######OpenITI# #META# URI: 1359AhmadShawqi.CadhraHind.Hindawi82416046 #META# Tags: novels :: literature #META# ID: 82416046 #META# Title: عذراء الهند #META# AuthorID: 37094079 #META# Author: أحمد شوقي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # تنبيه‏ # الباب الأول: الحوادث في الهند‏ # 1 - جزيرة العذارى‏ # 2 - الببغاء الأسود‏ # 3 - الاستعداد في الهند لاستقدام الأميرة‏ # 4 - عود للصاحبين في الغابة‏ # 5 - فيما كان من أمر الأسطول‏ # 6 - الشقي «طوس» في جزيرة العذارى‏ # 7 - تلاق ولا تلاق‏ # الباب الثاني: الحوادث في منفيس‏ # 1 - عذراء الهند في قصر الأمير‏ # 2 - الأمير «آشيم»‏ # 3 - ما كان يجري في طريق الخفاء‏ # 4 - الأمير في الطريق‏ # 5 - عذراء الهند في الطريق‏ # 6 - حزب الأحرار‏ # 7 - حادث باغت‏ # 8 - بيداء الذئاب‏ # 9 - «هاموس» في القفار يهيم‏ # 10 - ظهور النمر حارس بعد الخفاء‏ # 11 - أفراح منفيس‏ # الباب الثالث: الحوادث في طيبة‏ # 1 - «رادريس» في السجن‏ # 2 - ليلة أنس في قصر الملك‏ # 3 - الأحرار في طيبة‏ # 4 - الوفد الهندي في قصر الملك‏ # 5 - محاكمة «رادريس»‏ # 6 - طيبات طيبة‏ # 7 - ليلة القران‏ # إهداء‏ # تنبيه‏ # الباب الأول: الحوادث في الهند‏ # 1 - جزيرة العذارى‏ # 2 - الببغاء الأسود‏ # 3 - الاستعداد في الهند لاستقدام الأميرة‏ # 4 - عود للصاحبين في الغابة‏ # 5 - فيما كان من أمر الأسطول‏ # 6 - الشقي «طوس» في جزيرة العذارى‏ # 7 - تلاق ولا تلاق‏ # الباب الثاني: الحوادث في منفيس‏ # 1 - عذراء الهند في قصر الأمير‏ # 2 - الأمير «آشيم»‏ # 3 - ما كان يجري في طريق الخفاء‏ # 4 - الأمير في الطريق‏ # 5 - عذراء الهند في الطريق‏ # 6 - حزب الأحرار‏ # 7 - حادث باغت‏ # 8 - بيداء الذئاب‏ # 9 - «هاموس» في القفار يهيم‏ # 10 - ظهور النمر حارس بعد الخفاء‏ # 11 - أفراح منفيس‏ # الباب الثالث: الحوادث في طيبة‏ # 1 - «رادريس» في السجن‏ # 2 - ليلة أنس في قصر الملك‏ # 3 - الأحرار في طيبة‏ # 4 - الوفد الهندي في قصر الملك‏ # 5 - محاكمة «رادريس»‏ # 6 - طيبات طيبة‏ # 7 - ليلة القران‏ # | عذراء الهند # | عذراء الهند # تأليف # أحمد شوقي # | إهداء # إلى سدة سيدنا ومولانا ولي النعم الأكرم، الجناب الخديوي المعظم. # مولاي ... # الكاتب وما كتب غراس نعمائك، وجنى ظلك ومائك، فإذا وفق ليرفع إليك عملا، فقد ~~أسند أفعالك في الفضل إلى أسمائك. # بقي القبول يا مولاي، وهو عندك مأمول، ms001 فتفضل زاد الله في فضلك، واجعل هذا القليل ~~الحقير في ذراك وفي ظلك، كرامة لما تناول من سيرة رب طيبة ومنفيس، «رمسيس ~~الثاني أمون رع سيزوستريس»، خير ملك لخير جيل رأى وادي النيل. # خادم السدة # شوقي # | تنبيه # أشخاص الحقيقة في هذه الرواية أربعة، وما سواهم فمن وضع الخيال؛ «رمسيس الثاني ~~سيزوستريس» ملك مصر، وهو أكبر ملوك الزمن الأول نصيبا من مدحة الأحاديث، وقد كان ~~معظم اعتمادي فيما وصفت من مفاخر أيامه، وعرفت من أحوال البلاد تحت أحكامه على كتاب ~~نفيس، مرصد لسيرة «رمسيس» عنوانه: «رمسيس الأكبر»، أو «مصر منذ 3300 سنة»، لجامعه ~~العالم المحقق «فرديناند دي لانوا»، وعلى مؤلف ظهر في هذه الأيام هو خير المصادر ~~في هذا المقام، أريد «الأثر الجليل» لواضعه الأستاذ الفاضل والعالم العامل «أحمد نجيب ~~بك» مفتش عموم الآثار المصرية. ~~- والأمير كميوم أو شميوم المحرف اسمه في الرواية «آشيم» أكبر أولاد هذا الملك، ~~ومبلغ العلم في أمره أنه كان حاكم منفيس، وولي عهد «رمسيس»، وأنه مات في السنة الخامسة ~~والخمسين من حكم والده، عن ثلاثين سنة، كان في أواخرها أحب إخوته الكثيرين إلى الأمم ~~والشعوب، وأجذبهم بأزمة الرأي العام، وأمتنهم أعلاقا في القلوب، وأن لهذا ~~الموت المعجل أسبابا لا يزال علمها في جانب الغيوب. ~~- والأميرة «آثرت» كريمة الملك، وجملة الخبر عنها أنها كانت ساحرة ماهرة، وأن ~~الملك مدين لنصحها الثمين بفتوحاته الأربعين. ~~- و«بنتؤر» ونصيبنا من أنبائه أنه كان صاحب الملك وشاعره، وأن له فيه مدائح ~~وأشعارا، قالها على لسانه في خطاب الآلهة والضراعة إليهم عند كل أزمة. # وجملة القول: إن التأريخ المصري القديم لا يزال في عهد الطفولية الأولى، إذا نحن ~~قسناه بمعاصرات العلوم والفنون، وما صارت إليه من تمام الوضوح وكمال ~~الثبوت، وإن الحقيقة معه لا يستقر بها خبر؛ فهي عين تارة وأثر، تحيا بحجر وتموت ~~بحجر، فالمستند إليه فيما هو قائل، إنما يستند إلى ظلام زائل، أو جدار مائل، وهذا ما ~~أنبه إليه المؤرخ الذي أعوذ بالله بين يديه أن أكون من الجاهلين. # شوقي ms002 # الباب الأول # | الحوادث في الهند # الفصل الأول # | جزيرة العذارى # كم لنا من عجيبة # طي هذي البسيطة # أمم قد تغيرت # وبلاد تولت # وبحار تحولت # من مكان لبقعة # ثم نابت جزيرة # عندها عن جزيرة # أيها الأرض خبري # عن شباب الخليقة # حدثينا حديثهم # وصفي القوم وانعتي # دول قد تصرمت # دولة إثر دولة # وقرون تلاحقت # وعصور تقضت # ذهب الدهر كله # بين يوم وليلة # مجزوء الخفيف # كانت إلى جنوب الهند الشرقية، وعلى مسيرة أيام من تلك الشواطئ القديمة الأزلية، ~~جزائر شتى صغار منتشرة ها هنا وهناك، كما عامت اللآلئ أو طفت على الماء ~~الشباك، تنهض بالجلال والجمال خلال زرق الماء، نهوض نجوم الجوزاء في القبة ~~الزرقاء. # وكانت كلها أبكارا، لم تئو من قبل نزيلا ولا ديارا، إلا واحدة كان يقال ~~لها جزيرة العذارى، وكانت يتيمة ذلك العقد المأنوس، المنتثر بالمنظر الضاحي على ~~لبات الأقيانوس، وهي التي نلقي عليها المراسي الآن، في ابتداء قصتنا التي ~~وقعت حوادثها من نحو خمسين قرنا من الزمان. # وكان يسكن هذه الجزيرة مائة فتاة وفتاة، كلهن ملك كريم، ومثال عال غال ~~لنعيم الجمال، وجمال النعيم. # وكن كلهن أبكارا، بين الرابعة عشرة والخامسة عشرة أعمارا، إذا رأيتهن ~~حسبتهن أقمارا، طالعة ليلا ونهارا، تملأ المكان والزمان أنوارا، وكن يأوين ~~جمعاء إلى قصر هنالك مشيد على الماء، يضمهن مثلما ضمت نجومها الجوزاء، ~~وذاك القصر مبني بالبلور والمرمر، مفرش بصنوف الجوهر، مترب بالند ~~والعنبر، وكان يحمل مفاتيحه ويحرس أشياءه رجل شيخ كاهن، لا عمل له إلا تطبيب ~~البنات، إن مرضت واحدة منهن، والصلاة بهن في الميقات، وتعليمهن ما تجب ~~معرفته من أصول العبادات. # وكان الزاد يحمل إلى البنات في كل ثلاثة أشهر مرة، فتأتي سفينة كبيرة مملوءة من ~~الذخيرة، فتودع ذلك كله في الجزيرة، بدون أن ينزل أحد من رجالها إلى البر، ثم ~~تنثني آخذة عريض البحر. # أما حراسة الجزيرة شرقها وغربها وشمالها وجنوبها، فكان يقوم بها مائة نمر ~~ونمر، من أندر ما أخرجت هاتيك الأصقاع، من هذا النوع من السباع، كلها من حجم ~~واحد، ms003 وشكل واحد، كأنما دفعها رحم واحد، صفر الأحداق بازرقاق، صفر الجلود ~~بيسير بياض، فيما دون الأطواق، مخططة الظهور بمخطاط قدرة الخلاق، خفاف رشاق، ~~مطلقة الوثاق، لها هنالك على سائر الحيوان الحكم ذو الإطلاق. # وكان في عنق كل واحد منها طوق من الذهب، منقوش عليه بالمينا اسم الفتاة التي هو لها ~~خاصة دون سائر البنات. # وكان بين هاته النمورة واحد، وكان أبيض نقي البياض، ياقوتي الحدقتين، عقيقي ~~حواشي الفكين، دقيق الرأس مستديره، غليظ العنق قصيره، رشيق القامة النضيرة، ~~له سيقان الغزال، وأخفاف الجمال، وإلى مجموع خلقته ينتهي الجلال والجمال، وكانت في عنقه ~~قلادة من الياقوت الأحمر بقفل من ذهب منقوش عليه بالجواهر هذه العبارة، وهي: «ذو ~~الفك العقيقي، خادم عذراء الهند.» # وعذراء الهند هذه، هي إحدى الفتيات، ولكنها في الحقيقة مولاتهن، والسبب في وجودهن ~~في الجزيرة على تلك الحال، وهي بنت الملك «دهنش» ملك ملوك الهند الشرقية، جعلها ~~أبوها هنالك في مائة عذراء من أترابها كريمات الملوك والأمراء، وبنات الوزراء ~~والكبراء. وضرب لإقامة الجميع بالجزيرة أجلا سبع سنوات كوامل، مضى منها ست ~~وبقيت السابعة التي نحن بصدد حوادثها الآن، وكان فعل الملك هذا صادرا عن نصيحة أحد ~~كبار المنجمين له وإشارته عليه؛ ولذلك حديث عجيب نسوقه للقارئ مجملا في هذا الفصل، ~~ليعلم أسباب الغرام المبنية عليه الرواية؛ كيف نشأت وأسرار حوادثه، كيف بدأت فنقول: ~~كان ل «دهنش» ملك الهندين يسوسه وينهض به جميعا، وكانت أعلام سيادته منشورة على ~~ملوك القطرين أجمعين، إلى أن ارتاح «رمسيس الثاني سيزوستريس» ملك مصر، فيما كانت ~~ترتاح إليه همته العلية من كبار المشروعات الفتحية إلى الاستيلاء على هاتيك ~~الأقاليم، واتخاذها أسواقا لتجارات وطنه الفخيم، ومستعمرة جسيمة يعز بها آية ملكه ~~الجسيم، فغشيها بالجحافل برا والأساطيل بحرا، حتى تملكها قسرا، وأخذ ~~«دهنش» في جملة الأسرى. # غير أن فرعون لم يلبث أن شاور في الأمر عقله، ونظر في العواقب نظر حكمته، فرأى أن ~~ملكا كملك الهندين محتاج إلى ملك يتفرغ لتدبيره، أو يكون سريره على الأقل ~~قريبا من ms004 سريره، وأن بقاء الهندين في قبضة مصر واستمرار تبعيتهما لملوكها العالين ~~أمران لا يمكن أن يكونا إلا إلى حين؛ فانتهج تلقاء هذه التأملات سياسة حسنة، بأن ~~جعل الهند الغربية التي هي أقرب إلى البلاد المصرية، وأيسر منالا على سفنها حربية ~~كانت أو تجارية، ممالك شتى صغيرة من نظام واحد، بملوك مستقلين بعضهم بإزاء بعض، ~~ومستظلين تحت لوائه، يقدمون له الجزية، ويمهدون السبيل لمتاجر النيل، ثم ~~أنعم على «دهنش» بالهند الشرقية جمعاء، يستقل بملكها ويحكم بلادها كيف شاء. # وكان «رمسيس» قد استصحب معه في تلك الحملة الكبرى ابنه وولي عهده الأمير ~~«آشيم»، وكان في بداية صباه، وكانت مع «دهنش» فتاته عذراء الهند، وكانت طفلة كذلك، فلما ~~رد فرعون عليه ملكه، وأعاد إليه بلاده، دخل عليه في آله ورجاله يؤدون شكر ~~إحسانه الذي لا يؤدى. فكان أول من ابتدر لثم نعاله، عذراء الهند على صغر ~~سنها، وقصور إدراكها؛ فأعجبه ذلك منها واستلطف روحها ومنظرها، فطلب إلى والدها ~~أن تبقى مع «آشيم» تؤنسه ويؤنسها مدة إقامته القصيرة بالهند. # فكان من عواقب هذا الاجتماع، أن الطفلين انجذب أحدهما إلى الآخر انجذابا ~~شديدا، وصادف الهوى فؤادين ناشئين خاليين، فدب، فدرج، فتمكن. فلما ~~افترقا لم يفترق؛ بل وجد حافظا من مزاج الفتى والفتاة، فراح ينمو في فؤاديهما مع ~~الحياة، وهكذا الحب بعضه من المهد إلى اللحد، ومنه ما يلبث يوما أو بعض يوم ~~(الخفيف): # نظرة فابتسامة فسلام # فكلام فموعد فلقاء # ففراق يكون منه دواء # أو فراق يكون فيه الداء # نعم، كان من الفراق لذينك العاشقين داء، ومن ملحقاته ألف داء؛ خصوصا عذراء ~~الهند، فلقد كان يزيدها ألف هم على همومها، أن والدها لما ذهبت السيئات عنه، وعاد ~~فاطمأن بالملك والأحباب والوطن، بدأ يقتني ل «رمسيس» الموجدة والعداوة، ~~ويذخر له الضغائن والأحقاد، فكان كلما تجدد تذكار ذلك العار، عار الهزيمة ~~والانكسار، تجدد في نفسه الأمل بأخذ الثأر، ثم يدرك أنه يروم المستحيل، ~~فيركن للحقد مطية غير الراكبين، وسلاح العزل المغلوبين (المتقارب): # رأيت الجنون جديرا به # حريا أخو ms005 المهجة الحاقدة # سلاح ثقيل بلا مضرب # وحمل ثقيل بلا فائدة # وكانت الفتاة تلحظ ذلك من أبيها، وكلما ألفته مملوءا من البغضاء نحو والد ~~الحبيب، راحت مملوءة القلب من اليأس، تخفي في نفسها، وتكتم في صدرها، وتضغط على ~~سرائرها في هوى الأمير أن تنهك، ولكن النفس البشرية وإن كان دونها في كثير من قواها ~~الأدبية، تلك القوة الهائلة السارية بالوجود، المتدفقة بالبروق والرعود، فإنها ~~تصطدم باليأس، فتنخذل، كما تصطدم بالمرض فتموت (الكامل): # شيئان فوق قوى النفوس كلاهما # ردع لها ووقى من الطغيان # اليأس وهو لهن موت أول # والداء وهو لها الحسام الثاني # وفي الحقيقة، فإن عذراء الهند لم تلبث أن غلبتها بوادر اليأس على كل ذلك الثبات، ~~فذهب الصبر عنها وبان، والجلد المدخور ولى وخان، فمرضت فطالت أيام المرض ~~وخفيت أسبابه، واشتكلت أعراضه، وشاع الخبر، وأراب الأمر وتكلم الناس. # وكانت الأميرة واحدة «دهنش»، التي لم يكن يعطى عنها صبرا، ولا يقبل فيها ولا ~~ملك النيل مهرا؛ فكيف إذا علم أنه ابن عدوه الظافر، وخصمه القوي القاهر، الذي ~~لا يدري إن هو خطبها لفتاه، أعطيها عفوا أم أخذها قسرا؟ # فكانت كل هاته التأملات تملأ قلب الفتاة مهابة من الأمر، وتجسم بعينيها ~~العواقب، فتستصعب الإقرار، وتشفق من تبعاته، ولا تقدم عليه تاركة والدها ~~الأسيف يشقى ويعذب، ويذهب من مداواتها في غير مذهب، فكلما عرضها على أطباء ~~الهندين حار الأطباء، وخانتهم العقاقير، فيلوي على السحرة فيستفتيهم، فيحيلون على ~~أصحاب الجن، وهؤلاء يبرئون الجن ويتهمون الأفلاك، فيجاء بالمنجمين، فلا ~~يزيدون الملك بالأمر علما. # ثم ما زالت الأيام تتعاقب، والليالي تختلف سودا على ذاك الوالد المحزون، والمرض ما ~~زال، والبنت بحالتها غادية على خطرين، من موت وجنون، إلى أن أخطر بعض الناس على ~~باب الملك شنو أكبر أطباء الصين، وإمام منجميها الراسخين، وكان مغضوبا عليه من ~~ملكه مودعا في السجن من سنين، فتذكر «دهنش» أن شنو هذا كثر ما صدقه ~~الرواية في جسيمات المسائل، وقام له في المهمات، بالخدمات الجلائل؛ فأنفذ إلى صاحبه ~~ملك الصين رسالة ms006 يقول فيها: # من «دهنش» سلطان القطرين وملك ملوك الهندين ... إلى ابن السماء وسلالة ~~الخواقين العظماء، ذي الملك الواسع والعرش المكين، الملك تيتو ملك ~~ملوك الصين: أما بعد؛ فإن الملوك بالملوك، وإن العلماء نجوم الإشراق، التي لا ~~تختص بها آفاق دون آفاق، وقد علمت أن شنو إمام منجمي الصين، مغضوب عليه منك ~~مودع في السجن من سنين، فجئتك شافعا له، وطالبا أن تسيره إلي، فإني ~~مستفتيه في علة عذراء الهند التي تشتد بها، وتتهدد أيامها. ~~والسلام. # التوقيع ~~«دهنش» ملك ملوك الهندين # فحين وردت هذه الرسالة على ملك الصين، عفا عن طبيبه ومنجمه شنو، ثم حمله ~~الجواب على ذلك الكتاب، ورحله معززا مكرما إلى عاصمة المملكة الهندية؛ حيث بولغ ~~له في الحفاوة، وقوبل بمجالي الاحتفال اللائق بمقام العلماء، وأنزل في قصر الملك ~~ضيفا كريما عليه، فعكف أياما يخبر أحوال الداء، ويسبر أغوار تلك العلة ~~العسراء، بدون أن يدرك غايتها علمه، أو يصل إلى كنهها فهمه، وهو كلما خلا إلى ~~الأميرة احتال، وأكثر السؤال، عسى أن تقر أو لعلها تبوح بالسر، والفتاة لا تزداد ~~إلا تماديا في الجحود، وتصميما على الكتمان. # فلم يجد شنو بدا من الركون للتنويم الذي كان أبرع أهل آسيا في معرفته، وأخذ ~~سرائر الأميرة غصبا، فلم يزل بها ينومها المرة بعد المرة، وهو يجدها ~~أشد عنادا في حال النوم منها في حال اليقظة، حتى كلت روحها وخارت ~~أعصابها، وأذعن للقوة عصي العنان، فتحركت الشفتان، وانطلق اللسان، وصادف دخول ~~«دهنش» في تلك اللحظة المكان، ففاجأ ابنته؛ إذ هي منومة؛ إذ تقول بأفصح بيان ~~(المنسرح): # آشيم يا من بحبه نعلو # ومن أديم السهى له نعل # عزت مع الشوق نحوك السبل # وبات صعبا لقاؤك السهل # يا ليت شعري والبعد مجلبة # للترك والعيش كله شغل # أذاكر أنت أم نسيت لنا # إذ نحن طفلان والهوى طفل # إذ تعجب الهند والديار بنا # ويعجب الناظرون والأهل # وإذ يدب الغرام مجتهدا # ونحن لا فكرة ولا عقل # ما نحن قلنا فالحب قائله # وما فعلنا فللهوى الفعل # وإن نقلنا ms007 لبقعة قدما # فللهوى لا البقعة النقل # فإن تكن يا أمير ناسينا # فنحن ما ننسى وما نسلو # تلك سماء الهند شاهدة # وأرضها والجبال والسهل # وأنجم الهند ما طلعن لنا # وما رعتنا عيونها النجل # إني على العهد ما حييت فإن # خلوت تبقى العهود لا تخلو # فكان الملك يسمع هذا الإقرار الصريح، وهو حنق هائج، لذكر اسم «آشيم» ابن الخصم ~~الأشد، والعدو الألد، الذي ما من صداقته بد، وكلما هم أن يقطع على النائمة ~~كلامها، أو يكدر عليها أحلامها، منعه الطبيب مخافة أن يعجل ذلك للفتاة ~~حمامها، إلى أن باحت بسرائرها من أولها إلى آخرها، ولم يبق سوى تنبيهها ورد ~~الإرادة إليها، فالتفت شنو إلى الملك قائلا: إن كنت يا مولاي تريد حياة الأميرة، ولا ~~تريد قتلها في هذا الشباب الغض، والعمر النضير، فاكتم عنها خبر ما رأيت ~~وما سمعت؛ لأنها إن علمت أن أحدا وقف على سيرتها، أو اطلع في الغرام على ~~سريرتها، راحت بشر حالة، ثم هلكت لا محالة. قال: ولكنني يا شنو لا أطيق أن تعيش ~~ابنتي على عشق ابن عدوي، ولا أن تموت عليه، فصف لي بحقك حيلة، فحيلتي اليوم ~~قليلة. قال: إن الغرام المتمكن يا مولاي لا ينفع فيه إلا العزلة وجوار البحر. ~~قال: إذن فاختر لي مكانا أجعلها فيه، ينفع صحتها ويعصمها من يد «آشيم» إلى ~~حين. فأطرق المنجم برهة، ثم قال: قد وجدت يا مولاي المكان الذي تكون فيه كالشمس في ~~سماء الوجود، ولا تستطيع إلى معشوقها النزول، ولا يستطيع معشوقها إليها الصعود. قال: ~~أين؟ وكيف؟ قال: يوجد يا مولاي على مسيرة أيام من الساحل الجنوبي الشرقي لهذه المملكة، ~~أرخبيل منعزل خشن اللمس من جميع الجهات لكثرة الحجر في مياهه، عزيزة منال المداخل ~~على السفن، ولو أنها من حديد، فلتنقل الأميرة إلى إحدى جزره، ولتقم هناك سبعة ~~أعوام كاملة، وليرافقها في كل هذه المدة طبيب ماهر ممن تعهد فيهم العلم، ~~وتعرف لهم الإخلاص؛ لأني أرى الداء متمكنا من هذا الجسم الناعم، محتاجا إلى عناية ~~فائقة، وسهر ms008 من طبيب حكيم. فأطرق الملك برهة ثم قال: وأنا يا شنو لا أجد من أتكل ~~عليه في هذه المهمة سواك. قال: أعفني يا مولاي بفضلك، وانظر في أمري بعين ~~عدلك. إنني خرجت من السجن إلى بلادك، لم ألو على أهلي وأولادي، ولم أتمتع من ~~شميم نسيم بلادي. قال: كل هذا مضمون لك في المستقبل، مأمون ميسور، مع الزمن يهون، ~~وأما الآن فلن يكون إلا ما شئت أن يكون. قال الطبيب واحتد بالغضب: إن مولاي ~~وسيدي تيتو أولى بي منك أيها الملك، وإنه سوف يعوزه منجمه وطبيبه، فيسأل عن أمري ~~فبماذا أنت مجيبه؟ قال: ولكنه سامح بك يا شنو؛ إذ وهب لي عقوبة ذنبك، وإن كنت في ~~ريب مما أقول؛ فهذه رسالته اقرأها تخرج من ريبك. فلما اطلع الطبيب على الرسالة ~~أطرق امتثالا، وانحنى خشوعا وإجلالا. ثم قال: الآن أنا لك وإليك، ووقف يا مولاي ~~عليك. قال: إذن فإني ناظر في أمر السفر وتهيئتكم له، تارك لك أنت تدبير الخروج من مياه ~~المملكة، وقيادة الأسطول الذي يسير بكم، واختيار الجزيرة الصالحة للمقام. # ثم إن الملك أخذ في العمل بكل خفاء وتستر، ومداراة وتنكر، بحيث لم يمض أسبوع ~~حتى صار الأسطول على قدم الاستعداد التام، لا ينتظر إلا الإشارة بالقيام، حتى إذا ~~صدرت إليه خفية، خرج فأدى المأمورية ثم رجع بسلام. # الفصل الثاني # | الببغاء الأسود # كان الفصل شتاء، وكانت أقطار الهند تقطر ماء، أرضا وسماء، وأكنافا وأرجاء، وقد ~~تملك الضباب الآفاق فأدجت إدجاء، وتلاه الليل فأضفى عليها من ظلامه ~~رداء. # وكانت على بعض النواحي الشمالية من أطراف الهند الشرقية غابة عذراء، ممدة ~~شماء، يضيق عن دائرتها الفضاء، وهي مظلمة الأرجاء أبدية الأدجاء، لا تغشاها ~~الشمس بصبح، ولا يزورها النجم في مساء. # وكان عند مدخل هذه الغابة رجلان، ليس ثم غيرهما إنسان، أحدهما عظيم كتلة الجسد، في ~~صورة الأسد، ذي الأظفار واللبد، مكشوف الرأس والصدر، غائبهما في الشعر، وعليه سربال ~~من كتان بال، ممسك بحبال، وفي خاصرته اليمنى خزانة سلاح، مستكملة أدوات الكفاح، ms009 وفي ~~اليسرى خزانة أخرى فيها عدد وآلات، ومواد للاستعمال وأدوات، وهو كأنه سارية من اعتدال ~~قامته الوافية، وكان شيخا يناهز الستين، وإن يكن يراه الرائي فلا يزيده على ~~الأربعين، والآخر فتى شاب في الثلاثين، له أجمل صور الإنسان، وعليه كذلك ثوب من ~~كتان، وهو قد تقلد سلاحه، وحمل جرابا مملوءا طعاما وشرابا، وكانا ~~يتمشيان على المكان، والشيخ يقول للفتى: ها نحن قد بلغنا الغابة يا «هاموس»؛ ~~غابة الببغاء الأسود، الذي يحج إليه ويعبد فصفحا للسفر عن إساءاته؛ إذ كان ~~هذا اليوم من حسناته. قال: يا مولاي، إن كان كنز لا يفنى فالسفر، أو كتاب لا ~~يفرغ من قراءته في هذه الأرض، وإني لأعجب للإنسان كيف يخلق كل هذا الملك لأجله، ~~ويعيش فيه بعقله ثم يموت، وهو لم يجس أديمه برجله، ولم يعرف وعره من ~~سهله. قال: هذا يا بني أكبر عيوب الأنام، أو هو نقص القادرين على التمام، ~~فإن أكثرهم يفنون أيامهم بالحضر، ثم يتهمون الأعمار بالقصر. وهيهات ~~هيهات ما سدى قدرت أيام الحياة، وإنما نتوهمها قليلة من سوء استعمال الأوقات، ~~وإنهم يا بني ثلاثة، لا تجتمع المفاخر لأمة؛ حتى يجتمعوا لها: الكرام، والعلماء، ~~ورجال الأسفار. قال: وأنت هي جملة يا مولاي، فأنت إذن أمة في المفاخر وحدك، فأجاب ~~الشيخ متبسما: ولكني الشقي «طوس». قال: إنه من كيد الكهنة يا مولاي، إن كيدهم ~~عظيم. قال: خلنا الآن من هذا يا «هاموس»، وانظر هل تطلع النجم بعد، فارتجل الفتى ~~نظرة في الأفلاك، ثم قال: نعم، ظهر يا مولاي وبان. قال: إذن فهلم على اسمه ~~وببركة مطلعه السعيد. ثم تقدم نحو المدخل فتبعه الفتى يحمل شريطا من المعدن مشعل ~~الذبال، حثيث الاشتعال يضيء لهم خلال الثرى، ويكشف من الغابة الجوانب ~~والذرى، وكان يديره للشيخ حيث دار، ويسير به بين يديه أينما سار، وقد أمسك هذا ~~ورقة صفراء من البلى مخرقة وهو منهمك يقرأ فيها، فلما فرغ منها طواها ~~بصيانة، وألقاها في الخزانة، ثم أخذ في سيره اليمين، والتفت إلى الفتى يقول: سندخل ms010 من ~~حيث دخل يوقو الصيني يا «هاموس». قال: وهل لذلك أثر حي على المكان، أم أنت يا ~~مولاي تعتمد على الورقة لا غير؟ قال: تأدب يا «هاموس»؛ إن يوقو كان عالما، وإن ~~الزمن الذي يفشو فيه الكذب بين العلماء لم يأت بعد. وإن كنت في ريب مما أقول؛ ~~فانظر إلى هذا الجذع وهذا الساق كيف يتفاوتان لدى السنين، فهذا له آلاف من السنين، وهذا ~~لا يتجاوز عمره المئين، فهنا لا شك نزل يوقو بالبلط وهشم وقطع وحطم؛ ليفتح له طريقا بين ~~الأشجار. قال: وكم كانت أيامه في غابة الببغاء الأسود يا مولاي؟ قال: تسعون شهرا ~~وشهرا. قال: إنها لمدة طويلة يا مولاي، ونحن لنا شأن غير هذا الشأن، يضطرنا إلى أن ~~نختصر من الزمان. قال: ليطمئن قلبك يا بني فورأس «آشيم» لا يكونن الشهر عندي إلا يوما، ~~فنلبث ثلاثة أشهر في هذه الغابة التي لو كانت واحدة لسهل الأمر وهان، ولكنها ~~غابات ثمان، فيها من كل موبقة زوجان، وبعد ذلك لنا إلى مياه الشمال طريق مختصر بين ~~الرمال نقطعه في سبعة أيام بليال، حتى نبلغ البحر؛ حيث المركب والصيادون على الشاطئ ~~ينتظرون، ثم نقلع قاصدين جزيرة العذارى؛ مطلبنا الصعب الذي سوف يهون. # ثم إنه ابتدر الدخول من ذلك الموضع، فتبعه الفتى يحمل الشريط، واندفعا يصلان السرى ~~حثيثا بين شجر ألفافا، وأعشاب تختلف أشكالها وألوانها اختلافا، إلى أن مضت تلك ~~الليلة، وانقضت بدون أن يعتري تعويق، أو يعترض شيء في الطريق. # فلما أقبل النهار ولم تكن ظهرت له في الغابة آثار، غير تحول النبات من السواد ~~الشديد إلى الاخضرار، التفت الشيخ إلى «هاموس»، فقال: أطفئ يا بني الشريط، وخذ هذا ~~السائل فادهن به أطرافك. واعلم أننا قادمان بعد لحظة على موطن الثعبان الأخضر، ~~وستصادفه في الطريق جماعات على أبعاد، منتصبا على أطراف ذنبه في صورة أمهات ~~الموز. فإياك أن تحتك به في مسيرك، فتقيم علينا قيامة لا طاقة لنا بها. ~~قال: وهل لأجله صنع هذا العطر؟ قال: نعم، وإن نكهته تحدث ms011 به من الطرب ما ~~يشغله عن أمرنا. # وفي الحقيقة لم يكن غير يسير زمان، حتى قدم الرجلان على أمثال جماعات الموز، ~~وكانت في أتم سكون، فلما تخللاها وسرى في جوها طيب ما كانا يحملان، راحت ~~تموج بالمنظر العجب، كأنما أخذها من تلك الروائح طرب، فاستمرا في سيرهما ~~آمنين قريرين ببدائع ما يجتليان، والشيخ يقول لتلميذه: تمتع يا «هاموس» من رؤية ~~هذه المناظر، التي لم يشهد الأوائل لها نظائر، ولا أظن أن سيرى الأواخر، ومد ~~معي لقدمك الخطو، واحتمل للسفر، واحمل مشاقه، واعلم أن المروءة منه، والصبر ~~منه، والشجاعة منه، وهي الثلاثة القائمة بمكارم الأخلاق. # فتشجع الفتى بهذا الكلام، وازداد إقداما على إقدام، إلا أنه استأذن أستاذه في ~~تناول بعض الطعام فأذن له، وطلب هو أيضا شيئا من الزاد فأكل، ثم عاودا السير ~~يوغلان فيه إلى أن أخذ النهار في الإدبار، وكانا قد بدآ يبتعدان عن أماكن ~~الثعبان، فأشعل الفتى الشريط واندفعا يتبعان السير سرى موصولا، فلم يكن نصف ~~الليل، إلا وهما بعيدان كل البعد عنها وبأمان تام منها، ثم إذا هما بأرض خضراء نقية ~~العشب، كأنما أمطرت أمطارا أو غسلت مرارا، فلما غشياها أعجب الشيخ ~~مرآها، فنظر إلى الفتى قائلا: توسد يا بني هذا المهاد الوطيء وخذ لبدنك ~~حصته من النوم، وأنا ساهر عليك أحميك وأشتغل بمطالعاتي. قال: سمعا وطاعة، ثم ~~اضطجع فأخذه النوم فنام. وجلس الشيخ عند رأسه ساهرا ينظر في بعض أوراقه على ضوء ~~الشريط، حتى طلع النهار، فانتبه الفتى من رقاده ناشطا خفيفا، وقام الشيخ فمشيا ~~يومهما كله بين أكل وشرب وحديث، يسيران في أرض كبسط الخز تأخذ القدم منها ولا ~~تأخذ من القدم. # فلما كان المساء، عادت الأشجار فتنكرت دلالة على زوال النهار، فأراد الفتى أن ~~يشعل الشريط ليسريا بهداه وفي سناه، فمنعه الشيخ ونهاه قائلا: لقد أوشكنا ~~أن نلج الغابة الثانية، غابة الثعبان الوضاء. قال: وهل في الثعابين كما في الدود ~~ذو النور المشهود؟ قال: ولم لا وليست هذه إلا أصغر عجائب الوجود؟ قال: وما ms012 ذلك ~~الثعبان ذو اللمعان؟ قال: شيء يا بني في حجم الثعبان الأخضر أو هو أكبر، وأما لونه ~~فأصفر، ويقول يوقو الصيني: إنه بالنهار جهنمي ثوار، وثاب صفار، جواره شر ~~جوار، وإلى لقائه تنتهي الأخطار، حتى إذا بدا له الليل عانق الأشجار، يتدفق خلالها ~~بالأنوار، ثم نام نومة العاشق الممتع بالأسحار ، فلو قامت القيامة عند رأسه ما ~~انتبه حتى مطلع النهار. # وما استتم الشيخ حتى قدم الصاحبان على منازل ذلك الثعبان، فإذا نوره التام ~~المحيط، خير من ألف شريط، وهو على الأشجار، يرتجل الأنوار، مختلف الصور والأشكال، آخذ ~~من كل فلك في السماء بمثال، وقد انجلت الغابة في رواء فتان، لم ير مثله ~~حالم ولا يقظان، فاندفع الرجلان يسريان في كلاءة الليل، وبذمة من ساكن الغاب وأمان، ~~والشيخ يقول للفتى: انظر يا بني إلى هذا المكان، كيف يتغير من شأن إلى شان، فبينما هو ~~النهار مسبعة بغير قرار أو كمساكن الجان، إذا هو كما تجتليه الآن، أفق منير الأهلة ~~مزدان، يجتازه الطفل على قدم السكينة والاطمئنان. قال: وهل سرى ليلة يا مولاي يكفي ~~للابتعاد عن موطن هذا الثعبان؟ قال: لا بل هما ليلة ونهار لمن سرى وسار. قال: فما ~~عندنا له من عدد التوقي، فتبسم الشيخ ضاحكا ثم قال: سر يا بني ولا تخف، ~~فمن كان مليك الوجود لن تغلبه هذه الدود، وقد أعددت لذلك مسحوقا يشمه الثعبان، ~~فلا يستطيع إلينا دنوا ولا يملك سببا. # حتى إذا مضى الليل هب ساكن الغاب من نومته فسمعت لذلك ضجة، راحت بها الأرض ~~مرتجة، وماج الجو واضطرب الغاب، وسالت بالمزاحف الأعشاب، فالتفت الفتى إلى شيخه ~~كالمذعور فوجده ينثر من ذلك المسحوق في الطريق، والثعابين تنفر عنه نفارا، وتولي ~~من تلك الرائحة فرارا، إلا أنها كانت تجتمع من بعيد عن اليمين وعن الشمال، وتسايرهما ~~هائجة حنقة، وهي تموج كالجبال، فجد بالفتى القلق، وزاد به الفرق، ورأى الشيخ ~~عليه ذلك فزجره قائلا: ما هذا الجزع يا «هاموس»؟ أتشفق من هذه الديدان، وأنت لو ~~فتشت عن أفئدتها ms013 لوجدت أن بها منك فوق ما بك منها، فمهلا رويدا بعض هذا الخوف، ~~واعلم أن بالعقل قام هذا الوجود، فمهابته منذ البداية سارية في الأشياء، ممتزجة ~~بالغرائز عند سباع الأرض والسماء، يحملها الحي الذي يرزق، وتتشربها النطف ~~التي لم تخلق، فلما سمع الفتى هذا الكلام تقوى جنانه وثبتت الأقدام على الأقدام، ~~ومسخت الثعابين بعينيه حبالا وكانت جبالا، فراح متنشطا في السير لا يلقي ~~لجمعها بالا. # واستمر الرجلان كذلك يسيران إلى أن ولى النهار وبان، وهجر أكوانا إلى أكوان، ~~وعندئذ انقلبت الثعابين على الأعقاب، آيبة إلى مساكنها من الغاب، فكف الشيخ عن ~~إلقاء المسحوق ووقف متبسما يقول لفتاه: الآن لا خوف علينا، ولا نحن نضجر يا «هاموس»، ~~فأشعل شريطك وسر بنا في ظلام الغابة الثالثة؛ غابة الفيل الكسلان. قال: وما ذلك ~~الكسلان أيضا يا مولاي؟ قال: إنها يا بني أفيال عراض طوال في أجرام الجبال، ولكن ~~الكسل منها بمكان، فتراها تقضي الأشهر والأيام في مراكزها، ثابتة لا تتحرك؛ بل قد تتخذ ~~الطير في آذانها وظهورها أوكارا، فلا تحرك خرطومها لتذودها، أو لتمنع الحشرات ~~أن تدمي جلودها. قال: إذن فتلك غابة سهلة المجاز، مأمونة المذاهب على السالكين. ~~قال: نعم، كذلك هي، إلا أنها طويلة مظلمة ثقيلة. قال: ذلك لنا فيه يا مولاي ألف حيلة. ~~أما في جبال الثعابين فالحيلة قليلة، فتبسم الشيخ ضاحكا ثم قال: صدقت يا «هاموس»، ~~إن الأمان ألزم حوائج الإنسان، وأطيب المكان حيث كان، فإن بان لا أهل ولا أوطان، ~~ولا حياة ولا وجدان، وهو في الحضر منة، وفي السفر منة وإحسان. # وما هي إلا برهة زمان حتى بدت لهما أشباح الفيلة من بعد، تموج بها قباب الظلماء، ~~فهزت رؤية ذلك من الشيخ فقال: ألا تبصره يا «هاموس»؟ قال: بلى يا مولاي، وإنه لعلى ~~جرم كما تقول عظيم. قال: إذن فعجل بنا فورأس «آشيم» لا بتنا ليلتنا هذه إلا ~~على ظهر هذا الكسلان. قال: وما لنا وله يا مولاي، وهذا وجه الأرض يغنينا عن متون ~~السباع. قال: إنه يا ms014 بني جبان، والجبان مضيع الجانب، ومطية كل راكب، فلا تنظر ~~إليه عن صفة السباع، وعد هذه الكتلة الهائلة من سقط المتاع، فلما قابلا بعضها ~~وكان في معزل تأملاه في ضوء الشريط فإذا شيء كالجبل، في الضخامة والثقل، تزدحم ~~الحشرات عليه وتحوم صغار الوحش حواليه، مما لم يريا له أثرا في الغابة الأولى ولا ~~الثانية. فنظر إليه الشيخ نظرة المستزري الحاقر، وهو يقول: يا ضيعة الغابة التي أنت ~~حاميها، يا جبل الشحم! ثم إنه أخرج ذلك المسحوق، فنثر منه في الأرض، فطارت كتائب ~~الحشرات عن جلد الفيل، وانفضت جموع الوحش من حوله فرارا من كريهات الروائح، ~~وعمد الشيخ بعد ذلك للخرطوم فتعلق، ثم ما زال يتسلق، حتى بلغ ذروة الرأس، ~~فانحدر منها إلى العريض الطويل، من ظهر الفيل، وهناك نادى صاحبه، فلبى يصعد على ~~عجل ويفعل مثلما فعل، حتى إذا اطمأن بهما المرتقى، جلسا فشعرا بذلك الجبل يميد، ~~فسأل «هاموس» شيخه: ألا تحس بحركة يا مولاي؟ قال: بلى يا بني، ولكنها حركة الجسم ~~بعد الموت، فإني لا أحسب هذا الكسلان إلا أغضبه سوء صنيعنا به فخطا خطوة. # ولما كان النهار، نزل الرجلان من حيث صعدا، فانطلقا يجدان في المسير والفيلة ~~تبدو لهما من كل جانب، كتائب دونها كتائب، إلى أن وافى الظلام، فقابلاه بمثل ما فعلا ~~في الليلة الماضية، واستمرا على هذا الحال ثلاثة أيام بليال، حتى خرجا من غابة ~~الأفيال، ودخلا الغابة الرابعة؛ غابة النمال، فالتفت الشيخ عندئذ إلى «هاموس»، ~~وقال: الآن نحن يا بني في غابة النمل، فلا تنظر إليه عن صغر، فما كل صغير ~~يحتقر، وانظر إليه كيف يأخذ القوت، ويحمي البيوت، ويثبت أمام العدو، حتى يتم له ~~الظفر أو يموت. قال: وهل هو يا مولاي من النوع المعتاد المألوف في سائر البلاد؟ قال: لا ~~بل هو الأبيض ذو المنشار الذي لو سلطت كتائبه على جبل لأصبح هباء منثورا، وهو في ~~حجم الخنفساء، ويذكر يوقو الصيني أن فيلا عظيما مما خلفنا وراءنا طوح به ~~أجله إلى هذه الغابة، ms015 وكان يوقو على شجرة ينظر. قال: فلم أشعر إلا بالملايين من هذا ~~النمل قد خرجت إلى لقاء العدو، ثم لم أدر إلا بالفيل قد قضم قضما لحما وعظما، ~~وانصرف النمل من حيث أتى، فنزلت لأنظر فلم أجد للحيوان أثرا على المكان. قال الفتى: ~~وما عندنا يا مولاي من السلاح لهذا الأبيض ذي المنشار؟ قال: النار ذات الدخان، وإن يوقو ~~الصيني لم يلق في غابة من الغابات، عشر معشار ما لقي في هذه الغابة من ~~الصعوبات، فلقد عمل تجارب شتى أخفق في جميعها. # ولو لم تساعفه الصدفة بإخطار ذكر النار على باله، لأقام بهذه الأرض عمرا متنقلا من ~~شجرة إلى شجرة، أو منحبسا في صندوقه الحديدي من خشية الأبيض ذي المنشار. قال: إذن ~~ففيم التأخير الآن؟ وهذا الحطب بين أيدينا حاضر وواف بالحاجة. قال: إننا لم ندن ~~بعد من معسكرات النمل، ولا نبلغها إلا قبيل المساء، أما الحطب ففوق حاجة الطلب، ~~وسنجده أين التمسناه. # وفي الحقيقة لم تكن أواخر النهار حتى أبصر الشيخ عشرات من النمل تعدو فارة ~~أمامه، فصاح بالفتى قائلا: أوقد يا «هاموس»، أوقد؛ فهذا المخبر قد سبقنا لينذر، فشرع ~~الفتى في الإيقاد، وما هو إلا أن أشعل الحطب أو كاد، حتى أحدق بهما ذلك البلاء الأبيض ~~من كل جانب كتائب تنهال، غير مكترث بالنار ذات الاشتعال، ولا مبال بضوء لهيبها ~~المتعال. فأدرك الشيخ من فوره أن النمل لا يرهب النار، ولكن يكره الدخان، فأخرج ~~المسحوق بسرعة، وألقى بشيء منه في النار، فذهب دخانا كثيفا يتدجى، فلما شمت ~~النمل منه ولت الأدبار، واختفت في مثل لمح البصر عن الأنظار. # فخلا الطريق للشيخ وتبعه الفتى يحمل في كلتا يديه النار، واستمرا كذلك يسريان إلى أن ~~بدا لهما النهار، فأتبعا السرى سيرا غير ذي قرار، حتى تقضى ذلك اليوم أيضا، ~~وكان آخر العهد بالأبيض ذي المنشار، فألقيا عندئذ العصا وعمدا لمكان فجلسا يستريحان من ~~عناء ما كان، وهنالك خاطب الشيخ الفتى، فقال: اعلم يا «هاموس» أنني ناوأت الحكومات ~~والممالك، وقطعت على ms016 الجحافل الطرق والمسالك، ودبرت للملوك كما دبروا لي ~~المهالك، ودخلت على الأسود غابها، ولقيت سباع الأرض وكلابها، وحملت الأمراض ~~لم أحسب حسابها، وجبت وحيدا كل قفر، ورفعت شراع كل بحر، فلا أذكر أنني عرفت ~~لشيء مهابة، قبل عرفاني هذه الغابة، وذلك لا لأن النمل سلطان الحيوانات، أو أقوى كل ~~هاتيك المخلوقات، ولكن لكونه أمة التعاون، والاتحاد، والثبات، وكل واحدة من هاته ~~الثلاث كافية لتهز الأرض، وتقيم قيامة السموات. # ثم إنهما رقدا على ذلك المكان، فلم ينتبها إلا وقد ظهر الصبح وبان، فتناولا بعض الزاد ~~ثم خفا يسيران، والشيخ يقول للفتى: اليوم نفد يا «هاموس» على الغاب الأسعد، غاب ~~الببغاء الأسود، فاستعد لذلك، فكل العجائب هنالك. قال: وهل بلغناه بعد يا مولاي؟ ~~قال: بل ندخله والضحى. قال: وما عليه من الحيوان؟ قال: بل قل: من الإنسان؟ فالتفت الفتى ~~كالمستغرب الدهش، فعاد الشيخ فقال: نعم يا بني، من الإنسان، فإن غابة الببغاء الأسود ~~تأويها من عهد مجهول للعلم، عائلة بشرية متوحشة أورثها أبواها الأولان عبادة ~~الببغاء، ويذكر يوقو الصيني أنها كانت من ستمائة سنة؛ أي على عهد نحو ألف، ولكنها ~~كانت مبتلاة في زمن وجوده في الغابة، بنوع من الأوبئة خاص بالقردة، وكان يفتك فيها ~~مسرفا وهذا أغرب ما سمعت للآن، حتى لقد حرت فما أدري هل الإنسان من القرد أم ~~القرد من الإنسان؟ قال: لعلها يا مولاي خطرة من وساوس ذلك العالم؟ قال: إن ~~العلماء لا ينطقون عن الهوى، ولا ينبغي لهم، ولا لك أن تتهجم على مقاماتهم يا ~~«هاموس». # وما هي إلا ساعتان من الزمان، حتى غشي الرجلان المكان، فإذا هما بقبة واحدة ~~عظيمة من الشجر المتشعب الأغصان، المتكاثف الأفنان، عائبة الجوانب في الأفلاك، لاحقة ~~الذرى بالسماك، فلما صارا تحتها واطمأن بهما فضاؤها، سأل الفتى شيخه قائلا: أين ~~يا مولاي ذلك الإنسان؟ إني لا أجد ريحه على المكان. قال: لعله يا بني لم يحفظ ~~من خلائقه الأولى سوى الجبن، فلما تنشق نسيما غريبا أخذ لنفسه الحذر، فتوارى ~~خلف هذا الشجر. ms017 قال: والآن كيف السبيل إلى الببغاء الأسود، ونحن بين خلق من ~~الطير لا يحصى، ومساكن في هذه الذرى الشم لا ترام؟ قال: لقد سألت يا بني عن ~~الأمر العظيم، فاعلم أن أول من وصل إلى هذه القبة واقتنص الببغاء، هو أبو السياح ~~العالم الشهير تيحو المصري المنفيسي المتوفى من نحو عشرين قرنا، وقد فصل رحلته ~~الفاخرة، وبين علمه العظيم في كراسة من ورق البردي، فوقع النصف الأول منها في قبضة ~~يوقو الصيني، وكان كذلك عالما مولعا بالأسفار، فسافر خلف دليل من ذلك السفر ~~الجليل، حتى بلغ هذه الغابة التي كان من شقاء يوقو أن الكلام ينتهي إليها فيما بيده من ~~الكراسة، فاضطر إلى الرجوع خائبا بعد أن كاد يأتي بالمستحيل، لاستنزال الببغاء من ~~أيكه المنيع فلم ينجح فيما حاول. # أما النصف الأخير من الكراسة، فقد عثرت أنا عليه في مكتبة معبد طيبة الأكبر أيام ~~قيامي بتوكيل هذا المعبد، فأخذته لنفسي وشرعت من ذلك العهد في البحث عن النصف الأول، ~~ولكن بحث اليائس العارف أنه يروم المستحيل، إلى أن كان ما هو معلوم مشهور، من شرائي ~~لتركة يوقو الصيني التي نقدت فيها ملك الصين الجاهل ثلاثين ألف حلقة من الذهب، ~~دفعتها من مالي الخاص. فكان من تمام سعدي أنني وجدت بين أشيائها النصف الأول من ~~الكراسة، ومعه كراسة أخرى كاملة من قلم يوقو يشرح فيها رحلته ويذكر خيبته، ويودع الحياة ~~ويزعم أنه لما وصل الصين آيبا من سفره ذاك، شعر على الأثر بانحطاط القوى، ودبيب ~~الفناء، ويختم بالدعاء لمن يقصد بعده غابة الببغاء الأسود أن ينقلب أسعد منه حالا، ~~وأحسن منه مآلا. # فلما صار ذلك كله في يدي، ودون بعضه يا بني ملك الدنيا، رحت أحلم ليلي ~~والنهار، بالرحلة إلى هذه الأقطار، واقتفاء آثار أولئك الرجال الكبار، إلا أن الفرص ~~لم تكن تسنح، ولا الصدف كانت تسمح، إلى أن كان ما كان من اعتزالي الكهانة، ~~وانفصالي عن خدمة الديانة، ودفعت بي الحماسة في ولاء الأمير «آشيم»، ولي عهد ~~بلادنا المحبوبة إلى ms018 أن آتي هذه الديار لأسرق عشيقته الأميرة عذراء الهند، ثم ~~أحملها إليه هدية من عبده «طوس»، مصحوبة بالثناء عليه. فرأيت أن نغتنم فرصة استظلالنا ~~بسموات الهند، لنقتنص ذلك الأسود الذي يلقبه تيحو الصيني بالمغني عن سؤال ~~الأفلاك. # وما فرغ الشيخ من عبارته حتى أخذ أولئك البشر المتوحشون ينهالون عليهما من كل ناحية ~~ومكان، وهم في صورة القردة، ولهم خفة المردة. فلما رآهم الفتى تفزع لرؤيتهم، ~~واهتز إشفاقا من كثرتهم، فالتفت إليه الشيخ قائلا: تشجع يا «هاموس»، وألصق ظهرك ~~بظهري، ثم در معي كيفما أدور، فإنني منيمهم جميعا في لحظة، فأسند الفتى ظهره ~~إلى ظهر الشيخ وجعل هذا يدور، ويكثر الصراخ كالليث الزءور، وكلما وقعت عيناه ~~على جماعة من ذلك الإنسان المتوحش راحت نائمة، وهي قائمة، كأنما سمرت في الهوى، أو ~~كأن بها سحرا، فلم تكن لحظة حتى صار أكثرهم في أسر الشيخ وفتاه، وفر الباقون ~~مختفين في جوانب الغاب وزواياه. # وبعد ذلك عمد الشيخ لثلاثة من الأسرى، فأطار أعناقهم بضربة واحدة من سيفه المسلول، ~~ثم التفت إلى الفتى يقول: الآن ينزل ساكن السماء يا «هاموس». قال: وما ينزله يا ~~مولاي؟ قال: رؤية الدماء؛ دماء البشر، فإن له بها من الكلف والغرام، فوق ما بالفراش ~~من النار ذات الضرام، وفي الحقيقة ما أتم الشيخ هذا الكلام، حتى نزل طائر صغير، ~~كأضأل العصافير، أسود بإنارة، كفحم الحجارة، فجعل يدنو طورا وينأى تارة، ثم غمس في ~~الدماء منقاره، فشرب ما شرب، حتى انتشى وطرب، فتقدم الشيخ عندئذ نحوه، وهو لا ~~يكاد يملك من السرور خطوه، فقبض على الأسود متلبسا بالنشوة، وكان قد أعد لذلك ~~سلسلة من الذهب طويلة خفيفة، محكمة ظريفة، فشد بأحد طرفيها لحم ساعده، وقيد بالآخر ~~الببغاء، ثم حمله على كفه، وجعل يتأمله ويخاطبه قائلا: # أهلا بعاشق الدماء، المغني عن استشارة السماء، الطويل البقاء، المنبئ ~~بالرياح والأنواء، المشير أبدا نحو المشرق بجبهته السوداء، الزاجر عن نزول ~~الدأماء، إذا كان في ركوبها بلاء، الحافظ الكلم المعيدها لمن شاء، متى ~~شاء، المبشر بالضحك، ms019 المنذر بالبكاء، الناتف ريشه إذا أحس من ~~أجل حامله الانقضاء. # الفصل الثالث # | الاستعداد في الهند لاستقدام الأميرة # لقد مضى على إقامة الأميرة في الجزيرة ستة أعوام وبعض عام، قضاها الملك في أسر ~~القلق والأوهام، لا يعرف الراحة ولا يهنأ المنام، من الفكر فيها وفي أحوال ذلك الغرام، ~~وتوقعا أن يتم بأخذها لعدوه المرام. # وكأنما كان شنو يتمثل مكان الأسى من الوالد، ويرى جيئة الهوادس، وذهابها في فؤاده ~~المشوق الواجد، فلم يكن يدع سفينة الزاد تعود إلا ويحملها من البريد إلى الملك ~~ما يخفف من كربه، ويعيد السكينة إلى ربوعها من قلبه، حتى ولت السنة السادسة، ~~وهلت السابعة، فبلغ مسامع الملك أن رجلين غريبين متنكري الزي مريبين، قد ~~رئيا على نقط من المملكة، ثم في العاصمة؛ حيث كانا يجتمعان بأحد بحارة الأساطيل، ~~فلما بلغ «دهنش» الخبر قام له وقعد، وأحدق به الوسواس بعدما كان ابتعد، فأقام حكومة ~~العاصمة وسائر قوات الأقاليم في طلب ذينك الرجلين، طلب قوي قادر مطلق في ~~الأحكام، حتى تفرغ الأهالي وضاقت البلاد بالعيون والأرصاد بدون أن يقبض على ~~الغريبين، أو يبلغ «دهنش» منهما المراد، فتحول عندئذ غضب الملك كله نحو ذلك ~~البحار المسكين، فلم يغادر صنفا من العذاب إلا عذبه به، فلما فتش فيه ~~وجد نحو ألف حلقة ذهبية من العملة المصرية، وعدد كثير من أواني النبيذ بين ملأى وفوارغ، ~~وكانت كذلك من صناعة المصريين، فجلت عندئذ التهمة وهالت وبولغ للرجل في التعذيب، ~~ولكنه كان خائنا شريفا، فلم يزل مصرا على الجحود حتى قتل كخائن مرتش، ~~وهكذا اشتريت ذمة الإنسان في الزمان الأول بالمال محمولا من أحد طرفي الأرض إلى ~~الطرف الآخر. # إلا أن بريد الجزيرة كان لا يزال يرد كالعادة منبئا باستمرار استقامة الأحوال ~~هنالك، ومبشرا بمصير صحة الأميرة من حسن إلى أحسن، فكان الملك يطمئن بهذه ~~الأخبار بعض الاطمئنان، ويتكل فيما سوى ذلك على السفن العديدة التي كان بادر من ~~تخوفه فبثها في مداخل المحيط ومخارجه، لتحمي الموارد والمصادر، وتكون ~~بالمرصاد لكل فلك عابر، قادم ms020 أو مسافر. ثم على مستيقظة الجنود الساهرة، كذلك للمراقبة ~~على الحدود بين مملكته وبين الهند الغربية من جهة، وبين الأولى والصين من جهة أخرى، حتى ~~إذا كان ما بعد النصف من العام السابع موعد الإياب، وأوان تشريف ذاك الركاب، أسرع الملك ~~يستعد لاستقدام الأميرة، ويهتم لها بأمر ترحيلها من الجزيرة ، فاختار لهذا الشأن الجليل، ~~أسطولا من أحسن الأساطيل، ثم انتقى له أخاير الرجال، من بين صفوف البحارة الأبطال، ~~وشحنه بعد ذلك بالذخائر والمهمات، وما يستلزمه حسن الدفاع من العدد والآلات، حتى تم ~~أمره واكتمل، وصار صالحا للعمل، ولم يبق غير انتخاب القائد الذي يحقق ~~الأمل. # وكان لعذراء الهند قريب من خيرة أمراء العائلة يدعى ثرثر، وكان ابن أحد الملوك ~~المستظلين تحت لواء «دهنش»، وكان ثرثر يحب الأميرة حبا شديدا، ويؤانس من والدها ~~الملك الارتياح لمصاهرته، ويطمع منه بالقبول التام إن هو خطبها إليه، نظرا من جهة لما ~~كان له من المكانة الخاصة في الحب عند الملك، ومن جهة أخرى لكون نسبه العالي يرشحه ~~لهذا الشرف الرفيع، ويجعل له التفضيل على الجميع. # وكان حب ثرثر لعذراء الهند صادقا ثابتا جنونيا إلى حد أنه لم يتأثر مثقال ذرة ~~بسوء حال الفتاة، ولا بما شاع وذاع وطرق جميع الأسماع من غرامها الهوسي ب «آشيم»، وغضب ~~الملك عليها بسبب ذلك، ونفيه إياها إلى مكان بعيد، كما أنه لم يسله بعد الأميرة ~~عن عينه كل هاتيك السنين بجزيرة العذارى. # وإذا كان الملك مطلعا على سرائر الفتى في الحب من أول يوم، واقفا تمام الوقوف على ~~حركات هذا الغرام وسكناته في كل تلك المدة، فقد رأى أن يغتنم فرصة قرب عود الأميرة، ~~ليظهر له ما طالما عقد عليه النية من تشريفه بالمصاهرة، فطلبه من أبيه ثم سلمه ~~أزمة الأسطول، ووعده أنه إن عاد بعذراء الهند سالمة، زوجه بها قادمة، بحيث تكون ~~الليلة الأربعون، من عودها الميمون، ليلة الزفاف والمهرجان، التي يتم له فيها ~~بالحبيبة القران، فقبل ثرثر الأرض وبالغ للملك في الخطاب حامدا شاكرا، ومحدثا ~~بالنعمة ms021 وذاكرا، واستأذن بعد ذلك في السفر، فأذن له فخرج فقبض من فوره على ~~أزمة الأسطول، وكان مؤلفا من سبع سفن كبار، ومن ثامنة فيها المهمات والذخائر، ~~وعليها الأدلاء العارفون بمداخل هاتيك الجزائر، ثم صدرت الإشارة للأسطول بالإقلاع، ~~فتحرك فاندفع يشق العباب والتيار، وهو يقف بالليل وينساب بالنهار، إلى أن شارف ~~في اليوم العاشر أرخبيل الجزر الأبكار، وكان الظلام قد هجم يحول دون الاستمرار، ~~فلم تجد السفن بدا من الإرساء والانتظار، فلوت على أول جزيرة منه فألقت ~~عصا التسيار. # الفصل الرابع # | عود للصاحبين في الغابة # لما فرغ الشيخ من خطاب الببغاء، التفت إلى الفتى فقال: لم يبق إلا أن ننظر في ~~الخروج يا «هاموس». قال: فليكن ذا يا مولاي. قال: ولكني لا أحب أن نكون لتيحو وبوقو ~~كلبي صيد نصبر على فضلاتهما، ولا نخرج عن مدى خطواتهما، بل أحب أن نبني مثل ~~بنائهما، فإن المجد في الدنيا اجتهاد، وإن الكريم إذا ورث شيئا أضاف عليه من عنده ~~وزاد. قال: وما وراء هذه المقدمات يا مولاي؟ فتبسم الشيخ ضاحكا ثم قال: أريد يا بني ~~أننا نحذو حذو ذينك البطلين، فكما أن الأول أنشأ طريقا؛ تلك التي جئنا منها، وكما ~~أن الثاني اكتشف لرجوعه طريق الغابات الثلاث نحو الشمال، فخرج منه آيبا إلى وطنه ~~الصين، كذلك أصبح دينا علينا نحن المقتفين لآثارهما أن نبحث لنا عن طريق نخرج منه لا ~~يكون هذا ولا ذاك، ليبقى أثرا طيبا بعدنا، وبرهانا ساطعا على إقدام المصريين. ~~قال: وإني لا أكره يا مولاي أن أكون من العاملين النافعين. قال: إذن فاتبعني. ثم ~~إنه نظر إلى اتجاه منقار الببغاء، وكان موليه شطر المشرق، فتعين عنده الشمال الشرقي، ~~فسار والفتى يتبعه حتى خرجا من غابة الببغاء الأسود، فإذا هما على أرض ذات شجر ونبات، ~~لا تخرج عن صفات ما مر عليهما من الغابات، إلا أنها عطل من الحيوانات نقية من ~~الحشرات، فمشيا فيها بقية نهارهما حتى جاء الليل، فأبرز الفتى الشريط ليوقده كالعادة، ~~فمنعه الشيخ قائلا: إن النور كما ms022 يهديك يهدي إليك، وإن الخمول خير ما ارتدى الجاهل ~~المجهول، فلا تظهر يا بني الساكن الغاب قبل أن يظهر لك، واحتجب فإن تسعة أعشار الهيبة ~~في الحجاب. # وفي الحقيقة ما أتم الشيخ كلامه حتى أخذت سماء الغاب تتنكر لناظرها، وتتدجى ~~قليلا قليلا، فإذا هي كتلة هائلة سوداء قائمة في الهواء ، ثم إذا بهذه الكتلة تهبط ~~بمقدار حتى انكفأت على الأرض فتركتها بغير قرار، فقال الشيخ عندئذ للفتى همسا: لا ~~يلبث هذا الصخر الهابط أن ينام النومة التي ما بعدها قيام. قال: لعلك تريد قتله يا ~~مولاي؟ قال: ولم لا وليس هو - إن صدق زعمي - إلا غواص المحيط الأكبر فبطنه ~~المحيط الأصغر، الحامل لمدهشات الجوهر، وإن لنا لجولة فيه نعلم بها ما يخفيه. وكان ~~الطائر في أثناء ذلك قد نام وعلا له شخير شديد كادت له الغابة أن تميد. # فبادر الشيخ إليه بآنية صغيرة فيها شيء من السوائل، فلم يزل يصب منها في منقاره ~~المنفغر، حتى مال رأسه وانطبق فمه وارتخى جناحاه، ثم انقض يخب على الأرض، فالتفت ~~الشيخ إلى «هاموس» وكان خلفه قائما ينظر. فقال له: الآن نشرع في العمل، فخذ لك سكينا ~~وساعدني على فتح هذا البطن الجسام، فجرد الفتى سكينه وانكبا على العمل، فما زالا ~~يعالجان ذاك البطن حتى انفتح، فإذا هو كالشكول أو كبطن النعام يحتوي على المعدن ~~وغير المعدن، ويحمل ما يهضم من الأشياء وما لا يهضم، فأنزلا كل ذلك إلى الأرض ثم ~~ابتدراه بالأيدي يقلبان ويفتشان، فعثرا بين تلك المواد على شيء كثير من الحجارة ~~المختلفة المقامات، المتفاوتة الدرجات. # وكان الفتى يغسل والشيخ ينقد فإما إلى الخزانة وإما إلى الأرض حتى حصلا على كنز من ~~أنفس الكنوز، ولم يكن بقي سوى الفضلات، فنهضا للرواح، ولكنهما ما هما حتى عادت ~~السماء فتنكرت ثانية، وشوهدت تلك الظواهر بعينها، فصاح الشيخ حينئذ بالفتى قائلا: هذا ~~الذكر يتنزل يا «هاموس» فاستل أكبر خناجرك وأمضاها، وقف بجانبي، فإذا رأيته وقد ~~مست مخالبه الأرض وجناحاه مبسوطان من قوة الهبوط يخفقان، فاطعنه ms023 تحت أحدهما، ~~وخل الآخر، فإني ممكن منه خنجري قبل أن يتمكن من النظر إلى رفيقه، ورؤية ما حل ~~به، فيهيج فنقع معه في حرب وكرب. # وما فاه الشيخ بهذه الكلمات حتى بلغ الطائر الأرض، فما كاد يطمئن بحيزه العظيم ~~منها حتى سأل الشيخ الفتى: كيف طعنتك يا «هاموس»؟ قال: من المذيبات الحديد يا ~~مولاي. قال: إذن فتقدم؛ فقد هلك هذا الآخر أيضا وآل إلينا كنز جديد، ثم إنهما ~~انبريا يفعلان به كفعلهما بالأول، فبينما الفتى يلتقط وينقي ثم يناول الشيخ وهذا ~~يأخذ، أو ينبذ، دفع إليه «هاموس» بلؤلؤة صفراء بلمعان الذهب، ولها شكل البيضة الصغيرة ~~وحجمها، فحين وقع نظره عليها لم يتمالك من فرحه أن صرخ قائلا: أتدري قدر ما ناولتني ~~يا «هاموس»؟ قال: وما عساي ناولتك مما فات التفاتي قدره يا مولاي. قال: يتيمة الصين ~~المحتجبة منذ آلاف السنين. قال: وأين كانت قبل طول احتجابها؟ قال: في صدور الملوك ~~والسلاطين، يحملونها فتكسو وجوههم أزين اللون وأجمله. كما أنها تكسب الثياب لمعانا ~~لطيفا، فإذا رأيتها حسبتها مزرة على النجم الساطع، وكذلك هي تداوي من عشق ~~الحسان، فإذا حملها إنسان، وكان مصابا بهذا الداء القتال، انصرف عنه مع الزمن ~~وزال، فكأنما يتسلى بجمال، عن جمال، ويتعوض باشتغال، عن اشتغال، ويزعمون أيضا أنها ~~كانت حجاب هيبة وجلال، وسعادة وإقبال، لبيت من البيوت المالكة في الصين قديم خال، فلما ~~فقدت أخذ ملك الصين في الاضمحلال، ووقعت البلاد من ذلك الحين في شر حال. فأنا لو ~~حملتها اليوم إلى ملك الصين لأعطاني بها الجبال الشم من المال. فإن استزدت ~~شاطرني ملكه الواسع مرتاحا غير قال. فمرحبا بك يا يتيمة الصين، وأهلا ~~وسهلا بهذا الحباء السماوي الثمين، ثم إنه لف الدرة بصيانة، ووضعها في جانب خاص ~~من الخزانة، ونهض بعد ذلك فسار، ومشى الفتى يحمد مع شيخه الأسفار، وقد ثبت عنده أنها ~~خير الحبائل لصيد محاسن الصدف، واقتناص عجائب الأقدار، إلى أن راح الليل وجاء النهار، ~~وإذا الغابة خالية الجو لهما صفر من الوحوش والأطيار. ms024 فاستمرا في سيرهما آمنين ~~ناشطي الأقدام، فقضيا نهارهما ذاك في طعام ومدام، ومشي وكلام، حتى وافى ~~الظلام، فقابلاه على ذلك الغاب الأمين بطيب المنام. # فلما أصبح الصبح انتبها من رقادهما، وكانت الغابة قد أخذت تتبدى لهما في مظاهر غير ~~تلك المظاهر، وتتبدل أمامهما مناظر من مناظر؛ فأدرك الشيخ حينئذ أنهما يفدان على ~~غابة جديدة، فنبه الفتى لذلك ثم قال: لم يبق ما لم نصادف غير النمر، مع كونه حيوان ~~الناحية، وطامة الهند والداهية. قال: لعل هذه غابته يا مولاي؟ قال: لعلها يا «هاموس». ~~وإني أكاد أحس سره في المكان. قال: وهب أنها غابته، وأنه خرج إلينا، فبماذا ~~نحن ملاقوه يا مولاي؟ قال: بالخناجر الماضية يا «هاموس». # وبينما هما كذلك في ذكر النمر يتوقعان ظهوره، تقضى الشيخ نظره الحديد، فرأى ~~حيوانين صغيري الحجم أسودين يقبلان من جوف الغابة؛ فأشار للفتى أن يستعد ~~قائلا: هذا هو النمر الرهيب يا «هاموس»، لقب بذلك لأن النمورة على اختلاف أنواعها ~~وأجرامها ترهبه على قلة حجمه، وتجفل عن لقائه، ولا تملك لمفاصلها شدا أمام ~~نظراته الجاذبة المؤثرة، ولا أحسب هذين إلا ذكرا وأنثى فتكفل أنت بأصغرهما. وهي الأنثى، وخل لي الآخر، والآن دعني أطعنهما بالرعب قبل طعن الخناجر. # ثم إنه انبرى هائلا كالصخرة فجعل يهدر يمنة مرة ويسرة، ويبعث الزائرة، بعد الزائرة، ~~والخنجر بيمينه يتوقد كالجمرة، حتى إذا ظهر الأسودان، وبان كلاهما للعيان، صرخ الشيخ ~~قائلا: الق كلبتك يا «هاموس»، فطار الفتى نحو الأنثى، وابتدر هو لقاء الذكر ~~فبلغه في وثبة، وكان كأنه الثعبان النافر، استجماعا وقياما يلحظ الشيخ شررا بعينيه ~~تتدفقان جمرا، وبين فكيه جهنم الحمرا، وهو حنق ثائر يزأر زأرا، فما زال الشيخ به ~~يزائره ويشابه ويداوره، حتى تمكن من ظهره، فأنشب فيه خنجره، فخر ~~الحيوان على الأرض هدا، فتركه كذلك شيئا، ليس بالحي، ومشى سريعا نحو «هاموس» لينظر ~~كيف حاله مع الأنثى، فإذا هو لا يزال معها في عنيف قتال. وقد ظهر على ساعديه ~~الكلال، فأومأ إليه أن يكف فكف، وأخذ هو محله ms025 في الصف، وكانت الخبيثة قد وهنت ~~قواها، وأوشكت أن يخذلها ساعداها، فلم يقتلها الشيخ، ولكن أسرها، فاستغرب «هاموس» ~~فعله وسأله قائلا: ما نفعها يا مولاي حتى تكلفنا عناء سحبها وحبسها؟ قال: إننا ~~سنطلقها يا «هاموس» إذا حققنا أن لها صغارا ينتظرون أوبتها انتظارا. قال: ومتى رئي ~~أو سمع أن السباع تؤسر ثم تطلق؟ قال: ليس الجبن مني بهذا المكان حتى أرهب ~~فريستي أو أهاب أسيري، وليست المروءة بضائعة عندي إلى هذا الحد حتى أظلم صغار ~~هذا الحيوان (الخفيف): # إن تكن ظافرا فكنه برفق # فشجاع بغير رفق جبان # إن عندي لكل شيء تماما # وتمام الشجاعة الإحسان # ثم إنه سار يسوق أسيره بين يديه و«هاموس» خلفهما يكثر التعجب من الأمر حتى ~~إذا قطعا مسافة عظيمة من الطريق شعر الشيخ بالنمرة تجاذبه الحبل بقوة نحو ~~اليمين، فنبه «هاموس» لذلك ثم أطلقها، فإذا هي قد أخذت اليسار تعدو عدوا ~~حتى توارت عن نظريهما فتركاها وشأنها واستمرا في سيرهما. فسأل «هاموس» عندئذ ~~شيخه قائلا: ما بالها يا مولاي أخذت اليسار وقد كانت تجاذبك الحبل نحو اليمين؟ ~~قال: إنها كانت تصرفنا عن مناخ صغارها، وهذا يا بني من غريب الحنان عند ~~الحيوان؛ فالشفقة عنده مبصرة بقدر ما هي عمياء عند الإنسان. # وكان النهار قد فني أو كاد، ووجوه الغاب قد أخذت تتصور صورا جديدة، فصارت ~~الأرض رملية صفراء، وكانت طينة سوداء، وتحول الشجر من الطول للقصر، وظهر في ~~الصغر بعد مظهر الكبر، وأخذ يقل بعد الكثرة، ويتعوض عن لون الأخضر ~~بالصفرة، وانكشفت لناظرها السماء، وسرى نسيم الدنيا في ذلك الفضاء، فالتفت ~~الشيخ عندئذ يقول للفتى: لقد أوشكنا نستقبل سماء الدنيا يا «هاموس». ولو شئت وشاءت لك ~~القوى فوافقتني على متابعة التقدم لأصبحنا وليس قدامنا إلا فضاء البحر طويله ~~وعريضه. قال: هذا ما أبغي يا مولاي، فسر بنا على اسم السلامة. # ثم إنه أشعل الشريط وسار يتبع مولاه، ولكنهما ما كادا يحوزهما الفضاء حتى سمعا زئيرا ~~يردد من بعيد، فتفرغ الفتى والتفت الشيخ فأجهد أذنيه، ورمى في ms026 فحمة ~~الظلماء بشرر حدقتيه. ثم قال: تلك أسيرتنا التي مننا عليها بالإطلاق، قد ~~زكا عندها المعروف، فأتت تحذرنا من محذور، وتنبئنا أن الطريق معمور. قال: وما ~~عسى يا ترى أن يكون على هذه الأرض العراء؟ قال: ليكن ما هو كائن يا «هاموس»، فورأس ~~«آشيم» لا تزعزعنا ولا تزحزحنا ولا امتنعنا عن السرى، ولا استرحنا أو نرى ~~النهار طالعا. ثم إنه مد لقدمه الخطو يصل السرى، وتبعه «هاموس» ~~مطيعا ممتثلا، فما زال يعتسفان في بوادي الظلام وبين جيوشه والخيام، حتى انتصف الليل ~~فلم يدريا إلا بشيء هائل كالتل قد أقبل من بعد يسعى. فقال الشيخ عندئذ ~~للفتى: عجل يا «هاموس» فأنل بطنك ظهر الأرض واعتنقها ثم لا تتحرك، وأنا ~~أيضا فاعل ذلك، حتى نرى لنا مع هذا التل الزاحف أمرا. # وما هو إلا أن انطرح الرجلان بتلك الصورة على الأرض حتى مر بهما حيوان هائل الجثة ~~في عرض الفيل الكبير وطول أربعة من الفيلة مقطورات، وهو يمر مر الريح، فيسيل ~~بمزاحفه الغاب، وعلى بشرته الحجرية خلق لا يحصى من حشرات البر والبحر، وهو لا ~~يحس منها بشيء ولا يستشعر لحملها ثقلا، حتى إذا صار بعيدا عنهما نهضا. فقال الشيخ ~~ل «هاموس»: إن هذا الوحش بحري بري في آن، وهو لا شك قادم من البحر، ولعل له بيضا على ~~هذا المكان، فهو يغشاه ليتعهد بيضه، ثم يعود إلى عالم الماء. # والآن إذ قد صرنا ولا مقصد لنا إلا البحر، فهذه خير فرصة تغتنم للاختصار من الزمن ~~وتقريب المسافات؛ لأن ما نسيره نحن منها في أيام، يقطعه هذا الفلك البري في ~~ساعات. قال: لعلك ترى لنا يا مولاي أن نمتطي ذاك الجبل المتحرك؟ قال: ولم لا ~~وقد ساقته لنا السعادة مطية لم يركبها قبلنا أحد؟ قال: أنت يا مولاي كالقائد ~~الجريء السعيد يراه الجند أولى بالطاعة، وإن ضرت منه بالمخالفة، وإن نفعت فاقض ما ~~أنت قاض. فإشارتك مطاعة في كل مقترح. قال: إذن فاستعد لما أشرت به، فإذا رأيت ~~الوحش وقد دنا منا ms027 عائدا من مبيته فثب فتعلق فاركب، ثم يكون لنا نظر في ~~الطريق التي يأخذها نحو البحر، فإن كانت شمالية غربية بقينا على ظهره، وإلا ~~نزلنا نمشي ولم نكن خاسرين. # وفي الواقع لم يكن الفجر حتى ظهر الوحش آيبا من مبيته، وكأنما يقصد إلى البحر، ~~فابتدر الرجلان لقاءه، فنالا ظهره في وثبة، فاستمر يجري بهما في رمال حالية ~~بلألاء الفجر وضاءة الخلال منحدرا في جريه نحو الشمال، حتى إذا كان الصبح فالضحى ~~فالظهر، لم يشعر إلا بموج المحيط يتعالى من بعد كالجبال، فترجل عندئذ الشيخ، ونزل ~~«هاموس» على أثره. وهنالك افترقا فأخذ أحدهما بين الساحل وذهب الآخر يسرة، وكلاهما غاد ~~يجد في طلب المركب والصيادين، ولكنهما ما اندفعا يسيران حتى أبصرا معا شبحا ~~يتقدم تحت سماء البحر، فوقفا كلاهما يجهدان النظر، حتى إذا حققا أنها ذات شراع ~~تنشطت الماء ووافت تحتال على الإرساء، انثنيا عائدين أحدهما للآخر، فأقاما ينتظران ~~ما يكون من أمرها إلى أن نالت الشاطئ، فنزل منها رجل أسمر اللون أجرودي، ضيق العينين ~~بحياة فيهما، عظيم الرأس قصير القامة، عبل الساعد، ممتلئ الأكتاف، وعليه ثوب من ~~الكتان يبتدئ من مرفقيه وينتهي إلى ركبتيه. # فلما رآه الشيخ يتقدم تبسم ضاحكا، ثم قال ل «هاموس»: هذا صاحبنا بلباص يسعى ~~إلينا، فدعنا نلقاه بشيء من المزح، وكان الرجل قد دنا فخاطبه الشيخ قائلا: ما هذا ~~الإبطاء يا بلباص؟ قال: لم أبطئ، ولكن تعجل حضوركما يا مولاي. قال: وكيف حالك وما ~~يصنع رجالك؟ قال: لا أكاتمك الحقيقة يا مولاي، لقد لقيت من سفري نصبا، وأقسم ~~لولا أنني أخافك حتى في أعماق هذا البحر، لفضلت الهلاك بتياره، والثواء ~~بقراره، على البقاء ساعة واحدة في هذا الفلك، وبين هؤلاء الهنود. قال: وما صنعوا ~~بك مما أغضبك إلى هذا الحد؟ قال: بل أنا أشكو من قذارتهم لا غير يا مولاي، فإنهم ~~كالسمك المنتن البائت الذي يصبح فوق ما يمسي، فراح الشيخ مغربا في الضحك. ثم قال: ~~أنزل أولئك المقاذر إلى البر، فإني مداويهم لك يا بلباص. ms028 قال: سمعا وطاعة يا ~~مولاي. ثم نفخ في بوقه فأقبل أربعة من المصريين أعوانه الخصوصيين، واثنا عشر آخرون من ~~هنود الشمال لهم جسوم الأطفال، وعليهم ثياب واسعة بأكمام طوال، وهم يثبون ~~كالعفاريت ويضطربون كالظلال، فمشى الشيخ حينئذ نحو الماء والجميع يتبعونه، ثم ~~تجرد عن ثيابه ونزل فنزل «هاموس» وبلباص والهنود على أثره لبثوا برهة يغتسلون، ثم ~~خرجوا من الماء فتردوا ثيابهم. # وسار الشيخ بعد ذلك بهم إلى السفينة، فاندفع يأخذ من الماء ويغسل، وأيدي القوم إلى ~~يده بالمساعدة، حتى نظفت تمام النظافة، فالتفت الشيخ عندئذ إلى بلباص قائلا: ها قد ~~أرحتك من تلك الروائح يا بلباص، فهل أنت مجازيني بشيء تطبخه لنا يلذ طعمه ويسهل ~~هضمه؟ فإن عهدي بالطيبات من طبخ يدك عهد طويل. قال: قريبا وسهلا يا مولاي. ثم أسرع ~~إلى مخزن السفينة، فأخرج منه سلة سمك من صيده، فشوى منه شيئا، وسلق شيئا، وأخرج ~~كذلك شيئا من النبيذ، ثم قدم ذلك كله للشيخ، فدعا هذا أصحابه وجلس الجميع يتعشون ~~حتى إذا فرغوا من أكلهم وشربهم وتوسدوا الرمال، فباتوا ليلتهم تلك ناعمي البال، ~~وقد ضربوا الفجر موعدا للإقلاع على كل حال. # الفصل الخامس # | فيما كان من أمر الأسطول # تركنا الأسطول وقد ألقى المراسي ينتظر النهار على الجزيرة الأولى من أرخبيل الجزر ~~الأبكار، والآن نذكر ما كان من أمره فنقول: كان قد مضى من الليل نحو ثلثه فأخذ النوم ~~يطمئن بمقاعده من الأجفان، ولم يبق من ناس الأسطول من لم ينم إلا جماعة ~~الأدلاء. وكانوا في السحر على ظهر السفينة؛ سفينة الذخائر، وكانت في معزل، ~~فاتفق أن أحدهم ارتجل نظرة في الأفق، فلاح له ضوء نار يخفق من بعد على ~~فضاء الجزيرة، فاستلفت أنظار أصحابه إلى ذلك، فلم يهزهم الأمر بادئ بدء، بل ~~استمروا في مجلسهم يتسامرون إلا أن كبيرهم ما لبث أن استحوذ عليه القلق، ~~فخاطبهم قائلا: ماذا علينا يا قوم إن نحن مشينا إلى هذا الضوء لنكشف ما وراءه؟ ~~فإن كان خيرا كانت رياضة لا بأس بها، وإن ms029 كان شرا نبهنا إخواننا رجال الأسطول ~~لموضعه فنكون قد أدينا واجبا من ألزم واجبات الجند بعضهم نحو بعض. قالوا: ~~حسنا، ثم بدروا إلى البر من لوح مدوه للنزول عليه، وكانوا أربعة، فمشوا ~~قاصدين وجهة الضوء، حتى إذا صاروا على قريب مسافة منه، سمعوا غناء ورأوا على ~~المكان ناسا في لهو وطرب وشرب راح، فأكثروا التعجب لذلك، واستأخروا يتهامسون. ~~فقال أحدهم: لا أرى هؤلاء إلا صيادين أضلهم البحر. فقال آخر: نعم، من متوحشة ~~الصيادين الشماليين، فهذا الزي زيهم وأنا أعرفه. قال الثالث: ولكنهم سكارى لا ~~يؤذون. فقال الرابع: إذن فلنتقدم إليهم لننظر، فتقدم البحارة الأربعة حتى ~~شارفوا حلقة القوم فحيوهم، فردوا التحية هادئين مطمئنين لا نافرين ولا ~~وجلين. # فسألهم أحد البحارة: من القوم؟ ومن أين؟ وإلى أين؟ قالوا: صيادون أضلنا الليل، ~~فاتخذنا هذا الساحل مبيتا، وسنقلع والصبح قاصدين الشمال. قال: إذن فواصلوا ~~أنسكم، وتمتعوا مما أنتم فيه من اللذات. قالوا: وهل لك وإخوانك في مشاطرتنا صفو ~~ما نحن فيه؟ فالتفت البحار إلى أصحابه، فآنس من لحظاتهم الموافقة، فلبى الدعوة ~~عن نفسه وعنهم، ففسح لهم الصيادون من مجلسهم فجلسوا، وجعلت بين أيديهم قدور ملأى ~~من النبيذ المصري، وكان في بلادهم يسوى وزنه ذهبا، فلا يقتنيه إلا الملوك ~~والأمراء، ولا يسرف في شربه إلا الخليعون من كبار الأغنياء، فلا تسل عن فرح ~~البحارة بما أوتوا، ومهد عذرهم إذا هم باعوا الوظيفة والأسطول ومن فيه ~~بلذيذ ما في القدور. # وطفق الصيادون يجزلون للإدلاء من بنت العنب، وما يقتضيه مجلسها من ~~اللهو والطرب، حتى ارتفع الحجاب من نفسه وزالت الكلفة، وذهب الوقار وغلبت ~~الخمر البحارة على شعورهم، فباحوا للصيادين بسر المأمورية بعد أن حدثوهم ~~حديث عذراء الهند من أوله إلى آخره، وعرفوهم بوظيفتهم في الأسطول، وأنهم ~~أدلاؤه الذين بهم في البحر اهتداؤه، وأن بأيديهم وحدهم مفاتيح الأرخبيل، ~~وعندهم دون سواهم أسرار مداخله التي فيها من الصخر الغائص في البحر الغائب، تحت صفحات ~~الماء ما يجعل جزيرة العذارى أبعد منالا من الشمس في كبد السماء. # فلما ms030 أخذ الصيادون السر جميعه انفصل اثنان منهم فابتعدا قليلا يتماران. فقال ~~أحدهما للآخر: ما بال الرئيس أبطأ في العود؟ فإن له يوما وليلة متغيب يكشف المواقع ~~وينظر له طريقة نحو الجزيرة. قال: وما عسى أن يكشف أو ينظر، وقد سمعت ما قال ~~الأدلاء؟ وهو لو حضر الآن لتركنا الأسطول في نومة تكون طويلة، ثم سرنا مهتدين ~~بهؤلاء البحارة، فلا يمضي يومان إلا ونكون في الجزيرة. قال: نعم، حضوره الليلة ~~ضروري لنجاح المشروع؛ لأن قدوم هذا الأسطول لم يكن منتظرا، ويخشى أن يسبقنا إلى ~~الجزيرة، فيفسد علينا أمرنا وتذهب كل هاتيك المشاق أدراج الرياح. # وبينما الرجلان في الكلام أبصرا شبحا يتقدم تحت سماء الليل، ثم سمعا حركة فلك ~~تمخر، فقالا: هذا لا شك الرئيس. فلنبادر إليه بالبشرى، ثم توجها اتجاه الفلك من ~~الساحل. وكان أصحابها قد لحظوهما من بعد. فما هي إلا هنيهة حتى جمع البر الجميع، ~~وكان أول من نزل إليه الرئيس، فأقبل على الرجلين حنقا هائجا. يقول: ما خطب هذه ~~السفن يا بلباص؟ وهل خطر ببالك أن تكشف حالها؟ أم أنت لا تدري من الأمر سوى الغناء ~~وشرب الخمر ولا تأتي من العمل غير النوم الطويل والكسل؟ فأجابه: عفوا يا مولاي، فإننا ~~ما خففنا إليك إلا لنكلمك في هذا، ولنبشرك بقرب الحصول على المأمول. قال: وما ~~ذاك؟ فأخذ يقص عليه الخبر، وما كان من أمر الأدلاء ومجيئهم من تلقاء أنفسهم، ~~وشربهم معهم وإذاعتهم بعد ذلك سر المأمورية القادم من أجلها الأسطول. # فحين سمع الرئيس هذا الكلام تحول عبوسه بشرا وبشاشة. وقال: الآن نجحنا فيما ~~نحاول. فلقد كنت أختبر المواقع وأنظر في كيفية اجتياز الأرخبيل، فوجدت أن لا غنى ~~لنا عن الدليل، وإلا لزمنا أن نطوف حول هذه الجزائر كلها، وأن نأخذ في مسيرنا عريض ~~البحر، فلا ندنو من الأرض تجنبا للأخطار، والتقاء كامنة الصخور والأحجار، وهذا سفر ~~طويل شاق، يستغرق نصف عام على الأقل، أما الآن وقد وقع هؤلاء الأدلاء في قبضتنا، ~~فقد فسد الأمر على رجال الأسطول، وخابت ms031 مساعيهم، فاذهبا توا فأوعزا إلى إخوانكم ~~بالقبض على البحارة قبل أن يميتهم السكر، وشد وثاقهم وحملهم إلى هذه ~~السفينة، وليركب فيها جماعة منكم معي. أما الباقون فتذهب بهم أنت يا بلباص إلى السفينة ~~التي كان فيها الأدلاء؛ لأن فيها عادة تكون المؤن والذخائر. وإن نحن أخذناها أيضا ~~تركنا الأسطول بغير قوت، فلا يجد حينئذ بدا من الإسراع في الرجوع، فخذوها ~~فاسحبوها سحبا بطيئا خفيفا بدون أن تسمع لها حركة تنبه ناس الأسطول لما نحن فيه من ~~العمل، ثم نبتعد بالسفينتين حتى نجيء بعض الصخور العالية مما كشف اليوم فنتوارى ~~منتظرين النهار، ولا نبرح مكاننا حتى نرى الأسطول، وقد سار منقلبا على أعقابه بالخيبة ~~والخسار. # قال: سمعا وطاعة يا مولاي، وأخذ بيد صاحبه فذهبا فأبلغا أوامر الرئيس إلى سائر ~~الجماعة، فقبض للحين على الأدلاء وشد وثاقهم وسيقوا إلى سفينة الرئيس، ثم ~~جيء بسفينة المؤن والذخائر مسحوبة، فركب الجميع وسارت السفينتان حتى بلغتا صخرة صالحة ~~للكمون، فكمنتا ترقبان الصبح أن يطلع لتكشفا ما سيكون من أمر الأسطول. # فلما أقبل الصباح استيقظ رجال السفن الهندية، فلم يجدوا لسفينة الأدلاء ولا ~~لهؤلاء أثرا على الماء، فهالهم الأمر وتنكر لهم الموقف، وتمثل لهم اليأس بكل ~~سبيل، ولم ير الأمير ثرثر بدا من العود لعرض الأمر على مسامع الملك، فأصدر ~~إشارته للسفن بالإقلاع، فأقلعت راجعة من حيث جاءت بالذل والصغار. # فلما رآها الصيادون وقد انقلبت آيبة خرجوا من مكمنهم، وكان الأدلاء قد اندمجوا ~~في سلكهم وآثروا البقاء معهم بتلك الصفة على الهلاك، فمخرت السفينتان تؤمان ~~جزيرة العذارى من أقصر الطرق إليها بفضل صحبة الأربعة البحارة ~~الأدلاء. # الفصل السادس # | الشقي «طوس» في جزيرة العذارى # كان من عادة الكاهن منذ قدوم الأميرة في أترابها إلى الجزيرة أن يخرج بالبنات مرات ~~في اليوم إلى الصلاة على مكان هنالك مألوف، خالص الجهات مكشوف، وكان البنات إذا فرغن من ~~هذه الصخرة تركن الكاهن عاكفا على عبادته، مشغولا بأدعيته، ثم ينثنين لاهيات ناعمات ~~رابعات في ذلك الفضاء، لاعبات حتى مغيب الشمس، وعندئذ ms032 يدعوهن للمبيت صوت مزمار ~~يترنم به الكاهن، روحاني التحنان، هندي الألحان، موزون المقادير، مقدور الأوزان. ~~فترى الفتيات ينهلن من كل مكان، والنمور في أقدامهن هائمة على الوجوه، تثير ~~الغبار منجذبة كذلك مأخوذة بنغمات المزمار. # فبينما البنات ذات يوم في العبادة، على مألوف تلك العادة، يقمن مع الكاهن صلاة ~~الأصيل ، ويقلن هذا الدعاء بترتيل: # بودا يا سماء هذه الأقطار، ويا سورها المغني عن الأسوار، ندعوك بوادي ~~الأنوار، الذي كرمته بالنمورة السبعة الكبار، الظاهرة الأنياب والأظفار ~~المحجوبة عن الأبصار، السارية بالليل، الكامنة بالنهار، كما نتوسل إليك بغابة ~~الأسرار، الخالدة الأشجار، المشرفة بثعبان الديار، الأصفر الصفار، الوثاب ~~الثوار، أن تقي الأميرة ما وقيت، وأن تسهر عليها وعلى بناتك العذارى ~~الأبكار. # سمعن صيحة عظيمة آخذة كادت لها كتلة الجزيرة أن تتمزق فتهوي أجزاؤها في ~~أسفل أعماق البحر، فالتفتت البنات متفزعات، وإذا هي النمور تزأر جملة، وقد انحدرت ~~كذلك جملة، تترامى جانبا واحدا من الساحل، فكأنما تجري هنالك أمور مما لا يستطيع ~~الحارس الأمين المسكوت عنه، فأخذ البنات القلق، ونالهن من ذلك فرق، لا سيما إذ ~~كانت تلك أولى نفرة للنمور في المدة الطويلة، التي أقامتها بالجزيرة، حتى لقد كانت ~~عرفت سفينة الزاد توهما فاعتادتها فلم تكن تنبحها لا قادمة ولا آيبة. # فلم يكن من حيلة البنات ساعتئذ إلا أن تهافتن على الكاهن يجاذبنه ثيابه من ~~الفزع، ولو استطعن لدخلن فيها، فإذا هو كإحداهن طيران فؤاد وارتخاء مفاصل، لا ~~يملك لهن ولا لنفسه عصمة من الخوف، فنحن تاركوه والبنات على هاته الحال، لننظر فيما ~~كان يجري مما أطار طائر النمورة، فنقول: كانت السفينتان قد وصلتا الجزيرة بعد يومي ~~مسير، وبعد عناء كبير وجهد كثير، تقلان جماعة الصيادين، وأصحابهم الأربعة ~~الملاحين. فلما رستا وكان زئير النمور قد دوى في آذان القوم، وغبار هجومها قد سد ~~الفضاء في وجوههم، لم يتمالك الهنود من صيادين وبحارة أن وقعوا في مثل ما تركنا ~~البنات عليه، من خوف مانع للفكاك، ورعب مفقد للحراك، وبالجملة وقعوا من الفزع في ~~أضيق من ms033 الشراك. # وإذا رأى الرئيس ما حل برجاله، إلا أصحابه المصريين الذين ثبتوا حافظين لوعيهم ~~أمام هذا البلاء المحدق، عمد لجرابه فأخرج منه ست بيضات من الحجر من طبخ يده، ~~شديدة التوقد، قوية اللمعان، تحسبها نارا وليست من النار في شيء، فمسك اثنتين ~~منها في يديه، وجعل ينقلهما من يد إلى أخرى بسرعة غريبة، بحيث كانتا تتعددان في رأي ~~العين. ثم قال لصاحبيه «هاموس» وبلباص: خذا هذه البيضات الأربع فاصنعا بها كما أصنع، ~~وانزلا بنا إلى البر غير حاسبين لكلاب الهند هذه حسابا. فبدر الثلاثة إلى البر ~~يلعبون بالبيضات في وجوه الوحوش وهي تستأخر بين أيديهم، وتتقهقر أمامهم. وكان الرئيس ~~كلما قابل واحدا منها نظر إليه نظرة منوم مقتدر، فتركه مكانه مأخوذا مسحورا، ~~وهكذا حتى أتى على النمور جميعا فكنت إذا رأيتها حسبتها لوحا متقنا ~~بديعا. # ثم صاح بالهنود انزلوا أيها الأصحاب فانظروا ما أصاب هذه الكلاب، فنزل الهنود في ~~الحال مكثري التعجب مما يرون، خصوصا بحارة الأسطول؛ إذ كانوا يستغربون الحادثة، ~~ويكلمون فيها الصيادين فيقول هؤلاء لهم: ليس ما ترون إلا من لعب الرئيس، وإلا فإن له ~~في حال الجد جراب سحر لا ينفد، وكنز علم لا يفنى. كيف لا وهو الشقي «طوس» الذي لا يعرف ~~الغنى من لا يخدمه، ولا يدري السعد من لا يلزمه، والجواد الغني الذي فوق أنعم ~~الملوك أنعمه، وحسبكم أنه استخدمنا نحن صعاليك الصيادين في هذه المهمة التي لا تستغرق ~~أكثر من سنة وفقدنا سلفا جزاء إتمام هذه الخدمة خمسمائة ألف حلقة ذهبية من العملة ~~المصرية، هذا عدا الزاد والثياب والنبيذ الغالي الذي نشربه بغير حساب، وإنه لمال لا ~~يتسنى لملك من ملوك العصر دفعه، ولو أنه «رمسيس الثاني سيزوستريس» ملك مصر. # ثم إن الرئيس تقدم بين رجاله متوغلا في الجزيرة يفتش عن مسكن الأميرة بها، إلا أن ~~الظلام كان يعاكس بصره ويقف له بجداره الأسود دون المعالم والأشباح، فلم يكن منه إلا ~~أن أخرج من الجراب أربعة عيدان صغيرة فأشعل أطرافها، ثم رمى بها ms034 في جوانب الفضاء ~~الأربعة، ووقف بعد ذلك ينظر فبدا له من الجانب الأيسر شيء عال كالبنيان، فحول ~~إليه مشيه موغلا في السير، وهو من وقت إلى آخر يقذف بواحد من العيدان المعهودة، ~~فيضيء له دجى الليل حتى انكشف له القصر تماما، ولكنه لم يكد يبلغه حتى عاد فاحتجب ~~تحت قبة من شبه الضباب الكثيف، فالتفت الرئيس عندئذ إلى رجاله متبسما يقول: لا ~~يهلكم الأمر يا قوم؛ فإن عندي ما أمزق به هذه القبة الخيالية التي لا أحسبها إلا ~~من عمل بعض كهنة الصين الدخيلين في العلم. # وفي الحال تناول من الجراب ربطة عصي كانت فيه، فدهنها بدهان من عنده وتربها ~~بتراب أصفر من تركيبه أيضا، ثم أدناها من النار فاتقدت أطرافها فقذف بها تلك القبة ~~الوهمية فتبددت للحين. واستمر القوم سائرين حتى وصلوا إلى القصر، وهنالك استقبل ~~الرئيس الباب وقال بصوت عال تميد له الجبال: «يا من حاول أن يعمينا بسحره، عن ~~قصره، فغلبناه على أمره. إن كنت كاهنا فانزل إلينا آمنا إني أنا «طوس»، ولي ~~السعود والنحوس، المنتقم للنفوس، من طائفة القسوس، ولكني أكرمك لأجل من معك، ~~فأطعني عسى الطاعة أن تنفعك.» فلم يكد «طوس» يستتم حتى فتح الباب، وأقبل الكاهن ~~يمشي على عجل من الوجل انسياقا بجاذبية ذلك الاسم، كما تنساق الحملان بجاذبية بعض ~~الثعابين الكبيرة، حتى صار بين يديه فانحنى، ثم خاطبه قائلا: الأمان يا أبا «هاموس» ~~الأمان، فسأله الشيخ مستغربا: من أين لك أيها الكاهن عرفان كنيتي حتى دعوتني ~~بهما، فاندفع الكاهن يقول (الرمل): # عرفتني بك يا «طوس» النجوم # مثلما أعلمتني هذا القدوم # إنما أنت قضاء واقع # قصرت عن رده مني العلوم # هذه الأفلاك سعدا جريها # لك مقضيا لديها ما تروم # فلك البحر سلاما تحتها # ولك البلدان تطوى والتخوم # ولك الغابات دانت كلها # وعليك الببغا حط يحوم # فابلغ القصد وما تسعى له # واحمل العذراء في الفلك المشوم # ليس في مسعاك من بأس سوى # أن ما تسعى إليه لن يدوم # قال الشيخ وانذهل انذهالا: وأنا أيضا تحدثني ms035 خواطري أنك شنو الصيني. قال: وهي صادقة ~~فيما تحدث. فمد الشيخ حينئذ يده إلى محاوره فصافحه. ثم قال: كيف تصف ~~الفلك بالمشئوم أيها الأستاذ، وهو الذي يجمع بين الشتيتين ويداني بين ~~العاشقين، ويحمل بنت رب آسيا إلى ابن رب أفريقيا برغم هذين الملكين. قال: ~~مهلا رويدا يا «طوس»، ولا تجن على عذراء الهند، كما جنيت أنا عليها. فلقد ~~ركبني التسرع والطيش حتى هدمت ركنا من هرم حياتها، وأنت بهذه النقلة ~~تهدم الركن الثاني. ثم يعيش الهرم بركن واحد معرضا للخطر وشيك الزوال، وإن كنت ~~في ريب مما أقول: فهذا نجم الفتاة، وهذه غلالتها الأولى، غلالة الولادة. فاجمع ~~بينهما، وانظر، فأخذ الشيخ الغلالة وجعل يقلبها ويتأملها والنجم معا، وقد أخذ ~~بشر وجهه يغيض، وصفو حاله يتكدر، فأطرق برهة، وجبينه يفيض من العرق، ثم ~~التفت إلى شنو فقال: صدقت أيها الأستاذ، ولكني سأغلب هذا النجم على أمره وأرد ~~كيده في نحره (الخفيف): # أنا «طوس» محصي الكواكب عدا # أنا فوق النجوم أخذا وردا # أنا إن شئت بدل السعد نحسا # وإذا شئت بدل النحس سعدا # ثم إنه دخل في مثل الجنون من التحمس، فاستقبل القصر، واندفع يشيد بصوت كادت له ~~الجزيرة تميد. فدان للأميرة أن تبرح الجزيرة إلى فضاء النيل، البلسم الجميل؛ حيث ابن ~~مولى الأرض، في طولها والعرض، من الوجود عبده، والهند طرا هنده، ومن على الأيدي ~~يده، ومن غد الدنيا غده، السيد ابن السيد «آشيم» «رمسيس» الغد. # وما فرغ الشيخ من إنشاده حتى نزلت الأميرة هائمة على وجهها والبنات ينهلن على ~~أثرها، ولسان حالها ينشد (الكامل): # يا حامل البشرى إلي بقربهم # من لي إليك بريشة فأطير # كيما أرى في طيب لفظك شخصهم # فهم على فمك الكريم حضور # ثم وقعت على صدر الشيخ فحملها، ومشى والملأ يسيرون خلفه، حتى جاء إلى حيث ~~ترك السفينتين راسيتين. وكانت النمور ما برحت في أسر النوم، فجدد لها التنويم، إلا ~~النمر الأبيض الذي ميزه بطوقه فنبهه، ثم ساقه مشدود الوثاق إلى سفينة ~~الصيادين، وركب هو ورجاله والأميرة ms036 فيها، ثم أشار إلى سائر القوم أن ينزلوا في سفينة ~~الذخائر، فنزلوا وكان الفجر قد بدا ملتمع الضياء يضيء لراكبها الدأماء، فبوشر ~~عندئذ بنشر القلوع، فخفقت فيها الرياح تملأها وتحركت بعد ذلك السفينتان ~~فاندفعتا تشقان العباب. # الفصل السابع # | تلاق ولا تلاق # أنا في تطلابه وهو لدي # مطلب مر ولم يلو علي # قد تركت الهند أطويها له # وهو يطويها وما يدري إلي # والتقينا ما خطا لي خطوة # لا ولم أنقل إليه قدمي # يا لملك راح عني نائيا # كان لو فتشت عنه في يدي # الرمل # كانت مياه الهند من يوم رجع الأمير الغائب بأسطوله الخاسر الخائب محشرا للسفن من ~~كل طراز ولكل صاحب، فمن حربية بثتها المملكة للمراقبة، وأهلية جمعت كذلك لهذه ~~المناسبة، وبين قديمة بلا عدد، وجدد منشأة لهذا الصدد، وكانت كلها منتشرة ~~منتبهة حذرة، وعلى الأخص الأسطول المنقاد للأمير ثرثر، فلقد ظل جوالا في ذلك ~~المجال الفسيح، وهو كالريشة الساقطة في مهب الريح، لا يعرف له مرسى ولا يستريح، ~~وبالجملة كانت قيامة أقامها الملك في البحار، كاد العبب لها أن يقوم، وأن يسكن ~~التيار. # واستمرت السفن كذلك أياما طويلة، لا تهمل في البحث وسيلة، ولا تغفل في التفتيش ~~حيلة، بدون أن تأتي بخبر، أو تقف للأميرة على أثر، ولم تكن رأت في كل تلك المدة شيئا ~~يذكر، سوى حوتين عظيمين كانا يتطاردان، فكانت تتنحى لهما بكل مكان، فيمران في ~~ذمة وأمان، حتى خرجا من المياه الهندية، ودخلا في المياه العربية، المشرفة يومئذ ~~بالتبعية للدولة المصرية. وهناك افترقا فانقلب أحدهما آيبا إلى بلاد الهند، ولكن ~~بعدما مسخ فلكا يحمل الكاهن والأدلاء، ويقل المائة عذراء، واستمر الآخر ~~سائرا، وكان أيضا قد عاد فتصور سفينة صيد فيها «طوس» و«هاموس» والركاب ~~المحروس. # فبينما هذا الفلك ذات يوم سائر يؤم مصر بالقوم، مر به أسطول فاخر لا أول له ولا ~~آخر، وهو يجري زاخرا في زاخر، وكان قادما من مصر، وحاملا لرايتها الخفاقة ~~بالنصر. فلما استعرضه «طوس» قال لفتاه: ويل للهنود من هذه الأبراج! التي ms037 ليست ~~سفنهم بجنبها إلا أقفاص الدجاج، فأنا لا أظنهم إلا ثائرين، وهذا الأسطول خارج ~~إليهم ليعيدهم إلى الطاعة صاغرين. قال: ومن يا ترى الماسك لدفته، القابض على ~~أزمته؟ قال: إن أمراء البحر في مصر بغير حصر، وكلهم أبطال مكللون بالنصر. قال: ~~وهل يبعد يا مولاي أن يكون الأمير هو قائد الحال، الخارج إلى الهنود بهذه ~~الجبال؟ # قال: إن الأمير مطمئن بالولاية في منفيس، وأخوته كثيرون حول عرش أبيهم الملك، فلو ~~أحب هذا أن يجعل على السفن أحد بنيه، لما عدم من يوليه. # ثم إن السفينة استمرت سائرة حتى شارفت سماء النيل، فألقت المراسي وانقضى ذلك ~~السفر الطويل. # الباب الثاني # | الحوادث في منفيس # الفصل الأول # | عذراء الهند في قصر الأمير # ألا هل لي بلقياه يدان # حبيب شأنه عجب وشاني # إذا دنت الديار به فناء # وإن نأت الديار به فداني # يود الليل لو ندنو كلانا # ويدخر النهار لنا التهاني # وتأبى شقوتي فالذنب عندي # لها لا للزمان ولا المكان # الوافر # كان الليل في أخرياته، وكان سكون الجو عند غاياته، والوجود لم ينتبه ~~بعد من عميق سباته، وكانت منفيس لم تزل في أسر الليل وتحت رق أحكامه، ~~ساهرة المحارس والمخافر، مغلقة المداخل والأبواب، لا يخرج منها خارج ولا يدخلها داخل ~~إلا بإذن، وهي كأنها الهالة المستقلة المنيرة الأهلة، أضواء ولا ضوضاء، وسنا ~~للناظر وسناء، وسكون في الأرض وسكينة في السماء، وكانت الطرق إليها شتى وقد ~~أخذت مع ذلك تزدحم بناقلي الأقدام، الآتين من أقاصي القرى تحت مدارع الظلام، ~~وفي كلاءة الحي الذي لا ينام، ينهالون على المدينة من فوق الجسور وتحتها وعابري ~~الأنهار، ومن بين المزارع والديار وحوالي المحارس والأسوار، متنافسين في الرزق ~~متسابقين إلى الكسب مسارعين إلى المغنم، كما ينبغي للأمم في أيام حياتها وأزمنة ~~مجدها وتمدنها. # فكانت هاته الجماعات والزمر تموج وتزحف سيرا نحو منفيس، وبين أيديها ما لا يعلم ~~عدده إلا الله من محصولات القرى ومتاجر البلاد، وعلى الأخص الدواب حيث كان لأسواقها ~~الشأن الأعظم في المدينة، وكانت هي زخرف أغنيائها ms038 والزينة، وهم قد ملئوا الدروب ~~وملكوا جميع الطرق، إلا واحدة كان يقال لها طريق الخفاء، وكان الأهالي يجتنبونها لأجل ~~ذلك، ويذكرونها فيتفزعون لذكرى المهالك، وقد أكثروا في أمرها الكلام، وذهبوا المذاهب ~~مع الأوهام. # وكان يجتاز طريق الخفاء في تلك الساعة شرذمة من الفرسان لهم زي غير مألوف، ~~وكانوا ملتثمين متدارين في السلاح، متمكنين من صهوات الجياد وأعنتها المستوصية ~~الشداد، وقد جعلوا فيما بينهم هودجا محجبا محمولا لا يعلم إلا الله بما فيه، وهو ~~يسير حيث يسيرون، وهم به دائرون، حتى إذا صاروا في آخر الطريق من جهة المدينة، انفصل ~~عنهم أربعة فظهروا للوجود، وخرجوا إلى العالم المشهود، تاركين رفاقهم والهودج ومن ~~أقل في الطريق الخفاء، ينتظرون. # ثم ساروا يقصدون منفيس وكأنما عرف الأهالي من هم، فغضوا الطرف عنهم لا ~~يدنون منهم ولا ينظرون، وكانوا كلما مروا على محرس ميزهم خفراء النقطة ~~بزيهم فلا يتعرضون لهم ولا يسألون، إلى أن بلغوا باب الشمس (أكبر أبواب ~~المدينة يومئذ) وهنالك أخرج أحدهم جرسا فضرب به ثلاثا فلم يكد صدى الضربات ~~ينقطع حتى انفتح لهم الباب فدخلوا، وكان الحراس قد عرفوهم بجرسهم فلبثوا في ~~مراكزهم لا يتعرضون لهم ولا يسألون. # واستمر الفرسان الأربعة كذلك سائرين، لا يخشون من تعويق ولا يقف لهم واقف في ~~طريق، حتى لاحت لهم دار الأمير وجهتهم التي كانوا يقصدون. # وكان الفجر قد لاحت تباشيره تهز الوجود، كما هز من والديه المولود، وهي ~~الساعة التي يكاد صالحو الملوك والأمراء أن يسبقوا بها إلى العمل النساك ~~والعلماء. فخرج الأمير إلى حديقته الخاصة يلتمس لنفسه كعادتها نزهة الصبح، ويتمتع من ~~رؤية الطبيعة وروائها، في خير ساعات انجلائها، وأطيب أوقات بهجتها ~~وازدهائها. # أما الحديقة فكانت مثالا لصنعة الصانع أجل مثال، طرازا بديعا فردا في البهاء ~~والرونق والجمال. ظل، وماء، وطبيعة سمحاء، وسكينة في السماء، كما تحب ~~الطير ويهوى العاشقون والشعراء. # وكان مع الأمير فيها ساعتئذ الأستاذ «بنتؤر» شاعر البيت حكيم المملكة ومؤدب ولي ~~العهد في الصغر، ومشيره الأمين في الكبر، والبطل «رادريس» الملقب ms039 بعفريت الحبشة ~~حارسه الأول، وأمين سلاحه الذي عليه المعول، ثم العالم الكبير تيحو طبيبه الخاص. ~~وهؤلاء الثلاثة من أصحاب «رمسيس» الثاني وكانوا في معيته، فلما استعمل ابنه الأمير على ~~منفيس والأقاليم الوسطى، سيرهم في ركابه حاشية جديرا بها ولي عهد المملكة ~~الرمسيسية فكان الأمير يتمشى متريضا، وليس البدر بين نجومه بأجل منه بين ~~رجاله، وقد جعل يده في يد «بنتؤر» وهو يقول له: كتبت إلي سيبا تنبئني أن ضغط ~~الكهنة على الملك غير، وأن الحملة على تزويج أخي ب «آرا»، وأن كبير الحرس قد استمال إليه ~~المؤثرين من رجال الحاشية حتى أصبحوا يجدون مع الكهنة في إتمام أمله الذي يحاول أن ~~يرفع بنته إلى مقام تحسدها عليه كريمات الملوك والخواقين، وأن الملك أوشك أن ~~يتأثر بمساعي القوم، وأن أختي «آثرت»، وهي كما تعلم لسان الكهنة في القصر، متكلفة لهم ~~ولصاحبتها «آرا» باجتذاب والدتنا العزيزة. فكيف العمل الآن يا «بنتؤر»؟ وما الحيلة في ~~الخلاص إذا الملك والوالدة انقادا بقوة ذلك التيار فأصبحا علينا مع جماعة المتحالفين؟ ~~قال: نعم يا مولاي، ضغط الجنادل والقبور، ولا ضغط الوالدين في أمثال هذه الأمور. وإن ~~الذي أعلم أنا من الأمر لأعظم. قال: وما ذلك؟ قال: إن أبويك الفخيمين لم يوشكا فقط أن ~~يذعنا لاقتراح الكهنة، بل هما من بضعة أيام نصال تلك السهام، وساعد الأقوام، والمساعد ~~على تحقيق ذاك المرام، فإن كنت في ريب مما أقول فهذا كتاب من أبيك الملك إلي فاقرأه ~~ففيه الكفاية، ثم دفع إليه كتابا من قلم «رمسيس» يقول فيه ما معناه: # عزيزي الأستاذ، لقد آن ل «آشيم» أن يعدل عن غرامه الهوسي بعذراء الهند، ~~لا سيما بعد ما ثبت لديه من أخبار رسلي ورسله العديدين من اختفاء الفتاة ~~واستحالة بقائها على قيد الحياة. هذا والأمير اليوم يناهز الثلاثين، وأنا شيخ ~~ضعيف وقد مر لي في الملك خمسون عاما، فلا أحب أن أفارقه قبل أن أرى ولي ~~عهد أبا، وهذا أمل حلال، طاهر الخلال، لا أحسبك إلا موافقي عليه، فإن ~~امتثل ms040 «آشيم» إرادتي زوجته بربيبتي وبنت كبير حرسي السيدة «آرا» التي لم ~~يقع اختياري، ولن يقع إلا عليها، وإلا عددت الإباء منه عقوقا ~~بينا، وربما أفضى ذلك إلى انتقال العهد عنه إلى أخته البارة «آثرت»، والآن ~~فانظر في مصلحة أميرك واختر لتلميذك ما يحلو. والسلام. # كتبه ~~«رمسيس» الثاني # فما فرغ الأمير من قراءته إلا وقد ملكت الحيرة جهاته ووقف له اليأس في السبل ~~والمذاهب؛ فأطرق برهة لا يملك كلاما، و«بنتؤر» يلاطفه ويسليه ويعلله ~~ويمنيه، ويدعوه ليترك الأمر حتى ينظرا فيه، حتى إذا هب من إطراقه، قال: إن الموقف ~~لحرج يا «بنتؤر». قال: نعم، شر موقف يا مولاي، ولكن (الخفيف): # غالب الأمر بالتوكل غالب # واطلب العون في جميع المطالب # رب أمر به تضيق المساعي # لك منه إلى الفضاء مذاهب # قال: ألا تذكر أن أخي وضع يده وهو في الخامسة عشرة في يد عذراء الهند، على أن لا ~~يقترن بسواها ما داما كلاهما على قيد الحياة. قال: أذكر ذلك يا مولاي. قال: إذن فقبيح ~~بابن «رمسيس» أن ينكث العهد. قال: قبيح، ثم قبيح. قال: وتذكر أيضا أننا كلانا وضعنا ~~يدنا في يد هذا الشعب البائس المحتقر المملوك لفرقة الكهنة، أننا ننقذه من يدهم، ~~ونرد عليه حقوقه المسلوبة. قال: أعرف ذلك حق المعرفة يا مولاي، وأعلم أن اقتران ~~ولي العهد ب «آرا»، لو حصل، يثنيه لا محالة عن العمل، ويحل جميل نظام هذا الأمل. ~~قال: إذن فعار على ابن «رمسيس» أن ينقض الميثاق. قال: نعم، عار عليه إذا فعل ~~عظيم. قال: ولكنه الأب يقترح والملك يريد، وعار على ابن «رمسيس» أن يعق أباه، ثم ~~عار عليه أن يعصي ملكه. قال: نعم، عاران لا ينمحيان. قال: فكيف العمل إذن؟ ~~وما وجوه الحيل؟ وأخي فوق هذا وذاك عاشق، والعشق أكبر ملكا وأعز سلطانا من ~~أبينا على فخامة عرشه، فلا بد ل «آشيم» أن يذعن لأحكامه، كما أذعن لها الأولون وسيذعن ~~الآخرون. قال: كل هذا يا مولاي معقول، وأخوك وأنت كلاكما جدير بما تقول، ولكن الرأي ~~عندي ms041 أن نبادر فنغتنم فرصة تغيب الأمير فنجيب الملك بأنه ما زال ولده البار، ~~الخاضع المطيع في الإعلان والإسرار، وأنه أبوه أولى به، فليدبر له ما يشاء ويختار، ~~حتى إذا خرج الملك من حالة الغضب وعادت عواطف الأبوة فاطمأنت بمكانها من فؤاده ~~الرحيم، وما أسرع ما تعود هذه العواطف! شرعنا حينئذ نتلاطف له في الاستمهال ونذهب معه ~~في كل مذهب من المطال، حتى نستقر والحوادث على حال. قال: قد رأيت في الأمر رأي ~~حكمتك يا مؤدبنا العزيز، فاكتب إذن إلى الملك بهذا المعنى وعجل. # ثم إن الأمير التفت فوقع نظره على الحاجب، وكان قد حضر ليعرض أمرا فسأله: هل حاجة؟ ~~قال: حاجة الجميع سلامة الأمير، بالباب يا مولاي أربعة من الفرسان، يزعمون أنهم ~~رسل الشقي «طوس» إلى مولانا، في أمر ذي بال، فاستبشر الأمير لذكر هذا الاسم، ~~وتهلل وقال: يا مرحبا ب «طوس»، وأهلا وسهلا برسله، فليدخلوا، ثم أقبل على «رادريس» ~~يقول: ليس كذاك يا حارسي الهمام. قال: بلى يا مولاي، ونعم الصاحب على البعد ~~«طوس». أما شخصه فلم نره، وأما أفعاله فلم نبل منها إلا الخير خصوصا مولاي ~~«آشيم»، فإنه مدين له بالحياة مرتين، منذ قدومنا لمنفيس. قال: وأنا لأجل أخي أحبه ~~ولا أحب أن يتعرض له ولا لرجاله أحد ما دمت مكان أخي في هذا البلد. قال: وهبك ~~عاديته يا مولاي، فلن تجني إلا كما جنى الولاة من قبل أخيك، ثم تكون قد أرجعت ~~البلاء للسكان، وأعدت الحال أسوأ مما كان. # وعند ذلك أقبل الحاجب وفي أثره الفرسان الأربعة، وقد تجردوا عن سلاحهم بالباب، ~~وجعلوا يدهم اليمنى على الكتف الأيسر، وأرسلوا اليسرى خافضي الرأس منحنين، إشارة إلى ~~الخشوع والإجلال، وعلامة على تمام الطاعة وكمال الامتثال. فلما رآهم الأمير أقبل عليهم ~~وتلطف، وبالغ لهم في الخطاب، ثم شرع يسألهم عن «طوس» ويستخبرهم عن أحواله حتى ~~إذا اطمأن بهم الموقف واستأنسوا، طلب إليهم أن يعرضوا حاجتهم، فأخرج أحدهم كتابا ~~مختوما ودفعه إليه، فتناوله ففضه، ثم دفع به إلى «بنتؤر» ليقرأ فقرأ: ms042 # من الشقي «طوس» صاحب الشياطين، وحليف المردة الجهنميين، إلى سيده ~~ومولاه سليل الشمس وجار الآلهة في مهده، ابن «رمسيس» الثاني وولي عهده، ~~ووارث التاجين والعرش من بعده، الأمير «آشيم»، حاكم منفيس والأقاليم ~~الوسطى. # مولاي، فتاة الهودج التي يتقدم بها رجالي بين يدي جنابك العالي، هي عذراء ~~الهند . ~~(فعند سماع هذا الاسم أجفل الأمير واضطرب وعلا وجهه الاصفرار، فدنا ~~«بنتؤر» عندئذ منه وقال همسا: تجلد يا مولاي، وقم لأخيك في هذه الحادثة ~~مقام شخصه، وصن له عشيقته فيما تصون من معالي هذا المركز الذي خصك بثقته ~~يوم رحيله، فلم يأتمن سواك عليه، ثم عاد فقرأ): # بنت الملك «دهنش» ملك ملوك الهندين أوقعها الشقاء في قبضة عبدك، ~~فاستكثرتها لنفسي، ولم أجدها تصلح لسواك، أو تليق إلا لعلاك، فآثرتك ~~بها على نفسي وأولادي، مع علمي علما حقيقيا أنها أجمل كريمات الملوك، بل ~~أفتن نساء الأرض، في الطول والعرض، وأن أربعين ملكا من ملوك آسيا ~~ماتوا بوجدهم في سبيلها، كما يموت عشاق الدنيا بهم اليأس من تحصيلها. ~~ولكن لعذراء الهند هذه يا مولاي سرا يختص بحياتها، ويتعلق بأيامها، وإني ~~أستودعك إياه، وأسأل آلهتك أن يجعلوك منه أبدا على ذكر، وما ذاك إلا ~~أن الفتاة محرم عليها أن تركب البحر في عمرها مرتين لا متتاليتين ولا ~~متعاقبتين، وقد فعلت فصارت عرضة للغرق، بحكم نجمها النحيس، وإلا ~~يسهر مولاي عليها يكن وحده المسئول عن حياتها النفيسة أمام فؤاده ~~الطيب الرحيم. # كتبه «طوس» # وقد كان الأمير وأصحابه يصيخون لمدهش ما يتلو عليهم «بنتؤر»، وهم يشهدون أحوالا ~~أعجب، ويبصرون أدهى مما يسمعون وأغرب. وذلك أن الفرسان الأربعة كانت أشخاصهم ~~ترق وتنطوي، وتضمحل وتتلاشى، متوارية ثم تتوارى متلاشية. وهذا كله بدون أن تتحرك ~~الأقدام أو تخرج عن مراكزها الأجسام إلى أن زالت تماما، وعندئذ سمع من جوف الحديقة ~~صوت يقول: لتخل الطريق إلى قصر النزهة بالضواحي، وليخل القصر أيضا إلا من ~~الأمير؛ حيث يقيم وحده في انتظار عذراء الهند، فإنها ستحمل إليه في منتصف الليل ~~تماما. # الفصل الثاني # | الأمير ms043 «آشيم» # عرف القارئ من «آشيم» وابن من في ملوك الزمن، وما ألقابه وشأنه وكيف منزلته، ~~من باذخ المجد ومكانه، ولكن ربما تسرع فعامله كما أصبحنا نعامل المتوجين ~~الجالسين، وسائر أبناء المالكين، فلا نعد وجودهم إلا ضربا من لعب السعادة، لا ~~ينيل التفضيل الحقيقي، ولا يوجب السيادة، فنحن ندعوك أيها القارئ لتستثني معنا الملك ~~وابنه. أما «رمسيس» الثاني؛ فلأنه «رمسيس» الثاني، وكفى، وأما ابنه الأمير فإن ~~منفيس تشهد مزكاة بالذكر والأحاديث أنه كان فتى ولا كالفتيان، كامل أدوات الإمارة ~~والسيادة، أهلا لما ترشحه له السعادة وزيادة، مخالطا للأمة سريعا إلى حاجاتها، ~~آخذا بنصيب من جميع حالاتها يحبها وتحبه، ويتألف على الهوى قلبها وقلبه، حتى ~~لكانت تكاد تتمنى أن تراه اليوم قبل الغد على العرش، عرش والده الذي أقام جدها، ~~وأنشأ مجدها، وصير الوجود بأسره عبدها. # هنا يستغرب الأمر من لا يعرف السبب، ويعجب القارئ بحق، كيف أن ملكا كهلا خدم ~~الأمة نحو نصف قرن لم يألها صبرا حتى أنالها أزمة الوجود برا وبحرا، وخلد ~~لها في العالمين ذكرا، يفضله مع ذلك في اعتبارها، ويقدم عليه في اختيارها، أمير شاب ~~لا يزال في ولاية العهد، وعلى أبواب العمل لم تر له البلاد خيرا ولا شرا، ولم ~~تبل من ثمره حلوا ولا مرا. فالجواب أن للأمة ما دامت في الحياة، كرامة من ~~الخلقة، وإباء من الوجدان، يذكرانها على الدوام حق المساواة، ويورثانها أبدا ~~كراهية الطاعة لكل حكومة ينتفع بها فريق، من الشعب دون فريق، وتكون نعماء أيامها لطبقة ~~من الأفراد دون طبقة، وتلك الكرامة وهذا الإباء لم يرعهما الفراعنة في دولة من ~~دولهم، ولم يلقوا لهما بالا في زمن من الأزمان، فلما ولي «آشيم» الحكم على منفيس ~~والأقاليم الوسطى، كان طرازا وحده في الفراعنة وأبنائهم، من حيث العناية بمصالح ~~العامة، والسهر على حقوقها، وتسوية الرعاية بينها وبين الخاصة، وقد سار سيرته هذه من ~~أول يوم حتى فزع الطبقات العليا من الشعب، وعلى الأخص الكهنة فباءوا له بالعداوة، ~~وباتوا يرقبون من أمر فرعون الغد ms044 ما سيكون. # هذا ولم يكن «رمسيس» الثاني كغيره من محبي العظائم بين ملوك الأنام الذين يكاد حب ~~الذات لا يجوزهم، وقسوة القلب أن لا تتعداهم، ويتولد من الطمع عندهم الحسد في غاية ~~شدته، فتعم شروره البلاد والعباد، وتتناول غوائله حتى الأهل والأولاد؛ بل كان يرى في ~~اهتمامه للمملكة بصاحب عهدها والسهر على عظيم مستقبله، الذي هو مستقبلها، تتويجا ~~لحياته العالية الكبيرة، وإتماما لنعمته على الأمة والبلاد؛ حيث رباه التربية ~~اللائقة بنسبته العالية، وبما له من الشأن المستقبل في سياسة دول الوجود، وكان كثيرا ~~ما يستصحبه معه صغيرا في أسفاره المتعددة المتوالية إلى أفريقيا وآسيا، وفي هذه القارة ~~اجتمع والد الفتى بوالد الفتاة على أثر صلح بعد قتال، كما تقدم لنا ذكره، وكان ~~الولدان يومئذ ناعمين صغيرين يستقبلان الحياة، فكان أول ما وقعت عينهما من أشيائها على ~~الحب. # فبينما الأمير ذات يوم مطمئن بالولاية في منفيس يسوس الأمور، وينظر في شئون الجمهور، ~~وردت عليه أوامر والده الملك بتوليته قيادة الأسطول، الخارج إلى تأديب الهند الثائرة، ~~وإعادة السكون إليها، وأن يتخذ له نائبا من مواضع ثقته يكل إليه حكومة منفيس إلى حين ~~أوبته، فوقع اختيار الأمير على أخيه لأمه وأبيه، وكان في طيبة فاستقدمه منها وألقى ~~إليه مقاليد الولاية، ثم برح منفيس إلى السواحل؛ حيث الأسطول بانتظار قائده الهمام، ~~وكانت الأوامر قد صدرت له بالقيام، فقام إلى بلد فيه العدو والحبيب كلاهما، هذا ثائر ~~العداوة والبغضاء، وهذا ثائر الوجد والغرام. ~~(1) قصر النزهة بالضواحي # تركنا الأمير وأصحابه مأخوذين متأثرين بالمشهد السحري الذي جرى أمامهم، وكان ~~موضوعه الفرسان الأربعة رسل «طوس»، وإن يكن السحر وعمله ومشاهده مما كان المصريون ~~الأولون، يعرفون تمام المعرفة ويألفون. # أما ما كان من أمرهم بعد ذلك، فإن الأمير ما مكث أن استكتب «بنتؤر» كتابا إلى ~~الملك بالمعنى المتفق عليه بينهما أولا، وبتفصيل الحادثة المفاجئة ثانيا، ثم ~~استصدارا لأوامره بشأن عذراء الهند، وبعد ذلك جمع إليه رجاله فشاورهم في كيفية ~~المسير إلى قصر النزهة بالضواحي الذي كان دار إقامة لعظماء ms045 الضيوف، فأجمعت الآراء ~~أن الأمير يخرج في العصر إلى المعبد الأكبر فيقرب للآلهة القربانات الجديرة بهم ~~شكرانا لنعمتهم على أخيه بقدوم حبيبته للديار المصرية، ثم يبرح المعبد قبيل ~~الغروب فيخرج من باب الظلام (أحد أبواب المدينة كذلك، وكان خالصا بالكهنة بأيديهم ~~مفاتيحه وعندهم أسراره وطلاسمه) ويأخذ جانب السور الغربي فيستمر سائرا حتى يبلغ ~~باب طيبة، وهنالك يتنحى من يكون معه من الحاشية والحرس فيقفلون راجعين، وتكون ~~الإشارة قد سبقت إلى ضباط النقط بإخلاء الطريق من باب طيبة، فقرية البشنين، فعزبة ~~البقرة، فقصر النزهة بالضواحي، وهذا الطريق الطويل يقطعه الأمير وحيدا ليس معه إلا ~~رجاء الآلهة ووفاؤه لأخيه النازح الدار. # فلما كان الأصيل هيئت الركائب واستعدت، فأقبل الأمير في حلته العسكرية، ~~وعلى رأسه شعار الإمارة الرمسيسية، وهو يزهو بالحسام المجوهر ومنطقة الذهب ~~والطيلسان. # وقد اتخذ لصدره زينة من أبيض الخز المحلى بالذهب المطرز بالياقوت والمرجان، ~~وكان الفتى طويلا معتدل القامة، أشم ظاهر الشهامة، واسع الجبين أسود الشعر خفيفه، ~~أسمر اللون باخضرار، أسود العينين وسيعهما، ممتلئ النظرات من الحياة، حلو اقتبال ~~السنين، يراه الرائي فيستكثر له العشرين، وكان له جواد مارد من المراد، أدهم غائب ~~في السواد، وكان سرجه من جلد النمر، فركب وسار و«بنتؤر» إلى اليمين و«رادريس» إلى ~~اليسار، يدور بهم فيلق من الحرس جرار، وكان للأمير عبد أسود يقال إنه أحد ~~أبناء ملوك النوبة، وأنه وقع ل «رمسيس» أسيرا، فبعث به إلى ابنه مقترحا عليه أن ~~يسيره أمام فرسه، أينما سار فكان الأمير ينظر إلى الأسير إذ يسير. ويقول ~~ل «بنتؤر»: أنت الذي علمت أبي الكبر بأشعارك يا مؤدبنا العزيز، حتى أصبح لا ~~يحسب الملوك وأبناء الملوك خلقوا إلا ليركبهم أو يركبهم أولاده، كأن في ~~أيماننا صكا من الدهر دوام الحال، وهيهات! دوامها من المحال، فما الواحد منا ~~فوق عرش جلاله وعظمته إلا مثلي، فوق متن جوادي هذا، لا آمنه لحظة أن يكبو ~~فأكبو معه، فيصيبني ما يصيب. قال: صدقت يا مولاي، ولكن هل تراني علمت ~~والدك البخل، وهو الذي ms046 له خزائن الأرض في الطول والعرض، تمدها المستعمرات ~~بالمال، فتنمو فإذا هي شم الجبال، فلا تلمني إذن ولا تظلم الشعر، وإنما هي ~~طباع في أبيك يسرني أني لا أجدها في الأمير أخيك ولا فيك. قال: وهبها كانت ~~أو لا تزال موجودة، أليس في صحبة مثلك ما يمزقها وأمثالها، من قبيح الطباع؟ ~~قال: عشت يا مولاي، ولا زلت من يذكر الفضل فيشكره، فما نسي الفضل إلا غبي، ~~ولا جحد الفضل إلا لئيم (مجزوء الكامل): # إن كنت ذا فضل فكن # ه على ذكي أو كريم # فالفضل ينساه الغبي # وليس يحفظه اللئيم # فعاد الأمير فقال: حقيقة إن أبي عجيب في بعض أحواله، وهذا منها، وإني لا أعلم له ~~عطية عندي غير خمسين لؤلؤة من أعز اللؤلؤ، هي الآن في جيبي وسأقربها ل «آمون»، ~~وإني لأرجو أن سينفعني القربان؛ لأنها أعظم ما جاد به بخيل إلى الآن، ثم إنه حول ~~الحديث إلى «رادريس» فقال: لا أذكرك يا «رادريس» أن غدا فجرا تبتدئ حراسة قصر ~~النزهة بالضواحي. قال: هذا ما كنت مشتغلا بتدبيره الساعة، وأنتما في الحديث يا مولاي، ولكن من أي الفرق تأمر أن نستعير الجند اللازم لذلك؟ فإن الحرس أصبح ~~مشغولا كله؛ بحيث لم يعد الأخذ منه ممكنا. قال: فليكن من فرقة فتاح. قال: ~~وكذلك مخفر القصر يا مولاي، فلقد مررت به من أيام فوجدت غالب أخشاب مربعه متكسرة، ~~والأوتار بالية متغيرة، والمعالف متهدمة خربة، فإن أمرت كتبنا إلى ديوان ~~الجيوش ندعوه لترميم ذلك كله بمعرفته وعلى نفقته. قال: ذلك من عمل وظيفتك، فتصرف ~~كيف شئت، وليتكفل الديوان أيضا بمئونة الجند أربعين يوما ريثما تستريح ~~الأميرة، ثم نشرع في ترحيلها إلى بلاد طيبة، ومنها إلى بلاد أبيها، لتخطب بالصورة ~~اللائقة. # وكان «بنتؤر» منصتا يسمع. فقال: ما هذا الكلام يا مولاي؟ وكيف تسمح ببراح ~~الأميرة منفيس؟ قال: إن كريمات الملوك يا «بنتؤر» لا يؤخذن من أيدي اللصوص ~~الأشقياء، ولكن من قصور عزهن وعن أيدي آبائهن الفخام. ولذا صار لا بد من ~~ترحيل الفتاة إلى ms047 طيبة مبجلة معظمة معززة مكرمة، واستئناف الخطبة بعد ~~ذلك على الوجه اللائق بنا وبها، وبمقتضى ما تقف عنده المخابرات بين حكومة جلالة ~~الملك وبين حكومة الملك أبيها. قال: هذا ما كدت أسبقك إلى القول به، لولا أنني ~~أخاف بغتات الأمور، وأخشى تقلبات الحوادث والأحوال. قال : ليحدث ما عساه ~~حادث، ولتنصب المصائب جملة. فأما عن الشرف فلا يحول بنو «رمسيس». قال: ولكن ~~لا تنس لأخيك إنه محب عاشق صب يا مولاي. قال: ليس الحب إلا قطعة من ~~الشرف، ومن يضيع الكل ليحفظ الجزء فذلك عين السرف. قال: بنفسي أنتم يا ~~أولاد «رمسيس» (مجزوء الكامل): # سير الكبار كبيرة # وأجلها هذا السلوك # إن الشهامة خير ما # حملت مع التاج الملوك # وكان المعبد قد لاح للقوم، فامتنعوا عن الكلام وخرجوا من مقام ليدخلوا في مقام. ~~حتى إذا وصلوا استأخر الحرس ينتظر على بعد، وترجل الأمير وصاحباه، وكان رئيس ~~الكهنة قد خف في جماعته لاستقباله، فبالغوا له في التحية ووفوه إكباره ~~وإجلاله، ثم دخلوا به، فما زالوا يتنقلون بين أفنية المعبد وإيواناته وصحونه ~~وطرقاته، ودهاليزه ورواقاته، ومقاصيره وحجره حتى جاءوا المحل الأقدس للمعبد، ~~وهي الحجرة الخاصة بالأمير لا يطرقها سواه، ولا يدخلها على «آمون» إلاه، وهنالك ~~استأخر الكهنة ينتظرون، ودخل الأمير فاستقبل مثال الإله «آمون»، ثم خر جاثيا ~~ويقول في دعائه: ~~«آمون» يا محبوب الرماسسة ومحبهم، ويا أباهم وربهم، ولواءهم ~~وحزبهم، أنت العلوم والأسماء، وأنت الحقيقة الزهراء، الواحدة الشماء، ~~منك الأرض، ومنك السماء، وإليك العوالم والأشياء. هذه خمسون من اللؤلؤ ~~المكنون، الذي أخرج بحر علمك الزخار، قبل أن تخلق البحار، وجاورك قبل ~~جوار الماء والتيار، فاستعار فاستنار واستدار، وصار إلى ما إليه صار. ~~أزلفها لك قربانا، وأقربها شكرانا، ورضى وامتنانا، وأسألك ~~القبول يا خير مسئول. # ثم لما فرغ من دعائه تقدم إلى المثال العالي، فوضع ذلك العقد الغالي على ~~صدره الحالي، المتلألئ المغشي باليواقيت واللآلي. وبعد ذلك وقف كالمريب يجيل ~~طرفه في جوانب الغرفة، وإذ أيقن أنه محجوب عن العيون، وأن لا رائي ثم إلا ms048 ~~«آمون»، عمد إلى أحد الصناديق السرية، وكانت ثلاثة، وكانت خاصة بالأمير ففتحه ~~ونظر، فإذا في درجه الأسفل ورقة، وكانت مكتوبة بقلم سري مصطلح عليه ~~فأخذها فقرأ: # أخبار اليوم # ليأخذ الأهبة والعدة مائة من أبطال الحرس، وليكونوا من أول الليل في ~~الصحراء، بالقرب من مدخل طريق الخفاء، وليقيموا هنا إلى ما بعد منتصف الليل، ~~فإن سمعوا في هذه المدة ضرب نفير يردد من جانب الطريق، فليتحركوا من فورهم ~~لنجدة رجال «طوس». # بعث الكهنة إلى إخوانهم في طيبة بالشكوى من استمرار بقاء «بنتؤر» و«رادريس» ~~في معية الأميرين، وبخبر ظهور عذراء الهند، وبأنهم اتخذوا التدابير اللازمة، ~~لمنع وصولها إلى الأمير، فلم يبق عندي شبه ريب في خيانة الحاجب والخادم ~~الخصوصي، فليقبض على أوراقهما وليعدما الليلة. # أصبح من المحتم المستعجل أن يسعى الأمير في تغيير قائد الفرق ~~الاستعمارية، فإن القوم أوشكوا أن يميلوا رأسه، ولا يخفى ما في ذلك من ~~الخطر على حزبنا والسلام. # فأخفى الأمير الورقة في جيبه وخرج، وهو لا يكاد يملك حركاته من الغضب، فمشى ~~والكهنة وأولادهم صفان له في الطريق عن اليمين وعن الشمال، حتى إذا صار خارج ~~المعبد أمر أن يفتح له ولبعض رجاله باب الظلام، فقيل له إنه مفتوح، فزاده ذلك ~~غضبا، وأيقن كل اليقين أن الحاجب والخادم هما السبب، فدنا عندئذ من ~~«رادريس» وناوله الورقة خفية. وقال: هذه أخبار اليوم فانظر ما يتعلق منها ~~بوظيفتك، فسارع إلى إنفاذه بالحرف الواحد، وعلى الأخص أمر الحاجب والخادم. ~~قال: سمعا وطاعة يا مولاي. قال: والآن خذ الحرس فارجعا، وأنا يكفيني ~~«بنتؤر» والعبد، وكان الليل قد دخل في ساعته الأولى، فركض الحرس خيلهم خلف ~~قائدهم الهمام «رادريس» آيبين إلى المدينة، ومشى جماعة من الكهنة في ركاب ~~الأمير حتى اجتاز باب الظلام، فانطلق يسير وليس معه إلا مؤدبه وعبده، وهناك ~~استأذن الكهنة فأذن لهم فانثنوا راجعين. # الفصل الثالث # | ما كان يجري في طريق الخفاء # كان الفصل نيلا، والليل خفيفا ثقيلا، جفيفا بليلا، صدئا ثقيلا، لا قصيرا ~~ولا طويلا، وكان الليل في طفولته ms049 الأولى لا ينفع الضال، ولا يغني عن الساري فتيلا، ~~والأرض يبدو عليها الزرع، ويتخللها الماء، فهي سوداء للناظر خضراء حمراء، وكان على ~~الجانب المهجور من الصحراء، وهو المعروف بطريق الخفاء نحو عشرين فارسا من الخفاف ~~الأقوياء متوسدين الثرى ينتظرون على الظلماء، وخيلهم على البعد بعضها رابض يجذب ~~بالغبراء، ومنها الناهض المنيف بأنفه في السماء، وبين الخيل والفوارس، هودج معمور ~~بربته آنس، وهي فتاة حلوة المحيا في مجموعة نضرة القوام الرشيق، سوداء العينين ~~بقليل ضيق (الطويل): # إذا برزت أبدى النهار قميصها # يغير به شمس الضحى فتغار # وإن نهضت للمشي ود قوامها # نساء طوال حولها وقصار # وهي قد جلست خلف الهودج مطرقة أسيفة. تنظر تارة إلى السماء كالضارعة وطورا ~~تنظر في يدها اللطيفة، وكان لدى الفتاة هنالك نمر بديع في شكله، عزيز في ~~نوعه، وقد ربض بجنبها آنسا بها، مطمئنا بقربها، وحدقتاه الحمراوان لا ~~تشتغلان لحظة عن شخصها الفتان، ولسان حاله يخاطبها بهذا المقال: # أنا يا مولاتي الخدم والحشم، وأنا الوطن والأهل والنعم، وأنا سيوف ~~أبيك المجردة تحميك، وستبدي لك خطوب الزمان كيف يخلص ويفي ~~الحيوان. # فبينما الفرسان في السمر ينتظرون على المكان، وكان الليل قد ذهب ثلثه الأول أو ~~كاد، لم يدروا إلا بخيل تنهال من كل جانب، وتحوش عليهم السبل والمذاهب، ~~فنفروا عن مجلسهم منذعرين ثائرين، كما أطلقت إبلا صعابا أو هيجت آسادا ~~غضابا، يصيح بعضهم ببعض: إنهم يا قوم متطوعة المعبد، هاجمونا ليخطفوا ~~عذراء الهند. فويل لنا من «طوس» إن هي أخذت منا! وما هو إلا كلمح البصر حتى ~~تلاقى الرجال واشتبك القتال، وزاد اختلاف السلاح في الأهوال، فضربا بالسيوف، ~~ورميا بالنبال، ونزلا بالبلط الثقال، وحملا بالمزاريق الدقاق ~~الطوال. # ولم يمض يسير زمان حتى سقط ثمانية من رجال «طوس» بين قتيل وجريح، وأسر منهم ~~ثلاثة، وأوشك الباقون أن تخونهم الأقدام وتخذلهم السواعد فيخروا حول الهودج - ~~رايتهم - هالكين، وعندئذ سمع ضرب نفير يردد، ولم يشعر العدو الكثير العدد ~~الفرح بالظفر، إلا ونحو مائة من ليوث الأبطال يتضاغطون عليه كما تضاغط ms050 الجبال، ~~فلقيهم حق لقائهم حملا ووثبا وطعنا وضربا، كأنما يأبى إلا عذراء الهند ~~يأخذها غصبا. # فعاد القتال أشد، وطال السيف وامتد، ولكن المتطوعين كانوا قد تمكنوا من ~~أخذ الهودج ومن فيه، فسار به أربعة منهم خلف حصن حصين من ظهور إخوانهم المقاتلين، ~~وعذراء الهند تستجير ولا مجير، وتستصرخ ولا نصير، وتصيح: حارس حارس، إلي يا حارس، أين وفاؤك؟ هذا وقته، أتخذل مولاتك وابنة مولاك وهي لم يبق لها من ملك ~~الدنيا سواك؟ أما حارس فكان قد نفر بادئ بدء، كما هي طبيعة السباع، ثم زاده ~~نفورا أنه كان خارج المعركة يرأرئ بحدقتيه كالمفتش عن مكان مولاته فلا ~~يراها، فما صدق أن وصل صراخها إلى خروق المسامع، حتى طار إلى الصوت وثبا كأنه ~~الأفعوان النافر، فرمى بكتلة جسمه الجهنمية في صدور الرجال الأربعة، فمزقها ~~شر ممزق، ثم إنه وقف بجانب مولاته رافع الرأس بارز اللسان من شدة الخفقان، ولسان ~~حاله يقول: هل من مزيد؟ # هذا ما أصاب عذراء الهند، أما ما كان من أمر المتقاتلين، فإن استئناف القتال ~~بينهم لم يلبث أن انجلى عن انتصار رجال «طوس» وأبطال الحرس، وقتل أكثر ~~المتطوعين، غير أن هؤلاء لم يتقهقروا خطوة ولم ييأسوا، حتى كأن هناك سلاحا ~~آخر. وعلى هذا السلاح كانوا يتكلون، وفي الحقيقة كان وراء صفهم كاهن، وكان كامنا ~~يتربص ثم تبين أن السلاح قد خان، وأن الثبات أمام العدو لم يعد في الإمكان، أخرج ~~آلة تقذف مسحوقا أبيض كريه الرائحة، فسلطها على الأعداء، فكان كل من علقت ~~ثيابه شيئا من هذا المسحوق من القوم، يصفر لونه ويضطرب جسمه ويميل رأسه، ثم ~~يسقط مغشيا عليه؛ فحين أبصر رجال «طوس» ذلك أخرج أحدهم صفارة فضرب بها ثلاثا فأقبل ~~على القوم رجل جهنمي مهول، يهدر كأنه الأسد الأفريقي أو هو الغول، وكان كذلك ~~كامنا خلف هضبة يتربص، فلما رأى ما حل برجاله وإخوانهم أبطال الحرس، أخرج من صدره ~~شريطا طويلا من ورق أخضر، فأشعل طرفه فتصاعد منه دخان متكاثف طيب الرائحة، فكان من ~~يتنشقه ms051 من المصابين بالمسحوق يستفيق في الحال، ثم يخف نشطا سريعا إلى ~~القتال. # وإذ رأى الكاهن ذاك أبرز شبه مرآة صغيرة شديدة الضوء مستديرة ومد بها يده من بين ~~الصف، ثم أدارها في وجوه المقاتلين، فكان من تأثيرها الوقتي في أعصابهم الارتعاش ~~والارتعاد، واضطراب الأجساد ، حتى لقد كان السلاح يسقط من أيديهم فلا يملكون له من منع ~~ولا استرداد، فلم يكن من الرجل الجهنمي إلا أنه صرخ صرخة تميد لها جبال الحديد، ويقصر ~~عن مثلها الأسد الفتى الشديد، فزالت تلك الحالة الاضطرابية، ورجع القوم إلى حالتهم ~~الطبيعية. # وبعد ذلك تقدم نحو الكاهن محتدا بالغضب، يقول: ما لي ولهؤلاء المساكين ~~أعذبهم؟ فوربي الذي أعبد، لا أخذت سواك يا كاهن النفاق، ولا أخذتك إلا ~~بنظرة، كما يؤخذ صغار السحرة. ثم نظر إليه نظرة فراح الكاهن مأخوذا مسحورا لا يملك ~~لنفسه حسا ولا شعورا، وأسر من كان باقيا من المتطوعين، فخلا المكان للرجل ~~الجهنمي، وحينئذ ارتجل نظرة إلى الأفلاك، ثم قال: لم يبق من النصف الأول من الليل إلا ~~مسافة الذهاب إلى القصر، فليرجع إذن أبطال الحرس بسلام مشكورين، وليحملوا معهم أسرى ~~المتطوعين إلا هذا الكاهن، فإن لي وله شغلا، ثم جعل رجاله قسمين، وكانوا اثني ~~عشر، فسار ستة منهم بالهودج، قاصدين وجهة القصر، ورجع معه الباقون يسوقون أمامهم ~~الكاهن إلى عذاب مستمر. # الفصل الرابع # | الأمير في الطريق # تركنا الأمير ومؤدبه وعبده آخذين يمين السور الغربي، يسيرون في حماية السور ~~وتحت مدارع الظلماء، آتين باب طيبة، ومنه إلى قصر النزهة بالضواحي، والآن نرجع إليهم، ~~فنقول: كان الأمير يقول لصاحبه وهما في المسير يتحدثان: أرى يا «بنتؤر» أن في الوقت ~~ما يكفي لنذهب فنؤدي الواجب نحو دعوتنا المقدسة، ثم ننثني فنستقبل الأميرة. قال: لعل ~~مولاي يشير إلى الجمعية، فإنها تنعقد في هذا المساء؟ قال: نعم، إلى ذلك أشير. قال: ~~وهب أن الوقت لم يمكنك من حضورها هذه الليلة، فإن الأحرار يعذرونك يا مولاي، ~~وحاشاهم أن ينالوك بفكرة سوء، أو يظنوا بك إلا الخير فيما يظنون. ms052 قال: ولكني وأخي لم ~~نعودهم التقصير من قبل. ولا أحب أن نعتاده معهم، فالنفس مع العادة بنت مرة. ~~قال: ذلك أحب إلي يا مولاي، بل أنت إن فعلت زدت مكانة في نفوس القوم إلى ~~مكانتك، وأصبحت منزلتك في القلوب منازل. قال: ولكن الوقت إن سامح بالذهاب إلى ~~الجمعية، فهو لا يحتمل لنا أن نرجع إلى المدينة فنغير خيلنا ولباسنا. فما العمل ~~إذن؟ وماذا ترى؟ قال: لا يفكر مولاي ولا يضجر؛ فإن «رادريس» لا يفوته في أمر ~~الحزب صغيرة ولا كبيرة، وهو لا شك عالم أن الجمعية تلتئم في هذا المساء، فلا يقصر عن ~~المبادرة إلينا بما نحتاج من خيل ولباس. قال: هذا إن وجد سعة في الوقت، وما أظنه ~~واجدا. قال: بل سيجد يا مولاي؛ إذ حيث الأمر كما قدمت لك، يتناول مصلحة الحزب ويهم ~~الأحرار. و«رادريس» هو ذلك الغيور، ألم يكن القائل للملك إذ هو في مقابلاته الرسمية ~~إذ تحيط به حاشيته ووزراؤه: # أيها الملك # إن عفريت الحبشة ومدوخ أفريقيا لا يقبل أن يتقدم عليه صغار أولاد الكهنة ~~في شرف الدخول عليك للتبريك، حتى نشأ عن ذلك تركه الأمور واعتزاله الخدمة ~~حولين كاملين (مخلع البسيط): # رأيت ملكا بلا استقامة # لا صدق فيه ولا سلامة # فعفت باب الأمور حتى # خرجت بالعز والكرامة # والحر في حيثما تولى # يقوم للخلق بالخدامة # قال: نعم، هو ذاك الشهم بعينه، وإني ليعجبني له قوله في خطبته المشهورة التي ~~ألقاها على جيوشنا المظفرة بالحبشة: «أيها الجند، أنتم منذ كنتم آباء التاريخ ~~وأصحابه، وإليكم ينتهي كتابه، فإياكم أن تعطوا العدو منه سطرا واحدا، فما خلق ~~الذل إلا لأمة ذات مجد غابر لا تستحيي من تاريخها.» # ثم ما زال الأمير وصاحبه يمجدان الحارس الأول في غيبته، ويتذكران الكثير ~~الطيب من سيرته، وقد خدعهما الحديث كعادته، فلم يدريا إلا بباب طيبة يلوح لهما ~~كأنه الطود الشامخ أو البرج المشيد الباذخ، وهنالك انتحيا طريقا مختصرا إلى ~~قرية البشنين، فاندفعا يسيران، وكانت على ذلك المكان، شجرة ملتفة الأغصان، متكاثفة ~~الأفنان، كأنما ms053 أرضعت الزمان، فلما صارا على خطوات منها ألفياها تموج، وآنسا ~~عندها حركة فارتابا لأول وهلة، وارتاعا لما عسى يكون وراء الظلام، ولكن العبد ~~كان قد بلغها قبلهما فوقف، ثم التفت وراءه ينادي: ليقبل مولاي في أمان، فإنهم رجاله ~~ينتظرون قدومه، فأقبل الأمير، وإذا «رادريس» يتقدم للقائه، فقبل يده ثم دعاه ~~و«بنتؤر» ليترجلا، ففعلا، وانثنى الأصحاب الثلاثة إلى الشجرة فلبثوا فيها برهة من ~~الزمان، ثم برزوا في زي غير السابق المعتاد، وعلى جياد غير تلك الجياد، وعندئذ ~~مشى العبد وسائر الرجال بالثياب والخيل، راجعين إلى المدينة، وسار الأمير وصاحباه ~~لما هم إليه قاصدون. # الفصل الخامس # | عذراء الهند في الطريق # تركنا عذراء الهند تسير إلى قصر النزهة المأنوس، في ستة من رجال «طوس»، والكل ~~بالحارس محروس، والآن نعود فنلوي عليها بالحديث، فنقول: كان من أمر الفتاة أنها لما ~~اجتازت طريق الخفاء، واستقبلت الآهل المسكون من الأرض لأول مرة في أيامها تحت سماء ~~مصر، لم تلبث أن ثاب إليها بعض الأمل بالنجاة، والاستبشار بعودة أيام الحياة؛ إذ شعرت ~~أنها تمشي على أرض الاطمئنان، وتحت سماء العمارة والأمان، وبمرأى ومسمع من بني ~~الإنسان، حتى لقد شغلها الأنس بالمكان، وفرط السرور بما كان، عن حارسها العزيز ~~الذي عاشت وعاش معها عمرا، لا هي تتلهى عنه لحظة، ولا هو يعطى عنها صبرا. # غير أنها ما لبثت أن مر خيال النمر بفكرها، وتمثلت لها صورته بكل سبيل، ~~فأبصرت قدامها تتفقده، والتفتت حواليها تتعهده، ثم طالعت خلفها ~~لعلها تجده، وإذا الحيوان، لا أثر له على المكان، فظنت بادئ بدء أن لا شيء وأنه ~~ربما كان متغيبا في بولة، أو مبتعدا يجول له جولة، حتى إذا طال أمد ~~الغياب، وأبطأ النمر في الإياب، أخذ الفتاة القلق، وحق لها أن ترتاب، فنظرت وإذا هي ~~لم يبق معها إلا ثلاثة من الجماعة، وكانوا ستة من قبل ساعة، فزادها ذلك جزعا ~~وقلقا، وامتلأت من الأمر فزعا وفرقا، لا سيما إذ كانت ترى الظلام يمتد ~~كثيفا، وتشعر بالطريق كأنه يعود كما كان موحشا ms054 مخيفا، ثم لم يكن كلحظة عين حتى ~~صار الثلاثة اثنين، ثم صار الاثنان رجلا واحدا فردا، وحينئذ أدركت الفتاة ~~دخيلة الأمر، وعرفت من أين مأتى الشر، فتملكها اليأس، ومن ييأس لا يخف ~~فقصرت لجوادها العنان فوقف. # ثم نظرت إلى الرجل عن ريبة فيه، وأمر تحت اللثام يخفيه. فقالت بصوت يقطعه ~~الغضب: إن ما يجري من ساعة لم يدع بنفسي شكا، أيها الغلام، إنك ذاك الخاسر، الفاجر ~~الوغد اللئيم الغادر، الشقي ابن الشقي، فإن حسبت أن قد أصابت المصيدة، وتمت لك ~~المكيدة؛ لأنت إذن في وهم طويل، فإن الأماني والأحلام تضليل، وإن العنقاء ما إليها ~~سبيل، فعند هذا الكلام، لم يكن من الغلام إلا أن نزع اللثام، وقد عيل صبره لعناد ~~الفتاة كما طالما عيل لعناد الغرام. فقال: نعم يا مولاتي، أنا ذاك الخاسر في تأميلك ~~فأسعفيه، الفاجر تهتكا بك فبرريه، الوغد ذلا لك فارفعيه، اللئيم الغادر ~~اضطرارا فاعذريه، ولا تلوميه، قال هذا وتأوه واشتكى، ثم ما تمالك أن ~~بكى، فقطع الدمع عليه الكلام فخر متراميا على الأقدام، ولسان حاله يقول في ~~الاسترحام (كامل): # وسألتهم فتمنعوا استعطفتهم # فترفعوا فهويت للأقدام # طورا أقبلها وطورا أشتكي # فعرفت كيف إجابة الأصنام # وفي الواقع كانت الفتاة تتلقى هذه التضرعات، وهي معرضة نافرة، كأنها المقدور ~~إذا ضرب، أو القضاء في حال الغضب. يرميان على الباكي دمعته فيعيدانها إلى ~~القلب جمرة تتلظى، ثم إن الفتى رفع رأسه لينظر هل شفعت له الدموع، أم أهل نفعت ~~الذلة والخضوع؟ فلما لم يجد لأمره نجاحا، ورأى الفتاة لا تزداد إلا نفرة وجماحا (السريع): # بثثت شكواي فذاب الجليد # واشقق الصخر ولان الحديد # وقلبك القاسي على حاله # هيهات بل قسوته لي تزيد # ثار الدم في رأسه، وغلبه جنون الغضب على حسه، فنفر كالأسد المجروح عند غايات ~~يأسه، يصول كل مصال في الوعيد، ويجول في كل مجال من التهديد، وهي لا ترجو ~~لغضبه وقارا، ولا تزيده إلا جفوة واحتقارا. فلم يكن منه حينئذ إلا أن جذب إليه ~~الهودج بعنف، فمال ومالت معه الأميرة، ms055 فسقطت على وجهها، متعفرة مهانة، ونفر ~~الجواد الذي كانت تركبه، فلم يكن أشد منها جماحا في وجه هذا المغتصب، ولا ~~نفارا عن كفه، وهو قد انقض عليها مستلا خنجره يخيرها بين أن تبذل العرض، أو ~~تسامح في الروح. # فبينما الفتاة على هذا الحال الأنكد الأسوأ تحت أحد الخطرين العار أو الموت، وهي ~~تستغيث وتضرع، وتسأل أن يسبق الثاني الأول، لم تشعر إلا بجواد قد وقف بغتة عند ~~رأسها، ثم بفارس قد نزل عن الجواد، وهو يصرخ قائلا: من هذا المتهجم على الأمن ~~المستبيح الحرمة تحت سماء منفيس، فاضطرب لصرخته الغلام وسقط الخنجر من يده، ثم خار لا ~~يبدي حراكا، ولا يملك عن الأرض فكاكا، فتقدم الفارس عندئذ إليه يسأله: من أنت؟ ~~تكلم يا فتى، لا تخف ثب إلى نفسك والغلام واقف وقفته لا يرفع العين، ولا ~~يأتي جوابا، فتركه الفارس وتقدم نحو الفتاة يسألها قائلا: أنا الأمير فمن ربة ~~الهودج التي أنقذناها من يد هذا الباغي؟ فنهضت الأميرة وقد تأثرت بسماع لفظة ~~الأمير، ثم ضاعف تأثرها أنها عرفت الصوت الذي لم يكن تغير، ولكن شب كما ~~شب صاحبه، فرفعت عينيها تنظر وكان الفارس قد زحزح اللثام، فإذا هي بأعطاف ~~«آشيم» ومناكبه، فدنت تزيده نظرا، فإذا الوجه بعينه وصفاته ولونه، حتى إذا لم ~~يبق في نفسها شك مريب، أنه الأمير وأنه الحبيب، هاج الموقف لها وجدها فمالت فألقت ~~بغصن قوامها الناعم بين ذراعيه، فتلقاها الأمير ولكن ببطن راحتيه وهو مغض ~~حياء يلعثم قائلا: لقد أخذتني أيتها الأميرة مكان شقيقي «آشيم» فغضي عليك ~~قناع الحشمة، واعلمي أنني كما أمثل «آشيم» خلقة إلى هذا الحد، فقد ~~أحكيه كرم أعراق، وعظم أخلاق، وأحفظ له في القلب كما تحفظين الأعلاق، وهو ~~الآن غائب، ثم تكون له إليك أوبة مشتاق، ما بعدها بإذن الآلهة فراق. # فاستأخرت الأميرة عندئذ مجفلة، ثم قالت بصوت يقطعه البكاء، وترققه ~~الاستغاثة والاشتكاء: يا للسماء لهذه الخالدة الشقاء الأبدية الإقصاء! وأين «آشيم» ~~الآن أيها الأمير؟ وبأي مكان؟ قال: بالهند يا مولاتي، يطفئ ms056 نار الثورة فيها. قالت: ~~لقد رأينا في مجيئنا سفنا تحمل أعلام جلالة الملك وهي تترامى بجنودها آفاق ~~الهند فعسى «آشيم» فيها، ولعله هو حاميها. قال: نعم مولاتي، فإن الأسطول الذي عارضته ~~قادمة هو أسطول فتاح الذي ليس على المياه الأجنبية في هذه الأيام غيره، و«آشيم» هو ~~أميره الذي بيده زمامه، فعادت الفتاة حينئذ فبكت واستغاثت واشتكت، ثم ~~رددت: يا للسماء لهذه الخالدة الشقاء الأبدية الإقصاء! # وفي هذه الأثناء أقبل ثلاثة من الفرسان متلثمون وعليهم أردية حمر وسلاح، ~~فترجلوا دون الأمير، ثم تقدم أحدهم فقبل مواطئه، فسأله الأمير قائلا: من ~~الرجال؟ وما حاجتكم؟ قال: من أصحاب الرئيس «طوس» يا مولاي، أرسلنا لنأخذ «هاموس» ابنه ~~هذا المسحور. قال: ومن سحره ومتى؟ وأنا قد عهدته من لحظة خالصا سليما يشرع ~~في الجناية وكنت أحسبه مأخوذا بهيبتي؟ قال: لا بل بإرادة من الرئيس خفية يا مولاي. ~~ولعله كان ينظر إليه في تلك اللحظة بمنظار من روحانياته كشاف. # فلما رآه وقد هم بهذا الملك المطهر حبسه كما يرى مولاي، ثم أرسلنا ~~لنأتي به. قال: ولكن «طوس» رجل قاس، وأخاف إن أنا أذنت لكم بأخذ غريمي أن ~~يقتله، أو أن يسومه من العذاب ما هو أشد من القتل. قال: ليطمئن قلب مولاي من هذه ~~الجهة، فليست عقوبة «هاموس» عند أبيه في كل مقترف إلا كلمة يقولها له همسا، هي ~~أشد عليه مضضا من وقع الحسام المهند، فأطرق الأمير عندئذ برهة ثم رفع ~~رأسه فسأل الرجل قائلا: ألهذا الفتى أم؟ قال: لا يا مولاي. قال: إذن فقد ماتت فمن ~~كانت؟ قال: هذا ما أجهل يا مولاي، ويجهله سائر أصحاب «طوس». قال: إذن فخذوا ابن ~~الزناء فقد فهمت. # الفصل السادس # | حزب الأحرار # كان أول من ألقى أساس هذا البناء المعارض لبناء الكهانة، السور المناهض لأسوار ~~الديانة، في أوائل حكم «رمسيس الثاني سيزوستريس» فرعون ملك مصر، وكان الملك نفسه هو ~~روح ذلك العصر الجديد الذي قام به، ونظم عقد هاتيك المبادئ الحديثة، وهل عقد بغير ~~نظام، وإن كان لم ms057 يصدر منه بدء بعمل أو اشتراك أو ارتياح لإتمام، وإنما أصاب به ~~عقلاء الأمة يومئذ ملكا فتى ذكيا جريئا، مربى كما يربى أبناء ~~الأفراد بين حياة الشعب العامة وبين الحوادث والأحوال، فاستقبلوا دولته حق استقبالها ~~وعلقوا بأيامه الآمال. # وكان ضغط الكهنة على خاصة الأمة وعامتها، وبالأخص رجال الحكومة، على اختلاف ~~درجاتهم، وتنوع وظائفهم، شديدا متواصلا، زائدا عن حده، فكان العقلاء الأحرار ~~ينكرون عليهم كل هذا التوسع في النفوذ، وتناول حقوق الملك المقدسة والاختصاص بالأمر ~~والنهي في البلاد. أما الملك فقد لحظ الأمر من أول يوم بعين مبصرة، وارتاح ~~لنشأة هذا العدو المستتر المهدد للكهنة شركائه، في الملك بغير حق ~~شركة، ولمنازعيه الحكم بغير حق نزاع، إلا أن ولعه الزائد بالحروب وشغفه ~~الجم بالفتوحات كانا يمنعانه من تأليب عناصر الحكومة بعضها على بعض، وفتح ~~حقبة للمشاكل الداخلية ربما تطول فتحول دون ما هو مشغوف به مشغول، فكان ~~يتغابى عن أعداء الكهنة، ويواصل هؤلاء المعاملة الحسنة. # ولهذا بقيت النهضة أدبية محضة، لا تجوز النفوس ولا تتعدى الخواطر والأفهام، إلى ~~أن أخذ «رادريس» و«بنتؤر»، كلاهما حقه في الترقي في خدمة المملكة، فعهدت إلى ~~الأول قيادة الجيوش الاستعمارية العامة، وعين الثاني أستاذا عاما للأدب والفلسفة ~~في العاصمة، ومؤدبا للأميرين الشقيقين «آشيم» وبسمتوس ابني الملك من الملكة ~~زوجته الشرعية، وكان ذانك الرجلان من أكبر خصوم الكهنة في السر والجهر، ~~وكانا واحدي عصرهما في عالمي السيف والقلم، نافذي السلطان الأدبي على أبناء ~~طائفتيهما، فهذا تنجذب إليه الجيوش كما تنجذب إلى النصر، وهذا فعول بيانه بالألباب ما ~~تفعل الخمر، فلما تقلدا منصبيهما الجديدين تقلداهما على الفور سلاحا ماضيا ~~لمناهضة الكهنة والسعي في رفع نير ذلك الاستبداد عن العباد والبلاد. # ثم كان من سعدهما أن العدو مني بفقد دعامة من أرفع الدعائم وركن من أركان ~~بنائه الجسام، ألا وهو «طوس» الكاهن الأعظم لطيبة؛ أي رئيس الديانة في القطر ~~كله، ولم يكن مات، ولكن فر من خدمة الديانة، لأسباب سنوردها بعد، وعلى وجه ~~كدر صفو القوم تكديرا، وانسحب على ms058 أثر «طوس» كثيرون من أذكياء الكهنة انضموا إليه، ~~فتكون من جميعهم حزب مناوئ للديانة شديد على رجالها رهيب. # وكان الملك قد فرغ من فتح الأرض، ولكن بعد أن أصبح كهلا غير قادر المشيب، وكان ~~لم يزل في موقف النظارة تلقاء هذه الحرب الخفية، وهو يشكو مع الشعب من عتو ~~الكهنة وعبثهم بحقوقه، موروثها والمكسوب، ولكن كان يغدو على مداجاتهم مغلول اليد، ~~قليل الحيلة، ليس له عن الأمر معاث إلى أن شب «آشيم»، وكان أذكى أولاده وأنبلهم ~~وأشجعهم قلبا، فاغتنم الملك هذه الفرصة لينذر الكهنة، فقرع لهم بفتاه العصا ~~لأول مرة؛ حيث استعمله على منفيس والأقاليم الوسطى، وجعل في خدمته «رادريس» و«بنتؤر» ~~بالرغم من معارضة الكهنة وقيامهم في وجهه لمنع هذا التعيين. # ومن ذلك العهد بدا حزب الأحرار للوجود يمتد من منفيس إلى طيبة فأقصى أطراف المملكة، ~~وظهر الأمير فوق الكهنة كرما وجودا وتواضعا ورحمة وإدناء للأمة، ومخالطة لها ~~واشتغالا بها، إلى غير ذلك من الصفات التي كانت أضدادها في أبيه، فتهافتت القلوب ~~على كلمته، وتسابقت الخواطر إلى تلبية دعوته، كل هذا والحزب خلف الحجاب، والعمل مستتر ~~والنار كامنة في أغوار الرماد. # والآن إذ وقف القارئ على هذا البيان المجمل، عن سيرة الحزب، فلينتقل معنا إلى مركز ~~قرية البشنين؛ حيث فيما وراء الجانب العامر الآهل منه، منزل متوسط بطبقة واحدة مبني ~~بالآجر (الطوب الأحمر) مبيض بالجير، ظهره إلى المساكن، ووجهته خالصة إلى ~~الخلاء، وله مدخل معتم حقير، وهذا المدخل عبارة عن خمارة فيها بعض أرائك للجلوس، ~~وبها منصة عليها كثير من أدنان الخمر، وسلل الفاكهة. # وكان المنزل والخمارة لشاب من أهالي القرية، وكان عزبا منفردا، ليس معه إلا ~~خادمان يصحبانه من قديم زمان، وكان لا يقبل في خمارته إلا طلاب الراحة من المسافرين ~~أو الآيبين من الصيد والقنص التعبين، وقد جعل الأسعار فادحة حتى تجافت عن ~~محله الأقدام، وصار كل من دخله مرة خرج مكويا بغلائه فلا يثني. # فكان أهل القرية، وعلى الأخص ألاف الخمر منهم، يرمقون الشاب بعين المقت ~~ويسلقونه ms059 بألسنة حداد، فيزعمون أن والده ترك له ثروة واسعة كان قد أسسها من ~~تجارته العظيمة في ورق البردي، فلم يحافظ الفتى عليها، بل بددها في أقصر زمان، ولم ~~يستبق من العقار إلا ذلك المنزل، فاتخذ فيه حانة وراح يعيش ببيع الخمر، ثم كان ~~السكيرون من بينهم يزيدون فيقولون: وليته ناجح في عمله فإنه يرفع الأسعار، ويعطي ~~بمقدار، ويصرف الزوار، فلا الليل يبيع ولا النهار. # وكانت الخمارة في الليلة التي نحن بصدد حوادثها مفتوحة مشتغلة، وكان في جوفها ~~مصباح ضعيف الضوء عنده أريكة، وعلى هذه الأريكة رجلان يتحادثان، وبين أيديهما شيء من ~~الخمر والفاكهة، فكان أحدهما يقول للآخر: إن الأمير في شغل الليلة يدبر لعذراء ~~الهند مبيتها في قصر النزهة، قال: نعم، وأي شغل! قال: فهل تظنه يشرف الجمعية ~~بحضوره كالعادة؟ قال: ومتى عهدنا في الأمير قلة الوفاء حتى بدأنا نظن به الظنون؟ ~~قال: حاشاه وتعالت مروءته، وإنما أنا أنظر إلى كثرة أشغاله وخطارة ما يباشر من ~~الأمر، فالتفت الأول حينئذ إلى رب الحان، وكان عند منصته مشتغلا بترتيب ~~الدنان، فسأله: أيها الرئيس، كم عندك الآن من الإخوان؟ قال: تموا خمسين، ولم يبق ~~من لم يحضر ممن عليهم الحضور سوى الأمير وصاحبيه. قال: فهل اعتذر الأمير برسول أو ~~رسالة. قال: لا، ولعله وصاحبيه في الطريق. قال: فكم بقي من الوقت لنبتدئ؟ قال: ~~ضربة الجرس الثالثة، ثم ارتجل نظرة إلى الأفلاك. فقال: بل أرى الوقت قد جاء، ولم يبق ~~إلا أن استعد، وانحدر من فوره إلى المخدع في الحان، فعالج بابه فانفتح فدخله، ~~وخرج منه على أثر ذلك الخادمان. فدعوا الرجلين للحاق بالرئيس، ففعلا كما فعل، ثم ~~عمدا إلى باب الخان ليغلقاه. # وعند ذلك أقبل الأمير وصاحباه، فتنحى لهما الخادمان، حتى إذا دخلوا أغلق الباب، ~~وابتدر الجميع دخول المخدع، وكان خلف بابه مباشرة سلم من حبال فنزلوا منه إلى دهليز ~~ضيق مظلم طويل، فمشوا فيه حتى إذا اجتازوه خرجوا إلى مكان مشيد الأركان وافي ~~العظم والاتساع، لا يضيق بألفين من النفوس يجتمعون ms060 فيه، وكان منارا بمصابيح ~~قوية الأشعة إن لم يكن ضوءها من الكهرباء، فهو لا ريب ما يلي ذلك مباشرة من ~~الأضواء. # وكان على الجدار الذي يستقبله الوافد على هذه القاعة صورتان؛ إحداهما: أسد شاب ~~بين الفتاء، بادي مخايل الحمية والقوة، وهو مطلق يهيم، ولكن على عينيه ~~رباطا يحجب نورهما، وهو لا يملك للرباط فكا، وتحت هذه الصورة مكتوب: «الوطن ~~محجوب مدى المستقبل بالكهنة.» والثانية: صورة ذلك الأسد وقد دنا منه طفل صغير، فنزع ~~الرباط عن عينيه، فأبصر فربض عند قدمي الطفل رافعا رأسه يتأمله بهيئة ~~الشاكر الممتن، وتحت هذه الصورة مكتوب: «شكر الوطن لحزب الأحرار.» وكانت على ~~الجدار الأيمن أيضا صورتان؛ إحداهما: فرعون وقد جثا - على فخامة جاهه - أمام ~~كاهن، وخلف فرعون فتاة وهو ينزع عنها بيده ما عليها من الحلي، والحلل، ثم ~~يجعله على الكاهن الذي قد ناء بما حمل، وتحت هذه الصورة مكتوب: «فرعون يبذل أشياء ~~الأمة للكهنة.» والثانية: صورة تلك الفتاة وقد وقف أمامها طفل صغير وهو يسمو ~~إليها بيديه الناعمتين مملوءتين من أنواع الحلي، وصنوف الجواهر، وتحت هذه الصورة ~~مكتوب: «حزب الأحرار يرد إلى الأمة أشياءها.» # أما الجدار الأيسر فكانت عليه صورة فتاة تحمل على رأسها تاجا، وقد جعلت في يدها ~~اليسرى بضعة تيجان، وأمامها فتاة أيضا وهي تتوجها بيدها اليمنى، ووراء هذه الفتاة ~~الثانية ملأ من الفتيات مزدحمات ينتظرن، وتحت هذه الصورة مكتوب: «منفيس ~~تتوج مدائن النيل بتاج الحرية مبتدئة بطيبة.» وكان في صدر القاعة عرش، وكان الرئيس ~~يستوي عليه فيملك بإشارته وأقواله إصغاء الحاضرين، أما سائر القوم فكانت لهم أرائك ~~بعضها عند بعض، وكانت درجات للجالسين، فلما اطمأن بالأحرار المجلس قام الرئيس - صاحب ~~الخان - وفي يده ورقة فقال: هذه أيها الإخوان رسالة وردت على كاتم الأسرار، من ~~الكاهن «شاين» أحد أبناء الجمعية وجاسوسها ومراسلها في المعبد يقول فيها، ثم قرأ: ~~وقف الكهنة على أمري معهم، فألقوني في سجن الخائنين، المارقين من الدين إلى أن ~~يصدر مجلسهم الأعلى بطيبة حكمه، الذي لا يكون إلا الإعدام ms061 على أفظع وجوهه، وإني ~~مستعد للقاء الموت، مدخر آخر أنفاسي في جو هذه الدنيا لأجود به قائلا: ~~لتحي جمعية الأحرار. # فلما اطلعت الجمعية على هذه الرسالة الوداعية قامت لها وقعدت، وأبرقت وأرعدت، ~~ولم تمكث أن اقترعت، فأصابت القرعة الأمير وحرين آخرين من كبار الضباط في ~~منفيس، فنهض المندوبون الثلاثة على الفور يصيحون: نحن لها، ولنأتيكم ب «شاين» قبل ~~أن ينفض مجلسكم هذا، وللحين لووا على خزانة السلاح فتسلحوا ثم خرجوا وهم ~~لا يدرون أين يتوجهون، ولا كيف يصلون إلى صاحبهم المسجون؟ # ومما زادهم حيرة، وأضعف أملهم بالنجاح أن الليل كان مقمرا مكشوف السماء ~~يتهدد بالفضيحة كل دباب مريب. هذا فضلا عن منعة المعبد، واستحالة الوصول ~~إليه، وزحمة الحراس والخفراء عليه؛ فكانت هذه الفكرة تتملك كلا من الرجال ~~الثلاثة، وتسعى بقدمه فيوغل في السير إلى أن بلغوا باب طيبة، وهنالك وقفوا برهة ~~يستريحون ويدبرون لهم أمرا. فقال أحد الضابطين: الآن أدركت خطارة المأمورية، وخطر ~~المسعى. فقال الآخر: بل هي الخطوة الموبقة والمنية المحدقة. فقال الأمير: ~~ولكنا حملنا هذا الأمر العظيم فلنصطبر له ولنقم فيه بما يوجب الشرف، ~~وتقتضي الشهامة، غير ناسين أن بين ظلمات المعبد في هذه الساعة صاحبا لنا من أعز ~~الأصحاب، يعاني عظيم الأسر ويسام أليم العذاب، مهددا بين لحظة وأخرى بأقصى ~~العقاب. فعند سماع هذه العبارة امتلأ الضابطان حماسة من الرأس إلى القدم، وتنصلا ~~مما كانا أبديا. فقالا: إنما قلنا ما قلنا من أجلك يا مولاي، وخوفا عليك، فأما وقد ~~صممت على المخاطرة فيها، فنحن ساعداك، بل نحن وذوونا والعالمون بأسرهم ~~فداك. # كانت اللصوصية عند المصريين الأقدمين حرفة من حرف الشعب، وكان اللصوص طائفة ~~ولها رئيس، وكان كل من سرق شيئا يحمله إلى هذا الرئيس فيأتيه صاحب الشيء فيطلبه ~~منه فيرده إليه بعد أن يحجز الربع، ولعل القوم كانوا يذهبون في تحليل هذا السلوك ~~الغريب مع السراق؛ أولا: إلى أن اللصوصية مستحيل إفراغها من الدنيا، مهما كان ~~من شدة المراقبة وصرامة القوانين. ثانيا: أن المسروق منه لا تنفعه ms062 معاقبة السارق إذا ~~هو لم يسترد أشياءه؛ بل الذي ينفعه ويهمه رد الشيء المسروق على إهماله وعدم ~~السهر على ماله. # وكان للصوص زي خاص بهم، ولكن لا يعرفه إلا الخبيرون بأحوالهم والأكثرون رؤية ~~لهم واعتيادا للقائهم، وهم الحكام. # فبينما الأمير وصاحباه كما تركناهم يتفاوضون في ذلك الشأن كان بالقرب منهم على ~~المكان، رجل ملتف بإزار من الكتان الأبيض، وعلى رأسه قلنسوة بيضاء كذلك، وهو ~~منكمش في وضعه، ولكن قريب، بحيث يرى ويسمع. فاتفق أن الأمير التفت فوقعت ~~عينه عليه، فطرده فانسل من المكان كما ينسل الثعبان من حضرة الإنسان، وعاد ~~الأمير فقال لصاحبيه لا تلقيا له بالا؛ فإنه لص، وقد عرفته بثيابه البيض ~~التي يلبسها مهرة اللصوص في ليالي القمر تخلصا من الظل النمام، وليتنا ~~نقتدي بالقوم في ليلتنا هذه فنخفف من ثيابنا بحيث لا يبقى علينا منها إلا الأبيض، ~~فاستحسن الضابطان هذا الاقتراح، وتجرد الرجال الثلاثة إلا عن أبيض اللباس، ثم ~~استأنفوا السير آخذين جانب السور الغربي، وقد عقدوا العزم على أن يأتوا المعبد من باب ~~الظلام، تسلقا كأن هذا الباب متروك بلا حراس، مباح لكل من شاء أن يتسلق من ~~الناس، إلا أنهم ما نصفوا الطريق الطويل الذي بين البابين طيبة والظلام، حتى لمحوا ~~لصا يتسنم السور من نقطة سهلة المصعد، وهو يراهم ولا يواري عنهم عيانه، كأنما لا ~~يعنيه أن يعلموا شأنه فحدثتهم أنفسهم بالصعود على آثاره واقتفاء خطاه لعله من معتادي ~~هذا المعبد، وقد اتخذ السور مسلكا إليه، فابتدروا الصعود من حيث رأوا اللص ~~يصعد. # وكانت نقطة سهلة المرقى في الحقيقة، ولكن ليس في ظاهرها شيء يدل على أنها مصعد معتاد ~~أو سلم عامة للأفراد، وما هو إلا يسير زمان حتى بلغوا أعلى السور، وهناك رأوا اللص ~~وقد اندفع ينساب زحفا على الأربع في مستو من سطح السور ففعلوا مثله، ومثلوا من ~~فورهم فعله، واستمروا كذلك سائرين حتى لاح لهم باب الظلام، باذخ الذرى بين العماد ~~والدعام، فتذكروا أنه محفوظ الذروة بالأقوام، محفوف من كل مكان ms063 بحراس لا تنام؛ ~~فأجفلوا وكادت تخونهم الأقدام، لولا أنهم رأوا اللص، وقد عمد في طريقه لحجر كبير، ~~فأزاله عن موضعه، ثم نزل من ذلك الموضع مختفيا، فأسرعوا نازلين على آثاره، وإذا هم ~~بسرداب ضيق أسود حالك، تشفق الحشرات منه أن تتخذه مسالك، فما زالوا يزحفون حتى ~~عبروه، وكانت في آخره نافذة ضيقة فوثب اللص منها ووثب الأمير وصاحباه على أثره، فإذا هم ~~على قمة عمود ضخم عظيم الارتفاع. # فأشرف الأمير من ذروته ينظر، فرأى اللص وقد بلغ أسفل العمود، مستعينا في النزول ~~بحفر كانت في الحجر، فأرشد صاحبيه إلى ذلك ثم نزل، وهما يتبعانه حتى إذا استقرت الأرض ~~بأقدامهم وقفوا ينظرون، وإذا إلى اليمين باب هائل من حديد، وقد عمد اللص لعتبته ~~فقلعها، ثم ولج فتبعوه والجين فحازهم دهليز شديد الضيق، يكاد أن لا يجاز، ~~وكانت أرضه من نحاس رقيق مائج، مهزوز فاجتازوه ثابتي الأقدام، متشجعين بذلك اللص ~~المقدام، وهنالك اعترضهم باب آخر عال، من سلاسل الحديد العراض الطوال، وعليه حارسان ~~بطلان، ضخمان قويان متسلحان، وخلف هذا الباب صوت أنين ينبعث من كل مكان. فاستأخر ~~الأمير عندئذ ينظر ماذا يأتي اللص مع الحارسين، وكيف يمرق من أيديهما. # أما اللص فلم يزد على أن نظر إلى الرجلين نظرة واحدة، متوزعة تأثر كل ~~منهما بقوة سحرها، فانقلب مدار الوجه نحو الحائط وظهره إلى ظهر أخيه، وعالج اللص بعد ~~ذلك عتبة الباب حتى قلعها، ثم دخل فتبعه الأحرار الثلاثة، وإذا هم بقاعة عظيمة تدور بها ~~حجر كثيرة على كل واحدة منها باب صغير من حديد. # وهنالك انكمش الأمير وصاحباه بانتظار ما يأتي اللص، ولكنه كان قد توارى واستتر، ~~ففتشوا عن مكانه فلم يظهروا له على عيان ولم يقفوا على أثر، فتقدموا حينئذ ~~يطوفون بالحجر ويجعلون آذانهم على كل باب، لعلهم يعرفون صاحبهم بأنينه، وقد كان، ~~واهتدوا للحجرة التي هو فيها، فناداه الأمير: «شاين» «شاين»، اجمع إليك قواك ~~وساعدنا على كسر هذا الباب، فإننا نحن الأحرار، قد جئنا ننقذك، إلا أن الكاهن لم ~~يستطع ms064 الإجابة من ألم العذاب وفقدان القوى، وأدرك أصحابه ذلك فعالجوا الباب ~~فاستعصى عليهم، فوقفوا حائرين لا يستطيعون عملا، وقد أخذ منهم اليأس وتمثلت لهم ~~الخيبة شائهة الوجوه، وعندئذ شعر الأمير كأن جسما صلبا سقط بالقرب منه فتناوله، ~~فإذا هو مبرد كبير حديد الأسنان ففرح بذلك وبشر صاحبيه ثم تواكل الثلاثة بالباب، ~~فلم يزالوا به حتى كسروه فدخلوا فوجدوا صاحبهم «شاين» ملقى على بطنه مشدود اليدين ~~والرجلين على هيئة صليب إلى الأرض بأوتاد من حديد مسمرة فيها، وعليه من السلاسل ما ~~يثقل الجبال حمله، فكيف بالإنسان الضعيف؟ فحملوا بالمبرد على كل تلك الحدائد حتى ~~كسروها وأنهضوا صاحبهم، فنهض واهن الجسم واهي القوى. # وكان في زاوية من الحجرة عقاب كاسر في سلسة وبين يديه لحم مشوي وماء، فأخذ الأمير ذلك ~~كله وقدمه لصاحبه «شاين» قائلا: أنت يا عزيزي أولى به من هذا المؤذي الضار. ~~فلما طعم «شاين» وشرب بدأ يسترد قواه قليلا حتى ملك الكلام، فقال: هذا يا مولاي، ~~وأشار للعقاب هو قاتلي المنتظر، يدخره القوم ليوم يصدر الحكم، فيشق يومئذ ~~بطني فيأكل هذا الكاسر من أحشائي، فأجابه الأمير ملاطفا، ولكن ها أنت ماض وتاركه، ~~بلا غذاء ولا ماء، وربما نسي فهلك ظمأ وجوعا، فينقلب الأمر؛ إذ تصير أنت ~~القاتل له، قال: «شاين»، ولكن إننا لا ندري كيف دخلنا باطن المعبد، ولكن لهذا حديثا ~~عجيبا يضيق الوقت عن إيراده، فالآن دبر لنا أمر الخروج فذلك شأنك. قال: أمر ممكن ~~فاتبعوني وحاذروا أن تصدر من أحدكم حركة تنبه الشياطين النائمة، ثم مشى أمامهم ~~فاتبعوه، حتى جاء بهم إحدى الحجر التي في القاعة، وكان بابها من خشب، وكان ~~مفتوحا. فقال لأصحابه همسا: داخل هذه الحجرة ثلاث أخر، في الثالثة منها الكاهن ~~الموكل بتعذيب المسجونين، وهو لا شك نائم الساعة، فليدخل أحدكم فيقتله، ثم يأتي ~~بأربعة أطقم كاملة مما يجده في صندوقه. # وكان للأمير عبد أسود يدعى «شقشاق» وكان عزيزا عليه فقتله الكهنة يوما وهو ~~سائر بالبريد إلى بعض الجهات، ثم تركوا جثته بعدما أخذوا ms065 ما كان عليه من الأوراق، فحلف ~~الأمير يومئذ لا أقتل به أقل من عشرة من القوم، وإذ تذكره في تلك اللحظة قال في ~~نفسه: هذا أول العشرة يا «شقشاق»، ثم استل خنجرا ودخل، وما هي إلا هنيهة حتى عاد ~~والأطقم الأربعة على كتفيه والخنجر في يده يقطر من دم الكاهن، فأخذ «شاين» أحدهما ~~فلبسه، وأشار إلى أصحابه أن يتردوا الثلاثة الباقية، ففعلوا ثم مشى بهم حتى جاء ~~باب السلاسل الذي كان اللص قلع عتبته، فلما وجدها بهاته الحال، دنا من الحارسين كأنه ~~يريد أن يسألهما عن السبب، فإذا هما مسحوران لا يريان ولا يسمعان، فالتفت إلى أصحابه ~~مندهشا فابتدره الأمير قائلا: هذا شيء حصل من أجلنا ولنصل إليك. قال: الآن اطمأن ~~قلبي فانزلوا ورائي. ثم اندفع في بئر كانت هنالك عن يمين العتبة وأصحابه خلفه، يزحفون ~~زحفه، حتى انتهوا إلى سرداب مستو طويل معلق في سقفه بين مسافة وأخرى قنديل. # فهنالك قال «شاين» لأصحابه: عند القنديل الثالث وإلى اليمين، حجرة خاصة لثلاثة من ~~الكهنة، عليهم ملاحظة الحراس بالليل، ولكنهم من السكيرين فلا يؤدون وظيفتهم ~~إلا نادرا وسنجدهم إما في السكر وإما نائمين من السكر، ولكن الحزم يقضي ~~بقتلهم على كل حال. فوافقه الأمير على ذلك، وهو يقول في نفسه: صاروا أربعة يا ~~«شقشاق»، وبخنجر واحد في ليلة واحدة، ثم أسرع فدخل على الكهنة الحجرة فوجدهم كوصف ~~«شاين» لهم هالكين من السكر أو كهالكين، وقد أخذ اثنين منهما والثالث مستمر، ما ~~ينتهي فرغت الزجاجات ولم يفرغ من الشرب، فبدأ الأمير به فقتله، ولوى بعد ذلك على ~~صاحبيه فألحقهما به، ثم خرج والخنجر في يده حديدة حمراء من كثرة الدماء، فلقيه ~~«شاين» فسأله: هل قضي الأمر؟ قال: لا تسألني وسل هذا الخنجر، قال الآن: فانتظروني ~~لحظة فإن لي عملا في الحجرة آتيه، ودخل مسرعا، وفي الحقيقة ما هي إلا لحظة حتى عاد ~~وفي يده مخلاة صغيرة، فناولها أحد الضابطين قائلا: خذ هذه فأخفها في ثيابك، ~~وليستحضر كل منا حرف الراء على لسانه؛ ms066 إذ هو إشارة الليلة نلقيها على ~~الحراس إذا جئنا الأبواب فنجتازها بسلام آمنين. # واستمر الأربعة يمشون و«شاين» يحصي القناديل حتى إذا عد السابع منها وكان الأخير، ~~نبه أصحابه فاستعدوا فدق بابا صغيرا كان خاتمة ذلك السرداب مرددا إشارة ~~الليلة فانفتح لهم الباب فاجتازوه فحازهم الفناء الثاني، وهكذا حتى جاءوا الباب ~~الأخير للمعبد أو المدخل، وكان لا يفتح ولا يقفل، ولكن كان يقوم بحراسته ليلا، مائة ~~رجل من جنود الديانة. # وهنالك لم يشعر الأحرار الأربعة إلا هؤلاء الحراس يموج بعضهم في بعض، متهافتين على ~~السلاح يأخذونه وهم يصيحون: الفارين الفارين ... اقبضوا عليهم ... اقتلوهم ... فتفزع ~~الأحرار لأول وهلة، ثم استحضروا ثيابهم واستجمعوا للمقاومة فكانوا كلما حملت هاتيك ~~الجنود دفعوها بمثل ثبات الأسود، حتى إذا ضاق الشرك واستحكم المعترك، وتناهى الموقف ~~ودنت الساعة، وآن للكثرة أن تظهر على الشجاعة، وقع الفشل على بغتة في صفوف العدو، ~~وتلاه سيف خفي يخطف الهام ويطير الأعناق، فما هي إلا هنيهة حتى هلك فريق، وهرب ~~فريق، ولم يبق على أبواب المعبد إلا الأمير وأصحابه، فالتفت «شاين» حينئذ إلى ~~الأمير، قائلا: أتدري يا مولاي من أين جاءنا البلاء؟ قال: لا. قال: من هذه الغرفة، ~~وأشار لها، وكانت على الباب؛ فإن فيها كاهنا ساحرا، وهو الذي نبه القوم لخروجنا. ~~قال: وهل يكره أن يلحق بأصحابه؟ ثم ابتدر باب الغرفة فكسره ودخل، فقتل الكاهن وخرج ~~بعد ذلك، فمشي في رفقائه، حتى إذا صاروا بعيدا عن المعبد وبمأمن من غوائل جواره، ~~رأوا ذلك اللص بعينه، وقد انتصب أمامهم كأنما يعرفهم من هو، ثم اختفى من حيث ~~ظهر، وتركهم مبهوتين مبغوتين يتساءلون: هل انشقت له الأرض فنزل؟ أم ملك جناحا ~~فطار للسماء؟ # ثم إنهم استمروا سائرين إلى أن وصلوا الخمارة ففتح لهم فدخلوا وكان المجلس منعقدا ~~لا يزال، فلما رآهم الأحرار، وقد آبوا ب «شاين» حيا سالما قابلوهم بضجة تعجب ~~واستحسان، ثم لاقوهم بصيحة وامتنان، ونظرت الجمعية بعد ذلك في أمر من الخطارة بمكان، ~~وهو السعي في إبعاد قائد الفرق الاستعمارية عن ms067 منفيس واستبداله بغيره من القواد ~~المحالفين، فأخذ الأمير نجاز ذلك على همته وتدبيره، وختمت الجلسة بتسجيل هذا ~~الوعد، ثم تفرق الأحرار، وليس بما دار في تلك الدار قط دار. # الفصل السابع # | حادث باغت # كان قد مضى على نزول عذراء الهند في قصر النزهة بالضواحي نحو شهر والأميرة متقلبة ~~في صنوف الكرامة، موفورة الخفارة والحراسة، يحمي قصرها وساحاته نحو ألفين من ~~الجند، عليهم ضابط عظيم، وكانوا متوزعين بين جهات القصر وبين معسكره الناهض دونه ~~كالسور، يحيط به ويدور ويعصمه من طوارق الأمور. # وكانت عذراء الهند بشرت بسرور الملك بقدومها وإظهاره مزيد الارتياح لرؤيتها في ~~طيبة عاصمة مملكة الآلهة، فكان العزم معقودا على أنها لا تطيل بمنفيس المقام، أكثر ~~من بضعة أيام، ثم تلبي دعوة ملك الأنام. # وفي الواقع لم تلبث الأوامر أن وردت على الضابط من ديوان الجيوش بمضاعفة ~~الانتباه، ودوام السهر على حفظ الأميرة أولا، وبالاستعداد لمرافقة ركابها في ~~سفرها القريب إلى طيبة ثانيا، فأبلغ مضمون ذلك إلى الأميرة فسرت كثيرا، وباتت ~~تنتظر بصبر نافد ساعة القدوم على الملك الأعظم ملك طيبة ومنفيس. # إلا أنه لم يمض يوم أو يومان على ورود هذه الأوامر، حتى جاءت من القائد «رادريس» ~~رئيسه الحقيقي في هذا المركز رسالة بتوقيعه يقول فيها: # بناء على الأوامر الخصوصية ~~أدعوك لتخلي القصر والمعسكر توا فتنتقل بكل جندك إلى النمرة الثالثة؛ حيث ~~بانتظار أوامر جديدة. # رادريس # فتلقى الضابط هذه الإشارة بواجب الطاعة الجندية فأخلى للحين القصر والمعسكر، وسار ~~يؤم بفرقته النمرة الثالثة التي هي نقطة في الخلاء تبعد عن القصر مسيرة نحو سبع ~~ساعات، وكان ذلك في أول يوم دخول الليل، فما هو إلا أن ساد الظلام واطمأن بملك ~~الدنى والعوالم جائرا مباحة في حماه الجرائم حتى تلبس القصر بشر حال، ~~فامتلأت ساحته بالرجال، وكانت الأميرة خلف نافذة تنظر، وكانت لا يزال بها روع من ~~رواح الجنود، فضاعفه هذا الاحتلال فاستغاثت عندئذ قائلة: يا للسماء، لهذه ~~الخالدة الشقاء، الأبدية الإقصاء! ثم ترامت السلم، فنزلت هائمة متكسرة على ~~درجه، ms068 وكان له باب فقامت خلف هذا الباب واستندت كالمختبئة، فلم تدر إلا ~~بالجدار قد تزحزح ودخلت غير عالمة من أين ولا كيف؟ وأخذ الحائط على الأثر شكله ~~الأصلي، فعاد بنيانا مرصوصا مستويا لا سبيل لمريب إليه، ولم يعد ممكنا ~~للفتاة أن تزحزح من خلف، فتظهر من حيث اختفت؛ لأن للخروج كما للدخول سرا كانت ~~تجهله، ولا تطمع من الصدفة أن تهديها إليه. # وفي الواقع كان تخوف عذراء الهند في موضعه، فإن الرجال ما مكثوا أن صعدوا إلى ~~القصر، فأوسعوه بحثا وتنقيبا، وعاثوه جسا وتقليبا، معاينين جهاته ونواحيه، ~~معرضين عن كل ثمين فيه، لا طلبة لهم إلا الأميرة، يريدون ليأخذوها أسيرة، فلما لم ~~يلقوا لها عيانا، ولا كشفوا لها مكانا، هموا بالخروج من حيث دخلوا، وكان فيهم ~~ذاك اللص، لص ليلة المعبد ولم يكن منهم، ولكن رآهم يدخلون فادخل في زمرتهم فعرف ~~من هم، ووقف على حقيقة مشروعهم وما جاءوا يرومون، وإذ تحقق عدم وجود الأميرة ~~بالقصر سبق القوم إلى الأبواب فغلقها، ثم أضرم في الدار، حتى إذا ألحقها ومن فيها ~~الدمار، تركها فحمة تتوقد وسار، وهو يردد بملء شدقيه قائلا: أنا «طوس» ولي ~~السعود والنحوس، المنتقم للنفوس، من طائفة القسوس. # الفصل الثامن # | بيداء الذئاب # كان على بعض الدروب المفضية إلى طيبة ببيداء يقال لها بيداء الذئاب، نزل صغير ~~بطبقة واحدة، يديره رجل وامرأته، وكانا متوسطين في العمر لا يتجاوزان الخمسين، وكانا ~~ربعتين مملئتين، وكانت السذاجة منهما بمكان لطول ما عاشا في الوحدة، ولزما البيت، ~~وسكنا الخلاء، وكان درب الذئاب قليل الطراق من الأفراد، فلا يسير عليه إلا الجند ~~شراذم، أو القوافل قددا؛ ولهذا كان النزل قليل العمل، قليل أسباب الكسب، ولم يكن ~~صاحباه أخوي دنيا فيبكيان من تغيض موارد الرزق، أو يشكوان من صعوبة المحيا، بل ~~كان معنى الدنيا ونضرتها عندهما أنهما لا يعدمان القوت. # ففي ذات ليلة طرق النزل عشاء رجل مسافر، فخرج إليه رب الخان، وكان الطارق فتى ~~هنديا حسن المنظر ظريفه، غالي اللباس نظيفه، يحكم رائيه لأول ms069 وهلة أنه ذو نعمة، ~~ومن عائلة شريفة، فحين وقعت عين الرجل عليه ضحك ارتجالا كأبسط الأطفال، ثم صاح ~~بامرأته قائلا: حقا إن السماء تمطرنا هنودا يا بربة؛ حيث لم تكفها ممسوخة الصبح ~~فبعثت لنا بهذا الممسوخ الآخر، وكان للفتى يسير إلمام باللغة المصرية، وكأنما ~~تعلم مبادئها في المدرسة، ثم زادها على المبادئ في سياحته بمصر، ففهم عبارة الرجل ~~وتأثر بها بادئ بدء غير أنه لم يلبث أن استقل عقله، واتهمه بالبساطة. # وإذ كانت الراحة ضالته الوحيدة ركن إلى المداراة، فخاطب الرجل قائلا: إنما أنا ~~طالب راحة أيها الرجل، فإن كان هذا البيت نزلا عموميا، فأنزلني وخذ الأجرة ~~وزيادة، وإن كان منزلا لك خاصا ولأهلك فاقبلني ضيفا شريفا يرعى الحرمة، ويذكر ~~الجميل. قال: نحن أيها الفتى لا نضيف الناس ولا يضيفنا أحد، وإنما هذا خان مستعد ~~لنزول أمثالك، فادخل فخذ راحتك، ثم إنه دخل ودخل الفتى على أثره، فحضرت عندئذ المرأة ~~فعرضت على المسافر ما كان خاليا من غرف الخان، فاختار واحدة منها لمبيته، ثم طلب شيئا ~~من الطعام، واستعجل فقدم له من الحاضر المتهيئ وشرب ودخل بعد ذلك غرفته ~~فنام. # فلما كان قبيل الفجر استيقظ الفتى من نفسه، كما هي عادة سكان البوادي والخلوات، ~~فلم يكد يخلص حواسه من آثار تخدير النوم، حتى سمع شبه أنين، وكان مصدره الغرفة ~~الملاصقة لغرفة نومه، فجعل أذنه على الحائط المشترك، ثم استند إليه ينصت فإذا هو بصوت ~~أنثى، وهي تصل البكاء والأنين، وتقول بلسان هندي مبين (البسيط): # ماذا تريد بإبعادي وإيعادي # يا دهر ما أنت إلا جائر عادي # لم يكفك الرزء في ملكي وفي وطني # وفي شبابي وفي صفوي وأعيادي # فرحت تبعد أحبابي وتقذف بي # مع المخاوف من واد إلى واد # حتى مررت على الأيدي يد فيد # وطال في عالم الأهوال تردادي # فمن شقي إلى لص إلى نفق # إلى ظلام بروعي رائح غاد # إلى قفار إلى سهل إلى جبل # إلى غلام من الفجار مصطاد # أروح في أسر سلطان الهوى وأجي # ولا أبي لي ms070 ولا سلطانه فادي # فكان الفتى يصيخ لما يقوله الصوت، وهو يكاد يخرج من رشده ويود لو خرق الحائط ~~لينظر، فلا يمنعه إلا الشك في كونه يقظان، وأن ذلك ربما كان حلم وسنان، وكان نجم ~~الصبح قد بان، ينير سماء الأكوان، فشغل الفتى عندئذ عما كان فيه أنه نظر إلى ~~الفضاء، فبدت له من بعد خيام على البيداء ولم يكن رأى من ذلك شيئا حين وفوده في ~~المساء، فاستغرب الأمر وأحب أن يعرف من المخيم فخرج من غرفته، يبحث عن رب النزل ~~ليسأله فألفاه وامرأته في المطبخ، منكبين على لبن يغليانه، وفطير يهيئانه، ~~فتقدم فحياهما ولم ينبسا بجواب. # فدنا حينئذ من المرأة وبيده عقد من اللؤلؤ فأراها إياه قائلا: هذا يا سيدتي لك ~~إن عرفتني من الفتاة التي بجانبي، ولمن الخيام التي دون النزل على البيداء ~~فاشتغلت لحظة بما رأت، عما كانت تباشر من العمل، فزجرها الرجل قائلا: ما لك ولهذا ~~الهندي الحقير؟ التفتي إلى اللبن والفطير، فما كل يوم يمر الأمير فضربت المرأة ~~الفتى بكوعها، ثم عادت لما كانت فيه من العمل، أما هو فلم يجد بدا من الانصراف ~~فانثنى خارجا، وقد صار عنده نصف الخبر، ولكنه ما بلغ باب المطبخ حتى أبصر الفتاة مقبلة ~~فابتدر لقاءها قائلا: ليس ذا وقت خطاب الزوجين، فقد وجدتهما يا سيدتي مشغولين ~~بتهيئة بعض اللبن والفطير لكاهن عظيم مخيم في رجاله دون النزل. قالت: هذا ما كنت أريد ~~معرفته، فشكرا لك يا سيدي. # ثم انثنت عائدة إلى غرفتها وتركت الفتى بلا حراك ولا وجدان؛ إذ كان قد عرفها من ~~أول نظرة. غير أنه خاف على حيلته أن تفسد فاستجمع وتقوى ودخل غرفته، وكانت مفتوحة ~~فتركها كما هي، وجعل يتمشى فيها وهو تعب النظر حيران، بين باب الفتاة وبين باب ~~المطبخ، حذرا وخوفا، أن تجتمع بصاحبي النزل أو أحدهما، فتعلم أن الأمير مخيم تحت ~~شباكها مقيم، وقد صمم على أن يحول دول هذا الاجتماع كائنا ما كان. # ولقد كان من سعد الفتى الهندي أن الزوجين ms071 خرجا بعد قليل يحملان بعض الأواني ~~والقدور، وأغلقا خلفهما باب النزل فاطمأن بذلك قلبه، ورأى أن تمام الحيلة وكمال ~~التدبير، يقتضيان الصبر والكمون، حتى يرحل الأمير. وكذلك كان؛ حيث لم تمض ساعة من ~~الزمان، حتى زالت الخيام عن المكان، وعاد الزوجان مسرورين يلعبان بالأصفر الرنان، ~~وكانت الفتاة قد خرجت تتمشى في فناء الخان فرآها الرجل في دخوله فصاح بها، والذهب ~~يلمع على بطن راحته: تعالي أيتها الهندية، انظري في أمرائكم من يجود بمثل هذا ~~القدر من النقود؟ فأضحكت بساطة الرجل الفتاة غصبا، فمشت نحوه والفتى خلفها، وهي لا ~~تراه فلما صارت أمامه، ورأت ما في يده قالت: حقا أيها الرجل لقد أعطاك الكاهن ~~فأجزل. قال: لا تقولي الكاهن يا ممسوخة الهند، وقولي الأمير، فاضطرب وجدان الفتاة ~~لذكر هذا اللقب، وسألت الرجل قائلة: وأي الأمراء ذاك فهم كثيرون؟ قال: رب ~~منفيس الأمير «آشيم» ولي عهد جلالة الملك، فعند سماع ذلك لم تزد الفتاة على أن ~~صرخت قائلة: يا للسماء، لهذه الخالدة الشقاء، الأبدية الإقصاء! # ثم غشيها إغماء طويل فأوقعت الرجل وامرأته في حيرة شر حيرة لا يدريان ماذا ~~يصنعان، فلما رآهما الفتى خائفين يتعوثان دنا منهما فقال: لا تخافا يا سيدي ولا ~~تقلقا، فلا أحسب هذه إلا صرعة عصبية تقوم منها الفتاة بعد لحظة. قالا: وإن هي لم ~~تقم أقامت علينا قيامة الحكومة. قال: إذن فسلماها إلي وأنا المسئول عنها. قالا: ~~خذها ولا تعودا وأنتما مسامحان في الأجرة. قال: بل هذا العقد من اللؤلؤ لكما، ~~عن الفتاة وعني، فخذاه مباركا لكما فيه، ودفع إليهما العقد، ثم إنه حمل الفتاة على ~~ظهره وانطلق ذاهبا. # الفصل التاسع # | «هاموس» في القفار يهيم # لما حمل الفرسان الثلاثة «هاموس» إلى أبيه، وكان غضب الشيخ في غايته، جذب إلى شفتيه ~~الغلام وهمس ثلاثا: يا ابن الزناء يا ابن الزناء يا ابن الزناء، وكان إلى هذه الصيغة ~~ينتهي السباب عند المصريين الأولين، آباء الأخلاق، فلما قذف بها من أبيه شر قاذف في ~~هذا المقام، أقسم لا جاور بعد ms072 ذلك بلدا، ولا عاشر من الناس أحدا، ولا عاش إلا في ~~الصحاري والقفار، ولا مات إلا ممزقا بالأنياب والأظفار، فرحل من فوره عن منفيس ~~وخرج هائما يترامى الخلوات، ويتنقل من فلاة إلى فلاة. كأنما خرج من الحياة. # فبينما هو ذات يوم في هيامه، يسير على بيداء الذئاب، بدا له من بعد شخصان، وكانا ~~ثابتين لا يتحركان، فأخذ وجهتهما، حتى تمكن نظره منهما، وإذا هو بجريمة من مثل ما كان ~~بدأ فيه وشرع، وقد أوشكت هذه الجريمة أن تقع، فتشمر الغلام يعدو وهو يقول في نفسه: ~~أما وأبي الذي لا أعرف سواه ليكونن عند ابن الزناء، كما عند سائر المصريين نجدة، حتى ~~إذا صار ثالث ثلاثة رأى قاتلا وما قتل، ولكن هم فمسك يده المطمئنة بالخنجر، ثم نزعه ~~منها فتركه أعزل لا يملك للجناية إتماما. # والتفت بعد ذلك إلى الفريسة، فأجفل بغتة وابتعد، واضطرب وارتعد، فنظرت إليه ~~الفتاة نظرة ردت إليه الجلد، فدنا إليها فأخذ بيديها، ثم جثا لديها. فقال: الآن ~~يا مولاتي محا الإساءة الإحسان، ولم يبق إلا التجاوز والغفران. قالت: لقد غفر ~~لك ما سلف يا «هاموس»، فلا تقتل غريمنا ولكن عجزه، إنه ليس بعيدا، إنه ابن عمي. ~~قال: سمعا وطاعة يا مولاتي. فمريه أن يسير بين أيدينا أسيرا أو كأسير، حتى أتمم ~~نوبتي بإيصاله إلى الأمير، فأشارت الأميرة حينئذ لثرثر أن يمشي فمشى، واندفع ~~الثلاثة يسيرون. # الفصل العاشر # | ظهور النمر حارس بعد الخفاء # كان قد بلغ «آشيم» في بداية قدومه للهند أن عشيقته اختطفت، وأن أباها يتهم ~~رجلين من مصر رئيا تحت سماء مملكته، قبل اختفاء الأميرة بأيام، وأنه جاء من أجل ~~ذلك على مصر، وملكها وصاحب عهدها، ولا يبرئ هذا الأخير أن له يدا في الشر وباعا، ~~ووقوفا على دخيلة الأمر واطلاعا. إلى غير ذلك مما كاد الأمير يجن به ~~سماعا. # إذ كان أول ما قام في ذهنه أن ذينك الرجلين لا يمكن أن يكونا إلا من عمال ~~الكهنة أو مأجوريهم، وأن والد الفتاة معذور في ظنونه ms073 التي يحللها جهله بمجاري ~~الأمور في مصر، ومصير أحوال الأحزاب فيها، فزادته هذه التأملات غضبا على غضب من ~~جهة الكهنة، بقدر ما بعثت من رحمة فؤاده نحو والد الحبيبة، ففتح الحرب برسالة ~~خصوصية بعث بها إليه يقول له فيها ما معناه: # تعلم أيها الملك ما أنا آت في بعض ~~قواتنا البحرية من أجله، وتعلم كذلك أن الرماسسة إذا قالوا قالوا صادقين، فإن كان ~~الحامل لك على إغرائك الممالك المتطوعة إلى حد خروج أكثرها من طاعة جلالة مولاي ~~ووالدي الملك، هو حسبانك أن جلالته أو لنا يدا خفية في مصيبتك بالأميرة عذراء ~~الهند، فتحقق أنك مخطئ في حسابك، واهم في ارتيابك، وثق أنني سأكون معك على ~~الأيام، وفي هذه الحادثة التي لها بقلبي كما بقلبك إيلام. والآن إذ قد صدقتك ~~الكلام، فإني أدعوك لتكف يد المساعدة عن الولايات الثائرة، وإلا عددتك عدوا ~~لمصر ولجلالة الملك، فلا أبرح الهند قبل إنزالك عن سرير ملكك. ~~والسلام. # التوقيع # آشيم # فحين وردت هذه الرسالة على «دهنش» أمعن النظر فيها، فخرج من جنونه ورجع عن سوء ~~ظنونه، فكف للحين عن مؤازرة الثائرين، فكفوا صاغرين، ودخل «آشيم» الولايات فاقتص من ~~كبار الثوار، وأقر فيها الأمن وكان بغير قرار، ثم بارح على الفور الهند آيبا ~~بالأسطول إلى مصر، ينهب البحار نهبا ويقرب بعيدها غصبا، وهو يكاد يفقد السلامة ~~جزعا وكربا، حتى عاد لمصر، وهنالك حدثه أصحابه حديث عذراء الهند من أوله إلى آخره، ~~وأن الكهنة لم يكتفوا بهذه الضربة القاسية، بل نالوا «رادريس» أيضا حتى اتهمه ~~الملك بكونه هو محدث الحادثة، ومضيع الأميرة بسبب الأوامر المزورة المرسلة منه إلى ~~الضابط حارس القصر، وأنه من ذلك اليوم في السجن الخصوصي بطيبة حتى ينظر مجلس القضاء ~~الأعلى في قضيته فيحكم له أو عليه. # فلم تزد «آشيم» هذه الأخبار إلا بلاء وكربا وحيرة وجنونا، وبدت عليه آثار ~~ذلك كله بغتة تتهدد سلامته وتنازعه قوى الحياة، حتى أمسى خواص الأمير يتوقعون إصابة ~~السهم ويتخوفون من حلول الفناء المتعجل، واشتغل الأطباء بهذا الأمر ms074 الجلل فتداعوا ~~وتراعوا فقرروا العلاج اللازم، ثم أجمعوا أن الأمير يكثر الخروج إلى بعيدات البيد ~~وأقاصي الفلوات للصيد بنفسه، فإن لم يستطع فبرجاله، وأن يكون للبدو من أوقاته الشطر ~~على الأقل وللحضر الشطر. # فكان الأمير يرحل في خيامه وخيله، فيقضي اليومين والثلاثة على بعض البيد في الصيد، ~~والتمتع من شميم هوائها النقي الخالص بعضه إلى بعض. وهذا وإن كان لا ينفع إلا القلوب ~~الخالصة كذلك، إلا أن صحة «آشيم» كانت تأخذ منه غصبا بقدر ما كانت تعطي الهم والكدر، ~~وتنيل الكآبة والفكر، وموصول الوجد والسهر، بحي كان العليل يظل وهو لا له ولا عليه، ~~ولا من ثمرات التداوي بالطبيعة شيء في يديه. # فبينما هو ذات يوم مألوف تلك العادة في الصيد، بعيدا عن رجاله وكان يوما من أيام ~~قوته ونشاطه، عن له حيوان غريب الشكل تنكره عين المصري لأول وهلة، فطرده فجرى ~~فقفاه بجواد ينهب الثرى، أما الحيوان فاندفع رخي العنان، يعدو كأنه شيطان، ماض في ~~حاجة لسليمان، فبينما هو كذلك في غايات جريه عرفه عارف فناداه مرددا: يا حارس يا حارس، فاستوقف الوحش هذا النداء، وأنساه البلاء الذي وراء، فالتفت فبدا له أشخاص من ~~بعد، فقصد وجهتهم فإذا هو بمولاته عذراء الهند تناديه وتخف للقائه ~~وتحييه، فأكب على ساعديه دون أقدامها، كالمتنصل المعتذر عن شيء جنى، أو المذنب ~~المستوهب العفو عن ذنبه. # ثم ما هي إلا لحظة حتى أدركه الأمير، فأدرك حارس الغرام؛ بل أدرك القصد وكل المرام؛ ~~حيث جمعت العناية الشتيتين، ودانت الصدفة بين المحبين، بعد أعوام فراق ~~وبين، فوقفت الفتاة وهي بعظم منة الأقدار عليها، أشد منها تأثرا بحضور الحبيب ~~لديها، ولسان حالها المعقود بنشوة بلوغ المرام، ينشد في المقام (البسيط): # يا آنة جمعتني بالحبيب فدى # لصفوك الطيب الآنات والزمن # بمن هو الملك لي من بعد ملك أبي # ومن هو الأهل والأتراب والوطن # فبعد أن تهادى العاشقان تحية اللقاء، وتشاكيا الجوى والحرق بقدر ما مكنهما ~~الموقف من الاشتكاء، وكان «هاموس» قد اختفى فلم يبق على المكان غريبا ms075 سوى ثرثر، ~~تقدم الأمير الهندي فخاطب «آشيم» قائلا: أنا أيها الأمير ثرثر ابن عم عذراء الهند، ~~وخاطبها ومخطوب الملك أبيها وسائر آلها وذويها، فأنا إذن أولى بها منك من كل ~~الوجوه. قال: غير الطبيعي المقدم منها، وهو أن تحبك التي تدعي أنها خطيبتك. قال: ~~ليس هذا لنا في عرف معاشر الهنديين، ولا في قانون ولا في دين. قال: وهل أنت ناس ~~أيها الأمير فأذكرك أنك على أرض رمسيسية محضة، طالما رأت ملوككم مكان الخيل في ~~المركبات؟ فكيف تتغلب لكم فيها أحكام أو عادات. قال: إذن فليحكم بيننا السلاح، ~~وليقض العذراء لمن شاء. قال: وهذا أيضا أمر يحول دونه بعد شأنك عن ~~شأني، ونزول مكانك في المجد عن مكاني، إلا أنني أتنازل مرة في العمر واحدة فأبارزك ~~كرامة لقرابتك من عذراء الهند. # ثم إن الأمير استل خنجرين توأمين وأشار لثرثر أن يختار فأخذ أحدهما وانبرى ~~الخصمان على الفور، يتطاعنان على مشهد من الفتاة ومسمع، وكانت هي قد رأت لابن عمها ~~حركات مريبة، فنبهت «آشيم» لذلك قائلة: إن للهنود يا «آشيم» بغتات غدر وخيانة، في ~~مواقف الشرف والأمانة، فحاذر، فرب غادر قاتل في ثياب شريف مقاتل، فحفظ الأمير ~~هذه ووعاها، كما أنه لم يمهل خصمه حتى يتمكن من حركة تدليس وخيانة، بل وطعنه في ~~خاصرته اليمنى طعنة تركته ملقى على الأرض يسبح في دمائه. # وبعد ذلك انثنى «آشيم» وعذراء الهند عائدين إلى حيث خيمة الأمير وخيله فكان للحشم ~~والعبيد، برؤية الأمير السرور الذي ما فوقه مزيد، وأرسل الأمر للحين إلى خواصه ~~يبشرهم بالملتقى ويستنهض هممهم لإعداد زينة، أجل زينة، تشمل الضواحي والمدينة، ~~وأن تسير المواكب فجرا حافلة تترى لاستقبال الركاب، على الأبواب، وأن يعلن استمرار ~~الاحتفاء والاحتفال، أربعة أيام بليال. # الفصل الحادي عشر # | أفراح منفيس # ما طلع الفجر الأسعد موعد تشريف الركاب، القادم بالأحباب، حتى تجلت منفيس ~~وضواحيها، وقد تحلت ببهيج المناظر وضاحيها، فأخذت المنازل زخرفها، وازينت دور ~~الحكومة، واحتفل الأهالي وبهر العيد وتنظم موكبان فاخران، خرج أحدهما للقاء العروسين ~~والعودة في ms076 ركابهما، ومد بالآخر من دار الإمارة إلى باب طيبة لتحية الركاب في ~~الطريق، فلم يكن قبيل الضحى حتى أقبل الموكب بالجلال والجمال، يتقدمه قفص من فضة، ~~محمول على عواتق الرجال، وفيه النمر حارس يبدو في حلة عجب، وتنوء لباته بقلائد ~~الذهب، وعلى أثر هذا القفص نحو ألف جندي من كل سلاح، ثم يأتي هودج محمول كذلك على ~~الأعناق، وقد جعل مكان الشجر منه شجر مصنوع من الفضة والذهب، مكلل بالأحجار ~~الكريمة. # وهذا الهودج يقل الأميرة الهندية وهو يتهادى في أكمل رونق، وأتم بهاء بين ~~هالة من الكبراء والعظماء، محدقة مشرفة. ببدر الإمارة مشرقة، وهو يختال على متن ~~جواد عال غال، مذخور ليوم عيد وصبيحة احتفال، وخلف هذه الكوكبة السنية ألف آخرون من ~~الجند متممين للحرس الكريم، ثم يلي جحفل زاخر، لا أول له ولا آخر، هو مختتم ذلك ~~الموكب الفاخر. # واستمر الموكب كذلك سائرا بين شعب بأسره، على قدم الإخلاص في سره وجهره، ~~لأميره الساعي في خيره، حتى بلغ دار الإمارة، وهناك أطلقت السجناء، ووزعت الصدقات ~~على الفقراء، وقام «آشيم» بعد ذلك في ركن الإمارة، فاستقبل وفود المهنئين حتى إذا ~~انقضت هذه الحفلة أيضا، انتقل الأمير والأميرة إلى غرفة مجاورة، فأقاما يتلقيان ~~التحف والهدايا، وهي تقدم بين أيديهما بكثرة، وتزلف من كل صناعة وكل صانع، حتى ~~ضاقت الحضرة عما حضر. # وكان في أخريات المهدين رجل متلثم، فلما لم يبق من لم يتقدم سواه، دنا ~~فرفع إلى الأميرة درة اهتزت لها الفتاة، والتفت الناظرون ثم أسرع فناول ~~الأمير مرآة صغيرة، نظر فيها فرأى صورته، وهو محمول على تابوت يخرج من قصر أبيه الملك ~~بطيبة، فارتاع «آشيم» لهذا المنظر المشئوم ودفع بالمرآة إلى عذراء الهند قائلا: خذي يا ~~عزيزتي فانظري هذا المضحك المبكي، فأخذت الفتاة فنظرت فلم تر شيئا فردتها إليه ~~قائلة: وما فيها يا مولاي؟ إني لا أرى شيئا، فأعاد الأمير نظرا فرأى، ثم أعاد نظرا ~~فرأى، وانقطعت بعد ذلك الرؤية، فصارت المرآة بغير صورة، فهدأ حينئذ روع الأمير، ~~وراح يتهم ms077 أعصابه بالاضطراب طورا، ويظن بالمرآة السحر تارة، ثم التمس العروسان ~~المهدي ليشكراه فلم يجداه، فسألا عن أمره، فلم يجدهما السؤال، حتى كأن السقف انفتح ~~للرجل فصعد أو أن الأرض انشقت له فاختفى. # ومرت هذه الحادثة منسية بين ذلك الصفو الموفور، وبين كثرة أسباب الأنس والسرور، ~~بل لم يكن اليوم التالي حتى أرسل الملك إلى «آشيم» يستقدمه هو وعذراء الهند، فلم يجد ~~الأمير بدا من التلبية، فترك منفيس في أعيادها، تمرح هانئة محتفلة، ورحل إلى ~~العاصمة، مستصحبا خطيبته الكريمة تشيعهما القلوب، أو هي في رحالهما التي ليس فيها ~~إلا محب ومحبوب، فسار الموكب كذلك يؤم مدينة شمس القوية، إلا أنه لم يكد يجتاز ~~أبوابها حتى تقدم رجل من أفراد الرعية التي كان الأمير عودها رفع كل حجاب، ~~فقبل الركاب، ثم رفع إلى «آشيم» طائرا صغيرا أسود واشتهى عليه أن يحمله لحظة ~~على بطن راحته فأجابه الأمير إلى التماسه، وأخذ الطائر فتساقط على الفور منه ~~ريش، فاستغرب «آشيم» الأمر والتفت إلى الرجل كالمستفهم، فكان جوابه أتدري يا ~~مولاي ما يقول الببغاء؟ قال: وما عساه يقول؟ قال: إنه يا مولاي يكره لك أن تسير ~~إلى طيبة، فأغضب الأمير الذي رأى وسمع، فرمى بالطائر في وجه الرجل قائلا: ولكني ~~أسير إلى أبي بالرغم من سحركم يا محتالي الكهنة، فانصرف الرجل من حضرته منهورا ~~خائبا، واستمر الركاب سائرا فلندعه الآن في الطريق نحو طيبة، ولنختم هذا ~~الباب بذكر ما كان من أمر ذلك العجيب بعد رواحه عن وجه «آشيم»، فنقول: أخذ الرجل ~~أول طريق صادفه كأنه ابن سبيل، أو هو من أهل الهيام فلا وجهة ولا دليل، وفي الواقع ~~فإن «طوس» كان قد أوحشه ابنه وواحده «هاموس»، وندم على ما كان من سوء تصرفه ~~معه، فلما لاقى من عناد الأمير وعماه وصممه ذاك الذي لاقى حزن حزنا كبيرا، ~~وإذ كان من شأن الأحزان، إماتة الحقد والأضغان، تذكر الرجل ابنه فتاق، والذكرى ~~مجلبة الأشواق، فحلف لا رجع إلى مغناه، أو يرجع إليه فتاه، ثم اندفع بهذه ms078 النية يهيم ~~في البوادي والقفار، حتى قطع معظم النهار، وقد عقد العزم على الاستمرار، لولا أنه ~~استمع بأنين، كاد يطير له فؤاده الحزين، فوقف يبعث بالنظرات إلى جميع الجهات، فلاح ~~له من جانب الصوت، شخص بين الحياة والموت ، فقصد نحوه حتى بلغه، فإذا هو فتى مجروح ~~يحاول القيام، فلا تطاوعه الأقدام، فسأله «طوس» قائلا: من الفتى؟ وما شكواك؟ ~~قال: غريب يا مولاي، جرحني اللصوص وأنا ماض في سبيلي أقصد إلى طيبة، فدنا «طوس» ~~وكشف عن جرح الفتى، وكان موضعه الخاصرة اليمنى، فتأمله وجسه. ثم قال وقد ~~أخذته من حال الغلام رأفة: لا خطر عليك يا بني من هذا الجرح الذي لولا نزول الخنجر ~~بهذه المنطقة أولا لكان القاضي لا محالة. # ثم إنه صب على الجرح شيئا من ماء شربه، ورشه بمسحوق من عنده، وربطه بعد ~~ذلك رباطا محكما، ثم أخذ بيد الغلام، فنهض قادرا على القيام. فقال له «طوس»: الآن ~~يمكنك يا بني أن تستأنف المسير إلى طيبة، وإن لك إليها لطرقا ثلاثة أدلك ~~عليها، ووصفها له جميعا ليختار، ثم ودعه مشكورا وسار، وقد بدا يبني على الحادثة ~~الظنون، فكان يقول في نفسه: غريب مجروح جرحه اللصوص، وهو ماض في سبيله يقصد طيبة، ما ~~هذا الكلام؟ بل ما هذه الأحلام؟ أين علومك يا «طوس»؟ أين اقتدارك؟ أين نجومك؟ أين ~~أنظارك؟ هل سلبت كل ذلك النور، جزاء استعلائك والغرور؟ أم هو المقدور، بنحسك ~~يدور؟ # وظل الشيخ سائرا على تلك الحال بين تراكم أوجال، وتعاظم بلبال، وهموم من كل نوع ~~تنهال، وهو من مجموع ذلك في أسر رؤيا مزعجة مسيئة لم ينتبه منها إلا على ريش ~~الببغاء المتساقط على كتفيه، فعندئذ استقبل السماء فقال: يا من نموت ولا يموت، ~~ومن له وحده الثبوت، يا من لا أول لعلمه ولا آخر، ومن إليه الأوائل ثم إليه ~~الأواخر، زنيت في العمر مرة، والزناء سبة ومعرة، وأذى لخلقك ~~ومضرة، فامح بعظيم عفوك ذنبي العظيم، واغفر لي ولأم «هاموس»، إنك أنت الغفور ~~الرحيم. # ثم إن الشيخ ms079 تقدم خطوات في ذلك الفضاء، وكانت الظلماء قد ملكت جهات البيداء، ~~وأضفت حلتها السوداء، على مناكب الغبراء، حتى استعد الأحياء لليلة ليلاء، ~~وحتى قال كل راء (المتقارب): # ظلام أناخ بلا كوكب # ينير ولا بارق يلمع # سل الليل هل أضمر الغدر أم # لأمر سوى الغدر يجمع # ثم ما هي إلا ساعة زمان حتى انقلب الحال انقلابا فتحول سكون الجو اضطرابا، ~~وتهاوت الكواكب انحدارا وانسيابا، فحيث التفت رأيت شهابا، لا يألو جيئة ولا ~~ذهابا، وانصبت البروق والرعود على الأثر انصبابا، ثم كان مطر لم يعهد مثله ~~انهمالا وانسكابا، فوقف «طوس» لا يتقدم، وقد رأى التسليم أسلم فلعثم من كلمات ~~الاستغفار ما لعثم، وفي هذه الأثناء اصطدم به إنسان سار أعمته حوادث الجو ~~فاستأخر الشيخ مجفلا. وقال: من هذا الأعمى الضال؟ قال: ابنك وطريدك «هاموس» ~~يا مولاي. ثم وقع الفتى على صدر أبيه فاعتنقا، وعندئذ نزلت صاعقة من السماء ~~فأهلكتهما وطار الببغاء، فسبحانه نحن إليه! ما لحي بقاء، وقصارى سوى الإله ~~فناء. # الباب الثالث # | الحوادث في طيبة # الفصل الأول # | «رادريس» في السجن # كان لجنود الحرس الرمسيسي معسكر فيه ألفان من الجند يغيرون في آخر كل عام، ~~فيردون إلى الجيش العام، ويؤخذ مكانهم عدد المثل من أهل الشجاعة والإقدام، وكان ~~للحرس كبير ثابت لا يقبل التغيير، وكان يسكن هو وعائلته المعسكر له منه جانب وطرف، ~~وحجر خاصة وغرف، وخدم من الجند وحشم كثير. # أما المعسكر فكان طبقات لا طبقة واحدة، مبنيا بالحجر لا بالخشب، خلافا للقاعدة، ~~وكان بمرأى من ميدان «رمسيس» ومشرفا من بعض جهاته على الشارع الملوكي، ومقابلا من ~~جهة ثالثة لدار الملك، وخالص الجهة الرابعة إلى النيل تغمر مياهه أسفلها وينظر من ~~نوافذها إليه، وفي الجملة كان له الموقع الجميل الخطير، وكان الجانب المطل على ~~النيل من المعسكر قسمين مفصولين تمام الانفصال، أحدهما خاص بكبير الحرس مرصد لسكناه، ~~والآخر خلو من الجند مجعول مخازن وحواصل، إلا غرفة واحدة، كان يقيم بها رجل من ~~عظماء الضباط، وكأنما حرم عليه براحها، فلم يكن يخرج ms080 منها ولا يدخلها عليه إنسان، وقد ~~قام على بابها جنديان يحافظان عليه أن يبرح المكان، وكان هذا الضابط متقدم الميلاد، ~~قد بلغ الستين أو كاد، وهو مع ذلك صحيح البنية قوي الجسم مرجو السواعد ليوم كفاح ~~وجلاد، غير أنه كان يعلو وجهه الاصفرار، وتبدو عليه للضعف آثار، حتى كأن آلاما أدبية ~~كانت تتملك نفسه العالية الأبية، وهو متكئ على بعض النوافذ يريد ليتسلى ~~برؤية النيل ومائه، وأفقه وفضائه وواديه وسمائه، ويأبى الفكر إلا خوض بحار أشغاله ~~وعنائه. # وكان الوقت الأصيل، وهي خير ساعات النيل، فما زال الضابط كذلك، يستجلي بدائع ما ~~هنالك، حتى هجم الظلام يسد دون جمال الطبيعة المسالك، وعندئذ لم يدر إلا بالباب ~~يدق دقا خفيفا، فقام من فوره إلى المصباح فأشعله، ثم التفت نحو الباب يقول: ~~ليدخل الطارق، فانفتح الباب وأقبلت فتاة من أجمل النساء، وفي أثرها تمساح صغير يرنو ~~بحدقتي خنزير، وفي أذنه قرط من الذهب منقوش بالمينة النادرة الثمينة، وفي كلتا يديه ~~سوار من خالص النضار، مرصع بكريمات الأحجار، وهو مستأنس يسير مع ذلك الملك ~~الكريم أينما سار. # وكان الضابط قد عرف الفتاة حال ظهورها فتغير لرؤيتها وجهه وانقطب، ونفر وجدانه ~~من الغضب. أما هي فلم تلق لتغيره بالا، بل كانت تتكلف الهدو والسكينة، ~~وتتظاهر بكمال الطمأنينة، وتتقدم هاشة باشة، وهي تقول: أنا يا قرين أبي العزيز ~~«آرا»، وهذا تمساحي نجاة، رأيت أن يزورك معي ليكون اسمه لك فألا، ولتتقي بدعائه ~~شر ما تخبئ للناس الأيام. قال: الزيارة مشكورة يا «آرا»، ولكن ما لك الآن وما لي؟ ~~فما أراك جئت إلا لتسخري من حالي، ولتزيدي في أوجاعي وأوجالي. قالت: وما الذي ~~يريك ذلك؟ قال: الذي أراني السجن من غير ذنب جنيت. قالت: فلأنت إذن في عذاب ~~أليم. قال: وهل بلغ من استبدادكم يا أصحاب الكهنة أن تنكروا على النفوس البريئة أن ~~تمج السجن. # قالت: دعنا من هذا كله، ولندخل في جد الموضوع، فإني ما أتيت إلا لأذكرك أن من ~~وراء التهمة غداة تثبت زلزالا لحياتك ms081 العالية، وهدما لبنيان أعمالك الباذخ بالمجد ~~والفخار. قال: ومتى احتجت إلى مثلك من يذكرني عواقب الأمور؟ قالت وهي تبتسم: ولكنك ~~محتاج إلى من يقيلك من تهمة الخيانة التي من ورائها الفضيحة والتجريد، والنفي ~~المديد، إلى مكان بعيد. قال : وماذا تريدين بكل هاته الإشارات؟ صرحي وأوجزي. قالت: ~~أريد أن تعلم أني قادرة على فك أسرك، وإنقاذك من مضيق أمرك، ومستعدة للسعي ~~في ذلك، غير سائلة عليه إلا أيسر الأجر. قال: وما ذاك؟ قالت: أن تحلف لي برأس ~~الملك أنك إن عدت إلى مناصبك ووظائفك التي منها العضوية في مجلس المملكة الأعلى، ~~وعرض على المجلس أمر النظر في جواز خطبة عذراء الهند أو عدمه تلزم جانب الحياد ~~عند المناقشة، ثم تحتال على الانسحاب، فلا تكون موجودا في ساعة أخذ الآراء. قال: السجن ~~أحب إلي يا «آرا»، فارجعي بسلام، ولا تعاودي إن كان ليس عندك غير هذا الكلام. ~~قالت: إذن فالذنب لنفسك لا لغيرها، والعتب عليها وحدها في أمرها، وإني أدعك تراجعها ~~الآن، وسأعود غدا لآخذ جوابك البات في الأمر، ثم إنها مالت قليلا تخلص ذيل ~~ثوبها، من يدي نجاة الذي كان يجاذبها إياه، كالمداعب، حتى إذا تخلص مشت نحو ~~الباب مسرعة، وتبعها «رادريس» فأغلقه وراءها. # ثم عاد وهو لا يكاد يبصر قدامه من ضغط الهموم وزحمة الأفكار، ولكنه ما نصف ~~الغرفة حتى صادفت رجله جسما صلبا دفعته أمامها، فأخذه من الأرض وتأمله، فإذا هي ~~مجموعة أوراق واردة على تلك الشقية من كثيرين من كهنة طيبة، وأعضاء مجلس المملكة ~~الأعلى، وهي صنفان منها ما يختص بقضيته ويشير إلى تلفيق تهمته، وبعضها يتعلق بخطبة ~~عذراء الهند ويتناول الدسائس التمهيدية لحمل المجلس الأعلى على الحكم برفضها، فلما رآها ~~«رادريس» قد فرجت من كل الجهات، ورحبت بعد أن كانت ضيقة مستحكمة الحلقات، لم ~~يتمالك أن خر ساجدا لتلك القدرة التي تجر الظالم للقصاص بقدمه، وتوقعه في شر ~~أعماله بخط قلمه، ثم رفع عينيه إلى السماء، ولسان حاله ينطق مفصحا بهذا ~~الدعاء (الخفيف): # رب إن شئت فالفضاء ms082 مضيق # وإذا شئت فالمضيق فضاء # وقام بعد ذلك فحمل الأوراق على عظم صدره من شدة الضن بها، ثم أطفأ المصباح، ~~وجاء سريره، فرقد على فراش وطيء من الراحة والأمان، والصفو والاطمئنان، وكانت له ~~ليال لم يعرف الغمض، ولم يطق الراحة، فما صدق تلك الليلة أن دخل السرير حتى راح ~~في العريض الطويل من النوم (البسيط): # كم ساهر خائف والدهر في سنة # وراقد آمن والدهر في سهر # فلا تبيتن محتالا ولا ضجرا # إن التدابير لا تغني من القدر # هذا ما كان من أمر «رادريس»، أما ما كان من أمر «آرا» فإنها لما برحت غرفة السجن ~~انثنت عائدة إلى مسكنها في المعسكر، وكانت العائلة في انتظارها للعشاء إلا كبير ~~الحرس، الذي لم يكن يعرف غير مائدة الملك، فجلست فتعشت، وما هو إلا أن غسلت ~~يدها من الطعام، حتى جاءها رسول من الملك يدعوها للتوجه إلى القصر. # فقامت من فورها فدخلت غرفتها الخاصة، فبدلت ثوب الكتان الذي كان عليها بثوب ~~آخر من التيل الأرجواني المزركش، كانت الملكة أهدته إليها، وكان لها مشط من ~~العاج، مصنوع من نحو ألف سنة حتى اكتسب صفرة الذهب ونعومة الحرير، وكان أيضا خارجا من ~~خزانة الملك هدية إليها لمناسبة دخولها في العشرين، فحملته في رأسها بعد أن ~~مسحت شعرها أحسن مسح، وزينته تزيينا، ثم اتخذت لصدرها زينة، قلادة من ~~اللؤلؤ ذات سلوك سبعة، في كل سلك خمس عشر حبة من أكبر وأجمل ما تنبت الأصداف، وكانت ~~هذه القلادة مشهورة في عصرها تضرب بها الأمثال، إذا ذكر الغنى والمال، وكانت لها ~~أيضا مروحة من ريش النعام الأبيض العوام، بيد عاجية بيضاء نقية، وسلوك دقاق، ~~من الذهب الخالص البراق، مرصعة باليواقيت المستطيلات الرقاق، فأخذتها في يدها، ثم ~~التفتت نحو خادمتها الخصوصية فلقنتها بعض الأوامر، وبعد ذلك خرجت مستعجلة ~~الخطو تطوي المعسكر، فالميدان، فالشارع الملوكي إلى القصر العامر. # الفصل الثاني # | ليلة أنس في قصر الملك # كان الشارع الملوكي المتقدم ذكره عبارة عن طريق طويل مستقيم مرصف الجانبين بأحسن ~~تنظيم، منحصر بين ms083 خطين متوازيين من الشجر المعرش العظيم، وكانت في نهايته سلسلتان ~~من تماثيل أبي الهول البديعة النحت والتصوير، كلها مكب على الساعدين فوق سرير، من ~~حجر واحد كبير، وهي متقابلة متناقصة الأحجام تدريجيا، فأولها كبير كبير، وآخرها صغير ~~صغير ، ثم يعترض باب عظيم عال، ناهض بالعظم والجلال، يمسكه عمودان من العمد ~~العراض الطوال، وخلف هذا الباب فضاء عجب، وسوح ورحب، ثم يلوح بستان، تأخذه ~~العينان، وما بهما يدان، وهو يموج بالحيوانات المقدسة، والطيور المعبودة المستأنسة، ~~سوارب هنالك سوارح تأوي الظل وتجيء الماء، وتهنأ مهجاتها النعيم والنعماء، ووسط هذا ~~البستان قصر رفيع العمدان، مشيد البنيان، له دوران، كلاهما في الوضع سيان، وله ~~مداخل توصل إليه من كل مكان، وكان ظهره إلى النيل التصاقا. # وكان القصر في تلك الليلة هالة تتوقد، بكل فرقد، من المصابيح عند فرقد، وكان ~~الدور الأسفل على الأخس آنس المقاصير، مزدحم الغرف بالجماهير، والملك في ~~حجرته الخاصة يدعو إليها من يشاء من ضيفانه، فيحادثه ما شاء ثم ينطلق لشأنه، أما ~~الحجرة فكانت غاية في الجلال والجمال، مفروشة ببساط واحد غال، من جلد النمر النادر ~~المثال، العزيز المنال، ومغشاة جدرانه من الفضة الممهدة الصقيلة، المتخذة مرآة واحدة ~~عريضة طويلة، وفي الصدر عرش عال مصنوع من العاج النقي البياض، وكان للملك، وكان جالسا ~~عليه، ثم تشاهد أسرة منثورة ها هنا وهنا بين كبير وصغير، ومستطيل وقصير، ومربع ~~ومستدير، بعضها من الخشب المطعم بالعاج المصحف بالذهب والفضة، والبعض من الحجر المجوف ~~المنقوش، ومنها ما هو للجلوس، وبعضها لحمل ثريات التنوير، وباقات الأزهار، وأواني ~~الفاكهة، والمرطبات، وقوارير الماء والمباخر. # وكان بين يدي الملك ساعتئذ في الحجرة والد «آرا» كبير الحرس القائد «ندور»، ~~وكان في عمر «رمسيس» تقريبا بين الخمسين والستين، وكان أشبه الناس به في الخلقة ~~والحركات، والنطق والإشارات، حتى لولا الشعر القصير الذي على رأس الملك والثعبان ~~الذهبي، الذي على جبهته واختلاف الزيين في الزخرف والزينة، لتشابها وتشاكل ~~الأمر، وكان بجنب «ندور» وعن يمين الملك الكاهن الأعظم للديار، ومعه ابنه الشاب ~~«هوتر»، ms084 وكان من أجمل فتيان المملكة، بل ممالك ذلك العصر جمعاء، وقد جعله الملك على ~~خزينته الخاصة لشهرته بالمهارة في الأشغال المالية، ثم ثلاثة من أمراء العائلة، وكانوا ~~عن يسار الملك، فما زال الحديث يجر بعضه بعضا بين «رمسيس » وجلسائه حتى تناول ~~أحوال المعابد وشئون العبادة في البلاد، فسأل الملك الكاهن الأعظم: هل ما يزال الشعب ~~على مألوف عادته، من التمسك بديانته، والاجتهاد في عبادته؟ قال: إنه يا مولاي على ~~حالة ترضيك من التمسك بالدين الذي هو رأس الأخلاق. قال: في الحقيقة وإني لا أجد ~~أمتي بلغت ما بلغت إلا بالأخلاق (البسيط): # وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت # فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا # قال: ولكني يا مولاي أبصر بأمور تجري وأخشى من عواقبها. قال: وماذا عسى يجري الآن ~~مما لا أعلم؟ قال: إنني أشم يا مولاي من أشعار «بنتؤر» وكتاباته وخطبه ودروسه ~~العامة، رائحة الميل إلى تجريد العبادة من صفتها المادية القائمة بها الآن والذهاب ~~بها في مذهب روحاني محض لم يألفه الشعب من قبل، حتى أصبحنا نخشى أن تتأثر ~~الأفكار بمبادئه الجديدة، فينشأ عن ذلك تمزيق الحجاب بيننا وبين العامة، وجلالتكم سيد ~~العارفين بأن الدين في مصر كالملك لا حياة له بدون الحجاب، وإننا معاشر الكهنة ~~دعائم سلطتكم في البلاد، والساهرون على حفظ المهابة لكم في نفوس العباد، فمن تهجم ~~علينا فقد تهجم عليكم، ومن أساء إلينا أساء في آن واحد إليكم. # قال الملك: وعلام كل هذا الاشتكاء يا إمامنا العزيز وأنت تعلم أن القوانين ~~عندي تعلو ولا يعلى عليها؟ وأن لا مسيء إلا آيل يوما إليها، ولو أنه ابني ~~«آشيم»، فإن كان فيما يقوله «بنتؤر» ويكتبه شيء يؤذي النظام، أو يخالف الأحكام، ~~فاطلبوا محاكمته، فإن للقانون لا لنا الانتقام. قال: وكيف يا مولاي وإني لأجده ~~أبعد منالا من لصوص منفيس، الذين يسرقون سلاسل الحق الذهبية من صدور القضاة، وهم على ~~كراسي هيبتهم يحكمون؟ قال: إذن فهو بذمة من القانون وأمان، وليس لأحد عليه سلطان، ~~فدخل عندئذ كبير الحرس في الحديث ms085 غير مندفع. فقال يخاطب الملك: لعل رئيس الديانة ~~يا مولاي يقصد بما أبدى، أن تكون النصيحة من جلالتك مباشرة ل «بنتؤر» بأن لا ~~يهيم، وأن يرجع إلى هداه القديم، وإلا فإن رئيس الديانة أكبر أدبا، وأرفع أخلاقا، ~~من أن يبغي الضرر والفضحة لقرين صبا الملك وشاعره اللهج بمفاخره بين أبناء ~~الزمان، المتفنن بمحاسن أيامه في كل أين وآن. قال: حسنا يا «ندور»، وإني فاعل ذلك. ~~قال: ولكني أشتهي على مكارمك يا مولاي أن لا تبالغ ل «بنتؤر» في الزجر، وأن تقول ~~له قولا كريما كما أني أخطر على فكرك السامي، التماس حكومة اليونان إلى جلالتك أن ~~يسير إليها حكيم من رعاياك لينوب عن حكومتك السنية في مؤتمر الفلسفة والآداب ~~الذي ينعقد في هذا العام بتلك البلاد، وإذ كان «بنتؤر» رجل هاته المهمة الوحيد ~~الذي لا أحسب اختيار الملك واقعا إلا عليه، فمن العدل إذن أن لا يزجر، ولا يهان، ~~بل من المروءة أن لا يخاطب قبل سفره في مثل هذا الشأن. قال: صدقت يا «ندور»، وقد ~~أحسنت بتذكيري التماس اليونان. # ثم إن الملك خف خارجا إلى جمهور ضيفانه، وخف جلساؤه على أثره، فمشى «ندور» بجانب ~~رئيس الديانة يقول له همسا: كيف ترى حيلة أخيك؟ قال: نعمت الحيلة! ونعم ~~المحتالون أنتم يا أصحاب الملوك! وإنه لسفر بعيد وغياب مديد، يكفياننا شر ذلك المهوس ~~إلى أجل، كما ستكفينا المحكمة الكبرى بعد أيام بأس الملعون «رادريس»، فنصبح وقد ~~خلا لنا الجو واتسع فضاء العمل، ثم لنا بعد ذلك ولعذراء الهند شأن. # وكان الملك قد بلغ القاعة الكبرى، فلما دخلها اشتغل القوم بلقائه وتحيته عما كانوا ~~فيه من اللذات في ظل ساحته، وكان أول ما التقى وجهه بوجه «آرا» فتقدمت فمثلت ~~لديه، ثم دنت فقبلت يديه فوقف معها برهة يتحادثان في بعض شئون القصر. # ثم إن الملك ارتجل نظرة إلى الملأ، فلمح «هوتر» مارا يتمشى فأومأ إليه أن ~~يدنو فدنا. فقال له ممازحا: ماذا تقول في مرافقة «آرا» يا «هوتر»؟ قال: وهل السعادة يا ms086 ~~مولاي والنعيم إلا مرافقة مثل هذا الملك الكريم؟ قال: فخذها إذن فتمشيا فلأنت ~~أحق بذلك مني، والحق فوق كل عظيم فأخذها «هوتر» وانثنيا يخترقان الزحام، إلى أن ~~اهتديا لمكان في مأمن من الأسماع والأبصار فجلسا، ثم شرعا يتحادثان . فقال «هوتر» بصوت ~~يشف عن الوجد والحقد: لعل سعيك يا مليكة الغد مصادف بعض النجاح في ~~مشروعك الخطير، الذي أوشكت أن تقلبي المملكة من أجله؟ قالت: علي أن أسعى وأبذل ~~جهدي، وليس علي أن يساعدني الدهر. قال: ولكن «آشيم» يروح ويغدو كارها للقائك. ~~قالت: وتبسمت: وما ضرني وأنا عندي الذي يبيت ويغدو مغرما بي حبا. قال: ~~ومن أين لك نبأ هذا؟ إنك واهمة يا «آرا» أو أنت تمزحين. # قالت: إنه ليس بالوهم. إنه عين اليقين، وإني لأعجب لك يا «هوتر» كيف تغلب الآلام، ~~وأسألك مندهشة بأي قلب تكتم الغرام؟ فلبث الفتى برهة حليف الصموت، عصي النطق ~~كالمبهوت، وقد كاد الموقف يغلبه على أمره فلا يملك كتمانا لسره، وآنست «آرا» منه ~~ذلك، فعادت فقالت: تكلم يا «هوتر»، تكلم، وصرح ولا تتكتم، وبح بهواك الذي ~~أضناك، وكاشف «آرا» ولا تخف الوجد عنها، إنها بها منك فوق ما بك منها، فلم يكن ~~من جواب «هوتر» على هذا الإقرار الصريح إلا أن نظر إلى الفتاة نظرة مسيء الظن ~~مرتاب. ثم قال مستنكرا: و«آشيم»؟ قالت: قبح من اسم وقبح حامله! قال: ولكني ~~أراك تفعلين ما لا يفعل في سبيله. قالت: بل في سبيل الملك يا «هوتر». ولو أن أمري في ~~دفع الطمع بيدي ما بته إلا أنعم الناس، ولكنه داء المطامع تمنى به نفوس، ~~وتعفى نفوس، وما مني به أحد إلا عاش في نكد ومات بالكمد (مجزوء الكامل): # تحت التراب خلائق # ما كلهم قتلى المرض # النصف مات بجهله # والنصف ماتوا بالغرض # قال: إذن فأنا أرمي عليك هواك، ولا أقبل منك هذا الحب المشوب بالسفالة، ~~الدنس من اللؤم. قالت: ارحمني يا «هوتر». إنك بمهجة وفؤاد، ولا تأخذني بما يزين ~~إلي الطمع. إنه من جناية الميلاد. قالت هذا وأخذت ms087 يد الفتى غصبا تتأملها ~~طورا، وحينا تقبلها وتارة تمرها على صدرها، ومرة تبللها بالدموع، وآونة ~~تجففها بالأنفاس. أما هو فكان يجمع فمه ليقبل الجبين الذي تيمه. وكلما ~~هم شعر بأنفة تمسكه عن ذلك فيمتنع. # وبينما هما على هذا الحال سمعت «آرا» كأن مناديا يناديها فالتفتت وراءها، ~~وإذا هي «آثرت» بنت الملك وكانت خارجة من غرفة الاستراحة تؤم القاعة الكبرى، ~~فتوجهت نحوها مسرعة وتركت «هوتر» في شر حالة، فابتدرتها الأميرة قائلة: ما هذه ~~الخيانة يا «آرا»؟ وأين الشرط ما بيننا؟ وهل هكذا جزاء الإحسان؟ قالت: عفوا يا ~~مولاتي، واعتقدي أن جاريتك على قدم الإخلاص سرا وعلانية، وعلى ذاك العهد غيبا ~~ومشهدا، وإنما نحن نقطع الوقت بالكلام كما يجيء، وما «هوتر» عندي إلا كبعض الناس؛ بل ~~لولا أن جلالة الملك هو الذي وكله بي ليسايرني ويسامرني، لما ضمني وإياه ~~مكان تحت سماء هذا البنيان. قالت: حسنا يا «آرا»، وما زلت الخليلة الوفية، ولكن هل ~~ذكرني لك «هوتر» بأمر حلو أو مر خير أو شر؟ قالت: لا يا مولاتي. قالت ~~وتنهدت: إذن فهو لا يلقي لوجودي بالا، إلا وهو مشغول بغرام ذي سر، لم أطلع ~~بعد عليه، فمن يا ترى تلك التي تزاحمني على حبيبي، ولا ترجو لأبي وقارا في ~~مكايدتي وتعذيبي؟ قالت: هوني عليك يا مولاتي، فورأس الملك ما قضي «هوتر» ~~إلا لك ولن يقترن إلا بك. # وعند ذلك لمحت «آرا» خادمتها الخصوصية مقبلة من بعد تخترق الجموع نحوها، ~~فاستغربت الأمر وأنكرته في نفسها ومشت إلى لقائها، فلما التقتا قالت لها ~~الخادمة همسا: إن الملف الذي أمرت يا مولاتي أن يؤخذ من الثوب الأبيض ليوضع ~~في صندوق المصوغات، لم أجده على الثوب فلعلك جعلته في مكان ثم نسيت فما ~~تذكرين؟ فأطرقت الفتاة برهة تذكر نفسها فلم تذكر من الأمر غير كونها أمضت ~~برهة في غرفة «رادريس» وأن الملف لا بد أن يكون قد سقط منها هنالك، عندما كانت ~~تخلص ذيل ثوبها من يدي التمساح، وما زالت هذه الفكرة تؤثر في الفتاة ويشتد ms088 ~~تأثيرها، فتتمثل لها العواقب سيئة وخيمة، والفضيحة هائلة جسيمة، حتى زاد بها ~~الاضطراب، وتزلزل مجموع الأعصاب فسقطت بين ذراعي الخادمة مغشيا عليها. # فلما رأى الحضور ما حل ب «آرا» تكأكئوا جموعا يسألون عن أمرها ويستفهمون ~~بصحتها، وانتدب الأطباء من بينهم لتنبيهها ثم نقلت إلى بعض الغرف لتأخذ راحتها، ~~وكان في بعض الزوايا هنالك أربعة شبان من أبناء الكبار، وكانوا من الأحرار، فحين ~~نظروا ما أصاب الفتاة لم تثر لهم عاطفة، ولم ينبعث عنان؛ بل استمروا يتهامسون. ~~فقال أحدهم: إن للأمر لدخيلة. فلقد كنا نراها قبل حضور الخادمة في أتم صحة. قال آخر: ~~وما أدرانا أن تكون قد سمعت شيئا أكدرها. فقطع الثالث عليه قائلا: وما عسى يكدرها ~~إلى هذا الحد من الأشياء؟ اللهم إلا أن تكون قد علمت بخيبة المسعى في بعض ~~أعمالها الشيطانية. قال الرابع: إن كان هذا أو ذاك فليس في الأمر ما يشغلنا عما نحن ~~فيه من تدبير نزهة للبحر في سحر هذه الليلة. # والآن فأخبروني كم يكفينا من النبيذ، وأي أنواع الفاكهة تختارون؟ وهل لكم في الصيد ~~حتى أوعز إلى تابعي بتهيئة ذلك كله وجعله في الزورق وانتظارنا به على المرسى الذي ~~بالقرب من القصر؟ قالوا: عشر زجاجات، وشيء من العنب، واثنتان من أمهر راقصات المدينة ~~تختارهما أنت ومغنيك الخصوصي، الذي ملأت سمعته الآفاق. قال: ذلك إليكم، وإني ~~ذاهب إلى حيث الخادم لألقي عليه أوامري بالاستعداد. # حتى إذا كان نصف الليل برح الملك المجلس فصعد إلى الطبقة العليا من القصر لينام، وكان ~~المدعوون قد أخذوا قسطهم من أنس تلك الليلة الشائقة، ولم يبق غير الانصراف، ~~فكنت تراهم ينهالون على الأبواب زمرا بين فرادى وثنى وكلهم ألسنة تلهج بالثناء ~~على مكارم الملك، والدعاء لذاته المقدسة بدوام العز والبقاء. # أما «آرا» فقد كانت أفاقت تماما، فلما رأت المجلس ينفض، تأخرت في جماعة من ~~الكهنة حتى انصرف الناس جميعا، فخرج الكهنة وبينهم بنت كبير الحرس وما زالوا يمدون ~~لأقدامهم الخطو مسرعين، إلى أن وصلوا المعبد الأكبر. وهنالك قصدت توا ms089 إلى مبيت وكيل ~~المعبد، وكان نائما فنبهته فانتبه فقصت عليه الخبر، وما كان من أمر الملف ~~ووقوعه في قبضة «رادريس»، فلما سمع الكاهن ذلك منها تغبر وجهه بادئ بدء، وظهرت ~~عليه آثار الارتباك، وأطرق قليلا يفكر ويدبر ، غير أنه لم يلبث أن أقبل على ~~الفتاة، فبالغ لها في الملاطفة وتسكين الجأش ثم أشار لها أن تجلس فجلست، وانثنى هو ~~فأوصد الباب. # ثم عاد فلبس لباسا خاصا وأوقد نوعا من البخور معلوما له، وجاء بعد ذلك وسط ~~الغرفة فتربع جالسا، ولبث كذلك نحو ساعتين من الزمان صامتا ثابتا، لا يتحرك منه ~~إلا شفتاه وعيناه، وأحيانا يداه. كل ذلك و«آرا» ذاهبة الصبر تنظر منتظرة، وتتأمل ~~مؤملة حتى نطق الكاهن، فقال: ها هو قد انتبه من نفسه على غناء وطرب الناس في ~~زورق يتنزهون في النيل، ها هو قد صار في قبضتي وطوع إرادتي، ها هو يحاول المكث ~~في السرير فلا يستطيع، ها هو يجهد أشد الجهد من تسلطي على أعصابه، ها هو ~~يمزق ثوبه، ها هو ينزع الملف من صدره، ها هو يفتح النافذة، ها هو قد مد يده ~~بالملف، ها قد ألقاه في النيل. # الفصل الثالث # | الأحرار في طيبة # كان بطرف من شارع الصناعة مخزن صغير يبيع الأسلحة، وكان يتردد على هذا المخزن ~~ويطيل الجلوس فيه كثيرون من الفتيان، معارف التاجر الذي كان فتى شابا كذلك، وكان ~~في جملة ألاف المخزن وزواره العديدين «بيسمتوس» ثاني أنجال الملك، وشقيق «آشيم» ~~الوحيد، غير أنه كان يغشاه متنكرا كما هي عادة الملوك والأمراء، في كل أين ~~وآن. # فبينما الأمير ذات يوم جالس في زاوية مستترة من المخزن، وحوله أربعة فتيان من ~~معارفه، وهم يتذاكرون الحوادث والأحوال، دخل شاب هندي فسأل التاجر قائلا: أرني ما ~~عندك من صنف الخناجر وابدأ بأصغر ما تبيع منها. قال: إن كان لك في الخناجر الصغيرة، ~~فإن عندي منها ما تستسهل حمله وتأخذه لأول وهلة، ثم أتاه بخنجر في قبضته سلسلة، ~~في طرفها سوار. وقال: هذا الخنجر ذو السلسلة، وهو ms090 آخر اختراع، بل أنت له أول مبتاع. ~~والذي يذكر من مزايا هذا الخنجر، التي لا تحصر، أنه يريح حامليه كثيرا ~~والمسافرين من بينهم أكثر. # قال: كفى، فقد أعجبني، وأنا مشتريه، ثم التفت حوله فرأى جماعة في زاوية من المخزن، ~~وهم شاخصون إليه، وكأنما أرابهم أمره، فلم يجد بدا من اتقاء ظنونهم. فقال ~~للتاجر: وما عندك أيضا مما يليق أن يحمله الغريب، هدية لأهله وإخوانه. قال: ~~عندي السلاح قديمه وحديثه، وجيده وغثيثه، فانظر وتخير. فجعل الهندي يتأمل ~~ويختار، حتى أخذ شيئا فأعطى التاجر أضعاف القيمة، من الأحجار الكريمة، ثم حياه ~~وانطلق. فقال عندئذ أحد أصحاب الأمير: من عسى يكون هذا الهندي يا ترى؟ فقال التاجر: ~~علمي كعلمك في أمره. ولكن القيمة التي بذلها لي تدل على أنه رجل غني واسع ~~الثروة. قال الأمير: لعله أحد الوفد الذين قدموا اليوم برسالة خصوصية من الملك «دهنش» ~~إلى أبي. قال الصاحب: وهل في المدينة وفد هندي الآن يا مولاي؟ قال: نعم، وأنا في عداد ~~المدعوين لحفلة مقابلة الملك لهم. قال: ومتى تجري هذه الحفلة يا مولاي؟ قال: اليوم ~~قبيل الغروب. # قال: وما بال الأمير «آشيم» لا يصل مع أن الذي نعلمه أن الأمير برح منفيس أول أمس ~~والمسافة بينها وبين العاصمة لا تحتاج إلى أطول من هذه المدة؟ قال: إن أخي يريد ~~ليجعل يوم قدومه موافقا ليوم صدور حكمنا في قضية «رادريس». فإن كان الحكم ~~الإدانة اغتنم الفرصة ليستوهب الملك العفو عنه، لمناسبة تشريف عذراء الهند لعاصمة ~~البلاد، وإن كان البراءة كان ذلك زيادة في رونق اليوم وبهائه. قال: نعم الرأي، ~~وإنها لأريحية جدير بها مولانا الأمير «آشيم»، وهل حقيقي يا مولاي أن جلالة الملك عهد ~~إلى سعادتك رئاسة المجلس الأعلى، الذي ينظر في هذه القضية؟ # قال: نعم. قال: إن «رادريس» إذن لسعيد. قال: إلى هذا الحد فلتقف أسئلتك يا ~~«منحب»، فورأس أبي لن يكون «رادريس» بين يدي على علو مكانته إلا كبعض الناس، حتى ~~تنطلق قوانين «رمسيس»، فإن قالت بإدانته عوقب لا محالة، ms091 وإن فاهت ببراءته برئ. ثم ~~لقي من مساعداتي ومساعفاتي ما ينسيه ما كان من سجن وهوان. قال: وهذه أيضا أريحية ~~أنت بها يا مولاي خليق. ثم أمسك الصاحب عن هذا الموضوع وطرق غيره فقال: ماذا تم يا ~~مولاي في مشروع إنشاء المدارس الحرة؟ قال: صدق الملك عليه في هذا الصباح، وصدرت ~~بذلك الأوامر العالية لأولي الأمر في طيبة ومنفيس. قال: بشرت بكل ما تحب يا مولاي. ~~ففي هذا اليوم لا ريب تقوض نفوذ الكهنة وانتزع منهم السلاح الرهيب، ولكن كيف خاطر ~~الملك إلى هذا الحد؟ وعلى من اعتمد في هذه العظيمة؟ قال: تدرع بأخي «آشيم» ~~ليتقي سهام الكهنة. فما زال يهددهم بالاعتزال والتنازل لولي العهد في الحال حتى ~~أذعنوا راضين بأخف الضررين. قال: إذن فإن لنا أن نرجو أن سيكون لمشروع إنشاء ~~المكتبات العمومية هذا الحظ عينه. قال: هذا عزم الملك أيضا يا «منحب»، ولكنه يرجئ ~~الفصل فيه وفي غيره من مقترحات أخي إلى ما بعد قدوم الأمير، والفراغ من حفلات قرانه، ~~والآن أترككم وأذهب لأرتدي ملابسي الرسمية وأستعد، ثم إن الأمير ودع أصحابه وانطلق ~~ذاهبا. # وفي هذه الأثناء دخل شرطي فطلب من التاجر بيانا عما ابتاع ذاك الهندي الغريب من ~~مخزنه، واستقصه جميع ما دار بينهما من الكلام، فأعاده عليه، فانصرف مكتفيا بما علم ~~من الخبر. # وخرج الأحرار بعد ذلك فمضى ثلاثة منهم لحالهم، وخطر للرابع أمر مهم، يجب أن ~~يعمله الأمير قبل ذهابه إلى الحفلة، فركب جواده وسار خببا يؤم قصر النجل ~~الثاني حتى وصله، وكان الوقت الأصيل فترجل ودخل فجلس ينتظر فراغ الأمير من لبس ملابسه ~~التشريفية، ولم تكن هنيهة حتى أقبل النجل الثاني يختال في حلة عزه وفخاره، ~~فبدر الفتى إليه وقال همسا: لا يبعد أن يجري الملك ذكر والدي بحضورك يا مولاي، وأن ~~ينكر عليه استعفاءه من العضوية في مجلس الحكومة الأعلى، فأنا أشتهي على مكارمك أن ~~تبذل المجهود لتحمل جلالته على قبول هذا الاستعفاء الذي كنت أنا الباعث عليه ~~بلطف احتيالي وكثرة إلحاحي وسؤالي. ms092 قال: وهل تحققت بعد تمكن الكهنة من إرادته؟ ~~قال: كل التحقق يا مولاي، بل هو كأحدهم في جميع أحواله، ولولا ما تفرض النواميس ~~من بره، ووجوب كرامته وستره، لأطلعتك على العجيب الغريب من أمره، ولكني أسألك يا ~~مولاي أن تكتفي بهذا. قال: إذن فثق أن استقالته مقبولة، وأننا غنمنا ~~كرسيا جديدا في مجلس الحكومة الأعلى، فقبل الفتى يده وانصرف، وركب الأمير على ~~الفور فسار إلى دعوة أبيه. # الفصل الرابع # | الوفد الهندي في قصر الملك # برح الوفد الهندي دار الضيافة الرمسيسية، قاصدا قصر الملك يسعى على الأقدام، وكان ~~مؤلفا من نحو عشرين مندوبا، ليس منهم إلا أمير أو وزير، وهم يسوقون بين أيديهم ~~هدايا الملك «دهنش» إلى «رمسيس»، من نمورة وجلود وطيور نادرة الوجود، وذهب كثير ~~بين سبائك ونقود، وأحجار كريمة، فوق كل قيمة، وغير ذلك من ثمين أشياء الهند ~~القديمة. # وكان القوم يسيرون خافضي الرأس وأيمانهم على صدورهم وأشملهم مرسلة نحو ~~الأرض، علامة على التناهي في إجلال مزورهم العالي ومقصودهم الفخيم، حتى بلغوا ~~القصر، وهنالك استقبلهم الحجاب وأجلسوهم في محل الانتظار، ثم استصدروا الإذن الكريم ~~بدخولهم، فدخلوا على الملك، وكانت الحفلة قد تم تمامها، وتكامل بعظماء الدولة ~~نظامها، فتقدم حامل الرسالة من بين القوم فسجد طويلا لدى قوائم العرش، ثم قام فرفع ~~الرسالة إلى «رمسيس» فأخذها الملك ودفع بها إلى كبير تراجمة القصر ليقرأ فقرأ: # من «دهنش» ملك ملوك الهندين، إلى ملك ملوك القارتين، ورب العرش والتاجين، ~~المهيب الجيوش والأساطيل، مولانا «رمسيس الثاني سيزوستريس» صاحب النيل: أما ~~بعد؛ فقد سلف من جليل إحسان الملك إلينا، وسبق من جزيل منته علينا، ما ~~يجرئنا على الالتجاء في حمى قوائم عرش عظمته وشوكته، مستجيرين به من ~~الدهر الغادر؛ حيث فجعنا في جارية الملك كريمتنا عذراء الهند، فساق لها يدا ~~عادية اختطفتها من خدر عزها وصيانها، فإن تفضل جلالة الملك ومد لنا يد ~~المساعدة العلية في سبيل إيجادها، كانت جارية مملوكة يهبها لجلالته ~~والدها المخلص الداعي. # التوقيع # دهنش # فلما فرغ الترجمان من التلاوة كانت ms093 من الملك ابتسامة، ثم أومأ إلى الوفد أن يبرحوا ~~الحضرة، فرجع بهم الحجاب من حيث جاءوا، والتفت «رمسيس» عندئذ إلى أصحابه. فقال: ~~أتدرون ما يريد الخبيث «دهنش» بتمليكي عذراء الهند؟ قالوا: العلم لمولانا الملك. قال: ~~يريد أن يفرق بيني وبين ابني بهذه الدسيسة التي كم له قبلها دسائس في علائقه معنا، ~~وإنها لمن أعجب ما خلق دهاء الهنود للآن، ولكن دسائسهم قد كشفت من طول ما ألفت، ~~وعرفت من كثرة ما وصفت حتى أمسى دهاؤهم المشهور، ولا انتفاع بسيفه المشهور. وهكذا ~~الأمم إذا صغرت عندها الأخلاق، صغرت العقول، وصغر ما تفعل وما تقول. # والآن فليذهب واحد من هؤلاء الحجاب فيدعو الهنود إلى حضور ليلة قران «آشيم». قال ~~الملأ بدهشة: وهل تعينت الليلة بعد يا مولاي؟ قال: نعم، وهي الليلة التالية ليوم ~~فصل المجلس الأعلى في مشكل جواز الخطبة أو عدمه، وأنت يا كاتم الأسرار اذهب فاكتب إلى ~~ناس هذا المجلس، بالاجتماع يوم الخميس المقبل؛ أي بعد ثلاثة أيام للنظر في مسألة ~~الخطبة وإنهائها في ذلك اليوم نفسه. قال: سمعا وطاعة يا مولاي، ولكن ما أوامر جلالتكم ~~بشأن استعفاء العضو الموقر «رمايس»؟ قال: ليقبل وليعين مكانه صاحبنا «بنتؤر»؛ ~~فقام عندئذ كبير الحرس فقال: ولكن جلالتكم عقدتم العزم على إرسال الأستاذ «بنتؤر» ~~إلى بلاد اليونان مندوبا ساميا من قبل المملكة المحروسة في مؤتمر الفلسفة والآداب. ~~قال: قد أنسيت ذكر هذه النية يا «ندور»، ولكني أمرت فليمض الآن أمري، ومتى ~~قدم «بنتؤر» في ركاب الأمير، عهدنا إليه باختيار من يعهد به الكفاءة لهذه ~~المهمة الجليلة، من بين تلامذته الكثيرين. فأخرس هذا الجواب كبير الحرس، وكان ~~«هوتر» حاضرا فوصل حبل الحديث قائلا: بقي الآن كرسي خال في مجلس الحكومة الأعلى ~~يا مولاي. قال: وأي كرسي؟ قال: كرسي القائد «رادريس». قال: وهل صدر الحكم في ~~قضيته بعد؟ قال: لا، بل يصدر غدا يا مولاي. قال: وإن غدا لناظره قريب، فما ~~علينا إذا أرجأنا النطق بهذا العزل المهين، حتى تنطق به القوانين؟ فخرس ~~«هوتر» لهذا الجواب ms094 كما خرس صاحبه كبير الحرس من قبل. # ثم إن الملك أشار للملأ أن ينفضوا من حوله فتفرقوا وهم قسمان قسم نكد ذليل، ~~تتمثل له الخيبة بكل سبيل، وهم أعوان الكهنة، وآخر فرح بما لديه فخور، يستقبل ~~الآمال ويستبشر لمساعفة الأمور، وهؤلاء هم الأحرار الذين لم يعد ينقصهم إلا كرسيان ~~لتكون الأغلبية في مجلس الحكومة لحزبهم الظافر المنصور؛ بل هم قد رأوا وسمعوا في ذلك ~~اليوم المشهور ما صير هناءهم عند غاياته، وجعل سرورهم فوق كل سرور، رأوا ملكا لا ~~يستصعب الصعب، ولا يحذر المحذور، وكان بالأمس قطبا لرحى أغراض الكهنة عليه تدور، ~~وسمعوا ولكن وحيا، ومن وراء ألف حجاب أن هذا الملك الشيخ الجسور، ما أتى الذي ~~أتاه إلا وهو قد صمم على النزول عن عرش النيل واعتزال الأمور، فكان حساب الأحرار بل ~~يقينهم، أن «رمسيس» سيغتنم فرصة قران ولي العهد، ليتنازل له عن الملك فيصبحون ~~والأمر أمرهم ولهم وحدهم سياسة الجمهور. # الفصل الخامس # | محاكمة «رادريس» # لما أصبح صبح اليوم المضروب لمحاكمة «رادريس»، عقدت محكمة طيبة الكبرى جلسة ~~مخصوصة، للنظر في تهمة الاشتراك في اختطاف عذراء الهند الموجهة ضد «رادريس» والحكم ~~فيها. # وكان المطالب بحقوق الهيئة ضد المتهم في تلك الجلسة، القائد «ندور» كبير حرس ~~الملك، والمدافع عن «رادريس»، أحد مشاهير الكتاب في طيبة، وكان من كبار تلامذة ~~«بنتؤر». # أما المحكمة فكانت متشكلة من ثلاثين قاضيا نصفهم كهنة، والنصف الآخر قواد من ~~الدرجة الأولى، درجة «رادريس»، وكانت مشمولة برئاسة النجل الثاني للملك بصفة استثنائية ~~إكراما للمتهم ومبالغة من مولاه الملك في قيمته. # وكان الجميع لابسين ثياب القضاء، النظيفة البيضاء، وقد حمل الرئيس في عنقه سلسلة ~~الحق الذهبية، بها صورة المعبودة «ساتا»، متخذة من الأحجار الكريمة، وعلى رأسها ~~شبه ريشة مجعولة رمزا على الحق، وهذه الصورة كان الرؤساء يديرونها، فيوجه صاحب ~~الحق بدون أن يتكلموا، ثم يسلم إليه الحكم مكتوبا لينفذه على الخصم، حتى إذا ~~أخذت الجلسة نظامها على ما وصفنا من تمام الأبهة، وكمال الوقار، شرع الرئيس ~~يتلقى شهادات الإثبات ms095 فالنفي شفاهية وبالكتابة إلى أن أتى عليها جمعاء. # ثم إنه عرضها على نائب الملك ووكيل المتهم، ليطلعا عليها، فأخذ كل واحد منهما ~~يزيف شهود الآخر، ويبطل شهادتهم شفاها وبالكتابة، وبعد ذلك عرضت عليهما ~~القوانين ليستعينا بها ، فعمل كل منهما نتيجته وعرضها على صاحبه ليطلع عليها، ~~ويبدي ملاحظاته الأخيرة بشأن ما جاء فيها، ثم وقع على الأوراق ووقع الشهود معهم، ~~ورفعاها بعد ذلك إلى هيئة المحكمة لتصدر حكمها في القضية، فلبثت المحكمة ~~في المداولة نحو ساعة من الزمان، حتى إذا درست القضية حق دراستها، ولم يبق غير ~~الحكم زحزح الرئيس كرسيه قليلا، ثم قبض على صورة الحق المعلقة في عنقه، ~~والتفت نحو نائب الملك فأيقن الحاضرون عندئذ بأنه صاحب الحق، وأن التهمة قد ~~ثبتت على «رادريس»، ولكنه ما هم أن يصوب الصورة إلى «ندور»، حتى سمع من جوف ~~القاعة صوت كادت تنكفئ له سماء البنيان على أرضه، وهو يصيح لا تصوب الصورة أيها ~~الرئيس، وخذ هذا الملف فانظره، فإن فيه وحده الحقيقة كل الحقيقة، فتفرغ لذلك ~~القضاة والتفت الناس وطالت أعناق وقصرت أعناق، وابيضت وجوه واسودت وجوه، ~~ثم لم يدر الرئيس إلا بشيء قد سقط بين يديه، مقذوفا به من جهة الصوت، ~~فالتقفه، وإذا هو ملف كما أخبر الصوت ومعه ورقة موقع عليها من أربعة من ~~أبناء الكبراء، وهذه الورقة مكتوب فيها: # بينما كنا نحن أصحاب التواقيع نتنزه في النيل، في سحر ليلة كذا صادف ~~مرورنا سقوط هذا الملف من بعض نوافذ الجهة المطلة على النيل، من ~~معسكر الحرس فتلقفه الزورق، فنحن نقدمه لهيئة المحكمة خدمة للحق ~~ونتكل على عدالة أحكامها، في جميع الأسرار التي يهدي هذا الملف ~~لمواضعها، من قضية البطل الشريف «رادريس». # التواقيع # فلما قرأ الأمير الرئيس ما في الورقة، وكان يعرف تلك الأسماء ويعهد في أصحابها ~~الصدق والنزاهة، ابتدر فض الملف وكان يشتمل على نحو خمس عشرة ورقة، ~~فقرأها ثم أعاد قراءتها، حتى إذا لم يبق عنده أدنى شك في صحتها وصدورها ~~من أصحابها الموقعين عليها، وقف والبشر ms096 ملء جبينه، وجلال الحق يحف به، من ~~كل الجهات فقال: نحن النجل الثاني بصفتنا رئيسا لهذه الجلسة المخصوصة المنعقدة بأمر ~~جلالة مولانا ووالدنا الملك، بناء على ما وفقنا للوقوف عليه من الأسرار في هذا ~~الملف، الذي لا ينبغي أن يسبق الجمهور جلالة الملك إلى العلم بمشتملاته. # واتباعا لنصوص قوانين جلالة الملك، المؤسسة على الحكمة والعدالة حكمنا ... # أولا: # بإلغاء التحقيق السابق برمته. # ثانيا: # بتبرئة ساحة البطل الموقر قرين صبا الملك، وعفريت الحبشة، ~~ومدوخ أفريقيا، القائد «رادريس» الحارس الأول لسعادة الأمير «آشيم» ~~ولي عهد جلالة الملك، مع تفويض الرأي في التعويضات المستحقة للقائد ~~المشار إليه إلى عدالة ومكارم حكومة الملك. # ثالثا: # بإلقاء القبض فورا على أصحاب الأسماء والألقاب الآتية، وهم القائد ~~«منما» رئيس الفرق الاستعمارية بمنفيس والضباط «كعكا» و«شرم» ~~و«مشناك» التابعون للفرق المذكورة، والكهنة «بربايس» و«مشنا» ~~و«سيساين» التابعون لمعبد منفيس الأكبر، والأميرة «آثرت» كريمة جلالة ~~الملك، والقائد «ندور» كبير الحرس وكريمته السيدة «آرا»، و«هوتر» مدير ~~الخزينة الخاصة والقاضيان «برام» و«أتيون» الجالسان في هذه الجلسة، ~~والأمير «مكارس» ابن أخي جلالة الملك ورئيس مجلس الحكومة الأعلى، ~~و«نيناي» من أعضاء المجلس المذكور، والكهنة «فيرموس» و«كركة» و«خرايم» ~~التابعون لمعبد طيبة الأكبر. # ثم إن الأمير أعلن انفضاض الجلسة فانفضت بين تصفيق من الشعب، وتهليل وهتاف ~~متعال طويل أن ليحي الملك، ليحي الأمير، لتحي العدالة، ليحي ~~«رادريس»، ونزل النجل الثاني عن كرسي الرئاسة، فتقدم نحو «رادريس» فعانقه طويلا، ثم ~~خاطبه بصوت عال فقال الشعب: أيها القائد العزيز، بين منفذ ما ارتجل في تهنئتك ومنفذ ما ~~كان ذخرا لتبرئتك، وطيبة لسان واحد حوالي هذه الجدران يهتف أن الحمد لله خير ~~الحاكمين. # على أن شرف العظماء والعظم منك أيها القائد العزيز بمكان، كورد الحدائق إن نزعت منه ~~ورقة انحل وانتثر وانتقض جميعه على الأثر، وهذه الورقة قد تنزعها يد العدالة، فإن ~~كان ذلك عن خطل منها أو جهالة قيل: «ضلالة قضاء» وإن كان عن طغيان من السلطة ودوس ~~للقانون قيل: «قضاء بغي وضلالة»، فالحمد لله ثانية على أن حاط هذه ms097 الوردة الزاهية ~~الزاهرة، بعين عنايته الساهرة، بما تولى القضاء في أمرك والله خير الحاكمين. # وإني لا أجد مثلا لموقف الاتهام المهين، الذي كنت فيه، وكانت الريب عن الشمال، ~~والحق الأبلج عن اليمين، إلا ساحة القتال؛ إذ تجمع بين الجبان الغادر القاتل، وبين ~~الشجاع البطل الشريف المقاتل، فلا تنفع الأول كمالات محاذيه، كما لا تضر الثاني ~~صفات قرينه في الصف وأخيه، حتى يعجل الله الحكم أو يؤجل، والله خير ~~الحاكمين. # ثم الحمد له - سبحانه - أبد الآبدين، على أن أثابك عن ذلك الموقف خير ما يثيب ~~العبد الصادق الأمين؛ حيث أبى إلا أن ينجلي بهذه التهمة، داجي تلك الغمة، عن ~~سماء كرامة الأمة، فتبين الأمين من الخائن، وعرف الصادق من المائن، وهي خدمة ~~للوطن العزيز يقل لها دم الحياة ثمنا، فكيف تستكثر لها وقفة بين يدي القضاء؟ لا ~~سيما من بطل مثلك، كم له قبل هذه من يد عند الوطن بيضاء. # ولم يكد الأمير يستتم حتى سمعت ضجة أعظم ضجة تلاها ترديد أبواق، وصوت مزامير ~~يملأ الآفاق، فسأل الأمير قائلا: ما هذه القيامة؟ فقيل له: إنه موكب ولي العهد يسير في ~~البلد، وقد شارف دار المحكمة، وفي هذه الأثناء دخل أحد حراس «آشيم» فحيا «رادريس»، ثم ~~ناوله سيفا من أفخر سيوف الأمير، وخاطبه قائلا: بأمر سعادة ولي العهد أدعوك أيها ~~القائد الموقر لتخرج فتأخذ محلك في الموكب؛ حيث مركبتك الخصوصية مستعدة لتشرق ~~بك في هذا اليوم السعيد، فتقلد «رادريس» السيف، وبرح دار المحكمة محمولا على الأكف ~~من تحمس الناس في حبه، وبرحها الأمير على أثره، فسبق موكب أخيه إلى قصر ~~الملك. # وهنالك عرض الملف على أبيه، وأخبره بتفصيل الحال جملة، فكان من وراء بلاغه هذا ~~دهش عظيم للملك، وقيامة استغراب وحيرة بين ناس القصر، وما هي إلا هنيهة حتى أقبل الموكب ~~عريضا طويلا فاخرا جليلا، فخف ملأ القصر لاستقبال الأمير على الأبواب، وانتقل ~~الملك إلى قاعة التشريفات الكبرى فوقف يحف به الأمراء والوزراء والقواد وكبار ~~الحاشية، وعندئذ أقبل «آشيم» خافض الرأس من ms098 الخشوع، له عند كل خطوة انحناء، وإلى يساره ~~عذراء الهند تفعل كما يفعل، فابتدر الملك لقاءه فقبله على جبينه، ثم لوى على ~~عذراء الهند فقبلها على رأسها ، وانثنى بهما بعد ذلك، فجلس وأجلسهما إلى ~~جانبيه. # ثم أجال الملك نظرا في الحاضرين. وقال: أين كبير الحرس؟ فتقدم «ندور» فغضب لرؤيته ~~وطرده من حضرته. قائلا: إني لم أدع كبير المجرمين يا خائن، بل دعوت «رادريس» ~~كبير حرسي من اليوم؛ فتقدم عندئذ «رادريس» فقبل سدة العرش، فبالغ له الملك ~~في المجاملة والإيناس، وأكثر من الاعتذار له عما مر من ضيمه وضيره، في السجن ~~وغيره، ثم التفت إلى «آشيم» وقال له: وحق عينيك لا يصحبني «رادريس» إلا يومين، ثم ~~يجمعكما هذا القصر إلى ما شاءت الآلهة؛ فأحدثت هذه الإشارة هرجا ومرجا بين ~~الحاضرين؛ إذ عدها أكثرهم شروعا في التنازل ووعدا مؤكدا لولي العهد بملك ~~البلاد. # وبينا هم كذلك دخل مأمور الضابطة في العاصمة وبيده أوراق ليعرضها على الملك، ومن ~~جملتها أوامر المحكمة بالقبض على القوم الذين لوثهم الملف، فاستصدر المأمور ~~نطق الملك بشأن خمسة من بينهم أمرهم إلى جلالته مباشرة، وهم الأمير ابن أخيه، ~~والأميرة كريمة جلالته، وكبير حرسه وكريمته، و«هوتر» مدير خزينته، فصدرت الأوامر ~~بنفي الأمير والأميرة إلى بلاد اليونان، وبأن تسوى المعاملة بين الثلاثة ~~الباقين، وبين سائر المتهمين، فلا يعلى في أمرهم على القوانين. # ثم التفت إلى كاتم أسراره فأمره بأن يعين اثنان من تلامذة «بنتؤر»، ينتخبهما ~~الأستاذ نفسه مكان القاضيين الساقطين من المحكمة المخصوصة لتلوثهما بالملف، ~~وأن تنعقد هذه المحكمة غدا للنظر في القضية الباغتة، والحكم فيها بالسرعة الممكنة، ~~وبعد ذلك طلب جلالته حامل مفاتيح القصر. وكانت تلك عادة له في صرف الزائرين فاستأذن ~~عندئذ الأجانب عن القصر من الحاضرين وخلا الملك إلى بنيه وخواصه، فلبث بينهم ~~طويل حين، إلى أن أقبل الليل فحل نظام هذا العقد الثمين. # الفصل السادس # | طيبات طيبة # لما كان الغد وقد اطمأنت الآفاق، بشمس النيل ذات الإشراق، قامت طيبة على قدم ~~وساق، شأن العواصم الكبيرة، عندما ms099 تحدث أمور خطيرة، فكانت عوالم الموظفين، ونوادي ~~المحترفين، وهياكل الدين، ومجالس الأعالي والمتوسطين، ولا حديث لها إلا حوادث الأمس ~~في القصر، ولا تساؤل إلا عن نبأ التنازل. هذا عدا المالكين الشوارع المحتلين ~~للميادين، والغادين في الطرق العمومية، الرائحين من أهل الفراغ من الخاصة، وناس البطالة ~~بين العامة، وكان أكثر انهيال هذه الجماهير على النقط القريبة من القصر، والمدانية ~~لدار المحكمة، وللبناء المنعقد فيه مجلس الحكومة الأعلى. # وكانت الضابطة قد بثت الشرطة فلم تخل منها نقطة، وقد قامت بجنب أعوان السلطة ~~شرطة أخرى متطوعة منتظمة خفية، أنشأها الأحرار لتسهر على حفظ نظام اليوم ~~وتحمي صفوه أن يكدره القوم. # فبينما المدينة على هذه الحال من تواصل الزحام، واستمرار انهيال الأقدام، خرج الأمير ~~وشقيقه ضحى على جوادين كريمين، وبينهما هودج الخطيبة السنية محمولا على ~~الأعناق، تحيط بهذا الثالوث الكريم كوكبة من نخبة رجال الحرس الرمسيسي، وهو يسير ~~قاصدا إلى المعبد بين إكبار الشعب وإجلاله، وبين ابتهاجه وابتهاله حتى وصله، وهنالك ~~استقر بالأميرة الهودج ممتنعة عن الدخول، ودخل الأميران على «آمون» حجرته فصليا ~~ثم قربا له القرابين، من كل غال ثمين، وانثنيا بعد ذلك خارجين فشيعا كما ~~استقبلا بمزيد الحفاوة والتوقير، فركبا وأعاد الموكب المسير يؤم معرض الصناعة ~~المستديم. # وكان إنشاء هذا المعرض في العاصمة باقتراح من الأمير؛ فلهذا كان كثير الاهتمام ~~بإصلاحه، والسعي في نجاحه وفلاحه، وتلك شيمة للنفس الكريمة، أنها تحب آثارها وتبالغ ~~لأعمالها في القيمة، فلما بلغه الموكب ترجل الأميران ونزلت الأميرة عن الهودج، ثم ~~دخلوا جميعا، وهنالك أخذ «آشيم» يذكر لخطيبته ويصف، ويشرح ويعرف، وهي ترى من حسن ~~الصناعة وجمالها، وتو آنس من معاني لطفها وجلالها، ما يبهر البصر، ويحير ~~الفكر، والأمير يقول لها: جملة القول يا عزيزتي عن تقدم الصناعة ومبلغها من الإتقان ~~في عهد أبي السعيد أنك إذا أخذت مثلا، عشرة من هذه الجعالي وتمعنت فيها، ~~تبادر إلى ذهنك أن الصانع لها جميعا واحد، مع كون الأمر بخلاف، والجعالي لم ~~تصنعها يد واحدة، بل أيد عشر، وإنما هو ms100 الإتقان في طباع كل صانع مصري، وتعلمين أن ~~الإتقان، أعظم أسباب العمران، وأكبر دواعي الحضارة والتمدن. # حتى إذا فرغت الأميرة من هذه الزيارة المفيدة، رفع إليها أحد الصناع أولي ~~الآثار، في تلك الدار، هدية؛ خاتما من ذهب ذا فص من العقيق الأبيض النقي، في حجم ~~العدسة منقوش عليه صورة بحر وأمواج بينها فتاة تعالج الغرق، وكانت هذه الصورة ~~آية في الإتقان، بل غاية ينتهي إليها في فن النقش الإمكان، فتقبلتها الأميرة ~~متظاهرة بالشكر والامتنان، إلا أنها تشاءمت في نفسها؛ إذ كانت كثيرا ما ~~ترى في منامها مناظر فظيعة من هذا القبيل تكون هي فيها محل الغرق. # ثم برح الجماعة، دار الصناعة، فساروا ميممين دار التحف الرمسيسية، وكانت تشتمل ~~على ثمين الأشياء وغاليها، مما أهدي إلى الملك في مدة حكمه الطويلة، فرأت عذراء ~~الهند في هذه الدار من العجائب والغرائب ما أنساها ذكر الخاتم، وما عليه وتلك الأحلام، ~~التي طالما بغضت إليها طيب المنام، حتى لقد بلغ منها البشر والإيناس، أنها ~~أخرجت يتيمة الصين التي كان «طوس» أهداها إليها يوم قدومها بالصفة الرسمية ~~لمنفيس، فناولتها «آشيم» قائلة: وأنا أيضا أودع هذه اليتيمة في هذه الدار، هدية ~~مني لمولانا الملك وتذكارا لزيارتي أنفس تذكار، فأخذها الأمير وتأملها، فإذا هو ~~بتلك الصورة عينها؛ صورة الشؤم المنطبعة على المرآة، فاغتاظ وتهيج ودفعت به ~~الحدة إلى أن ألقى سيدة الدرر في الأرض بقوة فذهبت ألف كسر. # ثم أخذ الأمير بيد خطيبته فخرجا والنجل الثاني يتبعهما، فركب الثلاثة وساروا في ~~مواكبهم قاصدين حقول الملك في الضواحي، وهي بساتين واسعة تجري فيها الأنهار وتتخللها ~~العيون، وقد أرصدها الملك لتربية سوائمه الخصوصية، واقتناء كثير من أجناس الحيوانات ~~الأهلية والغير الأهلية، فكانت دليلا محسوسا على شدة عناية الملك بتربية المواشي، ~~ومزيد اهتمامه بأمر صلاحها ونمائها، وهذا عن علم راسخ عنده بأن مصر واد لا حياة له ~~بدون النبات والحيوان. فلما وصل الركاب الشريف إلى هذه الحقول التي كانت من الآثار ~~الحرية بأن يسعى لها وتزار، دخل الأمراء الثلاثة فلبثوا ms101 فيها نحو ساعة بين ~~تنزه وتفرج وتمش وتريض، وقد أعجبت الأميرة بها كثيرا، وكان على بعض تلك ~~البساتين ذكر وأنثى من الظباء يافعان أبدعت الطبيعة شكلهما ، ووفتهما من الظرف ~~قسطهما، وكانا في معزل يتداعبان ويتلاعبان فقر لعين العاشقين هذا المنظر ~~الغرامي اللذيذ، وسأل «آشيم» عن زمن جلب ذينك الظبيين، فأجيب بأن الذكر ابن ~~المحل، بخلاف الأنثى فإنها لم يؤت بها إلا أمس، وبأنهما ائتلفا لأول وهلة، فلا ~~يمشيان إلا معا ولا يرعيان إلا من حشيشة واحدة. # ثم إن الأمير دعا إليه واحدا من البارعين في الصيد والقنص، وأمره بأن يطارد ~~بعض الوحش بين يدي الأميرة؛ زيادة في تسلية خاطرها العالي، فانبرى الرجل ~~يفعل إلا أن «آشيم» وعذراء الهند اشتغلا عنه بالحديث في أول الأمر، ثم تفرغا له ~~ينظران فتكدر صفوهما بغتة؛ إذ رأيا ذاك الفظ الغليظ يطارد الذكر والأنثى ~~المتقدم ذكرهما، فصاح به الأمير كف أيها الرجل، كف أيها الظالم، ولكن صدى ~~الزجر لم يصل إلى الغشوم إلا وهو قد رمى فأصاب الذكر وانذعرت الأنثى ~~لمصرع أليفها، فاستمرت تعدو طائشة نافرة حتى صدها نهر واسع شديد ~~التيار، فسقطت فيه مندفعة بقوة العدو وكانت أنفاسها قد انقطعت من شدة التعب ~~والنصب، فما بلغ الماء خيشومها حتى اختنقت للحين. # فأثر هذا المشهد المحزن في نفس الأميرة والأمير أشد التأثير، وضاعف عندهما ~~التشاؤم حتى اضطرا إلى الإسراع في العودة فرارا من هذه الخيالات المزعجة، فسار ~~الموكب آيبا إلى القصر تهفو له القلوب والأرواح، أينما مر وأينما لاح، إلى أن وصل ~~إلى القصر، وهنالك استقبل الأمراء الثلاثة بلائق الإكبار والإعظام، وكان الوجوه ~~والأعيان قد أخذوا يتوافدون آتين من أطراف المملكة وأقاصي البلاد، لحضور حفلة ~~القران حتى ازدحمت أبواب القصر بالناس، وغصت ساحاته ورحابه. # وما هو إلا أن فرغ الملك وأبناؤه وأصحابه من تناول طعام الغداء حتى بدأ الوزراء ~~والرؤساء يتواردون على القصر، منصرفين من مصالح الحكومة ودواوينها ليعرضوا حوادث اليوم ~~وأحواله على صاحب الحكومة، فأنهى وزير الخارجية فيما أنهى أن ملك الصين قتل، وأن ms102 ~~هذه الدولة آلت إلى شعوب الشمال المتبربرة، فلم يعد يرجى أن تقوم لها قائمة ~~بعد، وأخبر مأمور الأقاليم أن الشقي «طوس»، وابنه «هاموس»، وجدا مصعوقين ~~ميتين على بعض البيد المتاخمة لبيداء الذئاب، وأن قد وجدت على «طوس» ~~وصيته ثم تلا هذه الوصية على مسامع الملك وهي: # إذا زالت يتيمة الصين، زالت هذه الدولة للحين، وآلت إلى متوحشة ~~الشماليين، وإذا بلغ من «رمسيس» الوهن، وابيضت عيناه من الحزن، ومات في ~~أرذل السن، غما بابنه خير ابن، فسد أمر هذه الأمة، فلا تزال تتغلب ~~عليها دول الزمان، وتتقلب الأديان، ويمحو اللسان عندها اللسان، حتى يعمل ~~عالمها ويقتصد فلاحها ويرجع صانعها لشيمته الإتقان. # وبعد؛ فإن صاحب هذه الوصية يتبرع بعد موته بكتبه من كل صنف ~~وعدتها ألف ألف، لجامعة الآداب والفلسفة في طيبة عاصمة المملكة المصرية، ~~وبأمواله الطائلة من مكسوبة وآيلة، للأمير «آشيم» ولي عهد جلالة الملك، ومن ~~بعده للأمير «بيسمتوس» ثاني أنجال جلالة الملك، ومن بعده لجلالة الملك نفسه؛ ~~أي «رمسيس الثاني سيزوستريس» ملك مصر العليا والسفلى الذي اخترته منفذا ~~لوصيتي هذه مسئولا عن إجرائها أمام ذمته وأمام الآلهة والناس. # التوقيع ~~«طوس الكاهن الأعظم» # للديار المصرية سابقا # فحين استوعب الملك وأصحابه فقرات هذه الوصية راحوا مبغوتين مبهوتين كأن بهم سحرا، ~~وكان أكثر ما اندهشوا للترتيب غير الطبيعي الذي جرى عليه «طوس» في الفقرة الأخيرة عند ~~ذكر المال، وفي الواقع فإن «طوس» لم يكن ليخرق البديهيات، لولا أن أحس شيئا مما كانت ~~روحه اللطيفة تتنوره في عالم الغيب والخيال. # ولم يلبث الملك أن خرج من دهشته، فأخذ الوصية ودفع بها إلى كاتم أسراره لينفذها ~~في الحال، ثم التفت إلى مأمور الأقاليم فأمره أن يعمل اللازم لتحنيط جثة الفقيد، ~~ونقلها بعد ذلك إلى العاصمة لتدفن بلائق الاحتفال في أضرحة الآباء ~~والأجداد. # ثم إنه صرف الحضور إلا خواصه الذين لبث معهم بقية النهار ومعظم الليل ~~مشتغلين بتدبير يوم المهرجان وليلته. # الفصل السابع # | ليلة القران # هي عيد الدهر، بل ليلة القدر، لا بل هي العمر، لمحبين ms103 كثر ما أساء إليهما ~~الأيام، وعاشقين روعهما البين، وضربتهما النوى بحسام، فلا عجب إذا ولدت ~~الطرب، وأنالت طيبة الأنس متين السبب، بأفراح فتاها الأبر ومجدها المنتظر ، ~~وعلائها المدخر، الأمير «آشيم». # فإنه لم يكن صبح اليوم التالي حتى أظهرت عاصمة النيل، عزها الباهر الأثيل، بما ~~لبست من حلل الزينة، وتردت من ثياب البهاء الثمينة، وأضفت على مناكبها من ~~مطارف الجلال والجمال. مما لا تحلم بمثله مدينة، فلا تسل عن تلك المشيدات الفخام، ~~كيف تجلت وتحلت بالأزاهير والأعلام، ولا عن عقد هاتيك الشوارع الجلائل الفخام، كيف ~~تولاه الذوق السليم فانجلى باهر السلك، باهر الزينة باهر النظام، ولا عن ذلك الشعب ~~العامل الحي، كيف نهض وقام واستقبل أسعد المواسم، في أكبر العواصم، بصنوف الحفاوة ~~والتجلة والإكرام. وبالجملة كانت طيبة معابدها وهياكلها، وحصونها ومعاقلها، ~~وقصورها ومنازلها، وسماؤها وأرضها، وطولها وعرضها، منظرا واحدا فردا بديعا هو ~~جلال الزمان، بل جمال الأيام. # فلما كان العصر خلص ميدان «رمسيس» من الزحام، وأخلي من الأقدام، فخرج إليه الملك ~~وولي العهد، وخطيبة العلاء والمجد، يحيط بهم سائر الأمراء، ويتبعهم الوزراء ~~والكبراء، حتى بلغوا سرة فضائه الوسيع، فوقفوا يحفهم الوقار الأكمل، وهنالك ~~استهلت الأبواق متجاوبة، وارتجلت المزامير متناوبة، وتعالى تهليل الجموع، وتواصل ~~هتافهم أن ليحي الملك، ليحي الأمير، لتحي الأميرة، ثم سرى السكوت وساد ~~السكون، وقام على الفور كاتم أسرار الملك فألقى على الجماهير، هذا الخطاب الرسمي، وهو: # أيها الشعب الموقر # بأمر جلالة الملك أتلو عليكم قرار مجلس الحكومة الأعلى بشأن خطبة الأميرة ~~عذراء الهند لسعادة ولي عهد المملكة المصرية. وهذا هو بنصه: # أبلغ إلى ~~مجلس الحكومة الأعلى ما توجهت إليه رغبة جلالة الملك من تزويج سعادة الأمير ~~«آشيم» ولي عهد المملكة المصرية بالأميرة عذراء الهند كريمة الملك «دهنش» ملك ~~الهند الشرقية، ودعي المجلس المشار إليه للنظر في أمر هذا الزواج، من حيث ~~كونه موافقا لتقاليد المملكة ونظاماتها، أولا فقرر المجلس بعد الاطلاع ~~على القوانين الأساسية لمملكة الرمسيسية، أن اقتران سعادة ولي العهد بالأميرة ~~المشار إليها جائز لا تحرمه القوانين، ms104 ولكنها تشترط معه أمورا ثلاثة؛ ~~أولها: قبول الملك والد العروس به، ثانيا: أن تذكر الأميرة في عقد ~~الزواج باسم مصري، ثالثا: أن تتعهد الأميرة في عقد الزواج أنها إذا ~~آل الملك إلى بعلها الموقر تطرح ديانة الآباء والأجداد، وتعانق ~~ديانة البلاد. # هذا أيها الرعية المخلصة ما قرره مجلس الحكومة الأعلى بنصه، وإنني ~~بأمر جلالة الملك كذلك، أعلن خاصكم والعام أن الشروط الثلاثة الواردة ~~في قرار المجلس، قد توفرت، وأن جلالة الملك يسره كثيرا أن يبشركم ~~أيها الرعية المخلصة بحصول القران المشار إليه، في هذه الليلة السعيدة، ~~وأن يدعوكم فردا فردا إلى مشاطرته الفرح بهذا القران الميمون، ~~المحفوف ببركات «آمون». # وما انتهى الخطيب حتى استرسلت الأمة في التصفيق، متوجة عمل الملك ذاك ~~بالتصديق، والتفت جلالته بعد ذلك فانثنى في نفر من خواصه عائدين إلى ~~القصر. أما العروسان فتحرك بهما الموكب السامي ليجولا في المدينة جولتهما الأولى، ~~فاجتاز بهما شارع سيتي، فشارع آتيس (اسم لأشهر وقائع الملك)، فميدان فتاح، فشارع ~~الصناعة، حتى بلغ المعبد الأكبر، وهناك استقبل العروسان بما يليق لمقامهما السامي من ~~مظاهر الإجلال والإكبار، ودخلا فصليا الصلاة الرسمية، ولم تمتنع عذراء الهند في ~~هذه المرة مبالغة منها في مجاملة الأمة، والتماسا لرضى المتمسكين في استرضاء ~~رجال الدين، ثم رسم لعودة الموكب طريق آخر، فمضى يخترق شارع المعبد فشارع ~~الدواوين، فميدان «آمون»، فباب الأربعين نصرة (انتصارات رمسيس)، فشارع الخيانة (لأن ~~فيه هم «أراميس» أخو الملك أن يفتك بأخيه)، فميدان «رمسيس»، فشارع «رمسيس»، حتى دخل ~~القصر بسلام. # وكان الوقت الغروب وهو الموعد المضروب لحضور ألوف المدعوين لتناول طعام الفرح على ~~الموائد الرمسيسية، فأخذت المركبات تتطارد، والخيل تتوارد، والجماهير تتوافد، بين ~~تحايا الطبول والأبواق، وتسليمات المزامير الذاهبة في الآفاق، وكان عند كل سلم من ~~سلالم القصر، وعلى كل باب من أبوابه الكثر، حجاب من الوجهاء الغر؛ لاستقبال ~~الضيفان وإزلافهم إلى رب المهرجان، حتى إذا انتظمت الحفلة، ولم يبق من لم يحضر ~~من أصحاب الليلة، نودي في الأقوام أن اتبعوا الملك إلى قاعات الطعام، ms105 فابتدر الملأ ~~دخول هاته القاعات، وكانت سبعا عريضات طويلات، في كل واحدة منها سبعة خوانات، على كل ~~خوان سبعة من ذوي المقامات، فجلس الكل يتناولون أثمن الطعام وأفخره، ويذوقون أعز ~~الشراب وأندره، والملك يذيقهم فوق مذاق الكاس، من لذيذ البشر والإيناس، حتى إذا ~~نفد حول البطون، قبل أن ينفد ما في الصحون، خف الملك إلى قاعة الاستقبال ~~الكبرى، فابتدرت الزمر دخولها خلفه، وهنالك كان للناس دهشا؛ إذ رأوا عرش ~~الجلوس في صدر القاعة محمولا على رفرف ذي درج، وهو كأنه الفرقد، في هالة من الأنوار ~~تتوقد، وإذ كان من شأن هذا العرش أن لا يظهر للكون إلا يوم يموت فرعون، ويقوم ~~فرعون، فقد حق للناس أن يتساءلوا في حفلة عروس هم أم تلقاء يوم جلوس. # ثم لم يكن ثلث الليل حتى نهض الملك دون العرش ودعا إليه العروسين فنهضا إلى جانبيه، ~~وكان الركن الذي قاموا فيه مطلا على النيل وبنافذتين ينظر منهما إليه، وبعد ذلك أشار ~~الملك لرئيس الديانة وأعوانه أن يتقدموا فمثلوا لديه، فخاطب الكاهن الأعظم للديار ~~قائلا: تفضل يا إمامنا العزيز واعقد لولدي على الأميرة عذراء الهند، ثم عقب وهو ~~يتبسم بأن قال: ومتى فرغت من عملك هذا أتيت أنا أيضا العمل الذي فيه ل «آشيم» ~~إتمام الأمل، فأحدثت هذه العبارة هرجا ومرجا في المحفل، ولم يبق لنفس ريبة في ~~كون العرش إنما نصب للحبيب والحبيبة. # وبينما القوم يتبادلون هذه التأملات، والكاهن الأعظم ينتظر سكوتهم ليشرع في ~~عمله، مرق من بعض النوافذ طائر صغير أسود، فارتفعت الأعين ترمقه، وهاج الملأ ~~وماج المكان، أما الطائر فبعد أن دار دورته قصد نحو العروسين فصفق يحوم عليهما ~~وينتف ريشه لديهما. وفي هذه اللحظة لم يدر الناس إلا بالأمير قد سقط ~~طعينا يتخبط بدمائه، ثم بظهور ثرثر من ورائه وقد صرخ قائلا: ليمت كلانا ~~بدائه، ثم طعن نفسه بالخنجر فسقط كذلك يتعثر بردائه، فتفزع الجمع لهذا المشهد ~~المذيب، وجنت عذراء الهند بإزائه، فقامت لدى النافذة تنتظر كلمة الأطباء، حتى إذا ~~أيقنت أن ms106 لا أمل ولا رجاء، وأن «آشيم» خرج من سلك الأحياء، لم تزد على أن ~~صرخت قائلة: يا للسماء لهذه الخالدة الشقاء، الأبدية الإقصاء! ثم ألقت ~~بنفسها من أعلى القصر إلى العريض الطويل من عالم الماء. ~~(تمت) ms107