أحد المعابر هازئا بنفثات البنادق، فداخلها ~~الشك في إنسانيته، وحسبته من أبناء الخلود. # وما كان ملك الموت ليلقي الذعر في روع هذه الشبيبة وهو متشح ~~برداء البهاء والجلال، تتصاعد منه أبخرة النجيع كأنه بشير الأمل لا ~~نذير الفناء، وكأنه وقد حصد بمنجله حقولا من السنابل الخضراء، ~~استمد منها الفتوة فلاح غض الإهاب، ناضر الشباب. # لقد أصبحت الشيخوخة وهما من الأوهام، واستحالت المهود كما ~~استحالت النعوش أيضا دروعا، فخلت فرنسا ممن يدب على أرضها من ~~العاجزين، فلم يبق على تلك الأرض إلا أنصاف آلهة أو أشلاء ~~أموات. # وقف يوما هذا الإمبراطور - الذي حسبه الناس خالدا - على أكمة ~~أشرف منها على سبعة شعوب تتناحر، وما كان يدري أيمتد حكمه إلى آخر ~~العالم أم يقف عند نصف العالم، فمر به عزرائيل، وبلمسة من طرف ~~جناحه دفع به إلى عباب الأقيانوس الفسيح. # وبلغ دوي سقوطه آذان الدول المنطرحة على أسرة الاحتضار، فجلست ~~تقاوم أوجاعها، ومد الملوك راحاتهم المتقلصة، فاقتسموا أوروبا، ~~واتخذوا من وشاح القيصر مرقعات يستترون بها. # يوصل المسافر السير بالسرى، ويقتحم الحر والقر ووجهته مقر ~~عياله، دون أن يشعر بثقل السهد، أو يبالي بما يحدق به من أخطار إلى ~~أن يستقر بين أهله ويجلس أمام الموقد. حينئذ يحل عليه التعب، فلا ~~يجد في عضلاته من القوة ما يستعين به على الزحف إلى مرقده. وما ~~كانت فرنسا حينذاك إلا ms005 مثل هذا المسافر حين مات قيصرها فترملت، ~~شعرت فجأة بما أثخنها من جراح، فسقطت لا تعي، واستغرقت في نومها ~~حتى حسبها ملوكها الشيوخ ميتة، فطرحوا عليها الأكفان ~~البيضاء. # ورجع الجيش القديم، فلولا أرهقها العياء، وعلا المشيب مفارقها، ~~فعادت الأنوار تشع حزينة في باحات القصور المقفرة. # حينئذ أقبل رجال الإمبراطورية الذين جابوا الأقطار وملئوها دما ~~على نسائهم الشاحبات، وقبلوهن متحدثين عن الغرام القديم، وتحولوا ~~إلى مياه الغدران ينظرون فيها إلى وجوههم وقد خددها الهرم، ~~فتذكروا أبناءهم وهم يقتربون إلى الحين الذي يذكر الإنسان فيه من ~~يغمض له أجفانه. # وخرج الأبناء من المدارس، وإذ لم يجدوا لا سيوفا ولا دروعا ولا ~~فرسانا، أجالوا الطرف مفتشين عن آبائهم، فقيل لهم إن الحرب قد ~~انقضى عهدها؛ لأن القيصر قد مات، وإن صورتي ولنكتن وبلوخر معلقتان ~~على جدران السفارات، وقد كتب تحت كل منهما: «مخلص ~~العالم». # في ذلك الحين ربضت على أطلال العالم القديم شبيبة تتنازعها ~~الهموم، وكان كل هؤلاء الشبان نقطا من الدماء المحرقة التي غمرت ~~وجه الأرض، ولدوا في أحضان الحروب للحروب، وراودت أحلامهم طوال خمس ~~عشرة سنة ثلوج موسكو وشمس الأهرام. وما كانوا خرجوا من مدائنهم، ~~ولكن قيل لهم: إن أبواب كل من هذه المدائن تقود إلى عاصمة من عواصم ~~أوروبا. لقد كان العالم بأسره ماثلا في خيال تلك الشبيبة، ولكنها ~~كانت تجيل أبصارها على الأرض والسماء والطرق، فتراها كلها مقفرة ~~خالية، ولا تسمع إلا رنين أجراس الكنائس تقرع الهواء من ~~بعيد. # واجتازت الحقول أشباح ناحلة تتخطر على مهل ساحبة أردانها ~~السود. # وطرقت الأشباح أبوابا أخرى لتبرز للسكان أوراقا أخلقها الزمان، ~~وتأمرهم بإخلاء منازلهم، وانفرجت الحدود المقفلة عن رهط المهاجرين ~~الذين هرعوا إلى فرنسا، ولم تزل على وجوههم آثار ما نزل من الخوف ~~منذ عشرين سنة، وساد الصخب وعلا الضجيج، فدهش العالم لميتة واحدة ~~تستجلب مثل هذا العدد الغفير من الغربان. # وجلس ملك فرنسا على عرشه وهو يقلب نظره في رياش قصره؛ خشية أن ~~يكون قد تبقى عليه أثر من شارات الأمجاد ms006 البائدة ، فتألب حوله رهط ~~الممالئين يمد بعضهم يد الاستجداء، فينفحهم بالمال، ويقدم البعض ~~الآخر له صليبا فينحني مقبلا هذا الصليب. # وناجاه البعض بالمديح والإطراء، فأشار إلى مثل هؤلاء بالذهاب إلى ~~القاعة الكبرى حيث تتكفل الأصداء بإذاعة مجد الملك العظيم ... وزحف ~~آخرون عند أقدام العرش عارضين ما أخلق الزمان من أرديتهم، وقد ~~نزعوا عنها شارات العهد البائد، فكان الملك يأمر لهؤلاء الخونة ~~بالخلع السنية ... # وكانت الشبيبة تشهد هذه المهازل متوقعة ظهور خيال القيصر على ~~شواطئ «كان» ليرسل عاصفته الكاسحة على هذه الحشرات. # تعثرت الآمال، وطال السكون، فلم تلح في الآفاق غير الزنابق ~~الصفراء شارة الملكية المتحكمة. # وسأل الفتيان عن الأمجاد فقيل لهم: اعتنقوا الكهنوت. # وسألوا عن الأماني فقيل لهم: اعتنقوا الكهنوت. # وسألوا عن الحب والقوة والحياة فقيل لهم: صيروا كهنة. # واعتلى المنبر في ذلك الزمن رجل يحمل عقد اتفاق بين الملك ~~والشعب، فقال: جميلة هي العظمة والمطامع والحروب! ولكن هنالك ما هو ~~أجمل منها جميعا: هنالك الحرية. # فرفع الفتيان رءوسهم وتذكروا أجدادهم الذين تكلموا هم أيضا عن ~~الحرية، وعادت إلى مخيلتهم تلك الدمى الرخامية التي كانوا يرونها ~~في زوايا بيوت آبائهم، وقد تدلت شعورها ونقشت على قواعدها تواريخ ~~رومانية. # وتذكروا أيضا أنهم شاهدوا أجدادهم في ليلة سمر يهزون رءوسهم، ~~ويذكرون معارك تفجرت فيها الدماء بما يفيض عن النهر الذي أساله ~~الإمبراطور؛ لذلك دوت كلمة الحرية في آذان هؤلاء الفتيان بصوت ~~نبضت له قلوبهم، كأنهم يصغون في آن واحد إلى صوتين: أحدهما صوت ~~الذكرى البعيدة المروعة، وثانيهما صوت الأمل المنشود يتراجع من ~~مستقبل أبعد من الماضي. # هزت كلمة الحرية هؤلاء الفتيان بنشوتها السحرية، ولكنهم شاهدوا ~~وهم عائدون إلى مساكنهم ثلاث جثث لثلاثة شبان تجرءوا على التلفظ ~~بكلمة الحرية؛ فمرت على الشفاه ابتسامة ملؤها الأسى. # وارتقى المنابر بعد ذلك خطباء آخرون، فتكلموا عن مساوئ الحروب ~~وأخطار الانتقاض، وأفاضوا بذكر المطامع وتكاليفها قائلين إن الحروب ~~مذابح، والمعارك مجازر، وتكلموا تكرارا وتكلموا طويلا حتى تعرت ~~النفوس من أمانيها كما تتعرى أشجار الخريف من أوراقها، فكان ms007 ~~السامعون يمدون أيديهم إلى جباههم يتلمسونها كما يتلمس المحموم ~~موضع شعوره وهو يفيق من غيبوبته. # وقال البعض: لقد سقط الإمبراطور لأنه أرهق الشعب، وقال آخرون: إن ~~الشعب أراد الملكية بل الحرية، بل سيادة العقل، بل سيادة الدين، بل ~~الدستور الإنكليزي، بل الحكم المطلق. فارتفع بين هؤلاء المفترضين ~~صوت قائلا: لا، لم يرد الشعب شيئا، إن ما أراده الشعب هو أن ~~يرتاح. # وكانت عوامل ثلاثة تتنازع عواطف الشبيبة حينذاك: ماض منقض لم ~~يزل يرتجف ظله على الأطلال حيث ثوت قوات الأثرة وعصور العنف، ~~ومستقبل منفرج الأفق بعيد المجال لا يلوح منه غير أوائل ذرات ~~النور، ومدى بين هذين الحدين أشبه بالمحيط الفاصل بين العالم ~~القديم والعالم الجديد: مدى مضطرب كالبحر الزاخر تتلاعب به ~~العواصف، فيهدد بالغرق كل ما يحمل، ولا يلوح عليه إلا بعض البواخر ~~الجريئة تجتازه صاخبة من حين إلى حين. # ذلك هو العصر العتيد الفاصل بين ما كان وما سيكون، وقد تمازج فيه ~~الماضي والمستقبل، فبات أهله لا يدرون أيمشون فيه على زرع أم على ~~هشيم! # في مثل هذه المفاوز كان على أبناء العصر أن يهتدوا، وتلك هي ~~المشاهد التي انتصبت أمام فتيان ملء إهابهم العزم والقوة، وهم ~~أبناء الإمبراطورية وأحفاد الثورة. أما الماضي فما كانوا ليرتضوا ~~به، وما يتحكم الإنسان في عقيدته، ولكنهم عشقوا المستقبل عشقا ~~شبيها بشغف بيكماليون، عاهل صور القديمة بشبح فاتنة من عالم الجن، ~~فكان المستقبل في بصيرتهم كدمية من رخام هاموا بها، فباتوا يتوقعون ~~تورد عروقها بدم الحياة. وهكذا لم يكن لهؤلاء الفتيان إلا زمانهم ~~تسوده روح العصر، ملاك غسق لا ينفصل عن النهار ولا يتصل بالليل، ~~وقد شهدوا هذا الملاك مقتعدا كومة من العظام، متلفعا برداء ~~أنانيته، وأعضاؤه ترتجف من لفحات الصقيع. # فشعروا بغصة الموت عندما لاح لهم هذا الشبح نصفه مومياء ونصفه ~~جنين، فاقتربوا منه والروع يملأ قلوبهم كما يقترب السائح من مومياء ~~ابنة أحد أشراف سارفاندان في ستراسبورغ حيث تعرض محنطة بحلي ~~خطبتها، وما يتمالك من يشاهد هيكل هذه الطفلة من ms008 الارتعاش وقد تحلت ~~يدها الممتقعة بخاتم العرس، وانتثر رماد رأسها على أزاهر الليمون ~~البيضاء. # وكان نابليون بمروره على العالم قد زعزع كل ما فيه، كالعاصفة ~~تجتاح الغابات فتهز باسقات أدواحها، وتغادرها واجمة في صمت رهيب، ~~وكان الملوك قد شعروا بتيجانهم تميد، فمدوا إليها أيديهم، فلم تعثر ~~إلا على شعورهم، وقد وقفها الذعر على رءوسهم. # وكان بابا رومة قد قطع ثلاثمائة فرسخ ليبارك الإمبراطور ويضع ~~التاج على مفرقه، فلم يتورع هذا الإمبراطور من اختطاف التاج من ~~يده. # وهكذا كان كل شيء قد ارتعش في غابة أوروبا القديمة المروعة، وعقب ~~السكون هذه العاصفة الهوجاء. # يقال: إذا ما صادف السائر كلبا هائجا فتابع السير برباطة جأش، ~~وبخطوات متزنة دون تردد، لا يلبث الكلب أن ينبح بهدير مختنق ثم ~~ينصرف، ولكن إذا بدرت من عابر الطريق بادرة تدل على خوفه، فأخل ~~بانتظام خطواته مسرعا بخطوة واحدة؛ فإن الكلب يتأثره مستأسدا، ~~وإذا ما نشب فيه أنيابه؛ فإنه لا يقف حتى يفترسه. # لقد رأت أوروبا أكثر من ملك ظهرت منه بادرة الخوف في تاريخها ~~أمام شعبه، فذهب فريسة لهذا الشعب، ولكن مثل هذه الكارثة لم تكن ~~تقع على الملوك جملة في آن واحد؛ لذلك سقط الملوك على التتالي، ولم ~~تسقط الجلالة الملكية، ولكن أمام نابليون ارتعشت الجلالة الملكية ~~نفسها، فبدرت منها البادرة التي تؤدي إلى الهلاك، وما ارتعشت جلالة ~~الملك وحدها حينذاك، بل ارتعش معها الدين والشرف وكل سلطة إلهية ~~وبشرية. # ولما مات نابليون، استعادت السلطات الإلهية والبشرية روعها، ~~ولكنها لم تجد في الشعب من يعتقد بها بعد. # إن في معرفة ما يمكن أن يقع لخطرا؛ لأن الفكر يتجاوز الإمكان ~~بافتراضاته، وليس القول بإمكان وقوع أمر كالقول إنه لا بد واقع، ~~وما التأكد إلا أول عضة للكلب المستأسد. # لم يكن نابليون العاتي إلا آخر شرارة من نار الاستبداد، فقد أعدم ~~الملوك لينسج على منوالهم، ففعل بهم ما فعله فولتير بالكتب ~~المقدسة. # وسمعت الدنيا بعد ذلك ضجة هائلة هي صوت صخرة القديسة هيلانة تسقط ~~على العالم القديم، ms009 ولاحت نجمة التفكير في السماء بأشعتها الباردة ~~كوشاح آلهة الليل، فغمرت بها الدنيا كأنها الكفن المروع. # كانت أوروبا قد رأت من قبل عددا وفيرا ممن يمقتون الأشراف، ~~ويتهددون الكهنة، ويتآمرون على الملوك، ولكنها ما عرفت ابتسامة ~~الاحتقار قبل أن مر الإمبراطور وتوارى عن العيان، فكان إذا اخترق ~~الجمع شريف أو كاهن أو عاهل يهز الفلاحون رءوسهم، متذكرين ما شهدوا ~~من معارك ويقولون: لقد نظرناهم في غير هذا الزمن، وفي غير هذا ~~المكان، وقد كانت وجوههم على غير ما نراه اليوم. # وإذا ما ذكر أحد العروش والهياكل كانوا يقولون: إنها عوارض من ~~خشب سمرناها نحن ثم اقتلعناها. # وحينما كان الخطباء يقولون: لقد رجعت عن غوايتك أيها الشعب، ~~فدعوت إليك ملوكك وكهنتك، كان الشعب يجيب قائلا: «نحن لم ندعهم، ~~وما دعاهم إلا هؤلاء المتشدقون.» # وإذا قيل للشعب: «عد إلى الطاعة والسكون، افلح الأرض واخضع.» ~~كان الشعب ينتفض وتتحرك السيوف في أغمادها وقد علاها الصدأ في ~~زوايا الأكواخ. # ولكن الخطباء كانوا يضيفون إلى كل هذا قولهم: «عد إلى السكون ~~أيها الشعب، فقد أضناك الجهاد بلا جدوى، ولا تطلب الاعتداء وليس ~~من يعتدي عليك.» # فكان الشعب يرتضي بهذا القول. أما الشبيبة فما كانت لترضى ~~به. # لا ريب في أن الإنسان تتنازعه قوتان مجهولتان تصليان داخله حربا ~~عوانا إلى آخر حياته، فإحداهما تبحث وتسبر المستقبل بسكون متحسبة ~~تستنبط أحكامها من العبر، والأخرى تتحفز للوثوب إلى المستقبل ~~منجذبة إلى ما لا تعلم، وعندما تسود الإنسان عاطفته يتبعها العقل ~~منذرا باكيا، وإذ يقف الإنسان مجيبا لدعوة العقل تهتف الأهواء ~~قائلة: «وأنا، هل يجب أن أموت؟» # وابتداء الأسى يختمر في القلوب الفتية؛ إذ حكم ملوك الأرض على ~~الشبان بالراحة والسكون، وقذفوهم بأشد الأمراض أوجاعا: بالبطالة ~~والضجر، فأحسوا باضمحلال الأمواج التي كانوا أعدوا لمصارعتها ~~سواعدهم القوية، وسادت المسكنة على هؤلاء المصارعين الذين كانوا ~~مرخوا أعضاءهم عبثا بالزيوت، فاندفع الأغنياء منهم إلى ميادين ~~الفحشاء، وخضع المتوسطو الحال للقضاء، وتحولوا إلى الكهنوت ~~والجندية. أما الفقراء فلم يجدوا سوى الحماس البارد، فارتموا ms010 فيه ~~بالأقوال الجوفاء كما يترامى المجازف إلى البحر الذي لا ساحل له: ~~بحر الابتلاء بالجدل بعيدا عن العمل. # إن الضعف البشري يقود الناس إلى الاجتماع والتعاون، فلم يلبث ~~هؤلاء الشبان أن اجتمعوا، فوجدت السياسة مرعاها الخصب بينهم، وهكذا ~~كانت الشبيبة تخرج من مصارعة حراس المجلس التشريعي لتتجه إلى ~~المسارح؛ حيث تشاهد «تالما» لابسا قبعة تشبه قبعة الإمبراطور، أو ~~تسير إلى المدافن لتحتفل بمأتم نائب من الأحرار، وتعود إلى مساكنها ~~كل مساء شاعرة بفراغ حياتها وعبث محاولتها. # وما كانت حياة المجتمع الداخلية بأقل بؤسا من الحياة الخارجية، ~~فساد الناس الأسى والجمود، وتسلط الرياء على العادات، وأصبح الدين ~~مشوبا بالأفكار الإنكليزية، فاكتسح الحزن كل ما كان من دلائل ~~المرح القديم. # ولعل العناية كانت تمهد بذلك طرقها الجديدة، فظهر الملاك المبشر ~~بالمجتمع المنتظر ملقيا في قلوب النساء بذور الحرية التي كانت ~~ستطالب المرأة بها في آتي الزمان. # وانشق الرجال عن النساء في المجتمعات الباريسية، فلبست النساء ~~البياض كالعرائس، واتشح الرجال بالسواد كالأيتام، وتبادل الفتيان ~~لفتات العداء، وما هذا الثوب الأسود الذي يلبسه رجال عصرنا إلا ~~دليل انقلاب مريع؛ لأنهم ما لبسوه قبل أن تساقطت شارات الشرف، ~~فتمزقت الأزياء القديمة، وتناثرت أزهار الأثواب المزركشة على ~~الحضيض، فكأن الإنسان بعد أن تحكم بعقله وهدم ما كان يغتر به من ~~الآمال، وقف متشحا بالسواد ليتلقى كلمات التعزية على المفقود، ~~وسادت عادات طلاب العلم وأرباب الفن تطورات نشأت من التطور العام، ~~بعد أن كانت تلك العادات مجلى الحرية الحقيقية، ومسرات الشباب ~~النقية. انفصل الرجال عن النساء فأصلت بينهما الاحتقار نصلا لا ~~شفاء لجراحه: فقد الرجل حب المرأة فاندفع إلى الكئوس ليستعيض ما ~~فقد، ونظر الناس إلى الحب نظرهم إلى الدين والمجد، فرأوا كل ذلك ~~أوهاما تلاشت مع الزمان القديم. # وغصت المواخير بالرجال، فأصبحت الفتاة مهملة بعد أن كانت تغذي ~~الشبيبة بحبها الطاهر السامي، وعندما احتاجت إلى غذاء ورداء باعت ~~نفسها. فيا للشقاء! ويا للعار! لقد أهمل الشاب الفتاة، وكان في ~~وسعه أن يستنير وإياها بأشعة شمس الله، ms011 وأن يقاسمها لقمته مأدومة ~~بعرق جبينه، ولكنه تركها وسار إلى مزابل الإنسانية ليجد هنالك تلك ~~الفتاة نفسها مثقلة بالهموم، شاحبة مضعضعة يجول على فمها الجوع، ~~ويرعى قلبها الابتذال. # في ذلك الزمان ظهر شاعران هما أعظم عباقرة العصر بعد نابليون، ~~فخصصا حياتهما لجمع ما تبدد في الأرض من مبادئ الشقاء والآلام، ~~فكتب جوته عميد الأدب الجديد «آلام فرتر»، واصفا الوله الذي يقود ~~إلى الانتحار، ثم عاد فرسم في «فوست» أعظم صورة تمثل الشر والشقاء، ~~واجتاحت كتاباته فرنسا كلها وهو جالس في بيته تحوطه السعادة، ~~وتخدمه الثروة، فكان يرسل إلينا رشاش قلمه الأسود وعلى شفتيه ~~ابتسامة الأب لبنيه ... # وجاء بيرون من جهته يرفع صوت الحروب والفجائع، كأنه لم يجد من ~~حل لسر الوجود غير كلمة العدم المروع. # عفوا أيها الشاعران العظيمان! أنتما الآن ذرات رماد يفترش ~~القبور، أنتما في عداد أنصاف الآلهة، أيها الشاعران، وما أنا إلا ~~فتى يضنيه العذاب، ولكنني وأنا أسطر هذه الكلمات لا أمتلك ~~نفسي من إرسال اللعنة عليكما. # لماذا لم تتغنيا بعطر الأزهار وأناشيد الطبيعة، وبالأمل والحب ~~وبالكروم، وشعاع الشمس، وبأنوار الشفق، وروعة الجمال؟ لقد عرفتهما ~~كنه الحياة، ورأيتما الدنيا تتداعى فبكيتما على الأطلال، ~~وأرسلتما أنين البائسين. لقد ذقتما خيانة الخليلات، وجفاء ~~الأصدقاء، واحتقار أبناء الوطن، فدارت بكما أشباح الموت، وشعرتما ~~بعفاء القلب. لقد كان كل منكما جبارا من جبابرة الأحزان، ولكن قل ~~أنت يا جوته! أما سمعت أذناك صوتا واحدا يؤاسي الحزين في هدير ~~الأحراج المقدسة في بلادك؟ أفما تمكنت - وأنت من يعرف أن الشعر صنو ~~الفلسفة - من العثور على زهرة السلوان في هذه الطبيعة الواسعة؟ ألم ~~تلهمك الروح - وأنت المتصوف المعتقد بوحدة الوجود - ما يعينك على ~~سكب قليل من العسل في تلك الكئوس الرائعة التي نحتها للأجيال، ~~وقد كانت ابتسامة واحدة منك كافية لاستهواء النحل فتنزل بجنيها على ~~شفتيك. # وأنت يا بيرون! ألم تكن عائشا تحت سماء إيطاليا الجميلة؟ ألم ~~تكن تناجي أمواج الإدرياتيك وإلى جنبك المرأة التي أحببت؟ # أنا الذي أوجه إليك هذه الكلمات الآن، ms012 وما أنا إلا فتى ضعيف ~~تحمل من الحياة ما لم تتحمله أنت من مصائبها وآلامها، إنني أؤمن ~~بالأمل وأبارك الله. # وما هبت زعازع الأفكار الإنكليزية والألمانية على رءوسنا حتى ~~سادنا الاشمئزاز برهة، ثم عقبه الاختلاج المريع. لا شيء يحول أملاح ~~العواطف إلى بارود منفجر كالتلاعب في مواطن الشك بالمبادئ العامة، ~~وكان جوته برأسه الجبار قد اعتصر كل ما في الثمرة المحرمة من ~~خلاصة، فخيل للناس أن من لم يقرأ جوته لا يعرف من الحياة شيئا، ~~ويل لهؤلاء الناس! لقد انفجرت أفكارهم بملامسة أفكار جوته، فتناثرت ~~ذرات تائهة في مهاوي الشكوك. # وساد الجحود تلك الأزمنة، فأنكر الناس كل ما على الأرض وكل ما في ~~السماء، وما الجحود إلا آمال عاثرات تدور بها الأحزان، فكأن ~~الإنسانية كانت قد تراخت عزائمها فدخلت طور الاحتضار، فانحنى عليها ~~المفكرون يجسون مواضع أنباضها ليتحققوا موتها. # وكانت شبيبة فرنسا شبيهة بذلك الجندي الذي أجاب من سأله: بم ~~تؤمن؟ فقال: إنني أؤمن بذاتي. تجيب من يورد هذا السؤال عليها: إنني ~~لا أؤمن بشيء. # وانشطر المجتمع إلى فئتين: فئة النفوس المضطربة المتوجعة التائقة ~~إلى المثل العليا، فكان أبناؤها يحنون الرأس، ويبكون متلفعين ~~بأحلامهم المؤلمة كأنهم مقصبة تتمايل على مستنقع من الشقاء. أما ~~الفئة الثانية فكانت مؤلفة من رجال المادة والشهوات يقفون ~~بلا مبالاة على ركام الملاذ، ولا هم لهم غير إحصاء الأموال التي ~~حشدتها أطماعهم، وما كان يتصاعد من هذا المجتمع المؤلف من الفريقين ~~سوى زفرة وضحكة: تلك ترسلها الروح، وهذه يقذفها الجسد، وكانت الروح ~~تقول في زفرتها: إن الدين يتداعى، وهذه سحب السماء أصبحت غيوما ~~تتساقط أمطارا. لقد فقدنا الأمل وحرمنا حتى قطعة من الخشب الأسود ~~نرفعها صليبا لنمد أيدي الضراعة نحوها. لقد تلفعت نجمة الصبح ~~بالغيوم الكثيفة على مطلع الفجر، فكأن الشفق يقبض عليها ليصدها عن ~~الارتفاع، وكأنها شمس الشتاء ألقت الثورة عليها براقع ~~الدماء. # لقد فني الحب واضمحلت الأمجاد، فما أحلك الظلام في هذا الليل ~~المترامي بأطرافه على الأرض! ولسوف ندرك الموت قبل أن يتداركنا نور ms013 ~~الصباح . # أما الأجساد فكانت تقول في ضحكتها: لقد وجد الإنسان للتمتع ~~بحواسه، ولديه من القطع الصفراء والبيضاء ما يقيس به حق تمتعه ~~بالكرامة، وما الحياة إلا الطعام والشراب والرقاد. أما العلاقات ~~الاجتماعية فمنها المودة القائمة على استقراض المال، وقد تجد ~~صديقا تدفع العواطف به إلى هذه التضحية، ومنها صلات القربى، وهي ~~نافعة للحصول على الميراث، ومنها الحب، وما الحب إلا رياضة بدنية. ~~وليست اللذة العقلية إلا نوعا من الغرور والكبرياء، وهكذا كان ~~اليأس يتمشى بخطواته الواسعة ذارعا أرض أوروبا كأنه الطاعون ينتشر ~~في نهر الكانج في آفاق آسيا، وكان شاتوبريان قد قبض على صولجان ~~إمارة الشعر، فلف اليأس برداء أسفاره ورفعه كالصنم على هيكل تتعالى ~~حوله عبقات البخور، فانحنت شبيبة فرنسا على قواها المكبوتة يائسة ~~تكرع كأس الآلام حتى الثمالة، وملأت الأقطار نفثات الأقلام المضللة ~~بأدب لا لون له، فكأنه رشاش من دم آسن يرسل لتغذية مسوخ ~~الحياة. # ومن له أن يصف ما كانت عليه المدارس في ذلك الزمان؟ لقد كان ~~الشك يسود الرجال، أما الشبيبة فقد كانت اجتازت مرحلة الشك، ~~واستقرت على الجحود، وكان الشعراء يتغنون بالخيبة وعثرات الآمال، ~~والشبان يتركون مقاعد المدارس، ويواجهون الحياة بسيماء تطفح ~~بالبشر، وعلى لسانهم لعنة الكفر. وكان الطبع الفرنسي المائل إلى ~~المرح ينيل الأدمغة مناعة تحتمل الأفكار الإنكليزية والألمانية، ~~غير أن القلوب لم تكن منيعة لتقتحم النضال في الأوجاع فذبلت وانحنت ~~على ذاتها كأنها أزاهر مقصوفة. # وهكذا اتجه مبدأ الموت إلى الأحشاء منسربا إليها بهدوء من ~~الأدمغة، فأنكرنا الخير بعد أن كنا نؤمن بالشر، وبلغ اليأس مرحلته ~~الأخيرة فاستقر على الشعور الميت، وجلس أبناء الخامسة عشرة تحت ~~ظلال الأشجار المزهرة يتجاذبون من الأحاديث ما يهز أشجار فرسايل ~~الهرمة. # طوبى لمن لم تدركهم هذه الأزمنة فنزلوا إلى الهاوية وهم يتطلعون ~~إلى السماء! إن من حالات الحياة ما يصدع القلوب بالشقاء فلا تجد ~~هذه القلوب ما يفرج كربها إلا بإرسال اللعنات والتجديف. # وقف ملحد أمام السماء وقبض على ساعته متحديا صاعقة الموت، وقد ~~منح ربه ms014 مهلة ربع ساعة، وبات ينتظر. إنها لفترة ملؤها أشد غضب، ~~وأفظع لذة. إنها لقحة بدايتها تناهي اليأس تحتك بقوات السماء، ~~وهل كان ذلك الرجل إلا مخلوقا شقيا يتململ تحت الأرجل التي ~~تركله؟ وهل كان صوته إلا نداء هائلا تدفع به المحن والآلام؟ من ~~يدري لعل هذا التحدي الموجه إلى السماء كان في عين من ينفذ إلى ~~خفايا القلوب نوعا من الصلاة ...؟ # وما كانت الشبيبة إلا كهذا الجاحد تفتح لقواها المكبوتة منافذ ~~الفرج باليأس. إن من لا يجد أمامه ما يشغل به قواه يتخذ تسلية له ~~من التجديف، فيتهكم على الدين والمجد والحب وعلى كل ما في العالم، ~~تلك الوسيلة هي السبيل الذي يتبعه الإنسان ليخادع نفسه، فيتهكم ~~عليها وهو يجدف على كل شيء. # يلذ للمرء أن يضع نفسه في مصاف الأشقياء حين يحكمه الضجر ~~فيندفع إلى الفحشاء؛ لأنها أول ما تخطر على بال العاطلين، وهي ~~الآلة التي تتلمسها الأعصاب الهائجة لتشد بها على نفسها تسكينا ~~لاختلاجها. # وكان الأغنياء يقولون: لا حقيقة إلا بالثروة، وأما ما سواها ~~فأحلام؛ فلنتمتع بالثروة ولنمت. # وكان متوسطو الحال يقولون: لا حقيقة إلا بالسلوان، وأما ما بقي ~~فأحلام؛ فلنسل ولنمت. # أما الفقراء فكانوا يقولون: لا حقيقة إلا في العذاب، وأما ما ~~سواه فأحلام، فلنجدف ولنمت. # إنه لوصف مريع قد يحسبه البعض مبالغة، وما أنا إذ أورده مندفع ~~بالعداء للإنسانية، فهو وصف للواقع. وهذا هو البرهان. # كل من طالع التاريخ وسبر غور الأسباب التي أدت إلى سقوط ~~إمبراطورية روما، لا بدل له أن يرى ما انبعث عن المسيحيين من قوات ~~دمرتها تدميرا؛ فإن العظمة التي تجلت في هؤلاء المؤمنين أيام ~~جهادهم ومحنتهم كانت قد استحالت إلى ضربات قاضيات عندما صارت القوة ~~إلى أيديهم. # قال مونتسكيو: «لا يسعني وأنا أفتكر بحالة الشعب وهو رازح تحت ~~استبداد الكهنوت اليوناني إلا أن يخطر ببالي أولئك العبدان الذين ~~أتى هرودوت على ذكرهم، وهم من كانوا يمخضون اللبن لاستخراج زبدته، ~~وكان أسيادهم يقتلعون أعينهم كيلا يتلهوا بالمشاهد عن متابعة ~~العمل دون انقطاع، ms015 وهكذا كان الكهنة في روما يمنعون النور عن كل ~~مبصر، فلم يكن يقرر القيام بحرب، أو عقد هدنة أو قرض، أو الإتيان ~~بأي عمل دون أن تنظر الرهبنة فيه أولا. إن القلم ليكل دون وصف ~~الأضرار التي نتجت عن هذه الأعمال.» # على أن مونتسكيو كان بوسعه أن يتم كلامه قائلا: # إذا كانت المسيحية قد هدمت العروش، فإنها أحيت الشعوب. إذا كانت ~~قد فتحت للبربر أبواب القسطنطينية، فإنها قد فتحت أيضا أبواب ~~الأكواخ باسم المسيح. وما كان بالأمر الضروري أن تحتفظ روما بمجدها ~~المتداعي وهي المومياء المحنطة بعطر نيرون، والمكفنة بوشاح ~~تيباريوس وقد رعى أحشاءها دود الفساد. # إنما عمل المسيحية، أيها السياسيون، كان يتجه «إلى إدخال السلام ~~على قلوب الفقراء البائسين، وإلى إخراج الأمل من أحشاء المومياء ~~الفاسدة قوة حية تعضد كل مظلوم»، وذلك ما قامت به المسيحية على ~~أنقاض روما، ولكن ماذا فعل خلفاء هادمي روما بعد مرور السنين؟ إنهم ~~لبثوا ينظرون إلى الفقير يرهقه الغني، وإلى القوي يستبد بالضعيف، ~~ويسمعونه يقول: «إن الأقوياء سيسحقونني على الأرض، غير أنني سأقف ~~في وجوههم عندما سيحاولون دخول السماء، فأشكوهم إلى الله.» # هكذا صبر هؤلاء المؤمنون فيما مضى، ولكن أعداء المسيح وقفوا ~~وصاحوا بالفقير قائلين: إنك صابر تتوقع ظهور العدل، والعدل لا وجود ~~له. إنك تنتظر البعث لتخلص من الظلم في الخلود وليس من خلود. أنت ~~تدخر دموع أطفالك ونواح امرأتك لتحملها إلى أقدام عرش الله بعد ~~موتك، وما بعد الموت من حياة، فإن الله غير موجود. # وعندما سمع الفقير هذا؛ جفف أجفانه وقال لامرأته أن تكف عن ~~النواح، ونادى بأولاده ليقف معهم على الخرق البالية كالثور الهائج، ~~وصرخ في وجه الغني قائلا: «ما أنت إلا رجل أيها الظالم.» # ثم التفت إلى الكاهن وقال له: «لقد كذبت أيها المعزي.» # وهذا ما كان يقصده أعداء المسيح، ولعلهم حسبوا أنهم يسعدون ~~الفقير بإرساله على سبيل المطالبة بالحرية. # ولكن إذا فهم هذا البائس أن الأغنياء يسلبونه حقه، وأن الكهنة ~~يتاجرون بجهله، إذا ما عرف أن للناس ms016 حقا واحدا في الحياة، وأن ~~الفقر هو الكفر بعينه، فإن إيمانه لينحصر حينئذ بقوة ساعده، فيهتف ~~قائلا: لأصلين الأغنياء حربا عوانا. إن اللذات للجميع على ~~السواء، إن الأرض لي أنا أيضا ما دامت السماء خاوية خالية. # أيها المفكرون الذين يقودون الفقير إلى هذا الموقف، أية كلمة ~~تدخرونها لشقائه إذا هو اقتحم المعترك فسقط مغلوبا على ~~أمره؟ # لقد يكون حبكم للإنسانية المعذبة قد أهاب بكم إلى المناداة بهذه ~~المبادئ، ولقد يجيء يوم يبارككم الناس فيه. أما اليوم فلا يسعنا أن ~~نرسل البركة إليكم. # لقد كان الغني يقول للفقير فيما مضى: لي الأرض، فيجيبه الفقير: ~~أما أنا فلي السماء. فبأية كلمة سيجيب الفقير الغني الآن؟ # إن علل هذا العصر كلها قد نشأت عن سببين، فإن الشعب الذي مر على ~~ثورتي سنة 1793 و1814 قد خرج منهما بجرحين. كل ما كان قد زال، وكل ~~ما سيكون ليس كائنا بعد. هذان هما السببان، فمن العبث أن نفتش عن ~~ثالث لهما. # ما حالنا إلا حال رجل تداعى مسكنه إلى الحضيض وقد بعثر أنقاضه ~~ليقوم ببناء جديد. شمر الرجل عن ساعد الجد، وبدأ العمل وهو منتظر ~~ورود الحجارة البيضاء الجديدة لرفع البناء، ولكن قيل له: إن ~~الحجارة البيضاء بعيدة المنال؛ فعليه أن يصلح الحجارة السوداء ~~القديمة. وسطا الذهول على هذا العامل الذي لا يريد أن يرفع بيته ~~بمواد أخلقها الدهر، وموهتها الأيام بالسواد، ولكن ما العمل ~~والمحجر عميق، ولا أدوات لديه لاستخراج الحجارة منه؟ # وقف المتفرجون حوله وقالوا له: استخرج الحجارة من حين إلى حين، ~~واشتغل على مهل. # وتكاثرت النصائح تبذل لهذا الرجل وهو واقف تحت سماء الله. لقد ~~تهدم بيته القديم ولا بيت جديد له، فهو عرضة للحر والقر، لا يعلم ~~أين يعمل، وأين يرتاح، وأين يأكل، وأين ينام، وأين يحيا، وأين ~~يموت، وهو متعب مضطرب، وأطفاله يبكون في أسرتهم في ~~العراء. # ومن أشبه بهذا الرجل منا؟ # أي بني القرون المقبلة، إنكم ستنحنون في زمانكم على المحاريث ~~تمزق أحشاء الأرض، فتبسم لكم بمروجها ونباتها أما ms017 بارة ~~بالعاملين تغني لهم وهي تجر برود الأنوار في الصباح. في تلك ~~الأزمنة سيكلل العرق جبينكم بالفرح والحبور، وإذ تسرحون أنظاركم ~~على الآفاق الواسعة، فإنكم لن تجدوا في حقول الإنسانية إلا السنابل ~~تتماوج متساوية وقد رصعتها الأزهار. # في ذلك الحين، عندما ترفعون رءوسكم لتؤدوا الشكر لله، أيها ~~الأحرار؛ لأنه أوجدكم في عصر الحصاد، افتكروا فينا نحن الراحلين، ~~وتذكروا أن ما تتمتعون به من هناء وسلام قد كلفنا كثيرا من ~~الشقاء. # ترحموا علينا أكثر مما تترحمون على سائر من تقدموكم في مراحل ~~الأجيال؛ لأننا تحملنا أوجاع أجدادكم دون أن نتمتع بما كان لهم من ~~عزاء ... # | الفصل الثالث # سأقص الحوادث التي أدت إلى ابتلائي بداء العصر: # بعد أن مرت المساخر في ليلة راقصة، جلست إلى مائدة مع أصحابي وقد ~~ارتدوا أفخر ملابسهم، والقاعة تغص بالشبيبة الغضة تشع مرحا ~~وجمالا، وعلى جانبينا موائد عديدة تحمل أفخر الطعام والشراب، ~~تغمرها الأنوار، وتكللها الأزهار، والموسيقى تملأ القاعة بصخب ~~الأنغام، وكانت على المقعد المقابل لمقعدي الخليلة الرائعة الجمال ~~التي أقمتها معبودا لقلبي. # وكنت وقتئذ في التاسعة عشر من ربيع الحياة، وما كنت عرفت شقاء ~~ولا ابتليت بداء، وكنت أنوفا لا أعرف المصانعة، وفؤادي طافح ~~بالآمال. # وفعلت الخمرة فعلها في عروقي، فبدا كل ما حولي كأنه موسوم بطابع ~~المرأة التي أحب؛ ففي مثل هذه النشوة تلوح الدنيا للعاشق جوهرة ~~تتألق بسيماء المحبوب من كل جهاتها، فيكاد الثمل يقبل كل من ~~يبتسم له، إذا يشعر بأنه أخ لكل مخلوق في الوجود. # وكانت خليلتي قد ضربت لي موعدا للاجتماع بها بعد انقضاء السمر، ~~فكنت أرفع الكأس إلى شفتي ولحاظي تغور في أحداقها. # وأدرت ظهري للمائدة لأتناول طبقا فسقطت الشوكة عنها، وحين ~~انحنيت لأرفعها عن الأرض مزيحا الغطاء المتدلي، رأيت قدم خليلتي ~~مشتبكة بقدم الشاب القاعد بقربها، وكانت الساق على الساق تشد ~~إحداهما الأخرى. # جلست بكل هدوء، وطلبت شوكة غير التي سقطت وعدت إلى تناول ~~طعامي، وكانت خليلتي والشاب محتفظين بالسكون التام، فلا ينظر ~~أحدهما إلى الآخر ولا يتحادثان، بل ms018 كان الشاب متكئا على المائدة ~~وقد أدار وجهه إلى جارة له كانت تريه عقدها وأساورها، وكانت ~~خليلتي جامدة وقد شخص بصرها وتراخت على مقعدها، وما انقطعت لحظة ~~عن مراقبتها إلى نهاية الطعام، فلم تبدر منها بادرة تنم عن ~~حالها. # وعندما قدم الخادم الحلوى زحلقت المنشفة وانحنيت لأخذها عن ~~الأرض، فرأيت الساقين وهما لم تزالا تتشادان مترابطتين، وكنت ~~وعدت خليلتي أن أرافقها بعد الطعام إلى منزلها، وما كان ما ~~يحول دون ذلك وهي أرملة وليس لها إلا صهر طاعن في السن يرافقها ~~أحيانا إلى المجتمعات، وبوصولنا إلى الدهليز أمام المخرج وقفت ~~وقالت: «هيا بنا يا أوكتاف.» فقهقهت ضاحكا وخرجت دون أن أفوه ~~بكلمة. # اندفعت إلى الشارع، وبعد أن مشيت خطوات جلست على قارعة الطريق ~~واجما كأنني أصبت بالعته من خيانة هذه المرأة التي لم تثر ~~غيرتي يوما، ولا نبهت شكوكي، وما كان الذي رأيت ليترك في أقل ~~ريب، فأصبحت لذلك كمن فوجئ بضربة فأس على أم رأسه. ومرت الساعات ~~وأنا جالس على الحجر تمر بذهني أمور لم أكن لأذكر منها شيئا فيما ~~بعد، غير أنني رأيت شهابا ينزلق في السماء، فرفعت قبعتي ~~مسلما عليه، والشعراء يرون في كل شهاب هاو عالما ~~يندثر. # ورجعت بكل سكون إلى منزلي وأنا لا أعي، وبدأت أخلع أثوابي، ثم ~~انطرحت على سريري، وما ألقيت رأسي على الوسادة حتى استولت علي ~~فكرة الانتقام، فانتفضت وجلست وقد توترت عضلاتي فأصبحت كقطعة من ~~خشب. قفزت إلى الأرض ومددت ذراعي وبدأت أصرخ، وما كانت أصابع رجلي ~~تلمس الأرض لشدة تشنج أعصابي، ومرت علي ساعة وأنا على هذه الحالة ~~من الهياج والجنون، وكانت هذه أول نوبة غضب شعرت بها في ~~حياتي. # وكان الرجل الذي باغته مع خليلتي من أعز الأصدقاء علي، فذهبت ~~إليه في اليوم التالي وقد استصحبت شابا يمتهن المحاماة اسمه ~~ديجنه، فأخذ خصمي لنفسه شاهدا آخر، وتوجهنا جميعا ومعنا الأسلحة ~~النارية إلى غابة فنسين، وكنت أثناء الطريق أتحاشى توجيه الخطاب ~~إلى خصمي أو الاقتراب منه، كيلا أندفع إلى شتمه ms019 أو ضربه؛ إذ لم يكن ~~من موجب لهذا الاعتداء ما دام القانون يجيز لنا الاشتباك بمعركة ~~منظمة، ولكنني ما كنت أمتلك نظراتي من التوجه إليه. وكان هذا الشاب ~~من أصدقاء الصبا، وقد تبادلنا الولاء طوال السنين، وما كان يجهل ~~علاقتي بخليلتي، وقد كان صرح لي مرارا بأنه شديد الاحترام لمثل ~~هذه العلاقات، وأنه لا يقدم على مزاحمة صديق له حتى ولو برح ~~العشق به، وكانت ثقتي شديدة بهذا الصديق، وقد لا أكون صافحت يدا ~~بمثل الولاء الذي كنت أضمره له، وحدقت مليا في الرجل الذي سمعته ~~يتكلم عن الصداقة كأنه أحد الأبطال الأقدمين، ثم رأيته بعد ذلك ~~يتمتع بخليلتي، فإذا هو في عيني أول مسخ أصادفه في حياتي، فكنت ~~أثبت النظر فيه لأرى كيف تكون المسوخ، وكان يخيل إلي أنني لم أر ~~قط هذا الرجل الذي عرفته وهو في العاشرة من عمره، فمرت بنا الأيام ~~من ذلك العهد توثق روابط الولاء بيننا، وإنني لأورد هنا تشبيها ~~ينطبق على حالتي: # إن في رواية إسبانية معروفة مشهد شخص من حجر يرسله العدل الإلهي ~~ليتناول طعام العشاء مع رجل عاهر، فيتجلد هذا الرجل كيلا يلمح ~~جليسه اضطرابه، ولكن الجليس يتقدم لمصافحته، وعندما يقبض على يده ~~يشعر الرجل بصقيع الموت، ويرتعش حتى يفقد شعوره. # ولقد كنت طوال حياتي كلما تكشف لي صديق أو خليلة عن غدر وخديعة ~~أشعر بما لا أجد له شبيها سوى مصافحة يد التمثال، فكأني كنت أقبض ~~حقيقة على يد من رخام تشعرني بصقيع الحقيقة المروعة. # تلك هي مصافحة اليد الباردة، ولكم طرقت بابي وا أسفاه! ولكم نزل ~~الرجل الحجري في ضيافتي فتناولنا العشاء معا! # وتمت المعدات فوقفت من خصمي موقفه مني، وتقدم كل منا ببطء نحو ~~الآخر، وأطلق هو النار أولا فأصابني في ساعدي الأيمن، فتناولت ~~السلاح بيدي اليسرى، ولكن خانتني القوى فجثيت راكعا على ركبة ~~واحدة، وعندئذ رأيت خصمي يتقدم إلي بسرعة وقد امتقع لونه، وبدت ~~عليه دلائل الاضطراب الشديد، وتراكض الشاهدان فأبعدهما هو وقبض على ~~يدي الجريحة، وقد ms020 صرف بأسنانه واختنق صوته، فرأيت الألم يرتسم على ~~وجه بأشد مما كنت أشعر به. # فصحت به: اذهب عني، اذهب إليها وامسح يدك بغطاء فراشها، وبقينا ~~كأن على صدر كل منا حجرا. # ونقلت إلى عربة حيث عاينني طبيب فوجد أن الجرح غير خطر؛ لأن ~~الرصاصة كانت استقرت بعيدا عن العظم، غير أنني كنت أتململ إلى ~~درجة جعلت كل محاولة لتضميد الجرح مستحيلة، وعندما تحركت العربة ~~للمسير رأيت يد خصمي قابضة على عارضة الباب وهي ترتجف، وكنت أشعر ~~أنه مخلص في ندمه، ولكنني لم أكن بحالة تمكنني من التغلب على ~~ثورة أعصابي لمنحه الغفران. # ولما وصلت إلى مسكني كان قد نزف من دمي ما يكفي لتهدئة فوران ~~الغضب، وكان أشد علي من آلام جرحي. استلقيت على فراشي مرتاحا، ~~وتناولت من الماء كأسا لم أشعر بلذة مثل لذته في أية كأس شربتها ~~في حياتي. # وبعد برهة شعرت بنار الحمى، فتساقطت دموعي وتسلط الأسى علي، ~~لا لتحول خليلتي عني، بل لإقدامها على خداعي، وهل يسهل علي أن ~~أدرك السبب الذي يحفز امرأة لا يقيدها واجب ولا غاية بادية إلى ~~مخادعة رجل وهي تحب سواه؟ # وكنت أعلن استغرابي هذا لديجنه عشر مرات في اليوم، فأقول له: لو ~~أنني كنت زوجا لهذه المرأة، أو لو كنت أبذل المال لها لكنت أفهم ~~سبب خيانتها. فما الذي كان يصدها - يا ترى - عن إعلان انتهاء حبها ~~لي؟ وما الذي دعاها إلى خيانتي؟ # وما كنت أتصور وقوع الكذب في الغرام. كنت لم أزل في شرخ الشباب ~~في ذلك الزمن، غير أنني أعترف بقصوري حتى الآن عن إدراك هذا السر، ~~ولقد كنت كلما أحببت امرأة أعلن لها حبي، وكلما شعرت بزوال الحب ~~أعلنه أيضا؛ إذ كنت أعتقد أن مثل هذه الأمور لا سيطرة لإرادتنا ~~عليها، وأن لا جريمة إلا في الكذب. # أما ديجنه فما كان يجيب على كل هذا إلا بقوله: إنها لشقية؛ فعدني ~~ألا تنظر إلى وجهها فيما بعد. # وكنت أقسم له باتباع نصيحته، وقد أشار علي - فضلا عن عدم ms021 ~~مقابلتها - ألا أكتب إليها حتى ولو بقصد توبيخها، وألا أجاوبها إذا ~~هي كتبت إلي، وما ترددت في وعده بما أراد وأنا مندهش بل متألم في ~~عزة نفسي لافتراضه إمكان مخالفتي لهذه الخطة الرشيدة. # ولكنني ما تمكنت من النهوض من فراشي ومبارحة غرفتي حتى هرعت إلى ~~منزل خليلتي، فرأيتها وحدها على مقعد في غرفتها، وقد ظهر التعب على ~~ملامحها، والإهمال في ترتيب أثوابها، فاندفعت أشبعها لوما ~~وتقريعا، وقد بلغ مني اليأس أقصاه، فكنت أصرخ بملء صوتي ودموعي ~~تتساقط بغزارة، وخنقني الزفير فانطرحت على السرير وأنا أقول: لقد ~~كنت تعلمين أن خيانتك تقضي علي أيتها الخائنة الشقية، فهل لذت ~~لك هذه الجناية؟ وما هو ذنبي إليك يا ترى؟ # أما هي فانطرحت علي تعانقني قائلة: لقد اندفعت بالرغم مني؛ لأن ~~ذلك الشاب كان قد أسكرني على المائدة، ولكنني لم أستسلم إليه، بل ~~كل ما وقع هو أنني تراخيت في ساعة ضلال، ولقد أكون أخطأت ولكني لم ~~أرتكب جرما. إنني أقدر الضرر الفادح الذي أنزلته بك، ولكنني ~~أطمع في عفوك، فإذا أنت منعته عني قتلتني. # وما ادخرت شيئا من دموع التوبة الصادقة ولا من فصاحة الألم ~~توصلا لتعزيتي، وارتمت على ركبتيها في وسط القاعة وقد امتقع ~~لونها، وتفتق ثوبها، وتهدل شعرها، فرأيت فيها من الجمال ما لم ~~أره من قبل، فارتعشت كرها واشمئزازا بينما كانت الشهوة تثور في ~~دمي. # خرجت من لدنها وقد تحطمت قواي وصممت على ألا أقابلها أبدا، ~~ولكنني رجعت إليها قبل مضي ربع ساعة وأنا مندفع بقوة خفي كنهها ~~علي، وقد تسلطت علي شهوة التمتع بهذه المرأة مرة أخيرة لأشرب ~~على جسدها الرائع كل ما ذرفت من مرير الدموع ثم أنتحر. # كنت أكرهها وأعبدها، كنت أشعر أن غرامها يوردني الهلاك، وأشعر ~~أيضا أنني لا أقوى على الحياة بدونها. صعدت إلى غرفتها بسرعة ~~السهم المنطلق دون أن التفت إلى الخدم في طريقي، ودفعت باب غرفتها ~~فجأة، فرأيتها جالسة إلى المرأة وقد تحلت بجميع جواهرها، وكانت ~~وصيفتها واقفة وراءها تمشط شعرها، فخيل إلي ms022 أنني أشهد حلما ، إذا ~~امتنع علي أن أتصور أن المرأة التي أراها أمامي هي المرأة نفسها ~~التي كانت منذ هنيهة ساقطة على الأرض تحت وقر آلامها. # تحجرت كالتمثال مكاني، وعندما سمعت انفتاح الباب التفتت وقالت ~~قبل أن تراني: أهذا أنت؟ # وكانت تنتظر خصمي ليذهب بها إلى مرقص، وإذ عرفتني قطبت حاجبيها ~~وتبرمت، وتراجعت قاصدا الانسحاب، ولكنني رأيت رقبتها الناعمة وقد ~~عقص عليها شعرها، وربط عليه مشط من الماس، والتفت فوقه خصلتان ~~ركزتا بسنبلتين من الفضة، ولاح كتفاها وعنقها بأنصع بياض، فكأن ~~شعرها المعقوص مرتفعا لبدة أسد تهزأ بالمشهد الذليل الذي وقفت ~~عنده منذ هنيهة. # وجمت لحظة ثم تقدمت فجأة إلى هذه المرأة وأنزلت بقبضتي ضربة ~~قاسية على رقبتها، فلم تصرخ، بل سقطت إلى الأمام مرتمية على يديها، ~~وعندئذ أسرعت بالانصراف. # وما إن وصلت إلى منزلي حتى عاودتني الحمى بشدة، فلزمت الفراش وقد ~~نكئ جرحي فآلمني كثيرا، وجاء ديجنه لعيادتي فأطلعته على ما جرى، ~~وبعد أن أصغى إلي بكل هدوء أخذ يتمشى في الغرفة كمن عزم على أمر ~~يتردد في تنفيذه، وأخيرا وقف أمامي وأطلق ضحكة عالية وقال: أهذه ~~المرأة أولى خليلاتك؟ # فقلت: لا، بل هي الأخيرة. # وعند منتصف الليل بينما كنت مستغرقا في نومي المضطرب خيل إلي ~~أنني أسمع تنهدا عميقا، وإذ فتحت عيني رأيت خليلتي واقفة قرب ~~سريري وقد شبكت يديها على صدرها كأنها شبح من العالم الثاني، فما ~~ملكت روعي فصرخت حاسبا أن ما أراه خيال جسمه دماغي المحموم، ~~فنهضت مذعورا وهربت إلى زاوية الغرفة، ولكنها تبعتني وقالت: أنا ~~هي، وضمتني إليها، فصحت بها: ماذا تطلبين؟ دعيني وشأني وإلا ~~قتلتك. # فقالت: لك أن تقتلني؛ فإنني خنتك وكذبت عليك، وما أنا إلا شقية ~~حقيرة، ولكنني لا أطيق الحياة بدونك. # ونظرت إليها فإذا هي مجسم الجمال، وقد ارتعشت أعضاؤها واشتعلت ~~عيناها بنيران الشهوة، وكان عنقها عاريا وشفتاها تحترقان، فطوقتها ~~بذراعي وقلت لها: ليكن ما تريدين، ولكنني أقسم بالله الذي يرانا، ~~وبروح أبي، أنني سأقتلك وأنتحر بعدك. # وأخذت خنجرا كان على ms023 رف الموقد ودسسته تحت الوسادة، فابتسمت ~~وقبلتني قائلة: ما لك ولهذه الحماقة يا أوكتاف؟ تعال إلي! إنك ~~ترهق نفسك وأنت محموم، أعطني هذا الخنجر. # ولما رأيت أنها تحاول أخذه قلت لها: أصغي إلي. إنني لا أعرف من ~~أنت، ولا أية مهزلة تمثلين. أما أنا فليس من المهازل ما أفعل. لقد ~~بلغ حبي إياك أقصى حد يصل إليه حب إنسان على الأرض، فكان ذلك ~~لشقائي وموتي، فاعلمي أنني لم أزل أتفانى في هواك. تقولين إنك ~~تحبينني أيضا، فأنا أطاوعك في رغبتك، وأقسم بأقدس ما في الكون ~~بأنني إذا ما اندمجت بك هذا المساء فلن يلمسك أحد سواي غدا. ~~سأتمتع بك أمام الله إذا ما رضيت، ولكني سأقتلك قبل انفلاق الصباح ~~... # وارتميت على الأرض مرتعشا، فرأيتها تلقي معطفها على كتفيها ~~بسرعة وتولي الأدبار. # وعندما أخبرت ديجنه بهذه الحادثة، قال لي: ولماذا رددتها؟ إنها ~~لجميلة حقا. فهل بلغ كرهك لها إلى هذا الحد؟ # فأجبته: أمازح أنت؟ وهل لهذه المرأة أن تكون خليلتي بعد الآن؟ ~~وهل تعتقد أن بإمكاني أن أشترك فيها مع سواي؟ أفلا تذكر أنها ~~أقرت بتمتع غيري بها؟ فهل بعد ذلك تريد أن أنسى، وأستبقي حبي ~~لها، وأتمتع بها أيضا؟ إذا كان هذا هو الحب عندك، فإنني أشفق ~~عليك. # فقال ديجنه إنه ما أحب إلا نساء المواخير، فهو لا يدقق في مثل ~~هذه الأمور، وأضاف إلى ذلك قوله: إنك لم تزل فتيا، يا أوكتاف، ~~وتريد الحصول على أشياء كثيرة تنطبق على ما تتوهم، ولكن هذه ~~الأشياء لا وجود لها؛ فإنك تعتقد بالحب، بل بنوع غريب من الحب، ~~ولعل لك ما يجعلك قادرا على الشعور به، غير أنني لا أتمناه لك. ~~إنك ستتمتع بخليلات غير هذه الخليلة يا صديقي، فتأسف لما فعلت ~~الليلة الماضية؛ إذ لا ريب في أن هذه المرأة كانت تحبك عندما جاءت ~~إليك، وقد لا تحبك في هذه الساعة، ولعلها الآن بين ذراعي رجل آخر، ~~غير أنها في تلك الليلة وفي هذه الغرفة كانت مولهة بك، فماذا كان ~~يهمك ms024 من الدنيا؟ لقد أفقدت نفسك ليلة من ليالي العمر، ولسوف يشجيك ~~ذكرها؛ لأنها مضت ولن تعود. # إن المرأة تغتفر كل إساءة، ولكنها لا تنسى ذنب من تهرع إليه ~~فيردها، ولو أن الغرام لم يذهب بها كل مذهب، لما جاءت إليك مقتحمة ~~صدودك وهي تعلم أنها مجرمة وقد اعترفت بجرمها. # لا ريب في أنك ستأسف على هذه الليلة؛ لأنك لن تقع بعد على ~~مثلها. # وكان ديجنه يقول هذا بكل ما فيه من قوة العقيدة وبرود الاختبار، ~~فكنت وأنا أستمع إليه أحس بارتعاش في جميع أعضائي، وبحافز يهيب بي ~~إلى الذهاب لمقابلة عشيقتي أو الكتابة لاستقدامها إلي، ولكنني لم ~~أكن قادرا على النهوض من فراشي، فوفرت على نفسي التعرض لمشاهدتها ~~تنتظر خصمي، أو لأرى بابها موصدا عليه وعليها، ولكنني كنت قادرا ~~على توجيه رسالة إليها، فكنت أفكر بالرغم مني فيما سأخاطبها ~~به. # وما بارحني ديجنه حتى شعرت باضطراب شديد دفعني إلى التفكير في ~~وضع حد لهذه الحالة مهما كلفني الأمر، وبعد نزاع عنيف تغلب ~~الاشمئزاز فيه على الحب، كتبت إلى عشيقتي بأنني لن أراها بعد، ~~وطلبت منها ألا تحضر إلي إذا كانت تتحاشى أن أوصد بابي في ~~وجهها. # قرعت الجرس وسلمت الكتاب إلى خادمي لإيصاله بلا إبطاء إلى ~~البريد، ولكنه ما كاد يغلق الباب حتى ناديته فلم يسمع صوتي، وما ~~تجاسرت أن أدعوه ثانية، فسترت وجهي بيدي واستسلمت لليأس ~~العميق. # | الفصل الرابع # وعند بزوغ الشمس في اليوم التالي، كان أول ما خطر لي مناجاة نفسي ~~بما يمكن لي أن أفعله بعد الآن. # لم يكن لي مهنة، وما كنت أتعاطى عملا؛ لأنني كنت درست الطب ~~والحقوق، وبقيت مترددا بين احتراف إحدى هاتين المهنتين، ثم اشتغلت ~~ستة أشهر في إحدى الحرف غير أنني لم أوفق إلى العمل بدقة، ~~فتداركت أمري بالاستعفاء قبل أن أطرد، وكنت درست كثيرا، غير أن ~~علومي كانت سطحية، وكنت أنسى العلم بالسهولة التي أتلقنه ~~بها. # وكان استقلالي أعز شيء علي بعد الحب، وقد تعشقت حريتي منذ ~~نعومة أظفاري. # وكان والدي ms025 يخاطبني يوما بشأن مستقبلي عارضا علي مسالك عديدة ~~للعمل، فاتكأت على عارضة النافذة وحدقت في شجرة من الحور ممشوقة ~~تتمايل في الحديقة مع الهواء، وأخذت أفكر في اختيار مسلك لي، وإذ ~~لم يقف ذوقي عند واحد منها، أطلقت لمخيلتي العنان، فشعرت فجأة كأن ~~الأرض تميد بي، وكأنني لمست القوة الخفية الصماء التي تدفع بهذه ~~الكرة في الأجواء، فخيل إلي أنها ترتفع نحو السماء وأنا عليها ~~كواقف على مركب يمخر العباب، وتراءت لي شجرة الحور كسارية لهذا ~~المركب، فتراجعت عن مستندي ومددت ذراعي هاتفا: أية أهمية لمسافر ~~لا يمضي إلا حينا من الزمن على هذا المركب؟ فما هو الإنسان؟ ما هي ~~هذه النقطة السوداء على ظهر هذه العائمة التائهة في الأثير، أفليس ~~حسبي في الحياة أن أكون إنسانا؟ لا، إنني لا أريد أن أصبح رجلا ~~له صفته الخاصة وطابعه الخاص. # ذلك ما تمنيته أمام الطبيعة، فكان رجائي الأول وأنا ابن أربعة ~~عشر ربيعا، منذ ذلك الزمن لم أقم بأي عمل إلا طاعة لأمر أبي، ~~ولكنني ما تمكنت يوما من التغلب على طبيعتي المتمردة. # لم تكن حريتي إذن بنت كسلي، بل كانت بنت عزمي وإرادتي، وكنت أحب ~~جميع ما خلق الله، ولا أحب ما صنع الناس إلا يسيرا، وما كنت عرفت ~~من الحياة سوى الحب، ومن العالم غير معشوقتي، فاكتفيت بما ~~عرفت. # خرجت من المدرسة، فعشقت واعتقدت بملء الإخلاص أن هذا الحب سيسود ~~حياتي بأسرها، وهذا الاعتقاد أزال كل ما سواه من تفكيري. # وكنت أعيش منعزلا، فأقضي أيامي لدى عشيقتي، وكان ألذ شيء عندي ~~أن أذهب بها إلى الحقول أيام الصيف فأتوسد المروج الناضرة إلى ~~جنبها؛ إذ كنت أجد في مشاهد الطبيعة الرائعة أشد مجدد للقوى، وفي ~~أيام الشتاء كنت أذهب بها من مرقص إلى آخر، وهكذا كانت تمر أيام ~~حياتي متتابعة دون أن أقوم بأي عمل. # كانت جميع أفكاري متجهة إلى العشيقة التي خدعتني؛ لذلك رأيتني ~~عندما انهتك خداعها كأنني أحيا ولا فكر لي. # لا أجد ما أصور به حالتي النفسية ms026 سوى تشبيهها بحالة مساكن هذه ~~الأيام؛ حيث تجد الرياش مؤلفا من طراز جميع البلدان وجميع ~~الأزمان، فنحن في عصر لا طراز له؛ لأننا لم نضع طابع زماننا، لا ~~على مساكننا، ولا على حدائقنا، ولا على أي شيء لنا؛ فإنك لتصادف في ~~الشوارع رجالا أطلقوا لحاهم على طراز عصر هنري الثالث، كما ترى ~~رجالا حلقوا الذقون، وآخرين أرخوا شعورهم على زي أيام رفائيل، ~~وسواهم أرخوها على طراز زمن المسيح. # وهكذا يخيل إليك أن مساكن الأغنياء معارض فنون؛ إذ تجد فيها ~~الطراز القديم، وطراز عصر النهضة، وعصر لويس الثالث عشر، فلدينا من ~~كل عصر أشياء، ولا شيء لدينا من عصرنا، وما شوهدت مثل هذه الحال في ~~أي زمن من قبل، فنحن نذهب مذهب المتخيرين فنأخذ من كل ما نجد: هذا ~~لجماله، وهذا لموافقته للراحة، وآخر لقدمه، وآخر لما فيه من ~~القبح ... وهكذا نعيش على أنقاض كأن العالم قد اقترب من ~~الزوال. # على مثل هذا كان تفكيري. كنت طالعت كثيرا، وتعلمت الرسم، وحفظت ~~أشياء تراكمت في دماغي بلا ترتيب، فكان رأسي كالإسفنجة متضخما على ~~فراغه. # وعشقت جميع الشعراء واحدا بعد واحد، غير أن إغراقي في تأثري كان ~~يحول كل إعجابي إلى آخر شاعر عرفته، ويدفعني إلى كره سائر الشعراء، ~~وثابرت على هذا المنهج حتى أنشأت من نفسي مستودعا للعاديات، وكنت ~~اغترفت من كل حديث مجهول حتى بشمت؛ فإذا أنا طلل بال عليه شيء لم ~~يزل في مهيع الصبا، هو أمل هذا القلب في طفولته. ذلك هو أملي الذي ~~سلم من كل وصمة، ومن كل فساد، وسكب الحب فيه كل قوى الحياة، فإذا ~~الخيانة تصيبه بالجرح القاتل، ومكر العشيقة يرميه بأحد سهم وهو ~~يطير في أرفع أجوائه. # وكنت أشعر أن في نفسي شيئا يتشنج في استرخائه كأنه طير جريح ~~يحتضر. إن المجتمع الذي ينزل الدواهي بأفراده لشبيه بالأفعى ~~الهندية التي تستقر في الأعشاب الشافية للسعاتها، فإنك كثيرا ما ~~تجد قرب الأدواء نفسها أنجع علاج لها، فالرجل الذي يتبع نظاما ~~ينطبق على حالة المجتمع في ms027 حياته، فيعين وقتا لأعماله، ووقتا ~~لزياراته، وميعادا لممارسة الحب ... لا يتعرض لأي خطر إذا هو فقد من ~~يهوى؛ لأنه اتخذ لأعماله وتفكيره نظاما وترتيبا كصفوف الجنود ~~المهيأة للكفاح، فإذا سقط جندي منها انكمش الصف، وقام آخر مكانه، ~~فلا يشعر أحد بفراغ ذلك المكان. # أما أنا، فما كان لي ما ألجأ إليه منذ أصبحت وحدي، فكنت أقف أمام ~~الطبيعة وهي أمي التي أحب فأراها تتسع حولي وتزداد فراغا، ولو ~~أمكنني أن أنسى عشيقتي كل النسيان لكنت نجوت. # كثير من الناس يجدون الشفاء على أهون سبيل؛ لأنهم يصمدون للخيانة ~~متغلبين على الحب الجريح، ولكن أنى لابن التاسعة عشرة أن يقتبس ~~هذه الطريقة في حبه وهو يجهل كل شيء، ويشتهي كل شيء، وهو الشاعر ~~بنمو جراثيم الشهوات كلها في نفسه. هل لمثل هذا الفتى أن تساوره ~~الشكوك، وهو كيفما التفت يمينا أو شمالا أو علق نظره على الآفاق ~~يسمع هاتفا يدعوه إلى الشهوة والأحلام؟ وما من حقيقة يمكنها أن ~~تتسلط على القلب في فتوته. كل شيء ينبت الأزهار للشباب حتى العقد ~~المتصلبة في أغصان السنديانة الهرمة، ولو كان للفتى ألف ذراع لمد ~~بها إلى الفضاء، حتى إذا التفت على عشيقة أصبح هذا الفضاء في ~~نظره مليئا عامرا. # وما كنت أحسب أن في العالم من عمل سوى الحب، وعندما كان أحد ~~الناس يخاطبني عن غير الحب كنت أدير ظهري والتزم السكوت. # وكان ولهي بمحبوبتي ولها وحشيا ألقى على حياتي طابع الرهبنة ~~والنسيان. # ولأوردن حادثة واحدة تثبت ما صورت من حالتي: # كانت محبوبتي أعطتني ذخيرة ضمنها رسمها المصغر، وكنت أحمل هذه ~~الذخيرة على مخفق قلبي أسوة بكثير من الرجال، ولكنني وجدت يوما ~~عند أحد الباعة سلسلة حديدية علقت في طرفها دائرة على ظهرها نتوءات ~~شائكة، فابتعتها وربطت الذخيرة عليها، وحملتها مديرا النتوءات ~~لجهة صدري، فكانت تغرز في جلدي فأشعر من ألمها بلذة غريبة، وكثيرا ~~ما كنت أضغط عليها بكفي مستزيدا لذتي وآلامي ... # وما كنت لأجهل ما في عملي من جنون، ولكن هل من جنون لا ms028 يقدم الحب ~~عليه ؟ وعندما عرفت بخيانة حبيبتي، خلعت هذه الذخيرة عني. ويعلم ~~الله ما كان عذابي عندما تحررت من قساوتها، فكنت أزفر قائلا: إن ~~أثرك سيمحى، أيها الجرح الدامي الحبيب، فأي بلسم سأسكب ~~عليك؟ # وما كان تزايد كرهي لهذه المرأة ليزيل تذكارها من كياني، فكأنه ~~بقي يتمشى مع دمي في عروقي. # كنت ألعنها ثم أحلم بها، ومن له أن يقاوم الأحلام، وأن يحكم عقله ~~في تذكارات قوامها لحم ودم؟ # عندما قتل مكبيت دوكانان هتف قائلا: إن مياه المحيط لن تغسل ~~يدي، وأنا أيضا كنت أرى أن مياه البحار كلها لن تغسل ~~جراحي. # وصارحت ديجنه بحالتي فقلت له: دعني وشأني، إنني عندما أستسلم ~~للكرى أرى رأسها ملقى على وسادتي. # ما كنت أحيا إلا من أجل هذه المرأة، فما كنت أرتاب بها حتى ولو ~~ارتبت بنفسي، فإذا ما لعنتها فكأنني أجحد كل شيء، وإذا ما فقدتها ~~فكأنني أرى الوجود بأسره مندثرا خاليا. # وقبعت في منزلي منقطعا عن الناس؛ إذ كنت أحسب العالم يغص ~~بالمسوخ والحيوانات المفترسة، وكنت أقول لكل من يحاول تسليتي: إن ~~ما تقوله حق، ولكن كن واثقا من أنني لن أتبع نصحك. # وكنت أستند إلى النافذة وأقول لنفسي: سوف تأتي، لا ريب في أنها ~~قادمة إلي، لقد دارت بمنعطف الشارع. إني أحس باقترابها مني. إنها ~~لا تستطيع أن تحيا بدوني كما لا أستطيع أنا أن أحيا بدونها. ماذا ~~عساني قائلا لها؟ وبأي وجه أستقبلها؟ # وبينما أكون مستغرقا في هذه النجوى كان خداعها يفاجئ تذكاري؛ ~~فأهتف قائلا: لا، لا أريد أن تجيء، لا أريد أن تقترب مني، فإنني ~~أقتلها. # وما كنت سمعت عنها شيئا بعد أن أرسلت لها كتابي الأخير، فكنت ~~أتساءل: ما تفعل الآن؟ أتراها مشغولة بعشق سواي؟ فما علي إذن ~~إلا أن أعشق سواها. # ولكنني كنت أسمع صوتا يهتف بي من الأبعاد قائلا: ألك أن تحب ~~سواي أنت؟ لعلك جننت! أذلك ممكن لشخصين سادهما الحب فتعانقا ~~واتحدا؟ أنت لم تعد أنت بعد، وأنا لم أعد أنا! # وكان ديجنه يقول ms029 لي: متى تسلو هذه المرأة أيها الجبان؟ أفترى في ~~فقدك إياها خسارة لا تعوض؟ وهل كان عشقها لك اللذة الوحيدة في ~~الدنيا؟ اتخذ لك عشيقة أخرى ولينته الأمر. # فكنت أقول له: لا، ليس فقدي لها بالخسارة العظمى، أما فعلت ما ~~وجب علي فعله؟ أما طردتها من هنا؟ فهل لك ما تقوله بعد؟ أما ~~الباقي فلا شأن لأحد فيه سواي. أليس للثيران إذا جرحت في الصراع أن ~~تذهب بالنصل المغمد في كتفها إلى زاوية لتموت؟ # قل لي بربك: إلى أين أذهب؟ ومن هن هؤلاء النسوة اللواتي تسوقهن ~~الصدف إليك؟ أنت تشير إلى السماء الصافية، والأشجار الباسقة، ~~والمساكن العالية، وإلى رجال يعربدون ويسكرون ويغنون، وإلى نساء ~~راقصات وخيول تتراكض في السباق، وما كل ما تشير إليه هو الحياة، بل ~~هو صخب الحياة، اذهب عني ودعني وشأني. # | الفصل الخامس # وعندما رأى ديجنه أن لا دواء ليأسي، وأنني أرد كل نصح، وأقبع في ~~داري أدرك خطورة الموقف، فجاءني في إحدى الليالي ودلائل الاهتمام ~~بادية على وجهه، فذكر عشيقتي بلهجة المزدري، وأسرف في التقريع ~~بوجهه إلى كل امرأة مجاريا حوافز عقيدته، وكنت منطرحا على فراشي ~~فجلست وأسندت رأسي إلى كفي، وأصغيت بكل انتباه لأقواله. # وكانت ليلة، بدأت تهب فيها الرياح فتسمعك أنين المدنفين، وكان ~~المطر يضرب برشاشه زجاج النوافذ، ثم ينقطع فجأة، فتحسب الطبيعة قد ~~فقدت الحياة في فترات السكون. # في مثل هذه الساعات يحكم الألم جميع الكائنات، فتهتز الأشجار ~~كأنها تتلوى في أوجاعها، وتحني رءوسها حزينة عاجزة، وتهرع أطيار ~~الحقول إلى صغيرات الأشجار متزاحمة على الملجأ الأمين، فتقفر ~~الشوارع من كل عابر. # وكنت لا أزال أتألم من جرحي. # لقد كان لي بالأمس حبيبة، وكان لي صديق، فخانتني الحبيبة، وصرعني ~~الصديق فألقاني على فراش الأوجاع، فأصبحت وفي رأسي من الاضطراب ما ~~لا أهتدي معه إلى حقيقة حالي، فكنت أحسب أن ما مر بي لم يكن سوى ~~حلم مروع، وأنني سأجد سعادتي المفقودة إذا ما فتحت عيني لأنوار ~~الصباح، ثم أعود فأرى حياتي بأسرها حلما طائشا ms030 ساخرا يتكشف لي ~~بغتة عما استتر فيه من خداع وأكاذيب. # وكان ديجنه جالسا على مقربة مني وقد أنارت أشعة المصباح وجهه، ~~فلاحت أمارات الجد عليه بالرغم من استمراره على الابتسام ~~كعادته. # وما كان ديجنه بالرغم من صلابته وجموده إلا الرجل المخلص العطوف، ~~غير أن الاختبار كان قد نال منه ونثرت الحادثات طرته، وما جهل هذا ~~الصديق الحياة، فإنه خبرها وأسالت كثيرا من دموعه، غير أنه ~~ادرع الصبر، فاستحجرت آلامه، وبات يتوقع الموت. # وقال ديجنه: إنني وقد نفذت ما انطوت عليه سريرتك، أراك تعتقد ~~بالحب كما تصوره القصصيون والشعراء، فأنت إذن تصدق ما يقال لا ما ~~يقع في هذه الحياة. لقد ضللت السبيل السوي في تفكيرك، فإن أمعنت في ~~السير وقفت بوجهك المصائب والويلات. # وهل يصور الشعراء الحب إلا كما يجسم النحاتون الجمال، وكما يبدع ~~الموسيقيون الأنغام؟ # إن أرباب الفنون وقد دقت أعصابهم، ووهبوا الحس المرهف يختارون ~~أنقى عناصر الحياة، وأبدع رسوم المادة، وأروع ما في الطبيعة من ~~نبرات. # قيل: إنه كان في أثينا عدد كبير من الغانيات الفاتنات، فعمد ~~«براكستيل» إلى تصويرهن الواحدة بعد الأخرى، ثم استعرض مجموعته ~~مستبعدا عيوبها، ومستنبطا منها مثالا كاملا جامعا للمحاسن على ~~أنواعها، فكان رسم الزهرة آلهة الجمال. # وعلى هذه الوتيرة جرى أول إنسان أوجد آلة للموسيقى مقررا ~~قواعدها وأحوالها، فإنه ما وضع الأنغام إلا بعد أن تنصت طويلا إلى ~~تغريد البلابل وحفيف الغصون. # وهكذا أوجد الشعراء أيضا الأسماء السرية التي مرت على شفاه ~~البشر من جيل إلى جيل، كدفنيس وكلويه وهيرو ولياندر وبيرام ~~وتيسبه. # تلك أسماء لم يبدعها الشعراء إلا بعد أن ابتلوا الحياة، وعرفوا ~~من المحبة سريعها وبطيئها في الزوال، وبعد أن شهدوا إلى أية درجة ~~من الهوس يبلغ الهيام أحيانا منقيا الطبيعة البشرية من ~~أدرانها. # فإذا أنت فتشت في الواقع عن مثل هذا الحب المطلق الثابت؛ فكأنك ~~تفتش في ميادين الجماهير عن نساء يضارعن الزهرة في روعة جمالها، أو ~~كأنك تكلف بلبلا إنشاد أجمل مقطوعات بيتهوفن إيقاعا. # ليس الكمال من هذا الوجود، ms031 وكفى الذكاء البشري أنه فاز بتصوره، ~~فإذا ما طمع في الحصول عليه رمت به شهوته إلى الخبل ~~والجنون. # افتح نافذة غرفتك، يا أوكتاف، وتطلع! أفما تشرف منها على مدى لا ~~نهاية له، فتشعر أن لا حد لهذه الآفاق؟ ولكن هل لك بالرغم من تصديق ~~عقلك لشعورك أن تتصور ماهية اللانهائية؟ أيمكنك أن تدرك ما لا ~~يحد وأنت ولدت في الأمس وغدا ستموت؟ # لقد جن الكثيرون في أنحاء العالم أمام هذا المدى الفسيح، وما ~~نشأت الأديان إلا من الاستغراق في أسراره. ما قطع كاتون عنقه، وما ~~استسلم المسيحيون للأسود، والبروتستانت للكاثوليك، إلا لإدراك ~~المطلق المتعالي عن كل حصر وتحديد. # إن جميع شعوب الأرض يبسطون الأكف نحو هذا المدى الفسيح قاصدين ~~الارتماء إليه، وفاقد الرشد يطمح إلى امتلاك السماء، أما العاقل ~~فيكتفي بالإعجاب والخشوع، ويرتمي جاثيا على ركبتيه كابحا جماح ~~شوقه. # إذا كان فسيح المدى يعجز إدراكنا، فكيف نتوسل به إلى نيل الكمال، ~~وقد حتم علينا ألا نتجه إليه في أي شيء، وألا نتطلبه من أي شيء، لا ~~في المحبة، ولا في الجمال، ولا في السعادة، ولا في الفضيلة، ولكننا ~~مع ذلك ملزمون أن نتوق إليه لنبلغ في المحبة والجمال والسعادة ما ~~يمكن لنا أن نناله. # افترض، يا أوكتاف، أن في غرفتك لوحة من ريشة رفائيل، لوحة تحسبها ~~سالمة من كل عيب، فاقتربت منها يوما مدققا فيها، فوجدت في رسم ~~أحد أشخاصها خطأ فاضحا كعضو مكسور، أو عضلة نافرة من مركزها ~~الطبيعي - كما يقال عن إحدى العضلات في ساعد مصارع فيها - فإنك ~~لتشعر بالكدر ولا ريب، ولكنك لا ترمي بلوحتك إلى لهيب الموقد من ~~أجل هذا العيب، بل تكتفي بأن تقول: إنها غير كاملة، وإن في أقسامها ~~الأخرى ما يثير الإعجاب. # إن في العالم نساء تردهن طبيعتهن وما في عواطفهن من الإخلاص عن ~~اتخاذ عشيقين في زمن واحد. ولقد خيل إليك أن عشيقتك من هذه الفئة، ~~ولقد كان خيرا لك لو أنها منها، ولكنك تحققت خيانتها، فهل في ذلك ~~ما يدعوك إلى ms032 احتقارها، والإساءة إليها ، وإلى الاعتقاد بأنها تستحق ~~حقدك ونقمتك؟ # افترض، يا أوكتاف، أن عشيقتك لم تخدعك، وأنها لا تزال تحبك دون ~~سواك، أفلا ترى حتى في هذه الحالة أن حبها بعيد جد البعد عن ~~الكمال، وهو حب بشري حقير يتحكم فيه خبث هذا العالم وأضاليله؟ ~~أفتنكر أن هذه المرأة قد استسلمت قبل ما نلتها أنت إلى رجل ورجال، ~~وأن غيرك سينالها بعدك أيضا؟ # ارجع إلى رشدك! إن ما يدفعك إلى اليأس الآن إنما هو اعتقادك ~~بكمال كنت حليت به من تحب، فإذا هي ساقطة لا حلية لها. # ولكنك إذا ما رأيت اعتقادك على حقيقته، واتضح لك أنه توهم ~~واغترار بشري، تدرك أن لا فرق بين السقوط دركة، وبين التدهور ~~دركتين على شفير العيوب البشرية. # إنك لن تستطيع أن تنكر أن حبيبتك قد نالها غيرك قبلك، وسينالها ~~غيرك بعدك أيضا، ولكنك ستقول لي: إنك لا تهتم لهذا ما دام حبها لا ~~يشرك بك أحدا. أما أنا فأقول لك: إذا كان سواك قد تمتع بها، فما ~~يهمك أن يكون وقع ذلك في الأمس أو منذ سنتين؛ وبما أن سواك سيتمتع ~~بها بعدك، فما يهمك وقوع ذلك في هذا المساء أو بعد سنتين. إذا كانت ~~هذه المرأة لن تحبك إلا إلى حين، فما يهمك إن قصر حبها على ليلة أو ~~طال إلى سنين. # ألست رجلا يا أوكتاف؟! أفما ترى الأوراق تتساقط عن أغصانها، ~~والشمس تشرق فتغرب؟ أفما تسمع نبضات ساعة الزمان في كل خفقة من ~~خفقات فؤادك؟ فأي فرق لدينا إذن بين غرام سنة وغرام ساعة من ~~الزمان؟ أفليس مجنونا من يتطلع من نافذة تقدرها الكف ليرى المدى ~~الذي لا نهاية له. # أنت تلقب المرأة التي تحبك عامين دون أن تخونك بالمرأة الشريفة، ~~ولعل لديك مقياسا خاصا تعرف منه ما تقتضيه قبلات الرجال من ~~الزمن لتجف على شفاه النساء. # إنك لتجد فرقا كبيرا بين المرأة التي تستسلم للحصول على المال، ~~وبين من تستسلم طلبا للذة، وتجد مثل هذا الفرق أيضا بين من تبذل ms033 ~~نفسها إجابة لداعي الكبرياء، ومن تبذلها في سبيل إخلاصها. إن بين ~~من تشتري من النساء من تقدر لها ثمنا يزيد على ثمن سواها، ~~وبين اللواتي تطلب فيهن تمتع حواسك من تنال ثقتك دون سواها، وبين ~~من يدفعك الغرور إلى نيلهن من تباهي بالظفر بها بأكثر مما تباهي ~~بامتلاك أخرى سواها، وبين من تخلص لهن أنت من تهبها ثلث قلبك، في ~~حين أنك لا تهب الأخرى سوى ربعه، وتهب غيرهما نصف هذا القلب، وذلك ~~تبعا لما تقدره لإحداهن من التهذيب والعادات، وما تراه لها من ~~كرامة الأصل، وروعة الجمال، واعتدال المزاج، وتبعا للظروف الطارئة ~~أيضا لما يقوله الناس، وبحسب تأثير الساعة وما تناولت من مشروب مع ~~عشائك. # إن النساء يستسلمن إليك، أيها الصديق، لا لسبب إلا لأنك في شرخ ~~الشباب المتقد، ولأن استدارة وجهك لا عيب فيها، ولأن شعرك مسرح ~~باعتناء، ولكنك لاتصافك بهذه الصفات لا تعرف من هي ~~المرأة. # إن أول ما ترمي الطبيعة إليه إنما هو استبقاء النوع؛ لأن الحياة ~~أينما تجلت من قمم الراسيات إلى قعر البحار تفزع من الموت، وتنفر ~~من الفناء، وما فرض الله هذا الناموس إلا استبقاء لخليقته، فوضع ~~اللذة العظمى في الاتصال الجنسي بين الأحياء. # إن النخيل يرتعش غراما عندما يرسل إلى أنثاه ذرات الحياة ~~تحملها سافيات الرياح، وإذا قاومت الوعل أنثاه فإنه لا يني ينطحها ~~حتى يبقرها، والحمامة تنتفض تحت جناحي زوجها كأرق العشيقات ~~إحساسا. # وهكذا الرجل، عندما يضم رفيقته بين ذراعيه أمام عظمة هذا الوجود ~~يشعر بالشرارة الإلهية التي خلق منها تهب مشتعلة في صميم ~~فؤاده. # أيها الصديق، إذا ما ضممت إلى صدرك امرأة ملؤها الصحة والجمال، ~~وشعرت بسكرة الغرام تفجر الدمع من مآقيك، وبالخلود في صميم فؤادك ~~يدفع إلى شفتيك بالقسم تزفره زفرا بثبات حبك إلى الأبد، فلا تكبح ~~جماح نفسك، حتى ولو كانت المرأة التي تضم بين ذراعيك من بنات ~~المواخير، ولكن حذار ألا تميز بين الخمرة التي تكرعها، والثمل الذي ~~يسود مشاعرك منها، ولا تحسبن الكأس هي الكوثر الذي ms034 تشربه. وهكذا لن ~~تتفجع إذا ما رأيت هذه الكأس محطمة أمامك في إحدى الليالي، فما ~~المرأة إلا وعاء من صنعة الخزاف سريع سقوطه، وسريع انحطامه. # وجه شكرك لله؛ لأنه سمح لك بأن تلمح السماء، فلا يخدعنك في ~~جوانحك خفقان تحسبه خفوق جناح؛ فإن الأطيار نفسها لا يمكنها أن ~~تخترق السحاب، وفي الأعالي طبقات لا هواء فيها. أفما رأيت القنبرة ~~ترتفع محلقة إلى مسارح الضباب وهي تغرد لترتمي بعد تحليقها ميتة ~~إلى أخاديد الحقول؟ # اكرع من الحب ما يكرعه الشارب المعتدل، وإياك أن تصبح ~~سكيرا. # إذا كانت عشيقتك أمينة مخلصة، فأحببها من أجل أمانتها وإخلاصها، ~~وإذا لم تكن فيها هذه الصفات وكانت فتية وجميلة، فأحببها من أجل ~~فتوتها وجمالها، وإذا لم يكن لها مزية سوى الملاحة وخفة الروح، ~~فأحببها من أجل ذلك أيضا، وإذا لم يكن لها شيء من جميع هذه ~~الصفات، ولها تعلقها بك؛ فلا تمنع حبك عنها، فما يجد الرجل في كل ~~مساء امرأة تتعشقه. # وإذا ما عرفت أن لك مزاحما في حب من تهوى؛ فلا تشد ناصيتك، ولا ~~تعلن أنك ستنتحر. إن غرورك يخدعك فيخيل إليك أن حبيبتك تخونك ~~بالتصاقها بسواك، غير أنك إذا عكست نظريتك المكذوبة فقلت في نفسك: ~~إن حبيبتك تخون مزاحمك بالتصاقها بك؛ فإنك لترى النصر في جنبك لا ~~في جنبه. # إياك أن ترسم لنفسك خطة تلتزم سلوكها، فلا تقل إنك تريد حبا ~~مطلقا لا شرك فيه؛ لأنك إذا قلت بهذا المبدأ ستضطر - وأنت إنسان ~~متقلب بالطبع - أن تستدرك خطأك فتضيف إلى قولك كلمة: «على قدر ~~المستطاع.» # كن راضيا بالزمان كما يجيء، وبالهواء كما يهب، وبالمرأة على ما ~~هي عليه. # إن المرأة الإسبانية، وهي من الطراز الأول في النسوية، تحب بلا ~~شك، فقلبها مخلص مضطرم، ولكنها تخفي خنجرا تحت أثوابها فوق هذا ~~القلب، والإيطالية تتقد شهوة، ولكنها تفتش عن عريض المنكبين، وتقدر ~~قدر عشيقها كما يأخذ الخياط قياس زبائنه، والإنكليزية متحمسة ~~تستسلم للكآبة، ولكنها باردة متعجرفة، والألمانية رقيقة الشعور، ~~ولكنها باهتة جامدة. أما الفرنساوية فإنها ms035 ظريفة رشيقة، ولكنها ~~أكذب من الشيطان. # لا تلق على المرأة تبعة ما هي عليه؛ لأننا نحن أوجدناها في ~~حالتها بتشويهنا في كل سانحة ما أوجدته الطبيعة فيها، وما الطبيعة ~~بغافلة في عملها، فإنها تعد العذراء للعشق، حتى إذا خرج الولد من ~~أحشائها تساقط شعرها، وهبط نهدها، واحتفظ جسمها بآثار جراحه، ~~فالمرأة لم تخلق إلا لتكون أما. ولقد يبتعد الرجل عنها بعد أن ~~تكون أدت مهمتها، فيستفزه الجمال المفقود، ولكن طفله يتعلق ~~بأذياله، ويشده إلى مسكنه باكيا. هذي هي الأسرة، وذلك هو الناموس ~~الطبيعي، وما يهتدي إلى السبيل السوي من تحول عنه. # إن فضيلة أهل القرى قائمة على أن المرأة في مجتمعهم إنما هي آلة ~~للتوليد وللإرضاع، كما أنهم هم أنفسهم آلات حرث وزرع. فليس هنالك ~~شعور مستعارة ولا أصباغ ولا أدهان، غير أن العشق عندهم سليم من ~~الجرب، فلا يخيل لهم أنهم في اقترانهم يكتشفون عالما جديدا، وإذا ~~كانت نساؤهم محرومات من الحس المرهف في الشهوة؛ فإنهن سليمات من ~~العلل، وإذا ما خشنت ملامس أيديهن؛ فإن خشونتها لم تتطرق إلى ~~قلوبهن. # لقد ذهبت الحضارة مذاهب لا تأتلف والنظم الطبيعية، فإن العذراء ~~الكاعب سجينة وراء الأقفال، وهي المخلوقة للشمس والهواء الطلق، ومن ~~حقها أن تشهد مصارعة الشباب كما كانت تشهدها بنات لاسيديمونيا ~~لترجح حرة وتحب مختارة، ولكن سجنها لا يحول دون تطرق العشق إليها، ~~فإنها تجد الفساد في وقوفها أمام مرآتها، فيدب إليها النحول من ~~جمودها، ويذوي في سكون الليالي جمالها المختنق متشوقا إلى الهواء، ~~إلى أن يأتي يوم تسحب فيه من سجنها فجأة وهي لا تعرف شيئا، ولا ~~تحب شيئا، وتشتهي كل شيء، وتتولى إحدى العجائز تعليمها بإلقاء ~~كلمة سفيهة في أذنها، ثم تؤخذ بعد هذا الدرس لتلقى على فراش رجل ~~مخبول يغتصبها اغتصابا. # ذلك هو الزواج، أو بالأحرى ذلك هو منشأ الأسرة المتمدينة ~~... # وتمر الشهور فإذا بالفتاة تقذف إلى الوجود بطفلها، وإذ بشعرها ~~يتساقط وبصدرها يتدلى فوق جسم شوهته التجاعيد. # لقد فقدت هذه المسكينة جمال العاشقات قبل أن تعشق، ms036 فهي لا تعرف ~~لماذا حبلت، ولماذا أصبحت أما ... # يقدم الطفل لهذه المرأة ويقال لها: أنت الآن أم، فتجيب قائلة: ~~لست أما. اذهبوا بهذا الطفل إلى مرضع فما في ثديي لبن له. # وهل يدر اللبن صدر مثل هذا الصدر المغتصب؟ # ويؤيد الزوج هذا الرأي معلنا أن تعلق الطفل بأمه ينفره ~~منها. # تجلس هذه المرأة على سرير مخاضها الدامي، فيوشى بالأطالس، ~~وتبذل العناية لشفائها من داء أمومتها، وما يمر الشهر حتى تراها ~~تجوب المسارح، وتنتقل من مرقص إلى مرقص، ويرسل الطفل إلى مرضع في ~~إحدى القرى. أما الزوج فيدلج إلى المواخير تحت جنح الظلام. # ويدور بالمرأة عشرات الشباب يتدفق بيانهم بكلمات الحب والإخلاص ~~والوله والعناق الدائم، فتسمع من أفواههم كل ما كان يدور في خلدها، ~~فلا تلبث أن تختار أحدهم لتضمه إلى صدرها، ويندفع هذا المختار إلى ~~تدنيسها، ثم يتحول عنها ليداعب الحظ في مؤسسات القراطيس ~~المالية. # قضي الأمر، فليس لهذه المرأة أن تعود أدراجها، تستخرط في البكاء ~~ليلة، ثم ترى أحداقها حمراء مما ذرفت من دموع، فتتخذ عشيقا آخر ~~تسلو به همها، فيسلمها الثاني إلى ثالث إلى أن تبلغ الثلاثين أو ~~تتجاوزها، فيدب الفساد قاضيا فيها حتى على الاشمئزاز، وتصادف في ~~ليلة من ليالي جموحها يافعا يتدفق الجمال من محياه، وتتدلى طرته ~~السوداء على إشراق جبينه، ترسل عيناه شرارات الحياة، وتخفق في ~~فؤاده الأماني العذاب، فترى فيه جمال شبابها، وتتذكر ما تحملت من ~~شقاء، فتسارع إلى تلقين هذا الفتى ما تلقنته هي من الحياة، فتقضي ~~عليه بألا يحب طوال عمره. # هذه هي المرأة كما أردناها، وما عشيقاتنا إلا من هذا الطراز، ~~ولكننا نمضي معهن أطيب الأوقات. فإذا كنت ذا حزم ولك ثقة برجولتك، ~~فاتبع ما أشير به عليك، استسلم بلا وجل لتيار الحياة، تمتع ببنات ~~الحانات والمواخير، وبسيدات البيوت والقصور. كن ثابتا ومتقلبا، ~~كن حزينا ومرحا في وقت واحد، ولا تبال أخدعتك المرأة أم حفظت ~~عهدك، ما دمت واثقا من أنها أولتك حبها. # إذا كنت رجلا عاديا لا مزية لك، فكن ms037 محترسا في اختيارك ، وعلى ~~كل لا تضع نصب عينيك أية صفة من الصفات التي تتمنى وجودها في ~~عشيقاتك. # أما إذا كنت ضعيفا، وفي فطرتك صفات المسود لا مزايا السيد، وإذا ~~كنت تشعر أن في جذورك اندفاعا إلى التغلغل حيث تعثر بحفنة من ~~تراب، فالأجدر بك أن تتخذ عدتك للمقاومة؛ لأنك إذا ما استسلمت ~~لضعفك، فلا تتوقع نمو فروعك حيث علقت أصولك؛ لأنك ستجف كالنبتة ~~العليلة لا تورق أغصانها، ولا تنور أزهارها، فينسرب نسغ حياتك إلى ~~الجذوع الغريبة، وتبقى أوراقك كأوراق الصفصاف باهتة متراخية صفراء، ~~وعندئذ لن تجد ما يرويك غير دموعك، وما يغذيك سوى قطع قلبك. # أما إذا كنت متحمسا تؤمن بالأحلام، وتطمح إلى تحقيقها؛ فإنني ~~أقول لك بكل صراحة: إن الحب وهم لا حقيقة له. # وما أنا بمنكر عليك صحة مذهبك في الحب؛ لأنه عبارة عن أن يهب ~~الإنسان جسده وروحه معا، بل هو اندغام شخصين في ذات واحدة تتمشى ~~تحت الشمس، وتجول في الحقول المزهرة، تلتف بأربعة معاصم، وتفكر ~~برأسين، وتشعر بقلبين. # ما الحب إلا إيمان وعقيدة بوجود السعادة على هذه الأرض. # ما الحب إلا المثلث المتألق بالنور على قبة هيكل الوجود، فإذا ~~أنت أحببت مشيت حرا تحت قبة هذا المعبد، وإلى جنبك المرأة التي ~~لا يفوتها إدراك سر خشوعك عند وقوفك لفكرة تخطر لك، أو عند زهرة ~~تلمحها، فتتوجه بنظرة استغراق إلى هذا المثلث السماوي. # إن خير ما في الوجود هو أن يتمتع الإنسان ببذل ما أعطي له من ~~قوة؛ لذلك كانت العبقرية أروع ما يستهوي النفوس، ولكن إذا ما ضاعف ~~الإنسان هذه القوة بضمه فكرا إلى فكره، وعاطفة إلى عاطفته؛ فإنه ~~يبلغ السعادة العظمى، وفيها يتناهى ما وهب الله للناس في هذه ~~الحياة؛ لذلك كانت المحبة أفضل من العبقرية. # تلك هي المحبة، فقل لي الآن إذا كانت العاطفة العليا هي ما نسميه ~~محبة في قلوب نسائنا. # وكيف يكون حبهن حبا؟ وما المحبة في نظرهن إلا الخروج مقنعات ~~من بيوتهن، وتوجيه الرسائل السرية، والسير بذعر على رءوس ms038 الأقدام، ~~وإنشاء الدسائس ، وبذل التهكم، ورشق اللحاظ الفواتر، وإرسال تنهدات ~~العذارى، وارتداء الأثواب النفيسة، وخلع هذه الأثواب أخيرا وراء ~~الأقفال لإذلال مزاحم، وخيانة زوج، والنكاية بعشيق. # أجل، ما المحبة في نظر نسائنا إلا التلهي بالأكاذيب كما يتلهى ~~الأطفال بلعبة الكمين. تلك هي فحشاء القلب، وهي أقبح من الدعارة ~~الرومانية، وذلك هو المسخ المولود سفاحا من الفضيلة والرذيلة، تلك ~~هي مهزلة الحياة التي تمثل بالهمس والغمز؛ حيث يتجلى كل شيء صغيرا ~~لا شكل له في رشاقته، فكأنه تمثال صيني لخلقة من عجائب المخلوقات، ~~تلك هي الجنة تتحكم في الجمال والقبح، وفي كل ما هو سماوي وجهنمي ~~في الأرض، تلك هي الأظلال التي لا حقيقة لها، بل هي رمة العظام ~~المتداعي من كل هيكل أقامه الله في الحياة. # هذا ما قاله ديجنه بعباراته اللاذعة متوهجة تحت جنح ~~الظلام. # | الفصل السادس # وفي اليوم التالي ذهبت قبل العشاء إلى غابة بولونيا، وكانت ~~السماء متلبدة بالغيوم، ولما وصلت إلى باب مالو ألقيت عنان فرسي ~~على عنقه، وذهبت تائها بين الأشجار مستغرقا أستعيد أقوال ديجنه ~~في ذهني، وما توغلت في أحد المنعطفات حتى لاحت لي عربة تستقلها ~~إحدى صديقات خليلتي، فمدت إلي يدها لتصافحني، ثم دعتني إلى تناول ~~العشاء معها إذا لم يكن من مانع لدي. # وكانت هذه المرأة - وتدعى مدام ليفاسور - قصيرة بدينة شقراء، ~~وكنت أنفر منها دونما سبب، ولكنني لم أملك نفسي من قبول دعوتها؛ ~~لأنني كنت أتوقع حديثا معها عن عشيقتي، وأمرت رفيق السائق بقيادة ~~فرسي فذهب به، وجلست أنا قربها وعدنا إلى باريس. # وبدأ المطر يتساقط، فأنزلنا الغطاء وأصبحنا في عزلة، وقد ساد ~~علينا السكوت، وكنت أنظر إليها فأشعر بحزن عميق؛ لأنها لم تكن ~~صديقة عشيقتي فحسب، بل كانت أيضا مستودع أسرارها، وكثيرا ما كانت ~~تمضي ساعات السمر فأستثقلها، وأتمنى أن تخلي لنا المكان، ولعل ~~نفوري منها تولد من صبري على فضولها. وما كان تساهلها معي ومع ~~عشيقتي، بل وما كان وقوفها مرارا موقف المدافع عني تجاهها ليمحو ~~سيئة هذا الفضول، فكنت ms039 أراها قبيحة ثقيلة ، ولكنني أنعمت النظر ~~فيها هذه المرة فلاحت لي وعليها مسحة من الجمال، فكنت أحدق في ~~يديها وأثوابها فأشعر بأنها تحرك ساكنا من فؤادي، وكانت هي ~~تحدق في فلا يخفى عليها أمري وما يفعل التذكار بعواطفي، ~~وقطعنا مسافة الطريق وأنا أنظر إليها وهي تبتسم لي، ولما بلغنا ~~المدينة قالت: وأخيرا، فقلت: أخبريها إذا شئت، وانهمر الدمع من ~~عيني. # وبعد أن تناولنا العشاء جلسنا أمام الموقد، فقالت: أقضي ~~الأمر وانقطع كل رجاء؟ فقلت: وا أسفاه! إن الأمر المقضي إنما هو ~~فجيعتي، وستودي هذه الفجيعة بي، ولا أطيل بوصف حالي. لقد امتنع ~~علي أن أحبها وأن أحب سواها، وأن أعيش بلا حب. # واستلقت على مقعدها متراخية وقد لاحت على وجهها علائم الإشفاق، ~~واستغرقت لحظة كأنها تناجي نفسها وتتنصت من قلبها إلى أصداء بعيدة، ~~ثم مدت إلي يدها، فاقتربت منها، فقالت: وأنا أيضا قد أصابني ما ~~أصابك. وتهدج صوتها فقطعت حديثها. # إن للمحبة أخوات عديدات أجملهن الشفقة. # صافحت هذه المرأة وتدانينا حتى كاد أحدنا يلتصق بالآخر، فبدأت ~~تتكلم مثنية على عشيقتي تنتحل لها الأعذار، وتوجه إلي كلمات ~~الإشفاق، وازداد حزني فلم أجد ما أجيبها به، وذهب بها الحديث إلى ~~التكلم عن نفسها، فأسرت إلي أن رجلا أحبها ثم تركها منذ أمد ~~غير بعيد، بعد أن ضحت في سبيله صيتها والكثير من ثروتها، وأن زوجها ~~- وهو رجل حقود - كان يتهددها، وكانت تذرف الدموع وهي تسرد حكايتها ~~حتى نسيت همي بهمها، ثم استطردت فقالت: إنها تزوجت مرغمة، فقام ~~النضال طويلا بين عقلها وعواطفها، وهي الآن لا تأسف على شيء أسفها ~~لبقائها محرومة من الحب، ولاح لي أنها كانت تلوم نفسها لأنها لم ~~تعمل على الاحتفاظ بقلب عشيقها؛ إذ عاملته بشيء من ~~الاستخفاف. # وعادت فاستسلمت للصمت بعد أن فرجت عن قلبها، فقلت لها: ما هي ~~بالصدف العمياء تلك القوة التي قادتني إلى غابة بولونيا هذا ~~الصباح. إن الآلام البشرية أخوات تائهات، ولعل هنالك ملاكا كريما ~~يضم هذه الراحات المرتجفة المبسوطة نحو الله تتوسل إلى ms040 رحمته. لا ~~تندمي على ما بحت لي من سرك، فما للإنسان أن يندم على دمعة ~~ذرفها أمام أي مخلوق كان، وما سرك الذي أودعتنيه إلا دمعة سقطت ~~من عينيك فاستقرت في فؤادي، فاسمحي لي أن أرجع إليك أحيانا ~~لنتشاكى ونتألم معا. # وشعرت بعطف شديد يجذبني إلى هذه المرأة وأنا أتكلم، حتى رأيتني ~~مكبا على وجهها أقبلها، وما خطر لي أنها ستستاء مني. أما هي ~~فبقيت بلا حراك كأنها لم تنتبه إلى ما أفعل. # وكان يسود سكوت عميق حول البيت التي تقطنه هذه السيدة؛ إذ كان ~~يسكن أحد أقسامه مريض، ففرش التبن على الطريق المجاورة منعا ~~لقرقعة العربات، وكنت أنا مطوقا هذه المرأة بذراعي وقد أذهلتني ~~عاطفة اقتسام الأشجان، وطالت محادثتنا، فكنا نتشاكى فأشعر أن بين ~~آلامي وآلامها شيئا من اللذة، وأسمع صوتا مواسيا كأنه نشيد ~~سماوي يتعالى من أنين متوجعين، وكان دمعانا يتمازجان وأنا مكب ~~عليها، فما كنت أرى غير وجهها، ولكني عندما تراجعت عنها رأيت أنها ~~كانت في هذه الأثناء رفعت إحدى رجليها وأسندتها على رف الموقد، ~~فانسحب رداؤها حتى بدت ساقها عارية. # ولما رأت اضطرابي لهذا المشهد لم تغير وضعها، فأدرت ظهري ~~ليتسنى لها ستر ما انكشف منها، فتجاهلت الأمر، فوقفت إلى الموقد ~~أتفرس فيها واجما، وإذ اتضح لي أنها مدركة ما تفعل، أدركت بدوري ~~أن هذه المرأة قد شاءت أن تلعب دورها لإغوائي، فما كانت دموعها وما ~~نقلته عن آلامها إلا اختلاقات تستكمل بها فنها. # أخذت قبعتي وتوجهت إلى الباب، فأرخت رداءها على مهل، فلم ~~أنبس بكلمة، بل أومأت مسلما وخرجت. # | الفصل السابع # وعندما رجعت إلى مسكني وجدت وسط غرفتي صندوقا كبيرا، وكانت ~~إحدى عماتي انتقلت إلى ربها، ولم تكن حصتي من ميراثها ذات شأن، ~~فوجدت في الصندوق أدوات وأشياء مختلفة بينها عدد من الكتب القديمة ~~علاها الغبار، وكنت إذ ذاك أتململ ضجرا، فرأيت أن أتصفح بعض هذه ~~الكتب، وأكثرها روايات نشرت في عهد لويس الخامس عشر. ولعل عمتي - ~~وهي من الصالحات العابدات - كانت ورثتها من أقارب ms041 لها، فاحتفظت بها ~~دون أن تطالعها؛ لأن هذه الكتب كانت عبارة من مجموعة دروس في ~~الغواية والفحشاء. # أعهد بنفسي ميلا لا قبل لي برده إلى تحليل جميع ما يقع لي ~~من حوادث، سواء أكانت هامة أم تافهة، فأطمح دائما إلى إيجاد ~~ارتباط بينها، فأجيء بتسلسل لها وأنظمها في سلك واحد كعقد لا بد من ~~ضم شتاته، ولعلني ذهبت مع الوهم إذ اعتقدت بوجود علاقة بين حالتي ~~ووصول هذه الكتب، فاندفعت إلى مطالعتها مبتسما وفؤادي ينفطر ~~حزنا. وكنت أناجي هذه الصفحات قائلا: إنك دون سواك تعلنين حقيقة ~~الحياة، وتجسرين على القول بأن لا حقيقة إلا بالتمتع بالملذات ~~والمراوغة والفساد. كوني لي نعم الصديق، وانفثي على جراح نفسي ~~سمومك الكاوية، فأتعلم منك أن أومن بما تعلنين. # وهكذا بدأت باقتحام المسالك المظلمة مهملا مطالعة دواوين أحب ~~الشعراء إلي، فعلا الغبار كل كتاب كنت أجالسه من قبل كأستاذ ~~أتلقن الحقيقة عنه، وكثيرا ما أخذتني سورة الغضب فدست على هذه ~~الكتب بقدمي كأنني أنتقم من مؤلفيها فأقول لهم: أيها التائهون في ~~الأحلام، إنكم لا تعلمون الناس غير الألم. إذا كنتم عرفتم ~~الحقيقة فما أنتم إلا منمقو عبارات مخادعون، وإذا كنتم جهلتموها ~~فما أنتم إلا بلهاء ... وفي الحالين أنتم كاذبون لأنكم أوجدتم من ~~قلب الإنسان أساطير ضلال وأوهام. مهلا! إنني سأدفع بكل ما كتبتم ~~إلى ألسنة اللهيب. # وما كنت أجد من منجد في ثورتي غير دموعي، فأتيقن وأنا أسكبها أن ~~الحقيقة التي لا حقيقة سواها إنما هي الأوجاع والآلام؛ فأهتف ~~قائلا: أجيبيني أيتها العبقريات المنقسمة على الخير والشر لأعرف ~~إلى أية ناحية أتجه. أقيمي بينك حكما يفصل في خلافك فأهتدي من ~~حكمه إلى المنهج السوي. # وتناولت توراة قديمة كانت على الخوان ففتحتها قائلا: أجبني أنت ~~أيها الكتاب المقدس وامددني بأحكامك، فوقع نظري على الإصحاح التاسع ~~من سفر الجامعة، فإذا فيه: # لأن هذا كله جعلته في قلبي، وامتحنت هذا كله. إن ~~الصديقين والحكماء وأعمالهم في يد الله. الإنسان لا يعلم ~~حبا ولا بغضا. الكل أمامهم، الكل على ms042 ما للكل، حادثة ~~واحدة للصديق والشرير، للصالح وللطاهر والنجس، للذابح ~~وللذي لا يذبح، كالصالح الخاطئ، الحالف كالذي يخلف الحلف. ~~هذا أشر كل ما عمل تحت الشمس. إن حادثة واحدة للجميع، ~~وأيضا قلب بني البشر ملآن من الشر، والحماقة في قلبهم وهم ~~أحياء، وبعد ذلك يذهبون إلى الأموات. # ما يقول الفلكيون عندما يتنبئون عن مرور مذنب في ساعة معينة، ~~وهو الكوكب التائه في الأفلاك؟ ما يقول علماء الطبيعة عندما يرون ~~حيوانات سابحة في قطرة ماء؟ أيعتقدون بأنهم هم مخترعو ما يتجلى ~~لهم، وأن مرصدهم ومجهودهم يضعان للكون نواميسه؟ # ما قال في نفسه - يا ترى - من وضع أول شرعة للناس عندما فتش عن ~~حجر يضعه أساسا لبناء المجتمع، فهتف به هاتف من أعماق أحشائه يقول ~~له: إن الحق للقوة؟ أمن أوجد العدل هو هذا المشرع يا ترى؟ وهل ~~اخترع العار أول رجل اقتطف الثمر من أرض جاره وأخفاه تحت ردائه ~~ملتفتا يمينا وشمالا وقد دب الرعب في قلبه؟ وما قولك في صاحب ~~الحقل الذي سرقت أثماره فحرم نتاج جهوده؟ يلتقي السارق فلا يرفع ~~عليه يدا، بل يشمله بعفوه ويقول له: إليك بما تريد من أثمار حقلي، ~~فيرد الشر بالخير، ثم يرفع رأسه إلى السماء شاعرا بارتجاف في ~~قلبه، وبدموع في عينيه، وبخشوع يطوي ركبتيه. أترى هذا الرجل أول من ~~اخترع فضيلة المعروف؟ # يا الله! لقد سمعت أذناي امرأة تكلمني بالحب ثم تخونني، وسمعت ~~أيضا رجلا يكلمني عن الصداقة وهو يشير إلي بالانغماس في حمأة ~~الدنس، ورأت عيناي امرأة تستخرط في البكاء ثم تطمع في مؤاساتي ~~بعضلات ساقها، وهذه التوراة التي تحمل اسم الله ترد على سؤالي ~~قائلة: «من يدري؟ وأية أهمية لكل هذه الأمور؟» # وسارعت إلى غرفتي المفتوحة أنظر إلى الفضاء الفسيح الباهت في ~~وجومه صارخا: أصحيح أن العدم وراءك؟ أجب أيها الفضاء، أفليس فيك ~~شيء سوى الأوهام تدفع بها إلى صدري وقد مددت إليك ذراعي؟ # وكان الصمت العميق يسود جميع ما تطل نافذتي عليه. # ومر طير بجناحيه السوداوين ذاهبا في الهواء ms043 بصراخ يشبه الأنين ، ~~فاتبعته بعيني وهو يمرق كالسهم إلى الأفق البعيد، ثم مرت فتاة ~~صغيرة في الشارع وهي تغني. # | الفصل الثامن # ومع هذا فقد أبت نفسي أن تستسلم لحياة اللهو والاستهتار؛ إذ ~~كنت أتمثلها حالكة مفجعة، فقررت أن أحاول اجتنابها، وهكذا اقتحمت ~~كثيرا من الآلام، وساورتني مرهقات الأحلام. ولو لم يكن غير حرارة ~~الشباب ما يحول دون شفائي لكفتني أوجاعا وجهادا، فقد كنت أنى ~~توجهت بلا عمل يشغل نفسي لا أفكر إلا في النساء، وإذا نظرت إلى ~~إحداهن شعرت بهزة أنتفض لها انتفاضا، ولكم أفقت من نومي وجسدي ~~يتصبب عرقا، فأترامى على جدران غرفتي بشهيق مختنق يطلب ~~الهواء! # لقد كان من خير ما أسعدت به، وقلما يسعد الشبان بمثله، أنني ~~أسلمت عفتي للحب، غير أن هذا الحظ قضى علي بأن أشرك طوال حياتي ~~كل شهواتي بعاطفة الغرام، وذلك ما كان يدفع بي إلى الهلاك، فكنت ~~وقد تسلط علي التفكير المستمر بالمرأة لا أملك خيالي من الجموح ~~ليلا ونهارا في مآزق الحب الضلول، وفي مهاوي خيانة ~~النساء. # امتنع علي أن أتصور إمكان الوصال بلا حب، فكنت لا أرعوي عن ~~التفكير في المرأة قاطعا الرجاء من وجود الحب الصحيح، وذهبت ~~الآلام في نفسي مذهبا أورثني شيئا من الخبل، فكنت أشتهي تارة أن ~~أعذب جسدي أسوة بالرهبان لأميت شهواتي، وتارة أريد أن أندفع إلى ~~الشارع أو الحقول أو أي مكان آخر لأنطرح على قدمي أول امرأة ~~أصادفها مقسما لها أنني أحبها حبا أبديا. # والله يعلم كم حاولت أن أسلو لأنال الشفاء، فكان أول ما لجأت ~~إليه انعزالي عن العالم جريا مع نفوري من مجتمع رأيت جميع الناس ~~فيه يشبهون عشيقي رزيلة وختلا، فرجعت إلى ما كنت أهملت من دروسي، ~~فتوغلت في مجاهل التاريخ، واستغرقت مع الشعراء الأقدمين، كما عدت ~~أيضا إلى درس التشريح. # وكان يقطن الدور الرابع من مسكني شيخ ألماني واسع الاطلاع، ~~فألجأته بالرغم من محبته للوحدة إلى تدريسي اللغة الألمانية، فبدأ ~~عمله بكل جد وإخلاص، ولكنه ما لبث أن اصطدم بفكري ms044 المشتت، فكان - ~~وأنا أجلس إليه تحت نور مصباحه الضئيل - يضع كفيه على كتابه ويشخص ~~بي متجلدا مندهشا، وأنا سابح في أحلامي لا أشعر لا بصبره ولا ~~بإشفاقه على حالي، وأخيرا قلت له: أنت أطيب الناس قلبا، ولكنني ~~أرى العبث فيما تحاول؛ دعني لما قدر لي، فما أستطيع أنا ولا ~~تستطيع أنت تبديل هذا المقدور. # وما أدري أأدرك الرجل ما أعني أم فاته ما ألمح عنه، غير أنه ~~صافحني بحرارة، ولم يعد يذكر لي اللغة الألمانية ودرسها. # وبدأت أشعر أن العزلة لن تسوقني إلى الشفاء، بل إلى الهلاك، ~~فتحولت عنها إلى طريق أخرى، وهجرت المدينة إلى الحقول شاغلا نفسي ~~بالصيد، متوغلا في الغابات أقطعها خببا على ظهر جوادي، ومارست ~~المبارزة بالسيف مجهدا نفسي حتى العياء، فما كنت أعود المساء إلى ~~مسكني إلا لأنطرح على فراشي وروائح البارود والإصطبل تنبعث من ~~أثوابي، فأستر وجهي بلحافي هاتفا: إليك عني، أيها الشبح ... أفما ~~أستريح منك ليلة على الأقل؟ # وما كانت جميع هذه المحاولات لتجديني نفعا؛ لأن العزلة أسلمتني ~~إلى الطبيعة، فقذفتني الطبيعة إلى الحب. # وعندما كنت أرتاد قاعات التشريح، كنت أرى نفسي محاطا بالجثث، ~~فأمسح يدي بمئزري الدامي فيعلو وجهي الاصفرار، وأشعر بأنني أختنق ~~من الروائح الكريهة المنبعثة من الأشلاء الفاسدة، فكنت أعرض عن ~~النظر إليها لأتمثل أمامي الحقول الخضراء تموج سنابلها، والمروج ~~يفوح عبيرها في سكون الغسق، فأقول في نفسي: لن أجد في العلم سلوتي، ~~فإنني باستغراقي في هذه الطبيعة التي لا حياة فيها سأموت كمن أنقذ ~~من لجة البحر فلف بجلد حيوان سلخ حديثا لاستعادة الحرارة ~~المفقودة. لقد قضي علي بألا أشفى، فحسبي أن أموت هنالك في الحقول ~~تحت أشعة الكوكب المنير. # وكنت أنطلق على صهوة جوادي قاصدا متنزهات سفر وشافيل، فأترجل ~~هنالك لأنطرح على مرج نضير، أو لأتوه في واد مقفر، فما كنت أسمع من ~~الأدواح والمروج إلا صوتا واحدا يقول لي: ماذا أتيت تطلب هنا؟ ~~أنا نرتدي الحلل الخضراء، وما الخضرة إلا رمز الآمال. # فكنت عندئذ أفزع إلى المدينة لأتوه ms045 في أزقتها المظلمة ، فأتطلع ~~إلى بصيص الأنوار من نوافذ المساكن المقفلة على أسرار الأسر ~~وخفاياها، ثم أسرح الطرف على العربات تلوح وتختفي، وعلى المارة ~~تزدحم وتتبدد، فأراني بين كل هذا وحيدا شريدا أشهد الدخان يتصاعد ~~حزينا من السطوح، وأشعر بالآلام تجول في هذه الأزقة الملتوية حيث ~~يتراكض الناس وقد كللهم عرق الجهود، ويتلامس الألوف دون أن يعرف ~~أحدهم الآخر. فما السبيل العام إلا مزلج تتعارف فيه الأجسام، ~~وتتناكر عليه الأرواح، هنالك لا تمد للغريب يد إلا يد بنات ~~المواخير. # إن ما تهتف به المدن إنما هو قولها: هيا إلى الفساد ... هيا إلى ~~الفواحش، فما يسكن الآلام سواها. # ذلك ما تقوله المدن، وما يقرؤه المارة مكتوبا بالفحم على ~~جدرانها، وبالأوحال على أرصفتها، وبالدم المتجمد في عروق الأوجه ~~الشاحبة. # وكنت أجلس أحيانا على مقعد منفرد في قاعات المراقص، فأنظر إلى ~~النساء يتمايلن بأثوابهن الحمراء والزرقاء والبيضاء، وقد عرين ~~المعاصم وضفرن الشعور كأنهن الحور يسكرهن النور في أجواء التناسق ~~والجمال، فكنت أقول في نفسي: ما أروع هذه الزهرات تقطف وتستنشق! ~~وما ستكون كلمة هذه الأقحوانات الأخيرة إذا ما نثرت وريقاتها واحدة ~~واحدة لتستنطقها سرها. إنها لتقول لك: قليلا ثم قليلا، ثم لا ~~أحبك حتى ولو قليلا. # تلك هي حقيقة العالم، تلك هي نهاية ابتساماتك، أيتها ~~الأزهار. # على هذا الشفير المروع تتمايلن بأوشحتكن المزيفة بالأزهار، أيتها ~~الراقصات، وعلى هذه الحقيقة الشنعاء تتمايلن كألمها على رءوس ~~أرجلكن الصغيرات. # وكان ديجنه لا يفتأ يقول لي: والله ما رأيت سواك من ينظر بجد إلى ~~كل هذه الأمور. إنك ترفع عقيرتك شاكيا لفراغ الحق من شرابه، وإذا ~~فرغ الحق ففي الأقبية من الشراب دنان، وإذا فرغت الدنان فالروابي ~~مكسوة بالكروم تعتصر لتملأها. اتخذ لك من الكلام المعسول صنارة، ~~وتقدم إلى نهر السلوان متصيدا فيه امرأة جميلة تلهو بها، حتى إذا ~~أفلتت من يدك لا يفوتك اصطياد سواها. تمتع بالحب الذي تتوق إليه ~~بكل جوارحك، ولا تضيع أيام شبابك، ولو كنت أنا مكانك لكنت ~~اختطفت ملكة بدلا من التلهي ms046 بدرس التشريح. هذه هي النصائح التي ~~كنت أسمعها في كل حين، وعندما كان يحين زمن الرقاد كنت أتلفع ~~بردائي وقلبي يتفجر ألما، فأهرع إلى سريري لأجثو أمامه باكيا ~~مصليا ضاربا على هذا القلب كما كان غاليله يضرب الأرض قائلا: ~~ومع هذا فإنها تتحرك ... # | الفصل التاسع # وكنت وصلت إلى أشد المهاوي ظلاما عندما دفعني اليأس وثورة ~~الشباب إلى فعلة قررت اتجاه حياتي. # كنت كتبت إلى عشيقتي أنني لا أريد أن أراها بعد، فقمت بما عاهدت ~~النفس عليه، غير أنني ما امتنعت من تمضية الليالي تحت نافذتها ~~جالسا على مقعد أمام بابها؛ لأراها تلوح لي كالخيال من حين إلى ~~حين بين منفرجات ستائرها. # وبينما كنت في إحدى الليالي جالسا على عادتي وقد تملك الألم كل ~~مشاعري، رأيت عاملا يسير على الطريق في ساعة متأخرة وهو يترنح ~~سكرا، ويتمتم بكلمات لا تفهم تتخللها هتافات نشوة وحبور، ووقف هذا ~~العامل بغتة وأطلق صوته مترنما، ثم عاود السير ورجلاه تقودانه ~~تارة إلى يمين الطريق، وتارة إلى شمالها، حتى بلغ مقعدا مواجها ~~لمقعدي أمام بيت آخر فانطرح عليه، وبعد أن تقلب برهة على ساعديه ~~استغرق في الكرى. # وكان الشارع مقفرا، والهواء الجاف يهب على الأرض فيثير غبارها، ~~وكان القمر في كبد السماء الصافية، يرسل أشعته الفضية على الرجل ~~النائم، ولم يكن هنالك أحد سوانا، أنا والنائم الثمل، الذي لم يكن ~~يشعر بوجودي وهو يتوسد الحجر القاسي كأنه على فراش وثير، وشعرت بأن ~~حال هذا الرجل زادت في آلامي، فتمكنت من مبارحة مكاني الذي ما كنت ~~لأبرحه، وما كنت لأستفيد من وجودي به لأطرق الباب، حتى ولو أغريت ~~على ذلك بمملكة وتاج، وذهبت إلى قرب هذا الرجل النائم أتفرس فيه ~~وأقول في نفسي: ما أعمق نومه! لا ريب أن رقاد هذا الرجل لا يقلقه ~~شيء من الأحلام، ولعل زوجته تفتح في هذه الساعة لجار لها باب ~~المسكن الوضيع. # إن أثواب هذا الإنسان عبارة عن أطمار بالية، وقد نحل خداه، ~~وتجعدت يداه، فمن يكون هذا المخلوق إن لم ms047 يكن واحدا ممن لا يجدون ~~كل يوم كسرة خبز يقتاتون بها، فهو إن نهض غدا من نومه ستعاوده ~~جميع همومه، وتجتاحه جميع مصائبه، ولكنه هذا المساء كان يملك ~~دريهمات مكنته من الدخول إلى حانة، فابتاع النسيان لأوجاعه. لقد ~~ربح هذا الرجل في مدى أسبوع ما أناله ليلة رقاد هنيء، ولعله حرم ~~بذلك أطفاله عشاء ليلتهم، ولكنه الآن بمأمن من آلامه، فلرفيقته أن ~~تخدعه، ولصديقه أن يلج مسكنه الحقير كاللص، بل لي أنا إذا شئت أن ~~أضرب على كتفه لأقول له: إن عدوا يهدد حياته، وإن النيران تلتهم ~~مسكنه، فإنه لينقلب على جنبه الآخر ويعود مستغرقا في نومه. # وذهبت أذرع الشارع بخطوات واسعة قائلا: وأنا ... وأنا ... وأنا ~~المحروم لذة النوم، وفي جيبي من المال ما يكفي لتنويم هذا الرجل ~~سنة كاملة، يسودني الغرور بل الجنون؛ فأترفع عن دخول الحانات، ~~وأتجاهل أن التعساء يدخلونها ليخرجوا بالسعادة من بين ~~جدرانها. # يا الله! إن عناقيد من الكرمة تعصرها الأقدام كافية لتبديد أحلك ~~الهموم، ولتقطيع الأشراك التي تمدها روح الشر على مسالكنا. إننا ~~نعول كالنساء، ونتألم كالشهداء، فيخيل إلينا حين تساورنا المصائب ~~أن العالم قد تهدم على رءوسنا، فننطرح منتحبين كما انطرح آدم ~~أمام الباب الموصد يبكي النعيم المفقود، في حين أنه ليس علينا إلا ~~أن نمد يدنا إلى الكأس لأطفال لهب أحشائنا، وشفاء أوسع جرح فتحته ~~فيها الحياة. ما أحقر هذه الهموم التي تداوى برشفة من مثل هذا ~~الدواء! # إننا لنعجب من أن العناية الإلهية لا ترسل جميع ملائكتها لتتنصت ~~لابتهالاتنا، وما العناية بحاجة إلى إرسال طغمة أملاكها إلينا، فهي ~~قد رأت أوجاعنا، وما خفيت عنها شهواتنا، وغرور روحنا الساقطة، وما ~~يحيق بنا من غمرات الآلام، فاكتفت بأن تنبت ثمرة صغيرة سوداء تتدلى ~~على جوانب طريقنا. # إذا كان هذا الرجل ينام ملء جفونه، فلماذا لا أنام أنا مثله ملء ~~جفوني؟ # لقد يكون مزاحمي متوسدا فراش خليلتي الآن، فيخرج منه عند الفجر، ~~وتشيعه هي حتى الباب فينظران إلي وأنا أغط في نومي على هذا ~~المقعد، ms048 فلا أنتبه لصوت قبلاتهما، وإذا ما ضرباني على كتفي؛ فإنني ~~أنقلب على جنبي الآخر واستمر في الرقاد. # وتحكم المرح في فذهبت مفتشا عن حانة أستقر فيها، وكان نصف الليل ~~مر وأقفلت أكثر الحانات، فثار ثائري وقلت في نفسي: لعلني لن أفوز ~~حتى بهذه التعزية، فكنت أتراكض من باب دكان إلى باب دكان آخر ~~هاتفا: أريد خمرا ... أريد خمرا ... # واهتديت أخيرا إلى حانة مفتوحة، فطلبت زجاجة خمر، وجلست أكرعها ~~دفعة واحدة دون التفات إلى نوعها، وأتبعت الأولى بثانية وبثالثة، ~~فكنت أقلب الكأس تلو الكأس مكرها، كمريض يتجرع دواء فرض عليه ~~فرضا لإنقاذ حياته. # وما مضت برهة حتى شعرت بأبخرة هذا الشراب - الذي كان ولا شك ~~مغشوشا - تتصاعد إلى رأسي، وتورثني السكر فجأة، فيتوالى على ذهني ~~الصفاء والاضطراب، حتى فقدت قوة التفكير، فشخصت بأبصاري إلى ما فوق ~~كأنني أودع شعوري بنفسي، وتراخى ساعدي على الخوان، فلم أستطع ~~تحريكهما، وعندئذ لاحظت أنني لم أكن منفردا في الحانة؛ إذ رأيت في ~~طرفها كتلة رجال تجلى القبح في وجوههم الشاحبة، وتعالت النبرات ~~الشاذة في أصواتهم. وكنت أرى من أثوابهم أنهم ليسوا من العامة، ولا ~~من متوسطي الحال، وكل ما فيهم يدل على أنهم من أحقر الطبقات، من ~~الطبقة التي لا مكانة لها ولا ثروة، حتى ولا مهنة سوى مهنة البطالة ~~الدنيئة، من الطبقة التي لا تنتمي إلى الفقراء ولا إلى الأغنياء، ~~وقد انتمى إليها بؤس الفقر ورزيلة الغنى. # وكان بين أيدي هذه الجماعة ورق قذر للمسير، وكان الخلاف قائما ~~بينهم، فيخنقون أصواتهم في مجادلاتهم، وبينهم فتاة غضة الصبا، بهية ~~الطلعة ترتدي أثوابا نظيفة، وليس في مظهرها ما يشبه من حولها من ~~الناس سوى صوت أبح يتعالى كأنه صوت مناد امتهن المناداة في ~~الأسواق ستين سنة، وحدقت هذه الفتاة في وقد أدهشها ولا ريب وجودي ~~في هذه الحانة وأنا مرتد ما أرتديه من أنيق الأثواب، وما لبثت أن ~~تقدمت نحو مجلسي، وعندما رفعت الزجاجات الثلاث عن الخوان ورأتها ~~فارغة افتر ثغرها عن در نضيد، فقبضت على ms049 يدها ورجوتها أن تجلس ~~قربي، فجلست مسرورة، وطلبت أن يحضر الخادم لها العشاء. # وحدقت في الفتاة صامتا وعيناي مغرورقتان بالدموع، فسألتني ~~عما يحزنني، وما كنت قادرا على إيراد الجواب، فهززت رأسي كأنني ~~أريد أن أطلق القطرات الحائرات من مدامعي، فتساقطت على خدي، وأدركت ~~الفتاة أنني أكتم أمرا مؤلما فما حاولت اكتشافه، بل أخرجت ~~منديلها - وهي تتناول طعامها - لتمره على وجهي آنا ~~فآنا. # وكان في هذه الصبية شيء لا يحدد إلا بأنه مزيج من أخشن الأشياء ~~وألطفها، وقد تغلغل العطف في فحشائها، فوجمت حائرا في تقديرها، ~~ولو أنها كانت التقت بي في شارع ومدت يدها إلي لتراجعت عنها ~~مشمئزا، غير أنني وأنا في حالتي كنت أرى من الغرائب أن تتقدم نحوي ~~فتاة ما رأيتها من قبل، فتجلس صامتة إلى خواني، وتتناول طعامها ~~أمامي، ثم تجفف مدامعي بمنديلها؛ لذلك بت أمامها واجما ثائرا ~~مخلوبا. # وسمعت صاحب الحانة يسائلها عما إذا كان لها معرفة بي، فأجابته ~~إيجابا وطلبت ألا يتدخل أحد في أمري، وبعد قليل من الزمن انصرف ~~اللاعبون، وأقفل صاحب الحانة أبوابها من الداخل، ثم انسحب إلى ~~غرفته الخاصة، وهكذا بقيت لوحدي مع الفتاة. # وكانت هذه الحوادث، التي أثرتها بما فعلت وأنا مستسلم لليأس، قد ~~مرت بسرعة توهمت معها أنني أشاهد حلما، فاضطربت أفكاري حتى حسبتني ~~جننت، أو استولت علي قوة مجهولة. # وصحت بالفتاة فجأة: من أنت، وما تريدين مني؟ وأين عرفتني من ~~قبل؟ من كلفك بمسح دموعي؟ أهذه واجبات مهنتك؟ وهل تظنين أنني أرضى ~~بك؟ إنني لن أمسك بأطراف أناملي. ماذا تفعلين هنا؟ أجيبي، أمالا ~~تطلبين؟ وبأي ثمن تبيعين إشفاقك؟ # ونهضت طالبا الخروج، ولكنني شعرت بأن رجلي لا تقدران على حملي، ~~وأن غشاوة أسدلت على عيني، ونفدت قواي فارتميت على مقعد مستطيل ~~عثرت به. # أخذت الفتاة بيدي وقالت: أنت متألم ... لقد شربت كما يشرب الأطفال ~~أمثالك، فما عرفت ماذا فعلت ... انتظر على هذا المقعد إلى أن تمر ~~عربة ... قل لي عنوان أمك لأرسلك إليها. # ثم تضاحكت قائلة: اذهب إلى بيتك ما ms050 دمت قبيحة في نظرك ... # والتفت إليها وهي تتكلم، وما أعلم إذا كان السكر أراني ما رأيت، ~~ولم أتبين إذا كان ضلالي سبق هداي أم هداي سبق الضلال، فرأيت في ~~وجهها صورة لوجه خليلتي، وعند ذلك شعرت بصقيع الجليد في ~~أعضائي. # إن الإنسان ليشعر أحيانا بارتعاش في شعر رأسه، ويقول السذج: إن ~~ذلك دليل على مرور ملاك الموت، وما كان الموت ما مر على رأسي بل ~~«داء العصر»، وما كانت هذه الفتاة إلا ذلك الداء بعينه تجسم فيها ~~شاحبا هازئا بنبرات الصوت الأبح، وجاء يجالسني في زاوية من هذه ~~الحانة. # | الفصل العاشر # وما كدت ألحظ مشابهة هذه المرأة لعشيقتي حتى اجتاحت دماغي فكرة ~~فظيعة لم أجد بدا من تنفيذها. # وكانت خليلتي في أوائل عهد غرامنا تأتي خلسة إلى غرفتي للاجتماع ~~بي، فكنت أملأ هذه الغرفة أزهارا، وأضرم النار في الموقد، وأعد ~~العشاء، ولا أغفل عن تزيين السرير وإعداده للحبيبة ~~المنتظرة. # ولكم شخصت إلى هذه الحبيبة الساعات الطوال وهي جالسة على المقعد ~~أمام المرآة، وكلانا صامت يناجي الآخر بخفقان فؤاده! فكنت أراها ~~كملكة من عالم الجن تحول إلى جنة هذا المسكن الصغير حيث أرقت ~~كثيرا من الدموع، ولكم تألقت بروعة جمالها بين هذه الجدران ~~الأربعة الحزينة، والرياش القديم، وقد تبعثرت حولها كتبي ~~وأثوابي! # وكان تذكار هذه الليالي لا يفارقني لحظة منذ فقدت بهجتها، فكانت ~~كتبي وجدراني تناجيني بهذه الذكرى وأنا مسهد مفجوع؛ فتزهقني حتى ~~أذهب هاربا منها إلى الشارع نافرا من سريري الذي لم أكن ألجأ ~~إليه إلا لأذرف عليه الدموع. # اقتدت هذه الصبية إلى غرفتي، وأجلستها على المقعد محولا ظهرها ~~نحوي، وأبقيتها هناك وهي نصف عارية، ثم شرعت أرتب كل ما حولي على ~~النمط الذي كنت اخترته في أعمق الليالي ارتساما في خيالي. # إن لذكريات السعادة صورة واحدة تتغلب على سائر صورها، فهي خيال ~~يوم أو ساعة فاقت سواها في جمال المؤثرات، فتبقى كأنها الأنموذج ~~المستقر، ولكل إنسان في حياته ساعة وقف فيها صارخا: اضرب سهما ~~مذهبا في عجلتك الدائرة، أيها ms051 الزمان. # وبعد أن تم ترتيب الغرفة طبقا لما ذكرت، أوقدت نارا، وجلست ~~القرفصاء أكرع كأس يأسي حتى الثمالة، وأسبر صميم فؤادي لأشعر ~~بتململه وانقباضه، وكنت أستعيد في ذهني أنشودة تيرولية كانت تتغنى ~~خليلتي بها وهي: # كنت في روض دلالي # زهرة فيها ضرام # أحرق العشق جمالي # هكذا يقضي الغرام # وكانت نبرات هذه الأنشودة ترن في أذني كأنها صرخة تتعالى في قفار ~~قلبي، فأناجي نفسي قائلا: هذه هي سعادة الإنسان. هذه هي جنيتي ~~أصبحت صبية من بنات المواخير، وهل خليلتي أفضل منها؟ هذه ثمالة ~~الكوثر الذي نحتسيه، هذه جيفة الغرام ... # وأطلقت الفتاة الشقية صوتها بالإنشاد إذ سمعتني أتمتم بإنشادي، ~~فعلت وجهي صفرة الموت؛ إذ سمعت عواطفي نفسها تنشد بهذا الصوت ~~الأجش المتعالي من فم فتاة تشبه من أحببت، فكأنه الفحشاء تغرغر في ~~صدر نورت فيه أزاهر الشباب ... وخيل إلي أن صوت خليلتي قد أصبح منذ ~~سقوطها شبيها بهذا الصوت، وخطر ببالي ما يحكى عن «فوست» من أنه ~~رأى فارة حمراء تنشب من فم ساحرة عارية كان يخاصرها في ليلة راقصة، ~~فصرخت بالفتاة: اسكتي، وهرعت إليها، فترامت ضاحكة على سريري، ~~فانطرحت بدوري إلى جانبها، وإذا بي أرى جسدي كتمثال ممدد على لوح ~~مدفن. # أي رجال هذا الزمان المتسارعين وراء ملذاتكم في المراقص ~~والمسارح، إنكم ستعودون في آخر الليل إلى مساكنكم لتقرءوا قبل ~~استسلامكم للوسن أشياء من كفر الشيخ فولتير، أو مداعبات كوريه، أو ~~خطب مجلسنا النيابي عن الاقتصاد السياسي، فأجيزوا لي أن أوجه إليكم ~~هذا الرجاء، ولكل منكم ما يكسح به عن نفسه رائحة هذه النبتة ~~السامية التي زرعها العقل في قلب حضارتنا، إذا ما وقع هذا الكتاب ~~الوضيع صدفة بين أيديكم، فلا توجهوا إليه بسمة الاحتقار، ولا ~~ترفعوا أكتافكم مستهزئين. لا تقولوا وأنتم تخالون أنفسكم في حرز ~~أمين: إن واضع هذه الفصول مصاب بداء الأوهام، ولا تظنوا أن العقل ~~أو ما تعتبرونه عقلا هو خير ما في الإنسان من قوى، وإن حقائق ~~الحياة قائمة على حركة المضاربات المالية، وورق الميسر، ولذيذ ~~الخمر، ms052 وصحة الجسم، وعدم المبالاة بالسوى، وعلى فراش وثير تمددون ~~عليه عضلات توترت بالشهوات تحت جلد ناعم يعبق بالعطور. # لا تغتروا، فقد تهب يوما عاصفة هوجاء على حياتكم الهادئة، ولقد ~~ترسل العناية الإلهية صرصرا على الأدواح الباسقة التي تسقونها من ~~مياه النسيان الراكدة. لستم بمأمن من عثرات الآمال؛ فإن في أعماق ~~عيونكم دموعا، أيها المتحصنون بالجمود! وأنا أقول لكم: إنكم ~~معرضون لخيانة خليلاتكم، وما تهتمون لهذه الخيانة اهتمامكم لموت ~~أحد جيادكم، ولكن اذكروا أن المضاربات المالية معرضة للخسارة، وأن ~~أقوى ورقات الميسر قد تصطدم بأقوى منها، وإذا كنتم من غير فئة ~~المضاربين، فلا تنسوا أن سعادتكم وذهبكم وفضتكم مودعة عند صيرفي ~~قد ينزل به الإفلاس، أو ممثلة بقراطيس مالية قد تسقط قيمها. # اذكروا أنكم قد تعشقون شيئا بالرغم من صقيع عواطفكم، ولقد ينقطع ~~عرق في أعماق أحشائكم فتصرخون صراخا يشبه أنين المتألمين. لقد ~~يجيء يوم تشردون فيه إلى الأزقة الموحلة عندما تطلبون ملذاتكم ~~لتستنزفوا فيها قواكم البائرة، فلا تجدون من المال ما يبلغكم ~~إياها، فتذهبون بنظراتكم الحائرة ووجوهكم الشاحبة المخددة لتنطرحوا ~~على مقعد منفرد تحت ظلام الليل. # أيها الأنانيون المنتصبون كتماثيل من مرمر، المتفردون بإخضاع كل ~~شيء لتفكيركم، أنتم المباهون بترفعكم عن اليأس، وبعصمتكم في حساب ~~الأرقام، إذا ما سطا اليأس عليكم، وأخطأتم في حسابكم يوم يزعزعكم ~~الإفلاس، تذكروا «أبلار» وقد اختطف القضاء منه «هلويز»، التي بلغ ~~هيامه بها ما لا يبلغ معشاره حبكم لجيادكم ودنانيركم وخليلاتكم، ~~فإن هذا العاشق قد فقد بافتراقه عمن يعبد ما لا يمكن لكم أن تفقدوه ~~أنتم، حتى وما لا يمكن أن يفقده أميركم إبليس لو عاد إلى الجنة ~~ليسقط منها مرة أخرى. ذلك لأن أبلار قد أحب هلويز حبا لا تقرءونه ~~في أية جريدة تتصفحونها، ولا يلوح حتى كخيال لنسائكم وبناتكم، لا ~~في كتبنا، ولا على مسارحنا؛ ذلك لأن هذا العاشق أمضى نصف حياته ~~يلقي قبلاته على جبين الحبيبة الطاهر وهو يلقنها المزامير ~~والأناشيد؛ ذلك لأنه لم يكن له سواها على الأرض. # تذكروا هذا المبتلى، ms053 واعلموا أن الله قد أرسل إلى قلبه العزاء ~~والسلوان، فإذا تذكرتم هذا العاشق والمحنة التي حلت به، فإن كفر ~~فولتير ودعابات كوريه تفقد معناها في نظركم، فتعلمون أن العقل ~~يمكنه أن يشفي الإنسان من أوهامه، ولكنه أعجز من أن يشفيه من ~~آلامه. # إنكم لتدركون إذ ذاك أن الله قد أوجد الحكمة مدبرة لشئونكم ~~كراهبة محبة تحنو على أسرة الأعلاء منكم. إنكم لتدركون بأن قلب ~~الإنسان لم يقل كلمته الفصل عندما أعلن أنه لا يؤمن بشيء؛ لأنه لا ~~يرى شيئا ... # إنكم في ذلك الحين لتجيلون أنظاركم على ما حولكم مفتشين عما ~~تتوسمون الأمل فيه، ولتذهبون إلى أبواب المعابد محاولين فتحتها، ~~فتجدونها مقفلة في وجوهكم، فيخطر لكم أن تلجئوا إلى الرهبنة التي ~~لا يخرج المنذرون منها إلا إلى قبورهم، ولكن الأقدار تسخر بكم، ~~وتقذف إليكم بزجاجة خمر وامرأة عاهرة، فإذا ما كرعتم الخمر، وقدتم ~~العاهرة إلى فراشكم، فتبينوا مصيركم، واعلموا إلى أية هاوية ~~تنحدرون. # | الجزء الثاني # | الفصل الأول # وعندما صحوت في اليوم التالي رأيتني بلغت من الانحطاط والدناءة ~~ما جعلني كارها لنفسي، فاستهوتني فجأة فكرة مروعة دفعتني من فراشي ~~فهببت وأنا أصيح بالمخلوقة التي قضيت معها ليلي قائلا لها: ارتدي ~~أثوابك واخرجي حالا من هذا المكان. # وجلست أحدق بالجدران حتى بصرت بأسلحتي المعلقة على ~~الزاوية. # عندما تترامى فكرة متألمة إلى أحضان الفناء، فتقدم الروح على ~~الكبائر تشعرها الحركة الآلية للتنفيذ بشيء من الرهبة يصطدم ~~بالإرادة فيزعزعها، ومن يهاجم الانتحار يقبض الذعر على أنامله، ~~وتتقلص عضلات يده عندما يحس بصقيع الحديد، وما أقدم إنسان نحو ~~الموت إلا وأحس بإحجام الطبيعة عن مجاراته. # يصعب علي الآن إيضاح ما كنت أشعر به وأنا أنتظر فراغ ~~الصبية من ارتداء أثوابها، وكل ما يمكن لبياني أن يؤديه، هو ~~أنني كنت أسمع القاذف الناري يقول لي: عد إلى رشدك لإدراك ما أنت ~~فاعل. # ولقد فكرت مرارا فيما كان سيقع لي لو أن الفتاة أسرعت بمغادرة ~~الغرفة كما أمرتها. لا ريب في أنني كنت سأجد سكوني بعد ثورة الخجل ms054 ~~التي ساورتني، فإن الحزن شيء واليأس شيء آخر، ولكن الله قد جمع ~~بينهما كيلا يتسلط أحدهما منفردا دون رفيقه على النفس المروعة؛ ~~فقد كان يكفي أن تخلو غرفتي من هذه المرأة ليضعف يأسي ويقوي حزني ~~بالندم، وللندامة ملاكها المانع الغفران عمن يقتلون النفوس، ولو ~~جرت الحوادث على هذا الوجه لكنت وجدت الشفاء، وأوصدت بابي دون كل ~~فاحشة بعد أن أبقت لي زيارة الفاحشة الأولى مثل هذا الخجل وهذا ~~الاشمئزاز. # ولكن الحوادث اتخذت مجرى آخر. # كنت لم أزل جالسا أنتظر خروج الفتاة وفي نفسي مراجل من الكره ~~والخوف والغضب. أما هي فبقيت منهمكة في ترتيب شعرها، وتنسيق طيات ~~ثوبها، تبتسم لخيالها في المرآة. ومرت ربع ساعة وأنا أتبع شاردات ~~أفكاري حتى نسيت وجود شخص آخر في غرفتي، وبدت من الفتاة حركة ~~أشعرتني بوجودها، فانتبهت من غفلتي وزجرتها، فذعرت وقامت تطلب ~~الباب وهي ترسل إلي قبلة الوداع من بعيد. وفي هذه اللحظة قرع ~~جرس الباب الخارجي بشدة، فنهضت مسارعا إلى إخفاء الفتاة في غرفة ~~داخلية ما كدت أدفع مزلاجها حتى دخل ديجنه ومعه رفيقان من شباب ~~الجيرة. # إن بعض حوادث الحياة تشبه التيارات المندفعة في عباب البحر، فهي ~~قضاء أو صدفة أو عناية إلهية، سمها ما شئت، ولكنها كائنة، وما ~~ينفيها التعارض في معنى كلماتها. على أن جميع من يذكرون قيصر ~~ونابوليون لا يفوتهم أن يصفوا كلا منهما برجل العناية الإلهية، ~~فكأنهم يرون الأبطال دون سواهم من الناس يستحقون عناية السماء بهم، ~~ولعل الآلهة في اعتقادهم كالثيران في حلبة الصراع لا يستهويها سوى ~~الأوشحة الأرجوانية. # إن ما ينتج عن أحقر الحوادث في هذه الحياة، وما تبدل في ~~مسالكنا أتفه الأمور لمعضلة تفتح أعمق المهاوي أمام ~~المفكرين. # إن أفعالنا لشبيهة بالسهام الصغيرة التي نتلهى بتفويقها نحو ~~الهدف حاسبين أنها ستتجه طوع اختيارنا ومهارتنا، ولكن لفحة من ~~الهواء تهب على أحدها فجأة فتحوله عن مجراه، وترفعه لتدفع به إلى ~~مجاهل الآفاق. # إننا نشعر بصدمة مروعة عندما يتضح أن كبرياءنا الواثقة من ~~ذاتها ليست إلا ms055 شبحا يتجلى مهارة وعزما ... # إن القوة نفسها، وهي سيدة العالم التي يقبض الإنسان عليها ~~وينتضيها سيفا يناضل به في معترك البقاء، إنما هي خاضعة ليد خفية ~~تحولها عن الهدف الذي نرمي إليه، فإذا جهدنا منطلق كالسيف خلا ~~أمامه مضربه فرمى بحامله إلى الحضيض. # هكذا بينما كنت أتجه بكل إرادتي إلى تطهير نفسي من أدران خطيئتي ~~- ولعلني كنت أتجه أيضا إلى إنزال العقاب بنفسي - رأيتني ماثلا ~~أمام تجربة خطرة قدر علي أن أسقط فيها. # وكان البشر يطفح من وجه ديجنه، فانطرح على المقعد وهو يتهكم ~~لما ينم عليه وجهي من اضطراب ومن سهد، وما كنت في حالة أحتمل ~~معها المزاح، فرجوته بلهجة جافة أن يعفيني من مزاحه، فما اهتم ~~لقولي، بل تناول الموضوع الذي جاء من أجله، وما جاء إلا ليعلمني أن ~~خليلتي لم تكتف باتخاذ عشيقين في آن واحد؛ إذ بلغ عشاقها ~~الثلاثة، وذلك معناه أنها لم تعامل من خدعتني لأجله بأحسن مما ~~عاملتني. # قال ديجنه: إن مزاحمك لم يتورع من نشر الخبر، وقد عرفت باريس ~~كلها بخيانة الخليلة له أيضا. وما أدركت لأول وهلة معنى هذا ~~القول حتى استعدته الحكاية ثلاث مرات، وإذ فهمتها صعقت ولم أجد ~~سوى الضحك ألجأ إليه حين أيقنت أن من أحببت امرأة ساقطة، ~~ولكنني وجمت حين قالت لي نفسي إنني أحببتها، بل لم أزل أحبها إلى ~~الآن. # وأيد رفيقا ديجنه ما قاله هو، فعرفت منهما أن خليلتي كانت في ~~منزلها، وقد التقى العاشقان فيه فكان عراك شديد اشتهر أمره، حتى ~~اضطرت المرأة إلى مغادرة باريس هربا من الفضيحة والعار. # وما كان ليخفى علي ما يصيبني من كل هذه المهازل؛ إذ أصبحت ~~مبارزتي من أجل هذه المرأة، وتولهي بها، وجميع ما فعلته من أجلها ~~سخرية وهزؤا، وما كان ما توصف به من أحط الصفات، وما يفترض من ~~عهرها فوق ما اشتهر منه إلا ليشعراني بأنني لم أكن إلا واحدا من ~~عديد من تناولهم خداع هذه المرأة الساقطة. # ولاحظ الشابان امتعاضي فوقفا عن التمادي في السخرية، ms056 غير أن ~~ديجنه لم يقف؛ إذ كان مصمما على معاملتي معاملة الطبيب يعالج ~~مريضه بقسوة لا بد من الأخذ بها، وكان يرى لنفسه هذا الحق - وهو ~~الصديق الحميم الذي محضني الود، وبادلني الخدمات العديدة - وقد ~~اعتقد بحسن نيته، فما زاده اضطرابي إلا إيغالا في الشدة ليقذف بي ~~إلى السبيل الذي يريده لي، ولكنه ما لبث أن شعر بنفاد صبري فاختار ~~السكوت، وما كان سكوته هذا إلا ليزيد من ثورتي، فبدأت بدوري ~~أتحرش بزائري مستفهما وأنا أتمشى ذهابا وإيابا في الغرفة، ~~متوقعا سماع التفاصيل عن هذه الحوادث التي صعقت لها، وكنت أتكلف ~~الابتسام ثم أتظاهر بالسكون، فما نجحت محاولاتي؛ لأن ديجنه تمنع ~~بالصمت فجأة بعد أن ذهب بثرثرته إلى مدى بعيد، فكان ينظر إلي ~~بهدوء وأنا أذرع غرفتي بخطواتي كالثعلب أطبق قفصه عليه. # وشعرت بعجزي عن بيان ما كان يدور في خلدي: أصحيح أن تلك المرأة ~~التي تربعت صنما معبودا في صميم فؤادي، والتي ذقت من هجرها ~~الأمرين، تلك المرأة التي حصرت فيها كل هيامي، وأردت أن أبكيها ~~ما دمت حيا، قد استحالت ما بين ليلة وضحاها فاحشة تلوك اسمها ~~ألسنة الشبان، مهتوكة تعلن بنفسها فضائحها على ملأ الأشهاد؟ # وكنت وأنا أستعرض هذه الأمور بذهني أحس كأن كاويا يطبع على كتفي ~~علامة العار، وكلما استغرقت في التفكير كانت تتكاثف الظلمات حولي، ~~فأدير رأسي عن جلسائي وأنا شاعر بابتساماتهم ولحاظهم تنصب علي ~~لاستجلاء سريرتي. # وكان ديجنه يتبع حركاتي وسكناتي وهو لا يجهل إلى أين يتجه بما ~~يفعل؛ لأنه كان يعرفني ويعرف أنني أقدم على كل أمر، وأتجاوز كل حد ~~بما في من اندفاع، إلا حدا واحدا، وهو الشرف؛ لذلك كان يقصد ~~أن يصم الآمي بالعار مستعينا على عواطفي بتفكيري. # ولما رأى أنني وصلت إلى الحد الذي يريد صوب آخر سهم من جعبته ~~إلي فقال: أفما أعجبتك هذه القصة؟ إليك الآن بآخر فصل منها، وهو ~~مسك الختام: فاعلم، يا عزيزي أوكتاف، أن العراك بين عاشقي خليلتك ~~القديمة إنما وقع في ليلة مقمرة، وبينما ms057 كان كل منهما يهدد الآخر ~~بقطع عنقه، لاح في الشارع خيال يتمشى على مهل، وقد عرف أن هذا ~~الشبح لم يكن سواك أنت ... # وصحت به: ومن قال هذا؟ من رآني في الشارع؟ أنا ...؟ # فقال: هي خليلتك بعينها التي رأتك ... وهي نفسها أخبرت بذلك وهي ~~تضحك وتؤكد للناس أنك لم تزل هائما بها، وتقضي الليل كالعسس أمام ~~بابها. أفلا يكفيك أن تعلم أنها تعلن هذه الأمور على ملأ ~~الأشهاد؟ # ما تمكنت يوما أن أكذب في حياتي، وفي كل مرة حاولت أن أموه ~~الحقيقة كان يفضحني وجهي، ولكنني هذه المرة شعرت بتسلط الخجل علي ~~من إعلان ضعفي، فقلت في نفسي: «ما كنت لأقف أمام بابها لو أنني ~~عرفت أنها تدهورت إلى هذا الحد.» واجتهدت أن أقنع ذاتي بأنه لم يكن ~~بإمكان أحد أن يراني ويعرفني، فحاولت إنكار الواقع، ولكن الاحمرار ~~علا جبيني فاضحا أمري، وحدق ديجنه بي وهو يبتسم فصحت به: حذار، ~~يا هذا؛ فإنك تتجاوز الحد. # وذهبت في الغرفة أذرعها طولا وعرضا كمن فقد صوابه، وحاولت أن ~~أضحك فعصاني الضحك، وأخيرا وجدت نفسي تجاه ستر مهتوك فقلت: وهل ~~كنت أعلم أن هذه الشقية ... # فانقبضت شفتا ديجنه كأنه يصر على قوله: أفما كان يكفيك ما ~~عرفت؟ # وجمت وكان الدم - وقد ~~انقبضت عليه عروقي ربع ساعة - يتصاعد إلى صدغي نابضا فيهما، فبدأت ~~أكرر القول وأنا لا أعي: أبينما كنت في الشارع غارقا بدموعي، كان ~~العراك قائما بين العاشقين؟ أفي تلك الليلة جرى هذا؟ وقد هزأت بي! ~~لقد سخرت بي! هي؟ # أما رأيت هذا في حلم يا ديجنه؟ أيمكن أن يكون مثل هذا ~~صحيحا؟ # وكنت وأنا أدفع بهذا الهذيان أشعر بالغضب يساورني حتى استولت ~~علي هزة عنيفة اضطرتني إلى القعود ويداي ترتعشان. # وقال ديجنه: مالك ولهذه المهزلة تقابلها بالجد، يا أوكتاف؟ لقد ~~أرهقتك هذه العزلة منذ ثلاثة أشهر، والأمر ظاهر، فأنت بحاجة إلى ~~التسلية. تعال لتناول العشاء سوية، وغدا نذهب للتنزه في ~~الضواحي. # وكان يقول هذه الكلمات بلهجة فعلت في نفسي ما لم تفعله ms058 أوجاعي؛ ~~إذ شعرت بأنه يعاملني معاملة طفل عليل. # وبقيت ساكنا أحاول التغلب على ذاتي بمناجاتها قائلا: لقد ~~خدعتني هذه المرأة فجاءت بعدها النصائح السيئة تعلل قلبي، وما ~~وجدت لي ملجأ لا في العمل ولا في إرهاق قواي، فلم يبق لي وأنا في ~~العشرين من ربيع الحياة ما يقيني التدهور في القنوط أو الفساد إلا ~~ذخيرة آلامي المريعة أستعيذ بها، وقد جاءني الآن من يريد تحطيمها ~~بين يدي. إنهم لا يوجهون الإهانة إلى حبي الآن، بل إلى يأسي. لقد ~~أصبحت سخرية، وتلك المرأة نفسها تهزأ بي ... وأنا أبكي. # وما كنت لأصدق بوقوع مثل هذه الفرية، فكان الماضي بأسره يجتاح ~~تذكاري؛ فأرى ليالي غرامنا القديم تمر أمامي كأشباح تتوالى مترامية ~~على شفير جرف لا قرار له غير صخور مظلمة كالعدم. # وكنت أسمع قهقهة تتجاوب أصداؤها فوق هذه الهاوية السحيقة تهتف ~~هازئة: هذا هو جزاؤك. # لو جاء هؤلاء الصحاب فقالوا: إن الناس يهزءون بك لكنت أجيبهم: ~~مالي وللناس؟ ولكنهم جاءوا يقولون: إن خليلتك لا زمام لها ولا ~~عهد. # إذن لقد اشتهرت الفضيحة، وثبتت بشهادتين ما كان يمكن لمؤدييها ~~أن يعلنا وجودي على ما كنت عليه دون أن يحدثا بما كانا هما عليه ~~أيضا، فبماذا أكذب الناس؟ وما بوسعي أن أقول لهم؟ وأين أجد لي ~~ملجأ وقد أصبح قلبي - وهو مركز حياتي - طللا متهدما؟ وهل لي ما ~~أقول إذا كانت المرأة التي ما كنت لأتردد في اقتحام أية سخرية وأية ~~ملامة من أجلها، واحتمال جبال المصائب تنهار علي في سبيلها: هذه ~~المرأة التي أحببتها فأحبت سواي، فما طالبتها بالنور المنطفئ، بل ~~قنعت بأن أقف باكيا أمام بابها، لا لشيء إلا لألمح فيها وأنا بعيد ~~عنها شبابي المضيع وقد استحال إلى أطياف تذكار، ولأحفر اسمها دون ~~سواه على لوح قبر دفنت فيه جميع آمالي ...؟ هل لي ما أقول إذا كانت ~~هذه المرأة هي نفسها أول من أشار إلي ببنانه، قاضيا علي ~~بالتشهير أمام من لا عمل لهم إلا الاندفاع إلى الاستهزاء بمن ~~يحتقرهم ...؟ # أجل، هي ms059 نفسها من رمى بالإهانة إلي خارجة من شفتين طالما ~~التصقتا بشفتي، ومن جسد كان روحا لحياتي، بل دما من دمي، ولحما ~~من لحمي، وهل إهانة أفظع من هذه الإهانة؟ وما هي إلا قهقهة لا رحمة ~~فيها تصفع الجبين الوجيع برشاش نفثاتها ... # وكنت كلما استغرقت في آلامي يحتدم غضبي، وتضطرم ثورتي، وما أدري ~~أيصح أن أصف ما كنت أشعر به من الغضب، وكل ما أعرف عنه هو شعوري ~~بعاطفة الانتقام، ولكن أنى لي أن أنتقم من امرأة؟ وأين السلاح ~~الذي يمكن لرجل أن ينال به من امرأة لأشتريه بما عز وهان؟ أية ~~ضربة أوجهها إليها وأنا أعزل حتى من السلاح الذي رشقتني بناره؟ وهل ~~لي أن أنازلها بما نازلتني به من وقيعة واغتياب؟ # ولاح لي فجأة وراء الباب الزجاجي خيال الفتاة التي كانت لم تزل ~~تنتظر الإفراج عنها، وكنت نسيتها تماما، فنهضت من مقعدي وصحت ~~بأصحابي: اسمعوا ... لقد أحببت ... أحببت كمجنون بل كأحمق؛ فاستحققت كل ~~ما ترشقونني به من عار، غير أنني سأعرض عليكم الآن ما يثبت لكم ~~أنني لم أعد ذلك الأحمق الذي تتوهمون. # ودفعت باب الغرفة الصغيرة برجلي، فانكشف مخبأ الفتاة وقد لجأت ~~إلى زاوية لتتقي الأنظار. # وصحت بديجنه: ادخل، أنت يا من رآني مجنونا لهيامي بامرأة، أنت ~~يا من لا تحب إلا بنات المواخير ... أفما ترى حكمتك تختال هنا في هذه ~~الغرفة؟ سل هذه الحكمة، سل هذه الفتاة عما إذا كنت قضيت ليلتي كلها ~~تحت نافذة تلك المرأة، فإنها أخبر من سواها ... ولكن ليس هذا كل ~~ما أريد أن أقوله. إنك تدعوني إلى تناول العشاء معك هذا المساء، ~~وإلى نزهة في الضواحي غدا، فأنا أقبل دعوتك، ولكنك لن تبارحني منذ ~~الآن، لنمض النهار سوية، فأقدم لكم ما تشاءون من خمر وورق ميسر ~~وأزهار. أنتم لي وأنا لكم؛ فلنتعاهد على هذا الشعار. لقد شئت أن ~~أرفع في قلبي مزارا أحنط به غرامي، ولكنني سأنزل الآن هذا الغرام ~~إلى قبر أدفنه فيه، ولو اضطررت إلى حفر هذا القبر في صميم ms060 ~~فؤادي. # قلت هذا وارتميت على مقعد أنظر إليهم يدخلون الغرفة وأنا أشعر ~~بالمسرة الرائعة التي يشعر بها كل إنسان يفرج كرب الاحتقار عن ~~نفسه، وإذا ما خطر لإنسان أن يعجب لاتخاذي منهجا جديدا في حياتي، ~~فما ذلك الإنسان بمطلع على خفايا القلب البشري، ولا هو يعلم أن ~~للمرء أن يقف عشرين سنة على تردده، ولكن ليس له أن يتراجع إذا هو ~~دفع بالخطوة الأولى على أي سبيل. # | الفصل الثاني # ما أشبه من يصاب بالدوار بمن يتتلمذ للخلاعة والفحشاء! وما أوائل ~~الدرس إلا رعب تمازجه لذة المشرف مرتجفا من برج مرتفع على ~~الأعماق. # إذا كانت الرذيلة المستترة تنال من نبالة الخلق، وتحط من معزة ~~النفس، فإن في الخلاعة الصريحة التي تقتحم الهواء الطلق شيئا من ~~كبر الجسارة تراه متجليا في أشد الخلعاء فسادا. إن من يسير تحت ~~جنح الليل ساترا أنفه بأردانه ليلطخ حياته متنكرا نافضا رياء ~~نهاره خلسة، إنما هو كبعض الإيطاليين الذين يرسلون خناجرهم رشقا ~~إلى ظهر من لا يجرءون على منازلته. إن في الزوايا المظلمة، وفي ~~التلاقي تحت جنح الليل ما يشبه كمين الأشرار، في حين أنك ترى في ~~مقتحم الدعارة الصاخبة شيئا من صفات المحاربين، فتحسب أنك تشاهد ~~عراكا في موقعة، وتهتف بك الكبرياء قائلة: إن جميع الناس يفعلون ~~هذا مستترين، فاهتك الستر أنت، وافعل علانية ما يرتكبونه في ~~الخفاء. # وإذا ما ادرع الخليع هذه النجوى؛ فإن شعاع الشمس لينعكس ~~ملتمعا على درعه. # قيل إن ديموكليس كان يحيا وفوق رأسه سيف معلق، وما حال الخلعاء ~~إلا مثل حاله؛ فإن فوق كل منهم سيفا يقول: تقدم ... تقدم أبدا؛ ~~فأنا معلق بخيط على وشك الانقطاع. # وما أرى ما أصور به حياة الخلعاء إلا وصف عجلة يقتعدها في أعياد ~~المرافع رهط المقنعين، وهي تخترق الطرق مكشوفة يلعب الهواء بما ~~عليها من مشاعل تنير الوجوه المكلسة، وعلى هذه العجلة فئة تغني، ~~وفئة تضحك، وبين الفئتين تلوح مخلوقات كأنها نساء، وما هي في ~~الواقع إلا بقايا نساء عليهن من الإنسانية آثار عافية. ms061 ويا لهن من ~~نساء يلقين بين القبل كل أنواع الإهانات والتحقير، ولا يعرف ~~المحتضن لهن هوية ولا اسما. # وكل هذا الرهط تسير به عجلة المساخر مقرقعة تنيرها مشاعل الغاز ~~الملتهب، وقد تحكم السكر في الرءوس فجمد فيها كل تفكير. ولقد يخيل ~~إليك من حين إلى حين أن هنالك ما يشبه الاحتضان والتقبيل، وإذا ~~تدحرج أحد من هذه العجلة فما يهتم أحد بأمره، وهل يهتم لشيء من يرى ~~نفسه خارجا من عدم سائرا إلى عدم؟ على هذه الوتيرة تسير خيول ~~العربة خببا، ويمر رهط المسافرين ... # إذا كان الدهش هو أول ما يشعر به المنخرط في سلك الخلعاء، فما ~~يشعر به بعد ذلك إنما هو الاشمئزاز يقبض على القلب ليجره جرا ~~إلى الإشفاق. # إن ميدان الخلاعة مجلى للقوة، أو بالأحرى مجال لاستنفاد الحياة، ~~وذلك ما يجتذب الكثيرين من عشاق المجازفة، فيقدمون إلى هذا ~~الميدان ليبذلوا نفوسهم مبددين ما فيهم من قوى، فهم كالفارس ~~العنيد يمتطي فرسا جموحا، وينطلق غير شاعر بما يعلق من لحمه ومن ~~دمه على أشجار الطريق، ولا بالشرر يتطاير من محاجر الذئاب تتبعه في ~~الأرجاء المقفرة، ولا بالغربان تحوم ناعبة فوق رأسه. # لقد سردت الحوادث التي رمت بي إلى هذه الحياة، فعلي الآن أن ~~أقص ما رأيت فيها: # لأول مرة رأيت فيها المجتمعات التي يدعونها مراقص مقنعة، كنت ~~سمعت من يقول إن فيها دعارة القصور، وإن إحدى ملكات فرنسا تنكرت ~~فيها بزي بائعة أزهار، ولكنني ما شهدت في هذه المراقص إلا بائعات ~~أزهار متنكرات بزي خادمات الجنود. كنت أحسب أنني سأجد فيها ~~الدعارة، فكذب الواقع حدسي، وما يمكن أن ندعو دعارة هبابا ~~متساقطا من دخان، ولكما وصفعا وفتيات سكارى منطرحات كالأموات ~~على ركام الكئوس المحطمة. # لأول مرة رأيت فيها فسق المائدة، كنت سمعت أحاديث الشراهة في ~~الولائم، وبلغني اسم فيلسوف يوناني أقام دين الفطرة على لذة ~~الحواس، فكنت أتوقع أن ألاقي في هذه الولائم شيئا من الاستغراق ~~المنسي إذا امتنعت الأفراح الحقيقية فيها، فما وجدت إلا أقبح ما في ms062 ~~الحياة، ما وجدت إلا ملالا يحاول أن يتمتع بالعيش، فكان هنالك قوم ~~يسودهم الخلق الإنكليزي يتحدثون عن أعمالهم، ويجدون التسلية في هذا ~~الحديث وهم يقدرون ملذاتهم على ما بذلوا من مال، وعلى هذه الوتيرة ~~تدور عليهم رحى الحياة. # لأول مرة رأيت فيها بنات الهوى بعد أن كنت سمعت قصة «إسبازي» ~~يحتضنها «السيبياد» وهو يتناقش مع «سقراط»، كنت أتوقع أن أرى ~~انطلاقا وقحا فيه شيء من المرح وخفة الروح، كنت أتوقع أن أشاهد ~~ما يغلي ويطفو كحباب الراح المعتقة، فما وجدت إلا شفاها متراخية، ~~وعيونا جاحظة، وأنامل متشنجة. # لأول مرة رأيت فيها السيدات المتهتكات، كنت قرأت «بوكاس» ~~و«باندللو» بعد أن طالعت «شكسبير»، فكنت أتخيل هؤلاء السيدات ~~ملائكة جحيم يواجهن الحياة بالرشاقة والمرح، وكنت أرسم منهن ~~أشكالا تنم عن الجنون في الخيال، وقوة الإبداع والقحة بعيون ~~ساحرات تثير برشقة لحظ فاتر أحاديث شجون وغرام. كنت أحسبهن في ~~الحياة تموجا واهتزازا كآلهات البحار، وأراهن مرنحات ثملات، أو ~~منطرحات سكرا من خمرة الحب والهيام. هذا ما كنت أتصور وما كنت ~~أتوقع أن أرى، فما رأيت إلا محررات رسائل وضاربات مواعيد، دأبهن ~~إرسال الأكاذيب لرجل مجهول بعد رجل مجهول، وستر الدنايا بالرياء، ~~وكلهن لا يرمين إلا إلى هدف واحد: الاستسلام والنسيان. # لأول مرة ارتدت فيها أندية الميسر، وكنت سمعت الأحاديث عن جداول ~~الذهب والثروات المحققة بلحظة من الزمان، وعن سيد من قصر هنري ~~الرابع ربح بورقة واحدة مئة ألف ريال - وهي قيمة ما كان يرتدي من ~~ملابس - لم أجد في هذه الأندية إلا دكان أثواب يستأجر منه العمال ~~المرتدون قميصا ليس لهم سواه ثوبا بعشرين درهما لتمضية سهرة ~~واحدة، وما رأيت إلا جلاوزة يحرسون باب ناد فيه رهط الجائعين ~~يقامرون مجازفين بطلقة عيار ناري على أدمغتهم مقابل رغيف ... # لأول مرة رأيت فيها مجتمعا للخاصة أو للعامة من ثلاثين ألف ~~بغي حاملات الإجازات لبيع أعراضهن في باريس، وكنت سمعت بكل ~~فيالق الفحشاء في كل زمان من عهد بابل إلى أيام روما وقد كتبت ~~على أبوابها «اللذة»، ms063 لم أر لا في هذا الزمان ولا في الزمان ~~المنصرم إلا كلمة «البغاء»، وما حفرت هذه الكلمة على الذهب ~~المتوهج بشعاع الشمس، بل على الفضة التي تبدو لعينيك باهتة كأنها ~~مغشاة بكدورة أنوار الليل. # لأول مرة رأيت فيها الشعب، كان ذلك في صبيحة المرفع «أربعاء ~~الرماد» عند منحدر «كورتيل»، وكانت السماء قد أمطرت الأرض رذاذا ~~منذ المساء فأصبحت الأزقة كأنها مزالق أوحال، وكانت العجلات ~~الحاملة رهط المقنعين تمر متدافعة بلا انتظام بين المتفرجين على ~~جانبي الطريق، وهم واقفون رجالا ونساء يعرضون أنواعا من القبح ~~على الرصيفين، وكانت تلمع في محاجر هؤلاء الناس عيون أعارتها الخمر ~~لونها فبدت فيها نقمة الوحوش الكاسرة. وما كانت صدمات العجلات تنال ~~صدورهم لترجعهم قيد أنملة إلى الوراء، وكنت أنا واقفا على مقدم ~~إحدى هذه العجلات المكشوفة، فكنت أرى من حين إلى حين أحد المتفرجين ~~يتقدم نحونا من صفه وهو يتخطر بأسماله؛ ليوجه إلينا أفظع الشتائم، ~~ثم يرمينا بحفنة من الدقيق ويعود أدراجه، وما طال سيرنا حتى بدأ ~~الناس يرشقوننا بكتل من الأوحال، فما تراجعنا؛ بل داومنا التقدم ~~نحو جزيرة الغرام وغابة «رومانفيل» موطن العناق والسرور، وسقط أحد ~~أصحابنا عن مقعد العجلة إلى بلاط الشارع، فهرع الشعب إليه قاصدا ~~تحطيم عظامه ... فترجلنا وأحطنا به لوقايته، وكان حامل النفير يتقدم ~~العجلات ممتطيا جواده، فرشقه الشعب وقد فرغ ما لديه من الدقيق ~~بحجر خدش كتفه. # وما كنت سمعت بمثل هذا من قبل، فبدأت أتعرف حالة العصر الذي نعيش ~~فيه. # | الفصل الثالث # وكان ديجنه قد أعد في بيته في الضاحية حفلة للشباب مستكملة من ~~خمر وطعام ولعب وصيد ورقص وسباق. وكان غنى هذا الصديق مجملا ~~بحب الضيافة والكرم، وله مكتبة مجهزة بأثمن الكتب، وكان إذا حادثك ~~نم حديثه عن علم واسع، وأدب جم. # وحملت إلى هذه الحفلة كآبتي أغالبها فلا تغلب، وقد احترم ديجنه ~~حزني إذ سكت أنا عن استفساره فلم يعاود الكرة علي. # وما كان يهتم ديجنه إلا لأمر واحد، وهو أن يراني ناسيا خليلتي، ~~فكان يرضيه أن ms064 أتناول الطعام كسواي، وأرافق الأصحاب في ألعابهم ~~وصيدهم. # إن في العالم أناسا مثل هذا الصديق يحاولون جهدهم أن يخدموا من ~~يودون، فلا يترددون في أن يرشقوا وجهه بحجر إذا رأوا ذبابة تلسع ~~خده ... فهم لا يفترون يمنعونه عن ارتكاب ما يعدونه خطأ، ولا يطيب ~~لهم عيش إلى أن يتوصلوا إلى طبع هذا الصديق على غرارهم، فإذا هم ~~ظفروا بغايتهم فركوا أيديهم ونفضوا أناملهم دون أن يخطر لهم ببال ~~أن يتساءلوا ما إذا كان صديقهم قد خرج بفضلهم من مأزق ليقع في مأزق ~~أشد حرجا وضيقا. # تلك هي واجبات الصداقة في نظر هذا النوع من الأصدقاء. # من مصائب الشبيبة أنها تتوهم الحياة قائمة على مثال الحوادث ~~الأولى التي طرأت عليها. وهنالك نوع من أشقياء المجتمع تراهم على ~~أهبة ليقولوا للفتى المصدوع: إنك على حق في اعتقادك بالشر، ونحن ~~نعلم حقيقته. # ولقد سمعت رجالا وخط الشيب شعورهم يتكلمون عن نوع من علاقات ~~الرجل بالمرأة يصفونه «بالعاطفة الجوالة»، فكانوا يتحدثون عن هذه ~~العاطفة كأنها آلة حديثة اخترعها مهندس، فيصورون كيفية استعمالها، ~~ويذكرون ما يجب أن يقول العاشق، وما عليه أن يجيب به، مقررين ~~قواعد رسائل الغرام، وكيفية الركوع لاستعطاف المرأة المشتهاة. ~~وهكذا كان هؤلاء الأفاضل ينظمون حركات الهجوم والدفاع. # وما كانت هذه الأصول الموضوعة إلا لتجعلني أقهقه ضحكا؛ لأنني ما ~~تمكنت يوما أن أقول لامرأة أحتقرها: إنني أحبها، حتى ولو كان هذا ~~المتعارف المعمول به مما تعرف المرأة نفسها زيفه. ما جثوت يوما ~~أمام امرأة دون أن يجثو قلبي معي؛ لذلك ما عرفت حياتي هذا النوع من ~~النساء المبتذلات، وإذا ما كنت وقعت لإحداهن فما كان ذلك إلا دون ~~قصد مني، وعن جهل بحال المرأة التي أغوتني. # ليس من المستغرب لدي أن يهمل الإنسان نفسه، ولكن ما أستغربه هو ~~أن يقدم على تدنيسها. ولقد يكون في هذا القول شيء من الكبرياء، ~~ولكنني أربأ بذاتي أن أرفعها فوق موقعها، أو أن أحط بها إلى أدنى ~~من مستواها. وليس أكره إلي من المرأة التي تهزأ ms065 بالحب، ولمثل هذه ~~المرأة أن تبادلني عاطفتي هذه؛ فإنني لن أنازعها هذا الحق. # إن مثيلات هذه المرأة لأحط من العاهرات. وقد تكذب العاهرة كما ~~تكذب المرأة المحتقرة للحب، ولكن الأولى قد تحب، أما الثانية فلا ~~تفقه للحب معنى. # أذكر امرأة تعلقت بي فكانت تقول للرجل الغني الذي تعايشه: لقد ~~مللتك، وها أنا ذي ذاهبة إلى حبيبي. # إن مثل هذه المرأة لخير من النساء اللواتي لا يتقاضين عن ~~أعراضهن ثمنا. # وقضيت فصل الصيف عند ديجنه؛ حيث بلغني أن خليلتي بارحت فرنسا، ~~ومنذ ذلك اليوم الذي بلغني فيه هذا الخبر استولى علي خمول لم أجد ~~لنفضه عني سبيلا. # وكنت في وسط هذا المجتمع الجديد أتطلع كالفرس الجموح إلى كل ما ~~حولي. # وكان لديجنه خليلة على غاية من الجمال، وكنت أتمشى معه في إحدى ~~الليالي فقلت له: إنني أقدر جمال عشيقته، وتعلقها به، وإخلاصها ~~له، وأشعرته أنني أغبطه على هذه النعمة. فسكت على عادته وابتسم، ~~وعندما دخلت إلى غرفتي لأرقد في المساء نفسه، سمعت طرقة على بابي، ~~فأذنت بالدخول ظنا مني أن أحد الصحاب أخذه الأرق فلجأ إلي، ~~وفتح الباب فرأيت امرأة تتقدم مترددة وقد امتقع لونها، وتعرى ~~نصف جسدها، وبيدها طاقة أزهار قدمتها إلي، وبين الأزهار ورقة ~~أخذتها فإذا عليها: # إلى أوكتاف من ديجنه، بشرط المعاملة بالمثل. # وما قرأت هذه الكلمات حتى أدركت ما يرمي إليه ديجنه من إهدائه ~~إلي خليلته كما تهدى الجواري ... وما كان ديجنه على ما أعرف به ~~من الصراحة ليفعل ما فعل تضليلا أو هزؤا، فهو لم يقدم على فعلته ~~إلا ليلقنني درسا. # إن هذه المرأة كانت تحبه، وقد سمعني أثني عليها، فأراد أن يردعني ~~عن التعلق بها في حالتي قبولي لها ورفضي. # فوجمت أتفرس في هذه المرأة ودموعها تنحدر على خديها ولا تجرؤ على ~~مسحها؛ خشية أن أنتبه إلى بكائها، وما كنت لأعلم بماذا تهددها ~~ديجنه حتى أطاعت؟ فقلت لها: لا بأس عليك؛ أيتها الآنسة؛ ارجعي من ~~حيث أتيت. # فقالت: إذا أنا خرجت من غرفتك قبل بزوغ ms066 الفجر فإن ديجنه سيعيدني ~~إلى باريس، وليس بوسعي أن أخالف أمره؛ فوالدتي فقيرة. # فأجبتها: إن فقرك يدفعك إلى تنفيذ أمر ديجنه إذا ما وافقت أنا ~~عليه، ولقد يستهويني جمالك الرائع، ولكنك تبكين، وما تذرفين دموعك ~~من أجلي، وأنا لا شأن لي في غير هذه الدموع. اذهبي وأنا كافل لك أن ~~لا يرجعك ديجنه إلى باريس. ~~••• # إذا كان التأمل صفة ثابتة من صفات العقل في أكثر الناس، فما هو ~~عندي إلا كغريزة لا تتحكم إرادتي فيها، فإن التأمل يجتاحني كنوب ~~عاطفية شديدة لا قبل لي بردها، فعندما خرجت هذه المرأة من غرفتي ~~جلست وقد اعترتني نوبة التأمل، فإذا أنا أناجي نفسي قائلا: هذا ~~قضاء الله فيك يا هذا ... لعل ديجنه كان على حق لاعتقاده بأنه إذا لم ~~يرسل خليلته إليك لكنت تقع أسيرا في هواها. # أفما دققت في حسنها وجمالها فأدركت أنها آية في الخلق، وما تجود ~~الطبيعة بمثلها إلا نادرا؟ ومع ذلك فإن الرجل الذي يريد أن يشفيك ~~من دائك لم يجد وسيلة أجدى عليك من إلصاق شفتيك بشفتيها؛ ليمحو ~~آثار الحب من قلبك. # ولكم رأى هذه الفتاة رجل قبلك فما استهدفوا للخطر الذي تراميت ~~أنت عليه! # وهذا ديجنه تعبد جمالها، ولكنه لم يؤخذ به، فهل يحيا هذا الرجل ~~بلا قلب؟ إن لهذا الرجل قلبا، ولكنه يختلف عن قلبك شعورا؛ لأنه ~~لا يعتقد في شيء، ولا يهتم بأي أمر كان، ولكنه إذا أصيب بلسعة في ~~رجله فإنه يرتعش خوفا، وهو المعتقد بانحصار الحياة في جسده، فإذا ~~ما فقده فقد الكون بأسره. أيمكن للإنسان أن يحيا على هذه الوتيرة، ~~فيجلد روحه بالسياط كما يجلد المتعبدون أجسادهم! # افتكر يا هذا واعتبر؛ إنك لترى رجلا يضم بين ذراعيه أجمل امرأة ~~وهو مشتعل بحرارة الشباب، يعلن لهذه المرأة إعجابه بها، وتعلن هي ~~حبها له، فيجيئه يوما صديق يثق به ويقول له: إن هذه المرأة ~~مبتذلة، فيزول كل إعجاب وحب من قلبه، ولو أن هذا الصديق قال له: إن ~~هذه المرأة جانية لما فعل هذا ms067 الوصف في قلبه ما فعلته كلمة ~~«مبتذلة». # فما هي قوة هذه الكلمة يا ترى؟ إنها ولا ريب تحمل العار، وتنزل ~~العقاب العادل بالمرأة التي استحقتها، ولكنها ليست إلا كلمة! وهل ~~للكلمة أن تقتل جسدا؟ # ولكنك قد تكون عاشقا لهذا الجسد، فلا تجد أمامك إلا من يقول لك: ~~اترع الكأس واذهب في سبيلك، فإن للجسد الذي تحترق من أجله ثمنا ~~معينا، ولكن ديجنه يحب خليلته، فهو لا يضن عليها بشيء، فهل لهذا ~~الرجل حب خاص به دون سواه؟ لا، إن هذا الرجل لا يعرف الحب، ولا فرق ~~عنده بين امرأة تستحقه وأخرى لا تستحقه؛ لأنه لا يحب أحدا. # وما الذي أبلغ ديجنه هذه الدركة من الشعور؟ فهل هو خلق بهذه ~~العاهة أم أصيب بها بعد ولادته؟ إن ديجنه ليس رجلا ما دام الحب ~~ألزم للإنسان من الماء والهواء. أهو أحد الجبابرة أم أحد الصعاليك؟ ~~فهو يرتمي على أحضان امرأة تعشقه دون أن يشعر بأية رعشة، ودون أن ~~يتوقع أي خطر؟ وما الحب لديه إلا سلعة جسد ببدرة مال. أية وليمة هي ~~حياته؟ وأي شراب يتدفق في أقداحه؟ إن هذا الرجل لم يتجاوز الثلاثين ~~من عمره وقد أصبح مدمنا على السم، مكتسبا مناعة تهزأ بزعاف ~~الأفاعي التي يداعبها. # إن في الأمر لغزا عميقا يا بني، وعليك أن تجد له حلا. مهما ~~اجتهد أنصار الفحشاء بالتعليل فإنهم قد يثبتون ليوم من الأيام، ~~ولليلة من الليالي، ولساعة من الساعات أنها ناموس طبيعي، ولكن ~~إثباتهم هذا لا يصمد لوجه الزمان؛ لأنه ليس من شعب على الأرض لم ~~يعتبر المرأة رفيقة الرجل وسلواه، أو المنبت المقدس لحياته، وقد ~~استحقت التمجيد في الصفتين. # ومع هذا، فإنك لترى من الناس من ينتصب كالمحارب المدجج بالسلاح ~~ليندفع قافزا فوق الهاوية التي فصل الله بها بين الإنسان ~~والحيوان، ومن يقدم على هذا العمل فإنما هو ينكر النطق على نفسه، ~~فيصبح كالوحش الأعجم خانقا المحبة المفكرة الناطقة بقبلات الجسد ~~وشهواته؛ إذ يضع على فمه ما على أشداق الحيوان من طابع الصمت ms068 ~~الأبدي. # إن مثل هذا المسخ يقف أمام أشرف كلمة وجب عليه أن يتعلمها فينفخ ~~عليها عاصفات من دياجي الغابة السوداء؛ حيث يأتمر شياطين الفناء ~~بالحياة. # لقد تجاوز هذا الرجل الحد الذي أوقف الله الإنسان عليه، فهو قد ~~تقهقر عن هذا الحد أو اندفع إلى ما وراءه ... وقد أصبحت أحشاؤه ~~كأحشاء المرأة العاقر أوجدتها الطبيعة ناقصة، أو تسربت إليها قطرات ~~أعشاب سامة تقضي على جرثومة الحياة. # إن العمل والمطالعة قصرا عن شفائك يا بني، وقد أصبح شعارك أن ~~تنسى وتتعلم، وقد كنت تقلب صفحات الكتب الميتة وأنت لما تزل قاصرا ~~عن دراسة الخرائب والأطلال. انظر ما حولك من قطعان البشرية، وإلى ~~عيني أبي الهول تشعان بين ما خطته اليد المستترة. طالع كتاب ~~الحياة، أيها الطالب، وارم بنفسك في تيار الحياة، فما الحياة إلا ~~كنهر الستيكس في الأساطير تولي مياهه المناعة لمن يجرؤ على ~~اقتحامه من الأبطال. أقدم؛ فإما أن يقودك هذا التيار إلى الموت، ~~أو يرفعك إلى الله. # | الفصل الرابع # قال القديس أوغسطينوس - وهو الرجل الكامل عند ذكراه أيام شبابه: ~~وما كانت جميع هذه المسرات والملذات الكاذبة إلا بذورا لا تنبت ~~غير المرارة والأوجاع، وقد استنفدت قواي حتى مللتها. # إنها لكلمات لا يتفوه بها إلا القلائل ممن مشوا في الحياة حيث ~~مشى هذا الرجل، فهم يحفظونها في قلوبهم، وأنا أيضا لا أجد سواها ~~في صميم فؤادي. # وبعد أن عدت إلى باريس في أول الخريف بدأت حياة الشتاء مندفعا ~~إلى الملاهي والمآدب والمراقص، فما كنت أفترق عن ديجنه إلا نادرا، ~~وكان هو يبدي مزيد ارتياحه إلي، وما كنت أنا مرتاحا إلى نفسي؛ ~~لأنني كنت كلما توغلت في هذه الحياة تتزايد همومي، فما طال بي ~~الأمر حتى بدأ هذا العالم الذي حسبته لأول وهلة واسع الأرجاء يضيق ~~بي في كل خطوة، فكنت كلما لامست شبحا من أشباحه يضمحل ويتوارى ~~أمامي. # وكان ديجنه يستفسرني عن حالي فأقول له: وأنت مالك أيها الصديق؟ ~~لعلك تتذكر قريبا بارحك إلى القبور، أم أن في صدرك جراحا نكأتها ms069 ~~رطوبة الشتاء ؟ # وكنت أراه أحيانا يتظاهر بعدم سماع ما أقوله، فكنا نهرع إلى ~~الموائد ونشرب حتى نفقد الشعور، أو نستأجر فرسين وننطلق إلى الحقول ~~قاطعين عشر مراحل لنتناول طعامنا هنالك، ثم نعود لنستحم ثم نتناول ~~العشاء، ثم نتراكض إلى موائد القمار، ثم ننسحب إلى أسرتنا، وما ~~كنت أصل إلى سريري وأوصد الباب علي حتى أنطرح جاثيا أذرف ~~الدموع. وتلك كانت صلاتي في كل مساء. # ومن غرائب حالتي أنني كنت أشعر بشيء من الغرور عندما كنت أتمكن ~~من الظهور على غير الحقيقة التي أعهدها في نفسي، فكنت أباهي ~~بالإغراق في وصف شروري، وأجد لذة شاذة يشوبها الحزن العميق. وما ~~كنت أشعر إلا بالملال عندما كنت أسرد حوادثي على حقيقتها، وما أدري ~~كيف أصف هذه اللذة التي كنت أستغرق فيها عندما كنت أقص وقائع جنون ~~وفحشاء لا حقيقة لها. # وما كنت أتألم لشيء تألمي لاضطراري إلى ارتياد الأماكن التي كنت ~~أرافق خليلتي إليها فيما مضى، فكنت أظهر كالمعتوه أمام رفاقي، ~~وأذهب إلى مكان منفرد لأحدق في أصول الأشجار ونبات الأرض، حتى إذا ~~مللت تأملي ضربتها برجلي وحاولت تحطيمها، ثم أعود إلى حيث أتيت ~~وأنا أتمتم قولي المألوف: «إن الله لا يحبني.» وكانت تنتهي هذه ~~النوب بي إلى سكوت يطول مدى ساعات. # واحتلت دماغي فكرة ملكت جوانبي، وهي أن لا حقيقة إلا في العري، ~~فكنت أقول: إن العالم يسمي أصباغه وأدهانه فضيلة، ويدعو سبحته ~~دينا، وأثوابه أدبا ولياقة، وما الشرف والأخلاق إلا وسائل لقضاء ~~حاجته، فالعالم لا يشرب خمرته إلا من دموع المساكين الذين يؤمنون ~~به؛ فهو يمشي مطرقا ما دامت الشمس تتكبد السماء، فيذهب إلى ~~الكنائس والمراقص والمجتمعات، وعندما ينسدل ستر الظلام يسقط عنه ~~دثاره، فإذا هو مومس تتخطر على مثل قوائم التيوس ... # ولكنني كنت أحتقر نفسي بهذا القول؛ إذ كنت أشعر أن تحت هذا الجسد ~~الذي تستره الأثواب هيكلا من عظام، فكنت أرتعش وأسأل نفسي ما إذا ~~كان هذا كل الوجود. # وكنت أعود إلى المدينة، فأصادف في طريقي فتاة تمسك بيد ms070 أمها ~~وتسير معها، فأتبعها بأنظاري متنهدا، وأشعر أنني رجعت إلى الأيام ~~التي كنت فيها طفلا. # وبالرغم من أنني كنت أتبع دقة النظام الذي قررته أنا وأصدقائي في ~~حياتنا المشوشة، فما كنت أهمل الذهاب إلى بعض المجتمعات العائلية؛ ~~حيث كنت أشعر باضطراب شديد عندما أنظر إلى أية سيدة، فما كنت ألمس ~~أيدي النساء إلا مرتعشا بعد أن صممت على هجر الحب إلى ~~الأبد. # ومع هذا، فإنني رجعت ليلة من أحد المراقص وفي قلبي من الألم ما ~~أشعرني بعودة الحب إليه؛ لأنني كنت جلست إلى المائدة بقرب سيدة لها ~~من الجمال والأدب الجم ما لا قبل لي بنسيانه. وعندما أغمضت عيني ~~لأنام انتصب خيالها أمامي، فحسبتني مقضيا علي بالهلاك؛ ولذلك ~~صممت على أن أجتنب أية فرصة تمكنني من الاجتماع بها، وبقيت أغالب ~~نفسي خمسة عشر يوما ما بارحت فيها مقعدي، فكنت أنطرح عليه ساهيا ~~فتمر في مخيلتي جميع حركات هذه المرأة وكلماتها. # وما طال الأمر حتى ذاع صيتي في باريس؛ حيث يترصد الناس سكنات ~~الناس وحركاتهم بأنني سيد الخلعاء، وكان ذكاء العالم في هذا مدعاة ~~لإعجابي به؛ لأنني بعد أن كنت في عينه أشد الناس حماقة عندما وقعت ~~لي حادثة خليلتي، أصبحت الآن الرجل المتصلب الذي يتحكم في شعوره، ~~وذهب البعض إلى القول بأنني ما كنت عاشقا لهذه المرأة، بل كنت ~~ألعب دوري بمهارة، فكان ذلك خير ثناء يوجهه هؤلاء الناس ~~إلي. # والأنكى من هذا أنني أصبحت أنا نفسي أنتفخ غرورا بهذا الشرف ~~المكين، وأتلذذ بغروري. # وكنت موجها كل جهدي إلى أن يراني الناس واصلا إلى مقام من ~~تحجرت عواطفهم، في حين أنني كنت أشتعل بالشهوات، وتذهب تخيلاتي ~~الجامحة بي كل مذهب. # بدأت أعلن أن ليس للمرأة أقل شأن في نظري، وكنت أبذل الجهد لخلق ~~أوهام أعلنها للناس وأقول إنني أفضلها على الحقائق، فكأنني لم أكن ~~أرى لذة إلا في تشويه ذاتي، وكان يكفيني أن تلوح لي فكرة تصدم ~~الرأي العام لأتطوع للدفاع عنها مهما كلفني الأمر. # وهكذا بليت بأعظم النقائص والعيوب: ms071 بليت بتقليد كل ما كان يستوقف ~~انتباهي، لا لجماله بل لغرابته، وبما أنني لم أكن أرضى أن أظهر في ~~مظهر المقلد التابع كنت أندفع إلى المغالاة لأثبت أنني مبتدع لا ~~تابع مقلد، فلم أكن أرى شيئا حسنا حتى ولا مقبولا، فأبدي عجبي ~~ممن يفقدون رزانتهم في إعجابهم، ومع ذلك لم أكن أتورع في حماستي ~~عندما كنت أدافع عن نظرية أريد أن آخذ بها، فكنت أندفع في بياني ~~حتى تضيق اللغة عن إمدادي بالتعابير اللازمة لإبداء إعجابي، وكان ~~يكفي أن يسلم أخصامي بما أرمي إليه لأفقد كل فصاحة وكل ~~حماس. # وما كانت هذه الحال الفكرية إلا نتيجة ملازمة لحياتي التي ~~كرهتها، وما قدرت على تبديل خطتي فيها، فكنت أعذب تفكيري كأنني ~~أنتقم منه، وأتخذ كل وجهة طلبا للتهرب من نفسي. # ولكن بينما كان غروري يداعب ذاته على هذه الوتيرة، كان فؤادي ~~يتقلب على أوجاعه، فكأنني كنت أنطوي على رجلين أحدهما ضاحك والآخر ~~باك، وكان الصراع مستمرا بين دماغي وقلبي، فكان مزاحي يدفعني إلى ~~الحزن المفرط كما كان حزني يثير مزاحي فأستغرق في ضحكي. # وسمعت ذات يوم رجلا يتبجح بأنه لا يعتقد بأية خرافة، وأنه يسخر ~~بكل تفاؤل وكل تشاؤم، فجاء أصحابه إلى غرفته، ومددوا على فراشه ~~هيكل رمة بشرية، وكمنوا في غرفة مجاورة، ودخل الرجل إلى غرفته في ~~ساعة متأخرة، فلم يسمع الكامنون أية حركة حتى الصباح؛ إذ شاهدوا ~~صديقهم جالسا على فراشه وهو يلعب بالعظام. وكان الرجل قد ~~جن. # لقد كان في داخلي شيء يشبه هذا الرجل يلعب بعظام رمة محبوبة، وما ~~تلك الرمة إلا أنقاض غرامي، وهي كل ما تبقى لي من سالف ~~أيامي. # وما كانت هذه الحياة المضطربة تخلو من أويقات لها لذتها وصفاؤها، ~~فقد كان معاشرو ديجنه من الطبقة الراقية، وأكثرهم من أرباب الفنون، ~~فكنا نمضي ليالي عديدة يسود سمرنا الخليع فيها ما يبعد جد البعد عن ~~الفحشاء، وكان أحد الصحاب عاشقا مغنية مشهورة تشجينا بصوتها ~~الساحر الحزين. ولكم جلسنا إلى المائدة فنسينا ما عليها من طعام ms072 ~~مستغرقين فيما يثير إنشاد هذه المغنية في نفوسنا من حنين! ولكم ~~درنا بأقداح الشراب ونحن نصغي إلى أحدنا يلقي علينا بصوت عميق رائع ~~بعض مقطوعات من لامارتين، فكنا نؤخذ بمعانيها كأن تفكيرنا حصر في ~~دائرة منها، وكانت تمر الساعات دون أن نشعر بها، حتى إذا جلسنا ~~بعدها إلى المائدة سادنا سكوت رهيب، وعلقت بأهدابنا الدموع. # وكان يتجلى هذا التأثير في مثل هذه الأوقات على ديجنه بأكثر من ~~تجليه في الآخرين، وهو المعروف بيننا بصلابة خلقه، وبرودة طبعه، ~~فكانت العواطف تتدفق من كلماته ولفتاته كأنه شاعر ساعة نزول ~~الإلهام عليه. وما كانت تنتهي نوبة استسلامه لشعوره حتى يبدأ رد ~~الفعل في أعضائه، فينقلب إلى المرح الجنوني كارعا من الخمر ما ~~يفقده رشده، فيستولي عليه روح الهدم والتحطيم، ولكم رأيته يختتم ~~نوبه هذه بقذفه كرسيا إلى نافذة مغلقة يحطم زجاجها بفرقعة تصم ~~الآذان. # وكنت أراني مندفعا بالرغم مني إلى تشريح أخلاق هذا الرجل، فكان ~~يلوح لي كأنه فرد من مجتمع غريب لا أعرف له مقرا على هذه الأرض. ~~فما كنت أعلم أكان هذا الإنسان مسيرا في عمله بيأس مريض، أم بدلال ~~ولد صغير. # وكان ديجنه يبدو - بخاصة في أيام الأعياد - كأنه مأخوذ بثورة ~~عصبية، فيأتي بأعمال صبيانية يحتفظ فيها بكل برودة خلقه، فكان من ~~يراه لا يتمالك من الاستغراق في الضحك، وقد أقنعني يوما بأن أخرج ~~للتنزه معه وحدنا عند الغسق، فارتدينا أثوابا غريبة الشكل، وقنعنا ~~وجهينا، وحمل كل منا آلة موسيقية، وذهبنا على هذه الصورة تائهين في ~~الأحياء الصاخبة، محتفظين برصانة أرباب الفنون، وصادفنا في تجوالنا ~~عربة كان سائقها قد دب فيه النعاس فنام على مقعده، فسارعنا إلى ~~حل أربطة الفرسين، ثم تقدمنا إليه وصحنا به فأفاق، وركبنا العربة ~~طالبين منه إيصالنا، وما لوح المسكين بسوطه في الهواء حتى ذهب ~~الفرسان خببا، وبقي هو في عربته مشدوها، وتوجهنا بعد ذلك إلى ~~الشانزليزيه، فرأى ديجنه عربة تتقدم نحونا، فاعترضها وأمر السائق ~~بالوقوف، وتهدده بالقتل إن لم يترجل عن مقعده، وإذ نزل الرجل ms073 عند ~~إرادته مذعورا أمره بالانبطاح على الأرض معرضا نفسه لأوخم ~~العواقب، ثم فتح باب العربة كأنه قاطع طريق، فرأينا شابا وسيدة ~~استولى عليهما الرعب الشديد، وأمرني ديجنه بمجاراته فيما سيفعل، ~~فأخذ يقفز من الباب ليعود فيقفز من الباب الآخر، وأنا أتبعه حتى ~~خيل إلى من في العربة والظلام سائد أن المهاجمين عصابة من ~~اللصوص. # يقول لك بعض الناس: إن الحياة تولي من يبتليها اختبارا، ~~ولعلهم يعجبون في سرائرهم إذ يصدقهم سامعوهم. وهل العالم إلا ~~عاصفات إعصار لا تشبه إحداها الأخرى؟ وكل ما في الحياة يذهب بددا ~~كسرب أطيار ينتشر في الفضاء الفسيح، فما تجد مدينة تتشابه أحياؤها، ~~ومن عرف أحدها يبقى جاهلا لسائرها، غير أن هذه الأعاصير التي تدور ~~منذ وجود العالم لم تزل تخترقها سبعة أشباح لا تتغير على ممر ~~الأجيال: أولها يسمى الأمل، والثاني الضمير، والثالث الرأي، ~~والرابع الشهوة، والخامس الحزن، والسادس الكبرياء. أما الأخير ~~فيسمى الإنسان. # وما كنت وأصحابي إلا كسرب أطيار، فبقينا سوية إلى أن جاء الربيع ~~نلعب حينا، ونركض أحيانا. # ولعل القارئ يتساءل: أين النساء في هذه الحوادث؟ وأين هي ~~الفحشاء؟ # وماذا عساني أقول عن هذه المخلوقات الحاملات اسم النساء، ~~واللواتي راودن حياتي كأشباح أحلام؟ أيمكن للإنسان أن يحتفظ ~~بالذكريات من وقائع لم يكن فيها شيء من الأماني والآمال؟ # وأين أجد هذه الوقائع الآفلة لأثير منها تذكارا؟ وهل من شبح أشد ~~صمتا منك أيتها المرأة العابرة كالظل؟ وهل من انطباع أسرع إلى ~~الزوال منك في صفحة الذكريات؟ # وإذا كان لا بد من إيراد شيء عن النساء، فلأذكرن منهن ~~اثنتين: # وإليك الأولى: # أسألك أولا عما يمكن أن تئول إليه عاملة بالخياطة لها من العمر ~~ثمانية عشر ربيعا، تتدفق شهوة الصبا من إهابها الغض، وعلى خوان ~~عملها رواية كل صفحاتها صبابة وغرام، وهي لم تتلقن علما، ولا تعرف ~~عن الآداب والأخلاق شيئا، فتقضي حياتها تخيط الأثواب أمام ~~نافذتها؛ حيث تمتد طريق منع رجال الشرطة المرور عليها؛ ليجيئها ~~عند المساء رهط من بنات الهوى الحاملات الإجازات يخطرن عليها ms074 ~~ذهابا وإيابا ، ما تفعل هذه الفتاة بعد أن تكون قطعت أصابعها، ~~واستنفدت نور عينيها منذ الصباح حتى المساء، عاملة في رداء أو في ~~قبعة، إذا هي اتكأت عند الغسق إلى نافذتها فرأت ما عملت فيه يداها ~~الشريفتان لكسب قوت من حولها يرتديه قوام فاجرة ورأس ~~عاهرة؟ # ولكم من عربة تقف أمام بابها كل يوم فتترجل منها فتاة لها رقمها ~~كالعربة التي تستقلها! وتدخل على هذه العاملة المسكينة لتحدجها ~~بلفتات الاحتقار، وتقف أمام مرآتها لتجرب مرارا الرداء الذي انكبت ~~عليه سواد الليالي لإنجازه، وتخرج العاهرة من كيسها ستة دنانير ~~يتوهج ذهبها، وهي العاملة لا تكسب إلا دينارا طوال أسبوعها، فلا ~~تملك نفسها من التفرس فيها، والتأمل فيما تلبس من حلي، ثم تتبعها ~~بأنظارها حتى تركب عربتها وتتوارى. # ويجيء يوم ينقطع فيه العمل عنها، ويسود الظلام على البيت الذي ~~تظلله الفاقة، وقد انطرحت في إحدى زواياه الأم المريضة، فتفتح ~~العاملة البائسة بابها، وتمد يدها قابضة على مجهول يمر على الطريق ~~... # هذه هي حكاية الفتاة التي تعرفت إليها، وكانت تحسن العزف قليلا ~~على البيانو، وتعرف شيئا من فن الرسم، ومن التاريخ والصرف، فكانت ~~كل معارفها على هذا النحو شيئا يسيرا من كل شيء، ولكم كنت ~~أنعم النظر في هذه المخلوقة والأسى يرين على قلبي؛ إذ أتمثل فيها ~~بداية عمل الطبيعة، ونهاية ما يأتيه المجتمع من التشويه! ولكم شخصت ~~بشخوصي أمامها إلى ليل مدلهم تلوح فيه شرارات ضئيلة من نور ~~عليل! # ولكم حاولت أن أشعل بعض الجمرات الخامدة تحت هذا الرماد، وقد ~~كانت حلة شعرها بلونه، فكنا ندعوها «ساندريون»! # وما كانت ثروتي تسمح لي بأن أعين لها معلمين، فتولى ديجنه ~~الإنفاق على تعليمها، ولكنها عجزت عن بلوغ أي نجاح، فما كان المعلم ~~يتوارى عن نظرها حتى تكتف يديها وتبقى الساعات الطويلة محدقة بما ~~وراء نافذتها. وكانت تمر الأيام على هذه الوتيرة، فتهددتها يوما ~~بأنني سأقطع عنها المال إذا هي لم تجتهد، فبدأت بالعمل دون إبداء ~~أية مقاومة، ولكني عرفت بعد ذلك أنها كانت تخرج ms075 خلسة من البيت، ولا ~~يعلم إلا الله إلى أين كانت تذهب، فرجوتها قبل أن أسرحها أن ~~تطرز لي كيسا، وقد احتفظت بهذا الكيس مدة طويلة كذخيرة حزينة، ~~وأبقيته معلقا على جدار غرفتي كأنه رسم لكل طلل عاف في هذه ~~الحياة. # أما الثانية فهذه قصتها: # وكانت الساعة العاشرة مساء، وكنا قضينا نهارنا في الرياضة ~~المتبعة، فتوجهنا إلى منزل ديجنه، وكان هو قد سبقنا إليه لإعداد ما ~~يلزم لليلة راقصة، ولما دخلنا البهو رأيناه مزدحما بالمدعوين، ~~وبينهم عدد وفير من الممثلات، وقد بين لي الصحاب السبب في دعوتهن ~~إلى الحفلات فقالوا: إن الرجال يتزاحمون عليهن. # وما وصلت إلى القاعة حتى اندفعت مع تيار الراقصين، وكنت شديد ~~الميل إلى رقصة «الفالس»؛ إذ ليس بين أنواع الرقص ما يماثلها خفة ~~ورشاقة، وليس غيرها إلا حركات لا معنى لها يقصد منها انتهاز الفرصة ~~للأخذ بأحاديث لا طائل تحتها. أما «الفالس» فرقصة تتيح لك أن تتمتع ~~بالمرأة التي تضمها نصف ساعة بين ذراعيك، وتسير بها بين تصادم ~~الراقصين وهي خفاقة الجوارح، فتكاد لا تعلم إذا كنت تغتصب إرادتها ~~أو تحمي ضعفها، وكم بين الراقصات من يستسلمن إلى قيادتك بخفر ~~تتدفق الشهوة منه، فلا تعلم ما يدور في خلدك: أشهوة هو أم حذر، ~~وتقف مرتابا في نفسك فلا تدري حين تشد بالراقصة إلى قلبك: أتترنح ~~ثملة أم تنقصف كالقصبة الضعيفة بين يديك. # لا ريب في أن ألمانيا التي اخترعت هذا النوع من الرقص بلاد ما ~~خفيت حقيقة الحب عن أهلها. # وكنت أخاصر راقصة رائعة الجمال تنتمي إلى المسرح الإيطالي، جاءت ~~إلى باريس لتمضية أعياد المرفع، وكانت بزي الراقصات في هيكل إله ~~الخمر ترتدي قفطانا من جلد النمور، وما كنت رأيت في حياتي امرأة ~~تشبه هذه المرأة في دلالها، فقد كانت ممشوقة القد، ناحلة القوام، ~~تنطلق في خطواتها بسرعة، ولكنك تخالها تنسحب انسحابا وهي تتقصف في ~~دلها، ولقد يحسب الناظر إليها أنها تتعب مراقصها، في حين أنه ~~لا يحس بها إلا كخيال ميال بين ساعديه. # وكانت هذه الغانية ms076 مزينة صدرها بطاقة كبيرة من الورد تورثني نشوة ~~أين منها نشوة الراح، وكانت تنطوي على ساعدي لأقل حركة كأنها من ~~الأماليد عاشقات الشجر، فإخالها بما فيها من ليونة وعذوبة خلابة ~~وشاحا من ناعم الحرير يلفني كأذيال الغمام. وكان عقدها المتدلي من ~~عنقها يهتز في كل دورة من دوران الرقص ضاربا على نطاقها المعدني، ~~فأسمع له صوتا خافتا كحفيف الغصون. وكان في حركاتها من الجلال ما ~~يوقفني منها أمام كوكب رائع يبتسم لي؛ فإخالها جنية تنشر جناحيها ~~لتعود أدراجها، وكأن الموسيقى الشجية الهائمة كانت تصدح من بين ~~شفتيها وهي مائلة برأسها إلى الوراء تكللها الضفائر السوداء، وقد ~~أرهق عنقها من ثقلها فالتوى. # وما انتهى دور الرقص حتى ارتميت على مقعد في زاوية القاعة، وكان ~~قلبي ينبض بسرعة قطعت أنفاسي، فهتفت قائلا: يا الله مما رأيت! يا ~~للمسخ الرائع! ويا لك من أفعى كلها حسن وجمال، تعرف كيف تلتف، وكيف ~~تتململ بجلدها اللين الأرقط! لقد علمتك حية الجنان المغوية كيف ~~تلتفين على شجرة الحياة وبين أسنانك ثمرة الموت. يا لك ساحرة ~~تتحكمين في قلوب الناس، وتعلمين ما يفعل بهم هذا الدلال وهو يتجاهل ~~قوته! وهلا تعلمين أنك تهلكين وتغرقين، وأن كل من لمسك سيحل به ~~العذاب، وأن ابتسامك وعبق أزهارك والاقتراب إلى ملاذك يؤدي إلى ~~الموت ... ذلك هو سر الحلاوة في افترار ثغرك، وتفتق أزهارك، فأنت ~~تعرفين هدفك عندما ترسلين معصمك متراخيا على الكواهل. # لقد أعلن الأستاذ هاللي حقيقة مروعة حين قال: «إن المرأة عصب ~~البشرية، والرجل عضلها.» وقد قال هومبولت العالم الجدي نفسه: إن ~~أعصاب البشر يحوطها إشعاع خفي، وأتباع سبلانزاني يعتقدون أيضا ~~أنهم اكتشفوا الحاسة السادسة. إن في هذه الطبيعة التي تقذف بنا إلى ~~الوجود، ثم تدفعنا إلى الموت وهي هازئة بنا، من القوات الخفية ما ~~يكفيها، فلا نضيفن إلى ما نتسكع به من ظلمات ظلمات ~~أخرى. # ولكن أي رجل يعتقد أنه تمتع بالحياة إذا هو أنكر سلطان المرأة ~~عليه، إذا هو لم يحس بارتعاش ساعديه بعد أن يكون خاصر ms077 امرأة جميلة ~~وراقصها، وإذا هو لم ينفذ إليه ذلك الشيء المجهول، أو تلك الكهارب ~~المسكرة التي تنتشر في المرقص حين تتعالى النغمات، ويكسف لهب ~~الجسوم أنوار المصابيح. وما تنتشر هذه الكهارب إلا من أجسام الحسان ~~فيتكهربن بها أولا، ثم تهب منهن كالعبق المتصاعد من مبخرة تتمايل ~~مع الرياح. # واستولى علي خبل مريع، وما كنت أجهل أن الحب يورث هذا الثمل، ~~وما كانت هذه أول مرة عرفته، ولكنني ما كنت أعلم من قبل أن بوسع ~~امرأة أن تدفع بالقلب إلى مثل هذا الخفوق، وأن تثير في المخيلة مثل ~~هذه الأشباح بجمالها، وبأزهارها، وبثوب مخطط كجلد الحيوان المفترس، ~~وبحركات دوران اقتبستها من أحد المهرجين، وبالتفاف معصم بض على ~~كتف، وذلك دون أن تنبس بكلمة أو تبدي فكرة واحدة كأنها تترفع عن ~~الاعتراف بعزتها وسلطانها. # وما كان ما أشعر به من الحب، بل من الظماء المحرق؛ فإنني لأول ~~مرة في حياتي كنت أشعر باهتزاز أوتار مشدودة مني على غير قلبي، فإن ~~تجلي هذا الحيوان الرائع لعيني كان قد استنطق وترا غير أوتار ~~القلب في أحشائي، وما كنت أحس بنفسي ما يدفعني إلى أن أقول لهذه ~~الغانية: إنني أحببتها، أو أعجبت بها، أو حتى لأعلن لها تقديري ~~لجمالها، بل كنت أشعر أن على شفتي تعطشا للالتصاق بشفتيها لأقول ~~لها: منطقيني بهذين المعصمين المتراخيين، وألقي على كتفي رأسك ~~المائل، وارشقي بهذه البسمة العذبة شفتي. # لقد عشق جسدي جسدها، فكنت من جمالها في سكرة كسكرة الراح. # ومر بي ديجنه فسألني عما أفعل حيث كنت، فأجبته: من هي هذه ~~المرأة؟ فقال: وأية امرأة تعني؟ فقبضت على ساعده وسرت به في ~~القاعة، ولحظت الإيطالية أننا نتجه نحوها فابتسمت، وإذ تراجعت ~~قليلا قال ديجنه: آه! لقد رقصت مع ماركو ... ~~- ومن هي ماركو؟ ~~- هي تلك المدللة الضاحكة هنالك ... فهل أنت معجب بها؟ ~~- لا، لقد رقصت معها، وأحب أن أعرف اسمها. وهذا كل إعجابي ~~بها. # وما قلت هذا إلا لأنني شعرت بشيء من الخجل، وإذ تولى ديجنه عني ~~ذهبت أنا نحو ms078 الإيطالية فاستوقفني قائلا: رويدك، يا أوكتاف، ليست ~~ماركو كسائر البنات، فهي في عهدة سفير ميلانو، وتكاد تكون زوجة له، ~~وقد جاءت إلى هذه السهرة مع أحد أصحاب السفير، غير أنني سأكلمها في ~~شأنك فلا أدعك تموت، إلا إذا لم يكن بد من موتك. سأحاول إبقاء ~~ماركو عندنا للعشاء. # قال هذا وتوجه إليها، فسادني اضطراب يعجز بياني عن تحديده، وما ~~بدأ بمحادثتها حتى تمشيا سوية وغابا عن عياني بين زرافات ~~المدعوين. # وكنت أناجي نفسي قائلا: أيمكن أن يصيب حدسي؟ أتكون هذه المرأة ~~هي من سأحب؟ ولكن ما لقلبي ولهذا، فإن حواسي وحدها تعمل عملها ~~بمعزل عنه. # وكنت أحاول بمثل هذا التفكير أن أهدئ روعي، وما طال انتظاري حتى ~~شعرت بيد ديجنه على كتفي وهو يقول: سنذهب إلى المائدة، وعليك أن ~~تشبك ساعدك بساعد ماركو؛ فهي تعرف أنك معجب بها، وقد تم الاتفاق ~~... # فقلت: اسمع، يا ديجنه، إن ما أشعر به يفوت إدراكي، فكأنني في رؤى ~~أشهد «فولكان» فيها يسحب رجله العرجاء ليطبق على «فينوس» ويشبعها ~~تقبيلا، ولحيته تعبق بدخان مصنعه، وهو يحدج بنظراته الزائغة جسم ~~إلهة الجمال البض مستغرقا في التحديق بها وهي كل ما يملك، ~~فيحاول أن يبتسم ويتظاهر بالارتعاش مسرة وحبورا، ولكنه في الوقت ~~نفسه يتذكر أباه كبير الآلهة «جوبيتير» الجالس على عرشه في ~~السماء. # وحدق ديجنه في وجهي، ولكنه لم يجب، بل قبض على يدي وجرني ~~قائلا: إنني جد متعب وأشعر بحزن؛ فإن هذا الصخب يقتلني. هيا بنا ~~إلى المائدة نستعد قوانا. # وجلسنا إلى مأدبة جمعت ما لذ وطاب، ولكنني كنت أشاهدها ولا أتمتع ~~بها؛ إذ كانت شفتاي ترتجفان في انقباضهما، وسألتني ماركو عما بي، ~~فبقيت شاخصا كالصنم أسرح أبصاري من رأسها إلى قدميها صامتا ~~ذاهلا. # وما تمالكت ماركو نفسها من الضحك، فضحك ديجنه معها من بعيد وهو ~~يرقبنا، وكانت أمامها كأس كبيرة من البلور تنعكس عليها الأنوار ~~فتتكسر على أضلاعها لتشع بالسبعة الألوان، ومدت يدها المتراخية ~~فملأت الكأس بخمرة قبرصية فيها حلاوة الشرق ونكهته، وقدمتها إلي ~~قائلة: ms079 هذه لك يا بني. # أخذت الكأس ثم أعدتها إليها قائلا: بل لك ولي. # ورطبت شفتيها من الحباب وأعادتها إلي، فكرعتها دفعة واحدة وأنا ~~أنظر إليها نظرات حزينة فاتتها معانيها. # فسألتني: أرديئة هي؟ ~~- لا. ~~- أمتعب أنت؟ ~~- لا. ~~- أتشكو صداعا. ~~- لا. # ما بك إذن إلا هموم غرام. # وظهرت على وجهها علائم الجد، وكنت أعلم أنها وليدة نابولي؛ لذلك ~~نبضت إيطاليا في قلبها عندما تفوهت باسم الغرام. # وفي هذه الأثناء كانت الدماء تتصاعد إلى الرءوس، والأقداح تتصادم ~~بين الأنامل، وبدأت الخدود تصطبغ بلون الخمر، فكأنها كانت تبرقع ~~أشد الوجوه اصفرارا كيلا تعلوها من الخجل حمرته، وكانت الضجة ~~تتعالى وتنخفض كأنها هدير أمواج، والأحداق ترسل لمعانها إلى كل صوب ~~ثم تذهب تائهة ... فكأن في القاعة نسمات خفية كانت تخفق فيها كل هذه ~~الأرواح الهائمة في نشوتها، وكل روح تتلمس طريقها إلى ~~سواها. # وهبت إحدى النساء من مكانها بين الحشد كما تتعالى على صفحة ~~البحر الساكن أول موجة تتنسم العاصفة فتعلو منذرة باقترابها. وقفت ~~وأشارت بيدها لينصت الحضور إليها، وكرعت كأسها ثم حولت أناملها ~~إلى شعرها تنثر غدائرها الذهبية على كتفيها وعلى صدرها المتهدج ~~بأنفاسه، فما أسمعتنا سوى نبرتين مختنقتين وامتقع لونها فجأة ~~فتراخت على مقعدها. # وقامت قيامة الحاضرين، فسادهم الهرج والمرج حتى نهاية السمر، فما ~~كان لأحد أن يتميز شيئا وقد اختلط الضحك بالغناء والصراخ. # وسألني ديجنه عما أقول في هذا، فأجبته بأنني لا أجد ما أقوله، ~~فما لي إلا أن أسد أذني وأسرح أبصاري ... # وبقيت ماركو ساكنة وسط هذه المعمعة، فلم تتكلم ولم تشرب، بل ~~أسندت رأسها بيدها وتاهت في أحلامها، وما كان يلوح على وجهها ما ~~يدل على تأثر أو استغراب، فقلت لها: أما تريدين أن تفعلي ما ~~يفعلون؟ لقد سقيتني خمرة الشرق، فهل لك بتذوقها؟ # قلت هذا وملأت كأسها دهاقا، فرفعتها ببطء إلى فمها وارتشفتها ~~حتى الثمالة، وبعد أن أعادت الكأس إلى المائدة عادت إلى ~~استغراقها. # وكنت كلما أدمت النظر إلى هذه الغادة أزداد استغرابا لحالها، ~~فهي لا تسر لشيء ولا ms080 يضايقها شيء ، بل تفعل ما يطلب منها، ولا ~~تقوم بأية حركة من تلقاء نفسها، فذكرتني بتمثال الراحة الأبدية، ~~فقلت في نفسي: لو نفخت روح في هذا التمثال لما كان يبدو لنا إلا ~~كماركو ثانية. # وكنت أقول لها: أأنت طيبة القلب أم أنت شريرة ... أحزينة أنت أم ~~مرحة ... أيروقك أن تحبي ... أتهوين المال والملذات ... وأي نوع منها ~~تفضلين ... أسباق الخيل أم الخمر أم الرقص ... أي شيء يعجبك ... وبماذا ~~تحلمين؟ # فما كنت أظفر منها إلا بجواب واحد على جميع هذا، وهو ابتسامة لا ~~حزن فيها ولا سرور، كأنها تعني الاستسلام وعدم المبالاة. # وقربت إلى مبسمها شفتي، فألقت عليهما قبلة متراخية تشبهها، ~~ثم رفعت منديلها إلى فمها، فصرخت بها: ويل لمن سيحبك يا ماركو ~~...! # فألقت إلي بنظرة من مقلتها السوداء، ثم رفعتها إلى العلا ~~وأشارت بأصبعها بحركة إيطالية لا تقلد، ولفظت بتمهل الكلمة ~~الكبرى الخاصة بنساء بلادها: لقد يكون ... # وقدمت أشكال الحلوى والفاكهة، ونهض فريق من المدعوين إلى القاعة ~~يدخنون ويلعبون، وما بقي على المائدة إلى العدد القليل، وكانت بعض ~~النساء تستسلمن للرقص، والبعض الآخر للنعاس، وعادت جوقة الموسيقى ~~إلى العزف، وتضاءلت أنوار الشموع، فاستبدلت بها سواها، فتذكرت ~~وليمة «بترون» حيث ما كانت تطفئ المصابيح حول من طرحهم السكر على ~~مقاعدهم، حتى يتسلل الخدم إلى المائدة ليسرقوا ما عليها من الأواني ~~الثمينة. # ودام الإنشاد يتعالى من أفواه الثلاثة المغنين الإنكليز ذوي ~~الوجوه الشاحبة. # ودعوت ماركو إلى الانصراف فنهضت واستندت إلى ذراعي، فشيعنا ~~ديجنه قائلا: إلى الغد. # وخرجت بها من القاعة، وكنت كلما اقتربت إلى منزلها يزداد خفوق ~~فؤادي، ويستولي الصمت علي لحيرتي في هذه الغانية التي تترفع عن ~~الشهوة كما تترفع عن الكره، وما كنت أدرك السر في ارتجاف يدي وهي ~~تلف هذه المخلوقة الساكنة الجامدة. # وبلغنا غرفة ماركو، فإذا هي على مثالها قاتمة تنتشر الشهوة في ~~جوها، وكانت منارة بمصباح من الرخام الناصع البياض يرسل في ~~جوانبها أشعة منكسرة، وكانت المقاعد كأنها أسرة وثيرة مشدودة ~~بالحرير على زغب الطيور، وما دخلت إلى ms081 هذا المسكن حتى هبت في ~~وجهي رائحة عطور تركية أصلية مستوردة من القسطنطينية، وهي أقوى ~~العطور تهييجا للأعصاب، وأشدها خطرا. # وقرعت ماركو جرسا، فجاءتها وصيفتها الفتية، وسارت وإياها إلى ~~الخدر، وما لبثت حتى انطرحت فيه على سريرها وقد أسندت وجهها بيدها ~~متراخية على عادتها. # ووقفت أمامها أمعن النظر فيها، وكنت كلما أوغلت في إعجابي، وكلما ~~ازداد انجلاء محاسنها لعيني، يستولي علي شعور غريب يبدد ما تثير ~~هذه المحاسن من شهواتي. # ولعلني كنت مأخوذا باستهواء من الإشعاع الخفي، فتحكم في ما في ~~هذه الغانية من سكون وجمود، وانطرحت متمثلا بها على المقعد ~~المستطيل قبالة سريرها، وتغلغل صقيع الموت في روحي. # إن نبضان الدم في العروق ليشبه حركة ساعة غريبة لا تسمعك ~~خفقانها إلا في الليل، ففي طيات الظلام تتوارى مشاغل الإنسان حوله ~~فيعود منكمشا على نفسه ليسمع حركة الحياة فيه. # وامتنعت جفوني عن الغمض بالرغم مما تحملت من متاعب نهاري ~~وأحزانه، وكانت عينا ماركو تحدقان بي، فكان كل منا شاخصا في الآخر ~~وقد خيم علينا السكون. # وقالت: ماذا يشغلك هناك؟ أفما تريد أن تجيء إلى جانبي؟ # فقلت: بلى ... إنك رائعة الجمال يا ماركو ... # وسمعت صوتا كأنه نبرة أنين، وكان ذلك صوت انقطاع وتر من قيثارة ~~ماركو، وأدرت وجهي نحو مصدر هذه الأنة، فرأيت أوائل أشعة الفجر ~~تلوح بنورها الباهت ستائر النوافذ. # نهضت فأزحت إحدى الستائر، فانتشر الضياء في جوانب الغرفة، ووقفت ~~لحظة أنظر إلى السماء فإذا هي مجلوة صافية الأديم. # وكررت ماركو دعوتها إلي، فأشرت إليها بأن تنتظر. # وكانت هذه الغادة اختارت لسكناها هذا الحي البعيد عن مركز ~~المدينة احتراسا، وكان لها منزل آخر تستقبل فيه أصدقاء عشيقها، ~~ولعل الغرفة التي كنا فيها ليست سوى موضع خلوة، فقد كانت تشرف على ~~حديقة اللوكسنبور التي رأيتها منبسطة أمامي. # وكنت أشعر في قرارة نفسي ~~بقوة أغالبها فلا أستطيع التحكم فيها، فكأنني منها كالقابض على ~~قطعة من الفلين يريد إغراقها في الماء، فتتململ بين أصابعه وتأبى ~~طبيعتها إلا الانفلات إلى سطحه، ولكنني عندما مددت ms082 بأنظاري إلى ~~مسارح الحديقة انتفض قلبي بين جنبي، فهب التذكار بي يبدد كل ~~فكرة تراودني. لكم هربت من المدرسة وأنا صغير لألجأ إلى ظلال هذه ~~الأشجار؛ حيث كنت أنطرح وبيدي كتاب من جامحات الأشعار! وتلك كانت ~~جميع ضلالات صباي، وا أسفاه ...! وتنبهت ذكرياتي البعيدة تشارفني من ~~الأشجار الباسقة العارية من أوراقها، وتتطلع إلي من خلال ~~الأعشاب الذابلة تحت ظلالها. إلى هنا أتيت مرة للتنزه مع أخي ~~ومعلمي، وكنت في العاشرة من عمري، فكنا نرمي بقطع الخبز إلى زرافات ~~الطيور الجائعة، وهنا جلست مرة منزويا أتفرج على رهط الفتيات ~~يرقصن فيرقص قلبي لنغماتهن: نغمات نشيد الأطفال، وهنا أيضا مررت ~~ألف مرة على الطريق ذاتها في رجوعي من المدرسة وأنا أقذف الحصى ~~برجلي، وأطارد بذهني بيتا من قصائد فرجيل. # شخصت مليا أمام هذه المشاهد فهتفت: هذه أنت يا طفولتي، وها أنت ~~هنا يا إلهي. # وأدرت طرفي في الغرفة فإذا ماركو نائمة وقد انطفأ المصباح، وكان ~~ضوء النهار قد بدل منظر الغرفة تبديلا، فإذا الورق الملصق على ~~الجدران، وكنت حسبته في الليل مستعيرا زرقة الآفاق، يكتسي لون ~~الأوراق الخضراء وقد أحالها الذبول، ورأيت ماركو، التمثال الرائع، ~~منطرحة على سريرها، ووجهها ممتقع كوجه الأموات. # وملكتني رعشة لم أقو على امتلاكها، فكنت أنظر تارة إلى السرير، ~~وطورا إلى الحديقة، فأشعر بثقل هائل يخفض رأسي المتعبة. # وتقدمت بضعة خطوات إلى مكتب كان مفتوحا قرب نافذة أخرى، فجلست ~~مسندا ساعدي إليه، والتفت بلا قصد أحدق برسالة تركت مفتوحة ~~عليه، وهي لا تتضمن إلا كلمات قليلة، فقرأتها مرارا دون أن أفهم ~~معناها حتى انجلت تدريجيا؛ فذعرت منها فجأة، وأخذت الورقة بيدي ~~أقرؤها، فإذا هي مشحونة بأغلاط الإملاء، وقد ورد فيها: # لقد ماتت أمس عند الساعة الحادية عشرة ليلا. شعرت ~~بانقباض فدعتني وقالت لي: لويزون، أنا ذاهبة للقاء ~~رفيقي. افتحي الخزانة وخذي منها الغطاء المعلق بمسمار؛ ~~فإنه كذلك الغطاء ... # جثوت باكية أمامها، فمدت إلي يدها صارخة: لا تبكي ... ~~لا تبكي ... ثم أرسلت زفرة ... # وكان باقي الصفحة ممزقا. # يصعب علي ms083 بيان ما فعلت بي هذه الأسطر الفاجعة. قلبت الرسالة ~~بيدي فإذا على ظهرها عنوان ماركو، وتاريخ اليوم المنصرم، فصرخت: ~~لقد ماتت ... ومن هي التي ماتت؟ # وتقدمت نحو السرير مناديا: من هي التي ماتت ...؟ # وفتحت ماركو عينيها فرأتني مستندا إلى سريرها والرسالة في يدي، ~~فقالت: هي أمي ... أفما تريد أن تأتي إلى جنبي ...؟ ومدت ذراعيها نحوي، ~~فقلت لها: اسكتي ... نامي ودعيني هنا، فانقلبت على جنبها لتستغرق في ~~نومها ثانية. # وشخصت إليها حتى تأكدت أنها لن تسمع حركتي، وتراجعت رويدا ~~وانسحبت من المكان. # | الفصل الخامس # وكنت وديجنه جالسين ذات مساء قرب الموقد والنافذة مفتوحة؛ إذ كنا ~~في أوائل مارس وقد انقطع مطر النهار، فهبت علينا من الحديقة ~~طلائع عبقات الربيع. # وقلت لديجنه: ماذا تريد أن تفعل في الربيع؛ فإنني أشعر بحاجة إلى ~~السفر؟ # قال: سأفعل ما فعلته السنة الماضية، فأذهب إلى الضاحية عندما ~~يحين الزمان. # فقلت: أفتريد أن تسير في كل سنة على وتيرة واحدة. # فقال: وماذا تريد أن أفعل؟ # فنهضت فجأة وصحت به: أجل، قلت حقا يا ديجنه ... فأنا قد تعبت من ~~كل هذا، أفما مللت أنت هذه الحياة؟ # فأجاب: كلا! # وكنت واقفا أمام رسم للمجدلية في الصحراء، فضربت يدا بيد بحركة ~~اغتصابية، فسألني ديجنه: ما هذا؟ # فقلت: لو كنت رساما ولاح لي أن أصور السآمة والضجر، لما كنت ~~أرسم رمزهما فتاة مستغرقة في التفكير وفي يدها كتاب. # فقال: هل تكيد لأحد هذا المساء؟ # ولم تستوقفني ابتسامته فقلت: إن هذه المجدلية الغارقة بدموعها لم ~~يزل صدرها ناهدا بالأمل، ويدها الناحلة التي تسند إليها رأسا لم ~~تزل تعبق بالعطر الذي سكبته على قدمي المسيح، وهذه الصحراء وما ~~حولها آهلة بأشباح أفكار تتجه بالصلاة إلى الله، فقل لي: أهذا هو ~~رمز السآمة والضجر؟ # فقال بصوت لا أثر للشعور فيه: ليس هنا إلا امرأة تطالع ~~كتابا. # فقلت: ولكن هذه المرأة سعيدة، والكتاب الذي تطالعه جليل. # وأدرك ديجنه ما أرمي إليه وأنا مستسلم للأسى، فسألني عما ألم ~~بي، ولكنني ترددت في الجواب، فكأن يدا ربطت ms084 على قلبي . # وبعد صمت قصير قال ديجنه: إذا كان هنالك ما يؤلمك فلا تكتمه عني ~~وأنت تعلم أنني لك خير صديق. # فقلت: أعلم أن لي صديقا، ولكن آلامي لا صديق لها. # وألح علي فقلت: إذا أعربت لك عما يخالجني، فما يفيدك ذلك ~~وأنت عاجز عن تفريج كربي، وأنا أعجز منك؟ أفتريد سبر أعماق سريرتي، ~~أم أنت تطلب كلمة أنتحل لك فيها الأعذار؟ # فقال: كن حر الضمير. # فقلت: اسمع إذن ... لقد بذلت نصحك لي فيما مضى، فاصغ إلي الآن ~~كما أصغيت حينئذ إليك. # قف أمام أي رجل كان وقل له: إن في الحياة أناسا يمضون أيامهم ~~في احتساء الخمر وركوب الخيل والضحك واللعب، واغتنام فرص الملذات ~~بأنواعها، فلا شيء يحول دون مضيهم على السبيل الذي اختاروه؛ ~~لأن شريعتهم تقوم على استحسانهم، يملكون من يشاءون من النساء لأنهم ~~أغنياء، ولا هم لهم، فكل أيامهم أعياد. # فإذا لم يكن هذا الرجل الذي تخاطبه من أهل الورع والتقى؛ فإنه ~~ليقول لك: إن هذه الحياة نهاية ما يتصوره الإنسان من سعادة على ~~الأرض. # خذ بهذا الرجل واقذف به إلى الحياة التي وصفت، أجلسه إلى مائدة ~~قرب امرأة، وضع كأسا في يده، وانفحه كل صباح ببدرة من الذهب وقل ~~له: هذه هي حياتك: بينما تكون نائما إلى جنب عشيقتك تكون خيولك ~~تحفش على مرابطها، وبينما تكون ممتطيا جوادك يقرع المنتزهات ~~بحوافره، يكون شرابك يغلي مختمرا في دنانه، وبينما تحيي ليلك ~~شاربا ثملا، يكون أرباب المصارف يعملون على إنماء ثروتك، فما ~~عليك إلا إبداء رغباتك لتنقلب أمانيك حقائق. أنت أسعد الناس، ولكن ~~حذار أن تفرط في الشرب في ليلة من لياليك، فتجد جسدك بعيدا عن ~~تذوق ملذاتك؛ لأن كل مصيبة تجد عزاءها ما عدا هذه المصيبة الدهماء. ~~لقد يكبو جوادك في الغاب وأنت تلهو بالطراد مع رفاقك فتتدهور إلى ~~مستنقع، وإذ تستغيث لا يصل صوتك إلى آذان هؤلاء الصحاب وقد أصمهم ~~السكر وجلبة الحبور. حذار أن يمروا بك دون أن يعثروا عليك ~~فيتوارون عنك وأنت تزحف بأعضائك ms085 المحطمة تحت جنح الليل. # لا بد أن تخسر بالمقامرة في ليلة من لياليك؛ فللحظ ساعاته ~~السوداء، فإذا ما عدت إلى منزلك لتجلس أمام موقدك، فحاذر أن تضرب ~~جبينك بيدك، وأن تدع الأسى يبلل أجفانك، وأن تدير لحاظك مفتشا عن ~~صديق. احذر بخاصة ألا يجمح بك خيالك إلى كوخ ينام فيه زوجان على ~~فراش الطمأنينة، وقد اشتبكت أنامل أحدهما بأنامل الآخر حتى في ~~الرقاد؛ لأنك لن ترى أمامك على فراشك الفخم الوثير من تسر إليه ~~نجواك سوى المخلوقة الشاحبة التي تتعشق دنانيرك، وإذا ما لجأت إليك ~~لتشرح صدرك؛ فلن يخفى عليها أمرك وسبب حزنك. إنها لتشعر بفداحة ~~خسارتك؛ فتذهب دموعك مثيرة في قلبها الشجون؛ لأن في دموعك هذه ~~خطرا يتهدد ثوبها بألا يتجدد، والخواتم التي تلمع في أناملها بأن ~~تسقط منها. # حذار، يا هذا، أن تفوه أمامها باسم من ربح مالك هذا المساء، ~~فلقد تلتقيه هي غدا فترسل إليه لحظات الإغواء من خلال ما يحوطك من ~~خرائب وأطلال. # ذلك هو الضعف البشري، أيها الرجل، فهل لك من قوة تحتمل مثل هذا ~~الضعف؟ # إذا كنت رجلا فاحذر السآمة، إنها لداء عياء، والميت خير من حي ~~سئم الحياة. # احذر الحب إذا كان لك قلب؛ لأن الحب عار الفاسقين، وخير لهم أن ~~يصابوا بأي داء من أن يصبحوا مهزلة في أعين أمثالهم المقدرين ~~لكل خليلة ثمنا، وليس للمرأة التي تبيع نفسها أن تحتقر أحدا إلا ~~الرجل الذي يحبها ... # إذا ما شعرت بالحب يجتاح قلبك فاحذر أن ينم وجهك عليه ... فما ~~يتخلى عن درعه إلا الجندي الجبان، وعلى الفاسق ألا يظهر تعلقه ~~بشيء؛ لأن ظفره قائم على أن لا يمس شيئا إلا بيد من رخام دهنت ~~بالزيت؛ كيلا يعلق عليها أثر مما تقبض عليه. # إذا كنت نزقا وأردت أن تحيا، فتدرب على القتل؛ لأن في الخمر ما ~~يقودك إلى المشاغبة، وإذا كان لك ضمير فاحترس من الساعة التي تلقي ~~فيها رأسك على الوساد؛ لأن الفاسق النادم بعد فوات الأوان يشبه ~~مركبا اخترقته مياه البحر، فليس ms086 له عن موقفه متقدم ولا متأخر، فلا ~~يسير إلى العباب، ولا يعود إلى البر، وعبثا تدفعه الرياح إذا ~~جذبته اللجج. إنه ليدور على نفسه ويغور ... # إذا كان لك جسد فاحذر الأوجاع، وإذا كان لك روح فاحذر القنوط، بل ~~احذر الناس بأسرهم - أيها الشقي - فإنك ما دمت سائرا في طريقك ~~التي تخيرت لتشهد سهلا فسيحا تدور عليه حلقات الراقصين متماسكات ~~متتابعات كدوائر الأزهار، ولكن ما تشهده ليس إلا سرابا خادعا في ~~قاحل الصحراء. # إن الناظرين إلى مواطئ أقدامهم يعلمون أنهم ينسحبون على صراط ~~ممتد فوق نهر عميق، ولكم تهاوى إليه السائرون فضمهم إلى سكونه، ~~فانطبقت عليهم صفحته الهادئة دون أن تتجهم. # حذار أن تزل بك القدم؛ فإن الطبيعة لتتراجع عنك بما في أحشائها ~~من حياة فتنكرك حتى الأشجار الباسقة، وأماليد الغاب. # لقد خرقت شريعة أمك، فأنكرك كل رضيع من إخوتك في الحياة. # احذر غضب الله، أيها المنفرد؛ لأنك تنتصب أمام وجهه الكريم ~~متحجرا كالصنم على قاعدة إرادتك المتمردة، فما تغدق السماء عليك ~~رشاشها إلا لتفت من أعضائك، وتذيب هيكلك، وما يهب الهواء عليك ~~لينفحك بقبلة الحياة، وهي قبلة التوحيد بين جميع الأحياء، بل يعصف ~~عليك عصفا ليهزك ويقوضك تقويضا. إن كل امرأة تضمها إليك ستجتذب ~~شرارة من قوتك دون أن تبادلك شرارة من قوتها؛ فما أنت إلا حقيقة ~~تترامى متهالكة على أشباح، وحيث تسقط نقطة من عرق جبينك تنبت شجرة ~~من مظللات القبور. # مت، فما أنت إلا عدو لكل من يحب، ولكل ما يحب ... انقبض على ذاتك ~~في عزلتك وانفرادك، ولا تتوقع أن تبلغ نهاية عمرك. اذهب ولا تبق ~~منك على الأرض نسلا تستبقي فيه للحياة دما من دمك ~~المفسود. # تبدد كالدخان ولا تحرم بظلك حبة القمح النابتة من نور ~~الشمس. # وما انتهيت من هذا الخطاب حتى استلقيت على المقعد وقطرات الدموع ~~تتساقط من عيني، وأنا أعول قائلا: أليس هذا ما قلته لي أنت يا ~~ديجنه؟ أفما كنت تعرف هذا من قبل؟ وإذا كنت عرفت فلماذا لم ~~تتكلم؟ # وكان ديجنه مشبكا ms087 أنامله وقد علته صفرة الموت وانهمر الدمع من ~~عينيه. # وساد بيننا السكوت، وقرعت الساعة فذكرتني فجأة أنني في مثل هذا ~~اليوم وهذه الساعة منذ سنة تكشفت لي خليلتي مخادعة خائنة. # فصحت بديجنه: أتسمع دقات هذه الساعة؟ أتسمعها ... إنني لا أعلم ~~بماذا تنذرني؟ ولكنني أشعر أنها ساعة رهيبة سيكون لها شأنها في ~~حياتي. # وكنت أتفوه بهذه الكلمات وأنا مسلوب الإرادة، مضعضع الحواس، وفتح ~~الباب فجأة في تلك اللحظة نفسها، ودخل القاعة أحد الخدم، فأخذ بيدي ~~وانتحى بي إلى زاوية وأسر إلي قوله: أتيت لأخبرك يا سيدي بأن ~~أباك على فراش الموت؛ فقد أصيب بالشلل، ولا أمل للأطباء في ~~حياته. # | الجزء الثالث # | الفصل الأول # وكان والدي يقطن ضاحية قريبة من باريس، وعندما وصلت إلى المسكن ~~رأيت طبيبا واقفا أمام الباب فقال لي: لقد وصلت متأخرا، وكان ~~أبوك يتمنى لو يراك للمرة الأخيرة. # دخلت فإذا والدي مسجى وقد فارقته الحياة، فقلت للطبيب: أرجوك ~~أن تبعد كل من في الغرفة. دعني وحدي؛ فقد كان لوالدي ما يقوله لي، ~~ولسوف يقول كلمته الآن. # وخرج الخدم فتقدمت إلى السرير ورفعت الغطاء عن وجه الميت، ولكنني ~~ما ألقيت نظري عليه حتى تراميت لتقبيله فأغمي علي. # ولما أفقت على فراشي في غرفة أخرى سمعت من حولي يقولون: لا ~~تدعوه يذهب وإن أصر. انتظرت حتى رقد جميع من في البيت، وأخذت ~~مصباحا وتوجهت إلى غرفة الميت، فوجدت فيها كاهنا فتيا جالسا ~~قرب السرير، فقلت له: لا حق لك بأن تنازع ولدا ليلة أخيرة يقضيها ~~قرب أبيه. لا أعلم ماذا قيل لك بشأني، غير أنني أرجوك أن تدخل إلى ~~الغرفة المجاورة، وأنا اتخذ على عاتقي كل تبعة قد تقع عليك. # ذهب الكاهن، فقعدت مكانه ومددت يدي أكشف للمرة الثانية عن هذه ~~الملامح التي قضي علي بألا أراها بعد. # وخاطبت الميت قائلا: ماذا كنت تريد أن تقوله لي يا أبي؟ لقد ~~أدرت لحاظك مفتشا عني قبل انطفاء عينيك، فما كانت فكرتك الأخيرة ~~يا ترى؟ # وكان والدي يكتب مذكرات يدون فيها وقائع ms088 أيامه، وكان كتاب هذه ~~المذكرات مفتوحا على الخوان، فتقدمت إليه وجثوت، فإذا على الصفحة ~~الأخيرة هذه الكلمات: # الوداع يا ولدي ... أحبك ... وأموت. # جمدت دموعي، واختنقت زفراتي، فكأن يدا شدت على عنقي وختمت على ~~فمي، فوقفت شاخصا بالميت المسجى أمامي، وما كان في حياته يجهل ما ~~كانت عليه حياتي، فقد كان يشكوني إلى نفسي ويوجه إلي التقريع، ~~وما اجتمعت به مرة إلا وحدثني عن مستقبلي، وتناول باللوم مآتي ~~شبابي، ولكم أنقذتني نصائحه من تهلكة! فقد كان لإرشاده قوته ~~المستمدة من فضيلته؛ لأنه كان مثال الدعة ومكارم الأخلاق، وقد كان ~~يتمنى لو يراني قبل موته ليردني عن السبيل الضلول الذي توغلت فيه، ~~ولكن المنية عاجلته فلم تدع له إلا كلمة واحدة يقولها، فقال: إنه ~~يحبني ... # | الفصل الثاني # وكان قبر والدي يحوطه سور من خشب؛ لأنه أراد أن يدفن في القرية، ~~فكنت أذهب كل يوم لأقضي ساعات على مقعد صغير موضوع داخل السور، ثم ~~أعود إلى المسكن الذي كان يقطنه ولا رفيق لي إلا خادم واحد. # مهما فعلت أحزان الشهوة في النفوس، فما هي إلا آلام حياة، وهل ~~تقاس آلام الحياة بأحزان الموت؟ إن أول ما تبادر إلى ذهني حين وقفت ~~إلى جنب سرير والدي الميت هو أنني ولد جاهل لا يعلم شيئا، ولا ~~يعرف شيئا، وعندما ربط الأسى على قلبي شعرت به كألم في جسدي حتى ~~كنت أتلوى كمن أفاق من غفلة، فشعر بجهله، وأحس بآلامه. # ومضت الشهور الأولى علي في الضاحية وأنا ذاهل لا أذكر الماضي ~~ولا أبالي بالمستقبل؛ فما كنت أشعر أن من عاش فيما مضى كان إياي، ~~وما كان ما يستولي علي في ذلك الحين ليشبه آلام اليأس الثائر ~~التي كانت تقبض علي من قبل، بل كان نوعا من الجمود والتعب، ~~فكأنني كرعت السآمة فوجدت لها مرارة تتشنج لها أحشائي. # وكنت أجلس طيلة نهاري إلى كتاب أتصفحه ولا أقرأ، بل أنظر إليه ~~لأسبح في أجواء تشبه العدم؛ لأنني كنت فقدت التفكير، فاستغرقت في ~~سكينة مطبقة؛ فإن ما صدمت به ms089 كان من العنف والاستمرار على قوة نالت ~~مني حتى غدوت كالمسلوب تنقر أعصابه فلا تجيب. # وكان خادمي «لاريف» شديد التعلق بوالدي، ولعله كان خير الناس ~~بعده في تقديري، وكان من سنه ومن قده، ويلبس ما يهبه إياه من ~~أثوابه، وقد وخط الشيب شعره بعد أن قضى عشرين سنة في خدمته، فاقتبس ~~شيئا من حركاته. # وكنت بعد العشاء أتمشى في الغرفة فأسمع وقع أقدام خادمي يتمشى ~~أيضا في الدار، وما كان يدخل إلى الغرفة بالرغم من تركي الباب ~~مفتوحا، ولكنا كنا نلتقي من حين إلى حين فيرى أحدنا الآخر من ~~خلال دموعه، وهكذا كانت تمر ليالينا، فما كنت أطلب من الخادم إشعال ~~المصباح إلا بعد أن يكون مضى وقت طويل على غروب الشمس. # وكان البيت لم يزل على ترتيبه القديم، فما زحزح الخادم ولا أنا ~~ورقة من موضعها، فكان مقعد والدي لم يزل قرب الموقد، وبقي الخوان ~~والكتب والرياش في مواضعها. وكنت أحترم الغبار الذي علا هذه ~~الأشياء، وعندما كنت أرتدي مباذل أبي وأسترخي على مقعده كان يخيل ~~إلي أن في الجدران عيونا ترمقني بلحظات الإشفاق، وأنني أسمع ~~همسا يقول: أين مضى الوالد ... فما يتربع على كرسيه إلا اليتيم ~~...؟ # ووردت إلي بعض الرسائل من باريس، فأجبت الجميع أنني أنوي تمضية ~~الصيف في الضاحية وحدي جريا على عادة أبي، وبدأت أدرك أن في كل ~~شر بعض الخير، وأن الآلام العظمى مهما قيل فيها راحة عظمى، فإذا ~~ما تكشف المقدور لنا من علم غيب الله؛ فإنه ليصدعنا لينبهنا من ~~غفلات الحياة، وإذا ما تكلمت هي أسكت صوتها كل صوت، وإذا كانت ~~الآلام الموقوتة تجدف شاكية ظلم السماء؛ فإن الآلام المستمرة ~~الكبرى لا تجدف ولا تشكو، بل تخضع وتتنبه لتسمع وتعي. # وكنت كل صباح أقف الساعات الطوال متأملا في مشاهد الطبيعة، ~~وكانت نوافذ غرفتي تطل على واد عميق يرتفع من وسطه جرس المعبد على ~~قبابه، فكان كل ما يمتد نظري عليه ينم عن البساطة والفقر، وما كانت ~~مشاهد الربيع بأزهاره المتفتقة وأوراقه الغضة لتثير ms090 في نفسي ما ~~يتخيله الشعراء من التفجع؛ إذ يرون في انجلاء الحياة ابتسامة ~~ساخرة بالموت، ولا أرى من يقول بهذا القول إلا مغالطا، أو شاعرا ~~بقلب لم يتكامل الشعور فيه. # إن من يخرج عند بزوغ الفجر من قاعة المقامرة وقد فرغت يده يمكنه ~~أن يشعر أن بينه وبين الطبيعة عداء ونضالا، فهو أمام أنوار الشفق ~~كمصباح ليلة فاجرة ... ولكن ما يمكن أن تسر به الأوراق المطلة من ~~غصون الربيع للولد المنتحب على أبيه؟ وما دموع عينيه إلا أخوات ~~الأنداء، وهل أوراق الصفصاف نفسها إلا قطرات دموع؟ # لقد نظرت طويلا إلى السماء والغاب والمروج، فأدركت أن تعزية ~~الناس للناس إنما هي تعلة من بنات الخيال، وما كان لاريف ليخطر له ~~أن يعزي نفسه، أو يوجه إلي عبارات التعزية؛ فقد كان هذا الرجل ~~يخشى أن أبيع البيت وأذهب به إلى باريس، ولعله كان مطلعا على ~~حقيقة حياتي الماضية؛ إذ كانت تبدو عليه دلائل القلق في أول الأمر، ~~ولكنه عندما رآني أعد المنزل لأقيم فيه شعرت بنفوذ نظراته إلى ~~أعماق قلبي، وكان ذلك يوم استحضرت من باريس صورة كبيرة لأبي علقتها ~~على جدار غرفة الطعام. ولما دخل لاريف ورأى هذه الصورة أخذه ~~الذهول، وبدأ ينقل نظراته من رسم والدي إلى وجهي، وفي هذه النظرات ~~من تساوي الحزن والفرح ما يصعب التعبير عنه، فكأنه يقول لي: ~~يا للسعادة! لسوف نستغرق بسكون في حزننا. # ومددت له يدي فأوسعها تقبيلا، وكان هذا الخادم يعتني بأحزان ~~سيده كأنها سيدة أحزانه، وكنت كلما ذهبت في الصباح إلى القبر أرى ~~أنه سبقني إليه وسقى أزاهره؛ لينسحب عند وصولي ويخلي لي ~~المكان. # وكان يتبعني عندما أمتطي جوادي وأذهب متنزها في الغاب، فأراه قد ~~أطل علي في الوادي ماشيا يسير ورائي وهو يمسح عرق جبينه ~~لاهثا، فاشتريت له فرسا من أحد الفلاحين، وهكذا أصبحنا كلانا ~~نذهب متجولين في الغاب. # وكان في القرية من معارف أبي من كانوا يزورونه أحيانا، ولكنني ~~اضطررت إلى قفل بابي دون كل زائر، وإن صعب ذلك علي، ms091 فما كان لي جلد ~~على مقابلة أحد. # وفكرت يوما أن أطلع على أوراق والدي، فقدمها لي لاريف بيد ~~خاشعة مرتجفة، ففك رباطها ونثرها أمامي، وما تلوت الصفحات الأولى ~~منها حتى شعرت بانتعاش كأن نسمات عليلة هبت علي من جوانب بحيرة ~~صافية ساكنة، وكنت كلما قلبت صفحة ونفضت عنها غبار الزمان عبقت ~~منها كالعطر حياة أبي تتوالى يوما بعد يوم، فأعد فيها خفقان ~~فؤاده، وأستعرض وقائعها كحقول مساع كلها جد، وقد نبتت في كل ~~جوانبها أزاهر العطف والنبل، وتمازجت ذكريات حياته بتذكار موته، ~~فكنت أتتبع هذه الحياة تتحدر كالجدول الصافي نحو بحر الموت. # وهتفت في صمتي: أيها الرجل الصالح الذي لم يعرف الخوف، ولم يتدنس ~~بلؤم، لكم كنت طاهرا في جهادك، ومخلصا في ولائك، ووفيا في حبك ~~لزوجك أمي، لكم كنت معجبا بالطبيعة، ومتعبدا لربك! فحصرت في هذه ~~العواطف كل حياتك، ولم تدع لسواها منفذا إلى قلبك، فما كانت ~~الثلوج على أعالي الجبال بأنقى من ناصع شيبك في شيخوختك الصالحة، ~~ألق هذا الشيب على رأسي يا أبي؛ فإن فيه من الشبيبة ما ليس على ~~شعري الذهبي. هبني أن أعيش كما عشت أنت، وأن أموت كما مت، فإنني ~~أريد أن أغرس في التراب الذي يواريك غصنا ناضرا لحياتي الجديدة، ~~فأسقيه من دموعي، والله راعي كل يتيم، ينمي هذا الغرس المقدس ~~ليظلل أوجاع ولد، وتذكار شيخ. # وبعد أن اطلعت على الأوراق جميعها، قررت أن أدون أنا أيضا ~~تذكارات أيامي، فأعددت لها كتابا على مثال كتاب والدي، وبدأت ~~بالسير على آثاره، وطبع حياتي على غرار حياته، فكانت الساعة كلما ~~دقت تذكرني بحركة من حركات أبي، وسكنة من سكناته، فكنت أتبع ~~في الطعام والقراءة والتنزه الخطة التي اتبعها هو، فتعودت الحياة ~~الهادئة المنظمة تدخل الطمأنينة إلى قلبي طول نهاري، حتى إذا جاء ~~المساء رقدت مستكنا وأنا أشعر بالغبطة حتى في أحزاني. # وكان والدي شديد الميل إلى العمل في الحديقة، فيوزع أوقاته بعد ~~حرثها توزيعا متساويا بين المطالعة والتنزه، فيعطي لعقله ولجسده ~~ما يحق لكل منهما، ms092 واقتديت بأبي أيضا في أعمال البر متمما ما ~~بدأ به، فكنت أذهب مفتشا عمن أتمكن من مد يد المساعدة لهم، وعددهم ~~وفير في الوادي حتى اشتهرت بينهم، وهكذا - لأول مرة في حياتي - ~~شعرت بالسعادة، فليس كالرحمة ما يطهر الأحزان ويقدسها؛ فقد بارك ~~الله دموعي، فتعلمت الفضيلة من الآلام ... # | الفصل الثالث # وكنت أتمشى ذات مساء عند مدخل القرية تحت ظلال الزيزفون، فرأيت ~~سيدة فتية تخرج من أحد المساكن المنفردة، وكانت مقنعة ومرتدية ~~أثوابا على غاية من البساطة، غير أن قامتها الهيفاء، وخطراتها ~~الرشيقة استوقفتني، فاتبعتها بنظري، وعندما وصلت إلى المرج كان ~~هنالك جدي أبيض يرتعي منفردا، فلما رآها قفز لملاقاتها، ~~فأمرت يدها على رأسه وتلفتت يمينا وشمالا كأنها تفتش عن ~~أوراق خضراء تقتطفها له، وكان قربي شجرة من التوت البري، فقطعت ~~منها غصنا وتقدمت به نحو الجدي، فتقدم هو أيضا نحوي ولكن بخطوات ~~متمهلة، حتى إذا دنا من الغصن وقف وجلا ينظر إلى صاحبته كأنه ~~يتوقع صدور أمرها، فأشارت إليه لتشجعه على الإقدام، غير أنه لبث ~~خائفا حتى جاءت ووضعت أناملها على الغصن، فاختطفه الجدي من يدي، ~~والتفتت المرأة المجهولة إلي مسلمة وسارت في طريقها. # ورجعت إلى البيت، فدعوت لاريف ووصفت له المسكن المحاط بالحديقة ~~الصغيرة عند مدخل القرية، واستفسرت منه عن سكانه، فقال: إن من ~~يقطنه سيدتان: إحداهما عجوز مشهورة بالتقوى، والأخرى تدعى مدام ~~بيارسون، وهي السيدة التي رأيتها، ولما استعلمت عنها وعما إذا كانت ~~زارت والدي من قبل قال: إنها تعيش منعزلة، وإنه قليلا ما رآها عند ~~والدي. # ولم استزده إيضاحا، بل عدت إلى ممشى الزيزفون وجلست على مقعده، ~~فاقترب الجدي مني يلاطفني، فشعرت بحزن عميق يستولي علي، ونهضت ~~أرسل بصري على الطريق التي كانت مدام بيارسون قد اتجهت إليها، ثم ~~اندفعت أتخطاها وأنا ذاهل حتى توغلت في الجبل. # وكانت الساعة الحادية عشرة مساء عندما خطر لي أن أعود أدراجي، ~~ولكنني رأيت مزرعة قريبة مني، فتوجهت إليها لأتناول فيها قدح لبن ~~وقطعة خبز، وكنت من جهة أخرى شعرت بنقط ms093 كبيرة تتساقط من الغمام ~~منذرة بعاصفة شديدة، فقصدت بيت المزرعة وطرقت بابه، فما أجابني أحد ~~بالرغم من وجود نور فيه، فتقدمت إلى النافذة، وتطلعت فإذا في ~~الباحة نار مشبوبة، والزارع الذي كنت أعرفه جالس قرب فراشه، وضربت ~~على زجاج النافذة لأناديه، فإذا بالباب يفتح فجأة ومدام بيارسون ~~تظل منه سائلة: من الطارق؟ # وما كنت لأتوقع أن أرى هذه السيدة، فما خفي عليها ~~اندهاشي. # دخلت الغرفة لاجئا من المطر، وإذ كنت أتساءل عن سبب وجود هذه ~~السيدة في هذا المكان في مثل هذه الساعة المتأخرة، سمعت أنينا، ~~فأدرت وجهي نحو مصدره، فإذا امرأة الزارع منطرحة على سريرها وقد ~~رسم الموت طابعه على وجهها. # وقعدت مدام بيارسون تجاه زوج العليلة وقد انهدم في جزعه وحزنه، ~~وأشارت إلي بعدم الإتيان بأقل حركة؛ لأن المريضة كانت نائمة، ~~فأخذت مقعدا وجلست منتظرا مرور العاصفة. # وكانت مدام بيارسون تنهض من آن لآخر لقرب فراش المريضة، ثم تعود ~~لتقول للزارع بعض كلمات بصوت خافت، وكان أحد أطفال البيت قد اقترب ~~مني فأجلسته على ركبتي، فقال لي: إن هذه السيدة تجيء كل مساء ~~لعيادة أمه، وإنها تمضي الليل عندهم بعض الأحيان؛ لأنها كانت تعتني ~~بالمريضة لعدم وجود راهبات في هذه الأنحاء، وأضاف الولد إلى هذه ~~المعلومات قوله بصوت جد منخفض: ليس من ممرضة سواها، ولا طبيب عندنا ~~إلا الطبيب الجاهل ... أما هي فتدعى بريجيت الوردية، أفلا ~~تعرفها؟ # فقلت: لا، ولكن لماذا يلقبونها بالوردية؟ # فقال: لا أدرى، ولعلها احتفظت بهذا اللقب منذ كانت بائعة ~~ورود. # وكانت مدام بيارسون نزعت قناعها، ولما نزل الولد عن ركبتي نظرت ~~إليها، فإذا هي واقفة أمام سرير المريضة تقدم لها كأسا لتشربها ~~وقد انتبهت هذه المريضة من نومها. وكانت الممرضة شاحبة الوجه، ~~ممتقعة اللون، ذات شعر أشقر يضرب إلى الرمادي، وما أدري ما أقول عن ~~جمالها، غير أنني حين رأيتها تحدق بعينيها السوداوين بعيني ~~المريضة، والمريضة تعلق أبصارها بها، رأيت بين لحظات هذا ~~الإحسان وهذا الامتنان نوعا من الجمال يقصر عن وصفه كل ~~بيان. ms094 # واشتد انهمار المطر، وغرقت الحقول المقفرة بالظلام تمزقه من حين ~~إلى حين بروق خاطفة تتبعها قعقعة الرعود، فكان زئير العاصفة، وأزير ~~الريح، وثورة العناصر خارج الكوخ يزيد رهبة ما في داخله من صمت ~~خاشع، فيبدو المشهد أمامي أشد روعة في قدسيته. # وكنت أجيل الطرف فيما حولي على الجدران الحقيرة، وزجاج النوافذ ~~تقرعه الأمطار، والضباب الكثيف تقذفه العاصفة كالدخان، فأرى يأس ~~الزارع في جزعه الجامد، وذعر الأطفال، وهذه المدنفة تحاصرها كل هذه ~~العناصر الثائرة الصاخبة، وأرى قربها على هذا المسرح الفجيع هذه ~~المرأة المنتصبة بشحوبها ولطفها تذهب وتجيء كأنها تجس الأرض جسا ~~وهي مستغرقة بما تهتم به، فلا تبالي بالعاصفة ولا بأحد ممن ينظرون ~~إليها حتى كأنها لا تبالي بجرأتها وإقدامها، فكنت أشعر أن بهذا ~~العمل المبرور من الصفاء في رصانته ما هو أبهى من صفاء السماء وقد ~~انقشعت عنها الغيوم، فأنظر إلى هذه المرأة كأنها مخلوق أسمى من ~~البشر؛ لأنها وقد أحاطت بها كل هذه المفجعات لم يداخلها الشك لحظة ~~في وجود ربها ورحمته. # من هي يا ترى هذه المرأة؟ ومن أين أتت؟ وهل هي هنا منذ زمن ~~بعيد؛ إذ يذكر الناس أنها كانت بائعة ورود؟ لماذا لم أسمع بها من ~~قبل؟ لقد جاءت وحدها إلى هذا الكوخ في مثل هذه الساعة، فهي إذن لا ~~تسارع إلا إلى حيث تدعوها المصائب والأخطار، فتتجول تحت العواصف ~~بين الغابات في الجبال مقنعة تحمل الحياة لمن يحتاجون إلى ~~الحياة، وبينما تحمل كأس الدواء للأعلاء لا تنسى أن تلاطف جديها ~~الأبيض في طريقها. # إن هذه المرأة تسير بخطواتها المتزنة الهادئة لمكافحة الموت ~~ماشية بالخطوات نفسها إلى موتها. # هذا ما كانت تفعله هذه المرأة في هذا الوادي بينما كنت أنا أرتاد ~~قاعات الميسر، وأمشي على سبيل الضلال، ولعلها ولدت في هذا الوادي، ~~وستدفن في مقبرته بالقرب من لحد أبي المحبوب، فتذهب من الدنيا دون ~~أن يعرفها الناس، وهي التي يسألك الأطفال وهم يذكرونها: أفما تعرف ~~بريجيت الوردية؟ # ليصعب علي بيان ما كنت أشعر به وقد ms095 وقفت في زاوية لا أبدي ~~حراكا ولا أتنفس إلا مرتجفا، ولاح لي أنني إذا تقدمت لمساعدة هذه ~~المرأة لأوفر عليها خطوة من خطواتها، أرتكب خرقا، وألمس بيدي ~~الدنسة آنية مقدسة. # ودامت العاصفة ساعتين حتى سكنت، فأفاقت العليلة وجلست على فراشها ~~وهي تقول: إنها تشعر بالراحة، فقد أفرج عنها بعد أن تناولت الدواء، ~~فتراكض الأطفال إلى أمهم ينظرون إليها، وقد تمازج في عيونهم الفرح ~~والاضطراب، وأمسكوا برداء مدام بيارسون. # وقال الرجل وهو لا يتزحزح من مكانه: كنت أتوقع هذا لأننا عهدنا ~~إلى الكاهن بأن يصلي، وقد كلفنا ذلك كثيرا من المال. # وعندما سمعت هذه الكلمات الدالة على الخشونة والحمق، التفت إلى ~~مدام بيارسون فرأيت من تعب جفونها، ومن التواء قامتها وامتقاع ~~وجهها أن التعب والسهر ذهبا بكل قواها، وسمعت العليلة تجاوب زوجها ~~قائلة: جزاك الله خيرا يا زوجي المسكين. # ونهضت من مكاني وقد ثار ثائري لحماقة هؤلاء الناس الذين ~~يعبرون عن امتنانهم لملاك بتوجيه الثناء إلى بخل كاهن، وكنت ~~على وشك تقريعهم على عقهم، ومعاملتهم بما يستحقون، ولكنني رأيت ~~مدام بيارسون ترفع بذراعيها أحد الأطفال لتقدمه إلى أمه قائلة ~~له: قبل أمك فقد زال عنها الخطر. # وجمت إذ سمعت هذه الكلمات، وتفرست في وجه هذه المرأة، فرأيت عليه ~~أوضح اغتباط تنم عنه روح محسنة كريمة، وكانت آثار التعب قد زالت عن ~~ملامحها، فطفح وجهها بالبشر، ورفعت شكرها لله أيضا. إن كل ما كانت ~~تطمح إليه هذه الممرضة هو أن تتكلم المدنفة. أما وهي تتكلم فلتقل ~~ما تشاء ... # وبعد برهة طلبت مدام بيارسون من الأولاد أن ينهضوا خادم المزرعة ~~من رقاده ليوصلها إلى بيتها، فتقدمت أطلب إليها أن أسير معها ~~حارسا ما دمت ذاهبا في الطريق نفسها، وأعلنت لها أنني أعد قبولها ~~شرفا لي، فسألتني: أفأنت أوكتاف ت؟ فأجبتها: أنا هو، وسألتها ما ~~إذا كانت تذكر والدي، واستغربت ابتسامها عندما أوردت هذا السؤال، ~~ولكنها أخذت بساعدي وخرجنا بسرور إلى الطريق. # | الفصل الرابع # وكنا نقطع الطريق صامتين، وسكنت العاصفة، فارتعشت الأشجار تنفض ~~عن ms096 أغصانها قطرات الأمطار، وكان لم يزل على الأفق البعيد ومضان ~~لبقايا البروق، وهبت من الأعشاب الرطيبة عبقات نشرها الهواء وقد ~~دبت الحرارة فيه، وانقشعت السحب عن وجه السماء، فغمر القمر بأنواره ~~قمم الجبال. # وذهب فكري يتلمس من الصدف أسرارها، وقد عجبت لها تجمع في ساعات ~~بيني وبين امرأة ما كنت لأظن أنها موجودة عندما أشرقت الشمس، وها ~~أنا ذا أصحبها في طريقها المقفر في العراء تحت جنح الليل. # لقد قبلت هذه المرأة أن ترافقني لوثوقها من شرف محتدي، فهي الآن ~~تستند إلى ذراعي وتسير معي مستسلمة مطمئنة. # وكنت أرى في هذه الثقة كثيرا من الجرأة، أو كثيرا من السذاجة، ~~وشعرت أن رفيقتي تجمع بين هذه وتلك؛ لأنها بهذه القوة المزدوجة ~~دفعت بقلبي إلى عاطفة الطهر والافتخار. # وبدأ حديثنا يدور على المريضة التي تركنا في الكوخ، ثم تحول إلى ~~مشاهد الطريق، وما خطر لأحدنا أن يوجه إلى الآخر ما يوجهه ~~المتعارفان حديثا، وتكلمت مدام بيارسون عن أبي باللهجة نفسها التي ~~ذكرته بها للمرة الأولى؛ أي بلهجة فيها شيء من السرور الرصين، ~~فبدأت أفهم كلما توغلت في الحديث معها سبب تكلمها بهذه اللهجة، لا ~~عن الموت فحسب، بل أيضا عن الحياة وما فيها من حوادث وآلام، ~~فأدركت أن ليس في الأرض من ألم تراه مبعثا للشكوى من الله؛ لذلك ~~كان ابتسامها عبادة وتسليما لإرادته. # وحدثتها عن حياة العزلة التي اختارتها فقالت: إن عمتها كانت ~~تجتمع بوالدي أكثر مما كان يتسنى لها أن تجتمع به هي؛ لأن عمتها ~~كانت تلعب وإياه بالورق في السهرات، وأخيرا دعتني إلى ~~زيارتها. # وعندما وصلنا إلى منتصف الطريق أحست بالإعياء، فجلست على مقعد ~~كانت وقته الأغصان الغضة بلل الأمطار، فوقفت أمامها أنظر ~~إلى أشعة القمر الباهتة تنير جبينها، وبعد دقائق نهضت، وإذ رأتني ~~ذاهلا قالت: بماذا تفكر؟ أفما آن لنا أن نستأنف السير؟ ~~- كنت أفكر في الغاية التي خلقك الله لها؛ فأدركت أنه أوجدك رحمة ~~للعالمين. ~~- إنها لكلمة لا أحملها منك إلا على محمل الإطراء. ~~- ولماذا؟ ~~- لأنه يلوح ms097 لي أنك لم تزل في ريعان العمر. ~~- أفليس في العالم من بلغوا من العمر أكثر ما تدل سيماؤهم ~~عليه؟ ~~- لقد يكون ذلك، كما أنه يمكن للإنسان أن يأتي بأقوال أنضج ~~منه. ~~- أفما تعتقدين بالاختبار؟ ~~- إن ما أعرفه عنه هو أن أكثر الناس يلقون اسمه على أحزانهم، أو ~~على أعمالهم الجنونية، فما هو مبلغ المعرفة التي يتوصل إليها من ~~كان في سنك؟ ~~- رب رجل في العشرين رأى من الدهر ما لم تره امرأة في ~~الثلاثين، فإن ما يتمتع به الرجال من الحرية يصل بهم إلى صميم ~~الحياة بأسرع مما تصل النساء؛ فالرجال يتهافتون على ما يجتذبهم دون ~~حائل، فيختبرون كل الأمور، فإذا ما لاح لهم أمل مشوا إليه، حتى إذا ~~بلغوه ارتدوا عنه تاركين الأمل مضيعا على الطريق، وقد خدعتهم ~~السعادة بما منتهم من مواعيد. # وكنت أسير في كلامي على هذا النمط حتى بلغنا أكمة ينحدر الطريق ~~منها إلى الوادي، وكأن الانحدار استهوى رفيقتي، فبدأت تقفز برشاقة، ~~فجاريتها، وسرنا ركضا وساعدانا مشتبكان والعشب المبتل تحت أرجلنا ~~يزيد في انزلاقنا، وهكذا انحدرنا كطيرين أصابهما الدوار حتى بلغنا ~~قاعدة الأكمة. # وقالت: لقد كنت متعبة فزال تعبي الآن، فهلا عالجت اختباراتك ~~بما أعالج به تعبي ... لقد سرنا بسرعة فسنتناول الطعام بشهية. # | الفصل الخامس # وذهبت لزيارتها في اليوم التالي فوجدتها جالسة إلى البيانو، ~~ورأيت العمة الشيخة قرب النافذة منهمكة في الحياكة، وكانت الغرفة ~~الصغيرة مليئة بالأزهار، وشعاع الشمس يغمر العرائش المحيطة بها حيث ~~نصب قفص كبير تتطاير فيه العصافير. # وكنت أتوقع أن أرى زاهدة عابدة، أو على الأقل امرأة قروية لا علم ~~لها بشيء مما يجري وراء ضاحيتها، ولا تحيد عن عادات محيطها، وقد ~~كنت أنظر إلى من يعيشون منعزلين كأنهم يختفون عن الناس هنا وهنالك ~~في المدن بشيء من الحذر كأنني أرى فيهم بئرا آسنة فسد فيها ~~الهواء، فإن في كل ما يتلفع بالنسيان على الأرض شيئا من الموت، ~~غير أنني رأيت على مكتب مدام بيارسون جرائد ومجلات حديثة كانت ترصد ~~لها ما يتبقى ms098 لديها من الوقت. وقد كان كل ما حولها من الرياش وما ~~تلبسه من ثياب يدل على التجديد في الزي والحياة، فكانت تتمتع بكل ~~ذلك وكأنها منسلخة عما حولها. وقد استرعى انتباهي ما في ذوقها من ~~التناسق الذي يند عن كل مستغرب، فلا تأنس إلا للجدة والحسن، وكان ~~حديثها يدل على علم مستكمل، فما كانت تتناول موضوعا دون الإجادة ~~فيه، فكنت أحس بأن وراء هذه السذاجة غورا مليئا بالكنوز، وأن ~~ذكاء طليقا وافرا يرف فوق قلبها الهادئ في عزلتها، فكأن هذا ~~الذكاء طير من أطيار السواحل يتعالى إلى السحاب مرفرفا فوق طحلب ~~الصخور حيث ابتنى عشه. # ودار حديثنا حول الأدب والموسيقى، وكدنا نتناول السياسة، وكانت ~~قد ذهبت في الشتاء إلى باريس، وما كانت تتصل بالمجتمع إلا في فترات ~~متقطعة، غير أن القليل الذي كانت تشاهده كان يكفيها لفتح مجال وسيع ~~أمام تفكيرها. # وكان خير ما يجملها سرور هادئ لا يصل إلى المرح الذي يثب ~~وثبا، فكأنها خلقت زهرة عبيرها السرور. # ويعجز بياني عن وصف ما كانت تفعل عيناها السوداوان وهما تلتمعان ~~على صفحة وجهها الشاحب، ومما كان يزيد في بهائها سكنات وحركات تأتي ~~بها عفوا؛ فتدل على أنها عركت الدهر وبلت الحياة. # وما أدري أية قوة كانت تعلن أن السرور المكلل لجبين هذه المرأة ~~لم يأتها من هذا العالم، بل أنزل عليها من السماء، وأنها ستعود ~~بهذا السرور كاملا إلى الله بالرغم من الناس، فكانت هذه المرأة ~~تتجلى لي في بعض اللحظات كحاملة قبس تتنسم هبوب الريح لتقي النور ~~المشع في يدها. # وما أمضيت ساعة في الغرفة الصغيرة حتى اندفعت أحدث صاحبتها عن كل ~~سرائري، ذاكرا حياتي الماضية وما تركت لي من أصحاب، وما تحملت ~~فيها من الأحزان، وكنت أتمشى في الغرفة، فتارة أنحني على الأزهار ~~أنشق عبيرها، وتارة أرفع رأسي إلى السماء محدقا بالشمس، ثم تقدمت ~~إلى مدام بيارسون أخيرا ورجوتها أن تسمعني إنشادها، فما ترددت ~~وبدأت تنشد، فذهبت إلى النافذة لأتطلع إلى الطيور بينما أتنصت إلى ~~الإنشاد، وخطرت على ms099 بالي كلمة «لمونتان»، وهي: «لا أحب الحزن ولا ~~أحترمه بالرغم من إجماع الناس على تمجيده، فما الحزن إلا كلمة ~~حمقاء جعلها الناس حيلة للحكمة والفضيلة.» # وسمعت صوتي يتعالى بالرغم مني قائلا: يا للسعادة! ويا للراحة ~~والمسرة والسلوان! # فرفعت العمة رأسها ونظرت إلي نظرة استغراب، وتوقفت مدام ~~بيارسون فجأة عن الإنشاد، فعلا احمرار الخجل جبيني إذ شعرت بما ~~أتيت من جنون، فارتميت على المقعد صامتا. # ثم نزلت وإياها إلى الحديقة، فرأيت هنالك الجدي الأبيض راقدا ~~على العشب، ولما رآنا هب نحوها ومشى ليتبعنا، وما قطعنا أول ممشى ~~في الحديقة حتى لاح لنا قرب المدخل شاب طويل القامة، شاحب الوجه، ~~ملتف برداء أسود، فاجتاز الحاجز دون أن يقرع الجرس، وتقدم إلى مدام ~~بيارسون مسلما، ولحظت أن غمامة سوداء مرت على ملامح هذا الرجل ~~عندما رآني، وقد تشاءمت أنا لمرآه. وكان القادم كاهنا يدعى ~~مركانسون - كنت شاهدته في القرية - وهو من خريجي سان سولبيس، ومن ~~أنسباء الكاهن خادم الرعية. # وكان هذا الرجل بدينا شاحب اللون، وما كنت حياتي إلا مستقبحا ~~هذا النوع من الصحة العليلة. وكان هذا الرجل فضلا عن هذا التناقض ~~في شخصه يتكلم بلهجة تدل على الادعاء، فكان يورد ألفاظه متوثبة ~~متمهلة، وكان في مشيته شيء من التصنع المتثاقل زاد في نفوري منه. ~~أما نظراته فلا يسعني أن أقول عنها إنها نظرات؛ لأنها ما كانت ~~لتعني شيئا. # ذلك كان حكمي على هذا الرجل من ملامحه، وما كذبت الأيام فراستي ~~فيه، وا أسفاه ...! # جلس هذا الرجل على مقعد وبدأ بالتحدث عن باريس، وكان يدعوها بابل ~~العصر، فقال: إنه جاء منها وهو يعرف جميع من فيها، وإنه كان يتردد ~~على مدام «ب»، وهي ملاك كريم، فيقوم بالوعظ والإرشاد في قاعتها ~~الكبرى؛ حيث كان الناس يأتون زرافات ليصغوا إلى أقواله وهم ساجدون ~~- وما كان الذي يقوله هذا الرجل كذبا، ويا للأسف!. # وذهب في حديثه فقال: إن من عرفه إلى هذا البيت الكريم إنما ~~كان أحد زملائه، غير أن هذا الزميل كان قد أغوى فتاة، ms100 فطرد من ~~المدرسة لهذا الجرم الشنيع. # ثم انقلب هذا المحدث يكيل الثناء لمدام بيارسون لما تتصف به ~~من حب الخير، وما تأتيه من أعمال البر بالاعتناء بالمرضى والسهر ~~عليهم بنفسها قائلا: إنها لأعمال جليلة لن أغفل عن ذكرها في سان ~~سولبيس. # فكأنه كان يقول: إنه لن يغفل عن ذكر هذه الأعمال عند أقدام عرش ~~الله. # وكنت تعبت من سماع هذا الخطاب فاستلقيت على العشب وبدأت أداعب ~~الجدي الأبيض، فأنزل مركانسون نظره المنطفئ علي قائلا: لقد كان ~~فارينو الشهير يحب أن ينطرح على العشب ويداعب الحيوانات. # فقلت: هذا نوع من الهوس الطاهر يا حضرة القس، ولو أن هوس الناس ~~كله من هذا النوع لكانت الأمور تجري مجراها، ولا تحتاج لتدخل أحد ~~فيها. # وما أعجبه جوابي، فقطب جبينه وغير الحديث قائلا: إنه موفد من ~~قبل كاهن القرية ليحدث مدام بيارسون عن رجل فقير لا يملك ما يقتات ~~به، وبعد أن دل على مسكن الرجل قال إنه يؤمل أن تهتم السيدة ~~الفاضلة بأمره. # وكنت أتوقع أن تتكلم هي ليزيل صوتها أثر صوت الكاهن الأبح من ~~أذني، فما أبدت جوابا، بل انحنت مسلمة، فنهض الكاهن وذهب في ~~سبيله. # وما توارى حتى عاودنا الحبور، فدعتني للذهاب معها إلى حجرة ~~النبات في طرف الحديقة، وكانت هذه السيدة تعتني بأزهارها عنايتها ~~بالأطيار والفلاحين؛ لأنها كانت تود أن ترى كل شيء حولها متمتعا ~~بالصحة، فلا يحرم أحد أو شيء قطرة الماء وشعاع الشمس، فما كانت ~~تشعر بالسعادة إلا إذا بلغت ما يريده الملاك الكامن فيها. # وكانت حجرة أزهارها على غاية من الجمال، وبعد أن مررنا بها قالت: ~~هذه هي مملكتي الصغيرة، وقد رأيت كل ما فيها؛ لأن هنا آخر ~~حدودها. # فقلت لها: لقد تذرعت باسم والدي لدخول هذه المملكة، فاسمحي لي ~~باسمه أيضا أن أعود لأومن بالسعادة وأتأكد أنها لم تدفع بي إلى ~~زاوية النسيان. # مدت يدها إلي فلمستها دون أن أجسر على رفعها إلى شفتي، وأمسى ~~المساء فعدت إلى مسكني، وعندما أوصدت بابي واستلقيت على فراشي، لاح ms101 ~~البيت الأبيض الصغير أمام عيني، فكنت أراني أخترق القرية متجها ~~إلى الحاجز لأقرع بابه، وهتفت قائلا: تبارك الله، يا قلبي، فإنك ~~لم تزل فتيا، ويمكنك أن تحيا، ويمكنك أن تحب بعد. # | الفصل السادس # وكنت في ذات ليلة عند مدام بيارسون، وكان قد مر علي ثلاثة ~~أشهر لم يفتني منها يوم دون أن أجتمع بها، وما أذكر من هذه الأيام ~~إلا أنني كنت أراها، وقد قال لابرويير: يكفي الإنسان أن يوجد قرب ~~من يهوى، سواء استغرق في تفكيره أو تكلم، وسواء اتجه فكره إليه أو ~~إلى أي موضوع كان. # ومرت علينا ثلاثة أشهر ونحن نتمتع بالتنزه ساعات طويلة، فاطلعت ~~على أسرار أعمالها المبرورة، وكنا نجتاز الغابات وهي ممتطية مهرا ~~وأنا أمشي وراءها وبيدي عصا صغيرة، فكنا نذهب حاملين همنا وحبورنا ~~لنقرع أبواب الأكواخ. # وكان على مدخل الغاب مقعد خشبي، كنت أذهب فأجلس عليه كل مساء بعد ~~العشاء، فالتقى بها هنالك كأن الصدفة تسوقنا إلى هذا المكان بلا ~~وعد. # وفي السهرة كنا نلعب بالورق مع عمتها قرب الموقد كما كان الحال ~~في عهد والدي، وهكذا كانت أمامي في كل آن ومكان تملأ ابتساماتها ~~جوانب قلبي. # بأي قضاء قدتني إلى الشقاء أيتها العناية العلياء؟ وماذا كان ~~علي أن أقتحم من قبل لأصل إلى هذه الحياة الحرة، إلى مثل هذا ~~الولاء والراحة حيث تنبثق أوائل ذرات الآمال. # علام يشكو الناس الحياة؟ لهم الله! أليس لديهم الحب؟ وهل من شيء ~~أعذب من الحب؟ # أفما يكفي الحب إحسانا أنه يجعل الإنسان شاعرا بالحياة، مدركا ~~بأنه خليقة ربه؟ # حذار أن تشك في الحب؛ فهو سر لن تجد له تفسيرا، ومهما قيده ~~الناس بأنواع الأغلال، وأحاطوه بالدنايا والأقذار، ومهما تراكم ~~فوقه من المعتقدات السخيفة ما يشوهه ويفسده، فإنه ليبقى بين هذه ~~الأقذار القوة العنيفة المسيطرة، والناموس السماوي الذي يتسامى ~~بقدرته وتعاليه عن الإدراك؛ لأنه الناموس الذي يسير الشمس في ~~أفلاكها. # ما هي هذه الرابطة التي تشد الناس بقيود أصلب وأمتن من الحديد ~~وهي لا تلمس ولا ترى؟ # يصادف ms102 رجل امرأة ، فما هي إلا نظرة وكلمة فإذا هذه المرأة راسخة ~~في تذكاره لا يجد إلى محوها من صفحاته سبيلا. # من الذي قضى بأن يحدث هذا الانطباع من ذات هذه المرأة دون ~~سواها؟ # ارجع إلى العقل والاعتياد والحس، الجأ إلى رأسك وإلى قلبك وعد ~~بالإيضاح إذا تمكنت منه، فإنك لن تجد أمامك إلا جسدين يواجه أحدهما ~~الآخر، وليس بينهما إلا الهواء والمدى. # ما أسخف من يعتقد بإنسانيته ويجسر على اقتحام الحب لتحليله! ~~أرأيتم الحب لتصفوه؟ # إن أحدا لم يره، بل شعرتم به شعورا: لقد تبادلتم النظرات مع ~~شخص مجهول مر بكم، فشعرتم فجأة بانطلاق شيء منكم لا يحيط به اسم، ~~ولا يحدده تعبير، فوقف الهوى بكم يشد بأعراقكم إلى الأرض كأنكم حبة ~~الحنطة تشعر بحياة تستنبت منها سنابلها. # وكنا جالسين سوية أمام النافذة المفتوحة نطل على حديقة يخر في ~~طرفها ينبوع صغير تصل سقسقته إلى آذاننا، ولكم أتمنى لو أنني أعد ~~الآن ما أسالت هذه العين من قطرات ونحن نتبادل الحديث، تلك أويقات ~~كنت أثمل منها حتى لا أعي. # يقولون: إن لا شيء أسرع إلى القلب من الشعور بالنفور، غير أنني ~~أرى أسرع منه إلى القلب الشعور بالتفاهم، وبترصد الحب للمتفاهمين، ~~فإن لكل كلمة في هذه المرحلة الأولى قيمة تفوت كل تقدير، وما يقف ~~الفكر عندما تنطق به الشفاه حينما تتجاوب في أحاديثها ~~القلوب. # لله ما أحلى هذه النظرات الأولى يبادلها العاشق نظرات امرأة ~~تجتذبه! ولله أوائل حديث كأنه محاولات تفكير متردد، وتجاوب بيان؛ ~~إذ يشعر العاشقان بفرح غريب، ويتحقق كل منهما أن صوته قد أهاج صدى ~~كامنا في قلب الآخر، فيحيا حياة مزدوجة يدهشه تقاربها وتلامسها، ~~وعندما يثق أحدهما بالآخر، ويتيقن من حبه، ويعلم أنه ظفر بالتآخي ~~المنشود؛ تفيض الروحان غبطة، فتتعطل لغة الكلام؛ يسبقها الحس ~~الباطن بإدراكه وبيانه، وإذا تخاطبت الروحان أسكت تخاطبهما الشفاه. ~~فيا لها من أويقات صمت يمحى فيها من التذكار كل الوجود! # وكان الحب قد قبض على مشاعري منذ أول لقيا وتزايد حتى بلغ ~~الهيام! ms103 ولكنني استحييت هذه المرأة، فوجمت أمامها لا أبدي ولا ~~أعيد. # ولو أن هذه الحسناء لم تفتح لي بيتها بمثل هذا الولاء، لكنت عززت ~~عاطفتي بشيء من الإقدام، ولم أكبت هذه الأشواق العنيفة التي كانت ~~تهزني هزا كلما فارقتها ولو إلى حين، ولكن ما كان يبدو لي من ~~صراحة وإخلاص في معاملتها لي كان كافيا لصدي عن كل إقدام، ~~وفضلا عن ذلك، فإن مدام بيارسون لم تبذل لي صداقتها إلا استنادا ~~إلى اسم والدي، وما كان هذا الاعتبار إلا ليزيد في احترامي لها، ~~وفي ميلي إلى المحافظة على كرامة هذا الاسم. # قيل: «إن من تحدث عن الغرام فقد كاشف من يحدثه بغرامه.» لذلك لم ~~أذكر الغرام إلا عرضا، وكنت كلما تعرضت لكلمة الحب أرى جليستي ~~تقتضب الكلام وتتحول إلى موضوع آخر، وما كنت لأعرف لذلك سببا، غير ~~أنني كنت في مثل هذه المواقف ألمح على وجهها التجهم المتألم، وما ~~كنت سألتها شيئا عن حياتها الماضية، ولا خطر لي أن أفاتحها في هذا ~~الأمر؛ لذلك ضربت صفحا عن كل محاولة. # وكان يقام مرقص في كل يوم أحد في القرية، فكانت تذهب إليه في ~~أغلب الأحيان، وما كانت لتبدل شيئا من بساطة ملابسها لهذه ~~المناسبة، بل تكتفي بوضع زهرة تربطها على شعرها بشريطة زاهية فتزيد ~~في رونق شبابها، وكان الرقص يثير فيها المرح؛ لأنها كانت تحبه ~~كرياضة بريئة، وكان لها مقعدها الخاص قرب جوقة الموسيقى، فكانت ~~تتوجه إليه قافزة ضاحكة لتجتمع بصويحباتها، ثم تندفع إلى الرقص دون ~~انقطاع، وكنت ألاحظ زوال الكلفة بيني وبينها في هذه الأوقات، فلا ~~أشترك في الرقص؛ لأنني لم أزل في مدة الحداد. ولكم خطر لي حين ~~أراها مرحة أن أنتهز الفرصة لأبوح لها بحبي، ولكنني ما كنت أحاول ~~ذلك حتى أشعر برهبة لا أستطيع مقاومتها، فأعود إلى موقفي الجدي، ~~وعزمت مرارا أن أكتب إليها، ولكنني مزقت جميع رسائلي قبل أن أصل ~~إلى نصفها. # وفي هذا المساء، كنت تناولت العشاء معها، فبت أنظر إلى ما حولي ~~من هدوء وسلام، ms104 وأفكر في الراحة التي ذقتها منذ تعرفت إليها، فقلت ~~في نفسي: ولماذا أطلب مزيدا على هذا؟ أفما يكفيني ما أتمتع به؟ ~~فما أدري لعل الله لم يقدر لي مزيدا، ولعل هذه المرأة تصدني إذا ~~أنا أعلنت حبي لها فأحرم مشاهدتها، وهل إذا قلت لها: إنني أحبها ~~سأزيد في سعادتها؟ وهل أبلغ أنا سعادة أوفر من التي أتمتع بها ~~الآن؟ # وكنت أفكر في هذه الأمور وأنا مستند إلى البيانو، فشعرت بحزن ~~شديد يستولي علي، وبدأ الغسق يمد ظلاله، فأوقدت شمعة، ثم عادت نحو ~~مقعدها فرأت دمعة تتدحرج على خدي فقالت: مالك؟ فأدرت وجهي. # والتمست عذرا فما عثرت على ما أعتذر به، وحاذرت أن تقع عيناها ~~على عيني، فتوجهت نحو النافذة، وكان الهواء يهب بليلا، والقمر يطل ~~وراء أشجار الزيزفون حيث كنت رأيتها لأول مرة، فحكمني الذهول، ~~ونسيت كل شيء حتى وجودها هي، ورفعت ذراعي نحو السماء فخرجت زفرة ~~كأنها الأنين من أعماق فؤادي. # ونهضت من مكانها فإذا هي واقفة ورائي تقول: ما هذا؟ فقلت لها: ~~لقد تذكرت أبي وفجيعتي بموته عندما رأيت هذه الأشجار، واستأذنت ~~بالانصراف وخرجت. # وما كنت أعرف سببا لإصراري على الصمت، وبدلا من أن أتوجه إلى ~~مسكني ذهبت شاردا في القرية وفي الغاب، فكنت أجلس حيث أجد مقعدا ~~ثم أنهض فجأة، وما انتصف الليل حتى رأيتني أقترب من بيت مدام ~~بيارسون، فرأيتها مطلة من النافذة فارتعشت وأردت أن أنكص على ~~أعقابي، فوقفت كالمأخوذ ثم تقدمت على مهل وقعدت تحت نافذتها - ~~ولا أعلم إذا كانت عرفتني - ومرت دقائق على وجودي، فسمعت صوتها ~~الناعم الرنان يتعالى بنشيد هيام، وشعرت بزهرة تسقط على كتفي؛ فإذا ~~هي وردة كانت تحلي بها صدرها في المساء، فرفعتها إلى شفتي فقالت: ~~من هنا في مثل هذه الساعة؟ أهذا أنت؟ # ونادتني باسمي، وكان الحاجز مفتوحا فنهضت دون أن أجيب، ودخلت ~~الحديقة، وإذ وصلت إلى وسط المرج توقفت؛ لأني كنت كسائر في المنام ~~لا أعي ما أفعل. # ولاحت على باب الدرج وهي تحدق بإشعاع القمر وقد بدا ms105 التردد على ~~ملامحها، ومشت نحوي فتقدمت إليها وعصاني الكلام، فانطرحت جاثيا ~~وقبضت على يدها. # فقالت: اصغ إلي. أنا عارفة، ولكن إذا كان بلغ الأمر منك هذا ~~الحد فيجب أن تذهب. أنت تجيء كل يوم فنرحب بك. أفما يكفيك هذا؟ وما ~~بوسعي أن أفعل من أجلك؟ أفما بذلت لك صداقتي؟ ولكم كنت أتمنى لو ~~أنك حافظت على صداقتك لي إلى أمد أطول! # | الفصل السابع # قالت هذا وسكتت كأنها تتوقع جوابا؛ وإذ رأتني لا أزال متهدما ~~تحت وقر أحزاني، سحبت يدها من يدي على مهل، وتراجعت خطوات، ثم ~~وقفت لحظة وتولت إلى بيتها. # وبقيت على المرج وكنت أتوقع أن أسمع منها ما سمعت؛ لذلك لم أتردد ~~في التصميم على الذهاب، وقفت وفي قلبي غصة، وانطلقت أجوب أنحاء ~~الحديقة وأنا أحدق بالمسكن وبنافذة غرفة مدام بيارسون، ثم عدت ~~أدراجي إلى الحاجز وخرجت مغلقا الباب ورائي، وقبل أن أبتعد وضعت ~~شفتي على القفل وقبلته طويلا. # وعندما وصلت إلى مسكني طلبت من لاريف أن يعد متاعي لأنني أزمعت ~~السفر في الصباح، فدهش المسكين لهذه المفاجأة، فأشرت إليه بأن ينفذ ~~الأمر دون أي استفهام، فأحضر صندوقا كبيرا وأخذنا نضع المتاع ~~فيه. # وكانت الساعة الخامسة صباحا وقد لاحت تباشير الصباح، فوقفت أسأل ~~نفسي إلى أية جهة سأسافر؟ وما كان خطر لي هذا الأمر حتى الساعة، ~~فاضطربت له ووهى تجلدي، فسرحت أنظاري على الحقول وما وراءها من ~~آفاق، فاستولى الوهن علي، فاستلقيت على مقعد وتبلبلت أفكاري. ~~رفعت راحتي إلى جبيني فإذا هو يتصبب عرقا، وشعرت بحمى شديدة تهز ~~جميع أعضائي، فنهضت أطلب فراشي وأنا أستند إلى ذراع لاريف، وطرأ ~~علي الذهول فما كنت أذكر شيئا مما جرى لي، ومر النهار وأمسى ~~المساء، فإذا بنغمات موسيقية تصل إلى أذني، فتذكرت أن اليوم يوم ~~أحد، فأدركت أن المرقص قد دار، فأرسلت لاريف ليرى ما إذا كانت مدام ~~بيارسون موجودة فيه، فعاد لاريف قائلا: إنها ليست هناك. أرسلته ~~إلى بيتها فرأى النوافذ مقفلة، وقالت له الخادمة: إن سيدتها سافرت ~~مع عمتها ms106 لقضاء بضعة أيام عند أحد الأنسباء في مدينة ... وهي مدينة ~~صغيرة تبعد مسافة ليست قصيرة عن القرية، ودفع إلي لاريف بكتاب ~~سلمته إياه الخادمة جاء فيه ما يأتي: # منذ ثلاثة أشهر لم أنقطع عن مشاهدتك، ومنذ شهر اتضح لي ~~أنك أخذت بالعاطفة التي يدعوها من في سنك غراما، وكنت ~~أحسب أنك مصر على كتمان أمرك، والتغلب على نفسك. لقد كنت ~~أحترمك، وليس لي أن أوجه أية ملامة إليك عما حدث، وعلى ~~تضعضع عزمك. # إن ما تحسبه حبا ليس إلا شهوة، ولا أجهل أن كثيرات من ~~النساء يحلو لهن تنبيه مثل هذه الشهوة، وكان الأجدر بهن أن ~~يرضين كبرياءهن باكتساب الإعجاب دون إثارة الشهوات، ولكنني ~~أرى الآن أن هذه الكبرياء نفسها خطرة، وقد أسأت باندفاعي ~~معها تجاهك. # إنني أسبقك في مرحلة العمر بسنوات، فأطلب منك ألا تحاول ~~الاجتماع بي؛ لأن من يستسلم لضعفه لن يجد بعد ذلك للنسيان ~~سبيلا. إن ما جرى بيننا لا يمكن العود إليه، ولا يمكن أن ~~ينسى تماما. # إنني لا أفارقك بلا حزن، فأنا سأتغيب عدة أيام. فإذا ~~بارحت البلد أثناء غيابي؛ فإنني لأشكرك على ذلك كدليل على ~~ما تشعر به نحوي من صداقة واحترام. # بريجيت بيارسون # | الفصل الثامن # وألزمتني الحمى الفراش أسبوعا كاملا، ولما استعدت قواي كتبت ~~إلى مدام بيارسون أقول لها: إنني أطيع أمرها. فأبرمت هذا العهد ~~وأنا عازم على القيام به، غير أنني ما لبثت حتى عدلت عنه. # استقللت عربة فسارت تبعدني عن القرية حتى إذا أصبحت منها على ~~مسافة ميلين صرخت بالسائق فأوقف السير، وترجلت أتمشى على الطريق ~~وأنا معلق أبصاري على البلد الذي قررت مبارحته، ووقفت تتنازعني ~~عوامل بلبلت من خاطري، فشعرت بأنني أعجز من أن أتابع طريقي، وأن ~~مواجهتي الموت في مكاني أسهل علي من ركوب العربة المولية، وأصدرت ~~أمرى إلى السائق بالنكوص، وبدلا من الاتجاه نحو باريس انطلق ~~الفرسان يقطعان الأبعاد إلى قرية ... حيث تقيم مدام بيارسون. # وصلت إلى هذه القرية عند الساعة العاشرة ليلا، وما كدت أنزل في ~~الفندق ms107 حتى طلبت من الخادم أن يدلني على بيت نسيب بريجيت، فذهبت ~~إليه، وإذ قرعت الباب قابلتني الخادمة فقلت لها أن تبلغ سيدتها أن ~~رسولا من قبل دسبريس كاهن القرية يطلب مواجهتها. # وتوارت الخادمة في الدهليز، فوقفت في الباحة. وكان المطر يتساقط، ~~فتقدمت إلى قبو تحت الدرج أتقي فيه البلل، وبعد فترة نزلت مدام ~~بيارسون تتبعها خادمتها، فما رأتني وأنا في الظلمة، فتقدمت إليها ~~ووضعت يدي على ساعدها، فرجعت مذعورة ونادت: «ماذا تريد ~~مني؟» # وكان صوتها يرتجف، وإذ تقدمت الخادمة بالنور رأيت وجهها ممتقعا ~~إلى درجة حسبتها نافرة مني، لولا أنني ملت إلى الظن بأن ~~ارتياعها ناشئ عن المفاجأة ليس إلا. # ولكنها تمالكت روعها وكررت كلمتها بكل هدوء، فقلت لها: أطلب إليك ~~أن أراك للمرة الأخيرة؛ فإنني سأسافر وأترك هذه البلاد فأصدع ~~بأمرك، بل أذهب إلى أبعد مما تقصدين. أقسم لك بأنني سأبيع بيت أبي ~~وكل ما يملك لأهاجر إلى البلاد الأجنبية! ولن أنفذ هذا القسم إلا ~~إذا قبلت رجائي، وإلا فإنني أبقى ... لا تخافي؛ فإنني مصمم على ~~هذا. # فقطبت حاجبيها، وأجالت نظرات غريبة فيما حولها، ثم قالت بشيء من ~~اللطف: تعال غدا في النهار فأقابلك، وذهبت. # ذهبت إليها في اليوم التالي عند الظهر، فأدخلتني الخادمة إلى ~~غرفة قديمة الرياش حيث وجدت مدام بيارسون وحدها، فجلست تجاهها ~~وقلت: ما أتيت لأشرح ما أعاني أو لأنكر ما فعل حبك بي. لقد قلت لي ~~في كتابك إن ما جرى بيننا لا يمكن نسيانه، فما أصدق ما عبرت عنه، ~~غير أنك قلت بعد ذلك إن اجتماعنا على ما كنا عليه من قبل أصبح ~~مستحيلا، وهذا ما لا أراك على حق فيه. أنا أحبك، وما في ذلك إهانة ~~لك، فموقفك لم يتغير ما دمت أنت لا تحبينني، فإذا ما عدت إلا ~~الالتقاء بك فلن يكون مدار الأمر إلا علي وحدي، وحبي لك كافل لك ~~صيانتك. # وأرادت أن تقاطعني فلم أتوقف، بل تابعت قائلا: بحقك، اسمحي لي ~~أن أذهب إلى آخر حديثي، إنني أعلم - ولا يعلم ms108 أحد أكثر مني - أن ~~حبي سيتغلب على كل ما لك من حرمة عندي، وعلى كل عهد أقطعه تجاهك ~~على نفسي، وأنا أكرر لك القول بأنني ما أتيت لأنكر عليك ما يضمره ~~فؤادي، وأنت أعلنت لي أنك عارفة بحبي منذ زمان، فما الذي ردني ~~حتى اليوم عن إعلان هذا الحب لك؟ إن ما ألزمني الصمت إنما كان ~~خوفي من فقدك، وحرماني من الاجتماع بك. وهذا الذي حاذرته قد وقع. ~~فأنا أرضى بشرطك على أن توصدي بابك في وجهي إذا ما بدرت مني بادرة ~~تنحرف عن احترامي الشديد لك. # لقد تمكنت من السكون فيما مضى، فلن أتكلم بعد الآن. أنت تظنين ~~أنني أحببتك منذ شهر. لا؛ لقد أحببتك منذ أول يوم، وأنت عرفت حبي ~~فما دعاك ذلك إلى منعي من مشاهدتك، فإذا كنت في هذه الأثناء واثقة ~~من أن حرمتك لن تجيز لي أن أسيء إليك، فلماذا تفقدينني هذه الثقة ~~اليوم؟ لقد أتيت مطالبا بهذه الثقة، فما الذي ارتكبته تجاهك؟ ~~ألأنني طويت ركبتي على الأرض دون أن أنبس بكلمة أعد جانيا؟ وهل ~~عرفت من هذه الحركة شيئا كنت تجهلينه قبلها؟ # لقد وهنت قواي لأنني كنت متألما؛ فأصغي إلي يا سيدتي: إنني في ~~العشرين من عمري، ومع ذلك فقد رأيت من الحياة ما أورثني كرهها حتى ~~غدوت لا أرى لي فيها مقاما أرتاح فيه، لا بين الناس ولا في العزلة ~~والانفراد، وليس لي من مستقر أتنفس الحياة فيه إلا هذا المدى الذي ~~تحده جدران حديقتك. إنك دون سواك الكائن الذي أومن قربه بالله، ~~ولقد كنت أعرضت عن كل شيء قبل أن عرفتك، فلماذا تريدين حرماني من ~~الشعاع الوحيد الذي منحني الله إياه من الشمس؟ فإذا كان الخوف ~~يدعوك إلى هذا الاحتياط، فهل أتيت ما يبرر هذا الخوف؟ وإذا كان ~~سببه نفرة مني، فبأي عمل استحققت هذا النفور؟ أما إذا كان ما دعا ~~إلى هذه المعاملة إشفاقا على ما احتملته من الآلام؛ فإنك منخدعة ~~في اعتقادك بإمكان شفائي، لقد فات إمكان الشفاء منذ شهرين، ms109 ولكنني ~~فضلت أن أحتمل آلامي بقربك، ولست بنادم الآن ولا غدا على هذا مهما ~~فعلت بي الأيام. إن الشفاء الذي أحاذره هو فقداني إياك. ألقي ~~التجارب علي، فإذا ما بلغ بي الألم حدا لا قبل لي باحتماله، ~~فإنني لن أتردد في الرحيل. وأنت واثقة من خضوعي؛ لأنني مستعد اليوم ~~للسفر تنفيذا لأمرك. # وتوقفت أنتظر جوابها، فنهضت من مكانها فجأة، ثم عادت فاستلقت على ~~مقعدها، وبعد صمت قصير قالت: كن واثقا من أن الأمر ليس على ما ~~تظن. # ولحظت أنها تتلمس في تذكارها كلمات تخفف من صرامة بيانها، فوقفت ~~وقلت لها: هي كلمة واحدة لا غير أطلبها منك. أنا لا أعرف من أنت، ~~فإذا كان في قلبك رحمة فأنا أشكرك من أجلها. قولي هذه الكلمة؛ فإن ~~حياتي متوقفة عليها. # وهزت رأسها بتردد، فأردفت قائلا: إنك تظنين أنني سأشفى، وأنا ~~أسأل الله ألا يحرمك من هذا الظن إذا أنت طردتني الآن. # ونظرت إلى الأفق فرأيت العزلة تنتصب أمامي، ورأيتني طريدا ~~شريدا، فشعرت بتجمد الدم في عروقي، ونظرت إليها وأنا واقف أعلق ~~عليها أبصاري وأنتظر جوابها، وكانت كل حياتي معلقة على ~~شفتيها. # فقالت: اصغ إلي. إن قدومك كان مجازفة، فيجب ألا يعلم أحد أنك ~~أتيت من أجلي، وسوف أعهد إليك بمهمة تقوم بها، فإذا ما رأيت السفر ~~في هذه المهمة طويل الأمد؛ فلك أن تقصره، ولكن إلى حد، وعلى ~~كل حال أرى أن سفرك إلى حين سيسكن من اضطرابك. # إنك ستذهب إلى «الفوج»، ومنها إلى ستراسبورغ، وعندما تعود بعد ~~شهر، أو على الأصح بعد شهرين تطلعني على نتيجة مهمتك، وعندئذ أتمكن ~~من أن أعطيك جوابي بأصرح مما يمكنني أن أفعل الآن. # | الفصل التاسع # وأرسلت لي مدام بيارسون في المساء كتابا موجها إلى «ر. د» في ~~ستراسبورغ، وما مضت ثلاثة أسابيع حتى كنت قد قمت بالمهمة وعدت من ~~سفري، وما كنت انقطعت عن التفكير فيها أثناء غيابي، فعلمت أن لا ~~أمل لي في نسيانها يوما، غير أنني كنت مصمما على الاحتفاظ بصمتي ~~أمامها؛ لأن ms110 ما أقدمت عليه من المجازفة، وما تلاها من خطر فقدي ~~لها، وما تحملت من الآلام في موقفي، كل ذلك كان يصدني عن التعرض ~~مرة أخرى لهذه الأخطار، وما كان احترامي لها ليدع مجالا لارتيابي ~~بإخلاصها، وما خطر لي قط أن إقدامها على مبارحة البلاد كان تصنعا؛ ~~ولذلك كنت على ثقة من أن أول كلمة غرام أتفوه بها ستكون سببا ~~لإيصادها الباب في وجهي. # ولما لقيتها رأيتها شاحبة متغيرة، وكانت بسمتها كأنها ترتمي ~~ارتماء على شفتيها الممتقعتين. # وقالت لي: إنها كانت مريضة. # ولم يدر بيننا أي حديث عما جرى، وكان يلوح لي أنها تتحاشى تناول ~~ما وقع، وما كنت أنا لأعود إلى البحث فيه، ومع ذلك فقد كان ما ~~بيننا شيء من الاحتراس بالرغم من أننا عدنا إلى ما كنا تعودناه من ~~علاقات الجوار، فكان في عدم تقيدنا شيء من الكلفة وكأننا كنا نسر ~~إلى نفسنا: «لقد كانت الحال على هذا المنوال من قبل؛ فلنستمر ~~عليه.» # وكانت تمنحني ثقتها كأنها تعيد إلي حرمتي، فأرى في وضعها شيئا ~~ترتاح نفسي إليه، غير أن أحاديثنا تولاها شيء من البرود؛ لأن ~~عينينا كانتا تتناجيان خلسة، فلا يبقى وراء الحديث ما يتكلف الفكر ~~اكتشافه. وقد كان كل منا يحاول من قبل أن ينفذ بحديثه ما يجول في ~~خاطر الآخر، فأصبحنا ولا تقدير لكل منا يتجسس به ما تنطوي عليه ~~الكلمات، وما تضمره العواطف. وقد كانت تعاملني بكل لطف فأحاذر ~~لطفها، وكنت أذهب متمشيا معها في الحديقة، ولكنني انقطعت عن ~~مرافقتها إلى الخارج، فلم يعد لنا أن نجتاز الغابات والوديان معا، ~~وعندما كنت أنفرد بها كانت تفتح البيانو وتنشد، غير أن صوتها لم ~~يعد يثير في قلبي من الشباب ما يستخفه ليدفع بأنين كأنه هتفة ~~الآمال. # ولما كنت أخرج من بيتها مودعا كانت تمد يدها إلي، وحين ~~أقبض على أناملها أحس أن لا حياة فيها؛ فلقد كان في ارتياحنا كثير ~~من المجالدة، وفي كلامنا كثير من التفكير، ويسود كل ذلك كثير من ~~الأسى المكبوت. # لقد كنا ms111 نشعر بأن ما بيننا ثالثا هو حبي لها، وما كنت لأبديه ~~بأية إشارة مني، غير أن وجهي كان ينم عنه، وفقدت مرحي وقوتي، وما ~~كان على خدي من نضارة العافية، وما مضى شهر علي حتى تبدل حالي ~~ولم يبق من شبه بيني وبين من كنته. # غير أنني كنت لا أزال أذكر كرهي للعالم ونفوري من العودة إليه، ~~فكنت أحاول جهدي أن أقنع مدام بيارسون بأنها تحسن صنعا بإرجاعي ~~إليها، وكنت أصور لها أحيانا ما مر من أيامي بأقتم الألوان، ~~ملمحا لها بأنني سألجأ إلى عزلة خير منها الفناء إذا ما اضطررت ~~يوما إلى الافتراق عنها، وكنت أقول إنني أكره المجتمع، فيؤيد قولي ~~ما كنت سردته لها تفصيلا من وقائع حياتي، وكنت أحيانا أتظاهر ~~بمرح كاذب لا يصدقه قلبي، كأنني أريد أن تعلم أنها أنقذتني من أفظع ~~المصائب، وكنت كلما ذهبت لزيارتها لا أغفل عن تكرار شكري لها؛ ~~لأتمكن بذلك من العودة إليها في المساء وفي صباح اليوم التالي، ~~فكنت أقول إن جميع آمالي ومطامحي محصورة في الحديقة الصغيرة التي ~~تقطنين، فليس لي أن أحيا إلا حيث الهواء الذي تستنشقين. # وما كانت آلامي لتعزب عن شعورها، فأراها لا تستطيع مقاومة ~~إشفاقها على ما أبدي من مجالدة وحزم، فكانت كل حركاتها وسكناتها ~~أمامي تنم عن لينها، فإنها كانت تشهد العراك القائم بين جنبي ~~فتبدو فخورة بإطاعتي لها، غير أن شحوب وجهي كان يثير في قلبها ما ~~انطوى عليه من إشفاق الممرضات، فكانت تبدو أمامي في بعض الأحيان ~~مضطربة إلى حد الدلال، فتقول بلهجة مداعبة: لن أكون هنا غدا، أو ~~تعين يوما تمنعني الحضور فيه، وإذا كانت تراني مستغرقا في ~~الحزن تتلطف قائلة: لا أعلم، على كل حال تعال، أو تزيد في رقتها ~~وتذهب لتشيعني حتى الحاجز، فتزودني بنظرة تترقرق العذوبة في ~~حزنها. # وكنت أقول لها: ثقي أن العناية قادتني إليك، ولو أنني ما عرفتك ~~لكنت عدت إلى ضلالاتي. لقد أرسلك الله ملاك أنوار رفعني من اللجة ~~المظلمة، فما رسالتك إلا سبيل الخير، ms112 ومن يدري إذا حكم علي ~~بالابتعاد عنك إلى أية المهاوي تطرحني أحزاني وما اختبرته من ~~الحياة في أوائل صباي، وما سيفعل بي تضجري وملالي. # وكان لهذه الفكرة التي أعبر عنها بإخلاص شديد التأثير على ~~امرأة لها مثل هذه التقوى ومثل هذه الروح المضطرمة في ~~عقيدتها. # وكنت أستعد يوما للذهاب إليها، فإذا بالباب يقرع، وبمركانسون ~~يدخل علي - وهو الكاهن الذي كنت رأيته من قبل في حديقتها - ~~فبادرني باعتذارات أثقل من شخصيته عن إقدامه على زيارتي دون سابق ~~معرفة، فقلت له: إنني أعرفه وأعرف عمه كاهن القرية، وسألته عما ~~يريد. # فظهرت عليه الحيرة، وبدأ يقلب عينيه يمينا وشمالا ويداعب ~~الأوراق الموجودة على الخوان أمامه كمن يفتش على ما سيقول، وأخيرا ~~وفق إلى القول: إن مدام بيارسون مريضة، وإنها كلفته أن يبلغني ~~عدم إمكانها مقابلتي في ذلك اليوم. # فقلت: أمريضة هي؟ وكيف ذلك وقد فارقتها أمس في ساعة متأخرة وهي ~~على أحسن حال. # وانحنى الكاهن مسلما فاستوقفته قائلا: هب أنها مريضة، فهل ~~من موجب لإرسال من يبلغني ذلك؟ وهل بيتها بعيد عني لتقصد توفير ~~العناء بوصولي إليه؟ # وبقي صامتا وبقيت مستغربا، فقلت له أخيرا: لا بأس! سأراها ~~غدا فتطلعني على جلية الأمر. # وعاد إلى حيرته فقال: إن مدام بيارسون قد عهدت إليه أيضا ~~بإبلاغي أنها جد مريضة، ولا يمكنها أن تستقبلني إلى أسبوع. # وانحنى مسلما وولى. # ولم يكن من ريب عندي في أن وراء هذه الزيارة سرا. إن مدام ~~بيارسون تريد ألا أقابلها لسبب لا أعرفه، فهل كان مركانسون يقوم ~~بهذه المهمة من تلقاء نفسه؟ # ومضى النهار وتبعه الليل، فنهضت مبكرا وقصدت بيت مدام بيارسون، ~~فوجدت الخادمة أمام الباب، وإذ استوضحتها الأمر قالت: إن سيدتها ~~مريضة، وحاولت عبثا أن أجرها إلى الاعتراف حتى بنفحها ببدرة من ~~المال، فلزمت الصمت ولم تبح بشيء. # وفي عودتي إلى القرية صادفت مركانسون على المتنزه وحوله تلامذة ~~عمه، فدعوته إلى كلمة أقولها له على انفراد، ومشيت فتبعني إلى ~~الميدان، وهنالك رأيتني مترددا حائرا لا أعلم ما أقول لأنتزع ms113 منه ~~سره ، وأخيرا قلت: أرجوك يا سيدي أن تعلن لي الحقيقة عما أخبرتني ~~به أمس؛ أهي مريضة أم أن هنالك أمرا آخر؟ فأنت تعلم أن ليس في هذه ~~الجهات طبيب يعتمد، وفوق ذلك فإن لدي أسبابا أخرى لها أهميتها ~~تدعوني إلى الوقوف على جلية الأمر. # فصمد الرجل بوجهي لا يحول عما قاله أولا، وأضاف إلى ذلك قوله: ~~إنها هي دعته إليها، وكلفته إبلاغي ما أعلنه لي. وكنت وصلت وإياه ~~إلى ممر ضيق عند مدخل الشارع وضقت ذرعا بهذا الرجل المتصلب، فقبضت ~~على ساعديه فجأة فذعر وقال: أتريد إرغامي بالقوة؟ ~~- لا، ولكنني أريد أن تتكلم. ~~- إنني لا أخاف أحدا، وقد قلت ما يجب أن أقوله. ~~- لقد قلت ما يجب لا ما تعلم. إن مدام بيارسون ليست ~~مريضة. ~~- وكيف عرفت ذلك؟ ~~- عرفته من الخادمة. فما هو السبب يا ترى في إيصادها الباب دوني، ~~وفي إرسالك بمثل هذه المهمة إلي؟ ورأى مركانسون أحد الفلاحين ~~مارا بنا فناداه باسمه قائلا له: لي معك كلام فانتظر. # وتقدم الفلاح نحونا، وكان ذلك ما يرجوه الكاهن؛ لعلمه بأنني لن ~~أتمادى في الحديث أمام ثالث، وهكذا اضطرني إلى سحب قبضتي عن ساعده، ~~ولكنني دفعته بشدة حتى إنه تراجع فجأة واصطدم ظهره بشجرة وقته ~~السقوط، فحرق الأرم وذهب دون أن يفوه بكلمة. # ومضى الأسبوع علي وأنا على أحر من الجمر، أذهب كل يوم إلى باب ~~مدام بيارسون فأراه موصدا بوجهي، وتلقيت أخيرا منها كتابا تقول ~~فيه: إن تكرار زيارتي لها قد أصبح موضوع قال وقيل في البلد؛ فهي ~~لذلك ترجو أن أقلل من عدد هذه الزيارات. وكان كتابها مقصورا ~~علي ذلك، فهي لم تأت على ذكر مرضها ولا على ذكر ~~مركانسون. # وكدت لا أصدق أن الكتاب منها لأول وهلة لما أعلمه من أخلاقها ~~وعدم مبالاتها بالأراجيف، وترفعها عن إخضاع ضميرها لغيرها، ولكنني ~~اضطررت أخيرا إلى إرسال كتاب أقول لها فيه: إنني لا أجد بدا من ~~إجابة نداء قلبي والخضوع، وما كانت عباراتي إلا لتنم عن مرارة لم ~~يسعني كتمانها. ms114 # ولم أذهب لزيارتها في اليوم الذي سمحت لي فيه بالقدوم إليها؛ ~~لأثبت لها أنني لم أخدع بخبر مرضها، وما كنت لأعرف السبب الذي ~~دعاها إلى إقصائي عنها، فذهب بي الحزن كل مذهب حتى سئمت الحياة، ~~وخطر لي أن أتحرر منها، فكنت أمضي طوال الأيام في الغاب حتى مرت ~~ذات يوم صدفة حيث كنت، فرأتني على أسوأ حال، وما جسرت على طلب ~~الإيضاح منها إلا تلميحا، فلم تجب بصراحة، وهكذا أكرهتني على ألا ~~أحاول تناول الموضوع مرة أخرى. # وكنت أعد الأيام التي تفصلني عنها حتى إذا جاء ميعاد الزيارة ~~هرعت إليها وأنا مصمم على الانطراح أمام قدميها لأشرح لها حالي، ~~وما وصلت إليه من اليأس آملا إثارة إشفاقها، ولكنني كنت أذكر ما ~~فعلت أولا، ويتمثل أمامي رحيلها وقسوتها فيستولي على الذعر، ~~وأحاذر فقدها، وكنت أفضل الموت على هذا البلاء. # وهكذا كان مقضيا علي أن أتعذب ولا أتنفس بالشكوى، فما طال بي ~~الحال حتى تهدمت قواي، وكنت أحس بوهن ركبتي عن حملي إلى بيتها؛ ~~لأنني كنت أشعر بأن ليس فيه غير ما يستذرف شئوني، وما عدت مرة من ~~زيارتها إلا لأطلق عنان مدامعي كأنني أبارحها كيلا أراها ~~بعد. # أما هي فكانت تخاطبني بلهجة لم أعهدها فيها من البرود، فتسألني ~~رأيي في مبارحتها البلاد، ولا تتردد في أن تقول لي: إنها أصبحت ~~تشتهي الرحيل، فأقف واجما أمام هذه المحادثة وأنا أقرب إلى الموت ~~مني إلى الحياة، وما كانت تعود لحظة إلى حالتها الطبيعية حتى أراها ~~ترتد فجأة إلى تصنع البرود القتال، وخانني الجلد يوما فتساقطت ~~دموعي أمامها، وشكوت بالرغم مني، فرأيت الاصفرار يعلو وجهها، ولما ~~وقفت على بابها مودعا قالت: إنني سأذهب غدا إلى سان لوس - وهي ~~قرية على مسافة غير بعيدة - وبما أنني أفضل الذهاب راكبة، فاحضر ~~غدا على فرسك لمرافقتي إذا لم يكن لديك ما يمنعك. # وحضرت في الميعاد المضروب مبكرا، وكنت قضيت الليل متقلبا على ~~مهاد السرور، ولكنني عندما خرجت من مسكني شعرت باستيلاء الحزن علي، ~~وكنت لا أعلم ما ms115 تقصد هذه المرأة من إعادتها إلي ما سلبتني إياه ~~من معاملة، وأرى في عملها شيئا من القسوة؛ لأنها إذا كانت لا تزال ~~على حالها ولا حب في قلبها، فأية تسلية كانت تطلبها من تحدي ~~مجالدتي وهي تعلم أنني أهواها. # وتسلطت هذه الفكرة علي فبدلتني تبديلا، وما وضعت راحتي تحت ~~رجلها لأساعدها على اعتلاء صهوة جوادها حتى شعرت بخفقان شديد في ~~قلبي، وما عرفت أكان هذا القلب يختلج شهوة أم غضبا، وكنت أقول في ~~نفسي: «إذا كانت هذه المرأة أصيبت بدائي فلم هذا التجني؟ وإذا ~~كانت سليمة فلم هذا الدلال؟» # وهكذا هم الرجال، ولاحظت هي لأول وهلة أنني أرمقها شزرا، وأن في ~~سيمائي تغيرا، وانتحيت الجهة الثانية من الطريق وسرت لا أنطق ~~بكلمة، وكنا نقطع السهل فأراها هادئة تدير لحاظها نحوي من حين إلى ~~آخر لتتأكد أنني ما أزال أتبعها، ولكننا ما بدأنا نصعد الجبل ~~متوغلين بين الأشجار، وما بدأت حوافر فرسينا تقرع الصخور حتى أصبحت ~~على مقربة منها، فانطلقت مسرعة وأنا أتبعها حتى وصلنا إلى المنحدر، ~~فاضطرت إلى تخفيف السير، وعندئذ اقتربت حتى حاذيتها وكنا كلانا ~~مطرقين، فشعرت بأن الزمن قد حان، فقلت: هل أتعبتك شكواي يا ~~بريجيت؟ وهل أزعجك مني أنني بعد أن عدت إلى مشاهدتك لا أرجع من ~~مسكنك إلى مسكني مرة دون أسأل نفسي ما إذا كانت لم تزل بعيدة عن ~~الموت؟ لقد قضيت شهرين وأنا أذوق الأمرين وأكتم ما أعانيه من ~~هذا الحب الذي يرتعي حشاشتي ويقتلني، وأنت ساهية كأنك لا تعلمين ~~بحالي. ارفعي رأسك قليلا وانظري إلي. أفي حاجة أنت لأبثك ما ~~ألقى من الأوصاب، وما تفعل بي الليالي أقضيها باكيا على ~~نفسي. # لقد مررت يوما في هذا الغاب المروع، فرأيت شقيا موجعا أسند ~~جبينه إلى راحتيه؟ أفما نظرت إلى رشاش دمعه فوق هذه الأعشاب؟ انظري ~~إلي وإلى هذه الجبال، أفما خطر لك أنني أهواك، وقد عرفت بتولهي ~~هذه الصخور، وهذه الأرجاء المقفرة، وكلها شهود غرامي. # لماذا أتيت بي أمام شهودي عليك؟ أفما كفاك ما ms116 أتحمل من ~~بلاء؟ # أيخونني الجلد الآن؟ أفما ترين أنني ذهبت إلى أبعد مدى في ~~طاعتك؟ # إلى أي التجارب تعرضينني؟ بل أي تعذيب تعدينه لي على جناية لا ~~أعرفها؟ ماذا أتيت تفعلين هنا إذا كنت لا تحبينني؟ # فصاحت: فلنذهب من هنا. أرجعني من حيث أتيت. # فقبضت على زمام فرسها قائلا: لا، لن نعود؛ لأنني بحت بما ~~أضمر، فإذا رجعنا فقدتك إلى الأبد، وهذا ما لا أجهله، وأنا أعرف ~~مقدما ما ستقولينه لي عندما ندخل بيتك. لقد أردت ابتلاء صبري، ~~وتحديت آلامي. ولعلك قصدت بذلك إيلاء نفسك حق طردي. لقد أتعبك هذا ~~العاشق الحزين يتحمل آلامه كاتما أمره كارعا حتى الثمالة كأس ~~احتقارك، وكنت تعلمين أنني إذا ما انفردت بك أمام هذا الغاب في ~~هذه العزلة التي نشأ فيها غرامي ونما لن أتمكن من التغلب على نفسي، ~~فأردت أن تعرضي نفسك للإهانة. أصغي إلي يا سيدتي، وليكن ما ~~أقوله سببا لفقداني إياك. لقد كفاني غرامي دموعا وآلاما، وقد ~~طال الأمد علي وأنا أكتم حبا جنونيا برى أحشائي، وقد بلغت ~~بك القسوة ... # ورأيتها تتحفز للوثوب من صهوة جوادها، فتقدمت والتقيتها بذراعي ~~ملصقا شفتي بشفتيها، وعلا وجهها الاصفرار، فأطبقت جفونها، فسقط ~~الزمام من يدها وارتمت على الأرض. # وصحت: يا الله! إنها تحبني. # وكانت قد بادلتني قبلتي، فسارعت إلى رفعها عن المرج، ففتحت ~~عينيها ومشى الارتعاش فيها يهزها هزا، فدفعت يدي عنها وانهمرت ~~دموعها، فهبت تطلب الفرار. # وكنت لا أزال واقفا جنب الطريق أنظر إليها وهي أجمل من الضحى، ~~وقد استندت إلى جذع شجرة، وانحل شعرها متساقطا على كتفيها، ويداها ~~ترتجفان، وقد علا الاحمرار وجهها كأنه الأرجوان تلتمع عليه لآلئ ~~الدموع. # وصاحت: لا تقترب مني. لا تتقدم خطوة واحدة نحوي. # فقلت: لا تخافي يا حبيبتي! إذا كنت أسأت إليك فانزلي بي عقابك. ~~لقد تولاني ثائر الألم لحظة؛ فافعلي بي ما تشائين، ولك أن تذهبي ~~الآن، كما لك إرسالي إلى أية جهة تريدين، فأنا أعرف الآن أنك ~~تحبينني يا بريجيت، فأنت في هذا المكان تتمتعين بأمان ms117 لا يتمتع به ~~الملوك في قصورهم المنيعة. # ونظرت إلي عندئذ بعينيها الداميتين، فرأيت سعادة الحياة ~~تغمرني، فتقدمت إليها وجثوت أمامها. # وما يحب الحب الجم من بوسعه أن يتذكر الكلمات التي أعلنت ~~بها من يهوى أنها تهواه ... # | الفصل العاشر # لو أنني كنت صائغا وأردت أن أقدم عقدا من اللؤلؤ مما اكتنزت، ~~لما كان يبلغ سروري أشده إلا إذا أنا قلدته بيدي للمهدى إليه، ~~ولو كنت أنا من يتقبل الهدية لكنت أفضل الموت على أن أنتزعها ~~انتزاعا من مقدمها. # ولكم رأيت من الناس من يسارعون إلى وصال من يعشقون من النساء! ~~أما أنا فكنت أسير على عكس هذه الطريقة مدفوعا إلى اختيارها بداهة ~~لا تعملا وقصدا، فإن المرأة التي تحب قليلا وتقاوم لم يبلغ الحب ~~منها مداه. أما التي يتملكها الهيام؛ فإنها لا تقاوم إلا لشعورها ~~بعدم تكامل الحب في قلب مراودها. # وازدادت ثقة مدام بيارسون بي، وما كنت أعهد بها بمثل هذا ~~الاستسلام من قبل أن تعترف لي بحبها، وما كان ما أبديه لها من ~~احترام إلا ليثير فيها سرورا شديدا تظهر أماراته على وجهها ~~الصبوح كأنه زهرة تنور من انتعاش فؤادها، وكانت تذهب بعض الأحيان ~~بسرورها إلى المرح الصاخب لتقف فجأة مستغرقة في التفكير، ثم تعود ~~إلى معاملتي كأنني طفل تداعبه، فلا تلبث حتى تغرورق عيناها ~~بالدموع، فتجهد خيالها لتخترع كلمة أو حركة ملاطفة تعلل بها حالها، ~~وتبتعد بعد ذلك عني منتحية مقعدا لتستسلم عليه لتفكيرها. # أفي العالم مشهد أجمل من هذا المشهد؟ وكنت كلما التقينا تحت ظلال ~~الشجر أهتف بها قائلا: إن الله نفسه ليسر مما تثيرين بي من حب ~~لك. # وما كنت مع هذا لأتمكن من إخفاء ما تفعل بي أشواقي، وما أعاني ~~من مغالبة شهواتي. # وكنت عندها ذات ليلة فقلت لها: إنه بلغني أنني خسرت دعوى هامة ~~لها شأنها في أعمالي. # فقالت: أتخبرني بمثل هذا وأنت ضاحك؟ فقلت: لقد أعلن أحد شعراء ~~الفرس أن من تحبه حسناء لا ينال منه القدر. # فأطرقت ولم تجب، وحاولت أن تظهر ms118 بمظهر السرور أكثر من عادتها ~~ذلك المساء، وجلست إلى عمتها ألعب بالميسر، فكانت هي تداعبني وتعمل ~~على نكايتي منتقدة ضروب ألعابي، وراهنت ضدي حتى خسرت كل ما كان معي ~~من المال. # وعندما انسحبت العجوز إلى غرفتها خرجت بريجيت إلى الشرفة فلحقت ~~بها، وهنالك شملنا الصمت أمام ذلك الليل الرائع وقد جنح القمر إلى ~~مغربه، ولمعت النجوم في قبته، وقد اكفهرت آفاقه الزرقاء، وسكن ~~النسيم عن الأشجار، فما لاح لها أملود، فعبق الجو بعطر ~~الأزهار. # وكانت مسندة ذراعها إلى متكأ الشرفة متطلعة إلى السماء، فانحنيت ~~إلى جنبها أتفرس في ملامحها، فجذبت عيناي إلى هدف عينيها في ~~العلاء، وشعرنا كلانا بنشوة من عبق الأزهار ونحن نشيع بأبصارنا آخر ~~ما أبقى القمر على الأفق من نوره الباهت وهو يتوارى وراء غاب ~~الكستنا السوداء. # وتذكرت اليوم الذي شخصت فيه إلى هذا الأفق الوسيع الباهر حين قبض ~~اليأس على مشاعري، فلم أجد فيه غير الفراغ، فارتعشت وأنا أراه الآن ~~ولا فراغ في أية ناحية فيه، وخيل إلي أنني أسمع نشيد الحمد يرتفع ~~من قلبي، وأن غرامنا يتعالى مع هذا النشيد إلى عرش الله. # وطوقت محبوبتي بذراعي، فأدارت وجهها نحوي على مهل وقد انهمرت من ~~عينيها الدموع، فالتوى خصرها وارتمت بشفتيها المنورتين على فمي، ~~وتوارى أمامنا الوجود ... # | الفصل الحادي عشر # من له أن يصف ما في صمتك من معان أيها الملاك الناشر جناحيه ~~أبدا على ليالي الملذات؟ أيتها القبلة تتساقى الشفاه بها الرضاب ~~المسكر كأسا تندفق على كأس، لأنت خالدة كمبدأ الوجود. # يا لنشوة الغرام، وأنت حافزة كل كائن وصلة جميع الكائنات، بأي ~~بيان تناولك من تجشموا وصفك؟ لقد دعوك عاطفة زائلة، وأنت الدائمة ~~المبدعة، فقالوا: إنك التماعة خاطفة أنارت وشيكا أيامهم الدابرات. ~~قالوا: إنك كلمة أقصر من لفظة الحياة على شفاه المدنفين، بل صرخة ~~حيوان يهزه الشبق، ويعجب لقصر بقائه ناظرا إلى شعاع المصباح ~~الأبدي نظره إلى شرارة تنقدح من حصاة. # لا عجب إذا دنس الناس اسمك أيها الحب وأنت روح الوجود، وأنت ~~الشعلة المقدسة ms119 قضت الطبيعة على نفسها إمدادها بالوقود في هيكل ~~الله فلا يخبو لها نور. # أنت محور الوجود، أيها الحب، وبك قوام كل موجود. إن أرواح الفناء ~~لتفنى إذا هي نفخت على لهبك، وإنني لا أعجب أن يدنس اسمك من جهلوك ~~إذ حسبوا أنهم عاينوك؛ لأنهم فتحوا عيونهم على الحياة، وأنت عندما ~~تمر بتابعين أخلصا لك تجمعهما بقبلة، وتأمر أجفانهما بالانسدال على ~~أحداقهما، كيلا يبصرا بالسعادة على هذه الغبراء. # ولكن أنت يا من نراك وأنت لنا، أيتها البسمات المتراميات على ~~الشفاه، أيتها اللمسات الحائرة، أيتها المناغاة الأولى المترددة ~~على شفة الحبيبة، أمحررة أنت من سلطان الله بأكثر من سائر ما في ~~الوجود؟ وهل أنت إلا ملاك يرف في مأوى عاشقين لينزع النوم من ~~أجفانهما فينتبها من السبات الذي ألقاه الله عليهما؟ # أي بنات نشوة الهوى ... لكم أنتن عزيزات على قلب أمكن! أيتها ~~النجوى بين عاشقين، الهاتكة أوائل الأسرار بالملمسات المرتجفة ~~متملصة على مهل من عفافها، أيتها النظرات الشرهة ترسم على صفحات ~~القلب أوائل الخطوط الغامضة لصورة المحبوب. # أيتها المملكة العظمى القائمة على الفتح المبين، وفي أرجائك وتحت ~~أعلامك ينشأ العاشقون. # أيها التاج الذي يعصب رأس المحبين بالغبطة والحبور، فيلقون من ~~تحته أول نظرة على الوجود، فينجلي لهم من خلال عاطفتهم الثائرة. ~~أيتها الخطوات الأولى يسير بها العاشق إلى قرب من يهوى، من يقدر ~~على تناولك ببيانه، وأية كلمات بشرية تصل إلى تصوير أضعف ~~لمساتك؟ # إن من خرج في صبيحة بليلة بغض إهابه من باب سري تدفع مزلاجه يد ~~محبوبة، فمشى بخطواته الحائرة إلى حيث لا يدري، فاجتاز مجتمع الناس ~~ولم يسمع صوت صديق يناديه، واتجه إلى مكان منعزل ضاحكا باكيا دون ~~أن يعلم ما يضحكه وما يبكيه، ومسح وجهه بكفه مستنشقا آثار ما عبق ~~عليه من عبير، ونسي فجأة جميع ما أتاه على الأرض إلى ذلك الحين. إن ~~من وجه خطابه إلى الأشجار النائمة على جانب طريقه، وما يرفرف عليها ~~من أطيار، ثم رأى نفسه بين الناس مضيعا رشده في حبوره، فجثا ms120 ~~شاكرا ربه على ما أنعم عليه، لهو هو العاشق، وله أن يموت غير ~~متذمر من القضاء؛ لأنه امتلك المرأة التي يحبها. # | الجزء الرابع # | الفصل الأول # علي أن أقص الآن ما آل إليه غرامي وما طرأ على نفسي من تغيير ~~بالرغم من عجزي عن تعليله، ولكنها الحقيقة آليت ألا أكتمها. # وما كان مضى على استسلام مدام بيارسون لي أكثر من يومين، وكنت ~~خرجت من الحمام في الساعة الحادية عشرة ليلا، وسرت أجتاز المنتزه ~~قاصدا بيتها وقد استولى علي المرح حتى جعلني أقفز على الطريق ~~قفزا ويداي ممدودتان نحو السماء. # ووجدت بريجيت واقفة على قمة السلم مسندة ذراعها إلى عارضته ~~وأمامها شمعة تتقد، وقد كانت في انتظاري، فما لمحتني حتى سارعت إلى ~~لقياي، وما مضت لحظة حتى كنا في غرفتها وقد أوصدنا الباب ~~علينا. # وبدأت تعرض علي ما بدلت من زي شعرها مجاراة لذوقي، وتشير إلى ~~إطار أسود نزعته عن الجدار لأنني رأيته قاتما محزنا، وإلى ما ~~وضعت من الأزهار في جوانب الغرفة، وأخذت تسرد علي ما فعلت إذ ~~كانت تشهد عذابي، مؤكدة لي أنها أرادت مرارا مبارحة البلاد هربا ~~من غرامها، ولجأت إلى كل حيطة تقيها مني، واستشارت عمتها ومركانسون ~~والكاهن، وأنها كانت حلفت أن تموت ولا تستسلم، وعادت تذكر من ~~كلماتي ولفتاتي ما جعل كل هذا الحذر هباء. وكانت ترفق كل قسم من ~~اعترافاتها بقبلة تلقيها على وجهي، وكنت أبديت استحساني لبعض ما ~~في غرفتها من التحف، فأصرت على إعطائي إياها لأضعها على رف ~~غرفتي، وطلبت مني أن أضع لها منهاجا تسير عليه في حياتها اليومية؛ ~~لأن ما يهمها في الحياة إنما هو رضاي، فما تعبأ بأقوال الناس، ~~وصرحت لي بأنها كانت فيما مضى تعللت بالقيل والقال، فما كان ذلك ~~إلا بقصد إبعادي عنها. أما الآن فهي تصم أذنيها عن كل صخب، ولا ~~تسمع إلا لهاتف قلبها يحدو بها إلى التمتع بالسعادة؛ إذ إنها بلغت ~~الثلاثين وما يفسح العمر لها مجالا طويلا للتنعم بحبي لها، كانت ~~تقول هذا ثم تسألني: ms121 هل ستحبني طويلا؟ أصادقة هذه الكلمات العذبة ~~التي أسكرتني بها؟ # وتعود عاتبة علي لتأخري في الحضور إليها، وتنتقد العطر الذي ~~يفوح مني، فتراه حينا قويا، وآونة ضعيفا، ثم تقول إنها ألقت ~~الخفين عن رجليها لأرى أن بياضهما يضاهي بياض يديها، ثم تستدرك ~~قائلة: إنها ليست جميلة، وتتمنى لو أن لها أضعاف هذا الجمال، وقد ~~كانت على مثل ما تتمنى وهي في الخامسة عشرة من سنيها. # وكانت تتكلم وهي تخطر في الغرفة يطير بها المرح، ويشعل خديها ~~الغرام، فكأنما لم تكن تعلم ما يجب أن تقول وأن تفعل لتهب روحها ~~وجسدها وكل مالها. # وكنت مستلقيا على المقعد أستمع إلى أقوالها فأشعر عند كل عبارة ~~من عباراتها أن ساعة سوداء من ساعات حياتي الماضية تنفصل عني، فكنت ~~أتطلع إلى كوكب السعادة يطل من الأفق علي وكأنني شجرة جرى في ~~أعراقها نسغ الحياة، فهي تنفض أوراقها الجافة لتكتسي خضرة ~~جديدة. # وجلست إلى البيانو وقالت: إنها ستعزف مقطوعة «ستراديلا»، وكنت - ~~ولا أزال - أحب الموسيقى الخاشعة، وكانت أسمعتني هذه القطعة من قبل ~~فهزت أوتار قلبي. # وبعد أن أتمت عزفها التفتت إلي وقالت: إن هذه القطعة من تأليفي ~~أنا. ~~- أأنت واضعة هذه الأنغام؟ ~~- أجل، وكنت أوهمتك أنها من موضوعات «ستراديلا» لأعلم رأيك فيها، ~~وما تعودت أن أوقع على البيانو الأنغام التي أتوصل أحيانا إلى ~~تأليفها، وقد أردت هذه المرة أن أعرف مبلغ نجاحي، فجاء انخداعك ~~مؤيدا حسن ظني. # يا للإنسان وما فيه من غرائب! # إن هذه الحيلة البريئة التي تخطر لولد يريد مفاجأة معلمه نشرت ~~أمام عيني غماما، ولحظت هي أن سحنتي تغيرت فسألتني، فأخفيت عنها ~~ما بي ورجوتها أن تكرر العزف. # وبدأت أخطر ذهابا وإيابا في الغرفة وأنا أستمع إلى الأنغام، ~~فأمرر راحتي على جبيني كأني أحاول طرد ما يخيم على عيني من ضباب، ~~فكنت أضرب الأرض بقدمي وأهز كتفي كأنني أوقع على ما يساورني من ~~جنون، وجلست أخيرا على وسادة على الأرض فهرعت بريجيت إلي وأنا ~~أنازع تفكيري فيما يجتاحه من لبدات الظنون فقلت ms122 لها: الحق أنك ~~ماهرة في الكذب. أأنت واضعة هذه الأنغام؟ أبمثل هذه السهولة ~~تكذبين؟ # فنظرت إلي باستغراب متسائلة عما يدور في خلدي وهي لا تصدق أن ~~بي من الجنون ما يدفعني إلى تقريعها على مثل هذا المجون البريء، ~~وكانت تعلم تفاهة السبب في كدري، فزاد هذا الكدر أهمية في تقديرها، ~~ولاح لها أنني أردت مقابلة مجونها بمثله، ولكنها رأت على جبيني من ~~الشحوب ما منعها من الأخذ بهذا الافتراض، فانفرجت شفتاها وانحنت ~~فوقي وقد خانتها القوى فقالت: يا الله! أهذا ممكن؟ # لقد تبتسم أيها القارئ وأنت تطالع هذه الصفحة، ولكنني - أنا ~~كاتبها - لا أزال أرتعش منها حتى الآن. # إن للمصائب ما للأمراض من أعراض تدل عليها، ولا شيء أشد خطرا في ~~البحر من نقطة سوداء تلوح على أفقه. # ولما طلع الفجر وضعت بريجيت في وسط الغرفة خوانا صغيرا أعدت ~~عليه طعام العشاء أو بالحري فطور الصباح؛ لأن العصافير كانت بدأت ~~بالزقزقة في الحديقة، وأسراب النحل بدأت في الطنين. # وما كنت أرفع الكأس إلى فمي قبل أن ترطب مرشفه ~~بشفتيها. # واخترق نور الضحى الستائر المفوفة فاستقر على ما في وجهها من ~~بهاء، وما على جفونها من استرخاء، وشعرت بالنعاس، فألقت رأسها على ~~كتفي تقبل عنقي متمتمة كلمات هيامها. # وغلبت على شكوكي أمام هذا الاستسلام، فحسبتني تخلصت من أشباحها ~~المزعجة، فطلبت العفو عن لحظة ثار فيها جنوني قائلا بكل إخلاص: ~~يؤلمني أن أكون وجهت إليك التقريع، فقد ظلمتك من أجل مزاح بريء، ~~غير أنني أطلب إليك إذا كنت تحبينني ألا تكذبي علي حتى في أتفه ~~الأمور، فلا شيء أفظع لدي من الكذب، وما لي طاقة باحتماله. # وانطرحت على سريرها تطلب الوسن، فأردت البقاء إلى جنبها إلى أن ~~تنام، ورأيت جفنيها ينسدلان على جمال عينيها، ولاحت ابتسامة الهجوع ~~على شفتيها، فانحنيت ملقيا على وجهها قبلة الوداع، وخرجت مرتاح ~~القلب أعلل النفس بالتمتع بسعادتي دون أن أعكر صفوها. # وفي اليوم التاني قالت لي بريجيت دون أن تقصد: إن لدي كتابا ~~أدون فيه مذكراتي وما ms123 يعن لي من خواطر، وسأعطيك هذا الكتاب لتقرأ ~~فيه ما كتبته في الأيام الأولى التي تعرفت فيها إليك. # وقرأنا سويا ما يتعلق بي، وأضفنا إليه ما عن لنا من سانحات، ~~وأخذت بعد ذلك أقلب الصفحات بحركة آلية، فإذا بنظري يقع على عبارة ~~كتبت بأحرف كبيرة، فقرأت بعض كلمات ليس فيها ما يسترعي الاهتمام، ~~حتى إذا تجاوزتها استوقفتني بريجيت قائلة: لا تقرأ هذا. فرميت ~~الكتاب إلى الخوان قائلا: لك الحق، فما كنت أعلم ما أفعل، فقالت - ~~وقد لاحظت امتعاضي: أتواجه هذا أيضا كأنه جد؟ خذ الكتاب؛ فإنني ~~أريد أن تقرأ. فقلت: لنضرب صفحا عن هذا، فما عساني أجد ما يثير ~~اهتمامي في هذا الكتاب؟ إن أسرارك تعنيك أنت يا عزيزتي. # وبقي الكتاب على الخوان، غير أن عيني كانتا منصبتين عليه، ~~وسمعت فجأة صوتا يهمس في أذني، ولاح لي أنني أرى وجه ديجنه في ~~قساوته، وعلى شفتيه ابتسامته المتجمدة في صقيعها. # فتساءلت عما أتى يفعل ديجنه هنا، كأنني رأيته منتصبا أمامي ~~حقيقة لا خيالا، وقد ظهر لي كما رأيته ذات ليلة وقد انحنى جبينه ~~أمام شعاع مصباحي واندفع يلقي بصوته الأجش دستور العاشقين. # وكنت لا أزال معلقا أبصارى على الكتاب، وقد ترددت على حافظتي ~~بعض كلمات مبهمة لا أذكر أين سمعتها، فقبضت على فؤادي وشعرت أن روح ~~الشك الحائمة حول رأسي قد قطرت سمها الزعاف في عروقي، وتصاعدت ~~أبخرة هذا السم إلى دماغي فأورثني دوار السكر القاتل. # أي سر تخفيه بريجيت عني؟ وكنت أعلم أن ليس لي إلا أن أمد يدي ~~لأفتح الكتاب، ولكنني ما كنت أعرف أين يجب أن أفتحه لأصادف الصفحة ~~التي وقعت أنظاري عليها. # وقد كنت فضلا عن ذلك أرى كبريائي تحول دون رجوعي إلى فتح ~~الكتاب، ولكن هل الكبرياء وحده كان السبب في امتناعي عن ~~اقتحامه؟ # واجتاحني حزن شديد فهتفت في نفسي قائلا: هل الماضي طيف يبعث من ~~الفناء؟ فيا الله! ويا لشقوتي! هل سأقف عاجزا عن الشعور بالحب ~~فيما بعد؟ # واجتاز خاطري فجأة جميع ما كنت رددته ms124 من أمثال احتقار النساء، ~~والهزؤ بهن أيام كنت ضاربا في بيداء الفحشاء. ومن الغرائب أنني في ~~ذلك الزمن كنت أردد هذه المأثورات مباهيا بها دون أن أعتقد ~~بصحتها، فأصبحت الآن أعتقد أنها تصور حقيقة ما يقع الآن أو على ~~الأقل ما وقع فيما مضى. # وكانت مرت أربعة أشهر على تعرفي بمدام بيارسون دون أن أعرف ~~شيئا عن حياتها الماضية، ودون أن أسألها شيئا عنها، فكنت ~~مستسلما لحبها بثقة عمياء، فأجد لذة في تمنعي بالصمت تجاهها وتجاه ~~كل ما يتعلق بها، وما كان في طبيعتي أن تساورها الشكوك وتحكمها ~~الغيرة؛ لذلك كنت أشد استغرابا من بريجيت لما تجلى بي من غيرة ~~وشكوك، وما كنت يوما في سابق غرامي أو معاملتي للناس رجل محاذرة ~~ووساوس، بل كنت مقداما أذهب في طريقي صريحا لا أحاذر شيئا، ولا ~~أظن السوء في شيء، ولولا أنني رأيت بعيني خيانة عشيقتي لما كان خطر ~~ببالي أنها تخدعني. وقد كان ديجنه وهو يلقي علي مواعظه يضحك من ~~سذاجتي، ويراني أسهل الناس انخداعا، وما كانت وقائع حياتي إلا ~~دليلا على سلامة طويتي وبعدي عن كل وسواس؛ لذلك شعرت وأنا أحدج ~~كتاب مذكرات بريجيت بعين الارتياب أن شخصية غريبة مثلت في ذاتي، ~~وأن تفكيري يتمرد على هذا الحافز، وقد أرعبني الهدف الذي رأيته ~~يدفعني إليه. # فكأنني وجدت نفسي فجأة تجاه ما كنت أحسبه قد توارى في من أوجاع ~~تحملتها، ومن ذكرى مخادعات شهدتها، ومن دواء كان أفظع من العلة في ~~نتائجه، ومن أقوال رددها الأصحاب على مسامعي، ومن انطباعات ألقاها ~~علي المجتمع الذي مررت بفجائعه، ومن مفاسد أدركتها استنتاجا ~~بنافذ بصيرتي، وأخيرا تجاه الفحشاء واحتقار الحب والإفراط في كل ~~شيء ... وهكذا بينما كنت أؤمل الرجوع إلى الأمل والحياة هبت من ~~نفسي هذه القوى الكامنة ثائرة تقبض على عنقي لتصيح بي قائلة: أنا ~~لم أزل هنا. # ومددت يدي ففتحت الكتاب، ثم طويته ورميت به إلى الخوان، وكانت ~~بريجيت شاخصة إلي وليس في لحاظها ما يدل على عزة جريحة، أو بادرة ~~غضب، ms125 بل كان بها ما ينم عن اضطراب أم تنظر إلى طفل مريض، وقالت ~~وهي تطوقني بذراعها: أتحسب أن لدي أسرارا؟ فقلت: لا، إنني لا أظن ~~شيئا، وليس بي إلا اعتقاد واحد؛ وهو أنك جميلة، وأنني أود أن أموت ~~وأنا غارق في بحار حبك. # وعدت إلى مسكني، ولما جلست لأتناول طعامي قلت لخادمي لاريف: من ~~هي مدام بيارسون؟ # فالتفت إلي والدهش باد على محياه، فقلت: إنك في هذه البلاد ~~منذ سنوات عديدة، ولا ريب في أنك تعرفها أكثر مني؛ فماذا يقول أهل ~~القرية عنها يا ترى؟ وماذا كانت حياتها قبل أن عرفتها؟ ومن هم ~~الأشخاص الذين ترددوا عليها؟ فقال لاريف: والله يا سيدي إنني ما ~~رأيتها يوما تفعل إلا ما تفعله في هذه الأيام، فهي تذهب إلى ~~النزهة في الوادي، وتلعب بالورق مع عمتها، وتقوم بأعمال البر ~~محسنة إلى الفقراء، ويدعوها القرويون بريجيت الوردية، وما سمعت قط ~~كلمة سوء عنها، فكل ما يقال إنها تتجول في المزارع وحدها نهارا ~~وليلا لغاية حميدة، فهي رسول العناية في هذه البلاد. أما معاشروها ~~فهما الكاهن والمسيو دالانس أثناء العطلة. ~~- ومن هو دالانس هذا؟ ~~- هو صاحب القصر القائم وراء الجبل، وهو لا يزور هذه الأرجاء إلا ~~للصيد. ~~- أهو شاب؟ ~~- نعم يا سيدي. ~~- أبينه وبين مدام بيارسون صلة قرابة؟ ~~- لا، بل كان صديقا لزوجها. ~~- أمنذ زمن طويل مات زوجها؟ ~~- في عيد جميع القديسين تكون قد مرت خمس سنوات على وفاته، وقد ~~كان رجلا طيب الخلال. ~~- وهل سمعت أن المسيو دالانس يتحبب إليها؟ ~~- والله يا سيدي ... قال هذا وسكت مترددا. ~~- تكلم. ~~- قال الناس هذا وما قالوه ... أما أنا فما رأيت شيئا. ~~- قلت لي أولا أن أحدا في القرية لم يقل شيئا عن مدام ~~بيارسون. ~~- لم يقل أحد شيئا، وكنت أعتقد أن سيدي عارف بالأمر. ~~- وأخيرا هل تكلم أحد عن هذا؟ ~~- أجل، أظن أن الناس تكلموا. # نهضت عن المائدة، وسرت إلى المتنزه فوجدت مركانسون هناك، وحسبت ~~أنه سيتحاشى ملاقاتي، فرأيته يتقدم نحوي قائلا: لقد أظهرت نحوي ~~ذلك اليوم ms126 من الغضب ما لا يمكن لمثلي أن يذكره حاقدا، فأنا ~~أقدم إليك الآن اعتذاري لاضطراري إلى القيام بمهمة مكدرة، فكنت ~~مشوشا في الأمر على غير مناسبة. # فأجبته متلطفا ظانا أنه سيذهب عني، ولكنه تابع مسيره إلى ~~جنبي، فبدأت أردد في ذهني اسم دالانس قائلا في نفسي: إن لاريف لم ~~يقل لي عنه إلا ما يمكن لخادم أن يسرد نقلا عن خادمة أو عن ~~مزارعين، وأنا أريد شاهدا يكون رأى هذا الرجل عند مدام بيارسون. ~~وتحكمت هذه الفكرة في دماغي فقررت أن أفاتح بها مركانسون. # وما تمكنت أن أعرف يوما حقيقة خلق مركانسون وفطرته من المراوغة ~~أو السذاجة، غير أنني ما ارتبت قط في أنه يضمر لي البغضاء، ويعمل ~~على نكايتي ما وسعه. أما مدام بيارسون فكانت تنيل هذا الرجل قسطا ~~مما تبذل من مودة لعمه الكاهن، وهو جدير بالاحترام، وتملك مركانسون ~~شيء من الغرور لالتفات مدام بيارسون إليه فأصبح غيورا، وبعض الناس ~~لا يملكون أنفسهم من الافتتان لكلمة عطف أو لابتسامة تبذل لهم من ~~شفة تفتر عن نور الجمال. # ما طرحت أول سؤال على مركانسون حتى بدت عليه من دلائل الدهشة على ~~ما بدا على خادمي لاريف، وما كنت أنا أقل اندهاشا منهما مما أفعل، ~~ولكن من من الناس يدرك ما في أغوار نفسه؟ # وعرفت من أول جواب أورده مركانسون أنه نفذ إلى قصدي وقرر ألا ~~يرضيني؛ إذ قال: أنت تعرف مدام بيارسون منذ زمن طويل، وتزورها بلا ~~كلفة، فكيف لم تصادف المسيو دالانس عندها؟ ولعل لديك الآن أسبابا ~~أجهلها تدفع بك إلى الاستعلام عنه. أما أنا فكل ما بوسعي أن أقول ~~عن هذا الرجل هو أنه كريم المحتد، ومن أهل الصلاح والبر، وقد كان ~~مثلك يا سيدي يزور مدام بيارسون بلا كلفة، وهو صاحب أملاك واسعة، ~~ومضياف في بيته، وكان مثلك يعزف أجمل القطع الموسيقية عندها، وما ~~أعلم أنه قصر في شيء من واجباته في سبيل الإحسان، فقد كان أثناء ~~وجوده في هذه البلاد يرافق مدام بيارسون في رحلاتها ms127 كما ترافقها ~~أنت يا سيدي. # ولأسرة هذا السيد سمعة طيبة في باريس، وكنت كل مرة أزور فيها ~~مدام بيارسون أصادفه عندها، والمعروف عنه أنه حسن السيرة والأخلاق. ~~وما أعني بالصداقة التي ذكرتها إلا الصداقة الشريفة اللائقة بأمثال ~~هذا الرجل، وأظن أنه لا يأتي إلى هذه الأرجاء إلا للصيد، وقد كان ~~صديقا لزوج الأرملة، ويقال: إن دالانس ذو ثروة كبيرة، وإنه جد ~~كريم، أما أنا فأكاد لا أعرفه إلا بما سمعت عنه ... # بمثل هذه العبارات المشوشة كان هذا الجلاد الثقيل يجهز علي، ~~ونظرت إليه وهو يتكلم وقد استولى الخجل علي فما قدرت أن أوجه ~~إليه أي سؤال، كما عجزت عن وضع حد لثرثرته، فذهب في أقواله - وقد ~~أوردت مثالا منها - إلى أبعد حد من النميمة والاغتياب، دافعا ~~بنصله المتعرج إلى قلبي حتى اخترقه إلى أقصاه، ثم تولى عني، فما ~~تمكنت من إمساكه، فذهب وكأنه لم يقل لي شيئا. # وبقيت وحدي على طريق المتنزه أرقب الظلام ينسدل على تلك الأرجاء ~~وأنا أتردد بين عاطفتي الغضب والأسى؛ إذ لم يكن بوسعي أن أعتقد ~~بضلال هذه الثقة العمياء التي استسلمت لها في حبي لبريجيت، فذقت ~~منها مثل هذه اللذة الصافية، وكنت أرى في اندفاعي نحو هذه المحبوبة ~~اندفاعا شلت مقاومتي أمامه دليلا كافيا على أنها أهل لتعلقي ~~بها؛ لذلك كان يصعب علي التصديق بأن هذه الأشهر الأربعة الطافحة ~~بالسعادة لم تكن إلا أحلاما. # وتساءلت فجأة في سريرتي عما إذا كانت هذه المرأة مخلصة عندما ~~ظهرت في مظهر المتمنع، في حين أنها استسلمت بعد ذلك بسرعة، وقد ~~كفت كلمة واحدة لتبديد مقاومتها، ولاح لي أن من شغلتني لم تكن إلا ~~واحدة من بنات الدلال المغريات، أو أن الدلال وسيلة كل امرأة تريد ~~أن تتبع غريزة الدفاع أسوة بكل أنثى. # أفما باحت بريجيت بغرامها من تلقاء نفسها في حين اعتقدت أنها ~~أفلتت إلى الأبد من يدي؟ # أفما رضيت في أول يوم عرفتها فيه أن تستند إلى ذراعي قبل أن تعرف ~~من أنا بشيء من الخفة كان ms128 علي أن أتنبه له لإثارة ~~ريبتي؟ # إذا كان هذا المدعو دالانس قد توصل إلى امتلاكها، فالأرجح أنه لم ~~يزل يتمتع بها حتى الآن، فإن من هذه العلاقات ما لا بداية لها ولا ~~انتهاء في المجتمع، فإذا ما التقى عاشقان قديمان استسلما لما ~~تعوداه، وإذا افترقا نسي أحدهما الآخر. # إذا كان هذا الرجل يأتي إلى هذه الأرجاء في كل موسم صيف؛ فإنها ~~ستجتمع به عند قدومه، وقد لا تقطع علاقتها بي. # من هي عمة هذه المرأة يا ترى؟ وما معنى هذه الحياة السرية ~~المستترة وراء أعمال البر والإحسان؟ # أفلا تكون هذه المرأة وعمتها من مشعوذات المجتمع تتوسلان إلى ~~اكتساب المقام السامي بهذا البيت الصغير، والتظاهر بالوداعة ~~والحكمة؟ إنني ولا ريب قد علقت في شرك غاوية وأنا مغمض العينين ~~أحسب أن في قلبها حبا وهياما. فما علي أن أفعل الآن وليس ~~أمامي سوى هذا الكاهن الذي يتذرع بالإبهام تجاهي، وإذا أنا لجأت ~~إلى عمه فلا بد أن يكون أشد تكتما منه؟ # من سينقذني من هذه الورطة؟ من سيمزق ستار الريب فتنجلي ~~الحقيقة لعيني؟ # بهذا كانت تخاطبني غيرتي، فتنسيني كل ما ذرفت من دموع، وما ~~تحملت من أوصاب، فأصبحت وما مر يومان بعد على استسلام بريجيت لي ~~أضطرب لتوصلي إلى التمتع بها. وما كنت في هذا إلا كسائر المتشككين، ~~أضرب صفحا عن العواطف والأفكار لأصارع الوقائع نفسها، مقدما على ~~تشريح من أهوى كأنها جثة لا روح فيها. # وكانت تجول هذه الأفكار في دماغي ورجلاي تقودانني إلى مسكن ~~بريجيت، ولما اجتزت الحاجز الحديدي لاح لي نور من نافذة المطبخ، ~~وخطر لي أن أستجوب الخادمة، فاتجهت نحوها وأنا أتلمس بعض القطع ~~الفضية في جيبي، غير أنني ما وصلت إلى العتبة حتى وقفت واجما - ~~وكانت هذه الخادمة امرأة مسنة، ناحلة، حفر العمر في وجهها ~~أثلاما، وأصبح ظهرها مقوسا لفرط ما انحنى - ونظرت إليها فإذا هي ~~تعمل في غسل الأواني على مصب قذر، وفي يدها شمعة ترتجف أشعتها، ~~وحولها أوعية الطبخ والصحون، وبقايا طعام يحدجه كلب دخل ms129 ورائي ~~متجسسا خجولا. وكانت تفوح من الجدران الرطبة رائحة تعفن تملأ ~~المكان، وما لمحت الخادمة وجودي حتى ابتسمت ابتسامة معنوية؛ لأنها ~~كانت رأتني منسلا من غرفة معلمتها عند الفجر، فارتعشت والاشمئزاز ~~يملأ نفسي مما أتيت أطلب في هذا المكان من أمر يشبه حقارته، فوليت ~~الأدبار هاربا من هذه المرأة ومن غيرتي، كأن الروائح الكريهة ~~المنتشرة هنالك خارجة من قلبي. # وكانت بريجيت أمام النافذة تسقي أزهارها وبقربها طفل إحدى ~~جاراتها جالسا بين المساند اللينة، وقد أمسك بكمها وهو يسرد لها ~~حديثا طويلا لا يفهم وفمه محشو بالحلوى، فتقدمت وقبلت ~~الطفل على خديه كأنني أستعيد لنفسي بعض الطهارة منهما. # فاستقبلتني بريجيت بشيء من الحذر؛ لأنها رأت شخصها منطبعا في ~~عيني وقد غشيتها الشكوك، وكنت من جهتي أحاذر أن ألتقي بنظراتها؛ ~~لأنني كنت كلما أمعنت في جمالها ومظاهر إخلاصها أذهب إلى القول ~~بأن: هذه المرأة شيطان رجيم إذا هي لم تكن ملكا كريما. وكنت ~~أستعيد في ذهني كلمات مركانسون لأقابل بينها وبين ملامح عشيقتي ~~وإشراق وجهها الرائع، فأقول في نفسي: «إنها لبديعة الحسن، ولكنها ~~جد خطرة إذا هي أتقنت المخاتلة، ولسوف تجد خصما عنيدا يقاتلها ~~بمثل سلاحها.» # وبعد أن صمت طويلا قلت لها: قبل أن أجيء إليك تلقيت كتابا من ~~صديق يسألني نصيحة في أمره، وهو شاب ساذج يقول: إنه اكتشف أن ~~المرأة التي تستسلم له تستسلم أيضا لعاشق آخر. ~~- وبماذا أجبته؟ ~~- ألقيت عليه سؤالين؛ وهما: أهي جميلة؟ وهل أنت تحبها؟ فإن كنت ~~عاشقا لها فاتركها، وإن كانت جميلة ولست ولوعا بها؛ فاحتفظ بها ~~وتمتع بجمالها، ولك أن تسرحها حين تشاء؛ إذ ما الفرق بينها وبين ~~سواها؟ # وما سمعت بريجيت كلماتي حتى ابتعدت عن الطفل، ومشت أمامي إلى ~~الغرفة وجلست على مقعد لا تصل إليه أشعة القمر، وكنت أنا أشعر بشدة ~~ما ألقيت من كلمات وقد امتلأ فؤادي مرارة من معانيها ~~القاسية. # وذعر الطفل فبدأ ينادي بريجيت وينظر إليها من بعيد بعين ملؤها ~~الحزن، وما لبث حتى سكت عن مناغاته واستغرق في النوم ms130 على مقعده ، ~~وهكذا حكمنا الصمت نحن الثلاثة، ومرت غمامة على القمر حجبت ~~أنواره. # وبعد هنيهة دخلت خادمة تحمل مصباحا لتأخذ الطفل من مرقده، فوقفت ~~وبريجيت في آن واحد، ورأيتها تربط على قلبها براحتيها وتهوي إلى ~~الأرض أمام السرير، فهرعت إليها مذعورا، وكانت لم تزل محتفظة ~~بوعيها، فرجتني ألا أدعو أحدا وقالت: إنها تصاب بالخفقان منذ ~~صباها دون أن يكون من هذه النوبات التي لم تجد لها علاجا أقل ~~خطر على حياتها، وجثوت بقربها، ففتحت لي ذراعيها، فألقيت رأسي ~~على كتفها، وعندئذ قالت لي: إنني أشفق عليك يا صديقي! فهمست في ~~أذنها: يا لشقاوتي! ويا لجنوني! ولكنني لا أستطيع كتمان أمر تضمره ~~سريرتي. من هو يا ترى المسيو دالانس الذي يقطن الجبل ويأتي ~~لزيارتك أحيانا؟ ولاحت دلائل الاستغراب على وجهها عند سماعها هذا ~~الاسم فقالت: دالانس هو صديق لزوجي. # وحدجتني كأنها تريد الاستفهام عن سبب سؤالي وقد امتقع لونها، ~~فعضضت شفتي بأسناني وقلت في نفسي: إذا كانت ترمي إلى مخادعتي فقد ~~أسأت التصرف بإعلان ما أضمرت. # ونهضت بريجيت متثاقلة تتمشى في الغرفة مستروحة بمروحتها، وقد ~~تهدجت أنفاسها، وشعرت بأنني رميتها بسهمي فحكمها الصمت، وتلاقت ~~نظراتنا وفيها برود وفيها شيء من العداء، وتوجهت إلى مكتبتها وفتحت ~~الدرج، وأخرجت منه لفافة أوراق مربوطة بشريط من حرير فألقتها إلي ~~دون أن تفوه بكلمة. # وبقيت ذاهلا عنها وعن رزمة الأوراق التي ألقتها إلي؛ إذ كنت ~~مستغرقا كمن طرح حجرا في هاوية وصمد يتنصت إلى دويه. # ولاحت لأول مرة أمامي أمارة الكبرياء الجريحة على وجه بريجيت، ~~وقد محيت عنه سطور الاضطراب والإشفاق، فشعرت أنني منها تجاه شخص ~~غريب، وقالت: اقرأ هذا. # فتقدمت نحوها مادا يدي، فكررت قولها: اقرأ هذا، بلهجة ~~باردة. # وشعرت وأنا أقبض على الأوراق أن شكوكي قد زالت، فاعتقدت ببراءة ~~بريجيت، ورأيتني ظالما يخترق الندم قلبه. # وقالت: أنت تذكرني بأن علي أن أسرد تاريخ حياتي، اصغ إلي ~~لأقصه عليك، وبعد ذلك تفتح أدراج مكتبي لتقرأ كل ما فيها من ~~رسائل كتبتها أنا وكتبها سواي. ms131 # وجلست مشيرة إلي بالجلوس، ورأيتها تتجلد لتبدأ بحديثها وقد علت ~~وجهها صفرة الموت، وتشنج عنقها فتهدج صوتها. # فصحت بها: بريجيت ... بريجيت ... أستحلفك ألا تتكلمي، ويشهد الله ~~أنني ما خلقت على ما ترين، وما كنت من قبل لا متشككا ولا ~~متحديا. لقد ضللني الناس وأفسدوا قلبي، لقد مرت بي غيرة مفجعة ~~ألقت بي إلى الهاوية، فأنا منذ سنة لا أرى من الحياة إلا شرورها، ~~ويعلم الله أنني ما كنت حتى صدمني هذا الاختبار لأعتقد بإمكان ~~استسلامي إلى الغيرة، وهي أفظع ما يمثله الإنسان من أدوار الحياة. ~~يشهد الله أنني أهواك، وليس لسواك أن يشفيني من علل أيامي ~~الماضيات، وما عرفت فيها من النساء إلا من خدعنني وكن قاصرات عن ~~إدراك الحب. لقد عشت فيما مضى كعاشق وفي قلبي من التذكارات ما لا ~~قبل لي بمحوها. فما الذنب ذنبي إذا كانت أضعف التهم وأبعدها عن ~~التصديق تقرع من هذا القلب أوتارا لم تزل تهتز بآلامها، وهي مهيأة ~~لقبول أية ضربة تستنطق الأوجاع. # لقد ذكر هذا المساء أمامي اسم رجل لا أعرفه ولا علم لي بوجوده، ~~وقيل لي إن شائعات لا طائل تحتها دارت حولك وحوله، وأنا الآن لا ~~أسألك شيئا عن هذا الأمر الذي آلمني؛ لأنني ارتكبت فيه ذنبا لا ~~يغتفر، وأتيت معترفا به أمامك، وبدلا من قبول ما تعرضينه علي ~~سألقي بهذه الأوراق إلى النار. # بحقك لا تحاولي تبرير نفسك لئلا أذل أمام نفسي. لا تنزلي بي ~~العقاب وما لي من ذنب غير فجيعتي وآلامي. # وهل لي أن أرتاب فيك وأنت على هذا البهاء، وعلى هذا الإخلاص، فإن ~~لفتة واحدة منك تحمل من الإفصاح ما لا يمكن أن أستجليه بنفسي ~~لتثبيت هيامي. آه لو تعلمين بما ابتلي من الفجائع والأكاذيب هذا ~~الفتى الماثل أمامك الآن! لو تعلمين كيف عامله الناس، وكيف هزئوا ~~به وبخير صفاته، وكم اجتهدوا لتعليمه كل ما يقود إلى الشكوك ~~والغيرة واليأس! # وأسفاه أيتها الحبيبة! إنك لا تعرفين من هو هذا الذي تعشقينه، لا ~~توجهي إلي اللوم والتقريع، ms132 بل تجلدي وأشفقي علي؛ إذ لا بد لي ~~من أن أنسى وجود كل كائن على الأرض إلا إياك، فإن أمامي مآزق من ~~الآلام يجب علي اجتيازها، وما كنت أتوقع أن أراها معترضة سبيلي ~~تتحدى قواي للمجادلة والنضال. إنني ما عرفت ما في ماضي إلا منذ ~~ضممتك بين ذراعي؛ إذ شعرت وأنا أضع قبلاتي على شفتيك بما على شفتي ~~من أوضار. المعونة يا بريجيت! إنني ألجأ إليك فساعديني بحق ربك على ~~الحياة؛ فإن ربك قد خلقني خيرا مما ترينني الآن. # وفتحت بريجيت معصميها وضمتني إليها طالبة مني اطلاعها على ~~الوقائع التي أدت بي إلى هذا الموقف، فما سردت لها إلا ما قاله ~~لاريف؛ لأنني جبنت عن الإقرار لها بأنني استنطقت مركانسون. وعادت ~~فأكرهتني على سماع إيضاحها فقالت: إن دالانس أحبها، ولكنها رأت ما ~~هو عليه من خفة وتقلب، فأعلنت له أنها لا تقصد الزواج، ورجته ألا ~~يعود إلى ذكر عواطفه؛ فخضع لإدارتها، ومنذ ذلك الحين أصبحت زياراته ~~نادرة حتى انقطع عنها. # قالت هذا وسحبت من الرزمة كتابا عرضته علي، وهو يحمل تاريخا ~~حديثا، فما ملكت وجهي من الاحمرار إذ رأيت فيه إثبات ما أعلنته من ~~الحوادث. # وأكدت لي أنها تعفو عني، غير أنها فرضت علي كعقاب أن أوافيها ~~بلا إبطاء بكل ما يدعو إلى ثورة شكوكي فيما بعد، وتبادلنا العهد ~~بقبلة، وعندما بارحتها عند انبثاق الفجر كنا نسينا أن في الوجود ~~رجلا يدعى دالانس. # | الفصل الثاني # إن للعاشقين شيئا من الركود الآسن يطفو عليه مرح كله مرارة ~~وألم، وما حالتهم هذه إلا نتيجة حياة تتحكم فيها شاردات الأهواء لا ~~حاجة الأجساد؛ فما جسد الفاسق إلا مطية تفكيره الجموح، وما تقيه ~~الإرادة وقوة الشباب مغبة التفريط إلا إلى حين؛ لأن للطبيعة ~~انتقامها الدساس الخفي، وإذا انتبهت القوة يوما لاستعادة ما هدر ~~منها؛ فإنها تجد الإرادة المشلولة تترصدها لتدفع بها من جديد إلى ~~التفريط. # إن الفاسق الذي أفلت زمام التمتع من يده لا يجد غير ابتسامة ~~الازدراء يقابل بها كل ما كان يثير ms133 شهواته، فهو يقتحم ملاذه بثورة ~~الأعصاب لا برصانة القوة، وما يستولي الفاسق على ما يحب إلا عنوة ~~واغتصابا، وقد أصبحت حياته ملتهبة محمومة، فيلجأ إلى المسكر ~~وإحياء الليالي في المواخير ليرتفع بأعضائه المنهوكة إلى مستوى ~~الملذات. # إن مثل هذا الرجل يحس في أيام ضجره وتراخيه بالمجال السحيق بين ~~قوته وشهوته بأكثر مما يشعر به أي رجل آخر، وإذا ما أراد مقاومة ما ~~حوله من مغريات فإنه يلجأ إلى الكبرياء مستمدا منها الاعتقاد ~~الوهمي بأنه يزدري هذه المغريات، ولا يأبه لها. # وهكذا لا يني الفاسق متنقلا على ولائم حياته، وقد قبض الغرور ~~على عنقه ليجره جرا بين سعارى شهوته وكربته حتى يدفعه إلى هاوية ~~الفناء، وبالرغم من أنني كنت أفلت من زمرة الفاسقين؛ فإن جسدي ~~تذكر فجأة أنه كان محشورا بينهم، وما كنت لأشعر بمثل هذا ~~الانبعاث من قبل حين اجتاحني الحزن الشديد لوفاة والدي، ثم جاء ~~الحب المبرح يشغلني فارتد الملل عني وأنا في عزلتي. وما يهم ~~المنفرد إن دار به الفرح أو ساورته الأحزان. # إن «الزنك» لا يدفع بالشرر الكامن فيه إلا إذا احتك «بالنحاس» ~~النقي، وقد جاءت قبلات بريجيت كهذا النحاس تقدح ما كمن في أعماق ~~فؤادي، فكنت وأنا أواجهها أستجلي حقيقتي فأعرف نفسي. # وقد كنت أصبح أحيانا وأنا شاعر بحالة جد غريبة في تفكيري، ~~فأحسبني قضيت ليلي في وليمة ترك بي طعامها وشرابها ما أنهك قواي، ~~فتتعبني أضعف المؤثرات الخارجية، وكل الأشياء التي عرفتها واعتدت ~~النظر إليها تورثني الملل والنفور، فإذا تكلمت سخرت بأقوال الناس ~~وبخواطري نفسها، فكنت أستلقي على مقعد مستسلما للكسل، معارضا في ~~تنفيذ ما قررناه من تنزه، مستعيدا ما كنت قلته فيما مضى لحبيبتي ~~من كلمات التودد والإخلاص، مفسدا بذلك تذكار أيام الهناء. # وكانت بريجيت تنظر إلي حزينة وتقول: بالله دع هذا يا أوكتاف، ~~إذا كنت تضمر شخصيتين مختلفتين؛ أفما بوسعك أن تدع الشخصية الطيبة ~~وشأنها عندما تتبين فيك الشخصية الشريرة؟ # وما كانت معارضة بريجيت لضلالي إلا لتزيدني استغراقا في مرحي ~~المزعج، وما أغرب ms134 طبيعة الإنسان المتألم! فهو يرمي أبدا إلى إيلام ~~من يهوى، وهل من داء أفظع من داء العجز عن التحكم في ~~الذات؟ # وما أشد ما تحتمل المرأة إذ ترى الرجل الذي ضمت إلى صدرها ينقلب ~~هازئا بلا مبرر بأقدس ما في ليالي الهناء من أسرار! وكانت بريجيت ~~تتجلد فلا تتهرب مني، بل تبقى إلى جنبي منحنية على قطعة تطرزها، ~~وأنا ذاهب بمهازلي القاسية أنال من الحب، وأنزل به أوجع الإهانات، ~~وهي تنظر بصبر إلى فمي ولما يزل مرطبا بقبلاتها يتدفق ~~تحقيرا وجنونا. # وكنت في الأيام التي تجتاحني فيها مثل هذه النوب أندفع إلى ذكر ~~ما قضيته في أيام الفحشاء في باريس، فأصورها كأنها خير حياة، ~~وأقول لبريجيت: ما أنت إلا قانتة متعبدة؟ وهل لك أن تعرفي ما هي ~~هذه الحياة؟ فليس في الناس خير ممن لا تنالهم الهموم إذ يمارسون ~~الحب دون أن يعتقدوا به. # فكأنني كنت أعلن لها بصراحة أنني لا أعتقد بالحب أنا ~~أيضا. # وتقول لي بريجيت عندئذ: إذ كان الأمر على ما تقول، فما عليك إلا ~~أن تعلمني ما أرضيك به، ولعلي لست أقل جمالا من معشوقاتك ~~اللواتي تأسف لفراقهن، وإذا رأيت أنني محرومة من المعرفة التي ~~كن يبدينها لتسليتك على طريقة خاصة، فأنا مستعدة لاقتباسها، ~~ولتكن معاملتك لي كأنك لا تحبني، ودعني أحبك دون أن أعلن لك حبي، ~~فما أنا أقل عبادة في هيكل الحب مني في هيكل الصلاة. قل لي ما يجب ~~أن أفعل لتؤمن بما أقول. # وأراها بعد ذلك تقف إلى مرآتها لترتدي في رائعة النهار ملابس ~~السهرات والمراقص متظاهرة بالتدلل - وما هي من بنات الدلال - ~~محاولة تقليدي، فتضحك وتطفر في الغرفة قائلة: أتراني على ذوقك ~~الآن؟ وأية خليلة من خليلاتك أشبه؟ أفما بي من الجمال ما يكفي ~~لإقناعك بإمكان الاعتقاد بالحب؟ أفما تلوح علي دلائل من لا ~~يبالون بالحياة؟ وإذا بي أرى الأزهار المكللة ضفائر شعرها المعقوص ~~ترتجف وهي مولية ظهرها لإخفاء تصنعها، فأنطرح على قدميها قائلا: ~~كفاك تقليدا، إنك لتذهبين بعيدا في محاكاة ms135 من لم يتورع فمي عن ~~ذكرهن أمامك. انزعي هذه الأزهار، واخلعي هذا الثوب، ولنغسل هذا ~~المرح بدمعة صادقة، دعيني أنسى ... أنني الولد الآبق؛ فقد كفاني ما ~~أتمثل من ماضي حياتي. # غير أن هذا الندم نفسه كان جافيا؛ إذ يبين لها ما لأشباح الماضي ~~من رسوم متغلغلة في سريرتي، وما كان ما أبديه من اشمئزاز إلا ليعلن ~~لها الدنس المروع في الصور التي كانت تحاول تقليدها ~~لإرضائي. # وكنت أجيء إلى بيت بريجيت وقلبي طافح سرورا، وأنا أقسم أن أنسى ~~بين ذراعيها آلام أيامي الماضيات، فأجثو أمامها مبديا كل دلائل ~~الاحترام، وأزحف خاشعا إلى سريرها كأنني من هيكل الصلاة، مادا ~~إليها ذراعي والدموع تنهمر في عيني، غير أنني كنت أراها عند ذلك ~~تتفوه بكلمة، أو تخلع ثوبها بحركة لها طابع خاص، فينتصب أمامي فجأة ~~خيال غانية تفوهت بمثل هذه الكلمة، أو أتت بمثل هذه الحركة وهي ~~تتجه إلا سريري. # يا لك من روح مخلصة! ويا للعذاب الذي تحملته عندما كنت أفتح ~~ذراعي لضمك إلى صدري فتسقطان - كأن لا حياة فيهما - على كتفيك ~~الناعمتين! وعندما كانت تنطبق شفتاك على شفتي فأحس بأن نظرات ~~الهيام في عيني، وهي شعاع من نور الله، تتراجع عن هدفها كأنها ~~سهام هبت الريح عليها فلوتها في انطلاقها! # أواه يا بريجيت! لكم انهمرت لآلئ في أحداقك عندما كنت تسقين ~~براحتيك ذلك الحب الحزين الشغوف من معين أرفع بر وأصدق ~~إحسان! # وتوالت الأيام ما كدر منها وما صفا وأنا فيها ذلك المتقلب ~~المنتقل من الجفاء والاستهتار إلى العطف والولاء، ومن الكبرياء ~~والقسوة إلى الندم والخضوع. # وكان وجه ديجنه الذي تجلى أمامي أولا كأنه ينذرني بما سأفعل ~~لا يبارح توهمي، فأناجيه في أيام شكوكي وبرود هيامي. ولكم قلت في ~~نفسي بعد توجيه التقريع إلى بريجيت مستهزئا جافيا: لو أن ديجنه ~~مكاني لذهبت إلى أبعد من هذا. # وكنت إذا ما تهيأت ~~للذهاب إلى بيت بريجيت أنظر إلى وجهي في المرآة وأنا أضع قبعتي على ~~رأسي فأقول: أي شر في هذا؟ لي خليلة ms136 استسلمت إلى فاسق؛ فعليها أن ~~ترتضي به. # وكنت أصل إليها والابتسامة على شفتي، فأستلقي على مقعد ~~متراخيا عن قصد لأنظر إليها تتقدم نحوي بعينيها الواسعتين وقد ~~ملأهما الاضطراب، فأقبض على راحتيها الصغيرتين لأذهب تائها في ~~أحلامي. # أيمكن لأي بيان أن يأتي باسم لشيء لا اسم له؟ فهل أصف نفسي بطيبة ~~القلب أم بسوء النية؟ أحزما كان ما أفعله أم جنونا؟ ما يفيد ~~التبصر؟ فما علي إلا السير على السبيل المخطوط. # وكان لنا جارة تدعى مدام دانيال، عليها مسحة من الجمال، وفيها ~~شيء من الدلال، وهي فقيرة تحاول الظهور بمظهر الغنى، وكانت تأتي ~~لزيارتنا وتلعب الميسر مضاربة معنا بمبالغ كبيرة، فإذا خسرت صعب ~~الأمر عليها فلجأت إلى الإنشاد بصوت ليس فيه شيء من الجمال. وقد ~~كانت هذه المرأة التي اضطرتها المقادير لتمضية حياتها في هذه ~~الغابة الضائعة بين الجبال ظامئة إلى المسرات والملاذ، فما كانت ~~تتكلم إلا عن باريس؛ حيث تذهب لتمضية ثلاثة أيام كل سنة، وكانت ~~تدعي أنها تتبع الأزياء الحديثة فتساعدها بريجيت بآرائها وهي ~~تبتسم شفقة عليها. وكان زوج هذه المرأة موظفا في دائرة تسجيل ~~الأملاك، فيذهب بها أيام الأعياد إلى مركز الناحية لترقص بكل ما في ~~قلبها من شوق مع ضباط الفصيلة في قاعة الحكومة، وكانت تعود من هذه ~~المراقص وقد وهنت قواها، وازداد بريق عينها، فتهرع إلينا لتخبرنا ~~بما صادفت من نجاح، وبما أثارت من أشجان. أما ما تبقى لها من الوقت ~~فكانت تقضيه بمطالعة الروايات غير ملتفتة إلى شيء من مشاغل ~~بيتها. # وكنت كلما التقيت بهذه المرأة أسخر بها لغرابة حياتها، ولكم ~~قاطعتها في حديثها عن المراقص لأسألها عن زوجها ووالده، وهي تكره ~~الأول لأنه زوجها، والثاني لأنه من زمرة الفلاحين، كما تقول، وهكذا ~~لم يخل أي اجتماع لنا بها دون أن ينشأ بيننا خلاف شديد. # وخطر لي في أيامي السوداء أن أتحبب إلى هذه المرأة نكاية ~~ببريجيت، قأقول لهذه: أفما ترين أن مدام دانيال تفهم معنى الحياة؟ ~~فهي ناعمة البال مرحة، وأراها خير معشوقة يتمناها ms137 الرجال. # وهكذا كنت أبدأ بالثناء على هذه المرأة، فأصف ثرثرتها بسهولة ~~البيان، ودعواها العريضة بميل بديهي إلى التمتع بالحياة، وأرى أن ~~لا ذنب عليها إذا كانت فقيرة ما دامت تعترف بهذا الفقر، إلى أن ~~أقول أخيرا: إنها لا تسمع مواعظ الناس، ولا تبذل المواعظ لهم، ثم ~~أطلب من بريجيت أن تتخذ هذه المرأة مثالا تحتذي به، مدعيا أن هذا ~~النوع من النساء يوافق ذوقي. # ولاحظت مدام دانيال أن في نظرات بريجيت بعض الأسى، وكانت هذه ~~المرأة طيبة القلب مخلصة؛ إذ هي تملصت من فكرة الأزياء التي كانت ~~تثير حماقتها، فأقدمت على عمل سداه الإخلاص ولحمته الحماقة؛ إذ ~~انتهزت فرصة اختلائها ببريجيت في نزهة لتقول وهي تعانقها: إنها ~~لاحظت ميلا مني للتحبب إليها، وإنني أسمعتها بعض كلمات لا مجال ~~للارتياب في مقصدي منها، وأضافت إلى ذلك قولها: إنها عارفة بأنني ~~عاشق لامرأة أخرى، وأنها تفضل الموت على إتيانها أمرا يهدم سعادة ~~صديقة لها. # وقد رأت بريجيت أن تشكر مدام دانيال على صراحتها، فذهبت هذه ~~مرتاحة الضمير، غير أنها لم تنقطع عن إرسال لحظاتها إلي لتزيد في ~~نكايتي. # وبعد أن بارحتنا مدام دانيال عند المساء، أخبرتني بريجيت بلهجة ~~قاسية عما جرى في المتنزه بينها وبين هذه المرأة، وطلبت إلي أن ~~أوفر عليها تحمل مثل هذه الإهانة فيما بعد قائلة: إنني لا أعلق ~~كبير أهمية على مثل هذه المهازل ولا أصدقها، غير أنني أرى من ~~الفضول - إذا كنت تحبني - أن تدع امرأة أخرى تشعر بأن محبتك لا ~~تحتفظ بمستواها كل يوم، فأجبتها ضاحكا: أيمكن أن يكون لهذا الأمر ~~شأن عندك؟ أفما ترين أنني لا أقصد سوى الهزل لتمضية الوقت؟ فقالت: ~~أواه يا صديقي، إن من البلية أن يرى الإنسان ضرورة لتمضية ~~وقته. # وبعد أيام عرضت علي بريجيت أن نذهب إلى قاعة الحكومة لمشاهدة ~~مدام دانيال في رقصها، فقبلت على مضض، وبينما كانت ترتدي أثوابها ~~قرب الموقد بدأت أوجه إليها اللوم؛ لأنها تخلت عن مرحها القديم، ~~فقلت لها وأنا لا أجهل حالها: ما لك ms138 يا بريجيت ؟ لقد أصبح القطوب ~~مستحكما في ملامحك، فإذا دام الحال على هذا المنوال فلا بد من أن ~~يسود الحزن ساعات انفرادنا، لقد عرفتك من قبل أكثر مرحا وحرية ~~وصراحة، وليس مما يوجب افتخاري أن أكون أنا علة هذا الانقلاب ~~الطارئ على أخلاقك، ومع ذلك فإنني أتوسم فيك خلال أهل الزهد، فكأنك ~~خلقت لسكنى الدير. # وكان ذلك اليوم يوم أحد، فاستقللنا عربة وسرنا، حتى إذا وصلنا ~~إلى المتنزه رأت بريجيت رهطا من صديقاتها بنات الحقول سائرات إلى ~~مرقص أشجار الزيزفون، ونضارة الشباب تتدفق من وجوههن، فاستوقفت ~~عربتها وحيت الفتيات، وإذ استأنفنا السير أطلت من نافذة العربة ~~مشيعة بأنظارها رهط الصبايا، كأنها تتشوق إلى المرقص القديم، وإذ ~~توارين عنا رأيتها ترفع منديلها إلى عينيها. # وصلنا إلى مرقص الحكومة فرأينا مدام دانيال تطفر فرحا وحبورا، ~~فبدأت بالرقص معها، وكررت ذلك بصورة تسترعي الانتباه، وكلت لها ~~عبارات الإعجاب، فكانت تجيب على مجاملتي بمثلها، وكانت بريجيت ~~تتبعنا بأنظارها أنى سرنا، ويصعب علي أن أصف ما شعرت به في ذلك ~~الحين؛ إذ تمازج سروري بألمي لما تجلى لي على سيماء بريجيت من ~~غيرة، فكأن هذه الغيرة كانت تحفزني إلى التمادي في إضرامها. # وتوقعت بعد عودتنا أن تلجأ بريجيت إلى لومي، ولكنها بقيت ممنعة ~~بجمودها وصمتها في اليوم التالي وما بعده، فكانت تستقبلني بقبلتها ~~المعتادة، ثم نجلس وكل منا مستغرق في نفسه، فلا نتبادل الكلام إلا ~~قليلا. وفي اليوم الثالث، عيل صبر بريجيت؛ فاندفعت تهاجمني ~~بعتبها المر قائلة: إنها لا تجد ما تبرر به معاملتي، ولا يسعها ~~إلا الاعتقاد بزوال حبي، ثم أعلنت لي بصراحة أنها أصبحت لا تطيق ~~هذه الحياة، وقد عزمت على الالتجاء لأية وسيلة تنقذها من أطواري ~~الشاذة، ومعاملتي الباردة، ورأيت الدموع تنسكب من عينيها بغزارة، ~~فكدت أجثو أمامها لأطلب عفوها، غير أنها استمرت في إرسال تقريعها ~~متفوهة بكلمات ذهبت إلى كبريائي فجرحتها، وثار ثائري فأجبتها ~~بكلمات من طراز كلماتها، حتى اتخذت مناقشتنا شكل جدال لا هوادة ~~فيه، فقلت لها: إن من المستغرب ms139 ألا يكون عندها من الثقة ما يجيز لي ~~إتيان أبسط الأمور، فلا بد إذن أن يكون هنالك سبب آخر غير السبب ~~الذي تتمسك به؛ لأنها تعلم أنني لا أبالي بمدام دانيال، فليس ~~تقريعها لي إلا الاستبداد بعينه، ومع ذلك فإذا كانت متعبة من هذه ~~الحياة ففي وسعها أن تضع حدا لها بالفراق. # فقالت: «ليكن ما تقول؛ لأنك تنكرت لعيني منذ بذلت لك نفسي، فقد ~~لعبت دورك بمهارة لإقناعي بحبك لي، وها قد أتعبك هذا الدور فلا تجد ~~من الأعمال إلا ما تسيء به إلي. لقد ارتبت في إخلاصي لكلمة واحدة ~~مرت على أذنك، ولا حق لي بتحميل نفسي ما توجهه من إهانة إليها. لقد ~~تبدلت فما أنت الرجل الذي أحببت.» ~~- إنني لا أجهل نوع آلامك، وأراها ستتجدد لكل خطوة في حياتي، ~~وسوف لا يطول الأمر حتى أحرم حق التكلم مع أي مخلوق سواك، فأنت ~~تتظاهرين باحتمال سوء المعاملة لتجيزي لنفسك توجيه التقريع إلي، ~~وما تشكين استبدادي إلا طلبا لاستعبادي. أما وقد أصبحت أشوش عليك ~~حياتك؛ فاستعيدي السكينة لها. إنك لن ترينني بعد الآن. # وافترقنا على غضب، ومر النهار دون أن أراها. # وفي اليوم التالي، شعرت عند انتصاف الليل بحزن لم أجد لاحتماله ~~سبيلا، فذرفت الدموع سخينة، وأخذت ألوم نفسي وألعنها قائلا: إن ~~من الجنون المطبق أن أعذب أشرف النساء وأطيبهن قلبا، ثم نهضت ~~راكضا إلى بيتها لأنطرح عند قدميها. # دخلت الحديقة وإذ رأيت النور من نافذة غرفتها ساورتني الشكوك ~~فيها، فقلت: إنها لا تنتظرني في مثل هذه الساعة، ومن يدري ما تفعل؟ ~~لقد تركتها أمس غارقة بدموعها، ولعلني أراها الآن مشغولة بالغناء ~~غير مبالية وغير شاعرة بوجودي، بل لعلها ترتدي أثوابها وتجمل ~~وجهها كتلك المرأة ... لأدخلن إذن متجسسا فأطلع على ~~الحقيقة. # وتقدمت على حذر، وكان باب غرفتها مفتوحا، فتمكنت من مشاهدتها ~~دون أن تراني، وكانت جالسة إلى خوان تكتب في مجلد المذكرات التي ~~كانت مبعث ارتيابي بها، وكان في يدها اليسرى علبة صغيرة من الخشب ~~الأبيض تنظر إليها من آن ms140 إلى آن بارتعاش عصبي ظاهر. # ولا أدري أية روح مروعة كانت تسود هذه الغرفة في جوها الهادئ، ~~وكانت رفوف المكتب مفتوحة وقد صفت عليها رزم الأوراق كأنها رتبت ~~من برهة وجيزة. # ودققت الباب فنهضت وأقفلت أدراج المكتب وأتت إلي والابتسام ~~يعلو فمها قائلة: نحن طفلان يا أوكتاف، يا صديقي، وما كان لعراكنا ~~من سبب ولا معنى، ولو لم تأت إلي لذهبت إليك في هذا الليل. اغفر ~~لي؛ فالذنب ذنبي أنا. إن مدام دانيال ستأتي غدا لتناول الغداء؛ ~~فلك أن تفتح سبيلا لندمي عما تسميه استبدادا في معاملتي. إن ~~سعادتي متوقفة على حبك لي، فلننس ما مضى، ولنحتفظ ~~بسعادتنا. # | الفصل الثالث # وشعرنا عند صلحنا بما لم نشعر بمثله في خصامنا، ولاح لي أن ~~بريجيت تضمر أمرا لم أدرك كنهه أولا، ثم رأيت الاضطراب يستقر في ~~نفسي ويعكر عليها صفوها، فكنت كلما مرت بي الأيام ينجلي في ~~ويتفوق على مقاومتي عنصران من الشقاء أورثتني إياهما ضلالات ~~ماضي؛ أحدهما: غيرة ثائرة تتدفق لوما وتحقيرا، وثانيهما: نوع ~~من المرح القاسي والخفة المصطنعة أذهب به إلى إهانة كل عزيز علي، ~~فكنت وأنا أستسلم تارة إلى الغيرة، وطورا إلى المرح الساخر، أعامل ~~بريجيت كأنها خليلة خائنة، أو كأنها امرأة مستأجرة، فما لبثت حتى ~~تولاها من الأسى ما جلل حياتنا بالسواد. ومن الغرائب أنني كنت ~~أتململ من سيادة الحزن علينا وأنا لا أجهل مصدره، ولا أقوى على ~~إنكار جنايتي فيه. # كنت في ريعان العمر ميالا إلى السرور، فثقل علي أن أنفرد كل ~~يوم بامرأة أكبر مني سنا تتألم ويتزايد نحولها، وتبدو أمارات ~~الجد على وجهها، فأحس بتمرد شبيبتي علي وتطلعها على ما مضى آسفة ~~على مرحها وحريتها. # وكنا عندما نتمشى على مهل في الغاب على ضوء القمر نشعر كلانا ~~بالوحشة تتغلغل في أحشائنا، فتنظر بريجيت إلي وفي عينيها كثير من ~~الإشفاق، ونتجه إلى صخرة مرتفعة تطل على واد مقفر؛ حيث نستعرض ~~الساعات تمر بنا بطيئة، فأحس بعيني خليلتي وقد غشاهما الأسى ~~تغوران في عيني نافذتين إلى قلبي، ms141 ثم تردهما عني لتسرحهما على ~~صفحة السماء ومسالك الوادي، فتقول: إنني أشفق عليك، يا بني؛ فأنت ~~لا تحبني. # وكانت الصخرة تبعد مسافة مرحلتين عن القرية، فنضطر إلى قطع أربع ~~مراحل ذهابا وإيابا، وما كانت بريجيت تخاف السير في الليل، فكنا ~~نجعل مجيئنا عند الساعة الحادية عشرة؛ لنعود منها عند بزوغ الفجر، ~~وكانت في هذه الرحلات ترتدي سترة زرقاء وسروال رجل قائلة: إن ~~أثوابها العادية لا تليق لمثل هذه المغامرات بين الأشواك، وكانت ~~تتقدمني على الطريق الرملية بخطوات ثابتة، فأرى فيها ليونة الأنوثة ~~يشدها إقدام الطفولة، فما أتمالك نفسي من الوقوف في كل فترة لأنظر ~~إليها معجبا وهي مندفعة في سيرها كأنها مقدمة على القيام بواجب ~~صعب تفرضه عقيدة مقدسة. # وكانت وهي مندفعة إلى الأمام منشدة بأعلى صوتها كالجندي المهاجم ~~تقف بغتة لتعود أدراجها إلي مدغدغة وجهي بقبلاتها. # وفي عودتنا كانت تتكئ على ساعدي، فلا تركض ولا تغني، بل تناجيني ~~بعبارات رقيقة تسرها إلي بصوت خافت كأنها تحاذر أن يسمعها أحد ~~ونحن نمشي منفردين في الأماكن المقفرة، ولا أذكر أن كلمة واحدة من ~~هذه الأحاديث شذت من دوائر الحب والولاء. # وسلكنا في إحدى الليالي مسلكا نحو الصخرة افترضناه في الغاب غير ~~المسلك المطروق، فذهبت بريجيت أمامي تختط السبيل وعلى رأسها قبعة ~~صغيرة من القطيفة تنفر من تحتها غدائر شعرها الأشقر، فخيل إلي ~~أنها ليست امرأة، بل غلاما يافعا يقتحم الصعاب. ولكم سابقتها في ~~تسلق الصخور فعلقت بنتوآتها مستنجدة بي وقد عجزت عن الارتقاء، ~~فكنت أرجع إليها لآخذها بين ذراعي قائلا: أنت يا سيدتي من أبناء ~~الجبال، لك القوة والرشاقة، ولكني لا أرى بدا من حملك بالرغم من ~~عصاك الثقيلة وحذائك المصفح. # وصلنا إلى محجتنا وقد تهدجت أنفاسنا، وكنت شادا حقوي بنطاق ~~تتدلى منه قربة، وإذ طلبت بريجيت مني هذه القربة تبينت أنها ~~سقطت مني مع زناد كنا نقدحه لإنارة معالم الطريق وقراءة لوحاتها ~~حذرا من الضلال. وكثيرا ما كنا نضل فأتسلق الأعمدة، وأقدح الزناد ~~مرارا؛ فأتمكن من قراءة ما كتب في ms142 أعلاها. # وقالت بريجيت: علينا أن نمضي الليل هنا؛ فقد أضعنا الزناد وأنا ~~متعبة من طول السير، غير أن هذه الصخرة قاسية؛ فلنلق عليها من ~~الأوراق اليابسة ما يحولها إلى فراش وثير. # كانت هذه الليلة من أروع الليالي سكونا وجلاء، وقد زادها روعة ~~ظهور القمر من ورائنا، فعلقت بريجيت أنظارها عليه وهو يتملص على ~~مهل من سواد الأشجار المكللة أعلى الرابية، وانطلقت توجه إليه ~~إنشادها، ولكنها ما رأت الكوكب يتعالى حتى خفت صوتها، وأصبحت ~~نبراتها حزينة هادئة، فارتمت على كتفي وطوقتني بذراعيها قائلة: لا ~~تظن أن حقيقة قلبك خافية علي، فما أنا بلائمتك على ما تحملني من ~~عذاب، وما أنت بالمذنب إذا خانتك قواك فعجزت عن نسيان حياتك ~~الماضية. لقد أحببتني بكل إخلاص، ولن آسف، ولو قتلني حبك، على ~~استسلامي إليك. لقد ظننت أنك ستبعث حيا بين ذراعي فتسلو من ~~أوردنك الهلاك من النساء. # ولقد تلقيت بالابتسام ما اعترفت لي به من اختبارك الحياة وأنت ~~تسرد ما مر عليك متباهيا كالأطفال في غرورهم؛ لأنني اعتقدت أن ~~إرادتي ستكفي لهدايتك، وأن قبلة واحدة على شفتيك ستجذب إليهما ما ~~ثوى من قلبك. لقد اعتقدت أنت أيضا اعتقادي فضللنا كلانا. # إن في قلبك جرحا يتمرد على الشفاء؛ فقد نالت المرأة التي خدعتك ~~ما لم أنله أنا من حبك. وها إن حبي المسكين لا يقوى على محو ~~صورتها من تذكارك، وإذا كان إخلاصي لك لا يجديك نفعا الآن، فما ~~ذلك إلا لأن هذه المرأة قد ذهبت في خيانتها إلى أقصى ما تبلغ قسوة ~~الخائنات. ومن يدري ما فعلت الأخريات من بنات الشقاء حتى نفثن ~~السم في أزهار شبابك؟ إلى أية درجة بلغت الملاذ التي اتبعتها منهن ~~حتى تطلب مني الآن أن أتشبه بهن؟ إنهن يراودن تذكارك وأنت بالقرب ~~مني، وذلك أشد ما أقاسيه منك يا بني. إنني أفضل أن أراك ~~مستبدا في ثورة غضبك، فترمي بوجهي ما يمكن لك أن تتصوره بي من ~~سيئات وهمية منتقما لنفسك مما جنته عليك خليلتك الأولى، على ~~أن أراك ms143 ذاهبا في مرضك القبيح، وعلى وجهك أمارات المتهتك المستهزئ ~~منطبقة على سحنتك كأنها قناع يحول بين شفتيك وشفتي. # لم تحملني مثل هذا يا أوكتاف؟ ولم هذه الأيام التي تتناول ~~فيها الحب بأحقر بيان، هازئا حتى بأعذب ما في استسلامنا من ملذات؟ ~~ما فعلت بأعصابك الحساسة يا ترى هذه الحياة التي خضت عبابها حتى ~~تركت على شفتيك هذه اللعنات تخفق بينهما حتى الآن؟ إنك تقذفها ~~مرغما؛ لأن قلبك طيب كريم، ولأن حمرة الخجل تعلو جبينك مما تتفوه ~~به، فأنت ولا شك متألم في حبك لي إذ تشاهد ما تحملني من ~~عذاب. # إنني أعرفك الآن، ولكنني يوم رأيتك لأول مرة على مثل هذه الحال ~~ملكني رعب يصعب علي وصفه؛ لأنني حسبتك مخادعا يتظاهر بحب لا ~~يشعر به. # وحقك يا صديقي، لقد فكرت في اقتحام العدم في ذلك اليوم، ومرت ~~علي ليلة هي أشد ليالي روعا ويأسا ... # أنت تجهل حياتي، ولا تعلم أن اختباراتي في الحياة لم تكن أقل ~~مرارة من اختباراتك، ويلاه! إن الحياة مريرة لا يستعذبها إلا من ~~يجهلها. # لست يا أوكتاف الرجل الأول الذي أحببت؛ فإن في قلبي حدثا ~~مشئوما أريد أن تعرفه. # كان أبي قرر وأنا طفلة بعد أن يزوجني من ابن وحيد لأحد أصدقائه ~~القدماء، وكان هذا الصديق صاحب أملاك مجاورة لأملاكنا، وكانت ~~الأسرتان على اتصال دائم، ومات أبي. وكانت أمي قد ماتت قبله بزمن ~~طويل، وهكذا بقيت تحت رحمة عمتي التي تعرفها، واضطرت عمتي إلى ~~التغيب مدة، فأسلمتني إلى والد خطيبي الذي كان يدعوني دائما بيا ~~ابنتي. وكان قد اشتهر في البلد أمر زواجي قريبا بابنه؛ فأصبح هذا ~~يتمتع بأوسع حرية في معاشرتي. # وكان الشاب - ولا فائدة لك من معرفة اسمه - عشيرا لصباي، ~~فانقلبت مودة الطفولة بيننا إلى محبة، وكان ينتهز فرصة انفرادنا ~~ليذكرني بما سنلاقي من سعادة بعد الزواج، ويشكو تباريح الانتظار. ~~وكان يكبرني بسنة، وله صديق من عشراء السوء ينقاد إليه، فقرر أن ~~يخدع أباه وينكث بعهده بعد إيقاعي في فخاخه، وهكذا استغل جهلي وعبث ms144 ~~بطفولتي. # ودعانا والده ذات صباح ليبلغنا أمام أفراد أسرته أن يوم زواجنا ~~قد تعين، وما أسدل الليل ستاره حتى لقيني في الحديقة واندفع يشرح ~~هواه قائلا: إنه يعد نفسه زوجا لي ما دام يوم العقد قد تعين، ~~وإنه في الواقع زوجي أمام الله منذ كان طفلا، واستعان علي بثقتي ~~وجهلي، فاستسلمت له قبل أن يعقد له علي، غير أنه هجر بيت أبيه ~~بعد هذا الحادث بثمانية أيام هاربا مع امرأة كان صديقه قدمها ~~له، وأرسل إلينا كتابا يقول فيه: إنه مسافر إلى ألمانيا، واختفى ~~عنا منذ ذلك الحين. # هذه هي قصتي، وقد عرفها زوجي كما عرفتها أنت الآن. لقد عزت نفسي ~~علي فعاهدتها في وحدتي ألا أعرضها مرة أخرى للشقاء. لقد نكثت ~~بهذا العهد عندما رأيتك فنسيت عهدي، ولكنني ما نسيت أوجاعي. إن ~~كلينا مريض يا أوكتاف، فليعالج أحدنا الآخر بلين وتؤدة. أفلا ترى ~~أنني أنا أيضا أعرف ما هي ذكريات الماضي؟ # ولكم تروعني هذه الذكريات وأنت قريب مني! غير أنني أشد شجاعة ~~منك، ولعلني أتفوق عليك بالحزم؛ لأن آلامي كانت أشد من آلامك. لقد ~~كانت حياتي ساكنة هادئة في هذه القرية قبل قدومك، وكنت وعدت نفسي ~~بألا أبدل من حالها. وهذا ما يجعل هذه النفس شديدة الشكيمة علي، ~~ولكن ما يهمني كل هذا، فأنا لك. أفما قلت لي في أويقات الصفاء: ~~إن العناية قد عهدت إلي بالسهر عليك كما تسهر الأم على ابنها؟ ~~فما أنا خليلة لك كل يوم، بل أنا أكثر الأيام أمك؛ لأنني أريد أن ~~أكون أما لك. إنني لا أرى فيك العاشق عندما ترهقني بالتعذيب، بل ~~ولدا مريضا يساوره الحذر، أو يستخفه الطرب، فأبذل جهدي ~~لمداواته وشفائه، طامحة إلى استعادة الرجل الذي أحب، وأريد أن أحب ~~إلى الأبد. # ورفعت عينيها إلى السماء قائلة: ليعززني الله بهذه القوة، وهو ~~السميع المجيب لدعاء الأمهات والعاشقات، فأتمكن من إتمام هذا ~~الواجب ولو هلكت في سبيله، حتى ولو أصبحت معرة نفسي المتمردة ~~وقلبي المنكسر وكل حياتي ... # وشرقت بدمعها فاختنقت الكلمات ms145 في صدرها . # وإذا هي جاثية على الصخر وقد شبكت أنامل يديها وهزها الهواء كما ~~يهز عاشقات الشجر حولنا. # يا لها من مخلوقة تجللها العظمة في ضعفها وهي تتوسل إلى الله من ~~أجل حبها! # ورفعتها إلى صدري قائلا لها: أي صديقتي الوحيدة! يا خليلتي، ويا ~~أمي، ويا أختي، توسلي إلى الله من أجلي أيضا؛ ليهبني قوة أحبك بها ~~قدر استحقاقك. اطلبي لي الحياة ليغتسل قلبي بدموعك؛ فيصبح قربانا ~~لا دنس فيه نقتسمه أمام الله. # واستلقينا على الصخر، وساد الصمت حولنا، ولمعت السماء فوق رءوسنا ~~بكل كواكبها، فقلت لبريجيت: أفما تذكرك هذه الآفاق النيرة ~~بأول استسلام؟ # إنني أشكر الله لأننا لم نعد منذ ذلك الليل إلى تلك الصخرة، ~~فبقيت هيكلا طاهرا تمر وحدها بمخيلتي مجللة بالبياض بين أشباح ~~حياتي. # | الفصل الرابع # ومررت ذات ليلة بساحة القرية فلمحت رجلين يتحادثان، وسمعت أحدهما ~~يقول بصوت بلغ أذني: إنه يعاملها معاملة سيئة. # فقال الآخر: الذنب ذنبها، فما كان أغناها عن اختيار مثل هذا ~~الرجل الذي لم يعاشر حياته سوى بنات المواخير. أما وقد جنت هذا ~~الجنون فلتتحمل نتائجه. # وتقدمت في الظلام لأتبين من هما المتكلمان، ولأتمكن من استماع ~~تتمة الحديث، غير أنهما لحظا اقترابي فابتعدا. # ذهبت إلى مسكن بريجيت، فرأيتها جد مضطربة لمرض جديد انتاب ~~عمتها، فما زاد حديثنا على بعض كلمات، وما تسنى لي أن أراها بعد ~~ذلك، بل عرفت أنها استقدمت طبيبا من باريس، ومضى أسبوع فإذا هي ~~تدعوني إليها لتقول لي: إنها فقدت بموت عمتها آخر قريب لها، وإنها ~~أصبحت وحيدة في العالم، وستضطر إلى مغادرة القرية. # فقلت لها: وأنا، ألست شيئا معدودا في نظرك؟ # فقالت: أنت عارف بحبي لك، كما أنني أنا أعتقد بحبك لي في كثير من ~~الأحيان، ولكن أنى لي أن أعتمد عليك وما أنا إلا خليلتك دون أن ~~تكون أنت خليلي، وأسفاه! لكأن شكسبير قد عناك عندما قال: «اصطنع ~~لنفسك رداء من النسيج المتموج؛ لأن قلبك شبيه باليشب يشع بآلاف ~~الألوان.» أما أنا، فهاك ثوبي وقد ثبت فيه ms146 لونه الأسود إلى زمن ~~طويل. ~~- لك أن تبارحي هذا البلد، فأنا وراءك أو أنتحر. # وانطرحت جاثيا أمامها: أواه يا بريجيت! لقد حسبت أنك أصبحت ~~وحيدة في العالم عندما ماتت عمتك. إن فكرتك هذه لأشد عقاب يمكنك أن ~~تنزليه بي، فما شعرت قط كما أشعر الآن بمسكنة حبي لك. أنكري هذه ~~الفكرة على نفسك فإنها تقتلني وإن كنت أستحقها. أفلا أكون في حياتك ~~شيئا معدودا إلا لإلحاق الضرر بك وتعذيبك؟ ~~- إنني أجهل من هم الناس الذين يترصدون لنا، فقد شاعت عنا في ~~القرية شائعات لها غرابتها، فقال البعض: إنني أقضي على نفسي ~~لتساهلي وجنوني، وقال آخرون: إنك رجل قاس يكمن فيك الخطر علي. ~~فلا أدري كيف نفذ الناس إلى أقصى سرائرنا، فاكتشفوا جميع ما ظننته ~~متجليا لي وحدي من تقلبك في معاملتي، وما نشأ عن هذا التقلب ~~من تكرار الخلاف بيننا، حتى إن عمتي نفسها فاتحتني بالأمر، وكانت ~~مطلعة على حالنا منذ مدة طويلة ولم تقل شيئا، ومن يدري؟ لعل هذه ~~الإشاعات عجلت في القضاء عليها. # وقد لاحظت برود صديقاتي أو ابتعادهن عني كلما صادفتهن في ~~المتنزه، بل إن الفلاحات أنفسهن اللواتي أحببنني كثيرا يهززن ~~أكتافهن عندما يرين مقعدي خاليا من مرقص الأحد. # كيف يقع هذا؟ إنني أجهل السبب، ولعلك تجهله أنت أيضا، وعلى كل ~~يجب أن أسافر؛ فقد عيل صبري في هذا الموقف بعد أن مر الموت على ~~مسكني، وأصبحت وحيدة أمام هذه الغرفة المهجورة. # أواه يا صديقي! لا تتخل عني. # واستخرطت في البكاء، وتطلعت فإذا في أرض الغرفة صندوق السفر ~~وجميع ما يدل على الاستعداد له، فاتضح لي أن بريجيت كانت قد عزمت ~~على الرحيل وحدها على أثر موت عمتها دون أن أعلم، فخانتها القوى، ~~ورأيت على وجهها دلائل الخور، وأدركت صراحة هذا الموقف الذي زججتها ~~أنا فيه، فما كفى ما تحتمل من العذاب حتى زاد عليه تحقير الناس ~~لها، وما كان الرجل الوحيد الذي يجب أن تستند إليه وتتعزى به إلا ~~منشأ أشد اضطرابها، وأفظع ما في عذابها. ms147 # ومثلت سيئاتي أمامي، فخجلت من نفسي؛ إذ رأيت ما فعلت في مدى ~~ثلاثة أشهر بتلك الوعود والأماني. كنت أحسب أن في قلبي كنزا، فما ~~استخرجت الأيام منه إلا مرارة الغسلين، وأشباح أحلام، وشقاء المرأة ~~التي أعبدها. # لأول مرة في حياتي شعرت أنني أجابه ذات الحقيقة وجها لوجه، ~~وما كانت بريجيت توجه إلي أقل ملامة، بل كانت تريد أن تتوارى عن ~~عياني فتخونها قواها، وتقف متأهبة لمصارعة أحزانها، وخطر لي فجأة ~~أن من واجبي أن أتوارى لأنقذها من مصائبها بإنقاذها مني. # نهضت متوجها إلى غرفة بريجيت، فجلست على صندوقها مسندا رأسي ~~بيدي وأنا مضعضع الحواس، أنظر إلى ما حولي من رزم لم تزل مفتوحة، ~~ومن أثواب مبعثرة على الرياش، وما كانت قطعة من القطع غريبة عني، ~~وفي كل ما لمست حبيبتي شيء من قلبي، وذهبت أحاسب نفسي على ما سببت ~~من شرور، فانتصب أمامي خيال بريجيت عندما رأيتها لأول مرة تحت ~~أغصان الزيزفون، وجديها الناصع البياض يتراكض وراءها، وناجيت ~~نفسي قائلا: بأي حق تجرأت على الدخول إلى هنا لتتسلط على هذه ~~المرأة؟ من أجاز أن يتعذب الآخرون من أجلك؟ # إنك تقف أمام مرآتك وتسرح شعرك لتذهب بخمولك تتلمس السعادة قرب ~~خليلة يحيط بها الشقاء، فترتمي على المساند التي ركعت عليها موجهة ~~إلى الله توسلاتها من أجلك ومن أجلها، فتأخذ راحتيها لتدغدغهما ~~ضاحكا ولما تزالا في رجفة الصلاة. # إنك لذو مهارة لإشعال جذوة الخيال في رأس متألم، فتندفع إلى ~~الثرثرة محموما بغرامك كأنك محام يخرج محملق العينين من موقف ~~دفاعه عن قضية خاسرة، فما أنت إلا الولد الآبق يتلاعب بالألم، ~~ويتسلى بالعذاب، فيحلو لك أن ترتكب جريمة القتل في مجلس أنس ~~بوخزات الإبر. # بأية كلمة ستقف أمام إلهك الحي عندما تكمل عملك؟ # إلى أين مصير المرأة التي تهواك؟ # إلى أية هاوية تنزلق بهذه المرأة التي تستند إليك؟ # بأي وجه ستقف أمام الشمس عندما تدرج بيديك في اللحد عاشقتك ~~الناحلة الشقية كما أدرجت هي آخر سند لها في الحياة؟ # لا ريب في أنك ms148 ستدفع بها إلى القبر؛ لأن محبتك محرقة ~~قاتلة. # لقد سلطت على هذه المرأة هائجات إعصارك، وهي المطالبة بتسكين ~~ثائرها، فإذا ما تبعتها فأنت لا شك قاتلها. # كن على حذر يا هذا؛ فإن ملاك عاشقتك يترصد، وقد ألقى ضربة الموت ~~على هذا المسكن ليطرد منه هذه الأهواء الجامحة في مهب العار، وها ~~هو ذا يلهم بريجيت الفرار، ولعل ما يسر به إليها هو آخر ~~نجواه. # احذر أيها القاتل، أيها الجلاد؛ فإنك تجاه حياة وتجاه ~~موت. # بهذا كنت أخاطب نفسي عندما حانت مني التفاتة، فرأيت على المقعد ~~ثوبا مخططا طوي وأعد ليدرج في الصندوق. وكان هذا الثوب قد شهد ~~يوما من أسعد أيامنا، فأمررت يدي عليه ولمسته قائلا: أبوسعي أن ~~أفارقك أيها الرداء الصغير؟ أفتريد أن تتخلى عني فتذهب ~~وحدك؟ # لا، إنني لا أقوى على ترك بريجيت، فإذا فعلت في مثل هذه الظروف ~~كنت غادرا لئيما. لقد ماتت عمتها، وها هي ذي وحيدة تصدمها سعايات ~~عدو مجهول، ولعل هذا العدو مركانسون بعينه؛ فقد يكون تحدث إلى ~~الناس عن مقابلتي له، واستفهامي عن دالانس، مستنتجا من غيرتي ما ~~جعله أساسا لإشاعته. ما هذا الرجل إلا حية رقطاء تقطر سمها الزعاف ~~على زهرتي؛ فعلي أولا أن أعاقبه، ثم أتحول إلى رد ما سببته ~~لبريجيت من أضرار. # ما أشد حماقتي! فإنني أفكر في التخلي عنها في حين يجب علي أن ~~أكفر عن ذنوبي نحوها؛ فأعوضها سعادة وحبا عما ذرفت من ~~دموع. # أما أنا سندها الوحيد في العالم، بل صديقها الأوحد، وسلاحها الذي ~~تتقى به هجمات الدهر؟ فعلي أن أتبعها أيان ذهبت فأحميها بجسدي، ~~وأعزيها عن حبها واستسلامها لي. # ودخلت إلى الغرفة التي بقيت بريجيت فيها وحدها وقلت لها أن ~~تنتظرني ساعة ريثما أعود. # فسألتني: إلى أين أنت ذاهب؟ فقلت: انتظريني. لا تذهبي بدوني، ~~واذكري كلمات راعول: «إلى أية جهة ذهبت سيكون شعبك شعبا لي، ~~وسيكون إلهك إلهي، فأموت حيث تموتين، وأدفن حيث تدفنين.» # وخرجت مسرعا قاصدا مركانسون، فقيل لي: إنه ليس في بيته، وجلست ~~أنتظر ms149 عودته أمام مكتبه الأسود القذر، وطال انتظاري، فعاودني تذكار ~~مبارزتي لأجل عشيقتي الأولى، فقلت في نفسي: لقد أصبت بطلقة عيار ~~ناري فجننت وسخر الناس بي، فماذا أتيت أفعل هنا الآن؟ ولن يقبل ~~هذا الكاهن النزول إلى ساحة المبارزة، فإذا ما تحديته أجابني أن ~~ثوبه يمنعه من سماع أقوالي، وهكذا ينفتح أمامه مجال التوغل في ~~أحاديثه وإشاعاته على أثر هذه المقابلة. # وعلى كل، فأية أهمية لهذا الإشاعات وهي تدور على معاملتي لها ~~وعلى عذابها؟ فهل تعني هذه الأمور أحدا سوانا؟ إن خير وسيلة في ~~مثل هذه الحالة إنما هي عدم المبالاة، وهل بوسع أحد أن يمنع القيل ~~والقال في القرى، ويرد هجمات العجائز عن امرأة تتخذ لها ~~عشيقا؟ # يقولون: إنني أعامل بريجيت معاملة سيئة، فما علي إلا إثبات عكس ~~الأمر بالتي هي أحسن، لا بالزجر والمكابرة. إن تعرضي للمجادلة مع ~~مركانسون وقصدي مغادرة القرية لمن مستدعيات السخرية. # يجب أن أبقى حيث أنا؛ لأنني إذا تواريت أفتح مجالا للمتقولين ~~للادعاء بصحة إشاعاتهم. # إنني سأبقى ولا أبالي. # وعدت إلى بريجيت بعد مرور نصف ساعة غيرت في أثنائها رأيي ثلاث ~~مرات، فأقنعتها بالعودة عما قررت بعد أن أخبرتها بما فعلته عندما ~~غبت، وما توصلت إلى إقناعها إلا بشق النفس، وهكذا اتفقنا على أن ~~نحتقر أقوال الناس، فلا نغير شيئا من حياتنا، وأقسمت لها أن غرامي ~~سيعزيها فتسلو به جميع أحزانها، فتظاهرت بعودة الأمل إليها، ~~وأكدت لها أن هذه الحوادث قد جلت لي موقفي منها، وأبانت إساءتي، ~~ووعدتها بتطهير نفسي من جميع ما رسب في قلبي من جراثيم أيامي ~~الماضيات؛ فلن تتعذب بعد الآن من كبريائي وجموح عواطفي. # وطوقتني بذراعيها وهي تخضع حزينة صابرة لخطرة من خطرات أهوائي ~~كنت أحسبها أنا ومضة من العقل هدتني سواء السبيل. # | الفصل الخامس # ودخلت يوما إلى مسكن بريجيت فرأيت باب الغرفة الصغيرة التي ~~تدعوها المصلى مفتوحا، وما كان في هذه الغرفة إلا مصلى من ~~الخشب، وهيكل يعلوه صليب حوله عدد من المزاهر، وكانت السجف بيضاء ~~كالجدران الناصعة كالثلج. تلك ms150 كانت خلوة بريجيت، وقد أصبحت منذ ~~اتصلت حياتها بحياتي لا تنقطع إليها إلا نادرا. # ونظرت إلى الداخل فإذا بريجيت جالسة على الأرض بين ما نثرت من ~~الأزهار، وقد قبضت على إكليل صغير ذوت أوراقه وهي تفرطها بين ~~أناملها. # وسألتها عما تفعل، فارتعشت ونهضت قائلة: لا شيء، هي لعبة أطفال، ~~فهذا إكليل ورد قديم جف في هذا المصلى، وقد أتيت لاستبدال هذه ~~الأزهار ... # وكانت تتكلم بصوت مرتجف وتكاد تهوي على الأرض. # وتذكرت ما سمعته عن تلقيب بريجيت بالوردية، فسألتها: أليس هذا ~~الإكليل الذي تفتتين أوراقه إكليل لقبك القديم؟ # فعلا وجهها الاصفرار وأجابت سلبا. # فصحت بها: أقسم بحياتي أنه هو بعينه، فأعطني بقاياه ~~... # وجمعت الوريقات اليابسة فوضعتها على الهيكل، ووقفت أنظر خاشعا ~~إليها كأنها رفات، فقالت: هب أنه إكليل لقبي، أفما ترى أنني أحسنت ~~عملا بنزعه عن هذا الجدار حيث علق منذ زمان مديد؟ أية قيمة ~~للمندثر؟ إن بريجيت سيدة الورد قد ماتت عن هذا العالم، فما هي خير ~~من إكليلها المنفرط البالي. # وخرجت فسمعت شهقة بكائها وصرير الباب يقفل وراءها، فإذا بي منفرد ~~في المصلى أتهاوى جاثيا معولا. # وعندما لحقت بها رأيتها جالسة إلى المائدة تنتظرني لتناول ~~الطعام، فأخذت مكاني وسكت كل منا عما كان يجول في ~~ضميره. # | الفصل السادس # وما كذب الواقع ظني بمركانسون؛ إذ تأكدت أنه لم يتورع عن ~~التحدث أمام سكان القصور المجاورة وأمام أهل القرية عن مقابلتي له، ~~واستفساري عن أمر دالانس، فاستثمر ما نم عليه اضطرابي من ~~شكوك. # ولا يجهل أحد ما في البلدان الصغيرة من سهولة انتشار النميمة؛ ~~فإنها تتطاير من فم إلى فم صائرة إلى أغرب المبالغات، وما أفلت ~~وبريجيت من جور هذا النظام، فأصبحنا وكل منا شاعر بأنه أحرج موقف ~~الآخر؛ لأن محاولتها مغادرة القرية كانت قد اصطدمت بضعفها، وشدة ~~إلحاحي عليها أكرهتها على البقاء، غير أنني كنت المسئول أمامها ~~لتعهدي بألا أشوش سكينتها بغيرتي أو بطيشي؛ ولهذا كانت كل بادرة ~~قاسية مني نكولا، وكل لفتة حزينة منها ملامة مبررة. # وأحست بريجيت في ms151 أول الأمر بلذة في عزلتها وتمكنها من الانفراد ~~بي في أية ساعة دون محاذرة وتحوط، ولعلها كانت تتظاهر بالاغتباط ~~لتثبت لي أن غرامها أعز عليها من سمعتها، وأنها نادمة على ما أبدته ~~من الاهتمام بأقوال المرجفين، وهكذا سرنا في حياتنا لا نلوي على ~~شيء من فضول الناس، متمتعين بملء حريتنا في اتباع أهوائنا. # وكنت أذهب إلى بيتها عند ساعة الإفطار، وإذا خرجت فلا أخرج إلا ~~بصحبتها، فأقضي النهار معها حتى العشاء، وعندما يحين ميعاد انصرافي ~~بعد السمر كنا نتعلل بأسباب عديدة للبقاء معا، ونتخذ احتياطات جد ~~تافهة لإخفاء بقائي في غرفتها ليلا. # وعلى هذا النمط أقمنا دون انفصال مخادعين أنفسنا بأن لا أحد ~~يلاحظنا. # وقمت بوعدي برهة من الزمان، فداريت عواطف بريجيت، ولم تعكر جونا ~~غمامة. تلك أيام سعيدة هانئة، وليس في مثل هذه السانحات من الدهر ~~ما يستدعي وصفا وبيانا. # وذهبت الإشاعات في القرية وضواحيها تعلن أن بريجيت تساكن علنا ~~فاسقا باريسيا يعاملها أسوأ معاملة، فيمضيان أوقاتهما بالتقاطع ~~والتواصل، وتوقع الكل أسوأ العواقب لهذه الحياة. # وانقلب ما كان يقال من الثناء على بريجيت من قبل لوما وتقريعا، ~~حتى ذهب الناس إلى تأويل ما كان يورث إعجابهم في حياتها الماضية ~~تآويل تظهر الشر فيها، فأصبحوا يهزءون ببرها بالفقراء، وتجولها ~~في الجبال لمداواتهم، وهكذا كانت تدور الأحاديث عن بريجيت كأنها ~~إباحية تتعرض لأوخم العواقب. # وكنت قد صارحت بريجيت بأنني أرى الإغضاء عن كل هذه التخرصات؛ إذ ~~أردت التظاهر بعدم المبالاة بها، في حين أنها كانت ترهقني وتبلبل ~~أفكاري. # وكنت أذهب في بعض الأحيان متجولا في الضواحي أتسقط من ~~الإشاعات ما يمكنني الاستناد إليه للوم بريجيت ومناقشتها الحساب، ~~وعبثا كنت أرهف السمع لألتقط من الهمس في المجتمعات ما ينقع غلتي؛ ~~إذ كان الناس لا يبدءون بنهشي إلا بعد أن أتوارى، فكنت أعود إلى ~~بريجيت لأقول لها: إنه لا أهمية لهذه التخرصات التي تصل إلينا، ~~فليذهب الناس مذاهبهم فينا، فما أنا بالمقيم لاغتيابهم وإفكهم ~~وزنا. # وما كنت وأنا أتبع هذه الخطة إلا مواليا ms152 للناهشين من عرض ~~خليلتي؛ إذ كان علي وأنا موردها هذه الموارد الخطرة أن أهتم ~~للأمر وأقيها مغباته. # وما طال الزمن حتى عدلت عن ذلك إلى المهاجمة فقلت لحبيبتي: إن ~~الناس يتقولون كثيرا بشأن تجولك في الليالي، فهل أنت واثقة من ~~أنهم يفترون؟ أفلم يقع لك أي حادث على طرق هذه الجبال وفي مغاورها؟ ~~أفما اتفق لك أن عدت في الغسق مستندة إلى ذراع مجهول كما استندت ~~إلى ذراعي؟ أصحيح أنه لم يكن لك من مقصد غير الإحسان في اقتحامك ~~ظلمات هذا الهيكل المجلل بالاخضرار؟ # لأول مرة هاجمت فيها بريجيت بمثل هذا الكلام، أرسلت إلي نظرة ~~هزت مشاعري ولن أنساها ما حييت، ولكنني قلت في نفسي: إذا أنا تعرضت ~~للدفاع عن هذه المرأة؛ فإنها ستفعل بي ما فعلته خليلتي الأولى، ~~فتعرضني لهزء الناس وسخريتهم؛ فأجني الغرم عما غنمت وعما غنم ~~الآخرون. # إن المسافة لجد قصيرة بين الشك والإنكار، وما أقرب المتفلسفين ~~إلى الملحدين. قلت لبريجيت: إنني أرتاب بسلوكها الماضي، فرأيتني ~~مدفوعا إلى الارتياب حقيقة، وما طال الزمن حتى أسلمني هذا الشك ~~إلى اليقين، فتصورت أن بريجيت تخونني، في حين أنني لم أكن أبارحها ~~ساعة واحدة، وعمدت أخيرا إلى التغيب عنها من حين إلى حين، ~~مقنعا نفسي أنني أحاول تجربتها، وما كنت أقصد بذلك إلا إطلاق ~~العنان لشكوكي، ثم أعود بعد تغيبي لأقول لها: إنني برئت من غيرتي ~~فأصبحت أهزأ بوساوسي القديمة، وما كان معنى ذلك سوى اضمحلال غيرتي ~~لوهن طرأ على هيامي. # وكنت من قبل أحتفظ لنفسي بما ألاحظه من حالها، فأصبحت أجد لذة في ~~إبداء ما يعن لخاطري؛ فأقول لها مثلا: إن ثوبك هذا جد حسن، وقد ~~كان لإحدى صويحباتي مثله شكلا ولونا. فإذا جلسنا إلى المائدة ~~أدعوها إلى الإنشاد قائلا: إن خليلتي القديمة كانت ترسل صوتها بعد ~~الطعام، أفلا يجدر بك التشبه بها؟ وإذا أرادت العزف على البيانو ~~أبادرها بقولي: أرجوك أن تسمعيني ألحان الرقصة التي كانت منتشرة ~~في الشتاء المنصرم؛ فإنها تذكرني بأويقات المرح والسرور. # ودام الحال بيننا ms153 على هذا ~~المنوال ستة أشهر لم أنقطع فيها عن اللوم والتقريع، وقد تحملت ~~بريجيت أثناءها من الإهانات ما لا يوقعه إلا فاسق ببغي تتقاضاه ~~أجرا عن تمتعه بها. # وكنت كلما اقتحمت هذه المشاكسات ملهبا أفكاري، ومقطعا قلبي ~~بالاتهام والسخرية، أتراجع عنها، وقد بلغ الهيام بي أشده، فأقف ~~أمام خليلتي وقفة الوثني أمام صنمه. # كنت أوجه أشد الإهانات إليها، ولا يمر ربع ساعة حتى أجثو عند ~~قدميها، فإذا ما انتهيت من التقريع بدأت بالاستغفار، وإذا خرجت من ~~التهكم لجأت إلى ذرف الدموع، وتثملني سعادتي فأطير فرحا، وتثور ~~أعصابي فأنقلب إلى العنف، لا أدري ما يجب أن أقول أو أفعل للتكفير ~~عما أخطأت به، فأهرع إلى بريجيت لأضمها إلى صدري طالبا منها أن ~~تكرر مائة مرة قولها: إنها تحبني وتغضي عن إساءتي، واعدا ~~بالتعويض عما بدر مني، مقسما بأنني سألهب دماغي بقذيفة إذا أنا ~~عدت إلى إهانتها. # وكانت الثورة في عواطفي تمتد الليل بطوله، فلا أنقطع عن الكلام ~~والبكاء والانطراح على أقدامها، وارتشاف كأس الغرام ثملا من ~~ثمالتها، حتى إذا بزغ الفجر أجدني متهدما، فأستسلم للكرى، وأنهض ~~بعد الصباح وعلى شفتي بسمة الساخر الذي لا يؤمن بشيء. # وكانت بريجيت في مثل هذه الليالي المشتعلة بنار الملذات تتناسى ~~شخصيتي الجائرة، فلا تنظر مني إلا إلى الرجل الماثل بين ذراعيها، ~~وإذا ما خطر لي أن أكرر طلب العفو منها تجيبني بقولها: أفما تعلم ~~أنني غافرة لك؟ وكانت الحمى التي تتأكلني تلهب دمها، فلكم أعلنت لي ~~ووجهها ممتقع شهوة وهياما: إنها راضية بي على ما أنا عليه، وإن في ~~ثائرات عواطفي تتنفس حياتها، فسعادتها كامنة فيما أؤديه ثمنا ~~لتعذيبي لها، وإنها لن تشكو أية شكوى ما دام في قلبي شرارة من نار ~~الغرام، ثم تقول: لا ريب في أنني سألاقي الموت في هذه الحياة، ~~ولكنني أرجو أن تلقاه أنت أيضا فيها؛ ولهذا أشعر باللذة تغمرني من ~~كل ما توجهه إلي من إهانة، أو تذرفه من دموع، فهي السعادة التي ~~حفرت قبري فيها. # ومرت الأيام يستفحل ms154 بكرورها دائي ، فأصبحت ثائرا، إذا ما حكمتني ~~نوبة الجنون صحبتها حمى شديدة تهزني فجأة فلا تغادرني إلا وقد ~~تصبب العرق من جميع أعضائي المرتعشة. وقد كان يكفيني أن يقع بي ~~حادث ليس في الحسبان، أو أشاهد ما يثير دهشتي حتى تسودني رجفة ~~يرتاع لها كل من يراني، وكتمت بريجيت شكواها، فنم عنها شحوبها، ~~وما بدأت مرة بالإساءة إليها بعد هذا إلا خرجت من أمامي دون أن ~~تفوه ببنت شفة، لاجئة إلى غرفتها توصد بابها عليها. # إنني أحمد الله لأنني ما رفعت يوما يدي على بريجيت حتى في أشد ~~هياجي، وقد كنت أفضل الموت على هذه الفعلة النكراء. # واشتدت العاصفة ذات ليلة، وأنا وبريجيت نصغي إلى نقرات الأمطار ~~على زجاج النوافذ المقفلة والمجللة بالسجف، فقلت لها: إنني أشعر ~~بانبساط، ولكن هذه العاصفة تدخل الحزن إلى نفسي بالرغم مني، فعلينا ~~أن نتحداها. # وقمت إلى الثريا أضيء كل شموعها، فغمرت الغرفة الصغيرة بالأنوار ~~المتدفقة، وكان في الموقد نار مشبوبة تملأ المكان حرارة، وتزيدها ~~نورا. # وتساءلت عما يمكن لنا أن نفعل إلى أن يحين وقت العشاء، فتذكرت ~~أيام المرافع في باريس، ومرت في مخيلتي عربات المساخر تتلاقى على ~~جاداتها الكبرى، وضجيج الجماهير يتعالى وهم يخرجون من المسارح، ~~ومثلت أمامي مشاهد الرقص الخلاعي، والأثواب المخططة، والكئوس ~~تتدفق خمرا، فانتفض قلبي بكل ذكريات شبابي، فصحت ببريجيت: هيا بنا ~~نتنكر وإن لم يكن أمامنا سوانا، وإن لم يكن لدينا ما يفي بالغرض من ~~أثواب فإننا نتدبرها. # وأخرجنا من الخزانة ثوبين وأردية وأحزمة وأزاهر صناعية، وبريجيت ~~تدرع - كعادتها - المرح الصبور، وأرادت أن تعصب رأسي بيدها، ثم ~~أخذنا من صندوق صغير قديم قد يكون من متروكات عمتها أصباغا ~~وأدهانا، فدهنا بها وجهينا حتى تنكر كل منا لعين الآخر، ومرت ~~ساعات السمر نحييها بالغناء، وبالقيام بعديد ما تصورناه من حركات ~~الجنون، حتى مضى نصف الليل وحان وقت تناول الطعام. # وكانت الخزائن لم تزل مفتوحة بعد أن قلبنا ما فيها، ولما جلست ~~إلى المائدة حانت مني التفاتة إلى أقربها مني، فرأيت ms155 على أحد ~~رفوفها السجل الذي أتيت على ذكره، وهو سمير بريجيت في أغلب ~~أوقاتها، فقلت لها: أليس هذا مجموعة خواطر؟ فهل لي أن ألقي نظرة ~~عليه؟ # وعندما فتحت هذا السجل تحفزت بريجيت لمنعي عن القراءة، ولكنني ~~كنت رأيت بأوله هذه الكلمات: «هذه هي وصيتي.» فقلبت الصفحة فإذا ~~أمامي ما دونته، بخط متناسق ينم عن الهدوء، من وصف دقيق لما ~~احتملته من تعذيبي لها منذ استسلمت إلي، وقد أعلنت إصرارها على ~~احتمال كل معاملة سيئة مني ما دمت أحبها، وعلى اقتحام الموت إذا ~~تخليت عنها، واستغرقت في تتبع ما كتبته يوما فيوما عن تضحية ~~حياتها، وما فقدت، وما كانت ترجو، فإذا بها تصف شعورها بالدهشة حتى ~~بين ذراعي، وتذكر الحوائل التي تتزايد مع الأيام بيننا، وما ~~أعاملها به من قسوة وجفاء لقاء حبها وإخلاصها. # دونت كل هذا فما أبدت امتعاضا أو زفرت بشكوى، بل حاولت جهدها ~~تبرير معاملتي والمدافعة عني، وأخيرا تناولت بوصيتها ما يتعلق ~~بورثائها، معلنة أنها ستتجرع السم لوضع حد لحياتها بمحض اختيارها، ~~طالبة ألا تكون مذكراتها سببا لاتخاذ أي إجراء ضدي، وأنهت كل هذا ~~بقولها: صلوا من أجله! # ووجدت في الخزانة نفسها التي أخذت سجل المذكرات منها علبة صغيرة ~~تحوي مسحوقا ناعما ضاربا إلى الزرقة شبيها بالملح. # وسألت بريجيت عن هذا المسحوق وأنا أرفع العلبة إلى فمي، فصرخت ~~وارتمت علي فقلت لها: سآخذ هذه العلبة وأتوارى عنك، فيقودك ~~السلوان إلى الحياة، دعيني أتفادى جريمة القتل فأذهب في هذا الليل ~~دون أن أطالبك بعفو يرده الله إذا أنت أقدمت على منحه. لم يبق ~~لي ما أرجوه إلا قبلتك الأخيرة. # وانحنيت طابعا قبلتي على جبينها، فهتفت بصوت مختنق: لم يحن ~~الوقت بعد، ولكنني ألقيتها على المقعد وانطلقت راكضا إلى منزلي، ~~وما مضت ثلاث ساعات حتى كنت على أهبة الرحيل وقد وقفت العربة أمام ~~بابي. # وكان المطر لا يزال يتساقط مدرارا، فصعدت إلى العربة ~~متلمسا، وما ارتميت على المقعد حتى شعرت بذراعين يطوقان عنقي، ~~وبفم يزفر بالأنين على شفتي. # هي بريجيت ms156 أتت تكمن لي لترحل معي، فحاولت عبثا إقناعها بالعدول ~~عما نوت؛ حتى إنني وعدتها أن أعود إليها عندما أكون نسيت ما أوقعت ~~بها من ضرر، مؤكدا لها أنني إذا بقيت لن يكون غدنا إلا كأمسنا، ~~فكأنها - وهي تتمسك بي وأنا على حالتي - تصمم على جعلي مجرما ~~قاتلا. توسلت وبذلت الوعود معززة بالأقسام، وذهبت حتى إلى ~~التهديد، فما أجدى كل ذلك فتيلا؛ إذ كانت ترد كل محاولاتي بجواب ~~واحد قائلة: أنت راحل فأنا معك؛ لنهجر هذه البلاد تاركين ماضينا ~~فيها. لقد امتنع علينا العيش هنا، فلنذهب إلى حيث تشاء. إن الأرض ~~لن تضن علينا بزاوية نموت فيها ... لنهنأ في هذه الحياة، فتجد في ~~سعادتك، وأجد فيك سعادتي. # ضممتها وضممتها حتى شعرت أن قلبي يتحطم عليها، وصحت بالسائق هيا ~~بنا، وسار الجوادان يقطعان الأرض ونحن متعانقان. # | الجزء الخامس # | الفصل الأول # قدمنا من باريس مصممين على الرحيل منها إلى سفر بعيد، فأقمنا في ~~منزل خاص لنعد ما نحتاج إليه، وكأن تصميمنا على مغادرة فرنسا ~~بدل كل شيء في نظرنا، فعاد إلينا الفرح والأمل والثقة مرة واحدة، ~~وتبدد الحزن من حولنا، وقضت فكرة الانتقال القريب على كل مشاكسة ~~وجدال. # واستغرقنا في أحلام سعادتنا، وأصبحت لا أنقطع عن ترديد أغلظ ~~الأقسام بأنني لن أتحول عن حبي ما عشت، موجها كل عنايتي إلى ~~إنساء خليلتي كل ما حملتها من شقاء وأوصاب، وما اكتفت بريجيت ~~بإنالتي عفوها، بل أظهرت أنها لا تتردد في تضحية كل ما عز للحاق ~~بي، وهكذا رأيتني مدفوعا بدافع الإنصاف إلى مبادلتها إخلاصها ~~بمثله، فتغلب حبي لبريجيت وإعجابي بها على ما بقلبي من جامح ~~النزعات. # وانحنت يوما على «الخريطة» مفتشة عن مكان نتوارى فيه، وما كان ~~وقع اختيارنا على مكان موافق بعد، وكنا نطيل التردد متلمسين في ~~الحيرة لذة جديدة ونحن مكبان على الرسوم يصدم جنبي جنبها، ويطوق ~~ذراعي خصرها، فتسألني وأسألها عن مكان عزلتنا، وعما سنفعل في ~~حياتنا الجديدة. # بأي بيان أوضح ما كان يخالجني من ندم على ما فات عندما كنت ms157 أرفع ~~رأسي متأملا في هذا الوجه الشاحب الحامل آثار الآلام الماضية، وقد ~~أنارته ابتسامة الأمل، وكنت أنصت إلى كلماتها العذبة تصور ما سنكون ~~عليه، فأتمنى أن أريق دمي فداء لها. # أي أحلام المنى، لعلك أصدق سعادة نتمتع بها في هذه ~~الحياة! # ومضت سبعة أيام ونحن نفتش عن مأوى لنا، ونتجول في المدينة ~~لابتياع ما نحتاجه لتزيينه، وفي اليوم الثامن طرق بابنا شاب لا ~~أعرفه يحمل رسائل لبريجيت، وبعد أن قابلها وانصرف رأيتها حزينة ~~واهية القوى، وما عرفت عن هذه المقابلة سوى أن الرسائل واردة من ~~المدينة التي كنت تبعت بريجيت إليها لأملي عليها غرامي حيث ~~يقطن أقرباؤها. # وأعددنا في زمن وجيز كل ما احتجنا إليه، فأصبحت مأخوذا بفكرة ~~الرحيل، وقد تولاني منها ثمل منع كل راحة عني، فكنت أنهض من فراشي ~~مبكرا وأدخل إلى غرفة بريجيت ماشيا على رءوس أصابعي متحاشيا ~~إيقاظها لأجثو أمام سريرها، حتى إذا أفاقت رأتني شاخصا إليها، وقد ~~بللت أجفاني الدموع، وما كنت أدري أية وسيلة أتخذ لأثبت لها إخلاصي ~~في ندامتي، فتجاوزت حدود الأعمال الجنونية التي لامستها في غرامي ~~الأول، وأصبحت أستوحي غرامي الجامح كل عمل يتجه إلى الشطط ~~والإفراط، فتحول عشقي إلى نوع من العبادة، فكنت كلما دنوت منها ~~أنسى أنني مالكها منذ ستة أشهر، ويخيل إلي أنني أراها لأول مرة، ~~فأكاد لا أجسر على لمس أردانها وهي من حملت من فظاظتي ما لا ~~يحتمل. فإذا تكلمت ارتعشت كأنني أسمع صوتها لأول مرة، ويدفعني ~~الهوس إلى الارتماء على أقدامها منتحبا، أو إلى الاستغراق في ~~الضحك دونما سبب، وكنت إذا ما تذكرت معاملتي الماضية أشعر ~~باشمئزاز، وأود لو أن على وجه الأرض هيكلا للحب أذهب إليه فأعتمد ~~في مائه المقدس، وأرتدي مسوحه فلا أخلعها إلى الأبد. # ومثلت لخيالي اللوحة التي رسم فيها تيتان مشهد الحواري توما ~~يلمس بأصبعه جرح المسيح، فرأيتني أشبه هذا الحواري إذا صح وجه ~~الشبه بين حب الإنسان وإيمانه بربه! إن في ملامح توما وهو يسبر ~~الجرح ما يصعب تحديده من عاطفة ms158 تتراوح بين الشك والإيمان، فتلوح لك ~~كلمة التجديف الحائرة كأنها تذوب على شفتي الحواري وقد ارتفعت ~~منهما كلمة الصلاة، فلا تعلم أجاحد هو أم رسول، ولا تدري إذا كان ~~بلغ في ندمه ما بلغه من كفره. ولعل هذا الحواري نفسه لم يدرك، كما ~~لم يدرك الرسام ولم يدرك الناظر إلى الرسم، هذا السر الغامض الذي ~~ترف عليه من المخلص ابتسامة كأنها التماع الندى تحت شعاع ~~الرحمة والحنان. # وما كنت أقف أمام بريجيت إلا مثل وقفة الحواري توما، وقد حكمني ~~الصمت، وتولتني الدهشة، فارتجفت فرقا خشية أن يكون ما تبدل من ~~حالي قد دفع بسريرتها إلى الارتياب بي، ولكن ما مرت علينا خمسة عشر ~~يوما حتى نفذت بصيرة بريجيت إلى ما يدور في خلدي، فأيقنت أنها ~~استنبتت بإخلاصها إخلاصي، وأن صفاء نيتي قد نشأ من مجالدتها ~~وصبرها، فما وسعها إنكار المعلول والعلة لا ريب فيها. # وكانت الحوائج ومجموعات الصور والأقلام والكتب والرزم تملأ ~~الغرفة، وقد نشرت عليها الخريطة التي استولت على كل جوارحنا، وكنت ~~أذهب وأجيء في هذه الغرفة لأقف أمام بريجيت، وأنطرح على أقدامها، ~~فتصفني بالكسل وتقول: إنها لا تجد بدا من القيام لوحدها بالأعمال ~~جميعا ما دمت أنا لا أنفع لشيء. # وبينما كانت ترتب الحقائب وتقفلها كان الحديث لا ينقطع بيننا عما ~~ننويه لسفرنا، فكنا نقول: إن سيليسيا على بعدها معتدلة الجو في ~~فصل الشتاء. إن جنوا جد رائعة بما وراءها من جبال وما فيها من ~~حدائق انبسط الاخضرار على أعراشها، ولكنها مكتظة بالناس، يملؤها ~~الصخب، ويقلقها الضجيج، وإذا مر في أسواقها ثلاثة رجال فلا بد أن ~~يكون فيهم راهب وجندي. إن فلورنسا حزينة ولا تزال معرضا لحياة ~~القرون الوسطى، فكيف نحتمل مشاهدة نوافذها المحترقة وجدرانها ~~القذرة؟ # أما روما فما شأننا بها وما نحن من السائحين الذين يتوقون إلى ~~الغرائب، أو يطلبون العلم؟ # أفما يجدر بنا أن نذهب إلى ضفاف الرين؟ ولكنا لن نصل إليها إلا ~~بعد انقضاء الموسم، ويصعب على الإنسان أن يقيم في الأماكن ~~المهجورة. # أما إسبانيا ms159 فحركتها مستمرة ، وعلى مرتادها أن يعيش فيها كما يكون ~~في ساحة حرب، فيتوقع مصادفة كل شيء ما عدا الراحة. # لنذهب إذن إلى سويسرا مقصد العدد الغفير، وإن لم ترق لبعض الناس، ~~فهنالك يتجلى أروع ما خلق الله من الألوان: هنالك زرقة السماء، ~~وخضرة السهول، وبياض القمم العالية. # وصاحت بريجيت: هيا بنا! لنطر كغردين في الأجواء، وليقم في ~~ذهننا أننا لم نلتق إلا منذ أمس الدابر في أحد المراقص، فأعجبت بك ~~وأعجبت بي، ولسوف تقص علي بعد أن نبتعد أميالا أنك في القرى ~~الصغيرة عشقت امرأة تدعى مدام بيارسون، فلا أصدق شيئا مما ستسرده ~~عنها؛ إذ لا أريد أن تسر إلي بما وقع بينك وبين امرأة هجرتها ~~لتتبعني، ولسوف أقول لك أنا أيضا: إنني منذ أمد غير بعيد أحببت ~~رجلا ذا أخلاق سيئة حملت الشقاء من صحبته، فتسمعني كلمات الإشفاق ~~وتلزمني السكوت، وهكذا نطوي إلى الأبد تلك الصفحة القديمة. # وعندما كانت بريجيت تتكلم بمثل هذا كنت أشعر بجشع الحريص ~~وارتياعه، فأضمها إلى صدري بساعدين يرتجفان، وأنا أهتف قائلا: ~~إنني لا أعلم ما يوجب ارتعاشي أفرحي أم خوفي؟ سأحملك إلى بعيد يا ~~بريجيت؛ لأنك كنزي الوحيد، فتكونين لي تحت هذه الآفاق الوسيعة. هيا ~~إلى الأمام، ولتمت ورائي أيام شبابي وتذكاراتي، فتضمحل معها آلامنا ~~وأوصابنا. # أي خليلتي، لقد حولت بصبرك الولد رجلا، فإذا ما تخليت عني الآن ~~يمتنع علي أن أحب بعد. # من يدري؟ لعل امرأة غيرك ~~كانت ستتولى معالجتي لو لم تعثري علي. أما الآن فأنت وحدك في ~~العالم المرأة التي بيدها إنقاذي وهلاكي؛ لأنني أحمل على قلبي وسم ~~جميع ما حملتك إياه من عذاب. لقد كنت عاقا فعميت بصيرتي، وقسوت ~~عليك. وإنني أشكر الله لأنك لا تزالين تحبينني، فإذا ما عدت يوما ~~إلى القرية التي رأيتك تحت أشجارها، فتطلعي مليا إلى ذلك المسكن ~~المقفر؛ إنك لتجدي فيه طيفا يتوه في أرجائه، ذلك هو الرجل الذي ~~دخل إليك من باب هذا المسكن فبقي فيه؛ لأن الرجل الذي خرج معك منه ~~إنما هو ms160 رجل آخر . # وكان جبين بريجيت يشع بنور الحب، وتلتفت إلى السماء قائلة: أصحيح ~~أنني لك، وأننا سنبتعد عن هذا العالم الذي أهرمك في شرخ شبابك. إنك ~~ستعرف ما هو الحب فتنجلي أمامي حقيقة نفسك، وإذا وهنت محبتك لي ~~يوما إيان يستقر بي الترحال فإنك لن تتملص من تبكيت ضميرك؛ لأنني ~~أكون قمت بالمهمة التي قدرت علي، فإذا ما تخليت عني أجد في ~~السماء إلها أوجه إليه شكري على ما أولاني من نعمته. # إن هذه الكلمات لم تزل تصدي في جوانب تذكاري فتملأني حزنا ~~وروعة. # وأخيرا قررنا أن نسافر إلى «جنيف» فنختار لنا مسكنا هادئا على ~~منحدر جبال «الألب»، فبدأت بريجيت تذكر البحيرة الجميلة، فأحسبني ~~أنشق النسمات التي تعقد زردا على سطحها حاملة عطور أزهار الوادي، ~~فكنا نشاهد بعين الخيال «لوزان» و«فيفي» و«أوبرلند»، ووراءها قمم ~~الجبل الوردي الذي يفصلها عن سهول «لومباردي» الواسعة، فكأننا كنا ~~نسمع في هذه الأماكن هتاف السكينة وهمسات أرواح العزلة تدعونا ~~إليها لإغراق حياتنا فيها. # وعندما كان يحين المساء وأربط على أنامل بريجيت بأناملي كنا نشعر ~~كلانا بشيء من التسامي يقصر البيان عنه، وما هو إلا عاطفة كل قلب ~~يستعد للرحيل، فتتنازعه روعة الابتعاد وآمال ما يتوقع مشاهدته في ~~سفره. # إن في فكر الإنسان أجنحة خافقة وأوتارا ناطقة تمثل الألوهية ~~فيه، فإذا ما استعد للرحيل ينتصب فيه عالم جديد كأنه خلق فيه ~~خلقا. # وما عتم حتى ظهرت على بريجيت دلائل الشحوب، فأصبحت صامتة تحني ~~دائما رأسها، وإذا ما سألتها عما بها تجيب بصوت خافت أنها لا تشعر ~~بشيء، ونبهتها يوما إلى قرب ميعاد السفر فنهضت متخاذلة لتتمم ~~معدات الرحيل، وأردت أن أشدد عزمها بتأكيدي لها أنها ستلقى ~~السعادة، وأنني سأكرس لها حياتي، فلجأت إلى ذرف الدموع، وقبلتها ~~فعلا وجهها الشحوب وأعرضت بعينيها عني تاركة شفتيها لشفتي، وقلت ~~لها: إن بوسعها العدول عن الرحيل، فقطبت حاجبيها. # ودعوتها إلى إعلان ما تضمر مكررا لها أقسامي بأنني سأضحي حياتي ~~لتأمين سعادتها، فارتمت على عنقي، غير أنها لم تلبث حتى دفعتني ms161 ~~عنها وهي لا تعي. # ودخلت يوما إلى غرفتها حاملا ورقة السفر بالعربة التي تتجه إلى ~~«بزانسون»، وإذا اقتربت منها واضعا هذه الورقة على ركبتيها، رفعت ~~ساعديها وصرخت، ثم سقطت فاقدة رشدها أمامي. # | الفصل الثاني # وحاولت عبثا معرفة ما دعا بريجيت إلى هذا الانقلاب الفجائي، ~~فكانت تصر على السكوت وهي عليلة، وأمضيت يوما كاملا في التوسل ~~إليها ذاهبا في ظنوني كل مذهب حتى عيل صبري، فطفرت إلى الشارع ~~تائها ولا وجهة أقصدها، حتى إذا وصلت إلى الأوبرا اعترضني شخص ~~عارضا علي تذكرة دخول، فأخذتها منه ودخلت المسرح. # جلست مشرد الفكر لا يسترعي نظري شيء، فقد كانت بصيرتي المستغرقة ~~في ذاتها تموه على بصري فتمحو كل مرأى حولي، وقد انصبت على ~~فكرة واحدة كلما زدتها إمعانا ازدادت غموضا وإبهاما. # ما هو هذا الحائل الذي انتصب فجأة على سبيل آمالنا فتعثرت به ~~وتبددت؟ إذا كان هنالك كارثة من فقد ثروة أو موت صديق، فما يدعو ~~إلى مثل هذا إلى التكتم والإصرار على السكوت. إن بريجيت لم تدخر ~~وسعا لتحقيق أمانينا، فما يكون هذا السر الذي يذر سعادتنا هباء ~~ولا يسعها إعلانه؟ # أصحيح أن بريجيت توصد سريرتها دوني؟ ما الذي يدعوها إلى كتمان ~~أمرها إذا كان لها من حزنها أو ترددها أو غضبها ما يوجب إرجاء ~~رحليها أو العدول عنه؟ # وما كان قلبي وهو السادر في هواه ليخامره ريب في إخلاص بريجيت، ~~فإذا لاحت لي فكرة تستدعي لومها، ردها هذا القلب متمردا بعد أن ~~رأى من ثباتها وولائها ما رأى، وهكذا وجدتني تائها في وهاد أظلمت ~~آفاقها، وخفيت عني مخارجها. # ولاح لي على أحد المقاعد المقابلة شاب لم تغرب سيماؤه عن تذكاري، ~~فحدقت فيه وشرود فكري يحول دون تحديدي لشخصه، وقرن هيئته باسمه، ~~وبعد شخوص مديد عرفت فجأة أنه الشاب الذي حمل إلى بريجيت الرسائل ~~من مدينة «ن» حيث يقيم أنسباؤها، فنهضت مسرعا دون ترو قاصدا ~~مخاطبته، ولكنني رأيت أن لا بد لي من اجتياز عدد وفير من المقاعد ~~للوصول إليه، فاضطررت إلى الانتظار ms162 ريثما ينزل الستار، وخطر لي أن ~~هذا الشاب دون سواه يمكنه أن يرسل نورا على ظلمات شكوكي؛ لأنه ~~قابل مدام بيارسون مرارا عديدة منذ أيام، وكنت أراها بعد كل ~~مقابلة معه حزينة قلقة، وكانت قابلته في صبيحة يوم ~~اعتلالها. # وما أطلعتني بريجيت على الرسائل التي وردت إليها، فقد يكون هذا ~~الشاب عارفا بالسبب الذي دعا إلى تأخير رحيلنا، وإذا كان لا يعرف ~~هذا السبب؛ فهو على الأقل يعلم ما تضمنت الرسائل، وكنت أرى في ~~اطلاع هذا الشاب على أمورنا ما يجرئني على استجوابه؛ لذلك ~~سرني الالتقاء به، وما أسدل ستار المسرح حتى سارعت إلى اللحاق به ~~في الممشى، ولكنه اندفع دون أن أعلم إذا كان رآني أم لا، وتوارى في ~~إحدى الشرفات، فوقفت أنتظر خروجه ربع ساعة حتى إذا فتح الباب رأيته ~~خارجا، فهرعت نحوه رافعا يدي بالسلام، ولكن بعد أن مشي بضع خطوات ~~مترددا أدار ظهره فجأة وانحدر على أحد السلالم واختفى. # وما كانت حركتي لتخفى على هذا الشاب، فقد أدرك ولا ريب أنني قصدت ~~مخاطبته، فهو إذن قد أراد اجتناب هذه المخاطبة، وما كان له أن ينسى ~~هيئتي، وهب أنه لم يعرفني فليس من المألوف أن يولي الإنسان الأدبار ~~أمام من يسير نحوه، وما كان في الممشى أحد سوانا عندما اتجهت إليه، ~~فلا ريب إذن في أنه تهرب من مقابلتي. # وما خطر لي قط أن هذا الشاب تعمد إهانتي بما فعل؛ لأنه كان ~~يزورنا كل يوم فألقاه بالترحيب، فضلا عن أنه كان بسيطا متواضعا، ~~وليس في خلقه شيء مما يبرر الظن بسوء قصده، فهو إذن أراد التخلص من ~~محادثة رآها مرهقة له. وهكذا قادني التفكير إلى اضطراب أشد؛ إذ ~~تحققت وجود علاقة لا ريب فيها بين تهرب هذا الشاب وإصرار بريجيت ~~على السكوت. # ليس في العالم عذاب أشد على الإنسان من الارتياب، ولكم تعرضت ~~للمصائب في حياتي لأنني ملت إلى الشكوك فاستبقت ~~الحادثات. # وعدت إلى المسكن فرأيت بريجيت مشغولة بقراءة هذه الرسائل ~~المشئومة، فقلت لها: إنني علت صبرا ms163 ؛ فلن أطيق بعد الآن بقاء في ~~هذا المأزق الذي يبلبل أفكاري، وأعلنت لها إصراري على معرفة ما أدى ~~بها إلى هذا التبدل قائلا: إنها إذا استمرت على الصمت أعتبر صمتها ~~كرفض صريح للرحيل معي، بل كأمر تصدره إلي بالافتراق عنها إلى ~~الأبد. # فما وسع بريجيت تجاه هذه المهاجمة إلا أن تسلمني - ودلائل ~~الامتعاض بادية على محياها - إحدى تلك الرسائل، فإذا أقرباؤها ~~يقولون فيها: إن رحيلها سيصمها بالعار؛ إذ لا يجهل أحد ما دعاها ~~إليه، وإنهم يجدون من واجبهم تذكيرها بسوء مصيرها؛ لأنها تعيش معي ~~كخليلة، وإن عليها - وإن كانت حرة في تصرفها كأرملة - أن تحافظ على ~~سمعتها وشرف الاسم الذي تحمله، فإذا هي تمادت في غيها، فلا عتب لها ~~عليهم وعلى جميع أصدقائها إذا هم قطعوا كل علاقة بها. وقد اختتم ~~هؤلاء الأقرباء رسالتهم بإسداء النصح للرجوع إلى بلادها. # آلمتني لهجة هذه الرسالة، فلاح لي لأول وهلة أنها لا تتضمن إلا ~~إهانات وتقريعا، فقلت لبريجيت: لا ريب في أن الشاب الذي حمل إليك ~~هذه الرسائل قد كلف أيضا بترديد ما ورد فيها على مسامعك، فهل ~~تنكرين أنه يقوم بهذه المهمة؟ # ورجعت إلى الصواب كاسرا من حدة غضبي أمام بوادر الحزن التي ظهرت ~~على وجه بريجيت وهي تقول: لك أن تفعل ما تشاء إلى أن تقضي علي. ~~إن حظي من الحياة بين يديك، وأنت سيد هذه الحياة منذ زمان بعيد، ~~وبوسعك أن تعد ما يحلو لك من انتقام تجاه هذه الجهود التي يبذلها ~~أصدقائي القدماء بدعوتهم لي إلى سواء السبيل، وبمحاولتهم إرجاعي ~~إلى حظيرة المجتمع الذي كنت أحترمه من قبل، والشرف الذي تعريت ~~منه. ليس لي ما أقوله لك، ولك إذا شئت أن تملي علي جوابي على هذه ~~الرسائل فأصدع بأمرك. # فقلت لها: إنني لا أطلب سوى معرفة ما تقصدين، ومن سيصدع بالأمر ~~إنما هو أنا لا أنت، فقولي لي أتريدين البقاء أم الرحيل لأعلم إذا ~~كان يجب علي أن أرحل وحدي. # فأجابت بريجيت: لماذا توجه إلي هذا السؤال؟ وهل قلت ms164 لك إنني ~~غيرت رأيي؟ إنني متألمة ولا طاقة لي على السفر وأنا على هذه الحال، ~~فلا أنتظر إلا الشفاء، أو على الأقل استعادة بعض القوى لأذهب معك ~~إلى جنيف كما تم اتفاقنا. # وافترقنا بعد هذه المحادثة وفي قلبي لبرود لهجتها من الحزن ما لم ~~أكن لأشعر بمثله لو أنها أعلنت أنها لن ترحل معي. # وما كانت هذه المرة الأولى التي حاول بها الناس بمثل هذه النصائح ~~أن يفرقوا بيننا، غير أن بريجيت ما كانت من قبل لتأبه لمثل هذه ~~المحاولات؛ لذلك صعب علي التصديق بأن هذه الرسائل وحدها قد ~~أثرت فيها هذا التأثير، في حين أن ما انطوت عليه من نصائح كانت ~~قد بذلت لها من قبل أيام لم نكن بلغنا السعادة التي توصلنا إليها ~~أخيرا. وقفت أحاسب نفسي لأعلم إذا كنت أتيت في باريس أمورا توجب ~~إدانتي، ثم تساءلت عما إذا كان السبب في هذا الانقلاب ما يطرأ على ~~النساء من ضعف عندما يقررن اقتحام أمر فلا يجسرن على تنفيذه، أم أن ~~هنالك ما يدعوه الإباحيون آخر مقاومة للعقائد الموروثة، ولكن ~~بريجيت كانت قد أمضت ثمانية أيام لا تني خلالها عن التكلم عن ~~أحلامها، وعن حياتها المقبلة بكل صراحة، وبكل إخلاص، حتى إنها أصرت ~~على الرحيل بالرغم مني، فلا بد إذن من وجود سر في الأمر، ولكن أين ~~السبيل إلى النفوذ إليه إذا كنت لا أتلقى جوابا على ما أوجهه ~~إلى بريجيت من سؤال إلا على شكل لا يتفق والحقيقة؟ وما كان بوسعي ~~أن أكذبها طالبا منها إيراد جوابها بشكل آخر. # إنها تعلن لي استعدادها للرحيل، غير أن اللهجة التي تتخذها لهذا ~~التصريح تدعوني إلى رفض ما تعلن قبوله؛ إذ ليس لي أن أرضى بمثل هذه ~~التضحية، وقد أصبح قبولها في عيني عبارة عن خضوع لأمر واقع، أو ~~استسلام لقضاء لا بد منه. وقد كنت أعتقد من قبل أن بريجيت تطاوع ~~هواها لتتبعني، فإذا هي في نظري مكرهة على القيام بما عاهدت عليه ~~ووعدت به، وروعني أن أحمل بين ms165 ذراعي هذه المخلوقة الشاحبة لأختطفها ~~من أوطانها، وأذهب بها إلى أمد بعيد قد يطوى مدى الحياة، وما هي ~~بين يدي إلا ضحية مستكينة. # لقد قالت لي: إنها ستفعل كل ما يحلو لي، وما يحلو لي أن أكلف ~~التجلد والصبر هذه القانتة الصابرة، ولأسهل علي أن أذهب ضاربا ~~في مجاهل الأرض وحدي من أن أتحمل النظر أسبوعا واحدا إلى هذا ~~الوجه يقنع بالشحوب سره الدفين. # ويلي! أبوسعي أن أذهب وحدي ناكصا على أعقابي بعد أن قطعت بخمسة ~~عشر يوما أجمل مراحل السعادة؟ أني لي هذا الإقدام وأنا لا أفكر ~~إلا في الوسيلة التي تمكنني من اختطاف بريجيت والرحيل بها؟ # ومر بي الليل الطويل ولم يغمض لي جفن، حتى إذا لاح الفجر وجدتني ~~مصمما على مقابلة الشاب الذي رأيته في المسرح، وما عرفت أكان ما ~~يدفعني إلى ذلك حاسة غضب، أم حاسة فضول؟ وما عرفت أيضا ما أريد من ~~هذا الشاب، ولكنني وثقت من أنني سأتمكن من مقابلته، فلا يتسنى له ~~هذه المرة أن يتهرب من ملاقاتي. # وما كنت أعرف عنوان مسكنه، فدخلت على بريجيت أطلب هذا العنوان ~~قائلا: إن الواجب يقضي علي بزيارة من زارنا مرات عديدة، وما كنت ~~أخبرتها شيئا عن مصادفتي له في المسرح، فوجدتها مستلقاة على ~~سريرها وعلى أجفانها بلل الدموع، ومدت يدها إلي قائلة: ماذا تريد ~~مني؟ # وكانت نبرات صوتها تتدفق مرارة وحنانا. # وخرجت من غرفتها بعد محادثة قصيرة مشبعة بالولاء، وقد سقط عن ~~قلبي بعض ما يثقل عليه. # وعرفت من بريجيت أن الشاب الذي أقصد زيارته يدعى سميث، وأنه ساكن ~~على مقربة منا، ولما قرعت بابه ملكني اضطراب شديد، ومشيت إليه ~~كأنني أقتحم نورا شديدا، غير أنني ما وقفت أمامه حتى جمد دمي في ~~عروقي؛ لأنه كان منطرحا كبريجيت على فراشه، ووجهه شاحب كوجهها، ~~فمد إلي يده قائلا ما قالت هي: ماذا تريد مني؟ # إن في الحياة من غرائب التصادف ما يحير العقول. # قعدت ولم أجب، فكأنني استفقت من حلم، وأنا أكرر في سري السؤال ~~الذي ms166 وجهه الشاب إلي؛ لأنني ما كنت لأعرف ما أتيت أفعل لديه، وهب ~~أن هذا الشاب مطلع على أمور تهمني، فهل هو مستعد لإعلان ما ~~يكتم؟ لقد حمل الرسائل إلى بريجيت، فهو لا شك يعرف مرسليها، ولكن ~~هل هو يعرف عن مضمونها أكثر مما أطلعتني بريجيت عليه؟ وصعب علي ~~أن أستنطق مضيفي، وأصبحت أحاذر أن يرتاب فيما يمر بخاطري. # وبدأنا الحديث بالمجاملات المألوفة، فشكرته لقيامه بالمهمة التي ~~كلفه إياها أنسباء مدام بيارسون، وقلت له: إننا عندما نبارح فرنسا ~~سنعهد إليه أيضا ببعض المهام، ثم حكمنا الصمت كأن كلا منا لا ~~يدري سببا لوجوده تجاه الآخر. # وأدرت لحاظي إلى ما حولي ككل حائر، فرأيت في هذه الغرفة - وهي في ~~الدور الرابع - ما يدل على نزاهة ساكنها واجتهاده؛ إذ لم يكن فيها ~~سوى عدد من الكتب، والآلات الموسيقية، ورسوم إطاراتها من الخشب ~~الأبيض، وأوراق منضدة على خوان، ومقعد قديم، وبعض كراسي، غير أن ~~جميع هذه الأدوات كانت مرتبة نظيفة يرتاح إليها النظر. ورأيت على ~~رف الموقد رسم امرأة مسنة، وإذ تقدمت لأمعن فيها قال لي إنها ~~أمه. # وتذكرت حينذاك أن بريجيت كانت حدثتني مرارا عن سميث، فعادت إلى ~~مخيلتي حوادث عديدة عن حياته؛ لأنها كانت تعرفه منذ طفولته، وكانت ~~تراه أحيانا في قرية أنسبائها، ولكنها انقطعت عن زيارة هذه القرية ~~إلا مرة واحدة منذ تعرفت إليها، وهكذا عرفت صدفة ما عرفته عن ~~حياة هذا الشاب الذي كان يشغل وظيفة صغيرة ليقوم بأود أمه وأخته ~~منقطعا عن اللذات من أجلهما، وبالرغم من براعته في الموسيقى لم ~~يقتحم المجال طلبا للنجاح في هذا الفن، بل اختار حياة السكون ~~مفضلا خمول الذكر، منتميا بهذا إلى فئة قليل عديدها في ~~الحياة ترى من واجبها شكر المجتمع لعدم شعوره بها، ولإغضائه عن ~~مواهبها. # وكنت سمعت عنه أمورا تكفي لتحديد شخصيته، منها أنه كان توله ~~بفتاة عاشرها سنة، فرضي أهلها بتزويجه منها، وكاد العقد يتم لولا ~~أن أمه قالت له: «وأختك، من سيزوجها؟» ففهم من هذه الكلمة أنه ~~إذا ms167 تزوج وحول جني عمله إلى عائلته، فإن أخته تبقى بلا مهر، ~~وتحرم من الزواج، فلم يتردد في العدول عن زواجه مضحيا غرامه، ~~هاجرا بلدته، ووجهته باريس؛ حيث وجد الوظيفة التي يشغلها الآن. ~~عندما سمعت هذه الأقصوصة في القرية تمنيت أن أتعرف إلى بطلها؛ إذ ~~رأيت في هذا الإخلاص من العظمة ما يربو على أمجاد أعظم انتصار في ~~معارك الحياة. # وعندما تفرست في رسم أمه خطرت لي هذه الحادثة، فحولت أنظاري إليه ~~وسألته عن سنه، فأدهشني إعلانه لي أنه من سني، في حين أن ~~سيماءه كانت تدل على أنه أصغر مني، وعندما دقت الساعة الثامنة وقف ~~وأراد أن يخطو إلى الأمام، فرأيته يتمايل مضطربا، وإذ سألته عما ~~به قال لي: إن ساعة ذهابه إلى المكتب قد حانت، غير أنه لا يجد في ~~نفسه القوة على السير؛ إذ إنه يشعر بنار الحمى ويتألم ألما ~~شديدا، فقلت له: لقد كنت في عافية بالأمس عندما رأيتك في ~~«الأوبرا»، فقال: أعتذر إليك لأنني ما عرفتك. إنني أذهب إلى ~~الأوبرا مرارا، وأرجو أن أصادفك هنالك. # وكنت كلما أمعنت الفكر في حالة هذا الشاب، وأدرت لحاظي في غرفته، ~~أزداد ترددا في تناول الموضوع الذي كنت أتيت لبحثه؛ إذ لم يبق في ~~خاطري ما كان خامره من أن هذا الشاب أمكنه أن يدخل على ذهن بريجيت ~~ما يلحق الضرر بي، بل رأيت فيه من دلائل الصراحة والجد ما أوقفني ~~موقف الاحترام أمامه، وما لبثت أن اتخذت أفكاري مجرى آخر وأنا ~~أتفرس في وجه رفيقي، وهو يتفرس أيضا في وجهي. # لقد كان كل منا في الواحدة والعشرين من سني حياته، ولكن الفرق ~~كان كبيرا بيني وبينه، فهو الشاب المتعود الحياة المنتظمة، ~~المتحرك ضمن دائرة محدودة، الذي لا يعرف من الدنيا إلا طريقه بين ~~غرفته المنفردة ومكتبه في إحدى الوزارات، مرسلا إلى والدته نتاج ~~الجهود التي لا تعرف قيمتها إلا اليد العاملة، فلا يشكو من ألمه ~~إلا لأن هذا الألم يحرمه يوم عمل، ولا ينصب فكره إلا إلى تأمين ~~الراحة ms168 لسواه منذ تحركت للعمل يداه. أما أنا فما الذي فعلته بهذا ~~الزمن الثمين الذي مر بي سراعا؛ هذا الزمن الذي يمتص عرق ~~المجاهدين في الحياة؟ أمن كان مثلي يعد رجلا؟ ومن عرف الحياة ~~يا ترى: أنا أم هذا الشاب؟ # إن ما أوردته هنا في صفحة مر بيننا في لحظة وأنا أحدق فيه وهو ~~يحدق بي. # وحدثني بعد ذلك عن سفرنا وعن البلاد التي كنا ننوي زيارتها، ثم ~~سألني عن ميعاد هذا السفر، فقلت له: إن مدام بيارسون مريضة، طريحة ~~الفراش منذ ثلاثة أيام، فردد قولي: «ثلاثة أيام» بحركة استغراب لم ~~يقو على ردها. # وسألته عن سبب استغرابه، فوقف وألقى ساعديه على كتفي وعيناه ~~جاحظتان وهو يرتعش، فقبضت على يديه مستفسرا عن ألمه، فكفكف دمعه ~~براحته وانسحب بتعب نحو سريره. # وحدقت فيه مندهشا؛ إذ رأيت الحمى تهزه هزا، فترددت في تركه ~~على هذه الحالة، وإذ تقدمت إليه ردني عنه بعنف، وما عتم أن عاد ~~إليه صوابه فقال لي: أعتذر إليك، وما كانت حالتي لتسمح لي ~~باستقبالك، فأرجو أن ترفق بي وتتركني وشأني، ولن يفوتني عندما ~~أستعيد قواي أن أذهب إليك لأسديك شكري. # | الفصل الثالث # وتحسنت صحة بريجيت، وكانت أعلنت لي أنها مستعدة للرحيل في حال ~~شفائها، فلم أطاوعها، بل رأيت أن ننتظر خمسة عشر يوما أيضا ريثما ~~تستعيد قواها لتحمل مشاق السفر. # وبقيت ممنعة بصمتها الحزين، فلم أستطع اقتيادها إلى مصارحتي ~~بما تضمر، وقالت: إن سبب انقباضها هو الرسالة التي وردت إليها، ~~ملحة علي بألا أطلب منها إيضاحا في هذا الصدد فاضطررت إلى ~~مجاراتها، فثقل علينا الانفراد حتى لم يعد يستقر بنا مقام كل مساء ~~إلا في المسارح والملاهي، فنكتفي بالقعود جنبا إلى جنب، فإذا ~~أشجانا نغم أو شاقنا بيان شددنا يدا بيد، أو تبادلنا نظرات ~~التفاهم والولاء، غير أننا كنا نحتفظ بالصمت أيان توجهنا. # وكنت أتحفز عشرين مرة في النهار لأرتمي عند أقدامها متوسلا ~~إليها أن تعيد إلي سعادتي، أو تقضي علي، فيردني ما يبدو على ~~وجهها من شحوب عندما ms169 تحس بما أنوي؛ إذ كانت تقف وتولي، أو ترسل ~~إلي بكلمة باردة تتجمد منها كلمات قلبي على شفتي. # وكان سميث يأتي إلى مسكننا كل يوم، فلا أشعر بنفور منه لما كان ~~يبدو عليه من حسن النية والسذاجة، ولاشتراكه في بحث مسألة رحيلنا ~~بكل إخلاص، في حين أن زياراته المتكررة كانت سببا لما حل من ~~اضطراب على بيتنا، وبالرغم من أن زيارتي له كانت قد أبقت في ~~شكوكا مستغربة. وكنت حدثته عن الرسائل التي حملها إلى بريجيت، فما ~~لاحت عليه دلائل الاستنكار، بل رأيته يبدي من الحزن بقدر ما أشعر ~~به، فأعلن لي أنه كان يجهل ما في هذه الرسائل، وأنه لا يقر ~~لهجتها، ولو أنه عرف بما فيها لما كان حملها. # وما كان لي أن أذهب إلى الاعتقاد بوجود سر ما بين سميث وبريجيت، ~~في حين أنها كانت تعامله معاملة لا تتجاوز حدود المجاملة؛ ولهذا ~~كنت أقابله بسرور بالرغم من وقوف كل منا تجاه الآخر موقف المحاذر ~~المتكلف. وكان قد رضي بأن نعهد إليه بمقابلة أنسباء بريجيت بعد ~~سفرنا، والعمل على تفادي مقاطعتهم لها. وكانت لسميث حرمته في ~~البلد؛ لذلك توقعت أن يكون لتوسطه خير نتيجة، واعترفت له بهذا ~~الجميل. # وكان كل شيء في خلق هذا الشاب يدل على نبله؛ إذ لم يكن يدخر ~~وسعا لإعادة السرور إلينا عند اجتماعنا به، فنتأكد أن ما يطمح ~~إليه هو أن تسود السعادة بين بريجيت وبيني، وما سمعناه مرة يورد ~~ذكر علاقتي بها إلا وهو يبدي عقيدة الرجل الذي يرى في الحب أقدس ~~رابطة تضم شخصين أمام الله، وهكذا كان سميث في تقديري صديقا ~~مخلصا أوليه ملء ثقتي، غير أن الأحزان التي كان يغالبها فتبدو ~~عليه بالرغم منه كانت تثير بي أفكارا غريبة، فأستعيد ذكرى الدموع ~~التي رأيت هذا الشاب يذرفها، وأتمثل وقوعه مريضا في الزمن نفسه ~~الذي مرضت بريجيت فيه، فأحس من كل هذا بوجود تفاهم حزين يسود بينها ~~وبينه، فلا أملك نفسي من التألم والاضطراب. # لقد كانت أقل ريبة تهيب بي ms170 من قبل شهر إلى الاندفاع مع غيرتي ~~اندفاعا جنونيا، فأصبحت لا أجد أمرا يحفزني إلى الارتياب ~~ببريجيت، فأقول: ما لي وللسر الذي تخفيه - إذا كان هنالك سر - ما ~~دامت مصممة على الرحيل معي؟ وهب أن بينها وبين سميث أمرا تخفيه ~~عني، فهل في ذلك ما يستوجب اللوم، وليس بينهما سوى مودة واشتراك في ~~أحزان. لقد عرفته طفلا، وهي تراه الآن بعد مرور السنين في زمن ~~تستعد فيه لمبارحة فرنسا يتقدم إليها كآلة في يد القدر ليبلغها ~~ما يكدرها في موقفها الحرج، فلا غرابة إذن أن يسود عليهما مثل هذا ~~الحزن من تذكر الماضي، وهل من موجب للوم إذا هو واجهها بنظرات ~~الآسف الحزين؛ إذ يراها مقدمة على سفر طويل، معرضة لحياة ~~مضطربة، وقد أصبحت مضطهدة يكاد ينكرها أهلها وأصحابها؟ # وعندما كانت تمر هذه الخواطر ببالي كنت أرى أن علي أنا أن ~~أقف بين بريجيت وبين سميث لأدخل إلى نفسيهما الاطمئنان، مؤكدا ~~لها أن يدي ستكون خير عضد لها إذا شاءت أن تستند إليها، ومؤكدا له ~~أنني ممتن لما يبديه نحونا من عطف، ولما سيؤديه من خدمة. كنت ~~أراني مدفوعا إلى هذا دون أن أجسر على القيام به؛ إذ كنت أشعر ~~بصقيع في دمي فأبقى دون حراك على مقعدي. # وعندما كان سميث ينصرف إلى مسكنه في المساء كنا نبقى صامتين أنا ~~وبريجيت، أو يدور حديثنا عليه، وما كنت أدري حقيقة الدافع الغريب ~~الذي كان يحدو بي إلى الاستفهام من بريجيت عن تفاصيل حياته، وما ~~كان لديها سوى ما ذكرته فيما تقدم؛ لأن حياة هذا الشاب كانت عبارة ~~عن فقر واستقامة وخمول ذكر، وما تستدعي مثل هذه الحياة أكثر من ~~كلمات وجيزة لسردها، غير أنني كنت أستعيد إيراد حوادثه وأنا لا ~~أدري سببا لاهتمامي بها. # وحللت تفكيري، فأدركت أن في قرارة نفسي ألما خفيا كنت ~~أنكره على ذاتي. ولو أن هذا الشاب جاء إلينا في أيام سعادتنا، ~~فحمل إلى بريجيت رسالة ثم تجنب الالتقاء بي في المسرح، ثم ذرف ~~دموعا لا أدري ms171 سببها، فهل كنت أقف عند مثل هذه الحوادث وأنا ممتع ~~بسعادتي؟ ولكن الأمر قد وقع في زمن كنت أصطدم فيه بأحزان بريجيت، ~~وأشعر أن معاملتي الماضية لها قد ولدت فيها هذه الأحزان، ولو أنني ~~عاملتها طوال الستة أشهر الماضية المعاملة الحسنة لما كنت أجد من ~~سبب لتكدير صفو حياتنا. وقد كان سميث، بالرغم من كونه رجلا ~~عاديا متصفا بالأخلاق الرضية، ولا تخفى صفاته الطيبة عن الناظر ~~إليه، فلا يجد بدا من الوثوق به؛ ولذلك كنت مضطرا إلى أن أقول ~~في نفسي: لو أن سميث كان هو عاشق بريجيت لما كانت تتردد في الرحيل ~~معه راضية مسرورة. # كنت أرجأت سفرنا بملء اختياري، فأصبحت الآن نادما على ذلك، وما ~~كانت بريجيت تغفل عن تذكيري بالسفر فتقول لي: ما الذي يمنعنا عن ~~الرحيل بعد أن شفيت من دائي؟ # وفي الواقع ما كنت أدري سببا لتأخري. وقفت مستندا إلى الموقد ~~أنظر تارة إلى سميث، وطورا إلى خليلتي، فأرى كلا منهما شاحب ~~الوجه صامتا، فأحار في تعليل هذه الحالة، غير أنني كنت أشعر بأن ~~ليس هنالك سران، بل سر واحد مشترك، فما تستقر الريبة مني كما ~~كانت تستقر من قبل في غيرة مريضة، بل في أعمق غريزتي كأنها أمر ~~واقع لا يقاوم، وفي غرائز الإنسان أمور جد مستغربة، ومن أغربها ~~أنني كنت أجد شيئا من اللذة حين أترك بريجيت وسميث يتحدثان قرب ~~الموقد؛ لأذهب تائها على الأرصفة، وأستند إلى الأعمدة المحادة ~~للنهر، مسرحا أبصاري على مركض المياه كما يقف من لا عمل له ~~متلهيا بالنظر إلى المارة في الشوارع. # وعندما كان يدور الحديث بينهما عن الأيام التي قضياها في ~~بلدتهما، فتوجه إليه بريجيت الخطاب بلهجة الأم، مذكرة إياه الأيام ~~التي قضياها سوية، كنت أحسبني متألما، ولكنني كنت في الوقت نفسه ~~أشعر بشيء من السرور، فأستنطقهما عن تلك الأيام، وأحدث سميث عن ~~أمه، وعن أعماله، وعن أمانيه في المستقبل، فأفتح له مجالا لإظهار ~~حقيقة شخصيته على خير ما تظهر به، فأنتزع من تواضعه صورة فضائله، ~~وكنت ms172 أقول له: إنك شديد التعلق بأختك، فمتى تنوي تزويجها؟ فكان ~~يقول والاحمرار يعلو وجهه: إن إنشاء الأسرة يكلف كثيرا، ولعله ~~يتمكن من تحقيق هذه الأمنية بعد سنتين، أو أقل من هذه المدة، إذا ~~سمحت حالته الصحية بالقيام ببعض أشغال إضافية تنيله مكافأة فوق ~~راتبه، ثم يقول: إن في البلدة عائلة لها كفافها من العيش اتفقت مع ~~أسرته لتزويج أخته من ابنها البكر، وإنه تخلى لأخته عن حصته في ~~إرث أبيه، وسوف لا يعدل عن ذلك وإن أصرت أمه على الرفض، ثم ~~يضيف إلى ذلك قوله: إن للشاب ساعدين يؤمنان حياته، أما الفتاة ~~فحياتها متوقفة على زواجها. وكان سميث يعرض أمامنا مشاهد حياته ~~وخفايا نفسه وأنا أتفرس في ملامح بريجيت لأقرأ تأثير هذه المشاهد ~~عليها. # وكنت أشيع سميث إلى الباب عند انصرافه، ثم أقف مستغرقا في ~~التفكير إلى أن ينقطع صوت وقع أقدامه، فأعود إلى الغرفة لأنظر إلى ~~بريجيت وهي تتهيأ لخلع ثيابها، فأقف متمتعا بجسمها الرائع، وبما ~~فيه من جمال امتلكت كنوزه، فأراها تسرح شعرها الطويل وتعقد فوقه ~~عصابة، ثم تترك رداءها ينزلق عن جسمها إلى الأرض، لتطفر نحو سريرها ~~كأنها إلهة الجمال تندفع إلى البحر للاستحمام في مياهه. وكنت أنا ~~من جهتي أنطرح على سريري دون أن يخطر لي ببال إمكان استسلامها إلى ~~سميث، فما كنت أقصد التربص لهما للوقوف على جلية الأمر، بل كنت ~~أتعامى وأقول في نفسي: إنها لجد جميلة، وما سميث المسكين إلا شاب ~~طيب القلب، ولكل منهما أحزانه كما أن لي أحزاني، وهكذا كنت أشعر ~~بانقباض قلبي، وأحس في الوقت نفسه أن حملا ثقيلا سقط عنه. # وفتحنا صناديق السفر فاتضح لنا أننا نسينا بعض الحوائج، فعهدنا ~~إلى سميث بمشتراها، وما كان هذا الشاب ليتردد في القيام بكل ما ~~نكلفه به. وعدت يوما إلى البيت فرأيته جاثيا على الأرض منهمكا ~~في إقفال صندوق كبير، وكانت بريجيت أمام البيانو الذي كنا ~~استأجرناه لمدة إقامتنا في باريس، وهي تعزف عليه أنغاما عزيزة ~~علي، فوقفت في ممشى الغرفة - وكان ms173 الباب مفتوحا - أتنصت إلى هذه ~~النغمات وهي تنفذ إلى أقصى مشاعري، وما سمعتها من قبل تثيرها بمثل ~~هذا الشجي، وهذا الخشوع. وكان سميث يتلذذ بالإصغاء إليها وهو على ~~ركبته يشد حابل الصندوق، ثم وقف وقد أكمل عمله، وبقيت بريجيت ملقية ~~أناملها على معزف البيانو وقد شخصت أبصارها إلى الآفاق، ورأيت ~~للمرة الثانية الدموع تنحدر من عيني الشاب، فكادت عيناي تذرفان ~~مثلها، فتقدمت نحوه دون أن أدري ما أفعل، ومددت يدي لأصافحه، ~~فارتعشت بريجيت وظهرت دلائل الدهش على وجهها، وقالت لي: أكنت هنا ~~أنت؟ فقلت: إنني كنت هنا. أنشديني يا عزيزتي، وأسمعيني صوتك أيضا، ~~فعاودت الإنشاد دون أن تجيبني بكلمة، ورأت ما يفعل إنشادها بي ~~وبسميث، فخففت نبرات صوتها تدريجا حتى حسبت نغمات القرار همسا ~~يتردد في الآفاق من بعيد، ونهضت فألقت قبلة على وجنتي، وكان ~~سميث لم يزل قابضا على يدي؛ فشعرت أنه يشد عليها بحركة مرتعشة، ~~وقد علت وجهه صفرة الموت. # وحملت إلى البيت مرة أخرى مجموعة مناظر عن بلاد سويسرا، فجلسنا ~~نحن الثلاثة نقلب صفحاتها، فاستوقف انتباه بريجيت أحد المناظر في ~~مقاطعة «الفود» على مقربة من طريق «بريك»؛ حيث يمتد واد ظليل تحف ~~به أشجار التفاح، وترتعي المواشي في مروجه، ووراء هذا المنظر كانت ~~تلوح قرية لا يتجاوز عدد مساكنها العشرة، وهي مبنية بشكل مدرج على ~~منحدر التلال، وكان يظهر في مقدمة هذا المنظر رسم فتاة تلبس قبعة ~~من القش وهي جالسة إلى جذع شجرة، وأمامها خادم يدلها بعصاه على ~~الطريق التي قطعها من جهة الجبل، حيث كانت تظهر مناظر الألب تكللها ~~ثلاثة تيجان من الثلج مرصعة بأشعة الشمس الغاربة. وكان هذا ~~المنظر على غاية من الجمال يلوح الوادي المخضل فيه كأنه بحيرة من ~~الأعشاب الندية، فسألت بريجيت عما إذا كانت تود أن نذهب إلى هذه ~~القرية، وما انتظرت جوابها فأخذت قلما ووجهته نحو الرسم، وإذ ~~سألتني بريجيت عما أريد أن أفعل قلت لها: إنني سأحاول بتعديل بعض ~~الخطوط على وجه الفتاة الماثلة في الرسم أن أجعله شبيها ms174 بوجهك، ~~ولعلني أوفق أيضا لوضع بعض الشبه من وجهي على وجه الجبلي ~~الجسور. # وأعجبتها هذه الفكرة، فرأيتها تأخذ محفاة فتمرها على الوجهين، ~~فبدأت أنا برسم بريجيت مكان وجه الفتاة، وحاولت هي أن ترسم وجهي ~~مكان وجه الفتى، ووفقنا كلانا إلى ما قصدنا، فإذا بي وبها على ~~مدخل القرية في سويسرا، وبعد أن ضحكنا أمام هذا المشهد بقيت ~~المجموعة مفتوحة، وإذا بالخادم يدعوني لأمر ما فخرجت، ولما عدت ~~إلى الغرفة رأيت سميث مستندا إلى الخوان وهو مستغرق في التأمل، ~~حتى إنه لم ينتبه لدخولي، وجلست قرب الموقد حتى إذا رفعت صوتي ~~وخاطبت بريجيت، انتبه سميث لوجودي، فرفع رأسه وتفرس فينا لحظة، ~~ثم استأذننا بالانصراف فجأة، وبينما هو يتجه من الممشى إلى الباب ~~رأيته يصفع جبينه براحته، فنهضت عن مقعدي وهرعت إلى غرفتي وقد ~~انطبعت في عيني هذه الحركة التي تنم عن الألم، وأنا أسأل نفسي: ~~ماذا عسى أن يكون هذا؟ وضممت راحتي بحركة الاسترحام دون أن أدري ~~إلى من أتوجه بها، أإلي ملك سعادتي أم إلى شيطان بؤسي؟ # | الفصل الرابع # وكان قلبي يهيب بي إلى الرحيل، فأرجئ السفر من يوم إلى يوم؛ إذ ~~كنت أشعر في كل مساء بلذة مريرة تسمرني في مكاني، وكنت في كل مرة ~~أتوقع فيها زيارة سميث يملكني اضطراب لا يهدأ حتى أسمع قرع جرس ~~الباب منذرا بوصوله. فما هي يا ترى هذه العاطفة المضمرة فينا ~~يستهويها الألم، ويشد بها الشقاء؟ # وكنت كل يوم أرتعش لكلمة أسمعها، أو لبارق لحظ أباغته، ثم تردني ~~هذه الكلمة نفسها، وهذه البارقة عينها في اليوم الثاني إلى الحيرة ~~والارتياب بريبتي، وما أدري لماذا كنت أرى بريجيت وسميث غارقين في ~~بحر من الأحزان، كما لا أعلم لماذا كنت أشخص متأملا فيهما وأنا لا ~~أبدي ولا أعيد، في حين أنني ما كنت أملك ثورة نفسي في مثل هذا ~~الموقف. لقد كنت أحس بشيء من الخبل، وفي من الغيرة العنيفة في ~~الحب ما يشبه غيرة الشرق في لهب غرامه. # وكنت أمضي أيامي في الانتظار ms175 دون أن أعرف ما أنتظر، حتى إذا ~~أمسيت قعدت على سريري قائلا: لأفكرن في هذا الأمر، فأسند رأسي ~~بيدي ولا ألبث حتى أصيح: لا، إن هذا مستحيل، ثم أعود إلى مثل هذا ~~العمل في الليلة التالية. # وكانت بريجيت تبدي لي من التحبب أمام سميث ما لا تبدي مثله ونحن ~~منفردان، حتى إنها ذات ليلة كانت ذاهبة معي في مجادلة قاسية، فما ~~سمعت صوت سميث في البهو حتى هرعت إلي وقعدت على ركبتي، أما هو ~~فكان يبدو في كل آن كأنه مستغرق في أسى لا ينقطع عن مجالدته، فكانت ~~حركاته معتدلة ولا يتكلم إلا متمهلا، غير أنه لم يكن يتمالك ~~أحيانا من الإتيان ببعض حركات تشذ بعنفها عن حالته ~~العادية. # أفكان تململي في موقفي ونفاذ صبري نوعا من الفضول؟ ولو جاءني ~~أحد وقال لي: ما لك ولهذه الأمور؟ إنك حقا لفضولي، فهل كان ~~يمكنني أن أفسر عاطفتي بغير التحرش والفضول؟ # إنني أذكر حادثة وقعت لي على الجسر الملكي رأيت فيها رجلا يهلك ~~غرقا. # كنا رهطا من الأصحاب نتمرن على السباحة، فذهبنا تحت الجسر ~~يتبعنا مركب فيه سباحان من متخصصي الإنقاذ، وتبعنا رهط آخر حتى ~~بلغ عددنا الثلاثين، وأصاب أحد رفاقنا احتقان أورثه الدوار، فإذا ~~به يصرخ مستنجدا وقد رفع يديه يلوح بهما على سطح الماء، وما عتم ~~أن اختفى أثره، فألقينا بأنفسنا في اليم ثم عدنا بلا جدوى، وما ~~أخرج الغريق إلا بعد مرور ساعة؛ إذ وجدت جثته عالقة تحت كومة من ~~الأخشاب. # لن أنسى ما حييت ما شعرت به وأنا أغامر بنفسي تحت أطباق المياه، ~~فإنني كنت أرسل أبصاري في اللجج القاتمة تدور بي بصخبها المختنق، ~~وأذهب غائصا على قدر ما يطيق صدري كبت أنفاسي، ثم أطفو على سطح ~~الماء لأتبادل بعض كلمات مع رفاقي الغاطسين مثلي، ثم أعود إلى ~~الأعماق لاصطياد الإنسان الغريق، وملء قلبي الأمل والارتياع، وما ~~كنت أتمثل يدي الغريق تقبضان علي برعشة الموت حتى أشعر بلذة ~~يمازجها هلع لا أستطيع التغلب عليه، وطفوت راجعا إلى ظهر ms176 المركب ~~وقد أنهكني التعب. # إن من نتائج الفحشاء - إذا هي أبقت في الإنسان على شيء من ~~إنسانيته - أن تدفع به إلى هوس الاستطلاع، وقد تكلمت عما انتابني ~~من هذا الهوس في زيارتي الأولى لديجنه، وسأذهب الآن في وصف الفضول ~~إلى أبعد ما وصلت إليه. # تقضي الحقيقة على كل إنسان - أيا كان - أن تغوص يده عندما تحين ~~ساعته إلى ملمس العظام من أي جرح يتكشف عنها، وما تعرف حقيقة ~~الحياة إلا بهذا الاختبار، وبعض الناس يتراجعون خوفا أمام العظم ~~المعرى، والبعض الآخر ينالهم الارتياع، فيرتعشون كالأشباح لا ~~يتقدمون ولا يتأخرون، وهنالك أناس يقتلهم هذا المشهد، فيموتون، ~~ولعلهم أفضل الأحياء، ويمر الحدث على أكثر الناس فيتابعون سيرهم ~~ملفعين بالنسيان، والأجيال تتابع على هذا السبيل نحو ~~الفناء. # وقد قضي على بعض الأشقياء في مثل هذا الموقف ألا ينكصوا على ~~أعقابهم ولا يترددوا، فلا هم ينسون ولا هم يموتون، فإذا ما قدر ~~عليهم أن يصطدموا بكارثة، وما الكوارث إلا كاشفة الحقائق للبصائر، ~~فإنهم يقتحمونها، ويمدون أذرعهم نحوها، فهم كالغائص تحت أطباق اليم ~~يستفزهم نوع من التوله بالغريق، وقد كلح وجهه في قبضة الموت، ~~فيتلمسون موضعه، حتى إذا قبضوا عليه ضموه إلى صدورهم وتحروا عن ~~منبض حياته. # هؤلاء هم الثملون بخمرة الفضول، الطامحون إلى معرفة ما وراء كل ~~مظهر، يقضون عمرهم في الارتياب ومحاولة بلوغ اليقين، فيقفون جهودهم ~~على استكشاف ما في الحياة، كأن الله قد بثهم عليها عيونا ~~وأرصادا، فيرسلون أفكارهم مشحوذة كالسهام، فتقطع أحشاءهم نهشة ~~الفهد الكاسر. # ليس كالفساق من يستولي عليهم مثل هذا الهوس؛ لأنهم يقفون ~~أمام نهر الحياة، فلا يكتفون بالنظر إلى الماء يجري صافيا في ~~مركضه، بل يندفعون أبدا إلى سبر أعماقه ومراسبه، فهم إذا ما خرجوا ~~من مرقص هرعوا إلى المواخير ولما تزل أكفهم ندية من مصافحة يد ~~عذراء قد تكون ارتعشت بين أناملهم، فيطرحون أرديتهم عنهم، ويجلسون ~~إلى مائدة ليكرروا - وهم يقهقهون ضحكا - آخر عبارة نطقوا بها أمام ~~جميلة من فضليات النساء. # أفما كان بوسع هؤلاء الأغرار أن ms177 يرفعوا - ببذل بعض دريهمات - ~~الرداء المنسدل كالنقاب على مواضع العفة؟ فما يكون تقديرهم للحياة ~~وهم منها في موقف الممثلين وراء ستائر المسرح الداخلية؟ ومن كهؤلاء ~~الناس يذهب إلى قرارة الأشياء وقد تعود سبرها محتقرا جاحدا؟ أفما ~~سمعتهم ولا بيان لهم إلا التعابير الجافية المتهتكة القذرة، فهم لا ~~يرون الإفصاح عن الحقيقة إلا بها، وما سائر التعابير في عرفهم إلا ~~سخافات وتمويه، فإذا هم قصوا عليك واقعة اكتفوا بالبيان عن إحساسهم ~~منها، فلا يخرج من شفاههم إلا سفيه الكلام، فعبثا تفتش على الروح ~~فيما يقولون؛ لأنهم لا يتلفظون إلا بالحرف المميت، فإذا أراد أحدهم ~~أن يقول: لقد أحبتني هذه المرأة، قال: تمتعت بوصال هذه المرأة؛ فهو ~~لا يقول: أحب، بل يقول: أشتهي، وبدلا من قوله: إن شاء الله، يقول: ~~إن شئت أنا. # ويعلم الله ما يدور في خلد هؤلاء الناس، وبماذا يناجون ~~أنفسهم. # ومن كانت هذه حاله؛ فلا بدع إذا هو استغرق في الكسل، أو اندفع ~~بحماس الفضول إلى هتك الأستار؛ لأنه بينما يتمرن على تمثل ~~الأمور على أسوأ حالاتها، لا يروق له أن يرى في العالم من يحسن ~~به ظنا، فيعمد إلى سد أذنيه في تكاسله. وهكذا يدع الأب ابنه ~~حرا في ارتياد الأماكن التي تحلو له قائلا: للشبيبة أن تحيا ~~حياتها، غير أن الابن لا يتمالك نفسه عند عودته من التفرس في وجه ~~أخته، وقد انتصبت في مخيلته الوقائع الحيوانية التي تصدمه في كل ~~آن، فيتساءل عما إذا كانت أخته ليست من طينة المرأة التي كان في ~~غرفتها ... ويدور القلق بالفتى، فيرعى أحشاءه الارتياب. # إن سوء الظن الدافع إلى الاستكشاف إنما هو داء وبيل ينشأ من ~~ملامسة الأرجاس، فيدفع بالمبتلين به إلى التجول كالأشباح بين ~~المقابر عاملين على هتك ما تستر لحودها. وما هذه النزعة إلا عذاب ~~أليم يعاقب الله به من ارتموا على مزالق الضلال، فهم يتشوقون أبدا ~~إلى التيقن من تداعي كل ما حولهم إلى الانهيار. ولعل هذه النزعة ~~تملؤهم ارتياعا، ولكنهم مسوقون كرها إلى التحري والتجسس ms178 ومنازعة ~~الوقائع أسرارها، فيحنون الرأس على الزوايا كالمعمار يوجهها لتركيز ~~ما يقيمه في خياله، فإذا ما عثروا على دليل يثبت الشر علت شفاههم ~~الرضى، وإذا ساورهم الشك في وجوده مالوا إلى افتراضه والإيمان به، ~~وإذا صدمهم الخير تطلعوا إلى ما وراءه. # إن آية هؤلاء القوم قولهم «من يدري؟» تلك كلمة ألقاها إبليس في ~~وجه السماء وقد أغلقت دونه بابها، ولكم أشقت هذه الكلمة من بني ~~البشر على ممر الأجيال! ولكم جرت من الويلات وأدت إلى مجازر! ~~ولكم ذهبت كالمنجل يقطع أغمار السنابل الخضراء قبل نضوج حبوبها! إن ~~ألوف الأسر قد دفنت تحت أنقاض مساكنها منذ دوت هذه الكلمة بين ~~جدرانها. # من يدري؟ من يدري؟ يا لها من كلمة دنيئة! وخير للناس من أن ~~يتفوهوا بها أن يقتدوا بالأغنام تسير إلى المجزر وهي تقضم الأعشاب ~~مطمئنة على طريق مذابحها، أفليس من يحسن الظن ويحيا مطمئنا خير ~~ممن يصدم الحياة بما يدعوه نباهة وحزما وهو يغذي تفكيره بمبادئ ~~«لاروشفو كولد»؟ # وهل من واقعة يمكنني أن أوردها مثلا أشد إثباتا لما أوردت من ~~الحادثة التي أقصها. # لقد كانت خليلتي مستعدة للرحيل، ولا تنتظر إلا كلمة أقولها لتصدع ~~بها، وما كان حزنها خافيا عني، فلماذا بقيت؟ وماذا كان سيقع لو ~~أننا شددنا الرحال؟ # لقد كان علي أن أقتحم مخاوفي، حتى إذا مرت ثلاثة أيام على ~~رحيلنا نسينا كل ما وراءنا، وهل كان لها أن تفكر في سواي وهي ~~منفردة بي؟ # لماذا وقفت مهتما بسر لا يتهدد سعادتي؟ إن بريجيت كانت مستسلمة ~~لي، فهل كان علي أن أذهب إلى ما وراء استسلامها؟ # كان لي أن ألقي قبلة على شفاهها فأضع بها حدا لكل شقاء، ولكنني ~~تخيرت مسلكا آخر، وهذا ما فعلت: # كان سميث قد تناول العشاء معنا ذات ليلة، فتركته مع بريجيت ~~وانسحبت حالا، وعندما أقفلت الباب سمعتها تنادي الخادمة طالبة ~~إحضار الشاي. # وعندما دخلت الغرفة في اليوم التالي مررت صدفة أمام المائدة، ~~فرأيت عليها إبريق الشاي وقربه فنجان واحد، وما كان أحد دخل قبلي ms179 ~~لأفترض أن الخادمة أخذت أحد الفنجانين، فأرسلت أنظاري في جوانب ~~الغرفة فلم أجد للفنجان الآخر أثرا. # فسألت بريجيت عما إذا كان سميث تأخر عندها، فقالت إنه بقي حتى ~~نصف الليل، فسألتها عما إذا كانت نامت دون أن تدعو أحدا من الخدم، ~~فقالت: لم أدع أحدا لأن الكل كانوا نياما. # فذهبت أنظاري في جوانب الغرفة مرة أخرى تفتش على الفنجان. في أية ~~مهزلة يرى على المسرح غيور تذهب به حماقته إلى التفتيش عن فنجان؟ ~~وما كان قصد بريجيت وسميث من شربهما في فنجان واحد يا ترى؟ # وما كانت هذه الفكرة على شيء من الوجاهة في غرابتها، ومع ذلك ~~بقيت أذرع الغرفة ذهابا وإيابا والفنجان في يدي، حتى هزتني ضحكة ~~عصبية قهقهت بها طارحا الفنجان إلى الأرض، فانحطم وتطايرت كسره ~~بدادا، ومشيت أزيد هذه القطع تكسيرا بضربات قدمي. # ونظرت بريجيت إلي وهي صامتة، واستمرت على معاملتي ببرودة تكاد ~~تكون احتقارا في اليومين التاليين، وهي تزداد ملاطفة لسميث، حتى ~~إنها بدأت تدعوه باسمه «هنري»، ولا تكف عن الابتسام له. # وقالت ذات مساء بعد العشاء: إنها تريد الخروج لاستنشاق الهواء، ~~وعرضت علي أن نذهب مشيا إلى الأوبرا، فرفضت مرافقتها وقلت: ~~اذهبي مع سميث وخلياني. فاستندت إلى ذراعه وتمشيا، وبقيت وحدي كل ~~السهرة أحاول أن أدون ما يعن لخاطري، فيتمرد البيان علي، ~~وألجأ إلى استعراض شكوكي والتلذذ بها، فأمعن فيها كالعاشق لا ينفرد ~~بنفسه حتى يخرج من جيبه رسم محبوبته محدقا فيه، مستغرقا في ~~أحلام غرامه. # وعلقت أبصاري على المقعدين حيث جلس سميث وبريجيت كأنني أستنطقهما ~~سرا يكتمانه، مستعيدا لمخيلتي كل ما طرق أذني، وما لاح لعيني، ~~وكنت من حين إلى آخر أدخل إلى الغرفة التي رتبنا فيها حقائب السفر ~~منذ شهر فأفتحها، وأفحص ما وضعت فيها يداها الناحلتان من حوائج ~~وكتب وأنا أتنصت إلى فرقعة عجلات العربات في الشارع فيخفق لها ~~فؤادي. # وبسطت على الخوان خريطة أوروبا الشاهدة على ما بيننا من أماني، ~~واستسلمت أمامها لأفجع تشاؤم. ومن الغريب أنني لم أكن أشعر في ms180 ~~آلامي بما ينم عن غضب أو غيرة، فقد كانت ريبتي تقف مترددة لا ~~تقتحم تعيين أمر تبني عليه شكا جليا. فيا للعقل البشري من قوة ~~تخلق من المظاهر ما يعذب القلب ويشقيه! وما أشبه الدماغ بسجون ~~ديوان التفتيش في القرون الوسطى، وقد علق على جدرانها من الآلات ~~ما يحيرك فلا تدري أهي ألاعيب أطفال أم مكامش تعذيب. # وهل لأحد أن يبين لي ما الفرق بين قولي لخليلتي: إن جميع النساء ~~خائنات، وبين قولي لها: أنت خائنة؟ # ومرت في رأسي خواطر أشبه بأدق القياسات المبنية على السفسطة، ~~فكنت أستمع إلى ما يدور من جدل بين عقلي وضميري، فأسمع الأول يقول: ~~إذا فقدت بريجيت، فماذا يكون؟ # فيقول الضمير: إنها سترحل معك. ~~- وإذا كانت تخادعني؟ ~~- وهل لها أن تخدعك وهي من طلبت في وصيتها أن يصلي الناس من ~~أجلك؟! ~~- لعل سميث يحبها؟ ~~- ما لك ولهذا أيها المجنون وأنت الواثق من أن محبوبها هو أنت لا ~~سواك؟! ~~- إذا كانت تحبني، فما هو سبب حزنها؟ ~~- ذلك سرها؛ فاحترم هذا السر. ~~- أتكون سعيدة يا ترى إذا أنا اختطفتها؟ ~~- إن سعادتها متوقفة على حبك لها. ~~- لماذا تضطرب عندما ينظر سميث إليها فتحول عن عينيه ~~عينيها؟ ~~- ذلك لأنها امرأة، ولأنه في شرخ شبابه. ~~- لماذا يعلو وجهه الاصفرار عندما تنظر هي إليه؟ ~~- لأنه رجل، ولأنها رائعة الجمال. ~~- لماذا انطرح على صدري عندما كنت في زيارته، ولماذا ضرب في أحد ~~الأيام جبينه براحته؟ ~~- لا تسل عما يجب أن تجهل. ~~- ولماذا وجب علي أن أجهل هذه الأمور؟ ~~- لأنك حقير ضعيف، ولأن الله وحده علام الغيوب. ~~- ولكن لماذا أحس بهذه الآلام ولا أفكر بهذه الأمور دون أن يسود ~~الاضطراب أعماق روحي؟ ~~- تذكر أباك واصنع الخير. ~~- ولكن ما الذي يصدني عن هذا التذكار وعن هذا البر، ولماذا ~~يجتذبني الشر إليه؟ ~~- انطرح جاثيا على ركبتيك واعترف؛ لأنك إذا كنت أسأت الظن فقد ~~ارتكبت سوءا. ~~- وما هو ذنبي إذا كنت أتيت الإثم؟ ولماذا تخلى الخير ~~عني؟ ~~- ذلك لضلالك في المسالك المظلمة، وليس لمن يسير في ms181 الظلام أن ~~ينكر النور، فلماذا تحشر نفسك في زمرة البغاة؟ ~~- لأنني أحاذر الدخول في زمرة المخدوعين. ~~- لماذا تحيي لياليك بالسهر؟ إن الأطفال ينامون عندما ينسدل ستار ~~الظلام، ولماذا أنت منفرد الآن؟ ~~- ذلك لأنني أفكر وتساورني المخاوف والشكوك. ~~- ومتى تؤدي فريضة الصلاة؟ ~~- عندما يعود إيماني إلي. لماذا خدعني الناس؟ ~~- ولماذا تخدع الناس أنت الآن أيها الجبان؟ أفليس أولى بك أن ~~تموت إذا كنت لا تحتمل آلامك؟ # هكذا كان يتجادل في صوتان هائلان يتناقضان، فأسمع صوتا ثالثا ~~ينتحب بينهما قائلا: يا للطهارة المفقودة! ويا لأيامي ~~الماضيات! # | الفصل الخامس # إنها لقوة مروعة هذه القوة الكامنة في الفكر الإنساني! فهي ~~السلاح الذي ندافع به، والمعقل الذي نلجأ إليه. إنها لأفضل ما وهب ~~الله للإنسان، فهي تابعة لنا تأتمر بأمرنا، نقذف بها إلى الآفاق ~~ولكنها إذا ما تخطت حدود ذهننا ذهبت طليقة لا نملك لها ~~زماما. # وكنت وأنا أرجئ الرحيل من يوم إلى يوم تبارحني قواي ويهجرني ~~الوسن، فتنسرب مني حياتي دون أن أشعر، فإذا أنا جلست إلى المائدة ~~كرهت طعامي، وإذا أسدل الليل ستاره وانطرحت على فراشي تراءى لي حتى ~~في أحلامي وجهان شاحبان؛ هما: وجها سميث وبريجيت كأنهما يرقبانني ~~كما أرقبهما من صباحي حتى مسائي. # وكنت كلما ذهبا كل مساء إلى الملاهي أرفض مرافقتهما، ثم أتبعهما ~~إلى المسرح الذي قصداه، فأقعد مختفيا بين النظارة لأراقبهما، وإذا ~~ما جلسنا نتحدث في غرفة ادعيت أن لي ما يشغلني في غرفة أخرى، ~~فأختفي ساعة أتجسس وأتنصت إلى حديثهما، ولكم خطر لي أن أوجد خلافا ~~بيني وبين سميث فأدعوه إلى المبارزة! فكنت أدير له ظهري وهو يوجه ~~الخطاب إلي، فأراه يتبعني مندهشا ويمد يده ليصافحني. ولكم قصدت أن ~~أنهض من فراشي ليلا لأفتح أدراج مكتب بريجيت وأفحص أوراقها! ~~ولكنني قاومت هذه الفكرة حتى اضطررت مرة إلى مغادرة البيت كيلا ~~أستضعف لها. وخطر لي يوما أن أدخل عليهما شاهرا خنجرا لأكرههما ~~على الإقرار لي بسبب الحزن المستولي عليهما. وفي يوم آخر انقلب ~~غضبي عليهما إلى عداء لنفسي. إنني ms182 أدون هذه الأحوال بمداد الأسى ~~والخجل، ولو أن أحد الناس انتصب أمامي ليسألني عما يدفع بي إليها ~~لكنت ولا ريب أصاب بالعي فلا أجد كلمة أبرر بها ما أفعل. # لقد كنت موجها كل قواي إلى التجسس والارتياب، أخلق الاضطراب ~~والشقاء لنفسي، فأقضي أيامي في إرهاف أذني بالتسمع، وليالي في ذرف ~~الدموع، مرددا قولي: إنني سأموت غما وألما، مشددا إيماني بأن ~~هنالك ما يستلزم هذا الفناء. وهكذا كنت أحس أن الضعف يجتث الأمل من ~~قلبي، ويخيل إلي أنني أتجسس في حين لم أكن أسمع في الظلام سوى ~~خفقان قلبي، فلا أنقطع عن ترديد هذه العبارات الفارغة التي يتلهى ~~الناس بها في كل مناسبة، فأقول: إن الحياة حلم، وكل شيء باطل زائل، ~~وأتوصل أخيرا إلى سوء الظن بالله وأنا سائر على سبيل هوسي ~~وآلامي. # هذه هي الحياة التي كنت أستقطر منها لذتي، وبمثل هذه المشاغل كنت ~~أنقطع متخليا عن الحب، حارما نفسي نقاء الهواء، وصفاء السماء، ~~وسعادة الحرية. # أجل، إن الحرية الخالدة كانت تستهويني بالرغم مما وصلت إليه؛ ~~لأنها ما انقطعت عن مراودة تفكيري، فكنت أشعر وأنا مستغرق في غرائب ~~أطواري وجنوني بقوة تنبت في نفسي فتطلقها من أجواء سجنها. تلك ~~فترات كنت أتمتع بسكونها عندما تنفحني نسمات من الهواء البليل، أو ~~عندما أدع جانبا المؤلفات المشحونة بالنقد العنيف، وبثورات ~~الإلحاد التي تجتاح المجتمع لتمنيه بالعلل، فأطالع سواها ~~كمذكرات كونستان مثلا. ولأوردن بضعة أسطر قرأتها من هذه المذكرات ~~فأعادتني إلى حقيقة حياتي: # أصيب سالسدورف الجراح الساكسوني التابع للبرنس ~~كريستيان بشظايا قذيفة كسرت ساقه في معركة واغرام، وكان ~~منطرحا على التراب وهو على آخر رمق، فإذا به يرى «أميديه ~~دي كربورغ»، مرافق أحد القواد، يسقط مصابا بقنبلة صدمت ~~صدره، فتدفق الدم من فمه، وتيقن أن هذا المصاب سيموت ~~مفلوجا إذا لم يبادر أحد لإسعافه، فزحف مستجمعا بقية ~~قواه حتى وصل إلى المرافق الصريع وعالجه بفصد أنقذ حياته، ~~وحمل الجراح بعد المعركة إلى فيينا حيث قطعت رجله، فلم ~~يعش إلا أربعة أيام. # قرأت هذه ms183 السطور فسقط الكتاب من يدي، وطفقت أبكي بدموع أعادت ~~إلى السكينة يوما كاملا؛ إذ تحولت عن كل هم، وانقطعت إلى ذكر ~~سالسدورف، فما خطر لي أن أصوب ريبتي إلى أحد. # وما كانت تفيدني مثل هذه اللحظات سوى التفكير في زمن ساد الصلاح ~~فيه عواطفي وحياتي، فأبسط ذراعي نحو السماء أستعطفها في شقائي، ~~وأسائل نفسي عن هدفها في هذه الحياة، مديرا لحاظي في الآفاق، ~~متوقعا أن تقذف إلي بقنبلة تضع حدا لأوهامي، غير أن هذه الحال ~~لم تكن تنجلي أمامي إلا كلمعات بروق خاطفة في دياجير أيامي. # ما أشبه الفكر عندما يدور على نفسه بدرويش يطلب الاستغراق في ~~نشوة دورانه، فلا يلبث حتى ينهكه جهده فيقف مرتاعا، وما اكتشف في ~~محاولته شيئا؛ إذ لا يقوده الانصباب على أغواره إلا إلى المهاوي؛ ~~حيث ينقطع الهواء كما ينقطع في الآبار السحيقة وعلى الذرى المحتكة ~~بالسحاب، فقد وضع الله حدا لكل مجال تحتم على الإنسان ألا ~~يخترقه، وعند هذا الحد المنيع يتطرق الصقيع إلى القلب، وتسوده غفلة ~~يندفع فيها إلى اجتياز نطاقه طلبا للحياة، حاسبا أنه ينشق ~~الهواء، وليس ما حوله إلا أثير أوهام تحتشد فيه جهوده المضيعة ~~أشباحا تدور به لتقضي عليه. # ووهنت قواي في موقفي حتى غدوت لا أطيق الحياة في وساوسي وشكوكي، ~~فصممت على القيام بعمل أتوصل به إلى معرفة الحقيقة. # استأجرت عربة، وأمرت أن تكون معدة للسفر عند الساعة العاشرة ~~ليلا، وأوصيت الخدم ألا يدعوا مدام بيارسون تشعر بالأمر. # وجاء سميث وقت العشاء فجلسنا إلى المائدة وأنا أتكلف المرح وأقول ~~لبريجيت: إنني لا أعارض في العدول عن السفر إذا كانت ترغب عنه؛ ~~لأنني أستحسن باريس، ولا أجد بين المدن مدينة تفضلها في ملاهيها ~~ومسراتها، وأعربت أخيرا عن ميلي إلى البقاء ما دام ليس هنالك ما ~~يضطرنا إلى الرحيل. # وكنت أتوقع أن تعلن بريجيت إصرارها على السفر إلى جنيف، فما كذب ~~ظني إذ أبدت رغبتها في ذلك، ولكن بلهجة لا تنم عن عزم أكيد، ~~فانتهزت الفرصة للنزول عند إرادتها وغيرت مجرى ms184 الحديث، قاطعا خط ~~الرجعة على ما اعتبرته أمرا مقضيا، ثم عدت أقول: وهل هناك ما ~~يمنع مرافقة سميث لنا في رحلتنا؛ فإن بإمكانه أن يحصل على إجازة، ~~وفضلا عن ذلك فإن مهارته في فنه - وإن أنكرها هو - تضمن له العيش ~~حرا في أي بلد نزل فيه. إن عربتنا تتسع له، وليس من الخير لشاب ~~في سنه أن يمضي أيامه سجينا، ووجهت الخطاب إلى بريجيت أطلب منها ~~أن تبذل نفوذها لإقناع سميث بأن يضحي من أجلنا ستة أسابيع من وقته، ~~على أن يعود بعد هذه السياحة إلى مكتبه. # وكانت تعلم أن هذه الدعوة لم تكن إلا نوعا من المزاح، ولكنها لم ~~تتردد في ضم صوتها إلى صوتي، غير أن سميث تعلل بإمكان فقد وظيفته ~~إذا هو تغيب عنها، واعتذر إلينا متأسفا. # واستحضرت زجاجة من خير الشراب، واستمررنا في الحديث حتى انتشينا، ~~وخرجت بعد العشاء لأتأكد من أن أوامري قد نفذت، ثم عدت مسرورا إذ ~~رأيت كل شيء على ما يرام، وأبديت رغبتي في عدم الذهاب إلى الملاهي، ~~وطلبت أن يعزف سميث لنا على قيثارته لنمضي السهرة سوية، فأخذ يوقع ~~الأنغام، وذهبت بريجيت تطلق صوتها بالإنشاد، وجلست أنا أضرب على ~~البيانو، وقمنا بعد ذلك نحتسي «البونش» ونلعب بالورق وأنا معلق ~~أنظاري على الساعة، حتى إذا وصلت إلى العاشرة سادني ارتعاش تغلبت ~~عليه، وقرقعت العجلات أمام الباب، فقبضت على يد بريجيت وسألتها عما ~~إذا كانت مستعدة للرحيل، فنظرت إلي مستغربة وقد حسبتني مازحا، ~~فقلت لها: إن ما بدا لي من إصرارها أثناء العشاء دفعني إلى ~~التعجيل، وما خرجت بعد الطعام إلا لأطلب العربة. ودخل خادم المنزل ~~يشعرنا بأن الحوائج قد رتبت وربطت، وأن السائق في ~~انتظارنا. # وقالت: أصحيح أنك تريد الرحيل في هذا الليل؟ # فقلت: ولم لا ما دمنا متفقين على مغادرة هذه المدينة؟ ~~- وهل نسافر الآن في هذه الساعة؟ ~~- أجل، سنسافر. ألسنا على أهبة منذ شهر؟ وما دمنا قررنا الأمر ~~فالتعجيل خير من التسويف. أفما رأيت كيف تم كل شيء بسهولة؟ ومن ms185 ~~رأيي أن يقضي الإنسان في شئونه على هذه الطريقة، فلا يدع لغده ما ~~يستطيع أن يفعله في يومه. إذا كان يحلو لك السفر هذا المساء، ~~فلماذا لا أنتهز الفرصة للتخلص من التسويف، وقد ثقلت هذه الحياة ~~علي؟ إذا كنت عازمة على الرحيل فلنرحل. # وساد بيننا السكوت، فتقدمت بريجيت إلى النافذة، فإذا بالعربة ~~أمامها تؤيد ما عزمت عليه، وما كان لها أن ترى في هذا إلا تنفيذا ~~سريعا لما شاءت هي، فأصبحت تجاه أمر واقع لا تملك العدول عنه. ~~وبعد أن تحققت أن كل شيء قد أعد سرحت نظرها في جوانب المسكن، ~~وأخذت قبعتها ودثارها قائلة: هيا بنا، ولكنها وقفت مترددة، وأخذت ~~بيدها مصباحا وذهبت تدور في غرفتي وفي غرفتها فاتحة أدراجهما، ثم ~~سألتني عن مفتاح مكتبها قائلة: إنه كان معها منذ ساعة وقد فقد، ~~وعادت تقول: هيا بنا؛ إنني مستعدة، وهي لا تملك نفسها من الارتعاش، ~~وجاءت فجلست حيث كنت جالسا وأنا أحدق في سميث الواقف أمامي وقد ~~ملك نفسه، فما نم عن اضطرابه شيء سوى قطرتين من العرق تدحرجتا ~~على فوديه، وكانت بين أنامله قطعة عاج من قطع اللعب انحطمت وتساقطت ~~كسرها على الأرض، ومد يديه إلينا ليصافحنا قائلا: سفر سعيد يا ~~صاحبي. # وعدنا إلى الصمت وأنا أتوقع أن يضيف إلى توديعه كلمة واحدة، وقد ~~قلت في نفسي: إذا كان هنالك سر؛ ففي أية مناسبة غير هذه سأوفق ~~إلى اقتناصه؟ إن في مثل هذه الساعة تنعكس الأسرار على الشفاه، وها ~~أنا ذا أترصد خيالها. # وقالت: في أي بلد سنقيم يا عزيزي أوكتاف؟ وأنت يا هنري ستكتب ~~إلينا، ولن تنسى أهلي فتسعى جهدك لديهم من أجلي. # فقال بصوت طغى التأثر على هدوء نبراته: أعدك بألا أدخر جهدا في ~~هذا السبيل، ولكن الرسائل التي تلقيتها لا تدع لي أملا كبيرا، ~~فإذا ما حبطت مساعي فلا تتهميني بالقصور، وعلى كل لا تتوقعي ~~ورود أخبار تسرك في القريب العاجل. ثقي بي؛ فإني مخلص لك. # وبعد أن وجه سميث إلينا بعض كلمات من قبيل ms186 المجاملة تحول نحو ~~الباب، فسبقته إليه وخرجت لأدع له مجالا لخلوة أخيرة، ودفعت ~~الباب، ورأى كأنني أبتعد، ثم عدت فألصقت أذني بفتحة ~~المزلاج. # وحدق سميث فيها قائلا: متى أراك؟ # فقالت: لن تراني بعد. الوداع يا هنري. # ومدت إليه يدها، فرفعها إلى شفتيه وخرج، ولو لم أندفع بسرعة إلى ~~الوراء لكان اصطدم بي. # وعندما خلوت ببريجيت وهي حاملة دثارها تنتظر إشارتي - وقد بدا ~~التأثر بجلاء على ملامحها - شعرت بانقباض في حشاشتي. وكانت قد وجدت ~~مفتاح مكتبها؛ إذ رأيت أدراجها مكشوفة، فارتميت على المقعد قرب ~~الموقد وقلت لها وأنا لا أجسر على التحديق في عينيها: اصغي إلي ~~يا بريجيت. لقد أسأت إليك كثيرا، وقد حق علي أن أتحمل آلامي ~~فلا أشكو إلى أحد. لقد طرأ على حالك من التبدل ما ضعضعني، فاضطررت ~~إلى دعوتك لجلاء أمرك، ولكنني أعدل اليوم عن الاستفسار، وأصرح لك ~~بأنني راض بالبقاء هنا إذا كان يصعب عليك الرحيل. # فقالت: هيا بنا؛ فلنرحل. ~~- لك ما تشائين، ولكنني أقتضي الصراحة منك، فأنا مهيأ لاقتبال أي ~~سهم يسدد إلي دون أن أسأل عن مصدره، فلا أتململ ولا أشكو، ~~وإذا كان قضي علي بأن أفقدك، فما أطلب منك إلا حجب الأمل عني ~~كيلا أتعثر بأذياله فأموت. # فحدقت في قائلة: حدثني عن حبك ولا تذكر أوجاعك. # فقلت: أحبك أكثر من الحياة، وما أوجاعي إلا أوهام تجاه هذا ~~الغرام. تعالي لنذهب إلى آخر الدنيا؛ فأحيا بك أو أموت من ~~أجلك. # وتقدمت نحوها فإذا بالاصفرار يعلو وجهها، وإذا بها تتراجع إلى ~~الوراء مرغمة وهي تكره شفتيها المتقلصتين على الابتسام، وذهبت ~~إلى مكتبها قائلة: أنلني هنيهة من الزمن؛ إذ علي أن أحرق بعض ~~أوراق، وأبرزت رسائل أقاربها أمامي ثم مزقتها وألقت بها إلى النار، ~~وعادت فأخرجت أوراقا أخرى طالعتها ووضعتها على الخوان، وما كانت ~~هذه الأوراق إلا قوائم حسابات لبعض موردي حوائجها، وبينها ما لم ~~تكن دفعت ثمنه بعد، وطفقت تتكلم وهي تدقق في هذه الحسابات، راجية ~~عفوي عنها لاحتفاظها بالصمت طوال المدة الأخيرة، مبدية نحوي ms187 أشد ~~العطف، مستسلمة لإرادتي، فرأيت فيها مجسم الحب أو مجسم مظاهره، ~~وذهب مرحها المصطنع يحز في قلبي؛ إذ رأيت فيه ألما يجحد نفسه، ~~فيتكلف سرورا أفجع من النواح، واستسلاما قرارته أمر عتاب، ~~وقد كان خيرا لي لو أنها ظهرت جامدة ولم تلجأ إلى هذا الهياج ~~المكذوب للتغلب على نفسها. # وظهرت بريجيت لعيني كأنها ممثلة تقلد ما كانت عليه قبل خمسة ~~عشر يوما؛ فإذا بكل حركة منها كانت تسكرني غراما من قبل تصدم ~~قلبي فينقبض لها ارتياعا. # وصحت بها فجأة: أي سر تضمرين يا بريجيت؟ إذا كنت تحبينني حقيقة، ~~فإلام ترمين بهذا الدور الذي تحكمين تمثيله أمامي؟ ~~- أأنا أمثل؟ وما الذي يدعوك إلى هذا الظن؟ ~~- أفما يجدر بك أن تعلني أن روحك تلامس الموت، وأنك تتحملين عذاب ~~الشهداء؟ إنني أفتح لك ذراعي؛ فألقي رأسك إلى صدري، وأطلقي سراح ~~دموعك عليه، فلعلني أذهب بك إذا فعلت، أما أن أختطفك وأنت على ~~ما أرى فذلك مما لا أقدم عليه. # فصرخت: هيا بنا فلنذهب. # فقلت: لا! قسما بحياتي، إنني لن أفعل ما دام بيني وبينك هاوية ~~سر أو سواد نقاب. إن أشد مصاب لأهون وقعا علي من هذا المرح ~~الذي تتصنعين. # فوجمت إذ رأتني نافذا إلى أقصى سريرتها بالرغم مما تبذل لحجبها ~~عني. # واستطردت قائلا: لماذا نخادع نفسينا؟ لو لم أكن تراميت إلى ~~المهاوي في نظرك لما كان بوسعك أن تتظاهري بغير حقيقتك أمامي. ~~أفترين هذا السفر تنفيذا لحكم مبرم قضيت به عاتيا، وأتيت به ~~جلادا يقودك إلى الإعدام؟ أي شيء يروعك من غضبي لتلجئي إلى مثل ~~هذه الحيل؟ وما هو هذا الخوف الذي يقودك إلى مثل هذه ~~الأكاذيب؟ ~~- أنت مخطئ يا أوكتاف. قف عند هذا الحد ولا تزد. ~~- لماذا هذا الحذر؟ إذا كنت قد فقدت صفة الأمين على سرك؛ ~~فعامليني معاملة الصديق على الأقل، وإذا امتنع علي أن أعرف مصدر ~~دموعك، فهل أحرم النظر إلى انسكابها من عينيك؟ أتراجعت ثقتك عني ~~إلى حيث لا تعتقد باحترامي لأوجاعك؟ وما هي الجناية التي أعاقب ~~عليها ms188 بحرماني معرفة هذه الأوجاع؟ أفليس لدائك من دواء؟ ~~- لا، وخير لك ولي أن تشدد النكير علي. إنك لتدفع بنا كلينا ~~إلى الشقاء، أفلا يكفيك أن نرحل عن هذه البلاد؟ ~~- وهل بوسعي أن أرحل وكل حركة منك تدل على نفورك من هذا السفر؟ ~~فأنت تقتحمينه مكرهة، وبوادر الندم تسبق إقدامك عليه، فما تخفين ~~عني يا ترى؟ وما يفيد التلاعب بالألفاظ إذا كانت الفكرة أوضح من ~~النهار؟ وهل يجمل بي إذا لم أنحط إلى أدنى دركات الإنسانية أن أقبل ~~عن رضى ما تجودين به مكرهة آسفة؟ على أنني أقف حائرا في رفضه ~~وأنت تحطمين قواي بصمتك. ~~- لا، إنني لا أتبعك مكرهة. أنت على خطأ في اعتقادك هذا؛ فأنا ~~أحبك يا أوكتاف، فكف عن تعذيبي. # وتساقطت هذه الكلمات من فمها بكل عذوبة الحنان، فرأيت نفسي ~~منطرحا على قدميها وقد غلبتني نظراتها ونبرات صوتها فهتفت: ~~أتحبينني يا بريجيت؟! أحق ما تقولين يا خليلتي؟ ~~- أجل، إنني أحبك. أجل إنني ملكك؛ فافعل بي ما تشاء. إنني ~~سأتبعك. هيا يا أوكتاف؛ فإن العربة بانتظارنا، وشدت بأناملها على ~~يدي وهي تلقي على جبيني أحر قبلاتها مكررة قولها: لا بد من أن ~~أتبعك، إنني أريد أن أسير معك إلى آخر يوم من حياتي ... # رددت كلمة «لا بد» في نفسي، ووقفت ناظرا إلى بريجيت تقلب آخر ~~صفحة من أوراقها، فسألتها عما إذا كانت أتمت عملها، فأجابت ~~إيجابا. # عندما أوصيت العربة لم أكن مقررا الرحيل، بل رميت إلى القيام ~~بتجربة، فإذا أنا تجاه أمر واقع. # وتقدمت فاتحا الباب وأنا أرفع صوتي قائلا: «لا بد» وما تعني ~~هذه الكلمة؟ بل أي شيء وقع هنا وأنا لا أدري به؟ أوضحي لي الأمر ~~وإلا بقيت حيث أنا؟ أفيكون حبك لي فرضا عليك، وعاطفة لا بد ~~منها؟ # فارتمت على المقعد وهي تفرك يديها ألما وتصرخ: ويحك! إنك ستجهل ~~الحب طول حياتك. ~~- لعلك تقولين الحق، ولكنني أستشهد الله على أنني أعرف العذاب، ~~لقد قلت: إنه لا بد لك من حبي، فلا بد لك أيضا من إبداء ms189 الجواب، ~~وما أنا مبارح موقفي حتى ولو اضطرني إصراري إلى فقدك، حتى ولو ~~سقطت هذه الجدران علي قبل أن أطلع على هذا السر الذي يقض مضجعي ~~منذ شهر. إنني تاركك إذا لم تتكلمي. لقد أكون مجنونا، لقد أكون ~~مقدما على هدم حياتي بيدي، ولقد يكون من الخير لي أن أتجاهل ما ~~أطلب إيضاحه، فلا أثير بيننا أمورا قد تقتل سعادتنا وتمزق ~~شملنا، وتحول دون هذا السفر الذي حصرت أماني فيه، لقد يكون كل ~~هذا ولكنني لا أرتجع عن عزمي. تكلمي أو أتخلى عن كل ~~شيء. ~~- لا ... لا ... لن أتكلم. ~~- بل سوف تتكلمين. أفتحسبين أنني أخدع بأكاذيبك؟ أيخيل إليك ~~أنني جاهل أمرك وأنت تتبدلين بين صبح ومساء متقلبة كتقلب الظلمة ~~والنور؟ وتلجئين إلى تبرير موقفك بإبرازك رسائل لا تستحق أن ألقي ~~عليها نظرة واحدة. وهكذا تقنعين بأنني أكتفي بأول تعليل يخطر لك ~~تقديمه. أوجهك وجه تمثال من الجير لتضمحل وراءه أشباح عواطفك؟ ~~فما هو اعتقادك في يا ترى؟ إنني لا أنخدع بنفسي على قدر ما يلوح ~~لك، فحذار أن ينم لي سلوكك عما تبذلين لستره كل هذه ~~الجهود. ~~- وماذا تعتقد أن يكون هذا السر الذي أخفيه؟ ~~- أإلي يوجه هذا السؤال؟ وما تقصدين من هذا التحدي الصريح ~~إذا لم يكن ما ترمين إليه إحراجي لإثارة كرامتي الجريحة حتى إذا ~~انفجر غيظي تخلصت مني. # إنك تتوقعين مني تصريحا لتقابليه بخبث الأنوثة. تريدين أن أتهمك ~~لتردي علي بقولك: إن امرأة مثلك لا تتنازل للدفاع عن نفسها. إن ~~أشد النساء لؤما تعرف كيف تتشح ببرود العظمة، وتذود عن نفسها ~~بسلاح التحقير؛ فالصمت أقوى ما تتمنع به المرأة، وما تعلمت هذه ~~الحقيقة من أمس. إنك تراودين الإهانة بالسكوت، ولكن إذا كان بوسعك ~~أن تحاربي قلبي لأن قلبك خافق فيه، فأنت أضعف من أن تهاجمي تفكيري. ~~إن رأسي أقسى من الفولاذ وفيه من المعرفة ما لا تعلمين. ~~- يا لك من ولد مسكين! أفلا تريد أن نرحل؟ ~~- لا. إنني لن أسافر إلا بصحبة خليلتي، وما أنت بخليلتي الآن ms190 . ~~لقد جاهدت طويلا، وتعذبت كثيرا وأنا أقرض شغاف فؤادي. لقد طال ~~ليلي، وآن للصبح أن ينجلي. فهل أنت موردة جوابك أم لا تزالين مصرة ~~على السكوت؟ ~~- لن أجاوب. ~~- ليكن ما تريدين؛ فأنا مصر على الانتظار. # وذهبت لأنطرح على مقعد في آخر الغرفة مصمما على عدم الحركة حتى ~~أعرف ما أريد معرفته. أما هي فأخذت تتمشى أمامي رافعة رأسها وقد ~~انطبعت آثار التفكير على جبينها المتجهم. # وبت أتبعها بأنظاري، وكلما استغرقت في صمتها أوغلت في غضبي، وكنت ~~أحاول إخفاء ثورتي، فتوجهت إلى النافذة وصرخت بالخدم أن يؤدوا ~~للسائق أجره، معلنا عدولي عن السفر هذا المساء. # فقالت بريجيت: مسكين أنت! # وأقفلت النافذة، وعدت إلى مقعدي متظاهرا بأنني لم أسمع شيئا ~~وفي أحشائي نار تتقد تجاه هذا الصمت الجليدي، وهذه القوة السلبية، ~~ولو أنني كنت في موقف عاشق تيقن خيانة محبوبته له لما كنت شعرت ~~بضنك أشد على روحي من هذا الضنك. # وما قررت البقاء في باريس إلا وأنا مصمم على استنطاق بريجيت مهما ~~كلفني الأمر، فأخذت أستعرض الوسائل توصلا لبغيتي فلا أجد، وأتمنى ~~لو خطرت لي وسيلة ناجعة أبذل في اتخاذها كل ما أملك. # ما العمل؟ ماذا أقول؟ وهي واقفة أمامي هادئة تحدجني بنظرات ملؤها ~~الأسى. # وسمعت قرقعة حوافر الخيل وقد حلت من مرابط العربة، وما لبث حتى ~~ساد الصمت على الشارع، وقد كان بوسعي أن أقف وأصرخ لأسترجعها، غير ~~أنني جمدت مكاني كأن القضاء قد حتم بابتعادها دون معاد. # تقدمت إلى الباب ودفعت مزلاجه وأنا أسمع في أذني همسا يقول لي: ~~لقد أصبحت وحدك تجاه المخلوقة التي في يدها حياتك أو موتك. # وعدت إلى التفكير في حيلة تهتك الأستار أمامي، فإذا بي أتذكر قصة ~~من قلم ديدرو عن امرأة تأكلتها الغيرة على عشيقها، فلجأت إلى حيلة ~~غريبة توصلا لجلاء ريبتها به؛ إذ صرحت له بزوال حبها له، وبأنها ~~عازمة على هجره. وكان هذا العاشق يدعى المركيز أرسيس، على ما أذكر، ~~فوقع في الحبالة واعترف لخليلته بأنه هو أيضا لم يعد يشعر ms191 بالحب ~~لها. # وكنت قرأت هذه القصة وأنا في زمن المراهقة فأعجبت بحيلة بطلتها، ~~وعندما عنت لخاطري وأنا في هذا المأزق ابتسمت وقلت في نفسي: لعل ~~بريجيت تقع في الشرك نفسه إذا أنا مددته لها فتفضي إلي ~~بسرها. # وهكذا انتقلت من حالة الهياج والغضب إلى المراوغة والمخاتلة، ~~وخيل لي أن اقتياد امرأة إلى الإقرار ليس من صعاب الأمور، وقلت في ~~نفسي: ما دامت هذه المرأة خليلتي فلن أعجز عن استنطاقها إلا إذا ~~كنت من صعاليك الرجال. # وتراخيب مستلقيا على مقعدي وتكلفت عدم المبالاة والمرح، فقلت: ~~أما ترين أن زمن التصريح قد حان؟ # وإذ رأيتها تنظر إلي بعيني الاستغراب ذهبت في حديثي قائلا: لا ~~بد من التوصل يوما إلى المصارحة بالحقائق، وسألجأ إلى اقتحام هذه ~~الصراحة فأكون قدوة تحررك من كل حذر، وليس خير من التفاهم والاتفاق ~~بين الأصدقاء. # وما توقفت عن ذرع الغرفة ذهابا وإيابا كأنها لم تسمع كلماتي، ~~وقد رأت ولا ريب على أسارير وجهي ما يكذب بياني، فتابعت قائلا: لا ~~تجهلين أننا منذ ستة أشهر نعيش جنبا إلى جنب، وما كان أبعد حياتنا ~~عن السرور أو ما يشبهه، أنت في مقتبل العمر وأنا كذلك، فهل لو شعرت ~~بنفور من هذه المصاحبة تجدين في نفسك ما يدفعك إلى مصارحتي بنفور؟ ~~وما أكتمك أنني لو مللت هذه الصحبة فلن أتردد في الاعتراف بها؛ إذ ~~لا يوجد سبب يحول دون هذه الصراحة؛ لأنه إذا كان الحب ليس جريمة، ~~فلا يمكن أن نرى جرما في تناقص هذا الحب أو في زواله، وهل يستنكر ~~أن يحتاج من في سننا إلى التغيير؟ # ووقفت واجمة وهي تردد قولي: «من في سننا.» أإلي توجه هذا ~~الكلام؟ بأي دور تريد أن تقوم في تمثيلك هذا؟ # وتصاعد الدم إلى رأسي فقبضت على يدها قائلا: اجلسي ~~واسمعي. # فقالت: ولماذا أستمع وما أنت الذي يتكلم؟ # وخجلت من محاولتي المراوغة فعدلت عنها وقلت: أصغي إلي واقتربي ~~مني. إنني أتوسل إليك أن تجلسي إلى جنبي. إذا كنت لا تزالين مصرة ~~على الصمت فاستمعي ms192 لي على الأقل. ~~- أنا مصغية فتكلم. ~~- لو جاءني أحد وقال لي: أنت جبان، وأنا من لم يتجاوز الثانية ~~والعشرين، وقد أقتحم المبارزة، فلا ريب في أنني أغضب لامتهان كرامة ~~أعرفها في نفسي، فأسير إلى الميدان مجازفا بحياتي لأشبك سيفي بسيف ~~نكرة من الناس، وما أقدم على هذا إلا لأثبت أنني لست جبانا، وإذا ~~أنا لم أفعل ألصق المجتمع بي ذل الرعاديد؛ إذ لا يورد الجواب على ~~مثل هذه الإهانة إلا كلمة السيف. ~~- لا ريب فيما تقول، ولكن إلى أين تتجه بهذه المقدمة؟ ~~- إن النساء لا ينزلن إلى ميدان المبارزة، غير أن لكل إنسان سواء ~~أكان ذكرا أم أنثى ساعة يناقش فيها الحساب مهما انتظمت حياته، ولا ~~يفلت من هذا المأزق إلا رجل يرضى بالعار، وامرأة تقنع بالقطيعة ~~والنسيان. لقد حق على كل مخلوق أن يثبت حيويته، فإذا ما هوجم رجل ~~دافع بسيفه. أما المرأة فما يجديها امتشاق الحسام لصيانة نفسها، بل ~~عليها أن توجد لنفسها ما يوافق موقفها من سلاح، فإذا هاجمها رجل لا ~~تأبه له ردته بالترفع والاحتقار. أما إذا كان المهاجم محبوبا ~~سلاحه الشك والارتياب، فلا قبل لها باحتقاره، وقد وضعت روحها في ~~صدره. ~~- إذا كان المهاجم محبوبا، فلا جواب إلا الصمت. ~~- لقد أخطأت في بيان قصدك، فإن الجواب الذي ترين للمحبوب الذي ~~يلطخ بارتيابه حياة امرأة إنما يقوم بذرف الدموع، وباستشهاد ما ~~بذلت من صبر ومن إخلاص فيما مضى. إنك تتركين للزمان أن يظهر ~~براءتها من التهم إذا تركها عاشقها وهو يؤاخذها بجريرة ~~سكوتها. ~~- لعل ذلك صحيح، ولكنني أرى الصمت أولى. ~~- إنك تلجئين إلى الصمت! وكوني واثقة من أنني سأذهب وحدي إذا ~~أنت لم تعدلي عن هذا السكوت. ~~- وأخيرا ... يا أوكتاف. ~~- أخيرا ليأت الزمان مبررا لك بعد ذلك، إنك تنتظرين عدل ~~الزمان. ~~- أجل، وذلك ما أرجو. ~~- ذلك هو أملك! اسبري أقصى سريرتك؛ فهذه هي المرة الأخيرة ~~التي يتسنى لك أن تستنطقيها أمامي. لقد قلت إنك تحبينني فصدقت، ~~فهل تقصدين الآن تجاه ارتيابي بك أن أهجرك تاركا للزمان ms193 مهمة ~~تبرئتك؟ ~~- ألك أن تصارحني بريبتك؟ ~~- ما كنت أود أن أصرح بها؛ إذ لا فائدة من هذا التصريح، ولكنني ~~أصبحت ولا مناص لي من مقابلة الصغار بمثله. إنك تخونينني! إنك ~~تحبين رجلا غيري، ذلك هو سرك، وذلك هو سري. ~~- ومن هو هذا الرجل؟ ~~- هو سميث. # ومدت يدها تطبق أناملها على شفتي وهي تعرض بوجهها عني، فسكت ~~وأطرق كل منا مستغرقا في تفكيره. # وسمعتها تقول حزينة مجهدة: أصغ إلي. لقد جالدت العذاب طويلا ~~يا أوكتاف، ولتشهد السماء على أنني أبذل حياتي فداء لك، وما دام ~~أمامي بصيص من الأمل أتحمل كل عذاب للاتجاه إليه، ولكنني مضطرة إلى ~~تذكيرك بأنني امرأة، ولو أغضبك هذا التصريح، وللمرأة حدود تقف ~~قواها عندها؛ فلا تقاوم الطبيعة البشرية بإصرارك على استنطاقي، ~~فإنني لن أجيب على سؤالك، وليس بوسعي الآن إلا أن أجثو لآخر مرة ~~على قدميك متوسلة إليك أن نسرع في الرحيل. # وترامت نحوي، فهببت أصيح: إنه لمجنون من يحاول - ولو مرة واحدة ~~في حياته - أن يفوز بالحقيقة من فم امرأة. إنه ليعود بغنيمة ~~الاحتقار وقد استحقها. # إن من يتوصل إلى كشف حقيقة المرأة إنما هو المتنصت إلى هذيانها ~~في نومها، أو المستنطق خادمتها بقوة الرشوة، وما يعرف المرأة إلا ~~من استحال امرأة ليهتك بدناءتها الأشباح الملفعة بالظلام. أما ~~الرجل الذي يطلب هذه الحقيقة بكل صراحة وإخلاص، الرجل الذي يمد ~~يدا تأنف الدنايا مستجديا هذه الحسنة الرائعة؛ فإنه لن يظفر بها ~~طوال حياته. إن المرأة تحترس من أمثال هذا الرجل، فلا تجيب على ~~سؤاله إلا بهز كتفيها، وإذا ما خانه الجلد انتصبت في وجهه كعذراء ~~الهيكل غاضبة لعفافها وصيانتها، وهل تدافع المرأة إذا شعرت بالريبة ~~تدور حولها بسوى آية النساء العظمى: إن في الشك مقتل الحب، وما ~~تغتفر المرأة إهانة لا يسعها أن تجيب عليها. # أما والله، لقد ثقل هذا الحال علي، فإلى أي زمن سيدوم؟ # فقالت وقد تجمدت نبراتها برودا على شفتيها: لك أن تضع له حدا؛ ~~فإنه ليرهقني بقدر ما يرهقك. ~~- سأضع له حدا ms194 في هذه اللحظة، فأنا هاجرك إلى الأبد، وللزمان ~~أن يفعل فعله ليبررك. # الزمان! الزمان! هذه كلمة الوداع، أيتها العاشقة الباردة. # تذكري وداعك هذا عندما يمر الزمان فتفتشين عبثا عن السعادة ~~والحب والجمال. أين فجيعتك لفقدي أيتها العاشقة؟ # إن كل ما يمر في ذهنك الآن هو أن المحب الغيور سيدرك يوما ما ~~ارتكب من ظلم عندما ينطح البرهان بصره، فيعلم أي قلب أدمى، ~~وعندئذ تسح دموعه خجلا من نفسه، فيفقد لذة العيش، ويهجره وسنه، ~~وتصبح حياته مأتما ينوح به على أيام كان له أن يقضيها فرحا ~~سعيدا، ولكن ألا يخطر لك أن معشوقة هذا التعس قد تقف مذعورة في ~~ذلك الحين من نتائج انتقام الزمان لها، فتصرخ قائلة: ليتني فعلت ما ~~كان يجب فعله قبل فوات الأوان. # صدقيني! إن كبرياء هذه العاشقة لن تأتيها بأية تعزية إذا كانت ~~أحبت حقيقة. # وكنت أود أن أتكلم هادئا فأفلت زمامي من يدي، وبدأت بدوري أذرع ~~الغرفة طولا وعرضا، فتشتبك نظرات بريجيت بنظراتي اشتباك السيف ~~بالسيف، وكنت أراها أمامي كأنها باب منيع سجنت وراءه، فأفتش عن ~~وسيلة أبذل في سبيل امتلاكها حياتي لأحطم أقفال فمها، وأغتصب ~~سرها. # وقالت: ماذا تقصد؟ وما الذي تريد أن أقوله لك؟ ~~- أريد أن تبوحي لي بما تضمرين. أفليس من القساوة أن تكرهيني ~~على تكرار هذا القول؟ ~~- وأنت ... وأنت ... أين قساوتي من قساوتك؟ تقول: إن من يطمح إلى ~~معرفة الحقيقة مجنون، أفلا يحق لي أن أرد على هذا بقولي: إنها ~~لمجنونة المرأة التي يخيل لها أن ما ستعلنه من حقيقة ~~سيصدق. # إن السر الذي تريد معرفته هو أنني أحبك. ذلك هو سري. فيا لي من ~~عاشقة أضاعت رشدها! إنك تفتش عما يكن وراء شحوبي، وشحوبي أنت ألقيت ~~به علي ثم عدت تتهمه وتستنطقه. يا لي من مجنونة! لقد أردت ~~الانكماش على آلامي لأقف عليك صبري واحتمالي، أردت ستر دموعي عنك، ~~فإذا أنت تتجسس عليها وتحسبها دلائل جرم خفي. يا لي من مجنونة! لقد ~~أردت قطع البحار وهجر وطني لأتبعك، وأموت بعيدة ms195 عن كل من أحبني، ~~منطرحة على قلب يرتاب في إخلاصي. يا لي من مجنونة! لقد كنت أحسب أن ~~للحقيقة من النظرات والنبرات ما ينم عنها ويدعو إلى ~~احترامها. # أواه، إن عبراتي تخنق أنفاسي عندما أفكر في حالي. لماذا اقتدتني ~~إلى هذا السبيل أخضع عليه حياتي إذا كنت ستقف بي هذا الموقف الحائر ~~لا أهتدي فيه إلى نفسي؟ # وانحنت علي والدمع يتساقط من أجفانها وهي تصرخ: يا لي من ~~مجنونة! # وعادت إلى حديثها: إلى متى تستمر على هذا الضلال؟ فقد أعجزتني ~~بشكوكك وهي لا تشب حتى تنطفئ، ولا تنطفئ حتى تشب. أنت تطلب إلي ~~أن أبرر نفسي، ومن أية جناية علي أن أبررها؟ أمن هجر بلادي، أم ~~من غرامي، أم من موتي، أم من قطع رجائي؟ إذا أنا تكلفت السرور حسبت ~~سروري إهانة لك. لقد ضحيت كل شيء لأرحل معك، وما أنت سائر معي ~~مرحلة دون أن تلتفت إلى الوراء، فأنا لا أتلقى غير الإهانة، ولا ~~أشهد غير الغضب أيان كنت ومهما فعلت. # أي بني الحبيب! ليتك تعلم بأي صقيع قاتل أحس، وأية أوجاع تقطع ~~أحشائي عندما أراك تقابل أصدق كلمة تصعد من قلبي على لساني ~~بالريبة، فلا تصغي إليها إلا هازئا ساخرا. إنك لتحرم نفسك ~~السعادة التي لا سعادة سواها على الأرض، وهي الاستسلام في الحب. ~~إنك لتقتل بما تفعل كل عاطفة رقيقة سامية في قلب من يحبك، ولن يطول ~~بك الأمر حتى يمتنع عليك أن تؤمن إلا بكل خشن كثيف، فلا يبقى لك من ~~الحب إلا ما تراه بعينك، وما تلمسه بيدك. # أنت لم تزل فتيا يا أوكتاف، وأمامك مراحل طويلة في الحياة؛ ~~فستتخذ لك خليلات غيري. # لقد قلت حقا، ليست الكبرياء شيئا معدودا، وما أتوقع منها ~~تعزية وسلوانا، ومع ذلك فإنني أطلب من الله أن يقدر ذرف دمعة ~~واحدة تتحدر يوما كفارة عما أذرفه الآن من دموع. # ووقفت وهي تقول أيضا: أيجب علي أن أعلن، وعليك أن تعلم، أنني ~~منذ ستة أشهر لم أنطرح على وسادي ليلة دون ms196 أن أكرر قولي لنفسي: إنك ~~لن تشفى من دائك، ولا حيلة لي فيك. أيجب أن تعلم أنني ما نهضت ~~يوما في صباحي دون أن أصمم على محاولة شفائك، وأنك ما قلت لي كلمة ~~دون أن أشعر منها أن لا بد من هجرك، وأنك ما ضممتني مرة إلا وأعلن ~~لي قلبي أنه يفضل الموت على الانسلاخ عنك، وأنني في كل يوم، بل في ~~كل دقيقة حاولت - وأنا كالكرة بين أملي وخوفي - أن أتغلب بحبي على ~~أوجاعي، أو أتغلب على حبي بهذه الأوجاع، وأنني ما فتحت لك قلبي مرة ~~دون أن تنفذ منه بنظراتك الساخرة إلى أعماق أحشائي، فإذا أنا ~~أوصدته دونك شعرت أنه ينطوي على كنز رصده القضاء عليك، ولن يناله ~~سواك؟ أعلي أن أحدثك عن ضعفي، وعن هذه الأسرار التي تتجلى ~~تافهة لعين من لا يجد لها حرمة في نفسه؟ أأقول لك: إنك في كل مرة ~~ذهبت من بين يدي غاضبا كنت أوصد بابي لأنفرد برسائلك الأولى ~~أطالعها بدموعي، وإن بين ما أعزفه قطعة - تعرفها أنت - ما زلت ~~أستقطر من نغماتها الصبر في غيابك حتى تعود. # يا لشقائي! إنني أعلم الآن ما ستكلفني هذه الدموع التي ذرفتها في ~~الخفاء، وهذا الجنون الذي يتدفق ضعفا وحنانا. إنني أبكي لأن كل ~~ما تحملت من عذاب لم يجد شيئا. # وأردت مقاطعتها فصاحت: دعني، دعني أقول لك ما لا بد من إعلانه: ~~لماذا ترتاب بي وأنا لك بكليتي منذ ستة أشهر، وعليك وقفت فكري ~~وروحي وجسدي؟ فما تكون يا ترى هذه الخيانة التي تجسر على اتهامي ~~بها؟ # إذا كنت قررت السفر إلى سويسرا، فها أنا ذي مستعدة للرحيل معك، ~~وإذا كنت تظن أن لك مزاحما علي، فاستكتبني الرسالة التي تريد ~~وسلمها للبريد بيدك. # ما لنا لا نعلم ما نفعل؟ وإلى أين نتجه؟ # تعال نستقر على رأي، فقد عشنا دائما سوية، فقل لي: ما الذي ~~يدعوك إلى هجري؟ إنني لا أطيق أن أكون ملتصقة بك وبعيدة عنك في وقت ~~واحد. # قلت إن من حق الرجل ms197 أن يتمكن من الوثوق من خليلته، وأنت مصيب، ~~ولكن إذا كان في الحب خير للرجل، فعليه أن يؤمن به، وإذا أصابه منه ~~ضير، فمن واجبه أن يعتبره داء يعمل على شفاء نفسه منه. # أفما ترى أن ما نفعله الآن إنما هو مجازفة في ميسر؟ وما نجازف ~~إلا بقلبنا وحياتنا. إن ذلك لأمر فظيع. # من أنا لتصب علي شكوكك؟ # وتوقفت أمام المرآة وهي تكرر قولها: من أنا؟ انظر إلى ما أصبح ~~وجهي عليه. # وأردفت توجه الخطاب إلى خيالها: أإليك يوجه الارتياب أيتها ~~المرأة التعسة؟ أحولك تدور الشكوك أيها الوجه الشاحب، أيتها ~~الوجنتان الذابلتان ترويهما محرقات الدموع؟ أكملي مراحل عذابك يا ~~هذه! وليأت الفم الذي جفف رواء جمالك بقبلاته لينطبق الآن على ~~عينيك فيغمضهما. # انزل إلى الحفرة الرطبة الباردة أيها الجسد الناحل وقد تراخت ~~قوائمك عن حملك، لعلهم يصدقونك وأنت ممدد في اللحد إذا كانت الشكوك ~~تؤمن بالموت. # ويحك أيها الشبح الحزين! إلى أي شاطئ من شواطئ العذاب تترامى ~~معولا باكيا؟ أية نار تشب بين عظامك فتقف واضعا خططا لرحيل ~~وأسفار وإحدى رجليك ناشبة في ثلمة القبر؟ # مت أيها الشبح، وليشهد الله أنك ما أردت إلا أن تجود بحبك. أية ~~قوة من الوجد أثاروا في فؤادك؟ وإلى أي حلم قذفوا بخيالك ليجرعوك ~~أخيرا هذا الزعاف القاتل؟ # أية جناية ارتكبت حتى تهب هذه الحمى المحرقة فيك؟ وأية ثورة ~~تجتاح روح هذا العربيد الذي يدفعك برجله إلى الحفرة ومن شفتيه ~~تتدفق كلمات الغرام؟ # إذا أنت بقيت في الحياة، أيتها المرأة، فإلى أين مصيرك؟ ألم يحن ~~حينك؟ أما كفاك الدهر عذابا؟ # أي برهان يطلب منك لتصديقك إذا كنت أنت البرهان الحي تكذبين في ~~شهادتك على نفسك. أبقي عذاب لم تقتحميه؟ فأية تضحية تعدين ~~لإطفاء أوار هذا الحب الذي لا يرتوي؟ # إنك ستصبحين أضحوكة تفتش عبثا عن طريق مهجور تفزع إليه كيلا ~~يشير إليك الناس بأصابعهم مقهقهين ... # ستفقدين الحياء فتتعرين حتى عن مظهر هذه الفضيلة المتحطمة، ~~ولطالما عزت عليك من قبل، وسيكون الرجل الذي تلتحفين بالعار ms198 من ~~أجله أول من يمد يده للاقتصاص منك فيزجرك؛ لأنك وقفت الحياة عليه، ~~وتحديت المجتمع في سبيله، وعندما يتهامس أصدقاؤك حولك يتفرس في ~~ملامحهم ليرى ما إذا كانت الشفقة قد تجاوزت حدودها في نظراتهم. إنه ~~ليتهمك بالخيانة إذا امتدت يد لتصافح يدك عندما تعثرين في صحراء ~~حياتك على أحد يمكنه أن يمر بك فيشفق عليك. # يا الله! أتذكرين اليوم الذي وضع الناس فيه على رأسك إكليلا من ~~الورود البيضاء، أهذا هو الجبين الذي تزين ببياض تلك الورود؟ فيا ~~ليت هذه اليد التي علقت الإكليل على جدار المعبد قد تناثرت رمادا ~~قبل سقوط وريقاته الذاوية. # أي وادي الجميل! أي عمتي المحنية تحت وقر السنين، الراقدة الآن ~~بسلام في لحدها! أي أشجار الزيزفون أشجاري! أي جديي الأبيض ~~الصغير! أي ابنا مزرعتي، لقد أحببتموني جميعا، فهلا ذكرتم ~~الزمان الذي رأيتموني فيه سعيدة فخورة محترمة؟ # أية قوة ألقت بهذا الغريب ليضلني سواء السبيل؟ من أجاز له أن ~~يمر على طريق قريتي؟ ويل لك أيتها المرأة، لماذا تلفت وراءك ~~لأول مرة أقتفى أثرك؟ لماذا رحبت به كأخ؟ لماذا فتحت له بابك ~~ومددت له يدك؟ # أي أوكتاف، لماذا أحببتني إذا كان هذا هو مصيرك ومصيري؟ # وتداعت إلى الحضيض، فهرعت إليها أسندها بذراعي، وحملتها إلى مقعد ~~ارتمت عليه ملقية رأسها على كتفي وقد حطمها ما بذلت من جهد وهي ~~تتدفق ببيانها الرائع المرير. # وتوارت عن عياني الخليلة المهانة، فإذا بي لا أرى مكانها غير ~~طفلة تئن من آلامها ... # وأطبقت جفنيها فطوقتها بذراعي وقد سكنت بينهما لا تعي. # ولما ثاب إليها رشدها شكت الضعف، ورجتني بصوت منخفض حنون أن ~~أتركها لتذهب إلى مرقدها، وتهادت في مشيتها، فرفعتها على ذراعي ~~وألقيتها على مهل فوق الفراش، وما بقي على وجهها شيء ينم عن ~~الألم، بل رأيتها تتجرد من آلامها وتنساها كمن يرتاح من جهد جسدي ~~أضناه؛ ذلك لأن طبيعتها الضعيفة الرقيقة أرهقها العراك، فاستسلمت ~~بعد أن ذهبت بها إلى أبعد ما تحتمل قواها، وبقيت رابطة أناملها على ~~يدي وأنا مكب ms199 على وجهها أقبله، وإذا بشفاهنا - ولما تزل ثملة ~~بغرامها - تتلاقى؛ فيلتصق فمها بفمي دون أن نشعر، وما عتم حتى ~~استغرقت في الوسن بعد هذه المصادمة العنيفة وهي تتوسد صدري مفترة ~~الثغر كأننا في الليلة الأولى من ليالينا. # | الفصل السادس # وكانت بريجيت نائمة وأنا جالس أمام سريرها صامتا جامدا كفلاح ~~اجتاحت العاصفة حقله فحطمت سنابله. # وذهبت أسبر أعماق نفسي متلمسا ما جنت، وما كدت أستعرض بعض ~~أعمالي حتى رأيتني تجاه مآت لا سبيل لتلافي نتائجها. # إن من الآلام ما تستنفد طاقة الحس فتشعرك بشدتها أنها بلغت حدها، ~~وبمثل هذه الآلام كنت أتوغل في خجلي وتبكيت ضميري، فأرى أن لا بد ~~لي من توديع بريجيت بعد هذا العراك العنيف، وبعد أن كرعت حتى ~~الثمالة كأس غرامها الحزين، وقد توجب علي أن أطلق سراحها من هذه ~~الأوصاب إذا كنت لا أتعمد قتلها. # وما كانت هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها بريجيت إلى تأنيبي، ~~ولكم وجهت إلي جارح الكلام في ثورة غضبها! ولكن ما قالت في ~~عراكنا الأخير لم يكن صادرا عن كبرياء جريحة، بل كان بيانا عن ~~حقائق تمخض بها القلب طويلا، فما انبثقت منه حتى مزقته تمزيقا، ~~وقد رأيت كل ما يحوط بنا من أحوال، وما أبديته من رفضي الرحيل معها ~~يمنع تسرب أي أمل إلي. # فتيقنت أن بريجيت لن تقوى على إنالتي عفوها حتى ولو غالبت نفسها ~~واستفزتها إليه، وما كان هذا الوسن العميق الذي سادها كأنه نوع من ~~الموت لجأت إليه طبيعتها لتجاوز الألم حدوده فيها إلا برهانا على ~~صدق يأسي من عودتها إلي، فإن سكوتها فجأة بعد هذا التدفق في ~~بيانها، وهذه العذوبة التي تجلت على ملامحها عند ثواب رشدها ~~ورجوعها إلى الحياة حزينة مروعة، وحتى هذه القبلة التي رنت ~~كصدى لقبلتي، كل هذا كان يؤذن بأن الدهر قد سكن بيننا، وأن حبل ~~وصلنا قد انبت إلى الأبد بين يدي. # وكنت أتفرس فيها وهي ممددة في وسن العياء المرهق، فأتيقن بأنني ~~إذا عدت إلى ما سبب هذه الغيبوبة بعد ms200 أن تفيق منها، فسأدفع بها إلى ~~الرقدة التي لا انتباهة بعدها، وسمعت الساعة تدق في سكون الليل ~~فشعرت بأن الساعة المنقضية تتوارى طاوية معها حياتي. # وما أردت أن أستنجد بأحد، فأوقدت المصباح الصغير وشخصت إلى ~~إشعاعه الضئيل يذهب بددا في الظلمة كذهاب خطرات أفكاري التائهة ~~الحائرة. # وما كنت فكرت حتى اليوم في إمكان فقد بريجيت، بالرغم من أنني ~~صممت مائة مرة على هجرها، ويعلم كل من ابتلي بالعشق قيمة مثل هذا ~~العزم في ساعات اليأس، أو في دقائق الغضب، وما ينقطع المحب عن ~~الوله بمعشوقته ما دام واثقا من حبها له، وهكذا كنت أنا، ولكنني ~~لأول مرة شعرت بأن قضاء لا يرد ينتصب مفرقا بينها وبيني، ~~فانهدت قواي وأحنيت الرأس قرب سريرها وقد أدركت مدى شقوتي، ولكن ~~شعوري المتخدر لم يكن يقيس مدى آلامها؛ لأن روحي كانت تتراجع ~~مرتاعة أمام ما يقتحمه تفكيري. # وقلت لنفسي: هذا ما أردته أنا لك؛ فقد انقطع كل رجاء في بقائك مع ~~من تحبين. أنا لا أريد قتل هذه المرأة؛ فلا مناص لي إذن من ~~هجرها، وذلك ما صممت عليه وسأحققه غدا. # وذهبت في تفكيري على هذا النمط دون أن أحاكم نفسي على ما جنت، ~~ودون أن ألتفت إلى ما ورائي وإلى ما أمامي، فنسيت سميث وما كنت ~~لأتميز السبب الذي قادني إلى هذا الموقف، وانحصر كل همي في التفكير ~~لأعلم بأية عربة سأغادر المدينة في الصباح. # ومر علي زمن طويل وأنا على هذا السكون الغريب، فكنت كرجل أصيب ~~بطعنة خنجر فلا يحس أولا بغير صقيع النصل، حتى إذا سار بضع خطوات ~~في طريقه يقف مندهشا وقد زاغت عيناه، فيتساءل عما ألم به، ~~وينفتح جرحه دافقا على مهل أوائل قطرات دمه، فلا يلبث أن يرى ~~الأرض تخضب بالأحمر القاني، وملاك الموت يقبض عليه، فيهزه الروع ~~فجأة ويسقط مصعوقا على الحضيض. # وكنت كمثل هذا الجريح ساكنا، والداهية الدهماء تحدجني بأنظارها ~~وتتقدم إلي. # وبدأت أردد بصوت خافت الخطاب الذي وجهته بريجيت إلي وأنا أدور ~~في الغرفة، معدا ms201 ما كانت الوصيفة تعده لها، فكنت أتفرس في وجهها، ~~ثم أذهب لألصق جبيني على زجاج النافذة ناظرا إلى وجه السماء ~~المتجهم بالغيوم. # وانحصر تفكيري في كلمة واحدة «الرحيل غدا»، وما طال بي الأمر ~~حتى امتنع علي أن أفهم معنى هذه الكلمة، وانتفضت فجأة وأنا أهتف ~~قائلا: يا الله! أي خليلتي التعسة، إنني أفقدك لأنني ما عرفت أن ~~أحبك. # وارتعشت أعضائي كأن شخصا مجهولا يصيح بهذه الكلمات في أذني، ~~فذهبت في كل جارحة مني ذهاب الريح على قيثارة تهز أوتارها المشدودة ~~لتقطعها. # وأحسست بآلام سنتين تخترق فؤادي في لحظة، وعلى أثرها تقبض عليه ~~أوصاب الحاضر وليدة ذلك الماضي المشئوم، وما أجد في البيان ما أصف ~~به مثل هذه الأوجاع، ولعل وصفها بكل جلاء لا يحتاج إلا لكلمة ~~واحدة، ولكن هذه الكلمة لا يفهمها إلا من ابتلاهم الحب ~~بأدوائه. # وكانت بريجيت مستغرقة في نومها وأنا مطبق أناملي على يدها، فإذا ~~هي تتلفظ باسمي في بحرانها. # نهضت أتمشى في الغرفة والدموع تنهمر من عيني، فمددت ذراعي كأنني ~~أحاول القبض على الزمان الماضي وقد أفلت مني، وأنى له أن يعود؟ ~~وصرخت: أممكن هذا؟ أحق أنني أفقدك وقد امتنع علي أن أحب سواك؟ ~~أحق أنك مولية إلى الأبد؟ أنت حياتي، خليلتي، أتهربين مني فلن ~~أراك بعد؟ # واتجهت إلى بريجيت أخاطبها كأنها تسمعني فأقول لها: لا ... إنني لن ~~أرضى بهذا القضاء، أي معنى لهذا الكبرياء؟ أفليس من وسيلة أبذلها ~~للتكفير عن إهانتي لك؟ ساعديني على وجود هذه الوسيلة، أفما غفرت لي ~~ألف مرة من قبل؟ إنك تحبينني وسوف تخونك قواك إذا أنت أقدمت على ~~جناية هجري؛ لأنك لا تعلمين ولا أعلم أنا ما سنفعل وما سيحل بنا ~~إذا افترقنا. # واستولى علي الجنون المطبق المخوف، فبدأت أذهب وأجيء رافعا ~~صوتي بما أقول دون هدى مفتشا هنا وهنالك عن آلة جارحة قاتلة، حتى ~~ارتميت جاثيا أمام السرير أضرب بحافته جبيني، وتحركت بريجيت ~~فتوقفت مذعورا. # وقلت في نفسي: إذا هي أفاقت من نومها الآن، فما أنت فاعل أيها ~~المجنون ms202 ؟ دعها في نومها إلى الصباح، فما لك إلا هذه الليلة ~~لتراها. # وعدت إلى مقعدي وقد كتم الخوف أنفاسي، وخيل لي أن دمي قد تجمد ~~في عروقي مع انجماد دموعي، فلبثت دون حراك يهزني البرد هزا، ~~فأقول لنفسي لأحتفظ بسكوني: انظر إليها! تفرس بها فلن يتسنى لك أن ~~تراها بعد الآن. # وملكت أعصابي أخيرا، فتناثرت دموع الأسى بطيئة على خدي، وتولت ~~سورة الغضب، فإذا مكانها سكينة الإشفاق، فأسمعني وهمي صرخة إعوال ~~وأنين تشق الفضاء، فانحنيت على السرير أحدق في بريجيت كأن ملاكي ~~الصالح يهيب بي لأول مرة إلى استطباع ملامحها العزيزة على صفحات ~~فؤادي. # ها هي ذي أمامي، فيا لشدة شحوبها وقد أحاطت بأهدابها الطويلة ~~هالة زرقاء! ولما يزل رشاش الدمع عالقا بأطرافها، وهذه قامتها ~~الممشوقة منطرحة على الفراش وقد تقوست كأنها حتى في رقادها تنوء ~~تحت وقر ثقيل، وهذا خدها الأسيل تموهه صفرة دكناء، وقد لاقته على ~~الوسادة كفها الصغيرة ومعصمها النحيل، وهذا جبينها وقد ارتسمت ~~عليه آثار إكليل الأشواك تاج المتألمين الصابرين. # وإذا بي وأنا مستغرق في تأملي أرى أمامي ذلك الكوخ حيث التقيت ~~بها منذ ستة أشهر صبية مرحة تتمتع بالحرية ولا تبالي ~~بشيء. # ويلي! ما الذي فعلته بذاك الصبا وتلك الخلال؟ وعادت الأغنية ~~القديمة المنسية تتردد على مسمعي: # كنت في روض دلالي # زهرة فيها ضرام # أحرق العشق جمالي # هكذا يقضي الغرام # بهذا كانت تتغنى خليلتي الأولى، وما كنت من قبل لأدرك معنى هذا ~~الشعر الساذج كما أدركه الآن، فبدأت أترنم به كمن يحفظ ألفاظا ~~تنجلي له معانيها فجأة. إنها أمامي الآن هذه الزهرة المضطرمة ~~تتساقط رمادا وقد أحرقها غرامها. # وأجهشت بالبكاء قائلا لنفسي: انظر إليها يا هذا، وفكر في شكوى ~~من لهم أجسام الخليلات وليس لهم غرامهن. إن خليلتك مولهة بك، وقد ~~استسلمت لك، وها أنت ذا تفقدها لأنك ما عرفت كيف تهواها. # وتجاوزت أوجاعي حدود احتمالي، فنهضت لأرجع إلى ذرع الغرفة ~~بخطواتي قائلا: أجل، انظر إليها يا هذا وتذكر من يقضي عليهم ~~الملال فيذهبون في الأرض ms203 مسرحين أوجاعا لا يشاطرهم إياها أحد. أما ~~أنت فقد كان لك من يقاسمك آلامك، فما انفردت بشيء مما احتملت. تذكر ~~من يسيرون في الحياة ولا أم لهم ولا قريب ولا صديق، حتى ولا كلب ~~يؤنسهم، تذكر من يفتشون ولا يجدون، ومن يبكون فيسخر بهم الناس، ومن ~~يحبون فيكرهون، ومن يموتون فلا يذكرهم أحد. # أما أنت فأمامك على هذا السرير مخلوقة قد تكون الطبيعة أعدتها ~~لاستكمالك، فهيأت روحها في دوائر الفكر الخفية أختا لروحك، وجسدها ~~في أعمق أسرار المادة أخا لجسدك، وقد مضت عليك ستة أشهر لم ينطق ~~فمك بكلمة، ولم يخفق قلبك بنبضة دون أن تجاوبك كلمة من ثغرها، ~~ونبضة من فؤادها، غير أن هذه المرأة التي أنزلها الله عليك كإنزاله ~~الندى على الأزهار لم تستقر حتى انزلقت عن تويج قلبك الهاوي. لقد ~~جاءتك هذه المخلوقة فاتحة لك ذراعيها لتهبك حياتها أمام وجه ~~السماء، فإذا هي تتبدد كأنها طيف لن يتبقى بعد زواله حتى خيال ~~خياله! # لقد التصقت شفاهكما، وطوقت ذراعاك عنقها، وضمتكما ملائكة الحب ~~الخالد، فأصبحتما كائنا واحدا برابطة الدم وجامع الشهوة، ولكنكما ~~حتى في ساعات هذا العناق الموحد كنتما منفصلين يبتعد أحدكما عن ~~الآخر ابتعاد منفيين بينهما ما بين الشمس ومغربها. # انظر إليها يا هذا، ولكن احترس من إبداء أية حركة، لم يبق لك إلا ~~هذه الليلة لتراها، فاخنق إعوالك كيلا تنبهها من رقادها. # وساورتني أفكار مظلمة بدأت تحتل دماغي على مهل، فشعرت بقوة عنيفة ~~تدفعني إلى سبر الأعماق في نفسي. # أفيكون قضاء العناية في أن أرتكب الشر في حين أن ضميري يشعرني ~~حتى في غمرات جنوني أنني صالح ومحب للخير؟ # أأرتكب الشر كأن ورائي قوة لا تني تدفعني إلى الأغوار، في حين ~~أشعر بقوة أخرى تحذرني من الانزلاق إلى مهاويها؟ # لماذا أرتكب الشر وفي صوت يهتف مستنكرا مآتي، حتى ولو تلطخت ~~يداي بدماء الجريمة أسمع صرخة من أعماق فؤادي تعلن لي أنني لست ~~مجرما، وأن الفاعل ليس ذاتي، بل هو شخص آخر كامن في ولم ينبثق ~~مني ms204 ، هو الروح الشرير المنفذ لما قضي علي. # لقد مرت بي ستة أشهر وأنا أذهب على سبيل الأذية، فما اجتزت يوما ~~دون أن أعمل على الإضرار، كافرا بنفسي، ونصب عيني نتائج ~~فعلتي. # فهل الرجل الذي أحب بريجيت ليحقرها ويقسو عليها، فهجرها تارة، ~~ليعود إليها تارة أخرى مالئا روحها ارتياعا دائرا حولها ~~بالشكوك، ليطرحها أخيرا على فراش الضنى، كان رجلا آخر ~~سواي؟ # وضربت بكفي على موضع قلبي ناظرا إليها ممددة أمامي، مكذبا عيني ~~فيما أرى، ومددت يدي متلمسا جسدها لأتحقق أنني لست في حلم، وأن ~~هذا الجسد ليس خيالا. # ولمحت وجهي في المرآة، فإذا به يحدق في مستغربا كأنه يستنكر ~~هذا الإنسان الذي تتجلى ملامحي في ملامحه. # من هو هذا العاتي الذي يدفع باللعنة من فمي، ويتخذ يدي آلة ~~للتعذيب؟ # أهذا الرجل هو من كانت تدعوه أمي باسم أوكتاف؟ أهذا هو من كان ~~يتراءى لي بين مروج الغاب عندما كنت أنحني - وأنا في الخامسة عشرة ~~من ربيع حياتي - فوق جداوله وهي تنساب كاللجين صافية كصفاء ~~فؤادي؟ # وأطبقت جفوني عائدا إلى أيام طفولتي، فإذا التذكار يخترق قلبي ~~بألف شعاع كأنه الشمس تمزق خيوطها حالكات الغيوم. # وصحت: لا، إن من ارتكب هذا الإثم ليس أنا، وليس كل ما يتراءى لي ~~في هذه الغرفة سوى أضغاث أحلام. # وعدت أستعرض تفتح قلبي للحياة، فيلوح لي على صفحات تذكاري ~~متسول هرم كان يجلس أمام باب المزرعة، وكنت أحمل إليه بعد الغداء ~~فضلات مائدتنا، فأراه كأنه الآن أمامي مقوس الظهر مادا يديه ~~الناحلتين ليباركني وهو يبتسم. # وشعرت بغتة بهبوب نسمات الفجر على صدغي، وبتساقط قطرات كأنها ~~أنداء الصباح على روحي. # فتحت عيني فإذا الحقيقة تنطح بصري وقد أنارها إشعاع المصباح ~~الضئيل. # وعدت أخاطب نفسي قائلا: أتعتقد أنك بريء من الإثم يا هذا! أتحسب ~~نفسك بريئا لأنك تبكي؟ أيها المتتلمذ للحياة منذ أمس وقد أفسدته ~~الحياة، إن ما تراه في تقديرك شهادة من ضميرك لك قد لا يكون إلا ~~ندما وتبكيتا، وأي قاتل لا يبكته ضميره؟! # أفأنت واثق من ms205 أن صراخ الألم المتعالي من صميم فضيلتك ليس آخر ~~حشرجة تدفع بها في احتضارها؟ # أيها الشقي، لا تحسبن هذا الصخب المتعالي من أعماق فؤادك ~~أنينا وإعوالا، فقد لا يكون ما تسمعه إلا صرخة الطيور الجوارح ~~تشعرها العواصف بتحطم سفينة بين ثائرات الأمواج. # من أخبرك بما كانت عليه طفولة من يموتون مخضبين بالدماء؟ أفما ~~كان لهؤلاء أيضا أيام بر وصلاح؟ إنهم يمرون مثلك أيديهم على ~~جباههم ليتذكروها. # لقد ارتكبت الشر ثم ندمت على ما فعلت، أفما أحرقت الندامة قلب ~~نيرون بعد أن قتل أمه؟ # من قال لك يا ترى إن الدموع تغسل الآثام؟ وهب أن الدموع تطهر، ~~وأن قسما من روحك لن يستسلم للشر، فما حيلتك بالقسم الآخر الذي ~~استغرق فيه؟ إنك ستتلمس بيسراك الجراح التي فتحتها يمناك، وستنسج ~~من فضيلتك كفنا تدرج فيه جرائمك. إنك لتفعل ما فعله بريتوس عندما ~~أرسل طعنته النجلاء، وعاد ينقش على نصله ما تشدق به ~~أفلاطون. # وإذا ما فتح أحد لك ذراعيه فإنك لترسل إلى أعماق قلبه مثل هذا ~~النصل، وقد نقشت آيات الندم عليه، وهكذا ستقود إلى المدافن بقايا ~~عواطفك، وتنثر فوقها أزهار إشفاقك العقيم هاتفا بمن يشهدون ما ~~تفعل: «ما حيلتي؟ لقد علمني الناس القتل، فلا يعزب عنكم أنني أذرف ~~الدمع لما قضي علي؛ لأن الله قد خلقني أفضل مني الآن.» # وتذهب موردا الأحاديث عن أيام صباك، فتقنع نفسك بأن على الله أن ~~يغفر لك، وأنك مكره غير مختار في شقائك، ثم تتحول إلى الأرق في ~~لياليك، فتناجيه بمثل ما تناجي به نفسك كيلا يسلبك راحتك حتى ~~الصباح. # ولكن من يدري! إنك لا تزال في مقتبل العمر، ولسوف تستسلم لقلبك ~~فتضلك كبرياؤك. ها أنت ذا الآن أمام أول طلل من آثار الدمار التي ~~ستبقيها حيث تمر، وإذا ماتت بريجيت غدا فإنك ترسل دموعك على نعشها ~~لتذهب بعد ذلك سائحا في الأرض، ولعلك تتوجه إلى إيطاليا فتلتف ~~بردائك كإنكليزي أصيب بداء الملال واليأس من الحياة، إلى أن تصبح ~~يوما في أحد الفنادق وأنت تحتسي ms206 كأسا بعد كأس، فتقول: لقد سكت ~~صوت ضميري، وحان زمن السلوان؛ فلأرجعن إلى الحياة. # إنك تأخرت كثيرا حتى ذرفت الدمع يا هذا؛ فكن على حذر! سيأتيك ~~يوم تنقطع عن البكاء فيه. # من يدري، لقد يدور بك من الناس من يهزءون بالأوجاع التي تتوهم ~~الشعور بها؟ وتمر بك امرأة قيل لها: إنك تبكي خليلة خطفها الموت، ~~فترسل إليك بسمة الإشفاق، فتستنبت فجيعتك ما يغذي غرورك. # أفما يكون بوسعك في ليلة من الليالي عندما يصبح ما ترتعش له ~~الآن، وما لا تجسر على التحديق فيه، صفحة مطوية في ماضي الزمان، أن ~~تتراخى على مقعدك أمام مائدة أنس وطرب لتقص على رفاق فحشائك ~~والابتسام على شفتيك ما رأته عيناك وهما دامعتان؟ # هكذا يكرع الناس كئوس العار، وذلك هو سبيل الحياة. لقد كنت ~~حالما بالأمس، فغدوت ضعيفا، وهذا الضعف سيقودك إلى الشر ~~غدا. # وقلت في نجواي لذاتي: «لم يبق لي إلا أن أسدي إليك نصيحة يا ~~هذا: خير لك أن تموت.» # انتهز فرصة شعورك بالصلاح ~~في هذه الساعة واذهب إلى الفناء كيلا تتوغل في الشر غدا. # إن أمامك الآن امرأة تحبها وهي منطرحة على فراش احتضارها؛ فلا ~~تتردد. مد يدك إلى صدرها، وليكفك منها بأنها لم تمت بعد، وما دمت ~~تشعر بالاحتقار لنفسك أطبق أجفانك ولا تفتحها بعد، ذلك خير لك من ~~أن تشيعها إلى مرقدها الأخير ثم يجيء غدك فتسلوها. # بادر إلى إغماد خنجر في قلبك ما دام هذا القلب لم يتحول بعد عن ~~الله الذي أبدعه. # أفيوقفك صباك عن الاندفاع إلى الموت؟ وأي شيء تريد الاحتفاظ به ~~من هذا الصبا؟ أتأسف لسواد شعرك؟ إذا لم يشب هذا الشعر في ظلمة هذا ~~الليل على مفرقك؛ فخير له ألا يعلو بياض الشيب أبدا ... # ماذا تريد أن تفعل في هذا العالم؟ # إلى أين مصيرك إذا أنت ~~خرجت من هذه الغرفة؟ وإذا بقيت فيها، فما هي آمالك منها؟ # أفلا تحس وأنت تنظر إلى هذه المرأة أن في قلبك كنزا لا يزال ~~دفينا؟ أفلا ترى أن ما ms207 تفقده الآن ليس ما بدا، بل ما كان يمكن أن ~~يبدو فبقي مضمرا؟ وأن أفجع الوداع هو ما يشعرك بأنك لم تفصح عن كل ~~شيء؟ # لماذا لم تتكلم منذ ساعة؟ فقد كان لك أن تمتلك السعادة قبل ~~انتقال عقرب الزمان خطوة واحدة. # لماذا لم تعلن ألمك إذا كنت تتألم؟ وإذا كنت تحب فلماذا أضمرت ~~حبك؟ # إنك الآن كحاشد الأموال يموت على أكوام كنوزه. لقد أقفلت بابك ~~على نفسك أيها الحريص، وها أنت ذا وراء المزالج المحكمة تهزها ~~عبثا لأنها لن تعنو لسلطانك؛ فهي منيعة ومن صنع يديك. # أيها الضال، إنك نسيت ربك عندما اشتهيت وبلغت مشتهاك، فلعبت ~~بسعادتك كما يلعب الأطفال بالدمى، وما خطر لك أن ما تقلبه يداك ~~سريع العطب، وليس لك أن تظفر بمثله عندما تشاء. لقد احتقرت مأملك، ~~وأهملت التمتع به وأنت تتلهى بالابتسام، ولا يخطر لك أن هنالك ~~ملاكا صالحا يسهر عليك، ولا ينقطع عن الصلاة ليحتفظ لك بهذا ~~الشبح الذي لا يلوح حتى يختفي. # أواه؟ لو أن في السماء ملاكا يتولى حراستك، فما هو فاعل يا ترى ~~الآن؟ # إنه لا شك جالس إلى معزفه وقد تراخى جناحاه، وامتدت يداه إلى ~~مضارب الأنغام ليتغنى بأنشودة أبدية، أنشودة الحب والسلوان! ولكن ~~أعضاء هذا الملاك ترتعش وقد انطوى جناحاه، وهوى رأسه كالقصبة ~~المنكسرة. لقد مر به ملاك الموت، وما لمس كتفه حتى تبدد وتوارى في ~~الكون الفسيح. # وها أنت ذا باق وحدك على الأرض وأنت في الثانية والعشرين من ~~سني حياتك، بعد أن كان الحب الشريف السامي وقوة شبابك سيوجدان ~~منك كائنا له شأنه في الحياة. # لقد مرت بك أيام طويلة من الملال والأحزان، وساورك التردد، ~~وأثقلت عليك الشبيبة الطائشة، فأوصلتك هذه المحن إلى يوم كان لك أن ~~تتوقع فيه بلوغ الطمأنينة والسلام. لقد كان لك أن تتوقع لحياتك ~~التي وقفتها على كائن امتلك لبك أن تهب عليها نسمة جديدة، فإذا ~~أنت تشهد انهيار كل شيء يحيط بك، وقد انقلبت شهواتك الغامضة إلى ~~أسى صريح. لقد كان قلبك ms208 من قبل خاليا، فها هو ذا الآن يصبح ~~مهجورا ... # هذا هو حالك، وأنت لم تزل واقفا عند حيرتك وترددك! # ما الذي تتوقعه وهي قد سئمتك، ولم تعد لحياتك من قيمة عندها، ~~إنها تهجرك فلم لا تهجر أنت نفسك؟ وليبك عليك من أحبوا شبابك. إنهم ~~ليسوا بعديدين. # إن قلبا حكمه الخزي أمام من يهوى لجدير بالصمت إلى الأبد. لقد ~~مررت على قلب بريجيت، فعليك بالمحافظة على ما أبقاه من أثر فيك، ~~فإذا بقيت في الحياة، فلا بد لك من درس آثارها، ولا سبيل لك ~~للمحافظة على أنفاسك المدنسة إلا باستكمال تدنيسها، ولا قبل لك ~~بالحياة إذا أنت لم تشترها بهذا الثمن. لسوف تضطر لتتمكن من احتمال ~~حياتك ألا تكتفي بنسيان الحب، بل عليك أن تتعلم جحوده ونكرانه، كما ~~عليك ألا تنسى ما كان صالحا فيك فحسب، بل عليك أيضا أن تقتل أية ~~جرثومة قد تستنبت الأيام منها صلاحا؛ لأنك إذا بقيت للحب متذكرا؛ ~~فلن تستطيع أن تخطو على الأرض خطوة واحدة، وأن تضحك أو تبكي، وأن ~~تحسن إلى فقير. لن تستطيع الشعور بالحنان لحظة واحدة دون أن تسمع ~~صرخة الدم في قلبك قائلة لك: إنك ما خلقت صالحا إلا لإسعاد بريجيت ~~بكل عاطفة طيبة فيك. # إنك لن تقوم بأي عمل دون أن يذهب عملك مثيرا الشقاء في أعماق ~~أحشائك، فكل ما تهتاج له روحك ينبه فيها تأسفا على ما فات، ~~فيتحول الأمل نفسه، وهو رسول السماء في القلوب يدعوها إلى الحياة، ~~إلى شبح قاتم ينضم إلى الماضي ليؤاخيه. فإذا ما حاولت بلوغ أمنية ~~انقلب جهدك ندما؛ لأن القاتل لا يذهب في الظلمة إلا وهو يربط على ~~صدره بيديه؛ خشية أن تقع أنامله على جدار فتنم آثارها ~~عليه. # تلك هي الحياة التي قدرت عليك في آتيك، فاختر بين روحك وجسدك؛ إذ ~~لا بد لك من القضاء على أحدهما. # إن ذكرى الخير ستدفع بك إلى ارتكاب الشر، فما عليك إلا أن تصبح ~~جثة باردة إذا كنت تحاذر أن تبقى شبحا لذاتك! # أيها الفتى ms209 ، مت في صلاحك لعل أحدا يأتي إلى قبرك فيذرف الدمع ~~عليه. # وانطرحت أمام السرير فاقدا هداي لا أعلم من أنا، ولا أحس بما ~~أفعل، وأرسلت بريجيت زفرة وهي تدفع عنها غطاءها كأنها تزحزح عنها ~~حملا ثقيلا، فانكشف صدرها ناهدا بناصع بياضه أمام عيني. # واهتزت مشاعري كلها لهذا المشهد، فما عرفت أهو الحزن يستولي ~~علي أم الشهوة تتلاعب بدمي. # وخطر لي فجأة خاطر ملأني ذعرا، فإذا بي أقول: «أواه! أأترك جميع ~~هذا لسواي؟ أأموت وأنزل إلى القبر فيبقى هذا الصدر بعدي يتنفس هواء ~~السماء؟ أمن العدل أن تمتد يد غيري إلى هذه البشرة الشفافة ~~الناعمة، وأن تلتصق بفمها شفتان غير شفتي، ويجول في قلبها غرام غير ~~غرامي؟ أيقف قرب هذا السرير رجل سواي؟ # أتكون بريجيت سعيدة حية معبودة، وأكون أنا في زاوية من القبر ~~أنتثر رمادا؟ # أية مدة من الزمان تحتاجها لتنساني إذا مت غدا؟ وأي مقدار من ~~الدموع ستذرف على حجر قبري؟ # من يدري، لعلها لن تذرف قطرة واحدة من جفونها علي، ولن يقترب ~~منها صديق - بل لن يقترب منها أحد - دون أن يقول لها: إن موتي كان ~~خيرا لها من بقائي، فيعزيها ويدعوها إلى الانقطاع عن ذكري، وإذا ~~هي بكت يحولها الناس عن التفكير بي، وإذا استمر حبي حيا في قلبها ~~بعدي، فإن الناس سيعملون على شفائها منه كأنه سم زعاف له ~~ترياقه. # وهي نفسها لعلها في اليوم الأول تصمم على اللحاق بي، ولكنها لا ~~تلبث حتى تتحول بعد شهر عن طريق المدفن؛ كيلا ترى حتى من بعيد ~~أغصان الصفصاف الباكي المتهدلة على شاهد قبري. # وهل لها أن تفعل غير ذلك وما كان الجمال الرائع إلا ساليا ~~عتيا؟ وكيف تطلب الموت وهذان النهدان ينفران إلى الحياة، كل لفتة ~~ترسلها إلى مرآتها تقنعها بوجوب البقاء؟ وأي رجل لا يتقدم مهنئا ~~لها بشفائها عندما تجف آخر دمعة على أجفانها، وتلتمع أول ابتسامة ~~على ثناياها؟ # لن تمضي ثمانية أيام على صمتها حتى تبدأ بالتململ من ذكر اسمي؛ ~~لأنها لا تجيء على ذكري ms210 إلا وهي ترسل حولها نظرات من يستنجد الناس ~~لاقتناص السلوان، فلا يطول الزمن حتى تمتنع عن التفكير في، ~~وتجتنب سماع اسمي، وفي صبيحة يوم من أيام الربيع تفتح نافذتها ~~لتنظر الأنداء ترصع الأزهار، وتتنصت إلى زقزفة العصافير بين ناضرات ~~الغصون، فتستغرق في وجومها قائلة: لقد أحببت فيما مضى، وعندئذ من ~~سيكون قربها يا ترى، فيقول: وستحبين أيضا، فتصغي إليه. # أين أكون أنا حينذاك، أيتها الخائنة؟ أين أكون حين تنحنين وقد ~~علا وجهك احمرار برعم الورد يتفتق عن أكمامه؛ إذ يتصاعد كل ما فيك ~~من فتاء وبهاء وينعقد تاجا على مفرقك؟ # ستقولين: إن قلبك مغلق، ولكنك تسرحين منه هالة من أنوار جديدة ~~تستهوي كل أشعة منها قبلة غرام، وما من امرأة تعلن إرادتها بأن ~~تحب كالمرأة القائلة إنها لن تحب بعد! # وأية غرابة في هذا؟! أفلست أنت أيضا بنت حواء! أفما تعرفين ~~اعتدال قوامك وروعة نحرك، وقد وصف جمالك من رآه؟ فلا تعتقدين كما ~~تعتقد العذارى أن لكل النساء ما لك تحت أستارك، ولا تجهلين ما ~~للتمنع من قيمة في عواطف الرجال! وهل ترضى المرأة التي غرها الثناء ~~أن تحرم ما يولده الإعجاب بها من غرور؟ وهل تعد نفسها من الأحياء ~~إذا ضرب عليها الحجاب وساد حول جمالها السكوت؟ وما جمالها في ~~عقيدتها سوى ما يلتمع من شهوة في عين عاشقها، وما يتدفق من ثناء ~~على شفتيه. # لا ... لا مجال للشك في أن من أحب مرة يمتنع عليه ألا يحب بعد، ~~فمن ير الموت يفزع منه إلى الحياة. # إن بريجيت تهواني، وقد يقتلها هواها، ولكنها ستندفع إلى صدر غيري ~~إذا أنا انتحرت من أجلها. وانحنيت فوق السرير وأنا أردد كلمة: غيري ~~... غيري ... حتى لاصق جبيني كتفها العاري. # وقلت في نفسي: أليست هي أرملة؟ أفما مر الموت قربها من قبل؟ أفما ~~اعتنت يداها الصغيرتان بمريض، وكفنتا جثة ميت؟ وما تجهل دموعها ~~الأولى المدة التي جفت بعدها، والدموع الثانية ستجف بأسرع من ~~الأولى. # وقاني الله استهواء الوسواس الخناس! أفما بوسعي أن أقضي عليها ms211 ~~وهي مستغرقة في نومها؟ # ولو أنني نبهتها من رقادها الآن لأقول لها: إن ساعتها قد دنت، ~~وإننا سنطلق روحينا بآخر عناق، وآخر قبلة، فإنها لن تتردد في ~~القبول، وليكن بعد ذلك ما يكون، فأين الدليل على أن كل شيء لا ~~ينتهي بالموت إلى الفناء؟ # وكنت مشهرا بيدي سكينا عثرت عليه. # أهو الخوف أم الجبن أم التوهم الذي جر التفكير إلى الاعتقاد ~~بالحياة الأخرى؟ وما يعلم عنها من يقولون بها؟ إن تلك الحياة قد ~~أوجدت للجاهلين وللغوغاء من الناس، وما بلغ الاعتقاد بها في أحد ~~مبلغ اليقين؛ إذ لم ير أحد من نواطير القبور ميتا يخرج من قبره ~~ليذهب إلى بيت كاهن فيقرع بابه. وقد مضى الوقت الذي كانت تتراءى ~~فيه أشباح الأموات للأحياء، بعد أن حظرت الشرطة اقتحام المعمور على ~~الآبقين من معقل الموت، فما يهتف من قبور هذه الأيام إلا من سارع ~~الناس إلى مواراته التراب قبل خمود أنفاسه. من أخرس الموت في هذا ~~الزمان إذا كان قد أسمع صوته من قبل؟ فهل اختار الروح المنطلق ~~السكوت كيدا؛ لأن الحكومات تمنع المؤمنين من الاحتشاد على الطرق ~~لإقامة شعائر الدين؟ # إن في الموت النهاية والهدف. لقد وضع الله الموت حدا، والبشر ~~يتناقشون في أمره، وقد كتب على جبين كل منهم: إنك فريسة الموت شئت ~~أم أبيت. # وماذا يقول الناس إذا أنا قتلت بريجيت؟ ليقولوا ما يشاءون، فلن ~~تسمع ولن أسمع أنا بما سيتشدقون. ستنشر غدا إحدى الجرائد أن ~~أوكتاف ت ... قتل خليلته، وبعد غد لن يتحدث بنا أحد، ويرجع كل من شيع ~~نعشنا إلى بيته ليتناول غذاءه على عادته، وأبقى أنا وبريجيت تحت ~~أطباق الثرى في رقاد عميق لا تنبهنا منه الأقدام السائرة فوق ~~ترابنا. # أفلا ترين - أيتها الحبيبة - أننا سنرقد هنالك بسلام؟ أفليس ~~التراب خير فراش وثير نتوسده فلا تجتاحه الأوصاب والأوجاع، ولن ~~يقوم في جواره من سكان القبور من يغتابنا مقبحا اتحادنا أمام ~~الله. هنالك ستتعانق عظامنا وقد تعرت عن كل كبرياء واضطراب، وما ~~يعقده الموت المعزي لا ms212 يحل، وما يجمعه لا يبدد. # لماذا ترتعش فرقا من العدم أيها الجسد المعد ليكون فريسة له؟ كل ~~ساعة تمر من الزمان إنما هي خطوة من قدميك نحو الفناء تقطع بها ~~حلقة من سلسلة حياتك، وما غذاؤك إلا من كل شيء ميت، فالسماء تثقل ~~عليك، والأرض التي تطؤها بقدميك تشد بهما لتجتذبك إليها. انزل ... ~~انزل إلى الحفرة ودع عنك هذا الخوف؛ لأنك لا ترتعش إلا لكلمة ~~الموت، فما عليك إلا أن تقول: إنني لن أحيا بعد، وهل الحياة إلا ~~وقر ينفس الإنسان عن كربه باطراحه؟ ولماذا نقف تجاه الموت ~~مترددين إذا كان قد تحتم علينا الوصول إليه عاجلا أو ~~آجلا. # إن المادة لا تفنى، وقد عالج العلماء بكل ما لديهم من الوسائل ~~ذرة منها، فعجزوا عن إخراجها من حيز الوجود إلى العدم. فإذا كان لا ~~مسيطر على المادة إلا تصاريف الصدفة العمياء، فأي شر ترتكبه إذا هي ~~انتقلت من عذاب إلى عذاب آخر، ما دامت عاجزة عن استبدال سيدها ~~المسيطر عليها؟ وهل يهتم الله للشكل الذي أبدو فيه، وللثوب الذي ~~تتشحه أوجاعي؟ إن عذابي مستقر في جمجمتي، وهذا العذاب إنما هو ملكي ~~وأنا حر في القضاء عليه. أما الأكرة العظمية فليست لي، فأنا أعيدها ~~إلى من أودعني إياها، أتخلى عنها للأرض، فليتخذها شاعر كأسا يحتسي ~~فيها خمرة جديدة. # أية ملامة أستحق إذا أنا فعلت، ومن ذا الذي يوجه هذه الملامة ~~إلي؟ وأي قاض صارم سيحكم بالخيانة علي وهو لا يعلم شيئا من ~~أمري؛ لأنه لم يكن كامنا في أحشائي؟ # إذا كان قد قضي على كل مخلوق بقسط من العمل لا بد له من القيام ~~به، وإذا كان التمرد على هذا العمل جريمة، فيا للأطفال الذين ~~يموتون على أثداء المرضعات من مجرمين! لماذا يعفى عن هؤلاء ~~الآبقين؟ ومن من الأحياء يستفيد من الحساب الذي يؤديه ~~الأموات؟ # إذا كان وجب على الإنسان أن يعاقب على حياته؛ فإن السماء ولا ريب ~~خالية خاوية، أفما يكفي الإنسان شقاء أن يقضى عليه بالحياة؟» ذلك ~~ما قاله ms213 فولتير على سرير احتضاره، ومن أولى منه بهذه الصرخة وهي ~~أنين شيخ جاحد قطع من حياته كل رجاء؟ # لأية علة يقوم هذا العراك؟ ومن هو يا ترى ذلك المسرح أبصاره ~~من العلياء على هذه المآسي؟ من هذا المشرف متسليا على مشاهد هذه ~~المخلوقات التي لا ينقطع توالدها، ولا تنتهي مدتها، فيلذ له أن يرى ~~الصروح تشيد، ثم تنبت الأعشاب بين أطلالها، وأن يرى الزارع يزرع ثم ~~تكتسح العاصفات ما زرع، وأن يرى الأحياء يمشون ثم يصرخ بهم الموت: ~~قفوا ... وأن يرى الدموع تسيل حينا ثم تجف على مساكبها، وأن يرى وجه ~~الشبيبة متوردا بالحب، ثم يراه مجعدا بالهرم؟ # من هو هذا المتلهي بالنظر إلى الناس يجثون أمام السماء باسطين ~~أكف ضراعتهم إليها، فلا تزيد السماء سنبلة واحدة على ما ينبت من ~~السنابل في حقولهم؟ # من هو مبدع كل هذه الأشياء ليتمجد وحده بعمله؟ إن جميع ما صنع ~~هباء بهباء. # إن الأرض سائرة إلى الفناء، وقد قال هرشل: إن حياتها ستنتهي ~~بالصقيع، فمن هو يا ترى الرافع على يده هذه القطرة من البخار ~~المتجمد، المحدق بها، منتظرا انحلالها وتطاير عناصرها، كما يحدق ~~الصياد بوشل من مياه البحر يتوقع تبخره ليظفر بالملح من ~~راسبه. # إن نظام التجاذب الذي يعلق العوالم في مدارها إنما هو دافعها إلى ~~الفناء قارضا من أحشائها بشهوة لا حد لها. فما من كوكب إلا ويجر ~~شقوته دائرا بالأنين على محوره، وكل العوالم تتنادى من أقصى ~~الأفلاك إلى أقصاها مشتاقة إلى راحة السكون، مفتشة عن أول كوكب ~~يتوقف عن مسيره بينها، ولكن الله يمنعها أن تستقر، فهي دائبة أبدا ~~على عمل لا غاية فيه، ولا نفع منه. إنها تدور وتدور، تتألم وتحترق، ~~تنطفئ وتشتعل، تنحدر وترتفع، تتلاصق وتتجانب، وتتشابك تشابك ~~الحلقات حاملة على سطوحها آلافا من المخلوقات تتجدد بلا انقطاع. ~~وهذه الكائنات تضطرب وتتلاقى، فيلتصق بعضها ببعض برهة من الزمان، ~~ثم تسقط ليقوم غيرها بعدها. إن الحياة تندفع دائما إلى حيث انعدمت ~~الحياة كالهواء يهب أبدا إلى حيث فرغ ms214 الهواء ... # كل شيء يسير على ناموس مقرر في هذه الأفلاك، فكل مسلك خط بأسطر ~~من ذهب ومن نار، وكل شيء ذاهب على نغمات الموسيقى السماوية، وهو ~~يتجه أبدا على صراط لا قبل له بالتحول عنه. # وكل هذا ليس شيئا! وكل هذا هباء! # ونحن، نحن الأشباح التعسة التي لا اسم لها، الأشباح الناحلة ~~المثقلة بأوجاعها، السائرة كالوهم في هذا الكون الفسيح، وما نفخت ~~فيها نسمة الحياة إلا لتلد الموت، لا نفتأ نبذل الجهود لنثبت أن ~~لنا مهمة كبرى، وأن هنالك من يشعر بوجودنا، فنتردد في إطلاق رصاصة ~~على رأسنا، كأننا إذا فعلنا وهززنا كتفنا نأتي أمرا فريا ~~... # وكأن موتنا سيخرج هذا الكون عن نظامه. # لقد كتبنا وأملينا الشرائع الإلهية والإنسانية ونحن نقف واجمين ~~خائفين مما كتبنا. # يعيش واحدنا ثلاثين سنة صابرا على أوجاعه وهو يعتقد أن تجلده ~~مقاومة وكفاح، في حين أنه لو أطلق على هيكل تفكيره قبضة من البارود ~~المشتعل لاستنبت على أحد القبور زهرة ناضرة. # وكنت وأنا أتفوه بهذه الكلمات أصوب السكين إلى بريجيت، وألقي رأس ~~النصل على صدرها، وبت فاقدا رشدي كالمحموم، ورفعت الغطاء لأهدي ~~السكين إلى منبض قلب خليلتي، فإذا بصليب صغير من الأبنوس يلتمع ~~بسواده بين نهديها، وإذا بي أتراجع مذعورا وقد تراخت أناملي عن ~~مقبض السلاح فسقط من يدي. # وكانت عمة بريجيت هي التي أعطتها هذا الصليب في ساعة احتضارها، ~~وما كنت قد رأيته على صدرها قبل هذه المرة، ولعلها علقته في عنقها ~~عندما عزمنا على السفر كتعويذة تقيها الأخطار. # وشبكت كفا بكف فجأة والتوت ركبتاي، فإذا أنا راكع أهتف ~~والارتعاش يهزني: أكنت هنا، يا سيدي؟ أكنت هنا وأنا لا ~~أدري؟ # ليقرأ هذه الصفحة من لا يؤمنون بالسيد المسيح، لقد كنت أنا أيضا ~~لا أؤمن، فما كنت ارتدت المعابد لا بأيام الطفولة ولا بأيام ~~المدرسة، ولا عندما أصبحت رجلا، فلم يكن لديني - لو صح أن تدعى ~~عقيدتي دينا - رموز ولا طقوس؛ إذ لم أكن أعتقد إلا بإله لا وحي ~~منه ولا طرق لعبادته؛ لأنني تسممت ms215 منذ مراهقتي بآداب العصر، ورضعت ~~من أثدائه ما درت على الناس من عقيم الإلحاد، فكانت الكبرياء ~~البشرية إلهة الأنانية تمنع فمي أن يتفوه بالصلاة، فتندفع روحي في ~~ارتياعها طالبة العزاء في الكفر والجحود. # وبت كالثامل قد أضاع رشده عندما رأيت رمز المسيح على صدر بريجيت، ~~فتراجعت منها مذعورا لا لإيماني، بل لعلمي بأنها تؤمن به. # وقفت يدي وما شلت لرهبة سنحت عبثا، كنت في الليل منفردا ~~وحدي ولا تراني عين إنسان، فما كانت معتقدات الناس لتنال من روعي، ~~وكنت أملك تحويل عيني عن هذه القطعة الخشبية، بل أملك القبض عليها ~~وإلقاءها في الرماد، ولكنني بدل طرحها هي طرحت سلاحي. # إن ما شعرت به في تلك اللحظة نفذ إلى أعماق روحي ولما يزل ~~مستقرا حتى اليوم فيها. # ما أشقى الناس الذين يهزءون بما يمكنه أن ينقذ حياة إنسان! وما ~~يهم الاسم والشكل والإيمان. أفليس كل ما هو صالح مقدسا؟ فبأية قحة ~~يتطاول المخلوق على خالقه؟ # وشعرت في داخلي بينبوع يتدفق من ذرى تفكيري كالجداول المنسربة من ~~ذوبان الثلوج على القمم، وقد لمحتها عين الشمس المنيرة المحرقة، ~~وارتفع الندم من عذابي ارتفاع البخور من مجامره. # لقد كنت على وشك ارتكاب جريمة، ولكنني ما رأيت آلة الإجرام تسقط ~~من يدي حتى شعرت ببراءة نفسي، فقد كفت لحظة لأستعيد السكون ~~والقوة والهدى، فتقدمت إلى السرير وانحنيت على خليلتي مقبلا ~~صليبها على صدرها، قائلا لها: نامي بسلام، فإن عين الله ساهرة ~~عليك. لقد مر بك أعظم خطر وأنت تبتسمين في أحلامك. # ولكن اليد التي هددت حياتك لن تمتد يوما للإضرار بأي مخلوق، وها ~~أنا ذا أقسم بمسيحك نفسه أنني لن أقتلك ولن أنتحر، فما أنا إلا ~~مجنون، ما أنا إلا ولد حسب نفسه رجلا. أنت لا تزالين حية - والحمد ~~لله - ولسوف تستعينين بصباك وجمالك على نسياني، وإذا ما قدرت على ~~منحي العفو لما أورثتك من داء؛ فإن عفوك نفسه سيشفيك من ~~دائك. # نامي بأمن إلى الصباح يا بريجيت، وغدا ستنطقين بحكمك فأرضخ لأي ~~قرار تتخذين ms216 . # وأنت أيها المسيح، أنت يا من كنت لها منقذا، جد لي بغفرانك ~~ولا تقل لها ما رأيت. لقد ولدت في عصر ملحد جاحد، فيا لشد ما يحق ~~علي من كفارة أيها المنبثق من روح الله! إن الناس قد نسوك فما ~~علمني أحد أن أحبك. إنني ما طلبتك يوما في المعابد، ولكنني وجدتك ~~الآن حيث لا أملك التغاضي عن رهبتي وخشوعي، وقد ظفرت شفتاي ولو مرة ~~قبل موتي بتقبيلك على صدر ممتلئ بالإيمان بك؛ فليكن إيمانها حارسا ~~لها. وأنت يا سيدي اذكر هذا البائس الذي لم يجسر على اقتحام الموت ~~عندما رآك مسمرا على صليبك. لقد أنقذتني من الشر وأنا كافر، ولو ~~كنت مؤمنا لأنزلت على روحي العزاء. اغفر لمن جعلوني ملحدا بعد أن ~~جدت بالندامة علي. اغفر لجميع المجدفين؛ لأنهم لم يروك في ~~ساعة يأسهم. # إن المسرات البشرية تقوم على السخرية ولا رحمة فيها، والسعداء في ~~هذه الحياة يظنون أنهم في غنى عنك أيها المسيح، فإذا هم جدفوا عليك ~~في كبريائهم؛ فإنهم سيقادون يوما إلى معمودية الدموع. أشفق عليهم ~~لأنهم يرون أنفسهم في مأمن من عواصف الحياة، ولأنهم يحتاجون إلى ~~تأديب المصائب ليهرعوا إليك. # ليست حكمتنا وشكوكنا إلا ألاعيب أطفال في يدنا؛ فاغفر لنا لأننا ~~نتوهم أننا كافرون. اغفر لنا أيها المبتسم على جلجلة الفداء. إن ~~أشد ما ينزل بنا من شقاء في حياتنا العابرة كالظل إنما هو محاولة ~~غرورنا أن ينساك، وأنت تعلم - وما تخفى خافية عليك - أن هذا الغرور ~~وهم تبدده نظرة منك. أفما كنت رجلا؟ وهل رفعك إلى مرتبة ~~الألوهية غير العذاب؟ إن مرقاتك إلى السماء كانت آلة تعذيب رفعت ~~منها فاتحا ذراعيك إلى أحضان مصدرك الأسنى، ونحن على مثالك ~~يقتادنا الألم إليك كما اقتادك إلى أبيك. إننا لا نتقدم للانحناء ~~أمام رسمك إلا وعلى جباهنا أكاليل الشوك، ولا نلمس رجليك الداميتين ~~إلا بأيد دامية، فإنك بعذاب الشهداء اكتسبت محبة البائسين! # ولاحت طلائع الفجر، وبدأ كل شيء ينتبه مرسلا في الأثير أصوات ~~الحياة، وشعرت بالعياء لشدة ما ms217 نالني، فأردت الانسحاب من غرفة ~~بريجيت طلبا لبعض الراحة، وبينما أنا متجه نحو الباب ارتمى من أحد ~~المقاعد ثوب من أثوابها على الأرض، فإذا أمامي رسالة معنونة بخط ~~بريجيت، ولم تكن ملصقة، فنشرتها وقرأت ما يأتي: # 25 ديسمبر # عندما تصل إليك رسالتي هذه أكون بعيدة عنك، ولعلها لن ~~تصل إليك أبدا. إن حظي مرتبط بحظ رجل ضحيت في سبيله كل ~~شيء؛ فهو لا يطيق الحياة بدوني، ولسوف أحاول أن أموت من ~~أجله. إنني أحبك، الوداع. أشفق علي. # وقلبت الورقة فإذا عليها هذا العنوان: # إلى هنري سميث في بلدة ن ... نافذة البريد. # | الفصل السابع # وفي اليوم التالي عند الظهر، كان شاب وامرأة يخترقان حديقة ~~«القصر الملكي» وذراعاهما مشتبكان تحت أشعة الشمس. دخلا مخزن صائغ ~~واختارا خاتمين متشابهين، فقدم كل منهما خاتما إلى الآخر وهما ~~يبتسمان، وسارا في نزهة قصيرة ثم دخلا مطعم «بروفينسو»، وصعدا إلى ~~إحدى غرفه المطلة على أجمل مناظر الدنيا، وهنالك انفردا بعد انسحاب ~~الخادم، وتقدما إلى النافذة يسرحان النظر ويد كل منهما تربط على ~~يد رفيقه. # وكان الشاب مرتديا أثواب السفر وقد طفح وجه بشرا كعريس يري ~~عروسه لأول مرة مباهج باريس، وكان مرح هذا الشاب حبورا هادئا ينم ~~عن سعادة لا اضطراب فيها. ولو أن رجلا مرت به تجاريب الحياة نظر ~~إلى هذا الشاب لتبين فيه طفولة تستحيل إلى رجولة، وعزما تستقيه ~~العاطفة من التفكير. # وكان هذا الشاب يتطلع إلى السماء ثم يتأمل ملامح رفيقته، فتنحدر ~~من أجفانه دموع يتركها سائلة على وجنتيه وقد أنارتها ~~ابتساماته. # أما المرأة فكانت شاحبة، وقد انطبعت على ملامحها آثار التفكير ~~العميق، وهي لا تحدق إلا في وجه رفيقها، ولا تملك نفسها من مسايرة ~~مرحه، غير أنها في الوقت نفسه لا تحاول إخفاء ما يطفو على وجهها من ~~قرارة قلبها. # وكانت إذا ابتسم رفيقها ابتسمت له، فكأنها في حبورها تساير ~~مسايرة ولا تختار اختيارا، فإذا ما تكلم تكلمت، وإذا ما قدم لها ~~طعاما أكلت، ولكنها كانت تذهب في نفسها من حين إلى ms218 حين كأنها في ~~غيبوبة عما حولها، وكانت سكنات هذه المرأة وحركاتها كلها تنم عن ~~استرخاء تستسلم فيه لرفيقها استسلام التابع الضعيف يستمد حياته من ~~متبوعه، وقد أصبح خيالا له، وصدى لصوته، وما كان الشاب مخدوعا ~~بحالة رفيقته، بل كان ينفذ إلى سريرتها وفيه شيء من الغرور وكثير ~~من الرضى، فإذا هي تراخت وألصق تذكارها عينيها بالأرض، هب يعالجها ~~بقوته متكلفا المرح لينقذها من ضعفها؛ فقد كان بين هذين الرفيقين ~~تمازج غريب من الفرح والحزن، والاضطراب والسكون، فإذا ما نظر ~~إليهما متأمل خالهما تارة أسعد الناس، وتارة أشقى من في الحياة، ~~وغاب عنه هذا السر يشد أحدهما إلى الآخر برابطة الأسى عقدت على ~~عاطفة أقوى من الحب. وهل أقوى من الحب سوى عطف الصديق على ~~الصديق؟ # وما كان يلوح في عيونهما شيء من لمعات الشهوة ويد الواحد تشد على ~~يد الآخر، فكانا - ولا ثالث بينهما - يتحدثان بصوت خافت، فيسندان ~~جبينا إلى جبين كأنهما يتعاونان على التذكرات المرهقة دون أن ~~تتجاذب الشفاه إلى قبلات الغرام. ودقت الساعة تؤذن بالأولى بعد ~~الظهر وكل منهما محدق في عيني رفيقه يستنجدهما، فكأنهما ضعيفان ~~يتلمسان من الضعف مخرجا إلى الصلاح، وتنهدت المرأة وقالت: لعلك ~~مخطئ يا أوكتاف. # فقال: لا، لست مخطئا يا صديقتي، ثقي بما أقول. إنك مقدمة على ~~تحمل العذاب، ولقد يطول صبرك عليه. أما أنا فلا نهاية لعذابي، ~~ولكننا سنشفى كلانا. لك الزمان أنت، وأنا لي الله. ~~- أوكتاف ... أوكتاف ... أأنت واثق من أنك لست على ضلال؟ ~~- لا أعتقد بأن أحدنا سيسلو الآخر يا بريجيت، ولكنني واثق من أن ~~ليس لنا أن نتبادل المغفرة الآن، غير أن هذه المغفرة محتومة علينا ~~حتى ولو قدر علينا ألا نلتقي بعد. ~~- ولماذا لن نلتقي يوما؟ فأنت لم تزل في ريعان الشباب. # وأردفت بابتسامة مرة: سنلتقي بمأمن من كل خطر لأول غرام يحتل ~~قلبك بعد غرامي. ~~- لا، يا صديقتي. ثقي بأنني لن أراك دون أن يثور بي كامن غرامي. ~~قدر الله أن يكون الرجل الذي أتخلى له عنك أهلا ms219 لك . إن سميث فتى ~~صالح وطيب القلب، ولكن مهما بلغ حبك له فسوف لا تنقطعين عن حبي. ~~ولو أنني أقرر الآن بقاءك معي هنا أو اللحاق بي لما كنت تترددين في ~~اتباع ما أريد. ~~- ما أصدق ما تقول! ~~- أصحيح هذا؟! أتلحقين بي إذا أنا دعوتك؟ # ولكنه بعد أن هتف بهذه الكلمات من أعماق قلبه، استطرد على مهل: ~~من أجل هذه المطاوعة يجب ألا نلتقي أبدا. إن من الحب في هذه ~~الحياة ما يبلبل الرأس والحس، وما يزعزع العقل والقلب، وليس غير ~~نوع واحد من الحب يختفي في الروح دون أن يعكر صفوها؛ لأنه ينشأ ~~منها ولا يموت إلا بانطلاقها. ~~- وهل ستحرمني من مراسلتك يا أوكتاف؟ ~~- لا، سأكتب إليك مدة من الزمن؛ لأن ما سأواجهه من عذاب في بادئ ~~الأمر سيقتلني لا محالة إذا أنا حرمت نفسي من كل تعزية. لقد اقتربت ~~منك على مهل وبكل حذر حتى عرفتني، وحتى ... لا، لندع الماضي، ولسوف ~~تنقطع رسائلي عنك رويدا رويدا، وهكذا سأنحدر على مهل من الذروة ~~إلى رقيتها منذ سنة، ولقد يكون لهذه الرجعة الحزينة روعتها. # وإذا ما رجعت بالذكرى إلى الأيام التي كنت حيا فيها، فلأقفن ~~أمامها وقفة المتأمل في قبر عقدت الخضرة والأزهار فوقه قبابا تظلل ~~اسمين لراحلين عزيزين يرقدان فيه، فأشعر بحزن مفعم بالأسرار، وأريق ~~دمعة الأسى حلوة لا مرارة فيها. # وارتمت المرأة عند سماعها هذه الكلمات على مقعد معولة باكية، ~~وبكى الشاب معها، ولكنه بقي دون حراك كأنه ينكر على نفسه لوعتها، ~~وعندما جفت مآقيه تقدم إلى صديقته وقبل أناملها على مهل وقال: ~~صدقيني، إن من يشعر بحبك له مهما كانت العاطفة التي تشملينه بها ~~إنما يستمد من هذا الشعور قوة وإقداما. لا يداخلك ريب يا بريجيت ~~في هذه الحقيقة، وهي أنه لن يفهمك أحد كما فهمتك أنا، ولعل سواي ~~يبذل لك من الحب ما أنت أهل له، ولكن لن يصل أحد بحبه لك إلى ~~الأعماق التي أحببتك منها. سيداري سواي ما أهنت فيك من الصفات ~~فيحوطك بغرامه، ms220 ستجدين عاشقا أفضل مني، ولكنك لن تجدي لك أخا ~~مثلي. # هاتي يدك ودعي الناس يهزءون من كلمة أقولها وهم لا يفهمونها: ~~«لنبق صديقين، وليستودع كل منها الله رفيقه إلى الأبد.» # عندما تعانقنا لأول مرة كان في كل منا ذات خفية أدركت أننا ~~سنتحد، فلندع هذه الذات الخفية وقد اتحدت مني ومنك أمام الله جاهلة ~~افتراقنا على الأرض، فلا تقوى ساعة خلاف تافه من الزمان على حل ~~اتحادنا في السعادة التي لا تزول. # وكان لم يزل قابضا على يدها فنهضت وهي تشرق بدمعها، وتقدمت نحو ~~المرآة بابتسامة غريبة، وأخذت مقرضها من حقيبتها، وقطعت خصلة طويلة ~~من شعرها، ثم نظرت إلى وجهها مليا بعد أن شوهته بحرمانه قطعة من ~~تاجه، وتقدمت بهذه القطعة إلى عاشقها. # وضربت الساعة ثانية فخرجا عائدين من الحديقة وعلى وجهيهما علامات ~~الرضى التي كانت تلوح عليهما وهما قادمان إليها. # وقال الشاب: ما أجمل هذه الشمس! # فقالت المرأة: إنه نهار جميل لن يمحى أثره من هنا، وضربت بشدة ~~على صدرها. # وأسرعا بالمسير وتواريا بين الجموع. ~~••• # وبعد ساعة مرت عربة على مرتفع وراء حواجز فونتنبلو، وكان الشاب ~~مستقلا وحده هذه العربة يلقي نظرة أخيرة على المدينة، التي رأى ~~فيها النور، وهو يوجه الشكر لله؛ لأنه من ثلاثة ابتلاهم العذاب ~~بجريرته، لم يبق إلا شقي واحد ... ms221