######OpenITI# #META# URI: 1359AminRihani.FaysalAwwal.Hindawi26848631 #META# Tags: biographies :: history #META# ID: 26848631 #META# Title: فيصل الأول: رحلات وتاريخ #META# AuthorID: 93831791 #META# Author: أمين الريحاني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # النسب النبوي‏ # من الخيام إلى حومة السياسة‏ # الأمير فيصل في الحرب‏ # معان وعمان‏ # مناطق الفوضى‏ # لجنة الاستفتاء الأميركية‏ # مرجعيون‏ # ملك سوريا‏ # ميسلون‏ # المعركة الأخيرة‏ # الجو المكفهر‏ # الأزمة الأولى‏ # محاولات ومراوغات‏ # جهاد الملك فيصل‏ # فيصل العرب‏ # فوز الملك فيصل‏ # شغل الملك‏ # المناقب‏ # نحن وهارون الرشيد1‏ # رسالة إلى فيصل‏ # النسر العربي1‏ # سجل الحوادث البارزة في حياة الملك فيصل‏ # تذييل‏ # النسب النبوي‏ # من الخيام إلى حومة السياسة‏ # الأمير فيصل في الحرب‏ # معان وعمان‏ # مناطق الفوضى‏ # لجنة الاستفتاء الأميركية‏ # مرجعيون‏ # ملك سوريا‏ # ميسلون‏ # المعركة الأخيرة‏ # الجو المكفهر‏ # الأزمة الأولى‏ # محاولات ومراوغات‏ # جهاد الملك فيصل‏ # فيصل العرب‏ # فوز الملك فيصل‏ # شغل الملك‏ # المناقب‏ # نحن وهارون الرشيد1‏ # رسالة إلى فيصل‏ # النسر العربي1‏ # سجل الحوادث البارزة في حياة الملك فيصل‏ # تذييل‏ # | فيصل الأول # | فيصل الأول # | رحلات وتاريخ # تأليف # أمين الريحاني # جلالة الملك فيصل الثاني. # | النسب النبوي # إن في سلسلة نسب الملك فيصل، التي لا يعتريها شيء من التقطع أو الخلل - بشهادة ~~علماء الأنساب - حلقات عديدة عادية المعدن ركيكته، وحلقات ذهبية بارزة. وبكلمة ~~أخرى، إن بين أجداده المتحدرين من بيت الرسول كثيرين من خاملي الذكر، لو دونت أسماؤهم ~~لشغلت - دونما فائدة - صفحات من هذا الكتاب. # على أن ثمة أسماء جليلة بارزة هي من السلسلة بمنزلة القمم من الجبال، وأية سلالة ~~يا ترى، تتساوى فيها الرفعة وتتماثل الأعمال! فقد غمرت السلالة الهاشمية أحقاب من الزمن، ~~ذهبت فيها الصولة، وضاعت السيادة، فأمسى الاسم الشريف مرادفا للخمول والنسيان. # وكان يظهر بين كل حقب غامر وآخر، وإن طالت السنون، شريف نابع قوي، كبير الخلق، ~~طائل الصولة؛ فيجدد في البيت عظمة إرثه، وعزة نفوذه، يعيد إليه سالف مجده، فيتصف خاصة به، ~~ويعرف بعد ذلك باسمه؛ فنقول مثلا موسى الجون، وهو أقدم الأسماء المجيدة بعد الحسن ~~والحسين، وذو عون أحدثها. # وقد تنازع السيادة في الحجاز ذو عون وذو زيد، البيتان الهاشميان الحديثان، في أوائل ~~القرن الماضي، فكانت الغلبة لذي عون، وظلت ولاية مكة وسدانة الكعبة في أيديهم حتى نهاية ~~الربع الأول من هذا القرن ms001 العشرين. # وهاك في السلسة بعض حلقاتها الذهبية البارزة: # موسى الجون من سلالة الحسن بن علي بن أبي طالب. # قتادة بن إدريس من سلالة موسى الجون. # محمد ابن نمي من سلالة قتادة. # محمد عبد المعين بن عون بن نمي. # الحسين بن علي ذو عون ملك الحجاز: علي ملك الحجاز سابقا − عبد الله أمير ~~الأردن − فيصل الأول (غازي − فيصل الثاني − ملوك العراق) − زيد. # | من الخيام إلى حومة السياسة # وجاءت البشائر بسلامة الأم، وبالولد الثالث للشريف حسين بن علي من زوجته عبدية ~~ابنة عمه؛ الشريف عبد الله. # وكان ذلك في يوم من أيام الربيع من سنة 1301ه/1885م، فأسمي الطفل فيصلا، وحمل في ~~يومه الثامن إلى عرب عتيبة خارج الطائف للرضاع؛ عملا بتقليد هاشمي قديم، يبدأ بمحمد بن ~~عبد الله الذي أرضعته حليمة من بني سعد. # ودرج فيصل من الخيام، وترعرع في حضن البادية، فعدا حافيا مكشوف الصدر والرأس، في الشمس ~~المحرقة، وفي الليالي المقمرة. وتبارى وصبيان العشيرة في العدو، وفي القفز، وفي ركوب ~~الخيل ورمي السهام، وهم جميعا إخوان، أبناء الصحراء، وأبناء الحرية والمساواة. # ولكن الحرية والمساواة تختلفان وتتنازعان حتى في البادية، والصبيان صبيان في كل ~~مكان. # وصاح صائح حول الخيام: «الغزو الغزو.» وكان أولاد العشيرة قد انقسموا قسمين ليمثلوا ~~أهم الفصول في رواية البدو. # وأغار العربان الصغار، بعضهم على بعض، وكان فيصل ابن الشريف مقداما مغوارا، فغنم ~~كوفية أخيه في الرضاع، وغنم قضيبه، وكان كلام وكان خصام، فتفاخرا، وتضاربا. وكادت المعركة ~~تتحول من دور التمثيل إلى الحقيقة الدامية، لو لم يسرع الشيخ من خيمته، والخيزرانة ~~بيده. # فتقدم الولدان واحتكما إليه، فسمع لهما ثم للشهود، وقال مخاطبا ابن الشريف: «اسمع ~~يا فيصل، أنت ولدنا وهذا خويك، ولا مفاخرة. إن أحسنت إليه أحسن إليك، وإن أسأت ~~أساء.» # هذه هي الأمثولة التي تعلمها الولد فيصل في البادية. # وفي تلك الأثناء كان أبوه الحسين يلعب لعبة سياسية، حول أوتاد الدولة العلية، فرأى ~~الباديشاه أن الأفضل له وللعرب أن يكون هذا الشريف في الخيام من أن يكون ms002 خارجها، فاستدعاه ~~إليه، فلبى الشريف حسين الدعوة، مصطحبا أهله وعياله، وأقاموا في الأستانة ضيوف السلطان ~~- وقل أسراء الكرم السلطاني - سبع عشرة سنة. # وكان الشريف حسين، مثل كل عربي شريف، غيورا على اللغة العربية وآدابها، فاستخدم شابا ~~سوريا من دمشق معلما خاصا لأولاده. # وجاء ذات يوم المعلم صفوت العوا يشكو فيصلا إلى أبيه: «هو كسول، يا مولاي، ومتأخر ~~دائما في مثائله، وقد هددته بالقضيب إذا كان لا يجتهد مثل أخيه عبد الله.» # فقال الحسين: «اضربه، يابني، ولا تخف.» # ثم استدعى فيصلا إليه، وقال له: «يا فيصل، إن كنت لا تجتهد في التحصيل اليوم تندم ~~غدا، ولا تظن أنك شريف، وأن هذا يكفي؛ الشريف يابني شريف بعلمه وعمله، شريف بأدبه ~~وأخلاقه.» ~~••• # وكان الشريف فيصل في النصف الأول من العقد الثالث من عمره، عندما عاد إلى الحجاز مع أبيه، ~~الذي تقلد منصب الإمارة في مكة، وعينه مديرا لشئون البدو، فكانت وظيفته تستوجب ~~الحملات التأديبية من حين إلى آخر، فيخرج وأخاه عبد الله بحملة على الغزاة ~~والمتجاوزين. # وفي سنة 1902، عندما ثارت عسير على الدولة، واحتل رجال ألمع الأشداء أبها باسم ~~الإدريسي، وهموا بالزحف على الحجاز؛ جهز الشريف حسين حملة، بلغ عددها سبعة آلاف، ~~وسيرها على الإدريسي بقيادة الشريف فيصل. مشت الحملة في صيف ذاك العام إلى تهامة، ~~فاستولت على القنفذة، وكان هدفها بعد ذلك أبها. # وكان في تهامة أعداء ثلاثة يحولون دونهم ودون العدو الآخر المحصن في الجبال، ثلاثة ~~أعداء قهارون ذباحون للجيوش؛ هم الحر، والعطش، والحمى. وقد تغلبت الحملة على اثنين ~~منهم، ووقعت في قبضة الثالث، فأجبرت على الإناخة، وأسرت في الخيام، فهل استولت الملاريا ~~على الحملة كلها؟ # أراد فيصل ذات يوم أن يتحقق مقدار النكبة، فأمر أحد رجاله أن يقف على ربوة ~~ويصيح: «العدو، العدو! دونكم العدو!» فرددت الصيحة في الخيام، وما استطاع أن ينهض ~~للقتال غير خمسمائة من سبعة الآلاف، فشكر الله ألا عدو هناك. # ولكنه، بعد أن زال الحر، تمكن من الزحف على أبها، فأخرج الجيش الإدريسي منها، ثم عاد ms003 ~~الأدارسة فاستولوا عليها. ما انتصر في تلك الحملة - والحق يقال - غير الملاريا، التي كان ~~فيصل أشد أسرائها ضنكا وأكثرهم وهنا، فعاد محمولا في كرسي إلى مكة، وقد لزمه أثر ~~هذه الحمى طويلا، فأضعفه وهد من قواه. # ومما كان من نتائج تلك الحملة أن شؤمها سبقه إلى بيته واحتل زاوية منه، ذلك أنه شاع ~~في الحجاز، عندما جاءت أخبار الحملة، أن الحمى أودت بحياة فيصل، وبلغت الإشاعة بيته، ~~فذعرت ابنته الصغيرة ووقعت على رأسها، فأورثتها الصدمة شللا أقعدها، وما نجع فيه ~~علاج الأطباء. ~~••• # وفي السنة التالية انتخب فيصل نائبا عن جده في مجلس المبعوثان، فعاد إلى الأستانة، ~~وكان ذلك أول عهده في السياسة، فجلس مع النواب العرب، وما قاوم رجال الحكومة. وقد تكررت ~~سفراته بين مكة والأستانة، دون نتيجة تذكر. ما لمع فيصل في مجلس المبعوثان، ولا برز ~~بين من كانوا يديرون يومئذ شئون الدولة ويفسدونها، بيد أنه انتمى إلى الحزب العربي، ~~وظل من الموالين للدولة، بل كان في بداءة أمره يقول بوجوب التفاهم بين الترك والعرب، ~~وبالحكم اللامركزي. # وقامت الحرب العظمى، ودخلت تركيا الحرب، وكان الشريف فيصل في سوريا مع جمال باشا، ~~يواصل سعيه في سبيل قومه وسبيل دولته. وكان في الوقت نفسه رسولا بين والده وجمال، وهو ~~الذي بلغه احتجاج الحسين على إعدام زعماء العرب. # | الأمير فيصل في الحرب # عندما زار أنور باشا المدينة المنورة في طلائع سنة 1916، سافر في معيته من سوريا وفد من ~~العلماء، بينهم شاب عربي يناهز الثالثة والثلاثين من العمر؛ خصه رئيس الوفد الشيخ أسعد ~~الشقيري بالذكر لدى معالي الوزير، قائلا: «مما يثبت لكم تعلق الموحدين ومكانتكم ~~في قلوبهم أنه بمناسبة هذه الزيارة وجد في معيتكم من آل الرسول # صلى الله عليه وسلم # الأمير فيصل نجل ~~أمير مكة المكرمة.» # وكان الإنكليز قد باشروا باسم الأحلاف مفاوضة أمير مكة يومئذ، الملك حسين اليوم، ~~لينهض بالعرب على الأتراك، فبعث جلالته يعتذر لأنور على عدم تمكنه من زيارته في ~~المدينة المنورة، وأرسل سيفين مرصعين بالحجارة الكريمة هدية منه ms004 إليه وإلى رفيقه ~~جمال باشا . # وبينما كانت تقام الحفلات في المدينة لدولتي «الأنور والجمال»، وكان الوزيران ~~الورعان - وقد ظهرا في مظهر الدين وترديا برداء اليقين - يقومان بالمراسم الدينية ~~ويرددان الصلوات، ويجلسان كالتلاميذ في حضرة العلماء ومشايخ الطرق وهو يتكلمون في علم ~~الجهاد ويفسرون الآيات التي لها تعلق بالعلوم الحربية؛ كان الأمير فيصل بك ملازما ~~لهما مشاركا في كل مظهر من مظاهر الحفاوة والإكرام، ولكنه لم يكن ليستوقف الأنظار؛ ~~إذ كان ظله الصغير يومئذ يضيع بين ظلي بطلين من أبطال العثمانيين، وهادمي ~~ملكهم. # بعد ثلاثة أشهر من هذه الزيارة المباركة كان فيصل أيضا من المشتغلين في التهديم، ولم ~~يكن ليخطر في بال الوزيرين أو أحد من حاشيتهما أنه سيكون كذلك، وأنه سيبدأ في البلد ~~الطيب الذي هم فيه، فيهدم الركن العربي من ملك بني عثمان. أما أن الأمر كان يجول ~~في صدر الأمير نفسه فمما يحتمل الريب؛ لأنه لو أدرك أن أباه سينفر قريبا في النفير، ~~لما كان رافق الوزيرين في عودتهما إلى الشام، وكاد يقع هناك في قبضة جمال لولا حيلة ~~دبرها أبوه. # عاد الأمير فيصل من الشام في صيف تلك السنة بأربعة آلاف بندقية وعشرة آلاف ليرة ليجهز ~~حملة من العرب تشترك في الزحف مع الترك والألمان على ترعة السويس، فلما وصل إلى ~~المدينة سمع النفير يستنفر من ظلال الكعبة القبائل لمحاربة الأتراك، «أعداء العرب ~~والإسلام»، فأطاع طبعا أباه الذي كان قد بدأ بتأليف جيش من القبائل تحت قيادة نجله ~~الأمير عبد الله، فانتظم الأمير فيصل في هذا الجيش، ثم أسندت إليه قيادة جيش الشمال ~~المشهور، فباشر عمله في حصار المدينة وتخريب قسم من سكة الحديد قرب العلا ليؤخر في ~~الأقل وصول النجدات من الشام إلى العدو. # وصلت أخبار النهضة إلى سوريا، فرددت صداها الأستانة، ولكن أولياء الأمر هناك لم ~~يهتموا في البدء لها، # 1 # فأدركوا خطأهم عندما صدرت الأوامر بالزحف ثانية على ترعة السويس؛ إذ وجدوا ~~العرب الذين كانوا قد اتكلوا عليهم يحاربون مع الأحلاف. بيد أنهم لم ms005 يأتوا في بداءة ~~الأمر بعمل في الشمال يذكر؛ أي إنهم لم يؤثروا، لا سلبا ولا إيجابا، في حملة ~~السويس الثانية. # الشريف فيصل حينما كان في مجلس المبعوثان في إستانبول. # جلالة الملك فيصل الأول في بداية الثورة في العقبة من أعمال ~~الحجاز. # إني في كتابة هذه النبذة أرجع إلى أربعة مصادر طالبا الحقيقة المجردة من الأهواء ~~والتعصب، ومع ذلك أراني في بعض الأحايين حائرا بين الشهود الأربعة؛ هذا يبالغ، وذاك ~~يجامل، وواحد يزيف الأعمال، وآخر يزخرفها. فقد جاء في كتاب فرنسي طبع السنة ~~الماضية في باريس # 2 # أن الفضل، كل الفضل، في انتصار العرب في شرقي الأردن هو لشرذمة من الجنود ~~الإنكليز وطابور من الفرنسيين البواسل. # وقد قال المؤرخ الإنكليزي: # 3 # إن العرب في الحرب خفيفو الحركة، سريعون، مرنون، لا يحملون الثقيل من ~~العدة، وهم في القتال شجعان أشداء. # أما شهادة العرب أنفسهم فأسجل منها ما فيه الاعتراف بفضل غيرهم؛ فقد أجمع من ~~حدثتهم ممن شاركوا في تلك الحملة، وسمو الأمير فيصل في مقدمتهم، على أن الفضل ~~الجم في جمع شمل العربان في بداءة النهضة والتأليف بينهم، إنما هو لشاب إنكليزي ~~يحسن العربية كأهلها، ويحسن كذلك التخلق دون تكلف بأخلاقهم، هو الكرنل لورنس. ~~وقد أخبرني بعض من حاربوا تحت قيادة الأمير زيد أنه لم يكن ليأمر جنوده مرة ~~بالهجوم إلا كان هو في الصف الأول. فإذا فات ذلك الكونت دي غنطو بيرون، المتحامل على ~~العرب والإنكليز تحاملا لا يليق بفرنسي كريم، فكيف يفوته ذكر الكرنل لورنس ولو بكلمة ~~في كتابه؟ # إني أسجل الحقيقة كلها، فلا أنسى من له الفضل الأكبر في نجاح النهضة؛ وهو ~~«الخيال» الإنكليزي، الذي لبى دعوته كثيرون من العربان، وفيهم من عشائر القصيم ونجد. ~~قد ينكر جلالة الملك حسين أن أحدا من نجد اشترك في جهاد الأتراك، ولكني اجتمعت ببعض ~~أولئك المتطوعين، فأخبروني بصراحة، عرف العربي بها، أنهم كانوا يحاربون أولا مع ~~الأتراك، فزاد الملك حسين الراتب فانحازوا إليه. # وما كان أمراء العرب أنفسهم ليركنوا دائما إلى البدو؛ ms006 فقد قال الأمير علي - الذي كان في ~~المدينة عندما وصل فيصل إليها، فاشتركا في حصارها - إنه لم يتمكن، بادئ ذي بدء، من ~~عمل كبير؛ لأن البدو لم يلبوه دائما، ولم يثبتوا إذا كانوا ملبين. وكذلك الأمير ~~فيصل الذي حاول متابعة الهجوم بعد تخريب سكة الحديد عند العلا، فخرج الأتراك من ~~حصونهم في شهر آب، وحدث بينهم وبين العرب قتال خارج المدينة، خسر فيه الأمير ~~خمسمائة من رجاله، وخسر الأتراك ضعفي هذا العدد، فعادوا إلى المدينة وطفقوا يضطهدون ~~أشياع الشريف من أهلها وينكلون بهم، على أن الأمير لم يتمكن من متابعة ما عده ~~نصرا في تلك الواقعة؛ لأن قواته لم تكن منظمة، وبالأحرى لأن قواته كانت لا تزال من ~~العربان الذين لا يأتمرون بغير أوامر شيوخهم وينفرون من التنظيم. # أما اندحار الأتراك في مكة، فقد أثر تأثيرا عظيما في قوى العدو المادية ~~والمعنوية، فتوقف جمال باشا عن شنق الأحرار في سوريا، وأمر أنور قائد الحامية في المدينة ~~أن يدافع عنها حتى الموت، وضوعفت الحامية في معان للاحتفاظ بخط الحديد، ~~واستؤنفت المواصلة بين دمشق والمدينة بالرغم عما خربه العرب من الخط قرب ~~العلا. # كذلك أوقف الأتراك الأمير فيصلا، فاتخذ لنفسه مقرا حربيا بين العلا وينبع، ولبث ~~ينتظر إنشاء جيش نظامي يدير جيوش البدو؛ إذ إن الإنكليز كانوا قد أسروا كثيرين من ~~العرب وضباطهم الذين حاربوا في صفوف الأتراك، فجاءوا بهم إلى مصر؛ حيث بدأ التجنيد لجيش ~~العرب الشمالي. كان أكثر الأسرى من العراق وسوريا وفلسطين، فلبوا مهللين دعوة الشريف ~~حسين، وفيهم من الضباط الذين اشتهروا بعدئذ في ساحات القتال؛ مثل: جعفر العسكري، وجودت ~~البغدادي، ونوري السعيد، وغيرهم. بيد أن تنظيم هذا الجيش لم يتم حتى أوائل سنة 1917، ~~فلما ظهر في الحجاز ازداد عدد الفارين من جيوش الأتراك المنضمين إلى جيوش ~~العرب. # من أنكر فضل الملك حسين وأنجاله في النهضة لا يستطيع، إذا كان منصفا، أن ينكر ~~فائدتين على الأقل فيها؛ فائدة للأحلاف وخصوصا للإنكليز، وفائدة لعرب سوريا وفلسطين ~~الذين أثارت فيهم مظالم ms007 جمال كوامن الضغينة والغضب، فوجدوا في صاحب النهضة الأكبر ~~زعيما يتبعون، وقطب ثأر فيثأرون، ومحط آمال يحققون. # جاءوا - كما تقدم - من مصر، يقود قسما منهم الأمير لواء السيد علي باشا، فانضموا إلى ~~جيش الأمير فيصل الذي شرع يزحف شمالا في شتاء تلك السنة حتى وصل إلى حدود بادية التيه. ~~وكان الأمير علي مشتغلا في ضرب مراكز الأتراك العديدة على جانبي سكة الحديد، فحمى بذلك ~~مؤخر جيش أخيه الذي استولى في زحفه على خط مسافته ستون ميلا يمتد من البحر إلى معان. ~~أما إكليل انتصارات العرب في هذه السنة، فهو سقوط العقبة ودخول الأمير فيصل إليها في 6 ~~تموز، ولم يكن ذلك ليذكر لولا تأثيره الحسن في حركة الجنود البريطانيين في هجومهم على ~~غزة وبير السبع. # كان الجنرال آلنبي قد استلم آنئذ قيادة الجيش، فاعترف بفضل العرب في ردهم سريات ~~الأتراك التي كانت تجيء من معان إلى بادية سينا، فتضرب الإنكليز في مؤخرهم. ولو لم يكن ~~للعرب غير هذا الفضل - أي تأمين مؤخر جيش الجنرال آلنبي - لكفى به فضلا؛ فلولا ~~تقدم فيصل إلى حدود سينا لما ضرب آلنبي غزة وبير السبع، ولولا سقوط العقبة لما ~~سقطت تلك البلدة على البحر التي دافع عنها الترك والألمان دفاعا يستحق الذكر ~~والإعجاب، ولما أعاد الإنكليز الكرة على بغداد لولا ثقتهم بالنهضة العربية ورجالها ~~وجنودها. # جاء في نشرة من نشرات الوزارة الحربية في آب 1917: إن خطة العرب في بداءة نهضتهم ~~لخطة وجيهة فيها حذق وحزم ودهاء؛ فقد خربوا أقساما من سكة حديد الحجاز، ~~واستولوا على مراكز الأتراك إلى جانبي السكة، وكانوا في أعمالهم على جانب عظيم من ~~الجرأة والبسالة، فيتغلبون غالبا على جيش أكثر منهم عددا وأوفر منهم عدة. # وجاء في كتاب الكونت دي غنطو بيرون: «لا قيمة حربية لجموع العرب، فهم يظهرون ويختفون ~~كيفما يشاءون وساعة يشاءون، ولا يستطيعون رد الصدمات الشديدة، بل يتفرقون ويهربون ~~أول مرة تطلق عليهم النار.» # وجاء في الأعمال وهي أصدق الشهود: عندما سقطت غزة في منتصف تشرين الثاني، كانت ms008 قد وصلت ~~سريات الأمير فيصل إلى ما بين عمان ودرعا، فهدموا جسرا هناك، وغلبوا الأتراك في واقعة ~~صغيرة قتل فيها خمسة من العرب ومائة وعشرون من الترك، ونسفوا القطار الذي كان مقلا ~~جمال باشا وهو عائد من القدس إلى الشام، وقد كتبت له السلامة. # 4 # في الشهر الأول من سنة 1918 استأنف الأمير القتال والهجوم، فاتصل جيشه بطرف من ~~جيش الجنرال آلنبي في ناحية البحر الميت قرب رجم البحر، وتجددت الهجمات على معان التي ~~كانت لا تزال في حوزة الأتراك، ثم أمعن العرب في الغزوات شرقا، فوصلوا إلى ناحية الجوف؛ ~~حيث كان الترك يحاولون مفاوضة ابن الرشيد في حايل ليغروه بالشريف. استولى العرب على ~~تيماء، وقطع العرب الخط على العدو، فاستحال عليه بعدئذ إرسال النجدات من معان إلى ~~المدنية. نسف العرب قطارا قرب تبوك مشحونا بالجنود، فقتلوا كل من فيه، وغنموا كل ما ~~فيه مع أربعة وعشرين ألف ليرة. # قد كانت خطة الأمير فيصل في بداءة هذه السنة تنحصر ظاهرا في الاستيلاء على معان، ولكنه ~~أراد في إشغال الترك هناك أن يستولي على بقعة مهمة في شرق الأردن؛ هي الكرك. فأرسل شراذم ~~من جنوده على معان يداومون الهجوم والمفاجآت، وساعده الجنرال آلنبي بما ساق من الطائرات ~~على البلد. قد غنم العرب في هجماتهم مدفعين جبليين، وثمانية عشر مدفعا رشاشا، ~~وثمانمائة بندقية، ومائتي رأس من الخيل، واستولوا على جوف الدرويش؛ فأحاطوا بالعدو ومنعوه ~~من إرسال نجدات إلى المرابطين من الأتراك في الكرك. # كذلك تقدم الأمير - وهو أمين من الغدر - إلى محجته، فقسم جنده قسمين؛ قسما ~~مشى من العقبة فاجتاز خط الحديد شمالا ورد العدو إلى مركز يبعد خمسة أميال من معان، ~~وقسما مشى من وادي موسى فأخرج العدو من مراكزه في الطريق حتى الطفيلة، التي هي على مسافة ~~ثمانية عشر ميلا من البحر الميت. فلما سلمت حامية الطفيلة، اضطرب الأتراك في الكرك ~~وخرجوا بأحد عشر طابورا وبعض الخيالة والمدافع يستعيدونها، فالتقى الفريقان في 26 كانون ~~الثاني على شاطئ سيل الحسا، وهي ms009 على مسافة أحد عشر ميلا شمال الطفيلة، فانهزم الأتراك، ~~وكانت خسائرهم أربعمائة من القتلى وثلاثمائة أسير. # لم يقف الأمير فيصل عند هذا الفوز، بل استمر زاحفا حتى وصل بعد يومين إلى البحر ~~الميت، فضرب جيشه مركزا للترك هناك، فأغرق مركبا حربيا صغيرا وعدة سنابك، ~~وغنم كثيرا من الحبوب، وأسر عددا من الجنود. ثم أعاد الأمير تنظيم جنوده، بعد أن ~~ثبت قدمه على شاطئ البحر شرقا، ليواصل الزحف على الكرك. وكان الجنرال آلنبي قد ~~استولى على أريحا وعبر بجنوده الأردن فتقدم نحو عمان. لا شك أن الهجوم البريطاني ~~شرقي الأردن كان عونا للأمير فيما سعى إليه، وكان من حظه أيضا أن الطائرات التي ~~جاءت تساعد الجنرال في زحفه إلى عمان ساعدت كذلك العرب في زحفهم على الكرك التي استولوا ~~عليها في 7 نيسان، فقطعوا عن الأتراك في معان مورد تموين مهم. # | معان وعمان # عندما كانت المفاوضات جارية بين الإنكليز والشريف أو بعدها، بعثت الحكومة الفرنسية وفدا ~~من مسلمي الجزائر إلى الحجاز، يحمل إلى أميره تلك الهدية المشهورة؛ تلك الساعة التي رمزت ~~إلى هدية مثلها من خليفة العرب إلى ملك الفرنجة في سالف الزمان. ثم أرسلت بعض المواد ~~والمعدات الحربية، وبعض الضباط إلى جدة ليشارفوا تنظيم الجيش الحجازي، ويظهر أن ثلاثة ~~منهم رافقوا بعدئذ جيش الشمال إلى دمشق. # غني عن البيان أن فرنسا في تلك الأيام كانت تحتاج في بلادها إلى كل جندي تستطيع ~~تجنيده، ولم تكن مشاركتها في الحملة على الأتراك في فلسطين إلا اسمية في البداءة. فشاءت ~~أن تتجاوز هذه الحال ليحق لها كلمة سياسية بعدئذ فيما يختص بمصير البلاد، فأرسلت ~~ثلاثة طوابير من جنود الجزائر وتونس والمستعمرات لتشترك في الدفاع عن ترعة السويس وفي ~~الهجوم على فلسطين، وكانت قد باشرت في أوائل عام 1917 إنشاء الفرقة الشرقية من متطوعي ~~الأرمن والسوريين، فنقلت إلى ساحة القتال بعد فتح القدس من كانوا منهم يتمرنون في ~~قبرص وبورسعيد. # بيد أن هذه العساكر التونسية والجزائرية والسورية، التي رافقت الجيش البريطاني، لم ~~تشارك العرب ms010 في شرق الأردن بشيء يذكر. أما الضباط البريطانيون والفرنسيون فليس من ~~ينكر أن بعضهم رافقوا الجيش النظامي وساعدوه في تنظيم العربان وتحريضهم على ~~القتال. # كان عدد من انضم من البدو إلى الجيش العربي يناهز المائة ألف، أما العسكر النظامي ~~فلم يتجاوز الخمسة آلاف، وكان ضباطه كثيرين، ولا غرو بالنسبة إلى عدده، غير أنهم لم ~~يبلغوا عشر ما ادعاه ساسة الفرنسيين المتحاملون على العرب، المشنعون بهم في الصحافة ~~وفي مجلس الأمة. # أعود إلى الحوادث؛ بعد شهر من سقوط الكرك في حوزة الأمير، أي في 8 أيار، ضرب العرب ~~محطة القطرانة وأسروا عددا من الترك، ثم بعد أسبوع هجموا على الحسا، فأخذوا قطارا كان ~~هناك ودمروا قسما من العدة والذخيرة، ولكن العدو أخرجهم بعدئذ من الحسا، فتقهقروا ~~جنوبا وهم يخربون في الجسور والخط. # وكانت قوات الترك تزداد بعد هجوم الإنكليز على السلط وعمان، فالقيادة العامة في ~~الناصرة، عندما وصلت إليها تلك الأخبار - وصلت متأخرة لأن العرب كانوا عاملين بتقطيع ~~أسلاك البرق والتلفون - أصدرت الأوامر بإنجاد الحامية في عمان وبنقل الجنود من الشام وحلب ~~إلى درعا ووادي اليرموك. يصح أن يقال إن أشد أيام القتال على العرب كانت في صيف ~~هذه السنة 1918، وقد ظهرت نتيجة النجدات في تقهقر الإنكليز من عمان والسلط إلى غربي نهر ~~الشريعة بعد واقعة الأردن الثانية. # على أن هذه الهزيمة لم تثبط من عزم العرب، بل حملتهم على استئناف الهجوم والقتال، ~~وكانوا في شهري أيار وحزيران يزدادون قوة بما جاءهم من العساكر النظامية الجديدة من ~~عراقيين وسوريين وفلسطينيين، حتى إنه بينما كان شبه هدنة في ساحات الحرب غربي الأردن ~~في شهر حزيران، كان العرب بقيادة الأمير فيصل وقواده يواصلون الهجوم والقتال، ولكنهم ~~ردوا عن معان خاسرين مرارا، وخصوصا في 22 تموز عندما هجموا على محطة قربها، فكانت ~~خسائرهم عشرين ضابطا ومائتين من الجنود. كان نوري السعيد في تلك الناحية عين الحركة ويدها، ~~فحمل في أواخر آب بألفين من الجنود النظاميين وخمسمائة من البدو وعشرة مدافع حملة على ~~معان أسقطتها ms011 بعد قتال عنيف في حوزة العرب. # وصلت هذه الأخبار إلى الشام، فاستيقظت فيها الروح العربية الراقدة ، وطفق الناس ~~يتهامسون مستبشرين بالنصر القريب، بل حام بعض العرب حول المدينة وفيها، مبشرين بفيصل، ~~رافعين علم الحجاز الرباعي الألوان، وشرعت تتحرك وراء الستر وتحت الحجب تلك ~~السياسة التي كادت تقضي عليها مظالم جمال وفظائعه، فاتصل بالأستانة خبرها، فسارع ~~أولياء الأمر هناك إلى إصلاح الأمر. أرسلوا يعرضون على القائد الألماني الجنرال فن سندرس ~~الحكم في سوريا؛ علهم يقاومون بذلك تلك الروح النافرة منهم ويسترضونها، ولكنهم ~~تأخروا فيما اهتدوا إليه من الحكمة الموهومة، وغدا الجنرال في ذاك الحين أشد اهتماما ~~بالهرب منه بالحكم. # صدرت الأوامر بالهجوم العام في 19 أيلول، فتحرك الجنود البريطانيون في خط طوله ~~ثمانون كيلومترا، يمتد من الساحل حتى نهر الشريعة، ولم يقفوا إلا بعد أن أخرجوا ~~الألمان والأتراك من فلسطين والجليل، وجاء العرب من شرقي الأردن يسوقون أمامهم ما تبقى ~~من الجيش الرابع حتى قربوا من درعا، وكانت مفرزة النصر بقيادة جودت بك البغدادي # 1 # في طليعة الجيش، فضربت الأتراك في درعا في 28 أيلول فهزمتهم، وأسرت منهم ~~عددا كبيرا من الضباط والجنود. # وبعد يومين، في 1 تشرين الأول سنة 1918، دخل الأمير فيصل على رأس الجيش العربي إلى الشام، ~~ودخلت سريات من الجيش البريطاني إلى بيروت. # | مناطق الفوضى # عند انتهاء الشهر الأول، أي تشرين الأول، من سنة النصر كانت البلاد السورية قد خلت من ~~جيوش الترك والألمان، فزالت عوامل الحرب الظاهرة، ودخلت الأمة في طور من أطوار ~~السياسة لا يقل بشدائده عن الحرب. أجل، ما كادت تخرج البلاد من مظالم الترك حتى دخلت ~~في ظلمات الفوضى. ولا أظن أن عوامل السياسة - وسمومها - تعددت في بلد من البلدان ~~الصغيرة التي اشتركت في الحرب تعددها وتزاحمها في هذه البلاد السورية، وعلى الأخص ~~في دمشق. # وكانت البلية الكبرى في عوامل السياسة الخفية، جاء الجيش العربي وجاءت معه ~~السياستان العربية والحجازية، وجاء الجيش البريطاني يعضد العرب ظاهرا ويناهض ~~الفرنسيين سرا، فتشعبت سياسة حكومته إلى ثلاث ms012 شعب؛ أولها وأهمها وأثبتها المصلحة ~~البريطانية. وجاء الفرنسيون هائجين ناقمين، وفي مقدمة قافلتهم سياسة لبنان، وفي مؤخرها ~~سياسة الموارنة، وفي أولها ووسطها وآخرها سياسة فرنسا في البحر المتوسط. # وكان في البلاد ولا يزال سبع طوائف رئيسية، هي سبع ضربات مذهبية، وفي كل ضربة سبع ~~ضربات وطنية. ثم جاءت اللجنة الأميركية تستفتي هذه الأمة المنكوبة، فزادت بنكبتها بسموم ~~سياستها. أضف إلى ذلك كله وعود الأحلاف والعهود السرية وما فيها من إخلاص كنهه ~~الأخطار، فإذا ما زالت الأخطار زال، ثم حقوق العرب والوحدة العربية وما فيها من أحلام ~~تجلت ساعة العاصفة كقوس قزح في سماء الحرب العظمى، فغدت بعدها كالحباحب في مساء ~~الآمال. # إنك إذا تصورت هذه الحالة العجيبة في شكل دائرة نقطتها البلاد السورية وروح النقطة ~~وحياتها الأمير فيصل، ثم تمثلت السياسات التي ذكرت تحوم حولها وحوله تارة، وطورا تجري ~~كالضباب المكهرب تحتها وفوقها، دون محجة تعرف، ودون قصد ظاهر يدرك، وأضفت إلى ~~ذلك فقدان ركنين من أركان العظمة السياسية، وهما الأمة المتحدة القوية والتقليد الوطني ~~الحي؛ تجلت لك الصعوبات التي واجهت الرجل. # دخل الأمير الشام دخول البطل الظافر، والمنقذ المحبوب، فاحتلت جيوشه العربية ومعهم ~~بعض الجنود البريطانيين البلدان التي فتحت لهم أبوابها وقلوبها مهللة مرحبة، ~~ورفع العلم العربي الرباعي الألوان فوق دور الحكومة من السويداء إلى حلب، ومن دمشق إلى ~~بيروت، فاضطربت على السواحل وفي لبنان أقوام، وطربت أقوام. # على أن العرب في بداءة أمرهم أخطئوا مرتين حربيا وسياسيا؛ فقد أخطئوا في قتلهم ~~الأمير عبد القادر الجزائري، وأخطئوا في إنفاذ شكري الأيوبي إلى بيروت ليحكمها باسم الملك ~~حسين، فما عتمت أن ظهرت في المدينة العقدة السياسية التي حجبتها عن عيون الناس زين ~~الترحيب وأزهار الفوز والتمجيد. أجل، قد امتعض المسلمون أنفسهم من هذا العمل؛ لأنهم كانوا ~~يفضلون أن يقام الحاكم من المدينة نفسها، كذلك يفعل الفاتح الحصيف الحكيم. ولكن الحكم ~~العربي لم يدم أكثر من أسبوع، أمر الأيوبي برفع العلم العربي فوق السراي في اليوم ~~الثاني من تشرين الأول، ثم ms013 أمر في اليوم التاسع بإنزاله. # 1 # وكان القائد الفرنسي الكولونل بياباب # 2 # قد وصل بجنوده إلى المدينة، فخرجت إذ ذاك السياسة من طورها العربي إلى ~~أطوارها الدولية والمذهبية المتعددة. # إن التبعة في ذلك لعلى الأحلاف أصحاب العهود السرية، والمطامع الأشعبية، والوعود ~~العرقوبية، إليك من فعلاتهم اثنتين ليس بينهما غير شهر واحد من الزمان؛ الأولى منشورهم ~~الذي نشر في أيلول قبل احتلال البلاد السورية، والثانية بلاغهم في الشهر التالي، أي بعد ~~الاحتلال، ذاك البلاغ الذي ينقض كل ما في المنشور. # إني ألخص ما أعلن قبل الاحتلال فيما يلي: إن الغاية التي من أجلها تحارب ~~بريطانيا وفرنسا في الشرق هي تحرير الشعوب الرازحة منذ زمن طويل تحت ظلم الأتراك ~~تحريرا تاما ناجزا، وإنشاء حكومات وطنية تستمد قوتها من أهالي البلاد عملا ~~بإرادتهم، ووفقا لاختيارهم الحر. # أما البلاغ الذي أصدره الجنرال بلس # 3 # المتعلق ب «إدارة أراضي العدو المحتلة» المؤرخ 22 تشرين الأول؛ فهو يقسم ~~البلاد السورية فيما يشبه الطريقة التي قسمت بها سابقا في معاهدة «سيكس- بيكو» وهي: ~~المنطقة الجنوبية أي فلسطين إدارتها بريطانية؛ والمنطقة الغربية أي السواحل حتى ~~الإسكندرونة إدارتها فرنسية، والمنطقة الشرقية من حلب إلى دمشق إدارتها عربية. # لم يكن في هذا البلاغ ما يرضي أحدا من أصحاب السيادة والمصالح في هذه البلاد؛ لم يرض ~~الإنكليز وهم يصدرونه مكرهين لأنهم لا يرغبون بالفرنسيين في سوريا؛ ولم يرض الفرنسيين ~~لأنهم طامعون بالغنيمة كلها، وكانوا يفضلون الرجوع إلى معاهدة «سيكس- بيكو» التي تضمن ~~لهم أضعاف هذه المنطقة مساحة وأهمية؛ ولم يرض العرب لأن البلاغ سلبهم مناطق هي جزء ~~حي من بلادهم. # بعد إعلان هذه الخطة الإدارية، اضطربت دوائر السياسة في الشام، وكان قد اتفق الأمير ~~فيصل وأولياء الأمر من البريطانيين أن يسافر إلى باريس ليمثل العرب في مؤتمر فرساي، فنزل ~~إلى بيروت في معيته الكرنل لورنس، فدخلها مثلما دخل دمشق زعيما محبوبا، وكان له فيها ~~استقبال فاق استقبال الدمشقيين رونقا وبهاء. نزل الأمير ضيفا على الجنرال بلفين # 4 # قائد الفرقة البريطانية الحادية والعشرين، وأقام ms014 في المدينة ثلاثة أيام، ~~وصرح قبل سفره أنه يطالب باستقلال المناطق المحررة بمساعدة الأحلاف من حكم الأتراك، ~~وأنه ذاهب إلى باريس لهذه الغاية . # وفي 22 تشرين الثاني سنة 1918 أبحر من بيروت، فاستقبل في مرسيليا استقبالا رسميا، ~~وما كاد يصل إلى باريس حتى استحالت شهرته العربية إلى شهرة أوروبية، بل إلى شهرة ~~حملها البرق على أجنحة الصحافة إلى أقطار العالم المتمدن كافة. # كان الأمير في باريس قطب دائرة باهرة من دوائر السياسة. ولا غرو؛ فهو لطيف في مقابلته، ~~مؤنس في مجلسه، مقنع في حديثه، فأدهش حتى الصحفيين. لا أظن أن الصحافة إجمالا عطفت ~~على قضية من قضايا الحرب عطفها على القضية العربية وحامل لوائها. # وقد أعجب بالأمير كثيرون من السوريين اللبنانيين الذين كانوا يقاومون سياسته العربية ~~بسياسة لبنانية فرنسية. وجاء باريس وفود من سوريي أميركا ليعلنوا رسميا أنهم من ~~أنصاره، فكان - والحق يقال - موفقا في أنصاره ومريديه أكثر من كبار ساسة ذاك ~~الزمان. # ثم جاءه فاضل أميركي يفتح باب الأمل الأكبر؛ الأمل الجديد الأبهر، فتمثل الأمير ~~الفوز على يد أميركا إذا خذلته إنكلترا، ورحب بمساعي رئيس الجامعة الأميركية السابق ~~الدكتور هاورد بليس، الذي كان يعتقد أن الحكومة الأميركية تقبل الانتداب في سوريا إذا طلب ~~ذلك السوريون. # هو ذا الأمير فيصل تتجاذبه العوامل السياسية العديدة، يحوم حوله الزعماء وتتزلف إليه ~~الآمال المائعة، وتشع أمامه مصابيح الصحافة، وتجلس لديه عرائس الشهرة والإعجاب، وتهمس ~~في أذنه المقاصد الدولية كلمات لها كل يوم معنى جديد. ولكنه في باريس، تحت عين الحكومة ~~الفرنسية، وفي ظل ابتسامة أمة نبوغها في تهكمها، بيد أن هذا النبوغ لا يشمل ~~دائما حكومتها؛ فقد أحدث وجود الأمير في باريس ضجة أزعجت تلك الحكومة، فصرح في 29 ك1 ~~المسيو بيشون وزير الخارجية يومئذ بأن لفرنسا حقوقا تاريخية وشرعية وثقافية في سوريا لا ~~تتنازل قطعا عنها. # وكان الأمير لا يزال ينتظر الإذن بالدخول إلى مؤتمر السلم، فرفع إليه بعد يومين ~~عريضة فيها الجواب بما يلي من المطالب على تصريح وزير الخارجية. # طلب ms015 الأمير: # استقلال سوريا الداخلي التام مع مساعدة أخصائيين من الأجانب تختارهم ~~وتستخدمهم الحكومة السورية. أما الأمور الخارجية فتكون متصلة بأمور ~~الحجاز؛ أي أن تكون حكومة الحجاز والحكومة السورية حكومة واحدة في الأمور ~~الأجنبية. # تشارف على العراق والجزيرة دولة من الدول العظمى. # استقلال الحجاز مقرر ومعترف به. # أما اليمن ونجد فتدير شئون كل منهما حكومة مستقلة يكون لها اتصال ~~مباشر مع الحجاز. # 5 # فلسطين مثل العراق تقبل بوصاية أجنبية. # قد حاول الأمير في هذه العريضة أن يوفق بين سياسة بريطانيا وسياسة جلالة أبيه، ولم ~~يغفل فرنسا تماما؛ فهو لم يذكر لبنان اعتبارا لما تدعيه فيه واحتراما لأماني أهاليه، ~~ولكنه عندما طلب أن يدخل المؤتمر ممثلا لجلالة أبيه، أبت الحكومة الفرنسية ولم ~~تقبل أن يحضر الجلسات إلا بكونه قائدا من قواد جيوش الأحلاف، فدخل بهذه الصفة وارتقى ~~في مطالبه إلى الوحدة العربية التي تشمل الأقطار العربية كلها من جبال طوروس إلى اليمن، ~~ومن الموصل إلى حضرموت. # أما في سوريا، فبالرغم عن بلاغ الجنرال بلس، ويصح أن أقول بسبب ذاك البلاغ كانت ~~الأحوال تزداد خللا واضطرابا. وما عسى أن يرجى من العوامل المثلثة في الجيوش الثلاثة، ~~والإدارات الثلاث؟ فقد كانت السياسات الرئيسية تتجاوز الحدود الجديدة؛ إما جهلا من ~~أولياء الأمر، وإما عمدا، فتصدم في كل حال الإرادات والمصالح، وهي في حال الالتهاب، ~~بل كانت البلاد كلها في تلك الأيام مليئة بالمواد المتفجرة، وكان كل من تحرك فيها ~~ممن له شيء من السلطة يحمل على لسانه وبيده النار والكبريت، فلا عجب إذا تعددت فيها ~~حوادث الانفجار. # الملك فيصل الأول في بداية الثورة العربية في سوريا يحيط به رجاله مع ~~لورنس (لورنس الثاني في الجالسين إلى اليسار). # احتل العرب أنطاكية، فجاء الفرنسيون يخرجونهم منها، فرفع فيها العلمان الفرنسي ~~والعربي، وكانت فيها ضجة من جراء ذلك ما بين أحمد والمسيح. احتل جيش بريطاني ~~الإسكندرونة، فجاء الفرنسيون من البحر يحتجون عليهم، فرفع فيها العلمان، وتخاصم ~~تحتهما الفريقان. جاء المندوب السامي جورج بيكو # 6 # إلى الجنرال آلنبي # 7 ms016 # ذات يوم يحتج باسم الحكومة الفرنسية في أمر من الأمور، فقال الجنرال: أنا ~~لا أعرف لا حكومتك ولا حكومتي، أنا لا أعرف غير الوزارة الحربية. وتسربت الأحقاد من ~~الكبار إلى من دونهم، فكانت المنافسات بين وكلاء الإنكليز والفرنسيين تقلل من قيمة ~~الأوروبيين في عين الأهالي، مسيحيين كانوا أو مسلمين. # أضف إليها تلك الضغائن التي ولدتها الحرب ونشأت بين جنود الأمتين في ~~الخنادق، فانتقلت إلى ساحة السياسة في الشرق الأدنى، وكان أهل سوريا فريسة شرورها؛ ثم ~~الدسائس العربية على الفرنسيين والتجسس لهم أيضا بوساطة أناس من السوريين عدوا يوما ~~من كبار الوطنيين؛ ثم دسائس المسيحيين على العرب وكانت مصادرها تلك المقامات العالية ~~المحترمة؛ مقامات الورع والتقوى؛ ثم صيحات الفرنسيين أنفسهم واحتجاجاتهم المتواصلة ~~المتعددة على الإنكليز، وعلى العرب، وعلى الجيش الشريفي، وعلى القيادة العامة، وعلى ~~الأميركيين والجامعة الأميركية، وعلى كل من قاومهم سرا أو علنا أو رفض أن يعترف ~~بحقوقهم «الثقافية والتاريخية والشرعية» في البلاد. # إنها لحالة عجيبة محزنة يندر نظيرها في العالم، وأدعى منها إلى الحزن أنهم جاءوا ~~إلى سوريا فارغي الوفاض يطالبون بهذه الحقوق، جاءوا يبسطون سيادتهم في البلاد دون أن ~~يبذلوا شيئا في سبيلها، أو يستطيعوا في الأقل أن يحفظوا النظام فيها، فلم يكن لديهم في ~~السنة الأولى من المال والرجال والجنود والأعتدة ما يكفي لحكم مدينة صغيرة، فحاولوا ~~الاستيلاء على المنطقة الغربية، منطقتهم، بما تبقى من الفرقة الشرقية وببضع مئات غيرها من ~~الجنود، فأسقط في أيديهم، وسقطوا في عيون مريديهم. # إن ضعف الفرنسيين، والحق يقال، وقصر ذات يدهم بالنسبة إلى ما كانوا يدعون ~~ويطلبون، لمن الأسباب الأولى في تلك الاضطرابات، ومن تلك الأسباب أيضا جهل أولياء الأمر ~~من العرب؛ جهلهم السياسة الدولية، جهلهم طباع الأوروبيين، جهلهم حتى خطة البريطانيين ~~في أطماعهم، تلك الأطماع التي قيدتها وعودهم في الحرب، فاضطرتهم إلى السياسة السرية في ~~تنشيط العرب تارة، وطورا في تثبيطهم. ومن أسباب الاضطرابات أيضا تعدد الحكومات في ~~البلاد؛ فكان فيها أولا القيادة البريطانية العامة، ثم الانتداب الفرنسي مدعوما بشرذمة ms017 ~~من الجنود البحريين، ثم مجلس إدارة لبنان، ثم الحكومة العربية، ثم رجال الدين ~~والأعيان. # والكل سارعوا كالأولاد إلى احتلال كراسي السيادة والمجد؛ فقد تسرع الفرنسيون في تعيين ~~وكلاء لهم في الشام وحلب، كما تسرع العرب في تعيين حاكم عربي في بيروت. وكيف لا ~~والقيادة البريطانية العامة صاحبة الأمر رسميا في البلاد، فلم تعترف حتى بالمندوب ~~الفرنسي السامي إلا كمستشار سياسي لديها، فماذا عسى أن تكون العلائق مع مستشارين ~~صغيرين. # بدأ البركان يتفجر في أواسط كانون الثاني سنة 1919؛ إذ عندما علمت الشام بتصريح ~~المسيو بيشون فيما يتعلق بفرنسا وحقوقها في سوريا، ضجت المدينة غضبا واحتجاجا، وكان ~~النادي العربي رأسها ولسان حالها، فأضرم في الجرائد نار العداء للأجانب، وبعث ~~الخطباء في أنحاء البلاد يحرضون الوطنيين على التظاهرات ضد الاحتلال والانتداب، وخطب ~~خطيب في الجامع الأموي يدعو الناس للتجند دفاعا عن الوطن. # في هذا الشهر أيضا ألقى المسيو بيكو خطابا في دمشق فهم منه أن قد تم الاتفاق بين ~~الأمير والحكومة الفرنسية بشأن سوريا، فغضب لذلك المسيحيون وهم يظنون أن فرنسا تفضل ~~المسلمين عليهم، وقد تفادي بهم في سبيل السياسة والمصلحة. فما كانت فرنسا فيما صرح به ~~وزيرها ومندوبها لترضي أحدا، لا الخصم ولا الصديق. # ثم خطب في سراي بعبدا رئيس الوفد اللبناني الأول داود عمون مفصحا عما كانت نتيجة ~~مسعاهم في باريس، فقال: «إن بين لبنان وسوريا علاقات تجارية، وصلات متينة، تستوجب ~~ألا يفصل الشقيق عن شقيقه؛ فاجتمعت كلمتنا، كلمة الوفد، على وجوب انضمام الاثنين تحت ~~مراقبة واحدة.» # فجاء كلامه ضغثا على إبالة. قال زعماء العرب: إن الحكومة الفرنسية تروم احتلال ~~سوريا بوساطة أصدقائها اللبنانيين. واتفق أن يوم خطب عمون خطبته عقد اجتماع ~~في دمشق احتجاجا على تصريح بيشون، فعقبت عليه المدن السورية الأخرى، وحدثت أثناء هذه ~~التظاهرات في 28 شباط سنة 1919 مذبحة الأرمن في حلب. # لا حاجة ولا مجال ها هنا للنظر في تلك الحادثة المحزنة، بيد أنه من المؤكد أن ~~لو كان في المدينة حكومة متيقظة منظمة، عربية كانت ms018 أو بريطانية أو فرنسية، لما كان ~~عتو الأرمن يحمل بعض العرب المسلمين على المفاداة بسمعتهم الطيبة، خصوصا بعدما كان من ~~إحسان الأمير فيصل وجنوده إلى منكوبي الأرمن في الكرك. # | لجنة الاستفتاء الأميركية # كان الأمير محترما مكرما في مؤتمر فرساي، وكان كذلك الرئيس ولسون، ولكن السياسة ~~الدولية لا ترعى آداب الاجتماع ولا تهمها فروض التكريم، فلا تملك نظريات المصلحين ~~وأماني الوطنيين من مصالح الأمم. قد سقت ولسون، تلك السياسة، الخل والمر بعد أن شاركت ~~صامتة في إكرامه ذلك الإكرام الفريد المجيد، وكانت أرفق حالا بفيصل، وكيف لا وقد عرض أحد ~~أساطينها في تلك الأيام على الأمير العربي بعض بنود فيها تضمن فرنسا استقلال سوريا تحت ~~إمارته وبمشاركتها في بعض الأمور الاختصاصية والاقتصادية، وتضمن كذلك استقلالا نوعيا ~~للبنان إلى أن يتم الاتفاق بينه وبين سوريا. # ولكن الأمير رفض ما عرضه الوزير الفرنسي المسيو كليمنصو، وعاد إلى سوريا ليستشير - كما ~~قال - الأمة. سافر الأمير إلى فرنسا على المدرعة البريطانية «غلاستر» وفي معيته الكرنل لورنس # 1 # وعاد إلى بيروت على المدرعة الفرنسية «إدغار كينه» وفي معيته الكولونل تولا. # 2 # أمتان تتباريان في إكرامه، أمتان تتسارعان إلى خطب وداده، أمتان ~~تسعيان في تعزيز سياستهما في سوريا والبلاد العربية عن طريقه. # إني متيقن أنه لولا أمر واحد، لكان قد اختار أحدهما في سفرته الأولى إلى باريس، ~~بل لكان قبل كل ما عرضه عليه كليمنصو، أمر واحد ~~تخلل معقوله وأضعف فيه القوة الحاكمة، أمر واحد هز منه القلب والمخيلة، وأشعل ~~فيهما مصباح أمل هو أقرب إلى الأحلام منه إلى أحكام الأيام، فخدع الأمير وخدع غيره ~~ممن هم أكبر منه، أجل قد خدع به أحد «الثلاثة الكبار»؛ # 3 # الرئيس ولسون نفسه، وهو الذي خدع الأمير، كما خدع غيره من الناس ومن الأمم ~~والشعوب، بما ظنه مظهرا لسياسات الدول كلها وبلسما لجروح الأمم جمعاء. ~~«تقرير المصير»، «حق الشعوب بتقرير مصيرها»؛ إنها لكلمات فتانة! ولكنها لم تكن لتستطيع ~~أن تخدع الأمير لولا مساعي هاورد بليس في سبيلها. ولا أظن أن ms019 ما صوره وتصوره ~~الدكتور بليس، وما ضج به سوريو المهجر، كان يقنع الأمير كل الإقناع، ويحمله على عمل ~~يخالف الحكومتين البريطانية والفرنسية، لولا - وها هنا رأس الخدعة وإكليلها - لولا اللجنة ~~التي طلب تشكيلها الرئيس ولسون لتستفتي الأمة السورية. من من الناس لا تخدعه هذه ~~المناورات السياسية، وبالأحرى هذه النظريات والأحكام من رئيس إحدى الأمم العظمى، بل أعظم ~~في تلك الأيام. # عاد الأمير إلى سوريا وفي صدره، ولا ريب، أمل بالتخلص من الحكومتين البريطانية ~~والفرنسية، بل في صدره أمل بتحقيق أمانيه الوطنية العربية على يد الحكومة الأميركية. وصل ~~إلى بيروت في 30 نيسان، وكانت الأمة تنتظر قدومه وهي تائقة إلى أخباره وتصريحاته. ~~تركها منذ خمسة أشهر وآماله راقدة، فعاد إليها وآماله تغرد في قفص الأحلام. تركها ~~أميرا عربيا قد يفلح وقد لا يفلح في مساعيه، فعاد إليها أميرا خطيرا، أوسع ~~شهرة، وأعظم ثقة بنفسه، وأرفع مقاما، فاستقبل في بيروت استقبالا ملكيا ترأسه ~~القائدان الفرنسي والبريطاني فيها، وخطب في الناس فأدهش الناس. ~~«الاستقلال يؤخذ ولا يعطى ... حرية الأمة بيدها ... لنسع متحدين فنحي حياة عزيزة ... ~~الاستقلال التام في الاتحاد التام.» ثم قال إكراما للفرنسيين والبريطانيين: «لا أنكر ~~أننا في حاجة إلى المساعدات المادية والاقتصادية والعلمية، ولكننا سنطلب هذه المساعدات ~~بأجرتها، ستستخدم الحكومة الأخصائيين من الأجانب وتدفع رواتبهم من مال الأمة.» # وقد كان الأمير أشد لهجة في دمشق: «الأمة السورية تروم الاستقلال التام الناجز، ~~ولا تقبل بغيره بديلا.» فرددت الشام ومدن سوريا كافة صدى هذه الكلمات: الاستقلال ~~التام الناجز! # وصل الأمير قبل اللجنة الاستفتائية الأميركية فبشر بقدومها، وحث الشعب على أن ~~يطلب الاستقلال التام بدون شرط ولا قيد: «برهنوا على أنكم لستم كأنعام تباع وتشترى ~~... الاستقلال بدون حدود البتة، الحرية بدون قيود أجنبية ... من يطلب فرنسا أو إنكلترا أو ~~أميركا أو إيطاليا فهو ليس منا.» # ثم زار المجلس التشريعي في 7 أيار، فرحب به أعضاؤه ونادوا به زعيما - الزعيم ~~الأكبر! - «لك الأمر وعليك بعد الله الاتكال.» # ووقف نوري الشعلان يعاهد بالطاعة والولاء: «حنا كلنا، ms020 عرب الرولا، أطوع لك من ~~يمينك، ومن لا يكون مثلنا فليس من دين الإسلام.» # وفي هذا الشهر تنازل الأمير عن الخطة السياسية التي كان من شأنها أن تربط سوريا بالحجاز، ~~بل تجعلها تابعة لحكومة والده، فقبل جلالة الملك حسين ذلك حبا بما بدأ يتبلور من ~~الآمال، فأرسل الأمير إلى مؤتمر الصلح يقول: «إن الحجاز لا تعترض أن تكون تابعة ~~سياسيا لسوريا. وقد قال لي جلالة الحسين هذا القول مرارا.» # أما فيما يختص بسوريا نفسها، فقد كان لفيصل رأي في تقسيم البلاد إلى مقاطعات، ~~وفقا لحالاتها الطبيعية والاجتماعية، صرح به خصوصا للوفد اللبناني الذي جاء إلى دمشق ~~ليهنئه بعودته سالما من باريس، وليؤكد له أن فريقا كبيرا من اللبنانيين يتمنون ~~الانضمام إلى سوريا، فرحب الأمير بهم وخطب فيهم خطبة بليغة، فقال: «إنه يجب أن ~~يضم إلى لبنان القسم اللازم الوافي لحياة أهاليه الزراعية، فيستفيدوا من توسيع أرضهم كما ~~تستفيد هذه البلاد من ذكائهم ونشاطهم ... أقول بكل حرية إن لبنان مستقل داخليا ~~وإداريا، ويلزم أن يبقى ما يلحق به مستقلا وممتازا ... مع المحافظة على الارتباط بالوحدة ~~السورية، ولكن هذا الانضمام لا يكون إجبارا بل اختيارا ... إني مستعد أن أعطي ~~الضمانة الخطية بكل ما أقول. وليعلم اللبنانيون - وهم إخواننا، بل قلوبنا التي بها ~~نحس، وعقولنا التي بها نفكر - أننا نحن وإياهم واحد لا يفصلنا فاصل طبيعي أو مادي ... ~~ما كان عندنا، ولا يكون، أدنى فرق بين لبناني ودمشقي، أو بين مسلم ودرزي.» # هو ذا مبدأ الأمير الذي أخلص له في تلك الأيام، واعتصم به، وسعى في تعزيزه. على ~~أنه في بعض المواقف - كما سيتضح للقارئ - تغلبت الحوادث وبعض الرجال على معتقده ~~ويقينه. قد وصل في شهر أيار سنة 1919 إلى ذروة القوة والنفوذ، فكان عاملا بمبادئه، واثقا ~~من نفسه، ذا رأي يسمع وأمر يطاع. غير أن الفرنسيين في البلاد، خصوصا المندوب ~~السامي وكبار الضباط، لم يثقوا كل الثقة به، ولا كانوا يرون السداد في سياسة حكومة ~~باريس فيما يختص به وبسوريا ولبنان. # قد ms021 تقابل المسيو جورج بيكو والأمير فيصل في 17 أيار، فعرض الأمير على المندوب شروطه ~~بصراحة لا غبار عليها، قال إنه يقبل بالانتداب الفرنسي إذا ألغيت معاهدة ~~«سيكس-بيكو»، وإذا ألغي في المنطقتين الشرقية والغربية الحكم العسكري، وسحبت فرنسا ~~جنودها من البلاد، وإذا انحصرت المساعدة الفرنسية بالأخصائيين الماليين المدربين العسكريين ~~والمهندسين والمستشارين في دوائر الحكومة. وقيل إنه طلب أن تضم الموصل إلى سوريا، وأن ~~تساعد فرنسا عرب العراق في استقلالهم، فبلغ المندوب السامي حكومته هذه الشروط وجاءه ~~بعد شهر تفويض بأن يقبلها. # ولكن المسيحيين في المنطقة الغربية تألبوا أثناء هذا الشهر على السياسة الفرنسية ~~السورية، وعقدوا الاجتماعات لتأييد استقلال لبنان وتوسيع حدوده، لطلب الانتداب الفرنسي. ~~وكان الأكليروس روح هذه النهضة، فرأى المسيو بيكو أن تعزيزها يضمن لفرنسا السيادة في ~~لبنان على الأقل، وقد كان يظن أن المسيو كليمنصو لم يهتم كما يجب لهذه المسألة الخطيرة، ~~فأوعز إلى بعض أعيان لبنان ورؤساء طوائفه أن يبعثوا البطريرك الماروني إلى باريس ~~ليمثل اللبنانيين لدى الحكومة الفرنسية ويطالب بحقوقهم. # انتدب أكثر الطوائف غبطة البطريرك إلياس الحويك لهذه الغاية، فسافر على مدرعة فرنسية ~~إلى إيطاليا؛ حيث أقام شهرين وقابل قداسة البابا، ثم سافر إلى باريس فقابل هناك المسيو ~~كليمنصو الذي أعطاه كتابا يسكن فيه روعه وروع اللبنانيين، ويعدهم بما يطلبون من ~~الاستقلال والانتداب، فقفل غبطته راجعا يحمل هذا الكتاب إلى موكليه، فوصل إلى بيروت في ~~25 كانون الأول سنة 1919، وتكلم في الاحتفال الذي أقامته له حكومة لبنان، فقال: «قد كان ~~اتحادكم من أسباب نجاحي، فأؤمل أن تثابروا على هذه الخطة، فيحيا لبنان بعد أن يكون قد ~~نال استقلاله ... ولكم خير ضمين باستدراجه إلى الحياة في مساعدة الدولة المحبوبة التي ~~حرمت نفسها خدمات أحد أعاظم أبنائها - الجنرال غورو - حتى تكلفه بمهمة دعوها ~~مهمة إبداع وخلق.» ثم خاطب الجنرال غورو بالفرنسية قائلا: «إني أجهر على رءوس الملأ ~~أن فرنسا تحب لبنان، وتساعد لبنان، وها نحن نفتخر بفرنسا ... ولا سيما بعد أن أوفدت إلينا ~~الجنرال غورو ... إلخ.» # فبينا كان الأمير ms022 فيصل يدعو الناس إلى وحدة سورية قومية لا تفرق بين الدمشقي ~~واللبناني، أو بين المسلم والمسيحي والدرزي؛ قام اللبنانيون، والأكليروس يستحثهم ويغريهم، ~~يطالبون بوحدة لبنانية، فقلدوا البطريرك زمام أمرهم، فجعلوا المسألة دينية مذهبية # 4 # وأبوا أن يكون لهم أدنى علاقة بالمسلمين، بل أمعن رؤساء التعصب بالشقاق ~~عندما وصلت لجنة الاستفتاء الأميركية إلى سوريا. فبما أن أساتذة الجامعة الأميركية من ~~أنصار النهضة العربية، وأعضاء اللجنة من وطن الجامعة، ادعى غير واحد من رؤساء الدين ~~أن للجنة مقاصد دينية بروتستانتية، وطلبوا من اللبنانيين أن يقاوموها ويتضافروا ~~عليها. # ومما يدعو للأسف أن قد كانت اللجنة نفسها عاملا آخر من عوامل الشقاق؛ لأنها في طريقة ~~الاستفتاء عززت، من حيث لا تدري، مبدأ العصبيات الدينية والطائفية، إلا أنها فضحت ~~فرنسا وجردت مزاعمها من الأوهام؛ لأن أقلية لبنانية فقط طلبت الانتداب الفرنسي، ولم تشمل ~~هذه الأقلية الطوائف المسيحية كلها، فازداد العرب تمسكا بما يطلبون، وازداد قسم منهم ~~تعصبا أدى إلى الأعمال التي سودت صحيفتهم. # وصلت اللجنة في تموز إلى دمشق، فطلب فريق من الدمشقيين الوحدة السورية وفيها لبنان ~~وفلسطين، والاستقلال التام الناجز، وأن تكون الحكومة ملكية دستورية لا مركزية، ويكون ~~الأمير فيصل ملك البلاد. ثم طلبوا المساعدة الاقتصادية والفنية من أميركا، وإذا رفضت ~~أميركا، فمن بريطانيا. وقد طلبوا أن يكون العراق مستقلا كل الاستقلال، وألا تكون ~~حواجز اقتصادية بين البلدين. # ثم استفتت اللجنة العلماء فطلبوا ما يلي: الوحدة السورية المستقلة عن الحجاز، ~~وحكومة دستورية لا مركزية على رأسها الأمير فيصل، ومساعدة دولة غنية قوية لا مطامع ~~استعمارية لها. # أما المتطرفون أصحاب الوحدة العربية الحجازية الإسلامية، فظلوا متشبثين ~~بآرائهم، عاملين سرا وجهرا في نشرها وتعزيزها. وقد كان في المجلس التشريعي، وفي النادي ~~العربي، وفي معية الأمير أيضا من لا يسكتون ولا يعقلون من الحزبين. # جالت لجنة الاستفتاء في فلسطين وسوريا، ففضحت - كما قلت - فرنسا، وأضرت بالقضية ~~العربية، ولم تنفع أحدا في البلاد. وكيف أضرت بالقضية العربية؟ إني أعتقد أنها كانت ~~السبب - بعض السبب إن لم يكن كله ms023 - في البلاغ الذي قدمه اللورد آلنبي للأمير فيصل في 9 ~~أيلول، وفيه ما يلي: # إن حكومة بريطانيا ترفض الانتداب في سوريا. إنها توافق على المبدأ الذي يضمن لليهود ~~وطنا قوميا في فلسطين. ليس من شأنها أن توجب على السوريين قبول حكومة لا يريدها أهل ~~البلاد. إن المارشال آلنبي، المسئول لدى مؤتمر الصلح عن الأمن في البلاد، يتخذ الوسائل ~~اللازمة لقمع الفتن والاضطرابات. # وفي 15 من هذا الشهر تم بين الحكومتين الفرنسية البريطانية الاتفاق الذي بموجبه ~~تكفلت بريطانيا بأن تخرج في تشرين الثاني عساكرها من سوريا، بشرط أن العساكر ~~الفرنسية لا تدخل المدن الأربع منها؛ أي دمشق وحمص وحماة وحلب؛ لأن بريطانيا قد عاهدت ~~العرب على تأليف حكومة عربية. # أثار الاتفاق والبلاغ خواطر المتطرفين والمعتدلين من العرب، وبلبل الناس على أن ~~أولي الألباب الممرنين في سياسة التلون والهوادة رأوا في الوثيقتين تناقضا قد يكون ~~تعمده الإنكليز من أجل حلفائهم العرب. فها إن إنكلترا تنفض يدها منا، ولكنها تقول ~~إنها لا توجب علينا حكومة لا نريدها. وها إنها تسحب جنودها من البلاد، ولكنها تبقي ~~السيادة المطلقة بيد المارشال آلنبي. فقام الناس يتظاهرون مثل تظاهرهم احتجاجا على ~~المسيو بيشون، وتأسست لجنة الدفاع الوطني التي باشرت التجنيد. # وكان الأمير في مقدمة المحتجين، فأعاد تصريحه بالوحدة العربية، وأبرق إلى مؤتمر ~~الصلح أن البلاد في اضطراب عظيم، وأن الشعب يقاوم أي خطة تجعله قيد المساومات، ~~ويتنصل من التبعة في الحاضر والمستقبل تجاه الحوادث التي من شأنها هضم حقوقه. # ثم سافر في أواخر أيلول إلى لندن ليسعي شخصيا لدى الحكومة البريطانية في سبيل ~~الوحدة العربية الملطفة التي مر ذكرها، والتي صرح بها على صفحات الجرائد، فقال ~~لمراسل رويتر: «إن معاهدة «سيكس-بيكو» لا تعتبر ولا يعمل بها في نظر الأمة العربية.» ~~وقال لمحرر جريدة «الأيام اليهودية» إنه يعتبر فلسطين جزءا من سوريا، وإنها في نظر العرب ~~ولاية لا بلاد مستقلة. ثم قال إن ما يسعى إليه هو تأسيس دولة عربية تشتمل في الأقل ~~على العراق وسوريا وفلسطين. # إنها ms024 خطة في السياسة لا تزدريها الدول العظمى، ولكن القوي إذا غير رأيه يعززه ~~بالقوة، وهو يتغلب حتى إذا تقلب. أما الضعيف بقومه، إن لم أقل بنفسه، فالثبات خير له ~~وأبقى. ها هنا يبدو في الأمير ضعف لا تجده في جلالة أبيه ، وقد ثبت إلى اليوم في مطالبه ~~كلها، فلم تتغير وحدته العربية وتتلون وفقا لحوادث الأيام وسياسات الدول ~~العظام. # أما احتجاج الفرنسيين على الحكم العربي في الشام فلا يخلو من التحامل. قالوا إن ~~العرب لم يحكموا باسم الحلفاء كما تحتم عليهم، وإنما حكموا باسم ملك الحجاز. وهل حكم ~~الفرنسيون في المنطقة الغربية باسم الأحلاف يا ترى؟! وهل حكم البريطانيون كذلك في المنطقة ~~الجنوبية، في فلسطين؟! وقالوا إن الملك حسين عجل في طلب المكافأة على خدماته في الحرب، ~~وكان ينبغي له أن يتربص إلى أن تتم المعاهدة بينهم ويصير الاتفاق بخصوص سوريا. فليت ~~شعري ما الذي فعلوه هم أنفسهم؟ أفلم يقسموا البلاد السورية ويتسابقوا والبريطانيين في ~~الحصول على قسمتهم منها؟! # | مرجعيون # قد خابت في لندن آمال الأمير؛ لأنه وإن كان أثناء إقامته هناك موضوع إكرام الطبقة ~~العالية من الأمة البريطانية، فقد أعلم رسميا أن الحكومة تحافظ على العهد الأخير ~~الذي عقدته مع فرنسا، وأنها وإن كانت قد اشترطت عليها ألا تدخل بجنودها المدن السورية ~~الأربع، فقد سلمت بأن تكون المساعدة الفنية والاقتصادية للحكومة العربية منها لا من ~~بريطانيا؛ لذلك أشير عليه بأن يسافر إلى باريس ويتفق مع كليمنصو. # سافر الأمير إلى باريس، وقابل المسيو كليمنصو ثانية، فدار بينهما في 22 تشرين الأول ~~حديث تناول المسألة السورية بكل فروعها، وكانت النتيجة لائحة تضمنت حل المشكل على ~~طريقة تكفل له الحكم في سوريا، ولفرنسا حق المساعدة، وللبنان توسيع الحدود والامتيازات ~~التي يطلبها. # تردد الأمير ثم لجأ إلى المساومة؛ فطلب أن يكون نصف المستشارين فرنسيين ~~والنصف الآخر من سواهم. ألا يكون للمستشار الرأي الفاصل في الأمور. ألا يكون في ~~سوريا ولبنان عسكر فرنسي. وقبل أن يكون العسكر الوطني تحت إدارة فرنسية. رفض كليمنصو ~~الشروط ms025 الثلاثة، فجمع الأمير من كان في معيته يومئذ واستشارهم في الأمر، فارتأى فريق ~~منهم - وفيهم اثنان من المسيحيين - أن يقبل لائحة الوزير. أما الفريق الآخر - وفيهم اثنان ~~من المتطرفين؛ الواحد طبيبه، والآخر أديب من نابلس درس الحقوق في فرنسا - فقد قاوموا ~~فكرة القبول وكانوا من الفائزين، فبرهنوا في فوزهم على ضعف في الأمير كان يؤلم ~~المعتدلين المتعقلين من أنصارهم ومريديهم. # عاد الأمير في أواخر كانون الأول إلى سوريا وهو يعلم أن الحكومة البريطانية لا ~~تخاصم فرنسا من أجله، وأن فرنسا لا تتنازل عن سوريا مهما كان من أمرها في المفاوضات، ~~وأن الحكومة الأميركية لا تتدخل بالرغم عن لجنة الاستفتاء في أمور البلاد السياسية. ~~فأية خطة كان ينبغي له اتخاذها؟ هل في إمكانه أن يغير سياسة بريطانيا الدولية؟ هل في ~~إمكانه أن يحارب فرنسا إذا شاءت الاستيلاء على المنطقة الشرقية؟ إذا أجبت سلبا، وهو ~~أقرب إلى الحقيقة، على السؤالين، أرى بحكم الحال أن أمام الأمير سبيلين، وفي ~~كليهما شرف وحكمة ووطنية؛ فإما أن يكون قادرا على قيادة الشعب السوري، فيقوده في جادة ~~الاعتدال إلى ما فيه المصلحة المشتركة بين الأمتين الفرنسية والسورية، وإما ألا ~~يكون فيستعفي ويعيد مقاليد القضية إلى جلالة أبيه. # وماذا كان بعد رجوعه المرة الثانية من باريس؟ هاكم الحوادث، وهي أصدق رواة الأخبار؛ ~~عندما وصل الأمير إلى بيروت خطب في الناس، فأشار إلى ما لا يزال بينه وبين فرنسا من ~~الولاء، فاعترضه بعدئذ ممثل الحكومة العربية فيها، وانتقد اعتداله آخرون. وكان قد ذهب ~~إلى استقباله واستخباره وفد من الشيعة في جبل عامل، فلم يكلمهم مليا في بيروت، بل ~~استصحب لهذه الغاية بعض علمائهم إلى الشام. وقد عقد اجتماع في وادي الحجير، فضرب أحد ~~المشايخ خيرة - استخار الله بالسبحة - على ذبح النصارى، وكان في الحولة حكومة يديرها ~~زعماء العصابات، والحكومة الفرنسية عالمة بها. أما العرب، وهم أعداء فرنسا، فأصبحوا ~~أعداء من والاها، فضلا عمن تعصب لها من المسيحيين. وقد كان من ولي الأمر ~~منهم، في النادي العربي وفي لجنة ms026 الدفاع بالشام، أناسا لا يأمرون بالمنكر، ولكنهم في سبيل ~~السياسة لا ينهون عنه. # فكانت النتيجة أن في 4 كانون الثاني سنة 1920؛ أي بعد وصول الأمير فيصل ببضعة ~~أيام، أشعلت في مرجعيون - باسم الوطن والسياسة - نار الجهل والتعصب والفوضى، وكان ~~العرب مشعليها والفرنسيون متفرجين عليها. # قد كان الأمير محمود الفاعور، أمير عرب الفضل، خارجا يومئذ على الحكومة، فضرب بعض ~~الجنود الفرنسيين، على إثر حادث عدائي في الحولة، دار الأمير بالخصاص وهدموها، فثارت عليهم ~~العربان، فبعثوا يطلبون النجدة، ولم يكن في تلك الناحية يومئذ - مع علم الحكومة بما ~~يهدد الأمن وبما ينذر من العصابات بالويل - غير ألفين من الجنود في المطلة وخمسمائة في ~~الجديدة. # طلبت المطلة النجدة من الجديدة، فأرسل القومندان أربعمائة وخمسين من رجاله، فلم يبق ~~لديه غير خمسين، ولم يكن عند الأهالي غير مائة وعشرين بندقية واليسير من الذخيرة. أما ~~الذين هجموا على الجديدة في ليلة ذاك اليوم فلا يقل عددهم عن الأربعة آلاف، وفيهم ~~البدو والدروز والشيعة، فأضرموا فيها النار وأعملوا بأهلها السيف والرصاص. حرقوا ~~أربعين بيتا، وقتلوا أربعين نفسا، ونهبوا من الأمتعة ومن الرياش ما قدرت قيمتها بمائة ~~ألف ليرة ذهبا. # ومن المسئول؟ قد تحقق أن ثلاثة من البدو كانوا يأخذون المال من الحكومة بدمشق باسم ~~العساكر فيتصرفون بها، ثم يأخذون من العصابات قسما مما ينهبون. وقد كان رجال ~~العصابات العاملية يلزمون القرى في جبل عامل القيام بنفقاتهم، ويقدم رؤساؤهم ~~التقارير إلى المؤتمر العربي بدمشق. أتبغي المزيد؟ هاكه باسم الله؛ قد أخبرني أحد أفاضل ~~الجديدة أنهم عاينوا بعض الجنود النظاميين فيمن هجموا على المدينة. # الملك فيصل الأول يوم تتويجه ملكا على العراق في القشلة، ونقيب أشراف ~~بغداد السيد محمود يقرأ الدعاء. # ولكني لم أطلعك على غير نصف الحقيقة فيما تقدم، وهاك النصف الآخر؛ إن الحكومة ~~الفرنسية أو القيادة الفرنسية العامة التي كانت مسئولة عن الأمن في البلاد، كانت تستطيع - ~~لو شاءت - أن ترد عن البلاد هذه النكبات كلها، فكان قد جاء الجنرال غورو ومعه بعض القوات ~~العسكرية التي ms027 استمرت تزداد لتحقيق مقاصد حكومته في المدن الأربع بالرغم عن اتفاق 15 ~~أيلول. # فإذا ألقينا بعض التبعة على الحكومة العربية وآخذنا الأمير؛ لأنه لم يسع - وإذا كان ~~قد سعى فلم يفلح - في استيلائه على تلك الحكومة وإرشادها إلى ما فيه الحكمة والسداد، ~~فإننا نلوم أولا الفرنسيين الذين جاءوا لحماية المسيحيين، وما كانوا في البلاد إلا ~~بفضل المسيحيين؛ نلومهم لأنهم وقفوا متفرجين وكان في إمكانهم أن يخمدوا ~~النار. # والذي يثبت فوق كل إثبات ما أقول هو أن تلك الفظائع تكررت بعد خمسة أشهر، في 15 ~~حزيران، في عين أبل والقليعة والجديدة نفسها، ولم تكن الحكومة مستعدة لمقاومتها. طلب ~~أهل الجديدة إسعافا منها فلم تمدهم بشيء. جاء أحد خوارنة عين أبل إلى المسيو ~~شاربنتيه، المستشار الفرنسي في لواء الجنوب، يشكو العصابات، وقد كان في صيدا قوة كافية ~~لمطاردتهم والتنكيل بهم، فكان الجواب منه أن دافعوا عن أنفسكم. وجاء أحد أهالي ~~الجديدة إلى قومندان الموقع يطلب منه بعض الذخيرة، وكان قد نفد ما عنده وهو يدافع ~~عن نفسه وأهله، فوجد القومندان في فناء الدار يلاعب أرنبا، فطلب منه ذخيرة فأبى. فقال ~~الرجل: «لا تدافعون عنا، ولا تعطوننا سلاحا وذخيرة لندافع عن أنفسنا!» فلم يكترث، ~~ظل يلاعب أرنبه، ثم نظر إليه بعين الاحتقار قائلا: «مات من الفرنسيين ألوف في ~~الخنادق، وأنتم تشكون إذا مات منكم عشرة رجال.» # وجاء - بعد خراب البصرة - الكولونل نياجر لينكل بالعصابات، ففرض على أهل جبل عامل مائة ~~وخمسين ألف ليرة ذهبا، وفوض حاكم صيدا العسكري ورجاله، وفيهم ثلاثة من السوريين، ~~بجمعها. فجمعوا ضعفي المبلغ بطرائق لا حاجة الآن لذكرها - وقال العارفون المدققون ~~إن الجباة الماهرين جمعوا أربعمائة وخمسة وثمانين ألف ليرة - فدفعوا تعويضا لأهل ~~الجديدة خمسين ألف ليرة منها و... وأطلقت الحكومة على شارع من شوارع بيروت اسم الكولونل نياجر # Le Colonel Nieger ~~! # | ملك سوريا # كان الشهر الأول من سنة 1920 ويلا على المسيحيين وعارا على الفرنسيين، وكان الشهر ~~الثاني من هذه السنة بداءة الويل على العرب؛ هاجت حول الأمير ms028 فيصل الأحزاب، وهدرت في ~~الأسواق وفي المساجد شقشقة الخطباء، واستفحلت في المؤتمر السوري قرون النعرات الدينية، ~~فاشتد تحمس بعض الأعضاء وتغيظ الآخرون، وسمو الأمير يكافح تارة ويستسلم طورا، ~~يردد كلمة الملك الفرنسي # 1 # ساعة الشدة، ويعود إذا ما صفا الجو هنيهة إلى بطانته وزعمائه، حتى انتهى دور ~~الاضطراب الأول أو علته، فأخفته أفراح اليوم الثامن من شهر آذار؛ يوم انتخب المؤتمر ~~السوري العام بصوت حي فيصل بن الحسين ملكا دستوريا على البلاد السورية. # حملت الأنباء البرقية خبر التتويج إلى عواصم العالم، فجاء من إحداها، من باريس من ~~مؤتمر فرساي، نبأ الغضب والغرور؛ مؤتمر يتوج ومؤتمر يعترض ويحتج، بل يصدر الأوامر ~~وهو يتوهم أن أحكامه نافذة في كل مكان، لماذا قبلت التاج يا فيصل؟ احضر عاجلا ~~إلى هذا المجلس الأعلى وأفصح عن شذوذك وشذوذ الأمة السورية. إنها من مضحكات السياسة ~~الأوروبية. هو ذا أمير عربي، في بلاد عربية، وقد انتخبه مؤتمر عربي، فما دخل أوروبا أو ~~بالحري فرنسا وبريطانيا بذلك؟! ألا يجوز لأمة شرقية عربية سورية أن تقيم ~~ملكا عليها دون أن تستأذن اثنين أو ثلاثة من وزراء أوروبا؟! ~~وهم يتهمون العرب بأنهم يهتمون بأمور غيرهم أكثر من ~~اهتمامهم بأنفسهم. ولكن الملك فيصلا لم يهتم بغير أمره وأمر بلاده، فلم يلب دعوة ~~مؤتمر الصلح المبجل. # باشر الملك والمؤتمر السوري تأسيس حكومة جديدة وتنظيم الجيش، وكان من أعمال هذه ~~الحكومة السورية عمل لم يسر بريطانيا، وآخر زاد بغيظ الفرنسيين؛ الأول هو إعلانها ~~استقلال العراق مع استقلال سوريا، والثاني هو منعها الفرنسيين من استخدام سكة الحديد إلى ~~حلب، ورفضها التعامل بورق البنك السوري الذي أجازته حكومتهم في المنطقة الغربية. # أما الفكرة اللبنانية في الانضمام إلى سوريا، فقد كانت الأحوال في المنطقة الغربية ~~تزيدها قوة وانتشارا، ونفر بعض عقلاء اللبنانيين وولوا وجوههم شطر الشام، فاعترى ~~الجزع الحزب الأكليريكي الفرنسي، فراح كباره يسألون البطريرك الماروني أن يسافر ثانية ~~إلى باريس ليطالب المسيو كليمنصو بما وعده به لجبل لبنان، واستمرت حكومة الجنرال غورو ~~تقاوم كل من ms029 قال بالوحدة السورية، فوصلت في منهجها إلى ما كان من أمرها وأعضاء مجلس ~~إدارة جبل لبنان. جاء في البلاغ النهائي من الجنرال غورو إلى الملك فيصل ما يلي: ~~«وآخر ما لجأت إليه حكومة دمشق من المآتي هو أنها اشترت بمبلغ قدره اثنان وأربعون ~~ألف ليرة القسم الأكبر من أعضاء مجلس إدارة لبنان، فأوقفتهم مخافرنا بتاريخ 10 تموز وهم ~~على أهبة السفر إلى دمشق ليبيعوا أوطانهم بيع السلع، عابثين بالأماني التي أعرب عنها ~~أهل وطنهم منذ زمن طويل باتفاق يقرب من الإجماع.» # لست ممن استحسنوا الطريقة التي سلكها الأعضاء إلى ~~غايتهم الحميدة، وكنت ولا أزال أظن أن ممثل الأمة الشرعي لا يخرج من بلاده كالمجرم ~~سرا، ولا يجبن فيموه رأيه إذا كان يعتقد الصحة فيه. ولكن هذه التهمة من ~~أجنبي تنزع من الوطني، مهما كانت عقيدته السياسية، سلاح النقد والتثريب. مثل لنفسك ~~بريطانيا في باريس يتهم أعضاء الندوة الفرنسية بالخيانة؛ أيغار الأجنبي على لبنان أكثر ~~من غيرة أبنائه عليه؟ عد إلى القرار الذي أصدره مجلس الإدارة تر الحقيقة التي ~~يسمونها خيانة، وتر العجب فيمن يطالع القرار كله ثم يقول إن أصحابه مسافرون إلى ~~دمشق «ليبيعوا أوطانهم بيع السلع.» # إن أصدق وأبلغ جواب إنما هو فيما أنقله لك من ذاك القرار: ~~«قد بذل هذا المجلس مزيد الاهتمام توصلا لوفاق يضمن حقوق البلدين المتجاورين، ~~لبنان وسوريا، ومصالحهما ودوام حسن الصلات بينهما في المستقبل، وبعد البحث في هذا الشأن، ~~وجد أنه من الممكن الوصول إلى ذلك بمقتضى البنود التالية: # استقلال لبنان التام المطلق. # حياده السياسي بحيث لا يحارب ولا يحارب، ويكون بمعزل عن كل تدخل ~~حربي. # إعادة المسلوخ منه سابقا بموجب اتفاق يتم بينه وبين حكومة سوريا. # المسائل الاقتصادية يجري درسها وتقرر بواسطة لجنة من الطرفين، وتنفذ ~~قراراتها بعد موافقة مجلس نواب لبنان وسوريا. # يتعاون الفريقان في السعي لدى الدول للتصديق على هذه البنود وضمانة ~~أحكامها.» # أما سفر أعضاء المجلس «فلأجل التمكن من العمل على ذلك بحرية وبمعزل عن ضغط ~~خارجي، ولأجل السعي الناجح ms030 في المراجع الإيجابية لتقرير أحكام البنود المتقدم بيانها.» ~~ولم يكن قصدهم السفر إلى الشام، بل إلى أوروبا وأميركا عن طريق حيفا؛ هو ظاهر قصدهم ~~وحقيقته، لا ريب عندي بذلك، ولكني أرى في الطريقة التي سلكوها وفي بعض المقاصد التي ~~أخفوها أو موهوا بها ما يؤاخذون عليه. # الأسفار تقتضي النفقات، ولم يكن في الخزينة اللبنانية ما يقوم بها، فجاء الأمير أمين ~~أرسلان، صديق العرب واللبنانيين الأحرار، ليسعى في هذا السبيل. قال سليمان كنعان، أحد أعضاء ~~المجلس، للأمير أمين: «لا نستطيع أن نجمع مالا كافيا للسفر.» فقال الأمير: «أنا أتكفل ~~بذلك.» وبعد قليل جاءهم بخمسة آلاف أخرى عندما يجتازون حدود لبنان، وها نحن في دور ~~التمويه الذي أفسد على الأعضاء عملهم، المال الذي جاء به الأمير أمين بمؤازرة نوري السعيد ~~هو من الملك فيصل لا من عارف النعماني، ولكن السند الذي كتبه سليمان كنعان بالقيمة كلها هو ~~لأمر النعماني وبكفالة الأمير أمين. فحبذا لو كان السند صادقا فيكون المال من أحد تجار ~~الأمة الذي يشارك الأعضاء في عقيدتهم السياسية ويود نجاح مسعاهم، ولكن المال من ~~الملك فيصل، وهذه حجة الفرنسيين في الرشوة. # قال سليمان كنعان للأمير أمين: «بشرط ألا نمر بالشام ولا نقابل الملك فيصلا.» ~~وكأني بالأمير اللطيف الحاذق يقول: تأخذون ماله ولا «تميلون» للسلام! فاتفقوا أن يسافروا ~~إلى حيفا ويرسلوا من قبلهم اثنين أو ثلاثة إلى الشام للسلام والمفاوضة. ولكن الأقدار ~~تدخلت؛ فقد أوقفتهم السلطة الفرنسية قبل أن يجتازوا الحدود، وعادت بهم مخفورين إلى ~~بيروت؛ حيث حوكموا أمام مجلس عسكري فرنسي، فجرمتهم المحكمة ونفتهم الحكومة إلى ~~جزيرة أرواد ثم إلى جزيرة كورسيكا. # بعد أن ألقي القبض على أعضاء مجلس الإدارة بأربعة أيام، أي في 14 تموز سنة 1920، ~~أرسل الجنرال غورو بلاغه النهائي إلى الملك فيصل، ومطلعه هذه الكلمات: ~~«بينما كانت السكينة سائدة في سوريا أثناء الاحتلال البريطاني، ابتدأ الفساد يوم حلت ~~جيوشنا محل الجيوش البريطانية، ولا يزال آخذا بازدياد منذ ذاك الوقت.» # 2 # هي الحقيقة بعينها، ابتدأ الفساد يوم حلت جيوش ms031 الفرنسيين محل الجيوش البريطانية؛ فقد ~~كانت الجيوش الفرنسية إما عاجزة وإما مهملة؛ أما العجز فينفيه الحزم الذي أبدته ~~هذه الجيوش بعد البلاغ النهائي، وأما الإهمال فقد يكون ناتجا عن قصد سياسي هو رغبتهم ~~في الاستيلاء على المدن الأربع التي تعهدت فرنسا لبريطانيا ألا تحتلها. # أما بلاغ الجنرال غورو فتقسم الاحتجاجات فيه إلى خمسة أقسام: # أولا: ~~«الأعمال الموجهة إلى حكومة الاحتلال الفرنسية»؛ وفيه ذكر الحوادث ~~المفجعة التي كانت العصابات سببها، وأن حكومة دمشق قد قابلت القائمين ~~بتنظيمها بالحفاوة والإكرام، «ونخص بالذكر منهم صبحي بركات الذي أصبحت ~~عدواته لنا أشهر من نار على علم.» # ثانيا: ~~«سياسة حكومة دمشق العدائية»؛ وهي تنحصر، على ما يظهر، من البلاغ ~~بتعيين رجال في الحكومة «معروفين بعدائهم لفرنسا.» # ثالثا: ~~«التدابير الإدارية ضد فرنسا»؛ وأهمها ما يتعلق برفض التداول بعملة ~~البنك السوري. # رابعا: ~~«الأعمال العدائية الموجهة لفرنسا رأسا»؛ وفيه ذكر بعض الذين ~~أهينوا في المنطقة الشرقية لأنهم أصدقاء فرنسا، والذين احترموا لأنهم ~~أعداؤها؛ ومنهم الدنادشة وكامل الأسعد ثم أعضاء مجلس إدارة لبنان. # خامسا: ~~«التعديات على الحقوق الدولية»؛ وفيه احتجاج على التجنيد الإجباري وعلى ~~ملكية الأمير «المغتصبة غير الناتجة عن إرادة الشعب الحرة»، وعلى ~~المؤتمر السوري الذي تألف وشكل بصورة غير مشروعة. ~~«إن هذه الأسباب تثبت جليا أنه أصبح من المستحيل الاعتماد على حكومة جاهرت ~~بصراحة تامة بعدائها لفرنسا ... وعليه فإن فرنسا ترى نفسها مضطرة أن تحتاط بالوسائل ~~اللازمة لتؤمن راحة جيوشها وراحة أهالي البلاد.» ... ولذلك هي تطلب الضمانات التي يلي ~~ذكرها: # أولا: # حق التصرف بسكة الحديد بين رياق وحلب. # ثانيا: # إلغاء الخدمة العسكرية الإجبارية. # ثالثا: # قبول الانتداب الفرنسي. # رابعا: # التداول بالعملة السورية. # خامسا: # معاقبة المجرمين الذين تثبت عليهم أكثر من غيرهم مناجزة العداء ~~للجنود الفرنسيين. # وقد طلب الجنرال قبول هذه الشروط «بوجه إجمالي دون استثناء البتة في مهلة أربعة ~~أيام تبتدئ في الساعة الأولى ليلا من 15 تموز وتنتهي في الساعة الثانية عشرة ليلا في 18 ~~منه.» # وصل البلاغ إلى الشام في مساء اليوم التالي، فاستدعى الملك للمشاورة ms032 عددا من وجهاء ~~المدينة من جميع الطوائف، ففوضوا الأمر إليه ليعمل بما فيه خير البلاد. ولكن المؤتمر ~~السوري أصدر في جلسة قانونية القرار التالي: ~~«إن المؤتمر السوري الممثل للأمة السورية في مناطقها الثلاث يعتبر قراره التاريخي ~~بمواده الثلاث التي هي: # أولا: # الاستقلال التام والوحدة ورفض الهجرة الصهيونية. # ثانيا: # ملكية جلالة الملك فيصل على الأساس النيابي الدستوري. # ثالثا: # بقاء المؤتمر منعقدا يراقب أعمال الحكومة المسئولة أمامه إلى أن يجتمع ~~مجلس النواب بموجب القانون الأساسي، قرارا واحدا ~~لا يقبل التجزئة، وأن نقض جزء منه ~~يعتبره المؤتمر نقضا للقرار بحذافيره، وأن المؤتمر السوري لا يعترف باسم ~~الأمة السورية بأية معاهدة واتفاقية أو بروتوكول يتعلق بمصير ~~البلاد ما لم يصادق المؤتمر نفسه عليها.» # في هذا القرار وطنية شماء لا يزدريها من كان له وطن في العالم. # | ميسلون # كان يوسف العظمة، وهو صنو أنور ومصطفى كمال في المدارس الحربية الألمانية، شديد ~~البأس، شجاعا باسلا، صريح الكلمة، صادق اللهجة، ذا وطنية أجيجها من نار الشهداء. ~~ولكنه في حماسته واندفاعه، وهو وزير الحربية في الحكومة السورية، أساء إلى معقوله ونسي ~~حقيقة الحال التي توجب الحكمة والاعتدال. # أما الملك فيصل فهو في سياسته، وخصوصا في المواقف الحرجة، ينسى أن الحماسة روح ~~الحقيقة، وأن الضحية نورها. فلو رأى الواحد منهما ما في الآخر وتنزل إلى قبول شيء منه ~~في الساعة الخطيرة، ساعة الجزم واليقين، لما كانت تلك الثلمة التي انقضت منها روح ~~الفوضى فساعدت الصائل على الأمة وذبحت فيها الحرية والأمل. # كانت الثلمة، مهما قيل في حسن الصلات بين الملك والمؤتمر السوري، وكانت الفوضى، وكان ~~الاستيلاء الأجنبي. ثبت المؤتمر في قراره الأخير فأعلن الحرب، على أثر وصول البلاغ ~~النهائي، دفاعا عن الوطن، وصدر الأمر من وزارة الحربية بإرسال الفرقة الأولى إلى مجدل ~~عنجر في منطقة ميسلون لتكون هناك مستعدة للحرب. # ولكن أعيان الأمة ورؤساءها الروحيين كانوا يميلون مثل الملك إلى قبول الشروط، فوكلوا ~~الأمر إليه، فأرسل جلالته في 16 تموز برقية إلى الجنرال غورو يقبل الشروط كلها، وأصدر ~~أمرا ms033 في تسريح الجيش وآخر إلى الجنود في منطقة ميسلون ليرجعوا إلى دمشق، إلا اللواء ~~الرابع فيبقى محافظا على الحدود. على أن البرقية لم تصل إلى الجنرال إلا بعد انتهاء ~~المدة المعينة في البلاغ؛ لأن العصاة، كما ادعت الحكومة، كانوا قد قطعوا الأسلاك ~~البرقية في جهات الزبداني. # هب أنها الحقيقة، فإن القيادة الفرنسية كانت عالمة بما كان يجري في تلك الأيام في ~~دمشق، وقد حلقت طائرة في 18 تموز فوق المدينة، فألقت منشورا من الجنرال غورو مطلعه ما ~~يلي: ~~«في هذه الساعة التي تقذفكم فيها حكومتكم إلى القتال وتستهدف بلادكم لأخطار الحرب ~~وويلاتها أوجه إليكم الخطاب لأقول لكم السبب الذي من أجله تقاتلون.» # فإذا كان عالما بما أقره المؤتمر السوري، أفلا يكون عالما كذلك بما أقره الملك ~~بالاتفاق مع وزرائه وفريق من أعيان المدينة؟ أوما كان جديرا به أن يسأل في الأقل ~~ضابط الارتباط الفرنسي في دمشق ليبحث عن السبب في تأخير الجواب، وهو القائل في منشوره: ~~«على أني ما زلت آملا بأن السوريين الأذكياء المتنورين لن يرضوا بأن يلقوا ~~بأنفسهم إلى التهلكة دفاعا عن الأقلية الأثيمة»؟ # إذن هو عالم أن الأقلية ترفض شروطه والأكثرية تقبل بها، وقد أرسلت الجواب الذي فيه ~~فصل الخطاب، فلماذا فضل الجنرال العمل بظنه على العمل بيقينه؟ فبعد أن أرسل البلاغ ~~النهائي زحف جيشه، وهو زهاء ستة آلاف من الجنود السنغاليين والمراكشيين والجزائريين، ~~على دمشق متخذا غير الطريق المعروفة، طريق وادي الحرير، فقطع سهل البقاع من جب جنين ~~إلى وادي القلوح، فمر بقرية بكا، ثم بدير العشائر، فاستصحب أحد الرجال هناك دليلا، ~~ودار إلى الديماس، فقطع خط الرجعة على السوريين المعسكرين في منطقة ميسلون، ووقف هناك ~~ليؤمن مؤخرته قبل أن يستأنف الزحف على دمشق. # وقد دل المسلك في زحف الجيش على استعداده للقتال ورغبته فيه، فشاء عند وصوله إلى ~~الديماس أن يخرج الجنود العرب من مراكزهم المحصنة ليضربهم في الفلاة ويحتل تلك الأماكن؛ ~~لذلك بادر إلى احتلال مجدل عنجر عندما انسحب الجنود العرب منها، وأخذوا يتراجعون ms034 بدون ~~نظام إلى دمشق، بيد أن اللواء الرابع ظل محافظا هناك بموجب الأمر الذي أصدره ~~الملك، فتصدى للدفاع عندما تقدم الجنود الفرنسيون، فأسقط في يده وأسر ~~برمته. # أما وزير الحربية يوسف العظمة، فكان قد أصدر أمرا إلى الجنود المسرحيين يناقض أمر ~~جلالة الملك، فأوقف قائد اللواء الأول حسن الجندي، عددا من جنوده يراوح بين الثلاثمائة ~~والأربعمائة وعاد بهم إلى ساحة القتال. فئة صغيرة وقفت وقوف الأبطال في وجه الفئة ~~الكبيرة، فخشيت القيادة الفرنسية أن تكون القوات العربية التي انسحبت من مجدل عنجر ~~متحصنة في جهات خان ميسلون، وأن تكون هذه الشرذمة طليعة جيش كبير، فرغبت إلى الملك فيصل ~~بهدنة مدتها ثمان وأربعون ساعة تنتهي في الساعة الأخيرة من 23 تموز. فكانت الهدنة، ~~وجاء مندوب الحكومة العربية مصحوبا بالمعتمد الفرنسي بالشام للمفاوضة مع الحكومة الفرنسية ~~بعاليه. # أعود بالقارئ إلى المسرح في دمشق؛ حيث الثلمة بين الحكومة والأمة كانت تزداد خطرا ~~واتساعا. فلما انتشر خبر الأمر بتسريح الجيش، نهض جمهور من الدمشقيين يحتجون، بل نهضوا ~~للثورة في سبيل الاستقلال، وبادروا إلى الثكنة والقلعة يطلبون الذخيرة والسلاح، فأصدرت ~~الحكومة أمرا بتشتيتهم. وكان قد وصل إلى دمشق بعض الجنود المسرحين العائدين من ميسلون، ~~فازدادت نار الثورة تأججا، وكانت الفوضى تنفخ فيها على الدوام، فقام بعض الرعاع يصيحون ~~مع الثائرين ويسلبون وينهبون. جاءت كتيبة من الجند لتشتيت هذه الجموع الهائجة، فنشب بين ~~الفريقين القتال، ووقع مئات من القتلى تحت نيران المدافع الرشاشة. # وكان يوسف العظمة لا يزال مصرا على رأيه وعزمه، أما الملك فيصل فبعد التردد ~~والتحير، نهض يوم الجمعة يشد حقويه ويستل السيف باسم الله، وقف يومئذ في الجامع ~~الأموي خطيبا وطفق يدعو الناس للجهاد، ويعدهم بأنه سيكون في طليعة الجيش. # ولكن وزير الحربية الباسل سبقه إلى الجهاد، فخرج بأربعمائة جندي ومائتين من الهجانة، ~~يصحبهم ويتبعهم جيش من الأهالي والعربان يراوح عدده بين أربعة وخمسة آلاف. جاء ينجد تلك ~~البقية المستبسلة من اللواء الأول. ولكنه وهو وزير الحربية كان يعلم أن الذخيرة ~~والمعدات لديه ms035 لا تكفي لمعركة واحدة خطيرة؛ ففضل الشهادة على الحكمة، والموت في ~~سبيل الوطن على الحياة في ذله. # اتخذ العظمة عقبة الطين جبهة للدفاع، ونشبت في 25 تموز نار الحرب بين الجيشين في ~~واقعة دامية استمرت ست ساعات، واستخدم فيها الجنود الفرنسيون الطائرات والدبابات، هي ~~واقعة ميسلون المعروفة التي أضعفت القوات العربية، وأوقعت في صفوفها عوامل التفكك ~~والانهيار. # ووقف يوسف العظمة في مقدمة رجاله يحثهم على القتال، فأصيب برصاصة في فخذه، وأخرى ~~في كتفه، وظل يوجه ويقاتل حتى أصابته الثالثة في رأسه فهوى إلى الأرض ~~شهيدا. رحم الله كل من مات بطلا في سبيل الحرية والاستقلال. # في اليوم التالي دخل الجنود الفرنسيون دمشق، وكان قد غادرها الملك فيصل ومعه بعض من ~~لا يزالون في حاشيته من بغداد. # | المعركة الأخيرة # جاء في إحدى رسائل جرترود بل # 1 # التي كانت ترسلها إلى أمها في لندن، إنها ذهبت بمعية الأمير فيصل عندما ~~زار طاق كسرى عقب وصوله إلى بغداد، وبينما كانا يطوفان بذلك الصرح المتداعي، الباقي ~~من بلاط الأكاسرة، وقفت المس بل إلى جانب الأمير، بالقرب من إحدى النوافذ، وطفقت تقص ~~عليه باللغة العربية، وهي ترسل الطرف في السهل المنبسط أمامها، قصة الفتح العربي ~~للعراق «كما رواها الطبري في تاريخه.» # سيدة إنكليزية، تروي بلسان عربي لا لكنة فيه، لأمير عربي من بيت الرسول، صفحة ~~مجيدة من تاريخ العرب القديم! إنه لأمر فريد في بابه، إنه لموقف بعيد الدلالة في ~~حقيقته وفي مغزاه، ولكن المس بل المبتهجة به ساءلت نفسها، كما تقول في الرسالة لأمها، ~~ما إذا كان ابتهاج الأمير أشد من ابتهاجها؟! # وأنى الابتهاج لمثله؟! فإما أن المس بل أساءت التعبير، وقد كانت هذه الرسائل ~~بعجلة محرقة، بين أشغالها الجمة، وإما أنها ما نفذت ببصيرتها إلى أعماق تلك النفس ~~العربية الشعرية التي لا تعدم التصور في إحساسها الشديد. # وهل يدعو المجد الدارس للابتهاج، خصوصا وقد تلت ذلك الفتح العربي فتوحات آسيوية، ~~تترية وتركية، لا تثير ذكراها في العربي سوى الشجون، ولا ينبغي أن نعود ms036 إلى ذلك المجد ~~البعيد المضمحل، وما خلفه من طغيان الترك والتتر، لندرك ما كان يجيش في صدر الأمير فيصل ~~من لواعج الغم والأسى، فإن في ماضي الأمير - هذا الماضي القريب - ما يكفينا مئونة ~~التجوال في ربوع التاريخ وبواديه. # كيف لا والأمير يحمل في صدره أعباء عشر سنوات من خيبة الآمال ومن شؤم الجهاد، ها هو ذا ~~في مستنقعات الملاريا بعسير على رأس حملة تأديبية، وها هو ذا في مستنقعات الكلام في مجلس ~~المبعوثان بالأستانة، وهاكه في سوريا أسير الشبهات، وسمير الجزع، وهاكه في البادية فارا ~~من الطاغية جمال، بل من القدر والاعتقال؛ أهوال في السياسة تتلوها أهوال الحرب في شرق ~~الأردن. هي خمس سنوات مليئة بالحوادث التي تثير في صدر صاحبها كل عاطفة غير ~~الابتهاج. # وإن ما يتلوها لأشد وأنكى، فمن فتح الشام الذي ما عتم أن باخ مجده، إلى مؤتمر ~~فرساي الذي كان فيه الأمير، ممثل العرب، كالحمل بين النمر والأسد، # 2 # إلى يوم التاج في دمشق، فالملك القصير الأجل، فالفرار الثاني، فيوم ~~ميسلون! # سنتان اثنتان لا غير، ولكن الحوادث التي تزاحمت فيهما، وتراكمت في قلب الأمير فيصل، لا ~~تفقد شيئا من مرارتها لو توزعت على أضعافها من السنين، فأنى لذكريات الماضي البعيد، ~~وإن كان مجده لا يزال حيا زاهرا، وأنى لها وإن تغنت بها امرأة فاتنة، أن تمحو من قلب ~~الأمير فواجع الأمس القريب، أو تغالبها فتنسيه إياها؟! # على أن ميسلون لم تكن المعركة الأخيرة؛ فقد خرج من دمشق يرافقه بعض صحبه الأوفياء ~~من السوريين والعراقيين والإنكليز، فمروا بدرعا فحيفا، ومنها أبحروا إلى أوروبا. الجهاد، ~~سيستأنف فيصل الجهاد، وسيجاهد هذه المرة بغير السلاح الذي حمله على الترك والألمان في ~~شرق الأردن. # ولكن نار الحرب كانت قد أضرمت في جهة أخرى من الخط العربي الطويل. وإن لم تكن ~~المعركة الجديدة، في صورتها الظاهرة معركة فيصل، فقد كان من المقدر أن تخدم أغراضه ~~السياسية. # فقد قام العراقيون قبل التتويج ببضعة أشهر ينادون بالاستقلال ويطالبون به، وكان ~~يحرضهم على ذلك الضباط ms037 العراقيون في الجيش العربي في سوريا، ومن عاونهم من الموظفين ~~الإنكليز في الحكومة السورية، أولئك الذين كانوا ناقمين على إخوانهم في العراق و«خطتهم ~~الهندية» في إدارة شئون البلاد. فالضباط العراقيون إذن، والموظفون الإنكليز في الشام، ~~شجعوا العراقيين في نهضتهم، وبثوا تلك الدعاية التي رفعت أعلامها أولا في دير الزور، ~~وأخذت تنتشر بسرعة في البلاد، من الشمال إلى الجنوب؛ من دير الزور إلى تل عفر، ~~فالموصل، فبغداد، فكربلاء والنجف. # وقد كانت هذه الدعاية من الوجهة الإنكليزية جد محزنة؛ إذ إن الفريق الواحد من سياسيي ~~الإنكليز لم يكن يعلم بما يفعل الفريق الآخر، بل كانوا في حقيقة الحال يحملون بعضهم على ~~بعض، وكان العرب وحدهم الغانمين. ومن فواجع الإنكليز، وبعضها يضحك، أن الحكومة السورية، ~~التي كانت تستمد يومئذ قوتها المالية من لندن، أمدت الوطنيين العراقيين بالمال؛ أجل! ~~قد استخدم «الخيال الإنكليزي» لطرد الإنكليز من العراق! # هذه النهضة بلغت أوجها في شهر آذار سنة 1920، أي شهر التتويج في دمشق، وما كان فيها ~~سر أو غموض. هي نهضة وطنية ذات خطة محدودة، وهدف معلوم، وكان الهدف سوري الشعار - ~~هاكم سوريا مستقلة، فليكن العراق مستقلا مثلها، وكانت الخطة سورية عراقية - ليكن للعراق ~~كما لسوريا ملك هاشمي، وخير من ذلك، ملك هاشمي للقطرين. # وبعد شهرين، أي في رمضان، حدث في العراق حادث خطير لم يسبق له مثيل هناك؛ فقد قام ~~الشيعيون والسنيون بمظاهرة وطنية ولائية كبرى، وهم يدعون للاتحاد في سبيل ~~الوطن. ومن مظاهر هذا الاتحاد حفلات المولد المشتركة التي كانت تقام في الجوامع ~~والمساجد، فيحضرها السنيون والشيعيون، ويحولون الحفلة، بعد الصلاة، إلى اجتماع سياسي ~~تلقى فيه الخطب المشعلة لنار الثورة، وتتلى القصائد المثيرة كالرياح لهيبها. # وعند انقضاء شهر رمضان خرج من سوريا السيد جميل المدفعي بحملة مجهزة، ينصر إخوانه ~~الهاشميين في العراق، فاجتاز ورجاله نهر الخابور، وغزوا تل عفر، ثم غنموا من سيارات ~~الإنكليز المصفحة اثنتين، بعد أن ذبحوا اثني عشر من رجالهم، وفيهم الوكيل السياسي وقائد ~~جيش «الليفي» في الموصل. # هذه هي جذوة الثورة ms038 الأولى، التي أشعلت في الشمال، في الأسبوع الأول من شهر تموز، وبعد ~~أسبوعين اعتقلت السلطة الإنكليزية في كربلاء وفي الحلة عددا يذكر من الوطنيين، وفيهم ابن ~~أحد المجتهدين، ثم اعتقلت الشيخ شعلان أبو الجون شيخ عشيرة الظوالم لدين عليه أبى أن ~~يدفعه كما قيل؛ فهاج عرب الظوالم نافرين له، وجاءوا السراي صاخبين، فهجموا على السجن ~~ودخلوه قهرا، ثم خرجوا بشيخهم يحدون ويهللون للثورة. # وعلى أثر ذلك أفتى مجتهد كربلاء بالجهاد، فاندلعت من كل جانب ألسنة النار ونفرت ~~العشائر للقتال، أما الإنكليز فقد كانوا في سياستهم منقسمين، وكان أولو الأمر في ~~السلطتين المدنية والعسكرية في نزاع شديد مستمر. زد على ذلك أن عدد الجيش يومئذ، ~~نحو أربعين ألفا، لم يكن كافيا للدفاع؛ وأن قائد الجيش السر إلمر هلدين، فرارا من ~~حر الصيف في العراق، نقل المركز العام إلى كرند في جبال العجم؛ مما حمل أحد شعراء ~~الإنكليز في بغداد على هجوه بقصيدة. # 3 ~~••• # ليس من موضوع هذا الكتاب سرد حوادث الثورة مفصلا، لكن لا بد من القول إنها كانت ~~ثورة ولا كالثورات. وأغرب ما فيها أنها اشتعلت اشتعال النار في الهشيم، دون زعامة تعرف أو ~~ترى، إلا إذا حصرت في مجتهدي النجف الذين أضرموا نارها وتواروا، فسكتوا بعد ذلك أو ~~أسكتوا. # ومع ذلك فقد انتشرت بسرعة البرق، من الديوانية إلى بعقوبة، ومن النجف إلى تل عفر. وكان ~~رجال العشائر أول من سارعوا للحرب، فحاصروا السماوة والكوفة - الأولى أسبوعين والثانية ~~ثلاثة أشهر - وخربوا سكة الحديد في أماكن متعددة، وهاجموا المعسكر في الحلة مرارا، ~~وكانت خسارة الإنكليز في فرقة «منشستر»، التي خرجت لمحاربة الثائرين، 180 قتيلا و60 ~~جريحا. بعد هذه الفاجعة أخلى الإنكليز الديوانية. # وكان الثوار على الفرات كذلك موفقين، إلا أنهم في بعض الحوادث نكلوا بالأسرى؛ فقد ~~غنموا قافلة من قوافل التموين، وهاجموا مركبا في النهر، فساقوه إلى البر، فلاذ ~~الإنكليز بالفرار، وأطلقوا بنادقهم على الباخرة «فايرفلاي» فدمروها، وأوقفوا الباخرة ~~الأخرى «غرينفلاي» فأسروا رجالها، وجوعوهم، ثم ذبحوهم جميعا، وقد كانوا في أكثر ms039 مواقف ~~الدفاع الشاقة ثابتين غير منهزمين، فغنموا السيارات المصفحة، وأسقطوا برصاصهم ~~الطائرات، ولكنهم كانوا يقتلون من ينجو من رجالها، ويجهزون على الجرحى. # وكانت خسارة العرب مثل خسارة الإنكليز جسيمة؛ من أهمها - بعد الرجال - المفاتيل التي ~~هدمها الإنكليز، تلك البروج الصغيرة التي كانت تعد بالمئات في سهول العراق، وهي حصن ~~العشائر الحصين، # 4 # ومع هذه الخسارة كانت الغلبة في الشهرين الأولين للعراقيين، فامتدت الثورة ~~إلى كفري التي غزاها الثائرون ونهبوها، ووصلت إلى بعقوبة فجلا الإنكليز عنها، وإلى راوندز ~~في بلاد الأكراد، وإلى البادية الشمالية التي ينزلها عرب شمر، وقد وقت واقعة بينهم وبين ~~الجيش الذي أرسل عليهم من الموصل، كانوا فيها المنتصرين. على أن الإنكليز، بعد أن وصلت ~~إليهم النجدات، شرعوا في أواخر أيلول يعممون هجماتهم الناجحة، وكانت نار العرب في تشرين ~~الثاني على وشك الانطفاء. # هذه هي خلاصة تلك الثورة المرتجلة، ومن رغب بالتفصيل لحوادثها، يجده في كتاب السر ~~آرنلد ولسون، # 5 # فهو من التدقيق بمكان، وعلى جانب من الإنصاف يشكر، إذا ما ذكرنا أن سياسة ~~مؤلفه هي من أسباب الثورة. وإنك لتجد المؤلف وافر الأدب، طويل الباع في العلوم ~~السياسية والتاريخية. # أجل، إن السر آرنلد لمن الأدباء العلماء، ومهما تكن آراؤه مخالفة لآرائك، ومثله ~~العليا بعيدة عن مثلك، ومهما يكن من التناقض بين ديمقراطية يجهر بها وسياسة ~~استعمارية يؤيدها، ومهما يكن من تحامله على الرجل الذي يظل محمود الذكر، # 6 # مهما تكن شواذات السر آرنلد؛ فإنه خير مثال للرجل الإنكليزي الكريم من رجال ~~الماضي، فهو يصارح دون أن يسيء، ويتفلسف دون أن يزعج، ويتهكم دون أن يتعامى عن ~~الفضل، ويروي فوق ذلك - في كتابه هذا - من أقوال الفلاسفة والمؤرخين، ومن حكم الحكماء ~~والسياسيين، ما يخفف على نفسه - في الأقل - وطأة النزعات السياسية، ويبرر في نظره ~~فلسفته الاستعمارية. # ولكنه لم يكن في العراق من الموفقين، وماذا في طاقة امرئ مثله، وقد كان في صيف 1920 ~~وحده يدير شئون البلاد، فلا المس بل بعلومها واختباراتها العربية وبصداقتها لرؤساء ~~العشائر استطاعت أن ms040 تساعده، ولا الوكلاء السياسيون المحددة أعمالهم، وقد قتل ~~الثائرون عددا منهم، وبات الآخرون في مراكزهم مهددين على الدوام بالهلاك. # لقد طلب السر آرنلد من حكومته بلندن سلطة مطلقة، فجاءه بدلها الجنرال هالدين، طلب ~~التصريح بسياسة مقررة ثابتة، فجاءته بدلها «مبادئ» ولسون الأربعة عشر، حاول أن يؤسس ~~في العراق حكومة هندية وحماية بريطانية، فجاءه من «ويتهال» # 7 # عن طريق «سملا» # 8 # البرقية تلو الأخرى؛ المقيدة، المبلبلة، المكربة: «أعلمنا ما هو الرأي العام ~~- تحقق رغبات الأهالي - انتظر إلى أن يتم السلم بيننا وبين الأتراك - انتظر إلى أن يصدر ~~صك الانتداب - كن حازما وبصيرا في مهمتك التي هي - لا شيء.» فلا عجب إذا تبرم ~~وتغيظ، ولجأ إلى كتب الأدب والتاريخ. # وهاكه في طائرة يحلق، وفي حقيبته كتاب من الكتب الخالدة، إنها لطيرة مدهشة؛ طيرة ~~هذا الجندي السياسي والعالم الأديب، وهو يحمل دررا من الحكمة وكنوزا من التعاليم ~~السامية، أولا ترى جميل التناسب بين من يحلق عاليا حقيقة ومعنى؟ قال الفيلسوف ~~إمرسون: «اقطر مركبتك بأحد النجوم.» # وقد قطرها السر آرنلد، فراحت تشق بخشمها الفضاء، وتستشم أريج الكون الأعلى. هي ~~الحقيقة، ولا أثر فيها للخيال؛ فعندما امتدت نيران الثورة إلى جنوب بلاد الأكراد، ركب ~~الطائرة إلى أربيل، وفي جيبه كتاب لبيكون هو «المقالات»، # 9 # وكانت مهمته سياسية كردية؛ أما الوسطاء فرؤساء الأكراد، وأما الهدف ~~فقلوبهم؛ أجل، يجب أن يستولي على قلوبهم، ليظلوا موالين في هذه الثورة للحكومة. وها هو ~~ذا يستعين بالفيلسوف بيكون، فيفتح الكتاب ويقرأ ما يقوله في الجسارة والإقدام، في ~~مجالس الشورى، وفي ساحات العمل. # وكان يومه يوم الاثنين، يوم الشورى ويوم العمل، فطار على جناحي الجسارة والإقدام توا ~~إلى قلوب الأغوات. جادل، وجامل، وأقنع الأغوات، وعندما كان يخامره شيء من الريب بنفوذ ~~كلماته كان يلجأ إلى كتاب آخر صغير، يحمله دائما، وقد دون فيه لبعض الوزراء ~~المشهورين كلمات حكيمة بليغة في العراق وشئونه. # من هذا الكتيب كان يتلو الآيات على مسامع أغوات الأكراد؛ هذه العبارة الساحرة هي من ~~كلمات لويد جورج، وهذه ms041 العبارة الذهبية هي من كلام تشرشل، وهذه الآية الرائعة ... وما كان ~~يغمس في الماء الورقة التي كتبت فيها الآية، ويعطي حضرة الأغا الماء ليشربه، لا، لم ~~يكن السر آرنلد من أولي الكرامات، ولكنه كان يؤكد للأغوات في أربيل أن هؤلاء ~~السياسيين العظام «يصدقون فيما يقولون، ويبرون بما يعدون.» # على أن هنالك من كانوا يعلمون بما يعلم، ويستشعرون الصبر عليه، وهل كان يا ترى يجرؤ ~~السر آرنلد ولسون أن يفتح كتيبه في حضرة الأمير فيصل؟! دع عنك هذا، وعد معي إلى الموضوع ~~الذي أوجب هذا البحث. ليس في سياسة السر آرنلد - على صواب كان فيها أو على خطأ - ولا في ~~نزاعه والسلطة العسكرية، إن بررت الحوادث موقفه أو لم تبرره؛ ليس فيها ما يهمنا ~~غير ما يتعلق بناحية من الثورة؛ فقد خدمت الثورة أغراض الأمير فيصل خصوصا، والقضية ~~العربية عموما، وكانت الأيام تعجل بساعة الحكم النهائي؛ لأن وزارة المستعمرات كانت ~~حائرة في حل لمعضلة العراق يرضيها، ويرضي الحلفاء، ويرضي كذلك العراقيين. # كان الأمير في تلك الأيام بلندن، وهو يحمل كتاب قضيته وقضية العرب، ليتلو منه الآية ~~بعد الآية على مسامع السياسيين العظام، أولئك الذين دون السر آرنلد ولسون كلماتهم ~~الساحرة في كتيبه، وهو يقاسي، في غير مواقفه السياسية العراقية، شيئا من ألم ~~النفس - من الحيرة والتردد - في إخلاصه لأصحابها، وإعجابه بهم. # وقد كان أولئك السياسيون يفكرون بملك للعراق، وبالبيت الهاشمي قبل وصول الأمير ~~فيصل إلى لندن، فيعيدون النظر من حين إلى آخر في صور أنجال الحسين. وها هي لديهم كلها: ~~علي، عبد الله، فيصل، زيد. الرجل الصالح، والرجل الجامح، والشاب الذي لا يزال في المدرسة ~~بأكسفورد، والرجل الذي خبرناه في ساحات الحرب، وفي دوائر السياسة، الرجل الأقرب بعقليته إلى ~~العقل الأوروبي وإلى القلب الإنكليزي؛ فيصل. # على أن الجهر باسمه، بعيد فاجعة دمشق، لم يكن مناسبا، خصوصا وأن الجارة عبر بحر ~~المانش تستاء، وقد تحسب الاختيار امتهانا لكرامتها العزيزة، وإنه في نظرها، لكذلك؛ فقد ~~جاء الاعتراض على فيصل من ال «كاي دورساي». ms042 وكيف لا تعترض والكرامة الفرنسية لا تزال ~~طرية العود. لننتظر قليلا إذن ريثما تسمك قشرتها، ويكثف حسها فنعمل إذ ذاك ما ~~نشاء. # وإن هي إلا برهة من الدهر، أخمدت خلالها نار الثورة في أهم نواحيها فأقيل السر ~~آرنلد ولسون من منصبه، وتعين السر برسي كوكس (في تشرين الأول سنة 1920) مندوبا ساميا في ~~العراق. وقد كانت مهمته الأولى أن يؤسس حكومة عربية طبقا للانتداب الذي وكلت ~~عصبة الأمم أمره إلى الحكومة البريطانية. وقد أدرك أرباب هذه الحكومة أن أسلوب الاستيلاء ~~القديم أصبح مستنكرا، فصار ينبغي - حتى لأشدهم تمسكا به - أن يغلفوه بشيء ~~عصري مستحب، فعقدوا النية على أن تكون للحكومة الجديدة، صورة عربية الوجه فحسب، ولا ~~يغيبن ذلك عن بالك، أيها المندوب، «البناء إنكليزي والوجه عربي، هذا كل المستطاع.» # قد كان السر برسي كوكس عالما بذلك كل العلم، ولكنه ما نسي أن جنود بريطانيا، منذ وطئت ~~أقدامهم البصرة إلى يوم دخولهم بغداد، كانوا متيقنين أنهم فتحوا العراق، لا للعراقيين ~~ولا للعرب، بل لإنكلترا وشفيعها القديس جرجس. وهل الذنب ذنبه إذا عبثت السياسة بآمالهم ~~وقضت على ذلك اليقين؟ فقد كان يومئذ عميد الحملة العسكرية في العراق، وهو اليوم عميد ~~الحكومة البريطانية، وعصبة الأمم - والرئيس ولسون! # إن مهمته هذه لأصعب جدا من تلك، ولا سيما ومسئوليته الآن عجيبة، منقطعة النظير. هي ~~مسئولية مثلثة الزوايا، وعليه أن يحشر في المثلث أمة فتية جديدة، ويضمن لها الخير ~~والسلامة. # عندما باشر السر برسي العمل، كان من أعوانه الأولين المستر فلبي - الحاج عبد الله اليوم، ~~«المستوهب» - والمس بل المستعربة، وكانت وظيفتهما ذات متن واحد كثير الحواشي؛ فمن ترجمة ~~الرسائل والبلاغات، إلى استقبال الزائرين، إلى مجاملة طلاب الوظائف، إلى مقابلة ذوي ~~النفوذ والجاه في بيوتهم، إلى ... وكل ذلك تمهيدا لتأسيس المجلس الوطني لحكومة الانتداب، أو ~~بالحري لتشييد الوجه العربي للبناء الإنكليزي. # وقد تم بعد قليل ما ابتغوه، وكان النقيب المستسن المبشر بالخير على الدوام، السيد ~~عبد الرحمن الكيلاني، الركن الأول في البناء. وهناك نقيب آخر بارز بين الأركان، ms043 هو السيد ~~طالب الكيلاني، سيستوقفنا بعد حين. # تأسس المجلس الوطني وباشر أعماله، ثم دعي السر برسي كوكس وغيره من الحكام الإنكليز ~~في البلدان العربية لحضور المؤتمر الذي عقده في القاهرة (في آذار 1921) المستر ونستون ~~تشرشل، وزير المستعمرات يومئذ، للبحث في تأسيس دائرة خاصة في وزارة المستعمرات، ~~تتوحد فيها المصالح والمسئوليات البريطانية في الشرق الأدنى، «رغبة في تخفيف عبء ~~الضرائب على المكلف البريطاني بأسرع ما يمكن.» كما جاء في التقرير الرسمي . # وما جاء شيء، صراحة أو تلميحا، في التقرير عن الأمير فيصل، الذي أم كذلك القاهرة في ~~ذلك الشتاء، وكانت أغراضه تتصل، مباشرة وضمنا، بالمكلف البريطاني المذكور. وكيف لا ~~وفي العراق حمله الأثقل. وها هو ذا الأمير، وقد تسلح بالاقتصاد، يحارب الآن بنفسه، لا ~~لنفسه والعراق فقط، بل للمستر تشرشل كذلك، فالسبيل القويم إلى تخفيض الضرائب في بلادكم، يا ~~حضرة الوزير، هو أن تؤسسوا في العراق حكومة عربية وطيدة الأركان. # وكان السر برسي كوكس موافقا، بل كان يحمل في جيبه لائحة لتخفيض خمسة عشر مليون ليرة ~~إنكليزية من ميزانية بلغت خمسة وثلاثين مليونا. ويستمر في التخفيض كل سنة عملا بما ~~يبرره تقدم الحكومة الوطنية، وخصوصا في تأليف جيش وطني يغنينا عن قوات ~~الدفاع البريطانية، ومن رأي الأمير والعميد أن على الحكومة البريطانية أن تدعم هذه ~~الحكومة العربية دعما أكيدا، دون أن يكون ظاهرا، أما شكل الدعمة ومداها فلا ~~العميد يدري، ولا الأمير. لتترك للأيام تكيفها وتقرر شأنها. فأطرق المستر تشرشل ~~هنيهة ولسان حاله يقول: في المسألة غموض مفيد. ثم فاه بكلمة الاستحسان، بيد أنه ~~ظل يقلب في فكره «البناء الإنكليزي ذا الوجه العربي». # عاد السر برسي كوكس في الشهر التالي إلى بغداد، وسافر الأمير فيصل إلى مكة يستمد ~~بركة أبيه. وقبل أن أعلن رسميا ما تقرر في مؤتمر القاهرة، كانت أسلاك البرق بين ~~العراق والحجاز تنبض بأنباء التهنئة والمسرة. # على أن الجو ما خلا من الغيوم؛ فقد اعترت الحكومة الموقتة نزعات سياسية عجيبة، ~~تمثلت في السيد طالب النقيب وزير الداخلية والمستر ms044 فلبي مستشاره، وما اتفق الاثنان إلا ~~ليقتلا الأمير، على أنهما اختلفا في الوسيلة إلى الغرض المنشود؛ فقد كان فلبي يدعو ~~للجمهورية، والسيد طالب لملكية غير هاشمية. فطاف السيد في البلاد، خلال تغيب المندوب ~~السامي، يخطب ويبشر بملك عراقي قح، وبتاج لا يصلح لغير النقيب، وهو كذلك نقيب ~~ابن نقيب، وكان الله محب النقباء. # وأين المس بل تنصح للسيد طالب وتهديه؟ إنها كانت في مؤتمر القاهرة تساعد في إنارة ذهن ~~المستر تشرشل وهديه، وعندما عادت ورفاقها إلى العراق استقبلهم روح الشغب والشقاق، وقد سادت ~~تلك الروح العشائر أكثر من سواهم، وهم موالون للسيد طالب، متشيعون له. فلا عجب إذا هدد ~~بهم الإنكليز، فقد أدب مأدبة لبعض الصحفيين منهم، وخطب خطبة أشار فيها إلى رؤساء العشائر ~~الذين كانوا حاضرين، وأنذر الحكومة البريطانية إذا كانت لا تقوم بتعهداتها التي عبر عنها ~~بكلمتين: العراق للعراقيين. # أيهددنا هذا النقيب بثورة أخرى؟ لقد طفح الكيل، وانقطع حبل الصبر حتى في صدر ~~السر برسي الرحب الهادئ، فطلب من القائد العام أن يهتم حالا في تسفير السيد طالب. ~~فصدر الأمر وأزفت الساعة، ولكن الرواية في طريقة الاعتقال روايتان، صدقت منهما غير ~~الرسمية؛ فقد جاء في تقرير المندوب السامي أنه «ألقي القبض على السيد طالب في الشارع ~~العام.» والحقيقة هي خلاف ذلك، إلا إذا حسبنا الجنينة أمام دار الانتداب شارعا ~~عاما. # وما شأن السيد بتلك الجنينة، ومن ذا الذي اصطاده هناك؟ لا تعجب إذا قلت لك إن المس بل ~~نفسها هي الصائدة؛ فقد أطلقت صقرها على طير البصرة وكانت ظافرة، وكان ذلك منها في سبيل ~~التكريم لبطل العراق؛ أجل، قد أرسلت المس بل تدعو السيد طالب للشاي في دار الانتداب، ~~فقبل السيد وكان في أثناء التكريم أسير لطف سيدتين؛ اللايدي كوكس وصاحبة الدعوة. وعندما ~~خرج من الدار استقبله عند الباب في الجنينة آسرون لا آسرات؛ آسرون مسلحون، فأدخلوه ~~السيارة، دون سلام ودون كلام، وساروا به مسرعين إلى البصرة؛ حيث كانت تنتظر الباخرة التي ~~أقلته إلى جزيرة سيلان. ~~«ألا في ms045 سبيل المجد ما أنا فاعل.» وفي سبيل الوطن؛ فقد كان السيد طالب مغوارا في وطنيته، ~~جبارا في أعماله، طيارا في آرائه وآماله، وكان شديد الإيمان، حتى في ساعات شرابه، بما ~~حواه ذلك الرأس القائم بين كتفيه كبرج من العاج. إني لأذكر اجتماعنا في جدة في خريف ~~سنة 1924، وأذكر من الأحاديث حديثا عن العراق؛ فقد قص علينا بعض وقائع أيامه تلك، ونحن ~~نشرب الوسكي والصودا، ثم وضع الكأس على المائدة، ورفع يده إلى ذلك الرأس اللامع الشريف ~~يمسحه ويربته قائلا: «إن ها هنا شيئا لا يغلب، لا يغلب.» وكان يفكر بالعودة إلى ~~العراق وإلى السياسة، كان لا يزال يحلم الأحلام الذهبية، فقال يستأنف الحديث: «الأمور ~~مرهونة بأوقاتها، وستسمعون عندما أعود ما يدهش ويسر إن شاء الله، وسأطلبك يومئذ يا ~~أستاذ وأعينك وزير المعارف.» # هي الأحلام تهدم صروحها الأيام. عاد السيد طالب إلى البصرة، فحال - وا أسفاه! - القدر ~~دون أمانيه؛ فلا كان ولا كنت أنا من الموفقين، ولكنه خصني بحلم من أحلامه، رحمه الله ~~ورحم «وزير المعارف». فإني لا أزال أسير هذا اللقب الفاتن - الفاتن صاحبه، أيها القارئ ~~العزيز - ولا يزال «صاحب المعالي» طيفا من الأطياف السابحة في سماء الخيال ... # لنعد إلى حقائق الحياة الدنيا، إلى موضوعنا، قد أشرت إلى الغيوم في سماء الأمير فيصل ~~العراقية، وأسميت غيمتين منها، بدد الدهر إحداهما. وهناك غير الواحدة الباقية؛ أي ~~غيمة الجمهورية في شخص فلبي؛ مما كان يقلق خصوصا دار الانتداب؛ فقد كان المحافظون - ~~وعلى رأسهم السيد عبد الرحمن النقيب - ملكيين، شريفيين، وبإذن الله فيصليين - لا ~~يفوتنك أن بعضهم كانوا متشيعين لأخيه الأمير عبد الله - وكان الوطنيون المتطرفون، ~~وأكثرهم من الذين أداروا من سوريا الدعاية للثورة وعادوا إلى بغداد، من دعاة الأمير ~~وأنصاره قلبا وقالبا، بقي أهل الشيعة وهم على الإجمال في حال غامضة كان يصعب ~~التكهن بها، والعشائر وهم مترددون متقلقلون، والأقليات - المسيحيون واليهود - الذين ~~كانوا يحسبون القوة المسيطرة ملجأهم الأول، وحصنهم الأدوم. # ولكن القوة المسيطرة كانت تنظر إلى الجميع في تلك الأيام نظرها ms046 إلى الأقليات، هي ~~للكل بما ستقيمه من الحق، وتضمنه من الحقوق، وتحميه من المصالح العامة - إن شاء الله - ~~وإنها لمستعينة على ذلك بالأمير فيصل، جهرت بهذا مرارا، وكانت فيما تجهر صادقة. # أجل، قد كان الإنكليز يعولون حقا على الأمير في سياستهم الجديدة، وكانوا ينتظرون منه، ~~لما علموا وتحققوا من مواهبه وسجاياه، أن يكون بنفسه الدعاية الكبرى لنفسه، والبرهان ~~الساطع على حسن اختيار البريطانيين. # وكانوا يتوقعون منه فوق ذلك أن يأتي ببعض المعجزات، هو ذا العراق وأهله، قضاتك اليوم، ~~وشعبك غدا، فيجب عليك أن تسحر الشيعيين، وتفتن السنيين، وتقنع النصارى، وترضي اليهود، ~~وتبعث خوف الله في قلوب العشائر. يجب عليك، وأنت الساحر، أن تستولي على العقول والقلوب في ~~الشيوخ والشباب، في المحافظين والمتطرفين، في المعممين والمتطربشين. عليك أن تفتنهم، ~~تسحرهم جميعا، وتسحر معهم ذلك الخليط الأثري من الشعوب؛ أي الأقليات المسيحية واليزيدية ~~والبهائية والصابئة واليهودية. # فإذا كان ذلك كله في استطاعة الأمير، رضيت الأمة عنه (والتاج لا يزال رهن رضاها) وهانت ~~مهمة الانتداب. على أن للمسألة وجهة أخرى؛ فإذا جاء بالمعجزات، أفلا يطمع بعد ذلك ~~بالحكم المطلق؟ أفلا يصبح في الأقل فوق طاقتهم، هو ذا المشكل الأكبر الذي وجب حله على السر ~~برسي والمس بل وأعوانهما، وما رأوا له غير حل واحد؛ هو في حفظ التوازن بين الفريقين، ~~وفي مسلك الاعتدال لكليهما. فيجب على الأمير أن يذكر على الدوام أن لولا الإنكليز لما ~~كان في العراق، ولا يغيب عن بال الإنكليز أن مصاعبه هي مصاعبهم، فيجب عليهم أن يساعدوه ~~في مقاومتها وفي التغلب عليها. # علينا إذن أن نحمل الميزان من أجل البلاد - أية بلاد؟! - وأن نحافظ على التعادل بين ~~كفتيه، علينا نحن المسيطرين ألا نقيد أنصار الأمير المتطرفين كل التقييد، وأن نساعد ~~المحافظين ليزدادوا قوة ونشاطا، ولا يتم لنا ذلك بغير الكياسة والمرونة، فنرعى ذمام ~~أهل الوجاهة في البلاد، ونعالج العداوات بالتي هي أحسن. # إني أعطيك بكلمة أوضح فكرة المسيطرين: ينبغي ألا يكون الملك بطلا، وألا يكون ~~خيالا، ليس دور الساحر ms047 دور فيصل إذن، بل هو دور المندوب السامي، وإنك لتدرك شيئا ~~من أسلوبه السحري في موقفه الأول، فهاك إلى يمينه المس بل، وهي تمدح في رسائلها إلى ~~أمها «وطنيينا الأعزاء»، وإلى يساره المستر فلبي، وهو يرسل كلماته في الجمهورية ~~ولها، فتصل حتى إلى العشائر على الفرات، أضف إلى ذلك المساعي الرسمية، وغير الرسمية، ~~التي كانت تبذل لتأليف حزب شريفي من شتى العناصر السياسية والدينية. # وما كان المتطرفون قابعين في المقاهي يدخنون الأراكيل، بل كانوا في أعمالهم أشد ~~تيقظا وأكثر نشاطا من الأحزاب الأخرى. وقد سافر وفد منهم إلى البصرة ليرحب بالأمير، ~~ويعلمه بدقائق الأمور وخفاياها، نعم، أذنت المفوضية بالسفر، ولكنها ضنت ~~بالأخبار، وما كان في البصرة أحد من الموظفين عالما بموعد وصول الأمير، ولا فرق إن ~~جهلوا أو تجاهلوا؛ فعندما وصل الوفد إلى المرفأ كانت الباخرة راسفة بحبال من مسد ~~مشدودة إلى أوتاد من حديد، وكان الأمير قد أصبح بعيدا، وهو أسير المرحبين به من ~~أصدقائه «العاقلين» الإنكليز والعراقيين. # أما في بغداد فالفيصليون أعدوا مظاهرة كبرى للترحيب، وراحت الحكومة الموقتة، ~~يحف بها الأنصار، ترحب بالأمير في المحطة، ولكن أولي الأمر ها هنا كذلك جهلوا أو تجاهلوا ~~موعد وصول القطار، وكان بين الجموع المنتظرة عدد وافر من الإنكليز رجالا ونساء، فشكوا ~~مثل الأهالي التأخير، وتأففوا من الظهيرة في تموز. وبينا الجموع في هذه الحال، يشكون ~~الحر والانتظار، جاءت برقية تقول إن القطار متأخر ساعتين، فارتأى المندوب ~~السامي - رحمة بالعباد - أن يتأخر سبع ساعات بدل الساعتين، وكان كذلك، فوصل القطار ~~ليلا، وكان الاستقبال رسميا، باردا. # تحدث أحد الإنكليز - رفيق الأمير في رحلته هذه - إلى المس بل، فأخبرها بما كان من فتور ~~الترحيب الأهلي، وقد كان الأمير متيقنا أن السلطة المحلية في الطريق تستطيع - إذا ~~شاءت - أن تجمع الناس، وأن تحول دون اجتماعهم، بيد أنه أخبر وهو في القطار أن السر ~~برسي كوكس متردد في ولائه، ومتخذ موقف الحياد، وأن المستر فلبي يبشر بالجمهورية ~~ويدعو لها، وأن المس بل وحدها هي قلبا وقالبا ms048 من أنصاره. لله در تلك الإنكليزية الكريمة ~~الباسلة؛ فقد طالما سمع الأمير عجيب أخبارها، وعلم شيئا من ولائها وإخلاصها له وللعرب، ~~فعندما وصل القطار إلى المحطة في مساء ذاك اليوم، تقدم إليها مصافحا شاكرا. ومنذ تلك ~~الساعة إلى آخر يوم من حياتها العجيبة في بغداد ظل يحترمها، ويعدها من أخلص أصدقائه ~~الإنكليز، ومن أكثرهم فضلا. # ولكنها وهي تخدم «سيدي فيصل» بكل قواها - فيما يتفق طبعا وسياسة حكومتها - كانت ~~تعجب كل الإعجاب بالسر برسي كوكس، وتجهر دائما بأنه رئيسها الأول. وها هي تساعد ~~الآن، عملا بمشيئته، لإطفاء شعلة الحماسة في صدور المتطرفين الذين شاءوا أن ينادى ~~بالأمير ملكا حين وصوله؛ ذلك لأن ساحر المفوضية الذي وصفه أحد رؤساء العشائر في قوله ~~إنه «رجل ذو أربعين أذنا ولسان واحد.» - وما أبطأ ذلك اللسان وأحذره! - لا يريد أن تكون ~~الكلمة الأولى في الأمر للمتطرفين، وقد ردهم ردا حسنا في قوله أن ينبغي أن يكون العمل ~~شرعيا، وذلك لا يتم في يوم واحد. # وكان العمل شرعيا، فقد قرر مجلس الوزراء، في 11 تموز، أن يكون الأمير فيصل بن الحسين ~~ملكا على العراق، وأن يكون الحكم دستوريا نيابيا ديمقراطيا. فأشار المندوب أن يثبت ~~القرار بالمبايعة أو ما نسميه اليوم بالاستفتاء، ثم شرعت الحكومة تعد العدة لهذا ~~الاستفتاء، الذي تولى إدارته وأشرف عليه في أكثر النواحي الوكلاء السياسيون. وقد وضع ~~المبايعون في بعض المدن، منها البصرة والرمادي، شرطا فرضته دار الانتداب رأسا؛ لأن مجلس ~~الوزراء رفض أن يثبته في القرار؛ أما هذا الشرط فهو أن يقبل فيصل بمشورة الإنكليز. # قلت إن دار الانتداب فرضت هذا الشرط فرضا، فقبل في بعض المدن، وما كان ذلك منها إلا ~~لأن السر برسي رأى الاستئثار في العمل خيرا من النزاع بينه وبين المجلس، ولكن هذا ~~الأسلوب في تنفيذ الأمور لا يبشر لسوء الحظ بحسن المصير. إننا نسلم بالمستطاع من ~~حقكم، ونتمسك بالباقي الذي هو حقنا، فننفذه بالأمر وإن تعددت أساليب التنفيذ. هو ذا ~~موطن الضعف في سياسة السر برسي كوكس، ms049 وقد طالما زاد هذا الاستئثار - المقنع تارة، المكشوف ~~طورا - في سوء التفاهم وسوء الظن، وبما كان ينشأ عنهما من النزاع والعداء بين ~~الحكومة العراقية ودار الانتداب. إن الجرح يبرأ من الأسفل فصاعدا، وإذا سارع الطبيب في ~~لأمه قبل الأوان، استحال قرحة مزمنة. # ولكن السر برسي كوكس كان يؤثر الفصل في الأمر ولو مساومة على العلاج الطويل البطيء، ~~فيقطع العقدة في بعض الأحايين ويمشي دون أن يقف أو يتلفت ليرى ما عسى أن تكون نتيجة ~~عمله، وهو كذلك في هذه المهمة الملكية، فقلما كان يدرك وهو يقيم ملكا ويوازن القوات ~~السياسية حول عرشه، أو قلما كان يهمه ما قد يتبع القطع السريع أو اللأم من التقرح، بل من ~~الانفجار. # على أنه في بداءة أمره استبشر بالأمير فيصل، الذي كان في أحاديثه، وخطبه ذلك الأمير ~~المنتظر؛ فقد حقق آمال الإنكليز والعراقيين. # وقد حذا خصوصا في خطبه حذو جده الرسول، فجعل كلامه على قدر عقول الناس؛ فجاء ~~عفو القريحة، خلوا من التعمل والتفوق، سهلا واضحا، صريحا فصيحا، وكان فوق ذلك يخص كل ~~فريق من الناس وكل وفد من الوفود، بكلمة توحيها إليه تقاليدهم ونزعاتهم السياسية ~~والدينية، فيتمثل لهم فيها معاني الثقة والكرامة والفلاح. # كأني الآن أسمعه يناشد الشيعة بوحدة الإسلام والإخاء الإسلامي: «أولا نؤمن نحن ~~وإياكم بالله وبالرسول، ونكبر آل البيت؟! أوليس السادة والأشراف جميعا من سلالة ~~واحدة؟!» وأسمعه يتلو على أهل السنة من صفحات العباسيين الذهبية آيات المجد والنور، ~~فيذكرهم بالرشيد وبالمأمون، وبما كان في عهدهما المجيد من فضل العرب على الأوروبيين، ثم ~~يحثهم على النهوض والتعاضد لتجديد ذلك المجد والزيادة فيه. وكان يصرح ويؤكد للأقليات ~~أنه مقيم على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين الرعية، على اختلاف المذاهب ~~الدينية، فيعيد ما قاله مرارا: «كنا عربا قبل موسى وعيسى ومحمد.» # وكان يحدث المعتدلين في ثقة المرء بنفسه، وفي الشجاعة والإقدام، وفي الحماسة التي تضرم ~~في نهضات الشعوب نار الإيمان، وتكللها بالنصر والفلاح. وكان يحذر المتطرفين من المزالق ~~والأخاديد الظاهرة والخفية، ومن شر ms050 الردات التي تنجم غالبا عن استعجال الأمور، وعن ~~الفوز الذي يجيء ناقصا قبل أوانه. وكان يختم كل حديث وكل خطبة بهذه الكلمات: «إني ~~أطمئنكم وأؤكد لكم أن مساعدة الإنكليز للعراق هي كمساعدة الصديق للصديق، وإننا نقبل ~~هذه المساعدة كأمة حرة من أمة حرة، دون أن نفادي بشيء من المصلحة أو من ~~الكرامة.» # ومع ذلك كله فقد تخلل أصوات الاستحسان وهتاف الإعجاب، غنات من الريبة، وخنات من ~~التردد، وقد كان في استطاعة الإنكليز، بعد أن ظهر الأمير في أصدق مظاهر التناسب والتضامن ~~التي كانوا يحبذونها وينشدونها، بل بعد أن برهن بنفسه على أنه عونهم الأكبر في نجاح ~~المهمة، وفي تحقيق الاستقرار، كان في استطاعتهم - أقول - أن يغنوه عن استماع شيء بنفسه ~~من تلك الغنات والخنات بين أصوات الإعجاب والثناء. # وما كانوا في هذه الفعلة صريحين كل الصراحة، فقد سمع الأمير أن بعض القبائل مترددة في ~~ولائها، بل معادية له، فأرادوا أن يتحقق الأمر بنفسه في زيارة دبروها، ولكنهم جهروا ~~بشيء وكتموا أشياء. # زار الأمير عشائر العمارات والدليم في مضاربهم، وكان في معيته بعض أولئك الإنكليز ~~أصحابه، وفي مقدمتهم جرترود بل، التي وصفت في إحدى رسائلها ما شاهدت يومئذ ~~وسمعت. # وإني فيما أقص عليك الآن معول على روايتها؛ لأنها صادقة بتفاصيلها - كما علمت ~~بعدئذ من الملك فيصل نفسه - بعد أن وصفت المشهد الرائع ببداوته، وباجتماع قبيلتين من أكبر ~~قبائل العراق، قالت: «وقف الأمير يخطب فيهم بتلك اللهجة الفخمة لهجة الصحراء، وبذلك ~~الصوت الجهوري صوت البدو، فاستحثهم على الاتحاد والتضامن، وذكرهم بما عليهم من ~~الواجبات في رعي العهود والمحافظة على الأمن في البادية، ثم قال: ومن هذا اليوم وهذه ~~الساعة - وقف ها هنا ليسأل تاريخ ذاك اليوم فأجابه أحد الحضور، فأعاد كلامه مؤرخا - إني ~~ولي أمركم ومسئول عنكم، فمن تجاوز حدوده فحسابه عندي. سأقضي بينكم بالعدل في مجالس ~~يحضرها شيوخكم، وهذا حقي عليكم أنا ولي أمركم.» # فسأله شيخ طاعن بالسن: «وحقوقنا؟ أليس لنا حقوق؟!» ~~- «بلى، لكم حقوق، وسأقوم بواجبي في المحافظة عليها.» # وعندما ms051 فرغ من خطابه تقدم الشيخ فهد الهذال أمير العمارات، والشيخ علي سليمان أمير ~~الدليم، فوقفا أمام فيصل وقالا: «إننا نبايعك؛ لأن الإنكليز قابلون بك.» # هذا ما أراد الإنكليز أن يسمع الأمير، لولانا ما بايعوك، هذه هي الطعنة التي دبرت ~~من أجلها، بعلم المس بل، تلك الزيارة، فتلقاها الأمير بصدر رحب، هادئ البال، ~~وأدار بوجهه إلى الصديقة الفاضلة وهو يبتسم ابتسامة دقيقة المغزى، ثم قال: «إن ~~علاقتي مع الإنكليز معروفة ولا أحد يشك فيها، وموقفي العربي هو كذلك معروف، إنما يجب ~~علينا أن نصلح شئوننا نحن العرب، ويجب علينا وحدنا أن نحسم كل ما بيننا من ~~خلاف.» # ثم قالت المس بل: «وعندما نظر الأمير إلي النظرة الثانية، رفعت يدي مضمومتين، ~~الواحدة على الأخرى، رمز الاتحاد بين العرب والحكومة البريطانية، إنه لمشهد رائع؛ ~~مشهد اثنين من كبار رجالات العرب لعبا دورا خطيرا في تاريخ عهدهما # 10 # وفيصل بينهما، أشرف مثال حي لشعبه # 11 # ونحن الإنكليز حلقة الوصل!» # سألت الملك فيصل رأيه في الحادث، وأطلعته على ما جاء في رسالة المس بل التي لم يكن ~~عالما بها، فقال: «أحسنت المس بل فيما كتبت، وأساءت فيما فعلت، رحمها الله.» وما زاد ~~كلمة على هذا. # وسألت أديبا من أدباء إنكلترا بعد أن قصصت الخبر عليه، فقال: «لا عجب، إن ابتهاجها ~~بكوننا نحن الإنكليز حلقة الوصل بين الملك والقبائل أنساها كل شيء آخر، ولا أظنها فكرت ~~في تلك الساعة بالأمير فيصل كرجل يكرم أو يهان، بل كرمز لمجد الإنكليز لا ~~غير.» # رحم الله المس بل؛ فقد كانت - على ما تزاحم في حياتها من الأضداد - أول العاملين في ~~سبيل فيصل، المخلصين له في تلك الأيام، ولا أظن أن أحدا في دار الانتداب كان أشد ~~منها سرورا بنجاح الاستفتاء ذلك النجاح الباهر؛ فقد حاز الأمير ستة وتسعين صوتا من ~~كل مائة من أصوات الأمة. # وجاء يوم التتويج، وصدق المثل العربي في المستر تشرشل الذي له في كل عرس قرص؛ فقد استمر ~~يقلب في فكره «البناء الإنكليزي ذا الوجه ms052 العربي» وهو حائر في أمره؛ فيقرر في الصباح ~~صحته كاملا، وفي الأصيل صحة نصفه، وفي المساء فساده كله، وفقا لمهب الرياح حول الدولاب ~~السياسي في لندن وجنيف، ولكنه أرسل في الساعة الأخيرة برقية مصعقة - هي الصاعقة بعينها - ~~ولا يعلم غير الله ما كانت تحدث في الحفلة، بل في العراق، لو لم تسقط بموضع غير موصل في ~~دار الانتداب. # قال المستر تشرشل في برقيته: «من الواجب على فيصل أن يعترف في خطبة التتويج أن السلطة ~~العليا في البلاد هي دار الانتداب البريطاني.» # أقيمت الحفلة في باحة السراي (في 23 آب 1921) وكان فيصل في خطبته عراقيا وطنيا، ~~وعربيا قحا؛ فما فاه بكلمة تشير، حتى إشارة، إلى «السلطة العليا» أو إلى ~~الانتداب، إنما حصر كلامه بالمعاهدة التي ستعقد بين العراق وبريطانيا، وتعهد بأن ~~يرعاها، فيدخلها في صلب الدستور الذي سيسنه المجلس. # فهتف الناس: «عاش الملك فيصل ملك العراق.» # وهمس إبليس في أذن الزمان: «عاش المستر تشرشل.» # لقد انتهت الحرب، وما انتهى القتال. # | الجو المكفهر # في صباح اليوم الأول من زيارتي الأولى لبغداد، ساعة خرجت من القطار، عراني شيء من ~~الريب بحسن نية الشمس المشرقة؛ فقد كانت تبسم بسمة صفراء، وتبص بصيصا من خلال ~~الغيوم البيض، فتتوارى أشعتها النحيلة هنا وهناك، بين النخيل وعند الأسوار، كأنها حقا ~~بصاصة تتجسس لمندوب الكون الأعلى. # وما كنت الوحيد يومئذ فيما أحسست به وتشاءمت، إلا أني رأيت ما لا يراه أبناء ~~المدينة؛ شمسا تخادع الأفق العابس، وهم قلما يتوقعون من هذه الشمس التي تنير ~~العالم أن تنير كذلك قلوب الناس؛ لذلك رأيتهم جميعا - العرب والإنكليز، من ساسة المقاهي ~~إلى الملك، ومن الجنود السائقين السيارات المصفحة إلى المندوب السامي - في حال من الجزع ~~والقنوط انخلعت لها القلوب كما نقول، أو بردت منها الأرجل، كما يقول الإنكليز. # وكان ذلك في مطلع السنة الثانية بعد التتويج؛ فقد ولت السنة الأولى بأشهرها الاثني ~~عشر، وما تم شيء. ما بوشر شيء في الملك الجديد حتى من مقدمات الأعمال، بل كانت الأمور ~~استطرادا للعهد ms053 السابق للتتويج، تنبئ بالتفكك، وتنذر بالفوضى. وليس في مراكز ~~السيادة والحكم - لا في البلاط ولا في دار الانتداب ولا في السراي - من يحسن معالجتها؛ ~~فقد كانوا جميعا يشعرون بجمود الدم في الأطراف، إن الأرجل الباردة لفي كل مكان. # بيد أن المدينة بغداد ملكت على ذلك نفسها، مثل سائر العواصم في الأزمات، وظلت لها ~~جرأة الاستمتاع بشيء من اللهو والسرور، فما خفت في المقاهي صوت الأراكيل، ولا خف ~~ازدحام الناس في أبواب دور السينما، وظلت ألعاب ال «بريدج» وال «بوكر» قائمة في ~~المنتديات، وكانت أنوار المآدب تتألق زهوا وترحابا حسب العادة في الفنادق، كما في بيوت ~~القناصل وكبار الموظفين، بل كان بعض أصحاب المناصب العالية يولمون الولائم، ويقيمون ~~الحفلات، متعمدين فيها مكافحة روح الغم والقنوط؛ تلك الروح التي سادت خصوصا دوائر ~~السياسة على ضفتي دجلة، وكادت تشل الأيدي العاملة فيها والعقول. ~~••• # كان الملك فيصل أول القائمين بهذه الحملة التأديبية، حملة المآدب، على جيوش القنوط ~~والجزع، فأقام مأدبة لعدد كبير من رجال الحكومة ودار الانتداب، وغيرهم من رجال المدينة، ~~وشاء أن أكون من المدعوين. # وكان بين الوطنيين - وهم في الأثواب الفرنجية الرسمية - رجل واحد عصى الأمر المطبوع ~~على رقعة الدعوة، فجاء في ثوب فرنجي عادي، وهو فوق ذلك رمادي بريء من لمس المكواة، ~~ومع ذلك فما نظر أحد منهم إليه نظرة احتقار أو استعجاب، بل وقفوا حوله يستمعون إليه وهو ~~يحدث عن غزوات الغرب لهذه البلاد العربية. # رحم الله مجيد الشاوي؛ # 1 # ذلك العربي الحر الجريء الجامع بين محاسن البدو والحضر، ذلك الفيلسوف الذي نثر ~~الحكم وما كتبها، كان له رأس كرأس سقراط شكلا ومعنى، ولسان كلسان صموئيل جونسون - سقراط ~~الإنكليز - بفصاحته ولواذعه. # سمعت مجيدا تلك الليلة يقول: «وهذا الاستبداد الحديث العهد، استبداد «الموضة»، أتانا ~~كذلك من الغرب، أما نحن العرب فلا نضيع وقتنا ومالنا في سبيل «الموضة»؛ فقد كان ولا ~~يزال خلاصنا في بسيط عاداتنا، وسذاجة طباعنا. أنتم تبدءون حيث يمكنكم أن تنتهوا - أقول ~~يمكنكم، ولا أقول يجب أو يجوز أن ms054 تنتهوا - بهذه الرسميات، هذه الترهات.» # فقال السيد رستم حيدر: «ولكنك أنت كذلك خاضع لسلطة «الموضة» في ثوبك الفرنجي هذا، وقابل ~~باستبدادها.» # فأجاب على الفور: «وأنا أيضا حمار!» # فضحك الجميع ضحكة المقتنع المستهتر، وكانت منهم تلك الليلة الضحكة الأولى ~~والأخيرة. # مشينا إلى ردهة الاستقبال؛ حيث كان الملك فيصل واقفا يرحب بضيوفه وهو في الخوذة ~~والثوب العسكري، وقد استوقف نظري صليب على صدره معلق بسلسلة ذهبية؛ هو وسام الملكة ~~فكتوريا، وكان إلى جانب الملك أخوه الأمير زيد في ثوب ملازم أول وعلى صدره وسام ~~النهضة. # وهو ذا المندوب السامي السر برسي كوكس، بطوله ونحوله وتمهله، يلبس ثوبا أبيض ~~وقبعة بحرية، وقد توشح بوشاح القديسين ميخائيل وجرجس عليهما السلام. ولكن ألوان ~~الوشاح، وتحتها الأبيض، بدت باهرة لاذعة، ما سوى ذلك فكل ما في السر برسي كوكس الظاهر ~~للعيان هادئ ساكن مطمئن. # وكذلك قل في القائد العام، مع أنه كان يحمل حملين، الواحد على صدره من الأوسمة ~~المتألقة حجارتها، والآخر على عاتقه مما ترمز إليه الأوسمة من العز ~~والعظمة. # رأيت القائد العام يحدث السيد جعفر العسكري، فما أعجبتني صورة الاثنين معا؛ كان ~~الإنكليزي الطويل القامة ينظر من علاه وهو يحني رأسه ومنكبيه، ليكلم العربي القصير ~~السمين، الحامل كذلك بضعة أوسمة، ولكنه لا يحمل حملها الأثقل، ذلك الحمل الرمزي ~~المخيف. # وهو ذا السيد ياسين الهاشمي، ياسين الصامت، بثوبه الرسمي وأوسمته، وهو صنو جعفر فيما ~~ذكرت. مساكين هؤلاء العرب؛ فهم لا يعرفون قيمة الأوسمة، فيحملونها على صدورهم خجلين، ~~كأنها نقود مزيفة. # أما السيدات الإنكليزيات فقد كن في أثوابهن باهرات، وما كان بينهن غير واحدة جميلة، ~~وواحدة تستلفت الأنظار وتستوقفها، دون شيء يبهر في ثوبها أو طلعتها، كانت تؤثر البساطة في ~~الملابس، والانزواء في الحفلات، ولكنها فيما وجب مشت تتقدم أترابها، لا تصح اللفظة؛ ~~لأن فيهن من هن أصغر منها سنا، وهل يصح أن نقول مشت تتقدم رفيقاتها، ومهنتها فريدة، لا ~~تحسنها غيرها من جميع النساء، وقلما يباريها فيها الرجال؟ فمن هي؟ هي جرترود بل، مشت في ms055 ~~تلك الساعة تتقدم السيدات الإنكليزيات لتسلم على الملك فيصل، فجثت أمامه وجثون ~~بعدها كما يفعلن إذا ما مثلن بين يدي مليكهن في قصره. وكانت الجميلة منهن ترفل بثوب ~~من الحرير الأخضر المزركش بشيء فضي اللون ... خير لي وللقارئ أن أقف ها هنا، وما شأني ~~والفساتين، وأنا لا أعرف الفرق بين ال «تفتا» وال «كريب دي شين»؟! # إن أهم ما يسترعي النظر في هذا الجمع الباهر المتألق هو أن الإنكليز والعراقيين، ~~الضيوف الأربعين، تخالطوا وتلاطفوا بسهولة عجيبة، لا اجتهاد فيها ولا تصنع، لا تنازل ~~من قبل الإنكليز، ولا تزلف من قبل العرب. هي الحقيقة البليغة التي استوقفتني تلك ~~الليلة وأدهشتني، ولا سيما وقد تجلت فيها العقلية الجديدة التي بدأت تسود رجالات الشرق ~~والغرب، فلا تفاضل ها هنا، ولا شيء فيه تصاغر أو تكابر، ولا يخفى عليك أن قاعدة الإنكليز ~~في الماضي هي ألا يخالطوا أبناء البلاد التي يحكمونها، ولا يخفى عليك أن العرب أنفسهم ~~لا يزالون في حاجة إلى شيء كثير من القوى المعنوية، فضلا عن السياسية، ليطمئنوا إلى ~~كرامتهم الشخصية والقومية، ومع ذلك فقد ظهروا تلك الليلة في مظهر حسن من الاطمئنان ~~والكرامة. # وكان الملك فيصل الذي جمع حوله الشرق والغرب متجاملين متلائمين، المثل الأعلى لمحاسن ~~الطرفين، على أنه كان ممسكا في كلماته وإشاراته، وما استطاع أن يخفي ما بدا على جبينه ~~من أثر الجو المكفهر. أما أنه ملك ديمقراطي، ومن أصدق ملوك هذا الزمان في روحه ~~الديمقراطية، فمما لا ريب به. وما أجملها ديمقراطية يزينها جلال طبيعي موروث، ويكللها ~~النبل المتسلسل من سدة عالية طاهرة! وما كان فيصل يظهر أنه مدرك ذلك، ولا كان يحب أن ~~يدركه الناس. وعندي أن قليلا من هذا الإدراك في الطرفين لا يضر، بل هو يمكن الثقة ~~بالنفس، فلا يقلق الملك، ويمد بالعزة والأمل، فلا ييئس الناس. # أما في تلك الليلة فقد كان الملك كالباني الذي باشر البناء، وهو غير متيقن أن ~~الأساس صالح متين، فقرأنا في طلعته الناعمة سطرين خطهما الغم والاضطراب. وقد ms056 كان ~~عالما كل العلم بمجاري السياسة الظاهرة والخفية، إن كان على ضفة دجلة الغربية ~~(الإنكليزية) أو على الضفة الشرقية (العراقية)، # 2 # فلا عجب إذا سرت منه تموجات نفذت إلى قلوب الضيوف فبدا تأثيرها في وجوههم، ~~وكأنهم جميعا عالمون بما لا يجوز أن يظهر، بما لا يجوز أن يذكر، بما لا يجوز أن يفكر ~~أحد به، فكانت الكآبة الملكة تلك الليلة، وكان الملك أول من خضع ~~لسلطانها. # يقال إن المآدب الملكية هي دائما قاتمة جاهمة، يحف بها السكوت، ويسودها ~~التحفظ، ولكني أؤكد لك أن المآدب الملكية العربية ليست كذلك. ومع أن هناك ~~تقليدا يستوجب السكوت لدى الخوان، فالعرب لا يفرضونه على الضيف ولا يتقيدون به، بل تراهم ~~على عكس ذلك محدثين، مشجعين على الحديث، وهم فوق هذا يحبون النكتة ويحسنونها، بل ~~يحسبون المزاح ملح الطعام، والضحك خير المقبلات. # والملك فيصل - وهو من صميم العرب - كان في الساعة الصافية مثل والده الحسين عذب ~~الحديث، مفكها، محبا للفكاهة، مقدرا لمن يجيدها. أما في مثل هذه الحال، وهذا الجو ~~المكفهر، فصوت أفصح المحدثين يخفت، وروح الزهو والمرح تجمد، حتى في أمثال ~~أبي نواس. # وما كانت المائدة لتنعم بما حرمته ردهة الاستقبال، نقلنا، ونقل الجو معنا، فجلست ~~إلى يمين الملك فيصل اللادي كوكس، وإلى يساره القائد العام، وما كان الملك يحسن الإنكليزية ~~في تلك الأيام لينجو بنفسه من عربية السيدة المكسرة، وفرنسية الجنرال المتعثرة، على ~~أن المس بل، التي كانت جالسة أمامه إلى يسار الأمير زيد، حاولت أن تخفف من مصيبته ~~فيما كانت تتبرع به، بلسانها العربي العراقي، من قصة أو حديث، ولكنها ما أفلحت فيما ~~حاولت. # وكان السر برسي كوكس يراقبها، فساءه أن عييت فانبرى لنجدتها، وجاء بما كان يضحك ~~حقا في غير تلك الساعة العاصية. سأل السر برسي، وهو يرفع بناظريه إلى السقف، سؤالا في ~~علم الحيوان، ما هو اسم ال # badger # 3 # باللغة العربية؟ فجاب السؤال المائدة من شرقها إلى غربها، وما كان موفقا، ~~ثم عاد إلى صاحبه يعزي جهله بالجهل العام. ms057 # وفي تلك الدقيقة فرغ صبر الملك فيصل فتثاءب، نعم، تثاءب مرتين، فقلت في نفسي ما أحوج ~~الملوك إلى الندماء أمثال أبي نواس! # وما أحوجنا إليهم نحن الضيوف كذلك؛ فقد كان حالنا يزيد ولا ريب بغم الملك، وما كان هذا ~~الملك - وهو سيد بغداد الأكبر - يملك خاتما من خواتم السحر التي كانت تصنع ها هنا عهد ~~الجن، فيفركه ويأمر عبده بأن يحضر أبا نواس في الحال، ولكنه أمر بتلك التي كانت لأبي ~~نواس المعشوقة الأولى، نعم، أمر بالخمرة إكراما للإنكليز، وغض الطرف عمن استسلموا ~~إليها من العراقيين. # وما كانت حتى الخمرة مفلحة، فلا البيضاء منها ولا الذهبية، لا الهادئة في سحرها ولا ~~المترقرقة، استطاعت أن تحل العقال، أو تزيل شيئا من سوء الحال، فقد ظل الحديث ~~باردا جامدا يسير بحذر وبطء كمن يمشي في نومه، وكل يود أن يرسل فيه شيئا من حرارة ~~الحياة، فيحاول ثم يحاول، ثم يسكت. # وهاك القائد العام، وقد ولى وجهه عن الملك، يحدث جارته الجميلة في موضوع إحدى الروايات ~~التي ظهرت أخيرا في لندن، وقد انجذب جعفر العسكري إلى الحديث، فتركني أنا الجالس أمامه، ~~تركني وحدي لأحل مشكل السيدة الحزينة إلى يساري. # وما مشكلها؟ إن حضرة الفاضلة النجيبة لفي شوق محرق إلى البيانو، وكيف تستطيع ~~محبة الموسيقى أن تعيش - خصوصا في بغداد - بدون بيانو؟! إنها تشتهي بيانو من الطراز ~~الأول، ولا تجد في هذه المدينة المفتقرة إلى الموسيقى بيانو واحدا للبيع أو للأجرة، حتى ~~من الطراز العاشر. قلت: «ولم لا تطلبينه من لندن؟» # فأجابت: «لأن أجرة الشحن تبلغ ضعفي ثمنه.» وراتب زوجها المستشار لا يمكن من ~~ذلك، إنه حقا لأمر محزن. فيم الإقامة بالزوراء ولا بيانو فيها، ولا صدى صوت ~~للموسيقى؟! # ليت شعري بحديث المآدب الملكية ماذا يكون، لولا الطقس والرواية الأخيرة والبيانو؟ ~~لولاها لتم فينا التقليد العربي، فنتجرع، بين الغصة والغصة، كئوسا مترعة من ~~الصمت المهيب. ~~••• # كنت مقيما تلك الأيام في محلة الشيخ، في جوار مولانا عبد القادر الكيلاني - قدس ~~الله سره - وعلمت تلك الليلة، ms058 بعد رجوعي من المأدبة الملكية، أن المنزل قريب من مقام ~~قدسي آخر للولي عيدروس الذي تعرفت به يوم كنت في عدن، فشاء الله أن أقيم في ~~ظله كذلك في بغداد. # إنها لنعمة سابغة هذه التي تلحفك، وأنت نائم بين وليين كريمين، فأسلمت إليهما الروح ~~المؤمنة حتى بحسن نيات من يؤدبون المآدب، فأعيدت إلي صباحا وهي لا ترى في هذا الوجود ~~كله غير الفجر، الفجر الفضي، الدري الذهبي، وكأنها رأته لأول مرة في حياتها الدنيا، فهتفت ~~مهللة متغزلة. # ليت الحياة كلها فجر، وليت غيومها كلها بيضاء مطرزة بخيوط ذهبية، مثل هذه الغيوم ~~الصغيرة الوديعة، فوق قباب الجامع الكيلاني، وهي تبدو حينا كقطيع من الغنم يلكأ في ~~كنف الشمس متدفئا، وحينا كأمواج البحر المتكسرة على الشاطئ الضاحك بين الصخور ~~القاتمة. وما هي إلا لحظة فيستحيل القطيع مرجا زهت ألوانه، والأمواج بحرا ساجيا طفا ~~دره ومرجانه، وهاك الشمس بجيشها غازية فاتحة، تهدم صروح الخيال، وترفع فوق معاقل ~~الآمال أعلام النهار الجديد، وقد باركها الوليان، عبد القادر وعيدروس، فما خوفك وما همك ~~بعد هذا؟ # إن خوفي وهمي لفي ما جاءني ذاك الصباح، دعوة لمأدبة أخرى، ولكنها هذه المرة في ~~النادي العراقي. # وكان النادي أو مكاننا منه متألقا زاهرا، كأنه شق من فجر ذاك النهار؛ فقد مدت ~~المائدة عند حاشية بستان من الورود والرياحين، تحت مظلات النخيل، في باحة على ضفة دجلة، ~~أنيرت بالكهرباء وازدانت بالمصابيح الملونة. # وكان المضيف الكريم، الخفيف الروح في عرضه وقصره، رءوف الجادرجي، يرحب بالضيوف ~~مبتسما ابتسامة هي ضياء الحب بعينه، وقد سلم الآخرون علينا سلاما بابتسام، بأعذب ~~كلام، وبعد ذلك - بعد السلام والابتسام والكلام - وإلى أن وقفنا للوداع، خيم الجو ~~المشئوم، وساد روح الهموم. # وأين روح البستان مطاردة مبددة، وأين للمشهد الجميل يد تعين؟ هذه وردة لقلبك أيها ~~الفاضل، ولكن القلب ما رأى أغصان الورد المنورة، هذه نسمة من هواء المساء العليل، هواء ~~دجلة، تنعش جناح روحك، يا صاحب المعالي، ولكن دجلة لم يكن باديا، فقد كان بيننا وبين ~~البستان ms059 حجاب أسود كثيف، وقد كان بيننا وبين دجلة جدار قاتم من الهواجس والقلق. # إني لأذكر أولئك الأفاضل جميعا، وأكثرهم اليوم في حال تضحكهم، إذا ما عادت الذكرى، ~~من تلك الأحوال، فمضيفنا الجادرجي الذي كان يومئذ متشرعا بلا شراع، تتقاذفه رياح ~~السياسة وتتجاذبه رياح القانون، هو اليوم ذو مركبة مقطورة إلى كوكب من النور والذهب؛ أي ~~شركة النفط العراقية. # وهذا رستم حيدر الكاتب الأول يومئذ في البلاط، الحامل أعباءه، العامل ليل نهار في وصل ~~الخيوط المتقطعة بينه وبين دار الانتداب، الذائق مر ساعات ولا أمر منها كانت تنذر ~~بالخراب، قد صار بعدئذ وزيرا ثم عين في مجلس الأعيان. # ومن ضيوف تلك المأدبة ذلك الإسرائيلي الجامع بين الأدب والنسب، ساسون حزقيل، الذي كان ~~يدير مالية العراق بما لا يرضي غير دار الانتداب وبعض البيوت التجارية، فقد اعتزل بعد ~~ذلك السياسة، وساح في الأرض ينشد الصحة ورحمة الله، فلقيهما معا بعد عشر سنوات في ~~باريس. # وياسين الهاشمي الرجل القاتم غير الكاتم، العنيف الصريح، الذي كان يومئذ خارج الحظيرة، ~~يدهش حتى المس بل بتصرفه، ويروعها بتطرفه، فقد صعد بعدئذ في الجبل فأدرك القمة ~~منه، وتنقل في الوزارة حتى صار رئيسها، وهو اليوم زعيم المعارضة في البلاد. # أما فخري آل جميل فما كان في ذاك الحين ولا بعده جاحدا نعمة ربه، أو ضانا على الوطن ~~بحبه؛ فقد كان يومئذ وطنيا من أصحاب الأملاك الواسعة، وهو اليوم من أصحاب الأملاك ~~الواسعة، ومن الأعيان في المجلس. # وإني لأذكر الضيفين الآخرين من العراقيين، ناجي شوكت وحكمت سليمان، وفي الاسمين تاء ~~تركية لا تخفى على اللبيب، وفي الاثنين من العطف القومي ما لا يستغرب، ومما كان في ~~تلك الأيام دون الريب، وقد كانا مع ذلك من الموظفين في الحكومة العراقية التي لم تكن ~~والأتراك على ولاء، فلا عجب إذا أسدلا على نفسيهما في تلك المأدبة ستارا من الصمت ~~الواجم، ولكن ناجي النجيب، الذي كان يومئذ متصرف الكوت، صعد بعدئذ مثل ياسين في جبل ~~السياسة، وبعد أن جرب الوزارة حن ms060 إلى الرئاسة، وظفر بها. وأما الثاني فلعله لبطئه ~~في التصعيد اختار المحافظة على اسمه صورة ومعنى - حكمة سليمان - وانضم إلى حزب ~~المعارضة في الأمة. # وممن أذكرهم من الضيوف الإنكليز المستر دراور الطويل الباع، في علمي القانون والصراع. ~~أقول الصراع؛ لأن مهنته في تلك الأيام كانت نوعا من الصراع القانوني؛ فقد كاد يسحق ~~بين حجري الرحى - أي الأخوين السويديين؛ ناجي الكشاف وتوفيق النساف - فقد كان ~~المستر دراور مرة رئيسا ومرة مستشارا للواحد منهما وللآخر. # وكان يرجو الله على الدوام أن يخرج من الصراع وقد سلم على الأقل كرسيه في العدلية. ~~ومن عجائب الدهر أن يسلم هو كذلك في مصارعة الأخوين السويديين، فلا يزال المستر دراور ~~بخير ونعمة، صاحب كرسي وصاحب صوت في البرج العالي للعدلية العراقية. # وللمستر دراور زوجة أديبة كاتبة، كانت تنشد في الأماكن القصية، وبين الأديان الأثرية، ~~مصادر العلم والوحي. وإنها في فلسفتها السياسية دولية إنسانية، لا يعارض بها المستر ~~دراور ما دامت خارج القانون، أما شغفها الخاص فكان ينحصر في تلك الأيام بالصابئة ~~واليزيديين، وبالتغلغل في علومهم الغامضة، ومع ذلك فقد كتبت كتابها، ونشرته باسم مستعار؛ ~~لتظل هي وزوجها وبيتهما في بغداد بعيدين - على ما أظن - من تعطفات أصدقائها عبدة ~~الشيطان. # ولا يغيب عن الذهن ذلك المستشار، الغريب الأطوار، القريب من قلوب الأحرار والأبرار، الذي ~~استسلم بعد ذاك الزمان إلى الشيطان، ما اعتنق المستر كوك # 4 # الإسكتلندي دين المجوس، ولا خر ساجدا للملك طاوس، ولكن للنفس زلات هي ~~شر من عتيق الديانات، فبعد أن خدم الرجل الحكومة العراقية أربع أو خمس سنوات، وهو يدير ~~شئون الأوقاف، ويستخرج المال حتى من حجارة الخانات وظلماتها، وبعد أن ملك قلب المؤمنين ~~الصافي، فدعوه تحببا: الحاج كوك الدين الأوقافي، ومدحه كذلك معروف الرصافي، بعد هذه ~~المبرات والأمجاد في عهده العراقي، خرج من بغداد خروج المذنب التاعس، بيد أن أمره لا ~~يزال على شيء من الغموض؛ فقد قيل لي إنه نقم على الحكومة لإخلالها بالعقد الذي ~~يتعلق بوظيفته، وبدل أن يطالبها بما تبقى ms061 له من مال، جمع الخفيف الثمين من الآثار، ~~وحملها وطار إلى ما وراء البحار؛ إلى بيته في الجزائر البريطانية. على أن حق التملك لما ~~جمع، وإن كان بالطرق المشروعة المحللة، هو من المسائل القانونية العويصة، وليس لي علم ~~المستر دراور، ولا لدي ما يكفي من البينات، لأبدي رأيا فيه. # إني من الذين أحبوا كوك الدين، وأعجبوا به وبمواهبه، ولا أزال أذكر - وفي القلب للحب ~~منزع - تلك الساعات التي قضيناها معا، وتلك الرحلات إلى الأماكن الأثرية التي كان هو ~~فيها الرفيق الكريم، والدليل العليم، إما أن يخرج من بغداد في ليلة غاب قمرها، وتوارت في ~~الظلام نجومها، فيحرم صحبه سرور الوداع، على الأقل، فذلك لا يليق برجل مثله وهو شرقي، ~~شرقي أصلا، وليس اسما وفصلا، فقد أخبرنا تلك الليلة أن كاليدونيا # 5 # مشتقة من الكلدان، وأن الاسكتلنديين هم من بين النهرين، ومتحدرون من ~~حمورابي. # إيه كوك الدين، سليل عظام الكلدان، ونكتة المستشارين في هذا الزمان، فمهما يكن من شذوذك ~~في سفر خروجك، ومن عثارك في خفاء آثارك، فقد كنت في حبك للعرب من العرب، وكنت في ~~غيرتك على الأوقاف من الأشراف، وإنهم جميعا لمحزونون؛ لأنك لم تشعرهم بيوم أو بليل السفر، ~~ليقوموا بواجب توديعك وتشييعك، وشكر صنيعك. وإني واثق - وهم الموصوفون بالكرم - أنهم لا ~~يرضون بما حملت، ولكانوا أهدوك، لو أدركوك، ما هو أثمن من تحف أور، وبابل وآشور، ولكان ~~الشعراء من المودعين، وهم يذرفون الدمع السخين، وينظمون القوافي، بمديح كوك الدين ~~الأوقافي. ~~••• # فكرت، بعد أن عدت إلى البيت تلك الليلة، بنظرية كوك الدين الكلدانية الاسكتلندية، ~~وعرضت في ذهني غير واحد من الأسماء التي تغري الباحث وتتقاضى يقينه الجزية، وهاك بعضها ~~من البلدين: الكلدان - كاليدونيا، آشور - آرشير، # 6 # حمورابي - هورنبي، مردوخ - ماردوك، # 7 # ويمكنك بعد البحث والتنقيب أن تزيد عليها. قد تقول إنها، وإن كانت تدهش، لا ~~تفيد. وقد أقول، بل أقول إنك على خطأ مبين. # إي ورب حمورابي، إي وأجنحة رب آشور، إن للنطفة جناحا، وللرياح يدا، وللآلهة كلمة ~~خالدة. ms062 سماع، سماع. إن المؤذن في جامع عبد القادر يدعو المؤمنين للصلاة، فلو كان ~~بإمكانه أن ينشر السنين المطوية، ويستطلع خبرها السابق للتاريخ، ولو كانت له عين ترى ~~الأجنحة الطائرة، والأيدي الزارعة، التي تستحيل بعد عملها ترابا، ولو كانت له أذن تسمع ~~صدى الكلمات الخالدة، لكان يدعو للصلاة غير المؤمنين كذلك، وغير المقيمين ببغداد، في محلة ~~الشيخ. ولو كان له مقدار ذرة من الإيمان الأعلى، لنزل من مئذنته، وأذن في سره، ~~في مخدعه، فيسمعه الذي بيده أمر هذا المخلوق ابن آدم، ويحمل الأذان إلى أربعة أقطار ~~العالم. # إيه، أيها المؤذن التقي، قل: حيوا على الفلاح، حيوا على الصلاة حيثما أنتم، في محلة ~~الشيخ ببغداد، أو في محلات البؤس والنعيم في لندن وباريس؛ فإننا جميعا، يابن عمي، ~~من نطفة واحدة، وإننا جميعا مفتقرون إلى رب يرأف بحالنا، وإلى نبي في هذه ~~الأيام يدلنا على الطريق - يهدينا الصراط المستقيم - ويبعث فينا ما ضاع من ~~الرجاء، وما مات من الحب والإيمان. # عفوك، أيها القارئ العزيز، إذا ما وقفت هنيهة في الفجر لأنسى الجو المكفهر في النهار ~~وفي الليل. عفوك، إذا ما لذت بالحقائق الخالدة لأستريح، ولو هنيهة، من الحقائق الزائلة ~~في السياسة وفي الحياة، ومن مآدب اليأس والغم. حيوا على الفلاح، حيثما أنتم، حيوا على ~~الصلاة ... ~~••• # وهذه دعوة أخرى لمأدبة في الفلاة، بل هي نزهة مع الملك في ضواحي بعقوبة، على شواطئ ~~ديالى، في البساتين الجميلة لفخري آل جميل، ولكنها لا تختلف كثيرا عن سواها في ~~العراق. # هي بساتين شرقية؛ بتبسطها واكتظاظها، بغياضها وأدغالها، بخصبها وعقمها، بزواياها ~~المهملة، وخباياها المدهشة، بمياهها الراكدة والفائضة، وبما يسود كل ذلك من الفوضى. فإنك ~~لترى عرائش العنب مثلا وأشجار التوت والرمان بعضها في حضن بعض، ملتفة متعانقة، ~~خانقة بعضها لبعض، ومع ذلك مثمرة، وإنك لترى الكثير من الأشجار المتكاثفة، التي يفتقر ~~قلبها إلى نور الشمس، ولا تمسها يد التشذيب، لا باطنا ولا ظاهرا، وهي تستمر مع ذلك في ~~الازدهار والإثمار، ليت شعري بما يمكن أن يكون خصب هذه ms063 الأشجار، وإنتاج هذه البساتين، لو ~~ساد فيها النظام بدل الفوضى، واقترن النظام بالاعتناء الدائم، وبعلم الزراعة ~~الحديث. # ومع كل ما هناك من دلائل الجهل والإهمال، فقد كان روح البستان حيا زاهرا، منعشا ~~بطيب رياحينه، مبهجا بزهو زهوره، مطربا بتغريد الأطيار، مدهشا بجود ثماره المتعددة ~~الأنواع والألوان، ولكن جونا المكفهر، جو بغداد، جو السياسة، كان لنا الرفيق الدائم، ~~والظل الملازم، حتى في البساتين. # مشينا على الطنافس المفروشة إلى السرادق الملكي بين أشجار الليمون والرمان، وكلنا يشعر ~~بثقل ذاك الظل، وحرارة ذلك الجو، كانت الأجساد في البستان، وكانت القلوب بعيدة منه، بعيدة ~~من أطياره وأزهاره، ورياحينه وثماره. # وكان قلب الملك فيصل أبعد هذه القلوب كلها، لله من غم يأبى الحصر في القصور، فيرافق ~~صاحبه إلى البساتين! لله من غم يجلس فوق العرش، ويلصق بصاحب العرش حيثما حل ورحل! لله ~~من غم يستبد حتى بالإنكليز، وقد يكون له من الإنكليز ما يمده ويقويه! أظن أن المس بل ~~كانت تدرك ذلك، فتحاول بما لها من لطف وبيان أن تخفف وطأته، أو تبدد على الأقل ~~ظلاله من حول الملك، وهل تطردها من قلبه بعنقود من العنب أو بغصن مثقل بالرمان؟ # كأني الآن أراها، رحمها الله، تجثو أمام فيصل وبإحدى يديها عنقودان كبيران مبهجان من ~~العنب الذهبي والأرجواني، وبيدها الأخرى غصن صغير من الرمان تزينه ست رمانات كبيرة ~~مدهشة، فيشكرها الملك باسما، وفي البسمة كما في كلمة الشكر ما يشير إلى شيء ~~مفقود. # وكأني الآن أراه، رحمه الله، والسبحة بين أنامله، وهو لا يدرك أنها لا تلتئم وثوبه ~~العسكري، والسيكارة في فمه، يدخن الواحدة تلو الأخرى، ويحاول في بعض الأحيان أن ~~يستعيد بشر محياه، ويستنهض أنس نفسه، فيسأل سؤالا عن بعض الشئون الخاصة، أو ~~يستخبر عن صديق له غائب، أو يفتح الباب لحديث طريف ولا يشارك بعدئذ به، فينهض عن ~~الديوان، ويتركنا، والباب مفتوح، ساكتين واجمين. هي السياسة وهموم العرش الجديد، ومن أهمها ~~في تلك الأيام ما جاء من الشمال؛ فقد كان لانتصارات مصطفى كمال وقع ms064 في العراق ما سره، ~~ولا سر الحكومة، وكان بعض الموظفين في الموصل يفاوضون الترك في الأناضول. # وهؤلاء الإنكليز يلزمونه كالظل، ويزيدون بما هو فيه، رأيت أحدهم جالسا في حضرته ذاك ~~اليوم جلسة لا أظنه يجلسها إلا في بيته إذا كان وحده، فيمد رجليه ولا يبالي، وكان فوق ~~ذلك لابسا قبعته وهو في ثوب مدني، فهل يجلس هذه الجلسة في حضرة الملك جورج يا ترى؟ ومن ~~يدرك أكثر من الإنكليز الحقيقة أن الملك ملك، أيا كان وأينما كان. # لم يكن الصلف ولا العنف من طباع الملك فيصل، ولكنه كان دقيقا وكيسا في حفظ حرمته، وفي ~~فرض مشيئته، ولا أظن أن ذلك الإنكليزي أدرك أنه في إكرامه له كان يحاول تأديبه؛ فقد ~~قدم له سيكارة، فاضطر أن يقف ليأخذها، ثم عاد إلى كرسيه، فجلس جلسة لائقة، ولكنه لم ينزع ~~القبعة عن رأسه، فاستمر الملك في التأديب، قائلا وهو يرفع الخوذة عن رأسه: «الحر ~~شديد.» فردد الإنكليزي: «الحر شديد.» وما كان بعد ذلك حال دون كمال الأمثولة؛ فقد جاء في ~~تلك الدقيقة فخري آل جميل يقول للملك الطعام حاضر، فنهضنا بعده نلبي الدعوة، ومشى ~~الإنكليزي وقبعته بيده. # مدت المائدة في ظلال النخيل ضمن ساحة رحبة، تحيط بها شجيرات من الليمون والرمان، ~~وبينها شتى الأزهار والرياحين، وكانت الألوان كثيرة دون إكثار، شرقية الروح، أوروبية ~~الذوق. والخدم بلباسهم الأبيض يظهرون من خلال عرائش الورد والياسمين، حاملين أطباقا ~~تتقدمها روائحها الطيبة. # ما كان في طاقتي، ولا حاولت، أن أتخيل مطبخا بين الليمون والرمان وراء عرائش الورد ~~والياسمين. وما سرني أني في مأدبة ملكية في بستان فخري آل جميل بالهويدر على ضفة ~~نهر ديالى، بقدر ما سرني الخيال الذي تخيلته في تلك الساعة، فما كنت في ذلك ~~البستان، مع ملك من ملوك هذا الزمان، ورهط من الأمراء والأعيان، بل كنت مع حسن البصري، بطل ~~الرواية في كتابنا العربي الخالد، كتاب ألف ليلة وليلة. # نعم، كنت مع حسن في روضة ساحرة، جالسين إلى خوان ساحر، يخدمنا عبيد الخاتم ms065 العجيب، وهم ~~يحملون إلينا، من بين عرائش الورد وأشجار الرمان، أطيب المآكل وأفخرها. وما تخيلت هذا ~~الخيال، ورحت سابحا فيه، إلا لأنجو من الحقيقة البشرية في تلك الساعة، ومن جوها ~~المكفهر. وعندما عدنا إلى المدينة ما كنت في السيارة مع وزير من وزراء الدولة، لا، بل ~~كنت راكبا وأخي حسن البصري بين جناحي ذلك المارد الكريم، الذي طار بنا، راجعا من وادي ~~الكافور في بلاد الصين، إلى مدينة بغداد. # | الأزمة الأولى # في فجر السنة الثانية من عهد فيصل، كان العراق يتمخض بالفتنة . وبكلمة لا مجاز فيها ~~كانت أحوال العراق السياسية تنذر بثورة ثانية، لا على الإنكليز وحدهم هذه المرة، بل ~~عليهم وعلى الحكومة الموالية لهم، وقد عصفت العواصف بادئ بدء في ثلاثة أماكن رئيسية، ~~فاشتعلت النار في بغداد، وتطايرت الحمم من بركان النجف، وتحفزت العشائر للوثوب في قلب وادي ~~الفرات. # وما تعددت في الأحزاب الأغراض والنزعات، بل كان صوت الوطنيين - على اختلاف رناته وصيحاته ~~- واحدا في مطالبه، واحدا في احتجاجه، واحدا في يقينه، فكنت تسمع وترى كل من يحسن ~~الخطابة أو الكتابة مطالبا بحكومة نيابية، وبملك مستقل كل الاستقلال، وحاملا على ~~الانتداب والمنتدبين. # وقد اختلفت هذه الحملة عن الثورة في صيف عام 1920 بأمرين؛ بشيء من النظام، وبكل شيء ~~من العتاد المعتاد. توحدت فيها المطالب، كما قلت، فكان لها ثلاثة أهداف؛ أي الوزارة ~~والبلاط الملكي ودار الانتداب. وتجانست فيها الأسلحة، فكانت كلها، من مصانع اللغة: المدافع ~~الرشاشة (الخطب والمقالات)، والطائرات المدمرة (القصائد)، والمدافع الصحراوية (فتاوى ~~المجتهدين). ومن عجائب الأمور أن يتوهم الخصوم أنها كلها من مصانع «كروب». # وكانت في البداءة تبشر بالنصر؛ فقد صوب ~~المجاهدون مدافعهم الرشاشة على الوزارة فأسقطوها، وحلقوا بطائراتهم فوق دار الانتداب، ~~فأزعجوا أهلها وروعوهم بالقذائف (القوافي) النارية. وأطلق المجتهدون مدفعا من مدافعهم ~~الصحراوية، فانفجرت بعض قنابله في جوار البلاط الملكي. وما كان للحكومة ولا للبلاط ولا لدار ~~الانتداب، من القوات البرية أو الجوية في تلك الأيام ما يكفي لمحق فتنة صغيرة ~~فضلا عن الكبيرة، ولا كان ms066 بإمكانهم، أو أنه ما خطر في بالهم، أن يجردوا على ~~الوطنيين السلاح نفسه الذي تسلحوا به. # بلغت هذه الحملة أشدها في عيد الجلوس الأول، يوم كان الملك يشكو ألما واحدا من آلامه ~~المتعددة؛ ألما جسديا من التهاب في الزائدة المعوية، وكان العراق يعدد، بلسان ~~خطبائه وشعرائه، آلامه كلها، وفي رأسها الزائدة كذلك؛ تلك الزائدة التي تدعى الانتداب. ~~وقد أشار الأطباء على الملك بجراحة في الحال، فشاء أن تؤجل إلى اليوم التالي، ولكن الوطنيين ~~لم يؤجلوا، بل كانوا قد باشروها واغتنموا فرصة العيد لإعلان أمرها، فراحوا يجتمعون ~~ويخطبون، ويصدرون المناشير. # وهاكهم في النجف وهم في تحليقهم الشعري الوطني أبعد وأسد منهم في مسالكهم ~~السياسية، ولقد كبروا الخيال وعظموه، شكلا ولونا، فتلفتوا إلى الماضي متلهفين ~~متحسرين، وصاحوا بالحاضر مستعيذين منه بالله، ونظروا إلى المستقبل نظرة المدنف الحزين، ~~كنا منذ سنة نتظلل ظلال الذكريات المجيدة، ذكريات الرشيد والمأمون، ونتلمس ~~الحقيقة في تجديد ذلك العهد العربي السعيد، ونحن اليوم نتحرق في بوادي الخيبة والهوان. ~~كنا منذ سنة في فجر الآمال الذهبية، ونحن اليوم في ليل دامس من البلايا الانتدابية ~~والاستعمارية، ولكن للأمة صوتا قدسيا سرمديا، يصيح اليوم وغدا، ويستمر صائحا ~~حتى تصير صيحاته سيوفا وقنابل على المنتدبين وأشياعهم أجمعين، بريطانيين وعراقيين. الله ~~أكبر، الله أكبر! # وهاكهم في بغداد وهم في وطنيتهم وفي منطقهم أبلغ وأسد منهم في الأسجاع والقوافي؛ فقد ~~كان لصوت الوطنيين المعتدلين والمتطرفين معنى ومغزى ورنة بدت جميعها جلية صافية ~~فوق الشقشقات الخطابية، وعدتم البلاد في حفلة التتويج بحكومة نيابية دستورية، وها قد ~~مرت السنة بكاملها والحكومة لا تعرف أدستورية هي أم انتدابية أم ملكية مطلقة. إن ~~البلاد تشكو السياسة البريطانية المسترشدة بمبدأ «فرق تسد» الهادمة لآمالنا القومية ~~والوطنية كلها. إن البلاد مهددة بالانتداب، والانتداب خطر على الحرية والاستقلال ... ~~لقد أسقطنا الوزارة التي عينها البريطانيون، وجئنا نطلب وزارة وطنية صادقة يعينها ~~مليك البلاد ... إننا نؤيد العرش، ونرفض الانتداب، ونطلب أن تحدد السلطة البريطانية في ~~الدوائر الإدارية كلها، وأن يعقد المجلس الوطني، وألا ms067 تعقد معاهدة بين العراق ~~وبريطانيا قبل أن يتم ذلك كله. # صبر الملك فيصل على آلامه يوم العيد، عيد الجلوس الأول، واستقبل المهنئين من رجال ~~الحكومة والأمة، وقد جاء صباح ذاك اليوم وفد يمثل الحزبين الوطنيين ليسمع الملك ~~شكوى العراق ومطالبه. مشى الوفد في شبه مظاهرة وطنية، فانضم إليه جماعات من الناس، ~~فوصل إلى القصر حشدا كبيرا متحمسا هائجا، وهناك في فناء القصر وقف الخطيب ينادي ~~الملك فيصلا ويسأله مقابلة الوفد. # وكان الملك وقتئذ يستقبل المهنئين، فبعث برئيس الأمناء ليقابل الوفد، ويجيب ~~الخطيب بكلمة شكر واطمئنان تناسب المقام، فجاء الرئيس يقوم بهذا الواجب، ولكنه - وهو يسمع ~~ويرى - ذهل عن نفسه الرسمية، فنفذت إليه من كلمات الخطيب شرارة أشعلت فيه الحمية ~~والحماسة، فراح في جوابه يجاريه في مضمار السياسة الوطنية، فهتف له الجمهور أضعاف هتافهم ~~لخطيب الوفد. وبينا هو يخطب تلك الخطبة التي «تناسب المقام»، وصل المندوب السامي السر برسي ~~كوكس، وقد جاء يهنئ الملك، وكان من واجب رئيس الأمناء أن يستقبل العميد، فختم خطبته ~~بكلمة من نار، فصاح إذ ذاك الناس قائلين: ليسقط الانتداب! ليسقط البريطانيون! # وهكذا، بعون رئيس الأمناء، تمت المظاهرة وكانت مفلحة، ولكنها ما أثرت ظاهرا بالسر ~~برسي، الذي مشى إلى غرضه على عادته هادئ البال. وبعد أن أتم واجبه الرسمي في تهنئة ~~الملك، وعاد إلى مقره، كتب إليه يعلمه بالحقيقة المؤلمة، فمهما قيل في اجتماع عام، ~~وبشعب متهيج، لتخفيف الذنب، فلا يصح أن يقال إن المظاهرة هي غير رسمية، وقد حدثت ~~في فناء القصر، وكان رئيس الأمناء أحد الخطباء، هذا هو الحادث الذي زاد يومئذ بآلام فيصل ~~الروحية والجسدية، فكتب إلى العميد يفصح عن أسفه الشديد، ثم أقال رئيس الأمناء من ~~وظيفته. # وما انتهى مع ذلك الحادث المشئوم؛ فقد كان المندوب السامي يفكر يومئذ بخطة سياسية ~~فاصلة، ويتردد في تنفيذها، فجاء هذا الحادث يقره في رأيه، يستفزه، يشحذ منه العزيمة. ~~وقد جاء على ذكر تلك الخطة وأسبابها في مقدمة كتبها لكتاب المس بل، وفي تقريره ~~الرسمي للحكومة البريطانية، ms068 وفي الاثنين يقول إن الحالة كانت تنذر بثورة ثانية، وقد ~~عدد من الأسباب استعفاء الوزارة، والاضطرابات في ولاية بغداد، والهياج المستمر في ~~العشائر، ومرض الملك فيصل الذي حال دون التعاون، ثم قال: «لم يكن في البلاد من سلطة ~~غير سلطة المندوب السامي التي وجب علي استخدامها حتما على الإطلاق.» # ولكنه وقد ذكر مرض الملك، لم يذكر أنه حاول أن يشرك جلالته في العمل، ليحفظ في الأقل ~~صورته الشرعية، فأخفق وكان مدحورا. وقد حدث الحادث المؤلم بعد المظاهرة في فناء القصر، ~~وقبل تنفيذ الخطة الحاسمة، فمثل السر برسي كوكس فيه دورا شائنا شبيها بدور البطل ~~الشرير في الروايات. مثل الدور وسكت، وسكتت كذلك المس بل التي كانت عالمة به. يا للعجب ~~كيف أن المس بل التي كانت تضمن رسائلها كل ما يحدث في بغداد في حومة السياسة وخارجها ~~من صغير الأمور وكبيرها، نسيت هذا الحادث المؤلم أو تناسته، فما أشارت إليه؟! # وكان السر برسي والمس بل عالمين بحالة الملك الصحية، وعالمين كذلك بالجراحة وبموعدها ~~في اليوم التالي، وهو والمس بل من ذوي الشعور الراقي إذا لم نقل كذلك الرقيق، فضلا عن ~~ذلك أن الرجل الكريم لا يحرج امرأ ساعة محنته، أو يخلو الرضى، في مثل هذه الحال، من ~~الكره والإنكار. فإذا سلم المكره بأمر ما أو رضي بعمل ما، أيعد ذلك لخصمه فوزا ~~سياسيا؟ وهل هو شرعا من العدل بشيء؟ وهب أنه في الحالين فوز وعدل، فهل ننكر أو ~~نتجاهل أنه خلقيا في الأقل مخجل شائن؟ # قال المندوب السامي إنه لم يكن في البلاد يومئذ غير سلطة واحدة هي سلطته، فلم لم ~~يستخدمها منفردا دون أن يزيد بألم ملك مريض، ودون أن يعرض نفسه للإهانة؟ فقد قدر، ~~على ما يظهر، أن تشفع المظاهرة الوطنية بالتوبيخ الملكي. وكان التوبيخ، وكان أن عمل ~~السر برسي بالكلمة العربية: الكريم من ستر إهانته. فما ذكر الحادث فيما كتب، لا في ~~التقرير، ولا في كتاب المس بل. # وما الداعي لذكره الآن؟ ليس الأمر شخصيا ليغضى عنه؛ ms069 فهو يتعلق بالملك فيصل وبعدد ~~من زعماء الأمة وصحفييها؛ إذن هو وطني عمومي. زد على ذلك أن فيه مأثرة من مآثر ~~فيصل التي يجب أن يعرفها خصوصا العراقيون. # ويجب أن يعرفها الإنكليز؛ فالأمة صاحبة الانتداب تجهل غالبا ما يعمله باسمها كبار ~~رجالها السياسيين، وعندي أن علمها بذلك كله وبالسيئ منه قبل الحسن، بما فيه تذل وبما ~~فيه تعز، هو مفيد لها وللأمة المنتدبة عليها. وأين العدل يا ترى وأين الوطنية - إني ها ~~هنا ناظر إلى المسألة من الناحية البريطانية - في سكوت المندوب السامي عن عمل له ليس فيه ~~مأثرة أو محمدة؟! # قد أطلت الشرح، فهاكم الحادث؛ في صباح اليوم التالي لعيد الجلوس، عندما كان الملك فيصل ~~محاطا بالأطباء والممرضات، وقد أعدوا المباضع والأدوات للجراحة؛ وصل المندوب السامي ~~السر برسي كوكس، فسلم وأخرج من جيبه أمرا قدمه للملك ليوقعه، هو أمر باعتقال سبعة ~~من الزعماء الوطنيين ونفيهم من العراق. قرأه الملك مكمودا وهز برأسه، فأفصح السر برسي ~~عما يبرر العمل، فما أجاب الملك بكلمة، ولكن أحد الأطباء الإنكليز تقدم وخاطبه ~~قائلا: «ليس هذا الوقت، يا حضرة المندوب، لمثل هذه المسائل.» # السر برسي: «المسألة ضرورية لحفظ الأمن، إن البلاد في خطر.» # الطبيب: «أجلها إلى أن تتم الجراحة، وهي ألزم لحياة جلالة الملك، فيجب أن ~~نباشرها حالا.» # الملك، والأمر بيده، يخاطب السر برسي: «بعد دقائق قليلة أكون بين أيدي هؤلاء الأطباء، ~~وقد لا أعود من غيبوبتي إلى الحياة، فهل تطلب مني، يا سر برسي، أن يكون هذا الأمر آخر ~~أعمالي في الدنيا؟ هل تنتظر مني أن أنفي هؤلاء الناس، أهل البلاد، من بلادهم قبل موتي؟! ~~لا والله، إنه غير ممكن، غير ممكن.» # قال هذا ودفع الأمر إلى المندوب السامي فوضعه في جيبه، وخرج من القاعة دون أن يفوه ~~بكلمة واحدة. # ولكنه مضى في عمله منفردا؛ إذ نفذ الأمر في اليوم التالي باسم المندوب السامي للحكومة ~~البريطانية، فنفى الزعماء السبعة إلى جزيرة هنجام في خليج البصرة، وأقفل الناديين ~~الوطنيين، وعطل بعض الصحف، ثم طلب ms070 من اثنين من مجتهدي الشيعة أن يسفرا ولديهما ~~- وهما من الوطنيين المتطرفين - إلى إيران، ففعلا دون احتجاج، وسكت المجتهدون ~~الآخرون. # أما العشائر فقد استمر أكثرهم ثائرين، منادين بسقوط الانتداب، عاملين بأوامر ~~المجتهدين، دون أن يعلموا بما تغير من حالهم، أو أنهم أبوا أن يسكتوا مثلهم، فأرسلت ~~السلطة عليهم سربا من الطائرات، فرمتهم ببعض المناشير والقذائف، فسكتوا مثل رؤسائهم، ~~وأخلدوا بعد ذلك للسكينة. # هذا هو العمل الذي كان يتردد السر برسي فيه، خاف أن يضرم في البلاد نار ثورة ثانية ~~لا تستطيع السلطة إخمادها ، ولا أظن أن أحدا في موقفه كان يطمع بمثل هذا النجاح لعمل ~~أقدم عليه مترددا. ومع ذلك فقد قال السر برسي للمؤلف في حديث عن حوادث تلك الأيام، ~~إنه يكره استخدام القوة لحل المشاكل السياسية، وهو في ذلك فوق كل ريب، فإن من ~~يعرفه، ويدرك شيئا من السر في قوته، يتيقن أنه يؤثر قوى العقل وأساليب الجدل ~~والمنطق، يؤثر المفاوضة والمناورة والمساومة في حسم الأمور، على القوات المسلحة بالنار ~~والحديد. # بيد أنه لو تحقق ما وراء تلك الحركة، لو أدرك أن وراء خط النار الأول - وراء ~~القصائد والفتاوى والخطب والمقالات - أمة مكدودة منهكة من الثورة الأخيرة، مثل ~~الإنكليز أنفسهم، لما خرج عن المألوف في خطته، المأثور في سياسته، من الحصافة والكياسة ~~واللين. # أويحتاج الأمر إلى برهان؟ فقد نفى الزعماء الوطنيين، وأقفل أنديتهم، وعطل صحفهم، وأسكت ~~المجتهدين، وأدب العشائر، وبكلمة واحدة سحق المعارضة سحقا بأمر منه جازف مجازفة فيه، ~~ولو اضطر إلى تنفيذه بالقوة المسلحة لما استطاع؛ لأن تلك القوة كانت يومئذ ~~مفقودة. # وقد خضعت الأمة للأمر. ولم تعلم يومئذ، ولا يعلم الآن إلا بعض السياسيين، أن الملك ~~فيصلا رفض أن يوقعه، وأن السر برسي كوكس جازف فيه، وأن العراق أطاعه وطأطأ له ~~الرأس لعجز في الأمة، لا لخوف من القوات البريطانية. # ومما زاد في الفتور والتخاذل تلك الإشاعات التي كانت تشاع عن الملك فيصل في أثناء ~~مرضه، وأولها أن الجراحة لم تنجح، ثم قالوا: «الملك في حالة ms071 تنذر بالخطر - الملك مشرف ~~على الموت - الملك مات!» وغيرها من الإشاعات السياسية. # الملك فيصل الأول بين زعيمي المعارضة الحاج جعفر أبو التمن (إلى يساره) ~~وياسين الهاشمي (في الطرف الأيمن). # حدثني الملك فيصل قال: «في تلك الأيام العصيبة كان يجيئني الناس متحمسين قائلين: ~~«ارفع العلم، ونحن رجالك، نفديك بأرواحنا.» وإني أذكر واحدا من أولئك الفدائيين، وهو من ~~كبار رجالات العراق، وأشدهم تحمسا، ولكنه غاب قبل أن نفذ السر برسي كوكس أمره بنفي ~~الزعماء الوطنيين، ثم عاد، فجاء يهنئني بالشفاء، فسألته قائلا: «وماذا فعلتم ~~بالإنكليز ؟ هل عدلتم عن إخراجهم من البلاد؟» فأجاب فورا دون ارتباك: «قالوا لنا إنكم ~~أنتم أخرجتم من البلاد، فسكتنا».» # وقد كان لهذه الإشاعات ألسنة تشيعها للغرض منها ولغرابتها، وآذان تسمعها مصدقة، ~~وتسمعها مستحبة متفائلة، وفي الأمرين ما يريك أن الجو السياسي في تلك الأيام ~~لم يكن مكفهرا فقط، بل كان مفعما بالسموم البريطانية والوطنية أيضا، بسموم الشهوات ~~السياسية والشبهات، والدسائس والخدعات، والمخاوف والمناورات. # يقول العرب: الحرب خدعة. ويقول الإنكليز: كل شيء يجوز في الحرب وفي الحب. وها هنا ~~الشيء الكثير بين العراقيين والبريطانيين من أسباب الحرب، وأسباب الحب، ملتفة بعضها على ~~بعض، مشتبكة بعضها ببعض، فلو تمكنا من الفصل بين الاثنين ومعرفة الواحد من الآخر، لو ~~تمكنا أن نميز بين مواقف الحرب ومواقف الحب، ونتفهم الاثنين في الفريقين، لاستقامت ~~المنازع وهان أمرها. ولكن في ذلك أغوارا من التناقض والغموض. خذ المس بل مثلا، فإنها في ~~مواقفها تارة عربية وطورا إنكليزية، وإنها في عواطفها مثل كرمة يتخللها العليق، فتختفي ~~عرائش الحب بين أشواك الحرب، وتلتف فسائل الشوك حول العرائش فتكاد تخنقها. وخذ السر برسي ~~كوكس وهو في حبه الصافي للعرب عموما، وللعراق خصوصا، لا يتجاوز الحدود التي لا ينمو ~~ضمنها غير حب المصالح البريطانية، والغيرة على الاسم البريطاني. # وما موقف أهل العراق؟! هذه الشيعة وهي حرب على الإنكليز متقطعة، حرب تتخللها هدنات ~~يبرءون منها إلى الله ويسكتون، وهي حرب على فيصل يتخللها فترات من الحب يبرءون منها ~~إلى الله ms072 ويسكتون. أما العشائر فهم في فيافيهم يعمهون، ولا يعرفون موقفهم الحقيقي إلا ~~بعد أن تصدر الفتاوى بالمقاطعة، أو بالحرب، أو بالطاعة والاستكانة. وأما السياسيون ~~والفدائيون فقد قرأت ما قاله فيهم الملك فيصل نفسه، وقد رأيت السلطة البريطانية تعتقل ~~الزعماء الوطنيين وتنفيهم خارج بلادهم بضعة أشهر؛ وبغداد في ذلك الأثناء ساكتة ساكنة، ~~تتحمل الألم والصبر. # إني أكتفي بذكر سبب واحد من أسباب التخاذل في تلك الأيام، فقد كانت بغداد على ~~شيء من الغرور، تظن نفسها سياسيا العراق كل العراق، وما كانت في الحرب ولا في الحب ~~صاحبة العلم، بل صاحبة القول والقلم، وخصوصا في تلك الأيام؛ فقد كان سلاحها كلاما على ~~ورق، وكلاما يحمله الأثير فيذيعه دون أن يعود بشيء من صداه. # وها نحن الآن سائرون في السبيل ذاته، سبيل الحبر والورق، إلا أننا هذه المرة ~~كاتبون بدل المقالات والقصائد معاهدة دولية؛ أجل، إن المعاهدة الآن لمحور الأعمال ~~كلها، وسيخلد فيها غير حب المس بل وحب السر برسي للعراق والعراقيين، سيخلد فيها كذلك ~~حب المستر تشرشل للعرب، اللهم إذا استطاع أولو الأمر وأولو الألباب أن يستخلصوا من الكلمة ~~الإنكليزية المأثورة «كل شيء يجوز في الحرب وفي الحب.» ما فيه خير البلدين على ~~السواء. # وهذا ما يريده السر برسي كوكس، وهذا ما ينشده الملك فيصل، أما السر برسي الذي جنح إلى ~~العنف ليفتح الطريق ويؤمنه للمعاهدة، فإن له في المفاوضة - كما أسلفت القول - أساليب ~~وقواعد شتى، وهو فيها كلها السياسي المحنك كما يقال، وصار في إمكانه الآن، وقد بلغ ~~الأرب في خطة العنف، أن يبسم على عادته، ويسير متمهلا إلى غرضه، فيقاوم ما لا يزال ~~يعترضه من الصعوبات والعقبات ويغالبها بما يستحبه ويستلذه من ثمار الفكر ~~والتبصر، من البراعة في عقد الخيوط الدقيقة، من الكياسة في تلوين الألفاظ، من الدهاء ~~في رمي الحبالة وشد الربق. # أما الملك فيصل فقد أساء الناس فهم موقفه في تلك الأيام، فلم ينصفه ~~الإنكليز ولا أنصفه العراقيون. قال الإنكليز أصدقاؤه إنه انقلب عليهم بعد ~~التتويج، وقال المتطرفون ms073 من الوطنيين إنه يخدم مصالح الإنكليز ويعمل بأوامرهم. أما ~~الحقيقة، وإن بدا شيء منها هنا وهناك، الحين بعد الحين، فهي أصلا وأساسا واحدة، لا ~~إنكليزية ولا وطنية؛ بل فيصلية عراقية. وبكلمة أوضح كان فيصل واقفا في تلك الأيام ~~موقف الدفاع، وكان همه الأول أن يحفظ العرش، فيعزز مركزه كمليك العراق ليستطيع أن يعزز ~~جانب العراق في المعاهدة، وكان همه الثاني أن يحمل المستر تشرشل على البر بوعده دون أن ~~يعادي الإنكليز. هذي هي الحقيقة الفيصلية العراقية، وفي حديث الملك فيصل - المدون لحسن ~~الحظ عندي - ما يثبتها ويزيدها بيانا. # أعود إذن إلى مذكراتي في تلك الأيام. # في 10 أيلول 1922، حدثني الملك بما تم بينه وبين المستر تشرشل قبل مؤتمر القاهرة، وفي ~~ذلك الاتفاق تعترف الحكومة البريطانية باستقلال المملكة العراقية، وتتعهد أن تلغي ~~الانتداب، وأن تساعد العراقيين في تأسيس حكومة وطنية موطدة الأركان، وستعقد ~~لقاء ذلك معاهدة ولاء وتحالف بين بريطانيا والعراق، يضمن فيها للحكومة البريطانية بعض ~~الحقوق في ترقية اقتصاديات البلاد واستثمارها، وفي استخدام مستشارين وإخصائيين من الإنكليز ~~لهذه الغاية، ولمعاونة الموظفين الوطنيين كذلك في إدارات الملك الجديد. # قال الملك فيصل: «وعدني المستر تشرشل وعدين؛ أن يلغي الانتداب، وأن يعترف باستقلال ~~العراق. وقد جاءنا الآن بمعاهدة طافحة بذكر الانتداب وعصبة الأمم. فإذا كان الانتداب، ~~فما الفائدة من المعاهدة وما الغرض منها؟ وإذا كانت المعاهدة، فما الحاجة إلى الانتداب؟ ~~غني عن البيان أن أحد الصكين غير لازم وغير مفيد. إننا مصرون على ما وعدنا ~~به المستر تشرشل، وهو ما يطلبه العراقيون، المعتدلون منهم والمتطرفون، وإني لا أزال ~~أعتقل وآمل أنه يبر بوعده، وإلا فالموقف حرج، يا أخي، حرج جدا.» # قد كانت الأمة بأجمعها، إذا استثنينا فريقا من الموظفين وقسما من أهل البصرة، ضد ~~الانتداب قلبا وقالبا. وما كان لفيصل، حتى إذا صرفا النظر عن وعد المستر تشرشل، غير ~~هذا السبيل يسلكه فيقودها ويهديها إلى المحجة العليا، فلو أراد يومئذ أن يغير في سيرها، ~~أو يلطف نزعتها إلى الاستقلال، لما استطاع ذلك. هي ms074 ذي الحقيقة التي أدركها وقبلها، ~~ومشى في نورها حتى العقبة الأولى. ولا عجب إذا فضل ملكا مستقلا على ملك ~~مقيد بالانتداب، وبإرادة المندوب السامي. # بيد أنه كان يدرك دائما ما عليه للإنكليز، ويوازن ويقارن بين الحقيقتين؛ حقيقة الدين ~~وحقيقة الوعد، فيحاول أن يقف بين الاثنين وقفة الصادق الكريم؛ الصادق في وطنيته العراقية، ~~الكريم في تقديره الجميل، وكان يتحاشى ما فيه شيء من العداء أو الجفاء للإنكليز، وهم يومئذ ~~أصدقاؤه الوحيدون. هو الذي صرح بذلك، وكانت صراحته تشف عن مراكد الغم في أعماق ~~نفسه. # وهاك الحديث من مذكراتي: «لو رحت أبحث اليوم عن حليف للعراق فأين أجده؟ في فرنسا؟ ~~الفرنسيس أعدائي. في تركيا؟ ما انتهت الحرب بيننا وبين الأتراك. في العجم؟ إن حكومة العجم ~~تزيد بمتاعبنا وبمشاكلنا في تدخلها بشئون الشيعة في العراق. أين أجد الحليف؟ في نجد؟ لا ~~تزال خطة ابن سعود حربية أكثر منها سلمية، وفيها الخطر عليه وعلينا سواء. أفلا ترى ~~أننا محاطون بالأعداء، # 1 # ولا أصدقاء لنا غير الإنكليز؟ هي الحقيقة، يا أخي، وإذا اعترفت بها، وقبلتها ~~وعالجتها بالتي هي أحسن؛ قالوا إني أمالئ الإنكليز وأخدم سياستهم ... والإنكليز، العياذ ~~بالله.» # عاد إلى وعدي المستر تشرشل واستطرد قائلا: «وهم يطلبون مني أن أوقع معاهدة لا ~~تمكنني من تأسيس حكومة وطنية قوية، ولا تمكننا لذلك من القيام بتعهداتنا. خذ الجيش مثلا، ~~نحن نبغي جيشا وطنيا، ولا أحد يتطوع وفي البلاد انتداب، والبرهان بسيط، يقول ~~العراقيون: إذا كان الإنكليز مقيمين في العراق فليدافعوا عنه بجيوشهم، هذا حق، بل هذا ~~منطق.» # كان يحدثني بلهجة هادئة صافية، إلا أنها شديدة بليغة، وقد ظهرت شدتها حتى في ~~همسه، وبدت بلاغتها حتى في وقفاته، وفي ملامحه وحركاته، فكان ينزع خاتما من أصبعه ويلعب ~~به، تهدئة لأعصابه. وعندما ذكر المستر تشرشل، لاح على جبينه لهب من الغيظ، فرفع السدارة ~~عن رأسه ووضعها إلى جانبه على الديوان. # هي أول مرة شاهدته مكشوف الرأس، وكان ذلك بعيد شفائه من الجراحة، فذكرت، وأنا ~~أتأمل وجهه، ما قاله فيه ms075 أحد الفرنسيين، وهو أنه شبيه بوجه المسيح؛ كان الشعر فوق ~~جبينه العالي الناصع كثيفا يومئذ وخلوا من الشيب، وكانت سيماء وجهه الشاحب ~~المتضمر أكثر وضوحا، وأبلغ معنى، فبدت العين أكبر مما هي وأبعد غورا ونورا، ~~وبدا الفم في نبضه وغضه أكثر انفعالا وأشد كآبة، وذكرني النتوء في عظمي الخدين ~~بما يبرز في وجه أبراهام لنكولن، وما كانت اللحية إلا لتزيد بطابع الهزال الذي زانه ~~النبل، وتجلت فيه الروحية السامية. # فهل يستغرب أن يكون لفيصل تلك الشخصية الساحرة، التي قل - ممن عرفوه - من لم يعترف ~~بها ؟ أجل، إنه لقليل في الناس من لا تستولي عليهم مثل السجايا التي زانت فيصلا ~~وتجلت في ملامحه ومجالسه، ومن هذا القليل المندوب السامي السر برسي كوكس؛ ذلك الإنكليزي ~~القح فيما بدا من نفسه، وفيما صفا من خلقه. لقد كان يحترم فيصلا ويجله، ولكنه كان ~~يوصد باب قلبه ونوافذه كلها، في مجالس الملك وفي أحاديثه، فلا يدع لسحره نخروبا يدخل ~~منه. # وقد ظل النزاع بينه وبين فيصل نزاعا سياسيا صرفا، فترك السحر والانفعالات ~~الروحية للمس بل، تنعش بها النفس في ساعات قيظها، وترصع بها الرسائل إلى أمها، ~~وكان السر برسي يقيم بينه وبين المس بل في الساعات الحرجة جدارا من المنطق الصافي ~~الصلب الصقيل كالرخام، فلا يدعها تتغلب عليه بما ~~سرى إلى قلبها دون العقل، أو بما تغلغل في القلب وما فيه من آثار العقل غير الخيال؛ ~~فالنزاع إذن هو سياسي، ولكنه في أسبابه الشخصية يشمل الطباع والتقاليد النفسية ~~والقومية. # وبكلمة أخرى، إن النزاع في المعاهدة بين فيصل والسر برسي كوكس هو نزاع بين روح ~~عاقلة، وبين عقل لا روح له. # | محاولات ومراوغات # إذا ما جنح المؤرخ غدا إلى درس أحوالنا السياسية الحاضرة، يكتشف الحقيقة التي تبدو ~~لنا اليوم كبيرة. وهذه الحقيقة هي أن انحطاط الغربيين، لا ارتقاء الشرقيين ونهضاتهم، هو ~~الذي عجل في سقوط السيادة الغربية في الشرق؛ فقد كانت العظمة البريطانية مثلا ~~مستمدة من قوى الشعب البريطاني الخلقية والروحية؛ تلك القوى التي تزعزعت بعد ms076 الحرب ~~العظمى، ورزحت تحت عبء ثقيل من الاصطلاحات والمغالطات الاجتماعية والسياسية، ثم ~~تلاشت بين أيدي السياسيين والماليين العاملين ليومهم ولقومهم، بل انسحقت بين حجري الرحى ~~للمصلحة المباشرة؛ أي بين المهاودة والمساومة، وما يصحبهما من المحاولات ~~والمراوغات. # منذ خمسين سنة كان الإنكليزي في الهند مثلا يقول: إننا ها هنا بفضل أحسابنا ~~السياسية والخلفية والروحية، إننا ها هنا لأننا أرفع منكم، وأقدر منكم، وأعلم منكم. ~~موقف جدير بالاحترام. # أما اليوم فلا يستطيع الإنكليزي في العراق أن يقول ذلك القول، لا صراحة ولا ضمنا، ~~لا عن يقين، ولا عن مكابرة. بيد أنه يقول: إننا ها هنا لأن عصبة الأمم ~~أرادت ذلك. وما في هذا القول الحقيقة كلها، بل ما فيه - والحق يقال - الإفكة كلها. وهاك ما ~~تبقى منها؛ عندما وزعت عصبة الأمم الانتدابات كانت مسيرة بنفوذ الدول التي ابتغت ~~الانتدابات وسعت لها. وعندما كانت الجيوش البريطانية تحارب الأتراك في العراق كانت ~~تعتقد صدق ما قيل لها؛ وهو أنها جاءت تفتح العراق للملك جورج وللقديس جورج # 1 # لا للعراقيين. # وما كان بلاغ الجنرال مود، إذ دخل بغداد في 11 آذار سنة 1917، غير صدى البلاغات التي كانت ~~تذيعها دول الأحلاف إبان الحرب: «ثقوا أيها العرب أننا لا نطمع ببلادكم، إنما جئنا ~~نخلصكم من الترك، ونقدم البلاد بعد فتحها هدية لكم خالصة لوجه الله.» هذا ما قاله ~~الجنرال مود في بلاغه. فإن صدق البلاغ فالجنود المجاهدون قد خدعوا خدعة فظيعة، وإن ~~كان البلاغ كاذبا فأهل البلاد المخدوعون. # تعال نعود، من أجل المقارنة، إلى الماضي؛ فقد قال قائد آخر بريطاني # 2 # في موقف شبيه بموقف الجنرال مود: «إننا ها هنا بفضل ثلاثة؛ هي: تأثلنا ~~الخلقي، وعوامل الأيام، والعناية الإلهية. وهذا كل حقنا، وهذه كل حجتنا في الاستيلاء ~~والحكم، وإننا فيما سنعمل لخير الأهالي مقيدون بضميرنا لا بضميرهم.» # قد تستغرب هذا الموقف وتستنكره، ولكنك محترم - ولا شك - الروح التي كانت توحي ~~به وتؤيده. ومن لا يحترم القوة العليا، قوة الذات والأحساب، التي هي مصدر ~~العظمة الحقيقية، وركنها الأوطد؟ ms077 ألا، مهما يكن من تغير الأيام وتبدل السياسة ~~والحكام، فإن السيادة التي ترتكز على القوة الخلقية والروحية - على الصدق والثقة بالنفس ~~والإيمان، وعلى الصراحة والشجاعة والإخلاص - تظل الأزمة في العالم، وتظل محترمة معززة، ~~ويكون النصر حليفها عاجلا أو آجلا أينما كانت. # هذه هي الحقيقة الناصعة في التباين بين أخلاق المسيطرين في هذا الزمان وأخلاقهم في ~~الزمان الغابر، هي الحقيقة فيما يصح أن نسميه مخشلب الأخلاق ودره، أبرزتها ~~تمهيدا لما سأطلعك عليه من مظاهرها فيما يتعلق بموضوعنا الآن؛ أي المعاهدة البريطانية ~~العراقية. # عندما أبل الملك فيصل من مرضه استأنف المندوب السامي السر برسي كوكس المفاوضة ~~وإياه، وكان على اتصال دائم بالنقيب السيد عبد الرحمن، فاتفق الثلاثة على تأليف ~~وزارة جديدة يرأسها النقيب للمرة الثانية. وما كانت جديدة بغير الاسم؛ لأن أكثر ~~وزرائها كانوا في وزارة النقيب السابقة، قال العميد: «ليس لدينا أحسن منهم.» وقال النقيب: ~~«لا يناسبنا غيرهم.» وقال الملك: «على الله الاتكال.» بيد أنه لم يكن مسرورا بالرئاسة؛ ~~لأن النقيب - وإن كان قد رفض التوقيع على المعاهدة الأولى - هو صديق المفوضية الوفي، ~~ويعد بقاؤه نصرا لها. # أمن الملك متوكلا على الله، وأرسل الفرمان إلى بيت النقيب، فقرئ هناك في حفلة ~~صغيرة عليها مسحة من أبهة الدولة الغابرة، دولة الترك. جاء السكرتير الأول يحمل حقيبة ~~صغيرة من المخمل الأخضر، فدخل القاعة يتقدمه ياوران يناديان: الفرمان، الفرمان. وكان النقيب ~~واقفا وسط القاعة يعتمد على عصاه، وحوله أنجاله الكبار وبعض الأعيان من المعممين ~~وغيرهم. # أخرج السكرتير من حقيبته طلحية من ورق الدواوين طويلة، وقرأ بصوت مفخم أمر صاحب ~~الجلالة إلى وزيره الأول بتأليف الوزارة، وما كان شيء من تلك الديباجة العثمانية الطنانة، ~~المرصعة ب «فخر الوزراء، وقطب الحكماء، وعين مجد الأمراء، مدبر شئون الدولة بالفكر ~~الثاقب، والرأي الصائب، وزيري ... إلخ» ما كان شيء من هذا، ما كان غير «صاحب المعالي»، ثم ~~لأمر المشفوع بأمل العرش الموطد بعون الله، أن يسترشد معاليه في تأليف وزارته بما أعطي ~~من العلم، وبما اتصف به من الحكمة ms078 والإخلاص. # والنقيب ابن الثمانين السيد عبد الرحمن، سيد العالمين بسخريات الزمان، ابتسم ابتسامة ~~صغيرة خبيثة لنفسه عندما سمع الأمر بتأليف الوزارة التي كانت قد تألفت تماما بأجمعها. ~~فقال في جوابه المختصر المفيد أنه سيتوكل على الله في اختيار زملائه. وبعد ذلك أديرت ~~كئوس الشراب ثم القهوة، وانتهت في صباح ذاك اليوم أشغال الدولة. # عندما كان النقيب رئيسا كانت الوزارة تجتمع في بيته؛ لأنه كان مقعدا، وكانت المس بل ~~تقول: «ليت في رجليه شيئا من النشاط الذي في عقله.» ولكن داء عصبيا أحوجه إلى ~~العصا يستعين بها حتى في البيت. وقد تكون هذه الحالة في صاحب المعالي أحد الأسباب التي ~~حملت الملك فيصلا على تفضيل سواه لمنصب الرئاسة، فكان يضطر في المهم من المحادثات أن ~~يجيء بنفسه إلى بيت النقيب، وكأني بالسيد عبد الرحمن - قطب الظرفاء وينبوع الكياسة - يستعين ~~بالتاريخ ليخفف الأمر على جلالة الملك، فيحدثه عن جده عبد القادر الكيلاني - قدس الله ~~سره - فقد كان يزار ولا يزور، وكان الخليفة نفسه يتنازل مثلكم، يا جلالة الملك، ~~لزيارته في بيته. # أما السر برسي كوكس والمس بل، صديقاه الوفيان، فحسبهما نور طلعته وحلاوة مبسمه. فما ~~كان يرى من حاجة إلى الأمثال والنوادر التاريخية ليزيل من «تشريفهما» ما قد تخلله من ~~مرارة الواجب. نعم، لقد كان من الواجب عليهما أن يزوراه، وكانت المس بل تشرف غالبا كل ~~يوم لتنير ذهنه، أو لتبلبله بما كان يدور ويحور، ويطفو ويغور، في ذهن صاحب المعالي الأكبر، ~~المستر تشرشل. ومما كان ينبغي أن يذكر للنقيب بالحمد والثناء أنه لم يقبل أن يرأس ~~الوزارة الثانية إلا بعد أن تعهدت دار الانتداب بتعديل المعاهدة. # وكان الانتداب شبح المعاهدة المخيف، لا في نظر العراقيين فقط، بل في نظر الإنكليز أيضا، ~~وكانت الحكومة البريطانية تحاول أن تصبغ الشبح بالصباغ الزاهي ليلتئم وألوان ~~المعاهدة الجديدة. فقد صرحت بقصدها؛ وهو أن المعاهدة لا تقوم مقام صك الانتداب، بل ~~تدخل في صلبه وقلبه فتصلحهما. # استمرت وزارة المستعمرات تعلل نفسها بالآمال، وهي واثقة أنها تستطيع ms079 أن ترضي ~~عصبة الأمم بما تخترعه وتلونه من الألفاظ، مستعينة بأقطاب القانون فيها، فتقضي على ~~المخاوف والأشباح كلها. # وهاكم المادة السادسة برهانا على ما يقول المستر تشرشل، إن في هذه المادة من المعاهدة ~~«يتعهد صاحب الجلالة البريطانية أن يستخدم نفوذه لإدخال العراق في عصبة الأمم بأسرع ما ~~يمكن.» خلال مدة المعاهدة وهي (المادة 18) عشرون سنة. بأسرع ما يمكن خلال عشرين سنة! إن ~~الله مع الصابرين، وعندما يصير العراق عضوا في العصبة، كما جاء كذلك في المادة السادسة، ~~تبطل المعاهدة - الفعل لازم - تنتهي حتما وتماما. # على أن هناك شروطا أخرى: # أولا: # أن توقع المعاهدة. # ثانيا: # أن يكون للعراق دستور أساسي. # ثالثا: # أن تخطط حدوده رسميا ويعترف بها. # وبعد ذلك ثق، يا جلالة الملك، بما يقوله المستر تشرشل. # ثم تجيء المس بل مطمئنة قائلة: «سيدي فيصل، المستر تشرشل رجل حر، والمثل العربي يقول: ~~«وعد الحر دين».» ~~- «هذا صحيح، وسيبر المستر تشرشل بوعده إن شاء الله.» # ثم تعيد قراءة البرقية الأخيرة أو أنها تتلوها على مسمعه. عندما توقع المعاهدة يباشر ~~المستر تشرشل العمل لتحقيق التعهد المتضمن في المادة السادسة. وتجيئه في اليوم التالي ~~وبيدها نسخة البرقية الأخيرة: «سيدي فيصل، يؤكد المستر تشرشل للمندوب السامي ويسأله أن يؤكد ~~لجلالتكم أن حكومة جلالة الملك ستعجل في تقرير مسألة الحدود بين تركيا والعراق.» # وكان المندوب السامي يبعث بنسخ من هذه البرقيات إلى النقيب مع ملاحظاته وإلحافه: «وأملي ~~بسعادتكم ...» فقررت الوزارة في يومها العاشر أن تجدد ثقتها بالحكومة البريطانية - بعد ~~التوكل على الله - وتصدق ما يقوله مندوبها ووزيرها. ثم وقعت المعاهدة (في 10 ت1 سنة 1922) ~~وصدر بلاغ ملكي من البلاط أن تمت بعون الله المفاوضات بالرغم عما اعترضها من ~~الصعوبات، وأن الفريقين توفقا إلى حل مرض، فالمعاهدة مبنية على المصالح ~~المشتركة، والحقوق المتبادلة، وهي تضمن سيادة العراق الوطنية واستقلاله السياسي، كما ~~أنها تضمن دخوله في عصبة الأمم. # ما اطمأن مع ذلك قلب الأمة، ولا خفت صوت المعارضة. والحق يقال، إن الملك ~~فيصلا نفسه كان يومئذ يحتمي بالألفاظ، ms080 ويحاول أن يموه بألوانها الموقف المريب، ولا ~~عجب إذ سرى إليه من النقيب، ومن المندوب، ومن وزير المستعمرات، شيء من الأمل بعلاج ~~الزمان، بل شيء من اليقين بأن ما يفسده الناس تصلحه الأيام. # وما كان أحد من أساطين السياسة هؤلاء ليجسر على الأيام فيقوم مقامها، وما كان أحد ~~يجرؤ أن يفكك - بعد الاتكال على الله - قيود الأحوال والمناسبات؛ فقد كان المستر تشرشل ~~مسئولا لدى عصبة الأمم، وكان السر برسي كوكس مسئولا لدى المستر تشرشل، وكان الملك ~~مسئولا لدى السر برسي كوكس، وكان النقيب مسئولا لدى الملك؛ إنه لجو مفعم بعوامل ~~الخوف والجزع، فيتذبذب فيه تيار المحاولات والمراوغات، ويلوص في كلماته وميض خفي ~~ينعكس في قلوب المتفاوضين. إن السبيل ضيق، أيها السادة، ولا مفر فيه من ~~المسئولية، على أنه قد ينفرج، وسينفرج إذا مضينا مستمرين في أية جادة تنفسح ~~أمامنا، وخير الجادات أهونها. # من من السياسيين ينكر ذلك؟ من من السياسيين الممرنين على عقد المعاهدات الدولية ~~يزدري الحكمة التي تفرضها المناسبات، ولا يختار من السبل أهونها وإن طال؟ وسنعطيك ~~الأمثلة من المقارنة بين المعاهدتين؛ الأولى المنبوذة والثانية المنفذة. # المقدمة في نص المعاهدة الأولى سلسلة من «حيث إن» مسندة إلى معاهدة سيفر، وميثاق ~~عصبة الأمم، وصك الانتداب. # أما في النص الثاني فقد ضرب المتعاقدان بالمقدمة عرض الحائط، وسارا توا إلى قلب ~~الموضوع فقررا ما يلي: يرى الملك فيصل أن من مصلحة العراق أن يعقد معاهدة ولاء ~~وتحالف مع الملك جورج، والعاهلان واثقان مطمئنان بأن الصلات بين البلدين ستقيم بما ~~تبينه وتحدده هذه المعاهدة. # المادة الأولى في النص الأول: «يتعهد صاحب الجلالة البريطانية بأن يمد العراق بما ~~يلزم من المشورة والمساعدة خلال مدة المعاهدة.» # ويتلو هذا في النص الثاني: «دون أن يضر بسيادته الوطنية.» ولكن المادة العاشرة تذهب ~~بكل ما هو مقصود في هذه العبارة من الاحتياط. وهاك نص المادة العاشرة في ~~المعاهدتين: ~~«يتعهد الفريقان المتعاقدان أن يقررا في اتفاق خاص منفرد ما يراه صاحب ~~الجلالة البريطانية لازما في العراق من عقود أو ms081 اتفاقات أو امتيازات، ويتعهد ملك العراق ~~بالحصول على ما يلزم من التشريع لتنفيذ هذه الاتفاقات.» # المادة 16 في النص المنبوذ: ~~«يتعهد صاحب الجلالة البريطانية بقدر ما تسمح واجبات الملك، بألا يعارض في أي ~~اتفاق جمركي أو سواه يعقده العراق والحكومات العربية الأخرى.» # المادة 19 في النص المنفذ: ~~«يتعهد صاحب الجلالة البريطانية، بقدر ما يتناسب وعلاقاته الدولية بألا يعارض ... ~~إلخ.» # أنت ترى أن في النص الأول تنحصر الجملة الاحتياطية بالدولة البريطانية، وفي النص ~~الثاني تنبسط حتى تعم الدول كلها، فأين منها سيادة العراق الوطنية واستقلاله الاقتصادي؟! ~~فهو في النص المنبوذ أقل تقييدا منه في النص المنفذ. والاثنان يعللانه، بدل أن ~~يتعهدا له، بحريته في عقد الاتفاقات والمعاهدات الجمركية. # أما التعديل الذي أدخل على مادتي 11 و14، فلا تذبذب فيه ولا مراوغة، هو صريح جلي ~~قويم، ولا عجب؛ فالحكومة التي طلبته وأصرت عليه ليست بحكومة العراق؛ بل هي حكومة ~~الرأسمالية والديمقراطية - مهد مناقضات الزمان - هي الحكومة التي كانت تفرض مشيئتها وقتئذ ~~على العالم الاقتصادي والمالي، هي الحكومة التي رفضت أن تنضم إلى عصبة الأمم، وما رفضت ~~أن تشارك بالمنافع والحقوق التي لأعضائها. # نقول نحن العرب: وما ظالم إلا ويبلى بأظلم. سألت يومئذ قنصل ذاك «الأظلم» رأيه في ~~السر برسي كوكس، فأجاب بكلمة واحدة: «فوكسي.» # 3 # وبعد أيام، إذ كان قد قدم مطالب حكومته إلى دار الانتداب ونالها، قال لي يصف ~~السر برسي: «إن في سياسته كثيرا من الزيت.» # 4 # قلت: «وماذا في السياسة الأميركية؟» فرد حضرة القنصل سهمي قائلا: «علي أن ~~أراقب السر برسي، فلا يهضم الولايات المتحدة حقوقها.» # وقد استمع السر برسي إلى المستر أون يومئذ بالأذن التي تسمع لممثل دولة من الدول ~~العظمى، ونقل كلامه برقيا إلى المستر تشرشل؛ فكان التعديل بعد ذلك في مادتي 11 ~~و14. # جاء في نص المعاهدة الأولى: «على العراق أن يعامل بالمساواة وبدون تمييز مواطني ~~الدول المشتركة في عصبة الأمم.» # وقد أضيف إلى هذه الكلمات في النص المنفذ: «وأية دولة أخرى يتعهد صاحب ~~الجلالة البريطانية ms082 باتفاق أو معاهدة وإياها بأن يكون لها الحقوق نفسها كما لو كانت ~~عضوا في عصبة الأمم.» ~~«أية دولة أخرى» هي أميركا بعينها، التي أحرزت قسمتها في نفط العراق، ومعها بضعة ~~امتيازات في التنقيب عن الآثار القديمة. ألا يهم أميركا، بلاد الرئيس ولسون من البلدان ~~المشمولة بالانتداب، غير ما فيه منفعتها المادية وشيء من المجد؟! # لنعد إلى العراق؛ ليس في نص المعاهدة الثانية من التغيير والتعديل غير ما ذكرت؛ ~~فقد نزع منها اسم الانتداب، وأضيف إليها كلمة مبهمة في السيادة الوطنية، وبدلت ب ~~«واجبات الدولة» و«الواجبات الدولية». أما ما تبقى من المواد فهي بمعناها واحدة في ~~النصين. وإن عددناها لندرك مقدار ما تضمنته من «المصالح المشتركة» و«الحقوق ~~المتبادلة»، رأينا أن أربعا منها مع العراق، وتسعا هي عليه. أضف إلى هذه المواد التسع ~~الاتفاقات الثلاثة الملحقة بالمعاهدة، أي التي تتعلق بالجندية والمالية والقضاء، تر ~~العجب في المساواة. # يوم وقعت المعاهدة قام بعض الوطنيين يحتجون، فاجتمعوا وخطبوا، وجاء فريق منهم إلى ~~بيت النقيب، فأذن لهم بالدخول، وسمع خطيبهم يخطب، ثم سألهم قائلا: «وباسم من ~~تحتجون؟» فأجابوا: «باسم البلاد.» # فنهض إذ ذاك عن الديوان يهز عصاه ويقول: «ومن أنتم لتحتجوا باسم البلاد؟ أنا صاحب ~~البلاد، وأنا أعلم منكم بحاجات البلاد وأغراضها. عودوا إلى بيوتكم وأشغالكم.» # الوفد العراقي في لندن بمناسبة ذهابه إلى جنيف ودخول العراق في عصبة ~~الأمم. جلوس: من اليمين كاظم الدجيلي، جعفر العسكري، ناجي السويدي، مزاحم ~~الباجه جي. وقوف: عطا أمين، رستم حيدر، ياسين الهاشمي، سندي وتحسين ~~قدري. # خرجوا ساكتين. # الملك فيصل الأول ببزة المارشالية. # وبعد شهر سكت صاحب البلاد نفسه. بعد شهر سقطت وزارة النقيب الثانية، وسكتت دار ~~الانتداب، ولم تكترث للأمر. فتساءل الناس قائلين: «أين وفاء الإنكليز؟» وقال البغدادي ~~بلهجته العريضة المعروفة: «يسخرونه، ويضجرونه، ويهجرونه!» # كان السر برسي كوكس يومئذ في العقير عاملا وابن سعود في تصفية الجو المتعكر بين نجد ~~والعراق، وتسوية العلائق النجدية البريطانية، فيبرزها كلها جلية صافية في معاهدة أو ~~معاهدتين، ولا سيما أن مدته كمندوب سام ms083 كادت تنتهي، فكره أن يترك مسائل ~~متوقدة، ومشاكل معقدة، إن في العراق أو في نجد؛ لذلك كان جادا في إطفاء النار، وفي ~~حل العقد هنا وهناك، فيستطيع إذ ذاك أن يحمل إلى لندن النبأ السار أن كل شيء هادئ في ~~الميدان العربي. # ومما هو جدير بالذكر أن مهمته كانت كثيرة العقبات، شديدة المشقات، خصوصا وقد ~~كان عليه أن يرضي العرب والحكومة البريطانية وعصبة الأمم، وحتى الولايات المتحدة. فمهما ~~قيل في المعاهدة والدور الذي مثله على مسرحها ووراء مشاهده، فمما لا ريب به أنه ~~كان من المشيدين للملك الجديد، ومما هو دون كل ريب أنه وضع أسس السلم والولاء بين ~~البلدين، نجد والعراق. لك أن تقول في سوى ذلك إنه ماهر في الترقيع، ولك أن تقول كذلك ~~إن قطباته في الرتق غير محكمة، يبدو عليها أثر السرعة والتعب. هذا صحيح، وهو نفسه ~~عالم به، وقد كان مدركا ما في المعاهدة من الغبن للعراق، وغير راض بأن تستمر عشرين ~~سنة. # عاد من العقير يحمل في صدره، وفي مذكراته، من المعلومات الخاصة بنجد والعراق ما لا ~~يستطيع أن يرسله بالبرق أو بالبريد إلى وزارة المستعمرات، فوجب عليه أن يسافر إلى لندن قبل ~~أن تنتهي مدة وظيفته، وقد وعد الملك فيصلا أنه سيبذل كل ما في طاقته ليجعل مدة ~~المعاهدة خمس سنوات بدل العشرين. # بيد أن الأمور في وزارة المستعمرات تجري في مجاريها الخاصة المحددة، وأن ~~للعقل القانوني فيها قوالب لا بد منها؛ فهي إذا تكارمت مثلا تختار لكرمها القالب الذي ~~يليق ظاهرا به، ضيقا كان أو واسعا. ومن هذه القوالب الألفاظ الشرطية ~~والاحتياطية. # فقد قررت تلك الوزارة بعد أن سمع رئيسها المستر تشرشل إلى السر برسي أن تعدل ~~المادتين 6 و18 في ملحق للمعاهدة، وهذا الملحق يقول: «إن المعاهدة تنتهي عندما يصير ~~العراق عضوا في عصبة الأمم، وفي كل حال لا تتجاوز المدة أربع سنوات من تاريخ إبرام الصلح ~~مع تركيا.» # هو العقل القانوني بتنطعه وتحوطه؛ فقد أبدل بوعد غير مقيد بشرط - وإن ms084 بعد يوم ~~تحقيقه - وعدا محددا ومقيدا بشروط، ومن هذه الشروط أن المعاهدة لا تنتهي إلا ~~بموافقة عصبة الأمم (المادة 18)، فإن تم الصلح وتركيا، ومرت بعد ذلك الأربع سنوات، ~~ورفضت عصبة الأمم أن تعترف بانتهاء المعاهدة، ظل العراق مكانه، بل عاد إلى الجهاد حيثما ~~بدأ به. # ومع ذلك كله فقد رحب الملك فيصل بهذا الملحق، وأذاع بلاغا على الأمة قال فيه إن ~~الحكمة تمكنت «أن تخطو خطوة كبيرة أخرى في سبيل تحقيق أماني العراق؛ وذلك بعقدها ~~الملحق الجديد للمعاهدة العراقية البريطانية، وكان من جملة الأسباب الرئيسية المبني عليها ~~الملحق تلك الخطوة السريعة التي خطتها حكومتنا في سبيل التقدم والاستقلال .» # كلام الملوك، مثل كلام الوزراء! ولكن الأمة، وإن كانت لا تدرك ما يدركه الملوك والوزراء، ~~تقرأ ما في قلبها، قبل أن تقرأ ما في البلاغات الرسمية. # | جهاد الملك فيصل # ما قدر لملك من ملوك العرب في هذا الزمان اجتياز ما اجتازه الملك فيصل من غمرات ~~المشاكل الوطنية والدولية، ولا قدر لسياسي من ساسة الدول الصغيرة أن يوفق مثله بين ~~شتى العناصر المتضاربة التي اكتنفت المفاوضات لعقد معاهدة كانت تبدو دائما في طور ~~التكوين، فلم يكن الوضع ليثبت حتى في أساسه على حال من الأحوال. هو وضع ذو أنوار وظلال ~~مضطربة متقلقلة، وضع مقيد بعوامل من التبدل والتغير كانت تنبعث ليس من لندن فقط، بل ~~من جنيف أيضا، ومن أنقرة وطهران والرياض؛ فأين من هذا الاضطراب، وتضارب المنافع والأغراض، ~~طريق الثقة والاطمئنان؟! أين تلك الطريق التي كان يتلمسها الملك فيصل ويتحسسها، ~~وقلما يجدها سليمة أمينة؟ ولا غرو، فقد كثر فيها لمع السراب، وتعددت فيها الحفر ~~والأخاديد، فاشتد في الملك الحذر وازداد الاحتياط. # إنها لحرب سلمية، إنها لحرب في الظلام، وقد تخللت واقعاتها سحب من الغازات ~~السامة؛ فجعلت التقنع، التستر، المخادعة، من لزوم الدفاع. وقد كانت القضية ومعضلاتها في ~~منزلة من الأهمية تصغر عندها الشخصيات، وإن كانت ملكية، وتضؤل المطامح الخاصة، وإن ~~كانت لأكبر السياسيين؛ فمن أهم الواجبات إذن أن تحل هذه المعضلات، وتسوى ms085 تلك ~~القضية على مبدأ العدل الثابت، والرضى الدائم، فضلا عن التأمينات الوطنية والدولية. ~~هذه هي الحقيقة الكبرى التي قلما غابت عن بال الملك فيصل؛ فقد كان - والحق يقال - أشد ~~ملوك العرب شعورا باشتراك المنافع، وأكبرهم تقديرا للوضعية الأوروبية في هذا ~~الاشتراك. # على أن همه الأول أن يصون حقوق البلاد من غوائل السياسة التي مر ذكرها؛ سياسة ~~المخاتلة واللين، وأن يحفظ المملكة الفتية من عوادي الشقاق والفوضى، التي بدأت تفتك ~~بها في السنة الأولى من حياتها. وقد أشفق الإنكليز أنفسهم مما كان يهدد يومئذ ~~العراق، فكتبت المس بل إلى أمها، في شهر آب سنة 1922 تقول: «إننا نخشى انفجارا ~~ثانيا » (وهي تشير إلى الانفجار الأول؛ «أي الثورة الأخيرة»). # ولكان الانفجار لولا صبر فيصل وتعقله، لولا حنكته وبعد نظره. وما بالى أن يتهم ~~بالعداء للإنكليز، وما بالى أن يقال إنه يؤثر مصالحهم على مصالح البلاد؛ فقد مر ~~بالتهم الإنكليزية والعراقية مر الكرام، ومشى إلى غرضه بقدم ثابتة، وهمة صادقة. ~~وما كانت مهمته هذه مما يغبطه عليه أحد من السياسيين أو الحكام؛ فهناك الدسائس ~~والمؤامرات والمخاتلات والخيانات يغالبها ويتغلب عليها، وهناك الأقليات والعشائر ~~المتهيئون دائما لمناوأته يداريهم ويجاملهم ليستميلهم إليه. وقد كان لكل خطوة اتجاه، ~~ولكل خطة ملابسات يختص بها، وكانت كلها بمجموعها تؤدي به من موحل إلى آخر ~~أوحل منه. مع ذلك كله فقد كان هدفه طول ذاك الجهاد واحدا، بعيدا ثابتا ناصعا لا ~~يتغير، ولا يثنيه عنه شيء في مغالبات الناس وحماقاتهم أو في نكد الزمان وعواديه، وهذا ~~الهدف هو عصبة الأمم؛ سعى وجاهد فيصل ليصل بالعراق إلى عصبة الأمم، لا لفضل فيها خاص، ~~بل للتخلص بوساطتها من هذا الشيء الذي ولدته؛ من هذا الانتداب ابنها ومن نيره. # وقد كان عليه أن يقود العراق في اجتيازه المراحل، الواحدة بعد الأخرى، إلى تلك المحجة ~~البعيدة. بيد أنه كان مقيدا في القيادة بخطة أخرى غير خطته، بل بخطط غير تلك ~~التي كانت توحي بها السياسة الفيصلية. وكيف لا، وللإنكليز وجهة نظر يجب أن ms086 تتقدم، وإن ~~تغيرت كل يوم، وجهة نظره، أو تلتئم بها؟ وكيف لا وللإنكليز حق في الإرشاد، وأساليب في ~~الإرشاد عجيبة؟ فعليه أن يسلك بموجبها، أو يتلمس سبيله بتعقل إنكليزي، كما يتلمس ~~الجواد طريقه خلال الضباب في لندن. # بل كان عليه أن يرى وراءه كما يرى أمامه، وأن يحسن فوق ذلك شيئا من علم المناقضات! ~~وها نحن في الفصل الأول من هذا العلم الطريف نعقد معاهدة تحالف مع حكومة دستورية ~~نيابية، لا مجلس نيابيا لها ولا دستور! ولا بأس، فإنه من الممكن، في علم المناقضات، ~~أن تجر العربة الحصان. وعندما تدنو ساعة الأعجوبة؛ أي عندما تشرع الأمة في سن ~~دستورها الأساسي، ينبغي ألا يحدث ما قد يمنع الحصان من السير وراء العربة، وبكلمة ~~عربية مجردة من المجاز الإنكليزي ينبغي ألا يكون في دستور الأمة - ذات السيادة - ~~ما يناقض مضمون المعاهدة. حاول فيصل أن يسير بنور هذه الحكمة الإنكليزية، أن يهتدي بهذا ~~الهدي البعيد الضياء، وأن يفوز فوق ذلك بحب شعبه. # بعد أيام من عقد المعاهدة، صدر بلاغ ملكي بوجوب انتخاب المجلس الوطني التأسيسي، ~~ليجتمع في الشهر الأول من سنة 1923، ولكن المعارضة المستمرة حالت دون مباشرة العمل، ~~وكانت تزداد شدة في الشيعة؛ إذ أفتى المجتهدون بمقاطعة الانتخابات، وهم يموهون سياستهم ~~الفارسية بما يظهر من عطفهم على الأتراك. وكان آية الله مهدي الخالصي أشد زملائه تطرفا ~~وأنكرهم مكابرة حتى في مجابهة الملك، فغضب رئيس الوزارة عبد المحسن السعدون غضبته ~~الأولى، وأمر بتسفير آية الله. # عندما أبعد مهدي الخالصي إلى بلاد فارس، صاح زملاؤه محتجين، وختموا احتجاجهم بأن ~~حمل كل منهم عصا الترحال، ونفض عن نعله غبار العراق. راحوا يشاركون أخاهم ~~الأكبر منفاه في طهران، فحمدل السعدون، ولكن العقبات ظلت قائمة في سبيله، بل كانت ~~المحنة محنته تشتد بدعاء أولئك المجتهدين، على بعدهم، وبصلوات أتباعهم الحارة. # فزع الملك، وفزع العميد إلى السعدون. توحدت قوات البلاط ودار الانتداب والحكومة على ~~المعارضة، ففتت في ساعدها، وما تمكنت من القضاء عليها. قد استمرت الحال هذه سنة ~~كاملة، ms087 سقطت خلالها، وزارة السعدون، فجاء جعفر العسكري بأمر ملكي يستأنف الجهاد؛ جهاد ~~المعارضين بانتخاب المجلس؛ لأنه - كما ادعوا - سيسن قانونا للاعتراف بالمعاهدة. ~~مضت وزارة العسكري في سبيلها، وكانت يمدها البلاط ودار الانتداب بكل ما لديهما من ~~السلطة القانونية والنفوذ المعنوي - غير القانوني - وكانت في النهاية موفقة، فجرت ~~الانتخابات واجتمع المجلس التأسيسي، الذي فتحه الملك فيصل في 27 آذار 1924؛ أي بعد سنة ~~وخمسة أشهر من توقيع المعاهدة. # في تلك الاثناء عقدت وثيقتان، في لندن ولوزان، هما للعراق على جانب من الأهمية؛ ~~الأولى: الملحق الذي جعل مدة المعاهدة أربع سنوات بدل العشرين سنة، والثانية: معاهدة ~~الصلح بين تركيا والحلفاء. فجاءت هاتان الوثيقتان مددا للحكومة في خضد شوكة المعارضة ولو ~~خارج المجلس. أما في المجلس فقد كان الوطنيون المتطرفون الأكثرية فيه؛ فحملوا على ~~المعاهدة، وخصوصا على ملحقاتها الثلاثة التي تتعلق بالجندية والمالية والقضاء، ~~حملات شديدة، تخللها نوع من الجدل لا يندر في الغرب، ويستغرب في الشرق، فدارت رحى ~~القتال، بالأيدي والكراسي، بينهم وبين أنصار الحكومة. وكان حزب العمال البريطاني قد ~~فاز في الانتخابات، فتولى الحكم هناك، فناط المتطرفون بوزارته كبير الآمال، وأمعنوا ~~بالعصيان. إن أحرار بغداد يحيون أحرار العمال في لندن ويستعطفونهم. # رأى المندوب السامي الجديد السر هنري دوبس شيئا من البراعة في هذه المناورة، فحاول ~~مغالبتها بتعديل الاتفاق المالي، وهو غير متيقن ما قد يكون موقف الحكومة الجديدة فيه، وما ~~عتم أن جاءه الخبر اليقين، فلا يزال النور في وزارة المستعمرات نور المستر تشرشل، ولا تزال ~~السياسة في عهد العمال كما كانت في عهد السلف؛ «العربة تجر الحصان.» # أجل، يجب أن تقر المعاهدة قبل كل شيء، وبعد ذلك «تعيد الحكومة البريطانية النظر في ~~تعهدات العراق المالية.» كان أحرار بغداد يتوقعون غير هذا من إخوانهم أحرار لندن! ~~فازدادوا تمردا؛ إذ رأوا عكس ما أملوه، وتفانوا، لجئوا إلى الكراسي في سبيل المعارضة، ~~فأرسلت إذ ذاك وزارة المستعمرات بلاغها المصعق: إن لم يتخذ المجلس حتى اليوم ~~العاشر من حزيران قرارا حاسما، تحسب الحكومة البريطانية المعاهدة ms088 مرفوضة، وتسترعي نظر ~~عصبة الأمم إلى الانتداب. وبكلمة أخرى قد أنذرت العراق بالحكم الإنكليزي التام، بالحكم ~~المباشر. # مما شجع الحكومة البريطانية يومئذ في هذا العمل مفاوضتها والأتراك بشأن الحدود ~~العراقية الشمالية، وقد كانت الموصل موضوع البحث والنزاع. فهل تفادون بالموصل، يا أحرار ~~بغداد؟! نعم، الموصل، ستخسرون الموصل. وسرى التهامس في الدوائر السياسية وفي الأندية؛ سنخسر ~~الموصل حتما إذا رفضنا المعاهدة. # بيد أن المجلس كان قد ارفض لأجل غير مسمى، فصدر الأمر باجتماعه، فأطاع الأمر ~~ثلثان أو أقل من أعضائه. وعندما جاء اليوم العاشر من حزيران، وأدبر نهاره، وأقبل ليله، ~~لم يكن قد توافر النصاب، فبادر بعض رجال الحكومة والبلاط لكشف المحنة، راحوا ~~يفتشون في بغداد عن الأعضاء المتلكئين والمختبئين؛ فاهتدوا إليهم وتوسلوا - حاسنوهم ~~بالكلام وجاملوهم ووعدوهم وأوعدوهم - وظفروا بعد ذلك بهم. فجاءوا المجلس وكمل النصاب ~~في الساعة الأخيرة. كانت تلك الليلة من ليالي فيصل المدلهمة، ولكنه في منتصف الليل تنفس ~~الصعداء؛ إذ جاءه الخبر أن المجلس أقر المعاهدة على أنه أضاف إلى الإقرار ملحقا ~~يعرب فيه عن أمله بأن تعدل الحكومة البريطانية، برا بوعدها، الاتفاق المالي في ~~القريب العاجل، وألا تتنازل لتركيا - في أي حال كان - عن ولاية الموصل. وبعد ذلك ~~استأنف أعماله بهدوء وسكينة، فأنجز الدستور وقانون الانتخاب وأقرهما، ثم انفض عقده، ~~وتفرق أعضاؤه. # هذه هي المرحلة الأولى التي اجتازها العراق في طريقه إلى عصبة الأمم، وقد اجتازها على ما ~~كان من مقاومة الشيعة، ودون أن يحدث ما ينكد عيش المتشرعين والمتعاهدين. ومن الحقائق ~~الأخرى الثابتة هو أن الحكومة البريطانية سترشح العراق لعضوية العصبة في سنة 1928؛ أي ~~بعد أربع سنوات من تاريخ معاهدة لوزان، فماذا عسى أن يكون بعد ذلك شأن المعارضة؟ بل ماذا ~~عسى أن تقول في الحكومة البريطانية، وقد برهنت في تلك السنة بعد شهرين من إقرار المعاهدة، ~~عن صدق نياتها؟ فوقف اللورد بارمور في مجلس العصبة بجنيف في دورة أيلول يقدم المعاهدة ~~العراقية وملحقاتها للموافقة، ويقول: «قد تقدم العراق في السنتين الأخيرتين ~~تقدما سريعا؛ مما يجعل ms089 سياسة الانتداب، وفقا للمادة 22 من ميثاق العصبة، غير ~~موافقة له بعد حين.» ثم أعرب عن يقينه أن سيصبح في سنة 1928 أهلا لعضوية العصبة، فترشحه ~~الحكومة البريطانية لذلك. وقد نهجت هذا المنهج الحكومة البريطانية في تقريرها عن العراق ~~لعام 1925، فتكلم مندوبها أمام لجنة الانتدابات الدائمة بلهجة أصرح من لهجة اللورد ~~بارمور عن تقدم الحكم الوطني الدستوري. ومما لا ريب فيه أن بريطانيا كانت راغبة في ~~إنهاء الانتداب رغبة العراق، رغبة صادقة، اللهم بعد أن تكون قد أمنت هناك بوساطة ~~المعاهدة والمصالح البريطانية. # ها هنا حد السلامة، ها هنا تقف الحكومتان أمام العقبات التي نشأت عن مسألة الحدود ~~التركية العراقية. ومع أن نيات الحكومة البريطانية كانت صادقة شريفة في هذا الأمر، ~~فقد أخفقت مساعيها لحسمه مباشرة، فاضطرت إذ ذاك أن تحيله إلى عصبة الأمم، عملا بمضمون ~~معاهدة لوزان. وقد عينت العصبة بناء على ذلك لجنة من قبلها، فزارت العراق في أوائل ~~سنة 1925، وقضت ثلاثة أشهر تستكشف الحدود الشمالية وتحققها، وتدرس أحوال الأقليات هناك، ~~وتسمعهم يشكون ويتدللون. # وكان الآشوريون أشد تلك الأقليات المزعجة إزعاجا، مع أنه لم يكن لهم، في ذلك الحين على ~~الأقل، ما يبرر الشكوى، بل كانوا - عكس الأمر - مغمورين بالعطف مدللين. عطفت عليهم ~~حكومة العسكري، ودللتهم حكومة الهاشمي، وجاءهم حتى من الملك فيصل الكلمة التي فيها كل ~~الضمان والأمان؛ فقد تعهدت الحكومة العراقية أن تقدم الأراضي لأولئك الذين يضطرون بعامل ~~التحديد الجديد أن يخرجوا من بلادهم، وأن تنشئ إدارات محلية تضمن لهم الحرية في ~~مزاولة أعمالهم، وفي المحافظة على تقاليدهم وثقافتهم، وقد كان لموقف الحكومة العراقية ~~الوقع الحسن في نفس اللجنة، فخططت مطمئنة الحدود التي ضمنت ولاية الموصل ~~للعراق. # غضب الأتراك لذلك، وبعد أن أعلنت الحدود الجديدة التي دعيت «بخط بروسل»، اخترق جنودهم ~~تلك الحدود، وهجموا على بعض القرى، فذبحوا أهلها الأكراد والآشوريين، وتقدموا في ~~إغارتهم جنوبا، وهم يهددون بالاستيلاء على الموصل، فروعوا حتى عصبة الأمم التي ~~عينت لجنة أخرى لإعادة النظر في تلك الحدود. جاءت اللجنة الثانية، ms090 وساحت، ودرست، ~~وحققت، وقدمت تقريرها إلى العصبة في جلسة كانون الأول 1925. # بينما كانت اللجنة قائمة بعملها في الشمال، انتخب العراق مجلسه النيابي الأول، ففتحه ~~الملك فيصل في غرة تموز، وهو مستبشر بهذه الخطوات التي تقرب منه تلك المحجة القصية ~~بجنيف، فهاكم دستورنا، وهاكم مجلسنا النيابي، وهذه حدودنا الشمالية قد تحددت، فماذا ~~تبتغون بعد ذلك منا؟ # سافر الملك فيصل إلى أوروبا في الشهر التالي، وهو - ~~على توعكه ووهن جسمه - فرح مبتهج؛ فقد راح في هذا الصيف مستشفيا، ومستكشفا جو ~~السياسة، وكان أمله أن يصل بالعراق إلى العصبة قبل اليوم المنشود. وما المانع، ونحن نجتاز ~~المرحلة بعد الأخرى بسرعة مدهشة؟ فراسل وحادث وقابل من لهم النفوذ الأكبر في السياسة ~~الدولية وفيهم المخلصون والمحبون، وظل على اتصال بهم وهو يستشفي بأحد الينابيع المعدنية ~~بجنوب فرنسا. # بيد أن هناك كذلك، في حومة السياسة الدولية، غير المخلصين والمحبين وغير العاملين في ~~سبيل السلام، وغير الآمرين بالمعروف، وهم من أصحاب الأمر والسلطان. وقد كان لأصواتهم ~~ولهمساتهم - وحتى لأنفاسهم في الجو المضطرب - مكان؛ أي مكان، فلا بد أن يكون قد سمع ~~فيصل - كما سمع بكل الرواية مكبث - بعض أصوات الحقيقة في ذاك الصيف من فم «بنات ~~الديجور»؛ بنات عم النفاثات في العقد. وأخلق بهن أن ينطقن، إن في هذا الشرق أو ~~في ذاك الغرب، باسم زمان عتل زنيم. # المليح قبيح، والقبيح مليح، # هات الحطب وهات الشيح، # وانفخي، وانفخي، وانفخي يا ريح. # 1 # إيه أيتها السواحر الشقيقات، النافخات والنافثات، إيه بريطانيا وتركيا ~~وجنيف، انفخن في النار السياسية، انفثن في العقد الدولية، وقلسن، قلسن في غابات ~~الأسرار، حول النار، وتنبأن لهذا الملك العربي، المتحدر من صلب النبي. # فيصل العراق: # النجم بعيد قريب، # والعصبة أخت الحبيب، # هات الحطب وهات الشيح، # وانفخي، وانفخي، وانفخي يا ريح. # | فيصل العرب # على مغزل العصبة غزل العراق، وغزل الشقاق والاشتياق # كان مجلس العصبة يدرس في ذلك الحين تقرير لجنة الحدود الثانية، فأثبت في جلسة كانون ~~الأول ما قررته اللجنة الأولى. أيد خط بروسل على شرط ms091 - على شرط - أن تعقد إنكلترا والعراق ~~معاهدة جديدة لمدة خمس وعشرين سنة! «المليح قبيح والقبيح مليح ...» # كان فيصل قد عاد إلى بغداد متشائما، ولكنه لم يتوقع مثل هذا الشؤم ومثل هذه الكريهة. ~~ما عدا عما بدا؛ فقد أقرت العصبة منذ سنة (في جلسة أيلول سنة 1924) المعاهدة العراقية ~~الإنكليزية، وأقرت الملحق الذي خفض مدتها من عشرين سنة إلى أربع سنوات. فما الذي جرى ~~خلال السنة ليبرر هذا الانقلاب؟ وما السبب يا ترى في رفض الملحق ونبذه؟ هل وقفت العصبة ~~هذا الموقف الجديد لخير بريطانيا أم لخير تركيا أم لخير العراق؟ أم هل كانت قد أشربت حب ~~الآشوريين والأكراد فهامت بهم، وأغدقت عليهم خمسا وعشرين سنة من بركات الحماية ~~البريطانية؟ # لا شك أن الأقليات في ولاية الموصل كانت يومئذ في حاجة إلى الحماية، وخصوصا من ~~غوائل الأتراك. ولكن العراق كان مستعدا وقادرا، فضلا عن حليفته العظمى، أن يقوم بهذه ~~الحماية. أضف إلى ذلك أن دستور العراق يضمن لهذه الأقليات ما لسواهم في البلاد من ~~الحقوق المدنية والدينية، فكيف تبرر عصبة الأمم موقفها الشاذ المحفوف بالغموض؟ إنه لمن ~~الصعب جدا أن ندرك الحقيقة في نيتها وأغراضها، فهل هي ~~في عملها إنسانية الشعور، تعطف على أقلية مظلومة، وتود أن تخلصها وتضمن لها أسباب ~~العيش والاطمئنان؟ أم هي في عملها أوروبية النزعة، مسيحية الشعور، تفصل بين دولتين ~~إسلاميتين من جهة، وبينهما وبين دولة مسيحية من الجهة الأخرى، فتسمح بالدخول على مقرراتها ~~لأغراض أقلية مسيحية، أو بالحري لأغراض الرؤساء الدينيين لتلك الأقلية وأصحاب المصالح ~~من أشياعهم؟ # حملت بريطانيا قرار العصبة الجديد، وسارعت في تنفيذه. فوصلت المعاهدة الجديدة إلى ~~بغداد في أواخر كانون الأول، فوقعها رئيس الوزارة السعدون بعد أن وعده المندوب السامي ~~الوعود فيما يتعلق بالاتفاق المالي، وبدخول العراق في عصبة الأمم، ثم جاء الرئيس ~~بالمعاهدة إلى المجلس، فتصدت لها المعارضة، يتقدمها ياسين الهاشمي، وطلب أن تحال إلى ~~لجنة خاصة للدرس، فرفض السعدون الطلب، واقترح أن تكون المناقشة سرية، فأيد اقتراحه ~~رجال حزب التقدم، وكانوا قد ms092 رفعوا إليه عريضة يلحون فيها بالإسراع في المناقشة. وعندما ~~أخرج المتفرجون خرج رجال المعارضة، فلم يبال رئيس الوزارة بذلك. # أقفلت أبواب المجلس، واستؤنفت الجلسة بكلمة من رئيس الوزارة وجيزة صريحة شديدة: ~~«أيها السادة، إذا رفضنا أن نقر هذه المعاهدة خسرنا الموصل، وما دام الأمر كذلك، فلا بأس ~~إذا جاملنا المندوب السامي في طلبه، بل في طلب وزير المستعمرات المستر إمري، وهو أن يتم ~~الإقرار قبل افتتاح دورة مجلس العموم البريطاني في أول شهر شباط.» # كان المجلس، أو ما تبقى فيه بعد خروج المعارضة، من حزب السعدون، فبالغ بالمجاملة، بعد ~~الحوقلة والاتكال على الله، وأقر المعاهدة؛ إكراما للموصل لا للمستر إمري، في 18 ~~كانون الأول ، بما يقارب الإجماع. # وفي هذه المعاهدة عاد الإنكليز إلى تعديل نص عهدهم الذي يتعلق بدخول العراق عصبة ~~الأمم، فجاء كما يلي: «عندما تنتهي المعاهدة الأولى، عملا بالملحق المعقود في شهر نيسان ~~سنة 1923، وبعد ذلك في كل أربع سنوات متوالية إلى أن تنتهي الخمس والعشرون سنة، أي مدة ~~المعاهدة الجديدة، تنظر الحكومة البريطانية فيما إذا كان ممكنا أن تتوسط لإدخال العراق ~~في عصبة الأمم.» هو المطال والتمحل، بل هو العهد المنقوض، وقد رطم العراق وتضعضع، وأمسى ~~الملك فيصل في حال شبيه بحاله في سنة 1922، بل أشد وأنكد، واحر قلباه ممن قلبه شبم! ~~... # ما وهن مع ذلك العزم منه، ولا ضعفت ثقته بالله وبنفسه، بل كان دائما يقول: «سنسير بعون ~~الله من معاهدة إلى أخرى، وسنظفر بالتي فيها حقنا بأجمعه، سنظفر بالمعاهدة التي ستدوم.» ~~وبعد بضعة أشهر أنعشت آماله وآمال العراق المعاهدة الثلاثية - التركية العراقية البريطانية ~~- التي عقدت في أنقرة في الخامس من شهر حزيران 1926، فاعترفت تركيا بخط «بروسل»، سلمت ~~للعراق بولاية الموصل. # أدب الملك مأدبة رسمية؛ احتفالا بهذا الحدث وتفاؤلا به، فخطب خطبة أعرب فيها عن ~~رغبته الشديدة بالسلم وجيرانه كلهم، وأنه سيبذل ما في طاقته في هذا السبيل. وقد أشار ~~المندوب السامي في تقريره إلى هذه الخطبة، فقال: إنه «أعرب عن امتنانه للحكومة ~~البريطانية، وتقديره لجهود ms093 ممثليها في سبيل العراق.» # الملك فيصل الأول في البلاط أمام العرش. # على أن الحوادث التي تتابعت بعد ذلك وتفاقمت لا تشف عن شيء من روح الامتنان ~~والتقدير، ليصور المندوب صوره السياسية الزاهية الألوان، ليموه وينمق المحال ما شاء ~~وشاءت السياسة، فإن الحقيقة البارزة الناصعة هي أن العراقيين فقدوا الثقة بالإنكليز، ~~فقدوها كلها، وكان احتقارهم لممثلي الحكومة البريطانية يزداد يوما فيوما، احتقروهم ~~ومقتوهم. # وكانت السنة التي عقبت إبرام المعاهدة الأخيرة أظلم ما كان من عهد السر هنري دوبس ~~المظلم؛ فقد توترت العلاقات فيها بين البلاد ودار الانتداب وتكاثفت صفوف المعارضة ~~للسياسة البريطانية، وانتشر في البلاد روح عداء للبريطانيين باصرة عاقلة، فكانت لذلك أبلغ ~~وأسرع في تقويض سياستهم المعنوية والسياسية. لا عجب، وهم هم المخلفون بالوعود، ~~الناقضون للعهود. # أما المعاهدة فما حلت من العقد كلها غير عقدة واحدة؛ هي الحدود التركية العراقية. ~~وظلت الاتفاقات الإضافية، المالية منها على الأخص والعسكرية، مفتوحة للبحث، للمحادثة، ~~للنزاع. بيد أن وزارة السعدون كانت تنتظر على الأقل تسوية المشاكل المالية وتقويمها في ~~اتفاق جديد، فخاب أملها، واستعفى رئيسها عبد المحسن حردا ناقما. # ثابر الملك فيصل وانتدب جعفر العسكري ليؤلف وزارة جديدة، فجاء جعفر يباشر العمل باسم ~~الله، وباسم التفاهم العراقي البريطاني: «هم بليتنا، يا أخي، ونحن بليتهم، فيجب ~~علينا أن نتفاهم لنحدد في الأقل أجل البليتين.» # وكان المندوب السامي، السر هنري دوبس، قد بدأ يشعر هذا الشعور ويدرك هذه الحكمة، ولا ~~سيما أن بليته الشخصية أوجبت عليه الإسراع في العمل؛ إذ كانت أسبابها تتصل بوزارة ~~المستعمرات التي طالما أصمت أذنها لاقتراحاته وآرائه، ولكنه توفق في النهاية إلى شيء ~~من الإقناع، فقبل رئيسه الوزير أن يعاد النظر في المعاهدة لتعديل بعض بنودها. # بدأت المفاوضات فورا في بغداد، ثم فر المتفاوضون هاربين من حر العراق، واستأنفوا ~~العمل في لندن إبان الخريف، وكان الملك فيصل قد تقدمهم إلى أوروبا ينشد العافية، ~~ويستوحي عن كثب مقامات السياسة الدولية. فحط رحاله على مياه «إيكس له بان» المعدنية، ~~وكان اتصاله بوفد العراق في ms094 لندن سهلا، على أن المفاوضات كانت سريعة التطور، فرأى ~~الوفد أن يكون الملك أقرب إليهم، فأبرقوا بذلك إليه. # غادر الملك فيصل «إيكس له بان» فعرج على باريس في طريقه إلى لندن. ويوم كان في عاصمة ~~الفرنسيس، قرأ في الصحف، في الصفحة الأولى مطبوعا بالحرف العريض، نبأ جاء من العراق، ~~من كركوك، عاصمة النفط، ينبئ بالحدث الخطير. إلا إن «بابا كركر» لمن المرسلين، ~~«بابا كركر»؟ بكر الآبار، ينطق بالخير، ويبشر بالبركات، فبينما كانت الشركة ~~التركية، التي منحت امتيازها في سنة 1925، تسبر غور «كركر»، وقبل أن بلغت المائة ~~والثمانين قدما إلى قلبه، انفجر انفجارا هائلا، وقذف بخيره عاليا؛ مائة وستين قدما فوق ~~الأرض! «بابا كركر»، «بابا كركر»! تبارك اسمك وتمجد! سيساعدنا نبؤك على حل المشاكل ~~والمعضلات. عبر الملك فيصل بحر المانش، وهو سابح في سماء من أحلام النفط ~~والاستقلال. # ولكن لندن عدوة الأحلام، ووزارة المستعمرات فيها تقرأ أنباء «بابا كركر» وتمضي في ~~أمورها، ومن تلك ما كان مهيئا لفيصل؛ فقد صدم في وزارة المستعمرات يوم وصوله صدمة ~~عنيفة، جاءت في مذكرة كانت تنتظره هناك. جاش في صدره الغيظ وهو يقرأ ويتأمل خط كاتبها، ~~عرف الخط وتأكده، فازداد تغيظا. نعم، هو خط المندوب السامي السر هنري دوبس نفسه، ~~وفي كلماته التهم والتوبيخ؛ الملك فيصل يناصب بريطانيا العداء، الملك فيصل لا يمثل ~~العراق بما يفعل ويقول، الملك فيصل يناصر المعارضة ويشجع سرا المعارضين والمتطرفين. ~~ينبغي أن يعلم أنه ملك دستوري لا يجوز له أن يتدخل في شئون الدولة، فيتركها لرؤساء ~~الحكومة وللبرلمان، ويجب عليه أن يترفع عن المنازعات والسياسات الحزبية ... سأل الملك ~~معنى ذلك وبيانه، فقيل له إنه جاءهم في التقارير الرسمية من بغداد. # ليس في تلك المذكرة، نظرا إلى الزمان والمكان، شيء من حسن الذوق، وليس فيها - نظرا ~~إلى الأحوال - شيء من الأصالة والسداد. وهب أن ما جاء فيها صحيح، فهل تساعد يا ترى في ~~إنجاح المفاوضات؟ وهب أن اضطراب الجو كان وقتيا، وأن حلم الملك فيصل وصبره تغلبا ~~على شعوره؛ فكيف السبيل ms095 إلى التوفيق بين حقائق السياسة وظواهرها؟ كيف نستطيع أن ~~نوفق بين معاهدة سنة 1922 وبين الأحوال الحاضرة؟ # مما لا مراء فيه أن العراق - في الخمس السنوات الأخيرة - تقدم تقدما يذكر، ~~سياسيا واقتصاديا، وأن النفقات البريطانية الإدارية والعسكرية هبطت هبوطا جسيما. ~~ومما لا ريب فيه أن كفاية العراق للعضوية في عصبة الأمم هي أظهر مما كانت يوم ~~رفع اللورد بارمور صوته في مجلس العصبة، وردد تقريره سنة 1925 صداه أمام لجنة ~~الانتدابات الدائمة، تنويها بالعراق، وتأييدا لمطالبه. # ولكن ... ولكن، نظرا إلى حكم العصبة بالموصل للعراق، وتقييد ذلك الحكم بشرط هو أن تمدد ~~المعاهدة عشرين سنة، ودفعا للظنون التي قد يثيرها التعديل أو محاولته في نفوس الأتراك، ~~فيعودون إلى المطالبة بالموصل فضلا عن أن اتهامهم بريطانيا والعراق بنقض العهود بعد ~~بلوغ الأرب؛ نظرا إلى هذه الأمور كلها ليس من مصلحة الحكومتين أن نستعجل الانضمام إلى ~~عصبة الأمم، بل ينبغي أن نؤجل المسألة إلى سنة 1932، # 1 # وستظل في هذه الأثناء العلاقات البريطانية العراقية على حالها. # أما الوفد العراقي فقد قاوم هذا التمحل وحاول التغلب عليه، مصرا على تعديل ~~يعد تعديلا. فأخفق في محاولاته ومساعيه، ووقف المتفاوضون أمام العقدة التي لا ~~تحل. فغضب العسكري بلندن، كما غضب قبله السعدون ببغداد، وحمل حقائبه وارتحل. # وكان الملك فيصل قد عقد النية على الرحيل، لولا فرصة سنحت لإعادة المحادثة والحكومة؛ ~~فقد أقيمت له مأدبة وداع، حضرها بعض الوزراء، فخطب فيها خطبة بليغة بصراحتها. ومما ~~قال إنه يؤثر العودة صفر اليدين على أن يحمل معاهدة لا تفضل التي سبقتها بشيء، بل ~~هي دونها في بعض موادها. فهز الوزراء رءوسهم أن صحيح، وأكدوا له بعد ذلك أن الأمل لم ~~ينقطع، وأن المأزق قد يتسع للخلاص. # توقف الملك فيصل عن السفر، وأبرق إلى وزيره جعفر، الذي كان قد بلغ مرسيليا، يأمره ~~بالعودة. امتثل جعفر للأمر، فعاد أدراجه، ثم استؤنفت المفاوضات وقبلت المعاهدة دون ~~تعديل فيها يستحق الذكر. فما السبب يا ترى في هذا الانقلاب الفجائي؟ ما الذي حمل ~~الملك والعسكري ms096 على القبول، بعد أن صرح الأول ذلك التصريح، وأعرب الثاني عن رفضه ~~بالرحيل؟ هل اعتمد الملك على وعود الوزراء أصحابه ومعها ضمانات رسمية سرية، أم هل كان الملك ~~مكرها؟ # أقف ها هنا لأقول كلمة فيها بيان شخصي؛ ليلة كان الملك فيصل يقص علي قصة هذه ~~المعاهدة، أو ما كان قسمته فيها من المفاوضات المفرحة والمفجعة، من «بابا كركر» في صحف ~~باريس إلى تلك المذكرة في وزارة المستعمرات بلندن، جاءه رئيس الوزارة نوري السعيد بالخبر ~~السار من منطقة القتال ببارزان، فتحول الحديث من لندن إلى بلاد الأكراد، وما سنحت بعد ~~ذلك الفرص. سنحت الفرص؟! إنما هي كلمة باطلة لا يجوز أن أموه بها ذنبي؛ فقد ذهلت عن ~~الموضوع فيما كان بعد ذلك من المجالس والأحاديث، وما عاد الملك إليه. وقد يكون شريكي ~~في الذنب - رحمه الله - فشغلني مرارا عن السياسة بتلك الأحاديث الحافلة بالعبر وباللطائف ~~البشرية. # بيد أني أستعين، وأنا أعود الآن إلى تقصي الحوادث، ببعض الوثائق والتقارير ~~الرسمية؛ علني أستطيع أن أجلو للقراء خبر ذلك الحدث أو أزيل شيئا من غموضه. # أعيد إذن السؤال: هل كان الملك فيصل مكرها في قبول معاهدة سنة 1927؟ يسارع بعض ~~الكتاب والسياسيين العرب، في مثل هذه الأحوال، إلى اتهام الحكومة البريطانية بالمكر ~~والخداع، دون أن يتحققوا الحوادث، ودون أن يثبتوا التهم. وقد قالوا في الحادث ~~الذي نحن بصدده إنها أثارت عرب نجد على العراق في ذلك الحين لتنفذ سياستها فيه؛ لتجبر ~~الملك فيصلا على قبول المعاهدة. وفي ظاهر الأمر ما يبرر الظن على الأقل؛ فقد ~~أغار عرب نجد على العراق في خريف سنة 1927 ثم في شتاء السنة التالية. # ولكن ذلك لا يثبت الحقيقة كلها، فهل كان عرب نجد، أو بالحري هل كان الملك عبد العزيز بن ~~سعود مدفوعا من الحكومة البريطانية في تلك الإغارات لإكراه العراق وإذلاله؟ إذا لم يكن ~~الأمر كذلك، فكيف اتفقت يا ترى تلك الإغارات وانقطاع تلك المفاوضات بتاريخها الواحد؟ فهل ~~هي الصدف؟ هل هي الأقدار التي أضرمت النار على حدود ms097 العراق عندما كان العسكري يتجهز ~~للرحيل؟ فإذا كانت الصدف أو الأقدار بريئة من هذا الاثم، فهل الإنكليز بريئون؟ وإذا لم ~~يكونوا بريئين، فهل الإنكليز وحدهم ملومون؟ أوليس اللوم الأكبر على العرب الذين يقبلون ~~بأن يذلوا إخوانهم العرب لإعزاز الأجنبي؟ إني أجل ابن سعود عن مثل هذه المعرات. ~~وإن الحقائق الراهنة في هذه المسألة لا تبرر حتى الظنون؛ فقد كان لحوادث نجد وإغارات ~~أهله أسبابها النجدية العراقية، وكان للإنكليز كذلك يد فيها، ولكن الصلة مفقودة بين ~~سياسة الأمن وسياسة المعاهدات. وبكلمة أخرى إن للسلسلة التي تربط البادية بوزارة ~~المستعمرات حلقة مفقودة، ولا نظنها، فيما يتعلق بموضوعنا موجودة. # أما الملك فيصل، فإني أميل إلى الاعتقاد أنه كان يجاري الوزراء أصحابه ويتبع في ~~الوقت نفسه سياسة خاصة به، فيوصل الخيوط ويقطعها عملا بتطور الأحوال. أذكر كلمة ~~بليغة لأحد العرب وفيها حكمة رائعة: «غلبتمونا ولكنكم جهلتم أننا شئنا هذه الغلبة ~~لكم.» ولا عجب إذا انتهج الملك فيصل هذا المنهج، بعد تلك الوليمة، وهو متيقن أنه ~~سيرطم الإنكليز برطمة المعاهدات التي تتابعت السنة بعد السنة، فتزداد العقد تعقيدا، ~~ويقنطون إذ ذاك من الغلبات غير المفيدة. # وكان بعض السياسيين قد بلغوا هذه المرحلة، فقامت صحافتهم تندد بالحكومة - هذه هي ~~الدعاية التي رحب فيصل بها - فقالت إن الحالة أمست لا تطاق، وإنها «من أنكر الحالات في ~~العلاقات الدولية الحاضرة» وعندما يرفض المجلس النيابي العراقي المعاهدة غدا، فماذا عساها ~~أن تقول في «الحالة المنكرة»؟ إذن سنورد هذه المعاهدة حتفها، سنشيعها إلى القبر، وسيكون في ~~الجنازة النصر الباهر للمعارضة ... للبلاد! # أما الحكومة البريطانية فقد أعدت كذلك العدة للعمل، وكان المندوب السامي السر هنري ~~دوبس متأهبا للسفر والجهاد. واحد يريد دفن المعاهدة وآخر يريد تتويجها. انتقل المسرح ~~من لندن إلى بغداد، وجاء المتصارعون - الملك والعسكري والسر هنري - يستأنفون الصراع، من ~~مدينة الضباب جاءوا إلى مدينة الغبار، وفي الحالين حال الستار، دون الأبصار. # ما كان المندوب السامي ليطمئن إلى وزارة العسكري فباشر لإسقاطها، ولو كان له أن يرى ~~شيئا من مناورة ms098 جعفر الأولى لكفى نفسه مئونة المناصبة. جاء جعفر بالمعاهدة للدفن لا ~~للتتويج، وأول ما كان من مناورته عند وصوله إلى بغداد أنه أذاع مضمونها، فأثار عليها الرأي ~~العام. حملت عليها الصحافة حملات شديدة، وقامت المعارضة تندد بها وبالوزير حاملها. ~~رمى جعفر بالمعاهدة إلى الأمة تمزقها قبل أن تصل إلى المجلس وهو يضحك في سره، ثم ~~استقال. وقد عدت استقالته النصر الأول للسر هنري دوبس. # ثم دعي عبد المحسن السعدون لتأليف وزارة جديدة. وعبد المحسن صديق الإنكليز، وهو الذي ~~حمل المجلس منذ سنة على إقرار المعاهدة القائمة. لبى عبد المحسن الدعوة، فعد ذلك نصرا ~~ثانيا للسر هنري. # وهذا البرلمان لا لا يعول عليه فينبغي أن يحل، وكان عبد المحسن يرى هذا الرأي ~~فحل البرلمان، وفاز السر هنري فوزه الثالث. # ثم جرت الانتخابات؛ وكان لحزب التقدم - حزب السعدون - الأكثرية الساحقة في المجلس، ~~الذي اجتمع في أيار سنة 1928، فتم النصر للسر هنري دوبس. # أما الملك فيصل فقد سار في الوقت ذاته سيره، ودبر تدبيره. أليس السعدون وزيره ~~الأول، وزيره لا وزير سواه؟ أوليس هو فضلا عن ذلك من أشراف العرب، ومن كبار الوطنيين في ~~العراق، والزعيم الأول المهيمن على حزبه، الممتع بثقة أنصاره؟ كان السر هنري عالما ~~بذلك، وعالما فوق ذلك بأمور كثيرة، ولكنما فاته الشيء الذي فيه العلم كل العلم؛ وهو أن ~~صديقه السعدون قد غير خطته السياسية، فلا يرى الآن من حاجة إلى الضغط على المجلس، بل لا ~~يرى أن يعرض المعاهدة عليه قبل أن يتم تعديل الاتفاقين المالي والعسكري. وهو إذا أصر ~~على ذلك يكفي نفسه شر المعاهدة، فتظل مدفونة في مكتبه؛ ذلك لأن في الاتفاقين عقدا ~~استعصى حلها على أسلافه وسلف السر هنري. وما كانت شروط الحكومة البريطانية هذه المرة ~~أخف مما سبقها؛ فقد قيدت ملكية العراق لميناء البصرة ولسكة الحديد بقيود ثقيلة، ~~وتمحلت على عادتها في مسألة التجنيد الإجباري. # تلبد جو دار الانتداب بالغيوم؛ فقد تمردت لجنة المجلس المعينة لدرس الاتفاقين، ~~فضربت باقتراحات المندوب السامي عرض الحائط. وتمردت ms099 الوزارة، فأصرت على تعديل ~~كلي جوهري، وتمرد المجلس الذي أصبح حزب التقدم - حزب السعدون - أشد تطرفا من ~~المتطرفين أنفسهم. # صعقت دار الانتداب، تبلبل السر هنري دوبس، فالإذعان لإرادة العراقيين مستحيل، والرضوخ ~~لمطالب العراقيين خيبة له، هو الطامع الآمل بإبرام المعاهدة، فعمل المكره عليه، قبل ~~بالخيبة ثم استقال السعدون، وقد كان النصر الأكبر، في رفض المعاهدة والاتفاقين، للأمة ~~وللبلاط، فهتف الملك بشكر الله وحمده. # ولكن الحساب لم ينته بينه وبين المندوب السامي، فلا يزال هناك دين صغير؛ تلك ~~المذكرة في وزارة المستعمرات، المكتوبة بخط يده، لم ينسها الملك فيصل. وعندما سقطت وزارة ~~السعدون (كانون الثاني سنة 1928) وأخفقت المساعي المكررة لتشكيل وزارة جديدة، وأقبل ~~السر هنري إلى البلاط يطلب مقابلة الملك، حان وقت الحساب. # السر هنري ~~: ~~«البلاد بلا وزارة، يا صاحب الجلالة، وهي تنتظر أن تعينوا من ~~يؤلفها.» # الملك فيصل ~~: ~~«ولكني ملك دستوري، وعلى الملك الدستوري أن يلزم الحياد.» # وعندما جاء المرة الثانية بالمهمة نفسها أبرز تلك المذكرة، وقال: «هذا ما تريده أنت ~~يا حضرة المندوب، يجب على الملك الدستوري ألا يتدخل بشئون الدولة، أليس كذلك؟ إن ~~شئونها الآن بيدك، ولك أن تعين من تشاء.» # مرت ثلاثة أشهر، والبلاد بلا وزارة، والملك فيصل في موقفه لا يتحول عنه، فانكسفت دار ~~الانتداب بعد انهزامها مرتين متواليتين، واسترجعت المعاهدة التي كانت أصل الأزمة، وحانت ~~أن تنتهي مدة السر هنري دوبس كمندوب سام في العراق، فانتهت قبل أوانها، وكان من ~~الممكن أن تنتهي بأوانها وبسلام. # | فوز الملك فيصل # يوم ألقى المؤلف محاضرة عن البلاد العربية في الجمعية الآسيوية في لندن، كان السر ~~غلبرت كلايتون رئيس الحفلة، فتكلم في الختام، وقال: «لست من الذين يعتقدون أن في ~~العقل الشرقي شيئا غير عادي؛ فالشرقي هو مثل غيره من الناس يجب أن يعامل بلطف وإكرام، ~~وهو يرتاح للصدق والإخلاص.» إني أنقل هذه الكلمات لما فيها من المغزى الخاص بموضوعنا، ~~وقد ألقيت المحاضرة في شهر تشرين الثاني سنة 1928، وكان قد تعين السر غلبرت كلايتون في ~~الشهر السابق مندوبا ساميا ms100 في العراق ليخلف السر هنري دوبس. إني لذلك أنقل كلماته ~~الأخرى وإن كانت شخصية؛ لأن فيها رسالة لأبناء بلاده؛ فقد قال تلك الليلة: «إن في ~~محاضرة السيد الريحاني غذاء للفكر والتبصر في موضوع قريب من قلبه، وهو وإن لم يكن ~~قريبا كثيرا من قلوبنا جدير بأن يدخل العقول.» # 1 # أما السر غلبرت فقد تغلغل الموضوع في عقله وقلبه معا. وبعبارة أدق أقول إنه تغلغل في ~~عقله، ودخل على قصد إلى قلبه؛ فقد كان ذا علم جم بالعرب والبلاد العربية، وكان لعلمه ~~جناحان من الحب والحماسة، فاستطاع أن يحلق والوطنيين في سماء الأماني والآمال دون ~~أن يفادي بعقيدته، وأن يعود بهم إلى أرض الحقائق العملية دون أن يفقد ثقتهم به . ومن ~~جميل يقينه وبليغ حكمته، أن أقصى الأماني الوطنية تتكيف وتلتئم والمصالح ~~البريطانية، اللهم إذا روعيت فيها كرامة الوطنيين. # عندما وصل إلى بغداد في أوائل آذار من عام 1929 كان الجو السياسي في أشد مظاهر القلق ~~والريبة والخطر؛ فما زالت البلاد بدون وزارة، وما زالت الأزمة في اشتداد. وقد كان ~~العراقيون، على اختلاف مطالبهم ونزعاتهم، يشكون كلهم من المستغربات والمناقضات في سياسة ~~الإنكليز وأحوال البلاد؛ فأين السيادة الوطنية من الانتداب؟ وأين الجيش الوطني وأمره في ~~الحقيقة بيد المندوب السامي؟ وأين الوزراء المسئولون قانونيا لدى المجلس ما دام ~~المستشارون البريطانيون في الوجود؟ وهذا الجيش الضعيف الذي نريد أن نقويه بالتجنيد ~~الإجباري، والتجنيد الإجباري غير ممكن بدون جيش قوي، وهذه الحكومة التي يحق لها أن تعلن ~~الأحكام العسكرية لا يحق لها أن تنفذ تلك الأحكام، وهذه الحكومة المتولية إدارتي ميناء ~~البصرة وسكة الحديد، ولا تملكهما، وهذه الحكومة التي تدفع نصف نفقات المندوب السامي ~~وديوانه دون حق البحث أو السؤال، وبعد ذلك كله، هذه الحكومة العراقية التي يزدريها ~~الإنكليز، وهذه الأمة العراقية التي يعبث الإنكليز بمقدراتها. لولا ذلك لما كان هذا ~~التلون منهم، وهذا التقلب في وعودهم وعهودهم. # إن أول هذه الوعود وأهمها في نظر العراقيين التوسط لدخول العراق في عصبة الأمم؛ ~~فقد قال ms101 الإنكليز في وعدهم الأخير: «إذا استمر العراق في رقيه، وجرت الأمور مجراها ~~الحسن ...» هذا التلون الأخير في الاحتياط دخل على القلوب فأفسد ما تبقى فيها من حسن ~~النية والأمل، بل زاد بما فيها من الغل والشنآن، فقال العراقيون: «لقد خاننا ~~الإنكليز.» وقال بعض الإنكليز أنفسهم: «كدنا بسياستنا نقضي على ثقة العراقيين ~~بنا.» # كان السر غلبرت كلايتون سريع الإدراك، سريع العمل. وقد أدرك أن هذه الشكوى هي مفتاح ~~المعضلة المحيرة للألباب، انتهز الفرصة السانحة لحلها، أقدم على العمل الذي يضمد ~~جروح الكرامة العراقية، فيعيد إلى قلوب العراقيين الثقة بالإنكليز. # ولكن الشكوك ظلت سائدة حتى في البلاط، وقبل أن أقدم الملك على تجديد المفاوضات ~~أراد أن يسبر غور المندوب السامي؛ فما هي مثلا سياسته العربية؟ ما هي الصلة التي ~~تجمعه بابن سعود؟ فقد أفلحت مفاوضاته في الرياض، وعقد والملك عبد العزيز باسم الحكومة ~~البريطانية معاهدة ولاء، بل معاهدتين. لم يكن الملك فيصل ليهتم بهذا الأمر في غير تلك ~~الأحوال، وخصوصا أن العلاقات العراقية السعودية كانت لا تزال متوترة، فقد قاسى كثيرا ~~من حسن الظن، وكان عليه أن يرعى الحديث: إن سوء الظن من حسن الفطن. # لذلك باشر العمل متئدا، فكانت الوزارة الأولى، التي تألفت بعد وصول السر غلبرت ~~كلايتون بشهر واحد (28 نيسان سنة 1929) نوعا من التجربة، وكان توفيق السويدي رئيس الوزارة ~~مثل الجندي الذي يرسل إلى ما دون خطوط النار للاستكشاف. # أما السر غلبرت فما عتم أن كشف أمره؛ إذ قال في خطبة له: «قبل أن تنتهي مدة وظيفتي، ~~آمل أن أرى العراق متبوئا الكرسي الذي هو جدير به في عصبة الأمم.» ثم مكن قوله في ~~المذكرات مع الوزارة الجديدة، فأعرب عن رغبته الصادقة في تأييد العراق في مطالبه، وخطا ~~الخطوة التي فيها كل اليقين وكل الاطمئنان؛ إذ أرسل إلى حكومته يقترح عليها أن «تلغي الشرط ~~الذي يقيد وعدها بالتوسط لدخول العراق في عصبة الأمم.» # خلال ذلك كانت الأزمة السياسية في إنكلترا قد انتهت بانهزام الأحرار والمحافظين وبفوز ~~العمال، فعاد المستر ms102 رمزي مكدونلد (في 5 حزيران 1929) إلى الوزارة؛ إذن ستنظر حكومة ~~العمال في اقتراح السر غلبرت، ومع أن الملك فيصل ورجاله لم ينسوا ما كان من تحفظ وزارة ~~العمال السابقة في صيف 1924 ومن تذبذبها، فقد توسموا الخير في الانقلاب السياسي ~~الجديد، وفي رجوع العمال للحكم، وأخذ الجو السياسي في بغداد ينكشف وينجلي. # ولا عجب، إن خمس سنوات من زماننا هذا لتغير في طباع الأحزاب السياسية، إن لم يكن ~~كذلك في مبادئها. انتفضت آمال العراقيين وحلقت عاليا، ورأى الملك أن الوقت قد حان ~~لتغيير الوزارة السويدية التي استقالت في أواخر شهر آب. ولكن عبد المحسن السعدون، الذي دعي ~~لتأليف وزارة وطنية قوية، تتمكن من معالجة الأمور في تطورها الجديد، أبى أن ~~يفعل قبل أن تقبل الحكومة البريطانية اقتراحات المندوب السامي. # نظرت تلك الحكومة في الاقتراحات نظرة جديدة، فبدت لها هذه المرة في غير وجهها ~~السابق، أو بالحري بدأت ترى ما فيها من العدل والإنصاف، والحكمة الناضجة. وقد تيقنت ~~أن العراق تقدم تقدما يذكر خلال السنوات الخمس، فظهر التحسن خصوصا في إدارته ~~المالية وفي الأمن العام؛ لذلك كان جوابها صريحا جليا مقنعا؛ فقد تضمن الوعد ~~الشافي غير المقيد بشرط ما أن ترشح العراق للعضوية في عصبة الأمم في عام 1932، وأن تعلم ~~مجلس العصبة بذلك في جلسته المقبلة، كما أنها قررت العدول عن المعاهدة 1927. # على أن الأقدار - وا أسفاه! - قضت بألا يرى السر غلبرت كلايتون نتيجة سعيه ~~الأول في سبيل العراق وبريطانيا، فقد صرم حبل حياته قبل أن يجتاز المرحلة الأولى من ~~المشروع الذي تصوره لنفسه؛ مات فجأة في بغداد، وهو في الخامسة والخمسين من سنه، مات في ~~11 أيلول قبل أن يصل الجواب من لندن بثلاثة أيام. # قد يصح أن نقول إن السر غلبرت كلايتون لم يكن أكثر علما بالعرب والبلاد العربية من ~~أسلافه، ولكن علمه كان مشفوعا بالعقل الفاعل. أما حبه للعرب فما كان مبنيا على مجرد ~~العواطف، كما هو عند بعض المستعربين، ولا كان مقيدا بالمصالح الشخصية أو الوطنية أو ms103 ~~الدينية كما عند البعض الآخر، بل كان مرتكزا على العطف الشريف، وكان فوق ذلك مشربا بروح ~~الحكمة التي أشرت إليها فيما نقلته من كلامه، كان صادقا نزيها، كما كان حرا كريما، ~~بعث في النفوس الثقة، وباصطلاح المقامر كان يلعب على المكشوف، له جرأة في الثبات على ~~يقينه والإفصاح عنه، وله مع اليقين مثل أعلى ما خشي أن يستهدف من أجله. قال المؤرخ طونبي: # 2 ~~«لقد كان فوزه باهرا في المدة القصيرة، في الستة أشهر، التي تولى فيها ~~أعمال الانتداب، فطبع تاريخ العلاقات البريطانية العراقية بطابعه، وأدخل العراق في طور ~~التحسن الدائم.» # لا نكران أن تطور الأحوال أسعف مسعاه، ولا يفوتنا أن نذكر أن سلفه السر هنري دوبس ~~اقترح على وزارة المستعمرات اقتراحا شبيها باقتراحه، بيد أن مرجع الأول كان وزارة ~~عمال تجنح ضمن دائرة معلومة إلى البدع السياسية، ومرجع الثاني وزارة محافظة، رأسها ~~يابس وقلبها متحجر. # وهناك فرق آخر، كان السر هنري دوبس في جرأته السياسية والأدبية يسير إلى حد ولا ~~يتعداه، فيعرب عن آرائه بصفته الرسمية لحكومته ولا يجهر بها في البلاد التي اضطربت شئونها ~~في عهده. وإني على يقين أن مجمل أمره كان بيده لا بيد الوزارة في لندن، ولكنه تغلب ~~على كثير من الصعوبات، وذلل الكئود من العقبات، لو أنه صارح العراقيين، ورعى لهم ~~الكرامة القومية. إن المقارنة تسيء في بعض الأحيان وتجرح، ولكني حبا بإظهار ما حسن ~~من نياته أنقل ما يلي من كلامه: # 3 ~~«رفعت مطالبهم (الضمير يرجع إلى العراقيين) بكاملها إلى الحكومة البريطانية، وقد كنت ~~أميل إلى الاعتقاد أن لا ضرر للمصالح البريطانية ولا للمصالح العراقية، إذا عقدت ~~معاهدة معدلة تبطل أنواع الاستيلاء البريطاني الرسمي كلها، وقد أدركت منذ البدء أن ~~الحكومة العراقية هي مخلصة في ولائها، ومقدرة للمشورة حق قدرها، اللهم إذا لم تجئها ~~بصورة التحكم، وما شككت قط أنها تعمل بالمشورة راضية شاكرة، إذا ما جردت من الواجبات ~~التي تفرضها المعاهدة، فإن خففت القيود الظاهرة، تمكنت القيود الحقيقية.» # الملك فيصل الأول وقد ms104 خط بيده كلمة الإهداء إلى المؤلف. # لو صرح السر هنري بهذه الآراء على صفحات الجرائد في بغداد بدل أن يبعث بها إلى وزارة ~~المستعمرات لتخزن هناك، لسهل لنفسه سبيل العمل النافع لبلاده وللعراق؛ فقد كان - ولا ~~مراء - إداريا قديرا حازما، بيد أنه زاد بمصاعبه وبنفور الناس منه، فيما كان ~~من تدخله الجائز وغير الجائز، بأعمال الحكومة. وقد كان في بعض الأحايين، مستأثرا ~~مستبدا، فيقف موقف الحاكم بأمره ليوطد «الاستيلاء الرسمي»، ليفرض «المشورة» فرضا، ~~ليعطي «صورة التحكم» رهبتها، ليمكن «القيود الظاهرة» مهما كانت عرضية. أسموه في بغداد ~~«الجبار» وهو عكس ما كان عليه السر غلبرت كلايتون قولا وعملا، فلا عجب إذا شكرت بغداد ~~الله على رحيل الأول، واسترحمته تعالى للثاني. # حزن الملك فيصل لما نعي له السر غلبرت، وحزن لما جاء الجواب المرضي من حكومة لندن، ~~ولا يستغرب إذا ما سبق الحزن الفرح إلى قلبه وهو كريم الشيم، رقيق الشعور، فعندما جاءه ~~الجواب قال متأسفا: «لو أن الله أمد بأجل المندوب ليرى بعينه، قبل أن يغمضها ~~الموت، قبول حكومته بما اقترحه من أجل العراق.» # عندما أعلن جواب الحكومة البريطانية اهتزت له البلاد من أقصاها إلى أقصاها، وذلك الجو ~~السياسي الخبيث، المفعم بالريبة المثقل بالغل، غدا رائقا نقيا مشرقا بالآمال، ~~متموجا بالثقة متألقا بالسرور والارتياح. لله هؤلاء الشرقيون ما أسرعهم لتقدير ~~الحسنى! وما أكرمهم فيه! وإن هذا الكرم وذاك التقدير لمن تراثهم القومي والخلقي. فإذا ما ~~رقص القلب طربا، واهتزت العواطف عرفانا بالجميل، أذاعت الأقلام آيات الحمد، ونثرت ~~الألسن درر الثناء. # كان رئيس الوزارة عبد المحسن السعدون في طليعة المبتهجين؛ فقد جعل بيانه الوزاري (19 ~~أيلول) خطبة رائعة مجنحة، وهو فخور أن وزارته هذه تمثل البلاد كل التمثيل، ~~ومتيقن أن ستكلل أعمالها بالفوز الباهر. صدقت كلمته الأولى؛ لأن الوزارة تألفت من ~~الأحزاب السياسية كلها، ولكن رحى الحرب إنما هي في البلاط، يديرها الملك ويشرف عليها؛ فقد ~~شاء أن تكون هذه الوزارة أقوى ما تقدمها، أعمها نفوذا وصولة، فكان من أعضائها ياسين ~~الهاشمي ms105 زعيم المعارضة، وناجي السويدي ونوري السعيد، وكلهم قلب واحد وفكر واحد في ~~الرغبة بالتعاون والحكومة البريطانية، كلهم متيقنون أن ستتوفق المفاوضات هذه ~~المرة، وسيفوز العراق سنة 1932 بما يبتغيه. # بيد أن الأقدار استمرت في تمردها، وما لبث المتفاوضون أن علموا أن قلب المسألة لم ~~يتغير تغيرا يذكر؛ فقد كانت الحكومة البريطانية تظن أن وعدها المطلق بالتوسط لدخول ~~العراق في عصبة الأمم يحمل العراقيين على قبول المعاهدة الجديدة، وإن كانت بمضمونها لا ~~تختلف كثيرا عما تقدمها. فضلا عن ذلك قد اختلف المتفاوضون مقاما ومزاجا؛ فالذي ~~مثل دار الانتداب - أي المندوب السامي بالنيابة - لم يكن بإمكانه أن يحل أو يربط، بل ~~كان عليه أن يبلغ الحكومة العراقية مشيئة حكومته المتعسفة، كان «جبارا» بالنيابة، ~~يثير الأحلام ولا يسودها، وكانت الوزارة فيما سوى فكرة التعاون التي مر ذكرها على تباين ~~في العقليات والنزعات، رئيسها عصبي المزاج؛ تارة تخمد ناره، وطورا تحتدم. وياسين الهاشمي ~~جندي المنهاج، يضرب عندما تسنح الفرص ضربته القاضية، وناجي السويدي فقهي الروح غزير ~~المادة، كثير البوادر القانونية. # أضف إلى هذا أن العقبات الكأداء كانت لا تزال قائمة في طريق المفاوضات. وهذه العقبات هي ~~الاتفاق المالي، والاتفاق العسكري، وقوة الطيران البريطانية في العراق؛ فالوطنيون ~~المتطرفون، يتقدمهم ياسين، استمروا يحاجون بخصوص ملكية مرفأ البصرة وسكة الحديد ~~العراقية وثمنها، وأصروا على التجنيد الإجباري بمساعدة القوات البريطانية إذا اقتضى ~~الأمر، وظلوا يعترضون على إنشاء قوة بريطانية للطيران في العراق؛ لأن ذلك ينافي ~~السيادة الوطنية والاستقلال. # أما الرئيس عبد المحسن فقد كان يرى، في ساعاته الهادئة، رأيه السديد في التطرف وأضراره، ~~ويحاول أن يبني جسرا للعبور بين وزارته ودار الانتداب، وكان في بعض الأحايين يرى عجز دار ~~الانتداب أو ترددها في التعاون، فيخرج عما ملك من نفسه، محتدم الغيظ، منددا ~~مهددا؛ فأثار عليه المتطرفين والإنكليز معا. # وقد فاته وفات زملاءه أن عصبة الأمم نفسها تحسن التذبذب؛ فقد ترفض قبول العراق ~~عضوا فيها بالرغم من توسط بريطانيا. هذا الوجه الجديد من وجوه التمحل عرضه المندوب ~~السامي بالنيابة ms106 - «الجبار» بالنيابة - فزاد في الطين بلة. فغمز السعدون قناته في إحدى ~~المحادثات، وقد ذكره في جلسة أخرى بأن عبد المحسن السعدون هو الوحيد من وزراء العراق ~~كلهم الذي وقف في أحرج المواقف دفاعا عن الإنكليز، وما كان «الجبار» بالنيابة ليرعوي، ~~فازداد سخط عبد المحسن. وفي مجلس الملك فيصل، ذات ليلة، ضرب المائدة بيده، وهو يقول للمندوب ~~السامي بالنيابة: «لا أقبل هذا منك، وإني أذكرك بأنك تخاطب رئيس الوزارة ~~العراقية.» # إلا أنه استمر في سعيه لإقناع المتطرفين، وإلانة جانبهم. فكان يجادل ويجامل ~~فيحسن الحجة ويحسن النصح. وكان عند تشبثهم بغير المعقول يعصف ويزمجر ويرتعد. تنازعت في ~~صدره الوطنية والحقيقة، بل تنازعته حقيقة الوطنية نظرا وعملا. وكفى بالمرء هذا ~~الاضطراب وهذا الشقاق الداخلي، خصوصا إذا كان حاد الطبع، عصبي المزاج . أضف إلى ذلك ما ~~جاءه من الخارج مما زاد في محنته؛ فقد حملت عليه صحافة بغداد حملات منكرة، وتكاثفت ~~حوله غيوم دار الانتداب وهي مثقلة بالغل والشنآن. # أجل، كان السبيل سبيله يزداد، كلما تقدم فيه، وعورة وشدة وظلاما، فصار ~~يسمع أصواتا تناجيه ولا تؤاسيه. سمع همس الباطل، وسمع همس القدر، بل رأى نفسه بين حجري ~~الرحى؛ أي الواجب والشرف، ولم يكن في إمكانه أن يرجع ولا أن يتقدم. تقطعت في صدره أوصال ~~العزم والإيمان. أوقفه العجز واستولى عليه القنوط. فإذا كان لا يستطيع أن يسكت ~~المنددين به من أبناء وطنه، والمتحاملين عليه من الإنكليز، أفلا يستطيع أن يسكت ~~قلبه، أن ينزع منه عنصر الحياة؟ لقد سأل نفسه غير مرة هذا السؤال، وفي 13 تشرين الثاني ~~سنة 1929 أجاب عليه جوابا فاصلا نهائيا. # 4 # حدثني الأديب أحمد حامد الصراف الذي كان يومئذ مدير المطبوعات، قال: «كنت أطالع ~~الجرائد كل صباح، وألخص ما يتعلق به وبالحكومة من الأخبار والمقالات، وكان يسألني ~~عندما ألفت نظره إلى مقال فيه طعن أو تحامل عليه أن أراجع القانون المختص بالذم ~~والقذف، فأطلعه عليه. ولكنه في الأيام الثلاثة التي تقدمت الفاجعة، كان يقول عندما ~~يسمعني أقرأ من الطعن المقذع ms107 عليه: «سامحهم يا ولدي.» ثم يعظني بالحلم والتؤدة وكرم ~~الأخلاق، ويقول: «إنهم إما جهلاء - يا ولدي - وإما فقراء، فهم إذن في حاجة إلى ~~التهذيب أو إلى المال، في كلا الحالين هم جديرون بالرثاء. ارث لحالهم - يا ولدي - ~~واستغفر الله لهم.» وفي اليوم السابق ليوم الفاجعة رحت أنا إليه شاكيا. كنت قد سئمت ~~العمل في دائرة المطبوعات، وأخذت أعلل النفس بوظيفة أخرى، قلت له: «عيني ~~سكرتيرا أو كاتبا في دائرة من دوائر الحكومة، أو أرسلني إلى إحدى القنصليات ~~العراقية في الخارج.» كان ساعتئذ مضطرب النفس كثير الهواجس، فقال لي وهو يبتسم بسمة ~~رقيقة ناعمة: «وأنا - يا ولدي - سئمت الوزارة، أرسلني إلى الجنة، أرسلني إلى ~~الجحيم».» # وقد كتب عبد المحسن، قبيل انتحاره، كتابا إلى ابنه علي جاء فيه: ~~«الأمة تنتظر الخدمة. الإنكليز لا يوافقون. ليس لي ظهير. العراقيون الذين يطلبون ~~الاستقلال ضعفاء وعاجزون وبعيدون كثيرا عن الاستقلال. هم عاجزون عن تقدير أمثالي من ~~أصحاب الشرف، يظنوني خائنا للوطن وعبدا للإنكليز. ما أعظم هذه المصيبة! أنا الفدائي ~~لوطني الأكثر إخلاصا قد صبرت على أنواع الإهانات، وتحملت أنواع المذلات، وما ذلك إلا ~~من أجل هذه البقعة المباركة التي عاش فيها آبائي وأجدادي.» # ثم نصحه أن يخلص لوطنه وللملك فيصل وذريته إخلاصا مطلقا. # كان السعدون، مثل السر غلبرت كلايتون، في العقد الخامس من عمره يوم حمه القدر. ولقد ~~فقد العراق في عبد المحسن كبيرا من السياسيين الوطنيين، وفقد الإنكليز كبيرا من ~~أصدقائهم المخلصين. وقد خسر العراق، بل العرب، في السر غلبرت كلايتون صديقا كريما، وخسرت ~~إنكلترا سياسيا حكيما مرنا نزيها. فلو أمد الله بأجله لما كانت على ما أظن الفاجعة، ~~ولو أتيح للاثنين العمل معا لجرت السياسة في هذه السنة المشئومة، سنة 1929، في المجاري ~~السهلة الصافية جريا حثيثا إلى المقر المنشود، إلى الحل المحمود. # قد قدر لها أن تجري في كل حال جريا مضطربا بطيئا مفجعا وتتجه ذلك ~~الاتجاه، وكان الملك فيصل، والقلب منه مفعم بالغم، يدير من مركزه العالي التيار ~~ويشرف عليه. إن لكل ms108 عاطفة سكينة تتقدمها وأخرى تلحق بها، ولكان الملك انتدب ياسين ~~الهاشمي ليخلف السعدون لو لم ير الحكمة الراجحة في تعيين السويدي الأكبر ناجي، خلال ~~المرحلة الجديدة، فجاءت الوزارة السويدية الثانية بعد العاطفة - مثل شقيقتها قبلها - ~~رمز السكينة والسلامة. # رأى ناجي أن يتجنب المشاكل الكبرى ويحصر اهتمامه في تمهيد السبيل للعراق المتشوف ~~إلى سنة 1932، للعراق المستقل المعتق من الانتداب، فشرع يشذب شجرة الموظفين البريطانيين، ~~ليخفض ما استطاع عددهم في الوزارات وفي دوائر الحكومة الأخرى، وليفسح المجال للوطنيين ~~فيحرزوا الخبر والعلم في إدارة شئون البلاد. # أما المندوب السامي الجديد السر فرنسيس همفريس، الذي جاء يتمم عمل السر غلبرت ~~كلايتون، فقد باشر اهتمامه (ك1 1929) بالمعاهدة التي ستتقدم دخول العراق إلى عصبة ~~الأمم. إن للسر فرنسيس شخصية مشرقة مقنعة غلابة، فيمكنه أن يكون صريحا دون ~~إساءة ، قويما دون تهجم، منفذا لأمر حكومته دون شيء من التحكم، وهو يجمع بين ~~الفكر الثاقب، الذي كان لسلفه السر غلبرت كلايتون، والعطف المتبصر الموصوف به سلفه الآخر ~~السر برسي كوكس؛ فيرى ما دون الحقائق الواقعة، ولا يذهل عنها، ويتقدم واثبا إذا شاء، ~~دون أن يستسلم للأهواء السياسية، بل هو الجندي السياسي الطيار الذي يجمع في شخصه مزايا ~~الثلاثة؛ أي الشجاعة والمرونة والنظر العالي البعيد. # يعتقد المندوب السامي الجديد لزوم سياسة بريطانية جديدة في الشرق الأدنى، وهو مدرك ~~في الوقت نفسه أن النهضات الوطنية في البلدان المختلفة تختلف في أساليبها كما تختلف في ~~نظرها إلى الحقيقة والإصلاح. إنه لمن الحكمة إذن أن تكون السياسة البريطانية مرنة ~~مطاطة، وهي كذلك. أما الخطة اليابسة المطردة فهي نقيض الحقيقة التي ينبغي أن تكون، في ~~السياسة على الأقل، مرآة لوقائع الأيام. # إنها كذلك لمسألة نسبية، فقد فاز مثلا مصطفى كمال فوزا مبينا، وانهزم في مثل جهاده ~~أمان الله. كان السر فرنسيس همفريس في كابل أثناء النهضة الأمانية والثورة عليها، وقد قال ~~لي في حديثه عنها: «كان الوزراء ورؤساء الدين يشجعون أمان الله في عمله، ويجيئونني طالبين ~~أن أنصح له بالاعتدال، وأنبهه إلى الأخطار ms109 المحدقة به.» إن هذا التلون من أصحاب ~~السعادة والفضيلة لا يستغرب، وهم المشفقون على مراكزهم، المتوهمون الخسارة، إذا هم ~~نصحوا للملك وأنذروه. # على أن السر فرنسيس لا يتسرع في الاستقراء والمقارنة، فقد تكون بغداد شقيقة لكابل، ~~وقد يكون الأئمة والسياسيون إخوانا في كل مكان، ولكن التقاليد والبيئة وسنة الوراثة ~~تختلف كلها في الأمم، ويختلف لذلك مفعولها في التطور الاجتماعي، وفي الانقلابات ~~السياسية. # جاء السر فرنسيس بغداد ليكمل كما قلت عمل السر غلبرت كلايتون، ولكنه في بداءة أمره ~~ارتطم بأمهر عقلية قانونية في العراق، وما كان مسرورا؛ فهو لا يزدري الدقائق ~~القانونية ولا يكبرها، ما هو في القانون من أقطابه ولا من أذنابه، إنما هو رجل مفكر ~~متعقل على طريقته التي هي طريقة الإداريين المؤسسين للأعمال والمشاريع، فهو يرى ~~الأمور في أشكالها الجامعة ، دون أن تفوته الجزئيات المهمة فيها. وقد كان قويما ~~صريحا بقدر ما تسمح المحادثات الأولى. أما ناجي فلم يكن على ما يظهر كذلك، فقد قال ~~السر فرنسيس للملك فيصل مرة إن رئيس الوزارة يدور الدورات، وإنه - أي المندوب - لا ~~يفهم غالبا ما يرمي إليه. # وقد قال ناجي للمؤلف: «كنا نتحدث ذات يوم في المعاهدة، فسألت المندوب السامي إذا كان ~~قد تم نصها، فأجاب: قد تقررت المواد المهمة كلها، ولكن ينبغي أن ترسل إلى لندن ~~ليحررها الثقات والإخصائيون في الوزارة. فقلت: وهذا ما نخشاه؛ فقد نتفق وإياكم في ~~هذا البند أو في تلك المادة، ولكن أوضاعها تقلب علينا إذا اختلفنا بعدئذ في تفسيرها ... ~~ويظهر أن عندهم دائرة مخصوصة لتحرير المعاهدات، سمها إذا شئت دائرة المط، أما نحن ~~فليس عندنا غير عقولنا على فقرها، وقد طالما قلت لجلالة الملك إن المعاهدة، قبل أن ~~يقرها المجلس، بل قبل أن توقع، ينبغي أن يطلع عليها أحد الإخصائيين المتضلعين ~~خصوصا بالشرائع الدولية.» # لم تكن المعاهدة الحاضرة قد بلغت تلك المرحلة التي تستوجب عناية الإخصائيين، بل كانت ~~لا تزال في طور النشوء البطيء، فلزمها لتخرج منه مساعدة وزير قوي جريء حكيم؛ قوي ~~يغالب المتطرفين ms110 ويتغلب عليهم، وجريء يجابه الحقائق ويهتدي بها، وحكيم يدرك أن ~~المساعدة البريطانية لا تقدم للعراق مجانا لوجه الله. # كان الملك فيصل أكثر علما بذلك من المندوب السامي، ولكنه مشى متمهلا على ~~عادته، وإن قيل إنه متباطئ متردد، فكان يتحين الفرص لتغيير الوزارة، فلا يفاجئ ~~صديقا له، ولا يتنقص حقه. وفي أواسط آذار من هذه السنة أفسحت وزارة السويدي الكبير، ~~كما أفسحت وزارة السويدي الصغير قبله، للعمل الذي كان الملك يتجهز له؛ للوزارة التي ~~علق عليها آماله الكبرى. والأمل بالله إننا سنجتاز الأزمة هذه المرة بخير ~~وسلام، فإن في وجه المندوب المشرق وفي خطواته الوطيدة، كما في عافية رئيس الوزارة نشاطه، ~~ما يضمن سلامة الاثنين، فلا يتعثر الواحد بالقدر، ولا يتأثر الموت الآخر إبان ~~العمل، إن شاء الله. # إن لنوري السعيد من المزايا العقلية والنفسية ما يجيز المقارنة بينه وبين السر ~~فرنسيس همفريس؛ فهو جندي سياسي طيار، له شجاعة الأول، ومرونة الثاني، ونظر الثالث ~~البعيد، يرى وهو على الأرض ما دون الأفق الذي لا يتسع إلا لمن كان في الفضاء عاليا، ~~ولا يزال ممتعا بحسنات الشباب، بريعانه وإقدامه ونزاهته، أضف إلى ذلك ما جناه من ~~الخبر والعلم كوزير في أكثر الوزارات السابقة، فصار سريع الإدراك للفرصة السانحة، ~~فينتهزها ويثب خلالها إلى فصل الأمور. # تولى نوري رئاسة الوزارة في 19 آذار سنة 1930، وفي الشهر التالي أقدم والسر فرنسيس ~~همفريس على العمل الخطير؛ وثبا الوثبة الأخيرة إلى المحجة العليا، ثم في الشهر الثالث من ~~عهده السعيد تمت المفاوضات ووقعت المعاهدة الجديدة؛ معاهدة التحالف البريطاني ~~العراقي، التي يحق أن تدعى باكورة العهد الجديد في العراق. # كان الملك فيصل يومئذ في أوروبا ينشد العافية، وهو متيقن نتيجة ما دبر قبل سفره، ~~مطمئن إليها. وقد خطب خطبة هناك، شكر فيها الحكومة البريطانية على ما بذلته نهائيا ~~في سبيل العراق، وأعرب عن أمله أن تحظى بلاده بمساعدات أخرى منها، بعد أن تسوى ~~المسائل السياسية كلها. إلى أن قال: «إن في العراق مجالا متسعا للمشاريع ~~البريطانية، وعندما يجيئنا ms111 البريطانيون مرشدين معاونين، نافعين منتفعين، نرحب بهم كل ~~الترحيب، ونتعاون وإياهم فرحين شاكرين.» # بقي أن تجتاز المعاهدة المرحلة الأخيرة؛ أي المجلس النيابي. ولا بد ها هنا من كلمة ~~في الأسلوب الذي تتخذه في مثل هذه المواقف حكومة العراق، عندما يكون لدى رئيس الوزارة ~~معاهدة للإقرار مثلا، فهو يزن مجلسه، إذا صح التعبير، أو يسبر غوره إذا آثرنا هذا ~~المجاز، فإن كان غير موافق يحله في الحال. ثم تجرى بعد ذلك الانتخابات، فيجيء المجلس - ~~سقيا للأساليب الانتخابية ورعيا - وفق الطلب. كذلك عمل السعدون في سنة 1928، وكذلك عمل ~~نوري في صيف هذا العام. # إني أرجوك ألا تصدق التقرير الرسمي في الموضوع؛ فقد وقع نائب الملك الأمر ~~بحل المجلس، وبعد ذلك؟ جاء في التقرير: «وقد جرت بعد ذلك الانتخابات العامة لتتمكن ~~الأمة من الإعراب عن رأيها بالمعاهدة.» هو اللغو بعينه. إن مثل هذه السذاجة، ومثل هذا ~~التمويه ليندر في من يكتبون التقارير الرسمية، فإذا كان الكاتب لا يستطيع أن يذكر ~~الحقيقة، فلم لا يختار - هداه الله - نوع الشجاعة الآخر؛ أي السكوت؟ # اجتمع البرلمان الجديد - الثالث - في أول تشرين الثاني، وقد فاق في وطنيته تصور ~~نوري وآماله؛ إذ إنه أقر المعاهدة بما يقرب من الإجماع. # وكان في ذلك للملك فيصل الفوز المبين، كيف لا وفي هذه المعاهدة الحكم المبرم على ~~الانتداب؟! فقد أبرمت الحكم بعدئذ عصبة الأمم. # 5 # أما وقد مات الانتداب، فيليق بنا أن نقول كلمة فيه، نعم إنه لجدير مثل عظام ~~الأموات بالرثاء، وقد يكون أكثر من أكثرهم أهلا له. ليس الانتداب بذاته شرا صافيا، ~~ولا هو في وضعه على شيء من الشر، قبل أن نذكر الغرض الأول منه ينبغي أن نقول إن ~~مقاصد الأحلاف، فيما يتعلق بالأراضي المنسلخة عن الدولة العثمانية والمستعمرات ~~المسلوبة من ألمانيا، لم تكن على شيء كبير من الطهارة والنبل، بل كان قصد الأحلاف في ~~مؤتمر فرساي أن يتمتعوا بتلك الأراضي والمستعمرات على الطريقة التاريخية، بحسب ~~التقاليد المرعية؛ الغنيمة للغالبين، الأرض للفاتحين. # بيد أن الرئيس ولسون والجنرال سمطس، ms112 المجندين بالمثل الديمقراطي الأعلى، وإن ~~ازدراه أقطاب السياسة القديمة، تغلبا على مطامع الدول الاستعمارية فيما ابتدعاه وأسمياه ~~الانتداب. وفي هذه البدعة السياسية تمثلا خلاص الشعوب التي كانت رازحة تحت نير ~~الأتراك، وتيقنا - يومئذ - فوز أولئك الشعوب عاجلا أو آجلا بالحرية ~~والاستقلال. # ضحك أساطين السياسة القديمة في سرهم من هذه السذاجة ~~الديمقراطية، وقد جهروا بما عراهم من الريب، بالرغم عن المادة 23 من معاهدة فرساي، في أن ~~العمل بالانتداب ممكن، أما المادة 22 فهي، والحق يقال، مثال العدل والنبل في ~~المعاهدات، هي منقطعة النظير فيما تنطوي عليه من الآمال العالية بشرف الدول العظمى، ~~وبمقدرة الشعوب التائقة إلى الحكم الذاتي المستقل، على أنها لا تختلف عن القاعدة ~~الذهبية، وعن الآيات المنزلة بشيء، نرددها مكبرين متورعين، ونقف عند العمل بها ~~عاجزين متذبذبين. أجل إن بين القاعدة والتطبيق وهدة عميقة نراها اليوم، وقد اشتد ~~ظلامها، في سوريا وفلسطين وشرقي الأردن. # بيد أن ذلك لا يضير بالانتداب في قصده الأول؛ أي في وضعه الأساسي، فهو محقق في ~~نهاية الأمر مهما طال، هو محقق لأن تطبيقه غير ممكن، وقد يستغرب أن يكون هذا المثل ~~الديمقراطي الأعلى، الذي استهوى الشعوب الطالبة الاستقلال، صحيحا بليغا في عكسه كما هو في ~~وضعه الأساسي. # لست أدري إذا كان الرئيس ولسون أبصر أو تصور شيئا من هذا الانقلاب في أمر ~~تعليمه هذا. لست أدري إذا كان قد أدرك ما سيكون من عجزه المحمود، ومن فوزه الأحمد. هاكه ~~واقفا على رأسه، ومتمما لقصد خالقه، هاكه ممثلا أعجوبة السياسة في هذا الزمان. # وهل أزيدك بيانا، أيها القارئ العزيز؟ هذه هي الحلقات المنطقية: الحكومة البريطانية ~~مقيدة بالانتداب في العراق، يستحيل العمل بالانتداب بحسب أوضاعه «كأمانة للتمدن ~~مقدسة»، ليس بالإمكان أن نحوله إلى استعمار. إذن، ينبغي أن يلغى الانتداب، أما ~~الشعب الذي انتدب له، فبما أنه قد خطا خطوات تذكر في سبيل حريته، وأحسن شيئا من علم ~~الاستقلال والتطبيق، فينبغي أن يظل سائرا سيره هذا، ولا بأس بمعاهدة بينه وبين الدولة ~~التي كانت صاحبة الانتداب ms113 يلتئم مضمونها وأسباب رقيه المستمر. # هذا ما حدث في العراق؛ فقد أدركت الدولة المنتدبة وعصبة الأمم أن من العبث المحاولة - ~~ولا سيما أن النفقات باهظة - للتأليف بين القاعدة والتطبيق في الانتداب. هذا إذا سلمنا ~~أن قد كان هناك قصد للتأليف. أما أن النتيجة لم تظهر قبل مرور العشر سنوات، فذلك ~~أمر يسير. وقد كان في هذا الإبطاء - على ما أظن - شيء من الخير للفريقين. مما ينبغي أن ~~يذكر كذلك أن العراقيين، منذ بداءة الأمر حتى النهاية، لم يقبلوا بالانتداب قطعا، ~~واستمروا جميعا، المعتدلون والمتطرفون، في الجهاد للقضاء عليه. # ولكننا نخطئ إذا ظننا أن المرحلة التي بلغها العراق في تطوره السياسي ~~ورقيه هي نتيجة جهاد العراقيين وحدهم. فالحقيقة كلها، نسجلها دون أن نغمط حق ~~الوطنيين، هي أن المفاوضات مع الحكومة البريطانية ما كانت توفق هذا التوفيق، وفي مدة يجوز ~~أن نعدها قصيرة، لو جرت بوساطتهم أو بوساطة لجان من أحزابهم. إن هناك إذن عاملا آخر هو ~~من الأهمية بمكان، بل هو من وجهة خاصة أهم العوامل كلها؛ فسيد البلاد الأكبر، خصوصا ~~في هذا الشرق، لا يزال - وهو ولي الأمر - قادرا أن يسير الأمور ويصرفها بما قد يكون ~~فيها من الخير أو من الشر. وعندما تكون الدولة في طور التكوين، مثل العراق، تتضاعف الآمال ~~وتتضاعف الأخطار؛ فالرجل الذي يدير شئون البلاد يستطيع أن يكون عمارا، ويستطيع أن يكون ~~هداما. # لقد أسلفت القول إن الملك فيصلا لم يكن موفور الحظ في بداءة عهده؛ فقد جاء العراق ~~تقيده التعهدات، وتبوأ عرش العراق تحف به الصعوبات. ومع أنه كان يعلم أي ~~المناهج يجب عليه أن ينهجها، فقد رأى بأم عينه العقبات التي ينبغي أن تذلل قبل أن ~~يبلغ أول الطريق. # ما أحب فيصل تاجا يجيئه من يد أجنبية (وقد هم مرة بالنزول) وما كان من شيمته أن ~~يغمط النعمة، فيدعو الأمة لتنقذ التاج من قيوده، هذه هي المعضلة الكبرى التي وجب عليه حلها، ~~هو ذا الطريق الوعر الذي كان عليه أن يسلكه، فقد رآه واضحا ms114 بكل مشقاته، وتقدم فيه ~~بخطوات ثابتة؛ تارة بطيئة، وتارة حثيثة، وهو على الدوام الرجل الأبي الجريء الخبير ~~الصبور. # قلت: المعضلة الكبرى، وما فصلت؛ فقد كانت تنحصر، عندما جلس على العرش، في ~~أمرين: الفوز بثقة أهل العراق، والمحافظة على صداقة الإنكليز. وقد مشى إلى غرضه بما ~~أكسبته تجارب الزمان، متمهلا متحذرا، واثبا عاديا، مستعينا تارة بصراحة الفكر، ~~وطورا بالكياسة واللباقة؛ تارة يبرز عقله، وطورا يفتح قلبه؛ فيتغلب إما بالإقناع، ~~وإما باللطف والمعروف، هذه هي الطريق التي سلكها فيصل، وكان فيها العامل الأكبر - ~~القوة المرنة النافذة المحترمة دائما - في نجاح المفاوضات بين العراق وبريطانيا. وإن ~~إدراكه لتلك المحجة في خلال عشر سنوات فقط - نظرا لما اعترضها من العقبات الوطنية ~~والدولية - لمما يدعو للإعجاب والثناء. # أما المعارضة فما كانت لتؤخر في سير الملك فيصل، ولا كان هو يؤخر في سيرها؛ فبينا ~~هي كانت تشحذ السلاح لتجاهد الانتداب وأصحابه، كان هو يجتاز العقبات، من معاهدة إلى ~~معاهدة، وهدفه وهدف المعارضة واحد لا يتغير؛ فلو ~~أنه سلم التسليم التام للمتطرفين، لأضاع الفرص التي انتهزها ليخدم أغراضهم، ولو ~~أنه بالغ في تقدير الجميل لأصحابه الإنكليز، لما تمكن قطعا من التأليف بين ~~مصالحهم ومصالح العراق. فقد رفع الميزان بيد الحكمة وباسمها، وقلما اهتزت اليد في ~~حفظ التعادل بين كفتيه، وقلما شط البصر. هو ذا الفوز السياسي العظيم «وفيه فوز شخصي ~~للملك فيصل، وفوز وطني للعراق.» # | شغل الملك # كان هارون الرشيد يخاطب السحابة التي تمر به قائلا: «أمطري حيث شئت، فإن خراج ~~الأرض التي تمطرين فيها يجيء إلي.» وكان الخراج يطيع السحب كما تطيع السحب هارون، ~~فيجيء إليه طاميا، فيتصرف به كيفما شاء وشاءت مكارمه، يبذل منه في تعزيز الجند والقضاء، ~~عملا بالقاعدة التي لا تزال مرعية عند أكثر حكام العرب: العدل أساس الملك والجند سياجه. ~~ويبذل منه في بناء المساجد ومعاهد الإحسان، عملا بالقاعدة الأخرى التي ترفع حتى الخليع ~~إلى منزلة أهل البر والتقوى. # وما سوى الجند والقضاء والجوامع والأوقاف، لا يبقى في المملكة ما يستحق كبير ms115 الاهتمام ~~غير الشعراء في البلاط، والجواري في الحريم، فيغدق عليهم وعليهن مما تبقى من ~~الخراج. # أمطري حيث شئت أيتها السحب، فإن خراجك لهارون، أسير القوافي والعيون، وإن السماء مع ~~ذلك تخدم أمير المؤمنين، وتجعل السحب من رعاياه المخلصين. # أما الملك فيصل فلا أظن أنه كان يخاطب السحب، على قربها منه في طيرانه، أو يسأل ~~السماء أسئلة فيما يتعلق بخراج الدولة. لو اتسع الوقت لديه لمثل هذه المفاوضات ~~الاقتصادية أو المناجاة الشعرية، وشاء أن يتمثل بالخليفة العباسي الشهير، لما كان له أن ~~ينتظر من السحب الخير الكثير؛ كان له أن يقول للسحابة ما قاله الرشيد: «أمطري حيث شئت.» ~~ويقف عندها، فإن لم تمطر في مزرعة صغيرة قرب خانقين، أو في الحارثية خارج بغداد - كل ما ~~كان يملكه من أرض العراق - فهي وريح السموم سواء فيما قد يكون له من خراجها. تبارك ~~الدستور، وتباركت آياته، فهو يجيز لأحقر الناس، إذا صار وزير المالية في الدولة، أن ~~يقول للملك: هذا راتبك، يا صاحب الجلالة. # جلالة الملك فيصل الأول مع فخامة الرئيس مصطفى كمال حين زيارته ~~لتركيا. # مأدبة الغداء التي أقامها السفير البريطاني على ظهر الباخرة الإنكليزية ~~«لوين» في المؤتمر العربي النجدي. # ومن حسن حظ العراق أن عهد الخلافة قد ذهب، وأن أيام السلطان ابن السلاطين ~~وأمير المؤمنين لن تعود؛ إذن مهما أمعنت السحابة في سمائها، فأمطرت في إيران وفي أفغانستان ~~وفيما دونهما من البلدان، فإن بين خراجها اليوم، إذا وصل إلى بغداد، وبين الملك حكومة ~~دستورية وبرلمانا. وقد كان، فوق ذلك، بين الملك فيصل وراتبه، خازن حريص على كل دينار ~~منه. # ها هنا أقف، ولو فرضنا أن علمي بميزانية الملك الخاصة صحيح دقيق، فلا أتعدى حد ~~اللياقة في إذاعة أسرارها. كفى بي أن أقول إن بعض الذين كانوا يتهافتون على ديوان أبيه ~~الملك حسين ويحومون حوله، وبعض مشايخ القبائل العراقية، كانوا يشاركون الملك فيصلا في ~~دخله الخاص. # وقد كان فيصل كريما جوادا، بل كان جوده إبان الحرب وفي سوريا موضوع الأمثال والقوافي. ~~أما ms116 في العراق ... قلت أن لا يليق التدخل في الميزانية الملكية! ولكني أظن أن فيصلا ~~في مكارمه وإحسانه، وهو بين راتب محدود ومطالب وواجبات غير محدودة، كان يشكر الله في بعض ~~الأحايين أن اليد القابضة على مفتاح الخزينة هي يد أمين ضنين. # أشرت إلى العرش والتاج غير مرة فيما أسلفت، وما كان ذلك إلا كناية ورمزا، فاعلم - ~~رعاك الله - أن ما كان لهذا الملك العربي عرش ولا تاج. ولكن في القيافة العربية ما يشبه ~~التاج، ما يميز صاحبه عن غيره من العرب، وهو العقال المزركش بالقصب. بيد أن ملك العراق ~~أبدل تلك القيافة بالملابس الإفرنجية، وصار خاضعا فيها للأحكام الديمقراطية الجائرة في ~~أزياء هذا الزمن. # أما وقد كان مشيق القد رشيقه، فأي ثوب لبسه لبق به. وكنت ترى في طلعته ومشيته وأناقته ~~ذلك الامتياز الساحر الذي يصعب وصفه، ويصعب على الديمقراطية، مهما تعسفت في أزيائها ~~السمجة وأحكامها المطردة، أن تمحو أو تتغلب عليه. # بيد أن الأناقة في مجلسه، وهو يحدث أو يستمع، كان يعتريها في بعض الأحيان شيء من ~~الهجنة، فيجلس جلسة القروي وقد ذهل عنها، فتراه والظهر منه منحن، واليدان مرتخيتان فوق ~~الركبتين، وتود أن تقول الكلمة التي يستقيم بها حاله. ومما كان يزيد بدهشتي المألومة أن ~~رأسي رجليه، وهو جالس تلك الجلسة، كادا يلصقان الواحد بالآخر؛ أي إن رجليه ضمتا في ~~شكل 8 لا في شكل 7 كما ينبغي، وهذا الاتجاه في الرجلين، جلوسا أو وقوفا، مستقبح عند ~~الغربيين، ومحظور في الجندية. # ولا أكتمك أني في تلك الساعة، ساعة كان يجلس الملك فيصل جلسته المستهجنة، كنت أرغب ~~بالمنزلة التي تجيز لي التنبيه والتذكير. وليس لأحد خارج بيته، غير البدوي المدرك لهذا ~~الأمر أو الصديق المحتظي بالعطف الملكي الخاص، أن يقول إذ يرى رجليه مضمومتين في شكل 8: ~~سيدي فيصل، رجليك. # على أن هذا الاتجاه في الرجلين يهون، عند ذكرنا لأولئك العرب، حتى الأمراء منهم ~~والملوك، الذين يلعبون بأباهم أرجلهم وهم جالسون على الأرض، أو متربعون على ~~الديوان. # فيا ليت النبي ms117 فطن إلى هذا الأمر، النبي الذي لم يفته شيء من منكرات السلوك في شعبه، ~~فحدث حتى عن القلس؛ # 1 # ليته حدث ناهيا كذلك عن هذه التسلية بأباهم الرجل، لكنت إذ ذاك أنقل إليك ~~خبرا يدهش ويسر، فأقول: كنت ذات يوم في مجلس السيد الإدريسي، أو الإمام يحيى، أو الملك ابن ~~سعود، فدخل أعرابي وسلم وجلس، وإذ رأى يد السيد مثلا تعبث بالأباهم الشريفة صاح ~~قائلا: يا طويل العمر، هذا مخالف للسنة؛ فقد جاء في الحديث ... ويروي الحديث الذي أود ~~لو كان. ولكن النبي - لسوء الحظ - لم يفطن إليه. وستستمر تلك العادة، تلك التسلية بأباهم ~~الرجل، إلى أن يقتدي أصحاب الجلالة هناك بابن عمهم ملك العراق، فيلبسون الجوارب ~~والأحذية. # قلت إن ملك العراق لا يلبس التاج، وهو في هذا مثل سائر ملوك العرب الأقدمين والحديثين، ~~فقد كان فيصل يلبس السدارة حتى في الحفلات الرسمية، إلا أنها سوداء اللون مثل جوخ ~~ثوبه الإنكليزي، وما رأيته مرة جالسا على عرش أو شبه عرش، وما رأيت عرشا في القصر أو ~~شبه عرش، ولا فراش ملك مثل الذي يجلس عليه الإمام يحيى. قلت: القصر - والحقيقة أنه مثل ~~العرش ومثل التاج - لا وجود له. إنما الملك حدثني عن المدينة الجديدة التي يريد بناءها، ~~وأطلعني على التصميم، ستكون بغداد الجديدة، التي ستبنى على الضفة الغربية، مدورة مثل ~~مدينة المنصور، وفي وسطها ساحة كبيرة، وفي الساحة محطة للطائرات بين الشرق والغرب، وحول ~~الساحة أبنية الحكومة، وحلية العقد القصر الملكي، سيكون لملك العراق قصر إذن في المستقبل. # 2 # أما الآن فالبناية ذات الطبقة الواحدة، القائمة في بستان، على طريق الأعظمية، هي المقر ~~الملكي. فيها يشتغل الملك، وفيها يستقبل الناس، تدخلها فإذا أنت في رواق صغير، إلى شماله ~~مكتب لرئيس التشريفات، وهو يستقبل من الزائرين الحضر ذوي السدارات والبرانيط والعمائم، ~~فيقدمهم للملك أو يعين لهم وقتا للمقابلة، وإلى جانب مكتبه غرفة الحرس الملكي الذي ~~قلما يبدو للعيان، وإلى الجهة الأخرى من الرواق مكتب السكرتير الأول، تحاذيه غرفة ~~الانتظار لرجال العشائر ms118 ومشايخ العرب، وأصحاب العباءة والعقال، وبين المكتبين باب كبير ~~يفتحه حاجب، فإذا أنت في ردهة مربعة، هي مكتب الملك ومجلسه، ينير هذه الردهة شباكان في ~~الحائط المقابل للباب، ولكن الأسترة تلطف النور، فلا يبهرك، ولا يحول بين ناظريك ووجه ~~الملك، الواقف لاستقبالك. # أما فرش الردهة فالذوق فيه غالب على الفخامة، وجامع بين الشرق والغرب؛ السجاد عجمي، ~~والديوان عربي، والمنضدة مع الكراسي المنجدة بالجلد أوروبية. وهناك خزانة للكتب، وعلى ~~الحائط فوقها رسوم لبعض أمراء البيت الهاشمي. يجلس الملك على الديوان في الصدر، وإلى جانبه ~~مائدة صغيرة على حرفها بضعة أزرار للأسلاك الكهربائية تصلها بدواوين البلاط. # عندما يدخل الزائر يقف الملك، فيخطو بضع خطوات، ويتقدم في بعض الأحايين إلى وسط الردهة ~~مرحبا. كان الملك فيصل في استقباله وفي حديثه على جانب عظيم من الرقة والبشاشة، ~~واللطف والوداعة، بل كان مثال النبل وكرم الأخلاق. يقول لك ذلك كل من زاره وكل من ~~عرفه؛ غربيا كان أو شرقيا، وضيعا كان أو رفيعا، من البدو أو الحضر. وكان استقباله ~~شرقيا للجميع، يأمر بالقهوة والسجاير، ويقدم في بعض الأحايين للزائر سيكارة من علبته ~~الخاصة، فيشعر بأنه عند أحد أصدقائه، لا في حضرة مليك البلاد، ويخرج معجبا بهذه الروح ~~العربية الديمقراطية الشريفة، فإن لم يكن شاهد شيئا من أبهة الملك، فقد قابل عربيا ~~من أماجد العرب، هو حقا ملك القلوب. # في ذلك البستان بيت آخر ذو طبقة واحدة؛ هو منزل الملك في النهار، فيتناول فيه طعام ~~المساء، ويقيم فيه المآدب الرسمية والاستقبالات العامة، ها هنا في البيتين كان الملك ~~فيصل يشتغل ويقضي معظم يومه، وما كان في شغله ليرعى نظام الدوام المحدد للعمل اليومي، ~~ثماني ساعات لا غير، فيشتغل اثنتي عشرة ساعة وما يزيد في بعض الأحايين. # أما أشغاله فما كانت تنحصر في جلوسه إلى منضدته وفي مجالسه ومحادثاته، وما كانت كلها ~~تظهر حتى لرجال البلاط والحكومة، فمن أين لهم أن يروها في استقبال عام مثلا، أو في ~~مأدبة رسمية؟ ألا إن هموم الدولة، ساكنة أو ناطقة، ms119 وشئون الملك - سافرة أو محجبة - ~~لتتمشى هناك بين الضيوف، ولا يعرفها ويشعر بوطأتها غير الملك. وبكلمة أخرى إن الملك ~~يشتغل حتى في ساعة لهوه، وإن شغل هذا الملك العربي ليختلط حتى بطعامه، فقلما كان ~~فيصل يأكل وحده، وقد كان شغله مزدوجا في ضيافاته على اختلاف الضيوف؛ فإذا كانوا من مشايخ ~~البدو، أو من الوطنيين، أو من الأوروبيين، من أصحاب الشكوى أو المشاريع الإصلاحية أو ~~الامتيازات؛ فعليه أن يستمع إليهم، ويتبصر فيما يعرضون، فلا يفوته شيء مما قد ~~يكون فيه خير الأمة. # قد تسأل بعد هذا: وأين المنزل الملكي الخاص؟ أين بيت فيصل بن الحسين بن علي؟ في شارع صغير ~~في قلب المدينة، إلى جانب الميدان بيت ذو طبقتين، شبيه بالبيوت الأخرى الملتصقة بعضها ~~ببعض؛ يسكن فيه الأستاذ إبراهيم دباس، معلم الملك فيصل اللغتين الإنكليزية والفرنسية، ~~بل المعلم اللبناني في الأسرة الهاشمية المالكة، الذي قال فيه الملك حسين: «هذا معلم ~~أولادنا وأحفادنا.» # وفي ذلك الشارع أيضا، على نحو مائتي ذراع من البيت المذكور، منزل الملك الخاص؛ # 3 # حيث تقيم الملكة حزيمة؛ زوجته الوحيدة، وابنه الوحيد الأمير غازي، وكريماته ~~الأميرات الثلاث، ها هنا كان الملك فيصل يقضي مع أهله بضع ساعات من يومه. # وما استنكف أن يكون منزله في صف من البيوت العادية قريبا من منزل معلمه المسيحي ~~اللبناني، أقول «المسيحي اللبناني» لألفت نظر العرب في كل مكان، ونظر أبناء لبنان، إلى ~~مزية خاصة في فيصل، بل في البيت الهاشمي، فما كان الملك حسين - رحمه الله - يفرق بين ~~العربي واللبناني، والمسلم والمسيحي، وأن أنجاله كلهم مثله في هذا الموقف العربي الشامل ~~في عروبته جميع سكان البلاد العربية، إنما الملك فيصل كان أقربهم إلى اللبنانيين، وأكثرهم ~~إعجابا بهم، وأشدهم رغبة في استخدامهم، والانتفاع بعلومهم ومواهبهم. # على أن النزعات السياسية، والنعرات الحزبية في العراق، كانت تحول دون تحقيق رغباته، ~~من ذلك ما أراده مرة لمعلمه إبراهيم دباس؛ فقد كان في نيته أن يعينه كاتب سره، لولا ~~صوت الاحتجاج في البلاط وخارج البلاط. وما السبب ms120 في ذا الاحتجاج؟ إني على يقين - وأنا ~~أعرف بعض المحتجين - أن لا أثر للتعصب الديني فيه، إنما هي السياسة والمآرب الشخصية، ~~التي تشين غالبا الأعمال الوطنية في كل البلدان، وخصوصا في هذا الشرق العربي. # وما كانت مشاكل الملك الكبرى تمكن الملك فيصل من الاهتمام بغيرها من المشاكل الحزبية ~~المحلية، بل ما كان يجيز لنفسه تكبير صغائر الأمور، وعنده من كبيرها ما يشغل قلبه وعقله، ~~ومعظم وقته وقواه. # وعنده فوق ذلك، وهو الملك التلميذ، مسائله الإنكليزية والفرنسية يدرسها. ما كان فيصل ~~بالتلميذ الكسول، المتأخر في التحصيل، كما كان في صباه بالأستانة؛ فقد بلغ الشأو في ~~الإنكليزية، على قصر وقته للتعلم، وعندما زار إنكلترا زيارته الأخيرة خطب خطبة بهذه ~~اللغة، وكان مسرورا بل فخورا بحسن وقعها، فقد قال لمعلمه الدباس: «كنت أتمنى يا أستاذ ~~أن تكون معي في لندن لتسمع تلميذك يخطب بالإنكليزية كأبناء الإنكليز أنفسهم، فإنك ولا شك ~~كنت تفتخر بتلميذك ...» # ملك تلميذ، وقد كان بوده أن يكون كذلك معلما؛ فقد خطب مرة في دار المعلمين، في ~~واجبات المعلم الخلقية والروحية، وقال إنه مستعد لأن يعلم في مدرسة ثانوية ولو بضع ~~ساعات في الأسبوع. # ملك يتعلم ويعلم، ويعمل فوق ذلك في وضع أسس الدولة وتوطيدها، فلا عجب إذا كان ~~عمله اليومي يتجاوز في بعض الأحايين اثنتي عشرة ساعة. كان يجيء المقر كل يوم في الساعة ~~السابعة صيفا والثامنة شتاء فيصل، غالبا، قبل رؤساء الدواوين، ويشتغل من خمس إلى سبع ~~ساعات، ثم يذهب في الساعة الواحدة بعد الظهر إلى الحارثية مزرعته، وهي على نحو خمسة ~~أميال من بغداد، للغداء وللقيلولة، إلا أنه كان غالبا يحرم الراحة حتى هناك؛ لأن ~~أشغال الملك كانت تلحق به إلى ذاك البيت الصغير؛ حيث كان يدعو بعض صحبه، فتعقد الجلسات ~~السياسية حول مائدة الشاي. # وليس فيما عددت كل أشغاله؛ فقد كان يقول عندما يجيء الحارثية: إني ها هنا فلاح. ~~وقد قال لي مرة إن كل ما كان يتبقى من ماله، بعد النفقات الخاصة والعامة، دفنه في ~~الأرض، ms121 أي في مزرعتيه بالحارثية وخانقين، فقد كان - والحق يقال - شغفا بالأرض؛ بزرعها، ~~بامتحانها، بتحليل عوامل خيرها، بتجربة الآلات والبدع الزراعية فيها. ما كان يباشر هذه ~~الأعمال كلها بنفسه، ولكنه كان يشرف عليها، ويهتم ما استطاع بها. ومع ذلك فما أفلحت ~~مشاريعه الزراعية كلها، وأكثرها لا يزال في طور التجربة. # نسمع الحكومات والمصلحين في أوروبا وأميركا ينادون الناس في الأيام ويحذرونهم ~~قائلين: عودوا إلى الحقول، عودوا إلى المزارع. ولكن الشعب العراقي ليس مثل شعوب أوروبا ~~وأميركا في التهافت على المدينة، والتزاحم على التجارة والصناعة، ليستوجب هذه الدعوة. ~~إلا أن اهتمام الملك فيصل بالزراعة نبه الكثيرين إلى الأساليب العلمية الفنية ~~فيها، ووضع نواة النهضة الزراعية في العراق. # ومن حسنات الديمقراطية فيه أنه كان يكره الأبهة في حله وترحاله، فقلما كان يخرج في ~~موكب، أو يظهر في حلقة براقة من أبهة الملك. ما كان الناس ينتبهون لسيارة الملك أو ~~يعرفونها إذا مرت في شوارع بغداد؛ فقد كان فيصل يكتفي بياور واحد يجلس إلى جانب ~~السائق، ويسوق هو نفسه السيارة في بعض الأحايين. # قلت إنه كان يؤم الحارثية للغداء ويقضي شطرا من يومه هناك، ثم يعود عند الغروب ~~ليتناول العشاء في المنزل المجاور للبلاط. ومما استحبه وألفه في أوروبا الثوب ~~الرسمي في المساء، أما إذا كان ضيوفه من الأهالي فيتناول العشاء - إكراما لهم - في ثوبه ~~العادي. وإذا كان بينهم أوروبيون، فإما أن يرتدي الجوخ الأسود والقميص الأبيض، وإما أن ~~يظهر في ثوبه العسكري بصفته القائد العام للجيش. سأل أحد السوريين رئيس التشريفات، بعد ~~أن عين له وقتا لمقابلة الملك، أي الأثواب يجب عليه أن يرتدي، فأجابه قائلا: «تعال ~~في الثوب الذي أنت لابس؛ الملك لا يسأل.» # وإذا كان ضيوف الملك من حاشيته وأهله، أو من أصدقائه في الحكومة ودار الانتداب والسفارات، ~~فقد كان يجلس وإياهم بعد العشاء جلسة بيتية، ويلعبون ال «بريدج» الذي كان يؤثره على ~~سواه من الألعاب. قيل لي إنه كان في لعب «التنس» كذلك من المجيدين المبرزين. فإن قارنا ~~بينه من ms122 هذه الناحية وبين زملائه جنوبا، أي بينه وبين ابن سعود مثلا أو الإمام يحيى، بدا ~~لنا عصريا إلى حد المبالغة. أما إذا كانت المقارنة بينه وبين جاريه الآخرين شرقا ~~وشمالا، أي بينه وبين داهية طهران وداهية أنقره، فهو دونهما في ألاعيب هذا العصر؛ لأنه ما ~~كان يحسن لعب ال «بوكر» ولا يرغب فيه. بيد أنه كان متساهلا في الأمور الاجتماعية أكثر ~~من أخويه علي وعبد الله، وقد كان يحترم على الأخص عليا، ويحرص على كرامته. # أقول هذا لأخبرك بما جرى ذات ليلة في رمضان؛ كان ~~الملك فيصل يتناول العشاء وبعض رجال الحكومة المقربين، احتفالا بحدث مفرح في سياسة ~~العراق، وكان ضيوفه - إخوانه - وهم فرحون مرحون يشعرون بنقص في الضيافة ولا يفصحون، فقرأ ~~الملك الخبر في وجوههم وأمر لهم بالشمبانيا، وفي تلك الليلة جاء الملك علي يزور أخاه، ~~دون سابق إعلام منه بذلك، فدخل قاعة الطعام ساعة كانت سدادات القناني تفرقع وتتطاير ~~في الجو ... # إني أذكر قصة أخرى سمعتها في جدة، كان الأمير علي وبعض رجال حكومة أبيه الملك حسين ~~مصطافين في الطائف، ومعهم شيخ مدمن كان يجيئه الحين بعد الحين صندوق من الوسكي من تاجر ~~مسيحي في جدة، فأرسل الصندوق ذات يوم خطأ إلى بيت الأمير علي، ففتحه وأخذ منه زجاجتين، ~~ثم أرسل الباقي إلى صاحبه يقول: «إن الصندوق فتح في الجمرك وأخذ الرسم عليه ... أما ~~ما كان من أمر الزجاجتين فالأرض تدري.» # كان الملك فيصل - عملا بمهنته وبتقاليد بيته في الأقل - من المحافظين، بيد أنه لم ~~يتقيد بالقيود كلها، وما استولى الماضي عليه استيلاء العقل والحكمة؛ فقد كان مدركا ما ~~للتطرف السياسي والاجتماعي في زمانه من الشيوع والسطوة، وكان مدركا كذلك أن العرب وإن ~~كانوا بطبيعة الحال محافظين، ينزعون إلى التمرد، ويقبلون على النعارين فيهم المشاغبين. ~~فعلى من يتولى أمرهم ويدير شئونهم أن يقرن في مبادئه وأساليب عمله شيئا من المصلح، شيئا ~~من الحاكم المستبد؛ لذلك كان الملك فيصل يتحرى الوسط في الأمور. # وقد سمعته يقول مرارا: «كم من ms123 تقليد مفيد يفسده الغلو!» أحب أن يقتدي بملوك العرب ~~وأمرائهم في الجلوس للناس، بل باشر الأمر، فكان يجيئه الناس من بدو وحضر في يومي ~~الأربعاء والسبت من كل أسبوع، مسلمين عارضين شكاويهم، فيسمع لهم ويقضي ما استطاع بينهم، وقد ~~كان يرتاح إلى هذه الاجتماعات ويرى فيها ما يزيد بخبره، ويصحح علمه بطبائع الناس، فضلا ~~عن أنها تقرب بينه وبين الرعية. # ولكن الحكومة نظرت إليها بغير عينه، وقد تكون عدتها من البدع؛ فهناك محاكم وقضاة، وهناك ~~دستور، وهناك ... فلا يجوز للملك التدخل في شئون المواطنين الخاصة، ولا يليق بالناس أن ~~يحملوا الملك فوق طاقته. ظل الملك مع ذلك يقابل كل من جاء زائرا في ذينك ~~اليومين، ولكن العادة المثمرة خيرا في صنعاء وفي الرياض أمست عقيمة في بغداد، وقد تبطل ~~قطعا، فيذكرها الناس كما يذكر الحاج حجة لا تعاد أو كما يذكرون تقليدا مهملا. # وهذه السدارة هي اختراع الملك فيصل، وهي اليوم تدعى باسمه ال «فيصلية»، إن هي إلا دليل ~~آخر على أن حب الوسط كان من طبعه. أما الكلمة المأثورة: خير الأمور الوسط، فلا تمثل ~~الحكمة دائما ولا حسن الذوق. وما السدارة؟ لا قبعة هي ولا قلبق، هي احتجاج على الطربوش، ~~وما هي في الصيف أخف من الطربوش، ولا هي صحيا أحسن منه. إن في خطوطها، في شكلها، شيئا ~~من الظرف، ولا تخلو طريقة لبسها من شيء يتحداك، ولكنها في المواقف الرسمية - على الأقل - ~~رمز الخفة والدعابة، أراد الملك فيصل عمرة جديدة لأهل العراق، أو للعصريين من أهله، ~~وأبى أن يقلد الأمة التي نبذت الطربوش كما نبذه، فيختار مثل مصطفى كمال القبعة كاملة؛ لذلك ~~اضطر أن يقف عند الحد الوسط، اكتفى بنصف قبعة. # لا أظن أن السدارة تدوم طويلا، فالعمرة التي لا حافة ولا رف لها إنما هي ~~مبتورة ناقصة، قد تكون بليغة فيما تقوله وطنيا، ولكن الوطن إذا توطدت أركانه يستغني عن ~~الرموز، والعمرة التي لا رف لها تفضح الوجه إذا كان قبيحا، ولا ترمقه إذا كان مليحا ~~بشيء ms124 من الظل يزيد الملاحة فيه. لقد أدرك العرب ذلك، وأدركوا الناحية الصحية في ~~العمرة، فلبسوا فوق العرقية الكوفية، وربطوها بعقال للزينة والفائدة معا، فإذا نبذنا ~~العقال والعمامة فيليق بنا أن نظهر، في المواقف الرسمية على الأقل، مكشوفي الرأس، وهذا ~~مكروه عند المسلمين المحافظين ومخالف للتقاليد المرعية. # على أن الملك فيصل تعدى التقليد في صورته الأخيرة، وهو فيها مكشوف الرأس، جهم ~~المحيا، بعيد غور الفكر، تعلو سيماءه مسحة من الكآبة. عد إليها، وتخيل السدارة على ~~الرأس، يبدو في الوجه شيء مستغرب مستهجن؛ هو التناقض بين ملامحه وما تخيلته على رأسه. ~~ما كان يخفى على الملك فيصل أن التناسب هو السر في الحسن والأناقة، فعندما يبدو أثر ~~التفكر بليغا في الوجه، أو عندما يكون الوجه متجهما، فالرأس المكشوف هو أكثر تناسبا ~~من الرأس الذي تعلوه قبعة صغيرة محقرة. # خذ عمرة الملك فيصل في صيده تر فيها ما تفتقده السدارة من أسباب الحسن والأناقة، ~~فالسدارة تحقر الوجه التعب، الوجه العابس، وتسلبه محاسنه، بينا أن عمرة الصيد تظلل بعض ~~الخطوط فيه تزيده قوة وجلالا. عد إلى صورته في الصيد وتأملها، فإن هذه المحاسن ~~لتبدو واضحة بليغة، ويبدو حتى في ظلال خطوط التعب شيء من النشاط المذخر. # كان الملك فيصل في الصيد، مثله في كل شيء، مثال البساطة والاتضاع، ينبو عن الكلفة كما ~~ينبو عن الأبهة، فيخرج بعض أصحابه يرافقهم واحد أو اثنان من الحرس الملكي، وكلهم في ~~المطاردة إخوان، لا تفاضل بينهم بغير المهارة. وأما الذين كان يؤثر اصطحابهم فمنهم ~~رئيس التشريفات تحسين قدري، ومستشار الداخلية السر كينيهان كورنوالس. والاثنان إذا ~~حدثا عن الملك الصياد لا يغمطان حقه كما أنهما لا يسترسلان في الغلو، فالسر كينيهان ~~يعترف بمهارة الملك في الإصابة، ولكنه يبسم إذا سئل عن قوة الملك في المطاردة في ~~المشي. # أما تحسين فهو يعترف بأنه لا يستطيع أن يماشي الملك، وأما أنه دونه في الصيد، في ~~الإصابة، فمسألة فيها نظر. كذلك كانا يفاخران الملك فيسمع ويبتسم، ثم يمشي مجدا وراء ~~غزلانه، فيدهش ms125 في العدو رفيقه الإنكليزي، وإذا عرض له سرب من الحبارى، يجيء بالدليل ~~على مهارته في الإصابة، فيدهش الرفيق الآخر. # على ذكر الصيد أقول إن الملك فيصلا خرج فيه عن تقاليد السلف، وعن عادات العرب التي لا ~~تزال متبعة حتى في العراق؛ فقلما كان يستخدم الصقر في صيده، وقلما كان يصيد ~~بالسهام الخنزير البري. ولو أنه رغب بهذا النوع من الصيد، لما أظنه كان يتشبه ببعض ~~الخلفاء الذين كانوا يحملون سهاما في الحرب وفي الصيد نصالها من ذهب. # أما جود الملك فيصل عند العودة من صيده، فقد كان يبعث البهجة والسرور في بيوت الكثيرين ~~من أصدقائه في بغداد. # | المناقب # ما جاء في المعقول والمنقول أن الأخلاق النبوية تتجلى كلها في أحد من سلالة النبي، ~~وإن كان نسبه خلال ثلاثمائة وألف من السنين سليما صافيا، وقد يعد ذلك من الحسنات في ~~هذا الزمان . ما كان فيصل مثلا يطمح إلى النبوءة، أو يدعي شيئا من الوحي. وما كان قسطه ~~من الفيض الروحي أو النور الإلهي كافيا ليفتح له تلك الأبواب التي تقفل دون سواه من ~~الناس، فتجعل الرؤيا لديه حقيقة راهنة، والخيال أمرا ملموسا. # ما تراءى النبي محمد مرة لفيصل - على ما أعلم - كما تراءى لأخيه الملك علي ذات ليلة في ~~المدينة، وهو ذاهب إلى الجامع للصلاة. كان علي يومئذ أمير المدينة وأسير محنة كادت ~~تهد قواه وتذهب برجائه، فيمم الحجرة النبوية، يستغيث بالرسول ويستنجده، فلاقاه ~~الرسول في الشارع - رأيته والله كما أراك الآن، يا أستاذ - وقال له: «مكن إيمانك بالله ~~يا علي، ولا تقنط.» # أما الملك فيصل فما رأى النبي مرة في حياته الكثيرة التجارب والمحن، وما كان - على ما ~~أعلم - يستغيث بالنبي، وما سمعته مرة يحلف باسمه، وقد تنازل فيصل عن الشارة ~~النبوية، أي ذؤابة العمامة، بل العمامة نفسها، وتنازل كذلك عن بعض حقوق المسلم وتقاليد ~~الشريف؛ فقد اقتصر في زواجه على واحدة، ونصر المرأة في بعض حقوقها، وكان يكرم ~~الشعراء؛ فلا يقول إنهم في واد يهيمون. وما كان يستعجل ضيوفه ms126 في الرحيل، فيردد الآية: ~~«فإذا طعمتم فانتشروا». ولا كان يرغب بالحرب والقتال، فقد أصلى خصومه النار مرة، وكان بعد ~~ذلك مسالما، وعاملا لتأييد السلم في العالم. # وقد كان فيصل شريفا شريفا، لا ينزع إلى القوة في التملك، كبعض الأشراف، ولا يدعي ~~ما ليس له، وكان تقيا نزيها متواضعا، لا يشرب الخمر، ولا يقامر، ولا يجنح إلى ~~البدع في الملذات. ولو كان فيصل من الذين يغالون في تقديرهم النسب النبوي، فيبرز شعورهم به ~~إلى حد الإساءة إليه، لكان في أحكامه مستبدا مثل أبيه، وفي تشبثاته شاذا مثل ~~الإمام يحيى، ولو كان مواظبا على السنة مثل ابن سعود لكان أمره في أكثر الأحايين ~~مستغربا مضحكا. # كان فيصل مسلما سنيا حنفيا صادقا وكفى، بل كان لبلورة إيمانه سطوح متعددة، ~~تنعكس فيها أنوار المذاهب الإسلامية الأخرى انعكاسا صافيا، وقد كنت أشعر في محادثته ~~أن لعقيدته الدينية بطانة من التساهل الذي يتخلله الاحترام لسائر الأديان في العالم. ~~هو رجل من رجال العالم الكبار، وهو مسلم يندر مثله بين حكام المسلمين؛ فقد كان في ~~تعقله واعتداله مثال الحكمة العالية، وفي رحابة صدره وتساهله مثال الحب ~~والإخلاص. # ذكرت في مطلع الكتاب أن فيصلا تربى في المضارب تربية عربية بدوية، عملا بتقليد ~~للبيت الهاشمي يراد منه أن ينشأ أبناؤه أصحاء أشداء، أن يخشوشنوا مثل البدو، ~~ويتشربوا في البادية روح الحرية والإخاء، نعم التقليد، ولكن إقامة فيصل في الأستانة ~~سبع عشرة سنة، في بلهنية العيش، وفيما يجوز أن يدعى الأسر، أفقدته - على ما يظهر - ما ~~اكتسبه في البادية من القوة والنشاط، فما كان فيصل مستمتعا على الدوام بتمام الصحة ~~والعافية، وأن تلك القوة التي كانت تمكنه من الاستمرار في جهاده السياسي إنما هي ~~قوة عصبية ومعنوية، منشؤها الإرادة والعزم، فقد تحمل في الحرب ما يتحمله البدو من ~~مشقات البادية، وبدت قواه هذه في أشد مظاهرها وأروعها، ولكنه كان يؤثر الرأي على ~~الشجاعة، ويقول: «النصر يبدأ بالإدارة والتدبير.» # الملك فيصل الأول في الكوفية. # الملك فيصل الأول كما رسمه الفنان أوغسطس ms127 جان وقد اشترى هذه الصورة متحف ~~برمنغهام. # يصح أن نقول إنه ما كان من رجال الحرب الكبار، بل كان أولا وآخرا رجلا مفكرا، والفكر ~~صنو السلم. وقد كان الملك فيصل في حبه وجهاده من أجل السلم، شجاعا غير هياب، ~~وشهما كريما لا يذكر الحساب، لولا ذلك لكان اضطرم الدم العربي القرشي مرارا في عروقه، ~~وخصوصا يوم خانه السياسيون وانقلب عليه المعاهدون، فحمله على عمل يبرر ولا يحمد فيه ~~البلاء لخصوم العرب وللعرب أنفسهم، علي وعلى أعدائي، ولكنه كان يأبى أن يكون ~~مدمرا. # إن التاريخ حافل بالنكبات التي منشؤها عنجهية الملوك وحماقتهم. أما فيصل فقد كانت ~~الحماقة بعيدة منه بعد العنجهية، وكان حب الذات عنده رمزا لحب أسمى، رمزا لحب قومي، ~~رمزا لحب أمته العربية. في سبيل هذا الحب، وفي سبيل السلم المؤيد له، كان يتحمل فيصل ما لا ~~يتحمله رجل آخر في منزلته. وكان يكظم الغيظ، وينكر النفس؛ توصلا إلى ~~أغراضه. # إنما هذا شأن الرجل الحكيم الخبير، البارع في معالجة الأمور المتوقدة، وفي حل ~~المشاكل المتعقدة، بل هذا شأن الرجل العظيم في السياسة. ومما لا ريب فيه أن فيصلا ~~كان من أعظم السياسيين في الشرق الأدنى، ومن أكبر العاملين من أجل السلم في العالم؛ ~~يكفي ما قام به لتوطيد الصلات السلمية بين العراق الجديد والبلدان المحيطة به؛ فقد ~~تغلب بالحكمة والشهامة، وبالإخلاص ليقينه ولوطنه، على النزعات الحربية في جارات العراق ~~الثلاث: تركيا وإيران ونجد. # أجل، إن في مصالحته لحكومات هذه البلدان، وفي زياراته لأنقرة وطهران وباريس، وفي ~~مساعيه الموفقة لتوثيق عرى الولاء بينه وبين خصومه بالأمس، بينه وبين ابن سعود ومصطفى ~~كمال ورضا خان والفرنسيس أنفسهم، إن في هذه الأعمال الجليلة ما يستوجب الكثير من ترويض ~~النفس، ومغالبة الأهواء، ومن الشهامة وكرم الأخلاق. إن فيها ما يوجب علينا أن نقرن ~~اسمه بأسماء شتراسمان وبريان ورمزي مكدونلد، بل إن فيها ما كان يؤهل ملك العراق ~~لجائزة «نوبل للسلم». # حدثني فيصل عن اجتماعه بعبد العزيز ابن سعود قال: «لو كان الخلاف خلافا ms128 شخصيا بيني ~~وبين ابن سعود، وتلاقينا واحتربنا، وقتل أحدنا، وانتهى الأمر؛ فلا بأس. أما أن نجر ~~العرب لقتل العرب من أجل أنفسنا؛ فهذا عيب والله، بل إثم كبير! نحن الملوك والأشراف ~~أمناء على مصالح هذه البلاد العربية؛ فمن العيب، بل من الإثم، أن نسلك المسلك الذي لا ~~تستقيم فيه غير مصالحنا الخاصة؛ لأننا ملوك وأشراف. من العيب أن نستخدم قوة ~~الأمة لتعزيز مقام ملك أو مقام شريف فيها. وعندما تتغلب مطامع الملك الشخصية على ~~وطنيته يحق للأمة إذ ذاك أن تحاسبه، بل ذلك واجب عليها.» # عندما اجتمع فيصل وعبد العزيز على المركب الحربي البريطاني في خليج البصرة، في شهر شباط ~~سنة 1930، سلما سلام الإخوان، وقبل الواحد منهما الآخر على الطريقة العربية، ثم قال ~~فيصل لعبد العزيز: ~~«لست الآن فيصل بن الحسين يحدث عبد العزيز ابن سعود، إنما أنا ملك العراق وأنت ملك ~~الحجاز ونجد. فإذا كنت تنظر إلي في اجتماعنا هذا بصفتي الشريف فيصل بن الملك الحسين، ~~الذي كان بينك وبينه ما كان، فإنك تحتقرني، ولكن اجتماعك هو بفيصل ملك العراق، وبصفتي ~~هذه أحب وآمل أن تكون بلاد نجد والحجاز سعيدة، وأن تكون على ولاء وبلاد العراق.» # ومما قاله بخصوص المخافر التي بنيت قرب الحدود بين العراق ونجد: «ما بنيناها عداوة ~~لأهل نجد بل مساعدة لكم، يا أخي. بنيناها لردع القبائل، قبائلكم وقبائلنا، عن الغزو ~~والتجاوز، فإذا جاء الإخوان صائلين نردهم خائبين، فيتعودون الطاعة للنظام، فيهون عليكم ~~إذ ذاك ضبطهم. وكذلك أقول في قبائل العراق، المخافر هي لمصلحة بلادكم - والله - ~~وبلادي.» # الملك عبد العزيز: «أقسم بالله أن ليس في قلبي ذرة من البغض أو من الاحتقار لفيصل، وما ~~فيه لفيصل غير الحب والإكرام، والله وبالله ورب البيت، جئت تابعا قلبي إلى هذا ~~الاجتماع، وإني أسأل الله أن يوفقنا جميعا إلى ما فيه خير العرب.» # وعندما كان الأمير فيصل ابن الملك عبد العزيز في أوروبا، وعاد منها بطريق روسيا وطهران ~~ووصل إلى بغداد في صيف سنة 1932، رحبت الحكومة به ترحيبا جميلا، ms129 وشاركها الشعب ~~بمظاهرات الإكرام والولاء، حل الأمير فيصل ضيفا على الملك، فأدب له مأدبة رسمية، ~~وخطب فيها مطريا الملك عبد العزيز، الزعيم العربي العظيم. وما كان الملك عبد العزيز ~~أقل كرما وإخلاصا؛ فقد أبرق إلى الملك فيصل يقول: «إن عروة الإخاء الوثقى بين أهل ~~نجد والحجاز وأهل العراق هي من فضل فيصل.» إني على يقين أن هذه العواطف المتبادلة ~~بين العاهلين هي فوق السياسة، هي من القلب. # فقد قال لي الملك عبد العزيز، عندما زرته أخيرا في جدة: «إن الملك فيصلا صديق ~~مخلص، وعربي شريف كريم الأخلاق، وزعيم مقتدر حكيم.» # وقال لي مرة وهو يجنح إلى الدعابة: «فيصل يقول إنه يحب أن نزور أميركا أنا وإياه، ~~وكيف نسافر إلى أميركا، وحدنا؟ والحريم، لا والله، النساء هناك سافرات، ونحن متبعون في ~~الحجاب سنة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. نسافر ونترك الحريم، هذا ما يصير. نأخذ الحريم معنا ~~ونحجبهن، هذا صعب والله ... ولسنا من الذين يقولون بهذا الذي يسمونه روح العصر، فنكتفي ~~بواحدة لا غير. إننا متبعون السنة النبوية، نأخذ ما يجيزه النبي ونمتنع عما ~~يحظره، فقد أجاز لنا التمتع بما نشاء من النساء، مثنى وثلاث ورباع، وما ملكت أيديكم ~~لغيرنا من حكام المسلمين ما يشاءون، فقد لا يلزم بعضهم أكثر من واحدة ... أما نحن ~~فإننا نتمسك بالحقوق التي يتنازلون عنها.» # قد تنازل الملك فيصل عن حق الزواج بغير واحدة، ولكن الملكة زوجته والأميرات بناتها لا ~~يزلن محجبات، وما كان يستصوب الدعايات الدينية، والسياسة المبنية على الدين؛ أي إنه ~~كان مخالفا للنزعة النجدية الوهابية، ولكنه أذن للمبشرين الأجانب بالدخول إلى العراق. ~~وقد استحسن نبذ الطربوش في تركيا فنبذه في العراق، ولكنه أحجم عن القبعة واستعاض عنها ~~بالسدارة. لقد وقف فيصل إذن بين ابن سعود ومصطفى كمال في بعض الأمور الاجتماعية. وما كان ~~ذلك حرصا على كرامة يخشى أن تذل بالاقتداء، بل عملا بما رآه حقا في مثل بيئته ~~وأحواله؛ فقد شاهدناه مقدما في بعض المواقف الخطيرة، عندما يتوضح السبيل ويتيقن ~~الحكمة فيه؛ ms130 كالعمل للسلم ولتوطيد الولاء بينه وبين جيرانه. فما كان هيابا في هذا ~~الأمر ولا اكترث لما قد يكون في إقدامه من المفاداة بكرامته. # كان في الأحوال المريبة والمواقف التي لا يترجح له فيها اليقين، يحجم ويتردد، ~~ويسمع فوق ذلك لكل من جاءه ناصحا مشيرا. ولكنه في الأحوال المتأكدة، وإن تزاحمت فيها ~~الأغراض والنزعات، كان يستقل بعمله، ويمضي لغرضه جازما حازما، فتظهر روح الزعامة فيه ~~طليقة قوية. وقد كانت السكينة من سجاياه الكبرى في كل أحواله، بل كانت الركن الأول لقواه ~~المعنوية والسياسية كلها. السكينة وما فيها من الغذاء للنفس، ومن أسباب السيطرة عليها، هذه ~~هي ناحية من نواحي العظمة في فيصل، فقلما كان يرى في حالة الغضب أو الاضطراب؛ كأنه ~~الأرز من الأشجار، لا تهزه الرياح العاصفة، قال لي أحد وزرائه: «أحب والله أن أراه ~~مرة مغضبا أو مضطربا، وإن غضب مرة فلا يلبث أن يسكن ويروق. لا يمشي مع الغضب إلى ~~النهاية، إلى ما لا تحمد عقباه.» # ومن مزاياه، مع ذلك، شدة الإحساس والتأثر؛ فإذا كان في مجلسه من لا يحب، أو من لا ~~يثق به، كنت تراه منكمشا، متواربا بنفسه، ومقفلا عليها باب السكوت. يفعل ذلك وهو ~~يشعل السيكارة تلو السيكارة؛ أو يلعب بسبحته. رأيته مرة يلعب بزر من أزرار صدرته ~~كالولد الصغير، كأنه في كل ما ذكرت يغالب النفس المأسورة، المضغوط عليها، فلا تشتعل ~~غيظا. وبكلمة أخرى كان يسوس جواد النفس فيه، الجواد العربي الأصيل، سياسة ماهر ~~مجرب حكيم. بيد أنه كان يخشى في أيام الانتداب الأولى أن يجمح به فيبعده من تلك ~~الحياة الملكية المكربة. # وما كان الإيمان بالله وبرسوله ملجأ فيصل الوحيد - كما قد يتبادر لذهن الناس - بل كان ~~له ملجأ آخر، وقد يكون في بعض أحواله الملجأ الأول؛ وهو الاسترسال في التفكير والتساؤل ~~العقلي؛ كأن يجلس ونفسه، فيطارحها الحديث بسكينته المعهودة، فيقول لها: وما هذا الذي نحن ~~فيه؟ تعالي نبحث هذا الموضوع ونتبحر فيه. # كان فيصل تواقا إلى النور في شتى المواضيع، وكان يجنح ms131 كثيرا إلى الشك والتساؤل. ~~«لله ما أكثر سؤالات سيدنا!» قالها ذات ليلة أحد الضيوف. قلت: وما أوسع نطاقها! فمنها ~~سؤالات الطالب العلم، ومنها سؤالات الراغب بطريقة للتنفيذ في شئون الملك، ومنها سؤالات ~~للتسلية، وهو لا يجهلها. إن من حق الملوك الجزية، وعلى كل من يتشرف بمحلس الملك أن ~~يدفعها، وله بعد ذلك أن يفاخر ما شاء. # سألنا مرة سؤالا عن الحروف العربية وهل يمكن إصلاحها مع المحافظة على جمالها، ففتح ~~بابا عسر بعد ذلك إقفاله. كان الشاعر الزهاوي من المدعوين إلى العشاء، فتناول الحديث ~~وشرع يشرح مشروعه أو بالحري اختراعه الذي فهمت منه، وما أظن أن الضيوف الآخرين والملك ~~فهموا أكثر مني، أن ستكون الأحرف العربية ستة عشر حرفا لا غير، وبشكل يمكن من الكتابة ~~بها، من اليمين إلى الشمال، ومن الشمال إلى اليمين، وكان الضحك مسك الختام. # قلما كان الملك فيصل يبدي رأيا واحدا في مسألة من المسائل، بل كان يقلب بها ليتسع ~~مجال التساؤل من نواحيها كلها، فيعطيك هو نفسه رأيين أو ثلاثة آراء فيها؛ مما جعلني أظن ~~أن العقلية الفلسفية السقراطية هي من طبعه. ولو لم يكن سياسيا، لو ظل في مكة ~~بعيدا عن الدوائر السياسية، لكان عالما من علماء الإسلام، له منزلة الغزالي؛ فقد كنت ~~أشعر وهو ينتقل بنا من موضوع إلى آخر أن له رغبة خاصة شديدة؛ هي رغبة العالم الفيلسوف، ~~في مجرد الاطلاع على حقائق الأمور والتبحر فيها. # أما المسائل التي تتعلق بشئون البلاد، سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية، فقد ~~كان ينظر إليها من وجهة واحدة هي وجهتها العملية، كيف يمكننا أن نعمل بهذا المبدأ؟ كيف ~~تطبق هذه النظرية عندنا؟ وبكلمة أخص - كما كان يقول - كيف نقاوم ما لا يوافقنا من ~~المدنية الغربية ونتغلب عليه؟ كيف التخلص مما هو مضر منها بثقافتنا العربية؟ ~~وما هي الأشياء النافعة لنا؟ وما هي المضرة في ثقافة الغربيين ومدنيتهم؟ # تقولون: إنها مدنية مادية، وهل نحن بغنى عن الماديات؟ فإذا سلمنا أنها لازمة لنا ~~- ولا أظنكم تنكرون ذلك ms132 - فهل ينبغي أن نتكالب في سبيلها مثلهم؟ كيف يمكننا أن نحسن ~~أحوالنا الاقتصادية ونظل شرقيين؟ هل نتوفق إلى ذلك في اختيارنا النافع، ونبذنا المضر في هذه ~~المدنية؟ هو ذا فيصل في حكمته وفي حيرته. # على أنه لم يكن متسائلا في كل الأمور، وقد كان له من الآراء الوضعية الفاصلة، ومن ~~مواقف الحزم واليقين، ما يسترعي الأنظار: لا ينبغي أن تتناول الأمة دفعة واحدة أكثر ~~مما يمكنها أن تتصرف به، ينبغي أن تكون تشوقاتها الوطنية متناسبة ومقدرتها ~~العملية. الأمر الواقع هو غالبا مكروه، والشرقي لا يعرف به. ترانا نلجأ إلى الدين ~~نغذي به الآمال، أو إلى الشعر فنتلذذ بالخيال؛ يجب علينا أن نروض أنفسنا في ~~مجابهة الحقائق، يجب علينا أن ننظر إلى الحياة مجردة من الزخرف والخيال، هو ذا فيصل ~~الفاصل الجازم، فيصل المعلم، فيصل الزعيم. # إني لأذكره خصوصا في مجلسه، وقد صفت له ساعة من الزمان، فيمدد رجليه ويدعونا أنا ~~والقسطنطين، لمشاركته في التدخين، فيعلم أني لا أحب السيكارة، فيأذن بالغليون، أو يخرج ~~صندوقا من الحشيش ويفتحه قائلا: «دونك والسيكار.» # عندما جئنا ذات ليلة للعشاء وجدناه جالسا يطالع بعض الأوراق، وهو مكشوف الرأس، ~~والسدارة، وهي من لون ثوبه الرمادي، على الطاولة الصغيرة أمامه، وبعد أن انتهى من قراءة ما ~~بيده وضمها إلى غيرها من الأوراق على الطاولة، قلت: «لا نهاية على ما يظهر لشغل ~~جلالتكم.» فقال: «يجيئنا كل يوم شغل يومين.» ~~- «أيعني ذلك أنه يجب عليكم أن تشتغلوا ليل نهار؟» ~~- «إذا اقتضى الأمر، ولكن المعدل عشر ساعات، وأحيانا اثنتا عشرة ساعة.» ~~- «هذا مخالف لنظام العمال.» ~~- «سجلها إذن لهذا العامل الذي لا يرعى نظام العمال ... وما رأيك، يا أمين، في الحكومة ~~البلشفية؟» # عددت هذا السؤال منه مفاجأة جائرة، وقد سأله عرضا، وهو يلبس سدارته، كأن الجواب ~~عليه ممكن ونحن ماشون إلى غرفة الطعام. فقصصت عليه، إذ جلسنا إلى المائدة، قصة كارل ~~ماركس يوم كان مقيما في لندن؛ فقد فكر مرة بالسفر إلى أميركا، ثم عدل عنه قائلا: «لو ~~أنني سافرت لصرت ms133 هناك غنيا، ولما تسنى لي أن أكتب كتابي وأؤدي رسالتي.» # ثم قلت لجلالته: «إن البلشفية أو حكومة السوفيات هي أعظم تجربة اقتصادية سياسية في ~~تاريخ العالم، منذ أيام أور وآشور إلى يومنا هذا، وإنها كتجربة جديرة بالاعتبار، فقد ~~يكون فيها الخير الأكبر المنشود، وهي في كل حال لا تخلو من الخير.» # ثم اتخذت خطة الهجوم، ولست أدري الآن بأي أسلوب، وبأية حيلة، انتقلت إلى فن ~~التصوير، وسألته عن صورتيه الزيتيتين اللتين رسمهما اثنان من الفنانين البريطانيين ~~المشهورين لزلوس المحافظ، وأغسطس جان المجدد. وأظن أني أسميت الأول ملكيا والثاني ~~بلشفيا. # فأجاب الملك وهو يبتسم ابتسامة من تذكر شيئا يسر ويحزن معا: «لا يزال الرسمان في ~~لندن، يظهر أن الفنان يريد أن يغتني دون أن يسافر إلى أميركا ... لا، ليس في طاقتي أن ~~أدفع ثمن الرسم الواحد ألف جنيه إنكليزي.» # وما أدهشني ذوقه عندما سألته أي الرسمين يفضل على الآخر، فلما شرحت - بناء على طلبه - ~~الطريقة القديمة والطريقة الجديدة في التصوير، قال: «إذا لم يكن المرء ملما بفن ~~التصوير إذن، لا يدرك محاسن المجددين ولا تروقه طريقتهم؛ العين وحدها لا تكفي كما تقول، ~~والعاطفة مع العين لا تعين، بل تضلل كما هو الأمر في تفضيلي رسم لزلوس على رسم ~~جان.» ~~- «أوليس السرور الناشئ عن النظر والعاطفة والمعرفة معا أكبر وأثبت من السرور الناشئ ~~عن العاطفة والنظر وحدهما.» ~~- «هذا صحيح، يا أمين، وبودي لو كنت عالما بشيء من الفن؛ لأني أحب الرسوم ~~الزيتية الجميلة، ولكنك رأيت كيف تتراكم الأشغال علي، فأين الوقت لدرس الفنون ~~لنتمكن من فهمها فيزداد سرورنا بها؟ ما رأيك في الدعاية؟» ~~- «كانت شرا لازما من شرور الحرب العظمى، وقد أمست ضربة من ضربات المدنية.» ~~- «يسرني والله أن أسمع هذا منك، يقولون لي: يلزمك بروباغندا. وأنا أقول إنها - وإن كانت ~~مبنية على الحقيقة - من الأباطيل، تذهب كالهباء المنثور، وقبيح بالمرء أن يعلن ~~نفسه.» ~~- «إن لها غير الهباء المنثور نتائج مدهشة، وخصوصا إذا كان القائمون بها من رجال ~~الفكر والفن، المعلن ينفع ms134 نفسه في أكثر الأحايين ويزعج الناس دائما.» ~~- «إني أفضل الضرر بدون دعاية على النفع بها.» # قال هذا بلهجة فاصلة صادقة وهو يضع المنشفة على المائدة ويضربها بيده، ثم قال ونحن ~~عائدون إلى المجلس: «فضلا عن ذلك، ليس في ماضي حياتي شيء مهم، ليس فيه ما تسميه مادة ~~صالحة للدعاية. الحقيقة يا أخي، الحقيقة وحدها تكفي، هي تنطق بخير صاحبها أو ~~بشره.» ~~- «ولكن الناس لا يدركون الحقيقة إذا لم ينبهوا إليها.» ~~- «ومن ينبههم إليها؟ الكتاب؟! أكثرهم يقفون بين الحقيقة والناس. الكاتب، الكاتب هو ~~الذي يعرف الحقيقة ويقدمها للناس بأمانة وإخلاص، وعندي أن لا يجوز أن يقدم منها ~~للناس غير ما فيه الفائدة وشيء إذا شئت من الفكاهة، هذا شغل الكاتب.» ~~- «الكاتب الذي يتشرف الآن بمحادثتكم.» ~~- «أسؤال منك هذا أم إقرار؟» ~~- «وهل تأذنون بالاثنين؟» ~~- «يعني أنك تريد التعاون.» ~~- «أولستم الزعيم الأكبر للقائلين بالتعاون ؟» # رفع يديه وقال ضاحكا: «أحسنت التورية.» ثم جلس متبصرا «وماذا تبغي مني، ~~يا أمين؟» ~~- «ما جئتكم مستوزرا ولا طالب امتياز نفط.» # ضحك ثانية، وهو يشعل السيكارة، ويشير إلى علبة السيكار. ~~- «وإني استأذنكم في اختيار المناسب من المواد التي تتعلق بحياتكم الشخصية، ~~وسأتقيد من وجهتي الخاصة بقاعدتكم؛ الحقيقة قبل كل شيء والمفيد الطريف منها ~~لا غير.» ~~- «وهل يحسن الكاتب الاختيار دائما؟» ~~- «لا والله.» ~~- «وهل يستطيع أن يملك عواطفه وأمياله دائما؟» ~~- «ذلك ممكن، المسألة تتوقف على مزاج الكاتب وتهذيبه، وهو في كل حال، لسوء الحظ، ~~ولحسن الحظ، قاضي التمييز.» ~~- «أعوذ بالله من بعض القضاة وتمييزهم.» ~~- «وإن حسبتموني من ذلك «البعض» فإني مصر على التمييز، وطامع برحابة ~~صدركم.» ~~- «الذي يصلح للنشر، يا أمين، والذي لا يصلح.» # وقف عندها مترددا، فقلت: «هو ذا شغلي.» # كانت السبحة بين أنامله يتلهى بها، فتوقف فجأة، وهو يضحك. ~~- «وإني أسألكم فوق ذلك أن تمتحنوني بصفتي قاضي التمييز، قصوا علي قصة فأقول ~~لكم بصراحة إذا كانت تصلح للنشر.» # كان صافي المزاج تلك الليلة، متألق الروح، فرفع السدارة عن رأسه ووضعها على الطاولة، ~~وقال: «سأقص قصة مضحكة ولكن لا ms135 لامتحانك، لا والله. كنا بعد الجلوس الأول، أنا ~~والمندوب السامي السر برسي كوكس، مشتغلين في تأليف الوزارة الأولى، فعينا كل الوزراء ~~إلا واحدا حرنا في أمره، بقي عندنا بضعة أشخاص من المستوزرين وليس فيهم من يمتاز عن ~~الآخر بشيء؛ محمد، محمود، أحمد، حمدي - كلهم واحد - من منهم نعين يا حضرة المندوب؟ من ~~منهم تعين يا جلالة الملك؟ حرنا والله في أمرنا، ثم خطر لي خاطر، فقلت للمندوب: ~~«عندي اقتراح، وقد يضحك؛ كن مسلما لدقيقتين، وتوكل على الله، تعال نعمل يانصيب على ~~الوزارة الأخيرة.» وهذا ما كان، كتبنا الأسماء على وريقات، وضعناها في علبة، هززتها بيدي ~~قائلا للمندوب: «قل معي: توكلنا على الله.» ثم سحبنا الورقة الأولى وفتحناها، وكان ~~صاحبها الوزير ... وزير اليانصيب!» ~~••• # اجتمعت ذات يوم في الحارثية بالنحات الإيطالي المشهور بباترو كانونيكا، فسألت نفسي هل ~~وجوده هناك من نعمة «اليانصيب» كذلك ؟ ولم لم يخص «اليانصيب» بصفته نحاتا إنكليزيا؟ ~~أما إبستين فهو من المجددين، وقد يكون مثل أغسطوس جان شغفا بالمال، ولكن هناك في لندن ~~كثيرين غيره يجيدون عملهم ولا يطمعون، وهناك النحاتون الفرنسيس والألمان، بل هناك ~~النحات اللبناني الحويك، فما الذي حمل الملك على تفضيل الإيطالي يا ترى؟ # نزا بي القلب إلى البحث والعلم، وسأذيع الآن سرا من أسرار الدولة الإيطالية؛ إن ~~دعاية موسوليني لبلاده تتجاوز التجارة والسياسة، فتشمل كذلك الفنون الجميلة. وهب أن ~~الأستاذ كانونيكا هو صديق حميم للسنيور غراندي وزير الخارجية السابق، فهل يدعوه لمأدبة ~~رسمية تقام لملك من الملوك أو لوزير من الوزراء الأجانب، دون أن يستأذن موسوليني؟ ~~وإن أذن السيد الأكبر فلغرض ما، ولا حاجة إذ ذاك إلى حركة الالتفاف في الحديث، لنصل ~~إلى الفنون الجميلة، فنرفع اسم إيطاليا عاليا في الخارج، ونزيد بثروة أحد أبنائها ~~النوابغ. # وهاكم النحات الشهير جالسا قرب غراندي، في المأدبة التي أقامها موسوليني للملك فيصل ~~وحاشيته عندما زاروا روما المرة الأخيرة، وهل يسيء الأدب إذا ما فاه بكلمة ~~تتعلق بمهنته الشريفة، إذا ما أعرب عن رغبته في تزيين بغداد بأثر من ms136 آثاره، يكون ~~موضوعه جلالة الملك، ملك العراق؟ لا بأس بذلك، إنما يا أستاذ كن دقيق الإشارة، لطيفها. ~~لا تجارة في مأدبة الوزارة. # بمثل هذا يمهد رئيس الحكومة الإيطالية السبل لفناني إيطاليا، فيجيء السنيور ~~كانونيكا إلى أنقرة، ليخلد في المرمر والنحاس مصطفى كمال. وبعد ذلك يجيء إلى بغداد ليزين ~~ساحتها الكبرى بتمثال الملك فيصل. أجل لقد كانت المأدبة واسطة التعارف، وكان سلام، وكان ~~كلام، وكان بعدئذ العمل في تماثيل فيصل والسعدون. # استقبلنا الملك أصيل ذاك النهار باسم الفن، وهو مثال الأناقة والذوق، يرتدي ثوبا ~~رماديا خاطه خياط إنكليزي، وقميصا ناعما، وربطة رقبة وجوارب وسدارة كلها من لون ~~ثوبه؛ هو التناسب مجسما. وكان ساعة وصولنا واقفا أمام الأستاذ، على بضع خطوات منه، ~~والأستاذ واقف وظهره للنور، أمام رأس من الطين يكون ملامح الوجه فيه، ووقفت أنا أمام ~~الملك أنتظر السؤالات، فنظر إلى الأستاذ ثم إلي، وقال: «أنا الآن بين فنانين، أعوذ ~~بالله.» ~~- «أوليس خيرا من أن تكون بين سياسيين؟» ~~- «والله صحيح، والله صحيح.» # وكان صفوت الخازن الأمين الرصين، واقفا في زاوية القاعة، مكتوف اليدين، وعلى وجهه مسحة ~~من القلق. «سيتعب الملك من الوقوف.» قال هذا وبادر إلى كرسي قدمه له، ولكن صاحب الأمر ~~في تلك الساعة إنما هو الأستاذ الإيطالي، فهز رأسه عندما جلس الملك، وقال: «واطي، ~~لا يوافق، يجب أن يكون النور على الوجه بخط مستقيم وليس بخط منحدر.» # وقد أطنب في الشرح إكراما للملك فأبعد الكرسي، وجاء صفوت - الحريص على راحة سيده - ~~بطاولة صغيرة، فكان يجلس عليها من حين إلى حين جلسة غير كاملة، فيريح رجلا واحدة من ~~الوقوف. # ما كان فيصل ليرضي الفنانين؛ لأنه كان يتعب في جلوسه أو في وقوفه ساعة، فتبدو على وجهه ~~سيماء الزعج، وقد كنت في ذاك اليوم مساعدا للأستاذ كانونيكا، في شغلي الملك عما كان ~~يزعجه، ولو فهم الحديث لزاد ارتياحه إلى العمل، مع ذلك كان يتقدم في تكوين الوجه بينا ~~نحن ننتقل في المواضيع من بلاد إلى بلاد، وقد ذكرني بأبيات لعمر الخيام ms137 في الطيان ~~الأكبر، مبدع الكائنات، وها هو ذا الطيان الأصغر يلطف بإبهامه خطا في الجبين، ويرفع من ~~الخد نتوءا بالسكين، وينقل شيئا من هذه الناحية فيضعه في الناحية الأخرى، ويحفر ~~ويدور ويبني ويحور حتى كاد الوجه يشبه صاحبه، ولكن هناك في نفس فيصل، ساعة اكتئابه ~~وساعة ابتهاجه، ما أظنه يبرز من بين أنامل النحات الإيطالي وسكينه، عندما كان يعدل ~~الخطوط والظلال في الجبين مثلا، ما أدرك شيئا مما كان يشغل الملك، كنا نتحدث في ~~المدنية الغربية المادية، وكان فيصل حائرا قلقا على عادته، لا يدري ما سيكون حظ البلاد ~~العربية منها، هل نستطيع أن نغربل هذه المدنية، فنأخذ قمحها، وننبذ زؤانها؟ وكيف السبيل إلى ~~ذلك؟ # أخرج من جيبه علبة السكاير، فإذا هي فارغة، فمد بيده إلى صفوت ووجهه المنقبض يقول: ~~«إلي بسيكارة، أنقذني.» فأسرع صفوت يملأ له العلبة. ~~«وهل يمكننا أن نحافظ على ثقافتنا، يا أمين، ونحن غائصون إلى الركب في الثقافة ~~الأوروبية؟! وهل يصح أن ننبذ ثقافتنا القومية، ونقبل ثقافة الغرب كلها ~~بحذافيرها؟!» # كان يجب على الملك في تلك الساعة، من أجل الأستاذ كانونيكا على الأقل، أن يجيب على ~~سؤالاته، فيستمر في الحديث. فطاوعته في الاقتضاب، وتعمدت إذكاء قريحته، فقلت: «أحد ~~الجوابين على هذا السؤال هو مصطفى كمال، والجواب الآخر هو العلماء، فاختاروا ما ~~تشاءون.» ~~- «لا العلماء، من وجهة نظري، ولا مصطفى كمال. مدارسنا الدينية قديمة عقيمة. هي مدارس ~~العمائم وللعمائم، تلف وتلف مثل العمامة حول موضوع واحد، ولكننا لا نزال في حاجة ~~إليها، فإذا أبطلناها اليوم وعلمنا أولادنا العلوم الطبيعية لا غير، يصيرون كلهم ملحدين ~~دهريين. الولد المسيحي أو اليهودي تعلمه أمه شيئا من الدين، فتغرس في صدره الاعتقاد ~~بالله، ولكن الأولاد المسلمين لا يتعلمون شيئا في بيوتهم، أمهاتهم جاهلات، وآباؤهم في ~~أشغالهم، وأكثرهم كذلك جاهلون، فيجيء الأولاد إلى مدرسة المسجد وعقولهم فارغة فيملؤها ~~الإمام بقشور الدين. أنا من رأيك أن ليس من الحكمة ولا من الواجب أن تعلم الحكومة ~~الدين في مدارسها، فإذا علمنا دين الإسلام وجب ms138 علينا أن نعلم الباقين من الطلاب ~~أديانهم، حتى اليزيديين منهم والصابئة، وهذا غير ممكن؛ لأن العلوم الدينية كلها تستغرق ~~معظم وقت التدريس. أنا من رأيك يا أمين، ولكنني أعدك بأننا سنصلح مدارسنا الدينية وسيصير ~~عندنا أئمة عصريون إن شاء الله! سيتعلم بعض طلاب مدرسة التجهيز العلوم الدينية ويتشربون ~~في الوقت نفسه الروح العلمية العصرية، فيصير عندنا علماء مجددون، وعندما يتم ذلك، عندما ~~نصلح المدارس الدينية، نبطل تعليم الدين في مدارس الحكومة.» # سأل الأستاذ كانونيكا الملك أن يدير وجهه إلى النور، فحدق بناظريه كأنه يتحقق ~~لونهما العسلي، وغرضه الشكل لا اللون، ثم طلب منه أن يغير وقفته، فغيرها وهو يسأل ~~النحات: «ألا تتعب؟» # ثم أمر بالشاي، وأشعل سيكارة، وأعاد سؤاله باللغة الفرنسية: «ألا تتعب؟» # فأجاب الأستاذ وهو يشتغل في اللحية بالإبهام والسكين معا: «إني مسرور جدا.» # وكان الجو يبرد ويقتم، فأحس الفنان وأحسست أنا أن لا بد من شيء يعيد إليه اللمعة ~~والحرارة، فرويت نادرة من نوادر الفنان الشهير وسلر، فسر الملك بها، فعاد النور يتألق ~~في وجهه وناظريه، فهتف كانونيكا بالفرنسية، قائلا: «هكذا! هكذا!» ومرت يده مسرعة من ~~اللحية إلى الأذن ومنها إلى مؤخر الرأس. # الملك فيصل الأول في المعرض الزراعي الصناعي الذي أقيم ببغداد سنة 1932 ~~ومعه أخوه جلالة الملك علي (من اليمين: داود الشلبي، محمد طيب - بين ~~الملكين غازي - جعفر العسكري، نوري السعيد، ثابت عبد النور). # وانتقلنا كذلك في الحديث، مسرعين من لندن إلى الأستانة، فحدثنا الملك عن نفسه يوم كان ~~صفوت العوا المعلم الخاص لأولاد الشريف حسين هناك. ثم قال: «أنا أعرف طعم القضيب ~~وأكثر من الطعم، ما كنت مجتهدا مثل أخي عبد الله، بل كنت متأخرا دائما في العلم ~~وكان معلمنا (هز صفوت رأسه مبتسما) يعلمني أنا هكذا (ضم الملك أصابع يده بعضها ~~إلى بعض وطفق يضربها بكف اليد الأخرى) وهذا صفوت اسأله.» والشيخ الجليل المكلل شعره ~~الأبيض بسدارة سوداء، الضام يديه إلى صدره، الواقف في الزاوية كتمثال للحشمة والوقار؛ ~~أحنى رأسه ثانية وابتسم. # وبينا نحن ms139 نتناول الشاي انتقلنا من الأستانة إلى باريس. يظهر أن الفرنسيس، خصوم فيصل ~~بالأمس، هم اليوم جانحون إلى الولاء؛ فقد أدركوا أنهم أخطئوا في صيف عام 1920؛ لأنهم ما ~~فاوضوا فيصلا بدل أن يحاولوا القضاء عليه وعلى آماله، فلو فعلوا لكان أمرهم في سوريا اليوم ~~على ما يرام، ولما كانت الثورة التي جرت على فرنسا الخسائر الباهظة من مال ورجال، ~~وخير برهان على تغير موقفها المأدبة التي أقيمت للملك فيصل بباريس في صيف سنة ~~1931، والنخب الذي شربه مدير الوزارة الخارجية يومئذ المسيو برثيلو، نخب الملك فيصل، ~~«ملك العراق وسوريا». إن هذا الحدث لا يزال حديث الصحافة وموضوع اهتمام السياسيين العرب ~~والفرنسيس حتى اليوم. # في حديث الملك عن برثيلو نذكر سلفه في الوزارة الخارجية بيشون، وشد ما كان الفرق بين ~~الاثنين. بيشون خصم العرب في مؤتمر فرساي أساء معاملة فيصل وأثار غضبه؛ فعندما سافر من ~~بيروت وحاشيته في الباخرة الحربية البريطانية إلى مرسيليا، استقبلتهم السلطة هناك بأمر ~~يمنعهم من السفر في فرنسا، فأرسلت برقيات الاحتجاج إلى لندن، فجاء الجواب مشيرا على ~~الوفد العربي بالسفر حول الحدود الفرنسية إلى البلجيك، ريثما تتم المفاوضات بين الحكومتين ~~البريطانية والفرنسية، فداروا تلك الدورة وسمح لهم بالدخول إلى فرنسا من حدود ~~البلجيك. # وقد اعترضتهم في باريس عقبات أخرى أقامها بيشون، الذي أنكر على العرب حق التمثيل في ~~المؤتمر، وبذل ما في طاقته ليقفل الأبواب كلها دون فيصل، كان الكرنل لورنس يومئذ مع ~~الأمير، فاستشاط غيظا لسلوك الحكومة الفرنسية، وراح يحتج إلى الوفد البريطاني، فاهتم ~~لويد جورج بالأمر في الحال، وفي أصيل ذاك اليوم قرع جرس الهاتف في منزل الأمير: «وزير ~~الخارجية بيشون يريد أن يكلم الأمير فيصل.» ~~- «تفضلوا، فيصل يخاطبكم.» ~~- «قد منحنا العرب حق التمثيل في المؤتمر.» # كان الخبر قد بلغ الأمير - جاءه به لورنس - وأحسن ما فيه أن العرب نالوا الحق بممثلين ~~بدل الممثل الواحد. فقال فيصل لنا، وهو يروي الحادث في الحارثية: «اغتنمت الفرصة لإدراك ~~ثأري من بيشون، فقلت له: «جاءنا العلم بذلك، وقد علمنا أيضا ms140 أن المؤتمر منح العرب الحق ~~بممثلين اثنين.» فما أجاب بكلمة.» # ثم أدرك ثأره مرة ثانية في موقف آخر بباريس، فرمى الوزير الفرنسي بسهم نافذ من سهام ~~التهكم، ذلك عندما وقف في المؤتمر يبسط قضية العرب، فذكر المساعدة التي جاءتهم من الحكومة ~~البريطانية، فقال بيشون متغيظا: «والحكومة الفرنسية، أليس عند الأمير ما يقوله عن ~~مساعدتها العرب؟» فوقف فيصل هنيهة، وفيه نزوة إلى الصراحة، فأومأ إليه الرئيس ولسون مشجعا، ~~فقال: «نعم، قد ساعدتنا الحكومة الفرنسية ببضعة مدافع من زمان نابوليون.» وكانت الضحكة ~~التي زادت بتغيظ بيشون. # وما نجا حتى كليمنصو من سهام فيصل، إلا أن النصل في السهم هذه المرة لم يكن ~~عربيا. «عندما سألني ذات يوم المستر لويد جورج رأيي في المؤتمر، قصصت عليه قصة القافلة ~~وقلت إن دليلها يركب دائما حمارا، فقال على الفور ضاحكا: ومن هو حماري أنا ...؟» ~~••• # كان فيصل يروي الأخبار - إن كان عن نفسه أو عن سواه - بسذاجة جميلة وصراحة صادقة، لا ~~يعتريهما شيء من التحفظ والاستدراك، فيجيء كلامه عفو القريحة دون تعمل ودون تنميق. ~~حدثنا مرة عن أيامه الحجازية عندما كان يخرج وأخوه عبد الله لتأديب البدو: «نحن ~~نعرف البادية، يا محروث، ونعرف مشقاتها ومسراتها.» كان الشيخ محروث الهذال أمير العمارات ~~من المدعوين تلك الليلة للعشاء، وهو الوحيد بيننا في القيافة العربية، وما كان فيصل يهمل ~~أحدا من ضيوفه، فيختار من المواضيع ما يهتم به ويرتاح إليه. ~~- «أذكر أني كنت أشرف مرة على تموين الحملة، فجهزناها بما يلزم من الدقيق والسمن ~~والأرز والبن والسكر والشاي، ثم طلبت شيئا من العدس، وكان الوالد - رحمه الله - يفحص كل ~~شيء قبل الرحيل، وكان قاسيا في أحكامه، قاسيا والله، لا يريدنا إلا مثل البدو في عيشنا؛ ~~فلا يكون لنا ما ليس لهم. فعندما جاء يفحص المونة وقف عند كيس العدس وسألني: ما هذا؟ قلت: ~~عدس. فقال: وهل يأكل البدو العدس؟ قلت: لا. فقال: وهل أنت أحسن من البدو؟! وأمر بأن يعاد ~~الكيس إلى بيت المال، ما أذن لنا بالعدس. ولكن ms141 المرء لا يسأل وهو في الغزو، وهذا محروث ~~يشهد على ما أقول، كنا نأكل الخبز معجونا بالتراب - والله - ومخبوزا بالرماد، ولا ~~نبالي. بل كنا نلتذ به كأنه الكعك بعينه.» # ثم انتقل في الحديث إلى التعليم، وقابل بين تربية أولاد المدن والتربية البدوية، وهو يأسف ~~أن الحضر إجمالا لا يدركون معنى شظف العيش وفوائده، «فإذا قدمنا لهم الكعك قالوا هذا ~~خبز يابس، والأنكى من ذلك أن الطلاب في المدارس لا يقبلون بغير الكعك المسمسم. تراني ~~أتكلم بالألغاز، وما هو من شأني. من آفات التعليم اليوم عندنا في العراق أن يكون هدف ~~الطلبة كلهم واحدا، كلهم يتعلمون ليصيروا موظفين في الحكومة، والأولاد يؤمون المدارس ~~الأولية والهدف الواحد - الوظيفة - نصب أعينهم، هذا هو المرض في التعليم عندنا، وقد طالما ~~فكرت في مداواته وأظنني اهتديت إلى العلاج.» # وما العلاج؟ مدرسة تؤسس في العاصمة لتجهيز الطلاب للخدمة المدنية، فتختار الحكومة ~~الموظفين من الحاملين شهادتها، وسيكون طلاب هذه المدرسة من خريجي المدارس الثانوية في ~~البلاد، الناجحين بالفحص الخاص لهذا الغرض، من كل لواء عدد محدود كل سنة أو ~~سنتين. # بعد العشاء استأذن الشيخ محروث الهذال والضيوف الآخرون. وكنت أرى أن الملك تعب وعلى ~~شيء من الاضطراب، بالرغم من أحاديثه الطريفة ومؤانسته، فنهضت أستأذن كذلك، فأومأ بيده أن ~~اجلس فامتثلت. # بعد أن ودع الضيوف انتقلنا في الحديث من التعليم إلى السياسة، فعدنا إلى باريس ~~ولندن، إلى عام 1927، وإلى المعاهدة المشئومة التي ماتت في المهد. وبينما كان الملك يروي ~~آخر أخبارها، دخل الحاجب يعلمه بقدوم رئيس الوزارة السيد نوري السعيد، فاستقبله في غرفة ~~أخرى، وعاد بعد قليل وقد تغير وجهه، عاد فرحا يتألق النور في عينه وفي ~~محياه. وما الخبر؟! لولا ذاك الخبر، الذي جاء به نوري، لخبا نوره، لما نام فيصل تلك ~~الليلة. وكيف ينام والجيش العراقي في خطر؟! ويكفي - وإن كان الخطر مبالغا فيه - أن ~~تتسلح به المعارضة، وتنشط في إسقاط الحكومة. # جلس الملك ونزع السدارة عن رأسه، وهو يحمد الله، ثم أشعل سيكارة وهو يحمد ms142 الله، «ما ~~نمت ساعة، الليلة البارحة، يا أمين، ولا الليلة السابقة.» قال هذا، وأخرج من جيبه ورقة ~~بسطها على الطاولة، فإذا هي خارطة مرسومة بقلم الرصاص لناحية كردستان القائمة فيها ~~الثورة. ~~- «ها هنا قرية برزان تحيط بها الجبال، ليس من خطتنا أن نهجم هجوما مباشرا على الشيخ ~~ورجاله، بل هي خطة التفاف، إننا نطوقهم تدريجا، ونحن خلال هذا العمل نفتح الطرق ~~ونعبدها، وقد أسسنا مخافر عسكرية في تلك الجبال الوعرة، ومراكز حكومة في القرى التي ~~نحتلها. إن هذا العمل، يا أخي، هو الأول من نوعه في بلاد الأكراد وفي تاريخهم.» # رسم بقلمه على الخارطة خطا وهميا يمثل نصف دائرة هي الطرق المعبدة، وفيها نقط ~~هي مخافر الجيش ومراكز الحكومة، ثم رسم خطا آخر يبدأ في جبال عقره ويتجه شرقا، ~~وقال: «علينا أن نتم حركة الالتفاف من هذه الناحية، فندفع بالشيخ أحمد البرزاني إلى ~~الشمال، فيضطر إذ ذاك أن يقبل شروطنا أو يلجأ عند الحدود إلى الأتراك.» # 1 # كنت أشعر، وفي القلب انكماش، بأننا عدنا إلى الحرب العظمى ندرس الخرائط، ونتبع حركات ~~الجيوش. بعد أن رسم الملك الخطة على خارطته قال: «ولك أن تسأل عن الخبر الذي أقلقني وحرمني ~~النوم منذ يومين؛ في الساعة السابعة مساء، جاءتنا برقية تقول إن جنودنا نحو ألفين ~~تقدموا في مضيق زازوك - ها هو - واحتلوا القرية، ولكن البرقية التي وصلتنا في صباح اليوم ~~التالي تقول إن العصاة استولوا على الحملة، وإن المكارين خلصوا بغالهم، بعد أن تركوا ~~أحمالها للعصاة وفروا هاربين، ثم جاء في البرقية الثالثة الخبر الأسوأ؛ عاد رجالنا ~~ليخلصوا الحملة فوجدوا رجال الشيخ في الأماكن التي كانوا قد أخلوها؛ أي إن العصاة استولوا ~~على قمم الجبال، وبات جيشنا في الوادي بخطر، كأنه في شرك، ومنذ ذاك الحين ما جاءنا ~~خبر. تصور حالتي يا أمين، هل محق الجيش، وما بقي واحد منه يبعث إلينا بالخبر؟ ما ~~نمت والله الليلة البارحة، وفي هذا النهار كله، في هذه الساعات السود، تراني أحاول ~~الابتسام وأستقبل الضيوف وأستمر في ms143 العمل، كأن الأمور في أحسن حال، هذا شغل الملك يا ~~أمين، ومن يغبطني عليه؟! وإنما الله سبحانه وتعالى يمدنا بالصبر والقوة، لنظل واقفين على ~~الأقل موقف الدفاع في هذه الحياة، ويفتح لنا من حين إلى حين باب الفرج، كما فعل الآن ~~سبحانه وتعالى؛ فقد انتصر جيشنا على العصاة، واسترد القسم الأكبر من الحملة.» # لقد حاولت في هذا الفصل أن أقدم للقارئ صورا قلمية تجمع بين الظاهر وبعض ما ~~تراءى لي من الباطن، فيحيط بمناقب الملك فيصل إذا ما تأملها، ويدرك شيئا من السر في ~~عظمته، لا يمكنني أن أقول إن هذه العظمة كانت كامنة فيه حتى في تلك الأيام التي انتهت ~~بنكبة دمشق، ولا أقول إنها ثمرة التجارب والمحن، فإن رأس السر في العظمة البشرية ~~لا يزال غامضا. # بيد أن في قصصه وأخباره منافذ للنظر لا تنكر قيمتها، ولا يخفى جمالها، وسأختم هذا ~~الفصل بما أحسبه أجمل هذه القصص؛ فهي تريك نفس فيصل في جمالها واتضاعها، في صدقها وسلامة ~~طبعها، في حالتي الكدر والسرور. سألت الملك ذات ليلة أن يخبرني بما يحسبه أشأم ~~أيامه وأسعدها في عهده العراقي؛ أما أشأم الأيام يوم الجراحة ومجيء السر برسي كوكس ~~بذلك الأمر ليمضيه - الأمر بنفي الزعماء الوطنيين - فقد أسلفت ذكره في الفصل الرابع، ~~وهاك قصة أسعد الأيام: ~~«كنا في الأستانة نذهب مع الوالد لنسلم على السلطان، فندخل ردهة العرش مكتفين ~~محنيي الرءوس، فنجثو أمام الباديشاه ونقبل يده، ثم نرجع بضع خطوات مواجهين العرش، ~~ونقف ساكتين، وبعد ذلك نخرج كما دخلنا، والقلوب تنبض بالخوف - والله - والخشوع. ولت ~~الأيام، وولى السلطان، حاربنا الأتراك وانتصرنا عليهم، ثم رجعت إلى الأستانة وأنا ~~ملك العراق، وعندما وصلنا إلى حيدر باشا قادمين من أنقرة، كان في انتظارنا عند المرسى مركب ~~بخاري، هو اليخت الذي كان للباديشاه، فأقلنا إلى غلطة. # وعندما نزلنا في الشاطئ الأوروبي، رحنا نزور القصر، قصر طولمه بغجه، القصر الذي كنا ~~ندخله خائفين مرتعبين، بين صفوف من الجند، لنقف مثل العبيد أمام الباديشاه، فدخلناه هذه ~~المرة بسلام، ms144 وكانت الأروقة والقاعات كلها خالية خاوية. أما ردهة العرش، فقد هالني ~~فراغها عندما وقفت في الباب، ولكن العرش، العرش الفارغ المهجور، لا يزال فيها. فمشيت إليه ~~هذه المرة بخطوات ثابتة، وصعدت درجاته سامد الرأس، وجلست في الكرسي! وكان سروري والله ~~عظيما، فحمدت الله رب العروش، مشيدها وهادمها، وقلت لنفسي: لقد أدركت ثأرك ~~اليوم.» # | نحن وهارون الرشيد1 # وكان الناس محتشدين حول الساعة العظيمة - الأعظمية - التي صنعها أحد أبناء البلدة ~~المشرفة باسم الإمام الأعظم؛ # 2 # لتعرض في معرض الزراعة والصناعة ببغداد، وكانت الساعة قائمة في باحة المعرض ~~الكبرى، فوق قاعدة عالية من الحديد، وهي تردد نبأ الزمان - أيامه وساعاته ودقائقه - ~~وتبشر العراق بعهد جديد. # والناس متلعون، والعيون منهم محدقة، بهذا الأثر الصناعي العربي البغدادي الأعظمي، ~~والكل معجبون به، هذه الساعة مفخرة المعرض، بل مفخرة العراق. ومن ذا الذي يقول إن ~~العقل العربي عقيم لا يحسن الاختراع، إنها بيت القصيد في هذا المعرض. وقد قال أحد الشعراء: ~~إن صانعها عبقري متحدر من أجداد عبقريين. وقال الآخر: وما أدراك، قد يكون من سلالة ~~ذلك العربي الذي صنع الساعة التي أهداها الخليفة هارون الرشيد إلى عاهل الفرنجة ~~شارلمان. # إنه لشاعر بعيد الخيال، ولكنه ما علم أن الخليفة هارون الرشيد كان في تلك الساعة ~~واقفا مثله، وقريبا منه، بين المتفرجين. وقد كان مع الخليفة شاعره أبو النواس، والملك ~~فيصل، وكاتب هذه السطور. # أربعة متنكرون في زي التجار أموا المعرض في تلك الليلة متفرجين متنزهين، ~~وكل واحد منهم طلق المحيا، طليق عنان النفس، يروم من الزمن ساعة ولا كالساعات، تعود ~~فيها الحياة إلى صفائها الأول وطهرها القديم، وكان فيصل طروبا في اجتماعه بهارون، وهارون ~~مبتهجا بلقاء فيصل. # وقفنا عند الساعة الأعظمية، ونحن مثل غيرنا هناك معجبون بدقة صنعها، وضخم هيكلها. ~~ولكن الخلفية هارون هز برأسه، وقال: «كأن رقبة الصانع من الخيزران، أويظن أن رقاب ~~الناس تمط لتصير كرقاب الجمال؟ وهل أفك رقبتي - بارك الله فيك - لأدرك مصير الزمان؟ ~~أين التناسب يا فيصل بين الساعة وقاعدتها؟ هذا نقص ms145 في الصناعة وخلل في الفن، ما كان أهل ~~الصناعات والفنون في أيامنا يقترفون مثل هذه الذنوب، بل كانوا يرعون قاعدة التناسب ~~والانسجام. وكنا - بارك الله فيك - إذا أخل أحد بها ننبهه ونهديه، وإذا استمر في ~~فعلته نقصيه. كنا ننشد الكمال فيما نصنع ونخترع، وإن كان قليلا. ولا عجب إن بدت ~~أعمالنا حقيرة في هذا الزمان. إلا أننا، على قلة بضاعتنا، كنا ننشد الكمال - ما ~~تسمونه اليوم المثل الأعلى - في كل شيء منها؛ إي والله المثل الأعلى في كل شيء وحتى في ~~التهتك. لولا ذلك، بارك الله فيك، لما قربت مني هذا الخبيث، الذي يتدحرج في أموره من ~~تحت إلى فوق.» # فانتفض أبو النواس وقال: «ولولا ذلك لشنق مولاي هارون نفسه. أفلا تذكر - أطال الله ~~عمرك - ما قلته لي يوم عدت بعد غيبة في الحانة: «شهر في الحانة، يا خبيث!» إني أذكرك ~~بما قلت مع بنت الساقي ورفيقاتها، خير من سنة في القصر مع المعتقات من الحريم.» ~~- «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومن تهتكك، أيها الأثيم.» ~~- «وما تهتكنا - أطال الله عمرك - إذا قسناه بتهتك أهل هذا الزمن؟! قد لا تجد في هذا ~~المعرض أثرا منه. في هذه الجادات المتألقة، وبين هذه الزينات الباهرة، والآثار ~~الصناعية الساحرة، يخسف الحسن حتى في ولدان الجنة. أما إذا خرجت من ها هنا وجلت في ~~المدينة، فإنك لترى العجب؛ هناك في الحانات والمقاهي والمرابع ترى المئات والألوف من ~~تلاميذ الداعي لكم بطول العمر حسن بن هاني.» ~~- «أولم تر في بغدادنا غير هذا يا أبا نواس؟» ~~- «عفوك، سيدي فيصل، إني فيما قلت مفاخر لا مهاتر. وقد شاهدت غير ذلك مما يدعو ~~للفخر والابتهاج أن في هذه البغداد، يا مولانا، من العلوم والفنون ما يحمل كبار ~~علمائنا وفقهائنا على الانزواء والاختباء، وكنا نحن مع ذلك حاملين مصباح العلم والفلسفة. ~~ما شاء الله، ما نورنا إذا قابلناه بنور اليوم غير نور الحباحب، يظهر لي أن كل شيء ~~في هذا الزمان كبير ضخم عظيم، مثل هذه الساعة. العلم والفنون والدعارة، ms146 كلها جبارة، ~~إني والله أخشى أن أعيش في هذا الزمان، فإن قلت الشعر قاله مثلي مئات، وإن جلت في ~~الحانة ضعت بين المتخمرين والمستخمرات، وإن قلت يا غلام قالوا كلهم هات هات. حسن بن هاني ~~تدحرج مرة من تحت إلى فوق، في بيت من الشعر، والناس في هذا الزمان يتدحرجون على ~~الدوام ولا يصحون، على ما يظهر لي، ليدركوا حالهم؛ ليعرفوا في الأقل هل هم فوق أم تحت ~~... والمزلقات والزلاقات كلها من عند أولئك الفرنجة، الذين كانوا في زمانك يا مولاي مطمورين ~~بالجهل، كانوا البرابرة وكنا المتمدنين. أما اليوم - الله، الله! - هم الأساتيذ في العلمين ~~والمسيطرون في الخافقين.» # كنا نمشي الهوينا، والأنظار منا تسيح بين المتفرجين، وتقف هنا وهناك عند الآثار ~~المعروضة، بينما كان أبو النواس يحدث ولا يبالي، كأنه يخطب في الحانة لكيلا يسمع ~~أصوات الناس، وما أدهش الخليفة فيما قال ولا أدهش الملك ، بل كان الاثنان عندما وقف عند ~~«العلمين» و«الخافقين» يتحدثان في موضوع آخر. # فسمعت هارون يقول لفيصل: «لو كان للفرنجة في أيامي جزء صغير مما لأبنائهم اليوم من ~~العلوم، لفتحت لهم بلادي، وقصري، وقلبي.» # فقال فيصل: «فتحت قصورك، وفتحت قلبك للبرامكة؛ ورأيت ما كان منهم.» # بهت هارون، ونظر إلى فيصل ملوما، فقال: «سامحك الله، سامحك الله، أما وقد ذكرت ~~البرامكة فسأصارحك في أمرهم؛ كان البرامكة في الملك أنوار العدل والحكمة، وكانوا في ~~قصورهم من أبناء الغرور والحماقة، نقلوا الحكومة إلى قصورهم، وطمعوا ببلوغ ذرى البذخ ~~والكرم والمجد، ظنوا - بارك الله فيك - أنهم يبارون هارون ويفوقونه، وكنت في بادئ الأمر ~~أقول: دعهم ينفقون في ملكنا ما جاءهم من خراجنا. ولكن، إذ استفحل أمرهم، أدركت خطئي. هذا، ~~بارك الله فيك، ما كنت أقوله وأنا الخليفة الرشيد. # أما الآن، وأنا هارون بن المهدي فأقول: أنكرت يومذاك حكمتي، وما كنت يا أخي فيصل ~~إلا بشرا، فنزا بي القلب - بارك الله فيك - إلى ما نظنه واجبا لإعزاز الكرامة البشرية ~~التي تسترقنا. وترددت والله وتحيرت، وقلت غير مرة لنفسي: كن رشيدا، الصبر ms147 أجدر بك، ~~والنصيحة أولى. فحاورتني النفس قائلة: إنهم من أساطين الحكمة والعدل في الملك، فهم في ~~غنى عن النصيحة، يجب عليهم أن يكونوا في بيوتهم حكماء، فلا يجعلوها مقر الحكم ~~والسيادة. # البرامكة - بارك الله فيك - نصبوا المشنقة لأنفسهم، وأنا الخليفة هارون الرشيد شددت ~~الحبل. ومع ذلك أقول لك يا فيصل إني نادم على ما كان، ولو كان لي أن أجلس مرة أخرى على ~~عرش بغداد لكنت أرحب بكل أجنبي ذكي نشيط، على شرط ألا يتدخل في السياسة، ~~وأن يحترم شرائع البلاد، وأن يروض حريمه على الصبر والعفة، أو يدخلهن حلالا في دين ~~المسلمين ... إن في الرجل المتعلم، العامل المجتهد بركتين؛ بركة لنفسه وبركة للملك. وإن ~~في الرجل الجاهل الخامل الكسول القنوع لعنتين؛ لعنة تلزمه، ولعنة تلحق بالملك ~~وبالأمة.» ~~- «في كلامك يا أخي هارون كنوز من الحكمة، وإني منتفع بها ونافع لأهل العراق إن شاء ~~الله، ولكن الأجنبي في هذه الأيام يحترم الشرائع أكثر من الوطني، أتدري السبب؟ إني ~~أصارحك يا أخي كما صارحتني، الأجنبي يحترم الشرائع؛ لأنه هو الذي يسنها، فهل كان ~~البرامكة يسنون الشرائع في أيامكم؟» ~~- «لا والله، إلا بعض القوانين، وبمشورة الخليفة وإرادته.» ~~- «وهل حاولوا أن يقتلوا الثقافة العربية بنشرهم الثقافة الفارسية في البلاد؟» ~~- «بل عكس ذلك، الثقافة العربية - بارك الله فيك - كانت في أيامنا الثقافة العليا، ~~الثقافة المنشودة في كل الأمم، والمفاخر بها في كل الأمم.» ~~- «ولو حاول البرامكة أن يسنوا شرائع البلاد ويستقلوا بالعمل، ولو حاولوا أن يقتلوا ~~الثقافة العربية بنشرهم الثقافة الفارسية، ولو كانوا يجيئونك اليوم بعد اليوم قائلين: «امض ~~يا هارون هذا الأمر.» و«انشر يا هارون هذا البلاغ.» ثم يدعونك إلى قصورهم ويأدبون لك ~~المآدب؛ فما كنت تفعل يا أخي؟» ~~- «واحدا من أمرين؛ إما أن أنتقل إلى الحانة فأقضي فيها بقية أيامي أنا وأبو ~~النواس، وإما أن أنصب المشنقة للبرامكة بيدي قبل أن يصيروا أصحاب الأمر والنهي في البلاد. ~~ولا تنس، بارك الله فيك، أني ما غمدت السيف مرة - سيف الحق - سيف النبي عليه ms148 السلام؛ ~~لقد كان دائما مسلولا.» ~~- «وما قيمة السيف يا أخي في زمن الدبابة والطائرة؟!» ~~- «فقهت - بارك الله فيك - فقهت معناك، لكل أجل كتاب، وكتاب هذا الزمان العلم، بل ~~العلوم الطبيعية والفنية، إنك على حق يا فيصل، إنك على حق، وإن ثروة العقل لأكبر ~~الثروات وأضمنها، ولكن أجدادنا علمونا أن نحترم العلم، ونكرم النبوغ، إن كان عربيا ~~أو عجميا، وقد عملنا نحن بما علم الأجداد، أليس الأمر كذلك يا أبا نواس؟» # قال هذا ملتفتا، ثم وقفنا كلنا مدهوشين، أين أبو النواس؟! لقد أضعناه، فقال الخليفة: ~~«من عادته أن يختفي ثم يظهر، أنا أعلم الناس بأمره هو قافية شاردة، وقاه الله شر ~~القوافي ... أعود إلى ما قلت، فهل كنت أصبر على هذا الخبيث، أبي النواس، وأتحمل شواذه، لو ~~لم يكن شاعرا مجيدا، وعبقريا فريدا؟» # وقفنا أمام كشك يباع فيه التبغ، صاحبه شاب في ثوب إفرنجي وسدارة، وبينما كان فيصل، ~~وقد فتح علبته فوجدها فارغة، يشتري حاجته من السكاير، سأل الخليفة الشاب رأيه في ملك ~~العراق. # فقال وهو يبتسم: «هو أحسن ملوكنا.» # فقال هارون لفيصل: «ومن كان قبلك؟ إما أن هذا الفتى أبله، وإما أنه ذكي ~~ظريف.» # ثم وجه إلى الشاب سؤالا آخر: «هل الملك فيصل مسلم سليم العقيدة تقي؟» ~~- «وهل أنا إمام لأعرف هل عقيدته سليمة أم فاسدة؟! إما أنه تقي، فعندنا من هم أتقى منه، ~~وعندنا من هم دونه. الكفار يملئون البلاد - لعنة الله عليهم - ولكن جلالة الملك يصلي ~~الجمعة في الجامع، ويصوم رمضان أو بعضه، ويحسن إلى الفقراء وإلى من يحتاجون إلى المال ~~لتعليم أولادهم، وبعد ذلك ... ألا يكفي؟» # فقال فيصل: «وماذا بعد ذلك، قل لنا بالله عليك.» ~~- «لا والله لا علم لي بشيء محقق، وإن من الظن لإثما.» # وقف عندها ليعنى بحاجة رجل آخر ثم استأنف كلامه: «أظنكم غرباء، لهجة الشيخ بدوية، ~~ولكنها غير عراقية، هي أقرب إلى لهجة أهل الحجاز.» # فقال هارون: «إنما أنا حجازي، والرفيقان من بلاد الشام. قل لنا الآن ماذا يقول أهل ~~العراق في ملكهم ms149 فيصل؟» ~~- «يقولون إنه كان أول عهده، منذ عشر سنين، مسلما تقيا زاهدا يحفظ الشرع ويرعى ~~التقاليد، لا خمر في القصر، ولا مطامع دنيوية، ولا مكاتيب سرية، ولا قيل ~~وقال.» # رمق هارون فيصلا بلحظة فيها غمزة، وسأل بائع التبغ سؤالا آخر، فقال متبرما: ~~«اعفوني بالله عليكم، أنا لست من حزب المعارضة.» # استأنفنا السير، واستأنف الخليفة الحديث، فقال: «إن الفتى لنجيب وإنه لأديب، وقد ~~ذكرتني كلمة قالها بمسألة مهمة يا فيصل، استرع لها نظرك، هي مهمة وهي مزعجة، ولكنك ~~سيد البلاد - بارك الله فيك - وقطب من أقطاب الحكمة في زمانك، فوجبت عليك القدوة، ووجب على ~~الرعية الاقتداء، يتغير كل شيء في الحياة، يا فيصل، إلا أولية في الرجل والمرأة؛ ~~فالرجل يظل رجلا، والمرأة تظل امرأة، إلى آخر الدهر والصلة الجنسية تظل هي هي، ~~مهما تبدلت الشرائع، وتلطفت النزعات والنزوات، وليس بين الحكماء والأنبياء من ~~أدرك هذا السر إدراك نبينا عليه السلام، ولا حاجة إلى أن أذكرك بالآية. # الملك فيصل الأول ومعه أخوه جلالة الملك علي وربندراث طاغور، ويظهر في ~~الرسم جعفر العسكري ونوري السعيد. # قد يكون لبعض المسلمين - بارك الله فيك - أسباب شخصية أو مالية أو صحية في ~~احتذائهم حذو النصارى، أو هي «الموضة» في هذا الزمان - زمانك يا فيصل - أن يكتفي المسلم ~~بواحدة شرعية، ويسلك مسلك النصارى في سد الفراغ. قبيح بنا، نحن المسلمين، أن نأتي ~~الأمور من غير أبوابها الشرعية، وخصوصا أن في شرعنا ما ترتاح إليه الحكمة البشرية، ~~وتتبجح فيه الأماني الطبيعية؛ لذلك أقول: خير للمسلم أن يستمتع بحقه كما هو في ~~الآية، وينزه نفسه - بارك الله فيك - عما دق ورق من أساليب الزنى عند النصارى، هذي ~~هي نصيحتي لكل مسلم، وخصوصا لملوك المسلمين، هي نصيحة خبير مجرب، بل نصيحة من يستمد ~~حكمته من شمس الإسلام، من حكمة سيد البشر عليه السلام، ولا تنسوا حتى وما ملكت أيديكم ... ~~إن بي شهوة للقهوة.» # دخلنا المقهى فإذا هو حافل بالناس في شتى القيافات، تكللها العمائم والعقل ~~والطرابيش والسدارات وبعض القبعات، فجلسنا ms150 إلى طاولة صغيرة نحن الثلاثة، فصفق ~~الخليفة كفا على كف صفقة خفيفة، أولا وثانيا وثالثا، فقال له فيصل: «نسيت أنك في ~~مقهى.» وضرب الطاولة بعصاه، فجاء الخادم مسرعا، فقال هارون: «ونسيت أن تقول إننا في ~~زمان لا يفهم أهله بغير العصا.» # كان جالسا إلى جنبنا شيخ جليل بهي الطلعة، كبير العمة، أبيض اللحية، ومعه غلام أمرد ~~مكحول العين، يرتدي بزة من الدمقس، ورأسه مكلل بعقال ضخم عراقي، فألقى الخليفة عليه ~~السلام، وتبادلا بعد التحية بضع كلمات عن المعرض - زين والله زين - أطال الله عمر جلالة ~~الملك! # الخليفة ~~: # مجدد عهد الرشيد؛ رشيد زمانه. # الشيخ ~~: # ليت للمسلمين خليفة مثل هارون. # الخليفة ~~: # وهل كان يهتم هارون بالزراعة اهتمام الملك فيصل؟ وهذا المعرض، لو كان لهارون أن ~~يشاهده لفضله على أبهة الملك، ومجد الخلافة. # الشيخ ~~: # زمانه غير زماننا. # الخليفة ~~: # أوليس فيصل ملكا عظيما؟ # الشيخ ~~: # إن الله سبحانه وتعالى يوزع نعماءه على الأمم بقدر استحقاقها، فلو استحق ~~العراق لكان مليكه خليفة المسلمين، وأمير المؤمنين مثل الرشيد والمأمون. أهل ~~العراق، وما أدراك ما أهل العراق، يلزمهم ملك قوي مقتدر، قطاع رءوس. والله ~~يا أخي لو قطع الملك فيصل بضعة رءوس في بغداد، لقال الناس «هذا وربك ملك.» ~~ولخافوه واحترموه وأكبروه، أما أنه ديمقراطي فذلك لا يفيد. وأين نحن من ~~الديمقراطية؟! يمر الملك - أطال الله بعمره - في أسواق بغداد، فلا يدري أحد به، ~~وإذا عرفوا سيارته لا ينهض له أحد. فلو أنه يخرج في موكب ملكي، تتقدمه وتتبعه ~~ثلة من الجنود، على خيول مطهمة، لكان الناس يقفون مسلمين إكراما ~~وإجلالا، ولكانوا يدركون ما عليهم من الواجب ويشعرون بشيء من سطوة الملك. # أمسك الشاب بجبة الشيخ وهو يتكلم، كأنه يقول له أكثرت الكلام، قم بنا. فنهض إذ ذاك ~~معتذرا، وقال: «إننا مضطرون أن نحرم أنفسنا أنسكم، قد حان وقت الصلاة.» # ومشى الشاب سبهللا، كما يقول أصحاب المقامات، وراح الشيخ يتدعدع وراءه. # ثم جاء الخادم يرفع الفناجين وهو يبتسم ابتسامة تهكم وازدراء، فسأله الخليفة أن ~~يفصح عما في باطنه، ms151 فقال: «أنا أعرف هذا الشيخ التقي النقي؛ هو متزمت والله، ~~نقطة القهوة تنقض وضوءه، وهو يقيم الصلوات الخمس كل يوم، ويصوم رمضان، ويزكي ماله، ويحسن ~~إلى الناس، والله العظيم، ولكنه، وقد رأيتم، من ال «بو غلام».» # فقهقه الخليفة وقال للملك ونحن خارجون: «يظهر أن بغدادك، يا فيصل، مثل بغدادي، ولكنها ~~تقية نقية - بلغة هذا الصعلوك - إذا قابلناها بغيرها من المدن في الشرق وفي الغرب، ~~وخصوصا بتلك المدينة التي جاء ذكرها في كتاب النصارى. وهذا أبو النواس، قلت لكم إنه ~~يختفي، ولا يلبث أن يظهر.» # التقيناه في الباب وهو يمسح جبينه بردنه: «عرقت من الطواف، وأنا أنشدكم.» ثم أخبرنا ~~أن ظمأ به خفف خطاه، وجنح هواه. «ما لقيت في المعرض كله غير هذا الذي يسمونه صودا، وهو ~~يحرق اللهاة، ويفسد النيات، هو شراب البله، لا شراب الشعراء.» ~~- «وأين وجدت ضالتك، يا خبيث، ومن هداك إليها؟» ~~- «ملك في صورة إنسان، وهو من الفرنجة، ورب الكعبة. سلمت عليه وقلت: أنت من الكرام. ~~فرد بالعربية: والهمد لله. فضحكت وقلت: وأنا من البصرة، وبي ظمأ لا يرويه ما في هذا المعرض ~~من شراب، فهل أنت من الهادين والمشاركين؟ فقهني والله فقال: وأنا من بلاد دون البصرة، ~~والمثل عندكم يقول: الغريب للغريب نسيب. فقلت: هيا بنا إذن. فأخذ بيدي وهو يردد كلمتي. ~~ما رأيت والله ألطف منه وأظرف. مشينا في زقاق إلى جانب الشارع الكبير، نوره ضئيل، وسره ~~ظليل. ودخلنا حانة فرحب بنا شاب أمرد مثل رفيقي الفرنجي، قيل لي إنه يهودي، ولكنني ~~عففت، والله يا مولاي، عففت. علمني الفرنجي العفة. شربت وإياه الأول والثاني ~~والثالث من الشرابين الذهبي والفضي، وكان إبليس واليهودي ينصبان الشرك لأبي النواس، ولكنني ~~لزمت صاحبي، وخرجنا من الحانة، وتهنا في ذاك الزقاق.» # وكان الخليفة أول من انتبه إلى ازرقاق وورم حول إحدى عينيه. فسأله مستخبرا، فقال ~~وهو يمسح عينه بردنه: «تعثرت في ذاك الزقاق، فارتطم وجهي بالحائط.» ~~- «ولم لا تقول زلقت يا خبيث، الحمد لله أنها في العين الواحدة، لا في ms152 الاثنتين. وما ~~كان حالك يا ترى لو كان يحمل ذاك الإنكليزي خنجرا؟ ولكن الإنكليز، على ما أخبرت، لا ~~يحملون السلاح في سهراتهم وسكراتهم؛ فهم يستعملون بدلها الأيدي، مضمومة هكذا.» # ضم الخليفة يده، ودنا بها من وجه شاعره، وأغرق ثانية في الضحك. # فقال الملك فيصل لي: «هذا ملك يعرف كيف يعامل الشعراء.» # ثم أشاح الخليفة بوجهه إلى الملك، وقال: «هل عندك شاعر في البلاط، يا فيصل؟ يلزمك شاعر ~~إكراما لأصدقائك الإنكليز على الأقل.» # كنا قد وصلنا إلى بوابة المعرض، فوقف الملك فيصل يشعل سيكارة ثم قال: «عندنا من ~~الشعراء كثير، ولكنهم كلهم خارج البلاط والحمد لله، وقد كنت مرة حبيبهم جميعا، كنت يا أخي ~~هارون، سيدهم ومليكهم المفدى، ذلك عندما شاع أن في نية الملك أن يعين واحدا منهم ~~للبلاط، شاعرا يتولى مديحي! شيء سخيف يا أخي، ولكنها عادة ملكية، أظنها سرت من ~~الشرق إلى الغرب، وهي تعود اليوم إلينا؛ لا ليكون لنا فيها شيء مما لك من السلوى في ~~أبي النواس، بل لتزيد في همومنا، كدت والله أقع في الشرك، فعندما انتشر الخبر أن ~~التعيين مرجح لواحد من اثنين، تنازع هذان الاثنان وتخاصما، وساءني أن أكون السبب في ~~ذلك، فقلت لا هذا ولا ذاك، فانقلب الاثنان علي، وعمدا إلى القوافي يرميان بها من ~~كان بالأمس سيدهما ومليكهما المفدى، فعينا واحدا منهما في مجلس الأعيان، والآخر في ~~مجلس النواب فسكتا، واطمأنا، وشرعا ينظمان القصائد في مديح الربيع!» # أبو النواس ~~: ~~«احش فميهما ورقا، فتدفع الأذى عن نفسك وعن الربيع.» # الملك ~~: ~~«ولكن الشعراء أحسن من سواهم يا أخي هارون، فهم في القليل يشعرون بجمال الربيع ~~ويمدحونه، فإن في هذا البلد من لا يعجبهم حتى الربيع.» # الخليفة ~~: ~~«لقد سررت يا فيصل بهذه العودة إلى البلد الذي أشعلت يوما فيه مصابيح المجد ~~والإحسان، وبذرت فيه الشيء الكثير من بذور الحماقة، وقد سررت كل السرور بنزهتنا ~~هذه، بارك الله فيك. ولكني لا أغبطك في حالك، ولا أسر لو أراد الله أن ~~يعيدني إلى سابق عرشي ويعيد ms153 إلي الغابر من مجدي، لا والله لا أسر؛ فالناس ~~ناس في كل زمان، أكرمهم - بارك الله فيك - يمدحوك، احرمهم يذموك، أما أولئك ~~الذين لا يرون الجمال حتى في انبلاج الفجر، ولا يعجبهم حتى الربيع، فلا خير فيهم ~~للملك، ولا خير فيهم لأنفسهم. # ولكني قبل الوداع أقول هذه الكلمة؛ سيمدحونك كلهم غدا، وسيتغنون بذكرك، ~~وسيرفعون اسمك عاليا - بارك الله فيك - ليكون نور هدى لأهل العراق، وللعرب ~~جميعا. أما الآن فهم كلهم أولادك يا فيصل، العقوق منهم والبار، وقد يكون في ~~العقوق ما يساعدك لتصل إلى الذروة العليا، فيعم إحسانك ويشمل الجميع إلا نفسك، ~~إلا نفسك، سنة الله في أصفيائه المصلحين لعباده. # وكلمتي الأخيرة - بارك الله فيك - هي هذه: تمسك بحبل الإنكليز ولا تفلت حبل ~~المعارضة، أستودعك الله.» # | رسالة إلى فيصل # أخي فيصل # كنت في هذه الفانية المثل الكريم للإخاء الإنساني، ومن أجمل الكلمات التي كنت تفوه بها، ~~في محادثتك الناس، تلك الكلمة العذبة الصادقة، «يا أخي.» # وكنت أنا أحجم التشبه بك، وبينك وبيني تقاليد الملك والنسب، فلا أدعوك بالكلمة التي ~~تفصح عن أصدق العواطف في قلبي. # أما وقد أصبحت روحا صافيا علويا، وأنا في عزلتي روح طليق على الأقل، فليس ما يحظر ~~علي ما كانت تحول دونه التقاليد. # لذلك أصدر رسالتي بالكلمة التي تحلو للقلب، وتصفو للروح فأدعوك أخي، وأكتب إليك كما ~~يكتب الأخ إلى أخيه، لأطلعك على بعض ما جرى بعد فراقك؛ مما يزيد بيمنك وحبورك. # وقبل ذلك أحب أن أكشف عن لوعة في قلبي. من الأماني التي كنت أتمناها أمنيتان ~~وضعهما القدر في حقيبتك عندما دعاك للرحيل؛ الأولى هي أن أراك ها هنا في الفريكة، لا ~~لما في الزيارة الملكية من الشرف والمجد - وأنا لا أزال في القيد الذي يحببهما إلى الناس ~~- بل ليكون في الزيارة ما يستبشر به لبنان، جبلنا التعس المحبوب، فيلطف الله بحاله، وينعش ~~بعض آماله. # والأمنية الثانية هي أن أرى هذا الكتاب الذي كتبته فيك، بين يديك، تقرؤه لتعيد على ~~الأقل ذكرى جلساتنا وأحاديثنا، فتبسم ms154 تارة، وتجهم أخرى، وأنت تقول: ما شاء الله! أو سامحك ~~الله. ثم تشعل السيكارة وتمد رجليك وتعود إلى صفحاته تقلبها، فتضحك مستهجنا أو ~~مستحسنا، وتأخذ القلم لتكتب على الهامش كلمة فيها إصلاح خطأ أو فيها شيء من الحب أو من ~~التوبيخ. # أمنيتان من الأماني التي يسفيها الزمان كما تسفي الرياح رمال النفود، وينثرها كما ينثر ~~الإعصار أوراق الخريف. # هذا القليل أقف عنده، والقليل من حديث المرء عن نفسه كثير، فإن هناك أمة بأجمعها تود ~~لو كان لها أن تخاطبك لتبثك لوعتها، وتشكو إليك شجوها، بل إن أصوات الحزن وأنات ~~الأسى لا تزال تتصاعد من القلوب، في كل قطر من الأقطار العربية. # ولكني وأنا الآن واقف بينك وبين هذه الأمة سأحجب عنك سحب الأشجان ووابل الدموع، ~~وأبعث إليك بطائفة من الأخبار المفرحة. # أولها، يا أخي فيصل، هو أنك في انتقالك إلى رحمة الله، فتحت فتحا مبينا؛ فقد كنت ~~ملك العراق فصرت ملك الأمة العربية، كنت سياسيا عاملا في العراق فصرت قوة للعمل في ~~قلوب الناطقين بالضاد في كل مكان، كنت تجاهد في سبيل العرب فصرت علما للجهاد في كل ~~قطر، في كل بلد، في كل ربع عربي. # فما أجمل الموت الذي أتى بروحك حتى على القلوب الغريبة القصية، فأحيا فيها حب العرب، ~~والإعجاب بالعرب! ما أجمل الموت الذي حمل بين جناحيه تعاويذ اسمك إلى ما وراء الآفاق، إلى ~~كل قطر عربي صالت عليه الأجانب! ما أجمل الموت الذي طاف بنور وجهك في الخافقين وهو ~~يشعل مصابيح اليقظة العربية! # وما أجمل الموت الذي أشعل نور الحقيقة، في قلوب العراقيين جميعا، فاجتمعوا حول جثمانك ~~يذرفون الدموع السخية، وينثرون أزاهر الحب والإجلال في طريقك إلى المقر ~~الأخير. # وهناك في فسيح العراء، قرب القصر الذي كان مهد ~~الجهاد وعرشه، اجتمعت الوفود من الأقطار العربية كلها، واحتشد الألوف من العراقيين ~~ليبكوا فيصل العرب، وليمجدوا فيصل العرب، وقالوا جميعا - قالوا أخيرا - إنه مات في ~~حومة الجهاد، وإنه سيد الشهداء. # وليس في العراق اليوم من ينكر أنك كنت ms155 فيه الكل في الكل، وكنت تذكي نار الجهاد، ~~وتنير مصباح الهدى في أحزاب الأمة كلها، وفي جهاز الدولة بأجمعه؛ فكنت الملك، وكنت الزعيم ~~الأكبر، كنت النائب والوزير والمعلم، كنت الهادي، وكنت الفيصل في جميع الأمور. # وما كان خارج العراق بعد فراقك؟ ينبغي أن نعود سبعمائة سنة لنجد ملكا آخر توحدت في ~~حبه وإجلاله قلوب العرب في كل الأقطار، وقلوب المسلمين في كل مكان، فمنذ أيام ~~صلاح الدين إلى اليوم ما رفع العرب، ما رفع الإسلام، علما واحدا فوق الأعلام، وما مجدوا ~~ملكا كما مجدوك. # لست أدري يا أخي فيصل، لماذا يخاف الناس الموت؛ فالذي يموت في جهله وخموله يرتاح من ~~ذلة الخمول والجهل، والذي يموت في مجده وجهاده يزيده الموت مجدا ويشعل مصباح جهاده في ~~قلوب الناس. # وهذه حفلات الأربعين التي أقيمت لذكرك الخالد في ~~كل بلد عربي، بل أقيمت في الشرق وفي الغرب، في قارات الدنيا، في نيويورك، في ~~البرازيل، في بونس أيرس، في لندن، في جنيف، في باريس، في برلين، حتى في السنغال، صلى ~~الناس على فيصل، وترحم الناس عليه. # قلت الناس، وما قلت العرب وما قلت المسلمون. الناس، وفيهم المسيحي واليهودي ~~والوثني، وفيهم العربي والأميركي والأوروبي؛ اجتمعوا في أربعة أقطار العالم ليترحموا على ~~فيصل، ويمجدوا ذكر فيصل، ويرفعوا اسم العرب، وعلم القضية العربية. وهذا ما يسرك، ولا ~~ريب، كما يسرني، كما يسر كل عربي، كما يسر كل امرئ ينشد الحرية والاستقلال والوحدة ~~والسلام، لأمته ولسواها من الأمم. # وهناك، خبر يبهجك كثيرا، وقد لا يدهشك بقدر ما أظن، ذكرت جنيف، والذكر ذو شجون، ~~فإننا لنذكرك فيها مجاهدا، ونذكرك في سويسرا مستشفيا، ونذكرك في يومك الأخير، وقد ~~نضوت عنك ثوب هذه الحياة الفانية، وكنا نتوق دائما إلى أخبارك، وأنت هناك، في شتى ~~أحوالك، ولا نأمنها، ومضارها صحافة أوروبية تلونت أغراضها والتوت. فلولا الأمير شكيب ~~هناك في منفاه، لفاتنا الكثير من أخبارك المهمة التي فيها للعرب العبرة والذكرى. لولا ~~الأمير شكيب - صوت العرب المدوي، وعقل العرب الأفهم - في هذا الزمان، ms156 لما علم العربي ~~بما كان من جهادك واستشهادك في آخر أيامك. # 1 # أما الخبر المبهج الذي أشرت إليه، فهو يتعلق بفتنة الآشوريين، تلك الفتنة التي قطعت ~~عليك ذلك الاستشفاء، وعجلت بأجلك؛ فقد انتصر العراق في جنيف، انتصر في القضية التي ~~أثارت عليك وعلى العراق ثائرة الصحف الأوروبية الاستعمارية، وتلك الصحف نفسها، التي حملت ~~عليك باسم الإنسانية والدين، ولها في الدين والإنسانية أغراض لا تخفى على الناس، ذكرتك ~~بالخير بعد وفاتك، بل اعترفت بفضلك وعبقريتك. # وفي دفاع العراق لدى عصبة الأمم في مسألة الآشوريين، أظهرت حكومة العراق حصافة ومقدرة في ~~سياستها، وعدلا وصدقا في إدارتها، في الكتاب الأزرق الذي صدرته، وفي دفاع وفدها لدى ~~العصبة هناك. إن ذلك الدفاع ليبهجك حقا، وليزيد بحبك لثلاثة من رجالات العراق، ~~لياسين ونوري ورستم، فتباركهم من عليائك، وقد أثبتوا للملأ ما كنت مستعدا أنت لتثبته # 2 # فعينت العصبة لجنة للاهتمام بإسكان الآشوريين هؤلاء خارج العراق. # بقي الخبر الذي يبهجك، ولا غرو، أشد الإبهاج أجعله مسك الختام. هو يتعلق بمن كان ~~بالأمس قرة عينك، وهو اليوم قرة عين العراق. إن الآمال بالغازي كبيرة، وقد برهن حتى ~~الآن في موقفين على ما فيه من نجابة وشجاعة وإقدام. فأثنى عليه الوفود الذين حضروا حفلة ~~الأربعين ببغداد، وأعجبوا به كل الإعجاب. وعندما وقف على المنبر مكان سعيد الذكر والده ~~ليفتح البرلمان كبرت قلوب الناس به واهتزت لخطابه، وعندما وصل فيه إلى الكلمة «سنظل ~~سائرين إلى الأمام.» وقالها بصوت الزعيم المقدام، وهو يضرب المنصة بيده؛ هتف النواب ~~«عاش الغازي!» وصفق له استحسانا جميع الحاضرين، وفيهم النساء الأوروبيات وسفراء ~~الدول وقناصلها. # وقد قال الغازي إلى كل من حدثه إنه سيحذو حذو الوالد العظيم، ويهتدي بنور هداه، وفقه ~~الله. # آمين. # حاشية: # إن أمنيتي الكبرى، عندما تجيء نوبتي، هي أن ~~تكون أنت يا أخي فيصل أول من أجتمع بهم هناك، فنجلس جلسة الأحباب ونعيد ذكرى مجالسنا ~~وأحاديثنا في هذا العالم. # | النسر العربي1 # حلق النسر في الفضاء بعيدا، # رجع النسر في الفضاء شهيدا، # نسر ms157 العروبة حبيب الحرم، وربيب البوادي. # البادية مرضعته، والخيام مأواه، # الرمال فراشه، وملعب صباه، # نسر العروبة في حمى الحرية # طليق جريء، وديع أبي، أنيس وفي، # نسر العروبة في ظلال قدسية # شفيق كريم، طهير حليم، قوي تقي. # تبارك الحمى، وتباركت المرابع والرمال. # تبارك الإرث، وتباركت الخصال. # فمن جبل النور نوره، ومن المضارب شعوره. # من قمم الهدى # 2 # شممه، ومن ربيع الطائف زهوره. ~~••• # كتبت له الهجرة ليتم خلقه فيه. # فكان من العرب، وكان من السراة. # في الصروح الفخمة مثله في بيوت الوبر، # وكان في المجالس المهيبة مثله في فسيح العراء. # فمن بساتين يلدز سوسن مبسمه، # ومن مياه آسية # 3 # حلو شمائله، # من بلوج الفجر على ضفاف البوسفور بهاء طلعته، # ومن ذهب الشفق على حواشي مرمرة ذهب نطقه، # من ظلال السرو في جوار أيوب # 4 # تلك الوداعة فيه وتلك السكينة. ~~••• # نسر العروبة ربيب العاصمتين، عاصمة الرسول وعاصمة الخلافة، # عاصمة الحق والهدى، وعاصمة الدهاء والسياسة. # مزجت يد الأقدار شرابه، وفتحت للنبوغ أبوابه، # ثم همست في أذن النسر تقول: # إن وراءك ثلاثمائة وألف سنة، وأمامك أبدية من الآمال. # إن وراءك أمة الكهف، وقد هجعت ستمائة سنة، # وأمامك أعلام اليقظة والجهاد. # سمع النسر ووعى، فراح يعزي الأماني، ويستنهض الهمم. # ليجاهد في سبيل قومه، # امتشق الحسام باسم الله، وباسم العرب. # الثورة، الثورة! # فهبت في البوادي رياح السموم، # وهبت إليه البدو والحضر، # وكان الجهاد، وكان الظفر. # أمة الكهف، تدهش المستيقظين، # كتب لفيصلها الفوز المبين. # وأجمل ما في دمشق الأغاريد. # هو ذا الملك العربي الجديد. # فعلى ضفاف التميس، شهود يذبذبون. # وعلى السين خصوم مخدعون. # فكان التاج، وكانت ميسلون. # حلق النسر في الفضاء بعيدا، # رجع النسر في الفضاء شهيدا. ~~••• # ليس في حقائق الوجود أنصع من حقيقة البعث والخلود. # تهمس الطبيعة في قلب السنين فتحيي في فصولها الراحلة أملا أبديا. # يضع الله في حقيبة الربيع حفنة من بذوره الخالدة. # يكفن الله الشتاء الراحل بكفن من الثلج المبطن بالزهور النائمة. # يمر سرب القطا راحلا راجعا بين فصلي القنوط والرجاء. # تغرد القبرة على غصنها ms158 الطري وتهجع، ثم تعود إلى التغريد. # رحلة يتبعها أوبة، وأوبة يتلوها رحيل. # ومثل الربيع، ومثل القبرة، ومثل عواصف الشتاء، ما لبث النسر أن عاد، إلى ~~الجهاد. ~~••• # عاد فيصل ينشد في العراق الأمل الأعلى - أمل الأمة المنكوبة. # عاد يشيد على ضفاف الرافدين ملكا عربيا جديدا. # عاد يجدد في عاصمة الرشيد والمأمون عصر العلم والهدى، عصر المدنية والفلاح، عصر ~~الثقافة والصلاح. # جاهد بعقله، جاهد بقلبه، وجاد بعد ذلك بروحه. # جاهد بكل ما استطاع أن يحشد وينظم من جيش السلم والولاء. # من علم وحكمة، من حلم وكياسة، من ثبات يمده اليقين، من حزم تتناوبه الصلابة ~~واللين. # حلق النسر في الفضاء بعيدا، # رجع النسر في الفضاء شهيدا. ~~••• # زرعت بستانا في العراق، ورحلت قبل أن تراه ~~مثمرا. # زرعت بذورا في البلاد العربية، ورحلت قبل أن تراها مزدهرة ندية. # كنت في الحرب العالمية فيصلا فاصلا، وفي السلم الوديع الجريء الصفي. # كنت في السياسة عينها الباصرة ، وميزانها السوي. # كنت في الكياسة طلعتها الساحرة ونطقها الذهبي. # كنت في الحذق عنوانه، وفي الحزم برهانه، وفي الشدة واللين المثل العلي. # كنت في الدهاء معاوية، وفي الصبر والإباء الشريف الرضي. # كنت في الحلم صنو الرسول، وكنت في الوداعة أخا الناصري. # حلق النسر في الفضاء بعيدا، # رجع النسر في الفضاء شهيدا. # | سجل الحوادث البارزة في حياة الملك فيصل # سنة # 1883م / 1301ه # ولد في الطائف # 1891 # سافر مع أبيه إلى الأستانة # 1905 # تزوج بابنة عمه حزيمة ابنة الشريف ناصر # 1909 # تعين أبوه الحسين شريف مكة فعاد معه إلى الحجاز # 1911 # رافق أخاه الأمير عبد الله في حملة على عرب عسير الثائرين على ~~الدولة # 1913 # قاد الحملة الثانية على الإدريسي، وبعد رجوعه من أبها انتخب مبعوثا ~~عن جدة في المبعوثان العثماني # 1915-16 # كان في سوريا رسول أبيه لدى جمال باشا، وعاملا في سبيل العرب، فاشتبه به ~~جمال وكان ينوي اعتقاله، فخرج من دمشق بحيلة وعاد إلى الحجاز # 2 حزيران 1916م / 9 شعبان 1334ه # نادى الشريف حسين بالثورة على الأتراك، وعين فيصلا لقيادة جيش ~~الشمال ms159 # 6 تموز 1917 # استولى على العقبة وأصبح القائد العام للجيش العربي المؤازر لجيوش الجنرال ~~آلنبي بفلسطين # 1 ت1 1918م / 25 ذي الحجة 1336ه # دخل الشام ظافرا # 22 ت2 # سافر إلى باريس ليمثل العرب في مؤتمر فرساي # 12 أيلول 1919 # سافر إلى لندن للمفاوضة والإنكليز ثم جاء باريس فتفاوض والوزير الأول ~~كليمنصو # 8 آذار 1920م / 19 جمادي الثانية 1338ه # نادى به المؤتمر السوري العام ملكا دستوريا # 25 تموز # واقعة ميسلون وسقوط الحكومة العربية # 26 تموز # خرج من الشام وقصد بعد ذلك إلى أوروبا # آذار 1921 # جاء القاهرة وقد عقد فيها مؤتمر برئاسة تشرشل، وزير المستعمرات ~~البريطانية يومئذ، للنظر في شئون الشرق الأدنى ومنها مسألة عرش ~~العراق # 24 حزيران # وصل إلى البصرة # 11 تموز # قرر مجلس الوزراء ببغداد أن يكون الأمير ملكا دستوريا للعراق # 23 آب / 19 ذي الحجة 1339ه # أقيمت ببغداد حفلة التتويج # شباط 1930 # اجتمع بالملك عبد العزيز آل سعود في خليج البصرة # تموز 1931 # زار مصطفى كمال في أنقرة ليوطد العلاقات بين تركيا والعراق # نيسان 1932 # زار الشاه رضا خان في طهران للغاية نفسها # 3 ت1 # دخل العراق في عصبة الأمم وألغي الانتداب # حزيران 1933 # زار إنكلترا زيارة رسمية بدعوة من مليكها جورج الخامس # تموز # جاء سويسرة للاستشفاء # آب # عاد إلى بغداد بالطائرة لإخماد فتنة الآشوريين # 1 أيلول # عاد إلى سويسرة ليكمل دور الاستشفاء # 8 أيلول/18 جماد أول 1352ه # توفي فجأة بسكتة قلبية في مدينة برن، فنقل الجثمان إلى برنديزي، ومنها ~~على الطراد البريطاني دسبتش إلى حيفا # 15 أيلول/25 جماد الأول # جرى الدفن في بغداد غداة وصول الجثمان إليها بالطائرة # الملك فيصل الأول في البصرة مع أمير المحمرة الشيخ خزعل وناجي السويدي ~~وأحمد الصانع. # | تذييل # يريب بعض الناس حبي للعرب وملوكهم، واهتمامي الدائم بشئونهم، وقد انتقدني نفر من ~~الكتاب، ونصحني الصديق منهم والمحب، فقالوا: إن وطنك القريب لبنان لأحق باهتمامك من ~~الوطن البعيد. وقال آخرون أقوالا تتجاوز النصح والنقد، وكانوا في نقاشهم أقرب إلى تلك ~~التي تنفث سمها منهم ms160 إلى الأديب المحافظ على أدبه، والوطني النزيه في وطنيته، ولكنت ~~مستحقا مذماتهم كلها لو أن حبي للعرب أفقدني ذرة من حبي للبنان. # على أن هناك غير الريب في استطاعة المرء أن يجمع بين الحبين، وإن كانا غير متناقضين. ~~إن في الأمر غوامض سياسية وفكرية - كما يظنون - لا تلتئم وما يعهدونه بي من الصراحة ~~ووضوح البيان، وكيف لا وفي قلبي - وهذا القلب متجه الآن بسمعه إلى الناقدين الناصحين ~~لا إلى سواهم - تتنازع الأغراض، وتتزاحم الأضداد؟! فهل أنا أميركي أم لبناني أم عربي؟ أم هل ~~أنا الكل في واحد؟ وهل أنا ملكي أم ديمقراطي أم اشتراكي؟ أم هل أنا الثلاثة اليوم وأمس ~~وغدا؟ إن في أمري ليحير الأصدقاء ويبلبل الخصوم، ولا يجوز لرجل صريح مثلي ومحب ~~للناس مسالم مثلي، أن يترك أحدا في مزالق الحيرة وفي لجج البلبال. # ولقد سمعت من يرومون لي من العيش خيره، ومن يتمنون لي غيره، يقولون: ولكنك على ما نعلم ~~ديمقراطي، تشربت روح الديمقراطية في البلاد الأميركية، بل في أكبر وأرقى جمهورية من ~~جمهوريات العالم، وأنت الحامل في خطبك ومقالاتك على الظلم والظالمين، على الاستئثار ~~والاستبداد، على الجهل والتعصب، وأنت النصير - يترددون ثم يقولون: الأكبر - لحرية الشعوب ~~السياسية والاجتماعية والاقتصادية، المطالب بها، والمناضل في سبيلها على الدوام. # نعم، إني كذلك، وإني مع ذلك محب للعرب، على ما يكتنفهم من الجهل، وعلى ما لا ~~يزال فيهم من مساوئ الماضي السياسية والاجتماعية والدينية. وإني أهتم بشئونهم وشئون ~~ملوكهم وأمرائهم، وأخدمهم ما استطعت بقلمي ولساني، على ما لأكثرهم من النعرات الإقليمية ~~الذميمة، والنزعات القديمة التي لا تلتئم وروح الزمان. # قلت: «على ما» وكدت أن أقول: لما؛ إذ قد تكون الآفات التي ذكرت هي السبب في اهتمامي، وما ~~الفائدة يا ترى من بذل ما لديك، إذا كنت ذا علم أو مال أو جنون وطني، في سبيل من لا ~~يحتاج إلى علمك أو مالك أو جنونك. # أليس في هذا ما يكفي ليجلو ما في موقفي ظاهرا من التناقض والغموض؟ إني إذن أزيد ms161 في ~~الإيضاح. # إن إقامتي خمسا وعشرين سنة في الولايات المتحدة وطدت في المبادئ الديمقراطية - أي ~~حب الحرية العامة المتساوية، وكره الامتيازات التي تعطى لأولي النفوذ والسيادة - ~~وعلمتني أن شكل الحكومة وأساليبها السياسية لا تطابق دائما تلك التعاليم المدونة في ~~دستورها الأساسي والممثلة في تقاليدها؛ فالشعب - لا نكران - ينتخب النواب وكبار رجال ~~الحكومة، ولكن الذين يسيطرون على الحكام والمتشرعين، بشتى الأساليب الظاهرة ~~والخفية، هم أرباب المال؛ أجل، إن الاسم للأحرار والحكم لملوك الدولار. # ولهؤلاء شركاء من رؤساء الأحزاب السياسية، التي لا تقوم وتتعزز بدون المال، فضلا عن ~~الانتخابات وما يتقدمها من حرب خطابية وصحفية، ودعايات حزبية وشخصية، تعد نفقاتها ~~بملايين الدولارات، فإذا كان المال هو الحاكم المطلق في الحكومة الجمهورية، وخير هذا الحكم ~~عائد بأكثره إلى المتمولين والمتنفذين، فأين حرية الشعب يا ترى؟ وأين حقوقه ~~السياسية والاقتصادية؟ بل أين المجال الفسيح الشائع لأبناء العمل الحر المستقل؟ # لست في هذا المقام معددا سيئات الجمهورية وحسناتها، ومن ينكر الحسنات؟! ولكني أشير ~~إلى رأس الآفات فيها، وهو يكفي لينفر عنها، بل ليجند عليها، حتى الأحرار في هذه ~~الأيام. # هذي هي الحقيقة في جلاء ما يظهر من التناقض بين موقفي الملكي وبين تربيتي الأميركية ~~الديمقراطية. وهناك حقيقة أخرى أهم مما ذكرت؛ لأنها أثبت وأعم؛ فالإنسان المفكر لم ~~يهتد حتى اليوم إلى حكومة عامة في شكلها وروحها، تصلح لكل شعب من شعوب الأرض ~~ولا يصلح الحكم ويستقيم، جمهوريا كان أو ملكيا، إلا إذا كان له ما يبرره ~~ويعززه من عقلية الشعب ونفسيته، ومن تقاليد الأمة وثقافتها. # فالجمهورية لا تصلح اليوم في إنكلترا مثلا، وإن كان الشعب قد ألف في ملكها المقيد ~~الأحكام الديمقراطية؛ ذلك لأن عقليته على الإجمال ملكية، ونفسيته نفسية الأشراف. ~~ولا تصلح الملكية في أميركا، وإن كان الشعب قد أدرك مساوئ الحكم الجمهوري؛ ذلك لأن ~~نفسيته ديمقراطية مثل عقليته وتقاليده، ولا تشذ هذه القاعدة إلا في الانقلاب العام، على ~~أثر حرب أو ثورة كما في البلاد الروسية اليوم. # وما هي يا ترى نفسية العربي؟ ms162 وما هي تقاليد الأمة العربية؟ مهما قيل فيما أوجبه ~~الإسلام من المشورة في الأحكام # وأمرهم شورى ~~بينهم ~~... الآية؛ فإن تاريخ الأمة العربية ليثبت إجمالا تلك الحقيقة ~~التي تنافي الإسلام. ومع أن العرب هم فطرة ديمقراطيون ولا يزالون كذلك في حياتهم ~~الخاصة، فقد طرأ على هذه الفطرة في مظهرها العام في عهد الممالك العربية المجيد، ~~طوارئ عديدة أضعفتها فأزالتها تماما، وقد نشأ مكانها في عقلية المجموع العربي حب ~~لأبهة الملك، وشغف بالعظمة التي تتجلى في حاكم البلاد واحترام لسلطته الأبوية أو ~~الشبيهة بها، إن كان ملكا صغيرا أو سلطانا ملقبا بأمير المؤمنين. # إن عقلية هذه الأمة العربية ملكية إذن، وتقاليدها ملكية منذ القدم، وليس لها من ~~عوامل الثقافة وأسباب العلم ما يدعو للتطور السريع في تلك العقلية، أو للتغيير الأساسي ~~في تلك التقاليد. # فهل يصلح والحالة هذه الحكم الجمهوري في البلاد العربية؟ وهل يستقيم حتى وإن كان صافي ~~الروح سليم الأسباب مطابقا في أحكامه لتعاليمه؟ إني على يقين أنه يستحيل خصوصا في ~~هذه الأيام؛ أيام الحكم المطلق - أيام الدكتاتوريات - في الغرب والشرق. وقد لا يقدم ~~قطر من الأقطار العربية على تجربته مختارا قبل عشرين أو ثلاثين سنة. ~~••• # إن لحكام البلاد العربية عقليات قديمة، وآمالا حديثة ، وسيادات مطلقة يجدد ~~الزمان أركانها ويوطد، ولكن أكثرهم متشربون حب الرعية الأبوي، وعاملون بالقاعدة الذهبية: ~~العدل أساس الملك؛ فهم من هذا القبيل عصريون أكثر من بعض زملائهم الغربيين. # وهم عصريون من وجهة أخرى، وإن كانوا متأخرين في تكييف بلادهم وتقديمها في الرقي ~~والعمران. هم عصريون فيما ينتحله لأنفسهم من قوة التشريع والتنفيذ الحاكمون اليوم بأمرهم في ~~العالم. وبكلمة أخرى هم مثال الدكتاتورية المتبع، فإذا كان الشعب الأوروبي الراقي ~~يقبل بهذا الحكم، ويرى فيه خير بلاده الأكبر، فهل يخطئ العرب إذا ظلوا متمسكين به، ~~محافظين عليه؟ # فإذا كنت - أيها القارئ - محبا لهذه الأمة العربية، غيورا على مصالحها، أو عاملا ~~مجاهدا في سبيلها وسبيل وحدتها القومية، فهل تسعى لقلب حكوماتها اليوم ولإعلان الجمهورية ~~فيها بدل الملكية؟ وإذا كان ms163 لا يهمك أمرها، وكنت متيقنا مثلي أن الحكم الجمهوري غير ~~ممكن فيها، وأنه اليوم مضر إذا كان ممكنا، فهل يجوز أن تنتقد أو تلوم من يختص ملوكها ~~وأمراءها بما توجبه عليه الوطنية من الخدمة، وهم الموكلون بمقدرات البلاد، المهيمنون ~~على ما فيها، وإن قل، من عوامل الرقي الاقتصادي، وأسباب التمدن الحديث؟ وإنك ~~لتخطئ إذا نظرت إليهم بغير العين التي تراهم في بيئتهم وفي أحوالهم السياسية، وتقدرهم ~~قدرهم بالنسبة إليها. أقول لك إنهم لذوو فضل جم، على ما في تلك البيئة من الجمود، ~~وتلك الأحوال من عوامل الهدم، داخلا وخارجا، وإنهم لذوو مآثر جليلة. # إليك بوجيز العبارة البرهان؛ لو لم يقم الملك حسين بالثورة على الترك لما كانت الثورة، ~~ولما كان العرب اليوم في معظم الجزيرة مستقلين كل الاستقلال؛ فقد كان رجال النهضة ~~العربية في حاجة إلى زعيم يوحد الصفوف، ويوحد المحجة، ولم يكن فيهم ذلك الزعيم، لم ~~يكن في الطليعة الرجل الأكبر الأوحد الذي تقبله الأحزاب كلها وتنصره، فنهض الحسين وكان زعيم ~~النهضة المنتظر. # ولو لم يمن الله على العرب بابن سعود لكانت البوادي مسرحا شائعا للغزو والقتال، ~~وللسلب والنهب والفوضى، ولظلت القبائل كما كانت قبله في عداء دائم واحتراب ~~مستمر. لو لم يكن ابن سعود لما كانت نجد والحجاز الآن بلادا موحدة مطمئنة ~~مسالمة، وفيها من عوامل المدنية ما تستطيع أن تنتفع به، ما يلائم اليوم طبائع أهلها ~~البدو والحضر، ويمكنها غدا من الاستزادة عملا باستعدادهم، وتطور أحوالهم الاجتماعية ~~والاقتصادية. # وكذلك قل في اليمن وسيدها الإمام يحيى؛ فهو حاكم اليمن المطلق، الضابط أمرها بيد من ~~حديد، المدبر شئونها بحزم تنيره الحكمة، وعزم يمده اليقين، الحامي ذمارها، داخلا ~~من أغراض كبار السادة الشخصية، ونزاع القبائل، وخارجا من أطماع الأجانب ودسائسهم؛ أولئك ~~المسيطرين في جوار اليمن جنوبا وعبر البحر غربا. إن الإمام ليدرك السر فيما يفعلون ~~ويقولون، متزلفين كانوا أو مكابرين، فيحمل في سياسته الميزان، وقد علم أن الكفة ~~الراجحة اليوم قد تكون غدا ناقصة، فلا تخدعه الواحدة، ولا تغره الأخرى. ms164 # وفي عسير اليوم البرهان القاطع على صحة ما أقول في الحكم المطلق وعكسه؛ فقد كان هذا ~~القطر العربي، في عهد السيد الإدريسي، مثل نجد واليمن، عزيز الجانب، آمنا مطمئنا، وكان ~~أهله مخلدين إلى السكينة، مستمتعين بما في البلاد من أسباب العيش والراحة والرفاهية. ~~ولكن الأحوال ساءت بعد وفاة السيد محمد، فاضطرب حبل الأمن في البلاد، وتزعزعت أركان الحكم ~~في صبيا وجيزان، فسرت في القبائل روح الشغب والفوضى، وتنازعت السيادة القوتان الغالبتان ~~المجاورتان في الجنوب وفي الشمال، ولا يزال عسير موطن الخلاف والنزاع بين الإمام يحيى ~~والملك عبد العزيز، هذه هي إحدى نتائج التفكك في الحكم، والانحطاط في البيت الحاكم. ~~ولولا النزاع بين العاهلين الكبيرين، والخوف من عواقبه المشئومة، لكان التفكك في هذه ~~الإمارة الصغيرة وأمثالها مفيدا للقضية العربية، والوحدة المنشودة. # وماذا أقول فيمن حمل لواء هذه القضية، وجاهد في سبيلها، في ساحات الحرب والسياسة، ~~عشرين سنة، وكان في القطر العراقي ظافرا ببعض أمانيه؟ فهل ينكر أحد أن للملك فيصل، ~~رحمه الله، الفضل الأكبر في استقرار العراق وتقدمه؟! هل ينكر أحد الحقيقة الناصعة ~~الرائعة في جهاده الذي استمر اثنتي عشرة سنة؟ فلولا هذا الجهاد العظيم لما كان ~~العراق اليوم موحدا، ولما كان قد تخلص من الانتداب، ولما كان يسلك الآن الطريق ~~الفسيح القويم، المؤدي إلى حريته واستقلاله. # هذه هي كلمتي لمن يريبهم اهتمامي بملوك العرب، ولمن يغيظهم موقفي العربي. وإني أسألهم، ~~باسم الإنسانية أولا وباسم الوطنية. ثانيا: ألا يستحق الذكر والثناء والإعجاب من يقيمون ~~العدل، ويوطدون الأمن والسلام، في أمة من أمم هذا العالم المضطرب المكترب؟ ألا ~~يستحقون، وهم القائمون بأعباء هذه الأمة العربية، الحب والبذل من أبناء الأمة؟ فلو ~~كان الملك فيصل أوروبيا لرفعه شعبه إلى منزلة بسمرك ودزرائيلي، ولو كان ابن سعود ~~أوروبيا لجعلته أمته بطلا من أبطال العالم. ~~••• # أعود إلى لبنان لأقول كلمة وجيزة، هي كل الحقيقة وكل اليقين، في محنته اليوم، وفيما ~~أشع من حظه يوم كان فيصل سيد البلاد السورية. # ثلاث عشرة سنة مرت على استقلال ms165 لبنان المقيد بالانتداب، المثقل بالضرائب، المسربل ~~بسربال السخرية الجمهوري، المسمر بمسامير الفاقة، المكلل بإكليل من الشوك، ومع كل ~~هذا لا يزال في البلاد من ينادون ويفاخرون بالاستقلال، ويقولون بوجوب الانتداب لحمايته ~~وتعزيزه. وبالرغم من كل هذا ليس في البلاد أحد راضيا بحالة واحدة من أحوال لبنان ~~السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ليس في البلاد من يطالب بالاستقلال والانتداب، ولا ~~يندب حظ لبنان في الحالين. # أعجب لشعب يئن من النير، ويصيح قائلا إن النير لازم له ومفيد، لازم لخلاصه، ~~مفيد لسعادته الأبدية، شعب قديس شهيد! # ولكن في لبنان من المفكرين البصيرين الجريئين بالإفصاح عما يجيش في صدورهم، من يرون ~~في هذه الحال شيئا غير معقول، غير طبيعي، شيئا جد منكر، جد فظيع، ويدركون التناقض بين ~~العقيدة الوطنية وحقيقة الحال، وكلهم يستغيثون ويرومون الخلاص. # ولكنهم مختلفون في ما هي حقيقة الخلاص؛ فمنهم من يظنون أنها في إعادة الدستور والحكم ~~النيابي. # ومنهم من يقولون إن لبنان الكبير هو رأس مصائب اللبنانيين، ويرومون تصغيره، يطلبون ~~إعادته إلى ما كان عليه عهد المتصرفية السعيد. # ومنهم من لا يقبلون بهذا التصغير، ولا يتنازلون عن شبر أرض في لبنان الكبير. # ومنهم من لا يعرفون ماذا يريدون. # أما أولو الأمر أصحاب الانتداب، فهم يسمعون ويبسمون ويعللون ويسوفون، ولكنهم ~~يعرفون ماذا يريدون. # هم يريدون لبنان كبيرا لا صغيرا؛ لأنهم يريدونه لأنفسهم؛ أجل، مهما تطورت أحواله، ~~وتعددت وتلونت مطالبه وآماله، فهو منذ البدء كان وسيظل مطمح أنظار الفرنسيين، ~~يريدونه قيد سياستهم الخارجية، ليعززوا به مركزهم الحربي البحري في هذه الزاوية المباركة ~~من البحر المتوسط. # فإذا تعهدوا لأشياع لبنان الكبير بالمحافظة على وحدته الجغرافية والسياسية فهم في ~~تعهدهم صادقون، وكيف يقبلون بأن تسلخ طرابلس مثلا عن لبنان، ولهم فيها المصلحة ~~الحربية السياسية، والمصلحة الاقتصادية؛ أي المطار ومصب أنابيب البترول. إن غرضهم في ~~لبنان منذ عهد غورو وقبله هو واحد لم يتغير، وقد لا يتغير، وهم يسيرون إليه هادئين ~~متحفظين، فيتذرعون لتحقيقه تدريجا بمختلف الوسائل. # وإنهم عاملون - على ما أظن - ليخلصوا البلاد ويخلصوا أنفسهم ms166 من الانتداب كما فعل ~~الإنكليز في العراق، فيعقدون معاهدة مع سوريا تضمن مصالحهم بها، ويستمرون في سياستهم ~~اللبنانية، الممهدة لتحقيق الغرض الأكبر جميعه، فيلغى الانتداب في لبنان كذلك، وتعلن فيه ~~الحماية. هو ذا المستقبل الزاهر، وقد لا يكون بعيدا؛ الحماية الفرنسية في البلاد ~~الساحلية، وحكومة ضعيفة، ملكية أو جمهورية، في سوريا. # وهل من مناص؟ هل انطفأت أنوار الأمل كلها؟ ألا تستطيع سوريا أن تخلص لبنان؟ ألا يستطيع ~~لبنان أن ينجو بنفسه، ويسهل سبيل الخلاص لجارته ورفيقته في هذه الأحوال؟ # هب أن ذلك غير ممكن الآن، فهناك صاحبة القوة والإرادة في الأمر؛ هناك الدولة المنتدبة. ~~فهلا تعدل وتعمل لسوريا ولبنان ما فيه خيرهما وخيرها؟ إن ما يطلبه العاقلون المنزهون ~~عن الأغراض إنما هو هذا العمل في سبيل توحيد البلاد، بل العمل الذي يوجبه عليها صك ~~الانتداب، وإني على يقين أن ليس في الأمة من يرفض التعاون الوثيق والمشارفة النزيهة في ~~هذا السبيل. # ومع أن الحاضر مبهم والمستقبل مظلم، فإني أرى في ظلمة الآفاق نورا واحدا من ~~أنوار الأمل، لا يزال ثابتا في أفقه القريب، نافذا في أشعته القليلة، وقد بدأ بعض ~~إخواني اللبنانيين يرون هذا النور ويرون فيه الأمل المنشود، وهم من الموالين لا المعادين ~~للانتداب. # حلمت مرة حلما سياسيا جميلا؛ حلمت أني حضرت اجتماعا وطنيا حول التفاهم بين ~~سوريا ولبنان، وتحديد سبل التضامن الاقتصادي والسياسي بين البلدين. # هو حلم حلمته، ولكنه صورة صادقة لما في نفسي من عقيدة ويقين، ومن أمل ورجاء، ولا حاجة ~~لترداد ما كتبته وقلته في هذا الموضوع. إني أرى الهاوية، ولا أرى غير طريق واحدة للنجاة، ~~وإني أستشهد الله والتاريخ أن حبي للبنان لا يقل ذرة عن حب إخواني اللبنانيين ~~الذين يقدسون أرزه، ويتغنون بمجد الجدود الفينيقيين. # ولكني، وأنا أنظر إلى الماضي مثلهم، أتطلع كذلك إلى المستقبل، وإلى أبناء المستقبل ~~- أبنائنا وأحفادنا - وأريد أن يكونوا أحرارا مثل أجدادهم الفينيقيين، ومثل أجدادهم ~~العرب. # وأنى لهم أن يكونوا كذلك، إذا كنا لا نقوم نحن بشيء من الواجب علينا، ms167 فنمهد في ~~الأقل سبيل الخلاص من نير الرق والاستعمار؟! ولا يتمهد السبيل ويزداد نور الأمل ضياء ~~إلا إذا تفاهم لبنان وسوريا، وتقررت سبل التضامن السياسي والاقتصادي بين ~~البلدين. # وهناك تضامن آخر لا تستغني سوريا عنه وإن توحدت تماما، فإذا ظل لبنان منفصلا عن ~~سوريا فمصيره الحماية لا محال، وإذا ظلت سوريا منحصرة بالأربع المدن - حتى وإذا ضمت ~~إليها اللاذقية وإسكندرونة وجبل الدروز - فإن كيانها القومي متزعزع، ومصيرها لا يدعو ~~للتفاؤل، إذا كان لا يتم التضامن الاقتصادي والسياسي بينها وبين العراق. # أما إذا عقد التضامن اللبناني السوري، وتم الاتحاد السوري العراقي وكانت فرنسا ~~صديقة هذا الاتحاد، ومطمئنة إليه؛ إذ تكون مصالحها الاقتصادية والسياسية مضمونة فيه؛ ~~فالبلاد العربية الموحدة تستطيع إذ ذاك أن تساعد عرب فلسطين مساعدة فعلية. وقد يقتنع ~~الإنكليز هناك، ويقنعون كما فعلوا في العراق، فتنجو البلاد المقدسة من الصهيونية ~~والاستعمار الصهيوني. # رحم الله فيصلا، فلو استقر ملكه السوري واستمر، لما كان لبنان اليوم في هذه الحالة ~~السياسية المبلبلة المحزنة. # رحم الله فيصلا، فلو أنه - تعالى - أمد بأجله، لاستمر في جهاده الشريف الذي لم ~~يكن يعتريه شيء من الملل والفتور، ولتحققت آماله العربية في الوحدة السورية ~~العراقية اللبنانية الفلسطينية. # 1 # أنا اللبناني المحب للبنان، الغيور على مصالح اللبنانيين إخواني، وعلى كرامتهم قبل ~~مصالحهم، أقول ذلك وأتيقنه كل اليقين. وأنا اللبناني الراغب للبنان بمنزلة رفيعة في ~~الوحدة السورية، المطالب بها، آسف جد الأسف؛ لأن الفرنسيين لم يدركوا ما كان مضمونا ~~لهم في ملك سوري موطد الأركان، وفي مليك كفيصل، رحب الصدر، حصيف حكيم. # رحم الله فيصلا، صديق لبنان واللبنانيين، المحب لهم حبا جما، المعجب بهم إعجابا ~~قلبيا، الراغب في استخدام مواهبهم ومعارفهم لخير البلاد جمعاء، بل لخيرهم قبل كل خير. ~~ولقد طالما قال لي وللكثيرين غيري إنه يجب أن يرى اللبناني عاملا مكرما، مفيدا ~~ومستفيدا، في كل بلد من البلدان العربية، فيشعر حيث كان أنه في وطنه وبين ~~قومه. # ومن من اللبنانيين الذين عرفوا الملك فيصلا وحدثوه يشك بصدق تلك الكلمات ms168 ~~الذهبية التي كان يفوه بها، وتلك العواطف السامية التي كان يفصح عنها، كلما ذكر ~~لبنان لديه؟ ومن منا - نحن الفخورين بمعرفته، السعيدين بذكرى مجالسته - ينسى تلك الكلمة ~~الوديعة العذبة يا أخي التي كان يخاطب بها جليسه؟ فقد كان حقا أخا للجميع، وخصوصا ~~للبنانيين، وما كان ملكا بغير سجاياه الشريفة العالية. # ومع أن قسطه من العلوم لم يكن وافرا، فقد كان لعقله، كما كان لقلبه، أفق منفرج ~~وجو فسيح. وإني لأذكره في دينه، وما كان يوحي إليه، قولا وعملا، من حقيقة الإخاء ~~الإنساني، الممثلة في سائر الأديان الإلهية. وإني لأذكره في وطنيته، وما كانت توحي ~~إليه من حقيقة الوحدة القومية التي كان يرفعها دائما، قولا وعملا، فوق كل وحدة من ~~الوحدات الدينية المتعددة في هذه البلاد. ~~••• # ولكن التاريخ يسجل على فيصل أمورا في ~~سياسته السورية، وطنية ودولية، منها ما ضاق خبره في تلك الأيام دون إدراكه، ومنها ~~ما كان في الإمكان تداركه. وقد كنت فيما كتبت مؤرخا أمينا لذاك العهد عهده # 2 # فحققت الحوادث، ومحصت الحقائق، بقدر ما مكنت المصادر والأحوال. ~~وأسفت لأني لم أتمكن من إطلاق العنان لقلمي في مضمار الثناء والإعجاب. # ثم مرت السنوات، عشر منها، وأنا في أثنائها أراقب مجرى السياسة العراقية ~~الإنكليزية، وأطالع ما استطعت إليه سبيلا مما كان يكتب فيها، وفي الملك فيصل ~~وجهاده، وقد كنت مغتبطا بعملي الجديد؛ لأني أستطيع أن أكتب في عهد فيصل العراقي ما ~~يسر به القلب ويقبله التاريخ. ولكني مع ذلك كنت أشعر بما يشعر به المصور عندما ~~تحول الأيام دون إكمال صورته، فلا يستأنف العمل قبل أن يعود إلى المشهد ويجدد ~~النظر فيه. # أحجمت لذلك عن التأليف، ووطنت النفس على أن أزور العراق ومليكه مرة ثانية، فكتبت ~~مستأذنا بذلك، وأنا غير متيقن ما عسى أن يكون الجواب؛ نظرا لما أسلفت في الصراحة في ~~الملك فيصل وفي سعيد الذكر والده. فإذا كان الإذن، فهل يقرن يا ترى بالترحيب؟ لقد أخطأت ~~فيما كان من ارتياب؛ فقد جاءني من الملك جواب بخط يده، ms169 تجلت فيه تلك السجايا الشريفة ~~- رحابة الصدر، وكرم الأخلاق، والتواضع - التي فطر عليها، وكانت تزين أعماله كلها ~~وأقواله. # أممت بغداد ورفيقي، رفيق رحلاتي، الشيخ قسطنطين يني، فوصلناها في 13 آذار سنة 1932، ~~وتشرفنا بمقابلة الملك فيصل في اليوم التالي، ففاق في جميل ترحيبه ما جاء في كتابه من ~~اللطف والإكرام، وكان في أثناء الشهر الذي أقمته في العاصمة يدعوني - تارة وحدي، وطورا ~~ورفيقي - ثلاث أو أربع مرات كل أسبوع إلى القصر أو إلى الحارثية، فأتحدث إليه ~~بحرية عهدها بي، وكان يشجعني عليها بما يبدو في حديثه ومحياه من ألفة وارتياح. ~~وقد شاء - رحمه الله - أن يحدثني في العام والخاص من الشئون التي لم يكن يفضي بها - على ~~ما أظن - إلى غير القليلين من بطانته وأهل بيته، وكنت أدونها. وذاكرة الرفيق قسطنطين ~~تعين في أكثر الأحايين ذاكرتي، عندما نعود من مجلسه. # تمثال الملك فيصل الأول في جانب الكرخ في الصالحية. # وهذا الكتاب، إذا كان لا يجوز أن يدعى تاريخا بمعنى الكلمة المدرسي، هو في الأقل مصدر ~~ثقة يرجع إليه من قد يكتب في المستقبل تاريخ النهضة العربية والعراق؛ إذ ليس فيه غير ما ~~رأى المؤلف وسمع، وغير ما عرفه وتحراه بنفسه، فهو على الإجمال مجموعة صور قلمية ~~للملك فيصل ؛ صور تمثله في مجالسه غير الرسمية، وصور تريكه في عمله وجهاده. وقد حاولت ~~أكثر من ذلك، حاولت أن أصور عقل الملك فيصل في جوه المضطرب وأفقه الهادي، وأن ~~أصور قلبه في مده وجزره، في مرحه وغمه، في يقينه وحيرته، بل في كل ما كان يتنازعه ~~ويتزاحم فيه، من العواطف والخواطر والآمال. # وفي الكتاب حوادث مفصلة، تتعلق بالملك والإنكليز، لم يذكرها أو يشير إليها من ~~كتبوا في أحوال العراق السياسية؛ لأنها لا تبيض من صحيفتهم، ولا تدعو لحسن الظن ~~بهم. # أما مصادر الكتاب فأهمها، بعد أحاديث الملك، الوثائق الرسمية التي أطلعني عليها - بإذن ~~منه - كاتب سره الأول يومئذ عبد الله الحاج. # الفريكة في أول تشرين الأول سنة 1933م # 11 جماد الثاني سنة 1352ه # أمين ms170 الريحاني ms171