######OpenITI# #META# URI: 1359AminRihani.KharijHarim.Hindawi39464158 #META# Tags: novels #META# ID: 39464158 #META# Title: خارج الحريم #META# AuthorID: 93831791 #META# Author: أمين الريحاني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # | خارج الحريم # | خارج الحريم # تأليف # أمين الريحاني # | الفصل الأول # أمر طمحت إليه جهان فجال في أحلامها، وشغل أعماق جنانها المتقد، أمر تفرد جليا ساطعا ~~بين أمانيها، فاتجهت إليه بكل كيانها. # كان قبلتها في صلاتها، كان كعبة آمالها الروحية والعقلية والاجتماعية، كان رمزا فيه وعد ~~لناشده ووعيد، بل شارة تأميل وتهديد، تراءى لها في الرؤيا، وصورته في الحلم، وكانت تهدس به ~~في ساعاتها العصيبة. # إنما هي الحرية، كتبت رسالتها بأحرف من ذهب على سماء سحماء، وبخطوط من دم على ظلمات ~~زائلة، نقشت على لوح النفس بعد ما أمحت عنه التقاليد القديمة. # الحرية، وسواء كانت متشحة ثوب الحداد، أو ثوب الجهاد، أو ثوب النصر - سوداء الصبغة كانت ~~أو حمراء أو زهراء - فكانت جهان تقتبلها، وترحب بها، وتجلها في كل حال من الأحوال. # ولكن آلهة تراءت لها في الأحلام مرتدية رداء شديد الاخضرار، شاهرة سيفا أحدب، وعلى ~~جبينها هلال من الياقوت - آلهة إسلامية متوشحة ألوان العلم النبوي الداعي إلى الجهاد - ~~كأنها تدعو جهان إلى حرب مقدسة لا على النصارى الكافرين، بل على كفر الرجل وطغيانه؛ لتهب ~~الحرية أخواتها في الرق والعبودية؛ لتهب الأم التركية، بل الأمة العثمانية، بل المسلمين ~~قاطبة تلك الهبة السماوية. # وجهان ابنة رضا باشا وامرأة الأمير سيف الدين إنما هي مسلمة في لبها الإسلام الحقيقي ~~بالرغم من أنها هجرت منذ ثلاثة أشهر قصر زوجها المشيد على ضفاف البوسفور؛ لأنه حنث بيمينه ~~أنه لا يتخذ لنفسه امرأة أخرى، ولا يقاسم قلبه غيرها، ولهذا عادت جهان إلى بيت أبيها بما في ~~قلبها من الغم، وبما في روحها من ms01 الأحلام، وآلت على نفسها إصلاح الحريم. # ومنذ ذاك الحين شرعت تسعى سنة كاملة سعيا متواصلا أثمر قليلا، وأكسبها شهرة جنت أكثر ~~من مرة عليها، وقد دعت جهان نفسها «ابنة الثورة»، وكانت إذا حدثها أبوها في أمر تسيبها شكري ~~بك تبسم غير مبالية، وتقول: «إني متزوجة من الحرية.» # وكرت الأيام حتى جاء يوم فيه تعرفت بالجنرال فون والنستين المشير في الأستانة، ومنذ ذلك ~~اليوم داخل حبها الصحيح ريبة قليلة، فكانت تقف مرارا ناظرة إلى تلك الصدفة المزعجة، راغبة ~~بعض الرغبة بشكري بك، ولكن طموحها إلى السيادة بعدما تعرفت بالجنرال قد احتل شطرا من قلبها ~~إلى الحرية. # في ذات مساء بعد ما تنافرت وأباها أرسلت حوذيها برسالة سرية لم تدرك مغبتها في تلك ~~الساعة، ثم جلست وهي متسربلة سربال الليل على ديوانها الفاخر، قلقة البال، فاقدة الصبر، ~~مضطربة العقل والنفس، تتربص رجوع الرسول، ولكي تخفف من وساوسها تناولت «نيتشى» الذي كانت تحل ~~أقواله المحل الأول، وتقرؤه بلغته الألمانية الأصلية، ولكنها لم تلبث أن أخذت عيناها ترحل ~~عن الصفحة، فنهضت وعليها سيماء الملل، والتفت بعباءة من الحرير زرقاء اللون موشاة بالذهب، ~~ثم فتحت درفة الشباك، ووقفت في رواقه تتنشق الهواء النقي. # وكانت ليلة من ليالي الصيف الثقيلة الظل لا هواء يحرك الأغصان في الجنينة، ولا نسيم يمازج ~~روائح الياسمين، وزهر الليمون، فيخفف من نفحاتها التي تؤثر في النفس تأثير البنج. # وتمثل أمامها القرن الذهبي سلسلة من القوارب والسواري كأنها أنسجة من العنكبوت متعرشة على ~~أسوار غير منظورة، وأشعة الهلال تنعكس على مآذن جامع أيوب مرة فأخرى كلما لاح من خلال ~~السحاب، والسرو في الجبانة القريبة أضاع شكله ومزيته، فبدا كأشباح من ظلام الرجاء الذي هو ~~رمزه. # سرحت جهان نظرها في هذا المشهد المدلهم، فوقعت في قلبها وحشة تلك الليلة وقع خطب جسيم، ~~ولم تكن تسمع شيئا من خلال السكينة المخيمة حولها - وهي تصغي بانتباه، وصبر كاد يفرغ ~~مترقبة عودة الرسول - إلا وقع قوائم الجواد في الشارع المجاور، وظلت جهان في الرواق مراقبة ~~حتى ms02 دخلت العربة، واجتازت حائط الجنينة، إذ ذاك تنبهت من قرع السوط ثلاث مرات متتابعة إلى ~~ما سيأتيها بثلاث ساعات من النوم بعدما ركنت هواجسها إذ تسلمت الرسالة. # إلا أنها بعد قليل استيقظت متأففة مغمومة غاضبة من نفسها، ومن متحشر زنيم دب إلى سريرها ~~ووسادتها، فلامس خديها وجبينها؛ ولهذا نهضت جهان لتحجب عنها أشعة الشمس، ولكنها ما أطلت من ~~النافذة إلا ودخلت في يقظة فجائية إذ شاهدت المشهد ذاته، وقد استحال جمالا مهيبا، فقد ~~كانت قبب جامع أيوب البيضاء تشع بالشمس، والسرو يتمايل بخطرات النسيم الفجرية بعد ما انقشع ~~الظلام عن زهوه الطبيعي، والقوارب تبعث على تسريح الطرف وانشراح الصدر؛ والقرن الذهبي ~~اللاذوردي تحجبه التموجات الفضية الشفافة الضاربة فيها الخيوط الذهبية، والعصافير تنتقل من ~~جذع إلى آخر في الجنينة، مزقزقة مغردة تداعب بعضها بعضا، وصوت المؤذن وهو يدعو المؤمنين ~~إلى الصلاة يلبس مظاهر الابتهاج خشوعا، وهذا ما سلب النعاس من عيني جهان، فلم تعد لها قدرة ~~على المنام إذ تنبهت روحها في داخلها، فلبت مبتهجة متخشعة دعوة الشمس التي تحرك أسمى الآمال ~~في أدنى البشر، وتلمس أجنحة الأحلام المتواهية بإكسير الحياة. # وقفت في الرواق كالشمس المشعة على قبب إسطمبول كأن وجهها كون من النور، وعينيها من ~~ازرقاق السماء سماء الشرق، وجدائل شعرها المسترسل على كتفيها العاريتين من ذهب الشفق المحاط ~~بالغيوم البيضاء، ولو تسنى لأحد الناس أن يرمقها وهي على تلك الهيئة - وذلك ضرب من المحال؛ ~~لأن النافذة مطلة على الجنينة - لقال إنها إلهة ولا غرو، وهي تلك التي وصفها الشاعر التركي ~~العصري إذ قال: # شمس تخترق جدران سجنها، وردة تطلع من خلال الشقوق في صخرة طالعها. # ولكن جهان كسرت سلاسل الحريم، وكانت آنئذ أقل اهتماما بجمالها الرائع من مواهبها ~~العقلية، فقد ملأت كيانها تلك الأمنية التي عقدت النية على إحرازها لنفسها ولأمتها، وهي ~~أمنية تجلت لها كوحي إلهي، تجلت لها في هذا الفجر المنبثق نورا، فصعدت بفكرها إلى قمم ~~الروح وآمالها، وهي تشعر أن الشمس لم توقظها في يوم من ms03 الأيام كما أيقظتها في ذلك ~~اليوم. # تبارك يوم فتح أبوابا ذهبية لنفسها، لعقلها، لروحها، لقلبها، وقلب أمتها الناهضة، ~~تبارك سحر لبس سحره نفس فتاة شرقية متمردة، فرأت فيه تحقيق آمال لها ولأخواتها الطامحات إلى ~~الحرية والنور، ولها ولإخوانها المجاهدين دفاعا عن الملة والوطن. # أحنت جهان رأسها أمام الشمس المتصاعدة تسبح الله وتتلو الفاتحة، ثم قالت في سرها: كل ما ~~يأتينا به اليوم هو من لدنك أيها الرحمن الرحيم رب العالمين. # ولكن عقل جهان عقل غربي التهذيب، عقل تسعرت فيه الثورة والتمرد، غربي المعرفة، له صلاة ~~خاصة تلتها في ذلك الصباح عندما وقفت في الرواق، ووجهها مرفوع نحو الشمس. # أيها الرب الكريم القدير، أنت الزارع فينا بذور الأماني الخالدة فلا تلعنا إذا تدبرناها ~~بالتربية، أنت مبدع الحب والحرية فلا ترذلنا إذا حطمنا جدران سجننا، أنت متناه رحمة وعدلا، ~~فلا تسخط علينا إذا قاومنا كفر الرجل وطغيانه. # ثم هزت رأسها قائلة: كلا، كأنها تريد أن تقتاد الشريعة الإلهية بيدها، وأعادت قولها: كلا، ~~بصوت متقطع كأنها تجديف بعد صلاتها «كلا، إننا لن نخضع منذ اليوم لطغيان الرجل وجبره، ولا ~~فرق إن كان زوجا أو أخا أو أبا، أو صاحب تاج وصولجان.» # قالت هذا وخطت نحو منضدتها لتراجع المذكرة التي كانت تدون فيها ما يطلب منها من الأعمال، ~~فكان يومها هذا الذي تبتدئ فيه قصتنا كثير المواعيد ساعاته رهينة أعمال شتى، فإن شغلها في ~~المستشفى يتناول ساعات الصباح، وبعد الظهر عليها أن تلقي عظة في إحدى مدارس البنات في ~~إسطمبول، وفي المساء تبيع أزهارا في السوق الخيرية في جنائن تقسيم. # وكان عليها أيضا أن تنجز مقالة في موضوع الجهاد لجريدة طنين، ناهيك بفرضها اليومي من ~~كتاب نيتشى «هكذا قال زاراتوسترا»، الذي كانت تنقله إلى اللغة التركية، ولكنها أهملته ~~أياما، فهذا القدر من العمل لامرأة تركية ما يستوجب الإعجاب، ولكن ثقة جهان بنفسها لمن ~~الأمور المدهشة، وفي كلا الأمرين لم تكن شرقية، على أنها لم تتجاوز في نشاطها وإقدامها ~~كونها امرأة، وكثيرا ما حال إعجابها ms04 بجمالها دون ثقتها بنفسها. # كانت جهان سليمة الطوية، مخلصة فيما تقول وتفعل، وكانت فوق ذلك ذات حنكة عجيبة، كثيرة ~~المعرفة بأساليب الاجتماع والسياسة، جديرة بأن تكون زعيمة من زعيمات أميركا المطالبات ~~بالحقوق النسائية، أو نبيلة من نبيلات لندره، أو صاحبة صالون في باريس، ولكنها تركية ~~المولد، وقد قضي عليها أن تقيم في وسط تقاليده قديمة قاسية، ناهيك بما ورثته عن الأجداد مما ~~كان يحول دون أميالها العصرية، ويزعزع معقولا تشرب التهذيب الأجنبي، وطالما تجاذبت هذه ~~الأضداد نفسها فأحدثت فيها حيرة الانتقاء والتفضيل، بل طالما قاست أشد العذابات الروحية ~~والعقلية وهي تسعى في التوفيق بين عناصر متباينة متضاربة، ولم يكن لامرأة تركية، بل لامرئ ~~شرقي فيما مضى من الزمان أن يتوفق في مثل هذا السير. # هكذا كانت جهان غريبة الأطوار متباينة الأميال والآمال، ولكنها ذات صلاح وفطنة، وقد كان ~~الدين متأصلا في قلبها، ولكنها كانت بعيدة عن التظاهر بالتقوى، ولا تكترث بالخرافات ~~والترهات الدينية، ولقد كانت وهي تسعى لإتمام مقاصدها الجليلة متأنية متسرعة معا، ثابتة ~~حينا، وحينا مترددة، أديبة بارعة، تقية متعقلة، طامحة شاردة، ناشدة حب وإيمان وسيادة، كأن ~~قلبها دائرة للأدب والأدباء، وعقلها ديوان للسياسة والسياسيين، ونفسها جامع للعصريين من ~~المؤمنين، فضلا عن ذلك أن الجنرال فون والنستين كان قد سعى لها بإنعام من الإمبراطور، ~~فزادها ذلك نشاطا وعزما، وأكسب حماستها الشرقية أجنحة غربية، وطلى معدن عجبها القليل من ~~الذهب. # لبست ثيابها صباح ذاك اليوم وهي تقول: «تبارك هذا الفجر» ولكنها لما اقتربت من منضدتها ~~وقع نظرها على كتاب نيتشى وفيه صحيفة ظاهر طرفها وضعتها علامة لمطالعتها، صحيفة خط فيها ما ~~يفسد كل مساعيها لو اكترثت به، خط فيها ما يلاشي كل آمالها وأمانيها الحديثة والقديمة، لو ~~قرأت مذعنة طائعة، وكانت تلك العلامة موضوعة في الكتاب منذ ثلاثة أيام، ولهذا كانت عرضة ~~لاطلاعها ثلاث مرات، ولإثارة تمردها ثلاث مرات أيضا. # وجاءت ليلة أمس فانفجرت شعلة غضب من مصدر تلك الأوامر التي أخذت تقرأها جهان مرة أخرى. # من رضا باشا إلى ms05 ابنته جهان: # يجب عليك من الآن فصاعدا ألا تخرجي حاسرة القناع أو دون حاجب من الحجاب، وألا ~~تفرطي بالكلام في الأماكن العمومية، وألا تتدخلي بالسياسة، وألا تنشري من مقالاتك ~~في الجرائد، وعدا هذا كله يجب عليك أن تمتنعي عن مقابلة الجنرال فون والنستين، وعن ~~مراسلته. # قرأت ما تقدم، واسترسلت إلى التأمل؛ إن أباها ولا شك مخطئ بآخر ما جاء في أوامره، ولهذا ~~وجب عليها أن تقنعه بخطئه فلا يهتم بذلك الأمر، ولو كانت فعلت لما تجرأت أن تبوح بسر قلبها، ~~ولكنها امرأة ولم تكن تؤكد أنها إذا حان الوقت تستطيع أن تجمع قوة من نفسها كافية لتدير ~~مقصدها من ذلك السر، وكشرقية مسلمة تعتقد بالقضاء والقدر تركت الأمور تجري مجراها، موكلة ~~أمرها إلى الله على أنها كانت تحب أباها وتجله إجلالا، فوطنت النية أن تذعن ولو لبعض ~~أوامره. # أعادت العلامة إلى الكتاب، وراحت تنادي جاريتها فوجدت الباب موصدا، عالجت الغال فلم يذعن ~~لإرادتها، ففتشت على المفتاح فلم تجده، فلبثت مفكرة محتارة بأمرها، من قفل الباب ترى؟ ألا ~~يمكن أن تكون هي نفسها قد أوصدت الباب، وأحكمت قفله أثناء غضبها الليلة البارحة؟ وعلى فرض ~~أنها هي التي فعلت ذلك فأين المفتاح؟ أهذه نتيجة صبرها ثلاثة أيام؟ # لبت الجارية نداء مولاتها ولكنها لم تجسر أن تخبرها عن قفل الباب، وجاء غيرها من الخدام ~~أيضا فأظهروا استغرابهم، وتجاهلوا الأمر، حتى إن خصيها العبد الأمين سليمان الذي أنصت لصوت ~~سيدته داخل غرفتها قد هز رأسه متأسفا وتنحى: عجبا أجهان سجينة في غرفتها الخاصة؟ ~~ولماذا؟ # لم يجبها أحد من الخدام؛ لأن الأوامر صدرت إليهم مشددة بأن يحافظوا على الصمت التام، وأن ~~لا يتداخلوا فيما لا يعنيهم. # | الفصل الثاني # رضا باشا شيخ في الخامسة والسبعين من العمر، رديني القامة مستويها، طلق المحيا، مهاب ~~الطلعة، كبير الهمة، عصبي المزاج، حاد الذهن، سريع الحركة والكلام، وفي وجهه الأشعث ~~المستطيل نضارة تنفي حجة السن عليه، وعيناه العسليتان الحادتان ترسلان بشاشة تحت حاجبين ~~عريضين هما أبدا على وشك الانزواء غضبا ms06 وغيظا، أما شعره المفروق في منتصف الرأس، ولحيته ~~التي كان لا ينفك يعدل نموها لمما تنطق عن روح فيه كيسة، ونفس لم تزل خضراء، فهو من أولئك ~~الشرقيين السمر البشرة، الأقوياء الأجسام، الشديدي البأس، الشبيهة رجوليتهم بمزية بالآلهة، ~~خصت بالخلود فلا السنون تقوى عليها، ولا التنعم في دار الحريم يؤثر فيها. # ولو كان للأتراك أن يدركوا نسبهم ويسلسلوا الأسر فيهم لربما توصل رضا باشا في أصله إلى ~~أولئك التتر الأشاوس الذين تسوروا جدران بزنطية، ورفعوا علم النبي على قبب «أجيا ~~صوفيا». # على أنه من رجال الدور القديم، فقد كان يقدر الأشياء الحديثة أو الأوروبية حق قدرها، ولا ~~نريد بهذا أنه كان مجردا من التعصب، كلا، فالحقيقة أنه كان يرغب بالروح العصرية وهي في بيت ~~غيره لا في بيته، تركي عصري تارة، وتارة قديم، صلب العود، متشبث الرأي، غير متساهل في إدارة ~~أموره الخاصة والعامة، وقد كان حرا للجهة شديدها، يخدع أحيانا بصراحة قوله أكثر من ~~التركي المعروف بتمويهه ودهائه. # ومن هذا القبيل لم يكن ليسر كرهه الألمان، وطالما قد عضد سياسة إنكلترا وفرنسا بصورة ~~رسمية في الباب العالي، وحاز النصر مرارا في ساحات السياسة، وساحات الوغى، فقد كان في ~~مقدمة سياسي ومشيري الدولة في الدور الماضي، ولكنه أخلص النصح لعبد الحميد، فلم يطق طويلا ~~حول العرش، ومع أن شدة لهجته وحرية قوله نظرا لمزاجه وإخلاصه كانا يروقان ذلك الطاغية، ~~فرجال يلديز، وأرباب الباب العالي كانوا يسرون له العداء، ويجهرون به في الأحايين، وطالما ~~قد دسوا له الدسائس، وتألبوا عليه حتى إنه أفضى أخيرا وهو في شيخوخته إلى بلاد اليمن، وظل ~~في منفاه حتى الدور الجديد إذ تأسس ثانية الدستور، وخلع عبد الحميد، فأعيد رضا باشا إلى ~~العاصمة باحتفاء وإجلال، مكرما تكريم الأبطال، وأسند إليه منصبه القديم رأسا على الجيش، ~~ولكنه ما كاد يتقلد هذا المنصب حتى اختلف مع رجال تركيا الفتاة الذين قبلوا استقالته راضين ~~عن بقائه في الأستانة إكراما لشيخوخته، وتقديرا لخدماته السابقة. # إلا أن سيف رضا باشا لم ms07 يصدأ في قرابه، فإن مجيد بك أصغر أنجاله، وشقيق جهان استله في شبه ~~جزيرة غليبولي، فأكسبه شرفا جديدا ومجدا، وكان رضا باشا وهو جندي لا غبار على عثمانيته ~~قد فادى بأرواح أبنائه الثلاثة الآخرين حبا بالوطن، فالابن الأول دفن في اليمن، والثاني ~~في طرابلس الغرب، وسقط الثالث صريعا عند أبواب أدرنه. # أجل، إنما رضا باشا شيخ كثير الأحزان والأشجان، ولكنه اقتبل مصائبه كلها وأحزانه كأب ~~حبيب، وخيبة آماله كرجل عمومي صادق، بصبر وثبات جأش هما شعار المسلم الشديد إيمانه بالله، ~~ومع أنه لم يخدم حكومة العهد الجديد بذاته فقد كان يغار على مصالح الدولة، ويود من صميم ~~فؤاده حفظ كيانها، ولو كان له عشرة أبناء لقدمهم ضحية على مذبح الأمة راضيا بأن تسلم له ~~ابنته جهان، وأن يصونها الله من الروح الأوروبية الخبيثة، ومن روح فلاسفة أوروبا العصرية، ~~وأخصهم نيتشى الذي كان يخاف منه على نفس ابنته وعقلها. # ولدت جهان وأخوها مجيد بك في باريس حيث كان رضا باشا وهو في الأربعين من عمره ملحقا ~~عسكريا في السفارة العثمانية، وكلاهما ولدا له من سليمة أحب نسائه إليه، وكانت سليمة هذه ~~حسناء ذكية الفؤاد، كبيرة النفس والخلق، لطيفة المعشر والذوق، مهذبة بارعة تحسن الإفرنسية ~~كما تحسن لغتها التركية، وكان يسمح لها بعلها أن تستقبل الزائرين من الرجال في بيته حاسرة ~~القناع؛ لأنه وإن كان شديد التمسك بتقاليد دينه في بلاده فقد كان متساهلا خارج البلاد ~~التركية، وقد توفيت سليمة وهي مع بعلها في المنفى. # أما جهان فهي آخر أولاده وأولهم في قلبه، شاخ ولم يشخ حبه، بل كان يزداد كلما ازدادت ~~سنوه، وتعاظمت أحزانه، وحقا إنها كانت بنت دلال كما يقال، وولد أبيها المدلع، نشأت في ~~صباها كالزهرة البرية لا في حقل الحرية كما يتبادر للذهن، بل ضمن جدران الحريم، ولكنها كانت ~~أبدا فوق سيادة أمها وخالاتها تنبذ من أجلها التقاليد والعادات، ويحسب كل يوم لا تسمع فيه ~~ضحكتها يوم شؤم. # ولم يدخر رضا باشا عناء، ولا ضن بمال في تهذيبها ms08 وتربيتها على الأسلوب الأوروبي العصري، ~~فقد كان كأترابه الأتراك قصير النظر، ضعيف الرأي من هذا القبيل، وإلا لاستدرك نتائج هذا ~~التهذيب، خذ لك مثلا من نقيض أمياله وأذواقه، فقد كان يروقه منظر البيانو في منزله، ولكنه ~~كان يستسمج صوته، وكان ينظر إلى مكتبة ابنته كما ينظر إلى مجموعة سلاحه كلتاهما للفرجة لا ~~للاستعمال، وما كاد يفاخر بنبوغها الفطري حتى استعاذ بالله عندما رأى اسمها في الجرائد؛ إذ ~~استغرب ذلك أيما استغراب، ونفر منه أيما نفور كأنه شاهدها في السوق كاشفة الحجاب. # ولكن هذه ثمار تهذيب استقته جهان من معلمة إفرنسية، ومربية ألمانية، على أنها وإن كانت ~~أوروبية العقل فكان أبوها يتعزى باعتقاده أنها لم تزل مسلمة الروح والعقيدة. والحق يقال: ~~إنها ولئن كانت إفرنسية المشرب والذوق فقد كانت تركية الطبع والخلق، وقد برهنت على وطنيتها ~~وإخلاصها لأمتها بتهليلها للألمان ما أموا الأستانة كأحلاف تركيا الوحيدين، ودافعت عن ~~الإسلام بغيرة شيخ من مشايخه، وبفصاحة عالم من علمائه، حتى إنها كانت تقاوم أباها في دعوة ~~الجهاد، فإن رضا باشا لم يغتر بتغرير الألمان؛ ولهذا لم يكن من المستصوبين أمر الجهاد، وقد ~~جاهر برأيه على عادته، وكاد أن يقع في قبضة أعدائه، ولكن الجنرال فون والنستين الذي كان له ~~الحول والطول في وزارة الداخلية، بل في الباب العالي حتى وفي نفس يلديز لم يسمح - لأسباب ~~خصوصية - بمحاكمة والد جهان، وطالما صد عنه الأعداء من الاتحاديين محدثا نفسه بما يأتي: ~~ألم تقم ابنته بأشرف الأعمال نحو الجنود؟ أولا يحارب ابنه الآن ببسالة الأبطال في ~~غاليبولي؟ # هذان اثنان من بيت رضا باشا يعملان بإخلاص ونشاط في سبيل الوطن، وقد يكون ذلك في سبيل ~~الجنرال فون والنستين نفسه. # لماذا لا يرخص للأب إذن أن يقضي بقية حياته المتداعية في أمن وسلام؟ # اجتمع الجنرال الألماني بجهان للمرة الأولى في مستشفى الجنود، فجاء بعد ثلاثة أيام يزور ~~أباها زيارة رسمية، ولكن جهان لم تحضر لاستقباله، ثم أعاد الزيارة، ولكل زورة يختلق حجة ~~سياسية، ويسأل أثناء الحديث عن الفتاة ms09 ، فوافت البهو في زورة الجنرال الثالثة وهي بالزي ~~التركي، ولكنها حاسرة القناع كما كانت تفعل أمها في باريس؛ فسر الجنرال سرورا متناهيا، ~~وظن هذا الإكرام من لطف الأب وتساهله، أما جهان فحلت من نفسه المحل الأول. # جهان: إن امرأة الجنرال التي توفيت قبل إعلان الحرب بأسبوع، والتي كانت أشهر أترابها ~~جمالا وأدبا ليتأكل الحسد قلبها لوضعها اجتماع، وهذه المرأة التركية الذكية الفؤاد ~~والكاملة الصفات. # قال هذا الجنرال في سره - وفي سره كان يردد اسمها، ويمثل جمالها: جهان! ساحرة تركية، ذات ~~قد أهيف، ومحيا فائق في الحسن، ولحظات تخترق الجماد، ولفتات تشف عن غنج بعيد المقاصد ~~غريبها، في ناظريها نور العطف، ونور المعرفة، وفي أنفها الإباء والشمم، وفي ثنايا فمها ~~اللطيفة إيناس كثير الأسرار، آدابها إفرنسية، ولكن جمالها الذهبي المهيب شبيه بالجمال ~~الألماني، وفي كلا الأمرين فتنة جردت الجنرال لأول نظرة من كل قواه؛ قوى الهجوم، وقوى ~~الدفاع، فحدث نفسه قائلا: ولم لا أرغب بامرأة مسلمة وهي أوروبية التربية والذوق ~~والجمال؟ # ولكن هنا شكري بك يبسم له المستقبل، وتذلل أمامه بواسطة جهان المناصب العالية، على أنه ~~أبى يوما ملاحظة أبداها له الجنرال فون والنستين، فخرج من حضرته سامد الرأس شامخا دون أن ~~يلقي ما يتوجب على ضابط في الجيش من السلام، فغضب الجنرال وبدل أن يقدمه لوظيفة كاتم أسرار ~~في وزارة الحربية وفاء بوعده لجهان عزم على إرساله إلى ساحة الحرب، فلو كان مزاحم الجنرال ~~من أكفائه لما طاقه عثرة في سبيله، فكيف به هو ضابط توجب عليه طوع أوامره؟ # صدر الأمر إلى شكري بك أن يلازم فرقته في غاليبولي، صدر بعد الظهر فلم تعلم به جهان حتى ~~المساء، الذي حدث فيه نزاع بينها وبين والدها بخصوص الجنرال فون والنستين، ولهذا الغرض عينه ~~كانت قد بعثت برسالتها السرية مع حوذيها تسأل فيها ابن عمها ألا يغادر الأستانة قبل أن تراه ~~والجنرال فون والنستين في اليوم التالي، وكان الحوذي قد أشار بقرعه السوط ثلاث مرات أن قد ~~بلغ الرسالة، وأما أبوها وقد ms10 علم بالرسالة هذه من أحد الخدم، وظن أنها مرسلة إلى الجنرال ~~الألماني، فأقسم بالله وبالنبي أن هذا الموعد لا يكون، فأوصد الباب على جهان بين هي كانت في ~~الرواق تترقب أوبة الرسول، ثم خرج باكرا في الصباح متروضا على عادته، مصطحبا عبده ~~الأمين. # ولكن جهان لم تدر بذلك، فارتدت ثيابها بسرعة ورشاقة، وأمرت جاريتها أن تستدعي أباها، وهي ~~تعلم أن ليس من عادته أن يخرج باكرا، فاستولت الحيرة عليها إذ علمت عكس ذلك، وكادت تصدق ما ~~داخلها من الريب والظنون، على أنها لما أمرت الجارية أن تجيئها بمفتاح آخر فتفتح به الباب ~~أدركت الحقيقة المؤلمة، فإن الخدم لم يتجاسروا على أن يخالفوا أمر سيد البيت. # | الفصل الثالث # استشاطت جهان غيظا، واستولى عليها الغم، فصاحت يا للعار، ثم سألت نفسها: ولم يا ترى ~~يعاملني أبي بمثل هذه المعاملة؟ # لم يكن لها أن تقارن بين هذا التصرف منه، ورصانة فيه معروفة، ولم تقرأ مرة في مطالعتها ~~القصص الأوروبية التي تصف الحياة التركية أن باشا من باشاوات الدولة، أو شريفا من أشراف ~~بني عثمان يلجأ إلى مثل هذه الطريقة في تأديب بنيه. # يا للعار! أيعاملها أبوها كتلميذة مدرسة وهي السيدة التي ينظر إليها نساء الأستانة بعين ~~الإكرام والإجلال؟ أيذلها هذا الإذلال وهي زعيمة بنات جنسها، ترفع أمامهن مشعال نور جديد، ~~وتعمل على تحطيم قيود الحريم؟ يا للفظاعة! أجهان صديقة النواب والوزراء، مدبجة المقالات ~~السياسية، ربة المنبر منبر الحرية، صاحبة الرأي الذي طالما أنار قوما، وأحرق آخرين، نصيرة ~~مبدأ أحدث ثورة في العقول، وحمل الرجال والنساء على العمل في سبيل الحق والحرية، أجهان تسجن ~~في حجرتها؟ إنه لعار وأي عار! أولم تكن هي أول سيدة تركية مشت في شوارع الأستانة سافرة ~~الوجه؟ أولم تكن هي أول سيدة تركية وقفت أمام الساحات الكبرى فمزقت قناعها الأبيض الحاجب ~~وجهها، الحاجب نفسها، وحيت الشمس شمس الحرية؟ والآن هي أسيرة حجرتها الخاصة بأمر من أبيها، ~~فقد شق عليها هذا الأمر، فرمت نفسها على الديوان وكبرها وإباؤها يستحيلان دموعا ms11 ~~سخية. # لبثت على هذه الحال برهة من الزمن تلوم طورا أباها وتارة تختلق له الأعذار وهي تترقب ~~عودته مرددة في نفسها؛ لعله فعل ما فعل مسيئا فهمها، أو عملا بتهمة باطلة، ثم تناولت ~~قلما وكتبت إلى شكري بك مذكرة ثانية، وإذ ختمت الظرف قرعت الجارية الباب، ودفعت إليها ~~كتابا من ابن عمها يقول فيه أن قد صدرت إليه الأوامر أن يغادر الأستانة ظهر ذاك النهار ~~عينه، وخشية أن يفاجئها بوداعه يود أن يراها الساعة العاشرة والنصف. # فمزقت جهان مذكرتها، وكتبت إليه عجالة أخرى، وقد كانت تخشى قدومه إليها قبل أن يعود ~~أبوها، وهي تأبى أن يشاهد ما هي فيه من الذل والغم؛ ولهذا اقتضبت العجالة بما يأتي: لا تزعج ~~نفسك بالقدوم؛ فإني ذاهبة لمقابلة الجنرال فون والنستين في منزله، وسأراك بعدئذ، وفي أية ~~حالة من الأحوال لا تبرح منزلك قبل الظهر. # ثم كتبت مذكرة إلى الجنرال، وأخرى إلى وزير الحربية ملتمسة من كليهما السماح لشكري بك أن ~~يبقى يوما آخر إلى أن تتمكن من مقابلتهما بعد الظهر، وقد بعثت بالمذكرتين مع سليم عبدها ~~الأمين، ونحو الساعة العاشرة عندما دنت الجارية من الباب لتنبهها أن كاتم الأسرار الخصوصي ~~في وزارة الحربية يرغب في مخاطبتها بالتليفون كان أبوها لم يزل خارجا. # فقالت لجاريتها: قولي له يا زليقة، إنني في الحمام، وأصغ جيدا لما يكون جوابه. # وللحال عادت زليقة، وقالت لها: إن سعادته يتأسف جدا أنه ليس في إمكانه قضاء الحاجة التي ~~سألته قضاءها. # وعاد سليم بعد هنيهة، وبيده جواب من الجنرال فون والنستين، وبه يعد جهان «الحسناء ~~البارعة» بأن سيخاطب في الحال وزير الحربية بالتليفون، ويطلب إليه أن يقضي ملتمسها، فتنفست ~~جهان الصعداء وهي تشكر الله، وقد عرفت عندئذ معنى كلام وزير الحربية، وأيقنت أن كلمة فون ~~والنستين شرع في القسطنطينية فإنه ذو السلطة العليا، والحكم الحاكم النافذ حتى إن البادشاه ~~ذاته كان يستشيره قبل إصدار إرادة سنية؛ ولهذا لم يكن لها أدنى شك في أن ستجاب ~~طلبتها. # | الفصل الرابع # فلما خرج ms12 شيطان الوساوس معنا إذا طلبنا النزهة فرارا منه، وإذا فعل بعد أن يكون قد نال ~~منا مراده فلا يعتم أن ينفصل عنا إذا ثابرنا في الطريق ماشين، وإننا في ابتغائنا البعد منه، ~~ومن أنفسنا المشتعلة غيظا إنما نبتغي في الحقيقة ملاشات هاجس مزعج، أو فكرة منكرة، عاملين ~~بها السياط كأنها أتان منهوكة، وإن هي إلا أتان الشيطان نمتطيها رواحا، فنقتلها ونعود على ~~الأقدام مستبشرين راضين، تصحبنا رفيقة صالحة أمينة يدعوها الناس «الحكمة». # عاد رضا باشا إلى منزله مرددا المثل المأثور: «العجلة من الشيطان»؛ لأن نزهة الصباح ~~أثمرت خيرا في نفسه، فسرت عنه قليلا، وأعادت إليه عطفه الوالدي، ورأفته المعهودة، ولما ~~فتح الباب على جهان كانت نار غلوائه قد همدت تماما، ومع أن ما بدر منه مساء البارح لا ~~يستوجب الندم في حال غير الحال الحاضرة، فأشفق أن يدفع بابنته جهان إلى تطرف في تصرفها ~~فتفسد عليه أقصى أمانيه، كيف لا وقد وطن النفس أن ينقل من الأستانة إلى قونية العاصمة ~~العثمانية القديمة حيث يود أن يقضي آخر أيام حياته بسلام الله ورضائه، مصطحبا ابنته وصهره ~~المقبل شكري بك؛ ولذلك رأى أن يداري جهان، ويطيب خاطرها. # كانت جهان جالسة على مقعد قرب منضدتها، ورأسها مطأطئ على صدرها، وقد شبكت يديها حول ~~ركبتها، مطرقة مفكرة، ولما دخل أبوها وتقدم نحوها وهي على هذه الصورة، دافعا إليها ~~المفتاح، ولكنها لم تتحرك ولم ترفع نظرها إليه، فجلس بالرغم من ذلك على كرسي بجانبها، وأخذ ~~يدها بيده قائلا: جهان - عزيزتي - تأسفت كثيرا لما حدث، وعسى أن لا يعود مثله، ولن يعود ~~إن شاء الله. # ثم تصدر أمامها وقال: تطلعي إلي الآن، وقولي لي: أبين البنات حتى القرويات منهن من ~~تخاطب أباها كما خاطبتني ليلة أمس؟ ألا ينتظر منك وأنت السيدة المهذبة ذات المواهب السامية ~~أن ترعي البر، وتقيمي على الطاعة البنوية التي هي من مزايا عنصرنا الخاصة، ومن أقدس ~~تقاليدنا؟ وماذا يقولون عنك الذين يقرءون كتاباتك في الجرائد، والذين يسمعون خطاباتك، ~~والذين ينظرون إليك كحاملة ms13 نبراس النور والمعرفة إذا أخبرتهم اليوم أن جهان تعصي أوامر ~~أبيها، وتستخف بكلامه، وتقاوم رغائبه، بل هي لا تحترمه ولا تحبه، حتى إنها لا توجد من نفسها ~~رادعا عن أن تسمعه المهين من الكلام. # فالتفتت نحوه جهان وعيناها مغرورقتان بالدموع: «ليس هذا بصحيح يا أبي، معاذ الله أن أكون ~~عقوقة.» ~~- ولكنك يا حبيبتي جهان لم تعودي تكترثين بأوامري كالسابق، بل تتنحين عني، ولا تستنصحينني ~~أو تستشيرينني بما تفعلين، ولم تعودي على الأقل تقرئين أمامي ما تكتبين. ~~- ذلك لأنك لم تكن قاسيا جائرا كما أنت اليوم، واعذرني إذا قلت إنك مقاوم آرائي ومقاصدي ~~اليوم على غير عادة منك في الماضي. ~~- أفلا ترين أن الجواسيس ملئوا المدينة - ألمان وأتراك - حتى أصبح المرء مسالما كان أو ~~مشاغبا لا يستطيع أن يعيش بطمأنينة، وليس من الناس من يأمن على حياته في هذه الأيام، ~~أفيحسن منك - والحالة هذه - أن تتدخلي بالشئون السياسية وأنت ابنة رضا باشا، أو يليق بشرف ~~محتدك ومقامك أن تترددي إلى الباب العالي، وإلى النوادي، والنزل في بارا؟ أيجوز أن تذهبي ~~لمقابلة الجنرال فون والنستين؟ أوتظنين أن المرأة الأوروبية تستحسن مثل هذا التصرف ~~منك؟ ~~- ذهبت مرة واحدة لقضاء شغل يتعلق بالمستشفى. ~~- كان حريا بك أن تكتبي إليه عن ذلك. ~~- ولكنه أمر مهم ضروري، ولم يكن لي منفسح من الوقت. ~~- إذن كان عليك أن تبعثي رسولا. # فتململت جهان، وانتقلت من كرسيها إلى الديوان، وقالت: بدرم لماذا تعذبني ثانية بشأن هذا ~~الرجل؟ ~~- لا أكتمك أني أكرهه، وأوجس شرا من تردده إلى منزلنا، وأعيد عليك ما قلته الليلة ~~البارحة: «إن ما تذيعه الصحافة عنك وعنه عار لاسمي»، لم أبحث معك قبلا بمحالفتنا مع ~~ألمانيا، تلك المحالفة التي لا أزال أعتقد أنها جريمة على أمتنا، بل جريمة على الإسلام ~~والمسلمين قاطبة، فلك ما ترتأينه في هذا الموضوع، ولكني أضطر أن أعيد ما قلت البارح، إن ~~محالفة بيتية مع ألماني لضرب من المستحيل، ولا مراء أنك توافقينني على الأقل بأنها مجردة من ~~كل حكمة، ولا تظني أني ms14 أقاومها لأسباب دينية، كلا فلست من رجال الدين، ولا من رجال الفقه، ~~ولكني لا أريدها لأسباب حسية وعقلية، أنت يا جهان عاقلة حكيمة، ذات رأي أصيل، فماذا تقولين ~~في هذا الرجل؟ إنه اليوم الحاكم بأمره في الأستانة، ينبغي أن نتقرب منه، أليس غريبا هو عن ~~حياتنا وعاداتنا، ولغتنا وأخلاقنا، وديانتنا وتقاليدنا؟ وعدا هذا فهو أرمل، وعمره ضعف ~~عمرك. ~~- بدرم، أوافقك على كل ما ذكرت، ولكن ... # قالت هذا واستسلمت للتأمل. ~~- ولكن ماذا؟ ~~- لا أدري، بدرم، فإني لا أجد كلمة تعبر عن عواطفي، والحق أني لا أفهم عواطفي. ~~- لا يليق بك مثل هذا العذر، أفصحي عما يجول في خاطرك، ولا تخفي شيئا عني. ~~- أخاف أن تزدري بي. ~~- معاذ الله، أنت امرأة حصيفة ولا أرى ما يدعوك إلى الخوف من توقع الازدراء. ~~- حسن، مساء اليوم الذي به قابلت هذا الرجل لأول مرة تراءت لي رؤيا، ليست حلما، بل رؤيا، ~~وكنت إذ ذاك جالسة وراء منضدتي أترجم نيتشى، فأسدل سجل على عيني فجأة، وأصبح عقلي كخلية ~~النحل غليانا، وابتدأت أرى نقطا صفراء تتراقص أمامي على صفحات الكتاب، فسقط القلم من يدي، ~~ورأيت هذه الغرفة تدريجا تمتلئ ... ولكن ما الفائدة؟ تهز رأسك قائلا: إنها أضغاث ~~أحلام. # فأجاب الباشا وعلى وجهه أمائر الرغبة باستماع الحديث: أنا مصغ تمام الإصغاء، كملي ~~حديثك. ~~- خيل لي في هذه الغرفة شبح امراة كأنها والدتي، وقد شاهدت الشبح جليا، ثم ابتدأ يتضاعف ~~عدده، وتتكاثر الأشباح كلما حدقت بها بصري حتى رأيت أمامي مئات من النساء مرتديات أردية ~~سوداء راسفات بالسلاسل والقيود، وعيون الكل منصوبة نحوي ملؤها استرحام كأنهن يرغبن بمخاطبتي ~~بإبلاغي حقيقة هائلة، بالتماس عمل ذي شأن، وقد أرسلن إلى مسمعي هذه الكلمات «إما تضحية أو ~~انتقاما»، وهي كلمات لفظها صوت طالما اعتادت أذناي استماعه، كأنه صوت أمي. انظر، فقد كتبت ~~الكلمات كما سمعتها. # أما أبوها، فكان يلهو بسبحته ليهدئ ثائر أفكاره، وبعد أن شزر الوريقة التي أرته إياها ~~سألها قائلا: ما فحوى هذا؟ ~~- اعلم أن ذاك الصوت إنما هو صوت ms15 الأم، أم عنصرنا، أم ألوف من الأجيال أم ماضينا، هو صوت ~~يدعوني إلى المفاداة في سبيل أم مستقبلنا، وهو عمل خطير لا بد أن تتمه إحدى نسائنا إن لم ~~يكن أنا فغيري «إما تضحية وإما انتقاما»، هذا تفسيري تلك الرؤيا التي ما تراءت لي إلا ~~وشعرت أن شيئا فائق القوى الطبيعية يقودني نحو هذا الرجل، ولقد كذبتك إذ قلت إني ذهبت ~~لمقابلته مرة واحدة فقد زرته في منزله ثلاث مرات منذ آخر زيارته لنا. ~~- أأنت ذهبت إلى منزله؟ جهان ابنتي؟ ~~- نعم ذهبت ولكن زياراتي كانت لشئون تتعلق بالأمة. # لعبت النار في عين رضا باشا، ولكنه جمع من نفسه قوة لتسكين جيشانه، ثم سألها: أوتحبينه ~~حقيقة؟ ~~- كلا. ~~- أوتقصدين إذن أن تقترني به لسبب من الأسباب؟ ~~- كلا. ~~- إذن؟ ~~- بدرم، أناشدك الله ألا تسألني سؤالا آخر عن هذا الأمر، فإني لا أستطيع، لا أستطيع أن ~~أجيب، لا أدري كيف أجيب ... # فصاح بها وفي صوته غصة وارتعاش: جهان ابنتي؟ والله لقد صدقت ظنوني، صدقت والله ظنوني. قال ~~هذا ونزع عنه طربوشه ليمسح العرق عن جبينه. # عندئذ تقدمت إليه جهان فجثت حياله باكية، وكلمته بصوت مضطرب: كلا، كلا، يا أبتاه ليس ~~الأمر ما ظننت، أقسم لك بالله وبالنبي إن الأمر ليس كما ظننت، لقد أسأت فهمي، فصدقني إن ~~حقيقة الحال ليست كما تتوهم، أجهان ابنة رضا باشا، أواه! تقسو بي بدرم إلى هذا الحد بالظنون ~~الباطلة؟ ~~- إذن ما معنى كتابتك السرية إليه الليلة البارحة؟ ~~- أوظننتها للجنرال فون والنستين؟ ~~- إذن لمن؟ ~~- لشكري. # تنفس الأب الصعداء، واستبشرت الابنة بشيء من الفرج، وكلاهما وقف عند هذا الحد من الحديث ~~لاجئا إلى السكوت كما يلجأ الإنسان إلى مخبأ من العاصفة؟ وظلا كذلك برهة، ثم قال الأب: ولم ~~المكاتبة السرية مع شكري، وعلى الأخص في ساعة كهذه؟ ~~- لأنه تلقى أمرا عسكريا بأن يسرع إلى ساحة الحرب، وموعد ذلك اليوم بعد الظهر. # ما سمع الباشا هذا الخبر إلا وانتصب على قدميه ثانية قابضا على لحيته بيده المرتجفة، ~~وشرار السخط والغضب تبرق ms16 في عينيه. ~~- ولكني كتبت إليه أن لا يبرح قبل أن يراني، وهو ذا مذكرته التي استلمتها منه باكرا في ~~هذا الصباح. ~~- قسما بالله ونبيه، لن يسير شكري بك إلى ميدان القتال، لقد وهبت الأمة ثلاثة أبناء، وهو ~~ذا رابعهم أيضا في ساحات الوغى، وقد لا يعود لي حيا، وقد لا أراه مرة أخرى، وقد كان ~~باستطاعتي أن أوقد شرار ثورة تقضي على الألمان، أو تقصيهم بيوم واحد عن الأستانة، لقد طفح ~~الكيل، ولم يعد ضباطنا يحتملون غطرسة الألمان وتفوقهم، لم يعد بإمكانهم أن يذعنوا لأوامرهم ~~الوحشية، أما أنا فقد أخلدت إلى السكينة لا لأجلهم، بل لأجل سيدي ومولاي البادشاه الذي لا ~~أحني هامي مطيعا لسواه، وإني ذاهب في الحال لأسعى بمقابلة جلالته ... شكري بك لن يسير إلى ~~ساحة الحرب ليخدم هواء ظالم أجنبي. ~~- ولكني كتبت إليه. ~~- إلى من؟ ~~- إلى الرجل الذي ذكرته الآن، وقد وعدني أن يلغي هذا الأمر أو أن يؤجله. ~~- كان ينبغي لك أن تستشيريني قبل أن تفعلي ذلك، فإن كتابتك إليه في هذا الأمر لا تأتي ~~بفائدة ما؛ فهو إذا تباطأ في استكشافه حقيقة ما بينك وبين شكري لا يتباطأ في اتخاذ الوسائط ~~التي تفسد عليك مساعيك، وسيرسل شكري إلى ساحة الحرب، وربما كان إلى حتفه، موقنا أن في ذلك ~~ينال منا مراده، ألا إنه لمخطئ، فشكري لن يذهب إلى ساحة الحرب حتى وإن حكم عرفيا لعصيانه، ~~وأنت ستتزوجين منه غدا، لا بل اليوم، اليوم. ~~- أتزوج منه، ثم يرسل إلى قبره أليس كذلك؟ ~~- قلت لك لن يذهب إلى ساحة الحرب. # عقب ذلك سكوت جاءت أثناءه الجارية تدعوهما إلى الغداء. # اتفق الاثنان - الأب وابنته - نهائيا على أن يتخذا سائر التدابير اللازمة لإلغاء الأمر ~~في سفر شكري بك، أو تأجيله، ومما فاه به الباشا على المائدة إذ عاد إلى الموضوع قوله: «متى ~~يعلم هؤلاء الألمان أنه مهما عظم نفوذهم يجب أن ينتهي عند سلاملك التركي؟ يمكنهم أن يستبدوا ~~بأمورنا في الباب العالي حتى وفي يلديز أيضا، ولكنهم والله والنبي ms17 لن يستبدوا بأمورنا في ~~منازلنا.» # كان رضا باشا لم يزل وابنته يتناولان الغداء إذ جاء الخادم يعلن قدوم ياور الجنرال فون ~~والنستين. ~~- قدم إليه السيكارات، وقل: إني قادم لمقابلته في الحال. # أحنى الخادم رأسه طوعا، ثم لمس فمه وجبينه بيده تسليما وتنحى، وما هو إلا ربع ساعة من ~~الزمن حتى ذهب الباشا إلى السلاملك حيث كان الياور بالانتظار، وهناك قدم الضابط الألماني ~~الرسالة التي جاء بها، وأتبعها بهذه الكلمات، وسعادة الجنرال قادم بذاته عند الساعة الرابعة ~~بعد ظهر اليوم ليقوم بواجب التهاني لسعادتكم. # ففض رضا باشا الرسالة، وأعارها نظرة، ثم أدخلها جيبه دون أن يهتم بما حوته، وقال وهو لم ~~يزل واقفا: أبلغ سعادة الجنرال أننا نرحب بقدومه، ونتأهل به. # وعاد إلى ابنته، وعلى طرف فيه ابتسامة صفراوية، وقال لها: تأملي يا جهان، إن ذاك الألماني ~~متبع قواعدنا؛ فهو يرشونا ليكسب ثقتنا. # أما الرسالة فقد كانت مكتوبة بالتركية بيد لم تمارس الكتابة بتلك اللغة، فكأنها يد متتلمذ ~~رفعته الضرورة إلى مقام كتامة الأسرار في الأستانة، ولا يبعد أن يكون أحد أولئك المتتلمذين ~~الذين كانوا يتلقون اللغات الشرقية، وقد جاءتهم الحرب الحاضرة خير مريح لهم من عناء ~~الدرس. # لم تقرأ جهان الرسالة كما قرأها أبوها بروح الازدراء، بل بشعور وامتنان حقيقيين، على أنها ~~لو جاءت في غير هذا الوقت متضمنة غير ما احتوته لكانت جهان لا شك تنقد عبارتها البتراء، ~~واقتضاب ترجمتها، وركاكة تركيبها، وخلوها من آيات التبجيل والإكرام مما يمجه الذوق التركي، ~~إلا أن «جلالة الإمبراطور قد أنعم بالصليب الحديدي على نجلك مجيد بك لبسالته في ساحة ~~الوغى.» # كلمات رنحت جهان افتخارا بأخيها المحبوب، وقد أملت أن تكون الرسالة التالية من الجنرال ~~فون والنستين حاملة إليها إنعاما عليها من الإمبراطور. # ثم أشار إليها أبوها بإيناس وبشاشة قائلا: لك أن تستقبلي الجنرال بعد الظهر، وهذا سرورك ~~برسالته، فإنك لا تضطرين أن تتظاهري بغير الطلاقة والترحاب، أما أنا فلن أكون حاضرا، فإني ~~ذاهب إلى يلديز. # لما كان ياور الجنرال فون والنستين مجتازا ms18 البوابة والعربة تهيأ لركوبه، إذا ببائع جرائد ~~قد دخل بصحيفة يومية رفعها الخادم إلى رضا باشا، فقرأ فقرة من مقالة التحرير في الصفحة ~~الأولى، وفتح الجريدة ليطالع الأنباء الرسمية والمحلية في الصفحة الثانية، وإذ وقع بصره على ~~جدول كبير من أسماء القتلى في الأسبوع الماضي، فنظر فيه قليلا وللحال قدم الصفحة إلى ~~عينيه مرتعشا ليدقق النظر فيها، فشهق شهقة طويلة مرتميا على الديوان مرددا: مستحيل، ~~مستحيل! # أما اسم مجيد بك ابن رضا باشا فلم يكن بين أسماء الأسرى ولا الجرحى، بل بين ~~القتلى. # وفي عمود آخر من الجريدة فقرة خاصة عن بسالة العقيد، وإقدامه في ساحة الحرب استرسل بها ~~قلم الجريدة إلى تعزية والده الشيخ الجليل، ولهذا لم يعد من باب للشك لدى رضا باشا، فتنهد ~~قائلا: «لتكن إرادة الله تعالى، إلا أن نعمته لتأتينا إما متيسرة وإما بطيئة يوم لا ~~نستحقها، ويوم نكون في غنى عنها.» # قال هذا وقد ترقرقت في عينيه الدموع، أما جهان فكانت ترسل من أعماق قلبها تنهدات ارتعش ~~لها بدنها وهي جالسة على الكرسي، ساد على الأب والابنة سكون الحزن، وفي خلاله جاء الخادم ~~معلنا قدوم شكري بك، فدعي إلى «الدارخانة»، أو للبهو الخاص، ولما مثل أمام الباشا قبل ~~يده، وضغط على يد جهان بكلتا يديه مظهرا حزنه بعبارات متقطعة أثارها غضب مازجته ~~الأحزان. ~~- جئت الآن من وزارة الحربية حيث تناقل الموظفون من الوزير إلى أقل كاتب في الوزارة الخبر ~~المشئوم، وكل ينهال باللعنات على الألمان مستنزلا عليهم غضب الله ... يا لها من فظاعة! رماه ~~الأمير بالرصاص خطأ؛ ما شاء الله! الألمان لا يرمون أحدا بالرصاص خطأ، كذب كذب وافتراء، فقد ~~استقيت الحقيقة من كاتم أسرار وزارة الحربية وهي هذه. # أمرت القيادة الجنود أن يهجموا على خط من خنادق الأعداء، ويستولوا عليه عنوة مهما كلف ~~الأمر؛ فلما تراجع قسم منهم شاهدوا مسدسات ضباطهم مصوبة عليهم، فاحتج الأمير آلاي مجيد بك ~~- وأنت تعلمين أخلاقه وإباءة نفسه - وقد رفض أن يطيع أمر ضابطه الأعلى قائلا: أنا لا ms19 أطيق ~~أن أرى ألمانيا مصوبا مسدسا على جندي عثماني، فكان جواب الضابط الألماني وجيزا قاطعا؛ ~~فقد صرع الأمير آلاي مجيد برصاصتين أصابتا قلبه، أما فرقته فقد وقفت بجانبه، متمردة على هذه ~~الوحشية، ولكن - وا أسفاه - إن الذين بقوا في قيد الحياة منها بعد تلك الوقفة الباسلة قد هلكوا ~~بمتفجرات مدافعنا. ~~- أولم يبلغ الجنرال فون والنستين هذا الخبر؟ ~~- لا مراء في أن يكون قد بلغه الخبر حال وصوله وزارة الحربية. ~~- لا لا لا أظن بلغه الخبر، وإلا لما كتب هذا الكتاب، ولاستغنى عن إرسال وسام الصليب ~~الحديدي، بل لكان حفظه لآخر. ~~- الألماني يرمي بالرصاص بطلا عثمانيا! يا للفظاعة يا للعار! كفى ما احتملنا ~~منهم! # دخل الخادم معلنا قدوم الجنرال فون والنستين، فنهضت جهان منتصبة، أما شكري فظل جامدا في ~~مكانه. ~~- أنا أقابله. ~~- اذهبي يا ابنتي إلى غرفتك. ~~- لا بل يجب أن أراه. ~~- لن تريه اليوم يا ابنتي، اصبري ريثما يهدأ غضبك، واذهبي الآن إلى غرفتك. # فسقطت جهان في كرسيها وهي تستر وجهها بيديها، وسلم رضا باشا الجريدة إلى شكري بك قائلا: ~~أره هذه الفقرة، وقل له إنني لا أستطيع أن أقابله اليوم. # كان الجنرال فون والنستين مصحوبا بمستشاره وياوره مرتديا لباسه الحربي، وعلى رأسه خوذة ~~بيضاء، وفي رجله جزمة سوداء يشع مهمازها، وقد كاد يفرغ صبره وهو ينتظر في غرفة السلاملك ~~كاظما غيظه؛ لأن الباشا - وقد علم بهذه الزيارة الشبيهة بالرسمية - لم يسرع لمقابلته عند ~~الباب، وشد ما كان اندهاشه عندما جاء شكري بك لتأدية السلام، بل ليقدم إليه رسالة ~~للباشا. # اطلع الجنرال على الخبر في الصحيفة، وأعادها متجاهلا الأمر، فقال: يا للأسف؛ ثم قطب ~~حاجبيه، ونظر إلى شكري بك نظرة استنكاف قائلا: وما السبب في بقائك هنا حتى الآن؟ ~~- سأبرح غدا إن شاء الله. ~~- ولكن الأوامر صدرت إليك أن تبرح اليوم، وكان يجب أن تكون في طريقك. ~~- لم أستطع أن أكمل استعداداتي للرحيل. ~~- على الجندي أن يكون دائما مستعدا للانصياع إلى الأوامر أي ساعة من النهار أو الليل، ~~عملك هذا ms20 مخالف للنظام. # ومر إذ ذاك بالضابط التركي، وعلى وجهه أمائر التذمر، وقد خرج من البيت تغلي في صدره مراجل ~~السخط والغضب أقلها من سوء معاملة رضا باشا له، وأكثرها من عصيان شكري بك أوامره. # وإن مات ابنه أليس في إنعام الإمبراطور ما يعزيه، إنعام هو شرف لبيته، ومجد سلالته، يعززه ~~ويفتخر به على مرور الأحقاب؟ وقد أعمل الفكرة الجنرال بهذا الشعور، واستمر يحدث نفسه: «حتى ~~بمثل هذه الساعة كان أولى به أن يقتبل التهاني.» # سارت العربة وهو فيها يستعر حنقا وغضبا، أتحقير وامتهان من تركي إلى قائد ألماني؟ إنها ~~لفظاعة، أويستخف تركي بإنعام الإمبراطور؟ إنه لجرم لا يغتفر، إلا أن الجنرال فون والنستين ~~قد جاء لزيارة الباشا بشرف أعظم لو أدرك ذلك ووعى، فإنه جاء ليزف اسمه إلى اسم ابنته جهان؛ ~~ولهذا إكراما لخاطرها سيحاول أن يطفئ نار غضبه، وإكراما لها سيهضم هذه الإهانة، وسيحتملها ~~إلى حين. # وهكذا كان، فإنه لما عاد إلى بيته كتب إلى جهان رسالة تعزية، وقد أنبأها أنه قادم ~~لمشاهدتها في الغد. # | الفصل الخامس # إن موت مجيد بك في ساحة القتال على تلك الصورة الفظيعة لمما زعزع في جهان إعجابها ~~بالألمان، ولكنها تنسمت في الجنرال فون والنستين سرا، لم تستطع أن تدرك كنهه، فإذا كان هو ~~مصدرا ذلك الأمر المسبب تلك الفاجعة، فما معنى رسائله الودية إليها، وإلى أبيها، وما معنى ~~تردده إلى منزلهم بهذه الجسارة والجرأة كأنه لم يأت أمرا فريا، ومما تيقنته أن الجنرال ~~لم يكاشف وزير الحربية بشأن شكري بك كما وعدها بذلك الصباح، وليست هذه بالمرة الأولى التي ~~أخلف بوعد وعدها إياه. # ولما كان المساء جلست وأباها يتناولان العشاء، فقرأت أمامه الكتاب الذي تلقته من الجنرال ~~فون والنستين، ثم سألته قائلة: بدرم، أعطني رأيك في هذا. ~~- يجب أن لا تستقبليه إذا جاءنا زائرا. # فلم تنبس جهان ببنت شفة، ولكن شكري بك الجالس قبالتها أقدم على الاعتراض فقال: ولكن ~~الجنرال لا سواه يستطيع أن يؤجل الأمر العسكري أو يلغيه. # وشكري بك شاب جميل ms21 المحيا، رضي الطلعة، رقيق الجانب، مهذب تهذيبا عصريا، ولكنه في فمه ~~وناظريه سيماء طبع يجمع بين القسوة والتزلف، وهو إذا كلم أحدا قلما ينظر إليه وجها ~~لوجه. # التفت إليه رضا باشا، وخاطبه قائلا: أنت تعلم يا بني أننا معشر الترك مشهورون لدى ~~الأوروبيين بالاحتيال والتزلف والجور، وقد جر علينا هذه المعايب أولئك الذين يديرون دفة ~~أمورنا، فهم المسئولون عن هذا العار اللاحق بالأمة جمعاء، أويستطيع الفرد أن يدرأ عارا لحق ~~بالمجموع؟ أما أنا فلم تكن المراوغة أبدا من شأني، ولم أكن خاضعا خضوعا أعمى حتى لسيدي ~~ومولاي السلطان، فهل تريد أن أقف اليوم في باب ألماني أسأله صدقة، وأنا في آخر عمري، لا ~~وتربة أجدادي، لا أفعل ذلك، إذا كان هذا الرجل مثل أولياء الأمر فينا مراوغة واحتيالا، ~~فإني أدعه وشأنه، ولا أتدخل بأمر من أموره، أما أنت فلا تذهب إلى ساحة الوغى، اللهم إذا ~~كانت كلمة رضا باشا مسموعة في يلديز، أنا ذاهب غدا لأقابل جلالة السلطان، وبعد أن يلغي ~~الأمر نسافر كلنا إلى قونية، ولقد أمرت الخدم أن يتأهبوا للرحيل، نعم سأرحل من جهنم ~~الأستانة، وسنقيم في قونية بعيدين عن الألمان ومطاياهم، قوادنا الملاعين، هناك أريد أن أقضي ~~بقية أيام حياتي بسلام، حتى إذا حل القضاء بي تغمض أنت وجهان عيني، وتكونان حولي في مأتمي، ~~وأتأمل أن لا أرى من أيكما مقاومة لرغبتي هذه. # إلا أن جهان قالت لشكري بك، وقد اختلت به في الدارخانة: ولكني لا أقدر أن أذهب إلى قونية؛ ~~لأن أمامي أعمالا عديدة في الأستانة، نحن الآن في أشد وأعظم أزمة في تاريخنا؛ ولذا أرغب ~~بالبقاء في وسط العاصفة حتى النهاية، لن أفارق أخواتي الطامحات إلى الحرية، لا والله ولا ~~أترك إخواني الجرحى في المستشفى، إن للأمة وللحكومة علي حقوقا، وعليك أيضا يا شكري، ~~فإننا لم نزل أحدث سنا من أن نعتزل في آسيا الصغرى، وندفن أنفسنا في مجاهل ~~الأناضول. ~~- ولكني موقن أن الأمر لن يلغى، وأرى أني مسير غدا لا محالة، وقد لا أعود ms22 أراك؛ فإنك ~~لتعلمين أن ليس لجلالة السلطان إلا القليل من السلطة في هذه الأيام، وهذا الألماني هو سالبه ~~تلك القوة، وليس بين وزرائنا حتى مشايخنا أو شيخ الإسلام من يقاوم كلمته، ألم تتأملي بهذا؟ ~~أولا تظنين بأن الحكمة تقضي بأن نلاينه ونداريه؟ قد يمكن أن أكون تسرعت بتصرفي معه، ولكن ~~لا أحتمل أن أرى أيا كان من الناس يضمر في نفسه السوء لنساء عنصري، ناهيك بأن الرجل ~~ألماني، بل مسيحي. # أنصتت جهان لحظة استرسلت فيها إلى التأمل، ثم قالت وفي صوتها حدة مشفوعة بقطع الأمل: لا ~~أستطيع أن أطرق باب هذا الرجل بعد الآن، فليس لي حق يخولني سؤاله حاجة ما، ويلوح لي أنه ~~أساء تفسير سكوتي في الماضي، ولكنه لن يستطيع أن يسيء تفسيره اليوم. وقالت متبعة كلامها ~~كأنها تخاطب نفسها: وإن لم أقابله غدا فينفر مني مغتاظا، ونصبح كلنا تحت رحمته؛ أنت، ~~ووالدي، وأنا تحت رحمة الألمان ... كذا كنت أقول لك دائما. # ولكني لست بهذا المقدار قليلة الإدراك والتمييز حتى أحسب أن مصلحتي الذاتية، ومصالح ~~أمتي سيان. ~~- ستقابلينه إذن لأجلي، لأجلنا كلنا. ~~- يلوح لي أنك شديد الحيرة، وأنك تخاف الذهاب إلى ساحة الحرب؟ ~~- أنا؟ ما شاء الله! كنت أخال جهان تحسن الظن بي، ألم تقولي أنت نفسك: إن شغلي في دائرة ~~الحربية؟ أولم تبوحي لي مرة أنك لا تحتملين فراقي؟ ~~- بلى قلت ذلك مرة. ~~- أوتغيرت الآن؟ ~~- يا عزيزي شكري، كل شيء يتغير في هذه الأيام، ولا يستطيع أي كان في زمن الحرب هذه أن ~~يثبت على رأي من يوم إلى آخر، بل كلنا ضحايا تلك القوة الضاغطة الشريرة، تلك القوة العلوية ~~أو السفلية التي تجسم فيها الشر والخير، والتي أدعوها «إلهة التلون». ~~- أهذا ما يعلمك إياه فيلسوفك الألماني؟ # فنظرت إليه جهان نظرة الأنوف الغضوب قائلة: إياك والتهكم على آرائي. ~~- أما أنا فلم أتغير، أنا لا أزال أحبك، أنا مغرم بك، وأقسم بالله أن لا امرأة سواك ~~تقاسمني قلبي، وتشاركك في الحريم. ~~- ذكرتني بالأمير سيف الدين. ~~- ولكني لن أحنث ms23 بوعدي أقسم بالله وبنبيه. ~~- التقلب إله الزمان! ~~- بربك يا جهان لا تعذبيني. ~~- أنت تعذب نفسك. ~~- إذن عديني، إذا ذهبت إلى ساحة الوغى ... # فقاطعته قائلة: لا أستطيع أن أعدك شيئا. ~~- أتقترني بي قبل مغادرتي غدا؟ ~~- لا وقت عندي للاقتران هذه الأيام. ~~- والله إن هذا الألماني ... ~~- هو لسوء الحظ أرفع منك مكانة، وعليك أن تصدع لأوامره. # كان شكري بك يتمشى في الغرفة مطرقا وجهان محتبية على الديوان. # وبعد فترة دنا منها جالسا حيالها، وقال: حكمي عقلك، لا أخالك تكسرين قلب والدك، ولا ~~أخالك تعذبين عبد هواك، أنا ذاهب إلى ساحة الحرب إذا كان هذا يرضيك، والحق أني كنت قد عزمت ~~على المسير قبل أن استلمت مذكرتك، فلماذا الآن تطلبين إلي أن أؤجل رحيلي، حكمي عقلك، أمكث ~~معك في الأستانة إذا كنت لا تشائين الذهاب إلى قونية، قابلي الجنرال فون والنستين غدا من ~~أجلي، فإني أرغب بتأخير يومين فقط، وأرضى إذا كان سعادته يعد ... ~~- نعم ولئن كان سعادته ألمانيا فقد تلقن علم السياسة في مدرستنا؛ ولذا أنا نفسي لا أومن ~~بما يعد به بعد الآن. ~~- إذن علينا أن نعامله بمثل ما يعاملنا، فنسود على مراوغته. # قال هذا مطمئنا وقد وضع يديه في جيبيه، ووقف في وسط القاعة كمن أفحم غريمه. ~~- أرى يا عزيزي شكري أن تصدع بالأمر الصادر إليك، والآن أرجو لك مساء سعيدا. # قالت هذا وخطت نحو الباب فناداها شكري: قفي قفي، لا ~~تسيئي فهمي، فأنت تعلمين شدة حبي لك، وما أود أن أضحيه لأجلك إلا أن المرء إذا وقع بين ~~الواجب والحب ... ~~- على المرء أن يكون في الأزمات الأهلية في طليعة الوطنيين. ~~- ما كنت أسمع منك مثل هذا الكلام قبلا، ماذا جرى؟ وبماذا أسأت إليك؟ أوتظنين أني خال من ~~الوطنية حتى تعيريني وتوبخيني؟ لا أستطيع احتمال هذا، كلا والله، أنت متقلبة قاسية القلب، ~~ولا تراعين شعوري. # فأشارت إليه جهان بيدها أن يسكت، ثم قالت: أرى يا عزيزي شكري أنك أكثر أهلية في ساحة ~~الحرب منك في إدارة الحربية، فلست بذي دهاء ms24 لتكون سياسيا فضلا عن أن وجودك في ساحة الحرب ~~في هذه الأحوال أسلم لك عاقبة، فاذهب وتأهب، وإذا عدت بطلا أقترن بك. ~~- أعلم أنك تستبدين بي؛ لأني أذعن لك محترما كل أمر من أوامرك حتى أدنى رغبة من ~~رغباتك. ~~- أخطأت القصد مرة أخرى، وقد لا تهتدي لأغراضي، ولو وضحت على أنني لا أدري كيف أوضح لك ~~حقيقة أمري، ناهيك الآن بقصر الوقت لدي، فنحن في الساعة العاشرة، وعلي تكملة موضوع لجريدة ~~طنين، وكل ما أستطيع أن أقوله هو أني أشعر بوجوب ذهابك إلى ساحة القتال لتذود عن بلادك، ~~أرجو لك ليلة سعيدة، ودعني أقبلك مودعة! # الكلمة الأخيرة منها استثارت في شكري بك حرمة الرجال إذا امتهنتها امرأة، تلك الحرمة التي ~~تظهر في أحقر الشرقيين، وأضعفهم كما تظهر في أشدهم وأعظمهم، فوقف بعيدا عنها سامد الرأس ~~جاحظ العينين. # فهزت جهان كتفيها، وعلى شفتيها ابتسامة فيها رضاء يمازجه ازدراء، وذهبت إلى غرفتها، أما ~~شكري بك فعاد إلى منزله مضطرب النفس، مشتت البال، يصب لعناته على الروح الأوروبية، ~~ويقول ... # | الفصل السادس # دعت جهان الخصي سليما إلى غرفتها وقالت: لم يعد ينفع هذا المسحوق، ولا تأثير له علي، ~~أفليس عند صاحبك الصيدلي شيء أشد منه فعلا؟ أحب أن أنام هذه الليلة يا سليم. ~~- بلى مولاتي، عنده سائل يقتاد النوم اقتياد العبد الذليل، فيأتيك به على أجنحة الليل، ~~ولو كان وراء سبعة أبحار ولكن ... ~~- ولكن ماذا؟ ألا تستطيع أن تجيئني به هذه الليلة؟ ~~- بلى خانم، إن شاء الله، وإنما قصدت أن أحذرك يا سيدتي أن لا تأخذي منه جرعات عديدة، فإن ~~له تأثيرا سيئا على القلب. ~~- ليس هذا من شأنك يا سليم؛ اذهب وأتني به في الحال. ~~- السمع والطاعة يا مولاتي. # وما هي إلا بضع دقائق حتى كان العبد الغليظ الشفتين الطويل القامة يزرع خطاه في الشوارع ~~اللولبية وهو بضخامة جسمه وانتصابه يشبه المارد الأسود الذي كثيرا ما يأتي ذكره في أقاصيص ~~الجن سائرا إلى كهف سيده الساحر. # أما جهان، فقد ارتاحت إلى أمل بالنوم ms25 تلك الليلة ارتياحها إلى الهبة العلوية، ولكن عقلها ~~كان كالبحر الهائج وهي ترقب عودة سليم بصبر كاد يفرغ وقفت عند ذكر شكري بك فأملت على الأقل ~~أنه لن يسير إلى ساحة الوغى، ثم أخذت تفكر ماذا عساه يضحي لأجلها، أو ماذا يستطيعه من ~~التضحية، ولكن هل يضحي التركي شيئا في سبيل امرأة؟ أويقبل التركي المهذب الذي يفاخر بكونه ~~عصريا وأوروبي الروح أن يقترن بسيدة تركية حرة؟ أويكون شكري بك أمينا بعهده أن لا يتزوج ~~إلا امرأة واحدة؟ أوعنده شيء يذكر من الجرأة الأدبية، والإرادة، والبسالة، وروح التضحية؟ ~~ولم كان شديد الرغبة في الحصول على تأخير الأمر العسكري؟ أوظن يا ترى أنه يستظهر عليها ~~بالكلام، أو أنه يجبرها على الاقتران به خلال يومين، أو أنه عاهد أباها أن يحملها على ~~الذهاب معهما إلى قونية؟ إلا أنه كان يليق به أن يسلك في حضرتها على الأقل سلوك الجندي ~~الصادق الوطنية، وكان يجب ألا يكون رقيق الشعور إلى حد التخنث؛ لأن جهان تحتقر الشاب التركي ~~الذي يذوب ولها، ويستسلم للتافه من عواطفه. # ولقد أعجبت بشكري بك لما عرضت عليه قبلتها، فأباها مغتاظا إلا أنها كانت فترة قصيرة ظهر ~~فيها مظهر الرجل الذي تطمع في السيادة عليه، وبالرغم من هذا شعرت في تلك اللحظة أن دافعا ~~يدفعها إلى ذل العشق، فودت أن تنطرح على قدميه فتقبل يده وركبته كأنها محظية، وتستسلم وهي ~~على صدره إلى ما فيه سرور سيدها وحبوره. # إلا أن هذه الروح الموروثة التي استحوذت على قلبها، وجعلتها كئيبة النفس أليفة الهم ~~والغم، التي طالما صارعت روحها الطامحة إلى التحرر، فحاولت عبثا أن تعيدها إلى ذل الحريم ~~وعبوديته، بل إلى ما رسمته أمام نظرها البعيد من الرسوم الذهبية لما في الحريم من الترف ~~والفخامة، والرخاء والكيف، والاستسلام والراحة، والسكون والهدوء اللذين تتخللهما نغمات ~~العود السحرية، أو قرقرة النارجيلة الفضية التي يفوح منها شذا الورد، وما فيه أيضا من قال ~~وقيل وحق ويقين، مما يثلج له صدر المرأة إذ تهمس وراء الستار، أو ms26 تسقط «كما تسقط الثمرة ~~الناضجة» من شفاه الخصيان التي لم تتعود الأذى، وما يتبعها من فترات يضحكن فيها تسلية من ~~تمويهات الرجال، وحقيقة حالهم في مواقف يلذ للنساء نقدها وتزييفها، ناهيك بما يجمعهن من ~~الأخوية في حظ هن فيه على السواء، يدلهن على فضيلة الإذعان لأمر الرجل، ويلطف مر التقاليد ~~بالتهكم والضحك، تلك هي روح الوراثة التي كانت تمثل الحريم هذا التمثيل الباهر، والتي كانت ~~جهان تنتصر عليه ليلا بمنومات عبدها سليم، ونهارا عند اشتداد أمره بما عندها من حماسة في ~~سبيل الحرية، وثبات في ممارسة ما تظنه حقا، وإرادة في إتمام مقاصدها السامية. # ولكن أي ابن امرأة تركية، أي شاب تركي يسير وإياها الطريق كلها فيحبها ويجلها ويحسن ~~فهمها؟ بل يشعر معها بأسمى رغائبها، ولا يزدري أحلامها المقدسة؟ وبعبارة أقصر وأوضح: أي ~~تركي يستطيع أن يكون لها صديقا ورفيقا وقرينا معا؟ # ولهذا لم تكن تثق بشكري بك، بل كان يأخذها في أمره كثير من الريب، كيف لا وهي ترغب أن ~~يملأ عقلها وقلبها معا؟ إلا أنها بالرغم من ريبها في ذلك فقد كانت الليلة البارحة شديدة ~~الرغبة في إيصال رسالتها إليه توقفه بها عن الذهاب إلى ساحة الحرب، إلا أن كل ما جرى فهو من ~~أجل والدي لا غير، قالت هذا لتسري عنها قليلا، وهي تعتقد بما نطقت شفتاها، وتستعيذ بالله ~~من شعورها. # وإن حالة عقلية كالحالة التي كانت فيها جهان لهي أدعى إلى الخيبة، ولهذا وقفت فجأة بينا ~~يتجاذبها تيار الأفكار لترى إذا كانت تفهم حق الفهم ما تتطلبه لنفسها، ولكنها بدلا من أن ~~تخوض عباب ما هاج فيها من النفسيات وجدت حالها في سطحيات الأمور، والفكر منها متجه إلى ~~ناحية أخرى، وهناك في البعيد مما تراءى لها تجسم أمامها شبح ذلك الطاغية؛ ذلك الألماني ~~الشديد البأس، ذلك الداهية الذي قد يعتنق الإسلام من أجلها، فهو على الأقل سليل الشهامة ~~والبسالة، يقبل يدها ويجلسها إلى يمينه على الديوان أو في العربة، وهي تقاليد لم يتلقنها ~~العثماني، ولن يقبلها ms27 . # يا للعجب العجاب! كيف تؤثر علي هذه الأشياء التافهة، إن هذه الشهامة إلا تقليدا ميتا ~~كأكثر تقاليدنا، إن هي إلا مظهرا يظهر فوق رداء الجندي، بهرجة فارغة، فخفخة فانية. # أما أطوار المرأة، فلئن تكن وقتية متقطعة فهي ملازمة الترداد، وحقيقية كالصدر الذي يعي ~~أسرارها، حقيقية كالشفاه التي تفصح عنها، أصلية كالزهيرات على حافة الطريق تبرعم في السحر، ~~وتذبل فترجع إلى الأرض ريها، وتعيد إلى الشمس خواصها الذي لا يباع ولا يشترى، وهي تظمأ وتجوع ~~كالصنوبر الشامخ كبرا، كالكرمة المتعرشة المخيمة مجدا، أطوار المرأة وإن كانت تافهة فهي ~~جوهرية تماما، فإنها تستقي من ينبوع الحياة أسمى الهامات النفسية التي تولدها الوساوس ~~الغريبة والطباع العجيبة، ولهذا إن شفتي رجل تلثمان يد هذه المرأة التي خلقت لتقبل يد الرجل ~~استرعتا منها كبير الأهمية، بلى فقد أهاجتا منها ساكنا لا تحركه أخلص قبلات الحبيب وأحرها، ~~وهو أمر جاءها مثالا لمبدأ نيتشى الذي يقول بعكس القياسات المألوفة، أو بنفي الوضعيات من ~~الفضائل والمكارم، وطالما اشتهت من مظاهر السيادة ذلك الإجلال الذي حرم على أمهات ~~شعبها. # عادت جهان تفكر بما كان يجول في رأسها وهي متمسكة بقلبها، متحفظة، فقالت: وناهيك بالجنرال ~~فون والنستين من رجل لا يصدق ظاهره عمره، فهو كبير الخلق، ولم يزل شديد البنية، مهاب ~~الطلعة، جذاب المحيا، وهو رجل بعيد الصيت، ويل الهائمة المسكينة من وجنتيه الحمراوين ~~الضاربتين إلى السمرة، وعينيه الشهلاوين البرقيتين، وأرديته الحربية الفاخرة فهي كلها تهزأ ~~بسنيه، وبما أثقله به الزمان. # ولكنها عادت إلى أحلامها طامحة مستبسلة، فسألت قائلة: ويكون ذلك انتقاما يا ترى أم ~~تضحية؟ أيجب عليها أن تبيع شرفها في سبيل الحرية التي تطمح إليها؟ ألا وهي الحرية في انتخاب ~~أب لولدها، ولو أدى الأمر إلى هدم معاهد شعبها، وتقاليده المقدسة، فإن أمها بل أمهات عنصرها ~~اللواتي تراءين لها بالقيود قد طلبن إليها أن تقتص لهن بهذه الطريقة، فقد رسخ في عقلها ~~أنها هي المنشودة لهذا العمل الخطير الجليل، وأنها كسيف نقمة يشهر له على طغيان الرجال، ~~كذلك ms28 فسرت الرسالة السرية، وهذا ما فهمته من تلك الرؤيا. # وقفت متيقنة مترددة، إذ ماذا يحدث يا ترى إذا انكسر سيف الانتقام في ضربة واحدة؟ تستل إذ ~~ذاك سيف التضحية، ولم تكد تشحذ قصدها حتى انتقلت بخيالها من عالم الأحلام إلى عالم الحقيقة، ~~وجهان ابنة معقول كما أنها ابنة خيال تنتقل من حال إلى حال بسهولة غريبة، فإذا قبح عقلها ~~الوقاد الضعيف معا أوهامها عادت إليه، وإذا نفرت من مكروهات الحياة لجأت إلى أحلامها عادت ~~الآن إلى معقولها؛ فرفعت صوتها قائلة: كلا، لا تضحية ولا انتقاما، بل سعيا في سبيل ~~سعادتي، وطاعة لأوامر حلمي بالحرية، حرية الانتخاب إذا أحببت أن أكون أما، حريتي في والد ~~ولدي ولا فرق إذ جاءتني بفتى أو بفتاة، فالفتاة تستطيع أن تتحداني في تحرير المرأة التركية ~~وتكمل عملي، والفتى - بعون الله - ينشأ بطلا؛ فيكون جنديا وطنيا نافعا، منقذا أمتنا، ~~ومرمما دولتنا المتداعية؛ وقد يستحيل تحقيق آمالي برجل من شعبي، ثم صاحت قائلة: «يا لله من ~~الوحش الأشقر!» # 1 # قالت هذا وانقطعت عن الكلام ترتعش رعبا كالمرء في الغاب، وقد صادف حيوانا ~~ضاريا في منعرج طريقه، فودت لذلك أن يعود سليم في الحال إليها. # تمددت على الديوان وهي تحاول حبس أفكارها؛ خوفا من أن تجرها إلى المخاوف والمكربات، ودت ~~أن لا ترى شيئا، وأن لا تشعر، وأن لا تفكر بشيء، ولكنها ضعفت عند وساوسها عزما، فجرها ~~الفكر هذه المرة إلى أبيها، فهي تحب أباها حبا لا يفسده مبدأ نيتشى القائل بعكس القياسات ~~المألوفة، وبنفي الفضائل الوضعية؛ لذلك تكره أن تزيد ببلواه، وتحب أن تذعن لبعض أوامره، ~~فعليها إذن أن تضرب صفحا عن عصيانه، وأن تسكت على الأقل إذا نطقت الأنانية بلسانه، وأن ~~تقيم على عهود البر وهو في شيخوخته، فتكون له كما كانت في الماضي رفيقة قلبه الوحيدة، ~~ومرهما لجروحات نفسه. ولكن من المستحيل أن تذهب وإياه إلى قونية، وتقصي نفسها في وقت كهذا ~~إلى مجاهل الأناضول، من المستحيل! فإنها لا تستطيع أن تضحي في سبيل حبها ms29 البنوي تضحية عظيمة ~~كهذه، ولكن ... ولكن هب أن شكري بك يسير إلى ساحة القتال، وأن الجنرال فون والنستين يأبى ~~إلا الاقتران بها، أو أن أمرا آخر ... ربي ما لي وهذه الأفكار الآن، فإذا كان لا بد من حدوث ~~المكاره من عسف هذا الألماني فهناك طريق أخرى، طريقها الخاصة طريق حريتها التي يجب أن يسير ~~فيها راضيا أو مكرها. # وقد كانت هذه الهواجس تتزاحم في صدرها، وتلتهب ساعة دق على الباب سليم، ودخل مقدما إليها ~~علبة صغيرة فتحها أمامها في الحال. ~~- هذا القدر فقط يا سيدتي (قال هذا مشيرا إلى بياض ظفره) ذوبيه بقليل من الماء، أو إذا ~~كنت تؤثرين فنجانا من القهوة. ~~- كلا يا سليم، قليل من الماء يكفي، يمكن أن تنصرف. # ولكنها ظلت إلى حين أسيرة هواجسها وهي في سريرها بين يقظى ونائمة، فإن ذلك الداهية الذي ~~ينحدر من عالم الظلام غامسا جناحيه الأسودين بشعاع القمر ليأتي متلصصا أبواب النيام، كان ~~يسمعها تناجي نفسها بعدما تسرب المنوم إلى عروقها، فتقول: ولد من بروسياني، من هذا ~~الالماني، إما تضحية وإما انتقاما. # | الفصل السابع # كان الجنرال فون والنستين شديد الإعجاب بأصدقائه الأتراك حتى إنه حبا باستمالتهم إليه ~~تماما أخذ عنهم شيئا من عاداتهم، فأصبح في بعض أطواره تركيا، وبالرغم من أن مقامه يوجب ~~عليهم الرصانة والتحفظ فكثيرا ما كان ينقاد إلى ظواهر الأمور سمحا متساهلا، وهي خطة قد ~~لا تجيزها القيادة الألمانية العامة، وقد تضر بالمصالح الألمانية في تركيا، ولكنها أكسبته ~~مكانة في الباب العالي ويلدبز، وإنك تراه آنا رصينا متحفظا قليل الكلام عندما يوافق ذلك ~~مقاصده، وآنا يلجأ إلى السياسة فيراوغ ويموه كأصدقائه الأتراك الذين عرفوا بهذه المزايا، ~~وتفردوا بها بين سائر الأمم، ولكن ما كان يشكل أمره عليهم من أخلاق الجنرال هو حذقه العجيب ~~في تدبير الأمور وفقا للساعة والحال، فكان في نظرهم من هذه الوجهة رجل التغاير والمدهشات؛ ~~فإنه وإن كان ذا عزم ثابت لا يتزعزع عن قصده، وعنيدا لا يشفق ولا يلين في تنفيذ أوامره، ~~فقد أدرك ms30 مذ أم العاصمة العثمانية أنه في الشرق حيث لا تنفع القسوة كثيرا، ولا الشدة ~~تفيد؛ كيف لا وصاحب الصولة والاقتدار نفسه يلجأ غالبا للمراوغة والمداراة. # أجل حتى السلطان في هذه الأيام يؤثر اللين على الشدة؛ والحكيم من استعان على أموره ~~بالتأني، ولذلك عول الجنرال فون والنستين أن يسلك هذا المسلك معللا نفسه بملك آسيوي أملا ~~أن يصبح حلم السيادة الذي كان يحلمه كل يوم، وطالما ردد في قلبه، من يروصه إلى بغداد، يا ~~لها من مملكة واسعة الأرجاء! فإذا أمست هذه البلاد تحت حماية الدولة الألمانية يصبح الجنرال ~~إذ ذاك أرفع مقاما، وأبعد صولة من ملوك ألمانيا المقيدين؛ لأنه في صفته نائب جلالة ~~الإمبراطور لدى السلطان، لا بد أن يولى على هذه المقاطعة؛ وإذا كان نابليون رغب يوما في ~~الإسلام فهو يتجاوزه إقداما، ويفوقه حكمة فيتزوج من امرأة مسلمة تركية. # وكان فكره مطمئنا من أمر جهان، فلم يكن يداخله شيء من الريب أنها ترفض شرف اسمه ومحتده، ~~ومجد صيته ومقامه، ولم ير لها في الرفض سببا واحدا من الأسباب، أو عذرا واحدا من ~~الأعذار، وقد فاتحها بالأمر مرات، فكانت تارة تظل ساكتة، وطورا تعرب له عن نصف الحقيقة ~~فقط، أو أنها تحوله عن الحديث في هذا الشأن فتستزيده من معالجة الشئون العامة، فاستنتج ~~الجنرال من هذه المداعبة أنها كسائر النساء لا تجسر أن تبوح بما يكنه قلبها؛ ناهيك بجهان من ~~امراة غريبة عنه جنسا ودينا، على أنه كان متيقنا أنها راضية ضمنا، ولا بد أن تقبل الشرف ~~الذي سيخلعه عليها، فلا يبقى حينئذ إلا أن يعلن الأمر إلى أبيها، ويدعو شيخ الإسلام ليعقد ~~عليهما وفقا للأصول الإسلامية، ولم يكن هذا التعطف بل هذا التساهل من الجنرال حبا بعروسه ~~التركية فقط، بل إكراما لشعبها أيضا، فإن في عمله هذا ضربا من السياسة والدهاء، يقرب في ~~مثل هذا الوقت الأتراك من الألمان، ويوثق بينهما عرى الوداد والولاء. # تجاذبت هذه التأملات عقله وقلبه إذ كان قادما لزيارة جهان، وعندما فطن لمصرع أخيها أسف ms31 ~~أسفا حقيقيا، وكان في نيته أن ينكر أمامها عمل الضابط الأعلى في ساحة القتال، إلا أن هذا ~~الأمر لم يكن ذا شأن في نظره، وما ظنه أنه سيحول دون رغبته، فخاطب نفسه قائلا: سأعلن لها ~~قصدي مفصحا عن شيء من خطتي في المستقبل، وسأرسل كاتم أسراري في اليوم التالي أطلب رضاء ~~أبيها، وفي هذا من الإكرام والتعطف ما قلما يستحقه تركي مهما عظم شأنه. # جاء هذه المرة مرتديا ثوبه المدني، لابسا طربوشا قرمزي اللون، وعندما ترجل من العربة ~~التي لم يكن فيها سواه استقبله الخادم عند الباب، وتقدمه إلى البهو الكبير حيث ظل الجنرال ~~واقفا يجيل نظره في الألواح المعلقة على الجدران، وقد نقشت عليها بالذهب آيات من ~~القرآن. # لم يتعود الجنرال الانتظار في مقابلة أحد في الأستانة؛ ولم يكن فيها من يجسر أن يوقفه في ~~البهو منتظرا دقيقة واحدة، ولكن سلطان الحب فوق كل سلطان، وما يغتفر لجهان لا يغتفر ~~لغيرها؛ لذلك لم يتبرم ويمتعض، بل بات يترقب قدومها مسرورا مستبشرا، فتأمل ما كان من شدة ~~دهشته وغيظه حين شاهد في الباب لا جهان ذات الجمال الذهبي الباهر، بل أباها الشيخ وقد ارتدى ~~ثوبه الرسمي، والسترة منه مزررة حتى طوقها، ولم يكن لينسى الجنرال سوء تصرف الباشا في اليوم ~~السابق، ولم يتوقع قطعا مثل هذه المقابلة الفجائية، على أنه حاضر الخاطر، ثابت الجأش، وهو ~~دائما على استعداد لشواذ الأمور، وشوارد الحوادث، فاستجمع في الحال ما تشتت من عقله لأول ~~وهلة متظاهرا بما ليس فيه، وتقدم بضع خطوات وعلى فمه ابتسامة الرياء، فصافح الباشا في وسط ~~البهو، وتقدم وإياه إلى الصدر، فأشار الباشا يمينا إلى مجلس على ديوان الشرف، وقد حنى رأسه ~~إجلالا لضيفه. # جلس الجنرال وافتتح الحديث بالإفرنسية؛ لأن رضا باشا يجهل الألمانية، فقال: أتأمل أن تكون ~~قد تناولت السيدة جهان خبر تلك الفاجعة الأليمة بصبر وثبات جأش، وآمل أن تكون معافاة هذا ~~الصباح؟ ~~- نعم، إنها معافاة، شكرا لك. ~~- وأنت يا سعادة الباشا ولئن كان القولغاسي مجيد بك آخر ms32 من لاقى حتفه من أنجالك في ميدان ~~الحرب حبا بالوطن - قال هذا وهو يلفظ كل كلمة مليا، ويقف عندها مبطئا ليحسن ارتجال ~~خطاب - ينبغي لك أن تعالج مصيبتك بالصبر وأنت الجندي الصادق الوطنية، الكبير النفس والخلق، ~~فضلا عن أن نجلك قد مات بطلا، وقد كوفئ على مآثره الحسنة بإنعام من جلالة الإمبراطور، وما ~~ضر أن جاء ذلك الإنعام بعد ما قضي الأمر. ~~- إن الجندي الصادق الوطنية لا يأسف لوفاة ابن له يا سعادة الجنرال، اللهم إذا صرع في ~~معركة صرع الأبطال متمما واجباته العسكرية، وإن لم تعتبر بطولته، ولم يكرم لأجلها، ولكنه ~~إذا مات في المعمعة شهيد واجب مقدس، بل واجب هو أقدس عنده من وطنه ودينه إذا مات مدافعا عن ~~إخوانه الشاكين السلاح، ثائرا على القائد الأعلى الذي أظهر من الوحشية والخيانة ... # وقف الباشا عند هذه الكلمة إذ رأى الخادم واقفا في الباب حاملا على يديه طبقا فضيا ~~عليه كأس من شراب الورد، فأشار إليه الباشا أن يدخل، فدخل وقدم الكأس إلى الجنرال، فتناولها ~~ورفعها إلى شفتيه المتقلصتين غيظا، فما لطفت حلاوتها كلمات هم أن ينطق بها وهي أشد مرارة ~~من كلمات الباشا. # شرب ورفع يده إلى طربوشه شاكرا مضيفه، ثم قال: كمل حديثك يا صاحب السعادة، ولكني أعترف ~~أنني لا أفهم ما تقول، أوتريدني أن أزيدك إفصاحا؟ عجبا أوتريد أن أعيد على مسمعك يا ~~سعادة الجنرال ما أنت عالم به حق العلم؟ # قال هذا الباشا وحاجباه يقتربان قليلا قليلا حتى أصبح خطا أسود متواصلا فوق عينيه، ~~أما الجنرال فكان يربت ركبته بأنامله وهو يستملك الحنق والحقد. ~~- آذن إذن أن أكلمك بحرية لا تعرف المواربة، فأسألك بشرفك ألم يتصل بك خبر الفاجعة في ~~ساحة القتال؟ ~~- أية ساحة؟ وأية فاجعة؟ # قال هذا الجنرال وهو يحاول كظم غيظه والتمويه في مقاصده: ما بالك تروغ مني، وتتجاهل ~~الأمر؟ ~~- ليس هذا الكلام في محله يا صاحب السعادة. ~~- أتريد يا سعادة الجنرال أن تخفي عني الحقيقة؟ لا مراء أن الإذاعة التي وردت على وزراة ms33 ~~الحربية وقد منع نشرها قانون المراقبة قد اتصلت بك، وجاءك تقرير عنها من ساحة الحرب أن ~~الضابط الألماني الذي رمى ولدي برصاصة هو وحش ضار، ونذل جبان، ولا يستحق رصاصة جندي، ~~المشنقة لأمثاله! ~~- سكن جأشك يا صاحب السعادة، ولا تسترسل إلى المبالغة والأوهام، ودعني أنبئك أن ما اتصل ~~بك من خبر الرواية لا صحة له، إنها لإذاعة كاذبة، فإن موت ابنك كان حادثا فجائيا يؤسف له ~~شديد الأسف. ~~- والأمر الذي صدر، ومؤداه أن يرمى بالرصاص كل جندي يتراجع، ذلك الأمر الذي احتج عليه ~~ولدي ومن أجله تمرد، الأمر الذي كان سببا لما تدعوه حادثا فجائيا، الأمر الذي لم يستطع ~~ولدي أن يعمل بموجبه ... # ومع ما جاش في صدر الجنرال فون والنستين من الغيظ والغضب ظل مدركا مقامه، مالكا صوابه، ~~فرأى أن الباشا قد نصب لنفسه فخا في آخر ما جاء من جيشانه فقال: إذن أنت كجندي تذنب ابنك ~~لتمرده، وتقاضه على عصيانه الأوامر العسكرية. ~~- أها أها، إنما هذه هي الحقيقة، إن ولدي قد رمي بالرصاص لعصيانه الأوامر العسكرية، ولم ~~يمت مجاهدا جهاد الأبطال، ولا شك أنك يا سعادة الجنرال كنت عالما بذلك حينما كتبت تنبئني ~~بإنعام جلالة الإمبراطور على ولدي، فلو كنت كريما لأخفيته عني بعد مصرعه، ولو كنت شفيقا ~~لرثيت لحالة شيخ تركي مخلد إلى السكينة والسلام، ولاستغنيت عن هذا الهزء والسخرية، وفوق ذلك ~~يا سعادة الجنرال فإن صليبك الحديدي مكافأة نيئة، وتعزية حقيرة لأب خسر ابنه. # وفي هذه اللحظة جاء الخادم بالقهوة ولفائف التبغ، ولكن الجنرال أبى قبولها، وانتصب هاما ~~بالانصراف، وعلى وجهه الأحمر الضارب إلى السمرة خطوط زرقاء حنقا وغيظا. ~~- أرجو أن تعذرني يا صاحب السعادة لرفضي البحث في هذا الموضوع. # وكانت لهجته لهجة محرق الأرم، وقد وقف وقفة المتوعد المهدد أمام العثماني الذي ظل جالسا ~~في مكانه، والاضطراب لم يزل مستحوذا عليه، وتابع كلامه قائلا: فإن هذه المسألة حربية ~~محضة، وهي من خصائص أولياء الأمور العسكرية. ~~- أتعني أنها ليست من خصائصي؟ ألا يهم الأب مقتل ابن ms34 له ؟ # قال هذا رضا باشا بصوت أجش، وقد هم بالنهوض. # في أية شريعة حربية أم أدبية أم سياسية كتب ذلك؟ إنه والله لأمر غريب، لم يسمع بمثله ~~قبل اليوم. # وحدث سكوت قصير تكلم فيه بالتهديد والوعيد، والجنرال يداه مشبوكتان وراء ظهره جامد لا ~~يتحرك، ثم اقترب منه الباشا وحاجباه يرقصان غيظا، والشرر يقدح من عينيه. ~~- وأغرب من هذا تصرفك أيها الجنرال؛ فقد أنعمت على ولدي بالصليب الحديدي بعد ما بلغك رميه ~~بالرصاص لعصيانه الأوامر العسكرية، ثم أتيت الآن تقابلني وتقول لي إنه ليس من شأني استجلاء ~~الأمر، بل جئت لتهنئني بمصرع ولدي! أهذا هو القصد من زيارتك؟ يا للأسف! # سمع الجنرال هذا الكلام والتفت بحدة مجتازا البهو، وقد كانت طرة طربوشه تتمايل من طرف ~~إلى آخر وهو يهز رأسه مرددا كلمة الباشا: يا للأسف! ولما وصل إلى الباب أحنى رأسه مودعا ~~سعادته الذي ظل وسط البهو واقفا واجما. # | الفصل الثامن # أفاقت جهان ذلك الصباح مكدرة مغتاظة، ناقمة على نفسها والكون، وكانت كل أفكارها من صبغة ~~واحدة سوداء، ومن صيغة واحدة مكسرة مشوشة، وقفت في الرواق تتنشق الهواء النقي فبدا لها ذلك ~~المنظر البديع خاليا من مظاهر الجمال التي أخذت بمجامع لبها في اليوم السابق، في حين أن ~~الشمس وقد انعكست أشعتها على قبب المآذن، وتلألأت على وجه القرن الذهبي وقواربه كانت أعظم ~~جمالا وأبهة من الماضي، ولكن حزن جهان على أخيها حال دون بصيرتها، والمنظر البهيج البديع، ~~وقد تراءى لها أخوها في الحلم واضعا سيفه بين يديها، وجهان امرأة تعتقد بصحة الأحلام، وعلى ~~الأخص الأحلام المنذرة بالشؤم وسوء العاقبة، وطالما تحققت صحتها، فزاد ذلك الآن في اضطراب ~~نفسها. # ومع ذلك فهي لا تجاذف بيومها أن يذهب ضحية الهواجس، ولا تحب أن تضيعه في المجادلات ~~العقيمة كما أضاعت أيامها الماضية، لا ولن تقضيه في الحزن والكآبة؛ ولهذا قد لامت نفسها إذ ~~سمحت لأمورها الخاصة أن تشغلها عن العمل الكبير العمومي الذي تقدسه، فإن سار شكري بك إلى ~~ميدان الحرب أم لم ms35 يسر ، وإن سر الجنرال فون والنستين منها ومن أبيها أو استاء، وإن كان مصرع ~~أخيها انتقاما أو تضحية، وكثيرا ما كانت تردد هذه الكلمات في حلم مزعج، فهذه كلها أمور ~~ثانوية لا ينبغي أن تصرفها عن مساعيها الخيرية والعمومية؛ ولهذا عليها إذن أن تسكن روعها، ~~وتستجمع قواها ومعقولها لتنظر فيما يتطلب منها اليوم من الأعمال. # أمرت بإحضار عربتها الخاصة، وأرسلت الجارية إلى الجنينة لتجيئها بسلة من الأزهار، وارتدت ~~للحال فستانها الأسود المصنوع على الزي الباريسي، وغطت رأسها بقبعة سوداء من المخمل محاطة ~~بالشرائط الرفيعة، وقد تدلى من أطرافها برقع شفاف يرسف على وجهها من جبينها إلى ذقنها، وهو ~~زي أوروبي، واصطلاح في الحداد، ثم خرجت من غرفتها عزومة متيقظة، خفيفة الحركة، ثابتة الخطى، ~~تلوح للرائي كأنها مالكة أمرها، فائزة في قصدها، منتصرة على هواجسها. # أما أبوها، فقد حبذ فكرتها في تخلفها عن المنزل ذلك الصباح، ولهذا لم يعترض على ذهابها ~~إلى المستشفى، لولا ذلك لطلب إليها أن تذهب إما للتنزه في العربة، أو لزيارة إحدى صديقاتها، ~~ولكن الحكمة في تصرفها راقت له، فإن عملها في المستشفى عذر كاف للتخلف عن مقابلة أي كان وإن ~~كان أسمى مقاما من الجنرال فون والنستين، على أن رضا باشا لم يتسلح بهذا العذر، فإنه عندما ~~جاء الجنرال فون والنستين لزيارتهم أمر خادمه أن يقول له: إن جهان غائبة عن المنزل، وإنها ~~في المستشفى، ثم عاد لداع من الدواعي فاستدعى الخادم، وذهب بنفسه إلى البهو، إلا أن ~~الجنرال كما لا يخفى على القارئ لم يتنازل أن يسأل عن جهان، وعن عدم قدومها للقائه، والباشا ~~لم يشأ من تلقاء نفسه أن يعرب له عن واقعة الحال. # قلنا قبل هذه العبارة المعترضة إن رضا باشا سر لعمل ابنته ذلك الصباح، فما كان نقابها ~~الأوروبي، ومركبتها المقفلة، ورضاؤها بمرافقة سليم لها كما أمر إلا إذعانا لإرادة والدها، ~~فإن جهان لم تكن مجردة تماما من تلك الخلة؛ خلة المداراة التي تميز أية امرأة تركية دونها ~~أدبا وتهذيبا وحكمة، فضلا ms36 عن أنها كانت ماهرة بارعة في التوفيق بين سخافات الأمور، ~~والمهم منها الجوهري، فهي مولودة في مهد السياسة، ولا نعني بذلك أنها كانت ترغب دائما في ~~التسليم والإذعان، أو أن التساهل كان دينها كما يقول الأتراك، ففي موضوع واحد على الأقل ~~يتفرع منه مواضيع عديدة، كحرية المرأة، وانعتاق الحريم، والاكتفاء بزوجة واحدة، والجهاد على ~~كفر الزوج التركي، وولوعه بالتنوع والتعدد من النساء ... إلخ إلخ. ففي هذه الأمور كانت جهان ~~ثابتة العقيدة لا يزعزعها فيها حال أو زمان أو سلطان، ولا تعرف فيها المداراة ولا المراوغة ~~ولا التساهل. # ولم تكن هذه الخلة التي اقتبستها جهان من الغرب مخالفة روح الجنرال فون والنستين الغربية ~~الغريزية فيه، إلا أنه سلك مسلكا شرقيا كما أنها سلكت مسلكا غربيا، توصلا لما في ~~كليهما من المطامح العلوية، فاختلفا واسطة، واتفقا غاية، وما أدركا أنهما يضحيان في سبيل ~~مطامعهما ما فطر كل منهما عليه من السجايا النفسية الثابتة الأسباب، تخلق كل منهما بخلق ~~الآخر؛ رغبة بتحقيق أمل كبير حبا برقي اجتماعي أو أدبي، غاية جهان القصوى مثلا وأسبابها ~~غربية إنما هي لتحقيق حلم عقلي، وغاية الجنرال وأسبابها شريفة إنما هي لتحقيق حلم سياسي، ~~وكلا الحلمين جميل - إذا صحت الأحلام - ولكن مسألة التخلق هذه أو الاجتهاد في التخلق إنما ~~هي مسألة دقيقة يلذ للمفكر درس أسبابها ونتائجها، فهل يفوز يا ترى امرؤ غربي وامرأة شرقية ~~بأمنية ما تذكر إذا لجآ إلى المداهنة والتمليق يخادعان بعضهما بعضا، ويخادعان أنفسهما ~~أيضا؟ وبعبارة أخرى: ماذا ينتظر من اثنين راقيين كل منهما يعمل لنفسه فقط أن يبلغا من ~~أوطار الروح العلوية؟ كيف يمكنهما أن يوفقا بين المقتبس والموروث من سجاياهما الغربية ~~والشرقية؛ ليتم التوازن والتقارن بين الاثنين، ويتم بذلك ما ينشده كل منهما من السعادة ~~والحبور، ومن السيادة والمجد؟ في هذه الرواية مثال لهذه القضية الغامضة، لا وسيلة عقلية أو ~~اجتماعية لحلها. # كانت جهان أحب المؤاسيات للجرحى في المستشفى، وأقربهن من قلوبهم ألمانيات كن أو ~~عثمانيات، مسيحيات أو مسلمات، بل كانت سلطانة ms37 يجلونها ، إلهة يعبدونها، وكان ذلك اليوم الذي ~~لا يرون فيه وجهها يوم وحشة مظلمة، بل يوم شؤم عظيم، كما قال أحدهم: فلئن أشرقت مائة شمس في ~~كبد السماء لم يكن لهم غير جهان شمسا ساطعة علوية، هي رأس التفاؤل في أعينهم، هي البلسم ~~الشافي لجروحهم، هي معبودتهم بعد الله والنبي. ~~- لقد عادت إلي صحتي يا خانم. # قال هذا جندي أسمر البشرة، مقبلا وردة تناولها من جهان وهو يضغط على اليد الكريمة التي ~~جادت عليه بعلبة من اللفائف، ثم قال: وسأعود غدا إلى ساحة الحرب، وقد لا أعود أراك مرة ~~ثانية في هذا المستشفى ولكن جنبي هذه الوردة فإنها تحاكي جمالك، سأذب عن الوطن باسمك، وإذا ~~قدر لي أن أعود محمولا إلى المستشفى فسأكون سعيدا بمشاهدتك يا مولاتي قبل أن أموت. # فرفعت جهان قناعها، وقبلت خديه مودعة. # ثم تقدمت نحو ضابط كان جالسا على كرسي فألبست صدره وردة، فقال لها: قرأت مقالتك في تصوير ~~أفكار يا لها من مقالة جميلة تأخذ بمجامع القلوب، فقد أصبت بها كبد الحقيقة خانم وأنا أذهب ~~مذهبك، فأرى أن الجيل الجديد يجب أن ينشأ في مهد الحب المقدس بعيدا عن العبودية، وأشهد لك ~~يا سيدتي أنني لن أتزوج أكثر من امرأة واحدة، ففي الاكتفاء بزوجة طريق نهوضنا ~~وإصلاحنا. ~~- ومن هو الأحمق الأرعن، بل من هو الأعمى الذي يسمح لامرأة أخرى أن تقاسم هذه السيدة ~~النبيلة سعادتها؟ # قال هذا شاب شديد السمرة، أسود العينين، معصب بالربائط وهو يلتفت نحو الضابط. # وكانت رئيسة الممرضات ترافق جهان بالتجول بين المرضى وهي كهلة ذات محيا وقور، وعليها ~~شيماء التقى والحنان، ولما لم تكن تفهم إلا النذر اليسير من اللغة التركية دعت إليها ابنة ~~بملابس الممرضات مساعدة في ذلك القسم من المستشفى طالبة إليها أن تنقل لها ما كان يقوله ~~الجنود. # وإذ عرفت ما جال بين جهان والضابط التفتت إليها وقالت: أأنت أيضا تحبرين المقالات ~~للجرائد؟ ما شاء الله! # ولكن جهان لم تسمع كلام الرئيسة إذ كانت تعين في الجلوس كهلا ms38 معصب الرأس، ولما استوى في ~~سريره ظل ماسكا بيدها، وقال: أنت شقيقة مجيد بك، بيكنا الشريف الباسل، إنه كان ضابطي يا ~~سيدتي، وقد شهدت مصرعه، تغمده الله برحمته ورضوانه، وجعل هذه المصيبة خاتمة أحزانك، وا ~~أسفاه لقد مات من أجلنا، مات مدافعا عنا، ومقاوما قسوة الألمان وبربرتهم! أولئك الكلاب، ~~ألا لعن الله تراب آبائهم. # وإذ قال هذا ارتجفت يداه وترجرج صوته كأنه شاهد ثانية هول تلك الفاجعة. # ولكن الرئيسة وقد فهمت بعض ما قاله، سارعت لمساعدة جهان، فأسندت معها الجريح إلى وسادة ~~لافظة بعض كلمات بالألمانية لم يفهمها، إلا أن ابتسامتها ورنة صوتها اللطيف لمما رعى قلبه، ~~واستهواه. # أما جهان فمسحت دموعها قائلة في نفسها: ما أشرفها وما أرقها! أوتستطيع يا ترى امرأة ~~تركية أن تؤانس امرأ أو تؤاسيه، وقد شتم أمامها آباءها؟! إن في الروح الألمانية لعظمة وأنفة! ~~ثم وقف فكرها فجأة كأنها أمسكت شعورها الأصلي، فسمعت صوت عقلها يقول: ولكن الألمان قد ~~تعلموا هذه العظمة والأنفة تعلما صناعيا، تعلما اكتسابيا، وهو من قواعد نظامهم ~~العسكري، مع هذا فإن سيادتهم المطلقة على شعورهم لمما يستحق الإعجاب. # ذهبت جهان إلى غرفة خاصة لتلبس ثوبها الرسمي إذ لم يكن عملها لينحصر في توزيع اللفائف ~~والأزهار على المرضى، أو في الابتسامات اللطيفة، والكلام الحلو الجميل، بل كان لها عمل آخر ~~في المستشفى وهو التمريض، وهي لم تتهجم تهجما على الوظيفة، فقد أنشأت من أخواتها بنات ~~عائلات الأستانة فيلقا من مسلمات ومسيحيات درست وإياهن مهنة التمريض، ومارسته قبل أن أجيز ~~لها حمل الربائط، وأدوات الجراحة. # وحالما خرجت مع من خرج من غرفة الجراحة تقدم منها طبيب ألماني وقال: أتأمل أن يكون الخبر ~~صحيحا، فإن الجنرال أحد رجالنا العظام، هو بطل همام. # فابتسمت جهان ابتسامة تريد بها إخفاء الحقيقة تحت ستار الإلباس، ولكن الطبيب الألماني ~~تابع كلامه: ومع أنه بطل مغوار عقد له النصر مرارا، فأنت اليوم أعظم فتوحاته، ولهذا ~~أهنئك. ~~- أشكر لك عواطفك الشريفة، إلا أن خبر انتصاره الأخير لم يعلن رسميا، وقد ms39 يكون مبالغا ~~فيه. # قالت هذا ومالت عنه حياء إلى دكتور عثماني، فإنها لم تكن صريحة حرة إلا بقلمها تكتب بما ~~تشعر، وما تعتقد بدون محاباة أو مداراة، ولكنها في حديثها كانت شرقية تجمجم الكلام وتوريه، ~~وبالأخص مع الأجانب، وقد كانت تعجب بالألمانيين، ولكنها لم تجد من نفسها دافعا يدفعها إلى ~~استحسان عادات فيهم همجية، وصراحة في أقوالهم رأسها الخشونة والتفوق، أما الطبيب العثماني ~~فقال لها: أمامك هذا الصباح عمليتان جراحيتان: في الأولى قد يموت العليل تحت المباضع، ~~والأحسن أن لا تكوني حاضرة، ولقد ألحت عليهم أن يترك ذلك العليل وشأنه، أو يسرع بالمخدرات ~~لإراحته من آلامه، ولكن ذلك الألماني الأبله أبى إلا أن يزيد في عذابه، ويسرع بموته في ~~عملية جراحية، إن الألمان يدعون معرفة كل شيء، أما والله إن ادعاءهم وغطرستهم لمما يضيق عنه ~~احتمال المرء، يأتينا تلميذ ما كاد ينهي دروسه في الكلية فتزين له الوقاحة أن يملي على جراح ~~معدود من جراحينا، ولكن ما هذا الذي أسمعه عنك، وعن ذلك الغطريس الألماني؟! قولي إن الخبر ~~كاذب فأهنئك، فإني والله لأستقبح قرانا مثل هذا، ولا أصدق أن ابنة من أجمل بناتنا وأشرفهن ~~وأذكاهن وأكرمهن محتدا تضحى على مذبح السياسة الألمانية، سامح الله أباك، فقد كنت أعتقد ~~... ~~- ولكن أبي من رأيك. ~~- وأنت؟ ~~- عفوا يا دكتور، فإني لم آت هذا المكان لأتحدث بأموري الخصوصية. # ثم تحولت عنه قائلة: إن هذا الطبيب شر من وصيفه الألماني، وقد لامت نفسها لمقاطعتها ~~للطبيب الألماني فجأة دون أن تحسن ملاطفته، فلئن يكن كلامه خشنا احمرت وجنتاها منه حياء ~~وخجلا، فقد فرحت بمقدمات البشائر. # وجاءت رئيسة الممرضات إلى غرفة جهان إذ كانت تضع قبعتها على رأسها، وتتلثم للخروج، فقالت ~~لها ووجهها طافح بالسرور: عزيزتي جهان، إنه لعمل يعد لك تاج مآثرك، فقد اقتبست عاداتنا، ~~وتخلقت بأخلاقنا، وتهذبت بتهذيبنا وآدابنا، والآن ستعتنقين ديانتنا المسيحية، فأكرم به ~~عملا يكسبك السعادتين: سعادة هذه الدنيا، وسعادة الآخرة، فأنا لا أشك أن سوف تعتنقين مذهب ~~الجنرال إذا اقترنت به، فاسمحي ms40 لي أن أهنئك يا عزيزتي جهان. ~~- ولكن ما قولك إذا اكتمل الحظ فاعتنق الجنرال مذهبي؟ # ورفعت حاجبها وهي تبتسم ابتسامة تهكم واستعجاب، فغصت الرئيسة بريقها وأجابت: هذا ~~مستحيل. ~~- لا مستحيل في الحب والسياسة، ولكن ما ألطفك سيدتي، وما أكرمك تبشرينني بسعادة مزدوجة لا ~~أظنني أهلا لها. # وتأملت جهان بمجاملة الرئيسة قائلة في نفسها: يا لها من امرأة سليمة الطوية، تسر بساطتها ~~القلب وتفرحه، ولكن ما الذي دعا الجنرال فون والنستين أن يشيع الخبر بالرغم من عادته ~~بالتحفظ والتكتم؟ فلا مراء أنه مصدر هذه الإشاعات! وقد كتبت إليه جهان في عصاري ذلك النهار ~~تظهر استياءها من ذلك، وتعترض على شيوع الخبر، أما جوابها على اقتراح رئيسة الممرضات في ~~أنها ستعتنق الدين المسيحي فكان صريحا جليا في مقالة أنجزتها مساء ذلك اليوم موضوعها: ~~«الإسلام والحرية». # | الفصل التاسع # كثيرا ما ألفت وزير الداخلية ومحافظ الأستانة نظر الجنرال فون والنستين إلى أن رضا باشا ~~عدو المحالفة العثمانية الألمانية، وأنه يفاوض سرا أصدقاءه الرجعيين في باريس، حتى إن ~~جواسيس الجنرال قد استدلوا على شيء مما وجه إليه نظره، وجاءوه بحجج دامغة على مقاومة رضا ~~باشا المحالفة المذكورة، ومما قال أحد أخصام الباشا اللدودين وهو أحد أعضاء جمعية الاتحاد ~~والترقي: إن رضا باشا خائن، وزاد عليه آخر فقال: ويجب أن يقبض عليه، ويقصى في منفى. # أما محافظ العاصمة، فلم يرض له بغير المشنقة، إلا أن الجنرال فون والنستين كان يتردد كما ~~ألمحنا سابقا في اتخاذ مثل هذه الوسائط، ولم يسلك قط مسلك الشدة في هذا الأمر، بل جل ما ~~حدث بينه وبين الباشا هو قطع العلائق التي كانت حتى صباح زيارته وثيقة العرى، وهذا ما قد ~~يحمله على تغيير خطته، فإن ذلك الحادث الأليم في غاليبولي لم يكن عذرا وافيا لسلوك الباشا ~~مسلكه بالأمس، وما أظهره فيه من قباحة الكلام وسوء العتاب، مخالفا بذلك ما تعوده الترك من ~~لطف التمويه والمداجاة، ناهيك به من جندي معروف يدرك قوانين الحرب، وكان حريا به اعتبارها ~~وعدم الاعتراض عليها، ms41 حتى ولو غير رأيه فيه، فقد برئت ساحة الضابط الألماني؛ لأن ابن رضا ~~باشا نال نصيبه بالإعدام استحقاقا، ونال أيضا الصليب الحديدي مكافأة، فإن اسمه قد ذكر بين ~~الذين أظهروا بسالة وإقداما في ساحة الحرب منذ أسابيع قليلة قبل ذلك الحادث؛ ولهذا أسرع ~~الجنرال فون والنستين في استحصال مدالية ملوكية مكافأة له، إلا أن ذلك البطل كان قد تمرد ~~ولم يصدع بالأوامر العسكرية، فعوقب للحال بموجب القانون الحربي، كذلك جالت أفكار الجنرال في ~~الحادثة، فمجيد بك قد عومل بالطريقة الرومانية القديمة القاسية، أكرم لبسالته، وأعدم ~~لعصيانه، وقد خطر ببال الجنرال أن يقول في نفسه: من العجب أن الباشا لم يتجل له هذا النور! ~~ولقد كان يود أن يوضح هذا التوضيح للباشا لو لم ير في ذلك غضاضة، فلم يشأ أن يتنازل لإيضاح ~~الأمر أثناء زيارته كما تجلى له؛ لأنه لم ير من سلوك الباشا معه ما يؤهله إلى مثل هذا ~~التعطف والتنازل. # وللقارئ أن يصدق الجنرال أو يكذبه، وله الحق أن يظن بأن الجنرال نفسه لم يتجل له الأمر في ~~ذلك الصباح على هذه الصورة التي رسمت في دماغه، فلو أنه قابل جهان، وآنس منها ما يسره لأنكر ~~بلا مراء عمل الضابط وقبحه. # ونرى من وجهة ثانية أن أعاظم الأتراك ممن هم أعلى مقاما من أبيها حتى والسلطان نفسه ~~كانوا يقابلون الجنرال فون والنستين بتمام الاعتبار والإجلال اللذين يليقان بمقامه؛ ولهذا ~~كان على رضا باشا أن يحتشم في حضرته الرفيعة؛ لأنه كان ضيفه، فبدلا من أن يقوم بهذا أمامه ~~قابله بعتو وقحة، حتى إنه تمادى في غيظه، فأهان جلالة الإمبراطور، رافضا إنعامه الملوكي، ~~وبهذا العمل جرم كاف يستحق أشد العقاب، إلا أن الجنرال فون والنستين لا يقيم لنفسه قاضيا ~~في هذه القضية، لا ولن يرضى أن يرافع غريمه، فهو لا يتنازل لمثل المرافعة، ولكنه يعمد إلى ~~الإيقاع والأمر بسيط، لماذا يقدم على عمل يشوه سمعته واسمه لدى الشعب العثماني حين أنه ~~يستطيع تنفيذ إرادته بإغراء الكثيرين على الباشا، ولهذا ارتأى ms42 أن يعي بأذن مصغية كل ما ~~يبلغه من أعداء الباشا، وأن يطلق لكلابه العنان، فيضعه تحت رحمتهم، ويجرب فيه قدرته، ثم ~~يعفو عنه عفو الكرام. # وما عسى أن يكون تأثير هذه الأمور على جهان يا ترى؟ أولا يمكن أن تصده وتجافيه؟ بل ألا ~~يجعلها من أخصامه؟ # تأمل الجنرال مليا بهذا الأمر، والحق أنه لم ينو شرا للباشا، ولكن الغيظ زين له هذه ~~الطريقة، فهو لا يطلب حياة غريمه، ولكنه يحب إذلاله، وكسر شوكته، ثم يحفظه تحت أمره رهنا ~~لجهان، فيجعله لها هدية الخطبة، بل هدية العرس. # اعتمد الجنرال فون والنستين على خطته المنكرة الذميمة كما يعتمد التركي على معونة الله، ~~بل معونة الشيطان، فقال في نفسه رغم إرادته: «سأتظاهر بالدفاع عن أبيها، وأنقذه من مخالب ~~أعدائه، ومن مكائد أبناء وطنه.» ومع أن رضا باشا وابنته وحدهما علما بالفضيحة التي نالها ~~الجنرال في منزلهما، فهما على الأقل سيجلان عمله، ويقدران شرف النفس الألمانية ~~قدرها. ~~«أجل هذه سانحة سأظهر فيها بما عندي من المزايا الشريفة.» # قال هذا مساء ذلك اليوم العصيب متمددا على الديوان، مشعلا سيكاره الكبير، ثم قال: «نعم، ~~إن الفرص لتأتي طوع إرادة الألماني، فيظهر فيها لعالم أعمى أصم مروءته الشماء، وما يكنه ~~صدره من إباءة النفس وعزتها، وإنما هذه فرصتي، خادمة قصدي، سأنقذ رضا باشا من الموت، فيصبح ~~وابنته في ذمتي، وتحت جميلي، إن هؤلاء الأتراك ...» # قال هذا وانقطع عن الكلام فجأة، والقارئ اللبيب يدرك ما لم يفه به من الكلام إذا تصور ~~حالة الجنرال النفسية التي كان فيها، فإن الاضطراب الداخلي الذي كان سائدا في تلك الساعة ~~لمما يدفعه إلى شر الإساءة «بهؤلاء الأتراك» لو لم يقاطعه الياور إذ ظهر واقفا في الباب: ~~شكري بك يا صاحب السعادة. ~~- وما شأنه في مثل هذه الساعة؟ ~~- قال إنه قادم لأمر خطير. # تململ الجنرال وتردد قليلا، ثم قال: حسن، دعه يدخل. # أدى شكري بك واجب السلام في الباب بشيء من اللجاجة، ثم تقدم وعلى وجهه آثار الاضطراب إلى ~~مقام الجنرال الذي ms43 ظل جالسا على الديوان. ~~- ماذا جرى يا حضرة القولغاسي؟ # فدفع شكري بك إلى يد الجنرال ورقة إحضار تلقاها من المجلس العسكري. ~~- وما هذا؟ ألعلك نسيت أني لا أقرأ التركية؟ # فاستعادها شكري بك، وشرح له مضمونها. ~~- ولماذا أتيت إلي بها؟ ~~- لأن لي رجاء عظيما بكرم أخلاقك. ~~- لعلك مبالغ بما ترجو. ~~- ألجأ إلى شرفك وعدلك. ~~- أنت مذنب، وذنبك أنك عصيت الأوامر العسكرية، وشأنك الآن وأولي الأمر. ~~- أنت أحدهم أيها الجنرال. ~~- لا أتداخل في صغائر الأمور. ~~- ليست مسألتي من صغائر الأمور أيها الجنرال، بل هي مما يهمك. ~~- يلوح لي أنك عالم بشئوني أكثر مني. # قال هذا الجنرال ونهض ماشيا نحو الطاولة في منتصف القاعة، أما شكري بك فأجابه: نعم بعض ~~شئونك لا كلها. ~~- وما هذه الجسارة؟ ~~- سامحني إذا كنت جسورا، ولا تكلف نفسك عناء برن الجرس أنا ذاهب عنك إذا شئت، ولكني ~~أخالك تؤثر استماع حديثي، فلدي شواهد على مكيدة مدبرة لاغتيالك. # وإذ سمع هذا الجنرال أشار إلى اليارو الواقف في الباب إشارة سرية مصطلح عليها إذا أراد من ~~كاتم أسراره أن يعترض الحديث في مثل هذه المواقف، ثم استأنف الجنرال الجلوس على الديوان ~~مشيرا لشكري بك إلى كرسي بعيد منه قليلا. ~~- إن خبر الفاجعة الأليمة التي حدثت في ميدان غاليبولي لم يمكن كتمها، فقد تسربت من دائرة ~~الحربية، ومن المستشفيات، وهي آخذة بالانتشار في المدينة، والشائع أن فرقة من جنودنا قد ~~طيرتها قنابل مدافعنا، وإن ضابطا من أبسل ضباطنا خر صريعا إتماما لأمر صدر من المرجع ~~الأعلى، لا من وزارة الحربية، ولا من القيادة العليا، بل منك أيها الجنرال، هذا هو الشائع ~~على ألسنة الناس، وهذا ما سينشره أحد محرري الجرائد، وقد أطلعني على مقالة قبيل قدومي ~~إليك. # قال هذا متوقفا عن الكلام منصتا ظانا أن الجنرال - وقد أعار حديثه إصغاء تاما - ~~سيسأله أن يبوح باسم ذلك المحرر، إلا أن الجنرال بدلا من هذا طلب إليه أن يكمل حديثه فقال: ~~وهنا يجيء دور الصليب الحديدي، فالشائع أن الجنرال أنعم به على ضابط ms44 عثماني لعصيانه أمر ~~ضابطه الأعلى الألماني، وهذا ما أشكل على أرباب الصحافة حله، وقد رفض رضا باشا مقابلة اثنين ~~من مخبري الجرائد، ولهذا توصل الجمهور إلى استنتاج ما يأتي: أن الجنرال أنعم بالصليب ~~الحديدي على الأخ بالرغم من عصيانه الأمر العسكري؛ لأنه يهوى الأخت، وقد لمح المحرر بهذا ~~الأمر في المقالة التي ذكرتها. # وأنصت شكري بك ثانية، أما الجنرال فسأله ثانية أن يتابع حديثه. # إلا أن كاتم الأسرار دخل في تلك اللحظة حاملا بيده أوراقا وقد اعتذر لاعتراضه بينهما، ~~فنظر الجنرال في الأوراق نظرة سريعة، وكتب شيئا على صفحة منها، وأرجعها إليه وهو يهز رأسه ~~استحسانا، ثم التفت إلى شكري بك بعد أن خرج كاتم الأسرار. ~~- كمل حديثك. ~~- وهنا يجيء دوري، تجيء مسألتي التي هي إحدى صغائر الأمور، فإنه ليقال فيها إن شكري بك لم ~~يكن ذنبه أن عصى الأوامر العسكرية، بل ذنبه أنه يحب جهان، ولهذا صدر إليه الأمر أن يذهب إلى ~~ساحة الحرب، فطلب أن يمهل قليلا فأحيل أمره إلى السلطة العسكرية؛ لأنه كان عذول الجنرال ~~العظيم الذي شاء أن يرسل إلى حتفه، أهذه هي القدوة الحسنة التي يود أحلافنا أن نقتدي بها! ~~أهذا هو الأثر الشريف الذي يظهره لنا أسيادنا الألمان! # تمنى الجنرال في تلك اللحظة لو أسرع كاتم أسراره بتنفيذ الأمر السري الذي أصدره، فإن حديث ~~هذا التركي الوقح الجسور أثار ثائر الغضب فيه، ناهيك به من ضابط كذاب أثيم يتجرأ على القدوم ~~إليه منبئا إياه بمكيدة هو نفسه يدبرها في رأسه، يا له من جبان، يا له من غدار، قرأ ~~الجنرال ما بدا في وجه شكري بك من ملامح الغدر والخيانة، وعرف لساعته أنه هو الذي يهدد ~~حياته، والأنكى أنه يأتي إليه ليصور له الأمر هائلا، يا له من أحمق. # وظل الجنرال يتظاهر بالهدوء، والإصغاء إلى أن قال له بأنفة: ولكنك حدت عن موضوعك، هات ~~شواهد المكيدة، فإني أنتظر منك أن تكمل ما بدأت به، عد إلى النقطة الجوهرية. ~~- إن المحرر الذي أخبرتك بقصته قد ms45 اشترك في المؤامرة عليك مع عضو من جمعية الاتحاد ~~والترقي، وإن لهما ثالثا - فدائيا - وهو آلة صماء يديرانه كيفما شاءا، وما المقالة التي ~~ذكرتها أمامك إلا حيلة يموهان بها، وغايتهما منها تحويل الأنظار عن الذي سيرتكب ~~الجرم. ~~- إنه لخبر مفيد، أكرم بك من منذر تنبئني بأسماء المتآمرين علي. ~~- لبيك أيها الجنرال، إن أسماءهم رهن أمرك، ولكن هنالك قضيتي؛ فأنا لا أسألك صدقة، لا ~~أطلب منك إلا أن تعاملني بالقسط والعدل، غايتي إليك فرصة بضعة أيام قبل ذهابي إلى ساحة ~~الحرب، وإذا كان علي أن أحاكم عرفيا لطلب كهذا، أو إذا كنت سأعنف، أو أجرد من وظيفتي ~~... ~~- قلت لك: إنك يا قولغاسي لا شأن لي بقضيتك على الإطلاق، فقد آليت على نفسي أن لا أتداخل ~~بما هو من متعلقات العدالة التركية، ولماذا لا تذهب إلى رئيس أركان الحرب. ~~- إن رئيس أركان الحرب أرسلني إليك. # كان الجنرال في هذا الوقت يتمشى في الغرفة بصبر كاد يفرغ وقد هز رأسه إشارة إلى اليارو ~~الذي ظهر توا في الباب ثم قال: أوتريد أن تفهمني أن تداخلي بشأنك هو ما تتقاضاه ثمن سرك ~~هذا؟ # فأبرق وجه شكري بك إبراق مستهزئ، وأجاب ناهضا وفي صوته نبرات الحماسة: حقا ما ذكرت ~~بالتمام. # وحدث بعد ذلك سكوت أعقبه قول الجنرال، وقد دخل رجال البوليس والجاندرمه: بناء عليه ستقبض ~~من هؤلاء الثمن بالتمام. # أما شكري بك، فظل جامدا في مكانه كالمسحور، ولم يتحقق وقوعه في أحبولة الجنرال حتى احتاط ~~به رجال البوليس وساقوه، ولكنه إذ وصل الباب تملص منهم ملتفتا فجأة كالبائس المجنون، وسحب ~~مسدسه. # وما كاد رجال الجندرمه أن يقبضوا عليه ثانية حتى تمكن من إطلاق رصاصة لم تصب ~~المرمى. # وقد ألقي القبض أيضا بعد ساعتين، أي حول منتصف الليل، على رضا باشا في منزله، وضبطت ~~أوراقه كلها. # | الفصل العاشر # ذهبت جهان باكرا صباح اليوم التالي لتقابل وزير الحربية في منزله، وهناك أدخلها ياوره ~~الألماني إلى السلاملك حيث جاءها بعد انتظار دقائق قليلة كاتم الأسرار، وقال لها: إذا ms46 كانت ~~زيارتها تتعلق بمسألة اعتقال أبيها فإن سعادة الوزير لا يمكنه مقابلتها، ولقد نصح لها عن ~~لسان سعادته أن تتأنى بما تفعل، وأن تلزم جانب الحكمة بما تقول في هذا الشأن، وأن تبتعد ~~جهدها عن السياسات، وأن تقتصر على شغلها في المستشفى. ~~- لا حاجة إلى اهتمام سعادته بشئوني. # قالت هذا بلهجة أسف وضياع أمل، ثم تابعت كلامها قائلة: ولكن ما الداعي لاعتقال ~~والدي؟ ~~- يقال إنه ارتكب الخيانة. ~~- من؟ أبي؟ مستحيل. # فبسط كاتم الأسرار ذراعيه رافعا كتفيه دليل أنه غير متيقن، وأن الأمر لا يعنيه. # علي أن أرى الوزير. ~~- بكل أسف، هذا مستحيل الآن. ~~- ومتى يمكنني أن أراه، أرجو منك أن تسأله عني. # فابتسم كاتم الأسرار ابتسامة صفراء، وقد أذعن لطلبها، وعاد بعد دقيقة وقد استحالت ~~ابتسامته غيظا. ~~- ليس بإمكان سعادته أن يقابلك، وليس له دخل في قضية أبيك. # فعادت جهان إلى عربتها، وأمرت الحوذي أن يسير بها إلى الباب العالي، إلا أن وزير الداخلية ~~رفض أن يرسل كاتم أسراره لمقابلتها، وقد أنبأها الكاتب عند الباب أن معه أوامر منطوقها أن ~~سعادته في شغل شاغل لا يمكنه مقابلة أحد من الناس. # هناك في الرواق كانت جماهير الناس من طلاب الوظائف والمتاجرين السياسيين، ومخبري الجرائد ~~والمقاولين، وبالاختصار جماعة البطالين قد تألبوا من كل فج عثماني ينتظرون باسم الله، ~~ويعللون النفس بالمواعيد وهم في تلك الحالة يغمغمون الكلام، فيتناولون متسقطات الأخبار، ~~وشوائع السياسة، ويتجسسون بعضهم بعضا، ولقد اقترب من جهان شاب ألماني وعلى رأسه طربوش ~~عثماني قرمزي اللون، وسألها بالتركية الفصحى إذا كانت تشاء إتحافه بشيء، أو إذا كانت تود أن ~~ينقل عنها شيئا إلى جريدته، أما هي فهزت رأسها نفيا ورفضا، وتقدم إليها آخر بالجبة ~~والعمامة، فأسر لها بدعوى الولاء والغيرة أن تنزل ستار عربتها بعد أن تدخلها؛ لأن ذلك أكثر ~~لياقة بمقام الخانم، فشكرته جهان، وتابعت سيرها رافعة الرأس شامخة وهي تتضرع بالصبر وثبات ~~الجأش، ولقد جال في فكرها قولها مخاطبة نفسها: ما ذنبي يا ترى، وما خطيئتي حتى يجب علي ms47 أن ~~أخبئ وجهي حياء وخوفا، ولقد تجمهر حول عربتها عدد من الأحداث ألبستهم أوروبية، وعلى رءوسهم ~~عمائم بيضاء، فتهللوا بها هاتفين إليها بأصوات السرور والإعجاب، داعين إياها إذا ظهرت على ~~درج الباب العالي بدرة المعارف، وقمر التهذيب، ووردة النبوغ، وسيف الحرية إلى آخره، وقد ~~ازداد عدد المتجمهرين حتى اضطر البوليس إلى تفريقهم ليعطوا العربة طريقا لتسير ~~بجهان. # على أن الموكب الفخم الذي احتفى بجهان ذاك الاحتفاء لما يبهج ناظرها، ويسر قلبها لو أنه ~~جاء في غير هذا الوقت؛ إذ كانت عوامل الغضب والحنق تتأجج في صدرها ذلك الصباح، فما نفع ~~الشهرة والمجد والنبوغ وهي تعاني أشد الأمور، تقاسي الذل، تقف في باب وزير كأنها طالبة ~~رفدا، أو كأحد طلاب الوظائف الذين لا يفارقون ذلك المكان، ويؤبى عليها الدخول؟ وما الذي ~~يحمل أولي الأمر على الامتناع من مقابلتها، وطالما التمسوا مساعدة قلمها السيال، وطالما ~~رحبوا بها، وتأهلوا مظهرين عظيم سرورهم بها، ومقدرين كل مساعدة تقدمها إليهم، وكل كلمة ~~جميلة ترسلها إلى آذانهم؟ أويمكن أن يكون أبوها خائنا لأمته؟ إلا أن مقاومته دعوة الجهاد ~~ليست على شيء من الخيانة، كلا ليس هذا السبب، لا بد أن يكون ثمة أسباب أخرى، أو لعله أساء ~~نحو الجنرال فون والنستين! ولكن كيف يمكن أن تعزى إساءته إلى خيانة الأمة، خيانة ~~الحكومة! # استسلمت جهان إلى بساطة قلبها، واستملكتها سذاجة الفطرة التركية، وهي كثيرا ما تلجأ إلى ~~مثل ذلك لدى وقوعها في مشكلات الأمور، فاستمرت تسائل نفسها: ولماذا ألقي القبض على أبيها؟ ~~ولماذا لم يأت الجنرال فون والنستين ليراها، ولماذا لم يكتب إليها أو يخبرها بالتليفون عما ~~جرى؟ ترى أيأمل أن تذهب إليه أولا؟ ولقد تبادر لذهنها أن تتردد في أن من المحتمل أن أباها ~~نسي أن يخبره لماذا لم تقابله بدلا من أبيها يوم زارهم في الصباح، «أو لعله يا ترى يظن أنه ~~بتلك المعاملة يستطيع الحصول على رضاء أبي، فيقتادني إلى مشيئته فيضعنا كلانا تحت رحمته، ~~فنذوق بأسه، ونشعر بقوته ونفوذه؟ إنه في ضلال مبين، ms48 لن أذهب لمقابلته.» # وعادت جهان إلى منزلها، وفي الحال كتبت إلى جلالة السلطان كتابا تلتمس به سماحه باجتماع ~~خصوصي بينها وبين حضرته السلطانية، وفي اليوم التالي تناولت جوابا لطيفا من مستشار ~~السلطان الخصوصي مذيلا بمذكرة خصوصية من قلم المستشار نفسه جاء فيها نصيحة لجهان أن تأتي ~~إلى يلديز، وعليها أردية سيدة عثمانية تليق بشأنها، وعلى وجهها القناع المعتاد، ولقد اشمأزت ~~من تلك المذكرة، وحق لها الاشمئزاز، ولكنها رغبت في التسليم لمشيئة جلالة الخليفة المعظم ~~على أمل أن تحصل على إعتاق أبيها؛ لعلها تستغني عن استرحام الجنرال فون والنستين. # أما اجتماعها بالسلطان فلم يأت - ويا للأسف - بالفائدة التي أملتها؛ فإن جلالته أجابها على ~~التماسها بهدوء ورزانة وهو يهز رأسه المغطى بالبياض مبديا عظيم أسفه، وعميق شعوره مع كريمة ~~تابعه الأمين المحبوب رضا باشا، ولقد ذرف بالفعل دمعه من كفر الأيام، ومعاكستها، وتلبد جوها ~~بالغيوم المظلمة إذ أصبحت فيها كلمة الخليفة غير مطاعة، ولا مسموعة، ولا معتبرة. ~~- لتكن مشيئة الله تعالى يا بنيتي، علينا أن نسلم أنفسنا لإرادته تعالى فهو يفعل ما ~~يشاء. # وخرجت جهان من يلديز بحالة سوء وهيجان لا تلوي على تسليم وإذعان، وهي حالة أشبه بالعاصمة ~~العثمانية نفسها في ذلك اليوم، فإن المدينة كانت تتأجج فيها نار التعصب الذي تطايرت شظاياه ~~في كل ناحية من نواحيها، وهي روح راقت لجهان؛ لأن فيها آثار الثورة تعمل في نفسها، فتشتد ~~تعلقا بالإسلام أكثر من كل يوم من أيام حياتها، إلا أن المقالة الثورية التي كتبتها لجريدة ~~طنين يجب أن تمزق؛ لأن الجريدة التي لمحت تلميحا عن فاجعة غاليبولي قد صدر الأمر بحجبها، ~~وهناك أيضا كاتب تهجم على الحكومة، ورمى الطاغية الألماني بانتقاد عنيف؛ فأودع غيابات ~~السجن مكبلا بالحديد، وكان البوليس حيث يرى اثنين يتهامسان في الشارع، ويتساران يدخل ~~بينهما معترضا باسم المحالفة والإسلام، وجميع الظواهر تدل على أن الطاغية الحديدية كانت ~~قابضة على الأستانة، وكل أرباب المصادر، وأولي الأمر فيها تحت أمره ومراقبته. # على أن في المدينة أماكن عديدة لم يستطع ms49 جواسيسه أو رجال حاشيته أن يدخلوا إليها، ولا ~~رجال البوليس والخفية أولئك ممن هم دونه نفوذا وقوة، وتلك الأماكن إنما هي عرصات الجوامع، ~~والجوامع نفسها حيث كان الناس يتألبون للمحادثات عن ماجريات النهار وشئونه المحزنة يؤولونها ~~تأويلات شتى، وهناك خطر عظيم من احمرار عيون المتمسكين بالإسلام تمسكا شديدا، المتعصبين ~~لمذهبهم تعصبا غريبا، وهم ممن تقصر يد الحكومة أجنبية كانت أم وطنية عن القبض ~~عليهم. # ولقد عاد الخصي سليم ذات مساء من صلاته في أحد الجوامع فأعاد لجهان إجابة على سؤالها ما ~~سمعه في الجامع. ~~- كانوا يا مولاتي جماعات جماعات بين كهول وأحداث، شيوخ ومعلمين، أفندية وحمالين ~~ومتاجرين، يتهامسون ويضجون مشيرين بأيديهم، وإياها باسطين، مستغيثين بالله المعين، ولقد ~~سمعت أحدهم يقول: وما يزيد في الهول والفداحة أنه سيتزوج بالابنة بعد أن يعدم أباها وابن ~~عمها، وقال آخر: إن هذا لمما يأباه الإسلام، ومما لا نتحمله، فإنه والابنة سيذبحان ~~كالخنازير، وقال شيخ مسن: قسما بالله والمصطفى لن نسمح لألماني مهما كان نافذ الرأي، عظيم ~~الشأن أن يدنس سلالة الإسلام، وقد أجابه صديق له معلم «خوجه» حدث السن: كلا، إن هذا لمن ~~المستحيل، ويجب أن تنذر ابنة رضا باشا؛ فإنها إذا أذعنت لإرادة كافر فسوف تجر من بيته، ~~وتسحب من حضنه الدنس، ويعمل بها السيف، هذا ما سمعته بأذني يا خانم، وأقسم بالله قد ارتجفت ~~لسماعه خوفا وذعرا. # أما جهان فأخذت تتأمل في نفسها قائلة: لعل هذي هي الروح الإسلامية التي رغبت أن تلجأ ~~إليها مستغيثة، أو هذا هو الشعب الذي تطلب معونته باسم العدالة والحرية؟ لا. لا. لا. إنهم ~~لا يفهمونها، ولن يحسنوا فهمها، فإن بينها وبينهم لهوة تزداد عمقا، وظلاما يوما ~~فيوما. # ولقد لبثت جهان يومين بعد زيارتها يلديز لترى ما يفعل الجنرال فون والنستين، ولما رأت أن ~~انتظارها ذهب أدراج الرياح عزمت على أن تذهب لمقابلته بنفسها. # | الفصل الحادي عشر # لما جاءت جهان تقابل الجنرال فون والنستين خف إلى باب البهو مرحبا مؤهلا، وقبل يدها ~~باشا مسرورا، ثم تقدم وإياها ms50 إلى الديوان في صدر القاعة، وأجلسها إلى يمينه قائلا: وجئت ~~أخيرا ترينني. # هكذا افتتح الجنرال الحديث، وفي صوته رنة التأنق والملاطفة. ~~- نعم ولا أعلم أن لذلك داعيا ~~ما، إلا أن ... # فقاطعها قائلا: لا داعي لزيارتك؟ أيجيء ذلك الأحمق شكري بك إلى منزلي طالبا حياتي، وقد ~~عطل أثاث البيت كما ترين - انظري هنالك - وأنت لا تكلفي نفسك السؤال عني، ولم تخطي لي ~~سطرين، حتى ولم تخاطبيني بالتليفون مستطمنة؟ لم يخطر في بالي قط أن سيدة عثمانية تكون سريعة ~~النسيان إلى هذا الحد، بل قصيرة الحبل في الوداد، وطالما ظننتني ذا حق في معاتبتك. # فأجابت جهان وقد تحدته بأسلوب حديثة: أراك تسابقني إلى الشكوى التي أتأمل أن تكون بها ~~مخلصا على أنه مهما كانت الأحوال فقد كان بإمكانك أن تحول من أجلي في الأقل دون اعتقال ~~والدي ولقد كان باستطاعتك العفو من أجلي عن شكري بك، وأن تبر بما وعدتني بشأنه، فترجئ إنفاذ ~~الأمر العسكري الصادر إليه. # فأجاب الجنرال وقد ألبس لهجة تهديده ابتسامة صفراء: لم تقدمي إذن لتهنئتي بنجاتي من رصاصة ~~المغتال. ~~- لم يكن شكري بك مالكا رشده، وأنت المسئول عما استولى عليه من اليأس والجنون. ~~- أنا؟ # وردد الضمير مقطبا جفنه عابسا، ثم قال: إن الواقع عكس ما تتهميني به، فقد أباح لي ~~هاذيا أنك أنت سبب تعاسته. وقد قال إنك وعدته أن تتزوجي مني فحنثت بالوعد، ويخال أنك كنت ~~تعاملينه معاملة سيئة، غامضة الأسباب، فقد أردت ذات مساء أن تقبليه ثم ما لبثت أن طردته من ~~منزلك؛ ولهذا زين له هذيانه أن يلعن المرأة التركية ... مقبحا التهذيب الحديث والحرية ~~والحريم، ولقد سببت لهذا المسكين ألما جاء ينتقم مني عليه لما فيه من بلادة وعماوة. # فقالت جهان وقد رفعت بصرها إليه مسترحمة: ولكنك شهم كريم الأخلاق، فاعف عنه وسامحه، ولكي ~~أريح أفكارك وأطمئن بالك أعترف لك أنني لا أنوي الاقتران به، ولا أستطيع ذلك، لا اليوم ولا ~~غدا، قد أساء فهمي، فضلا عن أن ليس له أن يكون أمينا على الميثاق ms51 الذي أتطلبه في الزواج ~~لا هو ولا سواه من أبناء عنصري في هذا الجيل يستطيع ذلك، وقد تيقنت هذا تمام اليقين، فسامح ~~شكري بك، اعف عنه، أغثه. ~~- لم أخالف لك أمرا قبل اليوم. ~~- ولا ترد طلبي الآن. ~~- لست أنا المدعي على شكري بك، فهو لم يسئ إلي خاصة، بل إلى المصلحة الألمانية التي أقمت ~~أمينا على جزء صغير منها، وكلمتي في هذا الشأن لا تتجاوز حدود وظيفتي. ~~- إن كلمتك في الأستانة شرع يطاع. ~~- نحن اليوم في زمن حرب أيتها الحسناء، أيتها العزيزة جهان، وأعداؤنا لا يرحمون ولا ~~يشفقون. ~~- أنتم الظافرون، والرحمة أولى بالظافر. # وبعد أن توقفت عن الحديث قليلا وهي تشعر أنها قد قامت بواجبها نحو شكري بك، وأن الجنرال ~~سيلبي طلبها، ويعفو عنه، عادت تسأل عن أبيها: وأبي، لماذا اعتقل ما ذنبه؟ ~~- أواه، أبوك، الآن تسأليني عن أبيك؟ # قال هذا وفي صوته نبرات التثريب، وقد قصد أن يفهمها أنه كان متعجبا من عدم حضورها ~~لمقابلته قبل ذلك الوقت، ثم عاد إلى الكلام فقال: إن ذنبه أفظع من ذنب ابن عمك، فقد بلغني ~~أن أباك خان الوطن، وخان الدول الوسطى. # فصاحت جهان قائلة: خيانة! إن هذا لمن المستحيل. ~~- إنه يراسل الأمير صباح الدين ولطيف باشا في باريس، وهما من ألد أعداء الحكومة الحاضرة، ~~ومن أصدقاء الحلفاء، ولقد ضبط له كتاب يوقع فيه ولي العهد القائل: إنه يحاول قلب الحكومة، ~~وإن أباك موقن أن تركيا مستعدة للمفاوضة على حدة بشأن الصلح، وهناك بين أوراقه المضبوطة حجج ~~أخرى تثبت خيانته. # فلم تستطع جهان كتم تأثرها، وإخفاء كدرها، وقد علا خديها اصفرار، واغرورقت عيناها ~~بالدموع. ~~- وما عسى أن يجري الآن؟ ~~- سيحاكم أبوك على خيانته. ~~- ألجأ إلى مراحمك، أرجوك مساعدتي، كلمة منك ... # خنق البكاء صوتها؛ فتساقطت العبرات على خديها. ~~- لو أنك جئت قبل الآن. ~~- إني مخطئة أعترف بخطئي. ~~- خلت أنك تستغنين عني، وأنك قادرة أن تستخفي بي. إذن لماذا لم تأتي قبل الآن؟ ~~- تريثت قليلا لعلي أرى منك ما كنت أتأمل، فتفد علي لتراني، ms52 أو تراسلني في الأقل. ~~- وإذا رأيت أنني لم أقم بما تأملت ذهبت تقابلين غيري من أولياء الأمر، أليس كذلك؟ ~~- كلا. ~~- كلا! ألم تسترحمي غيري! ~~- كلا. ~~- عفوا أيتها الحسناء، أيتها العزيزة جهان (قال هذا وهو يربط قفا يدها بأنامله). # اسمحي لي أن أخبرك ماذا فعلت مؤخرا، ذهبت أولا إلى وزير الخارجية لتقابليه في منزله، ~~فأرسل إليك كاتم أسراره قائلا: إنه لا يستطيع مواجهتك بشأن أبيك، ولقد نصح لك أن تبتعدي عن ~~السياسة، وأن تقتصري على شغلك في المستشفى، ثم ذهبت إلى الباب العالي تسترحمين وزير ~~الداخلية فلم تتمكني من الوصول إليه، ولقد حدثك عثماني من أبناء جنسك في الرواق إذ هممت ~~بالخروج، ونصح لك أن تحتجبي عن الناس، وقد هلل لك بعض الشبان إذ ظهرت أمام الباب العالي، ~~فأسكتهم نفر من البوليس، وبدد شملهم، وفي اليوم التالي ذهبت إلى يلدبز مؤزرة، ولكن جلالة ~~السلطان لم يستطع أن يعينك في مثل هذه الأحوال، فأشار عليك أن تتكلي على الله، وبدلا من أن ~~تعملي بمشورته، وتلقي اتكالك عليه تعالى جئت الآن إلي، ألا ترين أيتها الحسناء، أيتها ~~العزيزة أني واقف على سائر أعمالك وحركاتك؟ # فارتاعت جهان، وذعرت لما تجلى لها من سلطان هذا الرجل، ومن اتساع دائرة عرفانه، إن مقدرته ~~لسحرية، فقد قاومها في البدء متدرجا إلى كشف أمرها، ثم أدهشها بما يعلم، فصغرت أمامه، ~~وأحست أنها أسيرة بين يديه، بل أسيرة بين تلك القوة السحرية الألمانية التي تحد كل ~~شيء. ~~- ولكني اعترفت لك بخطئي. ~~- ليس لمثلك أن يخطئ، وليس لمثلك أن تغفل اعتذارا هو دين لي عليك. ~~- ولماذا الاعتذار؟ ~~- ألم أكتب إليك أني قادم لأراك؟ ~~- لقد كنت في المستشفى صباح زيارتك، ولم يكن باستطاعتي إهمال واجباتي، أولم يقدم إليك أبي ~~عذري بهذا الشأن؟ ~~- إن أباك سلك مسلكا لا يليق بمقامه، ولا بمقام عثماني كريم الأصل. ~~- ولهذا قبضت عليه، أليس كذلك؟ # قالت هذا بسرعة من يتحقق في الحال ظنونه. ~~- أخطأت، أنا لست ممن يتنازلون إلى الانتقام. ~~- بل أصبت في ظني، بلى، قد أدركت ms53 أيها الجنرال غايتك، ولكنك لا تستطيع أن تنال مرامك مني ~~بمعاملتك والدي هذه المعاملة. # فأخذ الجنرال يدها بكلتا يديه غير مكترث بما بدا في عينيها من نار الغيظ: ها قد اقتربت من ~~الموضوع، وذلك ما يسرني، فأسألك مرة ثانية مغضيا عن هواجسك، وعتابك الذي لا أساس له، ولا ~~حاجة إليه أن تقبلي بي زوجا. # فسحبت جهان يدها مجيبة: ذلك مستحيل. # فنهض الجنرال إذ ذاك ساخطا: مستحيل؟ ولماذا؟ ~~- لا أقدر أن أقترن بمسيحي. ~~- لا يليق بك مثل هذا الاعتقاد. ~~- إني أشعر بما أعتقد، وإني متيقنة أن الأمراء العثمانية لا تكون سعيدة إذا اقترنت ~~بأوروبي. ~~- وما أنت؟ ~~- ما أنا من هذا القبيل سوى امرأة عثمانية. # قالت هذا ببطء وهدوء فيهما تهكم واستهزاء. ~~- أنت امرأة عثمانية، ولكنك تفوقين باقي النساء في تهذيبك، فلقد تغذيت بلبان آدابنا ~~ومدنيتنا. أيتها الحسناء، أيتها العزيزة جهان، عودي إلى معقولك، إلى صوابك، أنت تعلمين ~~مقدار حبي لك، وإجلالي إياك، وتعلمين أيضا أني أعجب بشعبك، وأحترم تقاليده، ولهذا أحب أن ~~أعيش بينهم، وأن أكون نصيرهم، أسلم بدعواك التي تخلصين بها النية، أنا مسلم أغار على ~~صوالح شعبك مثلك، وسيتولى شيخ الإسلام إذا شئت عقد الزواج. ~~- في موضوع الزواج لا فائدة من الكلام. ~~- ماذا إذن؟ # فترددت قليلا ثم أجابت: جئت لأراك بشأن والدي وابن عمي لا لأبحث معك بغير ذلك من ~~الشئون. ~~- قضية ابن عمك ليست بيدي، أما قضية أبيك ففيها نظر، ولربما تجهلين أنه لولاي لوقع أبوك ~~في مخالب أعدائه قبل اليوم من زمان طويل، وقصته سياسية محضة، ولقد أبيت استعمال الوسائط ~~التي رغبت فيها الجمعية في معاقبته. ~~- والآن؟ ~~- ثقي أن أمنيتك هي أمنيتي، ولكن لماذا التصلب بالرأي، ولماذا التحفظ والمخالفة؟ تقولين ~~إنك لا تستطيعين الاقتران بأحد من أبناء أمتك، وترفضين الآن ما أقترحه عليك. ~~- أرفض آسفة. ~~- إنك تتصنعين. ~~- أنا مخلصة، أقسم بالله إني مخلصة بما أقول. ~~- لا تركي ولا أجنبي! أوروبي! يا لك من امرأة صعبة المراس. ~~- آه ما أشقاني، تزوجت مرة، ولا أستطيع أن أتزوج مرة ثانية، ms54 أنا متزوجة من الحرية. ~~- مواربة سفسطة كلام. ~~- حقا ما أقول، صدقني، ثق بصفاء نيتي. ~~- إذا صدقتك وجب علي أن أسألك أن تكوني خليلتي. # وقعت هذه الكلمة «خليلتي» على أذن جهان وقوع الصاعقة، خليلة الألماني حظيته، يا لها من ~~كلمة تحول دمها إلى لهيب عندما تفتكر بها! أهذه غاية طموحها؟ # قالت هذا وهي لم تزل تنظر إليه بعين تقدح نارا، وتابعت كلامها: حظية سرية، ولقد هجرت ~~الاثنين: الأمير، والقصر، لاعنة كلاهما، والآن يجيئها هذا الرجل فيقترح عليها أن تكبل بنفس ~~القيود، وأن تقبل بذات العار، ولقد جال بفكرها أمر واحد أكثر من مرة أثناء الحديث وهو أن ~~تخبره أن ما تريده منه حقيقة هو ولد، وأن حفلة زفاف على الطقوس المسيحية أو الإسلامية لا ~~تأتي بنفع يرجى؛ لأن كلاهما يختلف مذهبا، ولا يمكن أن يعتنق الواحد مذهب الآخر بإخلاص ~~حقيقي، وما ذلك إلا تمويها وغشا، إما سلمته نفسها تتميما لغرض كان يجول في صدرها، فذلك ~~حسبها، وبه مناها ورضاها، وتبقى القرابة بينهما مقدسة، ولئن تكن قصيرة، إما حليلة حظية! لا ~~سمح الله! ونهضت من على الديوان ووجهها مضطرم غيظا وحنقا. ~~- عقيدتي بالزواج أسمى مما تظن يا حضرة الجنرال. # قالت هذا متطلعة فيه وجها لوجه. ~~- ولكن هذا ما يعني «بحرية الزواج» الأوروبي العصرية. ~~- وقد تجهل ما أعنيه أنا. # قالت هذا وهي لم تزل تنظر إليه بعين تقدح نارا، وتابعت كلامها: هذا من سوء حظي أيها ~~الجنرال، وقد تجهله أنت أيضا يا حضرة الجنرال، فإن اقتراحك لا يليق بك، هو شائن معيب، وقد ~~هدمت به أملي بك، وضربت اعتقادي الحسن بالألمان ضربة أليمة لا شفاء له منها. ~~- ولكن إذا كنت لا ترغبين بي زوجا (قال هذا واقفا أمامها، ويداه مشبوكتان وراء ظهره) ~~فلماذا لا ترغبين بي صديقا، إذا كنت لا تحبين أن تكوني زوجتي لم لا تكوني خليلتي؟ ~~- أخالك تسألني هذا لقاء إنقاذك أبي من الموت، يا حضرة الجنرال فون والنستين إن في ~~ابتغائك أن أضحي شرفي من أجلك أظهرت بأنك لست بشريف ms55 النفس والأخلاق. # وخرجت من البهو مسرعة حانقة قبل أن يفوه الجنرال بكلمة جوابا ... # ليس الجنرال فون والنستين من الرجال الذين يتبسطون بدخائل أنفسهم، ويدرسون نزعاتهم ~~الباطنية درسا دقيقا، فهو إذا صمم على أمر سعى له بكليته دون أن يحاسب نفسه في المحلل ~~والمحرم من وسائط الفوز فيه، وما هو من الذين يتغاضون عن أمر فيه امتهان شرفهم، أما شأنه ~~وجهان فرأى أنه لمن الضعف أن يقف في منتصف الطريق فيه مهما كانت الأسباب والنتائج حسية أم ~~وهمية، فقد نظر إلى الأمام بقدر ما تستطيع أن تصل إليه باصرته، ولكنه كان يفتقر إلى ذلك ~~النور الداخلي، إلى تلك البصيرة التي تحسر نقاب الغوامض التي تزيح ستار المخبأ، وتكشف ~~المخبأ من الأمور. # وما عسى أن يخبئ له هؤلاء الأتراك الذين أخطأ الظن بهم فخالهم رقيقي الجانب، سهلي المأخذ، ~~ليني العريكة، أليفي التزلف والذل، منها أنهم من المقاومين إرادته، المنافسين في شئونه، ~~المعرضين مقامه للذل والامتهان، ألعله يا ترى كان مخطئا بظنه بهم؟ أو لعل فيه ضعفا خفيا ~~شجعهم على الغطرسة، وأيقظ فيهم طبيعة الغدر والجحود؟ # وكان يتمشى في أرض الغرفة وهو يجاذب هذه الأفكار وتتجاذبه، وقد بلغ الاضطراب منه مبلغا ~~عظيما بعد أن ذهبت جهان، فوقف لأول مرة موقف المرتاب بقوته، الناظر إلى عظمته وسؤدده، نظر ~~من اعتاد النقد والتزييف، وهو يسائل نفسه قائلا: أويمكن أن تكون يا ترى عظمتي خارجية - ~~عرضية وقتية - بنت ساعتها؟ أوليس فيها شيء طبيعي دائم قائم بنفسه يدور على محوره؟! كلها ~~سطحية؟ أوليست هي جزءا من العظمة الألمانية؟ أو هل هي جزء من نفسي المتزعزعة؟ ليست قوة ~~نفسية فردية، بل هي قوة الخداع في السيادة، في اكتساب عبودية الآخرين فقط، أليس فيها من ~~السيادة الروحية ما يستميل إلى القلوب البشرية؟ أوليس لدي شيء من العظمة الحقيقية أو ~~السيادة الروحية؟! # وقد هالته هذه الاستفهامات الإنكارية، وشق عليه أن يصدق ما تنبأ به في ساعة تجلت له نفسه ~~مما فيها من الضعف والخلل. # أجل، أستطيع أن أقضي على حياة ms56 تركي متغطرس، ولكن من أين لي أن أجبره على الإذعان لمشيئتي؟ ~~هو ذا الباشا العجوز قد أهانني في بيته، وذاك البك الأحمق جاء يخطف حياتي في بيتي، والآن قد ~~رفضت هذه المرأة الشرف الذي أطرحه عليها، وتهينني فوق ذلك، وتنكر علي شرف النفس والأخلاق، ~~إن هذا في الحقيقة لكثير على الجنرال فون والنستين احتماله، وستحاسب جهان على سوء أدبها ~~وتمردها، إنها لن تكون زوجة ولا حظية؟ المرأة هي هي أينما كانت، فضلا عن أن هذه الولاعة ~~التركية لأردأ طبعا من الفرنسوية، أو لعلها يا ترى تقاوم قوة وحشية فيه! إذا كان هذا ~~فلتستعد للنقمة، فإنه لن يمهلها بين تدمي أصابعها ندما، ولقد أقسم أنها إذا أبت أن تكون ~~زوجته أو حظيته فستكون عبدة رقة لشهواته ولو يوما واحدا، نعم إنها خارج الحريم، ولكنها ~~ليست خارج العبودية التي ستحقق رغبته بها، أجل سيؤدبها، سيمتلكها سيذلها، فقد أصبحت الآن في ~~قبضة يده، تحت رحمته، وسوف تعود إليه، ما زال أبوها سجينا حيا، فعليه إذن أن يرجئ ~~محاكمته إلى أمد قصير، إلى أن ينال من جهان مرامه. # | الفصل الثاني عشر # حوكم القولاغاسي شكري بك في المحكمة العرفية أولا على عصيانه الأوامر العسكرية، فكان ~~عقابه أنه حرم وظيفته، وجرد من ألقابه، وحوكم ثانيا على تعمده القتل لمأرب سياسي، فكان ~~قصاصه الإعدام، ولقد أنفذ الحكم بطلقتين من بنادق ثلة عسكرية قوامها عشرة جنود، يقودهم ~~ألماني حال صدور الحكم على الجاني، أو إذا التزمنا جانب التدقيق نقول: إنه أعدم بعد خمسين ~~دقيقة من تلاوة القاضي صورة الحكم الذي ختمه فضيلته بقوله: إن مندوب الدول الوسطى الخطير لم ~~تمسه يد المغتال بأذى، وهو الآن متمتع بحياة مديدة الأعوام، سعيدة ترعاه عين الله القدير ~~الذي ينعكس نوره الإلهي على عرش جلالة المتبوع العظيم، المتجلي بقداسة الشرع الشريف، ~~والعدالة العثمانية العزيزة الشأن والأسباب. # إلا أن المجاملات الرسمية التي أجازتها المصلحة العثمانية الألمانية العسكرية لتحكم ~~بالعقاب على كل متعد أثيم، وتنفذ حكمها بسرعة ولجاجة لم يسمع بمثلها الأتراك، وقد أنشئوه ms57 ~~شريعة يجرون بموجبها عندما توافق مقاصدهم، وإلا فإنهم يكيفونها كيف شاءوا عند الحاجة، ~~مراوغين مقدمين ومؤخرين في بنودها وأصولها، فيتغاضون في الأحايين حتى عن مجاملة الطاغية ~~الخداع القادم إليهم من برلين الذي دعا له القاضي بطول العمر، ورعاية عين الله ~~تعالى. # نعم، فهم خدموا مأربه في شكري بك، ولكنهم ناظرون إليه بالمرصاد؛ لما كان ينوي إجراءه في ~~رضا باشا، فهم إذا استطاعوا بعونه تعالى لن يوافقوه على مشاركته في مكيدة يقصد بها امتهان ~~شرف سيدة من النبيلات التركيات، ولهذا عقد أعضاء جمعية الاتحاد والترقي وهم أعداء الباشا ~~الألداء جلسة سرية قر قرارهم فيها على توجيه احتجاج على دسيسة الجنرال، مندفعين بعامل ~~الغيرة منه، وعامل النعرتين الدينية والجنسية. # أرضا باشا يصبح في قبضة هذا الألماني؟ هذه لهجة غريبة تختلف نوعا عن لهجة ذلك القاضي ~~الذي رأس المحكمة العسكرية ينفذ فيها إرادة الجنرال كما تزين له أهواؤه حتى تذعن ابنة ~~الباشا لمشيئته، إنه لموقف شائن معيب أوقف فيه الجنرال نفسه. # هذه غايته، وهي لم تذهب عن رجال تركيا الفتاة القابضين على أزمة الأحكام، فوالله ونبيه ~~المصطفى لن يفوز بامرأة عثمانية، ولن ينالها قهرا مهما تسامت غايته، ونبل قصده إن كان الله ~~معينا لهم، فإن وزيرا من وزرائهم ولئن كان في الشئون العمومية عبدا مطيعا أوامر الجنرال ~~يصبح في يده آلة لنيل رغائبه الذاتية، وأغراضه وميوله لمما لا يتصوره عقل، ولا يخطر في بال، ~~وهو العار والفضيحة بعينهما، أجل رضا باشا مجرم، وجرمه الخيانة، ولا دخل للجنرال فون ~~والنستين في أمور العدلية العثمانية، وبناء على هذا نقل رضا باشا إلى سجن خارج الأستانة، ~~وقد منعت جهان هناك أيضا أن تراه. # وخلت جهان بنفسها مؤنبة ذاتها نادمة على تسرعها وخشونتها مع الجنرال، فقد كان أولى بها ~~التريث، وألا تفقد رشدها في مجالسته، فإن حياة أبيها يجب أن تنقذ مهما كان الثمن، ولكن ما ~~عسى أن يكون عندها هذا الثمن؟ تأملت بهذا الأمر مليا، وقد عادت إلى مخيلتها رؤيا أمهات ~~عنصرها راسفات في السلاسل والقيود، ms58 فاستسلمت إلى حلمها في الحرية التي هي أول أمانيها ~~وآخرها، الحرية في انتخاب زوج لنفسها قرين لا يحنث بيمين تتطلبه، ألا يتخذ زوجة سواها، وإذا ~~عز عليها ذلك فلتكن لها حرية الانتخاب في الأقل انتخاب أب لوليدها، بمثل هذه الجرأة وهذا ~~الإقدام ستكون جهان مثالا شريفا لنساء عنصرها، وتجعل عملها هذا من أشرف مبادئ ~~حريتها. # ولكنها تأملت مفكرة في كيفية الإقدام على مثل هذا العمل إبان هذه المشاكل المعقدة، إلا ~~أنها لا تستطيع الذهاب إلى الجنرال فون والنستين مقدمة إليه قلبها عاريا من التمويه، نعم ~~إنها طالعت كثيرا من الروايات العصرية، معجبة ببطلات أقدمن إقداما غريبا دون حياء، ولا ~~وجل في مواقف كموقفها الحالي إلا أنها لم تشعر من نفسها برغبة تدفعها إلى الإقدام المطلوب، ~~حتى ولو لم يحدث شيء يجبرها على الإذعان لمشيئة الجنرال، فليس فيها دافع يجعلها أن تسلك ~~مسلكا لا يخلو من عار عليها وفضيحة، كلا إنها لا تذل نفسها، وليس في العمل الذي تنويه من ~~عار أو فضيحة، فقد جال في خاطرها أنه إنما ترغب فيه إتماما لأسمى رغائبها، ولتحقيق حلمها ~~الذهبي. # وكذلك سرحت عواطفها، فكان المنطق خادما مشتهاها، وكانت الفلسفة موافقة رغباتها، على أن ~~الجنرال اليوم أصبح يكرهها كرها لا مزيد عليه، فقد استخفت به امرأة، وناله منها الرفض ~~والامتهان، فهو الآن إذا سنحت له فرصة ينزل بها أشد العقوبات، وربما أفظعها وأقساها، إنه ~~يحاول أن ينتصر عليها ويذلها لتكون غنيمة نصره كما ذكره الطبيب الألماني في المستشفى، غنيمة ~~في تصوره - أي تصور الجنرال - إنما في عينها، فلا فرق إذا كانت في يده آلة للتضحية أو ~~الانتقام، فإنها إنما تنجز عملا من أسمى الأعمال وأنبلها، لا بل عملا مضاعف الفائدة، ~~فإنها علاوة على نيل مقصدها تنقذ حياة أبيها من الموت. # إن ما تبذله إذن ليسير في هذا السبيل، وما هو بتضحية كما يتبادر للناس، بل هو جزية ~~تتقاضاها من الطاغية الألماني، ولد ترومه منه، وإن ما يظنه نصرا له سيكون نصرا باهرا ~~لها، ستذهب إليه ms59 إذن طالبة العفو عن أبيها، وستتركه يفعل ما شاء، ستستسلم إليه راغبة وهي ~~تظهر أنها أسيرة، ولكنها إذا فعلت ذلك يا ترى وتم لها ما تريد أينعم الله عليها بمن تتوهم ~~فيه ذرية شعبها المستقبلة؟ # سألت نفسها هذا السؤال، وأجابت عليه بالإيجاب متوكلة على الله ونبيه. # | الفصل الثالث عشر # بعد أن سلمت جهان نفسها تسليما حسبته نصرا مبينا لها خرجت عند منتصف الليل من منزل ~~الجنرال فون والنستين وهي تقاسي من حقائق الحياة أعمقها سرا، وأشدها ألما، وأقبحها ~~عاقبة، فتراءى لها من خيالاتها الوهمية التي كانت تمازج شعورها شبح مخيف في ظلال أخربة ~~قديمة، شبح هائل لا يبعده منها المنطق، ولا تدنيه منها الملاطفة والسفسطة، بعيد قريب، رهيب ~~مريب، أسود البشرة كالليل الحالك، بل كالخصي سليم الذي كان ينتظرها خارج بيت الجنرال، وقد ~~خيل لها أنها تستطيع أن تقبض على هذا الشبح بيديها وهو جالس أمامها في العربة، وآنا تراءى ~~لها في شكل غريب مخيف كأنه وحش من الغاب يتحفز للوثوب عليها، فشعرت إذ ذاك أن مخالب تمزق ~~جسدها، وأن أنيابا تقطع قلبها. # أحبت جهان الجنرال فون والنستين حبا صادقا شديدا عظيما إلى حين، ولكنها ألبست حبها ~~لباسا من البغض والحقد والازدراء، أحست بعوامل الحب وما يشبهها، وأدركت بعدئذ أنها ضحت في ~~لحظة شرفا حفظته سنين، فكانت هذه هي الحقيقة الهائلة الجارحة التي ألبستها العار ~~والإثم. # إلا أن أباها سينعتق من سجنه، وستجتمع به في الغد، وحسبها هذه تعزية لو أن الوساوس لم تسم ~~بها إلى أعالي الحرية المتلبدة غيوما، فلم تكن لترى في تلك الأعالي الإفضاء من الموت ~~الهادئ، ويدا أثيمة دست السم في كأس نصرها وسعادتها. # دخلت منزلها كفازع وجد مأمنا يقيه شر وحش يلحقه ضاريا هائجا، فقد كانت تحاول الهرب من ~~وجه العار والخوف، بل كانت تخجل أن ترى واحدا من الناس حتى سائق عربتها أو عبدها الرقيق، ~~فدخلت حجرتها وأوصدت الباب، ولكن من أين للأبواب أو الأقفال أو المفاتيح أو المزاليج أن ~~تحجب عنها أفكارها التي ms60 لازمتها ملازمة الظل؟ وكانت تعاني من رأسها وهي تنزع ثيابها دوارا ~~مؤلما، فبدت الأشياء والخيالات في رؤياها عديدة الأشكال والأهوال، أية يد بشرية أو شيطانية ~~أو مقدسة قبضت عليها فجرتها إلى أبواب نعيم مريب يخفره الوحش الأشقر؟ إنه لوحش هائل سخيف، ~~وقد كشر عن أنيابه، له عين تبدد الظلمات، ومخالب تبرق في ضوء القمر، وزئير ينصت الرعد إذ ~~رمى بنفسه على صدرها، لله من تلك الساعة وسيف القضاء والقدر مشهور فوق رأسها، ونيران الحياة ~~تضطرم عند قدميها، وحواليها هاويات شديدة الظلام لا قرار لها! ومضجعها الوردي يتمايل بها ~~على شفا هوات الجحيم! # فصاحت: يا لله! وقد تعمقت في كرسيها حاجبة وجهها بيديها؛ ظنا منها أنها تحجب هول الرؤيا ~~أمامها، وحيدة في شدتها وبؤسها، لا معين لها ولا قوة، تتقاذفها أمواج العوامل المتناقضة ~~المخيفة، فأرسلت من أعماق قلبها تنهدات طويلة، وثارت في صدرها المتقد الخفوق عاصفة هوجاء، ~~فأرعبتها الظلمة إذ أغمضت عينيها، وكان الهواء ثقيلا في الغرفة، غتيتا فاسدا مؤذيا، ~~ولهذا فتحت الشباك، ووقفت في رواقه ملتفة بعباءتها، وهناك أيضا وراء مياه القرن الذهبي ~~الهادئة، وراء سروات جامع أيوب المتعالية، وراء مآذن الأستانة وقببها بدا لها ذلك النعيم ~~المريب، وذلك الوحش الأشقر واقفا في الباب. # فصرخت ثانية: يا لله! ماذا فعلت؟ لماذا لم أذهب مسلحة؟ ولماذا لم أنحر الوحش الضاري؟ ~~لماذا؟ # وقبضت يسراها بيمناها كأنها تحول دون القيام بعمل هائل تحدثها به النفس الأمارة بالسوء، ~~فقالت في نفسها: يا لها من حماقة! حماقة، يا له من جنون! # واستجمعت قواها لتقاوم ذاتها الأخرى، تلك الذات الأثيمة التي انتصبت أمامها، فجلست على ~~كرسي تفرك جبينها وخديها بيديها، فارتاحت هنيهة، ثم أفاقت إلى عوامل فيها محض جسدية، فإن ~~فمها كان ناشفا من شدة العطش، وقد دب التخدير إلى جسمها، حتى خيل إليها أن ألف إبرة تنخس ~~فيه. # أيقظت جاريتها، وأمرتها بإعداد حمام فاتر، فجاءها ذلك ببعض الراحة، ثم أخذت كأسا من شراب ~~الورد فأنعشها، وقويت نفسها نوعا على هجمات العوامل الروحية، عندئذ تحقق لديها ms61 أنها هي في ~~حجرتها الخصوصية، وكل ما كان أمامها في محله، ولم يعد الهواء ثقيلا فاسدا سيئ الرائحة، ~~وهناك على منضدتها كتبها ومجموعة أوراقها، وفوق المنضدة لوح ذو إطار عليه آية قرآنية في ~~الزواج طرزته بيدها تطريزا بديعا، تطريزا من الذهب على حرير أزرق سماوي اللون، أما الآية ~~فهي: # فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة # قرأتها ~~مرة أخرى وهي تردد: فواحدة! واحدة! وما عسى أن يكون عدل الرجل نحو المرأة؟ أيسمح له النبي ~~بأربع زوجات، ثم يسأله أن يكون عادلا، إن هذا تنازل منه وتلطف، زه! زه! # وحولت نظرها من الإطار إلى الأوراق على منضدتها، فقلبتها واحدة واحدة، وفيها من الحكم ~~الإنكليزية، والأقوال الفرنسوية، والحقائق الهائلة الألمانية، مما كانت تترجمه إلى التركية، ~~متراكمة بعضها فوق بعض، مبعثرة شذر مذر مع عدد من مقالاتها التي حبرها قلمها السيال، بل نتف ~~من مقالات لم تنجزها، وخطرات من هنا وهناك تصور روحها الطامحة إلى العلى، وعقلها المشغوف ~~بالبيان، وقد عثرت بين هي تنقب في الأوراق والبصيرة منها شاردة على صورة الأمر الذي أصدره ~~أبوها، وفي آخره هذه العبارة: «يجب عليك أن تمتنعي عن مقابلة الجنرال فون والنستين وعن ~~مراسلته.» # وما عسى أن يقول والدي إذا عرف بأمري؟ يا لله! كيف أستطيع مقابلته وجها لوجه؟ ماذا أقول ~~له، أأخادعه؟ أأكذب عليه؟ كلا، كلا، سأصدقه الخبر، سأنبئه الحقيقة بتمامها، ولكن أية حقيقة؟ ~~أنها دفعت من شرفها ثمن حريته؟ أنها قبلت من يد الألماني الدنسة آخر سني حياته القليلة؟ بلى ~~ولكن ذلك ليس بالحقيقة كلها، فإن الجزء المهم فيها إنما هو الحرية، بل حياة الحرية التي ~~ستوجدها في شعبها، الحرية التي جعلت جهان أما، أيفهم هذا يا ترى أبوها، ويصفح عنها، أو ~~لعله يطردها باصقا في وجهها كأنها من رعاع النساء؟ أوليست هي مسلمة؟ أوتطرح المسلمة إلى ~~خنزير كافر؟ يا لله! وإلى أين تذهب؟ بل ماذا يقول الناس عنها؟ # كانت تردد هذه السؤالات، فذكرتها بأولئك الذين كانوا في الجوامع، وقد نقل عبدها سليم ~~حديثهم إليها، فشبكت يديها ms62 حول رأسها مكبة على المنضدة، والمخاوف تتجاذبها، وحدث بعد ذلك ~~هدوء في نفسها شبيه بما يلي العواصف، فأذعنت مرغمة للقضاء والقدر، راضية بما قسم الله لها، ~~متوكلة عليه تعالى الذي هو أول وآخر ملجأ يلجأ إليه المسلمون، ولكنها ما لبثت أن ذعرت ثانية ~~إذ تراءى لها الوحش الأشقر. # وكان أمامها على المنضدة كافور فتناولته، وفركت به جبينها، وما فوق جفنيها، ثم تناولت أول ~~كتاب وصلت إليه يدها، فكان كتاب نيتشى «هكذا قال زاراتوسترا»، فقلبت في صفحاته آملة أن تدني ~~المطالعة منها النعاس، فيريح جفنيها الملتهبتين بشيء من النوم، ولكن مطالعة نيتشى جاءتها ~~بكعس ما أملت، ولم تؤثر فيها كما أثرت أول مرة طالعت ذلك الكتاب، أنبي؟ نعم، وما الفائدة من ~~نبي لامرأة تعتقد بآية من القرآن؟ وما الفائدة من تعدد الأنبياء؟ بل ما المقصد من نبي آخر ~~حين أن كل الأنبياء واحد، ورأيهم في المرأة واحد؟ الحب، الشفقة، الرحمة، العدل، كل هذه سواء ~~عن المرأة من لدن الرجل شرقيا أم غربيا، نبيا كان أم شاعرا أم حمالا. # لا تصحب المرأة إلا والسوط معها! # هذا ما يقوله أول الأنبياء وآخرهم، الواحد يردد صدى الأول، أويكون يا ترى الصوت أبا ~~الحرية المولودة من امرأة؟ يا لله! أجاء هذا الوحش الأشقر من الشمال قضاء وقدرا ليذلني، ~~ويجعلني أما؟ أتتولد الأجنحة الذهبية من جروح في نفسي دامية؟ # لا تصحب المرأة إلا والسوط معها! # لقد تعبت من نيتشى، بل خاب أملها به، فإنه لم يأتها حتى بما أملته من النعاس، ولهذا لجأت ~~إلى المخدر الذي جاءها به سليم عبدها، وما هي إلا دقائق قليلة حتى أخذت أفكارها المشتتة ~~الثائرة تنقشع رويدا رويدا كما ينقشع الظل، فأغمضت عينيها، ولكنها ظلت ترى وتقرأ حتى آخر ~~دائرة من دوائر هواجسها هذه العبارة مكتوبة بأحرف من دم: لا تصحب المرأة إلا والسوط ~~معها! # وانطرحت على سريرها بين نائمة ويقظى، والعياء والعناء ظاهران في تنفسها، فاستيقظت عند ~~الفجر من سباتها، وهي تصيح صيحة هائلة راعت الجارية فسارعت إلى غرفتها، وما ms63 صرختها إلا ~~تأثير حلم مزعج مريع، فقد تراءى لها رجلان داخلان إلى سجن تحت الأرض فيه السجين نائم، فربطا ~~يديه ورجليه، وسدا فاه، ثم أخذ أحدهما سكينة وقطع شريانا في أحد معصمي السجين؛ فتفجر الوجه ~~ملطخا وجه الجاني الأثيم، وجاريا كالنهر على الأرض، ورأت الرجل يتململ في عذاب مميت، وقد ~~سمعته يئن أنينا يذيب الفؤاد، أما الرجلان، فقد وقفا حياله مخفضين رأسيهما، منتظرين نفسه ~~الأخير، وإذ لفظه حلا أوثقته تاركين إياه منطرحا على الأرض جثة هامدة، وإذ رأت جهان وجهه ~~صرخت مولولة: أبي! أبي! قتلوا أبي في السجن، قتلوا أبي. # واستوت في فراشها، ويداها مرتخيتان على صفائح السرير، ووجهها أصفر كأن عليه غبار الموت، ~~وعيناها محملقتان تخترقان المكان، ولم تزل في مخيلتها صورة تلك الفاجعة، وفي نفسها مرارة ~~ذلك الحلم الهائل، وظلت كأنها في ساعة حلمها حتى فتحت جاريتها زليقة فاها بالكلام، فقالت ما ~~أدهشها سماعه: «الدم يا مولاتي فأل، كذلك كانت أمي تفسره، وقد كانت تحسن تفسير الأحلام، نعم يا مولاتي، ~~الدم سعادة، وإني أتنبأ أن أباك مولاي سيكون معك قريبا إن شاء الله.» # | الفصل الرابع عشر # لبثت جهان ترقب قدوم أبيها، وقلبها يتلظى بين عاملي اليأس والأمل، فقد حلمت حلما هالها، ~~ولكن الجنرال فون والنستين وعدها بأن يعتق أباها من سجنه في ذلك النهار، فمرت الساعات: ~~التاسعة منها، والعاشرة، والحادية عشرة حتى الظهر ولم يعد أبوها، ولا جاءها خبر عنه، فخاطبت ~~الجنرال بالتلفون، فوعدها بأن يزورها في الحال ليعلمها بسبب التأخير. # وبعد قليل جاءت الخادمة بجريدة طنين، فتناولتها جهان، وطالعت فيها هذه الإذاعة: # قد انتحر رضا باشا في سجنه صباح اليوم باكرا بقطعه أحد شرايين معصمه الأيسر بزجاجة ~~من المصباح الذي وجد مكسورا على الأرض. # قرأت جهان هذا الخبر أصيل ذلك النهار هادئة ساكتة، ومن غريب أمرها أنها لم تتأثر ظاهرا، ~~ولم تفه بكلمة، ولم تصفق كفا على كف، لم تنح ولم تولول بكلمة، لم يحرك خبر هذه الفاجعة ~~مظهرا واحدا من مظاهر الحزن فيها، كأنها تناهت في ms64 الغم والأسى، فوصلت بفؤادها إلى أوج ~~الأحزان والعذاب، ومتى عظمت المصائب على امرئ أسكتته، أبهتته، جعلته ظاهرا بل باطنا أيضا ~~كالجماد، فتمسي لواعج النفس كماء الغدير وقد استحال من ريح الشتاء جليدا، وفوق ذلك فقد ~~كانت جهان على استعداد لاقتبال مثل هذه الفاجعة التي تراءت لها في ذلك الحلم المزعج، فشاهدت ~~فيه سر الأوامر الرسمية: المكيدة، الأمر بالاغتيال، الدسيسة الشيطانية، الجريمة، والإذاعة ~~الملفقة بخصوصها، أجل إن أباها قد مات، قد قتل قتلا فظيعا، ولا مراء أن للجنرال فون ~~والنستين يدا في الأمر، أو أنه عرف به في الأقل، وغض النظر ليتمم تمثيل دوره المنكر، وهو ~~يتظاهر أنه يعمل من أجلها لتبقى صفحتها بيضاء عندها، قبحه الله! إنه فجعها بأخيها، وحرمها ~~ابن عمها، وقتل أباها! وفوق هذا كله هو قادم الآن لمقابلتها، يا لله! ما أعمق غدر هذا الرجل، ~~وما أشد مكره، وما أعظم جبره ووقاحته! # إنه قادم ليراني، أعادت هذه العبارة مرة ثانية محرقة الأرم، وربما كان قصده أن يهنئني ~~على حريتي؟ # وتجعدت شفتاها، واشتدتا لما جاش في صدرها من مفاعيل الغضب التي تحولت تدريجا إلى ضحكة ~~ازدراء وانتقام. # ولكن علي أن أقبل زيارته، أجل سأقابله بما يليق بمقامه السامي. # وذهبت إلى غرفتها مخلدة إلى أجمل ما في نفسها من الطباع وأهدئها. # وجلست مكبة على المرآة تزين وجهها. # علي أن أستعد لمقابلة سيدي. # ومرت بأناملها البيضاء الناعمة في شعرها الذهبي، فأرخته مسدلة إياه على وجهها، ثم سرحته ~~وضفرته إلى جديلتين، وهي تقول متكلفة الغنج والدلال: إكراما لسيدي، من أجل إله حلمي، من ~~أجل عشيقي القادم من الشمال، قالت هذا وهي تمر الميل بين هدبيها تكحل عينيها. # ثم نهضت خالعة عنها ثيابها، ودهنت جسمها بالطيب، وارتدت فستانا عريضا شفافا أخضر ~~اللون، يجر ذيله على الأرض، ومشت بضع خطوات؛ فزاد زيه بجمال قدها، وشف تجعيده عن بياض ~~جسمها، وأنيق خطوطه، ولبست فوقه سترة موشاة بالذهب، شدتها على الصدر، ضاغطة عليه حتى أصبح ~~مساويا لما تحته من الحرير الناعم، وتمنطقت بمنطقة أقل اخضرارا ms65 من الفستان ضمت ثدييها، ~~وقد أنزلتها قليلا حتى ظل خصرها باديا في لينه وتمايله. أما خفاها، فكانا من الحرير ~~المقصب كسترتها رسما ولونا، يتلألأ فوقهما خلخال من الذهب المرصع بالحجارة الثمينة، فكانت ~~حقا سلطانة، بل حورية فتانة الجمال؛ إذ وقفت وهي في هذا الزي ويداها مشبوكتان حول نحرها ~~تنظر شزرا في المرآة، وتصعد الزفرات. # ثم قالت وهي تمزج في كفها نقطة من عطر الورد ببضع قطرات من «سكلا من رويال»، وتدهن صدرها: ~~من أجل سيدي. # ثم نادت بالخصي سليم، فأعطته التعليمات اللازمة بخصوص القهوة، وذهبت إلى الدارخانة، ~~وبيدها كتاب نيتشى «هكذا قال زاراتوسترا». # وجاء الجنرال فون والنستين نحو الساعة التاسعة، فأعلن قدومه إليها. # فأسرعت لمقابلته عند الباب قائلة: أهلا وسهلا بالجنرال، أنا مسرورة جدا برؤيتك مرة ~~أخرى، وكانت جهان ترحب بالجنرال وعلى ثغرها ابتسامة ساحرة كأن لم يكن من مؤثر في عقلها ~~وروحها، أو كأنها في ساعة أنس وحبور؛ فدهش الجنرال من تصرفها، وعبثا حاول إيجاد سبب للريبة ~~فيما رآه منها، جميل يصعب عليه حتى على من هو أبعد منه نظرا وبداهة في الخاطر في مثل تلك ~~الحال أن يخترق حصون أنسها ومجاملتها، فلقد أجادت في التكليف والمصانعة، متقنة دور السحر ~~والتظاهر، وهي بما ارتدته من اللباس العثماني الذي لم يقابلها به قبلا قد ازدادت فتنة ~~وجمالا، وقد خطر في باله في الحال أنها لم يبلغها خبر قتل أبيها، ولهذا لم يكن عنده شك ~~أنها تزينت لأجله؛ لأجل عشيقها، لأجل من ظفر بها، وإنه لسماجة منه وفظاظة أن يكدر خاطرها ~~الآن، ويفاجئها بالخبر، فإنه بهذا العمل يهدم معاقل آمالها، ويخيب رجاءها، ويذبح حلمها، ~~وحلمه أيضا بما كان يجول في نفسه من التمنيات الحيوانية، إلا أنه لم ير مناصا له من الإلماع ~~إلى الموضوع في الأقل، فكان عليه أن يقول شيئا يطمئن بالها. # فدنا منها جالسا على الديوان، وقال: إنه ليصعب على المرء، ليستحيل عليه أن ينجز بسرعة ~~مقاصده، وينفذ الأهم من أوامره في هذه الأيام. ~~- قد يعزر وزير عثماني لم ms66 ينجز في الحال أوامر جنرال ألماني على أني أراه إبطاء عاديا ~~أصبح صفة لازمة لدوائر الحكومة. ~~- بالتمام، بالتمام، هذا هو الواقع. # قال هذا متنفسا الصعداء، فإنه رأى فيه فرصة للتملص من الوعد، وللنجاة من حراجة الموقف، ~~ولكي يحول الحديث إلى نقطة أخرى تبعده عن الموضوع، توقف قليلا ثم قال: وماذا كنت تطالعين ~~عندما أقبلت عليك؟ ~~- كنت أطالع كتاب نبيكم عن «الوحش الأشقر». # ودلته على العنوان، وعيناها تبرقان غنجا ~~وسحرا. ~~- نعم إن نيتشى من أعاظم نوابغنا، ويقال إنه شاعر أكثر منه فيلسوف، أما أنا فلا أحفل ~~بكتاباته، وطالما حاولت مطالعة هذا الكتاب فلم أستطع ذلك، ولم أنه إلا صفحات قليلة منه، ~~والسبب طبيعي؛ فإن نيتشى كثير الخيال، وهذا ما لا يرغب فيه الجندي، ولكن ما أجملك وما أبهاك ~~بهذا الزي الوطني! ~~- في سبيل إعزازك وإكرامك أيها الجنرال. # قالت هذا مخفية في الحال لحظة ذابلة رمته بها، أما هو فتناول يدها وكله هيام، فضغط بها ~~على شفتيه مقبلا إياها. # ودخل إذ ذاك سليم بطبق القهوة، فتناولت جهان الفنجان العائم عليه حب الهال، وهو دليل لها ~~لأخذه دون الآخر الذي قدمته إلى الجنرال. # رشف الجنرال قهوته ساكتا، وعيناه ترقبان حيطان الدارخانة الفخمة، فلاحت منه نظرة إلى ~~متحف السلاح. ~~- لأبيك مجموعة سلاح جميلة. ~~- نعم إن له متحفا للسلاح يروق لناظره، فهذه قطعة مغشاة بالصدأ، ولكنها من أثمن التحف ~~التي كوفئ بها والدي من آثار الجيل الرابع عشر، وقد أهداها إليه السفير الفرنسوي، وهذا ~~السنان هدية أحد زعماء العشائر العربية، وهذا النصل الدمشقي غنمه أمير بلوخستان في إحدى ~~المعارك الدموية، وقد حفر عليه الأمير أثرا تاريخيا. # وأنزلت سيفا شهرته بزلاقة من غمده المصدأ. # أتقرأ الكتابات الأثرية أيها الجنرال؟ ~~- كلا، ولكني أراه حساما بديعا، وما أجمل قرابه المرصع، أظن حجارته حقيقية؟ ~~- نعم، فهي من الزمرد والياقوت، وقد نضدها أمير هندي، فجاءت خالية من الترتيب والإتقان، ~~وهذا حسام أظنه من صنع هذا العصر في ألمانيا، وهو هدية السلطان عبد الحميد إلى والدي يوم ~~تقلد مهام الصدارة العظمى. ms67 أما هذا السيف المكسور، فله حكاية غريبة في بابها، وهي أن ضابطا ~~يونانيا جيء به أسيرا إلى والدي في أحد سهول تساليا إبان حربنا الأخيرة مع اليونان، ~~فأمره والدي أن يسلم سيفه، فأبى قائلا: إنه ورثه من أبيه الذي ورثه عن أجداده، وقد بقي ~~أثرا تاريخيا في عائلتهم، ولهذا فهو يؤثر كسره على تسليمه للأعداء، وإذ سمع والدي كلامه ~~سر من بسالته، وشرف روحه، فسمح له أن يستبقي السيف، إلا أن ذلك الضابط اليوناني الشاب لم ~~يرض بسيفه أن يعود إليه هدية من تركي، وقد ظل سحابة نهار كامل يستكبر الأمر ويستهوله حتى ~~كسره على ركبته، ثم أطلق نار مسدسه في رأسه فمات منتحرا، ولهذا احتفظ به والدي بالرغم من ~~كسره؛ تذكارا لتلك الحادثة، وإكراما لذلك اليوناني؛ اليوناني باسل شريف النفس ولكن التركي ~~أشرف منه وأنبل؛ ولهذه المدية أيها الجنرال لسان ينطق عن حادثة محزنة، وهي أنه لما كان ~~والدي ملحقا عسكريا في السفارة العثمانية في باريس، كان يتردد علينا نائب فرنسوي قريب من ~~عمرك، وكان يجيد التركية إذ تلقى علومه في الشرق، وقد سمح والدي لأمي التي كانت من جميلات ~~العصر أن توافي الصالون حاسرة القناع؛ ولهذا أكثر النائب زياراته، وكثيرا ما أشرك زوجته ~~معه بزياراتنا، وقد دعيا والدي يوما إلى منزلهما خارج باريس، ولم توجس أمي شرا من تلك ~~العلائق الودية، حتى جاءها النائب ذات مساء بينا أبي كان في التياترو مع أصحابه، فتقدم إليها ~~راكعا على ركبتيه، مقبلا قدميها، مفصحا عن شدة تعلقه بها وهيامه فيها؛ فأنكرت أمي عليه ~~ذلك نافرة، وللحال انقلب النائب من إنسان إلى وحش؛ إذ حاول أن يرغمها لإرادته، إذ ذاك عمدت ~~أمي إلى الحيلة لتخلص من شره، فجرته إلى حيث كانت هذه المدية - هذه المدية بعينها - فقبضت ~~على لحيته وطعنته طعنة في قلبه قاضية، وقد تناولت صحف باريس هذه الحادثة، وبرأ الرأي العام ~~ساحة أمي، ولكننا اضطررنا بعدئذ أن نغادر باريس. # وقد استغربت جهان ما ظهر من قوة الاختراع والتصور فيها، فلفقت ms68 حكاية عزت حوادثها إلى ~~أمها، ولم تدر كيف خطرت في بالها، إلا أنها ناسبت المقام، وخدمت قصدها في الجنرال، ولكنها ~~لما نظرت إلى وجهه شاهدت فيه علائم الحيرة والاضطراب، وقد ألبسها لباس التيقظ والاحتراس، ~~فقد كان ينظر إليها واجما باسما معا، وهي واقفة أمامه وبيدها المدية، أما هي وقد آنست ~~منه التحذر، فتندمت لإثارة هواجسه، وللحال عادت تطمئن باله فقالت: ولكن أجمل ما في المتحف ~~من القطع وأثمنها إنما هي في قاعة أخرى، فهلم أريكها إذا شئت. # تبادر إلى ذهن الجنرال أنه لفي موقف لا يخلو من خطر، ولكنه ما لبث أن عاد إلى طمأنينته إذ ~~تقدمته جهان إلى غرفتها بين هو يتمشى وراءها، متأملا قوامها الرشيق، وجمالها ~~الفتان. # أدخلته قدس أقداس الحريم العابق بالروائح العطرية التي تسكر النفس، وتذيب الفؤاد، ولقد ظن ~~بادئ ذي بدء أن كل ما كان أمامه وهم لا حقيقة ما خلا اليد التي أمسك بها، والعينين اللتين ~~حدق بهما، وتلك الطلعة الجميلة؛ طلعة جهان! وذاك القد قدها اليتيم الذي ضمه إليه، فأضرم في ~~نفسه النار وهي تشعر بحقيقة حال يفوق جمالها جمال التصور والخيال. ~~- لا، لا، ليس الآن. # قالت هذا جهان متطلعة فيه بعينين عاشقتين ذابلتين وهي تبتعد وتقترب منه كلهيب النار في ~~موقد كانون. # أما السيف الذي أرادت أن تريه إياه، فقد كان معلقا على الحائط فوق الديوان، فأنزلته ~~قائلة: هذا أثمن السيوف وأجلها معنى، وهو أثر تحتفظ به العائلة، عائلتنا؛ لأنه جاء لوالدي ~~بالتوارث عن أحد جدوده يوم حارب المسيحيين عند أبواب فيانا! أما أبي فلما قضى آخر أولاده ~~استأمنني عليه قائلا: ليكن هذا السيف من نصيب عريسك الذي سيرث شرف أجدادك المقدس. # فتناول الجنرال ذلك السيف معيدا كلمتها «عريسك»: هذا هو السيف الذي أضعته، السيف الذي ~~كان يجب أن أرثه، نعم. ~~- هو تقدمة مني إليك أيها الجنرال. ~~- لله درك من حسناء كريمة الأخلاق، بهية الطلعة، حلوة المحيا. # وقد تنحت عنه مرة أخرى أيضا حائرة بأمره مترددة قائلة: لعل سليما قد غلط بفنجال ms69 القهوة ~~إذ قد نفدت حيلتها التي تظاهرت بها متلبسة صفات غير طبيعية فيها، ولهذا بدأت تشعر بعناء ~~وقلق خائفة أن تكون لم تحسن ترتيب الأمر، أو أن يعود إلى ما سبق له من قلق البال، وإيجاس ~~الشر بالرغم من أنها جاهدت في استبقاء رشدها، والمحافظة على التكتم بما تظاهرت به. ~~- لم يحن الوقت بعد، اجلس ودعني وحريتي هذه الليلة، السيف لك، وأنا أيضا، و... و... وسأعود إليك ~~في الحال. # وخرجت من الغرفة تاركة ضيفها على الديوان، أما هو فتناول السيف مرة ثانية مجيلا نظره في ~~ما نقش عليه بالتركية، مقلبا إياه بيده، معجبا بنصابه المطعم بالذهب، وكان ذلك التطعيم ~~عربيا، وهو آية من القرآن لا تروق لمسيحي ما، ولا يحب سماعها وهي: # واقتلوهم حيث ثقفتموهم ~~، والضمير في هذه العبارة عائد إلى ~~الكفار المشركين، إلا أن جهل الجنرال اللغة كان بركة ونعمة، ثم أنعم النظر بالغمد المرصع ~~بالحجارة الكريمة، ممسكا بالنصاب على طول ذراعه، وضغط بسنانه على البلاط ليراه يلتوي، ~~فتبسم قائلا: لقد أصبح ملكي، وجهان، حوريتي، سلطانتي العائدة إلي قريبا هي لي ليلة ~~واحدة أخرى في الأقل. # ومرت عشر دقائق قبيل أن عادت جهان وهو ينتظرها بصبر كاد أن يفرغ، وبعدئذ أخذ يتمشى في ~~الغرفة، ولم يزل السيف في يده، وقد شعر بتخدير دب إلى يديه ورجليه، وبدوار استولى عليه ~~بتدريج، فرمى بنفسه في الديوان، وأسند رأسه إلى وسادة شاعرا أن يدين خفيفتين كانتا ~~تؤاسيانه وتلاطفانه، وأن شيئا غريبا استحوذ على صوابه، وامتلك رشده، وأن الإغماء استولى ~~عليه، وقبل أن يغمض عينيه في الرمق الأخير الذي هو ليس بيقظة ولا بنوم رأى شبحا من ~~الجمال والبهاء يتقدم نحوه، ودخلت جهان القاعة، فنظرها الجنرال آخر مرة في حياته؛ لأنه في ~~تلك اللحظة سقط السيف من يده، ونام نوم الموت. # اقتربت منه جهان لتتأكد حقيقة حاله، فحلت عرى سترته وطوقه تبدو منه رقبته، وتناولت السيف ~~محدقة بجثمانه الجامد الهادئ الذي كان منذ هنيهة هائما دنفا ملتهبا شهوة وغراما، ثم ~~تراجعت خطوة مترددة، ms70 مذعورة ، ولكنها نشبت للحال كالنمرة صارخة، باسم الله، إما تضحية وإما ~~انتقاما؟ وكانت يدها ثابتة لا ترجف، ولم تخطئ طعنتها النجلاء، فتدفق الدم من حبل وريده ~~ملطخا فستانها، جاريا كالنهر على الديوان، وعلى البلاط الرخامي الأبيض، ملوثا حذاءها، ~~فراعها مرأى الدم وأرعبها، ولهذا هرولت من الغرفة حافية صارخة: لقد نحرت الوحش الأشقر، لم ~~يعد الوحش الأشقر في قيد الحياة. # ودخلت الدارخانة محكمة قفل الباب، وقد صور لها الوهم أن أحدا رآها كما هي رأت مصرع ~~أبيها، وأنه لاحق بها، فارتمت على الديوان لابطة الكتاب الذي كان هناك، واحتملت رأسها ~~بيديها كأنها تريد أن تهدئ ما فيه من ثورة الخوف والرعب، ولقد تراءت لها الرؤيا مرة أخرى؛ ~~فكان أمامها بوابة النعيم، ولكنها خالية من الوحش الأشقر، فقد ذبح ذلك الوحش، ومات إلى ~~الأبد، ولكنها وثبت بغتة من على الديوان، وفي عينيها حملقة تنطق عن جنون طرأ عليها في تلك ~~الساعة، فصاحت ذعرا وألما، وقد رأت أمامها بدلا من وحش واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، ~~جمهورا كبيرا من الوحوش. # ثم صرخت بملء صوتها: لا، وهي تلف ضفائر شعرها حول عنقها، لا إنهم لن يستطيعوا أن يدركوني، ~~كلا، كلا. # وأسرعت إلى الجهة الأخرى من الغرفة تدوس كتاب نيتشى على الأرض، فأنزلت المدية التي لفقت ~~فيها حكاية أمها مع النائب الفرنسوي. # ثم عادت جالسة تفرك بأنامل يمناها معصمها الأيسر، مستجمعة نظرها في مكان واحد، وهي تصيح: ~~كلا، إنهم لن يدركوني أبدا، هنا، هنا تماما، رأيتهم بأم عيني، رأيتهم يذبحون ~~بالسكين. # ما قالت هذه الكلمة إلا وتجعدت شفتاها متصلبتين مكشرتين ألما ممزوجا بهول استحال ~~تدريجا إلى ابتسامة صفراء؛ ابتسامة الموت، فمدت ذراعها وهي تميل بوجهها من الدم المتدفق ~~منه. # أبتاه اصفح عن ابنتك، بدرم إن الوحش الأشقر لم يحيا ليفاخر بانتصاره، ابتاه لقد ذبحته ~~بسيفك - بدرم ذبحت الوحش الأشقر - الوحش الأشقر قد مات. # وبدت قدماها البيضاوان إذ مددت رجليها المغطاتين بالأخضر كأنهما زنبقتان تدلتا من ساقهما، ~~زنبقتان ألوتهما ريح الصبا، وبدا وجهها المتوج بضفائرها الذهبية ms71 كالموجة المغشاة بالزبد ~~الظاهرة عند الشفق إبان بزوغ الشمس. # أما المدية وكتاب نيتشى، فقد كانا على الأرض إلى جانب الديوان، مغموسين بالدم كأنهما ~~يشهدان شهادة حق على ما ينبغي أن يموت في الشرق وفي الغرب قبل أن تولد روح العالم ~~الجديدة. ms72