######OpenITI# #META# URI: 1358TantawiJawhari.AynaInsan.Hindawi48270516 #META# Tags: philosophy #META# ID: 48270516 #META# Title: أين الإنسان #META# AuthorID: 18082969 #META# Author: طنطاوي جوهري #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الكتاب‏ # كلمة للمؤلف‏ # مقدمة‏ # 1 - في المقارنة بين نظام العالم ونظام الأمم‏ # 2 - سؤال عن حال الإنسان‏ # 3 - أخلاق الإنسان‏ # 4 - فضائل الإنسان‏ # 5 - في استعداد الإنسان‏ # 6 - في أنواع الحكومات والفلاسفة‏ # 7 - لم نقرأ إلا سطرين سطرا من المادة وسطرا من العقل‏ # 8 - أين الحكمة في المادة والعقل‏ # 9 - الفلسفة العتيقة والفلسفة الجديدة وكيف كان توزيع العقول على أفراد الإنسان والمنافع على ~~الأرض وكيف جهلها الإنسان‏ # 10 - المنطق والأخلاق والسياسة‏ # 11 - حكم في فترة اللقاء كتبتها في كناشتي‏ # 12 - في الصعود إلى كوكب جديد فوق نبتون‏ # 13 - في المذكرات‏ # 14 - الجمع المحتشد وعالم الأرض والمريخ وتحليل المدنية العصرية‏ # 15 - في الوحدات الإنسانية من اللغة والدين والوطن والجنس والمعاهدات والمصاهرات والملك ~~الجامع والأب الأكبر والاجتماع في اللون وغير ذلك‏ # 16 - إيضاح مسألة الأقوى والأضعف وإننا نفعل فعل الحيوان‏ # 17 - على أي قاعدة تبنى سياسة الأمم‏ # 18 - في درس تعليم الأطفال الحب العام‏ # 19 - مجلس الحكماء وضرب الأمثال الحسية للأمور العقلية‏ # 20 - وهو خلاصة الكتاب‏ # نغمة من موسيقى الكتاب‏ # إهداء الكتاب‏ # كلمة للمؤلف‏ # مقدمة‏ # 1 - في المقارنة بين نظام العالم ونظام الأمم‏ # 2 - سؤال عن حال الإنسان‏ # 3 - أخلاق الإنسان‏ # 4 - فضائل الإنسان‏ # 5 - في استعداد الإنسان‏ # 6 - في أنواع الحكومات والفلاسفة‏ # 7 - لم نقرأ إلا سطرين سطرا من المادة وسطرا من العقل‏ # 8 - أين الحكمة في المادة والعقل‏ # 9 - الفلسفة العتيقة والفلسفة الجديدة وكيف كان توزيع العقول على أفراد الإنسان والمنافع على ~~الأرض وكيف جهلها الإنسان‏ # 10 - المنطق والأخلاق والسياسة‏ # 11 - حكم في فترة اللقاء كتبتها في كناشتي‏ # 12 - في الصعود إلى كوكب جديد فوق نبتون‏ # 13 - في المذكرات‏ # 14 - الجمع المحتشد وعالم الأرض والمريخ وتحليل المدنية العصرية‏ # 15 - في الوحدات الإنسانية من اللغة والدين والوطن والجنس والمعاهدات والمصاهرات والملك ~~الجامع والأب الأكبر والاجتماع في اللون وغير ذلك‏ # 16 - إيضاح مسألة الأقوى والأضعف وإننا نفعل فعل الحيوان‏ # 17 - على أي قاعدة تبنى سياسة الأمم‏ # 18 - في درس تعليم الأطفال ms001 الحب العام‏ # 19 - مجلس الحكماء وضرب الأمثال الحسية للأمور العقلية‏ # 20 - وهو خلاصة الكتاب‏ # نغمة من موسيقى الكتاب‏ # | أين الإنسان # | أين الإنسان # تأليف # طنطاوي جوهري # | إهداء الكتاب # إلى عطوفة الوزير الجليل ناظر المعارف العمومية # إن قبول أمتي المصرية المحبوبة لعملي كان خير معوان لي على المزيد؛ فصنفت هذا ~~الكتاب ذكرى لأولي الألباب، وبدأت بعرض خلاصته على اللجنة التنفيذية لمؤتمر الأجناس ~~العام بإنجلترا، والأستاذ أغناطيوس غويدي برومية الكبرى، وحضرة صديقنا الدكتور محمود بك ~~لبيب محرم بألمانيا. # فما كان جواب اللجنة التنفيذية إلا الموافقة عليه، وقفى على آثارها الأستاذ ~~غويدي أغناطيوس، وهكذا الفاضل محمود بك لبيب محرم، وقد طلب الأخيران التعجيل بطبعه ~~باللغة العربية قبل أن يظهر بلغات الغربيين، فلم يكن إذ ذاك بد من نشره ببلادنا الشريفة ~~المصرية بعد استشارة ذوي العلم والمكانة بالبلاد. # ولما كان زمام الحركة العلمية والنهضة الأدبية بيد وزيرها الجليل الهمام أحمد باشا ~~حشمت ناظر المعارف العمومية دخلت البيت من بابه، وعرضت الكتاب على جنابه، فحاز ~~القبول لديه، ووافق على طبعه لتعميم نشره، فالتمست أن أقدمه إليه لينشر باسمه في ~~العالمين؛ اعترافا بفضله ولما أبداه من التعضيد والتأييد، فقبل الهدية أفلا أكون له ~~من الشاكرين. # | كلمة للمؤلف # | وذكر ما دار بينه وبين علماء أوروبا من المراسلات بشأن الكتاب # هذا كتاب كتبته للناس، خاطبت به حكماء الخافقين، وعلماء المشرقين، وفلاسفة المغربين، ~~تبصرة وذكرى للعادلين، من كل نبيه ونبيل، وعالم جليل، وملك عظيم، ووزير خطير، ونائب عن ~~أمته كبير، ذكرى للأمم، وعبرة للدول، وسعادة للناشئين من البنين، عسى أن يعدل الناس عن ~~ظلمهم، ولا يتبعوا خطوات غيهم، ويسيروا على الصراط المستقيم. # إني ضممت جوهرة الإنسان، إلى فلذة الحيوان في النظام، وقرنت نظام الكواكب الدري، ~~بما رآه بسمرك وسلبري، وسويت ما بين نواميس الأحجار في سقوطها، وقوانين الكواكب في ~~هبوطها، وبين نظام الأمم الأرضية، وأحوالها السياسية. # ولست أدعي النهاية في تحقيقه، والإجادة في تنميقه، فما أكثر العوائق من الأعمال ~~الدراسية، وما أبعدها عن هذه المرامي النائية، والمطالب السامية. # وما هذا ms002 الكتاب إلا خطرات خاطرات، ولمحات سانحات، وبوارق لامعات، في ليالي الحوادث ~~المدلهمات. # وهو وإن كان قطرة من بحر السلام العام، فسوف تتبعها المزن الممطرات، ولسوف يقوم بهذا ~~الأمر علماء محققون من رجال الشرق والغرب، وليعلمن نبؤه بعد حين. # الدنيا بحر ملح أجاج، متلاطم الأمواج، يغشاه موج الحياة المدلهمة، من فوقه المظالم ~~المطلخمة، من فوقه سحائب الحروب الشيطانية البشرية، بحيث إذا أخرج المرء فيها يده لم ~~يكد يراها، وضل في موجه العظيم، هذا مثل حال الإنسان، الضائع في ثنايا الزمان. # لذلك ألفت هذا الكتاب؛ ليبحث العقلاء عنه في ذلك العباب، وأسميته «أين ~~الإنسان». # وأعطيته باليمين للحكماء، ممن تحت السماء، وباليسار للسواس العظماء، على سطح ~~الغبراء. # ولما كانت الأشكال أولى بأشكالها، والفضائل أقرب إلى أهلها، والعيون أعلق بأهدابها، وكان ~~كتابي موجها لطائفتين من العالمين، ومهدى إلى نوعين من العقلاء العاملين، رجل عليم، وسائس ~~عظيم، بدأت بإرساله إلى مؤتمر الأجناس العام؛ لأنه جمع بين الحسنيين ونال المنقبتين، لولا ~~علو المنار ما عم نوره المسافرين، ولولا ضوءه ما هدى السفائن في ظلمات الغياهب ولا ~~الضالين. # إن لتأليف الكتاب أسبابا يطول شرحها، وقد أرجأتها لتذكر فيما بعد إن شاء الله ~~تعالى. # ولما تم ترتيبه وانتظم عقده، أيقنت أن أفئدة تهوي إليه إذا سمعته، وعقولا تصبو ~~إليه إذا قرأته، من عقلاء الأمم جمعاء، ولعمرك لقد كنت أرجو انتشاره، وأود إظهاره، ~~ولكن ما كنت أدري كيف السبيل، حتى قرأت في الجريدة خبرا عن مؤتمر الأجناس العام الذي ~~سيقوم بالبلاد الإنجليزية، وقد شرح أمره المستر ستيد صاحب مجلة المجلات فقال ما ~~ملخصه: # إن الأمم الشرقية والغربية أسودها وأبيضها وأحمرها، ستصطدم اصطداما حين ترتقي إلى ~~غاياتها، وتنتهي إلى نهاياتها، وسيكون يوم عصيب مشئوم أمام العالمين، وهذا المؤتمر أول خطوة ~~في تعارف الأمم والأجناس وسائر الملل والنحل، وفيه 25 رئيسا من رؤساء المجالس البرلمانية ~~في خمسين بلدا من بلدان الدنيا، ومعظم أعضاء مجلس التحكيم في لاهاي، و12 من حكام ~~المستعمرات، و8 من رؤساء النظار في البلاد التابعة لإنجلترا، ومائة وثلاثون ms003 أستاذا من ~~أساتذة القانون الدولي، ومندوبو الصحافة وغيرهم، إلخ. # فلما وقفت على ذلك عجبت كل العجب من توافق ما بسطته الجريدة لفصول الكتاب، ولما قرأت ~~أن الأستاذ مرغليوت هو الذي يتلقى ما يرد له من مكاتبات المصريين وكنت أعرفه من قبل، أرسلت ~~له نبذة من الكتاب، وفذلكته الدالة على ما فيه بخطاب، وذكرت أني أخاطبه كما أخاطب ~~حكماء الأمم وملوكها تحت أعلام الحكمة التي نشرت على العالمين، وشملت الناس أجمعين، وطلبت ~~أن ينظر هو ومن معه من رجال اللجنة في أمر كتابي، فإن استحق العرض على المؤتمر أسرعت إلى ~~إخواني المصريين فترجموه بالإنجليزية فجاءني منه خطابان أولهما بنصه: # حضرة الجليل القدر طنطاوي جوهري # سيدي، بعد التحيات، فقد ورد كتابكم المؤرخ في ال 25 من تشرين الأول مع ترجمة ~~إنجليزية وبقجة تحتوي على أوراق فيها جزء من مصنفكم الجديد المعنون «أين ~~الإنسان» الذي تؤثرون عرضه على مؤتمر الأجناس العام المقصود اجتماعه في الصيف ~~الآتي، واللجنة المدبرة لأمور المؤتمر سينعقد إن شاء الله مجلسها في منتصف ~~الجاري. # فحينئذ سأعرض على أصحابي مشروعكم الدال على علو همتكم حتى إذا انحل المجلس ~~أخبرتكم بالنتيجة، والسلام. # المخلص # د. مو. مرغليوت # في ال 6 من تشرين الثاني سنة 1910 # وجاء خطاب آخر بتاريخ الخامس من كانون الأول وهو ديسمبر سنة 1910: # حضرة الفاضل طنطاوي جوهري أدام الله بقاءه # بعد التحيات، فقد عرض مضمون كتابكم الكريم على لجنة مؤتمر الأجناس العام، فليس ~~عندهم ما يمنع، وأما أن تتكلفوا ترجمة مؤلفكم النفيس إلى لغة أجنبية فالغالب على ~~رأينا أن ذلك يذهب برونقه؛ فإن انتقال الكتاب من لغة إلى لغة هو كانتقال النفس من ~~بدن إلى بدن، لا يؤمن استيحاشها منه، والسلام. # د. مرغليوت # فأرسلت الكتاب منسوخا بخط اليد في السابع عشر من شهر مارس سنة 1911 وطلبت منه ترجمة ~~الكتاب إذا شاء. # ولقد كنت كاتبت الأستاذ أغناطيوس غويدي بإيطاليا وحضرة العالم الشهير الدكتور محمود بك ~~لبيب محرم بألمانيا، فجاء من الثاني خطاب بتاريخ 2 يناير سنة 1911 يحض على ms004 الإسراع في طبع ~~الكتاب باللغة العربية إذ قال: ألح عليك في النصح بطبع الكتاب أولا في مصر، وأظن أن ~~طبعه لا يستدعي صعوبة أو عوائق، ثم قال: # وإني بعون الله مستعد لترجمة الكتاب إلى الألمانية، فأرسل لي منه صورة لكي أزاول ~~ترجمتها من الآن؛ حتى أتمكن من نشرها عقب طبع الأصل العربي مباشرة أو في زمن قريب ~~منه. # المخلص # محمود لبيب # وأما الأستاذ العلامة أغناطيوس غويدي فكتب لي ما نصه: # من أغناطيوس غويدي برومية الكبرى إلى المعلم العلامة طنطاوي جوهري ~~بالقاهرة # يا سيدي الأستاذ الأكرم، أما بعد تقديم التبجيل والتحية، فقد وصلتني رسالتك ~~الكريمة وفهرس كتابك الجديد وفصل منه شرفتني بإرساله إلي، وقد أضمرت في نفسي أن ~~أحير الجواب بلا تأجيل، بيد أنه عاقتني عوائق وبطأت بي أشغال لا تحصى، وأرجو من ~~فضلك أن تقبل عذري وتغضي عن تأخيري جفنك، وقد تعجبت من علمك ومن تعرضك لمسائل ~~ينزعج غيرك من معضلات غوامضها، ولعل كتابك الجديد يطبع الآن، وإن أرسلت إلي نسخة ~~منه نبهت عليه في بعض جرائد بلدنا، وأخبرت عن موضوعه وفصوله ومذهب مؤلفه، ~~فيكون ذلك زيادة للتعارف بين البلدين، والمأمول منكم معاشر علماء مصر أن تساعدونا ~~في إنشاء المدرسة الإيطالية في القاهرة المحروسة بما يضاهي صدق مودتكم لنا. # هذا وقد خبرتني الست دي لبدف أن حليلتك المحترمة عوجلت إلى رحمة ربها، ~~وأحزنني ذلك وأمضني جدا، «هي الدنيا يا حبيبي»، وعليها يصح قول الشاعر لا على ~~النساء: # فما تدوم على حال تكون بها # غير أنك فيلسوف العرب وكندي عصرنا، ولا بد أن يستصوب مثلك بيت ~~الشاعر: # ليس من مات فاستراح بميت # ولا تسلي كالرضى بحكم الله؛ إذ إليه مرجعنا، وإلى رحمته تعالى مآبنا، ونعم ~~المرجع وحبذا المآب، والسلام. # وهذا ملخص مقاصد الكتاب # في بيان استخراج السلام العام في الأمم من النواميس الطبيعية، والنظامات الفلكية، ~~والفطر الإنسانية، وبنيان السياسة على أساس الطبيعة، وأن مدنية اليوم حيوانية، ودعوة ~~الناس للإنسانية الحقيقية، وبيان أن الإنسان لم يفهم إنسانيته، ولم يستخرج قوته، ~~وخطاب موجه ms005 لفلاسفة الأمم، ونوابها وملوكها، ودعوة الأولين لبحث هذا الموضوع، والآخرين ~~للتعاون على العمل. وهو عبارة عن رواية ومحاورة بيني وبين روح من الأرواح القاطنة ~~بمذنب هالي لما اقترب من الأرض وسأل عن السلام العام، وعن أخلاق نوع الإنسان، وهو ~~عشرون فصلا. # الفصل الأول: # مقدمة الكتاب في أحوال مذنب هالي وعجائبه وسيره ودورته ~~واقترابه من الأرض، وفي سكان السماوات وهل الكواكب العظيمة الكثيرة ~~تبقى بلا سكان. # الفصل الثاني: # سؤال عن حال الإنسان وقول كنت الألماني: «الإنسان لم يتعلم العلم ~~عن أعلى منه ولو تعلم لكان أرقى.» # الفصل الثالث: # أخلاق الإنسان وكيف كانت طبقاته العليا في رذائلها كطبقاته السفلى في ~~جهلها ودناءتها. # الفصل الرابع: # فضائل الإنسان وعلومه ومعارفه. # الفصل الخامس: # استعداد الإنسان للعلوم والأخلاق وأنه كالهواء وكالمادة في ~~ترقيهما حالا بعد حال إلى أبعد غاية وأعظم شرف. # الفصل السادس: # في أنواع الحكومات والفلاسفة وكيف كانت حكومات الناس أسدية سبعية ~~خالية من كمال الأدب العقلي إلا قليلا. # الفصل السابع: # لم نقرأ من العالم إلا سطرين، سطرا من المادة وسطرا من ~~العقل. # الفصل الثامن: # أين الحكمة في المادة والعقل؟ # الفصل التاسع: # الفلسفة العتيقة والفلسفة الجديدة، وكيف كان توزيع العقول على أفراد ~~الإنسان والمنافع على الأرض، وكيف جهلها الإنسان. # الفصل العاشر: # المنطق والأخلاق والسياسة، وفيه الحقيقة المرة في مقارنة السياسة ~~بالقضاء والتعليم. # الفصل الحادي عشر: # في حكم وعجائب تبلغ خمس عشرة حكمة. # الفصل الثاني عشر: # الصعود إلى كوكب جديد فوق نبتون وفيه وقفة لمشاهدة الجمال البهيج، ~~والعدل والنظام في السماوات، ومقارنة ظلم هذا الإنسان بالعدل في عالم ~~السماوات، وكيف عدل في نظام السماوات وظلم عالمنا، وفيه أيضا ذكر ~~أربعة آلاف أمة متحدة في ذلك الكوكب. # الفصل الثالث عشر: # في مذكرات وهي سبع عشرة مذكرة، وفيه شرح حال الأمم عند نظر حجر من ~~جبل الرصاص. # الفصل الرابع عشر: # في الجمع المحتشد وعالم الأرض والمريخ وتحليل المدنية ~~العصرية. # الفصل الخامس عشر: # في الوحدات الإنسانية من اللغة والدين والوطن والجنس والمعاهدات ~~والمصاهرات والملك الجامع والأب الأكبر والاجتماع في ms006 اللون وغير ~~ذلك. # الفصل السادس عشر: # مسألة الأقوى والأضعف وأننا نفعل فعل الحيوان. # الفصل السابع عشر: # على أي قاعدة تبنى سياسة الأمم؟ # الفصل الثامن عشر: # في درس تعليم الأطفال الحب العام، ويتبعه ضرب مثلين؛ الأول تمثيل ~~الإنسان وسائر أصناف الحيوان في الرسم بحال بناديل الساعة وأوسطها يمثل ~~الحيوان ويمثل غيره الإنسان، الثاني تمثيل الإنسان في حاله اليوم ~~بالماء في النهر وفي مستقبله بالماء في مرتفع مشرف على الأرض. # الفصل التاسع عشر: # مجلس الحكماء وضرب الأمثال الحسية للأمور العقلية، وفيه بيان ما وصلت ~~له الأمم من المساعدة العامة القليلة وشرح الحكمة المقدسة والحكمة ~~العالية والحكمة الذهبية والحكمة الزاهرة والحكمة الجميلة والحقيقة ~~المحزنة ومقارنة الإنسان بحشرة أبي دقيق. # الفصل المتمم عشرين: # في الخطبة التي خطبها السيد جامون العالم الكوكبي، وأمرني أن أبلغها ~~للناس في الأرض شرقا وغربا؛ ليريهم كيف السبيل للوحدة العامة في سائر ~~الأمم والممالك والدول. وقد جمعت الخطبة مجمل الكتاب وشرحت السياسة ~~ومناسبتها لانتظام أمر الذكور والإناث في العدد على سطح الأرض. ~~انتهى. # | مقدمة # | أين الإنسان # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد، فإن الحوادث الكبرى في هذا ~~العالم موقظات للعقول، مثيرات للآراء، منتجات تغيرا وتطورا في النفوس البشرية. # ومن أهمها الحوادث السماوية، كالمذنبات اللاتي تقترب من الأرض، فتحدث في هلعا، ~~وفي العقول جزعا، فيضطرب النوع البشري الإنساني، ويغدون ويروحون، في المراسم والمناهج، ~~ويموج بعضهم في بعض، وتختلف أقاويلهم، وتعدد مذاهبهم، وتكثر أوهامهم. # ففي سنة 1328 هجرية وهي سنة 1910 ميلادية، في شهر مايو، في العشرة الثانية منه، أنذر ~~علماء الفلك الناس في أنحاء الكرة الأرضية، باقتراب المذنب المسمى بمذنب هالي، ~~ليلة الثامن عشر منه، وأنذروا الناس بدهياء داهمة، وقالوا: إن ذنبه طويل، ولعله ~~يلامس الأرض فتحرق ويخلو وجهها من ساكنيه، وتحشر إلى العالم الآخر، فأخذت الأمم ~~تؤولها بحسب ما يتاح لها، فمن أهل أوروبا من باع ثروته ليتمتع بها أياما قبل ~~انقضاء حياته، وفوات الفرص للذاته، ومنهم من عمد إلى قتل أحبائه من ms007 الزوج والأولاد ~~قبل أن تقع الواقعة، التي ليس لوقعتها في عقله كاذبة، وكأنه يقول ما قالت الزباء: ~~«بيدي لا بيد عمرو.» ومن أهل الشرق من أخذ يقتل أعداءه قربى إلى الله وزلفى عنده، حتى ~~تقدم في دفتر حسناته قبل هلاكه بالمذنب، ومنهم ومنهم. # ومن العجب إنا نسمع ذلك الاختباط عن الخاصة ، كما نسمعه عن العامة، وعن العقلاء كما ~~نسمعه من الجهلاء، أما أنا فكنت مغرما أن أراه في أنحاء القبة الزرقاء، فرصدته ليلة ~~السابع عشر من شهر مايو قبيل الفجر إذ أخلفه عمود من النور الضعيف الممتد من الشرق إلى ~~الغرب الجنوبي المستطيل نحو 50 درجة فلكية، فكرت في أمره وأخذت أجيل النظر في هذه ~~العوالم العجيبة، أن هذا المذنب الكبير أحد مذنبات هائلة كثيرة العدد تعد ~~بالملايين، تطوف حول الشمس كما تطوف السيارات المعروفة، وهذا المذنب يدور في ~~دائرته 75 سنة وهو في الثانية الواحدة يجري نحو 50 كيلو مترا، مسرع لا يمل، ولا يفتر، ~~ولا يقف لحظة، فهو في الخمس والسبعين سنة سائر على هذا النمط، وتعجبت من هذا الكوكب ثم ~~اعتبرت بضوئه المستطيل خلفه، وقد أرانا ضوءه وأطال ذنبه، ولم يعبأ بأقوال ~~الفلكيين، ولا نظر الناظرين، ولا تخرص المتخرصين، إنه ألقى شعاعه في السماء، ~~وخالف سنة الكواكب بذنبه، واتبع طريقه، ليفتح للناس باب الفكر، هكذا علماء الأمم ~~والحكماء والأنبياء يوقظون الناس من غفلاتهم بما يلقون عليهم من الحكم البديعة التي لم ~~يألفوها، والآيات العجيبة التي جهلوها، فيجمعون بين الإيضاح والإغراب، والشجاعة ~~والإعراب، والإقدام والآداب، إن في هذا الكوكب معتبرا للمذكرين، ويا ليت شعري ماذا ~~حال الأمم إذا رجع كرة أخرى بعد 75 سنة، وكيف يكون حال الممالك والدول، وهل يتغير ~~وجه الأرض وتزول المظالم والقسوة والوحشية من هذا الإنسان، أم تزداد المظالم وتكثر ~~المغارم، أخذت أجول في عالم الفكر وأسيح في بحار الخيال، وتأملت في تلك العوالم العجيبة ~~المنظمة السير البديعة النظام، إن هذا المذنب يقطع فلكه الذي هو عبارة عن قطع ناقص، ~~ويجري بسرعة مدهشة وسير ms008 منتظم لا يخطئ في سيره ولا يتوانى في جريه، وكم في كواكب السماء ~~من سريع الجري حسن النظام باهر الضوء عجيب الإتقان مثله. # لا يزال علماء الفلك كل يوم يتبينون مذنبا جديدا يرصدونه بالمراصد، ويثبتونه ~~في الدفاتر، وهي كلها منظمة السير، دائرة أبدا أمدا حتى يفنى هذا النظام العام، ~~ومثلها في النظام السيارات المعلومة وكثير منها غير معلوم، وهكذا الكواكب الثابتة التي ~~تعد بالملايين كل في فلك يسبحون بنظام وإتقان، هذا المذنب من قبل ظهرت حركاته ~~منظمة، ودوراته مرتبة عرفها التاريخ، وقد شاهده الناس عام 12 قبل المسيح عليه السلام، ~~ثم في يناير سنة 66 بعده، ومارس سنة 141، ومارس سنة 218، ومارس سنة، 295 ومارس سنة 373، ~~ويوليو سنة 451، ويوليو سنة 530، ويوليو سنة 608، وأكتوبر سنة 684/الموافق ربيع الأول ~~سنة 65 هجرية، ويوليو سنة 760/ربيع الأول سنة 143ه، ويوليو سنة 837/رجب سنة 222ه، ~~ويونيو سنة 912/ذو القعدة سنة 294ه، وسبتمبر سنة 989/جمادى الثانية سنة 389ه، ومايو سنة ~~1066/رجب سنة 458ه، وسبتمبر سنة 1152/جمادى الثانية سنة 547ه، وسبتمبر سنة 1223 رمضان ~~سنة 620ه وديسمبر سنة 1301/ربيع ثان سنة 701ه، ونوفمبر سنة 1378/شعبان سنة 780ه، ويونيو ~~سنة 1456/رجب سنة 860ه، وأغسطس سنة 1531/المحرم سنة 938ه، وأكتوبر سنة 1607/رجب سنة ~~1016ه وسبتمبر سنة 1683/رمضان سنة 1093ه، ومارس سنة 1759/رجب سنة 1172ه، ونوفمبر سنة ~~1835/رجب سنة 1251ه ثم في مايو سنة 1910/جمادى الأولى سنة 1328ه. فهذه 25 دورة في 20 ~~جيلا، فهو يدور في كل ثلاثة أرباع القرن دورة واحدة، فتأمل وتعجب، لهذا المذنب ~~عجائب في ظهوره ولطائف في مروره، كم رصده الراصدون وحسب له الفلكيون، وأحجم عن الحرب ~~وأقلع المحاربون، وكم شجع ظهوره قوما وكم ذعر منه أقوام، ألا ترى قصة المعتصم وحربه ~~عمورية وأقوال الفلكيين وكيف غلب وانتصر ومدحه أبو تمام بالقصيدة التي أولها: # السيف أصدق أنباء من الكتب # في حده الحد بين الجد واللعب # بيض الصفائح لا سود الصحائف في # متونهن جلاء الشك والريب # وفيها يقول: # وخوفوا الناس من دهياء داهمة # إذا بدا الكوكب ms009 الغربي ذو الذنب # فهو مذنب هالي؛ لأن ذلك في سنة 222 في شهر رجب الموافق يونيو سنة 837، ولقد ذكر ~~رجب في القصيدة؛ يقول: ~~... ... ... ... ... ... # ما كان من صفر الأصفار أو رجب # هكذا سماه الفلكيون سنة 1066 بمذنب الفتح إذ غلب غليوم الفاتح دوق نورمانديا في ~~أيام ظهوره على البلاد الإنجليزية، فأنت تراه منظم الحركات، بديع الخطرات، لا يخطئ في ~~تقديره، ولا يبطئ في مسيره، إلا لعوارض وطوارئ نادرة، دعاني ذلك إلى النظر في أمره، ~~والتفكر في سيره، والبحث في عجائبه، وغرائبه ، فراقبته مع الناظرين، ورصدته مع ~~الراصدين، ورأيته كرتين، كرة في الشرق قبل الفجر، وبعده، وآونة بعد الغروب، وقد ~~سار في طريقه، وجرى في شوطه، واستبق يعدو في هذه العوالم الشاسعة، والفيافي القاصية، ~~والدنيا الواسعة، إنه لن يعود إلا ونحن تحت أطباق الثرى، جسدا هامدا، وصعيدا ~~جرزا، حرصت أن أراه، لئلا أحرم من عبرته، والحكمة فرصة سانحة، فإذا ما غفل ~~عنها المرء باء بالحسرة، وعاش كئيبا لها وهو مع النادمين، وها هو غاب عن الأبصار، ~~وفارق الديار، وسار يعدو في ذلك العالم الواسع العظيم. # الفصل الأول # | في المقارنة بين نظام العالم ونظام الأمم # سنحت لي هذه السوانح، وفكرت في تلك العوالم المدهشة العجيبة، وأخذت أقارن ما بين نظام ~~العالم الجميل، ونظام الأمم الضئيل، فرأيت بونا بعيدا، وبعدا كبيرا؛ ذلك متقن منظم، لا ~~ظلم فيه، ولا خلاف ولا فتور، وهذا سياجه الظلم، وأسه الخداع، وبنيانه المكر والنفاق، ~~وطلاؤه الكذب، أرى حركات الكواكب في نظام عجيب، وحركات الأمم في ظلم وشقاق بعيد، فرفعت طرفي ~~إلى السماء وقلت: يا الله، كواكبك منظمة باهرة، وها هو حسابها محكم، لا خلل فيه، ولا تقديم ~~ولا تأخير، فالشمس والقمر بحسبان، والنجم والشجر يسجدان، بنظام، وكل كوكب ونجم وأرض وقمر ~~ومذنب، كل في فلك يسبحون، بحساب دقيق، لا يعتوره الخلل، ولا يقفه الملل، فأما الأمم ~~الإنسانية، والدول الأرضية، فإنهم عن الصراط لناكبون، وعن سبيل الحق حائدون، اللهم أنت مالك ~~الممالك، ملكت القلوب، كما ملكت النجوم، وسيرت الأجسام الإنسانية، ms010 كما أدرت الكواكب ~~الفلكية، فما بالنا نرى الفرق بين الحركتين، والبون شاسعا بين النظامين، ويا ليت شعري، أفي ~~تلك العوالم الشاسعة، والفيافي السحيقة الواسعة، في الأقطار السماوية، أحياء مثلنا ذوو نفوس ~~عالية، وعقول سامية، وسياسات راقية، ونظامات باهية، وهل فيهم أمم وجماعات، وآباء وأمهات، ~~وملوك وملكات، وحكمة وحكماء، ومستضعفون وعظماء، وهل عندهم الدهاء والنفاق، والمكر والخداع، ~~أم هم أجل مقاما، وأصدق كلاما وأحكم نظاما وأعلى في العلم كعبا، لا يخشون في الحق ~~رهبا، ولا يرجون رغبا. # وإذا كنت أرى البحار الواسعة، والأقطار الشاسعة، والهواء الجوي، مسكونة بالحيوانات، ~~معمورة بالمخلوقات، بحيث لم يخل منها الماء الملح الأجاج لملوحته، ولا المر في أعماق ~~البحار لمرارته، ولا السرجين لقذارته، بل الحياة لم تذر مكانا ظاهرا إلا ولجته، ولا ~~باطنا إلا دخلته، فهي في باطن البحار، وفوق الجبال، وداخل الصخور، وفي الظلمة والنور، ~~فكيف مع هذا تخلو تلك العوالم الكبيرة من السكان، وهل خلق جمالها عبثا، أم أحكم صنعها، ~~وهندس شكلها، وزوق نقشها، وزين فرشها، وعرشها، باطلا، وهل خصت أرضنا بالعناية، ~~وهي أقل الكواكب جسما، وأصغرها جرما، ذلك ما لا يقبله الوجدان، ولا يرضاه عقل الإنسان، ~~وهل خلق ذلك الجمال للعميان، وشع النور وتلألأ لمن لا ينظرون، كلا، إن في جمالها ونظامها، ~~لدلالة على أحياء بها عالمين، وعقلاء لهيئتها فاهمين، ثم إن ذنب هذا الكوكب الجاري في ~~السماء، يمثل حال الجبال والأرض والنجوم، إذا جاء أجلها، وحطمت أجزاؤها وقامت قيامة أهلها، ~~فإنها تكون كالعهن (الصوف المندوف) المنفوش. # الفصل الثاني # | سؤال عن حال الإنسان # وبينما أنا أجيل هذه السانحات في نفسي، وأنظر في هذا العالم بقلبي، قلت: يا ليت شعري، لو ~~أن امرأ ركب متن هذا الكوكب، وساح العوالم العظيمة، وباحاتها الشاسعة، وساحاتها الواسعة، ~~فدرس نظامها، وقرأ علومها، ثم رجع فروى لنا أخبار الأمم العظيمة، وشرح لنا السياسات ~~الكبيرة، لأفاد الإنسان، وعلمه البيان، فقد قال العلامة «كنت» الألماني في كتاب التربية ~~المترجم إلى اللغة الإنجليزية بقلم الكاتبة أنتي ~~شارتون # Annettee Churton ~~: إن الإنسان لم يتسن ms011 له تلقي العلم إلا عن بشر مثله، ولو أنه ~~أتيح له عالم آخر، فأتاه علما، وأهداه فهما، لكان ذلك أقرب لسعادته، وأدعى لراحته، وأسرع ~~لارتقائه، في مدنيته، والمعلم إذا لم يكن أوسع دائرة، وأحد بصرا، وأقوى بصيرة، وأرقى ~~عقلا، وأسمى نظرا من التلميذ، لم يتسن له انتشاله من وهدته، وإسماؤه إلى أعلى ~~درجته. # كل هذه الخواطر السانحات جالت بخاطري، وقد أخذتني سنة فنوم، في ليلة التاسع والعشرين ~~من شهر مايو، وبينما أنا نائم إذا شخص دخل غرفتي، وهي موصدة الأبواب، مقفلة الشبابيك ، ~~محبوكة الستائر، فوكزني برجله، وسمعت وأنا مغمض الأجفان، غائب عن عالم العيان، قائلا ~~يقول: قم أيها الإنسان، فلم أفتح عيني لمقالته، بل ظننته من أضغاث الأحلام، وخطرات المنام، ~~فاستعذت بالله من الشيطان الرجيم، فعاد الوكز، وعاودت الاستعاذة. # فلما كانت الثالثة فتحت عيني، إذا نور مشرق في ظلام الحجرة الحالك فدهشت من هجمته، بل ~~ذعرت من هيبته، وأخذتني هزة الرعدة، لا هزة الطرب، ثم استجمعت قواي، وشددت فؤادي، وقلت: ما ~~هذا، أنا في يقظة أم في منام، إن هذا إلا أضغاث أحلام. # ثم أغمضت عيني، إذا صوت أسمعه من ذلك النور الساطع، والضوء اللامع، يقول بلسان فصيح عربي ~~مبين، لا تخف إني صديقك، وعاشق للحكمة مثلك، اتحدت روحي وروحك، قم لأحل لك معضلات المسائل، ~~وأهم الوسائل، وأضع لكم يا أهل الأرض قانونا مسنونا، وصراطا مستقيما، ولكنني قبل ذلك ~~أسألك: أين الإنسان؟ ففتحت عيني، إذا شخص لم أر مثله في هذا العالم المشاهد، كأنه شاب ~~في سن العشرين، لم أتبين شكله لمكان الظلام المحيط بنوره، متوسط القامة، عليه حلل مرصعة ~~بالماس، منظومة بالذهب، محلاة بأنواع من الجواهر والأحجار الثمينة، لا أعرف لها في الأرض ~~نظيرا، ولا أكاد أميزها للدهشة وظلام الليل، فأعاد السؤال كرة أخرى وقال: أين الإنسان؟ ~~فقلت: نحن بني آدم نوع الإنسان. فقال: أوهذا منتهى ما ~~تصل له يد استطاعتكم في الكمال والأدب، والنظام والمدنية والفضل؟ وهل تجاريبك العلمية، ~~ومباحثك العقلية، أرشداك إلى أن هذا هو الكمال في ms012 الإنسان؟ # فقلت له: خبرني أيها السيد، من أين أقبلت؟ ومن أنت؟ فقال لي: إنني لي اسمان، الحقيقة ~~والوجدان، وقد أقبلت من مذنب هالي، وأنا روح من الأرواح السائحة في العالم، وإني أحبك ~~حبا جما لحبك لنوع الإنسان، واهتمامك بنظامه العام. # ولما اقتربت من الأرض نظرت إليك نظر المحب الشفيق، والوامق الصديق، فجئت لأسامرك الليلة، ~~وأجاذبك أطراف الصداقة والخلة، ثم ارجع من حيث أقبلت. # إني سألتك: أين الإنسان؟ فتلكأت في الجواب، وأوجبت بما لا يزيل اللبس، فأجب بالحقائق ~~المعروفة لديك، واختصر اختصارا، وليكن قولك إيجازا، وإذا لم تفد الحقيقة فضع بدلها ~~مجازا. # الفصل الثالث # | أخلاق الإنسان # أفدني كيف حال نوع الإنسان، وكيف أخلاق الطبقات المختلفة؟ قل لي ألست أنت الذي حكمت على ~~الإنسان بأن فيه خيرا وشرا، وكمالا ونقصا، وجهلا وعلما، وقوة وضعفا، وإنك خالطت ~~سائر طبقاتهم، ودرست جميع أخلاق وأحوالهم، تارة بالمجالسة، وأخرى بالمكاتبة، وآونة بالنظر ~~في الأخبار والجرائد وكتب الآفاق؟ عشت مع الفلاحين، وزرعت مع الزارعين، وتخللت صفوفهم، ~~وخالطتهم في حقولهم، فرأيت نفوسا خاملة، وعقولا قابلة، ومنهم البررة المتقون، ومنهم ~~الطالحون، ومنهم من يمكرون كالثعالب، ومنهم من يختانون كالذئاب، والمعظم فيما بينهم ذو ~~الجاه والمال، ومن كان أكثر مكرا، وأقدر على النميمة، وأتم في الحيل، وهم يحبون العلماء، ~~ويودون الأولياء، ووجدت طبقة الفقهاء فريقين، فريقا سبح وصلى بكرة وعشيا، فكان قوله ~~صدقا، وحكمه عدلا، والآخرون جعلوا العلوم حيلة محتال، وشبكة صائد وبهتان دجال، فأكسبهم ~~قوة بها على الجهال يصولون، وأعطاهم قدرة على المكر والدهاء فهم لا يرحمون، فخالطت أهل ~~الآداب والفضائل، ومن اتسموا بالعلم وسار ذكرهم في الآفاق، فعاشرتهم وخالطتهم، فرأيت صفات ~~العامة كامنة في أخلاقهم، وغرائز الجهلاء باقية في أوصافهم، ولكنهم يمتازون بالقول الخالب، ~~والمكر السيئ، فلما رأيت الخبيث والطيب، والجيد والرديء فيما حولك، رجعت البصر إلى العوالم ~~المتمدينة، العالية الرأس، السامية الذرى، فألفيت فيما بينهم سياسات العامة، وعلوم الخاصة، ~~إنك قلت أن النوع الإنساني ما زاده العلم إلا زيادة القوة الحيوية، بالعلوم الرياضية، ~~ودرس المسائل الطبيعية، والمهارة ms013 الصناعية، هذه هي العلوم الحقة الصادقة. # أما في الأخلاق والإخلاص والصدق وحب نوع الإنسان، فذلك قليل في الأمم، ولم يقم بهذه ~~الخصلة الشريفة، والخلة الحميدة، إلا أناس نبغوا في كل أمة يتخللون ثنايا الزمان، كالنجوم ~~الزواهر، في أكناف السماء. فقلت له: أيها السيد النبيل، نبل قدرك، وجزل رأيك، ونطقت ~~بالحق، وخبرت بالصدق، لقد عبرت عن بعض ما يختلج قلبي من المعاني، وإني لأزيدك إيضاحا؛ إن ~~الطبقة المتنورة في سائر الأمم والممالك، تخضع لزخرف القول، وتستنيم للأكاذيب، ويغرها ~~البهتان، ويسحرها الكلام الخالب، فحال الناس في سياساتهم ومعاشراتهم كحال المحامين أمام ~~القضاء، والشعراء المادحين، يعمدون إلى طلاء القول وما يؤثر في الوجدان والضمائر، وما يستفز ~~النخوة ويبعث النجدة، كما ترى في جرائدهم وأخبارهم، فشأن أكثر الناس إلا قليلا أن ~~ينخدعوا بالطلاء الكاذب، والزخرف الباطل، وما مثل المخادعين والمزخرفين إلا كمثل من رمى ~~شبكته ليصطاد، فهو يرتقب صيدا لا محالة، ولقد شهدت أهل الرأي في مجالسهم يخدعون ~~وينخدعون، ويقتطع زيد من كلام عمرو جملة بتراء، لينفذ فيها سهم نقده، ويقدح فيها زناد فكره، ~~ويتجاوبون بالباطل، ويفعلون فعل العامة. ولقد نجحت بعض الأمم في تهذيب الشعب كما يروى عن ~~أهل سويسرا، ولكن التهذيب والتأديب في سائر الأمم والممالك قاصر على الفضل فيما بينهم، ~~واقتسام الرحمة عندهم، وهم حرب على من سواهم، من الأمم والممالك، لا سيما أئمة السياسة، ~~وأكابر الأمم، فأولئك بأممهم وحدها مغرمون، وعلى حياتهم وحياتها يحرصون. # الفصل الرابع # | فضائل الإنسان # وهنا أخذتني الغيرة، وذهبت سكرة الحق، وجاءت فكرة التعصب للجنس والنخوة والحمية. فقلت في ~~نفسي: يا للعار ويا للشنار! روح من الأرواح تجلت لك ساعة من الزمان، فتشرح لها حال الإنسان، ~~فيذمنا عند العوالم الأخرى، ويا عار الأمم الأرضية، إذا رجع صديقي الوجدان إلى كوكب المريخ ~~أو المشتري، أو ركب متن مذنب هالي وساح في النظامات الفلكية العالية، وربما قابل علماء ~~أورانوس ونبتون، وربما ركب كوكبا آخر، فصعد إلى المجرة التي فيها ما لا يتناهي من الملايين ~~النجمية، فيخبرهم بأخلاق الأمم الحاضرة، ms014 وما فيها من زور وبهتان، وجهل فاضح، أوأكون أنا ~~السبب في نشر هذه الأخبار في عوالم السماء عن أرضنا! فوالله لأذكرن محاسن الإنسان، كما ~~ذكرت مساويه، وأنشر فضائله، كما أذعت نقائصه، ولأذيعن الخير كما أذعت الشر. كل هذا خطر لي ~~وأنا ساكت. # فدنوت إليه فوجدته يتبسم. فقلت له: أيها الملك الطاهر، والصديق الخالص، إن الإنسان وإن ~~أساء فقد أحسن، وإن ضل فقد هدي، ألا ترى أن منا الأنبياء والمرسلين، والحكماء والعلماء ~~والصالحين والأولياء، وفينا صفة الرحمة! فمن منا لا يجزع لمصيبة حلت بأخيه الإنسان! ومن ~~من المصريين والشرقيين لم يجزع لحوادث زلازل الطليان، وقد اختلف القومان، وبعد المكان، ~~وتباين الدينان، ولقد آنست قوما من فقراء الروم يطلبون الإحسان، والمعونة، أمام كنيسة ~~رومية في شارع الحمزاوي بالقاهرة، فبكيت ورحمت، وآنست مرة غلاما روميا يبكي، وقد ضل ~~الطريق، فسألته فكلمني بلغته فلم أفهم، فجزعت ولم يسكن ألمي إلا بعد أن أسلمته لرجل من ~~بني جنسه فعرفه، وأنه ضال طريق المدرسة، وإنا ليسرنا شعر شعرائهم، وعلم كبرائهم، كما ~~يفرحهم علمنا ورقينا، ويسوءهم جهلنا وضعفنا، وإن غطت الشهوات على العقول، وزاحم الطمع ~~الرحمة، والشدة اللين، والشر الخير، فالإنسان مركب من الخير والشر، والصالح والطالح، والطيب ~~والرديء، هكذا كان وهكذا سيكون. فلما انقضى الحديث، ودعني ذلك الصديق الحميم، وانصرف ومعه ~~الفؤاد، وقال: إن شاء الله يكون الاجتماع في الليلة القادمة، فأغمضت عيني، واستيقظت في ~~الصباح وأنا جذل فرح بما وعيت، فقيدته في ورقة وأنا لا أدري، أذلك حقيقة أم خيال، وعجبت ~~كما سيعجب القارئون. # الفصل الخامس # | في استعداد الإنسان # فلما كانت الليلة الثانية، ونمت وأنا في حيرة من أمري، إذا قائل يقول: قم أيها النائم، ~~فعلمت أنه صديقي ليلة أمس، فرأيته بشكل بهيج، ومنظر عجيب، ومن عجب أن صوته في الحديث ~~موسيقي، لم أسمع مثله في عالمنا، كأنه مطرب يعلم ومعلم مطرب، فتمنيت لو يتاح لنوع ~~الإنسان أن يحسن نغماته، ويتقن حركات أصواته، ويطرب سامعيه برناته، فأخذ يسمعني من بدائع ~~العالم ما سرني وبهرني، ومن ms015 قوله أتظنون أيها الناس أنكم وصلتم الغاية المطلوبة، والدرجة ~~المرغوبة، كلا، إنكم في أول طريقكم سائرون، وعن الصراط السوي ناكبون. ثم قال: لقد ذكرت ~~الخير والشر وامتزاجهما في نفوسكم وقرره حكماؤكم، وذلك دأبكم، تحكمون على الأشياء ~~بمظاهرها، ولا تدرسون ماهيتها وحقائقها، إن ما ذكره حكماؤكم في الإنسان قطرة من بحر، وذرة ~~من جبل، ألا أعرفك حقيقة الإنسان واستعداده. فقلت: ذلك غاية مقصدي، ونهاية مطلبي، وأنت ~~مشكور، وبالفضل مذكور، فقال: على شريطة أن تنشر الكتاب في أنحاء الكرة الأرضية، والعوالم ~~البشرية. فقلت: ذلك عهد بيني وبينك. # فقال: إن حقيقة النوع الإنساني واستعداده لا تنجلي بتعاريفكم الفلسفية، ولا تعرف بآرائكم ~~العلمية، وإنما أقربها لك بمثالين اثنين؛ المادة العامة الكونية، والهواء المحيط بالكرة ~~الأرضية، ألا إنما مثل الإنسان كمثل الهواء، وكمثل المادة، فإذا درستهما وعرفتهما آن لك أن ~~تعرف استعداد الإنسان وقواه وملكاته. فقلت: إن هذا القول غامض، فأرجو إيضاحه، وأطلب ~~تبيانه. فقال: إن المادة غامضة عليكم، مجهولة حقيقتها لديكم، وليس للبشر أن يقفوا على ~~كنهها، ويطلعوا على سرها، وإنما تعرفونها بأوصافها الظاهرة، وأعراضها القاصرة. تعلم أن ~~المادة تكون ضوءا وحرارة وكهرباء، وهو آخر الآراء عندكم يا أهل الأرض. فقلت له: نعم. فقال: ~~وتكون أثيرا وهواء وماء ومعادن أرضية، كالذهب والفضة والبلاتين والنحاس والقصدير، ~~ونباتا، كالفواكه والحبوب والملابس كالقطن والكتان، وتكون حيوانا في الماء كالأسماك، وفي ~~التراب كالحيات، وعلى وجه الأرض كالبهائم، وفي الجو كالطيور، وتكون كواكب وأفلاكا، وسماوات ~~وأرضين؟ قلت: نعم. قال: المادة واحدة تطورت وتغيرت وتشكلت، فإذا رأينا نحن علماء السماوات ~~حجرا في جبل، نظرنا ببصر غير بصركم، وسمعنا بأذن غير آذانكم، وعقلنا بقلب غير قلوبكم أنه ~~نبات وأسماك وحيوان، فهو فاكهة وروح وريحان، وذهب وفضة ونحاس وقصدير، وجنة ونار، وأرض ~~وسماء، وحيوان وإنسان، فتراه عالما متبحرا، وشجرا مثمرا، وذئبا عاويا، وغزالا أغن، ~~وأسدا رابضا، وإنسانا كاملا، وجاهلا مرذولا، وعالما مقبولا؛ ذلك لأنه يصلح لسائر ~~ما وصفنا، ويتشكل بكل ما ذكرنا من الأشكال. # إن المادة واحدة صالحة للجميع، فإذا فنيت السماوات ms016 وحطمت الأرضون، وطاح الحيوان، وذهب ~~النبات، وهلك الإنسان، وذبل الجمال، وراح البهاء، فذلك كله كامن في المادة، مستقر في ~~الهيولي، فليس بمعدوم أثره ولا زائل عنصره، وما المادة إلا كحب الحنطة، وبذرة شجر القطن، ~~متى أنزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت الأغصان، وأبرزت الأزهار، وأطلعت الأوراق، وألبست ~~القطن، وأهدت القمح، فهكذا المادة تصلح لكل شيء، فإذا أفرغ الله عليها حكمته، ونفحها ~~قدرته، تنوعت أصنافها، وتشكلت أوصافها، بما تراه، فأنت من هذا عرفت استعداد المادة وتنوعها ~~وتشكلها بما لا يتناهى، فهكذا الإنسان، إن أرواحكم كالمادة، قادرة على الخير والشر، والرفعة ~~والضعة، وإذا ما نظرنا إلى زنجي دميم، أو ملك عظيم، أو عالم حكيم، لم نفرق بين الأبيض ~~الجميل، والصعلوك الوضيع، والجاهل البليد؛ لأننا نعلم الاستعداد الإنساني، وقبوله الرقي، ~~كما قبلت المادة الصورة الحجرية. وتشكلت بالصورة الإنسانية، فلا يشكل المادة إلا العلم ~~والقدرة، ولا يخرج الإنسان من جهله وخموله وبساطته إلا التعليم، وكما تكون المادة ~~بالتشكيل ضارة، كالعقارب والحيات، فهكذا قد يكون الإنسان بالتعليم شرا وبيلا، وشررا ~~مستطيرا، كعلماء اللصوص، وبعض رجال سياساتكم في الأرض. فقلت: وهل سيكون في الأرض سياسات ~~ممدوحة؟ قال: نعم، بعد نشر هذا القول في الكرة الأرضية، سيكون له أثر محمود، وفضل مشهود. ~~فقلت له: فأوضح لي المثل الآخر وهو الهواء. فقال: أنت تعرف الهواء؟ قلت: نعم. قال: إن ~~الإنسان يقبل رقيا عاليا، ومجدا غاليا، لا يحصيهما عد، وليس لهما حد، والفرق ما بين ~~نقصه وكماله، وقبحه وجماله، كالفرق ما بين الهواء في حجرتك الحائم حول دواتك، المحيط بقلم ~~كتابتك، والهواء الخارج من القصبة الهوائية، المغذي للأجسام الإنسانية، الممتزج بالكرات ~~الدموية، المولد للحروف الهجائية بنغماته، المفهم لسامعيه عجائب الحكمة بآياته، ودرر ~~المعاني وغرر العلوم برناته. # فقلت: أوضح لي المثل. فقال: إن الهواء الجوي يغدو ويروح في الجو، وله فوائد معلومة، ونعم ~~محدودة مشهودة، يحمل السحاب، ويرفع قطرات الماء، ويقبل الأصوات، وهو الأمين على اللغات، ~~حافظ أنواع المسموعات، بحيث يميز ما بين صوت وصوت، ولغة ولغة، ورائحة ورائحة. # هذه ms017 وأمثالها فوائد الهواء الذي يغمركم بكرته الجوية، ويحيط بكم وهو في حالته الفطرية، ~~فإذا ما تطور بأطوار أخرى، فإنه يأتي بفوائد كثيرة، ألا ترى أنه يغذي النبات فيمتزج ~~بمائه، ويتخلل عصاراته، وهو نفسه وغذاؤه، فهذا مدرسة أولى للهواء، يمتزج بالعناصر ~~الأرضية، ويحدث منها الأغصان، ويخرج الأزهار، ويمازج الأشجار، فهذه الأشجار الخضرة، ~~والأزهار النضرة، والثمار البهية، يدخل في تركيبها الهواء، كما مازجها الماء والتراب، ~~والأضواء، فالنبات يتنفس ولكنه لا صوت لنفسه، ولا حروف ونغمات ولا علوم ولا آداب، ثم ~~الحيوان يستنشق الهواء فيمتزج بتركيبه، ويدخل في بنيانه كما دخل في النبات، وكون الأوراق ~~والأزهار، لكنه في الحيوان أعظم قدرا وأوفر عملا وأجل فائدة، ألا ترى الطيور بأصواتها ~~الشجية المبهجة، ونغماتها البديعة البهية، أليس هذا من العجب؟ مصلحة الهواء الامتزاج بالدم، ~~وتكوين اللحم والشحم والعظم والعروق والحواس، فما باله زاد في الحيوان جمالا وإبداعا، ~~فصار دلالة بين الأم وولدها، والذكر وأنثاه، والحمامة وأفراخها، والنعجة وحملها، واللبوة ~~وأشبالها، وذلك لم يكن بين الغصن وأزهاره، ولا بين الساق وفرعه، ولا بين الفروع وأثمارها، ~~فإذا تخطينا إلى الإنسان وهو المدرسة الكلية العالية للهواء، رأينا أمرا عجبا، فإنه يفعل ~~كما فعل في النبات من التغذية، وفي الحيوان من النغمات والفهم والإفهام، وزاد عليهما ~~باللغات، والعلوم الناشئات من الحروف الهجائية، المركوزة في الطباع البشرية، ألا تتأمل، ألا ~~تتعجب من الهواء كيف كان في الجو قليل الفوائد، فلما أن دخل المدرسة الأولى النباتية أفاد ~~المواد الغذائية، فلما أن دخل المدرسة الثانية الحيوانية أفاد الدلالة والإفهام، فلما أن ~~وصل المدرسة العليا الإنسانية كانت النغمات المشجية، والحروف الهجائية، والعلوم الكونية، ~~فصار معبرا عن سائر الكائنات، وبجميع اللغات، فكم لغة كونت ودونت! ويقال: إن في الأرض ~~أربعة آلاف لغة تحصر ما في العالم العلوي والسفلي من العلوم، فهل تجد تلك العجائب في هواء ~~دارك، الساكن في غرفتك، أم الصنعة التي أدخلت عليه جعلته في أعلى مكانة وأسماها، لعمرك ~~إنه لا فارق بين هواء غرفتك، ونغمات الموسيقى، ومطربات الموسيقار، وكلمات الحكم والأخبار ms018 ~~إلا بالصنعة والإتقان، فالهواء هواء اعترته العوارض ودخلته الصنعة فارتقت به إلى أبدع ~~الأحوال وأسماها، وأعز المقامات وأغلاها، فهل تقصر الروح الإنسانية، عن النسمات الهوائية، ~~إن نفوسكم أرق وأرقى، وأعز وأغلى، فإذا دخلتها الصنعة غلت قيمتها، وعلت رتبتها، وزادت ~~كرامتها، ولئن تدرج الهواء في الصنعة من البساطة في الجو إلى نغمات مشجية مطربة، وحكم ~~عالية، وعلوم باقية، وآداب غالية، أفلا يصل الإنسان من مقامه الوحشي بين الأنعام، إلى رتبة ~~السادة الأخيار المصطفين الأحرار. # ثم قال: يا أيها الناس إن نفوسكم لشريفة عالية ، وأرواحكم طاهرة باهرة، وعقولكم سامية ~~فاضلة. وقدرتكم تزيل الجبال، وترفع الحصون، وتذلل الصعاب، أرواحكم مطلقة فقيدتموها، ~~ومقدرتكم واسعة فضيقتموها، ولئن وسعت المادة سائر الأشكال، من الظلمات والنور، والظل ~~والحرور، والإنسان والجماد، والبحر والبر، فإن نفوسكم أعظم اتساعا وأوفر اقتدارا، وأعلى ~~منارا، وإذا كان الهواء يرتقي إلى أن يحمل الحكمة بسائر أنواعها في حروف هجائية، فالأرواح ~~الإنسانية أجل منه مقاما، وألطف بهاء، وأوسع جاها، وأبهى جمالا، وأبهر حسنا ~~وكمالا. ما لي أرى أخلاقكم نازلة، وسياساتكم عاطلة، وحكوماتكم ناقصة، مشوهة! إنني لما ~~اقتربت من الأرض وشاهدتكم في محن العذاب مسخرين، وفي عذاب جهنم الذل خالدين، أيقنت أنكم ~~مسجونون في هذه الكرة، لا تفارقونها إلا بالموت، كتب عليكم أن تسجنوا في الأجسام، وأن لا ~~تفروا من الأرض، فزدتم القيد قيودا، ذلك أنكم حبستم أنفسكم في سجن الجهالات، وفاسد ~~الحكومات، جهلتم قدر أنفسكم فحبستموها، وبهذا السجن عذبتموها، وكم لكم من قدرة تركتموها، ~~ومن حكمة دفنتموها! كل هذا وأنا مصغ لقوله، سامع لوعظه وزجره، ودعني وولى مدبرا، فنمت، ~~فلما انفلق عمود الصباح كتبت ما قره وسطرت ما حققه. # الفصل السادس # | في أنواع الحكومات والفلاسفة # فلما أن كانت الليلة الثالثة دخل الحجرة وأيقظني وأجلسني فآنست وجها يخجل القمر، وقد ~~لبس ثيابا بيضاء مصفرة ومعه ساعة من الذهب، فرجع إلى الكلام على حال الإنسان وقال: ما الذي ~~عملتم بفطركم وعقولكم؟ فقلت: نظمنا الحكومات، وقرأنا الديانات، وأوسعنا العلوم واللغات، ~~واخترقنا الجبال، وعبرنا الأنهار، وسخرنا الهواء، والحجر ms019 والماء، فنحن لذلك كله مسخرون. ~~فتبسم وقال: سأريك قيمة ما وصفت، وأعرفك أنه ليس شيئا مذكورا في إنسانيتكم، أجبني: «أين ~~الإنسان؟» أنتم متحاربون متقاتلون متعادون، أنتم ذئاب على أجسادكم ثياب، إنني إذ سحت ~~العوالم السماوية، ونظرت نظاماتها السياسية، وقارنت سياستكم بسياستها، ودولكم بدولها، ما ~~شككت أنكم يا أهل الأرض معذبون غافلون، إني عجبت لكم، إن لكل امرئ منكم قلبين متضادين، ~~ونفسين متناقضتين، ووجهين متشاكسين. فقلت: كلا، بل قلب واحد، ونفس وعقل ووجه. فقال: ألستم ~~تقابلون بعضكم بما تعلنون، وهو مخالف لما تضمرون ؟ ألستم تفشون، وتكذبون وتنافقون، وأنتم ~~متظاهرون بالصلاح، وكثير منكم فاسقون؟ أوهذه حياة الإنسانية؟! إن هي إلا حياة ~~شيطانية. # ثم قال: خبرني، أليست حكوماتكم هي التي أكل عليها الدهر وشرب، ما هذه الحكومات، يا عجبا ~~للإنسان! يا ويل الإنسان! أطلق له السراح كما أطلق للمادة، فتدلى عن الحيوانية، وانحط أسفل ~~من البهيمية؛ ألستم تخضعون للأوهام والدجالين والكذابين؟ ألستم تحسون بضعف أنفسكم أمام ~~وارثي الملك فتملكونهم عليكم، والطبيعة والفطرة تناديكم، أين عقولكم؟ أين أحلامكم؟ «أين ~~الإنسان؟» إن الفطرة قد تكفلت لكم بكل حكمة وسياسة، إن الحكمة العالية الإلهية سنت لكم ~~القوانين، ونظمت لكم كل شيء وأنت غافلون. قلت له: فأفدني. فقال: سيريك الشيخ الوقور من بعد ~~«جامون السماوي». (وسيكون له القول الفصل في آخر الكتاب.) # فقلت له: من أين استمد الإنسان أكثر الحكومات الحاضرة؟ فقال: إن الإنسان عاش مع الحيوان ~~أمدا طويلا يتصارعان ويتجاولان، وقد ركبت فيكم صفات الشهوة لتعيشوا كالبهائم، وصفات الغضب ~~لتدافعوا كالأسود، وصفات العلم والحكمة لترقوا وتسعدوا كالملائكة، ولكنكم يا معاشر الإنسان، ~~لا تزالون مع الأنعام، ولا تقدسون إلا صفات الآساد. # فقلت له: إن فينا الأنبياء والحكماء والعلماء. فقال: أما أنبياؤكم فقد خالفتموهم، وأولتم ~~كلامهم، وأما حكماؤكم فإن أكثرهم ساروا مع العامة، وعللوا ما وجدوه بلا بحث ولا تنقيب، كما ~~فعل علماء اليونان في الأفلاك، وما قاله أرسطاطاليس في المذنبات، وداروين في السياسات، ~~وسبنسر في المطعومات، وعامة علماء أوروبا في الصين واليابان. فدهشت إذ سمعت هذا القول، ms020 ~~وعجبت كيف عرف أسماء الحكماء في الحديث والقديم. فقلت: أيها الصديق الفاضل، رعاك الله، أوضح ~~لي ما ذكرت. فقال: أما علماء اليونان فإنهم لما رأوا قبة زرقاء، منظورة دائمة الوجود، ~~قالوا: أنها لا تقبل الخرق ولا الالتئام، ولا الفساد ولا الفناء، وهي دائمة أبدا وأمدا. ~~وهذا القول كذبته العلوم، وذهبت دولته، وانهارت سياسته، فأنت ترى أنهم عللوا الكرة ~~السماوية كما يلتمس علماء البيان حكمة الاستعارة المكنية، وكقولهم إن الكواكب السبعة البهية ~~توسطتها الشمس كما تتوسط شمس القلادة قلادتها، وهي أثمن جوهرة العقد في جيد الحسناء، إذ ~~تكون في وسط الخرزات البهجات، أفليس ذلك عيبا في الحكمة وجهلا بالنظام؟ أما أرسطاطاليس ~~فإنه علل النيازك والكواكب ذوات الذنب بأنها أبخرة أرضية، صعدت في جو السماء وصادفت ~~الكرة النارية فاشتعلت فحدث الضوء المنير، وأنت تعلم سقوط هذا الرأي في العلوم العصرية، ~~والحكم الكونية، والاكتشافات الحكمية. # وأما داروين فإنه لما نظر جمال الدنيا وبهجتها وزخرفها وحكمها ونظامها ووقف على غلبة ~~الأسود للظباء، والعنكبوت للذباب، والذئب للدجاج، والقوي للضعيف، ورأى الأمم القوية تفتك ~~بالضعيفة وتبيدها من الوجود، جارى ما يشاهده من الناس، فحكم بألا فلاح إلا بالغلبة ~~والقوة والسلاح والكراع، فأخذت الأمم تجد في السلاح والمدافع والرصاص، وهو حق أريد به باطل، ~~وصدق أريد به كذب، وستفهم فيما بعد أنه أخذ القضية من أحد وجهيها، ولم يحقق مقالته ولم يحكم ~~حكمته، ولعل أنصاره هم الضالون، وإلا فكيف عاش الفيل تحت الشجرة، والعصفور فوقها والنمل ~~أمامها، والصعو (الميكروب) في جسمها، والذباب يطن على أذنيها، والجميع في جو واحد، ~~منعتهم من التزاحم حواجز طبيعية، أفلا تحجز الناس حواجز حكمية، ليطابق العقل الإنساني حكمة ~~الكون العليا، ودرجته القصوى. ولم يكن هذا مذهب داروين وحده، بل سبقه به أبيقور اليوناني ~~وهو يحدث عن العالم بطريق الحدس والتخمين، وهكذا ذكر هذه الغلبة العرب، ولكنهم لم يريدوا أن ~~يجعلوها أساسا للسياسات. # أما بعض علماء أوروبا فإنهم حكموا على الصين واليابان قبل الآن، أنهم لا يرتقون إلا ~~لدرجتهم الحالية «إذ ذاك»، وعللوا ms021 ذلك بزوايا الوجوه، وأوضاع الأنوف، وربما جعلوا للألوان ~~أثرا في السياسة، فخاب ظنهم، وضل سعيهم، وكذبهم ما فعلته اليابان مع الروس، وما قام به ~~الصين من العلوم العصرية، وهي الآن آخذة في الارتقاء ساعية جهدها إلى العلاء، وأما سبنسر ~~فإنه لما أحس أن كثيرا من الناس قرم للحم، مغرم بأنواع الطعام، فضل أدنى الخصلتين، وذم ~~النباتيين، وقال: إن أكل اللحم صفة الآساد والنمور، وهي أمتن قوة، وأعظم سلطانا، والأمم ~~التي تأكل اللحم تقهر النباتيين، فكذبه أن قامت اليابان، وكذبته بأوضح برهان، فإنهم بالأرز ~~مغرمون، وعن إكثار اللحم معرضون، وقوى حجة استكثار أنواع الطعام على المائدة، ليسهل هضمها ~~ويعظم نفعها، ولعمرك إن هذا عكس ما قرره الأطباء، وبرهن عليه الحكماء. وإنما قرر ذلك ~~مجاراة للزمان، ومسايرة للشهوات الهائجة، في البلاد الشرقية والغربية. # فالعادة كثيرا ما تضطر حكماءكم إلى أقوال غير صادقة، وتحملهم على قضايا لا يألفها ~~المنطق، ولا تصدقها العقول العالية، والنفوس الشريفة الراقية. هذه قضايا حكمائكم، وآراء ~~فلاسفتكم، يخضعون للعادات، وينقادون للشهوات، ومن منهم إلا حرض قومه على إهلاك غيرهم، ~~وإبادتهم وتسخيرهم، وجعلهم سلما لسعادتهم، كأنهم خلقوا واسطة لغيرهم، وطريقا لحياتهم، وإن ~~هم إلا بشر مثلهم، إلا أنهم هم الظالمون. # فقلت: أوضح لي نظرية سياسات الأمم اليوم إيضاحا شافيا، وأبن لي نظيرها في الموجودات ~~المشاهدة، والمخلوقات الطبيعية الحية، وما برهان نقصها، وما سبب اختيارها وتفضيلها. فقال: ~~لقد شاهد آباؤكم الأقدمون، وحكماؤكم السابقون أنواع النمور والأسود والصقور تعيش عيشة ~~هنيئة، بتمزيق اللحوم، وتهشيم العظام، واقتناص الغزلان، وصغار الحيوان، فعمدوا إلى تقليدها، ~~والسير على منهاجها، وقالوا: ما أهنأ عيش الأسود والنمور والذئاب، إن النمر يعتمد على قوته، ~~والذئب والثعلب على خدعته، فتأكل اللحوم سهلة هينة سائغة للقانصين، وقلدوها في سياستها، ~~وزاحموها في وحشيتها، واستمدوا قوة من سلطتها، فاتخذوا الكراع والسلاح والقنا والسيف، ~~وأكلوا ثمرات غيرهم، واستطابوا عيشة النهب والسلب، وهذه هي القوة السبعية الكامنة في ~~الإنسان، قام بها أسوأ قيام، أخضع لها العقل الملكي، فأخذ يدبر ليكون وحشا كاسرا، وقاهرا ~~فاجرا. فقلت ms022 له: أيها السيد، بارك الله فيك، إن هذا ليس ظلما، إن السباع محددة الأنياب، ~~شاكية الأظفار، والشواهين والصقور ملتوية المناقير، قد حكم عليها أن تعيش على لحوم الغزلان ~~والأرانب وأمثالها. فتبسم، ثم قال: وهل هذه براهينكم؟ الأسد لا يأكل الأسد، وإنما يأكل ~~البقر والمعز والضأن، وقد أعدها الخالق الحكيم طعاما للآساد، وما أقل الآساد! وما أكثر ~~الأنعام والضأن والمعز! فأما أنتم يا معشر الإنس، فإنكم تسخرون أبناء جنسكم بلا ضرورة ~~تلجئكم، ولا حاجة تحرجكم، فأنتم مختارون غير مضطرين، والآساد مضطرة. على أن أكل الآساد ~~وسائر السباع لحكمة بالغة، ونظام عجيب؛ ذلك أن تلك الحيوانات إذا بقيت رممها وجللت وجه ~~الأرض تعفن الجو بأنواع الحيوانات الصغيرة المسماة بالميكروب فيعم الوباء، ويكون البلاء ~~بفساد الجو، ففتك السباع حكمة منظمة مدبرة، على أنها لا تبيد هذه الأنواع، فهي باقية أبدا ~~ما دامت الأرض والسماء، فقولكم: إن الأقوى يقهر الأضعف، كلمة حق أردتم بها باطلا، وصدق ~~أردتم به كذبا، ونظام أردتم به خللا، وعلم أردتم به جهلا، إنكم يا معشر الإنسان ظالمون ~~جاهلون. # أخبرني أي أمة من البقر حاربت أختها فأفنتها، ثم سخرت عجولها لأعمالها؟! وأي أسد اتخذ معه ~~آسادا، ونظم جيشا فحارب آسادا أخرى وسخرهم لمعيشته؟! وأي كلاب جمعت جموعها فأرهقت ~~الكلاب، وأيتمت الأجراء، وأرملت الكلبات؟! فقل لي أيها الإنسي، «أين الإنسان؟» فقلت له: ~~إن النمل لتحارب وتأسر وتسخر نملا آخر في أعمالها. فقال: ويحكم يا معشر الإنس! وهل النمل ~~أستاذكم؟ أتحققتم أن النمل الغالبة من جنس المغلوبة؟ ولعل الفرق بين الغالبة والمغلوبة، ~~والبعد ما بين القاهرة والمقهورة في الشكل والإدراك، كما بين الإنسان والقرد، فيكون الغالب ~~من غير نوع المقهور. ولعل هناك حكما لا تدركونها، وأسرارا لا تعلمونها، كالتي فهمتها ~~الآن في نظرية الأسود والغزلان. يا أيها الإنسان، «أين الإنسان؟» ولئن ظننتم أن النمل ~~القاهر والمقهور إخوان، فما بالكم تقلدون الحيوان في الضلال! فكيف تدعون أنكم أعلى مقاما، ~~وأرفع منارا، وأهدى من القطا، وأرقى العالمين! وإذا كنتم تؤيدون نظرياتكم بأعمال الحيوان، ~~وتدعون ms023 الصالح، وتصطفون الطالح، فخبرني، رعاك الله، كيف تدعون بأنكم أرقى الحيوان! ~~«أين الإنسان؟» فقلت له: كيف تنكر سيادتنا ورفعتنا، ونحن الألى رفعنا منار العلم، وأقمنا ~~بينات الهدى، وبنينا الدور، وشيدنا القصور؟ فقال: أي دور وأي قصور؟ إن الخطاطيف تبني، ~~والعصفور وسائر الطيور، فحاصل ما تصنعون يشبه ما يفعله سائر الطير في الأشجار، والوحش في ~~الفلا والقفار، ولقد عثر الباحثون عندكم على عنكبوت مائية، اتخذت لها بيتا تحت الماء لتعيش ~~فيه، بحيث يوضع مقلوبا وتملأ قمته بالهواء، وهذه لم يتسن لكم إلى الآن الاهتداء ~~إليها. # وهل أتاك نبأ كلاب البحر في أستراليا، فإنها تضع حواجز للنهر كذلك الذي تسمونه العرم ~~والنجف، يخزن الماء ليكون حصنا على أبواب بيوتها الغاطسة فيه، ولكل بيت من بيوتها دوران ~~أعلى وأسفل، فالأعلى للجلوس، والأسفل لخزن الطعام، على أنكم برعتم في الأبنية، وإنما ذلك ~~لوقاية الأجسام من العطب والعاديات، وليس ذلك فضيلة فيكم، ولا فخر لكم، فأنتم فيه والحيوان ~~سواء، فبم امتزتم عليه، يا أيها الإنسان. # لعلكم تفخرون بسكة الحديد، ورسائل البرق والبريد، وتسخير الحيوان، وعبور البحار بالسفن ~~الكبار، واتخاذكم الأثير بالبريد البرقي المسمى تلغراف ماركوني، وإنكم أخذتم تصعدون الجو في ~~السفن الهوائية المسماة بالبالون والمنطاد. ولعلكم تفرحون بتشييد الحصون، وتحديد السلاح، ~~وتدريب الجند على الكفاح، وأن الأمم الغالبة تنزع السلاح من المقهورة، وتتخذها خولا ~~وعبيدا، وترفع منها العلم، وتذيع الجهل، ليكون الأولون آسادا، والآخرون غزلانا وأرانب ~~وخرفانا، فقل أين الإنسان؟ أوهذه عقولكم؟ أنا ما سمعت في كوكب من الكواكب السماوية التي ~~سحت فيها سكانا شرا منكم، فأين الإنسان؟ أين الإنسان؟ أتدري كل ما به تفخرون وما أنتم ~~عليه عاكفون، ذلك كله أعمال حيوانية، بل ألعاب صبيانية؛ فما سكة الحديد والقطار، إلا ~~أنكم أوتيتم أرجلا سريعة أسرع من كل حيوان، وأن فرق ما بينكم في سرعة النقل وبين الإبل ~~السريعة العدو لأقل مما بين عدو الأرانب والنمل؛ فأسرع قطار ليس أسرع من جري الجمال ~~البختية مرتين. والأرنب أسرع من النمل آلافا مؤلفة. فقل لي: هل سرعة ms024 السير فضيلة جديدة؟ ~~إذن كانت الأرانب إنسانا. بل إنكم قبل ركوب القطار منذ ثلاثمائة عام مثلا كنتم أبطأ من ~~أكثر الحيوان جريا، فالأسود والنمور والبقر والغنم كانت أسرع منكم، فإذن هي الأرقى والأعز ~~الأعلى، وأنتم تدعون الفضل عليها بالعقل لا بالسرعة والبطء، فلا ينبغي لكم اليوم أن تتبجحوا ~~بقولكم القطار والبخار. ولئن سلكتم هذا السبيل، وسرنا معكم فيما تدعون، وقلنا: أنتم فضلتم ~~الحيوان في هذه. فأي فضل لكم في شيء ليس يجلب إلا الطعام والشراب؟! فأنتم لا ترحلون ولا ~~تحلون إلا لمواد حياتكم من الطعام والزراعة والتجارة والسياسة، وكلها لغذاء الأجسام وكسوة ~~الجلود ودفع الأعداء، فلم تفضلوا بها الحيوان شيئا مذكورا، وما قلناه في القطار نذكره ~~في البريد والرسائل البرقية، وإن هي إلا رسائل لمادة الحياة كما تعيش سائر ~~الحيوان. # لندع التطويل ونرجئ إتمام البحث إلى مقال السيد جامون، فأنتم يا معشر الإنس اتخذتم الظلم ~~عادة وفخرتم على سواكم جهلا وزورا، وقلدتم أسوأ الحيوان حالا، وأقله فضيلة، وإني ما رأيت ~~شرا منكم في تدمير جنسه، وتسخير قومه وخدعه في قوله ونفاقه في عمله. فدعوا الدعوى ~~والعظمة، واعلموا إنكم غير ما تظنون. فقلت له: ما لك رفعت ووضعت، ومدحت وذممت، قد أثبت أن ~~نفوسنا تشابه الهواء في قبوله للرقي وحسن الصنعة، وتضارع المادة في تشكلها وترقيها، وها أنت ~~تسومنا السوء وتضعنا في أسفل سافلين؟ فقال: نعم، يقول الله: # لقد ~~خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه ~~أسفل سافلين # فعقولكم قابلة للسعادة، وأنتم حكمتم عليها بالذل والحرمان ~~والهوان، إذ اتخذ قدماؤكم نظام حياتهم على قاعدة أن الإنسان أنواع، فقوم نصبوا أنفسهم ~~للسيادة واتخذوا غيرهم عبيدا، فالأولون سباع والآخرون غزلان، ثم وجه الطرفان تعاليمهما على ~~هذا المنوال، وتوارثوها جيلا عن جيل، ثم تحدث أمور تختلف فيها الوجهة ويقهر المغلوبون ويذل ~~الغالبون. # الفصل السابع # | لم نقرأ إلا سطرين سطرا من المادة وسطرا من العقل # ثم قال: ألا إن مثل عقولكم كمثل المادة كما أسلفنا، وإن المادة فيها سبعون ألف سطر من حكم ~~عجيبة، وما ms025 قرأتم منها في السياسة إلا سطرا واحدا، ثم لم تفهموا إلا جملة من السطر، ~~وهي: «يغلب الأقوى الأضعف»، ألم تر إلى ما أودع فيها من الحيوان والنبات والمعادن، وأنتم ~~كل يوم تخترعون وتكتشفون، وكم من نبات لا تعلمون، إن الحشائش والأشجار المحيطة بمنازلكم ~~النابتة في حقولكم كافلة لشفائكم، ولكنكم لا تعلمونها، ولو علمتم منافعها لكنتم أنعم بالا ~~وأسعد حالا، وكم في خفايا الأرض وبطون الأودية وعلى رءوس الجبال من المنافع، والناس عنها ~~غافلون، ولم يقرأ الناس إلا سطرا واحدا، وحفظوا منه في السياسة الجملة المشئومة ~~المذكورة. # وأما عقولكم فإنها عنكم مستورة مغمورة بالقوة الغضبية، والشهوة الحيوانية، ولم تستطيعوا ~~أن تتخلصوا منها، ولم يتضح لكم من عقولكم إلا سطر واحد، مكتوب من جملة سبعين ألف سطر في ~~الحكمة والعلم لا تزالون عنها غافلين، فالمادة والعقل صنوان في الإبداع، وفرسا رهان في ~~الاتساع، والسطر الذي قرأتموه من عقولكم تلك العلوم العقلية والآراء الحكمية، ومنه أنكم ~~أخذتم تحلون معضلة السياسة وأنتم لا تشعرون. فقلت: وكيف ذلك؟ فقال: إنكم في سالف الزمان، ~~سخرتم الأنعام، فأكلتم لحومها، ولبستم أصوافها وجلودها، وظننتم أن هذا غاية السعادة ومنتهى ~~الرقي والمدنية، فلما كثرتم أيقنتم أن الأصواف لا تكسو عشر الإنسان وسائر دواب الحمل لا ~~تقوم بحاجاتكم ولا تفي بمطلوبكم، فاخترعتم البخار والبريد البخاري والبرقي والأثيري ~~«مركوني»، فذلك بلا ريب جملة فهمتموها من سطر من سبعين ألف سطر من حكم عقولكم، وستعين على ~~حل مسائلكم السياسية بعد حين، كما أنكم زرعتم القطن فألبس سبعة أعشار الناس أثوابا وكساهم ~~أردية، ولا جرم أن هذا الحل نهاية ما عرفه الإنسان، وأبرزه العرفان، وجربه الزمان. إنكم ما ~~اتخذتم إخوانكم خولا وخدما، وأذللتموهم، إلا ليتمموا ما نقصه الحيوان من المنافع، ثم ~~سلطتم أشعة عقولكم على المادة والنبات فألبستكم لباسا حسنا قطنيا، وأعطتكم بخارا ~~وقطارا، فكفتكم بإرادة مبدعها، إنها لتكفل لكم الخير والنجاح، والعز والفلاح، إذا اتجه ~~سائر نوع الإنسان إلى الطبيعة فذللها، وترك ذلك الجهل وذهب الكسل والخمول، والجور وظلم ~~العالمين. # الفصل الثامن ms026 # | أين الحكمة في المادة والعقل # فقلت: ما الحكمة في فوائد المادة إذا لم نعقلها؟ وما الفائدة في عجائب العقول البشرية إذا ~~جهلوها؟ فقال: إن هذه المادة كلوح منقوش سطورا، فالحيوان يقرأ جزءا، وأنتم تقرءون سطرا، ~~وسائر السطور يقرؤها آخرون في عالم آخر، أما عقول النوع البشري فإنها مستمدة من العقل العام ~~المحيط بالعالم الفائض من علم الله عز وجل، وهذا العقل يحيط علما بالمادة وعجائبها، ~~والعقول البشرية تطلع قليلا قليلا على ما أودع فيه من الحكم، ولئن ذبل نبات أو مات حيوان ~~بلا فائدة ترونها، فهناك فوائد تجهلونها، ومتى تحلل إلى عناصره، وكر راجعا إلى مادته، لم ~~يعدم خواصه، وإنما هي كامنة، فلا معدوم في هذا الوجود، وأنه لا عدم البتة، ليس يعدم إلا ~~المظاهر. # فأما الحقائق فإنها كامنة راسخة، فالمادة فيها كل نبات وحيوان وإنسان، هكذا عقول نوع ~~الإنسان، إنها تحفظ عناصر السعادة، وإنما يعوزها الاستخراج والإنماء، فمن نظر إلى زنجي ~~وإفرنجي قال لأول وهلة: إن الأول من التراب، والآخر من معدن الذهب، وضل عن هذا الزاعم أن ~~البذرة متحدة، واختلفت المظاهر بالتعهد والتربية، وما الإفرنجي إلا من أولئك البرابرة ~~التتريين، قوم جاءوا من آسيا وأحاطوا دولة الرومان، ثم غلبتهم، وورثتهم علومهم ولغاتهم ~~وقوانينهم، والمتوحشون أسرع قبولا للمدنية وأقوى أجساما، وترى الأرض التي بقيت بورا ~~أمدا طويلا أنضر زرعا وأغزر شجرا من الأرض التي أنهكها الزرع والحصاد، فكيف يهرف فريق ~~من العلماء بقولهم متوحشون ومتمدينون، ويحكمون جهلا على فريق أنهم لا يرتقون، وهم كانوا ~~مثلهم في غابر الأزمان، فعقولكم البشرية لا تزال خاوية من الحكمة، واقفة في أول الطريق ~~ولكنها على باب الهداية، إذ بدأتم تكشفون أسرار الخليقة، وستعتقون العقول من الرق، ~~وتستخرجون كنوز الأرض النباتية والناموسية، فهي الكافلة بنجاحكم، والكافية لإسعادكم ~~وإزالة العوائق المخترعة، ولتعلموا أنكم نوع واحد، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا ~~على الإثم والعدوان. # الفصل التاسع # | الفلسفة العتيقة والفلسفة الجديدة وكيف كان توزيع العقول على أفراد الإنسان والمنافع على ~~الأرض وكيف جهلها الإنسان # واعلم أن ms027 القضية العتيقة القائلة بأن الأقوى يغلب الأضعف وأن الضعيف أسير القوي، لا تنطبق ~~على العصر الحاضر، فأبيقور المخترع لها، وداروين المقرر كانا في زمن، وأنتم أحوج إلى قضية ~~جديدة، ولقد أبنا تفنيدها وشرحنا نقضها، والقضية الجديدة «العقل فوق القوة» وهو أضمن ~~للسلامة، وأقدر على الكفاية، يغني الناس عن الحرب والكفاح، والمدفع والسلاح، إن الإنسان نوع ~~واحد، وعقله أولى بكفايته، والمادة تكفيه شئونه، فليرح أخاه وليتحد معه على استخراج ما ~~في الوجود من الحكمة، فمقال أبيقور وداروين مما يتلاشى مع الزمان، ويتغير بتغير الأجيال، ~~ومثل هذا لا يناسب الأعصر الحالية كما سنوضحه بأعلى من هذا فيما بعد. # الإنسان ترقى في العلم، وانحط في الأخلاق، وسفل في الأعمال، لله در علماء الطبيعة والفلك، ~~لله در الرياضيين، لله در علماء الحقائق، وما أجهل العقل السياسي في العالم، أمركم عجيب، ~~استخرجتم المنطق فصدقت قضاياكم في أكثر ما استخرجتموه من الطبيعة، كمسألة أرشميدس وإضرابها ~~كسائر القضايا الهندسية والحسابية، فنلتم كثيرا من العلوم. فقلت له: إن لدى أممنا نوادي ~~علمية، وآثارا حكمية، وما من دولة أوروبية أو أمة شرقية إلا وضربت في العلم بسهم وأخذت ~~من الحكمة بنصيب، وما منهم إلا له مقام معلوم، يحضون على الارتقاء والمحبة العامة ~~والسعادة الإنسانية. # فسكت مليا وأشار إلى خادم حاضر، فما كان أسرع أن أحضر له خريطة زرقاء بهية، فنظر وتبسم ~~ضاحكا. فقلت في نفسي: مم يضحك! لعله نظر في أحوال الأمم الوحشية، وهلا قرأ علوم ~~الأكاديميات الأوروبية، ولو أنه استطلع حكمة الفرنسيين، وعلم الألمانيين، لخر على الذقن ~~ساجدا، ولسلم لي، وأعظم قدري واحترم جنسي، فبينما هذه الآراء تخالج قلبي إذ رأيته أنفذ ~~إلي سهام نظراته، ووجه شطري بواتر إشاراته، وقوارس عباراته فقال: أي الأمم الإنسانية أعرق ~~في المدنية؟ وأيهن فتحت لكم أبواب السياسة، ومنحتكم أعطيات الحرية؟ فقلت: الأمة ~~الفرنسية، فقهقه ضاحكا، فقال: لعلك راقك الأكاديمية! فقلت: نعم، وقلت في نفسي: ماذا عسى أن ~~يقول؟ ووالله لقد نصرني الله عليه بأعظم حجة وأجل برهان. # فقال: لعله دهشك أنهم يعطون ms028 كل عام ما يقرب من ثلاثمائة ألف فرنك ثوابا وعطايا على ~~الأعمال العلمية والاكتشافات الأخر، وإن هذا المقدار موزع على 78 قسما يتسلمها علماء ~~الفنون المختلفة، وأساطين العلوم النافعة، أو تظن أن ذلك سعادة الإنسانية، وارتقاء الأمم ~~الأرضية، ولعلك تقول أن ذلك المقدار من المال الذي لا هو في أي سنة مقطوع، ولا عن أي مجيد ~~في العلوم ممنوع، دعا الناس للعمل وحثهم على التسابق والتنافس، وتقول لمثل هذا فليعمل ~~العاملون، ولو أنك تبصرت في جلية الأمر، وتحققت خفي السر، لعلمت أن أكثر ذلك خدمة شخصية ~~للأمة الفرنسية، فإن أكثرها راجع لتاريخها وآدابها ولغاتها وعظمتها وإسعادها، وليس للخدمة ~~العامة من نصيب إلا قليلا كالتي وضعها «جوست» و«بلويه» و«زيجوا» وهي نحو ستة آلاف أفرنك، ~~فللإنسانية العامة اثنان في المائة من أعمال أعظم أكاديمي في الدنيا، وقد أسسه السيد ~~ريشليو وصي هنري الثالث لارتقاء اللغة الفرنسية، نعم هو الواضع وهو المقرر، فلم يتسن ~~لخلفائه أن ينظروا في المنفعة العامة إلا قليلا، فليس لديكم ريشليو لنوع الإنسان، كما ~~كان لفرنسا قبل نحو أربع قرون. # الأمم غافلة والناس جاهلة. # اقترب للناس حسابهم وهم ~~في غفلة معرضون ~~، ما أجهل الناس، ما أبعدهم عن الحقائق، ما أقربهم ~~إلى الوحشية، وأبعدهم عن الإنسانية، إنهم في غفلة معرضون. # فإذا كانت هذه فرنسا التي بها افتخرت وبعظمتها وفضلها احتججت، فكيف بالأمم التي عنها سكت، ~~لا جرم أنهن أشباهها في الفضيلة، وأخواتها فى الأعمال العامة، فهلا جعلت أكثر الجوائز، ~~وقدمت العطايا والنوافل، لأعظم القربات، وأرفع الدرجات، وهي المنافع العمومية، والسعادة ~~الكلية، للأمم البشرية، ولو أنهم فعلوا ذلك لتقدمت الأمم الأرضية، وقامت الجمعيات ~~الإنسانية، وكيف ينكصون على أعقابهم، ويرتدون عن أشرف أعمالهم العامة، وهم لو وجهوا هممهم ~~إلى المنافع العامة لكملت سعادتهم. # لم لم يوجهوا عزائمهم لإقامة أمرين اثنين وإصلاح فاسدين: الأرض الزراعية، والعقول ~~الإنسانية، كم في الأرض من قطع متجاورات، تصلح للإنبات، وهم يتحاربون، وأذكياؤهم عنها ~~غافلون. ألم تر أن أكثر السودان لا زرع فيه وهو صالح للزراعة، والعراق والأناضول، ms029 وكثير من ~~أرض الإسبان، وأراض كثيرة من البلاد الإنجليزية. أولا يعلم حكماؤكم أن كل قطعة من الأرض ~~في أمة بارت ولم تزرع خسارة كبرى على سائر نوع الإنسان. أنا لا أقول قسموا الأرض الآن ~~بالسوية، ولا أدخل معك في نظرية المال والعمل وما تفرع عنهما من الآراء والمذاهب ~~الاشتراكية، فلذلك وقت آخر، وإنما أقول: كيف غفل علماؤكم عن الأرض؟ كيف تركوها؟ أويظن ~~علماء الأمم جهلا أنهم لا يعنيهم شأن دولة أخرى وهي إذا بارت أرضها خسرت ثمرتها؟ # ومن عجب أنهم يقدمون الحجج، وينفذون الأساطيل في اللجج، لحماية مجرم في السياسة، أو شاب ~~أزهقته الحماسة، أولا يحمون الأرض من أن تبور، كما يحمون الرجل الحماسي من القتل، ألا إن ~~الأرض أولى بالحماية، وأحق بالرعاية، فإنها يعيش بريعها الإنسان والحيوان. وهلا تحتج تلك ~~الأمم القوية على من يدعون أبناءهم جاهلين، يتخبطون في دياجير الظلام، أوليس الجاهل ميتا؟ ~~ألا إن ذنب الإهمال أشبه بجرم الإهلاك، ومن أهمل العقول الإنسانية أحق باللوم والتعنيف ~~ممن أزاح الرءوس عن أبدانها، وفصل الأرواح من أجسامها. ألا إن من أهمل عقلا أو تعمد جهله، ~~فقد حشر جما غفيرا إلى الحيوان، وأنزلهم عن مراتب الإنسان، وأماتهم موتة العار، وجعلهم ~~من الفجرة الأشرار. ألا إن ذلك شر ممن أذاق النفوس كأس الحمام، وأوردها مناهل الإعدام، ~~فالأولون يضلون، والآخرون مهلكون. ألا إن الهلاك الروحي والفساد الاجتماعي، شر مقاما من ~~خسارة ألوف من نوع الإنسان. ألا إن الفساد العقلي ينمو بالاختلاط ويزداد بالاجتماع، وجريمة ~~العدم قاصرة على محلها لا تتعدى جرمها، وجرمان أكثر من جرم، وويل أهون من ويلين، وعذاب ~~واحد أهون من عذابين اثنين، فتبا للأمم الغافلة والعقول النائمة. # هلا علم عقلاء أهل الأرض أن خسارة عقل واحد في الشرق دمار على الغرب، وشقاء في الشرق يئول ~~إلى خراب في الغرب، وكيف يسكت علماؤكم عن البحث في سائر العقول البشرية، أولا يعلمون أن ~~المعارف الإنسانية موزعة عليهم بقسطاس مستقيم، إن الحديد والنحاس والقصدير وسائر المعادن، ~~وضعت في الجبال وطبقات الأرض على ms030 درجات شتى كثرة وقلة، حسب الحاجة الداعية إليها بقسطاس ~~مستقيم، فترى الذهب قليلا؛ لأنه ملك المعادن وأس القضاء في المعاملات والتجارات، وتليه ~~الفضة القاضية في البيوع الجزئية، قل الذهب، ووليته الفضة، ولو كثرا في جبالكم ووفرا في ~~معادنكم وفرة زائدة عن حاجاتكم ما صلحا للمبادلة، ولا أجزآ في المعاملة، وكثر الحديد ~~والنحاس وغيرها لتقوم بأعمالكم، حكمة بالغة ونواميس صادقة، فهل جهلتم يا بني آدم فظننتم أن ~~عقولكم وزعت على أجسامكم توزيعا مهملا وقسمت قسمة ضيزى، كلا ظن خادع ورأي سخيف، وكما أن ~~الذهب غائر في طبقات جبال كثيرة، وتوزع في أقطار عديدة، وكذا الحديد والنحاس والقصدير، ~~فهكذا العقول والذكاء والفطنة الداعية لاستثمار الأرض واستخراج منافع المادة من الهواء ~~والماء والكهرباء. # ليس في الشرق ولا في الغرب من عقل إلا وهو موضوع لحكمة، ومجبول على فضيلة كعناصر الشجرة ~~المخبوءة في البذرة. «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة»، فخيارهم في فطرهم المهملة خيارهم ~~في عقولهم المتعلمة، لنعلم الأمم العالمة الجاهلة، لتقم مقام الأب الوصي لا مقام الجاني ~~والسيد الظالم، لا تدعوا شبرا من أرض في كرتكم الأرضية بلا زرع، المجامع العلمية ~~غافلة عن الحض على المنافع العامة إلا قليلا، وكيف يجهلون خسارة العقول البشرية، إنها ~~لكم مخلوقة، إن عقلين أفضل من عقل، وأمتين فاضلتين أفضل وأنفع لهما من أمة عاقلة وأخرى ~~خاملة، وأمم عاقلة وكرة أرضية أو كوكبية فاضلة عاقلة تكون أسعد سبعين مرة من أهل أرض أو ~~كوكب جمعوا بين جهل وعلم وكمال ونقص، فهلا كان من الأمم حولكم أولوا بقية ينهون عن الفساد ~~في الأرض بترك زراعتها، وعن خراب العقول بتعمد إهمالها إلا قليلا منهم، وكثير منهم ~~فاسقون. # يا أيها الناس اعقلوا، يا أيها الناس افهموا، لقد أفهمناك أيها الإنسي حال نواديكم ~~العلمية في أعظم أممكم الغربية، وها هو أكاديمي فرنسا وأنتم جميعا عن الإصلاح العام في ~~الأرض والعقول غافلون، إذا كان هذا شأن أكابر علمائكم فكيف بأغرار أممكم وجهال دولكم من ~~عامتكم السفهاء وغوغائكم الضعفاء، إذ يتبعون آراء التخريب والتدمير ms031 والعداء والإيذاء، ألم ~~يكفكم أن غادرتم العقول جاهلة، والنفوس خاملة، والأرض بائرة، بل تجاوزتم ذلك إلى ما هو أشد ~~إنكالا وأفظع جرما وأدعى للعجب، فقد سعيتم ضد الفطرة على خط مستقيم، أوتجهلون ما أوصى به ~~غلادستون الإنجليزي، وما نصح به غمبتا الفرنسي من ضرب، وما تلقاه الألمانيون عن وليم الملك ~~وبسمرك الوزير من تدمير، وما أشار به غلادستون وبطرس الأكبر في الروس من تدمير، ليسود ~~السلام. # إن أكثر الناس جاهلون، إن أكثر الناس يتبعون داعي الشر ونذير السوء، أنتم لا تزالون على ~~الوحشية، ربوا أبناءكم جميعا على المحبة العمومية بحيث يكون ذلك في سائر الأمم الأرضية، ~~تعاهدوا جميعا صفقة واحدة على زرع سائر الأراضي، فإن أعوزكم الزراعون فأنفذوا إلى الأمم ~~ترسل من رعاياهم من يرغبون ويحتاجون، ثم ليتخذوا الأرض الجديدة لهم وطنا وليكونوا من الأمة ~~الجديدة كما فعلت الممالك المتحدة الأمريكية، وليتجنسوا بجنسيتهم، وليدخلوا في جامعتهم، هذا ~~يكون مبدأ السلام العام في الكرة الأرضية، لا تكونوا مع الجهال، لا تكونوا من الجهلة ~~الأغرار الذين يكرهون نوع الإنسان. # أين عقول علمائكم، كيف يذرون النعم الأرضية، ويتحاربون حروبا سبعية. أضرب لك مثلا عن ~~إهمال النوع الإنساني لعقله ولأرضه ولمائه، هذه مصر وسودانها، إن مصر لا تنال من النيل ~~إلا نحو عشر مائه، وأكثر مائه ذاهب في الغابات السودانية، والأراضي الإفريقية، وفي مصر ~~والسودان أجود الأطيان، تكفي أناسا عدد دولة الألمان والنمسا والطليان، فلو أن القطرين ~~أوتيا حكمة وعلما وجعلوا لهم نظاما مسنونا، وقانونا معلوما، ودعوا من الأمم من يدخل ~~تحت رايتهم، ويستظل بظل وطنهم، ويدخل في جماعتهم، ثم ينظمون الماء ويزرعون الأرض، ثم فعل ~~مثل ذلك في كل أمة ودولة في مشارق الأرض ومغاربها لأصبح الإنسان في سعادة. # هذه أول سعادة الإنسان، ووراءها سعادة أخرى عالية ستنالها الأمم في أزمانها المقبلة، كم ~~عند لوردات الإنجليز وأهل أمريكا من أرض جردت من الزرع ولا خير فيها إلا اصطياد الظباء في ~~الخلوات، فلم لا يزرعون. قتل الإنسان إنه كان ظلوما كفارا، مسكين الإنسان وأي ms032 مسكين! ~~ضلت أممكم، وجهلت دولكم، وطاحت العقول، وذهبت الرسوم، فلا سعادة لكم ولا هناء، فارجعوا عن ~~غيكم، وثوبوا إلى عقولكم، وكونوا متحابين، وللعقول والأرض مصلحين. # ثم قال: انظر، فنظرت. فقال: ألا ترى إلى هذه الشجرة؟ (هي شجرة لبخ ذي منظر بهيج لا ~~يشبه ما في أرضنا)، وقد وزع العصارة المجتذبة من الأرض على أوراقه وأثماره وحبوبه، ومنح كل ~~ورقة قسطها، وأعطى كل أنبوبة حقها، وأهدى كل حبة أو ثمرة ما تحتاجه في الحياة، ألا لا يسعد ~~الإنسان على سطح الكرة ما لم يصل إلى تقسيم أعماله على حسب الاستعداد والقوى والملكات، ~~الشجرة ساق وفروع صغيرة وأخرى كبيرة وأزهار وأثمار وألياف وصمغ وشوك وورق، وكل ذلك له حد ~~محدود من الأغذية والعصارات، فتوزع على كل منها ما يحتاجه. # أفليس الإنسان شجرة تفرعت، وأصلا نما، وجنسا انفلق إلى فصائل، والفصائل إلى أفخاذ كثيرة ~~وأفراد متباينة، وكل له استعداد لعمل وصنعة، فلم لا يشغل كل فيما خلق له؟ خصصت الثمرات ~~بغذائها الصافي والأوراق بعصارتها، والألياف بقوامها وقوتها، ألا فلتقم كل أمة من أمم ~~العالم بما حدد لها من القوى والملكات، ألا لتوزع الحكومات على الأفراد الأعمال الإنسانية ~~على سنة طبيعتها، أفلا ينظرون إلى الألوان كيف اختلفت، وإلى الأصوات كيف تباينت، وإلى ~~العقول لم تشتبه، وإلى الأحوال المتقاربة المتباعدة، فليضعوا كل أمة فيما خصصت له، وكل فرد ~~فيما يناسبه ويلائمه ويواتيه # ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم ~~. # الفصل العاشر # | المنطق والأخلاق والسياسة # من عجيب أمركم أن السياسة لا حظ لها من المنطق، أين عقولكم، أين أحلامكم، إن الله منحكم ~~عقلا واسعا، فلم ضاق نطاقه، ولا أشبهكم إلا بطفل أعطاه أبوه سلاحا فضرب به نفسه لجهله ~~باستعماله. فقلت: وكيف ذلك؟ # فقال: ألم تر أنكم أبيح لكم الزواج فأثقلتموه بالمهور، إما من جهة الزوج وإما من جهة ~~المرأة، ألم تر أنه بحكم الاضطرار أبيحت لكم الملابس وحرمتم مما تمتعت به الطيور في ~~أوكارها، والأنعام في مرابضها من الملابس الطبيعية، فذهلتم عن القصد ms033 الأول من اللباس ونظرتم ~~للزخارف والزينة، وكم وشمتم الجلود، لتبحثوا عن جمال غير ما سنته النواميس الإلهية. فطرتم ~~مختلفين عقلا وقوة، وقد أودع فيكم نظام العقول الكبيرة التي وضعها الله لتدبر شئونكم ~~فتجاوزتموها، وعمدتم إلى وارثي الملك ولو كانوا جهلاء. # قضاياكم الاجتماعية وهمية، كثر الدجالون والخادعون فصدقتم وانقدتم، أليس العقل فوق القوة، ~~فلم خضعتم لمن كثر ماله ولو كان جاهلا؟ وما لكم اتخذتم رجال الدين في بعض الأمم مقدسين! ~~فما جاء الدين إلا للمساواة، ولا ضربت الدراهم إلا لتكون حكما بين الناس، ولا وضع ~~الحكام إلا ليحكموا بالعدل، فدأبكم أن تحيدوا عن الصراط السوي وتنكبوا عن الجادة، إني ~~أعلم أنكم خاضعون لقضايا وهمية، قد أشربت بها عقولكم، وألفتها نفوسكم، علموا سائر ~~الطبقات من جميع الأمم، أن فيها من العقول ما يكفي حاجاتكم. # إنكم سجنتم في الأرض وحرم عليكم الفرار منها والابتعاد عنها، فلم يبح لكم أن ~~تنفذوا في أقطار السماوات إذا ضاقت عليكم الأرض بما رحبت وضاقت عليكم أنفسكم، فالكرة ~~الأرضية مقركم ومأواكم ومستودكم، ولو أن امرأ منكم فر هاربا من دولته لتلقفته الأخرى ~~ولرمت به إلى دولته، وحرم عليكم البحر الملح أن تسكنوه، أو تجولوا في أقطاره، أو تصلوا إلى ~~قراره، أو تقفوا على أسراره، مع أننا لا نرى أرضكم كلها إلا بحرا ملحا، وكرة من الماء ~~الأجاج تفيض نورا على عالم القمر أضعاف ما يفيض هو عليها 14 ضعفا نوريا، وليس في الأرض ~~مكان لسكنكم، أو مستقر لحياتكم إلا جزائر مختلفة القدر صغرا وكبرا لا تبلغ إلا ثلاثة ~~أعشار كرتكم. # ثم هذه اليابسة منها الجبال والأنهار والأودية، يسكنها ملايين الآلاف من الطير والهوام ~~والوحش والسباع، وأنتم أقل الحيوان عدوا وأضعفه بطشا، فأكثر الكرة مجهول لكم وهو البحار ~~وبعض الأقطار، وأنتم وما معكم من الحيوان تقتتلون وتخادعون وما تخدعون إلا أنفسكم وما ~~تشعرون. # عميت عليكم السبل، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت، وضاقت عليكم أنفسكم، فلا ملجأ لكم ولا قوة ~~إلا بأن تتحابوا وتتوادوا وتقوموا معا لتشتركوا فتفتحوا خزائن النواميس ms034 الطبيعية ~~الأرضية والجوية والبحرية، فكيف تدعون أنكم أفضل الحيوان، وأنتم أقل منها إدارة ودستورا ~~ونظاما، أفلا تكونون أفضلها عملا، وأعلاها سياسة، وأرقاها نظاما، ولن تنالوا هذه المنقبة ~~إلا أن تتحابوا وتتحدوا، وليكن الإنسان أخا الإنسان، وكيف تحاربكم النواميس وأنتم ~~متحاربون؟ وكيف تخادعكم الحوادث وأنتم فيما بينكم تتخادعون؟ وكيف تجعلون أنفسكم أجناسا ~~وأنتم نوع واحد؟ أفلا تعقلون؟ # الحقيقة المرة في مقارنة السياسة بالقضاء والتعليم # ثم قال: ألا أنبئكم بالحقيقة المرة. فقلت: وما الحقيقة المرة؟ قال: جهل الأمم بمثار ~~المظالم ومناط الدمار والخراب. فقلت : أوضح المقال، ودع الإجمال. فقال: ما حال القضاء، ~~وهل أنتم سائرون للعدل في العالمين؟ قلت: أن القضاء أخذ في الارتقاء منذ القرن الثامن ~~عشر إلى الآن، فلعمرك ما حدثت الثورة الفرنسية الكبرى حتى ثارت الأفكار من مكامنها، ~~واستيقظت العقول من نومتها، وهبت العقلاء لحكمتها. # ولقد كان القضاء في بعض الأمم موكولا لذمة القضاة، فعدل عن هذه الطريقة العتيقة ~~وأصبح في القرن التاسع عشر مراعى فيه أحوال الجناة، معتبرين أنهم مرضى والقضاة ~~أطباؤهم، والسجون مستشفياتهم، وكما أن الأطباء يداوون الداء بالعقاقير الطبية، والأعمال ~~الجراحية، فهكذا أصبح من المقرر في الأمم الحية تشخيص داء الجانين، واعتبارهم مرضى أو ~~معتوهين، وعلى ذلك وقف المذهب الطلياني، وزاد عليه المذهب الاجتماعي، فاعتبر الذنوب ~~أمراضا اجتماعية، كالأمراض الوبائية، فمتى صلح المجتمع صلح العصاة، ومتى اختل أمره ~~اعتل سيرهم، وضل سعيهم. # فالمذهب الاجتماعي في القضاء يرى أن الذنوب الجنائية ثمر ما زرعته يد ~~الجمعية. # وكما أن الأشجار والأزهار والأثمار نتيجة البذور المبذورة والحبوب المطمورة، فإن كانت ~~حنظلا أثمرت حنظلات، أو قمحا فسنبلات، أو نوى تمر فنخلات، فهكذا المجتمع إذا صلحت ~~أحواله أو فسدت، وإن حسنت أو قبحت، فما الناس إلا أشجار بذوره، وأزهار شجره، وأثمار ~~نخله وحنظله، ذلك مذهب أهل الاجتماع، وعلى ذلك يعاقب المجرم عقابا يشفع في تخفيفه ~~الأحوال التي ألجأت الجناة، والضرورات المحيطة بالجنايات، ولقد أصبح السجن مدرسة ~~المذنبين، ومستشفى الجانين، مما ألم بعقولهم، وأحاط بقلوبهم من الجهل والغواية، ~~وروعيت صحة أجسامهم، ونظافة ms035 ثيابهم، ورقي عقولهم، وتشغيل أبدانهم، فالبطالة منبت ~~الجرائم، وجرثومة الذنوب والعيوب والقذارة. # فقال: إذن أممكم الراقية اليوم تسعى للعدالة، وتهوى ارتقاء الناس للفضيلة؟ قلت: نعم، ~~قال: ما شاء الله، وهز رأسه وضحك، ثم قال: لكنكم هدمتم ما شيدتموه، فخر عليكم سقف ~~العدالة من فوقكم، وأتاكم عذاب الظلم من حيث لا تشعرون. # إذا صلحت المعدة صلح الجسم، وإذا اعتدل الدماغ اعتدل الإنسان، قادة الأمم ثلاثة، حاكم ~~عادل، وقاض فاضل، ومعلم كامل، فلئن صلح القاضي في محكمته، والمعلم في مدرسته، ولم يصلح ~~الحاكم في عمله ضاع الإصلاح، وظهر الفساد، ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي ~~الناس ليذوقوا بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون. # الحكومة من الأمة كالرأس من الجسد، فإذا عدل القضاة، وصلح المعلمون، وظلت الحكومات ~~عاكفة على ظلمها سائرة في غيها فالعالمون خاسرون. # قلت: على رسلك، أن القضاة يحكمون على الملوك والأمراء. فقال: فإذا طغى مجلس الأمة في ~~دار الندوة على أمة إنسانية، أو ساقت الملوك جيوشها لظلم غيرها فهل يقاصهم القضاة، ~~وتحاكمهم الشعوب التي اصطفتهم، أو تعاقبهم الأمم التي ولتهم؟ قلت: أما في هذا فلا، بل ~~الشعوب ترضى عنهم، وتستمرئ مرعى ظلمهم، فإن الخير راجع لهم، والغنيمة مردودة عليهم. ~~فقال: ما أجهل الإنسان! ما أجهل الإنسان! ما دامت أمة تستبيح قهر أمة ظلما وعدوانا ~~فقد قتلت نفسها بالسكين، وضربت رأسها بمديتها، وجردت سيفها لقتل نفسها، فإنك تعلم ~~أن الخلق ملكة راسخة، والناس أبناء عاداتهم، وصرعى سوء أخلاقهم. # وكما أن اعتياد الناس ذبح الحيوان أنساهم الرأفة على الإنسان فظلموه، هكذا إذا سفكوا ~~دماء الأمم الأخرى، وظلموا من عداهم، فإن ملكة الظلم ترسخ في عقول نواب الأمم، وعظماء ~~الممالك، ويتوارثونها جيلا عن جيل، وقرنا عن قرن، فيظلمون نفس أممهم، ويسقونها ~~بكأسهم، ومن أعان ظالما سلط عليه، ومن سل سيف البغي قتل به؛ قال شاعركم ~~المتنبي: # ومن يجعل الضرغام للصيد بازه # تصيده الضرغام فيما تصيدا # فويل للأمم من كبرائها إذا أغروهم على ظلم العباد، وهل أتاك نبأ أمة عظيمة، سلمت ~~مقاليد سيادتها، ms036 ومفاتيح سياستها لطائفة من رجالها عرفوا بالمال والثروة، والعظمة ~~والجبروت، وأمسكوا بسياسة العالم، وأصبحت الكرة الأرضية في أيديهم لعبة صبيانية، وقد ~~فتح ذلك الشعب عينه فرأى أنه مقهور مغلوب، كما رأى آدم في الأحقاب الغابرة أنه وزوجه ~~عاريان من اللباس. # ولقد علمت أن ذلك الشعب يحاول التملص من قبضة أولئك السراة، والتخلص من قفص أولئك ~~السادة الولاة، إذا هو في شبكة من حديد، فقل لذلك الشعب: ذلك بما كسبت يداك؛ أغريت ~~أولئك السادة على الفتك بالأمم الضعيفة، فاستمرأ لحمك مع اللحوم، وجعلك صيدا لطعامه، ~~وفريسة لنهمه. # الحاكم من الأمة بمنزلة الأستاذ من التلميذ، وكيف يجوز في شرعة المنطق أن تجمعوا بين ~~الضدين، وتعملوا بالنقيضين؛ تعدلون في القضاء وتحللون ظلم الأمم، والأمم الذين هم ~~تلاميذ الحكومات يشهدون ويعلمون، وهل تصلح الأمم وسواسها فاسقون، ألا إن لصوص الأمم ~~أكبر جرما من لصوص الأفراد، ومن ذا الذي يرضى لولده أن يقرأ الآداب والأخلاق على لص ~~معروف، ألا إن الأمم اليوم رضيت أن تكون تلاميذ اللصوص السارقين. # قد نص علماء الأخلاق أنه لا يهتدي من جهل فظن الغي رشدا، وتفاخر بالجرائم ~~وتباهى بالسخائم، فذلك لا يرجى برؤه عند علماء الأخلاق، والأمم اليوم فاخرة بظلمها، ~~معتقدة حل نهبها، فلتعلموا الحكومات تصلح الرعايا، إن الملوك إذا دخلوا قرية ~~أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة، إنما يصلح التعامي عن ذلك للأمم في أيام جهالتها، ~~والعقول في نومتها، أما وقد انتشرت العلوم وكثرت الفنون فالعيون مفتوحة، وعيوب الحكومات ~~عند الشعوب معروفة مشهورة، فلا صلاح للأمم ما لم تصلح الحكومات، فعلموا نواب الأمم ~~وملوكها حسن السلوك مع الشعوب الأجنبية الأخرى تقلدها رعاياها فيما لديها من ~~الأعمال، وما أوتيت من السلطان. هنالك آذنني بالانصراف، وحياني تحية الوداع، وقال: عسى ~~الموعد أن يكون قريبا. فحييته بابتسام، ومضى بسلام، ونمت إلى أن انفلق عمود الصباح، ~~فكتبت ما وعيت، وحفظت ما كتبت. # الفصل الحادي عشر # | حكم في فترة اللقاء كتبتها في كناشتي # ظللت مضطرب الفؤاد مشغول القلب بقية شهر مايو ويونيو وبعض شهر يوليو ms037 سنة 1910 أتربص صديقي ~~فلا يلقاني، واشتاق رؤيته فلا يراني، وكم ليلة أرقت وسهرت، وكم من ساعة خلوت وفكرت، ودعوت ~~فلا سميع ولا مجيب، ثم أرجع فأقول، يا ليت شعري، ماذا أقول إذا أشعت الحديث بين الناس وأذعت ~~هذا السر المكتوم، وما أدري أهذا يقظة أم منام، إن هذا الأمر لعجيب، ثم اشتعلت في قلبي جذوة ~~نار الفكر والنظر، وكان كل شيء أراه أو أسمعه أو أذكره في هذه الدنيا يناديني: السلام ~~السلام العام يا بني الإنسان، إنكم جاهلون، وصبيان غافلون، وكأنما الشمس بهذا تناجيني، ~~والقمر يخاطبني، والزهر يحدثني، والنهر يناجيني، والطير به يغني، وكل جميل وعجيب يذكرني، ~~فكتبت في مذكرتي تلك المدة ما أعرف من الحكم. # الحكمة الأولى # ذهبت إلى مدينة حلوان لأروح النفس وأفرج الهم بالهواء النقي، فلما أن جن الليل ~~وأرخى سدوله نظرت السماء صافية زرقاء بهية، تبسمت فيها النجوم، وضحكت الكواكب، وأشرقت ~~أكنافها، وكأن الكواكب تتناجى بالسلام ويسار بعضها بعضا بالكلام، منظر عجيب. فقلت: ~~يا ليت شعري هذه النجوم في السماء آمنة مطمئنة متحابة متجاذبة، كل في فلك يسبحون، وفي ~~منظرها الجميل عبرة وحكمة لعقلاء الأمم أن يتصافوا ويتحدوا ويكون بعضهم لبعض ظهيرا. ~~الحيوان يعجز أن يدرك سر هذا الجمال وأدركه الإنسان، فأين المحبة وأين السلام، وأين ~~رحمة الإنسان، وأين جمال العقول كما جملت هذه النجوم. # الحكمة الثانية # نمت في تلك الليلة وأنا في طرب من حسن سماء المدينة وجمال هوائها، فلما استيقظت ~~صباحا وأشرقت الغزالة تغشى وجه الأرض بخالص ذهبها وأنا جالس في منزل جميل فيه روضة ~~غناء ذات دومات تتغنى على أغصانها الأطيار، والرياح تهب على الأشجار، وتلعب ~~بأغصانها، وتقبل أوراقها، وتضاحك أزهارها، فكنت أسمع لها غويرا وصفيرا وغناء مختلف ~~النغمات، فخامرني الطرب، ولن أشبهها إلا بأجمل موسيقى، تنوعت نغماتها، وتداخلت ~~أصواتها، واختلفت فنونها، وهي إلى الطبيعة أقرب، وكأن الموسيقيين في العالم نسخوا صورة ~~من صور نغمات الأشجار عند هبوب الرياح، ثم قلت: لم أطربتني هذه النغمات، إن ذلك ~~لتلاؤمها، وتحابها، وتوافقها، مع اختلافها ms038 قوة وضعفا، وارتفاعا وانخفاضا، ~~ثم قلت: أفليس الإنسان موسيقى الإنسان، الإنسان أحق بهذا الاتحاد، لا عقل عند الهواء، ~~ولا فكر عند الأشجار، والإنسان عاقل، فكيف حرم الموسيقى في السياسة، ونالتها تلك ~~المخلوقات التي سخرت له إن هذا لعجب عجاب. # الحكمة الثالثة # جاءني خطاب من صديق لي في اليابان، فأجبته بخطاب وأودعته صندوق البريد، ثم هجس ~~بخاطري، وخطر بروعي أن سائر الأمم والممالك تخدم خطابي وتوصله إلى اليابان. # إن الدول الأوروبية والممالك الشرقية وسفنها التجارية حافظة لخطابك، لولا السفن ~~البريدية والطرق البحرية والعلوم الفلكية والسوق التجارية والمعاهدات الدولية ما وصل ~~كتابي لليابان، أنا أضع الكتاب بفلوس قليلة، وأمم الشرق والغرب تحمله، الإنسان كنفس ~~واحدة، اختلفت صورها، إن هذه الفكرة تدعو لتحاب الأمم واتحادها، ما السبيل وما ~~العمل! # الحكمة الرابعة # دخلت زقاقا من أزقة القاهرة خاليا من المشاة والركبان فأحسست بوحشة وقلت: سرور ~~الإنسان بالإنسان، فالحرب جهل، إنها تضاد المحبة العامة، ألا ساء مثلا ~~المحاربون. # الحكمة الخامسة: ركوب الحمار # سريت ليلا إلى إحدى القرى، وأنا راكب حمارا، ومعي خادم، وقد أنزل القمر من لدنه فضة ~~ذائبة ملأ بها الجو، وغشي بها وجه الأرض، وزين بها وجوه الأشجار والبحار والأنهار ~~والمزارع والسبل، أخذ الحمار يعدو فوق جسر ممدود بجانب نهر جار، حتى إذا ركبت وتوسطت ~~الطريق نزلت للسلام على صاحب سلم علي، فما أن أردت الركوب كرة أخرى تعسر علي ~~ولم يكن لبرذعة الحمار من ركاب، وآنست هنالك منحدرا سهلا تنزل من الطريق إلى الأرض ~~التي بجانبه، فأخذ الخادم بخطامه، وأنزله إلى المنحدر، وبقيت في أعلى الجسر، وركبت، ~~فلما استويت على ظهره اعترتني دهشة، وقامت بنفسي فكرة، إني أيقنت أن في هذه سرا ~~مكتوما مخزونا، إن ركوب الحمار على هذا المنوال يعرفه العامة والأطفال ليس أمرا ذا ~~بال، ولكني أيقنت أن فيه سرا عجيبا وحكما وغرائب. # إن في ذلك لمثلين؛ مثلا أدنى، ومثلا أعلى. # أما الأدنى فأنك ترى الأمم العاقلة الرشيدة تنتهز فرصة نوم الأمم الجاهلة الضعيفة، ~~فترسل لها شرذمة من قومها يسومونهم ms039 سوء العذاب، فيذللونهم ويحكمونهم ويتخذونهم خدما ~~وحشما خاضعين، فالحمار مثل الأمم الجاهلة، والخادم مثل رجال حكومات الأمم القوية، وأنا ~~مثال نفس تلك الأمم، ونزول الحمار للمنحدر مثل لخضوع الأمم الجاهلة. # أما المثل الأعلى فإن الإنسان له شهوة كالبهائم، وغضب كالسباع، وعقل كالملائكة، ~~فالشهوة البهيمية ألجأته إلى الأكل واللباس، والشهوة الغضبية تظهر بالقتال والسلاح ~~والقهر كما تفعل السباع والوحوش، والعقل به عقل النظام والحكمة والفضيلة، فإذا عقل ~~الإنسان جعل الشهوة والغضب مثل الحمار، والعلماء والحكماء يقودون تينك الشهوتين، وإذن ~~يركب العقل كما ركبت، ويجري في الطريق السوي كما جريت بحماري على الجسر قريبا من ~~بوبسطيس «تل بسطه»، وإذن يضيء سنا قمر العدل على وجه البسيطة كما أضاء القمر السماوي ~~تلك الليلة وأنا في فرح وسرور. # كم في العالم من علم ظاهر والناس عنه غافلون، هذه مسألة بسيطة سهلة، إنها مثال لما ~~في العالم من الحكم، إن عقولنا فيها خزائن مفتحة الأبواب، وفي العالم من الجمال والبهاء ~~ما لا يستطاع وصفه، إنه لحاضر وما منعنا أن نفقهه إلا الشهوات. السلام سهل وليس ~~يعوزه إلا إرادة الإنسان، وما أقربه من الإنسان إذا أراد أن يعقله، ولو عقل لعمل، ~~والسلام. # الحكمة السادسة: طير الكناري «عصفور» # جلست في بهو فسيح مزدان بجمال الأشجار ونضرة الأزهار، فسمعت تغريدا عجيبا وصوتا ~~بديعا ما سمعت مثله ذا نغمات مطربة فرفعت طرفي إذا طيران أصفران صغيران يتغنيان، ~~فسألت: ما هذا؟ فقالوا: كناري، فعلمت أنه ليس الخبر كالعيان، وما راء كمن سمع، وإن ~~للسمع والبصر في النفس أثرا ليس للخبر، ولقد قرأت عن هذا الطير في كتب الإفرنج، فما ~~أثر في نفسي تأثير سماعه، ولقد أدهشني أنه صغير الحجم عجيب الصوت، وقلت: يا ليت شعري لو ~~أنا أخذنا حجرا مساويا لهذا الطير في الحجم، وقارناهما لوجدنا بونا بعيدا، وفرقا ~~شاسعا. # الحجر والطير من الأرض وما عليها، كلاهما من المادة، إنه ما أحسن صورة الطير، ولا ~~هندس رسمه، ولا أجمل صوته، وأودع جسمه هذه «الحكم التشريحية والطبيعية والكيماوية ~~ونواميس الضوء والإبصار ms040 في عينيه وإدراكه ومخيلته وذاكرته وخزانة إدراك مصورة معانيه في ~~عقله»، ما فعل ذلك كله إلا إتقان الصنعة. الحجر والطير المتساويان حجما كلاهما من ~~المادة، وأبعد المسافة بينهما دقة الصنع والإتقان في أحدهما، وبساطته في الآخر، أفلا ~~يكون هكذا الإنسان، ولعل الفرق ما بين الإنسان اليوم وحاله في مستقبل الأيام كالفرق ما ~~بين الحجر والطير. # الإنسان اليوم يظلم الإنسان، ويغشه، ويكذب، ويثقل عليه، كما يثقل الحجر الساقط من ~~جبل على السائرين. # فلعل الإنسان يصقل عقله بالحكمة، ويتوارى عن هذه المخازي والظلم، فيحلق في جو سماء ~~الحكمة، ويتعامى عن الدنايا ويكون كطير الكناري جمالا في علمه، وكمالا في حكمته، ~~ويطير في جو الجمال، وحكمة الصانع الحكيم. # التعليم يصل بالإنسان إلى نهاية كماله، يجمعه على أخيه بالمحبة، ويعلمه حب أخيه، ~~يستخرج من قلبه نور الحب، ويشرق من وجدانه شمس الشوق والرحمة والعطف على سائر نوع ~~الإنسان. # الإنسان اليوم لم يفهم نفسه، لم يبلغ رشده، لم يعقل جمال نفسه، فليتعلم الحب والرحمة ~~والحكمة والفضيلة والإحسان. # الحكمة السابعة: الياسمين # زرت صديقا فأهداني باقة ياسمين، فآنست بهجة ونظاما، وحسنا وإتقانا، وجمالا ~~بديعا، زهرة الياسمين ذات خمس أوراق بيض ناصعات، تقاربت أسافلها وتباعدت أعاليها، ~~وشكلت أطرافها العليا هيئة شكل خماسي الأضلاع، منظم الأوضاع، بحيث لو قست ما بين رءوسهن ~~للقيتها متساوية المقياس، إن فيها لجمالا، وإن عليها لبهاء، وإن فوقها لبريقا، عطرت ~~الهواء بذكي ريحها، وسرت الجلاس والإخوان بأريج عبيرها، فما شبهتها إلا بالأرواح ~~الإنسانية، لو أن الناس نقبوا عنها لاكتشفوا أسرارها، كما أدركوا أسرار البخار ~~والكهرباء، وعناصر الهواء وأصول الماء. # الروح جميلة صافية مشرقة في أصلها أشبه شيء بزهرات الياسمين، أوراقها الخمسة العفة ~~والشجاعة والعلم والعدل واحتمال الحوادث بثبات، وجمالها حبها سائر الناس، وريحها ينبث ~~منها إلى ما حولها وعلى القريب والبعيد وسائر نوع الإنسان. # الإنسان أحق من الزهر بجماله ونضرته ونظامه، ولا دليل على اتصاف المرء بتلك الصفات ~~إلا حب سائر الأمم والممالك شرقا وغربا وإلا فلا جمال ولا كمال. # الحكمة الثامنة: رجلان إفرنجيان ms041 # قابلت في شارع الموسكي بالقاهرة رجلين إفرنجيين، أحدهما أعمى يتكفف الناس، والآخر ~~يحمل ورق القمار ليبيعه، فأثر ذلك المنظر في قلبي، وأشفقت عليهما، وقلت إنني أحس بعطف ~~عليهما، إنهما من نوع الإنسان، من ذا الذي قال: شرقي وغربي وأمة وأمة، هذا العطف مركوز ~~في الجبلة، مفطور عليه الأجنة، إنه كالأثير يغدو فيه الإنسان ويروح، وكالهواء ~~يحيط بالإنسان، وكضوء الكواكب والشمس والقمر يحيط بالقلوب والأجسام. # من ذا الذي صرف الناس عن المحبة والإخلاص، أنا من النوع الإنساني، وذو عطف وشفقة ~~عليهم، أفليست الأمم الرشيدة ذات عطف على أخواتها الجاهلات كما لدي، أوليست الأمة ~~الجاهلة كهذا الإفرنجي الأعمى، أوليس الضلال عن الهدى في العلم كعمى البصر عن ضوء ~~النهار، أفليس للأمم الرشيدة عطف كما عندي على الأمم الجاهلة، إني أراهم يدفنون هذا ~~الوجدان في قبور أجسامهم ويعملون ضد فطرهم، وهم عن الحب معرضون. # الحكمة التاسعة: كان أوقد مصباحه ضحى # آنست حانوتا واسعا أظلم داخله، والشمس طالعة ضحى، والناس غادون ورائحون. فقلت هكذا ~~نوع الإنسان، نظم جسمه، وأحكم تدبيره، ومنح الحواس والعقل، وسخرت له الأرض والنبات، ~~وأطاعه الحيوان، وأبيح له البحر، وأمكنه أن يعيش خالي البال، فأخذ يتغالى في أحوال ~~حياته، ويتمادى في سرفه حتى أظلمت سماء حياته بظلمات الظلم والعداوات والحقد والحسد ~~والمدفع والنار، كما أظلم داخل هذا الدكان بالبناء الذي عجز ضوء الشمس أن يسطع بفنائه، ~~ورد ذهبها الخالص أن يزور رفارفه وساحاته. # فليضئ عقله بضياء الحب والإخلاص لأخيه، كما أضيء داخل الدكان، وليدم على التهذيب ~~والتأديب والتمرين على الحب حتى يساوي نور الحب الساطع في قلبه نور شمس السعادة المشرقة ~~في الخليقة والمضيئة في الطبيعة الشاملة لسائر الكائنات. # الحكمة العاشرة: الفرس والعربة # شاهدت رجلا يسوق فرسا تجر عربة ووراءها ولدها، فخيل لي أن العربة الأمة ~~المغلوبة، والسائق الغالبة، والفرس الآباء وولدها هم الأبناء، وأن الأمة الغالبة تسوم ~~المغلوبة سوء العذاب، وتعطي أبناءها دروس الذلة والمسكنة بإذلالها الآباء، هكذا نوع ~~الإنسان وهكذا كان. # الحكمة الحادية عشرة: الرضى # إن أحوال الناس متباينة، ms042 ولكل حال تباين حال الآخر، والمرء ما دام حيا يتطلع لما ~~هو أحسن وأجمل، فليكن المرء راضيا بما هو فيه، ساعيا فيما هو أعلى بحيث لا يشوش الرضا ~~على العمل والسعي، ولا السعي على العمل والرضا. # الحكمة الثانية عشرة: بم امتاز الإنسان # الإنسان يغتذي ويلد ويموت، والنبات غذاؤه الأرض والهواء والشمس والماء، والإنسان ~~غذاؤه خالص نبات وحيوان وهما من الأرض، فلا فرق بين الغذاءين إلا أن هذا سهل بسيط ~~وذاك صعب المطلب غير بسيط، فاللحم واللبن والخبز وأنواع الفاكهة أغذية الإنسان يعوزها ~~الطهي والنضج وغيرها. # إذا افتخر الإنسان بالأغذية والمال والثروة فقد جهل، وكيف يفخر بما سعد به النبات! ~~النبات ليس له أرجل يمشي بها، ولا سكك حديدية، ولا بريد ولا كهرباء ولا لغة التخاطب، هو ~~غني عن هذا كله، إن حياته بما هو حاضر لديه. # الإنسان مهد السبل ونظم البريد لتتيسر له الحياة ويعيش، الشجرة لا تحتاج للشجرة، فلا ~~تنتقل إليها فلم يتيسر لها أسباب النقلة، الإنسان محتاج للإنسان فتيسرت له أسباب النقلة ~~وها هو صنع البريد والكهرباء، فليتحاب الإنسان، فليتقرب من أخيه، فليكونوا أعوانا ~~ليستخرجوا من الأرض كنوزها، إلا أن الحرب تقطعهم، والحقد يؤخرهم، وربما لفظتهم الأرض، ~~وجيء لها بقوم آخرين إذا تركوا مواهبهم وتحاربوا. # ألا إن معادن الأرض وفوائدها مخزونة إلى حين، فليحترس نوع الإنسان، وليقم في الأرض ~~بالقسط، وليكونوا يدا واحدة في مشارق الأرض ومغاربها وإلا حقت عليهم كلمة العذاب ~~وتفجرت الأرض نارا فأصبحوا فيها جاثمين كأن لم يغنوا بالأمس وهم هالكون. # الحكمة الثالثة عشرة: الكهرباء # لمع ضوء برقي تحت عجلة الكهرباء ضحى في حمارة القيظ فأشرق وأضاء سناها الأزرق ~~المحمر بشكل عجيب جميل. فقلت: الحياة أعمال ومشاق والعقول تضيء وتسعد. # الناس اليوم في عداوة وعذاب أليم من الحرب والضرب، فإذا أضاءت عقولهم كما أضاءت هذه ~~الكهرباء أغدقت عليهم النعم، وأصبحوا في سلام آمنين، النور الساطع الساعة من الكهرباء، ~~والكهرباء في سائر الأجسام المادية. # إن الأرواح الإنسانية فيها كهرباء المحبة والمودة والجاذبية الإنسانية، فإذا اكتشفت ~~تلك ms043 الكهرباء أضاءت للناس، وأسعدتهم وبدلت العداوة بالمحبة والمشقة بالسهولة، وحملت ~~عنهم مشاق الحروب والأذى والنفقات العظيمة، كما حملت الكهرباء عن الناس أثقالهم، وأدارت ~~آلاتهم، وحملت أمتعتهم، وخاطت ملابسهم وأضاءت منازلهم. # وإذا كانت المادة حاوية لهذه المحبة الكهربائية أفلا تحمل القلوب ما هو أجل وأبهى ~~من أنواع الجمال والعشق والمودة الناجم عنها السعادات. # الحكمة الرابعة عشرة: أزرار صداري # ركبت الترام يوما وأنا لم أزر أزراري فأحسست ببرد فأدركت أني نسيت أن أزر الأزرار، ~~وقلت: أيؤاخذ المرء على النسيان أو يعذب الناس على غفلتهم! إن هذا لعجب عجاب، غفلت عن ~~زر أزراري، فكيف أؤاخذ على ما لم أعلم. # ثم أيقنت أن هناك فرقا ما بين الذنوب المادية، والآثام الروحانية، فالآثام الروحانية ~~تكون على ما تعمدنا من الأعمال، والذنوب الجثمانية لا تذر قاصدا، ولا ساهيا، ولا ترحم ~~جاهلا بها ولا عالما، فلها قانون لا تتخطاه، وحد لا تتعداه، فالأمم الجاهلة تذوق ~~العذاب، وتسام الخسف من الله والناس وإن صلحت نفوسها. # فالتقوى قسمان؛ تقوى الأرواح وهي التي قررها الأنبياء، وتقوى الأجسام وهي التي تتبع ~~النواميس الطبيعية المحدودة. # وأهل الأرض نوعان نوع أحكموا نياتهم وقلوبهم كالبراهمة والبوذيين من أهل المشرق ~~الأقصى، وقوم أصلحوا أجسامهم، واتقوا مصارعها، وساروا على نهج النظامات الطبيعية في ~~الأحوال المادية، ولم يلاحظوا من آداب أرواحهم إلا على مقدار ما لاحظ أهل الشرق ~~الأقصى من أحوال أجسامهم، فاستهزأ الجثمانيون بالروحانيين، وعدوهم من الأنعام، ~~وساموهم سوء العذاب، والطرفان ضالان، ألا إن العدل أن يتوسط الطرفان، ويصير وسطا في ~~الجثمانيات والروحانيات، وإلا قامت قيامتهم وساءت حالهم أجمعين. # الحكمة الخامسة عشرة: الأرواح وتقاطعها وتواصلها # كنت في جماعة من الإخوان، ونحن جالسون في بهو، وهم مجدون في أعمالهم، منصرفون عما ~~عدا أشغالهم. فقلت: إن لكل منهم شأنا يغنيه، ولا يعلم أحد منهم ما في نفس أخيه، ولا ~~يحس بما يحس به، فهم أشتات متفرقون، ثم فكرت من وجه آخر وقلت: أنا أحس بما يؤلمهم، ~~وأجزع لما يدهمهم، إذا أصيب أحدهم بحرق أو غرق أو فقد صديق ms044 أو جرح عضو أو خدش عرض، أأنا ~~إذ ذاك لا أشعر بمصيبته ولا أتأثر لنكبته؟ كلا، فالناس جميعا يتراحمون ويتعاطفون ولو ~~كان أحدهم شرقيا والآخر غربيا، ألا إن بين النفوس عطفا ورحمة يبرزها الفرح والترح ~~كما تتقد النار في الأحجار، والكهرباء بالقدح والحركة، فهكذا المحبة العامة والسلام ~~العام سيكونان بقدح زناد الآراء واستخراج شعور النوع الإنساني. # ما أجهل الناس اليوم، وما أجهل الإنسان، كان الإنسان لا يعلم الكهرباء إلا في ~~الكهرمان عند حكه وفركه، فلما أن بحث عنه ألفاه مخزونا في كل معدن وهواء وماء، ~~وهو يرى في قلبه رحمة على عدوه إذا أصابه ضر كما كان يؤانس آثار الكهرباء في الكهرمان ~~عند فركه، وقد اكتشف أن الكهرباء عامة في سائر أنواع المادة، فما باله لا يكشف الستار ~~عن هذه المحبة والعطف العام الذي هو به أولى، بل هو الإنسانية الحقة، بل هو النور ~~الإلهي، والشمس المضيئة. # يا ليت شعري من لي بمن أتلقى هذه الدروس العالية عنه حتى أبلغها لهذا الإنسان، أين ~~عقولنا؟ أين محبتنا؟ أين الجمال؟ أين الفهم؟ أين العشق العام؟ اللهم أنت المعلم، فإذا ~~لم تفض علمك على قلوب عبادك في مشارق الأرض ومغاربها فإنهم في العذاب خالدون. # هذه خمس عشرة مذكرة مما كتبته في مذكرتي في الفترة التي مضت في شهر يونيو وبعض يوليو، ~~وهنا تم الفصل الحادي عشر. # الفصل الثاني عشر # | في الصعود إلى كوكب جديد فوق نبتون # في هذه الفترة تاقت نفسي لحل هذا المشكل السياسي في النوع الإنساني، نظرت في كتب الحكماء ~~والعلماء فلم أجد حلا يشفيني، والأمم يقتل بعضها بعضا ويلعن بعضها بعضا، ورأيت علماء ~~الأمم يضرمون نار العداوة والبغضاء إلا قليلا منهم كالعلامة هربت سبنسر الإنجليزي، ~~والفاضل اللورد أفبري، والعلامة مركس الألماني والسيدة المستشرقة المدام لبيديف «جلنار ~~الروسية» وأحزابهم و... الأمريكي وكنت الألماني، فأولئك وأمثالهم يحبون نوع الإنسان، ومن ~~عداهم سائرون على هوى الفكر العام كأهل السياسة الذين لهم قلبان ظاهر وباطن، فتاقت نفسي ~~لكشف هذه الغمة، وتمنيت لو يتاح لي ms045 شهود الصديق وهو الوجدان، حتى كانت ليلة الأحد من شهر ~~يوليو سنة 1910. # فبينما أنا نائم في غرفتي إذ أقبلت تلك الروح البهية في نحو الساعة الثانية بعد نصف ~~الليل، فأيقظني، فرأيته ساطع النور عليه ملابس فضية اللون ووجه كالشمس إشراقا، وقد صار ~~أنضر حسنا وأبهج جمالا وأبهى إشراقا، فقال لي: قم لأريك هذا العالم البديع، وأطوف بك ~~أكناف السماء، وأريك ما لم يقف عليه كثير من الحكماء، فقمت معه ولم أدر وما إخال إني سوف ~~أدري أأنا في يقظة أم في منام، فسرنا في الجو لحظات، إذا نحن على سطح البحر الأحمر تحملنا ~~سفينة، فنظرت إذا مركبة في الهواء تقرب منا رويدا رويدا، حتى إذا كانت منا قاب قوسين ~~طلعنا فوقها وعلت بنا في الجو في لمح البصر وأنا أظنها القمر، فلما أن امتطيتها وهو آخذ ~~بيدي آنست فيها أشجارا، وعليها عصافير تغرد بألحان شجية وهي ذات ألوان بديعة، وكأن أرضها ~~قد رويت قريبا وهي مبتلة، أو كأن المطر قد سقتها، وأقلعت قبل أن تطأها أقدامنا، وما رأيت ~~إنسانا، ولا حيوانا إلا تلك الطيور. فقلت في نفسي: إذا رجعت إلى أهل الأرض بشرتهم بأرض ~~مباركة طيبة. # ما أسهل وصولهم إليها سأريهم هذه الأرض الواسعة الخالية من السكان فيعمروها ويقلوا من ~~تناطحهم كما تتناطح الكباش والأعنز، وفرحت بهذه الأرض الجديدة، وقلت: متى يكثر الناس زرع ~~الأشجار لتغرد عليها الطيور فتغتذي بالدود الآكل لشجرة القطن وغيره. # ثم أخذت أسأل صديقي الوجدان وهو أحب إلي من نفسي فلا صديق سواه ولا معين إلا حكمته ~~وعلمه. فقلت: أيها الصديق رعاك الله، قل لي، أنحن الليلة في القمر؟ إن القمر ليس فيه هواء ~~ولا ماء، فمن أين نبتت فيه هذه الأشجار فغردت عليها الأطيار؟ نعم إن في القمر جبالا شامخات ~~وأودية واسعات، ولكنه خال من آيات الحياة وسمات الأحياء، إن القمر له دائرة لا يتعداها ~~ومدار لا يتجاوزه فكيف تنزل من فلكه إلى سفينتنا فركبناه؟ # إن ما شاهدته الليلة لا يرضاه العلم ولا تألفه العلوم ms046 الرياضية والفلكية. إنا قرأنا العلم ~~والحكمة نحن أهل الأرض وعرفنا الكواكب والشمس والقمر ودرسناها حق دراستها، فلم نجد في القمر ~~أثرا للحياة. # ثم رفعت بصري إذا جمال النجوم باهر واضح ورأيت من الأنوار والعجائب ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولقد تجاوزنا مدارات الكواكب السبعة، وشاهدنا النجوم الثوابت ~~بأحجامها. # ما أجهل الإنسان، إنا محجوبون عن رؤيتها في هذه الأرض، فإذا صعدنا مسافات بعيدة نشاهد ~~حركاتها العجيبة المدهشة. # وقفة لمشاهدة الجمال والعجائب بين سيار زحل وسيار أورانوس # هنالك أوقفت مركبتنا بغتة، وقال صديقي الوجدان، سل ما بدا لك الآن، وانظر عجائب ~~الزمان، إنا في جو عجيب بين أنوار تتلألأ وجمال وبهاء، أرى زحل بحلقاته الثلاثة ~~المحيطات به، أرى المريخ وهو محمر اللون يبهر الناظرين، لقد غشاني ما غشى من آيات ~~الجمال والبهاء والنور البديع الساطع، وأنا أحس بجمال في روحي وبهاء في قلبي حتى ~~خيل لي مشاكلة أرواحنا في جمالها لما يحيط بنا في ذلك العالم الجميل من المحاسن ~~والأنوار، ثم أخذت أعيد الأسئلة على رفيقي. فقلت له: أنحن في القمر؟ وكيف تعدى دائرته؟ ~~وكيف ينبت فيه الشجر، ويغرد الطير؟ # نحن الآن في عالم الأثير ولا هواء في جونا ولا ماء، فكيف أحيا بلا هواء؟ إن الهواء ~~لينقطع على بعد أقل من ثمانين كيلو مترا من أرضنا، ومتى جاوزناه متنا، فكيف حييت ~~الآن في هذا المكان، وأنا ما بين زحل وأورانوس؟ قلت ذلك وهو يبتسم وينظر نظرة المحب ~~الودود المتعجب من السؤال. فقال: ما أضيق دائرة علمكم يا بني آدم! أما علمت أن لكل مقام ~~مقالا؟ ألم يقل شاعركم: # البس لكل حالة لبوسها؟ ~~... ... ... ... ... # قلت: نعم. قال: إنكم يا معشر بني آدم تقيسون العوالم بمقاييسكم الناقصة، إن أرضكم ~~صغيرة منبوذة لا وزن لها بالإضافة إلى ما لا يحصى من العوالم السماوية، وقد خلقتم ~~وصورتم من نسيمها وهوائها ومائها وعناصرها التي لم تعلموا منها إلا ما يقارب ~~الثمانين، وهل تحققتم أنه لن يخلق خلق إلا على شرائطكم ms047 الأرضية، وعناصركم الكونية، ~~فلا تتعجب من حال صرت إليها، ولا تقسها بحال كنت فيها. # إن لكم يا معاشر الإنسان أحوالا تصيرون إليها، وستعلمون أن الحياة ليست خاصة ~~بأوضاعكم الأرضية، ولا محصورة في أحوالكم الحيوانية، فأنت الآن بين الأجسام والأرواح ~~تسيح في السماء العلا مع السائحين، وتنظر مع الناظرين، فأما المركبة التي أنت عليها ~~فليست قمرا ولا شمسا ولا سيارات ولا ثوابت، وإنما هي مراكب تعرج عليها الأرواح إلى ~~عالم الجمال والبهاء. ثم قال: انظر ما حولك من الجمال قبل مغادرة هذا المكان، فآنست ~~أرضا تجري جريا حثيثا وهي تتلألأ جمالا وحسنا لما يسطع من نور الشمس وبهائها عليها ~~وحجمها عظيم كبير. # الأرض تجري مسرعة في الفضاء كأنها قلة المدفع، إن قلة المدفع تجري عشرة أميال ~~في الدقيقة، والأرض تجري قدرها مائة مرة حول الشمس لتتم حركتها السنوية، وتجري حول ~~نفسها قدر القلة مرة ونصفا، وهي مع الشمس والسيارات يجرين حول كوكب مجهول بسرعة ~~القلة ثلاثين مرة. # لعمرك لقد هالني ذلك المنظر، منظر حركات الأرض الثلاث تدور حول نفسها كهيئة النحلة في ~~لعبة الأطفال، وهي بنفسها وهيئتها مندفعة تجري حول الشمس أسرع من القلة مائة مرة، ~~حركة عظيمة، وهذا المجموع الشمسي مسخر مسكين كأنه أرض تجري حول كوكب مجهول، يجري قدر ~~القلة ثلاثين مرة. أدهشتني الأنوار، وغشت على عقلي عجائب الحركات، نظرت أسفل إذا زحل ~~يحيط به حلقاته الساطعة الجميلة، وهو يجري حول الشمس كأرضنا، وسنته 29 سنة، والمريخ وهو ~~كبير الحجم، عظيم الجرم، أكبر من أرضنا 1200 مرة، ولقد تعجبت من الأقمار الساطعة، ~~البديعة البهية الدائرة حول المريخ، فهناك قمران جميلان طالعان، وعجيب أمرهما، وبهي ~~نورهما، ولما رأيت أقمار المشتري الأربعة زاد تعجبي، وما كنت أظن أن في العالم أقمارا ~~غير قمرنا، ولو جاز ذلك لكان قمر واحد. # فلما أن اطلعت على أقمار زحل ألفيتها ثمانية، فزاد تعجبي، فما أن نظرت أورانوس ~~وأقماره الأربعة شاهدت ما لم يخطر على بالي، رأيت أقماره تدور على شكل عجيب، تدور من ~~الجنوب إلى ms048 الشمال، فقمرنا الأرضي يسير حول الأرض في الاتجاه الذي فيه حركتها من المغرب ~~إلى المشرق، فأما أقمار أورانوس فإنها تدور على زاوية قائمة، فإذا جرى في حركته من ~~الغرب إلى الشرق دارت أقماره من الجنوب إلى الشمال، حينئذ أيقنت أن العوالم السماوية ~~منوعة السير، كما تنوعت أشكال الأجسام الحية على سطح الأرض. # العدل والنظام # والأمر الجوهري النظام والعدل، لم أر كوكبا حاد عن خطته ولا شمسا غادرت فلكها، ~~ولم تختل حركة الأرض اليومية ولا السنوية ولا حركة المجموعة الشمسية. # المشتري يجري حول الشمس مرة كل 12 سنة، وزحل يجري مرة كل 29 سنة، والزهرة تتم دورتها ~~في 23 يوما، والأقمار كلها دائرة دورا منظما. # وهنالك قلت: يا الله، إن نظامك جميل، إنك لعدل، ما أجمل الكواكب! ما أبهى النجوم! وما ~~أبدع حركاتها! لا خطأ فيها، مع شدة سرعتها، إن هذا لعدل، إن هذا لهو الميزان، فلماذا ~~رأيت دول الأرض ظالمين؟ أرواحنا تحب هذا الجمال، إني له لمن العاشقين، فأين العدل؟ أين ~~العدل؟ جملت النجوم، وجرت بقسط ونظام وميزان، وجملت أرواحنا ولكنها سارت على غير هدى، ~~يا رب إن ظاهر النجوم يوافق باطنها، ظاهرها الجمال، وباطنها الحركات المنظمة، ونحن في ~~أرضنا كلنا طلق المحيا باسم مرض أخاه، ولكن الأفئدة مملوءة حقدا ودغلا ~~وغشا، إن الإنسان لظلوم كفار، إنه كان ظلوما جهولا، اللهم إني لا أرضى هذا الزور ~~والبهتان، اللهم لا حياة ولا سعادة إلا بالصدق والفضيلة. # ما لي أرى أكابر الأمم وسواسهم يقولون الإنسانية وهم مجمعون على جشعهم، وكأنهم ~~جهال، بعض أهل التدين يترنمون بما لا يعلمون، أو يعلمون بما لا يعملون، هذه بلية ~~الإنسان، افترى عليه رؤساؤه الدينيون، وكذب رؤساؤه السياسيون. # وهنا قارنت ظاهر الإنسانية وباطنها بظاهر النجوم وباطنها، فحرت في ذلك وقلت: ~~لأسأل صديقي الوجدان، عسى أن يشفيني بالجواب، فلما أن طفقت أسأل صديقي ابتدرني قائلا: ~~انظر، انظر، إذا سحابات مكورة مزرقة مبيضة تجول في أنحاء الجو فأقبلت إحداهن إلينا، ~~فامتطيناها، وقلت: باسم الله مجراها ومرساها، فلما استوينا على ms049 ظهرها تأملتها، إذا ~~باطنها ناعم أملس لون ماء نهر النيل، حتى حسبته ماء، ثم تبين لي أنه منطاد لطيف ومركب ~~جميل مرصع الحافات بالجواهر، والأحجار الثمينة من الزمرد والمرجان والدر، وما لا ~~يبلغ الواصفون صفته، وهناك أحجار عجيبة بهجة باهرة للناظرين، فسارت بنا تخترق الآفاق. ~~فقال: انظر، إذا نجم نبتون، وهو يجري بسرعة لا نظير لها حول الشمس، ثم أبصرت سيارات ~~كثيرة ونيازك وذوات أذناب لا أحصي عددها، كلها دائرة حول الشمس. # ثم قال: ارفع رأسك وانظر، إذا هناك نجوم تسمى الثوابت لا تجري حول الشمس. فقال لي ~~رفيقي: كم عدد النجوم التي أدركتموها بآلاتكم المقربة «التلسكوب»؟ قلت: إنها مائة ~~مليون. قال: انظر، فنظرت إذا النجمة اليمانية وهي أضوأ من الشمس خمسين مرة وهي أبعد عنا ~~بما يقاس مليون مرة ببعد الشمس، فالمسافة التي بين أرضنا وبين الشمس المقدرة بنحو 90 ~~مليونا من الأميال تتضاعف مليونا مرة في بعد النجمة اليمانية، فزاد تعجبي، ورأيت ~~نجما آخر أضوأ من الشمس 400 مرة وآخر أضوأ منها 1000 مرة، والأعجب من هذا كله نجمة ~~«أكتروس» فهي أضوأ من الشمس 8000 مرة، وتجري في الثانية 355 ميلا، فحينئذ بهرت وغشي ~~على عقلي، وبقيت في سكون تام لا حراك لي مما اعتراني من الدهشة والحيرة، فأيقظني صديقي ~~الوجدان، وقال: سل ما بدا لك الآن. # يريد بذلك أن تزول حيرتي، وتذهب وحشتي، ويؤانسني. فقلت: أليس النظام واحدا؟ أليس ~~عالم الإنسان تابعا لهذا الجمال البديع؟ فمن أين جاء له الفساد؟ وكيف يقولون ما لا ~~يعلمون، ويبطنون ما لا يظهرون؟ هل يعم النظام والجمال هذه العوالم العالية البديعة، ~~ويذرنا نتخبط، ويقتل بعضنا بعضا، ويطعن بعضنا بعضا، ونحن في الحياة معذبون ظالمون ~~جاهلون، أما أنا فلا أعتد في الحياة إلا بالجمال والنظام والصدق، فأما إذا خالف ~~الظاهر الباطن، والعمل القول، فما أسوأ الحياة! وما أجهل الكاذبين المنافقين! # أين السعادة؟ أين الحياة؟ ما أحقر أخلاق الأمم! ما أضل سياستهم! ما أجهلهم! يا بني ~~آدم تعالوا معي، تأملوا هذه الحكمة، اعجبوا ms050 من القسط والعدل. فأجابني الصديق قائلا: إن ~~الله عز وجل نظم هذا العالم وبث فيه خلائق وجعلكم أنتم خلائقه في الأرض، ولقد علمت مما ~~شاهدت الآن أنها ذرة صغيرة من العوالم، بل إن مائة المليون من النجوم التي شاهدتها ~~الليلة وعرفها علماؤكم إنما هي ذرة مما لا يتناهي من العوالم المحيطة بكم، ولا أحد يحيط ~~علما بعددها، وإني قابلت سكان النجمة اليمانية، وسكان القطبية التي لا يصل ضوءها لكم ~~إلا في خمسين سنة، فألفيتهم يعلمون من النجوم أضعافكم بملايين الملايين، وهم يعترفون ~~بأنهم لا يعلمون من العوالم إلا ذرة صغيرة، ويقولون: وما أوتينا من العلم إلا ~~قليلا. # فأرضكم على هذا القياس كرة حقيرة جدا، ليست شيئا مذكورا، وقد جعلتم خلفاء الله ~~على ما عليها من الحيوان؛ لأنكم أنتم الأعلون الراشدون، وما منعكم أن تكونوا صادقين ~~إلا أنكم إلى اليوم لم تكتشفوا عقولكم، ولا تزالون على أخلاق الحيوان. # إن الله وضع نظاما لكم جميلا يضارع نظام السماوات، يشاكل القسط والعدل في هذه ~~العوالم، لا خلل ولا فساد، ولكنكم لا تزالون صبيانا وأطفالا، وإني أخاف إذا شرحت ~~حالكم يشغلك عن النظر في جمال هذا العالم، وإني سائر بك إلى كوكب من الكواكب السائرة ~~حول الشمس كأرضكم، لم يعلمه علماؤكم، ولم يكتشفه علماء فلككم، لنرى نظامهم وحكوماتهم، ~~وسياساتهم، وتسمع دروسهم، وتلقيها على إخوانك الشرقيين والغربيين. # اعلم أن أهل الكواكب الأخرى ينظرون إلى نظامكم نظر الاعتبار، ويقولون: الحمد لله الذي ~~أذهب عنا الحزن، إذ أنقذنا من الجهل الذي وقع فيه هؤلاء الغافلون، وتراهم يعلمون ~~صبيانهم في مدراسهم العدل بمشاهدة وقائعكم الحربية المصورة في مدارسهم، ويمثلون أحوالكم ~~وأخلاقكم أمامهم ليعلموا ما هم عليه من النعم والحبور، والسعادة والهناء، وينهجون نهج ~~العدل كالنظام السماوي. # فقلت له: إنا نحن أفضل العالمين. فقال: نعم، لكن بفطرتكم وعقولكم التي سيزول عنها ~~الغشاء، ويزاح الغطاء، وتكونون أحسن حالا وأنعم بالا، كل ذلك ونحن نخترق العوالم ~~ونشاهد بدائع الجمال، ومحاسن النجوم، حتى أقبلنا على كوكب بهيج جميل فألقينا به عصى ~~التسيار، ms051 ووقف السحاب على سطحه واستقر. # أربعة آلاف أمة صادقة السياسة # فوق سيار جديد وأسئلة سياسية عجيبة ورأي اجتماعي جديد # هنالك نزلنا فوق سطح ذلك السيار الجديد الذي فلكه فوق فلك نبتون، وقد قال لي صاحبي: ~~إن علماءكم لم يكتشفوه للآن، فنظرت إذا أرضه كأنها فضة نقية محلاة بأشجار باهرة ~~بيض، وأخرى خضر وزرق مختلف ألوانها، وصفر وحمر باهرة، وهناك من الأزهار والأشجار ما ~~يبهر الألباب، ولم أر شجرة تشبه أشجارنا، ولا ثمرة تضارع أثمارنا، وكل شجر فيها عطر ~~أريج عجيب بهي، والأنهار تجري بما يشبه الماء وكأن حصباءها الدر والياقوت والمرجان، ~~وكأنما جمالها جبال. # وقد كنت أظن ألا أحد من العقلاء هناك، إذا صديقي يقول: هل لك أن تشاهد «نادي ~~الأمم»، فأدهشني هذا القول، فقلت: وهل هنا أمم؟ فقال: نعم، إن على هذا السيار أربعة ~~آلاف أمة، كل أمة تبلغ مقدار الأمم التي على سطح أرضكم. فقلت: بخ بخ، وكيف يكون لهم ~~مجلس واحد؟ فقال: نعم، إنهم عقلاء راشدون، فلا تتعجب، وسترى، فسرنا وقد هبت الرياح، ~~وتغنت الأشجار، وغردت الأطيار، فكنت في حال أشبه بالسكر لما رأيت وسمعت هناك في أصوات ~~الأطيار من المغاني ما لا أذن سمعت، بل إن حفيف الأشجار له نغمات لا يعادلها على وجه ~~الأرض رنات المثاني. # وإذن تذكرت إخواني الآدميين، أنى لهم أن يسمعوا وينظروا ويفرحوا ويروا من آيات الله ~~الخافية في نفوسهم، فأخذ بيدي وسرنا حتى انتهينا إلى قصر عظيم يبلغ اتساعه مقدار مساحة ~~ألمانيا، إذا رجال عظام الجثث جالسون على كراسي من الذهب والفضة والزمرد والياقوت ~~والمرجان والجواهر والبلاتين والماس وغيرها مما لا أعلمه في الأرض من كل جميل الصنع ~~بديع الإتقان، والقصر مبني بآجر الجواهر والماس، وقد رصع بالياقوت والمرجان، وهو ~~مزين بالبساتين البهجة البديعة الشائقة العطرة الحالية بالثمر، وهذه الجواهر الموصوفة ~~ليس منها ما يشبه ما عندنا، وإنما دعوتها بهذه الأسماء لضيق نطاق اللغة أن تحيط بما ~~هنالك، وإنما راعيت الأشكال والأمثال وقرب الدال من المدلول، فلما أن دنوت من النادي ms052 ~~رأيت قامتي لا تصل ركبة أحدهم، فأعظمت أمرهم، وانزويت في ركن، وخجلت من ضعفي وأنا ~~أشاهدهم. # ولقد عجبت كيف يحيط مرأى بصري بجمعهم المحتشد، وهم على كراسيهم جالسون، مع أنهم مئات ~~الألوف، وكيف يسمعون صوت الخطيب جميعا، فأيقنت أن هواءهم وضياءهم على غير نظامنا ~~مخالفان لما في جونا، فلما رأوني نظروا إلي متعجبين، ورنوا بلحظاتهم لي رامقين، ~~وكأنهم لم يروا في أرضهم حيا على شاكلتي، ولا مخلوقا مثلي في صغر الجثة والأوصاف، ~~فلذلك هم متعجبون، فأخذوا يكلمون صديقي، وأخذ يترجم. فقالوا: من أي الكواكب أنت؟ فقلت: ~~من الأرض. فقالوا: أي حيوان أنت؟ فقلت : الإنسان. فقالوا: صف لنا أحوالكم الاجتماعية. ~~فقلت: إننا أمم منا المتوحشون ومنا المتمدينون الأعلون. فقالوا: صفهم. فقلت: المتوحشون ~~قوم ليسوا في رغد العيش، ولا يحسنون الصنائع ولا الزراعة ولا التجارة ولا السياسة، بل ~~هم في ذلك قليلو البضاعة، وليس عندهم قطار البخار والحديد ولا الكهرباء، ولا يحسنون من ~~السياسة إلا قليلا. # فقالوا: صف لنا المتمدينين. فقلت: هم الذين نظموا مدنهم، وأقاموا العدل بينهم، ~~وترقت صنائعهم وأحوالهم، وأصبحت بلادهم كجسم إنسان واحد فيه شرايين السكك الحديدية ~~وأعصاب الرسائل البريدية، وعمموا التعليم، ونظموا المدارس، وأحكموا فن السياسة، إذ تقوم ~~طائفة منهم بنشر لغتها وتجارتها ونفوذها، ويقولون: ننصر الإنسانية، ونقوم بحق البشر ~~ونعدل في الرعية، ثم يسطون على الأمم الجاهلة فيمنعونها أن تنشر نور العلم بين ربوعها، ~~فيتخذون طريقين متناقضين، وسبيلين مختلفين؛ يقولون: نحن نريد نفعكم، ولكنهم يخفون ما في ~~أنفسهم، إذ يريدون أن يتخذوهم مسخرين مذللين لهم، كما يذللون الأنعام، وقليل من الأمم ~~من صدقت نيته، ووضحت حجته، وبانت طريقته. # إذ ذاك رأيتهم جميعا مبهوتين، وظهرت على وجوههم سيماء الإنكار، ثم قالوا: أفليس ~~لأولئك المقهورين قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها، أو عيون يبصرون بها، كأولئك ~~الغالبين الكاذبين الحيوانيين؟ قلت: نعم، ولكنهم يسطون عليهم بالسلاح والحديد والبارود ~~والمدافع فيميتونهم. فقالوا: أرنا أظافرك، فأريتهموها. فقالوا: يا هذا، إن عقلك منع ~~ظفرك أن يطول. فما فهمت قولهم، ولا عرفت رمزهم. ms053 فقالوا: أتعرف السباع والنمور والضباع ~~والآساد؟ قلت: نعم. قالوا: هذه لها مخالب وأظفار وأنياب تنشبها في فريستها وتنفذها في ~~قنيصتها؟ قلت: نعم. قالوا: فأما أنتم فقد قصرت أظافركم، وطالت عقولكم؟ فقلت: نعم، وبهذه ~~العقول صنعنا الأسلحة، وصرنا أشد بأسا من الحيوان، وأقوى فتكا من السباع، فإذا كان ~~لها ظفر طبيعي، فإن لنا أظفارا صناعية أقوى منها أضعافا مضاعفة. # فعند ذلك تبسموا ضاحكين، وسخروا مني هازئين، وقالوا: يا هذا أنت تقول أنك إنسان؟ قلت: ~~نعم. قالوا: فكيف انقلبت أسدا؟ ألا إنك أشد منه فتكا وأظلم منه نفسا، فهل ~~الإنسانية هي الأسدية؟! # إنا نظن أنكم ما قرأتم الحكمة ولا الفلسفة، ولا تعلمون أن المراتب ثلاث، الشهوة ~~البهيمية، وقد غلبت في آكلات الحشائش والطيور التي لا تأكل اللحوم. والقوة الغضبية، وقد ~~وضحت في الآساد والسباع، والقوة العقلية، وقد ظهرت في أعلى الحيوان وهو الإنسان. وأنت ~~تزعم أنك منهم، ولكنك وصفتهم أسوأ وصف، إنما أنتم أكبر الآساد، ولستم من نوع ~~الإنسان. # فقلت: ولم خلق لنا العقل؟ فاستهزءوا بالقول، وقالوا: اسكت أيها الأسد. فقلت: أنا ~~لست من الأمم الظالمة. فقالوا: ألست من الإنسان بزعمك؟ قلت: نعم. قالوا: وما جاز على ~~أحد المثلين جاز على الآخر، فكلكم آساد، وأنتم في الشره والطمع أنداد، ثم أعرضوا ~~عني واستكبروا، وولوا وأدبروا، ولووا عني كشحا، وأخذوا يتشاورون، وأنا من الخزي في ~~عذاب أليم، فشاهدت من آيات العدل وحسن النظام، والصدق في القول ما لا يحلم به أهل ~~الأرض، ولكني كنت واجما كئيبا لما أخجلوني، ولقد فطن لذلك صديقي الوجدان، فلما كانوا ~~في فترتهم أخذ يخاطبهم، قائلا: لا تسفهوا رأي هذا الإنسي، ولتعلموا أن لديهم شرائع ~~وسننا، وأحكاما وحكماء، وعلماء وأنبياء هدوهم إلى الصدق، وأرشدوهم إلى الحق، فانبرى ~~إلي أحدهم سائلا، ما فعلته فلاسفتكم؟ وما الذي به يأمر أنبياؤكم؟ فما أتم كلمته ~~حتى استيقظت، ووعيت ما دار من الحديث فكتبته في مذكرتي. # كان ذلك ولا علم لأحد من الناس بما وعاه قلبي، أعاشر الإخوان، وأمازح الأصدقاء، ~~وأسايرهم، وأكتم ما يهجس ms054 بخاطري من هذه المعاني، ثم أخلو بنفسي في اليقظة سائلا: كيف ~~السبيل إلى السلام العام؟ وماذا يساعد عليه؟ لله أولئك الذين يقابلونني ليلا يقصون ~~علي حديث مدنياتهم الزاهرة، ويقولون: إننا نطيق أن نفعل كما فعلوا، فهل من سبيل إلى ~~ذلك؟ # الفصل الثالث عشر # | في المذكرات # المذكرة الأولى # بينما أنا سائر يوما بساحة عابدين بالقاهرة إذ لمحت شجرة نخل ذكر، فأخذت أجيل ~~النظر في أحوال الذكران والنسوان، وتأملت تلك القضية في النبات والحيوان، وقلت: إن ~~الناس فيما مضى لم يميزوا بين الذكر والأنثى إلا في الحيوان والإنسان، ولم يدركوا ~~التفرقة بين الصنفين إلا في النخل خاصة، ولقد أصبحوا اليوم يعلمون الذكران والإناث في ~~سائر أنواع النبات، فما من نبات إلا وقد جمع ما بين الذكور والإناث، تارة في نبات ~~واحد كالذرة والقمح، وتارة في مكانين، كالنخل وهذا أمر مشهور معلوم. # أولا ينبغي أن تكون هذه نفسها حل مشكلة العالم الإنساني في اجتماعه، ومبدأ نظامه ~~في حياته، إن تعداد الذكران من النوع يضارع تعداد الإناث في كل صقع وإقليم ودولة في ~~الماضي والحال والاستقبال، أليس هذا عجيبا؟ يا الله علمني، فهمني، أنا حائر، أريد ~~الإصلاح العام في النوع الإنساني، لعل مسألة الذكور والإناث مبدأ حلها، يا الله أنت ~~نظمت الكواكب التي شاهدتها بالبرهان الحسابي الفلكي الجبري أولا، وبالحس والعيان ~~كرة أخرى، أولست أنت المنظم لنا، فلماذا يسود النظام هناك ولا يسود هنا؟ الحكمة ~~واحدة والنظام شامل، ثم بدا لي أن هذه تحل المشكلة الإنسانية الاجتماعية بما ~~يأتي. # إن تعداد الذكران والنسوان وتساويهما مبدأ النظام الاجتماعي، فما شاهدنا أمة من الأمم ~~اقترض رجالها نساء أمة أخرى؛ لفقدهم ولادة الإناث. فهذا دليل على أن الحكمة السارية في ~~العالم دخلت في دور السياسة والاجتماع ونظام المدن، الأمم يعوزها الزراعة والتجارة ~~والإمارة والجند والفلاسفة والموسيقيون، أفلم يخلق في كل أمة وقرية وقبيلة أناس هم أصلح ~~لتلك الأعمال، وإن من شيء إلا له مقدار معلوم، وعدد محتوم وسبيل مرسوم، فترى أولي ~~الألباب يقلون ويكثر الصالحون للصناعات اليدوية، ms055 ثم تأملت إلى الذين حسنت أصواتهم إذا ~~هم نادرون، وكذلك الذين هم في جمالهم بارعون. # أذكر أني شاهدت شابا حسن الهيئة جميل البزة، فتوسمت فيه عشق الفنون الجميلة ~~والموسيقى، فطرة في وجهه توسمتها، ومنحة في سيماه أدركتها، فسألته عن ذلك إذا هو ~~بالموسيقى مشغول، وبالفنون الجميلة مغرم، ذو صوت جميل، ولعمرك ما كل الناس حسنت أصواتهم ~~كهذا الشاب، ما أقل ذا الصوت الجميل، هكذا الأذكياء؛ لأن الأمم لا يعوزها إلا قليل من ~~الأذكياء لتدبير شأنها، وتقويم أودها وتنظيم سياستها. # يختلف الناس في أصواتهم وألوانهم وميلهم، ويقل فيهم الأذكياء، إن للاختلاف لحكمة، لم ~~لا تكون آراؤهم وعقولهم مصنوعة موضوعة بمقدار ما يحتاجون له من أعمال الحياة، بحيث لو ~~ربوا في معاهد تنمي عقولهم لاختار كل منهم ما هو أكثر استعدادا له، ولانتظمت أمور ~~الدول والممالك، ولم لا يكون أمر ميل العقل بنظام ثابت على مقدار الحاجة، كما كان ذلك ~~في الذكور والإناث. # أليس من العجب أن ينتظم أمر الذكران والنسوان في العالم كله بلا غلط ولا نسيان، أفلا ~~يكون هكذا جميع شئون الحياة والاجتماع والسياسة، إن في الناس القوي والضعيف، والذكي ~~والبليد، هلا اكتشف العلماء ذلك، هلا نقبوا عنه، يا معشر بني آدم، يا معشر الناس، يا ~~أمم الشرق، يا أمم الغرب، لو أن رجلا جاءكم من قبل ثلاثمائة سنة وقال لكم: إن في كل ~~نبات ذكرا وأنثى لحكمتم عليه بالجهل والهذيان والوسواس، فلما أن علم ذلك الناموس ~~أصبح بديهيا مسلما، إن ذلك الناموس كان واضحا في النخل، ولكن الناس ينكرون ما ~~وراء علمهم، ويكذبون بما لم يحيطوا بعلمه وييأسون ولا يصدقون إلا بعد أن يحاربوا أولي ~~الألباب. # أفلا يكون تساوي الذكور والإناث في نوع الإنسان مبدأ للنظام الاجتماعي، فإذا مهدنا ~~السبيل وبحثنا جهد طاقتنا علمنا ذلك علم اليقين. ألا وإن هربرت الألماني ينكرها. ألا ~~وإن العقل ينصرها. ألا وإنه قد تخبط ولم يتثبت فيما ادعاه وحالت دونه العقبات. أدرك ~~الناس الذكران والإناث في سائر النبات بعد وضوحهما في النخلات، أفلا ms056 يكون وضوح تساوي ~~الذكران والنسوان داعيا حثيثا إلى البحث عن القوة الكامنة في النفوس لإصلاح الاجتماع، ~~والإنسان يفهم طبع ما حوله، وهو عن طبعه من الغافلين، الإنسان حوى جواهر السعادة، ~~وعناصر الرقي في جواهر دماغه، فهل يليق أن يهنأ الوجود بالنظام ويخلو منه الإنسان، إني ~~جربت التلاميذ وخبرت الطلاب، فرأيتهم في استعدادهم مختلفين، وكثيرا ما كنت أستدل ~~بالملامح على الاستعداد والقوة والضعف في العقول، فليجد العلماء في بحثهم والتحري ~~عنه، فهذه أهم المسائل وأقرب الوسائل لسعادة الإنسان. # المذكرة الثانية # ورد في إحدى الجرائد أن امرأة أوقدت التنور فشبت النار فيما حولها فالتهمت قريتها ~~بأكملها، إن جهل امرأة أودى بحياة قرية، واختلال نظام بيت خسارة على بيوت الباقين، يا ~~أيها الناس اعقلوا، واعلموا أنه ما دامت أمة على سطح الكرة جاهلة أو مظلومة فإن شررها ~~يستطير منها إلى ما عداها، ولا يسعد الإنسان على سطح الأرض اليوم إلا متضامنا ~~متحدا. # لقد أخبرت بذلك صديقا يحادثني وسميرا يؤانسني، فتبسم ضاحكا، وقال: يا سبحان الله ~~ما أغرب رأيك! وما أعجب قولك! وهل قال بذلك أحد من العالمين؟! قال ذلك وهو يدخن. فقلت ~~له: أشرب الدخان ضار أم نافع؟ فقال: بل ضار. فقلت: فلم تشربه؟ فقال: حكمت العادة، وغلب ~~الطبع، وقضي علي قضاء مبرما بالتدخين، فأين المفر من قضائه؟ وأين المهرب من إيذائه؟ ~~فقلت: أتدري لم وقعت في هذه البلية، وشغلتك هذه القضية؟ ذلك أن في نوع الإنسان أمما ~~جاهلة قلدتها أمم في رذائلها، واتبعتها في سخافتها. فقال: كيف ذلك؟ فقلت: إن الإسبان إذ ~~فتحوا أمريكا ألفوهم يدخنون، فألحوا في منعهم، ولجوا في التدخين وأسروا النجوى ~~بالذنوب، فقلدهم أحقر الطبقات من الإسبان، فتشبه بهم الأغنياء والأعيان، واتبع سبيلهم ~~الأمراء والملوك، فطغى سيل العادة الجارف على أوروبا والشرق، واستطار شرر الدخان، وطغى ~~وعم نوع الإنسان، فأصبحت به من المغلوبين. # كل ذلك لأن أمة جاهلة أعدت العالم، وشرذمة ضعيفة ساقت الأقوين الأكثرين، ~~وأصبحت عادة محكمة في سائر الأمم والممالك، فما أجهل الناس إذا قصرت كل أمة ms057 همها على ~~نفسها، ولم تهتم بغيرها من العالمين! # وبمثل ما ذكرنا عن الدخان يجدر أن يقاس الشاي وقهوة البن، فما أشد فتكهن بالإنسان، ~~وما أغراهن بضرر الإنسان، فعدوى التقليد في الجميع سريعة، وقوى الإنسان للجهل سامعة ~~مطيعة، ألا فليتذكر أولو الألباب. # المذكرة الثالثة: غلبة الأمم لغيرها # كثر غلب الأمم لغيرها، فترسل القوية عساكرها لحراسة الضعيفة بعد غلبتها، والله لقد ~~أخذني العجب كل مأخذ، فيا إخواني يا بني الإنسان، أما لكم عقول بها تفهمون، أو آذان بها ~~تسمعون، ما لكم تجهلون الطبيعة، كيف تنتزعون قرن الكبش وتضعون مكانه قرن الثور، هل ~~رأيتم ذلك في الطبيعة. # ما لكم أصبحتم تجهلون علم الحقائق، وتعكفون على هذه القضايا المشئومة، أيها الناس، ~~أنتم تسنون سنة لأبنائكم ليكونوا عالة على الأمم المحكومة، ذلكم أول خراب دولكم، ودمار ~~أممكم، وأكثركم في بلادهم مؤدبون، فإذا حلوا بساحة البلاد المقهورة طاش سهمهم وغلت ~~مراجلهم وبطشوا بالضعفاء بطش الجبارين، ثم يتأصل ذلك في نفوسهم، ويتولد عنه أخلاق ~~وعادات ترجع إلى بلادكم بالدمار والخسارة. # فإذا أحرقت نار المرأة الغافلة قرية بأكملها، وسرت عادة التدخين من متوحشي أمريكا إلى ~~العالم المتمدين، ولم يصدها حصون الدين، ولا تهديد السياسة، ولا وعيد العقوبات في ~~الدنيا بالعذاب، ولا في الآخرة بعذاب يوم الدين، فهلا قستم على ذلك أحوال أبنائكم ~~المرسلين للأمم الأجنبية، إذ يسومونهم سوء العذاب جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن، ~~فيتكون فيهم خلقان توأمان وخلتان متعانقتان، وهما سوء ملكة الظلم والاتكال على ~~الناس في جلب الميرة والطعام. # ألا إن الإنسان مسكين قصير النظر اليوم، وسوف يطول نظره إذا ساعده علماؤه وعلمه ~~حكماؤه الصادقون. # ألا إن روحي يؤلمها آلام نوع الإنسان، ويحزنها ما حل به من الرجس والبهتان، وظلم ~~الظالمين، وجهل الجاهلين، فهلا أحسستم بمثل ما نحس، وهلا ساءكم ما ساءنا، ألا ساء ~~مثلا الجاهلون. # يا أيها الناس، إنك ارتكبتم خطأين، وصنعتم ذنبين؛ منابذة الطبيعة وجهلها، وإحداث ~~ملكات السوء في عقول العالمين، كيف تجترئون على سنة تمقتها العوالم الطبيعية، وكيف ~~تأذنون لأنفسكم العلية أن ms058 تقول لأمة: لا تتعلمي ولا تتفكري، ولا يكن منك جيوش ولا ~~قواد! ألا إن للغنم والمعز لقرونا، وللزنابير والنحل لحمى، فهل رأيتم طائفة من ~~الزنابير اقتطعت حمى طائفة أخرى وقالت لها: نحن أولى بحراستك وأقرب للعمل لسعادتك ~~وأدرى منك بالتفكير لك، كذب محض وجهل فاضح يمقته العالمون، عار وأي عار، عار عظيم، ~~أين العقول؟! أين الأحلام؟! أين النفوس المتمدينة؟! العقل، الصدق، النظام، ~~النظام. # أفلا يخجل الإنسان، أين العلوم؟! أين الحكم؟! ما تقولون يا معاشر الفلاسفة؟ ما حكمكم؟ ~~ما رأيكم؟ خطب جسيم وجهل كبير وطامة كبرى، ألا ساء مثلا الجاهلون الظالمون، ما أجهل ~~الإنسان ! ما أكثر فخره، وأقل علمه، وأشد ظلمه! فلينظر لنفسه، ألا بعدا للقوم ~~الظالمين. # المذكرة الرابعة: الحمام لا يتعصب للون # استيقظت مبكرا فشاهدت الحمام يحلق في الجو غاديا رائحا، يطير تارة على محيط ~~دائرة، وطورا على خط مستقيم، ولا أشبه حركاته وجولاته إلا بالجولات العسكرية التي ~~لا يحسنها الجندي إلا بعد أن يقطع شوطا بعيدا، وأمدا مديدا من حياته في المدارس ~~الحربية، والتعاليم الجندية، وآنست الحمامات السود والحمر مزدوجات، وهن في اللعب ~~متحدات، فلا أثر للتعصب اللوني عند الحمامات، وقد احتدم وطيس العصبية بين السود والبيض ~~في البلاد الأمريكية. # فما أجهل الإنسان! يتعصب للألوان، وما أضله عن نفسه، وأبعده عن إدراك حقيقة ~~جنسه! # المذكرة الخامسة: الفلك والمراصد والعدل # إن رجال الفلك في المراصد يرصدون الكواكب كوكبا كوكبا وهي تمر بين الشعرتين ~~المتقاطعتين في آلة الرصد، فهم بذلك يعدلون ساعاتهم. إن لهم لساعات منظمة «كرونومتر»، ~~ولكنها ليست في درجة نظام سير الكواكب، فتارة تتأخر وتارة تتقدم، ولكن للكواكب مواعيد ~~معلومة، وأوقات مدونة، فإذا مرت بمراصدهم دونوا أوقات مرورها، ثم علموا ما بساعاتهم من ~~التأخير والتقديم. # لم ذلك، ليضبطوا مواعيد الأعمال الإنسانية وسير القطار، وسفن البحار، وأعمال البخار، ~~بحيث لا يخطئون في دقيقة ولا ثانية، وأمامهم في ذلك سير الكواكب المنظم. # أليس عجيبا ذلك، أليس من المدهش أن سير الكواكب لا خلل فيه مقدار ثانية، ولا أقل ~~منها، ثم جعلنا ms059 نظام أعمالنا مرتبا عليها بحيث لو اختلت أوقاتنا كان الخلل في أعمالنا، ~~أفلا ينظم أهل السياسة أعمالهم على وفاق نظام العالم، نظام النواميس الطبيعية، نظام ~~العقول الإنسانية، ألا إن أرقى الناموس في الإنسانية أن يستخرج القوى الكامنة في عقول ~~جميع نوع الإنسان، وكما أن نظام المسير في الأرض تابع لنظام الكواكب المرصودة فهكذا ~~فليكن نظام العدل مقيسا بنظام صفوة العقول، فلا ظلم ولا جشع. # ولقد قلت ذلك لأحد أصحابي فقال لي: عجبت لك، وفي أي زمن ارتقى سائر العالم؟! وهل في ~~الناس استعداد لإصلاح شئونهم بحيث لا يظلمون ولا يظلمون؟! فقلت: إن عقل الإنسان ليسع ~~النقص والكمال كما تسعهما المادة، إن كثيرا من قواه العقلية والجسمية تذهب سدى، ~~وهكذا سائر النباتات والحيوان قد تخلق وتذهب بلا فائدة ظاهرة. # إن الإنسان غافل عن أكثر المنافع في نفسه والآفاق، وها هو يستخرج منافع العالم، ~~دائما بالاكتشافات، وقد آن الأوان أن يستخرج مواهبه العقلية فيعيش بسلام. # المذكرة السادسة: الشرق والغرب # الإنسان مسكين كئيب، لا يرى إلا ما أمامه ولا يعرف العواقب، وها هم أهل الشرق ~~الأقصى ظهروا وبهروا، وها هم أهل الغرب راقون، ولكن بعضهم يسيء الأمم القاطنة بينهما، ~~ويزرعون في عقولهم مزارع العداوة والبغضاء، ويا ويحهم، لقد جهلوا أن سنة الترقي ~~ستشملهم، ولن يصدها صاد. # أولا يعلمون أن أبناءهم سيرثون الغل والحقد على أبنائهم الظالمين، ويكونون عونا على ~~من آذى آباءهم، ألا إنهم هم الحصن المنيع بين الشرق والغرب، فليس يسكنه إلا من شاد ~~بناءه، وعلم أبناءه، وباعد ظلمه، وحبب إليه القلوب، فسيتلاقى الغربي مع الشرقي. والقول ~~الفصل سيكون للأمم الآسيوية في الشرق الأدنى، فإنها ستكون مع المحسنين وستسيء للمسيئين، ~~وأغلب السواس لا يعلم إلا ظاهرا من العلم وهم عن الحقائق معرضون. # المذكرة السابعة: الأخلاق في الأمم # لا يجدي نظام كليات العالم ولا مدارسه ما دام السواس يقولون ما لا يفعلون، ~~ويطلعون على ذلك شبانهم، ويقال لهم على سبيل الفخر والإعجاب: هذه سياسة، فتنقلب الحسنات ~~سيئات، ويحور الأخيار أشرارا، والفضلاء منافقين مخادعين، ms060 فإذا أجرم الغاصب والمزور ~~قالا في أنفسهما: إنما نحن سواس كأشرافنا، فإذا سرقنا متاعا فقد سرق أشرافنا، وإذا ~~كذبنا فقد كذب أشرافنا، ونافق وخادع ساداتنا. # فالمدارس والكليات تبني والسواس والقواد يهدمون البنيان، فيرفعون الرذيلة، ~~ويشيدونها على أنقاض الفضيلة في أرض العصيان. # المذكرة الثامنة: لا يبقى إلا الأصلح للوجود # هذه القاعدة صادقة، وقد غلط أكثر علماء الأمم في تطبيقها على الحياة العامة، وخلطوا ~~نظام العالم البشري بنظام الرقي. # إن هناك دائرتين؛ دائرة نظام الغذاء، ودائرة الارتقاء، فأما الأولى فإنك ترى الدود ~~طعمة العصفور، والعصفور غذاء الباشق، والباشق طعام العقاب، والعقاب طعام الدود، وسائر ~~هذه العوالم فريسة أصغر الحيوان، وهو الميكروب. فهذا نظام حق، له ناموس خاص، فأما ~~الدائرة الثانية، فإن في هذه العوالم قوة شهوية، عاشت بها الأرانب والغزلان والطيور ~~وسائر الحيوان والنبات، وفوقها قوة غضبية ظهرت بأجلى المظاهر في الآساد، وقوة عاقلة كان ~~أتم ظهورها في الإنسان، وكل واحدة أرقى مما قبلها وأقل مما بعدها، فنحو الآساد تنال ~~غذاءها من الغزلان، والإنسان ملك الأسد والغزال بقوته العقلية، وحيلته الفكرية، ونفسه ~~العلية. # فالعقل أرقى، وهو أصلح للوجود، وهو لا يزال ناقصا، فإذا أكمل التعليم والتهذيب زالت ~~عنه المفاسد والغل والحقد والحسد، وأصبحوا سعداء أجمعين، فإذا بقي الإنسان على حياته ~~السبعية، وقلد الآساد في افتراسها، والثعالب في مكرها، وعلم القوي الضعيف علوم الجبن، ~~ودروس الذلة فأمات غرائزهم، وأضعف قواهم، وهو في الوقت نفسه يعلم أبناء أمته الاتكال ~~على ما كسبته الأمم الأخرى، بحيث يجعلون كل ما أوتوا من ذكاء، وما أعطوا من علم موجها ~~إلى الأمم الضعيفة، ليحصدوا ما زرعوا، ويأكلوا ما جمعوا، ويفسدوا ما أصلحوا، ويجنوا ما ~~غرسوا، إنهم بذلك تتأصل فيهم ملكة الظلم، وتستولي على عقولهم آفات الكسل، ويكون لهم ~~ظاهر وباطن، فظاهرهم الصدق والإخلاص والفضيلة، وباطنهم النفاق والخداع وعدم ~~المروءة. # لعمري إن الإنسان إذا دام على ذلك أصبح لا يصلح لعمارة هذه الكرة الأرضية، وذاق بعضه ~~بأس بعض، وخلفه قوم آخرون؛ لأنه لا يليق لهذا النظام الدقيق العجيب في ms061 السماوات ~~والأرض. # أوليس من العار أن العالم الذي حولنا من الأرض والسماوات معظمه عالم صادق ونحن ~~ظالمون جاهلون كاذبون! # عار عليكم أيها العلماء والفلاسفة، أيها الملوك والعظماء، أف لكم، ما لكم أجهلتم ~~أنفسكم، ما لكم كيف تحكمون، أفلا تذكرون، تقول الأمة وعلماؤها وسواسها: ما لنا ولمنافع ~~الأمم الآخرين، نحن أشرف وأفضل منهم، ولا صلة بيننا وبينهم، إلا بالمادة، تبا لمن ~~لا يعقلون، أما علموا أنه ما دامت أمة واحدة في الأرض جاهلة تسرب الجهل والغفلة إلى ~~غيرها على مدى الأيام، أما علموا أنهم إذا أرادوا تقليل السلاح بعد أن ظلموا أمة ضعيفة ~~فقويت تلك الأمة وصنعت الأسلحة النارية، ولم يكن بينهم وبينها صلات علمية ولا مودات ~~أخلاقية، ولا يدرسون معهم دروس الحب العام فإنهم إذ ذاك حريون أن يتقلدوا السلاح ~~ويقدموا للكفاح، فيرجع الناس كما كانوا آسادا وذؤبانا وجهالا فاسقين. # المذكرة التاسعة: إلى أين يا قرطاس # ازدحمت هذه الآراء بفكري، وتسابقت إلى قلمي، فرسمتها على القرطاس، إلى أين يا قرطاس؟ ~~فأجابني إني سائر إلى الناس، إلى من يا قرطاس؟ فقال: إلى أحبابك، إلى إخوانك، إلى ~~أصدقائك، إلى عشاقك، إلى الذين يعجبون برأيك من أفاضل الأمم وأخيار الممالك، إلى من يا ~~قرطاس؟ إلى أمتي وحدها أم للأمم؟ فقال: الأمم كلها أمتك، والعقول الإنسانية والأرواح ~~البشرية تشاركك في علمك. # إن قلبي لهذه الحكم مشوق، وهو لامتلاء أفئدة إخواني من سائر الأمم أشوق، أنا إن لم ~~أبرز هذه الكلمات للناس فلا سعادة لي، ولئن أوجدت لسائر الناس فأنا بهم فرح، إذ هم ~~المشاركون لي في فكري. # وكلما كثر المشاركون زاد فرحي، وبقلتهم يقل، فعلى قدر انتشارها واتساعها تزداد ~~سعادتي، وكلما رأيت أمثالي من الأمم ازداد فرحي، أليس سائر علماء الأمم يفرحون بأشكالهم ~~وأشباههم في سائر الأقطار، وانظر إلى الطائر، هذه الطيور لا تدون أفكارها، ولا تكتب ~~أخبارها، ولا تعرف تاريخ أمم الطيور قبلها، ولا ترسل بريدا إلى ما عاش معها من جنسها ~~على الأرض، ولا إلى أبنائها الآتين بعد فنائها، إنها لا يهمها ms062 إلا حياتها وتربية ~~أولادها إلى حين، وهي مع ذلك تنظم جماعاتها عند الحاجة للنظام كالغربان وكلاب البحر ~~وغيرها، فيا ويح الإنسان. # ما الذي جرى لك أيها الإنسان؟ أعرف أخبار الشرقي والغربي، وسعادتي في أن يشاركوني في ~~فكري، وأقيس المستقبل بالماضي، وأن لي مع السالفين واللاحقين والمعاصرين من سائر الأمم ~~والممالك علاقة عظيمة، فكيف يكون نظامنا أسوأ النظامات، وبيننا العداوات والبغضاء، نظام ~~الغراب والزنبور والنحل وكلب البحر على مقدار حاجاتها، أفلا يكون نظامنا على مقدار ~~حاجاتنا. # ألا إنا لسائر البشر لمحتاجون، إن قلبي وقلوبهم في مستوى واحد وأفق واحد، بيننا علاقة ~~واتصال ومحبة ومودة ، وأعلمهم ويعلمونني، وأحبهم ويحبونني. (قاعدة): وكلما زاد علم ~~الإنسان ازداد حبه للناس، وكلما قل العلم قل الحب، ولذلك ترى الحكماء أشد حبا ~~للناس، والجهال والكذابون والسواس أقل حبا، وأكثر طمعا وجمعا للمال، والرجل ~~الجاهل أقرب للحيوان الأعجم يقل عطفه على النوع الإنساني بمقدار جهله بإخوانه من سائر ~~البشر. # الأمم اليوم أقرب إلى الحيوان، فإذا علمت وربيت ترقت عن الحيوان إلى درجة ~~الإنسان وصار الناس إخوانا. # المذكرة العاشرة: البلاهة خير من الفطانة البتراء # قال الغزالي المتوفى في أوائل القرن السادس: البلاهة خير من الفطانة البتراء، يريد أن ~~العامة والبلداء يصدقون بالدين بلا حجة ولا برهان، فإذا تعلموا تعليما ناقصا صاروا ~~بين بين، لا هم عامة مقلدون، ولا علماء محققون، فيكون الجاهل راضيا بربه قانعا بعيشه، ~~وذلك الناقص العلم يعيش في شك وألم وعذاب أليم. # أما نحن فنقول: الأمم المتمدينة فطانتهم بتراء، فإن أكابرهم وسواسهم وعلماءهم ~~يعلمون الحقائق ويدرسون، وأكثرهم جهال غافلون، فيغلب أهل الشره والطمع وجمع المال ~~وحب الغلب على أولئك السواس، فيأتمرون بأمرهم، ويصبحون ذوي وجهين وقلبين ولسانين؛ ~~قلب عالم بالحقيقة عاطف على الإنسان، وقلب مطيع لأولئك الغافلين الطامعين الظالمين، ~~فينقلب العلم جهلا، وتكون الصناعات والعلوم أول معوان على الفتك والأذى، بحيث لو كانوا ~~أقل علما لكانوا أقل ضررا، وأمنع أذى وأبعد سوء. # ففطانة الأمم داعية لازدياد شرههم وحرصهم وخضوع الفضلاء منهم للظالمين الطاغين، ~~وتكون فطانتهم الناقصة ms063 من دواعي شرههم وأذاهم ومكرهم، ومتى ارتقت الأمم وصارت فطانتها ~~كاملة ذهبت الأحقاد والمطامع وعاش الناس سعداء آمنين. # المذكرة الحادية عشرة: التبجح بدعوى المعرفة مفسدة للأخلاق # قلنا: إن فطانة الناس بتراء، وهم يدعون أكاذيب كثيرة، ويفتخرون بأنهم يعلمون، ولكن ~~أكثرهم يجهلون، يتبجح الرجل بقوله: نحن علماء، نعلم أن الشمس أكبر من الأرض مليون مرة ~~ونحو ثلاثمائة ألف مرة، وهو لم يقرأها إلا في كراسة المعلم، وما يدري أحدهم كيف ~~استخرج هذا الفلكيون، وعلى أي القواعد الهندسية بنيت، وما تشابه المثلثات الذي هو أساس ~~هذه القاعدة، وما طريقة العمل، فيكون الرجل مقلدا وهو يظن أنه أول العالمين. # إن لذلك أثرا سيئا في الأخلاق والعادات، بحيث يقف الرجل غير خجل ويقول: أخدم ~~الإنسانية، وهو إنما يخدم نفسه فيسحر الناس بقوله، ويصدقونه، وكثيرا ما يلفق الخبر ~~السيئ فيصدق الناس، فتغلو الأسعار، ويرفع قوم ويخفض آخرون؛ ذلك لنقص الفطنة في مجموع ~~الناس. # المذكرة الثانية عشرة: نواب الأمم # كثرت الرشا في انتخاب نواب الأمم، ولو أن طائفة المديرين المتقاعدين والمأمورين ~~والمحامين والقضاة والأطباء والمهندسين والمزارعين وغيرها كل واحدة منها انتخبت عنها ~~واحدا منها أو أكثر لقلت الرشا في الانتخابات كما هو الناموس الطبيعي في جسم ~~الإنسان، إذ يوصل كل عضو أخباره إلى الدماغ بلا حاجة إلى آخر، فتصل الأعصاب من الأعضاء ~~إلى الدماغ من كل عضو أصالة، بذلك تسير الأمم على نظام أتقن وحكومات أعدل، ~~والسلام. # المذكرة الثالثة عشرة: آن أن يعقل الناس المحبة # الأنبياء علموا الناس أن يتحابوا، ولم يكن في طاقة الأمم أن تفهم بالبرهان، وقد آن أن ~~يفهم الناس بالحجة أن ضرر أمة أو فرد ضار بمجموع الإنسان، فليشمر العلماء عن ساعد الجد، ~~وليعلموا الأمم، وليتعاونوا جميعا على غرس فضيلة المحبة ببراهين كالتي ذكرناها، وحجج ~~كالتي سطرناها، وليعلموا أنما الأمم للأمم حياة، ولا سعادة لأمة إلا بسعادة غيرها، ~~وكلما كانت الأمم أكثر كانت السعادة لهم أوفر، وكلما قلت أعدادهم نقصت ~~سعادتهم. # إذا كانوا في حياة إنسانية وجامعة عقلية يبلغون ما يريدون من ms064 المادة والمنافع ~~الجسمانية والعلوم العقلية والأدبية. # المذكرة الرابعة عشرة: حل أزراري فأصابني الزكام # لا عذر للأمم على جهلها، ولا عذر للعالمة منها أن تبخل بالعلم على غيرها، لقد فك ~~أزراري وأنا مستقبل الريح بلا قصد مني فأصبت بالزكام، لم يكن ذلك الزكام عن عمد، إنما ~~كان عن نسيان. # هكذا الأمم الإنسانية إذا جهلت الفضيلة وغفلت عن الحكمة والعلوم ساءت حالها ووردت ~~مناهل الشقاء بلا مشيئة منها، فلا غفران لذنوب الجهل بالنواميس الطبيعية، وقد يغتفر ~~السهو والخطأ في الأعمال الإرادية والذنوب الاختيارية. # المذكرة الخامسة عشرة: الحجر والسياسة # ناولني فتى من الفتيان المتعلمين حجرا أسمر اللون يشوبه حمرة آتيا به من جبل الرصاص ~~تتخلله قطع رصاصية معدنية طبيعية، فلما أن شاهدتها بدا لي أن في الحجر حل مشكل هذا ~~العالم الإنساني، إن عليه سياسة هذا العالم قديما وحديثا، وهي أقسام ثلاثة. # السياسة الأولى: # سياسة العصور الحجرية، والأمم البربرية القديمة العهد، فلقد كان ~~الحجر حل مشكل المعضلات، وفاصل الحكم بين الجماعات، إذا احتدم وطيس ~~الجدال بين قبيلتين، أو غلا الدم في وجوه أعيان القريتين، حددوا ~~أحجارهم كما تحد سكاكين الحديد، وتناضلوا بها واستعانوا بالعصي وما ~~شاكلها، فمن كان أشد رميا وأقوى ضربا كان له فصل الخطاب وأضحى صاحب ~~التاج والصولجان. # السياسة الثانية: # سياسة الأمم الذين بعدهم في الأعصر الحديدية، وهم الذين عثروا على ~~معادن الحديد فسبكوها، وتراموا بالنبال وتضاربوا بالسيوف، فقضى بينهم ~~الحديد، وهم كآبائهم الأولين، فلما أن عثروا على الرصاص في ثنايا ~~الصخور وتحت طباق الجبال صنعوها كرات وقذفوا بها أعداءهم، ولعل فرق ما ~~بين الحجريين والرصاصيين أن الأولين حكموا ظاهر هذا الحجر الذي في يدي، ~~والآخرون انتزعوا رصاصة فكانت أشد فتكا وأسرع مرمى وأنفذ حكما، إن ~~الأولين والآخرين في ضلال مبين، كلاهما في الضلال يعمهون. # السياسة الثالثة: # سياسة العلم والحكمة، سياسة النظام، سياسة الله في نظامه، سياسة ~~الأنبياء، ولعمرك ما حارب الأنبياء الأمم إلا ليصلوا للسلام، ولا ~~أرهقوهم إلا ليغمدوا الحسام بالسلام العام، ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون. # هذا الحجر ذو ms065 بريق ولمعان، أراه حسن الشكل يتلألأ نورا وبهجة، إن فيه لحل المشكلة ~~الإنسانية، ونظام الجمعية البشرية، ذلك لأن المعادن من الذهب والفضة والنحاس والرصاص ~~والقصدير وأمثالها وضعت في الأرض والجبال بمقدار. # ألا ترى الذهب كيف قل وجوده، والفضة كيف كانت أضعاف أضعافه، وإلى النحاس كيف كان أكثر ~~منهما وأعم، وكذا الحديد والرصاص، إن في ذلك لعبرة، إن في قلة الرصاص ووفرة الذهب ~~لحكمة، إن في ذلك لآيات للعاقلين، إنه تذكرة للناس ليعلموا أن العقول الإنسانية موزعة ~~على أعمالهم توزيع المعادن على المنافع، فمن عطل عقلا عن الارتقاء، أو وضع نفسا في ~~غير موضعها ، كان كمن استعمل الذهب موضع الحديد، أو حبس أحدهما عن الناس، ألا فلتقم كل ~~أمة وكل فرد بما خلقوا له، وإلا عاشوا في أسوأ حال وبئس ما يصنعون. # المذكرة السادسة عشرة: إيضاح للتي قبلها # ركبت القطار فما أسرع أن سار، فرأيت الأمر فيه واضحا جليا ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون، رأيت الحجرات من خشب مصنوعات، رأيت عوارض من حديد منصوبات، رأيت قضبانا على ~~الأرض مسطوحات، ورأيت الركاب فيه معهم قليل من النقود الذهبية، وكثير من القطع الفضية، ~~وهم عن الحكمة غافلون. # ذلك حل المشكلة الإنسانية ونظام الجمعية البشرية، ذلك أن الحاجة للحديد شديدة، وللخشب ~~أشد، وللفضة قليلة، وللذهب أقل، فكان ترتيبها في الوجود موضوعا حسب الحاجة الداعية ~~إليها، أفلا ينظرون إلى الخشب كيف كثر، وإلى الحديد كيف كان بمقدار الحاجة موفرا، ولم ~~يكن للذهب من الحاجة الداعية ما للحديد. # الحديد جعل عوارض يمسك خشب الحجرات، والذهب يقضي بين المتبايعين في تنازع القيمة ~~المبهمة في المبيعات، والفضة في صغريات الحاجات، الذهب سلطان وقاض كلي، والفضة أمير ~~وقاض جزئي، فكان الأول أقل وجودا والثاني أوفر وأكثر في الكرة الأرضية، وفي الطبقات ~~الصخرية، ولو أن الناس استبدلوا الذهب بالحديد في الماسكات والعوارض في الحجرات ~~القطرية، أو جعلوا الحجرات في القطار من الحديد بدل الخشب لاختلط الأمر ووقفت الحركات، ~~وعطلت البنوك، وحطم القطار، ورجع الناس إلى الهمجية، وارتطموا في الأحوال الوحشية، ms066 فكيف ~~يسير القطار إذا كانت العوارض الماسكة لأجزاء الحجرات من خشب والحجرات من حديد؟ أم كيف ~~يتعامل الناس بالحديد ويفصلون قضاياهم بالنحاس، وقد كثر وجودهما فرخص ثمنهما؟ # تجلى الحق ووضح ألا نظام إلا بوضع المعادن والأشجار في مواضعها، وأن استبدال ~~أحدهما بالآخر ظلم وسوء إدارة وجهل بالنظام، ألا ساء مثلا الجاهلون الظالمون. # هكذا تكون العقول البشرية، إنها نظمت تنظيما جميلا بحيث نرى أن الأذكياء في سائر ~~الأمم يقلون كما قل الذهب دون سائر المعادن، ونرى الصالحين للإدارة العامة يكثرون ~~كالحديد، وأكثر الناس قادرون على الأعمال الجسمية والصناعات اليدوية كالخشب في حجرات ~~القطار وفي شبابيك النوافذ وأبواب الدار. # وزع الذهب وسائر المعادن على الجبال الأرضية، ولم تخص أرض دون أرض، وهكذا ~~سائر المعادن غالبا، فهكذا العقول البشرية لم تخص أمة دون أمة ولا طائفة دون ~~طائفة. # إن العقول موزعة على النوع الإنساني بمقدار توزيع المعادن والأشجار على الأقطار، فلا ~~حق لأمة أن تدعي أن جنسها أرقى الأجناس، ولا إن قومها أرقى العالمين؛ فذلك جهل فاضح ~~وخور وجنون، كذب العالمون، ما أجهل الإنسان! يا ويحه، ما أجهله بالنظام! ما أضله عن ~~السبيل! جهل فغوى، وكذب وطغى، فعذبه الله العذاب الأوفر، وأنزل عليه صواعق غضبه ~~وسلط عليه نار الغضب، فأحرقت أفئدة الظالمين وسامتهم سوء العذاب بالعداوات والحرب ~~والنضال، لبئس ما يصنعون. # وهنا نتائج أربع: # الأولى: # أن الأشياء وضعت في الدنيا حسب الحاجة إليها كثرة وقلة، كالخشب ~~والحديد والذهب، فكلما اشتدت الحاجة إلى شيء كثر وجوده وكلما قلت قل ~~وجوده. # الثانية: # أنه كلما اشتدت الحاجة للشيء سهل تحصيله كالخشب، وكلما قلت الحاجة له ~~صعب تحصيله كالذهب. # الثالثة: # كلما كثر الشيء رخص، وكلما قل غلا في أكثر الأحوال. # الرابعة: # متى وضع شيء في غير موضعه اختل النظام. # هذه القواعد الأربع سارية في الماديات والمضويات، العقول الإنسانية جارية على هذه ~~القاعدة، فهل يحق لأمة من أمم الأرض أن تدعي أنها مختصة بالعقول الذهبية، فتنطلق أمة ~~أخرى، وتقول: ضعوا خشبي موضع حديدكم وحديدي مكان ذهبكم، واجعلوا حديدكم ms067 خشبا وذهبكم ~~حديدا، وكونوا إلي سامعين مطيعين. # أولا تكون هذه الأمة كالرجل الأحمق الذي يصنع حجرات القطار من الحديد، ويدعمها ~~بالخشب، ويأمر الناس بالتعامل بالحديد بدل الذهب والفضة، ألا ساء مثلا الطاغون ~~الجاهلون، أولا يعلم الإنسان أنه إذا عطل بعض العقول الإنسانية، كان كمن حرم الناس ~~من استخراج الذهب من معادنه الجبلية، فيقل الذهب في العالمين، ويكثر الشجار بين ~~المتغاضين. حرص الناس على المعادن وفرطوا في العقول، جهلوا والله، إن الإنسان لظلوم ~~كفار، تواطأ الناس على استخراج المعادن، وتحملوا المشاق ولما يألوا جهدا في تحصيلها، ~~فهل دأبوا في استخراج العقول الإنسانية، كما دأبوا في تحصيل القطع المعدنية، أولا ~~يعلمون أن الغنم بالغرم، وأن أشق الأشياء تحصيلا أنفعها. وهلا علموا أن العقول ~~البشرية أعظم لهم نفعا، وأبقى سعادة، عرف الناس كل شيء إلا عقولهم، وفهموا كل شيء ~~إلا نفوسهم، ألا إن الإنسان لجهول كفور، سيسوس الناس في مستقبل الزمان أممهم بما ساس ~~الله به خلقه، فالله وضع الميزان وأحكم النظام، وقام بالعدل، وجعل هذه الخليقة المنظمة ~~كتابا للسياسة يقرؤه الناس إن كانوا يعقلون، هذا ميزان الخليقة فزنوا به أعمالكم ولا ~~تكونوا ظالمين. # المذكرة السابعة عشرة: جاموسة الناعورة # جلست مع أصدقاء في وسط روضة صغيرة وفيها ناعورة تديرها جاموسة، عيناها في غطاء لا ~~تبصران، ولكن أذناها تسمعان، وما أدراك ما تسمعان، تسمعان صوت الهراوة ترن ضربا على ~~جسمها، تسمعان صليل الجرس ليوهمها أن ضربة ستؤلمها، وبينما هي كذلك إذا غطاء عينيها ~~انكشف قليلا، فأبصرت، فلما أبصرت وقفت، فأخذ السائق يضربها وظلت الجاموسة في موقفها، ~~كبرت نفسا أن تسير، وظلت العصي على جنبها تسيل. فقال صاحب الجاموسة: ما العمل فيما ~~ألم؟ فقلت: يا هذا، لا يصبر على الذل إلا الجاهلون، ولا يرضى بالهوان ~~المبصرون. # الجاموسة كالأمم المغلوبة، وغطاء عينيها أشبه شيء بغطاء ظلام الجهل المسدول على عقول ~~الأمم الضعيفة، والسائق كالأمم الغالبة، فغش عينيها بالغطاء، فإنها تسير بلا ~~تناء، ففعل السائق فدارت. # الإنسان ظن جهلا أنه ليس نوعا واحدا، فقام قوم مقام السادة ms068 وقام آخرون مقام العبيد ~~والحيوان، فغشوا أبصارهم وحرموهم من العلم، وقالوا لهم: كونوا عبيدا أذلاء، ألا ~~إن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، ألا ساء ما يفعل الجاهلون. # الفصل الرابع عشر # | الجمع المحتشد وعالم الأرض والمريخ وتحليل المدنية العصرية # بينا أنا نائم ليلة العشرين من شهر يوليو إذا صاحبي مقبل إلي في حلل تلوح كأنما لونها ~~ريش الطاووس بهجة وجمالا، فنرى سوادا يتخلله بريق، يغشاه لمعان يعلوه لون ذهبي، يحيط به ~~بياض، منقش في دوائر شمسية بهيجة أشبه بألوان العقيق والمرجان والزمرذ، وعلى رأسه تاج يضيء ~~سناه للناظرين مكلل بكل ما جمل وغلا من الياقوت والمرجان والماس منظم دوائر منظومة من ~~الجوهر داخلها مربعات ومخمسات ياقوتية مرتبة ترتيبا بديعا، فسلم وحيا ودنا ~~وتدلى. # وهنا أخذ لبي بحسن سلامه، وبديع كلامه، وجميل خطابه، وعذب مؤانسته، ومعه آخران واقفان ~~خلفه، خاضعان لأمره، مطرقان إجلالا له، فسرنا والليل عاكف، حتى ركبنا المركب المعهود ~~ووصلنا الكوكب الجديد، فلما أن توسطناه نظرت إذا قرى عالية الذرى، فرأيت المدرسين في ~~مدارسهم، والمهندسين في أعمالهم، والصانعين في مصانعهم، وشاهدت قطارات البخار، وآنست رسل ~~الكلام من المسرة «التلفون» والبرق «التلغراف»، ورأيت الناس يرغبون ولا يرهبون، وهم بالشوق ~~والحب يعملون، وسمعت نغمات الآلات الدائرة وموسيقى العجلات في السكك الحديدية، وكلها ذوات ~~نغمات موسيقية، فلو رأيت ثم رأيت فلاحا يحمل فأسا ونغمات الآلات الرافعة للماء ~~تشنف سمعه، وهو في طرب وفرح وجذل وسعادة وحبور. # فلما أن وصلنا ساحة القوم في ذلك القصر الفسيح الأرجاء البديع البناء، رأيت القوم مجتمعين ~~والجمع محتشدين، وهم ألوف وألوف، صفوف خلفها صفوف، وعلى وجوههم سيمى الحب وفي هيآتهم بهاء ~~الوقار، فسلمنا وسلموا، وأجلسنا على كراسي في ساحة المكان، وبينما نحن جلوس إذ أقبل شيخ ~~عظيم الهامة، طويل القامة، جليل القدر، رفيع الذكر، جلس بيننا وبين القوم وهم جميعا له ~~معظمون ولشيبته وهيبته مبجلون. # فقلت لصاحبي: من هذا؟ فقال: هذا عالم الأرض والمريخ. فقلت: وكيف ذلك؟ فقال: أليس للحشرات ~~فيما بينكم علماء؟ قلت: نعم. قال: فهاهنا لكل ms069 شيء في العالم أخصائيون، وهذا أخصائي في علم ~~الأرض والمريخ، يدرس ما أنتم عليه من الأحوال، ليكون عبرة لهم ولمن بعدهم من ~~الأجيال. # ولقد جاءوا به ليحل مشاكلكم السياسية، وعقدكم الاجتماعية، ويزيل المظالم الدولية، وليكون ~~مخبرا أمينا، وصادقا شهيدا، ثم هو من وجه آخر يريد أن يهتدي إلى بعض ما غاب عنه ~~بسؤالك، ويستخرج المجهول بجوابك، فليس كل ما لديكم عنده بحاصل، وما هو بكل دقيق وجليل عندكم ~~بعالم، فأصغ إلى سؤاله واستعد لجوابه، فستستفيد وتفيد، ويسأل وتسأل، ويعلم وتعلم. # وهنا أصغت تلك الجموع، وخشعت القلوب، وخفتت الأصوات، وابتدأ الشيخ يقول: أيها الشخص ، لقد ~~بلغني عنك الليلة ما بلغني، فقيل لي إنك أسد من الآساد. أفحق ما يقولون أم باطل ما يدعون؟ ~~فقلت: كلا ومن فلق الحب والنوى، إن المخلوقات على سطح كرتنا على ثلاثة أقسام، نبات ~~رأسه أسفل في الطين، وحيوان غير إنسان رأسه متجهة للجوانب الأربعة، والإنسان رأسه أعلى، ~~فأنا من نوع الإنسان. فتبسم الشيخ وضحك وضحكوا، وقال: لعلكم كما قال شاعركم: # أما الخيام فإنها كخيامهم # وأرى رجال الحي غير رجاله # فاعترتني الدهشة وعجبت كيف يحفظ شعر شعرائنا، وجاش بخلدي أن هذه النفوس لها صلة بنفوسنا ~~وعلم بآرائنا، وإلا فكيف يعرف ما درسناه ويدرس ما قرأناه. # ثم قال: أيها الفتى، أنت أجبتني بالإنسانية الجسمية، ونحن نريد الإنسانية المعنوية، ~~صورتكم صورة الإنسان، معدة للرقي إلى عوالم العرفان، وهل بعد ارتفاع الرأس من شرف في ~~الجثمانية، ولكني وجهت سؤالي إلى أخلاقكم وأعمالكم وآرائكم ونفوسكم، أأنتم آساد؟ قلت: كلا. ~~فقال: خبرني ماذا فعلتم بالإنسانية؟ وبماذا ارتقيتم عن الحيوان؟ إن مقياس الإنسانية يتجاوز ~~أخلاق الحيوانية، فقل لي: بمذا علوتم على الحيوان؟ فقلت: زرعنا الحقول، وأنضجنا البقول، ~~وحفرنا الترع، وأقمنا الجسور، ونظمنا البلاد، ونفعنا العباد، وأدرنا الآلات، فسقت الحقل، ~~وحصدت الزرع، وخاطت الثوب، وفصلت النعل، ونقلت المتاع، وحملت الإنسان والحيوان، وتكلمنا بعد ~~أميال بالبرق والتلفون، بل إن الإشارة البرقية تطوف الكرة الأرضية في سدس ثانية ~~زمنية. # قلت ذلك وهو يتبسم ويقول: أنا أسألك ms070 عن الإنسانية وأنت تشرح لي الحيوانية؛ إن الزرع ~~والحصد والثوب يشارككم فيها الحيوان، فهو يأكل ويلبس ويعيش، وقصارى الأمر أنكم محتاجون لما ~~نقصكم، ساعون لتلحقوا الحيوان، فهو سهل الغذاء، حاضر الملابس، وأنتم بتلكم الآلات والعدد ~~الحديدية والعلوم تريدون إدراك شأوه، فأنتم للحيوانية ساعون مضطرون، وعلى الحياة مجبورون. ~~ولكني سألتك عن الإنسانية، وما سرعة النقل والبريد وقرب التخاطب إلا لتملئوا بطونكم ~~وتكسوا جلودكم، وتعولوا نساءكم وأبناءكم، فأنتم بهذا تسارعون في الحيوانية لا الإنسانية، ~~وما سرعة الخطا ورغد العيش، وكثرة الألوان على المائدة، ولا الذهب والفضة، ولا الخيل ~~المسومة، ولا الأنعام ولا الحرث ولا النسل إلا حطام الطعام، تشارككم فيها الأنعام أكالة ~~الحشيش، كالنعجة والخروف والعنز والتيس والبقرة والجاموسة، ولو كانت سرعة السير إنسانية ~~لكانت الأرانب أعظم منكم، وما سرعة البرق والبريد إلا صوت امتد في الفضاء، كما زاد صوت ~~الجمل على النملة، فلم يوجب له فخارا ولم يدفع عنه عارا، وما الآلات البخارية للإنسان ~~إلا أرجل جديدة يجري عليها، فقصارى أمركم أنكم زدتم حيوانية وبعدتم عن الإنسانية، فإذا ~~كان معنى الإنسانية هي الحيوانية العظيمة، فالفيل إنسان بالنسبة للعنز وهذا لا يقول به ~~العاقلون. # ثم أراني خريطة فيها صورة جيوش حرب السبعين، وحرب الروس مع الترك واليابان وغير ذلك، ~~وقال: كيف قطعتم هذه الرءوس وأزلتم تلك النفوس؟! فقلت: إن لنا مدارس فيها الفنون الحربية، ~~والآلات الدفاعية، وكيفية الكر والفر، والإقبال والإدبار، ولقد وصلنا اليوم إلى أربع درجات ~~في الحرب، السفن الغاطسة المائية، والسفن الجارية فوق البحر، والجيوش المنظمة البرية، ~~والمناطيد الجوية. إن العالم الإنساني اليوم زادت قوته، ووصل إلى أن اكتشف المنطاد ليحارب ~~في الجو. # فعجب الشيخ كل العجب، ثم أشار إلى أحد الواقفين بإشارة فغاب خمس دقائق وجاء ومعه حيوان ~~هائل عظيم الجثة له أرجل يمشي بها، مثبت فيها عجل أسرع من القطار له أجنحة، فمشى أمامي وجرى ~~بالعجلة أسرع من القطار، وطار في الجو بالأجنحة وهو محدب الأنياب والمخالب. فقال: أنتم كهذا ~~الحيوان، إنه يطير ويجري، ويعدو، ويسبح في البحر، ms071 ويغطس في الماء، ويأكل، ويعيش، وصوته ~~بعيد المدى يسمعه المشرقان. فقال: إذن لست بإنسان. # حينئذ زويت لي الدنيا كلها، وأصبح لدي الغربي والشرقي وسائر النوع الإنساني في مستوى ~~واحد، فأخذت إذن أفتخر بأعمال العلماء في جميع الملل والنحل، وابتدأت بالأنبياء، وذكرت ~~أعمالهم وعلومهم وهديهم. قال: أنا أعلم بهم منك، ولكن أوصافك لبني جنسك دلتني على أنكم لم ~~تتجاوزوا الحيوانية قيد شبر، ولم تسمعوا كلامهم ولم تعملوا به، ولعلكم اكتفيتم بظواهر ~~الرسوم، وعجزتم عن الصدق والإخلاص وسائر الأعمال الباطنة. فقلت: فينا المخترعون والمكتشفون ~~في سائر الفنون كإسحاق نيوتن في الفلك وداروين في الفلسفة. فقال : هل منهم من أحد حاول ~~انتفاع الإنسان كله؟ قلت: نعم، اسبنسر الإنجليزي وآخرون غائب عني أسماؤهم. فقال: دع عنك ذكر ~~الفلاسفة والحكماء، فليس بحكيم من قصر عقله على أمة. # ألا إنما الحكماء نواب الله عز وجل في أرضه، فإذا رأيت المرء مغرما بسعادة الأمم، دائبا ~~لراحتهم، مكبا على دفع الأذى عنهم فاعلم أنما هو الحكيم النائب عن ربه، ومن عداه من علماء ~~الأمم فإنما هم رجال صناعة كالتجار والزراع والموسيقيين وأحزابهم. فقلت: وعندنا من العلماء ~~العلامة كاميل فلامريون الفرنساوي يجد في اكتشاف طبقات الأرض لنفع الإنسان. قال: عمل شريف ~~ولكنه سعي للحيوانية، هل سعى أحد في تخفيف الحرب؟ قلت: أقوام يقال لهم: الاشتراكيون، وقد ~~قال أديسون الأمريكي: إن الحرب ستبطل بإفلاس الدول، فإنهن إذا أثقلت كواهلهن بالديون، ~~وصفرت جيوب الرعايا من الدراهم، ثارت في وجوه الحكام، وأبطلت الحرب، فأنغض رأسه وقال: كما ~~تتناطح الكباش والأعنز والثيران، فإنها لا تزال في نطاح حتى تضعف إحداها أو يتساقط ~~المتناطحان. # أين الإنسان؟ إن أقوال علمائكم دلتني على خيبة الأمل فيكم، لا عقول، أين العقول؟ لقد وضح ~~الحق واستبان السبيل، إنكم آساد من أقبح الآساد، فإذا كانت نتائج العقل البهيمية والسبعية ~~فإنكم أنعام وآساد، فلا تتعالوا على الحيوان، وقولوا: نحن حيوان معنى إنسان حسا، ألا لا ~~خير في الجسوم، ولا مدار على الصور، إنما الأمر كل الأمر في الأرواح والأعمال والآراء، ms072 ~~هنالك طفقت أدافع عن الإنسان بالقضايا المعروفة. فقلت: أليس الأقوى له حق الأشراف على ~~الأضعف، أليس في النمل سادة وعبيد، أليس النبات الأقوى يبيد الأضعف إذا اجتمعا، إن هذه ~~قضايا بحثها علماؤنا، وليست تقبل النقض ولا التأويل. فقال: كم من قوي وضعيف جمعتهما السنن ~~الطبيعية، وأقامتهما النواميس الكونية، ألم تر أن الفيل والنمل تعيش في مكان واحد فوق ~~الشجرة وتحتها وفي ثنايا الأرض. فقلت: إن ذلك بحواجز طبيعية. فقال: وما منعكم أن تجنحوا إلى ~~حواجز بعقولكم وأسوار تحد عاديات بعضكم عن بعض، ولئن رأيتم الباشق أكل العصفور، وأكل ~~العصفور الدود، وأكل الدود جسم الإنسان، وأكل الإنسان العصفور، ثم شاهدتم الأسد يسطو على ~~الغزال والأرنب فيأكلهما، فليس معنى ذلك أن يقتل الإنسان الإنسان أو يقهره بلا حق، وإنما هو ~~نظام واجب، فإن آكلات اللحوم من الطيور والوحوش حكم عليها أن لا تأكل إلا اللحوم، ~~فوظيفتها في العالم الحيواني وظيفة الأطباء في العالم الإنساني. # إن الوحوش الكاسرة والطيور الجارحة تصد عنكم هجمات الميكروبات الضارة بالوباء العام ~~الناجم من جثث الحيوانات الميتة، فلولاها لخلت الأرض من ساكنيها وأصبحت الدار تنعي بانيها، ~~فأما اتخاذ النمل لها عبيدا فما أشبهه إلا باتخاذكم العجول والبقر من جنس الحيوان، فإنها ~~تربيها على نبات وتمتص منها عصاراتها، فأما إذا حاربت نملا مثلها فليس ذلك فضيلة تؤخذ ~~عنها، ولا حكمة تقلد فيها. # ولو أنكم يا معشر الإنسان قلدتم الحيوان في سائر أعماله لوجب عليكم أن تأكلوا الحشائش ~~والحبوب ولا تخبزون ولا تطحنون. # إن شأنكم أن تأتوا بحجة على دعواكم واهية داحضة لتستروا بها عوراتكم وتواروا بها سوآتكم، ~~من أين أتيتم بهذه القضية الفارغة يا بني الإنسان؟ فهل استعبادكم الأمم وقتلكم الأنفس ~~وتيتيمكم الأطفال إزاحة للوباء، كما فعلت كواسر الطير وسباع البر، قضيتكم في الطبيعة غريبة، ~~ما أكثر أوهامكم، وأقل علومكم، وأجهل عقلائكم! # يا معشر الإنسان، الحيوان يمشي على رجلين، ويغني بصوته، وأنتم اتخذتم العجلات للسير ~~والسفر في البحر، وغنيتم بالأعواد، واستعنتم على الطرب بما حولكم من الناميات النباتية ~~والحيوانية، ms073 فإذا سألناكم قلتم: اخترعنا وعقلنا ونحن أرقى من الحيوان. فإذا عذب بعضكم ~~بعضا، وغشت ظلمات ليل الجشع وجه نهار الرحمة المضيء في قلوبكم، فظلمتم وقتلتم وانقلبتم ~~آسادا ونمورا قلنا: لماذا جهلتم؟ أحسبتم أن هذه قضية طبيعية كما تفعل الوحوش الكواسر؛ ~~السباع والآساد لحكمة مقدرة، وما حكمتكم أنتم يا أيها الإنسان؟ إن قضية القتل والاستعباد ~~بجهلكم أحدثتموها، وبعقلكم المغرور اخترعتموها، أليس لكل حيوان رأس؟ قلت: نعم. قال: فهل ~~رأيت يوما رأس حمار على جسم ثور، أو رأس معز على جسم أسد؟! قلت: كلا. قال: ولو أنه وضع رأس ~~أحدهما مكان الآخر أفلا يكون الخلط والخبط في هيئة الحركات والسكنات والأمور المعاشية؟ قلت: ~~بلى. قال: ألم يكن للغربان حكومة جمهورية؟ قلت: بلى. قال: ولكثير من الطير؟ قلت: بلى. قال: ~~وهل شاهدت النحل، أليس له حكومة منظمة؟ قلت: بلى. قال: فالزنابير؟ قلت: بلى. قال: فالحيتان ~~في البحر؟ قلت: بلى. قال: فكلاب الماء التي تبني قرى على شواطئ الأنهار مركبات من بيوت ذات ~~طبقتين عليا وسفلى؟ قلت: بلى. قال: فهل رأيت أمة من هذه الأمم غادرت أمكنتها، وطغت على ~~أخواتها من جنسها، فظلمته وقتلته أو سخرته ليجلب قوتها؟ قلت: كلا. قال: أرأيت الزنابير، ~~أليست مؤذية لكم شريرة فاسقة فاجرة؟ قلت: بلى. قال: أغادرت أعشاشها وحاربت أخواتها؟ قلت: لم ~~أر ذلك، ولكنها تحارب النحل، وتشرب عسله. قال: إنه من غير جنسها. # فقلت: لقد قرأت في كتاب داروين أن الأقوى يبيد الأضعف من الجنس الواحد كالخطاطيف. قال: ~~لئن صح هذا فليس حجة لكم؛ فليس الخطاف في حاجة إلى الخطاف، وأنت تعلم أنكم مضطرون إلى ~~الاجتماع والاتحاد في مشارق الأرض ومغاربها، وإبادة أمة أو رجل أو امرأة يحدث نقصا في ~~مجموعكم الإنساني. قال: ألست تشعر بألم لما يصيب الأمم النائية عنك؟ قلت: بلى. قال: ألست ~~تشعر بما يصنعه صانع أجنبي عن بلادك ودينك ولغتك؟ قلت: بلى. قال: ألست تسر لما تسمع من ~~شجاعة الشجاع، وعفة العفيف، وفضيلة الفاضل، وعلم العليم؟ قلت: بلى. قال: ألست تنقبض لجهل ~~الجاهل، ms074 وجبن الجبان، وفجور الفاسق، ورذيلة الناقص من أي أمة وبلدة؟ قلت: بلى. قال: إذن ~~يلحقك من نوع الإنسان الفرح والترح والسعادة والشقاء والمنفعة والضر؟ قلت: نعم. قال: ذلك ~~ليس في الحيوان، فلئن أباد الحيوان الحيوان فأنتم في حال أشرف من حاله، واجعل قلبك ميزان ~~سياستكم، وشعورك مقياس عدلكم. # قلت: إذن تريد أن يكون الناس أمة واحدة، فتجمع بين القلوب والأجسام والأرواح، وقد اختلفت ~~لغاتنا ودياناتنا وعقائدنا وممالكنا، وقد كتب علينا أن نكون في حرب ونضال أمد الدهر معذبون؟ ~~قال: أليس الحرب للقوت والمسكن والملبس، فهل غير ذلك؟ قلت: لا. قال: إنكم تحاربون لتساووا ~~أخس الحيوان من الدود والميكروب؛ فإنها تأكل وتعيش. ما لهذا خلقتم، وإنكم عن طريق الحق ~~عدلتم، إنكم بهذا الحرب والضرب والعداء تعلنون الكسل والجهل، أما الكسل فإن امرأ عمل عملا ~~فسطا عليه آخر فانتهبه فهو الكسول، تعلمون أبناءكم أن يكونوا عالة على غيرهم، تهدمون صروح ~~الصناعات في الأمم المغلوبة، وتنيمون الغالب على فراش وثير. # وإني لأضرب لك مثلا، هذه الممالك المتمدينة الأمريكية، أليست مركبة من ممالك كثيرة؟ قلت: ~~بلى. قال: فالمملكة من إيالات؟ قلت: بلى. قال: فالإيالة من قرى؟ قلت: بلى. قال: فالقرى من ~~بيوت؟ قلت: بلى. قال: أليس سكان البراري والقفار يعيشون قبائل قبائل، وكل واحدة ترى سعدها ~~في أن تهضم حق جارتها، وتهلك حرثها ونسلها، ويقول شاعرهم ويغني مفتخرهم بما يقول عمرو بن ~~كلثوم: # ونشرب إن وردنا الماء صفوا # ويشرب غيرنا كدرا وطينا # إذا بلغ الفطام لنا صبي # تخر له الجبابر ساجدينا # لنا الدنيا ومن أمسى عليها # ونبطش حين نبطش قادرينا # قلت: بلى. قال: فلو جعلنا الممالك المتحدة قبائل كالتي في البادية لبلغت ألف قبيلة أو ~~يزيدون. قال: أوليسوا الآن أسعد حالا، وأنعم بالا، لو كانوا أشذاذا متفرقين، يقتل بعضهم ~~بعضا، ويلعن بعضهم بعضا، ومأواهم العذاب وما لهم من ناصرين؟ قلت: بلى. قال: أفلا يفخر ~~اليوم كل رجل منهم بأنه أمريكي؟ قلت: بلى. قال: أفلا تعد الأمم اليوم قبائل متوحشة، كل ~~قبيلة تنازع جارتها، وتناوئ ms075 قرينتها، وإنها لو تضامت لأصبحت ممالك متحدة وأسرة واحدة، ~~يعلم عالمها جاهلها، ويرحم قويها ضعيفها، فتكون سعادتهم أوفر، وخيرهم أكثر، وعزهم أوسع، ~~وهم جميعا على سرر متقابلين. # الطبيعة وأسرارها محجوبة عنكم، ولن تنالوها إلا باتحادكم على استخراجها وتمالئكم على ~~إظهارها، ومقامكم في العالم مقام رفيع، ولكنكم جهلتم أنفسكم، وتربصتم للشر، وارتبتم في ~~الخير، وغرتكم الأماني، حتى صرتم في الأرض صاغرين. قلت: ليس الإنسان معذبا للإنسان، إنما ~~هو معلم له ومرشد وهاد، والأمم الراقية ترشد المقهورة. فقال: قد أجبتنا من قبل بما أفاد ~~أنكم ظالمون طاغون، ولقد غلبت عليك صفة أممكم الأرضية، فأجبت بالإجابة اللفظية، وحققت أن ~~لكم قولا يخالف العمل، وظاهرا يخالف الباطن، تقولون كما أخبرتنا ولا تفعلون، كبر مقتا ~~عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون، ولقد مزجتم صفات الآساد بأخلاق الذئاب، ووضعتم القوة ~~العالية في مصاف الحيوان. # الآساد أشرف منكم نفوسا وأطيب قلوبا؛ فإن ظاهرها باطنها، وباطنها ظاهرها، فأما أنتم ~~فباطنكم الفطري فيه الرحمة، وظاهركم من قبله العذاب، فتلونتم وعذبتم وذقتم عذاب الخزي في ~~الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى. # إنكم رحماء طبعا، فلما أن ألفتم الصيد والحرب والفتك والقتل صار عادة، والعادات تلحق ~~بالطبائع، فتصير ألزم من الشرائع، ولا تمتاز عن الخلقة الأولية للعالمين، الناس في حاجة إلى ~~الناس، فاجتمعت القبائل والبلدان، والممالك، فتعاونوا، واختص كل بعمل لينفع الجميع، وتولدت ~~من ذلك المطامع فنشأ الخصام والجدال والقتال، فالحرب فأصبح خلقا فيكم، إنه ليس من طبعكم، ~~إن طبعكم المعاونة، فالحرب عارض يزول. # ما أجهل الإنسان يجتمع مع الإنسان للتعاون، فلما طمع وشره وجهل أخذ يستعد لمكافحة أخيه ~~ليتخذ منزله وغذاءه وأرضه! ليس هذا طبعا، هذه عارضة واهية زائلة، ومن عجب أن يدع الطبيعة ~~وأسرارها، والحكمة وثمارها، ويستثمر ما غرس أخوه، عار عليكم أي عار، وجهل فاضح، وفساد واضح. # الفصل الخامس عشر # | في الوحدات الإنسانية من اللغة والدين والوطن والجنس والمعاهدات والمصاهرات والملك ~~الجامع والأب الأكبر والاجتماع في اللون وغير ذلك # وبينما نحن في الحديث، إذا رجل كأنه خادم قدم ms076 ومعه صورتان آدميتان، فناولهما إلى ذلك ~~الشيخ، فأخذهما وقلبهما، وأطلعني عليهما، إذا هما صورتا آدميين أبيض وأسود، ثم قال: إن ~~هاتين الصورتين كانتا تلعبان لعبا مزعجا، في هذه السنة يوم أربعة يوليو سنة 1910، وكان ~~يوما مشهودا، وحولهما جمع عظيم من السود والبيض، فهل عندك علم بهما وبأخبارهما؟ قلت: ~~نعم، إن الأسود يسمى جاك جنسون الأسود، والأبيض يسمى جفريس. فقال: خبرني عن حالهما، وعن حال ~~الجمع المحتشد حولهما، ولا تكتم عني شيئا، فإني موقن أني أفهم حالكم الاجتماعي بهذه ~~الحادثة وأخبارها؛ فإني أعرف الأشياء بسيماها، وأستنتج من صغار الأمور كبارها، ومن أقلها ~~أكثرها، ومن أحقرها أعظمها. # فقلت: إن ألواننا بني آدم مختلفة، فمنا الأبيض والأسود والأصفر والنحاسي، وكل طائفة تسكن ~~أماكن من المعمورة وقد يتجاورون، وهذان الرجلان متجاوران في مملكة اسمها بلغاتنا أمريكا، ~~ولقد تجاولا في الملاكمة؛ لينظر الجمع المحتشد أيهما أقوى جسما، وأطول يدا، وأشد بطشا، ~~فمن غلب فله القدح المعلى، وقصب السبق في المال والشرف، ولقد غلب الأسود الأبيض، فغضب ~~البيض على السود، وأخذوا يؤذونهم بالقول والعمل واليد واللسان. # فقال: أهذه أخلاقكم وآدابكم، أتدري لماذا يتخاصمون، وعلام يتجادلون؟ اعلم أنكم يا بني آدم ~~عند العقلاء صبيان، لا تعرفون إلا العرض، ولا تهتمون بالجوهر، ومن تعصب لمجرد اللون ~~فإنه لا يعلم الحقائق ولا ينظر في أهم الأمور، وإذا كانت هذه أخلاقكم فإنكم لا تعلمون من ~~الإنسانية شيئا، قد اتحدتم في الأرواح والحواس الخمس والأعضاء الظاهرة والباطنة، ثم اختلفت ~~الألوان فأصمت آذانكم وغشت على قلوبكم، فأدركتم الخلاف وجهلتم الوفاق، ولم تعلموا كيف ~~تتحدون. # وأنا أقص لك قصص أحوالكم، أأنتم تعرفون نعمة الهواء، وهل تحسون بفضل ضوء الشمس، وهل ~~تقولون: الحمد لله، فتفرحون بالسماء ونجومها والأرض وبحارها، وكثرة أشجارها وأنهارها ~~وسحابها، وإذا اتجهتم إلى ربكم في خلواتكم فخبرني، أتحسون في أفئدتكم بالشكر على النجوم ~~وجمالها والنار وإيرائها، وهذه العجائب المشتركة بينكم؟ قلت: إننا نشكر على كل ما اختصصنا ~~به من مال وجاه وشرف، وإذا عطشنا حمدنا الله على الماء، فإذا كان موفرا ms077 حاضرا لم نحس ~~بشكره ولم نفقه نعمته. قال: فأنتم إذن عبيد منكودون لا تعرفون النعم إلا بمنعها ولا ~~تفقهون الحكم والفضائل والآلاء العامة. # أخبرني إذا منع الهواء فكم زمن تعيش؟ قلت: ثلاث دقائق. قال: فالماء؟ قلت: ثلاثة أيام. ~~قال: فالخبز؟ قلت: أياما كثيرة. قال: فأيها ألزم؟ قلت: الهواء. قال: ثم ماذا؟ قلت: الماء. ~~قال: ثم ماذا؟ قلت: الخبز. قال: ثم ماذا؟ قلت: الفاكهة ونحوها. قال: فعلام تحزنون، وعلام ~~تشكرون؟ قلت: على أقلها طلبا، وأشدنا فيها نصبا، وأكثرنا في حزن على ما لا يحتاجه في ~~يومه وإنما يكون زينة أو ذخيرة لغد أو لولد . # قال: أخلاقكم أخلاق حيوانية، ورب السماوات العلية، لو أنكم بعقولكم ناظرون، وللحقائق ~~مقدرون، لعقلتم العطايا الضرورية، ولم تجزعوا على ما فاتكم من الفضلات، وما هو كنز لما هو ~~آت، فمن يحزن لمال مفقود، أو لرياسة أو لذهب أو فضة، وهو غافل عن هذه السماء وجمالها، ~~والأرض وبهائها، والهواء ونسيمه، بحيث لا يحس بنعمتها، ولا يقنع عقله بقيمتها، وإنما هو ~~غافل إلا عما خص به، جاهل إلا بما كنز، فهو حري أن يتغاضى عن الروح الإنسانية، ~~والاشتراك في الأعضاء الجسمية، والمنافع البشرية، ويتلهى بسواد الجلد وبياضه، أو يتعصب لمن ~~تلون عقله بدين أو عقيدة تخالف مشربه، أو سكن في قارته أو عاش في مملكته، أو تكلم بلغته، أو ~~عاهده على الكر والفر والضر والنفع، أو صاهره للإقدام والإحجام، كل ذلك لجهلكم يا معشر بني ~~الإنسان. # إن اللغة والوطن، والدين والمعاهدة الدولية ومصاهرة الملوك وتلون الجلد، كل ذلك لا يغير ~~الإنسانية ولا يخل بالقضية، هذا فهمته من قضية الأسود والأبيض، وإذن ضاع الحق فيما بينكم، ~~ولا عدل في الأرض. فقلت: لقد بين روسو من علماء فرنسا عقده الاجتماعي، موضحا فيه كيف ~~تنتخب الأمة أعضاءها ونوابها، وكيف يولون الرؤساء والوزراء، وأبان أنهم مسئولون، فيعزلون ~~إذا ضلوا الطريق، وحادوا عن الحق، ومالوا عن الصراط السوي، فقامت قائمة الجمهوريات في الأمم ~~ومنها ممالك ملوكية، وشايعه منتسكيو في رأيه، ثم نازعه في سلطة ms078 القضاء، فحكم أن لا يعزل ~~القضاة ما داموا أحياء، على شريطة صدقهم وعلمهم، وجعل أمرهم لنواب الأمة، والتشريع للنواب، ~~وسلطة التنفيذ لمن يولون، والقضاء حرا لا سلطان عليه إلا للأمة، وهذا المنهج سار عليه ~~كثير من الأمم. # فقال: هذه عارضة من عوارض النظام الإنساني، وجزئية من جزئيات علم الاجتماع في الأرض، وما ~~هو إلا أنه مثل حال الصبيان في لعبهم، إذ يتفقون ويتحدون على أكثرهم نشاطا وأفصحهم ~~لسانا، وأحبهم لإخوانه، وأعطفهم على مجموعهم، فيصطفونهم، ويقلدونهم أمور لعبهم، ونظام ~~عملهم، حتى إذا حادوا عن الجادة ولوا غيرهم مكانهم، فما قاله روسو ومنتسكيو تعليم للكبار ما ~~ستر عنهم الجهل والشهوات والمصائب، والتعاليم الباردة الحاجبة للعقول عن فطرتها، والصادة ~~للنفوس عن حكمتها. # فالناس في طفولتهم مطبوعون على النظام والجمهوريات، فيصادفهم في طريقهم ويعارضهم في سيرهم ~~رجل الدين المقلد، وعالم السياسة، والتربية، والعادات، وسوء الملكات، فتنسيه فطرته، وتوقعه ~~في حيرته، فذكره أولئك العلماء بفطرته، وهذا ليس إلا عارضة من عوارض حياتكم الإنسانية، ~~فهل هذه صورتكم عند التعصب للأوطان واللغات وما أشبهها؟ # وليس روسو ومنتسكيو وأضرابهم بناظرين للنوع الإنساني ورقيه، إنما دفعوا جزءا عارضا، ~~وأزاحوا ظلما يسيرا، والإنسان لا يزال في ظلمه جاهلا باغيا حاسدا محاربا، وهل هناك ~~قانون يشمل الممالك وسائر الدول؟ فقلت: عندنا الشرائع والقوانين في الممالك. فقال: وهل هناك ~~قانون يشمل الممالك وسائر الدول بحيث لا يظلمون ولا يظلمون؟ وقد علمت ما لديكم من ~~المدافع والبارود والحصون، وبالإجمال إن الذي حرض البيض على السود الإقبال على الأعراض، ~~والجهل بجواهر الأشياء. # إن التعليم في مدارس الكرة الأرضية ناقص مبتور، وإلا فبالله، ما الذي جعل هؤلاء البيض ~~يغضبون على السود، أليس لما يفعله معلموكم، يقولون: جنس أبيض وجنس أسود وأحمر إلخ، والحقيقة ~~أنكم نوع واحد، لا يفرقه لون الجلد ولا العقيدة في القلب، ولا تباعد المكان ولا تعاهد ~~الملوك، ولا اختلاف اللغات، وإن المعلمين لجهلهم يفضلون لونا على لون، وأمة على أمة. عيب ~~وجهل فاضح، يوغرون صدور الصبيان المساكين. # الصبيان يخلقون على الفطرة، وتعليم ms079 الأمم في مدارسها مشحون بالنقص والجهل، يكفر بعضهم ~~ببعض ويلعن بعضهم بعضا، فهذا هو السر في حربكم وجهلكم، وأن يقتل بعضكم بعضا وافتخاركم بما ~~أنتم فيه تخوضون، فما حياتكم إلا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ~~والدول والمدافع والبارود، كل ذلك على القوت واللباس وما يؤدي إليهما من متاع، والحمار ~~والأرنب والنعجة قد كفيت ذلك، فأكلت وشربت، ولبست، وأنتم بما تعملون تظنون أنكم أشرف ~~الحيوان وأعلى طوائفه، وأنتم لا تشعرون. # أولا تخجلون أن تروا النعجتين تلعبان وترتعان وتأكلان، إحداهما بيضاء والأخرى سوداء ولم ~~يعقهما لونهما عن أن تأتلفا، بل إنهما نظرتا لجوهرهما لا لعوارضهما، أولا ترون البقرة ~~السوداء والحمراء ترتعان في روض واحد، أولا تشاهدون الحمام الأسود والأبيض وهو يطير بلا ~~عداء ولا نفور. # قتل الإنسان اليوم ما أكفره! كيف تحجزكم الأوطان أن تتقاربوا وقد أحس أهل الشرق بما أصاب ~~أهل الغرب من الزلزال في إيطاليا، فرحمهم الصديق والعدو، والبعيد والقريب، ولم يصدهم حاجز ~~الدين ولا اللغات، ولا الأوطان، ألا فلتقرءوا فطرتكم، ولتفهموا عقولكم، وكيف تحجزكم اللغات ~~وأنتم ترون الطيور لكل طائفة لغتها في مشارق الأرض ومغاربها، ولكم أنتم لغة واحدة؛ لغة ~~التصوير التي عمت مدارسكم في سائر ممالك الأرض. # ولقد كان التعبير عن صور المحسوسات والمعقولات أول لغاتكم، فلما أن تفننتم في مآكلكم، ~~ومشاربكم ومعارفكم اصطلح كل فريق على مقاطع وضعها للتعبير عن تلك الصور المشاهدة، فتصورتم ~~الحروف الهجائية الدالة على الصور دلالة اصطلاحية على المعاني، فهل الاختلاف في التعبير ~~يدعو للبغض والنفور. # المعاني هي المحسوسات والمعقولات، وأنتم مستعدون جميعا لفهمها، فهل اختلاف لباسها، ~~والعبارة عنها باللغات ينسيكم فطرتكم، ويجعلكم فرقا، وهل تكره ابنك وأخاك إذا ما لبسا ~~غير لباسك أو تزييا بخلاف أزيائك، إن هذا إلا ضلال مبين، إنكم ما أدركتم سر دياناتكم، ~~إن أفاضلكم وأشرافكم، وهم الأنبياء رأوا أن كل فريق منكم يسكن أرضا معلومة يتحدون على ~~غيرهم، ويجعلون المكان عصبية، والقرابة سلاحا، ويتخذون المصاهرة والوطنية سلاحا يحاربون ~~بهما من عداهم، فقام أنبياؤكم ينذرونكم ms080 سوء المنقلب، وقالوا: لا تعبدوا إلا الله وأحبوا ~~سائر البشر، فأنتم إخوان لا يحجزكم عن الأخوة مكان، ولا تصدكم قرابة، فاتخذتم تلك الديانات ~~والعقائد أسلحة تحاربون بها من خالفكم في عقيدة أو دين. # ولقد جعل الله عز وجل مصاهرة الأباعد ليتحد الناس، وليعلموا أنهم كبني رجل واحد، وامرأة ~~واحدة، وحرم عليكم أخواتكم وبناتكم وكثيرا من محارمكم؛ لأنكم تحبونهم ويحبونكم بالقرابة، ~~وحلل لكم أن تتزوجوا من الأباعد لتتواصلوا ويتكاثر الأحباب، فالقريب لقرابته والبعيد ~~لمصاهرته، فلما أن فعلتم ذلك جعلتموها سلاحا تشهرونه على من عاداكم، كما اتخذتم اختلاف ~~اللغات والديانات والأماكن، وذلك لما طبع على قلوبكم من الطمع والجشع، وسوء الملكة وتربيتكم ~~في مدارسكم ومنازلكم، وأنتم في عذاب الخزي تعيشون. # الفصل السادس عشر # | إيضاح مسألة الأقوى والأضعف وإننا نفعل فعل الحيوان # فلما أن سمعت منه ذلك امتعضت أشد الامتعاض، وقلت: والله لأدافعن، وأقاومن، ولا أدعه ~~يعيرني بجنسي وإخواني، لقد سبنا سبا فاحشا، وسوف ينشر في مجلاتهم وجرائدهم، وأكون ~~أنا سببا في سب هذا النوع الإنساني، واسوءتاه! ويا للعار! ويا للشنار! فقلت: كيف تقول إن ~~الحيوان أرقى منا، ونحن نقرأ الحكمة، ونعرف الفضيلة، ونحكم بالعقل، ونقول الصدق، وفينا أشرف ~~الحكماء، وأفاضل العلماء، والصالحون، والأدباء، والشعراء؟ # فقال وهو يتبسم: انظر، فرفعت رأسي، إذا مقمعة من حديد مكسوة حريرا أبيض. فقلت: ما ~~هذا؟ فقال: هذه آدابكم، وأخلاقكم وحسن معاشرتكم، إنكم ظالمون، لكنكم تدهنون، إذ يضرب بعضكم ~~بعضا بمقامع من حديد بمكر وخداع، وكذب وزور، فتناولونهم المر مغلفا بالحلاوة، ويشربون ~~العلقم في صورة العسل، وتسطو الأمة القوية على الضعيفة فتظلمها، وتسومها سوء العذاب، وهي ~~تتظاهر لها بالمحبة والإخلاص، ففعلها مثال المقمعة، وقولها مثال الحرير الكاسي لها، وباطنكم ~~الظلم وظاهركم العدل. # فما أسوأ أخلاقكم، ألا إن الآساد لأشرف منكم، فإن ظاهرها باطنها، وباطنها ظاهرها، دأبها ~~الصدق، ودأبكم النفاق، فأخلاقكم فاسدة دنيئة ثعلبية، فليتكم لم تكونوا، وما أقبح سياستكم، ~~وأشنع ظلمكم، إن الإنسان لظلوم كفار. # ثم قال: فائتني بغير هذا إن كنت من الصادقين. فقلت: إن طبيعتنا لا ms081 تتجاوز الناموس الأرضي، ~~وكله إهلاك وتدمير، والأقوى يأكل الأضعف، فإذا سرنا على سننا المعهود فلا جناح علينا، ولا ~~إثم، ولا تثريب، ألا ترى أن العصافير والقنابر والخطاطيف وغيرها تأكل الجراد والنحل والذباب ~~والبق وما شاكله، ثم إن البواشق والشواهين وما شاكلها تصطاد العصافير والقنابر وتأكلها، ثم ~~إن البزاة والصقور والعقبان تصطادها وتأكلها، ثم إذا ماتت أكلها صغارها من النمل ~~والذباب والديدان، وهكذا سيرتنا، فإننا نأكل لحم الجدي والحملان والغنم والبقر والطير ~~وغيرها، ثم إذا متنا أكلنا الدود في قبورنا والنمل والذباب وغيره، فيأكل صغار الحيوان ~~كبارها، ويأكل كبارها صغارها، فعالمنا الذي عشنا فيه مسوق بطبعه إلى التغلب والافتراس، وأن ~~يأكل بعضه بعضا، ويرجع آخره إلى أوله، وأوله إلى آخره. # عند ذلك رأيت حملة الأقلام والكتاب ومكاتبي الجرائد جميعا ينظرون إلي شزرا، وقامت ضجة ~~بالمكان وتكلموا بلغة أجهلها، فسألت صديقي أن يترجمه فأحجم وقال: إنهم لا يعجبهم هذا القول، ~~وقد عدوه رأيا ضعيفا، أساسه الوهم، وعماده الخيال، وسقفه الجشع والطمع وجهل الحكمة. ~~فقال: أظن هذه أكبر حججكم، وأقوى أدلتكم، ولذلك كررتها وأعدتها، فافهمها حتى تعلم حقيقتها، ~~ولا تحتج بها مرة أخرى. # إن ما ذكرته من أكل العصفور الجراد، وأكل الباشق العصفور، وأكل العقاب الباشق، ثم أكل ~~الدود والنمل الباشق، وأكل العصفور الدود إنما ذلك تكوين لدائرة من دوائر وجودكم، فإنك تراه ~~هكذا، دود عصفور باشق عقاب دود، وهكذا يرجع آخرها لأولها، وأولها لآخرها. إن هذا نظام ~~طبيعي، وحكمة عجيبة، وجمال في النظام، كما دارت السنة فصارت ربيعا وصيفا وخريفا وشتاء، ~~وكما تخلقون من ضعف، ثم يكون بعد ضعفكم قوة، ثم يكون بعد قوتكم ضعف، فترجع آخرتكم إلى ~~أولاكم، وكما يتكون النبات من العناصر ويزهر ويثمر، ويعود مفرقا إليها ثانيا، وكما يغتذي ~~النبات بالعناصر، والحيوان بالنبات، والإنسان بالحيوان، ويرجع الحيوان إلى التراب كرة ~~أخرى، وهكذا رأى فلاسفة الأمة الإسلامية. # ولقد استنتج أبيقور اليوناني، وتبعه داروين الإنجليزي أن الأضعف طعمة للأشرف الأكمل، ~~وقاسوا نظام الإنسان على هذا الحيوان، ووضعوا الأمم الضعيفة والصغيرة في ms082 مرتبة الدودة، ~~والأمم القوية في مرتبة العصفورة، والتي هي أشد قوة في مرتبة الباشق، ثم في مرتبة الصقور، ~~ونظما على ذلك نظريتهما، فرجعا بالإنسان إلى مرتبة دنيئة، تأباها الفطرة، ويدحضها ~~العقل. # ألا إنكم يا بني آدم نوع واحد لا أنواع، ولكم ناموس وقانون خاص لا تتعدونه، فأنتم كجسم ~~واحد ونفس واحدة، ألا ترى أن شاعر الشرقيين يحبه الغربيون، وعالم الغربيين يحبه الشرقيون، ~~فهل وصل الحيوان هذه المزية من العطف والحب في نوع واحد فضلا عن الأنواع؟ وهل يظن أن نمل ~~الشرق يعلم ما تكنه صدور نمل الغرب؟ أفليس جنسكم أشد عطفا وأغزر حبا ؟ أليس البخار ~~والكهرباء والتلغراف الذي لا سلك له الساري بريده بالأثير أول سلم من التعارف والمحبة؟ ~~أيعقل مثل ذلك الحيوان كالنمل والنحل؟ أفليس الشرقي أضحى يكلم الغربي وكل في داره؟ وسيأتي ~~يوم يسمع الغربي غناء الشرقي، والشرقي غناء الغربي في وقت واحد، فهل تريد برهانا بعد هذا ~~على أنكم أشد قربا، وأكثر عطفا، بفطركم بعضكم لبعض من نوع واحد من الحيوان، فضلا عن ~~الأصناف، فإذا رأيت الحمامة تحب الحمامة، وإن اختلف المكان وتغاير اللون، وهما لا تستطيعان ~~فهما كما تفهمون، ولا عقلا كما تعقلون، أفلستم أنتم أحق بالاقتراب، وأولى بالتحاب، ولا ~~يعوقكم دين ولا لغة ولا وطن؟ # أولا تعلمون أنكم كجسم واحد، وكل امرئ منكم كشريان، وكل أمة كعضو من أعضائه؟ فكما أن ~~العين لو نطقت لقالت: إني أحب الرجل، والرجل لو نطقت لقالت: إني أحرص على حياة العين، ~~وكلاهما تقول: إنا خادمان للمعدة والفم واللسان، والحلقوم والكبد والقلب والأمعاء الدقاق ~~والغلاظ، لو نطقت كل واحدة لقالت: إنا خادمات طائعات محبات لمجموع الجسم، وما منا إلا له ~~مقام معلوم، فهكذا فلتكن أممكم وأفرادكم، ولتعلموهم في مدارسكم الحب. # فقلت: وكيف يكون ذلك؟ فقال: سنريكه في مدارسنا الابتدائية، فأما أكل الحيوان بعضه بعضا ~~كما ترى في الدائرة الفائتة التي لم يفلت منها إنسان فذلك نظام طبيعي، ولو أن السباع حرم ~~عليها أن تأكل لحوم آكلات الحشائش، وطرد الدود، فلم ms083 يتعاط لحم الإنسان والحيوان في ذلك ~~النظام الجثماني لباد الإنسان والحيوان في يوم أو بعض يوم، لما يداخله من الميكروب العائش ~~في المواد العفنة الجسمية. فأكل تلك الرمم الميتة رحمة ونعمة عليكم، وتلك السباع والديدان ~~جاءت مطهرات، كأنها أطباء أرضكم، بل هي أفضل من الأطباء عملا، وأعظم نفعا. # ألا ترى أن الديدان والذباب والبق والخنافس تقل في دكان البزاز والحداد والنجار، ~~وتكثر في دكان القصاب والسمان واللبان والدباس، أو في السماد والسرقين، ~~فإذا امتصت تلك العفونات واغتذت بها صفا الجو، وطاب الهواء، وسلم من الوباء، ثم تكون تلك ~~الحيوانات أغذية لما هو أكبر منها. # وهكذا تقاس حياة التنين في البحر والسباع والكواسج والتماسيح؛ فسباع البر وتمساح البحر، ~~وعقاب الجو، كل تلك مصلحة الجو والأرض والبحر بما تأكل من الرمم الخامدة، والجثث الهامدة، ~~فأما افتراسها للأحياء مما هو أضعف منها بطشا وأقلها حيلة فذلك ضر قليل محتمل في جانب ~~المنافع الكثيرة، والفوائد الغزيرة. # على أن آكلات الحشائش كثيرة الذرية تملأ الآفاق، وما يؤكل حيا منها قليل جدا، ويعتبر ~~ذلك تقليلا لازدحامها في الصحاري والقفار. فقلت: إن الذئاب تأكل الذئب المريض إذا أيست من ~~حياته، وعلمت بدنو مماته، فما منع الأمة القوية من الأمم البشرية أن تسطو على الضعيفة ~~فتبتلعها، وتدير شأنها إذا أيست من صلاحها كما فعلت الذئاب في أخيهن المريض، وما منع ~~الإنسان القوي أن يقتل الضعيف ليريحه من ألم الحياة، كما فعل الذؤبان؟ فقال: وهلا انتهجتم ~~سبيلا أشرف، ونهجتم نهج النمل في عملها، فإنها إذا مرضت إحداهن أخذن يداوينها بالعقاقير ~~ويعالجنها بما تصل يد استطاعتهن، ويغذينها أحسن الغذاء. # أفتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، وتستنزلون من ذروة الفضيلة إلى وهدة الرذيلة، ~~وكيف تقلدون الذئاب الظالمة وتدعون النمل الرحيمة، على أنكم أفضل من الحيوانين، وأعلى من ~~النوعين، فلتكونوا أكثر منهما عطفا، وأرق لطفا، وأعلى كعبا، وأجل وأبقى. # فقلت له: إن بقاء الأنفع والأصلح في الدنيا قضية اتفق عليها الشرقي والغربي. قال: فهل ~~الأنفع والأصلح أن تقتل الأمة الكبيرة الصغيرة، ms084 ويلتهم القوي الضعيف؟ أهكذا فهم حكماؤكم؟ ~~قلت: نعم. قال: كلا، الأنفع للوجود الإنساني أن تخص كل أمة وطائفة وفرد بما خلق له، ويسير ~~على ما تقتضيه فطرته بإرشاد العقل والحكمة والفضيلة، كما ترى أعضاء الجسد الواحد، وهل ترى ~~افتراس الأسد للإنسان أنفع للوجود، وإهلاك الميكروب القاتل للإنسان خيرا وأبقى من إبقائه ~~حيا؟ # أنتم ذوو قوى ثلاث، شهوة غذائية كالنبات، وقوة غضبية كالآساد، وقوة عقلية، وهي كمال ~~الإنسانية، وكل قوة أشرف مما قبلها، وأحط مما بعدها، فإذا سلطتم قوة العقل على القوتين، ~~وجعلتم إنسانكم سائرا على سنته، وأخضعتم الشهوات والجشع والطمع والغضب وما نتج عنها من ~~الحديد والبارود، والقتال والجنود، فإنكم تكونون قوما فاضلين، وتكون أرضكم كلها فاضلة، ~~فأما أنتم اليوم فإنكم آساد متكبرون، وجهال متكلفون. # هب أن الفضيلة في الإبادة، وأن الأقوى من الإنسان أولى بالوجود من سواه، فما بالكم تصطفون ~~أقوى الرجال للهلاك، من الجنود المدربين، والقواد الماهرين؟ لقد أخطأتم والله المرمى، وكيف ~~تقتلون القواد، وتعزلون الأمراء، من الأمم التي تقاتلونها، وتخلفونهم على أممهم؟ فهلا عشتم ~~بسلام، وراقبتم الحكمة الناموسية، فإنها سترسل على الأرض جنودها، وتستهلك بالوباء والأمراض ~~ما لا يصلح للوجود، فأما أنتم فإن نظامكم قضى بقتل الأقوياء في القتال، وبقاء الضعفاء مع ~~ربات الحجال، فما أجهل الإنسان! ألم تروا الحيوان! أما قرأتم صحيفة الأكوان! # جهلتم والله أقبح جهل، ساء مثلا ما كنتم تفعلون، لكل أمة من أمم النمل وأمم النحل وأمم ~~كلاب البحر وأمم الغربان وغيرها قواد وأمراء من أنفسهن، ولم يدع الناموس العام هذه الأمم ~~بلا رئيس يقوم عليها، وحافظ يتولى شئونها، الوجود محكم، وما ظالم إلا الآدميون. # يدعي الأغبياء منكم أن أمة كذا لا تصلح لحكم نفسها، وقد شاهدوا النحل والزنابير في ~~الخرابات التي خربوها قائمة بنظام جمهوري. # فقلت له: إن الحكمة التي ألهمت النحل والنمل أن تعيش جماعات، هي التي أوحت إلى عقلاء ~~الأمم فساقتهم إلى احتلال بلاد الضعفاء. فقال: أف لكم! وكان الإنسان أكثر شيء جدلا، ~~أنتم عكستم القضية، إن الحياة بين الإنسان ms085 خاصة مشتركة فوق سطح الكرة الأرضية، فوجب أن ~~تتحاب الأمم الشرقية والغربية ويكون لهم ناموس عام وقانون واحد وصحبة عامة، ذلك هو الذي ~~أوجبته الحكمة، ولو احتاج نوع من الحيوان لذلك النظام، ما تأخرت جماعاتها عن الاتحاد في ~~مشارق الأرض ومغاربها، ولكنكم اليوم حرمتم نعمة حياة الحيوان، ولم ترتقوا إلى غرفات سعادة ~~الإنسان، فأنتم كالمتدين الذي خرج عن التقليد، وحرم فضيلة الحكمة، فأضحى حائرا، فلا هو من ~~العامة المقلدين، ولا هو من الحكماء المحققين، فهكذا أنتم اليوم، فلا بقيتم مع الحيوان في ~~راحة، ولا ارتقيتم إلى مراتب الإنسان وسعادته، فأنتم اليوم عن المعالي مبعدون، وفي عذاب ~~جهنم الخزي والعداوة جاثمون، صم، بكم، عمي فهم لا يتقدمون ولا يرجعون. # حياة العصفور بجسم الجرادة، وجسم العصفور حياة الباشق، وليس في قتل الإنسان حياتك، أنت ~~تحيا بصناعة وتجارة وعلم وحكمة، وما من أمة من أمم الإنسان إلا وهي متعلمة عما قبلها ~~معلمة لما بعدها، فإذا أكل الحيوان جسم الحيوان، فللإنسان بعد موت أخيه أن يرث علمه وحكمته، ~~ويقرأ قضايا التشريح في داخل جسمه، فللإنسان عن أخيه المائت حكمته وعلمه، وللحيوان ~~جسمه. # وما مثل الأمة الفاتكة بغيرها إلا كمثل رجل يملك ثورا به يحرث الأرض، ويسقي الزرع، ~~فأغراه طمعه، ودفعه جشعه، وأوحى إليه جهله، أن يعجل بالفائدة المرغوبة جزافا دفعة واحدة، ~~فذبحه وأكله هو وأولاده، ففرح يومين، وحزن عامين. # إن أممكم اليوم قصيرو النظر، لا يعلمون العواقب، وإني ما رأيت جنسا في العالم الكوكبي ~~أسوأ سيرة منكم، ولا أقل فضيلة، لا تنظرون للعواقب، ولا تدخرون الأخ للنوائب، وذلك لنقص ~~تعليمكم في المدارس، وتحريفكم كلم النواميس الطبيعية عن مواضعها، ومغادرتكم فطرتكم العالية، ~~وانخفاضكم إلى أسفل الدركات وأدنى الدرجات، ألا ساء مثلا الإنسان الأرضي، ألا إنهم هم ~~الغافلون. # أولا تعلمون أن الإنسان كلما كثرت أفراده زادت ثمراته، على نسبة الأعداد المضاعفة ~~التصاعدية المسماة «المتوالية الهندسية المتصاعدة». فكلما زاد العدد كثر المدد، وبتكاثر ~~الأمم تتكاثر الخيرات، ولو أن أمة أبادت أمة أو أوقفت علمها وأضعفت حركتها فإنها ms086 تقطع من ~~جسم الإنسانية العام شريانا نابضا، أو عضوا عاملا، فتبطئ الإنسانية قرونا، حتى تلد لكم ~~بدلها فتعيشون ناقصين، فربما نشأ فيها من العقول والآراء والصناعات ما تعم بركاته الكرة ~~كلها. # ومن عجب أن أممكم لا يدركون بعقولهم أن اهتضام أمة منهم لأمة أخرى نقص لمجموعهم، وقلة في ~~ثمراتهم وسوء في أخلاقهم، وقدوة لشبانهم، وحزن لشيوخهم، وعقلائهم وحكمائهم. # فإذا سطا الحيوان على الحيوان فأكله فقد علمت حكمته ونظامه، ولا ترى حيوانا آخر يساعده، ~~إذ لا حكمة في ذلك، ولا نظام يقتضيه، والإنسان يرى أخاه واقعا في التهلكة، فلا يعينه إلا ~~لشهوة يملؤها أو جوعة يسدها. # من عجب أن الغربان تساعد الغربان، فإذا آذيت خلية نحل قاومك النحل فآذاك، وهكذا الزنابير، ~~وحيوان القيطس يفتك بمن يقتل إحداها. # ولقد علمت أن نوع الإنسان نعمة على بعضه كجسم واحد، فكان الأجدر به أن تحرص كل أمة على ~~أختها ليظهر فضلها، ويعز شرفها، فقد وضح البرهان، وتجلى الحق، وسطع نور الهدى، وقام الدليل ~~على أن بعضهم ظهير لبعض، فهم على سطح الكرة كوارة واحدة وقرية نمل واحدة لشدة حاجة بعضهم ~~إلى بعض، فهلا منعت الأمم بعضها عن بعض بلا نظر إلى دين أو لغة. # ولئن اتحدت طائفة من أممكم على إصلاح جزيرة كريت لما بينهن من صلة لدين، فلماذا لم يتحدوا ~~على إصلاح نوع الإنسان، وكلهم رجل واحد، وما أرضكم إلا جزيرة صغيرة في وسط البحر اللجي ~~الذي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ومن حولكم الحيوانات الكاسرة، والميكروب المميت، ~~وحوادث الأيام، ومزعجات الأنام، وفتكات البراكين، الهادمة لمجدكم، البالعة لمدنكم. # إنكم أمة واحدة، فلم لم تتحد تلك الدول على رقي نوع الإنسان حتى تقاوموا جميعا ما ~~تغشيكم به المياه في طغيانها من أنهارها، والبحار من أمواجها، والبراكين من هدمها وتخريبها، ~~فما أسوأ حال الإنسان! مسكين، وأي مسكين! مسكين ضعيف! كثر وباؤه وأمراضه، وخانه صديقه، ولم ~~يرحمه عدوه. # أما فيكم عقلاء؟ أما فيكم رحماء؟ عند ذلك بكى وبكيت، وضج الجمع المحتشد، ورمى كتاب ms087 ~~الجرائد بأقلامهم وبكوا رحمة علينا، وسكن التأديب والتوبيخ والتقريع، ورفعوا طرفهم إلى ~~السماء، وطلبوا من الله رحمة أهل الغبراء، وقالوا: اللهم ارحم هذا الإنسان المسكين. # الفصل السابع عشر # | على أي قاعدة تبنى سياسة الأمم # قلت: إني مقتنع أن نظامنا فاسد، وجمعياتنا ناقصة، وسأقص هذا القصص على إخواني في مشارق ~~الأرض ومغاربها، فأسألك بحق ما وهبك الله من العلم والحكمة أن توقفني على الأساس المتين، ~~لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعقلون. فقال لي: ألم تقرأ كتاب «كنت» الألماني على التعليم؟ ~~قلت: أنا لا أعرف اللغة الألمانية وإنما قرأته بالإنجليزية ترجمة السيدة «أنتي تشرتون». ~~قال : ألا تذكر ما قاله في المقدمة العامة على التعليم إذ يقول: لم يعلم الإنسان إلا ~~الإنسان، فهو المعلم والمتعلم، ولو أن عالما أعلى منه ألقى عليه دروس العلم لبرزت كوامن ~~آرائه، وعواطفه وفواضله. # وقال في نفس المقدمة في موضع آخر: مسألتان لم تحلا للآن، ولم يبتدع لهما حل: الحكومات ~~العادلة، والتعليم. # وقال في مقام آخر: إن الفضائل والعلوم كامنة في النفس، كما كمنت الألوان والأزهار ~~والأوراق في البذرة، فاستخرجت بالحرث والسقي والتعهد، ولولا أن في البذرة اللون والثمر ما ~~ظهرا للعيان، ولا ظفر بهما الإنسان. # فهكذا عقل الإنسان، يعوزه التعليم حتى يرتقي إلى سماء فضيلته، ويعلو عن أرض رذيلته، ويرقى ~~إلى سماء الحكمتين، الجسمية والعقلية. # هذا ما قاله في مواضع من مقدمة ذلك الكتاب، وقد ارتأى فيها أن الأمم أصبح عليها أن تجد، ~~وعلى سائر الأفراد أن يجتهدوا، حتى تبدوا كوامن العقول البشرية، والأخلاق والفضائل، ولكن لم ~~يبين كيف السبيل إلى هذه المناهج الشريفة التي بها يسعد الإنسان. # إنا سنشرحها لك شرحا جميلا، إن مسألة الحكومات والتعليم متضامنتان لا تحل إحداهما ~~إلا مع الأخرى، فنشرح لك سياسة الأمم أولا، ثم نتبعها بالتعليم، لتعلم أنهما أختان ~~وصنوان وفرقدان لا يفترقان، وأن إحداهما كالعين المبصرة، والأخرى كالأذن السامعة، فإنهما ~~يجريان في حياة الأمم مجرى الطعام والشراب، فنقول: # يقول «كنت»: إنكم لا تنالون سعادتكم، ولا تستخرجون كنوز علومكم إلا إذا ms088 صدر علمكم من ~~عالم أعلى، فالله هو المعلم، وقد وضع لكم كتابا واضحا ظاهرا بينا، وهو هذا العالم الذي ~~به يؤمن أهل الأرض قاطبة، وهو الرق المنشور، فاعقلوه وافهموه لعلكم تهتدون. أحجم علماؤكم ~~وتأخر حكماؤكم الأقدمون والمحدثون عن الجد في ارتقاء الأمم، وحل مشكلة نظام الحكومات ~~والتعليم، لسد الشهوات والمطامع بين عقول الأمم والعدل في القضية. # فأما العلوم التي لا تكلفهم هدى النفس، وإنما تتعلق بما لا يملأ البطن ويسد العوز ~~كالكواكب والأفلاك فإن الأمم تتلقاها وتستقبلها قبولا حسنا، وتفرح بها، كمثل مسألة أبعاد ~~الكواكب ونظامها عند العرب، فقد طبقها أولئك العلماء على فن الموسيقى، وقدروا أبعاد الأرض ~~والهواء والقمر وعطارد والزهرة والشمس والمريخ والمشتري وزحل، وكما فعل العالم «بود» إذ ~~اكتشف قانونا سموه قانون «بود» في سنة 1801 وأتمه «بيزي» إذ أبان أن بعد كل سيار مضاعف لما ~~قبله كالأرض والزهرة والمريخ إلخ، كما هو واضح في كتاب اللورد فبري الإنجليزي في جمال ~~الطبيعة، تقبل العلماء ذلك قبولا حسنا، وفرحوا واستبشروا بما شرح العلماء من العرب ~~والإفرنج. # أما اكتشاف حل للتربية والعدل في الأمم فأنتم عنه محجوبون، وما صدكم إلا الشهوات ~~الحاجبة عن السعادة، فها أنا الآن أضع لكم نظام الحكومات مقتبسا من نظام السماوات لتبلغه ~~لإخوانك أبناء الإنسان. # انظروا إلى العالم الذي حولكم من الكواكب والحيوان وجسم الإنسان، ثم اجعلوا مدنيتكم ~~وتعليمكم على ما تستخرجون وما تستنتجون، وادرسوا فطرتكم الروحية تجدوها مطابقة لها وموافقة ~~لنظامها. قلت: أوضح لي هذا المقام. قال: انظر. فنظرت، إذا نجمة «أركتروس» وهي أكبر من الشمس ~~عشرين مرة، ولا يصل نورها الأرض إلا في مائتي سنة، والضوء يجري في الدقيقة نحو عشرة ~~ملايين من الأميال تقريبا. قلت قد رأيتها. فقال: هذه النجمة أكبر من شمسكم عشرين مرة، ~~وشمسكم أكبر من أرضكم مليونا وثلث مليون، فتكون أكبر من أرضكم سبعا وعشرين مليون مرة. ~~قلت: نعم. قال: انظر كيف ساع النظام السماوي أرضكم مع هذا الكوكب؛ أرضكم صغيرة، بل ذرة، ما ~~أنتم شيء مذكور على ظهرها، ms089 ومع ذلك ساد النظام، والتأمت المدارات، وقام كل كوكب فدار في ~~فلكه لا يتعداه، فشمسكم الصغيرة وأنجمها وسياراتها وتوابعها كل له مقام معلوم، لا ظلم ~~اليوم، إن الحساب لسريع، إن النظام لدقيق، ولو أن الأعظم يطغى على الأصغر لهلكت أرضكم، ~~ولقامت قيامتكم ولكن النظام جميل. # قلت: أوضح المقام؛ فإن البون ما بين السياسة والكواكب شاسع والشقة بعيدة. فقال: إن ~~لكل كوكب مدارا ونظاما، فلا يطغى أحدهما على الآخر، ولا يحطمه، وسيرها بنظام وميقات ~~معلوم. # ذلك نظام الله الذي أتقن تلك المدارات وحسبها، فلم يطغ كوكب على كوكب، ولم يحطم الكبير ~~الصغير، ولو أن الأمر كان فوضى لاجتذب الأكبر الأصغر ولأصبحت أرضكم قارة من قارات نجمة ~~«أركتروس» ولكانت أرضكم حجرا من حجارتها وأنتم جميعا لون ذلك الحجر. # إن العناية العالية أرسلت المحبة على الكواكب فجرت ودارت دوران العشق والغرام، والحب ألقى ~~عليها دروس الوله والهيام، فدار بعضها على بعض ولم يبغ أكبرها على أصغرها. # ولو أنكم عرفتم ما في نفوسكم من المحبة والعطف والعشق والشوق وحب بني آدم إخوانكم لألفيتم ~~أن نظام أرواحكم مستمد من ذلك الحب العالي الذي تسمونه جاذبية، فالإنسان محب للإنسان، يحب ~~الإنسان العالم والجميل والشجاع والشريف والكريم، من أي ملة ونحلة وأمة، فذلك عشق كعشق ~~الكواكب، فمن هنا عرفتم أرواحكم وعواطفكم، فسنوا سنن النظام الاجتماعي على مقتضى تلك ~~الكواكب، ولتكن كل أمة منكم كوكبا يحب الأعلى الأدنى، ويتحابون ويتوادون ولا يطغى بعضها ~~على بعض، ولتكن الأمة الكبرى لأخواتها الصغيرات كالشمس للسيارات حولها؛ تلقي عليها أشعة ~~علمها لا تبتغي منها جزاء ولا شكورا، وكما أن الشمس ترسل أشعتها على السيارات وما للسيارات ~~عليها من فضل، هكذا فلتفعل الأمم الكبيرة تجاه الأمم الصغيرة، وكفاها شرفا أنها بناتها ~~تدور حولها، وعار على الأمم الكبرى أن تظلم الصغرى، وعار على الأمم المتعلمة أن تذل ~~الجاهلة. # ولقد علمت مما ورد لي أن الأمم الكبيرة تنزع السلاح من الصغيرة، وتحجب عنها أشعة العلم، ~~وتبقيها فقيرة لتجعلها خدما لها، وأن عندكم أمة لا تبلغ ms090 إلا نحو أربعة ملايين أعطيت أمة ~~تبلغ 24 مليونا، ومنعتها العلم والحكمة، وألقت بينها العداوة والبغضاء، وهذا عار وتأخر؛ ~~لأن أولئك الملايين إن استناروا أفادوا المجموع الإنساني أضعافا مضاعفة، فإذا اختصت أمة ~~بقهرهم كالدواب فقد حجبت نورهم عن سائر الأمم، وهو نقص في إنسانيتكم، وشقاء لجامعتكم، أتدري ~~لو أن كوكبا تخطى دائرته ماذا يكون، تتماوج الكواكب، ويضل التوازن، ثم تتحطم، ويكون فساد ~~النظام، كما فسد نظامكم الإنساني بجشع الأمم، وحرصها على المادة الغذائية، ولتعلم أنهم ما ~~داموا لا يراعون إلا المادة، ولا يطيعون وجدانهم وفطرتهم السامية الحقيقة، ويقولون: لا ~~يراعى إلا ما سد الجوع وكسا الجلد فإن نظامكم يبقى فاسدا، حتى تهلكوا، أو تبيدوا، ويؤتى ~~بخلق جديد؛ لأنكم لا وزن لكم ولا قيمة، ولا شرف عند العالم السماوي فإنكم جاهلون ~~ظالمون. # إنكم قتلتم عواطفكم ورحمتكم، وإني أرشدك أن تنشر قولنا في أنحاء العالم، فإن لرجال ~~السياسة عواطف وشرفا وحبا يكتمونها في قلوبهم، ويدعونها جانبا، ثم يقولون: لا نتبع ~~العواطف، بل نجري مع العقل، ولو أزالوا الشهوات، ولم يسيروا على أهواء الجهال من أممهم، ~~وذوي الجشع والطمع من الذين يكنزون الذهب والفضة لوجدوا أن العطف شعبة من شعب العقول ~~والأرواح، ثم انظروا إلى عقولكم وأرواحكم من وجهة أخرى. # إن الكرة الأرضية نبتت فيها الأغذية والفواكه والأدوية والملابس، ووزعت على أقطارها ~~وأرجائها، واختص كل نبات وشجر ببقعة، بحيث لا ينبت إلا فيها، كمثل النخل لا ينبت في ~~أوروبا، وهو ينبت في الشرق، وترى ما احتجتم إليه من الأغذية وافرا حاصلا كثيرا، وما ~~قلت حاجتكم له قل كالأدوية، وما ندرت له الضرورة صار نادرا، كالسم النابت، كما أن الماء ~~كثير، وأقل منه الغذاء، فالأول يقل النصب في تحصيله، ويكثر العناء والطلب والبحث في ~~الثاني، فهل فهمت ما قررناه؟ قلت: نعم. # قال: فهكذا ترى الأخلاق والصناعات موزعة مفرقة على الحيوان، فمنه الناسج كالعنكبوت، ومدخر ~~العسل وصانع الشمع كالنحل، وباني المساكن كالخطاطيف وكلاب البحر، ومغرد كالبلبل وغيره من ~~سائر الطيور المغردة، وهذه مسألة أخرى. # فأما ms091 أنتم يا معشر الإنسان، فإن فطركم غرست فيها سائر الغرائز، وأنتم وإن لاصقتم القرد ~~في صورة شكله وتقليده ونفسه فلقد لاصقتم الطاووس في جماله والببغاء في تشكيل صوته وسرعة ~~تقليده، والكروان والكناري والبلبل وسائر الطيور المغردة في حسن أصواتها، والفرس في كره ~~وفره وذكائه، والعنكبوت في هندسته، والنحل في عسله، فإنكم تعصرون القصب لتستخرجوا العسل، ~~فأنتم نوع واحد، أشربت أنفسكم الإنسانية عواطف وأخلاق نفوس الحيوان، ولم يكن ذلك إلا ~~لتصيطروا بنفسكم الإنسانية على غرائزكم الطبيعية العملية، ومتى سلطتم العقل عليها تعلمت ~~وأبرزت مكنونات المخلوقات التي حولها، فتسوسون كالنمل، وتزرعون كزرعها، وتعيشون جماعات كما ~~يعيش حمار الحبشة وأضرابه، وكما تعيش جماعات الطيور زمرا زمرا، ولتمتازوا عنها بهذا العقل ~~الشريف العالي، فتكونوا أمة واحدة، وهذه هي الفضيلة التي بها تمتازون، والشرف الذي به ~~تعلون، فأما الآن فلا شرف للإنسان. # المنافع والفوائد والثمرات مفرقة على سطح الأرض، وعقولكم وزعت عليها الغرائز قلة وكثرة ~~على مقدار الحاجات، ولو أنكم بحثتم وفتشتم ودققتم لوجدتم لكل أمة كما لكل بقعة من الأرض ~~استعدادا، ولكل رجل أو امرأة فكرا وغريزة لعمل، بحيث لو استخرجت تلك الغرائز وسيقت لما ~~خلقت له لسعد الإنسان سعادته الممكنة، ولوجدتم فيكم عقول الحكماء والسواس قليلة ~~والعاملين والزارعين والصانعين كثيرة، كنباتات الأغذية في الأرض، ولألفيتم لكل عمل أناسا ~~يبرعون فيه. # إن الإنسانية العامة كمدرسة تتعلم فيها الغرائز العملية الصناعية، والعقل الإنساني سياج ~~وقانون عام، وحصن يمنع طغيان الغرائز والشهوات والأميال، فهذا معنى الإنسانية، وهذا مستوى ~~فضائلها وشرفها وفضلها. # الإنسان كله جسم واحد تام النظام، فكما أن له عينا وأذنا وأنفا ومعدة وأمعاء وكبدا ~~وطحالا وشريانا ووريدا ورجلا ويدا. فهكذا للمجموع الإنساني غرائز مستعدة للحكمة والعلم ~~والصناعة والأعمال الجثمانية. # ولست أقول: إن الفرد يصلح لعمل لا يصلح لسواه، كلا، فذلك يكذبه العيان، ألا إن كل فرد ~~يصلح أن يعلم كل حرفة وصنعة، هذا لا ريب فيه، وإنما كلامنا كله في أيهم أشد استعدادا وأكثر ~~قابلية، فوضع قولنا في الأفراد والأمم بالقرب والبعد والصعوبة والسهولة ms092 والقوة والضعف، وإن ~~أول حل للمسألة الاجتماعية اقتراب عدد الذكور من عدد النسوان في مشارق الأرض ومغاربها بحيث ~~لا تخلو قرية ولا أمة من نسوان وذكران يسدون الحاجة ويقومون بالتناسل. # فانظر وتعجب كيف شبهت أممكم بالشموس والكواكب، وكيف شاكلت عقولكم نظام نبات الأرض على ~~سطحها، ونظام جسمكم، وضارعت غرائزكم غرائز الحيوان، فهل بعد هذا من بيان، أفلا تفهم بعد هذا ~~أن المسألة أصبحت محلولة مفهومة، يقول «كانت» الألماني: ليتعلم الإنسان مما هو أعلى. فهاكم ~~تعلموا من العالم أمامكم، ها هي النواميس الطبيعية، والقوانين النظامية. # إنكم مختلفون ألوانا وغرائز وميولا، متقاربون حبا وعطفا وشغفا، إنكم جسم واحد، ~~فلتجتهدوا في التعلم حتى يحب بعضكم بعضا، ويألف بعضكم بعضا، فما أبعدكم إلا تعليم ~~مدارسكم وكلياتكم البغضاء والكراهة، فاستبدلوا الذي هو خير بالذي هو أدنى. # فقلت: وكيف يتسنى لنا زرع المحبة والمودة في القلوب، بعد أن خامرت الكراهة النفوس، وخالطت ~~العقول، وأحاطت بالغرائز، وصارت صفات بالنفوس قائمة، وطبائع بالأرواح عالقة؟ فقال: قد ضرب ~~لكم مثل محسوس في أكثر الأمم والممالك، أليس أكثر الديانات والعادات يحرم أن تتزوجوا الأم ~~والأخت ونحوهما؟ قلت: بلى. قال: أفليس بعض الديانات يحلل ذلك؟ قلت: بلى. قال: فهل يأنف ملك ~~سيام مثلا أن يتزوج أخته؟ قلت: كلا. فقال: لماذا؟ قلت: لأنه حلال عندهم. قال: وهب أنكم ~~أبيح لكم زواج الأمهات والأخوات، معاشر النصارى واليهود والمسلمين، أفليست العادة تصدكم ~~والأنفة تمنعكم والخجل يردعكم؟ قلت: بلى. قال: أفليس ذلك دليلا على أن الشهوة الإنسانية ~~البهيمية لا تفرق بين القريب والبعيد والمحارم والأجانب، بدليل قوم من نوع الإنسان استباحوا ~~هذا وجوزوه؟ قلت: بلى. قال: خبرني أليس منكم أشرار جهلاء فاسقون، فهل سمعت عن أفسق الفساق ~~فيكم يغشى من حرمت عليه؟ قلت: لا. قال: فكفاك هذا برهانا على أن نوع الإنسان مستعد ~~بالتعليم إلى أشرف غاية، وأعلى منصب وأرقى سعادة، فلو أن الأمم بثت في تعليم مدارسها، ~~وتلقين أبنائها محبة إخوانهم بني الإنسان، وألفوا لهم الروايات وشخصوها في الملاهي، وجعلوها ~~تقبيحا للحرب والضرب، وجعلوا ms093 الفخار والشرف لمن حاز قصب السبق في نفع نوع الإنسان، فمن كان ~~أكثر عملا وأقل ضررا فله القدح المعلى في الفضل والشرف والكرم، فعند ذلك يبتدئ ~~الإنسان في درس غريزته ونيل سعادته. # فأما الإنسان الآن فإنه معذب مهان ذليل لا شرف عنده إلا في غريزته، ولا خير إلا في ~~فطرته. # وقصارى القول أن بناء سياسة الإنسان على قاعدة توزيع الأعمال على الفطر الإنسانية في ~~الأفراد والجماعات، وعلى تهذيب النفوس وإصلاحها، وإدخال علم الحب العام في قلوب الناشئين، ~~وتنفيرهم من الحرب، وإعلامهم بمنافع المحبة العامة، ونواتجها النافعة للمجموع ~~الإنساني. # ألا وإن منزلة هذا العلم من علم الاقتصاد كمنزلة علم الأصول من علم الفقه، وآداب اللغة من ~~النحو، والهيئة من الفلك، فعلمنا باحث عن نظام الأمم وسياستها العامة، وعلم الاقتصاد باحث ~~عن نظام ثروتها ونمو تجارتها وترويج بضاعتها وبيع سلعها، ونسبتها إلى ثروة الأمم الأخرى، ~~واستعداد الدول والأمم في الأعمال العامة. # فليكن لكل أمة قسطها من العمل، وقسطها من الصناعة، وقسطها من الأرض، وليعم التعليم سائر ~~الأمم والممالك، ليكن في جميع الممالك مدارس متشابهة، فيها صور العلوم والصناعات تعرض على ~~الأطفال، فمن برع في فن أو أحبه علمه، وإذن يصبح العالم الإنساني أمة واحدة وجسما واحدا ~~له أعضاء لكل عضو عمله الخاص، هذا ما أردت بيانه في هذا المقام. # الفصل الثامن عشر # | في درس تعليم الأطفال الحب العام # هنالك طلبت أن أفهم طريقة الحب العام في مدارسهم. فقلت: لقد وعدتم أن تروني طريقة الحب ~~في مدارسكم؟ قال: نعم، وأشار إلى شاب، كأنه كوكب دري، عليه ثياب بيض، وفي يده كرة بيضاء ~~مضيئة، فذهب أمامي وسار حتى وصلنا إلى مدرسة، فأدخلني قاعة والمعلم راسم على السبورة صورة ~~إنسان، وهو يريهم الأعضاء عضوا عضوا ويشرحها شرحا وافيا لغرض علم التشريح، ثم يكر ~~راجعا ويقول: انظروا، فيريهم أسماء الأمم الكوكبية، مرسومة كل واحدة على عضو منها، وهو ~~يقول هذه الأمة تجلب لنا ملابسنا من الأصواف والأوبار، ثم ينتقل إلى أخرى على عضو آخر ~~ويقول: إن ms094 هؤلاء منا بمنزلة المعدة، فإن لديها أغذية وفاكهة، ثم يضع يده على الرجل ويقول: ~~إن هذه الأمة المسماة كذا أبرع جنس في وضع الآلات البخارية. # وبعد أن أتم درسه، وأحكم وصفه وأجاد مدحه. قال: فنحن وهم في الحياة كجسم واحد، لنا روح ~~واحدة، ولو أن أمة من هذه الأمم ضعف أمرها، أو قل علمها، أو نقصت صناعتها لحصل لمجموع جنسنا ~~خلل وألم، ولأصبحنا كجسم نزل به الضر، فيعيش في أسقام وأوجاع وآلام. # واعلموا أيها الأبناء الأحباء أن من الأمم في الكواكب الأخرى من جهلوا مقدار أنفسهم، ~~فأخذوا يتخبطون في النظام، ويظن كل منهم أن يعيش بالقوة والغلبة، فيفعل فعل المجنون يفقأ ~~عينه، ويحيا حياة العميان، ولذلك ترونهم لا يغمدون سيوفهم، ولا ينامون ولا يدعون فرصة ~~للسلاح إلا زادوه وأعدوا العدد للكفاح والسلاح. # ثم أبرز لهم صورة إنسان أعمى وإنسان آخر مقطوع اليد وإنسان مقطوع الرجل، وقال: يا أبنائي، ~~إنهم تارة يكونون كهذا الأعمى لا قائد له، وتارة يكونون كهذا المقطوع اليد، فتقل صناعاتهم، ~~وتارة يكونون كهذا المقطوع الرجل، فلا يجدون من يسهل لهم سبل النقل بين البلدان المتنائية ~~المترامية الأطراف، المتباعدة الأكناف، وتراهم يجهلون فطرهم، ولا يعرفون قيمة ما أعطوا من ~~أرضهم الواسعة، فيكبكبون ويزدحمون في بقعة، فإذا ضاقت بهم الحيل، وضاقت عليهم أنفسهم ~~اقتتلوا بالعصا والسيف، وترى الأمة تحارب الأمة، والأرض واسعة فلا يعمرونها. # ومن عجب أن كثيرا من أراضي الممالك الظالمة قد تترك بلا زرع لتبقى بورا نزهة للمالكين، ~~ومرتعا للوحوش والأنعام ليصطاد المالكون وينعم المترفون، وطورا تدعي الأمة القوية زورا ~~وبهتانا على أخرى غافلة أو ضعيفة دعوى باطلة، فتقاتلها على أرضها جهلا وظلما، ثم تكذب ~~وتقول: إني أرقيهم، إني أعلمهم، وهي لا تخجل من الكذب والزور. # فقال صبي من الصبيان: إذا علموهم فكيف يسيطرون عليهم؟ فقال الأستاذ: يدعون أنهم لا ~~يصلحون لحكومة أنفسهم. فقطب الصبي وجهه وقال: إذن هؤلاء أقل إنسانية وعقلا من الحمير؛ ~~لأنها لها جمعيات تعيش معا، وأقل عقلا وإدراكا من الزنابير، فإذن هؤلاء ليسوا ms095 من البشر، ~~ولا من الحشرات، فمن أي العالم هم. فقال الأستاذ: هذه ليست دعوى صادقة، ولو صدقوا لعلموا ~~ولم يسيطروا، ولكنهم كاذبون. فقال الصبي: يا سيدي، فأولئك الظالمون الطاغون ليسوا من نوع ~~الإنسان أيضا؛ لأنهم لا شرف لهم، وهم كاذبون. فقال: إنهم إنسان جاهل. # ثم قال: فاحترسوا يا أبنائي من بغض عشيرتكم وبني جنسكم، ولقد وزعنا أممنا على كرتنا ~~الكوكبية، وخصصنا كل طائفة بعملها، فليس تستغني أمة عن أمة، ولا فرد عن فرد، وإنما ضربت لكم ~~هذا المثل لتعلموا نعمة الله عليكم، وما أوتيتم من نظام وسعادة، ولتعرفوا وتعلموا شرفكم إذا ~~قارنتم نظامكم العالي الفاضل بنظامهم الفاسد الخالي من الخير، ولقد أصبحت أممنا الكوكبية ~~متحابة متعاشقة متوادة، كل يحب أخاه، ويعلم أن سعادته بحياته وشقاءه بفقره، ولقد صرفنا ~~قواتنا في استثمار وعمارة أرضنا، وصرفوا قواهم في إيذاء بعضهم، والاستحواذ على ما ملكوا ~~ظلما وعدوانا وكسلا، وبعدا عن الفضيلة والشرف، وجهلا بحكم هذا الكون. # فقال صبي: أين عقولهم؟ فقال: يا بني، غلبتها الشهوات، وطمستها العداوات، وحجبتها أنواع ~~المطامع، وغشتها ظلمات الهلع وأنواع البدع والضلالات، وأكثرهم لا يكادون يعقلون، صم بكم عمي ~~فهم لا يبصرون، فاستعدوا أيها الأبناء لسعادتكم، واستبشروا بعزكم، واعلموا أن أكرم أمة على ~~كوكبنا أمة كانت أكثر نفعا، وأعز نفسا، وأوفر عملا. # ثم دق الجرس فانصرفوا يبتسمون وهم من أهل الأرض يسخرون، فدلف إلي ذلك الشاب ودلفت معه ~~إلى رحبة المدرسة وفنائها الواسع، فألفيت رياضا بديعة وبهجة وجمالا ونور الشمس يتلألأ في ~~الطرقات، وعلى أوراق الأشجار، وفي ثنايا الأغصان، نور بهيج في خضرة وزرقة واصفرار، ورأيت ~~بدائع الأزهار تتمايل طربا يمينا وشمالا وأماما وخلفا، وكأن الحشرات الطائفات في ~~خلالها ذهب بهي مصنوع من نور الشمس، وبعضها أزرق، كأنه مصنوع من لون الزرقة السماوية وله ~~عيون مستديرات محوطة بلون ذهبي بديع، وهناك ما لا يقدر الواصفون قدره، ولا يتناول العارفون ~~سره، ولا يستطيعون أن يقصوا خبره، ولا يطمعوا في استكناه خبره. # هنالك نظرت نظام حديقة المدرسة فألفيتها خريطة جغرافية، ألفيتها ms096 طرقا رملية، ورياضا ~~سندسية زبرجدية، فترى مسافات من الرمل خاليات من الأشجار، تمثل البحار الملحة، وتكاد الصنعة ~~الهندسية في بطاحها تمثل المحيط، ومحيط المحيط وهيئة الأمواج، وزرقة الماء، وابيضاض حواشيه ~~الفضية، وترى الدوحات تمثل الأمم أمة أمة، مقيسة قياس الدرجات العرضية والطولية، فترى ~~الصبيان يلعبون الكرة في تلك الرحبات الرملية، حول تلك الرياض الدولية، والقارات الخضراوية، ~~فترى الشابين يتسابقان ويقول أحدهما للآخر: سر معي شوطا من مملكة «الصين» مثلا إلى ~~مملكة الروس. # ثم وقفوا بغتة وأنشدوا نشيدا لم افهمه، وموسيقاهم تصدح، فطربت طربا وأغشي علي، وغبت ~~عن الشهادة إلى الأحلام، وقلت: هكذا يكون الجمال والسعادة والهناء، العين في مناظر بهجة، ~~ومحاسن بديعة، والأذن في جو من الموسيقى الكوكبية البهية، والقلب في بحر العرفان والأنوار، ~~فهل بعد هذا بهاء وجمال، وهل يبلغ الإنسان هذه السعادة، لمثل هذا فليعمل العاملون. # وبينما أنا غارق في الجمال والبهاء والغناء والموسيقى إذا رجل عظيم الهامة طويل القامة ~~أخذ يوقظني، وقال: قم، فاستيقظت من أحلام إلى أحلام، ومن عالم الخيال إلى عالم الخيال، ~~وقال: قد غشتك الأنوار، وأحاطت بك نغمات الأوتار، وتجلى على عقلك نور الحكمة، وارتديت ~~بالوقار، فغشي على عقلك وأحيط بقلبك، فهل تدري ما معنى الغناء وما الشعر الموزون الذي به ~~غنى المغنون؟ فقلت: لا، وأسعدك الله. فقال: ذلك الشعر الدولي، والحب الإلهي، إنا نربي ~~شبابنا على المحبة العامة بحيث نوقظ فيهم عاطفة أخوية، ومحبة جنسية، لينالوا السعادتين، ~~ويفرحوا باللذتين. # فقلت: وهل هذا الغناء ونغمات الموسيقى داعية لمحبة الدول القاصية، والأمم النائية، وإن ~~حال بينكم وبينهم بعد الشقة، وطول المدة، وفصلهم عن أقطاركم جبال عظيمة، وتخوم شاسعة، ~~وسهول رملية، وضروب حجرية. # فقال: إنما مثل الحب في نوعنا العالي الشريف كمثل الكهرباء لا تثور إلا بالعرك، ولا ~~تظهر إلا بالاحتكاك، فالحب نار في الأشجار إن أوريته ظهر، وإن تركته استتر، الحب الإنساني ~~ساكن في القلوب، ثابت في العقول، قائم بالأرواح، وأكثر الناس لا يعقلون، ولا يعرفون، ها ~~أنتم هؤلاء أبرز لكم الحب العام في سائر ms097 الأجسام. فقلت: ماذا تريد بالحب العام؟ فقال: الماء ~~والنار والكهرباء والأثير؛ الماء لا يخلو منه هواء في جميع الأجواء، إنه لبخار طائر، وهو ~~رطوبة غائصة في الطين. والنار جزء من الماء، وهو المسمى أكسوجين، وهي جزء من الأحجار في ~~سائر الأقطار والقرى والأمصار. والكهرباء حب لا يذر عنصرا ولا مركبا ولا ماء ولا نباتا ~~ولا جامدا ولا سائلا. والأثير أصل الكائنات وعنصر المركبات، وهو في كل مكان، وفوق كل ~~زمان، الكهرباء ما ظهرت لكم، ولا أمدتكم بالذخيرة والماء، والدولاب والقطار إلا بقوة ~~بحثكم عنها وتفتيشكم في ثنايا المركبات، حتى عرفتم موجبها وسالبها، ومستقرها ومستودعها، فهل ~~تظنون أن الحب يعمكم بلا بحث ولا تنقيب ولا جد ولا تشمير. # أيقن أيها الإنسان الصغير أنه يوم تقوم قائمة المحبة بينكم، وتثور عاطفة القرب في جنسكم ~~تنالون من السعادة والهناء أضعاف أضعاف ما جنيتم من فوائد الكهرباء، ذلك هو اليوم الذي فيه ~~تعقلون، وفي سعادته تفرحون، وتمرحون، وقد آن أوان سعادتكم، واستخراج الحب من فطرتكم، كما ~~استنبطتم الماء، وأوريتم النار من الأحجار، وأثرتم الكهرباء من الزجاج والماء، وأرسلتم ~~البريد في طريق الأثير بلا سلك تنصبونه ولا قدر تغلونه، ولا فحم توقدونه، فأوقدوا اليوم نار ~~قلوبكم، واستخرجوا نور أرواحكم، وهلموا إلى سعادتكم، وقوموا إلى شرفكم وإنسانيتكم، وتمتعوا ~~بحبكم وشمروا عن ساعد جدكم، وكونوا بالعلم والعقل فرحين، حتى تكونوا من أصحاب اليمين، فهذه ~~المغاني التي سمعت، والمعاني التي بها طربت نقدح بها نار المحبة، ونجتلي بها نور المودة، ~~فهذا تفسير ما أطربك تذكرة لك ولقومك فسوف تعقلون. # وهنالك قضى التلاميذ لعبهم، وأتموا رياضتهم، وسمعت رنات مطربة ونغمات مبهجة، فقفل ~~التلاميذ إلى حجراتهم راجعين، ودلفوا إلى أماكنهم فرحين. # فقلت: يا للعجب! هذه الأجراس المدرسية، ذات نغمات شجية من ذات المثالث والمثاني، لتسر ~~نفوس المتعلمين، وترقى بعقول الناشئين. # ثم سمعت نغمات خفية، ورنات شجية، تتخلل الفصول من آن إلى آن، فأخذتني هزة الطرب، وزاد بي ~~العجب، وقلت: ما هذا الجمال والبهاء والحسن. # وهناك كان التعارف بالشيخ الوقور السيد ms098 «جامون» بعد طول شوقي إليه، ثم انطلق معي إلى ~~الحجرات فرأينا الأساتذة، إذا آنسوا في التلاميذ سآمة أو مللا أمروا أن يضرب على الأوتار، ~~فيطربونهم ويفرحون، ولدروسهم ينشطون. # فأذكرني ذلك التدريس شعراء الربابة في البلاد الشرقية، فإنهم يطربون السامعين بشعرهم ~~وموسيقاهم، فعلمت أن في الأرض آثارا جهلها المتأخرون، وأن للعلم سبيلا جميلا، وللتعليم ~~طرقا أجل مما عليه أكثر المعلمين، وبالإجمال إن التعليم وصل في مدارسهم إلى درجات ~~عالية، بحيث تعشقه النفوس، وتألفه العقول، كما تألف الغذاء والغناء. # فهذا ما فهمته فيما رأيته وسمعته، فلما أن خرجنا من المدرسة، والدروس قائمة في أوقات ~~العمل، مشى ومشيت في رحباتها، وباحات بساتينها الباسقة الأشجار، الزهية الأفنان، إذا عامل ~~من عملة البستان أرسله الناطور إلى روضة ليسقيها بالماء، فآنست شجرة ورد زاهرة الزهور، ~~وأغصانها الخضر النضرات، المحلاة بأوراقها الزبرجدية، وأقراطها العقيقية كأنها تتقدم إلي ~~بالزهرات الوردية. # إن في الشجرة مئات منها، ولو رأيت ثم رأيتهن يشبهن أيدي الغانيات، يهدين الباقات ~~الزهرية، لزوار دوحاتها، وقصاد ساحاتها، وشاهدت في يد العامل أنبوبا فضيا بهيا، ~~يتدفق الماء منه ويتقاذف بين ثنايا الأشجار، وفي طبقات الحشائش السندسية. # ومن عجب أن الماء في آن انصبابه على أرض الدوحة ترى فيه ألوان قوس قزح، من أصفر فاقع ~~وأزرق زاهر وأخضر ناضر وأحمر قان وبرتقالي زاهر وبنفسجي بهيج، وكأن الماء بلور في ~~تحليل ألوان الشمس السبعة. # وفوق ذلك شاهدت في ثنايا تلك الألوان الخطوط السود الشمسية، تتقاطع أثناء تلك الألوان ~~البهية، فزاد تعجبي، وعلمت أن تركيب مادتهم على طريقة تكفل إبراز الحقائق العلمية، وإظهار ~~العجائب الحكمية. # فلما رآني السيد «جامون» مطرقا مفكرا قال: لعلك سحرك المنظر، وسرك المشهد؟ قلت: إي ~~والله. قال: ألم تكن لكم يا أهل الأرض عبرة، انظر انظر كيف تقدمت الشجرات لكم بوردها ~~العندمي، تأملوا أخلاق الورد، وجمال الزهر، ما لكم عن الجمال غافلين، وعن الفضيلة ~~عادلين، وعلى الرذيلة عاكفين! ألم تر الماء وهو يتدفق منصبا على الأرض، كيف تراه خطوطا ~~مائية جارية، لا يقهر قويها ضعيفها ولا ms099 غليظها دقيقها، ولا يتعدى كبارها على صغارها، وذلك ~~أن الماء رفع في أعلى مكان، كما سيرفع بالتعليم نوع الإنسان، فلذلك أخذ كل خط مائي مكانه ~~ونال طلبه مما استعد له من العمل والسبيل. # إن الإنسان إذا تعلمت جماعاته، وقام كل امرئ وأمة بما جبلت عليه نفوسهم، وما يليق ~~بعقولهم، عمل كل على مكانته، وجروا إلى غاياتهم، جري هذه السائلات الماشية إلى أرضها، فأما ~~إذا بقيت على فطرتها، وتمكنت طبيعتها، بغى بعضها على بعض، كما يجري الماء في ~~الأنهار. # فقلت له: لقد رفعت الشجر علينا، وأكبرت الماء المنصب عنا، ونحن أفضل من الحيوان، وأرقى من ~~الجماد ، وأعلى من النبات. # فقال: لقد فعل النبات ما خلق له، وأنفذ الحيوان ما أعد له، وجرى الجماد لغايته، فأما أنتم ~~فلم تزالوا جاهلين خاملين، أنتم لا تعلمون لم خلقتم، إنكم في ذلك مختلفون، أفرأيتم الشجر ~~الذي من فاكهته تأكلون، إنه لا سمع له ولا بصر ولا شم ولا ذوق ولا عقل ولا رجل بها يمشي ~~ولا يد بها يبطش، وأوتي كل ما اشتهاه من غذاء ودواء وحياة، أفرأيتم الحيوان الذي به ~~تنتفعون، إنه أوتي حواس وأعضاء وآلات بها يسعى، وهو درجات بعضها فوق بعض بمقدار الحاجة وما ~~تقوم به الحياة، فلا تظنوا أنتم والحيوان أن مواهبكم وعقولكم وحواسكم خلقت إلا لإتمام ما ~~نقصكم من مواد الحياة. # فقلت: كأنك تريد أننا لم نرتق عن الجماد إلا بالآلام والتعب، وأن عقل العاقل وسمع ~~السامع وبصر المبصر دلالة على نقص اعتراه، فاتخذ تلك الحواس وسائط ليبلغ شأو النبات، وما هو ~~ببالغه. # قال: بعض ذلك قد كان، ولكن الحكمة الكبرى والفائدة العظمى للنصب الذي عالجتموه، والعمل ~~الذي سلكتموه، والعقول المركوزة، والغرائز الموضوعة، والحواس المضيئة، والأعضاء المعينة أن ~~تتعلموا الاستقلال والحرية، وترفعوا بأنفسكم وترقوا بعقولكم عن الدنايا ولا تعولوا على ~~الطبع والجبلة. # فقلت: وكيف ذلك؟ قال: إن النبات لا حياة ولا حس له إلا على مقدار حاجته، وهو موفى ~~المادة غزير الرزق، والحيوان أقل منه رزقا وأكثر نصبا، أنتم أكثر ms100 نصبا وأقل حظا من ~~القسمين. # ذلك لأنكم تتعلمون كيف تعتمدون على أرواحكم وعقولكم ونفوسكم، فإذا فاضت نفوسكم وقبضت ~~أرواحكم إلى عالم غير هذا كانت أقرب إلى الحرية، وأبعد عن الذل بما لها من القوة والملكة ~~الفاضلة، والكبرياء عن المادة، والتدبير والعقل المنير، بمقدار نصبكم وتعبكم، وكثرة ~~حاجاتكم، فما عقولكم وما حياتكم الدنيا إلا مدرسة تنمو فيها العقول، وإلا كانت هذه الحياة ~~لعبة صبيانية، فالعمل والعقل والتفكر والتأمل والتدبير، كل ذلك ترقية لعقولكم، لتكونوا في ~~عالم أرقى، فالنبات وإن كان موفر المادة، حسن الصورة، جميل الهيئة، ليس يحس بعناء ولا نصب، ~~ولا ألم ولا تعب، فإن نفسه ضعيفة ضئيلة ليست حرة. # وهكذا نفوس الحيوان، فهي وإن كانت أعلى مقاما، وأرقى نظاما، من نفوس النبات، فهي لا ~~تزال أدنى من نفس الإنسان على تلك النسبة المفهومة. # فقلت: هذا رأي غريب، ما سمعت به في العالم الأرضي. فقال: إن هذا نص عليه العلامة القطب ~~الشيرازي في كتابه المسمى بالأسفار، وهو أربعة أجزاء، وإني رأيتك تقرأ هذا الكتاب، ولكنك ~~نسيت هذا المقام. # ثم قال: إذا فهمت هذا فلتعلم أن الأمم الأرضية الغاصبة حق غيرها جاهلة ضعيفة الرأي لا ~~يعلمون لم خلقوا، إنهم يعتمدون على ما كسبه غيرهم، فتنحط نفوسهم، وينطفي نور عقولهم، ~~فالحروب والخداع، وزور السياسة، كل ذلك حاط لعقولهم، منزل لها من سموها، جهلت الأمم ~~الغاصبة، والله مساكين، مساكين، إنهم يعلمون أبناءهم الكسل، ويظنون أنهم عاملون، يقولون ~~كونوا كاذبين مرتشين غاصبين في صورة مصلحين. # لأضرب لك مثلا رجلا كان له ابن شرير سرق من ختنه متاعا غاليا، فامتعض الختن ~~وكلم أبا الصبي، فتعصب ذلك الأب الغر لابنه وقال: أومثل ولدي يتهم، وهو ذو عز ~~وشمم؟! فتأصلت ملكة السرقة فيه، فسرق مال أبيه، فأصبح من النادمين. # هكذا تلك الأمم المسكينة الضالة الفاجعة لغيرها، دخلت عليها الحيلة، وداهمتها الغفلة، ~~وغشت على عقولها الضلالات والخرافات، فظنت غلبة غيرها حرية، والظلم مدنية، وهم يهلكون ~~غيرهم، وما يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون، فسيرجع أبناؤهم بعد حين، وقد نمت ms101 فيهم ~~الرذيلة والطمع، وحكمت على عقولهم سخيمة الشره، فمزقت أممهم على مدى الزمان كما جرى ~~لدولة الفرس والرومان، فهل الأمم اليوم منتهون. # الإنسان اليوم يظن أنه مسارع للحرية، كلا والله لا حرية لمن يأكل كسب الكاسبين، وينتشل ~~متاع غيره، وقد بينا لك أن دروسكم الدنيوية، وحياتكم الإنسانية، لا فضل فيها إلا للحرية، ~~وهي لكم أعلى مزية. # ثم قال: أيحمد السفر عندكم أم يذم؟ وهل أمر به علماء التربية؟ قلت: إنه حسن مرغوب فيه، ~~وأما قول علماء التربية فإني لا أذكره في هذا الشأن. فقال: تذكر. فقلت: آه نعم، قرأت في ~~كتاب إميل القرن التاسع عشر أن السياحات والسفر من أعلى مقامات التربية الجسمية والعقلية، ~~فإنه داعية للحرية، فإن الرجل الذي لا يرى الأمم القاصية، ولا يعرف أحوالها، ونظاماتها ~~القائمة، يظل خائفا جزعا، وجبانا هلعا، فلا يألف إلا وطنه وكان أشبه بالشاة والشجرة، ~~فيحق عليه ظلم الظالمين، ويطغى عليه كل جبار عنيد. # فقال: فأنتم أيها الناس في سفر سائرون، فالإنسانية في الحقيقة هي السفر الأكبر والشرف ~~الأعظم، فإذا أخلدتم إلى الأرض واثاقلتم فيها باتكالكم على مال غيركم فإنكم بهذا تظلمون ~~أنفسكم، وتهلكون أممكم. # إذا علمت أن حرية الإنسان داعية لسعادته فهل لك أن تعلم أن أحوالكم الإنسانية ونصبها ~~وتعبها داعية إلى أن تكون العقول محررة من الرق والعبودية مما تألفون بالنقلة من حال إلى ~~حال، فإذا فارقت الروح الجسد كانت في روح وراحة، وكلما كانت أكثر عوائق غشتها غواش طبيعية، ~~كما كانت في الحياة الإنسانية الدنيوية، هذا ما تدل عليه المقدمات الطبيعية. # فلما أن أتم حكمته، وأكمل نصيحته رجعت إلى نفسي، وفكرت في سري، وقلت: يا ليت شعري، هذا ~~عجب عجاب، من هؤلاء الذين يذكرونني؟ أنا الآن في المنام، أنا في حلم، لكن الذي أراه ~~حقائق، والذي أسمعه من أدق الدقائق، ومن عجب أن أولئك يقولون ما أعلم، ويعلمون ما أقول، وما ~~أدري لعل هؤلاء القوم الذين أعشقهم، وأهيم بقولهم، وأغرم بصورهم، وأدهش بحكمهم، وأسر ~~لقولهم، هم صور عقلية، وأشخاص مجردون ms102 من نفسي، إن أدمغتنا فيها هيئة مدرسة تعليمية وصورة ~~نظامات «نادية» شورية، فما من امرئ إلا أحس في عقله بقوة تحدث الصور، وتحلل المركبات ~~وتركب المحلولات، وتلك القوة المصورة (1). # ويعلم أن هناك قوة ترتب المقدمات، وتنتج النتائج، وتفهم الحساب، وتعرف الهندسة، وتقرأ ~~الطبيعة وهي المسماة بالقوة المفكرة (2). # وكل ذلك في العقل مخزون وفي النفس موجود وهي القوة الحافظة (3). # وقد يتذكر الإنسان بعد ضلته، ويحضر الشيء بعد غيبته، بقوة اسمها المذكرة (4). # وهذه القوى ذات علائق واتحاد وافتراق، والقوة الحاكمة عليها تسمى القوة ~~العاقلة (5). # وهي المدبرة لتلك الجماعات، والقائمة لتدبير تلك السياسات، والمتممة لتلك ~~النظامات. # إن عقلي مملكة واسعة من رئيس ومرءوس، وحاكم ومحكوم، وطائع ومطاع، فالقوة الحاكمة تخضع لها ~~تلك القوى، والإنسان يعلم من نفسه عواطف ومنازع وأوامر ونواهي، وفوق هؤلاء في نفوسنا زاجر ~~واعظ يخفض ويرفع ويعطي ويمنع، فلعل هؤلاء قوى عقلي تشكلت كأنها سائلة مجيبة آمرة ~~مأمورة. # وما أشبه هذه المحاورات بما يحس به المرء في سائر الحالات، أو لعل هؤلاء قوم ناسبوا عقلي ~~وكانوا على مشربي، فاقتربوا من روحي فخالطوها ودنوا من نفسي فخاطبوها، وسواء كان الحق ~~الآخرة أو الأولى فليس يهم الإنسان إلا العظات، فإن كان الخطاب من النفس إلى النفس، أو ~~القول صادرا من غيري إلي فالنتيجة محمودة، والعاقبة مقصودة، والغاية شريفة، وهي السلام ~~العام في نوع الإنسان، وقد ظهرت الشئون الاجتماعية في هذه المحاورات المناسبة، وعلى العقول ~~فهمها، وعلى الأمم نشرها بين الخواص في سائر الأمم والممالك في مشارق الأرض ومغاربها ليسير ~~على منوالها العالمون، ويفقهها المتعلمون. # ثم نظرت فإذا السيد جامون أمامي فقلت: يا ليت قومي يعلمون، ليت إخواني بني آدم يرون ما ~~رأيت ويسمعون ما سمعت، ولو أنهم جاءوا هذه الأرض الفيحاء لتعلموا من علمائها وتفقهوا من ~~حكمائها، ولما حرم أبناء آدم هذا النور والحب والعشق، ويا ليت شعري ماذا أفاد العلم ~~والتعليم، وماذا أحدث الكليات، إنها لم تخرج إلا أعداء، ولم تداو داء. # فقال لي: أعلم أن قلوبكم فيها عنصر الغضب وعنصر ms103 الحب، فإنكم عالم من البهائم والملائكة ~~مركبون، ولكم الأمر فيما ترغبون، فإن أردتم الأسدية، والحياة الحيوانية، فلكم ما تشتهون، ~~وإن شئتم المحبة الأخوية فشأنكم وما تعملون، وقد سلكتم السبيل الأدنى وأثرتم ثائرة الغضب ~~والقهر، ولما شاهدتم الأسد في الغابات، والكلاب في الطرقات، والذئاب العاويات، عمدتم إلى ~~فطركم فقدحتم نار الغضب وأوريتم زناد الغلب، وشططتم في سيركم، وبعدتم في غوركم، وزعمتم أنكم ~~صادقون، وإلى المدنية ساعون، كلا والله، قد كان زيد يقاتل عمرا، فضم زيد له آلافا ~~وآلافا، وكونوا جمعية، واجتمعوا أمة، وصنعوا كرة من نار الغضب، وسهما مسموما من بأس ~~الظلم، وأرسلوها بشواظ من نار إلى آلاف مؤلفة من عمرو وأمم مؤدبة، فأتلفوا أجسامهم، ومزقوا ~~جمعياتهم، ثم أخذوا يسلقونهم بألسنة حداد، ألا إنكم لآساد وأي آساد، وإني لأضرب لكم مثلين ~~اثنين تذكرة لكم وهداية لأممكم، مثلا لحالكم اليوم، ومثلا لكم إذا ارتقيتم وإلى المحبة ~~اهتديتم «المثال الأول». # أ، ب، ج هم الكسالى والظالمون المستبدون بمال أو جاه أو غيرها، د، ه، و، هؤلاء هم ~~المتعلمون الذين تنزلوا بالشهوات أسفل من الحيوان بالمكر والكذب والجبن وغيرها مما لم يجمعه ~~حيوان، ولكن فيهم فضيلة يرقون بها عن الحيوان وإليها الإشارة بحروف ز، ح، ط. # فقال: انظر. فنظرت. فقال: إن تعاليمكم مشوهة ناقصة، مزيج من علم ودين وأخلاق وعصبية ~~وتنازع وتدافع. # فهذه الخطوط الثلاثة المعوجة مثال لبعض القائمين بسياسة الأمم ممن تخرجوا من المدارس ~~الكلية في الشرق والغرب، فإنهم جمعوا بين فضيلة الملائكة بالإحسان والحب العام وبين رذائل ~~أسفل من عالم الحيوان، وأدنى من طبقات البهائم، فبينما ترى الرجل عالما جليلا مغرما ~~بالخير، أرفع من الحيوان، تلقاه ماكرا كاذبا فاتكا، فهو بالأولى أرقى من الحيوان، ~~وبالأخرى أسفل منه في هاوية النقصان، وترى الأسد لا يعلو إلى فضيلته، ولا ينحط إلى رذيلته، ~~فالخط الأوسط رسمناه وحدة تقاس عليها الإنسانية، فما علا فهو إنسان، وما سفل فهو شيطان، ~~وأشرفكم اليوم جمع بين النقيضين، ومزج بين الضدين، فهو من وجه أرقى من الحيوان، ومن آخر ~~أسفل ms104 كالشيطان، فذهب شره بخيره، وقبحه بحسنه، ورديئه بجيده، وأسفله بعاليه. # وأما الخطوط الثلاثة المستقيمة خلف الخط الأوسط فإنها تمثل حال الإنسان الذي عاش شريرا، ~~وفرح بما يصيب الناس من أذى، وقر عينا بمساويهم، حتى إذا سمع بنعمة أنعم الله بها على غيره ~~ساءته، أو أصيب بمصيبة سرته، ويأكل بالسرقة، ويعيش بالخيانة، تسبيحه الكذب، وصلاته الغيبة، ~~وزكاته النميمة. # فهل رأيت حيوانا جمع سائر صنوف الشرور والرذائل على مثاله، وهل علمت ضبعا أو كلبا اتصف ~~بخلاله؟ قلت: كلا. قال: أولئك أسفل من الحيوان، وهم أمثال الشيطان، ثم قال: وإذا نظرت إلى ~~نسائكم الجاهلات، وعامتكم السفهاء، وأراذلكم الأدنياء ، وغوغائكم الحمقاء، فإنك تراهم دائما ~~يكيدون، ويمكرون، ويكذبون، فكيف يمدح بهذه الخلال التي عرفها الجاهلون من تعلموا في ~~كلياتكم، فيقولون: سواس ماهرون وقواد قاهرون، اختلفت الأسماء، والمسمى واحد، بل العبيد ~~والأذلاء والجبناء في ذلك المكر أساتذتهم، وهم فيه أئمتهم الأولون. # هذا تاريخ حياتكم ومثال خصالكم، الغضب في جبلتكم وقد أثرتموه حتى أوقد نار الحرب في ~~أرضكم، وجعلكم سلفا ومثلا للآخرين، وأنت تعلم أن في علم الطبائع أعضاء أثرية يحيى بها ~~الحيوان حينا، ثم تصير فيه آثارا ودلائل، بعد أن كانت ذات أعمال نافعة مادية. # فلو أنكم يا معشر الإنسان وجهتم هممكم العلية، ونفوسكم القدسية إلى إثارة ثائرة الحب ~~الإنساني، والتعاشق الودي لأصبحتم في الأرض إخوانا، ولغدا ذلك الغضب الإنساني أشبه بالغدد ~~الأثرية في الأجسام الحيوانية. # فقلت: إني أريد أن أعلم إيضاح هذا المثل كيف رسمته، وعلى أي ناموس طبيعي وضعته. فقال: ذلك ~~مثل رقاص الساعة «البندول» الساقط من أعلى إلى أسفل وفي أطرافه كرات الرصاص متجها نحو ~~الأرض الجاذبة كما تجذب الطبيعة الأرضية ما حولها من الأجسام، فتعاليم كلياتكم ومدارسكم ~~ترفع أخلاقكم إلى الأعلى، ولكنكم لا تزالون في الشهوات منغمسين، وتتنزلون عن درجة الحيوان ~~جاهلين. # ألا ترى كيف رفعت الرءوس الثلاثة عن الخط الحيواني بالتعليم عند ز، ح، ط، وارتطمت من ~~أسافلها في أوحال الظلم وسجين الرذائل عند د، ه، و. # وأما ثلاثة الخطوط المستقيمة ms105 شمال الخط الحيواني فذلك مثل ضرب للذين يتعلمون في مدارس ~~اللصوص أو يتبعون خطوات الظالمين، وطعامهم من فضلات موائدهم، ولا خير لهم إلا فيما يسلبون ~~وينهبون، فمثلهم كمثل الضبع والثعلب يغتذيان بما ألقت الآساد، أو كأنهم الحدأ «جمع ~~حدأة» تتبع الرمم غادرتها العقبان، فتأكل فضلاتها، وتطعم عظمها المعروق ولحمها المنبوذ، ~~ذلك إيضاح المثل المسطور فيما رسمناه. # تجلى الحق وظهر لذي عينين، وبرح الخفاء أن في قدرة ابن آدم أن يسامي الكواكب الدرية، ~~ويرقى إلى الفضيلة والأخلاق العلية، ويسعد مع النفوس القدسية وذلك مثله في هذا ~~الرسم. # لعلك رأيت أنابيب الماء المستمدة من مستودع مرتفع كيف ترى تدفق مائها، ألم تر أنها نضاخة ~~يتدفق الماء منها بلا عوج، وكأنه سبيكة فضة أسطوانية، حولها قطرات تجري على خطوط مستقيمة، ~~لا يعدو عليها ذلك الماء الغزير لضعفها، ولا يسطو عليها لدقتها، بل تراها مندفعة متدفقة ~~سائرة في طريق واحد، جارية لغايتها، واصلة إلى مستوى الحدائق والجنات، تسقيها جميعا كلا ~~بقدره. # فالمستودع مثل المدارس في الأمم المستقبلة حين يرفعون عقولهم إلى مستوى الجمال البديع، ~~منابذين طبائع الأسدية، عارجين إلى أفق الحب الخالص، كما رأوا الكواكب والأفلاك في العوالم ~~العلوية، فيتخرج التلاميذ على المبادئ الحبية، ويعمرون الأرض وهم إخوان متحابون، على سرر ~~المحبة متكئون، لا يمسهم فيها إلا نصب الأعمال العلوية، والحوادث الجوية ونظام الجمعية، ~~والتعاليم المدرسية، ومنابذة الطبائع الجبلية. # وإذا تصير أخلاق المحبة عادة راسخة وطبيعة ثابتة، مثل ما نبذ الناس زواج المحارم في أكثر ~~الأمم والممالك، مع أن النساء متساويات، وهن بالطبع مشتهيات، فأصبح التخلق خلقا، ~~والتطبع طبعا، هكذا في كل شئونكم ستكونون، ولأعدائكم تتوادون. # الماء سائل، وقد رأيتم أن الصنعة رفعته في مستودعه، فنظمت حركاته، وأغدقت على الأرض ~~بركاته، وإذا كان الماء بالصناعة أخرج عن مألوفه الطبيعي، وارتفع عن مركزه الناموسي، وقرأ ~~دروس العلا فأداها، وجرى على الأرض فأرواها، ثم ذهب إلى الأشجار فأنماها، أفأنتم أقل من ~~الماء للرقي قبولا؟ أو أنتم ألزم لفطركم المألوفة، وأحوالكم المعروفة، من الماء لمجراه، ~~ومن البحر ms106 لمستودعه في مسراه، ستكونون جميعا عالمين، ويصير الحب العام فيكم جبلة مألوفة، ~~وطريقة معروفة، ويغدو ظلم الأعداء عارا كظلم الأبناء، والغضب والحرب خزيا كالفجور ~~بالمحارم من النساء. # ولعمري إن من تحرج زواج محرمه «وهي وسائر النساء في الشهوة البهيمية سواء» لحري أن ~~يخزى ويخجل من حرب إنسان آخر على ظهر الغبراء، متى لقن ذلك في صغره من الأهل والأصحاب، ~~والمخالطين والأحباب، كما لقن احترام الأم وحب الأخت محبة روحانية خالصة من الشهوات ~~البهيمية. # فالإنسان مستعد للفضيلة والعرفان في قرن واحد من الزمان إذا شمرت الأمم عن ساعد الجد ~~وعممت التعليم، وجعلته من المهد إلى اللحد ، ونطقت بالمحبة العامة الألسن في المحافل ~~والمدارس والمنازل وذكروا بالخزي والعار من ظلم وفتك وأورث الدمار. # هذا مثلكم يا أيها الإنسان، في مستقبل الزمان. فقلت له: إن السيد «ستيد» صاحب مجلة ~~المجلات الإنجليزية يسعى لنشر السلام العام بين الأمم الراقية. فقال: أيبذر في السباخ، ~~أيفرخ حيث لا إفراخ. # إن القلوب إذا تنافر ودها # مثل الزجاجة كسرها لا يجبر # وهل يحصد الناس وهم لم يزرعوا، وهل ينفع الدهان الجمل الأجرب على وبره، أو يحصد الناس ~~الزرع بلا غرسه وبذره، فلتبذروا بذور المحبة في أفئدة الطالبين في مدارس الأرض شرقا ~~وغربا، واغمروها في ماء المحبة العامة قلبا قلبا، وزجوها في نور الود في الصبا، ثم ~~اجنوا بعد ذلك الثمرات، واعقدوا فيما بينكم عقد المودات. # ثم رفعت طرفي إذا حولي أمم لا يعلم إلا الله عددهم جاءوا من كل حدب ينسلون، لينظروا هذا ~~الإنسان الصغير كيف يكون. فقلت: ماذا تريد هذه الدهماء؟ وما تبتغي الجماعة وهذا السواد ~~المقبل؟ فقال: إنهم جاءوا ليروك. فقلت: ماذا يقولون؟ فقال: يقولون: إنكم قرود الإنسانية. ~~فقلت: وما قرود الإنسانية؟ فقال: حيوان نصفه بهيم ونصفه إنسان، وأنتم الآن هكذا يا معشر بني ~~آدم. # ولكن آنست مشهدا جميلا ما رأت عيني مثله، آنست النظام والترتيب، آنست الجمال والنور، ~~آنستهم جميعا على الكراسي صفوفا لا يحصرها العد وهم لي ينظرون، ومن صغر جثتي وقصر قامتي ~~وجهل ms107 أبناء جنسي يتعجبون، وعلمت أنهم عرفوا ما دار بيننا من الكلام بالجرائد العلمية، ~~والمجلات الدورية، وقد عرفت في وجوههم نضرة النعيم. # فلما أن دنت الغزالة للغروب، تأهب القوم للوثوب، فلما أن أقبل الليل بجحفله وأسدل الظلام ~~على النور أستاره وناء بكلكله، آنست اللامعات الدراري الحسان تتلألأ في جو السماء، ~~وتبهر الأبصار بنورها الوضاء، شاهدت فيها جمالا لم أره، وحسنا لم أشاهده. # وبينما أنا إليها ناظر ولها مشاهد إذا فتاة تبهر القمر نورا والكواكب حسنا، ظاهرة ~~في الجو ذاهبة جائية في الهواء، فنظرتها إذا عليها ملابس زرق سندسية صافية زهرية، وأخرى ~~بنفسجية، لو رأيت ثم رأيت وجها مشرقا بدريا، طل من طوق حللها الزرق البهية كما يطل ~~البدر الطالع من طوق الحلة الزرقاء السماوية، وهي تتغنى بأبيات وتنشدها بنغمات، كأنها ~~المثالث والمثاني، بأبلغ الألفاظ وأرق المعاني، ما سمعت نظيرها على الكرة الأرضية من الآلات ~~المطربة الشجية، لقد بهرني جمالها، وغشي على لبي غناؤها، فسمعت من نظمها ما ترجمته بالحرف ~~الواحد. # يا أيها الناس اسمعوا مني وعوا، قارنوا سعادتكم ورفاهيتكم ومدنيتكم بما أوتيت حشرة أبي ~~دقيق من الغبطة والسعادة، وما سخر لها من الكواكب بالضياء، والماء بالسقاء، والهواء ~~بالتغذية، والإنسان بالخدمة، والحيوان بالمساعدة. # بم تفتخرون؟ إن أعظم ما أوتيتم من السعادة أن حفرتم الأنهار، وسقيتم الأشجار، وجنيتم ~~الأثمار، وأدرتم الدولاب، فنسج اللباس، وخاط الجلباب، ورفع الماء، وطحن الحب، وخبز العجين، ~~وجمعتم البخار، وأثرتم الكهرباء، فدفعا القطار، وأرسلا البريد في البحار، والقفار، ورويا ~~الأخبار، وحللتم العناصر، وصنعتم منها أجنحة طرتم بها في جو السماء، ثم قهرتم الأعداء ~~بالسلاح. # هذا جل ما أنتم به تفتخرون، وأعظم ما به تستكبرون، هذه ثمرات مدارسكم، وغرس كلياتكم وملخص ~~عقولكم، وجهد فلاسفتكم، وعلم حكمائكم أجمعين، حشرة أبي دقيق دبت على الأرض، وطارت في الجو، ~~وقد كسيت ريشا جميلا مزوقا بهيا للناظرين، ها أنتم ترونها تسكن القصور الخضر من ~~الأوراق النضرات، والأزهار الباهرات، قد سخرت لها الشمس بضيائها، والقمر بنوره، والنجم ~~بهدايته، مرسلات أضواءها إلى الأرض، تنمي النبات، وتجري ms108 الماء كما سخرت لكم، فأنتم وهي ~~سواء، تأكلون وتشربون، ثم إنكم مسخرون بآلاتكم وعقولكم وكلياتكم، وما أوتيتم من معامل ~~ومصانع وهندسة وحساب وآلات ميكانيكية «دولابية»، فبذلك تزرعون، وهن آكلات فرحات طربات، ~~مسخر لها طلاب العلم وعلماء الكليات في مشارق الأرض ومغاربها. # قل لقومك يا إنسي إنكم عندنا لم تسبقوا حشرة أبي دقيق البهية الطلعة الحسنة المنظر، فإن ~~زعمتم أنكم أرقى منها بعقولكم ومدارسكم وكلياتكم فخبرونا ما الذي بها صنعتم، وما الذي به عن ~~الحشرة امتزتم، أكلتم وأكلت، شربتم وشربت، لبستم ولبست، سخرت لكم العلوم والآلات وسخرت لها، ~~خدمكم الناس والدواب طوعا أو كرها وخدمتموها، فما بالكم تفخرون، مشيتم على الأرض وركبتم ~~القطار، وطرتم في الجو، هكذا الحشرة زحفت دودة ثم مشت بأرجل ثم طارت في الجو، فبم أنتم أيها ~~الناس تستكبرون؟ أهذا منتهى مدنيتكم؟ إذا كان هذا رأيكم، فابكوا على عقولكم، وكبروا أربعا ~~لوفاتها، وليكن اليوم آخر عهدنا بكم، أيها الناس الأرضيون. # ألا إنما فخركم الأعلى ومجدكم الأسمى، وسعادتكم العليا، وعزكم الأوفى، أن يتصافح الشرقي ~~والغربي، والجنوبي والشمالي، والأسود والأبيض، ويكونوا إخوانا على سرر متقابلين، وليكونوا ~~لبعضهم أحبابا فيسود السلام، كما أعان الطبيب الياباني العالم الألماني في اكتشاف دواء ~~الزهري في هذه الأيام، فلولا تعلم اليابانيين ما برز منهم ذلك الطبيب الشرقي وساعده أخاه ~~الغربي، إن في ذلك لآية لكم إن كنتم تعقلون، كلما كثر المتعلمون الصادقون اتسع نطاق ~~السعادة. # ألا إن هذا هو الفرق بين الإنسان والحيوان، ولا خير في عقل لا يعلو بالعاقلين، ولا شرف في ~~فطانة تقعد بالفطنين، ولأضرب لك مثلا آخر، إنكم يا بني آدم مع الحيوان أشبه شيء بالبندول ~~إن أرسلته على حاله أشبه الحيوان الأعجم في إرساله، وإن حركته أخذ يهتز حركات إلى يمينه أو ~~شماله، فحال الحيوان كحال البندول عند وقوفه، إن لها غرائز لا تتعداها وطرائق لا ~~تنساها. # فأما أنتم فأطلق سراحكم، فاهتززتم ذات اليمين وذات الشمال، لما لكم من العقل الوافر، ~~والفكر الحاضر، فحركة اليمين تمثل الفضيلة والشرف، وحركات الشمال تشبه ms109 الخسائس والرذائل ~~بالترف، فأنتم خلقتم الأكاذيب، وأخلفتم المواعيد، وخنتم العهود، وخضعتم للملوك والأغنياء، ~~وحبستم الأموال، وأغليتم المهور، وصنعتم الفجور، ووشمتم الجلود، وخرقتم الأنوف بالحلي، ~~وفتحتم المنافذ في الآذان للأقراط، وهكذا مما أطال به سبنسر في كتاب التربية بأنواع الزينة ~~الجاهلية، وتغاليتم في المآكل والمشارب والملابس، وأفرطتم في السلاح والكراع والقتال، ~~وعبدتم الصور والتماثيل، وأخذتم العادات المرسومة عمن لا يعقلون من جهال الأمم. # إذا فعلتم هذا كله فإنكم من أهل الشمال، تنزلتم عن الحيوان، وأصبحتم من الأخسرين أعمالا ~~الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وكانت حركات اهتزازكم إلى ~~حال أسفل من حال الحيوان. # بئس ما يصنع الإنسان، إنه كان ظلوما جهولا، قتل الإنسان ما أكفره، إن الإنسان لظلوم ~~كفار، إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإذا كان التحاب والتواد ~~والفضيلة وإغاثة الملهوف وصنع الجميل وإغماد السيوف، ومساعدة الأمم القوية الضعيفة والعالمة ~~الجاهلة، واتحادهم وتضافرهم على استخراج المنافع الأرضية والحكم الكونية، فإنكم بذلك تبلغون ~~مراتب الإنسانية، وتربئون بأنفسكم عن حال الحيوانية، وتكون حركاتكم ذات اليمين. # فبلغ قومك أيها الإنسي ما قلنا، وأفهمهم أن حركة بندولكم الإنسانية هي اليوم شمالية، وقد ~~آن أن ترجع يمينية، فيسود السلام والوئام، لقد هديتم النجدين وخيرتم بين الطريقين، وقد ~~سرتم في شرهما طريقا وأضلهما سبيلا، فقد آن الأوان واستدار الزمان، لتكونوا على صراط ~~مستقيم، كما خلقتم في أحسن تقويم. # ثم أشارت إلى ذلك الشيخ الأعظم السيد «جامون» وقالت إنه سيلقي عليك قولا فاستحضر ~~وبلغه لأهل الأرض لعلهم يعقلون. ثم غابت الحسناء عن الأبصار، وولت والقلوب معها، بعد أن ~~قام الجمع وودعها. # الفصل التاسع عشر # | مجلس الحكماء وضرب الأمثال الحسية للأمور العقلية # عند ذلك أشير علي بالرياضة والنزهة في بعض نواحي الأرض الكوكبية مع فتى يرشدني جميل ~~المحيا، حسن الشكل مرصع الحلل بالدرر الحسان، فمشى ومشيت، حتى إذا أشرفنا على معهد علمي، ~~وناد حكمي، يجتمع فيه حكماؤهم ويتناجى فيه شيوخهم، فألفيته مكانا واسع الأرجاء، بديع ~~البناء، مرفوعا على العمد، وهو ms110 من جواهر عجيبة، تفوق ما نعرفه في أرضنا. # فمنها ما هو كالياقوت الأحمر، ومنها ما هو كالزبرجد الأخضر الزاهر، تكاد بهجتها تأخذ ~~بالأبصار، ومنها ما هو كالعقيق وكالمرجان، ومنها ما هو الدر المشرق ضياؤه الزاهر إشراقه، ~~وتلك العمد تختلف أطوالها باختلاف أوضاعها، إنها تحمل سقفا مرفوعا كالقبة السماوية، ~~مشرقا بالمصابيح المرتبة أوضاعها المزينة أشكالها، كوضع نجوم السماء وترتيبها وأحجامها ~~المنظورة، وبينهن مصباح أشبه القمر في تربيعه الأول قد استضاء نصف دائرته. # فلو رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا، وتمثلت لك في ذلك السقف الأزرق مصابيح أشباه ~~الثريا، وأخرى تشبه المجرة في استطالتها وبياضها، وترى فيها هيئة الدب الأصغر، وصورة ~~الدب الأكبر، والنجمة القطبية. # فعلوا ذلك حتى لا يحجب عنهم نور العلم وإشراق الحكمة السماوية بسقف كوكبي، وترى تلك ~~الأعمدة دقيقة مرصعة بالأحجار الكريمة، مرسومة بأحجار ثمينة، بهيئة أشكال هندسية، متداخلة، ~~الصور متضارعة في الجمال، وكلما كان العمود أقرب إلى وسط القبة فهو أطول، وكلما تناءى عنها ~~فهو أقصر، ومن رآها علم لأول وهلة أنها زينة للناظرين، وترى الحكماء في ذلك المكان على ~~الكراسي جالسين، وقد أقبلوا إليه من كل حدب ينسلون، عليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلل مرصعة ~~بالجواهر واللآلئ والمرجان. # وكان رئيس الحكماء في وسط الجماعة وحوله الأول فالأول، وهم في روضة بهية، فلو رأيت ثم ~~رأيت أشجارا ذات أوراق بيض ناصعة، كأنهن الدر المكنون، يتخللها أوراق حمر قليلات، لم ~~أتبين، أهي أزهار أم أوراق، وتلك الأشجار صفوف منظمة تتبين تحتها فرشا حمرا قانية، وما ~~أدري أذلك نبات متراكم، أم متاع منظم، وذلك في وسط محيط يشاكل القطع الناقص. # فلما نظرت في إحدى البورتين شاهدت أنواعا من النبات حمرا مختلفات الأشكال، وكلما قاربت ~~الوسط آنست ما وصفناه من الأشكال الدرية، ذات الألوان البهية، ولقد سمعت خطب الحكماء، وما ~~أدري ماذا كانوا يقولون، وقد كنت جالسا في زاوية بحيث أراهم ولا يروني، ولكن لم يتسن لي أن ~~أميز وميض النور المشرق من الحلل والجواهر، والدرر المرصعة المجلوة للناظرين، ولبثوا على ms111 ~~ذلك ساعات متواليات. # وبينما أنا كذلك إذ قال لي صاحبي: لقد جاءني نبأ من الأستاذ الحكيم أنه سيبعث لك بتلميذه ~~الأول ليلقي عليك العلم والحكمة، ويعلمك ما لم تكن تعلمه بمقدار استعداد قومك في ~~أرضك. # وما أتم كلامه حتى جاء ذلك الرسول عليه ثياب خضر تشبه ثياب أهل الأرض، قليلة البهجة ~~والزينة، فحياني وسلم علي وآنسني، وأخذ يسمعني من صنوف الحكمة عجبا مما يلائم طباعنا ~~ويواتي أمزجتنا، إذ قال: لعلك تبينت الفرق بين زيي وزي هذا الجمع المحتشد؟ فقلت: نعم. فقال: ~~إنهم أحسن بزة وأبهج شكلا ليتشاكل ما أوتيت من قليل الحكمة بما أزدان به من الملابس، ~~ولتعلم أن الفرق بين الحكمتين الأرضية والكوكبية كالفرق ما بين البزتين، وأن ما سمعته من ~~الحكمة يسير بالإضافة إلى حكمتنا، كما أن ما لدينا من الحكمة قليل إذا قسناه بمن هم فوقنا ~~قدرا وعلما. # يقول لك أستاذنا: قل لأولي الألباب من أهل الأرض: إنكم امتزتم عن سائر نوع الإنسان بخاصة ~~الذكاء والفطنة، وجعلتم في الأرض نورا مضيئا لتنقذوهم من الجهل المبين، فما مقامكم إلا ~~أيام قلائل تبثون فيها الحكمة ثم ترحلون، وإنما مثلكم في نوع الإنسان مثل الإنسان في أنواع ~~الحيوان. # أولو الألباب كنجوم تشرق لتضيء على العالمين، وشموس تطلع ثم تغيب عن الناظرين، فلينقذوا ~~نوع الإنسان من تهلكته، إن الإنسان لفي خسر عظيم، أولو الألباب أنزلوا إلى الأرض لقصد ~~الإنعام على أولئك الأنعام الضالين، لا مقام للعقلاء في الأرض إلا ليصنعوا الجميل، ~~ويرحموا الجاهل، والناس كلهم ظلوم جهول، فليرشدهم أولو الألباب للمحبة العامة، ليستخرجوا ~~كنوز أرضهم، ويكونوا أمة واحدة، ولتصبح الكرة الأرضية كلها جنة دانية الجنى. # فالإنسان الحقيقي المستقبل من جمع بين الحس والمعنى، وجنى ثمرات الجنتين، هذا هو الصراط ~~المستقيم. # ثم أخذ بيدي وسرنا حتى أشرفنا على واد فسيح أشبه الأمكنة بأرضنا، فاعترتني الوحشة، ~~وأخذتني الدهشة، واستولت علي الحيرة، وأحسست أني خرجت من النعيم إلى الجحيم، ومن السعادة ~~إلى الشقاء المقيم. # وأول ما صادفني بيت فيه جرار مملوءة عسلا مغطاة ظواهرها ms112 بأنواع الذباب المتكاثفة وهي تطن ~~طنينا. فقلت: ما هذا؟ فقال: هذه ضربت مثلا لأحوالكم الاجتماعية، وأخلاقكم الحيوانية، فإن ~~الرجل الفاضل يحيط به المذبذبون الذامون كما يحيط الذباب بجرار العسل، وما هي بضارة الجرار، ~~ولا بناقصات العسل، ففي ذلك عبرة للمفكرين. # ثم انطلقنا إلى روضة خضراء كأنها مرج ابن عامر ببلاد الشام، فأبصرت عقربا صفراء كأنها تل ~~كبير، نائمة في مزارع البرسيم وهي تأكله أكلا لما، وتطارد رجلا من الزارعين، فعجبت ~~لعظمة جسمها، وكيف تأكل البرسيم وهو ليس لها بطعام. فقلت: ما هذا؟ فقال: ذلك الرجل العظيم ~~يبذر في عقول الشبان الحكمة والموعظة الحسنة فيؤذيه أعداؤه الألداء، حسدا على فضيلته، ~~وهو ناج إذا كان من المخلصين. # ثم انطلقنا، فرأيت رجلا معمما واقفا وقد أحاطت به طيور سود من كل حدب تنسل، وهي ~~تتعاوون على انتزاع عمامته بمناقيرها، وهو ممسك بها، فلا هي عن رأسه رفعتها، ولا هو مفرط في ~~حفظها. فقلت له: ما هذا؟ فقال: هذا مثل الرجل العظيم عندكم، يحيط به الأعداء الحاسدون ~~لينتزعوا شرفه، فإذا ثبت على أخلاقه ومبادئه فإنه من الفائزين. # ثم هجم علي النوم. فقال: سأنصرف لشأني ومتى استيقظت حضرت لديك، فلما أن قمت من النوم ~~ألفيتني بين مزارع نضرات، وحقول خضرات، ولا أنيس لي، والليل مرخ سدوله، متمط ~~بصلبه، ناء بكلكله، والنجوم زاهرة، وبينهن نجمة مشرقة، صوب القطب الجنوبي، فاجتمع ~~بنفسي ضدان؛ فرح بالجمال والأنوار، وخوف من وحدتي في الظلام، فما أسرع ما حضر صاحبي إلي، ~~وسلم علي، وقال: إن حالك الساعة أشبه بحال الحكماء في الأمم المقهورة، يفرحون بما آتاهم ~~الله من حكمته، وما شرفهم به من النظر في جماله وخلقته، ويخافون من جهال السواس الذي ~~يبغضون الحكماء حسدا لهم على مرتبتهم، وما كان لهم أن يطفئوا أنوار المصلحين. # فلما أن أشرقت الغزالة، وطلع النهار، ركبنا ذات ألواح ودسر شراعية في بحر لجي، ~~كأنها تسير من أرض المشارق إلى المغارب، وهي على الطراز الشرقي، تحمل قوما ذوي منظر جميل، ~~فاستوقف نظري أن رأيت نملا يحيط ms113 بها من سائر جوانبها. فقلت: ما هذا التمثيل؟ قال: أما ~~السفينة فالنجاة بالعلم، وأما الراكبون فهم العلماء، وأما النمل فهم رجال السياسة الصادقون، ~~أولئك هم الذين يؤيدون العلماء المصلحين. # ثم رست بنا السفينة على جزيرة خضرة نضرة، فرأيت ~~رجلا واقفا، وفوق الرءوس في جو السماء، طير أبيض كبير، مقدار جسم الإنسان، وقد نطق باسمه ~~بلسان عربي مبين، فنادى ذلك الرجل عليه، فنزل إليه، فقبل الرجل جناحيه. فقلت: ما هذا؟ ~~فقال: أما الرجل فمثال الحكماء والأنبياء، وأما الطير في جو السماء وما نطق باسم هذا الرجل، ~~فمثال ذكره الحسن بين العالمين، وعموم علمه بين الشرقيين والغربيين ، والله لا يضيع أجر ~~المحسنين، فإن كنت في شك من ذلك فاسأل عن قصص يوسف الصديق النبي، كيف عف عن الخنا، وصبر ~~على السجن والأذى، وعلم الصعاليك المسجونين الأدب، ولم ينسلخ عن آدابه وفضله، وعفا عن ~~إخوته الذين كانوا له حاسدين، فأوتي الملك والحكمة واليقين. # واسأل النبي محمدا # صلى الله عليه وسلم ~~، كيف صبر على أذى قريش، وكيف صفح عمن آذوه من الأقربين، وكيف ~~أوتي الملك والشرف بين العالمين. # ثم مشينا قليلا فإذا رجل جالس على كرسي، قد كبرت عينه كأنما هي كرة مصور الجغرافيا في ~~المدارس قدرا ورسما وهيئة، وما أدري كيف كان المنظر إذ ذاك، حسنا مقبولا لا مشوها ~~مرذولا، وهو ينظر في السحاب، والشمس قد توارت بالحجاب، وقد صبغته بدمها المطلول، ~~وعندمها المحلول، وكان السحاب قطعا سودا وبيضا وصفرا وحمرا، على نسبة اقترابه من ~~الشمس وابتعاده عنها، والنسمات لاعبات بأغصان النخيل والأعناب، ولها غوير، وصفير، ونفحات ~~مطربات، وترى الأوراق تتصافح، والأغصان تتعانق، فطورا تشب إلى العلا، وطورا تتدلى، ~~وآونة تسكن النسمات، فتسكن الحركات، وتتقطع اللفتات، وسمعت الرجل يقول: «عجبا لجمالك، ~~وواها لصنعك وبهائك، زوقت السحاب، ولونت السماء، فوحق بهائك، وبديع جمالك، لألونن قلوب ~~الناس بالعلوم، أنت نظمت سماواتك، وزخرفت جناتك، ونصبت ميزانك، فلأنظمن العلوم، ولأزينن ~~بها القلوب، ولأنصبن ميزانا عادلا، به يقوم الناس بالقسط والعدل، ولأرفعن به الفضيلة، ~~ولأنزلن الرذيلة إلى سجين.» ms114 # وإذ ذاك، ظهر القمر ووضح نوره، والحشرات معنيات، في تلكم الخلوات، فنظر نظرة إليه، وقال: ~~«هذا هو المجد الرفيع، والصنع البديع، ما للإنسان يبني، ويهدم الدهر بناءه، أعمار قصيرة، ~~وأعمال كثيرة، تقضي عليها المهلكات، وتزيلها الموبقات، مجد داثر، وعمل بائر، وشرف فاتر، ~~القمر عمل مجيد، ومجد قديم جديد، أين مجد الإنسان، إنما الجمال في السماوات، لا عز في ~~الحياة الدنيا، إنما العز في البقاء، إنما حياتنا أشبه برسوم يقرؤها الصبيان، فإذا قرءوها ~~أزالوها، إنما الحياة لعب ولهو وزينة، فلأصطفين من العمل ما يبقى نفعه، ويعظم وقعه، إننا ~~نعلم في الأرض تمرينا على الفضيلة، فإذا استحققنا الشرف أوتيناه. # إن النجوم والأقمار والشموس حروف كبيرة، تقرؤها أرواحنا الصغيرة لترتقي يوما ما إليها، ~~وترفع بالفضيلة والعلم فوقها. # ليست الأرض مستقرا لنا، فلننظمها لمن بعدنا، ليكون ذلك لنا مرانة، ولمن بعدنا سعادة، ~~فنرفع إلى عليين، ويقفي أبناؤنا على آثارنا مهرولين.» # فعجبت لمقاله، وقلت لمن معي: من هذا الذي نراه؟ فقال: ذلك الرجل من أهل أرضكم، عقل ~~الحكمة، وفكر في العالم، وقاس نظام الإنسان على نظام العالم، وحقر الدنيا في عينه، فأما ~~عينه الكبيرة وما عليها من هيئة وزينة البلاد والأقاليم والبحار فذلك دلالة على إحاطته ~~بالنوع الإنساني خبرا، ونظره للناس كأنهم أمة واحدة، في بقعة واحدة، يتكلمون بلغة واحدة، ~~وتلم شعثهم حكومة واحدة. فقلت: وهل هؤلاء يكثرون في الأرض؟ فقال: كلا بل يقلون، ألم تر إلى ~~وحدة الشمس والقمر؟ وقد آن أوان أن يتعاقب أمثال هذا في أرضكم، حتى يهذبوا أممكم الجاهلة، ~~ويضعوا لها حكومات عاقلة، صالحة. # فعجبت من مقاله، وقررت عينا لتبيانه، وقلت: لمثل هذا فيلعمل العاملون. ~~••• # ثم انطلقنا، إذا قبة كبيرة، صيغت من الدر الكوكبي، تدور على نفسها، مجعولة نصفين، منقسمين ~~متميزين، أعلى وأسفل، وهما يفترقان تارة ويجتمعان أخرى، ويبتعدان، ويقتربان، ويرتفعان ~~وينخفضان، فلمحت باطنها إذا هو نور باهر، وضوء ساطع، وسمعت رنات الموسيقى، ونغمات ~~الموسيقار، وكأنما النور المشرق فيها، قد مزج بالغناء، أو كان حركات الذرات الضوئية، تولد ~~النغمات الصوتية، والرنات ms115 المثنوية والمثلثية مرتبة الداخل، مزينة بأجمال الأثاث وأفخر ~~الرياش، فيها ما لم تره العيون، من طرائف الفرش وبدائع الجمال. # ولمحت فيها قوما أعينهم في غطاء عن النظر للأنوار، وآذانهم في صمم عن استماع النغمات، ~~وبينهم شاب جميل الطلعة، حسن الشكل، جميل المحيا، باسم الثغر، مبتهج القلب، ظاهرة على وجهه ~~نضرة النعيم، وقد ألفيته ينظر إلى من حوله، وهم في كآبتهم وشقاوتهم جاثمون، فيزيل الغطاء عن ~~العيون، وما كان أسرع انسدالها، ويأمرهم بالإصغاء إلى النغمات، وما كان أقرب أن تصم الآذان، ~~وهم في الحزن خاشعون، فسألت صديقي: ما هذا المنظر العجيب؟ فقال: هذه القبة مثال هذا العالم ~~الذي خلقتم فيه، فإنه عند أولي الألباب، مصوغ من الجمال والحكمة والبهاء، وما يعقلها إلا ~~العالمون، فصور للجاهل، وعبر عنه للغافل بالنور والموسيقى وأنتم في الأرض غافلون عن جماله، ~~معرضون عن نظامه، فإن الجمال يحيط بكم، فمن فوقكم نور ونظام، ومن جوانبكم ترتيب وبهاء ~~وجمال، وأما هؤلاء الذين أعينهم في غطاء، فهم أبناء جنسكم الآدميون، فإن هذا نبأ عظيم وبهاء ~~أنتم عنه معرضون، وأما هذا الشاب، فإنه مثال الحكماء الذين أدركوا مزايا الجمال، وفهموا ~~بعقولهم ما حولهم من الحسن والبهاء، فهم في الحياة فرحون، وبربهم واثقون، ولإخوانهم راحمون ~~ومعلمون. فقلت: فصل ما أجملت، وأوضح ما ذكرت. فقال: اسمع الحكمة مني وخذ العلم ~~عني. ~~(1) الزهرة والنحلة # شاهدنا نحلة وقعت على زهرة. فقلت: ماذا تعني؟ فقال: أليس من العجب أن جملت الزهر، ~~المسماة «بالقزالية»، وصغرت النحلة، وألهمت العلم، فاشتارت العسل من تحت الأنابيب! ~~ثم أنشأ يقول: # عجبت لنقش الزهر كيف تنوعت # بدائعه فيما يسمى قزاليه # محكمة الزوجين فيها غرائب # مدورة الصفين بالنظم حاليه # نقوش بديعات تريك دوائرا # بها نضرات بالمحاسن باهيه # دوائر بيضا فوق سود كأنها # نجوم سماء بالعشيات زاهيه # وترنو إلى الشمس المنيرة بالضحى # وتغمض عينا بالأصائل ساهيه # تقول وقد تاهت بفرط جمالها # من الشفق الغربي صيغ جماليه # فما لرجال العلم عني أعرضوا # ومفتاح عقل العالمين ببابيه # وما لكم لا تفقهون محاسني # وقد أدرك الأعلام ms116 سر طباعيه # ثغور ابتسام في جمال وبهجة # وإسداء معروف لراجي عطائيه # وكم حشرات طائف طاف وفدها # فكان قراها الشهد في سوح داريه ~~(2) البستان والسماء # ثم قال: ما أجهلكم بالجمال، وما أبعدكم عن الحكمة، وما أقربكم للجاهلين، خبرني رعاك ~~الله، لو أن امرأ منكم خير بين النظر في السماء وجمالها، وبين التمتع بالنظر في ~~البساتين وأزهارها، فأي المنظرين أجمل لديه؟ فقلت: البساتين. فقال: أتدري لماذا ~~استبدلتم الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ قلت: كلا. قال: لأنكم لا تعرفون النعم إلا ~~بامتناعها، ولا تحبون إلا ما كنتم عنه مبعدين، ثم نظر نظرة إلى السماء والنجوم وأنشأ ~~ما ترجمته من الإنجليزية: # أضئ يا أيها النجم الصغير # فشأنك في غرابته كبير # وفوق رءوسنا أبدا تسير # كمثل الماس رصع في السماء # إذا ما الشمس غابت في دجاها # وبل النبت في الدنيا نداها # ترينا الضوء يلمع في رباها # أضئ يا نجم في غسق الدجاء # ظهرت بموكب وسط السماء # وتزجي النور منك على البناء # بناظرك المصوغ من السناء # فلا تخبو بغير سنا ذكاء # تضيء الأرض من أعلى سماها # وتهدي من يسافر في فناها # فماذا أنت يا باهي سناها # أضئ فالله خصك بالضياء ~~(3) الهواء والغذاء # ثم قال: إنكم لا تعقلون نعمة الهواء، وتفهمون نعمة الغذاء، وخيرهما أولهما، وما حمدتم ~~الله على الهواء، وحمدتموه على ما أعطاكم بعد منع من الغذاء، فما أجهل أكثر العالمين! ~~(4) الأطباء والمرضى # وعلى هذا المثال، الأطباء والمرضى، فترى الناس لجهلهم بالطب، وحكم هذا العالم البديع، ~~يحقرون ما لا يعقلون من المنافع العجيبة في العقاقير الطبية التي تحيط بهم عن أيمانهم ~~وشمائلهم وفي دورهم وحقولهم، فاضطر أطباؤكم أن يكتبوها بلغة لا يعقلها المرضى الجاهلون، ~~وزينوا لهم أغشيتها، وزوقوها، ليقبلها أولئك الغافلون. ~~(5) العلماء والجهال # وهكذا الجهال، لا يعقلون الحكم فيما يحيط بهم، وفيما يسمعون من الأحاديث والحكايات في ~~سمرهم. فيضطر العلماء أن يسندوا القول لعظمائهم، ويرووه عن كبرائهم من سائر الملل ~~والنحل، والأمم والأجناس، ثم يصوغونه في مقال جميل. ~~(6) الأمم المغلوبة # وترى بعض المتعلمين من الأمم ms117 المغلوبة، يصمون آذانهم عما لم يسمعوه من الغالبين، كأن ~~المدافع والعلم مقترنان، وتراهم يقلدونهم في حركاتهم وسكناتهم، وخمرهم ولهوهم، ولعبهم، ~~يظنون أن غلبتهم لهم نتيجة هذه الشناعات، وعلوهم عليهم من أجل هذه المخزيات، فتبا ~~لقوم لا يعقلون، وأف وتف لمن لا يفهمون. ~~(7) الأصنام # كانت تنصب التماثيل وتقام الصور، رموزا على المعاني، ودلالة على الفضائل، فجهل الناس ~~مقصودها، واتخذوها آلهة فعبدوها، واجتمعوا حولها وقدسوها. ~~(8) الرسل # فجاءت لكم رسل، نكسوا الأصنام، وأزالوا تلك الأعلام، ووجهوكم للتعقل والتفكير، ~~والتعليم والتهذيب، فطالت عليكم الآماد، وقست القلوب، فعلقتم بالألفاظ فحفظتموها، ~~وظننتم أنها تنجي في الدارين، وأنتم لا تعقلون لها معنى ، ولا تفهمون لها مغزى، وصار ~~أكثركم يدور كما يدور الحمار في رحاه، لا يجد عن المدار به محيصا، وما من أمة إلا ~~تداوت بكلمات كتابها المقدس فظنت مجرد التلاوة بلا تفكير منجية، وتعليق كتابها على ~~الرأس شافية، وغفلتم عن شفاء عقولكم بالمعاني وسعادتكم في الدنيا بالتفكير. ~~(9) الحكومات # ولكم نظمت لكم الحكومات، لتحفظ أمنكم، وترفع شأنكم وترتق فتقكم، فظننتم في ~~الملوك مثل ما كنتم تظنون في الأصنام، وانقدتم انقياد العميان، وخضعتم للظالمين، فأف ~~لهذا الإنسان. ~~••• # جهل الناس عجائب الرموز، وحكمة الظلمة والنور، والظل والحرور، جهلوا مزية الديانات ~~ووقفوا عند ظاهر الكلمات. # ومن جهل هذه الكائنات، وضل عن هذه المخلوقات، فأحر به أن يجهل سر نظام الحكومات، ~~ألا فليعم التعليم والتعقل في أنحاء الكرة الأرضية. # ألا فليعقل الناس ما حولهم، إن حياتكم اليوم عار وألف عار، أزيلوا ما لديكم من ~~النظامات العتيقة الفاسدة، واستبدلوها بخير منها، فالعلم عجيب، والله سميع قريب، ونظام ~~هذا العالم بديع، والعقل الإنساني شريف رفيع. ~~(10) الخمر والخراب # هل قرأت ما سطره الفرنسي هنري في الخمر، وعلاقته بالشرقيين؟ قلت: بلى إنه يقول: إن ~~الخمر أمضى سلاح يحصد به نسل الشرقيين، وأنكى جيش يبيد الوثنيين والمسلمين، إنه ضعف ~~الجسد، وموت العدد، وفقد المدد، وضياع البلد، ورق الولد، وذل الأبد، ثم أخذ بيدي ~~وانطلقنا إذا رجل بيده زجاجتان إحداهما مملوءة بالنار، والأخرى بالماء. فقلت: ما هذا؟ ms118 ~~فقال: هذا مثال الحاكم الأجنبي في الأمم الجاهلة، يسقي من زجاجة الماء أبناء بلاده، ومن ~~زجاجة النار أبناء الأمة المحكومة، فيذيع الخمر، ويبيح الميسر لعلهم ينقرضون ويقلون، ~~فما أجهل الرجلين، الغاش والمغشوش، هلا عرف هذا الحاكم الجهول أن الناس إخوان، هلا عرف ~~أن الناس كجسد واحد، فتبا لجهال بني الإنسان، إنهم قوم طاغون، أنتم جهال بالجمال، ~~وأكثر الناس في غفلة وجهل عظيم، صم، بكم، عمي، فهم لا يعقلون، ما أقبح سيرتكم وأضلكم يا ~~بني آدم في العالمين. ~~(11) الحروف الكبيرة والصغيرة # الناس لا يعقلون إلا الحروف الصغيرة، ولا يفقهون الكبيرة، لضعف فطنهم، وقلة فهمهم، ~~وموت نفوسهم ، الشمس والقمر والنجوم، والجبال والشجر والدواب، والبحار والسحاب والأنهار، ~~وما فوقها وما تحتها، هذا لعمرك هو الحروف الكبيرة. لما ضعف تعليمكم، قصرت عقولكم على ~~الحروف الأبجدية، وكلماتها الرسمية، وظننتم أنكم بالكون عالمون، وبما في الأرض والسماء ~~محيطون، ولكن أكثركم عن الحقائق معرضون. ~~(12) الغراب والعود # ثم قال: انظر، فنظرت، إذا غراب يحمل عودا يطير به في الجو إلى عش في شجرة في أعلى ~~أغصانها، حيث الهواء جميل، والنسيم عليل. فقلت: ماذا تعني؟ فقال: هذه الطيور اتخذت من ~~الأعواد والنسالة ودقائق الأشياء التي يحقرها الناس بيتا مزخرفا محصنا بديعا ناعم ~~الباطن، أسكنت فيه أبناءها. فقلت: ماذا تريد بهذا؟ فقال: لو أن الناس عقلوا لبنوا ~~لأنفسهم، وشيدوا لأرواحهم بيوتا من الحكمة والفضيلة، فمرت عليها الحوادث مرور العواصف ~~على عش هذا الطائر وأفراخه، الغراب في حرز حريز. فقلت: لكن المصائب مرة المذاق ~~كالفقر والفراق. ~~(13) الليل والنهار # فقال: ألست ترضى بنظام الليل والنهار، والظل والحرور، والموت والحياة، والحيوان ~~والجماد، والزرع والحصاد، والبر والبحر، والصحو والمطر، والسفر والحضر؟ فقلت: بلى، ~~إني أعرف بعض حكمها. قال: مثل النفوس مثل الآفاق، تجمع الضدين، وتولد النقيضين، كالقبض ~~والبسط، والحزن والفرح، والضيق والشدائد، والآلام واللذات، فارض نظام نفسك كما رضيت ~~بما في الآفاق. ~~(14) السرجين والحدائق # قلت: ما أغمض هذا المقال! وما أبعد هذا المثال! فقال: سر بنا في هذا الصراط ~~المستقيم، فلما سرنا رأيت نخلا ms119 يميس في وسط مزارع نضرات، وأشجار خضرات، وأعناب ~~وجنات: # كأن النخيل الباسقات وقد بدت # لناظرها حسنا قباب زبرجد # وقد علقت من حولها زينة لها # قناديل ياقوت بأمراس عسجد # فقال: لعلك أعجبت بهذا الجمال؟ قلت: بلى، ما أجمله! قال: فانظر فيما حول هذه الجنات، ~~فنظرت إذا تلال من السرجين، وآكام من القاذورات، فأحسست بانقباض. فقال: ماذا ترى؟ قلت: ~~منظر عري من الجمال، وتسربل بالوبال. فقال: لقد حكمت حاسة البصر، وعزلت قوة البصيرة، ~~ولو أنك فكرت، لعلمت أن هذه النخلات وأثمارها، والأشجار وجناها، والمزارع وبهاها، ثمرات ~~تلك التلال، بل تلك البلحات الحمر والصفر، والرطب الأسود، والتفاح الملون ، البهي ~~العجيب، هي نفس تلك الآكام المنبوذة، والتلال المركومة، صنعتها اليد الإلهية، وزوقتها ~~الحكمة الربانية، وصاغتها ودورتها ولونتها ومزجتها بالحلاوة، فهذا المكروه هو المحبوب، ~~وهذا المنبوذ هو المطلوب، وفي الأرض أمم عريقة في الجهل والوحشية كما تزعمون، وسيقرءون ~~العلوم كما تقرءون، وترون منهم منظرا جميلا، كهذه التلال صارت بالصنعة والاعتناء ~~ثمرا جنيا. # وهكذا فلتعلموا أن الشر والمصائب في بني الإنسان، أشبه الأشياء بهذه التلال والآكام، ~~فإذا رويتموها بماء العلم، وبذرتم فيها بذور الحكمة أثمرت لكم ثمرا طيبا، وجني ~~دانيا، فمن هذه التلال صنعت الأثمار، وبالعبرة نمت العقول وصحت الأفكار. # ثم انطلقنا حتى أشرفنا على بستان جميل بديع، خلفه سهل منبسط، وراءه نهر تجري فيه ~~المنشئات كالأعلام، ومن ورائه جبل شاهق صعب المرتقى، طامس الأعلام. # فقال: انظر، فنظرت إذا ست مناظر تجلت لعيني بغتة، أشبه شيء بما رآه الحكيم قابس ~~اليوناني في العصور القديمة، والدهور البعيدة، قبل دولة الرومان والعرب والإفرنج المعاصرين. # المنظر الأول: # نساء جميلات كأنهن مومسات. # المنظر الثاني: # نساء قبيحات الوجوه. قالصات الأهدام، عاريات الرءوس، مسكينات، يخمشن ~~وجوههن، ويضربن صدورهن، وينتفن شعورهن. # المنظر الثالث: # نساء أديبات، مجردات عن الزينة، ساكتات ساكنات، وهن مشيرات إلى ~~الجبل. # المنظر الرابع: # ثلاث نساء كاللاتي في المنظر الثالث. # المنظر الخامس: # السفن الجاريات، تغدو وتروح في النهر ولها شرع تزجيها الرياح وآلات ~~دائرات بالبخار، في باطنها منتظمات. # المنظر السادس: # نساء ms120 جميلات، بهيات المناظر، حسان الوجوه، محليات بالدرر كأنهن شموس ~~مشرقات فوق الجبل واقفات بأيديهن تيجان بهيات، بالجواهر مرصعات، فلو ~~رأيتهن لقلت: شموس في أيديهن بدور، وهناك أناس يهرولون في ذلك السهل ~~يشير إليهم أولئك النساء بأيديهن. # فعجبت من هذه المناظر، وجهلت مرجع تلك الضمائر. # فقال: أما النساء الجميلات الواقفات في أول الحديقة، فإنهن تصوير لحال الشهوات ~~الإنسانية، إذ يظن الناس أنها سعادات، وما هي بسعادات، فالأغذية والتزوج، وما أشبهها ~~شملت الإنسان والنبات والحيوان، فهي ليست حقيقة السعادة، وإنما هي أشراك نصبت لقوام ~~الأبدان وولادة الولدان، فمن ظن أنها غاية السعادة وأنهك فيها قواه صار لها عبدا ~~خاضعا، وصارت نفسه كما ترى في المنظر الثاني. # وأما هؤلاء النساء اللاتي يخمشن الوجوه، ويضربن الصدور، وينتفن الشعور، فذلك مثال ~~أولئك الذين ملكتهم الشهوات حتى ظنوها سعادات، فأنفقوا أموالهم، وأصبحت ديارهم قاعا ~~صفصفا، خوالي من الدرهم والدينار، فصاروا لصوصا سارقين، أو مزورين أو لأوطانهم ~~خائنين، أو لأصدقائهم خادعين، أولئك هم الفجار الآثمون. # وأما هؤلاء النسوة اللاتي تراهن خاليات من الزينة وهن يشرن إلى ما فوق الجبل فهن مثال ~~العلوم التي يقرأها الناس في المدارس الشرقية والغربية، كالرياضيات والطبيعيات، والآداب ~~والشعر، والموسيقى والتنجيم، وأكثر الفنون العلمية، يظنها الناس سعادات وما هي بسعادات، ~~إن هي إلا مقدمات والسعادات نتائج. # فقلت: لئن سلمنا لك أن الشهوات بعيدة عن السعادات لأنها تستعبد الجهال، فما بالنا ~~نصدق أن العلوم ليست سعادات؟ فقال: لا تعجل وتربص شرح المنظر الرابع. # فأما ما تراه في السهل المنبطح من تلك النساء الثلاث اللاتي تجردن من الزينة، وهن ~~ساكنات ساكتات، فتلك مثال العفة والصبر، وقوة العزيمة، إنهن لشديدات على الأنفس، بالعفة ~~تصان الشهوات، وبالصبر تنال أعلى الدرجات، فإذا أحكمتم آدابكم، وصنتم شهواتكم، ارتقيتم ~~إلى أوج السعادة. # فأما ما تراه في المنظر الخامس من السفن الجاريات في البحر كالأعلام، وما فيهن من ~~الأدوات التي تتحرك بالكهرباء والبخار، وما عليهن من الشرع المنتفخة بالرياح ~~الهابات، فلتعلم أن المال والجاه والملك والولد وسائر ما تملكونه من أعراض ms121 الدنيا ~~وكذا العلوم والمعارف من الحساب والهندسة والطب والآداب والموسيقى والشعر والتصوير ~~وغيرها كالتجارة والزراعة وسائر الصناعات، منزلتها منزلة هذه الشرع المزجية لهذه ~~السفن الجاريات الممثلات لأجسامكم. # إنكم يا أهل الأرض لم ترضوا بالرياح الهابة أن تتحكم في سفنكم بل عمدتم إلى الماء ~~فأسخنتموه وإلى بخاره فأثرتموه، وهكذا مزجتم العناصر واستخرجتم منها الكهرباء فجرت ~~السفائن بأمركم، وسارت بتقديركم. # فما أحراكم ألا تقفوا عند المال، ولا تشغلوا بالعرض عن الجوهر، وأن تعمدوا إلى ~~الفضيلة والحكمة حتى تنفتح أعين بصائركم، وتشرق الحكمة من قلوبكم، حتى إذا عصفت عواصف ~~الحدثان، وتقلب الجديدان، وذهب الأطيبان، وتألبت المؤتفكات، رجعتم إلى قلوبكم، ونلتم ~~سعادتكم، كما سيرتم السفن بأمثال هذه الصنائع. # فقلت: إذن لا قيمة للمال، ولا فضيلة في العلوم، ولا خير في البنين والأصحاب؟ فقال: يا ~~هذا، كل ما ذكرته عون على السعادة عند ذي الفضيلة، فمن حرم الفضيلة كانت كل هذه وبالا ~~عليه، ومن حازها كانت مددا لسعادته، وزيادة في جماله وبهجته؛ فالجاهل قليل الثمرات. ~~والفقير عديم المبرات. املأ القلب والعقل علما، واليد مالا، واستعن بالأصحاب وكن ~~كما تشاء في الدنيا، على شريطة أن تتم حكمتك، وتبقى عفتك، وتظهر شجاعتك، فالمال والعلوم ~~والجاه والولد، تصلح لخيرك وشرك، ونفعك وضرك، وكما يحزن العنين لحرمان الولدان، يشقى ~~الوالد بابنه الكسلان. # وكما ترى في الجهلاء من هم لإخوانهم خادعون، ولأوطانهم خائنون، فهكذا ترى في الشعراء ~~والأدباء والعلماء من ينافقون، ويمكرون، ويخادعون إخوانهم وهم في الشقاء خالدون، وكما ~~ترى الصعلوك يحزن لذلته، ويشقى لرثاثة حالته، كذلك ترى الملوك والأمراء في شقاء دائم، ~~فإذا اتسمت نفسك بالفضيلة فالمال والجاه والعلوم بها أولى لتكون شجرة جميلة الأزهار ~~غزيرة الأثمار نضرة الجمال. # أما هذا المنظر السادس وهو النساء اللاتي تراهن فوق الجبل فإنهن يمثلن الحكمة ~~والفضيلة التي أشارت لها تلك العلوم وسهلت سبيلها الأخلاق، ويقطع السبيل عنها الشهوات، ~~فاسع إليها، ولا تنم بالجهل عنها، فإنك إذن تكون من السعداء المصلحين. # وما العلوم الأدبية إلا كالترجمان يفهم الحكمة، وما أقل العاقلين! # وكما أن ms122 معرفة اللغات الأجنبية وسيلة للعلوم لا مقصودة بالذات، فهكذا العلوم مقصودة ~~لغيرها، وهي الحكمة والسعادة والفضيلة، فمن أصغى إلى نصائح تلك النساء المشيرات لقمة ~~الجبل الممثلات للعلوم، رقى إليه وحظي بالتاج والجمال، وما أقل السعداء سعادة حقة في ~~العالمين. # ألا وإن السعادة سعادتان، سعادة وقتية، وسعادة دائمة، فسعادة الجهلاء وقتية، كالذي ~~يتخطى عقبة إلى عقبة، ويعبر خندقا فيقابله خندق، وذلك بالحظوظ الوقتية من المال والجاه ~~والعبيد والسلطان وأمثالها، وأما السعادة الدائمة فهي التي نصبوها من أنفسهم وخبئوها في ~~عقولهم وأودعوها في أرواحهم، وهناك سعادة عامة تجمع الأمم جمعاء وهي أن تتعاون الأمم ~~على عمارة الأرض ، وسيصلها نوع الإنسان في مستقبل الأزمان. ~~(15) النفس # ثم انطلق بي حتى علونا الجبل بعد ما كادت نفوسنا عند الغلصمة، وشاهدنا من آيات ~~الجمال والبهاء والحسن ما لا يحلم به أكثر العالمين، ولبسنا التاجين، ونلنا الحسنيين، ~~ورأيت جنة خضراء زينة للناظرين، لا أستطيع وصفها، ولا أعلم كنهها، قد ازينت ~~للمدكرين وأعدت للعاقلين المفكرين، فلما سرنا بجانب خليج من خلجانها، ماؤه لجين، ذي ~~ضفتين خضراوين زبرجديتين نظر إلى بخار مائه يصعد في الجو بحرارة الشمس، فتبسم ضاحكا ~~كالمستهزئين، ثم لوى كشحا كالساخرين. فقلت: مم تضحك؟ فقال: انظر البخار، إذ علا في ~~الجو وطار، فإن بعض علماء النفس عندكم يزعمون أنها نفثة من نفثات الجسم، وعرض عرض ~~لامتزاج العناصر، ومزاج الذرات المتفاعلات، فكأنه هذا البخار المتطاير، ولو صح ما قالوه ~~لنسي العاقل اليوم ما قرأه أمس، ولمحيت سطور لوحه بالطمس، وكيف ينام الرجل ويستيقظ ثم ~~يتذكر ما فعله في أمس الدابر، ويحصر في عقله ما وعاه من أيام صباه، ويجمع القديم ~~والحديث في بخار ضعيف، ومن تذكر بعد النوم ما عمل من قبله، فسوف يذكر عند الموت وبعده، ~~ما سطر في لوح عقله، ولو كان ذلك اللوح كهذا البخار، ما بقي يوما أو بعض يوم، وكيف ~~يبقى أمدا طويلا والجسم يتبدل في بضع سنين؟ فما أكثر الجاهلين من الآدميين. # الماء أكسوجين وأودروجين، والحرارة الشمسية أخرجت بخاره، والجسم أجزاء ms123 وعناصر تتقد ~~نارا بالتفاعل، وتعرض لها عوارض بالتمازج، وأعراض الأجسام من الحرارة الغريزية ~~والمفاعلات الكيماوية، كأعراض الماء بالحرارة الشمسية، فإذا تجدد أول العرضين بالمشاهدة ~~والعيان فما أحرى ثانيهما بالتجدد وما أحقه بالدثور، وكيف تبقى آراؤكم وعلومكم وأخلاقكم ~~ومحباتكم طول الحياة والجسم دائم التحليل والتركيب وأعراضه متجددات على أعداد اللحظات؟ ~~إن في ذلك لآيات للمتفكرين. # النفس شقيقة المادة، إنهما أختان تارة تجتمعان وأخرى تفترقان، ولكل منهما صور وأعراض، ~~فليعتبر العقلاء، وليتذكر أولو الألباب. # ثم قال: إننا نضرب لأطفالنا الأمثال بمثل ما شاهدت الآن. ثم أبصرت آسادا كآسادنا ~~وأسلاك التلغراف ممتدة على الأعمدة الخشبية. فقال: إن هذه عندنا كمحال الآثار عندكم، ~~فإذا أردنا تدريب أبنائنا على الاستنتاج في أحوال كوكبنا أو الكواكب الأخرى، أريناهم ~~أشكالها، ونصبنا لهم آثارها، وقلنا لهم: اكتبوا عليها بأسلوب كما سأريك الآن، تطبيقا ~~على المشاهدة والعيان، ألا فاسمع الحكمة مني، وخذ العلم عني، واعلم أنه ضل ابن آدم ~~بخصلتين؛ فضل المنطق، وفضل السلاح، فأما فضل المنطق، فإنه إذا رام اهتضام حق، أو غصب ~~ملك، عمد إلى الأقوال فزينها، وقصد إلى الكتابة فنمقها، ولبس الحق بالباطل، وأبرز الكذب ~~في صورة الصدق، وزخرف القول زورا، فيرفع من شأن نفسه، ويحط من حق غيره، في المجالس ~~والطرقات، والمعابد، وعلى صفحات الجرائد، وينشر ذلك فيما شاء من دولة، ويفيض به فيما ~~أراد من أمة، حتى يخيل للسامع أنه حق، فيعطف على القائل، ويذعن للقول، لا سيما في هذا ~~الزمان، الذي تفرعت فيه فروع البريد البخاري، والبرق السلكي، والبريد الأثيري، بتلغراف ~~«مركوني». # واعتبر ذلك في الأمم الغالبة، فتراها تكذب وتنشر الأقاويل المنفرة عن الأمم الضعيفة، ~~لتستمرئ ابتلاعها، وتسوغ هضمها، ظلما وزورا، وما أسرع تصديق الناس، وما أكثر خطأهم، ~~وما أشد جهلهم، فإن أكثر الناس لا يعلمون. # فأما فضل السلاح، فذلك أن ابن آدم دافع عن نفسه قديما، تارة بالحجر، وأخرى بالعصا، ~~وآونة بالمدر، وطورا بالحديد، ووقتا بالرصاص، فظن ذلك الأمر الاضطراري جبلة ~~راسخة، والعارض ملكة ثابتة، فتوغل فيه، وأخذ يتفنن في السلاح والكراع، ms124 جعل ذلك مقدما ~~على غيره من الأغذية والأدوية والملابس. # جهل الإنسان أصله، إن الإنسان لكثير النسيان، كانت الحرب للمدافعة، فاتخذها للمطاردة، ~~وقام المدني على نهج الوحشي، فهو ظلوم وابن ظلوم، جهول وابن جهول، كفور وابن كفور، كان ~~الكلام للإفهام، فجعله للخصام، واهتضام الحقوق، وخراب المدن، وإخافة الآمنين، فلعمرك ~~لقد ضل ابن آدم بخصلتين؛ فضل المنطق وفضل السلاح. # هذا ما أردت أن تعتبر به من الآساد والأسلاك البرقية وهو المنظر الثاني والعشرون، ثم ~~انظر إلى هذه الأسلاك من وجه آخر وهو: ~~(16) وحدة الإنسان # نوع الإنسان كرجل واحد، ودليلنا على ذلك أسلاك التلغراف الممتدة في الهواء، ألا ترى ~~أنها أشبه شيء بتلك الأسلاك الشعرية، التي تنوف على ثلاثة آلاف عصب شعري، تبتدئ من ~~تجويفي الأذنين، وتتصل برملات صغيرات قد لا ترى بأكبر المجاهر المعظمة، وجميعها واصلة ~~إلى الدماغ، فإذا ورد على الأذن صوت التقطه عصب من تلك الأعصاب الدقيقة المتصلة برملة ~~من تلك الرملات وأوصله إلى الدماغ فأحس به الإنسان، ولكل صوت سلك عصبي من تلك الأعصاب ~~يوصله إلى الدماغ، وما أكثر أنواع الأصوات في العالم، وما أكثر الأسلاك العصبية. فلكل ~~صوت من تلك الأصوات عصب من تلك الأعصاب، كما أن لكل عرق من عروق النخلة عملا خاصا في ~~التغذية، إذ تجتلب العناصر الأرضية، وتوصلها إلى أجزاء النخلة العلوية. # ولما كانت أجزاء النخلة كثيرة من أغصان وألياف وجمار وبلح ونوى وجذع، كثرت الفروع ~~ودقت، ووزعت الأعمال عليها توزيعا متقنا، واتصلت عروقها الأرضية بطوائف من الأنابيب ~~الدقيقة الممتدة في جذع النخلة الواصلة إلى الأغصان والألياف والجمار إلى آخره، هكذا ~~كانت الأصوات الواصلة إلى آذان الإنسان السارية في الأسلاك العصبية، المبثوثة في الأذن ~~الواصلة إلى الرأس، وهكذا كانت أسلاك التلغراف، توصل الأخبار من أمة إلى أمة، ومن قرية ~~إلى قرية، ومن إنسان إلى إنسان. # فوضح أن الإنسان كله شخص واحد، له أسلاك خارجية تشابه الأسلاك الداخلية، وهل الحيوان ~~له في هذا نظير، وهل له وحدة تجمع أشتاته كما جمعت الإنسان. # لا جرم أن الإنسان ms125 أقرب للاتحاد، فقتاله وحربه جهل فاضح وظلم واضح وغفلة عن الصراط ~~المستقيم. ~~(17) الماديات والمعنويات # ثم قال: الجنس البشري الأرضي تردد بين عاملين، المادة والروح، فأما البوذيون ~~والبرهميون ومن على شاكلتهم من الصين والهند، ومن نحا نحوهم من بعض متأخري المسلمين ~~وقدماء المسيحيين، فإنهم أحبوا التجرد عن المادة، والتخلي عن الشهوة، والانقطاع إلى ~~العقل والتبتل، والدخول في باحات الأرواح وساحات الخيال، ومن كانت هذه حالهم، تألبت ~~عليهم الأمم، وغلبتهم الطاغية. # وأما الماديون من الرومان وبعض فلاسفة الإفرنج الذين جنحت هممهم إلى تقوية المادة، ~~فأولئك الذين يرقبون غفلة غيرهم، وينكلون بهم، ويؤذونهم أذى شديدا، ويعذبونهم عذابا ~~أليما ثم تدور الدائرة عليهم، إذا طغوا وبغوا فيصبحون في ديارهم جاثمين. # ألا وإن طريقنا الذي نختاره أن تأتلف القلوب وتتحد النفوس وتتعاشق الأرواح ويصبح ~~الإنسان كله كإنسان واحد ناظم أمر الجسم والروح، ثم ليتحدوا في أعمالهم. ~~(18) الوحشية # ثم قال: الوحشية في العالم صنفان، طبيعية وصناعية، فوحشية الآساد والصقور اقتضتها ~~الطبيعة الكونية، والحكم النظامية، لتزاحم الناس والحيوان، لإزالة الرمم، ودفع الغمم، ~~المعفنة للهواء، المميتة للأحياء. ووحشية الإنسان صناعية جاهلية، أكسبته إياها عوائد ~~الجاهلين ولصقت به لصوق العار للفاسقين، وعادات السوء للغاوين، إنكم يا معشر أهل الأرض ~~جهال ضعاف العقول، أولا ترى كيف تدليتم إلى الحضيض الأسفل عن السباع والضباع والذئاب ~~والكلاب، إذ صرفتم قواكم إلى القوى الدفاعية والهجومية، ألم تر كيف كان مجموع دين ~~ممالك أوروبا سنة 1870: 4000000000 أربعة بليون جنيه، وقد بلغ الآن 6000000000 ستة ~~بليون جنيه صرفتموها على الجيوش الجرارة، والسيوف البتارة، والمدافع الضرارة. وانظر إلى ~~هذا الجدول تعرف عدد الجيوش وما يصرف عليها كل سنة: # الممالك # عدد الجنود # ما يصرف سنويا # بريطانيا # 420000 # 65000000 # روسيا # 1150000 # 46500000 # ألمانيا # 661000 # 43800000 # فرنسا # 620000 # 41000000 # النمسا والمجر # 384000 # 19400000 # إيطاليا # 305000 # 17000000 # إسبانيا # 100000 # 6700000 # السويد والنرويج # 73000 # 5500000 # تركيا # 370000 # 4800000 # هولاندا # 35000 # 3650000 # بلجيك # 50000 # 2500000 # برتغال # 34000 # 2600000 # سويسرا # 148000 # 1300000 # اليونان # 23000 # 1200000 # دانمارك # 14000 # 1200000 # بلغاريا # 43000 # 1000000 # الولايات المتحدة ms126 # 107000 # 40000000 # أليست تلك المبالغ وأولئك الجند خسارة وحسرة على الإنسان؟ أفليس ذلك دليلا على أنكم ~~تنزلتم عن الحيوانية، وابتدعتم أقصى الوحشية، وجهلتم أنفسكم، وتربصتم، وارتبتم، وغرتكم ~~الأماني، وغركم الغرور؟ # لقد حق القول عليكم، فأصبحتم لا تعلمون من الإنسانية إلا الوحشية، ولا تفقهون من ~~الحكمة إلا البهيمية. # فامتعضت لهذا القول وأنكرته واستهجنته. فقال: أوتنكر الشمس في رابعة النهار، ~~أوتكذب ما صدقه العيان، ثم قال: أين أنتم من الحكمة المقدسة، والحكمة الذهبية، ~~والحكمة العالية، والحكمة الزاهرة، والحكمة الجميلة، والحقيقة المحزنة؟ فقلت: وما ~~الحكمة المقدسة، والحكمة العالية، والحكمة الذهبية، والحكمة الزاهرة، والحكمة الجميلة، ~~والحقيقة المحزنة؟ # الحكمة المقدسة # فقال: لقد ضل أكثر الفلاسفة والسواس في أرضكم، إن للناس شهوتين، إحداهما ~~للطعام والشراب، والأخرى لحب الزواج، ثم شهوة الغضب حافظة لهما، والعقل مدير ~~للجميع. # يا عجبا لهذه الحكمة، المعدة بها الحياة من الولادة للموت، إذا عدمت عدم ~~الحيوان، أما حبه للزواج فإنما يستطير شرره، ويظهر أثره، إذا تبدى نور الشباب، ~~وازدهرت أزهاره، فبهر الجمال، وضاء أنواره. # ولا شوق للزواج في حالي الصغر والكبر، فليس له في الحالين من خبر، فشهوة الطعام ~~للحياة، وحب الزواج لبقاء الأنواع لا الأشخاص، كيف لا وقد عاش الخصيان بدونها، وبقي ~~العنين والمجبوب ولا أثر من تلك الشهوة عندهما، ولا خامر حب الاقتران ~~قلبهما. # وهل يعيش المرء بلا معدة؟ كلا. فقلت في نفسي: يا رب، ما هذه المقدمات؟ وما ~~علاقتها بسياسة الأمم؟ لا جمال إلا حيث مظنة الحمل، فإذا ضعفت غاض ماء الجمال، ~~وأعقبه نور الجلال، حب الزواج تسخير للناس في المنافع العامة، ألا إنما يخدمون ~~غيرهم، ويضعون في الأرض أمما تخلفهم، ويا عجبا كيف استحالت الشهوة والعشق جيوشا ~~وجنودا، وعظماء وقوادا! إن الناموس الطبيعي سخركم، بل سحركم لفعلين اثنين، حياة ~~أنفسكم، وحياة غيركم المسمين بالبنين، أعمالكم إذن نصفان، نصف لكم، ونصف لغيركم، ~~وأنتم مدفوعون مرغمون بقاهر يسمى حب الزواج، ولم تحرصوا على هذا إلا حيث صح منكم ~~الولد حال القوة، فكان لغيركم لا لأنفسكم مقصودا. # ليس حب التناسل مقصودا ms127 لذاته كالسماع، فسماع الأغاني محبوب لجماله، وسر الاقتراب ~~والشهوة مرغوب لإنجاب البنات والبنين، ألا إن لذة الإنسان بها سياسة قهرية، وشهوة ~~سخرية، إنكم تخدمون الأبناء لنفس الأبناء، ولا حظ في الحقيقة للأمهات والآباء إلا ~~الفضيلة العالية، والهمة الراقية، إذا قصد أحدكم منفعة نفسه من ابنه، فذلك لضعف ~~فطنته، وقلة خبرته، ألا ترى الدجاجة والحمامة وسائر الحيوان يخدمن أبناءهن، ولا ~~يبتغين المنافع منهن، إنهن يسعين في مصالحهن لنفس الذرية، لا للمنافع الذاتية، ~~وكثير من الناس يموتون قبل أن ينالوا حظا من أبنائهم. # فالقضية الصادقة: أن الحيوان والإنسان يخدمان الأبناء لنفس الأبناء وسعادة ~~الذرية. # الأمة كإنسان، وجمعية الحيوان كحيوان، قد ألفت الغربان جمعية، وكلاب البحر قرية، ~~والنحل والنمل لها نظامات حسب حاجتها، جماعات جماعات، على مقدار حاجتهن، فعمل ~~الواحد في النمل والنحل للمجموع كعمله لنفسه، الإنسان اليوم لم يرتق عن الحيوان في ~~الجمعية ، وإذا كان الحيوان ساعد أبناءه ونظم جمعياته، فما امتياز الإنسان عن ~~الحيوان إلا الخدمة العمومية للجمعية الإنسانية. # لو أن الأمم عرفت استعداد الإنسان لخدمت الأمم كلها خدمة واحدة، ولعملت لأنفسها ~~قسطا ولغيرها قسطا، كما رأينا الفرد يعمل لنفسه نصفا ولغيره المسمى ابنا نصفا ~~آخر، غفل الناس غفلة عظيمة. # أواه، يا ليتهم قرءوا علوم النحلة، هذه النحلة الصغيرة الضعيفة اندمجت في مجموع ~~الكوارة العسلية، ودخلت في زمرة الجمعية، فتصور أنها كبرت فصارت إنسانا وأعطيت ~~مواهبه، وأخذت في الكون مراتبه، فأقسم بالعلم وشرفه، والفضل وتاجه، إنها تكون جمعية ~~كلية، في سائر الكرة الأرضية، ولكانت خير من عمر الأرضين، ووالله يا بني الإنسان، ~~إن لم تقلعوا عن أعمالكم، وترجعوا عن غيكم، لتبتلعنكم الأرض أجمعين، ويخلفكم ~~عليها قوم آخرون، فلستم للخلافة صالحين، ولا في عمارة الأرض بمصلحين. # ألا لا ينتظم حال الإنسان، إلا بمثل هذا الميزان، الأمم اليوم جاهلة، يعوزها ~~الحكماء المصلحون، والقادة الراشدون، ولمثل هذا فليعمل العاملون، فلما أتم مقالته ~~سألته: وما الحكمة الذهبية؟ # الحكمة الذهبية # فقال: ألستم مغرمين بالفضة والذهب، عاشقين لجمالهما، هائمين بحسنهما ونضارتهما، ~~وحسن نقشهما، ورقشهما؟ فقلت: بلى. فقال: ms128 أوليست الشمس أنضر وجها من الدينار ~~والجنيه، وأبهى ضوءا، وأبهر لألاء، أوليس القمر والكواكب أحسن أشكالا وأجمل ~~بهاء وأزهى نورا من الفضة وبريقها، فكيف استبدلتم حب الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ ~~فتعجبت من هذا الاعتراض البديهي البطلان، وقلت: يا ليت شعري، أي هاوية أراد أن ~~يقذفني فيها، وأي حفيرة يرديني بقاعها. فقلت له: ما عشقنا جمال الذهب الشمسي، ولا ~~بريق الفضة القمري، وإنما هيامنا بمنافعهما، وقضائهما حاجاتنا، وكم جميل ظاهره ~~نبذناه إذا ساء مخبره، فنحن إن راقنا جمالهما فذلك لمعنى مخبوء فيهما وجمال باطني ~~مغطى بسناهما، ولقد جرت العادة أن الجمال الظاهري يغلب أن يصحبه الجمال الباطني، ~~ففي أكثر الأحوال، جمال الشكل دليل الاعتدال. فرأيته يتهلل وجهه، ويشرق سناه. فقال: ~~إذن أنتم لا تحبون الأشياء إلا لحقائقها، ولا تراعون إلا فضائلها؟ قلت: نعم. ~~قال: كلا والله، لم تصلوا قرب الكمال ، ولا تزالون عن الحكمة مبعدين، وعلى الجهل في ~~الحب عاكفين، يا هذا، إن الفرس ليحب من قدم له العلف أكثر من حب سيده الذي اشتراه، ~~وأغدق عليه النعم وواساه، وإذا قذفت الكلب بحجر أخذ يعضه ويعاقبه لقصر نظره وضعف ~~فطنته، لقد قلت إنكم تحبون النقدين لقضاء الحاجات، فممن تقضون حاجاتكم، ومع من ~~تستبدلون نقودكم؟ # فقلت: مع أفراد الإنسان. فقال: وماذا تشترون؟ فقلت: الأغذية النافعة، والملابس ~~الدافعة، وغيرها مما له الحاجة داعية. فقال: ومن يصنع ذلك؟ فقلت: الإنسان، بالعلوم ~~والعرفان. فقال: إذن المحبوب في الحقيقة نوع الإنسان. ما أجهلكم! لو لم تكن العلوم ~~والصناعات العامة في الإنسان، فممن تبتاعون، لولا الإنسان ما كان للنقدين معنى ~~معقول، ولا لقضائهما حاجاتكم سبيل مسلوك. # يا هذا، أحببتم الذهب، أحببتم منافعه، أحببتم ما ينفعكم، أحببتم عمل الإنسان، ~~أحببتم الإنسان، من كره الإنسان فقد كره عمله، كره ما ينفعه، كره نفسه، ومن أجهل ~~ممن أبغض نفسه. # ألا إن ذلك نقص شائن، وجهل فاضح، وعذاب أليم، وتناقض غريب، أين المناطقة، أين ~~الفلاسفة، أين الحكماء، أين العلماء، أين العقول، قد ثبت بالبرهان أن الأمة من ~~أممكم تحب ms129 نفسها وتكرهها، وهذا التناقض أمره عجيب، نظركم قصير وعقلكم ضئيل. # الذهب والفضة سحاب حال دونكم ودون شمس الإنسانية، فالإنسان معشوق الإنسان، ~~الإنسانية شمس أضاء نورها في الخافقين، فحجبتها سحب الطمع، وكسفتها بدور الفضة، ~~وغطاها النضار. المحبوب من الشمس ضوءها، ومن الإنسان علمه وعمله، فإن رأيتم أن ~~تكونوا أحرارا، فلا تعبدوا درهما ولا دينارا، ولتعلم أمة أمة العلم والحكمة ~~والصناعة إعلانا وإسرارا. # حبكم الذهب والفضة رمز عجيب لسر غريب، رمز لكم كي تحبوا من تعاملون، كما أن حب ~~الزوجين رمز لما سيكون بينهما من ولد محبوب، ونسل مرغوب. فما أحبت الفتاة الفتى، ~~ولا هام الفتى بالفتاة، إلا لمعنى مستور عنهما، ونور واضح في جباههما، ألا وهو ~~الولد، الذي خبأه القدر هناك، وطواه الغيب وأسدل عليه الستار. فإذا قبل الوجنتين ~~فإنما يستخرج بفيه ما كنزته الحكمة في الجثمان، من الإناث والذكران، ثم يبقى بين ~~الزوجين صافيا لا شية فيه، وحقا لا باطل يعتريه، ونورا لا شهوة تخالطه، إذا ~~داما أزمانا، وأنجبا أولادا. # هكذا فليكن حب النقدين. فالمحبوب بالتحقيق ما وراءهما من نوع الإنسان، وتحليه ~~بالعلوم والعرفان، أفليس من العجب أن تجمعوا بين الضدين، وتسلكوا سبيل النقيضين، ~~تحاب الزوجان، فولدا الغلمان وعمرا البلدان، فلتتحاب الأمم الإنسانية، ليلدن ~~سعادة الإنسان. # فلما فرغ من مقالته أجبت: إن نوع الإنسان متحابون، وإذا تجاذبت الكواكب بأجرامها، ~~وعشقت السيارات الشمس، والأحجار وكل ما فوق الأرض عشقتها وانجذبت إليها، فإن عشق ~~الإنسان للإنسان روحي معنوي، ولا جرم أن عشق الروح أرقى من عشق الجثمان. فقال: هذه ~~أقوالكم المعروفة، ولكن أين الأعمال؟ إنما تحاب الأفراد يعطي الأمم وتحاب الأمم ~~يمنح السعادة. # فقلت: وما الحكمة العالية؟ # الحكمة العالية # فقال: «النحلية»، انظر يعسوب النحل، كيف يدبر النحل في بيوته الشمعية، وقصوره ~~العسلية، لذريته الكامنة في البيض المفرق على البيوت، وما يصنعه من اصطفاء ألذ ~~العسل وأنقاه، وأخلصه وأشهاه، وأحسنه وأبهاه، للذي سيكون ملكا للذرية، وكيف خصص له ~~خدما وحشما، وجعل له من العناية والرعاية ما ليس لسواه من السوقة والرعايا، من ~~الخناثي ms130 والذكور النحلية، التي لكل بيت من بيوتها نحلة واحدة تخدمها، وعسل معد ~~لحياتها. # كل ذلك يفعله النحل وأنتم عنه غافلون، وهل ذلك لشهوة من الأبناء يبتغيها، أو ~~ثمرة يجتنيها، أو حاجة يقضيها؟ كلا والله، فعل ذلك بغريزته، إنه عبرة لكم وتعليم، ~~الإنسان أضعف في ذلك غريزة، وأكبر عقلا، فهلا رفع نفسه إلى مرتبته، وترقى إلى ~~درجته، فاعتبر كل أمة من أممه شخصا، وحلت الأمم في الإنسان، محل الأفراد في ~~الحيوان، وحاطت الأمة غيرها برعايتها، وعطفت عليها عطف النحلات على أبنائها، وإلا ~~فما الفارق إذن بينكم وبين النحلات، تلد وأنتم تلدون، وتربي وأنتم تربون، الفرق ~~أنكم أوسع إدراكا، وأرقى شأنا، فلتربوا الأمم كما تربون الذرية، وليكن سائر ~~الإنسان على سطح الكرة الأرضية، ككوارة واحدة، وإلا فلتكبروا على عقولكم أربعا ~~لوفاتها. # النحل بلغت النهاية في الرعاية، ورقت أعلى صفة في الهندسة، ووكل لغريزتها تشكيل ~~أبنائها، وبناتها، ونظام ذريتها. والإنسان حرم هذه الغريزة، ومنع هذه الفضيلة. ~~وتكفلت الفطرة بتشكيل الذكران والنسوان، ونظام عددهما، وتقارب مقدارهما، وقيل ~~للإنسان: ضع كل امرئ في درجته، وأقم كل أمة فيما أعدت له. قسمنا لك الذكران ~~والنسوان، وعدلنا في تعدادهما، وتقسيم الغرائز النافعة على أفراد نوعهما، ففتش عن ~~الغرائز، وابحث عن الطبائع، واستعن بكل من الأفراد والأمم على ما خصص له بفطرته، ~~وما هيئ له بغريزته، تقول الحكمة الإلهية للإنسان: وكلنا للنحل أمر بدايته، وعليها ~~أعناه، ولم نبح له أن يتخطى حدها ويتعداه، وقد أحكمنا لك أمر البداية، فتول أنت ~~شأن النهاية. فقلت له: وما الحكمة الزاهرة؟ # الحكمة الزاهرة # فقال: لقد أحسن علماء التشريح والنفس، عرفوا تقسيم الأعمال الإنسانية، والحركات ~~الحيوانية، فألفوها موزعة على أجزاء المخ، منظمة مرتبة، والناس عنها غافلون. # للعين مرآتها في مؤخر الدماغ، وللأذنين مرآتاهما في الصدغين متخالفتين بحيث ترتسم ~~آثار الأذن اليسرى جهة اليمين، وآثار اليمنى جهة اليسار. # عرفوا أن أعصاب الحركة أقرب إلى المقدم والجبهة حول الشق الداخل في الدماغ، الذي ~~اكتشفه العلامة «رولاندو» الألماني، ومعها الأعصاب المحركات للسان، أدركوا كيف كان ~~للغات ms131 لوح منقوش نحو وسط الدماغ، وللحروف المكتوبة لوح محفوظ نحو أعلاه، لوح الكتاب ~~مخلوق وهو عند العامة غير مكتوب، وعند المتعلمين مكتوب. # كل ذلك عرفه العلماء بالتجربة، وأدركوه بالتمرين، هكذا بحثوا في أنواع الحيوان، ~~من سمك يعوم، وحمام يطير، وصقر يصيد، وقرد ذي تقليد، وإنسان ذي بيان. # لو زل المخيخ الذي خلف المخ لاختل سير الإنسان، وزاغ، ودار على نفسه في مشيته، ~~وضل في أعماله. رتبت أحوال الإنسان على الدماغ، فمؤخره لنظام العين، ومقدمه لسائر ~~الحركات، عجب عجاب، حقيقة أدركها الطبيعيون، فيا ليت شعري، ماذا فعل الحكماء ~~والسياسيون، أنتم والله نائمون غافلون. # يا حكماء الأمم، ماذا فعلتم، ماذا أدركتم، ماذا فهمتم، حرام عليكم حرام، لكم عقول ~~فأين نتائجها، وآذان فأين مدركاتها، وأبصار فأين غاياتها، الإنسان غافل نائم ساه ~~مسكين. يا حكماء الأمم، يا عظماء الرجال، خبروني أليس الإنسان كله كشخص واحد ؟ وهل ~~الفطرة التي نوعت الأعمال في الدماغ، ووزعت الإدراك، والحركات على أنحاء المخ، يغفل ~~مبدعها، ويأنف صانعها أن يقسم الأعمال الإنسانية، على سائر الآدميين، من سكان الكرة ~~الأرضية؟ # جهل الناس! إن جهل أمة، أو ضعفها، راجع بالضعف على الباقين، إنما الأرض ~~كالجمجمة، والناس على سطحها موزعة عليهم الأعمال، توزيع القوى على سطح الدماغ، ~~تعاونت قوى الدماغ، فهل تعاونت الأمم على أديم الأرض تعاون قوى الدماغ على ظاهر ~~المخ، ألا إن الناس صالحون فرادى، ضالون جماعات. فقلت: وما الحكمة الجميلة؟ # الحكمة الجميلة # قال: وهل أتاك نبأ الحكمة الجميلة، والجوهرة البديعة، واليتيمة الفريدة؟ إن الناس ~~يحبون من أغدقوا هم عليهم النعم، وليس المنعم عليهم بأشد حبا لمن أسداهم المعروف ~~من المحسنين لهم. فقلت: أوضح المقال. فقال: الوالد والمعلم والحكيم والنبي أشد ~~حبا للولد وللمتعلم وقارئ الحكمة والمؤمن من الآخرين للأولين. فقلت: زدني ~~إيضاحا. فقال: الوالد يحب ولده أكثر من حب الولد له، وهكذا المتعلم مع الأستاذ، ~~وسائر المحسنين، ألا ترى أن أولئك المحسنين يرون في إبقاء صنائعهم إحياء لمجدهم، ~~وتخليدا لذكرهم، وشرفا عظيما لهم، ولا جرم أن رب الدين يحب بقاء ms132 المدين ~~ليستوفي دينه. # ألا إن أولئك أشبه بالمدينين، والأولون أشبه بالدائنين. ولو أن الأمم عرفت النافع ~~والضار لأحبت بقاء جاراتها، وسرها تعميرها الأرض، ورقيها وحضارتها، لا سيما إذا ~~أدركن ما بينهن من التضامن في المنافع، وعملت كل منها لغيرها عملا مقصودا بالذات، ~~مخلصة في نفعها، دائبة على إخلاصها، فيصبح الناس أجمعون محبين محبوبين، وترى كل أمة ~~محسنة لغيرها مدينة لها، ولكن أكثر الناس لا يحبون إلا بالرياء، ولا يعملون ~~لسواهم إلا وهم يخادعون. فقلت: إن الإنسانية سائرة على هذا النهج القويم، ~~فالتجارة متبادلة، والحياة مشتركة، والصنائع موزعة، والأسواق آهلة نافعة، والمدارس ~~عامرة. فقال: كلا، ولكنها الحقيقة المحزنة. فقلت: فأفدني ما الحقيقة ~~المحزنة؟ # الحقيقة المحزنة # قال: الأمم الإنسانية اليوم تحسن لغيرها طمعا في ابتلاعه، وحبا في اقتناصه، ~~فعلها مع الشياه المعلوفة، والبقر السائمة، والجمال السارحة، يربي الرجل الشاة ~~ويذبحها، فيذهب شرهه برحمته ، وحرصه بشفقته، وطمعه بعطفته، قد غلبت شهواته رحماته، ~~وأمات حرصه وجدانه، إذا ساغ هذا مع الشياه فكيف يسوغ مع الإنسان. # هكذا فعل مع الإنسان، وقرنه في عقله مع الخرفان، فلا فارق عنده بين الحيوان ~~والإخوان، وإذا أطعم أخاه فإنما يطعمه ليكون له طعاما، والأمم الراقية لا تمتاز عن ~~الهمجية في هذه القضية، فإن خدموا غيرهم، وأصلحوا أرضهم، وساعدوا أبناءهم فإنما ذلك ~~ليكونوا لهم مسخرين، الخراف عندهم والإنسان سواء، جهل الناس عقولهم، وإذا اجتمعت ~~طائفة من العقلاء وتشاورت، فإنما يتبعون أخس الآراء، كمثل السباع الضارية، ذلك لأن ~~كل فرد يسند الرأي للمجموع ويحمل بهم على الجموع، إن الإنسان لظلوم كفار ~~جهول. # ثم أومأ إلى غلمان وراءه، وكلمهم بما لا أفهم، إذا كتاب مطبوع بالتصوير الشمسي ~~بحروف إنجليزية، وهو كتاب اللورد أفبري # The Peace and ~~Happiness # فأراني في صفحة 292 عبارة في فصل تحت عنوان # The Peace of Nations # فقرأت ما ترجمته: قال أحد ~~السياسيين اليابانيين: لما كانت اليابان لا تهتم إلا بالصناعات القيمة، والفنون ~~الجميلة، والأعمال الشريفة، كانت أوروبا تعدهم نصف متوحشين، وتسومهم سوء الذم ~~والمقت أجمعين، فلما أن أهلكوا ms133 خميسا عرمرما من الروس، وأزاحوا عن أبدانهم ~~الرءوس. قالت أوروبا: إنهم قوم متمدينون، وأناسي صادقون. ثم تناول مني الكتاب، ~~وقال: وهل تريد برهانا على ضعف قواكم العقلية، وملكاتكم الإنسانية أقوى من هذا ~~البرهان. # مساكين يا أهل الأرض، إذا رجعت إلى قومك أيها الإنسي فخبرهم أنهم للعذاب معرضون، ~~وللهوان مسارعون، إذا داموا على ضلالهم المبين فتلق نصيحة السيد «جامون» بقلب ~~واع، وفؤاد حافظ، وبلغها لأهل الأرض لعلهم يعلمون. # فرجعت إذا السيد «جامون» متربص قدومي، منتظر رجوعي، فلما رآني واستقر بنا الجلوس. ~~قال: يا ابن آدم الأرضي لا تحزن، فسألقي عليك درسا فانشره بين الأمم، وقل لهم ~~ينعموا النظر وليشرحوه، وليفكروا فيه بعقولهم، ولترسله إلى مشارق الأرض ومغاربها. ~~فقلت: لك الشكر، وعلي السمع والطاعة. فقال: وإني سائلك قبل نصيحتي عن أممكم ~~العظيمة، هل داووا جراح الحرب؟ فقلت: نعم، بمحكمة «لاهاي» يحكمون فيما اختلفت فيه ~~الأمم من صغائر الأمور. فقال: وهل هذا دواء ؟ # ألا إنما مثلهم مثل الطبيب المأجور الذي لا يبالي بالمريض، إذا آنس فيه أمراضا ~~ظاهرة، لها أصل خفي في الأعضاء الباطنة، داوى القروح بالمراهم، وترك الباطن، فلم ~~يستأصل داءه، ولم يستقص أصله، ويقطع جذوره من أعماق الجسم، ذلك مثلكم. # فقلت: هناك أطباء يداوون الجرحى، من وخز الأسنة، وطعن الرماح، وفتك المدافع. ~~فقال: وما منعهم أن يقتلعوا المرض بالحكمة، والفلسفة، وهلا دعت أمة منهم العلماء ~~المغرمين بمنفعة النوع الإنساني، فاصطفت من كل أمة رجلا، سواء في ذلك أمم المشارق ~~والمغارب، لينظروا في التحاب والتواد، والتعليم العام بين الأمم. وإني سأضع لكم ~~مباحث، تدور عليها محاور أبحاثكم وآساسا تبنون عليها قصور علمكم، وتشيدون حصون ~~حكمتكم، وترفعون بنيان مجدكم، ولا أدعكم على غير هدى، وإننا الآن بما وصفنا وما ~~سنصف نريد من الأمم أن تكون كالرجل الذي يحفظ صحته بقانون حفظ الصحة، بالسير على ~~منواله، وإقامة وزن حياته، حتى لا يقع في التهلكة المرضية ولا تنتابه الأسقام، ~~إلا مما يفاجئه من حوادث الجو، فيلجأ إذن للدواء. # وخير الأطباء من نصح بحفظ صحة الأصحاء، ms134 وشرهم من تركهم وشأنهم، بحيث يتخبطون في ~~أمراضهم، حتى يدوم احتياجهم لدوائه، أكثر أيام حياتهم. ثم قال: وقد آن أن أوجز لك ~~ما أردت في مقال، أخاطب به أمم الأرض أجمعين. # الفصل العشرون # | وهو خلاصة الكتاب # في بيان استخراج السلام العام في الأمم من النواميس الطبيعية، والنظامات الفلكية والفطر ~~الإنسانية، وبنيان السياسة على أساس الطبيعة، وأن مدنية اليوم حيوانية، ودعوة الناس ~~للإنسانية الحقيقية، وبيان أن الإنسان لم يفهم إنسانيته، وخطاب موجه لفلاسفة الأمم، ثم ~~نوابها وملوكها، يدعو الأولين لبحث هذا الموضوع، والآخرين للتعاون على العمل. # قال السيد جامون: «النوع الإنساني أرقى أنواع الحيوان بعقله، أفلا يحب أن يكون أرقاها ~~نظاما، وأعدلها دستورا، وأعمها مدنية، ولكنا وجدناه لم يزل في طفوليته في النظام، ولم ~~يرتق عن النمل في السياسة ففيه السادة والعبيد. وأرقى الأمم في المدنية بحسب عرفكم اليوم ~~تضارع أنواع السباع والصقور في سيطرتها القهرية، بسلاحها لا صلاحها. مجموع النوع الإنساني ~~اليوم قسمان: سادة كالحيوانات المفترسة، وعبيد كأكالة الكلأ والحشيش، وأهم نظريات أكابر ~~الأمم القائدين لغيرهم أربع: (1) العقول الإنسانية يجب أن تخدم القوة الغضبية. (2) بالقوة ~~الغضبية والسلاح يقهرون غيرهم. (3) ثم يربونهم كالأنعام يتخذون أصوافها وألبانها. (4) ~~الشهوات تغشي على العقول فتسلبها الشفقة والرحمة على الضعفاء كما سلبها ذابح الحيوان ~~لأكله.» # قال أرسطو قديما: يتميز الإنسان عن الحيوان بنظره في العواقب، ولم يخالفه فلاسفة ~~الأوروبيين والأمريكيين، ونحن نبين ماذا فعل بعقله أولا وبم امتاز. # إن عقل الإنسان زاده أرجلا يمشي عليها، وهي آلات النقل، كالترام والسيارات، والقطارات ~~والبريد والسفن العظيمة، وأطال أظفاره الضعيفة، بما يلائم مخالب السبع، ويزيد عليها، من ~~الرصاص والمدفع والأساطيل والجنود المجندة، والسفن الغاطسة، والدوارع السابحة والقباب ~~الطائرة المسلحة، وأناله سواعد أخرى بآلات الحرث والزرع والبناء وما أشبهها، وأنبت له ما هو ~~كأجنحة الطير، من القباب الطائرات وما أشبهها، وهل زاد الإنسان بهذه القوى المسخرة له ~~بابتداع العقل إلا شهوات بهيمية، أو قوى غضبية، ولم يعرج على الإنسانية، ولم يمدها عقله ~~بالسلام أيما إمداد. # الإنسان دائر في الدائرة الحيوانية، ms135 ونسي أنه إنسان، أنا لا أفهم ما أمتاز به عن الحيوان، ~~ولا أدري، أين مدنيته وهل تحققت. # كان الإنسان يحبو كالطفل على الأرض، فاكتشف البخار، فانتصب قائما يمشي بالقطار، وبه قطع ~~الكرة، وها هو استنبت له الجناحين ليطير في الهواء، وهل بعد هذا إلا البحث عن المدنية ~~والإنسانية، أين هما، وكل ما اكتشفه لا يغني عنهما شيئا، وما معرفته للعواقب بممتازة ~~كثيرا عما ركز في نفوس الطيور الطائرات، والحيوانات السارحات، والحيتان الغاطسات، من ~~تدبيرها بيوتها وتربيتها أولادها، وحفظها جماعاتها، إلا امتيازا نسبيا، ليس يحل ~~الإنسان المحل اللائق بمقامه إلا متى دبر المجموع الإنساني المجموع الإنساني. # إن نظر الأفراد في مستقبلها، والأمم في شئونها الحالية والمستقبلة، يشارككم فيه أكثر ~~الحيوان. ومتى تولى المجموع تدبير المجموع، ظهر معنى الإنسان وتجلى للعيان، ثلث هذا النوع ~~رشيد، وثلثه نصف رشيد، وثلثه غارق في بحار الجهل، ويحاول الأول اتخاذ بعض الثاني، وجميع ~~الثالث كالحيوان، إذ يتخذون من جلودها صوفا ومن ضروعها ألبانا، وطوائف هذا الفريق فيما ~~بينهم دائمو العداوات، لما لهم من القوى المتكافئة. # وإني ليجدر بي أن أطرح على بساط البحث بين فلاسفتكم وحكمائكم من جميع الأمم الأرضية، على ~~اختلاف نحلهم، وأجناسهم ومللهم، هذا السؤال، أيهما أنفع للثلث الأول الرشيد، أيكون الثاني ~~مثله في الإنسانية يعاونونه، أم تتنزل ملكاتهم، إلى دركات الحيوانية؟ فإن كان الأول أنفع، ~~وثبت بالبرهان، فلا مناص لملوك الأمم، وقادة الشعوب، من السير على منواله، وإن كان الثاني، ~~بقي النوع الإنساني على ضلاله إلى الأبد. # ليس يحل المشكل الإنساني، إلا ناموس الوجود، وقانون الطبيعة. من حاد عن فطرة العالم في ~~سياسته، حاق به العذاب. كل شيء سائر بنظام حسن، ألا ترى دوران الكواكب بحساب لا يتغير، وسير ~~النواميس الطبيعية بنظام عجيب، وهكذا غرائز الحيوان، كنسج وهندسة النحل، وسياسة النمل، ~~وجمهورية كلاب البحر، أفلا يكون لهذا النوع ناموس لراحته، ونظام لم يكتشفه للآن، وربما كان ~~حاضرا لديه، يراه في غدوه ورواحه، وهو مع الغافلين، كما كان يرى البخار صباحا ومساء ~~والناس عنه ms136 ساهون. # فلننظر في هذا الإنسان، نجد جسمه منظما، معتدلا، فطوله ثمانية أشبار بشبره، وإذا مد ~~يديه إلى الجانبين، كان طوله كعرضه، هكذا سائر أعضائه بميزان عجيب. وأكثر الحيوان والإنسان ~~تولد بحواسها الخمس، إلا النادر جدا، كما ندرت مدارس الصم البكم والعمي. # أفليس هذا الوضع دالا على حكمة عالية، غرست في نفوسكم كل ما تحتاجون، حتى تتم سعادتكم ~~في الحياة بنظام، كما كملت أجسامكم، ونظمت حواسكم. والعناية التي نظمت الأعضاء والحواس لا ~~تغفل عن تنظيم القوى والملكات. # أوليس من العجيب أن يمتد النظام إلى ما هو أعم من نظام الأجسام، فارتقى إلى نظام ~~مجموعكم، فإنا نرى الذكران والنسوان في المواليد على سطح الكرة الأرضية يكادون ~~يتساوون. # وما الزيادة النادرة، أو القليلة في النوع، إلا كعدد الصم البكم منكم، وإن زيادة نحو ~~خمس عشرة امرأة في إنجلترا في كل ألف رجل وامرأة أثقل كاهلها، فأنت وشكت، وبكت، في هذه ~~الأيام، ومن عجب أن قاعدة الذكران والإناث لم تخطئ في بلدة، أو إقليم، أو جيل، ولو أنها ~~أخطأت مثلا عشر سنين لأخذ الإنسان في الانقراض، ولو أخطأت خمسين سنة، لذهبت الأمم، وبادت، ~~ولكنا نرى ذلك مضطردا أبدا، وما سمعنا انقراض الذكور أو النسوان في أمة، بل الميزان ~~العمومي في العالم دائم الوزن، ولا جرم أن ذلك وضع للحياة المشتركة. # ولم يقف عند هذا الحد، بل تعالى إلى الملكات والقوى فجعل استعداد العقول موزعا حسب ~~الحاجة كما في الذكور والإناث، وترى الشعراء المطبوعين في أممهم قليلين، وكذا الفلاسفة ~~والموسيقارون، والبارعون في الجمال وحسن الصوت، وترى عشاق العلوم المغرمين بها ينبتون في ~~الأمة حسب حاجتها، كالمستعدين للصناعة، والزراعة، والتجارة. # وكما أننا نجد طولا وعرضا في الجسم بمقدار محدد للمصلحة، وأعداد الذكران والإناث كذلك ~~في الإنسان والحيوان والنبات، ولم يكن من خطأ فيها إلا عرضا، ونادرا، فهكذا استعداد ~~العقول للفلسفة، والموسيقى، أو السياسة العامة، أو العلوم الصناعية، فالفطرة منبثة في ~~النفوس بذورها حسب الحاجات قلة وكثرة. # وكما أن الأمم الوحشية لم تفقد الذكران أو الإناث حتى ms137 تقترض لهم أناسا من أمم أخرى، ~~ليسدوا عوزهم للاقتران، فهكذا يخلق لكل أمة ما يلزم لسد عوزها على حسب حاجتها، فالمستعدون ~~للأعمال العالية الأقلون، وأهل القبول للحرف المختلفة والعلوم والمعارف يكثرون. # أما آن الأوان لاستثمار ما استكن في الأرواح الإنسانية، وما ذراه الله في العقول، من تلك ~~الفطر المودعة في الثلثين الضعيفين من النوع الإنساني. # أفليسوا إذا تركوا وشأنهم، أو تعمد إخماد نار جذوة أفئدتهم ينحطون إلى درجة البهائم، ~~ويخسر الراشدون من النوع الإنساني مواهب ونفوسا لو سقيت ماء العلم، وأحيطت بسور من الرحمة، ~~لشاركتهم في استخراج كنوز الأرض، واستدرار بركة السماء، واستنتاج خيراتهما ومواهبهما ~~المخزونة فيهما. # وكما وزعت الحرف والصناعات والعلوم بقدر الحاجة، فهكذا قسمت أنواع الخيرات على بقاع ~~الأرض، فلكل تربة حظ صالح من المنافع لا ينجع فيها سواه، فهذه معدنية، وتلك زراعية، والأخرى ~~جبلية، وغيرها ذات غابات. # إن الراشدين من الأمم سلطوا غضبهم السبعي على إخوانهم في الإنسانية الضعفاء، ولم ينموا من ~~عقولهم، أو يستثمروا من أرضهم، إلا على مقدار منافعهم وخسروا هم أنفسهم ربحا كثيرا، ~~خسروا مودة إخوانهم، وراحة بالهم، والفطر المودعة المدفونة في نفوسهم، والمنافع الكامنة في ~~الأرض المرهونة على بروز فطر زراعها، حتى تفيض عليهم على مقدار ما ظهر من مواهبهم، وعقولهم ~~وقدرهم. # سخر الإنسان الحيوان أحقابا، وأنزل عليه من سوط عذابه، وجهنم غضبه ما أرهقه ألوانا، ثم ~~اكتشف البخار، والكهرباء، فأنالاه بعض الراحة، وفرح بما أوتي من النعمة، نور عظيم، وثمرة ~~وفيرة، أثمرها ثلث عقل الإنسان، فما يكون حالها إذا ما عقل القسمان الآخران، وجاءت قاعدة ~~التضعيف في الفائدة الناجمة من تربيع الثلاثة الأقسام، فلا جرم تثمر بقاع الأرض تسعة أضعاف ~~ما لدينا اليوم، وإذا استخرج ما في الأرض من منافع وثمرات بهذه العقول كانت النتائج أضعافا ~~مضاعفة بالتربيع. # فلا جرم أن بين نواميس الكائنات الطبيعية، والمسائل الاقتصادية، مناسبة تامة، فتربيع ~~حركات الأحجار الساقطة من أعلى الجبل، قد تتخطى إلى ثمرات الأعمال الإنسانية إذا ازدوجت ~~وائتلفت، وليست ثمرات العقول المتحدة على الأعمال على ms138 وزان ما أثمره العقل الواحد، بل إنما ~~يكون بنسبة تربعية، فإذا كان للواحد ثمرة فلثلاثة متحدة تسعة، وعلى وزانه ثمرات الأرض، ~~ولسنا نطلب المحال من الأمم من إغماد السيف، وكسر المدفع، ولكنا نقترح أن يكون لجنود العقول ~~المجندة في ساحة القتال الاقتصادي، الغاديات الرائحات في تدبير الأمم والممالك لجنة دائمة، ~~تضيء حالكات المشكلات، وتفسر لهم الحوادث، وتلتقط من تلك الساحات مرضى الآراء، فتنقلها إلى ~~مستشفياتها العلمية والفلسفية، كما تفعل جمعية الصليب الأحمر في ساحات الحروب الجسمية، ~~والميادين الحربية، وهذه أهم مباحث تلك اللجنة: ~~(1) # هل قوى نوع الإنسان موزعة عليه توزيعا حسب الحاجة كما في الذكورة ~~والأنوثة؟ ~~(2) # هل المنافع موزعة على سطح الكرة الأرضية توزيعها على العقول؟ ~~(3) # أيهما أنفع للأمم الرشيدة أتسير على منوالها المرسوم ولا تتجاوز في سياستها ~~أصغر الحيوانات كالنمل أم تعدل عنها إلى شرفها وإسعادها وصداقتها؟ ~~(4) # إذا كثر تعداد أمة أفلا تعطى أرضا من بلاد أخرى بمقدار نموها . ~~(5) # أيحسن أن تحصى أراضي الأمم العامرة والغامرة. ~~(6) # أوليس من الجهل الفاضح أن تصرف قوى الأمم إلى قتال أنفسهم، ويذرون محاربة ~~الطبيعة لإخضاعها! أوليس من الواجب أن يوضع ناموس عام لإصلاح الأرض في كل أمة، ~~وتمدين الشعوب التي هي نصف رشيدة، والتضافر بعد ذلك على إصلاح الباقي من الأمم، ~~طوعا أو كرها، ثم يبين مقادير ثمرات العقول الخامدة، إن أوقظت من غفلتها، ~~وقامت من سباتها وأشربت العلم والحكمة! وما مقادير فوائد الأمم الرشيدة ~~منها؟ ~~(7) # أليس سعادة الإنسان في أن يكون ذا ملكة في فن خاص تضارع غرائز الحيوان كنسج ~~العنكبوت وهندسة النحل، فإذا وصل النوع إلى هذه الملكات، فما مقدار الفوائد إذ ~~ذاك؟ ~~(8) # الدول اللاتي تربح من إضعاف غيرها وجهله، فما الذي يجب أن يستعيضوا عن الربح ~~بدل ما فقدوه، وهل يحكمون العقود فيستديموا بعض تلك الثمرات؟ # هذه أهم المباحث التي يتناولها أطراف البحث في هذا الموضوع العام حتى يخرج النوع الإنساني ~~من أزمة الهلكة، أوليس الإنسان اليوم معاقبا على جهله بهذه القواعد! أوليس الهلع في ~~الممالك واستعبادها وإضاعتها أموالها أحزانا ms139 وآلاما وضياع قوى وفوات ثمرات، تضاهي مضاهاة ~~حقيقة تلك المواهب المسلوبة من الأمم الضعيفة والأراضي الغامرة، في أنحاء الكرة ~~الأرضية! # ولإيضاح هذا نقول: إن الله أفاض على الإنسان عقولا، وأوسع له الأرض، ولن ترضى تلك العروس ~~الجميلة الولود إلا إذا تزوجها كفء كريم، وهل يكافئها أحد إلا العقول الإنسانية كافة ~~على سطح الكرة الأرضية، كما كان الرجال جميعا كفوء النساء عموما وكانوا عددهن، فانتظم ~~نسلهم، ولعمرك ما قام بعمارتها إلا ثلث الإنسان الرشيد، ثم أخذ يضعف مواهب كثير من الأمم ~~وسخرها لإرادته، وقهرها لسطوته، فساموهم الخسف، وأصلوهم نارا حامية، فاستثمروا نصف عقولهم، ~~وبعض منافع أرضهم، فأجدبت منهم عقول وأراض كثيرة، وغرائز كامنة، فكان العقاب والجزاء مقدرا ~~بالذنب، جزاء وفاقا. # وذلك أن منهم فريقا يتربصون الحرب كل آن، ومقدار كبير من ثروتهم يصرف على قواهم ~~الحربية. # وما مثل الأمم الرشيدة والضعيفة إلا كمثل رجل أمسك بذراعه الأيمن الذراع الأيمن لامرأة ~~حتى لا تفر، وهي تلقمه لقيمات بيدها اليسرى. # ذلك مثل الأمم القوية القاهرة المعطلة لبعض قواها لقهر الأمم الضعيفة وإنهاك قواها، أفليس ~~الناموس العام في هذا الوجود عذب الأمم القوية، بعذاب مهين، من أخذ القوة والحيطة والسلاح ~~والكراع جزاء ما أماتوا من الأمم الضعيفة قواهم وملكاتهم. # أوليس الناموس العام تولى عقاب الأمم بنفسه، فلم يفلت منه ظالم ولا عات، أفلا تبحثون ~~في تلك النواميس عما أعدته لرقي العالم، وتشمخون بأنفسكم، وتتعالون عن هذه الحقارة والصغار ~~والتنزل إلى مرابض الحيوان، ومراتب الأنعام، ها أنتم هؤلاء استخرجتم قوى الحيوان وسخرتموها، ~~فلم تغنكم وحدها، فعمدتم إلى بعض قواكم البشرية، فسلطتموها على الطبيعة، فحملتكم وكلمتكم، ~~وخدمتكم فأرحتم الحيوان! # أما آن لكم أن تستخرجوا قواكم لتستعينوا بها على إكمال سعادتكم وتخلصوا إخوانكم من ~~الشقاء، كما تخلص بعض الحيوان، وهاكم نواميس الطبيعة التي قدمناها واضحة ظاهرة، والقوى في ~~الأدمغة موزعة على أعمال الحياة بالمشاهدة والاختبار! # أيها الفلاسفة، أيها الملوك، أيها النواب، الحقيقة واضحة، ظاهرة تلمس بالأيدي، ولكن ~~الناس لا يبصرون؛ لأن حجاب الشهوات ران على قلوبهم، والقوى ms140 الغضبية غشت أبصارهم، فلم تنجل ~~لها أنوار شمس العلم المشرقة المجللة سطح الكرة الأرضية، وكيف يجوز التغافل عن أراضي الأمم ~~فلا تزرع؟ أم كيف تغادر العقول والقوى الكامنة فلا تستثمر؟ فلئن لم يصدع بهذا الأمر الملوك، ~~ولم يفكر العلماء، فلتدهمن الأمم الدواهي الدهماء، وليصبحن في عذاب واصب، لا سيما إذا ~~حامت حوائم الموت، من خلال الطيارات الطائرات في الجو، وحلقت على عوالم الشرق والغرب حائمات ~~القباب الطيارة ترسل على الأمم الصواعق والشهب والرصاص، وتزجي عليهم المصائب، وتمطرهم مطر ~~الدمار والخراب، وأول ما يصمي به الأمراء والملوك، ولئن فطنوا لما أوضحناه اليوم، فليكونن ~~ذلك أشبه بعذر في القريب العاجل لهم، كما أنهم إن نجحوا في طلبتهم وهو الأقرب عندي كان لهم ~~إطراء المادحين، وشكر الأمم أجمعين، وبالجملة فلهم الغنم، وعليهم الغرم. # أيها الحكماء والفلاسفة والملوك، مجموع النوع الإنساني حائد عن التهذيب، حيوان مكبر، ولن ~~يصوره المصورون بأكثر من نسر بأجنحة كثيرة وأرجل تحتها عجلات ذي صوت يحيط بالكرة، له أظافر ~~حادة، إذا تصور وجود مثل هذا الطائر لم نسمه إنسانا، وإنما هو حيوان ذو خصائص واسعة، ذلك ~~مثل الإنسان. # أوليس من العار هذه الخلة في المجتمع الإنساني! أين التهذيب في الأمم؟ الأمم الرشيدة ~~بحكم هذا النظام الحيواني مضطرة أن تنيب عنها طائفة من أبنائها في الأمم الضعيفة، فلا تطأ ~~أقدامهم تلك الأرض حتى يتنزلوا من سماء مدنيتهم، وينحطوا عن الفضيلة، ويعثوا في الأرض ~~فسادا، كالحيوان الأعجم، ثم يتدربون على تلك الأخلاق الفاسدة، فتصير ملكات، فيرجعون إلى ~~أوطانهم حاملين أوزارهم على ظهورهم، فتكون بذور حناظل الرذائل، تنمو وتترعرع في خلال ~~الفضائل والمدنية، وتتسلق على أشجار السعادات الباسقات، وتمتص غذاءها فتموت، وتتغلب أعشاب ~~الرذائل على زروع الفضائل، وتنحط تلك الدولة إلى أسفل سافلين، كما اتفق للرومانيين فذلك ~~فساد الحاكمين، وهلاك المستعبدين. # النوع الإنساني اليوم كغلام مراهق جاوز سن الصبا، وهو الآن يستعد لاستكمال العقل، فتراه ~~كلما غدا أو راح يلطم بالصخر والجبل والشجر فيشج رأسه ويكسر رجله. # أفلا يكون ناموس الوجود الذي رمزنا ms141 له في صدر هذا المقال شعاعا من نور عقله وعنوانا على ~~مبدأ سعادته فيبلغ به الحلم، ويصير رجلا بعد جهله المبين، وإنسانا بعد أن كان حيوانا، ~~ألا ترى عذاب الأمم القاهرة والمقهورة جميعا بالجهل والطيش، كغلام يصيح مع الصائحين، ~~فالأولون معذبون باستعبادهم، والآخرون بحبس فطرهم وجهلهم، والغنم بالغرم، وعذاب الأمم ~~الراشدة بمقدار إذلالها لغيرها كما قدمنا. # ولا جرم أن الأمم لا تبلغ رشدها إلا إذا رفعت الأيدي الضاغطة، وأرشد الحاكمون ~~المحكومين، وصرفت القوى في المنافع والصناعات. # إذا كان الحيوان استخدم قواه كلها في صلاحه، أفليس من العار على الإنسان، أن تعطل بعض ~~قواه، تارة بالاستعباد، وطورا بالوثوب، وآونة بإخماد القوى. # أليس من الخزي هذه الأخلاق الشائنة، أين عقل الإنسان؟ أفليس بما قدمنا يزول الجدب ويقل ~~الخوف وتضاعف الثروة، وليس على الأمم في مثل تلك اللجنة العلمية الفلسفية السياسية التي ~~افترضناها من ضرر، وليست تصرف أكثر من عشر سنين في إحضار أساس المدنية وعرضها على سائر ~~الأمم الرشيدة. # فلتدع أمة من الأمم لهذا المبحث سائر الأمم ليرسلوا أكابر علمائهم المحبين لنوع الإنسان ~~ليبحثوا هذا الموضوع بحثا مدققا، ثم ليؤلف كل عالم من أولئك عند الإمكان كتابا في هذه ~~المباحث يري فيه الأمم كيف يكون الحب العام، فإذا ما وافقت اللجنة العامة على كتاب ترجم إلى ~~سائر اللغات، ويوكل لكل عالم الصورة التي بها يعممه في أنحاء بلاده، بحيث يلقن التلاميذ في ~~سائر الممالك ما يحببهم في نوع الإنسان إجمالا وتفصيلا، ويزدري أمامهم بالتشخيص أو غيره ~~الحرب والخداع السياسي، وتمنع كل أمة من ذم غيرها، والطعن في دينهم، حتى لا يكون بين الأمم، ~~أحقاد في صدور أبنائها. # ومتى تكرر ذلك صار طبعا وعادة لازمة للأجيال المقبلة، وإذ ذاك تبقى كل أمة على عاداتها ~~ودياناتها وأخلاقها، ولكل من الملاك فيها أن يتصرف في ملكه، ولكن يجب أن تكون لهم مراقبة ~~دولية، وعلى كل أمة أن تراقب عمران البلاد واستثمار الأرض وإنماء العقول، وهذه اللجنة تراقب ~~الأمم وتراقب الأمم أفرادها. # ها أنا أدعو ملوك ms142 الأمم، ونوابها العامة ومجالس نوابها، وحكماءها وعلماءها، فهل من ملك ~~رشيد أو ناد ذي فضيلة يدعو لما دعوت إليه حتى يكون أول مصلح للنوع الإنساني فلا يضره ولا ~~أمته شيء في الحال والاستقبال، ولئن لم يتم الأمر على مراد سائر الدول بقي له ذكر المصلحين ~~أمد الدهر، وكان له أثر خالد في الأمم المستقبلة، وفي ظني أن ملوك وعلماء هذا العصر يقدرون ~~هذا العمل حق قدره، فقد آن أوانه حتى تبطل القاعدة الحيوانية العتيقة التي وضعها «أبيقور» ~~اليوناني في القرون الخالية قبل الميلاد بثلاثة قرون القائل: «يبيد الأقوى الأضعف.» وشيد ~~على أنقاضها داروين الإنجليزي مذهبه، وطبقه السواس على الإنسان، فقلد السباع والوحوش، ~~ولو أنهم فطنوا لغلبوا هذه القاعدة الإنسانية، على تلك القاعدة البائدة السبعية، ولحكموا ~~بالعدل والسلام العام حتى يمتاز الإنسان على الدواب والأنعام، وهذه القاعدة نهاية بحث ~~العلماء، وثمرة حكمة الحكماء، وطلبة الأنبياء، وإني لموقن بصحة النتائج لصدق ~~المقدمات . # فلما فرغ من مقالته عجبت من حكمته، وقلت: كيف نطق الأستاذ بما وعيت، وأظهر ما أضمرت؟ وهل ~~هو غيري وهل أنا غيره؟ فتذكرت قول الشاعر: # أنا من أهوى ومن أهوى أنا # نحن روحان حللنا بدنا # فإذا أبصرتنا أبصرته # وإذا أبصرته أبصرتنا # فبينما أنا غارق في بحار هذه الأفكار إذ انفلق عمود الصباح وقال المنادي: حي على الفلاح، ~~فاستيقظت وعلمت أنها رؤيا منامية، وعلى العلماء التأويل وعلى الأمم التكميل. # فرغت من تسويد هذا الكتاب يوم الأحد السابع عشر من شهر رجب الأصم سنة 1328 الموافق 24 ~~يوليو سنة 1910 الساعة التاسعة صباحا بالمنشية بجوار القلعة. # وما علمت خبر انعقاد مؤتمر الأجناس العام بإنجلترا المناسب لهذا الكتاب إلا بعد تبييضه ~~بنحو خمسة عشر يوما في الجرائد المصرية، وكان ذلك من أعجب العجائب وأحاسن الصدف ~~والغرائب. # ومن عجب أن المؤتمر المذكور الذي سيعرض عليه هذا الكتاب سيلتئم جمعه وينتظم عقده في ~~أواخر شهر يوليو سنة 1911. # | نغمة من موسيقى الكتاب # لعلك أيها الذكي المطلع على كتابي هذا، يشوقك أن تقف على أسباب تأليفه، فأحدثك ms143 عنها لتعجب ~~من هذا الوجود، ولترى أن للإنسان في ظلمات الحياة الدنيا مناهج وسبلا تستبين ببصيص شعاع ~~يأتلق من أنجم الهدى، الطالعات في ثنايا الظلمات. # كنت أجد في نفسي دائما معاني متشابهة، وآراء متقاربة، تدور في دائرة، وتسير في اتجاه ~~مرسوم، لا تحول ولا تزول، مهما عاقت العوائق، وحالت الحوائل، وهي هذه الآيات من الكتاب ~~العزيز: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ~~ننزله إلا بقدر معلوم ~~، # وكل شيء ~~عنده بمقدار ~~، # لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها ~~، # ومن كل شيء خلقنا زوجين ~~لعلكم تذكرون ~~. # وطالما اختلج بقلبي، وسبق لذهني، فحكم عقلي، أن مسألة الذكور والإناث، وتقارب تساويهما في ~~الوجود، وتنظيم أعدادهما على سطح الكرة الأرضية، أجل دليل، وأقوى حجة، وأسطع برهان، وأحكم ~~قول، على أن هناك غرائز لو كشف الناس عنها الحجاب، وأبرزوها للعيان، لصلح حال البشر، كما ~~تراه في الكتاب. ~~••• # بدأت أولا في تحقيق الميزان والقسط والنظام والعدل في العالم المشاهد، وعولت في الأكثر ~~على المحسوسات، ولم أشأ أن أقرأ الحكمة إلا بالقياس على المشاهدات، ولا أدرسها إلا مع ~~النظر في المخلوقات. # النظام في كمية المادة وتركيبها وحركتها # رأيت أن الهواء أكثر من الماء، والماء أعم من الغذاء، والغذاء أكثر من الدواء، فعجبت ~~لهذا العالم، كلما اشتدت الحاجة لشيء كثر وجوده، وتقل الأشياء، كلما قل طلابها، أو لم ~~تجب أسبابها، وأكثر الناس عن ذلك غافلون. # ثم نظرت فيها من حيث تركيبها، ونسب أجزائها، فألفيت عجبا عجابا، ألفيت الأجزاء ~~موضوعة بحساب، مرتبة بدقة ونظام، في كل تركيب كيماوي، أفلا تتعجب معي من وزن ذرات ~~الأكسوجين والأودروجين في الماء، وإن الأول أثقل من الثاني أضعافا، والثاني أكبر منه ~~حجما، على نسب لو اختلت وزنا أو حجما، لفسد الماء، وانفصل الزائد، وطار مع ~~الهواء. # ألا تتعجب من الماء كيف يكون مركبا من مادتين خفيفتين لا تراهما العيون، إحداهما ~~حارة محيية، والأخرى باردة مميتة؟ # ألا تتعجب معي من هذا الوجود المنظم، وكيف كانت سائر النباتات مركبة من عناصر بنسب ~~محفوظة ثابتة كما أوضحته ms144 عن علماء الزراعة في كتاب نظام العالم والأمم؟ # أوليس مما يسحر العقول، ويخلب الألباب، أنك ترى مثل القمح والقطن مركبين من عناصر ~~فوق العشرة، متحدة في الأكثر، مختلفة نسبها، بحيث إن ما نلبسه هو عين ما نأكله من حيث ~~العناصر؟ واختلاف المقادير في التركيب، أوجب اختلاف الملبس والمأكل والرقاقة ~~والحزام. # اقرأ الكيمياء ثم فكر وتعجب من هذا الوجود العجيب، المنظم البديع، وإياك أن تقرأ بلا ~~إمعان وتفكير فإن ذلك شأن الغافلين. # العالم العلوي # فلما أن تبين لي نظام هذا الوجود كما وكيفا، رجعت بصري، وحولت اتجاه فكري إلى ~~حركات الأجسام العلوية، فرأيت عجبا عجابا، رأيت الكواكب لا تخطئ في سيرها، ولا تغلط ~~في جريها، كما أوضحه الفلكيون، ونظمته في رسائلي المسطورة المنشورة. # تبين لي الحق، وأيقنت بقلبي معنى قوله تعالى: # وإن من شيء ~~إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم # وقوله: # وكل شيء عنده بمقدار ~~. # النبات والحيوان والإنسان # عند ذلك طفقت أفكر في نظام هذا الإنسان على سطح الكرة الأرضية، وما امتاز به عن ~~الحيوان، وهل هو سائر على سنن العدل؟ أم زائغ عن الجادة؟ حائد عن الصراط ~~المستقيم؟ # الإنسان ابن هذا الوجود، وهو مركب منه، تظله السماء، وتقله الغبراء. الوجود في نظام ~~عجيب، والإنسان في شقاق بعيد. # رأيت أن لا بد من النظر في أمر المواليد الثلاثة، النبات والحيوان والإنسان، فرأيت ~~الإنسان يشارك النبات في الغذاء والتناسل، ويشارك الحيوان في ذلك، وفي الحركات ~~الاختيارية، والحواس والإدراك والغرائز. # رأيت أنه كلما كان الحيوان أدنى كالبعوض والجراد والذباب لم يقم بتربية ولده، وكلما ~~كان أكثر إدراكا، وأرقى غريزة، وأكمل شأنا، أوتي العطف على بنيه كالبقر والفيلة ~~والأسود والقردة. # فعلمت أن تربية الولد والعطف على الذرية، ليس خاصا بالإنسان، فاتخاذ الأزواج عم ~~الحيوان والنبات، وتربية الولد واضح في أعلى الحيوان. فقلت: لعل الإنسان ارتقى بجمعيته، ~~وفضل بمدنيته، فألفيت كلاب البحر والغربان، والزنابير والنحل، والنمل لها جمهوريات ~~منظمة، ومدنيات عجيبة. وأدهشني أن هذا الإنسان كان ظلوما جهولا، لا أدري كيف غفل ~~حكماؤه، ms145 وتغاضى علماؤه، ذلك أن الزنابير مثلا في أي بقعة من بقاع الأرض لها جمعية ~~منظمة، فيها رؤساؤها، ولم يحتج يوما ما نمل أواسط آسيا مثلا إلى رؤساء من نمل الصين، ~~كما لم يحتج ذكران الأولين إلى إناث من الآخرين، أوليس من العجيب أن يكون الإنسان أقدر ~~على الكذب والبهتان من كل حيوان! إن الإنسان ظلوم جهول. # ولقد تبين لي أن كل مخلوق من جماد ونام يترك ميراثا للعالم نافعا، فالنخل والشوك ~~يخلفان لنا متاعا، وهكذا دود القز والنحل والنمر، تورثنا حريرها وعسلها وجلدها وهي لا ~~تقصد ولا تريد، فأيقنت أن الفضيلة في نية الأعمال مع الأعمال، وألا فارق ما بين دود ~~القز والنمر وبين الذي ترك مالا وثروة. وأي فارق بين الدود الذي ورثنا الحرير، وبين ~~الجاهل الذي أرغم على ترك الثروة بالموت، وهو لم يخطر بباله يوما منفعة الإنسان؟ ~~كلاهما أورثنا مالا ومنفعة وكلاهما لا يريد. # وكما أن الفرق بين الحصان والبعوض في الشمائل والفضائل، إن الأول يربي أولاده ويشفق ~~عليها، والآخر قصر عن هذه الفضيلة، فهكذا يجب أن يمتاز الإنسان عن الحيوان الجمهوري ~~النظامي، كالغراب والزنبور والنمل والنحل وكلاب البحر، بأن يعطف الجميع على الجميع، ~~فأما أن تنفع أمة أمة، أو فردا فردا، بلا قصد ولا عمد، كما هي حال هذا الإنسان، فذلك ~~عام في النبات والحيوان. # فوجب أن نبحث هذا الإنسان هل هو قابل أن يتميز في جمعيته عن الحيوان ويرتقي في مستقبل ~~أمره أم سيحل عليه العذاب والخزي أمد الدهر؟ # حينئذ توجهت إلى مبدع الكائنات، وباري النسمات، وقلت: يالله، العالم كله عجيب منظم، ~~فما لي أرى الإنسان في شقاق بعيد؟ وقلت: لعل رؤساء الإنسان أقدر على ضبطه، وأحزم في ~~سياسته، فوجدت أن رؤساء الأمم في أكثر أوقاتهم واجمون، ووجدت الأمم تكافئهم بالمال ~~والجاه، كما يعاملون الصبي في المكتب يرفعونه إلى الأعلى ويكافئونه بالأدنى، يقولون: ~~اقرأ ولك الحلوى، فيرى أن الحلوى من مواد الغذاء، مكافأة على ترقية العقل. ولئن جاز ذلك ~~في الضحك على عقل الصبي، فلن ms146 ترضى به أنفس الأمراء، وإن كانوا لا يعلمون، إن الجزاء ~~الأوفى في الدنيا من جنس العمل. # فإذا عطفوا على الرعايا، وأحكموا نظام الممالك، فلن يسعدهم تلقاء ذلك إلا حب ~~الرعايا وإخلاصهم كما كان ذلك لأمثال أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ولذلك كان الملوك ~~قديما يحتالون على الشعراء ليمدحوهم ليكون كتزين العجوز الشوهاء بالحلي والحلل، ~~وكالتباهي بالزهر المجني من شجرة المقطوع من غصنه، يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء ~~لهم مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا، هؤلاء يسرهم برق المدح الكاذب ويسوءهم أن يسمعوا ~~من الرعايا السخط والحقد في ظلمات الظلم المبين. وقارنت هؤلاء الرؤساء بما ينقل عن ~~أمراء النمل فألفيتها موضع المحبة والإجلال، وإن النملات حين تتم عملها تنظر بعين الحب ~~والإخلاص والمودة إلى الملكة كأنها تيمن بوجهها الكريم، فعلمت إذ ذاك أني لم أعثر على ~~مزية الإنسان الاجتماعية التي ارتقى بها عن الجمعيات الحيوانية. # النبات كامل باه زاهر جميل الزهرات، باهر الثمرات، الحيوان تام النظام ألهمه الله ما ~~يحتاجه، حتى إن العنكبوت والنمل والنحل والزنابير عالمات بقوانين نسجها وهندستها، وبناء ~~منازلها، ونظام حياتها، وجني عسلها وتربية أولادها بلا مدرسة ولا تعليم ولا تدريب. قال: ~~ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. # فتبين لي من هنا شيئان، عدم ارتقاء الإنسان عن الحيوان في نظام جمعيته، وحاجته ~~للتربية والتعليم، وفهمت أنه كان ظلوما جهولا. # لكن من وجه آخر أؤمن بفضل الإنسان على الحيوان، وأعلم أن العالم كله ذو نظام، ولم أجد ~~سدا لخلله، ولا رافعا لشأنه سوى العقل الذي به يكمل ما ينقصه بفطرته، وينظم حكوماته، ~~وأخذت أبحث في هذا الإنسان، هل هو منظم الغرائز كهذا العالم؟ هل ملكاته وقواه الكامنة ~~فيه لو استخرجت ينتظم عقدها ويتم بها أمره؟ # نظرت أولا في عدد الذكور والإناث، فألفيتها منظمة في الإنسان كالحيوان والنبات، ثم ~~تأملت الصفات فألفيت الأذكياء وأصحاب الأصوات الجميلة مثلا أقل من غيرهم، وتفرست في ~~التلاميذ الذين أعلمهم، فرأيتهم يختلفون في أميالهم، وكما أن لونهم واحد وهو الأبيض ~~غالبا ms147 أو غيره لم يشبه أحدهم الآخر فيه، فهكذا العقل واحد ولم يتشابهوا فيه، فالألوان ~~والقوى البدنية والعقلية مختلفات بالأسباب، وقام بنفسي أن الأمم يعوزها التعليم. ولم ~~أر تعليم الناس قائما بحاجاتهم؛ لأنه سائر على نهج حائد عن الصراط السوي، ولم أر في ~~المدنية الحاضرة ما أبتغيه، فإن المتوحشين والمتمدينين لا يزالون يسلكون سبل النمور ~~والصقور والسباع. # ولقد قرأنا ما سطره المستر إدوارد كاربنتر عن أحوال المتوحشين القاطنين حول بحيرة ~~نياسا بالسودان إذ عاشرهم من سنة 1876 إلى سنة 1878. قال: إنهم أقوى أجساما وأصح ~~أبدانا من المتمدينين، ولكنهم أكثر منهم فتكا بأعدائهم. # وقال: إن المتوحشين الإفريقيين يفوقوننا كثيرا لدرجة لا تجيز المقارنة بيننا وبينهم؛ ~~لأن أحدنا يرى نفسه فيما بينهم طفلا صغيرا. ا.ه. # فالمدنية أضعفت الأجسام، كما خرقت سياج الأدب، وعكست وضع الإنسانية. لقد أخبرني ضابط ~~قطن السودان في هذه الأيام أن إحدى القبائل يعيش أبناؤها، وبناتها في الصبى والبلوغ، ~~والكهولة والشيب، وهم عري مجردون، ولا تسمع باسم الخنا في حياتهم، ولا تخطر الخيانة ~~ببال أحدهم، وإنهم جميعا أعفاء صادقون، ولكن المدنية اتخذت اللباس شرك الدعارة، ~~وعكست القضية، وعدت المكر والكذب كياسة، والظلم سياسة. # ولقد قرأت في التاريخ، ما تدهش له العقول، فتراهم يقولون: إن قيصر الروم غزا الأمم ~~ودوخ الممالك شرقا وغربا، فلما أن رجع إلى قومه، وقر بوطنه، اتخذوه معبودهم، وأحبوه ~~حبا جما، وهكذا أكثر الأمم، إلا من رحم ربك، فإنهم لا يحبون إلا الظالمين، كما ~~يفرح الطفل بسرقة أبيه، وخيانة أخيه؛ لأنه يأكل مما يسرقان، ويلقف ما يأتفكان. # فعجبت لهذا الإنسان، كيف تنزل بشهوته، وارتقى بعقله، إنه جمع بين الضدين وعاش ~~بالنقيضين، ثم رجعت إلى نظام ذكوره وإناثه، وفكرت في أمره، وكنت إذ ذاك قد شرعت في عمل ~~كتاب عام في الفلسفة، وكتبت بعض المقالات، فأبت نفسي إلا السير في تحقيق هذه الفكرة ~~والجنوح لهذا المبدأ، فكاشفت صديقا كنت به آنس، وقلت: أيها الأخ، يخيل لي أن ~~الدول قاصرة السعي، قصيرة الخطى، فلو أنها كشفت عن غرائزها، وأبرزت ms148 للوجود عواطفها، ~~وسعت في إنماء عقولها، لصلح الوجود، وزال الخوف الموجود، فتعادل الذكران والإناث دليل ~~على تعادل غرائز الإنسان، فقل شعراؤهم، وكثر عمالهم، وندر حكماؤهم، هذه جبلاتهم ~~أفلا يتذكرون. # فقال: هذا قول جميل هلا وضعته في مقال ونشرته لأمم المشارق والمغارب، فاستكبرت القول، ~~ولم أشأ أن أقدم بلا روية، ولا أعزم بلا تدبير، فإن ذلك فعل الجاهلين، وحررت ~~مقالة وألقيتها في الخزانة. فلما كانت أواسط السنة العاشرة، بعد التسعمائة والألف في ~~شهر إبريل، رجعت لتحرير المقالات في الفلسفة والطبيعيات، فلما أن عثرت مصادفة على مقالة ~~للعلامة «كنت» الألماني وجدته يقول: «الإنسان جهول، لم ينظم حكوماته، ولم يقم بتربية ~~أبنائه.» فعجبت كيف وافق رأيي، وناسب مشربي، فعاودني الفكر في الموضوع، ولم أشأ أن أحيد ~~عن فكرتي، ولا أن أزيد حيرتي؛ لأني خفت الحسرات من الفوات. # فلعمرك لقد طفقت أكتب، والقلب متقد الباطن، مملوء بالحمية، مبتهج بالعمل، ولولا ~~الأدب، وألا يقبل عذري لقلت: وما فعلته عن أمري. # لقيني إذ ذاك من له بي علاقة العلم. فقال: لمن هذا تصنع؟ وماذا ينفع؟ إن بلادنا عنه ~~لاهية، إن لها في أموالها وأحوالها لشغلا شاغلا. فقلت: إني أشعر أن العالم الإنساني ~~له خطرات إلى العلاء وخطوات إلى الأمام. # وكان ما سطرته في الكتاب فاقرأه هناك. وإن غرائز الإنسان وطبائعه قابلة للارتقاء وما ~~منعها إلا فساد التربية والتعليم، والزيغ عن الجادة، والميل عن الصراط ~~المستقيم. # تمثيل آراء الإنسان بالبحر الملح وبالنبات # ولقد تبين لي أن معارف الإنسان وعلومهم كالنبات على سطح الأرض، وكالذي حواه البحر ~~الملح. # إن النفس أخت المادة وشقيقتها كأنهما مشتقتان من أصل واحد، وربما نشأت إحداهما عن ~~الأخرى، فلذلك تشابهت نتائجهما، ألا ترى أن الأرض تحمل الشجر المثمر والنبات النافع، ~~فيها النخيل وثمره والعنب وزبيبه، والقمح المغذي، والصبر المداوي، والتين فاكهة، والكلأ ~~مرعى، والقطن والتيل والكتان ملبسا، وفيها الحنظل المر، والسعدان ذو الشوك، ~~والحشائش السامة، والنباتات المخدرة. # وإن النفوس البشرية، زرعت فيها بذور الفضائل والرذائل، فالعلوم المشيرة للصناعات ~~كنبات القمح في الأرض، والخلقية ms149 للتداوي كالصبر، وذلك كعلم الأخلاق، وترى الأشعار ~~الكلامية كالفاكهة، والنكات المضحكة كالمراعي؛ فإنها تسر القوة البهيمية، وعلوم الدفاع ~~كالملابس. ومن الناس من يسخر غيره على خدمته لمصلحته، ومنهم من يرى الفضل في كف ~~الأذى. # ومن وجه آخر، أرى الناس يقرءون قضايا الاجتماع معكوسة متناقضة، فتراهم يقولون: نعطف ~~على الإنسان، وهم هم، الذين يجهرون بامتداح القواد القاتلين كنابليون، ويشرفون الكذوب ~~من رجال السياسة، فحار فكري في هذا الإنسان، ورأيت أن مثله في مسائله العلمية كمثل رجال ~~قصدوا البحر الملح، فأما أحدهم فإنه اغترف من الماء غرفة فشربها، وأما الآخر فخلصها ~~بالتقطير كما يفعل السحاب، وأما الآخر فاصطاد الأسماك، وغيرهم استخرج الجواهر بأصدافها ~~والمرجان من منابته، والبحر واحد، وكل منهم يؤيد عمله بحجة وبرهان. # ثم رأيت أن كل طائفة مغترة بما لديها قانعة بما وصلت له، وترى أمم الصين والهند التي ~~قضت تعاليمهم بالانكماش، زلزلوا في أماكنهم، وغزتهم أمم أخرى، فاستفزتهم، والسبب تنافي ~~التعليمين، وتناقض المذهبين، وتباعد الرأيين بعد المشرقين. فقلت: أوليس بين هذه ~~المذاهب حق واضح! فتبينت أن أكثر الآراء تجمع ما بين الجيد والخبيث، والرديء والطيب، ~~والكمال والنقص، وإن الحق مخبوء فيها كامن في النفوس، فرأيت أن أبحث عنه في الأنفس ~~والآفاق، وأن أبينه للناس على سطح الكرة، ولم يكن لي أن أخاطب دولة واحدة أو أمة واحدة ~~كما فعل بيدبا الفيلسوف الهندي أيام الملك دبشليم ببلاد بنجاب بالهند قبل ثلاثة وعشرين ~~قرنا، فذلك زمان كانت الأمم فيه منفصمة العرى، بعيدة المواصلة، ووعرة المسالك، طويلة ~~الشقة، فأما الآن فقد استدار الزمان، وتغيرت الأحوال، واتصلت الأمم، وتداخلت الأخلاق، ~~واجتمعت الجماعات، ومدت الأسلاك، وأصبح الناس كأسرة واحدة، وأصبح الخبر يطوي البيد ~~طيا في ثانية من الزمان، ولو أن أمة من الأمم عكفت على الفضيلة، وكان غيرها متشبثا ~~بالرذيلة، متعلقا بأذيال النقيصة فما جزاؤها إلا الوبال إذ تتحد جاراتها على ~~اهتضامها واقتسامها، فلا محيص لها من مقابلة الشر بالشر، كما يكافأ الإحسان ~~بالإحسان. # فلم يكن لي بد من التصريح برأيي والجهر بعقيدتي ~~للناس ms150 قاطبة. فقديما كان الناس لا يعلمون شجرة القطن إلا قليلا. ولم يعم الكرة ~~الأرضية إلا في قرون متأخرة، وكان الإنسان عاكفا على صوف الحيوان وجلد الدواب، فزرع ~~كثيرا من الأرض بهذه الشجرة المباركة الطيبة «القطن»، فألبسته ووقته وهج الحر وقارص ~~البرد وزينته. هكذا الآراء منها ما ظل قرونا في زوايا النسيان، ثم يفطن له أناس فيبذر ~~في بسائط النفوس فيكسوها جمالا وبهاء، بعد أن كانت عارية من لباسه عاطلة من حليه. وكما ~~يزرع الناس في البسيطة ما جهلوه أحقابا فيغنيهم ويكسوهم فهكذا يزرعون في بسائط النفوس ~~ما غادروه فيها أحقابا ودهورا، وأغفلوه فينشطون ويرتقون، ولكم خمدت جذوة فكرة بعد ~~اتقادها، واتقدت جمرة بعد خمودها كما يستنبت الناس نباتا بعد أن جهلوه، ويذرون آخر بعد ~~ما ألفوه. إن بين النفس والمادة لشبها، إنهما أختان، ألا إن العلوم كالنبات، والنفوس ~~الإنسانية كالمواد العنصرية والكرة الأرضية، ألا إن هذا الكون لعجيب. # جهرت بهذا الرأي لتبرأ ذمتي أمام الله عز وجل. خفت أن يدفن معي، ويدخل مضجعي، وقد ~~علمت أن التجار لا يزورون مكانا إلا أعلنوا فيه عن سلعتهم، ولا زقاقا إلا ألصقوا ~~بجدرانه أخبارهم. فقلت: ما أحق الآراء النافعة بالنشر بين الناس، وما أولاها بالتعميم؛ ~~لأن التجار إنما يعطون منافع الأجسام، وأما ذوو الآراء فيعطون الناس منافع العقول، وما ~~به يرشدون ويصلحون، فأحببت من المصلحين المرشدين وقادة الأمم في الأرض أن يعنوا بتعميم ~~الفضيلة والمحبة العامة بين الأفراد والشعوب شرقا وغربا كما تراه مفصلا في ~~الكتاب. # ولقد أيقنت أن ما دونته في كتابي سيكون عقيدة عامة بعد حين وسيتلقاه عقلاء العالم ~~بالقبول، ويخيل لي أن العالم الإنساني سيكون أنعم بالا وأحسن حالا وأرفع شأنا، وأعز ~~مكانا، وأشرف نفسا، ولتعلمن نبأه بعد حين. # اعلم أن مثل الرحمة الإنسانية العامة كمثل ~~الماء الذي سلك ينابيع في الأرض فخالط أجزاءها، وداخل أحشاءها، وتخلل باطنها، وجرى في ~~مجاريها، وسرى في كرتها، وخزن في جبالها، فتارة تفجر أحجاره أنهارا، وآونة تشقق فتخرج ~~ماء، وطورا يحفر الناس الأرض فيستنبطون ms151 ماءها ويستخرجون معينها. فهذا مثل الرحمة ~~الإنسانية الكامنة في القلوب البشرية وما غشاها إلا المطامع والشهوات، وطين الرذائل ~~وحمآت الجهالات السائرة. # ومثل آخر أن ما كمن من الرحمة في الإنسان أشبه بالكهرباء والنار، وما العلم الذي ظهر ~~والمحبة التي جمعت الناس إلا كأضواء المصابيح المتقدة بالنار والكهرباء. # هذه صفحة قرأتها من الرحمة العامة في هذا الإنسان وكيف غشي وجهها بعذاب واقع، ضربت لك ~~الأمثال بحال هذا الإنسان وآرائه، وضرب الأمثال مشعر بالإجمال. # فهل لك أن تطلع على صحيفة من علمه، ورسالة من عنده، ونور أشرق على عقله، وآيات نزلت ~~على قلبه، ورحمة أحاطت به، وإلهام تنزل عليه، فاسمعوا وعوا. # منظر علماء الطبيعة # رسم علماء الطبيعة صورة من هذا الإنسان، ووصلوه بالحيوان والنبات، وكونوا منهما سلسلة ~~ذهبية منظمة، ظهر جمالها في مقالات العلماء الإسلاميين كما في الفوز الأصغر لابن مسكويه ~~وإخوان الصفا إذ أبانوا كيف ترقى النبات من أدنى أنواعه، وتعالى في تدرجه، وارتقى إلى ~~درجة عظيمة، تلاصق أرقى الحيوان، وأخذ هذا يتدرج حتى انتهى إلى الإنسان، وهو عالم واسع ~~عظيم، وهاك نص ما قيل في إخوان الصفا: واعلم يا أخي بأن أول مرتبة الحيوان متصلة بآخر ~~مرتبة النبات، وآخر مرتبة الحيوان متصلة بأول مرتبة الإنسان، كما أن أول مرتبة النبات ~~متصل بآخر مرتبة المعدن، وأول مرتبة المعدن متصل بالتراب والماء كما بينا قبل، فأدون ~~الحيوان وأنقصه هو الذي ليس له إلا حاسة واحدة فقط وهو الحلزون، وهي دودة في جوف ~~أنبوبة، تنبت تلك الأنبوبة على الصخر الذي في سواحل البحار وشطوط الأنهار، وتلك الدودة ~~تخرج نصف شخصها، من جوف تلك الأنبوبة، وتنبسط يمنة ويسرة، تطلب مادة يغتذي بها جسمها، ~~فإذا أحست برطوبة ولين انبسطت إليه، وإذا أحست بخشونة أو صلابة انقبضت وغاصت في جوف تلك ~~الأنبوبة، حذرا من مؤذ لجسمها، ومفسد لهيكلها. وليس لها سمع ولا بصر ولا شم ولا ذوق، ~~إلا الحس واللمس فقط، وهكذا أكثر الديدان التي تتكون في الطين وفي قعر البحار وأعماق ~~الأنهار، ليس لها سمع ms152 ولا بصر ولا ذوق ولا شم؛ لأن الحكمة الإلهية من مقتضاها أن لا ~~تعطي الحيوان عضوا لا يحتاج إليه في جلب المنفعة ودفع المضرة؛ لأنه لو أعطاه ما لا ~~يحتاج إليه لكان وبالا عليها في حفظها وبقائها. فهذا النوع حيواني نباتي؛ لأنه ينبت ~~جسمه كما ينبت بعض النبات، ويقوم على ساقه قائما، وهو من أجل أنه يتحرك جسمه حركة ~~اختيارية حيوان، ومن أجل أنه ليست له إلا حاسة واحدة فهو أنقص الحيوان رتبة في ~~الحيوانية، وتلك الحاسة أيضا قد يشارك بها النبات، وذلك أن النبات له حس اللمس فقط، ~~والدليل على ذلك إرساله بعروقه نحو المواضع الندية وامتناعه من إرساله نحو الصخور ~~واليابس أيضا، فإنه متى اتفق منبته في مضيق مال وعدل عنه طالبا للفسحة والسعة، ~~فإن كان فوقه سقف يمنعه عن الذهاب علوا وكان له ثقب من ناحية مال إلى نحو تلك ~~الناحية، حتى إذا طال طلع من هناك فهذه الأفعال تدل على أن له حسا وتمييزا بقدر ~~الحاجة. وأما حس الألم فليس للنبات؛ وذلك أنه لم يلق بالحكمة الإلهية أن تجعل للنبات ~~ألما ولم تجعل له حيلة الدفع كما جعلت للحيوان؛ وذلك أن الحيوان لما جعلت له أن يحس ~~بالألم جعلت له أيضا حيلة، إما بالفرار والذهاب والهرب، وإما بالتحذر، وإما بالممانعة، ~~فقد بان بما وصفنا كيفية مرتبة الحيوان مما يلي النبات، فنريد أن نبين كيفية مرتبة ~~الحيوان مما يلي رتبة الإنسان فنقول: # إن رتبة الحيوانية مما يلي رتبة الإنسانية ليست من وجه واحد لكن من عدة وجوه؛ وذلك أن ~~رتبة الإنسانية لما كانت معدنا للفضل وينبوعا للمناقب لم يستوعبها نوع واحد من ~~الحيوان ولكن عدة أنواع؛ فمنها ما قارب رتبة الإنسانية لصورة جسده مثل القرد، ومنها ما ~~قارب الأخلاق الإنسانية كالفرس في كثير من أخلاقه، ومثل الفيل في ذكائه، وكالببغاء ~~والهزار من الأطيار الكثيرة الأصوات والألحان والنغمات، ومنها النحل اللطيف الصنائع ~~إلى ما شاكل هذه الأجناس، وذلك أنه ما من حيوان يستعمله الإنسان ويأنس به إلا ولنفسه ms153 ~~قرب من النفس الإنسانية. أما القرد فلقرب شكل جسمه من شكل جسد الإنسان، صارت نفسه تحاكي ~~أفعال النفس الإنسانية، وذلك مشاهد منه متعارف بين الناس، وأما الفرس الكريم فإنه قد ~~بلغ من كرم أخلاقه أنه صار مركبا للملوك؛ وذلك أنه ربما بلغ من أدبه أنه لا يبول ويروث ~~ما دام بحضرة الملك أو حاملا له، وله أيضا مع ذلك ذكاء وإقدام في الهيجاء وصبر على ~~الطعن والجراح كما يكون الرجال الشجعان كما وصف الشاعر فقال: # وإذا شكا مهري إلي جراحه # عند اختلاف الطعن قلت له اقدما # فلما رآني لست أقبل عذره # عض الشكيم على اللجام وحمحما # وأما الفيل فإنه يفهم الخطاب بذكائه، ويمتثل الأمر والنهي كما يمتثل الرجل العاقل ~~المأمور المنهي. فهذه الحيوانات في آخر مرتبة الحيوان مما يلي رتبة الإنسان؛ لما يظهر ~~فيها من الفضائل الإنسانية، وأما باقي أنواع الحيوانات فهي فيما بين هاتين ~~المرتبتين. # هذا ما رسمه علماء الإسلام في نظام هذا العالم، هذه هي الصورة الواضحة الجلية التي ~~رسمها مبدع هذا الكون ومنظم الوجود، هذه الصورة تريك أن الإنسان رشيد وعليه حفظ خلافته ~~وصيانة رتبته والاحتفاظ بدرجته، وأنه هو الوكيل في الأرض على نفسه وعلى الحيوان ~~والنبات. الإنسان خليفة، وأي خليفة! أف للإنسان وماذا صنع! انقسم مرشدوه إلى قسمين ~~وانفصلوا حزبين: راحمين وظالمين، أما الراحمون فهم قسمان: أنبياء وحكماء، والآخرون ~~مضلون. # الرحمة # من الرحمة ما نصح به بوذا أو جوطامي ابن ملك الهند من سنة 600 قبل الميلاد إلى سنة ~~543، وتبعه نحو ثلث النوع الإنساني في الهند والصين. بماذا أوصى؟ أوصى بالشفقة والمحبة ~~والرحمة والعطف على اليتامى والمساكين وابن السبيل والإخاء والمساواة بين عموم البشر، ~~وأوصى بالحيوان كالإنسان وشدد وحذر من إيذائه. # أوصى بالعفة والشجاعة، والصبر والوقار، والأدب والابتسام، وحب العلم في الإنسان. ~~فكأنه شعر بأن كل حيوان على سطح الكرة الأرضية تحت رعايتنا، ولنا عليه الولاية، ونحن ~~أوصياء الله عليه، فلنرحمه ولنعطف عليه، فالله ما خلق هذا باطلا، فمن آذى حيوانا، ~~أو لم يقم بحق الإنسانية، ms154 فهو كفور جهول. # وترى في أصول الدين النصراني من الرحمة والشفقة، وحب النوع الإنساني ما لا مزيد ~~عليه، ولكن الإنسان ظلوم جاحد للحقائق غادر لا يصغي لنصح الناصحين. ومن آيات الرحمة ~~الظاهرة ما أقرته الشريعة الإسلامية من حرمة البيت الحرام وتحريم صيد الحرم، وقتل ~~المحتمي به، فكأنها إشارة خفية للناس أن يرحموا الإنسان ويعمموا السلام، ولا يؤذوا ~~الحيوان، هذه إشارات تشير لهم أن ارحموا ترحموا، واعلموا أن الحيوان له إدراك وشعور ~~يتألم كما تتألمون ويشعر كما تشعرون، فإياكم أن تؤذوه. # وهل أتاك نبأ الحكيم سولون من اليونان إذ قال لقومه: ألا تعقلون! أتؤثرون حكم المستبد ~~على العادلين، هلا استبدلتم النادي الشوري بأحكام الظالمين! فتولوا عنه مدبرين، ~~واتبعوا الطاغي كما كانوا يعتادون، فتولى عنهم وقال: يا قوم لقد نصحت لكم ولكن لا تحبون ~~الناصحين، وعلمتكم الفضيلة ونظام الاجتماع وحكم الجمهور العادل بالنائبين المخلصين ~~فكذبتم وارتبتم وخضعتم للمفكرين، ثم ألقى سلاحه عند باب الندوة وقال: إنكم قوم تجهلون، ~~ثم هاجر من اليونان وقال: والله لا يجمعني والظلم مكان؛ لئلا يقول طلاب العلم أن ~~سولون يرضى بما يعمل الظالمون. فلما أن جاء ليديا قال له ملكهم العظيم: ماذا ترى من ~~العظمة في ملكنا الفخيم؟ ألم تر إلى ما أوتينا من زينة وجمال وحبذ باهرين، وهلا راقك ~~هذا القصر وأثاثه، والسرر البهية، والأكواب الموضوعة، والنمارق المصفوفة، والزرابي ~~المبثوثة؟ فقال: إن كل ذلك إلا متاع الغافلين وزينة الجاهلين وعظمة المغفلين، ألا ~~إنما سعادة الرجل أن يعدل في العالمين ويقسط في حكمه بين المتقاضين، كملك كان في ~~اليونان أقاموا له التماثيل بعد وفاته وحزنت جميع الناس على مماته وقالوا: إنه لرزء ~~عظيم. # وأضرب لك مثلا ولدين أكرما أمهما الصالحة، وجرا عربتها إلى مصلى العابدين، فدعت ~~لهما، فلما ماتا رضي الناس عنهما أجمعون، فكانا صالحين في حياتهما قدوة بعد ~~موتهما. # فاستكبر ملك ليديا فأخذه أعداؤه أخذ القاهرين وكادوا يحرقونه، فتداركه الله بلطفه ~~وأخره إلى حين. # ولأذكر لكم سقراط إذ نبذ الرذيلة وعشق الفضيلة، وقال: يا قوم، إياكم ms155 والظلم؛ فإنه ~~ظلمات، وكونوا صالحين إلى الممات، إنما الحياة الدنيا متاع. فكذب الطاغون الثلاثون، ~~وأجمعوا أمرهم بينهم أن يقتلوه، فشاع ذكره في الآفاق، وعم علمه العباد والبلاد، وانتشر ~~تلاميذه وشاع تعليمه في الآخرين، ولقد قفى على آثاره بعد موته بمائة سنة أبيقورس ~~اليوناني الذي كان في القرن الرابع قبل الميلاد، ولد سنة 342، وأوصى قومه بالمحبة وقال: ~~إن المحبة العامة كنز ثمين، فالحب عندي مبدأ السعادات، وإن الحياة لشقاء، ولا يكشف غمها ~~إلا الأحباب المخلصون. # وهاك العالم الإفرنجي دلامتري في القرن الثامن عشر، المولود سنة 1709، إذ قال: لا ~~تتبعوا خطوات الشهوات، واعلموا أن الذين يتبعون الشهوات مرضى، فداووهم بعلم الأخلاق، ~~واضربوا لهم الأمثال لعلهم يعقلون. # ثم قام من بعدهم البارون هلباخ من الألمانيين، إذ ولد سنة 1723 وألف كتاب نظام ~~الطبيعة سنة 1771، وقد كان للفقراء من المحسنين، كثير الحب للعلماء، غزير العلم، عالي ~~الهمة، نظر إلى الإنسان نظر الرجل إلى الصبيان وقال: يا أهل أوروبا، إن شقاء الإنسان ~~لجهله بما طبع عليه من الجمال وما في هذا الكون من المخلوقات، فحرروا عقولكم من ~~الأوهام وخلصوا أنفسكم من ظلمات الجهالات، وابحثوا عن عقولكم الشريفة وقواكم العالية، ~~إن الإنسان لفي ضلال مبين. سيعيش الناس على الأرض أشقياء ما داموا يجهلون نفوسهم. إن ~~الإنسان جهول كذوب، وضل عقله وغوى، واتبع الهوى، وصنع المدافع المهلكة والأسلحة ~~القاتلة، وعلمه الجهال أن هذا سعادة الإنسان، ألا إنكم لفي عذاب مهين. # ولقد أجاد في القسم السياسي من كتابه، وكان من أسباب الثورة الفرنسية الكبرى، وقال ~~فيه: يا أيها الناس، إنما المعاصي الظاهرة، والحروب القائمة، والشرور العامة في هذا ~~الإنسان، ليست من طبيعته ولا من أصل جبلته، وإنما أركسهم في سجين تلك الشرور ~~الحكومات الظالمة وبعض الديانات المنحرفة وأمثلة الشر المنصوبة أمام أعينهم. # إن أكثر الحكومات ترفع الكبير إذا ظلم، وتعفو عنه إذا اقترف الموبقات، ولا ترحم ~~الصغير إذا ارتكب أصغر الذنوب، فلا قانون يجمع الغني والفقير والعظيم والحقير. # جهل الناس أمر القضاء، فخصوا به الضعفاء وعفوا عن الأقوياء، ms156 وتناقضوا في قضاياه، ~~يحللون ما يحرمون، ويحرمون ما يحللون، فهم يقتلون الصعلوك إذا جنى، ويعظمون السري ~~الظالم إذا ما فعل فعل ذلك الصعلوك. قتل الإنسان إنه لظلوم جهول. وما الفضيلة إلا ~~هبة في الهواء وسهم عندكم طائش وهباء منثور، وما معلم الفضيلة لهؤلاء إلا كنافخ في ~~غير ضرم ومستسمن ذا ورم، أو كمن يفضض البعرات ويجصص قبور الأموات، بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون من التربية السيئة وقدوة الشر. # ألا وإن رجال الفضيلة يتخطفهم هذا المجتمع الفاسد من عن أيمانهم وعن شمائلهم، فهم ~~كجذوة نار في جو بارد. إن جذوة النار في البرد لا محالة ذاهبة خامدة، فماذا يفعل ~~المصلحون، ولقد تقتل الحكومات من عملوا عملا سيئا لعقيدة فاسدة أيدتها تلك الحكومات ~~بحماية أولئك الحاكمين، إن الإنسان لظلوم كفار. هذا هو نبأ هلباخ ولقد مات سنة 1789 في ~~باريس، ولقد كان ممن عاصره العالم هلفتيوس. كان أبواه ألمانيين وولد بباريس. قال: إياك ~~واضطراب الفؤاد، وإن أردت السعادة فلتكن نفسك مطمئنة؛ فالاضطراب شقاء، والطمأنينة نهاية ~~السعادة. # وما عدا ذلك من تعاليمه في الأخلاق فإن فيها شططا يأباه نظام الكون وفطرة ~~الإنسان. # أولئك العلماء ممن ذكرنا وممن لم نذكر حضوا أممهم على الفضيلة وإسعاد الناس، فمنهم ~~المقصر ومنهم السابق، ومن عجيب أنهم في المادة والروح والعالم الأعلى مختلفون. # واتفقت كلمتهم واتحد رأيهم على تقبيح الرذيلة وتقديس الفضيلة، ولكن أكثر الناس ~~غافلون. هذا ذكر بعض الرحماء من الأمم الغربية، وأكثر الناس عن البحث والفقه ~~معرضون. # وهناك طوائف بشرية وشرذمة من العلماء قلبوا صحيفة الإنسان والحيوان وقرءوها معكوسة، ~~وشوشوا وضعها واستحبوا ضد ما قام عليه البرهان من الرحمة العامة، وقالوا: إننا قرأنا ~~ما ذهب إليه الفلاسفة العظماء والحكماء الكبراء، لقد قرأنا مذهب داروين إذ جاء بما لم ~~يأت به الأولون، ونظم الإنسان والحيوان في نظام الاشتقاق، وقد غفل عن ذلك السابقون، ألا ~~إنهم هم الكاذبون، إن هذا المذهب كان من قبل ذلك معروفا كما قدمناه عن إخوان الصفا، ~~ولقد أوقعهم هذا الوهم في ms157 هوة الرذائل، وأخذوا يسلكون في البحث سبيل الجاهلين، وقالوا ~~ضد ما قال الأولون، وهم كانوا أغزر منهم علما وأوسع مادة وأرقى أدبا. قالوا: إن ~~هكلسلي أوضح أن لا فارق بين أدنى الإنسان وأعلى الحيوان كما بين الحيوانات العليا ~~والدنيا، بل المسافة في آخرهما أوسع مما في أولهما. # فظن أولئك الجهال أن هذا يجيز لهم اهتضام حقوق الأمم الضعيفة معتبرين أنهم أدنى منهم ~~مقاما فزادوا في غلوائهم وضلوا في طغيانهم وجهلوا المنطق وظنوا أنهم بتخمينهم «أن ~~الفرق بين رجلين أحدهما من الطبقة العليا والآخر من الطبقة السفلى من نوع الإنسان أوسع ~~مما بين أدنى الإنسان وأعلى الحيوان»، قد عثروا على كنز من الحكمة ثمين إذ يجعلون ~~الإنسان الجاهل في عداد الحيوان، وتقول الأمة العالمة للجاهلة وإن كانت أكثر منها ~~استعدادا وأصح أجساما: إنكم بالنسبة لنا خادمون، وعبيد مسخرون. ولقد عتوا عتوا ~~كبيرا، وظلموا الحكمة باستنتاج قبيح إذ رأوا أن كثيرا من القرود الشبيهة بالإنسان ~~يكون أكثر وقوفها منتصبة، وإبهام أرجل بعض المتوحشين أشبه بأرجل بعض الشمبانزي ~~والغوريلا من القرود. # أليس من المدهش أن صحيفة المواليد الثلاثة تعرض على بوذا فيرى الحيوان يشعر بما يشعر ~~به الإنسان فيرحم الطائفتين ويسعد الحيين. ونفس هذه الصورة تتجلى لبعض رجال العصر ~~الحاضر فينسون عقولهم وأنفسهم ويقولون: ما لنا وللرحمات! إنما المفضل في العالم هم ~~الأكثرون مدافع المنظمون جنودا، ومن عداهم من الإنسان فإنما هم من الحيوان، فلنتخذهم ~~خدما وحشما. ألا ساء مثل الجاهلين. يا أيها الناس ادرسوا العلم كما بيناه، اقرءوا هذا ~~العالم، افهموا هذا الوجود. هذه القضية في الإنسان غريبة كاذبة، فإن جمال الصنع وإتقان ~~الوضع في اتصال الإنسان بالحيوان نظاميا أقوى حجة وأجل برهان على وجوب العطف العام ~~على الناس والحيوان، أفلا تعقلون! ما لكم لا تفكرون! هل غلبت على عقولكم شهوات بطونكم ~~ونزعات شياطينكم فأزلتكم للذنوب؟ يا أيها الناس، إنكم جميعا إخوان، إن الفلسفة التي ~~تدعون أن داروين اخترعها ثابتة في كتب العرب معلومة عند الأمم الغابرة في القرون ~~الخالية. لا تجعلوا ms158 العدل تبع القوة، فالعدل عام في الوجود. # وهب أن الرحمة خاصة بالأقوياء، فماذا أباح لكم أن تمنعوا ضعفاء الأمم من التعليم، وهل ~~آنستم في الحيوان الذي احتقرتموه طيرا يمنع أخاه تعليم الطيران؟ فما أجهل الإنسان! ~~وإذا كنتم تربون أبناءكم على المبادئ الشريفة، فهلا اعتبرتم الأمم الجاهلة أطفالا ~~تلقنونهم العلم. # وما هو حد الوطن؟ أهو ذلك الخط الفاصل بين بلادكم وما جاورها، ولو حل فيها أعداؤكم ~~وسكن فيها خصومكم واستظل بها قوم من أمم لكم مبغضين؟ أم الوطن وأهله الذين عاشوا معكم ~~أيام حياتكم؟ # فإن كانت الأولى فلقد حددتم تحديد الواهمين، وجعلتم إحسانكم خاصا بدائرة أرض لا ~~يتعداه، كأنها صنم تعبدونه أو كلب تطعمونه، وهل تخدمون بهذا إلا المصادفة العمياء، ~~فلو هلكت أبناؤكم وحل محلها قوم آخرون فإن خدمتكم بالرغم عنكم راجعة لنوع الإنسان لا ~~لأمة خاصة؛ فإن من يتجنسون بجنسكم ويسكنون أرضكم من أمم آخرين غير معروفين. # ولكم هضمتم حقوق أمة حبا في أمتكم، ولقد والله ظلمتم للإحسان واغتصبتم للإرضاء، ~~فرحمتم قوما وعذبتم آخرين، فما أكثر أوهام الإنسان! # وإن زعمتم أن من عاشوا معكم في الوطن هم الذين تعنونهم بخدمتكم وقصرتم عليهم رحمتكم، ~~فإن لم تغتصبوا حقوق الأمم الضعيفة فقد أحسنتم، وإن ظلمتم الأمم وهضمتم الحقوق إرضاء ~~لأبناء بلادكم فأنتم مجردون عن الفضيلة الإنسانية. ومثلكم كمثل السارق الذي يطعم من ~~كسبه الفقراء، ومن يقتل امرأ ليجعله طعاما للآكلين، ومن لكم بأن تقصروا بلادكم على ~~ساكنيها؟ فقد يتبدل السكان بالسكان، ويملأ المكان بقوم غرباء، إن الناس يخدمون أهواءهم ~~ويتبعون جهالاتهم. # أطفال الإنسانية وما أدراك ما أطفال الإنسانية # أطفال الإنسانية هم الأمم التي ضل سعيها في الحكمة والفلسفة، نظروا نظام النبات ~~والحيوان والإنسان واتصال هذه السلسلة البديعة فعجزوا عن فهمها وضلوا فيما ~~يعملون. # يقول الأنبياء: عمموا الرحمة على الإنسان والحيوان؛ لأنها تحس وتفهم، ولا تكونوا ~~جبارين فيقولون: إن ما كان أصلح للوجود هو الأولى بالبقاء، فخلطوا نظاما بنظام، ألا ~~إنما الأضعف في حمى الأقوى، فلم ترحمون الأبناء؟ # إن في النفس لرحمة وشفقة، ms159 في النفوس رحمة الأبناء ورحمة الناس ورحمة الحيوان، القلوب ~~مهبط الرحمة، القلوب مشرق أنوارها، فمن ذا الذي أفتى الإنسان بالتفريق بين ~~الرحمات. # صورة الوجود المنظومة المعلومة الشاملة للحيوان والإنسان دلت قوما على جمال نظامها ~~وآخرين على وجوب الرحمة بأهلها، فترحم الإنسان والحيوان، وارتكس قوم في حمأة الرذيلة ~~فقالوا: لا رحمة إلا للأبناء. ومنهم فريق يلوون ألسنتهم بالعلم فيقولون: نرحم فريقا ~~ونعذب آخرين. وآخرون منهم أنعموا على الحيوان وعذبوا الإنسان، فخلطوا في فهمهم وضلوا في ~~منطقهم. قتل الإنسان ما أكفره! الأمم اليوم أشبه بامرأة زانية ذبحت ولدها ووأدت فلذة ~~كبدها إرضاء لشهوتها واتباعا لخطوات غيها. # هذا فعل الأمم الآن، يقدمون عقول الأمم وأموالها قربانا لمطامعهم، فما أشبههم ~~بالعذراء الفاجرة الماكرة التي وأدت ولدها، وتراهم يقولون اعتذارا: لا قيمة للعواطف، ~~كما تقول تلك الماكرة الغادرة. # الأمم على سطح الكرة الأرضية كالدود على ساق الشجرة، وأوراقها كالنبات، وأزهارها ~~كالحيوان، وأثمارها كالإنسان، وكل أعلى مما قبله وأقل مما بعده. وترى الدودات يتساءلن ~~ويقلن لفراشة طائفة حول الزهرات: ماذا تقولين عن حال هذه الشجرة؟ فتلقنها بما تفهمه ~~فيصير قولا مقبولا. # الناس غارقون إما في غمرة الجهل أو في بحر حيرة العلم، كبرت على عقولهم نظامات ~~العالم، فتلقفوا كلمات الخارصين تلقف الجهال كلمات الدجال الذي يدعي فتح الكنوز ~~بالأحلام والأوهام. # أكثر الناس واهمون في قضايا الإنسانية، خاضعون لمن علت كلمته ولو كان مخدوعا. # هذا مجمل ما دار بخلدي، وكان الباعث القوي على تأليف الكتاب، حتى كان ما كان من ~~ظهور مذنب هالي وما دار بيني وبين تلك الأرواح الطاهرة عليها التحية ~~والسلام. ms160