######OpenITI# #META# URI: 1359AminRihani.AntumShucara.Hindawi85030482 #META# Tags: literature #META# ID: 85030482 #META# Title: أنتم الشعراء #META# AuthorID: 93831791 #META# Author: أمين الريحاني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # قلوب تذوب‏ # داء البكاء‏ # عشر وصايا للشعراء‏ # ربة الشعر‏ # الشاعر والوطن‏ # الشاعر والفيلسوف‏ # الألم الشخصي والقومي‏ # الدموع‏ # دموع الشاعر‏ # ندب وانتداب‏ # خمس عشرة وصية أخرى للشعراء‏ # قلوب تذوب‏ # داء البكاء‏ # عشر وصايا للشعراء‏ # ربة الشعر‏ # الشاعر والوطن‏ # الشاعر والفيلسوف‏ # الألم الشخصي والقومي‏ # الدموع‏ # دموع الشاعر‏ # ندب وانتداب‏ # خمس عشرة وصية أخرى للشعراء‏ # | أنتم الشعراء # | أنتم الشعراء # تأليف # أمين الريحاني # | قلوب تذوب # في هذه البلاد الشرقية كثير من القلوب اللينة المترهلة، بل القلوب المائعة الذائبة، ~~قلوب تذوب كلما ناح الحمام، قلوب تميع كلما اهتز الورد في الأكمام، قلوب تسيل هياما ~~كلما تلألأت شمس الأحلام - قلوب مائعة ذائبة على الدوام. # قلوب تذوب كلما هبت ريح الصبا، تذوب في الليالي المقمرة، وعند كل ساقية أو غدير ~~تذوب في رابعة النهار لرنة عود أو لأنة من أنات «يا ليل»، قلوب تذوب في ظلال ~~الصفصاف، وتذوب أمام الفونوغراف - قلوب شرقية مائعة على الدوام. # ونحن في زمن الحديد والكهرباء! # إن حاملي هذه القلوب لأعجز في المحن والنكبات من فراخ القطا، ولأجبن من صغار الأرانب، ~~وما أسرعنا وهذه قلوبنا إلى الشكوى والأنين، إلى التلهف والتأوه والنواح، ما أسرعنا ~~وما أشد صراخنا في ميدان الندب والنحيب، كأننا في مندب دائم، وكأن الندب مشتق من ~~الانتداب. # من خطبة المؤلف # في مدرسة البنات الأهلية ببيروت # | داء البكاء # ... إننا والحق يقال أكثر بكاء وأشد انتحابا، ~~من جميع الشعوب، كأننا جبلنا من الدموع والأسى، كأننا كونا من أنفاس النوادب، وجهشات ~~الثكالى ... إنه لمرض يفوق انتشارا كل أمراضنا، وهو أشدها خطرا على سلامة الأمة ~~وعافيتها، بل هو الوباء الأخبث؛ لأنه يفعل بالعقول والقلوب ما لا تفعله أحكام الظلم ~~وشرائع الاستبداد، فتراه يفتك بالسياسيين ورؤساء الدين كما يفتك بالأدباء والتجار ~~والفلاحين، هو وباء الدموع، وباء النحيب والنواح، فإذا بكى شاعرنا في قوافيه بكينا معه، ~~وإذا أن أديبنا في نثره كنا كلنا صدى لأنينه، وإذا تروع فيلسوفنا من هول الزمان ~~المادي وانكسر في جهاده روح الزمان، كنا كلنا متروعين مكسورين ... # وإنك لترى الشبان أغزر دموعا ms01 من الرجال، والرجال أشد التياعا من النساء، والنساء ~~أسبق إلى التلهف والتأوه من الشعراء المتيمين. آه، أواه، وا لهفتاه! ~~••• # وما السبب يا ترى في هذا التلاشي المعنوي الروحي؟ ما الذي يحل بقلوبنا؟ ما هي ضربتها؟ ~~قلب شاعر مكسور؟ إن قلوب الشعراء من زجاج وأكثرهم يتمونون منها ما يكفي الحياة ~~الشعرية في كل أدوارها. فإذا انكسر قلب من هذه القلوب، فصرخ صاحبه وصاح، وأن وناح، ~~وأرسل نواحه وأنينه في قوافيه، أيجب علينا أن نصيح وننوح مثله؟ ~~••• # كفكفوا دموعكم. ارفعوا قلوبكم من مستنقعات التخنث، وأعتقوها من العواطف الصبيانية - ~~السرابية. ولا تستسلموا إلى كل ناحب نواح مهما طاب نواحه ونحيبه. # من خطبة للمؤلف # في الجامعة الوطنية بعاليه # | عشر وصايا للشعراء # (1) # أنا القاموس إلهك، لا إله لك غيري. ~~(2) # أكرم سيبويه ونفطويه والكسائي وإخوانهم أجمعين. ~~(3) # لا تحلف باسم ليلى بالباطل. ~~(4) # لا تمدح بالزور. ~~(5) # لا تكذب على دعد وهند وشقيقاتهما. ~~(6) # لا تبك. ~~(7) # لا تقتل. ~~(8) # لا تسرق. ~~(9) # لا تشته قصيدة أخيك أو نياشينه. ~~(10) # وفر من غرش يومك لتطبع ديوانك وتنشره وتعلنه وتجزي المقرظين. # | ربة الشعر # ربة الشعر عونك وهداك. # ربة الشعر قبسا من ضياك. # إني أخشى على أبنائك الراسفين بقيود تنكرين، وأخشى على حاملي لوائك الغاوين من عبادة ~~تزدرين. بل أخشى عليك من سخافات النظامين وترهات الغاوين وبلادات المولهين. # أخشى عليك من أيد تحمل المناديل، ومن دموع هي الزنجبيل. وأنت الظافرة ~~بالأكاليل. # أنت الجالسة سعيدة على عرش الخلود، وأنت المحجة وأنت السبيل. ~~••• # ربة الشعر ألهميني الصواب وسددي خطواتي الصعاب ولا تجهميني يوم الحساب. # أسمعيني من أصواتك التي تسحر الإنس، وتسكر الجن، وتملأ الكون غناء وابتهاجا. فإني أذكر ~~أن في رسومك وتماثيلك رمزا للغناء. # يمثلك العارفون حاملة القيثارة تنشدين، ولا يمثلونك حاملة المنديل تبكين. # وإن لقيثارتك أوتارا لكل عواطف الحياة، ولكل لهجات المنشدين. # ولكن أبناءك في هذا الشرق العربي فقدوا سلم العواطف، فقلما يذكرون غير واحدة، هي ~~عاطفة الحزن والألم. # وفقدوا سلم اللهجات، فقلما يذكرون غير واحدة، هي لهجة البكاء والنحيب. # وأنت حاملة القيثارة المتعددة الأوتار، تلك القيثارة ms02 التي ردد دنته آيات وحيها، ~~وذهب هوغو حواشي سحرها، وكان هوميروس ابنها الأول الأبر، وكان شكسبير رسولها ~~الأكبر. # ربة الشعر ... # قطع صوت علي الكلام فسمعته يقول: ولكنهم في شرقك العربي مسخوا اسمي وشخصي فأسموني ~~شيطانا. وحملوني دنا فارغا طيب الرائحة، ومصباحا دخانه أكثر من نوره، وقالوا ~~للشعراء: اتبعوا شيطانكم. فتبعوه إلى دور الأمراء، وإلى المقابر - مديح ورثاء، رثاء ~~ومديح! وتبعوه إلى حانات فيها دعارة، وليس فيها للشعر منارة. وتبعوه إلى ساحات الوغى ~~يحاربون دواليب الهواء. وإلى طلول خاوية في ظلال شاوية. وإلى غدر المحال تحت سدر ~~الخيال. وتبعوه إلى بحيرات من نور القمر، تسبح فيها عرائس الأحزان، وترقص حولها بنات ~~الجان. وفي من تبعوه من شعراء العرب، وأدركوا، بهدي العبقرية لا بهداه، حواشي الظل لعرشي ~~الأعلى قليلون عرفتهم وفي مقدمتهم المتنبي والمعري والفارض والبهاء زهير. # فقلت: ربة الشعر اعدلي فينا ربة الشعر انصفينا. # فقالت: اسمع وع. إن عندكم لكل وتر من أوتار الوحي شاعرا يفوق جميع الشعراء. عندكم ~~المتنبي في فخامة القول والحماسة، والمعري في حرية الفكر والحكمة، والفارض في العشق السري ~~الصوفي؛ والبهاء زهير في العشق الساذج الطبيعي، وأبو نواس في المجون والتهكم، وأبو العتاهية ~~في الورع والتقوى، والشريف الرضي في شريف الغزل والنسيب، والمجنون في الوله والحزن والنحيب. ~~أما الإفرنج فإنك لتجد كل هؤلاء في شاعر واحد كبير من شعرائهم في غوته مثلا، أو في ~~الشاعر الأوحد شكسبير. # فقلت: وشعراء اليوم، شعراء الوجدان؛ أولئك الذين يتعلمون في المدارس اسمك القديم؛ واسم ~~جبل وحيك، ويرون في الكتب رسمك تحملين القيثارة وهم يحسنون العد فيعدون أوتارها كما يعدون ~~أوزانهم، ولا يسمعون مع ذلك غير واحد أو اثنين منها. فما داؤهم - دام جلالك - وما السبب في ~~بلائهم؟ هل السبب في السمع والبصر، أم هل هو في التربية الشعرية القياسية؟ # فقالت: إن داءهم الأنانية، وإن بلاءهم في نصف بصيرتهم ونصف سمعهم، أجل إن أكثرهم لذو ~~عين واحدة وأذن واحدة، وإنهم إذا ما نظروا إلي لا يرون غير نصفي الأدنى. ومنهم من لا ms03 يرى ~~غير جزء منه، وإذا هم أنصتوا لي فلا يسمعون غير صدى كلماتي العالية. فخير لهم وهذه حالهم ~~أن يناجوا شياطينهم، من أن يطوفوا حول معبدي، ويرددون القوافي القديمة المصدئة في المديح ~~والرثاء، وبعد ذلك يتأوهون وينتحبون. ~~- ربة الشعر، حلمك ربة الشعر، التساهل منك. ~~- ويحك أتسألني التساهل. وهل تريد أن لا أبالي؟ معاذ الله أن أنكر أبنائي، وإن كان فيهم ~~من عجائب المخلوقات، ذوي النصف البصيرة، والأذن الواحدة. معاذ الله أن أنكر عبادي وإن ~~كانوا من أهل الندب والنحيب. ولكني أخشى مثلك على عرشي من دموعهم وأخشى على قيثارتي من ~~أنانيتهم. هم أبنائي ورب الكائنات. ولكني وأنا أمهم، وإن ضلوا السبيل إلي، وربة وحيهم وإن ~~جهلوا في أكثر الأحايين مصادره القدسية - أخشى أن أركب خيالهم، فأحسب نفسي كما يحسبون ~~أنفسهم، محور الكون وركنه الأعظم ... # فقلت: ومن أين يجيئهم هذا الخيال إن لم يكن من وحيك الأسمى؟ # فقالت: هو من وحي الشيطان، لا من وحيي، معاذ الله أن يكون في وحيي شيء من الوهم والضلال، ~~معاذ الله أن أضلل أولادي، فأوردهم التهلكة وأحرمهم الخلود. هذا بالرغم عما أقاسي منهم ومن ~~قوافيهم. صدقني يا بني إن أبنائي الصينيين وإخوانهم الجاويين هم اليوم أقرب إلى قلبي وإلى ~~فهمي من إخوانك الناطقين بالضاد المتكبرين المفاخرين، المرددين أصوات الأولين، الطامعين ~~بالإمارات والنياشين. # فقلت: وهل كلهم سواء؟ # فقالت: لا، يا بني. ولكن كلهم مزعج. كلهم يزعجون أمهم، ويغيظونها. وماذا يبتغون مني؟ اسمع ~~وع. يصيح الواحد منهم في نظمه قائلا: افتحي لي أبواب وحيك. وهو يظن أن أبواب الوحي ~~المفتوحة لأبنائي في العالم أجمع على الدوام، إنما هي في كتب القريض والدواوين. فيهرول ~~إليها فيفتحها فرحا، ويكد القريحة طالبا جامعا حافظا. وهو يعتقد أني دليله وهداه، أحمل ~~له مصباح الوحي في سراديب الأوزان والقوافي، وفي مثل هذا يتنافس وإخوانه، وعندما يغلق ~~عليهم يلجأون إلى القاموس فأفر منهم هاربة فينادوني ثم ينادوني، وبالدواوين يرموني ليرشوني، ~~وهم دائما يفاخرون بلا خجل ويكابرون، وبعد ذلك يجهشون ويبكون. # فقلت: شأن الأطفال ms04 وأمهم الحنون. # فقالت: أخطأت يا بني لست بالأم الحنون، وليس الحب مزيتي الكبرى، لا ورب الكائنات أنا أم ~~ولا كالأمهات، فمن له بصيرتان من أبنائي بصيرة مادية وبصيرة روحية أدخله قلبي، ومن له بصيرة ~~واحدة أدخله معبدي، ومن ليس لهم غير نصف بصيرة أتركهم في ذرا المعبد يلعبون. ~~- ربة الشعر رحماك. ~~- استرحم رب العالمين. ~~- وهل في الوجود كله أبلغ منك رسولا وأبر منك وسيطا لديه تعالى. ~~- نعم هناك العالم. # ولكن العالم لا قلب له أو أن قلبه يابس، وإن علمه فوق ذلك لا يدوم على حال، أما أنت ~~فإنك في وحيك دائمة خالدة؛ قلبا وروحا وعقلا. ~~- وكذلك هو الفيلسوف. ~~- ولكن فينا من يرفعك حتى على الفلاسفة، وقد علمتنا ربة التاريخ أن للفلسفة حدودا وإن ~~اتسعت من زمن إلى زمن، وإن الفلاسفة هم غالبا مثل العلماء ذوو بصيرة واحدة وقلوبهم ~~يابسة، أما الشاعر «ذو البصيرتين»؛ ذاك الذي «تدخلينه قلبك»؛ فهو أقرب المقربين إليه تعالى ~~بل هو في مقدمة الخالدين، وإن في ذلك فخرك وفخر العالمين. # قلت هذا، وبادرت إلى ثوبها أقبل ردنه؛ فمالت بوجهها إلى المشرق وهي تبتسم ابتسامة الرضى، ~~ثم مدت يدها إلى القمر الطالع من وراء ربوة عند قدميها؛ فازداد نوره ضياء فسربلها وخفاها ~~عن ناظري. # | الشاعر والوطن # ما خطر في بالي يوم ألقيت خطبتي في الجامعة الوطنية بعاليه، تلك الخطبة التي حملت فيها ~~على الأدب الباكي أن سيوقفني بعدئذ في الطريق العامة - طريق الصحف - رهط بل عصابة من ~~الأدباء ولسان حالهم يقول: رأسك، أو كلمة أخرى منك في الموضوع. # ومنهم من لم يكتفوا بالتهديد، فضربوا - ضربات صاردة، وأخرى صائبة - وهم ينذرون ~~بالمزيد. # قالوا: أني أبيت على الناس أن يتألموا، وأني أنكرت وجود الألم في العالم، وأني كفرت ~~بالدموع وجدفت على المقدس منها، أي: دموع الشعراء. # وقالوا: إن عنترة والمتنبي وغيرهما من أبطال المشرفية والقوافي بكوا في شعرهم، ولم أتعرض ~~لدموعهم، وأني ألبست شاعر «الشباب المفقود» إكليلا من الشوك بدل إكليل من الغار. # ومنهم من قال: أني أكبرت الشعر ms05 وغاليت في تقديره، فلا الباكي منه ولا الحماسي يؤثر كثيرا ~~في نهضات الشعوب. # ومنهم من أباح انتقاد الشعر وصناعته وحرم علينا انتقاد روح الشاعر، وإن كانت من الأرواح ~~المزنقة. # وجاؤوا فوق ذلك بزين الكلام، فقالوا: أني مشعوذ ومراوغ، و... غفر الله ذنوبنا ~~جميعا. # فما أجمل ما قاله الشاعر الحلبي ميخائيل صقال: # نهوى السلام نصافي الناس نكرمهم # ولا نعادي ولا نهجو المعادينا # ومن الأدباء الذين خاضوا هذه المعركة، وقد جرت فيها بدل الدماء الدموع، وكاد الأدب والشعر ~~يغرقان في بحرها، وهما يحاولان إنقاذ الوطن - من أولئك الأدباء من كانت جولاتهم أبعد من ~~جولاتي، وطعناتهم أشد من طعناتي، فلمعت الخناجر وأبرقت السكاكين، فخفت على شعراء البلاد، ~~وأسفت لما أسلفت من عتاد، ووددت قتالا مسرحيا يضحك إذا ما أبكى، ويبكي في بعض ما ~~يضحك، فيعود المتبارزون بين الفصول إلى إخاء في المهنة والوطنية، فيستأنس الناس ويستفيدون ~~في الآن الواحد. # ولكن إخواني المجاهدين المبددين لجحافل البكاء والنحيب؛ أسلفوني من الفضل ما لا يصح عنده ~~العمل بقاعدتي المأثورة: قل كلمتك وامش فقد اهتز في كلا الحالين عقل الأمة المفكر؛ فتحركت ~~نزعات للثقافة راكدة؛ واستيقظت للشعر أرواح مجددة؛ فجاء في ما كتبه الفريقان من الأدب الحي ~~ما يحمدان عليه كل الحمد؛ لولا نعرات شخصية تشينه؛ وأهواء نفسية تضعف الحجة فيه، وجاء ~~خصوصا في كلمات من حملوا على الأدب الباكي البرهان الحي المسر على روح التجدد في الشباب ~~وفي نزعاتهم الأدبية والاجتماعية والوطنية. # على أن الشخصيات تضمحل أمام الغرض الأكبر من الموضوع، فلا أنا ممدوحا ولا أنا مذموما؛ ~~أقدم أو أؤخر في تحقيق ذلك الغرض. # ولا الذين توهموا أنفسهم خصوما لي؛ ممدوحين كانوا أو مذمومين، ممن شاركوا في المناظرة، ~~يقدمون أو يؤخرون في تمحيص الحقائق وإدراك المحجة. # ومن غريب ما ظهر في هذه المناظرة تباين العقليات، ليس فقط في القوة والصحة، بل في الشكل ~~والنوع كذلك، فإن كان في تأييد فكرة المؤلف أو في تسفيهها، وإن كان في الدفاع عن الفيلسوف ~~والوطن، أو عن الشاعر وحقه في ms06 البكاء، فالعقلية لم تستتر أو تتقنع، بل كانت جلية صريحة لا ~~مجال للريب فيها. # وهذا ما لا تجده إلا في الأمم المتقسمة المتخاذلة مثل الأمة العربية، فلو كانت هذه ~~المناظرة في ألمانية مثلا أو في فرنسه، لما كنت تجد في اختلاف المتناظرين أثرا لعقلية غير ~~ألمانية، أو غير فرنسيه. # أما عندنا فقد تلمست وأنا أطالع ما كتب شتى العقليات، بل تعثرت بها فهناك العقلية ~~الفرنسية وما تجندت به من أدب هو محض فرنسي، وهناك الإنكليزية وما ظهر فيها من الثقافة ~~الأنكلوسكسونية، وهناك عقلية محض علمية - أميريكية مادية - لا ترى في الشعر كبير خير ~~للأمم، لا في الباكي منه ولا الحماسي، وهناك العقلية اللبنانية التي أبت أن تجرد موضوعا ~~أدبيا اجتماعيا من النعرة السياسية، وكذلك العقلية السورية، والعقلية العربية وهي أبرز ~~ما أستعرض في هذه المناظرة. # لذلك لم ينحصر البحث في الموضوع، بل تجاوزه إلى ما أوحت تلك العقليات، كل إلى صاحبها ~~فجاءت والنزعات تخفي الحقائق في بعض الأحايين أو تشوهها. # أما إذا جردنا تلك المقالات من التشيع الأدبي الشخصي، والتشيع السياسي؛ ونظرنا إلى ثمرات ~~الفكر الصحيح الصافي، وإلى نزعات النفس النزيهة فيتبين أن هناك مزيجا من الآراء الصائبة ~~والمخطئة، ومن النظرات الثاقبة والسطحية يستوجب التصفية، أو التسفية - كيفما مثلته لنفسك، ~~بل هناك من الحقائق المختلطة بشبه الحقائق؛ وبالأغلاط ما يستوجب التمحيص والإيضاح. # إنه لعمل شاق، وإني إكراما لك أيها القارئ العزيز لمنجزه إن شاء الله، فقد طالعت من أجل ~~ذلك كل ما وصلني، وأظنه القسم الأكبر مما كتب في الموضوع، وجئت الآن أقوم بالواجب واجب ~~التمحيص، فأثبت الحقائق واضحة جلية، وأشير إلى ما هو خطأ أو وهم بحسب اعتقادي، ثم أضيف إلى ~~ما سبق مني ما يعيد إلى ذهنك وذهن الأمة، ما كاد يضيع في البحث والمناظرة من لب الموضوع، ~~ومن العرض الوطني الاجتماعي الأكبر في معالجته، وعلى الأخص في هذه الأيام العصيبة؛ أيام ~~الجهاد الوطني والنشأة القومية. # | الشاعر والفيلسوف # قيل: إن الشاعر والفيلسوف لا يتفقان، فالفيلسوف يزعم أن الشاعر ms07 يحبب إلى الناس الخلاعة ~~ويغريهم بها؛ والشاعر يظن أن الفيلسوف يبعدهم من الإدراك الأسمى لحقائق الحياة. # وقيل: إن هذا الخلاف بينهما قديم جدا، أقدم من أفلاطون وهوميروس، فلا الفيلسوف يحترم ~~الشاعر منذ ذاك الزمن حتى اليوم، ولا الشاعر يحترم الفيلسوف. # إن في هذا القول أشياء من الخطأ والصواب، فإذا نظرنا في المسئلة نظرة سطحية وجدنا أن بين ~~الشعراء النفسيين، أي: الشخصيين وبين العلماء والفلاسفة الماديين من تصح فيهم الكلمة أنهم ~~لا يتفقون، ولكن الكثيرين من هؤلاء العلماء والفلاسفة لا يحسنون تقدير الشعر؛ لأن لا ذوق ~~لهم فيه، وقد قال أحدهم: إن الشعر هو نتيجة تضخم في الطحال وإفرازات له غير ~~اعتيادية. # أما الشاعر الشخصي الأناني، ذاك الذي لا يتعدى شعره نفسه؛ وما يرى ويخبر من خلالها مما ~~يتعلق بنفسه، فهو يظن أن روحه التبر الخالص يذيبه وينثره على جناح الخيال، وأن الفيلسوف لا ~~يستطيع أن يرى شيئا منه؛ لأن ليس له غير عقل علمي، قياسه الأوحد رياضي حسابي، فهو لا يرى ~~غير ما يرى بالحس، ولا يدرك غير ما يدرك بالقياس، هذا الفيلسوف وذاك الشاعر لا ~~يتفقان. # أما إذا أمعنا النظر في المسئلة، فيتبين أن بين الشعر الكوني الروحي وبين الفلسفة التي ~~تقرن المادة بالروح صلة متينة؛ ونسبا قديما يمت إلى أفلاطون وهوميروس ومن تقدمهما. والحق ~~يقال: إن في فلسفة أفلاطون شعرا صافيا، وفي شعر هوميروس فلسفة سامية. # 1 # وإنك لتجد الفلسفة بعيدة الغور والمرمى في شعر غوته الألماني # Goethe # وفي شعر وضزورث # Wordsworth # الإنكليزي، ناهيك بشكسبير # Shakespeare # وما أحاط به في شعره ورواياته من طبقات ~~النفس والفكر، ومن آفاق الخيال والتصور، ومن جوامع الأدب والفلسفة. # وما قولك أيها القارئ الأديب بأبي العلاء، شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء؟ وما قولك ~~بالفارض، شاعر التصوف والفلسفة الإلهية؟ وهل أذكرك كذلك بقصيدة الفيلسوف ابن سينا في ~~النفس؟ # هبطت إليك من المحل الأرفع # ورقاء ذات تعزز وتمنع # إلى أن قال وقد اخترق أسترة المادة: # هجعت وقد كشف الغطاء فأبصرت # ما ليس يدرك بالعيون الهجع # إن ms08 في بنات خيال الشعراء العبقريين وبنات أفكار الفلاسفة الكبار لفلسفة هي الشعر، وشعرا ~~هو الفلسفة، وقل: هو الشعر الفلسفي في أسمى مظاهره، وهي الفلسفة الشعرية في أجلى وأجمل ~~معانيها. # واعلم، سلمك الله، أن الحقيقة العلمية المجردة هي ناقصة نقص الحقيقة المنحصرة بالشعور، ~~أما الحقيقة الكبرى - الحقيقة السابغة الشاملة الدائمة الثابتة - إنما هي التي تجمع بين ~~الحقيقتين، بين ما يدركه الشاعر بحسه الدقيق، وما يدركه الفيلسوف بعقله المحيط، هي حقيقة ~~غوته في «فوست» ~~“Faust” # هي حقيقة شكسبير في «هملت» ~~“Hamlet” # هي حقيقة وضزورث في «الإكسكرشن» ~~“The Excursion” # هي حقيقة برغسن ~~“Henri ~~Bergson” # في كتابه ~~“L’Evolution ~~Crèatrice” # هي حقيقة المعري في «اللزوميات»، هي حقيقة الغزالي في ~~«إحياء العلوم»، هي حقيقة ابن طفيل في «حي بن يقظان»، هاك القليل من الكثير في هذا ~~الباب. # قال الفيلسوف للشاعر: إني أعلم ما تراه، وقال الشاعر للفيلسوف: إني أرى ما تعلمه، مثل هذا ~~الشاعر وهذا الفيلسوف لا يختلفان، وكثيرا ما يكمل الواحد منهما عمل الآخر، فيدرك الفيلسوف ~~بالعلم والاستقراء ما يفتح للشاعر أبوابا للوحي جديدة ويدرك الشاعر بالحس والتصور ما ينبه ~~الفيلسوف لجادة في البحث مجهولة، ويوسع لديه نطاق الفكر والاكتشاف. # دع الشعر والفلسفة وانظر معي تكملة للبحث في حياة الشاعر والفيلسوف العملية، وفي ما ~~يتوجب عليهما كأبناء وطن واحد، بل كأخوين مفكرين، منزهين عن الأغراض الشخصية، والمآرب ~~النفسية كلها، فهل تظنهما وهذه صفة كليهما، يختلفان في الحقائق الأساسية للحياة سياسية كانت ~~أو اجتماعية؟ # خذ هذه الحقيقة الكبرى في حياتنا الانتدابية: المنتدبون متمدنون، والمنتدبون مسيحيون، ~~والمنتدبون مقتدرون، أي: أنهم أصحاب جنود وأساطيل، فالمتمدن يجب أن يكون عادلا، والمسيحي ~~يجب أن يكون وديعا، والمقتدر يجب أن يكون صريحا صادقا. # فهل المنتدبون علينا وعلى إخواننا في الأقطار العربية الأخرى عادلون وديعون صريحون ~~صادقون؟ # وهل تظن أن الشاعر والفيلسوف يختلفان في الجواب على هذا السؤال؟ # خذ الثانية الكبرى من حقائق هذه الانتدابات، المنتدبون مسيحيون، وهم يضربوننا كل يوم على ~~الخد الأيمن ضربات وثنية، ونحن أبناء هذه البلاد مسيحيين كنا ms09 أو دروزا أو مسلمين، ندير ~~لهم الخد الأيسر كل يوم. # فمن هو المسيحي الصادق يا ترى؟ # وهل من الحكمة أو من العدل أو من الدين بشيء أن نظل من هذا القبيل مسيحيين، وأصحاب ~~الانتداب لا يهمهم من المسيحية غير «أخذ الرداء» والصفع على الخد الأيمن؟ # وهل يصلح للجهاد في سبيل الحرية والاستقلال والعزة القومية، من ألف الصفع والسكوت أو ~~الصفع والبكاء، وتعلم أن يقبل اليد التي لا يستطيع أن يكسرها. # هذا سؤال آخر لا أظن أن الشاعر والفيلسوف يختلفان في الجواب عليه. # وإذا كان الجواب واحدا، فهلا يجب أن يكون العمل بموجبه واحدا كذلك؟ # وإذا تألم الفيلسوف لهذه الحال المحزنة المخزية، الكائنة بين أصحاب القوة والباطل ~~والمسيحية الكاذبة وبين الضعف والحق والمسيحية الصادقة، أفلا يجب أن يتألم الشاعر، ويتألم - ~~وهو الرقيق الشعور - ضعف آلام الفيلسوف! # هو السؤال الذي يقف بنا عند النقطة الجوهرية الثانية من هذه المناظرة - عند الألم. # | هوامش # | الألم الشخصي والقومي # لا الحياة في حقيقة أحوالها، ولا الحياة في الأدب هي اليوم على ما كانت منذ خمسين سنة ولم ~~تكن واحدة في الأصل وفي الصورة في الواقع وفي الكتب، لا في الغرب ولا في هذا الشرق العربي ~~حتى في ذلك الزمان، فقد كان الأدب ومن ضمنه الشعر أدب تلفيق وتشويق، أدب صناعة وخيال على ~~الإجمال؛ وكانت الحياة بالنسبة إلى حاضر حالها سهلة سلسة بسيطة. # وفي حالها الحاضر تنعكس الآية أو هي تسرع في اتجاهها المفصح بالانعكاس، أجل قد تعقدت ~~الحياة وتعددت فيها أسباب التصنع والتزويق، كما تعددت فيها أسباب الراحة واليذخ، ولكن ~~الصعوبات في ورود مناهلها، وفي حل مشاكلها هي كذلك آخذة بالتعدد والتعقد والاشتداد، أما ~~الأدب ومن ضمنه الشعر في أوروبة، فهو يجرد يوما فيوما من الزيادات والزخرفات الصناعية ~~والمعنوية، ويسير في السبل الجديدة القويمة القصيرة المنصوبة إلى جوانبها أعلام المحتجين - ~~الحقيقة والبساطة. # لا يجوز أن نقول إذن: إن الأدب، إن كان في الماضي أو في الحاضر، يمثل الحياة تمثيلا ~~صادقا في أصولها وفروعها، هو يردد صدى ms10 بعض أصواتها، ويمثل تمثيلا حقيقيا بعض مشاهدها ~~ومعارضها، وينقل شيئا من ظلالها وألوانها ولكنه عند الحقائق الكبرى في مآسي الأسرة وفواجع ~~المجتمع، ونكبات السياسة؛ يقف كالاله المكتوف اليدين، المعقود اللسان، وينظر إلى يمينه فيرى ~~أنوارا تكاد تخنقها الظلمات، وينظر إلى يساره فيرى ظلمات تحاول أن تبددها مشاعل متوهجة، ~~كأنها دنت من أواخرها في الاحتراق. # وفي هذه المشاعل مشعال الشاعر، ومشعال الفيلسوف. # وإذا انتقلنا من الموقف العام العالمي، وعدنا كما ينبغي إلى الموقف الخاص الوطني، لا نرى ~~في الصورة الصغيرة كبير تغيير أو تبديل، إن في ألوانها الأساسية أو في ظلالها البارزة، فهي ~~في مجملها قاتمة جاهمة إلا أن الاتجاه المركزي فيها هو أجنبي يبسط نفوذه على ظلالها ~~وأنوارها، وقلما يتأثر بما هناك من عوامل الألم والبؤس والشقاء. # فلا عجب إذا بالغ أحد الأدباء المتناظرين في وصف هذه الحياة حياتنا، فقال: إنها سوداء ~~ملؤها الظلم والعسف والقباحة والعار، حياة تدمي القلوب فنسيل ألما أليما، ثم صاح من ~~أعماق قلبه إن الألم هو الحياة، وأن الألم هو الأدب، وإن الألم هو أصل كل إصلاح في الأدب ~~وفي الحياة. # إن هذا الأديب يتألم حقا لألم قومه، ويريد أن يكون الشاعر في البلاد مرآة بيئته، وصورة ~~مصغرة لأمته فهل هو كذلك؟ # لا ريب عندي في أن الشاعر يتألم أكثر من سواه ولا ريب في أن ألم الشاعر هو أصلا شخصي ~~أناني، وهو يظل في أكثر الشعراء النفسيين شخصيا قطب دائرته «أنا»، وهذه ال «أنا» التي لا ~~تتوفق دائما في آمالها وتشوقاتها، تجسم الألم في أصحابها فيرون الحياة كلها جاهمة سوداء، ~~وهم يدللون أنفسهم المتألمة كما تدلل الأم طفلها، ويذهبون في خيالهم مذاهب عجيبة فيتوهمون ~~أن آلام الهيئة الاجتماعية من آلامهم، وأنها لا تزول ما زالوا هم الشعراء بائسين ~~متألمين. # واعلم - سلمك الله - أن من يتألمون لألم أمتهم لا يبيعون ضمائرهم، ويسخرون أقلامهم ~~وقوافيهم للأجانب المسيطرين؛ وهم السبب الأكبر في بلاء الأمة وشقائها. # هؤلاء الشعراء يبكون وينوحون إما تقليدا؛ لأن بدويا في قديم الزمان بكى ms11 الأطلال ~~والدمن - وإما تمويها؛ لأنهم تعلموا في المدارس أن الشعر من الشعور - فقط - وأن أشد ~~حالات الشعور في الشعر - هي الدموع، أما المخلصون منهم فقلما يندبون غير حظهم، وقلما ~~يتألمون لغير أنفسهم، وإنك إذا زجرتهم أو حاولت أن تنقذهم من تقاليد هم فيها وأوهام يصيحون ~~صيحة المجروح، ويئنون كالمقروح أنات طويلة مزعجة. # هو ذا داء الأنانية بعينه، وليس للمجتمع ولا للدهر يد فيه، إنه من النفس المشغوفة بنفسها ~~وبألمها، إنه من الغرور الذي هو عند الشعراء الأنانيين بعد الشهرة خير تعزية، بل هو سلاحهم ~~على الدهر الغدار الميان، وبرهانهم الأكبر على جور الزمان، وقد قال شاعر الفلاسفة وفيلسوف ~~الشعراء أبو العلاء: # نشكو الزمان وما أتى بجناية # ولو استطاع تكلما لشكانا # وعلى ذكر أبي العلاء أقول: إن الشاعر الذي ترفعه الآلام في سلمها إلى الدرجة العليا يرى ~~الشمس مشرقة فوق الغيوم، ويرى الظلال الخضراء في قلب البوادي المهلكة. # الشاعر الصغير أيها القارئ العزيز يتألم ويبكي، ويدخل على قلبك شيئا من عذوبة قوافيه ~~فتطرب لصناعته، وقلما تأسف على حاله. # والشاعر الكبير يتألم ويصف الألم وصفا يؤلمك، ويهيج فيك الغضب والنقمة، بل يريك من ~~الفواجع الاجتماعية؛ ما يضرم في صدرك نار التمرد، ويشعل فيه نور الرغبة بالعمل بل نور العمل ~~والإصلاح. # وهل في شعرائنا نحن العرب من كان أسوأ حظا، وأشد بؤسا، وأرق شعورا من رهين المحبسين ~~أبي العلاء؟ ومع ذلك فإنك لتنسى ألمه الشخصي عندما تسمع في شعره أنة الألم القومي بل ~~الإنساني. # هو ذا الشاعر الكبير، الشاعر الفيلسوف، الذي يتألم لآلام أمته، وقد كان شعره صورة صادقة ~~لبيئته، فقد انتقد بكلمات من نار وقواف من نور، ما كان في زمانه من المفاسد والمظالم ~~الاجتماعية والسياسية والدينية، وصاح بالظالمين والمرائين صيحات مصقعات، وما فقد مع ذلك ~~النظر الأعلى، ولا تعامى عن الحقيقة الكبرى في الجمال الشعري الصافي، فجاءت في بعض قصائده ~~غاية في الرقة والخيال. # وأعمارنا أبيات شعر كأنما # أواخرها للمنشدين قوافي # وما كان الألم ليحجر قلب المعري، أو يذهب بشيء من ms12 سمو مبادئه فاسمعه يقول: # إذا ما فعلت الخير فاجعله صافيا # لربك وازجر عن مديحك ألسنا # فكونك في هذه الحياة مصيبة # يعزيك عنها أن تبر وتحسنا # ومن غريب الاتفاق الفكري والاجتماعي أن فيلسوف المعرة وشاعرها كان ناقما مثلي على فريق ~~من الشعراء في زمانه، فندد بأولئك الذين يلهون بتوافه الحياة، ولا يستطيعون أن يخترقوا ~~ستارا واحدا من أسترة الحقيقة فيبذرون قوافيهم بالمديح والاستجداء، وبالتغزل البليد ~~والرثاء، وقد قال، وهو يحمل على أسيادهم، وأولياء نعمتهم، الأمراء والحكام - وكأنه في ما ~~يقول يصف أسياد هذا الزمان: # مل المقام فكم أعاشر أمة # أمرت بغير صلاحها أمراؤها # ظلموا الرعية واستجازوا كيدها # فعدوا مصالحها وهم أجراؤها # فرقا شعرت بأنها لا تقتني # خيرا وأن شرارها شعراؤها # أريد من شعراء القرن العشرين أن يتمثلوا في هذه الأيام بشاعر القرن الحادي عشر، شاعرنا ~~الأكبر المعري، وأريد منهم أن يستقوا من ينبوع حكمته الصافي، فلا يملأون البلاد ضجا ~~وقرقعة إذا هم أحسنوا مرة إلى المجتمع في نظرهم بإحسانه إليهم، وهل جاء أحد الفلاسفة أو ~~الشعراء بأسمى من هذه الحكمة، وبأبسط وأبلغ من الصورة فيها، وهي من ينبوع من كانت حياته ~~بؤسا وألما على الدوام؟ فهو القائل: # والغيث أهنؤه الذي # يهمي وليس له رعود # وهذا الشاعر الفيلسوف المتألم، الذي عرف الحياة «جاهمة سوادء قبيحة ظالمة ...» لا يعبس ~~دائما ولا يتجهم، فإن له في مزاجه شتى المزايا الطيبة فيجيد ماجنا، كما يجيد ناقما، أو ~~واصفا، أو متأملا مفكرا، وهاكه يمزج الحقيقة بالتهكم واليأس بالأمل: # عرفت سجايا الدهر، أما شروره # فنقد، وأما خيره فوعود # فلا يبرهن الموت من ظل راكبا # فإن انحدارا في التراب صعود # لست في هذا المقام ناظرا إلى المعري من جميع نواحيه، وفي شعره كما في شعر كل شاعر على ~~الإطلاق الغث والسمين، إنما أنا مستشهد به وبمحاسنه على أن الألم في كبار الشعراء يخرجهم من ~~المحيط الشخصي المحدود من قيد الأنانية، ويرفع بهم إلى أوج المعرفة والإحساس فيرون ما في ~~الحياة من مواطن الوحي الدنية والقصية، ومن مصادر الشعر ms13 في الأغوار وفي الأنجاد، بل يرون ~~الكون كله شعرا إلهيا. # قال «غوته » شاعر الألمان الأكبر: «إن الكون ثوب الله». # وجاء المعري، شاعرنا الأكبر، يبزه بصورة أبلغ وصفا، وأروع حقيقة، وأسمى خيالا، إذ ~~قال: # أرى خيال إزار حمه قدر # ظهرت منه قليلا ثم وريت # هو ذا الخيال في الحقيقة الشعرية، وهو ذا في الاثنين ما يثبت أن هناك شيئا من الشبه بين ~~المعري والفارض، فالمتصوف يجل الله عن الذكر إلا رمزا، وهو لا يجسر أن يراه، إذا فرضنا أن ~~ذلك ممكن، ولم ير إلا الخيال من إزاره، فالكون في نظر الشاعر الألماني هو هذا الإزار، وفي ~~نظر الشاعر العربي هو خيال الإزار، وقد عبر عن مشيئة الله فيه بالقدر، والناس يظهرون من ~~خلال هذا الخيال - يظهرون قليلا في هذه الفانية - ثم يختفون. # لنعد قبل أن نودع المعري إلى موضوعنا فيسعفنا ببعض صور بيئته لنعيد إلى نظر القارئ ما قد ~~يكون نساه في بيئتنا، أوليس من العجب أن نسمع من شاعر القرن الحادي عشر الصوت الذي نود أن ~~نسمعه، من شعراء هذا الزمان. # قال المعري يوبخ الملوك، ويدافع حتى في تلك الأيام - عمن كانوا يدفعون الضرائب. # وأرى ملوكا لا تحوط رعية # فعلام تؤخذ جزية ومكوس؟ # وقال يندد بالمنافقين والمرائين، وهم لا يزالون كما كانوا في قديم الزمان؛ وإن تعددت ~~أساليبهم، وتغيرت أسماؤهم وحيلهم. # رويدك قد غررت وأنت حر # بصاحب حيلة يعظ النساء # يحرم فيكم الصهباء صبحا # ويشربها على عمد مساء # يقول لكم: غدوت بلا كساء # وفي حاناتها رهن الكساء # وكأنه نظر بعين الغيب إلى هذه البلاد العربية أو بالحري إلى حاضرها وأصحاب الانتدابات ~~فيها، فقال: # ساس الأنام شياطين مسلطة # في كل قطر من الوالين شيطان # هو ذا الألم القومي بل الألم الإنساني، الذي يتمثل في الشاعر الكبير فيرفعه إلى أوج ~~المعرفة والشعور، ويسلحه بالجرأة زينة البلاغة، وبالحرية زينة الحق وبالصدق والإخلاص زينة ~~النزعات النفسية والقومية والإنسانية كلها. # وها هنا يحق لنا أن نسأل: هل الشاعر الكبير يبكي من الألم؟ وبكلمة أخرى: هل ms14 يهيج الألم ~~فيه الدم أم الدموع؟ هو السؤال الذي يقف بنا في هذه المناظرة عند النقطة الثالثة الجوهرية، ~~وهي الدموع. # | الدموع # لصديقي الشاعر الشيخ فؤاد الخطيب بيت في الدموع، كان يردده يوم كنا بجدة، وهو يشدو على ~~طريقته البدوية المشجية فينسينا، ونحن نهتف: الله، الله! أننا في بلد تغتفر فيه اللهفات، ~~ولا يسأل فيه صاحب العبرات، وكأني الآن وتلك الذكرى تعود في لبنان، أسمعه ينشد كذلك في ~~عمان: # هات الدموع، وحسبي في البلاء بها # أن الدموع يد الله بيضاء # 1 # ولكني وأنا في هذا الملجأ القصي، من سحر شدوه البدوي، أرفع قضيتي إلى محكمة العقل، وأسأل ~~مستأنفا حكم الشاعر: هل الدموع في البلاء مفيدة؟ بل أسأل إطلاقا: هل تنفع الدموع؟ # قبل أن نجيب على هذا السؤال، يجب أن نعرف ما هو الدمع، ويجب أن يكون البحث علميا؛ لنثبت ~~فوق كل ريب الحقيقة في الموضوع، ونظهر فوق كل ريب ما قد ينطوي عليه من وهم وسخافة. # جاء في القاموس: الدمع ماء العين من حزن أو سرور، ولكن التعريفات العلمية تجيء ناقصة في ~~قواميسنا العربية. # لذلك نلجأ إلى قواميس الإفرنج، فهاك ما جاء في القاموس الإنكليزي: الدمع هو الماء المالح ~~الذي تفرزه الغدد الخاصة به؛ ليرطب سطح العين ويغسلها مما يغشيها من ذرات الغبار، وهو يجري ~~من قبائل الرأس (القاموس العربي)، ثم يمر في مسايل الأنف (القاموس الإنكليزي) ويمتزج ~~بمفرزاته المخاطية، إما في أوقات التهيج أو الابتهاج - في السعال الشديد مثلا أو الضحك - ~~فتتقلص أعصاب العين فيسيل الدمع على الوجنتين. # من هذا التحديد يتضح أن الدمع: ~~(1) # ماء مالح. ~~(2) # غدده في قبائل الرأس. ~~(3) # فائدته أن يبقي العين نظيفة ويرطب سطحها. ~~(4) # يظهر في ساعات السرور الشديد أو الحزن الشديد سائلا فوق الخدود. # الدموع إذن ليست الحزن بعينه، ولا هي دليل الحزن فقط، على أنها حسب اعتقاد الناس، تخفف من ~~الحزن وتفرج الكرب والغم. # وهذا الاعتقاد - وإن تصعب إثباته علميا - ينزله الكثيرون من أهل الأدب والعلم منزلة ~~اليقين فيقولون: إن في البكاء راحة من كرب ms15 أو حزن أو مرض، وفيه تنكشف الغموم. # فهل هذا صحيح يا ترى، أم هل هو وهم من الأوهام؟ إننا نلفت نظر القارئ إلى هذه الحقائق ~~الراهنة: إن البكاء في بعض الشعوب الشرقية أكثر منه في الشعوب الغربية، وإنه في الشعوب ~~اللاتينية أكثر منه في الشعوب الأنكلوسكسونية، وإن في الشعوب القاطنة الشمال، مثل أهل أسوج ~~ونروج، يضعف فيهم الميل إلى البكاء، ويكاد يزول فهم قلما يبكون في الملمات. # فهل في الطقس عامل من عوامل البكاء؟ إذا قلنا: نعم كذبتنا شواهد الحال، فالعرب في شبه ~~الجزيرة - وخصوصا أهل نجد - هم مثل الأسوجيين، وإن تعاكس طقس البلادين، فلا يحزنون حزنا ~~شديدا على موتاهم، وقلما يبكون. # هل للتقاليد والتربية إذن فعلها في البكاء؟ إني أعتقد ذلك، بل أقول: إنها من عوامل البكاء ~~الشديدة. # وإني - فوق ذلك - أسترعي نظر القارئ إلى هذه الحقائق الأخرى الثابتة: الصغار أسهل دمعا ~~من الكبار، والنساء أكثر بكاء من الرجال، والرجال في الشعوب الهمجية والمتأخرة في التمدن، ~~هم أسرع إلى ذرف الدموع والنحيب من الرجال المتمدنين، تنبئنا بذلك المنادب الإفريقية، وما ~~لا يزال من أثرها في بعض البلدان، وقل في جبل لبنان. # إن في ذرف الدموع إذن، وفي فيضها وشحاحها، غير تهيج العواطف حزنا أو سرورا، وقد قدمنا ~~الدليل على علاقتها من وجهة واحدة بدرجة الرقي والتمدن في الشعوب. # وهاك من وجهة أخرى ما يسترعي النظر، الولد يبكي حينما تصطدم إرادته اصطداما شديدا ~~بإرادة أمه أو أبيه أو أخيه الأكبر، والمرأة تبكي إذا اشتد عليها كيد الزمان، أو كيد زوجها، ~~أما الرجل فهو على الإجمال أقل بكاء من المرأة، فإذا كانت الدموع تفيد فلماذا تخص فائدتها ~~بالأطفال قبل الأولاد، وبالأولاد قبل النساء، وبالنساء قبل الرجال، ويكاد يحرم الرجال ~~خيرها، الآن الأولاد أضعف من النساء والنساء أقل قوة وتجلدا من الرجال؟ قد يكون ذلك، وقد ~~تكون مسايل الدمع في الأطفال والأولاد والنساء أطرى وأرق منها في الرجال. # ومما لا ريب فيه أن الرجال إجمالا يحكمون العقل في الشدائد، والنساء يحكمن العاطفة، ms16 ~~والأولاد مسيرون بالغريزة، يرى الطفل القمر فيمد يده إليه - يطلبه ثم يطلبه - فتعريه سورة ~~من البكاء؛ لأنه أبى أن يجيه وبعد صراخه ودموعه يهدأ جأشه، وينسى أن القمر عصاه. # فهل أفادت الطفل الدموع بعد أن حرق ملحها وجنتيه ومآقيه؟ أم هل كانت الدموع نتيجة ملازمة ~~لتهيجه واضطرابه؟ # في الجواب على السؤال الأول سلبا أو إيجابا مجال للبحث، أما الجواب الإيجابي على السؤال ~~الثاني فلا ريب فيه؟ # أيحق لنا أن نقول إذن: إن الدموع نتيجة ملازمة لتهيج العواطف، حزنا أو ابتهاجا وهي قلما ~~تفيد؟ # حدثتني سيدة مهذبة قالت: كدت أختنق مرة من شدة الغيظ والكمد، وأنا أحاول أن أحبس دموعي، ~~ولكني عندما استسلمت إليها، أحسست أن شيئا ثقيلا متجمدا في صدري أخذ يذوب، فذاب بالبكاء ~~فانفرجت. # ولكن الرجال يفرجون كربتهم بغير الدموع، يفرجونها إما بالصبر والتجلد، وإما بالقوة، وإما ~~بحسن التدبير. # إن الغيظ والكمد والحزن لا تفعل بالرجال إذن ما تفعله بالنساء؛ ذلك لأن فعلها بالنساء ~~منشؤه العواطف، وفعلها بالرجال منشؤه العقل والإرادة - العقل في التدبير، والإرادة في ضبط ~~النفس، أو القوة في إشفاء غليلها. # ولا أظنك تنكر أيها القارئ المفكر أن للتربية مفعولها بالدموع، فالأم لا تزجر ابنتها إذا ~~رأتها تبكي كما تزجر ابنها، فهي توبخه وتذكره بأنه رجل - والرجال لا يبكون. # فإذا كان البكاء حقا مفيدا، فلماذا يحرم الولد فائدته ولا تحرمها الفتاة؟ # يظهر إذن فوق كل ريب أن في عقيدة من يقولون: بفائدة البكاء شيئا بل أشياء من الوهم ~~والسخافة، وإن الشاعر في قوله: «إن الدموع يد الله بيضاء» هو شاعر فقط، على أنه قد يكون ~~له تعالى يد في الدموع بيضاء، إذا أسعفها الوهم في تقليد ورثناه، أو في عادة ~~ألفناها. # | هوامش # | دموع الشاعر # لا أظنك تجد من الدموع في شعر الأمم الأوروبية كلها مقدار نصف ما عندنا في الشعر العربي، ~~ولا أظنني في ما أقول مبالغا، جل في ربوع الشعر أو في بواديه، تجد هناك من الدموع ~~بحيرات ومستنقعات، خذ أي ديوان تشاء وافتحه على بركة ms17 الله، تحظ بقصيدة شاكية أو بقافية ~~باكية، وخذ أي كتاب من كتب الأدب القديم، تر صفحاته مزدانة بالأشعار، وفيها دائما من ~~النوع الذي يسيل دمعا سخينا سخيا، قصائد هي السواقي - قوافي هي الشلالات - دواوين هي ~~الينابيع المعدنية. # ويظهر أن الذين يتذوقون الشعر ويروونه أو يعنون بنقله والاستشهاد به في بث فكرة، وتزيين ~~مقال أو إعلان، هم شغفون بدمعة الشاعر فيفضلونها غالبا على ابتسامته، أو على غيرها من ~~ظاهرات مزاجه، هاك ما قرأت في ورقة اليوم من الروزنامة: # وإذا عصاني الدمع في # إحدى ملمات الخطوب # أجريته بتذكري # ما كان من هجر الحبيب # كأن جري الدمع على الخد لازم للصحة والهناء لزوم جري السوائل الأخرى في الجسم البشري، ~~وإننا نرى الشاعر ها هنا مثل الطبيب يعالج المتعسر العاصي منها بالأدوية، فقد اكتشف دواء ~~لنفسه أسماه «هجر الحبيب» فعله عجيب، خذ ملعقة واحدة من «تذكر الحبيب الهاجر»، تتفتح ~~مجاري الدمع فيك، فتلين عينك القاسية العاصية فتأتيك بالعبرات في الملمات. # وما أكثر أنواع العبرات وما أكثر العبر فيها، فقد عدد أحد أرباب الشعر الباكي مئة دمعة ~~ودمعة، بادئا بالطفل وخاتما بالمسيح على الصليب، وهو يحمد الدمعة التي «قلبت العالم»! ~~إنما فاته - دامت دمعته - أن المسيح في تلك الساعة لم يفكر بالعالم، بل بنفسه إذ قال: إلهي، ~~إلهي، لماذا تركتني تباركت في كل حال دمعة المصلوب، وهي الوحيدة - الأولى والأخيرة منه، أما ~~شعراؤنا فهم لا يصلبون ولا يهانون ودائما يبكون، وقد تخيلوا حتى السواقي والينابيع ~~دموعا. # أجل إن الطبيعة نفسها لتبكي معهم، سبحان من بكى واستبكى وأبكى، فهاكم الورد الباكي، وطل ~~الصباح دموعه، وهاكم الشفق الشاكي وفي الغمائم غمومه، وهاكم الحمام النواح، والبوم ~~الصياح، والضفادع تنق طول الليل حتى الصباح، والخرفان الحزينة المعدة للذبح، وهي أحق ~~أنصار الشعراء بالبكاء، فقد تقرحت مدامعها فبكى حتى الذئب عليها ومعها، إننا حقا لفي وادي ~~الدموع، والشاعر مرآته الجلية ودمعته الكبرى المركزية، التي تنعكس فيها كل دمعة وكل ~~بلية. # لله من دموع الشعراء، قال المتنبي يندب شيبه في صباه: ms18 # شيب رأسي وذلتي ونحولي # ودموعي على هواك شهودي # والمتنبي سيد الكذابين؛ لأنه لم يشب في سن العشرين، وكان في الأرض من المتكبرين. # ومن عجيب اختراعاتهم الدمعة أن دموع بعضهم تجري من غير عيونهم - تجري من أعضاء الجسم ~~الأخرى، ومن كل حواسه. فتبكي اليد مثلا على الأذن، وتبكي الضلوع على الصدر، والصدر على ~~الكبد، والكبد على الكليتين، اسمع ابن المعتز يقول في موشح له: # غشيت عيناي من طول البكا # وبكى بعضي على بعضي معي # ثم قال في المقطع التالي مكذبا نفسه: # كلما فكر بالبين بكى # ويحه يبكي لما لم يقع # وهذا لعمري حال الأكثرين من شعراء الدموع، فهم إما مقلدون وإما سباقون للحوادث المفجعة ~~فيبكون قبل أن تقع، ومتى وقعت - إذا ما وقعت - ماذا يفعلون؟ قد قيل لنا، بالرغم من ذلك: إن ~~أطهر الدموع بعد دموع الأمهات دموع الشعراء ... # الشعراء الصادقين نعم سمعنا وآمنا، فالشعراء الصادقون على قلتهم فريقان، فريق «يمثل في ~~المحيط الباكي بكاه» فيبكون ثم يبكون فتتقرح كمدامع الخرفان مدامعهم، وتبكي حتى الذئاب ~~معهم، إن دموعهم كدموع النساء والأطفال ولها في الشعر قيمتها، أما الغلو في تقديرها فمنبوذ، ~~وكل نقادة شعر محترم الرأي يرفض النظرية التي ترفع الأدب الباكي، أو قطعة من الشعر الدميع ~~إلى ذروة عالية من الفن، أما الفريق الثاني من «يحملون من الألم رمز الألم» فهم لا يبكون ~~ولا يستبكون، هم ينبهوننا يستيقظوننا يشحذون فينا سيف النقمة يستفزوننا لجميل الأفكار، ~~وشريف المقاصد والأعمال، هم الذين تتمثل في أنفسهم آلام الناس فتفيض، فتغمر آلامهم الشخصية ~~كلها. # 1 # ذكر بعض الأدباء شعراء فرنسيين اشتهروا بأحزانهم، وامتازوا كما قيل بدموعهم، وفي مقدمة من ~~ذكروا ألفريد ده موسه ~~“Alfred de Musset” # واستشهدوا به على ~~«عظمة» الدموع لكبار شعراء الغرام والأحزان عندنا، وقد قالوا: إن ده موسه بعد تمرده على ~~البكاء، راح إلى لامرتين ~~“Alphonse Lamartine” # باكيا، فرحب ~~به بكلمة من كلماته الكبيرة في حب «عظمة الآلام الإنسانية». # ومن مزايا الأدب في تلك الأيام، وقل من أمراضه الإكثار من لفظة العظمة، ms19 التي استخدمت لوصف ~~العصر بحذافيره من لصه إلى أميره، ومن أعلامه إلى آلامه ومع أن هذه المدرسة الرومنطقية ~~(اللامنطقية ؟) قد اضمحلت، فلا بد من كلمة وجيزة في ده موسه، الذي استشهد به أدباؤنا ~~وشعراؤنا الغزليون؛ ليبرروا استرسالهم في الغرام والحزن والبكاء. # وخير الكلام في الموضوع ما كان لجهابذة الفرنسيس أنفسهم، أني ألفت إلى ما يلي نظر ~~الجاهلين، وأذكر به العارفين من أدبائنا. # قال سنت بوف ~~“Charels Sainte-Beuve” # ما معناه: ما صفا شعر ~~موسه وسما إلا بعد أن أحب الشاعر، وأخلص في حبه، وإنك لتجد مثال هذا الشعر في «الليالي» ~~ومصدر جماله مزدوج، إن مصدره الألم، وشغف النفس الأليمة بالحياة، فالشاعر شاعر رغم آلامه ~~وأحزانه، بأن ينابيع الحياة لم تنضب ولن تنضب، وأن الجمال في الكون لم ينقص ولن ينقص، لا في ~~روعته ولا في تنوعه، ولولا هذا الشعور الحي على الدوام في ده موسه، لولا الشجاعة والتفاؤل ~~ولولا الأمل في تجدد الشباب، وترداد آياته الخالدة من جيل إلى جيل، كما تردد في المروج ~~وفي أنوار الفجر وألوان الغروب، وفي تغريد الأطيار وتفتح الأزهار، آيات الجمال الخالد، لما ~~كان لآلامه وقع حسن في القلوب ولما قبلت أحزانه واستعذبت مهما كان بليغا ومهما كان ~~متأنقا في تبيانها. # 2 # وقد قال النقادة الأكبر تاين # 3 ~~“Hippolyte Taine” ~~: «شاخ ده موسه وظل شابا»، فقد كانت ~~ملائكة الأحزان تزوره ليلا، حتى في آخر أيامه وتهديه إلى المصادر القدسية في الشعر، وقد ~~رأى ده موسه من ذروات ريبه ويأسه جوامع الحياة وشواردها منبسطة أمامه انبساط السهول ~~والبحار لمن يراها من أعالي الجبال. # على أن ده موسه ولامارتين وفكتور هوغو مدينون بشيء من روح الشعر الجديدة لشاعر تقدمهم هو ~~ألفريد ده فيني ~~“de Vigny” # وقد كان شعره فلسفيا ~~رومنطقيا معا، وإن ده فيني في مغالبة الزمان، والصبر على آلام الحياة لشبيه بالمعري أبي ~~العلاء. # 4 # ومن من شعراء أوروبه نظير هينه ~~“Heinrich Heine” # في ~~ما قاساه من الآلام؟ فقد ظل هذا الشاعر اثنتي عشرة سنة طريح الفراش، ms20 وهو في تلك السنين ~~المرة يكتب النثر وفيه روعة نادرة، وينظم الشعر وفيه السحر الخالد. # وبالرغم من آلامه وأوصابه كلها، قلما نجد في شعره أنة مزعجة، أو دمعة لا تصحبها نكتة ~~أو ابتسامة؛ ذلك لأنه كان خفيف الروح، حلو المزاج، وذا فكر فوق ذلك طواف محيط، فقد تغلغل ~~في بحث الحياة، وأمعن في أغوارها وأنجادها، فأضحكته فيها المتناقضات، وشحذت الأوهام قوة ~~التهكم منه، كما جلت روح الحق روحه الثائرة الساخرة، الممزوجة بالطريف من المزاح. # أعيد ما أسلفت قوله، وهو أن الألم يرفع بالشعراء الكبار إلى أوج المعرفة؛ فيرون الحياة ~~كاملة بما ظهر منها، سابغة بما اتضح، ويرون كذلك الشعلة الإلهية التي تنير لبها ~~وحواشيها. # ولكن الألم غير الدموع، ومن السهل على من لا يفكرون تفكيرا صحيحا علميا أن يخلطوا بين ~~الاثنين، ولا تظنن أيها القارئ العزيز أن الدموع هي التي طهرت فرنسه من أدران الظلم ~~والفساد، كما قال أحد الأدباء الدمعيين: بل هي الثورة التي ولدتها الآلام. # الدموع تسكن القوى، والآلام تثيرها. # والشعراء الكبار، مثل أبي العلاء وهينه وده موسه، قاسوا من آلام الحياة أشدها وأنواعها، ~~لما كان في زمانهم من جهل وظلم، ووهم وفساد، ولكنهم لم يبكوا لا بل لم يذرفوا الدموع، بل ~~كانوا ثائرين متمردين، داعين للثورة والتمرد، داعين لجهاد الظلم والظالمين. # لقد هيج الألم فيهم الدم، وما هيج الدموع. # لقد أثار الألم العواطف منهم، وما أثار البكاء. # لقد أنار الألم عقولهم بأنوار العطف والحنان، وأشعلها بنيران النقمة والجهاد، فرفعوها ~~عاليا في شعرهم هديا وتحريضا للناس. # | هوامش # | ندب وانتداب # حدثنا الأستاذ صلاح اللبابيدي عن الأستاذ عبد الله اليافي قال: إن أحد الألمان الذين ~~أخرجهم حزب النازي (تلفظ نتشي) من الخدمة، دخل على الوزير متظلما لإبعاده من الحكومة ~~بداعي أن جده الخامس يهودي، فقال: إنه رجل ألماني، خدم ألمانيه سنينا طوالا، وأنه مظلوم ~~في ما ظن به وفي عزله لذلك، وليس له مورد غير راتبه يعيش به هو وعائلته، وأنه لا يستطيع ~~عملا آخر. # قال ذلك وبكى، فانتفض الوزير ms21 انتفاض الناشط من عقال وقال: لقد برهنت أن الدم اليهودي لا ~~يزال يجري في عروقك؛ لأن الألماني الحق لا يبكي في الشدائد، وطرده من مجلسه. # وقد سمعنا من يحدث أن رجلا من الإنكليز سمع مرة بعض المصريين يغنون، وكأنهم ~~ينحبون: # حبيبي راح والكأس بيده # يا من يرد لي حبيبي # فسأل ما معنى ما يغنون، فقيل له فرفع يده كمن يريد الملاكمة وقال: «من يأخذ حبيبي أجري ~~وراه وأكسر رأسه، أما أنتم المصريون فتقعدون وتنوحون». # وقال ظريف سمع القصة: كان الفرنسيس يغنون في أيام الحرب مثل المصريين أغنية اسمها ~~«روزالي» فيقولون: # راحت «روزالي» # ومن رآها يردها لي # ولكن الفرنسي في محنته هذه هو غير الإنكليزي وغير المصري، وقد يكون هجر «روزالي» أخف ~~المحن عنده، فهو يلوح بيده وبروحه الظريفة، إلى الجيران كأنه يقول: من رأى بقرتي أو شاتي ~~الشاردة ليردها من فضله. # وإني لا أشك في أن عقليته في ما يجد له، ويعده من خطير الأمور، هي في المحن كعقلية ~~الألماني والإنكليزي، فهو لا يبكي وإذا اعتدي عليه أو حرم عزيز لديه، يشمر عن ذراعه ~~ويقاتل ليظفر بأمله المنشود. # أجل؛ إن الفرنسي والإنكليزي والألماني سواء من هذا القبيل، أما نحن فنئن ونتأوه ونندب ~~وننوح، ثم ننام على ظهورنا مستسلمين مسترحمين. # حبيبي راح يا من يرد لي حبيبي. # حريتي راحت يا من يردها لي. # استقلال بلادي راح يا من يرد لبلادي استقلاله. # نحنا ونمنا وتوكلنا على الله، وجاء شعراؤنا يرثون لحالنا - يرثوننا، وجاء المغنون يعزون ~~كل بنغمة جديدة - قديمة - من أنغام الأسى والحنين والضنى والأنين. # غيرنا تملك وصال # ونحنا نصبنا خيال # كذا العدل يا منصفين! # لا والله، لا والله، نقول هذا وننام، ننام ونحلم بنوح الحمام، وإذا استفقنا متألمين نتذكر ~~مثل ابن المعتز هجر الحبيب فنفرج كربتنا بالندب والنحيب. # غيرنا تملك وصال # ونحنا نصبنا خيال # والحرية والاستقلال والقومية المنشودة؟ # حبيبي راح من يرد لي حبيبي. # وا حريتاه! وا قوميتاه! # فهل تعيش أمة في هذا الزمان وهذه نفسيتها؟ وهل تنال أمة استقلالها المغصوب ms22 وهذا ~~معقولها؟ # هو ذا بيت القصيد في خطبتي بعاليه، وإني أعود إليه في ختام هذه الصفحات؛ لأن الأدباء في ~~الحوار والجدال، يعدوا منه، وكادوا ينسونه. # إننا أيها الناس لفي المحنة الكبرى التي فيها موتتنا كأمة، وفيها حياتنا فكيف نعمل لنخلص ~~من الموت، وكيف نعمل لنظفر بالحياة؟ أنغني: حبيبي راح ونذرف الدمع ونرتاح - نموت؟ # ألا يثير الألم فينا غير الدموع؟ ألا يثير فينا الدم والغضب والنقمة والتمرد؟ ألا يستفزنا ~~للعمل للجهاد، أو في الأقل للعصيان المدني؟ # قلت وأعيد ما قلت إننا سائرون إلى الاستعباد - الاستعباد الاقتصادي، إن الربقة لهي اليوم ~~أمام عيوننا ولهي غدا في رقاب أبنائنا وإن النخاسين يصفقون لأغانينا المحزنة المبكية ~~ويتمنون لنا الزيادة منها، كيف لا والدموع بنات الذلة والخنوع. # ونحن نتحاور ونتجادل في الأدب الباكي والأدب الثائر - أدب الضعف وأدب القوة - وأيهما أنفع ~~لنا، والله لو كان حالنا حال غيرنا من الأمم المستضعفة لما اختلف في المسئلة اثنان. # وهل في مثل حالنا يجوز البحث في ما إذا كان الشعر المبكي والأغاني المحزنة أعظم فنيا من ~~تلك التي تحرك في النفس الخفة والطرب؟ # وهلا يكفي أن أقول لكم: إن النخاس يحب في عبيده الشعور الرقيق، والإحساس اللطيف؟ أفلا ~~تنتبهون أفلا تفقهون؟ واعلموا وقاكم الله خير النخاسين أن التاريخ لا ينبئ بأمة واحدة ~~كانت في أيام جهادها وتكونها على شيء كبير من الإنتاج الفني، وكل ما كان فيها من فن ~~وشعر وعلم وأدب كان يسخر للغرض الأكبر من جهادها، يسخر لحريتها ولاستقلالها؛ ولتعزيز ~~القومية والوطنية فيها. # نحن اليوم هذه الأمة وقد بدأ يشعر الكثيرون منا بأن أدب القوة هو ألزم لنا، وأن أدب الضعف ~~لا يفيد غير المسيطرين علينا. # إن أمر هؤلاء المسيطرين عجيب، قد يظن البعض من المتفائلين أنهم في النهاية راحلون، وهم ~~يعللوننا بيوم المعاهدات؛ يتلوه يوم الجلاء. # إني أظن بأنهم في ما يعللون غير صادقين، فهم في قلوبهم راغبون باحتلال يدوم، وعاملون له ~~في سرهم - وفي جهرهم عندما الجهر يفيد، قلت: إني أظن - أحس بسوء القصد ms23 - ويجب أن أضيف إلى ~~ذلك ما فيه الدليل، مما شاهدت على أني في ظني وفي حسي متحفظ معتدل. # أجل، قد شاهدت في رحلتي السورية الأخيرة ما يرفع بظني وحسي إلى منزلة اليقين، فما هذه ~~الصروح الفخمة التي يبنيها الفرنسيس في المدن السورية الكبرى؟ لمعاهدهم التهذيبية، إنها ~~تكذب سياسة المعاهدات والجلاء. # رأيت في الشام وحمص وحلب بنايات للبنك السوري اللبناني كبيرة جميلة فخمة، تعيد إلى الذهن ~~كلمة من الكلمات النبوية: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا - اعمل لانتدابك كأنه دائم! اعمل ~~لاحتلالك كأنه أبدي! # فهل أنت في ريب من ذلك؟ لولا يقين القوم أنهم ثابتو القدم في البلاد، أو أن الانتداب في ~~الأقل ثابت وطيد، ولا يتغير - إذا ما تغير - إلا اسما، لما كانوا يبنون هذه الصروح في ~~المدن السورية الكبرى لمعاهدهم المالية والاقتصادية، ولما كانت المدرسة العلمانية الفرنسية ~~تشيد هذه الأبنية الكبيرة الجميلة في حلب وفي الشام. # فهلا انتبهنا وهلا فقهنا؟ # إن الانتداب يطوق البلاد باقتصادياته وثقافته، ويجيش من أبناء هذه الثقافة جيشا ينفذ ~~الكبير والصغير من أوامره، وإذا شئتم من الإيضاح المزيد، وفيه الحقائق مثبوتة بالوثائق، ~~فدونكم وكتاب الدكتور عبد الرحمن الكيالي الذي نشر أخيرا. # 1 # هو ذا الانتداب، وربقته اليوم أمام عيوننا، وغدا تصير في رقاب أبنائنا، هو ذا الانتداب ~~ونيره الثقيل علينا كلنا أجمعين - على تدمر ودمشق وعلى الأرز وصنين. فهل نظل أبدا منقسمين ~~متنابذين متخاذلين؟ وهل نداوي أدواءنا القومية بالبكاء والأنين؟ وهلا يجب علينا أن نسهل ~~لأبنائنا في الأقل سبل الجهاد، لإنقاذ البلاد وتحريرها من الاستعباد؟ # ولسنا وحدنا في هذه المحنة الكبرى، لسنا وحدنا سائرين إلى الاستعباد، فالمصري والفلسطيني ~~والعراقي يشكون ما نشكوه، ويئنون مما نئن وإن عندهم كما عندنا من يسمون روح الضعف شعورا ~~لطيفا وإحساسا دقيقا، وينكرون هذا الإحساس وذاك الشعور، على ما يناضلون ويكافحون، ~~ويجاهدون؛ ليخلصوا البلاد من الأدب الباكي، وهو للمسيطرين كإحدى كتائب جنودهم ~~الاستعمارية. # وهب أن المجاهدين قساة القلوب، كما يزعمون غلاظ الرقاب، وأنهم لا يقدرون الشعور الرقيق في ~~الشعر وفي الغناء ms24 فإن اليوم يومهم، ويا مرحبا بهم. # وما أصدق ما قاله أحد هؤلاء القساة القلوب: دانو نزيو الشاعر الإيطالي مهد السبيل للحركة ~~الفاشستية، وكتاب الأسبان وشعراؤهم مهدوا السبيل للجمهورية الإسبنيولية، فلا يجب أن تكون ~~الزعامة في الأمة للسياسيين وحدهم إذن، ولا الصحافيين والسياسيين فقط، بل يجب أن يشترك معهم ~~ويتقدمهم الأدباء والشعراء الحقيقيون الذين يفرحون بما يضمحل من شخصياتهم في سبيل الشخصية ~~الوطنية القومية الكبرى. # أما الشعراء والأدباء الذين يعيشون لأنانيتهم يدللونها؛ ويكتبون وينظمون لتمجيدها؛ ضمنا ~~أو صراحة ويتخيلون أنفسهم من «الأولمب» أبناء الآلهة، أو المندوبين عنهم فينا، ويظنون أن ~~الأمة لا تنهض إذا لم تحلم أحلامهم، وتردد قوافيهم فتحزن لحزنهم، وتبكي لبكائهم، وتضفر بعد ~~ذلك أكاليل المآتم لها ولهم، فلهؤلاء الشعراء والأدباء نقول: إننا في هذا الزمن العصيب لفي ~~غنى عن شعركم وأدبكم، ولو كان الأمر لنا لسخرناكم والله للعمل المفيد في أمة تنشد الأعمال ~~المفيدة. # إخواني أنتم فاسمعوا لوجه الإخاء هذه الكلمة، إنكم لذو تبعة لأنكم أذكياء وذكاء المرء ~~محسوب عليه، فلو تشيعتم لحق وطني قومي، وناضلتم عنه بكل ما أوتيتم من قوة ومن علم ~~وبيان، لتجددت فيكم الآمال، ولعادت إليكم لذة الحياة الكبرى - لذة العمل الصالح المفيد ~~للوطن. # لقد أنكرتم علينا القول: إن زينة الحياة القوة، فقلتم وقد فاتكم ما شمل من كلامنا: إن في ~~الحياة غير القوة مما يستوجب الرعاية والإجلال، أي: إن فيها للعبقريين من رقة الشعور، ~~وعذوبة الأرواح، ما يتألف منه روعة الفن وطهارة الدموع، وأمام تلك الرقة والعذوبة وعند قدمي ~~الروعة والطهارة، يجب أن نخر ساجدين. # وإني أقول لكم: إن من ينشدون فنا لا وطن له يمسون ولا فن لهم ولا وطن. # وإن عظموا كيوان عظمت واحدا # يكون له كيوان أول ساجد # القوة ثم القوة ثم القوة! # 2 # القوة العقلية العلمية، والقوة الروحية اللاطائفية، والقوة المادية الاقتصادية. # يوم نظفر بهذه القوى كلها، نصير أمة حرة مستقلة، عزيزة النفس، عزيزة الجانب، بدون ~~الأجانب. # فسقيا ليوم لا ندب فيه، ورعيا ليوم ليس فيه انتداب. ~~••• # | هوامش # | خمس ms25 عشرة وصية أخرى للشعراء # (1) # حرروا صناعتكم من «قفا نبك» و«سائق الأظعان» - إن عندكم اليوم الطيارات لتسوقوا ~~النجوم. ~~(2) # حرروا أنفسكم من القيود التي تحول دون الإبداع والتجدد، ودون الصدق في الشعور ~~والحرية في التفكير. ~~(3) # خذوا بيانكم - مجازكم واستعاراتكم - من لوح الوجود، ومن الحياة لا من الكتب ~~والدواوين. ~~(4) # ليكن في خيالكم حقائق كونية وبشرية؛ وليشع من هذه الحقائق الخيال. ~~(5) # انظروا إلى الكون من خلال أنفسكم الشاعرة الباصرة، ولا تنظروا إلى أنفسكم من خلال ~~الأوهام؛ الشاعر صوت ونور وما فيه سوى ذلك هو باطل زائل. ~~(6) # لا تسرفوا في البيان ولا تطنبوا في بث لواعج النفس، فإن من أفصح الكلام الوقف، ~~ومن أبلغ المعاني الإشارة بل السكوت. ~~(7) # حافظوا على التناسب والتوازن بين الصيغة والمعنى، وبين القلب والروح، إذا كنتم ~~طائرين مثلا ليكن القول خفيفا مجنحا، وإذا كنتم متألمين أو ناقمين لتكن الأمواج ~~اللغوية من ذوب الحديد. ~~(8) # تجنبوا السخافة في الفكر والوصف، وفي الصور الشعرية والخيال، لا تسخروا القمر ~~والشمس مثلا لما سخرهما قبلكم ألف شاعر وشاعر. ~~(9) # لا تدخلوا المواضيع من الأبواب التي دخلها قبلكم جميع الشعراء المقلدين، فتتعثرون ~~بعظامهم ولا تنجون من قبورهم. ~~(10) # ليكن لقصائدكم بداية ونهاية، فلا تقرأ طردا وعكسا على السواء. ~~(11) # لا تعصروا قلوبكم كأن تتعلمون رقة الشعور، ولا تعقدوا أفكاركم كأن تتعمدون الغموض ~~والإبهام. ~~(12) # تحروا البساطة والصدق والإخلاص فكرا وصناعة وخيالا. ~~(13) # لا تنسوا وطنكم في حبكم الإنساني، ولا تنسوا الإنسانية في نزعاتكم ~~الوطنية. ~~(14) # ارفعوا للناس مشاعل الإباءة والشرف والقوة والعدل والشجاعة والثبات والأمل ~~والإيمان. ~~(15) # وقبل كل شيء وبعد كل شيء كفكفوا دموعكم، كفكفوا دموعكم، فالشمس لا تزال لكم، ~~والقمر لا يزال رفيقكم، والربيع لا يخونكم. ms26