######OpenITI# #META# URI: 1359AminRihani.QalbCiraq.Hindawi42409306 #META# Tags: literature #META# ID: 42409306 #META# Title: قلب العراق رحلات وتاريخ #META# AuthorID: 93831791 #META# Author: أمين الريحاني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مواكب الماضي‏ # الحقائق ...‏ # الزيارة الأولى‏ # الزيارة الثانية‏ # شارع المستنصر‏ # مغزى اللبنة‏ # آثار العباسيين‏ # الآثار التترية‏ # المقامان الأعظم والأشرف‏ # كنج عثمان والباز الأشهب‏ # في مقبرة الكرخ‏ # الصوفي الأكبر‏ # المرأة المجهولة‏ # غزوات الأثريين‏ # خطبة بين كربتين‏ # ضعف المعارضة‏ # قوة المعارضة‏ # عثرات التعليم الوطني‏ # مبارزة في علم التعليم‏ # في واحات الشعر‏ # الصولجان والرمح والعصا‏ # مواكب الماضي‏ # الحقائق ...‏ # الزيارة الأولى‏ # الزيارة الثانية‏ # شارع المستنصر‏ # مغزى اللبنة‏ # آثار العباسيين‏ # الآثار التترية‏ # المقامان الأعظم والأشرف‏ # كنج عثمان والباز الأشهب‏ # في مقبرة الكرخ‏ # الصوفي الأكبر‏ # المرأة المجهولة‏ # غزوات الأثريين‏ # خطبة بين كربتين‏ # ضعف المعارضة‏ # قوة المعارضة‏ # عثرات التعليم الوطني‏ # مبارزة في علم التعليم‏ # في واحات الشعر‏ # الصولجان والرمح والعصا‏ # | قلب العراق رحلات وتاريخ # | قلب العراق رحلات وتاريخ # تأليف # أمين الريحاني # | مواكب الماضي # وكان الكهان في معبد عنليل بأور ونبور يؤلهون ملوك سومر، الدولة الأولى في وادي ~~الرافدين. # وما الذي صنع أولئك الملوك والكهان لخير السواد من الناس؟ # وسرجون الأول - ملك أكاد - اكتسح السومريين، وفتح بلادهم، ومد ملكه جنوبا إلى الخليج، ~~وشمالا إلى الجبال. # وما الذي قام به سرجون وخلفاؤه لخير السواد من الناس؟ # ومن الجبال في الشرق والشمال انحدر بجيشه كدور ناخنتا، ملك عيلام، فغزا بلاد سرجون ~~واكتسحها، وحمل تماثيل آلهتها الكلدانيين إلى أشمونا عاصمة عيلام. # وما الذي صنع كدور هذا، وما الذي شاد خلفاؤه العيلاميون لخير السواد من الناس؟ # مدينة القصور والمعابد # للملوك والكهان # والجهل والفقر والعبودية # للسواد من الناس # وكان كهان عشتروت بنينوى، وكهان مردوخ ببابل، يتعاطون السحر والشعوذة، ويملئون بطونهم من ~~ضحايا الهيكل، بينما ملوك بابل وآشور يحتربون ويتطاحنون من أجل السيادة والمجد. # السيادة والمجد للكهان وللملوك، والسحر والنير للسواد من الناس. # وحمورابي أول المشترعين، وآشور بنيبال أول المحبين للعلم والعلماء. # واحتان في البادية، مصباحان في الليل الدامس. # وسنحاريب الفاتح، ونبوخذ نصر المصلح. # ناهب فينيقية. # من جبال الشمال تدفق الثتيون، ومن جبال الشرق انحدر إكزارس يقود جنوده الماديين، ومن ~~السهول في الجنوب سارع جيش بابل إلى نجدة جيش مادي، وقد حالف النهران المحاصرين - طغى ms001 ~~الفرات، وطغى دجلة طغيان الجيوش الفاتحة - وصاحوا كلهم قائلين: لتسقط نينوى! سقطت نينوى، ~~وبعد ست وثمانين سنة سقطت بابل. # دول تدول، ومجد بعد مجد يحول، مجد سومر وعيلام، ومجد بابل وآشور، ثم ينتقل صولجان الملك ~~من يد الساميين في وادي الفرات إلى يد الآريين من الملوك. # وما الذي صنع الآريون من أجل السواد من الناس؟ أفي سبيل المجد تشيد الدول أم في سبيل ~~الإنسان؟ إنهم لظلامون، الساميون والآريون جميعا. إنهم النهابون الفاسقون. شيدوا المعابد ~~والقصور، وسخروا لها العباد. ألهوا أنفسهم، وكانوا قساة عتاة، وكانوا عبيدا ~~للشهوات. ~~••• # ومن مهد الثقافة الغربية جاء تلميذ أرسطو، الشاب العجيب إسكندر المقدوني. اجتاز البحر إلى ~~الشاطئ الآسيوي. قاد ألوفه الثلاثين، وكان ظافرا في كل مكان. هزم الفرس في واقعة الغرانيق ~~وفتح فينيقيا، واستولى على مصر، وتعقب الملك دارا إلى بلاد الرافدين، فأدركه قرب أربيل، ~~وكانت الواقعة الفاصلة بين الشرق والغرب (331ق.م). # في أربيل أبدل نير من حديد مصقول بنير من حديد عتيق. راح الفرس وجاء الإغريق. # كان الإسكندر فاتحا باسم العلم والنور. # كان الإسكندر مصابا بداء الصرع. غزا الشرق باسم الآلهة، وعاد منه ناقما على الأرض ~~والسماء. # ولكنه في بابل كان مجددا. # شاء الإسكندر أن «يأغرق» العالم، فكانت بابل النهاية لصرعة - لسكرة - مفجعة، وكانت ~~النهاية لحلم ذهبي. # قد تحقق قسم من ذلك الحلم، فبدت بعد الإسكندر دلائل التآخي بين الشرق والغرب. # بدت ثم ردت، فقد تغلب البرثيون التورانيون على السلوقيين الإغريق يوم كان ذاك التآخي ~~في ازدهاره الأول، فقضوا عليه. # زرعت بذوره في أرض طيبة في الشرق الأدنى. # فجاءت رومة بجيوشها تدوسه وتسحقه سحقا. وما كانت رومة ممن يحلمون الأحلام. # ومع ذلك فقد كان للرومان فضل يذكر في الرقي والعمران. # عمروا المعابد لآلهتهم، وعبدوا الطرق لجيوشهم. وكانت الآلهة، مثل الجيوش، تستولي على ~~الشعوب والأمم باسم رومة، ومن أجل رومة، بل من أجل القياصرة في رومة. # مدنية المعابد والطرقات هي خير من مدينة القصور والمعابد. القصور للملوك، والطرقات للملوك ~~والصعاليك. # ولكن السواد من الناس في عهد ms002 الرومان كان كالسواد في عهد بابل وآشور - عبيدا للكهان ~~والملوك، وحطبا للحروب. # وما أفلح الرومان في وادي الرافدين. بعد مائتي سنة من الإغارات والحروب سلمت رومة إلى ~~سلوقية. وما خلا الجو لسلوقية طويلا. عاد الفرس إلى العراق فاستولوا عليه، واستمرت فيه ~~الدولة الساسانية أربعمائة سنة. # والنزاع بين الشرق والغرب، ذلك النزاع الذي كاد ينتهي بعد واقعة أربيل، تجدد بشكل ديني ~~بين المسيحية والوثنية. # وما الذي أثمر جدال أرباب الدين، المتنطعين والمتعصبين، لخير السواد من الناس، بل لخير ~~الناس جميعا؟ ~~••• # وفي ظلمات الجاهلية، في سماء الحجاز، سطع نور النبوءة، نور دين جديد. ومشى المؤمنون ~~مكبرين، وسلاحهم الإسلام وكلمة التوحيد، فاجتازوا البوادي إلى الأرض الخضراء يرومون الفتح ~~لله، والخلاص للناس. فحملوا على الروم في سوريا، وعلى الفرس في العراق. فكسروا جند هرقل في ~~اليرموك وبددوا جنود فارس في القادسية، وبعد عشر سنوات من وفاة النبي رفعت أعلام العرب فوق ~~قصور فارس، وفوق حصون دولة الروم. # هي نار النزاع بين الشرق والغرب تزداد اضطراما. وهي كذلك أول شعلة من نزاع يجدد بين ~~الساميين والآريين، بين العرب والعجم. # ولكن الإسلام دين التوحيد، ودين العدل والإخاء والمساواة. # المساواة والإخاء في الحروب بين السنة والشيعة! والمساواة والإخاء في الحروب بين التتار ~~والترك والمغول والعرب! # إنما الحكام المسلمون - وخصوصا العرب منهم - يفوقون سواهم في العدل والإنصاف، بل في كرم ~~الأخلاق والمبرات؛ فقد كانوا على الإجمال أكثر حلما وعدلا من أكثر ملوك الفرنجة. # يصح هذا في الخلفاء الراشدين، وفي بعض الخلفاء الأمويين والعباسيين. أما الدولة العباسية ~~في العراق فما كانت، على الإجمال، المثل الأعلى في العروبة، ولا كانت المثل الأعلى في ~~الإسلام. أول خلفائها «السفاح» وآخرهم العاجز المستعصم بالله. # وهرون الرشيد؟ # شخصية باهرة اجتمعت فيها الأضداد؛ فقد كان هارون ورعا تقيا، وخليعا أنانيا. وكان ~~كثير المبرات والشواذات، عادلا يوما، ويوما ظالما. تارة حريصا على أبهة الملك، وطورا ~~يرمي بها إلى الصيادين ... ولا أذكر بنكبة البرامكة ... # والمأمون، ما تقول بالمأمون؟ # المأمون، غفر الله ذنبه في أخيه، هو مثل حمورابي ms003 في آشور. # المأمون نجم العباسيين الساطع، ونورهم اللامع على الدوام. # جسر الملك فيصل على دجلة (تصوير الدورادو). # وجاء هولاكو بجيشه الجرار صائلا فاتحا. # هولاكو من كبار القواد المسلمين الذين وقف الإسلام على شفاههم، وما دخل إلى قلوبهم. فهو ~~الذي اكتسح بغداد ودمرها، وأعمل السيف بأهلها. # الدجلة عند بغداد (تصوير الدورادو). # وحكم التتار في العراق نحو مائتين وخمسين سنة، وعاد الفرس فنزعوا السيادة منهم، ثم جاء ~~الترك، بعد ربع قرن، فنزعوا السيادة من يد الفرس واستولوا على البلاد، وظلوا سادتها ~~أربعمائة سنة. # أربعمائة سنة مظلمة، يبدو إلى جانبها العهد التاتاري عهدا سعيدا! ~~••• # وفي العقد الثاني من هذا القرن العشرين جاءت الجيوش من الغرب، رجال زرق العيون، متحدرون ~~من ألفريد الكبير السكسوني ووليوم الفاتح النورمندي، وبمساعدة العرب انتصروا على الترك ~~لكنهم حاولوا الحلول محلهم. ~~••• # وبنضال دءوب، عنيف حينا وسلمي حينا آخر، انتصرت الإرادة القومية وقام العراق الحديث ~~مملكة حرة متطلعة نحو المجد. # | الحقائق ... # جئت بغداد من أفق كان في قديم الزمان كثير الأنوار والألوان. جئتها وفي القلب أثر عميق ~~مما لا يزال من تلك البهجة في كتب التاريخ والشعر. بل جئتها من عالم الأحلام المدبجة حواشيه ~~بالذهب والأرجوان. وبكلمة أخرى لقد جئت بغداد من عالم «ألف ليلة وليلة». فهل يعجب إذن ~~لخيبتي، وهل يستغرب غمي؟ # بيد أن تباين الحقيقة والخيال هو في يومنا هذا كما كان في الماضي. ولكن الزمان يلبس ~~الأشياء ثوبا من التقليد والتقديس، ويرفعها في عيون الناس إلى منزلة الوحي المنزل. يحق لنا ~~إذن - ونحن في هذا الزمان نعرض للبحث حتى الوحي المنزل - أن نبحث وننتقد ما يجيئنا به ~~التاريخ قبل أن نقبله مصدقين معجبين، أو نرفضه مستنكرين. # وليس هذا بالأمر السهل. من ذا الذي يستطيع أن يجيب مثلا على هذا السؤال: أين تنتهي ~~الحقيقة في عهد العباسيين الذهبي، وأين يبدأ الخيال؟ وما هي الحقيقة في عصر هرون الرشيد؟ ~~وما هي الحقيقة في بغداد الرشيد؟ هل ننكر ما جاء بخصوصها في «ألف ليلة وليلة» وفي التواريخ ~~كثير مما في ms004 تلك الحكايات؟ لا شك أن بغداد كانت كدمشق أو كالقاهرة، أو كانت تفوقهما في ~~عمرانها وبهجتها. ولا شك أن الرشيد كان يفتخر بها، ويفاجئها من حين إلى حين بطرائفه ~~وغرائبه. ولا شك أن الصيادين كانوا ينعسون بل ينامون على شاطئ دجلة، وهم يرمون بشباكهم ~~للأسماك. إني أصدق كل ذلك؛ لأنه الحقيقة بعينها حتى في هذا الزمان. فهناك بغداد تزين ~~البلاد، وهناك مليك مثل الرشيد من صميم العرب، وله مثل ذلك العباسي رغبة بالتنكر فرارا من ~~أبهة الملك، وحبا باستطلاع أخبار الرعية. وهناك كذلك الشعراء والصيادون. # أما تلك الصلة الأخوية، الرشيدية، «الألفليلية»، بين الملك والصياد فإنك لا تجدها. قد ~~يكون الملك ديمقراطيا، وقد يكون الصياد فيلسوفا سقراطيا. ولكنهما يسيران كل في سبيله، ~~في خط مستقيم أو معوج، ولا يلتقي الخطان حتى يجيء صاحب «أعذبه أكذبه» أو صاحب الحكايات ~~الشهرزادية، فيرى ذات يوم ظل الملك قريبا من ظل الصياد، فيلفق القصة، يؤلف الأسطورة، التي ~~يتذبذب فيها الخطان - الظلان - ويدنو الواحد من الآخر، ثم يتلامسان، ثم يلتفان ويشتبكان، ~~ويتلونان بألوان قوس قزح، ويتكونان أشكالا فنية، رومنطيقية، «ألفليلية» تبهر الأبصار، ~~وتسحر ألباب الصغار والكبار. ~~••• # لست أنكر سحر الآيات، وأعاجيب الحياة، حتى في هذا الزمان. فالصياد البغدادي موجود كما ~~قلت، والملك كذلك من حقائق الوجود. ولا يستغرب إذا أمعن الصياد في الأحلام، وود أن يكون ~~ملكا من ملوك الزمان. ولا يستغرب إذا اشتهى الملك في بعض الأحايين، أن يكون من الصيادين. ~~وقد تتحقق رغبة الاثنين، فيهتف الشعراء قائلين: لا حقيقة ثابتة غير حقيقتنا. الحقيقة ~~الشعرية فوق كل الحقائق. # وإني أسأل سؤالا آخر: كم كان حظ عامة الناس من تلك المدينة العباسية الباهرة؟ هل كان ~~يتمتع الصياد والملاح والإسكاف والفلاح بشيء من تلك النعمة التي كانت تبسط أجنحتها الذهبية ~~في البلاط وفي قصور البرامكة؟ وفي كل مكان قريب من ظلال القصور الملكية والأميرية؟ هل كان ~~للسواد من الناس بعض ما للخاصة من الثروة والثقافة والسعادة؟ هل عم بغداد ذلك الزهو ~~والسرور، وذلك الترف والتأنق في العيش ms005 ، وذلك المجد والعز والتذوق؟ # لا يلزم أن نعود إلى التاريخ لنجيب على هذا السؤال. فإن لدينا في الحاضر الدليل والبرهان. ~~إن في شرقنا اليوم - في المدن التي لا تزال شرقية، أو لم تمس بغير القليل من مدنية الغرب ~~في العمران - إن فيها من ظلمات الأسواق ومقاذرها، ومن ازدحام الحياة وموبقاتها، ومن النتانة ~~والعفونة والأمراض، ما لا تجده في المدن الأوروبية إلا محصورا في بعض أحيائها التي تدعى # Slums ~~. وأما الفرق بين المدينة الغربية والمدينة ~~الشرقية، فهو أن مثل هذا الحي في الأولى جزء صغير منها، وهو في الثانية الجزء ~~الأكبر. # وهذا الجزء الأكبر هو المدينة. أما الدور والقصور، وإن كانت في قلبها، فليست هي منها. وفي ~~الدور والقصور المرافق والأثاث والأعلاق، وفي غيرها الفقر والأمراض والأقذار، والقناعة ~~والاستسلام بين الأقذار. هناك أقلية تستمتع بخيرات الأرض وبطيبات الحياة، وهنا السواد من ~~الناس وهم قانعون بالنعيم المنتظر، وبما تعدهم به الكتب المنزلة. # وبما أن السواد من الناس يعيشون محرومين في الدنيا تراهم شغفين أكثر من سواهم بالقصص ~~والأساطير التي تمثل النعيم المنشود. # حقيقة النعيم، أو بعض حقيقته، للأمراء والأغنياء، وحديث عنه - حكاية أو أسطورة أو ~~قصيدة - للسواد من الناس. ومع أن السينما تغزو اليوم بلاد القصاص، فيتهافت العرب عليها ~~ليروا ويسمعوا شهرزاد هذا الزمان - الشاشة البيضاء وما وراءها - فإن القصاص لا يزال مالكا ~~سعيدا. وله عرشه في القهاوي. # وهذا الشغف بالحكايات والآيات والمعجزات، هذا التعظيم للخيال، هذا التقديس للمحال، لا ~~يزال في الشرقي من الخلال البارزة. فهو يقنع بظل الحقيقة، ويقبل متورعا محبورا ما يحاك ~~من الظلال كما لو كان حقائق دينية، ثم يعلل النفس بلحم تلك الحقيقة ودمها، بجسمها المادي. ~~كذلك كان الشرقي، ولا يزال على الإجمال كذلك. # وقد شحذت هذه الخلة المخيلة منه، فأصبحت بعامل الوراثة شقيقة العواطف في السيطرة على ~~نفسه - في عقائده وأحكامه، وفي آرائه وأهوائه. ولا عجب إذا خضعت كلها للخيال، واعتصمت ~~بالمحال. فمن يستمتعون بطيبات الحياة لا يضيعون الوقت في أحاديثها. ومن يحرمونها يسترسلون ~~في الأحلام ms006 التي تزينها المخيلة وتذهبها الأهواء. فتتمثل أمامهم؛ إذ يسمعون القصاص أو ~~يجلسون اليوم أمام الشاشة البيضاء، صورا مستغربة، خلابة. # ومن هذه الصور صورة بغداد في عهد العباسيين الأول. وحسب اللبيب الإشارة إلى ما يولده ~~الشغف بالخيال، والتلذذ بالمحال، من حب المبالغة والغلو، حتى في النظر إلى حقائق التاريخ، ~~وحقائق الحياة اليومية. فالمؤرخ من هذا القبيل شاعر، والشاعر مؤرخ، والقصاص مؤرخ وشاعر ~~معا. بل هم ثلاثة أقانيم لشخص واحد عجيب. # وكلهم مجمعون على ما كان من عظمة بغداد ومدينتها، فقد كان فيها، كما يقول المؤرخون، عشرة ~~آلاف حمام، وثلاثون ألف مسجد! فإذا كان عدد سكان المدينة مليوني نفس، كما جاء في التواريخ، ~~يكون لكل مائتي شخص حمام، ولكل ستة وستين مسجد واحد. والمئتان يقيمون في ثلاثين بيتا، ~~والستة والستون في عشرة بيوت. فهل يعقل أن يكون لكل ثلاثين بيتا حمام عمومي، ولكل عشرة ~~بيوت مسجد؟ ~~••• # العربي يرى ولا يعد. وهو في التقدير، إذا كان ما يراه كثير العدد، يعول على الخيال دون ~~العقل. وهاك المثل. إذا دخل أعرابي إلى بغداد اليوم من الجهة الغربية يرى في ناحية الكرخ، ~~عند الجسر، إلى الجانبين، عددا من المقاهي، ثم يرى صفين آخرين في ناحية الرصافة؛ كذلك عند ~~الجسر، بينه وبين شارع الرشيد. وإذا ما مشى في شارع الرشيد إلى جامع مرجان، يرى بين كل مائة ~~متر وأخرى جماعات من الناس يدخنون الأراكيل ويلعبون الطاولة والدومينو. فإذا سئل بعد ذلك ~~ماذا رأى في بغداد؟ يقول: المقاهي المقاهي في كل مكان. فيحدث عنه من يسمعه ويقول: ليس في ~~بغداد غير المقاهي. فيحدث الثالث ويصفها بالمئات. فإذا سمعه المؤرخ يجزم بالمئات، وقد ~~يتجاوزها إلى الألف أو الألفين. ولكن الشاعر يفضل عليها لفظة الألوف؛ لأنها في الشعر أعذب ~~من مائة، وأبلغ من ألف. وعندما يسمع القصاص الشاعر، ويطفق يلفق الحكايات، فحدث عن مقاهي ~~بغداد ولا حرج. # كذلك تجيئنا الإحصاءات وقد بلغت عشرة آلاف من الحمامات، وثلاثين ألفا من المساجد، وعشرات ~~الألوف من المقاهي. وليس في بغداد اليوم ما ms007 يتجاوز الأربعمائة مقهى، أكثرها في الشارع ~~الجديد، شارع الرشيد. وليس فيها من الجوامع أكثر من خمسين، أضف إليها حوالي ضعفيه من ~~المساجد. # ويلي من الأرقام! فسينبري لي غدا أحد أرباب التاريخ الحديث المحققين المدققين ويوبخني ~~قائلا: إن في بغداد خمسة وخمسين جامعا وأربعمائة وعشرة مقاه. فينبري له محقق مدقق آخر ~~ويقول: المقاهي هي ثلاثمائة وتسعون عدا، والجوامع تسعة وأربعون. وتحتدم بعد ذلك المناقشة، ~~فيخرج من أحد المقاهي جاحظها ليعدها، ويتبرع أحد الأئمة أو المؤذنين بإحصاء الجوامع ~~والمساجد! # وعندئذ يتبين أننا كلنا في خطأ معيب. وإن كان الفرق، صاعدا أو نازلا، لا يتجاوز العشرة ~~أو العشرين. بيد أن ذلك في علم التاريخ ارتقاء يذكر. والفضل فيه لمن وجه السؤال ذات يوم ~~إلى أحد الصيادين الذي كان يسقف السمك على شاطئ النهر، تحت المقهى، بالقرب من جسر مود، إلى ~~جانب الكرخ. سألته: وهل تعرف كم ببغداد من المقاهي؟ فأجاب: بقدر ما في دجلة من السمك. فقلت: ~~وكم تظن عددها في طرف هذا الشارع؟ فقال: كله قهاو، ولا يحصيها إلا الله! # فرحت أعدها - أحصيها - فإذا هي، من تمثال الملك فيصل إلى الجسر، تسعة مقاه لا ~~غير. # ويلي من الأرقام! فقد يتعطل الفونوغراف في أحد هذه المقاهي، فيولي «أبناء الدومينو ~~والشيشة» وجوههم شطر مقهى آخر، فونوغرافه عامر، وألحانه صياحة - كردية تركية مصرية - فيضطر ~~صاحب المقهى المعطل فونوغرافه أن يقفل بابه، ويودع أصحابه. أو قد يجيء كردي بفونوغراف ~~جديد، وينصبه تحت النخيل، ويضع حوله طاولتين وديوانين من الخشب العادي المسوس، فيزداد عدد ~~هذه المقاهي أو ينقص، قبل أن يصدر هذا الكتاب، مقهى أو اثنين. ~~••• # أعوذ بالخيال من الأرقام. وأعيذك، أيها القارئ العزيز منها. تعال إذن نعتصم بالخيال ~~الشعري. وعندي منه الآن ما لا ينكره العقل، ولا ينفر منه التاريخ. # هاك دجلة، وهاك القفة فيه. تلك القفة التي صنعت بعد الطوفان في مرفأ أور الكلدانيين. ~~وهي اليوم، كما كانت في زمن العباسيين على الأقل، تصنع من الخوص، وتطلى بالقار داخلا ~~وخارجا. فلو عاد إلى هذا الوجود ms008 أحد نواتي بغداد القديمة لكان يهلل للقفة، وبحمد الله ~~أنها لا تزال على شكلها الأول، وأن ألف سنة لم تغير شيئا فيها. وقد يكون النوتي البغدادي ~~الذي يحرك مجذافها اليوم من سلالة صياد الرشيد، وقد يكون الجد كذلك لسلالة مقبلة من ~~الصيادين تستمر ألف سنة أخرى. فيجيء رحالة القرن الحادي والثلاثين، ويقف فوق دجلة على جسر ~~معلق من حديد، فيرى القفة، ويعثر بعد ذلك على نسخة من هذا الكتاب، فيستشهد مؤلفه على ألف ~~سنة في الأقل من عمرها. # بائعة اللبن «أم اللبن» (تصوير الدورادو). # وما هذا كل ما في القفة! فبينا صاحبها يجذف من حين إلى حين؛ ليحفظ خط سيرها في مجرى ~~النهر، يبدو لك كنز آخر من الكنوز التي لا تمسها يد الفناء، ولا تعبث بها يد التغيير. هناك، ~~على وجه دجلة، في صباح يوم شمسه كريمة، ترى اللؤلؤ في نقط الماء التي تتساقط من المجذاف، ~~وهو يرتفع فوق الموجة، وترى حول الموجة، وهو يغطس فيها، ذوب اللجين وقد تخلله الذهب ~~الوهاج. # فلو عاد إلى هذا الوجود شاعر من شعراء نينوى، أو غادة من عيد بابل، أو كاهن من كهان أور ~~لهلل - لهللوا كلهم - لهذه الشمس الشارقة، المقيمة على عهدها، الثابتة في خيرها، الناثرة ~~على دجلة، حتى حول مجذاف «القفاف» لؤلؤ الذكريات، وذهب الآمال، الذكريات والآمال التي ~~تنعشنا اليوم وتحيينا، كما أنعشت وأحيت أهل أور، وأبناء نينوى وبابل. # وفي هذه الأرض المنبسطة أرض العراق تجيء الشمس في الشروق والغروب لطيفة النور؛ ناعمة ~~الوهج، لا تحمل الكنانة، كما يصورها الشعراء، لتطارد النجوم، وترمي بسهامها القباب ~~والأبراج. # هي شمس الأم تحضن الأرض في الصباح، وتتغلغل حبا وحنينا في قلب العراق وأبنائه. # هي شمس الفنان، تلمس اللازورد في قباب الجوامع، فيستحيل ياقوتا أصفر، وتكسو المآذن ~~البيضاء بحلل من الدمقس المعصفر. # هي شمس المحسن الأعظم، تسير فوق السطوح المسورة، ولا تكشف سرها، وتقف فوق الجفون ~~النائمة، فتبشرها بعودة الحياة. # ساعة في الصباح من السحر المبرور. # ساعة من نعيم الحرارة والنور. # | الزيارة الأولى # يقول ms009 المؤرخون الثقات: إن بغداد بابلية الأصل، فقد أسسها نبوخذ نصر في المكان الذي دارت ~~فيه رحى الحرب بينه وبين أعدائه؛ تذكارا لانتصاره عليهم، وأسماها بعل داد؛ أي مدينة البعل. ~~ومما يثبت ذلك، ما اكتشفه العالم الإنكليزي السر هنري رولنسون سنة 1848 في الجانب الغربي، ~~فقد اكتشف في الكوخ بقية حصن مبني بالآجر المحفور عليه اسم «نبوخذ نصر» وفتوحاته. وكانت بعل ~~داد لا تزال قائمة، إلا أنها مشرفة على الخراب يوم فتح العرب العراق وجعلوا الكوفة عاصمة ~~البلاد. وظلت الكوفة العاصمة إلى بداءة العهد العباسي، فعقد النية الخليفة المنصور، الذي ~~كان يكره تلك المدينة وأهلها، على بناء عاصمة جديدة، فساح في وادي دجلة شمالا يبحث عن مكان ~~يسره، فآثر السهل المجاور لبعل داد، المقابل لما هو اليوم البلاط الملكي في الجانب الشرقي، ~~فبنيت فيه المدينة المدورة. وقد دعيت بالزوراء؛ «لأن أبوابها الداخلة جعلت مزورة ~~«مائلة» عن الخارجة»، ولكن لمادة زور من المعاني غير المأنوسة، ما تلاعب به أعداء المنصور ~~غمزا ولمزا عليه، فحمله ذلك على إسمائها باسم آخر؛ ولكي يبرهن لهم مروءته وحلمه، وأنه ~~مسالم على الدوام، أطلق على العاصمة الجديدة الاسم الذي كان يعرف به وادي دجلة وهو دار ~~السلام. ~~••• # في الربع الأخير من القرن السادس للهجرة، رحل الأديب الأندلسي ابن جبير رحلته في البلاد ~~العربية، فوصل بغداد سنة تسع وسبعين وخمسمائة (1184م) وكان لما شاهد من المدينة المشهورة من ~~المحزونين. فجع في ما حمله إليها من الشوق والحب والأمل. ولا عجب. فكان قد ولى مجد ~~العباسيين، وذهبت صولة آل بويه، وأشرف عهد السلاجقة في فساده على الزوال، وأمست دار السلام ~~مهدا للفتن، ونهبا للتتر الفاتحين. # بغداد دار الأنس والسرور «قد ذهب أكثر رسمها»، كما جاء في كتاب ابن جبير: # ولم يبق منها غير شهير اسمها. # وهي بالإضافة لما كانت عليه كالطلل الدارس، والأثر الطامس. «وما رأى ذلك الرحالة الأندلسي ~~من حسن فيها يستوقف البصر غير دجلتها التي هي بين شرقيها وغربيها كالمرآة الصقيلة.» # تالله، كيف تتشابه المرئيات في القرنين ms010 الثاني عشر والعشرين ؟ وكيف تتماثل التأثيرات؟ ~~تأثيرات السائح العربي الأندلسي، والسائح العربي اللبناني. أفما تغير شيء ببغداد منذ أيام ~~ابن جبير؟! # بلى، قد تغيرت أشياء، بل تغيرت المدينة جميعها. وذلك في سنة 1258م؛ أي بعد أربع وسبعين ~~سنة من رحلة ابن جبير، يوم جاء هولاكو حفيد جنكيزخان يغزو بغداد، فاكتسحها وبعد ذلك ~~دمرها. # وعندما أعيد بناؤها كان الناس لا يزالون في ظل النكبة، فما همهم في البناء الأصول ~~الهندسية أو المحاسن العمرانية، ولا كانوا يحفلون بغير اللازم للمأوى والسلامة. بعثت ~~بغداد وما حسنت حالها، إلا بعد ثمانين سنة أخرى؛ أي في أول عهد الدولة التترية الثانية، ~~التي أسسها (1339م) حسن الجلائري. # ثم نكبت بغداد نكبة أخرى في أواخر القرن الرابع عشر، لما زحف تيمورلنك بجيشه عليها، ~~ففتحها وأعمل فيها بعد اكتساحها السيف والنار. فأعيد بعد ذلك للمرة الثالثة بناء ما هدم ~~وتهدم منها. # ومنذ ذاك الحين إلى يوم احتل العثمانيون العراق (1535م)، دالت في هذه البلاد دولتان من ~~التركمان، دولة الخروف الأسود، ودولة الخروف الأبيض. وقد أخذت كل منهما اسمها من الصورة ~~المنقوشة على علمها، لكن ما كان من الخروف الوديع في ذلك الملك التركماني غير الاسم ~~والرسم، وكان للاثنتين في التاريخ آثار بربرية دموية، ثم جاء من بلاد فارس (1509م) الصفوي ~~الكبير إسماعيل، فقضى على «الخروف الأبيض» الذي كان قد ابتلع «الخروف الأسود»، وجدد لفارس ~~عهدا في العراق قصيرا، استمر سبعا وعشرين سنة لا غير، فجاء الترك العثمانيون (1535م) ~~يخرجون الصفويين من العراق وكان لهم ذلك. فما استطاع أولئك الفرس المتحضرون المثقفون أن ~~يعيدوا إلى بغداد خلال عشرين سنة، شيئا من ذلك العمران وذلك الرونق الذي كان لها في الزمن ~~العباسي الأول. فغدت، وقد توالت عليها الفتوحات، وتعددت النكبات، كما كانت يوم رآها ابن ~~جبير «كالطلل الدارس والأثر الطامس.» # وهل دامت كذلك في عهد العثمانيين؟ ألم تهدم مرة أخرى خلال الأربعمائة سنة وتشيد في ~~فترة من الخير والهناء تشييدا حسنا شائقا، كما لو كان سيدها المنصور أو الرشيد؟ يقول ms011 ~~العارفون من العراقيين اليوم: إن بغداد كانت على جانب عظيم من العمران، لما حسن الترك في ~~عمرانها الخارجي والداخلي. ولكن الوباء - الطاعون - فتك بأهلها منذ مائة ونيف من السنين، ~~فحالفه دجلة في طغيانه، وكان الاثنان أشد عليها، وأفعل بها، من غزوات هولاكو وتيمورلنك، فقد ~~كان الوباء يذهب بخمسة عشر ألف نفس كل أسبوع، والذين نجوا منه ذهبوا ضحية دجلة، الذي طغى ~~على المدينة فغدا القسم الأكبر منها تحت المياه الجارفة. ~~••• # بعد النكبة الرابعة - وهي الأخيرة إن شاء الله - تهافتت الشعوب على الأرض التي أمست ~~يبابا، وكادت تكون مشاعا، فملكوا ما ملكوه منها، وشرعوا يبنون كما بنى سكان المدينة ~~الغابرون بعد النكبة الأولى. جاء المهاجرون جماعات من كل حدب وصوب، من الجوار ومن بلاد ~~الأكراد، ومن بلاد الأناضول، ومن إيران، ومن البوادي العربية. وما كان بين هذه الشعوب معرفة ~~ما، ولا كان بينهم صلة وطنية، أو حس قومي أو مدني. بل كانوا كلهم غرباء، بعيدين بعضهم عن ~~بعض، ومعادين غالبا لبعضهم لبعض. الرائد يصدق أهله كما يقال. وقد كان لكل جماعة رواد ~~يصدقونها، ولا يصدقون غيرها. فتعيش لنفسها متحفظة متحفزة. # ومع أنهم كلهم كانوا مسلمين، فما جمعت رابطة الدين شملهم، ولا لطفت شعورهم، وما أزالت غير ~~القليل من التنافر والتنابذ فيما بينهم. هؤلاء المهاجرون المتوطنون بغداد، بعد كارثتها ~~الأخيرة، هم أجداد سكانها اليوم. وما كان فيهم من العريقين في النسب العربي غير القليل، ~~منهم آل سويدي وآل سعدون وآل شاري وآل جميل وبيت الألوسي. # أما السواد من الناس، وقل الأخلاط، فلا يزالون اليوم، على الإجمال، كما كانوا في الماضي ~~بعيدين من بوتقة الإدغام والامتزاج. وما غير التزاوج المختلط بينهم - وإن قل - شيئا ~~جوهريا في أحوالهم القومية، ونزعاتهم الجنسية. فالإيرانيون والأتراك والأكراد، وإن ~~تزاوجوا بعضهم ببعض، لا يزالون كما كان أجدادهم منذ مائة سنة أكرادا وأتراكا وإيرانيين. ~~أو إنهم على الإجمال مثل اليزيديين والآشوريين والصابئين، يعيشون عقليا في الأقل بعيدين ~~بعضهم عن بعض، كل جماعة منفردة في شئونها. وما هم سكان بغداد، ms012 بل هم سكان الأحياء التي ~~يقيمون فيها، كل جماعة وكل طائفة في حيها. # وقد تتجاور الأحياء وتتلاصق بعضها ببعض، ولا تتجاور القلوب، ولا تتلاصق الإحساسات ~~القومية. فالعقلية في كل جماعة لا تزال في الغالب عقلية بدوية، مفتوحة لإخوانهم، ومقفلة دون ~~الآخرين. والعرب في هذا مثل سائر الجماعات، خصوصا العشائر التي لا تزال في ما كانت عليه. ~~فهي تحافظ على عاداتها، وتقاليدها، وأحكامها الخاصة، ولا تنسى، وشرف العرب، ما بينها من دم، ~~ومن عداء قديم. هي ذي المعضلة الكبرى الاجتماعية والوطنية في العراق. # أما بغداد فقد بناها أجداد هذا المزيج من الشعوب، بعد نكبة سنة 1831، كما بنى تقدمهم بعد ~~كل نكبة من نكباتها. بنوها كما يبني من لا يأمن حتى يومه ولا يأمل بطول الإقامة. بنوها كل ~~على ذوقه، وحسب اقتداره، وعملا بالأحوال القاهرة، بدون تصميم، وبدون اتساق، وبدون نظام ~~مدني يرعونه، أو أوامر مجلس بلدي يلتزمونها. بنوها على عجل كأنهم كلهم مسيرون بحاجة يومهم، ~~أو مهددون بكارثة أخرى، ووكلوا أمرهم إلى رب الصدف والتقارير. فنشأت من الجدران المستقيمة ~~جدران معوجة، وعلت السطوح سطوح، ودرجت الأدراج من النوافذ، ولاذت الأواوين بغرف النوم، ~~واشرأبت الشرفات إلى الشرفات، بل امتدت بعضها إلى بعض، فتوسعت البيوت، وتضيقت الجادات، ~~فصارت تدعى بلغة البغداديين «دربونات». ولهذه الدربونات، من الشرفات المتعانقة فوقها، سقوف ~~ظليلة! إنها لهندسة عجيبة أوحت بها الفوضى، وأيدتها التقادير. وما كان الأتراك ليكترثون ~~بهذه أو تلك، ما دام أبناء التقادير والفوضى يدفعون الضرائب. ~~«دربونة» في بغداد القديمة (تصوير الدورادو). # إن في بغداد شارعا واحدا طويلا عامرا يمتد من الجنوب إلى الشمال، من باب شرقي إلى ~~بوابة الأعظمية، في خط مستقيم، إنما لا كالرمح، فيقسم الصوب الشرقي قسمين، كما يفعل الإسفين ~~في الكتلة. فينبسط القسم الأول شرقا في سهل رحب، ويتكون القسم الثاني إلى جانب دجلة في شكل ~~«هرمي» قاعدته العيواضية، ورأسه دار شركات النفط بباب شرقي. وفي هذه المظاهر من نشوء بغداد ~~تبدو بوضوح قبيح تلك الآفات التي ذكرت: الفوضى في البناء، والصدف في ms013 التخطيط، والقدر في ~~أهواء السكان. # وفيها كذلك المتناقضات المدهشات المكربات. فهي قديمة وهي جديدة، وهي متراصة وهي متبعثرة. ~~وهي مدنية وهي بدوية. فالشارع الطويل الذي دعاه الإنكليز بالجديد، ثم غيرت أمانة العاصمة ~~اسمه فدعته شارع الرشيد، هذا الشارع بما فيه من مخازن حديثة، ودكاكين قديمة، ومقاه ودور ~~سينما، وأنوار كهربائية وأسلاك برقية، وعربات وسيارات و«بصات» ومنافذ في جانبيه إلى ~~«الدربونات»، إنه لشبيه بشارع في قرية أوروبية. والبلدة أو المحلات شرقا منه. وإن كانت ~~بمجملها لا تتجاوز المائة سنة، هي جد قديمة بما في ظاهرها، ولا يخلو بعض داخلها من ضيق ~~الجادات واعوجاجها، والتهدم فيها، والقتام، والروائح العجيبة! أما القسم المحاذي للنهر، ~~وفيه الأندية والمقاهي والسراي، وبعض بيوت للسكن جميلة، وبعض البساتين التي تزينها أشجار ~~النبق والنخيل، فما هو بشرقي ولا بغربي! إنما هو جدير بحسن الذكر والتقدير. ولكن في الجهة ~~اليمنى من دجلة - أي الصوب الغربي الذي لا يزال يدعى الكرخ، وخصوصا في الناحية التي تمتد ~~من جسر مود إلى كرادة مريم - دورا على شاطئ النهر، جميلة بوداعتها، وفسحاتها، ونخيلها، ~~وبشرفاتها التي تجري من تحتها المياه. ~~••• # وبين شعراء العرب شاعر من الطبقة الوسطى، ظفر بالشهرة في قصيدة واحدة نظمها، بل في بيت ~~واحد من تلك القصيدة. وقد تكون الشهرة للبيت لا للشاعر، فقد تغنى ابن جهم بمجازفة له غرامية ~~في الجهة اليسرى من النهر قرب الجسر. ومن لا يذكر مطلع تلك القصيدة التي خلد فيها اسم ~~الصوب الشرقي من بغداد: # عيون المها بين الرصافة والجسر # جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري # يذكرني ابن جهم بالشاعر الإنكليزي طوماس هود الذي وثب إليه قلب الشهرة وثبة عجيبة في ~~قصيدة واحدة أو قصيدتين. ويندر بين الإنكليز من لا يعرف المقطع الأول في الأقل من قصيدته ~~«جسر الزفرات» الذي كان مجلبة للعيون، التي هي مجلبة للهوى. وموضوع القصيدة حسناء قضت نحبها ~~هناك عند الجسر. # كأن الجسور في كل المدن مغناطيس القلوب، أو كأنها شباك للغرام. وقد يكون فضلها أو إثمها ~~في المياه الجارية ms014 تحتها، في رائحة الأنهار القرقفية أو رائحة البحار الزنجبيلية، فتبعث في ~~النفس نشوة يعقبها سكرة - سكرات! وقد يكون فضلها أو إثمها في دنوها من الأجل المحتوم ~~المقدر؛ أي من المكان الذي يصلح للانتحار ... «وأوله سقم وآخرة قتل.» # إن كثيرا من الأنهار عند الجسور بأوروبا تشهد بصحة قول ابن الفارض. أما دجلة فلست أدري ~~إذا كان قد شهد مرة هذا النوع من نهاية الحب. ولست أدري إذا كان أهل الغرام في أيام ابن ~~جهم كانوا يؤثرون الجسور للمواعد على المنتزهات والبساتين. إنما كانت هناك مواعد، ولا ريب، ~~واجتماعات. وما فقدت بغداد هذه المزية الاجتماعية، الغزلية في الأقل، حتى في عهدها الأخير ~~يوم أمها ابن جبير. ولا عجب - وهو الأديب الأندلسي - إذا أشار إلى ما للماء من الفعل ~~بالقلوب في قوله: «والحسن الحريمي بين هوائها - هواء بغداد - ومائها ينشأ. هي من ذلك على ~~شهرة في البلاد معروفة موصوفة.» ولكنه، على غير عادة الأندلسي، يتخوف من فتنة الهوى «إلا أن ~~يعصم الله منها.» # وفي بيت ابن جهم؛ إذ يقول: «من حيث أدري ولا أدري» شيء من هذا التخوف. بيد أن أمره الآن ~~لا يجلب هما، أو يستوجب اهتماما. إنما هناك سؤال لا بد في هذا الموقف منه. ما الذي أكسب ~~بيت ابن جهم الشهرة وضمن له الخلود؟ المكان بين الرصافة والجسر أم عيون المها؟ وهل كانت ~~حسان بغداد يسفرن عند الجسر يا ترى؟ وهل كانت مجازفة ابن جهم شعرية خيالية أم واقعية؟ هذه ~~المسائل جديرة بالنظر، وقد تدعو للمستحب من البحث. وقد تثير الجدل. # ولكن هناك حقيقة لا تقبل الجدل والبحث، وهي أن الصوب الشرقي من بغداد لا يزال يدعى باسمه ~~القديم - الرصافة - المخلد في بيت ابن جهم، كما يدعى الصوب الغربي بالكرخ. إن هاتين ~~الناحيتين قديمتان اسما ورسما. أما النواحي الأخرى فهي حديثة في هندستها وفي ~~أسمائها. ~~••• # كان عدد سكان بغداد في زمن العباسيين يبلغ ألفي ألف نفس؛ أي مليونين. وكانت المدينة مقسمة ~~إلى سبع عشرة ناحية. إنما بغداد اليوم تختلف في ms015 تقسيمها، كما تختلف في إدارتها، وعدد سكانها ~~لا يتجاوز الثلاثمائة ألف نفس. # أما المحلات التي أشار إليها ابن جبير وذكر أسماء بعضها، فقد كانت كلها في الصوب الشرقي ~~«مع أن الخراب كان مستوليا عليه.» وكان الصوب الغربي؛ أي الكرخ قد تقدمه في الخراب، فما ~~شاهد ابن جبير فيه غير «الأثر الطامس.» # وقد ذكر شكل المحلات في الرصافة فقال: إن كل محلة منها مدينة مستقلة. يفهم من ذلك، أنه ~~كان بين المحلة والمحلة أرض خالية من السكان، أو أن بعض المحلات كانت مسورة. وقد امتدت ~~الرصافة يومذاك إلى مكان الأعظمية اليوم. وكانت بوابة البصرة مكان باب شرقي أو دونه جنوبا. ~~ومع أن هذه المساحة هي نحو سبعة كيلومترات طولا، ولا أظن أن الرصافة تجاوزت الكيلومترين ~~عرضا، فقد كانت - ولا شك - مزدحمة بالسكان؛ إذ كان عددهم ينيف على المليونين. # والمدينتان - مدينة اليوم ومدينة الأمس - تتشابهان من هذا القبيل. فإذا استثنينا الشارع ~~الجديد، شارع الرشيد، وبعض الأحياء الجديدة، يجوز أن نقول إن كل الجادات و«الدربونات» في ~~الرصافة وفي الكرخ تفتقر إلى النور، والهواء النقي، والنظافة، والتفريج. بيوت متراصة ~~متعرجة، في جادات ضيقة متعوجة، ما رأيت مثلها في المدن العربية الأخرى التي زرتها. وهي ~~تتعجج من القتام والأنام. # إنما أهل بغداد يختلفون في طبائعهم عن أهل الكويت مثلا أو أهل البحرين. والظاهر أنهم لم ~~يتغيروا كثيرا منذ أيام ابن جبير، الذي خصهم بصفحة من كتابه تسود منها وجوه، ولا تضمن ~~للأندلسي الأديب - لو عاد اليوم حيا إلى بغداد - السلامة والأمان. وأقل ما يقال في ~~البغدادي العريق ببغداديته، أن صوته يهز الأرض، ويلقي الرعب في القلوب - أنا بغدادي مو ~~عجمي. فك عينك زين! # والبغدادية العاملة السافرة هي في عنجرتها مثل البغدادي. رأيتها في «دربونة» جالسة على ~~الأرض، وأمامها بعض الخضر تبيعها، ورأيت أحد المارين يتعثر بطرف منديلها المفروش. وسمعتها ~~تصيح به، وتصب عليه جام غضبها، بلغة ممتازة في علم المسبات. كأنها أخذت من إحدى رسائل ~~الخوارزمي إلى بديع الزمان الهمذاني. أين عينك، يا ملعون الوالدين؟ ms016 حرمك الله الرجلين! يا ~~ابن الطريق ، يا ابن البطريق، الله يضيق طريقك! لا أظن أن بين نساء العرب من هن أذرب لسانا، ~~وأمضى بيانا من البغدادية. ولا أظن أن ببغداد من يفوقها في بلاغتها الذابحة، إلا أن يكون ~~الشحاذ البغدادي. # سمعت أحد أولئك الشحاذين يردد آيات من الكتاب، وهو جالس على مزبلة في الجادة، ثم يسأل ~~قائلا: أين أهل الصلاح؟ أين الكرام ولد الصباح؟ أين بحر الجود؟ نقطة منه يا معود، نقطة ~~ولا تزود. # وما كان ثمة، في ذاك الصباح، أحد من المعودين، فقد رأيت شحاذا آخر، في جادة أخرى، ~~جالسا عند الحائط، وسمعته، وقد رفع يديه، و«وفك» عينيه، يصيح: اللعنة عليك، يا بغداد، ~~وعلى ذكرك، وعلى أهلك! الدود يأكل عظامك، يا بغداد، وعظام أبنائك! النار والشط والوبا عليك ~~وعلى بنيك، فلا يبقى منك ومنهم غير الرماد والتراب! # وما استوقف مع ذلك أحد المارين، ولا استرعى نظر أحد السامعين. # إنما هناك صنف آخر من المستجدين، ولهم في المهنة لغة غير اللغة التي أسمعتك أمثلة منها. ~~ومع أن التقوى تتمشى بين أضلعهم، والورع يتساقط شعرا من أفواههم، فالناس قلما يقفون، ~~وقلما يسمعون. # هاكم درويشا يرفع صوتا كصوت ربابة في خابية، ويشدو الشعر شدوا محزنا، وفيه الغزل ~~والحنين، وفيه أن كل شيء يزول، ولا يبقى غير وجه ربك القيوم. # خيالك في قلبي وذكرك في فمي # وصوتك في أذني وحبك في دمي # هو صوت سمعته ذات يوم في محلة الشيخ، فاستوقفني وأنا أكتب في غرفتي، فوقفت في الشرفة، ~~فإذا بدرويش في قارعة الطريق يحمل عصا طويلة، وصحنا من التنك. ورأيت العربات تسير إلى ~~يمينه وإلى يساره، دون أن تدنو منه، كأنه شرطي. وكان إذا سمع صوت بوق السيارة يرفع عصاه - ~~هو درويش ضرير - فتميل السيارة عنه، ويستمر هو في طريقه وشدوه! # أين فؤادي؟ أذابه الوجد # وأين قلبي؟ فما صحا بعد # يا سعد زدني جوى بذكرهم # بالله قل لي فديت يا سعد # وها قطعة من النقود ترن في الصحن بيده، فيقف عند القرار شاكرا، ms017 ثم يرفع صوته فوق ما كان ~~منه. # يا أهل ودي أنتم أملي ومن # ناداكم يا أهل ودي قد كفي # عودوا لما كنتم عليه من الوفا # كرما فإني ذلك الخل الوفي # إنه ليشجي هذا الصوت، وإنه ليبهج. هو يبهج أهل الحب؛ لأنه يردد من أصوات الماضي ذلك ~~الصدى الخالد، صدى ما صفا من الروحيات والذكريات. وهو يشجي؛ لأنه يمثل طيفا من الأطياف ~~التي يرسلها الماضي شادية في شوارع بغداد المسيرة اليوم بأصوات - وقل بسياط - العمل ~~المرهقة، بتكاليف الحياة المدنية المادية. # إنما هناك، في قلب المدينة، الذي لا يمسه الشارع الجديد بعامل من عوامل المدنية ~~الغربية، أصوات من الماضي يظهر أنها أبدية. هي الأصوات التي تسمعك إياها المطارق تطرق ~~النحاس، والمنافخ تنفخ في نار الصاغة والحدادين. وهناك في قلب بغداد، يمشي العمل الهوينا ~~مشية الورع القنوع، ولا يماشيه الهم، ولا يزاحمه التكالب. هناك يجري في عروق العامل ~~والتاجر والصائغ والصانع؛ ذلك الدم الذي يجري في عروق الدرويش. وإن كان الشعر لا يجري على ~~ألسنتهم كما يجري على لسانه، فإن لغة قلوبهم هي كلغة قلبه من قاموس واحد، هو قاموس القناعة ~~والوداعة. # وهناك أيضا تتجسم تلك الظاهرة العربية - الشرقية - التي تناقض العبارة الذهبية، وهي أن ~~النظافة من الإيمان. ولعمري إن بين الإيمان والنظافة - إن كان في الدراويش أو في الصاغة - ~~وهدة سحيقة. وهاكم في السوق المثال الحي النابض لما في العامل العربي من الصبر والمثابرة، ~~ومن التجويد والجمود، ومن الذوق والإهمال، ومن الورع والوداعة والقناعة والقذارة. # تعال فأريك أجمل الأشياء من ذهب وفضة تصنع أمام عينيك، تصاغ وتصقل في أماكن فرشت ~~بالغبار، وطليت بالدخان، وازدانت بالعنكبوت. ليس الولد صاحب المنفخ من العبيد المناكيد. هو ~~أسود الوجه واليدين، ولكنه عربي من الفتيان البيض، تراه مقرفصا أمام النار ينفخ بها، ويمسح ~~عينيه بطرف قميصه الدكناء، وترى سيده في ثياب الزيات يمسح العرق من جبينه بالمنديل الذي ~~يستعمله لمسح جواهره، وهو ينقش سوارا، أو يدق قطعة من الذهب على السندان. # وهذه امرأة في عباءة وحجاب تجلس ms018 على حافة الدكة، إلى جانب ركمة من الفحم والرماد، ثم ~~ترفع طرفا من حجابها وتلقي السلام وتلوم، فيعتذر الصائغ إليها، ويقسم بالله إنه ما نسيها، ~~ثم يفتح خزانة صغيرة، ويخرج منها صندوقا جميلا من النحاس المطعم، ثم يخرج من الصندوق ~~منديلا أدكن كان في قديم الزمان أبيض أو أحمر، فيفكه ويأخذ مما فيه قرطين من الذهب المنقوش ~~مرصعين بالماس، فيرفعهما بالإبهام والبنصر أمام السيدة، ثم يمسحهما بطرف المنديل، ~~ويقدمهما قائلا: حلت البركة. فتتناولهما باسمة شاكرة، وتربطهما بطرف منديلها، ثم تفك ~~الطرف الآخر وتدفع ثمنهما ذهبا وفضة، ثم تنهض وتمشي، ولا تبالي بما قد يكون لصق بثوبها من ~~وسخ المكان. # قال رفيقي الأديب البغدادي، ونحن نمشي في تلك السوق المسقوفة ذات الدكاكين الدكن ~~والجواهر الثمينة: إن المياه في الشتاء تجري فيها كالساقية، فتستمر الأشغال مع ذلك ولا أحد ~~يبالي. وقد يكون هناك يومئذ الرجل الذي يحمل دكانه في عبه، وهو جالس - كما رأيته - على ~~الأرض وظهره إلى الحائط، وأمامه منديل مفروش وميزان صغير. قد يكون هذا التاجر بالحي هناك في ~~اليوم الماطر، إلى جانب الساقية، وهو ينتظر الرزق من كرم ربه. # في سوق الصفارين (تصوير الدورادو). # أتقول، أيها القارئ: إن ما شاهدناه في سوق الصاغة أو سوق الصفارين، لا يستغرب في مدينة ~~شرقية قديمة كبغداد، تعال إذن! ليس في أحياء الفقراء بلندن أو نيويورك أو بمباي، على ~~ازدحامها، وقذارتها، وظلماتها، وفساد الهواء، وفظاعة الحياة فيها، ما يفوق ما ستشاهده في ~~الخان الذي نسير إليه. # هو خان تلكيف وهو من أوقاف بغداد. بناء مربع، ذو طابقين وصحن كبير مكشوف، حوله صفوف من ~~الحجرات الصغيرة المظلمة، الشبيهة بالأكواخ. وفي كل كوخ عائلة لا تقل عن ثلاثة أنفس وقد ~~تتجاوز الستة. وفي الصحن مرابط للدواب، فيلعب الأولاد بين حوافرها وبين الحمالين ~~والمكارين، ويتلقنون منهم اللغة التي أسمعتك نموذجات منها، من فم البائعة ~~والشحاذ. # كان مستشار الأوقاف يومئذ الرفيق الدليل، فسارعت النساء إليه شاكيات متظلمات. وما شكون ~~الازدحام والمقاذر، وما شكون صياح المكارين وروائح المرابط، ms019 ولا شكون دخان الجيران والأوساخ ~~التي تلقى في الإيوان؛ إنما لفتن نظر المستشار إلى جدار يتداعى أو إلى باب لا قفل له ولا ~~مزلاج، أو إلى قسطل ماء مسدود أو مكسور، أو إلى سقف تتساقط أخشابه. وجاءت إحدى النساء تحمل ~~ثلاث آجرات، وتقول: إنها سقطت على أولادها وهم نيام، ثم كشفت رأس أحدهم ترينا الجرح ~~فيه. # وكنا، ونحن نمشي في الإيوان، نرى النساء أمام أكواخهن يقمن بأشغالهن البيتية: يغسلن ~~الثياب، يشببن النار، يخبزن، يطبخن، يرضعن أطفالهن. ومنهن من كن يمشطن صغارهن فيقع القمل في ~~أحضانهن، وعلى الأرض حولهن. وهناك في وسط الصحن «مزين» يحلق رأس أحد الرجال، وينثر الشعر ~~وما فيه من «المتحركات» بين أرجل الصبيان، وهم يلعبون، ويغنون، ويصيحون، ويفحشون في ~~ألفاظهم. # إن مدخل الخان كمدخل القلاع عميق مظلم، وإلى جانبيه بضعة خروق لا يتجاوز الواحد عشر أقدام ~~عرضا، ومثلها طولا، ومثلها علوا. هي كذلك للسكن. وقد استوقفتنا امرأة هناك، جاءت تحمل ~~طفلا على صدرها وتقول للمستشار، وهي تومئ إلى أحد تلك المآوي، إن أجرته ثماني روبيات كل ~~شهر، وهي لا تستطيع أن تدفع أكثر من خمس، وترجوه أن يأمر بالتخفيض. فوعدها خيرا. ~~••• # قلت: خان تلكيف من الأوقاف. والوقف في التعريفات هو «حبس العين على ملك الواقف والتصدق ~~بمنفعته». ومن أجدر بالصدقة يا ترى من هؤلاء البؤساء. ولكن للأوقاف إدارة هي على ما يظهر ~~مثل إدارة الشركات المالية. لا روح لها، ولا قلب، ولا عين غير تلك التي ترى الأرقام، وتعد ~~الأموال. ومن هذه الأموال ما هو مخصص بالمساجد فلا يصرف في غير سبيلها. وفي المساجد من فضل ~~ربك ما لا يجده البائس الفقير في بيته، أو في حيه، أو مدينته. المساجد هي الملجأ اليقين، ~~والميناء الأمين، ملجأ الأتقياء والأغنياء والأشقياء والمتشردين. وميناء كل ذي وزر ثقيل ~~وأمل دفين. فالحمد لله أن في بغداد أوقافا يحبس بعض ريعها، وإن كان من دم الفقراء، على ~~هذه الأماكن المقدسة التي هي لجميع المؤمنين. # وكان المؤذن في مأذنة جامع الحيدر خانة يؤذن ms020 الظهر، وكانت قباب الجامع في شمس الظهيرة ~~تشع وتتلألأ، فيبدو الأصفر خلال زرقتها كالذهب على طبق من اللازورد. وكانت مياه الشاذروان ~~في صحن الجامع تتناثر كالفضة. وكانت الرحبات الهادئة والظلال الناعمة تبدو من الباب كأنها ~~من لدن الرحمن، وهي تلوح للمارين أن ادخلوا آمنين. # دخلنا فإذا نحن في الصحن المبارك، والهواء فيه نقي كالنور وكل ما فيه منعش كالهواء. مكان ~~رحب نظيف شريف هو للغني والفقير على السواء. وهناك ما هو فوق ذلك في المكرمات. هناك داخل ~~الصحن، في الجامع تحت القبة اللازوردية، عين السكينة وروح السلام. هناك البحر الإلهي الذي ~~تغرق فيه - ولو إلى حين - دنيا الهموم والأحزان البشرية. # ما رأيت في جمال بغداد - وما أقله بعد نهر دجلة وضفتيه! - مثل ذاك الجمال الفني في قباب ~~جوامعها، ومثل هذا الجمال الروحي تحت القباب. وليس الذهب في حاجة إلى التذهيب. سأمسك اليراع ~~في الإفاضة إذن، وأكشف لك ناحية مجهولة من نواحي الفن في صناعة كادت تضمحل. أنت تسمع - وقد ~~تكون عالما - بما يسمونه خزف الرقة. وقد لا تحتاج إلى من يزيدك علما بما كان للعرب في ~~الأندلس من المهارة والذوق في صناعة الآجر الملون المصقول، الذي كان يدعى الزلاج (زلج: ~~زلق). إنما المدهش أن لا يبقى في بغداد لهذه الصناعة أثر يذكر. # تعال ندخل المعمل في جامع الحيدر خانة، وذلك الجمال في القباب والمآذن إنما هو منه. ها ~~هنا المدهشات، وخصوصا لمن كان منذ ساعة في سوق النحاسين، وأول المدهشات النظافة التي لا ~~نتوقعها في من يلعب بالتراب والأصباغ. النظافة ثم الترتيب ثم الإتقان. ورب المكان هو ~~رب هذه الفضائل كلها، التي ورثها، كما ورث الصناعة، عن أبيه، عن جده، إنما لا يذكر إلى كم ~~جيل من آله تعود، وما يدريك! قد يكون الأستاذ من سلالة أحد أرباب هذه الصناعة في الرقة أو ~~في الأندلس. # هو شيخ في العقد السادس، ومعه ابنه يتعلم ويساعده ليحسن استخدام الإرث الثمين، وإنه على ~~سنه يعمل مجدا فيشرف على كل فرع من فروع هذه ms021 الصناعة التي تبدأ بخلط التراب والرمل، ~~وتنتهي بالاستواء. وهو نفسه يصنع الأصباغ، وجلها من الأزرق اللازوردي والأصفر العصفري، وليس ~~فيها شيء مجلوب. ليس فيها أصباغ كيماوية غير التي يصنعها من التنك والزجاج، إذا صح أن يدعى ~~هذا المزيج مزيجا كيماويا. # أذن لنا بالدخول إلى غرفة الأصباغ، وفيها ركام من صناديق التنك، والقناني المكسرة، ~~والرصاص. وفيها آلة هي كالجاروش من حجر، وأخرى من حديد، فبعد أن تجرش المواد وتطحن، ~~تذاب بالماء، وتوضع في مواعين فوق النار لتغلي، ثم تنقل إلى الشمس لتجف، فتفتت بعد ذلك ~~وتمزج بالزيت فتغدو صباغا. # ومن مدهشات هذا المصنع أن رجلا واحدا يقوم فيه بالأعمال الأساسية كلها. فهو الطيان، وهو ~~الصباغ، وهو الرسام الفنان. ولا بأس برسومه التي تشتمل على أشكال هندسية، وأخرى نباتية. ~~وهاك السلم في عمله. فبعد أن تصنع الآجر وتشوى، يصبغها، ويرسم عليها الرسوم، ثم يعيدها ~~إلى النار، فيعمل اللهب بالألوان عمل الشمس بالغيوم المذهبة والمفضضة. فيذيب اللون الواحد ~~فتبدو في حواشيه ألوان منه فرعية ناعمة ناعسة. وبكلمة أخرى تتشبح الألوان فترق، فتظن، وأنت ~~تعجب بها، أنها دهنت بريشة فنان ماهر. # أما لون الرسوم في بناء القباب والمآذن بهذا الآجر فهو غالبا مركب من الأخضر أو الأزرق ~~على صفحة من الأصفر الذهبي. أو أن الخطوط والأهلة من هذا الأصفر تتخلل أحد اللونين ~~الأولين. # بقي أن أقول إن هذه الآثار الفنية في قباب الجوامع ومآذنها هي، على ما يظهر، ثابتة طويلة ~~الأجل، فلا الشمس ولا العوامل الطبيعية الأخرى تضر بألوانها. ولا عجب، فقد دخلت النار ~~مرتين. وإذا ما صال الزمان على تلك القباب في المستقبل فهدمها، فإن الأثريين ليجدون ~~الآجر في الردم وتحت التراب، كما يجدونه اليوم في حفائر سلوقية وأور، فيغسلونه، فتبدو ~~الألوان فيه وقد أكسبها الزمان مسحة عجيبة. كذلك فعل الزمان في البلاط الذي كان يزين قصر ~~الزهراء بقرطبة، ذلك البلاط الجميل، الفريد بتشبح ألوانه المعروضة أمثلة منه في المتحف ~~البريطاني بلندن، وفي قصر اللوفر بباريس. ~~••• # ومن الصناعات التي اشتهر بها العرب في ms022 الماضي، ولا يزال منها أمثلة في بغداد، صناعة ~~الحفر في الخشب، وهي عربية بحت، وصناعة الزجاج المركب في إطارات مذهبة، وقد أخذوها عن ~~الفرس. وفي بغداد اليوم بيت قديم، يقال إنه سلم من النكبة الأخيرة؛ أي إنه يتجاوز المائة ~~سنة، فيه من الصناعتين أثر حسن سليم. وفيه أيضا ما يعيد إلى الذهن، في هندسته وفي زينته، ~~صورا وذكريات لتلك الدور التي خلدت في كتاب ألف ليلة وليلة. # على أن مدخل البيت أو صحنه الصغير، يزيل ما في النفس من بهجة الشوق والخيال، فقد صدمنا ~~لما دخلنا بتجارة من التجارات الحديثة، يتمثل دور منها في حلقة من النساء جالسات على الأرض ~~حول ركام من جوز العفص. وهذا الجوز يجيء من الغابات في جبال الموصل، فتنقيه النسوة ~~العاملات، ويهيئنه للشحن إلى لندن وبرلين؛ لتصنع منه هناك الأصباغ. التجارة في ~~الباب. # ولكنا صعدنا إلى الطابق الثاني مسرعين، فإذا نحن في غير بغداد اليوم. أجل، قد انتقلنا ~~انتقالا عجيبا إلى دار من دور بغداد القديمة، التي نجت من النكبات كلها. # وما هذه الردهة التي يعلو جدرانها الخشب المحفور المدهون أشكالا نباتية، وهندسية، المزين ~~سقفها بالإطارات الذهبية المرصعة بالمرايا، القائم في نوافذها الزجاج الملون تقيه الشعريات ~~الدقيقة الصنع، ما هذه بردهة تركية أو سلجوقية أو بويهية. # وما هذا الإيوان، وقد تكاثفت فيه، وتداعت لقدمها، الصناعات الثلاث - صناعة الخشب، وصناعة ~~الزجاج، وصناعة النقش، الرسم والتلوين - ما هذا بإيوان أحد الولاة العثمانيين، ولا هو ~~بإيوان كبير من آل بويه. # عفوا أيها القارئ! ما نقلني إلى عهد العباسيين أثر قديم في بغداد مثل هذا الأثر الجميل ~~البهيج. وما هو كذلك بنقشه وزخرفه فقط، بل بشوارد هندسته، التي يظهر أنها بنت الصدف ~~والحاجات. كأن الحجرات والأيونات قد نمت في هذه الدار، كما تنمو غصون الأشجار، أو صخرات ~~المرجان في البحار. # هي حقا دار الخبايا والخفايا، دار الأسرار والأحلام، وعجائب الليالي والأيام. كنت وأنا ~~أنتقل من حجرة إلى حجرة، ومن رواق إلى رواق، ومن ممر مظلم يطل على فراغ أظلم، ms023 أحس أني في ~~شباك من السحر والاستغواء. # ها أنا ذا في بغداد هرون الرشيد، في بيت من تلك البيوت المسحورة، المقيدة بمشيئة الغرام ~~العليا، المخلد ذكرها في ذلك الكتاب الأوحد، كتابنا العربي الخالد، الذي قال فيه أحد ~~المتنطعين المتحذلقين من الأدباء الأقدمين، إنه كتاب قصص بليدة. وهو اليوم من آداب العالم ~~الخالدة، يقرأه الإنكليزي والألماني والفرنسي والياباني كما يقرأه - أو كما ينبغي أن يقرأه ~~- العربي، مكبرا فيه العبقرية المبتدعة الساحرة. # إن الغريب ليضيع في تلك الدار. لا يستطيع، وهو يتغلغل فيها، أن ينبذ من ذهنه ذكر الكتاب ~~الشهير، وأماكن القصص البغدادية فيه. ولا عجب، في مثل هذه الدار جن أخو الحلاق وهو يطارد ~~عاريا تلك اللعوب الحسناء، التي قادته من باب إلى باب وهي تعدو أمامه، حتى أمسى وهو في تلك ~~الحال في السوق. وإلى مثل هذه الدار دخل الحمال بحمله، فإذا هو بين ثلاث حور ضجرات، يشتهين ~~من يلاعبنه ويلاعبهن. ومن الباب الخفي، في مثل هذه الدار، كان يجيء الجني ليحمل المبنج ~~والمبنجة إلى الظلمات الأبدية، أو إلى أحد فراديس الشوق والهيام ... # وخرجنا بعد التطواف من الإيوان، ونزلنا الدرج إلى صحن الدار، فإذا نحن في بغداد اليوم؛ ~~حيث النسوة العاملات ينقين جوز العفص لمعامل الأصباغ. # | الزيارة الثانية # قلما يرحب الكاتب بالنعمة التي تجيئه في ما يقطع عليه عمله، وقلما يدرك قيمتها. وإن ~~أدركها، فهو لا يتوقف عن التأليف، إذا كان شراع الفكر منصوبا للريح، وكانت الريح مواثبة. ~~أما الآن فالأمر بالتوقيف هو شبه عسكري، فلا تحول دونه ريح أو شراع. # من طالع كتابي «ملوك العرب» يذكر - ولا شك - الشيخ قسطنطين يني، رفيقي الكريم في رحلتي ~~اليمانية، فقد كان يومئذ الملازم يني، وكانت له في الحجاز مساع وآمال عربية، ما أدرك قدرها ~~الملك حسين - رحمه الله - لينتفع وينفع العرب بها. فأقلع الرفيق من الحجاز محوقلا، وبعد ~~الأسفار، في الهادئ والمضطرب من البحار، رسا في بيروت، واعتنق مذهبا من المذاهب الاجتماعية ~~القديمة، التي لا تزال محترمة، فأضحى زوجا، وأضحى أبا لابنتين، ms024 يحمل صورتهما وصورة أمهما ~~في جيبه على الدوام. وهو ينظر إلى صديقه في الجبل، إلى أخيه الأمين، نظرة الحزين؛ لأنه لا ~~يزال من المحرومين، الزوج والبنين. ولكنه محب لبنات أفكاره، معجب بها، وبنشاطه في التوليد، ~~ويروح ناشرا، على عادته في النشر والتبشير، خبر المولود الجديد قبل أن يتكون في بطن ~~الأوراق. # وهاكم الآن قصة الشراع المطوي. بينما كنت أكتب الفصل السابق، اجتمع الملازم يني بالملازم ~~راسم سردست، أحد رفقائه في الحجاز. والملازم سردست بدأ حياته العسكرية في المدفعية التركية. ~~وكان من المستبسلين في الثورة العربية، ومن أخلص المخلصين للسدة الهاشمية، وكان أحد أربعة ~~من ضباط العرب منحتهم الحكومة البريطانية رتبة # DSO ~~، ~~لاستبسالهم في محاربة الأتراك في الحجاز وشرق الأردن. أما الآخرون فهم نوري السعيد وجعفر ~~العسكري ومولود مخلص، ودخل الشام مع العرب الفاتحين، وهلل مع المهللين، وكان من المحزونين، ~~وراح بعد ذلك يداوي جروحه في تجارة السيارات ببغداد. # وكان الملازم سردست قادما من العراق يوم اجتمع به الملازم يني، فأخبره بما يشغل قلم ~~الأمين، فرفع يديه إلى السماء مستعيذا بالله، وقال: يجب أن نزوره حالا وننذره. # وفي اليوم التالي، شرف الفريكة الملازمان الكريمان، فرحبت - على المفاجأة - بهما. كنت ~~لا أزال أذكر الملازم سردست، وقد اجتمعت به في جدة يوم كان ياورا للأمير «زيد»، وأذكر ما ~~هو أهم من ذلك. كان عرش «الحسين» في تلك الأيام قائما على صخر رملي، في بحرة من التزلف ~~والمداجاة، وما كان بين الأصوات التي كنت أسمعها هناك غير بضعة أصوات للصدق والحرية، منها ~~صوت سردست عندما كان يستدرج للحديث، وصوت يني المسموع العالي على الدوام. وما تغير ~~الاثنان. لا التجارة أطلقت لسان الأول، ولا الزواج عقل لسان الثاني. ولكن الملازم سردست - ~~وهو صاحب الرأي في المشروع الحاضر - باشر الحديث، فقال: يجب عليك، يا أستاذ، أن تزور بغداد ~~مرة أخرى قبل أن تكتب كتاباتك. فإذا عولت على مذكراتك ومعلوماتك منذ عشر سنين تخطئ والله، ~~ويجيء الكتاب ناقصا؛ فقد تجددت أشياء، وتغيرت وتطورت أشياء كثيرة، لا يجوز ms025 أن تكون جاهلها. ~~يجب عليك أن تقف في عملك إذن، وتسافر غدا معي. سنعود في الطيارة، خمس ساعات في الجو، لا ~~غير. # فقال الملازم يني بشيء من الحماسة: «سأسافر معك، وحياة سميرة. ماذا؟ أتسافر وحدك؟ مستحيل! ~~فمن يا ترى يساعدك في عملك؟ ومن يعتني بشئونك، ومن يوقظك في الصباح؟ ومن ذا الذي يحافظ على ~~صحتك وسلامتك - وكيسك؟ لا، وحياة سميرة، لا تسافر وحدك. رجلي ورجلك سواء. نعم، إني مستعد ~~للسفر غدا.» # اقتنعت وما تحمست. فللأسفار في هذه الأيام - إن كان في البلاد العربية أو الأوروبية - ~~أنظمة وآداب لا بد من مراعاتها والعمل بها. فكيف أهبط على بغداد فجأة من الجو؟ وكيف أسافر ~~إلى العراق دون أن أكتب إلى جلالة الملك مستأذنا؟ # كتبت إلى الملك فيصل - رحمه الله - فجاءني منه ذلك الجواب الجميل، # 1 # وهو ينذرني فيه أنه سيأسرني في بلاده التي دعاها تلطفا بلادي. # وكنت بعد أيام أعد حقائبي للسفر، وكان الشيخ قسطنطين يسعى لإتمام الشكليات الرسمية التي ~~تتعلق بالجوازات وغيرها من المزعجات. وقد فضلت أن أظل قريبا من الأرض هذه المرة، فلا ~~يفوتني شيء مما جد أو تغير حتى في طريق الصحراء. ~~••• # رحلنا عن بيروت، في أصيل يوم مشرق مدفئ من أيام شباط سنة 1932، ورحنا نطوي طريق الجبل ~~طيا، فمررنا بعد نصف ساعة بمدن الاصطياف التي كانت وقتئذ مستكنة متقشفة، مثل الحلزون في ~~صدفه، والتي ستغدو بعد شهرين، قطب اللذات والطرب، مستجنة للناس، مستعينة عليهم بالوسواس ~~الخناس. # هدرت السيارة في جوار تلك المدن الهادئة، وفي أسواقها الساكنة المهجورة، فارتفعنا عند ظهر ~~البيدر خمسة آلاف قدم فوق البحر؛ حيث كان الثلج والشمس يتعاونان في تعديل طبيعة ~~الهواء. # وكان ذلك اليوم ثابتا في كرمه وإشراقه، فما تقلب حتى في تقلب المناظر ودرجات العلو، بل ~~ازداد جمالا عندما أطللنا على سهل البقاع - 2500 قدم دوننا - وقد فرش بالطنافس الخضراء ~~والصفراء والبنية. وهناك بين صفوف معوجة من الصفصاف، تنقطع ثم تتصل، يظهر ويختفي الخط الفضي ~~الرقيق، نهر الليطاني، فيبدو حينا كالسهم، وحينا كالهلال، ms026 في طريقه إلى البحر. وفي آخر ~~السهل الجبل الشرقي، وقد قل فيه الثلج والاخضرار، فهو جاهم مانع، إلا في منعطفات أوديته؛ ~~حيث طريق الأسفلت تنساب بين البطاح. # وبعد ساعة من سهل البقاع، لقينا الجمال الحي الطروب في المياه الجارية والبساتين، إنما ~~الأشجار كانت لا تزال في إغفاءة الشتاء، وكان نهر بردى لا يزال مكفهر الجبين مما تثقله به ~~السيول. # ذلك مدخل دمشق الغربي، وفي صباح اليوم التالي، بعد أن بتنا في المدينة، كنا نسير في ظل ~~الجمال الذي يزدان به مدخلها الشرقي. أما الجمال نفسه فإنما هو الغوطة السندسية، وقد كان ~~على وجهها نقاب رقيق من أنفاس الشتاء الجامدة. مررنا بين بساتين من المشمش والجوز دكناء، ~~وحقول للكرمة والقنب غبراء سمراء، وبعد أن اجتزنا النيف والعشرين ميلا منها، دخلنا فجأة ~~في الأرض اليباب، فانكشف لنا فراغ البادية، بل تشبح أمامنا هول الشول. # وهناك من هذا الهول وذلك الفراغ خمسمائة ميل ويزيد، لا ينقطع حبلها إلا في وادي حوران، ~~الذي يشق بادية الشام من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي - من الفرات إلى الجوف - وفيه ~~الحيا؛ أي الماء والكلأ، لمن ينشدونه من البدو. # بعد أن نخرج من الغوطة، ونجتاز مسافة لا تتجاوز عشرة أميال، نصل إلى مخفر حديث البناء ~~يدعى أبا الشامات؛ حيث تستوقفك الحكومة السورية الانتدابية لتنفذ فيك أوامر ثلاث من ~~دوائرها، هي دوائر الجمرك والشرطة والاستخبارات. فهل تحمل شيئا في حقائبك فرض عليه رسم ~~جمركي؟ وهل تحمل جواز سفر مقبولا لدى الحكومة التي تحمل بعض أثقالها، أو لدى القنصل الذي ~~تنتمي إليه، ولا ينتمي هو إليك؟ وهل أنت ممن تأذن لهم دوائر الشرطة والتحري والأمن العام ~~بالخروج من البلاد أو بالدخول إليها؟ هذه المسائل تصدم بها عند بئر الماء، على حاشية ~~البادية؛ حيث ابتني مخفر أبي الشامات. تعسا لحكومات هذا الزمان التي جعلت أكل النار أهون ~~من الأسفار! # منذ عشر سنوات دخلنا دمشق سالمين، بعد أن اجتزنا البادية آمنين، وما كان على الباب شرطي ~~أو دركي أو عبيد مستشارين. فالمخفر ms027 في أبي الشامات إذن هو شيء جديد غير سعيد. # وهناك جديد آخر لاحظناه، إلا أنه من حسنات الطريق. منذ عشر سنوات كانت السيارات تخرج من ~~دمشق أو من بغداد لتجتاز البادية في أي يوم كان من الأسبوع، على شريطة أن تكون مصحوبة ~~بدليل. فما كان قد أنشئ خفر البادية، وكان المسافرون عرضة للعصابات أو للشاردين الناهبين ~~من البدو. # أما الآن فلا تخرج السيارات إلا في يومين معينين كل أسبوع، فتسير كلها قوافل، يضمن فيها ~~التعاون إذا تعطلت إحداها، وتضمن سلامة الركاب وأموالهم دوريات شرطة البادية. # ما بقي إذن من الأخطار غير اثنين! الواحد من الطبيعة، والثاني من الإنسان. أما الأول فهو ~~جنون البادية، ذلك الجنون الذي يخشاه حتى أبناؤها. هو هول الشول بعينه. هو جنون الرياح ~~العاصفة. هو «إعصار فيه نار» وفيه ما هو أشد بلاء، إعصار يحمل من الرمل والتراب ركاما، ~~فيضيق على المسافرين الرحبات، ويسد مواطن النظر كلها. إعصار يعمي الأبصار. وما هذا كل شره. ~~فهو إذا لقي قافلة في طريقه، وكان سائق إحدى السيارات ضعيف النظر أو العصب أو القلب، وغير ~~ماهر في مهنته، فتهتز يداه القابضتان على الدولاب، فتدور السيارة بجنبها للمهب، بدلا من أن ~~تظل سائرة وإياه في خط مستقيم، مدبرة أو مقبلة - إذا كان الأمر - كذلك ينفخ الإعصار في ~~جوف تلك السيارة، وتحت أنفها، فيرفع بها عن الأرض، ويقذفها قذفة فيها الدمار ~~والموت. # أخبرني من شاهد مرة إحدى السيارات في مثل هذه المحنة. فكان الإعصار يعصف فيها عندما ~~جنبت، فرفعها فوق الأرض، وقذف بها بضعة أمتار من الطريق، فحطمها وقضى على كل من ~~فيها. # أما الخطر الثاني: فهو من طمع الإنسان المتاجر بالأسفار، ومن جهل المسافرين، أو من رغبتهم ~~في توفير دريهمات من المال. فإنك لتعجب وتحزن إذا رأيت سيارة من سيارات الشركات الوطنية، ~~حاملة ستة من الركاب، راكمة حقائبهم وصناديقهم، ليس إلى الوراء وحول الخزان فقط، بل إلى ~~الجنبين، على طول الدرجتين حتى مستوى سقفها، فتسد كل الأبواب، إلا واحدا لا غير. فماذا ms028 ~~يفعل الركاب إذا ما فاجأهم الخطر؟ إذا انقلبت السيارة، أو اشتعلت بها النار من عود ثقاب ~~مشتعل يرمى إهمالا بين الحقائب، فكيف يخرج الركاب والسائق، كيف يخرجون مسرعين لينجوا كلهم ~~بأنفسهم؟! # طريق الصحراء (تصوير الدورادو). # كانت في موكب ذاك اليوم خمس سيارات مشحونة، مزدحمة، مسدودة الأبواب كما وصفت، وسيارتان ~~كبيرتان تحمل الواحدة عشرين راكبا، كراسيها معدودة، فلا سبيل للازدحام فيها، وسطحها معد ~~لأمتعة الركاب، ثم ثلاث سيارات شحن، منها واحدة تحمل البريد. والموكب يسير غالبا في وقت ~~واحد. # هذا النظام في السير هو من حسنات السفر بين سوريا والعراق. فهو يذهب بهول البادية، إلا في ~~عواصفها، ويزيل وحشة الطريق وأخطارها. ولم يبق من حاجة إلى دليل. لقد أضحت الطريق معروفة من ~~آثار الدواليب فيها، وكثيرا ما تسير السيارتان والثلاث في صف واحد، مقابلة بعضها البعض، ~~ويطلق للسبق البنزين. # وهناك غير هذا الجديد المفيد. هناك الأنصاب إلى جانب الطريق، وما هي بعيدة بعضها عن ~~بعض، تنبئ المسافات، كيلومترا في الناحية السورية، وميلا في الناحية العراقية، وتزيد ~~بالاطمئنان. إنما هي الدليل الصادق اليوم. أو هي وأثر الدواليب تهدي السائقين فلا يتيهون، ~~ولا يضلون السبيل. ~~••• # لقد مدنت البادية، وأهم ما تغير وأنشئ فيها، إنما هو في الرطبة. هناك، شرقي وادي حوران، ~~في قلب الشول، في منتصف الطريق، بين دمشق وبغداد، آبار الماء، التي لم يكن يعرفها منذ عشر ~~سنوات غير البدو، بل الإدلاء من البدو. # تلك الآبار يكنها العراء، ويحيط بها الهول العاري، فلا شجرة ولا صخرة ولا شعيب ينبئ بها، ~~أو يدل عليها. تلك الآبار هي إرث البدو، أيا كانوا، ومن أي قفر جاءوا، يسوقون أغنامهم ~~وقوافلهم إليها. وكل من وردها كان يحمل دلوه وحبله. وإلا فلا سبيل إلى الماء، ولا ~~حيلة. # فلو وردها جماعة من البدو، ولا حبل معهم ولا دلو، وكان على الماء من معهم الاثنان، وكانوا ~~معادين مانعين، فلا بد من قتالهم وغلبتهم؛ ليصيروا من أبناء الرحمة والمعروف. وكم من معركة ~~شبت نارها حول هذه الآبار بين أبناء البادية ms029 المتغازين الذين هم «قوم» بعضهم لبعض؟ كذلك ~~كانت الرطبة، رحمة من الله مدفونة في الشول، تحف بها الأخطار، ويحميها الموت. # وما هي اليوم؟ إذا كان الثناء على الإنكليز في هذا الشرق يستوجب الشجاعة، فإني مجمع الآن ~~ما عندي منها وبادئ باسم الله. يقول الوطني العربي: إن الإنكليز شيدوا هذا البناء - هو مخفر ~~وحصن ونزل ومركز لاسلكي - لحماية طائرات الإنكليز، لمصلحة الإنكليز، لراحة الإنكليز لا غير. ~~فيا أخي العربي الوطني، إنك لتغيظ، وإنك لتستنفد صبر الصابرين. فإن كانت العاطفة الوطنية ~~شريفة، فذلك الشرف يزول إذا كانت العاطفة عمياء. وإن كان العداء للمستعمرين حقا وعدلا، ~~فإنهما يفسدان، إذا لم يكن لذلك العداء فكر وحكمة ووجدان. وإذا كانت المقاومة للحكم الأجنبي ~~واجبة - وهي كذلك - فإنها تفقد القوة والروعة والتأثير إذا ظهرت في مظهر التحامل ~~والحماقة. # إن الرطبة اليوم مرفق عراقي في إدارة وزارة الأشغال والمواصلات العراقية. وهو كنزل يستوجب ~~التحسين. فالأثاث رث على جدته، والمرافق وسخة، والطعام معظمه مما يجيء بالعلب مما وراء ~~البحار، والخدمة عراقية، والأسعار إنكليزية. قد يكون ذلك كله من سوء الإدارة - الحكومة تؤجر ~~النزل - وقد يكون من نقص في الميزانية. فالركاب الوطنيون قلما يبيتون أو يأكلون في النزل، ~~والأوروبيون قليلون. على أن النظافة مع ذلك ممكنة، وهي لا تستوجب غير إرادة المدير وحزمه، ~~فيقوم الخدم بأعمالهم ويحسنونها. # أما من الوجهة الفنية، فإن المكان يشهد على علم من تولوا البناء، وعلى عزمهم ونشاطهم. وفي ~~الشرق الشمالي من هذه البادية مدينة من الحجر ضخمة متهدمة، بنيت عهد الدولة البرثية، في ~~الحروب بين البرثيين والرومان. إنها مدينة الخضر، وهي أفخر وأعظم حتى في خرائبها من ~~الرطبة. ولكننا لا نحتاج اليوم إلى أسباب الدفاع القديمة - أسوار ضمن أسوار تحيط بها ~~الخنادق، وبروج فوق بروج تحميها الحصون - لا شيء من هذا في الرطبة. # ولكن فيها كل أسباب الدفاع الحديثة. فإذا جاء العدو من الجو، يصعب عليه هدم هذا الحصن ~~المنخفض الوديع؛ لأن سطحه المزدوج المصفح يرد القنابل خائبة خاسرة. وإذا جاء العدو من ~~البادية ms030 فالجدران الخارجية السميكة، الخالية من النوافذ، لا يخرقها رصاص البنادق، وقلما يصل ~~إليها رصاص المدافع. هو ذا علم اليوم وهو ذا عمله. فهل يصغران يا ترى بالمقارنة بينهما وبين ~~العلم والعمل في الماضي؟ من الجهة الشكلية، نعم. أما من الجهة العملية، فلا، تلك هي ~~الحقيقة. فمثلما جلب الرومان إلى قلب البادية الحجارة الضخمة، والعمد الكبيرة، كذلك جلب ~~الإنكليز قطع الفولاذ، وجسور الحديد، وأدوات العلم والدفاع. فمن وراء السور على السطح تنطق ~~المدافع الرشاشة، ومن غرفة اللاسلكي يبرق نداء الاستغاثة إلى بغداد والقاهرة أو إلى ~~لندن. # تلك هي الرطبة. قد كانت أمس بئرا مختبئة في بطن الأرض، يتقاتل ويتذابح حولها البدو، وهي ~~اليوم السقاية الكريمة - ولا دلو ولا حبل - والملجأ الأمين، للبدو وللطيارين، وللسائقين ~~والمسافرين، من الإنكليز كانوا أو من العرب، أو من النوبيين. تلك هي الرطبة. قد كانت أمس ~~الهول المجسم، الهول العاري الأعمى الأصم، فلا يرى غير الدلو، ولا يلين لغير الحبال، وهي ~~اليوم ذات عين تبصر، وصوت ينطق، وعقل يفكر، وقلب يعطف ويحنو. فهي تسمع صوت الإعصار يزمجر ~~وراء الآفاق المشرقة، وترسل أصواتها المنذرة إلى ما دون الآفاق. هي تهدي الطيارين فلا ~~يضلون، وتحذرهم من العواصف فتقيهم أخطارها. وهي للمسافرين نعيم ساعة على الأقل، وللواردين ~~المستقين عون على الدوام. # وإن في الرطبة ما يسلي ويطرب حتى أخي العربي الوطني. عندما دخلنا ردهة الاستراحة، الساعة ~~العاشرة من الليل، كان الوقت بلندن وقت الشاي؛ أي الساعة الخامسة بعد الظهر، وهي ساعة ~~الإذاعة اللاسلكية. وكانت في الردهة آلة الراديو مفتوحة ترحب بنا بقطعة من «عائدة» لفردي، ~~كانت تعزف في تلك الفينة بلندن، يعزفها جوق كبير على معازفه الخمسين. ورأينا بعض المسافرين ~~يطالعون الجرائد، وبعضهم يشربون الويسكي أو الشاي، وهم يستمعون إلى لندن تغني! لندن في ~~الرطبة، وكانت الرطبة بالأمس ثقبة في ظهر الشول. ~~••• # شئت أن نبيت في الرطبة، وشاء الرفيقان أن نصل إلى بغداد صباحا، فقلت: ضعيفان يغلبان ~~قويا، فكيف بقويين. في الساعة الحادية عشرة إذن نهضنا للإسراء. # وأين السيد يحيى؟ ms031 نعم، إن سائق السيارة وصاحبها لسيد من السادة ، سيد كبير من بغداد، عريض ~~المنكبين، عريض الصوت والدعوى، يعنجر ويزنجر، ويلف حول لبادة رأسه خمسة أذرع من الكشمير ~~الهندي. ما كان في تلك الساعة على مرأى أو مسمع منا! فراح الشيخ قسطنطين ينشده ويناديه. ~~ولقسطنطين صوت يعلو صوت السيد ويجعله بالمقارنة أنثويا. سمعته وهو واقف في بوابة الحصن ~~يرسل ذاك الصوت في الليل - يسخر الليل - ليحمله إلى السائق السيد حيث كان، ويبرزه للوجود. ~~يا سيد يحيى! يا سيد يحيى! # وكان لا يزال نور السراج يبصر في المقهى خارج الحصن، وكان أحد الحراس عند البوابة، فقال ~~لقسطنطين: «خفف عنك، وامش إلى حيث النور، فتسمع السيد يغط قبل أن تصل إلى المقهى.» # بعد دقائق رأينا السيد يجر نفسه وراء قسطنطين، وهو يلف أذرع الكشمير على رأسه وحول أذنيه، ~~ثم لبس معطفه المبطن بصوف الغنم. ولا عجب. إن برد البادية في الليل لأشد من برد الجبال، ~~والرطبة لا تفرق كثيرا عن دمشق في علوها - 650 مترا - عن سطح البحر. # لذلك اقتدينا بالسيد، فلبسنا لليلة شباط وريحها أثقل ما عندنا، ونحن نردد متورعين الكلمة ~~التي كان يرددها قبل أن يضع يديه على الدولاب: توكلنا على الله! # ولكننا بعد نصف ساعة من السير، أحسسنا بأن يد السيد تهتز، والسيارة تتذبذب في العراء ~~المجهول. فصاح الشيخ قسطنطين به أن قف. ~~- قف يا سيد، وفتش عن الطريق. # ثم نزل هو بنفسه يتحقق ظنه، فعدنا نحو خمسمائة متر إلى الوراء ننشد أثر القوافل ~~السيارة. # قبل أن خرجنا من دمشق أطنب قسطنطين بمدح السيد السائق. هو أحسن السائقين في الشام وفي ~~العراق، وهو رجل صادق شريف - من سلالة النبي - هو سيد! وكأني بالرفيق قد نسي ما كان من حظنا ~~وأولئك السادة في اليمن. وهم - على زعمهم - خلاصة الخلاصة، زبدة السلالة النبوية. وقد كان ~~رفيقي في نجد سيدا كذلك، وما كنت في رفقته من أسعد الناس، فقد كان خمرا في أول أمره، وخلا ~~في آخره. # في تلك الساعة، وفي قلب البادية ms032 وشدة الليل والبرد، وددت لو أن سائق سيارتنا من غير ~~السادة، فقد عادت اليد القابضة تهتز على الدولاب، وصرنا للمرة الثانية خارج الطريق. نبهنا ~~إلى ذلك قسطنطين على عادته. فهو في الأسفار، ساعة الخطر، أكثر من عرفت تيقظا وحزما. ~~ولكنه - خذ الحقيقة بكاملها - أكثرهم تشاؤما. صاح بالسيد وفي صوته رنة الأمر والتوبيخ، ~~فتوقف فورا، ثم قال يخاطبه: هل أنت نائم؟ ~~- لا والله. ~~- هل أنت نعسان؟ ~~- لا والله. ~~- والله أنت كذاب. والله ستنام - كلنا ننام. # أظن أن السيد سلك ذلك المسلك ليصل إلى هذه النتيجة. نمنا كل في مكانه من السيارة، نحو ~~ساعتين، نوما متقطعا. وكان الواحد منا، كلما صحا، يلعن ريح شباط، وبرد ليله، ذلك البرد ~~الذي يخرق المعاطف كلها ويتغلغل في الأمعاء، فيقلصها ويزيد في تعقدها. # لزمتني الرعدة بعد أن استأنفنا السير، وأحسست بوجع معوي شديد. وعندما رجا الشيخ قسطنطين ~~السائق أن يقف، كما كنت قد فعلت، ضحكت، على ألمي، وسمعته وهو عائد إلى السيارة يقول: «هذه ~~مذلة، وأية مذلة، أن يكشف المرء قفاه لهذه الريح القبيحة ... وبي صداع أيضا ... بودي لو بتنا ~~في الرطبة.» # كان الفجر ساعتئذ يتثاءب ويتمطى، ففاجأته الشمس، وهي مثله كليلة أو عليلة. رفعت رأسها من ~~بطن الأرض - من حافة السهل المنبسط أمامنا - بدون مقدمات، وهي أشبه بالقمر المغيوم، فما ~~شعرنا بحرارة وجودها، إلا بعد ساعة من تشريفها. وكان السيد أول من استنشط فينا، فحاول أن ~~يعوض عما كان من إبطاء، فزاد بالسرعة حيثما استطاع. على أن الجانب العراقي من هذه البادية ~~هو وعر، والطريق كثيرة الأخاديد. # وبينما كنا سائرين بسرعة تنيف على الثمانين كيلومترا في الساعة، رأينا أعرابيا يلوح ~~من بعيد بردن قميصه، ورآه السيد وما اكترث به، فتململ قسطنطين غيظا. قسطنطين، الآمر ~~بالمعروف، الناهي عن المنكر، على الدوام، وإن كان مكروبا متألما، قسطنطين، حاضر الفكر، ~~بعيد التصور، لله دره، فقد ذكر في تلك الفينة أن قسما من القافلة تقدمنا، وظن أن إحدى ~~السيارات أصيبت بأذى، فأمر السيد أن يقف. قد يكون هذا البدوي ms033 قادما من قبل القوم ~~مستنجدا. وقد يكون هو نفسه في حاجة إلى إسعاف. ~~- وقف يا سيد. أما سمعت؟ أقول لك وقف! # وكان الأعرابي لا يزال يعدو ويلوح بردنه، فبتنا ننتظر وصوله. ولبثنا ننتظر، بعد أن وصل، ~~رجوع النفس إليه، ثم قال إنه عطشان، يكاد يموت من العطش. # فجبهه السيد يحيى بهذه الكلمات: «يا ملعون، يا ابن الملاعين!» # فكشف الأعرابي عن صف من الأسنان كاللؤلؤ المنظوم. ~~- وماذا يصير في الدنيا، يا ابن السعادين، لو فطست؟ # فابتسم الأعرابي ثانية دون أن يفوه بكلمة. ~~- وتضحك يا لعين. تضحك يا أبله البله، يا كلب البدو. لعنة الله عليك وعلى جدودك. خذ ~~اشرب. # فابتسم الأعرابي ابتسامته الكبرى، ابتسامة العيد، وقبض على القربة بكلتا يديه، فشرب ~~واشتف وحمدل، ثم مال بوجهه إلينا وقال: بأمان الله. # أما قسطنطين فكان يصرف بأسنانه، فقال للسيد بعد أن استأنفنا السير: «أما كان أجدر بك أن ~~تسبه ولا تسقيه، أو تسقيه ولا تسبه، أو لا تخشى أن تعطش أنت ذات يوم في البادية، فلا تجد ~~لا من يسقيك ولا من يسبك؟» # فأجاب السيد: «ما شاء الله كان، وما يشاء يكون. الله سبحانه وتعالى، أعطى اللعين الماء، ~~وأنا، سبحاني، أعطيته ما يستحق.» # فأفحم قسطنطين وغلب. إن «سيده» لصاحب ذكاء ودعابة. وما كره أناس البدو كره السادة. ~~وما كرههم أحد السادة كره هذا السيد؛ فقد استمر يقول: «البدو - البدو» ثم يبصق ويقول: ~~«بعر الجمال خير من البدو، بعر الجمال يصلح للنار، والبدو لا يصلحون لشيء.» # كظم الشيخ «قسطنطين» ما أصابه من وقاحة «سيد السيارة» ثم أعاد الكرة عليه، وكان الحديث ~~هذه المرة في السياسة، فسأله قائلا: «ومن هو في نظرك الوطني الأكبر في العراق؟» # فأجاب بصوته الجهوري الغلاب: «الوطني الأكبر؟ إه نا (أنا). والبرهان أني الوطني الأكبر، ~~إني لست مثل أحد من الوطنيين. لا المال أبغي، ولا الوظيفة، لا أريد شيئا من الحكومة. إه نا ~~أحب وطني مجانا لوجه الله.» # سكتنا جميعا، وجاء نسيم الصباح مع نور الشمس ينعش ما زعزعت ريح السيد ms034 من يقيننا، ويداوي ~~ما أصابنا من رياح الليل. فعاد إلينا شيء من حسن الظن بالكون، وبالسادة. ~~••• # من الرطبة نبدأ بالهبوط هبوطا محسوسا، وعندما نصل إلى الرمادي ينبئ عداد الارتفاع بأن ~~هذه البلدة العراقية، على حاشية البادية الشمالية، هي ثلاثمائة متر فوق سطح البحر. وفي ~~الرمادي شيء مما نلقاه في أبي الشامات، إلا أنه أخف، ولا يد أجنبية فيه. فالمأمورون في ~~دائرتي الجمرك وجوازات السفر كلهم عراقيون، وقد ألفيناهم على جانب من اللطف جزيل. # استأنفنا السير ساعة الظهر، ونحن لا نزال آخذين بالنزول، فعبرنا الجسر في الفلوجة، ~~ودخلت السيارة بعد ذلك نعيم الزفت. ذلك النعيم الذي لا يدوم طويلا في طرق العراق. إنما هو ~~قطع، أو حتت، بلغة أهل مصر، من الزفت، تصلها بعضها ببعض الطريق القديمة الحافلة بالغبار ~~والأخاديد. ومتى يتم نعيم الزفت؟ سألت السيد يحيى هذا السؤال، فكان جوابه أن «الوطنيين» في ~~الحكومة مثل المستشارين، وأن المستشارين من سلالة البدو. وقد شنف آذاننا ببعض ألفاظه ~~المنتخبة التي رمى بها ذلك الأعرابي. # على أننا شاهدنا في الطريق بعض العمال وأدوات العمل، ثم أخذت تقل لعنات الوصل، ويطول نعيم ~~الزفت، في دنونا من بغداد، ومن مستوى البحر، فإن المدينة لا تعلو عن سطحه أكثر من تسعين ~~مترا. # عبرنا جسر الحديد الصغير الذي بناه الترك في أواخر القرن الماضي، وعيدت بغداد يوم افتتاحه ~~وبعده عيدا طويلا مهلهلا، وبعيد ذلك وقفنا أمام البناية التي كانت ولا تزال ~~الجمرك. # أمر المدير - وهو شاب أشقر أعمش - بأن تنقل حقائبنا كلها إلى غرفة الفحص، ثم دخل إلى ~~مكتبه يتبعه الشيخ قسطنطين حامل الجوازات والسيد يحيى، وبينا كان يفحصها ويسأل سؤالاته ~~المعتادة، سمعت أولا صوت قسطنطين، ثم صوت السيد يعلوه ويمحوه، وسمعته يصيح: «اتق الله يا ~~رجل، نحن ثلاثة، وما معنا غير ثلاث زجاجات.» الأمر أمر خمر. # ولكن المدير أصر على ما يظهر، وما أسر السيد العنجري، الثلاث لواحد من الركاب ~~الثلاثة - هذا ما يفترضه حضرة المدير، وافتراضه هو وفق القانون، ولمصلحة الجمارك العراقية - ~~فعلينا إذن أن ms035 ندفع رسم الجمرك على زجاجتين من العرق. مدير مدقق - مدير يهودي. وسمعت السيد ~~يقول وهو خارج من مكتبه: «يهودي أبو شمعة! لولا كرامتكم والله، لمرغت أنفه ~~بالتراب.» # وعلى جسر «مود» استوقفنا آخر من أولي الوجوه البيض، والعيون العمش. وكنا قد شاهدنا بين ~~المارين ثلاثا من الحسان، يلبسن العباءة دون الحجاب، فقال السيد بعد أن دفع رسم المرور، ~~ولعن الوكيل: «وهذا يهودي أبو شمعة، ينصبونهم لنا في كل مكان ليلتقطوا الفلوس. ولكن لهم ~~«خويات» والحمد لله. أرأيت الثلاث اللواتي مررن سافرات؟ هن أخوات أبي شمعة هذا، ولولا ~~إحداهن لما كان هو على الجسر في هذه الوظيفة يلتقط الفلوس.» # وكنا - والحمد لله - قد أدركنا النهاية من رحلتنا، بل وصلنا إلى حيث تبدأ الرحلة، فنباشر ~~البحث عما جد وأنشئ في بغداد خلال السنين العشر الأخيرة. ~~••• # قد أشرت إلى ما كان من تجديد وتغيير في طريق الصحراء، وأول ما نشاهده في العراق هو جسر ~~الفلوجة الذي كان من خشب، فأصبح من حديد، ثم الطريق من الرمادي إلى بغداد، التي باشرت وزارة ~~الأشغال تزفيتها، وستتمم العمل، وهي طويلة العمر، بإذن الله، فيغدو مدخل العاصمة من الغرب ~~ناعما للمسافرين، ومستحقا إعجابهم. # إن القسم الأخير منه لهو الآن كذلك. فمن الجمرك إلى جسر «مود» جادة كانت ترابا في ~~الصيف، ووحلا في الشتاء، وهي اليوم شارع واسع مزفت مشجر، أطلق عليه اسم الملك فيصل، ~~إلا أن في ساحته عند الجسر جنينة مدورة تشكو العطش والإهمال، وتشتاق الزهور! # وفي هذه الساحة، وسط الجنينة، تمثال الملك فيصل في القيافة العربية، على جواد شبه عربي، ~~صنعه المثال الإيطالي المشهور بياترو كانونيكا. وقد صنع أيضا تمثال عبد المحسن السعدون ~~القائم في باب شرقي. أقف عند هذين التمثالين لأقول الكلمة الواجب قولها، لا تأسفا على ~~خمسة آلاف الدنانير ثمنهما، ولا تنقصا من شهرة صانعهما، بل تنبيها للحكومة العراقية التي ~~تحتاج حقا إلى مستشار في الفنون الجميلة، فلا تقدم مرة أخرى على هذه مثل هذه الفعلة في ~~تكريم رجالها الخالدين. # إن في هذين التمثالين ms036 البرهان الموجع على افتتاننا بما هو للغربيين من الآثار الفنية، ~~وعلى ظننا أنها كلها ممتازة، وعلى جهلنا بما يكون من إسفاف الفنان الغربي، إذا انتدب لعمل ~~وطني فني في بلادنا. إني على يقين أن حاضر هذين التمثالين لخير من مستقبلهما. فإنهما قائمان ~~اليوم فوق مرمر سدتيهما بسلام وأمان. أما غدا، عندما تنشأ الفنون الجميلة في البلاد، ~~وينبغ في الأمة الفنانون، ويصبح المثقف البغدادي في تذوقه جمال الفن، كما هو في تذوقه الشعر ~~والأدب، فلا أمان على التمثالين ولا سلام. # غدا تحمل صحافة بغداد عليهما؛ لأنهما من سقط المتاع، لا فن فيهما ولا حقيقة، لا الوجه ~~وجه فيصل ولا الجواد جوادا فيصليا، ولا الوجه وجه «عبد المحسن» ولا الوقفة وقفة من ~~وقفاته الوطنية الرائعة. غدا - أقول - يحم القدر، فيثور ثائر الشعب على التمثالين، ~~فينزعهما من مكانيهما، ويرمي بهما في دجلة، غير آسف على تلك الدنانير التي قبضها ذلك الفنان ~~الإيطالي، ثم تنتدب الحكومة العراقية، التي تكون قد استنارت بنور الفنون، مثالا عراقيا ~~أو سوريا أو مصريا ليصنع للرجلين الخالدين ما يليق بهما من التمثيل بالصفر أو بالرخام. ~~عندئذ يتم التكريم لهما، وخصوصا للملك فيصل في ذكريه - شارعه وتمثاله. # هيا بنا، قد انفتح الجسر، وهو لا يزال ذلك الجسر الخشبي الذي يفتح مرتين في النهار لعبور ~~السفن. ولا يزال القسم الذي يفتح منه كما كان. أما القسم الأكبر فقد فرش ممر السيارات ~~منه بالزفت، فخفت الأصوات تحت الدواليب. والعلمان - تبارك العلمان الأبيض والأحمر - فهما ~~مقيمان على عهد مخترعهما العبقري، فلا يزالان قيد أيد بشرية ترفعهما وتخفضهما لضبط سير بين ~~الكرخ والرصافة، وهما على ما يظهر من الآثار الفنية الخالدة، تبارك العلمان. ~~••• # أما ونحن الآن في بغداد للمرة الثانية فإننا نتوكل، بعد الله، على الملازم سردست ليهدينا ~~إلى ما أصلح وأنشئ وجدد خلال السنين العشر الأخيرة. إن أولها النزل ذات الأسماء ~~الإنكليزية المضللة - نزل وندزور، نزل كارلتون، نزل كرزون، نزل مادجستك - وأحسنها، هو هذا ~~النزل الذي نحن فيه، فقد كان اسمه نزل مود، ms037 فتغير بعد ذلك مرارا، وصار يدعى نيغريس بالاس؛ ~~أي قصر دجلة. # إنه صادق في الشطر الأخير من اسمه، فهو على دجلة. أما الشطر الأول فهو مثل أسماء النزل ~~الأخرى كذب وتضليل. ليس في بغداد اليوم قصور، إلا إذا قلنا قول القاموس: إن القصر كل بيت من ~~حجر، وقد سمي كذلك لاقتصاره على بقعة من الأرض بخلاف بيوت الشعر، فلا ينتقل مثلها. إذن كل ~~بيوت بغداد قصور. إما إذا كان القصر قصرا لقصور الناس عن الارتقاء إليه - لا نزال رهن ~~القاموس - فليس في بغداد قصر واحد؛ لأن أعلى بيوتها لا تتجاوز الثلاث طبقات، ولا يقصر دون ~~ارتقائها لا العرج ولا ذو الفتوق. # لنصرف النظر عن الاسم إذن، ونسرحه في هذه الغرف القائمة حول صحن كبير التي ينشد فيها ~~المسافرون - وجلهم من الأوروبيين - الراحة والهناء - والأوروبي من مأكول ومشروب، وإنهم ~~ليجدون كل ذلك. ويجدون فوق ذلك ما هو حقا جديد؛ أي الغرف المجهزة بالحمامات ~~الخاصة. # لأول مرة نزلت في هذا «القصر» كان صحنه بستانا، فيه أشجار النخيل والرمان، وأزاهر الفل ~~والمرجان، وظلال بينها وشاذروان. # ولما زرته ثانية كان قد اضمحل البستان، واختفى ترابه تحت فراش من البلاط الأبيض، وما بقي ~~من أشجاره غير نخلة واحدة، أقامت في قلبه وحيدة، وكان إلى جنبها قسطل من حديد، يرفع رأسه ~~إلى ما فوق صدرها، ويحمل إليها - على ما أظن - روائح ما تحت أرض الصحن من مجارير. رثيت ~~حقا لحال تلك النخلة، التي فرض ذلك الرفيق عليها، فظللته كرما، فأفسد جوها لؤما. ~~وأظنني لفت نظر المدير يومئذ إلى هذه الفجيعة في الاقتران، فقلت: «اقطع النخلة أو أجرها ~~من هذا الفظيع قرينها.» # وإنه ليسرني أن أقول الآن إن مدير التيغرس بالاس عمل برأيي، ولكنه تحرى فيه المساواة فقضى ~~على القسطل والنخلة معا، وقد أمسى الصحن ساحة بيضاء، عارية، جامدة، عقيمة، يتسابق فيها ابن ~~المدير ورفقاؤه على الدراجات، وتدخلها فتحط فيها السيارات. إنا لله ... # على أنه قبيح بنا ذم «قصر دجلة» ما دام يوسف الكلداني التلكيفي مديره، وما ms038 دام المعاونون ~~والخدم من إخوانه الكلدانيين التلكيفيين. فإن أبناء تلكيف متصفون معروفون؛ حيث كانوا ~~بالنشاط والإقدام، والصدق والاستقامة، واللطف والتهذيب. تلك هي الحقيقة. وليس في «قصر دجلة» ~~ما قد يكون شائنا لسمعته ولفضائله غير ذلك ال «بار» الأمريكي، الحافل بالكئوس والقناني، ~~المغري بابنة الدالية، وابنة الشعير الغالية، وبكراسيه العالية. ذلك ال «بار» الذي يديره ~~ابن عم يوسف، الحذق اللبق، البسام على الدوام، فيمزج العقيق والذهب والمرجان - الوسكي ~~والرم والجن والجان - ولا يبالي بما يكون من شأنها في رءوس الشبان، المسلمين والكلدان، ~~الذين يتهافتون على «نعيمه»، تهافت الذباب على أديمه. فيا يوسف، ويا ابن عم يوسف، ارفقوا في ~~الأقل بالشبان العراقيين، وفرغوا زجاجاتكم في بطون البريطانيين. # ولا تتشبهوا في مطبخكم بهؤلاء الإنكليز، الذين قد يحسنون كل شيء في الحياة، إلا الأكل وفن ~~المطبخ، فيسلقون الخضر ويحسبونها مطبوخة، ويشوون اللحوم، ويقدمون معها الأبازير والسوائل ~~المقبلة ليكمل طبخها الضيوف، كل على مائدته. والعجل والثور والخنزير، يا يوسف، إنك فيها ~~عدو العرب، تجيء بالثور في التنك، وتجلب الخنزير بالصناديق، وتطبخ منها وتقدمها - باردة - ~~لأبناء لندن ولا بأس - وتفسد بها - ولا رحمة في قلبك، ولا رحمة عليك - معد العرب وأذواقهم - ~~ودينهم! وماذا يفعل خس بغداد بخنزير يور كشير؟ وما لذة الحبارى، يا ابن تلكيف، وهي تستحيل ~~في مطبخك قطعة من ال «روس بيف»؟ # أما الخدم فإنهم جديرون بالثناء لما يحسنونه من الخدمة، ولما فطروا عليه من اللطف ~~والمعروف. ولكننا نتقزز من الساكو البيضاء في النهار، ومن الثوب الأسود الرسمي في الليل، ~~ونحن في بغداد، يا يوسف، لا في لندن، والثوب الرسمي للخدم، إن كان يفتقد الأجسام المعد لها، ~~اللائق بها، وكان يفتقد النظافة والكي بالمكواة الحامية كل يوم، فهو شيء فظيع، ولا نظن أن ~~الإنكليز أنفسهم يستأنسون به، ويرضون عن لابسه. فلو استغني عنه في نزل بغداد، وألبس ~~الخادم ثوبا وطنيا، أو ثوبا نوبيا؛ أي مصريا - قفطانا أبيض ومنطقة حمراء - لكان ~~ذلك أكثر ملائمة للمكان، وألطف في نظر الضيوف وأجمل. ما سوى هذا فإن نزل ms039 يوسف لخير النزل ~~ببغداد. # أما الشارع الجديد - شارع الرشيد - فقد زال منه الغبار، دفن تحت صفحة من الزفت، وهذا من ~~حسناته الحديثة، لقد شط القلم في «حسناته» وليس هناك ما يجيز الجمع. ذلك أن البنايات ~~الجديدة، وأكثرها في جهة باب شرقي بنيت على الطريقة القديمة، التي لا تعرف النظم المدنية، ~~فهي تحترم الرصيف مرة، وتثلم عرضه - بضم العين وبكسرها - مرات. إن هذا الشارع لا يزال ~~كالمنشار في نتوئه وفتوقه، وفي عماره وخروقه، أما المقاهي فيه، فقد ازداد عدد تلك التي لا ~~يتقزز المرء منه. # وقد ازدادت كذلك الضوضاء في شارع الرشيد، فقد وصلت السينما الناطقة إلى بغداد، وشرعت ~~الفونوغرافات والمكبرات ترسل في الشارع ألوانا من مكربات الألحان والصيحات. تعالوا اسمعوا، ~~يا أهل بغداد، صياح الأمريكيين في ساحات كرة القدم واللكام، تعالوا اسمعوا المدنية الغربية ~~تعج وتثج - ليت شعري - بأصوات البغداديين ما تكون عندما تغزو بغداد كرة القدم والملاكمة، ~~ويجن أهل بغداد جنون أولئك «البرابرة» عبر البحار، باللكام ولعب الأقدام! هي المدنية ~~الغربية، ولا مهرب منها. # وهذه البصات منها، وهي تزيد بازدحام شارع الرشيد وبضوضائه وروائحه، أما السيارات ذات ~~العداد فقلما تجدها، وأما الخصوصية فهي في بغداد، في كل العراق، لا تتجاوز الألفي سيارة، ~~وأكثرها قديمة أو أنها لا تلبث أن تصير كذلك لقلة الاعتناء بها. وقلما يفطن السائق أو صاحب ~~السيارة أن غسلها كل يوم هو ألزم ما يلزمها في بلاد مثل العراق غبارها كثير. # إن العربات من هذا القبيل خير منها، وقد تقول إذ تراها: إنها من عهد سحيق، ولكنك بعد أن ~~تركب فيها - اللهم إذا كنت ممن لا يعدون الدقائق والساعات - ترضى عنها، وتقول: خسئت يا ~~سيارة! # فالمجلس فيها أحسن مما يبدو لناظريك؛ لأنه نظيف وثير، والخيل تجري جري الأصايل، وإن لم ~~تكن منها. # إلا أن حال الخيل يسوء عندما يرش الشارع بالماء، فيجر الجري البلاء عليها، أو بالحري ~~يجرها إليه؛ ذلك أن هواء بغداد يحمل دائما من دقيق الغبار ما يفرشه في الشارع، فيستحيل إذ ~~يمسه الماء ms040 وحلا رقيقا زلجا، وعندما تكون الخيل جارية جريها المعتاد ربعة - وقلما تراها ~~ماشية - فترتفع فجأة أمامها يد الشرطي لتوقفها، فيقصر السائق العنان في الحال وبقدر ما ~~تلبيه قواه، تزلق الخيل زلقة هي القرفصاء بعينها، فتكاد تدخل في العربة ولولا العريش تصير ~~تحت دواليبها، لاحظت ذلك غير مرة، ولفت نظر رفيقي إليه، فابتسم وما شاطرني في تلك الحال ~~شعور الرفق بالحيوان، قلت: إن الملازم سردست قليل الكلام، وهو لا يؤخذ بالأوهام، ولا يروقه ~~حتى الشعري من الخيال، دقيق النظر على قدر ما يمد نظره، صريح القول في ما يعلم ويرى، وقد ~~قال يصلح ما كان من خطئي في ما تقدم، وما كان من رثائي لحالة الخيل: ليس الحق على الأسفلت، ~~ولا على الغبار والماء، ولا على الشرطي أو على السائق، هذه العربات من أيام الترك، وليس ~~لواحدة منها ضابط (أداة للتوقيف في المفاجآت). # وبينا كنا نطوف بعض الأسواق الجديدة في السنك قال: ترى الرصيف في هذه الأسواق أيضا غير ~~متسق، ضيق هنا - واسع هناك - وفي بعض الأماكن يضيع، يختفي. وما ذلك إلا من أطماع الناس، ~~وإهمال المجلس البلدي، فالمجلس رغبة بالتجديد - بالعمران - أعطى أجازته كل طالب، بدون حساب ~~ولا قيد، وكل من احتاج إلى بضعة أقدام أو أمتار من الشارع أخذها ولا حرج عليه. # لكن في بغداد الجديدة نواحي تبشر بالخير، الأولى في الباب الشرقي على طريق الكرادة، ~~تشقها جادة عريضة ذات اتجاهين، للذاهبة من السيارات والعربات وللآتية، وبين الطريقين جنينة ~~مستطيلة ستغرس فيها الأشجار. فمتى كملت هذه الجادة ببيوت حديثة الهندسة وبستانها المقطع ~~المستطيل، وكمل بناء الشوارع إلى جانبيها، تضحي الناحية مما يحق لبغداد أن تفاخر به. # وفي شمال الرصافة إلى جانب النهر ناحية أخرى جديدة هي الفيصلية، تزينها روضة عمومية، ~~وهناك كذلك العيواضية التي ظهر من عمارها وتخطيطها حتى اليوم ما ينبئ بما سيكون من جمالها ~~المدني. إن في هذه النواحي الدليل على أن أمانة العاصمة عازمة على إثبات وجودها، وتعزيز ~~أسباب الصحة والراحة والجمال في المدينة. # بقي أن ms041 أشير إلى مظهر من التجديد أوحت به الوطنية العراقية العربية، فقد بدأت أمانة ~~العاصمة تطلق أسماء عربية على الأسواق والجادات، وأن وطنيتها في هذا الأمر لتستوحي ربة ~~الشهرة في جميع منازلها، العباسية والأموية، السنية والشيعية، الأدبية والدينية والسياسية. ~~أجل، إن اختيار أمانة العاصمة يشف عن ذوق شامل دقيق، وعن حكمة بليغة، مثل ذلك الجادة ~~التي نشأت إلى جانب النهر، من باب شرقي إلى الكرادة، والتي ستصبح المتنزه الأول في بغداد، ~~فقد أطلق عليها اسم أبي النواس، وأحسن من هذا في لباقة الاختيار الاسم الذي أطلق على سوق ~~الصرافين، وهو اسم الشارع العربي اليهودي السموأل، فحبذا الشعر والشعور في حياة هذا الشارع، ~~وحبذا الوفاء، على أن أمانة العاصمة أرادت من الاسم، على ما أظن، ما يرمز إليه عنصر ~~صاحبه. # هي دعابة مستحبة، وإن كانت من الحكومة، بل هي في الحكومات شيء جديد، وإنك لتجد خارج السور ~~مثالا آخر منها. هناك، شمالي البلاط الملكي، إلى جانب طريق الأعظمية، في بستان كبير من ~~النخيل، شيدت كلية آل البيت، منذ عشر سنوات؛ لتدريس العلوم الإسلامية، ففتحت أبوابها ~~للطلاب نحو سنتين، ثم أقفلت، وهي اليوم دار البرلمان العراقي. من العلوم الإسلامية علم ~~الكلام - الذي يدعى عند المسيحيين اللاهوت - فمن علم الكلام الديني، إلى علم الكلام المدني ~~لا يزال موضوعنا الكلام. إلا أن الانتقال من كلية آل البيت إلى البرلمان يعد جديدا، وقد ~~يكون - وقد لا يكون - مفيدا. ~~••• # تعال أريك من الجديد ما لا ريب في خيره، تعال أريك آية الجمال في الجادات. من بغداد ~~إلى الهنيدي - مركز الطيران الإنكليزي السابق، العراقي الآن - مسافة تنيف على خمسة أميال، ~~طريقها مفروشة بالأسفلت، ومزدانة إلى الجانبين بصف متواصل من شجر الدفلى. إن هذه الطريق في ~~الربيع، يوم يكون الدفلى الزاهر في مجده، لأجمل ما يبتغيه المرء من نزهة في ضواحي بغداد. ~~وإن شئت إطالة السرور فالعربة خير من السيارة. # وقبل أن أختم هذا الفصل، ينبغي أن أقول كلمة في المثال الحي المنظم للجديد المفيد - وفي ~~بغداد منه شيئان ms042 - الشرطة والسجن، إني محب لشرطي بغداد، معجب به، لا لأنه صورة مصغرة لشرطي ~~لندن؛ بل لأنه وإن كان دون الإنكليزي في قامته، فهو صنوه في التيقظ والنشاط، وفي اللطف ~~والمعروف، كما هو في حركاته ووقفاته، وفي ملابسه الأنيقة. # والغريب العجيب، أني ما سمعته مرة يرفع صوته مهما كان من المخالفة أو العراك، فأين الصوت ~~البغدادي الجهوري، بل الصوت العربي العريض؟ إن في الشرطة كثيرين من الذين لم يألفوا النظام؛ ~~أي من الأسر الطيبة ومن العشائر، وهم اليوم من أرباب النظام. لله ما يفعله التعليم ~~والتدريب! ما رأيت شرطيا في ثوب مفتقر إلى التنظيف، أو بوجه يحتاج إلى الموسى، وما سمعت ~~شرطيا يشتم المخالف أو يسبه ويتحكم فيه، وقد قال لي العارفون: إن شرطي بغداد نزيه عفيف، ~~لا تمسه الرشوة، ولا تثنيه عن واجبه المغريات والتوسطات. # إني أهنئ بغداد بشرطتها، وأهنئ أولئك الذين جاءوا من وراء البحار معلمين، فانصرفوا إلى ~~مهنتهم الشريفة، دون أن يتدخلوا في السياسة، فعلموا، ودربوا، ونظموا، فحببوا مهنة الشرطي ~~حتى إلى أبناء العشائر. # أما المثال الآخر فهاكم في سجن بغداد، قد زرت السجن مترددا، وخرجت منه حائرا في ما ~~عراني من دهشة يتخللها التسآل، وإعجاب يبطنه الريب، فهل من الحكمة أن تحسن السجون ~~فتغدو كالفنادق، بل أحسن منها في النظافة، وفي حظها من النور والهواء؟ وهل تقل في مثل هذا ~~التحسين الجرائم؟ وبكلمة أخرى هل يصلح المجرم حاله إذا أحسن إليه في سجنه، فيخرج منه ~~نادما على ما فعل، عازما أن يلزم، بقية حياته، الصراط المستقيم؟ # سئل هذا السؤال أحد مديري السجون فقال: إن التحسين واجب؛ لأن العقاب المقرون بالمعروف ~~يصلح قسما كبيرا من المسجونين، أما الباقي منهم، وهم المدمنون الإجرام أو المطبوعون ~~عليه - يخرجون من السجن اليوم ويعودون غدا - فهؤلاء لا يصلحهم عقاب مهما كان من المعروف أو ~~من القسوة في تنفيذه، فالإعدام خير لهم - خير لهم وللأمة. # سألت مدير سجون بغداد رأيه في المسألة فقال: إن المطبوعين على الإجرام قليلون، وإن العدد ~~الأكبر من المجرمين ms043 يصلحهم العقاب المقرون بالحسنى، إذن، يجب أن نحسن بيئة السجن - يجب أن ~~نحسنها حقيقة ومعنى، فيخرج منها السجين سليما في صحته وفي أخلاقه. والسيد حسام الدين ~~وجيب، المدير الحازم يحسن وضع الشيء في موضعه، وقلما يفرط في القسوة أو في اللين. # قال أحد الحضور معقبا على كلام المدير: إن للدين أثرا يذكر في التوبة، وإن المجرمين من ~~سواد الناس شديدو التدين. لا ريب في الشطر الأول من هذه الكلمة، وقد يصح الشطر ~~الثاني. # استقبلنا المدير في مكتبه إلى جانب السجن، الذي قد ينقل في المستقبل إلى خارج المدينة، ~~فهو اليوم قبالة دار الكتب العامة، في ما كان أمس قريبا من بوابة المعظم؛ أي من السور، ~~وسيصبح غدا في قلب المدينة المسرعة في نموها شمالا وجنوبا. # وكان أول ما قاله المدير بعد السلام - ولا عجب إذا ما افتخر - إن كل أثاث المكتب، من ~~السجادة إلى المنضدة، هو صنع نزلاء السجن، فشاركناه في الافتخار أنا والرفيقان الكريمان، ~~النائبان المحترمان فخر الدين آل جميل وعلي الإمام، ومشينا بعد ذلك جميعا، يتقدمنا المدير ~~الذي تفضل فكان الدليل. # في ظلال النخيل إصلاحية الأحداث، وفيها من الأولاد الذين تراوح سنهم بين الإحدى عشرة ~~والثامنة عشرة سنة، نحو خمسين، منهم عشرة جرمهم القتل. # سئل أحدهم عن ذنبه فأجاب فورا: قتلت ابن جارنا في عركة، وآخر قتل دفاعا عن عرض أخته، ~~والثالث قتل بدون تعمد - بقضاء وقدر. أما أكثر الذنوب فهي التي تتعلق بالسرقات وبما ينجم في ~~«العركات» من الخلل بالأمن العام، ولهؤلاء الأولاد معلم يعلمهم العلوم الأولية، والرياضة ~~البدنية، فيضحي أكثرهم، بعد العقاب، أحسن صحة، وأسلم خلقا، وأنبه عقلا مما كانوا ~~قبله. # ثم زرنا المستشفى، قسم الرجال منه، وهو وقسم النساء بإدارة الدكتور شريف عسيران، ذلك ~~الرائد للشفاء والعافية في الكاظمين، والعامل في سبيل الصحة العامة والنظافة عشر سنوات. ~~وكفى بمستشفى السجن أن يكون مديره الدكتور شريف ليكون في الأقل مثال النظام القائم بحسن ~~الخدمة، وخير المعالجة، للجميع على السواء. # ولكني استنكرت في أسرة المرضى اللحف الخشنة ms044 القاتمة اللون، كفى بهؤلاء المساكين ~~ظلمات السجن والمرض والشقاوة ، وخليق بمديرية السجون أن تجعل اللحف بيضاء أو زاهية الألوان، ~~فترتاح إليها عيون المرضى ويسري من الارتياح إلى نفوسهم شيء من الانتعاش. وهب أن فيهم ~~المجرم المدمن الإجرام أو الشرير المطبوع على الشر، فالقسوة في العقاب تعود، بعد عودته إلى ~~الصحة والعافية. # أما السجناء في دور الصناعات فليس في حالهم ما يبعث على الشكوى إلا إذا كان الحديد - ~~سلاسل منه ثقيلة - في أرجلهم، وها هنا مجال للحسنى، فإن السجناء في المصانع أكثرهم من أصحاب ~~الذنوب الصغيرة، وهم منها في زورة السجن الأولى. فهم إذن يستحقون الرحمة، ولا أظن أن القيد ~~الخفيف أو عدم القيد يغريهم بالفرار، أو يحرم مخزن السجن شيئا من الإنتاج أو من جودة ~~العمل. # رأينا هؤلاء السجناء في مصنع السجاد، وفي وجوه أكثرهم ملامح القناعة والوداعة، وفي أرجلهم ~~أثقال الحديد، ينسجون أنواعا من السجاد الإيراني، التبريزي والشيرازي والكاشاني، بمشارفة ~~معلم عراقي تعلم صناعة النسج في إيران، ويجيدون عملهم إجادة تدعو للإعجاب. # ورأيناهم في دار الأنوال التي تدار بالكهرباء ينسجون أقمشة القطن والحرير، فيأتون بأنواع ~~منها، للرجال والنساء، حسنة الديباجة، يبيعها مخزن السجن بأسعار بخسة. أما مصانع الأحذية ~~والأجربة فهي تصنع في السنة ما يسد حاجة الجيش كلها. # وهناك مصانع للنجارة والحدادة والحصر وغيرها، تنبئك بها، إذا فاتتك في جولة الاستكشاف، ما ~~تراه في المخزن الكبير الحافل بأنواع شتى من حاجات السجن. # كل هذا حسن محمود، بيد أنه عادي مألوف إذا قيس بمثله في سجون أميركا الحديثة، فهل في سجن ~~بغداد ما يميزه عن سجون العالم المتمدن بشيء؟ أجيب: نعم، فقد لا تجد في غيره، في الشرق وفي ~~الغرب، ما تجده فيه من الرحابة والنور والهواء الطلق. أجل إن من هذه البركات في سجن بغداد ~~ما يكفي للتوزيع على عشرة سجون في مكان آخر، وإنك لتجد الرحبات للنور والهواء النقي حتى في ~~السجن الداخلي المعد للمحكوم عليهم بالسجن طوال الحياة. # ليس من العجب إذن ألا يكون للمجرمين هنا تلك ms045 الوجوه التي تسمها الجرائم بميسم ~~التنكد والتأبد، ليس من العجب أن يكون أكثرهم على جانب يذكر من البشر والوداعة. # إن ذنوبهم لتنحصر في الدفاع عن العرض، والثأر، والسرقات، و«العركات» التي تنجم عن تنازع ~~في أرض أو ماء، وما أحد منهم إذا سئل عن ذنبه يكذب أو يجمجم الكلام. # سألنا عددا من القتلة فكان جواب كل منهم: نعم قتلت، وزاد ثلاثة بقولهم: مقدر - هو ما ~~قدره الله. # وقفنا عند زمرة من السجناء جالسين في الشمس أمام حجراتهم، وفيهم شاب مسيحي أسلم ثم أجرم، ~~سألته فأنكر أنه قتل، وجمجم الكلام، وانتحل الأعذار، لا أقول إن هذا الرجل هو مثال صادق لكل ~~من أذنب من المسيحيين، إنما حزنت؛ لأنه مجرم وفوق ذلك جبان، حزنت؛ لأنه على إسلامه، لم يكن ~~كالمسلم صريحا صادقا شجاعا. # قال فخري آل جميل يطيب خاطري: «ما خسرتموه، يا أمين، وما كسبناه، هو من مال ~~إبليس.» # وأخبرني زميله المحترم علي الإمام أنه عرف بنفسه، قبل الاحتلال، حجرة من هذه الحجرات، وما ~~ألفها، وأن المجرم اليوم يلقى من الحسنى والمعروف في السجن ما لم يلقه في عهد الترك ~~المذنب السياسي. # والمجرمات يعاملن بمثل ما يعامل المجرمون، ما زرنا القسم الذي يختص بالنساء، ولكننا ~~علمنا أن فيه أربعين سجينة، منهن القاتلة والسارقة والزانية. # والزانية! - ها هنا وقفت، وما كان الناصري ليحلي في نفسي مرارة التأمل ... «من كان منكم ~~بلا خطيئة فليرمها أولا بحجر» ... وها هنا أيضا ينهزم المثل الأعلى ... قال المعري: # الشر والخير ممتزجان ما اقترفا # وكل شهد عليه الصاب مذرور # | شارع المستنصر # إن للمدن كما للناس روحا حية ناطقة ثابتة، وبكلمة أخرى: إن روح المدينة هي البارزة ~~الممتازة من صفاتها، تلك الصفات التي تبدو في أكثر مظاهر الحياة والعمل، فتسمها بوسمها ~~الخاص، وهذه أمثلة من بعض ما عرفت من المدن الكبرى. إن روح نيويورك التبجح، فكأنها تقول: ~~كل ما عندي هو مثل هذه ناطحات السحاب، كل شيء ضخم علي عظيم! وروح لندن الأناقة - كل ما ~~عندي مشمول بالتدبير والترتيب والتنظيم، وروح ms046 باريس الزهو والمرح - ومن مثلي حسنا وبشرا ~~وازدهارا ؟ وروح برلين المهماز وخوذة الفولاذ - ألمانيا فوق الجميع! إلا أن في ألمانيا ~~مدينة وادعة جميلة هي ميونيخ، وإن لها من الفنون روحا سامية. وليس بين المدن الإسبانية مثل ~~إشبيلية المركبة روحها من نقيضين، القداسة والقمار. # أما في هذا الشرق العربي فكل مدينة من المدن الكبيرة أضحت اثنتين: القديمة وهي ذات روح ~~تعرف وترى، والجديدة لا روح لها ترى أو تعرف، أو أنها مزيج من الشرق والغرب، فللقاهرة ~~مثلا روح تتجلى في الصحافة وفي ما حول الأزهر من الأحياء، هي روح زغلول والوفد والحوقلة ~~- البلاد وفدية، والحكومة إنكليزية! لا حول ولا قوة إلا بالله، وروح القدس، داخل السور، هي ~~الأقصى والمبكى والطور - نحن العرب ويلنا من إسرائيل، أنا إسرائيل ويلي من العرب - أنا ~~بريطانيا، خيري في الويلين! أما دمشق فروحها روح المرجة والكتلة - حركة دائمة، ووطنية ~~هائمة، وتمرد لا يزول ما دام الجنود السود يرون في المرجة، ويرعون في مروج الوطن. وأما ~~بيروت فلا روح لها اليوم بارزة، على ما فيها من معاهد العلم، غير الخلاعة والخنوع وحب المال ~~- هات الفلوس، وخذ العروس، وعفر وجهك أمام صاحب «الكابوس». # وما هي روح بغداد؟ لا تقسم بغداد اليوم إلى قسمين ظاهرين بالمعنى الذي ذكرت. فهي لا ~~تزال مدينة شرقية واحدة، يتخلل بعض أحيائها، شيء من اختلاط الشرق بالغرب. إنما قديمها كثير ~~الأشكال والألوان، فيصح أن نرمز إليه بإله من آلهة الهندوس، روحه تبدو، ولا تتوحد، في رءوسه ~~وفي أيديه المتعددة. # إذن روح بغداد أعجوبة من الأعاجيب. فهي الحوقلة والاستسلام، وهي الشغب والتمرد، وهي ~~الورع والتقوى، وهي التخنث و«التشلجي»، وهي في هذا الزمان النفط! وقد يصير النفط في ~~المستقبل روحها الكيماوية العظمى، روحها المركبة في بوتقة هذا الزمان البراق ~~الخناق. # هات شتات هذه الروح نعرضها للبحث، فنتحقق طبيعتها ومنهجها، إلا أنني لا أجزم في ما نؤمل ~~من إدراك واكتناه، فقد لا أوفق لغير العرض، فأترك للقارئ الاكتناه. لقد سبق أن ألمحت إلى ~~بعض صفات المدينة، في ms047 ما وصفت من أحيائها، ومن شارعها الأكبر الجديد، شارع الرشيد، وسأزيد ~~القارئ علما بما هو عريق في القدم، عميق في الجدة. # إلى جانب شارع الرشيد، بينه وبين دجلة، شارع هادئ وادع، جدير بالطواف والاستكشاف، هو شارع ~~المستنصر الذي ينشأ عند رأس الجسر، فيمتد شمالا في خط شبه قويم، وينتهي عند شارع المأمون، ~~ذلك الشارع القصير العريض الذي يرضى بقسمته من المدينة، فيصل شارع الرشيد بالجسر الثاني، ~~ويفتح قلبه للسوق المسقوف شمالا منه الذي يدعى سوق السراي، وإذا ما وقفت في هذا الشارع ~~القصير العريض ترى نفسك في ظل السلطات المادية؛ أي الحكومة والتجارة، أمامك السراي، ووراءك ~~الجمرك وبيوت التجارة والشركات والبنوك. وهناك إلى يمينك مهد للفن صغير هو المتحف العراقي، ~~وفي السوق المسقوف - سوق السراي - مرجة للأدب خضراء صفراء هي الدكاكين التي تباع فيها الكتب ~~والمجلات. # هو ذا مركز أعصاب المدينة، وإنك لتجد هنا، فوق ما ذكرت - بين الجسرين - أشتاتا من روح ~~بغداد الاجتماعية والدينية، فإن شارع المستنصر يبدأ بالمقاهي، وينتهي بالمساجد، وبين هذه ~~وتلك وحولها طواحين التجارة والدعارة. أجل، إن بين الجسرين محط رحال قافلة الروح البغدادية، ~~إن بين الجسرين بيت قصيد المدينة ... # أظل أرعه نجومل ليل بسماي # ولي ناظر يهلل دمع بسماي # ألج بسمه وعيبن يلج بسماي # أون عليه ليه مي ون عليه # وهذه التي ترعى نجوم الليل، وتلهج باسم الحبيب، وتئن عليه، هي إحدى مغنيات بغداد ~~الشهيرات، وأكثرهن يهوديات، تجلس كل ليلة على عرشها في المقهى الذي في الطابق الأعلى، على ~~زاوية شارع المستنصر - بين الرصافة والجسر - وتصيح بأعلى صوتها صيحات منكرات فظيعات: أظل ~~أرعه نجومل ليل بسماي! # شارع المستنصر (تصوير الدورادو). # فتسمعها نجوم الليل في السماء، فتئن منها، ويسمعها أهل بغداد، فيئنون معها ويتأوهون. ~~مسكينات تلك النجوم! كم ينقصها من العلم لتحسن تقدير هذا الغناء البغدادي القديم. # قلت ذلك مرة، وأنا واقف على الجسر، بينما كانت أشعة القمر ترقص على الأمواج، سمعت صوتا ~~يوبخني قائلا: وهل تظننا نرقص طربا؟ أفلا يرقص الطير مذبوحا من الألم؟ فحتىام ms048 التهكم ~~منك؟ وإلام أنت ماض فيه؟ أوليس هذا الغناء صياحا بصياح؟ بل هو صياح جراح، ونواح ~~فضاح! تعال ارقص معنا على هذه الأمواج ... # علي بعد هذا أن أقول: إن ما أسمعتك من المغنية المشهورة هو من القديم القبيح في الغناء. ~~ولا جديد اليوم في بغداد غير ما يجيء في الفونوغراف من سوريا ومن مصر، إذن دع الجالسة على ~~عرشها، بين الرصافة والجسر «ترعى نجومل ليل وتون.» # وتعال ندخل هذا النزل الإنكليزي الاسم، ونجلس في البستان المشرف على دجلة، تحت شجرة النبق ~~الكبيرة، المعلقة فيها أنوار الكهرباء، هذه المائدة قريبة من الساحة المسحورة، وبعيدة من ~~جوقة الطبالين والزمارين، فاجلس ها هنا تسمع قليلا وتر كثيرا. # ولا تسل عن أبناء الليل هؤلاء المعجبين بهذه الشقراء النمساوية، أو بتلك السمراء ~~الفرنسية، أو بالشقيقتين الصغيرتين، اللتين يطويان البطن والساق طيات عجيبات، تحملق لها ~~العيون، وتتضاعف الشجون. # إن هؤلاء الراقصات يدعين بال «أرتستات» وبينهن وبين الفن بيد دونها بيد. أما ~~المعجبون بهن فإن فيهم البغدادي ذا السدارة، وذا العمة، وذا العقال، ومعهم الرفيقات ~~والحبيبات، العابثات بالقلوب والجيوب، وفيهم الإنكليزي والفرنسي والألماني والإيطالي، وهم ~~في النهار من أصحاب الأشغال، وفي الليل من أبناء الوسكي والصودا أو الأبسنت ~~والفرموت. # وما هذا الشيء الذي تعرضه لنا الراقصات العاريات، في طيات واهتزازات، تحت النبقات، واها ~~لهن! فقد كانت الليلة من ليالي كانون، وكانت الريح تنفخ في نواعم ذلك العري، فتزيد المسكينة ~~في الهزيز لتبعث الحرارة في جسمها، وكنا نرى البرد، على تلك الرجرجات واللزلزات، يقرص ~~الناعم منهن؛ فيفضح نور الكهرباء القشعريرة فيه. # ما هذا الرقص بشيء من الفن الذي يصفق له المتفرج الأوروبي استحسانا في بلاده، ولكن ~~الأوروبي الهاجر المحروم يتعزى بنظرة فيها إحياء الذكرى، وهو لا يتوقع ممن هي هاجرة محرومة ~~مثله، أن تكون من ربات الفن والشهرة في بلادها، فتجيء بغداد نشرا لنعم عبقريتها، ولا ~~هي تنتظر الإعجاب من مواطنيها. أما من أبناء البلاد فلا ترضى بغير العبادة. كيف لا وهي ربة ~~الفن الفذ - الفريد - القائم بالرجرجة ms049 والتجريد! # مسكينات تلك الحمامات اللواتي يتهززن ويترجرجن تحت النبقات! مسكينات تلك الواهمات أن الفن ~~كل الفن في هذه الرجرجات والتلزلزات! وهذا لعمري ما يحسبه البغداديون فنا جديدا، وما هو ~~غير الفن الرجرج، بل هو مثل ذلك القبيح من الغناء القديم - وأقبح منه. # على أن في شارع المستنصر، بالقرب من الجسر، غير هذا العري الفضاح، وذلك الصوت الصياح. إن ~~هناك بضعة نزل إنكليزية الاسم، وإنكليزية النزعة تخيم عليها السكينة والطمأنينة، تنعم في ~~الليل لأصحاب الذوق الرفيع، والستر المنيع، فتجرد فيها الصياحة من صياحها، والرجراجة ~~من ترجرجها، فتجري الأمور على هدإ تطمئن له القيادة العامة والخاصة في عالم ~~اللذات. # سقيا لزمن كانت الدور في هذا الشارع من أجمل ما ببغداد وأشرفها مبنى ومعنى! إنما بعد ~~الحرب العظمى تحول بعضها إلى نزل، وبعضها إلى مخازن ومكاتب للتجارة والمال، بيد أنه لا يزال ~~بين الاثنين أثر لذلك الماضي الشريف، يتمثل هنا وهناك في حوش - بيت - عامر بالفضل والكرم. ~~تنبئك البوابة المفتوحة، إذا ما وقفت فيها تشرف على الصحن اللألاء بالآجر الأبيض والأحمر، ~~وبالقيشاني الساكن الحواشي، الصافي الجو، تنبئك بما كان من لطيف العيش الهادئ الأمين على ~~ضفة دجلة في الزمن الغابر. # أما بعد الحرب فقد أسمى الإنكليز هذا الشارع شارع النهر، وفرشته أمانة العاصمة بالأسفلت، ~~ثم غيرت اسمه، فصار شارع المستنصر، وما غيرت كثيرا مما آلت إليه الحال في ظلال هذه ~~المدينة الغربية الشرقية، التي تقوم فيها المناقضات جنبا إلى جنب. # وهاك قرب النزل الكبير، ذي الاسم الشهير، دكاكين صغيرة حقيرة لقوم وصفوا بالوداعة، ~~وعرفوا بحسن الصناعة، وامتازوا بالمحافظة على ماضيهم القديم، وأصلهم الكريم. فهم في ~~دكاكينهم الزرية، وفي كل منها النار والمنفخ والسندان، مثال القناعة والنزاهة والنشاط، ~~تراهم على الدوام يدأبون، ومن الصناعة الواحدة لا يخرجون. إن هؤلاء الصبة - الصابئة - ~~وصناعتهم الواحدة الفضية، وبراعتهم فيها، والوداعة في سلوكهم والاستقامة في تجارتهم، إنهم ~~في كل ذلك لأشرف مظهر من مظاهر الحياة في شارع المستنصر، ولمن أجمل ما رأيت من أقوام ~~بغداد. # وبين دكاكين الصبة ms050 بيوت التجارة والشركات الإنكليزية والأوروبية، وفيها النظام والاجتهاد، ~~والمطامع المستغلة لضعف العباد. إن فيها المال والسيطرة، وليس فيها شيء من الوداعة ~~والقناعة، وليس فيها من اللطف غير المكتسب، ابن التعمد والاجتهاد، وهو من لوازم النجاح في ~~المعاملات التجارية وفي المشاريع الاقتصادية والمالية. # هي ذي بعض المناقضات، ومنها كذلك المخازن والمستودعات التي كانت «أحواشا» في الماضي. ~~فإنك لترى فيها البغداديين، على اختلاف أديانهم وعناصرهم، وكلهم واحد في القناعة والاحتراس، ~~وقل في التقاعد والنعاس، لا يبالون، جاء أم لم يجئ الزبون. # إن شارع المستنصر، خلاف شارع الرشيد، ساكن الطرف، بالرغم عما أسلفت من وصف إحدى نواحيه، ~~قليل الضوضاء، فقلما تجد فيه غير العربة يجرها الخيل، وبعض السيارات، وإن فيه، بما أنه على ~~النهر، الحمامات للرجال والنساء. # وقفت أمام باب مفتوح مهجور، فغرني حب الاستكشاف، فنزلت الدرج، فسمعت قهقهات أنثوية فعدت ~~أدراجي، فإذا بوليد يعدو إلي ويقول: ممنوع، ممنوع! فقلت: ومن أنت؟ فقال: أنا الحارس، ~~والحريم تحت في الحمام. # أما حمامات الرجال فهي كذلك تحت مستوى الشارع - وقد تكون سراديبها تحت مستوى قعر دجلة، ~~بيد أن القسم الأعلى منها باد للعيان، فالباب مفتوح، والستر مكشوف، والقيم والخدامون في ~~جيئة وروحة حاملين المناشف والقباقيب. # أطللت على واحد من هذه الحمامات فإذا بغرفة ~~الاستقبال تحت قبة مستوى سطحها يعدل مستوى الشارع - قبة تحت الأرض! - وكل ما تحتها زاهي ~~الألوان، منعش للأرواح والأبدان ... طابت حمتك يا شوق الزينات. طابت حمتك يا فتنة ~~القلوب ... # إنه ليصعب على المرء المشغوف بباهر ذلك الزمان الغابر، أن يجول في هذه المدينة، دون أن ~~يستسلم إلى طيف من أطياف الأساطير أو التاريخ، وينعم بشيء من الخيال الذي تتجلى فيه عرائس ~~الإنس وأبطال الجن، فإن في هذا الشارع الكثير المباغتات أزقة قصيرة، هي «الدربونات» التي ~~تفضي بك إلى النهر، وقد استهوتني إحداها، فسرت بين «أحواش» أبوابها عريضة فخمة دكناء، ~~لبعضها خوخات، ولجميعها مطارق من حديد تنوعت أشكالها، وجودت صنعتها. # ومع أن أكثر هذه الدور أمست مستودعات للخشب الذي تجلبه بغداد من الموصل ms051 ومن الهند فما زال ~~الإنس فيها يكنسون ، والجن يزمزمون، خصوصا عند الضفة بين الدارين المشرفتين على النهر، وقفت ~~هناك أتأمل تلك الرواشن القائمة بعضها فوق بعض، وما كان وما يكون من باطن أمرها. هي الحياة ~~في حقائقها الرائعة المروعة، وفي أحلامها الباهرة المبهجة. هي الحياة في الأمس، وهي الحياة ~~اليوم وغدا، أحوال تحول، وآمال لا تزول. قلوب تذوب، وأشواق تذهب وتئوب. # إن هذه الأحواش إسلامية البناء أو بالحري عربية، فقد رأيت في جدة وفي الحديدة مثل هذه ~~الرواشن، ومثل هذا الاضطراد في هندستها. إنما هي تمتاز في بغداد بما يجاورها ويهيمن ~~تحتها. # لقد شغفتني الدار القائمة على دجلة. شغفتني حبا؛ لأنها في آخر الزقاق، فلا تتقيد بكل ما ~~فيه من مضايق وظلمات؛ ولأنها على طريق النهر، فيستطيع من فيها الفرار، في ضوء القمر أو في ~~نور الشمس، دون أن يراهم الحارس أو الشرطي أو أحد من الجيران؛ ولأنها كثيرة الرواشن، فترحب ~~في الأقل بالهواء وبالنور؛ ولأنها مقفلة الأبواب والنوافذ، ساكنة مستسرة، كأنها قصر ~~لبنات الجان، أو مركز لأرباب الجن. # وهي رحبة ذات ثلاث طبقات، الثانية منها تبرز فوق الأولى برواشنها الممتدة على طول البناء، ~~وللثالثة رواشن فوق رواشن الثانية، وكلها من الخشب الهندي النادر جودة وصنعا. وهناك من ~~الحواجز للشبابيك ما يبعث على الظن أن أهل الدار الأولين كانوا متشائمين بالحياة، متحذرين ~~من بوادرها، ومن إغارات بدوها، فهذا الزجاج، وهذه شعريات الخشب، وهذه قضبان الحديد، حواجز ~~ثلاثة لا يخترقها غير الجن. # فليطمئن بال الخاتون، ولتطمئن الحوريات المكنونات. إن ها هنا الأمن والسلام، والسجن! وإن ~~شئت التنزه يا سيدتي، كان لك ذلك في الروشن المعلق فوق دجلة، تجلسين هناك، وتسرحين النظر ~~في ما تحتك، فترين الأسماك ترقص في المياه الجارية، وإذا أخذتكن نزعة الحرية أيتها الحسان، ~~وشئتن الفرار من سجنكن في الليلة المقمرة، فالزورق عند الدرج والنوتي حاضر مطيع، وإن جرى ~~هذا الزورق من هذا المكان في الرصافة جريا قويما كان مرساه في الكرخ عند درج آخر، أسفله ~~في الماء، وأعلاه ms052 أمام بوابة السفارة البريطانية ... # وهذه سيارة براقة خضراء تملأ الحي بصوت بوقها، فتقف أمام بوابة وسط الجادة، فتنزل الخاتون ~~ذات العباءة السوداء والقناع، وتختفي قبل أن يقفل السائق الباب - تعود إلى سجنها المحبوب. ~~ويعود السائق إلى مكانه وراء الدولاب، فيسوق متقهقرا إلى شارع المستنصر. # هو ذا القديم والجديد في الجادة الواحدة، وسيمسي هذا الجديد قديما وسيزول ذلك القديم، ~~وقد يتداعى الدرج فتذهب حجارته في النهر، وتسقط الرواشن فتحملها الأمواج، ويظل النهر يجري ~~جريه الأبدي إلى البحر، صورة من الجديد وأخرى من القديم، تنعمان ثم تفنيان أمام دجلة ~~الخالدة. # وفي شارع المستنصر إلى جانب القديم جديد من غير الغرب، فيا يجدد صرح للشرع الشريف، ~~فهاكم جامع المحكمة، وليس فيه ما يستوقف البصر غير المأذنة الخضراء الصفراء البيضاء. بل فيه ~~ما يستغرب مما لا يلتئم وجمال المأذنة، وما يستنكر في مكانه، فيه صحن خال خاو، ومصطبة ~~للصلاة مفروشة بحصير، ومرحاض، تراه وأنت واقف في الباب، قديم جد قديم! # بيد أن الأرض قبالة الجامع تنبئ بالخير الحديث. هي وقف إحدى الخواتين - زاد الله سجونهن ~~نورا وحبورا - على ما فيه إقامة الحق وإزهاق الباطل، فقد كانت المحكمة الشرعية القديمة في ~~هذا المكان، فهدمت لتقام، بين ما تبقى من بواسق النخيل ووارفات النبق، المحكمة الجديدة، ~~وهذه الأتن البيضاء عشرات منها تحمل التراب من أمكنة الحفر، وتعود إليها بأحمال من الآجر، ~~والبناءون شارعون بالبناء، صرح منيف، للشرع الحنيف. # وغدا يجلس قضاة الشرع في دارهم الجديدة، فيسمعون وهم يقضون صوت المؤذن يتموج خلال النبق ~~والنخيل، فيذكرهم كل يوم بوجوب إقامة الحق وإزهاق الباطل. إن ذلك في الأحكام لمن القديم، ~~الذي يبقى جديدا، بل هو مثل نور الشمس جديد كل يوم، ولا خوف عليه من عدو الزمان. ~~••• # ها نحن في التطواف شمالا ندنو من آخر الشارع الذي عرضت لك بعض ما فيه، صورا متحركة، فلا ~~تستبدلها، وقد فاتني أن أعلمك أن أمانة العاصمة أطلقت اسم المستنصر عليه، تذكارا للمدرسة ~~المستنصرية التي كانت في جواره. # إن جزءا من الماضي ms053 في بغداد هو أمامنا في قيافات الناس وأشكالها وألوانها، فضلا عما ~~يبدو منه في الوجوه ويخفق في الصدور وفي العقول. إن هذا الماضي مقيم في يومنا كما في أمسه، ~~هو على ما يظهر صنو الزمان، بل هو الأثر الحي القديم الجديد ببغداد، تسوقه إليك الليالي في ~~أشكاله المتموجة تموج دجلة، على نحو بطء هادئ، وفي ألوانه التي تذكر في مجموعها بذنب ~~الطاووس. # وللجماعات في بغداد صفة تختلف باختلاف المكان. فهي ساكنة في الكوخ، مسرعة على الجسر، ~~مصطخبة في شارع الرشيد، فلا تستطيع مراقبتها، وتمييز صفاتها الظاهرة والباطنة، إلا إذا كانت ~~في غير هذه الحالات الثلاث، إلا إذا كانت متمهلة في سيرها، جامعة في قيافاتها. # وإنك لتشاهدها في هذه الحال في مكان واحد هو شارع المأمون عند مدخل شارع السراي، قف هناك ~~هنيهة تر معرضا من الناس عجيبا، أو اجلس في دكان أحد التجار، بشارع السراي الظليل، ~~وراقب الموكب المستمر في سيره، فتنطبع في ذهنك شتى الصور، وتدرك إذا استعنت بالتساؤل معناها ~~ومغزاها. # تعال نستعرض قيافات البغداديين، وهي اليوم في مجملها كما كانت على ما أظن في زمن الرشيد ~~والمأمون، سنبدأ بالرأس، أو بما يزينه من عمارة، في شكل عمة أو عقال أو سدارة، قد تظن أن ~~العمة عمة، والعقال عقال في كل حال، وهذا خطأ، فإن لأشكالها وألوانها وكيفية لبسها معاني ~~ومغازي تخفى على السائح العربي، فضلا عن الأوروبي. # وأول ما يستوقف البصر العقال الصوف الضخم الطية، البني أو الأسود اللون، هو عقال أهل ~~البصرة والزبير، ويندر أن يلبسه في بغداد غير الشيوخ المسنين. يلبسونه فوق غطرة «كوفية» ~~ملونة ولا فارق في اللون، أما في الجنوب فإن النجدي والزبيري يمتاز بغطرته الحمراء عن ~~البصراوي ذي الغطرة الزرقاء؛ ولهذا العقال في بغداد صفات أخرى. فإن كان ذا لفتين سمي ~~«طيتين» وذا ثلاث أو أربع طيات عرف باللف، أما العقال الأسود البسيط فيدعى ~~قحطانيا. # ولا عقال بلا غطرة؛ أي كوفية، وللغطرة ما للعقال من الأشكال والمعاني، فالزرقاء التي ~~تدعى «يشماق» تلبس في ms054 شكل عمة ملفوفة لفتين أو ثلاث لفات ، ومشدودة على الرأس في انحراف ~~إلى الأمام أو إلى الوراء، وفقا لمزاج صاحبها، فالذين يرفعونها فوق الجبين هم «القبضايات» ~~أو الفتيان المشهورون في العراق بالشقاوة، فهم المثيرون «للعركات»، الضاربون القاتلون، في ~~سبيل الشرف ومن أجل من شاء ممن له ثأر، وعنده المال بدل الشجاعة. # وبما أن لهؤلاء «الفتيان» شهرة محلية تذكر بشيء من الإعجاب فالمتهافتون على المهنة ~~والمتطفلون كثيرون، وليس في القانون ما يمنعهم من أن يلفوا الغطرة لفتين أو ثلاث لفات، ~~ويرفعونها فوق الجبين عالية. فلا يغرنك إذن كل من لفها ثلاث لفات، ولا تخش جانب كل من ~~رفعها فوق الجبين! # والغطرة كيفما وضعت على الرأس بدل العقال تسمى جراوية، أما إذا لفها صاحبها على ~~الرأس وحول الوجه؛ أي تلثم بها، فتدعى إذ ذاك يشمقين، وأكثر من يلبسونها ملفوفة لفة ~~واحدة بتأدب واتضاع هم من أصحاب الصناعات. # أما العمم، فالشاب المتدين إذا كان طالب علم، يلفها رقيقة فوق الطربوش. والتاجر أو الوجيه ~~الشيعي يجعلها كذلك فوق الطربوش، إنما من الحرير المقصب، فتسمى إذ ذاك كشيدة، وهناك ~~الخضراء للشريف كما في سوريا ومصر، والسوداء للسيد، والبيضاء للعلماء. # ننتقل من الرأس إلى العباءة، فهي سوداء مطرزة بالأسود أو بالفضة أو بالذهب، وهي بيضاء ~~صيفية، وهي من اللون البني أنواع، فالعباءات السوداء المفضضة والمذهبة تصنع في بغداد من ~~قماش أوروبي، والباقي يصنع في إيران وفي الحساء. فالعباءة الحسوية، التي هي من الوبر، ~~يلبسها مشايخ العشائر خصوصا في كربلاء والنجف، والعباءة الإيرانية التي هي من الصوف البني ~~اللون على نوعين، الكوبائي والنائيني، يلبسها التاجر والعالم وغيرهما. # أما ما تحت العباءة فهو كذلك من الملابس العربية الشائعة، فلا تميز البغدادي عن السوري، ~~الذي لا يزال يلبس القنباز، من قطن أو حرير، ويتمنطق بمنطقة من نوعه، أو أنه يلبس الدشداشة ~~«جلباب» ويشدها بحزام من جلد أو قماش. أضف إلى ما تقدم القيافة الفرجية بالسدارة الفيصلية، ~~وهي قلما ترى في غير المدن. تلك هي الأوليات في علم القيافة العراقي، ms055 احفظها إذا شئت أن ~~تحسن التمييز بين أبناء التقوى وأبناء الشقاوة في بغداد. # وإذا ما وقفت في شارع السراي تشاهد الموكب جميعه وفيه من كل طبقات الناس. فالشاب في ~~القنباز والعباءة السوداء المفضضة، والعقال الأسود، والغطرة الزرقاء، الحامل في رجله حذاء ~~أسود أو أصفر، هو من الفتيان الذين لم يمعنوا بعد في الحرفة، فما اشتهروا بخيرهم ولا بشرهم. ~~إن قيافتهم تخبر بانحراف فيهم إلى الشقاوة، وقد تحول الأيام دون تحقيق رغباتهم الفتوية، ~~فيبقى ذكرهم مضمخا ومنعما بالخمول. مثل هذا الرجل في الغطرة الزرقاء والعقال البني ~~والعباءة والقنباز فهو من الطبقة الوسطى التي لا تعرف من خمول الذكر غير القطن والصوف. وإذا ~~لبس أحد رجالها السرماية أو ما يسمونه اليمني، فهو من كعب الطبقة. إذا لبس الساكو الفرنجية ~~بين القنباز والعباءة والحذاء الفرنجي فهو من رأس تلك الطبقة - من وجهائها ... اتق الله يا ~~حمار، يا، يا أبالجراوية، فإنك تحشر حمارك بين عالم معمم، وسياسي «مسدر». # وهذا وراء الثلاثة بغدادي في دشداشة وساكو عسكرية، هي من لون العصفر «كاكيه»، وهو من ~~الركبة إلى الأخمصين كما جاء الدنيا الدنية. # وهذا الممنطق بالمنطقة الحمراء، فوق القنباز الأبيض، الحامل كرشا تحتهما عامرا، ~~الملفوفة غطرته فوق كوفية صفراء، المزدانة رجلاه بيمانية حمراء، هو من أولئك البغداديين ~~الهائلين - من عشيرة «أبو حمد» (أي القبضاي) - الذين يصيحون بوجه المعتدي عليهم: أنا بغدادي ~~مو عجمي - فك عينك زين. # وفي الموكب ترى الحمالين، في دشداشة وجراوية، يحملون الأكياس والصناديق، والأشجار للغرس، ~~والخشب والحديد. وهم يزاحمون الأفندي اللابس السدارة، والعالم ذا العمة البيضاء، والفقيه ~~والسياسي - نحن بالقرب من السراي والمحاكم العدلية - ومن في الموكب من النساء. # النساء، وليس فيهن شجر الدر، أو فتنة القلوب، وهذه اليهودية أو المسيحية تلبس العباءة ~~كالمسلمة ولا تلبس الحجاب، مع أن الوجه منهما أحق بالحجب مما حجبت من جسمها، وهذه مسلمة في ~~ثوب إفرنجي قصير، وجوارب من حرير، وحذاء يرفعها قبضة فوق الأرض التي تشرفها بمشيتها ~~المتكسرة، وهذه منهن أقرب شيء إلى الفتنة. بنت سافرة في ms056 عباءة سوداء، من تحتها فوق الجبين ~~غرة من شعرها الذهبي، ووجهها بين طرفي العباءة كالبدر بين غيمتين سوداوين، فنصع البياض فيه، ~~واشتد تورد الخدين. # ومن النساء من يخرجن إلى السوق بالمشاية، ومن المشايات ما ترفع صاحبتها بضع أصابع عن ~~الأرض، ومنها المسحاء وتلك التي لا يظهر منها في الرجل غير رأسها، ومن النساء من يلبسن ~~الحذاء الفرنجي، وجوارب الحرير، ويسدلن من رأس العباءة الحجاب، فلا ترى من محاسنهن غير ~~الأرساغ - هل تصح الاستعارة ولا تذل؟ - اللهم إذا كانت دقيقة أنيقة. ومنهن من يلبسن جوارب ~~الحرير فوق الخلاخل الضخمة. فتظن أن في الساق ورما، أو جرحا مضمدا، ويخفين تحت العباءة ~~السوداء دراعات (فساتين) من الحرير تنم الأطراف عن ألوانها الزاهية، فهل تصدق الظواهر فيهن ~~أم البواطن؟ وقد يكون في القلوب شيء من فضة الخلخال الخفي، وقد يكون فيها القيود ~~الفضية! # ومن النساء في هذا الموكب المتحرك على الدوام الحمالات والمعولات - حمالات اللبن، وحمالات ~~الحطب، واللاتي يحملن أطفالهن على أكتافهن. وجوه صفراء فوق وجوه سمراء، أرجل نحيلة على صدور ~~عليلة، بيد أن هذه الصغيرة وردية الوجه، الضامة يديها على رأس أمها، وتلك الأم الحافية ذات ~~القد الرديني، تعيدان إليك ما ذهب من أمل وتشعلان ما انطفأ في موقد الحياة. # إن ها هنا أيضا ما يباغتك في أملك، وينفخ في رماد موقدك، هاك زمرة من الصبيان في أطمار ~~فرنجية، وأسمال بغدادية، يحمل أحدهم طبلا، وآخر لوحة، ويتقدمهم أبو اللفتين، رافع اليد، ~~جاحظ العين. فيدق حامل الطبل طبله، ويرفع حامل اللوحة لوحته، ثم يرفع الخطيب أبو اللفتين ~~عقيرته: هبوا على السينما الملكي، وشاهدوا أعجب الصور، وأغرب المخلوقات. ثعلب يقتل أسدا، ~~خروف يأكل ذئبا، طفل ذو قرنين، وآخر ذو رأسين ... عجائب المخلوقات - هذا المساء - في السينما ~~الملكي. هبوا على السينما الملكي: دبه دب دب، دبه دب دب! # من الناس من وقفوا ليسمعوا ويتعجبوا. ومنهم من قالوا: عجيب، وهم ماشون، ومنهم رجل يبيع ~~بزر بطيخ مملح، كان واقفا عند مدخل السوق، وراء فرشه، وهو يسمع ويهز ms057 برأسه، هذا الرجل لا ~~يؤمن بما قاله الخطيب، وإذ رآني أنظر إليه قال: # كل من في الحياة يطلب صيدا # غير أن الأشراك مختلفات # دبه دب دب! اسمعي يا نيويورك، هل عندك من باعة فستق العبيد من ينطق بالشعر؟ دبه ~~دب دب! اسمعي يا لندن، وأنت يا باريس، هل عندكما من باعة السمك أو الضفادع من يحسن ~~النطق بالحكمة شعرا؟ # هو ذا الشرق المهذب الوادع القنوع. إن هذا البغدادي لأكبر وأشرف من كل من ينصبون الأشراك ~~للناس. إنه لمن الماضي القديم الجميل، وإنه من هذا الجيل، وهو مع ذلك يرضى بالقليل، ويرى ~~بعينه الثاقبة الظاهر والخفي من الأحابيل. ~~••• # ليس في القيافات البغدادية التي عرضناها لك قيافة واحدة جامعة تميز البغدادي عن سواه من ~~أهل العراق، أو العراقي عن سواه من العرب، إلا إذا استثنينا السدارة والجراوية، ملبوس ~~أقليتين من الأهالي الأفندية والفتيان. أما الأكثرية فإن هي إلا أشتات من الناس، تعلن ~~صفاتها وجنسياتها، ومذاهبها المختلفة، في أشتات من القيافات. # على أن الأقلية العصرية في الملابس الفرنجية تزداد يوما فيوما. وكما أنك شاهدت السيارة ~~البراقة في الدربونة المعتمة، فإنك تشاهد في المآدب وفي الحفلات الرسمية ما يدهشك لأول ~~وهلة. وإذا كنت من الزوار المرموقين، وكنت تظن أن بغداد مدينة عربية أو صحراوية، لباس ~~أهلها قميص وعباءة، فلا تعجب ولا تجزع عندما تجيئك رقعة مكتوبة على الآلة الكاتبة، أو ~~مطبوعة بماء الذهب، تتضمن دعوة لمأدبة أو حفلة، وفيها، في الزاوية: «اللباس رسمي». أو إذا ~~كانت من البلاط: «اللباس رسمي كامل!» # إني لا أزال أذكر يوم تشرفت للمرة الأولى بمثل هذه الدعوة. ولا بأس، ما دمنا في موضوع ~~الثياب؛ أن أقص قصتي وأشرح محنتي، يوم كنت مقيما مع صديقي العزيزين؛ «أمين كسباني» سكرتير ~~الملك فيصل في تلك الأيام، و«حسين أفنان» سكرتير مجلس النظار، في بيت واحد، جاءتني دعوة من ~~البلاط الملكي، وفيها اللباس رسمي كامل. # إن معنى ذلك للضباط والموظفين أن يلبسوا أثوابهم الرسمية، العسكرية أو المدنية، ويزينوا ~~صدورهم بما يحملون من الأوسمة، ومعناه ms058 لمثلي ثوب فرنجي أسود ذو ذنب كذنب الحسون، واحر ~~قلبي! أين لي بثوب نصف رسمي، فضلا عن الكامل ذي الذنب الطويل، وأنا قادم، أيها النجيب؛ من ~~رحلة طويلة في البلاد العربية، ولم أتعود أن أحمل، مثل الإنكليز، حتى في البادية، جهاز ~~العروس والعيد؟! فقد كان بيني وبين الثوب الرسمي بحور، عدا البوادي والجبال. هنالك في ~~نيويورك تركت كل ما يسعد المرء في رحلة عربية، وما أدركت خطئي إلا في بغداد، عندما تلقيت ~~رقعة الدعوة لمأدبة الملك. # وأين في بغداد الثوب الرسمي أحرزه بيوم واحد، بساعة واحدة؟ إن عاصمة العراق لا تزال، في ~~التمدن الحديث، دون تلك المنزلة التي ينعم بأسبابها أولئك الذين يستأجرون أثوابهم الرسمية ~~لليلة من ليالي الدهر، أو إنهم يرهنون ساعاتهم عند صاحب الدكان السعيد، أبي الكرات الثلاث ~~المذهبة ليبتاعوا ثوبا مخيطا جاهزا من صاحب المخزن الآخر ابن عم أبي الكرات ~~المذكورة. # ولم نكن في بغداد الرشيد، بغداد السحر والجن، فأفرك خاتم لبيك، فيقول عبده: «بين يديك»، ~~ويجيئني في الحال بثوب رسمي كامل، يدهش بقماشه وخياطته حتى خياط الملك بلندن. ومع أني كنت ~~أسكن في محلة الشيخ، بجوار مولانا عبد القادر الكيلاني - قدس الله سره - وأنا من الطامعين ~~باليسير من بركته، لما ينور في روضتي الحين بعد الحين من زهيرات التصوف، فما حقق رجائي ~~بزيارة تستكشف حاجتي، فيقضيها كما كان يقضي حاجات المقربين منه في قديم الزمان. ما جاءني ~~يقول: «ما همك، يا أمين؟» فأجيب: «ثوب فرنجي رسمي يا مولانا.» فيهديني إليه، أو يقول: ~~«هاكه»، فأراه بين يدي إذ ينطق بالكلمة المسعدة. لا، وربك، ما كان شيء من هذا. # بيد أن أملي ما خاب، فإن أحد رفيقي يمت بالنسب إلى مولانا عبد القادر؛ لأنه مثله سيد ابن ~~سيد من سلالة الحسين ابن بنت الرسول - عليه السلام - والآخر هو من لبنان، من تلك البلدة ~~التي أنجبت الشميل واليازجي وغيرهما من العلماء. ولكن علم الكسباني أمين لم ينفعني في تلك ~~المحنة، ولا نفعتني ظاهرا سلالة السيد حسين أفنان. # إنما الأمل، ms059 كما قلت، «ما خاب»، وإليك البيان ، فقد كنا نحن الفرسان الثلاثة، على ما كان ~~اضطراب الأحوال، نظفر بسويعة واحدة في النهار، بل في الليل، نحسبها دهرا من النعيم. وفي ~~تلك الساعة كان ينقسم الكون إلى قسمين: العالم، وأنا وخليلي، فيظل العالم خارجا بعيدا، ~~ونمسي نحن الثلاثة في حصن حصين، بل في واحة من السحر الحلال، ولم يكن لمولانا عبد القادر يد ~~في هذا السحر أو كلمة. لا، وربك، إنما كان كله من بعقوبة، من فضل رمانها. # تراني أنتقل من قصة إلى قصة، ولا أبالي بما يقطع أو يوصل منها، مثل شهرزاد، كنا في الثوب ~~الرسمي، فصرنا في بعقوبة. إيه بعقوبة جنة العراق. إن فيك يتراجع على الدوام صدى أغاريد ~~الشعراء والأطيار، وهم يتغنون بجمال بساتينك، وطيب ثمارك - بعنبك وهو كالبلور والياقوت، ~~بتمرك وهو كالعسل من قبلات الشمس، ببرتقالك الذهبي، بخوخك الذي تخجل ألوانه الزمرد والماس ~~الأصفر والأرجوان. # ولكن أميرة بساتينك هي التي استعارها الشعراء ليزيدوا جمال ما في صدر الحسان. هي ذات الفم ~~المدور المهيأ دائما للقبلات، هي التي تخبئ في صدورها كنوزا من لؤلؤ الحب وياقوته، هي أم ~~النهود، وخالة ورد الخدود - هي الرمانة. # وقد كنا نجلس نحن الثلاثة حول طبق من الرمان، من العشر إلى العشرين، في ساعة من الليل ~~تغبطنا عليها الملائكة والجن، ولا ننهض للنوم حتى نكون قد جردنا الأخيرة من ثوبها المصبوغ ~~بذوب الياقوت الأصفر، وظفرنا بكنوزها كلها. وكذلك كل ليلة، قبل أن نصعد إلى الأسرة على ~~السطح تحت ستر النجوم، كنا نجلس إلى مليكة قلبنا، ونتبارى نحن الثلاثة في حبها. وكان ~~الكسباني السابق في أكثر الأحيان، يعض الخمسة ويلتهمها، الواحدة تلو الأخرى، قبل أن يكون قد ~~فرغ أفنان من الرابعة. وكنت أنا الأخير دائما، الأخير إلا باللذة الهادئة المتأملة. فإذا ~~كنت - أيها القارئ الفهيم! - محبا للرمانة مثلنا، فإني أنصح لك أن تجلس إليها في ساعة ~~المساء الأخيرة، قبل أن تولي وجهك شطر السرير، فينعم بعد ذلك نومك، وتثور أحلامك. # عفوا، قارئي، ما بعدت عن ms060 المحنة التي كنت فيها إلا لأخبرك كيف قدر الله كشفها في حلم ~~من أحلام الزمان. فقد جاءني الكسباني أمين في صباح اليوم المعد للمأدبة، وهو يحمل ثوبه ~~الرسمي، ويقول: أمرت بأن أقدمه لك، ثم جاءني السيد أفنان بثوبه، وهو يظن أن من زاره ليلا، ~~وأمره بأن يكشف محنتي، هو نسيبه الجليل الذكر مولانا «عبد القادر». # أما ثوب أفنان فقد كان الجسم مرتاحا فيه أكثر مما يلزم - كان واسعا علي، فضاحا ~~لأمري. وأما ثوب الكسباني فقد أحسست أني فيه مرزوم رزما محكما، فيخيل للناظرين أنه صنع ~~لي في عهد الشباب. فاخترت من الفضيحتين أصغرهما، وأحبهما ذكرا إلي. وبما أن خليلي كانا ~~من المدعوين مثلي فقد تعاهدا صباح ذلك اليوم على أن صاحب الثوب الذي اختاره يحرم نفسه أطايب ~~المأدبة وخمورها. فطأطأ الكسباني رأسه للقدر، وأصيب - وفقا للعهد - بصداع شديد يحرمه شرف ~~الحضور، فأبلغ خبره بالهاتف، فقبل رئيس التشريفات العذر، وغفر الذنبين، ذنبه وذنبي أنا ... ~~بعد أن رآني في ثوبه! # كن حكيما إذا، ولا تنس إذا ما زرت بغداد ثوبك الرسمي الكامل، فقد لا تتوفق إلى رفيقين ~~مثل الكسباني وأفنان، وقد لا يكونان، إذا توفقت، ممن يسكرون بالرمان، ويحلمون بعد ذلك ~~الأحلام التي يتجلى فيها أولو الكرامات من الأولياء. ~~••• # أما وقد ذكرت الرمان وبعقوبه - والحديث ذو شجون كما يقال - فإني خاتم هذا الفصل بما لا ~~يخرج عن موضوع التجوال، وإن كان خارج المدينة، فمن شارع المستنصر نذهب بك الآن إلى بعقوبة. ~~وسنسمعك هناك، في دار صديقنا الأبر «فخر الدين آل جميل»، ما ينسيك ما أسمعناك من صياح تلك ~~التي ترعى على الدوام نجوم الليل «وتون». فقد دعانا للعشاء، ووعدنا - وهو الجميل المحب ~~للجمال - بشيء من محاسن الفن صوتا وشكلا. # وأبشروا بالجنة ~~التي كنتم توعدون ~~. # خرجنا من بغداد، والشمس وراءنا تدنو من الغروب، والأفق أمامنا خط من ذوب قلبها أصفر ~~رقيق، يفصل بين سماء جامدة في زرقتها، وأرض هامدة غبراء. وهذا السهل السوي الفسيح الفارغ هو ~~درب في كل مكان، وهو للسيارة ميدان. ms061 لا زرع فيه ولا كلأ، غير بقاع هنا وهناك أخضرها مائل ~~إلى الاصفرار، وأصفرها كالغبار. وهذا قطيع من الغنم يعلل النفس بها. وهاك آخر يجتز ما لصق ~~بين الحصى والتراب منها. # لا شيء جميل حتى في القوافل التي مررنا بها، وهي سائرة إلى بلاد فارس أو قادمة منها. ولا ~~رفيق لنا في الطريق غير الغبار والشمس، أرض بلقع يملها الحادي، ويقنط منها حتى القطا، ولا ~~يتحمل مشقتها مشيا غير الحاج العجمي الذي يجيء زائرا النجف. بل هو يجتازها فرحا؛ لأنها ~~مدنية إليه مشهدي علي والحسين. # وها قد هجرتنا الشمس، ولا رفيق لنا غير الغبار. ولكننا بعد قليل وصلنا إلى خان بني سعد، ~~في منتصف الطريق بين بغداد وجسر ديالي، فأوقفنا شرطي المخفر هناك، ورحب بنا قائلا: «لا ~~سفر بعد الغروب، قانون جديد. إما أن تبيتوا هنا، وإما أن ترجعوا.» وقد أكد لنا أن الطريق ~~غير أمين، وأن اللصوص لا يخشون مخفرا فيه شرطيان لا غير. فأفهمناه أننا مجازفون، وأن ~~الأخطار لذة الأسفار، ثم أعطيناه أسماءنا - العفو - نحن السيد حسين أفنان سكرتير مجلس ~~النظار. فسلم ثانية وقال: «بأمان الله.» وقد كان أفنان يحمل بندقية للصيد، والسائق ~~سكينا، أبرزها ليزيدني اطمئنانا. # عاد يرافقنا اثنان - الغبار والقمر. وكنا نرتاح إلى ثالث هو صوت السيارة، ثم مررنا بجماعة ~~من الناس، وهم مثلنا متخوفون، متوقعون القدر واللصوص. فبادرونا بالسلام بصوت عال، كأنهم ~~يستنجدون بنا، ولوحوا بالأردان. فرددنا السلام بصوت أعلى، وطمأنهم السائق قائلا: «اللصوص ~~أمامكم.» # وها قد دنونا من العمران. هو ذا جسر ديالى ومخفره، وهو ذا عدو اللصوص يسلم علينا، ثم جابي ~~رسم المرور يلوح لنا بقنديله الأخضر. دفعنا الرسم وسمعناه يشكر ويدعو لنا بالسلامة. # بعد أن عبرنا الجسر سرنا في جادة ضيقة، مضيئة بأنوار ضئيلة من الكاز، أدت بنا إلى السوق - ~~سوق بعقوبة المسقوفة، الحافلة بالمقاهي - وقد اكتظت بالناس. وكان السائق فرحا فخورا ~~ببراعته، وسرعة سيره، كأنه لا يزال في الفلاة. وكنا نحن بشجاعته معجبين، وبجنونه راضين، ~~وليس في السوق شرطي يعيده إلى ms062 رشده، ويذكرنا بأننا في قلب بعقوبة ، لا في البادية. # وما بعقوبة، وما قلب بعقوبة، بلا رمانها؟ كنت أتوقع أن نصطدم بطبق من الرمان، بدل كرسي ~~وخوان. زمر يا رجل، زمر. ما جئنا بعقوبة غازين، ولا نحن من المحتلين. هؤلاء السمار ~~إخواننا، ولهذه الأراكيل حق في السوق مثلنا. فقال السائق: «إذا زمرنا يا بك يجيء ~~البوليس.» # وما كاد يفصح عن خوفه حتى بدا أمامنا الشرطي، والعين منه جاحظة، واليد مرفوعة آمرة. ممنوع ~~السير، ممنوعة السيارات. وكيف يمكننا أن ندور لنرجع أدراجنا، إلا إذا دخلت السيارة أحد ~~المقاهي؟ كلم السائق الشرطي ملاطفا، مجاملا، وصلى على النبي. فصلى الشرطي كذلك على ~~النبي، وما لان. فهمس السائق إذ ذاك قائلا: السيد حسين أفنان سكرتير إلخ، فحوقل الشرطي، ~~وأشار بيده أن سيروا بأمان الله. # وكانت السوق تزيد ضيقا وتقل نورا. وكنا نسمع الناس يستعيذون بالله، ويصلون على رسوله، ~~ويحوقلون. وكنا نراهم يقفون واثبين، والأراكيل أو الكراسي بأيديهم فيلصقون بالجدران، أو ~~يدخلون الخان أو الدكان، لنسير نحن بأمان. يا للفضيحة ويا للعار! إن جملا هائجا في مقهى، ~~أو ثورا ثائرا في مطعم، لأقل فظاعة منا في سوق بعقوبة. ولكننا نحن والسوق ومن فيها خرجنا ~~من الغمرة سالمين كلنا والحمد لله. وما كان من ذنبنا إلا أننا روعنا البعاقبة. وكدرنا جو ~~سوقهم ساعة السمر. # وكدنا، ونحن متأخرون في الموعد، نكدر عيش مضيفنا، الذي كان في انتظار ضاقت دونه فسحة ~~الصبر والأمل. فبادرنا، بعد السلام، إلى المائدة، وهو يقول: «خفنا عليكم، والله من قطاع ~~الطريق.» # وما كانت المائدة، بزينتها وألوانها وخمرها، بعقوبية أو بغدادية. مائدة لا شرقية ولا ~~غربية، بل جامعة بين محاسن القارتين وكنت أنا في سروري الوارف، أتشوف إلى السرور الأورف في ~~ظلاله ونضارته. كنت أتخيل ما سيتبع الوليمة، وأنا أحسب نفسي، بعدما ذقت من غم المآدب ~~الرسمية، مستحقا كل ما تجيء به أريحية الصديق الجميل. ولكني ما رأيت في الإيوان، ولا في ~~من بدوا وتواروا هنا وهناك في الدار، ما يبرر الخيال والأمل. لا وجه ms063 من وجوه الحسان، ولا ~~طيف لقين من القيان. لا، ولا سمعت همس راقصة وراء الستار، ولا خشخشة فستان أو ~~إزار. # انتهى العشاء، وشربنا القهوة، ثم جاءت الأركيلة، ثم شيء من الشراب. وما لبث أن تثاءب ~~السيد حسين أفنان - قدس الله سر أجداده - فقال الأخ فخري - دامت نجابته: «إنكم - ولا شك - ~~تعبون من السفر.» ثم نهض يتقدمنا: «هذي هي غرفتك، يا حسين، وهذي هي غرفتك، يا أمين.» وكان ~~الله محب المحسنين. # | مغزى اللبنة # لا يزال في بغداد من الآثار ما يعود بعضه إلى القرن الرابع للهجرة. سنعود بك ألف سنة إذن، ~~لنريك ما نجا من صول العناصر، وغوائل، الزمان. وإنك لتعجب للرسم الطامس، والطلل الدارس، ~~فضلا عن الصرح الذي لا يزال قائما سليما نافعا، إذا ما علمت أن مواد البناء في أواسط ~~العراق سريعة التفكك والدثور. فالباني بالطين والآجر مهما كانت مهارته، ومهما كان من طموحه ~~وإجادته في الهندسة والزخرف، لا يتمكن من تشييد الصروح التي يضمن لها طول البقاء الصلد ~~الضخم من الحجارة. أما اللبن فهو مثل العامل باللبن - هو من التراب ولا يلبث أن يعود، مثل ~~الإنسان، إلى التراب. لا خلود في غير الجلمود. # وأذكر؛ كذلك أن لبنة بابل التي لا تزال تشهد على مهارة صانعها وبانيها في عهد نبوخذ نصر، ~~والتي لا تزال في حائط المعبد وشارع النصر، في ما اكتشف من المدينة الكلدانية القديمة كما ~~كانت يوم أخرجت من النار منذ ألفي سنة ويزيد. إن تلك اللبنة أمست من التقاليد المطوية، ~~والذكريات المنسية، في مصانع الآجر في بغداد والكاظمية، فقد تطورت صناعة الآجر في العراق ~~تطورا سلبيا، لا أعني بهذا أنها رجعت القهقرى، بل أعني أنها سقطت سقوطا مفجعا. ~~والبرهان على ذلك في ما نشاهد من أنواع الآجر القديم والحديث، أو بالحري في المقارنة بين ~~لبنة بابل ولبنة طاق كسرى من جهة، ولبنة بغداد اليوم من جهة أخرى. # ومما يدعو للتفكر والاعتبار أن هذا التطور المعكوس دخل على شعب البلاد، في بعض نواحي ~~الحياة، كما دخل على ms064 آجره. فلا عجب إذا قال العالم الأثري: هات اللبنة العراقية وخذ الحديث ~~عن أهل الزمان الذي صنعت فيه. # وهناك بعض الحديث. كان البابليون مثلا يهتمون اهتماما عظيما بالزراعة والري، وكانت ~~اللبنة البابلية منتهى الجودة والمتانة، ثم عرا الزراعة شيء من الإهمال في عهد الساسانيين، ~~وغدت اللبنة الفارسية دون البابلية صنعا وإتقانا، ثم جاء العرب، فدخلت الزراعة - وصناعة ~~الآجر - في دور الانحطاط. # لا نكران أن بعض الخلفاء العباسيين كانوا يعتنون بالزراعة عناية تذكر، ويستحبون من ~~البناء ما كان فسيحا، وما اتسعت في طول بقائه فسحة الأمل. ولكن اللبنة التي كانت تصنع في ~~زمانهم هي دون اللبنة الكسروية فضلا عن البابلية. # مسكينة هذه اللبنة العراقية العصرية، هذه اللبنة النضاحة المتملحة. فما كان بإمكان حتى ~~الخلفاء العباسيين - أولئك الخلفاء الذين بذروا أموال الدولة في بناء الجوامع والقصور، ~~كما بعثروها في الحروب - ما كان بإمكانهم أن يجبروا صانع الآجر على أن يستخرج من اللبنة كل ~~ما فيها من الملح. أو أنهم جهلوا هذا الأمر، وما علموا أن ملح الأرض، في صناعة الآجر على ~~الأقل، هو غير ما تصفه به الأمثال. هو يفسد، ولا يصلح وهذا هو السبب الأول في دروس آثار ~~بغداد المشهورة وامحائها، إلا القليل منها. # كان البابليون يحسنون - ولا شك - استخراج كل الملح من الأتربة التي يستعملونها لصنع ~~الآجر. وهذا هو السر في دوامها سليمة أكثر من ألفي سنة. فالملح في اللبنة يجعلها عرضة ~~لفعل العناصر؛ أي نضاحة. وإنك لتراها في أبنية بغداد اليوم تنش بالماء، فيذوب تدريجا ما ~~فيها من الملح، فتبدو بنخاريبها كقطعة من الإسفنج المتحجر. وتستمر هذه الحال حتى تتفتت ~~اللبنة، فيتداعى الجدار، ويسقط البناء. # ولماذا لا تصنع اليوم اللبنة الشبيهة بلبنة بابل القديمة؟ سألت هذا السؤال أحد أصحاب ~~المصانع خارج الكاظمية، فقال: «هذا التراب من كرم الله، واللبنة منه، وهي خير ما يصنع، ~~والحمد لله.» قلت: وكم هي مدة الاشتواء؟ قال: «قدر ما يشاء الله. حينا سبعة أيام، وحينا ~~عشرة، وحينا خمسة عشر يوما، وفي بعض الأحيان لا ms065 يشتوي قطعا. سبحان الله!» # كانت النساء العاملات في محفر كبير في جوار الأتون يمزجن قطع التراب بالماء، فقال لي وأنا ~~أنظر إليهن وأرقب عملهن: «التراب والماء لا غير.» ثم انتبه فأدار بوجهه إلى الأتون وكمل ~~كلامه قائلا: «والنار - التراب والماء والنار. وكلها من كرم الله، سبحانه وتعالى.» # قلما اجتمعت، في رحلاتي كلها، بمن هو أدمث خلقا وأجمل تقوى وورعا من هذا الرجل. وهو - ~~ولا شك - شيعي من الكاظمية، قلما تجد مثله في الشرق. هو رجل قديم الأيام، قديم اللسان، قديم ~~العقيدة والإيمان. هو رجل من القرن العاشر، أحد صناع الآجر في زمن العباسيين، عاش ألف ~~سنة فأدمثته الأيام، وروعته الليالي، ثم استأنف صناعته في ظل المآذن والقباب، في جوار ~~الكاظمين - رضي الله عنهما. # وقد زرت خارج بغداد مصنعا للآجر حديث البناء والأدوات، صاحبه، يهودي من هذا الزمان - ~~عصري عمراني! فهو يشعل في أتونه زيت النفط، بالضغط البخاري، ويصنع الآجر بالمكنات، ويرسل ~~نموذجات من التراب - مكن كلمته هذه بإيماءة فيها الرضا عن نفسه والفخر بها - إلى أوروبا ~~ليفحص فحصا كيماويا، ثم قال: «نعم، إننا نلجأ إلى العلم، لننتفع به ... ولكن العلم لا ~~يزيد الأرباح في العراق.» ثم سألته سؤالي بخصوص اللبنة البابلية، لبنة نبوخذ نصر، وهي المثل ~~الأعلى في هذه الصناعة، فقال: «كله يتوقف على التراب والملح. في بعض الأماكن يكثر الملح في ~~التراب، ويقل في غيرها؛ لذلك نرسل النموذجات منه إلى الاختصاصيين بأوروبا ... أظن أن الملح ~~يقل في التراب في جوار بابل والحلة ... لا يا سيدي، لا نستطيع أن نستخرج كل ما في التراب من ~~الملح؛ لأن ذلك يقتضي نفقات كبيرة. والناس لا يرغبون في غير الآجر الرخيص.» # إن المسألة اقتصادية. فاللبنة لا تتحسن إلا إذا زيد بثمنها، والزيادة بالثمن غير ممكنة ~~إلا إذا ازدادت الثروة في البلاد؛ لذلك ترى الحكومة العراقية باذلة جهدها في تحسين الزراعة ~~بتحسين عوامل الري. إذ ذاك نعود إلى الزمن البابلي - إلى عهد نبوخذ نصر الزراعي - فنستغل ~~الأرض بكل ما لدينا وبكل ما فيها، ونثري ms066 ونبني البيوت التي لا تنضح لبناتها ولا تذوب، ~~البيوت التي تدوم أكثر مما دامت قصور الخلفاء العباسيين. # لله أولئك العباسيون! فقد ابتغوا المجد في الدنيا وفي الآخرة، وخصوصا في الدنيا، وما ~~أدركوا أن ما ابتغوه موكول باللبنة لا بالدينار، وبأقنية الري لا بأقنية العصور الحريمية، ~~وبالمحراث لا بالسيف. بل هو موكول ببناء العقول أكثر منه ببناء الدور لاسترقاق العقول ~~وسجنها، أو لاستخدامها في سبيل الخليفة ولذاذاته. # | آثار العباسيين # إن الإنسانية لتنور النور الأجمل في أوديتها الساكنة الهادئة، وتثمر أطيب الثمار في ~~المروج والحقول. أجل، إن أكثر النوابغ، وأكبر الأبطال لمن سواد الناس. مما يحقق الآمال ~~بالإنسانية ويبرر الزهور بالنهضات القومية، فتتميز بفضل أرباب النبوغ والبطولة عهود التاريخ ~~بعضها عن بعض، وتظهر الفوارق حتى بين المثمر منها والعقيم، فتعرف إذ ذاك بأسماء أصحابها، ~~لا بالنعوت الذهبية أو الدرية. # وإن في تاريخ العراق عهدا - وإن قصر - يستحق أن يدعى باسم من بز فيه جميع معاصريه. وما ~~هو العباسي، من أوطئ له هذه التوطئة، ولا بالبرمكي ولا بالبويهي. ما كان من الأمراء، ~~ولا من الفقهاء، ولا من العلماء. بل كان عبدا رقا، ذا مطامع تصغر عندها مطامع أكبر الناس ~~همة، وأشرفهم حسبا ونسبا. هو العبد مرجان؛ وسأزيدك علما باسمه وسيرته عندما نصل في ~~جولتنا إلى آثاره. # أول الآثار هو ما بقي من مدينة أبي جعفر المنصور، في مقبرة في الصوب الغربي هي اليوم ~~للشيعة. هناك حجرة كانت مسجدا في المدينة المدورة، أو أنها الأثر الباقي من ذلك المسجد، ~~وهي لا تزال تدعى باسمه؛ أي مسجد المنطقة. وفي هذه الحجرة أسطوانة من الرخام السماقي يتبرك ~~ويتوسل بها العوام من الشيعة لمعجزة نسبت إليها. وهي أن علي بن أبي طالب وقف ههنا يصلي ذات ~~يوم، وكان عطشان، فنبع الماء من الأسطوانة، فشرب وحمد الله. هي أسطورة لا تحفل بالتاريخ، ~~فقد توفي الإمام علي بالكوفة قبل أن بنيت المدينة المدورة بمائة سنة. # منارة سوق الغزل (تصوير الدورادو). # أما المأذنة القديمة القائمة اليوم في قلب الصوب الشرقي ms067 من المدينة، فلا أسطورة تشرفها، ~~ولا هي تفعل العجائب. كانت هذه المأذنة زمن العباسيين وسط جامع كبير، قيل إنه بني عهد هرون ~~الرشيد (787-809م)، وقيل عهد المكتفي بالله (903-908م)، ولو كانت تقرأ الكتابة المحفورة في ~~أعلاها بالخط الكوفي لتحقق على ما أظن تاريخ هذا الجامع، الذي كان يدعى منذ خمسين سنة ~~بجامع الخلفاء، والذي لم يبق منه غير هذه المأذنة، القائمة وسط بيوت وأسواق يباع فيها ~~الغزل، فسميت لذلك منارة سوق الغزل. # هي فريدة وحيدة في مكانها، وهي تختلف كما يقال عن سائر المآذن القديمة والحديثة بأمرين، ~~الأول هو الكتابة الكوفية التي لا يستطيع أن يقرأها أحد لعلوها ولغرابة نقشها، والثاني هو ~~أنها غير مستقيمة، تميل قليلا عن الخط العمودي. فهي من هذا القبيل تذكر السائح الأوروبي ~~ببرج بيزة، المدينة الإيطالية. # ولكن في العراق غيرها من المآذن المنحنية، أهمها في الموصل مأذنة الجامع الكبير. فإن ~~انحناءها يزيد عن انحناء منارة سوق الغزل، ويدنو على ما أظن من انحناء برج بيزة. على أن ~~صفتها الممتازة ليست في الانحناء نفسه، بل، في الأمر الذي من أجله انحنت. قلت إنها لا تفعل ~~العجائب، والقول يحتاج إلى تصحيح. فإنها تمتاز عن سواها من المآذن والأبراج، في الشرق وفي ~~الغرب، بما هي عليه من الورع والتقوى. # فقد جاء في الآثار أن النبي مشى في ظلها، فانحنت إكراما وإجلالا له، وهي لا تزال ~~منحنية، وستظل كذلك إلى يوم القيامة! # وثمة أثر عباسي آخر هو من مألوف الطلول الدوارس المبنية بالآجر. إلا أنه أقدم، من منارة ~~سوق الغزل، وهو قائم في القلعة إلى جانب وزارة الدفاع، إلا أنك لا تجد في جدرانه المتهدمة ~~وسقوفه المعقودة ما يثبت شيئا كل الإثبات غير الآجر، وفيه الدليل على أن هذه الصناعة كانت ~~في العهد العباسي الأول أرقى منها في ما بعد. مما يؤيد ما أسلفت إليه من أن مستوى صناعة ~~الآجر مقرونة بمستوى شعوب البلاد. # قد أشرت في فصل سابق إلى المدرسة المستنصرية، وما يزال يبدو من آثارها في البناية ms068 التي هي ~~اليوم الجمرك، ومنها كتابة على بقية جدار بارز فوق سطح هذا البناء، تنبئ أن المدرسة شيدت ~~بأمر الخليفة المستنصر في سنة 602 للهجرة/1233م لتعلم فيها المذاهب الإسلامية الأربعة؛ ~~أي الحنفي والحنبلي والشافعي والمالكي. بيد أن تساهل المستنصر لم يكن شاملا، فقد وقف ~~واجما مانعا، على ما يظهر، عند المذهب الخامس؛ أي الجعفري. وهو مع ذلك جدير بالثناء؛ لأنه ~~جاء في آخر زمان العباسيين - هو السابع والثلاثون من الخلفاء وابنه المستعصم هو الأخير - ~~فأعاد مع ذلك إلى الملك شيئا من مجده الغابر، وبعث في البلاد روح العلم والأدب. # إن ذلك الصرح ليحزن في ما صار إليه. وهل في دور الحكومة ما هو أقتم وجها، وأنكر شكلا، ~~وأهول قلبا من دار الجمرك؟ هيا بنا. ولكننا، ونحن نسارع منها إلى السوق، نمر بقسم قديم تحت ~~مستوى الشارع، معقود عقدا محكما بشيء من الزخرف البديع - الذي كان بديعا - ولا يزال يفصح ~~من تحت القتام الكثيف عن مجيد غابره. هذا المكان الأشد سوادا من الجمرك هو اليوم فرن ~~للخبز. ومع هذه المخزنات في الأثر الطامس للمدرسة المستنصرية، فإنه خير خاتمة للعهد ~~العباسي. # بيد أن من خلفهم من التتر لم يكونوا كلهم أعداء العلم والأدب. فقد تداعى من هذه المدرسة، ~~بعد خمسين سنة من بنائها، جدار إلى جانب دجلة، فأمر الملك أبو سعيد آخر ملوك الدولة ~~الإيلخانية ببنائه، كما هو مذكور في الكتابة التي تقدم ذكرها. # جدار المدرسة المستنصرية (تصوير الدورادو). # القصر العباسي (تصوير الدورادو). # | الآثار التترية # أما وقد وصلنا إلى العهد التتري، فيجب علينا أن نقف إكراما وإجلالا عند اسمين من كبار ~~الدولة التترية الثانية - الجلائرية - وهما السلطان أويس ومملوكه الناهض الطامح، المختلس ~~التائب، الصالح المحسن، مرجان. # كان السلطان أويس بن حسن الجلائري، مؤسس الدولة الجلائرية (1339م) طامعا بتوسيع ملكه، ~~فجرد حملة على خيجوق ملك أذربيجان، وعين مملوكه مرجان حاكما لبغداد في غيبته. وكان ~~مرجان قد تخرج في سياسة الدولة، وتدرج في مناصب البلاط السلطاني، فغدا أسيرا لرغبة مضنية، ~~بل لأمنية مهلكة. مرجان ms069 بن عبد الله بن عبد الرحمن الأولجايني، الرومي الأصل، طمح إلى ~~الملك، وكان يومئذ دجلة آخذا بالطغيان، فطغى الاثنان معا. وعندما شاهد مرجان المياه تغمر ~~الصوب الشرقي من المدينة ظن نفسه في حرز حريز، فتوكل على الله، وتبوأ عرش أويس. # وما كان السلطان أويس موفقا في حملته على خيجوق صاحب أذربيجان، فعاد إلى عاصمته التي ~~أضحت في حوزة مملوكه، وكان الصوب الشرقي لا يزال تحت مياه النهر، فبنى أسطولا من الزوارق ~~وخاض به عباب دجلة الطاغي يحمل على ذلك الطاغي الآخر مملوكه مرجان. فوصل إلى القصر وأدركه ~~هناك ... وماذا دهاك يا مرجان؟ ~~- العفو، يا مولاي، العفو! # وكان الاثنان من الصالحين. اعترف المملوك بذنبه وتاب، وتوسط من أجله بعض كبار الدولة، ~~فعفا السلطان عنه. # ومنذ ذاك الحين تاب مرجان إلى الله - لست أدري أسمي بأمين الله قبل ملكه القصير أم ~~بعده - وبذل كل ما كان يملك في سبيل البر والإحسان. بل خلد ذكره في ما بناه لخير الناس في ~~هذه الدنيا وفي الآخرة. من ذلك المدرسة المرجانية التي شيدت في سنة (1357م) وأوقف عليها ~~مائة دكان، وثلاث عشرة معصرة للزيت - كان يحرز الأملاك على ما يظهر بالسهولة التي أحرز بها ~~الملك، وينفض منها يديه كما نفضها من العرش - وثلاث عشرة قطعة من الأرض، وسبعة خانات، وسبعة ~~بساتين، وقفها كلها وقفا صحيحا شرعيا، كما جاء في الكتابة المنقوشة بالآجر قرب البئر في ~~الجهة الجنوبية. وقد ختمت بهذه الكلمات: من غير شروط أوقافي أو تصرف فيها خلاف ما ~~شرطت لعن في الدنيا والآخرة. ومع ذلك أن أكثر تلك العقارات التي لا تزال قائمة هي اليوم ~~في أيدي اليهود. # وقد جاء في الوقفية: # وتممت هذه المدرسة في دولة نور حدقته، ونور حديقته، المخدوم الأعظم الأعدل، رافع ~~رايات السلطنة على الأفلاك، ساحب ذيل الرحمة على الأعراب والأتراك، محيي مراسم ~~الملة المصطفوية، مزين شعار الدولة الجنكيزية، حاجيج شاه أويس خلد الله ~~ملكه. # وما خلد لولا هذا حتى ذكره. أما مرجان فلا حاجة إلى الكتابة لتخليده. فهو ms070 مدفون تحت قبة ~~المسجد، ولا يزال الناس يزورون قبره ويتبركون به . وإن سألت البغدادي اليوم عن الحاجيج ~~أويس، أجابك بسؤال آخر قائلا: أويس، أويس؟ ومن هو أويس؟ مما يثبت ما بدأنا به قصة ~~مرجان، وهو أن عظماء التاريخ قلما يكونون من الأمراء أو من ذوي المال والجاه في ~~الناس. # جامع الكيلاني من الداخل (تصوير الدورادو). # ومن آثار مرجان الجامع الذي بناه للمدرسة، والخان المقابل للجامع والاثنان يدعيان باسمه. ~~أما أوروتمه فهو الاسم الذي أطلقه الترك على الخان لظلمته، وقد أمسى تحت الأرض، ولا تزال ~~عليه مسحة من الفخامة. أما الجامع فإن بابه على الأقل جميل. بل هو في هندسته ونقشه منقطع ~~النظير ببغداد، وقد أمسى مثل باب الخان بضعة أذرع تحت مستوى الشارع. # والجامع والخان اليوم مفتوحان، الواحد للصلاة والآخر للتجارة. أما المدرسة والمكتبة ~~التابعة لها، الحافلة بالمخطوطات، فقد تولى إدارتهما زمنا طويلا بيت الألوسي الموصوف ~~بالعلم والفضل والتقوى، ثم أقفلت المدرسة ونقلت المكتبة إلى دار الكتب العمومية. # لا أظن أن في بيت الألوسي اليوم من يهمه أمر مرجان ومدرسته القديمة. فإن كبير هذا البيت ~~السيد موفق من غير أولئك الأجداد الأتقياء في علمهم، العلماء في تقواهم، الرافعين أيدي ~~الدعوة والاستيحاء للسلف الصالح، الشاربين من مياه التقاليد الحلو والمالح. لا، ما هو منهم، ~~لا في كتابه، ولا في شرابه، فقد تلقى علومه بباريس، وأفعم روحه بالثقافة اللاتينية، ثم أضاف ~~إلى ذلك من الأنكلوسكسونية أشياء، تتصل أسبابها حينا بالعلماء، وحينا بغير العلماء. وكيف ~~لا وهو إلى ال «بار» اللامع، أدنى من البار إلى الجامع؟! # وما مرجان، وجامع مرجان، ومدرسة مرجان! إن للدولة العراقية الحديثة حقا بثمار علمه ~~العصري، وبخير وطنيته المتفتحة. بيد أنه لا يتوفق دائما بما يريده لها من الخدمة. فبعد أن ~~درس القانون الدولي في كلية الحقوق دخل في السلك السياسي من باب الوزارة الخارجية، ثم خرج ~~منه غير آسف، وهو اليوم - لست أدري! أين يكون عندما يصدر هذا الكتاب؟ - وما مرجان! ومدرسة ~~مرجان، وخان مرجان! هات يا ولد ms071 الوسكي والصودا. # لقد جرنا مرجان ووقفياته إلى آل الألوسي، فحملنا ذلك على ذكر كبير الألوسيين اليوم، وهو ~~ينبو عن كل ما فيه سمعة وظهور. فنسأله العذر، وندعو له بالتوفيق حيث كان، ببغداد أو بطهران، ~~معلما للإنس أو للجان، في دار الحقوق، أو في «بار» الأميركان! # | المقامان الأعظم والأشرف # قد ذكرت المذهب الحنفي في عبارة ماشية، وما تورعت ولا اعتذرت. فلا بد من التفكير في ~~زيارة لمقام الإمام بالأعظمية. وما المقام على شيء كثير من جلال القدم، فقد شيده الترك، ~~وأحاطوا الحجرة بمشبك من الفضة. إنه في ما سوى ذلك كغيره من الجوامع الكبيرة، فلا تجوز ~~المقارنة بينه وبين الكاظمين القائم قبالته على الصوب الغربي. وحسبك أن تذكر المأذنتين ~~والقباب الكبيرة والصغيرة المصفحة كلها بالذهب، فيتوارى المقام الحنفي الأعظم، ويستغفر ~~لبانيه الله. # ولكنه يمتاز بما لا تجد له أثرا في الكاظمين. ويحق له أن يفاخر جوامع بغداد كلها بما إلى ~~جانبه، ضمن السور، من جمال الطبيعة الهادئ الوادع، المرحب بالنفوس الوادعة الهادئة، المضيء ~~فيها أنوار الفكر والتأمل. فسلام على بستان المعظم وأزهاره، وعلى ظلال أشجاره، وعلى سكينة ~~جواره. # ويحق للمعظم اليوم أن يفاخر؛ كذلك بإمامه الأعظمي سميه نعمان، الحامل للبيان، العلم ~~والصولجان، الجامع في مواعظه الحديث والقديم، والسليم والسقيم، والمثمر والعقيم، الضارب في ~~كل واد، وفي كل منبت آس وقتاد، المزين الترهات بالآيات، الخالط السمن باللبن، واللبن ~~بالخل، والخل بالنفط، والنفط بالخمر، والخمر بزيت الخروع! رب المنابر الشيخ نعمان، صاحب ~~العلم والصولجان. # وإنه في حديثه مثله في وعظه، لا حد لعلمه، ولا نهاية لظلمه، يدقق ولا يشفق، ولا يبالي ~~في ما يفتق ويرتق، يفيض ولا يغيض، ويداوي المريض بالقراءة وبالقريض. لله در الأعظمي نعمان، ~~إمام جامع المعظم نعمان بن ثابت! # أما وقد زرنا مقام المعظم فجدير بنا أن نزور مقاما قدسيا آخر، هو في قلب بغداد، بمحلة ~~الشيخ، المشرفة باسمه. هو مقام الشيخ عبد القادر الكيلاني (1098-1166م) الذي جاء من كيلان ~~يشرف بغداد، ويشعل أنواره في البلاد. # كان الشيخ ذا نظرات ms072 في التصوف غريبة، وشطحات عجيبة، وتأويلات واجتهادات، في تفسير الآيات، ~~وكشف الغوامض المبهمات. وكان في طلعته، مثله في نزعته. عينان هما أتونان مشتعلان، وحاجبان ~~هما دغلان مدلهمان، في رأس كبير مستدير، فوق أنف ضخم، فوق لحية مرسلة طويلة. أضف إلى ذلك ~~اللسان الفصيح والذهن النفاذ الكشاف، والصوت المزمزم كالرعد، تشهده بأجمعه، وبكامل مجده. ~~قيل إنه نقل إلى خارج المدينة لما ضاق بالسامعين المكان الذي كان يعظ فيه، وهناك في العراء ~~كان يجتمع من المؤمنين، ستون وسبعون ألفا؛ ليسمعوا كلماته الذهبية وآياته السماوية. # أسمي الشيخ بالباز الأشهب، وهو، على ما يظهر لي، رمز «السوبر مان» في الشرق. # جامع الإمام الأعظم (تصوير الدورادو). # قال البنديجي في كتابه «جامع الأنوار في مناقب الأخيار» في ترجمة الشيخ عبد القادر ما نصه: # وقيل له الباز الأشهب، لما كان يمشي ويطير على رءوس الأشهاد، كما روى الشيخ أبو ~~القاسم عمر بن مسعود البزار، والشيخ أبو حفص بن يحيى الهناني. هما شاهدان. وهناك ~~مصدر آخر وشاهد من أهل الجنة - على ما يظهر - اسمه الشيخ عقيل المنيجي. فلما قيل ~~له: قد اشتهر ببغداد أمر شاب أعجمي شريف اسمه عبد القادر. قال: أمره في السماء ~~أشهر منه في الأرض. ذلك الفتى العلي المدعو في الملكوت الباز الأشهب. # وقد أضاف إلى هذه الحاشية صديقي الأبر الشيخ كاظم الدجيلي ما يلي: # والباز الأشهب، كما جاء في التاج، لقب أبي العباس بن سريح والسيد منصور العراقي ~~خال سيدي أحمد الرافعي. ولم يذكر الشيخ عبد القادر بينهما. فتنبه. # وقد كان في بيته مثله في بيئته، كثير الإنتاج، موفقا ظافرا على الدوام، فنعمت الدنيا ~~بتسعة وأربعين ولدا من صلبه، وبألف مرة تسعة وأربعين من السالكين لطريقه. بيد أنه كان في ~~سلوكه مثل جميع المتصوفين، جواب آفاق قصية، حينا متألقة، وحينا مظلمة، له حالات، ~~وحيرات، وابتهاجات، وله في يقينه الآيات: # ارفع نفسك إلى ما فوق الشقاق في نفسك يجئك الأسد طائعا، ويأكل الذئب من يدك. ~~افتل نفسك أمام نفسك، در ثم در، من الوعي إلى ms073 الحال، تقع النجوم كالدرر عند ~~قدميك. لتضع نفسك أمام العرش في نفسك ، تشاهد في بابك العزة الإلهية. # وفقا لهذه الشطحات سلك الشيخ «سلوكه القادري»، فكان حملا للوديعين، وأسدا للطالبين، ~~وكوكبا للسكارى في حانة الشوق والحنين، وذاتا مقدسة لبقية المؤمنين، وما كان حتى الخليفة ~~ليأمره بالمثول بين يديه، بل كان إذا شاء الاجتماع به يجيء بنفسه إليه، بعد أن يستأذن بذلك؛ ~~ولكنه كان محبا للفقراء، متواضعا لهم، فيؤاكلهم ويقيم بينهم، إنه في هذا لمثل القديس ~~فرنسيس الأسيسي، وإنه في ما سوى ذلك مثل ولي الجزويت القديس إغناطيوس لويولا. كلاهما مصدر ~~وحي، ومصدر قوة، فقد ابتدأ عبد القادر بالحب وانتهى بالنظام. أدى صاحب السلوك الرسالة في ~~حياته الدنيا، وصار بعد ذلك صاحب طريقة. # وكان فوزه الأكبر في مماته. فإن عظامه محفوظة تحت القبة في الجامع الحامل اسمه بمحلة ~~الشيخ، وما زالت روحه، بعد سبعمائة سنة، منارة علم وهدى لألوف من أشياع الطريقة القادرية في ~~الشرق. # | كنج عثمان والباز الأشهب # وللشيخ عبد القادر فوق ما ذكرت صفة حربية تذكر بقصة يشوع بن نون. فهو مثله هدام ~~أسوار وفاتح مظفر. # في السنة 1621م فتح بغداد شاه فارس عباس الصفوي، وملك أربع سنوات، فخلفه الشاه صفي خان، ~~ثم صفي الدين، وما تجاوز حكماهما الإحدى عشرة سنة؛ ذلك أن سلطان العثمانيين مراد الرابع زحف ~~بجيشه على بغداد ليطرد منها الفرس. فحاصرها في 8 رجب سنة 1048 / 15 تشرين الثاني 1638 ~~ودخلها ظافرا في الشهر التالي، ثم أقام عليها واليا من قبله، وعاد إلى الأستانة، تاركا ~~ببغداد للدفاع عنها المدافع التي غنمها من الشاه الصفوي، وتلك التي كانت معه، ومنها طوب أبو ~~خزامة. # هذه هي رواية التاريخ، وليس فيها شيء من سيرة المدفع العجيب، وعلاقته بالشيخ عبد القادر، ~~ولا مما للائنين من الفضل في فتح بغداد. إنها لقصة عجيبة قد تجدها في مخطوطة من مخطوطات ~~المدرسة المرجانية، وقد تظفر في أحد المقاهي بمن يستطيع من القصاصين أن يكمل التاريخ. ~~وبينما كنت أسعى لهذا الغرض لقيت صديقي الدجيلي ms074 الشيخ كاظم، الناثر الناظم، فقصر علي ~~الطريق بأن جاءني في اليوم التالي بمجلة «لغة العرب» وفيها ما ابتغيته، مكتوب بقلمه، ومؤيد ~~بوافر علمه. # قال الراوي: لما أخذ الشاه عباس بغداد أذل أهلها، وجعل جوامعهم الكبيرة مرابط لخيله ~~وبغاله. فثار ثائر الناس وقالوا: ما لنا غير السلطان نستغيثه. ولكن السلطان في الأستانة، ~~والشاه عباس منع السفر من بغداد، فكيف الوصول إلى السلطان. أجاب على هذا السؤال رجل من بيت ~~السويدي، وكان جوابه غير الكلام، فقد تزيا بزي درويش، وسافر إلى الأستانة؛ ليحمل إلى ~~السلطان خبر سقوط بغداد. وبعد وصوله ظل متخفيا ليدرك غرضه، فوفقه الله إلى خطيب جامع ~~السلطان، فقال له: إنه طالب علم وعارض خدمة. فاستخدمه الخطيب، لما بدا من نجابته. وفي ذات ~~يوم من أيام الجمع كان الخطيب مريضا، فما استطاع أن يذهب إلى الجامع ليلقي الخطبة، فقال ~~له السويدي: إنه ينوب عنه، فسر بذلك. ولما رقي السويدي المنبر نادى بأعلى صوته: أيها ~~المؤمنون المسلمون. إن الدين ذهب، وإن بغداد قد ضبطها الشاه عباس وربط خيله وبغاله في حضرة ~~أئمتها، وفعل من المنكرات ما لا يوصف ولا يحصر في بال إنسان. فلما سمع الحاضرون كلامه ضجوا ~~بالتكبير، وأخذوا بالبكاء والعويل. # وكان السلطان مراد حاضرا، فأمر أن يجيء السويدي إلى القصر، فاستقصه القصة، ثم أعلن ~~الجهاد، ونادى المنادي في الأستانة أن لا يصحب السلطان من عسكره إلا الكهول، والذين يغرز ~~المشط في لحاهم. فحشد الجيش وفيه الشبان والكهول لا غير، ثم مشى به السلطان قاصدا ~~بغداد. # ولما صار قرب سامراء خطر له خاطر في اختيار رجاله. قال الراوي: أراد أن يجعل على الجيش ~~قائدا محنكا، وأن يذهب هو بنفسه إلى بغداد متجسسا، فأخذ يسأل كل من ظن فيه الكفاية ~~للقيادة: أين بغداد؟ فأجابه الأول: على بعد ثلاثة أيام منا، فأمر بقطع رأسه. وأجاب الثاني: ~~على بعد يومين، فصاح السلطان: اقطعوا رأسه. وأجاب آخر: على بعد يوم، فطاح رأسه حالا. هذا ~~في يوم واحد. وعندما أمر القواد في اليوم التالي بالمثول ms075 بين يدي السلطان سأل أحدهم: أين ~~بغداد؟ فوثب إلى صهوة جواد، وراح غائرا يهز اللواء ويقول: بغداد تحت حافر هذا الجواد. فهتف ~~السلطان قائلا: الآن وجدت ضالتي. # ثم دعا القائد إليه وقال له: اصدقني الخبر. من علمك هذا؟ فأجاب القائد: لي ابن أحبه حبا ~~شديدا فلم أطق فراقه، فحملته معي مخفى في صندوق، فأخرجه منه في الليل وأسامره. وفي ~~الليلة البارحة رآني في ضيق وكنت أقول في نفسي: هي الليلة الأخيرة من دنياي، فسألني عن ~~حالي، فقصصت عليه القصة، فدبر لي هذا الأمر. # قال السلطان: أين ابنك هذا؟ فأجاب القائد: في الصندوق. فأمره أن يأتيه به، ففعل. فلما رأى ~~السلطان الولد استسماه فأجاب: اسمي كنج عثمان (عثمان الصغير). # السلطان ~~: # ألم تسمع أني أمرت بقتل كل من لا يغرز المشط في لحيته؟ # كينج عثمان ~~: # أنا لست كما ترى، بل أنا شيخ من الشيوخ. # السلطان ~~: # إن كنت صادقا فخذ هذا المشط واغرزه في لحيتك. ~~(فتناول المشط ولشدة خوفه من السلطان غرزه في لحم خده.) # أين لحيتك؟ فإنا لا نراها في وجهك. # كنج عثمان ~~: # لحيتي، يا جلالة السلطان، في داخل صدري. # فأعجب السلطان بنجابته وشجاعته، وولاه القيادة العامة. # ثم زحف الجنود بقيادة كنج عثمان على بغداد، فحاصروها. # أما السلطان مراد فقد دخل إلى بغداد في زي درويش ينشد الأشعار الفارسية بأطرب الألحان، ~~فسمعه الشاه، فدعاه، وقربه، ولعب وإياه الشطرنج، فتقدم السلطان بفرزانه منتصرا، ثم حصر ~~«شاه» الشاه وقال: الشاه مات. قال ذلك وقام، فخرج من القصر مسرعا، وراح إلى المعسكر خارج ~~السور. # وفي تلك الليلة كان القائد العام كنج عثمان أرقا مغتما، فزاره شيخ معمم بعمامة خضراء ~~كبيرة وخاطبه قائلا: ما لي أراك في ضيق واضطراب؟ فقال كنج عثمان: قد أعيانا فتح بغداد، وقد ~~نفدت قوانا وذخيرتنا. فقال الشيخ: إذا كان الغد اذهب إلى السلطان مراد وقل له أن اعمل ~~مدفعا كبيرا. # فلما بزغت الشمس ذهب القائد العام إلى السلطان وأخبره بما كان. فقال السلطان: من أين لنا ~~ذلك ولا حديد لدينا. # وفي ms076 الليلة الثانية أيضا طاف الشيخ بالمعسكر، وخاطب القائد العام عثمان الصغير قائلا: ~~ألم أقل لك اعملوا مدفعا من حديد؟ لم لم تعملوا ذلك؟ فقال عثمان: ليس عندنا شيء من حديد. ~~فقال الشيخ: خذوا أنعل خيولكم ومرابطها الحديدية وصبوها. # وعند الصباح أخبر كنج عثمان السلطان مراد بذلك، فأمر السلطان بجمع النعال والمرابط كلها، ~~فلما جمعت وأذيبت تحيروا في كيفية صبها. # وجاء الشيخ في الليلة الثالثة إلى خيمة كنج عثمان يقول: أنا أعلمك. وراح يشرح له كيف ~~يعمل القالب ويصب المدفع. # ما فهمت القاعدة لا مما نقله الدجيلي، ولا مما رواه الراوي. كلام الشيخ مبهم. ولكن القائد ~~العام كنج عثمان فهمه، على ما يظهر؛ لأن المدفع صنع في اليوم التالي. # قال الراوي: صنع المدفع، ولكن يا جماعة الخير، ما عندنا بارود! # وللمرة الرابعة تجلى للقائد الصغير الشيخ الجليل - الذي عرفه الآن ولا شك القارئ النجيب ~~- فخاطبه قائلا: لا يهمنكم البارود والرصاص. فاجعلوا بدل البارود التراب، وبدل القنابل قطع ~~الصخور، وارموا بها الأعداء. فإنها ستكون عليهم أشد وقعا من الرصاص والبارود. # وسأقف لكم غدا على رأس قبتي بصورة باز أشهب - نعم، هو الشيخ عبد القادر قدس الله سره - ~~فإذا رأيتموني صوبوا المدفع إلي، واقذفوني بما فيه - ما فهمت السر في هذا ولا فهمه ~~الدجيلي، ولا توفقنا إلى أحد ببغداد يفهمنا إياه - ثم ارموا رمية أخرى على السور، تثلم منه ~~ثلمة واسعة، وادخلوا المدينة عنوة وإنكم إن شاء الله لظافرون. # وفي صباح اليوم التالي، انتصب الباز الأشهب فوق قبة جامعه، وكان ما أوصى به. فأطلق المدفع ~~عليه، فأخفاه التراب عن النظر، ثم أطلقت الطلقة الثانية على السور، فانهدم جانب منه عظيم، ~~فتدفق جنود السلطان مراد في المدينة كأمواج البحر الزاخر، والتحموا وجنود الشاه في ~~القتال. # وكانت ملحمة ولا كالملاحم، حدث عن عجائبها ولا حرج، فقد شاهدت امرأة من على طوار دارها ~~جنديا مقطوع الرأس يحمل سيفا بكل من يديه، ويستمر في التذبيح. فصاحت قائلة: سبحان الله! ~~هذا رجل بلا رأس، ولا يزال بسيفه يقطع ms077 الرءوس! عندئذ سقط من على ظهر جواده وخر صريعا، ~~فدفن في موضع مصرعه في المحلة المعروفة اليوم بمحلة «أبو سيفين» وأكثر سكانها من ~~اليهود. # لله من هول تلك الملحمة ومن عجائبها! فقد أصيب فيها حتى القائد العام عثمان الصغير. ~~قطعت يداه وما سقط اللواء الذي كان حامله. بل ظل يمشي أمامه - يمشي اللواء وحده - حتى رآه ~~أحد الناس فصاح مدهوشا: الله أكبر! فهوى إذاك إلى الأرض. وقتل كنج عثمان. ولكنه بعون ~~الله وعبد القادر كان منتصرا. # عبد القادر الكيلاني # من إحسانك لا تنسني # من إحسانك لا تنسني! # دفن عثمان الصغير - القائد العام الكبير - حيث سقط هو واللواء. ولا يزال ضريحه، بحجرته ~~وقبته، قائما اليوم بقرب باب السراي، وقد كتب على أحد جدرانه بالقاشاني الأبيض يتخلله ~~الأزرق ما نصه: # بسم الله الرحمن الرحيم # ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون ~~. # رئيس الشهداء كنج عثمان # وقد أصبح هذا الضريح مقاما تشعل الشموع عليه كل ليلة جمعة، ويزوره الناس وينذرون له ~~النذور. # أما إكليل المعجزات في تلك الملحمة العظمى فقد أحرزه الطوب أبو خزامة الذي أضحى بعد ذلك، ~~في نظر العامة، وليا من الأولياء. فهم يزورونه، ويتبركون به، ويعقدون الخرق بسلسلة الحديد ~~التي تطوق قاعدته، وينذرون له النذور، ويسرجون الشموع حوله كل ليلة جمعة. أكرم به من ولي! ~~قلما يخيب طلب زواره، وأكثرهم من النساء. فالمرأة العاقر والفتاة العاشقة، والعمشاء ~~والعرجاء، وأم البنين المعلولين - كلهن يجئنه طالبات داعيات. الأم التي لا يعيش لها ولد ~~تأتي إليه بالمولود في يومه السابع، وتدخله في فوهته وتخرجه ثلاثا لصحة المولود - على ما ~~أظن - وشجاعته وطول عمره. والمرأة التي بعينها رمد تدخل رأسها في فوهته وتخرجه ثلاثا ~~وتغسل شيئا منه أو من السلاسل حوله بالماء، ثم تغسل بذاك الماء عينها، وتنذر النذور. ومما ~~هو جدير بالذكر أن الناذرات لا يفين بنذورهن إلا إذا استجيبت طلباتهن. # وعلى الطوب أبو خزامة زبور ورموز لا يحسن تفسيرها غير المتضلعين بالعلم من ~~الرواة. # قال الراوي الذي تلطف وكان ms078 دليلنا: ترى هذه البعجة في ظهره؟ قد توقف عن السير في يوم ~~الحرب، فغضب عليه السلطان، فضربه ضربة بكفه بعجت ظهره. لماذا سمي أبو خزامة؟ الجواب عندي. ~~انظر إلى الفوهة تر في داخلها صدعا، هو مكان أنفه الذي كانت فيه الخزامة - أبو خزامة! ~~ولما استعصى على السير نتله السلطان من خزامته فخرم أنفه. وهذا أثر الخرم باق إلى اليوم. ~~أما السمكات الأربع المنقوشة على ظهره فإن قصتها عجيبة. هي ترمز إلى ما كان من غضبه - غضب ~~أبو خزامة - وسمو قصده، فعندما خرم السلطان أنفه، توقف عن الحرب - أبى القتال - صار من ~~أنصار أهل السلام. ولشدة غضبه وتحقيق قصده في رفض الحرب وشجبها ألقى بنفسه في دجلة. فخاض ~~السلطان النهر لينقذه، فجره إلى البر، فرأى صورة السمكات منقوشة على ظهره لتشهد أنه رمى ~~بنفسه في النهر فرارا من السلطان ومن الحرب. # كل هذا من فضل الدليل وعلمه، إلا أنه نسي أن يشير إلى الكتابة المزبورة على المدفع، وهي ~~أنه «صنع برسم السلطان مراد خان» وكأن به - أي الدليل - يقول: فقهت ما تلمح إليه. وإني ~~أرد كيد المشككين بنحرهم. فهل ترى في الكتابة المزبورة، كما تقول، غير ما قرأت؛ أي «صنع ~~برسم السلطان مراد خان»؟ كلا. إذن، ما صنع بالأستانة بل صنع ها هنا ببغداد بأمر مولانا عبد ~~القادر، قدس الله سره، وبعونه تعالى. # ويبلغ طول هذا المدفع أربعة أمتار ونصف متر وقطر فوهته نحو نصف متر وهو الآن «مضطجع على ~~مرقد» من جذوع النخل في محلة الميدان في الصوب الشرقي من بغداد أمام باب القلعة التي فيها ~~اليوم وزارة الدفاع. # | في مقبرة الكرخ # يستدل مما ذكرت على أنه يحق للولي أن يوكل من يقوم مقامه في المعجزات، وإن كان ~~الموكل من الجماد، كالمدفع، أو الراية التي مشت وحدها، أو السيفين بيد الجندي المقطوع ~~الرأس. وما عبد القادر بفريد في هذا بين الأولياء. فهناك غيره كثيرون. وإن صغرت القباب ~~المضطجعون تحتها، ينيبون عنهم الجماد، لخير العباد، ولكنهم ما حاولوا، في حياتهم الدنيا، ms079 أن ~~يلبسوا نبوغهم الصوفي ثوب السياسة، أو يقلدوه سيف الملك. ظلوا بعيدين عن الملك وعن الحرب، ~~إلا القليل منهم، من غرتهم المناصب فقاسوا في سبيلها البلاء كثيره أو قليله. # في مقبرة الكرخ القديمة بعض المقامات الجديرة بالذكر والزيارة، وهي لا تخرج من موضع بحثنا ~~في ما تبقى من آثار مدينة الخلفاء. تعال إذن نزر مقبرة الكرخ، وجدير بنا، ونحن في ~~الطريق، أن نتمثل بقول أبي زيد البسطامي الطبرستاني: «اترك نفسك وتعال، كنت لي مرآة، فصرت ~~أنا المرآة.» # إننا في مقام جنيد، وهو لا يزال مشهورا بما يأتيه من المعجزات، فينافس فيها الباز ~~الأشهب وغيره من الأولياء. كان جنيد في زمانه - توفي في العقد الثاني من القرن الرابع ~~للهجرة - أشهر المتصوفين المبجلين، فساوم الدنيا وما عاداها. قبل تبعة الحياة، وشذبها، ~~فكان من أصحاب السيادة والكياسة، يرتدي الدمقس، ويسبح بسبحة من اللؤلؤ، ويتطيب بالعطور، ~~ولا يحفل كثيرا بما لا يساق لطوعه من المحسوس والمنظور. بل حاول أن يسكت المناقضات، ويوفق ~~بين النور والظلمات، فاعترف بفضل الماعون الفارغ يحمله الدرويش، كما اعترف بفضل الفراش ~~الوثير يفرش للقضاة. أما الأول فهو رمز كل باطل في الحياة، وأما الثاني فهو رمز الحياة ~~التي تظل ناعمة ولا بأس ... تحتنا. # كان جنيد محبا للجدل، شغفا بأساليب البيان، بل كان ممن تستهويهم الألفاظ، فيصيغون ~~منها الحكم والآيات للناس، لا لأنفسهم. «البلاء سراج العارفين» قالها جنيد، وما عرف ~~البلاء في الحياة الدنيا. وقال غيرها مما لا نكلفك إجهاد النفس في تصديقه، فقد سئل مرة عن ~~غني شاكر وفقير صابر أيهما أفضل، فقال: «الذي آلم صفته وأزعجها أتم حالا ممن متع صفته ~~ونعمها.» وقد كان هو، كما أسلفت، من الممتعين المنعمين، عفا الله عنه، وغفر له خصوصا ~~لقوله: «ما أخذنا التصوف عن القيل والقال، لكن عن الجوع وترك الدنيا.» إن في كتابه «دواء ~~الأرواح» من الغوامض الفكرية، والألاعيب اللفظية، ما يعيد إلى الذهن أسلوب يوحنا في إنجيله، ~~وبولس الرسول في بعض رسائله. # وقد قال المستشرق الفرنسي «لويس ماسينيون»، المحيط علما ms080 بالمتصوفين المتضلع بالدراسات ~~العربية والفارسية، إن في كتب جنيد وأمثاله مجالا للبحث في ما قد يكون من الصلة الروحية ~~والفلسفية بين هؤلاء المتصوفين ونساك النصارى في العراق. # لست ممن يقولون إن كتبه - ومن يا ترى يقرأها اليوم - هي الضامنة لدوام ذكره. إنما أظن ~~بل أعتقد أن ذكره منوط دوامه بفجيعة تلميذه وزميله الحلاج، الذي حكم عليه جنيد بالإعدام. ~~وقد دفن الاثنان بالمقبرة الواحدة، في التراب الواحد، تحت قبتين متقاربتين. # وهو لا يزال في هذه التربة ممن يأتون بالمعجزات. فإن في الجامع الصغير الذي يحتوي ضريحه ~~حجرين أملسين، على سجادة مفروشة فوق مائدة صغيرة، ينعمان بالصفة التي للطوب أبو خزامة. أجل، ~~إن فيهما الدواء لكل الأمراض. فإذا وضعت المرأة أحد الحجرين على موضع الألم منها كان لها ~~الشفاء، وإن كان الداء داخليا حملت المرأة الحجر على رأسها وطافت بالمسجد حول الضريح. وإن ~~كانت عاقرا تبتغي ولدا مسحت بالحجر بطنها، وفي خارج المسجد بئر يحقق الغسل بمائها ما قد ~~يعجز عنه الحجر العجيب. بل إن في ذلك الماء قوة تكيف الجنين ليرضي حاملته المؤمنة، فهي إذا ~~أخذت ثلاثة دلاء منه، وصبتها على رأسها وجسدها، جاء مولودها ذكرا! حسبك من جنيد هذه ~~المعجزة، وهو فيها منقطع النظير بين الأولياء. # على أن هناك غيره من الأخصائيين، فيقفون في البركة عند معجزة لا يعدونها. إن في هذه ~~المقبرة القديمة تراب صوفي آخر، هو بهلول الذي كان معاصرا لهرون الرشيد، ومؤازرا لأبي ~~النواس في منادمة ذلك الخليفة المريح. وإنه اليوم، وإن كان من الأبرار في الجنة، ينافس ~~زميله جنيد بالمعجزات. # إنما لبهلول طريقة طريفة، توجب على الزائرين والزائرات - وخصوصا الزائرات - البناء ~~والهدم في سبيل الله. فإن في ساحة المسجد الصغير، كومات من الحصى متعددة، هي بيوت القلوب؛ ~~أي إن كل كومة منها هي بيت بنته إحدى الزائرات الناذرات؛ ليحتوي منية قلبها. وبعد أن تتم ~~المسكينة بناء بيتها تتوسل إلى بهلول، وتقسم أنها لا تهدم ذلك البيت، قبل أن يستجيب ~~دعوتها. فهل يجوز أن تدعي المعجزة البهلولية ms081 اللعب بالحصى؟ ما السبب إذن في ازدحام هذا ~~المكان بالبيوت العامرة؟ ... لا أهدم بيتي، حتى تستجيب يا بهلول دعوتي ... «وعمل كالسراب، وقلب ~~من التقوى خراب» ... ذرهم في حوضهم يلعبون. # طوب أبو خزامة. # | الصوفي الأكبر # ها نحن في ظلال - العفو، يا قارئي. ليس في هذه المقبرة غير الشمس في النهار، والظلمة في ~~الليل، لا شجر ولا ظل بين هذه القبور. إنما نحن واقفون وراء ظلنا الضئيل الذي يقبل الآن ~~عتبة مقام حسين بن منصور بن أبي بكر الأنصاري، المعروف بالحلاج، المشهور في الشرق ~~والغرب. # قال عبد القادر الكيلاني في الحلاج: «كان بازيا من بزاة الملك ... فلم يجد في السماء ما ~~يحاول من الصيد ... فطلب في الأرض ما هو أعز من وجود النار في قعور البحار. تلفت بعين عقله ~~فما شاهد سوى الآثار. فكر فلم يجد في الدارين مطلوبا سوى محبوبه، فطرب فقال بلسان سكر ~~نفسه: أنا الحق ترنم بلحن غير معهود من البشر. صفر في روضة الوجود صفيرا لا يليق ببني ~~آدم. لحن بصوته لحنا عرضه لحتفه.» # كان الحلاج مثل عبد القادر فارسي الأصل، ولد في تل بيضا القريبة من شيراز، وجاء إلى ~~العراق فقضى معظم سكرته الإلهية ببغداد. وهو حقا من أعظم السالكين، وأصدق المتصوفين، بل ~~هو أشهر من ابتلوا بالعشق، وتلذذوا بالبلايا، هو «صاحب الخرقة، شطاح العراق، رئيس السكارى ~~والعشاق.» # ولكن جنيد أنكر ذلك، فقد قال مرة للحلاج: «فتحت ثغرة في الإسلام لا يسدها إلا رأسك.» ما ~~لنا والثلمة. أما الرأس فقد طاح، وبالتوحيد صاح. وما تبقى من صاحبه هو مدفون تحت قبة في ~~جوار خصمه الأكبر. وما جنيد وبهلول ومعروف الكرخي إذا ما ذكر الحلاج؟ فهو للسالكين في ~~الشرق وفي الغرب النور الأنور، والعلم الأشهر. # تفكرت في الأديان جد تحقق # فألفيتها أصلا له شعبا جما # فلا تطلبن للمرء دينا فإنه # يصد عن الأصل الوثيق وإنما # يطالبه أصل يعبر عنده # جميع المعالي والمعاني فيفهما # وله في ديوانه غيرها من الحكم الإلهية التي تبدو كفرا في ظاهرها، أو هي من ms082 الكفر المبطن ~~بالإيمان. غير أن الذي أوجب الحكم عليه بالإعدام هو قوله: «أنا الحق.» وقد أطلعتك على ما ~~قاله عبد القادر الكيلاني في شرح الحال التي أدت بالحلاج إلى أن ينطق بهذه الكلمة. # أما جنيد منكرها ومخزي قائلها، فقد جلس في كرسي القضاء وحكم حكمه، بعد أن جمع أربعة ~~وثمانين من العلماء والقراء ليشهدوا «بأن في قتله صلاح المسلمين.» ~~... وجاء حامد بن العباس وزير الخليفة المقتدر بالله (908-933م) ومعه موكبه وصاحب الشرطة ~~محمد بن عبد الصمد، فتقدم حامد إلى الخشبة وأخرج من كمه الدرج الذي فيه شهادة الفقهاء ~~والعلماء، فقال: «أريد الشهود.» # فإذا بالشهود يهرعون إليه من كل مكان. # فقال لهم: «هذه شهادتكم وخطوطكم؟» فقالوا له: «نعم، اقتله ففي قتله صلاح المسلمين ودمه في ~~رقابنا.» # أنزل الحلاج من الخشبة وتقدم السياف إليه ليضرب عنقه، فقال الوزير (بيلاطوس بغداد!) ~~للشهود: «أمير المؤمنين بريء من دمه.» # فقالوا: «نعم.» فقال: «وأنا بريء من دمه.» فقالوا: «نعم.» فقال: «وصاحب الشرطة بريء من ~~دمه.» فقالوا: «نعم.» لله أنتم يا بيلاطوس البنطي، ويا أخوان بيلاطوس ببغداد! ~~«وبلغنا أن الحسين بن منصور دخل على المقتدر بالله فقال: من أطاع الله أطاعه في كل شيء. ~~فقال المقتدر: إذن لا تبالي بما سيفعل بك. فقال له: ثم حاكم ومحكوم عليه وواسطة على ~~السبب في إيصال الحكم من الحاكم بالمحكوم عليه ... أنت الواسطة وأنا عبد من عبيد الله صابر ~~لحكم الله، راض بقضاء الله، فافعل ما حركت له، واعمل ما استعملت فيه، وكن بعد ذلك شديد ~~الحذر، فيما تأتي به وتذر. وانظر في عواقب أمرك ... وإني لا أعترض عليك، وألومك في فعلك، ~~ولكني أقول كما قال الخليل: «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا، وما أنا من ~~المشركين.» فأمر الخليفة بحبسه، وجمع الفقهاء والصوفية في مجلسه فاستشارهم فكفره الفقهاء، ~~وتوقف عن تكفيره الصوفية - إلا جنيد.» # هذه هي صفحة من التاريخ، وهناك صفحة أخرى من كتاب الأساطير ... عندما ضرب عنق الحلاج، بقي ~~جسده ساعتين من النهار قائما، ورأسه بين رجليه، وهو ms083 يتكلم بكلام لا يفهم، إلا أن آخر ما ~~قال: أحد أحد. وكان الدم يخرج منه، ويكتب به على الأرض: الله الله، في خمسة وثلاثين ~~موضعا ... وبعد أن ضرب عنقه أحرق بالنار، فانتثر رماده في نهر دجلة وهو ينطق قائلا: أنا ~~الحق! ~~••• # قال الشاذلي: اضطجعت في المسجد الأقصى، في وسط الحرم، فدخل خلق كثير أفواجا، فقلت: ما ~~هذا الجمع؟ قالوا: جمع الأنبياء والرسل. قد حضروا ليشفعوا في حسين الحلاج عند محمد # صلى الله عليه وسلم # في إساءة أدب وقعت منه ... ~~••• # وقيل إنه قبل ذلك وضع بالسجن فصور في حائط المحبس صورة مركب وقال للمحبوسين: قوموا ~~بذكر الله تعالى، ثم إنهم فعلوا ذلك حتى غابوا عن الحبس، فإذا هم دخلوا المركب المصور ~~ونجوا جميعا. ~~••• # وقيل إنه حفر حفرة، وأوقد فيها النار، ووضع فيها هاونا، ثم إنه صلي كالجمر، وقال لأهل ~~المدينة والأولياء: كل من كان صادقا بالله فليتقدم ويقف على الهاون داخل النار. فلم يقدر ~~أحد، ثم إنه تقدم ووقف عليه، فذاب تحت قدميه حتى صار كالماء ... ~~••• ~~«قال القاضي أبو علي التنوخي: حدثني أبو الحسن محمد بن عمر القاضي قال: حملني خالي معه ~~إلى الحسين بن منصور الحلاج وهو إذاك في جامع البصرة يتعبد ويتصوف ... فأخذ يحادثه وأنا ~~جالس معه أسمع، فقال لخالي: قد عملت على الخروج من البصرة. فقال له خالي: لم؟ قال: قد ~~صير لي أهل هذا البلد حديثا، فقد ضاق صدري وأريد أن أبعد منهم. فقال له: مثل ماذا؟ قال: ~~يرونني أفعل أشياء فلا يسألون عنها ولا يكشفونها، فيعلمون أنها ليست كما وقع. ويخرجون ~~فيقولون الحلاج مجاب الدعوة، وله مغوثات. قد تمت على يده ألطاف. ومن أنا حتى يكون لي هذا؟ ~~بحسبك أن رجلا حمل إلي منذ أيام دراهم وقال لي: اصرفها إلى الفقراء. فلم يكن يحضرني في ~~الحال أحد، فجعلتها تحت بارية (حصير) من بواري الجامع، إلى جنب أسطوانة عرفتها، وبت ليلتي. ~~فلما كان من غد جئت إلى الأسطوانة أصلي، فاحتف بي قوم من الفقراء، فقطعت الصلاة وشلت ms084 ~~البارية فأعطيتهم الدراهم، فشنعوا علي بأن قالوا: إني إذا ضربت بيدي إلى التراب صار في ~~يدي دراهم.» # قبة زمرد خاتون المعروفة بضريح الست زبيدة (تصوير الدورادو). # وقفت في حضرة الحلاج عند مائدة عليها ورقة مكتوبة فيها الأشعار التي قالها قبل أن ضرب ~~السياف عنقه. وقد نظم الأبيات، على ما يظهر، بعد أن علم بالحكم الذي أصدره جنيد. ولكنه سأل ~~من جاءه بالخبر: أين صدر الحكم؟ أفي التكية أم في المدرسة؟ فقيل له: في المدرسة. وفي ~~المسألة نقطة قانونية شغلت باله. فلو أن الحكم صدر في التكية لكان باطلا؛ لأن الحلاج ~~وجنيد فيها إخوان. أما في خارج التكية فجنيد القاضي يحكم بما يشاء ... وجاء الشهود، وتبرأ ~~من تبرأ من دم هذا الصديق، فأنشد الأبيات المعروضة اليوم على المائدة عند ضريحه: # نديمي غير منسوب # إلى شيء من الحيف # سقاني مثلما يشرب # كفعل الضيف للضيف # فلما بان لي سكر # دعا بالنطع والسيف # كذا من يشرب الراح # مع التنين بالصيف ~~... وبعدها نامت أخته فرأت في المنام أخاها حسينا وهو يقول لها: يا أختي، إلى كم تبكين ~~علي؟ # فقالت له: كيف لا أبكي وقد جرى عليك الذي جرى؟ # فقال لها: يا أختي، لما قطعوا يدي كان قلبي مشغولا بالمحبة، فلم أدر إلا وهي طيبة. فلما ~~صلبوني كنت مشاهدا ربي، فلم أدر ما فعلوا بي. فلما أحرقوني نزلت علي ملائك ربي من ~~السماء صباح الوجوه، فاختطفوني إلى تحت العرش، وإذا بالنداء من العلي الأعلى: يا حسين، رحم ~~الله من عرف قدره، وكتم سره، وحفظ أمره. فقلت: أردت التعجيل إلى رؤيتك. فقال: تملا ~~بالنظر فإني لا أحتجب عنك. # | المرأة المجهولة # بالقرب من ضريح الحلاج، لا من تصوفه الملهم الملهم، قبة فريدة بشكلها وهندستها، ~~وبالنخلات القليلة التي تظللها. ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها، هي لمقام الصوفي ~~السهروردي خارج السور إلى الجهة الشرقية منه. إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية. ~~فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص. غير أن لهذا التقرنص وجهتين، خلاف ~~ما نراه ms085 فوق أبواب الجوامع والخانات القديمة. فإن بين المخروطات المنعكسة نوافذ للنور ~~مغطاة بالزجاج، فتبدو القبة للواقف تحتها كقبة سماوية مرصعة بالحجارة الكريمة. ومن تلك ~~النوافذ الصغيرة ترسل الشمس أشعتها، فتبسط على أرض الحجرة بساطا من الظل والنور يبدو ~~كالمشبك تحت قدميك. # وليست هذه القبة الجميلة في جبانة الكرخ لأحد من الرجال أصحاب السيادة أو الكرامة أو ~~المال. بل هي لامرأة تدعى زبيدة. ولك أن تسأل: من هي تلك الزبيدة التي استحقت هذا الأثر ~~الرائع؟ ولي أن أجيب: لم تكن من أهل البر والتقوى، فلو كانت كذلك لكان ضريحها اليوم ~~مقاما لأبناء الأحلام، وبنات الأساطير والأوهام. # أما أنها كانت من ذوات الليالي، من الجميلات الفاتنات، فذلك ممكن. ومما لا ريب فيه أن ~~رجلا واحدا صفا لها وأخلص الحب حتى النهاية. أقول ذلك لعلمي - ولا أظنك تماريني به لعلمك ~~أو عدم علمك - أنه يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرم امرأة هذا ~~الإكرام إلا لحب شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات ~~«البرلمانية» تبذل فلسا من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة. # وهل كان بين النساء العباسيات أعظم من الست زبيدة المشهورة بوفائها وبرها وإحسانها؟ وهل ~~هي مدفونة تحت قبة مثل هذه الزبيدة المجهولة؟ إن الست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة ~~في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها، أو يلطف الوحشة المخيمة ~~عليه. # لذلك أقول إن هذه الزبيدة الأخرى مدينة لرجل من كرام الرجال بما يحضن ضريحها، ويغمرها، ~~تحت جمال تلك القبة، بالحب الأبدي. أجل، هو ضريح للحب الخالد، تزوره في النهار أشعة الشمس، ~~ويزوره في الليل ضياء القمر والنجوم. # من العادات الجديدة، التي أوحت بها الحرب العظمى، أن تقيم الأمم ضريحا للجندي المجهول. ~~فهلا أنشأنا في العالم عادة جديدة أخرى. إن هذا الزمان ليمتاز عن الأزمنة الغابرة بالإباحات ~~المشروعة وغير المشروعة، وبالخيانات الزوجية السرية والعلنية. ومع ذلك ما عدم الزمان ~~المرأة الفاضلة. # فالنساء الفاضلات الباسلات، اللواتي يجاهدن في بيوتهن، ويستبسلن ms086 في سبيل الحب والسلام، ~~النساء الكاظمات، الصابرات، الورعات، الحافظات أمورهن، وأمور ذويهن، الباذلات نفوسهن من أجل ~~أزواجهن وأبنائهن ، النساء اللواتي تتقدس في حياتهن الأمومة والأسرة؛ إنهن على الدوام ~~مجاهدات مستبسلات في كل مكان. # أحب أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي من النساء اللواتي ذكرت - ~~هي المرأة المجهولة - فاجثوا أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي ~~المجهول. # وعندما ينفتح قلب بغداد لهذا الإحساس والإدراك تصبح بغداد فريدة مجيدة بين المدن. بل يحق ~~لها إذاك أن تخاطب مدن العالم قائلة: عني خذوا وبي اقتدوا. # | غزوات الأثريين # للنزل الذي كنت مقيما فيه صحن فسيح مفروش بالبلاط الأبيض، يرحب حتى بالسيارات. وفي ~~ذات يوم، ساعة الفجر، سمعت صوت بوق صخاب، فإذا بسيارتين في ذلك الصحن، وقد كساهما غبار ~~الصحراء، الواحدة عادية، تظهر في مؤخرها لوحة بلدية دمشق، والثانية كبيرة فخمة، تحمل لوحة ~~حمراء مطبوعا عليها اسم مدينة من المدن الكبرى في الولايات المتحدة. فسارع إلى استقبال ~~الركب مدير النزل الكلداني، يحييهم بالإنكليزية، وتبعه الخدم لنقل ما أثقلت به ~~السيارتان. # ثلاثة رجال في معاطف من الجلد، وهم حليقون، بيض البشرة زرق العيون، وسيدتان شقراوان ~~جميلتان، كل واحدة منهما في معطف من الفرو يندر مثله - ويندر مثلها - في بغداد. قلت: سياح ~~من أغنياء الأميركيين. وقلت: سفير من السفراء. فكنا قد سمعنا أن السفير الأميركي المعين ~~لطهران سيمر في ذلك الأسبوع ببغداد في طريقه إلى مركزه الجديد. # بادر الخدم إلى السيارتين ينقلون ما حملتاه من حاجات الأسفار ونوافلها. وما أكثرها عدا ~~وشكلا! حقائب وصناديق كبيرة وصغيرة، وأكياس من الجلد ومن القماش، وأحزمة ومعاطف وشالات، ~~وعلب لبرانيط النساء والرجال. المسافر - ولا غرو - سفير أو ثري. # ثم جاء ما ينبئ بغير ذلك. وما أكثر ما استخرج من داخل السيارتين! كأنما الخدم من ~~السحار وكأنما السيارة قبعة سحر يخرجون لك منها حتى بالة من القطن. وهذه قرب من القماش ~~وجزم طويلة من المطاط، ومعاطف من جلد الغنم، وصناديق من الصودا ms087 والمياه المعدنية، والآلات ~~الكاتبة، وآلات للتصوير، وللمساحة، وصندوق من اللحم المقدد، وعلبة كبيرة فيها علب صغيرة، ~~فيها سحيق لقتل البرغش! # ليس القادم سفيرا أميركيا، ولا هؤلاء بسياح أغنياء. إنما هم الطليعة لبعثة أثرية ~~أميركية. أجل فقد تغيرت الأشكال بعد الحرب العظمى، كما تغيرت الأخلاق. فصرنا نرى العالم ~~فنظنه سفيرا، والسفير فنظنه تاجرا أو متجولا، والمتجول السائح فنظنه من أهل الورع ~~والتقشف. # أما ذلك العالم محدودب الظهر، كث اللحية، اللابس ثوبا باليا ونظارات مصدأة، المتأبط ~~كتابه، الحامل حقيبته بيده، فقد أمسى أثرا من الآثار، وجاء عالم اليوم رجلا بهي الطلعة، ~~حليقا نشيطا، وردي الخد، متقد الباصرة، أنيقا كيسا، تظنه في حركاته سفيرا. وإن ما ~~يتقاضاه ثمن علمه وعمله لأكثر مما يتقاضاه السفير، فيغدو وبإمكانه أن يصطحب امرأته أو ~~حبيبته أو رفيقته إلى مكان عمله. وقد تكون السيدة المرافقة عضوا من البعثة، قد تكون من ~~الغزاة؛ ذلك لأن علم الآثار، بعد الحرب، أضحى من العلوم المثمرة - ماديا - فتهافت عليه من ~~أهل العلم الرجال والنساء. # فلا تعجبن إذا كانت تلك الحسناء الملتفة بمعطف من الفرو الغالي، المخبئة سهام لحظها ~~وراء نظارات زرق، الحاملة حقيبة تحتوي على أسباب التبرج كلها - من المكحلة إلى الأصبع ~~القرمزية - لا تعجبن إذا كانت أخصائية في العلوم والآثار الآشورية. # إنها لأهل في كل حال لمشاركة زوجها، مسرات الأسفار، وحفر الآثار. أجل، هي أهل لأن تتمتع ~~وإياه بملذات الحياة في حفر قبور الأقدمين، وخصوصا في البلاد الشرقية، الغنية في روحها، ~~وفي ما تحت أرضها. # وإذا كانت القبور لا تستهوي هذه المرأة الغازية، فهناك في موضع التنقيب دار فسيحة جميلة ~~تقيم فيها، وهي السيدة الآمرة الناهية، كأنها ملكة أور، أو أميرة من أميرات آشور. # وبكلمة أخرى هي ربة بيت البعثة، المفروش بأحدث أنواع الأثاث وأفخرها، المجهز بالأنوار ~~الكهربائية وبالحمامات، الحافل بالكتب والصور والرسوم. قلت بيت البعثة فأخطأت. إن لكل بعثة ~~من البعثات الكبيرة بيوتا عديدة، فهذا بيت الإدارة، وذاك للرسم والتصوير، والثالث للأعمال ~~الكيماوية والميكانيكية، وهذا مخزن البعثة، وذاك بيت خدامها، ms088 والآخر بيت لسياراتها، فضلا ~~عن بيوت الحيوانات الداجنة. # والجامعات الأميركية الكبرى تعين هذه البعثات أو تنفق في سبيلها النفقات الطائلة من أموال ~~يهبها المحسنون، أو من وقفيات يقفها المتمولون على العلم والثقافة. فهل تستحق الأعمال ~~الأثرية - والأثريون والأثريات - كل ما ينفق منها في هذا السبيل؟ إن لهذا السؤال جوابين: ~~جوابا يتعلق بما يحرز من العلم، والآخر بما يحرز من نفائس الآثار ونوادرها. وللقارئ أن ~~يجيب على السؤال من ناحيتيه، بعد أن يقرأ بياننا عن الغزوات الأثرية في العراق. ~~••• # لا أظن أن في العالم بلادا تعددت فيها البعثات الأثرية تعددها اليوم في العراق. ولكن ~~العلم بتاريخ البلاد القديم كان يقصر، منذ سنوات، على المملكتين البابلية والآشورية، ~~وعاصمتيهما بابل ونينوى. أما بعد ذلك؛ أي منذ سنة 1922، عندما باشرت البعثة الإنكليزية ~~الأميركية التنقيب في أور، فقد فتح كنز من كنوز العلم جديد، وكنز آخر من الآثار العجيبة، ~~والتحف الثمينة، التي زادت بغنى المتاحف الإنكليزية والأميركية، وكانت الباكورة في تأسيس ~~متحف صغير ببغداد. # إذن لقد عمق علمنا بتاريخ بلاد الرافدين. وما بابل ونينوى في القدم إلى جانب ما ~~تقدمهما من المدن والدول؟ إني لأتخيل علماء آشور يحدثون في زمانهم، كما نحدث نحن في ~~زماننا، عن ثقافة الحوريين، وفتوحات العيلاميين، ومجد السومريين الأقدمين. # وفي وصولنا إلى أعماق أور ونوزي قد لا نكون أدركنا الأوليات، فقد يجوز لنا أن نسأل: وبعد ~~أور ماذا؟ أو من هم أجداد السومريين؟ ومن أين استمد أهل أور نورهم - من أين استقوا معارفهم؟ ~~إن الأثريين مستمرون في الحفر والتنقيب، في أعماق الأرض، وفي القبور، طالبين العلم والنور. ~~فهم يخترقون طبقة بعد طبقة من الأرض، ويعثرون في كل مكان من بلاد الرافدين الصغيرة، على مدن ~~مدفونة تحت المقابر، وعلى تلال متهدمة تحت أساس الهياكل والقصور. لقد كسفت أور الكلدانيين ~~بابل ونينوى. وهناك غير أور من المدن القديمة المكتشفة، التي كانت مدفونة بعضها تحت بعض، ~~منها أروك (الوركاء) ولرسا ولاكاش وإشنونا وكيش ونوزي وسلوقية. فلا عجب إذا اجتذب العراق ~~الأثريين. # إن في البلاد ms089 اليوم ثلاث عشرة بعثة أثرية أجنبية. ففي الشمال ينقب الإنكليزي في نينوى، ~~والأميركيون في خورسباد، وفي تل بلا وتبه غورا، وفي نوزي وكركوك. وفي وسط العراق، في ~~إشنونا وخفاجي وسلوقية، بعثات أميركية أخرى. وهناك بعثة مشتركة أميركية ألمانية، في تيسفون، ~~وأخرى أميركية إنكليزية، في كيش. أما في الجنوب فالألمان ينقبون في أروك، والفرنسيون في ~~كيش، والأميركيون والبريطانيون في أور، ثم جاء أخيرا الأثريون الطليان، فأعطوا امتيازا ~~للتنقيب في مكان يدعى ككسو على ضفة نهر الزاب الكبير. وقد اكتشفت هذه البعثة الطليانية ~~مقبرة من عهد البرثيين المعروفين في التاريخ العربي باسم إشكان، ومدينة أقدم منها من عهد ~~سنحاريب. # ولكن أهم البعثات التي تنقب في الشمال هي البعثة الأميركية في دور شروقين التي تدعى ~~اليوم خورسباد، فقد حفروا إلى قلب التل الذي بنيت عليه بيوت البعثة، وهم من إيوان بيتهم ~~الجديد المنار بالكهرباء يطلون على غرفة العرش في قصر سرجون الثاني تحتهم. وقد اهتدوا إلى ~~سور المدينة - مدينة خورسباد - التي بناها، على ما يظن، الأسرى الإسرائيليون الذين كانوا ~~قد أجلوا في ذلك العهد عن فلسطين. واكتشفوا شيئا كثيرا من التماثيل الآشورية الضخمة ~~السليمة والمحطمة، المصنوعة من أنواع الرخام التي نشاهدها اليوم في أبنية الموصل. # ولكن قيمة الآثار لدى ناشد العلم ليست بحجمها ولا بزخرفها. وقد تكون ظاهرا قطعة صغيرة من ~~الفخار أو المعدن، نبشها معول أحد العمال، أو برزت من تحت محراث أحد الفلاحين. مثال ذلك ~~صفحة من الآجر بقدر حجم اليد، عثر عليها في المكتبة بقصر سرجون، وعلى وجهيها كتابة ~~مسمارية. هذه هي إذن أهميتها. فإن في تلك الكتابة وجد عالم أخصائي جدولا بأسماء خمسة ~~وتسعين ملكا من ملوك آشور، وما كان يعلم من قبل غير نصف هذا العدد منهم. إذن، سنصحح ~~تاريخ آشور. فإن أول ملوكها هو غير الذي حكم في القرن التاسع قبل المسيح. أول ملوكها، حسب ~~السجل المسماري الصغير، جلس على العرش قبل ذلك الزمان بألف وخمسمائة سنة؛ أي في منتصف ~~الألف الثالثة قبل المسيح. # أطلال طيسون (تصوير ms090 الدورادو). # ويظهر أن البعثة الأميركية الأخرى التي تقوم بأعمالها في نوزي - المكان الذي يدعى اليوم ~~ترقلان - تثبت ما تقدم، فقد اكتشفت عددا من المخطوطات التي تبعث النور في تاريخ شعب كان ~~مجهولا، هو الشعب الحوري. قرأ الأخصائيون تلك المخطوطات فإذا فيها عن شئون الحوريين، ~~وصلاتهم بالشعوب الأخرى المعاصرة لهم، ما هو ذو قيمة اقتصادية وتاريخية وجغرافية. والقيمة ~~الجغرافية أعظمها؛ لأنها أول أثر لهذا العلم عند أولئك الأقدمين. # أجل، قد اكتشف الأثريون في نوزي أقدم خارطة عرفها العالم. وقد رسمت على طابوقة من ~~الطابوق المشوي، وظهر فيها نهرا العراق الكبيران، وقسم من جباله، وعدد من مواقع المدن ~~الشمالية القديمة. # وقد استنتجوا من بعض تلك المخطوطات، ومن شكل الهياكل، أن الحوريين كانوا يدينون بدين ~~الآشوريين، وزعموا أن آثارهم تساعد في درس تطور المدنية الآشورية. # وقد تدحض هذا الزعم، وتفسد ذاك الاستنتاج، بعثة أخرى أميركية، هي التي تنقب في أطلال ~~بعشيقة والفاضلية في تل بلا وتبه غورا، فقد أدركوا في الحفر طبقة ما قبل التاريخ، واكتشفوا ~~دفائن يرجع عهدها إلى 5000 سنة قبل المسيح، وزعموا أن الإنسان سكن هناك في العصر الحجري. ~~وقد قال مدير البعثة في خطبة ألقاها في بغداد، إن الأهمية في ما اكتشفه هي أن مدنية ~~السومريين في دولة أور الأولى (3100ق.م) كانت منتشرة في بلاد الآشوريين. ولكن آشور، بحسب ~~الجدول المسماري الذي تقدم ذكره، لم تكن موجودة في ذلك الزمان! أثري يبلبل أثريا، وطالب ~~العلم يلجأ متورعا إلى - الله أعلم. # وهناك في بقعة واحدة تزاحمت البعثات وتباينت الأغراض. فبينما كانت البعثة الألمانية ~~كادة في إصلاح غلطها، وفي المدائن، وفي نقل سلوقية من ضفة النهر اليمنى إلى ضفته اليسرى، ~~كانت بعثة جامعة ميشيغان الأميركية تحفر الطبقة بعد الطبقة من الأرض لتكشف مدينة سومرية ~~اسمها أكشاك. # وقد ظفرت كل بعثة بمبتغاها، وبالأدلة على إثبات افتراضها. فتلك التلال الصغيرة المتعددة، ~~في ذلك السهل الفسيح، هي ما تبقى من المدينة الإغريقية الشرقية سلوقية. وتحت تلك التلال ~~المدينة السومرية أكشاك. # والدليل على كون تلك ms091 الكوم من التراب والحجارة هي ما تبقى من سلوقية، هو في ما وجدوه من ~~الحفريات. ومنها تماثيل من الخزف صغيرة، إغريقية الصنع والمغزى، وأختام مختومة في الحمر، ~~ومكتوب عليها «الدائرة السلوقية لضريبة الملح»، ونقود تحمل أسماء بعض ملوك سلوقية. إذن هذه ~~سلوقية ولا ريب فيها. # أما أكشاك فقد وجدوها في الطبقة الرابعة مدفونة تحت سلوقية. والدليل على ذلك بلاطتان من ~~الحجر لصوص الباب منقوش في إحديهما كلمات سومرية واسم ملك أكشاك. # أكشاك وسلوقية - سومر والإغريق! أجل، قد وجدوا في بعض ما تبقى من حياط البيوت آثار هندسة ~~مختلطة تجمع بين أساليب شرقية ويونانية. وبعضها انتقل بعدئذ إلى الفرس الساسانيين والعرب ~~المسلمين. ولا تزال أمثلة منها قائمة في إيوان القصر في تيسفون وفي خرائب الحضر. إنه لعلم ~~جليل. # على أن البعثات الأثرية لا تعمل للعلم فقط. فهناك المتاحف والجامعات التي انتدبتها، وهناك ~~تزاحم بينها وتفاخر، وهناك نفقات لا بد مما يقابلها في الأقل من التحف والآثار. لذلك لا ~~تكتفي البعثة بكشف قبر واحد أو عشرة قبور، لا سيما إذا كان فيها آثار نفيسة، وإن تشابهت، ~~فقد كشفوا في سلوقية مائتي قبر، وعثروا فيها على مائتين وخمسة وسبعين شكلا من الأواني ~~الخزفية، وعلى خمسين شكلا من القناديل البرثية (الأشكانية)، فضلا عن التحف والحلي. # خناجر وأسلحة مزخرفة وجدت في أور (تصوير الدورادو). # وما هذا بشيء إذا قوبل بما اكتشف في الجهة الجنوبية من المقبرة العراقية العظمى؛ أي في ~~بلاد السومريين. هنالك البعثة الكبرى، وهناك الكنوز الأثرية. العفو. ينبغي أن أقول كانت ~~هنالك، وهي اليوم في المتحف البريطاني في لندن، وفي متحف جامعة بنسلفانيا بفيلادلفيا في ~~الولايات المتحدة. أما ما تراه - أيها القارئ العزيز - في المتحف العراقي، فهو جزء صغير، ~~صغير منها. # وما أعجب ما تراه حتى في قسمة بلادك الضئزى، إن كان من الحلي والجواهر، أو من الأواني ~~الخزفية والتماثيل، أو من الأختام والتحف والمواعين! فهناك مكحلة سيدتي السومرية ودبابيس ~~شعرها. وهاك إكليل الملكة شباد، وأوراقه الشبيهة بورقة الورد مصنوعة من الذهب، وهاك ms092 ~~قلادتها، وفيها مائة حجر كبير وصغير من الياقوت واللازورد. وقد وجد في قبر هذه الملكة ~~السومرية، مع حلاها وجواهرها ، قارب من الفضة، هو ذكرى نزهاتها - ولا ريب - في نهر ~~دجلة. # وماذا كان مدفونا مع صاحب الجلالة العظمى ملك الأرض وبطلها الأكبر، هوس كلام دوغ؟ فإن ~~الخوذة التي كان يلبسها للحرب لمن الذهب الإبريز، وكذلك سنان الرماح والفئوس سلاحه. وهاك ~~خنجرا من الذهب نصابه من اللازورد، وقرابه من الذهب المسلسل الدقيق الصنع. وهاكم، يا غواة ~~الموسيقى، قيثارة الملك المرصع صندوقها بالذهب وحجارة اللازورد والياقوت. وإن أنفس وأثمن ما ~~اكتشف في مقابر الملوك بأور الكلدانيين كبش من الذهب الخالص، صوفه من المعدن والحجارة ~~الكريمة، وهو واقف عند جذع شجرة، ذات أغصان مثمرة صيغت كلها من الذهب. الذهب! لقد كان في ~~ذلك الزمان، على ما يظهر، أبخس من الحديد، فصنعوا منه حتى الخناجر وسنان الرماح! # أما الحلي المتنوعة - صيغة وشكلا - فإن في المتحف العراقي جزءا صغيرا منها؛ لتمتع به ~~سيدتي البغدادية نظرها. ولتعلم سيدتي أن أختها السومرية، التي كانت تسرح شعرها، أو تجلس ~~للماشطة، في هذه الشمس (شمسنا) وعلى ضفة هذا الفرات (فراتنا)، منذ خمسة آلاف سنة، كانت تنام ~~على سرير، وتجلس على كرسي، وتمد خوانها على مائدة، وتفرش بيتها بالطنافس. # وذلك الذي بنى بيتها، ذلك المعماري السومري، هو الذي اخترع القنطرة والعقد في البناء. وهو ~~أول من استوحى شجرة النخل، فأوحت بالعمود إليه، فظهر العمود لأول مرة في قصور أور ~~وهياكلها. # ومما هو جدير بالذكر، أن شرائع السومريين وصناعاتهم كانت مصابيح علم وهدى لمن جاءوا ~~بعدهم. فعندما اكتشف الأثريون نينوى، منذ نحو خمسين سنة، قالوا إن شرائع موسى مأخوذة من ~~شرائع حمورابي. واليوم يقول لنا الأستاذ لنرد وولي مدير بعثة أور إن شرائع حمورابي مستمدة ~~من شرائع سومر، ولم يكن في موضع مدينة نينوى أثر للبناء يوم كان السومريون قد وصلوا ~~(3100ق.م) إلى درجة عالية من العمران. # ولك أن تسأل: إلى أي عمق حفر الأثريون ليدركوا هذا العلم كله؟ عندما وصلوا إلى ms093 مدافن دولة ~~أور الثالثة؛ أي الأخيرة، استمروا في الحفر فاخترقوا خمس طبقات من الأرض، كل طبقة منها تمثل ~~دورا من أدوار التمدن، بما اكتشف فيها من الآثار التي تختلف عما اكتشف في الطبقة دونها. ~~وقد حفروا حتى تحت الطبقة الخامسة فوصلوا إلى التراب البكر؛ أي الطين الراسب على ضفتي ~~النهر. # أما اكتشافهم ها هنا فهو أهم من كل ما تقدم ذكره. إن لسكة الحديد اليوم محطة في أور، بين ~~البصرة وبغداد، هي على مائة وعشرين ميلا من البصرة. والبصرة هي على ثلاثين ميلا من خليج ~~فارس. ولكن أمواج هذا الخليج كانت تتلاطم في ذلك الزمان تحت أسوار أور الكلدانيين، فتكون ~~مياه الخليج قد عادت القهقرى مائة وخمسين ميلا في خلال خمسة آلاف سنة ويزيد؛ أي ثلاثة ~~أميال كل مائة سنة. ولكن الحلزونة تجتاز الثلاثة الأميال - إذا تركها الإنسان وشأنها - بشهر ~~واحد في الأكثر. إن حركة البحار، وهي تتقدم في البر أو تتراجع عنه، لأبطأ حركة في ~~العالم. # قلت: إن أور كانت على البحر. والأصح أن يقال: إن البحر كان عند أور. فكيف عرف الأثريون ~~ذلك وتحققوه؟ عرفوه بالمطالعة، وتحققوه بالمعول والمسحاة. فلو لم يقرءوا في كتب اختصاصهم ~~أن في عهد الاحتلال البابلي لأور «كان في المدينة هيكلان لنبوخذ نصر ونابونيدوس يدعيان ~~بهيكلي الميناء» لما عدوا حدودهم الأثرية إلى ما دونها - إلى ما يختص بعلماء الجيولوجيا - ~~واستمروا يحفرون حتى أدركوا طبقة سمكها ثلاثة أمتار من رمال شاطئ الخليج! # وها هنا اكتشفوا الاكتشاف العجيب الذي جاء ذكره في ملحمة كلكميش. وما ملحمة كلكميش بذاتها ~~أعجب من رمال شاطئ الخليج. إنما هي أعجب في النبوءة التي تحتويها. # جاء في تلك الملحمة: # إن الآلهة لغاضبون غضبة شديدة. وسيمحقون الجنس الإنساني، سيغرقونه إغراقا في ~~البحر. # ولكن إنكي - أحد الإلهة - حمل السر إلى أوتا نابشتيم، ذلك الرجل الصالح، الساكن في ~~قرية شوروباك على الفرات، وأوصى إليه بطريقة للنجاة، فبادر نابشتيم إلى بناء سفينة مثل فلك ~~نوح. # ثم يقول نابشتيم في ملحمة كلكميش: # وحملت في السفينة كل ms094 مالي # كل حصاد الحياة جمعت في السفينة # أسرتي وأقاربي، # والحيوانات في الدور والمواشي في الحقول، والصناع والخدم. # أدخلتهم السفينة جميعا وأقفلت الباب. ~~••• # وعصفت الرياح، وهاجت البحار، # ستة أيام وست ليال، # طغت الأعاصير والمياه، فغلبت الأرض وغمرتها # ولما انبلج فجر اليوم السابع خفت صوت العاصفة، # وتقهقر البحر الذي كان يحارب كالجيش الفاتح، # وسكن وجه أليم، وسكتت الرياح، فتوقف الطوفان. # ونظرت إلى البحر فإذا هو هادئ كالنور، # ونظرت إلى البشر فإذا هم كلهم كالوحل. # وبعد ذلك أطلق نابشتيم طيرا من الحمام، وترك سفينته على رأس الجبل، وقدم ذبيحة ~~للآلهة. # هذه هي قصة الطوفان السومرية. وإن رمال الخليج دليل على ما جاء في ملحمة كلكميش، كما يقول ~~الأستاذ وولي. وهناك دليل آخر في الخزف المدهون الذي وجدوه تحت أكوام الرمال وفوقها. # ومن كلكميش إلى كاتب سفر التكوين - من يعرف الصلة والسبيل؟ من ذا الذي يستطيع أن يقول: ~~إن أوتا نابشتيم هو نوح أو غير نوح؟ أو إن موسى قرأ ترجمة كلدانية لملحمة كلكميش؟ # أما أن لنوح آثارا في هذه الديار فأهل الكوفة والنجف اليوم يعرفون. أن في الصحن الفسيح ~~لمسجد الإمام علي بالكوفة حوضا جافا، أو مكانا مجوفا، إذا ما سأل الزائر عنه أحد ~~الكوفيين قال له: هو المكان الذي بنى فيه سيدنا نوح فلكه قبل الطوفان. وإذا ما زرت النجف - ~~أيها القارئ - وكنت من المؤمنين الجعفريين، ودخلت الحضرة، فعليك أن تلقي هذا السلام: السلام ~~عليك يا علي وعلى ضجيعيك آدم ونوح. # إذن لقد صنع نوح فلكه ها هنا في الكوفة، ولقد دفن بعد ذلك مع علي في جواره المبارك. ~~والكوفة هي على شاطئ النهر مثل أور، وقد كانت في الماضي بين سومر وبابل. فمن أين جاءت هذه ~~الأساطير - أساطير نوح والفلك؟ - وما علاقتها بملحمة كلكميش وسفينة نابشتيم؟ إن موضوعنا - ~~لسوء الحظ - لا يتسع لهذا البحث. # لنعد إذن إلى أور، فقد اكتشف الأثريون في كيش، وفي خفاجي ما يثبت بعض اكتشافات البعثة ~~الكبرى. ومهما تنوعت آثار الطبقات المختلفة فإن هناك، في كل مكان ms095 وزمان، الرمز الأكبر، ~~الرمز السومري المجسم في الهيكل، وفي ما هو أجمل بناء من الهيكل؛ أي ذلك البناء الشامل ~~الهرمي الذي يدعى زقرة، وهو مدرج مؤلف من سبع طبقات، كل طبقة أوسع مما فوقها، كما هو ~~ال «باغودا» عند البوذيين. وقد بنى أحد ملوك سومر زقرة عصماء، طليت طبقاتها العليا بالفضة ~~والذهب. # كانت الزقرة معروفة في كل دولة من الدول السومرية الثلاث، وأمست كلها تحت الأرض، سليمة ~~ومتهدمة، الواحدة فوق الأخرى. فعندما وصل الأثريون إلى زقرات الدولة الثالثة، واستمروا في ~~الحفر عثروا على بقايا زقرات الدولة الثانية، وتحتها في الطبقة الثالثة بدت لهم أسس زقرات ~~الدولة الأولى وقصورها وهياكلها. تلول تحت تلول، وقصور تحت قصور، ومدن مدفونة تحت المدن، ~~وفوقها مدن اختلطت عظامها بعظام من دفنوا تحتها. # ودفين على بقايا دفين # في طويل الأزمان والآباد # خفف الوطأ ما أظن أديم ال # أرض إلا من هذه الأجساد # قيل: إن في السومريين يجتمع العنصران الآري والسامي. وقيل: إنهم آريون أصلا، جاءوا من ~~الشرق وتوطنوا جنوبي العراق في سني الألف الرابعة قبل المسيح، ثم جاء الأكاديون ~~(العقاديون) فتغلبوا على السومريين في عهد الدولة الثالثة، فأسسوا الدولة الأكادية، وجعلوا ~~حاضرتها مدينة لاغاس القريبة من أور. # وبعد ذلك جاء شعب من الجبال، شعب متغلب فاتح، هو الشعب العيلامي الآري، فأسس مملكة في قلب ~~العراق، عاصمتها إشنونا أو إشنوناك على مسافة عشرين ميلا شرقي بغداد، في المكان الذي يدعى ~~اليوم تل عمر. # وفي تل عمر بعثة أميركية موفقة في حفرياتها وغنائها. أما الحفريات فقد أضاءت شيئا من ~~تاريخ تلك الناحية، منذ سقوط الدولة الثالثة الأورية إلى سقوط إشنونا. # ليس في هذه الدولة غير ملك واحد من الملوك الفاتحين على ما يظهر، هو كيريكي ملك عيلام ~~الذي أسس إشنونا واستولى على أور. أما ابنه الذي تولى الملك بعده، فقد حاول أن يبسط سيادة ~~عيلام على البلاد السومرية كلها، فصده عن ذلك العموريون الساميون الذين زحفوا على بابل من ~~لبنان الشرقي، وكانوا في ذلك العهد من الغزاة الصائلين ms096 المتغلبين. فحمل عليهم ملك عيلام وما ~~كان موفقا في حملته، فعقد وإياهم صلحا غريبا فريدا في بابه. # آثار أور (تصوير الدورادو). # قال بيلالاما ابن الملك كيريكي إلى أولئك الغزاة العموريين: لا بأس بأن تغزوا في البلاد ~~على شرط واحد - لكم الغنائم ولنا الأرض. # فلا عجب إذا كان عهد عيلام قصيرا في العراق، فقد دخلوا مثل غيرهم من الشعوب في حوزة ~~الملك الآشوري السامي، الملك الأكبر حمورابي (2067-2025ق.م). # وفي هذا العهد من التاريخ؛ أي منذ سقوط الدولة الأورية الثالثة (2170ق.م) إلى أن دخلت ~~إشنونا في الدولة البابلية الكبرى، تطورت عيلام تطورا جديدا في حياتها الاجتماعية، فقد ~~اكتشف الأثريون الأميركيون مخطوطات في القصر تدل على أن إشنونا كانت على اتصال في تجارتها ~~بآسيا الوسطى، وأن في حضارتها أثرا لمدنية الهند، فالنفوذ الهندي في العراق يرجع إذن إلى ~~القرن الواحد والعشرين قبل المسيح. # ولكنه ضئيل بالنسبة إلى النفوذ السومري. فإن الشعوب السامية كلها - العقاديين والعموريين ~~والآشوريين - أخذوا عن السومريين دينهم، أو في الأقل معظم طقوسهم، كما أسلفت البيان، وكانوا ~~على الإجمال مقلدين لهم مقتبسين من أنوارهم. # وإنه ليدهشك ما تعدد وتنوع من الأشياء التي كان يستعملها الناس في ذلك العهد القديم، ~~السابق للعهدين البابلي والآشوري. فمنها القناديل المصنوعة من الحجر والصفر والفضة والذهب، ~~على شكل الأصداف البحرية، وسنان الرماح والفئوس من الذهب والفضة، ومخطوطات من الآجر مغلفة ~~بالخزف ومكتوب على الغلاف اسم صاحبها أو موضوع ما تحتويه، والمواعين من النحاس الأبيض ~~المطرق الشبيه بما نراه اليوم في سوق النحاسين ببغداد، ومسامير من الجص مدهونة بالدهان ~~الأسود (3500ق.م) وجدت في كيش، ومناجل وأسياخ وأوتاد، وأوان خزفية ومرمرية مزينة بالرسوم، ~~وجفان من الحجر والصوان، وأكواب من اللازورد، ولوحات للألعاب مطعمة بالصدف. وأعجب من ذلك ~~كله قطع من العظم مكعبة، ومنقطة بالدهان الأسود، هي حجارة النرد. فاذكروا ذلك يا من تريدون ~~أن تقضوا على القمار في العالم! إن عمر «الزهر» خمسة آلاف سنة. ~~••• # من حق أهل العراق أن يعلموا بمصير آثار بلادهم، ولعل حكومة العراق تقدم ms097 على العمل الذي ~~فيه صيانة هذه الآثار، وحفظ حقوق البلاد في البعثات الأثرية. # إن أول ما ينبغي عمله هو تحرير المادة 22 من قانون الآثار، لإزالة ما فيها من التعميم ~~والإبهام، فتفرغ في قالب محكم لا يمكن البعثات من الإخلال بواجباتها، والعبث بحقوق ~~البلاد. # فقد جاء في هذه المادة أنه «ينبغي للمدير أن يختار من بين الأشياء المكتشفة ما يراه ~~لازما لإكمال المتحف العراقي من الوجهة العلمية»، وأن يخصص بعد ذلك «للذي أعطي رخصة ~~التنقيب عددا كافيا من العاديات مكافأة له على أتعابه» ... «وأن يتوخى - بحسب الإمكان - جعل ~~حصة ذلك الشخص مماثلة لجميع النتائج التي حصلت من تنقيبه.» # إن في هذه المادة ثلاثة أبواب للنزاع، هي: «الوجهة العلمية»، و«العدد الكافي» و«المماثلة ~~لجميع النتائج». قلت: إنها أبواب للنزاع، فيجب أن أقول: إنها أبواب مفتوحة للتفسير ~~والتأويل. وكثيرا ما تفسرها البعثات وتقولها كما تشاء؛ ليكون لها ما تشاء من ~~العاديات. # فلو اتفق أن في متحف العراق عددا كافيا من الحلي السومرية مثلا «لا كماله علميا» ~~واكتشف بعدئذ شيء كثير من هذه الحلي، فإن مدير الآثار مطلق التصرف بها، وقد يقدمها كلها ~~هبة إلى البعثات التي اكتشفتها. # فإذا اكتشف خمسون خوذة ذهبية مثلا، وكان فيها ثمان وأربعون خوذة متماثلة بكونها خوذات، ~~ومختلفة بكونها من عصور وصناعات متعددة ولو في جزئياتها، وخوذتان متماثلتان كل التماثل، فلا ~~يعطى المتحف العراقي غير خوذة واحدة من الاثنتين المتماثلتين تماما، وتعطى البعثات ~~الخوذات الأخرى كلها. # هذا ما يحدث في قسمة العاديات النادرة وفي غيرها على الإجمال ما دامت المادة 22 مبهمة ~~وقابلة لكل تفسير. # وهناك أساليب أخرى تمكن البعثات من السلوك المريب، بل من الإساءة في ما تتمتع به من ~~الحقوق والامتيازات. ومن هذه الأساليب ما يتعلق بشحن الآثار. فالبعثة ترسل قسمتها في صناديق ~~إلى البصرة، فتخزن هناك في مخازن شركة البواخر التي تنقلها إلى خارج العراق، بدل أن تبقى في ~~مخازن الجمرك إلى يوم سفر الباخرة، وفي أثناء وجودها في مخازن الشركة يستطيع أحد أعضاء ~~البعثة أن ms098 يفتحها ويضيف ما يريد إليها. # إنه لأمر شاذ اضطربت له مديرية الجمارك، وقد كتب مدير جمارك البصرة إلى مديرية الآثار ~~ينبهها إلى أن نقل صناديق الآثار من الجمرك إلى مخازن الشركات خلال انتظار الباخرة لما يثير ~~الريبة وسوء الظن، وهو يلح في وجوب فتحها وفحصها قبل أن تشحن. # سمعت مديرية الآثار ومضت في أمرها. أما الأثريون فهم يقولون إنهم يستعيرون كل نادر نفيس ~~من العاديات ليصلحوه، إذا كان مكسورا، ويصوروه ويدرسوه، ويكتبوا عنه في المجلات الأثرية. ~~وعليهم بعد ذلك أن يعيدوه، إذا كان من قسمة العراق، إلى المتحف العراقي. # فهل يعيدون ما يستعيرون؟ قد تصفح أمين المتحف لوائح القسمة لمجموع ما استخرجته بعثة أور ~~الإنكليزية الأميركية، منذ سنة 1922حتى سنة 1933، فوجد أن ثلاثة آلاف أثر ويزيد، من الآثار ~~التي تضمنتها تلك اللوائح، لا تزال مجهولة المصير. # أضف إلى ذلك ما يحدث من الحيف في القسمات، وليس لمدير المتحف العراقي ما يقول. وإن اعترض ~~فليس لوزارة المعارف، ما دامت المفوضيات الأجنبية تهتم بالبعثات الأثرية اهتمامها بمصالح ~~بلادها التجارية والاقتصادية في العراق، ليس لوزارة المعارف ما تقول. # ما العمل إذن؟ ألا تستطيع الحكومة العراقية أن توقف الأعمال الأثرية كلها إلى أن يصير في ~~البلاد أثريون وطنيون؟ أوليس ذلك أفضل من أن تذهب أكثر الآثار إلى المتاحف الأجنبية؟ # إنها لحالة محزنة. فإن كانت تنقصنا العلوم الاختصاصية، ونحن اليوم في حاجة إليها، فعلينا ~~أن ندفع ثمنها مهما كان. وترانا ندفع - إن كان في العراق، أو في سوريا، أو في فلسطين - ~~أثمانا باهظة ... # إن العراق، في كل حال، لا يخسر شيئا إذا توقفت أعمال البعثات الأثرية ريثما ترسل الحكومة ~~بعض الطلبة لدرس علم الآثار في الخارج. # لا، بل أقول إنه خير للعراق أن تبقى آثاره مدفونة في أرضه من أن «تطير» إلى ما وراء ~~البحار. # | خطبة بين كربتين # من المألوف في آداب الحفلات الخطابية أن الهيئة المقيمة الحفلة تعين لجنة من ثلاثة أو ~~اثنين، أو واحد فقط؛ لتستقبل الخطيب وترافقه إلى قاعة الخطابة. هذا ما ms099 عرفته وألفته ~~خطيبا في الغرب، وفي هذا الشرق العربي. # أما في بغداد، يوم افتتاح المعرض الزراعي (7 نيسان 1932) فقد كان الاستقبال هائلا، وكنت ~~أنا الخطيب الفريد منقطع النظير في العالم. وكيف لا، وقد كنت الغريق في لجج من الناس، أحاول ~~أن أسمعهم غير ما جاءوا يسمعون، أحاول أن أسمعهم شيئا من الأنات والزفرات التي كانت ~~تخرج متقطعة من تحت أضلعي. # وهاكم القصة. كنت في ذاك النهار خطيب الحفلة الأولى في المعرض، فجئت قبل الوقت المعين ~~لأنجو من الزحام الذي وقعت فيه. فأين لجنة الاستقبال تنقذني، وتضمن سلامة الحفلة التي أنا ~~خطيبها؟ اللجنة هي هذه اللجة من الناس المحتشدين في الشارع، وفي الساحة، أمام المدخل ~~الوحيد إلى أرض المعرض. هي لجنة هائلة، وما هي على شيء من لطف الاستقبال، أو من حب ~~المجاملة. # وما كان الذنب ذنبي في خوض عبابها، فقد رأيت عندما وصلت ثلة من الشرطة تغالب الجماهير، ~~وأخرى من الخيالة تشذبها؛ لتفتح الطريق إلى المدخل، وتحفظ النظام. ورأيت تلك الجماهير ~~من المدن ومن العشائر - من حضر وبدو وأكراد - يتزاحمون ويتدافعون ويتضاغطون، وبينهم النساء ~~المحجبات والسافرات - يهوديات ومسيحيات - وهن في تلك اللجج كالأزهار في الإعصار. # ومن أعجب ما شاهدت في احتشاد الناس أن الجماهير العراقية غير صخابة. فهي تتموج ساكنة ~~هادئة، وتتضاغط وتتدافع بشدة وبطء دون أن يسمع لها صوت أو أنين، كأنه قطع من الجماد تحركها ~~يد جبارة خفية. وكانت في تلك الساعة تدفعها دفعا بطيئا عنيفا قاهرا نحو بوابة موصدة ~~يحرسها شرطيان لا غير. # وقفت مترددا في الطريق التي فتحتها الخيالة، وما آنست من رفيقي شجاعة على الإقدام، وبينا ~~نحن كذلك دهشت الدهشة الثانية، الدهشة الكبرى، فقد رأيت على حاشية اللجة السيد نوري السعيد ~~رئيس الوزراء في تلك الأيام، فلفت إليه نظر الرفيق، فاستبشر وقال: لنتبع الباشا ولا خوف ~~علينا. # عجبت لصروف الزمان، فقد أعاد إلى ذهني هذا الرئيس مشهدا من مشاهد الدولة العثمانية في ~~الأستانة. وكان هناك أبهة ملك وازدحام، وكانت الخيالة تخترق اللجج البشرية وتدفع بها ms100 يمنة ~~ويسرة، دون أن تبالي بما تفعله سنابك الخيل؛ لتفتح الطريق لعربة الصدر الأعظم، السائرة في ~~موكب فخم إلى الباب العالي . لله من صروف الدهر، وتقلب الزمان! # ليس العراق - وإن استقل ودخل في عصبة الأمم - بالدولة العثمانية. ولكنه ذو سيادة ودستور ~~وبرلمان، والصدر الأعظم فيه شخصية بارزة، وقوة في البلاد نافذة. وهو مع ذلك يحضر الاجتماعات ~~العمومية غالبا وحده، دون مرافق عسكري أو مدني. إن نوري السعيد لمن أخلص الوزراء في روحه ~~الديمقراطية الوادعة، وإنه أصغرهم سنا، وأكثرهم إقداما، وأغناهم في ما عنده من بشاشة ~~وسكينة، فتراه، والسيكارة في فمه، والسبحة بيده، طلق المحيا، هادئ البال على الدوام. # عندما أشار رفيقي بأن نتبعه قلت في نفسي: ولا بأس على من يمشي في ظل حاكم البلاد. فإن ~~السبحة بيده، إذا ما أومأ بها، لتفعل ما لا تفعله ثلة من الشرطة. # توكلنا على الله وأقدمنا، فإذا بنوري السعيد، وقد رآني، يرفع يده، ويومئ بالسبحة والبسمة ~~أن أقدما، كأنه يدعونا إلى طبق من البقلاوة. فأسرعنا إذاك مصدرين أرواحنا، وما عتمنا ~~أن صرنا في ظله، فغمرتنا اللجة، وتوارينا وإياه فيها. # وكانت تزداد ثقلا وراءنا وصلابة أمامنا، فوقفنا متراصين متلاصقين نكاد نفقد النفس - نغص ~~بالهواء. ولولا صرخات لبعض النساء لما سمعنا للحشد صوتا غير ذاك الذي يخرج من تحت الأحذية ~~عندما يستحيل المشي على المحتشدين فيزحفون زحفا. # هي ضغطة القبر. وكان الوزير الأكبر أمامنا ساكتا هادئا مثل غيره من الناس. وما أحد - ~~على ما أظن - عرفه غيرنا. إلا أنه كان يحاول أن يصل إلى مكان يرى منه الشرطي، فيأمره بفتح ~~الباب. # خبرت الجماهير في المدن الكبرى، وليس فيها أفظع من جماهير الصباح والمساء في نيويورك. إلا ~~أني ما أحسست مرة هناك بمثل الهول المجسم في جماهير بغداد، تلك الجماهير الهادئة الواجمة ~~الساحقة. # وكنت قد أضعت رفيقي، وأصبحت ولا أرى من نوري السعيد حتى سدارته. فوددت في تلك الساعة لو ~~أن أحدا عرفني فآنسني ولو بابتسامة ... أين شهرتك الآن، أيها الفيلسوف؟ وأين عظمتك، أيها ~~الرئيس؟ أنضغط، ms101 ونخنق، ونسحق مثل سائر الناس، ولا أحد يصيح: المدد! ولا أحد يقول: ~~مه! # سبحانك اللهم! فها هو ذا المدد أراه بعيني . إن اليد المرتفعة يد نوري، والسبحة سبحته، ~~فقد دنا من المحجة، فرآه الشرطي، فأومأ إليه الرئيس أن افتح الباب. وما كاد ينفتح ذلك الباب ~~حتى سد بالناس. فطفقوا يتدفقون كالسيل الجارف، فيهبطون من أعلى الدرج إلى أسفله، واثبين ~~ومتدحرجين إلى أرض المعرض. # أخذت اللجة تخف أمامنا، وتزداد شدة وراءنا. فتقدمنا متعثرين متقاذفين. وكنت أحس وأنا في ~~هذه الحالة بكوع يغرس في جنبي، وبآخر، لبدوي عمليق، يطوي عنقي. فصحت متأوها، فضاعت صيحتي ~~بين صيحات أخرى عميقة، كأنها كانت تصعد من تحت الأرض. إنما هي في الحقيقة صاعدة من بين أرجل ~~الهاجمين المغيرين. # أما أنا فما كدت أفرح بدنوي من بوابة الحديد، وأنسى كوع البدوي، حتى تراءى لي شبح الموت، ~~فقد دفعت بعنف إلى البوابة، وضغطت هناك ضغطة القبر، فعلقت يدي بين قضيبين من قضبان ~~الحديد، وسمعت صوتا في كتفي كصوت عظم يتكسر، فتأوهت وأننت، وخيل إلي أن سأقضي بقية ~~حياتي بيد واحدة. ولكنه سبحانه وتعالى تداركني برحمته، فتفلت من قبضة الحديد، وهويت فوق ~~الدرجات طائحا، فإذا أنا بين ذراعي رئيس الوزراء. وكان قد وقف هناك ينتظرني، فعانقته بكلتا ~~يدي، وأنا أحمد الله على السلامة. # وعلى المحن التي فيها بعد السلامة العلم والشجاعة، فقد أصبحت، بعد نجاتي من تلك الغمرة ~~ببغداد، فارسا مغوارا، لا تروعني الجماهير، ولا تتكأكأني الزحمات. فأخوض عبابها كأنها ~~حوض ماء، في جنينة غناء. ليقبضني بيديه المتحجرتين ذلك العلج الواقف في باب القطار في النفق ~~بنيويورك، وليقذف بي إلى داخل القطار، وليضغطني ويرصني فوق من ضغطوا ورصوا، وليقفل ~~وراءنا باب الحديد، فيجيء كالمكبس على بالة القطن، ليفعل كل ذلك فلست أبالي. قد خضت عباب ~~الجماهير العربية ببغداد، وأصبحت ذا مناعة بدوية. # وقد شاهدت وخبرت أباطيل الشهرة والسيادة، أباطيل العبقرية والعظمة، في مثل تلك الغمرات. ~~فما رئيس الوزراء، وما الفيلسوف الخطيب، إذا لم يكن ذا إحساس بليد، ونشاط عنيد، ms102 وأعصاب من ~~حديد، فيكون في الغمرة جزءا منها، جزءا متحركا متحكما متقدما مستهترا؟! # وما كانت الكربة بعد الخطبة أقل من الكربة التي تقدمتها، إلا أنها من نوع آخر. ولكن بين ~~الكربتين برهة سعيدة أحب أن أشرك القارئ بها. ولا حرج في الحديث، وإن كنت موضوعه؛ لأنه ~~يتناول ما هو أكبر من حالة حائلة، وشخصية زائلة. كيف لا والحدث منقطع النظير في تاريخ ~~العراق قديما وحديثا؟ كيف لا، والخطيب - دعني أروي ولو مرة واحدة خبرة خطبتي؟ - كان أول ~~من وقف ذلك الموقف في قطر من الأقطار العربية. وحسبي أن أنوه بصوته العجيب. فما كان كزئير ~~الأسد، ولا كقصف الرعد. بل كان منخفضا ناعما هادئا. وقد جاز مع ذلك الآفاق، وسمع حتى في ~~بلاد الواق الواق. # عفوا، قارئي. لست محدثك بالألغاز، فقد ملأ الراديو الأرض على حداثة عهده، وأمسى ذكره ~~مألوفا مبتذلا. بيد أن للتاريخ حقا يرعى. فإن استعمال الراديو للمرة الأولى في أقدم ~~بلدان العالم - في أرض الرافدين - لجدير بالذكر والاعتبار. # قد نصبت الآلة للمرة الأولى ببغداد لسبع خلون من نيسان من السنة الثانية والثلاثين ~~وتسعمائة وألف مسيحية، وكان الريحاني أول من وقف أمامها للخطابة. وكان الاثنان - الخطيب ~~ومطية صوته - في أحسن حال، تمدهما السماء بروحها المكهربة الممغنطة. وكانت الأسلاك ممتدة من ~~الجهاز إلى مكبرات موزعة في أرض المعرض، فخطب الخطيب في جمع أمامه يرى، وجموع في جواره لا ~~ترى. # وهناك وراء الآفاق في عواصم ألوية العراق، وفي ما دون العراق غربا وشمالا وشرقا - في ~~سوريا وفلسطين ومصر وفي أنقرة وطهران - سمع صوت الخطيب الواقف على المنبر ببغداد. أجل، قد ~~طارت كلماته على أجنحة الأثير لتحدث بأعجوبة هذا الزمان، وبأعاجيب أخرى في تاريخ العراق ~~الحديث، فسمعها المؤمنون والمشككون، وثم يبسملون ويكبرون. سمعوها لأول مرة في حياتهم ~~باللغة العربية، وسيذكرونها مدى الحياة. # سيذكرون - ولا ريب - الحدث العظيم. وسيذكرون - إن شاء الله - اسم صاحب الخطبة. وقد يذكرون ~~بعض ما أشاد به من مظاهر النهضة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق، وبعض ما أشار ~~إليه ms103 من أوليات هذه النهضة المباركة. ورأس الأوليات المعرض الزراعي الاقتصادي. فما رأت أرض ~~الرافدين، منذ عهد السومريين إلى عهد الأتراك، معرضا مثله. ومن الأوليات في كل أزمنة ~~التاريخ القديم والحديث حكومة العراق النيابية، وملك العراق الدستوري، ومدارس العراق ~~العامة. وقد يذكر من سمع الخطيب أنه دعا العرب للاتحاد، ودعا زعماء الأقطار العربية ~~للتفاهم والتعاون، وأنه أثنى على الملك فيصل الذي ساس العراق بالحزم والحكمة، فاجتاز بفضله ~~المرحلة الأولى من مراحل الاستقلال الوطني والسيادة القومية. قد يذكرون كل ذلك أو بعضه. وقد ~~لا يذكرون شيئا من الخطبة، غير أنها هبطت عليهم مثل الوحي من عالم الغيب، إنها إذن لوحي ~~منزل. أستغفر الله. ليس فيها شيء عجيب غير أنها سمعت في وقت واحد في سائر المدن الكبرى في ~~الشرق العربي. # على أن الخطبة ما نجت ولا نجا الخطيب، من صحافة بغداد، أو بالحري من صحافة المعارضة، فقد ~~تناولت الخطبة، بل نتلتها بمخالب النقد، ومزقتها إربا إربا، ثم عرقت منها العظم، ~~وتلمظت بالمرارة. قال أحد كتاب المعارضة: إن الخطيب من الثرثارين. وقال آخر: إنه يتزلف من ~~الملك، وإنه من المستوزرين. وغمس آخر قلمه في دواة التهكم والظرف وخط الآية: إن الخطيب ~~لمن ذوي الآذان الطويلة. وشخص آخر مرضه فقال إنه مصاب بداء التفاؤل. # فاستنتجت من كل ذلك أن المعارضة - أي الأحزاب المعارضة للحكومة - لا تزال حية ترزق، ~~وأنها تعارض مبدئيا على طول الخط، ولا تبالي بما يقال في مواقفها. ولم المبالاة، ~~ووظيفة المعارضة، كما يقول السياسيون، هي أن تعارض؟! إن في بغداد ثلاثة لا تتغير، هي: ~~الغبار والوحل والسياسة. # وقد عجب أرباب السياسة لما في الخطبة من السطحيات. فكيف فات الجوهر الخطيب؟ ماذا دهاه ~~فعمي أو تعامى؟ أما كان بإمكانه أن يرى، في نظرة سطحية، الحقائق البارزة؟ فالإنكليز لا ~~يزالون في العراق، وما تحسنت اقتصاديات البلاد، وما تحررت الإدارات من المستشارين، وما، وما ~~... # هي المعارضة، ولا حرج، فقد نصبت مدافعها بين أدغال الصحافة، ووراء أكمات الأحزاب، وشرعت ~~تطلقها في كل ناحية، من الطرف ms104 الأيمن في جبهة الحكومة إلى الطرف الأيسر، من القصر على شاطئ ~~الكرخ إلى القصر على شاطئ الرصافة - على المندوب البريطاني، على الملك، على الوزارة، على ~~البرلمان، وحتى على المعرض؛ لأنه من أعمال الحكومة! فلا عجب إذا أصابني رشاش من مدافعها، ~~وأنا أتنقل مستكشفا - يا للحماقة! - من مكان إلى مكان في مرامي الجبهة. # | ضعف المعارضة # ما أشرت في الفصل السابق إلى آفات بغداد الثلاث حبا بالإغراب والإبداع في الإنشاء. إنما ~~هي الحقيقة تجمع في بعض الأحايين الشوارد والمتناقضات، فإذا هي شرع في كنهها أو في ~~نتائجها. فإن الآفات البغدادية هي عاصفة التراب (أو ما يدعى «القاطرة» أو «الطوز») في ~~الربيع، والوحل في الشتاء، السياسيون في كل فصول السنة. # أما الآفتان الأوليان فلا تنفرد بغداد بهما، وقد لا تكون فيهما كغيرها من المدن. فإن في ~~أسواق باريس مثلا تتكون في الشتاء صفحة رقيقة من الوحل الرخو اللزج الذي يتحول تحت الأرجل ~~إلى مزلقات، فهي إذا ذاك أكرب من بغداد، وإن ضباب لندن في الخريف، ذلك الضباب القاتم الكثيف ~~المعمي، والمفعم بالروائح الكبريتية، هو أفظع من «قاطرة» بغداد التي لا رائحة لها ولا هي ~~تسد عليك السبيل. أما سياسي بغداد فلا أظنك تجد له صنوا في الشرق أو في الغرب. فإنه في ~~عقليته مزيج من الغبار والرماد. غير أن قلبه مضمخ بالطيب، ولسانه لسان خطيب. # أجل، إن إرث السياسي البغدادي لإرث مركب من شتى العناصر النفسية والعقلية والبيانية. ~~فيستطيع لذلك أن يكون شفافا أو كثيفا، دقيقا أو غليظا، قويما أو مواربا، لطيفا أو ~~خشنا، صريحا أو مجمجما. إن في عروقه العربية أثرا من الدم الفارسي والتركي والكردي ~~والتتري. # فهو يصلي بالعربية، ويفكر بالتركية، ويستشعر بالفارسية، وقد بدأ يرى الأشياء بعين ~~إنكليزية. هو ديمقراطي اللسان، أوتوقراطي العقل، ثيوقراطي القلب والمجموع ميل، بعد ~~الاتكال على الله، إلى الاستبداد، «إنما العاجز من لا يستبد.» # لله من أولئك السياسيين، ومن فصاحتهم، ومن لطفهم، ومن حججهم وأحكامهم، ومن أساليبهم في ~~الطعن والاغتياب! وما أكثرهم في بغداد! كم مرة ms105 وقفت في سراديب عقولهم السياسية! وكم مرة ~~تغلغلت بعقلي وقلبي فيها لأفهم أقوالهم، وأدرك أفكارهم، ومقاصدهم، وأميز بين الأوهام ~~والحقائق في مزاعمهم! وكم مرة أصغيت ساكتا صابرا للأحاديث الطويلة لأتحقق ما فيها من ~~شكوى! وكم مرة أوقفني محدثي وأنا أتبعه مصغيا متنبها، كم مرة أوقفني بغتة في جادة ملتوية ~~مظلمة؛ ليؤكد لي أنها ليست بجادته أو جادة حزبه، بل هي جادة الحكومة والإنكليز! ~~- إني أطلعك، يا أستاذ، على حقائق هذه المسالك الملتوية المظلمة. # وهل يليق بي الشك وأنا في مجلس من أولاني صداقته، وأكد لي أنه يمشي ويتكلم أياما في ~~خدمتي؛ لينير ذهني، ليطلعني على حقائق الدولة وأسرارها. ولولا وطنيتي وأدبي ورغبتي في ~~التحقيق والتدقيق، لما كان يمشي خطوة، أو يفوه بكلمة. لا والله! فهل يليق بي الشك أو ~~الاحتياط؟! # أما إنه كان في خدمته لي يخدم كذلك نفسه، من حيث لا يظن أني أدري، فذلك أمر لا ريب فيه. ~~إلا أنه لا يمدح نفسه. كلا، ولكنه يرهفك بالحديث، ويعييك بالسير في سراديب السياسة؛ ~~ليفهمك أنه أخلص سياسيي العراق وطنية، وأبعدهم نظرا، وأسدهم رأيا، وأصرحهم مقالا. هذا ~~السياسي المدرب المجرب، اللطيف الشريف، سنيا كان أو شيعيا، كرديا أو مسيحيا، هو ~~يوما للمعارضة ويوما عليها - مثل الزمان. # وسأعطيك الآن بعض الأمثلة من أعمال المعارضة، بادئا بالإضراب في صيف سنة 1931؛ لأنه من ~~أهم حركات العراق الداخلية، وأقلها بركة. وها هي القصة في حقائقها العريضة. # كانت حكومة الاحتلال قد قررت وضع ضريبة على أصحاب المهن والحرف، ولكن قرارها لم ينفذ كل ~~التنفيذ. وفي سنة 1929، تناولت حكومة العراق ذلك القرار فحولته إلى قانون يدعى قانون رسوم ~~البلديات، وجعلته يشمل في ضرائبه الأهالي جميعا. إلا أن المادة الثالثة من هذا القانون ~~تجيز لمجالس البلديات أن تخفض أو تلغي من جدول الضرائب ما لا يناسب أحوال الأهالي ~~الاقتصادية. # ومع ذلك فقد تعددت أصوات الشكوى والاحتجاج، عندما شرعت الحكومة تنفذ القانون، فتمردت ~~الحلة، وتبعتها بعقوبة في أوائل تموز، ثم أعلنت بغداد الإضراب وأمست مقفلة. # أما المادة الثالثة ms106 من القانون فقلما استرعت النظر. بيد أن بعض البلديات باشرت تحوير جدول ~~الضرائب بموجب هذه المادة. ولكن الشعب لم يكترث، بل أصر على الإضراب الذي أضحى حركة ~~وطنية. # وظل النظام سائدا والسكينة مستتبة في الأيام الخمسة الأول. وبعد ذلك فقد اصطدم الشعب ~~بالشرطة وتضاربوا بضع مرات، واضطرب حبل الأمن في البصرة، وقتل في الناصرية اثنان. ما خلا ~~هذا! فقد ظهرت الحكومة وظهر المضربون في مظهر من الثبات والسكينة يذكر فيشكر. ظلت بغداد ~~مقفلة عشرة أيام، ثم بدت في بعض أمارات السأم والوهن. فأصدرت الحكومة بلاغا ثانيا افتتحته ~~بهذه العبارة: «حيث إن الإلحاح المستمر على بعض الأشخاص، المعروفين بحسن النية والقصد، ~~بلزوم الامتناع عن فتح حوانيتهم، أو مزاولة أشغالهم، قد سبب ضنكا للأهالي إلخ»، وأنذرت ~~بعقوبة الحبس والغرامة كل من يردع أو يحاول أن يردع أحدا عن فتح حانوته أو استئناف عمله، ~~«وكل من ينشر أخبارا كاذبة يقصد بها التدخل بالحرية العامة». # كان الملك فيصل يومئذ في أوروبا ومعه رئيس الوزراء السيد نوري السعيد. فعاد السعيد إلى ~~بغداد في أواسط تموز، عند ما كان الإضراب آخذا بالتلاشي، وأول ما عمله أن استعان بالمادة ~~الثالثة من قانون رسوم البلديات، فألغى بعض الضرائب، وأصدر بلاغا جامعا بين الشدة واللين، ~~فتمكن في خلال ثلاثة أيام من إقناع الناس بلزوم العودة إلى أشغالهم. إنما بقيت البصرة ~~متمردة، فلجأ إلى الحزم، فألقي القبض على بعض زعماء الإضراب، وأبعدوا، فعادت المياه إلى ~~مجاريها. # إن الشعب لم يجن شيئا من الإضراب. فلماذا كان إذن؟ ولماذا لم يستفد المسئولون من المادة ~~الثالثة فيخفضوا الضرائب قبل عودة رئيس الوزارة؟ # كان وزير الداخلية يومئذ من زعماء المعارضة السابقين فتذبذب وفاز بأمنيته فصار وزيرا في ~~الوزارة السعيدية. هو إذن خارج على حزبه، وحق للحزب أن يطلب رأسه - أن يذبحه سياسيا. وكان ~~أمين العاصمة يومئذ من أعداء وزير الداخلية، فساعد المعارضين لينالوا مأربهم منه. فخلا لهم ~~الجو، فتزعموا الإضراب، وكانوا في تنظيمه وتعميمه مفلحين. فطمعوا بغير رأس وزير من ~~الوزراء - طمعوا برأس الحكومة ms107 نفسها. # قال الزعماء للمضربين ببغداد: «إن ثبتم أسبوعا تسقط البلدية. وإن ثبتم عشرة أيام تسقط ~~الوزارة.» # نسي المضربون غرضهم الأول من الإضراب، نسوا مصالحهم التي كانت تتعلق بتخفيض الضرائب. ~~نسوها وصاروا وطنيين ثائرين، يبتغون قلب الحكومة. وكانت المعارضة تغذيهم بالكلمات الحماسية ~~والمناورات السياسية. # وقد أوعزت الحكومة إلى البلديات بذبح الأغنام وبيع لحمها. فرحبت بلدية بغداد بتجارة جديدة ~~كاسبة. وما أدركت شيئا مما دبر لكسبها، ولا أحست به. ذبحت، وما باعت في اليوم الأول، ولا ~~في اليوم الثاني. خفضت الأسعار وما رغب الناس باللحم. فعرضته بأسعار خاسرة، فظل الناس ~~راغبين عنه. # وكان حر تموز يفعل فعله باللحم، فقدمته البلدية مجانا للناس، فما أقبلوا عليه. كأن أهل ~~بغداد أضحوا جميعا من مذهب الهندوس - من المتنحسين. فأشفقت البلدية على الصحة العامة من ~~فساد اللحم، فرمته في نهر دجلة! # إذا ذاك علت أصوات الوطنيين بالهتاف والتحبيذ: خذوا المثل الأعلى في الجهاد الوطني عن ~~المضربين! تشبهوا بهؤلاء المتفانين في حب وطنهم. إنهم بوطنيتهم الصافية، وروحانيتهم ~~العالية، ونزعتهم الشريفة التي حببت إليهم حرمان ما تعودوه، يفوقون حتى أهل الهند. # إن الله أعلم بما كان وراء ذلك الحرمان. وإن المؤلف - لحسن حظ القارئ الطالب الحقيقة - ~~على شيء كذلك من العلم. # فالحقيقة العارية في لحم البلدية هي أن أهل بغداد رفضوا أن يشتروه، أو يقبلوه مجانا؛ لأن ~~رجال المعارضة - وهم يرون حقا كل ما يساعد في مقاومة الحكومة والإنكليز - أشاعوا أنه من ~~ذبح الأرمن! # هو إذن للمسلمين منجس، ولليهود «كاشر». وهل يجرؤ المسيحي - وخصوصا في أيام الإضراب - أن ~~يدنو مما نبذه المسلمون واليهود؟ # إذن، إلى دجلة باللحم! وعاش الوطنيون. وعاش المضربون! وليسقط جان بول الملعون! # وقد قررت الحكومة الكافرة، المذعنة لإرادة الكفار الإنكليز، أن تعفي من الضرائب كل مسلم ~~يسمح لحرمه بالسفور. إلى دجلة بهذه الحكومة! الثبات، الثبات، أيها المضربون. بعد أسبوع تسقط ~~الوزارة، وبعد أسبوعين الملك نفسه يشد للرحيل! ... # سمعت في بغداد هذه القصة: كان أحد القناصل يدعو صديقا له من الوزراء للعشاء ولعب ال ~~«بريدج» في ms108 بيته، وكان الوزير يعتذر دائما. لا وقت لسوء الحظ، الأشغال كثيرة. # ثم سقطت الوزارة واجتمع القنصل بصديقه الوزير السابق فقال له : «إن وقتكم في هذه الأيام ~~يسمح - ولا شك - بسهرة للعب ال «بريدج» في الأقل.» فرفع الوزير يديه مجيبا: «إن الأشغال في ~~هذه الأيام أكثر والله وأهم، فقد دخلنا في حزب المعارضة.» # وهناك غيره ممن يعتقدون أن لذة السياسة بالتنقل. فكيف تستطيع المعارضة وهؤلاء هم رجالها ~~أن تكتم أسرار حزبها، أو تموه حيلها فتخفى على الحكومة؟ ومع ذلك فقد كانت مفزعة للحكومة ~~تروعها وتفسد ظنونها وتدابيرها، فصارت الحكومة تتخيل تلك المفزعة في كل مكان. بيد أن ~~المعارضة كانت دائما متيقظة متأهبة «لتستغل» - كما تقول - المواقف كلها؛ لتشوه سمعة ~~الحكومة، لتعرقل أعمالها، لتفسد خطتها، لتسقط وتسحق رجالها. # إن في موقف الطرفين شيئا من المبالغة والوهم. فالحكومة تبالغ بسوء الظن والخوف، ~~والمعارضة تبالغ بتقدير قواها. لكن مما لا ريب فيه هو أنها تتخذ لأغراضها شتى المسالك ~~والأساليب، القويمة وغير القويمة، الجائزة وغير الجائزة. ومن هذه ما يضحك، وقد أعطيتك ~~مثالا ومنها ما يثير الأشجان، مثال ذلك ما حدث يوم كانت عصبة الأمم تبحث مؤهلات العراق ~~لعضويتها. # كتب أحد الأدباء العراقيين السيد عبد الرزاق الحسني مقالا في مجلة مصرية عن الصابئة. وقد ~~جاء في المقال أن المرأة الصابئية، إذا ما اعتدى رجل عليها، ترضخ له صامتة دون مقاومة أو ~~احتجاج. وكل ما تفعله خلال الاعتداء هو أن تقبض على شيء قربها، حجرا كان أو خشبة أو غير ~~ذلك، مستشهدة بها على ثلم عرضها. هي تهمة فظيعة تثير الحفائظ في أي بلد كان. # فلا عجب إذا ثار ثائر الصابئة في العراق. فقاموا ببغداد يطلبون رأس الحسني عبد الرزاق. ~~فاعتذر عما كتب، ونشر اعتذاره في جريدة محلية. ولكن الأمر مع ذلك ما انتهى. فإن بعض الناس ~~غاروا على شرف الصابئة أكثر من غيرة الصابئة على أنفسهم، فراحوا يحرضونهم على المطالبة ~~بالعقوبة. # غضبت الصابئة غضبة مستجدة شديدة. فجاء ممثلو الطائفة، من العمارة حتى الموصل، إلى بغداد ms109 ~~شاكين غاضبين. جاءوا يطلبون مقابلة الملك فقابلهم وطيب خاطرهم، ثم أحالهم إلى العدلية، ~~وأمر بأن ينظر في قضيتهم سريعا. كان الملك فيصل - رحمه الله - يخترق الأسترة، وكانت ~~الحكومة، كما أسلفت القول، تتخيل المعارضة في كل مكان. فأشير باسترضاء الصابئة. # وما استرضاء هذا الشعب الصغير الهادئ الوادع بالأمر الشاق. ولا استهواؤه واستفزازه، فقد ~~كان بين عاملين، الصفح والشرف. ولعبت في العامل الثاني الأهواء والإغراء، فاعتزم الرؤساء ~~إقامة الدعوى على الكاتب يطلبون الإثبات. فركت العدلية جبينها، وعادت إلى القانون تستشيره، ~~فسرت بما قرأت، وهو أن لا يحق لشعب بأجمعه أن يقيم الدعوى على شخص ما، بل ينبغي على كل فرد ~~من ذلك الشعب أن يقيم الدعوى باسمه منفردا. إذن تقدموا أيها المعمدانيون الأتقياء ... تقدموا ~~جميعا! # إنه لموقف عظيم «للاستغلال»، فإن أربعة أو خمسة آلاف دعوى تقام على كاتب في دولة صغيرة ~~كالعراق؛ ليملأ خبرها الأرض، فتخدم مصلحة الأحزاب المعارضة للحكومة. فهل يفادي الصابئة ~~بوقتهم وبمالهم وبسعادتهم؟ كلا. إذن ليست العدلية مرجعهم. إذن لتنقل القضية إلى الوزارة ~~الداخلية. # أقف بك هنا لأطلعك على كتاب متصرف بغداد إلى وزير الداخلية. وقد كتب في أعلى الكتاب: سري ~~مستعجل. إنك لتدرك بعد اطلاعك عليه أن المتصرف كان يوما من حزب المعارضة، وأنه درس علم ~~اللولبيات القانونية والإدارية على أستاذ ماهر: # إلى وزارة الداخلية # بالإشارة إلى حاشيتيكم ... # لقد أحضرنا رجال الصابئة إلى هذا المقام في يوم الأربعاء المصادف 23 / 3 / 1932 ~~وكلمناهم في عدم وجود أي ممسك قانوني يستلزم مجازاة السيد عبد الرزاق الحسني لحسن ~~نيته في ما كتبه عنهم واعتذاره عن ذلك في جريدة «العراق» ولصدور المجلة في القاهرة، ~~ثم إننا أطلعناهم في يوم الخميس على الكتب التاريخية القديمة التي استند إليها ~~الكاتب في بحثه عنهم، فأمنوا على عدم وجود سوء نية عند الكاتب، وأكدوا لنا أن ما ~~كتبه الأقدمون عنهم لا يتفق والحقيقة. # وأخيرا، اتفقوا على أن يجلبوا كتابهم الخطي المقدس، وأن يترجمه بطارقة الملل ~~الأخرى إلى اللغة العربية في ديوان هذه المتصرفية في يوم ms110 الاثنين 29 الجاري. فإذا ~~ظهر أن ما ذكره الأقدمون صحيح ومطابق لما ورد في هذا الكتاب المقدس فهم يتنازلون عن ~~شكواهم. وإذا ظهر تفاوت بين كتابة الأقدمين وكتابة الحسني، وبين ما جاء في كتابهم ~~المقدس فإنهم يكتفون بتكذيب تصدره هذه المتصرفية وتنشره في مجلة «الهلال» المصرية ~~التي نشر فيها مقال الكاتب. وسنخبركم بما سيتم في هذا الصدد. # هو ذا سياسي عراقي متخرج من المدرسة التركية المكيافيلية. وهل يستطيع أحد أرباب هذه ~~المدرسة أن يخرج من هذا المأزق بأحسن من هذا الأسلوب؟ هاتوا كتابكم الخطي المقدس لتترجمه ~~بطارقة الملل الأخرى إلى اللغة العربية! فإذا جاء رؤساء الصابئة بالكتاب فهل يجيء البطارقة؟ ~~وإذا جاءوا فهل يترجمون؟ وإذا ترجموا فهل يحسنون؟ وإذا أحسنوا فهل يتفقون؟ وإذا اتفقوا فهل ~~يصدق رؤساء الصابئة أنهم أحسنوا الترجمة وتحروا الأمانة فيها؟ # فكر أولئك الرؤساء، ثم رضوا باعتذار الأستاذ الحسني. أما الذين كانوا يأملون أن ~~«يستغلوا» الموقف، فيستخدمون القضية، قضية إحدى الأقليات؛ ليشوهوا سمعة العراق في جنيف، ~~ويحولوا دون دخوله في عصبة الأمم، فقد أخفق مسعاهم. # | قوة المعارضة # كانت الحكومة البريطانية تخبط خبط عشواء. في سياستها العراقية خلال السنوات العشر التي ~~تقدمت المعاهدة الأخيرة. وكانت تزيد بموقفها غموضا وارتباكا، وهي تحاول أن تخفي حيرتها، ~~في ما اتخذته من شتى الخطط والأساليب، حينا متعسفة وحينا متساهلة، لغرضها المنشود. فعقدت ~~المعاهدات، الواحدة بعد الأخرى، وهي تظن أن في كل واحدة منها الحل النهائي للمشاكل ~~البريطانية العراقية كلها. # أما الحكومة العراقية فقد كان موقفها، خلال هذه المدة، موقف المطالب المساوم، فكانت ~~سياستها تارة حزبية وطورا وطنية، حينا سلبية وحينا إيجابية. بل يجوز أن نقول: إن موقفها ~~في الغالب، على اختلاف وزاراتها العشر، كان ضمنا في الأقل موقف المعارضة. فما أذعنت مرة ~~للحكومة البريطانية، في أمر من الأمور الجوهرية، قبل أن أعدت العدة لتجديد المقاومة، وهي ~~تستكشف موقف المعارضة لتنتفع به. وبكلمة أخرى كانت تستعين بخصومها الوطنيين على خصومها ~~الإنكليز. أما في المقاومات الشديدة فقد كان يضطر رئيس الوزارة أن يستعفي، كما ms111 فعل جعفر ~~العسكري مثلا سنة 1927 وعبد المحسن السعدون في سنة 1929. # ولا بد من القول: إن المعارضة - الأصلية - غير الحكومية - كانت على الإجمال تعمل بمعنى ~~اللفظة الحرفي؛ أي إنها كانت تعارض مبدئيا على طول الخط. ولا تزال كذلك في أكثر الأحيان ~~هي إذن قوة سلبية تضعف في المناورات السياسية، والبهرجات الوطنية، وتترزن، فتصلب، فيخشى ~~جانيها في المواقف الوطنية الخطيرة. # ومن ذلك مسلكها القويم الشريف في ثلاث مسائل جوهرية، فقد حاربت الانتداب، ورفضت كل معاهدة ~~عقدت عهد الانتداب، وقاومت كل المحاولات لتأسيس حكومة من المستشارين والموظفين ~~البريطانيين، بانتداب أو بغير انتداب، تنكسف إلى جانبها الحكومة العراقية. في هذه السياسة ~~السلبية كانت المعارضة ذات فضل جم. وقد اشتركت والحكومة بعمل واحد إيجابي، هو السعي لدخول ~~العراق في عصبة الأمم. فإذا حصرنا النظر في هذه الأمور توجب علينا أن نقول: إنها سديدة ~~الخطة، شريفة النزعة، وإنها من هذا القبيل في مستوى واحد والمعارضة في بريطانيا وفي غيرها ~~من الدول الراقية. # بيد أن المعارضة العراقية لا تنظر بالعين الواحدة إلى تطور العراق، ووضعيته الحاضرة. ~~فهناك حزب يسقط من أهمية هذا التطور، وحزب لا يرى فيه شيئا مهما أو نافعا. وما أهمية ~~العضوية في عصبة الأمم، وما الفائدة منها؟ إني أشارك المعارضة في هذا السؤال. ولكني أذكرها ~~أن ما أحد من الحكوميين أو من المعارضين حسب دخول العراق في عصبة الأمم خطوة كبيرة مهمة. ~~وإن كانت كذلك فلكونها خطوة لغرض أكبر وأهم، هو إلغاء الانتداب. # وقد ألغي الانتداب، وحلت محله معاهدة لخمس وعشرين سنة، والمعارضة لا تزال تحتج، ولا تزال ~~تعارض. بل هي تحسب نفسها في بداءة الجهاد مرة ثانية؛ لأنها ترى في معاهدة سنة 1930 شبيها ~~بالانتداب، بل شرا منه. فالذي يقرأ المعاهدة فقط يقول إن المعارضة متعنتة متعسفة. ولكنه ~~بعد أن يقرأ الملحق يرى في موقفها ما يبرر الحذر والخوف. # وثمة ذيل للملحق هو من الأهمية بمكان. قرأت الوثائق الثلاث قراءة المتعلم علما جديدا، ~~فذكرتني بقصة البدوي وجمله. # أضاع بدوي جملة فاستجار بالله ms112 ثم نذر قائلا: إن أرجعت لي جملي، ربي، بعته بدرهم. وبعد ~~أيام وجد البدوي جمله، ففكر في ما قال؛ إذ كيف يبيع جمله، وهو زين الجمال، بدرهم واحد؟ راح ~~إلى الإمام يعرض الأمر ويستشيره. فأطرق الإمام، ثم أزاح عمته ومسح جبينه، وقال: إن الله ~~سبحانه وتعالى يريد خلاصك وخلاص جملك عن يدي، فاسمع، فسمع البدوي مستبشرا، وجاء بهر ~~فربطه بذنب الجمل، ونزل به إلى السوق ينادي: الجمل بدرهم والهر بألف، وبيع الاثنين ~~معا! كما علمه الإمام. فقال الناس مدهوشين معجبين: ما أحسن هذا الجمل، وما أرخصه، لولا ~~ذاك المعلق بذنبه! # إن في ذنب المعاهدة هرين بدل الهر الواحد. وما هما - أي الملحق وذيل الملحق - من بنات فكر ~~عابث ولا هما بدعة من بدع الخيال. إنما هما جزءان كريمان سويان مكملان للمعاهدة، ولا يستحيل ~~تفسيرهما والدفاع عنهما. فالسر فرنسيس همفريس آخر مندوب سام، وأول سفير بريطاني في العراق، ~~هو أحد أبوي المعاهدة، فخليق به الشرح والتفسير. # قال السر فرنسيس يحدث المؤلف: إننا نرحب بالانتقاد العادل وبالمؤازرة، ولا نريد أن نكون ~~دائما مستشارين. بل نرغب بالمشورة والنصيحة لخير العراق وخيرنا، فنحسن السياسة في السنين ~~التي يجب علينا نحن والعراقيين أن نجتازها معا. أما المعارضة فهي مفيدة متى كان رائدها ~~العقل والنزاهة، وغرضها البناء لا التدمير. ولكنها في مقاومة المعاهدة بعيدة على ما يظهر عن ~~الاثنين. خذ القوة الجوية. نحن نريدها في العراق لسببين، الأول هو مساعدة العراق داخلا، في ~~قمع الفتن مثلا، والثاني هو مشاركة العراق في الدفاع عن حدوده. وسنساعده في إنشاء وتنظيم ~~سلاح الطيران، فيصير لديه بعد خمس سنوات قوة جوية عراقية. الهنيدي هي اليوم لنا، وستصبح ~~بعد خمس سنوات للعراق. سنعطيه إياها بخسارة ثلث قيمتها الأصلية. أما الدفاع عن حدود العراق، ~~إذا اعتدي عليه من الجهة الشمالية مثلا، فهو أهم من مساعدتنا له في شئونه الداخلية. وإن ~~وجود القوات البريطانية الجوية في العراق لازم لذلك. فمن أصعب الأمور أن ننقل جيشا بمعداته ~~الكاملة من البصرة إلى داخل البلاد، ثم ms113 إلى الحدود الشمالية. هي طريقة قديمة وبطيئة وكثيرة ~~النفقات. أما، ومركز الطيران موجود، فيمكننا أن نجلب القوات اللازمة للدفاع بوقت قصير - ~~بالطائرات - من مصر أو من لندن . # قلت: وهل القوات الجوية البريطانية في العراق لخير العراق فقط؟ # قال: كلا. الفائدة مشتركة متبادلة. وإلا فما معنى العقد، ما معنى المعاهدة؟ قلت: إن وجود ~~قواتنا الجوية في العراق هو لسببين، فينبغي أن أصحح ذلك. إنما هو لثلاثة أسباب. وما السبب ~~الثالث بأقل أهمية من السببين الآخرين. فالقوات الجوية البريطانية في العراق لازمة لتأمين ~~خط المواصلات الإمبراطورية. # ثم تطرقنا في الحديث إلى ميناء البصرة وسكة الحديد وكان قد أنشأهما البريطانيون خلال ~~الحرب العظمى ثم حولا إلى العراق فقال السر فرنسيس: هي مسألة تجارية، محض تجارية. وقد ~~تساهلنا في التسوية الأخيرة تساهلا يذكر. قبلنا في الميناء ما طلبته المعارضة؛ أي أن يكون ~~ملك الحكومة العراقية مباشرة، وأن يكون الثمن اثنين وسبعين لكل من الروبيات (480 ألف جنيه ~~إنكليزي)، ثم جعلنا الفائدة 6 بالمائة غير مركبة لعشرين سنة. وبمثل هذا التساهل تسوت مسألة ~~سكة الحديد التي أصبحت ملكا لحكومة العراق. أما مجلسا الإدارة لشركة الميناء وشركة السكة، ~~فقد جعلنا كلا منهما مؤلفا من خمسة أعضاء: اثنين عراقيين، واثنين بريطانيين ورئيس تعينه ~~الحكومتان بالاتفاق بينهما. إلا أننا طلبنا، لأسباب عملية تقنية، أن يكون مدير سكة الحديد ~~الحالي - وهو إنكليزي - الرئيس الأول لمدة خمس سنوات. ولكان من العدل - ونحن الدائنون - لو ~~طلبنا أن يكون مدير المجلسين من الإنكليز لمدة الدين كلها. ولكننا تساهلنا، حبا بالاتفاق ~~والتعاون. فيليق بالمعارضة أن تقدر - ولو بعض التقدير - هذا التساهل منا. ولما كنا ~~متساهلين لولا أملنا بمستقبل العراق، وثقتنا بحكومته وأهله. # أما الحكومة، مهما كان لونها الحزبي، فإن ثقة السفير بها مبررة، وأما أهل العراق فهم لا ~~يبالون بما يقوله السفراء والوزراء. فإن أنصتوا فهم لا ينصتون لمن يضعون المعاهدات إنصاتهم ~~لمن يصوغون القوافي. كلا، فإن قصيدة حماسية لتهزهم وتستفزهم أكثر من معاهدة سياسية، جلية ~~في عدلها ومنافعها. # أما العراق فحاله # دون ms114 التقدم حائل # حق له استقلاله # فنريده ونحاول # الكلمات للزهاوي، والصوت صوته، تعالى في تلك الحفلة الافتتاحية في المعرض، فهدر وصلصل، ~~فضج المكان بالهتاف والتصفيق. والشاعر الزهاوي المقعد المسن إنما هو روح متوهجة تستطيع أن ~~تقذف بنارها في صدور الناس، فتهيج وتبهر وتعمي. # إني أذكره وهو جالس على كرسي على منصة الخطابة، أمام آلة الراديو، يتلو قصيدة موضوعها ~~الربيع. ولكن الموضوع مهما كان لا بد أن يتفتح للوطنية العراقية. إن الزهاوي لسيد موضوعه. ~~فعندما وصل في تمجيد ربيعه إلى العراق - ولا تسل كيف وصل - تأججت تلك النار في صدره، فهزته، ~~فنهضت به، فاستوى على رجليه، ورفع إلى السماء رأسه ويديه، وهو يردد بصوته المجلجل: # حق له استقلاله # فنريده ونحاول # فاهتزت الآلة وكادت تقع إلى الأرض. # ثم عاد تدريجا إلى سكينة الربيع وجلاله، وحاول أثناء ذلك أن يجلس، دون أن يدرك أن الكرسي ~~ساعة وقف انزاح من مكانه، فهوى إلى الأرض بضجة مؤلمة، فسارعنا إليه نعينه، فوقف هادئا كأن ~~لم يكن شيء، ثم صاح بأعلى صوته مرددا بيتي القصيد: # أما العراق فحاله # دون التقدم حائل # حق له استقلاله # فنريده ونحاول # ومد «نحاول» فطاولت السماء، فأذكى بها حماسة الناس. # وقد كان لهذا الحادث معناه الرمزي، الذي تمثل بعثرة الشاعر ونهوضه فما خفي عليهم. فإن ~~تعثر العراق وسقط مرارا، وهو «يحاول»، فهو يقف حالا ويمشي، مستمرا في المحاولة. أدرك ~~الشعب ذلك فازدادت ناره تأججا. وقد كان بإمكان الشاعر في تلك الساعة أن يقوده إلى ساحة ~~القتال. هو ذا الشعب هو ذا السواد، هو ذا الجماهير التي تعول عليها الأحزاب السياسية في ~~المعارك الحزبية والوطنية. أفمن العجب أن تفوز المعارضة فوزا باهرا في كل مواقفها؟ # أما موقفها تجاه المعاهدة الأخيرة - موضوعنا الآن - فهو وطيد منيع. وإن لها في الرد على ~~السر فرنسيس همفريس حججا دامغة وآراء سديدة، يصرح بها من حين إلى حين، في المجلس النيابي ~~وخارج المجلس، زعيم المعارضة ياسين الهاشمي. وإني ملخص للقارئ بعضها. # لو وقعت الحرب بين بريطانيا والهند مثلا، أو بينها ms115 وبين تركيا أو إيران، فالعراق ينقاد ~~إليها؛ إذ عليه أن يساعد - عملا بالمادة الرابعة - حليفته بريطانيا، فيقدم لها «في ~~الأراضي العراقية جميع ما في وسعه أن يقدمه من التسهيلات والمساعدات، ومن ذلك استخدام السكك ~~الحديدية والأنهر والمواني والمطارات ووسائل المواصلات كلها»، فيمسي العراق - والحال هذه - ~~ساحة من ساحات الحرب. إذن خير له، وهو بين شرين - أي تقييد وسائل المواصلات، والمشاركة في ~~الحرب خارج البلاد - أن يختار الشر الأصغر، وهو أن يرسل جنوده إلى ساحة القتال وتظل أسباب ~~المواصلات كلها حرة بيده. # أما القوة الجوية البريطانية في أرض العراق، والقوات العسكرية في المطارات الثلاثة ~~«المادة الخامسة» التي يأذن بها - لا بأس بالمجاملة - جلالة ملك العراق «وفقا لأحكام ملحق ~~هذه المعاهدة» لحماية هذه المطارات، فهي - حقيقة وفعلا - احتلال عسكري. كيف لا، ~~والامتيازات التي تتمتع بها القوات البريطانية، في أرض عراقية، تخرجها من حكم العراق، فلا ~~تجري فيها أحكامه المدنية، ويعفى المقيمون فيها من الرسوم الجمركية وغيرها، هذه الامتيازات ~~لا تكاد تكون في غير البلاد المحتلة. فلا معنى إذن للاستدراك الذي تنتهي به هذه المادة؛ إذ ~~تقول: «إن وجود هذه القوات لا يعد بوجه من الوجوه احتلالا، ولا يمس على الإطلاق حقوق ~~سيادة العراق.» # أضف إلى ما تقدم أن الحكومة العراقية يتوجب عليها أن تقوم «بجميع التسهيلات الممكنة لنقل ~~القوات المذكورة وتدريبها وإعانتها»، (البند الثالث من الملحق) فإذا اضطرت الحكومة ~~البريطانية أن تنقل أحد المطارات مثلا من مكان إلى مكان، وما كان لسكة الحديد شعبة تصل ~~المطار الجديد بالخط الأصلي، فعلى حكومة العراق أن تمد تلك الشعبة على نفقتها، وإن كانت غير ~~لازمة لها وغير مفيدة. # وما مطار الهنيدي الذي أشاد بصفقته السر فرنسيس همفريس؟ أيستخدمون الأرض مجانا، وينتفعون ~~بالمطار عشر سنوات، ثم يبيعونه بثلثي القيمة التي أنفقت في تأسيسه، بدل أن يقدموه مجانا ~~للعراق؟ بل يجب أن يقدم بمقابل الأرض التي قدمها العراق لسلاح الجو البريطاني في ~~الحبانية. # وثمة نير في المادة الأخيرة من المعاهدة، هو تجديدها. فلو فرضنا أن المعاهدة لازمة ms116 لمصالح ~~الفريقين المشتركة، فقد لا يرى العراق، بعد خمس وعشرين سنة، لزوم تجديدها. فماذا يفعل إذ ~~ذاك الفريق الثاني؟ # هب أن خط المواصلات البريطانية قائم على الدوام، أو لخمسين سنة أخرى، فيجب أن تدوم أسباب ~~الحماية له، فيكره العراق على تجديد المعاهدة. وبكلمة أخرى إذا بقيت الهند في حوزة ~~الإنكليز بعد خمس وعشرين سنة من تاريخ المعاهدة فعلى «الفريقين الساميين المتعاقدين أن ~~يقوما، بناء على طلب أحدهما، بعقد معاهدة جديدة ينص فيها على الاستمرار، على حفظ وحماية ~~مصالح صاحب الجلالة البريطانية الأساسية في جميع الأحوال». وإذا رفض العراق ذلك، فالمسألة ~~«تعرض على مجلس عصبة الأمم»، وهناك البلية. فماذا عسى أن يكون حظ العراق من أحكام العصبة - ~~ومؤامراتها؟ # أما ميناء البصرة وسكة الحديد فإنهما كابوس ياسين، فقد طالما روعاه وأرقاه منذ تولي ~~وزارة الأشغال سنة 1922 إلى اليوم. إنه حقا بطل الميناء والسكة. فمن من الوزراء ~~العراقيين سعى سعيه ليحرزهما للعراق هبة خالصة لوجه الله. أما وقد حالت الأقدار والسياسة ~~دون الهبة، فإن الفضل الأكبر للهاشمي في تخفيض ثمنهما نحو نصف ما كان يطلبه ~~الإنكليز. # وليس الاعتراض الآن على الثمن وقد تحدد باتفاق الفريقين، ولا على الفائدة غير المركبة ~~لمدة عشرين سنة، والمركبة بعد ذلك، إنما الاعتراض هو على الأغلبية الإنكليزية في إدارة ~~الشركتين. # وهناك شروط أخرى تتعلق بمجلسي إدارة شركة الميناء وشركة سكة الحديد. فللشركة وحدها الحق ~~في استدانة المال للتمديد وللتحسين والترميم، وفي توظيفه في حال الفيض. وعلى الحكومة ~~العراقية أن تعقد والموظفين البريطانيين في سكة الحديد عقودا لثلاث سنوات، ولا تنتهي هذه ~~العقود بغير موافقة الحكومة البريطانية. # هذه هي خلاصة الاتفاق لحل المشكل المالي الذي كان عقدة العقد في جميع المفاوضات ~~والمعاهدات التي جرت في السنوات العشر الأخيرة. ولا يزال هذا الاتفاق نفسه موضوع الخلاف بين ~~الحكومة والمعارضة. بيد أنه يظن أن الحكومة، وهي ترى فيه بعض ما تراه المعارضة من الحيف، ~~ستنتهز الفرصة في المستقبل لتطلب إعادة النظر فيه. # أما الآن فموقف المعارضة، وإن خفت صوت أحد ms117 حزبيها، هو الموقف الأمنع والأعز. وخصوصا في ~~ما أسلفت من اعتراضها على المعاهدة ومما تثيره من الخوف والحذر. # خذ الدين مثلا. فهو في مجموعه مليونان وثلاثمائة وستة عشر ألف جنيه إنكليزي. فلو كان ~~بإمكان العراق أن يدفع هذه القيمة مباشرة لفعل، ولتملك ملكا تاما ميناء البصرة وسكة ~~الحديد. وبكلمة أخرى لأحرز استقلاله. لكن الإنكليز لا يريدون المال دفعة واحدة. فعلى العراق ~~أن يدفع القيمة تباعا، وأن يقبل بأقلية الأصوات في مجلسي إدارة الشركتين، وإن استمر الحال ~~خمسا وعشرين سنة. أولا يجوز أن يحدث في خلال هذه السنين، ما يوجب زيادة الدين وتمديد ~~مدته؟ أولا يجوز أن يحدث ما يحمل الإنكليز على الاستئثار بإدارة المجلسين؟ أولا يجوز أن ~~يحدث؟ ... # ليتك، يا إنكلترا، ما كنت ذات ماض مريب في فلسطين، وفي جنوبي البلاد العربية، وفي مصر! ~~لكان الناس إذ ذاك يثقون بك، ويشكرون الله على بركات التعاون وإياك. ولكن الخوف الأكبر ~~والأشد، الخوف الذي تزدريه اليوم الحكومة، وتستشعره المعارضة، هو أن المجلس الإداري، ~~السائدة فيه كلمة الإنكليز، سيستمر في تحسين ميناء البصرة، وفي تمديد سكة الحديد؛ ليزيد ~~بالدين على العراق، ويوجب عليه تجديد المعاهدة. وبعد ذلك؟ دين كدين مصر - ولا انتداب - ~~ومعاهدة يأبى العراق أن يجددها. فهل يلزم أكثر من ذلك لتتذرع به الحكومة البريطانية في ~~احتلال العراق احتلالا ثانيا - عسكريا - على غرار احتلالها لمصر! # قد يكون في هذا التخوف شيء من الوهم والمبالغة. وقد تزيلهما تدريجا حكومة العراق إذا ~~أحسنت التعيين للأعضاء العراقيين في مجلسي إدارة السكة والميناء. فإذا كان التعيين، كما هو ~~الغالب، سياسيا - أي لإرضاء الأحزاب والملل - فيكون صاحب المعالي صاحب وجاهة وبلاهة، ~~فالأعضاء الإنكليز إذ ذاك يستقلون في العمل - ولا غرو - ويستأثرون. # أما إذا كانت الحكومة تتجرد من الحزبية، فتعين من هم أهل لهذه الوظائف من رجال ~~الاختصاص المجربين المدربين، والمشهورين بنزاهتهم ووطنيتهم، فلا خوف إذ ذاك على العراق. فإن ~~أولي الوطنية والعلم والخبرة ليستطيعون، في مثل هذه المراكز، أن يحفظوا مصالح بلادهم، وأن ~~ينقذوها من الديون الأجنبية. ms118 # بيد أن هناك غير الديون الأجنبية - هناك أعباء غير بريطانية. فمنذ ألغي الانتداب ازدادت ~~تبعات العراق. إن جنيف لجذابة، وإنها لمقيدة. أجل، إن عصبة الأمم تصنع قيودا جديدة، قبل ~~أن تفك القيود القديمة. # لماذا رغبت الحكومة البريطانية مثلا بإلغاء الانتداب؟ الجواب وجيز بسيط. إن المعاملة ~~والعراق مباشرة لخير من المعاملة عن طريق جنيف. وقد كان موقف العراق في هذا الأمر موقف ~~الحكومة البريطانية عينه. إذن علينا أن نتخلص من جنيف. وذلك لا يتم إلا بدخول العراق في ~~عصبة الأمم. لذلك كانت مساعي الحكومة البريطانية مستمرة في هذا السبيل. وهي تعود إلى سنة ~~1924 عندما وقف اللورد بارمور في مجلس العصبة وقال: قريبا يمسي الانتداب غير لازم في ~~العراق وغير مفيد؛ نظرا لتقدم البلاد السريع في الشئون الاقتصادية والسياسية. وقد ردد هذا ~~القول كبار رجال الانتداب أنفسهم، ولا سيما السر فرنسيس همفريس الذي نصر العراق في طلبه ~~وقال إنه جدير أن يدخل العصبة، بعد أن يؤدي الضمانات اللازمة، التي ستجدد في معاهدة تحل ~~محل صك الانتداب. # ولكن ذلك مقيد بحقوق وشروط عصبة الأمم نفسها. فبعد أن بحث مجلسها الأعلى المسألة، وحدد ~~الضمانات والشروط، قدمها للعراق، فقبلها، هي ذي أعباء العراق الأخرى - غير البريطانية. أما ~~أنها أعباء ثقيلة فذلك ظاهر من المذكرتين اللتين قدمهما العراق لعصبة الأمم، قبل دخوله ~~بخمسة أشهر. # وقد ذكرت في الأولى مسألة الأقليات، صواحب العصبة المحبوبات، فأدى العراق من أجلهن ~~ضمانات ثلاث، عامة وخاصة وإضافية: يضمن العراق لكل شعوبه على السواء حقوقهم المدنية ~~والدينية والسياسية. فهم في نظر القانون متساوون، لهم جميعا الحقوق نفسها، وعليهم جميعا ~~الواجبات نفسها. ويضمن للأقليات الدينية والقومية جميع الحقوق التي يتمتع بها الآخرون. ويحق ~~لهذه الأقليات أن تؤسس على نفقتها معاهد خيرية ودينية تختص بها، ومدارس طائفية يتعلم ~~أولادهم فيها بلغاتهم. # وقد زيد في الضمانات للأكراد. فإن لهم الحق أن يعلموا أولادهم في مدارسهم الخاصة ~~بلغتهم الكردية، وأن تكون اللغة الكردية لغة رسمية مثل العربية في الألوية التي هم فيها ~~الأكثرية. # أما المذكرة ms119 الثانية فهي تختص بالأجانب وببعض الامتيازات الدولية. فالعراق يضمن للأجانب ~~حرية الضمير والعبادة، اللهم إلا إذا كانت تخالف الآداب العامة، وتخل بالنظام. ويرحب ~~بالمرسلين من أي دين كانوا ومن أي طائفة . ويمهد سبيل العمل للإرساليات الثقافية والدينية ~~والطبية. ويتعهد أن يعامل رعايا الحكومات التي هي من عصبة الأمم معاملة أكثر الأمم تفضيلا ~~لديه - بشرط أن تعامله بالمثل - لمدة عشر سنوات من تاريخ دخوله العصبة. # إن بعض الامتيازات، كالمدارس الإرسالية والطائفية، قد لا تتفق ومساعي الدولة الفتية في ~~توحيد وتوطيد قوميتها. وهي تعرقل في الأخص مسعاها في سبيل القضية العربية الكبرى. # إذن موقف الوطنيين في هذه المسألة هو موقف سديد وطيد. وهم فيه موفقون، في الحكومة كانوا ~~أو في المعارضة، بزعامة نوري أو بزعامة ياسين. بل قد تكون الحكومة هي السابقة، فتسعى لإلغاء ~~هذه الامتيازات أو بعضها، عاجلا أو آجلا، عملا بسنة التطور، ووفقا لاستقلال العراق ~~ورقيه المستمر. # | عثرات التعليم الوطني # كان للسر آرنلد ولسون، الحاكم المدني بالنيابة في بداءة الاحتلال، آراء سياسية أدى ~~العمل بها إلى الثورة. وكان له في التعليم آراء أقل ما يقال فيها: إنها مثل آرائه ~~السياسية، رجعية استعمارية. فقد جاء في كتابه «تنازع الولاء» أن العراق لا يصير أهلا ~~للحرية «إلا إذا أشرب المبادئ المسيحية.» هي سياسة قديمة ذهبت مع من ذهبوا في الحرب ~~العظمى. ولكن بعض السياسيين والمتدينين، مثل السر آرنلد، ظلوا متمسكين بأذيالها، فقد حاول ~~الحاكم المدني في بداءة الاحتلال أن يحييها ويعززها بوساطة التعليم في مدارس ~~الأقليات. # وما أعجب تلك الأقليات، القومية والدينية، المسيحية وغير المسيحية، التي كان رؤساؤها ~~يحومون حوله، ويزيدون بكربته في ما يدعون ويطلبون. بيد أنه كان يمالئهم ويجاملهم جميعا، من ~~بطارقة النصارى - الكلدان والسريان والآشوريين والأرمن - إلى رؤساء اليزيديين، ومن أغاوات ~~الأكراد إلى المرسلين والمبشرين، المقيمين والزائرين. # لقد أفسحت حكومة الاحتلال المجال للمدارس الطائفية، وعززتها، وأغدقت عليها. بل قد أعطت ~~هذه المدارس، من الامتيازات، فوق المساعدات المالية، ما لم تكن تحلم به عهد الأتراك. فقد ~~كانت إدارتها بيد رؤساء ms120 الطوائف، وكان مديروها في الأغلب من رجال الدين، وكان برنامجها ~~يقرر باتفاق رؤساء الطوائف ومديرية المعارف. # استمرت هذه الحال بضع سنوات، فازدادت المدارس الطائفية، وهي تدعى في العراق المدارس ~~الأهلية، وأمسى عددها مقدار نصف عدد المدارس الرسمية؛ أي مدارس الحكومة. فاضطربت مديرية ~~المعارف، وحارت في أمر تلك المدارس الشاذة في إدارتها، وما اهتدت في بادئ الأمر إلى الخطة ~~اللازمة لإصلاحها. # فكرت مديرية المعارف، ثم تشجعت، فأقدمت على العمل الذي رأت فيه العدل والمساواة؛ وذلك ~~أنها خيرت رؤساء تلك المدارس بين أن تكون مدارسهم إما كمدارس الأقليات، وإما كمدارس ~~الحكومة. فتعامل في الحال الأولى معاملة مدارس الأقليات، وتمنح المنح المالية ذاتها، ~~وتخضع، في الحال الثانية، للقوانين والنظم التي تختص بمدارس الحكومة، دون أن تفقد حق اختيار ~~المعلمين لتعليم الطلبة دين أجدادهم. # قد اختار الرؤساء الحال الثانية، إلا القليل منهم، فاستمروا يطالبون بحقوق مدارسهم ~~المستقلة، واستمروا يحتجون، فآنسوا في بعض المتدينين السياسيين، أمثال السر آرنلد ولسون، ~~التشجيع والمؤازرة، فراحوا يبثون دعواهم في أوروبا، فتجاوبت مجسمة في بعض الصحف هناك. ~~العراق يحرم المسيحيين حقوقهم - العراق يفرض على المدارس المسيحية التعليم الإسلامي! ولكن ~~حكومة العراق قالت لأصدقاء أولئك الرؤساء وأنصارهم الأوروبيين والأميركيين، وأكدت لهم، أنها ~~تمنح أبناء كل طائفة حق إنشاء مدارس طائفية، وتوليهم إدارتها، بشرط أن يقوموا هم بكل ~~نفقاتها. فأبى الرؤساء مكابرين. # استمرت الشكاوى والاحتجاجات تنتشر في الدوائر الدينية والسياسية، فنمت إلى إذن تقية، في ~~الوزارة البريطانية، هي إذن الرئيس نفسه المستر لويد جورج. فاهتم واغتم لمصير تلك الشعوب ~~المسيحية القديمة، وقام يدعو لإنقاذها. أجل، قد دعا حتى أميركا للمؤازرة «في هذه المهمة ~~العظمى التي تفرضها علينا المدنية.» # ولكنه في موقف آخر نسي أولئك المسيحيين ونسي تلك المدنية فعندما صرح المستر أسكويث، ~~زعيم المعارضة يومئذ، برأيه في السياسة الإنكليزية العراقية، ودعا الحكومة للجلاء عن العراق ~~والاحتفاظ بمنطقة البصرة، نهض لويد جورج للدفاع فقال - ماذا قال؟ إن في الموصل أقليات ~~مسيحية يتوجب علينا حمايتها؟ كلا. بل قال في البرلمان: «إن بلاد الموصل غنية ms121 بثروتها ~~الطبيعية - غنية بالنفط.» # أما كلمته المجنحة. الكلمة التي وصلت إلى العراق، فهي تلك التي نطق بها «دفاعا» عن ~~المسيحيين، وعن مهمة التمدن المقدسة. فاعتز بعض المسيحيين، وتضاعفت الاحتجاجات والمكابرات. ~~كيف لا؟ وقد روي عن رئيس إحدى المدارس الأجنبية أنه قال: «لم تعترف حكومتي بحكومة العراق، ~~ولا أنا أعترف بمديرية المعارف العراقية.» # وما خلت مديرية المعارف في تلك الأيام من بعض الإنكليز الأحرار، الذين قاوموا تلك النزعات ~~الطائفية والدينية، وسعوا سعيا مبرورا لتحقيق خطة عصرية وطنية. أما الذي جاهد من الوطنيين ~~الجهاد الأكبر في هذا السبيل، فهو السيد ساطع الحصري، أحد أساطين التعليم في الشرق الأدنى. ~~ولكنه لقي في جهاده من الصعوبات أشدها. # وكانت تظهر غالبا في النزعات السياسية الحزبية التي تحكمت بالمديرية وحتى بالوزارة ~~نفسها. # لقد ولد ساطع في صنعاء اليمن من أبوين سوريين، وتلقى العلوم في الأستانة، وهو منذ ثلاثين ~~سنة يمارس مهنة التعليم، تدريسا وكتابة وإدارة، في تركيا، وفي سوريا، وفي العراق. أما أن ~~في لهجته العربية أثرا من التركية فذلك لا يضير. إن حبه للعرب في قلبه، لا في لسانه. ولا ~~أحد ينكر على ساطع الأخصائي مقدرته، أو على ساطع الرجل فضله. بيد أنه، مثل أكثر الأخصائيين، ~~فيه بعض تزمت، فله في مسلكه خط واحد لا يعدوه، ونظر فيه يبعد ولا يتسع. لذلك ترى سجيته ~~الكبرى في صلابة عوده، وفي حبه للنظام وقيوده. وكفى بالشطر الثاني منها قيدا للرجل العامل، ~~عالما كان أو سياسيا، في هذا الشرق العربي. إنه في الحالين ليلقى شتى الصعوبات ~~والمقاومات. # وقد لقي ساطع منها، وهو مدير المعارف العام، الشيء الكثير، فكان في بعض الأحايين غالبا، ~~وفي أكثرها مغلوبا. ولا عجب، وعوامل العداء لخطته ومبادئه أكثر وأشد من عوامل الولاء، فقد ~~كانت الأولى تتجسم حتى في الوزراء أنفسهم المعينين غالبا لإرضاء فئة من الناس، سياسية أو ~~طائفية، وهم، وإن كانوا من السادة العارفين، غير خبراء في فن التعليم. ومع ذلك قد سلك ساطع ~~المسلك الخشن، بما هو مفطور عليه من شدة الشكيمة، ms122 وقوة الإرادة، فأفلحت - كما قلت - بعض ~~مساعيه، وكثر أعداؤه، فغدا في حال لا تطاق. ألا فالوزير ناقم، والحكومة مغضبة، ورؤساء ~~الأقليات والمدارس الأجنبية غير راضين. استعاذ ساطع منهم بالله، ولبس خوذته الشبيهة بمباديه ~~- لا تتغير - وراح ينشد الحرية. # أما وقد وصلت إلى هذه المرحلة من حياته التعليمية. وفيها مما له أكثر مما عليه، فسأعطي ~~القارئ مثلين من عمله وأسلوبه. ليست المدارس الأجنبية كلها أوروبية وأميركية. بل هناك مدارس ~~إيرانية - وإن قلت - تولد للعراق المشاكل والصعوبات، مثل غيرها من مدارس الأجانب، فقد كان ~~في بغداد مثلا مدرستان إيرانيتان، وكان الطلبة فيهما - وأكثرهم عراقيون - يكرهون على لبس ~~القبعة السوداء الإيرانية. وما القبعة بذاتها شيئا مهما. أما إذا عدت عاملا من عوامل ~~الدعاية الوطنية، فلا يجوز التغاضي عنها. فالمظاهر الوطنية في العراق ينبغي أن تكون عراقية، ~~حتى في المدارس الإيرانية. هذا ما قاله ساطع لنفسه، ولأعوانه، ولرئيسه. على أن التدخل في ~~مثل هذه المسائل يولد مشاكل سياسية، فضلا عن أن الإنكليز - وبينهم وبين الحكومة الإيرانية ~~مجاملات - لا يوافقون. فماذا بعد هذا في استطاعة مدير المعارف العام؟ إن في استطاعته أن ~~يستنجد عقله الخصب، فاستنجده، فجاءه بحيلة، بمباراة. # أنشأ ساطع مدارس عراقية رسمية إلى جانب المدارس الإيرانية، وجعلها أحب إلى التلاميذ ~~بجهازها وبمعداتها. جهزها بلوازم التدريس كافة - بالخرائط الجغرافية، وألواح المحادثات، ~~ومصورات الصحة والزراعة، والكرات الأرضية، وجعل أثاثها كله جديدا. هي ذي الحيلة، بل هو ذا ~~السحر الحلال، فقد سحر ساطع الأولاد بكراته الأرضية، وصوره الزراعية، فصار يزداد عددهم في ~~مدارسه، وينقص في مدارس إيران، ثم كرر العمل في غير بغداد، وأنشأ في البصرة مدرسة للبنات ~~تباري المدرسة الإيرانية، فسحر البنات هناك بما سحر الصبيان في بغداد. # يذكرني الأستاذ ساطع بحيلته هذه بقصة تروى عن ذلك الأميركي المحبوب. والمربي الصالح، ~~الدكتور كرنيليون فان ديك. ركب الدكتور حماره ذات يوم وصعد إلى الجبل، فحياه أحد ~~الفلاحين في الطريق، وسأله: إلى أين؟ فقال الدكتور إنه قادم إلى القرية - قرية الفلاح - ~~ليؤسس فيها مدرستين. فقال الفلاح مدهوشا: ms123 ولماذا مدرستان دفعة واحدة؟ فأجابه ذلك الأميركي ~~الحكيم: «حيث يذهب الدكتور فان ديك يتبعه الجزويت.» # وقد مني ساطع بغير القبعة الإيرانية التي أوحت إليه بالمباراة. مني بأستاذ إيراني ينظم ~~الشعر. كأن روح الأكاسرة جاءت تنتقم لإيران، جاءت تخلق لساطع قضية يقضى بها عليه، فقد سأله ~~ذات يوم وزير المعارف أن يعين هذا الأستاذ الشاعر، معلما في إحدى المدارس. فرفض ساطع ~~الطلب؛ لأن الشاب أجنبي، فقال الوزير: «سيتجنس بالجنسية العراقية.» ثم جاء الشاب يسأل ~~ساطعا كم الراتب؟ ويقول: إن تغيير جنسيته هو أمر خطير. لقد كان التغيير موكولا بالراتب، ~~حسب الظاهر، وكان الراتب محببا إليه التغيير. فصار عراقيا، ثم صار معلما في إحدى ~~مدارس العراق. # ولكن حب بلاده، الرابض في فؤاده، استفاق بعد بضعة أشهر، فهيج فيه القريض، فنظم قصيدة ~~باللغة العربية تبدأ بمديح إيران وتنتهي بهجو العراق وأهله وحكومته. فلا الجنسية، ولا ~~العشرون دينارا، تفسد حب الأوطان. إلا أن قصيدة واحدة تكفي لتسلب الشاعر راحة باله - ~~ووظيفته. # لقد عزل ساطع الشاب من وظيفته، فغضب الوزير وطلب أن يعاد إليها. فأبى ساطع، فأصر صاحب ~~المعالي، ثم رفع القضية إلى جلالة الملك. # ولماذا يزعج الملك بمثل هذا الأمر، وهو من خصائص مدير المعارف؟ سأل ساطع نفسه هذا السؤال ~~ثم، التمس إجازة بالسفر، وهو يقول: لهم أن يفعلوا ما يشاءون في غيابي. وكذلك كان، فقد أعيد ~~الشاب إلى وظيفته لإرضاء صاحب المعالي، وأعفي منها بعد عشرة أيام. # وكان ساطع بعد عودته قد أدرك الحقيقة في حياته التعليمية، وهي أنه قرمية من السنديان، ~~والحكومة تريد عيدانا من القصب أو من الخيزران. فاستعفى ساطع وتعين بعدئذ مديرا لكلية ~~الحقوق. # | مبارزة في علم التعليم # دعت الحكومة العراقية لجنة من الأساتذة الأميركيين المتخصصين بشئون التربية يرئسها ~~الدكتور بول منرو، مدير المعهد الأممي وكلية التربية في جامعة كولمبيا بنيويورك، لدرس شئون ~~المعارف في العراق واقتراح الإصلاحات اللازمة. فجاءت اللجنة، في آخر شباط سنة 1932، وعادت ~~إلى بلادها في آخر نيسان، بعد أن قضت شهرين في ما تسميه «الكشف التعليمي» ms124 فزارت مدارس بغداد ~~وغيرها من المدن، وبعض مدارس القرى والعشائر، فوصلت جنوبا إلى البصرة، وشمالا إلى الموصل، ~~ثم وضعت تقريرا قدمته لوزارة المعارف، بسطت فيه مشاهداتها وآراءها، ثم اقتراحاتها ~~الإصلاحية. # وبما أن الأستاذ ساطع الحصري كان المدير العام في الدور السابق، ومن المسئولين - رسميا ~~- عما آلت إليه أحوال المعارف، نهض للرد على التقرير، فجاء رده في 150 صفحة وقد ختم برسائل ~~منه إلى الأستاذ منرو ومن الأستاذ منرو إليه، لا تخلو من الإشارات المزرية، والكلمات ~~الوجيزة اللاذعة. # هذه هي المبارزة التي استوقفتني، فأغريت بها. قرأت الكتابين، لا كطالب علم من العلوم ~~الاختصاصية، بل كمتفرج تروقه المبارزة بين عقليتين الواحدة غربية والأخرى شرقية، وهو ~~يتمنى الفوز - لا أكتمك ذلك - للثانية. فهل كان ما تمنيت؟ لا، وا أسفاه! ولا كان ما خشيت، ~~فقد نسي فارسي المغوار خصمه غير مرة، فوقف، ورمحه مخفوض؛ ليشرح حال رجل مغبون مجروح. وبكلمة ~~أخرى قد حالت شخصية الفارس العربي دون هدفه، فما كان سيره إليه متصلا، ولا كان طعنه ~~دراكا؛ ليوقع بالخصم ما كنت أتمناه. # أقف ها هنا في المجاز. إن بين العقليتين فرقا ظاهرا أصليا. فالواحدة تثق بمقدرتها، ~~والثانية تتهمك في إثباتها. قد لا تكون العقلية الأميركية أقوى وأمتن، ولكنها أكثر تجربة ~~وتمرنا. إن العقلية العربية في ترجيعها - اسمح بالاستعارة - وفي وقفاتها الشخصية، تفسح ~~لمناظرها مجالا للتبريز. أو أنها تمضي طليقة فتجول جولاتها الواسعة، وهي تهتز وتعتز، فتبعد ~~عن هدفها، أو تضيعه، أو تنسى الخط الأقصر إليه. أما العقلية الأميركية فهي تقف مكانها، ~~ثابتة فيه، قانعة به، مسرورة حتى بحدوده، فتضرب وتناضل بقوة مذخورة، دون أن تجازف بشيء ~~من تلك القوة في الجولات اللامعات. هي لا تعنى بروائع الوثبات ولا تقيم لها وزنا، أو أنها ~~تخشى أن ينكشف ما قد يكون كامنا من سخف في درعها، فتكتفي في النهاية، وهي تبتسم ابتسامة ~~الاطمئنان، بأن تعد طعناتها الصائبة، وأن يحسب فوزها فوزا نسبيا. # تقول اللجنة في مطلع تقريرها إن التعليم في العراق تقدم، في عشر سنوات، تقدما، ms125 يذكر ~~ويدهش، على ما اكتنفه من الأحوال السياسية. وإن هذا التقدم يتجاوز النطاق الخارجي، الآخذ ~~بالتوسع، الشامل في الوقت الحاضر المناطق الكردية واليزيدية، وغيرها من مناطق الأقليات في ~~البلاد. فإن مخصصات المعارف في ميزانية الدولة - وإن كانت لا تزال صغيرة - قد تضاعفت في ~~السنوات العشر الماضية. ولكن النقص في نظام التعليم، ومواطن الضعف فيه، لا تتعلق ~~بالميزانية، في نظر اللجنة، بل هي تقنية وإدارية. وأولها هو «التمركز التام في الإدارة»، ~~ذلك التمركز المقرون بنظام للتفتيش «شديد الصلابة» فيحول دون الخروج «عن الأشكال المقررة». ~~وبكلمة أوضح، إن ما يصلح لمدرسة في بغداد مثلا لا يصلح لمدرسة قروية أو لمدرسة في سوق ~~الشيوخ. # وما الذي دعا أولي الأمر لوضع هذا النظام؟ تقول اللجنة: هم «ادعاؤهم» أن وحدة البلاد ~~القومية لا تتم وتتعزز إلا بتوحيد خطة التعليم. وهذا التوحيد يتوجب التمركز في الإدارة ~~العامة. # أما اللجنة فهي «تناقض هذا الادعاء الرئيسي» وتتطلع إلى قلب الموضوع؛ أي إلى الغرض من ~~التعليم. فإذا كان الغرض منه تحسين معيشة الناس في الأمة جمعاء - وهذا رأي اللجنة - فمن ~~الضرورة أن تشرك السلطات المحلية في نشأة وإدارة المدارس «لتحمل الآهلين على الاهتمام ~~بها، وعلى تقديم المساعدات المالية اللازمة لها.» # ومن الآفات الكبرى أن يعتقد الطلاب أن الغرض الأول من التعليم هو التوظف في الحكومة. فإن ~~هذا الاعتقاد لا يربي في الناشئة وطنية صحيحة. تقول اللجنة: إنها ما رأت ما يستحق الذكر من ~~الوطنية الحقة بين الطلبة والأساتذة. إنما هناك وطنية سلبية تقصر على العداء لكل نفوذ أجنبي ~~في البلاد. # ثم تقول: إنها وجدت الحالة الخلقية في المدارس غير مرضية «الوزارة تعلم ذلك، وقد طردت 37 ~~معلما لسلوكهم المريب»، وإن الحالة الصحية لفي حاجة شديدة إلى الإصلاح، وإن الرياضية ~~البدنية تكاد تكون مفقودة. أضف إلى ذلك آفة في برنامج التعليم، هي تعدد مواضيعه، وأخرى هي ~~الاتكال على الذاكرة، دون عناية تذكر بتدريب قوتي النظر والفهم. # إن في أوضاع سكان العراق حقيقة مخوفة، وهي أن الثلثين بالتقريب من العشائر والقبائل ms126 ~~المقيمة والمنتقلة، والثلث الواحد من الحضر. لذلك يتعقد مشكل التعليم. فالخطة الرسمية ~~القاسية التي لا تلين وتتنوع لتشمل مناطق الريف والعشائر، وتتناسب ومحيطها، هي خطة غير ~~سديدة، هي خطة ناقصة، وقد تضر ضررا جسيما. # ذلك ما تراه اللجنة. وهي تسهب في بحث أحوال المدارس في القرى وفي العشائر، وتستعين بما ~~كتبه في هذا الموضوع الأستاذ فاضل جمالي مرشد المعارف بالأمس، ومدير المعارف العام اليوم. ~~والأستاذ الجمالي شيعي المذهب، عصري الفكر، نيويوركي الثقافة، عربي الروح، الذي عاد من ~~أميركا غانما ظافرا - غانما زوجة فاضلة، وظافرا بالعلم النظري والعملي - قد جعل عشائر ~~العراق موضوع أطروحته لإحراز شهادة الفلسفة من جامعة كولمبيا. هو إذن أخصائي في الموضوع، ~~فلا عجب إذا استعانت اللجنة به. # والاثنان - أي اللجنة والجمالي - متفقان في أن منهج الدراسة الرسمي المتبع في المدن لا ~~يصلح لمدارس القرى، والمتبع في القرى لا يصلح لمدارس العشائر. قالت اللجنة: «على المدرسة أن ~~تتناسب وحاجات الأهالي التي تؤسس بينهم ومن أجلهم.» وعملا بهذا المبدأ اقترحت اقتراحات في ~~الإصلاح سديدة قيمة. # ها هنا ينتهي كل ما هو واضح صحيح محقق في تقرير اللجنة، ويبدأ التذبذب والتعثر وجمجمة ~~الكلام، فقد وصلنا إلى مدارس الأقليات، العنصرية منها والطائفية، وصلنا إلى العقبة الكئود، ~~إلى المشكل المعقد تعقيدا شديدا، إلى المسألة الخطيرة بما يكتنفها من عوامل السياسة ~~والثقافة. فاللجنة تخشى أن يكون حل هذا المشكل غير ممكن في الوقت القصير القريب، وأن يستغرق ~~حله سنين عديدة. # ثم تجيء بتصريحين هما من الأهمية بمكان. أولهما: «أن في تقاليد العرب وتاريخهم ما يثبت ~~تساهلهم وحسن معاملتهم للأقليات العنصرية الدينية.» والثاني: «أن الأقليات العنصرية ~~والطائفية طالما ولدت المشاكل الخصبة بعوامل التفريق والعداء، فسببت التدخل الأجنبي في شئون ~~البلاد؛ لتحقق أغراضها الخصوصية، الدينية، أو الاقتصادية، أو السياسية.» # إذن، العرب متساهلون والأقليات مشاغبون. ولكن اللجنة تكتفي بما تقدم منها، فهي لا تستنتج ~~شيئا، ولا تحكم بشيء. إنما تقول: «لا علاج عند اللجنة تقترحه.» # بيد أنها تثني على الحكومة القائمة على مبدأ التساهل والمساواة في ms127 المساعدات المالية ~~لمدارس الأقليات، وفي إرسال طلاب منها ليكملوا دروسهم في أوروبا وأميركا، ثم تقول بعد ذلك: ~~«لو أذنت الحكومة لتلك المدارس بأن تغير بعض التغيير في برنامج التعليم الرسمي، أو تضيف ~~إليه ما تراه لازما لحفظ تقاليدها، ومتناسبا ومحيطها، لأحسنت عملا، ولكان تساهلها كل ما ~~هو منتظر أو مطلوب.» # هذا الاقتراح تبديه في شيء من التحفظ والحذر، ثم تستجمع شتات الحزم والجرأة لتقول إن ~~برنامج الحكومة مثقل بالمواضيع، وإنه من الخطأ - نظرا وعملا - أن يزاد بثقله. إذن، لا ~~يجوز لمدارس الأقليات أن تضيف شيئا إليه. هي ذي النتيجة المنطقية. ولكن اللجنة ترى أن تخفض ~~الحكومة البرنامج الرسمي - تسقط من مواضيعه - لتمكن الأقليات من إضافة ما تريده إليه! وبعد ~~أن تطلب هذه الامتيازات لمدارس الأقليات تحذر من المحاباة في امتحانات الحكومة، وتنصح ~~بالمساواة في الامتحان والتعيين بين خريجي هذه المدارس والمدارس الرسمية. # بهذه الخطوات البطيئة الخفيفة الوقع تتقدم اللجنة إلى غرضها الأكبر، فتفلت الهر من الكيس، ~~كما يقول الإنكليز. فاسمعي، يا حكومة العراق: «إذا كانت الأقليات أو الإرساليات الأجنبية ~~الدينية - المسيحية طبعا - تريد أن تنشئ مدارس مستقلة، فلا تطلب الامتيازات لا لها ولا ~~لخريجيها، فلسنا نرى ما يوجب رفض طلبها.» # هذه الكلمات تعود بنا إلى الفصل السابق، وفيه رأي السر آرنلد ولسون أن العراق يحتاج إلى ~~خميرة مسيحية، وإلا فهو ليس آهلا للحرية والاستقلال. فاللجنة تتفق والسر آرنلد. إن لم يكن ~~صراحة فضمنا. أجل، إن الأميركيين مثل الإنكليز من هذا القبيل. أو أنهم يجاملون الإنكليز، ~~فقد يكون أعضاء «لجنة الكشف التعليمي» دروينيين أو لا أدريين في بلادهم، ولكنهم - في هذا ~~الشرق - مسيحيون. # أول ما يراه الأستاذ ساطع الحصري في التقرير هو أن معلومات اللجنة ناقصة مشوهة، وأن كشفها ~~سطحي، فجاءت بكثير من الاستنتاجات المخطئة، والأحكام الجائرة، والاقتراحات الفاسدة؛ ولذلك ~~أسباب هي على الإجمال: # الوقت الذي قضته اللجنة في الكشف كان قصيرا. # الجو الرسمي الذي أحاط بها كان مفعما بالتحيز. # الزيارات السريعة، الشبيهة برحلات السياح، لبعض المناطق. # إغفال اللجنة التقارير التي ms128 أصدرتها مديرية المعارف، أو حبس المديرية هذه ~~الوثائق الرسمية عن اللجنة. # فلو أنها اطلعت عليها لما كلفت نفسها النصيحة ولاستغنت عن كثير من الاقتراحات. # يرى ساطع أن في الجو المفعم بالتحيز والتحزب، وفي جهل اللجنة تقارير المعارف، برهانا ~~ساطعا، على أن هناك حملة مدبرة عليه، فقد لفتت أنظار اللجنة إلى أشياء فيها نقص وعوج، ~~وما أشير إشارة إلى النظم والتقارير المعدة لإصلاحها. هي تهمة يثبتها الأستاذ بالوثائق، ~~ويؤيدها بالبراهين، فيضيع في ذلك أكثر ما تستحق من الوقت والاهتمام. إن هذه الناحية من رده ~~تضعف موقفه في المبارزة. هي ناحية شخصية لا ينفع الاسترسال فيها، ولا يضير إهمالها. # لنعدها إذن إلى المسائل الجوهرية. يقول الدكتور منرو: «إن في التعليم طريقتين، الطريقة ~~التي تصنع من الطلاب رجالا للدولة، والطريقة المعروفة بالتعليم الشعبي أو العام. وهذه لا ~~تزال غير معروفة في الشرق.» هي كلمة حق. ولأمن الأستاذ ساطع عليها لو لم يفته - على ما ~~أظن - معناها، فرأى الإسهاب لازما فجاءنا بعشر صفحات ليثبت بالبرهان أن التعليم الشعبي ~~العام كان معروفا في الشرق - في البلاد الإسلامية - قبل أن وصل إلى الغرب بمئات السنين، ثم ~~جاء بمثال مما تبقى من أثره وهو مدارس الملالي؛ أي مدارس المساجد. هذه المدارس الدينية التي ~~يخصها الدكتور منرو ببضعة أسطر من تقريره، يشجبها الأستاذ ساطع بعد الإطناب، ولا يسأل الله ~~لها غير - السلامة. # فهل تريد يا أستاذي العزيز، أن تبدل بخطتك الحديثة في التعليم تلك المدارس الشعبية ~~المثلثة النعم - القرآن واللغة والحديث. لقد أسأت فهم الدكتور منرو، أو إنك بعدت في جولتك ~~العلمية عن هدفه. إن معناه ليظهر لك واضحا جليا إذا ما قابلت بين المدارس الألمانية قبل ~~الحرب مثلا والمدارس الشعبية الأميركية. # وثمة مثل آخر من الجدل غير المفيد. جاء عرضا في تقرير اللجنة ذكر خطة التعليم التركية ~~«التي كانت تحتذي الخطة الفرنسية». فكتب الأستاذ ساطع عشر صفحات ليعلمنا بأن خطة الحكومة ~~العراقية خالية من كل أثر تركي (ويعطينا اثني عشر برهانا على ذلك) وأن فيها شيئا من ms129 ~~الأساليب والمناهج المصرية، وأنها «غير مصبوغة بصبغة لاتينية.» كأنما الصبغة اللاتينية نكبة ~~من النكبات في التعليم. # وها قد وصلنا إلى الجوهري في الموضوع. إن جواب الأستاذ ساطع على ما قاله الدكتور منرو في ~~التمركز الإداري لجواب سديد مفيد. إن التمركز الإداري على نوعين، الأول يتعلق بالمنهاج، ~~والثاني بالأمور الإدارية والمالية. وقد اقتصرت مديرية المعارف على النوع الأول، وسعت لأن ~~تشرك البلديات في الأمور الإدارية والمالية. بل اقترحت قانونا يجيز للبلديات فرض بعض ~~الضرائب على الأهالي؛ لتصرف في تحسين أحوال المدارس. ولكن ذلك الاقتراح لم يعمل به لأسباب ~~سياسية وغير سياسية. # وكذلك أدركت مديرية المعارف، قبل مجيء اللجنة، أن مدارس القرى تختلف عن مدارس العشائر، ~~وأن المنهاج الرسمي بحذافيره لا يصلح لا لهذه ولا لتلك، وباشرت النظر في أمره. أما التمركز ~~الإداري حتى في نظام المعارف ومنهاج التعليم، فما هو بتمركز صلب شديد. فالمهم المهم فيه أن ~~بعض المواضيع الحيوية اللازمة لشعوب العراق كافة على السواء، ينبغي أن تعلم في كل ~~مدارس العراق تعليما واحدا، وينبغي ألا يعلم ما يناقضها أو ما يولد روح التنابذ ~~والتخاذل بين مختلف عناصر الأمة. هو ذا الأمر الذي تذبذبت اللجنة فيه، وجمجمت الكلام، ثم ~~اقترحت الاقتراحات من أجل المدارس الأجنبية والطائفية. فكان موقفها مضطربا متزعزعا، وموقف ~~الأستاذ ساطع وطيد الأركان. # أما مسألة التفتيش فبدل «الصلابة الشديدة» التي يذكرها الدكتور منرو متخوفا «نجد مئات من ~~الوقائع التي تدل على الرخاوة الكثيرة» هذا ما يقوله مدير المعارف السابق. ومن أقام في ~~البيت بضع سنوات هو أدرى بما فيه ممن جال فيه جولة قصيرة. هذه الحقيقة يعززها ساطع ~~بالبرهان. فهو نفسه، لا أحد مفتشيه، رأى في مدرستين، في جوار بغداد - وكانت المسافة بينهما ~~أقل من نصف كيلومتر - أن إحداهما كانت تعمل لأربع سنوات مضت بموجب تقارير وزارة المعارف، ~~والثانية كانت تجهل بتلك التقارير. فأين «الصلابة الشديدة» في التفتيش؟ # وها قد وصلنا في هذه المناظرة، إلى ما قد يكون مشكل التعليم الأكبر في العراق. فالغرض ~~الأول من تأسيس المدارس ms130 في هذا الزمان هو إنشاء أمة عراقية عربية موحدة، وطيدة الأركان، ~~ومشبعة بروح الوطنية التي تتجسد في الأعمال - في الخدمة والبذل - كما تقول اللجنة. # أما الأستاذ ساطع فهو يقول: إن اللجان والمعاهد الأجنبية لا تستطيع أن تساعد العراق في ~~مثل هذه المهمة الوطنية. أما الأقليات فيمكنهم أن يساعدوا، ولا بد من أن يساعدوا، اللهم إذا ~~تركوا وشأنهم، فلا يفسد عليهم الوطنية والحياة المرسل الأجنبي، والمهذب الأجنبي، والسياسي ~~الأجنبي. وإن اقتراحات اللجنة في هذا الأمر تعرقل عوامل التضامن وتعوق التوحيد. # إننا نسلم بوجوب تناسب التعليم مع حاجات الناس، وبوجوب إنشاء المدارس وفق بيئتها، وبوجوب ~~تكييف منهاج التدريس لتلتئم والأحوال المحلية الاجتماعية والاقتصادية. إننا نسلم بكل ذلك. ~~وإننا لذلك نقول لحضرة الأساتذة الأفاضل المشتركين في وضع هذا التقرير: إن في بيئات البلاد ~~سيطرة أجنبية، وإن أحوال البلاد توجب القضاء على هذه السيطرة، وإن أول حاجات الناس، في أي ~~بلد كان، هي أن يكونوا أحرارا مستقلين، وإن هذا المثل الأعلى في الوطنية لا يدرك ما دام ~~الأجانب مسيطرين سياسيا واقتصاديا في البلاد. ونقول كذلك إن مواهب أبناء البلاد وآدابهم ~~- ما دام الوطن في هذه الحال - لا تبلغ الدرجة العليا المنشودة. تلك هي حال البلاد، وحاجات ~~أهلها. وتلك هي طعنة ساطع الأخيرة في سبيل التعليم الوطني. # بعد ذلك يقف المتبارزان ويبتسمان ابتسامة الاعتذار والمجاملة. فإن الأستاذين الفاضلين - ~~صديقي العربي والأميركي - في سوى ما تقدم، متفقان. ولكن الأستاذ ساطعا لا يستطيع، وهو ~~يخاطب اللجنة ورئيسها، أن ينسى خصومه السياسيين ببغداد. وكيف ينساهم؟ وهم الذين أرادوا ~~إذلاله في جلب هذه اللجنة الأجنبية، وهو الأخصائي الوطني في التعليم والتربية، وهو العالم ~~العامل، المجرب المدرب، واسع الاطلاع والخبرة في موضوعه - بشهادة خصمه الأميركي - كيف ~~ينساهم وهم يزدرونه ويحملون حتى الملك على إهماله وهجره؟ أفينتظرون منه بعد كل هذا، أن ~~يقابل اللجنة المحترمة بوجه باسم، وقلب هادئ، وعقل مستكن؟! أبشر هو أم إله؟ لا ورب الكعبة، ~~إنما هو عربي، يغضب ويصول، ويكتب الفصول، في الدفاع عن نفسه وعن علمه. ms131 ولا يلام إذا ما دقق ~~في التشريح، ولا يؤاخذ بالشيء القليل أو الكثير من التعنت. فهو - دام فضلك - أستاذ، وهو ~~أخصائي! # والغريب في هذه الكرامة المجروحة أنها تعدي، فقد سرت منها جرثومة إلى الخصم الكريم، ~~الأستاذ الأميركي الأفضل، الناشئ بين ثلوج العقل، المشرب روح القطب الشمالي. نعم، سرت إليه، ~~فتحللت عقدة النفس المربوطة المضبوطة. فأسمعنا في جوابه الوجيز، تحت صليل سلاحه العلمي ~~والعقلي، همسات قارسة. بل جاءنا، في كلمتين، بقطرتين من حامض الكربونيك. «كنا نتوقع منكم ~~هذا الموقف الانتقادي ... والكثيرون من رجال الحكومة ودوائر المعارف أنذرونا سلفا بمقاومتكم ~~... نعم لقد كان هذا الموقف معلوما قبل أن تطلعوا على التقرر. وذلك ما يخفف من حدة المقاومة، ~~ويذهب بلذعة الانتقاد.» # ثم رد الأستاذ على الرد فكان شاكرا حامدا مبتهجا. وكيف لا يبتهج، ورئيس اللجنة نفسه ~~يعترف بما فيه الدليل على تلك الحملة المدبرة! فإن أولئك الذين أنذروا اللجنة هم زملاء من ~~سعوا لجلبها «للكشف التعليمي». فلا يلام أحد سواهم إذا ما انقلب الكشف عليهم وغدا تكشيفا! ~~بيد أن الأستاذ ينكر أن في ما كتب شيئا من الحقد أو سوء القصد. وهو يؤكد للدكتور منرو أنه ~~ما فكر في انتقاد اللجنة قبل أن قرأ تقريرها. # ثم عاد المتبارزان إلى الابتسام، فقد أحس الدكتور منرو ببعض التعزية في أن ساطع بك لم ~~ينتقد ما وضعته اللجنة من الاقتراحات العامة الأصلية. «وفي ذلك ما يحملني على الأمل أن ~~موقفكم العدائي لن يتصل بجهود الشبان الذين سيعهد إليهم بتنفيذ هذه الاقتراحات. إن هؤلاء ~~الشبان يحملون مثلي في قلوبهم أكبر الاحترام لاختباركم الكثير، واطلاعكم الواسع ... ويعرفون ~~أن ما بذلتموه من الجهد والمقدرة في وضع نظام المعارف الحالي هو أكثر من أية خدمة أقوم أنا ~~بها بوساطة هذا التقرير.» # فأحنى الأستاذ ساطع رأسه دون أن يبتسم لابتسام الأستاذ منرو، ودون أن يقتدي به في ~~المجاملة. فإنه يعرف أولئك الشبان - وهم عراقيون كملوا دروسهم في جامعات أميركية - هو ~~يعرفهم كل المعرفة. «وقد عودتهم على سماع آرائي فيهم بكل صراحة ms132 ... غير أني أعتقد أن أكبر ~~مساعدة معنوية أستطيع أن أسديها إليهم الآن هي السعي لتوسيع أفق ملاحظاتهم فتتعدى الدائرة ~~الضيقة التي هم فيها، ولحملهم على تدقيق الأمور بنظرة محلية تستمد أنوارها مما يجري في جميع ~~بلاد العالم، لا مما يجري في قطر من الأقطار على وجه الانحصار.» # أقف ها هنا والأستاذين الأخصائيين في التعليم وفي المبارزة، واستأذنهما بكلمة أنقلها من ~~التقرير، لأختم بها هذا الفصل. وهي في نظري من أحسن ما جاء فيه، فتحدد التعليم تحديدا ~~ملما مستوفيا، تحديدا شاملا يصح في روسيا أو في الصين، كما يصح في العراق. جاء في ~~التقرير (صفحة 101): # إن مهمة التعليم هي بث العلم الصحيح بين عموم الناس بقدر ما تأذن الأحوال من ~~الاطراد والتوسع؛ لينقذهم من الأمية والفقر والأمراض والخرافات، ويقوي ثقتهم ~~بأنفسهم، وبمستقبل بلادهم، ويزيد في إنتاجهم الاقتصادي والزراعي. وبكلمة أخرى؛ ~~ليضمن العيش الهنيء للشعب، والفلاح للأمة. # إن هذا التحديد لمهنة التعليم هو أحسن ما قرأت، وأحسن ما أختم به هذا الفصل. وإني أحب في ~~آخر الختمة أن أعيد وأمكن هذه الكلمات: «لينقذهم من الأمية والفقر والأمراض ~~والخرافات.» # | في واحات الشعر # ليس في العالم العربي اليوم، لا في العراق ولا في سوريا ومصر، لغة للشعر جديدة بأجمعها - ~~بمعانيها وبمبانيها، بأساليبها وفنونها، بأغراضها ومصادر وحيها. فإنك لا تجد بين الشعراء ~~العراقيين أو السوريين أو المصريين شاعرا من طبقة الشعراء الأوروبيين الحديثين في نطاقهم ~~الرحب، الاجتماعي والوجداني، الطبيعي والروحي - شاعرا مثل إميل فيرهارن البلجيكي، أو وليوم ~~بايتس الأرلندي، أو جان ماسفيلد الإنكليزي، أو روبرت فراست الأميركي. # وكل واحد من هؤلاء الشعراء يختلف عن زميله بالأسلوب الشعري، والأغراض الشعرية، ويتفق ~~وإياهم في الخروج من قديم الأوضاع والمواضيع. هم الأعلام لشعر جديد في أوروبا وأميركا، قد ~~يستغرب عندنا وقد لا يرى فيه القارئ العربي المحب للشعر، المتذوق محاسنه، ما يستسيغه. ~~فالصور فيه جديدة، قليلة الألوان الزاهية، والأوزان قائمة بالإيقاعات التي تقع في أنفسنا ~~وقع الألحان البدوية في أنفس المتحضرين. بيد أن له هناك منزلة عالية، لما ms133 يحتويه من مشاهد ~~الحياة الحديثة ومشاكلها، ولما فيه من الفن الفكري. # وقلما نجد شيئا من هذا في الشعر العربي. قلما نجد شيئا من منازع النفس التي تحررت من ~~قيود التقاليد، ولا تزال مضطربة حائرة، أو من أغراض العقل المكتشف الفتاح، أو من الأهواء ~~البشرية المقرونة بتصوف، أو من الأهداف المادية التي تلحفها سحب الخيال الورع ~~الوديع. # ولكن في الشعر العربي آثارا للتطور ظاهرة، وإن كانت لا تزال مائعة، أو ضئيلة، أو ~~متقلقلة. وما أمر تبلورها وثبات اتجاهها ببعيد. ومما لا ريب فيه أن هذا التطور سيشمل ~~المعاني والمباني، وعندئذ يقرأ المتأدب العربي الشعر الأوروبي الحديث ويستسيغه. عندئذ يدرك ~~الجمال في التصوف المستحدث الذي ينبو عن التقشف، ولا يتدرع بالأوهام، ذلك التصوف القومي ~~مثلا الذي يربط الأمم بأرواح لها ماضية، ويشعل أنوار رموزه في هيكل البعث والتجدد. عندئذ ~~نرحب بالشعراء الأوروبيين والأميركيين كإخوان لنا في غير الأوزان والقوافي. # لقد تقيد الشاعر العربي - وخصوصا في الماضي - بكل ما هو محسوس منظور، وما تقيد في صناعته ~~بغير القواعد والاصطلاحات الشعرية. أما تقييد العقل والتصور بشيء من الاتساق المعنوي، ~~والتجانس الروحي، والاقتصاد في التعبير، والارتداع في مواقف الإطناب، بشيء من الذوق الفني ~~الذي يوجب الوحدة في القصيدة، وضبط القريحة في فيضها، بشيء من التحليل الفكري والنفسي الذي ~~يقي الشاعر هون التعميم والغلو - فكل ذلك مجهول على الإجمال لدى شعرائنا، ونادر الوجود في ~~شعرهم. # وما الشعر العربي الحديث في مجمله غير أصداء لأصوات الشعر الماضية، وأشباح لألوانه ~~وأشكاله. فهاكم القصيدة بوجوهها القديمة كلها - بمحاسنها اللغوية والبيانية، وبمصادر وحيها، ~~وبقوالبها القاسية، وبمواضيعها الأبدية - المديح والرثاء، والغزل والاستجداء. أما في الجيد ~~من هذا الشعر فقد يغلب في هذا الزمان الحماسة الوطنية، والمنازع القومية، والاكتئاب ~~والنحيب. ها هو ذا الشاعر واقفا على الأطلال الجديدة في الأمة، وفي نفسه فيرثيها دامع ~~العين، دامي الفؤاد. وهو يمجد الماضي، ويعدد محاسن الأجداد، فيصوغ القوافي حينا من الماء ~~المالح، وحينا من النار والحديد. هي ذي أمة عربية مصفدة، فلتنقذها. هي ذي أمة ms134 عربية ~~مجزئة، فلنوحدها. هي ذي أمة عربية مستضعفة مستذلة، فلنجعلها قوية عزيزة مستنصرة. # هو الصوت الأعلى لشاعر اليوم، إن كان في القدس أو في بيروت، في بغداد أو في النجف في مكة ~~أو في القاهرة. هو صوت تخنقه العبرات حينا، وحينا يضطرم بنيران الحماسة والفخر، وحينا ~~تتطاير منه شرار النقمة والانتقام. # وإنه ليندر بين الشعراء المبرزين اليوم من يخلو شعره من القصائد الوطنية، ومن تخلو قصيدته ~~الوطنية من قافية هي طعنة للأجنبي البغيض، الأجنبي المفسد للمنازع الوطنية كلها، الأجنبي ~~المستعمر. إن لهذا الشاعر، إن كان من الطبقة الأولى أو العاشرة، صوتا مسموعا في كل مكان، ~~فيهز من النفس أصولها وفروعها، بل يضرم فيها نار الغيرة على أمة مستضعفة، ووطن مستعبد، ~~ويحبب إليها الجهاد في السبيل الأشرف، سبيل الاستقلال والحرية. # أجل، إن صوت الشاعر الوطني لمسموع، وإن قصائده لتستذرف الدموع؛ لأنه يصوغ قوافيه كما ~~صاغها قبله شعراء الجاهلية، ويرسلها في أوزان لها جرسها وروعتها، وما فقدت شيئا من سحرها ~~اللفظي، وجمالها البياني. هو ذا الشيء الذي ألفه البدوي في البادية، كما ألفه ربيب المدن. ~~ولا يزال الاثنان واحدا في تقدير هذه المحاسن الطنانة البراقة، واحدا في الشغف والطرب لدى ~~استماعها، واحدا عندما يكون الموضوع مجد العرب المفقود، ومجدهم المنتظر المنشود. # بيد أن هذه الوطنية الجديدة تضيق وتتسع، وتشع وتصطخب، بحسب محاسن الشاعر العقلية والفنية ~~والذوقية. وهي تسمو في بعض الأحايين، فيصفو جمالها، وتتقد لهجتها، في قصائد شاعر يحفظ ~~التوازن بينها وبين صناعته، أو بين حب الوطن وحب الفن، فلا يرفع الواحد على الآخر، ولا يقدم ~~الزائل على الخالد في الحياة. إن مثل هذا الشاعر ليستطيع التوسع في الوطنية، فتشمل الإنسان ~~في منازعه، والإنسانية في غمراتها. ~~••• # سأتحدث هنا عن أربعة من شعراء العراق تتجاوز منازعهم الشعرية الوطن والإصلاح هم الزهاوي ~~والرصافي والشبيبي والصافي. فالأولان جابت شهرتهما الآفاق، والأخيران لا يزالان ضيقي ~~الشهرة. وأحد الأخيرين يؤثر الإقامة على التجوال، والعزلة على الاجتماع، وفقا لمزاجه، ~~والآخر، وقد رفع الأوتاد، يشد للرحيل، وقد يسبق في ms135 جوب الآفاق زملاءه جميعا. # إن الأربعة لمتفقون في ما يتفكك في نظمهم وخيالهم من قيود التقليد، ومختلفون روحا ~~ومنزعا. ومختلفون كذلك في ما وفقوا إليه من التجديد معنى ومبنى. # لا ريب في أن الزهاوي والرصافي هما اليوم كبيرا شعراء العراق. وقد يختلف الناس في من ~~من الاثنين هو أخلق باسم التفضيل، ولا يخلو الاختيار من الذوق الشخصي والتحيز. إنما ~~الاثنان واحد في الحرية الفكرية، سياسيا واجتماعيا ودينيا. والاثنان واحد في الروح ~~الوطنية التي تتسع لكثير من المنازع الشعرية، التقليدية والعصرية. والاثنان واحد في التحليق ~~وفي الإسفاف. إلا أن الزهاوي يفوق الرصافي على الإجمال في علمه وخياله، والرصافي يبز ~~الزهاوي في الصناعة والديباجة، الزهاوي في حملاته الإصلاحية مدفع رشاش، والرصافي سيف ~~بتار. الزهاوي فيلسوف ينظم الشعر، والرصافي شاعر يهوى الفلسفة. وكفي بهذا من المقارنة ~~والتعميم. ~~••• # جميل صدقي الزهاوي. # جميل صدقي الزهاوي هو في السبعين من سنه الزمنية. وفي العشرين من سنه الشعرية. وهو في ~~المصائب أبوها وخالها. على أن السنين والعرج والدرد، وغيرها من نوائب الحياة، لا تفل من ~~عزيمته، ولا تؤثر على نشاطه، ولا تجرؤ أن تدنو من قلبه وروحه وصوته. فإذا كان لا يستطيع أن ~~يقف كالرمح فإن في نبراته رماحا، وفي نظراته شرارا وفي نبضات قلبه إيقاعا لا يهن ولا ~~يخل. وهو يحسن المجون، فيضحك حتى الجائع في جنازة، ويسترسل في الشجون فيبكي حتى إبليس. له ~~لهجة الأنبياء، وما يصحبها من آيات، ومن آفات. وله في التجديف، لفظ شريف، وفي التهكم، كلمات ~~تبكم. فهو يفتل إلحاد الخيام بشكوك المعري؛ ليصنع منها سوطا لشيطانه، ومطية ~~لبيانه. # إن للزهاوي آثارا شعرية نفيسة. وأنفسها في نظري، وأحقها بطول البقاء، قصيدته، أو ملحمته ~~الصغيرة، «ثورة في الجحيم» فإنه، وإن اقتفى فيها أثر شاعرين، عربي وغربي؛ ليقف في التقليد ~~عن الفكرة الأصلية الأولى في زيارة الجحيم والنعيم. فهو يختلف عن المعري في «رسالة الغفران» ~~وعن دانته في «الكوميديا الإلهية» فيطرق الموضوع من باب جديد، وقد جاءه كمسلم مشكك في ~~إيمانه، وجاء في باللطائف ms136 والطرائف الفكرية والخيالية. # تبدأ القصيدة بوصف الملكين المنكرين، منكر ونكير، وقد زاراه وهو في رقدة بقبره، زيارة ~~استنطاقية. فسألاه عن أمور كثيرة تتعلق بحياته وبدينه يوم كان في الأرض حيا، فجاملهما ~~مجيبا على أسئلتهما بما يجيب المسلم، المؤمن بكل شيء - بالله وبالآخرة، وبالحشر والميزان ~~والحساب، وبالجنة و- الجحيم؟ - كلا. فعندما وصف منكر الجحيم توقف الغريم بالمجاملة، فجهر ~~بما كان في شبابه من إيمان بالنار، ومن شكوك فيها. # ثم آمنت ثم ألحدت حتى # قيل هذا مذبذب ممرور ~~••• # ثم إني في الوقت هذا لخوفي # لست أدري ماذا اعتقادي الأخير # ويشرع بعد ذلك يصف الصراط، ويعجب بدقة صنعه، وبكيفية العبور على شيء هو كغرار السيف، أو ~~كالشعرة. # ثم يسألانه عن الجن، الصالح منهم والطالح، وعن الملائكة الأبرار، وعن الخناس والعفاريت ~~والشياطين، فيجيب بجواب الخائف المذبذب. فهو يرتاب بكل ما لا يدركه العقل: ثم يعود إلى ~~المجاملة فيقول: # لم يكن في الكتاب من خطأ كلا # ولكن قد أخطأ التفسير # فلا يقتنع الملكان. ولكنهما يتساهلان معه ليمعن في كفره. فيحاول أن يغير الموضوع، فيجيء ~~في سلسلة القصة بحلقة ركيكة. وما دخل المرأة بمجلس التفتيش الديني؟ فالشاعر يطيح من ~~الإلهيات إلى النسائيات طيحة واحدة. بل يهبط كالحجر في بئر، يهبط من سماء الملائكة إلى ~~السفور والحجاب! وليس في القصيدة التي تعالج مواضيع الآخرة، الإلهية والشيطانية، مجال لأمور ~~في الحياة زائلة كالحجاب والسفور. بيد أن الشاعر في هذا الموضوع صريح فصيح، لا تذبذب في ~~رأيه ولا مواربة. # ومن قعر بئر الحياة الدنيا يعود فيثب، وثبة واحدة، إلى السماء؛ ليجيب على السؤال عن الله، ~~فيصفه بالمعلوم المألوف من صفاته، وهو من شكه فيه يكاد يخور، ثم يلقي بحجته، وهي أن الإنسان ~~ولد مسيرا لا مخيرا، فإذا كان كذلك في كفره وإيمانه «فإن الجزاء شيء نكير.» # بعد ذلك يفك قيود الخوف والتذبذب، وينطق بما يظنه الحق اليقين، وهو أن الله هو ~~الأثير. # منه هذا الوجود فاض عميما # وإليه بعد البوار يصير # كأني بالزهاوي قد استعار من الهندوس «نرفانتهم» وأسماها الأثير، ms137 ثم يتلو هذا التصريح ~~الجمجمة إذا يرى فوق رأسه الملكين الفظيعين. # ولكل أنف غليظ طويل # هو كالقرن بالنطاح جدير # وفم مهروت يضاهي فم الليث # يريني نابا هي العنقفير # وبأيديهما أفاع غلاظ # تتلوى مخوفة وتدور # فلا عجب إذا جبن الشاعر وارتاع، وفقد حتى لغة الشعر، فنطق بالنثر المنظوم، وراح يستعطف ~~الملكين ويرجوهما أن يتركاه، ولا يزعجاه في قبره. ولكن الاستعطاف لم يجده نفعا، فنفخ وهاج، ~~ووقف أمام الملكين وقف السائل الحانق، لا المسئول المرتعب. # ولماذا لم تسألا عن جهادي # في سبيل الحقوق وهو شهير # ولماذا لم تسألا عن ذيادي # عن بلادي أيام عز النصير # ولماذا لم تسألا عن مساعي # لأبطال الشر وهو خطير # ولماذا لم يسألاه عن وفائه وصدقه، وعن دفاعه عن المرأة؟ ولماذا لم يسألاه عما نظم من ~~الشعر وهو سلم المعالي كلها؟ # أسكوت عن كل ما هو حق # وسؤال عن كل ما هو زور؟ # ولكن المنكرين لا يهمها من ذلك شيء، فقد جاءا يستنطقان الميت في دينه وما إليه من عقائد ~~وفرائض. وهذه هي وظيفتهما. فاستأنفا الاستنطاق، وقد وصلا فيه، إلى جبل القاف. وماذا تقول يا ~~كافر، في يأجوج ومأجوج؟ - أقول: العقل خير مشير. العقل - فيصيح به المنكران، إنك لرجس كافر، ~~فيلين مستعطفا، فيزدادان غلاظة، فيحاول أن يئول ما جهر به ويلطف من لهجته. بل هو يعترف أنه ~~مؤمن. ولكن الإيمان بعد الكفر لا يفيد. قضي الأمر. حمت ساعة العذاب. فهوت المقامع على ~~ظهره وبطنه، فأجرت من جسمه الدم، ومن عينه الدموع. # ثم صبا بقسوة فوق رأسي # قطرانا لسوء حظي يفور # فشوي رأسي ثم وجهي حتى # بان مثل المجدور فيه بثور # في هذين البيتين من ركاكة النظم مثلان، الأول «لسوء حظي» فهي من مألوف النثر والثاني «فيه ~~بثور» فالبثور في الوجه المجدور لا تحتاج إلى إفصاح، لست أشك في أن الشاعر نفسه يدرك ذلك؛ ~~ولكن خياله يسبق فكره وصناعته في بعض الأحايين، فيكتدهما مبتذلا ليلحقا به. # هذه ملاحظة عابرة، فما أشرت إليه هو غير قليل في القصيدة. لنواصل الآن ms138 القصة. فبعد أن يصب ~~المنكران، فوق رأس الشاعر القطران، يوثقانه بحبل، ويطيران به إلى الجنة؛ ليشفعا عذاب الجسد ~~بعذاب الروح. فيرى الجنان بعينه، ويشتهي جرعة من ماء الكوثر، ويتألم في حرمانه. # أما وصفه للجنة فلا يختلف عما جاء في القرآن، وهو على إطنابه لا يتوفق إلى غير المضحك من ~~الخيال. إن جنة الزهاوي لكمصيف من المصايف، فيها، مع الحور والولدان، كل لذيذ من مأكول ~~ومشروب ومشموم. # فإذا اشتهيت طيرا هوى من # غصنه مشويا، وجاء يزور # وإذا رمت أن يحول لك التين # دجاجا أتى إليك يطير # أما هو فمحروم. هو زائر للعذاب لا للذة. # ولقد رمت شربة من نمير # فتيممته ففر النمير # فود لو عاد الملكان به إلى القبر، وأنزلاه إلى الجحيم. وما كان غير ذلك، فقد شدا ~~وثاقه، وأخرجاه من الجنة، وهبطا به إلى أودية النار وأغوارها. # ووصفه للجحيم، ليس فيه شيء جديد، اللهم إذا استثنينا من يشاهد في النار، وأولهم ليلى ~~معشوقة سمير وعروس شعره. ليلى، وما ذنبها وذنب حبيبها إلا أنهما جهلا الجحيم، فعملا عملا ~~أوجب عليهما هذه الزيارة. ولكنهما مفترقان، كل منهما في هوة. وهذا هو العذاب الأكبر، فقد ~~رأى الشاعر الفتاة المسكينة. # فوق جمر يشوي ونار تلظى # وأفاع في نابهن شرور # وهي تبكي، لا من اللظى والسعير، بل من فراق الحبيب. # ولو أنا كنا جميعا لخف # الخطب في قربه وهان السعير # وقد أبصر الزهاوي بين الشعراء الفرزدق والأخطل وجريرا، فسألهم عن حالهم، فقالوا: إن ~~الهجاء سبب بلائهم، ثم بان له بشار وأبو النواس، ثم المعري الذي حياه، ثم امرؤ القيس وهو لا ~~يزال يتصدر المجلس و«للملوك الصدور». # وقد سمع الخيام ينشد من شعره في مديح بنت الكرمة فيقول: # واصليني بالله أيتها الخمرة # إني امروء إليك فقير # أنت لو كنت في الجحيم بجنبي # لم ترعني نار ولا زمهرير # وبعد الشعراء يشاهد العلماء والفلاسفة، وفي مقدمتهم سقراط وهو يلقي خطبة: # وإلى جنبه على النار أفلاطون # يصغي كأنه مسرور # فيشرح سقراط منشأ النار، وهو أثبت القوم جأشا، ثم يقول: ms139 # سوف يقضي فينا التطور أن # نقوى عليها وأن تهون الأمور # ويرى كذلك منصور الحلاج، ويسمعه يخاطب الله ويعاتبه: # إنك الواحد الذي أنا منه # في حياتي شرارة تستطير # وبه لي بعد الظهور خفاء # وله بي بعد الخفاء ظهور # لم شئت العذاب لي ولماذا # لم تجرني منه وأنت المجير؟ # فلا يستغرب بعد هذا أن يقوم من بين هؤلاء العلماء والفلاسفة من يخترع آلة تطفئ السعير، ~~وأن تستخدم هذه الآلة في الثورة على أولياء الأمر في الجحيم. وكان الشباب أول النافخين في ~~أبواق الثورة، المحرضين عليها، الرافعين أعلامها، فقد قام فيهم الخطباء يحملون على الظلم ~~والظالمين ويدعون للجهاد: # قاوموا القوة التي غشمت # بالمثل والدهر للقوي ظهير # أنتم اليوم الأكثرون وأما # عدد الحارسين فهو صغير # هاج الناس في الجحيم وماجوا، فراحوا ينشدون الأناشيد، ويعدون العدة للقتال. وكان أن ~~استوقفهم أبو العلاء المعري، فخطب فيهم، فزادهم هياجا واستبسالا. # المعري ~~: # غصبوا حقكم فيا قوم ثوروا # إن غصب الحقوق ظلم كبير # الجمهور ~~: # غصبوا حقنا ولم ينصفونا # إنما نحن للحقوق نثور # المعري ~~: # لكم الأكواخ المشيدة بالنا # ر وللبله في الجنان القصور # الجمهور ~~: # غصبوا حقنا ولم ينصفونا # إنما نحن للحقوق نثور # قامت الحرب. والتحم الفريقان زبانية النار وأهلها في القتال، وجاءت الشياطين تنجد أهل ~~الجحيم، فاستنجد الزبانية بالعرش الإلهي، فأنجدهم بجيش من الملائكة يقوده عزرائيل. وتلاقي ~~الجيشان، في ضواحي الجحيم البركانية، وترامى المتقاتلون بالصواعق والبروق، وتحاربوا برماح ~~تذوب في نارها الصخور، وببحار ماؤها مسعور، وبالجبال والبراكين، فانهزم الملائكة والزبانية، ~~وتم النصر لأهل الجحيم وحلفائهم الشياطين. # هذه هي خلاصة القصيدة، وفيها الجيد والوسط والرديء من الشعر، وفيها من الحسنات الشعرية، ~~الخيالية والبيانية، ومن الإبداع الفكري، الفلسفي والاجتماعي، ما يشفع بسيئاتها ~~الفنية. # وإنه ليتبين لك أن جحيم الشاعر العربي يختلف عن جحيم الشاعر الإيطالي في سكانه، فقد شاهد ~~دانته في النار أعداءه السياسيين، وفيهم القتلة والزناة واللصوص، وما شاهد الزهاوي غير ~~الذين أنكروا الجحيم، ولم يؤمنوا بالآخرة، وأكثرهم من العلماء والشعراء والفلاسفة - أي من ~~أصحاب النبوغ، ومحبي الحقيقة والجمال. # هذه هي ms140 الفكرة المبتذلة التي أوحت إلى الزهاوي فكرة غير مبتذلة. ولكنه في تبيانها ما نجا ~~من الإسفاف. فجاء وصفه للنعيم وللجحيم وصفا تقليديا، صورة دكناء، واستعاراته بائخة. وجاء ~~التكرار في قوافيه، والنثر في كثير من صيغه. فلو أنه في تقسيمه القصيدة جعل كل قسم منها ~~قصيدة قائمة بذاتها، يصلها حبل القصة بأخواتها، دون أن يتقيد الشاعر بالبحر الواحد، ~~والقافية الواحدة، في أبياتها الأربعمائة والثلاثين؛ لأنقذها على ما أظن من آفات التكرار، ~~ومن التبذل والإسفاف. # وهناك حلقة ظهرت في سلسلة الرواية كوميض البرق واختفت. وهي في نظري من أهم حلقاتها؛ لأنها ~~جديدة فذة. أعني بها اختراع الآلة لإطفاء نار الجحيم. فإنك لتقف عندها معجبا بابتكار ~~الشاعر، ومتوقعا أن يكون لاختراعه الأثر الأكبر في انتصار الثورة. # ولكن الشاعر نسي اختراعه على ما يظهر، فجاءت حربه في الجحيم كسائر الحروب، إلا أن السلاح ~~فيها جبال من نار وبحور وبراكين. # عندما قرأت هذه القصيدة للمرة الأولى علقت في ذهني فكرة لست أدري كيف نشأت؟ إلا أن تكون ~~النتيجة لإحساس طبيعي معقول، فختمت بالكلمات التالية ما كتبته عنها (باللغة ~~الإنكليزية). # قلت في آلة الإطفاء: «إنه لاختراع عجيب، تسلح به أهل الجحيم على نيرانه، فاستحالت رمادا، ~~الجبال منها والبراكين، والأودية والأنهار. وكان المدافعون عن الجحيم، وهم محرومون هذا ~~السلاح، يقعون بالمئات، لا بل بالألوف، كعمد من الرمال تذريها ريح السموم. وكان رب ~~السماوات يراقب من علياه تلك المعركة، فأشفق على جحيمه، وهو جزء مكمل لكونه، من الزوال، ~~وعلى زبانيته من الاضمحلال. وكأنه سمع رئيس الزبانية يصيح: النجدة، النجدة! فأنجده، سبحانه ~~وتعالى، بجيش من الملائكة الصناديد. ~~«ولكن أهل النار الثائرين كانوا يحملون الآلات الإطفائية، فيقتحمون بها النيران، فتنطفئ ~~في الحال، فيغيرون على العدو من خلال دخانها، وفوق رمادها، ويقتلونهم بالمئات والألوف. حتى ~~إنهم كادوا يأسرون أمير الظلمات نفسه، فلاذ إلى العلم الأبيض، ولوح به يطلب السلم، ثم أمر ~~جيش الملائكة المهزوم بأن يقف في تقهقره، ودارت المفاوضات بينه وبين الثوار، فقبل بشروطهم. ~~بيد أنهم كملوا إطفاء نيران الجحيم ms141 فأمست قفرا يبابا. وركب كل واحد منهم بين جناحي أحد ~~الملائكة، وصعدوا جميعا طائرين إلى الجنة؛ كذلك يقول الشاعر. فلا جحيم بعد هذه الثورة في ~~الجحيم!» # فهل أنا مخطئ في هذا التحوير للقسم الأخير من القصيدة، أو فما كان ينبغي للشاعر أن ~~يختمها؛ كذلك؟ وإلا فما معنى الاختراع إذا كان لا ينتفع به؟ # أما روح الشاعر، تلك الروح التي تتجلى في القصيدة، فهي تشعل على شواطئ الشك والتهكم ~~أنوار العقل والعدل والحب الإنساني. وهي في ما لا يدركه العقل، ولا يستقيم عنده ميزان ~~العدل، تعتصم بالحب الذي يجعل كل ما يلمس عدلا وجمالا، إن كان في حياتنا الدنيا أو في ~~الآخرة. # معروف الرصافي. # أحب صراحتي قولا وفعلا # وأكره أن أميل إلى الرياء # فما خادعت من أحد بأمر # ولا أضمرت حسوا في ارتواء # ولست من الذين يرون خيرا # بإبقاء الحقيقة في الخفاء # هو ذا معروف الرصافي في شعره، وفي نثره، وفي مجلسه. فالحقيقة، كيفما تراءت له، أحسناء ~~فتانة كانت أم عجوزا درداء، هي هي محبوبته المعشوقة على الدوام. ولكن للمعشوقات ألوانا ~~وأشكالا، وللرصافي في حبهن جميعا جميل الأقوال والأفعال. أما تذبذبه في بعض الأحايين بين ~~حقيقة وأخرى؛ فذلك لأن للفضيلة أخوات يسكن في شارع التهتك، ولحب الوطن إخوان يكرهون ~~الإقامة في شوارع الكلام، فقد نظم في قديم الزمان قصيدة في الأخلاق لا يزال مطلعها يرن في ~~الآذان، ويروى في كل مكان. # هي الأخلاق تنبت كالنبات # إذا سقيت بماء المكرمات # ما عرفت أمة تحسن رواية الأشعار ولا تكترث مثل الأمة العربية. فهي تروي الحكم نثرا ~~ونظما وتمضي في سبيلها. # أعود إلى الرصافي فأقول إن شهرته لا تقوم بحب الفضيلة، وليس حب الوطن من أساطين بيتها. ~~إنما الاثنان من الحجارة والتراب في أساس البيت، وللأساس قيمته في البناء. # إذا لم يكن معروف بدوي المولد فهو بدوي الإرث. إني أذكر اجتماعنا الأول سنة 1910، يوم ~~كان يلبس العباءة والعقال، ويلقي الشعر بلهجة بدوية ساحرة. # ثم سافر إلى الأستانة، ولبس هناك الجبة والعمامة، وانضم إلى الأتراك ms142 في نهضتهم المدمرة، ~~فحمل اللواء والمصحف ليلة ونهارا ثم وثب وثبة واحدة من المسجد إلى الحانة. خلع معروف ~~العمامة والجبة، وكل ما ترمزان إليه، وجعل المقاهي محط رحاله، فنظم من الشعر ما يفصح عن ~~الحقيقة الجديدة في حياته. هي حقيقة التحضر وظلالها. # وبعد ذلك يمم فلسطين، وفقد في بيت المقدس ما بقي في صدره من إيمان، ثم ولى وجهه شطر ~~سوريا، وهو المفلس في عقائده الاجتماعية والسياسية والدينية، فوجد في البلاد من التهذيب ~~والخنوع ما لم يرقه كثيرا، فعاد إلى العراق. # وإني لأذكر اجتماعنا الثاني سنة 1922، يوم كان في العراق حاملا لواء الوطنية وسيفها، ~~فيخرج من «خانه» غائرا على رجال الانتداب ونسوته، ويعود موفقا إلا بالغنائم. وما الفائدة ~~من مثل هذه الغزوات؟ وكيف، وهو البدوي المجرب، لا يحسن الانتفاع بسيفه وبندقيته؟ إنه لفاعل، ~~وإنه لصائر من السياسيين، وإنه لصاعد في سلم السياسة إلى أعلاه. # أجل، لقد كان معروف، يوم اجتماعنا الثالث في سنة 1932 - هنيئا لمن يتاح له الاجتماع ~~بصديقه الشاعر ولو مرة واحدة في كل عشر سنوات! - قد كان معروف عضوا في مجلس النواب ببغداد ~~وعاد في قيافته إلى العباءة والعقال! # معروف الرصافي الأعرابي في مجلس النواب! لا يزال هذا الشرق مهد الأعاجيب. وقد سمعت صديقي ~~معروفا يدافع عن الحكومة في قضية تتعلق بإبعاد بعض الصحافيين المتطرفين في صدقهم، فيذكر ~~النسبية كمبدأ عام في الحياة، ويحاول أن يبين ما له من صلة بحرية الصحافة. ما أظن أن أحدا ~~من النواب أدرك معناه، أو فهم شيئا مما قال. ولكن صوته العريض الأجش فعل فيهم فعل البيان، ~~وما أراد منه، وهو أن المبعدين استحقوا الإبعاد جزاء ما فعلت أقلامهم ... # ولكن السياسة لا تغير ما بنفسه وبأدبه من الإرث البدوي، وأظهر ما فيه السذاجة، والصراحة، ~~والجرأة، وعدم المبالاة. فهو يعيش ليومه مستسلما مستهترا، وقلما يكترث لما تبدو وتجن له ~~الأيام. ولا غيرت الأيام والتجارب شيئا من طبعه هذا، فهو اليوم في ما ذكرت من سجاياه، كما ~~كان منذ خمس وعشرين سنة. # وهو ms143 الشاعر الرقيق الشعور، على بداوة طبعه، واسع الخيال سهل الأسلوب والعبارة، لا تعمل ~~في بيانه، ولا اجتهاد في صناعته. وإنه في إدراكه المحاسن الشعرية، شديد الحس لما يتراجع ~~ويتشبح من ألفاظها وأشكالها . ولكنه في الغالب يؤثر الظاهر على الخفي من الجمال البشري ~~الطبيعي. # وهو في الوصف لما يراه، إذا ما صفا الذهن منه، وطربت النفس، بليغ العبارة، واضح البيان. ~~أعطيك مثلين من قصيدتين له «جسر مود» و«على البسفور» قال في محاسن دجلة: # ولقد وقفت بجسر مود عشية # والبدر في أفق العلى يتلألأ # وجبين دجلة قد صفا متألقا # فحكى السماء محاسنا وجمالا # فحسبت نفسي في السماء مشاهدا # تحتي بدجلة للسماء مثالا # وقال في وصف الأمواج، وقد عصفت الريح فوق البوسفور: # وفي البحر تجري موجة إثر موجة # كجري طموح الخيل إذ يتوقص # ويزيد أعلى الموج حتى كأنه # هضاب إلى أطرافها الثلج يخلص # كأن رياح الجو عند هبوبها # تغني وهذا الموج في البحر يرقص # وإن لشاعرية الرصافي نواحي متعددة، منها الناحية الفلسفية التي لا تقل في المحاسن عن ~~سواها. وله نثر هو كشعره في السلاسة والصفاوة والذوق السليم، فقد كتب كتابا فريدا في بابه ~~باللغة العربية هو سيرة النبي، أطلعني عليه مخطوطا بيده، في سبعة دفاتر مدرسية. ما أدهشني ~~ما في هذا الكتاب من العلم والتحقيق؛ لأن مصادر الموضوع متوافرة لمن يشاء معالجته، ويحسن ~~البحث والموازنة، إنما أدهشتني القوة النافذة، والمقدرة على التحليل والاستخراج، والتفلسف ~~في عقائد لا تستقيم بغير الإيمان والجرأة والصراحة. # وإنه في بابين من ديوانه؛ أي في «الكونيات» و«الفلسفيات» ليثبت ما هو ظاهر وكامن من محاسن ~~أدبه في الكتاب المذكور، الذي ينتظر النشور. فالرصافي في شعره الفلسفي هو كالزهاوي، ~~والاثنان يستمدان من ينبوع واحد، ينبوع المعري. إلا أن زمانهما غير زمان أبي العلاء. فلا ~~عجب إذا فاقاه أحيانا في التصور والتفكير. وإن الرصافي، وإن هزهزه الشك واستحوذ عليه ~~التشاؤم في بعض الأحايين؛ ليرفع دائما أعلام الحرية والعقل والإخاء الإنساني فوق رواسي ~~المذاهب البشرية كلها. فهو في دينه الفيلسوف العلي الإنساني. ms144 # أما في حبه فهو الشاعر العاطفي المشغوف بالجمال على أنواعه - الجمال الطبيعي، والجمال ~~الفني، وجمال المرأة الفائق كل جمال. إنه ليشاهد التجسد الإلهي في المرأة، وفي الطبيعة. ~~وإنه ليقف أمام هذا التجسد متورعا متضعا متعبدا. # حدثني ذات ليلة قال: «المرأة بهجة الوجود، وريحانة الحياة، وما الحجاب وما السفور ساعة ~~تدنو منك؟ فإن جسمها لينطق حبا، ويشع حبا، ويتضوع حبا، سافرة كانت أو محجبة. نسمع ~~الكتاب في هذا الزمان ينادون بالسفور. وهل يسفر الرجل، يا أمين؟ أليس كل منا محجبا - ~~لابسا القناع؟ كل واحد من الناس هو سر من الأسرار للناس. لينزع الرجل القناع، وليطالب بعد ~~ذلك بسفور المرأة ...» # وما قصر الرصافي بالمطالبة. ولا قصر في ميدان الدفاع عن حقوق المرأة. يكفيه من ذلك ~~قصيدته المشهورة «التربية والأمهات» التي أسلفت الإشارة إليها. وإنك لتجد في باب ~~«النسائيات» من ديوانه القوافي الرائعة في مناصرة المرأة وتحريرها، والهجوم المروع على ~~أولئك الذين يرومون إبقائها في قيود الجهل وفي ظلمات الحجاب والعبودية ... # وقالوا الجاهلات أعف نفسا # عن الفحشا من المتعلمات # لقد كذبوا على الإسلام كذبا # تزول الشم منه مزلزلات # قلت إن المرأة كما يراها الشاعر، هي المثل الأعلى في الجمال البشري والطبيعي. وإن للرصافي ~~قصائد عدة في وصف محاسنها. ولكني ما قرأت في شعره أجمل من قصة يقصها، فقد روى لي تلك الليلة ~~خبر حظوته للمرة الأولى بمشاهدة سيدة أوروبية. فقال: كنت لا أزال بدويا ما شاهد من النساء ~~غير العجائز وبائعات اللبن، والبائسات والشاحبات والمشوهات، وقد ثقب الجدري، أو عصفر ~~المرض، وجوههن. وفي ذات يوم رحت وصديقا لي إلى المقهى، إلى كهف قاتم يليق بأمثالنا وقبل أن ~~انتحينا مكانا هناك وقفت في الباب سيدة إنكليزية. سيدة جميلة بيضاء هيفاء، تلبس قبعة ~~زانها الريش، وتحمل مظلة. دخلت هذه السيدة المقهى، ومشت الهوينا بين الدواوين الخشبية ~~المكسرة، تجيل نظرها بالمكان ومرتاديه. كنت واقفا إلى جانب الطاولة التي جلس إليها رفيقي، ~~فأحسست ببهجة تجلببني وتملأ قلبي. وأحسست كأني سمرت في مكاني. # ما كان في حياتي من ms145 نعمة ربي، يا أمين، مثل هذه النعمة. للمرة الأولى في حياتي أشاهد ~~امرأة حسناء بيضاء هيفاء، فقد عقل الابتهاج لساني والله! فأصبحت كالطفل ينظر إلى دمية ~~تمشي. وعندما دنت هذه الدمية من مكاننا، زررت جبتي، ورفعت يدي إلى صدري، وطأطأت الرأس ~~مبتسما. فابتسمت هي كذلك يا أمين. فانحنيت مرة ثانية، فأحنت هي رأسها وكانت في تحيتها ~~الصامتة مثال اللطف والكرم. # ما توقعت ذلك منها، لا والله! بل كنت أظن أنها ستوبخني؛ لتعرضي لها بنظرة وابتسامة، ولكن ~~الشاعر الأكبر يا أمين، ينظم قصائده، لا كما ننظم نحن الشعراء الصغار، بل كما ينظم من له ~~مائة عين نقادة، فتجيء القصيدة كاملة في كل محاسنها. وتلك الحسناء البيضاء من غرر قصائده، ~~وكأنه، سبحانه وتعالى، كان يتلوها علي للمرة الأولى في ذاك اليوم، فقد سمعت والله جمالها ~~يغني، ورأيت والله جمالها يزهو ويرقص أمامي. ولكني سألت نفسي عندما خرجت من المقهى، هل اليد ~~التي صنعتها صنعتني أنا كذلك؟ هو أمر يحيرني. وساعة أكون في حال اليقين منه - أو في الحال ~~كما يقول المتصوفون - أشعر بالنسب الإلهي، وأحاول أن أقلد الشاعر الأعظم. وما الشعر، يا ~~أمين؟ أنا نفسي آية شعرية، وقل آية إلهية، ساعة أنظم الشعر وأجيد. # وما الشعر الأكل ما رنح الفتى # كما رنحت أعطاف شاربها الخمر # وإن ابتسام الغيد عن كل أشنب # ليطرب نفسي فوق ما أطرب الشعر ~~••• # إن للأدباء والشعراء في أوروبا وأمريكا عادة في الإكرام مرعية مستحبة. فإذا كنت معجبا ~~بشاعر من شعرائهم، وجئته للمرة الأولى زائرا، بعلم منه، فهو يهديك رسمه أو نسخة من ديوانه. ~~ولا يخفى ما في ذلك من الأنانية - ها أنا ذا في رسمي وفي عبقريتي - التي تكاد تكون مجهولة ~~في الشرق. فعندما زرت الشيخ رضا الشبيبي في بيته بالنجف، في فصل الخريف من عام 1922، وما ~~أهداني رسمه، ولا شيئا من شعره. بل قدم لي ما يصرف النظر عن نفسه، وما هو في نظره أثمن ~~وأعز. قدم لي مخطوطة قديمة من كتاب عربي قديم. # محمد رضا الشبيبي. ms146 # وما كان أشبه الشاعر صباح ذاك اليوم، وهو متربع على فراش فوق حصير على الأرض، في وسط قاعة ~~فرشها عادي قليل، وأمامه طاولة صغيرة عليها أوراقه، وحولها كتبه، وما كان أشبهه بصورة من ~~الصور التي تزدان بها المخطوطات الفارسية. إلا أنها قاتمة ساكنة، لا تذهيب فيها، ولا وهج ~~لألوانها، وما إطار هذه الصورة الحية غير جدران الغرفة الدكناء العارية، وفيها نافذتان ~~تشرفان على جدران البيوت الملاصقة لبيت الشاعر، كأن الصورة وإطارها صنع فنان يحسن التجانس ~~في فنه، فيلتئم الوجه الهادئ والبيئة الدكناء التئامهما والتقاليد الشيعية القاسية التي ~~أحيا الشاعر فيها أيامه ولياليه. # أقول أحياها؟ ما أظن أن طيرا في قفصه كان يغبط الشبيبي! أو يود أن يكون على شيء من حاله ~~في تلك الأيام. وهل يغبط السجين أخاه في سجنه؟ ولكن الشبيبي فر من نقصه في السنة التالية ~~هاربا إلى بغداد؛ حيث علق جناحه في دبق السياسة، فغدا عضوا في المجلس التأسيسي. من قفص ~~عتيق إلى قفص جديد مطلي بالذهب! فلا عجب إذا لم يطقه سوى سنة أو سنتين، ولا عجب إذا فر ~~بعد ذلك منه، كما فر من قفص النجف، متبرما من الشرائع ومن المجتمع. طار الشبيبي إلى ~~الكرادة، فبنى له عشا هناك، وطفق يغرد على أغصان الحرية والحب والزهادة. هناك على شاطئ ~~دجلة، في ظلال النخيل، ولا قفص ولا رقابة، ولا من يقطع عليه نعمة العزلة. هناك ظفر الشاعر ~~بأمنيته الكبرى. # ومع ذلك فهو لا يزال في قيود اختارها لنفسه، هي قيود التقاليد أو بعضها في الشعر وفي ~~الدين. فإن كان قد نفض غبار النجف عن جبته، وعنكبوت النجف عن عمته، فهو لا ينبذ، ولا أظنه ~~يستطيع أن ينبذ من عقله ومن قلبه الإرث الشعري والديني. وهذا ما يميزه عن الشعراء الآخرين، ~~فقد يكون أفق شعره دون آفاقهم اتساعا، وقد يكون خياله مثل صناعته الشعرية من المقلد ~~المألوف، ولكنه شديد الحس، صادق اللهجة، نقي الفكر، نقي العبارة، مع شيء فيهما من التجهم ~~والقساوة. # رضا الشبيبي شاعر روحي لا ms147 يغره العلم، ولا يطوح به الجهل. وهو شاعر تقليدي، يحترم ~~الماضي، ويتورع للحاضر، وينظر إلى المستقبل بعين الرضى والاطمئنان. إن سبيله الروحي لا يخلو ~~من الوعور والعقبات. بيد أنه مؤمن على الدوام حتى في حيرته، ومطمئن حتى في اضطرابه. وقد ~~يعد، وهو ضمن دائرة محدودة وإن اتسعت، من المتمردين. وقد تعترضه إذا ما حاول اجتياز ~~الحدود، عناية إلهية أو شبه إلهية، فيعود إلى ربوع الأمان، وفي قلبه خشوع، وعلى لسانه كلمات ~~الحمد والرضى. وقد يدنو الشبيبي في غضبة طاهرة من ظل العرش الأعلى، قد يدنو حتى من العرش، ~~والشعلة لا تزال في قلبه، والشرر في ناظريه، فيزر بعد ذلك جبته، ويتضمخ بالطيب، ويجلس على ~~فراش الحب والوداعة، وقد صفا نوره، وسكن شعوره، مثل سلفه الشريف الرضي. # في مجموعة متسلسلة من الشعر، شبيهة بملحمة وجدانية، تتجلى روح الشبيبي في متانتها ~~ونضارتها، وفي يقينها وحيرتها، وفي اطمئنانها واضطرابها. فهي تحلق في سماء الخيال والحقيقة ~~حول رواسيهما العالية، وفوق الوهاد السحيقة بين تلك الرواسي، فتثب من قنة إلى قنة، ثم تعود ~~سليمة آمنة إلى بستانها في الكرادة. أو أنها تجري في «سكرة النفس» في بحر زاخر من الهول ~~«وما شطأت حينا ولا قاربت مرسى.» # تجللها ليل طويل وما رأت # على طوله بدرا ولا طالعت شمسا # سفينة نفس غامرت وتعرضت # لها الهوج ولا يبقين من أحد نفسا # ولكنها نجت من تلك الأهوال وما نجت من توبيخه لها. # فيا لك عقلا ما أند عن الهوى # ويا لك قلبا ما أشد وما أقسى # قد يكون الشبيبي ربانا لسفينته ماهرا، ولكنه لا يستطيع أن يقول ما قاله الشاعر ~~الإنكليزي إرنست هنلي: # إني لنفسي الربان، وإني على أمري المهيمن # بل هو يتقلب ويتردد في إقدامه وتطوحه، فيصعد ثم يهبط في سلم الفكر والإحساس. # أنجدت من بعد أغوار زللت بها # فانجاب عن ثقتي بالله إنجادي # وقد حدتني أهواء مضللة # عدلت عنها وضل الركب والحادي # وهو يدرك في ساعة الندم أن الله لا يزال على عرشه، مشرفا على الكون. بيد ms148 أن حياة الإنسان ~~شقاء وبلاء لما فيها «من ضلال، ومن كفر وإلحاد»، فيشكو الشاعر - ولا غرو - حتى صحبه وخلانه، ~~وينشد التعزية والسلوان في الوحدة والزهادة. # غريب بهذي الدار طال اغترابه # فلا يزدهيه أهله وصحابه # وأسعد خلق الله من جاء في غد # قليلا تقصيه يسيرا حسابه # وقد سدد خطواته في السبيل الذي يصدق فيه العمل القول، والخبر الخبر، فقال: # وإني لميال إلى محو ما جرى # به قلمي أو ما تضمنه طرسي # كتبت وقد جاريت، فيما ظننته # علاجا لأهواء النفوس، هوى نفسي # إنه لشاعر متقد الوجدان، صادق اللهجة، وهو إلى ذلك حلو الشمائل لطيف المزاج. فيحاسب نفسه ~~ويؤنبها، ويسير في سبيله متمهلا متورعا، حينا على طرب وحينا على كرب. وها هو يشجيك، وقد ~~وقف بين قلبه وعقله وقفة الحائر المكتئب. فهناك الحبيب، وهناك الرغبة في الزيارة والرغبة ~~عنها تتنازعان فؤاده. وقد جاء في هذه القصيدة ببيت فريد في معناه، ما قرأت مثله في التردد ~~لا في الشعر العربي ولا الإنكليزي. فعندما يتغلب الشاعر على التردد في نفسه، ويعتزم ~~الزيارة، يردعه في الباب رادع فيرتدع. # وطالما سرت في وجه فلم أرني # إلا وقد علقت يمناي بالباب # وإن من يزوره من الأصحاب ليزور الجسم منه. أما الأحباء فهو يتمنى أن يزورهم، وهم مع ذلك ~~مقيمون في نفسه على الدوام. # شغل السمير جوارحي وشغلتم # روحي فكنتم دونه سمارها # نلتم حقيقتها التي خلصت لكم # طوعا ونال سواكم آثارها # وهذه الحقيقة الروحية تبرز في بيت عن عمره أجاد في معناه. # طل ما تشاء زماني لست لي عمرا # إدراك ما أتمناه هو العمر # قلت إن رضا الشبيبي حريص على التقاليد الشعرية قلبا وقالبا. ولكنه في صعوده ونزوله في ~~سلم الفكر والحقيقة يستحب الوقوف عند بعض المبادئ العلمية الحديثة، كمبدأ إبقاء الأنسب ~~مثلا فيقول: # أطبقت أسفاري وقلت لها اغربي # سفر العوالم بعض ما أتصفح ~~••• # وإذا تنازعت البقاء عوالم # صح الأصح بقاؤه والأصلح # وهو يحمل على أهل الضلال والخرافات في قوله: # عهدت أهلك لم يبطل نكيرهم # على الطغاة فلم صاروا ms149 طواغيتا # ملفق من مخاريق كلامهم # ومن محال وإن أسموه لاهوتا # ثم يعود إلى حصنه الشرقي الحصين - إلى إيمانه بالقضاء والقدر. # من الجهل لا من صحة العقل أننا # نحكم في الأقدار أوهام عاقل # أمور بإسعاف المقادير نلتها # على حين أعيا نيلها بالوسائل # هو لا يرى أن في هذه العقيدة عقالا لشبان الشرق، وهم في معترك هذه الحياة الحديثة، غريبة ~~الألوان والأشكال. بل يرى عكس ذلك. إني أنقل من نثره السلس المتين كلمة كتبها في «التفوق ~~الغربي الموهوم» قال: # نحن الآن في عصر الشك، كما يقول فريق من أهل الغرب. ومن ذلك أن شكنا الآن ~~يتناول حتى أسس الثقافة التي يريدها معظم الغربيين للشرقيين. ومن بين هذه الأسس ~~غمز الشرق والشرقيين، والتنديد تصريحا أو تلويحا بقيمة أثرهم في الحياة. حتى ضعفت ~~ثقة شباب الشرق بأنفسهم، وببطولة أسلافهم، وتلاشت في بعض الجهات، وحل محلها الثقة ~~المطلقة بتفوق الغربيين. # هذا إلى أن نشبت الحرب العامة الأخيرة، وأسفرت بعد أن ظهرت أسبابها ونتائجها ~~للعيان، عن حركة فكرية عامة تجتاح الآن أذهان البشر بدون تمييز. ويتوقع أن يكون من ~~نتائج هذه الحركة الفكرية، رجوع القوم عن الشطط في أحكامهم على الشرق والشرقيين، ~~ونبذ دعوى التفوق الغربي الموهوم، والتسليم بتكافؤ المواهب والكفايات في أصل فطرة ~~الجنس البشري. فليس في الدنيا من هذه الناحية شرق ولا غرب، بل بشر يتداولون التفوق ~~والغلبة، وفق أحكام سنن الكائنات العامة «نواميس الاجتماع والعمران» ولا شيء أفعل ~~في تجديد شباب الرق، واستئناف قواه للعمل في سبيل حضارته وعمرانه، من رسوخ هذه ~~العقيدة القويمة فيه. # أحمد الصافي النجفي. # ومن قفص النجف فر طير آخر هاربا، فر يطلب قسمته من الإرث السماوي. هو طير ولا ~~كالأطيار، له منقاد البومة، وصدر الورقاء، وجناح الهدهد، وذنب الطاووس. وله في الشدو هديل ~~الحمام، وصفير البلبل، وعندلة العندليب. هو طير غريب فريد، يدعى بين الناس بأحمد الصافي، ~~ويعرف بالشاعر المجدد، والشاعر البائس، فقد ولد في النجف، يوم كان الحسن الخلقي والصحة ~~والنعمة تتنزه كلها في الكون الأعلى، فما ms150 رمقته بنظرة ساعة الولادة، ولا دنت بعد ذلك من ~~ملعبه، أو من رحله، أو من كوخه. # ما عوض عليه النجف بشيء مما حرم، ولا أحسن الترحال، ما لزمه من سوء الحال، فقد تنقل من ~~كوخ إلى كوخ، ومن بلد إلى بلد، ومن مضرب في البادية إلى آخر، ومن مضارب البدو إلى مرابع ~~الحضر، ومن مستشفى لا يشفي إلى مستشفى لا يرحم، وهو في كل أحواله مجهول غريب، فقد كان يدعى ~~عجميا في النجف، وعربيا في بلاد العجم، ثم راح يقيم بين البدو فظنوه من الحضر، وجاء ~~سوريا فظنه أهلها من البدو. # إنه لطير عجيب غريب، يحسن الطيران والغناء، ولا يحسن سواهما. وهو كما ألمحت وليد برج ~~النحوس. فالدمامة أمه، والسقم أبوه، والبؤس أخوه. بل إن له من الأسقام إخوانا يقيمون في ~~أعضائه وفي أعصابه. أما الروح منه فهي سليمة قوية، بل هي روح جبارة في هيكل سقيم. # أسير بجسم مشبه جسم ميت # كأني إذ أمشي به حامل نعشي # ولكنه ثأر لنفسه من أسرة الأسقام والآلام أسرته، فصب عليها من قوافيه جام السخرية ~~والغضب. ومن ذا الذي يلومه، إذا انهمرت دموعه، بعد رعود الغضب، وبروق السخرية؟ هي الطبيعة، ~~هي سنة السماوات. وهذا الشاعر هو كالطبيعة في صدقه، وكسنة السماوات في صفوه وغيومه، وفي ~~بروقه، ورعوده، وتهطاله. # فإذا نحن حملنا على الشعر الباكي، الذي ألفه شبان هذا الزمان، وقل فيهم من كان محروما ~~نعم الحياة، فإننا نحمل على عادة أمست مراسا اجتماعيا، مهلكا للنفوس وللأخلاق. أجل، ~~إننا نحمل على التخنث والتصنع في الشعر الباكي، نحمل على دموع الزور، وعلى دموع الخوف ~~والجبانة، وعلى الدموع السوداء، المكونة من الحبر الممزوج بماء العواطف الآسن. # أما دموع هذا الشاعر فهي مثل اسمه صافية، ومثل نفسه صادقة. وهي من نفسه ومن قلبه، لا من ~~حبر شعره وتبره. وإنها إلى ذلك لتتلألأ بالابتسام المتعالي، والقهقهة الساخرة. # أجل، إن الصافي، على بؤسه وسقمه؛ ليحسن الضحك والتهكم. فهو يوالي القط والفأرة ليشفي نفسه ~~من ولاء الناس. وهو يعجب من ms151 الأطباء الذين يحاولون أن يحرموه داءه، ذلك الإرث الوحيد من ~~أبويه. وهو يكفر ويتوب، ويبرأ إلى الله من شيطان شعره فيؤده في النار. وهو يبني قصورا في ~~الجنان، «فيهدمها دروين لعنه الله». وإن له نظرات في النفس نافذة ذابحة، فيريد مثلا أن ~~ينزع عنه كل أثواب العقائد، ولكنه يخشى، وهو ينزع الثوب تلو الثوب، أن يكون قد كون من ~~الأثواب، وألا يصادف روحا وراءها، وله قصيدة عنوانها العدالة، لا دمعة فيها، ولكنها ~~تستذرف الدموع، مطلعها: # وجهي دميم وقلبي # عدو كل دميم # لذاك تبدو لعيني # المرآة مثل الخصوم # إني لأرثي لعين # ترنو لوجهي الذميم ~~••• # لو كان وجهي بكفي # ألقيته في الجحيم # قد يكون في الكلمة المأثورة «ذكاء المرء محسوب عليه»، شيء من العدل الأعلى. وقد يبالغ رب ~~ذلك العدل في المحاسبة، فيحرم صاحب الذكاء كل نعم الحياة، إلا هذه التي توحي إليه الشعر. ~~ولكن الشاعر يشدو غالبا للبادية والليل - وللكوخ والسراج، مثل هذا الشاعر النجفي، وللقطط ~~والفيران. # ذكاء المرء محسوب عليه؟ وهل هو يجد في ذلك شيئا من التعزية، غير تلك التي يجيء بها النظم ~~والإبداع؟ فما أضألها من تعزية! # لا وربة الوحي. لا نظن أن القدر كان عادلا في محاسبة أحمد الصافي. بل نظن، بحسب مقاييسنا ~~للعدل - وليس لدينا سواها - أن الحساب مغلوط فيه، ونأمل أن يصحح في حياة أخرى للصافي، أو ~~بالحري في دورة ثالثة من حياته الأرضية. # أما في هذه الدورة فالخيال وحده يخفف من نتائج ذلك الخطأ في الحساب. فإذا كان، في ما هو ~~قوت القلوب، يعيش في الخيال، فما ذلك اختيارا منه. فهو كما يقول لا يرضي الجنس الخشن، فمن ~~أين له إذن أن يرضي الجنس اللطيف؟ حتى الوجوه غير اللطيفة في الجنس اللطيف، لا يستطيع أن ~~يستميلها إليه. # تنأى الذميمة مني # فكيف بالحسناء؟! # إن ذلك ليشجي ويغيظ، وإنه ليبعث في النفس قنوطا ليس وراءه رجاء. فلولا ربة الشعر لهتف ~~الشاعر: على الدنيا السلام، واستحب الحمام. ولكنها تعزية بوحيها، فتستوقفه في الباب ~~متفلسفا ومجاملا. إلا أنه ms152 ما جامل في شعره، على ما أظن، غير الموت: # أنا أهواك غير أني لا أرضاك # تأتي بالكره والإجبار # ولكم رمت أن أزورك لكن # خفت أن تشتكي الأذى من مزاري # إن ربة الشعر لتعزيه بالحياة فتفتح له أبوابا جديدة، فيلجها مبتهجا، وقد نسي كل ما به، ~~فينظم القصائد وليس فيها غير مرهم لجروحه، كقصيدته «فتنة الجمال»، وينظم غيرها، وفيها ~~الجديد المبتكر، مثل تلك القصيدة الشعشاعة التي تمثله برغوثا في ثوب إحدى النساء. # أنال منها بغيتي # بالرغم من حجابها # ألثمها من فرعها # لمنتهى كعابها # ويسكر في ثيابها، وهو ينزلق فوق جسمها، سكرة غرامية عمياء. # من دمها سكري كما # تسكر من شرابها # ثم يصحو فيختم القصيدة متفاديا: # وإن تصدني كفها # أمت فدا شبابها # ومن أرق ما أوحى إليه الحرمان، وصوره الخيال، أبيات نظمها إذ رأى رسمه في إحدى الصحف ~~ينطبق على رسم آنسة في الصفحة المقابلة فقال: # ما نلت من فيك رشفا # أو من قوامك ضما # لكنما نال رسمي # من رسم خدك لثما # فأعجب لحب غريب # رسم يغازل رسما # لا نكران أن شعر الصافي مرآة روحة، وهي بعكس وجهه على شيء كثير من الحسن، ومن النبل ~~والحنان. وهي كذلك روح ساذجة، غبار البادية لا يزال عليها. فهو بدوي في صراحته المشجية، وفي ~~نبراته التي تتخللها العبرات والقهقهات، وفي شدوه المشبح بأنين الربابة، وحنين ~~الساقية. # لهذا الشاعر في وصف حاله وأشجانه مزية شريفة عالية، هي الصدق والصراحة. فهو لا يتستر ~~بشيء، ولا يأنف أن يربك كوخه وسراجه، وحتى فراشه وغطاه. ولا يهمه أن ترى - اللهم بعين الرضى ~~والاحترام - خرقا في ردائه، أو فتقا في عبائه. أحمد الصافي يتغنى بكل ما هو أحمد الصافي، ~~ومما اختاره هو لنفسه، ومما فرضته عليه الأقدار، فيطربك ويشجيك. وإن أسلوبه في الوصف سهل ~~قويم بليغ، يلزم الحقيقة فيه، ويزينها بالمعاني الجديدة، مثال ذلك قصيدته «الوحدة» التي ~~تبدأ بقوله: # إن رمت تاريخ حزني # سل مفرشي وغطائي # أو الأبيات الأخيرة من القصيدة التي يصف فيها غرفته: # أغرفة للمنام هذي # أم هي ms153 منفى له نفيت # على أن البداوة تبدو بأصدق مظاهرها في ما يصح أن نسميه «العقليات» من شعره. وهو فيها ~~الحائر المضطرب، الذي لا يزال متقيدا ببعض النزعات القديمة، المترجح بسببها بين الشك ~~واليقين. فهو حينا يتغنى بالزهد، وحينا يحن إلى طيبات الأرض، وتارة يحمل على الجهل، ~~وطورا على العلم. إن في مقاطيعه «أنغام مشوشة» كثيرا من التناقض، والبرهان على صدق الشاعر ~~وإخلاصه. # قد شاب في الحب رأسي # والقلب ما زال طفلا # يا رب أرجع شبابي # أو هب فؤادي عقلا # ثم يقول في الصفحة المقابلة، وهو صادق في الحالين: # كلما يبنيه قلبي # يهدم العقل بناءه # ومن هذا الباب قوله في المعاني والألفاظ. # أرى الشعر في الأرواح لا السجع كامنا # ولا في بحور خاليات من الدر # فكم شاعر ما فاه بالنظم مرة # وكم ناظم ما قال بيتا من الشعر # ثم يقول: # اللفظ قشر وفيه # لب المعاني يقر # فاللب يفنى سريعا # إن لم يحط فيه قشر # أفلا ترى الحقيقة في وجهي المسألة؟ كأن الشاعر والفيلسوف يتناقشان فيفحم الواحد الآخر. ~~لست أدري إذا كان الصافي نظر إلى هذه المتناقضات نظرة سقراطية أفلاطونية! وقد لا يكون ~~مدينا لغير الحيرة التي تلزم الشاعر في مواقف لا يتناسب فيها المعقول والمحسوس ولا ~~يتوازنان. بيد أن الاثنين من واحة واحدة، فالفطرة تبني لهما البيوت، والصراحة تصوغ لهما ~~القوافي. # ومع ذلك فإنا نرى الصافي غير صاف في عقلياته. وما هو فيها بالمبتكر المجدد. وكذلك قل في ~~قصائده الوطنية التي قلما تمتاز عن شعر من سواه. # بقي أن أقول كلمة في آفة له شعرية، تكاد تكون آفة الشعر العربي، وخصوصا في هذا الزمان. ~~أريد بها الإسراف في الألفاظ، وفي الخيال، وفي المعاني، وقل كذلك في الرضى عن صور لامعة ~~منفردة، أجاءت في محلها أم لم تجئ. فهي تزج في القصيدة، فتبدو فيها نافرة، أو صاخبة، أو ~~متقلقلة. # وبكلمة أخرى إن الشعر العربي الحديث تكثر فيه الصناعة اللفظية، على الإجمال، وتقل الصناعة ~~المعنوية. كما أنه عامر بالخيال، ومفتقر إلى الفن في ms154 التكوين؛ أي إلى الاتساق والتجانس في ~~الصور والاستعارات، وإلى الوحدة المعنوية في القصيدة. # مثال ذلك: من شعر الصافي قصيدته «نجمة الصبح». فإن فيها صورا شتى، تتزاحم في ذهن ~~القارئ، ولا تترك فيه أثرا بارزا، أو شكلا واحدا جذابا، كامل التكوين. فالشاعر في مطلع ~~القصيدة يمثل كوكب الصباح رفيق سفر سبقه الرفاق، فيبكيهم تارة، وطورا يشتعل كمدا، وحينا ~~يرف بجناحيه ليطير فيدركهم، وحينا يتخبط حائرا قلقا، ثم يتصور رفاقه وقد غرقوا في بحر من ~~النور، وهو الذي نجا من الغرق يسبح لينجيهم. # أما النور فهو في كل حال من أحواله يتغير صفة وشكلا. فهو الدموع، وهو النار، وهو الجناح، ~~وهو العرق، وهو الأكف التي يبحث بها عن رفاقه لينتشلهم من اليم. فيهتاج البحر لذلك، ثم ~~تجيء الشمس هائجة لتغرقه هو كذلك. فالصورة هذه، لو وقف عندها، هي صورة كاملة موحدة، على ما ~~فيها من اضطراب. ولكن الشاعر استسلم لخياله الخصب فراح يصور كوكب الصباح - ذلك البطل الذي ~~انبرى لإنقاذ رفاقه من الغرق - راح يصوره كطائر أصبح في قفص، أوكسجين في السماء، وقد استحال ~~نوره سلسلة على عنقه ورجليه! # فلو اقتصر الشاعر على صورة واحدة من هذه الصور، ومثل كوكب الصباح ينازل الشمس مثلا، ~~فيتنازعان الوجود، أو مثله رفيق سفر يجد ليلحق برفاقه أو ينقذهم، وشذب الصورة من كل ما ~~يصرف الذهن عنها في الزيادات، لبرزت القصيدة في صورتها الواحدة الكاملة أبلغ وأجمل مما هي ~~في صورها المتعددة، ولكان لها وقع شديد في نفس القارئ، وأثر لا يمحى. # لا أظن الصافي يجهل هذه الحقيقة. فإنها لتبدو جلية في قصيدته «ليلة ماطرة» ذات الصورة ~~الواحدة المتسقة، المجردة من فضول القريحة؛ وكذلك قصيدته «الشاي» الفريدة في بابها، الحافلة ~~بالمعاني الجليلة التي لم يسبق على ما أظن إليها. وهي كاملة متجانسة في الوحدة الشعرية. ~~فعسى أن يتوفق الشاعر دائما إلى هذا الفن المشذب العالي، الذي تصفو وتستقيم فيه الصيغة ~~والفكر والخيال. # | الصولجان والرمح والعصا # مهما كان من ارتقاء الأمة، وطنيا واجتماعيا وثقافيا، فهي تظل في ms155 حاجة إلى ما يضمن ~~كيانها العالي، في حاجة إلى القوة المعنوية المخزونة، التي تبعث في أبنائها النشاط والعزم ~~والإقدام. هي القوة التي تنشأ عن الصحة والمرونة في الأجساد وفي الأخلاق ، وفي الأرواح ~~والعقول. تلكم هي القوة الكامنة في الألعاب الرياضية. فالأمة التي لا تحسن اللعب - اللعب في ~~الفلاة لا في المقاهي المخبلة - لا تحسن العمل، ولا تأمن، في رقيها وعمرانها، غوائل ~~الزمان. # عندما زار بغداد في سنة 1922، اللورد إبسلي، مدير جريدة المورننغ بوست في لندن، قابل ~~الملك فيصلا بشأن المعاهد الإنكليزية العراقية في تلك الأيام. وبعد المحادثة السياسية قال: ~~«وهناك مسألة هي أهم من المعاهدات أحب أن أعرضها على جلالتكم.» فاشرأب الملك فيصل إليه، ~~وأرهف من كان حاضرا أذنه، فقال اللورد: «نعم، هي مسألة مهمة جدا. متى يصير عندكم بالعراق ~~فرقة للعب البولو؟» فضحك الملك، وما ظن أن سيكون لهذه المسألة شأن في المستقبل ~~القريب. ~~••• # إن لعبة البولو فارسية الأصل. وقد ساحت شرقا من فارس إلى الهند والصين، ثم غربا بطريق ~~الأستانة إلى أوروبا، ثم رأسا من الهند إلى إنكلترا، في سنة 1869، على يد ضباط إنكليز. وهي ~~الآن، والحمد لله ولصاحب جريدة المورننغ بوست الشريف الظريف اللورد إبسلي، تعود بعد نصف ~~قرن من لندن إلى الشرق. فما أعجب سياحات الألعاب! # لو كان العرب، بل لو كان الشرقيون يعنون بتواريخ ألعابهم عنيهم بتواريخ الملوك ~~والحروب، أو عنيهم بالشعر والأساطير، لجاء في كتبهم عن هذه اللعبة الشيء الكثير من الطرف ~~والأخبار، ولعلمنا ما كان من شأنها ببغداد. بيد أن العرب يزدرون - على ما يظهر - الكرة ~~كيفما لعب بها، على الأرض أو من صهوة الخيل، بالرجل أو باليد أو المحجن، ولا يحسبونها تليق ~~بغير الأولاد. وما جاء ذكر البولو؛ أي لعب الكرة بالمحجن من على صهوة الخيل، غير مرة، على ~~ما نعلم، وذلك في بيت من الشعر لبشار بن برد. # على أن اللعبة هذه كانت معروفة عندهم، وإن لم تكن مألوفة، وقد أسموها بالصولجان؛ أي باسم ~~العصا التي تطارد بها الكرة، فقد نظم ms156 بشار في هجاء الخليفة المهدي بيتين من الشعر البذيء، ~~ورد في أولهما الشاهد على ما أقول: # خليفة ... ... عماته # ويلعب الدبوق والصولجان # وقيل إن هذين البيتين كانا السبب في غضب المهدي فأمر بضرب ذلك الشاعر المقذع بالسياط، ~~فضرب حتى زهقت نفسه. إذا صحت هذه الرواية كان للصولجان ببغداد ذكر مفجع. # وهناك شاهد آخر على أن لعبة البولو كانت معروفة عند العرب، وأنها أسميت بالصولجان. ذلك ~~أن الصولجان وهو المحجن؛ أي العصا المنعطفة الرأس، شبيه بالعصا التي تلعب بها هذه اللعبة ~~الشرقية القديمة. # إنما العرب اتخذوا اسمها من الصولجان؛ أي المحجن، لا من الكرة. # أما أنهم فضلوا غيرها عليها من الألعاب فذلك معقول، ولا سيما وهم ينشدون الفائدة حتى في ~~ألعابهم. إن لعب الجريد مثلا يعلمهم الفروسية، والفروسية لازمة في الغزو؛ كذلك الرماية، ~~وهم ولعون بالصيد. بهاتين اللعبتين إذن - الفروسية والرماية - يتعلم العرب الإصابة، ~~والمطاردة، والإغارة، وهي من الصفات اللازمة في لعبة الصولجان، وقد أضحت من تراث العرب مثل ~~الكرم والشجاعة. فعندما بدأ الضباط الإنكليز يعلمون العراقيين الصولجان ما خطر في بالهم ~~ما تكمن لهم الفروسية العربية. ولا خطر في بال اللورد إبسلي عندما عرض على الملك فيصل ~~«مسألة هي أهم من المعاهدات» أن سيضطر في المستقبل القريب أن ينشر في جريدته أخبار فوز ~~الفرق العراقية على الفرق الإنكليزية في مباريات الصولجان. على أن إقبال العراقيين هذه ~~الأيام على سباق الخيل وكرة القدم يكاد يفوق إقبالهم على لعبة الصولجان. # ويعتز جميل الراوي، وهو من غواة لعبة الصولجان، بابن عمه الملازم الأول إبراهيم الراوي، ~~بطل الميدان في الفوز على الإنكليز. دعانا جميل ذات يوم لمشاهدة فرقتين من الجيش العراقي ~~تتباريان في الصولجان، فيممنا الميدان خارج السور الشمالي، وقد كانت أرض الميدان من التراب ~~الناعم، فتثيره حوافر الخيل، وكثيرا ما يخفي الكرة عن أنظار اللاعبين، فيخطئونها، ولا ~~حرج. # ومع ذلك فقد امتاز لعبهم بالخفة والنشاط، وكانوا في الفروسية على الأقل مبدعين، يقصرون في ~~جولاتهم ويفرسخون، يجرون ويغيرون، وهم يتجاحفون الكرة بصواليجهم. قال جاري الإنكليزي ms157 - وهو ~~من غواة هذه اللعبة - إن في جولاتهم خفة ومرونة، وإن ضرباتهم بقفا الصولجان لضربات محكمة، ~~هي ضربات الحذقين اللبقين. على أني كنت معجبا بفروسيتهم أكثر مني بمهارتهم الصولجانية. فما ~~كبا في ذلك الميدان جواد، ولا كان الفرسان أولو الصولجان أقل براعة ولمعانا من جيادهم ~~العربية. أما ما كان من ضربات صاردة فهم كما قلت لا يلامون عليها، فقد طالما غلف الغبار ~~الكرة، فأخفاها عن الأبصار. # إن الصولجانيين ليستحقون ميدانا ببغداد أرضه لينة متماسكة تحت فراش من العشب المجزوز. ~~وإن حكومة العراق لتحسن صنعا، إذا ما عنيت بتربية الخيول العربية خصوصا للعبة الصولجان، ~~فالحصان العربي لا يبز في المرونة والقيادة. إنه في الجولات وفي الدورات السريع المطواع، ~~وفي الكر والفر اللامع المجيد. فإذا ما عنيت الحكومة بهذا الأمر تمكنت من تصدير الخيل إلى ~~أوروبا للعبة الصولجان، فتجاري في هذا بل تسبق أوستراليا والأرجنتين. عندئذ نقول مفاخرين: ~~دونكم والصولجان وخيوله العربية! فاللعبة التي عادت من الغرب إلى الشرق، بعد ألف سنة، تعود ~~بخيلها هذه المرة من الشرق إلى الغرب. ~~••• # ولا نهاية لسياحة الألعاب، ولا مشاحة أن أكثرها، مثل الأديان، من الشرق. فالنرد والشطرنج ~~من بلد الصولجان. والفروسية عربية الأصل. وهناك لعبة كان لها ازدهار في الغرب منذ ثلاث ~~سنوات، وهي اليويو، وقد عادت منتصرة إلى مسقط رأسها، إلى هذه البلاد. # أجل، إن اليويو لعبة عربية المولد، وهل تعرف كيف ولدت وتطورت؟ لقد ولدت في منتجع الإبل. ~~فالعرب، عندما يسوقون الإبل إلى الماء، يصيحون بها: جو، جو! وبعض العرب في نجد وفي البصرة ~~مثلا يقلبون الجيم ياء فيقولون: يو، يو، ثم استخدموها في صيدهم بالصقور والبزاة. # يو، يو! طار الصقر لينقض على فريسته. يو يو! عاد الصقر إلى صاحبه. هل بان لك وجه الشبه ~~بينه وبين اللعبة؟ يويو! أفلت الدولاب المربوط بالخيط. يو يو! عاد على خيطه إلى ~~يدك. ~~••• # وفي نادي الضباط لفرقة الهاشمي دار الحديث ذات ليلة على الألعاب وعلى الصيد. كان جميل ~~الراوي مضيفنا للعشاء، فعرفنا إلى عشرين ونيف من ms158 الضباط العراقيين، وكل واحد منهم، في بزته ~~ورونقه وحديثه مثال الأناقة والتهذيب. هي التربية الإنكليزية، وما أحسنها إذا ما نزهت عن ~~السياسة. # وما الضباط العراقيون ممن يغمضون فضل معلميهم، فقد قال الملازم الأول صبحي العمري: «ما ~~رأيت في الناس ألطف من بعض أولئك الضباط أساتذتنا، ولا من هم أرحب منهم صدرا، وأجمل ~~صبرا. كنا نأتمر بأوامرهم في ساعات التعليم والعمل، وكنا نلعب وإياهم بعد ذلك كالإخوان ~~الأكفاء، فنغلبهم في البولو، وفي الصيد. وما من مرة، في الصيد أو في اللعب، جعلونا نشعر ~~بأنهم أرفع منا شأنا ومقاما، ثم إنهم يستقبلون الغلبة بصدر رحب، وصبر جميل، شأن من تعودوا ~~الألعاب الرياضية، وعززوا آدابها القائمة على النبل والإنصاف والصبر.» # ولكن للقاعدة شواذها، فقد عرفوا كذلك الإنكليزي المتكبر المتحذلق الشرس الأخلاق. وعندما ~~يكون مثل هذا الرجل ضابطا في الجيش، وأستاذا لضباط أجانب، فالعياذ بالله. ذكر أحد الضباط ~~عسكريا من أساتذتهم تعددت صفاته المنكرة، فقال الملازم الراوي: هي الشخصية في كل حال، ~~وعليها المعول حتى في صيد الخنازير. # ثم دار الحديث على الخنزير البري، الذي لا يزال يصطاد في العراق على الطريقة القديمة ~~بالرماح والنبال، فروى أحدهم قصة مطاردة كان ذلك الضابط الإنكليزي بطلها قال: خرجنا وإياه ~~ذات يوم للصيد، فضل الطريق وهو يطارد خنزيرا حول هور من الأهوار، فغرق حصانه في الوحل، ~~وعلق به. وكان الخنزير قد فر هاربا، شكرنا عندما أنقذناه وحصانه من الوحل، ثم طاردنا ذلك ~~الخنزير، وأدركناه، ورميناه فقتلناه، وعدنا به وسهم الأستاذ لا يزال غارزا في فخذه، أو ~~تعرف كيف نظر إلينا؟ شكرنا، نعم. ولكني قرأت في عينه أن يود لو كان ذلك السهم في قلب واحد ~~منا. # لا ريب في أن العراقي أمهر من الإنكليزي في مطاردة الخنازير البرية وصيدها، ولا سيما وهو ~~أعلم منه بأرض العراق. فالخنزير يكثر في الأهوار والمستنقعات، والصياد الذي لا يعرف مداخلها ~~ومخارجها، وموحلاتها ومزالقها، يخفق في صيده، وقد يقع هو وفرسه في نهر تخفيه الأعشاب، أو في ~~موحلة بين القصب. أما العالم ms159 بتلك الأماكن، فهو يعرف متى ينبغي أن يثبت، ومتى ينبغي أن يدور ~~أو يتقهقر؟ وهو يدرك، حتى من وقع حوافر فرسه، إذا كان على حاشية بركة من الوحل والماء، أو ~~في أرض تدنو من الهور. بيد أن الإنكليزي هو الرابح في كل حال، إن كان هو صاحب الصيد أو ~~العراقي؛ ذلك لأن العراقي المسلم يكتفي بلذة صيد الخنازير البرية، والإنكليزي يأكل تلك ~~الخنازير. ~~••• # لقد حدثتك عن لعبة لصولجان، وعن صيد الخنازير البرية بالرماح والنبال، وسأحدثك الآن عما ~~ترمز إليه العصا؛ أي الكشافة، وهي ركن وطيد من أركان النهضة الوطنية. # لقد تشكلت الفرقة الكشفية الأولى في بغداد، سنة 1915، في عهد الأتراك، لأغراض عسكرية، ~~اقتداء بالألمان، وكان منوطا أمرها بضابط تركي، بمشارفة الكولونيل الألماني فون هوف. ~~ولكنها أهملت خلال الحرب الكبرى وما أثمرت. # ثم احتل الإنكليز العراق، وفي سنة 1918 عني المستر كاربت ناظر المالية يومئذ بأمر ~~الكشافة، فاستدعى إلى بغداد بعض أفرادها من الجنود البريطانيين، فشكلوا بمساعدة بعض ~~المعلمين الوطنيين سبع فرق في العاصمة، وربطوا كشافة العراق بمقر الكشاف البريطاني. # هذه هي بداية تلك الحركة المباركة. وقد نمت نموا سريعا، وكان احتفالها الأول، الذي ~~أقيم في السنة التالية، بمساعدة ناظر المعارف، باهرا، أدهش الناس، وعندما تأسست الحكومة ~~الوطنية في سنة 1920 كانت الفرق السبع، قد أصبحت سبع عشرة، وأكثر الوظائف فيها بيد ~~الوطنيين، فاستغني عن المعلمين الإنكليز. # وبعد ذلك بدأت الكشافة تنتشر خارج العاصمة، فقد انتدبت وزارة المعارف جميل الراوي ليبث ~~الدعوة في الأولوية، فأسس ست فرق في الموصل، ثم أقيم الاحتفال الثالث، في سنة 1921، بإدارة ~~المعلمين الوطنيين تحت رعاية الملك فيصل الأول، الذي كان من أكبر المشجعين للكشافة، وصار ~~بعدئذ حاميها الأعظم، فتجلت في ذلك الاحتفال مقدرة أبناء العراق ومهارتهم في إتقان الأصول ~~الكشافية. # عندما انتقلت الإدارة إلى الوطنيين، وخصوصا بعد الاحتفال الثالث، تأسست الفرق في أكثر ~~الألوية، واستمرت في ازدياد، فتجاوز عددها في بضع سنوات الستين فرقة، وهي تضم اليوم في ~~مجموعها أكثر من اثني عشر ألف كشاف من ms160 مختلف الأصناف. إن الفضل في نجاح النهضة، وانتشار ~~أعلامها هذا الانتشار، هو لفريق من العراقيين الغيورين، وفي مقدمتهم جميل الراوي وساطع ~~الحصري وطه الهاشمي ورشيد الخوجة وسامي شوكت. # المنظر الداخلي للمنزل الأثري لآل السيد عيسى عندما زاره المؤلف. وقد ~~أزيل المنزل نهائيا ولم يبق له أثر. # المنظر الخارجي للمنزل. وفي أول الكتاب وصف المؤلف زيارته له وكيف وجد ~~النساء على بابه يعالجن عفص المدخل. # أما اليوم فإن القائم بأعمال الكشافة، العامل بنشاط وعلم وإخلاص في ارتقائها الدائم، إنما ~~هو شاب سوري شيعي، درس وزوجته المسيحية المهذبة في أوروبا، وعاد وإياها ليخدما وطنهما، فكان ~~ذلك الوطن العراق. وما العراق؟ وما سوريا وفلسطين؟ إن كل قطر من الأقطار العربية وطن للعربي ~~الصادق، المخلص في حبه لأبناء قومه، وإن كانوا في صيدا أو في بغداد، في القدس أو في ~~الرياض. # ساعد بأرض تكون فيها # ولا تقل إنني غريب # ذكرت في فصل سابق أن الدكتور شريف عسيران هو رائد الصحة الأكبر في الكاظمية. وها أخوه ~~وزوجة أخيه البيروتية - بركات الله عليهما - من مصابيح الرياضة والتهذيب في النشء العراقي ~~الجديد. # أجل، إن الفضل الأكبر في المهرجان الكشفي، الذي أقيم في بغداد في 21 آذار سنة 1934 واستمر ~~أسبوعا، للاحتفال بذكرى مولد جلالة الملك غازي، والمناداة به كشافا أعظم، إن الفضل الأكبر ~~في تنظيم ذلك المهرجان يعود إلى قائد الكشافة ومدير التربية البدنية عبد الكريم ~~عسيران. # وما كان أجمله من مهرجان، وما كان أمجده! لا أظن أن أحدا من الألوف الذين حضروا العرض في ~~اليوم الأول ينسى روعة ذلك المشهد الوطني الذي تمجدت فيه عصا الكشافة، وتجلت في الخمسة ~~الآلاف كشافا من سائر الألوية روح النهضة العراقية. # ومما أثار إعجاب الناس في ذلك اليوم المشهود تلك الألعاب التي قامت بها، على الألحان ~~الموسيقية، بنات المدارس، ترئسهن معلمة لبنانية. هي ذي طلائع الوطن الجديد، وقد تجلت روحه ~~في الجنسين من النشء العراقي. هي ذي البوتقة التي ستصهر فيها كل الفوارق العنصرية ~~والدينية؛ لتتكون منها القومية العراقية الواحدة. ms161 هي ذي الكشافة التي يحق للعراق أن يفاخر ~~بها جميع الأقطار العربية. # وخير ما أختم به هذا الفصل، وهذا الكتاب، كلمة في المثل الوطني الإنساني الأعلى أوصي ~~الكشاف بها. # الكشاف هو من رعى نفسه ليحسن رعاية غيره، وقيدها بنظام ليدرك قيمة النظام، وعودها عمل ~~الخير دون ذكره، وحرية الفكر والقلب مع الشجاعة والصدق فيهما، وكان إلى ذلك ممن يعملون ~~لإقامة العدل في الحكومات، ولتعزيز الحق الإنساني في القوميات، فيرى في وطنه صورة محبوبة ~~لجميع الأوطان، ويرى في قوميته ما يربط الإنسان بالإنسان، فهو الطليعة في نظري، بل هو ركن ~~من أركان الحياة الجديدة المنشودة التي ستشع خيرا وجمالا، وحبا وسلاما في كل ~~مكان. ms162