######OpenITI# #META# URI: 1359AminRihani.MakariWaKahin.Hindawi53626279 #META# Tags: novels #META# ID: 53626279 #META# Title: المكاري والكاهن #META# AuthorID: 93831791 #META# Author: أمين الريحاني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # المكاري والكاهن‏ # الإهداء‏ # المكاري والكاهن‏ # | المكاري والكاهن # | المكاري والكاهن # تأليف # أمين الريحاني # | الإهداء # إلى الخوري ي. ي. # ذكرى جلسات جلسناها، وآراء تبادلناها، وأغان رددناها، على موسيقى الساقية الفضية، ~~تحت صنوبرة هرمة، بالقرب من دير قديم مهجور، في الجبل الذي نرجو أن يعود إليه الذين ~~هجروه من أبنائه، ويهجره - ولو لمدة قصيرة - أولئك الذين لم يروا من العالم ~~سواه. # نيويورك، سنة 1904م # | المكاري والكاهن # عجل يا أخي، عجل. العربة تنتظر في الخان. # حاضر، يا عم. ستة عشر غرشا ومتاليك. # دفع الرجل القيمة، وأخذ السلع، فربطها في منديل أحمر كبير، ثم علقها في عقفة عصاه، ~~وحملها على كتفه، وهرول إلى الخان. # هو أحد الفلاحين في جبل لبنان، أولئك الذين ينزلون إلى مدينة بيروت من حين إلى حين ~~ليبتاعوا حاجات بيوتهم. أسرعت، فأجملت، فقلت إنه أحد الفلاحين، بينما أن مهنته الخاصة هي ~~غير الفلاحة والزراعة، هو من تلك الطبقة التي يحتقرها الناس، رغم أن البلاد لا تستغني عنها. ~~هو أحد المكارين الذين يقضون في الفلاة معظم أوقاتهم، وفي خدمة اللبنانيين يجدون وراء ~~البغال. # يمتاز المكاري اللبناني بثلاث مزايا كبيرة ما عدا الصغيرة؛ أولها: سب الدين، فهو مثل ~~الجندي الإنكليزي، لا يحسن الكلام دون أن ينقطه ويحركه بالمسبات. وثانيها: ~~خفة الروح، فالنكتة هي غالبا في جيبه، أو على لسانه. وثالثها: الذكاء الفطري. هذه ~~المزايا الثلاث تجعل المكاري مؤنسا فكها، وقلما تجتمع كلها في غير المكارين، فقد ~~يكون الوجيه ذكيا، ولا يكون خفيف الروح، وقد يكون الراهب مزاحا، ولا يكون ذكيا، ~~وقد يسب الفلاح الدين وهو بليد ثقيل الدم. على أن هناك فلاحا يشابه المكاري فيما ~~امتاز به، وهو الشريك المرابع للدي؛. وهؤلاء الشركاء هم غالبا أذكياء مجان. ولا عجب، ~~إذا كانوا كذلك يجدفون. # أما المكاري فهو يكثر من المسبات؛ لأن أكثر مشاغباته مع الحمير والبغال، وهؤلاء لا ~~يعرفون من أساليب الجدل والإقناع غير أنهم يحرنون ثم يرفسون. أما أنه مجان؛ فذلك لأن أكثر ~~أشغاله هي مع الرهبان. وأما ذكاؤه الفطري، فإن له أسبابا ms01 عدة ظاهرة وخفية، فالخفية نتركها ~~للعالمين بالغيب، ونذكر من الظاهرة ما هو - في نظرنا الضعيف - الأهم. # يقضي المكاري معظم وقته في العراء - في العزلة - في سكينة الطبيعة وجمالها - بين ~~الجبال، وفي الأودية والسهول، فيكثر من مناجاة نفسه، ولا غرو؛ إذ ليس له في تجواله أن ~~يحدث غير رفاقه. وأصحاب المهنة الواحدة ذوو كفاءة في نظر أنفسهم، فقلما يستفيد بعضهم ~~من بعض. # والمكاري في سياحاته المستمرة يتعرف إلى أناس من شتى الطبقات، ويرى قرى عديدة جديدة، ~~فيتسع جو نفسه ومعقوله، ويجتمع له كثير من النوادر والحكايات التي يفاكهك بها في الطريق. ~~أما أنه محتقر؛ فلأنه فكه ومفيد، وقد تعود الناس أن يحتقروا من يفاكههم إن كان على ~~المسارح التمثيلية، أو في مسرح الحياة. # من المكارين وبغالهم تتشكل السكة الحديدية التي تمتد من نواحي الجبل كلها، ولكن الفرق بين ~~قاطرة المكارين وقاطرة السكة كبير؛ فالأولى إذا رفست تضر بصاحبها، والثانية إذا رفست تضر ~~بالشعب الذي تعيش على حسابه. الأولى لا تتذمر، والثانية لا تقنع. الأولى تمشي ساكتة، ~~والثانية تسير وهي تقرقع وتضج. الأولى لا تتعب من العمل، والثانية تحتاج إلى تجديد ~~دائم في قوتها التجارية. في الأولى تتجسم فضائل الحيوان، وفي الثانية تتمثل مطامع الشركات ~~التي يؤسسها الإنسان. فإذا شئت أن تكون سعيدا موفقا، فاسأل الله أن يجمع فيك من ~~طباع الحيوانات إخلاص الكلاب، ووداعة الغنم، وثبات النمل، ونشاط البغال. # نستأنف القصة - أو بالأحرى نبدأ بها - فنعود إلى المكاري الذي هرول من الدكان إلى الخان؛ ~~ليركب العربة التي تصعد إلى الجبل مرة كل يوم. ولا بد قبل أن نباشر القصص أن نزيد ~~القارئ علما بهذا المكاري الذي كان يمتاز عن إخوانه بغير الأمور التي تفلسفنا في ذكرها. ~~فإذا كان إخوانه يجوبون الجبال والسهول اللبنانية والسورية، فهو قد قطع البحار، وساح فيما ~~وراءها من الديار. وإذا كان زملاؤه يمشون وراء بغالهم، وقلما يركبون العربات، فأبو ~~طنوس، مكارينا، اعتاد أن يسافر في السكك الحديدية، وفي المركبات الكهربائية، في البلاد ~~الأميركية، فتعطلت لذلك رجلاه، أو ms02 كادت ، وصار يبذل ثلاثين غرشا غير آسف كل مرة يزور فيها ~~المدينة. # قلنا إن في المكاري ذكاء فطريا، واستعدادا لاقتباس الأفكار الجديدة، والاقتناع بها. ~~وقد تعلم أبو طنوس أثناء إقامته في نيويورك شيئا من اللغة الإنكليزية، فهذب الاقتباس ~~والاقتداء ذكاءه الفطري. وكثيرا ما كان يحضر اجتماعات الأميركيين السياسية بعد تجنسه ~~بالجنسية الأميركية، وحيازته حق الانتخاب، فكان تأثير المهاجرة في عقليته كتأثير الهواء في ~~النبات، والنور في الأزهار. # كان أبو طنوس يكره رجال الدين كرها شديدا، وله معهم مواقف تذكر، فهو أحد الذين ~~سخروا من أحد الكهان وزجروه؛ لخطبة خطبها المؤلف ليلة 9 شباط المشهورة في تاريخ ~~المهاجرة السورية. وكان إذا حدثك في الكهان والقسس، يختم دائما حديثه: ~~«تجنبهم تعش سعيدا.» # جاء أحد المرسلين يسأل أبا طنوس يوم كان في نيويورك أن ينضم إلى جمعية الطائفة، فأجاب: ~~«ما أحلى الجمعية التي تكون أنت رأسها، ويكون أبو طنوس ذنبها! إليك عني.» عندما سئل أن ~~يتبرع لبناء كنيسة للطائفة، أجاب متهكما: «يوم يتم بناء الكنيسة أقدم لها ~~طبلا وزمرا.» # رفع أحد المرسلين في نيويورك عريضة إلى رئيس الأساقفة يشكو فيها سلوك أحد إخوانه المرسلين ~~هناك، فشارك أبو طنوس في توقيع العريضة، ولكنه بعد أن فعل ذلك ذهب توا إلى المرسل ~~المشكو منه، وقال له: «إذا رفعت عريضة ضد أخيك الكاهن، فأنا أوقعها بسرور.» # ادعى رئيس الرسالة في نيويورك مرة أنه اكتشف سما في الماء المقدس عندما كان ~~الشماس يصبه له في الكأس ساعة القداس، واتهم أحد معاونيه؛ قائلا: «يريد أن يقتلني ~~ليفوز بمنصبي»، فأحدثت المسألة شغبا في الجالية، وشرع كل سوري يبدي رأيه فيها، فمنهم ~~من قال إن رئيس الرسالة ناقم على معاونه، وهو يريد أن يخرجه من نيويورك بأية طريقة ~~كانت. التهمة باطلة، والسم موجود في التهمة، لا في الماء. # ومنهم من صدق الرئيس وناصره على المعاون. # ومنهم من أساء الظن بالمدعي؛ قائلا: «ألا يجوز أن يكون الرئيس نفسه وضع ~~السم في الماء، ثم نبه الرعية إليه؛ ليتهم معاونه، ويزيد بأهمية نفسه؟» ms03 # ومنهم من تساءل: إذا صح أنه كان في الماء سم، فمن أين للكاهن أن يكتشف ذلك قبل أن يشرب ~~الماء؟ # وإذا كان قد اكتشف السم قبل أن يذوقه، أفلا يكون له سابق علم بالدسيسة؟ # وكيف لا يسيء الظن بالماء، فيقول إن الماء عكر؟ # أما أبو طنوس، فلم يكن من المرتابين بسلامة نية الرئيس، ولا من الذين صدقوا التهمة ~~بغضا بالمعاون، أو أنكروها كرها برئيسه؛ بل قال: «كثيرا ما يدس الرهبان السم ~~بعضهم لبعض إما نكاية وتشفيا، وإما طمعا بمنصب رفيع. والكهان فصيلتان من عائلة ~~واحدة، فلا يستغرب إذا كانوا يحملون سمومهم إلى نيويورك.» # هذا هو أبو طنوس عدو الإكليروس، ولم يكن لازما ساكتا، بل كان متعديا متحركا؛ ~~أي إنه لم يكن يكرههم كره من يتجنبهم ويسكت، بل كان يكرههم ويحمل عليهم كل ما ~~استطاع إلى ذلك سبيلا. # وإن لبغضه هذا الشديد الأعمى أسبابا عديدة، سنكشف الستار عن أهمها. لم يكن أبو طنوس ~~ليفرق بين الكاهن الفاضل والكاهن الفضولي. لم يكن ليميز بين التقي العالم، والجاهل ~~المحب لنفسه؛ لأنه لم ير في حياته كلها «أبا» يستحق الاحترام. لم ير قط واحدا من ~~أولئك الأفاضل خريجي مدرسة «البراباغندا» بروما، ومدرسة «سان سلبيس» بباريس، أولئك الذين ~~يقلمون أظافرهم على «الموضة»، ويطيبون لحاهم، ويلبسون الحذاء اللماع ذا البكلة ~~المذهبة. # قبل أن هاجر أبو طنوس إلى أميركا كان مكاري دير من أديرة لبنان، فلم تتح له الفرص أن ~~يتعرف إلى غير القسس، وبعض الكهنة القدماء الذين لا يحسنون الصلاة إذا هم غضبوا. وفي ~~الولايات المتحدة لم يكن ليرى غير المرسلين الذين شاءت حكمة البطريرك أن تبعدهم عن ~~الجبل. # ومن المعلوم لدى العارفين بشئون الإكليروس في الوطن أن الكاهن الفاضل، العالم، ~~التقي، النقي، لا يرغب في هجر وطنه. ولذلك أسباب منها أن الكاهن الفاضل طموح، ~~يريد أن يكون أفضل مما هو - يريد أن يرتقي إلى مقام الأسقف، إلى السدة البطريركية؛ ~~فإذا هجر وطنه، هجر كذلك مطامعه الدينية والسياسية. # فمن أين لأبي طنوس أن يدرك ذلك؟ وكيف ms04 يعرف الكاهن الفاضل إذا كان خبره وخبره ما ~~ذكرنا؟ أما إذا قلنا إن أبا طنوس متحامل، متعصب على الإكليروس، فنقول إنه لا يلام. ~~ولعله إذا عرف مثلنا بعض المحترمين، أصحاب الزنانير الأرجوانية، يلطف في تعصبه، ~~ويخفف من شنآنه؛ بيد أن لهذه الشنآن، وذاك التعصب أسبابا طبيعية واجتماعية. # أبو طنوس قاطع البحار والسائح في ما وراءها من الديار. # كان المرحوم والد أبي طنوس شريكا لأحد الأديرة، وكان دائما يتذمر من معاملة ~~الرهبان، من طمعهم، وخداعهم وظلمهم واستئثارهم. هي ذي الآفات التي أضرمت نار البغض في ~~قلب الوالد، ولقنته اللعنات التي كان يتفوه بها على مسمع ولده، فشب الولد وفي قلبه ~~أقباس من تلك النار التي كان ينفخ فيها أبوه. وكثيرا ما تكون النهضات الإصلاحية نتيجة ضرر ~~شخصي، وكثيرا ما يكون المرء مصلحا بالرغم من نفسه. أراد والد أبي طنوس أن ينتقم من بعض ~~الرهبان لظلمهم له، فأشعل في قلب ولده بغض الإكليروس أجمعين؛ فهل أفاد نفسه؟ كلا، وهل ~~يفيد أمته؟ إن في هذه القصة الجواب. # هاكم السبب الطبيعي لبغض أبي طنوس. أما الأسباب الاجتماعية، فمنها وطنية، ومنها أميركية. ~~أما الوطنية فقد أفضنا فيها، وهي تتعلق بالأسباب الطبيعية. كان الوالد من أكاري الأديرة، ~~فكانت معاملة الرهبان له أما للبغض الذي ولد في ولده. # أما الأسباب الأميركية، فمنها شخصية وقد نشأت عن طمع مادي، ومنها عقلية وقد نشأت عن ~~مبدأ صحيح اكتسبه كما قلنا من مخالطة الأجانب، ومن مطالعة الجرائد العربية التي تصدر ~~في تلك الديار. # كان أبو طنوس تاجرا في نيويورك، وكان شأنه شأن كل تاجر يحتاج في بعض ~~الأحايين إلى الدراهم؛ ليدفع ما عليه من مستندات. ولما كان ذات يوم في عسر مالي، قصد ~~الكاهن الذي كان يزوره في البيت، وينادي امرأته: «يا حبيبتنا»؛ ليستدين منه مائتي دولار؛ ~~فرده الكاهن خائبا، وقد اعتذر إليه قائلا: «من أين للكاهن المال، يا ابني؟» وفي اليوم ~~التالي جمعت الصدف الكاهن وأبا طنوس في أحد المصارف، وكان الكاهن ساعتئذ يرسل مالا ~~إلى أحد أقاربه في ms05 الوطن! # جرت العادة بين المرسلين أن يستودعوا التجار أموالهم «ويسمسروا» لهم بالتجارة؛ أي ~~إنهم يجيئون بالزبائن إلى من يدفع لهم فائدة كبيرة على مالهم. # كان المرسلون يصدون أبا طنوس ويتجنبونه، فلم يستودعه أحد منهم ماله، ولم يجئه أحد ~~بالزبائن، ولم يقرضه أحد منهم شيئا من الدراهم عند الحاجة؛ فلا عجب إذا كانت هذه ~~المعاملة تمكن البغض في قلب الرجل. # كره أبو طنوس الإكليروس لضرر في البدء جاءه منهم، ولكنه بعد أن مكث عدة سنوات في أميركا، ~~واستنار بنور الواجب الحقيقي، غدا بغضه يتطور ويتحول، فنشأت من دودة محبة الذات؛ فراشة محبة ~~الوطن. نشأ من البغض الذي سببه الضرر الشخصي بغض أوسع منه، وأعدل، وأعظم، بغض من أجل ~~الخير العام. وهكذا أصبح طالب الانتقام محسنا من المحسنين. مثل هذه التطورات النفسية ~~تحدث في كل منا، ولكن الذين يراقبونها ويحللونها قليلون. # قبل أن نواصل قصتنا - بل قبل أن نباشرها - علينا أن ندون حقيقة أخرى. لم يكن أبو ~~طنوس يطالع الكتب، ولكنه يوم كان تاجرا في نيويورك كان الكاتب المستخدم في محله يكاشفه ~~من حين إلى حين أفكاره الخصوصية في المسائل الدينية والسياسية المهمة. والكاتب هذا شاب ~~تلقى العلم في إحدى المدارس السورية، فكان يحسن اللغة الإفرنسية، وكانت له رغبة شديدة في ~~المطالعة. وهذا عامل آخر من عوامل التربية، فالذي مكن عرى الصداقة بين أبي طنوس وكاتبه، ~~هو أنهما اتفقا في النظر إلى أمور كثيرة، وخصوصا إلى الإكليروس. # والكاتب عرف سيده بفولتير الذي كان يكثر من مطالعته، وسلحه بالبراهين «الفولتيرية» ~~على الإكليروس، فكان يسرد له تواريخ الاضطهادات، ويحدثه دائما في ما كان من جهاد ~~الفيلسوف الإفرنسي في سبيل الحرية والعدل. # إن هذا الكاتب، والحالة هذه، لمن المحسنين إلى أبي طنوس؛ فقد ساعد في تكييف بغضه ~~وتطوره، فصار طالب الانتقام ممن ينشدون الخير العام. # أما وقد عرفنا القارئ إلى أبي طنوس تعريفا وافيا، فعلينا الآن بالقصة. # عندما وصل أبو طنوس إلى الخان، سبه صاحب العربة، وقال: «أتريد أن ننتظرك النهار كله؟ ~~ألا تعرف أن ms06 العربات تمشي قبل وقتها في هذه الأيام؟» ~~- لماذا؟ ~~- لماذا؟! لأن القمر، يا عيني، متأخر مثلك الليلة. هات الأجرة واركب. تحرك. ~~عجل. # دفع أبو طنوس أربعة بشالك، وتقدم نحو العربة، فرأى فيها شخصا واحدا ذا لحية مستديرة ~~تخللها الشيب، وبيده كتاب يطالع فيه. قد تكون الصدف شرا صرفا في بعض الأحايين، وقد ~~يكون في الشر خير مستتر، خصوصا إذا كان مثل أبي طنوس رفيق سفر لأحد الكهان. # ولكن أبا طنوس، عندما رأى الكاهن، امتقع لونه، وقال في نفسه: «الله يطرد الشيطان.» ثم ~~هم أن يركب، فانتهره الحوذي؛ قائلا: «اركب من هذه الجهة. ألا تعرف أن المحترم يركب إلى ~~اليمين؟» # فأجابه أبو طنوس قائلا: «أفضل أن أجلس إلى جنبك.» ~~- أمجنون أنت؟ ~~- نعم، أنا مجنون. ~~- إذن اجلس جنب المحترم، فيقرأ عليك، ويطردهم عنك. ~~- الله يطرد الشيطان. ~~- ادخل، يا ابني، ادخل؛ قد تأخرنا. # عندما سمع أبو طنوس صوت الكاهن، أحس بشيء دخل قلبه، فأنار قصدا فيه، وحمله مسرعا إلى ~~مجلسه في العربة. # قبل أن سافر أبو طنوس إلى أميركا، كان يقبل يد الكاهن ويدعو عليها ... أما الآن فيدعو ~~عليها، ولا يقبلها. وقد حاول بعض أصدقائه المعتدلين أن يقنعوه أن بغضه الأعمى ~~للإكليروس لا يساعد النهضة الإصلاحية بشيء، وقد يضر بها؛ فما اقتنع أبو طنوس، ولا ~~انتصح. # قال أحد الكتاب: «إن الفكر الذي يتسلط على المرء هو شبه مخرز في الدماغ، وكلما طال عمله، ~~تمكن هناك. فاقتلاعه في السنة الأولى شبيه باقتلاع شعرة من الرأس، وفي السنة الثانية بسلخ ~~الجلد، وفي الثالثة لا يخرج بغير كسر العظم. أما في الرابعة، فيستحيل انتزاعه إلا إذا ~~انتزع معه الدماغ.» # فمخرز البغض للإكليروس في دماغ أبي طنوس لا يكاد يرى؛ لعمقه. وقد مر على عمله ليس ~~أربع سنوات فقط، بل بضع عشرة سنة. # بعد أن جلس أبو طنوس في العربة، رسم الحوذي على صدره إشارة الصليب، وأدار سوطه في الجو، ~~ثم نزل به على الخيل وهو يتمتم قائلا: «على نية الله.» # صرير دواليب تجري في الأوحال، وصفير سوط ms07 يلعب في الهواء، ووقع حوافر الخيل، وصراخ بعض ~~أولاد الأزقة - أصوات سمعها أبو طنوس وهو خارج مع الكاهن من المدينة. # أما الكاهن فلم يكن ليسمع شيئا من تلك الأصوات؛ لأنه كان مكبا على كتاب الصلوات الذي ~~بيده. ومن معجزات الكهنة أنهم يستطيعون أن يصلوا دون أن يفكروا بشيء غير الصلاة. فلما ~~انتهى الكاهن من عمله الصالح، نظر إلى رفيقه نظرة السيد إلى خادمه، وسأله عن اسمه، واسم ~~قريته، ثم سأله عن أحواله، فأجابه أبو طنوس؛ قائلا: «لو كانت أحوالي كأحوالك، أيها ~~المحترم، لما كنت أركب في العربة مع رجل لا أعرفه؛ بل كنت أقتني عربة خصوصية.» # ينظر الكاهن إلى الناس نظر السيد إلى عبيده، ولا يحدثهم بغير اللهجة التي تناسب هذه ~~العقلية غير المسيحية، إلا إذا بدا من محدثه ما يستوجب الخروج عن القاعدة. # دهش الكاهن بجواب أبي طنوس، فغير لهجته في الحال. أجل، قد أزالت جرأة المكاري شيئا ~~من كبرياء الكاهن، ثم حلت المباحثة الأخوية مكان الحديث الذي يبدأ وينتهي بكيف حالك؟ ~~وكيف حال أهل البيت؟ ~~- أتظن، يا ابني، أننا أصحاب ثروة. ~~- أظن وأعتقد وأتيقن ذلك يا محترم. أنا أقول لك إن خيرات هذا الجبل كثيرة بالنسبة إلى ~~مساحته وحالته الطبيعية. وعندما كنت أركض وراء البغال، وأجوب الجبال من الطرف الجنوبي إلى ~~الشمال، تحققت أن أغنياء لبنان «العوام» يعدون على الأصابع. وتحققت أيضا أن ~~العامة المؤلفة من شركاء ومكارين وفلاحين لا تملك شيئا؛ فأين خيرات الجبل إذن؟ بأيدي من ~~هي؟ بخزائن من جمعت المجيديات والليرات؟ من هم الذين يأكلون غلات الجبل؟ أقسم بالله ~~وبجميع القديسين، إني صفر اليدين، مع أني كنت في أميركا، وكسبت كثيرا من المال، ثم ~~خسرته. وأنا الآن لا رزق لي، وبيتي مرهون لشيخ القرية. ولست أنا وحدي. إخواني في الفقر ~~كثيرون، والرهبان الذين خدمتهم كمكار يزدادون غنى كلما ازددت أنا فقرا. هم يسمنون، وأنا ~~كما تراني أهزل. ولا أكاد أملأ بطني وبطون أولادي حتى أمسي مديونا للدير وللبقال ~~والسمان في المدينة. # الكاهن ~~: # أرى أن اليأس ms08 متحكم فيك ، يا ابني. اذكر قول السيد المسيح، ولا تحسد أصحاب ~~النعمة، ولا تشته مال قريبك. القناعة، يا ابني، كنز لا يفنى. # أبو طنوس ~~: # لا تحرك في السم، يا محترم. اعلم أني سحت كثيرا، وشاهدت كثيرا، وفكرت ~~كثيرا. أنت تقول لي: القناعة كنز لا يفنى، وأنا أقول: أيها المداوي، داو نفسك. ما أجمل ~~أمثالكم، يا محترم! وما أبعد أعمالكم عنها! أمثالكم مثل الطعم تضعونه في الصنارة ~~لتصطادوننا نحن الأسماك في بحر المجتمع الإنساني. إني أعرف هذه الأمور كلها. قد سبرت غوركم، ~~واطلعت على خفاياكم، وفتشت في زوايا قلوبكم، وقلبت صفحات نفوسكم. إني أعرفكم كما أعرف ~~بغلي. إني أعرفك، أيها الرجل! أنت كاهن وأنا مكار. أنت تسلك في الحياة السلوك الذي أساسه ~~الكذب والرياء، ونتيجته المداهنة والاستبداد؛ التدليس لمن هم فوقك، والاستبداد بمن هم ~~دونك. أما أنا؛ أنا مكار. أنا أحد العامة. أنا صفر إلى الشمال، ولكني مع ذلك لا ~~أستحل سرقة شعير جار لأطعم بغلي. أنتم تبشرون بالقناعة، وتجمعون في أكياسكم ~~وصناديقكم المال. أنتم تنهون عن الشر، وقلما تعملون عملا مجردا من الغايات الشخصية ~~الخبيثة. أنتم تأمرون بالصوم والتقشف، ورئيسكم لا يأكل غير الطيور، ولا يشرب غير النبيذ ~~المعتق. أنتم تبشرون بالمحبة، وتدسون الدسائس بعضكم لبعض؛ طمعا بالمناصب ~~والألقاب، وطمعا بالمال. أنتم تحثوننا على التواضع والوداعة، ونحن نذكركم بشموخكم ~~وكبريائكم. أنتم تعلموننا الطاعة والخنوع، ونحن نعلمكم كيف يكون الحلم مع القوة، ~~والوداعة مع السيادة، والمحبة مع الحرية، والعدل مع العلم، والإنصاف مع المساواة، والنجاح ~~العام مع الحكم الديمقراطي العام. # وقف أبو طنوس في كلامه ليشعل سيكارته، ثم قال: أراكم حاملين دائما شبكة الصيد، وفيها كلمة منمقة أم مثل سائر - فيها الطعم - ~~للسمك الناطق - لنا نحن الرعية. ولكني أقول لكم: تحذروا، أيها الآباء المحترمون. قد ~~أدركت الأسماك أسراركم، وعلمت نياتكم ومقاصدكم. وستجتمع ذات يوم على شبكتكم المقدسة، ~~فتسحبها إلى قعر البحر، وتسحبكم وراءها. لا أنكر أنكم بارعون في التبشير بما لا تعتقدون، ~~وأنكم ماهرون في ردعنا عما تتسابقون أنتم إليه. أنتم ms09 تنذرون النذور الثلاثة: الطاعة، ~~والعفة، والفقر؛ ولكنكم تنذرون نذرا رابعا، وتنذرونه سرا، وهو أن لا تتقيدوا بنذوركم. لا تؤاخذني، أيها المحترم، إذا صارحتك بما في قلبي، وكشفت لك عن ~~مكنونات صدري، منذ زمن طويل أترقب هذه الفرصة، منذ رجوعي من أميركا وأنا أسأل الله أن ~~يجمعني بكاهن في البرية لأفرج عن نفسي، في البرية لأني لا أحسن التوبيخ أمام الناس. ~~لسنا - معشر الفقراء - مثلكم نوبخ علنا؛ ليقال إننا من الصالحين الأتقياء. قل لي بالرب ~~الذي تأكل جسده، وتشرب دمه كل يوم، هل أنت من الصالحين الأتقياء؟ هل أنت وضميرك في وفق ~~وارتياح؟ هل أطعمت يوما جائعا؟ هل كسوت عريانا؟ هل سقيت عطشانا؟ هل آسيت مريضا؟ وهل ~~أويت طريدا في حياتك؟ لا تؤاخذني، يا محترم، إذا قلت لك - أقول ولا فخر - إني خلصت ذات ~~يوم بغلا من الموت. وأقول ولا فخر إني أفضل أن أكون مكاريا، أو راعي غنم من أن أكون ~~كاهنا. ~~- يا لك من شقي! ~~- أخطأت. أنا، يا محترم، مكار. ~~- ألا تنتهي وقاحتك؟ ~~- أنا عبدك المطيع، يا محترم، ولكن يحق للعبد في هذه الأيام أن يسأل السيد. فقل لي ~~... ~~- اصمت، يا كافر. ~~- أنا مسيحي، يا محترم. ~~- قد احتملت منك ما لا يحتمله الله من إبليس، فهل تريد أن تجربني أكثر من ~~ذلك؟ ~~- أريد أن أذكرك، أيها المحترم، بأني مكار ... فقير جاهل، وأنك كاهن عالم، تقي، ~~نقي. ~~- إلى أي حد تواصل هذه الجسارة؟ هذه الوقاحة؟ ~~- إلى حيث تنتهي فضيلتكم المزيفة. ~~- الله يطرد الشيطان. ~~- آمين ~~- اصمت، يا لعين! ~~- مبارك أنت يا محترم! ~~- اصمت! اصمت! ~~- أنت خادم الله، يا محترم. ~~- لا تضطرني أن أخاطبك بغير لساني. ~~- أنت بحر الصبر والفضيلة، يا محترم. ~~- لا تضطرني أن أرفع عليك يدي. ~~- تباركني بنقمتك. وأنا السعيد وإن كنت لا آكل جسد الله كل يوم. ~~- أحمل هذه العصا للكلاب ولك ... # إذ ذاك رفع الكاهن عصاه، وضرب بها المكاري، فاقتبل هذا الضربة؛ هادئا باسما وهو ~~يقول: اضربني ضربة ثانية وثالثة. اضربني، يا أخي. هو ذا خدي الأيسر؛ قد ms10 برهنت لك على أنك مثلي ~~إنسان، ولست بكاهن، فصرت أحبك وأجلك. اضربني أو عانقني، واحدة من الاثنتين. ارمني خارج ~~العربة، أو ضمني إلى صدرك. أنت أخي، وأنا أحبك وأجلك، وأشعر بما تشعر به؛ فهل لك أن ~~تحبني، وتشعر بشيء من شعوري؟ إذن تعال أقبلك، فتقبلني قبلة الإخاء والمحبة ... لماذا ~~أنت صامت ساكن؟ لماذا لا تقبلني؟ لماذا لا تضربني؟ لماذا لا تبصق علي، وتلعنني، ثم ~~ترفسني؟ وقد أهنتك، وذلك حبا بك. إذن أنا أحبك، أنت أخي، والأب الذي في السماوات هو أبو الناس كلهم؛ فلماذا لا تقبلني ~~ولا أقبلك قبلة الإخاء؟ أنت لا تزال إنسانا مثلي، ولا أزال مسيحيا مع كل بغضي ~~لخدام المسيح في هذا الزمان. # كان المكاري يتفوه بهذه الكلمات والحرارة كالحمى تورد وجنتيه، وتعقد العرق ~~على جبينه، فيبدو وجهه حينا كوجه المصروع، وحينا كمن يسيطر عليه الوحي الأعلى؛ هو وميض ~~برق إلهي ينير القصد الذي قصده أبو طنوس ساعة صعد إلى العربة، وهي ذي الساعة التي يرتفع ~~فيها مثل هذا الرجل إلى أقصى درجة من الكمال البشري، هي الساعة التي يستحيل الإنسان فيها ~~إلها، هي ساعة الأنبياء عندما جاءوا بالمعجزات، هي ساعة المسيح في أبي طنوس. أجل، منذ صلب ~~الناصري إلى هذه الساعة لم يدر إنسان خده الأيسر بنية أسلم من نية أبي طنوس، وبقصد ~~أشرف من قصده. # وماذا فعل الكاهن؟ لا حاجة أن نقول إن سلوك أبي طنوس أدهشه، أذهله، بل رماه في بحر من ~~الهواجس والتحير. وما هي الطريقة التي يتخذها؟ ما هو الجواب الذي يؤديه؟ ما هي الحيلة في ~~الخلاص من هذه الورطة العظيمة؟ # أطل القمر بدرا من وراء الجبال، فتلألأت أشعته بين الأشجار، وبسطت الصخور ظلالها في ~~فيض من نوره الفضي، وأنارت الطريق، طريق المسافرين المتخاصمين. جاء القمر، بما فيه من ~~بهاء وجمال، يوفق بين الأخوين، ويضيء بنوره الهادئ طريق السلام والمحبة؛ فهل أفلح عمله؟ ~~ليجاوب الكاهن. ليجاوب أبو طنوس. ليجاوب الحوذي. # ولو تلفت الحوذي في هذه الساعة، وشاهد وجه الكاهن، لكان ينزله في ms11 أول بيت يصل إليه، ~~ويسأل أهل البيت الاعتناء به. إن وجهه لوجه منكسر، مغلوب، بل وجه مريض يغالبه الموت، وجه ~~من أغمي عليه. # أما أبو طنوس فلبث ساكتا ساكنا إلى أن أفاق الكاهن من سباته، وأمر الحوذي بأن ~~يقف. # وقفت الخيل، فنزل الكاهن من العربة دون أن ينظر إلى أبي طنوس، ودون أن يفوه بكلمة واحدة. ~~وبعد ذلك صفر سوط الحوذي، وصوت على ظهر الخيل، فجرت دواليب العربة مسرعة، وتنهد أبو ~~طنوس تنهدات يعسر تفسيرها إذا استعنا بالكاهن. # أطل القمر من وراء الجبال، فأنارت أشعته الطريق، طريق ~~المتخاصمين. # لنتأثره. ها هو ذا في الطريق، يتوكأ على عصاه، مطأطئ الرأس، هو يمشي وفي صدره تتزاحم ~~الهواجس، فتشعل رجليه، وفي صدره تلتهب نار ثورة روحية. وكأنه، وهو يمشي في أحلامه، ~~أحس بيد تقرص أذنه، فصاح مذعورا صيحة المتألم، وشرع ينادي أبا طنوس - يا أبا طنوس! يا ~~عربجي! يا عربجي! وقف! ولكن العربة كانت قد توارت بين أشجار التوت، ووراء البيوت. نحن ~~الآن في قرية ... أما الكاهن فظل يعدو وهو ينادي أبا طنوس حتى خارت قواه، فوقع في الطريق ~~كالمصروع. # هل رآه أحد غير القمر؟ نعم، إن أكثر البيوت في الجبل تشرف على طريق العربات. تمر ~~الطريق تحت شرفاتهم، فيراقبون العربات في ذهابها وإيابها. فلما دخلت عربة أبي طنوس القرية ~~... خرجت امرأة إلى شرفة بيتها، فسمعت الصوت الذي عرفه القارئ، فحولت نظرها إلى الناحية ~~التي صدر عنها، فرأت شبحا أسود يرسف رسفا إلى القرية. وما هي إلا برهة حتى وقع الشيخ في ~~الطريق، فهرولت إليه وبيدها إبريق الماء. # ولشد ما كانت دهشتها عندما رأت وجه الصريع، فرفعته عن الأرض وهي تنادي الكاهن ~~باسمه. # خوري يوسف. يا خوري يوسف. # رشت على وجهه الماء، وسقته من الإبريق، فانتعش، ثم ساعدته، فاستوى واقفا. ~~- ماذا جرى، يا خوري يوسف؟ ولماذا لم تركب في العربة؟ هل جئت ماشيا من بيروت؟ ~~- كلا، يا بنتي. خرجت من القرية وبي صداع شديد، فمشيت أستنشق الهواء. كثر الله خيرك، ~~يا بنتي. لا، ms12 لا، سأذهب إلى بيتي. عودي أنت إلى بيتك، وصلي من أجلي. صلي من أجلي. أما ~~أنا فسأذهب وحدي، سأمشي قليلا، عل هواء الليل يشفي صداعي. أعطيني الإبريق. # شرب الخوري يوسف، وأعاد الإبريق إليها شاكرا. # عادت المرأة إلى بيتها، ومضى الكاهن في سبيله، فاستمر ماشيا حتى وصل إلى زيتونة خارج ~~القرية منفردة. وكان القمر قد تكبد السماء، فلحف تلك الشجرة بضيائه، فتألف تحتها من ~~الأشعة والأخيلة ما يستغوي التقي الطالب في قلب الطبيعة مكانا للتأمل. وهناك، تحت تلك ~~الزيتونة على سجادة من الأخيلة والأنوار حاكها القمر، خر الكاهن ساجدا، وطفق ~~يصلي. ~~••• # بعد أن ترك الكاهن العربة، انتقل أبو طنوس إلى جانب الحوذي، وسأله: أتعرف هذا ~~الكاهن؟ ~~- ومن لا يعرفه في الجبل؟ ~~- وما اسمه؟ ~~- الخوري يوسف المشهور. ~~- المشهور! ما سمعت قبل اليوم بهذه العائلة. ~~- المشهور، يعني يا ... سيدي، المعروف عند كل الناس. وكيف لا تعرفه؟ ألم يكن لك مرة دعوى في ~~الحكومة؟ أما احتجت مرة إلى كتاب توصية من المطران إلى الدير أو القائمقام؟ ألا تعرف تلك ~~الدار الكبيرة، القائمة على رأس الجبل الذي مررنا تحته؟ الخوري يوسف هو يد المطران اليمنى، ~~وأذنه اليسرى، وعيناه الاثنتان. هو منفذ أوامر سيدنا، وكاتم أسراره. وسيدنا، طول ~~الله عمره، لا يرى غير ما يراه الخوري يوسف المشهور- المشهور بثروته، ودهائه، ونفوذه، ~~وقلة علمه، وقصر نظره - كما يقول الشيخ ... وعنده أحسن نبيذ في الجبل. كيف لا تعرفه؟ هل أنت ~~غريب؟ أم هل أنت متجاهل؟ ~~- وهل هو متزوج؟ ~~- نعم، وله ولدان الواحد يدرس اللاهوت في روما، والثاني يدرس فنون الغرام على بنات بيروت، ~~ويخسر من عقله وصحته في كل أمثولة يتعلمها. # قدم أبو طنوس سيكارة إلى الحوذي، ثم أشعل سيكارته وهو يقول: «العقل زينة الإنسان، ~~والصحة أحسن من العشق بزمان ... بالله عليه تسمعنا صوتك.» # تنحنح الحوذي، ثم بصق، ثم بصق، ثم انتهر الخيل وهو يكرر العملية؛ تمهيدا للموال ~~البغدادي، ثم أطلق صوته الحماري في الفضاء، فرقصت الأطيار، وتمايلت طربا غصون الأشجار. ~~وبينما هو طائر على أجنحة «مواله»، غير ms13 مكترث بالقمر الذي سد أذنيه بغيوم هي كالقطن بيضاء، ~~أخرج أبو طنوس أوراقا وقلما من جيبه، وكتب كلمة على ورقة، ثم طواها وأعطاها إلى الحوذي؛ ~~قائلا: «أكون ممنونا إذا وصلت هذه الورقة إلى الخوري يوسف.» ~~- على عيني ورأسي! ~~- وهذا بشلك أجرتك. ~~- كثر الله خيرك! ~~- غدا صباحا. # استمرت العربة سائرة في نور القمر الفياض، وهي تختفي تارة بين أشجار التوت، وطورا في غابة من الصنوبر، حتى وصلت إلى القرية ... فوقفت هناك، فنزل أبو طنوس، ~~وأنزل أغراضه كلها، فتأبط بعضها، وحمل البعض الآخر على كتفه في عقفة عصاه، وهو يودع ~~الحوذي، ويذكره بالرسالة إلى الخوري يوسف. ~~- كن مطمئن البال. ستصله إن شاء الله غدا قبل القداس! # أحيا الخوري يوسف ما تبقى من الليل في الصلاة، فظل ساجدا تحت الزيتونة إلى أن ودع ~~القمر السماء، فنهض إذ ذاك وهو يشعر بألم في ركبتيه، ويرتعش من هواء الفجر البارد. # هي ساعة الفجر الواقف بين القمر والشمس، يشيع نورا، ويبشر بنور. هي ساعة الفجر ~~التي تتقدم الحادث الذي يحدث كل يوم، منذ كانت الأرض، ويظل جديدا؛ فكل نهار هو غير ~~النهار السابق، كل نهار هو نهار جديد. # في هذه الساعة اليتيمة الشريدة، التي لا هي من الليل ولا هي من النهار، جلس الكاهن على ~~صخرة، بين الزيتونة والطريق، يفحص ضميره، ويتأمل حاله. وفي مثل هذه الساعة، ومثل هذه الحال، ~~يتصل فجر حياة الإنسان بفجر العالم، فيحلم إذا كان نائما الأحلام القريبة من الحقيقة، ~~ويصور الحقيقة، إذا كان مستفيقا، في أشكال تقرب من الأحلام. # وفي مثل هذه الساعة أيضا يفنى ويتجدد جزء كبير من الجنس البشري، فإن حوادث الموت ~~والولادة - أو أكثرها - تحدث، كما يقول العلماء والأطباء، في ساعة الفجر. في هذه الساعة ~~يكتب القمر والمهد اسميهما في سجل الله، ويفترقان بعيد اجتماعهما. وكل واحد منهما ~~يقول: «وكان سلامه علي وداعا.» # هي ساعة التحول والتجدد. ساعة يقبل الموت الحياة، فيريحها من القديم البالي، ومن الفاسد ~~العقيم. وساعة تجيء الحياة بالجديد الطاهر، السليم، النشيط الجميل؛ فيحسن الموت ms14 العمل ، ~~وتحسنه الحياة. # رأى أبو طنوس الكاهن في العربة، فامتقع وجهه، وقال في نفسه: «الله يطرد ~~الشيطان.» # وفي ساعة الفجر تتجدد قوى العالم، وتنمو أفكار الإنسان نموا خفيا كما تنمو الأشجار. ~~في هذه الساعة تحدث أكثر الانقلابات الروحية، وتضطرم الثورات في الأنفس المضطربة الحائرة؛ ~~ذلك لأن الأحلام (أحلام النوام) تدنو فيها من الحقائق، والحقائق (حقائق المستفيقين) تدنو ~~من الأحلام. # في هذا الفجر الرمادي الفضي سر للعالم، وسر للفيلسوف، وسر للشاعر؛ فالأول ينشد مفتاح السر ~~في الإحصاءات والحقائق الحسابية، والثاني يبحث عنه في المشاعر والعواطف البشرية، والثالث ~~يكتشفه في الأحلام والتصورات الشعرية. # إن الخوري يوسف الآن لفي فجر نفسه المضطرب. إنه لفي الساعة التي يتصارع فيها الماضي ~~والحاضر، فهل يزوره الموت ليأخذ ما فسد وعقم من أعماله؟ وهل تحييه الحياة الجديدة، فتكتب ~~له الطاهر السليم الجميل من المقاصد والأعمال؟ أينجلي ليل حياته كما انجلت الليلة التي ~~أحياها في الصلاة؟ أيحمل نفسه، في هذه الساعة اليتيمة الشريدة، إلى النهار القريب ~~الانبثاق، أم يعود بها إلى الليل الذي لا تعد الآن منه؟ وبكلمة أخرى: هل ينبذ ما اجتناه ~~واقترفته في ماضي حياته؟ أم هل يحافظ على ثروته، ويتمسك بمنصبه؛ شغفا بالسيادة والمجد ~~الباطل؟ # ظل الخوري يوسف جالسا على الصخرة، وهو في بحر من الهواجس تتقاذفه أمواجه، حتى أشرقت ~~الشمس ترسل خيوطها الذهبية من وراء الجبال، فتخللت نسيج الفجر المنبسط في الأودية ~~والغابات، وفوق الربى والمروج، فاستحال رويدا سربالا عصفريا شفافا، تكاد ترى خلاله ~~حتى أعصاب النهار وهي تختلج جذلا. ونفذت الشمس بسحرها إلى قلب الكاهن، فاختلج اختلاج ~~النهار، فوقف ناشطا ملبيا، وهتف قائلا وهو باسط يديه إلى السماء: «المجد لله وحده؛ ~~المجد والحول والطول لله!» # ثم مشى إلى بيته. وبينما هو في الطريق، رأى العربة التي ركب فيها مساء البارحة وهي عائدة ~~صباح ذاك اليوم إلى بيروت، فوقفت عندما قربت منه، ونزل الحوذي وبيده رسالة أعطاه إياها؛ ~~قائلا: «من بو طنوس، يا محترم، رفيقكم الليلة البارحة.» # عرته الرعشة عندما سمع اسم أبي طنوس، ms15 ولكنه ملك نفسه، فشكر الحوذي بكلمات دلت على أنه ~~نسي حادثة الليلة البارحة. واستمر في طريقه إلى البيت، فبادر عند وصوله إلى غرفته الخاصة، ~~وأخرج الكتاب من جيبه ليقرأه. # قرأه أولا وثانيا، ووضعه على المنضدة، ثم تناوله بيده وهو في ذهول وحيرة، فقرأه ثالثا ~~ورابعا. ثم نهض فورا، فبادر إلى الباب، فأقفله، وعاد فرمى بنفسه على الديوان وهو يرتعش ~~ويجهش كالطفل الرعيب. # فكأنه رأى نفسه، وهي عارية، تجلد أمامه، تجلد بسوط الضمير، وسوط الخوف، وأسواط ~~التوبة. # ساعة من هذه الهواجس المخيفة المؤلمة، ثم وقف أمام منضدته، فكان نظره أسرع إلى الكتاب ~~المقدس منه إلى سواه، فتناوله بيديه، وفتحه على الإلهام، فقرأ ما يلي: # أما أنتم فلا تدعوا معلمين، فإن معلمكم واحد، وأنتم جميعا إخوة. ولا تدعوا ~~إليكم أبا على الأرض، فإن أباكم واحد هو الذي في السماوات. ولا تدعوا معلمين؛ لأن ~~معلمكم واحد هو المسيح. ~~(متى 23: 8، 9، 10) # أطبق الكتاب وهو يردد هذه الكلمات: «ولا تدعوا لكم أبا على الأرض، فإن أباكم واحد هو ~~الذي في السماوات.» # ثم فتح الكتاب ثانية كما فتحه المرة الأولى، فبدت صدفة أمام عينيه هذه الكلمات: # ومتى صليت فلا تكن كالمرائين؛ فإنهم يحبون أن يصلوا قائمين في المجامع، ~~وفي زوايا الشوارع؛ لكي يظهروا للناس. وأما أنت فمتى صليت، فادخل إلى مخدعك، ~~وأغلق بابك، وصل إلى أبيك الذي في الخفاء. ~~(متى 6: 5، 6، 7) # وبعد الكتاب المقدس قرأ للمرة السادسة أو السابعة كتاب أبي طنوس، وهو سطران لا غير: # اذكرني، يا أخي، في صلاتك إلى أبينا الذي في السماوات، وسأذكرك أنا في ~~صلاتي. # أخوك أبو طنوس # في هذه الساعة اليتيمة الشريدة، التي لا تعد من الليل ولا من النهار، ~~جلس الكاهن على صخرة بين الزيتونة والطريق. # كان والد الخوري يوسف يحدث عن والده، فيقول: «كثيرا ما كان والدي يروي من أخبار أخيه ~~القسيس ونوادره. وكان ذاك القسيس عمي رجلا صالحا ورعا، يؤثر العمل على القول، وحتى ~~على الصلاة.» # وقد كتب جد الخوري يوسف شيئا من أخبار أخيه في الكتاب المقدس؛ ذلك ms16 الإرث القديم في ~~بيته، كما يكتب اللبنانيون فيه تواريخ الوفيات والولادات في عائلاتهم. # فذكر الكاهن، بعد أن قرأ تلك الكلمات من إنجيل متى، ما هو مخطوط على داخل جلد الكتاب عن ~~نسيبه القسيس الورع الصالح. فعاد إليه، وقرأه بصوت مرتفع، هادئ، كما يقرأ الإنجيل في ~~القداس: # خرج القسيس من البيت، صباح هذا اليوم يحمل كيسا فارغا، ليطوف في القرى ~~مستجديا باسم السيد المسيح من أجل الفقراء. يوم كل أسبوع، يوم الشحاذة الذي ~~وقفه القسيس على الفقراء المعاويز. وهو في اليوم التالي يطوف في البلدة، وفي القرى ~~المجاورة لها، فيوزع على الفقراء ما يجمعه في اليوم السابق من الدراهم والخبز ~~والدقيق ... والذي يأخذ هو مثل الذي يعطي ... والشحاذ المحب للخير، العامل خيرا لوجه ~~الله، هو مساو بفضله لأكبر المحسنين. # عندما انتهى الخوري يوسف من تلاوة هذا الإنجيل الجديد، سأل نفسه قائلا: «ولماذا خط جدي هذه الكلمات على جلد هذا الكتاب؟ أليقرأها أولاده وأحفاده، ويقتدوا ~~بنسيبهم القسيس الصالح؟ وهل فعل ذلك أحد منا، يا ترى؟ كلا. إذن نحن هالكون. أنا الخوري ~~يوسف هالك لا محالة. وللمكاري الملكوت، للمكاري النعيم الأبدي؛ ولكن الفرصة أمامك. ما فات ~~الوقت. وما زال في عروقك نبض ينبض، وما زال في رماد حياتك جمرة تشتعل، خذها وأضرم بها ~~نارا جديدة. انبذ الماضي الذي فيه هلاكك - انبذه وانسه ... ابن لنفسك بيتا في السماء ... ~~اترك منصبك، طلق مطامعك ... اقتل تنين الأنانية فيك ... فكر في أمر جارك وأخيك ولو يوما ~~واحدا في حياتك ... اصخ إلى صوت المعلم له المجد، اسمعه يقول: «ولا تدعوا لكم أبا على ~~الأرض؛ لأن أباكم واحد هو الذي في السماوات.» اسمعه يوبخك؛ قائلا: «صل في مخدعك، وليس ~~كالمرائين ليراك الناس.» واذكر جدك الذي يحدثك عن أخيه القسيس - ذلك الشحاذ المحسن - ~~واذكر أبا طنوس، أحد إخوانك الفقراء، الذي يتقبل الضربة منك، ويدير لك الخد الأيسر - ثم ~~يكتب إليك ليسألك أن تصلي من أجله!» # لطم الكاهن خديه وهو يجهش ويهتف: «ارحمني، يا إلهي، ارحمني! ارحمني رحمتك للنبي داود!» ~~قال ms17 هذا وطفق يتلو المزمور الواحد والخمسين، ثم قال وهو يلطم خديه ثانية: «أنا الخاطئ. أنا ~~الأيتم. أنا المسيحي الكاذب، فهل أدرت مرة هذا الخد إلى المعتدي علي؟ هل عملت الخير مرة ~~من أجل الله، وحبا بالإنسان؟ هل ذكرت مرة في صلواتي إلى القديسة تريزا أنها كانت تطلب ~~من الله أن يطفئ نيران الجحيم، وأنوار السماء؛ لكيما تصنع الخير من أجل الخير فقط؟ وهل ~~خالفت مرة أوامر أسقفي؛ رفقا بالمظلومين والمساكين؟ وهل أحببت مرة قريبي كنفسي؟ ولماذا ~~ضربت المكاري عندما كان يسألني هذه السؤالات؟ ارحمني، يا رب، ارحمني. أنا الذي ما فكرت بغير ~~نفسي، ومصلحتي، ومطامعي. أنا الذي بذلت جهدي كله في سبيل الجاه والمال والمجد الباطل. أنا ~~الذي كنت أسعى لأن ألبس الأرجوان، وأحمل العصا المذهبة. ارحمني واغفر لي، يا من رحمت ~~النبي داود، وغفرت له. وإني منذ الآن أوقف على البر، وعلى الحقيقة ما تبقى من أيامي. ~~ضربت المكاري، فأدار لي الخد الأيسر ... إن في تلك الضربة خلاص نفسي - إن في تلك الضربة ~~ونتيجتها أمثولة للخاطئ مثلي. نعم، سأسلك مسلكا جديدا ولو يوما واحدا في حياتي. ~~سأحل قيودي ولو قبل موتي بيوم واحد. سأحرر نفسي، وأكون خادما لأخي الإنسان. ساعة في ~~عمل الخير خير من سنين في سبيل المجد الباطل ... إلهي، سأصلي إليك وأنا في مخدعي. إلهي، سأنبذ ~~الكهنوت واللاهوت، وأعود إلى أقوال المعلم، له المجد. وسأبذل في يوم واحد، من أجله، ما ~~جمعته في ثلاثين سنة ... وسأشتري غدا ...» # وقف الخوري يوسف مطرقا، ثم قال: وماذا يقول المطران؟ وماذا يقول البطريرك؟ لا يهمني ~~ما سيقال هنا وهناك. إلهي قبل أسقفي، وقبل بطريركي ... ولكن علي ألا أنسى ابني الذي ~~يتعلم اليوم ليكون مثلي. علي أن أنقذه مما هو فيه. علي أن أنصحه في الأقل، وأحذره من ~~المسلك الذي سلكته أنا وهو يرغب به، ويعمل الآن من أجله. نعم، نعم، سأكتب إليه. # قال هذا وجلس إلى منضدته، وكتب إلى ابنه في مدرسة «انتشار الإيمان» بروما هذا الكتاب: # ولدي العزيز، حرسه الله ms18 # أنا اليوم في فيض من النور، وقد كنت في لجج من الظلمة. وإني أكتب إليك لأقول ~~إنك تضيع أيامك وشبابك في تحصيل العلوم اللاهوتية لتصير مثل أبيك، وتسلك مسلكه ~~الكهنوتي. اسمع، يا ابني، كلامي، وانتصح بنصيحتي؛ فإذا كنت ترغب في خدمة السيد ~~المسيح، له المجد، فاخدمه كما خدمه الرسل الأبرار. واستمع، يا ابني، أقواله قبل أن ~~تستمع شروح أساتذة اللاهوت وتفاسيرهم. افتح العهد الجديد (متى 6: 5، 6، 7). واسمع ~~إلهنا يقول: # صل في مخدعك، وليس كالمرائين في المعابد، وعلى زوايا الشوارع. واقرأ 7، 8، 9 من ~~سفر 23 يتضح لك، يا ابني العزيز، إن رتبة الكاهن غير محللة في كتاب الله، فلا ~~يحق لك أن تكون أبا روحيا للناس؛ بل أنت أخ للناس أجمعين. كما أن الناس كلهم ~~إخوان لنا. ما أراد السيد المسيح أن يؤسس كنيسة على الأرض، فهو يكره المظاهرات، ~~ويأمرنا بأن نصلي سرا. قد لا تتوفق في حياتك إلى من ينقذك مما تكون فيه من ~~المآثم والمفاسد الكهنوتية. كن من الناس، يا ابني، واخدم الناس كما خدم بولس سيده ~~المسيح. كن محبا للخير، عاملا في سبيله، شفيقا سموحا على الدوام. وبعد ذلك، ~~يا ابني، لك أن تكون ملفانا. اسلك مسلك الحق، والورع، والصلاح، والصدق. وإياك ~~والخداع، وإياك والتمويه. لا تعلم ما لا تعتقده صحيحا. لا تبشر بما لا تتيقن ~~فيه الخير كل الخير للناس. لا تخن ضميرك. ولا تجحد الرب إلهك. واعلم، يا ابني، ~~أنك لا تستطيع أن تسلك هذا المسلك الشريف إذا كنت كاهنا. فانتصح بنصيحة أبيك، وعد ~~إلى بيتك، تجد فيه من أسباب العمل ما يكفيك. # بعد أن أرسل الخوري يوسف هذا الكتاب إلى ابنه بروما، خرج من بيته وقد عزم عزما صادقا أن ~~يقتدي بنسيبه القسيس، وأن يشارك أخاه المكاري. # وبعد أسبوع شاهده أحد أبناء القرية في الطريق يمشي ورفيقا له وراء قافلة من ~~البغال. # كان الخوري يوسف يشتري الدقيق، ويدفع ثمنه من ماله، وكان المكاري أبو طنوس شريكا له في ~~العمل؛ فكان المكاريان الصالحان المحسنان يوزعان الدقيق مجانا ms19 على الفقراء ~~والمعوزين . # واستمرا في هذا الإحسان أسبوعين لا غير؛ ذلك لأن «جحود» الخوري يوسف أحدث ضجة في الجبل، ~~وخصوصا في الدوائر الإكليريكية، فاستدعاه البطريرك كما قيل، وأبقاه في المقر ~~القدسي. # وبعد المحاكمة اختفى الخوري يوسف، وانطفأ ذكره. وقد راجت بعد أشهر إشاعة في الشمال أنه ~~موجود في دير قزحيا. إشاعة أثبتها واحد من أولئك المساكين الذين يحملهم أهلهم إلى ذلك ~~الدير؛ ليشفوهم من «الجنون»، فقد فر ذلك «المجنون» هاربا، ثم أفشى خبر رفيقه هناك، ~~الخوري الجاحد، الخوري يوسف يواكيم. ms20