######OpenITI# #META# URI: 1359AhmadShawqi.Ladiyas.Hindawi49242828 #META# Tags: novels #META# ID: 49242828 #META# Title: لادياس #META# AuthorID: 37094079 #META# Author: أحمد شوقي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الباب الأول: حوادث الرواية في بلاد اليونان‏ # نزهة على شاطئ البحر‏ # رجال الزورق‏ # لصوص الماء‏ # أين أصبحت لادياس؟‏ # الملك بوليقراط‏ # حياة ثم موت ثم بعث‏ # في طلب الأميرة‏ # ساكن الصخرة‏ # حماس في الصخرة‏ # كيف انتبهت لادياس‏ # بوليقراط والدهر‏ # قرية الوحش الهائل‏ # زفاف لادياس لبهرام‏ # الباب الثاني: الحوادث في مصر‏ # نظرة تاريخية‏ # الاستعداد في مصر لاستقبال حماس‏ # أين اللوح؟‏ # اتفاق غريب‏ # كلكاس في مصر‏ # توفر الشروط‏ # الباب الأول: حوادث الرواية في بلاد اليونان‏ # نزهة على شاطئ البحر‏ # رجال الزورق‏ # لصوص الماء‏ # أين أصبحت لادياس؟‏ # الملك بوليقراط‏ # حياة ثم موت ثم بعث‏ # في طلب الأميرة‏ # ساكن الصخرة‏ # حماس في الصخرة‏ # كيف انتبهت لادياس‏ # بوليقراط والدهر‏ # قرية الوحش الهائل‏ # زفاف لادياس لبهرام‏ # الباب الثاني: الحوادث في مصر‏ # نظرة تاريخية‏ # الاستعداد في مصر لاستقبال حماس‏ # أين اللوح؟‏ # اتفاق غريب‏ # كلكاس في مصر‏ # توفر الشروط‏ # | لادياس # | لادياس # تأليف # أحمد شوقي # الباب الأول # | حوادث الرواية في بلاد اليونان # | نزهة على شاطئ البحر # فلك الممالك أنت فيه ذكاء # يا ملكة في ظلها الأمراء # خلع الجمال عليك حلة عزه # وكستك ثوب جلالها النعماء # يا زينة اليونان أنت لأفقها # نجم وأنت لنجمها أضواء # حواء أمك أم كل مليحة # لكن مثلك لم تلد حواء # كانت «لادياس» بنت الملك «بوليقراط» صاحب «ساموس» إحدى ممالك اليونان في غابر الزمان، ~~تتمشى في طريق نزهتها على البحر تحت الأزين الأنضر، من ألفاف الشجر الأخضر، وعند رمل ~~أزهر، كأنه دينار واحد أصفر، والبحر فيما يلي، ينجلي ما ينجلي، وللريح نقر في صفحات ~~الماء، كنقر الغزال في الحصباء، وقد قابل الأصيل مرآتي البحر والفضاء، فسالتا بنضاره ~~الموهوم وسالت العوالم والأشياء. # وكانت لادياس فتنة الناس، بالبدر الطالع في الغصن المياس، لا من طينة البشر، ولا من ~~أديم الشمس والقمر، ولكن صورة آية في الصور، فوق مبلغ الخواطر ومنال الفكر، وكانت ~~لابسة حلة بيضاء، هي فيها حرير تحت حرير وضياء في ضياء، وعليها من عاطر الورق وبديع ~~الزهر، في الرأس وفوق النحر، ومكان المنطقة من الخصر، ما يتجمع ms01 منه باقة زاهرة، لادياس ~~فيها الزهرة النادرة، وقد اتحدت بهذه الحلة الباهرة، حتى تشابه المجموع وتشاكل الأمر، ~~فكأنما زهر ولا لادياس، وكأنما لادياس ولا زهر. # وكان يساير الأميرة في نزهتها القصيرة، أتراب لها كريمات عليها، وقرينات من أحب الناس ~~إليها، ربين معها في الصغر، ودمن على لزامها في الكبر، فكانت تحادثهن لاهية ~~ناعمة، وهي تقول: ماذا تقلن يا صاحبات لادياس في شروط القران؟ # فسألتها إحداهن بسرعة: قران من يا مولاتي؟ # فأجابت الأميرة مازحة: قراني لا قرانك يا فاجرة. ~~- وأي شروط يا مولاتي إلا أن يخطبك حبيبك، ويحبك خطيبك. ~~- صدقت، لكن هذا يجوز على بعض بنات الناس، ولا يجوز على بنت الملك، إني أراك تجهلين ~~الأمر، ولا تدرين ما يجري من الأحوال في القصر، فاعلمي أنه لا يكون من زواجي إلا ما ~~أرضى أنا ويأذن الملك وتصادق المملكة بعد ذلك عليه، فأنا أقترح أن يكون المتعرض لخطبتي، ~~الراغب في صحبتي، فتى بين العشرين إلى الثلاثين، فائق النظراء والأمثال في الشجاعة ~~والحكمة والجمال، والملك يشترط أن يكون صهره ملكا، سواء نال الملك بكده وجده، ~~أو توارثه عن أبيه بعد جده، والمملكة تريد أن يرفع بعلي لآلهة اليونان أربعين هيكلا ~~مشيدة البنيان، في البلاد التي له فيها الملك والسلطان. # فلعب هذا الجواب برأس الفتاة، وساء موقعا عند سائر البنات، فصحن جمعاء قائلات: ~~حقا، إن هذه لهي الثلاثة المستحيلات، فإن صح ما تقول الأميرة فلا هي متزوجة ولا نحن ~~متزوجات. # فقالت لادياس وقد أضحكها غضب أترابها: وهل تكرهن أن تأخذن من حالاتي بنصيب، فإن ~~تزوجت تزوجتن، وإلا عشتن أبكارا ما عشتن. # فسألتها فتاة: وكيف الطريقة يا مولاتي في معرفة من يفوق النظراء والأمثال، في الشجاعة ~~والحكمة والجمال، أترجعون في ذلك إلى امتحان، أم عندكم أن الشهرة تغني الإنسان؟ ~~- بل إلى الامتحان؛ حيث يكرم المرء أو يهان، فأما الشجاعة والحكمة فينظر الملك فيهما، ~~ويختار لي من يستوفيهما، وأما الجمال فيعرض على عيني وقلبي، فلا يختاران منه إلا ما ~~يصبي. # قالت: سبحان المنعم وجلت أيادي السماء ms02 ! فلو لم تكن مولاتي أسعد النساء وأنعم بنات ~~حواء، لما أتيح لها أن تتزوج من الرجال من تشاء، بل عندي أن جميع ما سبق من إحسان ~~السعادة إليك في كفة من ميزان، وهذه المنة بمفردها في الكفة ذات الرجحان، ولكن هل ~~اقتصرتم يا مولاتي على شبان أبناء الديار، أو بلغتم ذلك إلى غيرهم من بني الممالك ~~والأمصار؟ # قالت: بل إن الملك بعث منشورا بذلك إلى أمراء الجوار، وإلى فرعون وكسرى وصاحب الهند، ~~ملوك الوقت الثلاثة الكبار، وعما قريب تتوافد المراكب، حاملة الملوك والأمراء من ~~الأجانب، مقلة الشجعان متقاطرين من كل جانب، وحينئذ ينظر فيمن يليق، ولا يفوز بي إلا ~~الجدير الخليق. # قالت فتاة: إن جماعة القصر يا مولاتي يتساءلون عن نبأ عظيم، وأمر يقع الآن جسيم، إلا ~~أنهم يذهبون في التكتم على خط مستقيم، كأنما يتجاهلون أو كأن ليس منهم رجل ~~عليم. # قالت: وعم يتساءلون؟ ~~- عن أمر أولئك القوم، الذين يقبض عليهم في كل يوم، ويزجون في السجن؛ سجن القصر، حتى ~~كأن هناك عصيانا يتلافى الملك وقوعه، أو حزبا خفيا هو يحل نظامه ويفكك ~~مجموعه. # قالت: لا عصيان ولا حزب مع ملك حكيم عادل مثل أبي، ولكن ربما كان للملك في ذلك مراد، ~~لم يطلع عليه أحدا من العباد. ~~- حسبت يا مولاتي أن للأمر علاقة بالأمير ابن عمك. # فأجابتها لادياس مغضبة محتدة: لا تقولي الأمير، وقولي الشقي النذل الحقير، وماذا بقي ~~من أمر هذا الخائن الغدار، مما يشغل بال الملك من جهته أو يهمه إلى هذا المقدار، فهو قد ~~كفاني شره حتى لأنا أتمثله من مكاني هذا سوقة ضائعا في مدينة من مدن اليونان، يمد يد ~~السؤال إلى كل إنسان. # وما زال حديث الزواج يسرق البنات، خطواتهن والأوقات، حتى نبههن هجوم المساء، واشتمال ~~الوجود بحلته السوداء، حدادا على الشمس الغريقة في الماء، وعندئذ ارتجلت الأميرة حركة ~~إلى الوراء كالراغبة في الانثناء، فعارضتها الفتاة قائلة: إن وقت الرواح لم يجئ بعد يا ~~مولاتي ونحن قد صرنا من حدبة البحر؛ بحيث تراها ms03 أعيننا وهي الغابة العجيبة الشأن، التي ~~لم نرها إلى الآن، فماذا علينا لو مددنا لأرجلنا الخطى، فجئناها فتمتعنا منها بنظرة، ثم ~~نعطي الرجوع من السرعة ما تأخذ منا زيارتها من الوقت؟ # فصادفت هذه الدعوة أسرع ملب من طيش البنات، فما زلن بالأميرة يؤيدن عندها هذا ~~الاقتراح، ويذهبن كل مذهب من الإلحاح، حتى أذعنت فسار هذا الملأ الكريم من الملاح، وما ~~هي إلا ساعة مسير بحساب تلك الخطى الخفيفة، وهاتيك الأقدام الناعمة اللطيفة، حتى انفتحت ~~حدبة البحر للبنات، فدخلنها بسلام آمنات، وهي غابة كثيفة متسعة، محدبة كاسمها مرتفعة، ~~وليس فيها ما يبعث العجب، سوى شكلها المائل إلى الحدب، وكانت من أماكن الأمان ~~والاطمئنان، التي لا يخاف من وجودها على إنسان، فلبث الفتيات فيها برهة من الزمان، في ~~لهو ولعب واغتباط وامتنان، فلندعهن وما هن فيه الآن، ولنخض في شان غير هذا ~~الشان. # | رجال الزورق # كان في ساموس جانب من الجزيرة مهجور، بعيد عما حوله من المعمور، وكانت فيه كتلة من ~~الصخر هائلة، منحنية على البحر مائلة، وهذه الكتلة فيها غار، سحيق القرار، وكان الأهالي ~~يسيئون به الظنون، ويخلقون في أمره ما يخلقون، ففريق يزعم أنه مكامن الأشقياء، أشقياء ~~الماء، وفريق يحسبه مبيتا لسبع جهنمي من سباع السماء، وعلى كل حال فقد طال ما تهيبوه، ~~وحرمتهم الأوهام أن يقربوه. # ففي ذات يوم أقبل زورق فجرا من طراز زوارق الإمارة، أو هو واحد منها وعليه كما عليها ~~الشارة؛ فرسا هنالك متواريا في الحجارة، ثم صدرت منه بالبوق إشارة. # فأشرف إنسان من الغار ينظر، فخاطبه رجل من الزورق قائلا: خذ ثوبك يا بيروس فالبسه ~~كما لبسنا نحن ثيابنا، ثم إنه شد الثوب بحبل أرسل من الغار فرفعه بيروس إليه، ولم يكن ~~إلا كلمح البصر، حتى ترك بيته وانحدر بكل سرعة وحذر، كما تنزل القردة من أعالي الشجر، ~~فتلقاه أصحابه وفسحوا له فركب فجلس ثم حول الجميع المجاذيف إلى الطريق التي رسموا ~~للزورق أن يسير فيها؛ فاندفع بهم ينساب، في بحر راقد العباب، مأمون المركب ms04 على الركاب، ~~وكانوا سبعة رجالا، عراضا طوالا، بهما أبطالا كلهم قد غير شعاره، ولبس للحالة ~~حليتها المستعارة، حتى صار رئيسهم يقول هذا من زوارق الملك وهؤلاء من البحارة. # فلما جد بهم المضي مع الماء، واحتجب بهم الزورق إلا عن العين التي في السماء. قال ~~أحدهم: ألا تعلمون يا إخوان، ما يجري الآن، في مياه اليونان؟ # قالوا: بلى، فخبرنا أنت بالخبر، ولا تطل كعادتك، فليس ذا وقت الهذي والهذر، ولا مقام ~~الحكايات والسير التي تصيرها مملوءة بكثرة الأمثال والعبر. # قال: علمت يا إخوان، واللبيب يعلم، ومن لا يستفهم لا يفهم، أن بوليقراط ذاك الطاغية، ~~السياسي الداهية، يعمل الآن عملا يحتذي فيه مثال كثيرين من ملوك اليونان الغابرين، ~~الذين خالفوا الشرف والإباء، وحالفوا لصوص الماء، فاستراحوا وأراحوا الرعية من أذى ~~هؤلاء الأشقياء، وإنها وأيم الحق لمقدرة من بوليقراط القادر، وآية من آيات دهائه ~~النادر، بل ما بال سائر الملوك، لا يسلكون مثل هذا السلوك، فيحتالون ليتخذوا لصوص ~~البحر قوة، مأمولة النفع بعد الضر مرجوة. # قال البحارة: ما لنا يا كلكاس ولتواريخ الأولين والآخرين، وانتقاد أفعال الملوك ~~الحاضرين منهم والغابرين، ألم ندعك لتوجز وتبين؟ # قال: إذن، فخذوا الخبر، واسمعوا القول المختصر، إن بوليقراط يعمل الآن، عملا من ~~الحكمة بمكان، سوف يكون له شأن، ويبقى ذكره على ممر الأزمان. # قالوا: وماذا تراه يعمل؟ فهذا الذي نريد أن نعرفه ولا نريد أن نعرف غيره. # قال كلكاس وقد أغضبه مقاطعة أصحابه: إن كان ولا بد من الاختصار، المذهب لطلاوة ~~الأخبار، فإني أنقل إليكم الخبر على علاته، وأدع لعقولكم السخيفة على مفصلاته، سمعت من ~~صاحب أثق به، ولا شك في عقله وأدبه، أن مياه اليونان، يجري فيها أمور الآن، لا يعلم ~~بها إلا الملك وزعيم الأشقياء أورستان. # قال البحارة: أهذا كل الخبر يا كلكاس؟ ~~- نعم، وإنه لو تعلمون لعظيم، ولكني عهدتكم منذ صحبتكم تحتقرون الأمر الجليل، وتسخرون ~~من كل قال وقيل، وهذا لعمري منتهى السفه. ~~- وأية فلسفة تريد أيها المهووس أن نستنبط من روايتك التي لا تقبل ms05 الزيادة، ولا تشير ~~إلى وقوع حادثة فوق العادة. # قال وما يدريكم يا أغبى الناس، أن يكون لفعل الملك هذا مساس، بنا أو بعروس اليونان ~~لادياس. # فقال بيروس: أما بنا فلا؛ لأنني أعلم علم اليقين، أن الملك أمسك عن مطاردتي من نحو ~~ثلاث سنين، أي بعد أن اضطرني إلى الاحتفاء، وصيرني في زعم ميت الأحياء، العاجز عن كل ~~عداء، وأما كون الحادثة قد تكون واقعة من أجل لادياس، فهذا يكذبه كتاب عنها، حديث العهد ~~بخط أقرب الناس إليها. # وبينما القوم في هذا الذي نصفهم عليه يسخرون من كلكاس، وكلكاس يسخر منهم إذا بفلك ~~أربعة، خفاقة الأشرعة، قد ملكت جهات الزورق، حتى كاد من شدة ضغطها يغرق، ثم وقفت وأطل ~~من أحدها رجل فصاح يقول: ومن القوم، ومن أين وإلى أين؟ # فوقع البحارة من أمرهم في معيص، ولم يجدوا لأنفسهم من الغرق من محيص إلا كلكاس، فإنه ~~لم يمهل الرجل ريثما يستتم، بل وثب من مكانه وقال: نحن بحارة الملك أيها الرجل، ولولا ~~أنك تغالط عقلك لكان الزي وحده ذلك، والآن فمن أنت حتى تسيء الأدب على هذه الشارة، ~~وتهاجم الزورق وتستبيح حصاره، كأنك لا ترجو وقارا، لزوارق الإمارة، وحتى تقف لبحارة ~~الملك في الطريق، وهم في الخدمة الشريفة التي لا يليق أن يعتريهم فيها تعويق؛ أليس هذا ~~انتهاكا لحرمة الملك وعقوقا، وخروجا من واجب الطاعة ومروقا، ألا تقضي القوانين ~~بالقتل، على مرتكب مثل هذا الفعل، فيا قوم ما أسماؤكم، وإلى من انتماؤكم، حتى نرفع ضدكم ~~الشكوى، ونقيم عليكم - حال وصولنا - الدعوى؟ # وكان أصحاب كلكاس حوله لسانا واحدا يدعوه ليختصر في قوله وهو لا يريد الإجابة، ولا ~~يزيد إلا إهذارا في الخطابة، حتى قام في اعتقاد المهاجمين، أن رجال الزورق حقيقة من ~~البحارة التابعين فحولوا عنهم المراكب للحين، ومضوا لسبيلهم تاركين كلكاس يهذي وحده ~~كالخاطب في الناس ولا ناس، حتى أسكته أصحابه فسكت ثم التفت فقال: إن مع العي لغبنا، ~~وإن من السكوت لجبنا، أعلمتم بعد مكاني، أرأيتم كيف نفعتكم فلسفتي وأغنى ms06 عنكم ~~بياني! # قالوا: وهل جهلنا مقدرتك وإمكانك، حتى تعرفنا يا كلكاس مكانك؟ إنك لأعظمنا إقداما ~~وبسالة، وأفصحنا منطقا ومقالة، وأصلحنا لبوسا لكل حالة، أليس هذا الزي نفع من مواليد ~~رأيك المتبع، وتدبير فكرك الذي يسع من الحيل ما يسع؟ # ثم إن الزورق استمر سائرا دائبا على بغيته، رائدا حتى ذهب معظم النهار، وتحفزت ~~الشمس لتحتجب عن الأبصار، فالتفت بيروس عندئذ إلى أصحابه، وقال: لم يبق يا إخوان إلا ~~أن ننحدر جهة الشاطئ فنسير بحيث نحاذيه. # قالوا: أوتدري أننا دنونا بعد؟ # قال: نعم؟ # قالوا: إذن، فإنا فاعلون! # ثم وجهوا السواعد بالمجاذيف جهة البر وظلوا يتقدمون، وبيروس يرشدهم أين يتوجهون، وقد ~~غلب الغرام الفتى على أمره، وحل الإلمام عقدة صبره، فأجرى من الدمع ما لم يزد أصحابه ~~علما بسره، واندفع ينشد من أعماق صدره: # يا ابنة العم رويدا # كدت للمفتون كيدا # أنت للعين سواد # أنت للقلب سويدا # كان لي في الدهر تاج # صار ذاك التاج قيدا # كنت مولى صرت عبدا # كنت عمرا صرت زيدا # أنا إن نالت شباكي # ظبية جيداء غيدا # لم أكن أول صب # أخذ الغزلان صيدا # حتى إذا تكامل للشمس الغروب وآن للنهار أن ينتحي والليل أن ينوب، دخل الزورق في ظل ~~أشجار، متكاثفة هنالك مرتفعة كبار، فتقصى بيروس النظر، فوجد البقعة صالحة للمستقر، ~~فأعلم أصحابه أنهم قد وصلوا، وأشار لهم أن يلقوا المراسي ففعلوا. # ثم نزلوا فتوارى الكل واستتر، بين الحجر والشجر، يتربصون للموعد المنتظر، فلندعهم ~~وشأنهم الآن يتربصون على ذلك المكان، إلى أن نعود فنذكر من أمرهم ما كان. # | لصوص الماء # لم يكن يمضي يوم على الملك بوليقراط بدون أن يفد عليه أورستان زعيم أشقياء اليونان، ~~أو من ينيبه عنه من أعوانه الشجعان، فيلبث في حضرته برهة من الزمان، ثم يأمر الملك من ~~يذهب معه إلى حيث يريد، فلا يأتي الليل إلا ويعود الرسول، ومعه أسير مكبل بالحديد، ~~فتصدر الإشارة بإضافته إلى ما في السجن من عديد. # وظل الأمر كذلك تسعة وثلاثين يوما، بغير انقطاع وقع فيها مخالب ms07 أولئك السباع، تسعة ~~وثلاثون أسيرا من بني الأمصار والأصقاع، ليس فيهم إلا ملك مطاع، أو أمير له الأمراء ~~أتباع، أو بطل شجاع، شاع ذكره وذاع، وملأ الأسماع، ثم مرت سبعة أيام بدون أن يقبض ~~على أحد أو يزاد السجن على ذلك العدد، وفي اليوم الثامن حضر أورستان يضرب الأرض برجليه ~~كأنه شيطان وعيناه جمرتان، من الغضب متقدتان، فدخل على الملك فحياه، ثم ~~قال: لقد كدت أيها البطل الشجاع، الذي لا من البشر ولا من السباع، لولا أن نفسه العالية ~~الأبية، فضلت ورود المنية، فآثر الثواء بقرار البحر، على الوقوع في هوان الأسر. قال: ~~ومن ذاك يا أورستان وما حديثه؟ # قال: يا مولاي، فتى من مصر رفيع الرتبة في الضباط، تدل زخارف حلته على أنه من حرس ~~البلاط، وكان على ذات شراع، ومعه ثلاثة من الأتباع، فدعوناه كعادتنا للاستسلام، فأبت ~~نفس عصام، فزدناه حصارا، فزاد تأبيا واستكبارا، حتى بلغ من حيرتي ويأسي، أن مارسته ~~بنفسي، فظهرت بسالة الفتى على قوتي وبأسي، حتى لو لم ينجدني رجالي لصير البحر رمسي، إلى ~~أن خانه على مراسنا الجلد. # وكان أن أذعنت البسالة للعدد، فصرخ الفتى صرخة تذيب الأسد، قام لها البحر وقعد، ~~وسمعته يقول: مكانك يا حماس، إن الجندي المصري لا يعرف التسليم للملوك، فكيف يسلم للص ~~صعلوك، ثم لم أبصر يا مولاي إلا بالسفينة تحترق، ثم إذا بها قد غرقت وإذا بالفتى قد ~~غرق، فشق على أن يموت وأن يفوت ساحة الوغى من عناقه ما يفوت، لكونه إنما خلق لها لا ~~لبطن الحوت، فقفيته برجالي يغوصون عليه القرار، وينشدونه بين العبب والتيار، وما زلنا ~~نفعل حتى مغيب النهار، فلما لم يجد الالتماس، ونفضنا أيدي اليأس، رجعنا نبكي فقده، ~~ونبكي الإقدام والثبات بعده. # فقال الملك واغرورقت عيناه بالدمع: إن كانت ذاكرتي صادقة يا أورستان، فهذا اسم شاب ~~مصري كان لنا وله فيما مضى شان. # قال أورستان: وما ذلك يا مولاي؟ # كنت عرضت على فلاسفة اليونان، وحكماء سائر البلدان هذا السؤال، وهو: «لقد بلغت ~~الزيادة ms08 قصاراها حتى أصبحت أتوقع النقصان، وطال أنسي بهذا الحال مع الزمان، حتى خفت ~~تحول الحال ونفار الزمان، فهل من يصف لي ما يخرجني من هذا الوجل، وآمن به الدهر أن ~~يأتي على عجل؟» فانهال علي من الأجوبة، ما ظهر فساد جميعه بالتجربة، حتى كتب إلي ~~فتى من مصر بهذا الاسم يقول: «إن الحوادث أيها الملك لا يعرفن ليلا ولا نهارا، بل ~~إنهن قد يطرقن أسحارا، وإني لا أرى الملك ما يدرج به النفس على احتمالهن قبل ارتجالهن، ~~إلا أن يعمد لأعز ما يجب ويكرم من الأشياء فيبيده إبادة بقول الإرادة، ويحرم منه النفس ~~وهي صاغرة منقادة، وهكذا تفعل بين الحين والآخر حتى يصير الصبر لك عادة.» # فكان هذا جواب الحكمة والصواب بإجماع أهل الخبرة، من أعظم الحكماء شهرة، وأبعد ~~الفلاسفة صيتا وذكرى؛ وإذ كانت الجائزة المجعولة لمن يفيد، ويجيب الجواب السديد، أن ~~يشتهي على ما يشاء إلا الملك، فقد كتبت إلى ذلك الشاب بالتمني، ولكنه لم يجب حتى الآن، ~~فإن كان ذاك حماس هو الذي تبالغ في وصف بسالته وإقدامه، فنعم الصهر كنا نعتز به لو عاش ~~يا أورستان، وهل لمحته عيناك وقت الاشتباك، قال: نعم يا مولاي أبصرته فأبصرت البدر عند ~~التمام، وألفيته جميلا بقدر ما هو باسل مقدام. # قال: كذلك مصر ما زالت مرزوقة على ممر السنين، ميمونة مباركا لأهلها في البنين، ~~وإن لأهلها لعذرا إذا ألهو بعض الناس منهم، فقد يجتمع للمصري من عظيم الخصال، ويتم ~~على يده من جلائل الأعمال، ما يضيق عنه الطوق البشري وتنوء به عزائم الرجال. # قال: والآن ما رأي الملك بشأن الأسرى، هل يظل ممسكهم أو في النية فكهم؟ ~~- بل سأفكهم وأردهم إلى بلادهم خائبين؛ لأنني لم أجد بينهم ضالتي المنشودة. ~~- ذلك ما أرى أنا أيضا يا مولاي، ولكن أذكر أن بين الأسرى، أحد أشقاء الملك كسرى، ~~فماذا ترى فيه وما عندك من الترضية لأخيه؟ ~~- ليس لكسرى أن يحتج، ولا علينا أن نترضاه؛ إذ الأمر شخصي محض، ولا دخل ~~للرسميات في خصوص ms09 المعاملات، وما علينا إلا أن نكتب إلى الملك بتفصيل ما جرى، ونخبره أن ~~الامتحان أسفر عن خيبة أخيه خيبة فاضحة، فلم يعد ممكنا أن أركن إلى مصاهرته بعد أن ~~ارتبطت بوعودي وعهودي أمام العصر والممالك والناس. # قال: نعم الرأي يا مولاي. # ثم إنه استأذن الملك في الانصراف، فأذن له فانصرف على أن يعود في الغد ~~مغاديا. # وكان الليل قد أقبل يواشك، فالتمس الملك فتاته ليبلغها ما ظهر وبان من نتائج ~~الامتحان؛ فقيل له إنها متغيبة لم تعد بعد من نزهتها اليومية على شاطئ البحر، فأراب ~~الملك الأمر وشغله هذا الإبطاء، فجلس إلى نافذة مطلة على طريق رجوع الأميرة وأشرف ~~ينظر؛ وإذا الطريق تنكشف لمدى البصر خلوا من الأقدام، لا دارج عليها إلا الظلام، ~~فجد بالملك الارتياب، واضطرب فؤاد الوالد أي اضطراب؛ لا سيما إذ لم يكن من عادة ~~لادياس أن تلبث خارج القصر بعد العشاء، فدعا الملك ثلاثة من غلمانه الأمناء، وقال لهم: ~~اذهبوا فاستعجلوا الأميرة وهي عائدة، وقولوا لها: الملك بانتظارك على المائدة، فقالوا: ~~سمعا وطاعة، وانطلقوا للحين، خفافا مسرعين، فما زالوا بالطريق يحيطون به طولا ~~وعرضا، وتأخذه عيونهم سماء وأرضا، فلم يأت البحث بفائدة، ولا رأوا الأميرة لا ~~ذاهبة ولا عائدة؛ وحينئذ ارتأى الغلمان، أن يبقى منهم على الطريق اثنان، وأن يتقدم ~~الثالث إلى حدبة البحر، وهي الغابة التي سلف لها في الفصل الأول ذكر، لعل التلهي في ~~المشي قد ساق الأميرة إليها، فلوت هي وأترابها عليها؛ فاندفع الغلام يجهد في السير ~~الأقدام، إلى أن أتى مدخل الغابة فدخل يوغل فيها، ويضرب في جوانبها، ونواحيها، ولا ~~وجلا ولا هيابا، ولا حاسبا للظلام حسابا، حتى بدهت أذناه بصوت أنين، له في جوف ~~الغابة خفيف رنين، فالتفت وتفزع، ثم استجمع وأنصت يسمع. # فأوجس الغلام أيما إيجاس، وخشي أن تكون صاحبة الأنين هي لادياس، فاندفع حثيث السير، ~~يهب هبوب الطير، لعله يوافيها قبل تناهي الشدة؛ فينجدها في كربها قبل فوات النجدة، وهو ~~ينفذ على الصوت المدى، لعل أن يجد عليه هدى ms10 ، حتى بلغ موضعه، كما يبلغ الصدى مرجعه، وإذا ~~مصدر التأوهات، ومنبعث الأنات، ثلاث من الفتيات حققهن الحارس في ضوء النبراس، فعلم أنهن ~~ممن كن مع لادياس، وأن أبدانهن الناعمات، في الحبال موثقات، وبشدة الرابط موهنات، فحل ~~على الفور ذاك الوثاق، ومزق تلك القيود والأطواق، ثم أنهضهن فما استطعن القيام، وخاطبهن ~~فعجزن كذلك عن الكلام، فتركهن على هذه الحال، وابتعد قليلا؛ بحيث لا يفوته حفظهن ثم ~~أخرج صفارة، وبادل رفيقيه الإشارة، فجاوباه فاستمر يصفر وهما يتوجهان، وجهة الصفير حتى ~~أقبلا من أقصى الغاب يهرولان، فحين رآهما حدثهما حديث البنات، ثم دعاهما ليعيناه على ~~حملهن حملا، والرجوع بهن إلى القصر، لأنهم من شدة الضعف؛ بحيث لا يمكنهن الحراك ولا ~~الكلام، فضلا عن المشي على الأقدام، فوافق الصاحبان على ذلك، وتكفل كل واحد من الفتيان ~~الثلاثة بواحدة من الفتيات الثلاث، ثم ساروا على هذه الصورة آيبين إلى القصر، فما قطعوا ~~ثلث المسافة حتى التقوا في طريقهم بثلاثة آخرين من الحراس، أرسلهم الملك للبحث عن ~~الأميرة، ومساعدين لمن سبقهم في هذه المهمة، فحين نظر رجال الوفد الثاني إلى أصحابهم ~~وما يحملون، هالهم الأمر وسألوا عن السبب فأعلموهم بالحداثة، وأنهم اضطروا إلى العودة ~~بالبنات إلى القصر؛ يشرحن واقعة الحال للملك، فينظر في ذلك نظر حكمة، أو يدبر لنفسه ~~أمرا؛ فاستصوبوا عمل رفاقهم هذا، ثم اتفق الفريقان على أن يستمر الوفد في ذهابه إلى ~~القصر، ليرفع الخبر إلى مسامع الملك، وأنه يجد الثاني في السير لعله يقف للأميرة على ~~أثر، أو يجيء عن أمرها بخبر، على ذلك انطلق الأول آيبا، واندفع الثاني ذاهبا. # | أين أصبحت لادياس؟ # كانت لادياس كلما أصبح الصباح طلعت على آفاق ساموس بالجلال والجمال والشمس، كلتاهما ~~في رونق ضحاها، وعند سرير مجدها وعلاها، لكن للادياس من الشمس مصبحها وليس للشمس منها ~~ممساها. # كانت تصبح كل يوم، وإذا الملك لله ثم لها في بلاد أبيها، والأمر في القصر أمرها، وأهل ~~القصر والملك الوالد في أولهم على قدم يخدمون إشارتها في كل مقترح. # كانت عيناها ms11 الزرقاوان لا تنفتحان إلا على نعيم الملك وعز السلطان، وما بينهما من ~~صنوف السعادات وأنواع الملاهي واللذات. # فإذا لبست للإمارة حلتها، وأخذت تجاه المرآة زينتها، وافى الشعراء حضرتها، وإذا على ~~لسان كل واحد منهم مرآة تنظر فيها الأميرة إلى محاسنها كيف كملت، وإلى آدابها كيف جملت، ~~وإلى نسبها كيف شرف وارتفع، وإلى ملكها كيف عظم واتسع. # فإذا أتم الشعراء كلمات المدح والثناء أقبل العازفون وأهل الغناء فأجزلوا لها من ~~الطرب، وكالوا لها من كل لحن عجب. # فإذا خرج هؤلاء دخل الأمراء والوزراء والكبراء والعلماء والحكماء، هذا يسجد وهذا ~~ينحني، وهذا يقبل اليد ثم ينثني، وهذا يضحكها بنادرة يرويها وهذا يهز أعطافها بحكمة ~~يلقيها، والكل بين المهابة فيها والإعجاب، يبالغون لعروس اليونان في الخطاب. # ثم يؤتى إليها من أقاصي المدينة بالتحف الغالية والهدايا الثمينة؛ برهانا إثر برهان ~~على ولاء رعيتها الصادقة الأمينة. # وبالجملة، كانت لادياس في كل صبح هي العناية في ملك، والشمس الورود في فلك، ظل للرعية ~~وعصمة، وسلام فيهم ورحمة، تمنح إذا الدنيا منعت، وترفع إذا الأيام وضعت، ولا تستشفع إلا ~~شفعت. # إذا عرفت هذا شق عليك أن تعلم أن عروس اليونان؛ أصبحت في غد تلك الليلة النحيسة، لا ~~تحكيها في شقائها وبؤسها وبلائها جارية في مملكة ساموس، بل في ممالك الأرض جمعاء؛ ~~أصبحت في ظلمات تلك الصخرة الهائلة وسادها الحجر بعد الخز، ورداؤها الذل بعد ~~العز. # ونكد الدنيا يتمثل لها في صورة ابن عمها وهو قائم عند رأسها يقول: انظري أين أصبحت يا ~~لادياس. # قالت: في أسر شيطانك يا باغي وما أسرت إلا الجسم، ولن تملكه حتى تصير للدود، فلا تطمع ~~مني بحب ولا قبول، ولا ظفر بمأمول. # بل اقتلني؛ فهو خير لك من طلب المحال، وأهون لي من عذابي بنحس وجهك المستمر. # قال: أما أني أقتلك أو أدعك تقتلين نفسك؛ فأمر لا يكون، وأما أني لا أنال ذاك المرام، ~~فهذا يا لادياس كلام في كلام، فإن لم يكن لي أن أطمع، فإن لي أن أغصب الإرادة كما ms12 غصبت ~~المريد. # قالت: إن للفضيلة والطهارة آلهة بهم اليوم اعتصامي، فإن لم يغنوا فإن غدا بهم ~~انتقامي. والآن أطلب منك يا بيروس الراحة الصغرى بعد ما بخلت علي بالراحة ~~الكبرى. # قال: مري يا ابنة العم. # فشق على الأميرة قبول هذه القرابة، وازدادت غضبا على غضب. # فقالت: إنني أحرمك يا بيروس أن تدعوني بيا بنة العم؛ فقد أخرجك الملك من قرابته. ولا ~~يليق ببنت الملك أن تكون أول مخالف لإرادته. # قال وتبسم: ولكني أنا الملك هنا، وأنت لي كل الرعية يا لادياس، ومع ذلك فإني عبدك ~~أسألك ماذا تأمرين. # قالت: لقد بخلت علي بالقتل، فلا أظنك تبخل علي بتركي وحدي، لعلي أجد بعض الراحة ~~في الوحدة. # قال: ذلك إليك. # وكان حب الفتى لبنت عمه يداني الجنون، وهي بالعكس تبغض ابن عمها بغض الموت، فلم يثنه ~~ما رأى منها وما سمع عن رجاء انقيادها، والوصول يوما إلى اجتذاب فؤادها. وهكذا كبير ~~الغرام كبير المرام، فتركها وشأنها وما تبتغي من الخلوة؛ ظنا منه أن ذلك منها نفار ~~ويزول، وصدود عنه ستحول، فنحن نتركه الآن يقضي الأيام في الأماني والأحلام. ويروم من ~~عروس اليونان ما لا يرام. # | الملك بوليقراط # الهم في الدنيا لنا شامل # لم يخل لا عال ولا سافل # حمل إذا شئنا وإن لم نشأ # فكلنا يوما له حامل # إذا حواه الملك في برده # أوعاه في كشكوله السائل # يرقى إلى الصاعد في عزه # ويلتقيه دونه النازل # ويعثر الراكب منا به # ولا يوقي العثرة الراجل # فقل لبقراط لقد كان ما # خفت وجد الزمن الهازل # أمسيت لا دارك مملوءة # أنسا ولا الصفو بها كامل # قد نام ذو جوع وذو غلة # ونام حافي الناس والناعل # ونام في السجن سجين به # ونام من أبعدت والواصل # وأنت في قصرك أنت السها # لا نوم لا إغفاء يا ثاكل # لما بلغ الخبر مسامع الملك بوليقراط كادت لآجله أن تصم من الذهول وشدة الغم، وكان ~~البنات هن اللاتي قصصن عليه قصتهن، وما لقين في حدبة البحر، وكيف وصل البحارة إلى ~~اختطاف ms13 الأميرة وصاحبتهما هيلانه، بعد ما ردوهن جمعاء إلى العجز وفقدان الحراك بقوة ~~الحبال، وما أعدوا لهن في السلاسل والأغلال، فلما سمع الملك ذلك أيقن أن في الأمر ~~مكيدة، وأن فتاته إنما وقعت في مصيدة. # وكان قد اجتمع بالملك على الفور، كل الرجال ذوي الشأن في القصر، فبدأ الأخذ والعطاء ~~وحمي الحديث وكثرت الظنون، فكان أول ما ذهب إليه الملأ، أن ناصب الشرك قد يكون أحد ~~الأجانب القادمين إلى البلاد في طلب الزواج بالأميرة، فلما لم يستطع الوصول إلى ذلك؛ ~~سولت له نفسه أن يأخذها غصبا، ففعل. # ثم تنقلوا من هذا الظن إلى غيره، فزعموا أن الكمين لا يكون إلا أحد الرجال ذوي ~~المكانة في البحرية، بدليل أن خاطفي الأميرة هم كما أخبر البنات من جند السفن ~~السلطانية، وأنهم يعرفون عادات الأميرة، وأوقات خروجها ودخولها، ولولا ذلك ما جاءوا في ~~الوقت اللازم، ولا اهتدوا إلى المكان الملائم. # وفي آخر الأمر ذهب قليل منهم إلى أن الفخ لم ينصبه إلا بيروس؛ بدليل أنه ولي ~~الثارات القديمة، وصاحب العداوة المستديمة، وأن الذي أخبر به البنات ليس إلا مستعارا، ~~فهو حيلة انطلت على المخافر البحرية، حتى مر بيروس ورجاله في أمن وسلام. # وفي هذه الأثناء حضر أورستان، وكانت الرسل قد أرسلت تباعا في طلبه، وما هو إلا أن ~~وصل حتى خاض في الحديث مع الخائضين، واشتغل بالمحادثة مع المشتغلين. # وكان رئيس السفائن السلطانية في جملة المتشرفين بمجلس الملك، فسأله أورستان: هل كان ~~لكم زورق يسير اليوم في الخدمة الشريفة؟ قال: لا، اللهم إلا أن يكون جلالة الملك هو ~~المسير له ولا أدري، فقال الملك: لا أذكر أني أخرجت زورقا اليوم، ولكن ما علاقة هذا ~~السؤال بما نحن فيه يا أورستان؟ قال: ذلك يا مولاي أن رجالي أخبروني قبيل وصول رسلك ~~إلي أنهم التقوا اليوم بزورق من زوارق الإمارة، فيه ثلة من البحارة، فدنوا منه وداروا ~~به كالعادة، ولكنهم ما لبثوا أن خلوا سبيله؛ كرامة لذكر اسم جلالتك، فقد قام منهم رجل ~~مهذار، يبالغ لرجالنا ms14 في الوعيد والإنذار، حتى ضحكوا منه بقية النهار، فإذا كنت يا ~~مولاي لا تذكر أنك سيرت زورقا، والرئيس يقول إنه لم يخرج شيئا من ذلك، فلمن ذلك ~~الزورق إذن، وما ذلك الزي وأين ذهب أولئك البحارة؟ إن الأمر لا محالة مريب، ولكني أتكفل ~~لجلالتك بكشف دخيلته، ولا أسألك أكثر من ثلاثة أيام، ثم آتيك بالخبر اليقين، قال: أفعل ~~يا أورستان ولك الشكر، ولكني قد وجدت الذي ينفعني في البحر، فمن لي الآن بالساعد ~~المساعد في البر، لأنك تعرف أحوال الجزيرة، وتعلم أن المجاهل فيها كثيرة، فما يدرينا أن ~~تكون لادياس نقلت إلى بعض المكامن؛ حيث هي الساعة مقبورة أو أسيرة، قال ذلك واغرورقت ~~عيناه بالدمع فأمسك عن الكلام، وأطرق أورستان يفكر في طلب الملك، ثم التفت إليه وقال: ~~قد وجدت الذي ينفعنا في البر يا مولاي، قال ومن ذاك قال: قد وعدت يا مولاي أنك تفك ~~الأسرى، فإذا كنت فاعلا، فاجمعهم في مجلسك هذا، وأعلمهم بحقيقة القصد مما عوملوا به، ~~وأنك لم ترد بهم الشر ولكن لتبلوهم أيهم أثبت جأشا وأعظم شجاعة وبسالة. # ثم أعلمهم بما كان من اختطاف الأميرة على أثر ذلك، وأن الفرصة قد تهيأت للشجاع منهم ~~أن يظهر شجاعته، فمن وجدها منهم وردها إليك سالمة، كان بها أحق فلا يعطاها إلا هو، ~~فوافق الملك على هذا الرأي، واستحسنه سائر أهل المجلس، فصدر الأمر عندئذ بإطلاق الأسرى ~~والمجيء بهم معززين مكرمين. # ولم تكن هنيهة حتى جيء بالرجال وقد أبدلوا حالا من حال، فردت إليهم أسلحتهم وعوملوا ~~بعد الحقارة بالإجلال، فلما دخلوا على الملك خف لهم فخف المجلس على إثره، ثم وقف ~~موقف الخطيب فقال: # أيها الأمراء الأقيال والشجعان الأبطال # إن ما وصل إليكم في مياه مملكتي من الأذى، وما عانيتم بعد ذلك من السجن، لم ~~يكن عن سوء قصد ولا ابتغاء الإضرار بكم، ولكن لنبلوكم أيكم أثبت في ساعة الهول ~~جأشا وأعظم شجاعة وبسالة، وبالجملة لم نكن فيما عاملناكم به إلا ~~مختبرين. # والآن برغمي أن أخبركم أن الأميرة ms15 قد اختطفت، وهي كما تعلمون واحدتي التي لا ~~أعطي الصبر عنها، فمن وجدها منكم وردها إلي سالمة موفورة العرض أعطيته إياها ~~فلا يفوز بها سواه، فاخرجوا الآن إلى مباشرة العمل، اخرجوا فانظروا ماذا أنتم ~~فاعلون. # فما أتم الملك كلماته هذه حتى صار الملأ حيارى كأن بهم سحرا أو كأنهم لا يعون، حتى ~~إذا استفاقوا من دهشتهم، وخرجوا هائمين على الوجوه، يخيل لكل أن لادياس بين عينيه ~~وفي يديه، ولو كانت في السماء لصعد إليها قبل أن تنزل إليه. # وكان الليل قد انتصف أو كاد فأشار الملك لأصحابه بالانصراف فانصرفوا، وانقلب هو إلى ~~مقاصيره الخاصة؛ حيث الملكة حالها كحاله، وأوجاعها وأوجالها من جنس أوجاعه وأوجاله، ~~فقضى الوالدان كلاهما تلك الليلة سهادا هي حتى مطلع الفجر. # | حياة ثم موت ثم بعث # إن كان عمر طويل # فما إليك سبيل # فالبحر حرز حريز # والبر ظل ظليل # ولا المخاوف إلا # حوادث وتزول # والبأس ليس بمرد # والجبن ليس ينيل # فكن كما شئت إلا # أن الجبان ذليل # علم القارئ أن (حماس) غرق في البحر على أثر التقاء مركبه بمراكب أورستان، وما وقع ~~بينهما من الحرب العوان، وأن القوم غاصوا عليه طويلا فلم يجدوا له أثرا، وإذ أخذهم ~~اليأس في أمره حولوا مراكبهم عن ذلك الموضع من البحر إلى غيره. # والآن نقول إن حماس لما ألقى نفسه في البحر كان لا يزال في أجله طول، فما صار تحت ~~الماء حتى انسحب بتيار كامن خفيف، فلبث فيه هنيهة يجاريه بصدر قوي صحيح، حتى تمكن من ~~إخراج رأسه من الماء، وإذا به بعيد عن أورستان وجنوده؛ بحيث يرى السفن ولا يراه من في ~~السفن فما تواني أن ذهب سبحا في عريض الماء، يسلك طريقا غير طريق الأعداء، وكان ~~البحر هادئا ساكنا إلا رجة فيه خفيفة، نشأت عن تلك المعركة العنيفة، وخصوصا عند ~~سقوط السفينة المحترقة فيه، وكان الفتى طويل الباع في العوم فزاده الأمل بالنجاة، طول ~~باع في ذلك اليوم، فما زال ينساب انسيابا، ويذهب في ثنايا الماء ذهابا، حتى ms16 أمسى وإذا ~~هو بليل كموج البحر، في بحر كموج الليل، وكان الفتى قد وهت قواه، وبرئ منه ساعداه، بعد ~~أن طالما ساعفاه، فوقف وقفة المودع للوجود، الساجد للسماء في الماء لو قدر على السجود، ~~ثم تراخت أعضاؤه، وانحلت من الكلل أجزاؤه، فنزل قليلا قليلا يهوي إلى القبر ~~الأعظم من عالم الدأماء. # ولكنه ما كاد يحتجب رأسه في الماء، حتى اصطدم كتفه بجسم صلب كادت تترضض بها عظامه، ~~فتعلق بهذا الجسم من حيث يدري ولا يدري، فلم يشعر إلا بحياته قد انبعثت، وبجثته قد خرجت ~~من ذلك القبر الهائل، ملآنة من روح الأمل بعد اليأس، وقوى الحياة بعد الموت، ثم لم يبصر ~~إلا بلوح عظيم كأنه بقية من بقايا فلك منكسر وهو يتوكأ عليه ويتخذه سندا ليديه، ~~فرفع إلى السماء عينا شاكرة، إلى آلائها ناظرة. # ثم تلا هذا النور نور الوجود بعد العدم، أضواء ضعيفة تبدو على بعد كأنها دنانير تهادى ~~في الفضاء، فدب دبيب الرجاء في حماس، وفاء إلى الطمأنينة والإيناس، إذ رأى البر ~~وأعلامه، وأيقن أنه عن قريب يجتلي وجه السلامة. # فلبث مدة يسيرة لا يجهد أعضاءه ولا يتحرك حتى أخذ لبدنه قسطه من الراحة، وامتلأ من ~~القوة اللازمة لاستئناف السباحة، ثم دفع اللوح أمامه، واندفع يتخذه متكأه وزمامه، وهو ~~يسرع في سيره تارة ويتأنى في مشيته طورا، ويستريح مرة ويصل العوم أخرى، وما زال ~~كذلك نحو ساعتين من الزمان، حتى أشرف على البر بسلام وأمان. # ولكن تلك الأضواء التي وجد عليها الهدى كانت لا تزال تلوح له قصية واهية خفاقة، بل قد ~~رآها وهو على خطوات من البر أضعف كثيرا مما كانت تبدو له وهو في أحشاء البحر، وقد قامت ~~أمامه صخور هائلة لا نور عليها ولا سبيل مع الظلام إليها. # ومع ذلك فلم ير الفتى بدا من الوصول إلى اليبس، والمبيت تلك الليلة على الفراش ~~العام الأمين، فراش السراة بالليل والمعدمين، فدنا من الشاطئ يدفع اللوح وهو به ضنين، ~~حتى نالت يداه الأرض فأتبعهما الأقدام، وهو لا ms17 يدري أفي يقظة أم في منام، أم هو غريق ~~يختنق وهذه سكرات الحمام، حتى إذا احتوت الأرض قدميه، كان أول ما فعل أن جذب اللوح إليه ~~بكلتا يديه، ولو استطاع حمله في عينيه، ثم قال يناجيه: # أيها اللوح المنزل رحمة من السماء، المخرج عصمة من الماء، المسخر لإنقاذي من ~~لدن الآلهة الكرماء، أقسم لك بأسمائهم العظيمة، وآلائهم الجسيمة، إني أحملك ~~وأصحبك وأفي لك كما حملتني في اليم، وصحبتني في الغم، ووفيت لي فيما ألم، وأعدك ~~وعد حر كريم، أني إذا أوتيت ملك مصر آمر بعودك فتصنع منك قوائم عرشها ~~العظيم. # وبعد ذلك مشى في ضوء القمر الطالع يرتاد مبيتا بين كتل الصخر المتشعبة المتكاثفة ~~هنالك، وهو لا يكاد يجمع أعضاءه من شدة النصب، فهداه حسن الحظ إلى مكان صالح بعض ~~الشيء للمبيت، وهو مستوى من الصخر تنحني فوقه كتلة من الصخر كذلك؛ بحيث يحصل منهما ~~للآوي وطاء وغطاء، ففرش اللوح أرضا واضطجع فأخذه النوم للحين. # فلما كان الصبح نبهته الشمس بشعاعها الأول وبشيرها إلى الوجود، فانتبه خفيف الجسم ~~ناشط الأعضاء جاف الثياب من حر الشمس في الحجر. # وكان الجوع والعطش قد أخذا من الفتى كل مأخذ، فأخذ يدبر لمعدته أمرا، فلم ير إلا أن ~~يخرج إلى فضاء الأرض يبتغي من فضل الله، فتأبط اللوح وهم بالنزول من مكانه ~~العالي. # ولم يكد يتحرك حتى نظر أمامه شيئا أدهشه، واضطره إلى البقاء بعد ما عزم على الرحيل، ~~وذلك أنه أبصر على البعد زورقا يلقى المراسي، وقد نزل منه رجل قصير القامة كثير ~~اللحم والشحم وله زي الصيادين، فجذب الزورق إلى الشاطئ حتى صار كأنه جزء منه، ثم أخرج ~~منه قدورا وقربا مملوءة، وأشياء أخرى كثيرة، وجعل ذلك كله على الأرض بعضه بجنب بعض، ~~ثم تركه ومشى يسلك طريقا في الصخر كثير الاعوجاج، فأمهله حماس ريثما ابتعد، ثم نزل ~~مستعجل الخطو خفيف الحركات، يرقب بإحدى عينيه الزورق ويتقي الصياد بالأخرى، حتى بلغ ~~المكان والرجل ماض في طريقه مجد في سيره، لا يلتفت وراءه ms18 إلى أن توارى ~~شخصه. # وعندئذ دنا حماس من الزورق تأمل ما بجانبه من المتاع، وإذا هو بكمية وافرة من أنواع ~~السلاح، فسر بذلك كثيرا، وقال في نفسه الآن رددت على الأسد مخالبه، فلنبدأ بها ~~فإنها هي الزاد الباقي لا جوع معها ولا خوف، ثم قلب الأسلحة فتخير منها خنجرا وسيفا ~~ورمحا وترسا وقوسا ومقدارا من السهام، فتقلد جميع ذلك حتى صار فيه حصنا لا يرام، ~~وأسدا كل الأرض له آجام، ولوى بعد ذلك على القدور ففتحها واحدة واحدة، فإذا فيها من ~~اللحوم والبقول ما يكفي جماعة من الناس مدة من الزمان، ثم فتح القرب فوجد بعضها ~~مملوءا ماء والبعض الآخر يفيض من أنواع النبيذ، فأكل هنيئا وشرب مريئا حتى كاد يؤذى ~~من الري والشبع، ثم لم يكتف بذلك بل أخذ ما قدر على حمله من الزاد والماء والنبيذ، ~~وانثنى آيبا إلى مأواه، فأودعه هناك وأقام بعد ذلك يترقب. # وقد كان أول ما خطر على بال حماس، أن يعيد جميع ما على الأرض إلى الزورق ثم يركب ~~فيه فيسير، حتى يبلغ ما خلف تلك الصخور من المعمور، إلا أنه راجع فكره فبدا له أن هذه ~~الكمية الوافرة من الزاد والماء والسلاح لا يمكن أن تكون لذلك الصياد وحده، وأن ~~الرجل ليس صيادا كما توهم لأول وهلة بل هو لص من لصوص الماء، يأوي إلى تلك الصخور ~~ضمن عصابة من الأشقياء، فخشي الفتى عاقبة التسرع، وخاف أن يبصر به القوم وهو في ~~الزورق يسير به فيرموه بسهام لا طاقة له بها، ولا دفاع معها، فاختار أن يرجع إلى جحره ~~فيبقى فيه حتى يظهر من ذلك السر خافيه. # فلم يمض إلا القليل حتى تراءى شخص الصياد عائدا من حيث ذهب، ثم ما زال يقترب حتى صار ~~بين الزورق وبين القرب والقدور، فلما رآها على تلك الصورة من الخراب والنقصان غشيه من ~~الفزع ما غشيه، وضاقت الدنيا في عينيه، فوقف حيران لا يدري ماذا يصنع، ثم اندفع يبكي ~~ويتوجع. # وكان حماس قد نزل إليه ms19 كأنه الأسد في فريسته بين يديه، فلم يشعر الرجل إلا بيد قوية ~~قد ضربته على كتفه ضربة قاسية، كادت تكون هي القاضية، فالتفت مذعورا فرأى شيئا في ~~طول النمر إذا النمر انتصب، وله خفة إذا هو وثب، فترامى على قدمي الفتى يقول: الأمان ~~الأمان أيها الشيطان، فتبسم حماس ضاحكا وقال: قم أيها الجبان إني لست شيطانا، ولو ~~تأملتني ما وجدتني إلا إنسانا قال: إذن؛ فالأمان أيها البطل الكريم إني ورأسك لست ~~منهم، وإنما أنا رجل تاجر أبيع للص الحقير، كما أبيع للملك الكبير. # قال: وأنا أعطيك الأمان بشرط أن تعرفني من أنت ومن أين أتيت، وإلى أين ذهبت ثم عدت، ~~وما هذه الدخائر ولمن هي؟ تكلم، وحذار من الكذب. # قال: أنا يا مولاي رجل تاجر أعامل عصابات كثيرة من اللصوص، ومن جملتها الشرذمة ~~الآوية إلى هذا المكان، فأربح منهم المال الطائل، وهذا الزورق مصنوع؛ بحيث يمكنني في ~~ساعة الخطر أن ألقي جميع ما به في البحر بدون أن يمس الزورق سوء، ولي زمان أعامل أصحاب ~~هذا المكان ويعاملونني، وهم لم يأتوا إليه إلا من نحو شهر. # قال: وأين كانوا قبل؟ ~~- كانوا في الصخرة الجهنمية ثم انتقلوا إلى صخرة الحدبة، فلم يلبثوا فيها إلا يوما ~~بليلة، ثم جاءوا إلى الصخرة الملساء، التي هم فيها الآن مقيمون. ~~- وأين هذه الصخرة الملساء؟ # قال - وأشار بيده - هي تلك التي تناغي السماء، ولكنك لا ترى إلا ظهرها وهي قريبة ~~منا؛ ولهذا لا أرى من العقل أن نطيل الوقوف هنا، فإما أن تركب معي في الزورق فأنجو بك ~~وبنفسي، وإما أن تدعني أذهب وحدي، فإنهم يا مولاي شداد أقوياء، لا تنفعك معهم ~~شجاعتك. # قال: هذا لا يعنيك أيها الرجل. ~~- وهل عمري لا يعنيني يا مولاي؟ # قال: ثبت جأشك أيها الرجل، فلو حضر لصوص الأرض أجمع ما ملكوا لك من دوني أمرا، لا ~~خيرا ولا شرا، والآن قل لي كم عدة أصحابك اللصوص؟ # قال: سبعة بما فيهم رئيسهم يا مولاي. # قال: وكيف أنت ماض وتارك هذا الزاد ms20 ؟ ~~- بذلك أمرت يا مولاي. قال: فإن علي أن أودع بضاعتي هنا وأذهب بعد ذلك فأخبرهم ~~بحضورها، ثم عليهم أن يأتوا متى شاءوا فيأخذوها؛ لأنهم لا يتحركون حركة إلا ~~بحساب. # قال: إن أمرهم إذن لمريب فهل تعلم دخيلته؟ # قال: لا يا مولاي. والآن ائذن لي بفضلك أن أمضي لسبيلي؛ فإن لي أطفالا صغارا ~~يموتون بموتي. # قال: ذلك لك بعد أن تقول ما المسافة بيننا وبين المدينة. ~~- ثلاثة أيام في البحر بسير الزورق، وأربعة في البر بمشي الأقدام، إلا أن البر أوطأ ~~مركبا وآمن في هذه الجهات سبيلا. ~~- قد عرفت ما تهمني معرفته، فخذ زورقك الآن واذهب بسلامة، فانحنى الصياد ~~إجلالا، ولعثم كلمات فيها شكر ودعاء، ثم أتى الزورق فركب وأعمل مجذافيه بقوة، فصار ~~الزورق في عريض الماء؛ وعندئذ لم يدر حماس إلا بذلك الخادع قد صفر صفيرا امتلأت من ~~دويه الآفاق، وعلى إثر ذلك انحدر من الصخرة رجلان يهدران، كأنهما فحلان يتبادران، فحين ~~رأى الفتى ذلك لم يلتفت إلى القادمين، بل بدأ برجل الزورق فسدد نحوه سهما كسهم المنون، ~~ثم رمى فأصاب مقاتله فصرخ صرخة واحدة ثم لم يثن، فأيقن حماس أن سهم الانتقام قد أصاب، ~~وأن الكذب قد قتل الكذاب. # ثم إنه استعد للقاء الرجلين وكانا قد تقدما حتى صارا منه وجها لوجه، فصاح به ~~أحدهما يقول: من الرجل وما يبتغي؟ ~~- ومن أنت يا لص الخنا حتى تسأل هذا السؤال؟ # ثم لم يزد على أن اندفع يتهادى ذات اليمين وذات الشمال ويشيد بهذا النشيد الذي اعتاد ~~أن يقوله في مثل هذه الحال: # إني أنا حماس # لي في الحروب باس # من خير جنس في الورى # تعنو له الأجناس # أريكتي ما أمتطي # وتاجي النحاس # وصولجاني صارمي # والرمح والأتراس # وما استتم حتى بدر إليه أحد الرجلين يلعب بالرمح لعبا، ثم حاول أن يطعنه فتخلى حماس ~~فاستجمع الرجل ليطعن الطعنة الثانية، وحماس لم يهم ولم يطعن، بل اقتصر على خطة الدفاع ~~مع منازله، وكان يلقى معظم باله للرجل الآخر يراقب حركاته وسكناته، فثنى الرجل ms21 فتخلى ~~حماس كذلك إلا أنه عانق منازله في هذه المرة عناق مغتصب قدير، فصرخ اللص صرخة المطعون ~~ثم سقط على الأرض مضرجا بدمائه، كأنما جاءه الموت من ورائه، فلم يزده حماس على أن قال ~~له: بيد صاحبك لا بيدي يا لص الخنا. # وبالحقيقة لم يكن هلاك الرجل إلا على يد صاحبه، وهذا السهم الذي قتله إنما سدد نحو ~~حماس مخالسة وغدرا، ولكن الفتى لحظ ذلك فارتقب حتى حان وقت الرمي، فلم يرسل السهم إلا ~~وحماس متدرع بخصمه الأول، فكانت الجناية على الدرع وحده. # أما الرجل فإنه لما رأى ما حل بصاحبه هم بالفرار، فقفاه حماس بسهم اخترقه من ~~ظهره إلى صدره، فألحقه بأخيه جزاء خيانته وغدره. # وبقي الفتى هنيهة كما كان، وحيدا على المكان، وقد دخل في جنون القتال وأخذه ما يأخذ ~~الأبطال، في سرعة الكر والنزال، فوقف يطلب الضرب وحده والطعان، طلاب شجاع لا طلاب ~~جبان. # وذي جنون عاشق القتال # منفرد كالأسد الرئبال # لا يرتوي من مهج الرجال # يقلب الأرض عن الأبطال # يسألها هل من فتى نزال # له الردى اليوم أو الردى لي # إني أنا بالموت لا أبالي # وفي هذا الأثناء أقبل ثلاثة آخرون من اللصوص يتحدون من أعالي الصخر، وكأنما نظروا إلى ~~رفيقهم وقد أصابهما من بأس حماس ما أصاب، فلم يدر الفتى إلا بالسهام تساقط حوله تباعا ~~آتية من عل، فتزحزح قليلا قليلا حتى خرج عن مرماها، ثم تخير لنفسه مرتفعا من الصخر ~~يحتمي فيه ويرمي منه، فصعد إليه ثم شرع يرسل سهامه التي لا تطيش ولا تخيب، فأصاب واحدا ~~منهم في أم فؤاده فسقط ميتا. # فحين رأى الآخران ذلك أيقنا أن جنود الملك على المكان، وأنهما حيث صار رفاقهم صائران، ~~فألقيا سلاحهما ونزعا ثيابهما ثم انغمسا في الماء فلم يخرجا منه إلا على الزورق ~~للطيران، وهما لا يصدقان بالنجاة ويظنان أن كل لجة جنديا من جنود السلطان. # فلما شاهد حماس ذلك ورأى المكان قد عاد فخلا به، نزل عن مكمنه مسرعا يتقدم نحو ~~الصخرة الملساء، مستخفا ms22 بمن بقي من الأعداء، حتى إذ صار تحتها رفع عينيه يتأملها، ~~فإذا بها كتلة واحدة في صورة البرج لا تصل الأيدي إليها، ولا تنبت الأقدام عليها، فوقف ~~يدعو من فيها للنزول فالنزال، متغنيا بنشيده الذي يقوله في مثل هذه الحال. # إني أنا حماس # لي في الحروب باس # من خير جنس في الورى # تعنو له الأجناس # أريكتي ما أمتطي # وتاجي النحاس # وصولجاني صارمي # والرمح والأتراس # وعندئذ أشرف من ذروة الصخرة رجل كأنه زنجي لكثافة شعر وجهه فقال: من الرجل وماذا أتى ~~بك إلى هنا؟ # قال: أنا من أنا أيها الرجل وقد أتيت لألحقك بإخوانك الخمسة، ثم لي ولسابعكم ~~شأن. ~~- وأي ثأر لك عندنا يا سيدي «من أنا»؟ ~~- وأي ثأر للناس عند الوحوش غير كونها مضرة يجب إزالتها، فإما أن تنزل إلي أيها ~~الرجل مسلما صاغرا، وإما أن أصعد إليك فأجعل هذه الصخرة قبرك. # قال: أما أن هذه الصخرة تكون قبري فهذا ما أشتهيه بعد عمر طويل؛ فإن فرعون - على ~~فخامة جاهه - لو علم بها ما طلب أن يدفن إلا فيها، وأما أني أنزل إليك وأزايل هذه ~~الصخرة ولو لحظة، فهذا يحول دونه حفظ العهد وأداء الأمانة. # قال: وما هذا العهد وهذه الأمانة أيها الرجل؟ # قال: هذه أسرار أخفيها، وشئون لا دخول لك فيها، فإن شئت فاذهب بسلام، وإن شئت فابق ~~حيث أنت حتى يأتيك حينك في الظلام، ثم وقف كالمتحمس وراء حصني وترنم بهذا ~~النشيد. # إني أنا كلكاس # البطل الدواس # تنجدني فطانتي # والرأي والمراس # لا في اغتيالي حيلة # ولا علي باس # وصخرتي في بعدها # كأنها البرجاس # فإن أردت فانصرف # أو فابق يا حماس # فلست منها خارجا # حتى يزول الراس # ثم إنه احتجب في صخرة كما يمعن الضب في جحره، وغادر حماس حيران قلقا، ينظر من جهة ~~فيما يكون من أمر تلك الأسرار، وما يعاني كلكاس مراسه من الشئون الكبار، ومن جهة أخرى ~~يمعن في الصعود إلى الصخرة كيف يكون، وهي كأنها عمود عال طلي بالصابون. # | في طلب الأميرة # كان في جملة ms23 الأجانب الذين ذهبوا تحت كل كوكب، في طلب الأميرة يفتشون عن مكانها، ~~ويعللون النفس بوجدانها، شقيق ملك العجم، وقد تقدم لنا القول بأنه خاب في الامتحان، ~~فكان نصيبه مما أمل نصيب سائر الأقران. # وكان فتى جميلا جريئا، كما تحب المعالي وتهوى العظائم، فحين قال الملك للقوم ما ~~قال، وكان الأمير معهم يسمع ويرى، شجعته رؤية الأب الحزين وجزع على ذلك الكنز، فخرج ~~مسرعا، فطلب من أحد الخدم أن يجمعه برئيس الركائب الملوكية، فجاءه الخادم به فنزع ~~الأمير خاتما من الياقوت كان في إصبعه وناوله الرجل قائلا: هذا الخاتم أيها الرئيس من ~~أنفس ما حمل الملوك والسلاطين، وأنا أودعه لديك على شريطة أن تذهب بي الساعة إلى ~~المرابط العامرة، لأختار من خيل الملك جوادا أركبه، فإذا أنا عدت سالما رددت إليك ~~الجواد ولم آخذ الخاتم، وإذا عاجلني حيني في سفري وهلك الجواد لهلاكي، كان لك التصرف في ~~الوديعة لذلك، فتبيعها وتشتري من ثمنها ما شئت من بدل لأمانتك. # فأخذ الرجل الخاتم وتأمله، فإذا به يسوي دواب الملك جمعاء، فالتفت ينظر هل من مطلع ~~عليهما، ثم أشار للأمير أن يتبعه فتبعه وسارا تحت ستار الظلماء حتى وصلا الإصطبل ~~العامر، وهنالك فتحت له الحجر واحدة واحدة، وإذا في إحداها ثلاث أفراس من أكرم ما اتخذ ~~الملوك للرباط، أحدها فارسي والثاني أشوري والثالث مصري، فأراد الأمير أن يختار فقال له ~~الرئيس: لو أخذت المصري يا مولاي كان ذلك أخف بلية وأدنى إلى السلامة، قال: ~~ولم؟ # قال: لأنه للأميرة خاصة، وما دامت غائبة كما تعلم، فالملك لا يسأل عنه فرارا من ~~ذكراها برؤيته، قال: وأنا قد تفاءلت فلا آخذ إلا هذا المصري، لعل الأميرة أن تعود ~~عليه، قال: هو لك يا مولاي، ثم قرب منه مربط الجواد وهو يحكمه إسراجا وإلجاما حتى ~~تهيأ للركوب، فركب الأمير وسار، يريد أن يسبق إلى لادياس النهار، فما زال يصل السرى في ~~ليل غاب نجمه، وكثف غيمه، حتى طلع الصبح عليه وهو خارج المدينة، في أماكن صخرة يستعصي ~~على ms24 أرجل الخيل دوسها فيها من غير خطر. # وكانت المدينة لم تغب بعد عن ناظر الأمير الغريب، وإن هو بعد عنها مسيرة ساعتين على ~~الجواد، فحين رأى أنه يسلك طريقا ليس بالمأمون، وأنه قطع كل تلك المسافة ولم يمرر ~~بغياض الحدبة، مع علمه أنها لا تبعد كل هذا البعد عن البلد، خشي أن يذهب سعيه سدى، ~~فثنى عنان فرسه يريد أن يتخذ له طريقا غير الذي هو فيه، فالتفت فوجد وراءه رجلا سوقة ~~لا يرى له شأن، وإن بدت مخايل الشجاعة عليه، فعجل الرجل إليه يقول: لعلك ضال أيها ~~البطل، فإنما تسير على الدرب الأصفر وهو مملوء من المخاوف والأخطار، فقل لي إلى أين ~~تريد الذهاب؟ وأنا أدلك على الطريق، قال: بل بغيتي هذا الدرب الأصفر، قال: إذن فأنت من ~~العصابة. قال: نعم. # قال: ولكن هذي أولى مرة أراك، قال: وأنا أيضا لم أرك إلا اليوم، فلعل أحدنا قد دخل ~~حديثا في العصابة، والآن قل لي ما مخاوف هذا الطريق؟ قال: ليس فيه مخاوف، وإنما حسبت ~~أنك أجنبي عنا، فأردت أن أوهمك كما وهمنا على الناس من قبل، فلم يعد أحد يستطيع ~~المسير على الدرب الأصفر، قال: وما وقوفك الآن هنا؟ قال: ألم ترني كدت أرجعك من حيث ~~جئت لولا أني علمت أنك من رجالنا. قال: إذن فأنا أشكر لك سعيك، وأعدك ثناء جميلا حال ~~التقائي بالإخوان. # ثم إن الأمير اندفع يسير وهو يحمد تلك المصادفة الحسنة. وعلى الخصوص قوله للرجل في ~~ابتداء المحادثة «بل بغيتي هذا الدرب الأصفر.» إذ لو لم يلهم هذا الجواب ما علم بوجود ~~تلك العصابة، التي لا يبعد أن يكون لها شأن في الحادثة عظيم، وكان قد عرف من كلام ~~الرجل وإشاراته أين يبتدئ الدب الأصفر، فأطلق لجواده العنان فيه، حتى احتجب بين صخوره ~~وفيافيه. # | ساكن الصخرة # ما زال بيروس منذ وقعت الأميرة في أسره يلين لها وتخاشن، ويشرح هواه كما يشرح المظلوم ~~شكواه، أو السائل فقره وبلواه، وهي عنه في صمم لا ترثي لحاله، ولا ms25 تلقي بالا لأقواله، ~~حتى انتهى الرجل إلى اليأس، فانقلب العاشق فصار أحقد حاقد، واستحال الغرام إلى عداوة ~~وانتقام، فعقد بيروس العزم على الفتك ببنت عمه قبل أن تهتدي حكومة الملك له ولجماعته، ~~فترجع لادياس إلى العز القديم، وعندئذ يعطاها من تشاء وتختار، ولا يعطى هو إلا عاجل ~~الدمار. # وكان هناك عاملان مهمان، يستحثان في الفتى نية العدوان، جنون اليائس وخصوصا إن كان ~~أهل العشق كما هي حال بيروس، ووجود تلك الفتاة الخائنة هيلانه أكبر قرينات الأميرة، ~~وجملة الخبر عنها إلى الآن أنها كانت الشيطان السائق للادياس إلى الشرك المنصوب، من أجل ~~ثأر لها عند بنت الملك، وهذا الثأر لا يتعدى شخص بيروس، فإن هيلانة كانت تحب هذا الشقي ~~لا تكتمه حبها إياه، وذلك قبل أن ينزل عليه سخط الملك، فلما غضب بوليقراط على ابن أخيه ~~وأخذ ماله وجرده عن ألقابه، فر من العاصمة واختفى تاركا هيلانة على العهد، تزداد وجدا ~~على وجد، فما لبثت أن استعملت كل حول وحيلة، لمواصلة عشيقها في الخفاء. # أما بيروس فكان من الغرام ببنت عمه؛ بحيث لا يمكنه أن يملك هيلانة فؤاده، بعد ما ~~وقف على لادياس وقفا لا شرط فيه، ولا حاكم غير الهوى ينفيه. # وكنت إذا التمست لكم بديلا # أعاتبكم به عز البديل # إلا أن الفتى لم يكن يبغض التي تحبه، كما أنه لم ير من الحكمة أن يأبى على هيلانة ~~جمائلها وخدماتها المستقبلة، وهي أعظم القرينات منزلة في القصر، ولا سيما في فؤاد ~~الأميرة، فبقاء المواصلة ولو سرية بينها وبينه في منفاه؛ أمر فيه نفع وليس فيه ضرر، ~~وبالاقتصار فإن بيروس خدع هيلانة حتى نال بغيته، بحسن مهارتها، وجميل سفارتها. # حتى إذا مضت الأيام على وقوع لادياس في قبضة عدويها، بدون أن ينجح بيروس فيما حاول من ~~استمالتها إليه، وجدت هيلانه مجال العمل ذا سعة، فعملت بكل دهائها ومكرها حتى أخرجت ~~لادياس من قلبه بسحرها ودخلت هي ظافرة الغرام، تتخذ ذلك القلب آلة للانتقام. # فلما كان صبح اليوم الذي دهم الأشقياء فيه ms26 ما دهمهم، انتبه بيروس من منامه وقد صمم أن ~~يقتص من بنت عمه أشنع قصاص، فجمع أصحابه وقال لهم: أيها الأصحاب إني خارج اليوم في بعض ~~الشئون؛ فإذا طلع القمر ولم أعد فادخلوا على لادياس، فخذوا أنسكم منها بقوة أحدكم فيريق ~~دمها الأثيم. قالوا: سمعا وطاعة، ثم خرج بيروس وسار، تاركا الفتاة على أعظم الأخطار، ~~وهي تستجير بهيلانة فلا تجار، وتود لو وجدت سبيلا إلى الانتحار، فرارا من هول ذلك ~~العار. # ثم ما كان مما ذكرناه، ولم يبق في الصخرة سوى كلكاس وهيلانة، وقد أبى أن ينزل إلى ~~حماس بل تركه غضبان حائرا يصول كل مصال، ويطلب الطعن وحده والنزال، وانثنى إلى داخل ~~الصخرة فقص على هيلانة الخبر، فأشفقت واضطربت وأوجست خيفة من سوء العقبى، وكان الليل قد ~~أقبل أو كاد، فشرعت الخائنة تطلب من كلكاس بإلحاح أن يفعل ما أمره به بيروس، وأن ينوب ~~عن سائر إخوانه في إمضاء إشارة الرئيس، وهو يتثاقل عن تلبية دعوتها السابقة الأوان، ~~ويخبرها أنه ما دام القمر لم يطلع فإن يديه مغلولتان، ويدخل معها في أبحاث فلكية ما ~~أنزل الله بها من سلطان، وكان القمر حقيقة قد طلع وبدا نوره والتمع؛ فحينئذ عيل صبر ~~الفتاة فطفقت تتهدد كلكاس وتوعده، وتمثل له غضب بيروس وانتقامه في أفظع الصور، حتى ~~تملكه الخوف فاستل خنجره، ودخل على بنت الملك حجرتها وهو لا يكاد يمسك قدميه، أو تمسكه ~~قدماه إشفاقا من هول ما هو قادم عليه؛ لأن الرجل كان رحيم القلب سليم النية بقدر ما ~~كان جريئا مهذارا، إلا أن هيلانه كانت خلفه تدفعه إلى الجريمة كأنها شيطان القاتل ~~المسلط عليه، حتى صار أمام لادياس وكانت الفتاة قد سمعت الحديث، كما جرى بين بيروس ~~وأصحابه في أول النهار، وبين كلكاس وهيلانه في آخره، فحين دهاها الرجل لم يزدها بقصده ~~علما؛ بل ألفاها بهيئة قيام، وفي خشوع تام، لآلهتها وتسألهم حسن الختام. # | حماس في الصخرة # كان حماس قد قضى بقية النهار بأسفل الصخرة لم يبرحها لحظة واحدة، حتى ms27 إذا جاء الليل ~~توارى خلف حجر يعصمه من بغتات العدو في الظلام، ثم أقام يرقب فلم تمض ساعتان من الليل ~~حتى طلع القمر يرسل أشعته على الصخور فتضيئها من كل جانب، فاستبشر الفتى لهذا الملاك ~~الهادي والزائر المؤنس، ثم بدت منه التفاتة، فإذا هو بظل يقبل من بعد وكأنما يطير ~~طيرانا من سرعة السير، فازداد حماس أنسا على أنسه، وهنأ النفس على حفيد جديد، ولكنه ~~دخل في الحجر كل الدخول؛ بحيث صار منه بالمخبأ الأمين. # وما هي إلا دقائق قليلة، حتى تجسد ذلك الظل فصار إنسانا طويلا عريضا يتقدم نحو ~~الصخرة وثبا، كأنه الليث النافر وهي عرينه، ثم إذا هو بأسفلها وقد صفر صفيرا دوى له ~~الفضاء، فأخرج حماس عندئذ رأسه وخالس الرجل نظرة، فرأى له هيئة أصحابه الذين عرفهم في ~~أول النهار، فهم بالخروج إليه ليلحقه بهم ولكنه رأى سلم حبل يدلى به من أعلى الصخرة ~~ليصعد الرجل عليه، فخشي إذا هو تحرك أن يتنبه من في الصخرة فيرفع الحبل بعد ما أرسله، ~~فأمهل حماس غريمه ريثما نزل الحبل تماما، ثم خرج إليه وهو لا يشعر به، كما يخرج الذئب ~~إلى الشاة، وكان الرجل قد تعلق بالحبل أو كاد فتعلق حماس معه، وقد أمسك الحبل بيد وغرس ~~بالأخرى خنجره المسلول في أم فؤاد اللص، فنزل يهوى جثة لا حراك بها، واستمر حماس صاعدا ~~حتى بلغ مدخل الصخرة، وهناك استقبله كلكاس وهو يحسب أنه بيروس صاحب الإشارة، وحامل ~~الصفارة، فانتصب حماس أمامه كأنه عزرائيل قد أتى بلا ميعاد، ثم قال له بصوت أنكر من صوت ~~الرعد: من الرجل وما شأنك؟ # فأخذ كلكاس الذعر شر مأخذ، فوقف يتلعثم بكلمات متقطعة، وأسنانه يدق بعضها بعضا من ~~الرعدة وهو يقول: عفوا أيها الملك، إن الأميرة بخير. ~~- لا تؤذني أيها الشيطان. ~~- لعلك عفريت بيروس! ~~- سامحني يا سيدي حماس. # إلى غير ذلك من لغة الذهول حتى أضحك الفتى حاله، فتركه وتقدم في جوف الصخرة، فوجد بها ~~حجرة فيها قليل نور فدخلها، وإذا هو بمنظر هائل ms28 ؛ إذ رأى فتاتين إحداهما قتيلة لم تجف ~~دماؤها بعد، والأخرى قائمة عند رأسها وفي يدها خنجر تقطر صفحتاه من دماء تلك الفتاة، ~~فصرخ حماس بها يقول: من أنت أيتها الشريرة وما هذا المشهد الفظيع؟ # فألقت الفتاة سلاحها وقالت: حلمك أيها الرجل، فليست الشريرة إلا طريدة الحياة هذه ~~(وأشارت للفتاة القتيلة)، وأنا إنما قتلتها مدافعة عن عرضي وحياتي، قال: وما حديثكما؟ ~~قالت: أنا بنت بعض الناس وقد وقعت في أسر عصابة من الأشقياء يرأسها طريد المملكة بيروس، ~~ثم إنها حدثت حماس أخبارها، من يوم وقعت في قبضة العصابة إلى الساعة التي هي فيها، ثم ~~قالت: وأعلم أيها البطل أنه لولا بعض رحمة في قلب الرجل الذي مد لك الحبل، لكنت الآن ~~مكان هذه الآثمة الظالمة، وكانت مكاني أنا البريئة المظلومة، فإنها ما زالت تدفعه إلى ~~الجريمة دفع الأبالسة الناس إلى الشر، حتى دخل علي ليقتلني كما هي إشارة بيروس، ~~فجاءني كسلان متراخيا كأنما يريد أن يمهلني ما استطاع إمهالي، وفي هذه الأثناء سمع ~~صفير الصفارة فخطفت هذه الشقية الخنجر من يد الرجل، وخرج هو ليدلي الحبال كما هي ~~العادة، فكان من حسن حظي أن الخنجر سقط من يد كلكاس وهي تحاول أخذه منه، فوثبت فسبقتها ~~إلى موضعه من الأرض، ثم حملت عليها وطعنتها به الطعنة القاضية، وإذ كنت قد سمعت طرفا ~~من جدالك في هذا النهار مع كلكاس، مما جعلني أطمئن بعض الشيء، فقد وقفت وقفتي التي ~~رأيتني عليها الخنجر بيدي، وأنا مستجمعة لأقتل بيروس فإن لم أتمكن فنفسي. # وكانت الفتاة تتكلم ولباس الجرم ينحل عن جسمها الطاهر، كما تماط الستور عن تمثال بديع ~~فاخر. # فما استتمت حتى رفع حماس عينيه فأبصر، ولم يكن رأى من قبل شيئا فإذا هو بملك يبرئ ~~نفسه وهو البراءة متجسمة، ويتكلم ولو سكت لكان الطهارة متكلمة. # وكانت لادياس قد وصفت من قبل لحماس، فحين تأملها عرفها بتلك الأوصاف، وسبقت فراسته ~~لسانها إلى الاعتراف، فدنا منها وهو يقول بأعذب هتاف: # يا ملكا فوق الثرى # قد هام ms29 فيه الناس # إن صح أخبار الورى # فأنت لادياس # فلما سمعت الأميرة هذا الكلام، وكان قد دخلها من الفتى ما داخل الفتى منها؛ أقبلت ~~نحوه صامتة وعيناها تتكلمان، فنظرت إليه نظرة لا يقوى على مثلها جنان، ولئن أطاقها ~~فؤاده فلأنه من حديد أو صوان. # ثم قالت مجيبة بأعذب بيان: # أنت الجميل المفتدى # والبطل الدواس # وأنت لي من الردى # وم الخنا لباس # فلست أنساها يدا # أسديت يا حماس # قال: وهل تعرفين اسمي يا منية حماس؟ قالت: عرفته منذ النهار؛ إذ أنت تحت الصخرة تنشد ~~نشيدك تدعو كلكاس للنزول، قال: لقد ذكرتنيه فأين هو؟ قالت لا ينل كلكاس منك أذى؛ فإنه ~~بالكرامة أحق يا مولاي، ثم إنهما برحا الحجرة ففتشا عن كلكاس، فلم يجدا له أثرا في ~~الصخرة، وكان الحبل مدلى لا يزال، فعلما أنه نزل وفر على عجل، فالتفت حماس عندئذ إلى ~~الأميرة، وقال: لم يبق إلا أن نحذو حذوه فننزل نحن أيضا، قالت: الأمر لبطل الصخرة ~~الملساء. # فمسك حماس الحبل بيمناه وجعل اليسرى سند لادياس، ثم نزل متئدا محترسا، كمن ينزل ~~بحمل من زجاج، حتى مس الأرض، فاستقر به وبالأميرة النزول، وأول ما نقلت لادياس القدم ~~تعثرت في جسم اللين والصلب، فذعرت لأول وهلة وارتدت مجفلة، فدعاها حماس لتطمئن ~~قلبا، وأعلمها أن تلك جثة شقي من الأشقياء، فدنت حينئذ منها وتأملتها فعرفت القتيل، ~~فرفعت عينها نحو السماء مبتهلة للعناية، ثم قالت ما معناه: # يا سماء اللطف شكرا # قتل الباغي وديسا # لك مجرى العدل طرا # وعلينا أن نقيسا # فسألها حماس: ومن هذا الباغي يا مولاتي؟ قالت: هذا بيروس ابن عمي ومختطفي ورئيس ~~العصابة الهالكة، قال: إذن فقد قطع رأس الأفعى، وأصبح الطريق مأمونا من هذا الصخر إلى ~~القصر. # وكانت لبيروس ذؤابة يعتني بها، ويبالغ في تسريحها وتطبيبها، بقدر ما بلغت الخلقة في ~~تذهيبها، فأعجب حماس بها، وأراد أن يتخذها علامة على ما جرى له في ذلك اليوم مع ~~الأشقياء، وذكرى لوقائع الصخرة الملساء، فاستأذن الأميرة في ذلك فأذنت له، فاستأصل ~~الذؤابة من ms30 جذورها ثم تمنطق بها فكفت ووفت. # والتفت بعد ذلك إلى لادياس، فقال لها: الآن اجعليني أيتها الأميرة زمامك، وثبتي ~~أقدامك، ولا تبصري إلا قدامك، فإن ذلك أمضي سلاح يتقلده الإنسان، في مكان مخوف مثل هذا ~~المكان. قالت: سمعا وطاعة. ثم مشى البطل المصري ومشت أميرة ساموس بجنبه كأنها ظله ~~المديد، أو رمحه السديد وهو يتوجه بها؛ حيث وصف له ذلك الصياد، وينظر في سهل الطرق ~~ويرتاد، فيهبط الأغوار ويعلو الأنجاد، وتسلمه الهضاب إلى الوهاد، حتى أقامه السرى في ~~طريق مستوية منبسطة يشرف عليها الصخر من الجانبين فكأنها مضيق بين جبلين. # وكان قد ذهب من الليل ثلثاه والقمر لا يزال ملتمع الضياع، وهاج السراج في الأرض ~~والسماء، فمال بالأميرة السرى، ومالت إلى الكرى، فاشتهت من حماس لو سامحها في الاضطجاع ~~ولو هنيهة من الزمن، فلم ير من بأس في تلبية هذا المقترح، وفتش للحين عن جانب من الأرض ~~يصلح لضم ذلك الجسم الناعم، فلما وجده عرضه عليها، فاضطجعت واضطجع هو أيضا دون قدميها، ~~فأخذهما كليهما النوم فناما مثقلين بالمتاعب، ثملين من كأس السرى الناصب. # فحين تملك حماسا المنام، وسرت روحه من دنيا الأوهام إلى عالم الأحلام، رأى في نومه ~~كأن الشعب في سيبس (عاصمة مصر يومئذ) يلبسه تاج البلاد ويجلسه على عرشها، ثم كأن الأمة ~~بأسرها موكب له يسير فيه إلى الهيكل الأعظم، ثم كأنه دخل الهيكل فمثل سدة الآلهة فحمدهم ~~وأثنى عليهم، ثم هم بأداء يمين الطاعة والأمانة لهم، فسمع عندئذ من وراء الحجاب ~~صوتا يقول «ليس للملك يمين، وعند اللوح الخبر اليقين.» فتذكر حماس على الفور أقسامه ~~ووعوده للوح، فانتبه من نومه مبغوتا مذعورا، فنظر إلى لادياس فإذا هي لا تزال في أسر ~~النعاس، فحدثته نفسه المضطربة أن يرجع إلى حيث ترك اللوح، فيأتي به قبل أن تهب الأميرة ~~من رقادها، فنظر إليها نظرة معتذر خجل، ثم تركها في حفظ الآلهة وانطلق يعدو في طلب ~~اللوح، فلو رأيته حسبته يقظان وهو نائم لم يستفق بعد من النوم، وإنما تلك ms31 حال كانت ~~تعاوده في منامه، فيبلغ إلى مثل هذا الحد في أحلامه. # | كيف انتبهت لادياس # بينما كان حماس يخبط في أحلامه، ويأخذ ليقظته من منامه، وقد حل سلطان النوم عقدة من ~~أقدامه، فانطلق مستعجل الخطو، حثيث الهدو، يكفر عن ذلك السهو، كان فارس آخر لا يقل ~~عنه حسنا وجمالا ولا تكاد العين تفرق بينهما شكلا واعتدالا، يطلق لفرسه في الطريق ~~العنان، ويتقدم بسرعة نحو ذلك المكان، حتى إذا صار على مقربة من مرقد الأميرة جفل ~~فرسه وكاد يكبو به لولا شدة احتراسه، فكان ذلك للفارس بمثابة الإنذار، فأخذ لنفسه من ~~الموقف الحذار، ثم أرسل النظرات تباعا فوقعن على إنسان قد توسد الأرض، فتوهمه لأول ~~وهلة قتيلا، فترجل من فوره ودنا منه ثم حققه في سنا الفجر، فخيل له بادئ بدء أن المكان ~~للآلهة وهم عليه رقود، وأن الفجر إنما يستمد لآلئه من ذلك العمود الممدود، فوصل التأمل ~~فإذا هو بفتاة ما خلق الجمال إلا لها، وعليها من الحلل والحلي ما يمثل الملك وشعاره، ~~وتبين عن عز الإمارة، فلم يقم بنفسه شك أنها لادياس، تأخذ لعينيها بقسطيهما من النعاس، ~~ففرح أعظم الفرح بقربها، وتقدم فاضطجع بجنبها، ثم أقام يراقب حركاتها، وينتظر انتباهها ~~من طويل سباتها. # وفي هذه الأثناء لمح الفارس عند قدمي الأميرة سيفا ملقى، فتحرك فأخذه وتأمله ثم ~~تقلده، ووجد مكان السيف أثر رقاد فعلم أن السلاح سلاح حماس، ولكن لم يعلم أين ذهب منقذ ~~لادياس. # وكانت الأميرة قد هبت من نومها، فالتفتت إلى صاحبها وقالت: أين نحن الآن يا سيدي ~~حماس؟ قال: في الدرب الأصفر يا مولاتي، وبيننا الآن وبين المدينة مسيرة يوم كامل، فحين ~~سمعت لادياس هذا الصوت أنكرته مسامعها، كما أنكرت عيناها هيئة الفارس من أول نظرة، ~~فنفرت عنه كالمنبغتة، ثم قالت: من أنت أيها الفارس، ومن جعلك مكان البطل حماس؟ قال: أنا ~~هو ذا يا مولاتي أنا حماس بعينه، وما مسخت ولا جعل أحد مكاني ولكن شبه لك، فتأملته ~~الفتاة مليا وكانت فيه مشابه من بطل ms32 الصخرة الملساء، فما ازدادت الأميرة إلا ~~انبغاتا وهمت أن تتهم الظلام، وأن ترى في ثياب الفارس منقذها الهمام، فلما آنس ~~الفتى منها ذلك أقبل عليها ملاطفا، يقول: وحماس أيضا اسم وضعته لي أوهامك، ولا أحسبك ~~إلا قد استفقت مما كنت فيه من الذهول، فكادت هذه العبارة تخرج عقل الفتاة من رأسها، ~~وألفاها الفتى غادية على خطر الجنون، فأردف في الحال بأن قال: ما بالك يا مولاتي باهتة ~~باغتة كأنك تشكين في أمري، ألست مبيدا لعصابة الأشقياء؟ ألست بطل الصخرة الملساء؟ ~~ألم يكن لي ولأعدائك الشأن العجيب؟ ألم أدخل عليك الصخرة وكلكاس فيها، فحين رآني لم ~~يملك ليديه حراكا، ولا لقدميه انفكاكا، ألم أجدك أسيرة ففككت، ومهددة فأمنت، ألم ~~نفتقد كلكاس بعد ذلك فما وجدناه؟ فما بالك وهذه دلائلي وأماراتي لا تزالين لي بالجحود، ~~ولا تعودين لأنسك المعهود، فراجعي يا مولاتي عقلك واعلمي أنك ما كنت إلا في خيال، وما ~~اختبلك إلا رؤية تلك الأهوال، والآن أنت بحمد الآلهة ناحية سالمة، وعن قريب على أبيك ~~الملك قادمة، فلا تجعلي جزائي عما قاسيت بالأمس، أن يقال ردها وبها مس. # وكان الفتى يتكلم ولادياس تسمع، ولا تكاد تعي من شدة الدهش، إلا أن ما أشار إليه ~~الفارس من حوادث الأمس قد أنزل عليها بعض السكينة، كما أن مشابهته لحماس كانت تدعوها ~~للطمأنينة، فما لبثت أن اتهمت ظنونها وأوهامها فرجعت إلى الفتى آمنة مطمئنة تسأله: ~~ومن أين لنا هذا الجواد يا سيدي حماس؟ قال: لقد آن أن يمحى هذا الاسم من لوح خاطرك ~~الشريف؛ إذ ليس له في الحقيقة وجود إلا في وهمك، قالت: فكيف أسميك إذن؟ قال: الأمير ~~بهرام شقيق ملك ملوك ميديا وفارس، فاهتزت لادياس لهذا الاسم وهذا اللقب، وانحنت فحيت ~~الأمير، ثم قالت: من أين هذا الجواد يا سيدي حماس؟ قال: لا حول لنا الآن في هذا الذهول ~~ولا حيلة، فتأملي الجواد أيتها الأميرة لا تجديه إلا جوادك، فدنت لادياس من الفرس ~~فوجدته - حقيقة - جوادها المهدى إليها من مصر، فقالت: ومن ms33 أعطاك إياه.؟ قال: أخذته من ~~مرابط الملك لهذه الغاية، والآن لم يبق يا مولاتي إلا الركوب لعلنا نختصر من الزمن، فلو ~~علمت حال الملك من الوجد عليك، لاخترت أن تطيري إليه مع الريح، قال هذا وأخذ بيد ~~الفتاة فأركبها ووثب بعد ذلك فصار خلفها، ثم أطلق للجواد العنان وهو يهنئ النفس على هذه ~~الغنيمة الباردة. # | بوليقراط والدهر # قد بلغ من شقاء بوليقراط على أثر اختفاء فتاته أنه زهد في الدنيا ولذاتها، وتسلى عن ~~الإمارة وطيباتها، وأصبحت نفسه على نعيمها الموفور تحسد سائر الأنفس على كافة ~~حالاتها، بالجملة فقد حقت كلمة الدهر على طاغية ساموس وعلت الحوادث فوق عليائه، فدهمته ~~بضراء أنسته ما كان من سرائه. # إلا أن البحث عن الأميرة في كل ناحية من نواحي المملكة كان كل يوم في ازدياد، خصوصا ~~أورستان فقد كادت سفنه تقلب الأمواج، عن تلك الدرة الساقطة من التاج. # وكانت نتيجة البحث تعرض على الملك ومجلسه في كل يوم بل في كل ساعة، فلا يزداد إلا ~~بأسا على بأس من لقاء فتاته العزيزة، بل حياته الغالية. # وللوالد العذر؛ فإنه لم يقبض في خلال ذلك الشهر النحيس إلا على رجلين قليلي الشأن، لا ~~يمكن أن يبني على وجهيهما أدنى أمل بكشف الحقيقة، أما أحدهما فأخذ في البحر وفتش زورقه ~~فوجد بأسفله ثقبا صناعيا ينفتح لدى الحاجة وينسد لدى الحاجة كذلك، فكان ذلك مجلبة ~~للريبة في أمره فقبض عليه وسيق إلى السجن، وأما الآخر فوقع في قبضة الشرطة حديثا، وهو ~~وافد على البلد من طريق مهجورة مريبة وبهيئة منكرة مشككة، فلما سئل تظاهر بالبله والعته ~~فلم يزد النفس إلا جناية عليها، وكان نصيبه من البلاء نصيب صاحبه الصياد، وقد تعبت ~~الحكومة وتعب رجالها في بلادة الرجلين وبلاهتهما وتصميمها على الجحود والإنكار، فاكتفت ~~بتركهما في السجن، وكان منها عليهما نسيان طويل. # فبينما الملك ذات يوم كالعادة يشاور أهل مجلسه ويشاورونه في خطبه الجلل، وقد ظهر ~~الضعف عليه وبال وأخذ يهرم قبل الأوان، لم يدر الجميع إلا بالقيامة قد ms34 قامت في المدينة ~~وكان الوقت الضحى والحركة في الطرق والأسواق عظيمة، فساعد ذلك على نمو تلك الضجة ~~الهائلة حتى بلغ صداها عنان السماء. # فأشرف الملك من نافذته ينظر ماذا طرأ، وأشرف من معه من سائر النوافذ؛ فإذا هم برجال ~~كالرياح أو أسرع جريا ووجهتهم القصر، فاستبشر بوليقراط برؤيتهم ووجد يعقوب ريح يوسف من ~~أول وهلة، ثم ما هي إلا هنيهة حتى اقترب الرجال من القصر كل الاقتراب، ثم سبقهم إلى ~~الجدار المشرف منه الملك رجل كأنه سارية، فوقف ثم صاح بصوت كادت تميد له جوانب القصر ~~يترنم بما معناه: # بشراك يا ملك البلاد # إن الذي ترجوه عاد # عادت أميرتنا إليك # ولم يطل منها البعاد # فحين سرت هذه البشرى في حزوق المسامع السلطانية، لم يكن على الملك ساعتئذ إلا خاتم ~~في إصبعه من أنفس ما حمل الملوك والسلاطين، فرمى به إلى البشير فتلقفه وانقلب ~~شاكرا داعيا. # ثم تلت وفد البشرى وفود من الشعب تترى، مهنئة الملك بأناشيد المديح، من كل وزن ~~ومعنى مليح. # ثم أقبل رسول من الأمير بهرام يحمل رسالة مختومة منه إلى الملك، فقوبل من باب ~~القصر إلى الحجرة السلطانية بالوجوه الباشة والصدور الرحبة، حتى إذا مثل بين يدي ~~الملك رفع إليه الرسالة، فتناولها وقرأها؛ فإذا هي قد جاء فيها ما معناه: # مولاي الملك الموقر # قد توفقت بفضل الآلهة ويمن تضرعاتك الأبوية المستجابة لوجدان الأميرة ~~العزيزة، وأنقذتها من يد الشقي بيروس ورجاله بعد شدائد جسيمة، وأهوال عظيمة، ~~والآن نحن عند الباب الثاني للمدينة ننتظر من حكومة جلالتك أن تهيئ لنا موكب ~~الوصول إلى القصر، وهناك أرد إلى الملك فتاته الكريمة كما أخذتها من يد ~~العناية، محفوظة بأكمل السلامة وأتم الرعاية. # التوقيع: الأمير بهرام شقيق ملك ملوك ميديا وفارس # فلم يكتف الملك بقراءة الرسالة في نفسه، بل تلاها على الملأ بلسان تثقله نشوة ~~الطرب، فاشتغل المجلس للحين بتهيئة الموكب المطلوب، وحملت إلى الأميرة وإلى منقذها ~~الأمير ملابس الزينة اللائقة بمقامهما الخطير، هذا بعض ما اتخذت الحكومة من التدابير، ~~وما أعدت ms35 من الاحتفال لاستقبال الأميرة والأمير، فما بال الشعب وقد عرف القارئ ~~مكان لادياس عنده، وكيف كان يحبها جهده، ولا يريد أن يولي سواها عهده، فلا تسل عن مجالي ~~أفراحه، ومظاهر سروره وانشراحه، وحدث بما شئت عن معالم الأنس في المدينة، وما ~~أضفى عليها توا من حلل الزينة. # فلم يكن الأصيل إلا والبلد قد أزين، والموكب قد سار بين إعظام الخلائق ~~والإكبار. # وكان الملك في انتظار وفود الأميرة بالقصر، فحين أقبل موكبها استقبلها هو وسائر أهل ~~مجلسه، كما يستقبل الشحيح كنزه المفقود، أو العليل الفاني عائد الوجود، وهنأها ~~الجميع على نجاتها من شر الأشقياء، ثم أقبلوا على الأمير بهرام وكان متوجا بأكاليل ~~الغار، علامة على الفوز والانتصار، وعنوانا على كسب المجد والفخار، فهنئوه كذلك بخروجه ~~سالما غانما من تلك المعارك، وشكروا له منته العظيمة على الملك والملكة بإنقاذ ~~الأميرة الفخيمة، ثم خاطبه بوليقراط فقال: «أيها البطل المجامل وغدا أقول أيها الصهر ~~الكريم، لقد أعدت للوالد مهجته، ورددت على التاج درته، ومثلك يرجى لهذا ولمثله، وهذا ~~الكنز على عظم قيمته، سوف يقدم لك برمته، فقد أصبحت آمل أن الحكومة والشعب يوافقانني ~~على الاكتفاء بما كان لتقرير القران، وإن نكن قد حصلنا على شرط واحد وبقي شرطان ~~اثنان.» # فقام الأمير على إثر ذلك فقال: «أعد من سعودي أن مولاي الملك قد اختارني للشرف ~~السامي، شرف مصاهرته العلية، وأني بما نلت من جليل ثقته لأسعد، إلا أنه برغمي أن يعلم ~~الملك أن ما مر على الأميرة من الحادثات واختلف عليها من الأهوال لا يزال له أثر خفيف ~~في قواها العقلية، فلقد عهدتها تفقد الصواب في بعض الأحيان فتهذي بوساوس أعجز عن ~~فهمها، وتذكر من الأسماء ما لا وجود له إلا في وهمها، ولكني أبشر الملك بأن هذه الحال، ~~وشيكة الزوال، وأنه لا يمضي على الأميرة أيام، حتى تحصل على الشفاء التام، فقد ذهب عنها ~~الآن معظم ما كانت فيه من الذهول المتاخم للجنون وأصبحت تتماثل، وتنبعث قواها وتتكامل، ~~فكيف اليوم وهي موفورة الراحة والهناء ms36 مردود أمرها إلى عناية الأطباء، فما استتم ~~الأمير حتى عاد الكدر فاستولى على الملك بوليقراط، واشتغل سائر أهل المجلس بهذه ~~الحادثة الجديدة، وأخذ الكل يسألون الأميرة عن أمور حدثت لها في صباها، فأجابت أحسن ~~جواب ولم تخرج قط عن دائرة الصواب، حتى جاء ذكر الحادثة التي نحن بصددها فأحسنت الوصف، ~~ووفت الشرح، وما زالت تفصلها للمجلس تفصيلا من ساعة أن وقعت في أسر الأشقياء إلى ~~ساعة أن دخل عليها حماس، فلما نطقت الأميرة بهذا الاسم كاد الملك يجن لذكره، وكاد ~~جنون أورستان يكون أشد وأعظم، فصاحا معا: وهل خرج حماس من بطن الحوت؟ ثم أردف أورستان ~~بأن قال: أما الأمير فلا يخلو من مشابه من حماس، وأما أن يكون حماس حيا يرزق فهذا ما ~~لا أصدق ولو لقيته وجها لوجه وكلمته فما لفم؛ وحينئذ فلا أحسب الأميرة إلا ذاكرة ما ~~كنت أقوله للملك عن حماس وهي حاضرة، فعلقت اسم ذلك البطل، وهي الآن تهذي به في جملة ~~خطراتها. # ثم انتهت الكلمة الأخيرة من بعد ذلك إلى الطبيب الخاص وكان في المجلس، فلم ير في ~~أحوال الأميرة ما يدعو إلى القلق والفزع؛ بل أبدى أن بضعة أيام تكفي لذهاب الروع عنها، ~~فلا تلبث أن تعود إلى ما كانت عليه من تمام صحة العقل والجسم، وعلى ذلك انفض ~~المجلس بعد أن أمر الملك للأمير الفارس بالمقر اللائق بمقامه، ووكل بخدمته من يعتنون ~~بأمره ويبالغون في إكرامه. # | قرية الوحش الهائل # لما بلغ حماس الصخرة الصماء وكانت الشمس في رونق الضحى، افتقد اللوح فوجده حيث تركه، ~~ووجد عنده ذاك الزاد وذا الماء، فتأبط من فوره اللوح وحمل ما يكفيه هو والأميرة من ~~الطعام والشراب، وحينئذ ذهبت السكرة، وجاءت الفكرة، وأدرك الفتى أنه أساء إلى لادياس ~~إساءة قد تتناول حياتها بتركه إياها وحيدة فوق طريق اللصوص والوحوش، فندم أعظم الندم ~~ورجع على الفور القهقرى وهو يعدو عدو الظلوم، فلم يكن الظهر حتى وصل المكان المعلوم، ~~وهنالك فتش عن مضجع لادياس فلم يجدها فكاد الموقف يطير ms37 بلبه، ودخل في أشبه الحالات ~~بالجنون فذهب بالبحث في غير كنهه، ومضى من بين الصخور يهيم على وجهه، وكان العقل أنه ~~يسلك الطريق الأقصد الأقصر، طريق الدرب الأصفر. # فبينما هو في هيامه يوغل في الصخور إيغالا، ويذهب فيها يمينا وشمالا، سمع زئيرا ~~مادت له الصخرة الصماء، واهتزت له جوانب الفضاء، فما فزع ولا انذعر، بل وقف يتقصى ~~النظر، فإذا هو بأسد هائل كتلة الجسم وقد قصد نحوه يتخطى له الصخر، وهو يهدر كالفحل، ~~فثبت حماس في مكانه، يتراءى للوحش بكل عيانه، ثم اندفع يهتز ويتثنى، ويترنم بهذا الكلام ~~ويتغنى: # إني أنا حماس # لي في الحروب باس # من خير جنس في الورى # تعنو له الأجناس # أريكتي ما أمتطي # وتاجي النحاس # وصولجاني صارمي # والرمح والأتراس # يا من يريد لي الردى # ردت عليك الكاس # وأحصيت منك الحطى # وعدت الأنفاس # ما في حماس حيلة # ولا له مراس # قد تعب الوحش به # وحار فيه الناس # ولست من أكفائه # ولا به تقاس # فطأطئ الرأس له # فما عليك باس # فكانت هذه الصيحات، وما تقدمها من شدة الثبات، وخفة الحركات، كنذير للوحش أن القرن ~~ممن يقام له وزن، ولا يستخف له شأن، فتباطأ في مشيته، وتخلى عن كثير من عزته، حتى ~~صار من بطل الصخرة الصماء وجها لوجه ولم يبق بينهما إلا دائرة النزال، والبعد اللازم ~~للتناوش والقتال. # فبدر حماس إلى الأسد وكان الوحش نادرا في نوعه من؛ حيث الجسامة والضخامة، وطول ~~السواعد وعظم الهامة، حتى كنت تراه بالثيران الوحشية أشبه بالأسود، وكانت له لبد وافية ~~ضافية يحتجب فيها رأسه وتبرز أنيابه من خلالها كأنها المنايا الزرق، وله عينان حمراوان ~~تذيبان الحديد فما بال الإنسان؟ فحين رأى حماس وقد برز له أناف على ساعديه وزأر زأرة ~~رجعت صداها الآفاق، ثم حمل على الفتى حملة منكرة، فتخلى عنها وراغ كالثعلب منه ~~ومنها، فعاد الوحش فثنى وهو يكاد يخرق الأرض ويبلغ عنان السماء طولا من هول دبدبته، ~~وخفته في وثبته، فمرق حماس هذه المرة من تحت بطن الأسد، وهكذا طفق ms38 الحيوان يثب تارة ~~ويحوم أخرى، ويجري يمنة ويصول يسرة، ويقوم ويقعد، ويرغى ويزبد، وحماس يغريه ويجننه، ~~ويطمعه ولا يمكنه، حتى خانته قواه، وخذله ساعداه، فوقف وقد فغر فاه، ولم يبق منه ~~حيا إلا عيناه. # وعند ذلك دنا حماس منه فألقمه اللوح فعضه بأنيابه، فنشبت فيه من شدة الغيظ، وإذ أيقن ~~الفتى أن الأسد عجز تعجيزا، وأنه صار كالعير أو أسهل قيادا؛ أقبل عليه يلاعبه ~~ويداعبه، ويتلطف له ويطايبه، كالظافر المعتذر، أو المجامل وهو منتصر، وكأنما أثر كل هذا ~~التعطف في وجدان الليث فأطرق برأسه وجعل يدور حول قاهره ويحتك به ويحتمي فيه، فخطر ~~حينئذ على بال حماس أن يحفظ هذه الهدية الفاخرة ليهديها إلى الملك حال وصوله إلى ~~العاصمة، إلا أنه استنكف عن أن يسحب الأسد، ورأى أن ركوبه إياه أسمى له وأجلب للراحة، ~~فترك اللوح في فمه كما هو، ورفع رجله فصار فوق ظهر الوحش، وإذا هو لا يتأبى ولا ينفر، ~~ومن عادة الليث أن يتشامخ ويستكبر. # ثم حركه فتحرك يمشي به مستعجل الخطو ناشط الأقدام، ولم يكن حماس يعلم أين يؤم بدابته ~~فملكها الزمام، وسامحها في اللجام، وأرسلها تروم به كل مرام، فما زالت تطوي الصخر نحو ~~الصخر، وتخرج من قفر وتدخل في قفر، حتى مر به الليث على غابته، وهنالك بدت من بعد ~~أنثاه، وإلى جانبها شبلاه، وهي كأنها الفرس الكريم في حسن المنظر وتناسب الأعضاء، وكأن ~~صغيريها ليثان كبيران، وما اكتملا حولا من الزمان، فأشفق حماس من هذا العدد، وظنها ~~خدعة من الأسد فاستل خنجره واستعد للقتال راكبا وهو لا يشم أنها مسبعة، وأن فيها أكثر ~~من هذه الأربعة، ثم أقبلت الأم وولداها يتبعانها وهي تواصل الزئير، تتأهب لتغير، حتى ~~اقتربت من الأسد فلم يكن منه إلا أن أدار نحوها الوجه، ونظر إليها نظرة الزاجر الرادع، ~~ففهمت الإشارة ومشت أمامه ذلولا صاغرة، وشبلاها في جانبيها يسيران حيث تسير. # وما هي إلا ساعة سير على هذه الصورة، حتى بدت لحماس من بعد معالم مدينة تتراءى بين ~~المزارع ms39 والجبال. # ثم إذا به قد دخل في المعمور، فحين رآه الأهالي ولوا منه فرارا، ضاجين صائحين ~~متفرقين ذات اليمين وذات الشمال، وهو يدعوهم لتطمئن قلوبهم فلا يزيدهم نداؤه إلا ~~هلعا وفزعا، حتى ارتبك في أمره، وخشي أن يعود الحيوان فيثور تلقاء جبن الإنسان، فلم ~~يكن منه إلا أنه ترجل ثم ساق البهائم أمامه، وهو يفتش الطرق والأماكن عن محل يودعها فيه ~~إلى حين. # فمر ببعض الملاعب على الطريق مما كان الأهالي يتخذون للمصارعة، وكان متين البنيان على ~~الجدران فعالج بابه فانفتح، وحينئذ تحيل إلي أن أدخل فيه الوحش وجماعته، وأغلق الباب ~~بعد ذلك كما كان. # وكان الناس ينظرون إلى فعله هذا من بعيد، فلما أيقنوا أن الوحوش أصبحت في الأسر؛ ~~بحيث لا يخشى أذاها، انهالوا عليه من كل جانب وهم بين الارتياب فيه والاستغراب، وآنس ~~حماس ذلك منهم فوقف فيهم خطيبا، فشرح لهم الأمر كما جرى، وأخبرهم كيف تمكن من قهر ~~الوحش ولم يجرد لذلك سلاحا، وكيف بلغ من هيبة الأسد له أنه حمل أنثاه وولديه على ~~طاعته، وكيف كان له مطية ودليلا حتى بلغ به المعمور بعد أن يئس من بلوغه. # فعند ذلك علا تهليل الشعب حتى بلغ عنان السماء، ولم يدر حماس إلا بأكاليل الغار، ~~تجعل على رأسه وبالأزاهر تنثر في طريقه وتحت أقدامه، فاستغرب الأمر واستعلم ممن حوله عن ~~السبب، فأخبروه أن الحيوان الذي جاء به وبصغاره أسرى ليس بالأسد كما زعم، وإنما هو ~~الوحش الهائل، وأن تلك القرية قريته المسماة باسمه، لكثرة ما فتك فيها، وأغار على ~~أهاليها، وأن الملك قد أقطعها من يدمر الوحش ونسله تدميرا، فما بال من يأتي به أسيرا؟ ~~وأن عددا كثيرا من أبطال اليونان، وجند ساموس الشجعان، ذهبوا فريسة هذا ~~الحيوان. # ثم إن الصناع في قرية الوحش الهائل اجتمعوا فقرروا فيما بينهم، أن يصنع قفص من الحديد ~~يسع الحيوانات الأربعة لتجعل فيه، ثم يحمل إلى الملك بوليقراط، وبينما هم يباشرون هذا ~~العمل بما في الوسع إتيانه من السرعة، كان حماس يشتغل ms40 بتعهد الوحوش وإطعامها وسقايتها، ~~وهي لا تزاد إلا تعلقا به وألفة له واحتماء فيه. # فلم يجئ اليوم التالي إلا والقفص قد خرج من أيدي الصناع، ولم يبق إلا نقل السباع ~~إليه، فأخذ حماس هذه المهمة على نفسه، فادخل فيه الوحش وأنثاه وصغيريه، وجعل فيه زادها ~~وماءها، ثم اجتمع نحو ألف من أهل القرية فحملوا القفص وساروا به قاصدين نحو العاصمة، ~~وكانت المسافة نحوها يوما كاملا بالسير الحثيث. # | زفاف لادياس لبهرام # تركنا لادياس شغلا لوالدها الملك بعد شغل، وهما بفؤاده الرقيق بعد هم، وإن كان ~~الطبيب الخاص قد اجتهد في التخفيف عليه، حتى أقنعه أن الأميرة ليست مهتلسة العقل؛ بل هي ~~كما يقول الأمير بهرام، مضطربة الوجدان من شدة ما قاست في أسر اللصوص. # إلا أن مقالة الطبيب لم تصدق ولا أغنت من حقيقة الحال شيئا، فإن هذيان الفتاة كان ~~يزداد من اللحظة إلى الأخرى، وكان اختلال الشعور، يظهر عليها كل الظهور، وعلى الخصوص ~~كلما وقعت عينها على الأمير بهرام، أو دخلت معه في كلام؛ إذ تتذكر حينئذ حقيقة الحوادث ~~وتشتاق رؤية منقذها، فلا تجد في بهرام منه إلا مشابه طفيفة، لا تأسو جراحها ولا تبل ~~صداها. # وكان الملك يرى ذلك على فتاته فتزداد آلام فؤاده، ويود في نفسه لو كانت هلكت من أول ~~الأمر، ولم ترد إليه كما هي الآن، جسم ولا روح، وروح ولا حياة، وحياة ولا شعور. # ولهذا كانت لا تمر ساعة حتى يدخل عليها، أو يأمر بها فتخرج إليه، فيمتحنها فيجدها في ~~كل ما تقول، وتفعل كما كانت قبل الاختفاء وأعقل، إلا في أمر واحد وهو الاعتراف للأمير ~~بهرام بمنته عليها بالإنقاذ. # أما بهرام فقد خشي من أول يوم ظهور صاحب الحق بغتة، فيعطي حماس كنزه الذي وجده، ولا ~~يعطي هو إلا الفضيحة والعار، فعمد إلى حيلة من أحسن ما يتخذ في مثل هذه الأحوال؛ ذلك ~~أنه أوعز في اليوم الثاني إلى الطبيب الخاص بصوت رنين الذهب الفارسي، أن يشير على الملك ~~بتزويج الأميرة في الحال، لعل ms41 الألفة إذا انعقدت بينها وبين خطيبها بصفة فعلية؛ تخرج ~~أعصابها من أسر الأوهام. # فتوجه الطبيب توا إلى الملك واستأذن عليه، ثم بذل له النصيحة مزخرفة مقبولة، فلم ~~يكن من الملك عندئذ وهو في موقف الغريق إلا أن أبقى الطبيب في حضرته، ثم أمر بمجلس ~~الشورى الأعلى للمملكة فانعقد للحين. # فلما تكاملت هيئة المجلس أشار بوليقراط لطبيبه أن يتكلم، فقام فألقى على الملأ خطابه، ~~شرح فيها الداء ووصف الدواء ملحا في طلب الزواج ووجوب تعجيله، حتى أقنع المجلس كل ~~الإقناع، فقرر قبول إشارته بالإجماع، ثم ضرب اليوم الخامس من وصول الأمير والأميرة إلى ~~العاصمة، موعدا للاحتفال بعقد النكاح في الهيكل الأعظم. # وما كاد المجلس ينفض حتى صدرت الإشارة السلطانية، لكل ذي شأن بين رجال المملكة ~~بالعمل الذي يرسم له في مثل هذه الظروف ويفرض عليه. # وانقضى اليومان الباقيان في تهيئة معدات القران، وترتيب حفلات المهرجان، حتى إذا كان ~~صبح اليوم الخامس يوم العقد لبهرام على لادياس، تحرك موكب الزفاف بالعروسين حاشدا ~~فاخرا رهيبا، أوله في أرحاب القصر السلطاني وآخره في ساحة الهيكل الأعظم. # ثم وصلت المركبة العالية فاستقبلها على أبواب الهيكل الملك بوليقراط، وكان قد سبقها ~~إليه يحيط به الكهنة العظام وسائر وجوه الدولة الفخام، وهنالك نزل العروسان يختالان في ~~أبهى الحلل، يغيران بزينتهما الشمس في رونق الضحى، فمشيا يجتازان سور الهيكل وطرقاته، ~~وهي كأنها بيوت النمل من زحمة الشعب عليها. # وكان الملك قد أمر في مساء الليلة التي أسفر صبحها عن يوم القران السعيد، بالإفراج عن ~~المساجين فخرجوا مئات يؤدون شكر هذه المنة بالدعاء لجلالته في الهيكل وخارج الهيكل، ~~ويتيمنون بطلعة من هي السبب في هذه المزحمة الكبرى. # حتى إذا بلغت الحفلة تمامها، وأخذت الرسوم فيها نظامها، ولم يبق إلا صدور الإشارة ~~السلطانية للكهنة بالشروع في العمل، لم يدر الناس إلا بصوت جمهوري مسمع قد خرج من بعض ~~جهات الهيكل، فتفزع الجمع والتفت الملك ومن حوله، فحين آنس صاحب الصوت منهم ذلك قام ~~يتراءى لهم بكل عيانه. # ثم قال: أنا ms42 الساموسي كلكاس، أشهد أمام الآلهة والناس، وأعلم أن الشهادة دين، وأن ليس ~~على الآلهة يمين، وأن كتمان الشهادة، جبن وبلادة، وجرم كجرم الكذب وزيادة، فيا أيها ~~الناس لا تغتصبوا حقوق الغير، ولا تنالوا السوي بضير، وأدوا لكل أمانته، وردوا ~~إلى كل بضاعته. # وقال الناس: تكلم أيها الرجل. قل ... أوجز ... أد الشهادة. # قال كلكاس: أيها الناس إن العجلة مذمومة، وإن عواقب التسرع مشئومة، فأمهلوني أخبركم ~~اليقين، وآتكم بالعجب بعد حين. # قال الناس: هذا مجنون ... هذا مهتلس العقل ... خذوه ... أخرجوه. # وكانت الأميرة لما ذكر اسم كلكاس عرتها هزة لم تكن بالعهود، وتحنت على أبيها ~~فطلبت منه أن يستمع مقالة الرجل إلى آخرها، وأن يعلي محل شهادته، فحين برز الجند إلى ~~كلكاس ليخرجوه من الهيكل، أشار لهم الملك أن يكفوا، ثم أمر بالرجل فقدم بين ~~يديه. # وعندئذ حققته الأميرة وعرفه الأمير كذلك فاضطربا، وبدت على الأولى علامات الدهشة ~~والأمل، وعلى الثاني دلائل الحيرة والارتباك. # فسأل الملك كلكاس قائلا: من الرجل، وما عملك، وما تلك الشهادة؟ # قال كلكاس: عبد جلالتكم الساموسي كلكاس خادم الأمير بيروس. # قال الملك: بيروس؟ وكيف أفلت من حبالة الحكومة يا خائن؟ # قال كلكاس: لأنفعك في مثل هذا اليوم يا مولاي. # قال الملك: وأين نفعك؟ ... هات ... أد الشهادة، وحذار من الكذب. # قال كلكاس: أعلم يا مولاي أن هذا الأمير ليس هو منقذ الأميرة، كما كذب عليك ويكذب ~~الآن على الآلهة. # قال الأمير بهرام: أنت الكاذب لا أنا أيها السوقة النذل. # قال كلكاس: السوقة النذل تعرفه مولاتي الأميرة، فأنا أترك لها الكلام. # قالت الأميرة: بل تكلم أنت يا كلكاس، فما عليك من باس. # قال كلكاس: ولكن منقذ الأميرة الحقيقي هو البطل حماس، الجهنمي حماس، المارد حماس، ~~إني لا أذكره يا مولاي إلا وترتعد فرائصي وأكاد أذوب في ثيابي رعبا. # قال الملك: حماس؟ إذن أنت يا لادياس عاقلة ونحن المجانين، اسمع لما يقول كلكاس يا ~~أورستان. # قال أورستان: إني أكاد أجن دهشا يا مولاي، وأتمنى على الآلهة أن يكون هذا الحديث ~~صدقا. # وفي ms43 هذه الأثناء أقبل رجل من أقصى الهيكل يخترق الجمع حتى إذا اقترب من الملك ~~وأورستان، دخل في حديثهما مندفعا فقال: وأنا يا مولاي عبدك الساموسي مندراس، أزكي ~~شهادة كلكاس. # قال الملك: ومن أنت أيضا؟ # قال مندراس: أحد أصحاب بيروس يا مولاي والوحيد الباقي منهم، اضطررت أنا وصاحبان لي من ~~العصابة إلى النجاة يوم الموقعة على زورق مثقوب لبعض الصيادين، فنزل رفيقاي في الطريق ~~مفضلين المسير برا إلى بلادهما، وبقيت أنا وحدي في الزورق إلى أن أسرني بحارة الملك، ~~فزججت في السجن، فلبثت فيه أياما ثم أخذت بنصيب من عفو الملك بالأمس عن ~~المسجونين. # قال الملك: وهل تعرف هذا الأمير؟ # وأشار إلى بهرام، فدنا الرجل من الأمير وحققه، ثم عاد، فقال: هذا أول عهدي ~~برؤيته يا مولاي. # قال الملك: ولكنه يزعم أنه منقذ الأميرة. # قال الرجل: أسأل الآلهة ألا يسلطوا عليه منقذها الحقيقي فوا رأسك لو شهد هذا الناعم ~~أهوال ذلك اليوم، لشاب قبل أوان المشيب. # وبينما الرجل في الكلام سمعت ضجة عظيمة خارج الهيكل كادت تقلقل دعائمه، ثم تلا ~~هذه الضجة زحام شديد على أبواب الهيكل، فأرسل الملك من يأتيه بخبر ذلك، فاندفع الرسول ~~يشق عباب ذلك الجمع الحاشد، ولكنه ما بلغ الباب خارجا حتى لقيه عليه داخلا رجل غائب ~~الرأس في أكاليل الغار، كأنه القمر المنير بشرا وجمالا، أو الأسد الفتي مهابة ~~وجلالا، فتنحى الرسول حتى تجرد حماس عن سلاحه وكان الناس قد انشقوا نصفين وانقسموا ~~صفين، فتمهد الممر للبطل المصري فقصد نحو بهرام لا يلوي على أحد سواه، حتى إذا صار منه ~~وجها لوجه صاح يقول له: هل تم العقد بعد أيها السوقة النذل؟ # قال كلكاس: لقد قلتها له قبلك فلم يصدقني يا سيدي حماس، ولكن ليطمئن قلبك فقد حلت دون ~~تمامه، ولولا ذلك لجئت في الزمن الأخير. # وكانت لادياس قد عرفت حبيبها من أول نظرة، فلا تسل عن فرحها به وشدة سكرها من فرط ~~السرور، ولكنها تركت كلمة الفصل في الموقف لوالدها الملك. # وكان أورستان قد عرف ms44 حماس أيضا بمجرد النظر إليه، فهمس في أذن الملك بذلك، ثم دار ~~بينهما حديث قصير كانت نتيجته أن أورستان تقدم حتى استقبل الأميرة، وخاطبها بصوت ~~يسمع الملأ، فقال: باسم مولاي الملك أسألك يا مولاتي الأميرة: هل هذا منقذك حماس؟ # الأميرة: نعم هو بعينه. # قال أورستان: وهل ترضين أن يكون قرينك الكريم. # قالت الأميرة: بعد مشيئة جلالة الملك. # قال أورستان: كذلك شاء الملك فتقدموا أيها الكهنة العظام، وأدوا عملكم بيمن ~~وسلام. # قال بهرام: ولكني أيها الوزير لا أزال على دعواي بإنقاذ الأميرة، وإني أنا نجيتها من ~~الغم لا هذا الرجل، وقد وعدني الملك بالقران فلا يفكه من وعده إلا قرار القضاء، إن كان ~~في البلاد شرائع ولها قضاة. # فحين سمع الملك والشعب هذه العبارة حاروا ودهشوا، وتحولت أبصارهم إلى حماس ينظرون ~~ما يكون من جوابه، فالتفت الفتى إلى منازعه وقال: البلاد أيها الأمير عامرة بعدل الملك ~~ملآنة من قضاته العادلين، ولكن مسائل الشرف والشهامة يفصل فيها بطريق الشرف والشهامة، ~~فإن كان ولا بد فإن السيف بيننا وهو خير الحاكمين. # قال بهرام: وأنا قابل حكمه. # قال حماس: إذن فاخرج بنا خارج الهيكل، وهناك تعطي السعادة من تشاء وتمنع من ~~تشاء. # فاستحسن الجميع عمل حماس هذا، وخرج الرجلان توا يتبعهما نفر من ضباط الملك، ~~وخلق كثير من نظار الحروب وعشاق المعارك، وبقي الملك والأميرة وسائر وجوه المملكة في ~~الهيكل ينتظرون المبارزة. # المبارزة # لا يجول في نفس القارئ عند سماع هذا اللفظ ما كان يجول في أنفس الساموسيين؛ إذ ~~هم في الهيكل ينظرون ويسمعون، من أن القتال لا بد أن يسفر عن مصرع بهرام، وانتصار ~~حماس عليه لأول وهلة، وحال الصدمة الأولى. وهذا لأنه لم يعهد في بهرام أنه بطل ~~شديد وكمي صنديد، وأن الذي جعل فيه مشابه خلقية من حماس قد خلقه كذلك على مثاله في ~~ثبات الجأش وشدة البأس؛ بحيث لا يستخف بشأنه، ولا ينزل به كثيرا عن قرنه، والآن ~~نصف المبارزة فنقول: لما صار البطلان خارج الهيكل ولم يعد يؤخذ عليهما ms45 حمل السلاح، ~~ومراس النزال والكفاح، اتفقا على أن يجعلا ميدان الهيكل ساحة الملتقى لقربه من محفل ~~الزفاف. # فحين بلغاه اختارا السلاح لا مصريا ولا فارسيا ولكن يونانيا؛ ليكون أقرب ~~للعدل وأجلب لتكافؤ القوى، فوقع الاختيار على الحسام البتار، ثم التف حولهما الشهود ~~كالحلقة المفرغة من فرط الزحام، وشدة الاستحكام، وعندئذ بدأ القتال فترك حماس ~~لمبارزه الوثبة الأولى فحمل عليه بهرام بحد الحسام حملة يجفل عن مثلها الحمام، ~~فتنحى حماس فضاعت وطأتها الثقيلة على الهواء، ثم وقف الأمير يلتقي ويتقي وحماس ~~أمامه كالنمر المغضب يروح ويجيء ويصول ويجول، وهو لا يتمكن منه في حركة من الحركات، ~~ولا يغني عنه منه الثبات في الوثبات، حتى عيل صبره لهذا الحال، وظن أنه غير ~~قادر على خصمه، ورأى الناس عليه ذلك؛ فأوجست الأنفس خيفة ودب الروع في ~~القلوب. # وكان بهرام أول أمره يبارز براز المستقبل المستميت، حتى إذا نظر إلى سواعد الخصم ~~وقد كلت وملت، ورأى الخور يأخذ عليه في القتال مأخذا، عاوده الأمل بالحياة ~~وثاب إليه الرجاء بالمستقبل، فازداد قوة على قوة، واستجمع كالأسد ليعقب الوثبة ~~القاضية. # وفي هذه اللحظة زأرت الأسود في قفصها فملأ دوي زئيرها الآفاق، وجرى ذلك في خروق ~~مسامع الفتى فنفر كالليث الجريح، وترنم يقول بلسان فصيح: # تعيرني الأسود بأن قلبي # يخور ولا يساعد ساعديا # وقلبي لو رأته الأسد يوما # وجسمي في الثرى لرأته حيا # يفوز الخصم بي في كل آن # وكنت بأن أفوز به حريا # فما في صدره ما عند صدري # ولا في كفه ما في يديا # ولكن غادة أخذت فؤادي # لينصرني فرديه إليا # وعلى أثر هذا النشيد تصادم البطلان، والتقى الخصمان، فكانت الدائرة أول ~~الملتقى على حساميهما؛ إذ تحطما من شدة الصدام. # ثم طارا عن أيديهما إلى فضاء بعيد، وكان سكر القتال قد أعماهما وأصمهما فلم ~~يشعرا بما أصاب السيوف، ولا طلبا سواها لاستئناف الضراب بل اكتفيا بالسواعد، وما هي ~~إلا هنيهة حتى تماسا فتمازجا فاتحدا، وكان حماس في هذه الأثناء قد شبك يديه من خلف ~~ظهر ms46 الأمير، فلم يدر الناس إلا بهما كليهما قد سقطا متحدين كما كانا في حال ~~القتال. # وعندئذ أقبل الملأ عليهما يحركونهما وهم لا يشكون أنهما فارقا الحياة، أو أن ~~أحدهما بالأقل قد مات، وفي الواقع ما لبث حماس أن خلص جسمه من ذراعي الأمير، وكان ~~كأنه منهما بين ناب الليث والظفر من قوتهما قبل الموت وجمدوها بعده، فنهض الفتى ~~قائما بين تهليل الشعب وهتافه، فكان أول ما أتى على إثر هذه الإفاقة أنه جثا عن ~~رأس القتيل ثم قبله من فوق جبينه البارد، وهو يبله بعبراته ويقول: «إلى ~~الحياة الأبدية أيها البطل العظيم، فوا حرمة الآلهة ما وجدت في البشر نظيرك، ولا ~~عهدت في السباع مثيلك.» # العقد # وكان نبأ انتصار حماس على الأمير بهرام وقتله إياه بالساعد لا بالحسام قد نقل ~~إلى الهيكل في حينه، فسر الملك ومن معه به سرورا لا مزيد عليه، وأنه لم يعدل ~~عشر معشار ما استحوذ على الأميرة من الفرح والحبور. # فصدرت الإشارة حينئذ بعودة البطل حماس إلى الهيكل، فعاد بين خلق لا يحصى ممن ~~شهدوا الموقعة، وهو يكاد ينوء بأكاليل الغار، ويختفي فيما ينثر عليه أينما سار، من ~~ورق الغصون والأزهار، فلما تراءى شخصه آيبا قوبل في الداخل بمثل ما لقي في الخارج ~~من ثناء الناس وإعجابهم، وإشارتهم إليه أينما توجه بالبنان. # حتى إذا اقترب من الملك تقدم بوليقراط فصافحه ثم قبله وهناه على ما نال من عظيم ~~الفوز وباهر الانتصار، وحذا عظماء المملكة بعد ذلك حذو سيدهم فتقدموا واحدا ~~بعد واحد فصافحوا بطل اليوم والأمس وهنئوه بما أوتي من صفات الشجاعة ~~الجلائل. # وبعد ذلك أشار الملك إلى الكهنة أن يعملوا عملهم، فاعترضه حماس قائلا: «إنني أعد ~~مصاهرة الملك من أشرف النعم وأجل السعادات، ولكني أتمنى على جلالته أن يجعلني ~~على وعد منها الآن، حتى أستوفي الشرط الأول من شروط القران، أما العقد فلا يكون ~~إلا في آخر هيكل من الهياكل الأربعين اليونانية، التي سأبنيها لعروسي الفخيمة في ~~بلادي ووطن آبائي وأجدادي.» # فلم يبق في ms47 نفس أحد من الحضور تلقاء هذا الشمم العالي شك أن بين جنبي الفتى ~~نفس ملك عظيم، وأن رجلا يكون بهذه الصفات النادرة، وعلى هذا الجانب من شرف ~~الأخلاق، يسير عليه إذا عقد العزم أن يقول ويفعل، إلا أنه لم يسع الملك - على ~~إثر ذلك - إلا قبول إشارة حماس على ما فيها من التطوح في الآمال، والتطرف في الثقة ~~من الحال والمآل، فأجاب صهره بأنه راض بما قضى به، وأن لادياس منذ اليوم وديعة لدى ~~أبيها يطلبها متى شاء. # ثم انفض المجلس وخرج الملك ويده في يد صهره وهما يتحادثان، ثم صعدا في المركبة ~~السلطانية فسارت بهم تشق عباب الجماهير من أهالي ساموس وهم بين المهابة في حماس ~~وإكبار، حتى بلغت القصر، وهنالك هيئت له المقاصير اللائقة بمكانه من نسب الملك، ~~وحمل إليها جميع ما تشتهي النفس من دواعي الراحة وفرط النعيم، ثم عرضت من بعد ذلك ~~عليه أن يقيم بها ما شاء، ويرحل عنها متى شاء، فرغب الفتى في أن تكون مدة إقامته في ~~ضيافة الملك شهرا من الزمان. # كلمة على حماس # كان المصريون قد فقدوا كرامتهم من زمن في أعين الأمة الساموسية وسائر الأمم ~~الأجنبية؛ وذلك بسبب ما اشتهر عن فرعون أبرياس (ملك مصر يومئذ) من نقضه عهده مع ~~الملك سيدياس ملك يهودا من بلاد فلسطين، وكان قد عاهده أن يمده بجيوشه لحماية ~~مملكته من غارة الملك بختنصر، حتى إذا أغار الأشوريون على بلاد سيدياس لم تكن جنود ~~مصر وصلت لتنجد الضعيف على القوي، فوقع بيت المقدس في قبضة بختنصر، فنشأ عن ذلك ~~فقدان كرامة المصريين في أعين الأمم المعاصرة، بعد أن كانوا إلى ذلك الحين المثال ~~المحتذى بين الشعوب في كرم العهد ورعاية الذمام. # على أن خيانة الملك هذه كانت أشد تأثيرا في رؤساء الجنود المصرية أنفسهم ~~منها في الأجانب؛ لأنها إنما تمس كرامة الجيش مباشرة وتوصل الأذى إلى شرفه ~~الرفيع. # وكان حماس من ضباط الطراز الأول في الجيش، وله سطور في سجل الانتصارات المصرية، ~~وكان قد اتصل ms48 أخيرا بخدمة الملك الخصوصية، فأتيح له أن يطلع على نوايا أبرياس، ~~نحو الملك سدياس، وما يضمر من خذلانه والتخلي عنه ساعة الشدة، فعارض في ذلك أشد ~~المعارضة، وكان وحده في معية الملك لسان الجيش والمدافع عن شرفه وكرامته، حتى إذا ~~أخفق مسعاه لم يجد بدا من الاستقالة فاستقال. # رأيت ملكا بلا استقامة # لا صدق فيه ولا سلامة # فعفت باب الأمور حتى # خرجت بالعز والكرامة # وكانت أحاديث لادياس في ذلك الحين قد ملأت الآفاق، وأخذ الشجعان في كل البلاد ~~يشتغلون بأمرها وينظرون إليها عن جوهرة في صدف الأخطار، لا يغوص عليها إلا كل مخاطر ~~عنيد جبار. # وإذا كان حماس في جملة من بلغتهم أوصاف الفتاة، وما يعترض دون اقتناصها من ~~الصعوبات، التي تكاد تكون من المستحيلات، لم يلبث أن زينت له البطالة ركوب هذا ~~المسلك الوعر، والتماس المزيد من الشهرة في اصطياد عنقاء ساموس، فاشترى لهذه الغاية ~~مركبا ثم سافر عليها قاصدا الجزيرة، فالتقى في طريقه بمراكب أورستان، وكان من ~~أمره المعروف بعد ذلك ما كان. # هذه كلمة نوردها عن حماس، وهو على أبواب مصر، ليعلم القارئ كيف كانت صفات ~~الفتى، وهو في عنفوان صباه، وما كان عليه من قوة العزيمة، وثبوت الإرادة وشدة ~~الإقدام، إلا أن المدة التي ارتاح إلى أن يقيمها في قصر الملك ضيفا كريما ~~على بوليقراط وأهل بيته ورجال حاشيته، كان من شأنها أن تحدث تغيرا عظيما في ~~أخلاقه وأطواره، لا بد تظهر نتيجته في مستقبل الأيام، فإن التمدن اليوناني ~~وهو أدبي محض كان أجمع لشمل اللذات، وأوعى لصنوف الطيبات، وأسمى بالقوى العقلية ~~لعلى الدرجات، من الحضارة المصرية التي هي بعكس الأولى محض مادية، لم توف قسطها من ~~الفنون الجميلة، ولم يرزق أصحابها هبة الفكر الجليلة. # فكان حماس من قصر الملك في معرض جامع لأسمى مظاهر تمدن اليونان القديم، ~~وأبهى مجالي عزهم والنعيم؛ حيث التفت فوجد حوله عقولا في درجة عالية، وأفكارا في ~~منزلة عظمى، ولغة مملوءة من الحياة قادرة على الغايات، وفنونا جاوزت في الجمال ~~حد ms49 الجلال؛ من نقش وتصوير وغناء وموسيقى وشعر وخطابة، إلى غير ذلك مما هو ~~الصبغة الخاصة بالمدنية اليونانية القديمة، فلا غرو أن يكون للفتى من ذلك كله خير ~~مدرسة متممة لما هو عليه من الأخلاق المصرية القويمة. # حتى إذا أوشك الشهر ينقضي، ولم يبق إلا أن يستعد حماس للسفر عائدا إلى بلاده، ~~أمر الملك بثلاث من السفن السلطانية، فهيئت ركابا له تحمله إلى حيث يريد ~~الذهاب. # ولما كان يوم الرحيل ركب في واحدة منها، بين خلق لا يحصى من الشعب الساموسي ~~خاصة، مشيعين ضيفهم العالي بالقلوب والأبصار، ثم تحركت الفلك تشق به العباب ~~وتغالب التيار. # الباب الثاني # | الحوادث في مصر # | نظرة تاريخية # كان الحاكم على الأقاليم المصرية في الزمان الذي نحن بصدد الكلام عنه، ملك من ملوك ~~العائلة الإحدى عشرية، يقال له فرعون أبرياس. # وكان قليل المهابة ساقط الشأن في الداخل، ميت الذكر في الخارج، لا من الفراعنة ~~المحاربين، ولا من عشاق السلم الممدنين، لكن من فريق يمرون بالعرش مرا، وما أجلسهم ~~عليه إلا الميلاد، ولا نالوه إلا بفضل الآباء والأجداد. # وكانت مخايل السعادة حين ذاك لأمة الفرس، فبينما إفريقية نائمة بنوم مصر ساكنة ~~بسكونها، كنت ترى آسيا تموج وتتحرك، وهي من العناية على وعد، والجواري يجرين لها ~~بالسعد، وقد شرع الدهر يمثل على مسرحها الهائل رواية مما يخرج للناس بين العصر ~~والآخر، علا فيها فوق علياء الفراعنة ودك بغيهم ببغي من مثله، والله للباغين ~~بالمرصاد. # وما بطل رواية الدهر في هذه المرة إلا الملك الأشهر كيروش ملك ملوك فارس وميديا، ~~وكان أول إقباله وبداية فتوحاته مشتغلا بإخضاع البلاد المجاورة التي هي طرق جيوشه ~~الجرارة، وشعاب عارضها الهطل إلى شاسعات الممالك وبعيدات الأمصار. # إلا أن فارس مع ما هي عليه من سعود الطالع ويمن الأمر، والثقة من الدهر، كانت لا تزال ~~تهاب مصر في ماضيها بقدر ما كان ملكها الأشهر كيروش جميل الظن في الحضارة المصرية، شديد ~~الإعجاب بها، مؤملا منها المنفعة لمملكته الناشئة، والخير لأمته الحديثة العهد بالفخار ~~والمجد، وكل ms50 من قرأ تاريخ هذا الملك الحكيم، وتأمل معاملته لفرعون مدة حكمه الطويل؛ ~~عرف - لأول وهلة - أنه إنما كان يريد أن تبقى مصر ولو إلى حين، بمثابة مدرسة كبرى ~~للفرس يحذون في المجد مثالها، ويسيرون فيه على نهجها الفاخر الجليل. # إلا أن مثل هذه الحكمة من ملك فاتح مغوار مثل كيروش، لم تكن لتبقى سليمة الخلال، ~~مأمونة الاتصال، إلا إذا قوبلت بأعظم منها من لدن ملوك مصر، وإذ كان فرعون إيرياس دون ~~هذه المهمة رأيا وذكاء، وحذقا في السياسة ودهاء، فقد ظلت مصر في أول أيامه على خطر ~~الوقوع يوما ما في قبضة الفرس. # على أن الدهر وهو قد عود مصر أن يعطيها من حيث يحرم، وأن يؤمنها من حيث يخيف، كان قد ~~أحتاط لملكها فهيأ له من هو أصلح له ومن يقيه السقوط في الهوة، التي كان أبرياس ~~يدحرجه إليها، أصلح له ومن يقيه السقوط في الهوة، التي كان أبرياس يدحرجه إليها، فإن ~~الجند في مصر ما لبثوا أن سخطوا على الملك وسياسته المبنية على هجر المعالي، معالي ~~الفتح والانتصار، والانكماش في مثل سلوك البهائم حتى أوشك الشرف العسكري المصري أن ~~يؤذى من دوام هذه الحال. # ولم تكن حركة الخواطر في الجيش ضد الملك بأقل منها في سائر جهات الحكومة، وعلى الأخص ~~في دوائر الصناعة التي مات يومئذ بموتها خلق كثير. # إلا أن الفتنة ما زالت نائمة لا يجسر أحد على إيقاظها، حتى اشتدت القلاقل ~~الداخلية فظهر فيها جبن الملك في غاياته، وبدا للناس منه الحمق عند نهاياته، فطمع فيه ~~من طمع، وتجرأ عليه من تجرأ، وأصبح الأمر فوضى، واستعد الجيش والشعب في مصر لظهور جندي ~~سعيد يأخذ التاج غصبا، وهذا الجندي هو البطل حماس - كما سترى بعد. # | الاستعداد في مصر لاستقبال حماس # كانت شهرة حماس وأنباء شجاعته الفائقة قد سبقته إلى وطنه، فكان لها أحسن تمهيد من ~~ماضي الفتى في خدمة الجيش، والصفات العالية التي طالما امتاز بها من بين أقرانه. # وإذ كانت أخبار الشجعان في كل أين وآن ms51 ، يغالي فيها ويبالغ حتى تبلغ إلى الخرافات، فقد ~~صارت أحاديث حماس في مصر موضع اشتغال الأطفال، فما بال الرجال، وأصبحت هي الحكايات ~~والأمثال، فنشأ عن ذلك تمكن حب الفتى من قلوب الشعب وسريان المهابة له في الأنفس، قبل ~~أن تطأ قدمه تربة الوطن آيبا من جزيرة ساموس. # ولم يكن لحماس حاسد على هذه الشهرة الفائقة سوى الملك أبرياس، إلا أن الغباوة دفعت به ~~إلى تدبير حيلة يبرأ الصبيان منها، وذلك أنه يعيد حماس بمجرد وصوله إلى وظيفته في ~~البلاط، وكان الفتى قد استقال منها قبل سفره إلى جزر اليونان، بلا باعث سوى كونه ضابطا ~~ذكيا حرا يقول الحق ولا يحيد في حال من الأحوال عن الصدق، وللأسباب التي تقدم ذكرها ~~فأراد الملك هذه المرة أن يطفئ نور حماس، باستخدامه في القصر؛ حيث الأيدي مغلولة عن ~~الأعمال، وحيث مظهر الملك والسلطان فوق كل مظهر وشأن. # فلما وصلت السفينة اليونانية المقلة لخطيب لادياس، كانت على الشاطئ حوالي نقراطيس ~~«فوه الآن» خلائق لا يحصى لهم عدد قد أتوا من أقاصي البلاد، لتحية بطل مصر الشاب حال ~~وصوله وعرفانه بالذات، مثل ما عرفوه بالصفات. # وكان الجمع من كثرة العدد وشدة الزحام؛ بحيث لم يكن عسيرا على حماس أن يقوم بعمل ~~عدائي تكون نتيجته وبالا على البيت المالك، وتستحيل شرارته في أقرب وقت إلى جمرة لا ~~طاقة لأبرياس بإطفائها، إلا أن نشوة الشهرة لم تغلب الفتى على حزمه وقوة عقله، فوقف ~~بالآمال عند حده، مكتفيا بهذه الخطوة الأولى العظمى في سبيل المجد والفخار. # حتى إذا ألقت السفينة مراسيها، ونزل حماس عنها تحوطه السفينتان الأخريان، كأنهما ~~لعقاب فلكه جناحان، ضجت الألوف من الناس بالهتاف الشديد الموصول، وكان أول من تقدم ~~فحياه مصافحة رسول الملك أبرياس، وكانت له أيام على الشاطئ ينتظره مع المنتظرين، ويفتش ~~عنه السفين بعد السفين، فحين وقعت عليه عينه خف لاستقباله وبالغ له في الخطاب، ثم أخبره ~~أن أنباء الشجاعة الفائقة كانت ترد على الملك أولا بأول وفي حينها، وأن جلالته كان يسر ms52 ~~بها ولا يستكثرها على صفاته العالية المعلومة لديه، وأنه من أجل ذلك كله وتذكارا ~~لخدماته السابقة الجليلة في الجيش قد قلده رتبة القائد، ورقاه لوظيفة حارس أول لذاته ~~الفخيمة. # فتلقى حماس خبر هذا الإنعام بالقبول الحسن والشكر الوافر، وهو في نفسه حذر من الملك ~~مرتاب، ثم قدم له الرسول جوادا كان قد أعده لركوبه، فركب الرجلان وسارا من ~~فورهما قاصدين مدينة ساييس (صان الحجر الآن) لمقابلة الملك في قصره بها. # | أين اللوح؟ # كان وصول حماس ورفيقه إلى ساييس ليلا؛ أي بعد أن نام الملك وهدأت المدينة، فلم يبق ~~بها من ساكن يخشى تحركه، وكأن هذه أيضا حيلة من أبرياس دبرها في نفسه، ثم أوعز إلى ~~رسوله المرافق لحماس بإنفاذها، فأنفذها على ما يرام. # وفي الواقع كان باب المدينة الذي دخل منه الرجلان لا يزال مفتوحا، مع أن الأصول ~~المتبعة يومئذ لم تكن تسمح ببقاء أبواب المدينة مفتحة إلى مثل الساعة التي وصل ~~فيها حماس من الليل. # ثم إن الفتى لما وصل إلى القصر؛ ليقضي بقية الليل في غرفة منه - كما هو من ~~واجبات وظيفته الجديدة - وجد أبوابه مفتحة كذلك، كأنها تنتظره ريثما يصل ثم تغلق، ولم ~~يكن من الأصول أيضا أن تبقى أبواب القصر مفتحة بعد انصراف الناس منه، ودخول الملك ~~إلى مقاصير الحرم. # فاستنتج حماس من هاتين الحادثتين أن الملك اتفق هو ومندوبه أن يكون وصوله مع حماس ~~في ساعة متأخرة من الليل؛ لكيلا يشعر أحد بقدومه، فتتولد في المدينة حركة لا تحمد ~~عقباها، إلا أن الفتى لم يعر هذا العمل الصغير كبير اهتمام، بل استمر في محادثة رفيقه ~~وملاطفته، حتى صار على باب الغرفة الخاصة بالحارس الأول في القصر، وهنالك شكر للضابط ~~حسن قيامه بتلك المأمورية التي يعدها من الملك تشريفا له لم يكن يستوجبه، ثم تركه ودخل ~~مقصورة نومه لينام، وما كادت المضاجع تطمئن بجنبه حتى أخذه الكرى، فرأى في منامه ~~نفس الرؤيا التي رآها وهو على الدرب الأصفر؛ إذ هو بجانب لادياس، وإذ هما يتوسدان الحصى ms53 ~~والرمال، فهب من نومه بحالة المجنون وهو يصيح: أين اللوح؟ أين اللوح؟ # وعندئذ لم يدر الفتى إلا برجل يتقدم نحوه في الظلام وهو يقول بصوت منخفض: لا تخف ~~يا سيدي حماس، لا تخف يا سيدي حماس، إنني من أصدق محبيك وأكبر أنصارك، ولولا ذلك ما ~~استهدفت بحضوري في مثل هذه الساعة ودخولي غرفتك على هذه الصورة، فانزل عن سرير نومك ~~وأنا أريك أين اللوح. # فما استتم الرجل حتى كاد حماس أن يطير لبه دهشا واستغرابا، فقال للرجل بلسان ~~معقود بالحيرة: ومن ذا الذي أتى باللوح من ميدان الهيكل، وأنا على يقين أنني تركته ~~نسيا هنالك عندما كنت أبارز بهرام. # قال الرجل: لا، بل هو هنا يا سيدي هنا ... أمامك ... تحت قدميك فانزل وأنا أريك ~~إياه. # قال حماس: لعلك مجنون أيها الرجل أو أنت آت لتفتك بي غدرا، فإن كان لك في الحياة ~~أرب، فاخرج من فورك، وإلا قتلتك شر قتلة. # قال الرجل: بل أنت المجنون يا حماس؛ إذ ليس اللوح على ميدان الهيكل، بل هو أمامك كما ~~قلت لك ... تحت قدميك وليس عليك إلا أن تنزل عن سرير نومك، ثم تخطو خطوة واحدة لتراه، ~~فانزل هات يدك، إنني ما أتيت لأفتك بك كما زعمت ظلما، بل أنا أريد أن أنقذ ~~حياتك. # ثم إن الرجل أخرج من جيبه فتيلا فأشعله، فلما تأمل حماس صورة مفاجئة في الضوء ~~اطمأن واستأنس ونزل عن مضجعه قائلا: وأين ذاك اللوح أيها الرجل؟ # قال الرجل: ها هو بين عينيك، تأمل! # فتأمل حماس أرضية الغرفة، وإذا بالتحقيق فيها لوح لا تكاد العين تعرف حدوده منها، ~~إلا إذا وجدت من يهديها له، وهو عظيم يكاد يشغل نصف مساحة الغرفة، وقد دار بسرير النوم ~~من جهاته الأربع، فحين حققه حماس رفع عينيه ثم سأل الرجل قائلا: أوتعني باللوح ~~هذا؟ # قال الرجل: وأي لوح يهمك أنت أكثر من هذا، وهو قبرك الذي حفر لك، فبينا أنت عليه في ~~سبات عميق، إذ أنت تحت الثرى في قرار سحيق. # قال حماس: لقد ms54 حسبتك تتكلم عن اللوح الإلهي، إذ هو وحده يهمني ولا يهمني سواه، فانطلق ~~الآن لشأنك ودعني ونفسي والأحلام، فقد كفى ما قطعت علي المنام. # قال الرجل: إن الذي أعطاك الإقدام والبسالة، سلب منك عقلك لا محالة، ولو لم أكن ~~أضل منك عقلا لما سعيت في إنقاذك، ولا خاطرت بحياتي من أجلك، والآن فاستعد للقاء ~~حينك، وإني أستودعك النار، وبئس القرار. # ثم إن الرجل عالج الباب بلطف؛ فانفتح فخرج ينسل انسلالا، تاركا حماس وحده في ~~الغرفة، وكأنه لم تجر بينهما تلك المحادثة الطويلة، ولا علم حماس من محدثه؛ لأنه إنما ~~يضطجع في فراش المنية، ويقرب نفسه للهلاك كما تقرب الضحية، بل انثنى إلى المضاجع فانغمس ~~في خزها وكتانها، وقد ذكر باللوح لادياس، وأياما تقضت له في البؤس بسببها، ثم في ~~النعيم بقربها، فتهيج ساكن أشجانه، وتأجج كامن نيرانه، وأخذ يعض بنان النادم الآسف على ~~ما أفات نفسه من نعمة الحصول عليها، ونعيم المقام لديها، على حين قد تهيأت له المنى، ~~وكان له عن كل ذلك الطمع غنى. # وبينما هو في هذه الأحلام، بين اليقظة والمنام، لم يدر إلا باللوح كان وطاء، فصار ~~غطاء، ثم بالسرير يهوى به في ظلمات بعضها فوق بعض، حتى استوى على مثل اللحد الضيق من ~~الأرض، فاستقر به الهبوط هنالك فنهض حماس واقفا؛ حيث ما في الموت شك لواقف. # ثم التفت فرأى الجند من كل الجهات وقد سددوا نحوه السهام، لا ينتظرون إلا الإشارة ~~ليذيقوه كأس الحمام، فصاح عندئذ قائلا: (أخيانة يا قوم؟) فلم يجبه إلا الكهنة من خلف ~~الجند بنشيد الموت المحزن الرائع، فلم يبق في نفس الفتى شك ساعتئذ أن الملك قد اغتاله، ~~وأن منيته قد دنت لا محالة، إلا أنه تجلد للشماتة، ولبس للموقف لبوسه من الاستجماع ~~والوقار، فقال يخاطب الجلادين (إذن فاعملوا عملكم؛ فإني مستعد للقاء الدار الأبدية) فلم ~~يجبه في هذه المرة أيضا إلا الكهنة من خلف الجند بنشيد الموت المحزن الرائع. # وكانت هذه الهنيهة بين النشيدين كافية لرد العاشق إلى ادكار ms55 معشوقه، والخاطب إلى ~~الفكر في خطيبته، وما وعدها من مستقبل بالحب سعيد، وعيش في الهناء مديد؛ بحيث أصبح ~~دينا عليه أن يحيا لتحيا منها الآمال، وأن يعيش من أجلها على كل حال. # وعلى إثر هذه الخطرات جبن البطل وخذلته نفسه الأبية لأول مرة، فسكبت عيناه ~~الدموع وهو يرفعهما نحو سماء الحب ويقول: (أيها الآلهة العظام ثبتوا برحمتكم ~~أقدامي، وأعينوني على رؤية هؤلاء الجلادين) فجاءه هذه المرة أيضا من الكهنة خلف الجند ~~يشيرون بنشيد الموت المحزن الرائع. # وعندئذ أيقن حماس أن الإشارة صادرة للجند لا محالة، فأمسك عن الكلام، وسدد صدره ~~نحو السهام، كمن يستحث الحمام، وفي هذه الأثناء تنحى الجندي الذي أمام حماس، ~~وقال بصوت جهوري رهيب «الملك». # فحين سمع سائر الجند هذه الكلمة، أمالوا الأسلحة وانحنوا بهيئة تعظيم يستعدون لتحية ~~الملك، حتى إذا تراءى شخصه كان حماس أول مؤد للتحية، فأشار أبرياس للجند أن ~~يبتعدوا ففعلوا، ثم قال يخاطب حماس: أعرفت أين أنت الآن يا حماس، أرأيت كيف ~~أمسيت؟ # قال حماس: أسير احتيالك يا مولاي، ورهين اغتيالك، فعجل؛ لعلي أستريح من رؤية ~~هؤلاء الجلادين. # قال الملك: ولكني إلى العفو أميل يا حماس. # قال حماس: وهو منك أحرى يا مولاي. # قال الملك: لكن العفو معلق بشروط ثلاثة، فإن تحققت حصل، وإلا فلا سبيل إليه. # قال حماس: وما هي هذه الشروط يا مولاي؟ # قال الملك: أن تعترف أولا أنك استوجبت عقوبة الإعدام، بما صرحت به في ساموس من ~~تعلق آمالك بالملك، وسعيك في اغتصاب تاجي وعرشي، وثانيا أن تكتب إلى بوليقراط بأنك ~~لم تعد تطمع في ملك سيدك ومولاك، بل تكتفي بما بلغت إليه في حكمه من رفيع الرتب ~~وعظيم المناصب، وثالثا أن تقسم بالآلهة وبالشرف العسكري أنك لا تخونني ولا تتصدى ~~لإيذاء عرشي، بل تكون له طول حياتك الخادم الأمين، والناصر في الملمات والمعين، وهذا ~~كله بالكتابة وفي هذه الورقة، قال هذا، وقدم للفتى طرسا وقلما ودواة، فتردد حماس بادئ ~~بدء بين قبول هذه الشروط ورفضها، إلا أن البطل لم ms56 يلبث أن انخذل، وناب العاشق ~~فامتثل. # فمد حماس يده وأخذ من الملك أدوات الكتابة، ثم كتب جميع ما أملى عليه ووضع اسمه بعد ~~ذلك في أسفل الورقة، ثم دفعها إلى أبرياس، فتناولها فرحا مسرورا، وقرأها فألفاها كل ~~ما طلب وأزيد، فطواها وجعلها في بعض جيوبه، ثم التفت إلى حماس فقال: الآن عفوت أيها ~~القائد، وأعلم أنه لا تمضي أيام قلائل حتى أكون قد نقلت كبير حرسي إلى وظيفة تليق به ~~في الجيش ثم أجعلك مكانه، فتكون قد رقيت في شهر واحد لرتبتين من أسمى الرتب في ~~المملكة، ووليت منصبين من أرفع المناصب فيها. # قال: وأنا عاجز عن الشكر يا مولاي تلقاء هذا الكرم الباهر، وليس عندي ما أقدمه سوى ~~الدعاء بدوام وجودك، قال: إذن فاطرح نفسك على السرير كما كنت، وهو يخف بك صاعدا حتى ~~يبلغك غرفتك، قال: سمعا وطاعة واضطجع في السرير كالنائم، فتقدم الجند عندئذ وحركوا ~~الآلات فتحرك السرير معها، فلم يكن كلمح البصر حتى صار حماس فوق الأرض بعد أن كان ~~تحتها، فقضى بقية تلك الليلة في هواجس وأوهام، ويقظة ملآنة من الأحلام. # | اتفاق غريب # أطاوع في لادياس الزمان # فيوما شجاع ويوما جبان # ويوما أطاع ويوما أطيع # ويوما أعز ويوما أهان # ويوما أراني رخي القياد # ويوما أراني عصي العنان # حلفت لفرعون لا خنته # وقد كان لي ولفرعون شان # ولولاك لم أهو ملك البلاد # ولولاك لم أسل قبل الأوان # يمين لأبريس في ذمتي # وأخرى لكم قبلها في الصيان # وهذي أتتكم بخط الفؤاد # وتلك أتته بخط البنان # فأصبحت إن خنتكم في الهوى # وإن لم أخن عهدكم قيل خان # كانت الأيام على حماس والأشهر تتعاقب عليه وهو في أعلى مكانة من رضوان الملك، بل هو ~~الركن الأعظم في القصر والواسطة في عقد الحاشية، ترد إلى رأيه الآراء، ولا ترد مشيئته ~~إذا شاء، وهو يزيد طاعة وامتثالا، كلما زاده الملك قبولا وإقبالا. # وكانت فرق الحرس وهي يومئذ يونانية مستأجرة، وهي تكاد تتفانى في حبه من دون ~~الملك، وهو إنما جذبها إلي ms57 محبة ذكرى وقائعه في بلاد اليونان أولا، وبحسن معاملته ~~لها وسيبه في راحتها ورفاهتها ثانيا. # وكان الملك قد أنجز حماس ما وعد في الليلة المشئومة، فولى كبير الحرس قيادة الجيش ~~الاستعماري في فينيقيا، وجعل مكانه على قيادة الحرس العامة بطل هذه الرواية، فأصبح له ~~بذلك النهي والأمر على أكثر من ثلاثين ألفا من جنود الحرس، والإشراف العام على سائر ~~المعسكرات السلطانية في العاصمة. # إلا إن طاعة حماس لمولاه وبلوغه في الولاء، إلى هذا الحد لم يكونا ناشئين عن خوف ~~ولا رجاء، ولا حب ولا استرضاء، ولكن عن محض تقيد باليمين المعلومة، في الليلة المشئومة؛ ~~بحيث كان يخشى أن تغلبه المطامع على دينه، فيصبح له ولأبرياس شأن، وفي الواقع لم يكن ~~يعوز حماس إلا حادثة تحرك من غرامه ما سكن، وتثير من آرائه ما كمن، لاسيما إن هي أتت ~~من ساموس. # فبينما هو ذات يوم في نزهته بالمدينة يمشي في الأسواق، ويمر بمعالم الصناعة ومعاملها، ~~ومخازن التجارة وحواصلها، وقف به المشي على دكان لرجل ساموسي من باعة الآثار ~~اليونانية، وكان حماس من المولعين بصنائع اليونان وبدائعهم، فلبث هنيهة يتأمل فيما ~~احتوته الدكان من ذلك، وكان لابسا حلته العسكرية اليومية، فعرف البائع منها أنه من ~~عظماء الضباط في الجيش، فدنا منه وكلمه همسا فقال: لقد آل إلي أثر من أنفس ~~الآثار، لا سيما في نظر عظماء الضباط أمثالك يا مولاي. # قال حماس: وما ذاك. # قال التاجر: إكليل من الغار مما فضل عن كبير الحرس القائد حماس، يوم خرج من مبارزة ~~الأمير بهرام ظافرا منصورا. # فما كاد الرجل يستتم حتى اضطرب القائد اضطرابا بدت عليه دلائله، إلا أنه استرد ~~جأشه فسأل الرجل قائلا: وأين هذا الإكليل؟ # قال الرجل: في منزلي بالقرب من الدكان، فإن أذن مولاي فلينتظرني هنا لحظة ريثما ~~أحضره. # قال حماس: على ألا تبطئ عني. # قال الرجل: لا تخف يا مولاي وإني مستبشر بوجودك، ولست أول من أقبل علي في هذه ~~الأيام من الأغنياء والسراة العظام بفضل اللوح ... نعم اللوح ... اللوح ms58 الإلهي ... اللوح ~~الرازق ... اللوح المسعد ... اللوح المنجي ... # قال هذا وهم بالذهاب، فمسك حماس بيده وسأله بلسان يتعثر من الدهش قائلا: ما هذا ~~اللوح أيها الرجل ... ما حديثه؟ # قال الرجل: حديثه غريب يا مولاي، ولكن لا يهمك، فدعني أذهب لأحضر لك ~~الإكليل. # قال حماس: بل أنا أحب سماعه، وربما همني ذلك، فلا تذهب حتى تحدثني ~~إياه. # قال الرجل: أعلم يا مولاي أنني قدمت مصر من سنتين تاركا امرأتي وولدي هذا - وأشار ~~لصبيه - في ساموس، يتعيشان بها من بيع الآثار، كما أفعل أنا في هذه الديار، حتى إذا ~~اطمأن بي المقام في ساييس، وسكنت إلى طول المعيشة فيها، بعثت إليهما أستقدمهما، ~~فقدما بعد أن أشرفا على الهلاك غرقا، وكانت نجاتهما على اللوح الميمون، وحديث ~~ذلك أن امرأتي مشت ذات مرة على ميدان الهيكل في ساموس، فوجدت في طريقها لوحا من الخشب ~~فحملته، وعادت به إلى المنزل، لتجعله حطبا لنار الطبخ، قالت فلما هممت بكسره أحسست ~~كأن يدي تخونني، ثم حاولت ذلك مرارا فلم تطاوعني يدي عليه، فتأملت اللوح فوجدته صالحا ~~لنوم ابني، وكان يومئذ في شدة المرض ففرشته له، فوجد الراحة والعافية عليه. # قال التاجر: ثم أخذ الرزق يتيسر لامرأتي أسبابه والحياة يتسهل محياها، حتى استبشرت ~~باللوح فعظم ظنها به، واشتد حرصها عليه، حتى إذا استقدمتها حملته معها في السفينة التي ~~ركبت فيها للمجيء إلى مصر، فقدر أن السفينة غرقت فهلك جميع من فيها إلا امرأتي وابني، ~~وكانت نجاتهما باللوح وعليه، هذا يا مولاي حديث اللوح، ولا تسل عما شمل أمري من اليمن ~~منذ وجوده في بيتي، فإن الناس يقبلون علي أعظم إقبال، والرزق يأتيني فيربي علي ~~الآمال. # قال حماس: وهل تمكنني من رؤية هذا اللوح؟ # قال الرجل: ولم لا يا مولاي؟ # قال حماس: إذن فائذن لي أن أذهب معك لأراه. # قال الرجل: على الرحب والسعة، فاتبعني يا مولاي. # فسار التاجر وحماس يتبعه حتى بلغا المنزل، وكان في نهاية الشارع الذي فيه الدكان ~~فدخلاه، وهنالك طلب الرجل من امرأته اللوح ليريه القائد ms59 ، فأحضرته فتأمله حماس فعرفه من ~~أول وهلة، فأخذه متلهفا وما زال يضمه ويقبله وعيناه تفيضان من الدمع، حتى رثى الزوجان ~~لحاله، فسأله الرجل عن السبب ملحا فالتفت حماس إليه وقال: هل تبيعني هذا اللوح أيها ~~السيد؟ # قال التاجر: لا أبيعه ولو أعطيت فيه خزائن الأرض. # قال حماس: ولماذا وما فائدتك منه؟ فإن كان ما تصيب بسببه من الرزق الواسع، فأنا أجزيه ~~لك كل يوم وأزيد، وإن كان ... # قال التاجر (مقاطعا): لا تتعب نفسك يا مولاي، فإني أفي لهذا اللوح كما وفى لزوجتي ~~وابني، فلو كان لحياتهما ثمن عندي ما تأخرت عن مساومتك فيه. # فأطرق حماس برأسه هنيهة، وقد أقشعر بدنه واضطرب وجدانه، عندما تذكر يمينه للوح، ~~وما شهد من وفاء التاجر له على حين كان الوفاء منه هو أحرى، ثم رفع عينيه وقال: هب إن ~~كان الراغب فيه صديقكم حماس! # قال التاجر: لقد أشرق البيت بنورك، فأهلا بك يا مولاي وسهلا، ولكنني لا أبيعه أحدا ~~ولو أنه الملك أبرياس. # قال حماس: فإن كان في بيعه خير لبلادك وسعادة لقومك، وملك مصر تنهى فيه أميرتكم ~~لادياس وتأمر. # قال التاجر: إذن فهي حياة أعز علي من حياة امرأتي وولدي الواحد، وأنا في هذا الحال ~~لا أبيعه بيعا، ولكن أقدمه تقديما. # قال حماس: وأنا أطلبه منك على هذا الشرط، ولكني أسألك أولا: أن تكتم الأمر كل ~~الكتمان، ثانيا: أن تقبل مني عشرين ألف قطعة من الذهب تأخذ نصفها لك خاصة، وتنفق النصف ~~الآخر في عمل عرش يليق لجلوس الملوك، وتكون قوائمه مصنوعة من خشب اللوح، ثالثا: أن ~~تبقي هذا العرش عندك فلا تقدمه لي إلا إذا علمت أنني في خطر عظيم أو كرب جسيم، قال هذا ~~وناوله قلادة كانت في جيبه تربي قيمتها على المبلغ الذي وعد به، فتناولها التاجر ~~فرحا مسرورا، ثم خرج حماس وهو لا يبصر أين يضع القدم من شدة الاندهاش وفرط ~~السرور. # | كلكاس في مصر # كانت حامية منفيس وهي يومئذ الحامية الثانية للبلاد مؤلفة من الجنود الوطنيين الذين ~~لم ms60 يكونوا مع الملك في جانب، وإن هم ظهروا في طاعته، واستمروا على الصدق والأمانة في ~~خدمته. # وكانوا يحبون حماس ملء القلوب، ويستعين به قوادهم على قضاء حاجاتهم لدى فرعون ~~وحكومته، وكانت له المراقبة عليهم بمقتضى وظيفته العليا في القصر السلطاني، فكان يذهب ~~إلى منفيس بين الوقت والآخر لإجراء التفتيش العسكري، والنظر في شئون الحامية وانتقاد ~~أحوالها. # فبينما هو ذات مرة في منفيس يباشر عمله هذا، تقدم إليه رجل متلثم، وقال له بصوت لا ~~يجاوزهما سماعه. ~~- أنا يا مولاي عبدك تاجر الآثار بساييس. # قال حماس: وفيم حضورك الساعة وماذا تريد؟ # قال الرجل: أريد يا مولاي أن أقص عليك ما أصابني، بسبب العرش الذي صنعته لك من ~~خشب اللوح المعهود. # قال حماس: وماذا أصابك؟ # قال الرجل: أعلم يا مولاي، أن النار شبت في الغرفة التي هو مخبوء فيها مرتين، فالتهمت ~~جميع ما فيها من متاع وأثاث، ولم يبق مما تأكل النار في المرتين سوى العرش مع كونه ~~خشبا في خشب، فهو بذلك أول معرض للعطب، وقد لاحظت أنا وزوجتي أن الحريقين حصلا في يومي ~~سرار البدر من الشهرين الماضيين، وكان حصولهما في ساعة واحدة وعلى صورة واحدة، وقد ~~رأت زوجتي منذ ليلتين رؤيا هالتها، وأقلقني أنا أيضا سماعها منها، فعجلت إليك لترى في ~~الأمر رأيك، ولتريحني من وديعتك التي تتهدد بيتي من الأساس إلى السقف، فقد رأت امرأتي ~~أن البيت احترق مرة ثالثة، فغادرته النار تلا من رماد؛ وإذ كنت أعهدها صادقة الأحلام ~~تبعتك إلى هذا البلد، فانظر الآن ماذا تأمر. # فأطرق حماس برأسه، ثم رفع عينيه ليكلم الرجل، وإذا هو بكلكاس قد كشف اللثام، فحين رآه ~~عرفه أول وهلة، فأشفق من رؤيته وصاح يقول: كلكاس ... كلكاس هنا. # قال كلكاس: نعم يا مولاي، وإنه رسول الأميرة إليك ليذكرك وعودك وعهودك، وليقول لك عن ~~لسانها إن السعادات بنات الهمم. # وإن الفرص إذا لم تغتنم، يندم تاركها حين لا ينفع الندم. # قال حماس: وما علاقتك بتاجر الآثار في سييس؟ # قال كلكاس: هو أيضا سفير ms61 الأميرة في شئون الغرام، ورسولها من قبلي لتحقيق ذاك ~~المرام. # فحين سمع حماس هذه العبارة ازداد دهشا على دهش، وكاد فؤاده أن تلفظه الضلوع من شدة ~~الحنق، لذكر اسم الحبيبة أولا، ولغرابة هذه المفاجأة ثانيا، فقال: أعلم يا كلكاس أنك ~~لا تبرح هذه الديار حتى يكون الأمر قد تم، وتكون أنت أول من يحمل البشرى إلى الأميرة ~~باستقدامها، ولكني أحذرك من الهذي والهذر - كما هو طبعك - وأوصيك بالكتمان الذي لا ~~كتمان بعده، والآن أرى أن تبقى في منفيس تراني ولا أراك، فإذا علمت أني أغادرها آيبا ~~إلى العاصمة، فاحتل على مقابلتي لأطلعك على نتيجة مسعاي. # قال: سمعا وطاعة يا مولاي، وانصرف تاركا حماس في تفكير وتدبير، واحتيال على ~~المراد الغزير. # | توفر الشروط # لم يمض يومان على مجيء كبير الحرس إلى منفيس لتعهد حاميتها، حتى نشأت حركة بين ~~الجند في جميع معسكرات المدينة، قلق لها القواد كثيرا، وأخر حماس من أجلها عودته ~~إلى العاصمة، وبسبب ذلك أنه شاع في منفيس أن الجنود الاستعمارية في برقة (غربي الديار ~~المصرية) شقت عصا الطاعة، وأنها غادرت مراكزها في المستعمرة، زاحفة على الوطن ~~لعزل الملك وقلب هيئة الحكم. # وفي الواقع ما سرت هذه الإشاعة حتى وردت على حماس، أوامر الملك بتهيئة جيش منفيس ~~للخروج إلى ملاقاة الثائرين وكبح جماحهم، وتبديد شملهم، قبل توغلهم في البلاد، وأنه ~~هو؛ أي الملك، سيفد على منفيس بجنوده اليونانية ليمده بهم إن مست الحاجة، وليحفظ له خط ~~الرجوع فيها إن دارت على جيشه الدوائر، فشرع حماس من فوره في تنفيذ الأوامر السلطانية ~~بهمة هو بها جدير. # إلا أن السبب في عصيان جيش تونس لم يكن مجهولا لدى سائر العساكر الوطنية في مصر، وهو ~~احتقار الملك للعنصر الوطني في الجيش، وسوء معاملته وتفضيله اليونان المستأجرين عليه، ~~وإذ كان الجند كلهم سواء في هذا الشعور، لم تكن حركة الخواطر بينهم في منفيس، إلا ~~ناشئة عن مشاركة إخوانهم الثائرين فيما يضمرونه من بغض الملك وما يظهرون. # فلم تمض ثلاثة أيام حتى أخذت جنود ms62 حماس أهبتها واستعدت، فخرج القائد بها إلى ملاقاة ~~العصاة بين استياء الأهالي وكدر الجند أنفسهم، حتى إذا اجتاز بهم أبواب المدينة أقبل ~~عليه كلكاس فعرفه القائد من لثامه، وأنكر عليه في نفسه هذه الجرأة، فركض جواده ليلاقيه ~~حتى إذا اقترب منه سأله قائلا: هذا وقت الكلام يا كلكاس؟ # قال كلكاس: نعم، ووقت العمل يا مولاي؛ فأنت الآن بين طريقين: طريق السلامة لك ولقومك ~~وللأميرة عروسك، وطريق الندامة لك ولجميع من ذكرت، فأما طريق السلامة فالذي أنت ~~تاركه، وأما طريق الندامة فالذي أنت الآن مالكه، فارجع من حيث جئت ولا تترك منفيس؛ ~~فإنها حصن حصين، وركن أمين. # فأطرق حماس برأسه هنيهة، ثم التفت إلى من خلفه من القواد فخاطبهم على مسمع من الجيش ~~قائلا، أتدرون أيها الصحب ما يقول هذا المفاجئ الروحاني؟ قالوا: بلى، قال: يزعم أننا ~~إذا قاتلنا إخواننا المصريين أمطرتنا السماء حجارة لا طاقة لنا بها، ويزعم أيضا أن ~~ثورة الجيش في برقة مكيدة دبرها الملك وأصحابه اليونان ليفنونا عن آخرنا، وما يفنوننا ~~ولكن نفني بعضنا بعضا. # فحين سمع القواد المصريون هذه العبارة، فاضت قلوبهم من الحقد على أبرياس، ونقلوها ~~برمتها إلى الصفوف، حتى إذا لم يبق جندي إلا سمعها انقلب الجيش للحين عاصيا ثائرا، ~~وصاح بلسان واحد يقول: حماس يحمينا ... حماس ينتقم لنا، إلى ساييس ... إلى ساييس ... فلم يسع ~~حماس عندئذ إلا الرجوع بالجنود والمسير بهم إلى ساييس لمقاتلة الملك وجنوده. # وكان الجيش اليوناني قد دنا من منفيس فاشتبك القتال بين الفريقين، واستمر من الضحى ~~إلى الأصيل حتى قتل من الجانبين خلق كثير، وكادت النصرة أن تتم لأبرياس وجيشه الجرار، ~~إذ تراءى على ساحة القتال رجل يحمل عرشا من أنفس ما رقا الملوك، وهو يصيح قائلا: هذا ~~عرش السلام، سخره الآلهة للملك حماس أمازيس، فما كاد الرجل يستتم حتى ألقى اليونان ~~أسلحتهم خاذلين الملك، منفضين من حوله، وأجلس القواد زعيمهم على العرش ثم حملوه ~~على الأعناق، وجعلوا يطوفون على الصفوف من أهالي وعسكر، وقبض على أبرياس، ثم تحرك ms63 الجيش ~~معتزا بالملك الجديد، وهو يسير به إلى العاصمة حتى دخلها ليلا، فإذا هي مفتحة ~~الأبواب تستقبل الملك القائم بأكمل ترحاب، وعندئذ أمر حماس بالملك الأسير فسيق إلى ~~القصر مراعى مكرما حتى ينظر في أمره. # إلا أن الشعب تجمع حول القصر يلح في طلب أبرياس، والملك المعزول يسمع تهديده ووعيده ~~حتى يئس من الحياة، فأرسل إلى حماس في الفجر يطلب منه الأمان لبنته الواحدة ولم يكن له ~~من الأهل سواها، فأجابه حماس إلى طلبه، وأنه يحافظ على حياتها ويضمن لها المعيشة ~~اللائقة بها من بعده، فحين ورد هذا الجواب على أبرياس أخرج من جيبه ورقة مختومة وناولها ~~الأميرة وقال لها: احفظي وديعتي لدى الآلهة هذه الورقة، فإنها صك منهم بالانتقام لأبيك ~~من الغادرين، ثم قبلها وموج الدمع يحول بينهما، وخرج بعد ذلك إلى الشعب فلقي منيته ~~للحين، وما اطمأن السرير بأمازيس حتى أرسل كلكاس إلى ساموس في وفد من وجوه المملكة ~~وسراتها يستقدمون لادياس، حتى إذا قدم موكبها الفاخر زفت إلى الملك زفافا مشهورا، ~~ألقى في يومه أساس أربعين هيكلا في الأوطان لمعبودات اليونان، فكملت بذلك الشروط ~~الثلاثة للقران. # تليها رواية دل وتيمان أو آخر الفراعنة، وهي متممة لها ويعرف القارئ منها كيف زال ملك ~~الفراعنة. ms64