######OpenITI# #META# URI: 1359AminRihani.Nakabat.Hindawi50404926 #META# Tags: history #META# ID: 50404926 #META# Title: النكبات: خلاصة تاريخ سورية منذ العهد الأول بعد الطوفان إلى عهد الجمهورية بلبنان #META# AuthorID: 93831791 #META# Author: أمين الريحاني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - سام وحام ويافث‏ # 2 - الاستيلاء المصري والآشوري‏ # 3 - الاستعمار الفارسي‏ # 4 - الاحتلال السلوقي‏ # 5 - الاستقلال النبطي‏ # 6 - بنو غسان والرومان‏ # 7 - بابل العصبيات والأديان‏ # 8 - الدولة الأموية‏ # 9 - الدول الكلبية‏ # 10 - الصليبيون‏ # 11 - هول هولاكو‏ # 12 - دولة المماليك‏ # 13 - أهوال تيمورلنك‏ # 14 - إلى المزبلة‏ # 15 - آل عثمان‏ # 16 - الدرك الأقصى‏ # 1 - سام وحام ويافث‏ # 2 - الاستيلاء المصري والآشوري‏ # 3 - الاستعمار الفارسي‏ # 4 - الاحتلال السلوقي‏ # 5 - الاستقلال النبطي‏ # 6 - بنو غسان والرومان‏ # 7 - بابل العصبيات والأديان‏ # 8 - الدولة الأموية‏ # 9 - الدول الكلبية‏ # 10 - الصليبيون‏ # 11 - هول هولاكو‏ # 12 - دولة المماليك‏ # 13 - أهوال تيمورلنك‏ # 14 - إلى المزبلة‏ # 15 - آل عثمان‏ # 16 - الدرك الأقصى‏ # | النكبات # | النكبات # | خلاصة تاريخ سورية منذ العهد الأول بعد الطوفان إلى عهد الجمهورية بلبنان # تأليف # أمين الريحاني # لو كان صحيحا أن ما يمكن عمله الآن قد عمل في الماضي، لما كان بقاؤنا على الأرض ~~لازما، ولكان في اطراد الحياة فيها من الأعباء التي لا تطاق ... وما فضل أولئك الذين ~~يمجدون الماضي ويعتقدون أن أسلافهم بلغوا درجة الكمال؟ وكيف يستطيعون أن يعيشوا ~~أعزاء، وجل همهم أن يتحصنوا في حصون التقاليد والعادات البالية، وهم لا يشعرون ~~بواجب في الحاضر، ولا بأمل في المستقبل؟ # رابندرانات تاغور # لا أريد أن أسر المسلمين بكلمة. هؤلاء قوم كلما قال لهم الإنسان: كونوا بني آدم! ~~قالوا: إن آباءنا كانوا كذا وكذا. فعاشوا في خيال ما فعل آباؤهم، غير مفكرين بأن ما ~~كان عليه آباؤهم من الرفعة لا ينفي ما هم عليه اليوم من الخمول والضعة. وكلما أراد ~~الشرقيون الاعتذار عما هم فيه من الخمول الحاضر، قالوا: أفلا ترون كيف كان ~~آباؤنا؟ # جمال الدين الأفغاني # نقله الأمير شكيب أرسلان في ~~كتاب: ~~«حاضر العالم الإسلامي»، صفحة 206 # وقال أحد شعراء العرب الأقدمين، ينعى على التغلبيين قعودهم عن المكارم والمفاخر اكتفاء ~~بمعلقة شاعرهم عمرو بن كلثوم: # ألهى بني تغلب عن كل مكرمة # قصيدة قالها عمرو بن كلثوم # يروونها أبدا مذ كان أولهم # يا للرجال لشعر غير مسئوم # واحذروا ms01 ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات (العقوبات) لسوء أفعالهم، فتذكروا في ~~الخير وفي الشر أحوالهم، واحذروا أن تكونوا أمثالهم. # نهج البلاغة # لا تقسروا أولادكم على أخلاقكم، فإنهم مولودون لزمان غير زمانكم. # عمر بن الخطاب # ليكن أبناؤنا خيرا منا جسما، وعقلا، ومجتمعا، وأخلاقا. # المعهد القومي للتربية الأخلاقية # في ولايات أميريكة المتحدة # إخواني أبناء هذه البلاد، سهلها وجبلها وساحلها # كثيرا ما نقرأ ونسمع أن تاريخنا مجيد، # وكثيرا ما نتغنى بمجد الأجداد وبمفاخر الأجداد، # فتعالوا نعيد النظر في أهم ما في التاريخ، # تعالوا نزور الماضي الذي ألهانا عن كل مكرمة، # تعالوا نزور الماضي فنقصر إذ ذاك من ذكر الأجداد. ~~••• # ومن هم الأجداد، أجدادي وأجدادكم؟ # القوي منهم كان ظالما، والضعيف كان مستعبدا. # اقرءوا التاريخ منزهين عن الأغراض، مجردين من الأهواء. # اقرءوا التاريخ لتدركوا اللب فيه، فتنسوا إذ ذاك قريضه وقوافيه. # اقرءوا التاريخ متفهمين روحه وروح أبطاله، فتودون إذ ذاك أن تنسوا الماضي. ~~••• # انسوا الماضي، انسوه غير آسفين، # ولا تتكلوا على أحد في الدنيا أو في الآخرة. # ظفر الميت خيال لا يفيد، وظفر الأجنبي من حديد. # إذن، ما حك جلدك مثل ظفرك. # إذن، تعالوا نتفاهم، فنتآلف، فنتضامن، فنتحد في سبيل الوطن، بل في سبيل ~~الحياة. # تعالوا نكتب صفحة جديدة في تاريخ هذه البلاد. # أمين الريحاني # الفريكة، لبنان # في 20 يناير سنة 1928 # و27 رجب سنة 1346 # الفصل الأول # | سام وحام ويافث # أنت سورية بلادي، # 1 # وهذا تاريخك في ستة مجلدات ضخمة، # 2 # ألفه صديقي الأستاذ محمد كرد علي وسماه خطط الشام. # 3 # والخطط جمع خط وخطة؛ أي الأرض التي تنزلها ولا ينزلها نازل قبلك، فتخطها ~~بعلامة تشير إلى أنك اخترتها للبناء وحظرتها على غير قومك من الناس. والخط الطريق الشارع، ~~وهذا أقرب إلى الحقيقة في تاريخ سورية. # الطريق الشارع، طريق الفاتحين. # ولكننا خططناها مرة واحدة بعلامات احترمتها الأمم، فكان ذلك الحقب العربي المجيد، وكانت ~~تلك الدولة العربية، العزيزة الجانب، التي استمرت نحو تسعين سنة، وبالتدقيق إحدى وتسعين سنة ~~وعشرة أشهر. # وما سوى ذلك، فالخطط طرق ms02 شارعة تخضبت بدماء الأمم، والخطط علامات تجمدت دموعا على ~~وجه الزمان. والشاهد على ذلك هذا التاريخ المنقطع النظير في تواريخ الأمم. أجل، إن هذا ~~التاريخ، الذي هو تاريخ الأمم، ليشهد في كل صفحة من صفحاته على ما أقول. # وهو تاريخ طويل، ممل مفجع، لا يقدم على مطالعته غير القليل ممن يهمهم أخبار ~~الأولين، وفظائع الحكام الغابرين. # إني إذن ملخصه لك في هذه النبذة الواحدة، التي يمكنك أن تقرأها في جلسة واحدة، ثم ~~تنشد إذا شئت نشيد فخري البارودي، أو غيره من الأناشيد الوطنية الخيالية العديدة. # سأبدأ بالعلامات الأولى، علامات الحدود، وقد أعانتنا في خطها الطبيعة. أي بلادي، إن ~~الرمال والجبال والأنهر والبحار تحيط بك، فتتعاون في تعزيز حدودك. هو ذا البحر المتوسط ~~يمده البحر الأحمر عند العقبة، وهي ذي الجبال تقوم لحراستك في الشمال، وهناك الفرات وقد ~~استل سيفه في الشرق. ثم البادية، تلك الحليفة الصادقة المنيعة، وقد شيدت في الجنوب ~~حصونها. # على أن ذلك كله لم يغنك شيئا؛ فقد كنت، بلادي، الطريق الشارع، طريق الفاتحين، ومحجة ~~الأمم. جاءوك صائلين بحرا وبرا، ومن وراء الجبال، ومن وراء الصحراء، ومما دون الفرات ~~ودجلة وبحر الروم. جاءك الآشوريون، والمصريون، والفرس، واليونان، والرومان، والعرب، ~~والصليبيون. # وجاءك هولاكو عدو العمران، وتيمورلنك عدو الإنسان، وابن عثمان كابوس الزمان. # ثم جاءك من الغرب فاتح كرسكي وهو ينشد ضالة الإسكندر، وجاءك من مصر ابن ألباني عظيم ~~ينشد ضالة الكرسكي الأعظم بونابرت. # وجاءك مع الفاتحين، وقبلهم وبعدهم، طائفة من الآلهة، ورهط من الرسل والأنبياء، لو ~~وزع ثلثهم على العالم لبلبلوه، وقد بلبلوا نصفه، والعياذ بالله! # لنعد إلى تعريف الخطط. فالخط والخطة أرض تنزلها، ~~ولم ينزلها نازل قبلك ... إلخ. # لا يصح هذا التعريف إذن في غير الشعوب التي سكنت هذه البلاد بعد الطوفان، ولكن المؤرخين ~~مختلفون في ذلك. والأرجح أن أقدم الشعوب في هذه البلاد هم الحثيون والعبرانيون ~~والفينيقيون. # أما الحثيون فكانوا يسكنون في الشمال، أو بالحري، في الأرض التي تمتد من جبال طوروس إلى ~~دمشق، وكان ملكهم مقسما ms03 إلى خمس دويلات؛ أهمها اثنتان، تلك التي كانت قرقميش (جرابلس) ~~عاصمتها، وتلك التي نشأت في دمشق وحولها. # وكان الفينيقيون يقطنون السواحل من طرطوس إلى صور، والعبرانيون يسرحون ويمرحون في المنطقة ~~الجنوبية التي تدعى فلسطين. # وهناك من يقول - والقول مثبوت في التوراة - إن الهجرة الكنعانية هي الهجرة الأولى إلى هذه ~~البلاد، التي كانت تدعى بأرض كنعان، أحد أبناء حام؛ فالحاميون إذن هم أول من توطنوا ~~هذه البلاد، بلاد كنعان، التي كانت تشمل لبنان وسورية وجميع أرض الحثيين حتى النهر الكبير، ~~نهر الفرات. # وقد كان فيها عندما دخلها بنو إسرائيل، بعد خروجهم من مصر، واحد وثلاثون ملكا (في ~~التوراة - يشوع 12: 7-24 - أسماؤهم وأسماء ممالكهم كلها). # وجاء موسى إلى أرض كنعان بإله اسمه يهوه، وكان الكنعانيون يعبدون إلها اسمه بعليم، ~~فاحترب الإلهان وغلب اليهوه البعليم. # ثم أسس لرب الأسباط مملكة كبيرة في الجنوب، هي مملكة يهوذا التي شيدها شاوول (1030 ~~قبل المسيح)، ووسع نطاقها داود، وضفر لها سليمان أكاليل المجد. # وكانت مملكة بني حداد # 4 # قائمة في دمشق، وقد دفعت الجزية، بالرغم عن استقلالها، للملك سليمان. # وبعد موت سليمان (933ق.م)، انقسمت مملكة الجنوب إلى مملكتين: يهوذا وإسرائيل. # وكانت عاصمة إسرائيل شكيم (نابلس)، وكان بين إسرائيل ويهوذا من الحروب ما هو مدون في ~~التوراة. أما ملوك دمشق فكانوا يشنون الغارات على إسرائيل في أثناء تلك الحروب، وأبوا ~~بعد موت سليمان أن يدفعوا الجزية إلى أورشليم. بيد أنهم على ما يظهر كانوا موالين ~~للفينيقيين، وقد أشركوا مع ربهم «رمان» في العبادة ربة فينيقية عشتروت. # أما الفينيقيون، فقد كانوا بعيدين أكثر من سواهم عن الحروب، ومنصرفين كل الانصراف إلى ~~التجارة. # هذي هي الدويلات التي كانت مؤسسة قبل الاستيلاء المصري، وأثناءه في سورية. وبعد ~~انقراضها - كما سيجيء في الفصل الثاني - عم اسم آرام هذه الديار، فأصبحت تسمى آراما، ~~وسكانها آراميين. # وآرام هو الابن الخامس لسام بن نوح، كان يسكن وبنيه بعد الطوفان في الجزيرة ما بين ~~النهرين، قبل أن ينزح إلى هذه البلاد. # هو إذن جد العرب، ms04 كما أن العرب أجداد الفينيقيين، وقد جاءوا من البحرين، على الخليج ~~العجمي، برا وبحرا إلى شواطئ البحر المتوسط. # 5 # كلهم إذن - الآراميون والعرب والفينيقيون والعبرانيون - ساميون، إلا الحثيين ~~والكنعانيين، فهم من نسل حام. # فهل أنت وأنا وإخواننا القاطنون اليوم هذه الديار من سلالة الآراميين ، التي امتزجت فيها ~~سلالات الحثي والكنعاني والفينيقي والعبراني؛ أي الحامي والسامي؟ # 6 # ولكن المؤرخين يقولون إن في هذه البلاد شعوبا من ~~سلالات أبناء نوح الثلاثة؛ أي حام وسام ويافث. # 7 # وقد يختلط في بعضهم الدم القفقاسي بالدم الأفريقي والتركي والعربي. # سام وحام ويافث، رضي الله عن الثلاثة الأجداد. # ومما لا ريب فيه أن في بلادنا، أو بالحري في شخصية أهل البلاد ودمهم، ما لا يزال ~~متوارثا من آثار الشعور الغابرة كلها - الكنعانية والإسرائيلية والمصرية والآشورية ~~والحثية والفينيقية والآرامية والكلدانية والفارسية واليونانية والرومانية والتترية ~~والعربية! # فهل يا ترى في العالم أجمع بلاد أخرى مثل هذه البلاد السورية؟ # بلادي موطن العصبيات أنت ومدفن الوطنية. # الفصل الثاني # | الاستيلاء المصري والآشوري # قبل أن تأسست مملكة يهوذا بنحو ستمائة سنة؛ أي في القرن السابع عشر قبل المسيح، كانت ~~البلاد السورية كلها تابعة لمصر، # 1 # أو بالحري كانت الدويلات الحثية والفينيقية والكنعانية، حفظا لاستقلالها ~~النوعي، تدفع الجزية وتقدم الجنود لحكومة فرعون. # يثبت ذلك ما اكتشف في تل العمرنة على شاطئ النيل سنة 1887 للمسيح، من الرسائل ~~المكتوبة على قطع من الآجر، المرسلة من ملوك سورية وفلسطين إلى ملوك مصر: «إننا نقدم ~~الخراج طائعين، وندعو لفرعون بالنصر المبين.» # وقد طالما تطورت السيادة المصرية في هذه البلاد، فكانت تضعف وتقوى، وتتضاءل وتتجسم، ~~تبعا لما يكون من حال الدولة السائدة، أو من أحوال الدول المسودة؛ ففي عهد رعمسيس ~~الثاني مثلا، كان الملوك الحثيون والفينيقيون والكنعانيون والعبرانيون يدفعون الجزية ~~ويقدمون الجنود صاغرين. وفي عهد سليمان الحكيم اضطر فرعون أن يصاهر سيد أورشليم وملك ~~يهوذا، ليظل هذا مواليا له. # بعد ذلك تضاءلت السيادة المصرية في هذه البلاد، واستمرت كذلك إلى أن جاء من وراء الفرات ~~الفاتحون الآشوريون ms05 في القرن التاسع قبل المسيح، # 2 # فتنازعوها والفراعنة، وتطاحنوا في سبيلها التي لم تكن لأهل البلاد غير سبيل ~~العبودية. # وكان الفينيقيون أول من سلموا للآشوريين، ثم استعان الإسرائيليون بالفاتحين على أهل ~~دمشق، الذين كانوا يشنون عليهم الغارات، فصاروا لقاء تلك المساعدة يدفعون الجزية لملك ~~آشور. # ثم اتحد ملك إسرائيل وملك دمشق (733ق.م) على آخر ملوك يهوذا، فاستعان هذا بالآشوريين ~~عليهما فأعانوه، ووضعوا بعد ذلك على رقبته النير، فأمسى الملك أميرا يدفع الجزية إلى سيد ~~البلاد الأكبر ثغلات فلازر. # كذلك كان الفاتحون في ذلك الزمان ينصرون ملكا على ملك، وأميرا على أمير، ليتم لهم ~~النصر على الجميع. ليس في سياسة الفاتحين والمستعمرين شيء جديد. # وفي العقد الأخير من القرن السابع (607ق.م)، زحف الفرعون نخو غازيا سورية، ليعيدها إلى ~~حوزة مصر، فاستولى على القسم الجنوبي منها، ولكن نبوخذ نصر ملك بابل جاء بعد عشر سنوات ~~يخرج المصريين من البلاد، فالتقى عندما وصل إلى قرقميش، عاصمة الحثيين الأولى، بملك مصر، ~~فالتحم الجيشان هناك (597)، وكانت الغلبة للبابليين. # استمر بعد ذلك نبوخذ نصر في حملاته، فاستولى على سورية وعلى مملكة يهوذا، وظلت السيادة ~~البابلية عزيزة في البلاد ستين سنة؛ أي منذ وقعة قرقميش إلى حين سقوط بابل (538) بيد ~~الفرس؛ فيكون الاستيلاء الآشوري البابلي قد دام في سورية نحوا من ثلاثمائة سنة. # أما العرب فلا ذكر لهم في تاريخ سورية قبل عهد الآشوريين، # 3 # أقول هذا على احترامي للأستاذ كرد علي، الذي يريد أن ينزلهم في بلاد الشام ~~قبل كل نازل حتى قبل الكنعانيين. بيد أن المؤرخ رولنسون يقول إنه كان للعرب في بلاد ~~الكلدانيين، ما بين النهرين، ملك دام مائتين وخمسا وأربعين سنة (1543-1298ق.م)، ولا يقول ~~أكثر من ذلك. # وقيل إن دولة الرعاة في مصر (1900-1525ق.م) كانت دولة عربية، ولكنها لم تكن على شيء من ~~الحضارة، وقد كان عهدها الطويل فظيعا في شطره الأول، وعقيما في أطواره كلها. فلا عجب إذا ~~كره المصريون الملوك الرعاة، وقام عليهم الفرعون آموسيس، مجدد النهضة الوطنية، فأخرجهم من ~~البلاد ms06 (1525)، وزحف بعد ذلك إلى سورية يؤدب السوريين لظنه أن الرعاة منهم، فكان فاتحا ~~مظفرا. # ومن المؤرخين من يقول إن الملوك الرعاة سوريون، ولا فخر، فقد أقاموا في مصر نحوا من ~~أربعمائة سنة، وهم يأكلون من طيباتها، ويفسدون ويخربون، وما أكلت سورية بسببهم غير النبوت ~~وخبز العبودية. # الفصل الثالث # | الاستعمار الفارسي # كانت الدولة الحثية الشمالية أكبر الدويلات السورية اقتدارا، وأشدها بطشا، فغلبت حتى ~~المصريين مرة، وأخرجتهم من فينيقية ومن أرض كنعان الجنوبية. # ثم تحطمت الدويلات الحثية كلها تحت سنابك خيل الفاتحين من الشرق ومن الغرب؛ إذ احترب ~~المصريون والآشوريون في قلب البلاد - وعليها - كما أسلفت القول، وعم فيها الويل ~~والبلاء. # وما خف البلاء والويل في زوال الاستيلاء الآشوري البابلي، فعندما خلع قورش ملك الفرس ~~نير البابليين، وأسس الدولة الأشمونية الفارسية الآرية، التي قامت على أنقاض الدولة ~~الآشورية، شرع يبسط سيادته على البلدان التي كانت في حوزة ملوك بابل ونينوى، فتم في عهده ~~وعهد ابنه قمبيسس الاستيلاء الفارسي الآري على البلاد السورية كلها، سهلها وجبلها وساحلها، ~~وتجاوزها إلى الجزر كقبرص وغيرها، بل إلى بلاد الإغريق ومصر وأفريقية. # كان حكم الفرس في هذه البلاد، بل في كل البلدان التي فتحوها، حكما استعماريا ~~عسكريا، ولم يكن للوطنيين يد فيه البتة، فكان الملك يعين حاكما من رجاله أو من ~~آل بيته، ويمده بجيش من أهل مادي وفارس لحفظ النظام والأمن والطاعة. # أما أهل سورية، فلم يجند الفرس منهم إلا للغزوات والفتوحات في البلدان الأخرى، كما كان ~~الأتراك مثلا يجندون السوريين لمحاربة أهل اليمن وعسير. # وكان لدولة الفرس أسطول عظيم يربو عدد مراكبه على الألف، كلها من صنع أهل فينيقية وقبرص ~~واليونان. أما رجال الأسطول وجنوده، فمن أهل مادي وفارس، ولا غرو، فكيف تثق الدولة بالأهالي ~~وحكمها فيهم حكم المستعمر المستأثر المستبد؟ حكم طاغية يقول: ادفعوا الضرائب وقدموا ~~الجنود طائعين صاغرين، وإلا فهذه كتائبي عندكم تعلمكم الطاعة أو تبيدكم! # استمر هذا الحكم الفارسي العسكري الاستعماري في البلاد السورية مائتين وثماني وعشرين سنة ~~(558-330ق.م)، وبينما كانت الثورات ms07 تضطرم في البلدان الأخرى لخلع نير الأجنبي، فتحررت ~~اليونان سنة 449، وتحررت مصر سنة 405، لم يحدث في سورية غير ثورة واحدة صغيرة غير ظافرة، ~~وذلك في الجهة الفينيقية، وفي شرقي الأردن الذي كان يقطنه الأدوميون. # لم تكن سورية لملوك الفرس سوى طريق إلى مصر وأفريقية وبلاد الإغريق، والطريق التي يسلكها ~~الفاتحون يجب أن تكون آمنة، ويجب أن يكون فيها ما يكفي لتموين الجيوش. أما الأمن فقد أوجده ~~ملوك الفرس - كما قلت - بما كان لهم من الحاميات الفارسية في البلاد. وأما التموين فأمره ~~موكل بالخراج، والخراج ينمو نماء عجيبا في ظل الرماح: هاتوا الأموال، وهاتوا الأرزاق، ~~وهاتوا رجالكم للحروب! # مائتان وثمان وعشرون سنة من هذا الاستعمار الشرقي! وبعد ذلك؟ إن مصرع الباغي وخيم ~~وإن تأخر مائتي سنة؛ فقد أرسل الله الإسكندر - إسكندر بن فيليبوس المقدوني - ليؤدب ~~الدولة الفارسية الأشمونية التي كان يسوسها في آخر عهدها النساء والعبيد والخصيان. # وكان دارا الثالث - آخر ملوك الأشمونيين - قد هم باسترجاع بعض البلدان التي خسرها ~~أسلافه السفهاء، فزحف بجيشه إلى سورية وقد اعتزم أن يغزو بلاد الإغريق. # ولكن الإسكندر كان قد عبر البحر إلى آسية (334ق.م)، ومعه خمسة وثلاثون ألف مقاتل، فالتقى ~~بقسم من الجيش الفارسي في الأناضول، وكانت هناك وقعة «الغرانيق» التي كتب له فيها النصر ~~الآسيوي الأول. # واستمر الفاتح الشاب زاحفا على سورية، فوصل إلى خليج الإسكندرونة، حيث كان الملك دارا ~~وهو متأهب للحرب، فالتحم الجيشان في وقعة إيسوس (333) شمالي الخليج، وكانت الغلبة فيها ~~للمقدونيين. # تقهقر الملك دارا بما تبقى من جنوده إلى الشرق، واستمر الإسكندر زاحفا إلى الجنوب، فوقع ~~الرعب بعد وقعة إيسوس في قلوب الفينيقيين والسوريين، فدان أكثرهم له طائعين. «ولما وصل ~~إلى جبيل، تلقاه أهلها بالبشر والحفاوة.» # أما صور فأبت التسليم، ودافع أهلها دفاع المستبسلين في حصار دام سبعة أشهر، ثم سلموا، ~~وكان قد أرسل الإسكندر أحد قواده إلى دمشق فاحتلها بجنوده، واستحوذ على خزائن دارا وما ~~كان في المدينة لأعيان الفرس من المتاع والأموال. # وفي مدة لا تتجاوز العشرين شهرا ms08 أخرج الفاتح المقدوني الفرس من البلاد السورية كلها، ~~كما أخرج الأحلاف الترك في هذا الزمان. # أجنبي ينقذنا من أجنبي على الدوام! # الفصل الرابع # | الاحتلال السلوقي # بعد وفاة الإسكندر في بابل (323ق.م)، اقتسم قواده مملكته الشاسعة: فكانت سورية الشمالية ~~وما دونها شرقا إلى حدود الهند، حصة سلوقس نيكاتور؛ أي الفاتح. واستولى بطليموس على مصر، ~~وعلى فلسطين وما يليها شرقا وشمالا. # كانت بابل في البدء عاصمة الدولة السلوقية، فنقلها سلوقس بعد عشر سنوات إلى أنطاكية، ~~ليتمكن من محاربة أعدائه في الغرب. # تأسست هذه الدولة سنة 312 قبل المسيح، وبلغت ذروة المجد في عهد أنطيوخس الثالث الملقب ~~بالكبير (223)، الذي حكم خمسا وثلاثين سنة، وبسط سيادته على البلاد السورية كلها ما عدا ~~البتراء وما يجاورها، التي كانت يومئذ في حوزة الأنباط. وقد أغضب أنطيوخس الكبير ~~الرومانيين بسياسته وحروبه، فحملهم على التدخل في أمور الشرق، فجر ذلك فيما بعد إلى ~~الفتوحات الرومانية التي قضت على الدولة السلوقية. # بيد أن هذه الدولة ظلت قائمة على أركان متزعزعة أكثر من مائة سنة بعد أنطيوخس الكبير، ~~وقد كانت خصوصا في هذه الحال، وإجمالا في كل أحوالها، مثل الدول التي تقدمتها ظلما ~~واستبدادا. # إلا أنها لم تكن محض استعمارية أو صرف يونانية؛ فقد قسم السلاقسة البلاد إلى مقاطعات ~~يحكمها حكام يعينهم الملك، وكانت الوظائف الصغيرة بيد أناس من الوطنيين، وكان الجيش ~~المرابط من أهل البلاد، إلا أن ضباطه يونانيون. # قال المؤرخ: «كانت دولة السلاقسة دولة حرب ونزاع، فغدت الشام في حالة بؤس ونحس، رومة ~~تطالبها ببسط سلطانها عليها، ومصر تحاربها لتضمها إليها، وأهل فارس يجتاحونها، فمنيت ~~البلاد بضعف الحال وقلة الرجال.» # وقد تفككت تلك الدولة في آخر عهدها لما قام فيها من الحروب الأهلية بين الإخوان وأبناء ~~العم الطامعين كلهم بالملك، فخرجت صور وصيدا وغيرهما من مدن الساحل على أنطاكية، وأعلنت ~~استقلالها. # ورفع أهل الشام أصواتهم شاكين محتجين، ثم استنجدوا وقد ضاق ذرعهم، بأجنبي على أجنبي. ~~أجل، قد استغاث الدمشقيون بتغران ملك أرمينية، فأغاثهم وأنقذهم من السلاقسة (83ق.م)، وحكم ms09 ~~الشام بعد ذلك ثماني عشرة سنة كانت اللاحقة للسابقة عينا: سبحان الله! لقد أنسانا الأرمني ~~ظلم السلوقي! # ثم جاء الرومان سنة 69 يؤدبون الأرمني تغران، لتدخله في حرب من حروبهم في الشرق، ~~فأخرجوه من دمشق كما أخرج الفرنسيس فيصلا في هذا الزمان. # وبعد أربع سنوات من خروج تغران، جاء القائد الروماني بمبيوس (65ق.م)، فأزال ما تبقى من ~~سيادة السلاقسة، وحول ملكهم السوري إلى ولاية رومانية ... # من أجنبي إلى أجنبي على الدوام! # الفصل الخامس # | الاستقلال النبطي # وأين كان العرب في كل هذه الأزمنة، أزمنة الاستعمار الفارسي واليوناني؟ # يقول المؤرخون إن الأدوميين من العرب، وإنهم كانوا يقطنون البلاد التي تسمى اليوم ~~بالشرق العربي. أما الأنباط فقد جاءوا من دومة الجندل # 1 # في القرن الرابع قبل المسيح (312)، فغزوا أرض الأدوميين وأخرجوهم منها، ثم ~~أسسوا هناك ملكا جديدا دام نحوا من ثلاثمائة سنة، فكانوا إذن معاصرين للسلاقسة ~~وللرومان في أول عهدهم في بلاد الشام. # ومن هم الأنباط؟ يقول العرب إنهم سوريون، وكان الرومان واليونان يقولون إنهم عرب، أما ~~أنهم ساميون ومن نسل إسماعيل، فمما تشهد عليه التوراة (تكوين 28: 9): «فذهب عيسو إلى ~~إسماعيل وأخذ محلة بنت إسماعيل بن إبراهيم أخت نبايوت (جد الأنباط).» # ولكننا لا نعود بالقارئ إلى ذاك الزمن الأقدم، وعندنا ما هو واضح ومؤكد في الزمن القريب ~~من العهد المسيحي؛ أي في عهد المكابيين والسلاقسة اليونان. # جاء ذكر الأنباط لأول مرة في سفر المكابيين، وقد غزا أحد الملوك السلاقسة سنة 132ق.م ~~المملكة النبطية وعاد خاسرا. ففي هذين التاريخين ما يدل على أن الأنباط احتلوا البلاد ~~التي هي عبر الأردن في بداية القرن الرابع قبل المسيح، وأن مملكتهم بعد مائة وسبعين سنة، ~~كانت عزيزة الجانب، فلم يتمكن السلاقسة من الاستيلاء عليها. # وكانت تمتد هذه المملكة بين فلسطين وخليج العقبة ووادي الحجر وبحر الروم، أما عاصمتها ~~فالبتراء، وتدعى أيضا سلع، بوادي موسى. # قال مومسون: إن البدو واليهود والنبطيين كانوا على عهد بمبيوس الروماني أصحاب السلطان ~~في الشام. # والظاهر أن ملك البتراء الحارث الثالث دخل دمشق ms10 سنة 85 قبل المسيح، قبل أن يستنجد أهلها ~~بالملك الأرمني تغران بسنتين. قد يكون جاءهم الحارث فزعا، أو ليصلح بينهم وبين السلاقسة؛ ~~لأنه كان مشهورا بحبه لليونان، فلم يفلح على ما يظهر في مسعاه السلمي أو الحربي، فاستنجد ~~الدمشقيون بعدئذ بتغران. # ولكن الأنباط عادوا إلى دمشق في عهد الحارث الرابع؛ أي بعد استيلاء الرومانيين عليها، ~~وظلوا أصحاب السيادة الوطنية فيها أكثر من مائة سنة. هي سيادة وطنية مقيدة بسياسة رومة ~~الخارجية. # جاء في الإنجيل (رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنتيوس 11: 32): «في دمشق والي الحارث ~~الملك، كان يحرس مدينة الدمشقيين، يريد أن يمسكني، فتدليت من طاقة في زنبيل من السور، ~~ونجوت من يديه.» # مما يدل على أن ملوك الأنباط لم يسرعوا إلى التنصر، ولا غيروا عاصمتهم البتراء، ~~فعندما استولوا على دمشق عملوا عليها أحد رجالهم. # ومما أجمع عليه المؤرخون أنهم كانوا يدارون الرومان ويمالئونهم، فيقدمون لرومة الجنود ~~لقاء تلك السيادة، ويدفعون شيئا من الخراج. # قال المؤرخ: «إن بمبيوس لما فتح الشام واستولى على دمشق وما جاورها، أبقى لدمشق ~~استقلالها، وكذلك لبصرى وجرش وعمان.» # نولي عليكم واحدا منكم على شريطة أن تعترفوا بسيادتنا، فتدفعوا الخراج وتقدموا عند ~~اللزوم الجنود. # هو الحكم اللامركزي - الحكم الروماني العربي، أو بالحري النبطي - الذي دام أكثر من مائة ~~سنة في حال من الخلل والفساد تغاضت عنه رومة؛ لأنها كانت في مثلها، بل في حال أشد ~~منها. # لكن الإمبراطور تراجان (98-117م) لم يرض بتلك الأحوال المخجلة، فنهض لإصلاحها ولسان ~~حاله يقول: لننسحب من البلاد السورية أو لنحكمها حكما رومانيا. ومن هم الأنباط لنقيم ~~منهم ملوكا؟ ومن هم السوريون ليكون لهم من الامتيازات أكثر مما لسواهم من الشعوب والأمم ~~الخاضعة لسلطان رومة؟ # ضرب تراجان على أيدي المفسدين في العاصمة، وجدد في الأمة روح الاستعمار، فأعاد إلى ~~الدولة الرومانية شيئا من العز والقوة، وقد جرد على سورية جيشا كان مظفرا، فأبطل ~~امتيازاتها، وأدخلها في صف المستعمرات، ثم حمل على الأنباط فبدد شملهم وقضى على دولتهم ~~(106م)، فصارت البتراء وما يليها ms11 مستعمرة رومانية. # وكانت دولة تدمر - النبطية أيضا - قد دخلت في حوزة الرومانيين سنة 36 قبل المسيح، ~~واستمرت طائعة تؤدي الخراج وتقدم الجنود لرومة نحوا من مائتي سنة. # وكان قد نزح من شرقي الأردن وبلاد الشام الأنباط النافرون من الرومان، الناقمون عليهم ~~بعد استيلائهم الاستيلاء التام على بلادهم، فشرعوا يدسون الدسائس في تدمر ليخرجوا ~~إخوانهم هناك من ربقة الأجانب. # فقام أذينة السميذعي يدعي الملك (250م)، فحارب الرومان وحاصرهم في مدينة حمص، ~~فسلموا له، ولكنه توفي بعيد ذلك، ثم قامت زينب - الزباء - أرملته تعلن استقلال ~~بلادها، وتخرج الرومان منها، فجرد الإمبراطور ديمتيوس أوريليوس حملة عليها، وتولى ~~قيادتها بنفسه. وكانت زينب تقود جيشها، فتلاحم الجيشان في جوار حمص، فانكسر جيش الأنباط ~~وتقهقر إلى تدمر، فحاصر أوريليوس المدينة (273م) فسلمت، ووقعت المملكة العربية أسيرة بيد ~~الإمبراطور الروماني، ثم حل بتدمر ما حل بالبتراء قبلها. # وكان بنو السميذع القاطنون بادية الشام في أوائل النصرانية، إلا قليلا منهم، أنصار ~~أذينة وزوجه الزباء، يمالئون الرومان، ويساعدون في تحقيق مقاصدهم الاستعمارية. بل كان ~~الكثيرون من العرب يحاربون في صفوف الأجانب لمال أو لوظيفة أو لحزازات في الصدور ... # سأخنقك، لا بيدي، بل بيد أبنائك. # أنت سورية بلادي، واليد التي على عنقك اليوم هي يد أبنائك - «الأبرار» - لا يد ~~الأجانب. # الفصل السادس # | بنو غسان والرومان # كانت العصبيات متأصلة في هذه البلاد السورية عندما استولى عليها ملوك آشور، وقد ~~استخدموها غير مرة لأغراضهم، كما فعلوا عندما استنجدهم الإسرائيليون على ملوك دمشق، وعندما ~~استعان بهم ملك يهوذا على خصميه ملكي دمشق وإسرائيل. # وكانت تلك العصبيات جنسية ودينية معا، فتعصب الفينيقي لآدونيس، والإسرائيلي ليهوه، ~~والدمشقي لرمان، والكنعاني للبعليم، ثم جاءهم الفرس بآهورا وزرادشت، والسلوقيون اليونان ~~ببرلمان من الأصنام، والأنباط بأرباب من الخشب والصوان، ولسان حال الحكيم في ذلك الزمان ~~يقول: # كل يعظم دينه # يا ليت شعري ما الصحيح؟ # ثم جاء من يجاوب ذاك الحكيم جوابا فلسفيا ~~لاهوتيا. جاء بولس العبراني، أحد تلاميذ يسوع الناصري، الذي ظهر في الجليل، يقول: إنما ~~الدين الصحيح هو ms12 هذا الذي على لساني وفي قلبي، ولا دين صحيح سواه ... كان في البدء الكلمة، ~~وكانت الكلمة ... إلخ. # أغاظ الرسول بولس الأنباط والآراميين بدمشق، فحاول عامل الحارث ملك البتراء أن يقبض عليه ~~(كورنتيوس 11: 32)، فتدلى من الشباك وفر هاربا، لم يتنصر الأنباط في بادئ الأمر؛ ~~لأنهم كما ظهر كانوا موالين يومئذ للرومانيين. # ثم جاء من البلاد العربية، من أقاصي الجنوب في شبه الجزيرة، قوم من عرب الأزد، حكم عليهم ~~بالهجرة سيل العرم، فنزلوا في بلاد الشام، «وانضافوا إلى ملوك الروم» # 1 # كما يقول المسعودي: «فملكوهم، بعد أن دخلوا في دين النصرانية، على من حوى ~~الشام من العرب». وأول هؤلاء المتملكين عرب تنوخ، وأول ملوك تنوخ النعمان بن عمرو بن ~~مالك. ~~«ثم وردت سليح الشام فتغلبت على تنوخ وتنصرت، فملكها الروم على العرب الذين بالشام.» ~~وبعد ذلك جاءت غسان # 2 # فكانت المتفوقة المتغلبة على سليح وتنوخ، والغساسنة موصوفون بالمروءة والذكاء، ~~والدهاء والإقدام. ولا غرو، فالنكبات تفل من الشكائم، وتعلم الهوادة في سبيل السيادة، ~~والتساهل في سبيل العيش. # تنصر بنو غسان فملكهم الروم على العرب، وكان أول ملوكهم جفنة بن عمرو، وأشهرهم ~~الحارث، وكانت منازلهم بالشام. أما جميع ملوك جفنة من آل غسان فاثنان وثلاثون ملكا لبثوا ~~في ملكهم نحو ثلاثمائة وخمسين سنة. # بعد أن أباد الرومانيون دولة الأنباط، شدوا النير على أهالي هذه البلاد، فاضطروا أن ~~يقيموا الحاميات الكبيرة في المدن، ليعززوا سيادتهم فيظل الاستعمار وطيد الأركان، ولكنهم ~~كانوا يحتاجون إلى الجنود للحروب والفتوحات في أوروبة وأفريقية، وقد رأوا ما يراه ساسة ~~اليوم الاستعماريون، وهو أن شراء السيادة بالمال أو بالألقاب أبخس جدا من نيلها وتعزيزها ~~بالسلاح؛ لذلك بدلوا الاستعمار بنوع من الانتداب، أو أنهم عادوا إلى خطتهم السابقة لعهد ~~الإمبراطور تراجان. # وكان أمراء العرب من تنوخ وسليح وغسان - خصوصا غسان - قد تنصروا، ولنا أن نقول: ~~«ترومنوا»؛ أي اقتبسوا بعض عادات الرومان، وتخلقوا ببعض أخلاقهم، كما يتفرنج بعض ~~الناس في هذا الزمان. وقد سر ذلك الرومانيين، فقربوا منهم كبار الغساسنة وأمروهم على ~~بلاد ms13 الشام. # وكذلك فعل ملوك فارس بالعرب الذين نزحوا من اليمن إلى العراق، فنزلوا مكانا هناك سموه ~~الحيرة، التي صارت بعدئذ مقام الملوك اللخميين؛ أي المناذرة من آل النعمان بن المنذر. وكان ~~المناذرة العرب بيد الأعاجم الفرس مثل الغساسنة العرب بيد الأعاجم الرومان، وكان الفرس ~~أعداء الرومان، فصار اللخميون أعداء الغساسنة! # أجل، قد أقام الرومان ملوكا من غسان ليمكنوا السيادة الرومانية في البلاد، وليقاوموا ~~بهم أعداء رومة وبيزنطية، بل أقاموهم ملوكا ليردوا عن سورية إغارات اللخميين وغزوات ~~الفرس، فاحترب الأخوان الغساني واللخمي من أجل الأجنبي ابن رومة. # وكان الواحد تحت الانتداب الفارسي، والآخر تحت الانتداب الروماني. # أجل، قد كان الرومان والفرس يصطنعون ملوكا من أولئك العرب أجدادنا، كما تصطنع دول الفرنج ~~ملوك هذا الزمان. # أنت سورية بلادي. # أنت عنوان الفخامة! # الفصل السابع # | بابل العصبيات والأديان # حكم اليونان في هذه البلاد مائتين وتسعا وستين سنة، فانتشرت الثقافة اليونانية في ~~الطبقات الراقية من الأمة، وحلت الأساطير اليونانية محل الأساطير الآشورية والفينيقية، أو ~~أنها اقتبست بعضها، فصارت عشتروت مثلا أفروديت، ودخل البعل في برلمان الأصنام. # أما لغة الأهالي فظلت كما كانت آرامية منذ بداية الدولة السلوقية وقبلها، إلا أن ~~الطبقات العالية وأولياء الأمر والطامعين بالوظائف، كانوا يحسنون أيضا لغة ~~الفاتحين. # وجاء بعد اليونان الرومان، فحكموا في سورية سبعة قرون كاملة، وقد كان العهد الأول؛ أي ~~منذ فتح الشام (65ق.م) إلى حين سقوط الدولة النبطية (106م)، عهدا شبيها بالانتداب أو ~~بالحكم اللامركزي، وكان العهد الثاني؛ أي من أيام تراجان إلى أيام قسطنطين، عهدا ~~استعماريا استبداديا، فاشتد النير الروماني على البلاد، وكان الناس فوق ذلك يعيشون في ~~خوف دائم من الاضطهادات الدينية، التي كانت تبدأ في رومة أو في القسطنطينية، وتمتد ~~بويلاتها إلى الولايات والمستعمرات الرومانية كلها. # أما العهد الثالث؛ أي من ولاية قسطنطين إلى ولاية هرقل، فقد عم فيه الفساد الديني ~~والمدني، وصارت القسطنطينية قطب المناقشات اللاهوتية التي أفسدت على الناس عيشهم، وبلبلت ~~عقائدهم، وبدلت حرية الضمير بالطاعة العمياء للبطاركة والأساقفة، الذين أصبحوا في نعيم ms14 ~~من الدنيا يرفلون بالأرجوان، ويبارون بالترف والأبهة أصحاب الصولجان. # وكان ملوك الفرس الساسانيون لا يزالون يتطلعون إلى هذه البلاد، بل إلى ملكهم القديم، ~~ويطمعون باسترجاعه، فاغتنم كسرى أنوشروان فرصة سنحت من جراء الفساد الذي عرا الدولة ~~البيزنطية المسيحية، وزحف إلى سورية في طليعة القرن السابع (611م)، فاحتل قسما منها، ثم ~~استعادها الإمبراطور هرقل، ولكنها لم تدم منذ ذاك الحين غير بضع سنين في حوزة الرومان؛ إذ ~~كان قد ظهر في الحجاز نبي عربي، يحمل كلمة في التوحيد الإلهي، آمن بها الناس وحملوا ~~السيف في سبيلها. # وراح أولئك العرب بكتابهم الشريف، وبسيفهم البتار، يدوخون الممالك، ويهدون الملوك ~~أو يهدون عروشهم. # جاء عرب التوحيد من الحجاز - يوم كانت الدولة الرومانية لا تزال مشغولة بالمناقشات ~~اللاهوتية، بالثالوث وبالمشيئة الواحدة والمشيئتين - وهم يكبرون ويهللون: الله أكبر! لا ~~إله إلا الله! جاءوا باسم الله الواحد فاتحين، وهم يحملون الكتاب والرمح، ووصايا أبي بكر ~~العشر في القتال. # لا تغدر، لا تمثل، لا تقتل هرما ولا امرأة ولا وليدا، لا تعقرن شاة ولا بعيرا ~~إلا ما أكلتم، لا تحرقن نخلا، لا تخربن عامرا، لا تغل (الغلول الخيانة في المغنم)، ~~لا تجبن. # إن مثل هذه الوصايا لجميل في كل زمان ومكان إذا عمل به، ولا شك أن العرب كانوا أرحم ~~ممن سبقهم من الفاتحين وأعدل بالناس. ولا شك أن العصبيات، التي تحول دائما دون العدل ~~والرحمة، كانت في تلك الأيام أشد مما هي اليوم، فلم يتغلب الإسلام عليها كلها. # مما هو جدير بالذكر أن عسكر هرقل الذي حارب وانكسر في وقعة اليرموك في السنة الثانية عشرة ~~للهجرة (634م)، كان فيه ألوف من العرب - من لخم وجذام وقضاعة وغسان ومرة وتنوخ - ومن ~~الأرمن أيضا! # سبحان المغير ولا يتغير، فها نحن في القرن العشرين وقد حارب الفرنج العرب ببعض ~~العرب وبالأجانب من غير أوروبة - بالأرمن والشركس وعبيد السنغال في سورية، وبالهنود في ~~العراق - حاربوا العرب المسلمين بجنود مسلمين من أمم إسلامية تحمل باطلا اسم ~~الإسلام. # وكان الفضل الأكبر في ذلك ms15 الفتح العربي الإسلامي، أن استعربت الشعوب السورية، وصارت ~~العربية لسان أهل البلاد. # إنه لأسهل على الشعوب أن يغيروا لسانهم من أن يغيروا تقاليدهم وأخلاقهم، فقد تعاقبت ~~على هذه البلاد اللغات الفينيقية والحثية والعبرانية والسريانية والآرامية واليونانية ~~واللاتينية، ثم جاءت العربية تحل محلها كلها. # وكان الفضل في نشر العربية في البلاد السورية راجعا أولا للوثنيين من العرب، ثم ~~للمسيحيين قبل الفتح الإسلامي. ولا يزال المسيحي عاملا في سبيل هذه اللغة في سورية ومصر ~~والعراق، حتى وفي ما وراء البحار - في العالم الجديد. # ولكن اللغة وحدها لا توحد العناصر، ولا تتغلب على العصبيات. كان اللخمي والأزدي ~~واحدا في العربية، ولكن العصبية ظلت مستحوذة على الاثنين، وصارا فوق ذلك يتعصبان ~~لأسيادهما الأجانب، الواحد للفرس والثاني للرومان. # ولا الدين، وإن كان دين التوحيد، يساعد في تحقيق الوحدة العنصرية والقومية. كان القيسي ~~واليماني واحدا في الإسلام، وظلا في العصبية المفككة لأوصال الوطن قيسيا ويمانيا، ~~ناهيك بالدول الإسلامية المتعددة التي قامت بعضها على بعض، وشيدت بعضها على أنقاض بعض، ~~باسم العصبية؛ تلك العصبية التي كانت السبب الأول والأكبر في سقوطها كلها. # ولا تزال العصبيات الدينية والجنسية أو الإقليمية، متغلبة على عوامل اللغة والدين. لا ~~يزال للفينيقي والآشوري والحثي والكنعاني والنبطي واليوناني والرومي والآرامي، أثر حي ~~مفسد في حياة السوريين الاجتماعية والوطنية، ولا يزال للأوثان الغربية والشرقية - للبعل ~~والزهرة واللات وعشتروت - أثر ظاهر في أديانهم. # أنت سورية بلادي، أنت بابل العصبيات، وأنت بابل الأديان. # الفصل الثامن # | الدولة الأموية # تعود الناس أن يقبلوا أحكام التاريخ دون أن يعيدوا النظر فيها، وتعود الكتاب ~~والمؤرخون أن ينقلوا ويقتبسوا بعضهم عن بعض، دون أن يحكموا العقل فيما ينقلون ويقتبسون. ~~أما هذه النبذة التاريخية فلا حكم فيها لغير العقل والحقيقة. # قامت في الشام على أثر الفتح العربي دولة عربية مجيدة، مجيدة في ثلاثة أمور لا غير؛ أي في ~~فتوحاتها، وفي ترفها، وفي تعزيزها اللغة العربية، وما سوى ذلك فالمؤرخون في الكلام عليها ~~اثنان: متحيز ومتحامل. أما كاتب هذه النبذة، فلا ناقة له ms16 في الفيحاء ولا جمل في ~~النجف. # إذن، بعد التوكل على الله والحقيقة، أقول: كانت الدولة الأموية بعيدة عن العدل - عن عدل ~~الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين - بعد الشام عن الكوفة، وكانت الدول الأموية بعيدة ~~عن الحكمة في أكثر أعمالها، وعن النظام والإدارة في أكثر أحوالها، بعد عاصمتها عن السند ~~والأندلس. # لا يسمح نطاق هذه النبذة بالتوسع في البحث، ولكني، إذا ما عرفت القارئ إلى الخلفاء ~~الأمويين واحدا واحدا بكلمة أو كلمتين، أكون قد أديت البرهان على ما قلت في الفقرة ~~السابقة. # أول الخلفاء الأمويين معاوية، وهو ولا ريب من كبار من أسسوا ملكا في العالم، وهو ~~الأموي الوحيد الذي استطاع أن يعدل في العصبيات، فلم يؤثر واحدة على أخرى، إلا أن له ~~زلات، والكبرى فيها هي أنه سمح بذم علي بن أبي طالب على منابر الأمصار، فتأججت النيران ~~في صدور شيعته، وظلت تستعر حتى بلغت الشام فالتهمت العرش الأموي. فأين الحلم الذي يصفه به ~~المؤرخون؟ ومن زلاته أنه كان يشتري الأنصار فينصرونه بألسنتهم وبأيديهم لا بقلوبهم، وقد ~~طالما تساهل في أمور إدارية نعدها اليوم خيانة وطنية. # 1 # ومن زلاته أنه عين ابنه يزيدا خلفا له، وهو عالم أنه مكسال محب للهو ~~والطرب. # وكان يزيد مولعا بتربية القرود والكلاب أكثر من ولعه بتربية الملك وتوطيد أركانه، ~~بتربيته بالحكمة وتوطيد أركانه بالصالحات. لولا ذلك لما قتل الحسين في كربلاء؛ فقد كان في ~~طاقة الجيش الأموي الكبير أن يأسر الحسين وقافلته التي لم يتجاوز عددها الستين نفرا، ويجيء ~~بهم كلهم أسرى إلى دمشق. وقد كان في طاقة الخليفة يزيد، لو كان على شيء من فضائل أبيه، أن ~~يمنع جنوده عن نهب المدينة بعد فتحها، أو أنه في الأقل لا يبيحها لهم ثلاثة أيام. # أما ثالث الخلفاء، معاوية بن يزيد، فكان خليقا بأن يكون من الزهاد لا من الملوك. # والرابع مروان بن الحكم أخذ الخلافة بالسيف، وكان يحاول أن ينسج على منوال معاوية الكبير، ~~ولكنه قتل غدرا في الشهر التاسع من ولايته. # والخامس ms17 عبد العزيز بن مروان، الذي يعده المؤرخون مع معاوية من الطراز الأول، فقد حكم ~~نيفا وعشرين سنة حكما عسكريا أوتوقراطيا، فكثرت حروبه. ولولا المال الذي كان يبذله ~~لما كان فيها موفقا. هو الذي صالح الروم على مال يؤديه إليهم - ألف دينار كل يوم، ~~وفرس وغلام! # وعبد الملك بن مروان هو أول من قيد حرية الكلام في حضرة الخلفاء، فلم يعد العرب في ~~عهده وبعده يراجعون الخليفة كما كانت عادتهم - وكما هي عادتهم اليوم في نجد وفي اليمن - ~~ويعترضون عليه. لو كان في عهد عبد الملك صحافة لما تمتعت يوما واحدا بالحرية، التي هي ~~كنزها وكنز الحقيقة الأكبر. # وعبد الملك بن مروان هو الذي أمر بردم العيون والآبار في البحرين، ليفقر أهلها ~~فيلينوا للحكام. # 2 # وعبد الملك بن مروان هو الذي أمر الحجاج على الحجاز ثم على العراق - الحجاج بن يوسف # 3 # جزار ذاك الزمان. # أما الوليد بن عبد الملك الذي تولى بعد أبيه، فقد حكم تسع سنوات حكما حسنا، وكثرت ~~لشغفه بالعمار الأبنية الكبيرة، خصوصا المساجد بدمشق، ولكنه لكثرة ما كان يبذله من ~~الخراج - على ما يظهر - في البناء، قلت لديه الأموال، ففعل ما فعله في هذا الزمان رئيس ~~وزراء فرنسة. فتش الوليد الدواوين وألغى الكثير من الوظائف غير اللازمة. «اضطر إلى إحصاء ~~أهل الديوان» - كلام المؤرخ - «وألغى منهم بشرا كثيرا بلغ عددهم عشرين ألفا.» # 4 # سابع الخلفاء سليمان بن عبد الملك رحمه الله؛ لأنه «أعتق سبعين ألف مملوك ومملوكة، # 5 # وكساهم، وعزل عمال الحجاج، وأخرج من كان في سجن العراق.» ومن حسنات سليمان ~~أنه أوصى بالخلافة لابن عمه عمر بن عبد العزيز. # وعمر بن عبد العزيز ثامن الخلفاء، هو أعقل الأمويين وأعدلهم، # 6 # على أنه لم يكن محبوبا من أهله، فبعد أن حكم سنتين ونصف سنة، حكم الخلفاء ~~الراشدين، مات مسموما. والذي أصلحه عمر هذا أفسده يزيد بعده. # يزيد بن عبد الملك تاسع الخلفاء، ذاك العاشق الولهان، مجنون حبابة التي كانت حاكمة في عهده، # 7 # جلس على فراش الملك ms18 أربع سنوات، وما كان حقه أن يجلس أربعة أيام. # العاشر هو هشام بن عبد الملك. وهشام هو آخر من ضفر إكليلا من المجد للدولة ~~الأموية. # أما الحادي عشر، فهو ابن يزيد العاشق الولهان. هو الوليد الخليع، السكير، المشهور ~~بالإلحاد. قبل البيعة بالخلافة وهو سكران. كان ينبغي أن يعتقل لا أن يقتل؛ لأن في ~~قتله استيقظت الفتنة واضطرب بعد ذلك أمر بني أمية. # الخليفة الثاني عشر هو يزيد بن الوليد، الذي حكم خمسة أشهر لا غير - خمسة أشهر مشئومة، ~~كانت الفتن أثناءها أشد من الطاعون الذي انتشر في البلاد، وذهب يزيد الثالث فريسة ~~الداءين. # وكان أخوه إبراهيم الخليفة الثالث عشر ضعيفا خوارا، فقد بايعه فريق من الناس ونازعه ~~فريق آخر، فخلع نفسه. # أما آخر الخلفاء مروان بن محمد بن مروان، فقد كانت الخطوب في عهده أكبر منه. وأكبرها أمر ~~أبي مسلم الخراساني الذي أظهر الدعوة علنا لبني هاشم، وجرد في سبيلها جيشا قاده عمه ~~عبد الله بن علي، فزحف على مروان الذي كان قد جاء العراق بجيش من أهل الشام، فالتقى الجيشان ~~في وقعة الزاب قرب الموصل (132ه/750م)، وكانت الغلبة لعبد الله. انكسر مروان لتخاذل أهل ~~الشام. وما تخاذل أهل الشام إلا لما نالهم من ظلم الأمويين. # فكم واحد من هؤلاء الخلفاء الأربعة عشرة أحسن سياسة الملك؟ وكم واحد كان يستحق أن يحكم ~~العباد؟ # معاوية في الدرجة الأولى، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم الوليد بن عبد الملك، وأخوه هشام. ~~أربعة من أربعة عشر. # أما العشرة الباقون، فقد كان العجز قيد الصالحين منهم، وكان الشر قيد الآخرين. كبيرهم ~~يعطي بغير حساب، وصغيرهم يظلم بغير حساب، وكلهم يصرفون أموال الأمة في مجالس الأنس والطرب، ~~على القيان والراقصات والندماء والشعراء. # والعجيب في أمر أولئك الأمويين، الموصوفين بالنباهة والدهاء، والحكمة والذكاء، أن الفتن ~~كانت تستمر في حمص ولبنان وفلسطين، وفي الشام نفسها، وهم غافلون أو مشتغلون عنها في محاربة ~~الروم وفي الفتوحات. # وما الفائدة من الفتوحات للدولة، وليس بين العاصمة والبلدان المحتلة صلة عمران ms19 أو سيادة؟! ~~ما الذي كان يربط القيروان مثلا بالشام؟! # من الهند إلى الأندلس! إنه لملك عظيم بعيد الأرجاء. وكيف كان الأمويون يحكمون تلك البلدان ~~الشاسعة القصية يا ترى؟ الجواب أنهم لم يحكموها. فقد كان القائد العربي يفتح البلاد ~~ويتولاها باسم الخليفة، دون أن يراجعه في أكثر الأمور. وكثيرا ما كان أولئك القواد ~~يتصرفون بالأموال وبالرجال كيفما شاءوا؛ مثال ذلك عمرو بن العاص في مصر، والحجاج بن يوسف ~~في العراق. # وكان الخليفة بدمشق راضيا بأن يذكر اسمه في الخطبة بالقاهرة أو بالقيروان، وإذا جاءه ~~منها بعض الخراج فنعمة كريم. # أجل، قد كان الأمويون يهتمون للبعيد غير المثمر إلا مجدا، ويهملون القريب وفيه الصالح ~~الأكبر أو الخطر الأشد. # أما العدل في الرعية، العدل الذي هو أساس الملك، فهو ينعكس من الجالس على العرش. وقد ~~عرفت أرباب العرش وفيهم العاجز والسفيه والخليع والسكير والظالم. وهاك شهادة أخرى من ~~واحد من أهل هذا البيت: # سئل أحد شيوخ بني أمية بعد زوال الملك عنهم: ما كان سبب زوال ملككم؟ فقال: جار ~~عمالنا على رعيتنا، فتمنوا الراحة منا، وتحومل على أهل خراجنا فتخلوا عنا، ~~وخربت ضياعنا فخربت بيوت أموالنا، ووثقنا بوزرائنا فآثروا مرافقهم على منافعنا، ~~وأمضوا أمورا دوننا أخفوا علمها عنا، وتأخر عطاء جندنا فزالت طاعتهم لنا، ~~واستدعاهم عدونا فظاهروه على حربنا. # هذي هي الدولة التي تمدحون. # استولى الأمويون على الملك بخدعتين، في وقعة صفين وبعدها في التحكيم، فملكوا تسعين ~~سنة. واستولى عليه العباسيون بمذبحة تلتها مذابح في سورية وفلسطين والعراق. # وعقبت المذابح الفوضى، وقد اقتدى أربابها بأبي العباس السفاح. # هذا العميطر يدعو لنفسه بالشام، فبايعته اليمانية، وقاومته القيسية، ففتك بهم ~~ونهب دورهم وأحرقها. # وهذا ابن بيهس يحارب العميطر ثم يستولي على دمشق وينكل بأهلها. # وهذا المبرقع يدعي الخلافة، ويخرج بخمسين ألفا من أهل اليمن على الخليفة العباسي، ~~فيحاربه ويقع بيده أسيرا. # واستمرت الفتن تضطرم ونار العصبيات تستعر في بلاد الشام في عهد العباسيين، من السفاح ~~إلى المأمون، فلم يستطيعوا إخمادها. # وكانت الدوائر تدور كلها، لا ms20 على الباغين - الظالمين السفاحين - بل على الأهالي المساكين، ~~على أولئك الذين يدفعون الضرائب ويلبون الدعوة للجهاد! # أنت سورية بلادي. # أنت عنوان الفخامة! # الفصل التاسع # | الدول الكلبية # حكم الرومان البلاد السورية بمساعدة العرب سبعمائة سنة، ولم تدم دولة من الدول العربية ~~الإسلامية أو الوثنية أكثر من مائتي سنة، فما السبب في ثبات الأعاجم، وفي تزعزع السيادة ~~الوطنية واضمحلالها؟ إني أرى - والرأي يظهر غريبا - أن السبب الأول والأهم في طول حكم ~~الرومان، وقصر مدات الأحكام العربية هو واحد؛ هو الظلم. # فالظلم في العهد غير العربي، الظلم المنظم، تنفذ أحكامه القوة القاهرة، وتساعد في ~~التنفيذ، لمال أو جاه أو نكاية، عرب غسان وتنوخ، هم السبب في دوام السيادة الأجنبية. أجل، ~~قد استولى الرومان على البلاد بواسطة أمرائها والمتنفذين من أبنائها. # والظلم هو السبب الأول والأهم في زوال الدول العربية. وإليك البرهان، كان حكم الخلفاء ~~حكما فرديا أوتوقراطيا، يرتكز على عصبية من العصبيات المتعددة، لا على الجنسية العربية ~~الشاملة لكل العصبيات؛ لذلك لم يتمكن الخلفاء الأمويون من إخماد الفتن الناشئة عن ~~العصبيات المعادية لها في العراق؛ ولذلك لم يتمكن الخلفاء العباسيون من التغلب على ~~العصبيات التي استعرت نيرانها بعد سقوط الأمويين في بلاد الشام. # إنه في الإجمال لحكم ظالم، لا عدل فيه لغير العصبية المرتكز عليها. ومثل هذا العدل هو ~~نوع آخر من الظلم، إلا أن الحكومة الظالمة التي تفتقر إلى قوة إدارية وجندية منظمة، والتي ~~ينخر في أصولها سوس العصبيات، تظل متزعزعة، ولا تلبث أن تسقط وتضمحل. # يقول المؤرخ إن ابن طولون (مثلا) كان على جانب من العدل وحسن السيرة، وإنه فكر كثيرا ~~في عمران مملكته «حتى زاد خراجها». # زاد خراجها؟! وهل في ذلك دليل على العمران؟ أما حان لنا أن ننظر إلى حوادث التاريخ من ~~وجهة حديثة عالية عامة؟ إني أسألك: كيف كان يصرف الخراج؟ وإذا كنت في عمل يشغلك عن ~~بحث مثل هذه المسائل فأنا أجيب عنك: كان الخليفة، إذا كان من الصالحين، يصرف قسما كبيرا ~~من الخراج في بناء المساجد ms21 والمدارس المسجدية. وإذا كان كالوليد بن يزيد أو كهارون الرشيد، ~~فمعظم الخراج إنما هو لنفسه ولأهله ولمحظياته وعبيده المقربين منه. وإذا كان كبيرا كمعاوية ~~أو ظالما كعبد الملك بن مروان، فبيت المال في نظره إنما هو لشراء الأنصار وتسكين ~~الأعداء. # أما الناس - العدد الأكبر من الأمة - أولئك الذين يدفعون الخراج، ويأكلون الكرباج، ثم ~~يحملون السلاح للجهاد؛ فدعهم يعيشون في جهلهم وأوساخهم وأمراضهم وشقائهم المستمر. # وأرسل الله القرامطة على هذه الممالك تأديبا وتطهيرا ، فقام الحكام يسوقون إلى القتال ~~أولئك الذين يدفعون الخراج ويأكلون الكرباج. إلى الجهاد! إلى الجحيم! حملوا السلاح ليردوا ~~القرامطة عن أمرائهم وحكامهم، وما كان القرامطة بأشر من أولئك الظالمين. # أتعجب بعد ذلك إذا قيل في الإخشيد الأول إن في زوال ملكه فرحا للعالم؟! # وهذا سيف الدولة علي بن حمدان عدو الروم وخصم الإخشيد، سيف الدولة الذي حكم وحارب من سنة ~~333 إلى سنة 356 (945-967م)، فكان مظفرا سعيدا في حروبه كلها، وجائرا كل الجور على ~~رعيته. سيف الدولة الذي «اشتد بكاء الناس عليه ومنه» كما يقول الأزدي. وقال صاحب الخطط، ~~الذي يعود إلى النزاهة التاريخية، بعد أن يكون قد تعب بها وأركبها مطية الغرض، إن سيف ~~الدولة «كان يخرب قرية ليجيز شاعرا مدحه بقصيدة.» # وكان قاضيه أبو الحصين يقول: «كل من هلك، فلسيف الدولة ما ترك!» وأدرك القدر القاضي أبا ~~الحصين، فقتل في إحدى المعارك، فداسه سيف الدولة بحصانه قائلا: «لا رضي الله عنك؛ فإنك ~~كنت تفتح لي أبواب الظلم.» # ولا رضي الله عمن ولج بابا من تلك الأبواب. # كان بنو حمدان وبنو إخشيد من عمال خلفاء بغداد - من عمالهم العاملين في سبيل أنفسهم ~~وشهواتهم. ويا لها من مهزلة! مهزلة ذاك الملك. اسمع الإخشيديين والحمدانيين يخاطبون بني ~~العباس الخلفاء: سنضرب السكة باسمكم: على الرأس والعين. وسندعو لكم في الخطبة: حبا ~~وكرامة. ولا نكلفكم بعد ذلك شيئا. # يضربون الدينار باسم خليفة بغداد، ويتصرفون به كيفما شاءوا، ويخطبون لذاك الخليفة في ~~الجوامع، ثم يهملونه كل الإهمال خارجها ... والظلم من شيم ms22 النفوس ... اخسأ يا أبا الطيب! # ومن مظالم سيف الدولة ما فعله ببني حمدان أبناء عمه؛ «أكب عليهم بصنوف الجور» - الكلام ~~لابن حوقل - «حتى خرجوا بذراريهم في اثني عشر ألف فارس إلى الروم وتنصروا ~~بأجمعهم.» # وكان يقف على مائدة هذا الأمير أربعة وعشرون طبيبا - قل خمسة أطباء تجنبا للمبالغة ~~- لينصحوا له بتناول ما ينفع مزاجه، بينما الرعية تبكي من جوره وتشكو إلى الله ... قبح الله ~~وجهك أيها المتنبي! # أما الآفة السياسية الكبرى في الدول العربية كلها ، فهي هذه: عندما حمل الفاطميون على ~~الحمدانيين، استنجد هؤلاء بصاحب الروم عدوهم الأول على عدوهم الجديد! الأجنبي، ولا الخصم ~~العربي! # وقد استنجد بالروم أيضا ذاك الذي خرج على الفاطميين، المسمى منجوكتين، فلم ينجدوه، ~~فكسره أبو تميم الفاطمي. ~~«وركب أبو تميم المستنصر بالله إلى المسجد الجامع يوم الجمعة، بزي أهل الوقار (وهو من ~~أهل الدعارة)، وبين يديه القراء وقوم يفرقون الدراهم على أهل المسكنة.» ولكن ذلك لم ~~يغنه شيئا؛ فقد هجم الناس عليه في قصره، وهو غائص في ملذاته، ففر من دمشق ~~هاربا. # واشتعلت في المدينة نار الفتنة التي نفخ فيها رجل يعرف بالدهيقن، فجاء محمد بن ~~الصمصامة يخمد نارها، فأخمد أنفاس ألوف من العباد. # وكان أهل صور قد نفخوا في بوق العصيان (388ه/999م)، وأمروا عليهم رجلا ملاحا يدعى ~~العلاقة، ضرب السكة باسمه وكتب عليها: «عز بعد فاقة، لأمير علاقة»، فأرسل الفاطمي عليه ~~أسطولا، فاستجار العلاقة بملك الروم، كما استجار قبله الحمدانيون. # وقام صاحب الروم دوقس أنطاكية يبغي الاستيلاء على أفامية، فزحف ابن الصمصامة عليه فقتله ~~وشتت شمل رجاله. # وكان المفرج بن دغفل بن الجراح قد نزل على الرملة وعاث فيها، فجاء جيش الصمصامة ~~يؤدبه. والويل من المؤدبين. # أما الصمصامة هذا، الذي تولى نيابة دمشق للفاطميين، فقد كان مثل سيف الدولة ظافرا ~~سعيدا في حروبه، وكان كذلك ظالما عتيا، سفاكا للدماء. قال المؤرخ: «وعم الناس في ~~ولايته البلاء من القتل وأخذ المال، حتى لم يبق بيت في دمشق ولا بظاهرها إلا امتلأ من ~~جوره، خلا من ms23 كان ظالما يعينه على ظلمه ... والظلم من شيم النفوس! ... لا رضي الله عنك أيها ~~المتنبي!» # وشيدت دولة بني مرداس على مبدأ الدولة الحمدانية، وكذلك دولة بني جراح، ودولة بني سنان؛ ~~أي دول بني كلب - دول الكلاب كلها! # فمنذ سنة 254ه إلى سنة 463ه/867-1067م، كان الحكم في هذه البلاد السورية حكم «أبحناها ~~لكم»، ولا فرق إذا كانت الدولة طولونية أو إخشيدية أو حمدانية أو كلبية. # فيا لتعس الناس الذين عاشوا في ذلك الزمان المظلم، وكل حاكم فيه يباري زميله ، أو يباهي ~~خصمه بالمظالم والمذابح، وبالنهب والسلب والسبي والتدمير. # أبحناها لكم ثلاثة أيام! # للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا # والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا # يا للهول ويا للويل! رحم الله من عاشوا في زمن الإباحات، ولا رحم الله أربابها وجنودهم. ~~أبشر خلقوا على صورة الله ومثاله، يتحولون في ساعة واحدة إلى وحوش ضارية؟! # وهل يستحق أولئك البرابرة خمسين صفحة في التاريخ؟ إنهم لا يستحقون والله أكثر من سطر، فيه ~~كل أمرهم؛ فقد تحاربوا وتكالبوا، وذبحوا ونهبوا، وفسقوا ودمروا. وبكلمة أخرى: قد ~~استباحوا كل حلال من عرض ودم ومال. # وهم أيضا أجدادنا! # الفصل العاشر # | الصليبيون # ها إننا في دور السلجوقيين والتركمان، الذين حكموا الشام حقبا من الزمن، وفاقوا الدول ~~الكلبية في الجور والفساد. والعجيب من أمرهم أنه لم يكن يهمهم غير «إعلاء كلمة ~~الله»! # هاكم السلطان آلب أرسلان الذي حمل كفنه في الحروب، وما حمل في سبيل تلك «الكلمة» غير ~~السيف، يفتح حلب (463ه/1071م)، وهي من بلاد المسلمين لا من بلاد الروم، ثم يحمل على الروم ~~ليكفر عن ذنوبه في حلب، فيكسرهم ويأسر ملكهم، ثم يموت مطعونا بخنجر أحد أعدائه المسلمين ~~«إعلاء لكلمة الله»! # وهذا أتسز بن أوق أحد كبار التركمان، اسم أعجمي عجيب، وشخصية بربرية أعجب، حاصر أتسز ~~دمشق مرارا فظفر بها (468ه/1076م)، فكان الفتح وكان الخراب المبين. ~~«خربت دمشق وأعمالها، وخلت الأماكن من قاطنيها، والغوطة من فلاحيها، وهان على الناس ترك ~~الديار والأملاك»، لما قاسوه من مظالم هذا الأتسز بن ms24 أوق! # وما كان خيرا منه بنو أتابك وبنو أرتق الملوك المماليك الذين ختموا مظالم الأجيال في ~~أواخر القرن الخامس للهجرة. ختموها! قل: خرجوا من مسرحها. # وبدت إذ ذاك طلائع الطامة الكبرى في هذه الديار السورية، طلائع الحروب الصليبية التي ~~استمرت في حالة متقطعة مائتي سنة (490-690ه/1096-1290م). # هو عهد الظلمات في أوروبة، أو هي الأحقاب المظلمة، كما تدعى هناك. وقد كانت ظلماتهم أشد ~~من ظلماتنا، وكذلك الظلامات. أما الأسباب، الأسباب كلها هنا وهناك، فهي تنحصر في ثلاثة: ~~الجهل، والطمع، والتعصب الديني. # نعم ، قد جرت الدماء البشرية أنهرا باسم الدين، وهدمت موارد الحياة وصروحها باسم ~~الدين، وزرعت الأرض عظاما إنسانية باسم الدين، وامتلأ الفضاء سما وظلاما باسم الدين، ~~وتناسلت الشعوب بالغل والشنآن من أجل الدين. # كانت تلك الحروب الدينية أعظم ويلا على البلاد السورية من سواها، وكان الصليبيون أشد ~~ظلما وتوحشا من أولئك الأمراء الآسيويين ذوي الأسماء العجيبة، الذين اجتاحوا باسم ~~الإسلام، بل باسم السنة مرة والشيعة أخرى، هذه الديار التاعسة البائسة ~~المشئومة. # وهاكم واحدا من أتباع شيخ الجبل حسن الصباح الإسماعيلي، وقد استولى على دمشق وشرع يمثل ~~الجحيم - لا الجنة، مثل شيخه الشيخ حسن بألموت - على الأرض. # كثرت قبائح شمس الملوك إسماعيل وقبائح أعماله، وقام بعد ذلك نكاية بأهل السنة، يخون ~~البلاد فيسلمها إلى العدو الإفرنجي، فقتلته أمه لتريح المسلمين من شره وظلمه. # وأولئك الإفرنج، وقد فتحوا القدس، «يكرهون العرب على إلقاء أنفسهم من أعالي البروج ~~والبيوت - الكلام للمؤرخ الإفرنسي ميشو - ويجعلونهم طعما للنار، ويخرجونهم من الأقبية، ~~ويجرونهم في الساحات، ثم يقتلونهم فوق جثث الآدميين. وكانوا في كل بلد يدخلونه يقتلون ~~أهله، ويخربون عمرانه، ويحرقون كتبه ومتاعه وآثاره». # وكان الإفرنج في أنطاكية وغيرها (من بلاد العلويين)، يمالئون الإسماعيليين، وهم كفرة في ~~نظرهم مثل المسلمين، فظاهروهم على أعداء الصليب، كما يظاهرون الفرنسيس اليوم على ~~العرب. # وقد نصر الموارنة كذلك الإفرنج، كما نصروا الرومان على العرب من قبل، وكما نصروا الفرنسيس ~~من بعد. # والغريب العجيب أن يجمع الغرض بين هاتين الأقليتين المارونية والعلوية، ms25 وكلتاهما متمسكة ~~بعقيدتها وبأوليائها أشد التمسك، فتسلكان مسلكا واحدا في الماضي وفي الحاضر، وتكونان مع ~~السائدين من الأجانب على أهل البلاد الوطنيين. # لم ينتصر الصليبيون في بادئ أمرهم لمجرد أن الموارنة والعلويين ساعدوهم على المسلمين، بل ~~لأنهم كانوا متحدين، وكان أمراء العرب متنابذين متخاذلين ... وكيف يخضع صاحب آمد لصاحب دمشق، ~~أو صاحب حلب لصاحب الموصل، وكل منهم يظن نفسه ظل الله على الأرض. # قف ها هنا أيها القارئ وفكر قليلا في حاضر هذه الأمة، وفي التفريق المصطنع وغير ~~المصطنع في البلاد ، في هذه البلاد السورية القديمة وليس فيها شيء جديد، بل قل وأنت منها: ~~ما أطغمني وما أذلني إذا كنت لا أنبذ مثل ذاك الماضي، ولا أخرج على مثل هذا الحاضر، ~~فأسعى وأجاهد ليكون في بلادي شيء جديد، شيء شريف، سديد مفيد. # لم تخل الحروب الصليبية من كبير أو كبيرين في كرم الأخلاق، كنور الدين وريكاردوس قلب ~~الأسد وصلاح الدين. # ولكنهم في الحرب واحد؛ فصلاح الدين مثلا مثل سواه من الفاتحين، يقطع الأشجار، ويحرق ~~الزرع (اذكر وصية أبي بكر لأبي عبيدة)، ويروع الآمنين، ويجلي الفلاحين، ويقتل خلقا ~~كثيرا، كما قال هو نفسه في رسالة إلى أخيه؛ لأنهم لم يقبلوا الإسلام. # قال المؤرخ: «بينا كانت داخلية البلاد مشتغلة بالنصب والعزل، وتقاتل أبناء البيت الواحد ~~على الملك والسلطان، اجتمعت الفرنج من داخل البحر ووصلوا إلى عكا، فضربوها واحتلوها ~~ونهبوها ... إلخ.» # هم متحدون وأنتم متشاقون متخاذلون. أنتم الفاطميون وفيكم المعز لدين الله والمستنصر ~~بالله والحاكم بأمر الله، الذين نبرأ منهم إلى الله. وأنتم الأيوبيون وفيكم الصالح والعادل ~~والكامل والأشرف والأفضل والطاهر والناصر، وليس فيكم - والحق يقال - إلا القليل القليل من ~~العدل والفضل والصلاح. فالكامل ناقص، والعادل ظالم، والظاهر مكسور، والناس مرهقون، ~~مظلومون على الدوام. # فهل يلامون إذا هم سلكوا مسلك الثعالب إلى خيرهم، بل إلى خلاصهم؟ قال ابن أبي شامة: ~~«كسرت الفرنج ومن انضم إليهم من منافقي الإسلام، كسرة عظيمة في عسقلان.» # من «منافقي الإسلام»؟ على رسلك ابن أبي شامة، فقد كان الناس ms26 في تلك الأيام مثل ملوكهم ~~يعملون لصالحهم قبل كل شيء، وليس ثمة وطنية يخلصون لها أو يخونونها. # أنت سورية بلادي. # أنت مهد الأنبياء. # الفصل الحادي عشر # | هول هولاكو # هبت هبوب الجحيم من الشرق، من قلب آسية، فغشيت سورية بلادي. جاء هولاكو بجيوشه التتر ~~والمغول (658ه/1259م)، يحملون السيف والنار، ولا يحسنون غير القتل والدمار، فاستولوا على ~~القلاع والحصون، وفتكوا بالناس فتك الضواري، ودخلوا المدن فاتحين ناهبين، محرقين، ~~مفحشين. # وكان نصارى الشرق والإسماعيلية (وما الصلة بين الاثنين غير تألم المستضعفين) من ~~الشامتين لما حل بالشام من هول هولاكو. قال الذهبي: «ورفعوا (نصارى الشرق) الصليب في ~~البلد، وألزموا الناس بالقيام له في الحوانيت، ونقضوا العهد وصاحوا: ظهر الدين الصحيح دين ~~المسيح.» # وما لبث أن انتصر المسلمون على هولاكو في وقعة عين جالوت بين بيسان ونابلس، «فجاء الخبر ~~إلى دمشق في الليل، فوقع النهب والقتل في النصارى، وأحرقت كنيستهم العظمى ...» # وسارت العساكر الإسلامية إلى فتح جبة بشري، فصعدوا في وادي حيرونا، «وحاصروا أهدن حصارا ~~شديدا، وبعد أربعين يوما ملكوها، فنهبوا، وقتلوا، وسبوا، وهدموا القلعة التي في وسط ~~القرية، والحصن الذي على رأس الجبل». ثم فتحوا بقوقا ومثلوا بأكابرها، وضربوا الحصون، ~~وأحرقوا الحدث ... وظهر الدين الصحيح، دين المسيح. لله من تاريخ هو سلسلة من النكبات ~~والانتقامات! # أما المغول فقد قصدوا دمشق في سنة 683ه/1284م، وعفوا عنها. إنما الأعمال بالنيات. ثم ~~ذهبوا إلى وادي التيم فأحرقوها، وسبوا أهلها، وقتلوا منهم نحوا من سبعمائة نفس. # وزحفت عساكر المسلمين إلى طرابلس، حيث كانت بقية من الصليبيين، فحاصروا المدينة، فلجأ ~~أهلها إلى المراكب في البحر، فلحق العسكر بهم إلى الجزيرة قبالة الميناء. عبروا البحر ~~بخيولهم إليها، فقتلوا جميع من كان فيها من الرجال. أما النساء فقد فضلن الموت على ما ~~حل بهن. «وأمر السلطان فهدمت طرابلس ودكت إلى الأرض.» # ونزل الكسروانيون والجرديون من لبنان لنجدة الفرنج، فقتلوا من عسكر السلطان خلقا كثيرا، ~~فصدر الأمر من نائب دمشق إلى القائد العام، أن اجمع العساكر الشامية، وازحف بها على الجبل ~~لاستئصال ms27 شأفة أهله. # صعد الجنود إلى معاقل اللبنانيين فحاقوا بها ودخلوها، فذبحوا بالرجال، وسبوا النساء، ~~وجعلوا أعالي الديار أسفلها. # وكان ذلك كله في نهاية القرن الثالث عشر للميلاد. ~~••• # لبنان بلدي، راح الصليبي وبقيت أنت، فهلا تعلمت؟! # الفصل الثاني عشر # | دولة المماليك # عف هولاكو عن دمشق، فجاء بعد خمس عشرة سنة حفيده غازان بجيش من التتر جرار، فكسر ~~المسلمين في جوار حمص، وتتبع المنهزمين حتى بلغ دمشق، فضربها واستولى عليها، ونهب ضياعها، ~~وسبى أهلها. # قال المؤرخ: «أسروا من الصالحية نحو أربعة آلاف نسمة، وقتلوا نحو ثلاثمائة، أكثرهم في ~~التعذيب على المال.» # وقال غازان إنه حارب حكام مصر والشام لأنهم خارجون من طريق الدين، غير متمسكين بأحكام ~~الإسلام، وكان أولئك الحكام المسلمون يحاربون النصارى لأنهم كفرة مشركون. سبحان ~~الله! # وقال مغلطاي إنه حمل إلى خزانة غازان ثلاثة آلاف ألف دينار، سوى ما لحق من التراسيم ~~(المقررات) والبراطيل والاستخراج لغيره من الأمراء والوزراء. هو ذا طريق الدين ~~القويم! # وهاكم بعد غازان مائة سنة (690-790ه/1290-1387م) من دولة المماليك البحرية، المماليك ~~الشركس والأتراك، الشديدي النعرة الدينية، القليلي العدل والحكمة، الضعيفي الحلم والإرادة، ~~الجالسين على العرش بالقاهرة، الحاكمين بأمرهم في بلاد الشام ... # فما كاد يزول كابوس الصليبيين عن البلاد، حتى احتدم القتال بين عمال المماليك والتتر، ~~فسرت شروره إلى لبنان، فقام الكسروانيون ثانية يناوئون الشاميين، من أجل من تبقى في ~~السواحل من الإفرنج. # وكانت وقعة عند جبيل، فكسر الكسروانيون الجيش الشامي، وقتلوا أكثر رجاله، فغنموا أمتعتهم ~~مع أربعة آلاف رأس من الخيل. # واستمر النزاع بين الفريقين، فجاء الأفرم نائب دمشق بنفسه يقود جيشا عظيما، ليفتح ~~كسروان من الجهة الشمالية (فسميت تلك الجهة الفتوح!) بل كانت الحملة على بلاد الظنيين ~~(الضنية)، «فدخل العسكر تلك الجبال فحرقوا القرى، وقطعوا الكروم، وهدموا البيع، وقتلوا ~~جميع من صادفوا من الكسروانيين». # ثم ظهرت في حوران فتنة بين اليمنية والقيسية، فتقاتلوا قتالا شديدا، وبلغت المقتلة ألف ~~نفس. # وهاكم جيش التراكمين والعربان يزحف إلى آمد، فيباغتها وينهب أهلها المسلمين ~~والنصارى. # وهاكم الأرمن (كان قد ms28 سبق لهم مع المسلمين مواقع ومناجزات وغزوات وكسرات) يعودون إلى ~~مدينة سيس فيملكونها، ويطردون من كان فيها من المسلمين، ويعملون أيدي النهب والخراب في ~~آذنة وطرسوس، مثل سواهم من المتغلبين. # يوم لنا، ويوم علينا، ولا يوم للرحمة، ولا يوم للحكمة، ولا يوم واحدا للتساهل. # وهاكم الإفرنج يعودون إلى بيروت في عشرين مركبا، فيقوم من يدعو الناس للجهاد في سبيل ~~الله، فيلبي الدعوة جماعة من البيروتيين، فيحولون بين الإفرنج والبحر، ويذبحونهم، ~~ويغنمون مراكبهم. # ومن الأحداث: أن نائب الشام يلبغا اليحباوي هرب منها، فتبعه جماعة من عسكرها، فتقاتل ~~معهم، فقطعوا رأسه، وحملوه إلى السلطان بمصر. ولماذا هرب يلبغا؟ الجواب في التوراة ~~(أمثال 28: 1). # واشتد غضب نائب حلب بيبغا آروس (أخو يلبغا في الجنسية والهمجية)، فأمر عسكره بأن ~~ينهبوا دمشق وضياعها، ويقطعوا الأشجار، فنهبوا فوق ذلك «النساء والبنات والقماش، وجرى على ~~أهل دمشق من بيبغا آروس (السلام على أستز بن أوق) ما لم يجر عليهم من عسكر ~~غازان». # وظهر في جبال النصيرية (العلويين) رجل يدعي أنه الإمام المنتظر، الإمام الثاني عشر، ~~وأنه المهدي، وأنه علي بن أبي طالب، وأنه المصطفى! فتبعه نحو ألفين من أهل تلك الجبال، فهجم ~~بهم على جبلة، والناس في صلاة الجمعة، فنهبوها باسم علي والمهدي والإمام المنتظر. # وفتح المسلمون جزيرة أرواد، فذبحوا ألفين ممن كانوا فيها من الإفرنج، وأسروا ~~الباقين. # وقتل السلطان نائبه في الشام تنكز (التتري)، الذي قتل أناسا كثيرين، فارتاحت ~~البلاد. # السنيون يذبحون النصارى، والإسماعيليون العلويون ينهبون ويذبحون السنيين، ويلبغا ~~وبيبغا وتنكز وأتباعهم ينكلون بالسنيين والعلويين والنصارى جميعا. # أنت سورية بلادي! # أنت عنوان الفخامة! # الفصل الثالث عشر # | أهوال تيمورلنك # وهذه بعد مائة سنة من المماليك ثلاث عشرة سنة سوداء (790-803ه/1387-1401م) من أهوال ~~تيمورلنك المدمر المميت، الذي شرف الشرق الأدنى بدعوة من أمرائه. لست مازحا فيما أقول؛ ~~فإن الأمراء المتنابذين المتخاذلين هم الذين «فتحوا لتيمورلنك السبيل لغزو البلاد غزوة ~~أذلت العزيز، وأفقرت الغني، وخربت العامر». # وسيدي صاحب «الخطط» مثل سائر المؤرخين العرب، لا يهمه من الأمة على ما يظهر ms29 غير الأعزاء ~~فيها والأغنياء، أما الشعب الذي يدفع الخراج، ويأكل الكرباج، فعليه بهلة المتباهلين. # وكان تيمورلنك هذا صاحب دعوى «إلهية» منكرة، إلا أنه وقد دخل في الإسلام، لمن المرسلين ~~المقربين. ~~«بلغنا أمر الهند وما هم عليه من الفساد، فتوجهنا إليهم، فأظفرنا الله تعالى بهم، ثم ~~زحفنا إلى الكرخ فأظفرنا الله بهم (تعالى الله عن محالفة مثل هذ الغول المغولي)، ثم بلغنا ~~قلة أدب هذا الصبي ابن عثمان، فأردنا عرك أذنه، فشغلنا عنه بسيواس وغيرها من بلاده.» # وفتح تيمور، صاحب هذا الكلام، مدينة حلب فتحا مبينا ، فنهب وسبى وقتل، وطارد الجنود ~~النساء فلجأن إلى الجوامع، «وكانت المرأة تطلي وجهها بطين أو بشيء حتى لا ترى بشرتها من ~~حسنها» - الكلام من كتاب كنوز الذهب - «فيأتي عدو الله إليها ويغسل وجهها ويجامعها في ~~الجامع ... وصارت الأبكار تفتض في المساجد وآباؤهن يشاهدونهن.» # أربعة أيام كاملة من هذه الإباحات، من هذه الفظائع (و) «وأظفرنا الله بحلب ~~وأهلها!» # أما دمشق فدخلها تيمور صلحا، ولكنه قسم البلد بين أمرائه، فنزل كل أمير في حيه، وطلب ~~من فيه وطالبهم بالأموال، فحل بأهل دمشق من البلاء ما يقف اليراع عنده عاجزا، وجرى ~~عليهم من أصناف العذاب، وهتك الأعراض، ما تقشعر منه الأبدان، ثم سبوا النساء بأجمعهن، ~~وساقوا الأولاد والرجال مربطين بالحبال. وبعد ذلك طرحوا النار في المساجد والمنازل، وكان ~~يوما عاصفا فعم الحريق المدينة كلها. ~~••• # وبعد خمسمائة وخمس وعشرين سنة من هذا الحريق، يجيئك يا دمشق من الغرب قوم متمدنون، ~~فيدبون في دباباتهم هادمين، ويطيرون في طياراتهم مدمرين، ويحرقون قصورك، ويمثلون ~~بأبنائك المجاهدين في الساحة التي شهدت مئات من الكوارث والنكبات. ~~••• # أما صاحب «وأظفرنا الله بهم» فقد اجتاح البلدان السورية الكبيرة كلها، وأعمل فيها - بعد ~~النهب والسبي - السيف والنار. # وجاء بعد تيمورلنك الجراد، وبعد الجراد الطاعون، فهلك في دمشق وحدها خمسون ألف ~~نفس. ~~••• # وبعد خمسمائة وخمس عشرة سنة عاد تيمورلنك، متجسدا في الحرب العظمى، وغزا الجراد لبنان ~~في سنة الحرب الأولى، ثم جاءت المجاعة فهلك في الجبل وحده مائة ms30 ألف نفس. # لبنان بلدي. # سورية بلادي. # أمن نكبة إلى نكبة على الدوام؟! # الفصل الرابع عشر # | إلى المزبلة # استمر عهد المماليك الأخير مائة سنة ونيفا (803-922ه/1401-1516م)، حدث في أثنائها في ~~البلاد السورية مائة فتنة وفتنة، وإليك بمثال ملكي من أولئك المماليك يدعى الملك ~~الناصر. # هو الملك الفاجر السكير الذي كان يصدر أوامره إلى عماله في سورية، وهو في ضجة من ~~السكر منكرة. «وكان يتسلى في خلواته» - كما يقول الأستاذ كرد علي - «بقتل مماليكه، حتى ~~قتل منهم زهاء ألفي مملوك للتسلية والتحلية.» # أما التسلية فمفهومة، ولكني لم أفهم معنى صديقي المؤرخ في «التحلية». فهل كان يزين ~~القصر برءوس أولئك المماليك، أم كان يحلي شرابه بدمائهم؟ # على أن الناصر كان في نهاية أمره مدحورا مذموما؛ فقد لقي ما يستحقه في دمشق؛ إذ خلعه ~~القضاة وأثبتوا عليه الكفر؛ لأنه سفاك للدماء، مدمن للخمر. خلع، وسجن، ثم قتله في ~~السجن بعض الفدائيين، وألقوه على مزبلة خارج البلد، وأبقوه هناك ثلاثة أيام عبرة للناس، ~~فكانوا يجيئون أفواجا يتفرجون عليه. ~~«وكانت الدنيا في أيامه حائلة، وحقوق الناس ضائعة، وقد خربت غالب البلاد الشامية لما ~~قتل من أبطال، ويتم من أطفال ... إلخ.» # وهاكم الملك الأشرف برسباي، خلفه بعد بضع سنين بالجرائر والمعاصي. هو برسباي «الرجل ~~العظيم» برأي سيدي صاحب «الخطط». # وقد قال فيه المقريزي: «كان له من الشح والبخل، والطمع والجبن، والحذر وسوء الظن، ومقت ~~الرعية، وكثرة التلون، وسرعة التقلب في الأمور، أخبار لم يسمع بمثلها. ذلك مع بلوغ آماله، ~~ونيل أغراضه، وقهر أعدائه، وقتلهم بيد غيره ... وشمل بلاد مصر والشام في أيامه الخراب، ~~وقلت الأموال فيها، وافتقر الناس، وساءت سيرة الولاة والحكام.» # فهل يستحق هذا «الرجل العظيم» غير ما كان من جزاء سلفه الملك الناصر؟ # إلى المزبلة بمثل هؤلاء الملوك! # الفصل الخامس عشر # | آل عثمان # عندما وصل الأتراك في فتوحاتهم إلى الآستانة في أواخر القرن الخامس عشر، كان قد انفتح في ~~أوروبة ثلاثة أبواب للمدنية الحديثة؛ الأول فتحه لوثيروس في ثورته على الكنيسة والبابا، ~~والثاني فتحه غوتمبرغ ms31 في اختراعه حروف الطباعة، والثالث فتحه كولمبوس في اكتشافه ~~أميركة. # أجل، إن ذاك الإصلاح الديني وذينك الاختراع والاكتشاف لمن أنوار المدنية الأوروبية ~~التي استمرت في التقدم والارتقاء، بينما كان الشرق الأدنى يتخبط في الظلمات، فيهبط من ~~دركة إلى أخرى، ولا يخلص من ظالم سفيه إلا ليبلى بمن هو أظلم وأسفه. # خرجت الأمة السورية من حروب الصليبيين، وإغارات المغول، ومظالم الشركسة، ومن مخالب ~~الأوبئة والمجاعات، وهي على آخر رمق من الحياة، لا ثروة، ولا علم، ولا صناعة، ولا أمل ~~يعيد إليها النشاط للعمل، فتطلع الناس إلى الدولة التي أسسها السلطان عثمان ~~التركماني على أنقاض الدولة السلجوقية، وهي يومذاك في إبان شبابها ومجدها، وعقدوا عليها ~~الآمال. # هو الخطأ الذي يخطئه السوريون، أو بالحري الأكثرية في السوريين وهم المسلمون؛ إذ يظنون ~~أن العمران والرقي والسعادة القومية لا تكون إلا بدولة إسلامية ذات صولة واقتدار. أما ~~العدل والمساواة، والرفق بالرعية، وإحياء البلاد بالمشاريع الاقتصادية والصناعية، فهي على ~~ما يظهر أمور ثانوية. # لولا ذلك لما كنا نتغنى بالدولة الأموية، ونحبذ تجديدها، وقد رأيناها، وهي في ذروة ~~المجد والاقتدار، بعيدة عن ذلك العدل الذي زان سيرة الخلفاء الراشدين، فلا تحسن معاملة ~~الأقليات في المملكة حتى ولا العصبيات العربية الإسلامية خارج عصبيتها. والمشكل الأكبر في ~~كل زمان من أزمنة هذا التاريخ، هو هذه الأقليات والعصبيات التي نسيء إليها، أو لا نعدل ~~فيها، فندفعها إلى المقاومة الطائشة العمياء، التي تضيع عندها حتى مصالحها. # وإننا نلوم بني أمية لأنهم من قح العرب، ومن أقرب الناس إلى ذاك الينبوع الإنساني الذي ~~تفجر بمكة، ينبوع العدل والإخاء والمساواة. ولكن هناك، كما تبين لنا، من هم أبعد من ~~بني أمية بمراحل عديدة عن الضالة المنشودة. # فقد أخر الإسلام والمسلمين شعوب آسيوية همجية، دخلوا في هذا الدين العربي، ولم يدخل ~~في نفوسهم إلا القليل القليل من فضائله، فظلوا على فطرتهم الهمجية، وقبلهم أهل الشام ~~حكاما لمجرد أنهم مسلمون ذوو صولة واقتدار، وقد كان حظهم وحظ إخوانهم أبناء الوطن الواحد ~~من أولئك الفاطميين والأيوبيين ms32 والشراكسة والتراكمين، ما هو مدون في التاريخ وملخص في ~~هذه النبذة منه. # وما كان الشقاء ليعلم سورية شيئا في اتقاء شرور مثل تلك النزعات والسياسات، ولا كانت ~~العبر تؤثر في رؤساء الأمة، وهم كلهم ينشدون مصالحهم الخاصة؛ لذلك طفقوا يتلونون ~~ويتذبذبون في إخلاصهم لملوك المماليك، عندما خفقت أعلام الهلال الأحمر على ضفاف البسفور ~~وفوق حصون الآستانة. # وما كان آخر ملوك الشراكسة في الشام، قانصوه الغوري، ليحدث حادثا في تطور الأمة، أو ~~ليوقف عاملا من عوامل الفساد والتفكك في الملك، بل كان هو من تلك العوامل نفسها ، وكان فوق ~~ذلك هرما خرفا، يعتقد بعلم الجفر، ويتيقن أن الشر سيأتيه من رجل يبدأ اسمه بالسين. أما ~~الأعجب من ذلك فهو أن يصح مثل هذا اليقين. # هاكم اسما يبدأ بسينين اثنتين: السلطان سليم. # باشر هذا السلطان العثماني فتوحاته بقتل أربعين ألفا من الشيعة في الأناضول، ثم زحف إلى ~~الشام، فجرد الغوري جيشا للدفاع أكثره من المتذبذبين، فانكسر في وقعة مرج دابق ~~(922ه/1517م) وتوفي هناك. # وكان بين قواده الأمير فخر الدين المعني الأول (جد المعنيين الذين تولوا الحكم بعدئذ في ~~لبنان)، الذي تردد وقومه في القتال قائلا: دعونا ننفرد لننظر لمن تكون النصرة فنقاتل ~~معه. وكلمة المعني هذه تمثل حال أكثر من انضموا تحت لواء الغوري. # بعد وقعة مرج دابق استيقظت الفتنة في دمشق، ولكنها لم تدم غير بضعة أيام، فأخلدت المدينة ~~للسكينة بعد ذلك، وفتحت أبوابها للسلطان العثماني. # وما لبث الأهالي أن أنوا أنين الضعيف المظلوم من الضرائب الفادحة، التي ضربها الفاتح ~~على طبقات الناس كلها، ولم يستثن حتى المومسات. # وكان هذا السلطان ممن يحترمون الأولياء وأرباب الكرامات، ويستمدون من أرواحهم القدسية، ~~فأمر بتعمير القبر المتداعي للعارف بالله محيي الدين بن عربي، وأنشأ في جواره جامعا ~~وزاوية، ووقف عليهما وقفا كبيرا. # ثم زحف بجيشه إلى مصر ففتحها، وقتل مليكها طومنباي الذي بايعه المصريون بعد موت الغوري، ~~ونكل بالشراكسة. # أما أهل الشام فقد قاسوا كثيرا من جنود سليم المرابطين؛ إذ كانوا يقطعون الأشجار، ويرعون ms33 ~~الأزراع، ويخرجون الناس من بيوتهم ليتمتعوا بها وبمن فيها من الحسان. # وعندما عاد السلطان سليم بعد الفتح المصري، بدل أن يؤدب جنود الحامية، أذن لجنوده أيضا ~~أن يدخلوا البيوت، فدخلوها فاتحين - والويل للحسان والولدان! # سرعان ما صار الناس يترحمون على الشراكسة، كما يترحمون على الأتراك اليوم. ليس في هذه ~~البلاد السورية شيء جديد. # كان السلطان سليم سفاحا سكيرا لواطا، لا يهمه بعد فتوحاته وقتل الشراكسة، غير ~~لذته وسكره - الكلام لابن إياس - وإقامته في المقياس بين الصبيان المرد. وكان يقتل ~~وزراءه وغيرهم في ساعة غضب بدون سبب، فقد قتل سبعة من الوزراء، وخنق سبعة عشر من إخوانه، ~~وغيرهم من أهل بيته حين تولى الملك. ومن أمثال الأتراك السائرة في تلك الأيام: من أراد ~~الموت فليكن وزيرا للسلطان سليم. # لذلك كان الوزراء يحملون صكوك وصاياهم في جيوبهم - أو هي من نكات ذاك الزمان - ويهنئون ~~كل مرة يخرجون من المجلس السلطاني سالمين. مجلس السلطان سليم، من دخل إليه من الوزراء ~~مفقود، ومن خرج منه مولود. # وهو في أسفاره مثله في مجلسه. لاحظ الصدر الأعظم يونس باشا، وهم في الطريق إلى مصر، أن في ~~قطع الصحراء هلاك الجيش، فضرب السلطان عنقه. واجترأ أحد الوزراء أن يعترض على إبقاء أوقاف ~~بعض الشراكسة بيدهم قائلا: سيستعينون بها علينا. فقال السلطان وهو يركب جواده: أين الجلاد؟ ~~فضرب عنق الوزير، بينما كان صاحب الجلالة العظمى يضع رجله في الركاب. # هذا هو مؤسس الدولة العثمانية في البلاد السورية، وقد عاد بعد فتحها إلى الآستانة ومعه ~~أحمال لا تعد من المال والتحف وأنواع الأسلحة والزينة مما كان في قلعة حلب ~~وغيرها. # أما إدارة البلد فلم يغير شيئا في جزئياتها. ظل أرباب الإقطاعات مثلا كما كانوا في ~~دولة المماليك يضمنون الخراج، ويحملون الكرباج، فيدفعون للولاة مما يجمعون، وهم فيما يجمعون ~~لا يرحمون. # ولا هم يرحمون، فإذا غضب الوالي على أحدهم لتأخره عن الدفع مثلا، يرسل عليه جيشا من ~~الإنكشارية فيخرب قراه، ويستصفي أمواله، ويأسر أهله، ويسبي نساءه. فهل يلام المسكين إذا ms34 ~~حمل الكرباج؟ # من أولئك الإقطاعيين في بداية العهد العثماني، الأمير فخر الدين المعني الأول حاكم الشوف، ~~والأمير جمال الدين الأرسلاني حاكم الغرب، وبنو شهاب في وادي التيم، وبنو حرفوش في ~~بعلبك. # وكان من قواعد الدولة أن تولي أمورها الكبرى لولاتها وقضاتها، والصغرى لأبناء البلاد، ~~ولكن الولاة # 1 # كانوا يبتاعون مناصبهم بالمزاد في دار السلطنة، فيرهقون بعد ذلك ويسخرون، ~~ويغتصبون ويختلسون؛ ليعوضوا على أنفسهم فلا يكونون في الأقل من الخاسرين. # من أمثال هذه التجارة، بل هذا الاستعباد، أن أمر السلطان مراد مرة بأن يكتب إلى أحمد باشا ~~كوجك والي الشام ليدفع إلى السلحدار باشا عشرين ألف ليرة (المتبقية على الوالي في الحساب) ~~ويبقى في منصبه، فأدى كوجك المبلغ وهو يحمد الله. # ولا تظنن أن السلطان الصالح المقتدر كان يستطيع أن يصلح أمرا في السلطنة القائمة على ~~حدي السيف والدينار، أو يغير شيئا كبيرا في أحوال أمة لم تتغذ في الألف سنة التي ~~خلت بغير المظالم والحروب. # وهل يا ترى في سلاطين آل عثمان سلطان صالح؟ قد تعرفت أيها القارئ إلى السلطان سليم ~~الأول، وسأعرفك إلى بضعة من خلفائه، الذين يبزون فيما فطروا عليه حتى عبد الحميد ~~الثاني. # خلف السلطان سليم ابنه سليمان السلطان القانوني - القانوني بالقتل، فقد كان كأبيه ~~سفاحا، قتل ابنه الأكبر وحفيده وابنه بايزيد وأولاده الخمسة، فلا عجب إذا كان يقتل كذلك ~~وزيرا فاضلا حال دون تنفيذ ذلك الأمر «القانوني»، بقتل أهل حلب أجمعين؛ لأن جماعة منهم ~~ثاروا على الحكم العثماني. # وهاكم سليم الثاني السلطان السكير الفاسق، «له من أعمال الخلاعة ما يخجل منها»، وقد ~~خنق أرباب القصر عند وفاته، أولاده الخمسة ليمحوا نسله، فكان عملهم ذاك من باب التشذيب ~~الذي يزيد الشجرة قوة ونموا. # وهاكم السلطان مراد الثالث الذي قتل إخوته الأربعة عندما تولى الملك، وهو الذي حارب ~~الموارنة في لبنان ليرضي طائفة الروم التي شكت إليه ظلاماتهم، فوسع ثلمة الشقاق السياسي ~~الديني في الجبل. # وهذا محمد الثالث الذي قتل يوم جلوسه على العرش تسعة عشر أخا له، ms35 وعشر جوار حاملات من ~~أبيه، «وكان مع ذلك صالحا عابدا، ساعيا في إقامة الشعائر الدينية»! # وهاكم مصطفى الأول السلطان الأبله، يخلعه مراد الرابع السلطان السفاح الذي كان كأسلافه ~~منهمكا في شهواته ولذاته، ولكنه بزهم جميعا بالقتل. قيل إنه قتل مائة ألف إنسان؛ منهم ~~خمسة وعشرون ألفا قتلهم بنفسه، أو شاهد قتلهم بأم عينه. # وهذا السلطان إبراهيم الفاجر المعتوه، الذي هلك في الثامنة والعشرين من عمره، شهيد ~~الغواني والكئوس. إن عهده لعهد الجواري والأغوات. قيل إنه كان ينكح كل يوم بكرا، ويقتل كل ~~من يخالف له رأيا، أو يأبى أن يرسل إليه ابنة حسناء يسمع بها. # وقد أمر السلطان إبراهيم مرة بقتل جميع المسيحيين في السلطنة، فقال شيخ الإسلام معارضا: ~~«إن في قتلهم تنقص واردات الملك!» فاقتنع وامتنع. ~~••• # إننا نقف رفقا بالقارئ عند إبراهيم، فنفسح مجالا لبعض الحوادث المتعلقة بهذه الديار ~~البائسة المشئومة. # ما اهتم سلاطين آل عثمان في بلاد الشام لغير ما اهتم له الخلفاء العباسيون؛ أي لضرب السكة ~~والخطبة والخراج. السكة باسمنا، والخطبة والخراج لنا، ولكم بعد ذلك ما تشاءون. فهل يستغرب ~~الخروج على مثل هذا الحكم؟ إنما يستغرب أن يقبله الناس سنة واحدة، ناهيك بمائة سنة. # فما كاد ينتهي القرن السادس عشر حتى سمعت في ذاك الليل الدامس أصوات المظلومين، ولمعت ~~سيوف الزعامات الوطنية. نعم، خرج الناس على الحكم العثماني، ولكنهم كانوا مدحورين؛ لأنهم لم ~~يكونوا متحدين متضامنين. # فقد حارب أمراء الإقطاعات في لبنان بعضهم بعضا، وكانت في السنة الأخيرة من القرن السادس ~~عشر وقعة نهر الكلب، بين ابن معن العربي وابن سيفا الكردي، فانكسر ابن سيفا وتشتتت جنوده، ~~واستولى فخر الدين المعني، الذي كان في طليعة الخوارج، على بلاد كسروان وبيروت. # وكان قد ثار في حلب علي باشا جان بولاذ التركماني، فاستولى على قسم كبير من البلاد التي ~~تليها، وظل مستقلا في حكمه سنتين، فجردت الدولة عليه جيشا كبيرا زحف إلى حلب، ففتحها ~~وباع الأتراك عيال جان بولاذ بيد الدلال، فبيعت أمه بثلاثين قرشا، ثم مثلوا بألوف ms36 من ~~المشاغبين وأتوا برءوسهم إلى الوزير. # وزحف هذا الجيش إلى دمشق، فقال الشاعر مؤرخا: # دخل الشام جيوش # كجمال قد رغوا # نهبوها في جمادى # أفحشوا أرخ طغوا # 1016 # وكان الأمير فخر الدين المعني قد ازداد شوكة في استيلائه على كثير من القلاع وتحصينها، ~~فتعاون عليه ولاة دمشق وطرابلس وديار بكر وحلب، فجندوا جيشا كبيرا وحاصروه تسعة أشهر ~~(1020ه/1062م)، فضاق ذرعا وهو لا يستطيع الدفاع ولا يريد التسليم، فاختفى، ثم هرب في السنة ~~التالية إلى إيطاليا، تاركا الحكم في لبنان وما إليه لابنه علي. # سكنت مراجل الفتن بعد كسرة جان بولاذ وسفر فخر الدين إلى إيطالية، ولكنها عادت تغلي عندما ~~رجع الأمير بعد خمس سنوات، وقد حالفه كوسموس الثاني كبير دوجات طسقانية، فاستولى المعني ~~بمساعدة الأسطول الطسقاني على ساحل سورية، واستأنف الحرب في سبيل الاستقلال، فاستظهر والي ~~دمشق ببني سيفا وبني حرفوش، فحملوا على المعني (1033ه/1623م)، فواقعوه في عين الجر (عنجر) ~~وكانوا مغلوبين. # قويت كلمة فخر الدين وعظم شأنه في البلاد، فأرسلت عليه الدولة جيشا من الأناضول، تشفعه ~~بأسطول للاستيلاء على السواحل، فكسر الثائر المعني الجيش العثماني في وقعتين قرب صفد، ثم ~~انكسر في وادي التيم، وكان الأسطول بمساعدة بنو سيفا وغيرهم من أعداء فخر الدين، قد استولى ~~على الساحل فتشتت المعنيون. # ومن عادات الأمير المعني أن يختفي، فاختفى بعد وقعة وادي التيم، ثم سلم نفسه إلى الوزير ~~العثماني، فأرسله إلى الآستانة، فسمع السلطان مراد الرابع عذره في محاربة أعدائه وعفا عنه، ~~إلا أنه أبقاه هناك أسيرا، ثم أمر بقطع رأسه، وبخنق ابنه الأكبر، ووهب أملاكه إلى والي ~~دمشق. # أما السبب في قتله بعد العفو عنه فهو غامض بعض الغموض، بيد أن الحوادث التي تلت التسليم ~~لا تدل على شيء من الحكمة أو من حسن النية في الدولة. # بعد أسر فخر الدين أمرت على لبنان عدوه علي بن علم الدين اليمني، فبادر هذا إلى ~~التنكيل بآل معن وبني تنوخ أنصارهم، وضبط أرزاقهم (إنما تاريخنا سلسلة من النكبات ~~والانتقامات)، فقام من المعنيين الأمير ms37 ملحم يثأر لأهله، فوقعت الحرب بين القيسية واليمنية، ~~حرب العصبيات التي أرادت الدولة أن تثيرها، ثم سمعت شكاوى الناس دامعة العين، وبما أنها لم ~~تتمكن من القبض على الأمير ملحم، قتلت نسيبه الكبير الأمير فخر الدين. # هو فخر الدين الكبير، علم الوطنية الحقة ومشعالها الأوحد في تاريخنا الحديث. ~~••• # وكان في ذلك الزمان متوليا بدمشق درويش الشركسي الذي بكت من مظالمه الناس. # ومن الشركسي هذا إلى أسعد باشا العظم ثالث ولاة الشام من هذا البيت، مائة سنة ونيف ~~(1638-1744م) من الويلات والنكبات، أعد منها ولا أعددها. # وفي سنة 1675 أحرقت قرى البترون، ثم في السنة التالية أحرقت بلاد جبيل وخلت من ~~سكانها. # وأمر والي طرابلس ابن حمادة بإحراق وادي علمات وقرى جبة المنيطرة. # وفي سنة 1679 (1090ه) تولى خليل بن كيوان على صيدا، فظلم الرعية. # وبلغ ظلم والي دمشق حدا لا يطاق، فأقفلت المدينة مرتين احتجاجا عليه. # واشتد ظلم بني حمادة في جهة طرابلس، فخربت القرى ونكبت الناس. # وكانت العصبيتان القيسية واليمنية لا تزالان في قيد الوجود، بل في قيد الفتن والقرود، ~~فتحارب اليمنية مع المتاولة والدروز، وتظاهر القيسية آل شهاب. # وكان الشيخ محمود أبو هرموش القيسي، الخارج على القيسية، متوليا على اليمنية، حاملا على ~~خصومها، فقام الأمير حيدر الشهابي بجيش من القيسية، فباغتوا بني علم الدين وأبا هرموش ~~وجنودهم ليلا في عين داره، وأعملوا فيهم السيف، فما سلم منها غير القليل. «وفي تلك الليلة ~~قتل خمسة أمراء من بني علم الدين، وأمسك الشيخ محمود أبو هرموش، وقطع الأمير لسانه ~~وأباهم يديه، فقويت شوكة القيسيين وعظم أمرهم، ونزح من كان يمنيا من البلاد.» # وعينت الدولة متسلما على حماة (1106ه/1685م) اسمه أسعد بن مزيد، فكانت مظالمه بمزيد ~~كل يوم، فقام الحمويون وأخرجوه من البلد قهرا، فأرسلت الدولة تؤدب الثائرين، وتمثل ~~بهم، ولسان حالها يقول: اخضعوا لعمالي مهما كانت سيرتهم، واتقوا بطشي! # وفي هذه السنة (1119ه/1698م) نهب الأمير يوسف علم الدين مع عساكر الدولة بلدة غزير ~~وأحرقها، وفي السنة التالية غزا الأمير حيدر ms38 الشهابي بلاد المتاولة، فتجمعوا بالنبطية ~~للدفاع، فظفر بهم هناك، وقتل منهم جمعا غفيرا. ~~«وسار والي دمشق إلى عجلون، وباغت بلاد نابلس، وقتل من أهلها مقتلة عظيمة، وسبى عسكره ~~نحوا من سبعمائة امرأة.» # وكان الفقراء يهجرون البلاد هربا من الظلم والتسخير، فأمست القرى المعمورة والقصبات ~~المشهورة، ركاما من الطلول الدوارس. أما إذا حاول الأغنياء الجلاء فالوالي يسوق عليهم ~~جنوده، فينهبونهم ويسبونهم، ولا غرو. فمن أين يجيء الخراج إذا هجر الأغنياء البلاد؟ # وكان الوالي - والي حماة مثلا - إذا غضب على رجل يضعه على الخازوق، وإذا غضب على امرأة ~~وضعها في خيش مع شيء من الكلس وألقاها في نهر العاصي . # وكان الأمير المتسلم في جهات لبنان إذا غضب على رجل، عاقبه بقطع أشجاره أو بحرق ~~قريته. ~~«وأصبح الناس يتظاهرون بالفقر، فيكتمون أموالهم ويدفنونها في الأرض، لتنجو من المصادرات ~~والسرقات.» # وفي هذه السنة (1160ه/1746م) أحرق أسعد باشا العظم قرى البقاع؛ لأن أهلها تأخروا عن دفع ~~الأموال الأميرية. # وقد حدث في عهده فتنة بين الدالاتية والإنكشارية، فأعمل الباشا السيف في العصاة، وسلب ~~جنوده الدور وأحرقوها. # قال المؤرخ: «وبقيت المشنقة أياما لا تخلو من مصلوب، وتركت جثث القتلى أياما أمام ~~السراي تأكلها الكلاب، وسلخوا رءوس القتلى وجعلوها أكواما، وصارت المدافع تطلق بكرة وعشية ~~مدة شهرين، وكثر العزف بالأبواق وإطلاق الأسهم النارية في الفضاء.» ~~••• # يسلخون رءوس القتلى ويعيدون إكراما للباشا أسعد الذي انتصر على أعداء الدولة ... # أنت سورية بلادي! # وأنتم أيها الطغاة العتاة أجدادي! # الفصل السادس عشر # | الدرك الأقصى # ذكر صاحب «الخطط» ثلاثة أسباب لشقاء البلاد السورية في الدور العثماني؛ وهي ظلم الولاة ~~الذين كانوا يرتشون ليرشوا الوزراء، وظلم الجنود الإنكشارية الذين كانوا يصادرون وينهبون ~~ويهتكون حرمات البيوت والأعراض، وظلم صغار الأمراء من أهل البلاد؛ أي أصحاب الإقطاعات في ~~الجبل وأولي النفوذ في المدن. # وقد فاته أن يذكر السبب الأول والأهم؛ أي الجهل، الجهل الذي كان مخيما على طبقات الأمة ~~كلها. # خرجت أوروبة من العصور المظلمة قبل وصول الأتراك الفاتحين إلى حواشيها الشرقية، فظهر فيها ~~العالم والمصلح ms39 والمخترع والمكتشف، بينما رعايا هذه الدولة التترية ظلوا مقيدين بقيود ~~الجهل، ومسوقين بسوط الظلم إلى كل ما فيه تحقيق أهواء حكامها وشهواتهم. # فلولا الجهل لما كان الظلم، لولا الجهل لما كان الشقاق والتعصب والضعف والخنوع، ~~ولولا الضعف والخنوع لما استطاعت تلك الدولة الأثيمة أن تحكم رعاياها المتعددة الأجناس ~~والأديان بأذناب الخيل، بالأطواخ. # 1 # إلى هذا الحد بلغ احتقار الدولة لمن يدفعون خراجها، والأنكى من ذلك أن خراج بعض الألوية ~~كان مخصصا لبعض نساء القصر؛ أي نساء السلطان الثماني الشرعيات # 2 ~~(وقد خصص ربع إيالة الشام للمرأة السابعة)، فكن يعين جباة من قبلهن ~~يجبون حصتهن، وكثيرا ما كانت تجبى مرتين. # وهو ذا الطوخ جاء يبشر بقدوم الوزير. هاتوا المال والأرزاق، وتعالوا قدموا فروض ~~الطاعة! # أما الذي لا يتبرع بشيء لنفقات الضيافة - وكسب المضيفين - ولا يعفر الوجه ليظهر ~~إخلاصه للسدة الشاهانية العالية، فهو من الخونة؛ هو خائن الملة والوطن، والويل ثم الويل ~~له. # لنعد إلى التاريخ، وقد تركنا المخلصين للعرش والملة في الشام يسلخون رءوس الخونة ~~ويعيدون. # وكان والي دمشق في أواخر القرن الثامن عشر يحارب الجزار، والأمير بشير يحارب الأمير حيدر ~~في لبنان، وقائد الأسطول العثماني ينصح لمسلمي بيروت بذبح النصارى، والإنكشارية في حلب ~~يذبحون الأعيان والأشراف، والجنود الدالاتية ينهبون قرى دمشق ويخربونها، والدولة راضية ~~بهذه الفوضى، بهذه الفتن، بهذه النكبات البعيدة عنها بشرط أن يقدم أربابها للسدة ~~الشاهانية ما عليهم من الطاعة والمال. # وهو ذا القائد الإفرنسي الشهير يجيء بعد كسرته بمصر (1213ه/1798م) ليختم في سورية عهد ~~البلاء والفوضى، # 3 # فيفشل عند أسوار عكا، ويفتك بعسكره الطاعون، فيأمر - وهو مثل كل الفاتحين - ~~بقتل جميع الجرحى والمرضى من عساكره كي لا يعوقوه في تقهقره. # لم تتغير أحوال البلاد بعد ارتحال نابوليون بونابرت، وكيف تتغير وفيها الجزار المشهور ~~الذي حكم بأمره وسيفه تسعا وعشرين سنة، فجعلها جنة غناء جن فيها عباد الله، جنوا ~~مما كانوا يسمعون، جنوا مما كانوا يرون، جنوا مما كانوا يقاسون، جنوا من جنون هذا ~~الأجنبي البشناقي، الذي جاءنا ms40 هاربا من مصر، وكان فيها من جماعة الأمير الحاكم علي ~~بك. # حكم أحمد البشناقي الجزار تسعا وعشرين سنة (1775-1804م)، فبرز بمظالمه على كل من ~~تقدمه من الظالمين، ولحقت جرائره بالمسلمين والمسيحيين والإسرائيليين على السواء. إني ~~أكتفي بذكر مثلين منها: # استهل الجزار حكمه في عكا بأن ملأ السجون من جميع الناس؛ الفقراء والأغنياء والعمال ~~والعلماء وأصحاب الحرف وكتبة الدواوين؛ وذلك ترويعا للرعية. ثم أمر إرهابا لها بقتلهم ~~أجمعين. ~~«وطرحت القتلى كالغنم خارج عكا، ونادى المنادي: تعالوا ادفنوا موتاكم، وكل امرأة ترفع ~~صوتها تقتل حالا.» # كان الجزار يكره الناس جميعا، وكان كرهه الأشد للنساء. حج هذا السفاح مرة فحدث في ~~أثناء تغيبه حادث بين حريمه ومماليكه، علم به عند رجوعه، فأبعد المماليك، نفاهم، ثم أمر ~~بأن تشب النار في ساحة القصر. وجاء العبيد بالنساء، نسائه، الواحدة تلو الأخرى، حتى بلغ ~~عددهن ثلاثين. وكان العبيد يلقون بالواحدة منهن إلى النار المتأججة، فيتقدم الجزار ويطأ ~~ظهرها ورقبتها بجزمته، كذلك فعل بالثلاثين اللواتي تحولن رمادا أمام عينيه. # وكان ابن عثمان، السلطان الجالس على العرش بالآستانة، راضيا عن أحمد البشناقي الجزار؛ ~~لأنه كان يحسن جمع الخراج، ويضيف إليه في بعض الأحايين شيئا من ماله الخاص. والجزار هو ~~القائل: «السلطان كالبنات، يعطي نفسه لمن يعطيه أكثر.» # قبل أن نودع الجزار، الغريب الأطوار، المكون من طين ومن نار، يجب أن نذكر، فلا نظلمه، ~~ما ذكره صاحب «الخطط»؛ إذ قال: «لا جرم أن التبعة في بعض أعماله تعود على عماله ورجاله، ~~وأكثرهم من أبناء هذه البلاد الذين أفسدتهم تلك العصور، وباءوا بالنقص والقصور.» # 4 # ويجب أن أذكر حسنة واحدة، شاهدت أثرها عندما زرت الجامع الكبير بعكا؛ هناك مكتبة فيها ~~الكتب - وأكثرها خطية - التي جمعها الجزار رضاء أو قهرا كما كان يجمع الخراج. أليس من ~~الغريب العجيب أن يكون هذا الرجل مولعا بالكتب مبالغا في حرزها؟ ~~«هذا الكتاب وقف أحمد باشا الجزار، لا يباع ولا يعار ولا ينقل.» هي الكلمة المطبوعة ~~على كل مجلد من تلك المكتبة. # 5 # ولم يكن ms41 الجزار منقطع النظير في ذاك الزمان، إلا أنه كان أشهر الجزارين وأغربهم أطوارا. ~~فهذا بربر (البربري) القلموني حاكم طرابلس، أحد أولئك الذين كانت تعول الدولة عليهم في ~~إخضاع البلاد بأية طريقة كانت، خصوصا بإلقاء الفتن وإثارة الحروب بين أمرائها. # وهو ذا جزار آخر، هو جبار زاده جلال الدين باشا والي حلب (1227ه/1811م)، الذي كان يجمع ~~الأموال بالسيف «ولا يكاد يمضي يوم إلا ويقتل إنسانا.» # وكان لهذا الجزار طريقة جديدة في التغريم والإرهاب. قال المؤرخ: «إن ابن جبار كان يرسل من ~~طرفه اثنين حاملين بلطة، يأتيان بمن تجب مصادرته، فيزج في السجن، ويوضع في رقبته سلسلة ~~لها شوك، ثم يطالب بما قرر عليه، فإذا لم يدفع في ثلاثة أيام يخنق ويرمى تجاه باب ~~القلعة، وكلما خنقوا واحدا أطلقوا مدفعا، فكان يعلم عدد المخنوقين في الليلة من عدد ~~المدافع.» # وهو ذا صاحب السعادة في السوق يتفقد شئون الرعية، يمشي الهويناء محدقا في الفضاء، وقد ~~مشت العساكر والبلطجية عن يمينه وعن شماله، ثم يدير بوجهه إلى أحد التجار، فيبادر البلطجية ~~إليه ويضربون عنقه! هنيئا لمن يرمقهم الباشا بنظرة من نظراته. وكان كل مرة يتفقد شئون ~~الرعية يدير بوجهه ثلاث مرات، فيقع التعطف العالي على ثلاثة رجال، ولا ذنب لهم غير ما ~~يريده من إرهاب الناس. لا أظن جزار عكا على غرابة أطواره وفظاعتها، كان يحسن الاختراع مثل ~~جزار حلب في التغريم والإرهاب. ~~••• # ومن الجزار البشناقي إلى الدستور العثماني (1908م) مائة سنة كاملة تمثل في الشطر الأول ~~منها حرب الطوائف شر تمثيل، وامتاز الشطر الثاني بامتيازات الطوائف في لبنان، تلك ~~الامتيازات التي كانت بنتائجها شرا من الحروب؛ لأنها عززت التعصب الديني عدو الإنسانية ~~الأكبر. # أما أهم الحوادث في الشطر الأول من القرن التاسع عشر، فهي التي تبتدئ بإبراهيم باشا ~~المصري الذي جاء هذه البلاد صائلا فاتحا، وتنتهي بمذابح السنة الستين. وهل من صلة بين ~~الحادثتين؟ أجيب: نعم، بل أعتقد أنه لولا مجيء إبراهيم المذكور لما كانت تلك الحوادث، وهاك ~~البرهان: # كان ولا يزال أبناء ms42 هذا الجيل ينقادون كل الانقياد إلى رؤسائهم الدينيين والمدنيين، وقد ~~أوسعتك علما بهؤلاء الرؤساء لتتأكد أنهم في كل حياتهم وكل أدوارهم لم يهتموا لغير مصالحهم ~~الخاصة، ولم يكونوا حتى في ذلك من الحكماء دائما. # دخل إبراهيم باشا البلاد فاتحا منتصرا (1830م)، وكان الأمير بشير الشهابي الملقب ~~بالكبير مع إبراهيم، وكان إبراهيم والأمير يحاربان الدولة العلية، وكانت فرنسة سياسيا ~~معهما. وفرنسة، «أمنا الحنون»، تسمسر لنا دائما بالطيبات - بالمذابح! ... ساعدوا إبراهيم ~~تنجوا من الترك! # نزل رجال لبنان إلى الميدان، وكان الدروز يومذاك مع الدولة، أو بالحري كانوا أعداء ~~الشهابيين. هي اليمنية والقيسية تبعثان ثانية وتستأنفان القتال، أما ظاهر الأمر فهو أن ~~الدروز كانوا مع الدولة على إبراهيم وأنصاره، فسجلت الدولة هذه المكرمة للدروز، ولم تنس ~~نصارى الجبل. هذي هي بذور السنة الستين وما تقدمها من المذابح. # وقد كان الأمير بشير ينفذ أوامر إبراهيم فيمن خرجوا عليه، فحمل على أهالي عكار والحصن ~~وصافيتا حملات موفقة، وغزا جبال النصيرية ففتحها وأحرق عسكره ثمانين قرية من قراها. ~~صرنا في القرن التاسع عشر ولا تزال فطرتنا فطرة الحثيين والفينيقيين والشركس ~~والتراكمين. # أما سيد الجميع إبراهيم فقد أرهق الناس بالضرائب، وضرب على أيدي أصحاب الإقطاعات فقضى على ~~سيادتهم ونفوذهم، ووضع قانونا للتجنيد الإجباري وشرع في تنفيذه، فنفر منه جميع السوريين، ~~الخاصة منهم والعامة. # وقد أبى دروز حوران تجنيد أولادهم، فأرسل عليهم الفاتح الحملة تلو الأخرى، وفيها من أبناء ~~لبنان (كما فعلت الدولة المنتدبة أمس في مرجعيون وراشيا)، فاشتد الغل بين الفريقين. # وبعد أن رد الدروز تلك الحملات مدحورة، صمم إبراهيم على تسميم الآبار بمحلول السليماني؛ ~~ليحملهم على هجر الديار، فعلموا بذلك ونزحوا إلى إقليم البلان. # وكانت السياسة الأوروبية آخذة في التطور والتلون على عادتها، فاتفقت إنكلترة وفرنسة # 6 # على إبراهيم (كما اتفقتا أمس على الثوار السوريين)، وضربت المدرعات البريطانية ~~عكا، فقام إذ ذاك الموارنة الذين كانوا مع الفاتح المصري يلبون دعوة رؤسائهم الدينيين ~~والمدنيين، للعمل الذي فيه إرضاء «الأم الحنون»، وصون مصالح أصحاب الإقطاعات. # نعم، انقلبت فرنسة ms43 على إبراهيم فانقلب الرؤساء المحترمون معها، وقام المشايخ والأمراء، ~~النكديون واللمعيون وبعض الشهابيين، يشقون عصا الطاعة على الحكومة المصرية، لا دفاعا عن ~~حقوق الأمة، بل استرجاعا لحقوقهم الإقطاعية التي كانت قد أبطلت وكادت تزول. # مساكين من ينقادون للإكليروس والأمراء. ظن اللبنانيون أنهم يسترضون الدولة في نهوضهم مع ~~من نهضوا، ليخرجوا الفاتح المصري من البلاد، ولكن انقلابهم لم يغنهم لدى الترك شيئا. ~~قد كتب ما كتب. # بعد خروج إبراهيم باشا وسقوط الإمارة الشهابية (1842م)، وبعد تعيين عمر باشا النمساوي ~~حاكما على لبنان، وإجماع اللبنانيين على رفضه وإصرارهم على أن يكون الحاكم وطنيا، قسمت ~~الدولة البلاد، عملا برأي حكومة النمسة، إلى قائمقاميتين: جنوبية وشمالية، يحكم الأولى ~~أمير أرسلاني، ويحكم الثانية أمير لمعي . فوسعت شقة الخلاف بين الدروز والنصارى، وطفقت تضرم ~~بواسطة عمالها نيران الفتن الطائفية، فدارت الدوائر لأول مرة على الأقليتين المسيحية ~~والإسماعيلية (وهؤلاء الإسماعيليون أو العلويون هم إخوان الموارنة في حب الأجانب وفي ~~البلاء). # عاد أرباب النفوذ والإقطاعات - هم الحكام الوطنيون! - إلى سالف مجدهم وشرورهم، واستخدمت ~~الدولة الدروز منهم لتنفيذ مآربها، بل للأخذ بثأرها، فكانت تنزع السلاح ممن تروم ~~تذبيحهم في هذا السبيل. إذن ليس بعجيب أن تتلو المذابح مثل هذه الحال، فقد كانت سنة 1845 ~~مقدمة للسنة الستين، وكان انتصار الموارنة لإبراهيم السبب الأول في المذابح، التي حدثت ~~بعد جلائه بخمس سنين، فأعمل الدروز سيف الدولة برقابهم، ودخل جنود الدولة الجبل مفحشين. ~~أتساعدون إبراهيم عدو الدولة وأنتم من رعاياها؟! # روي عن قنصل إنكلترة ببيروت أنه قال: «يوجد في سورية آفتان كبيرتان؛ هما: المسيحيون ~~والدروز، فكلما ذبح أحدهما الآخر، استفادت الحكومة العثمانية.» # ولكني أعتقد وأتيقن - وقد جئتك بالبرهان القاطع - أنه لو لم يحارب الموارنة مع إبراهيم ~~باشا لما كانت مذابح سنة 1845، ولولا هذه المذابح لما كانت «سنة الستين». لله من تاريخ هو ~~سلسلة من الانتقامات! # وهاكم ساسة أوروبة يبادرون إلى حماية نصارى الشرق، وفي رأس الحماية تجارتهم (أي تجارة ~~الأوروبيين) ومصالحهم السياسية والاقتصادية. # فتبع المذابح في لبنان خمسون سنة من الامتيازات؛ ms44 امتيازات القناصل لا اللبنانيين. والأجدر ~~بتلك الحكومة أن تدعى «حكومات القناصل»؛ قناصل الدول الحامية، أولئك القناصل الذين كانوا ~~يلعبون بأعيان لبنان وبرؤسائه لعب الأكرة، ويستمتعون في لبنان بما يقصر دونه جاه السفراء ~~بالآستانة، ويستثمرون ضغائن الطوائف ومطامع رؤسائها لمنفعتهم ومنفعة دولهم الخاصة. # وتلت حكومة القناصل حكومة الدستور العثماني، فقام في لبنان من يدعون للاشتراك ~~بالدستور، ولإرسال مندوبين لبنانيين إلى البرلمان بالآستانة، فأبى اللبنانيون وكانوا على ~~عادتهم تابعين عماوة لرؤسائهم وزعمائهم، الذين يؤثرون المصلحة الخاصة دائما على مصالح ~~الوطن كلها. # رفض لبنان الاشتراك بالدستور، رفض التنازل عن امتيازاته وقناصله (وقد تنازل عنها بعد بضع ~~عشرة سنة لدولة فرنسة، فأعطته بدلا منها جمهورية فخمة ضرائبها لا تعد). # وذهب الدستور العثماني مع الذاهبين، وظل ساسة الترك الاتحاديون والائتلافيون يذكرون ~~اللبنانيين بالخير! فجاءت الحرب العظمى، وجاء الحصار، بل جاء الحساب؛ كانت المجاعة، وكان ~~التجويع. # فلو كان لبنان دستوريا في ذاك الحين، هل كان خسر يا ترى أكثر من خسارته بعد زوال ~~الدستور؟ # إني أسألك سؤالا آخر: لو كان لبنان دستوريا في ذاك الحين، هل تظن أن جمالا كان فعل ~~بأهله ما فعل؟ # إذا كان في التاريخ فائدة ما، فهي في هذه الدروس التي يلقيها علينا. هي في الأمثولة التي ~~تعلمنا أن يجب أن نتعظ بمساوئ الماضي. هي في الأمثولة التي تعلمنا أن من الإثم ~~أن نورث أبناءنا ما ورثناه من مساوئ الماضي. هي في الأمثولة التي تعلمنا ألا يجب أن ~~نظل مخدرين إلى الأبد بأوهام التاريخ، ولا يجب أن نسمم عقل الأمة إلى الأبد بسمومه. يجب ~~أن نعرف الحقيقة كلها، فنستنير بها إذا كانت خيرا، وإذا ما كانت شرا ننبذها ونتقي ~~أمثالها. # وها قد وصلنا إلى يومنا هذا، وهو يوم من الأيام التي سردنا تاريخها. وها إن البلاد بلادان ~~سورية ولبنان؛ سورية المجاهدة، ولبنان المتقاعد. سورية الدامية ولبنان المتفرج. سورية ~~النازعة إلى الاستقلال، ولبنان القانع بخيال من الحرية والاستقلال. بل ترانا نعيد أغلاط ~~أجدادنا، فيعيد التاريخ نفسه في راشيا وكوكبا ومرجعيون، وتستخدمنا دولة إفرنجية ms45 لأغراضها ~~كما كانت تستخدمنا الدولة العثمانية. # فهل تصفو نية السوري فينسى الأجداد الذين يشيد على الدوام بمفاخرهم، وينسى الدول ~~الإسلامية التي يتغنى على الدوام بأمجادها - وقد عرف من هذا التاريخ حقيقتها وحقيقتهم - ~~وينصرف بكل قواه، وكل عقله، وكل قلبه، وكل ما لديه من أسباب العمل إلى ما فيه خيره وخير ~~أخيه اللبناني على السواء قبل كل شيء؟ # وهل ينبذ اللبناني رؤساءه وزعماءه الذين انقاد لهم في عهد الدستور، وفي أيام إبراهيم باشا ~~- وفي هذا العهد، عهد الانتداب الحديث - ورأى بأم عينه نتيجة انقياده المفجعة؟! # إخواني، أبناء هذه البلاد، سهلها وجبلها وساحلها. # هل نظل مقيدين على الدوام بقيود الأجداد، بل بقيود الخوف والجهل، والتعصب والأوهام؟ هل ~~نخدم على الدوام مصلحة السادة الرؤساء ، المعممين والمقلنسين، التي نظنها مصلحة ~~الوطن؟ # هل نخدم على الدوام مصلحة المنتدبين، التي نعلم حق العلم أنها تنافي مصلحة ~~البلاد؟ # هل نرضى بخيال الجمهورية ونساعد في خنق كل أمل من آمالنا الوطنية القومية؟ # وهل نرضى بأن نقول: إننا إخوانكم، لكم ما لنا وعليكم ما علينا، ولا ننبذ من قلوبنا كل ~~غل قديم وكل حقد ديني ذميم؟ ~~••• # إخواني، أبناء هذه البلاد، سهلها وجبلها وساحلها! # إننا لا نزال في دياجي الليل ولا تزال المحجة بعيدة. # إننا لا نزال في ظلمات قدت من ظلمات الماضي. # إننا لا نزال في أغلاط هي إحدى أغلاط الماضي. # إننا لا نزال نئن من شرور هي بنات شرور الماضي. # أي لبنان بلدي، أي سورية بلادي، إن فيكما اليوم رؤساء وزعماء هم من سلالة رؤساء وزعماء ~~الماضي. # وإن فيكما شعبا طائعا قانعا، يائسا بائسا، محوقلا مستسلما، هو متحدر من أولئك ~~الذين كانوا في الماضي يدفعون الخراج، ويأكلون الكرباج. # والطقس جميل، # والهوا عليل، # والليل طويل، # نعمة كريم. # 7 ms46