######OpenITI# #META# URI: 1359AminRihani.MuhalafaThulathiyya.Hindawi82418169 #META# Tags: novels #META# ID: 82418169 #META# Title: المحالفة الثلاثية في المملكة الحيوانية #META# AuthorID: 93831791 #META# Author: أمين الريحاني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقدمة‏ # 1 - الحصان في الإسطبل‏ # 2 - المأدبة‏ # 3 - المحالفة‏ # 4 - المحالفة: تتمة‏ # 5 - المحاكمة‏ # 6 - فلتكمل مشيئة الله‏ # تقدمة‏ # 1 - الحصان في الإسطبل‏ # 2 - المأدبة‏ # 3 - المحالفة‏ # 4 - المحالفة: تتمة‏ # 5 - المحاكمة‏ # 6 - فلتكمل مشيئة الله‏ # | المحالفة الثلاثية في المملكة الحيوانية # | المحالفة الثلاثية في المملكة الحيوانية # تأليف # أمين الريحاني # | تقدمة # من العادات المألوفة بين كتاب الإفرنج أن يهدي الكاتب كتابه إلى صديق صدوق، أو نسيب مفضل، ~~أو وجيه محسن إلى الهيئة الاجتماعية، وهديته على كل حال تكون عبارة عن حب مجرد ليس وراءها ~~غاية شخصية دنيئة، بل تكون إقرارا بجميل المحسن؛ إقرارا لا إكراه فيه ولا مأربة. # وقد اقتفى الكاتب العربي العصري أثر الكاتب الإفرنجي، فصارت المؤلفات والكتب العربية ~~الحديثة تقدم بهيئات مختلفة تتم بها كل شروط التقدمة الإفرنجية ما عدا شرطا واحدا، وا ~~أسفاه إن الغاية الحميدة والمحبة المجردة لم تطيبا بعرفهما الذكي تقدماتنا المملوءة بالتزلف ~~والتبجيل والمداهنة؛ سيئات لا يولدها إلا صغر النفس والجبانة. # الكاتب الإفرنجي يهدي كتابه ليشكر من هو بالشكر أولى، والكاتب العربي - ونقول ذلك آسفين - ~~يهدي ليتزلف إلى هذا، ويستجدي ذاك، ومنهم من يقبض أجرته سلفا، ومنهم من يقبضها بعد أن يطبع ~~مديحه الكاذب، ويعسر علينا أن نجد لنفسنا مكانا في إحدى هاتين الطبقتين؛ إذ إنه في الزمان ~~الحاضر، وفي البلاد التي نحن فيها (أميركا) لا يقدر الكاتب السوري أن يقدم كتابه إلى أحد ~~دون أن تولد تقدمته هذه في نفس المقدمة له ظنا سيئا في المؤلف، فكل من قدم له كتاب من ~~وجهاء السوريين يظن أن الفرض الرئيسي الذي تفرضه عليه آداب الهيئة الاجتماعية، وقوانين ~~الكرم هو أن يحسن على الكاتب المسكين بصلة ما أو بقيمة من المال. وليس كل كاتب حليف الفاقة، ~~ولا كل من أهدى كتابه مستجديا. # بين سوريي أميركا لا يوجد على علمنا محسن عمومي لتزين هذه الصفحات باسمه، ونوشيها بذكر ~~مآثره. # نعم عندنا عدد وافر من الوجهاء والأدباء والصحافيين، والكتاب والخوارنة، والتجار ~~والأطباء، غير أنه ليس فيهم بحكمنا من هو ms01 أعظم أم أحقر من الثاني، فكلهم أفاضل أريحيون، ~~وأدباء متفننون، وتجار مستقيمون ، وصحافيون ماهرون، كلهم متساوون بالمجد والعظمة ~~والكرامة. # ولهذا السبب نقدم هذه القصة إلى من يريد أن يقرأها منهم. # ولا تظن أيها القارئ أن التقدمة الصغيرة هذه هي مجانية، كلا فالذي يتمم الشروط الآتية ~~يقدر أن يقول: إن القصة قدمت له، والذي لا يتممها ويظنها مقدمة له يكون قد سرق من المؤلف ما ~~يجب أن يرد إليه، أما الشروط فهي: # أولا: # يجب أن تقرأ بتمعن وتبصر. # ثانيا: # يجب أن تقرأ لا لكي تصدق أو تكذب، ولا لكي تثني أو تنتقد، اقرأ لتقيس ~~وتقابل وتفتكر وتحكم. # ثالثا: # يجب أن تطرد من فكرك كل تعصب ديني غير ناظر إلى شخصية الكاتب، علاقتك هي ~~مع القصة وليست مع مؤلفها. # رابعا: # لا تكتف بفحص الثوب من الخارج، اقلبه وانظر إلى البطانة؛ فقد جعلنا لجسم ~~هذه القصة الإنساني غشاء حيوانيا يتضمن من الدقة المقصودة، وجراثيم ~~الإصلاح المطلوبة ما يصعب على القارئ تمييزه دون عدسية مكبرة، فعليك إذن أن ~~تحمل آلات التشريح، والعدسية المكبرة وتتبعني. # خامسا: # يختلف التشريح عن التقطيع، وليس بري الأقلام كقطع الأشجار، فكن مدققا في ~~العمل محققا في التمييز والمقابلة؛ فتعدل إذ ذاك بحكمك. # سادسا: # إذا لم توافق القصة ذوقك السليم، أو لم تطابق عقيدتك المحبوبة، أو لم ترق ~~لك لهجتها ومغزاها، فادفعها إلى جارك ولا تحرقها؛ فلربما كان الطعام ساما ~~لمعدة ما، ومغذيا لأخرى. # هذه هي الشروط التي يجب أن يتممها كل مطالع قبل أن يعتبر القصة تقدمة له، وإذا أخل بواحد ~~أو أكثر منها يكون قد سرق منا ما يجب أن يرد إلينا. # الفصل الأول # | الحصان في الإسطبل # الحصان يناجي ذاته: «أجل قد خسف بدر مجدنا اللامع، وأفل كوكب سلطتنا الساطع، وسدت علينا ~~أبواب الارتزاق، فسرنا لغايتنا في ميدان الخباثة والنفاق تحت ظل الانقسام والبغض والشقاق. ~~وألانا الزمان فاستبدينا، ووافقنا القدر فسطونا، ولكن أين تلك السطوة وذلك السؤدد الآن بعد ~~أن داس على هامتنا القدر، وأذلنا بؤس الزمان، نعم نحن ms02 المذنبون، قد جنينا على أنفسنا، فما ~~نتيجة المخاتلة والاستبداد إلا جر غضب العاقلين من العباد علينا، فقد ذقنا من السلطة ~~أعذبها، ومن الرئاسة أطيبها، غير أننا والحق يقال أسأنا استخدام السلطة، وأفسدنا الرئاسة، ~~فما لنا إلا أن نحتمل نتيجة أفعالنا، ونكتفي بما تحقق من آمالنا، قد سلط الله الإنسان على ~~الحيوان، ونحن قد خالفنا الإرادة الإلهية فتسلطنا على الإنسان بالدهاء والرياء والاحتيال، ~~نعم قد حكمنا زمنا ليس بقليل، ولم نزل الحاكمين الآمرين مع قليل من المقاومة، ولكني أرى أن ~~الأخطار محدقة بنا، والإنسان يئن ويتأوه من الأعباء التي وضعناها على منكبيه ألا يخشى علينا ~~من الثورة، فبأي سلاح نحارب الإنسان إذا ثار علينا لينزع عنا سلطتنا؟ يجب أن نفتكر في ~~حالتنا الحاضرة، يجب أن نستعد للقتال، فدلائل الانقلاب ظاهرة في كل دوائر المملكة البشرية، ~~والإنسان بغنى عن خدماتنا الآن؛ فعنده الآلات الكهربائية والبخارية والهوائية لتقضي حاجاته، ~~وتجعل حياته على الأرض كثيرة السرور، قليلة المشقة. # إن هذه الاختراعات الجديدة ضربة قاضية علينا، وكل مظهر من مظاهر هذا التمدن الحديث يضر ~~بمصالحنا، ويحط من مقامنا، قد أمست سلطتنا الآن ترسا للدفاع بعد أن كانت حساما للهجوم، قد ~~سلبتنا الكهربائية حقوقنا، وتعدى البخار على مصلحتنا، ودخل الهواء بيوتنا الفارغة؛ فصار ~~يخشى عليها من التدعي، أما والحق فهذا انقلاب سريع عظيم، نحن الآن على شفير الهاوية، أمامنا ~~الظلمة الغير المتناهية، والعمق الذي لا يحد، ووراءنا جحافل الكهربائية والبخار والهواء، ~~ليس هذا فقط؛ فالأخطار التي تحيق بنا من الخارج ليست بشيء عند الأخطار التي تتهددنا في ~~الداخل، ألم يلتئم معشر الخيل في مجمع عظيم منذ شهر ليتفاوضوا في الشرائع، والسنن المؤسسة ~~عليها جامعتنا، ويحكموا على صحتها، وخلوها من الأغلاط؟ أهذا الذي اتصلنا إليه؟ إذا نحن ~~شككنا في صحة شرائعنا، فماذا يفعل المؤمنون؟ والغريب أننا ابتدأنا في الشك والريب، فالمجمع ~~المنكود الحظ حكم بعد الجدال والبحث والمناقشة على الناموس الذي نمشي بموجبه بالإعدام، يقول ~~المجلس الموقر: إن شرائعنا لم تنشأ عن حكمة معصومة عن الغلط، وإن ms03 الطريق التي سلكناها في ~~الماضي تؤدي إلى هلاكنا في المستقبل القريب. # عقول مختلة في رءوس كبيرة، جياد سقيمة تطلب الشهرة بتكسير أواني إسطبلها، منذ مدة وجيزة ~~أخذ أحد الجياد الكبيرة الذي يحسد الأطيار على عشاشها أن يستهزئ ببعض الأساطير التي ~~نحترمها، ويعز علينا أن تمتهن، هذه هي حالتنا الآن؛ الأخطار من الداخل والخارج، الجياد ~~المعتلة تلبط وتحرن ونحن المحافظين ساكتون عنهم. نعم، إن المخاطر تحت أقدامنا وفوق رءوسنا، ~~فما العمل وكيف نتقيها؟ نهار البارح تخرج من إحدى الشركات الكبيرة خمسمائة جواد متحلين ~~بحلى الآداب، جياد ذوو أجسام وعقول سليمة قوية، ولكن لا شغل لهم في المدن الكبيرة، ولا ~~يحتاج أحد من المتمدنين في هذا الجيل إلى خدماتهم، وزد على ذلك أن في الأسبوع الماضي أخرجت ~~إحدى الشركات الترامواي ألف جواد من خدمتها، واستخدمت عوضهم قوتي الكهربائية والبخار، وهذا ~~سجل جمعيتنا، ينبئنا - ويا له من نبأ مؤلم - بأن في صفوفنا يوجد الآن خمسة آلاف جواد لا شغل ~~ولا عمل لهم. وإذا لم نعلفهم يموتون، فمن أين لنا أن نعلفهم وهم لا يحركون ساكنا، ولا ~~يدخلون بارة الفرد؟ فيا لتعاسة الخيل، إن قوتهم تتلاشى يوما فيوما، إن سلطتهم على وشك ~~الاضمحلال، وا أسفاه قد اندثر عزنا، وبليت حلة بهائنا، ودرست معهما معاقل مجدنا، وا أسفاه ~~على الزمان الماضي؛ يوم كنا نقود الشعب في عرباتنا المقدسة إلى حيث نشأ، كنا في ذلك الزمان ~~نحرن ونتمرد، ونشمخ ونهمهم، وما لنا الآن إلا أن نطيع صاغرين، مفتشين على مصلحة نستر بها ~~عرينا، ونسد رمقنا، يا ليتك لم تكوني أيتها الكهربائية، ويا ليت مخترع الأوتوموبيل لم يولد، ~~ليس الملك الظالم من أمر بقتل من خالفه، بل هو ذلك المتفلسف العالم الذي لا يتنفس إلا ليضر، ~~ولا يفتكر إلا ليفسد، ولا يتحرك إلا ليسد بوجوهنا أبواب الارتزاق. ما بال الفوضويين من ~~البشر لا يريحوننا من ملوك العلم، وأرباب الاختراع الذين يقصدون إبادة جنسنا عن آخره؟ ما لك ~~وهمبرت أيها الفوضوي؟ ماذا ينفع قتل ماكنلي؟ دونك وإديسون أو ms04 تسلا، جرد سيفك على ماركوني، ~~أو سبنسر، أو برتلو، هؤلاء هم أعداء العالم بأسره، هم هم الظالمون المستبدون الأشرار الذين ~~يدسون في مملكتي البشر والحيوان سموم علومهم واختراعاتهم، اصرف عنا أيها الأسد العظيم كيد ~~المتفلسفين من البشر، نجنا من دسائس شياطين الاختراعات، خلص عبيدك وخادميك من العناصر ~~القتالة التي إذا أضاءت أحرقت، وإذا تحركت قتلت». # وبعد أن انتهى الحصان من هذه المناجاة المؤلمة وضع رأسه بين قائمتيه، وغاص في بحر الهواجس ~~والأفكار، ثم نهض بغتة، وصرخ صرخة عظيمة ليست صرخة أركيميدوس الإسكندري في حمامه بشيء ~~بالنسبة إليها. ~~«نعم نعم! قد اكتشفت على سبب تقهقرنا، قد عرفت سبب تقدم أعدائنا ونجاحهم، الاتحاد؛ ~~الاتحاد؛ جمع الكلمة، وحدة الرأي، إزالة الاختلافات، وقتل الشقاقات. نعم يجب أن نتحد، ~~فالحمير لا يعضدون البغال، والبغال لا يتحدون مع الخيل، والخيل لا تتقرب إلى فريق منهما. ~~لماذا هذا التنافر؟ لماذا هذا البغض وهذه الضغينة؟ كلنا من طائفة واحدة تربطنا صلة القرابة، ~~فلماذا إذن لا نتحد ونجمع قوانا المالية والعقلية والعلمية؟ فنقوى إذ ذاك على كل عساكر الشر ~~والفساد والفلسفة فنسحقها سحقا، ونحطمها تحطيما. نعم يجب أن نحسم الخلاف ونرتق الفتق، ~~ونجمع القلوب ونتكاتف ونتحد، ولكن من ذا الذي يتجاسر أن يتظاهر بهذه الدعوى؟ ألم يحرم حصان ~~أميركي من جامعته الخصوصية لأنه تظاهر بمبادئ شاملة، فخرج من كرسي سلطته ذليلا حقيرا. ألا ~~تتساقط علي المسبات كالأمطار يوم أعلن للحيوانات دعوتي؟ ألا أطرد من جمعيتي؟ لا بأس فأنا ~~أفضل أن أكون خارجا عنها، ومفيدا لطائفتنا الحيوانية بوجه العموم، سأجاهر بمبدئي وسأجمع ~~في إسطبلي وجهاء الحمير والبغال سؤأدب لهم مأدبة فاخرة، سأتصل إلى عقولهم عن طريق بطونهم، ~~سأعلفهم وأسقيهم وأوفر لهم انشراح الصدور، والانبساط بقدر ما يمكنني، ثم أعرض عليهم هذه ~~المسألة، وأسألهم المساعدة، سأفعل ذلك حالا، سأفعله الآن». # فتقدم الحصان إلى باب الإسطبل ونادى الجحش كاتبه قائلا: «هات معك ورقا وقلما وحبرا، ~~وتعال مسرعا». فجاء الجحش حاملا قلمه ومحبرته وأوراقه، وجلس على كرسي ينتظر أوامر مولاه، ~~فأملى عليه الحصان ms05 ما يلي: # سيادة الراعي الصالح، والمرشد الفالح، والنزيه العظيم، والمنطقي الفهيم المفضال ~~العلامة، والبحر الفهامة، الجزيل الفضل، الجليل القدر، الشريف الأصل، النافذ الأمر، ~~أطال الأسد العظيم وجوده لنستفيد من علمه، ونهتدي بإرشاداته، آمين. # تجعلني سعيدا إذا شرفت إسطبلي مساء غد لتناول الغذاء معي، وهناك أمور خطيرة ~~تستوجب المخابرة؛ إذ إن فيها صيانة حياتنا، وحفظ سلطتنا، واقبل أيها الأخ المكرم ~~تأكيدات ولائي، وعلى أمل اكتمال سروري بوجودكم أمحضكم الشكر الجزيل. # أخوكم في الحيوانية # الحصان # أرني ما كتبت، وأخذ الحصان النسخة من الجحش وقرأها، ثم قال: ألم أقل لك: «واقبل أيها الأخ ~~المحترم» فلماذا كتبت عوضها: «الأخ المكرم» ألا تعلم بأن هذا النعت يعد شتيمة بين معشر ~~البغال والخيل والحمير؟ # الحصان في مكتبه. # الجحش ~~: # أليس لفظة مكرم اسم مفعول من كرم يكرم، ألا تعني هذه اللفظة التوقير ~~والاعتبار؟ فهل نكون شتمنا الحمار إذا نعتناه بالمكرم؟ هل لك أن تفهمني الفرق بين ~~اللفظتين إذا لم أكن مصيبا بما قلته. # الحصان ~~: # أنت مخطئ؛ فالفرق بين المكرم والمحترم هو أن الأول بعيد عن الهوان والذل ~~والاحتقار واللؤم، والثاني قريب من الغيرة والمجد والاعتبار والأبوة. # الجحش ~~: # أما والأسد فأنا لا أرى فرقا قط بين الاثنين، فمن كان بعيدا عن اللؤم يكون ~~بالطبع قريبا من الأبوة، ومن كان قريبا من المجد يكون بعيدا عن الذل والهوان، ~~أفلا يكون للفظتين نفس المعنى؟ لا يا سيدي أنا لا أظن أن في نعتنا الحمار بالمكرم ~~شتيمة له، وعندي أن لفظة مكرم هي أعذب من لفظة محترم؛ لأن الأولى لا تقدر تصوغ منها ~~إلا كلمات حسنة مثلها، والثانية يشتق منها الحرام والحرامي، والمحرم والحرم ... ~~إلخ. # الحصان ~~: # قد سحمت لك أن تتفلسف، فغير الآن العبارة واكتب: «أيها الأخ المحترم» واذهب ~~بالنسخة هذه إلى المطبعة، وأوص على طبع خمسمائة نسخة منها. ولما خرج الجحش من ~~الإسطبل طفق الحصان يتمشى متهللا فرحا وهو يقول: «سيخلد ذكري بين الحيوانات، ~~وسترتجف المملكة البشرية من قوتي إلى الممات، إن عملي هذا لعمل شريف، وإن كانت ضدي ~~كل ms06 الغطاريف، لا أخاف ما زال معي الأسد القوي المخيف. نعم، إني على جانب عظيم من ~~القوة والمكانة، فياللسرور، أي حظ وأي انتصار مبين، لا بد من أن أقول بعد هذه ~~المأدبة قول الشاعر: # تم ما رمت والزمان وفى لي # وقد انجاب عن نهاري الضباب # نعم سنحطم القوات البخارية والآلات الكهربائية إذا تم ما أتمناه، فلنجمع قوتنا ~~لنهلك من العالم كل مخترع لعين، وتصبح ظواهر التمدن الحديث لا أثر لها ولا عين؛ نحن ~~ضد التمدن، نحن ضد الآلات الميكانيكية، والمراكب البخارية، والعربات الكهربائية، ~~نحن ضد كل عقل يجهده صاحبه في إيجاد تسهيلات جديدة واختراعات مفيدة. يجب أن نضرب ~~ضربة قاضية، كفانا ذلا وضعفا وفقرا وهوانا، كفانا خصاما وشقاقا واختلافا، ~~كفانا نفورا وبغضاء ودسائس ووشايات. ضم الكلمة، جمع الرأي، اتحاد القلوب، تضافر ~~الأفكار، قتل كل مسبب يولد النفور والشقاق. هذا ما تطلبه منا مصلحتنا، وتحثنا على ~~إتمامه سلطتنا التي أوشكت أن تزول. # حبذا لو كانت الجلسة الآن وقريحتي جوادة؛ فيمكنني التكلم بفصاحة وحماسة وإخلاص، ~~أف لم يعد لي صبر على الانتظار، ولكن لا بأس إذا درست قليلا، واستعديت لهذه ~~الجلسة، يجب أن أستميل ضيوفي إلي، يجب أن أقنعهم لكي يعتنقوا مبدئي، يجب أن أبين ~~لهم الحقائق الراهنة مدعومة بالبراهين الساطعة، «إلى الدرس إذن والتفتيش، فهذا عند ~~الحصان العاقل أفضل من التبن والحشيش»، ويذهب الحصان إلى مكتبته، ويكب على المطالعة ~~والكتابة. # الفصل الثاني # | المأدبة # ولما تم طبع رقاع الدعوة وزعها الجحش على أصحابها الأفاضل، وفي مساء اليوم الثاني قبل أن ~~جاءت الساعة الثامنة، غص الإسطبل بأفاضل البغال والحمير والجياد وهم لابسون أفخر العدد، ~~وأثمن البردعات، من أقمشة سوداء وأرجوانية، وفي أعناقهم رشمات يتلألأ فيها عدد من الذخائر ~~والتعاويذ، فتطقطق عند الحركة، ومنهم من جاء يعكز على عصا مذهبة، حاملا في خرجه لوح شريعته ~~المقدسة، ثم جلسوا جميعهم حول مائدة جميلة مزينة على طرز بشري فيه كل أنواع الفخفخة، ويزيد ~~رونقها أنواع الزهور المنثورة حولها، وحول الصحون المملوءة من الطعام على اختلاف ألوانه، ~~واللحوم ms07 والأسماك على تعدد أجناسها، والخضر على تنوع أصنافها، وكلها مخلوطة ببعضها خلطا ~~حماريا، وعلى وجهها غطاء أبيض مصنوع من البرشان. أما أصناف الخمر والمشروبات فحدث عنها ~~ولا حرج، فبراميل الجعة كانت في ذلك المساء بعدد الضيوف، وكل واحد جلس وبرميله إلى جانبه، ~~وأمامه إناء كبير من الفخار. ~~- كلوا واشربوا وتهللوا فغدا تموتون. # وبعد أن جلس الكل حول معالفهم، وزالت الضوضاء، وساد النظام نهض صاحب الدعوة ورفع رأسه ~~ويديه نحو السماء، وخاطب الأسد القدير خاشعا متوسلا فقال: نشكرك يا رب على غزير نعمك ~~وآلائك، ونتضرع إليك بصوت خاشع كي تشمل بنظرك الإلهي جميع المؤمنين من أبنائك لا تحول عنا ~~إلهامك الهادي إلى الرشاد، ولا تتخل عن المطيعين لنا ولك من العباد، انصرنا يا رب على ~~القوات الشيطانية التي ظهرت في هذه الأيام الأخيرة، واسحق أعداءنا وأعداءك أهل التمدن ~~الحديث، وذوي النفوس الحقيرة، كن لنا يا رب معينا، واصرف عنا غضبك، وارمقنا بحلمك، وشدد ~~عزمنا، وثبتنا في مسالك الصلاح وطرق الهداية، آمين. # وبعد أن فرغ الحصان من صلواته هذه رفع حافره الأيمن، وقسم به الهواء إلى أربعة أقسام ~~راسما بذلك رسم صليب كبير، ثم جلس على برميله بإزاء المعلف، ودعا ضيوفه إلى الأكل والشرب ~~والانشراح. ~~- كلوا واشربوا وتهللوا فغدا تموتون. # أحد البغال ~~: # فلتحيا الفلسفة الأبكورية! صلى الأسد على أبيكاريوس وسلم! # الحصان ~~: # لا تستحوا أيها الإخوة المحترمون، الإسطبل إسطبلكم، ولا تظنوا أنكم في بيت عدوكم، ~~فكلنا نذكر أن الأسد له المجد دخل ما بين أعدائه، أما الفرق بينه وبينكم هو أن ~~الأسد صلب وأنتم ستحيون حياة جديدة، أما الآن فلنأكل ولنشرب، فلنشرب على ذكر ~~الحبيب، ولكن إياكم أن تسكروا. أهلا وسهلا بكم إن حاسياتي العميقة لا يعبر عنها ~~بلغتنا الحيوانية، شرفتم أيها الحمير الكرام، آنستم أيها البغال الورعون العظام، لو ~~كان لي صوت لطيف لكنت أنشدكم فأطربكم، أها. نعم، نعم، إن لكاتبي الجحش صوتا ~~رخيما: يا جحش يا جحش، آتنا بعودك، وأطربنا بنشيدك. # فجاء الجحش مطيعا، وبيده عود مصنوع من الجلد، وأوتاره من ms08 الشعر، فجلس على سدة بالقرب من ~~المائدة، وأخذ يلعب بالأوتار إلى أن عدل عوده، وصرخ منشدا: شرف القوم الكرام ... إلخ. # فطرب الحاضرون، وهاجت عواطفهم، فصرخوا جميعهم متهللين: كمان يا جحشنا كمان، بالله عليك ~~منعاد، يا سلام ما حد سمع بعد. بعد. وغيره من عبارات الاستحسان، وصرخات السكران ~~الولهان. # ولما سمع المغني هذه التصدية الجميلة لصوته الأجمل أخذ ثانية عوده الهندي، وطفق ينقل على ~~أوتاره اللطيفة ريشته الرشيقة الخفيفة، وغنى على لحن وضعه أحد الغزلان في أبيات لجمال ~~عربي: # عجبت لسعي الدهر بيني وبينها # فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر # فيا حبها زدني جوى كل ليلة # ويا سلوة الأيام موعدك الحشر # وإني لتعروني لذكراك هزة # كما انتفض العصفور بلله القطر # هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى # وزرتك حتى قيل ليس له صبر # البغال ~~(بصوت واحد) ~~: # أما والأسد فهذا من أبدع ما غني وأنشد. # صاحب الدعوة ~~: # زدنا بالله عليك يا جحشنا العزيز من غنائك المطرب المهيج، فعدل الجحش عوده ثالثة ~~وتمتم بعض الأشعار، ثم غنى أبيات جمال آخر في بعض جواري الملوك المناذرة: # ولقد دخلت على فتاة # الخدر في اليوم المطير # فدفعتها فتدافعت # مشي القطاة إلى الغدير # فلثمتها فتنفست # كتنفس الظبي البهير # أحد الحمير ~~: # أما والأسد العظيم فهذا لا يحتمل. تريد منا آه يا جحش كمان من دفعتها فتدافعت ~~ولثمتها فتنفست، كمان كمان وأنت الآمر المطاع، أما الجحش فلم يسمع تضرعات الحمار، ~~بل أتبع الأبيات لحنا من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، وغنى بيتين ~~رقيقين لأحد جمالي الدولة الأموية: # ألا يا ظبية البلد # براني طول ذا الكمد # فردي يا معذبتي # فؤادي أو خذي جسدي # أحد البغال ~~: # هذا يا جحشنا المطرب لمن أبدع الألحان وأعذبها، فقد أجدت في غنائك، وأحدثت طربا ~~عظيما في نفوس أنسبائك، فاسمحوا لي يا أسيادي إذن أن أشرب نخب من إذا هز حلقه هز ~~القلوب، أو حرك عنقه أزال الكروب، وأطلب إليكم أن تشاركوني بهذا النخب الواجب علينا ~~شربه بعد طلب الإذن من صاحب الدعوة. إني أشرب ms09 وإياكم سر جحشنا المغني المطرب الذي ~~لو وجد في دار ذاك الآدمي الذي يدعى الرشيد لما سمعنا بإبراهيم العظيم وإسحاق ~~الفريد. # فلثمتها فتنفست # كتنفس الظبي البهير. # فوقف جميع الحاضرين ورفعوا كئوسهم إلى فوق رءوسهم، وشربوا نخب من أطربهم بألحانه العذبة ~~الرقيقة، ولكن بين كل هؤلاء الحمير والبغال والجياد الواقفة كان يرى الناظر حيوانا صغيرا ~~جالسا على برميله يتبسم ابتسامة الاستخفاف والتهكم، وهو الثعلب الذي دعي إلى الجلسة؛ لأنه ~~صحافي ليذيع أعمال المجمع العظيم، ولكنه كبقية الثعالب المتفكرة أبى أن يشارك الجمع بنخب من ~~إذا هز حلقه اهتزت له القلوب. وعمله هذا الشاذ أوقع الاستغراب والدهشة، لا بل الغيظ في قلوب ~~بقية الحيوانات الذين أخذوا يتساءلون عن هذا العاصي، وعن سبب تصرفه السيئ، الخارج عن دائرة ~~الأدب والاعتدال، والبعض من المتحمسين الحادي الطبع من الحمير لم يستطيعوا إخفاء ما داخلهم ~~من الحنق والغضب، فأخذوا يتساءلون بصوت مرتفع: «من هو هذا الصعلوك؟» «من أين أتى؟» «ماذا ~~يقصد هذا الثعلب الحقير بتصرفه المعوج؟» «أما والأسد فقد شتمنا، وشتم المغني أيضا»، «هل هو ~~جلمود؟» «ألا يشعر بقوة الجمال؟» «ألا يعرف قيمة الصوت الرخيم؟» ... إلخ. # أحد البغال ~~: # اطردوه من الإسطبل. # أحد الجياد ~~: # نعم اطردوه. ~~(فوقف إذ ذاك الثعلب على برميله، ونظر إلى الجمع نظرة المستعطف، ~~وأنشدهم قول ذلك الشاعر العظيم الذي أراد من الزمن أن يبلغه ما ليس يبلغه في نفسه ~~الزمن، قال): # يا ساقيي أخمر في كئوسكما # أم في كئوسكما هم وتسهيد # أصخرة أنا ما لي لا يحركني # هذا المدام ولا هذي الأغاريد # أحد البغال ~~: # أنت بالحق صخرة، اصمت، اصمت إذن. # أحد الحمير ~~: # اطردوه اطردوه لا تدعوه يتكلم. # الثعلب ~~: # يا أسيادي الأفاضل، لو أذنتم لي بكلمتين لجاوبتكم على سؤالاتكم، وبينت لكم أسباب ~~تصرفي الذي لم يصادف استحسانكم. # الجميع ~~: # اصمت، اسكت، انزل عن برميلك. # الثعلب ~~: # ألا يحق لي أن أتكلم كبقية الحاضرين وأنا مدعو لهذه الجلسة، هل يرضى صاحب الدعوة ~~الفاضل عن إسكاتي وطردي؟ هل يرضى عن إهانة ضيوفه في إسطبله؟ هل من قوانين ~~الاجتماعات ms10 وقواعد الأدب أن تقذفوا نحوي كل كلمة باطلة قبل أن تعرفوا غايتي وقصدي ~~(هس هس هس اصمت فليسقط الثعلب اللعين) أعيروني أذنا مصغية، ولا تقلدوا الحيات ~~بأصواتكم رشقتموني بسؤالات مهينة وقبلتها بقلب متواضع (هس هس) وأجاوبكم عليها دون ~~أن أمس كرامتكم «من أنا؟» (هس هس)، «من أين أتيت؟» (هس هس)، «ماذا أقصد بتصرفي؟» ~~اسمعوا وبعد ذلك اصفروا وهسهسوا، أنا يا أسيادي صحافي (هس هس بش بش) أجاهد وإياكم ~~في سبيل الحق والحرية، أنا حيوان جئت من بين الحيوانات الضعيفة التي تنظر إليكم ~~شزرا، وتكتم لكم الشر والعدوان، رسالتي في هذا العالم هي أن أوفق بينهم وبينكم، ~~وغايتي القصوى أن أهذب الجهلاء في مملكتنا كي يقدروا تعاليمكم حق قدرها، وأن أنبهكم ~~إلى هذه القوة العظيمة الكامنة الآن في بطن الجهل، فالاستبداد من جهة والجهل من جهة ~~أخرى يولدان اضطرابا مستمرا، وقتالا متواصلا، أنا يا أسيادي ممثل التعاسة ~~والاضطهاد، جئت لأشارككم في هذا المؤتمر؛ لعله يكون فيه فائدة لعالمنا، ولعله يرفع ~~عن نفوسنا المضغوطة أثقال الظلم والجهل، ويتم فيه قتل التعصب الذي ينفث بيننا سم ~~الشقاق والخصام، ولتكسر القيود التي تكبلت بها أقلامنا، قد جئت لأشارك في البحث عن ~~أمر جليل، ولم أجئ لأسمع الغناء، وأشرب أسرار المغنين: # غير مجد في مذهبي واعتقادي # نوح باك ولا ترنم شاد # وخصوصا في مثل هذا الوقت، ففي ساعات الفراغ أسر بصوت رخيم وعود جميل، ولست كما ~~تظنون جلمودا غير أني أعجب كيف أن أمرا طفيفا يحولكم عن مقصدكم، ويصير مؤتمركم ~~هذا قهوة مصرية كيف أن صوت جحش ينسيكم نفوسكم، ويسلبكم عقولكم (قف قف هس هس)، لا ~~تظنوا أني أنكر على الجحش فضله، لا والحق فإني أطرب بغنائه في غير هذا المقام، ~~وأشرب نخبه في غير هذا الموقف فضلا عن أن الأشعار التي أنشدها فيها من التغزل ~~وبذيء الكلام ما لا يليق بحضراتكم استماعه، ماذا يقول عنكم جمهور الحيوانات التي ~~ترشدونها وتنهونها عما أنتم فاعلون الآن؟ ماذا تركتم لأولئك الحيوانات الذين يصلون ~~ليلهم بنهارهم، منغمسين في ms11 التهتك، ومسترسلين في اللذات؟ وكيف نوفق بين تقواكم ~~المعهودة، وتقشفكم الغير المحدود ، وبين أعمالكم هذه؟ كيف تسرون وتفرحون بغناء فيه ~~هذه العبارات القبيحة، والتلميحات السفيهة: «ولقد دخلت على الفتاة، فدفعتها فتدافعت ~~فلثمتها فتنفست»، يا أسيادي الأفاضل، عودوا إلى حكمتكم التي تركتموها في هذه ~~الدقيقة، تأملوا في ما أنتم فاعلون، اذكروا أننا اجتمعنا لنتخابر بأمور خطيرة، فيها ~~صيانة حياتنا، وحفظ مقامنا كما ذكر في رقعة الدعوة. لا تظنوا أنني أخالف لكي أعرف، ~~كلا أنا أخالف الآن لأني لم أنس الغاية التي من أجلها اجتمعنا، فاعذروني إن كنت ~~شديد اللهجة، إنما ذلك نتيجة غيرتي الحاضرة على أبناء جنسي، ولا أقول ذلك لأتهمكم ~~ضمنا بالفتور وعدم الاكتراث، ولكن لما رأيتكم غارقين في بحور اللذات، ساهين لاهين ~~خفت على مشروعكم من الانقلاب والفساد، فجئت منبها يا أسيادي لا منذرا ومذكرا لا ~~متهددا. # وكان لكلام الثعلب في النهاية وقع حسن في صدور البغال والجياد، فندموا كلهم على ما فعلوا، ~~وانقلبوا ببرهة من أعداء إلى أصدقاء للثعلب الذي كان كلامه قاضيا على السكر، وهوسة الغناء، ~~فرماهم في لجج الهواجس والتفكر، حتى إن أكثرهم أفاقوا من غفلتهم، وأخذوا يبدون علائم ~~الاستحسان، فالثعلب الذي ابتدأ يتكلم بين هسهسة المستهزئين فاز فوزا مبينا، وختم خطابه ~~بين لبيط الاستحسان. # أحد الحمير ~~: # أما والحق إن في كلامه زبدة. # أحد البغال ~~: # إنه لعين الحق، فقد جئنا لنعقد مجلس إصلاح، وليس مجلس غناء. # أحد الجياد ~~: # فليعش الثعلب إنه العاقل الوحيد فينا، يجب أن يترأس الجلسة، واجتمع حوله إذ ذاك ~~عدد غفير من الحاضرين، وأخذوا يهنئونه على جرأته، ويثنون على أدبه، ويستغفرون منه ~~لإهانتهم إياه قبل أن عرفوا عنه شيئا. ~~(وبينما هم يهنئون الثعلب وقف أحد الحمير الشقر السكارى فهز ~~أذنيه المنتصبتين، ولبط لبيطا قويا حتى استلفت إليه أنظار الحاضرين، ثم رفع كاس ~~الجعة فوق رأسه، وقال): # وفي سكرة منها ولو عمر ساعة (هك) # ترى الدهر عبدا (هك) خاضعا ولك الحكم # فلا عيش في الدنيا لمن عاش صاحيا (هك) # ومن لم يمت سكرا بها ms12 فاته الحزم (هك) # ما بعرف يا إخواني منين جوني هالبيتين (هك)، ولكن منين ما كانوا مليح قد عبروا عن ~~فكري (هك). إيش بيهمني أنا إن صار إصلاح (هك)، وإن ما صار، وإن تم اتحاد، وإن ما تم ~~بدي أسمع غنا الجحش، وأنبسط (هك)، بدي آكل وأشرب وأفرح بركي بكره موت. (هك) فارتفعت ~~عند هذا الكلام الضوضاء والهسهسة، وجاء من أربع زوايا الإسطبل صوت واحد يطلب إسقاط ~~هذا الحمار السكران: اسكت واخرج من الإسطبل. # الحمار ~~: # إوعا تصدقوا إني (هك) بسكت إلا ما يفتح تمه الجحش (هك)، وإوعا تصدقوا إني بخرج من ~~الإسطبل إلا أنا وإياه (هك) أنتو كلكم مجانين، والثعلب (هك) اللي حكي بالأخير أكل ~~دجاج كثير (هك)، أنا حيوان كلكم تعرفونني، حيوان عندي هلق، صوت طيب، وعود وكبايه، ~~وما ناقصني غير (هك) ... ها ها ها، فلثمتها «فتنفست موش» هيك دخلك. # الجميع ~~(بصوت حي) ~~: # أخرجوه من الإسطبل، أخرجوه حالا، سفيه متهتك سكران أسقطوه عن البرميل! أخرجوه من ~~الإسطبل. # فهجم إذ ذاك عليه أربعة من البغال الكبار، اثنان منهم قبضا على رجليه وذنبه، واثنان ~~أمسكاه برأسه، وحملوه كلهم إلى باب الإسطبل، وهو يقول: تذكروا أنكم شحطوني (هك) من جمعيتكم، ~~فلا تعتبوا علي إذا صرت جمل، ولفيت لفه خضرا ضراعين (هك)، بطلت كون (هك) حمار خليلكم ~~هالفروه (هك) لا إله إلا الله، وبكره بتسمعوا (هك) عني في جرائد إسطنبول (هك)، هونيك بغني ~~وبرقص، وبنبسط بين الحريم (هك)، وأجري بضهر الفلك (هلك)، أنتو صلحوا العالم، وخلصوا نفوس ~~البشر (هك)، وأنا أجري (هك)، وكان قد وصل إلى الباب فرماه البغال خارجا، وأغلقوا باب ~~الإسطبل، وأقفلوه كي لا يحاول الدخول ثانية. # الفصل الثالث # | المحالفة # وبعد أن طرد الحمار السكران من الجلسة، وساد النظام انتصب الحصان صاحب الدعوة، وطفق يخطب ~~في ضيوفه قائلا: # بسرور لا يحد أرحب بجمعيتي البغال والحمير اللتين قاومتانا في الماضي، ومن صميم الفؤاد ~~أشكر لكم جميعا تلبيتكم الدعوة، وتشريفكم هذا الإسطبل، فقد جعلتموني سعيدا جدا؛ أولا ~~لأنكم من زمن طويل لم تجتمعوا كلكم ms13 تحت سقف واحد. وثانيا لأن آمالي عظيمة في نتائج ~~اجتماعنا الحسنة، فحضوركم يشير إلى الخير، وملامح وجوهكم المنيرة تنبئنا بالسلام. خذوني ~~بحلمكم قليلا لأبسط لديكم بعض الكلام بشأن هذا المؤتمر مبينا بوجيز العبارة الغاية التي ~~من أجلها دعيتم إليه، واعلموا يا أسيادي أن الحاجة وليس النظرايات الفلسفية دعتني إلى عملي ~~هذا الخطير، لما رأيت جمعيتنا في تقهقر، ولما عاينت تقدم أعدائنا السريع هزني عامل الغيرة ~~على صالحنا المشترك، وباشرت بالمشروع الذي جعلنا حجر زاويته مؤتمرنا هذا السلمي، نعم إن ~~الحاجة تدفعنا والضرورة تنذرنا، والصالح العمومي يحركنا إلى إتمام أمرين خطيرين، ولو على ~~الرغم منا، ألا وهما الاتفاق والاتحاد. # قد مضى على شقاقنا مئات من السنين، ونحن لم نزرع في خلالها إلا بذور البغض والشحناء ~~والإحن، فكانت جمعيتنا تعلم أعضاءها كي يبغضوا أقاربنا الحمير، وجمعية هؤلاء تحث أعضاءها ~~على القيام ضد إخواننا البغال، وكلنا أسيادي فروع من أصل واحد قد شتمنا بعضنا في الماضي قد ~~اضطهدنا بعضنا، وضيقنا على نفوسنا، وقتلنا الألوف من القردة والثعالب والبقر والجمال، ~~وغيرهم من الحيوانات التي خلقها الله كما خلقنا وجعلنا كلنا متساوين. قد فرقنا الابن عن ~~والده، والأخ عن أخيه، والابنة عن أمها، والمرأة عن زوجها، وأضرمنا نيران الفتن في الهيئة ~~الاجتماعية، ولماذا هذا كله ألتأييد سلطتنا التي هي واحدة؟ ألينتصر بعضنا على بعض بقتل ~~أنفسنا؟ فما هو يا ترى سبب شقاقنا؟ ما الذي فرق بيننا، وجعلنا أعداء الداء؟ إني أخجل ~~حينما أتأمل بهذا السبب الطفيف الذي نجمت عنه هذه الانشقاقات القتالة، أليس سبب انشقاقنا ~~نحن الخيل عن الجمعية الأصلية قضية أحد الحمير الكبار الذي أراد أن يقترن بدابة في الدير، ~~ومنعه عن ذلك نائب الأسد، فقامت قيامة الحمار الفصيح على النائب العظيم. # فرماه البغال خارجا وأغلقوا الباب. # وكان ما كان من الانقلاب الذي ندعوه إصلاحا، فهل هذه القضية الصغيرة تبقينا متشتتين عن ~~بعضنا مدى الزمان؟ هل يجب أن نضحي حياتنا وحياة الملايين من إخواننا إكراما لمخلوقين ~~تخاصما في الأجيال المتوسطة لغايات شخصية؟ أمن أجل ms14 هذا نتقاتل؟ أمن أجل هذا نشتغل بالسر ضد ~~بعضنا، ونبتعد عن الوئام الذي فيه حياتنا؟ أمن أجل أفراد لا نعرفهم إلا من التاريخ نكيد لمن ~~نعرفهم المكائد، ونسعى في إسقاط بعضنا البعض. قد مضى ما مضى، قد ارتكب أجدادنا جرائم عديدة، ~~عار علينا أن نكررها نحن في هذا الجيل، نعم إني أشعر بهذه الذنوب التي ناءت علي كلها، ~~فصرت أتأوه من ثقلها، قد اتصلت خطيئة أجدادنا بنا، فيجب أن نطهر أنفسنا بالقيام بهذا ~~المشروع الذي فيه خير الحيوانية عموما، ألا تعلمون أن شقاقنا هذا هو سبب سعادة أعدائنا، ~~وتقدمهم، ألا تعلمون أن قوة العدو - وهو عدونا كلنا - مؤلفة من ضعفنا، وتقدمه مستمد من ~~تقهقرنا، وتقهقرنا ناجم عن انقسامنا، وانقسامنا ناشئ عن جهلنا، وجهلنا يثبته فينا غرضنا ~~الأعمى، ومحبتنا الذاتية؟ فلنقتل إذن أغراضنا العمياء، فلنمت ولو إلى حين محبتنا الذاتية! ~~أين الحكمة التي هبطت علينا من السماء، قل لي بربك أيها الحمار المحترم ما هي قوتنا الآن، ~~وأين تلك السلطة الممتدة، والعز الشامخ؟ أين تلك الخيرات الغزيرة التي كانت تطرح على ~~أقدامنا، قد زالت كلها أو أوشكت أن تزول، ونحن نحن الجانون على أنفسنا. # كلكم تعلمون أننا الآن في احتياج كلي إلى التكاتف والاتحاد؛ فالكهربائية عدوتنا اللدودة ~~قد ظهرت في هذه الأيام، والبخار والهواء المضغوط جعلا خدماتنا للهيئة الاجتماعية أمورا ~~ثانوية، فكم من أعضاء جمعياتنا يخدمون إله البطالة الآن، ولا يستطيعون أن يجدوا شغلا أنفع ~~يشغلهم، فالعالم قادر على أن يستغني عنا إلا إذا استبدلنا الضعف بالقوة، وجمعنا كلمتنا، ~~واستبدينا في أمورنا عندئذ نعامل العالم كله بالمثل، ونعلن استقلالنا فيعرف الناس إذ ذاك أن ~~خدماتنا للهيئة الاجتماعية، ولو كانت أغلى من الكهربائية والبخار فهي أنفع وأحسن؛ لأنها أقل ~~خطرا، وأكثر ثباتا، ويستطيع أن يتمتع بها كل مخلوق غنيا كان أم فقيرا، ضعيفا أم ~~قويا، حقيرا أم عظيما، أما الآن فكم هي الآفات التي تكتنفنا، وتتهدد وجودنا؟ أمعنوا ~~النظر في الترقي الحاضر - الترقي الشيطاني القتال - تجدوا أن باب الارتزاق في المدن قد ms15 سد ~~في وجوهنا، فالأرتال تجرها الكهربائية، والعربات يجرها البخار، والأحمال الثقيلة ترفع وتنقل ~~بالاسم بقوتنا، وبالفعل بقوتي البخار والكهربائية. وفي الشهر الماضي قامت شركة كبيرة ضد ~~الخيل التي كانت تجر التراموي، وأخرجت من خدمتها ألف حصان قوي، وقامت شركة أخرى في إسبانيا ~~مؤخرا وقتلت الوفا من الحمير التي أفسدها الخمول والكسل، والبغال في روسيا في انحطاط عظيم، ~~ومع أن جمعية الحمير معززة في إسبانيا فهي لا تقوى على أعدائها الجبابرة، والحكومة ~~الإفرنسية قرأت للعالم في هذا الجيل صفحة من تاريخها في أواخر الجيل الثامن عشر، وبضربة ~~واحدة استأصلت الحمير، وأبادت جمعياتهم، أليست هذه المقاومة كلها نتيجة الاختراعات الجديدة، ~~والقوات الكهربائية الحديثة؟ قلت: إن أبواب الارتزاق قد سدت أمامنا في المدن، فهل تظنون أن ~~حالتنا في القرى أحسن؟ أليس الفلاح مستغنيا عنا؟ ألا يحرث أرضه بالآلات الميكانية ~~والبخارية التي ظهرت في أواخر هذا الجيل؟ الزراعة بالآلات، والحصاد بالآلات، والخيل على ~~خالقها؟ زمان مدلهم، مستقبل مكفهر، وحياة مرة ذليلة، قاتل الله الأوتوموبيل وأحرق في الجحيم ~~مخترعه، فهذه الآلة وحدها رمت في عالم البطالة الغير المتحرك الوفا من الجياد القوية، وقد ~~سقطت أسعارها الآن، وكثر عددها، فصار يقتنيها كل إنسان فقيرا كان أم غنيا. هذه حقائق ~~تؤلم وتحزن، وإذا دام هذا الحال يضمحل لا شك جنسنا، وتتلاشى جمعياتنا، ألسنا نحن الذين سلط ~~الله الإنسان علينا فقلبنا الآية بمهارتنا، وتسلطنا عليه في القرون الغابرة؛ قرون الحصان ~~والحمار والبغل، قرون لم تبرق فيها الكهربائية، ولم يعتم بأفقها البخار. # قد تمتعتم بلذة السلطة، وذقتم حلاوة العز والاستبداد، فكنتم تجرون الشعب في العربات ~~المقدسة العظيمة إلى حيث شئتم، وكان إذ ذاك الله الحوذي، كنتم إذا نقمتم على الجمال تشنون ~~عليهم الغارة، فتزحفون على معاقلهم بألوف من الحمير والبغال، يقودهم حمار قصير أعمى يمتاز ~~عن إخوانه بشهنقته الفصيحة، كان إذ ذاك الله الحوذي، أما الآن فلا عربة ولا حوذي، فقد هجرنا ~~الهناء، وحرقتنا الكهربائية بشرارها. وإذا كان قد بقي بعضنا في خدمتنا القديمة، فلا يعامل ~~قط كما كنا ms16 نعامل في الماضي، فإذا وقفنا أمام العربة، وشمسنا أو كبونا أو حرنا هز لنا ~~الحوذي الظالم سوطه، هذه هي نتيجة ضعفنا، فالناس ينظرون إلينا، ويجدوننا متخاصمين، فيزدرون ~~بنا ويذلوننا، وفي النهاية يطردوننا من بيوتهم وإسطبلاتهم، فتأملوا يا أسيادي في هذه ~~الحالة، يوجد في جمعيتنا الآن خمسة آلاف حصان بطالين طردوا من مراكزهم؛ لأن أصحابهم يفضلون ~~خيل الكهربائية على خيل الله، فمن أين يأكل هؤلاء المساكين؟ فلو لم تكن الحروب قائمة أبدا ~~على قدم وساق بين تابعي الأسد والبرابرة لكانوا يموتون جوعا، فيفسد الهواء من نتانتهم، فقد ~~بعثنا في الأسبوع الماضي ألفي حصان إلى الصين، وألفي حصان إلى الترانسفال فتستخدمهم هنالك ~~الدول البشرية لغاياتها الدنيئة، وهم لا يعبئون بذلك؛ لأنهم يختالون مضطرين، ويداهنون ~~مكرهين، من منا يموت شهيد مبدئه في هذه الأيام؟ فمن كان بأشد الحاجة إلى المال يخدم من ~~يستأجره بأجرة كبيرة، ونحن لا نلومهم بل يجب أن نلوم أنفسنا؛ لأننا غافلون عن مصلحتنا، ~~لاهون بالانقسام، تائهون في فيافي الأوهام ومهامه التخيلات، وها أنا الآن ألقي عليكم سؤالا ~~صغيرا: هل تريدون أن تعيدوا سلطتكم، وتعززوا أنفسكم؟ هل لكم أقل مطمع في هذه الحياة؟ فإذا ~~كان ذلك فعليكم بالاتحاد، عليكم بالتحالف، ولننس اختلافاتنا الصغيرة، ولنذكر أننا كلنا من ~~طائفة واحدة، ومن نوع حيواني واحد، جمعياتنا مشتقة بعضها من البعض، والمرجع كله إلى أصل ~~واحد نتبع معلما واحدا نعبده، ونحبه فوق كل شيء، ولا يهم إن أحب الحمير الأم أكثر من ~~الابن، أو الأب أكثر من الابن، فلا يجب أن نختلف ونتناقش على مسائل وهمية لا دخل لها في ~~شرائعنا، فهل قال لنا الأسد - له المجد - أن نعبده بطريقة مخصوصة؟ هل أمرنا بأن نتخاصم بسبب ~~دمه وجسده؟ هل يهمه إن عبدناه رأسا أم بواسطة الصور والتماثيل؟ نعم قد حثنا لا بل قد أمرنا ~~بمحبة بعضنا بعضا، حتى إنه قال: حبوا أعداءكم، فلماذا إذن لا نعمل بقوله هذا، ونهمل ما لم ~~يقل لنا عنه شيئا. نعم يا أسيادي قد تفكرت كثيرا في هذه ms17 الاختلافات، ووجدت بعد الدرس ~~المتواصل أن الأسد لم يقل لنا عنها في كتابه شيئا، ولذلك تحققت أنه لا يريدها، وأظن أنه ~~يتألم إذا رآنا نقاتل بعضنا بعضا، فالاختلافات هذه لم يولدها إلا مطامع من تقدمنا من ~~القواد، إنها والحق يقال بنت تلك المجامع الشريرة التي عقدها أجدادنا في الأجيال الأولى؛ ~~ليقفوا كما كانوا يزعمون على تفسير حقيقي لأقوال الأسد التي لا يوجد في كتب الفلسفة والحكمة ~~أبسط منها، وكلكم لا شك تعلمون ما كان لهذه المجامع من التأثير السيئ على العالم عموما ~~وعلى جمعيتنا خصوصا. # تعلمنا شريعتنا نكران الذات، ونحن لا ننكر إلا قريبنا، تعلمنا محبة العدو ونحن لا نحب إلا ~~أنفسنا، تعلمنا التقشف والابتعاد عن حطام الدنيا ونحن أكثر الحيوانات تمسكا بها، ثم نفسر ~~آيات الكتاب بصورة تساعدنا على مطامعنا، فنحن نعلم حق العلم أن أجدادنا ومعلمي الجمعية ~~الأولين أخطئوا في مجامهم، وقد ارتكبوا جرائم فظيعة في تفسير شيء واضح، فأي مجمع عقد في ~~الأجيال الأولى، ولم يحدث فيه الضرب والقتل والذبح. إن تلك المجامع لم تكن إلا مجامع ~~مهاترة، وسباب وتعيير، فيها كانت تدور المناقشات المنطقية، والجدالات اللاهوتية المبهمة ~~التي لا يفهمها عاقل، اسمعوا ما قاله أحد الحمير العلماء عن هذه المجامع الباطلة: «وأراني ~~مضطرا إلى قول الحق عن هذه المجامع، فأنا أتشاءم من كل مجمع أحبار؛ لأنني لم أر حتى الآن ~~نتيجة حسنة لواحد منها، ولم أحضر مجمعا واحدا كانت منافعه أكثر من أضراره، فعاقدو المجامع ~~عوضا عن أن يقمعوا زعماء الشر كانوا يزيدونهم شرا وتمردا، فالمناقشات المنطقية، ~~والجدالات اللاهوتية الفارغة كانت سائدة في كل اجتماعاتهم». وهذا كلام أحد أعضاء الجمعية ~~الذي لا ريب في صحته؛ إذ لا نقدر أن نتهمه بالتعصب والتحزب لغايات ذاتية، ومما يدلنا على ~~ضعف أولئك الرؤساء وخمولهم ما نقرؤه في الملحق لوقائع المجمع الأول العظيم، جاء فيه أن ~~أعضاء المجلس لما لم يستطيعوا أن يميزوا الكتب الحقيقية من الكتب الكاذبة وضعوها جميعها على ~~طاولة وخلطوها، ثم أخذوا يتوسلون إلى الروح القدس طالبين ms18 أن تسقط الكتب الكاذبة على الأرض، ~~وتبقى الصحيحة على الطاولة بأعجوبة، وهكذا صار كما يزعمون، لا تظنوا أن إيماني في الروح ~~القدس فاتر، كلا غير أن الله - عز وجل - أعطانا عقولا نستنير بها، ونميز بين الحقيقة ~~والوهم. # فهل تريدون أن يقال عن مجمعنا هذا ما قاله ذاك الحمار عن المجامع القديمة، كان أجدادنا ~~يجتمعون ليقاوم بعضهم بعضا، وينتقموا من الذين كانوا يظنونهم منشقين، وقد فاتهم - برد الله ~~ثراهم - أن في مقاومة المنشقين مقاومة لأنفسهم، أما نحن فنجتمع الآن لنقاوم قوات الشر ~~الحقيقية؛ القوات التي ظهرت نتائجها، وأثرت كثيرا في مصالحنا، فصرنا نشعر بالتقهقر، ونحس ~~بالسقوط، نعم إن البرهان على تقدم أعدائنا برهان حسي لا يجهله إلا كل متغفل خامل، ولا حاجة ~~للقول إن اجتماعنا هذا على جانب عظيم من الأهمية، وسيدون التاريخ أعمالنا بماء الذهب إن شاء ~~الله. وإذا كانت حيوانات هذه الجيل لا تقدر مشروعنا حق قدره، فهذا لا يحولنا عن القيام به ~~تاركين الحكم لذريتنا. العالم كله يتقدم وليس من الواجب أن نبقى نحن متشبثين بأغلاط أجدادنا ~~الغير المقصودة؛ فهم أورثونا الشقاق والخصام، ونحن نورث أبناءنا المحبة والوئام، أضاع أولئك ~~المساكين أوقاتهم في المناقشة الفارغة، ونحن نصرف هممنا إلى القيام بالمشاريع المفيدة، فكيف ~~نستطيع أن نرهب أعداءنا ونسود عليهم، إذا كان لا يمكننا أن نجمع كلمتنا، ونرتبط مع بعضنا ~~برابطة الشريعة والجنس. قد أخطأ أجدادنا، فهل من الواجب علينا أن نقتفي أثرهم، ونرتكب ~~الجرائم التي ارتكبوها، فلنبتعد عن المناقشات المنطقية، والجدالات اللاهوتية، ولننظر في أمر ~~واحد فقط، هل يجدينا انقسامنا على أنفسنا نفعا؟ هل نستطيع الوقوف أمام القوات الكهربائية ~~والبخارية ونحن منقسمون، ألا نسحقها سحقا إذا جمعنا قوتنا المالية والعلمية، وضممنا ~~قدرتنا، وجعلنا من جمعياتنا كلها جمعية واحدة عمومية؟ اطردوا من عقولكم كل التعصب والأميال ~~الدنيئة، واذكروا أنكم كلكم من تبعة الأسد العظيم، وأبناء الإله الواحد القدير، فلا حمار ~~ولا بغل ولا جواد ولا كدبش بيننا، بل كلنا حيوانات نتحد بالمذهب، ونشترك بالجنسية، ونرفع ~~رءوسنا تحت سماء واحدة، ms19 ويجري في عروقنا الدم الذي يجري في عروق إخواننا، وتشرق على مراعينا ~~شمس واحدة، ما بالنا إذن لا ننظر إلى سوء حالتنا، ونعمل على تحسينها، نحن كلنا نعبد إلها ~~واحدا، ونتنفس هواء واحدا، فلماذا إذن لا نتخذ الوسائط الفعالة لملافاة أسباب ~~سقوطنا. # كونوا متيقظين، واصرفوا عنكم الضربة قبل أن تنزل عليكم «درهم وقاية أفضل من قنطار دواء»، ~~إن القوات الكهربائية تضر بصالحنا، فيجب علينا أن نحطمها تحطيما، يجب أن نبقيها في قلب ~~الأرض، وكيف يتسنى لنا إتمام ذلك، بالاتحاد! إن التمدن الحديث يحفر تحت قصورنا الشائقة، ولا ~~بد أن تصبح رءوسنا يوما بين الأنقاض إذا لم نوقفه عن متابعة عمله، ولا نستطيع قتل التمدن ~~الحديث إلا بإيجاد تمدن جديد مناقض له، ولا نقدر أن ننشئ هذا التمدن إلا بجمع كلمتنا، إن ~~النجاح المادي الذي امتاز به هذا الجيل الشرير قائم بسلبنا كل خيراتنا، ووضعها بيد الأفراد ~~القليلين، إذن يجب علينا إيقاف هذا النجاح وقتله في طريقه، وذلك لا يتيسر لنا إلا إذا جعلنا ~~جمعياتنا هذه جمعية واحدة يترأسها حيوان واحد، هذه خلاصة كلامي أكررها بعبارة بسيطة حتى لا ~~يحصل سوء تفاهم، نحن ضد القوات الكهربائية، والبخارية، والهواء المضغوط معا. # نحن ضد التمدن الحديث بكل مظاهره. # الحصان يخطب: نحن ضد التمدن الحديث. # نحن ضد الاختراعات الحديثة، والمبادئ الجديدة الخبيثة. # نحن ضد النجاح المادي الذي مد يده إلى ذخائرنا، وسلبنا كل نفيس عندنا، وأنتم تعلمون ما ~~لعدونا من القوة ومنعة الجانب، ولكن لا بد من إبادته، ولذة النصر تزداد كلما ازدادت قوة ~~العدو، ولكن كيف ننتصر بالاتحاد، بالاتحاد، بالاتحاد، بالاتحاد القوة، وبالانقسام الضعف، ~~بالاتحاد التقدم والنجاح، وبالانقسام التقهقر والانحطاط، بالاتحاد المجد والعلى، والانقسام ~~الذل والخمول، بالاتحاد السؤدد والعز والسلطة، وبالانقسام الحقاة والعبودية والهوان، ~~بالاتحاد العمل المفيد، وبالانقسام العطلة المضرة، بالاتحاد الحياة، وبالانقسام الموت، ~~بالاتحاد نبقى سائدين، ونستظهر على العدو، وبالانقسام تفقد سلطتنا، وتضمحل جمعيتنا، وتخلفها ~~شياطين الشر والرذيلة، فاختاروا إذا أحد الأمرين؛ إما أن ننقسم ونموت، وإما أن نتحد ~~ونحيا. # فصرخ الجميع ms20 بصوت واحد «الاتحاد والحياة»، «الاتحاد والمحبة»، وأخذوا يلبطون بأرجلهم ~~دلالة الاستحسان والإعجاب بما جاء به ذلك البحر الفهامة من بلاغة المعاني، وفصاحة الكلام، ~~وسداد البرهان، وقوة الحجة، ثم قام البغل وشكر أولا صاحب الدعوة، وأثنى عليه كثيرا، وأبدى ~~شيئا كثيرا من التبجيل والمجاملة، وهما من أهم أدبيات معشر الحيوانات، ثم قال: «ما كنت ~~أحسب أن الحصان المحترم يدعونا إلى إسطبله العامر ليحثنا على الاتحاد، ويندد بالشقاق ~~والعناد، ما كنت أحسب أن هذا الفاضل يبدأ بمشروع شريف كهذا، ويكون أول من ضحى لأجله حقوقه ~~ومصلحته، ما كنت أحسب أن بعد هذا الفراق الطويل (وكانت الدموع تتساقط على وجنتيه، فأخذ ~~منديله، ومسح عينيه، وتابع كلامه بصوت منخفض) الفراق الطويل الذي ولد في قلوبنا الضغينة ~~والبغضاء والقسوة، يقوم حصان فاضل عالم بدعوة جديدة، لربما حسبها البعض شذوذا، ورماها ~~آخرون بباطل الكلام، ولكن سواء عدت شذوذا أو لم تعد فهي أشرف وأجل دعوة يقوم بها الحيوانات ~~بعد أن حل فيهم الانشقاق، ومن منا لا يريد أن يتمتع بالعز الذي حصل عليه أجدادنا وأسلافنا، ~~من منا لا يريد أن يسترد ذاك المجد الغابر الذي مرت عليه دواليب الكهربائية في هذا الجيل، ~~فكادت تحطمه تحطيما، من منا لا يريد أن يدخل هيكل ذاك السلطان العظيم الذي سود وجهه دخان ~~المراكب البخارية. # تعلمون - رعاكم الله - أن البغال في البلاد الشمالية التي أنا منها لا يزالون على شيء ~~قليل من السؤدد والعز، غير أن هذا القليل سيزول قريبا، وتمسي البغال والخيل في حالة واحدة ~~تشملها التعاسة والذل والهوان، إن جمعيتنا البغلية يتناقص عدد أعضائها يوما فيوما؛ وذلك ~~لأن الحالة السائدة على الخيل في هذه البلاد تحكم الآن بنوع ما على البغال في بلادنا، ~~فالتجارة المتبادلة بين الأمتين تمهد طرق الترقي الحديث، والاختراعات العلمية، والقوات ~~الكهربائية أخذت تظهر الآن أمامنا، وصرنا نشعر بشيء من سوء تأثيرها علينا، ولو لم يكن لنا ~~مستعمرات عديدة يلزمها للقيام بشئونها وتدبيرها بغال كثيرة لكانت جمعيتنا الآن في ظلمة ~~الموت والنسيان، ولكن لا يزال ms21 الملك شاملنا بأنظاره، وحامينا بتاجه وسلطانه، ومع ذلك فنحن ~~في رأيي لم نحسن قط تدبير الجمعية؛ إذ إننا لم نجتهد في أن نوسع نطاقها، ونزيد أعضاءها، ~~بليتنا الكبرى هي من مجلسنا الذي أقمناه لتدبير شئون الجمعية، فهو - والحق يقال - مجلس جمع ~~دببة الغباوة والطيش، والتعصب والظلم، وكل حكم يصدره هذا المجلس يضعف من قوتنا، ويجعلنا ~~ممقوتين بين الناس والحيوانات، وقد سمعتم ولا شك بالحكم الأخير الذي أصدره حكم لا يدل على ~~شيء من الحكمة والرزانة والسياسة، أريد به الحرم الذي ألقته جمعيتنا بواسطة مجلسها الموقر ~~على أحد الثعالب الكبار الذين يبشرون في آخر هذا الزمان بمذهب كهربائي تصدع الرءوس صدمته، ~~وهو ينتشر بسرعة البرق، ولكنه لا يختفي كالبرق عند ظهوره، وكلما شددنا على أصحاب هذا المبدأ ~~الكهربائي اللعين كلما ازداد نوره، وكلما ضغطنا عليه ازداد ارتعاشنا، فالحرم الذي وضعه ~~مجلسنا المستبد على هذا الثعلب الكبير بين قومه قد أضر بجامعتنا ضررا جسيما؛ لأنه جاء على ~~عكس ما كنا نظن، وعوضا عن أن يبعد بقية الثعالب والحيوانات عن صاحب هذا المبدأ الخبيث ~~زادهم تقربا إليه، نحن نسلحهم بطيشنا وهم يقاتلونا باتحادهم، ولا تظنوا أنني أهاب هذا ~~الثعلب السفيه المجدف، وإني أنتقد مجلس التدبير خوفا من هذا الكافر، وتزلفا إليه، كلا فهو ~~الحق أقوله صادعا، تكفينا المخاطر الخارجية، فما الحرم إلا ألعوبة يلهو بها المحارم، ~~ويرفسها المحروم، لا أنكر أنه كان لهذه الألعوبة أيام هائلة في الأحقاب الغابرة، فكانت إذا ~~وقعت على رأس أحد قتلته اجتماعيا وأدبيا، وقتلت معه كل من ينتمي إليه، أما الآن فالطابة ~~كبيرة، غير أنها مملوءة هواء، والذي يراها في الجو ساقطة ينخدع ويهرب من تحتها، ولكن بعد أن ~~تقع على الأرض يسكن روعه، ويضحك كثيرا، إن هذه الخزعبلات لمن الآثار القديمة التي يجب ~~علينا تركها، فالأولى بنا أن نباشر أعمالا تضمن لنا الفوز، وتبقي سلطتنا محصنة بمعاقل ~~الاتحاد والذوق السليم، إن العدو شديد البأس عظيم القوة، وإذا لم نقابله بقوة أعظم وأشد ~~فعلى جمعياتنا البغلية والحمارية، ومجالسنا ms22 التدبيرية السلام، لا حاجة للقول إنني من رأي ~~الحصان الفاضل في كل الأفكار التي أبداها، وبرهن عنها بفصاحة وبلاغة يعجز مثلي عن الإتيان ~~بمثلها، غير أني أريد أن أسأله علنا سؤالا واحدا صغيرا وهو: أية طريقة يجب علينا ~~اتخاذها لننتصر على القوات الكهربائية والبخارية، ولنسحق التمدن الحديث، ولنقتل النجاح ~~المادي الذي أفقرنا وأغنى أعداءنا؟ لا شك في كون الاتحاد مقبولا ومعقولا، فأنا أضحي ~~الحقوق التي تطلبونها إن اقتضى الأمر، وأعري نفسي من السلطة المعطاة لي إذا كانت هذه ~~المحالفة تتم، ولكن كيف يجب أن نباشر العمل. # أنا أثني على قول الحصان الفاضل في أن المناقشات المنطقية والسفسطية، والجدالات اللاهوتية ~~لا تفيدنا، ولا مجال لها في هذا المؤتمر، وأننا كلنا من تبعة الأسد له المجد، وتلك ~~الاختلافات الصغيرة لم تولدها إلا مطامعنا، وبالحري مطامع أسلافنا، فهل يجب أن نخضع لأغلاط ~~أسلافنا؟ هل يحكم الماضي المحدود على المستقبل الغير المحدود؟ هل يسود الجهل على العلم ~~الحقيقي والظلام الكالح على النور الإلهي الساطع. نعم، إننا نعيش في جبل النور، وإذا كنا ~~ذوي عزم وحزم ونشاط ودهاء، فلنستخدم نور الكهربائية لسحقها، أي لنقتل عدونا بسلاحه، إني ~~أشعر من ذاتي بضعف وانحلال أظنهما ناجمين عن دخول التحسينات العصرية إلى بلادنا الشمالية، ~~وكلما قربت منا هذه القوات سلبتنا شيئا من قوتنا بجاذبيتها، فلا يمضي ردح من الزمن، ونحن ~~على هذه الحال حتى نرى أنفسنا في قبضتها وتحت دواليب العربات والأرتال، هذا إذا لم نتحد ~~ونبذل الجهد في إبعادها عنا، وملاشاتها من العالم كله. # يجب أن تبقى مدفونة في طبقات الأرض كما قال حضرة الحصان المحترم، ولا أظن أن كلامي يزيد ~~الفائدة بعد أن أفاض حضرته في الحديث، وبين لنا أضرار الشقاق ومنافع الاتحاد، فأنا بالنيابة ~~عن نفسي، وبالأصالة عن إخواني وبغالي أقول صريحا: إننا مستعدون، ولا يحولنا أمر عن ~~الاتحاد، وسنبذل في سبيله النفس والنفيس، ونضحي إن اقتضى الأمر كل عقائدنا وعوائدنا، ونظل ~~متمسكين بما أمرنا به الأسد فقط، وكي لا أضيق صبركم، وأثقل على سمعكم ms23 أكثر من هذا أقتصر على ~~ما تقدم، مكتفيا بالقليل من الكثير، راجيا من جميع الممثلين الحاضرين أن يعضدونا بنفوذهم، ~~ويشاركونا بآرائهم، ويضعوا نصب أعينهم العبارة التي ختم بها من تقدمني خطابه الأنيق، ألا ~~وهي: في الاتحاد الحياة، وفي الشقاق الممات، فلتكن الحكمة مشكاتنا في طريقنا الوعرة، وعلى ~~الله وابنه - لهما المجد - الاتكال». # وكان لكلام البغل وقع حسن في نفوس سامعيه، وبالأخص البغال، فقد أخذ منهم التحمس كل مأخذ، ~~وطفقوا يلبطون وينهقون، حتى إن أحدهم قام وشرب نخب البغل الذي تكلم، وأضاف إلى ما كان في ~~جوفه من الخمرة كأسا أخرى، وأخذ يرقص من الطرب ويقول: الاتحاد بلا الخمرة هو كالسهاد ~~الدائم كالحياة بدون رقاد، وكالنهار بدون الليل، فاشربوا ما زلتم صاحين، واستقبلوا الليل ~~بالمدام، وما أحلى السكر تحت الظلام، إني أشرب نخب (وملأ كأسه ثانية، ثم نظر إلى الحاضرين ~~وتبسم وقال): اشرب نخب الخمرة ذاتها، وشرب حتى برز بطنه، فأخذ يغني ويلبط ويرقص حتى اشمأز ~~منه الصاحون من البغال والحمير، وطلبوا إخراجه، فقبض عليه حالا، وألحق بالحمار الذي طرد ~~قبله، ثم وقف بعد ذلك رئيس الحمير وكبيرهم، وهم بالكلام فقاطعه الحصان قائلا: «اسمح لي ~~أيها الحمار المحترم أن أجاوب البغل الفاضل على سؤاله، قال حضرته: إن الاتحاد أمر سهل، ولكن ~~كيف يتم به نصرنا على العدو، فباختصار أقول: إن الخطة التي افتكرت بها هي أن نصدر بلاغا ~~رسميا إلى كافة المؤمنين به، نأمرهم بألا يستخدموا القوات الكهربائية والبخارية، ولا ~~يمسوها، ولا يقتربوا منها، ولا يعاملوا، ولا يضيفوا، ولا يصادقوا من كان له علاقة مع ~~أصحابها، وبلاغنا هذا يعمل به متى جمعنا كلمتنا، وجعلنا أنفسنا تحت ظل سلطان واحد يكون له ~~من القوة أعظمها، ومن السؤدد أمكنه، ومن المقام أرفعه، ومن البأس أشده، فيصدر هذا الحرم إذ ~~ذاك، ويخيف المؤمنين ويرعبهم، فيطيعوا صاغرين خاضعين، أما في حالتنا الحاضرة فلا أحد يعتبر ~~حرمنا، وكل الناس يزدرون بنا، ويسخرون بانقسامنا وخصوماتنا، حرم رسمي صادر عن مركز جمعية ~~عمومية عظيمة، يلقي في صدور الحيوانات ms24 المؤمنين الرعبة، ويأتي بالمراد. هذه الخطة يجب علينا ~~اتخاذها، وهذا هو الدهاء السياسي الذي يكفل لنا النصر، ويعيدنا إلى مركزنا السامي الذي ~~سقطنا منه». # الفصل الرابع # | المحالفة: تتمة # وبعد أن فرغ الحصان من كلامه، وتبوأ مركزه جاء الخدم بالقهوة والسكاير، ووزعوها على ~~الحاضرين، فشربوا ودخنوا وهم معجبون بما ظهر في هذه الحفلة من الآراء السديدة، والشواعر ~~الأخوية الجديدة المؤسسة كلها على الحب والاتفاق، فتهللوا وقالوا في أنفسهم: إن ملكوت ~~السماوات قريب، وسنرثه بعد قليل على الأرض، وفي خلال هذه الفرصة قام رئيس الحمير ثانية ~~وألقى خطابا فصيحا منسوجة بردته من الأقوال البخارية، والأمثال النباتية، والدرر ~~الحيوانية، والتشبيهات الكيماوية، والأدلة العلمية، وكي لا يحرم القارئ من فائدته نثبته له ~~بالحرف الواحد، وعلى فرض أنه لا يفيد فهو يكبر حجم القصة على الأقل، قال: «لم أسمع قط في ~~زماني ما سمعته في هذا المؤتمر الزاهر من الحصان والبغل الفاضلين، ولم أحسب أنني أعيش إلى ~~يوم فيه تتألف قلوب الرؤساء المتخاصمين، وتزول اختلافاتهم، وتتلاشى دفعة واحدة كل تحزباتهم ~~وأغراضهم، كم هو جميل أن يعود الحصان والبغل إلى حضن أمهما الجمعية الأصلية الكلية الشاملة ~~المقدسة، فهما لا شك يعرفان أن الأم تحن إليهما اشتياقا وترحب بهما بفرح وسرور عظيمين، فقد ~~هجرتموها أيها الأفاضل مدة ليست بقليلة، وقد رميتم في قلبها حسرة الفراق، وولدتم في كبدها ~~مرض السويداء، ولم تكتفوا بذلك بل شننتم عليها الغارة، ودسستم الدسائس، وكدتم المكائد، وهي ~~لم تحنق عليكم قط، ولم تمت شواعرها اللطيفة، ففي أيام المصائب كانت تحبكم كما أحبتكم في ~~أيام العز والسيادة، وقد قال نائب الأسد العظيم: «إنه يبغض الخطيئة، ويحب الخاطئ»، وقد مضى ~~ما مضى، وعدنا الآن نطلب الاتحاد بعد الخصام، وجمع الكلمة بعد تفرقها، ورد العناصر بعد ~~انحلالها إلى عنصر واحد، وهذا لا يتم إلا إذا كانت المحبة أساسه، فأنتم تعلمون بأن المحبة ~~للجسم الاجتماعي هي كالأكسيجن للجسم الحيواني، فإذا وضعنا حيوانا في غرفة قذرة ليس في ~~هوائها شيء من جوهر الأكسيجن، فلا يعيش هذا الحيوان ms25 إلا بضع ساعات، وإذا جعلنا اتحادنا ~~قائما بذاته دون أن يدخله عنصر المحبة، فلا يبعد أن نخرج من هذا الإسطبل أعداء وليس ~~أصدقاء، وكما أن الأكسيجن يدخله جوهر آخر وهو الأزوت (ولا تظنوا أني أريد بالأزوت ذاك ~~الدواء العمومي الذي اختاره باراسلسوس الطبيب ليشفي جميع الأمراض)، بل هو الأزوت الذي يحترق ~~في الجسم الحيواني، ويولد فيه الحرارة، فيجب أن يمتزج مع المحبة جوهر آخر وهو الغيرة، ~~فالأكسيجن يحيينا، والأزوت يضرم في قلوبنا نار النشاط والغيرة والاجتهاد. # ولا يكفي أن تكون المحبة مع الغيرة أساس اتحادنا، بل يجب أن نضيف إليهما النزاهة ~~والإخلاص، فهذه الأمور الجوهرية الثلاثة، أي: المحبة، والغيرة، والنزاهة هي المغذية لجسمنا ~~الاجتماعي، والقائمة به، ومتى بنينا عليها اتحادنا فلا يقوى علينا وقتئذ الأشرار، وإذا ~~اقتربوا منا يولون من خوفهم مدبرين خاسئين، ولا تظنوا أن سنة اتحادنا هذه محصورة في الهيئة ~~الاجتماعية، فهي تشمل أيضا المملكة النباتية، يذكر من درس علم النبات أن المواد التي تجعل ~~الأرض مخصبة، وتصير ترابها صالحا لإنماء النبات، وتغذيته هي تحاكي بخاصيتها العناصر ~~الثلاثة التي قلنا إننا سنشيد عليها بنيان محالفتنا، وهذه المواد الضرورية لتغذية النبات هي ~~الأزوت والحامض الفوسفوريك والبوتاسا، وإذا لم تتوفر المواد بحالات مخصوصة في الأرض لا ينمو ~~عليها نبات مطلقا، وكما أن الأرض والنبات يفتقران دائما إلى هذه المواد الثلاث، فالجسم ~~الاجتماعي يفتقر إلى الثلاث فضائل التي تحاكي بخاصيتها الأزوت، والحامض الفوسفوريك، ~~والبوتاسا. # فالأزوت يضرم في الفؤاد نار الغيرة كما تقدم، ويحرق العدو في كبده، والفوسفور يسهل لنا ~~طريق النزاهة، وينير قلوب المؤمنين، والبوتاسا تتمم وظيفتها، وتكون صلة أو جاذبا بين ~~الاثنين، وتتحد مع الأكسيجن لتملأ لنا كأس المحبة، وكل يعلم أن سنة المحبة تفتح يديها ~~لاقتبال جميع الحيوانات على اختلاف طبقاتهم باعتبار كونهم أولاد عائلة واحدة، مولودين من أب ~~واحد رءوف رحيم، مفتدين من مخلص واحد، ومدعوين إلى إرث سرمدي واحد، فهذا هو حقا تعليم ~~رفيق الأسد وإرشاده، كونوا جسدا واحدا، وروحا واحدة، كما دعيتم إلى رجاء دعوتكم الواحد، ms26 ~~وللجميع رب واحد، وإيمان واحد، وإله واحد، وأب واحد هو فوق الجميع ، ومع الجميع، وفي جميعكم. ~~هذا فيما اختص ببنيان الاتحاد وأساسه، أما وجوب الاتحاد وضرورته فهذا أمر آخر أرجو أن يكون ~~لي قليل من الوقت لأبدي ما يعن لي في شأنه، ولا أرى مندوحة من أن أقول: إن جمعيتنا ليست في ~~الضعة والانحطاط اللذين أحاطا بجمعيتي البغال والخيل، ولا تؤاخذوني إن أنا صرحت بأفكاري ~~كيفما خطرت دون تكلف ومجاملة، فأنا أرى أيها الحصان والبغل المحترمان أنكما أشد احتياجا ~~إلى الاتحاد منا، فنحن لا نزال راتعين في بحبوحة السؤدد، متبوئين عرش السلطة الغير ~~المحدودة، ولا يزال لرئيسنا الشأن الأعلى، والحظوة الكبرى، والمجد الشامخ، والأمر المطلق ~~المعزز؛ وذلك لأن القوات الكهربائية والبخارية لم تدهم حتى الآن سفح جبالنا الشامخة التي ~~تتساقط عليها أمطار التقوى، ويكللها ثلج الطهارة والنقاوة، ولا ينبت في أراضيها الخصبة ~~الصالحة إلا أشجار الخشوع التي تثمر أثمار الطاعة والخضوع، نعم لا يزال الحمير في مجدهم ~~مارحين، ولا يخشى عليهم من السقوط والموت جوعا، كلا إن أراضي جبالنا الشامخة مخصبة غزيرة ~~الخيرات والمراعي حول الإسطبلات العديدة، رحبة واسعة، لا أنكر أن بعض البغال الشموسة ~~الحرونة تتعدى أحيانا على حقوقنا، وتحاول اهتضامها، وتزاحمنا على أعمال شتى، ولكن عددهم ~~ليس بكثير لنرهبه، فنحن لا نحسب حسابا إلا للجمال الذين نخشى مزاحمتهم؛ فهم يحملون كل شيء، ~~وكثيرا من كل شيء، وفي حالتهم الحاضرة يسلبوننا كثيرا من الأشغال التي تعود عليهم ~~بالفوائد الجمة، فإن كنتم قد بليتم بالقوات الكهربائية والبخارية فنحن قد بلينا بالجمال ~~الأقوياء الذين يفترون علينا دائما، ويهتضمون حقوقنا في كل مكان». # أحد البغال ~~: # أصحيح أن بعض الثعالب قد خرجوا من عربتكم المقدسة، وأخذوا لأنفسهم الأوتوموبيل ~~مؤخرا، وثاروا عليكم، وحاولوا كسر العربة التي تركبونها، وتسميم الحمار الذي ~~يجرها؟ # الحمار ~~: # إن هذا لصحيح، وهو أمر يدمي فؤادي؛ فإني أحزن على كل ثعلب يهجرنا؛ لأني مؤكد بأن ~~العربة الكهربائية التي يتخذها لنفسه لا بد أن تقوده يوما ما إلى الهلاك؛ لأنه لا ~~يقدر ms27 على ضبط قوتها، فهي بيده كالسيف بيد المجنون أو الطفل. حقا إن أمر هؤلاء ~~الثعالب يشق علي؛ فأنا دائما أجتهد لردهم إلى الهداية، وأحاول إقناعهم بالبرهان ~~والحجة والمنطق، غير أنهم متغطرسون لا يرضخون، وذوو عناد لا يسمعون، وجهلاء لا ~~يفهمون، وقليلو العقل لا يدركون، وضعيفو الدماغ لا يحدون ولا يميزون. # أحد البغال ~~: # إذن قد أخذت القوات الكهربائية أن تظهر في جمعيتكم، ويجب أن تشرعوا في مقاومتها ~~من الآن قبل أن يتسع انتشارها فتقوى عليكم وتسحقكم. # الحمار ~~: # إن أمور هؤلاء الثعالب الطلاب ليست لتشغل الفكر وتقلق البال، فلا تأثير لأعمالهم ~~على عقول الحكماء المتدينين، ولا صدى لأقوالهم في قلوب المتخشعين المعتدلين ~~المتحفظين. # وعند هذا الكلام شعر الحمار باهتزاز جبته، فحول رأسه، وإذا بأحد الحمير يهمس بأذنه ~~قائلا: «لا تعمم إن الثعلب على يمينك»، فتذكر ذلك الخطيب ولطف عبارته قائلا: ولنا والحمد ~~لله تعزية في أن عدد هؤلاء المجدفين قليل جدا؛ إذ إن معشر الثعالب المتنورين المهذبين ~~المحافظين على آدابهم لا يزالون معنا، هم سائرون في عربتنا المقدسة فيحترمون حميرهم، ولا ~~يبخلون عليهم، ولا يثقلون لهم الأحمال، بل يتركونهم مارحين في المراعي الرحبة المخصبة، ~~سارحين في أنحاء العالم، يأكلون من غزير الخيرات، ويجمعون كنوزا من المال ينفقونها على ~~تشييد إسطبلات فخيمة لأنفسهم، إن هؤلاء الثعالب لأتقياء، وسينالون جزاءهم عند ربهم في ~~السماء، أما أولئك الكفار المجدفين فتغفر لهم زلاتهم؛ كي يغفر لنا أبونا الذي في السماوات ~~زلاتنا. # الحصان ~~: # أيسمح لي الحمار المحترم بأن أقاطعه بسؤال صغير؟ # الحمار ~~: # تفضل. # الحصان ~~: # أراك قد خرجت عن الموضوع، وأظهرت في بدء كلامك أنك تميل إلى الاتحاد، ثم قلت لنا ~~إن جمعيتكم لا تزال معززة مستقلة، فهذا ما نتمناه لها غير أننا نريد أن نعرف الآن ~~إذا كنت تريد أن تشاركنا في مشروعنا؟ أتريد أن تتحد معنا، وتضم سلطتك إلى ~~سلطتنا؟ # الحمار ~~: # قلت لكم إن الجمعية الأصلية ترحب بفروعها المنشقة، وتتهلل برجوعهم إليها، أفلا ~~يكفي هذا التصريح؟ أتظنون أني أكره الاتحاد، ولا أفضل الوئام على الخصام، والمحبة ms28 ~~على البغضاء، والاتفاق على الشقاق؟ يا حضرات الأفاضل، أنا معكم قلبا وقالبا ~~(برافو لبيط وشهنقة عالية) # أنا من أبناء هذا ~~الزمان، وقد دفنت في زوايا النسيان ما ورثته من سيئات أجدادي قبل إتياني إلى هذا ~~المؤتمر ~~(بارك الله فيك! برافو برافو) ~~، أرجوكم ~~ألا تظهروا استحسانكم باللبيط، بل أعيروني إن شئتم آذانا مصغية لأقول كلمتين في ~~شأن رئيس الجمعية الجديدة المقبل، فإننا قد اتفقنا على مزج العناصر الثلاثة ~~المجتمعة هنا الآن، وجعلها عنصرا واحدا، أو بكلمة أخرى نريد أن نؤلف من الجمعيات ~~الثلاث جمعية واحدة عمومية شاملة يترأسها أحد إخواننا كائنا من كان، بشرط أن ينتخب ~~بالقرعة، ويكون أهلا لهذا المنصب الخطير، فالرئيس ولا مشاحة يجب أن يكون على جانب ~~عظيم من الاستقامة، والنزاهة، والتقوى، والحكمة، والتدبير، والإخلاص، والشجاعة ~~الأدبية، والغيرة، والحزم، إلى غير ذلك من الفضائل الحسنة، أما أنا فأزيد على ذلك ~~مزية يشترط أن تكون موجودة في من ينتخب رئيسا، وهذه المزية هي صلابة القلب ~~وكبره. # فالرئيس العظيم ذو الحزم والنشاط والحكمة هو الذي يكون متصفا بصلابة القلب، وسعة ~~الصدر، فالمزية الأولى تقيه من السقوط في شباك الشواعر الرقيقة الاصطناعية الغرارة، ~~والمزية الثانية تجعله محبا لكل من كان صالحا غيورا دون نظر إلى مذهبه وجنسه، ~~ومن كان له خبرة في أحوال العمران وترقيه، يعرف أن الذين يشعرون كثيرا يعثرون ~~كثيرا، فهل يرفق أو يشفق قائد الجيش حين يأمر عسكره بالهجوم على إخوانه في ~~الحيوانية؟ وهل يجب على الرئيس أن يتسامح ويتساهل مع كل من يحيد عن نهج الاعتدال، ~~ويهيم في فيافي الضلال؟ إن الحيوان الرقيق الشعور ليس بأهل للرئاسة، ومثل هذا لا ~~يصلح لتدبير شئون جمعية كبيرة عظيمة منتشرة في كل أقطار المعمور. # ولا أقول هذا لأجعل في قلوب كل الحيوانات صلابة وقسوة، كلا فإن هذا يضر بصالحنا، ~~ويعربس مساعينا، ويصعب طريق مجدنا، فالحيوانات المرءوسة يجب أن تكون لينة العريكة، ~~وعلى جانب من الدعة، كي ترضخ لأقوالنا، وتخضع لسلطتنا ونحن بصلابتنا وقسوة قلوبنا ~~نمتص ماء حياتهم، ونبقيهم صغارا أذلاء، ms29 فيصدعون بأمرنا، ويمشون حسبما نريد، وعملنا ~~هذا لا يخالف قط نواميس الطبيعة ، فإذا هو جائز ومحلل، خذوا لكم مثلا من حراثة ~~الأرض، ومن تربتها، فإن من له معرفة في فن الزراعة يعرف بأن الأرض منها مندمجة، ~~ومنها متفككة، وأن الطبقة الأولى تكون فوق الطبقة الثانية لتحصل على النتيجة ~~المطلوبة، فالاندماج خاصة تحاكي فضيلة الصلابة في الرئيس، والتفكك خاصة تشابه فضيلة ~~اللين، والرضوخ في المرءوس، ولو كان للرئيس ما في المرءوس من اللين والرطوبة لما ~~تمكن من إدارة شئون الجامعة، وتعزيز صولتها، كما أن طبقة الأرض العليا تمتص الرطوبة ~~من الأرض السفلى المتفككة، ولنفرض أن الأرض المتلاحمة تشبه القرميد، والرخوة تشبه ~~الإسفنج، فإننا إذا أشبعنا الإسفنج ماء وهو كناية عن الأرض الرخوة، ووضعنا فوقه ~~القرميد المماثل للأرض المتلاحمة الصلبة لامتص هذا الماء الذي في الإسفنج، ولكن إذا ~~أشربنا القرميد ماء، ووضعنا فوقه إسفنجة، وضغطنا عليها، فإنها لا تمتص الماء منه. ~~وإذا كنا نرجو لجمعيتنا الجديدة نجاحا، ولسلطتنا تأييدا، ولنفوذنا ثباتا، ~~ولمبادئنا تعززا ومنعة يجب أن يكون الرئيس كالقرميد، والمرءوس كالإسفنج، ويجب أن ~~نضع القرميد فوق الإسفنج، ونتركه يمتص منه ماء الحياة ~~(لبيط وشهنقة ونهيق وهتاف) ~~. # صوت حي ~~: # برافو برافو فليحيا الحمار! # صوت آخر ~~: # فلنضع القرميد فوق الإسفنج! # صوت آخر ~~: # ولكن، هل تظن أيها الحمار العالم بأننا نقدر أن نمنع الإسفنج عن الامتداد، فإذا ~~ضغطنا عليه بالقرميد من فوق يمتد إلى الجهات الأخرى بدون شك. # الحمار ~~: # ليس هذا ما نتوخى إتمامه، بل غاية ما نتمناه هو أن نمتص الماء الموجود في ~~الإسفنج، ولا يهمنا بعد ذلك إذا امتد في الطول أو في العرض. # صوت آخر ~~: # نعم نعم هذا ما نرغبه لقد أصاب الحمار المحترم، والعالم الفاضل بتشبيهه الحسن، ~~وعند هذا حدث في المجتمع لغط شديد وجلبة قوية، فمن الحمير من كان يغني ويرقص ويلبط، ~~ومن البغال من كان يشرب ويرتل ويردد الأشعار، فنهض الحصان إذ ذاك، وأومأ إليهم بيده ~~طالبا منهم الإصغاء. # الحصان ~~: # يحق لنا إذن أن نفتخر لأننا قد اجتمعنا، وبعد ms30 أن أبدى كل رأيه وجدنا بين أفكارنا ~~تمام الاتفاق، فكلنا نئن من جرح واحد، وكلنا نشعر بقوة واحدة معادية، فكيف لا تكون ~~قوتنا كشخص واحد ضد هذه القوات الشريرة؟ قد تم ما نتمناه، ونشكر الله العلي القدير؛ ~~لأنه ألهمنا ما فيه الرشاد والصواب في هذه الساعة السعيدة، فنحن ندبر أمورنا ~~بعنايته، وما زلنا في ظل هذه العناية الإلهية، فنحن نتقدم منتصرين، والآن أقترح على ~~الهيئة أن تطلب تدوين ما قررناه، فانتخب إذ ذاك الجحش كاتبا للجلسة، وطلب الحصان ~~منه تدوين الأمور الآتية: قد تقرر في جلسة رسمية عقدت مساء اليوم الخامس من شهر ~~تموز سنة ألفين ومائة وعشرين بين ممثلي الخيل والبغال والحمير ما يلي: # أولا: # إن الخيل والبغال والحمير من عائلة واحدة، ولذا يجب أن يكونوا من ~~جمعية واحدة شاملة وأن يتحدوا كلهم بالأسد له المجد، ويعودوا إليه غير ~~متفلسفين في كل الأمور. # ثانيا: # إنهم ضد القوات الكهربائية والبخارية والهواء المضغوط، وسائر ~~الاختراعات الحديثة، وبكلمة ضد التمدن الحديث بكل مظاهره. # ثالثا: # يتحدون كلهم تحت راية واحدة، وتمزج الثلاثة عناصر لتصير عنصرا ~~واحدا. # رابعا: # يهملون تماما جميع الطقوس التي تصدهم عن الاتحاد، ولا يكترثون ~~بالاختلافات الفلسفية المنطقية، وبالشروح اللاهوتية التي نشأت عن عقول ~~غير راجحة. # خامسا: # يعترفون كلهم بسلطة رئيسهم المطلقة، ويبقى كل متمسكا بالطقوس ~~والعوائد التي لا تضر في الجمعية الشاملة الجديدة. # سادسا: # يكون الرئيس كالقرميد، والمرءوس كالإسفنج. # سابعا: # يضحون الفرد من أجل الكل، وهذه الآية لا تعكس إلا إذا كان ذاك الفرد ~~أحد الرؤساء الكبار. # هذا كل ما قررناه الآن وقبل أن نحلف اليمين المعظمة بأننا نثبت على هذه الشريعة، ~~ونحافظ عليها، وندافع عنها، ونبذل من أجل تنفيذها النفس والنفيس، أتقدم إلى جناب ~~الثعلب الأديب الذي شنف آذاننا في أول الجلسة، راجيا منه أن يتحفنا الآن ببعض ~~أفكاره الثاقبة، وأقواله السديدة، وأظن أنكم كلكم تريدون أن تسمعوا كلامه الآن، لا ~~سيما وهو قد اشتهر بالجرأة الأدبية والغيرة والفضل، فهو لا شك حيوان المستقبل، ~~وزعيم الثعالب الأتقياء، وقد قال ms31 لنا في البدء: إن غايته المجاهدة في سبيل الخير ~~والحق، فنحن وإياه إذن سالكون منهجا قويما واحدا، وأملنا كبير في همته التي لا ~~تفتر، وغيرته التي لا تخبو نارها، والآن أقدم إليكم الثعلب الأديب والصحافي ~~الشهير. ~~(فوقف إذ ذاك الثعلب بين ضجة عظيمة من التصفيق واللبيط والهتاف ~~والصفير والهسهسة أيضا، ولا بد من إبداء ملاحظة صغيرة، وهي أن الثعلب كان قد أثار غضب ~~الحمير سابقا، وجعل له في الجلسة أعداء، لا يريدون استماع كلامه، ولا أن يروه؛ لأن ~~حرية ضميره وقوله جعلته عرضة للشتيمة والقذف، ولذلك لم يكن هتاف المحبين صافيا، بل مزج ~~بقليل من صفير المبغضين الساخرين به، وبعد قليل هدأت الضجة، وراقت الحال، فانتصب الثعلب وقال): # الثعلب يتكلم. # الثعلب ~~: # أشكر للحصان صاحب الدعوة حسن ظنه بي، وأشكركم جميعا على هذه المظاهرة اللطيفة ~~التي دلت على محبتكم وإكرامكم ولا أخفي عليكم أنني لاحظت على بعض الوجوه انقباضا ~~وعبوسة، فالهتاف الذي ارتفع منكم، والذي لا أستحقه كان يتخلله بعض الصفير الدال على ~~الازدراء كما لا تجهلون، وعلى كل حال فإني أشكر المحبين، وأغفر للمبغضين. # قد تعودتم - أدامكم الله - على حريتي في القول والفعل والفكر، وتعرفون أنني حين ~~أتكلم لا أحافظ على شيء من الاصطلاحات والعوائد والتقاليد، فإذا رفعت الفأس، وضربت ~~يمينا وشمالا في هذه الليلة؛ فذلك لأنكم شجعتموني، ومن الغريب أن نرى معشر الحمير ~~مشتغلين بالتكسير والتخريب، ولا تظنوا أنني أحلل تحطيم كل شيء قديم، فأنتم سلكتم في ~~هذه الليلة مسلكا جديدا، ووضعتم فأس الحكمة والعلم على جذع شجرة اللاهوت ~~والتقاليد، وحسنا فعلتم، فاللاهوت أصبح في هذه الأيام الباهرة من السلع القديمة ~~العهد التي يجب أن تحفظ في متحف الفنون والأنتيكات ~~(ضجيج ~~وشغب) ~~، وقد عزل علم الكلام ليجلس علم السياسة مكانه، كم هو جميل من ~~حصان أو حمار أو بغل أن يقول: «لا يجب أن نتمسك بأغلاط أجدادنا، ولا أن نقتدي ~~بأعمالهم السيئة»، كم هو جميل أن يندد الحصان بالمجامع القديمة التي لم تشتهر إلا ~~في المهاترة والمقاذعة، وكم هو ms32 قبيح مني أن أندد بشيء بعد أن وفوا التنديد حقه، أو ~~أن أتكلم بعد أن صارت الفصاحة ملء الإسطبل، وكادت تضيق على الهواء حتى صرنا نخشى ~~على أنفسنا من الاختناق إذ إن الرئتين لا تعيشان على الفصاحة كما لا يخفى عليكم، ~~ولكن كي لا يحصل شيء من هذا أستغني عن الفصاحة ببعض الأفكار البسيطة العارية عن كل ~~تفنن بياني، فلربما عاد إلينا الهواء فنتنفس ونشكر الله. # قد اجتمعتم أيها الأفاضل لكي تتحدوا، وقد تباحثتم مليا في هذا الشأن، وقد يمكن ~~أن يتم ما تبتغونه، شريف هو عملكم، وجليل هو مشروعكم، ولكن أنا لا أظنه ثابتا إذا ~~جعلتم أساسه المحبة والغيرة والنزاهة فقط، ولا أظنه ثابتا إذا اكتفيتم بإغفال ~~القضايا اللاهوتية، والاختلافات الطقسية التي ينجم عنها الشقاق والخصام، وإن ظننتم ~~أنكم تستطيعون مقاومة القوات الكهربائية والبخارية، وتنتصرون عليها، فأنتم واهمون ~~(ضجيج ولغط) ~~، إن هذا العصر عصر تقدم ونجاح ~~وترق، وما لكم إلا أن تسيروا مع الزمان والقوم، وتتقدموا مع جحافل الكهربائية، وإذا ~~كان لكم رغبة حقيقية في الاتحاد، وأردتم لمشروعكم هذا الثبات والنجاح، فيجب أن ~~تجعلوا أساسه متينا من البدء حتى إذا بنيتم شيئا عظيما لا يتداعى ويهبط إلى ~~الحضيض، فعندي أن الغيرة والمحبة والنزاهة أمور ثانوية ~~(ضجيج بين الحمير) ~~، والقضايا اللاهوتية لا يجب أن تغفل فقط ~~(برافو تصفيق ولبيط) ~~، بل يجب أن تقتل تماما ~~(ضجيج وصفير) # كي لا تعود إلى الحياة فتدس سم الشقاق ~~ما بينكم كعادتها ~~(تمام تمام) ~~، فلو طلبتم رأيي ~~في هذه المحالفة لكنت أقول قبل أن تتحالفوا نقحوا شرائعكم، وقبل أن تتحدوا ابنذوا ~~ظهريا كل الخرافات والخزعبلات التي تشوه وجه عقائدكم. # أحد الحمير ~~(يخاطب جاره) ~~: # أي خرافات وماذا يقصد الثعلب المارق؟ # الثعلب ~~: # قد أعجبني اعترافكم بكونكم من تبعة واحدة من جنس واحد، وأنكم كلكم تتحدون بالأسد، ~~فهذه هي خطوة كبيرة نحو الكمال الأسدي، قد يدل تصريحكم هذا على ترق عظيم، وتهذيب ~~حقيقي، ولو جعلتم عقيدتكم في البساطة التي وضعها الأسد، واقتصرتم على عبادة الله ~~لما كنتم تحتاجون ms33 إلى محالفة، بل كنتم ترتبطون بالذوق السليم والرأي السديد، اجمعوا ~~كتب اللاهوت وأحرقوها كلها ~~(مروق! إلحاد) ~~، وخذوا ~~شريعتكم من سنن الطبيعة، ونواميس الكون، قد أشار أحد المتكلمين إلى الطبيب ~~باراسلسوس، فذكرني بكلام له قاله متكلما عن معارفه ومداركه، وهو: «تسألونني من أين ~~أتتني هذه الأسرار، وكيف تلقنت هذه العلوم، ومن أي كتب اقتبستها؟ فأجاوبكم: اسألوا ~~الحيوانات كيف تتعلم حرفها وفنونها، فإذا كانت الطبيعة قادرة على تعليم الحيوانات ~~ألا تقدر على أن تعلم الإنسان وتنوره؟» # فلا تغفلوا اللاهوت في محالفتكم فقط، بل اقتلوه وانبذوه ظهريا، وسنوا قانونا ~~صارما يمنع الخوض فيه بتاتا، وعاقبوا كل من يخالف القانون، ويبحث في اللاهوت، ~~وألقوا القبض على كل منطقي؛ إذ إن المنطق في هذه الأيام كثير الأضرار، ومن ركب متنه ~~كان الشر محط رحاله، إذا اتحدتم يجب أن تجعلوا عقيدتكم أساس هذا الاتحاد، وإذا كان ~~الأساس فاسدا هل يدوم يا ترى البنيان؟ وكيف تستطيعون أن تقاوموا القوات الكهربائية ~~وأنتم غير ثابتين في اتحادكم، فعليكم أولا أن تتفقوا على العقيدة التي يجب أن ~~تجمعكم، وهذا أمر لم تقرروه حتى الآن، فهل تجعلون شريعة الجمعية الجديدة شريعة ~~الحمار أم الحصان أم البغل، وعندي لو نبذتم كل هذه الشرائع ~~(صوت من بين البغال قف قف، وصوت آخر من بين الحمير كفر ~~كفر) # لو انتظرتم كي أكمل عبارتي لما كنتم تصرخون كفر كفر، قلت: لو ~~نبذتم كل هذه الشرائع، وجعلتم الشريعة الأصلية الشاملة المقدسة شريعتكم الحقيقية ~~الجديدة ~~(لبيط بين الحمير) ~~، أي الشريعة التي ~~طبعها الله في قلب كل منا، الشريعة التي توحيها لنا الطبيعة، فإنكم تنالون إذ ذاك ~~منيتكم، ويثبت مشروعكم، ويدوم اتحادكم، تعلمون أدامكم الله أن أعداءكم يبنون آلاتهم ~~على النواميس الطبيعية، وما الكهربائية إلا وجها من وجوه الله العديدة، أو هي كتاب ~~من كتبه الكثيرة، فكيف تقولون: إنها عدوتكم اللدودة؟ # أحد الحمير ~~: # أرجو من صاحب الدعوة توقيف الثعلب؛ لأنه شذ وكفر. # الثعلب ~~: # أرجو من الحمار الفاضل ألا يقاطعني في كلامي، ومتى انتهيت من خطابي الذي ألقيه ~~بطلب ms34 خصوصي من صاحب الدعوة، فلكم إذ ذاك أن تعترضوا وتحكموا وتنددوا. قلت : ما ~~الكهربائية إلا وجها من وجوه الله العديدة، أو هي كتاب من كتبه الكثيرة، وأنتم لا ~~تستطيعون ولا تريدون أن تقاوموا الله - عز وجل - فيجب عليكم أن تسلكوا الطريق التي ~~يسلكها أعداؤكم ~~(ضجيج وشغب) ~~، نقحوا شرائعكم ~~بطريقة توافق الشرائع الطبيعية، ابنوا عقيدتكم على النواميس الكهربائية والبخارية، ~~فتجدوا أنفسكم إذ ذاك قريبين من الله، لا بل أمام وجهه المنير القدوس، لا أخشى أن ~~أقول إن عقيدتكم بغالية كانت أم حمارية أم حصانية هي فاسدة من الأصل ~~(لبيط وشغب) ~~. ~~(صوت من بين الخيل: أوقفوه أوقفوه.) ~~(صوت من بين الحمير: اصمت يا كافر.) # رئيس الحمير ~~: # ليس من اللائق بنا أن نشتم الثعلب في بيت صاحب الدعوة؛ إذ إننا كلنا ضيوف ~~متساوون، فاسمحوا لي بأن أسأله أن يبين لنا مواضع الفساد موضعا موضعا. # الثعلب ~~: # أنا فاعل إن أصغيتم، وكففتم عن اللبيط والنهيق، خذوني بحلمكم قليلا، واعلموا ~~بأنني لست كما تقولون مارقا كافرا، فأنا أغار على النواميس الحقيقية، والعقائد ~~القويمة، وأذب عنها ما استطعت، أنتم تجدفون على الإله العظيم بجعلكم إياه إله غضب ~~وظلم وحقد ومحاباة، أنتم تنددون بعبادة الأصنام، وتعبدون بنفس الوقت الصور ~~والتماثيل، أنتم تحاولون مقاتلة النواميس الطبيعية الظاهرة في الكهربائية والبخار ~~بنواميس غير طبيعية لا توجد إلا في عقيدتكم وعقولكم فقط، فالتجسد لا يوافق النواميس ~~الطبيعية والمخاطبة الشفاهية بين الخالق والمخلوق مخالفة لأحكام العقل، واللبوة ~~التي لا يضاجعها الأسد لا تحبل، هذا ما يعلمنا إياه الله بمظاهره الطبيعية ~~المتعددة، والعجائب التي قيل: إنها حدثت في قديم الزمان لا تحدث الآن، والأسد الذي ~~يموت يموت إلى الأبد، ولا يعود إلى هذه الحياة ثانية، وجهنمكم الأبدية هي من الآثار ~~البربرية، وقصة الحوت الذي بلع يونان لا أقدر على بلعها، والشمس التي وقفت في نصف ~~النهار هي شمس اصطناعية كالشمس التي تشرق على المراسح في الملاهي البشرية، وكان قد ~~كثر الضجيج، وساد اللغط، وزال النظام، فهم بعض الحمير والبغال بالخروج والبعض كانوا ~~يصرخون ms35 قائلين: «أوقفوه كبلوه بالحديد قد كفر وجدف فاصلبوه، احرقوه، اشنقوه!» أما ~~الثعلب فلم يعد والحالة هذه قادرا على تتمة خطابه، فعاد إلى مجلسه على خلاف ما قام ~~عليه قام بين ضجيج الاستحسان، فعاد بين لبيط، وصفير الاستهجان. # أحد الحمير ~~: # إني أطلب محاكمة الثعلب المارق المجدف في مجلس التفتيش. # أحد البغال ~~: # إني أطلب تكبيله بالحديد أولا كي لا يفر هاربا. # الحصان ~~: # يشق علي أن أتمم هذه القضية المؤلمة في بيتي، فالثعلب مثلكم ضيفي، ولكن هو ~~الناموس نذب عنه ما استطعنا، وهي الشريعة ندافع عنها كيف كانت الأحوال، فيا جناب ~~الثعلب قد كفرت في ما قلته وعليك؛ إما أن تسحب كلامك وتندم مستغفرا، أو أنك تحضر ~~أمام مجلس التفتيش للمحاكمة. # الثعلب ~~: # إذا سحب الله وصاياه العشر من قلوب أبنائه، فأنا أسحب كلامي. # الحمار ~~: # قد فاضت كأس الصبر، فأرجوك يا حضرة الحصان الفاضل أن تأمر بتوقيف الثعلب ~~رسميا. # الحصان ~~: # أنت أيها الثعلب إذن أسيرنا كبله أيها الجحش بالحديد، وخذه إلى زاوية الإسطبل ~~ليبقى هنالك، فديوان التفتيش يلتئم عند انتهاء الجلسة أو نهار غد صباحا، فجاء عند ~~ذلك الجحش بسلاسل الحديد، وكبل بها الثعلب المسكين، وأخذ يجره إلى زاوية الإسطبل، ~~فقال الثعلب وهو مكبل بالحديد: إذا قيدتموني لا أقدر أن أكتب في جريدتي عن محالفتكم ~~هذه شيئا فهل تريدون ذلك؟ ألا تريدون أن يعرف بقية الحمير ما أنتم فاعلون. # الحمار ~~: # يمكنك أن تملي على الجحش ما تريد أن تكتبه، ونحن بعد أن نطلع عليه، وننقحه نبعث ~~به إلى الجريدة، فكن مطمئن البال. # الثعلب ~~: # أما والله فأنتم كريمو الأخلاق، كبيرو النفوس، ولا أعرف كيف أكافئكم على معروفكم، ~~فأنا الآن أستودعكم الله، وأرجو لكم كل خير، نصركم الله على أعدائكم الوهميين أيها ~~الأتقياء، وأطال بقاءكم لتكون أمثالكم الصالحة كثيرة بين الحيوانات. # ثم قام الحصان بعد ذلك وقال: يجب علينا الآن أن نتمم جلستنا، ويا ليتني لم أدع الثعلب إلى ~~الخطابة، فالذنب ذنبي، ولكن ما لنا ولكل هذا، إن الأمور التي قررناها لا تزال مقررة، ولا ~~يغيرها ms36 شيء تحت الشمس ولا فوقها، وبقي علينا أن نقسم جميعنا اليمين المعظمة أمام الله بأننا ~~نحافظ عليها، وندافع عنها، ونبذل من أجلها النفس والنفيس، فقفوا إن شئتم واحلفوا، فوقف إذ ~~ذاك جميع البغال والحمير والجياد، وأقسموا يمينا معظمة صارخين بصوت واحد: فلتحيا المحالفة ~~الثلاثية، فلتعش العقيدة الجديدة الشاملة، فلتسقط الكهربائية، فليمت البخار، فلتمت الثعالب ~~الملحدة. # ثم نهض أحد البغال وشرب نخب المحالفة الثلاثية، وتبعه على الأثر أحد الحمير، وشرب نخب ~~الكل قائلا: «نضحي الفرد من أجل الكل، والكل من أجل الفرد». # فاستدركه أحد الجياد قائلا بشرط أن يكون هذا الفرد رئيسا كبيرا، فنضحي من أجله كل شيء، ~~ثم نهض حمار آخر، وقال: لا تنسوا الآية الذهبية الرئيسية، نحن القرميد والرعية الإسفنج، ثم ~~جاء الجحش راكضا بعوده من زاوية الإسطبل, وهو يقول: لا تنسوا من أطربكم بصوته, وخدمكم ~~بقلمه وريشته، فأنا أشرب سر الحصان، والبغل والحمار، وأنشد بعد أمركم بيتين في هذه ~~المناسبة، وأخذ عوده وعدله، وصرخ بصوت عال: # هذي المحالفة العظيمة سرها # والله أشربه ويشملني السرور # والله أسأل أن يديم وفاقنا # أبدا لنغلب كل زنديق كفور # ويطيل آذان الخيول جميعها # كيما تساوي طول آذان الحمير # ونصير إخوانا بقلب واحد # لا فضل فينا للكبير على الصغير # أصوات من الجميع: برافو برافو لا فض فوك طيب الله الأنفاس. # ثم ختم الحصان الحفلة بصلاة صغيرة لا نفع من ذكرها هنا، وعاد فقسم الهواء الذي أفسدته ~~الفصاحة إلى أربعة أقسام، وارفضت الجلسة بين الهتاف والصريخ، واللبيط والتصفيق. # الفصل الخامس # | المحاكمة # وفي النهار الثاني عاد الحصان إلى قضية الثعلب الكافر، وطلب من إخوانه الأفاضل محاكمته ~~رسميا أمام هيئة مؤلفة من أعضاء ينتخبون بالقرعة، فجاء عند ذلك الجحش، وكتب إلى البغال ~~والحمير، داعيا إياهم إلى جلسة أخرى للمخابرة بشأن الملحد الذي أقلق راحتهم في المساء ~~السابق، وبعد برهة حضر عدد غفير من البغال والحمير والخيل، وقرروا أن يحاكم الملحد في ديوان ~~التفتيش، وانتخبوا البغل والحصان والحمار الذين تكلموا بشأن الصلح في ذلك المساء؛ لكي ~~يترأسوا الجلسة، ms37 ويستنطقوا الثعلب، فجلس هؤلاء بصفة قضاة مدنيين ودينيين، وجاء الخفر ~~بالثعلب وهو مكبل بسلاسل الحديد، فوقف هذا أمامهم، منحني الرأس على وجهه أمارات الحشمة ~~والتخشع، وبعد أن سئل عن اسمه ومركزه ومهنته أخذ القضاة الثلاثة يستنطقونه هكذا: # الحصان ~~: # هل أنت من تبعة الأسد؟ # الثعلب ~~: # نعم، أنا بنعمة الله من تبعته. # الحصان ~~: # ولكن أنت تنكر ألوهيته؟ # الثعلب ~~: # وهل طلب مني أن أقر له أو لغيره بها؟ # الحصان ~~: # ألم يقل «أنا ابن الله» له المجد؟ # الثعلب ~~: # نعم، وكلنا أبناء الله عز وجل. # الحصان ~~: # هل تضع نفسك في مقام سيدنا الأسد؟ # الثعلب ~~: # كلا، ولكنني أظن أنني أشترك مع السيد في أمور جوهرية عديدة. # الحصان ~~: # وما هي؟ # الثعلب ~~: # إن الراسخين في علم الحيوان يقولون لنا: إننا كلنا من سليلة واحدة تفرعت وتشعبت ~~بالتدريج، وهي خاضعة بذلك لظروف تحكم عليها، وأسباب طبيعية دائمة، وإننا كلنا ~~ناشئون من البيضة التي فيها مبدأ الحياة، ودلائل هذا النشوء تظهر في أجسامنا متى ~~قابلناها مع بقية الحيوانات التي هي أصغر أو أكبر منا، وكلنا نشترك في الروح التي ~~تحركنا إلى الشر أو الخير، وفي مجرى دموي يحيي أعضاءنا، فيبقى هذا الهيكل في حالة ~~الكيان إلى أجل محدود، كلنا نشترك بكمية من العقل نستخدمها لإبراز الأحكام في ~~القضايا التي تمر علينا، وتختص فينا وفي حياتنا هذه والحياة الأخرى، غير أن هذا ~~العقل يختلف في كميته، فالذي ينقصه الله من دماغ واحد منا يزيده في دماغ الآخر، ~~وأنا لا أفرق عن الأسد إلا بكوني أضعف منه عقلا، ونفسا، وجسما، فنحن مختلفان ~~بالكمية وليس بالكيفية، أما في عين الخالق، فأنا وإياه متساويان ننال ثوابنا ~~وعقابنا بعد أن نحاكم وتوزن أعمالنا في ميزان العدل. # الحمار ~~: # ألا يناقض قولك هذا سفر التكوين، وألا تنكر ما فيه بزعمك أننا مرتقون من البيضة ~~التي فيها مبدأ الحياة؟ # البغل ~~: # أو بالحري ألا تعتقد بسفر التكوين؟ # الثعلب ~~: # لو حذفتم «السفر» وأبقيتم «التكوين» لكنتم أصبتم كبد اعتقادي، فأنا أؤكد أن لهذا ~~الكيان العظيم مكونا أعظم، ولكن لا أستطيع أن ms38 أهضم كل ما جاء في السفر الموقر عن ~~كيفية هذا التكوين. يقول لي كاتب هذا السفر الذي شاء أن يظل اسمه مستورا: إن الله ~~خلقنا دفعة واحدة، والراسخون في علم الحيوان يعلموننا حقيقة واضحة مدعومة بالحجة ~~الدامغة، وهي أننا ترقينا من البيضة كما ترقى الإنسان من القرد، ولا ينفي هذا ~~الترقي كون الله - عز وجل - قد دبره، وراقب نظامه الثابت، وكان له فيه معرفة سابقة ~~شأنه في كافة الأشياء، هذا ما يقوله لنا الراسخون في علمي الحيوان والجيولوجيا، أما ~~أنا فلا أعلم، ولا أريد أن أعلم من أين أتينا، فالترقي والنشوء والتجسد والتقمص ~~والتناسخ والخلود ليست كما يزعمون اعتقادات، بل ~~هي كلمات يهم جمعها مؤلفي القواميس فقط، وظهورنا في العالم ليس على ما أظن ~~اختياريا، فقد أرسلنا إلى هذه الكرة الأرضية لنقوم بفرض مخصوص خفي دون أن نشاور ~~أو نستأذن، ولو خيرنا قبل مجيئنا لرفض أكثرنا مع الممنونية والشكر أن يأتوا إلى هذا ~~الوادي؛ وادي الدموع. # الحصان ~~: # إذن أنت لا تؤمن بكتابنا كتاب الله؟ # الثعلب ~~: # لا أستطيع أن أخفي عن حضراتكم أن هذا الكتاب يحتوي على أقوال كثيرة حسنة، وأقوال ~~كثيرة ... # الحصان ~~: # لا تحاول ولا تراوغ، بل جاوب على سؤالنا سلبا أم إيجابا، هل تؤمن بكتاب الله ~~نعم أم لا؟ جاوب! # الثعلب ~~: # قلت لحضراتكم إني أجد في هذا الكتاب ... # الحصان ~~: # كفاك محاولة جاوب على سؤالنا سلبا أم إيجابا. # البغل ~~: # قل لنا كلمة واحدة ما هو رأيك في هذا الكتاب؟ # الحمار ~~: # جاوب ولا تخف، فأنت لا تزال تحت حماية جمعيتنا المقدسة، وفي حضنها إن شاء ~~الله. # الثعلب ~~: # يا أسيادي الأجلاء، ويا حضرات الأفاضل العلماء، أنتم تعرفون حق المعرفة أن سؤالكم ~~هذا لا يجاوب عليه بكلمة واحدة، وإن أنا فعلت ذلك أكون كاذبا عليكم، وعلى ذاتي ~~وعلى الله، إن قلت: أعتقد بالكتاب أكون قد عممت وكذبت، وإن قلت: لا أعتقد به فأعمم ~~وأكذب أيضا، فأرجوكم إذن ... # الحصان ~~: # لا ترج منا شيئا، واحذر من أن تثير كامن غضبنا، فإن كنت تكره العذاب، وتخاف ms39 ~~الألم جاوب على سؤالنا سلبا أم إيجابا، جاوب. # الثعلب ~~: # لا أجاوب بكلمة واحدة. # الحصان ~~: # ضعه إذن أيها الجحش على آلة التعذيب. ~~(فقام إذ ذاك الجحش ومعه معاونان، فقبضوا على الثعلب وعروه من ~~ثيابه، ومددوه على آلة التعذيب، وكبلوا رجليه ويديه بسلاسل الحديد، ووضعوا في أصابعه ~~قموعا فيها إبر حادة، وأداروا الدولاب دورة واحدة، فضغطت الإبر على جسمه، فصرخ متأوها ~~ومستغيثا.) # الحصان ~~: # أتجاوب على سؤالنا الآن. # الثعلب ~~: # أواه يا أسيادي أشفقوا علي، ارفعوا عني هذه الإبر. # البغل ~~: # جاوب نعم أو لا نعفك من العذاب «الغير اعتيادي». ~~(فتحرك الثعلب وتأوه، ثم رفع رأسه قليلا، ورشق القضاة بنظرة مرعبة، ~~وقال: لا أجاوب.) # الحصان ~~: # إذن أذقه طعم العذاب الغير اعتيادي. ~~(فحن قلب الجحش على الثعلب، وتردد قليلا عن إجراء العذاب ~~الغير اعتيادي، فنظر إليه القضاة الثلاثة، وأمروه بصوت واحد: «أجر العذاب الغير ~~اعتيادي»، فامتثل الجحش لأمرهم، وأخذ بيده المرتجفة قبضة الدولاب، وأداره دورات ~~متوالية، فصرخ الثعلب صرخات مرعبة، وحاول أن يقطع السلاسل التي تقيده، ولكن أين يدا ~~الثعلب الضعيف من الحديد أمان أمان يا أسيادي بالله عليكم ارحموني، أواه ثم أواه ~~أشفقوا علي، ارفعوا عني هذه الإبر، فأجاوب على سؤالكم، نعم أجاوب، والله أجاوب ~~بكلمة واحدة.) # بل يجب أن تجاوب قبل أن نرفعها عنك، هل تؤمن بكتاب الله؟ # الثعلب ~~: # كلا. # الحصان ~~: # كفاه عذابا ارفع عنه الإبر، وعد به إلى مكانه، اكتب أيها الكاتب: أقر الثعلب ~~أولا بعد أن ذاق العذاب الاعتيادي والغير اعتيادي بأنه لا يؤمن بكتاب الله، فدون ~~ذلك الكاتب، وعادت السؤالات والجوابات إلى مجراها. # البغل ~~: # قلت: إن هذا الكيان مكون، فهل تعتقد بإله؟ # الثعلب ~~: # نعم إن اعتقادي بالله أثبت من الفرقدين. # الحمار ~~: # ولكن ألم تقل هازئا: إن الله - عز وجل - ذو ثلاثة رءوس. # الثعلب ~~: # نعم، وقلت: إنه ذو ثلاث فضائل أيضا تناسب رءوسه الثلاثة. # الحمار ~~: # ما هي هذه الفصائل؟ وما هي المناسبة التي تعنيها؟ # الثعلب ~~: # إن الله - عز وجل - عالم الحاضر والماضي والمستقبل، وهذه أول فضيلة، والثانية: هي ~~أنه موجود في كل ms40 مكان، والثالثة: هي أنه غير متناه في القوة، أما الفضيلة الأولى ~~فمختصة بالرأس الذي يدعى الأب، والثانية مختصة بالرأس الذي يدعى الابن، والثالثة ~~مختصة بالرأس الذي يدعى الروح القدس، وهذه الفضائل مستقلة ومتصلة ببعضها كما تستقل ~~الرءوس الثلاثة، وتتصل بعنق واحد. # الحمار ~~: # إن الرءوس التي تذكرها هازئا ساخرا، هي ما ندعوه أقانيم لطبيعة الله - عز وجل - ~~والأقنوم هو هو نفس الإبستيزي، والقيام بالنفس والذات، وقد قال بوليسيوس في كتاب ~~الطبيعتين: «إن اليونان قد سموا الجوهر المفرد ذا الطبيعة الناطقة باسم الإبستيزي»، ~~وهذا هو المراد عندنا أيضا باسم الأقنوم، وكما نقول: إن في الله ثلاثة أقانيم، ~~كذلك نقول: إن فيه ثلاثة قيامات بالنفس، وما ذلك إلا لأن الأقنوم والقيام بالنفس ~~يدلان على شيء واحد بعينه. # الثعلب ~~: # لا يستطيع أحد أن يقوم ثلاث قيامات قبل أن يموت ثلاث ميتات، فهل تريد أن تصرح ~~بمجيء الأسد ثانية وثالثة إلى الأرض، فيموت ثلاث ميتات، ويقوم ثلاث قيامات. # الحمار ~~: # إن ما نعلمك إياه مقدس فلا تسخر به. # الثعلب ~~: # لم تعلموني إلا الخرافات والخزعبلات والأوهام أيها السادة الكرام، فلو كان للرب - ~~عز وعلا - ثلاثة أقانيم لكان النزاع بينهما سائدا أبدا، ولما تمكن من تكوين هذا ~~العالم العجيب، هل لمملكة على الأرض ثلاثة ملوك أم لجمعية ثلاثة رؤساء؟ # الحصان ~~: # أقصر عن السؤالات، فأنت هنا لتجاوب وليس لكي تسأل. # الحمار ~~: # يظهر لي من كلامك أنك لا تدرك حقا طبيعة الله، أو أنك لا تريد أن ~~تدركها. # الثعلب ~~: # إني أعترف لكم بعجزي عن إدراك طبيعته كما تصفونها لنا بكتبكم المقدسة، وبلاهوتكم ~~العويص المبهم. # الحمار ~~: # وهل تعتقد بما لا تدركه. # الثعلب ~~: # إني دائما أبني اعتقادي على البحث والتنقيب، والإدراك الحقيقي. # الحمار ~~: # إذن أنت لا تعتقد بإله؟ # الثعلب ~~: # إني لا أعتقد بالإله الإنساني الذي تصفونه لنا بأوصاف وهمية مبهمة، لا نستطيع أن ~~ندرك مغزاها، إني لا أخشى تهديداتكم البربرية، ووعيدكم الجهنمي، يعلمنا لاهوتكم أن ~~العالم هذا ما هو إلا محطة يحط بها هنيهة أكثر الجنس البشري والحيواني في طريقهم ~~إلى جهنم ms41 الأبدية، فإذا كان الخاطئ المرعوب يطلب تعزية وسلوى، فليأخذ مواعظكم ~~التهديدية ويقرأها ، أما أنا فبغنى عن كل هذا، فاعتقادي لا يرعبني، ولا يعذبني، إني ~~أعتقد بإله واحد ذي رأس واحد لا شريك له، خالق السماوات والأرض وضابط الكل، أعتقد ~~بإله عادل رحوم شفوق، حنون حليم، قدير عظيم كريم، أعتقد بإله لا يحابي، ولا ينتقم، ~~ولا يغضب، هو الإله العادل القدير الذي يسكب على البلاد خيراته الغزيرة دون أن يسأل ~~من هو نبيها، وتشرق شمسه على كل الشعوب، وكل الحيوانات دون التفات إلى أجناسها ~~ومذاهبها، هو الإله الذي يبارك الحصاد إذا زرع بالكد والاجتهاد، هو الإله الذي ينفخ ~~روح النجاح في جسم الأمم التي يسود فيها النظام، ويتعزز العمل الصالح، هو الإله ~~الذي يرفع إلى ذروة المجد الدولة التي تكبح القوي، وتحمي الضعيف، هو الإله الذي ~~يجازي كل فرد على أعماله، ولا فرق عنده بين أولاده المشتتين على وجه البسيطة، هو ~~الإله الذي لا يحرق بالنار الأبدية الأطفال الذين يموتون قبل الاغتسال بالماء ~~المقدس، هو الإله الذي لا يعطي الطائر جناحين، ثم يهلكه إذا طار مغردا، هو الإله ~~الذي لا يعذب خائفيه، هو الإله ... # الحمار ~~: # كفى ... إن إلهك لا ينفع؛ لأنه وهمي. # البغل ~~: # إنه إله شيطاني لأنه ذو أقنوم واحد. # الثعلب ~~: # إنه إله حقيقي سرمدي أزلي، أشعر بوجوده، وأراه بعيني. # الحمار ~~: # لا يمكن رؤية ذات الله بعين جسمانية على ما تعلمناه في الكتب. # الثعلب ~~: # جاء في كتابكم المقدس ما يناقض قولكم: «في جسدي أعاين إلهي»، وجاء أيضا: «كنت قد ~~سمعتك سمع الأذن، أما الآن فبعيني قد رأيتك». # الحمار ~~: # يستحيل رؤية الله بحاسة البصر، أو غيرها من الحواس، أو بقوة خارجة حسية أية كانت؛ ~~لأن كل قوة كذلك هي فعل آلة جسمانية، والفعل يكون معادلا لما هو فعله، فإذا لا ~~يمكن لمثل هذه القوة أن تتعدى الجسمانيات، والله ليس بجسم كما مر، فإذا لا تجوز ~~عليه الرؤية لا بالحس ولا بالوهم، بل بالعقل فقط. # الثعلب ~~: # صدقني أيها القاضي العالم إني لم أفهم ms42 قط معناك العميق، وإذا أعفيتني من لاهوتك ~~العويص، ومنطقك السامي البليغ أسحب كلامي، وأقول: إني أرى الله بالعقل وليس بالعين ~~الجسمانية. # الحمار ~~: # احفظ هزءك إلى يوم القيامة، فسخريتك لا تجديك نفعا في هذا الديوان، إن إلهك هو ~~غير موجود، فكيف تقدر أن ترى الغير الموجود، أو تتصوره، فاعتقادك إذن فاسد من ~~الأصل، وليس من وظيفتنا أن نبين لك مواطن الفساد، نعم إن اعتقادك هذا مضر بالشريعة، ~~ومخالف للناموس، فهل تريد أن تغيره؟ # الثعلب ~~: # لا أظن أن ديوانكم هذا محل للتنقيح والتغيير. # الحمار ~~: # إذن أنت لا تعتقد بإله؟ # الثعلب ~~: # ليس بالإله الذي تصفونه في كتبكم. # الحصان ~~: # هل تعتقد بإله؟ فليكن جوابك كلمة واحدة سلبية أم إيجابية، سمحنا لك بأن تتكلم ~~مليا، فجاوب الآن باختصار، اجزم. # الثعلب ~~: # خذوني بحلمكم أيها القضاة الكرام، وأعفوني من الجواب بكلمة واحدة. # الحصان ~~: # لا تأذن بذلك قوانين هذا الديوان، فجاوب وإلا توضع على آلة التعذيب ثانية. # الثعلب ~~: # هل تسمح لكم ضمائركم بتعذيبي؟ هل تحللون الخيانة، وتجيزون الكذب؟ هل تريدون أن ~~أخون ضميري وربي، وأكذب عليكم وعلى نفسي؟ أتطلبون مني أن أخاتل وأجامل، وأداهن ~~وأراوغ؟ هل ... # البغل ~~: # كفى كفى، أقلع عن الثرثرة والهذر، جاوب على السؤال، وإلا ألقيانك على آلة ~~التعذيب. # الثعلب ~~: # لا أجاوب بكلمة واحدة على سؤالاتكم، إلا إذا أكرهت، فهل أنتم فاعلون هل تسمح لكم ~~قلوبكم بتعذيب أحد إخوانك في الحيوانية؟ # الحصان ~~: # ألقه على الآلة. ~~(فقبض عليه الجحش، ومعاونوه ثانية، ووضعوه على الآلة المرعبة، ~~وربطوا رجليه ويديه، ووضعوا القموع المشكوكة بالإبر في أصابعه، وأدار الجحش الدولاب ~~دورة واحدة، فصرخ الثعلب وتأوه قائلا: أما الآن فأجاوب، إني لا أعتقد بإلهكم، إني أبغض ~~يهواكم، إني أحتقر ربكم البشري.) # الحصان ~~: # ليس سؤالنا عما إذا كنت تعتقد بإلهنا، بل هل تعتقد بإله جاوب. ~~(فرفع الثعلب إذ ذاك رأسه، والتفت إلى القضاة متمرمرا متحسرا، ~~وقال: إني أعتقد بالإله الذي وصفته لكم وأعبده.) # الحمار ~~: # كن حكيما ولا تعاند فأنت الآن تحت العذاب المر، ولم تذق منه بعد إلا الاعتيادي ~~البسيط، فإن تشبثت ms43 بأوهامك كنت لا محالة نادما خاسرا، فجاوب إذن على سؤالنا بكلمة ~~واحدة فقط، هل تعتقد بإله؟ # الثعلب ~~: # أعتقد ولا أعتقد. # الحصان ~~(وقد استشاط غضبا) ~~: # يا لها من قحة وجسارة، هات السوط يا جلاد، وأنت أيها الجحش أذقه من العذاب الغير ~~اعتيادي أمره أدر الدولاب خمس دورات متوالية، واجلده أيها الجلاد عشر جلدات. ~~(فأخذ إذا ذاك المأمورون في تنفيذ أوامر المجلس والثعلب يئن تحت ~~السوط، ويتأوه من وخزات الإبر، ويصرخ صرخات ارتجت منها أركان الإسطبل أواه يا أسيادي، ~~إلهي، آه، إلهي لماذا تركتني، أمان يا كرام، أشفقوا، ارحموا، أنا مطيع لكم، أنا عبدكم، ~~ارحموني وكان قد وقع عليه الجلاد بآخر ضربة أخ الله آمان.) # الحمار ~~: # هل تعتقد بإله جاوب على سؤالنا تنج من العذاب. # الثعلب ~~: # ألم تسمعوا كيف أتضرع إليه. # البغل ~~: # ليس هذا بجواب رسمي، قل لنا نعم أم لا، فلا نريد منك أكثر من ذلك. # الثعلب ~~: # لا! لا! لا! ~~(وتمتم متحسرا) # اغفر لي يا إلهي، ~~وخلصني من هؤلاء الظالمين. # الحصان ~~: # انزعوا السلاسل، وعودوا به إلى مكانه، واكتب أيها الكاتب ما يلي: الاعتراف الثاني ~~الذي لم يعترف به المتهم إلا بعد عذاب اعتيادي وغير اعتيادي، وعشر جلدات هو أنه لا ~~يعتقد بإله، فدون ذلك الكاتب، وعاد المجلس يفحص الثعلب ويستنطقه، فما كان يخلص من ~~آلة العذاب الجسدية إلا ليقع في آلة التعذيب العقلية. # الحمار ~~: # قلت: إن إلهك لم يتجسد، وإن الأسد له المجد ليس بإله، فهل تأملت هذا الكلام قبل ~~أن جاهرت به؟ هل تعرف أن للأسد مشيئتين: الواحدة إلهية، والثانية إنسانية، وأن ~~الأسد له المجد متساو مع الأب، والأب متساو مع الروح القدس، وهذا متساو مع ~~الاثنين؟ # الثعلب ~~: # قد تعلمت كل ذلك، ولكن لا أريد أن أعلمه لأحد؛ لأنني لم أتعود تعليم ما لا أفهم، ~~تقولون وأقول معكم: الله قادر على كل شيء، أتنكرون هذا؟ ثم تقولون: إنه تجسد ونزل ~~إلى العالم، وظهر بجسم الأسد، وخرق شرائع البلاد التي عاش فيها فمات على الصليب، ثم ~~تقولون: إنه تجسد ليفدي البشر، ms44 ويمحو الخطيئة عن الأرض، فهل محاها؟ هل العالم أحسن ~~اليوم مما كان في أيام ذلك الأسد العظيم؟ فالإله القادر على كل شيء تجسد بزعمكم ~~لغاية شريفة، والعالم بأسره يقول لنا في تاريخه وأعماله أنه لم يتممها، ألا يوجد ~~مناقضة في هذا الجدل الذي تحبكونه بلاهوتكم البالي، وفلسفتكم الواهنة، إن الله قادر ~~على كل شيء، ولو تجسد وجاء إلى العالم ليمحو الخطيئة لكان محاها تماما، ولكن ~~الخطيئة لا تزال سائدة، إذن الله - عز وجل - لم يتجسد، قد عديتموني بمرض المنطق، ~~فصرت أخاطبكم بلسانكم، فإن أنا أنكرت التجسد إنما ذلك ليكون احترامي للأسد عظيما؛ ~~لأنه إن كان الأسد إلها فما هو فضله علينا، إذن إني أحترم الأسد احتراما فائقا؛ ~~لأنه بمذهبي أكبر فيلسوف وطأ الأرض، وأعظم معلم ظهر تحت الشمس، أنتم تعتبرونه إلها ~~وتدوسون شرائعه، وأنا أعتبره فيلسوفا، وأحافظ ما استطعت على أقواله، وأعمل ~~بموجبها، أنتم تكتفون بالسفسطة واللاهوت البالي، وأنا أقرن اعتقادي الحسن بما ~~أستطيع من الأعمال الحسنة، أنتم تعبدونه ظاهرا ما زال اسمه يوليكم على الحيوانات، ~~ويجلب لكم الخيرات، وأنا أحبه وأحترمه مجانا دون أن أبتغي منه شيئا من ~~الماديات. # الحمار ~~: # بين لنا أولا الأقوال التي لا نعمل بموجبها، ثم بين لنا الأقوال التي أنت تعمل ~~بها. # الثعلب ~~: # قال الأسد: «قاوموا الشر بالخير»، فإن كان ما أقوله الآن باعتقادكم شرا، لم لا ~~تقاوموه بالأمثال الصالحة كما يأمركم السيد، وإذا كان خيرا لماذا لا تعاملونني على ~~الأقل بالمثل، هل قال لكم السيد عذبوا من خالفوكم بالمذهب، واضطهدوهم واقتلوهم؟ ألم ~~يقل لكم حبوا أعداءكم، وباركوا لاعنيكم؟ ~~(فاستولى على المجلس السكوت برهة، ثم أفاق الحصان من غفلته التي ~~رماه بها الثعلب بقوة برهانه وقال): # الحصان ~~: # أنت مذنب ووقفت أمامنا لتحاكم فدع الإرشاد، وكن محتشما، وخفض ما عندك من القحة ~~والفضول، هل تعتقد بألوهية الأسد؟ جاوب حالا. # الحمار ~~: # دعه يبين لنا الأقوال التي يعمل بموجبها، وليكن له ملء الحرية في أن يقول ما ~~يشاء، ~~(وتكلم مع الحصان بصوت منخفض قائلا) ~~: دعه ~~يتكلم لأن آخر ms45 أمره على كل الأحوال الإعدام في النار. # الثعلب ~~: # لا أعرف من منكما أطيع. # الحصان ~~: # جاوب على سؤال الحمار. # الثعلب ~~: # أنا أعمل بقول الأسد، وأصلي في مخدعي، فلا حاجة لي بالكوخ المقدس الذي لم يأمر ~~السيد بتشييده، أليس هو القائل: «ومتى صليت فلا تكن كالمرائين، فإنهم يحبون أن ~~يصلوا قائمين في المجامع، وفي زوايا الشوارع لكي يظهروا للناس، وأما أنت فمتى صليت ~~فادخل مخدعك، وأغلق بابك، وصل إلى أبيك الذي في الخفاء». فمن هذا يستدل على أن ~~السيد كان يكره الجوامع والهياكل والأكواخ المقدسة، ومن كان ينتابها لغايات رديئة، ~~ولم يأمر قط بتشييد الأكواخ؛ لأنه قال: «صلوا في مخادعكم»، فلو أراد بناية كوخ لما ~~حذرنا من الصلاة في المحلات العمومية، ومن ثم أنا لا أقر لكم بسلطة قط، وأنكر كل ~~النكران زعمكم أن الله - عز وجل - سلطكم علينا، فما جاء في كتاب السيد في هذا ~~الموضوع يناقض ادعاءكم كل المناقضة، أليس هو القائل: «أما أنتم فلا تدعوا سيدي؛ لأن ~~معلمكم واحد هو الأسد، وأنتم جميعا إخوة، ولا تدعوا لكم أبا على الأرض؛ لأن أباكم ~~واحد الذي في السماوات، ولا تدعوا معلمين؛ لأن معلمكم واحد وهو الأسد»، فهل تظنون ~~أنني أطيعكم، وأعصي السيد؟ هل تنتظرون مني نبذ أقواله، واتباع أقوالكم؟ من هو أعظم؟ ~~أأنتم أم الأسد الفيلسوف الصالح؟ ومن هو أحق بأن يتبع المالك الحقيقي أم المختلس ~~الملك؟ وما لنا ولهذا الآن أتريدون أن تفيدوني كيف يكون الابن متساويا مع الأب؟ ~~فهل خلق الاثنان في يوم واحد؟ وكيف يمكن ذلك؟ # الحصان ~~: # قلت لك أولا، وثانيا أن تقلع عن السؤالات، فأنت في المجلس لتجاوب، وليس ~~لتستنطق، فكن محتشما وقليل الكلام؛ إذ إن فصاحتك لا تجديك نفعا في هذا الديوان، ~~جاوب على سؤالنا: هل تعتقد بألوهية الأسد؟ # الثعلب ~~: # لا، ولا بنبوة الجمل؛ فالاثنان عندي قائدان عظيمان يستحقان الإكرام والاحترام، ~~ولو اعتبرتهما كإلهين لا أستطيع أن أكرمهما أكثر من إكرامي لهما كقائدين وفيلسوفين؛ ~~إذا الاعتقاد بألوهية الأسد غير ضروري لمن يعمل بأقواله، ويسلك مسلكه، ويقتدي ms46 ~~بأعماله. # الحمار ~~: # إذن أنت تريد أن تقول: إن الأسد هو حيوان مثلنا ؟ # الثعلب ~~: # إلا أنه يفوقنا بدرجات في مواهبه ومزاياه، وفي قواه العقلية والنفسانية. # الحمار ~~: # إن هذا مقبول في العرضيات، مردود في الجوهريات، وغاية ما نريد أن تقول لنا عما ~~إذا كان الأسد حيوانا أم إلها؟ إن لهذا المجلس قوانين يجب المحافظة عليها. # الثعلب ~~: # هو حيوان. # الحصان ~~: # حسن، اكتب أيها الكاتب ما يلي: الاعتراف الثالث الذي اعترف به المتهم دون عذاب قط ~~هو أنه لا يعتقد بألوهية الأسد له المجد، فدون الكاتب ذلك، وعادت السؤالات ~~والجوابات إلى برازها الدموي. # قلت: إن عبادة الصورة من عبادة الأصنام؟ # الثعلب ~~: # نعم. وقلت أيضا: إن عبادة الأصنام أدت بنا إلى عبادة الإله الواحد ~~الأزلي. # الحمار ~~: # إذن ليست تخلو عبادة الأصنام من فائدة؟ # الثعلب ~~: # كلا، فهي التي علمتنا العبادة من البدء. # الحمار ~~: # إذا كان لعبادة الأصنام فائدة فيجب أن تكون لعبادة الصور أيضا؛ لأنك أنت القائل: ~~إن الثانية نشأت عن الأولى، ما قولك الآن؟ ~~«فدون الكاتب ذلك وعادت السؤالات إلى برازها الدموي». # الثعلب ~~: # أيبقى للوردة شذاء حين تبلى وتذبل؟ أتعطي الشجرة أثمارا بعد أن تقطع من أصلها؟ ~~فما الفائدة من الشريعة متى صارت الحيوانات تدوسها تحت الأقدام، وتسخر بواضعيها؟ ~~وما الفائدة من العنب بعد أن تستخرج منه الخمرة؟ كانت لعبادة الأصنام أيام زاهرة ~~وأجيال باهرة، أما التمدن الحديث فيناقض كل تلك المظاهرات الوثنية التي نجد الآن ~~مثلها في جمعيتكم، إن عبادة الأصنام هي سلم صعدنا عليه إلى كمال العبادة الإلهية، ~~ومتى وصلنا إلى ذروة ذلك الكمال فلا يعود لذاك السلم من منفعة. # الحمار ~~: # ألا ترى إذن للصورة منفعة؟ وهل تعدها ضربا من الخرافة؟ ألا يوجد في مكتبتك ~~تماثيل أناس تعجب بهم وتعظمهم؟ ألا تزين غرفتك بصور جميلة تناسب ذوقك وتوافق ~~أميالك؟ فإذا كانت صور الصالحين ضربا من الخرافة، لماذا لا يكون هذا القياس ~~مطابقا على الصور العديدة المختلفة التي يغرم بها من مثلك، ويلتذ برؤيتها؟ # الثعلب ~~: # إن للصور والتماثيل فوائد جمة إذا وضعت للزينة فقط، ms47 غير أن عبادة قطعة من جفصين، ~~أم قطعة ورق تحت لوح من زجاج لا تزيل من قلبي شيئا من اليأس، ولا تخفف عني وطأة ~~الشقاء والكآبة، فإن أنا زينت مكتبي بتماثيل رجال عظماء ونساء صالحات، وعلقت على ~~جدران غرفتي صورا بديعة للمعلمين الكبار؛ فذلك لأنني أعشق فني النقش والتصوير، ~~وألتذ بتأمل ما فيها من دقة الصنعة، ناهيك عن أن تمثال رجل عظيم يذكرني أبدا ~~بحياته وجهاده، ويشجعني في عملي، ويثبتني في الجهاد فأقتدي بحسناته، وأذكرها ما ~~حييت، وإذا شرفتم مكتبتي فأول ما يقع نظركم على صورة الأسد الكبير الفيلسوف الصالح ~~الذي أردد تاريخه في ذاكرتي كل يوم، وأتأمل في جهاده ودعوته. # الحمار ~~: # وهذا ما نريده من وضع صور الصالحين وتماثيلهم في أكواخنا، وقاعات جمعياتنا؛ لأننا ~~نفتخر بأعمالهم، وندرس سيرهم، ونجتهد في أن نتصف بما اتصفوا به من المزايا ~~الحسنة. # الثعلب ~~: # ولكن أنتم لا تكتفون بهذا، ولا تقفون عند حد الاقتداء، بل تعتقدون بأن الصلاة إلى ~~هذه الصور تأتي بمنفعة روحية، وتساعد المتوسل إليها على نيل بغيته في هذه الدنيا، ~~وفي الآخرة، أنتم تعبدون الصورة وأنا أحبها، والفرق بيننا هو أنني أقتني التماثيل ~~والصور كي أروض عقلي، وأشرح صدري، وأمتع عيناي بمناظر جميلة، وأشغال فنية دقيقة، ~~وأنتم تقتنونها كي تتخشعوا أمامها، وتتذللوا وتطلبوا من الله بواسطتها ما لا ~~تنالونه بغير الكد والاجتهاد، وبرهانا على أن الذين يتذرعون لنجاحهم بالصلاة، ~~والتضرع هم الوضيعون المنحطون، أستلفت أنظاركم إلى حالة الدول التي لا تزال تعبد ~~الورق والجفصين، والدول التي أقلعت عن هذه العبادة، ونبذتها ظهريا بعد أن عرفت ~~أضرارها، انظروا إلى إنكلترة والولايات المتحدة وألمانيا، وقابلوا بينها وبين ~~إيطاليا وإسبانيا والنمسا، أليس هذا برهانا حسيا على ما يلحق بنا من الضرر إذا ~~نحن أهملنا قوانا العقلية والجسدية، واتكلنا على الأوراق والجفصين في تدبير ~~أعمالنا؟ # الحصان ~~: # إذن أنت لا تعتقد بمنافع الصور والتماثيل؟ # الثعلب ~~: # أنا أحب الصور الجميلة، والتماثيل البديعة، ولكن لا أعبدها كما أنني أحب اللبؤات ~~والأفراس، والحمامات الجميلة، ولكني لا أخر ساجدا أمامها، ms48 إن العبادة مختصة بالله ~~فقط، فإذا عبدنا الأوراق والجفصين نحط من مقام الخالق، وننقص من مجده، فضلا عن ~~أنني لا أعرف أن أحدا صلى إلى هذه الأوراق الملونة المصونة بالزجاج، وطلب منها ~~شيئا فناله، وأذكر أنني لما كنت صغيرا كانت أمي تحثني على الصلاة، وتقول لي: مهما ~~ابتغيت من العالم فاطلبه من هذه الصورة بقلب متخشع تحصل عليه، فبقي هذا القول ~~مطبوعا على صفحات قلبي إلى أن أخذت في التردد إلى المدرسة، وكنت على جانب عظيم من ~~الكسل، وإيماني بالأوراق زادني كسلا على كسل، حتى إنني كنت آخذ أمثولاتي، وأعود ~~إلى البيت ليس لأدرسها، بل لأغفلها ملتهيا باللعب، وفي المساء كنت أخر ساجدا أمام ~~بعض الصور التي جمعتها أمي، وأصلي بحرارة وإيمان، وتخشع طالبا منها أن تعلمني ~~دروسي في الليل، وأنا نائم كي أقدر على تسميعها في اليوم الثاني، وكنت شديد الاتكال ~~عليها، ولكن وا أسفاه فقد خاب أملي؛ إذ إنني لما كنت أذهب إلى المدرسة، وأقف لتلاوة ~~أمثولاتي لم أكن أعرف شيئا منها، وكنت أعاقب يوميا على كسلي وتهاوني، إلى أن ~~سألني المعلم يوما عما إذا كنت أدرس المفروض علي حفظه؟ فأجبته: كلا. فقال: ~~ولماذا؟ فقلت: لأنني أحسب أن الصور التي في البيت تلقنني دروسي في نومي، فأصبح ~~قادرا على تلاوتها، ولكن قد خاب الرجاء في هذه الصور، نعم يا أسيادي قد صليت وطلبت ~~بحرارة وإيمان عظيمين، وبقلب متخشع منكسر، ولم أنل من الأوراق والجفصين شيئا، وهذه ~~لا شك حالة كل من صلى وصام، فمن ذلك الوقت حقدت على الصور وكسرتها؛ لأنها لم تدم ~~على العهد، ولم تجب طلبي. # الحصان ~~: # أفرغت من هذرك وهذيانك؟ أما كفاك تجديفا وازدراء؟ نريد أن نعرف بكلمة واحدة، ما ~~إذا كنت تعتقد بعبادة الصور أم لا؟ # الثعلب ~~: # أليس في كلامي شيء يفهم أم أنا أغني الآن في الطاحون؟ ألم أقل لكم إن صوركم خائنة ~~تنكث بالعهد، ولا تسمع قط تضرعات أحد، ومع ذلك فهل يستطيع الجماد أن يتوسط بين ~~الخالق الحي والمخلوق العاقل، هل ms49 تستطيع الأوراق أن تعطينا ما لا نناله بغير الكد ~~والاجتهاد، ومواصلة العمل . # الحصان ~~: # قد أمللتنا بسفاسف أقوالك، وضجرنا منك ومن هذيانك، فلا تطل الكلام أطال الله ~~وجودك، بل جاوب على سؤالنا حالا حالا كالعادة، أتعتقد بعبادة الصور ~~المقدسة؟ # الثعلب ~~: # قد جاوبتكم مرارا على هذا السؤال، وكل كلمة قلتها في هذا الأمر هي جواب على ~~سؤالكم، فهل يصعب على فهمكم ما بسطته لحضرتكم من الأدلة الساطعة، والبراهين ~~القاطعة؟ # البغل ~~: # أف عليك ما أسقمك ... لا تكن عنيدا متمردا. جاوب على سؤالنا، وارفق بنفسك، فإن ~~آلة العذاب لا تزال منصوبة، فكن متهيبا غير متغطرس وجاوب. # الثعلب ~~: # إني لا أعتقد قط بعبادة الصورة، ولا بعبادة التماثيل، وأعرف بالاختبار أن التوسل ~~والتضرع إليها لا يأتيان بشيء من الفائدة، هل يكفي هذا التصريح؟ # الحصان ~~: # دون أيها الكاتب هذا الاعتراف الذي اعترف به الثعلب دون عذاب قط، وهو أنه لا ~~يعتقد بعبادة الصور المقدسة بتة. # الثعلب ~~: # ولا غير المقدسة. # الحصان ~~: # اصمت ولا تتكلم إلا متى سئلت. ~~(فدون الكاتب الاعتراف، وعاد أعضاء المجلس إلى استنطاق الثعلب ~~فريستهم المسكينة بعد أن تنفس الصعداء، وارتاح قليلا من عناء هذا البراز الجدلي ~~الممل.) # الحمار ~~: # قلت إن الكهربائية هي وجه من وجوه الله العديدة، فكيف تبرهن على ذلك؟ # الثعلب ~~: # إن الله نور والكهربائية على ما أرى نور أيضا؛ إذن الكهربائية مستمدة نورها من ~~النور الأصلي العظيم، وهذا النور يخرج من أذيال الخالق عز وجل؛ إذن الكهربائية ~~تأتينا من الخالق، وهي جزء منه، أو بالحري وجه من وجوهه العديدة، فاستولى على ~~المجلس السكوت، وغاص الأعضاء في بحر التفكر إلى أن عاد الحمار فقدح زناد عقله، ونحت ~~فكره، ولم يستطع أن يعارض قول المتهم إلا بهذا السؤال الضعيف. # الحمار ~~: # ولكن نحن نعتقد بأن الكهربائية هي عدوتنا اللدودة؟ # الثعلب ~~: # إذا أنتم تحاولون معاداة الله، وتزعمون أنه عز وجل يريد بكم شرا، وينوي لكم ~~الضرر، فأغمي عليهم من هذه الضربة القاضية، وبعد هنيهة أفاق الحمار، وسأل بصوت ~~منخفض. # الحمار ~~: # ولكن هل الكهربائية لا تضر بصالحنا؟ # الثعلب ms50 ~~: # نعم، ولكن ذلك لأنكم لا تتقدمون معها، ولا تسالمونها، فلو جعلتم أساس اعتقادكم ~~موافقا لنواميس الطبيعة لكانت الكهربائية التي هي مظهر من مظاهر الطبيعة العديدة ~~أخلص الأصدقاء لكم الآن؛ إذ إن نواميسكم عندئذ تنطبق كل الانطباق على نواميسها، ~~فالمناقضة الموجودة بينكم وبينها الآن من حيث التعاليم تجعلكم أعداء، والتلاطم ~~الكائن بينكم وبينها صيركم عبيدا أذلاء، وأعلى من تظنونهم أعداءكم إلى ذروة الكمال ~~والمجد. # الحصان ~~(مخاطبا الحمار بصوت منخفض) ~~: # انتقل من الكهربائية إلى موضوع آخر، فقد أصابني صداع شديد، ولا أظنني قادرا على ~~احتمال هذه الصدمات القوية. # الحمار ~~: # ألم تقل: «إن البكارة تنفي الولادة» أي إن الأنثى الطاهرة لا تكون قط ~~أما؟ # الثعلب ~~: # إنما قلت: «إن الولادة تنفي البكارة» أي إن الأنثى تخرق حجاب بكارتها يوم تتخذ ~~لها بعلا، وتضاجعه لأول مرة، وعند إتمام هذا العمل تبطل أن تكون بكرا. # الحمار ~~: # وماذا تفهم بالبكارة؟ # الثعلب ~~: # اعفوني من الجواب اعفوني، أنا لست طبيبا، وكل ما أعرفه هو أن النار لا تتولد إلا ~~بالاحتكاك، وهكذا قل عن البنين. # الحمار ~~: # ألا تستثني من قاعدتك العمومية هذه أحدا؟ # الثعلب ~~: # إني أعلم أنك تريد التوصل إلى اللبؤة التي تدعونها عذراء طاهرة، والتي يقول لنا ~~التاريخ أنها أم الأسد. # الحمار ~~: # نعم، ألا تعتقد بأن هذه اللبؤة حبلت دون المواصلة الحيوانية التي تشير ~~إليها؟ # الثعلب ~~: # كيف يكون ذلك والنواميس الطبيعية تعلمنا أنه لا يتولد عن شيئين شيء ثالث إلا بعد ~~احتكاكهما ببعضهما؟ # الحمار ~~: # بل تمم هذا العمل الروح القدس الذي حل على اللبؤة كما جاء في الكتاب ~~المقدس. # الثعلب ~~: # جاء هذا في أوهامكم، فإذا كان حقا حل الروح القدس على اللبؤة، فقد كان يحق ~~لزوجها الحقيقي أن يطلقها بموجب الشريعة، وإذا لم يكن طلقها فهذا ضرب من التسامح ~~والتساهل الذين يستوجبان له الشكر الجزيل والثناء العاطر، ومن يعلم لربما افتقر إلى ~~الشهود و... # الحصان ~~: # قلنا لك مرارا أن لا تسخر بالقضايا المقدسة، فأنت الآن تستحق قصاصا على سفاهتك ~~وهزئك عشرين جلدة، هات السوط يا جلاد، فجاء الجلاد بالسوط، ms51 وشد الثعلب على العمود ~~عريانا وجلده عشرين جلدة، ثم حل وثاقه، فعاد إلى مكانه أمام المجلس، وضم ذراعيه ~~باحتشام منتظرا سؤالات القضاة. # إن قحتك يا شقي لا حد لها، وهزءك ضرب من السفاهة، وقد ظهر لنا أنك لا ترضخ إلا ~~للسوط، ولا تلتذ إلا بالعذاب الجسدي، فكن إذن مستعدا لذلك، قد سخرت بقضايا مقدسة ~~يعز علينا أن تمتهن، وقد هزلت ومزحت حين كان يجب عليك أن تعقل وتحتشم، وتحكم الضمير ~~والنفس لا الهوى والميل الفاسد، أنت تعلم أن اللبؤة لم تعرف قط دنس المواصلة ~~الزوجية. # الثعلب ~~: # نعم قد تعلمت ذلك منذ حداثتي، ولكن لا أريد أن أعلمه أحدا؛ لأنني لا أفهمه، ~~وعندي أن المسائل التي تخالف نواميس الطبيعة لا يجب أن تعلم في المدارس، ولا يجب ~~على العاقل التمسك بها. # الحصان ~~: # إذن أنت لا تعتقد ببكارة اللبؤة العذراء أم الأسد له المجد؟ # الثعلب ~~: # إن كنت أعتقد ببكارة أمي التي ولدتني أعتقد ببكارة اللبؤة أيضا، ومتى حل روح ~~القدس على زوجتي وحبلت بعد ذلك بدون مضاجعة أظن أني أغير عندئذ اعتقادي، أما الآن ~~فلا أزال متمسكا بالقاعدة الطبيعية التي كررتها على مسامعكم مرارا، وهي أن ~~الولادة تنفي البكارة، أي إن الأم لا تكون قط عذراء بمعنى الكلمة الوضعي. # الحصان ~~: # دون أيها الكاتب ما يلي: قد اعترف المتهم الملحد الهرطوقي «بأن اللبؤة لم تحبل ~~بلا دنس، وذلك دون أن يعذب». ~~(فدون الكاتب اعتراف الثعلب هذا، وعاد المجلس إلى تتمة الاستنطاق ~~المضنك لجميع الحاضرين.) # الحصان ~~: # ألا تعتقد بالعجائب؟ # الثعلب ~~: # كيف لا وقد حاربت في مائة معركة، وأصابني ألفا رصاصة، وهأنذا لا أزال حيا. كيف ~~لا وليلة أمس كنت أنا وزوجتي جالسين في مخدعنا نصلي، فدخل علينا حمار معتبر، وأخذ ~~يرشدنا حتى نبت على كتفيه رأسان آخران، فدخل والحالة هذه برأس واحد، وخرج بثلاثة ~~رءوس، كيف لا أعتقد بالعجائب، وأنا لا أطبع إلا نسخة واحدة من جريدتي، وأوزع منها ~~مائة ألف نسخة، كيف لا أعتقد بالعجائب والخمر الذي أشربه يتحول في أمعائي إلى ماء ms52 ~~أصفر، كيف لا أعتقد بالعجائب، وديوان التفتيش لا يزال في الوجود، كيف لا وحضرتكم لا ~~تزالون قواد الحيوانات، ورؤساء هذا المجلس؟ كيف لا أعتقد بالعجائب و... # المجلس ~~(بصوت حي) ~~: # اصمت يا شقي، قصر لسانك، أقلع عن السفاهة. ~~(فالثعلب كان خاضعا لمزاج التهكم والهزل الذي استولى عليه في أثناء ~~هذه الجلسة، ولولا ذلك لكان مات لا شك من العذاب الجسدي والعقلي الذي ذاقه، ومع أنه ~~تطرف أحيانا في تهكمه، فالمتفكر العادل لا يسعه إلا أن يثني على تجلده وصبره، فهو لم ~~يظهر في كل الجلسة شيئا من أمارات الغضب مع أن القضاة أثاروا كامن حقده، وعذبوه عذابا ~~مؤلما، وناهيك عن أنه فاز في آخر الأمر على مستنطقيه بتهكمه الجارح، واستهزائه الفاتك، ~~وعلى الأخص الحمار الذي ضاق صبره في تلك الآونة عند كلام الثعلب عن العجائب، وكان يضم ~~الواحدة من أذنيه الطويلتين إلى الأخرى، ويقوم عن مجلسه ويقعد، ثم يرفس برجليه حتى إنه ~~أخيرا نهق نهقة عظيمة، وضرب بيده على الطاولة، فوقعت على صليب من خشب، فتناوله وضرب به ~~الثعلب، فأصاب رأسه الصغير، وشجه شجة عميقة، فوقع في الحال مغميا عليه، مختبطا ~~بدمائه.) # الحصان ~~(يخاطب الحمار) ~~: # اكظم غيظك يا حضرة الأخ، ولا تبتدئ بالقصاص من الآن، فإن عملك هذا يدل على نقص في ~~الحكمة، وضعف في احتمال المصائب. # الحمار ~~: # ألا ترى وتسمع كيف أن هذا الشقي الكافر يشتمنا، ويهزأ بنا في وسط مجلسنا هذا، أما ~~والله لو لم أكن على ثقة بأن الحكم سيكون بالإعدام لكنت أذبحه ذبحا، وأسلخه سلخا، ~~أليس هذا عدو الله اللدود، وعدو الحيوانات العنيد؟ ألم يقل إنه لا يريد أن يملك ~~عليه أحدا؟ ألم يقل لنا الأسد: «أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم، ~~فآتوا بهم هاهنا، واذبحوهم قدامي»؟ # الحصان ~~: # نعم قال ذلك، ولكن فليذبحهم غيرنا بأمرنا، ولا نتنازل نحن لتدنيس أيدينا بهذه ~~النطفة القذرة. ~~(وفي مدة هذه المفاوضة كان الثعلب مطروحا على الأرض مغميا عليه، ~~فأشار الحصان إلى الجحش بأن يضمد له جرحه، ويعطيه بعض ms53 المنعشات، ففعل ذلك، وعادت إلى ~~الثعلب روحه، فأنهضه إذ ذاك الجحش عن الأرض، وهو لا يستطيع الوقوف من شدة الألم ~~والدوار، فأذن له المجلس بالجلوس، فجلس على كرسي الاستنطاق ثانية، وعادت السؤالات ~~كالصواعق تتراكم على رأسه الدامي.) # البغل ~~: # أرأيت إلى أين أدت بك وقاحتك، قلت لك مرارا: الزم جانب الأدب، وكن محتشما ولا ~~تجدف على الآيات المنزلة، ولا تسخر بالقضايا المقدسة، أنت تعرف حق المعرفة بأن ~~الأسد لما جاء إلى العالم صنع العجائب الكثيرة، فأبرأ الأبرص، وسكن اضطراب البحر، ~~ومشى على وجه الماء، وأحيى الصبية، وفتح العميان، وطرد الشياطين من المجانين، ~~وأدخلهم في الخنازير. # الثعلب ~~(يخاطب نفسه متمتما) ~~: # لا والله فقد أدخلهم في البغال والحمير. # الحمار ~~: # ماذا تقول؟ # الثعلب ~~: # قلت إن عندي في بيتي عددا من الخنازير. # الحمار ~~: # وماذا تريد بهذا القول؟ # فجلس على كرسي الاستنطاق ثانية وعادت السؤالات كالصواعق تتراكم على ~~رأسه الدامي. # الثعلب ~~: # أن لا أثر في هذه الخنازير لعجائب الأسد، فقد ذبحت أحدها في الأسبوع الغابر، ~~وفتشت على الشيطان بالنظارة المكبرة في كل عضو من أعضائه، وكل ليفة من ألياف عضلاته ~~فلم أجده، وأنا أقول لكم عن اختبار: إن الخنزير هو أهدأ وأعقل، وأسلم وأحب، وأنفع ~~خليقة أوجدها الله على هذه البسيطة، فكيف لا أعتقد بالعجائب بعد هذا كيف لا ~~... # الحمار ~~: # اصمت يا خنزير. # الثعلب ~~: # إن عبدكم ثعلب وليس خنزيرا، لا تتطرفوا أجلكم الله في الشتيمة. # البغل ~~: # أمرناك بالصمت، فما بالك لا تصمت، ونهيناك عن السفاهة والاستخفاف، فما بالك تزداد ~~صفاقة وحماقة؟ ألا ترى نتيجة ضلالك المشوه بالسفاهة في رأسك المهشم. # الثعلب ~~: # وهل تظنون أن الضرب والعذاب يغيران اعتقادي؟ هل في هذا الجرح برهان على ضلالي ~~وحماقتي؟ # الحصان ~~: # يا أيها الثعلب التعيس، قد ضجرتنا بساسف أقوالك، وهيجت فينا كامن الحقد والرجز، ~~وقد صبرنا على فضولك وتجديفك، حتى طفحت كأس الصبر، فالمجلس يأمرك الآن بأن تجاوب ~~على هذا السؤال: «هل تعتقد بالعجائب التي صنعها الأسد على الأرض؟» # الثعلب ~~: # من أين لي أن أرى هذه العجائب وأشاهدها، ولم لا ms54 يحدث نظيرها في هذه الأيام، إن ~~العالم بحاجة كلية إلى العجائب والمعجزات ، وبالأخص لأن القوات الكهربائية والبخارية ~~تزداد نشاطا، والاختراعات الجديدة تكثر عددا، وتعرفون حق المعرفة أن عدد الثعالب ~~المفتكرين المتنورين يزداد يوما فيوما، وعبراتكم المقدسة كادت أن تفرغ من الركاب، ~~فلم لا يرينا الأسد من عجائبه في هذا الزمان المكهرب المبخر؟ كم من الحيوانات تموت ~~غرقا في هذه الأيام؟ فلم لا يخلصهم الحوت، لم لا يبتلعهم ويبقيهم في جوفه ثلاثة ~~أيام، ثم يتقيأهم على جزيرة أو شاطئ وهم أحياء؟ «أنا لا أصدق، ولا أؤمن إلا إذا ~~شاهدت بعيني»، هكذا قال أحد الحمير الصالحين، فما أحسن هذا الكلام الذي اتخذته لي ~~سنة لأجل راحة ضميري وعقلي، لربما قلتم لي: إن تلاميذ الأسد يشهدون على معجزاته وإن ~~شهاداتهم مطابق بعضها لبعض، فأسألكم باعتبار من هم هؤلاء الشهود أليسوا حيوانات ~~مثلنا، وزد على ذلك أنهم كانوا أميين لا يحسنون القراءة والكتابة، ولا يقوون على ~~الحكم والتمييز في مسائل دقيقة كهذه، فلو قلنا: إن الأسد فتح الأعمى يجب أن يكون ~~الشاهد على عمله هذا ماهرا في تطبيب العينين؛ كي يستطيع أن يميز بين الرمد والعمى، ~~فقبل أن تصدقوا هذه القصة افحصوا أولا غير مأمورين حالة الأعمى كي تتحققوا أمره، ~~فلربما كان مصابا برمد شديد، فتوهمت بقية الحيوانات الغبية أنه أعمى، فجاء الأسد ~~وهو ماهر في فن الطب، وشفاه بالأدوية، فهل تحسب هذه أعجوبة؟ برهنوا لي أولا أن ~~الحيوان كان حقيقة أعمى، ثم هاتوا شهودكم المتضلعين من فن الطب لتثبتوا روايتكم، ثم ~~جئوا بالأسد وقولوا له: هذا حيوان أعمى، فتح عينيه، فإذا فتحها وكنت أنا حاضرا أظن ~~أنني أصدق وأؤمن، أما الآن فالعجائب التي ترون قصصها في كتابكم مفتقرة إلى شهود ~~فيهم الكفاءة، وبينات يقبلها العقل، ولا يمحها الذوق السليم، ولربما كنت مخطئا في ~~رأيي، ولكن هو الضمير الذي يجب أن يطاع، والعقل الذي يجب أن تبدو أحكامه باستقامة ~~وجرأة، فقد بينت لكم أفكاري كما هي دون تصنع ولا رياء، فلكم أن تقبلوها أو ms55 ترفضوها، ~~إن الواجب الذي يفرضه علينا الضمير مقدس، وأنا أتممه بسرور وارتياح ، ولو تحت ظل ~~المشنقة، أو فوق لهيب النار، إن الله قادر على كل شيء، ولو كان اعتقادي مخالفا ~~لنواميسه لكان يلهمني أن أستبدله باعتقاد آخر، فإذن اعتقادي موافق لنواميس الله ~~الذي أؤمن بقوته، وأصنع مشيئته، فأنا لست ... # الحصان ~~: # كفاك شقشقة، كفاك صفاقة وهذرا، قل لنا بكلمة واحدة: هل تعتقد بالعجائب الإلهية ~~أم لا؟ # الثعلب ~~: # إن الله قادر على كل شيء، فكيف إذن لا يصنع العجائب، ولكن قلت وأقول لكم: إن ~~العجائب التي تدونت قصصها في كتبكم مفتقرة إلى بينات معقولة، وشهادة شهود متنورين، ~~فأنا لا أنكر هذه العجائب ولا أصدقها، فلربما نكون قد حدثت بطرائق لم يخبرنا عنها ~~التاريخ، ولربما تكون صنعة الدجالين والكذابين، فأقول إذن: لا أعرف، لا ~~أدري. # الحمار ~~: # كأنك مشتاق إلى العذاب فهل لك أن تجاوب على سؤالنا. # الثعلب ~~: # لا أدري. # الحصان ~~: # أذقه هذه المرة العذاب المائي. ~~(فجاء الجحش ببرميل من الماء، وركب فيه أنبوبة، ومددوا الثعلب ~~على الأرض، وقبضوا على يديه ورجليه، ثم أدخلوا الأنبوبة في فمه، وأخذ الجحش يضخ ~~الماء حتى كاد الثعلب يختنق، فصرخ صرخة خفيفة، وحملق بعينيه مشيرا إلى رضوخه، ~~فوقفت يد الجحش عن العمل، ورفع الثعلب رأسه وقال: «إني أجاوب»، فأعاد عليه الحصان ~~السؤال فأجاب سلبا، فأنهضوه عن الأرض، وعادوا به إلى مركزه.) # دون أيها الكاتب ما يلي: قد اعترف الثعلب بأنه لا يعتقد بالعجائب الإلهية، وذلك ~~بعد أن سيم العذاب المائي الاعتيادي. # فدون الكاتب، ثم أمره الحصان بأن يقرأ على مسامع القضاة اعترافات الثعلب، فنهض الكاتب ~~وقرأ ما يلي: قد اعترف الثعلب المتهم بأنه: أولا: لا يؤمن بالكتاب المقدس. ثانيا:لا يعتقد ~~بالله. ثالثا: لا يعتقد بألوهية الأسد. رابعا: لا يعتقد بالصور المقدسة. خامسا: لا يعتقد ~~بأن اللبؤة حبلت بلا دنس. سادسا: لا يؤمن بالعجائب الإلهية. ولما انتهى الكاتب من قراءة ~~الوقائع أمر المجلس بأن يقيد الثعلب بسلاسل الحديد، ويقاد إلى السجن لينتظر هنالك حكم ~~القضاة، وبعد أن وضعت يداه ms56 ورجلاه في القيود وقف كالفريسة الضالة أمام المجلس، ووجنتاه ~~مخضبتان بالدم الذي كان يسيل من رأسه المجروح، وقال: «هاتوا صليبكم لأحمله وجيئوا باللصين ~~لأموت معهما»، أما المجلس فكان قد ارفض، ولم يكترث القضاة بكلام الثعلب المؤثر الذي يذكرهم ~~لو تأملوا بحياة الأسد وجهاده ضد الشر، فخرجوا غير مبالين يتشاورون في قضية الملحد الذي سيق ~~محتقرا مهانا إلى السجن. # الفصل السادس # | فلتكمل مشيئة الله # وفي اليوم الثالث اجتمع الحصان والبغل والحمار في ديوان التفتيش، وأمروا بإحضار الثعلب ~~المتهم بالكفر والإلحاد إلى المجلس كي يسمع الحكم الذي أصدره القضاة الثلاثة، وكانت قضيته ~~قد اشتهرت، فسمع بها القاصي والداني من جميع الحيوانات، فحضر منهم عدد غفير إلى المجلس ~~ليروا الثعلب المتهم، ويسمعوا تلاوة الحكم المخيف، ولما دخل الثعلب المجلس مكبلا بالحديد، ~~ومحاطا باثنين من الخفر أخذت الحيوانات في اللبيط والصفير والنهيق، ولم يكن المتفرج ليسمع ~~إلا كلمات يفهم منها الصلب والشنق والحريق: فليمت الثعلب! فلتسقط الكهربائية! فليحيا ~~المجلس! # الحصان ~~: # يأمركم المجلس بالنظام، وينهاكم عن المظاهرات والصفير والنهيق، اسمعوا قراءة ~~الحكم الذي أبرزه المجلس بصوت حي. ~~(فاستتب عند ذلك السكوت، وبدأ الكاتب بقراءة ما يلي): # قد ظهر للمجلس وتحقق للمستنطقين: أولا أن للثعلب اعتقادات خصوصية شريرة ~~تخالف تعاليم جمعيتنا المقدسة، وتناقض شريعة الله التي أقامنا عليها أمناء ~~وأوصانا بها، وهذا ما ندعوه كفرا وإلحادا. وقد تبين ثانيا أن المتهم لم ~~يبرهن عن اعتقاداته الفاسدة إلا بأسلوب التهكم والازدراء والاستخفاف؛ إذ ~~كان يتكلم عن القضايا المقدسة بالهزء والسخرية، وهذا ما نسميه تجديفا. ~~وثالثا أنه لم يجاوب على سؤالات القضاة إلا بعد أن سيم العذاب الاعتيادي ~~والغير اعتيادي، وهذا ما نعتبره تمردا وتكبرا. ورابعا أنكر على القضاة ~~السلطة، واحتقرهم وأهانهم بإلقائه عليهم سؤالات ليس من شأنه إلقاؤها، وهذا ~~ما نعده وقاحة وفضولا، ولذلك قد التأم المجلس في جلسة سرية، وتفاوض ~~الأعضاء في أمر المتهم، وأبرموا الحكم الآتي: ~~«بقوة السلطة الروحية المعطاة لنا نحن أعضاء مجلس التفتيش نحكم على ~~الثعلب أولا بالفضول والوقاحة. وثانيا بالتمرد والعصيان. وثالثا ms57 ~~بالتجديف. ورابعا بالكفر والهرطقة والإلحاد، وعقابه على كل واحد من هذه ~~الجرائم هو كما يلي: قصاص الذنب الأول هو أن نغصب من الملحد كل أملاكه، ~~وتضاف إلى أملاك الجمعية المقدسة، وعقاب الذنب الثاني أن يبقى تحت الحرم ~~سنة كاملة، والثالث: أن يلقى في السجن خمس سنوات، وأما عقاب الذنب الرابع ~~فهو الإعدام بالنار، وقد حركت أعضاء المجلس عاطفة الشفقة والرحمة، فعزموا ~~على نقض الحكم بالإعدام إذا أنكر المتهم اعتقاداته الخبيثة الشيطانية ~~المضرة، واعترف بشرائعنا، واعتذر أمام المجلس عن كل كلمة وقحة فاه بها ~~أثناء المحاكمة. أما الذنوب الثلاثة الأخرى، فعقاب المتهم عليها ثابت كما ~~ذكرنا تأديبا للكافرين المارقين، والمتمردين المجدفين، ويسأل المجلس ~~الثعلب أمام الجمع عما إذا كان يريد أن يرجع عن غيه، ويكفر عن ذنوبه ~~بإنكاره كل اعتقاداته الخبيثة، ويعترف بتعاليمنا كي يعفى عنه من الموت»، ~~ولما انتهى الكاتب من قراءة الحكم عاد الحصان إلى السؤال قائلا: هل تريد ~~أن تفعل ذلك؟ فأجاب الثعلب بدون تردد: هل تريدون أن أشتري حياتي بضميري، ~~إني لا أرى نسبة بين الثمن والمشترى اطلبوا مني غير هذا. # تذكر أنك رب عائلة فلك زوجة وأولاد يشق - لا شك - عليك فراقهم، ألا تعرف بأنك ~~تجلب إلى عائلتك التعاسة والشقاء إذا أنت لم تنكر اعتقاداتك الخبيثة؟ ألا تعرف بأنك ~~مديون لأولئك الصغار أولادك، فلا تكن لهم مثلا رديئا، وقدوة قبيحة تأمل قليلا ~~أعد نظرك على هذه المسائل الخطيرة لا تكن أحمق متمردا، إذ إن هذه الصفات السافلة ~~لا تكسبك شيئا، وشكاسة أطباعك تفضي بك إلى النار، فنسألك الآن ثانية، هل تريد أن ~~تنكر اعتقاداتك، وتعتذر عن وقاحتك، وتجديفك، وترتد إلى اعتقادك الأصلي الذي نشأت ~~عليه، وورثته عن أجدادك؟ # الثعلب ~~: # أنتم أيها القضاة المحترمون الأفاضل أحوج في رأيي إلى الإنكار والاهتداء مني، ~~فأنتم في عيني كما أنا في أعينكم، فإذا طلبتم مني إنكار اعتقادي تجعلون لي حقا ~~بأن أطلب منكم إنكار اعتقادكم، وإذا تركتموني وشأني أترككم وشأنكم، فلم تحكمون علي ~~بالإعدام، وأنا لم أرتكب قط ذنبا، لماذا ms58 أعطاني إلهي عقلا، ووهبني قوتي الحكم ~~والتمييز، ألكي أقتلهما وأعيش من أجل بطني فقط؟ أيعطي الله العصفور جناحين، ثم ~~يهلكه إذا طار بهما؟ أيعطيني عقلا ثم يهلكني إذا استخدمته للافتكار والتأمل؟ لا شك ~~في أن اعتقادي هو أرسخ في قلبي من اعتقادكم في قلوبكم، ومتى أنكرت وجود الخالق أنكر ~~إذ ذاك اعتقادي، وأقر لكم بتعاليمكم الخرافية، فأنتم أكرهتموني فاعترفت بما لا ~~أعترف به إلا بعد العذاب الأليم اضطررتموني إلى إنكار وجود الله، وأنا لا أنكر إلا ~~إلهكم، أجبرتموني على إنكار الكتاب بكامله، وأنا لا أستهجن إلا ما جاء فيه من ~~الخرافات والخزعبلات، تقولون إني أنكر العجائب، وأنا لم أنكر ولم أثبت، ولكن لكم ~~الأمر وعلي الطاعة، أما ما تطلبونه الآن فهو أكثر مما أطلبه من نفسي، لا يا أسيادي ~~إن الحياة التي تريدون قتلها بخسة جدا بالنسبة إلى الضمير الذي يحيا سعيدا ~~شريفا طاهرا، إن هذا الجسد لا يسوى ما تطلبونه مني، أنتم تطلبون قتل ضميري ليبقى ~~جسدي حيا، وما نفع الجسد بلا ضمير، فأنا أفضل أن أرى نفسي في النار المستعرة على ~~أن أرى ضميري مكبلا بسلاسل العبودية، خذوا جسدي، واتركوا لي ضميري. # الحمار ~~: # أيها الثعلب المسكين، اسمع صراخ زوجتك، ترأف على أولادك، أشفق على نفسك، إن ~~الحياة عزيزة، والهلاك الأبدي فظيع مرعب، فاحفظ الأولى واتق الثاني، احفظ حياتك ~~بكلمة واحدة، أنكر اعتقاداتك، وعش مع زوجتك وأولادك سعيدا. # الثعلب ~~: # لا تزدني من هذه الإرشادات، فقد عزمت على أن أموت من أجل اعتقادي، كما مات الأسد ~~على الصليب من أجل دعوته، خذوني إلى النار، وألقوني فيها فأستريح من هذه الحياة، ~~وأفرح بالآخرة. # الحصان ~~: # إذن أنت تأبى الإنكار، وترفض الاهتداء، فلا حول ولا قوة، فالمجلس إذن يبعث بك تحت ~~الحفظ إلى أصحاب السلطة المدنية لينفذوا فيك حكمه المبرم. ~~(وتبوأ عندئذ الحصان كرسيه، وأمر الكاتب بأن يأخذ قرطاسا وقلما، ~~ويكتب ما يلي): # إلى الثور قاضي قضاة الحكومة المدنية: # إن مفتاح السماء يستنجد سيف الدولة، فالثعلب الواصل إليكم قد حوكم في مجلسنا ~~على ms59 اعتقاداته الشخصية الخبيثة المضرة بتعاليمنا، ووجد بعد المخابرة والاستنطاق ~~أنه ارتكب الذنوب الآتية: أولا الوقاحة والاستهزاء. ثانيا التمرد والمكابرة. ~~ثالثا التجديف. ورابعا الكفر والهرطقة والإلحاد، وقد رفض أن يهتدي، وينكر ~~اعتقاداته الشيطانية، مكفرا بذلك عن ذنوبه القبيحة، وفضل أن ينفذ فيه حكم ~~المجلس الذي هو كما تعلمون الإعدام في النار، فأملنا أن تستخدموا القوة المعطاة ~~لكم لتنفيذ حكم المجلس، وفي كل الأحوال إن مفتاح السماء يستنجد سيف ~~الدولة. # الداعون لحضرتكم # الحصان، الحمار، البغل # أعضاء مجلس التفتيش ~~(ولما فرغ الكاتب من كتابة الرسالة قدمها إلى المجلس فوقع عليها كل ~~منهم بإمضائه، وسلمها الحصان مختومة إلى الخفر قائلا: خذ الثعلب تحت الحفظ إلى السجن، ~~وسلم هذه الرسالة إلى صاحبها، فنحن والحمد لله قد تممنا وظيفتنا، ونقدر أن نقول براحة ~~وسرور، وضمير مستقيم: «إننا أبرياء من دم هذا الصديق»، فلتكمل مشيئة الله.) # الحمار ~~: # وسيرى الثعالب أي منقلب ينقلبون. # البغل ~~: # فلتكمل مشيئة الله، وارفض المجلس عندئذ، وخرج جميع الحيوانات متهللين فرحين وهم ~~ينتظرون أن يشاهدوا عن قريب إحراق الكافر المسكين. # أما الثور، فإنه عندما وصله الكتاب فضه، وقرأه، ثم صادق عليه، وناوله للجلاد؛ ليعمل ~~بموجبه، وأعطي الثعلب فرصة عشرة أيام ليتفكر في أمره؛ لعله يرتد عن غيه، وينكر اعتقاده، ~~وكان الثور يذهب كل يوم إلى الثعلب في سجنه، ويحاول إقناعه، ولكنه لم يظفر بأرب إذ إن ~~المحكوم عليه بقي مصرا على عناده، متشبثا بآرائه، ومحافظا على ما كانت تدعوه إليه ~~استقامة ضميره التي أفضت به إلى الموت احتراقا، وبعد أن مضت المدة المعينة، وجاء صبح اليوم ~~الحادي عشر ذهب الجلاد مع أعوانه إلى الساحة العمومية في المدينة، وأضرموا هنالك نارا ~~متأججة، وجاءوا بالمحكوم عليه راسفا بسلاسل الحديد، محاطا بالخفر، وأوقفوه على دكة عالية ~~تشرف على النار المضطرمة بالقرب منها. وكانت الحيوانات قد ازدحمت في الساحة العمومية، ومن ~~جملتهم الحصان والحمار والبغل الذين أتوا ليروا هذا المشهد المرعب، ويتلذذوا بثمرة أعمالهم ~~الصالحة، ولم يكن بين كل هذه الخلائق المحتشدة ثعلب واحد؛ لأن الحكومة كانت قد ms60 اتخذت كل ~~الاحتياطات لمنع المظاهرات الثعلبية، وأعلنت أنها تستخدم القوة في هذا اليوم لقمع كل عنيد ~~مكابر يحاول أن يثير الخواطر، ويدس الدسائس، فبقيت الثعالب في بيوتها، واحتملت المصيبة بقلب ~~مملوء من الخوف والحنق. # وكان السرور والابتهاج يشملان كل الجماهير المحتشدة؛ إذ إن أكثر الحيوانات كانوا يكرهون ~~الثعالب الكافرة، ويعتقدون بأن وجودهم مضر بالصالح العمومي، فشكروا المجلس الذي أصدر الحكم، ~~والقاضي الذي صادق عليه، وجاءوا الآن ليسدوا شكرهم الجزيل إلى الجلاد الذي ينفذه. # فوقف إذ ذاك الجلاد بالقرب من الثعلب على الشرفة، وحلق له شعره، وعصب عينيه بمنديل، ~~وخاطبه قائلا: أسألك لآخر مرة إن كنت تريد أن تنكر اعتقادك، وترتد عن غيك مهتديا إلى ~~الصواب، فرفع الثعلب يده إلى السماء، وقال: «اسأله عز وجل، ولا تسألني». # الجلاد ~~: # لا تريد أن تنكر اعتقادك إذن؟ # الثعلب ~~: # إني أموت لأن الحيوانات نيام، أما أنتم فستموتون؛ لأنهم سيكونون أيقاظا. # الجلاد ~~: # إذا بالسلطة المعطاة لي من الثور قاضي القضاة، وبموجب الأمر الذي بيدي أرمي هذا ~~الثعلب الكافر في النار لتطهر جامعتنا، وتنقى آدابنا من سفاهات الزندقة، التي ~~تشوهها. ~~(وعند ذلك رجع الجلاد إلى الوراء، وأخذ الحبل الموصول باللوح، وشد ~~به فانسحب اللوح من تحت أقدام الثعلب، ووقع في النار المستعرة، تحته فصرخ إذ ذاك الجلاد ~~قائلا: (فلتكمل مشيئة الله)، فكان لصرخته صدى تصاعد من بين الجمع الذي هتف مرددا: ~~«فلتكمل مشيئة الله»، فليمت كل كافر، فليحا البغل والحمار والحصان.) # أما الثعلب، فلما انسحب من تحت أقدامه اللوح، ووقع في جوف النار المستعرة صرخ صرخة مرعبة ~~هائلة، وكان لم يزل مالكا على عقله عندما هتف الجمع المحتشد: «فلتكمل مشيئة الله»، فحركته ~~عواطفه الفطرية لتذكر خالقه، فهتف معهم بصوت يخنق اللهيب: (فلتكمل مشيئة الله)، وبعد مضي ~~برهة من الزمن أصبح الثعلب رمادا، فسرت الحيوانات، وصعد بعدئذ الحمار والبغل والحصان إلى ~~الشرفة ليشكروا الله، ويتوسلوا إلى العزة الإلهية كي تساعدهم دائما على استئصال شأفة كل ~~كافر ملحد، ولم يكد الحصان يلفظ اسم الخالق حتى حدث في الجو اضطراب ms61 عظيم، فاكفهرت السماء، ~~وهطلت الأمطار، وتساقط البرد كالحجارة، وجالت ريح عاصفة في أرجاء الفضاء تجر وراءها البرق ~~والصواعق، وبقي هذا الحال مدة نصف ساعة، فوقف الجميع مرتعشين خائفين، ثم انقشعت الغيوم، ~~وظهر من ورائها الأسد راكبا أوتومبيلا كبيرا، فوقف فيه وخاطب الحصان والحمار والبغل ~~قائلا: «اطلب رحمة وليس ضحية، قلت لكم: حبوا أعداءكم، قلت لكم: لا تدينوا لئلا تدانوا، قلت ~~لكم: مثلما تريدون أن يفعل الغير بكم افعلوا أنتم بهم أيضا، قلت لكم: لا تقتلوا، بأي جسارة ~~ترتكبون هذه الجرائم الفظيعة، ومن ثم تقولون: إنها من أجلي؟ أي متى قلت اذبحوا وأحرقوا ~~إخوانكم من أجلي؟ بأي كتاب قلت عذبوهم، واطردوهم، وأحرقوهم، واسجنوهم من أجلي؟ أما والحق ~~أقول لكم: إنكم دنستم اسمي، وافتريتم علي، وأفسدتم تعاليمي، ويل لكم من العقاب الشديد ~~الصارم، ويل لكم حين تقفون يوم الدين لتجاوبوا عن كل جريمة ترتكبونها باسمي من أجل مطامعكم، ~~وغاياتكم الذاتية!» فتشجع عند ذلك الحمار، ونفض عن جسمه غبار الرعشة، وخاطب الأسد بصوت خافت ~~قائلا: ألم تقل لنا: «أما أعدائي الذين لم يريدوا أن أملك عليهم فآتوا بهم ها هنا واذبحوهم ~~قدامي»، فصرخ الأسد إذ ذاك صرخة مرعبة قائلا: «هذا كذب باسمي وافتراء علي، فأنتم أفسدتم ~~تعاليمي، ونقحتموها على ما يوافق أذواقكم، ويساعدكم على نيل مطامعكم، بأي جسارة تضيفون ~~عليها هذه الآيات الشيطانية، فكيف أقول لكم حبوا أعداءكم، ثم أناقض نفسي بنفسي، وآمركم بذبح ~~أعدائي، الحق أقول لكم: إن جرائمكم عديدة، وويل لكم في الآخرة، فاذهبوا من أمامي، ولا ~~تتجاسروا على تكرير هذه الأعمال الفظيعة»، وتلبدت إذ ذاك السماء بالغيوم، وغاب الأسد في ~~أوتومبيله عن الأبصار. # أما الحصان والبغل والحمار، فذهبوا إلى إسطبلهم منكسين وجوههم خاسئين، وبينما هم سائرون ~~ذات يوم على طريق السكة الحديدية؛ إذ صفر قطار العلم القائد عربات البخار والكهربائية ~~والاختراعات، ومر عليهم جميعا فسحقهم سحقا، وتطايرت رءوسهم، وبقايا أجسادهم في الجو، ~~وتشتتت أعضاؤهم المتقطعة على طريق التمدن الحديث ا.ه. ms62