######OpenITI# #META# URI: 1359AhmadShawqi.AmiratAndalus.Hindawi20385706 #META# Tags: plays #META# ID: 20385706 #META# Title: أميـرة الأندلـس #META# AuthorID: 37094079 #META# Author: أحمد شوقي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # مقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # تمهيد‏ # مقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # | أميرة الأندلس # | أميرة الأندلس # تأليف # أمير الشعراء أحمد شوقي # | تمهيد # زمن الرواية: # عصر ملوك الطوائف. # مكان الرواية: # إشبيلية، أغمات. # أشخاص الرواية: # المعتمد بن عباد: # ملك إشبيلية. # الرميكية: # الملكة. # العبادية: # أم المعتمد. # بثينة: # بنته. # القاضي ابن أدهم: # قاضي القضاة. # الأمير حريز: # من أبطال الأندلس. # الأمير بولس: # شقيق ملك الأسبان. # أبو الحسن: # تاجر بإشبيلية. # حسون: # ابنه. # ابن حيون: # من الأدباء. # أبو القاسم: # من الأدباء. # مقلاص: # مضحك الملك. # لؤلؤ: # من حجاب الملك. # جوهر: # من حجاب الملك. # ابن شاليب: # رسول ملك الأسبان. # الباز بن الأشهب: # لص شهير. # أمراء ~~. # جند ~~. # إلخ.. # | مقدمة # جرت حوادث هذه القصة في زمن كان قطعة من ليل الملمات، أخذت الأندلس في جنحها الحالك ثم ~~تركته نظما منحلا وركنا مضمحلا، وشمسا من دول الإسلام سقمت فألح عليها السقم ~~فاحتضرت، فكانت لها في الغرب هدة وكانت عليها في الشرق ضجة؛ وخلال تلك القطعة من ليل ~~الملمات كان الأندلس تحت ملوك الطوائف، وكان هؤلاء الملوك على شرف بيوتهم وتميز شخصياتهم ~~ونبوغهم في كل علم وأدب أصحاب بذخ وترف، وأخدان صبوة وخلاعة، لا حظ لهم من همة الملك ~~ولا نصيب من مراشد السلطان، وإنك لتعجب من انغماسهم في اللذات ونسيانهم لذكر العواقب، وهم ~~أتعب خلق الله وأكثر الملوك ركوبا للغرر، واستهدافا للخطر، ومشيا على الحبائل والحفر، ~~فأما في داخل دويلاتهم فكيد وائتمار، وفتنة نومها غرار، وسيفها في الغمد قليل القرار، حتى ~~لا تكاد الشمس تطلع إلا على ملك مخلوع، ولا تغرب إلا على ملك مقتول، وأما في الخارج فكنت ~~ترى هؤلاء الملوك بين نارين تتواعدان، وبين سيلين يتهدران: فملك الأسبان ألفونس يتجنى ~~ويعتدي، ويضرب الجزية ويفرض الإتاوات، ويبعث لأخذ الأموال جباة أهل غلظة وقحة، وصاحب مراكش ~~يوسف بن تاشفين هو وقواده ووزراؤه مشغوفون بالأندلس يمطرونه الرسل والرسائل إلى قضاته ~~وفقهائه، مهيئين بذلك لفتح بنوا عليه الرجاء وعلقوا به الآمال، وكان ms01 ملوك الطوائف ~~يخافون جارهم هذا المسلح المتوثب سلطان المغرب ويرجونه، فكان تملقهم له لا ينقطع، وكانت ~~الأموال تحمل إليه في صورة المعونة، وكانت الرشا تقدم لوزرائه ورؤساء دولته في صورة ~~الهدايا والألطاف، وكل هذا المال إنما كان يجمع من المكوس والمغارم! فتخيل كيف كان بؤس ~~الرعية، وتأمل كيف تذهب معالم البلاد بين عبث الفرد وغفلة الجماعة. ولقد كان على قرطبة وهي ~~حاضرة الملك أن تحمل شطر هذا البلاء، فلم تلبث أن انحطت عن ذلك المكان العالي الذي كانت فيه ~~دار الخلافة ومطلع القصرين الدمشق والرصافة # 1 # فصارت كرسي إقليم وقاعدة دويلة وعرش ملك صغير يؤدي الجزية ولا يحس لها ذلة ولا ~~هوانا. # | الفصل الأول # المنظر الأول ~~«مقصورة من مقاصير البديع (قصر المعتمد بن عباد) في إشبيلية وإلى ~~يمينها مصلى وفي مؤخرها ستار كبير يحتجب، وقد وقف على بابها جوهر حاجب ابن عباد، ولؤلؤ ~~ساقيه، ومقلاص مضحكه.» # جوهر ~~(إلى لؤلؤ) ~~: # كيف وجدت وجه الملك اليوم يا لؤلؤ؟ # لؤلؤ ~~: # كسنته، يفيض من البشاشة والبشر. # جوهر ~~: # بل أنت واهم يا لؤلؤ! إن وجه الملك تغير في هذه الأيام وبدا ~~عليه التغضن وأثرت فيه الهموم أثرها الظاهر المبين. # مقلاص ~~: # كان الله عون الملك، إنه ليحمل من هموم الملك وأكدار السياسة ~~ما تنوء به الجبال، لعن الله السياسة وقبح الولاية، ولا جعل لي من أشغالها ~~نصيبا. # جوهر ~~(يضرب بيده على حدبة مقلاص) ~~: # وأي نصيب كنت تؤمل من أمور الدولة يا مقلاص حتى سألت الله أن ~~يحرمك منه؟ # مقلاص ~~(ملتفتا) ~~: # دعني من هذيانك يا جوهر وانظر: هذه الأميرة أقبلت كأنها ~~البدر في الليلة الظلماء، أو كأنها الظبي يتخطر على الحصباء. ~~(تدخل الأميرة بثينة) # بثينة ~~: # يا بشراي ما هذا الحظ العظيم، أصدقائي الثلاثة هاهنا، يجمعهم ~~باب الملك! جوهر حاجب الملك، ولؤلؤ ساقي الملك، ومقلاص. # مقلاص ~~(مقاطعا) ~~: # مقلاص المهرج الساقط والمضحك الوضيع. # الأميرة بثينة ~~: # لا تقل هذا يا مقلاص، ولكن قل نديم الملك وصديق بنته بثينة. # مقلاص ~~: # أنا مقلاص المهرج صديقك أنت يا أميرة إشبيلية، بل يا ملكة ms02 ~~الأندلس ، بل يا شريكة الشمس في عرش الوجود؟! # الأميرة ~~: # أعرفت الآن مكانك؟ # مقلاص ~~: # عرفته يا سيدتي وإني به لمزهو فخور. # الأميرة ~~: # إذن فاعلم أن هذا الحاجب جوهر قد يأذن على الملك لرجال يكره ~~لقاءهم ويغمه رؤيتهم وسماعهم. # مقلاص ~~: # أما أنا يا سيدتي فما وقفت على باب الملك مرة إلا حجبت عنه ~~الفكر والغم. # الأميرة ~~: # وهذا الساقي يا مقلاص. # مقلاص ~~: # هذا الساقي يا مولاتي يقبض كل يوم من دماغ الملك شعاعا، ولولا ~~أن دماغه الشريف كالشمس التي لا تنفد أشعتها لكان اليوم جمجمة لا عقل فيها ~~كأكثر هذه الرءوس التي نراها في الطرقات. # الأميرة ~~: # وأما أنت يا مقلاص فتسقي الملك كل ساعة من رحيق مزحك ~~ودعابتك ما يملؤه غبطة وعافية وسرورا. # جوهر ~~(مقاطعا - متداخلا) ~~: # لقد استأثرت يا نديم الملك ويا صديق الأميرة. # مقلاص ~~(مغضبا) ~~: # بالرغم من أنفك! # جوهر ~~: # لقد استأثرت يا مقلاص بحديث الأميرة فتنح ساعة واترك لنا ~~فضلة من الشهد. # جوهر ~~(للأميرة) ~~: # مولاتي، سيدتي، بثينة، أية وحشة خلفت في القصر يا ~~مولاتي. # الأميرة ~~: # أوأبدا تبالغ؟ # جوهر ~~: # كلا يا مولاتي، هي كلمة طافت بالقصر منذ افتقدناك هذا الدهر ~~الطويل. # الأميرة ~~: # أتعد الثلاثة الأيام دهرا يا جوهر؟ ألم أقل لك إنك تبالغ ~~كثيرا، لم لم تسألني يا جوهر أين كنت؟ # جوهر ~~: # أعلم أنك كنت في قرطبة يا مولاتي. # الأميرة ~~(وتبتسم ابتسامة سخر) ~~: # أجل كنت في ملكنا الجديد يا جوهر. # جوهر ~~: # وكيف وجدته؟ # الأميرة ~~: # العنوان قبة، والكتاب حبة. # جوهر ~~: # أرجو ألا يكون غرام الأميرة بإشبيلية وطنها الغالي ومهدها ~~الغالي، قد أنساها ذكر الفضل لقرطبة دارة الملك الأولى ومهد الفتح والعمران و ~~... # الأميرة ~~: # أجل، وسماء الرعود والعواصف، ووكر الفتن والقلاقل. آه من قرطبة ~~وفجاءاتها يا جوهر، وويلي على أخي الظافر من هذه الولاية الحمراء التي لم ~~يقلدها أمير إلا قتل أو عزل؛ عرش يضطرب تحت كل جالس، وتاج لا يستقر على ~~رأس كل لابس. # مقلاص ~~: # مولاتي! # الأميرة ~~: # مقلاص، إشبيلية وأبي وأنت، كانت ذكراكم ملء خاطري في قرطبة، هل ~~من دعابة جديدة يا مقلاص تنسيني ms03 ما لقيت من الغم والكدر على تلك العاصمة ~~الثانية لملكنا السعيد؟ # مقلاص ~~: # لا تقولي هذا يا مولاتي فيغضب القرطبيون؛ إنهم لا يقدمون على ~~مدينتهم حاضرة من حواضر الدنيا ولو كانت دمشق أو بغداد، فكيف يرضون أن تكون ~~الثانية لإشبيلية، وما مدينتنا في زعمهم إلا بلد الخلاعة والمجون. # الأميرة ~~(ضاحكة) ~~: # وأين قرطبة منا الآن، وأين القرطبيون يا مقلاص، وبيننا وبينهم ~~سفر شاق طويل؟ ترى من علمك كل هذا الحرص، ومن أين لك كل هذا الدهاء؟ # مقلاص ~~: # هي الأيام يا أميرتي، هي الأيام. وهذا السيف ماذا كنت ~~تصنعين به يا مولاتي؟ # الأميرة ~~: # كنت أتقي به عوادي الفجاءات. # مقلاص ~~: # وهذا اللثام؟ # الأميرة ~~: # كنت أذود به عني العيون والظنون في بلد ضيق الصدر مبلد العقل، ~~شتان بينه وبين إشبيلية ذات العقل الواسع والصدر الرحيب. # الأميرة ~~(لجوهر) ~~: # لقد نسيت يا جوهر ذكر واجب كان علي أن أقدمه قبل كل ~~شيء. # جوهر ~~: # وما ذاك يا سيدتي؟ # الأميرة ~~: # السؤال عن الملك. # جوهر ~~: # هو يا مولاتي بخير، أبدا يسأل عنك. # الأميرة ~~: # وأين هو الآن؟ # جوهر ~~: # هو في الصلاة يا سيدتي. # الأميرة ~~(تطرق في تأثر ثم تقول) ~~: # يا ويح أبي! لقد نظرت إليه وهو في قصر السوسان الضيق الصغير ~~بقرطبة، فوجدته كئيبا متململا كأن تلك السقوف المنخفضة لم تكن تليق برأسه ~~العالي، وكأن تلك الحجرات الضيقة لم تصنع لعينه السامية الطماحة، وكأنما كان ~~يرى الزهراء أولى بأن تقله، وأجدر بأن تظله. وهناك دنوت حتى صرت خلفه بحيث ~~أسمعه ولا يراني، فسمعته يقول وكان وحده في الحجرة مطلا من نافذة يلقي نظره ~~على قرطبة. # جوهر ~~(باهتمام) ~~: # وماذا كان يقول يا مولاتي؟ # الأميرة ~~: # كان يقول: قرطبة ... ملك جديد أضيف إلى ملك إشبيلية، ما أصغر ~~المضاف والمضاف إليه. انظر ابن عباد إلى العرش كيف صغر، وإلى الصولجان كيف ~~قصر، وإلى الملك كيف اختصر، وتأمل مكان الحكم في قرطبة كيف سد اليوم بالمعتمد، ~~ومجلس الناصر كيف شغل بابن عباد. # جوهر ~~: # نحن بانتظار القاضي ابن أدهم يا مولاتي. # مقلاص ~~(متداخلا) ~~: # لعله هذه الكرنبة التي ms04 تتدحرج من بعيد منحدرة إلينا. # الأميرة ~~(مستضحكة لجوهر) ~~: # استقبل أنت يا جوهر القاضي وأدخله على أبي، فإن قضاة الأندلس لا ~~يستأذن لهم على ملوكه. ~~(ثم لمقلاص) # وأنت يا مقلاص، أعرفت أني وجدته؟ # مقلاص ~~: # وما ذاك يا مولاتي ومن هو؟ # الأميرة ~~: # أنسيت يا مقلاص حين تقول لأبي بمسمع مني، إن الزوج الكفء لبثينة ~~لم يخلق بعد لا في الأندلس ولا في غيره. # مقلاص ~~: # لا لم أنس يا مولاتي. قلت هذا ولا أزال أعيده. # الأميرة ~~: # إذن فاعلم أن الزوج الذي يصلح لي قد خلق. # مقلاص ~~: # ومن ذاك؟ ما اسمه وأين هو الآن؟ # الأميرة ~~: # كل هذا تعلمه بعد حين يا مقلاص، تعال معي الآن، اتبعني ودع جوهر ~~ولؤلؤ يستقبلان القاضي الجليل. # الأميرة ~~(إلى جوهر) ~~: # في حفظ الله يا جوهر. ~~(إلى لؤلؤ) # في حفظه يا لؤلؤ. # جوهر ~~(ولؤلؤ معا) ~~: # في ذمة الله وكلاءته يا مولاتي. # الأميرة ~~: # لا تنسيا أن تذكراني عند الملك، وأني رهن إشارته. ~~(تخرج الأميرة مع مقلاص) # جوهر ~~: # أشكر الله أن أخر مجيء القاضي. # لؤلؤ ~~: # كذلك كنت أحدث نفسي، وأخشى على مولاتي في زيها هذا من عين ~~الشيخ ولسانه. ~~(يظهر الملك) # الملك ~~: # هل جاء القاضي ابن أدهم يا جوهر؟ # جوهر ~~: # أجل يا مولاي رأيته في ساحة القصر. # لؤلؤ ~~: # وقد عادت الأميرة من قرطبة يا مولاي. # الملك ~~: # أوعادت الآن؟ # لؤلؤ ~~: # أجل يا مولاي. # الملك ~~: # أهي بخير؟ # لؤلؤ ~~: # بأتم عافية يا مولاي. # الملك ~~: # إذا انتهى ابن أدهم من زيارته فأت بها إلي. # لؤلؤ ~~: # أمرك يا مولاي. ~~(يخرج لؤلؤ) # الملك ~~: # وعليك يا جوهر أن تستقبل ابن أدهم وتأتيني في أوفر بشاشة ~~وتعظيم. ~~(يخرج جوهر ثم يرجع. يتقدم القاضي ابن أدهم وينادي من باب ~~الحجرة) # جوهر ~~(مناديا من الباب) ~~: # القاضي ابن أدهم. # القاضي ~~: # السلام على الملك ورحمة الله وبركاته. # الملك ~~: # وعليكم السلام أيها القاضي ومقدم الخير، فقد علمت أنك كنت ~~نزيل المغرب في الأيام الأخيرة، وكنت به ضيفا على أمير المسلمين يوسف بن ~~تاشفين. # القاضي ~~: # هو ذاك يا مولاي. # الملك ~~: # فكيف الحوادث والأحوال هناك؟ # القاضي ~~: # عندي ms05 من ذلك الشيء الكثير وسأذكره في مجلس تال يأمر به الملك، ~~ولا أذكر الآن إلا رسالة حملنيها الأمير سيري بن أبي بكر. # الملك ~~: # وما هي أيها القاضي؟ # القاضي ~~: # أويعرف الملك الأمير سيري؟ # الملك ~~: # كيف لا أعرفه! هو كافل الدولة المغربية، وكبير وزراء السلطان ~~وقائد جيوشه الأكبر، وما يبتغي مني الأمير أيها القاضي؟ # القاضي ~~: # إنه يخطب إليك الأميرة بثينة. # الملك ~~: # ألشخصه يخطبها أم لواحد من أولاده، فهم فيما أعلم كثر، وأصغرهم ~~فيما أذكر يوافق ميلاده ميلاد بثينة! # القاضي ~~: # بل يخطبها لنفسه أيها الملك. # الملك ~~: # إن هذا عجيب أيها القاضي، وما كان جوابك؟ # القاضي ~~: # قلت له إن الملك ابن عباد يذهب ببنته بثينة كل مذهب، ولا ~~أظن قلبه يطاوعه على تزويجها في الغربة وإخراجها إلى بلاد بعيدة. # الملك ~~: # أحسنت أيها القاضي؛ فما هذا زواجا، إن هذا إلا قبر أخطه ~~بيدي لبثينة، على أنني محضر إليك بثينة لتحدثها وتسمع منها. # الملك ~~(إلى جوهر) ~~: # جوهر، جئنا بالأميرة يا جوهر. ~~(يختفي جوهر لحظة ثم يعود بالأميرة) # الأميرة ~~: # أبي! # الملك ~~: # بنيتي! # الأميرة ~~: # أطلبتني يا أبي؟ # الملك ~~: # تعالي بثينة حيي عمك القاضي ابن أدهم. # الأميرة ~~: # السلام عليك يا مولانا القاضي ورحمة الله وبركاته. # القاضي ~~: # وعليك السلام يا بنت أكرم الملوك. تعالي خذي مجلسك بين ~~أبيك وعمك. # الملك ~~: # مع من عدت من قرطبة؟ # الأميرة ~~: # مع لثامي وجوادي. # الملك ~~: # وكيف وجدت قرطبة؟ # الأميرة ~~: # وجدت طرقاتها تموج بالفقهاء يعرفهم الناظر بزيهم، فذكرت ~~عندئذ شهرة هذا البلد بالفتنة والتشغيب وجرأة أهله على أمرائهم وحكامهم، ~~وأشفقت منه على أخي الظافر، وإن كنت واثقة بحزمه وعزمه. # القاضي ~~: # ومن أنبأك أيتها الأميرة أن الفتنة والشغب يجيئان من ناحية ~~الفقهاء؟ # الأميرة ~~: # لم يبق سرا يا سيدي القاضي أن الفقهاء يعلقون سعادة الأندلس ~~وخلاصه بإلقائه في أحضان جيرانه سلاطين المغرب. # القاضي ~~: # وأنت يا بنت ملوك المسلمين، أما تجدين ما يطلبه الفقهاء في ~~قرطبة أجدى على الأندلس من بقائه على الحال التي هو فيها مشرفا على التلف ~~والضياع؟ # الأميرة ~~: # لا يا سيدي القاضي، ليس في الحق أن ms06 يغتصب جماعة من المسلمين ~~أوطان جماعة غيرهم من المسلمين، فإن الوطن هو كالبيت في قداسته، وكالضيعة في ~~حرمتها. # الملك ~~(متدخلا في الحديث) ~~: # لقد بعثت يا بثينة في طلبك لغير هذا الشأن، وفي أمر ذي بال، ~~وإني أترك للقاضي التحدث معك فيه. # الأميرة ~~(ملتفتة إلى القاضي) ~~: # تكلم يا عم فكلي إصغاء. # القاضي ~~: # لقد خطبك إلى أبيك رجل من عظماء الإسلام في هذا الوقت، هو ~~الأمير سيرى بن أبي بكر وزير الدولة المغربية. # الأميرة ~~: # أفارغ هو أم مشغول يا سيدي القاضي. # القاضي ~~(في حيرة) ~~: # بل له من الأزواج ثلاث وستكونين الرابعة، وستكونين المدللة ~~الممهدة من بين أزواجه. # الأميرة ~~(في غضب) ~~: # إنك يا سيدي القاضي تدعوني إلى خطة لا أنا مضطرة فأحمل نفسي ~~الكارهة على قبولها، ولا الأمير ابن أبي بكر معطل البيت من الربة الصالحة ~~فيتشبث بها ويصر عليها، بل تلك خطة لم أجد أبوي عليها، ولم آلف رؤية مثلها في ~~حياة أسرتي؛ فهذا أبي جعلني الله فداءه لم يتخذ على أمي ضرة ولم يكسر قلبها ~~بالشريكة في قلبه، فجاءت بنا أولاد أعيان، نجتمع في جناح الأبوة ولا نفترق في ~~عاطفة الأمومة، ولو شاء أبي لكان له كنظرائه الملوك والأمراء نساء كثير، ولكان ~~له منهن بنو العلات تحسبهم إخوة وهم أنصاف إخوة، من كل دجاجة بيضة، ومن كل شاة ~~حمل. # القاضي ~~(متلطفا) ~~: # شهد الله لقد أحسنت يا بنتي، ولكن مصلحة الملك أنسيتها، ونصرة ~~الوالد أغفلت عنها، وسلامة الأندلس أأهملت شأنها؟ # الأميرة ~~: # لا يا سيدي القاضي، كل ذلك في المحل الأول من نفسي واهتمامي، ~~ولكننا مختلفان في النظر، فأنت ترى أن الأندلس لا ينهض من كبوته إلا إذا مد ~~السلطان إليه يده، وأنا أتخيلها يد الذئب يمدها إلى الحمل. وأنت يا سيدي ~~القاضي قد أخذك اليأس في أمر الأندلس، وأنا كلي رجاء، ولا أستبعد أن تتهيأ لأبي ~~وهو كهف الأندلس وملاذه الفرصة، لجمع الكلمة وضرب الإفرنج ضربة تريح العرب منهم ~~السنين الطوال. وأنت تعلم أن تاريخ الأندلس مفعم بالفجاءات السعيدة من هذا ~~الطراز. ms07 # القاضي ~~: # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، ولقد رددت عنك ~~أيتها الأميرة وعن أبيك الملك، وأحسب أني أحسنت الرد. # الملك ~~: # كل الإحسان أيها القاضي. # القاضي ~~: # الآن لم يبق لي إلا أن أنصرف. # الملك ~~: # مشيعا بحفظ الله ورعايته. ~~(ينصرف القاضي ويشيعه الملك) # الملك ~~(للقاضي) ~~: # كيف تجد بثينة يا ابن أدهم؟ # القاضي ~~: # بورك لك فيها، وبورك للأندلس في عقيلته، إني أجدها روح ~~الوالد، وأرى عليها طبعة الزمن وحضارة الجيل. ~~(يعود الملك ومعه مقلاص بعد أن يودع القاضي) # الملك ~~: # أعلمت يا مقلاص! أسمعت أن سيري بن أبي بكر يخطب إلي ~~بثينة؟ # مقلاص ~~(ملتفتا إلى بثينة بصوت خافت) ~~: # أهذا الذي وجدته يا سيدتي؟ إني لا أهنيك بتيس المغرب. # الأميرة ~~: # لا يا مقلاص، إن الذي وجدته هو غزال الأندلس لا تيس ~~المغرب. # الملك ~~: # خبريني يا بثينة ماذا وجدت في قرطبة؟ # الأميرة ~~: # حال من القذارة تتنزه عن مثله إشبيلية. # الملك ~~: # هذا من توالي الفتنة والاضطراب على الناس، حتى شغلوا عن تنظيف ~~مدينتهم التي كانت المثال المحتذى بين المدن نظافة ونظاما، ثم ماذا؟ # الأميرة ~~: # راعتني قصورها المهجورة والموحشة كأنها الأطلال. # الملك ~~: # هذا من انقراض الوارثين أو ضيق نعمتهم عن سكنى الدور الواسعة، ~~وصغر أقدارهم عن نزول المنازل الرفيعة. ~~(يظهر على بثينة التأثر والاهتمام) # الملك ~~: # ماذا غمك يا بثينة؟ # الأميرة ~~: # تذكرت يا أبي قصورنا فجزعت، وقلت: الزاهي ترى ما نصيبه، ~~والتاج ماذا غدا يصيبه، والبديع ما يكون مصيره، والمؤنس هل توحش ~~مقاصيره؟ # الملك ~~: # بنيتي؟ خلي عنك هذه الهواجس، ولا تحملي على الشباب العبوس والهم ~~فإنه لم يخلق لهما. اصرفي الشباب إلى الضحك والغبطة فإنهما طبيعته وديدنه. ألا ~~نعود لحديث قرطبة؟ خبريني كيف وجدت أسواقها؟ # الأميرة ~~: # وجدتها دون أسواق إشبيلية حركة ونشاطا، إلا سوق الكتب فلا أحسب ~~بغداد أقامت مثلها. دخلتها يا أبي فلبثت فيها ساعة أتأمل ما يقع في جوانبها، ~~وأشهد النداء على نفائس الكتب وذخائر المخطوطات وهي في أيدي الناس، يقلبونها في ~~اعتناء وإشفاق كأنها كرائم الحجارة في أسواق الجوهر. # الملك ~~: # وهل كنت تهتمين بكتاب ms08 هناك ؟ # الأميرة ~~: # أجل يا أبي، نودي على رسالة المنجم الضبي التي سماها: هل القمر ~~مسكون؟ وكنت سمعت بها وكنت أريد إحرازها فسرني الظفر بها، وكان بالقرب مني فتى ~~حسن الهيئة ظريف الثياب وهو لا شك من بني البيوتات، وكان ينازعني الرغبة في ~~الرسالة، فلم يزل يزيد فيها وأنا أحرجه فأزيد حتى بلغها إلى خمسمائة دينار، ~~فقبضت يدي فرجع إليه المنادي فأخذ المال وناوله الرسالة. # الملك ~~: # لا أظن حرص الشاب على الرسالة إلا للمباهاة، ولكي يقال عنده ~~خزانة حوت كل ثمين ونادر حتى رسالة المنجم الضبي، فإن الشهرة في قرطبة من قديم ~~الزمان أن يتنافس الناس في اتخاذ الخزائن للكتب، حتى الذين لا علم لهم بما ~~فيها. # الأميرة ~~: # ظلمت يا أبي غريمي الشاب؛ فقد كنت ألحظ عليه الحرص على الرسالة ~~والسعي لإحرازها حتى ما بقي في نفسي شك أن الفتى من أهل المعرفة ~~والاطلاع. # الملك ~~: # وكيف هو يا بثينة؟ وما شكله؟ وما صفته؟ # الأميرة ~~: # شاب يناهز الثلاثين، جميل، وقور، يشبهك يا أبي أو كأنه أخي ~~الظافر، وما كان أعظم أدبه ومروءته فإنه حين غلبني على الرسالة بادر فقال: ~~أيها الفتى الملثم، إن كان اعتناؤك بهذه الرسالة شديدا كما رأيت فعرفني ~~بموضع إقامتك، وأنا أستصنع منها نسخة وأبعث بها إليك. فشكرت واعتذرت بكثرة ~~أسفاري في الأندلس، فانطلق شديد الفرح بما نال. وكان جواده بانتظاره فاعتلاه، ~~فوالله يا أبي ما رأيت قط بعدك وبعد أخي الظافر أرشق وثوبا على جواد، ولا ~~أحسن قياما في صهوة من غريمي الشاب. # الملك ~~(مبتسما وهو يضع يده على كتفها) ~~: # أخشى يا بثينة أن يكون غريمك الشاب أعرف بتصيد القلوب منه ~~باعتلاء الجياد. # مقلاص ~~: # الآن عرفته، هو فتى السوق هو فتى الرسالة. ~~(يدخل لؤلؤ ويقول) # لؤلؤ ~~: # الجماعة يتواردون على مجلس الشراب أيها الملك، فانظر ماذا تأمر؟ # بثينة ~~: # وأنا أيضا ذاهبة لبعض شأني إن أذنت. # الملك ~~: # في كلاءة الله يا بثينة. ~~(تخرج بثينة) # المنظر الثاني ~~«ترفع الستارة الخلفية عن مجلس شراب إلى جانبه ستر مسدل وفي وسطه ~~مائدة حولها ms09 الملك وجماعة من حاشيته، وتطل هذه المنظرة على الوادي الكبير حيث للملك ~~زورق» # الملك ~~: # ما عندك من الشراب لأصحابنا يا لؤلؤ؟ # لؤلؤ ~~: # خمور مالقة وزبيب إشبيلية. # الملك ~~: # وماذا هيأت لهم من نقل وطعام؟ # لؤلؤ ~~: # الجوز واللوز من وادي الطلح. # الملك ~~(يرفع عقيرته ويغني) ~~: # الجوز اللوز. يا رب الفوز. # أحد الحاضرين ~~(إلى جاره) ~~: # هذا لحن الملك الذي يحبه ويهتف به حتى في الحمام. # مقلاص ~~: # ولحني أيها الملك، أتسمعه؟ # الملك ~~: # قل، هات يا مقلاص. # مقلاص ~~(يغني) ~~: # الجوز اللوز بوادي الحوز # 1 ~~. # الملك ~~: # مرحى! مرحى! # الحاضرون ~~(جميعا) ~~: # مرحى! مرحى! # الملك ~~(لمقلاص) ~~: # تعال قف خلفي يا مقلاص وقم عند رأسي. # مقلاص ~~: # ها أنا قائم عند رأسك الشريف، هل أفليه؟ # الملك ~~: # تأدب يا وقاح، القمل لا يوجد في رءوس الملوك. # مقلاص ~~: # ما أدري يا مولاي، ولكني أعلم أن القمل يوجد في لبدة الأسد، ~~وأنت أسد الأندلس الذي يعنو له الملوك. # الملك ~~: # لله ما أمر لسانك وما أحلاه! فهو كمشرط الجراح الماهر، ~~جمع مرارة القطع وحلاوة الشفاء. # الملك ~~(إلى لؤلؤ) ~~: # ثم ماذا يا لؤلؤ؟ # لؤلؤ ~~: # كل ما لذ وطاب من السمك، بعضه مجلوب من بحر الزقاق وبعض من ~~صيد الوادي الكبير. # الملك ~~(يغني) ~~: # الجوز اللوز يا رب الفوز. # الملك ~~(إلى وزيره ابن سعيد) ~~: # ماذا يقولون في المدينة يا ابن سعيد؟ # الوزير ~~: # لا حديث اليوم لأهل إشبيلية إلا تلك النكبة التي حلت بأبي ~~الحسن التاجر. # الملك ~~: # واها لأبي الحسن وويح الأندلس! ما أعظم مصيبته في تاجره العامل ~~الموفق الأمين! # الملك ~~(إلى ابن سعيد) ~~: # وكيف وقعت الكارثة يا ابن سعيد؟ # الوزير ~~: # كانت لأبي الحسن التاجر في لجج البحار ثلاث بوارج، وهي: ~~الزهرة، والثريا، والجوزاء. خرجت الزهرة إلى الإسكندرية تحمل إليها مقدارا ~~عظيما من الزيت الإشبيلي، فأخذها عاصف فغرقت في الطريق. وأقلعت الثريا بعد ~~ذلك بأيام مشحونة بالمتاجر المتنوعة إلى ثغور الأندلس، فصادفها أسطول للفرنجة ~~كان يتجول على الشواطئ فأخذها مغنما باردا. وكانت الجوزاء قد سبقت أختيها ~~إلى عرض البحر تقصد سواحل المغرب محملة بالشيء الكثير من مصنوعات الأندلس ms10 ~~ومتاجره، فشبت فيها النار فأعيا إطفاؤها فسقطت شعلة في الماء. # الملك ~~: # ويح لأبي الحسن، ويح! # الوزير ~~: # إن أبا الحسن أيها الملك شيخ كبير قد فرغ من الدنيا وفرغت ~~الدنيا منه، فمصيبته أقصر عمرا وأهون وقعا من مصيبة ابنه الواحد وولده ~~النابه الشاب حسون. # الملك ~~: # قد ذكر لي اسمه وسمعت الثناء عليه من كثير من الناس. # الوزير ~~: # وإنه لكما نعتوه أيها الملك وفوق ما نعتوه: شاب جميل وقور ~~جريء، وافر القسط من العلم والأدب، تعلم لغة الأسبان حتى أجادها حديثا ~~وكتابة، يجري بها لسانه كما يجري بها قلمه. # الملك ~~: # إن شابا هذا شأنه وهذه همته في الحياة لا يترك نبوغه سدى، ~~ولا يوكل إلى اليأس القاتل، بل يجمل بنا أن نأخذ بيده فنهون عليه عثرة أبيه ~~البريء. # الجماعة ~~(يتهامسون) ~~: # ما هذا الستر؟ # آخر ~~(همسا) ~~: # ترى ماذا يخفي هذا الستر؟ # ثالث ~~(همسا) ~~: # ماذا خبأ الملك وراءه؟ # الملك ~~: # فيم تتهامسون؟ لعلكم تذكرون الستر. اشربوا الآن ما بدا لكم ~~واطربوا، وأما الستر فستعلمون نبأه بعد حين. # لقد وزعت عليكم من أيام وفد النصارى من نبلاء الأسبان فماذا ~~صنعتم بهم، وكيف أنصبتكم؟ # الملك (ملتفتا إلى وزيره داني) # الوزير داني ~~: # كانت حصتي يا مولاي أطيب الحصص، فضيفي شاب نبيل طروب لطيف ~~الأذن، مولع بالقيثارة لا يضعها من يده، وله عليها ضرب يأخذ بالألباب. # الملك ~~(مبتسما: يسأل آخر من الجلساء) ~~: # وأنت يا ابن الصائغ كيف ضيفك؟ # ابن الصائغ ~~: # أنا أقل الإخوان حظا أيها الملك، فضيفي رجل كهل قسيس يقطع ~~الليل بالصلاة وقراءة الإنجيل. # الملك ~~: # بل لعلك أعظم الجماعة حظا ولا تدري. # ثالث من الجلساء ~~(مخاطبا الملك) ~~: # أما أنا أيها الملك فقد ابتليت برجل شيخ شريب خمر لا يرويه في ~~اليوم دن ولا دنان، فإذا كان قبل كل طعام قدمت له زبيبى إشبيلية، فأقبل يعبه ~~عبا كما يقع الظمآن على الماء الزلال. وقد شرب من خمر مالقة في ثلاث ليال ~~أقامها عندي ما يكفيني أنا شهرا، وأنا الذي يعرف الملك ولعي بالخمر المالقي. # الملك ~~: # وأنت يا لؤلؤ كيف ms11 ضيفك وما حاله؟ # لؤلؤ ~~: # إنه شاب يا مولاي خفيف الظل والروح، مولع بالرقص، وأنا أتلقى ~~عليه كل ليلة دروسا في الرقص الأسباني حتى كدت أحسنه. # الملك ~~: # وأنت يا مقلاص، كيف ضيفك وماذا يصنع معك؟ # مقلاص ~~: # ضيفي يا مولاي رجل كهل بادن ضخم الجثة كالخنزير المتدلي البطن ~~من تراكب الشحم واللحم. إذا جاء في البيت وراح ارتجت الجدران واهتز ما على ~~الرفوف من آنية، وإذا نام خرج الغطيط والنخير من حلقه ومن أنفه ومن كل موضع ~~فيه، ولو نام في جبانة لأيقظ غطيطه الأموات. # الملك ~~: # وكيف طعامه يا مقلاص، وما أحب الألوان إليه؟ # مقلاص ~~: # هو يا مولاي مجنون المعدة بالإوز، له كل صباح على الريق إوزة، ~~وغداؤه إوزة، وعشاؤه ... # الحضور ~~(جميعا) ~~: # إوزة. # الملك ~~(ملتفتا لوزيره داني) ~~: # وما عندك أنت يا داني مما يقولون في المدينة؟ # داني ~~: # يتهامسون في المدينة بأن الفتنة قد تحركت شياطينها في قرطبة، ~~وأن القادر صاحب طليطلة يسعى لأخذها من ولدك الأمير الظافر، وأنه يستعين في ~~دسه وكيده وتدميره بالبطل حريز وصاحبه ابن لاطون. # الملك ~~: # الولايات يا داني كخلايا النحل، فيها العسل وفيها الأسل، وأنا ~~واثق بحزم الظافر وعزمه، والله يفعل بعد ذلك ما يشاء، إن ضيوفكم النبلاء أيها ~~الأصحاب سيكونون هنا بعد ساعة. # الملك ~~(إلى جوهر) ~~: # وأنت يا جوهر انظر أين الجنديان؟ # جوهر ~~: # بالباب يا مولاي. # الملك ~~: # أدخلهما. # جوهر ~~: # يدخل الجنديان. # الملك ~~(إلى الجنديين) ~~: # أين الكلب؟ أجئتما به؟ # الجنديان ~~: # هو بالباب يا مولاي يرسف في قيوده. # الملك ~~: # أدخلاه. ~~(يدخل ابن شاليب اليهودي يجر قيوده) # ابن شاليب ~~: # التحية والإجلال للملك. # الملك ~~: # تحية لا نتقبلها من رجل شتمنا بالأمس بمسمع من رجالنا ~~وأعواننا. # ابن شاليب ~~: # معاذ الله أيها الملك، ما شتمت ولا تهجمت ولا نسيت أني نزيل ~~هذه المملكة، يجب علي لصاحبها التوقير والإكبار. # الملك ~~: # بل أنت تكذب يا ابن شاليب. # ابن شاليب ~~: # على رسلك أيها الملك، أنسيت أن ورائي ملكا عظيما يسأل عن ~~أمري، وأنا سفيره عندك ورسوله إليك، وقد يغضب لي إن أنت نلتني بسوء. # الملك ~~: # فإن ms12 كان السفير وقاحا قليل الأدب؟ # ابن شاليب ~~: # هذا كثير أيها الملك، فاجعل للإهانة حدا ولا تنس لي مكاني. # الملك ~~: # ستعلم مكانك بعد قليل. ~~(إلى ابن وهب) # الملك ~~: # أعد يا ابن وهب على هذا الكلب ما لهث به حين عرضت عليه مال ~~الجزية. # ابن وهب ~~: # لقد هم مولاي برد المال معتلا بسوء العيار ونقصان الإتاوة ~~عن السنة الماضية، وقال بلغ سيدك أنه لا يحول الحول حتى آتي فآخذ عينيه. # ابن شاليب ~~: # هذا كذب واختلاق. # الملك ~~: # بل أنت الكذاب، فما أنا بالملك الذي يكذب عليه وزراؤه وأعوانه، ~~وما شرف الأندلس وجلاله إلا عدل قضاته وقلة شاهد الزور فيه. # ابن شاليب ~~(يمرغ خديه على البساط ويقول) ~~: # ألا تعفو أيها الملك الكريم، فهم يقولون إن العفو شيمتكم معشر ~~العرب. # الملك ~~: # إلا ما مس الشرف والكرامة. # ابن شاليب ~~: # أتقتلني أيها الملك من أجل كلمة سبق بها لساني، وأعماني الغضب ~~فلم أزنها ولم أقدر عواقبها؟ # الملك ~~: # عجبا يا وزير ألفونس! أنت تزن القناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة فلا يفلت من حسابك برادة مثقال، ثم لا تحسن أن تزن كلمة تخرج من ~~فيك! # ابن شاليب ~~: # اعف عني واستبقني أيها الملك، وأنا أشتري منك حياتي بوزن جسمي ~~ذهبا. # الملك ~~: # لا والله ولا بثقله لآلئ ويواقيت، وأنا أعلم أن وراءك ملكا ~~عظيما هو عبد المال، أما أنا يا ابن شاليب فعبد الله. # الملك ~~(للجنديين) ~~: # أيها الجنديان خذا هذا المجرم فأمضيا أمري فيه. ~~(الجنديان ينقضان على ابن شاليب فيأخذانه إلى ما وراء الستر ~~المسدل) # الحاجب ~~(يدخل) ~~: # نبلاء الأسبان بالباب يا مولاي. # الملك ~~: # يدخلون. # كبير النبلاء ~~: # التحيات للملك. # الملك ~~: # مرحبا بضيوفنا النبلاء. تفضلوا وخذوا مجلسكم واطرحوا ~~الكلفة. # كبير النبلاء ~~: # شكرا يا مولاي، هذه الحفاوة بالضيف لا تستغرب من ملك العرب ~~الكريم. # الملك ~~: # تعال اجلس بجانبي أيها النبيل. ~~(يجلس كبير الأسبان حيث أشار الملك. يطوف لؤلؤ على القادمين بالشراب ~~والنقل.) # لؤلؤ ~~: # ماذا تشتهي من الشراب؟ # كبير الأسبان ~~: # ما دمنا في إشبيلية يا فتى الملك، فإني لا أقدم على زبيبها ~~الصافي المعطر شيئا. ms13 # أحد الحاشية ~~(في أذن جاره) ~~: # انظر السكير يا أخي كيف تجاهل خمر مالقة، وكيف نسي أنه أنفد ~~ذخيرتي منها في ثلاث ليال أقامها عندي. ~~(ضجة وشراب وأحاديث همس) # الملك ~~(إلى لؤلؤ) ~~: # دلنا يا لؤلؤ على ضيفك الرقاص. # لؤلؤ ~~(يشير إلى أحدهم) ~~: # هو هذا النبيل يا مولاي. # الملك ~~(إلى الأسباني) ~~: # إن فتاي لؤلؤ أيها النبيل مغتبط بما تعلم عليك من أصول ~~الرقص. # الأسباني ~~: # وأنا يا مولاي ما رأيت أسرع خاطرا، ولا أرشق حركات، ولا أحسن ~~حفظا لما يلقى عليه في فنون الرقص من صاحبي لؤلؤ. # الملك ~~: # إن مطربي هذا ابن حزم يحسن الضرب على القيثارة، وقد تعلم في ~~صغره الكثير من ألحانكم ونغمات رقصكم. # الملك ~~(إلى لؤلؤ) ~~: # فليرقص لؤلؤ على إيقاعه. # الملك ~~(إلى الأسباني) ~~: # وأنت ترسم له أيها النبيل النغمة التي تصلح للرقصة. ~~(لؤلؤ وصاحبه الأسباني يرقصان، ويعزف لهما ابن حزم ويصفق لهما ~~الملك والجماعة، ثم يجلس الثلاثة بين الاستحسان والإعجاب.) # الملك ~~(في جد إلى جليسه الأسباني) ~~: # أيها الضيف النبيل، أمر يشغل بالي ويهتم به أصحابي وينتظرون ~~حكمي فيه، وقد رأيت أن أنتهز فرصة الأنس بحضوركم لأسير على ضوء رأيك في ~~تصريفه. # النبيل الأسباني ~~: # ليس أحب إلي أيها الملك، ولا أزيد في شرفي من مشورة خالصة ~~نافعة ألقيها إلى جلالتك. # الملك ~~: # إذن فاعلم أيها الضيف النبيل أن أحد جيراننا الملوك أوفد إلي ~~رسولا في مهمة معلومة، فنسي الرسول مكاني حتى سبني بمسمع من رجالي وأوعد ~~وتهدد، فما الذي يقضي به عرفكم على رجل هذا فعله؟ # النبيل الأسباني ~~: # مثل هذا جزاؤه القتل يا مولاي. # الملك ~~(إلى النبلاء) ~~: # أسمعتم يا معشر النبلاء؟ # النبلاء ~~: # سمعنا أيها الملك وقد أفتى كبيرنا وهو العدل والصواب. # الملك ~~: # إذن فانظروا. # الملك ~~(ثم لأحد الجند) ~~: # أيها الجندي ارفع الستر. ~~(يرفع الستر عن جثة ابن شاليب جثة هامدة معلقة على عود.) # الجماعة ~~(صائحين) ~~: # ابن شاليب. # الملك ~~: # هذا صاحبكم ابن شاليب قد رماني أنا ووزيري هذا ابن وهب بتزوير ~~العيار والغش في الميزان، وقال لرجالي وأعواني: بلغوا سيدكم أنني آت في ms14 العام ~~القابل فآخذ عينيه من رأسه. # أحد الجماعة ~~(مستنكرا) ~~: # وما ذنبنا نحن أيها الملك حتى عاقبتنا بهذا المنظر؟ # الملك ~~: # لقد ترددت بين أن أقتله بأعينكم وبين أن أعرضه عليكم وهو كما ~~ترون جثة بلا روح، ولكني وجدت في الرأي الثاني تخفيفا على ضيوفي فعملت ~~به. ~~(ثم ينهض الملك علامة الإذن في الانصراف، ويختلط بهم وهو ~~يشيعهم). # الملك ~~: # انقلوا أيها النبلاء إلى الملك ألفونس ما سمعتم، وصفوا له ما ~~رأيتم، وتحدثوا به في طول بلادكم وعرضها؛ ليعلم الناس هناك أن الأسد العربي لا ~~يشتم في عرينه، وأنه لو غلب على غابته حتى لم يبق له منها إلا قاب شبر من ~~الأرض لما استطاعت قوى الإنس والجن أن تنفذ إلى كرامته من قاب هذا الشبر. ~~(ينسل النبلاء الأسبان من المنظرة وهم يجرون سيقانهم جرا من ~~الرعب). # الملك ~~(إلى حاشيته) ~~: # الآن يا نبلاء العرب نطوي هذا البساط، ويبقى هذان الجنديان حتى ~~إذا خلت منا المنظرة رفعا الستر عن جثة ابن شاليب، ليعلم أهل إشبيلية كيف يحل ~~العقاب بمن يجترئ على شرف أميرهم الذي هو شرفهم الرفيع. # المنظر الثالث ~~«الملك نشوان ومعه مضحكه مقلاص يدنو من زورق على الوادي الكبير ~~فيثب فيه ويقول» # الملك ~~: # انظر يا مقلاص إلى هذا الزورق ما ألطفه، صدق القول: كل صغير ~~لطيف. # مقلاص ~~: # إلا وظيفتي في قصرك فإنها لا لطيفة ولا شريفة، وإن هذا الزورق ~~قد ينقلب فيأخذ شكل النعش، ولن يكون النعش لطيفا أبدا. # الملك ~~: # هبه انقلب يا مقلاص فصار نعشا، أليس النعش مركب كل حي وإن ~~طالت سلامته؟ # مقلاص ~~: # أما أنا فيعفيني الملك. # الملك ~~: # لا يا مقلاص لا أعفيك، ولا أحسبك تدعني أسير في لجة النهر وحدي ~~وأنا كما تراني نشوان. # مقلاص ~~: # وإن كان ولا بد أيها الملك فإني أقترح ... # الملك ~~: # وما تقترح؟ # مقلاص ~~: # أن أكون أنا المجدف وحدي. # الملك ~~: # ولماذا؟ # مقلاص ~~: # الأمر بين؛ التيار مجنون، والسكر مجنون، وأنت سلطان وكل سلطان ~~مجنون. وهذا الزورق خشبة لا عقل لها فهو أيضا مجنون، وإني أربأ بحياتي أيها ~~الملك ms15 أن أجمع عليها مجانين أربعة. # الملك ~~(مستضحكا) ~~: # لا يكون إلا ما اقترحت يا مقلاص، تعال اركب وجدف وحدك واترك لي ~~أنا الدفة. # مقلاص ~~: # أما هذا فنعم. وإني أرجو أن تكون دفة هذا المركب الصغير أحسن ~~مصيرا في يديك من دفة المملكة. # الملك ~~(مستضحكا) ~~: # تعال ثب، هات يدك. ~~(مقلاص ينزل إلى الزورق ويأخذ المجدافين). # الملك ~~: # انظر يا مقلاص وراءك، إني أرى قاربا يندفع نحونا مسرعا كأنه ~~حوت مطارد مذعور. # مقلاص ~~: # هو ذا قد دنا منا يا مولاي، فأحسن مسك الدفة واجتنب الصدمة، ~~وأنا أزوده عنا بمجدافي هذا وأضربه ضربة تقذف به إلى الشاطئ الآخر من ~~النهر. # الملك ~~: # إياك أن تفعل بل ائسره، فلا بد لنا أن نؤدب هذا الشاب المغرور، ~~فإني أرى الملاح فتى كريم الهيئة فهو لا شك من أبناء أعيان إشبيلية. ~~(يصطدم الزورقان ويظهر مقلاص ارتباكا وجبنا، فيقبض الملك على ~~الزورق المهاجم بيد قوية ويقول لمقلاص) # الملك ~~: # اقذف الآن به إن استطعت إلى الشاطئ الآخر من النهر. ~~(ثم يلتفت إلى الشاب الملاح ويقول:) # مكانك أيها الغلام الوقاح، ما هذه الجرأة على التيار وعلى شبابك ~~هذا الغض النضير! وما غرك بالملك حتى قربت عودك من عوده تريد أن تأخذ عليه ~~الطريق. # الملاح ~~: # مولاي إن الرعية يهفون، وإن الملوك يعفون، وزورقي إنما اندفع ~~بقوة التيار القاهر فوافق مرور مركبك المحروس، فكان ما كان مما أعتذر للملك ~~منه. # الملك ~~(بصوت منخفض) ~~: # ويح أذني ماذا تسمع؟ هذا الصوت أعرفه؟ ~~(ثم يلتفت إلى الملاح قائلا) # قد عرفت أيها الفتى من نحن، فعرفنا بنفسك. ~~(يرفع الملاح قناعه) # الملك ~~(صائحا) ~~: # بثينة! # الأميرة ~~(الملاح) ~~: # أجل أيها الملك ابنتك وأمتك بثينة. # الملك ~~: # عجبا! أأنت هنا بين العبب والتيار، وعلى هذا العود الذي يشفق ~~أبوك من ركوبه، وأبوك من تعلمين أشجع العرب قلبا؟ # الأميرة ~~: # ولم لا تكون ابنة الملك شجاعة القلب مثله! إن الأسد لا يلد إلا ~~اللبؤة. # الملك ~~(يهدأ غضبه) ~~: # ومن أين مجيئك الساعة يا بثينة؟ # الأميرة ~~: # من الموضع الذي أحبه كما أحب الحجرة التي ولدت فيها، ومن ms16 ~~ناحية السرحة التي أحن لها كحنيني للمقاصير التي ضمتني طفلة ممهدة، ومن بقعة ~~مباركة، وقفت السعادة بك في ظلها على أمي الرميكية فرأيتها فأجبتها أول وهلة. ~~ولم تكن إلا غسالة مغمورة فتزوجتها فرفعتها أعلى ذرى الشرف، ومن هذا الزواج ~~الموفق السعيد ولدت أنا لأب قصر الأبناء عن بره، وملك جل عن النظراء ~~والأمثال. أليس ذلك المكان الذي هو مهد حبكما الأول من حقه أن يحن إليه ~~أحيانا، بل من حقه أن يحج آنا فآنا! # الملك ~~(متأثرا) ~~: # بنفسي وروحي أنت يا بثينة! لقد عظمت المهد وقضيت الحق، ~~والآن ألا ترجعين إلى القصر بسلام، فلا أحسب القصر إلا قائما لغيبتك على ساق، ~~حتى لكأني بأمك تسأل عن أمرك، وبجدتك أشغل وأشد قلقا. # الأميرة ~~: # لقد كنت يا مولاي في طريقي إلى القصر، لولا هذا الاتفاق السعيد ~~الذي صدم عودي بعودك، والآن إذ أمرت فإني أنطلق في سبيلي، وأستودعك الله يا ~~مولاي. # الملك ~~: # اذهبي يا بنيتي في كلاءة الله، وإياك والمجازفة فيما تفعلين، ~~فإن الحياة أعز وأنفس من أن تعرض للتهلكة، وأنهاك عن الخروج بعد اليوم إلا ~~مصحوبة بلؤلؤ أو جوهر، فإنهما لا يألوانك خدمة وحراسة. # الأميرة ~~: # لا يكون يا مولاي إلا كما أشرت. ~~(تندفع بثينة بالزورق وتغادر الملك، وقد أطرق مليا إلى أن بدا ~~لمقلاص أن ينبهه من هذه السنة). # مقلاص ~~: # مولاي إن الشط قريب، وإن الأرض أصلح مجلسا لمثل ما أنت فيه من ~~الهم والتفكير. # الملك ~~: # كيف رأيت بثينة، وكيف وجدت جرأتها يا مقلاص؟ # مقلاص ~~: # تلك اللبؤة من هذا الأسد يا مولاي. # الملك ~~: # ما كل جريء فطن، وهذه الفتاة جمعت الحجا والشجاعة. إنها تعلم ~~أنني رجل رقيق القلب مجيب العاطفة، وتعلم كذلك أن شيئا من النفور قد دخلني نحو ~~أمها منذ حين؛ فانظر كيف تحيلت حتى ذكرتني العهد القديم، فو الله ما أنا ~~الساعة بأقل حبا للرميكية ولا عطفا عليها مني منذ عشرين سنة. جدف يا مقلاص ~~جدف. سبحانك اللهم، جعلت الولد سفير المودة والرحمة بين الوالدين. ~~(يندفع الزورق) # الملك ~~(يغني) ~~: # الجوز ms17 اللوز، يا رب الفوز. # مقلاص ~~(يجيب) ~~: # الجوز اللوز، بوادي الحوز. # | الفصل الثاني # «خان التميمي في إشبيلية حيث صفت الموائد والأرائك وجلس إليها قوم ~~يتحدثون ويحتسون الشراب. ابن حيون منفرد وحده إلى مائدة، وأبو القاسم قادم عليه من باب ~~الخان. حريز يجلس إلى مائدة أخرى وأمام ابن حيون، ورجال هنا وهناك يلعبون النرد والشطرنج أو ~~يطالعون بعض الرسائل ...» # أبو القاسم ~~: # ابن حيون؟ ما أطيب هذا اللقاء! # ابن حيون ~~: # سيدي أبو القاسم؟ يا مرحبا يا مرحبا، ها هنا صدفة لينة ومجلس ~~كريم فلو جلسنا نتحدث. أزائري أنت أبا القاسم أم جئت الخان في شأن يعنيك؟ # أبو القاسم ~~: # بل إياك قصدت يا بن حيون، وإن الشوق إليك لشديد. # ابن حيون ~~: # شوق بعضه من بعض يا أبا القاسم، ولكن من أنبأك أني مقيم بخان ~~التميمي؟ # أبو القاسم ~~: # لقد عرفناك كالرواد الرحل، لا ترى إلا في خان أو عند دوارس ~~الأحجار. # ابن حيون ~~: # الخان والسوق يا أبا القاسم مدرستان من مدارس الحياة، ينتفع بهما ~~الرجل الأريب. ألست في هذا الخان كل يوم أبدل أهلا بأهل وجيرانا بجيران، وأستعرض ~~صورا متحركة من الخلائق كلما احتجبت صورة خلفتها صورة. وكيف حال إشبيلية يا أبا ~~القاسم، وهل من حوادث هناك؟ # أبو القاسم ~~: # الحال إن لم يصلحها الله فما لها من صلاح، والحوادث يا ابن حيون ~~تتوالى ولا تتولى، واليوم مغبر والغد مكفهر. # ابن حيون ~~: # ابن عباد في غوايته مستمر! # أبو القاسم ~~: # خل ابن عباد يا أخي، لا تجر ذكره بسوء فإنه السيف الذي يرجوه ~~العرب، والحصن الذي يحتمون غدا فيه. # ابن حيون ~~: # لم تنصف يا أبا القاسم، طبعت للعرب من الخشب سيفا، وبنيت لهم من ~~الشفير الهائر حصنا. # أبو القاسم ~~: # اتق الله يا بن حيون بعض هذا البغي، للمعتمد من المحاسن ما يغطي ~~على مساوئه؛ أجهلت إحسانه على أهل العلم وعطفه على أهل الأدب؟ أجهلت كيف يربي ~~أولاده تربية لم نعرفها من الأمراء والملوك؟ أجهلت كيف يعامل الرميكية زوجته ~~الفاضلة معاملة تحسدها عليها عقائل الأندلس؟ # ابن حيون ~~: # آه ms18 يا أبا القاسم، من هاهنا دائي وهاهنا ثأري عند صاحبك ابن ~~عباد. # أبو القاسم ~~: # يا عجبا كل العجب! ما هذا الثأر؟ ما حديثه؟ # ابن حيون ~~: # اسمع أبا القاسم وأنصفني ... # أبو القاسم ~~: # تكلم يا ابن حيون فكلي مسامع. # ابن حيون ~~: # كنت في صدر شبابي صيادا شابا مليحا، رأس مالي شبكة، وقوام ~~معيشتي سمكة، وكانت تختلف إلى المواضع التي أختلف إليها من النهر للصيد وابتغاء ~~الرزق صبية غسالة حلوة الدلال بارعة الجمال، كأن حديثها السحر الحلال، فانعقدت ~~بيننا ألفة، وكانت لنا مجالس على الماء كأنها أعراس النهر، ولقاءات على الوادي ~~الكبير كأنها أعياد الدهر، أحببت الصبية وأحبتني، وتكلمنا في الزواج وشرعنا نأخذ ~~له أهبته. # أبو القاسم ~~(مقاطعا) ~~: # وبينما أنتما على ذلك طلع عليكما من النهر فلك عليه شارة الملك، ~~يحمل ملكا شابا جميلا، فنظر الصبية فراعه حسنها، وكلمها فأعجبه أدبها، وارتجلت ~~الشعر بين أذنيه فبلغ إعجابه بها الغاية، فتزوجها من يومه فملأت قصوره غبطة وبهجة، ~~وولدت له الشموس والأقمار. هذا حديث الرميكية يا ابن حيون، وهذا خبر زواجها يعلمه ~~كل من في الأندلس ويتناقلونه بالإعجاب، ويتحدثون أن بنت الشعب نزلت قصور الملك من ~~أول يوم نزول الأقمار في هالاتها من عشرين عاما إلى اليوم، قدوة عقائل الأندلس ~~والمثال الأعلى بين أميراته وملكاته. # ابن حيون ~~: # وما كان ذنبي يا أبا القاسم حتى احتقرت حبي واستهانت بخطبتي؟ وكيف ~~تريد مني بعد ذلك أن أكون لصاحبك المعتمد من المخلصين. # أبو القاسم ~~: # هب الأمر كان معكوسا يا ابن حيون، وهب الفلك الذي وقف يومئذ بكما ~~كان لملكة شابة فاتنة الجمال، بيمينها الجاه، وفي شمالها المال، فنظرتك فأحبتك ~~ودعتك لتبني بها وتشاطرها عزة الملك وثراء المال - أتراك كنت تعرض عن الملكة وفاء ~~بعهد الغسالة؟ لا والله يا ابن حيون، ما كنت فاعلا ذلك. وهذا ما فعلت الرميكية: ~~رأت ملكا كبيرا وشبابا نضيرا وفضلا وأدبا غزيرا، فحلت نفسها من ذلك الوداد، ~~وفضلت أصيد على صياد. عرفت يا ابن حيون أن ذنب الرميكية ليس بالعظيم كما توهمت، بقي ~~المعتمد، ms19 وأنا لا أجده اقترف إليك ذنبا أو أراد لك ضرا، أنا أقسم لو علم ابن ~~عباد يومئذ بما كان بينكما من الحب وما صرتما إليه من الخطبة ووشك الزواج، لأخذكما ~~في كنفه، وتكفلت لكما نعمته بالزواج ونفقته، وبالبيت وجهازه، وبالضيعة التي تغل ~~عليكما وتبقي بعدكما على الأولاد. ~~(ابن حيون مطرقا) # أبو القاسم ~~: # ابن حيون، ما بالك مطرقا لا تنبس! ما بال عينيك تمتلئان؟ استرح يا ~~أخي للبكاء واسكب دموع الندم. # ابن حيون ~~: # الآن استرحت يا أبا القاسم، وانطرح عن صدري أتون من الحقد حملته ~~عشرين عاما حتى حنى الظهر، وأكل الصدر، وأدنى من القبر. # أبو القاسم ~~: # مسكين أنت يا ابن حيون! إن حقد عشرين عاما لو جمع وقذف به في جهنم، ~~لكان لها منه وقود لا ينفد. # ابن حيون ~~: # لقد شفيتني أبا القاسم من ضلالي القديم، فأرشدني كيف أعتذر إلى ~~الرميكية عن سوء ظننت، وبغض أسررت وأعلنت. وكيف أكفر عما سلف مني في ذات المعتمد ~~من جهر السوء وهمسه؟ # أبو القاسم ~~: # يغفر الله لك يا ابن حيون. إن الحقد ما خرج من قلب إلا دخلته ~~الرحمة، وإني لأرجو أن ستحب صاحبيك وترحمهما وتحسن إليهما، كلما وجدت إلى الإحسان ~~سبيلا. ~~(يطوف قيم الخان على الجالسين حتى يقف به الطواف على المائدة التي جلس ~~إليها حريز وابن لاطون). # قيم الخان ~~: # لعل السيدين قد وجدا الراحة في هذا الخان الصغير ببنائه، الكبير ~~بأقدار رواده ونزلائه؟ # حريز ~~: # ومن السيد؟ # ابن لاطون ~~: # هذا الأديب التميمي صاحب الخان وقيمه. # قيم الخان ~~: # لعلي أيها السيدان بحضرة الأمير حريز أسد الأندلس، وصديقه ابن لاطون ~~في الجزيرة. # ابن لاطون ~~: # هو ذاك يا أخا تميم؛ هذا الأمير حريز بطل الأندلس وواحده، وأنا ابن ~~لاطون خادمه وكاتب ديوانه. # قيم الخان ~~: # يا طيب هذه الزيارة، وما أعظم شرفي بها، لقد مر بنا أيها السيدان ~~منذ ساعة، ركبان حدثونا العجب عن ذلك السباق الذي أقامه ملك الفرنجة ألفونس في ~~معسكره، إكراما لك وحفاوة بك، وخبرونا كيف احتلت على الطاغية فمرقت من ذلك الجيش ms20 ~~الجرار ناجيا بجوادك الصاعقة، وظافرا بالأمير بطرس شقيق الطاغية. # حريز ~~: # وكلاهما الساعة تحت سقف خانك هذا؛ ففي بعض غرفه بطرس أمير الأسبان ~~يأخذ قسطه من الراحة، وفي الإسطبل الصاعقة أمير الجياد يعلف ويستجم. # قيم الخان ~~: # يا فرحا يا شرفا! أخو الطاغية أسير في خاني! نبأ والله عظيم، لا ~~تطلع شمس الغد حتى ينتشر في الأندلس، فتشتغل الدنيا بالتميمي ويهتم بخانه ~~الناس. # حريز ~~: # والصاعقة أمير الجياد، أنسيته يا رجل؟ إن إسطبلك ليتيه به على مغاني ~~الفرنجة وقصورهم. فاذهب فمر رجالك أن يعتنوا به، وليأتوا بما كان عليه من الأمتعة ~~والأسباب فيضعوا ذلك كله في هذه الزاوية من الخان. # قيم الخان ~~: # سيكون ما أمرت يا سيدي. ~~(يخرج الأمير بطرس من غرفة الخان، فينهض حريز وابن لاطون حفاوة ~~به.) # الأمير حريز ~~: # الأمير بطرس؟ لعلك أخذت قسطك من الراحة. # الأمير بطرس ~~: # أجل قد استرحت يا حريز، والآن خبرني ما أنت صانع بي، لقد أصابت ~~الحبالة فما أنت صانع بالصيد؟ # حريز ~~: # إنها أيها الأمير حبالة كريم. # بطرس ~~: # ولكني على كل حال أسيرك يا حريز. # حريز ~~: # أجل، ولكنك الحاكم في الأسر. # بطرس ~~: # لم تنصف أخي الملك يا حريز، اطمأن إليك فخدعته، ووثق بك وخنته، ~~وأطلق لك جوادك الصاعقة وأسرت أخاه. # حريز ~~: # نحن في حرب معكم أيها الأمير، والحرب لا تسأل عما تفعل، وأنا صاحب ~~حصن للعرب يحاصره أخوك، وفي الحصن أبطال لا يعرفون الخوف ولكنهم بشر يعرفون الجوع، ~~ومنهم المرأة والصغير والشيخ الفاني الكبير، وحصني يوشك أن يسقط بعد طول الحصار ~~وضيقه. # بطرس ~~: # إذن يهمك أن يخرج النساء والأطفال والشيوخ من الحصن؟ # حريز ~~: # أراك فهمت أيها الأمير. # بطرس ~~: # إذن فاعلم يا حريز أنك إن خليت الآن سبيلي فرجعت الليلة على معسكري ~~وقومي، فإنه لا يصبح الصبح حتى يطلق سراح كل من في حصن رباح، وينالهم من بر أخي ~~وعطفه ما ينسيهم جراحهم، ولا ينزع من رجالك سلاحهم، بل تترك للأسد أظفارها. # حريز ~~: # هذا ما أبغي أيها الأمير. # بطرس ~~: # وأي الأقسام تريد أن أعطيك عليه؟ # حريز ~~: # إن ms21 الرجل الشريف كلمته قسم وإشارته يمين، فأنا أكتفي بما سمعت من ~~وعدك، فانطلق الآن محروسا بعناية الله، وعد لأخيك الملك فبلغه تحيتي وإجلالي، ~~وخبره بأن ربحي من ذلك السباق كان عظيما فقد غنمت صحبة أخيه الأمير النبيل الكريم، ~~وغنمت أيضا خلاص رجالي في الحصن، وخرجت فوق ذلك من الميدان بكنوز طليطلة وجواهر ~~ملوكها بني ذي النون. # الأمير بطرس ~~: # كنوز طليطلة؟ خرجت بها بين عين الجيش وأذنه! يا لك من داهية عنيد! ~~أكانت هذه الكنوز معك حين أتيت للمعسكر؟ # حريز ~~(ضاحكا) ~~: # كلا أيها الأمير، بل كانت في طليطلة وفي خزائن ملوكها بني ذي النون، ~~وإنما احتلت حتى حملت إلي مع الصاعقة، إذ أمر أخوك الملك أن يذهب إلى المدينة ~~المحصورة من رجاله ورجالي من يأتي بالصاعقة. # بطرس ~~: # عجبا! لقد رأيت الصاعقة حين جيء به من طليطلة فلم أر عليه شيئا ~~من الأحمال والأثقال، فهل كان يحمل في بطنه الكنوز؟ # حريز ~~(ضاحكا) ~~: # ولم لا تقول إنها كانت على ظهره أيها الأمير ... ~~(مناديا) # يا تميمي. # التميمي ~~: # مولاي. # حريز ~~: # ادفع إلى الأمير جواده قيصر، وشيعه بفارسين من أشد رجالك يرافقانه ~~حتى يبلغ خطوط الفرنجة. # بطرس ~~: # في حفظ الله يا حريز. # حريز ~~: # بذمة الله أيها الأمير. ~~(يخرج حريز مشيعا الأمير بطرس إلى باب الخان، ويعود فيجلس على مائدة مع ~~ابن لاطون) # ابن لاطون ~~(يسأل حريز همسا) ~~: # لقد ذكرت أيها المولى كنوز طليطلة للأمير الأسباني، فأين هي منا ~~الآن؟! # حريز ~~: # هي معنا يا بن لاطون بين أعيننا وفي خفارة سيفينا، ولكنك لا تراها ~~ولا يقع في وهم واهم بأي موضع هي من الخان. ~~(يسمع من خارج الخان مناد ينادي متغنيا) # مناد ~~: # أنا ذا طاه أتاكم # من شريش بقطائف # من يذق حلواي يبرز # لحريز غير خائف # حريز ~~: # لله ما ألذ الصوت وما أحسن الشعر! # ابن لاطون ~~: # وإنا نرجو ألا تكون القطائف دونهما لذة وجودة. ~~(حريز متجها إلى باب الخان) # حريز ~~: # تعال يا صاحب القطائف. أتعرف أيها الرجل حريزا الذي أشدت بذكره ~~فيما أشدت؟ # البائع ~~: # أو تجهله أنت ms22 كائنا من كنت، وهو عنترة البيد وحيدرة الحمى ونادرة ~~الزمان؟ أعرفه بأمسه ويومه كما يعرفه سائر الناس. # حريز ~~: # وكيف صفته؟ # البائع ~~: # رجل عملاق أشم طويل الساعدين عبل شمردل. # حريز ~~: # كفى يا شريشي كفى، اكشف عن بضاعتك لنرى أين المنادى عليه من ~~النداء. ~~(البائع يعرض الصينية مكشوفة) # صوت ~~(من الحاضرين) ~~: # تعالى الله ما أشهى! # صوت ~~(آخر) ~~: # تعالى الله ما أطيب! # حريز ~~: # بكم تبيعني هذه الصينية يا رجل؟ # البائع ~~: # كل ما أعطيت مقبول أيها السيد الكريم. # حريز ~~(ويلقي إليه صرة دنانير) ~~: # خذ هذه الصرة مباركا لك فيها. # البائع ~~: # ولكم في القطائف أيها الطاعم الكريم. # حريز ~~(للحاضرين) ~~: # تعالوا أيها الإخوان نتقاسم هذه اللقمة الطيبة، تفضلوا، أقبلوا. ~~ذوقوا معنا من هذا اللون الذي ذاعت شهرته في البلاد حتى قيل إن من دخل الأندلس ولم ~~يذق من مجبنات شريش فما عرف من متاع الأندلس شيئا. # أحد الحاضرين ~~: # إن لهذه القطائف لطيبا يسكر من بعيد. ~~(الجميع يأكلون) # أحدهم ~~: # ما ألذ! # ثان ~~: # ما أطيب! # حريز ~~(وهو يأكل ملتفتا إلى ابن حيون) ~~: # ما بال الأديب لا يجيب الدعوة؟ # ابن حيون ~~: # إني صائم أيها الأمير. # حريز ~~: # تقبل الله منك وإن أنت لم تقبل منا. # أحد الحاضرين ~~(على المائدة وهو يأكل) ~~: # وهذه المائدة جمعت العلف والشرف؛ فو الله ما كان أحدكم يحلم أن ~~يؤاكل أسد الأندلس. # آخر ~~: # حق إن هذا لهو الشرف العظيم. ~~(يفرغون من الأكل) # حريز ~~: # يا الله ما هذا الدوار؟ ابن لاطو ... # ابن لاطون ~~: # وأنا أيضا كأني داخل في غيبوبة. # رجل ~~(لصاحبه) ~~: # كيف تجد الدنيا في عينك يا ضبي؟ # الضبي ~~: # مظلمة صاعدة نازلة. # الرجل ~~: # وأنا أيضا أجد الدنيا ... # أبو القاسم ~~: # لقد رحمت بصيامك يا ابن حيون فإني أظن القطائف طبخت بالبنج وأخذت ~~تصرعني ... # ابن حيون ~~(مذعورا) ~~: # يا ويح للجماعة غودروا صرعى، وويح لك أبا القاسم سقطت سليب العقل ~~والحراك. ~~(يظهر صاحب القطائف ويصفر فيدخل جماعة من اللصوص) # ابن حيون ~~(وقد امتلأ المكان باللصوص) ~~: # يا الله! امتلأ المكان باللصوص. الآن تبينت أن القطائف كانت مصيدة ~~لم يعصمني منها إلا ms23 الصيام. ~~(ثم لنفسه همسا) # تناوم يا ابن حيون ~~(ويتناوم على مقعده). # صاحب القطائف ~~: # يا أصحاب الباز، غدا يتحدث الأندلس أن صاحبكم صرع الأسد وأخذ ~~الصاعقة من فارسه الجبار، وقد خصصت نفسي بأمير الخيل الصاعقة فهو حصتي من غنائم ~~اليوم، وما سواه فهو لكم تقتسمونه بينكم، فدونكم الجيوب ففتشوها، وعليكم بالحقائب ~~فانبشوها، وخذوا أثاث الخان وعروضه، كل ما خفت زنته وعظمت قيمته. # أحد اللصوص ~~: # ولكن الصاعقة عريان لا سرج عليه أيها الزعيم. # الباز ~~: # بجياد الأندلس جميعا هو كاسيا كان أو عريانا. # لص آخر ~~: # لقد لمحت أيها الزعيم في زوايا الإسطبل سرجا محلى بالذهب ~~والفضة. # الباز ~~: # أوأنتم تاركين لي السرج المذهب المفضض أيها الأصحاب؟ # اللصوص ~~: # نحن وما نملك للزعيم. # الباز للص ~~: # إذن فاسبقني يا شهاب فضع السرج المذهب على الصاعقة وانتظرني ~~هناك. ~~(يأخذ اللصوص في السلب والنهب وينسلون واحدا إثر واحد بما حوت أيديهم، ~~ويبقى رجل منهم فينحني على سرج عاطل يتأمله، ويظن ابن حيون المكان قد خلا فيستوي في مجلسه، ~~ويقع نظر اللصوص عليه فيرمي السرج العاطل عليه قائلا). # أحد اللصوص ~~(لابن حيون ويرمي عليه السرج العاطل) ~~: # خذ يا شيخ السوء هذه الخشبة، لعل فيها العوض عما أفاتك الصيام من ~~القطائف. ~~(ويخرج اللص) # ابن حيون ~~(لنفسه) ~~: # شلت يد اللص؛ لقد قذف السرج بقوة حتى كسره، ولو أصابني به لتركني ~~جثة بلا روح، يا الله! ترى أي شيء في فروج هذا السرج. ~~(يدنو منه ويمسك به ثم يتأمله ويدس فيه يده) # رب ما هذا الحصى! أي مجنون يملأ سرجه بهذه الأحجار! ~~(ثم يستخرج عددا من الأحجار البارقة ويقلبها بين يديه مذهولا ~~قائلا:) لآلئ! يواقيت! أبا القاسم قم فانظر، إن الذي حشا رأسك بالعلم ~~والفقه، قد حشا ردني باللآلئ واليواقيت. ~~(ثم لنفسه) # يا ابن حيون أين يذهب بك! هذا كنز ملك عظيم من أقيال الروم، جد ~~به الحرص وخاف امتداد الفتنة إلى كنزه فاختار له هذا السرج البالي وفي نفسه أن ~~يصونه أو يموت دونه، فأخلف الدهر ظنونه. ~~(يجمع اللآلئ بين الدهشة والاضطراب ms24 ويقول:) # ابن حيون ~~(وينظر إلى اللآلئ) ~~: # لآلئ، يواقيت، ماس، زمرد! رباه هذا عجل الذهب، هذا هو معبود الناس ~~بعدك! هذا هو المال. # | الفصل الثالث # «بستان أمام دار أبي الحسن. إلى يمينه باب الدار ومن ورائه شاطئ الوادي ~~الكبير، أبو الحسن جالس في هذه الساحة وبين يديه تابع له هو «سعيد» وجماعة بالقرب منه من ~~السماسرة يتهامسون.» # أبو الحسن ~~: # ما هذا؟ ما أرى؟ إني لا أعرف هذه الوجوه، فمن الرجال يا سعيد وما ~~يبتغون؟ # سعيد ~~: # هذه الوجوه تحوم على الدار منذ حين يا مولاي، وتسأل عن أجزائها ~~وتستفهم عن مشتملاتها، وتتحدث عن المكتبة خاصة وما عسى تضم من نفائس الأسفار. # أبو الحسن ~~(رافعا وجهه إلى السماء) ~~: # لطفك اللهم! لقد لهج الناس بالنكبة واشتغلوا بالمنكوب، وما أولع ~~الناس بالناس! ~~(ثم إلى الرجال) # أيها الرجال تعالوا، فإن كنتم ضيوفا فيا مرحبا بكم، وإن كانت لكم ~~حاجات تريدون قضاءها فهاتوا اذكروا. # أحدهم ~~: # ائذن لي يا سيدي التاجر أن أصارحك القول، فليس مركزك بسر، والدار ~~معروضة لا محالة فلتبعها اليوم، فقد تغبن جدا في الغد. # أبو الحسن ~~: # أتشفق على الدار أن يكسد سوقها في غد؟ أم تشفق على نفسك أن يكون ~~السمسار غيرك؟ بكم قومتم الدار أيها الوسيط المجتهد؟ وأي ثمن تعطون؟ # أحدهم ~~: # عندي المشترى لها بخمسين ألف دينار يا سيدي التاجر، تحمل إليك في ~~الصباح إن قبلت. # أبو الحسن ~~(إلى الثاني) ~~: # وأنت فماذا عندك؟ # الثاني ~~(من السماسرة) ~~: # عندي الراغب الذي يزيد خمسة آلاف دينار. # أبو الحسن ~~(مشيرا إلى الثالث) ~~: # وهذا الثالث ماذا عنده؟ # الثالث ~~: # عندي أيها السيد صديق لك لا أسميه، يريد أن يشتري مكتبتك بالثمن ~~الربيح، فهل أنت بائع؟ # أبو الحسن ~~(في غضب) ~~: # والمكتبة أيضا أخذوا يتحدثون في شرائها! ووسادتي وفرش نومي أما ~~لهما عندك من طالب أيها الرجل؟ اغرب عني، اغرب وخذ صاحبيك معك وانطلقوا، إن النكبة ~~لم تبلغ بعد تمامها ولم تبلغ إلى اليأس. ~~(يقترب شيخ غريب الثياب ملتفتا إلى الرجال الثلاثة قائلا:) # الشيخ المغربي ~~: # تلك والله وقاحة! # أحد السماسرة ~~: # حجلت ms25 فيها يا وجه النحس. ~~(ينصرف السماسرة) # أبو الحسن ~~(يناجي نفسه) ~~: # ظهر فيك السمسار يا دار، اللهم أنت أعطيت وأنت أخذت وأنت تعلم أني ~~لست التاجر اللص ولا المحتال، فالطف بي فيما قضيت، وأعن ولدي حسونا على ما يواجه ~~من فرار النعمة وانتقال الأيام. ~~(ثم يشعر براحة ويقبل على الشيخ المغربي قائلا:) # وأنت يا شيخ البربر ما وراءك؟ # المغربي ~~: # أنا زائر يا سيدي التاجر. وربما كلمتك في شأن يكون فيه ارتياحك ~~ورضاك. # أبو الحسن ~~: # مرحبا بالزائر. تعال يا سيدي نتحدث على هذا الفضاء الطلق، وفي ظل ~~هذا الروض الكريم. ~~(يسيران قليلا ثم يجلسان) # المغربي ~~: # أنا يا سيدي التاجر رجل من أغنياء المغرب، حبب الله إلي السياحة ~~في أرضه، أجوب مذ كنت البر وأرفع شراع البحر، إلى أن دفعتني الأسفار منذ أيام على ~~مدينتكم هذه إشبيلية الغناء، وكنت سمعت عنها وقرأت الشيء الكثير، فلما نزلتها ودخلت ~~في مواضعها وخرجت ملأت نفسي وشغلت خاطري، فاعتزمت أن أجعلها قراري وملقى عصاي في ~~رحلة الأيام. # أبو الحسن ~~: # ما أسعد إشبيلية يا سيدي بابنها الجديد البار. # المغربي ~~: # مهلا يا سيدي التاجر وخذ الحديث إلى آخره، لم يبق في نفسي من هوى ~~الأسفار إلا جولة أجولها فيما وراء هذا الأندلس من ممالك للفرنجة وديار، فإذا كتب ~~الله لي السلامة أتيت هذه المدينة فاتخذتها وطنا وديارا. # التاجر أبو الحسن ~~: # مشيعا بالسلامة والكرامة. # المغربي ~~: # ولكني مزمع سفرا، وما يدري المسافر ما وراء الغربة من الفجاءات، ~~وما تدري نفس بأي أرض تموت، ومعي يا سيدي من كريم الجوهر ونادره ما أخشى عليه ~~السرقة أو الضياع، وأنا منقطع الوارث لا أهل ينتظرونني ولا ولد، ولقد مررت بدارك ~~هذه مرارا فكنت كلما زدتها تأملا زادتني بهجة وروعة، حتى حدثتني النفس بشرائها. # أبو الحسن ~~(في غضب) ~~: # أأنت أيضا يا سيدي أتيت تساومني في الدار. # المغربي ~~: # دعني أستتم يا أبا الحسن فإني جاد، ما أنا بالمساوم ولا بالرجل ~~الذي يلتمس الفوائد لنفسه من مصائب الناس، ولكني جئت أخطب إليك الدار وأجعل مهرها ~~ما أقدر ms26 أنا لا ما تقدر أنت ولا الناس. # أبو الحسن ~~: # ماذا تريد يا سيدي؟ بين، صرح، إني لا أفهم ما تقول! # الشيخ المغربي ~~(ويخرج عقد لؤلؤ من كمه) ~~: # هذا عقد من كبير اللؤلؤ وخالصه قيمته زهاء المائة ألف دينار، فخذه ~~يا سيدي ثمنا لدارك وابق فيها واحرسها لي حراسة القيم الرفيق، فإن لقيتك سالما ~~بعد ثلاثة شهور تمضي من يومنا هذا نزلت في داري، وإن مضت هذه المدة ولم أعد بقيت ~~عليك الدار مباركا لك فيها ولولدك. # أبو الحسن ~~: # ولكن يا سيدي هذا الثمن كثير جدا لدار يشتغل بها الآن السمسار ~~والدلال. # المغربي ~~: # بربك أيها السيد لا تعرض عن خير ساقه الله إليك، ولا تقف لأهل ~~المروءات في سبيلهم، لا تستنكر على رجل قد زاد ماله حتى ما يدري ما يصنع به، أن ~~يعين بفضيلة منه كريما مثلك طالما آسى الجروح وأقال عثرات الكرام، فأجز الصفقة يا ~~سيدي أجزها. # أبو الحسن ~~(ينظر إلى العقد قائلا) ~~: # أمائة ألف دينار! # المغربي ~~: # أجل يا سيدي في أقل تقدير. ~~(أبو الحسن يأخذ العقد ويتأمله ويقلبه، وفي هذه اللحظة يرسو ~~شراع فتنزل منه بثينة متنكرة في ثياب شاب ومعها جوهر ولؤلؤ.) # أبو الحسن ~~: # ماذا أرى! ما هذا الشراع؟ من الفتية يا ترى؟ ائذن لي أيها الزائر ~~الكريم، وانتظرني فإني عائد إليك من فوري. ~~(يتجه أبو الحسن نحو القادمين من الشراع. المغربي يزيل تنكره ~~فإذا هو بابن حيون. حسون يلمح ابن حيون من داخل الكشك فيناديه من وراء ~~مجلسه.) # حسون ~~: # تعال يا ابن حيون ألاعبك الشطرنج. # ابن حيون ~~: # لبيك يا سيدي حسون. ~~(ويدخل ابن حيون إلى حسون. عند اقتراب أبي الحسن من القادمين ~~يسارع إليه ابن غصين ولؤلؤ وجوهر). # ابن غصين ~~(بثينة) ~~: # السلام عليكم يا عم. # أبو الحسن ~~: # وعليكم السلام يا بني. # ابن غصين ~~: # لمن يا عم هذا القصر المنيف وهذه الربوة الغناء؟ # أبو الحسن ~~: # هذا الكوخ يا بني لخادمكم أبي الحسن التاجر. # ابن غصين ~~: # تسمى غرفة الفردوس كوخا! هذا منتهى التواضع يا سيدي التاجر. # أبو الحسن ms27 ~~: # ومن السيد ؟ # ابن غصين ~~: # ولدك ابن غصين. من أبناء أعيان قرطبة، وهذان جوهر ولؤلؤ صاحباي ~~ورفيقا سفري. # أبو الحسن ~~: # مرحبا مرحبا بشباب قرطبة النابه. إني أرى الدار قد أعجبتكم يا ~~بني، وإنه ليسرني ويشرف قدري أن تدخلوا فتقضوا ساعة مع ولدي حسون. فإني أرى ~~عليكم الفضل والأدب والمجادة، وحسون لا يصاحب ولا يجالس إلا أهل الفضل والنبل، ~~فتفضلوا أيها الأدباء وشرفوا أخاكم بزورة، وأنتم واجدون عند حسون كل ما يشتهي ~~النشء المثقف، ففي خزانته ما قدم وما حدث من آلات الطرب حتى عود زرياب. # جوهر ~~(يصيح) ~~: # عود زرياب! # أبو الحسن ~~: # أجل يا بني، ذلك العود الذي على أوتاره كان عواد الأندلس يسمع ~~الخلفاء ما توحي إليه الجن من روائع الألحان، وتجدون كذلك عند حسون مكتبة لم يجمع ~~مثلها في البلاد، قد حوت الذخائر في كل علم وفن. # ابن غصين ~~: # وكيف ولع فتاك يا سيدي بعلم الفلك؟ # أبو الحسن ~~: # أشد الولع يا بني، وقد جمع الكثير من نفائس المخطوطات فيه، وفي ~~أولها رسائل المنجم الضبي. # ابن غصين ~~: # المنجم الضبي؟ # أبو الحسن ~~: # أجل يا بني، وأذكر أنه من شهرين أو أكثر أو أقل، قد انتهت إلى حسون ~~رسالة مما وضع الضبي فدخله من ذلك فرح يشبه الجنون. # ابن غصين ~~(لنفسه) ~~: # رسالة للضبي من شهرين أو أكثر أو أقل؟ بشراك يا قلب إنه هو، وبشراك ~~يا عين ستكتحلين به الساعة. ~~(ثم إلى أبي الحسن) # لقد شقتنا إلى ولدك الفاضل أيها السيد، فأين من يستأذن لنا ~~عليه؟ # أبو الحسن ~~: # يا مرحبا! يا مرحبا! ما أعظم حظ حسون. اتبعوني يا سادة، اتبعوني، ~~فإني دليلكم إلى ناديه، وإني أرجو أن سيعجبكم، إن حسون شاب قد ألقى الله عليه محبة ~~الناس. ~~(أبو الحسن مع ابن غصين ورفاقه يقفون أمام كشك حسون. ابن غصين ~~يلحظ لعبة الشطرنج.) # أبو الحسن ~~(لابن غصين) ~~: # هو ذا حسون يا سيدي يلعب الشطرنج مع صديق لنا قديم كريم، لا تخلو ~~منه الدار ساعة. ~~(أبو الحسن ينادي ابنه) # أبو الحسن ~~: # حسون يا ولدي. # حسون ms28 ~~: # لبيك. # أبو الحسن ~~: # هذا ابن غصين من نبلاء فتيان قرطبة ومعه صاحباه ورفيقا سفره، يريدون ~~أن يجتمعوا بك ساعة. # حسون ~~: # يا مرحبا! يا مرحبا! أهلا وسهلا بالسادة. # أبو الحسن ~~: # لقد جمعتك بضيفانك الكرام يا حسون، والآن أترككم في حراسة الله ~~لأعود إلى زائري المغربي فإنه بانتظاري، وأخاف أن يأخذه القلق. ~~(أبو الحسن يرجع يفتش على المغربي فلا يجده.) # أبو الحسن ~~: # يا الله! أين الشيخ؟ أين ذهب؟ ~~(مناديا) # سعيد # الخادم ~~: # لبيك يا مولاي. # أبو الحسن ~~: # ما صنع الله بالشيخ المغربي الذي كان هاهنا منذ لحظة؟ # سعيد ~~: # لا أدري أين ذهب يا مولاي. # أبو الحسن ~~(ينظر في يده وكان قد نسي فيها عقد اللؤلؤ) (لنفسه) ~~: # ويحي ماذا أرى! هذا عقد اللؤلؤ في يدي نسيته فيها. يا خجلا! ماذا ~~يقول الرجل عني؟ # ابن حيون ~~(من داخل الكشك) ~~: # سيدي أبا الحسن، لقد لمحت زائرك المغربي خارجا من الدار يهرول ~~فعبثا تبحث عنه. ~~(حسون مع ابن غصين ورفاقه وابن حيون.) # ابن غصين ~~(لنفسه) ~~: # إلهي، صدقني القلب ما حدث، وقلما تكذب القلوب، هذا هو شاب قرطبة ~~الذي لم يخل منه القلب دقة. ~~(ثم إلى حسون) # الآن صدقتني الذاكرة، فنحن يا سيدي قد تعارفنا قبل اليوم. # حسون ~~: # وأين كان ذلك؟ وكيف نلت هذا الشرف؟ # ابن غصين ~~: # في سوق الكتب بقرطبة من نحو شهرين أو أقل أو أكثر. # حسون ~~: # الله ما أعظم حظي! أنت والله يا سيدي ذلك الفتى الملثم الذي نازعته ~~رسالة الضبي ونازعنيها حتى غلبته عليها. نعم أنت هو، وهذا صوته، وهذه شمائله، فكيف ~~اهتديت إلى كوخي أيها السيد العزيز! يا مرحبا! يا مرحبا! جعلها الله بيننا صداقة ~~الدهر. # ابن غصين ~~: # ولكن أنت يا سيدي تلاعب صاحبك الشطرنج، وأخشى أن أقطع عليكما لذة ~~اللعب. # حسون ~~: # لا يا سيدي، هذه لذة نجدها في كل وقت، وأما لقاؤكم والأنس بكم فلذة ~~الدهر وخلسة الأيام، تفضلوا يا سادة. # ابن غصين ~~(لجوهر همسا) ~~: # اجتهد يا جوهر أن تلاعب هذا الشيخ وتشغله، حتى يخلو لي وجه ~~حسون. # ابن غصين ~~(إلى لؤلؤ) ms29 ~~: # وأنت يا لؤلؤ إذا أخذا في اللعب، فقم عند رأسيهما ولا تدعهما حتى ~~أهم بالانصراف. # جوهر ~~(إلى ابن حيون) ~~: # أتأذن يا سيدي أن أحل محل السيد حسون في ملاعبتك؟ # ابن حيون ~~: # تفضل يا سيدي خذ مكان حسون وأرحني من قدرته العجيبة على الظفر ~~بالملاعبين، ومن حظه الذي هو أعجب من قدرته. # ابن حيون ~~(إلى لؤلؤ) ~~: # وأنت يا سيدي أتحب أن تكون من النظارة؟ # لؤلؤ ~~: # يا حبذا لو أذنت يا سيدي. ~~(يتأبط ابن غصين ذراع حسون ويبتعدان ناحية.) # ابن غصين ~~: # أحق أننا التقينا يا حسون؟ # حسون ~~: # أجل، وكنا نظن ألا نلتقي! # ابن غصين ~~: # عناية ولطف وتوفيق أقدار لأقدار. # حسون ~~: # وقديما جمع الله الشتيتين، وطوى الأرض للبعيدين. ~~(يجلسان) # ابن غصين ~~: # أتذكر يا حسون قرطبة وسوق الكتب؟ # حسون ~~: # أجل، وأذكر رسالة الضبي وكيف كنا نتنافس فيها، وكيف غلبتك ~~عليها. # ابن غصين ~~(مبتسما) ~~: # وأين هي الآن يا أخي؟ # حسون ~~: # هي هاهنا يا ابن غصين بالقرب منك وفي متناول يدك، إن شئت انتقلنا ~~إلى المكتبة فأخذتها. # ابن غصين ~~: # لا يا أخي بل دعها في موضعها من خزانتك، فإنها عندك في الحفظ والصون ~~وكأنها عندي. ويكفيني نظرة ألقيها على الرسالة من حين لحين كلما جئت دارك ~~زائرة؟ # حسون ~~(في دهش) ~~: # زائرة؟ # ابن غصين ~~(لنفسه) ~~: # ويح لساني قد عثر، وكشف السر القدر! # حسون ~~(مبتسما) ~~: # كيف تأنثت أخي أما أنت الفتى الذكر؟ أما كفاك هذا الصوت الساحر ~~الرنة اللذيذ النبرة، حتى جمعت إليه أنوثة اللفظ ولين الكلام؟ # ابن غصين ~~(في تلجلج وغضب) ~~: # عثرة لسان يا شاب، فمر عليها مر الكرام. # حسون ~~: # وما أثارك يا أخي وليس فيما قلت ما يغضب؟ # ابن غصين ~~: # لنطو هذا الحديث ولنرجع لما كنا فيه ... أما يسرك يا حسون أن أخلق ~~لزيارتك العلل والأسباب، أن أجعل رسالة الضبي سلما إلى دارك كلما اشتقت ~~إليك! # حسون ~~: # كل السرور يا ابن غصين، أنا واحد أبي لم أعرف عاطفة الأخوة، ولم ~~أجد لها حنانا ولا رقة، ويخيل إلي منذ عرفتك أن قلبي يفيض منها وأن وجداني بها ms30 ~~مترع، فهل ترضاني أخا لك شقيقا، برا بك شفيقا؟ # ابن غصين ~~(ويتنهد) ~~: # يا مرحبا، وإن كنت حللت من قلبي محل أخي الظافر من أول يوم. # حسون ~~: # ويح أذني ما أسمع! وما أنت من الظافر يا ابن غصين! وما الظافر ~~منك؟ # ابن غصين ~~(ويتلجلج في الجواب) ~~: # عثرة أخرى، ويح لساني اختل عصبه واختلط عضله، اغفر لي هذه أيضا ~~وانسها يا حسون. ~~(وكان ابن غصين ينظر إلى رباط بذراع حسون، فوثب في الحديث وقال:) # ابن غصين ~~: # وقى الله ذراعك بيمينه يا أخي، ما هذا المنديل؟ ما وراءه؟ # حسون ~~: # جرح اندمل أكثره وبقي أثره. # ابن غصين ~~: # بعد عنك الشر يا أخي، من جرحك؟ # حسون ~~: # هذا واحد من جراح لم يكن يرجى أن أقوم منها، لو لم تلق عليها ~~العناية يدها الآسية الشافية. # ابن غصين ~~: # بالله ألا حدثتني حديثك. أطلع عليك اللصوص يا أخي في مكان خال من ~~الناس فأبليت فيهم وأبلوا فيك؟ أفاجأتك عصابة الباز بن الأشهب فجرحت رجالها ~~وجرحوك؟ # حسون ~~: # لا يا سيدي، إن القتال الذي شهدت أعظم شأنا وأنبل أقرانا مما ذهبت ~~إليه ظنونك. # ابن غصين ~~: # وما خبره، وأين كان وكيف؟ # حسون ~~: # كان ذلك في قرطبة. # ابن غصين ~~: # قبل تلاقينا في سوق الكتب أو بعده؟ # حسون ~~: # بل بعد ذلك بأسابيع، وكنت نزيلا على بعض خانات المدينة، فكان من ~~عجائب القدر أني اكتشفت مؤامرة تدبر في الخان لاغتيال الأمير الظافر وإزالة ~~إمارته عن قرطبة، وكان شيطان الفتنة ورأس أفعاها هو الأمير حريز بطل الأندلس ~~المشهور؛ فما اطلعت على سر المؤامرة وخطط أصحابها حتى ثار ثائري وغضبت لوطني ~~ولقومي، فانسللت من الخان ليلا، وركبت جوادا كان معدا ليركبه بوق الثورة ~~والفتنة، فعدوت حتى أتيت قصر السوسان فنبهت الأمير وحاشيته وحرسه، ولم أكن إلى تلك ~~الساعة رأيت الظافر وجها لوجه ولا حضرت له مجلسا، وتأهب الجميع للقتال، وما لبثت ~~الثوار أن طلعوا علينا آتين من نواحي المدينة يقودهم بطل الأندلس حريز، فتلقيناهم ~~بصدور قد رحبت بالموت، ونفوس قد هشت إليه، وذكرنا إذ ذاك الوطن ms31 وحقه، وإشبيلية ~~ومكانها في الأعناق، فحملنا حملة تحيد عنها الجبال، وكان الظافر طيب الله ثراه ... # ابن غصين ~~(منزعجا) ~~: # حدثني يا سيدي عن الظافر، قل لي كيف قاتل، وكيف قتله ~~الغادرون؟ # حسون ~~: # تسألني عن الظافر كيف قاتل؟ سل حريزا عنه فهو ينبئك أنه ~~الأسد. # ابن غصين ~~: # وأين كنت من الأمير في ساعة البأس يا سيدي؟ # حسون ~~: # كنت حوله أحمي ظهره ويشد سيفي سيفه، إلى أن ناءت به جراحاته فسقط ~~عن جواده، وكنت أنا أيضا قد أثخنت بالجروح، فسقطت إلى جنبه، حتى إذا أفقت من ~~غشيتي نظرت حولي فرأيت عند رأس الظافر هذا الصديق الذي تراه يلاعبك الشطرنج ~~الآن. # ابن غصين ~~: # وما اسمه يا سيدي؟ # حسون ~~: # ابن حيون وهو من رجال العلم والأدب. # ابن غصين ~~: # وماذا كان من اهتمامه بالقتيل؟ # حسون ~~: # طبع على جبينه قبلة وبكاه ورحم، ثم ألقى عليه رداءه. ~~(ابن غصين يدخل في الإغماء) # حسون ~~: # ما هذا؟ ماذا أرى؟ ما أصابك يا أخي؟ ما لعينيك تغمضان! وما بال رأسك ~~يميل؟ ويحي ماذا جنيت على الشاب؟ قد كان عن حديث الظافر لي غنى؛ رب أصاح أنا أم ~~حالم؟ ~~(وعندما يميل ابن غصين في الإغماءة تقع القلنسوة) # حسون ~~: # هذه ضفائر فتاة قد هوت عنها القلنسوة فانسدلت كجنح الليل على جبين ~~كغرة الصباح. أيها الملك الكريم، لقد عبثت بي إذ كنت تتنكر وتترجل فاعبث اليوم ~~بقلبي ما بدا لك فقد دب لك الهوى فيه، إن شئت فتنكر، وإن شئت فاظهر، فلأكتمن ~~حديثك ولأقدسن سر هواك أن يذاع، ويلاه إن الإغماءة قد طالت. ابن حيون، ابن ~~حيون. # ابن حيون ~~: # لبيك يا سيدي. # حسون ~~: # أنا في حاجة إليك، تعال وحدك أسرع. ~~(يحضر ابن حيون) # حسون ~~: # ابن حيون انظر ماذا ترى، لقد أغمي على ابن غصين فإذا الظبي مهاة، ~~وإذا البدر يا ابن حيون شمس. # ابن حيون ~~(بعد تأمل عميق) ~~: # يا لغرائب القدر، هذا الوجه عرفته وعشقته قبل عشرين عاما من هذه ~~الأيام، وقد لقيت بعشقه الدواهي. # حسون ~~(مندهشا) ~~: # قبل عشرين عاما من هذه الأيام! هازل ms32 أنت يا عم؟! # ابن حيون ~~: # بل جاد كل الجد يا ابن أخي، اسمع حسون: هذه بنت الرميكية، هذه أخت ~~الظافر، هذه بنت ابن عباد. # | الفصل الرابع # «بإحدى مقاصير قصر الزاهي. العبادية والدة الملك ابن عباد مع ~~بثينة.» # العبادية ~~: # لقد علمت يا بثينة ما كان من زيارتك لدار التاجر أبي الحسن وجلوسك ~~ساعة مع ولده حسون، وأنك كنت في زي الغلام وكان معك لؤلؤ وجوهر. # بثينة ~~: # ومن خبرك الخبر يا جدة؟ # العبادية ~~: # عين من الحب وكلتها بك ترعى خطاك وتحرس حركاتك وسكناتك، وإن كنت ~~عظيمة الثقة بنفسك الأبية العالية، وخلقك الفاضل الشريف. # بثينة ~~: # أنت إذن يا جدة كالمنصور بن أبي عامر، لك في كل ناد عين، وفي كل ~~سامر أذن. # العبادية ~~: # لا بل أنا عجوز يا بثينة، والعجائز يتلمسن الأخبار، وأنا أرمل ~~ملك وأم ملك يتجسس لي من لم أندبه للتجسس، ويجيئني بالأخبار من لم أزود. ومهما يكن ~~من الأمر يا بثينة فلا تنسي أننا ما أرخينا لك الحبل إلا ونحن نعلم أنك الفرس ~~النجيبة، التي إذا أرخي لها الرسن لم يخش لها جماح ولا شرود. # بثينة ~~: # جعلني الله عند ظنكم يا جدة. وببغاؤك نادر يا جدة، أنسيته؟ # العبادية ~~: # كيف أنساه يا بثينة، وقد كان لدي كريما وكان سيد الطير، وكان ~~أخفها ظلا وأبينها حكاية ونقلا. # بثينة ~~: # أتذكرين يا جدة كيف أشفقت عليه فلم ترضي أن ينزع من ريش جناحيه، ~~كما يصنع الناس بالطير الكريم فيأمنون طيرانه وفراره، وإنما اكتفيت بوضع حلقة صغيرة ~~من الذهب في رجله اليمنى تمنعه من النهوض وتقيده، وإن كان في الظاهر حرا يتنقل في ~~نواحي القصر. # العبادية ~~(مندهشة) ~~: # وماذا أخطر ببغائي نادر على بالك يا بثينة، وماذا تريدين بذكر ~~الحلقة؟ # بثينة ~~: # أريد أن أقول لك يا جدة، إن حالي كحال المرحوم نادر؛ قيدتموني بجوهر ~~ولؤلؤ ومقلاص وبالعيون والأرصاد، ثم زعمتم أني حرة طليقة أفعل ما أشاء. # العبادية ~~(مبتسمة) ~~: # ولكن لا أظن حلقة الذهب تثقل رجلك يا بثينة، فإني أرى خدم أبيك ~~الملك لا يقصرون في صحبتك ms33 عن خدمة ولا طاعة. على أن كل هذا لا يهمني، إنما يهمني أن ~~أعلم رأيك في الشاب وكيف وجدته. وهل هو على جانب من الفضل والعقل يتميز به عن ~~اللدات ويسمو به على الأتراب؟ # بثينة ~~: # أما هذا يا جدة فنعم، حسون فتى جم العلم غزير الأدب عظيم الحظ من ~~الفنون جميعا، إلى ما وهب له الله من الشجاعة التي لا يضارعه فيها اليوم إلا أبي ~~الملك، وإلا شاب كان زين الشباب طاح بالأمس شهيد الكرامة والواجب. # العبادية ~~: # أو أبدا تذكرين الظافر يا بثينة، دعيه يا ابنتي في أعراس نعيمة بين ~~شباب الجنة، خبريني هل في شبان أمراء الديار اليوم من هو الكفء لأميرة الأندلس ~~وعروسه؟ # بثينة ~~(في حياء) ~~: # هبي الكفء موجودا حاضرا يا جدة أهذا وقت الفكر في زواجي والاهتمام ~~به، وأنت ترين الحوادث يجد جدها والأمور تسوء مسايرها. مسكين أبي الملك أصبح لا ~~يدري من أين يتلقى البلاء. المغاربة وسلطانهم ابن تاشفين يطلعون من البحر، والأسبان ~~وعاهلهم ألفونس يزحفون من البر، والملك بينهما كالصيد المطارد من جانبيه إن تلفت عن ~~يمينه قتل، وإن تلفت عن شماله أكل، والأندلس في هذه الأثناء كالأسد الواقع في ~~الحفرة إن سكن لم ينفعه، وإن تحرك لم يرفعه؛ وحدة ممزقة، وكلمة متفرقة، وآمال ~~بالعدو معلقة. # العبادية ~~: # إن بنات الملوك إذا بلغن إلى مثل سنك يا بثينة كان الزواج أزكى ~~بسترهن وأليق بجلالهن، وأما ما ذكرت من إظلام الجو وجهامة الحوادث، فتلك حال اختلفت ~~علينا بها السنون حتى ألفناها، وقد تصير إلى الأردأ الأسوأ. وقد يبعث الله برياح ~~اللطف فتعصم السفينة من الصخرة وتقيها كارثة الاصطدام. بثينة بنيتي، أنا الجدة ~~ولدتك مرتين. استريحي إلي بسرك، وبوحي إلي بمكنونه فلن تجدي أرحب بسرك ولا ~~أرحم لك من هذا الصدر. خبريني يا بثينة أتعرفين بين أبناء سروات إشبيلية اليوم فتى ~~يتوسم فيه الخير ويرجى في أمره الصلاح، ويقول الناس عنه: فلان كفء لبنات الملوك؟ ~~بثينة، لقد مررت باسم حسون مرا ولم تصفيه لي، فما شكله؟ وما أوصافه؟ ms34 # بثينة ~~: # هو يا جدة شاب في أواخر العقد الثالث من عمره، رشيق القامة في ~~طول، أسمر اللون فاحم الشعر جعده، ساحر النظرة، إذا تبسم جذب، وإذا تكلم ~~خلب. # العبادية ~~(تبتسم) ~~: # هو إذن فتى جميل يا بثينة؟ # بثينة ~~: # جدا وخفيف الظل فوق ذلك. # العبادية ~~(بعد إطراق) ~~: # ولكن ... ~~(فأجفلت الفتاة ولاحظت الجدة ذلك) # العبادية ~~: # لا تغضبي يا بثينة، فليس وراء «ولكن» شيء أقوله يحط من شأن حسون ~~وينزل به عن مرتبة الفتيان الأمجاد، بل كل ما هناك أن الناس يتحدثون اليوم في همسهم ~~عن نكبة نزلت بالتاجر أبي الحسن، فذهبت بمعظم ماله. # بثينة ~~: # وما يعيبه من هذا يا جدة؟! أليس أبو الحسن تاجرا والتجارة جزر ومد، ~~وحرمان وجد، ونحس وسعد؟ فكم من تاجر بمنزلة أبي الحسن قد نكب فذهب عنه كل شيء إلى ~~الخلق، ثم لم تمض مدة من الشهور أو الأعوام حتى سمع الناس وتحدثوا أن التاجر فلانا ~~المنكوب تغلب بالخلق على نكبته، فعاد دولاب تجارته كأمس عظيم الحركة عميم البركة، ~~ومثل أبي الحسن في خلقه وأمانته وشرف اسمه في الأسواق لا يبعد أن يقوم من هذه ~~السقطة ورجلاه في عافية. # بثينة ~~(مصغية ثم قائلة) ~~: # أسمعت يا جدة؟ # العبادية ~~: # أجل، سمعت تنفسا. # بثينة ~~: # ترى من الطارق؟ ~~(يدخل عليهما الملك) # الملك ~~: # صفحا يا أم وعذرا يا بثينة، إذ كدرت عليكما الخلوة وقطعت عليكما ~~الحديث، فوالله ما دفعني إليكما الساعة إلا هم سار وشاغل جليل. # العبادية ~~: # لا بأس عليك يا بني، وعافاك الله أيها الملك. تفضل اجلس. # بثينة ~~: # خذ مكانك بيننا يا أبت واسترح إلينا من همومك، فها هنا الرحمة قد ~~بسطت جناحيها: ها هنا الأم والبنت. ~~(الملك يضع جبينه على كتف بثينة باكيا) # بثينة ~~(باكية) ~~: # هون عليك يا أبت، وتجمل أيها الملك فقبلك لم تبك الآساد، ولا ~~اشتكت الأطواد، ولا ضاق البحر عن الأعاصير الشداد. تحدث إلينا يا أبت ولا تيأس من ~~روح الله. وعليك بهذه الجدة الشفيقة والأم البرة فائتمنها على سرك. # الملك ~~: # الملك ألفونس منذ سقطت طليطلة وقضاها الله له، ms35 أصبح لا يعرف لي ~~منزلة ولا يألوني تحقيرا وإهانة، ويطلب المال باستكلاب وشره، والبلاد باستطالة ~~ولؤم، ومن عجيب أمره أنه يغضب من جهة فيصخب ويهدد، ويلين من أخرى فيلومني على ~~الاستغاثة بيوسف بن تاشفين واستنجاد جنوده، ويدعي الطاغية أنه أوفى لي منه عهدا ~~وذمة، وأصفى صداقة ومودة، وأنني إن حالفت سلطان المغرب كانت محالفة الذئب للحمل، ~~وأن بربر المغرب إذا دخلوا الأندلس طغوا في البلاد وهدموا بنيان الحضارة فيها، ومن ~~نكد الدنيا أن تصدق فينا نبوءة هذا الناصح الغاش، فقد طمع ضيفنا ابن تاشفين في ~~ملكنا وسلطاننا، وتطلعت نفسه إلى خيراتنا وأرزاقنا، واستنصرناه على ألفونس فإذا ~~نحن الآن نخشى منه بطش النصير، وإذا إشبيلية قد تضمنت مني ومنه العجب؛ النمر في قصر ~~هناك وراء الضفة يجتمع به أعدائي وأعداء الأندلس من أبنائه الأندلسيين وصغار العقول ~~من الفقهاء ومن يلتف عليهم، وهؤلاء يحسنون له البقاء في الأندلس واغتنام الفرصة ~~لضمه إلى سلطته، ويقيمون عنده الحجج على فساد ملوك الطوائف ويحملونني الهدف الأول. ~~وهنا في هذا القصر أسد مقلم الأظفار مغلوب على العرين وحيد من الأنصار والأعوان. # الحاجب ~~: # شيخ يدعى ابن حيون بالباب يا مولاي. # بثينة ~~: # أدخله يا أبي وبالغ في إكرامه، فقد سلف للرجل إحسان إلينا لا ينبغي ~~لنا أن ننساه أبد الدهر. # الملك ~~: # أدخله أيها الحاجب. ~~(يخرج الحاجب من الباب) # الملك ~~: # خبريني يا بثينة ما إحسان ابن حيون إلينا؟ # بثينة ~~: # لقد حدثني من لا أشك في صدق روايته، أن هذا الرجل صلى على أخي ~~الظافر وبكاه وألقى عليه رداءه. ~~(يدخل ابن حيون فتسدل العبادية وبثينة كلتاهما على وجهها القناع) # ابن حيون ~~: # السلام على الملك ورحمة الله. # الملك ~~: # وعليكم السلام أيها الولي الشفيق الحميم. # ابن حيون ~~: # لو أذن لي الملك في خلوة (وقد رأى السيدتين). # الملك ~~: # لا تخش شيئا يا ابن حيون، فهذه العبادية أمي وهذه بثينة بنتي، ~~فحديثك لن يساق إلا إلي وسرك لن يجاوز أذني. # ابن حيون ~~: # أيها الملك نحن اليوم أخوف ما كنا على هذه الأوطان، وفي مثل ms36 ما نحن ~~فيه تجب على الأمة النصيحة للملك، وقد انتهى إلى أذني من بعض الفقهاء ~~والمختلفين إلى ضيفك هذا يوسف بن تاشفين، أنه أصبح يرى نفسه أحق بهذا الملك منك. ~~وقد رأيت رأيا فإن أذن الملك رفعته إليه. # الملك ~~: # وماذا رأيت أديب الأندلس؟ # ابن حيون ~~: # أعلم أيها الملك أن هذا الضيف الذي نصرته ونصرك، وحالفته وحالفك، ~~وقاتلت معه قتالا يبقى حديث الدهر وهو أهل لأن يغدرك، وفي غدرك ضياع الأندلس ~~جميعا ووقوعه في قبضته البربرية الغاشمة، وقديما كان هذا سلوكه مع غير واحد من ~~أمراء المغرب فنزع منهم ملكهم وسلطانهم وشردهم في الصحاري والقفار، فلا تفوتنك يا ~~مولاي خطة الحزم والعزم في أمر هذا النمر ذي العمامة والمسبحة. # الملك ~~: # وماذا تنصح لي أن أصنع؟ # ابن حيون ~~: # ألا توطئ الأرقم سريرك، وأن تقطع السيف قبل أن يقطعك، وأن تقبض من ~~فورك على ضيفك هذا فتسجنه ولا تطلقه حتى يأمر جنوده بمغادرة الأندلس بره وبحره، ثم ~~يحرس أسطولك البحر من كل سفينة مغربية تجري فيه، فإذا تم لك ذلك أخذت على ابن ~~تاشفين الأقسام ألا يعود إلى الأندلس بعدها أبدا. وخذ منه الرهائن فإن نفس الرجل ~~أعز عليه من ملك الأندلس والمغرب مجتمعين، وله أعداء ببلاده يخشى تحركهم ~~وانتقاضهم، ويخاف أن ينتهزوا الفرصة للاستيلاء على ملكه. # العبادية ~~: # أيها المتكلم المحسن والناصح الصادق، لم يخف علي مكان مشورتك، ~~ولكنها خطة أولها لؤم وآخرها شؤم، فإن الملك أكرم وأعظم من أن يغدر ضيفه أو يخون ~~جاره أو أن يحفر الحفرة لمن أقال عثرته. # الملك ~~(لابن حيون وقد رآه يضطرب) ~~: # لا ترع أيها الرجل الصادق، فقد كنا حين نبئنا بوصولك نخوض في هذا ~~الحديث، وكان رأيي كرأيك أما ابنتي بثينة فلم تكن أبدت رأيها بعد. # بثينة ~~: # مولاي، كلا الصوتين نبرة حق، وصيحة صدق، إلا أنني أميل إلى الأخذ ~~برأي الأديب ابن حيون. # الملك ~~: # بورك فيك يا عقيلة الأندلس! مثل هذا السمو في الرأي وهذا الحرص على ~~حقيقة الملك لا يستغربان من بنات الملوك المنشآت بين ms37 أعباء الدولة ومهام ~~السلطان. # العبادية ~~(معترضة) ~~: # ونحن بنات الشعب ألا يقام لرأينا وزن يا مولاي. # الملك ~~(مبتسما) ~~: # أنتن تلدن الأجسام الصحيحة والقلوب الجريئة وتحسن تدبير البيوت، ~~ولكن لا تصلحن لسياسة الممالك. # الملك ~~(لابن حيون) ~~: # لو تيقنت يا ابن حيون أن جمهور شبان الأندلس يشاطرونك أنت وبثينة ~~الرأي لما تأخرت ساعة عن العمل بما تشيران به علي. ~~(يدخل مقلاص) # الملك ~~: # كيف قضيت ليلتك عند ضيفنا أمير المسلمين يوسف بن تاشفين؟ # مقلاص ~~: # كانت ليلتي يا مولاي، ونحن كما تعلم في آذار/مارس في إبان القمر، ~~طويلة مظلمة باردة، لم أضحك فيها السلطان مرة ولكن بكيت مرارا، ولم أجلب له ~~السرور ولكن جلبت لنفسي الغم. # الملك ~~(متعجبا) ~~: # ما هذا الخبر يا مقلاص؟ # مقلاص ~~: # وجدت يا مولاي بحضرة أمير للمسلمين لا يفهم كلام العرب، وعند رأسه ~~ترجمان من كتابه يفسر له كل ما نقوله يا معشر العرب في مجلسه، ويشرح لكل منا ما ~~يشرفه به السلطان من الخطاب. # الملك ~~: # ثم ماذا؟ # مقلاص ~~: # رأيت يا مولاي ملوك الأندلس وقوفا بباب السلطان متنافسين في ~~إذنه. # الملك ~~(ملتفتا إلى زائره قائلا) ~~: # أسمعت يا ابن حيون؟ أعرفت؟ ثم ماذا يا مقلاص؟ # مقلاص ~~: # ورأيت ثم فقهاء الأندلس بعمائمهم المكبرة وجببهم الموسعة يتمسحون ~~بالأعتاب. # الملك ~~: # أسمعت يا ابن حيون! أعرفت؟ # ثم ماذا يا مقلاص؟ قل لنا كيف وجدت السلطان؟ # مقلاص ~~: # بوق عليه طيلسان، وبومة في يدها صولجان. # الملك ~~: # وماذا قال لك حين وقعت عينه عليك؟ # مقلاص ~~: # أدخلت إليه يا مولاي فحققني من رأسي لقدمي ثم قال لي: أأنت ~~الرجل الذي عمله إضحاك الملك ابن عباد وتلهية أسرته؟ # الملك ~~: # فما كان جوابك؟ # مقلاص ~~: # قلت له: أجل أيها السلطان، أنا نديم الملك وسميره. # الملك ~~: # فماذا قال لك؟ # مقلاص ~~: # قال لي إذن فأضحكنا نحن أيضا، عجل أضحكنا. # الملك ~~: # فماذا صنعت؟ # مقلاص ~~: # دخلني خجل شديد، ووقفت ساعة أنظر في ثيابي، ولم يفتح الله علي ~~بشيء يضحك منه ضيفك الكريم، فهممت بأن أقبض على السلطان بكلتا يدي وأقذف به من ~~النافذة. # الملك ~~: # وماذا منعك يا مقلاص؟ ms38 # مقلاص ~~: # سيفه المعروض على حجره، والزبانية القائمون عند رأسه وبجانبه كأنهم ~~العفاريت، إلا أن السلطان لحظ حرج موقفي فأشار بإخراجي، فحضر من رجاله من صرفني في ~~وقاحة وإذلال، فخرجت وأنا لا أدري فيم طلبني الرجل، وأحمد الله على أن لم يجعلني في ~~خدمة سلطان مثله له وجه كوجه الأسد، لا يعرف التبسم ولا البشاشة. ~~(مقلاص يريد أن ينقذ الملك من تأثره) # مقلاص ~~: # لقد وجدت ضالتي يا مولاي. # الملك ~~: # وما ضالتك التي وجدت؟ وقد عدت تهذي يا مقلاص؟ # مقلاص ~~: # لا يا مولاي، ألا تذكر أنني كنت من الإعجاب بجمال الأميرة بثينة ~~وكمالها وسمو منزلتها بين عقائل الشرق والغرب، بحيث لا أعتقد أن بين فتيان الدنيا ~~من هو أهل لأن يخطبها إليك. # الملك ~~(مبتسما) ~~: # والآن هل وجدته يا مقلاص؟ ومن ترى يكون؟ # مقلاص ~~: # فتى جريء جميل رأيته يوم الزلاقة يحمي ظهرك هو وحريز وابن لاطون، ~~فظل سحابة نهاره معلنا بالسيف دونك حاميا لحوذتك، حتى لقي البطلان حريز وابن ~~لاطون حتفيهما وحمل هو إلى داره مثخنا بالجراح. # الملك ~~: # ومن الفتى يا مقلاص؟ # مقلاص ~~: # هو يا مولاي أجمل فتيان الأندلس وأشجعهم، وهو الآن طريح الفراش ما ~~يزال يشكو من جراحه. # الملك ~~: # ومن يكون؟ وما اسمه؟ # مقلاص ~~: # هو حسون ابن التاجر أبي الحسن. # ابن حيون ~~: # لقد صدق فتاك يا مولاي، فإني كنت عند حسون الليلة البارحة أعوده ~~وقد أفاق من جراحه وقص علي حديث بلائه يوم الزلاقة حين اشتد القتال بينك وبين ~~الإفرنج، فأخبرني أنه رأى يومئذ جوادك وقد ضعف وخار من شدة الجراح، فقدم لك الصاعقة ~~أمير الجياد، ركبته وكان تحت الباز بن الأشهب لص الأندلس فخر عنه قتيلا. # الملك ~~(مندهشا) ~~: # أوكان الباز بن الأشهب بجانبي يقاتل معي أعداء البلاد؟! # ابن حيون ~~: # نعم يا مولاي، ويقول حسون إنه أبلى يومئذ بلاء عظيما. # الملك ~~: # يا الله! أيكون اللصوص أوفى للأندلس من أمرائه وفقهائه، وأبذل ~~للأرواح دون لوائه، وأين حسون الآن؟ # ابن حيون ~~: # هو كما ذكرت يا مولاي ما يزال طريح الفراش، ولكن لا خطر على ms39 ~~حياته . # الملك ~~: # الآن تذهب أنت ومقلاص فتنوبان عني في عيادته والسؤال عن أمره، ~~وإبلاغه تحيتي وشكري وما أعد له من جليل المكافأة. # بثينة ~~: # وأنا أيضا أبلغ حسونا تحيتي وشكري يا سيدي ابن حيون، وأرجو أن ~~يعلم أن أخت الظافر لم تنسه ساعة، وأنها قد جمعت له هذه الأزهار بيدها فاحملها ~~إليه، وقل له لو كنت الملك لبعثت له بالغار في الأزهار، وبالصولجان مع ~~الريحان. ~~(وفي هذه الأثناء يدخل جوهر) # جوهر ~~: # مولاي لقد وقع ما كنا نحاذر وحل بإشبيلية البلاء. # المعتمد ~~: # البلاء! تريد أن الصديق قد انقلب وأن الحليف قد عاد حربا. هذا ما ~~خفت أن يكون وقد كان. ~~(يدخل لؤلؤ) # لؤلؤ ~~: # أغث أيها الملك المدينة، أدركها فقد خلفتها وجنود السلطان يتدافعون ~~فيها كالسيل بعدما اشتد ضغطهم على باب الفرج، وأقاموا ساعة يدفعونه حتى ناءت به ~~الكثرة فانفتح فنفذوا منه إلى كل مكان، فاخرج يا مولاي فقاتل حتى تستنقذ الوطن أو ~~تموت دونه، وإلا فالنجاء النجاء. # الملك ~~(مغضبا) ~~: # تدعون يا شاب للفرار! هيهات هيهات! الأسد لا يهرب ولا يخاف ~~الموت. ~~(ملتفتا إلى جوهر) # خبرني يا جوهر أين كان فتيان إشبيلية؟ وأين هم الآن؟ # جوهر ~~: # قبع الفتيان في البيوت يا مولاي، إلا مائة أو ما دون المائة شهدوا ~~معك يوم الزلاقة وتعلموا منك الكر والإقدام، واليوم قد لبسوا السلاح وخرجوا ~~يلاقون الموت وهم بانتظارك ليجعلوك اللواء الذي تسيل نفوسهم عليه. # الملك ~~: # يا بشراي! مائة شاب وطنوا النفس على الموت، أما والله لو صدقت يا ~~جوهر لكان لي من مائة قلب مجتمعة مؤتلفة متواصية بالحق وبالموت قوة أرمي بها في ~~العباب فيمحى، وأقذف على الجبال فتزول. البدار البدار يا جوهر، امض لوقتك فضع ~~بيدك السرج على الصاعقة والقني به على الباب. # جوهر (بصوت عال) ~~: # أبشري إشبيلية، هذا الليث قد تحرك لنصرة العرين. # الملك ~~: # في ذمة الله وفي حفظه يا بنات المعتمد. # بثينة ~~: # في درع من وقاية يا أبي، فإني أراك أخذت سيفك ونسيت درعك. ~~(المعتمد وهو منطلق والسيف مسلول في يده ولا درع ms40 عليه ) # الملك ~~: # إن يسلب القوم العدا # ملكي وتسلمني الجموع # فالقلب بين ضلوعه # لم تسلم القلب الضلوع # قد رمت يوم نزالهم # ألا تحصنني الدروع # وبرزت ليس سوى القمي # ص على الحشا شيء دفوع # ما سرت قط إلى القتا # ل وكان من أملي الرجوع # شيم الألى أنا منهم # والأصل تتبعه الفروع # | الفصل الخامس # المنظر الأول ~~«في دار الحسن في غرفة حسون، حسون راقد على سريره مريضا وأبوه أبو ~~الحسن داخل عليه.» # أبو الحسن ~~: # قم يا حسون انهض، إن العناية بلغتك مناك، وشفت بعودك للحياة ~~أباك. ~~(ينتفض حسون من رقدته جالسا) # أبو الحسن ~~: # أوشك يا بني أن أهتدي لموضع بثينة، فهل تساعدني وهل تخف معي ~~لعلنا نجد الكنز الضائع، ونظفر بالأمنية المنشودة. # حسون ~~: # ماذا حدث يا أبي؟ ماذا رأيت أو سمعت حتى امتلأت تفاؤلا ~~واستبشارا؟ # أبو الحسن ~~: # أتذكر يا بني خاتم الزمرد الذي كانت تطوف علينا به في سوق ~~الجوهر، سيدة كهلة من وصائف القصر، وهي تبحث عن توأم للفص وتلتمسه فلا ~~تجده؟ # حسون ~~: # نعم يا أبي، وأذكر أنها كانت تنسب الخاتم للأميرة بثينة، وتصف ~~رغبة الأميرة في الحصول على فص يكون في حجمه وصفاء لونه وسلامته من العيب، ~~ليكون لها من الجوهرتين قرط عزيز المثال. # أبو الحسن ~~: # فاعلم إذن يا بني أنني كنت منذ حين في سوق الجوهر، فما راعني ~~إلا رجل قوي من قواد المغاربة قد جعل يطوف على التجار يعرض عليهم حلية، ~~فأخذتها عيني فإذا هي خاتم الأميرة بفصه، فتريثت إلى أن كف المساومون وكان آخر ~~ثمن بذل في الخاتم ثلاث مائة دينار، وكان التجار يقولون للرجل لو جئتنا بصنو ~~هذا الحجر لنقدناك فيها الألف أو زدنا. وهنا أومأت إلى الرجل أن يتبعني فتبعني، ~~فانتبذت به ناحية وقلت له: أنا آخذ الخاتم بالثلاث مئة وأزيدك عليها مئة، إن ~~أنت أصدقتني الخبر عن مصدره وكيف وصل إليك ومن أي المعادن التقطته؟ فانبسط ~~الرجل وتهلل وقال: هذه الحلية يا سيدي لجارية من قصر ابن عباد وقعت لي سبية يوم ~~هجومنا على إشبيلية، ms41 فنقلتها إلى داري فلم أجد عليها غير هذه الحلية، وكانت في ~~يدها فأخذتها، وأما الجارية فلم أجدها مغنما بل مغرما فإنها سقيمة مستسلمة ~~للأحزان، طعامها قليل، ونومها غرار، ودمعها لا يرقأ حزنا على سادتها. ونحن لا ~~نحب من النساء إلا القويات الصحيحات الأبدان، ولا أكتمك يا سيدي أني بأمر ~~الجارية تعب وبودي لو تخلصت منها. فقلت له: خذ الآن الأربع مئة دينار مباركا ~~لك فيها. واعلم أنني طبيب مولع بالمشاهدة والتجريب، كثير الاعتناء بالمريض ~~البائس، فلو مضيت بي إلى بيتك لعلني أنظر الجارية فأعرف علتها وأصف لها دواءها ~~أو أخفف آلامها. فقمنا فمضينا حتى انتهينا إلى داره، وهناك أدخلني على الجارية ~~المريضة فدنوت منها وقلت لها: عوفيت يا جارية ولا خوف عليك إن شاء الله تعالى. # حسون ~~: # والنونة يا أبت؟ # أبو الحسن ~~: # رأيتها يا حسون فوجدتها فوق ما كنت تصف لي لطفا وجمالا. ~~والتفت إلى القائد البربري فقلت له: أوتعطيني هذه الصبية أيضا وأنا أتمها لك ~~خمس مائة؟ فتهلل الرجل وارتاح وقال: خذها يا سيدي وأرحني منها وداوها أنت ~~فعساها تصح على يديك، فنقدته المائة الخامسة وحملت الصبية فوق ذراعي وخرجت ~~بها فركبت جوادي وأركبتها خلفي وانطلقت حتى بلغت الدار. # حسون ~~(صائحا) ~~: # وأين هي يا أبت؟ أتراها هي بنونتها؟ ربي اجعلها هي، وأين تركتها ~~يا أبي؟ وفي أي موضع من الدار؟ ~~(يفتح باب غرفة مجاورة فإذا بثينة من وراء الباب، فيندفع إليها حسون ~~صائحا) # حسون ~~: # بثينة! حبيبتي! أميرتي. # بثينة ~~: # حسون! أخي! صديقي! # أبو الحسن ~~(قاطعا عليهما لذة اللقاء والحديث) ~~: # الآن وقد جمعتك يا أميرة بصديقك وخادمك حسون، أستأذن في الخروج ~~إلى بعض شأني ساعة. # بثينة ~~: # لا يا عم بل ابق، البث، إن وجودك معنا يزيد الموقف بهجة ~~وطيبا. # أبو الحسن ~~: # إن أذنت يا أميرة فإن احتجابي عنكما لن يطول. # حسون ~~: # بل ابق معنا يا أبي. # أبو الحسن ~~: # سأعود يا بني، سأرجع. ~~(ويخرج أبو الحسن.) # حسون ~~(إلى بثينة) ~~: # ماذا أقول يا أميرتي؟ وكيف أقول في هذه الساعة التي هي ~~العمر؟ # بثينة ms42 ~~: # انظر حسون كيف جعل الله هذا اللقاء الذي لم يكن في الحسبان، ~~عوضا لما فاتنا من نعيم الحياة ومتاعها، حتى كدت أنسى ذلك الملك المنزوع ~~والسلطان الذاهب، وأسلو القصور وضجتها والدولة وأعراسها. # حسون ~~: # وأنا أيضا يا بثينة غفرت هفوات الدهر لهذه الساعة المحسنة ~~الطيبة، وإن لم أخل ولن أخلو ما عشت من تفجع للوطن العزيز، وتوجع لرزئه ~~الجليل. # بثينة ~~(متنهدة بعد انبساط) ~~: # آه من الدهر ماذا صنع! لطف الله بك يا إشبيلية فيما حل عليك من ~~قضائه، وجعل وطأة المغاربة خفيفة عليك وعلى جاراتك من حواضر الأندلس. # حسون ~~(مطرقا متنهدا) ~~: # دهر ببنيه يا بثينة قلب، ودنيا ترتجل العجائب، وملك في السماء ~~يفعل بعباده على الأرض ما يشاء، ولكن بثينة حبيبتي، أميرتي، أحق أننا التقينا ~~في يقظة أم نحن خيالان في رؤيا من الأحلام؟ أتذكرين يا بثينة يوم السوق؟ ~~أتذكرين قرطبة؟ أتذكرين رسالة الضبي؟ لله ما كان أحلاك يومئذ وراء ~~اللثام! # بثينة ~~: # وأنت يا حسون، لله ما كان أجملك وأكملك، وكأنك يومئذ ملك كنت ~~تنتقل في السوق فتخرج من مكتبة وتدخل غيرها، وتدع كتابا وتأخذ كتابا، والكتب ~~حلية الشباب النابه، وجمال الفتوة النابغة. # حسون ~~: # أتذكرين كل ذلك يا بثينة؟ # بثينة ~~: # أجل، كل ما كان من حركاتك وسكناتك يومئذ، ومن عباراتك وإشاراتك ~~ما يزال مرتسما في ذهني لم تمحه الشهور، ولا أحسب الموت يمحوه. # حسون ~~(يمد يده إلى ذقنها ويقول) ~~: # بحياتي نونة، كالدرة المكنونة. # بثينة ~~(في شيء من الغضب) ~~: # نح يدك يا ابن أبي الحسن، لا تمدها إلى ما لم تملك بعد. # حسون ~~(في انكسار واستحياء) ~~: # اغفريها للحب وللشوق يا أميرة. شلت يدي إن كنت أضمرت سوءا أو ~~هممت بريبة. ~~(يدخل أبو الحسن) # حسون ~~: # أبي، أبي! لم تبطئ يا أبي؟! # أبو الحسن ~~: # كنت مشغولا يا بني بتهيئة طعام الأميرة. # بثينة ~~: # جزاك الله خيرا يا عم ومد لنا عمرك. # أبو الحسن ~~(يأخذ مجلسه ويقول) ~~: # الحمد لله يا ولدي على هذا التلاقي الذي هو من توفيق الأقدار، ~~فاليوم جمعكما هذا البيت على أثر الكارثة ms43 وفي أعقاب النكبة، كما يجمع الشاطئ ~~الغريقين سالمين بالرمق، من انكسار الفلك ومن ثورة الريح وطغيان الماء، لقد ~~تعارفتما بالأمس فنشأت بينكما الألفة وأنست الروح الروح، وانعطف القلب على ~~القلب، وقديما يا أميرة صاهرت الملوك والرعية، وأبوك لطف الله به وبنا جميعا ~~فيما حل علينا من قضائه وقدره، أسمح من سن هذه السنة، فرفع على عرش إشبيلية ~~امرأة من رعاياه هي الرميكية خيرة الملكات، وأم العقائل من البنين ~~والبنات. # بثينة ~~: # أراك يا عم قد بالغت في مؤاساتي حتى أنكرت يد الدهر وما نالت ~~منا، وإلا فأين أبي مني اليوم؟ وأين من أبي ملكه؟ وهل نحن اليوم إلا سوقة ~~نتنصف؟! # أبو الحسن ~~: # هوني عليك يا أميرة! إن أباك لم يخلعه قومه ولكن خلعه ~~المغيرون، فهو في نفوسنا معشر الإشبيليين حاضر الجلالة ماثل المهابة مرتسم ~~الكرامة، يومه كأمسه وغده كيومه، وإن اختلف به اليوم والغد وتصرفت به الأيام. ~~وأنت أيتها الأميرة فما زلت بنت الملك المعتمد ابن عباد، فهل تنزلين إلى ~~القبول بابني هذا حسون زوجا؟ # حسون ~~: # وخادما أمينا. # بثينة ~~: # هذا كثير من المجاملة والمواساة يا عم، إن حسونا كفء ويشهد ~~الله أني أحبه وأجله، وكأني بأبي في غياهب سجنه ينظر إليه كما أنظره، ويشعر ~~نحوه بمثل ما أشعر، ولكني كما علمت مفجوعة بأب منكوب، وملك معزول، أخذ فغل، ثم ~~سربل الذل، وبأم ثكلى وإخوة قتلى، وأخوات أميرات يتعذبن من الخلع، ويتكسبن من ~~غزل أيديهن. # حسون ~~: # قد قلت حقا يا أميرة، وأنا لا أتخيل الجميع هناك إلا مشغولين ~~بك فوق منفاهم، يفتشون عن مكانك بعين حيرها الدمع، ويد قصرها العجز، وقدم ~~أعجزها القيد. # بثينة ~~: # إذن فأنت ترى أنه ليس من الحق ولا من البر أن أوجد ولا يعلمون ~~أني وجدت، وأن أتزوج ولا يعلمون كيف وبمن تزوجت، وماذا يقولون إذا هم علموا ~~أني اتخذت من مأتمهم عرسا؟ # ابن حيون ~~(يدخل ويقول بعد أن رأى بثينة، مندهشا) ~~: # سيدتي بثينة هنا؟ الأميرة بخير؟ ما أعظم منتك يا رب! ~~(ويحاول تقبيل يد الأميرة فتمنعها منه) ms44 # بثينة ~~: # لا تفعل يا عم. أهلا بك يا ابن حيون، وما أعظم سروري ~~بلقائك. # أبو الحسن ~~: # انظر ابن حيون نعمة الله علينا بهذا الكنز الغالي ~~الثمين. # حسون ~~: # انظر ابن حيون كيف رد الله علي راحتي وروحي، وأعاد لي الحياة ~~والآمال. # ابن حيون ~~: # الحمد لله الذي جعلك في حفظه وفي ذمته، والذي ردك إلينا سالمة ~~يا سيدتي، والذي هو قادر على أن يجمعك بأهلك كأمس على جاه الأمور، وفي ظل ~~شاهقة القصور. # بثينة ~~: # لقد رأينا يا عم كيف تنتقل الأمور، وعرفنا كيف تبدل أهلها ~~القصور، وأصبحت لا أطمع من دهري إلا بالعيش في ظل الأمن والخمول، وبين قلب يحنو ~~ونفس تعطف. # ابن حيون ~~: # طيبي إذن يا سيدتي نفسا، إن الذي تشتهين قد اجتمع لك، فالأمن ~~والسكون لا تعدمينهما في جناح من هذه الدار، أو في جنة بعيدة عن الناس من جنات ~~هذا الإقليم، وإني أشهد أن هذا الفتى يحبك، وأنك ملء قلبه ملء نفسه، فاقرني يا ~~سيدتي حياتك بحياته تجدي حقيقة السعادة في ظل الحب المشترك الصحيح. # حسون ~~: # كان هذا حديثنا يا عم قبل حضورك ولكن لم نكن فرغنا منه بعد، وقد ~~رأت الأميرة برا بوالديها وقضاء لحقهما أن يكون زواجنا بعين أبيها وسمعه، ~~وبقبول أمها ورضاها، وكل زواج رضيه الأبوان وارتاحا إليه سيقت فيه البركة وطافت ~~به الرحمة. # ابن حيون ~~: # لقد رأيتم صوابا، واتفقتم على واجب كان لا بد من قضائه، ولا ~~أظن هذا المقترح لقي منك اعتراضا يا أبا الحسن. # أبو الحسن ~~: # معاذ الله يا ابن حيون، ولكن ألا ترى معي أن حسونا والأميرة ~~محتاجان إلى الراحة واسترداد العافية؟ # ابن حيون ~~: # أما هذا فنعم، ولم لا يقضي حسون والأميرة هذا الأسبوع في هذه ~~الدار، حتى تثوب إليهما القوة والعافية. # حسون ~~(مقاطعا) ~~: # أتأذن لي يا أبي إن رأيت غير رأيك ورأي ابن حيون؟ # أبو الحسن ~~: # تكلم يا بني فأنت حر. # ابن حيون ~~: # الكلام حر في الأندلس يا حسون فتكلم. # حسون ~~: # أرى يا أبي أن نسافر من ليلتنا بل من ساعتنا ms45 إلى أغمات منفى ~~الملك. # أبو الحسن ~~: # نسافر؟ نسافر الساعة؟ وأنت والأميرة على هذه الحال من الضعف ~~والسقام! # حسون ~~: # أبي، إني ذكرت الوالدين المنكوبين فخيل إلي أنهما على جمر لا ~~يهدأ من اللوعة، لاحتجاب الأميرة والشك المعذب في مصيرها، وليس ما ذكرتما أنت ~~وابن حيون من ضعفي وضعف الأميرة وأثر السقم والهم فينا إلا حالا لا يلبث ~~الشباب أن يتغلب عليه، فالمروءة تأمرنا جميعا ألا نؤخر الرحيل ساعة، إذ لا ~~معنى للإسعاف إذا هو لم يعجل ولم يأت في أوانه. # ابن حيون ~~: # هو ذاك. # أبو الحسن ~~: # نعم الرأي. # الأميرة ~~: # ليكن كما أشار حسون. # حسون ~~: # إذن فهلم أبي، هلم ابن حيون، هلمي يا أميرة، الساعة نسافر فنقضي ~~الواجب. # الأميرة ~~: # ويقضي الله ما يشاء. ~~(يدخل الغلمان الخدم صائحين) # الغلمان ~~: # سيدي أبا الحسن، سيدي حسون، سيدي ابن حيون، خذوا حذركم، أدركوا ~~الدار. # حسون ~~: # ما يزعجكم أيها الغلمان، وماذا حول الدار؟ إني أسمع ضجة، أما ~~تسمع يا ابن حيون، أما تسمع ضجة يا أبي؟ # بثينة ~~: # حول الدار ضجة. # خادم من الغلمان ~~: # أولئك جنود المغاربة يا سيدي. # الثلاثة ~~(بصوت واحد) ~~: # جنود المغاربة حول الدار!؟ # الخادم ~~: # أجل، أتوا يسألوننا عن بنت الملك هل رأيناها وهل آويناها، وهم ~~يقولون إنها دخلت الدار منذ ساعة، وإنها طريدة الأمير سيرى بن أبي بكر قائد جيش ~~الفتح. # حسون ~~(مغضبا) ~~: # بل قل جيش الفضح يا غلام، فقد باء الغادرون بفضيحة ~~الأبد. # بثينة ~~: # الآن فهمت يا حسون، الآن أدركت يا عم أن سيرى ابن أبي بكر كان ~~قد خطبني إلى أبي، وكان رسوله يومئذ القاضي ابن أدهم، فلا أبي أجاب، ولا أنا ~~قبلت، ولعله تذكرني اليوم فهو يريد أن يأخذني عنوة. # حسون ~~: # لا والله يا بنت الملك لا تسقط من رأسك شعرة وأنا حي، ساعدي معي ~~وسيفي بيدي مسلول. ~~(وبعد إطراق يستأنف ويقول) # حسون ~~: # لا بأس عليك يا أميرة، ولا علينا يا أبي من طلعة البربر، ولا من ~~اجتماعهم بنا في هذه الحجرة أو غيرها من الدار، ولا خوف علينا من فتشهم ~~ونبشهم. ms46 # التاجر ~~: # وكيف يا حسون؟ وماذا اعتزمت أن تصنع لتدفع عنا هذا ~~البلاء؟ # حسون ~~(بعد فكرة طويلة) ~~: # اسمع يا أبي، في هذه الغرفة صندوق مملوء من ثياب المغاربة ~~وأسلحتهم، فاتبعوني، ادخلوا من فوركم فاخلعوا ثيابكم هذه وخذوا من الصندوق ما ~~شئتم من ثياب المغاربة وتزيوا بزي القوم ثم نخرج فتختلط بهم أو ندعهم وسبيلهم ~~ونأخذ سبيلا غيره. # ابن حيون ~~: # هو لا شك سبيل الفرار. # حسون ~~(مبتسما) ~~: # هو ذاك يا ابن حيون، السرعة السرعة. ~~(ثم ملتفتا إلى الأميرة) # حسون ~~: # ادخلي يا أميرة، أسرعي، أسرعي، لا يضيعن الوقت، فإن الجنود ~~في طلبنا. ~~(يدخل الأربعة الحجرة ثم يخرجون في الزي المغربي ويكون الجنود قد ~~دخلوا وهم يقولون). # الجنود ~~(داخل المنزل لبعضهم) ~~: # فتشوا، انبشوا. # الأربعة ~~(خارجين قائلين) ~~: # فتشوا، انبشوا. ~~(ويكررون ذلك ثم ينسلون من المكان) # المنظر الثاني ~~«تحت أسوار السجن في أغمات حيث ترى بثينة وحسون وأبو الحسن وابن ~~حيون على مقربة من حارس السجن». # ابن حيون ~~: # ها نحن أولاء شارفنا أغمات، وهذه أيها الرفاق هي القلعة التي ~~شاءت الأقدار أن يسجن فيها الملك العظيم. # حسون ~~: # يا لعجائب القدر! قرية ظلت القرون الطوال مجهولة مغمورة، أصبحت ~~اليوم تسافر إليها الظنون من كل مكان، وتشتغل ممالك العرب بها وبنزيلها ~~العظيم، وتشرف الأسماع لمطالع قوافيه، وينتظر الرواة ما يقول فيه الشعراء من ~~كلمات التوجع ونفثات الحنين! # بثينة ~~(بعد إطراق واستعبار) ~~: # يا لقسوة القدر! أهذا قفص الأسد يا ابن حيون؟ أهاهنا منفى ~~الملائك من عقائل بني عباد؟ تبا لك يا ابن تاشفين، ما كان أبخل جاهك على ~~الكرام، وما كان أكثرك في القيود على الأحرار! # ابن حيون ~~: # صه أيتها الأميرة، فهذا السجان ينظر إلينا، وقد يدخل الريبة ~~في نفسه أن يسمع منك هذا الكلام. # حسون ~~: # كفكفي الدمع يا بثينة وأقلي الجزع، ولا تنسي أن وراء هذه ~~الجدران جروحا من الدهر لم يبق لها بلسم سواك، فكوني المفاجأة الشافية، واطلعي ~~عليها بابتسامتك الحلوة طلوع العافية. # السجان ~~: # من الرجال؟ ما تبتغون؟ متى كان حرم السجن موضع وقوف ~~وهمس؟ # حسون ~~: # نحن ms47 أيها السجان طائفة من آل الملك السجين وحاشيته، قد هزنا ~~الشوق إلى زيارته والسؤال عن أمره، فادخل فاستأذن لنا عليه. # السجان ~~: # أنسيت أيها الفتى أن هذه القلعة هي من السجون التي يعيرها ~~السلطان اهتمامه. فلا يدخلها داخل إلا بإذنه، ولا يخرج منها خارج إلا بإذنه، ~~فهل بأيديكم جواز يبيح لكم زيارة السجين؟ # ابن حيون ~~: # أنت تعلم يا أخي أن مولانا السلطان يعطف على أسيره ~~الكريم. # السجان ~~(متهكما) ~~: # كل العطف يا سيدي. # ابن حيون ~~: # وأنت تعلم أن الملك المعتمد قد رخص له من أول يوم في استصحاب ~~من يشاء من خواصه وذوي قرباه. # السجان ~~: # أعلم هذا أيها السيد. # ابن حيون ~~: # فكر إذن في الأمر قليلا، فليس يضرك أن تدخلنا إلى الملك ~~وتتركنا عنده ساعة، لعلنا نشفى برؤيته وحديثه الشوق والصبابة ~~(ويلقي للحارس صرة ويقول:) # ومع ذلك فإليك هذه الصرة خذها وبلغنا الأرب. # السجان ~~(وهو يضع الصرة في كمه) ~~: # ما هذا أيها السيد؟ # ابن حيون ~~: # هذا قد لمسته بيدك، هذا قد سمعت رنينه بأذنك، هذا يا أخي هو ~~الذهب مفتاح الأبواب كلها إلا باب الجنة. # السجان ~~: # هذا كثير يا سيدي. # ابن حيون ~~: # بل هو قليل يا أخي، ولك مثله عند خروجنا من حضرة الملك. # السجان ~~: # لقد سألتموني أمرا صعبا أيها السيد، ومع ذلك ... فما في دخولكم ~~من بأس. تفضلوا يا سادة ادخلوا. # المنظر الثالث ~~«في سجن أغمات حيث يرى ابن عباد بين أمه وزوجه وسائر أولاده ~~وحاشيته، وقد شاعت آية البؤس والتعاسة وجوه الجميع، واليوم يوم عيد، وقد جلس ابن عباد ~~يتلقى تحية العيد وكلهم صامت خاشع». # ابن عباد ~~(مناجيا نفسه) ~~: # فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا # فساءك العيد في «أغمات» مأسورا # ترى بنات في الأطمار جائعة # يغزلن للناس، ما يملكن قطميرا # برزن نحوك للتسليم خاشعة # أبصارهن حسيرات مكاسيرا # يطأن في الطين والأقدام حافية # كأنها لم تطأ مسكا وكافورا # من عاش بعدك في ملك يسر به # فإنما عاش بالأحلام مغرورا # الرميكية ~~(للملك) ~~: # الأميرات بين يديك أيها الملك أتين يهنئنك بالعيد. # الملك ~~: # يا مرحبا ms48 بهن ، ولا مرحبا بالعيد ولا أهلا به، عيد! بأية حال ~~عدت يا عيد! اذهب فأنت على السجين حرام. # الملك ~~(لنفسه) ~~: # لكن يا ابن عباد، بعض هذا الجزع، وتجلد رحمة بهذه الحمائم ~~الموثقة، ورفقا بهذه الملائكة المسجونة. # الملك ~~(إلى بناته) ~~: # العيد يا أخوات بثينة، يوم يجمعنا بأختكن. # إحدى الأميرات ~~: # والعيد أيضا أيها الملك يوم يرد الله عليك ملكك، فتدخل ~~إشبيلية عليك التاج مؤتلقا. # أميرة أخرى ~~: # بل العيد يا أبي يوم تدخل الأندلس فتنتقل في ربوعه وممالكه، ~~تنقل الشمس من دار إلى دار. # الملك ~~: # تقبل الله منكن يا عباديات ورحمني. # إحدى الأميرات ~~: # هون عليك يا أبي فلم يدم في النعيم والبؤس قوم. # الملك ~~: # لقد هون الصبر الحوادث عندي يا بنتاه، إلا حادثة أصبح القلب ~~جريحا لا يقوى على حملها. # الأميرة ~~: # وما تلك يا أبتي؟ # الملك ~~: # أختك بثينة واحتجابها الذي طال، وانقطاع الأخبار عن ~~مصيرها. # الرميكية ~~: # لا تيأس من رحمة الله أيها الملك، وانتظر فرجا يأتي به فضله ~~وكرمه، فهذا قلبي يحدثني، وقلما كذبت قلوب الأمهات، أن بثينة قد وجدت، وأنها ~~بخير وأمان. # الملك ~~(باكيا متضرعا) ~~: # اللهم اسمع من أمتك الرميكية وتقبل منها وأدخل علينا السرور ولو ~~ساعة، فإن عهدنا به عهد طويل. ~~(الأميرات يتنصتن) # الرميكية ~~: # ضجة؟ # أميرة ~~: # حركة! # أخرى ~~: # نقل أقدام! # الملك ~~: # انظري يا رميكية من الداخلون! فإن عيني أصبحت لا تحقق ~~الأشباح. # الرميكية ~~: # سلم الله عينيك يا مولاي وأقرهما بلقاء بثينة. ~~(وفي هذه الأثناء يثب مقلاص إلى الباب ويرجع مع القادمين يقبل ثوب ~~الأميرة بحرارة قائلا:) # مقلاص ~~: # سيدتي بثينة! أميرتي، يا طربا، يا فرحا! # الملك ~~: # رب ما أرحمك! ماذا أرى؟ ماذا أسمع؟ ما هذا الطيب الذكي؟ إني أجد ~~ريح بثينة! # الرميكية ~~: # بشراك يا قلب هذه فلذتك ردت إليك، ~~(وملتفتة إلى الملك) # سيدي، ملكي، انظر كيف استجاب الله لنا، هذه بثينة مقبلة. # الملك ~~: # أجل أيتها الملكة، أقبلت الدنيا وعاد الزمان. # إحدى الأميرات ~~: # بثينة! أختي! ما أعظم إحسانك يا رب! # الملك ~~: # بنيتي، بنيتي، تعالي املئي ذراعي كما كنت تختبئين فيهما طفلة ~~صغيرة. ~~(تنطرح ms49 بثينة على صدر والدها) # بثينة ~~: # أبي، سيدي، ملكي، لا بأس عليك يا ملك العرب. # الملك ~~: # ولا عليك يا ابنتي، ثقي بالله وأملي وجهه الكريم. # بثينة ~~: # الصبر منك تعلمناه يا ملك الصابرين. # الملك ~~: # والجدة يا بثينة أنسيتها؟ أما بك إليها شوق؟ أما لها منك ~~قبلة؟ # بثينة ~~(وتقوم لجدتها) ~~: # جدتي، سيدتي، ملكتي، شهد الله ما خلا القلب منك ساعة، وما ~~وجدت في مضيق فذكرتك إلا انقلب فضاء، ولا أظن الله سبحانه وتعالى أنقذني من ~~البلاء، وردني إلى أسرتي ورد أسرتي إلي إلا ببركة رضاك، أطال الله عمرك يا ~~جدة. ~~(ثم ترتمي في أحضان العبادية جدتها، وهي محاطة بأخواتها الأميرات ~~تقبلهن ويقبلنها حتى أطردت اللوعة وأخذها أبواها بينهما، وانتظمت من الأسرة الملكية ~~حلقة. وهناك أقبل الملك على ابنته بالحديث فقال:) # الملك ~~: # خبريني كيف اختطفت يا بثينة وما حديث اختفائك؟ حدثينيه ليطمئن ~~قلبي، فقد كان احتجابك في غليان الفتنة، وعند احتدام الفتن يزال المصون ويهون ~~العزيز وتقع الفجاءات. # بثينة ~~: # ولكن الله سلم يا أكرم الآباء. # الملك ~~: # حدثينا إذن حديثك يا بثينة. # بثينة ~~: # حديثي يا أبت عجيب، مخزن سار، مبك مضحك، حافل بعجائب القدر ~~ومدهشات القضاء. # الأميرات ~~: # حدثينا إياه يا أخت أسرعي. # الرميكية ~~: # قصي علينا يا بنتاه قصتك. # الملك ~~: # خبريني يا بثينة. # بثينة ~~: # نظرت إليك يا أبي يوم هجوم المغاربة على إشبيلية، فرأيتك تقاتل ~~وحيدا قليل العون والمساعد، وكأن إشبيلية تحتك العرين، وكأنك الأسد يحمي عرينه ~~شبرا شبرا، فقلت في نفسي: علام تعلمت الضرب بالسيف، وعلام كنت أركض جياد ~~الخيل في سهول الأندلس وحزونه، إذا أنا لم أقض حق وطني، ولم أحم ظهر أبي في ~~هذا اليوم العصيب؟ ثم جعلت على وجهي لثاما وتقلدت سيفا وامتطيت جوادا وخرجت ~~من القصر فلحقت بك، فلم أزل أقاتل بجانبك وأحامي عنك حتى امتدت إلي يد من ~~حديد فاقتلعتني من سرجي، فأغمي علي، ثم انتبهت فإذا أنا في دار رجل من ~~قواد المغرب. # الملك ~~(مغضبا) ~~: # وماذا لقيت من المغربي الخشن؟ # بثينة ~~: # لم ألق إلا خيرا يا أبي، فقد كان ms50 الرجل دينا وتقيا، أخذ ما ~~علي من الحلي. # الملك ~~: # يا له من دين تقي. # بثينة ~~: # وتركني، فلبثت في داره أياما طريحة الفراش لا أذوق طعاما ولا ~~أطعم رقادا، إلا ما كان من سكرات الحمى، إلى أن سخرت له العناية هذا الشيخ ~~الجليل ~~(وتشير إلى أبي الحسن) # فلم أدر كيف نقلت إلى داره، وهي لا تقل رفعة عن قديم دورنا، ولا ~~تقصر بشاشة نعمة عن زائل قصورنا. # الملك ~~(في قلق وغضب، مشيرا إلى حسون) ~~: # هذا الشاب من يكون يا بثينة؟ # بثينة ~~: # هذا حسون ابن هذا الشيخ الجليل، التاجر أبي الحسن، وله عندنا ~~أياد يذكرها مثلك في الكرام، فقد قاتل الثوار في قرطبة مع أخي الظافر رحمة ~~الله عليه، وأبلى في وقعة الزلاقة بلاء كان له خطره وأثره في ذلك الفتح ~~المبين. # ابن حيون ~~(متدخلا في الحديث) ~~: # وقد جرح حسون يومئذ جرحا بليغا فحمل إلى داره، فما بلغها حتى ~~بعث إليك أيها الملك بالصاعقة، ذلك الجواد الأشقر، فركبته والوطيس حام والحرب ~~مجنونة، فكان ميمون الناصية، من صوته نصرت، وفي ركابه غلبت وظهرت. # الملك ~~(مفكرا مهتما) ~~: # الصاعقة؟ فرس الباز بن الأشهب لص الأندلس؟ # ابن حيون ~~: # أجل أيها الملك، وقد كان تحتك في وقعة الدهر بين الفرنجة ~~والمسلمين، وكان رابع فرس قدم لك يومئذ وأنت كلما هلك تحتك فرس ركبت ~~غيره. # العبادية ~~: # أعرفت محدثك هذا يا مولاي؟ # الملك ~~: # كيف أجهله أو أنساه، هذا ابن حيون الذي زارنا في إشبيلية ونصح ~~لنا فلم نسمع منه، فالحمد لله الذي جمعنا به حتى نستأنف شكر إحسانه. # ابن حيون ~~: # أطال الله بقاءك يا مولاي وأعانك على هذه الشدة، وردك إلى ديارك ~~ورد ديارك إليك. # الملك ~~: # وأنت يا حسون، فقد ذكر لي بلاؤك، ووصفت عندي كثيرا ~~بمحاسن الصفات ومكارم الأخلاق. # حسون ~~: # مد الله حياتك يا مولاي، وظللت برعايته وأمانه. # بثينة ~~: # ائذن لي يا أبي أن أعترف في مجلسك بأني كنت في بعض أيام تنكري ~~أجتمع بهذا الشاب النبيل، فلا أجد إلا أدبا حسنا، وعلما جما وخلقا ~~فاضلا، وشمائل قد ms51 لا توجد في أبناء الملوك. # الملك ~~: # أتذكرين يا بثينة كيف كنت معك ضد القاضي ابن أدهم، حين جاء ~~يخطبك للأمير سيرى بن أبي بكر؟ # بثينة ~~: # أذكر ذلك يا أبي ولا أنسى لك فضلك ما حييت. # الملك ~~: # اعلمي إذن يا بنية أن الأوان قد آن، وأن الإسلام لا دير فيه ولا ~~رهبانية، وأن السجن قد يحتمله الطفل وقد يطيقه الكهل، ولكنه يرهق الشباب ~~ويزهقه، فلن نرضى لك أن تشاطرينا هذا المنزل الخشن وهذه العيشة الجافية، وإن ~~قلبي ليحدثني بأن ألفة روحية قد انعقدت بينك وبين هذا الشاب النبيل. # حسون ~~(متدخلا) ~~: # أيأذن لي الملك إن عرضت أن قوله الكريم إنما يعرب عما أكن ~~لسيدتي الأميرة من الحب والإجلال، وإني أجد أقصى التشريف وغاية السعادة أن يأذن ~~لي الملك في أن أخطب سيدتي بثينة إليه. # الملك ~~(ملتفتا إلى بثينة) ~~: # وأنت ماذا تقولين يا بثينة؟ ~~(الأميرة تغضي حياء وتسكت) # الملك ~~: # من الصمت كلام. # الملك ~~(إلى أبي الحسن) ~~: # وأنت يا أبا الحسن ماذا ترى؟ # أبو الحسن ~~: # ما يرى الملك أفضل، فيما شئت فمرنا يا مولاي. # الملك ~~(إلى الرميكية) ~~: # والملكة ما رأيها؟ # الملكة ~~: # قد أمرت يا مولاي بما فيه الخير، جعله الله زواجا مقرونا ~~بالسعادة واليمن. # ابن حيون ~~: # أيأذن الملك لي أنا الآخر بالكلام؟ # الملك ~~: # تكلم يا ابن حيون. فقد عرفت مودتك وإخلاصك، وتبينت نصحك ~~واهتمامك، ولو لم يكن من إحسانك إلي وإلى أسرتي إلا تجشم هذه الرحلة من ~~إشبيلية إلى أغمات، لكفى في باب المروءة والوفاء. # ابن حيون ~~: # لا شكر على واجب يا مولاي، وقد طوقتني الساعة منة لا ينزعها من ~~عنقي الموت، بما رسمت من بناء هذا الفتى الماجد الباسل بهذه الأميرة التي لم ~~يلد الملوك أجمل ولا أكمل منها، والآن بقي لي ملتمس أرجو أن يجيبني الملك ~~إليه. # الملك ~~: # اقترح يا ابن حيون تجد ملبيا مجيبا فيما تبلغه قدرة ملك ~~مخلوع. ~~(يخرج ابن حيون جرابا كان قد شده على وسطه ثم يفتحه وينثره عند ~~قدمي الملك فتنتثر اللآلئ واليواقيت). # الملكة ~~: # جواهر! # الأميرات ~~: # لآلئ! ms52 يواقيت ! # مقلاص ~~: # يا لك من كنز ثمين غال. # الملك ~~(وهو ينحني على الكنز) ~~: # ومن أين لك يا ابن حيون كل هذا المال؟ فمثل هذا الكنز لا يكون ~~إلا ذخيرة ملك وابن ملوك. # ابن حيون ~~: # هو كما تقول يا مولاي. فهذا الكنز كان لملك ووارث ملوك فساقته ~~العناية إلي، واليوم قد هلك أصحابه وبادوا فأصبح لي وحدي أتصرف به كيف أشاء، ~~وبالأمس قومت هذه الجواهر بما يقرب من ألف ألف دينار، وأنا مقسم هذا المال ~~ثلاثة أقسام: ثلث تأخذه أنت يا مولاي فتستعين به على ما أنت فيه من الشدة، ~~وثلث يأخذه حسون وزوجته فيعيشان به رغدا، والثلث الثالث يكون لي ولأبي الحسن ~~التاجر هذا، ~~(مشيرا إلى أبي الحسن) # نؤسس به تجارتنا ونعقد بيننا شركة نتحدى بها تجارات الفرنجة في ~~الأندلس. # أبو الحسن ~~: # الله أكبر! أنت والله هو المغربي الذي دخل على داري، وما كنت ~~يومئذ إلا متنكرا محسنا للتنكر، فأسوت جرحي وحفظت علي داري واستنقذتني من ~~عوادي البؤس والفاقة، والآن ترد علي تجارتي وتشاطرني كرائم مالك، فبأي لسان ~~أؤدي شكر إحسانك! # ابن حيون ~~: # بل اشكر الله يا أخي، فإني لم أعنك بمالي ولكن أعنتك بماله، ولا ~~أجدني صنعت يومئذ إلا واجبا ولا قضيت إلا دينا علي للصداقة القديمة وللود ~~الصحيح. # الملك ~~: # ولكن ما عساي أصنع يا ابن حيون بهذه الثروة، وأنا كما تراني ... ~~صيد في قيد، وأسد في صفد، وحي في قبر، ودنيا في شبر؛ إنها لهبة مشكورة وإن ~~كانت هي والحرمان سواء. # ابن حيون ~~: # لقد أراح الله بالك من هذه الناحية يا مولاي، وأذهب عنك الحزن ... ~~ألا يسرك يا مولاي أن تنتقل من هذه القلعة المظلمة الرطبة إلى منزل بظاهر ~~المدينة جديد البناء، حسن الأثاث، تحيط به الأشجار من كل جانب، فتنزله وقد ~~طرحت هذه القيود فتستقبل الراحة والحرية، وتتمتع بالعزلة التي هام بها ~~العقلاء في كل زمان؟ # الملك ~~: # ومن لي بهذا الذي تصف يا ابن حيون؟ # ابن حيون ~~: # بل هو أمر قد تم يا مولاي، فقد فرغ من ms53 شرائه وتأثيثه وتهيئته ~~لنزولك به في أهلك وعيالك، وأما النقلة فغدا أو بعد غد إن شاء الله. # الملك ~~: # وابن تاشفين؟! # ابن حيون ~~: # هو الذي أمر أن يكون كل ذلك، وقد تذكر كلمتك المشهورة التي ~~سارت مثلا في فم الأندلس، إذ سئلت أي المفزعين أحب إليك: ملك الأسبان أم ~~سلطان المغرب؟ فأجبت: «رعي الجمال ولا رعي الخنازير!» فأمر أن يحمل إليك في ~~المنزل بعيران من نجائب إبله لترعاهما له في خميلة الدار الجديدة. # الملك ~~(في إطراق) ~~: # الآن تذكرت. لقد سئلت مرة في مجلس الحكم إن كان لا بد لي أن ~~أخضع لسلطان أو أدين لملك بالطاعة، فأي الملكين أفضل وأي السلطانين أختار: ~~سلطان المغرب أم ملك الأسبان؟ فأجبت: «أرعى الجمال عند أمير المسلمين، ولا ~~أرعى الخنازير لملك الأسبان» وأظن أن عبارتي هذه نقلت يومذاك إلى ابن تاشفين ~~فأعجبته ووجدها شريفة. # بثينة ~~: # ولكن المكافأة كانت غير شريفة يا أبي. # الملك ~~: # تريدين يا بثينة أن تقولي إن مروءة السلطان لم تزد على أن جعلني ~~راعيا لجماله، بعد ما سلب نعمتي واغتصب ملكي ونفاني أنا وأسرتي في ~~أغمات. # الرميكية ~~: # هذا جهد الرجل في المروءة يا مولاي، وهذه غاية كرمه، فلا تكلفه ~~فوق قدرة باعه، ولا تسأله ما ليس في طباعه. # الملك ~~(لابن حيون) ~~: # ولكن قل لي يا ابن حيون، من أخذ لنا هذا التافه القليل من ذلك ~~السلطان الشحيح؟ ومن ذا الذي اجتهد لنا وصنع كل هذا، حتى غير رأي السلطان، ~~وصرفه عن العنف إلى اللطف؟ # بثينة ~~: # هو لا شك ابن حيون يا مولاي. # ابن حيون ~~: # ما اجتهدت ولا صنعت شيئا ولكن المال صنع. ~~(ويشير إلى الجواهر) # الملك ~~: # سنذكر لك هذه الهمة الكبرى يا ابن حيون. # بثينة ~~: # وتلك الهمة الصغرى أتذكرها للسلطان يا مولاي؟ فقد تسمح فنقلك من ~~هذه القلعة إلى دار غيرها في أغمات. # الملك ~~(ويبتسم ابتسامة تهكم) ~~: # أعيش فيها حرا طليقا بين أربعة جدران، وأرعى له فيها ~~الجمال. # بثينة ~~: # أنت الذي رعيت لله في إشبيلية قوما شيدوا حضارة الإسلام، ~~وشعبا عزيزا كريما ms54 طالما ناضل دون عرينه، وصبر على عداوة الفرنجة وتألبهم ~~عليه القرون الطوال. ms55