######OpenITI# #META# URI: 1359AminRihani.Rayhaniyyat.Hindawi81380829 #META# Tags: literary.criticism :: literature #META# ID: 81380829 #META# Title: الريحانيات #META# AuthorID: 93831791 #META# Author: أمين الريحاني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # بذور‏ # رسالة المؤلف‏ # الباب الأول‏ # وادي الفريكة أو العودة إلى الطبيعة‏ # الكتاب‏ # أنوار الأفكار‏ # مناهج الحياة‏ # الصلاة‏ # جهل الإنسان لحكمة الخالق‏ # عظة رأس السنة‏ # من على جسر بروكلن‏ # فوق سطوح نويرك‏ # وفي مثل هذا اليوم طابت جهنم‏ # التمدن الحديث‏ # الفقر وبنوه‏ # الضجيج والضوضى‏ # روح هذا الزمان‏ # شهداء العلم‏ # الحرب التي تهمني‏ # الخيانة وإبليس‏ # خطاب المسيح1‏ # بيني وبين مدير الجريدة1‏ # بين اللاهوتيين والعلماء‏ # ما هي السعادة‏ # بيتان للمتنبي‏ # مكروب الغيرة‏ # التعزية في المصيبة والمصيبة في التعزية‏ # الرداء الأسود‏ # فلتر‏ # جان جاك روسو‏ # وليم غاريسون‏ # تولستوي‏ # ابن سهل الأندلسي‏ # الثورة الإفرنسية1‏ # بذور للزارعين‏ # الباب الثانى‏ # الخطب‏ # المقالات‏ # الشعر المنثور‏ # الباب الثالث‏ # نور الأندلس‏ # تاريخ سوريا‏ # الأشجار الناطقة‏ # أصوات السكينة‏ # الشعر والشعراء‏ # الموسيقى الإفرنجية والعربية‏ # بلادي‏ # الكنيسة والجامع1‏ # روح اللغة‏ # تعددت الأسماء والظلم واحد1‏ # الثورة الحقيقية‏ # حكومة المستقبل‏ # الصوم‏ # هباسيا‏ # القديس أغسطينوس والغزالي‏ # صديقي الأعز‏ # رسم‏ # بذور للزارعين‏ # أبرشية الفريكة‏ # على الأرض السلام‏ # شبلي الشميل‏ # جرجي ديمتري سرسق‏ # الترقيع في العمل‏ # روح الثورة1‏ # الأخلاق1‏ # الباب الرابع‏ # الشعر المنثور‏ # في النكبة‏ # في الحرب وبعدها‏ # سوريا ولبنان‏ # بذور‏ # رسالة المؤلف‏ # الباب الأول‏ # وادي الفريكة أو العودة إلى الطبيعة‏ # الكتاب‏ # أنوار الأفكار‏ # مناهج الحياة‏ # الصلاة‏ # جهل الإنسان لحكمة الخالق‏ # عظة رأس السنة‏ # من على جسر بروكلن‏ # فوق سطوح نويرك‏ # وفي مثل هذا اليوم طابت جهنم‏ # التمدن الحديث‏ # الفقر وبنوه‏ # الضجيج والضوضى‏ # روح هذا الزمان‏ # شهداء العلم‏ # الحرب التي تهمني‏ # الخيانة وإبليس‏ # خطاب المسيح1‏ # بيني وبين مدير الجريدة1‏ # بين اللاهوتيين والعلماء‏ # ما هي السعادة‏ # بيتان للمتنبي‏ # مكروب الغيرة‏ # التعزية في المصيبة والمصيبة في التعزية‏ # الرداء الأسود‏ # فلتر‏ # جان جاك روسو‏ # وليم غاريسون‏ # تولستوي‏ # ابن سهل الأندلسي‏ # الثورة الإفرنسية1‏ # بذور للزارعين‏ # الباب الثانى‏ # الخطب‏ # المقالات‏ # الشعر المنثور‏ # الباب الثالث‏ # نور الأندلس‏ # تاريخ سوريا‏ # الأشجار الناطقة‏ # أصوات السكينة‏ # الشعر والشعراء‏ # الموسيقى الإفرنجية والعربية‏ # بلادي‏ # الكنيسة والجامع1‏ # روح اللغة‏ # تعددت الأسماء والظلم واحد1‏ # الثورة الحقيقية‏ # حكومة المستقبل‏ # الصوم‏ # هباسيا‏ # القديس أغسطينوس والغزالي‏ # صديقي الأعز‏ # رسم‏ # بذور للزارعين‏ # أبرشية الفريكة‏ # على ms001 الأرض السلام‏ # شبلي الشميل‏ # جرجي ديمتري سرسق‏ # الترقيع في العمل‏ # روح الثورة1‏ # الأخلاق1‏ # الباب الرابع‏ # الشعر المنثور‏ # في النكبة‏ # في الحرب وبعدها‏ # سوريا ولبنان‏ # | الريحانيات # | الريحانيات # تأليف # أمين الريحاني # | بذور # والآن أجيب أنا في نوبتي وأبدي أنا أيضا علمي [...] # 1 # إنسانا ولا أطري بشرا. # أيوب 32 : [...] # لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من كنوز الدنيا. # حديث شريف # ولو لم يكن إلا ما يشكك في اعتقادك الموروث لكفى به نفعا. فإن من لم يشك لم ينظر ومن لم ~~ينظر لم يبصر ومن لم يبصر بقي في الحيرة والعماية. # الإمام الغزالي ~~••• # إن عصرنا هذا لهو عصر الانتقاد والأشياء كافة ينبغي أن تخضع لا [...] ولكن الكثيرين من ~~الناس يظنون أن قداسة السلطة ترفع الدين والشرائع [...] فتوى النقد وتخرج بها من محكمته ~~الجليلة ناكرة صلاحية أحكامها. فإذا [...] ذلك تدمغ الشرائع الدينية والمدنية بالشبهة والريب ~~وتفقد الاحترام [...] نقدمه مخلصين للتعاليم التي تمحص في محكمة النقد - للتعاليم التي لا ~~يخشى واضعوها والمتشيعون لها أن تفحص فحصا مدققا. # كنت في كتابه: # of pure Reason ~~[...] # | رسالة المؤلف # | الباب الأول # | وادي الفريكة أو العودة إلى الطبيعة # قل كلمتك وامش # وادي الفريكة مهيب أكثر منه جميل، هو عميق ملتو، ينحدر من قرية صغيرة ليغسل ~~رجليه في نهر الكلب. هو صغير ولكنه كثير الزوايا والأسرار يجمع بين الدلب، الذي لا يعيش ~~إلا بالقرب من الماء، والصنوبر، الذي يكتفي بمشاهدة البحر من أعالي الجبال. وفي الشتاء ~~تنثر الطبيعة تحت قدميه أزاهر الدفلي، وتكلل رأسه في الربيع وفي الصيف بأزاهير اللزان. ~~ومع هذا الجلال والدلال تراه حاملا على منكبيه كثيرا من الأطواد التي تخضع صاغرة تحت ~~قدمي صنين، نعم إن ملتقى الجبال على منكبي وادي الفريكة، هنالك تعانق جبال القاطع ~~جبال كسروان ومن أعطافها تتدفق في الشتاء المياه التي تجري في نهر الكلب، هنالك تمتد ~~الأعناق وتنحني الرءوس وتضغط الخدود بعضا على بعض. وفي الصباح قبل أن يغيب القمر وتشرق ~~الشمس تتلألأ فوقها إلهة الحب لتباركها إلى الأبد. تشرق الزهرة من ms002 وراء جبل صنين وترسل ~~أشعتها الباهرة فوق الجبال التي يعانق بعضها بعضا عناقا أبديا على منكبي وادي ~~الفريكة. # في هذا الوادي من الصخور الشامخة والمنحدرات المخوفة والوهاد العميقة والكهوف ~~المظلمة؛ ما لا يرغب الناس في الانحدار إليه، فهو يقول للفلاح: تعال وفأسك ومنجلك، ~~ويقول لمحب الطبيعة تعال بأفكارك وتصوراتك، كما تقول الرياض لمحب السرور: تعال بالعود ~~والدن. # في صباح يوم من الأيام التي تقف حائرة بين الخريف والشتاء لبيت دعوة الوادي، ~~خرجت من بيتي بمعطف مشمع وأخذت أقفز عن الربى وأدب من تحت الصخور حتى وصلت إلى قلب ~~الغاب، نزلت لأتفقد الوادي بعد أن اغتسل بسحابة الخريف الأولى، هبطت على عادتي لا ~~ترويحا للنفس كما يقال، بل طالبا الإلهام ناشدا الفائدة. نعم أنا أقصد الوادي كما ~~يقصده الفلاح ولكن فأسي ومنجلي يختلفان نوعا عن فأسه ومنجله، وأحمالنا ونحن عائدان ~~تختلف كثيرا بعضها عن بعض. على أن حطب الغاب يفيد في هذه الأيام أكثر من حطب الخيال ~~والفلاح هو الفيلسوف الحقيقي، ولكن ذلك قلما يهمني، قد انحدرت إلى الوادي ووقفت على ~~صخر يشرف على النهر وتأملت فعل العواصف والأنواء الليلة البارحة - تلك الليلة التي دخل ~~إله الشتاء بعروسه الطبيعة. # كيف لا ومياه النهر والسواقي حمراء كالدم ... وقفت هنالك مبتهجا فأحسست بأن روحي ~~انفصلت عن جسمي وطارت فوق الأشجار البليلة وفوق الصخور الشهباء في الصيف السوداء بعد ~~الأمطار، طارت وطار معها ما تراكم على رأسي وقلبي من الأفكار والخيالات والأماني، ~~طارت مسرعة صامتة كما يطير السنونو والحسون في هذا الفصل. شعرت بأن روح الوادي تجسدت ~~في وروحي تجسدت في الوادي، فأنا إذن والوادي سواء. في نفسي ما فيه من الظلال ~~والخيالات والكهوف، في نفسي ما فيه من الصخور الشامخة والمنحدرات الهائلة والسواقي ~~الفائضة والأنهر الجارية، في نفسي ما فيه من العصافير والجنادب والنسور ومن الهوام ~~والذئاب أيضا أيها القارئ البعيد القريب. # صعدت قليلا وجلست تحت خرنوبة غضة وتنفست متنشقا هواء الأحراج المنعش فكاد يكون ~~لنفسي صدى في حفيف الأوراق، في ظل هذه ms003 السكينة يكاد المرء يسمع خفقان قلبه، وعند ~~توقلي في الصخر سمعت صوت رفرفة العصافير فالتفت إلى جهة الصوت وإذا بسرب كبير من ~~السنونو فر من أمامي ففكرت في نفسي قائلا: لو كان للطير أن يقرأ الأفكار لما كان ~~هذا السرب يفر الآن من وجهي بل كان يجيئني مغردا فأقبله ويقبلني ويسير بعدئذ ~~كل منا في سبيله، ولكن إخواني البشر لم يعودوا الطير مثل هذا والسنونو لم يقرأ ~~شيئا حتى اليوم مما أكتبه، إلى الآن لا يعرفني، وهل يلام على ذلك والإنسان نفسه لم ~~يزل يعجز عن فهم ما انطوى عليه الإنسان؟ # السكينة بعد العواصف، أتأملتها في زمانك؟ هي عندي نوع من الراحة الأبدية، السكينة ~~في الوادي تكاد تكون في هذا الفصل غير عالمية، فما أنعشها للنفس وما أجمل وقعها على ~~الأذن والقلب! ولو جاز أن تقول إن للسكينة ألحانا وأنغاما لقلت إنها أشجى في مسمعي ~~وأبدع من ألحان أمهر الموسيقيين. # وما معنى الألحان التي لا تسبقها وتتلوها السكينة؟ إنها عندي كلا شيء، بل هي ضجيج ~~مزعج ممل، وأما العبير المنتشر في الغابات بعد الأمطار - وخصوصا بعد السحابة ~~الأولى من فصل الشتاء - فيحير الكيماوي والنباتي والعطار، فما أشذاه وأطيبه وما ~~أبعده وأغربه! أيفاخرني الخليع بروائح الحشيش والأفيون وحبوب المسك والعنبر وغيرها من ~~«نسخات» المصريين؟ فوالله إن روائح الغاب والوادي بعد الأمطار لأطيب منها شذى وأبعد ~~منها غرابة وأشد منها فعلا في النفس. # مر علي ساعة من الزمن وأنا أتنشق هذه الروائح وأفكر في الحشاشين والروحيين ~~والبوذيين، في أولئك الذين يسكرهم الإيمان أو الأفيون فيرتفعون بأحلامهم إلى ما وراء ~~الطبيعة أو ينحدرون إلى ما تحتها، فنهضت وقد تخدرت أعصابي من أرج الأشجار الندية ~~وأفيون الأرض الندية، ونظرت بعين البصيرة إلى الأفق من خلال الأغصان فتنسمت من ~~الغيوم المتراكمة فيه خيرا وقلت في نفسي: إلى البيت يا ولد إلى البيت! فها قد اختبأت ~~في أعشاشها الطيور وعادت إلى أوكارها الحشرات والهوام وعدت نحو حظائرها الماشية. ها ~~قد انهزمت السكينة أمام الرياح وهبت الأوراق ms004 الصفراء البالية من الأدواح لتختبئ في ~~الغياض والأدغال. # وأنت، فما الذي يبقيك هنا؟ عد إلى عشك قبل أن تحاصرك الرياح، عد إلى عشك قبل أن تسل ~~عليك صوارمها الغيوم وتطلق مدافعها، قبل أن ترسل عليك السحب شآبيبها. فقبلت نصيحة نفسي ~~ونظرت حولي باحثا فرأيت بالقرب من شجرة صنوبر كبيرة صخرا قد نقرت فيه الديم ~~والأعاصير مغارة صغيرة فتقدمت نحوها ودججت تحت الصخر إليها دجا، وتأملت بعد ذلك حكمة ~~الطبيعة ورحمة العواصف والرياح، لا أيها القارئ، إن الطبيعة لا تظلم بنيها مهما اشتد ~~غضبها ومهما تعامت في مناحيها الهائلة المخوفة. وأما أولئك الذين يخافون الأمطار ويخشون ~~الأعاصير فيتفرجون عليها من وراء الزجاج فذرهم في نعيمهم يمرحون. أولئك فقراء الروح لا ~~يدركون الغرض الجوهري من الحياة الدنيوية، ولا يعرفون ما غرب وخفي فيها من اللذات ~~الروحية والجسدية، كم من مرة سمعت صوت النفس يناجيني قائلا: امش تحت المطر الهاطل ~~وعرض خديك لسهام الغيوم - بل لقبلاتها - فهي تسيل شوقا إليك، وإذا وجدت نفسك في ~~الغاب أو في الوادي في مثل هذه الآونة فلا تخف على جلدك من الذوبان ولا تهرول إلى ~~البيت كالجبان، بل قل لنفسك مكانك تحمدي أو تستريحي! افرح بكل مظهر من مظاهر الطبيعة ~~واستفد إن كان عندك ذروة من العلم. # عليك بشجرة وارفة الظلال فاشغل فكرك أو قلبك بشيء تراه حولك ولا تكن من الخاسرين، هذه ~~الفرص ثمينة يا صاح، وهي أندر من الغراب الأعصم، ولعلك لا توفق أيضا ~~للاقتراب من الطبيعة في شدة غضبها - في ساعة تهيجها واضطرابها، فاقترب منها ~~الآن! تعلم منها الثبات والإخلاص واستمد منها القوة والجلال. # إذا كنت في سفينة تتقاذفها الرياح من كل جانب وأوشكت تبتلعها الأمواج أتضيع وقتك ~~بالعويل والنحيب صارفا النظر عما يتمثل حواليك من جمال الطبيعة وهولها وجلالها، لا ~~أقول لك لا تصل إلى الله لينجيك من الغرق في مثل تلك الساعة ولكنني أقول اشكره ~~تعالى أولا وآخرا على أنه جعلك ممن شاهدوا هذا المشهد العظيم، ووقفوا هذا الموقف ~~الرهيب، ألا تظن ms005 مشاهدة البحر ساعة هيجانه تساوي شيئا وخصوصا إذا كنت في مركب واقع في ~~شبك أمواجه الزابدة، هل لنا أن نختبر مثل هذه الاختبارات النادرة كل يوم، ولنفرض أني مت ~~في الوادي تحت الغيث الهاطل أو سكنت قعر البحر تحت الموج المتراكم أينقص من نفسي ~~الأزلية شيء؟ فعلام الخوف والجبن؟ أيخشى الإنسان ربه؟ أيحاذر ابن الطبيعة أمه؟ ~~أتوجس النفس الأزلية خيفة من شيء زائل؟ # قد شذبت نصائح القوم ووضعت ما بقي منها في جيبي وسرت مع نفسي سيرا بطيئا بعيدا ~~عن طرق الوادي الضيقة، بعيدا عن تلك الخطوط الصفراء التي يراها التائه عن بعد فيقصدها ~~ويلازمها مطمئنا، سرت بين شرايين الوادي وعروقه طالبا في القلب مركزا جميلا تزينه ~~ثلاث من أدواح الصنوبر الشامخة، وقد تساوت كلها حجما وقدا وجمالا، رأيتها واقفة ~~هنالك شبه عرائس خرجن من خدورهن ليدعونني إليهن، وهل تظنني خاطرت بنفسي إذ لبيت ~~الدعوة؟ لا - وحياتك أيها القارئ - فقد خاطرت بشيء من اللحم والدم والعظام التي تقيد ~~النفس، أوليس من المحمدة أن يطلق المرء للنفس ذمامها مهما كلفه ذلك؟ أوجه هذا ~~السؤال إلى الشعراء لا إلى اللاهوتيين، أنا لا أذكر سوى اللذات الروحية حينما أكون ~~بالقرب من الطبيعة، ومتى عدت إلى المدينة فهنالك لذات جسدية تنتظرني، هنالك سرور ~~ينسيني النفس كما ينسيني سروري الآن سرور الجسد، وأما الكوارث والحوادث التي يخافها ~~الناس ويبالغون في التهويل بها فمتى جاءت تراني متأهبا تراني دائما مستعدا إلى ~~السفر. # الطريق التي اتخذتها إلى الصنوبر في الوادي هي الطريق إلى الحقيقة في العالم، وعلى ~~من يحب الاقتراب من الصنوبر وتتوق نفسه إلى فيء أشجاره وأرضه المفروشة بإبره ~~اليابسة أن يخاطر بكثير من الرفاهية التي ألفها. عليه أن يخاطر في الأحايين ~~بحياته - أي بلحمه ودمه - عليه أن يمشي بين العوسج والأدغال وعلى الشوك والبلان والشيح ~~بين الحجارة والرتم والقيضوم وفوق الصخور المغطاة بالطحلب النامي في ثقوبها الغار ~~والخنشار، عليه أن يدج دجا من تحتها تارة ويقبل شوك القرقفان الذي يعترضه ويشم رائحة ~~الطيون الذي تلتصق ms006 أوراقه بثيابه، وقد يقع تارة من صخر أملس ويزلق طورا على الأرض ~~المفروشة بورق الأشجار البالي. # وبينما هو سائر يسمع الحقيقة تخاطبه قائلة: أنا الصنوبر أيها الشاب الطلق المحيا ~~الرائع الوجه الرقيق العواطف الراسخ في علم السلوك المواظب على سنن الأدب والمسامرة، ~~فإن كنت تريد الاقتراب مني - إن كنت تحب الجلوس تحت جوانحي الخضراء المبللة بندى الحب ~~فعليك أن تترك وراءك نعومة المجالس وجمال الترف ورفاهة العيش وبذخه، عليك أن تدوس ~~شوك الخرافة وتمشي بين عوسج التقليد وتقطع أودية الأوهام وتعبر سواقي الحب الكاذب ~~وتتوقل في الصخور الشامخة وتسقط تارة في عليق الرؤساء وطورا في أدغال الحكام وأحافير ~~الشرائع، وإذا سلمت بعد كل ذلك فصعد في الصخور المعتزة بذاتها المتفردة بعظمتها ~~القائمة على شفر الهاوية من غير أن تشعر بشيء من الخوف والرعبة أو أن يخامرك شيء من ~~الريب بنفسك. ومتى وصلت إلي تقيم في ظلي سعيدا قريبا من الحياة بعيدا عنها في آن ~~واحد، وتصبح مثل قمة جبل الشيخ لا ملك فيك لأحد من الناس ولا لإحدى الطوائف والأحزاب، ~~تصبح إذ ذاك ملكا مشاعا للجميع، تبارك من عاش في ظل الحقيقة! تبارك من ملك ~~نفسه! # حاصرني المطر في كهفي الصغير ساعة من الزمن فأخذت أتأمل أثناء ذلك ما كان داخله من ~~آثار المخلوقات التي سكنته قبلي، فرأيت أن الحية كانت تدخله لتغير فيه ثوبها، ~~والثعلب ليأكل فرخته والضبع ليفترش فيها مائدته، كيف لا وهذا ثوب الحية البالي، وهنا ~~بعض ريش الدجاجة المسكينة، وهناك عظم من عظام الثعلب، وفي السقف والزوايا أنسجة ~~العنكبوت وفيها عشيرة من البعوض. وإني أؤكد أن هذه البعوضة الراقدة الآن في هذه الخيام ~~النحيفة آمن على نفسها من قيصر الروس في قصره، ولقد يستطيع حزاز الصخور أن يفيدني ~~شيئا من هذا الباب لو شاء ربك، لقد يستطيع الخنشار النامي على باب المغارة الباسط ~~جناحه المزركش فوق هذه الأوراق البالية أن يقص علي قصة غريبة عجيبة. فكم من حادث حدث ~~في جوف هذا الكهف لو كان لجدرانه ms007 أن تنطق وتتكلم! # آها على رفيق يشاطرني الآن هذا المأوى الصغير المعتم البارد - الجميل في ذاته! لا ~~أنكر أن العزلة جميلة، ولكن - رفيقا واحدا لأقول له من وقت إلى آخر إن العزلة ~~جميلة. فقد تاقت نفسي وأنا بالقرب من الطبيعة إلى نفس بشرية أخرى تريني بما فيها من ~~القوة والضعف ما خفي من قوتي وضعفي، تأملت وأنا في هذه المغارة ما في الطبيعة من ~~القوى الكامنة ومن الهول الراقد تحت ستار السكينة والجمال، فجرني الفكر إلى الهيئة ~~الاجتماعية الحاضرة الواقفة على شفر هاوية فتن لم يسبق لها مثيل في التاريخ، جرني ~~الفكر إلى ستار الكذب والتصنع والاحتيال الذي يسدله ذوي الغايات النفسية على الحقيقة ~~- إلى القوى الكامنة في الشعوب المظلومة - إلى الهول الراقد تحت ملاءة من الخوف والخمول ~~- إلى الخير الكامن في الأفراد الغيورين على الحقيقة الجريئين في الذب عنها. # ومهما اشتدت الاضطهادات على ذوي الأفكار فهم لا يحرمون كوخا يلتجئون إليه، تضربنا ~~الطبيعة باليسرى وتعيننا باليمنى، تعد لنا المغاور لنلتجئ إليها حينما يشتد غضبها ~~الأعمى، وإذا حملقت فينا الهيئة الاجتماعية وكشرت عن نابها ففي زوايا الأرض وأطرافها ~~نفوس حرة سامية تنعشنا بطيب شذاها، وتجدد فينا حرارة محبتها الحماسة ~~والنشاط. # وبعد أن وضعت حرب الرقيع أوزارها أشرقت السماء قليلا، فظهر شيء من نور الشمس من ~~خلال الغيوم والأغصان وحول نقط الماء المتجمعة على الأوراق إلى نثرات من الفضة ~~وحبات من اللؤلؤ الثمين، وأخذت - إذ ذاك - العصافير تطير من غصن إلى غصن ومن صخر إلى ~~آخر ساكتة خائفة، وهكذا تفعل بعد الأمطار والعواصف، فهل هي تشعر مع الشاعر بلذة التأمل ~~الذي توجبه السكينة؟ أتمثل الآن دور الفيلسوف بعد أن مثلت دور المنشد المطرب؟ # في مثل هذه الساعة - ساعة السكينة والهدو - لا تتوق النفس المبتهجة إلى الشمس ونورها ~~ولا تشتاق إلى بهائها وحرارتها، في مثل هذا الوقت من السنة تلذ لي الغاب ويبعدني ~~الوادي عن الأوراق والكتب، تلذ لي الغاب وما فيها من السلوى والإلهام والراحة، تلذ لي ~~ظلمتها وظلالها، سكينتها وصخورها ms008 وأشجارها وأدغالها، أشواكها وأزهارها، نعم إن ~~صوت الغيث الهاطل على الأشجار جميل فهو يضرب على أغصانها فيخرج منها أنغاما وألحانا ~~مطربة مدهشة، ولكن السكينة التي تتلو العواصف أجمل في أذن النفس وأطرب. # صوت الأوراق الصفراء التي تقع متناثرة إلى الأرض من ثقل ما عليها من الماء، أو صوت ~~نقطة ماء تقع من ورقة خضراء حية على ورقة يابسة ميتة، أو صوت فأس الحطاب بين ~~أشجار العفص والسنديان، أو أصوات الأولاد الذين يؤمون الوادي والغابات ~~طالبين الحلازين؛ هذا كل ما تسمعه في الغاب بعد ~~العواصف والرياح، وهو جميل؛ لأنه قليل في كثير: # عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى # وصوت إنسان فكدت أطير # صحيح ما يقال من أن الرياح والأعاصير تضر بمصالح الناس، ولكن أمن أجل الإنسان ~~ومصالحه الزمنية المادية خلق الله كل شيء. هكذا يقال في التعاليم الدينية. ولكن ~~الطبيعة تقول غير هذا القول، ويظهر لي أن الأعاصير تعوض أضعافا على الإنسان فالذي ~~تأخذه من ملكه الخاص تعيده إلى ملك الطبيعة والخسارة لا تكون إلا نسبية، وهذا ظاهر لكل ~~الذين وصلوا بترقيهم الروحي العقلي إلى درجة يتم فيها امتزاج الروح البشرية بروح ~~الطبيعة الشاملة. وهؤلاء القلائل لا يفقدون شيئا أزليا ولا يكسبون شيئا زائلا؛ لأن ~~الطبيعة بما فيها هي أبدا لهم وهم أيضا لها على غابر الدهر. # السير في شوارع المدن الكبرى يذكر الإنسان بالإنسان وأما السير في الوادي أو ~~الغاب فيذكر السائر بالخالق العظيم، الأول يدعو إلى العمل والثاني إلى التفكر ~~والتأمل. في الأول بعض اللذة التي يتبعها الإعياء والقنوط، وفي الثاني نوع من اللذة ~~الذي يتبعه النشاط والعزم وحسن الآمال. # يمشي المتنزه في شارع من شوارع باريز أو نويرك فيدهشه ازدحام الناس وتنقبض نفسه من ~~الضجيج ويتبلبل فكره مما يراه وراء زجاج النوافذ الكبيرة من مصنوعات الإنسان ومن التحف ~~والعاديات، ويمشي ابن الطبيعة في الغاب بين الأدغال وتحت الأشجار والأدواح فتنعشه روائح ~~الصنوبر ويسكره أرج الأرض الذكي الممتزج بروائح القويسه والبطم والغار، فيخرج من ~~بيت أمه وقد ملئ نشاطا ms009 وعزما وسرورا وبالأخص إذا كان معها في ساعة تهيجها، ~~يخرج إذ ذاك وهو شاعر بأنه يستحق أن تعامله الطبيعة معاملة مثيل لها، بل معاملة أحد ~~أعضائها المتساوين أمام الناموس الشامل الدائم الذي لا يبطل من أجل الأغنياء ولا يلغى ~~من أجل الملوك والأمراء. # وهكذا خرجت من الوادي بعد أن قضيت فيه بضع ساعات خرجت بعد أن تصفحت فصلا طويلا ~~من كتاب أميرة المنشئين وربة الكتاب. ~~••• # وكلما كنت أعبر طريقا ضيقة كثيرة الأخطار والمخاوف كان يخطر على بالي هذا السؤال: ~~من هو يا ترى فاتح هذه الطريق القديمة التي تدور حول الصخور وتمتد فوق الوهاد وتختفي ~~بين الأدغال فتفضي إلى النهر أو الساقية؟ من هو بطل هذا الوادي، من هو فاتحها يا ترى؟ ~~وما أدراك أن الطريق هذه خططتها الثعالب والذئاب، ما أدراك أن فاتحها ليس من بني ~~الإنسان. ولكن ما لنا ولها فها قد وصلنا إلى الكروم وما وراءها من غيوم السكر ونجوم ~~السرور، فتأمل الجفنات بعد أن أعطت الإنسان ثمارها في وقتها المعين، أتعرف لماذا ~~اسودت جذوعها؟ لأن الدم قد خرج منها؛ لأن عروقها قد جفت فيبست فخارت قواها وسقطت ~~إلى الأرض عن فسائلها، ولكن إذا كانت الجفنات تمثل لنا الموت فالطيون تحت الدكة وحول ~~الجفنة يمثل لنا بأزهاره الحياة الجديدة الأزلية. # قد لاحظت أن أكثر الأزاهير البرية التي تنور في هذه الجبال في أواخر الخريف هي كلها ~~صفراء صغيرة نحيفة، والذي يزيدها رونقا ويزيد محب الطبيعة دهشة هو أنها على ما هي ~~عليه من النحافة وضعف البنية لا تنمو ولا تزهر إلا في الأماكن الخشنة المخوفة، ~~فالزعفران ينبت بين العليق والشوك وتحت الصخور وبين الحجارة، والأقحوان الأصفر ينبت في ~~الودائق وعلى الطرق بين دوس المواشي والبغال، وبخور مريم يلوص لوصا من خلال الدكات ~~وثقوب الصخور، فكأنه يطل من نافذة بيته ليقول للمتنزه: عليك السلام، والطيون يعيش ~~قانعا راضيا في كل مكان، والحندقوق البري يتمايل تيها بين الشيح والأدغال بعيدا عن ~~منجل الفلاح، وأما الزعفران فهو أقل الأزهار طمعا ms010 وأكثرهم رقة واتضاعا، فهو يخرج من ~~تحت ترابه بعد أول سحابة من فصل الشتاء ولا يطلب من الطبيعة كثيرا ، لا يطلب منها إلا ~~القليل من الماء ليجدد حياته فيعطيها عوضا عنه بحيرات من نور أزهاره. # وكل هذه النباتات الجميلة الرقيقة تنبت وتنمو وتزهر وتذبل دون أن يلمسها بشر، دون أن ~~تشعر بحنو قليل من العالم الخارجي، هي تعيش لنفسها وللطبيعة فقط، عفوا، فلو وقفت أمام ~~معلف من المعالف في القرية لرأيت فيه كثيرا من هذه المخلوقات الجميلة الحقيرة، شيء ~~يحزن، ولكن لو كان الفلاح يحب الطبيعة لما كانت تعيش عنده الماشية، وأما الطيون فهو ~~أكثر النبات المزهر غرابة في أطواره؛ لأنه ينور في منتصف الصيف بعد أن يكون قد ذوى زهر ~~الوزال ويعود فيزهر ثانية في هذه الأيام - أيام الخريف والموت - أما هو فلا يموت، هو ~~يجدد شبابه فتخضر ثانية أغصانه الدبقة لتكللها الأنوار الصفراء. # والطيون سمج الهيئة قوي الرائحة لا تكاد تلمسه حتى يلصق بك قسما منه فهو يهبك شيئا ~~من روحه عند المصافحة الأولى، نعم هو حر كريم سره في يده وعلى لسانه، ولكنه غريب ~~بأطواره مستقل بأحواله مكروه عند الفلاح لكثرته وسماجته وقلة نفعه، وهو لا يزهر في ~~الربيع حينما تكون بقية الأزهار البرية آخذة مجدها زاهية بجلالها، ولكن بعد أن تزول ~~النعمة عن تلك تبدو على رءوس أغصانه الدبقة علامة الحياة اللطيفة، حياة الرقة والظرف ~~والجمال، نعم حتى الطيون يزهر ولكن بوقته وبحسب ناموسه، حتى على هذه النبتة السمجة ~~تظهر الطبيعة حسن صنعتها ولو آجلا. # ومن الأمور التي تستدعي الفكر وتستوقف البصيرة والبصر هو أن القدر يجعل عنايته بهذه ~~المخلوقات النحيفة بالنسبة إلى ما هو محدق بها من الأخطار والمخاوف، فكم من الأزاهير ~~البرية تنبت بين دواليب العربات وبين دوس الخيل والماشية! وقبل أن أختم هذه المقالة ~~أعرف القارئ بالأقحوانة الناسكة، فقد استوقف نظري ذات يوم أقحوانة واحدة بيضاء ~~زاهرة بين حجرين موضوعين في نصف الطريق على شكل الأثافي وعليهما حجر آخر جاء بوضعه ~~سقفا للبيت، ms011 والأقحوانة تحته زاهرة زاهية راضية بحالها غافلة عن الأخطار المحدقة بها، ~~تعيش هذه الأقحوانة بعيدة عن أترابها ولكنها ليست كنساك البشر بعيدة عن الناس، فالطبيعة ~~والتقادير بنت لها الصومعة في نصف الطريق بين أرجل المواشي التي تجيء وتروح عن شمال ~~صومعة الأقحوانة الناسكة وعن يمينها دون أن تمسها بشيء، وكم مرة مرت فوقها وبجانبها ~~العربات دون أن تحرك حجرا من حجارة الصومعة أو أن تؤذي صاحبتها! تباركت الأقدار! هكذا ~~تترك بنيها، وهكذا تصونهم من الأخطار. # | الكتاب # يقال إن الكتاب صنفان صنف يكتب ليعيش وصنف يعيش ليكتب، وقد فات من قال هذا القول ~~أن هناك كاتبا آخر يستحق أن يرفع فوق الاثنين ألا وهو الكاتب الذي يعيش ويكتب، ~~والفرق بينه وبين كتاب تينك الطبقتين طفيف في الظاهر. هو قائم بحرف العطف الصغير ~~ولكنه في الواقع عظيم وجدير بالاعتبار. # ولا بأس من التفصيل وإن أدى ذلك إلى التطويل، لا حاجة للقول إن من يكتب ليعيش لا ~~يكتب شيئا يذكر فيؤثر، هو كاتب مأجور يحرك اليراعة كيفما شاء السيد، هو حوذي الأدب ~~يعلق على عربة علمه تعريفة الحكومة ويسوق القلم كيفما شاء الراكب وإلى حيث يشاء، وقد ~~تقرر عند الإفرنج مقام هؤلاء المسودين المبيضين فلا يعدون عندهم من طبقة المؤلفين ~~وأرباب الأدب، وأكثرهم ممن ينشئون الجرائد ويراسلونها فيمارسون صناعة الكتابة زمنا ~~طويلا دون أن يتعدى اسم الواحد منهم إدارة الجريدة المستخدم فيها، وإذا تكلم الناس ~~هنالك في الصحافي مثلا يتكلمون فيه كما يتكلمون في التاجر أو الإسكافي أو الفلاح أو ~~الصراف، فيحصرون الحديث في الأرباح والخسارة، في عدد المشتركين والمعلنين وقلما ~~يذكرون الكاتب أو المدير أو المراسل. # وقد ينشأ من هذه الفصيلة الكبيرة فصيلة أخرى ممتازة باسمها الجليل ومعروفة على ~~الأقل بين المؤلفين إن لم تكن مكرمة عندهم ومحبوبة ألا وهي فصيلة الجهابذة ~~الناقدين، أولئك الذين ينظرون بالكتب الجديدة التي تصدرها المطابع دون انقطاع فينتقدون ~~ويماحكون ويغالطون. وهم قلما يقرظون ويمدحون، نعم الناقد كاتب مجهول يقصر عن ~~التصنيف فيقضي حياته الكتابية في انتقاد ms012 التآليف الجديدة، وقلما يشتهر فرد من أفراد ~~هذه القبيلة الغازية الضاربة على تخوم الآداب خيامها، وقلما يكون لها قائد أو شيخ أو ~~أمير، فكلهم في الميدان سواء «كل إذا عد الرجال مقدم» ولكن مع كل ما يحدثونه ~~من القرقعة والجلبة، ومع ما يجيء في طعنهم الشديد من النقد السديد لا يعدون من طبقة ~~الكتاب والمصنفين، هم ممن يكتبون ليعيشوا، هم ممن يعلقون على باب مكتبهم التعريفة ~~الرسمية. # وأما الطبقة الثانية من الكتاب - أولئك الذين يعيشون ليكتبوا - فقد تكبر الفائدة في ~~تآليفهم وتصغر بقدر ما يعيش الواحد منهم قريبا من الحياة البشرية المتحركة والحياة ~~الطبيعية الساكنة، فالذي يعيش في مكتبه أبدا ويؤلف بين الكتب والأوراق والمحابر بعيدا ~~عن حركة الحياة ومظاهرها يصنف لا شك كثيرا ولكنه لا يعيش حقا، وقد يسقط في كثرة ~~تآليفه سقطة الكاتب الأول في مقالاته المأجورة. الذكاء شيء نادر يا صديقي، ومتى وهبت ~~منه الطبيعة أحد بنيها فبالدرهم والقيراط، وأكثر المؤلفين المشهورين أفرغوا كل ما ~~أتوه من الذكاء بكتاب أو كتابين من كتبهم العديدة وما سوى ذلك يعد من طبقة ~~الكتابة التي يكتبها ذوو التعريفة الرسمية. # عندك من الكتاب الأميركان من يضطر أن يؤلف كل سنة رواية أو روايتين حتى يظل اسمه في ~~أفواه الشعب يردد وفي أنظارهم يتمثل، فلا ينساه إذ ذاك القراء ولا تخسر الشركة في طبع ~~تآليفه، فالكاتب الذي يضطر أن يؤلف على التوالي بلا انقطاع ليظل مذكورا معروفا لا ~~يجيء غالبا إلا بسقط المتاع وإذا كتب شيئا نفيسا فبالاتفاق وكبيضة الديك، كتابا ~~واحدا من بين تآليفه كلها التي تعد بالعشرات. # وبين مثل هذا المؤلف الذي يعيش ليكتب وذاك الذي يسود المقالات ليعيش شيء من النسبة ~~والقرابة، فكلاهما يكتب ما ينسى بعد القراءة الأولى وكلاهما أسير قلم، يمارس ~~الكتابة والتأليف كما يمارس التاجر تجارته والدباغ صناعته والفلاح الحراثة، فمن من ~~هؤلاء كلهم يتفرغ مثلا للذات العقلية والتأملات الروحية أو الرياضات الجسدية، من ~~منهم يخرج من دائرة مهنته الضيقة إلى حقول الحياة ورياضها ولو مرة ms013 في الأسبوع أو في ~~الشهر، من منهم يخرج إلى الطبيعة ليقرأ في كتابها النفيس الفريد ولو صفحة كل يوم أو ~~صفحتين؟ # من يكتب ليعيش إذا يعيش ولا يكتب، ومن يعيش ليكتب يكتب ولا يعيش. وأما الثالث فيقسم ~~وقته تقسيما حكيما ويفرد منه للطبيعة وللحياة وللأدب، الثالث يعيش حياة عقلية وروحية ~~وجسدية معا في حين يعيش الاثنان الأولان عيشة ناقصة ناشفة الواحد منهما عقلي ~~والثاني مادي والاثنان بعيدان عن العنصر الروحي العلمي الذي يجب أن يسود في كل ما ~~نكتبه اليوم. # الكاتب الثالث: الكاتب الذي يعيش ويكتب لا يصنف تصانيف فكتور هوغو أو فلتر ولا ~~يعيش عيشة ڤرلاين أو أديب إسحاق، وهو لا يكتب إلا في ساعة الإلهام والوحي، خذ لك مثلا ~~قريبا يشرح رأيي هذا شرحا جليا، تعال نقابل أيها الأديب بين فلتر وروسو أو بين ~~هوغو وهيني، فكم صنف فلتر وكم ألف، وكم سود من المقالات ونظم من القصائد وكتب ~~من الرسائل، وإذ إنه لم يخرج قط في حياته الخاصة عن الرسميات والتكلف جاء ما كتبه في ~~الموضوعات الاجتماعية ناقصا ففلتر الكثير التآليف لم يختبر العالم مثل روسو ~~والقليل الذي كتبه هذا يوازي الكثير الذي صنفه ذاك. # من منا يذكر اليوم من تآليف فلتر التي لا تحصى سوى رسائله وبعض رواياته، وأما ~~روسو فأكثر الذي كتبه يقرأ حتى في زماننا الحاضر، ومن لا يقرأ «الاعترافات» أو «إميل» ~~أو «الميثاق الاجتماعي» اليوم على نحو ما كان يقرؤها أبناء القرن الثامن عشر على عهد ~~الثورة؟ # عاش روسو الفيلسوف عيشة طبيعية بعيدا عن الرسميات والتصنع وسقط في خروجه عن ~~المألوف سقطات عديدة ولم يكتب ما كتبه إلا بعد الاختبار والتأثر، ولم يؤلف كتبه ~~الشهيرة إلا بعد أن قاسى ألوان العذاب واضطهد أشد الاضطهاد، وأما فلتر الخفيف ~~الروح الواسع الاطلاع الطويل الباع الذي بز زملاءه ذكاء ودهاء فعاش غالبا في ~~مكتبته بين المحابر والأوراق، عاش بعيدا عن الشعب كما يعيش الأمير أو الملك وإذا خرج ~~مرة فإلى بيوت الأشراف وقصور الملوك، وهكذا ألف ms014 ما ألفه وفي نفسه من تأثير هذين ~~الوسطين شيء كثير، ومثل هذه المقابلة يصح إطلاقها على هوغو والشاعر الألماني ~~هيني ، وكنت أود لو أذكر كتابنا عوضا من هؤلاء الإفرنج فعندنا اليوم من ~~المؤلفين من يصح بين بعضهم مثل هذا التنظير، ولكن ماذا يمكنني أن أقول وأنا لم أزل ~~أردد كلام النبي الذي قرأته البارح. # قال نبي الإسلام: «ما آتى الله أحدا علما إلا أخذ عليه الميثاق أن لا يكتمه ~~أحدا.» # لنقسم الكتاب قسما آخر إذا، لنقل إن الكتاب اثنان أحدهما يكتب ليرضي الناس ~~والثاني ليرضي نفسه، الأول يكتم علمه حبا بكيسه والثاني يبثه حبا بأدبه، فالذي ~~يكتب ليرضي الناس لا يحتاج إلى معرفة قرائه وما نشئوا عليه من التهذيب والأخلاق ولا ~~يهمه إن اختلفت مذاهبهم وتباينت مزاياهم وتضاربت أذواقهم فهو يجاريهم على ما يشاءون ~~ويخوض عباب البحر جاريا مع الأمواج سائرا مع التيار العام، ومعظم ما ينبغي له درسه ~~ينحصر في أحوال قرائه المدنية والاجتماعية وأذواقهم الفطرية، فيكتب ما يلائم ذلك ~~ويبسم ساخرا وهو يسوق بين التهكم والمجون يراعه. # هذا إذا كان عالما خبيثا وأما إذا كان غرا غبيا فيقول قوله معتقدا أن الحق معه ~~لا مع سواه، ثم يرفع حاجبيه ويصعر خديه ويقول في نفسه معجبا: حقا إن المرء ~~بأصغريه، أما العالم الحقيقي والكاتب المخلص المستقيم الذي يكتب ليرضي نفسه أولا فهو ~~يحتاج من المطالعة أوسعها ومن الدرس أكثره ومن البحث والتنقيب أدقهما ومن الجراءة ~~الأدبية أشدها. الأول يتذلل لهذا البك، ويتملق ذاك الباشا، ويجامل هذا المطران، ~~ويطنب في مديح ذاك الأمير، ويثني على كل ذي سلطة وسؤدد، عادلا كان أو ظالما، جاهلا ~~أو عالما، صادقا أو خبيثا، دنيئا أو نزيها. والثاني يحافظ على كرامة الأدب ~~ليعزز ما عنده من العلم ويبثه دون مراوغة ومحاباة فلا يقال عنه إذ ذاك هو عالم، ~~ولكنه جبان. # فمثل هذا الكاتب يبدي آراءه، سخط القراء أم رضوا، هو لا يكتم علمه أحدا، هو لا ~~يبعد الحقيقة عن الناس ولا يبعد الناس عن الحقيقة. ms015 الكاتب الأول يمحق بأعماله ما اكتسبه ~~من العلوم إذا كان مكتسبا شيئا، ويمسي بعد ذلك كعامة الناس، فيقف أمامهم لا ليفيدهم ~~ولا ليساعدهم على تحسين حالهم بل ليسلك مسلكهم في كل الأمور ويقتفي أثرهم ~~في كل شيء. والكاتب الثاني يدرس أحوال الأمة متأملا ويبحث في أخلاق الناس المتباينة ~~فيفيد إذ ذاك إذا كتب ويصدق إذا انتقد، الأول مسئول عما يكتبه لجيبه فقط والثاني مسئول ~~لضميره. والعالم الذي يكتم ما يعلمه خشية أن تكدر القراء أقواله هو كالطبيب الذي ~~يحجم عن العملية خوفا من أن يؤلم المريض، أو هو كالقاضي الذي لا يرشد المذنب ويوبخه ~~خشية أن يكدر خاطره الكريم. فما أجمل ما روى نبي الإسلام إذا: # ما آتى الله أحدا علما إلا أخذ عليه الميثاق أن لا يكتمه أحدا. # وما أقبح وأسخف ما يقول أولئك المحافظون المنقادون إلى الذوق العام الفاسد، فإذا ~~قرءوا مقالة مفيدة فيها شيء من الآراء الجديدة يمتعضون ويشمخون ويزدرون صاحبها قائلين: ~~إن هذا لا يوافق القوم ولا يلائم أذواقهم ومشاربهم، فلهؤلاء ولمثلهم أقول: كيف يتسنى ~~لكم إصلاح الذوق العام الفاسد إذا كنتم في كتاباتكم لا تقولون ما يكدر ولا تبدون رأيا ~~جارحا ولا تنتقدون انتقادا صحيحا إذا كنتم تنوون أن تجعلوا الذوق العام قياسا ~~عاما لكل ما تكتبونه فخير لكم أن تستعفوا وتتركوا للشعب القول، فهو يزيدكم في ~~أصول المجاملة علما ويثبت فيكم ما ألفتموه من حب الملاطفة ومراعاة الخواطر. # الكاتب الحر هو العالم الحقيقي الذي يضع أمام الناس نتائج علمه وثمار بحثه ودروسه ~~فيفيد الأمة بجميع مظاهرها مع محافظته على كرامة العلم وحرمة الأدب، هو يقول قوله ~~وإن كان ذلك معاكسا لميل العامة ومخالفا لأذواق الأفراد وأهواء ذوي السيادة، من ~~كتب للمستقبل لا يجازى على عمله في الحاضر ومن كتب للحاضر فلا يبقى له ذكر في ~~المستقبل. ويجدر بنا كلنا التمثل والعمل بقول من قال: # جعلك الله ممن يطلب العلم رعاية لا رواية وممن يظهر حقيقة ما يعلمه بما ~~يعمله. # وأخيرا وبكلمة أفصح، إذا لم ms016 تكن أوضح، الكاتب الذي يكتب ابتغاء مرضاة القوم ~~والكاتب الذي يكتب ابتغاء مرضاة الحقيقة - لا تقاطعني فقد انتهيت - أتعرف ما الفرق بين ~~الاثنين؟ الأول هو الثمر من البلح والثاني هو النواة، فكل الأول هنيئا مريئا ولكن ~~اعلم - رعاك الله - بأن النواة التي تنبذها خارجا تخرق الأرض وتتوارى تحت التراب إلى ~~حين ثم يسوق الله إليها سحابا فتسيل ماء فيحييها بعد موتها فتبزغ وتنمو ويكبر ظلها ~~ويأكل من ثمارها أعقابك وأحفادك وبنوك. # | أنوار الأفكار # هو الفكر مشعشعا في الفضاء منيرا لطرق السيارات وحبك النجوم، هو الفكر رافعا هذه ~~الكرة الصغيرة إلى مركز سام بين العوالم الكثيرة العظيمة التي ترى ولا ترى، نقطة ~~صغيرة في الفضاء غير المتناهي الذي تدور فيه ملايين من الكواكب وألوف من السيارات ~~ومئات من الأقمار والشموس، نقطة صغيرة في هذا الفضاء القريب البعيد، هذا هو عالمنا، ~~هذه أرضنا. ومع ذلك ترى الإنسان يشمخ ويتكبر ويرفع رأسه فوق رءوس آلهة الجوزاء، وإذا ~~كان لا بد من هذا فلأرباب الأفكار الحق الأول - على ما أظن - نعم إن كل فكر يتجسد على ~~هذه الكرة الصغيرة هو عالم كبير في عالم صغير، التفكير حياة العوالم كما هو حياة ~~الإنسانية، التفكير صلاة الفيلسوف، التفكير يولد الحركة المفيدة ويجلو العقل ويطهر ~~النفس، وليس التفكر بالأمر السهل، فصيغة الأفكار أصعب جدا من صيغة الجواهر، ~~والشعراء خاصة يعرفون ذلك ويكابدونه. # وبعد فقل لي كم أناس يعجزون عن الإجابة لو سألتهم فيم يفكرون؟ وكم من الناس لا ~~يفكرون البتة في حياتهم اليومية - فضلا عن الليلية - وقد يفكرون في أحلامهم عن غير ~~إرادة وإدراك؟ # إن قوة الفكر لأعظم من قوة الطبيعة، رويدكم أيها العلماء والماديون، فإذا قلتم ~~لي لا تقدر أن تسكن بين عناصر الطبيعة المهاجمة وأنت مقاوم لها أقول لكم إن مملكة ~~أفكاري واسعة ومملكة أحلامي أوسع، أعيش هنالك مطمئن البال بعيدا عن جراثيم الأطباء ~~وعن الجبال الباردة التي يعتصم فيها العلماء، والذي يسرني ويسر كل شاعر حقيقي هو هذا: ~~ليس في مملكتي كلها آلة واحدة ms017 للتشريح. تعالوا إذا نفكر كما نشاء ونعيش كما نفكر. ~~تعالوا نحلم أحلاما جميلة ونحب كما نحلم حبا جميلا. قد سئمت طرق العلماء التحليلية ~~التي تحصر حياة الإنسان بين كهف مظلم وقبر بارد، فمن الكهف إلى القبر عن طريق التمدن ~~الحديث، ما أجمل هذه السياحة! ولكنها - لحسن الحظ - قصيرة وأما السياحة الفكرية ~~الروحية التي يمر بها السائح على جزائر الحب وغيرها من الأماكن الجميلة، والتي يعجز ~~«هذا الفقير إلى ربه» عن وصفها فتلك سياحة طويلة، أولها عالم الأزل وآخرها عالم ~~الخلود. # ولذلك أقول: إن المرء يستطيع بقوة الفكر أن ينتصر على القوى الطبيعية، ويجد هنالك ~~قوة فوق الفكر، ألا وهي قوة الحب، فالحب ... ولكن تلك قصة أخرى تقصها العيون النجلاء في ~~بساتين الجمال ويهمسها النسيم في آذان الشقيق تحت سماء المنى والآمال، إذا أجلت في ~~حالة الناس فكرا فيكفي ذلك الفكر. املأ بندقية العقل يشتغل النابض لنفسه، تفكر ~~تلق نتائج فكرك آجلا أو عاجلا فهي تظهر رغم ما يعترضها من الصعوبات. # ولربما ظهرت في عمل صغير من أعمالك، أو في كلمة تفوه بها على الفور في الساعة التي ~~تأبى النفس فيها التحجب، أو في مساعدة تبديها لبعض الناس أو في خطوة تخطوها نحو ~~الغرب أو في لفتة تتلفتها نحو الشرق، أو في مصافحة تصافحها باغيا أو بغيا، أقول ~~لكم: تفكروا فالحركة التي تبدو في الكريات الدماغية حسب زعم الماديين إنما هي مثل كل ~~حركة تبدو في الكون، سواء في أقصى السيارات أو في أحط المخلوقات الصغيرة، الشرارة التي ~~تقدحها النفس تتطاير منك إلى سواك ولربما أنارت البعيد أكثر مما تنير القريب لربما ~~كانت أجلى لأولئك الذين يرونك من علوهم باحتقار منها لأولئك الذين ينظرون إليك من ~~العمق بغاية الوقار. # كنت أتمشى ذات ليلة على الطريق في الجبل فرأيت دخانا يتصاعد من خلال ورق ~~التوت بالقرب من كنيسة صغيرة، فطرقت تلك الناحية فرفعت إلي امرأة تخبز على «صاجها» ~~وفتاة توقد تحت «الصاج» أعوادا من التين وأغصانا من العفص، فسألت نفسي إذ ذاك: ms018 هل ~~النار التي تضرمها هذه الفتاة محدودة القوة، هل الجمر الذي يتأجج تحت هذه الصفحة ~~الحديدية منفصل عن القوة الشاملة المتفرعة في كل أجزاء المادة؟ يا لك من أحمق غبي! ~~أهذه أسئلة يسألها العاقل؟ أيوجد في الكون قوة منفصلة كل الانفصال عن قوة أخرى؟ ~~نعم، إن المادة تتجزأ ولكن حرك فيها القوة الكامنة فترتج وتتموج وتتأجج، وتعود ~~إلى الفروع التي تنفصل عنها وتتصل بها من البدء. # النار التي تضرمها الفتاة تحت «الصاج» أتعرف من أين مسيرها وإلى أين؟ ما الأشجار ~~والنبات إلا الكربون الذي يفصله نور الشمس عن الأوكسجين الموجود في الهواء، فقوة ~~النار من قوة الشمس وقوة الشمس من النيازك التي تتساقط أبدا عليها، والنيازك - تبارك ~~الباري - فربما مرت في طريقها على أورانوس أو على زحل أو على سيروس ولربما كانت منفصلة ~~عن سيارة تبعد عن سيروس بعد سيروس عن الشمس. # نعم إن الشعلة التي نراها الآن بعيدة العهد أيها الجاهل، لعلها أضرمت منذ ألوف من ~~السنين في كوكب يبعد عن شمسنا ملايين من الأميال، أضرمت هذه القوة النارية لتولد ~~قوات أخرى، أضرمت لغرض سام لا ليبدد نورها في الفضاء ويتلبد دخانها على إفريز ~~البيوت فقط، أضرمت ليتم بين جوهرها والجوهر الفرد عقد النكاح فتتولد عن ذلك قوة جديدة ~~كامنة في الخبز، والخبز في معدة الشاعر يولد قوة أخرى تنفصل عن القوة النارية، وتسري ~~في الدم إلى الدماغ وتولد هناك حركة أفكار بينها وبين لهيب النار التي نراها الآن ~~تشابه عجيب. فمن سيروس عن طريق الشمس إلى الأرض - هذه إحدى طرق النار ومن الأرض إلى ~~سيروس عن طريق الشمس - هذه إحدى طرق الأفكار، هذه رحلة من رحلات النفس البشرية، فلا ~~وقوف ولا انقطاع ولا نهاية، يا لها من دورة عظيمة غريبة سرية إلهية تجمع بين «من أين» ~~و«إلى أين». # نعم أنا على يقين أن الفكر لا يموت والنفس لا تفنى، والبذرة التي تقع من يد الزارع ~~على الصخر تساعدني أن أقدم ولو برهانا ضعيفا على اعتقاد قوي، فهل تظن ms019 - أيها ~~القارئ - أن البذرة هذه تموت؟ زرها في العام المقبل وانظر كيف خدمتها الرياح ~~وكيف أنعشها الشتاء وكيف عنيت بها الأعاصير. فقد جرفت لها التراب من أعلى الجبال ~~واستدرت لها الماء من الغيوم، وانظر الآن كيف ترفع رأسها من شق الصخر لتشكر للشمس ~~كرمها وللغيم فضله. # | مناهج الحياة # أليس في وسع المرء أن يعيش في هذا العالم دون أن تطبع روحه بطابع الملة وتصبغ ~~بصبغة الطائفة، ألا يقدر أن يكتسب ثقة إخوانه البشر دون أن يعلن تشيعه ويفاخر ~~بتعصبه ويكابر بغيرته الدينية مثلا أو السياسية، ألا يقدر أن يحب فئة من الناس دون أن ~~يبغض سواها، ألا يقدر أن يكون شريف الروح نزيهها عفيف النفس أبيها دون أن يحفر على ~~صفحات قلبه أو على جبينه بأحرف كبيرة: «أنا يهودي» أو «أنا مسلم» أو «أنا مسيحي» أليس ~~في وسعه أن يكون سعيدا محبا لامرأته وأولاده وأهله وبني جنسه دون أن يعلق في ذيل ~~ردائه أجراس الشيعة وجلاجل الملة كيما تبشر بقدومه حيثما توجه وتبدد بقرقعتها ~~كلما تحرك ذرات السكينة والسلام، أليس له أن يحب ربه دون أن يبغض أخاه في ~~الإنسانية، ألا يستطيع أن يرفأ ثوبه دون ن يمزق ثوب جاره، أليس في مكنته أن يصلي ~~دون أن يسب ويلعن ويتمنى لمن لا يصلي مثله الاصطلاء بنار الأبدية، هل تقوم محبة الله ~~بغير محبة الإنسان، هل يستحق أن يكون في ظل الأبوة الإلهية من لا يساعد على تعزيز ~~الإخاء البشري في الأرض؟ # كم مرة رددت نفسي هذه الأسئلة؟ رددتها متأملة وهي واقفة في طريق الحياة الواسعة، ومن ~~ورائها الماضي وجدرانه وآثاره وغباره ومن أمامها تمتد شعب ضيقة عديدة لطريق الحياة ~~الأصلية الواحدة، شعب تحير المسافر وتزعجه وتدهش المتبصر وتوقفه، فها قد وصلت مع عقلي ~~وروحي إلى حيث يصعب الحكم في الأمر، أنظل سائرين في طريق الحياة الرحبة التي لا يتخذها ~~إلا العدد القليل من البشر أو ندخل إحدى الشعب الممتدة أمامنا لنكمل سياحة حياتنا ~~الدنيا؟ وإذا عدلنا عن طريق الحياة الأصلية ms020 أي شعبة نأخذ، أي شعبة أسهل وأوسع وأجمل، ~~أي شعبة أقصر وأقرب إلى الدار التي نقصدها؟ # وإذا نظرنا حولنا نرى على كل رتاج من الشعب المختلفة حراسا وأدلاء، هذا يصيح ~~قائلا: طريقي طريق الخلاص. وذاك يصرخ مناديا: إلي إلي إن طريقي سهلة رحبة. شعب ~~عديدة وحراس وأدلاء كثيرون، كل يمجد طريقه ويسهلها في وجهنا، كل يدعي العصمة ~~ويشنع بالأدلاء الآخرين وبطرقهم. فنقف حائرين ناصتين، ونسمع الضوضاء مضطرين، فهذا يقول: ~~إن طريق جاري مسدودة. وذاك يقول إن طريق ذاك الدليل وعرة كثيرة المخاطر. # إن درب هذا الحارس شديدة المتاعب كثيرة العثرات والأحافير والهوات. إن طريق ذلك ~~الدليل الشرقية تؤدي بك إلى هاوية مظلمة. إن طريق هذا الغربية تفضي بك إلى واد مرعب ~~مخوف. طريقي طريق الخلاص والراحة. طريقي توصلك إلى جنة السماء. طريقي أنا رحبة وطريق ~~سواي ضيقة. طريقك ... طريقي ... طريقه ... فيا أيها الإله الحليم العظيم سكت هؤلاء ~~الحراس والأدلاء، أطف بروحك الطاهرة الهادئة هذه الجلبة والضوضاء لكيما نفكر قليلا ~~ونتبصر: أي منهم يا رب مصيب وأي طريق أقرب إليك؟ # وبينما هم في فوضى الكلام وأنا غائص في بحر مضطرب من الأحلام وصل جمهور من ~~المسافرين فاتخذ كل منهم طريقا من الطرق العديدة دون سؤال وتردد. # من منهم أتبع وأيا منهم أرافق؟ كل منهم عرف طريقه فسار فيها أما أنا فترددت وسألت ~~وبحثت وقابلت؛ فوجدت أن طريق الحياة الأصلية واسعة منيرة رحبة جميلة وشعبها العديدة ~~ضيقة وعرة مخوفة مظلمة. فحدت عنها كلها غير مكترث لتهديد الأدلاء ووعيد الحراس ~~وتنديد المسافرين وظللت سائرا في الطريق التي أوجدتني بها العناية الربانية من ~~البدء، فلا يعترض أحد مسيري ولا أحتاج فيها إلى حارس يحرسني أو قائد يقودني أو دليل ~~يدلني، هي طريقي تهديني فيها عين الله التي تنير العالم وترافقني روحه التي تزيل ~~من فؤادي الخوف والرعب ومن الطبيعة حولي الهول والأخطار. هي طريق لا لصوص فيها فيسلبوك ~~حريتك، ولا أدلاء فيضغطوا على إرادتك، ولا حراس فيفسدوا استقلالك ويتحكموا فيك. # أي أحسن؟ أن يبقي ms021 المرء عقله ونفسه مطلقي الحرية والإرادة أو يقيدهما بقيود ~~الملل والشيع والطوائف، ويشوههما بصبغة التحزب الأعمى؟ أي أحسن؟ أن تبقي هذه النفس ~~ذخيرة لك أو أن تخاطر بها على طريق من الطرق العديدة التي يجب أن تسير فيها صامتا ~~مطيعا؟ العاقل لا يخاطر باستقلاله، الحر لا يتاجر بروحه، الحكيم لا يرهن عقله لشيعة ما ~~ولا يتقيد بسلاسل التقليد. # لا يا صديقي، ليست هذه النفس قطعة أرض أو سلعة لترهنها أو تبيعها، ليس هذا ~~العقل برميلا من التفاح تتاجر به. سر في طريق الحياة الأصلية الرحبة، واترك - إن ~~استطعت - الشعب المتعددة لأدلائها. انزع عنك العلامات الصناعية، ارفع عن رأسك الإعلانات ~~الطائفية، امح عن صفحات قلبك ما خطه أجدادك من كلام الغيرة والتعصب، نظف - يا ~~أخي - لوح النفس، نظفه جيدا، وكن أنت الكاتب عليه لا سواك انقش عليه هذه الكلمات ~~الجميلة العذبة: الحرية، الحقيقة، المحبة، الاستقلال؛ كن إنسانا صرفا، كن للإنسانية ~~على الإطلاق، وإذا كنت ممن يحبون العلامات فكن كالحرف في النحو، أي: فلتكن علامتك عدم ~~العلامة، وقد قال أحمد الشدياق: # إذا واظبت على حب الحق وفعل الخير فلا تخش شر أحد من الناس، وما عليك إذا ~~تجنى الناس عليك وأنت بريء عند الله. # وإن كنت ممن لا يحبون الشدياق ولا يحفلون بقوله - إن كنت تؤثر عليه قول الرسل ~~الأبرار فاسمع كلام يعقوب: # إن كان لكم غيرة حرة وتحزب في قلوبكم فلا تفتخروا وتكذبوا على الحق، ليست هذه ~~الحكمة نازلة من فوق بل هي أرضية نفسانية شيطانية؛ لأنه حيث الغيرة والتحزب ~~هناك التشويش وكل أمر رديء. ~~(يعقوب 3: 15 و16 و17) # بشر يعقوب الرسول بالتساهل وأدرك مثل عالم اليوم ما للتحزب من النتائج الوخيمة ~~والأضرار الجسيمة، فالتساهل واجب فيما لا يعد جريمة، هو روح العصر وكنز من كنوز ~~التمدن القليلة، وكل عاقل واسع الفكر يشمئز هذه الأيام من كثرة الجزم والغيرة. فهو ~~لا يجزم قبل أن يبحث ويقابل ولا يتشيع قبل أن يتفهم كل أوجه الجدل المناقضة ~~لمبدأه، وإذا اعتقد بعد طويل البحث ms022 فاعتقاده لا يضمن الاحتقار لاعتقادات الغير، ~~الإطلاق ذميم والجزم دون استدراك جريمة، أنا لا أخشى أن أنتحل مثلا مبادئ أحزاب ~~متناقضة ولا أتردد؛ وذلك لأنني أرى في كل التعاليم والعقائد شيئا من الحقيقة وكثيرا ~~من الخرافات، لماذا نشتري إذا دون انتقاء واختيار؟ أنقبل على أنفسنا أن يغشنا ~~الجوهري بحلية ذات طلاء وبهرج، أمن العدل أن نتاجر ببرميل تفاح، نصفه فاسد ونصفه ~~صحيح، ونوهم الناس أن ما سوى التفاح من الثمار سام قتال؟ # أعطني ما هو صحيح من التفاح والإجاص والدراق والرمان وخل لك الفاسد منها، ~~جئني بما هو صحيح من المبادئ فأقبله وأحافظ عليه ولكن لا تعطني مذق لبن نصفه ماء وأنت ~~تقول هذا من نهر الجنة التي تدر لبنا وعسلا فاشربه ولا تشرب سواه، لا تسقني ~~سائلا مصبوغا وتقل لي هو الخمر، لا تجئني بماء عكر وتقل لي هذا مقدس هذا من نهر ~~الأردن فتبارك وبارك أهلك وأصحابك، وإياك أن تشرب من بئر زمزم أو من نهر القنج فتموت ~~ملعونا. # فيا سقاة العالم! إن خمركم ماء مصبوغ، إن ماءكم عكر يلزمه تقطير، إن فيه كثيرا من ~~الحشرات فيلزمه فحص مدقق، وعلى من يفهمون ويميزون أن يصفوه ويطهروه قبل الشرب. العقل هو ~~المصفاة التي تقينا من جراثيم الكذب والغش والتمويه، الاعتقاد لازم للبشر ولكنه يضر إن ~~لم يقرن بالتساهل، فكما أنني أريد الغير أن يحترم اعتقادي يجب علي احترام اعتقادات ~~الغير، وإذا احتقرت عقيدة ما دون سبب واجب تحتقر - لا شك - عقيدتي وتمتهن. التساهل ~~المتبادل إذا هو الدواء الشامل لكل هذه الآفات الاجتماعية والدينية، أي: أن وصفتي لداء ~~التعصب هي هذه السلبية: لا تعارض الإنسان الذي يمزج لبنه بالماء؛ لأنك أنت تتاجر أيضا ~~بنوع من الماء المصبوغ تدعوه خمرا، فغض النظر عنه إن كنت تريد المحافظة على مصلحتك ~~القائمة بالغش وهو يغض النظر عنك، ولكن يا ما أحيلي البعد عن اللبان وذاك الخمار ~~معا، يا ما أحيلي التجارة التي يكون الصدق فيها العنصر الأكيد. # قال الشاعر الألماني غرثي: «إن واجبنا ms023 الرئيسي في حياتنا الدنيا هو أن ننظر إلى كل ~~شيء بتعقل وتدقيق دون تحزب أدبي.» # فالتحزب - كما قال يعقوب - وبالأخص التحزب الديني لا يولد إلا التشوش والاضطراب وكل ~~أمر رديء، وأحسن من قول يعقوب الرسول وقول الشاعر الألماني وقول الشدياق وقول هذا ~~الفقير ما قاله الشاعر العربي: # وقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي # إذا لم يكن ديني إلى دينه دان # وأصبح قلبي قابلا كل صورة # فمرعى لغزلان وديرا لرهبان # وبيت لأوثان وكعبة طائف # وألواح توراة ومصحف قرآن # أدين بدين الحب كيف توجهت # ركائبه فالحب ديني وإيماني # | الصلاة # كثير من المتدينين لا يصومون ولا يصلون، وكثير من أولي الألباب الموصومون بوصمة ~~الكفر يغسلون أدران قلوبهم ببركات الصلوات، وينيرون بصائرهم بأنوار التأمل ~~والقربان، من أجل هذا لا يسوغ لنا أن نقول، إذا: إن كل من يصلون أتقياء وكل من لا ~~يصلون كفرة جهلاء، خذ لك مثلا جاء في تاريخ الثورة الإفرنسية الذي ألفه كارليل، أن ~~الأب تيراي كان يختلف إلى الكنيسة ليقدس كل يوم، وإن ترغت وزير المالية في عهد لويس ~~السادس عشر لم يكن يدخل قط بيت الله ولكن تيراي الكاهن كان فاسقا محتالا منافقا بل ~~كان لصا بمعنى الكلمة، وكان ترغت رجلا فاضلا صالحا وفيلسوفا نزيها عفيفا، فلا ~~الاختلاف إلى الكنيسة أصلح الأول ولا أفسد الابتعاد عنها الثاني. # ما نفعت كثرة الصلاة المنافق المحتال ولا ضرت قلتها أو عدمها بالصالح ~~الأمين. # أما من يتخذون لأنفسهم في هذه الأيام ثوبا قشيبا من الإلحاد مجاراة للزي وحبا ~~بالتيه والغي ويترفعون عن الصلاة ليثق المتثقفون بمبلغ حكمتهم وسعة علمهم وسداد آرائهم ~~وحسن أدبهم؛ فأقول لهم: اقرءوا تأملات بسكال أو خواطر مرقس أريليوس أو فلسفة أبكتتوس ~~أو اعترافات القديس أوغسطينوس؛ فتصلوا أثناء ذلك وأنتم لا تدرون أنكم تصلون. # وما الصلاة في أرفع درجاتها وأنقى مظاهرها إلا تأملات روحية ترفع الخاطئ (وليس فينا ~~- والحمد لله - من يستطيع أن يرجم تلك الامرأة) إلى سماء المحبة والسكينة والسلام. ~~كانت الصلاة في الأصل نوعا من التأمل الروحي، فالبربري ms024 الذي ينظر إلى الشمس التي ~~يعبدها يهتف قائلا: سبحانك ما أجمل نورك وما أبهاه، ثم يتضرع إليها مستجيرا ~~مستغيثا. ففي الأول تأخذه الدهشة والابتهال، وفي الثاني تنبه المآرب الدنيوية ~~جنانه فيتحرك بالتضرع لسانه. فالصلاة في أبسط حالاتها إذا هي عبارة عن إعجاب ~~الإنسان المحدود بذلك الكيان الإلهي غير المحدود. # ولكن عشاق النظام والتنسيق ورسل التأليف والتأسيس والسيادة - أولئك الذين يرفعون ~~التدين وطرقه على الدين الحقيقي وتعاليمه الأصلية؛ جعلوا الصلاة وسيلة روحية للتوصل إلى ~~شيء مادي دنيوي، وقد أكثروا منها حتى جعلوها مبتذلة بل قد حولوها إلى سبح وصور ~~وتمائم وأيقونات، يتاجرون بها، ويوجبون على العباد ابتياعها. فأصبحت ممقوتة من سواد ~~المتثقفين المستنيرين، ومهملة من كثير من المتدينين الذين يذهبون إلى المعابد لمجرد ~~العادة. والمثل يقول: الصلاة عادة والصوم جلادة. ~~«صلوا كثيرا وتضرعوا إلى القديسين والأولياء فيمنحوكم البركة ويدروا عليكم ~~الخيرات»، هذا هو تعليم أرباب الطقوس ومشايخ الطرق، وأما تعليمنا الذي نقدمه مع اعتبار ~~شعائر إخواننا المتمذهبين بالمذاهب المختلفة فهو هذا: صلوا قليلا بتأمل وتبحر فتنفتح ~~عين النفس فيكم وتتأكدوا - إذ ذاك - صغركم وعدم أهميتكم، فما هو الفرق بين هذا التعليم ~~الذي يجعل الصلاة واسطة إلى غاية دنيوية والتعليم الذي يجعلها الواسطة والنتيجة ~~معا. # إن الفضيلة لجزاء نفسها، والتأملات الروحية هي بذاتها ثواب كاف للمتأمل، وأما لذتها ~~فلا تظهر لكل إنسان، فالتاجر الذي لا يتفرغ للأكل مثلا لا يقدر أن يتأمل ويتفكر، وإذا ~~صلى مساء وصباحا فتلك عادة تستعبده فيخدمها على عماية دون أن يدرك أسبابها ونتائجها، ~~وعندي أن البومة التي تنعق في الليل على غصن يابس لخير من المرء الذي يردد الصلوات ~~كالببغاء ويبتاع القداديس من ذاك المحترم مثلما يبتاع الزيت والسمن من البقال. # من يضرع إلى القديسين لينصروه على أعدائه ويأخذوا بيده وينقذوه من نار الجحيم يحتقر ~~النفس ويكفر بالخالق، الصلاة واسطة يعرف بها المخلوق خالقه وليست نقودا يرشي بها ~~الإنسان ربه. # يوم كانت إسبانيا تحارب الولايات المتحدة وقف قسس البرتسطان على منابرهم ~~يتضرعون إلى الرب أن ينصر أعلامهم ms025 ويثبت أقدامهم ويعلي على أعدائهم حسامهم، وقفوا ~~على منابرهم ورفعوا نحو السماء أيديهم قائلين: ربنا امحق أعداء العدل محقا، ربنا ~~انصر جنود الحق والحرية، ووقف الآباء الكاثوليك في كنائس إسبانيا يتوسلون إلى ذات ~~الإله بلسان الخشوع مبتهلين قائلين: يا رب انصر كنيستك وعزز شعبك. أو شيئا من هذا، فهل ~~هذه هي الغاية يا ترى من الصلاة والقنوت والعبادة؟ # وماذا يقول ذاك الجالس على عرشه - عز وجل - في أبنائه هؤلاء الصغار؟ ماذا يقول لدن ~~ترفع إليه الجنود المسيحية صلاتها الربانية في ساحة الحرب قبل مباشرة القتال، فهل يتأمل ~~الجندي معنى هذه الصلاة الجميلة، هل يفكر بما ينوي عمله بعد أن ينتهي من: «نجنا ~~من الشرير آمين»؟ مثل لعينك جنديا روسيا يتلو الصلاة الربانية قبل أن يمتشق حسامه ~~على الياباني اسمعه أيها القارئ - اسمعه يقول: ~~«أبانا الذي في السموات» وكيف تدعو الرب أبانا أيها الشقي على حين أنت آت لتقتل ~~أخاك؟ ~~«تقدس اسمك» وكيف تقدس اسم الله - عز ذكره - وأولاده آخذون بسفك دماء بعضهم ~~بعضا. ~~«يأتي ملكوتك» هل تطلب ملكوته في حين تحاول تأسيس ملكوت دنيوي استبدادي، مشيد ~~على جثث العباد وملطخ بدمائهم؟ ~~«لتكن معنا مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض» إن في مشيئته السماوية المحبة ~~والسلام وأنت الآن في ساحة الحرب تمتشق الحسام على أخيك. ~~«أعطنا خبزنا كفاف يومنا» بأي قحة تطلب من أبيك السماوي خبزك بينا حصانك يدوس تحت ~~قدميه الزرع الذي تفضل أن تراه نارا من أن تراه خبزا. ~~«اغفر لنا ذنوبنا كما نحن نغفر لمن أساء إلينا» كيف تتلفظ بهذه العبارة وأنت الآن ~~تحارب إخوانك حبا بمن كبر عليك الأمر وعظمه، فإذا كان الياباني أساء إليك أو إلى ~~حكومتك لماذا لا تغفر له إذا، لماذا في الأقل لا تنسى أو تتناسى إساءته. ~~«لا تدخلنا في التجارب» وهل أنت تخاف من التجارب التي تخوض عبابها الآن، أي محنة أشد ~~من هذه التي رميت نفسك فيها. ~~«نجنا من الشرير آمين» أنت أيها المجرم تمثال الشر اليوم فكيف تطلب من ms026 ربك أن ينجيك ~~من الشرير؟ # هذي هي الصلاة الربانية التي يتلوها الجندي المسيحي في ساحة القتال، وإليك الآن ~~صلاة أخرى ترفعها النفس البشرية المحررة، النفس الحائرة القلقة إلى ذات الجلال، ~~فقابل بين الاثنين وحكم العقل في كل حال. # أبانا الذي في السماوات كن معي في الحياة وفي الممات، وإذا زدتني قوة فزدني يا رب ~~تواضعا، وإذا زدتني علما فزدني حلما، لا تمت في فضيلة لتحيي في أخرى، أنت يا رب ~~خلقتني لأعيش حرا كالطير، خلقتني لأعيش أولا لنفسي وثانيا لأخي في الإنسانية ولم ~~تطلب من أبنائك أن يقدموا إلى العظيم منهم ضحية بشرية، أنت منحتني عقلا لأفكر فإذا ~~فكرت قليلا لا تلعني، خذني بحلمك الواسع يا رب وإذا صرخت من سويداء الفؤاد طالبا ~~منك الرحمة لعبادك في أرضك فاستجب يا رب طلبتي. # يقول لي اللاهوتي: إنك تقدس اسمك حاضر ناظر في كل مكان، ويقول لي الفكر الذي هو قسم ~~صغير من الروح الأزلية التي اشتقت منك بأن الأمراض والأعاصير والعواصف والزوابع ~~والطوفان والحريق والحروب لا تحدث وأنت بجانبها تتفرج عليها، فأي هو أصدق يا رب؟ هل ~~أنت في الصين حيث المجاعة تحمل الآباء على بيع أبنائهم بشيء زهيد من القوت، هل أنت على ~~مقربة من أولئك الذين يموتون جوعا؟ # هل أنت في بلاد الروس حيث أبناؤك المسيحيون يذبحون المئات من شعبك الخاص؟ هل أنت في ~~قلب الأسقف الذي مر في عربته بين القتلة الأشرار وباركهم باسمك؟ هل أنت في ساحات القتال ~~المصبوغة بدماء الرجال؟ هل أنت في ولايات أميركا الوسطى حيث العواصف والزوابع تكتسح ~~البلاد فتدمر المساكن وتفني الألوف من العباد؟ هل أنت في الحريق الهائل الذي يبتلع ~~لهيبه الأمصار ويتركها وراءه ساحة مخيفة مرهبة فيها من الجثث والأشلاء المحترقة ~~والأشجار المفحمة والأبنية المتهدمة ما يقشعر له البدن وتنقبض منه النفس - ما يجمد منه ~~الدم في العروق؟ هل أنت في الفيلبين حيث الأعاصير تبتلع المراكب والبوارج وتمتد ~~بأمواجها إلى السواحل والقرى فتغرقها بلمحة عين؟ # هل أنت في المستشفيات حيث الألوف ms027 من بنيك تتألم وتتعذب وتئن وتتأوه؟ هل أنت في جراثيم ~~السل والحمى والهواء الأصفر والسرطان؟ هل أنت في مساكن الفقراء المزدحمة في المدن حيث ~~يموت المئات من عبادك من قلة الهواء والنور؟ رب هل أنت في كل مكان موجود وهل أنت ناظر ~~كل شيء؟ امنحني شيئا من النور لأجمع بين الطرفين، هبني شيئا من القوة لأوفق بين ~~الضدين، نقطة من بحر علمك يا رب لأنجو بها من شر أولئك الذين يتاجرون بالآخرة، أولئك ~~الذين يبثون في الأرض فاسدين، نعم قد فككت أغلال النفس وكسرت قيود العقل ولكنني على ~~الحق أمين، فبدد أمامي غيوم الحيرة وأرسل علي نور اليقين، وإن كنت قد أخطأت في ~~أسئلتي، إن كنت قد كفرت في صلاتي فالغفران لمن يتوب وأنا أول التائبين. # | جهل الإنسان لحكمة الخالق # في المثل الإنكليزي «الجهل سعادة» ولكن الكتاب والأدباء لا يكفون عن التنديد بالجهل ~~والتقبيح بالجهلاء، ولو كان فيما يكتبونه شيء من العلم والذكاء أو شيء من دلائل البحث ~~والعناء لاغتفرت لهم القساوة والعماية ولكن لأقاويلهم عند الناس شيء من القبول. ولكنهم ~~يكرهون الجهل ويحبون أنفسهم وهم عن التناقض غافلون، أولئك الأدباء يحتقرون الجهلة ~~الأغبياء بقدر ما عندهم من التصلف والكبرياء، وهم إذا ذكر الحجى والأدب يفاخرون وإن قيل ~~في حضرتهم فلان عالم يرفعون الحاجب وبشعرات أنوفهم يشولون. # نعم إن الجهل في كثير من الأمور سعادة، وما تنديد الأدباء وتعنيفهم إلا من قبيل ~~العادة أو هو ضرب من ضروب البلادة، كيف لا؟ وقد اعتاد أكثر كتابنا اتهام الجهل بكل ~~الرذائل والشرور، حتى لقد ينسبون كل جديد من القول إلى الغرور وكل خروج عن المألوف إلى ~~التمرد والفجور، لنرفق بجهل الإنسان ولا سيما إذا كان من نوع الجهل الذي يولده العرفان، ~~فلهذا الجهل حسنات لا ينكرها إلا الجهلاء والأدباء الأدعياء ولا يقدر حسناته إلا ~~الذين سلكوا طريق المعرفة فأدركوا في المقابلة والمقارنة ما لا يدرك في سواهما. # هذه آراء دونتها بعد أن قرأت بعض ردود القراء والأدباء على ما نشرته تحت عنوان ms028 ~~الصلاة. فجاء في اعتراضاتهم العديدة ما لا تعبأ به الأفكار الجديدة، وقد قالوا إن البحث ~~في نظام الكون جهل وحماقة ففاقوا بتطرفهم ما رموني به من التطرف والإلحاد، ولا أقول ~~كلمة في شتائمهم العديدة وأهاجيهم البليدة؛ لأن ما هو خال من الفكر والعلم والذكاء لا ~~يستحق التفاتي، وما الفرق بيني وبينهم إلا أني من الذين لا يدرون ويدرون أنهم لا يدرون ~~وهم ممن لا يدرون ولا يدرون أنهم لا يدرون. # إن مصائب الدهر لأكثر من نبات الأرض، فهل نحن في أحسن عالم من عوالم الله؟ إذا قلنا ~~نعم فماذا يصير بالأشقياء والبؤساء، بأبناء الغم والحزن والبلاء، بورثة الفقر والأمراض ~~والأسقام بالذين يعيشون تحت سقف العذاب وبين جدران الألم من عام إلى عام، ماذا يصير ~~ببني المصائب والنكبات وبالملايين من عباد الله الذين يعيشون تحت رحمة فراعنة ~~المغرب. # وإذا قلنا لا فلم لا نخلق ونعيش من البدء في العالم الذي هو أحسن من عالمنا؟ هل ~~تتراءى الحكمة الإلهية على ماجريات هذا الكون وتدبرها، لا نكاد نقول نعم قبل أن تتراكم ~~علينا أسئلة جمة تطرحها نفس آسفة على عقل مضطرب حائر. أقول نعم معك أيها القارئ ~~المتدين التقي، ولكن ما هي الحكمة في تكوين جراثيم السل والسرطان والطاعون والهواء ~~الأصفر؟ ما هي الحكمة في جعل هذه الجراثيم سريعة الانتشار؟ ما هي الحكمة في جعلها قابلة ~~الوراثة فتنتقل من الآباء إلى البنين الأبرياء، أليحفظ نوعها مدى الدهر؟ ما هي ~~الحكمة في تفجر البراكين النارية وقتل الألوف من عباد الله بغتة وهم يصلون في بيت ~~الله؟ # ما هي الحكمة في إطلاق الأعاصير الجوية على بلدان آمنة فتبتلع وهي سائرة ألوفا من ~~النساء والرجال والأطفال، المذنبين والأبرياء يمحقون على حد سواء، ما هي الحكمة من ~~تلقيح الشر العام بجراثيم الخير، ألا تقدر القوة الإلهية أن توجد في العالم خيرا ~~خالصا صافيا نقيا؟ ما هي الحكمة في الطوفان التي لا تحدث غالبا إلا في الأراضي ~~المأهولة المزدحمة بالسكان، ما هي الحكمة في إطلاق حرية الزلازل والزوابع ms029 لتفترس من ~~هم بالحرية أولى وبالحياة أحق؟ ما هي الحكمة أيها القارئ الحكيم في تواطؤ كل هذه ~~العناصر التي لا تعقل على هذه النفس الحاسة؛ نفس الإنسان الذي من أجله خلق الله كل شيء ~~ومن أجله سخر الليل والنهار، وهل لجهل الإنسان دخل في هذه النوازل والنكبات والحوادث ~~والضربات؟ وهل يعد البحث عنها كفرا والسؤال إلحادا؟ # فليجرد القارئ نفسه عن كل العقائد والخرافات ولو هنيهة من الزمن وليسألها هذه ~~الأسئلة، ولا يجب عليه أن يهتم فيما إذا كنت أعتقد بإله أم لا، واللبيب الذي يؤلف من ~~التلميح تعليما ومن الإشارة كتابا. إن اعتقادي كامن بل ظاهر في سطور هذه الكتاب ~~وبينها، فعلى القارئ أن يعمل الفكرة قليلا. # | عظة رأس السنة # ليس لي أن أخرج هذه الليلة لاستقبال السنة الجديدة وبوق الفرح بيدي كما كنت أفعل أيام ~~الصبوة، وهذا - والله - يحزنني، أراني الآن مقيدا في جانب مكتبي بقيود لا أعرف ما هي، ~~ولكنني أشعر بقوتها، أراني واقفا على المنبر الذي ابتعته ببوقي، فليعذرني الواعظ إذا ~~وقفت هذه الليلة موقفه، وأبديت بعض الأفكار بطريقة بسيطة فعالة، لا بأس من أن أقف ~~بين قرائي ولو مرة واحدة لألقي عليهم عظة رأس السنة هذه، وهي عظة قلما يعظها ~~القسس وقلما ينتبه إليها الواعظون على المنابر. # نودع هذه الساعة العام المنقضي ونود لو ودع معه كل منا سيئة واحدة من سيئاته ~~العديدة، أنا لا أطلب منكم المستحيل ولا أسألكم الانقطاع بتة عما قد ألفتموه، ~~ولا أحاول حرمانكم مما هو لذيذ وعزيز عليكم، أنا أيها الإخوة ممن تتوق أنفسهم ~~إلى الكمال البشري، ولكنني أحلم بذلك حلما ويا ما أحيلا الأحلام، لا يهمني بث روح ~~الكمال في العالم إذا كان ذلك يقضي على فرد من البشر بشيء من بذل النفس أو بشيء من ~~السعادة. ليست الكمالات البشرية تعليما سياسيا أو دينيا لنبثها بالقوة والإكراه ~~ولنعززها بالسيف والنار، لا، على الفرد أن يطلب الكمال طلبا، يجب أن تتوق نفسه إليه، ~~يجب أن يهيم هياما بمنيته الجميلة قبل أن ms030 يفوز بها، ولا يجب أن يكره على ذلك إكراها، ~~أنا إذا أطلب التحسين اليوم والتعديل ولا أطلب الإقلاع - كل الإقلاع - عما أظنه خبيثا ~~مضرا، أنا أسألكم أن تقصدوا قصدا حسنا وأنتم في باب العام الجديد واقفون، أسألكم أن ~~تستنجدوا بإرادتكم لتتمموا ما تقصدون، أسألكم أن تثبتوا على ما تنوون إتمامه من التحسين ~~والإصلاح فيكم وفي بيتكم وبيوت جيرانكم وأنسبائكم. # في كل منا مغامز وسيئات عديدة، نعرفها كما يعرفها أعداؤنا وأصدقاؤنا، ولو قصد أحدنا ~~أن يزيل عيبا واحدا فيه أو ينزع عادة واحدة قبيحة منه لتحسنت حال الهيئة الاجتماعية ~~بعض التحسين، لقل فيها الفساد، لضعفت دواعي الخصومات، لتلاشى الظلم والاستبداد ~~نوعا، وإني تنبيها للقراء الذين أجلهم وإسعافا لأولئك الذين يتلهون بإشغالهم عن درس ~~شئونهم الروحية والعقلية وإصلاح ما فسد منها واعوج؛ أنشر اللائحة الآتية وهي العظة ~~بالذات وللقارئ أن يزيد عليها إذا شاء ولكن ليس له أن يلغي شيئا من الشريعة أو ~~يخل بحرف من الناموس (أي: شريعتي وناموسي). # إذا كنت مسيحيا أيها القارئ فلا تضطهد اليهود وتحتقرهم، ولا تساعد حكومتك على ذلك، ~~واذكر أن دينك هو ابن دينهم وأن مخلص العالم هو نسيب مخلص العبرانيين، واذكر أيضا أن ~~بين النصارى كثيرا ممن ينامون مثل اليهود على صكوكهم، ويحلمون برباء أموالهم، ويسلبون ~~الأيم فلسها واليتيم ديناره والفلاح بيته وما ملكت يمينه، فلا تحتقر اليهود ~~إذا. # إذا كنت مسلما فلا تكن من ذوي الغيرة والحماسة في أمور دينك، واعلم أن الزمان ~~يقرب الأديان بعضها من بعض ولا يبعدها فكن أنت ابن زمانك، فقد ورد في بعض الآثار: ~~خلقوا أبناءكم بأخلاق غير أخلاقكم؛ فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم. # إذا كنت إسرائيليا فاهدم ولو ذراعا واحدا من الجدار الواقف بينك وبين بقية الشعوب ~~واذكر ما جاء في القرآن # لكل أجل كتاب # ولو هدم ~~مثلك كل عبراني ذراعا واحدا من السور المقدس لسهل امتزاجكم بالشعوب والأمم ~~فتعاملون إذ ذاك بين النصارى كما يعاملون بعضهم بعضا، أي: أنهم يضطهدونكم سرا بعد ~~أن اضطهدوكم جهرا، وهذه من ms031 حسنات تمدننا الحديث. # إذا كنت درزيا فاذكر أن الحاكم فعل ما فعل في زمانه من أجل انبساطه وسروره فقط لا ~~من أجل الآلهة الساكنين وراء النجوم، فلا تأخذ المسألة كلها بالجد إذا، وإن دعتك دولة ~~أجنبية إلى القتال في جبلك فحارب مع المظلوم مهما كان دينه، حارب الظالم وإن كان حماك ~~أو أخاك أو أباك أو ذا مال. # إذا كنت كاهنا أو قسيسا فلا تعظ رعيتك في المسائل اللاهوتية التي أشغلت توما ~~الأكويني والقديس أوغسطينوس طول حياتهما وماتا أخيرا حائرين، بل ألق عليهم مثل هذه ~~العظة إذا كنت تحب خيرهم وخير نفسك، ولك أن تسرق ما شئت منها وأنا لا أقول شيئا، ~~فالغاية تبرر الواسطة. # إذا كنت شريفا فارم شهادة أصلك إلى النار واذكر أننا كلنا من فصيلة واحدة نشارك ~~ذوات الأربع في كثير من الأمور. # إذا كنت صاحب لقب ورتب وأوسمة فاذكر أن غلادستون رفض الألقاب التي عرضتها عليه ~~الملكة فكتوريا وأن سبنسر رفض الوسام الذي قدمه له إمبراطور ألمانيا، وإذا تأملت ~~ذلك ترى من الصواب أن تبقي لقبك لنفسك وتعطي الأوسمة إلى أولادك ليلعبوا بها. # إذا كنت قاضيا فلا تحكم على المتهم بالحبس أو بالموت إذا خامرك أدنى ريب في التهمة، ~~تبرئة المذنب خير من قتل البريء، وإذا الضعيف والقوي أو الفقير والغني أمامك فاذكر أن ~~هذا يكذب تعمدا وذاك يكذب مضطرا فاغفر للضعيف الفقير إذا وخذه بعفو الشرع ~~الجليل. # إذا كنت أستاذا فلا تعلم تلامذتك ما لا تدركه أنت، لا تعلمهم ما لا تفهمه ولا تعتقد ~~صحته. # إذا كنت جنديا فلا تصوب بندقيتك إلى عصابة مسلحة بالحق، لا تحارب شعبا يطلب الحرية ~~والاستقلال. # إذا كنت طبيبا فلا تكن شاعرا؛ خشية أن يقال فيك. # ما زار في ضحوة يوم فتى # إلا وفي أصيله رثاه # إذا كنت كاتبا فلا تحرك قلمك إلا لتعزيز الحق على الباطل وطلق الرياء والمجاملة ~~والتدليس طلاقا باتا. # إذا كنت أديبا فلا تترفع عن الأشغال التي تزيدك صحة ونشاطا، واذكر ما قاله كاتب ~~أميركي: الأديب ms032 الحقيقي من يحسن الفلاحة كما يحسن الكتابة. # إذا كنت حوذيا فحب خيلك كنفسك وإذا حرن حصانك مرة فدعه يحرن مرتين أو ثلاثة قبل أن ~~تحرك سوطك، واذكر أن تحت الجلد الذي تسيطه خيوطا وعضلات حساسة تشعر بالألم كما يشعر ~~به كل مخلوق حي، فكن شفوقا إذا، ولا تضرب خيلك فترهقها وتهلكها. # إذا كنت فقيرا فلا تحسد الغني وليكن لك تعزية بأنك آمن من تعدي اللصوص وغدر ~~الفوضويين. # وإذا كنت - أيها القارئ - عاقلا حكيما تجد ما يهمك ويفيدك في هذه العظة أو في هذا ~~الجدول، فتش عنه واعمل به ونبه إليه صديقك وجارك، وها أنا ذا أهنئك سلفا وأهديك ~~سلامي. # | من على جسر بروكلن # أحبك يا نويرك على ما فيك من حركة وضجيج وازدحام، أحبك على ما فيك من غريب ~~الخزعبلات والأوهام، أحبك وإن كنت لا تحفلين بما يحمله شعراؤك من جميل الأحلام، أحبك ~~لا من أجل ملاهيك الحافلة وحدائقك الزاهرة وصروحك الشامخة ومنتزهاتك الفسيحة الباهرة، ~~ولا من أجل بناتك النشيطات الجميلات أو نساءك المترجلات، بل أحبك من أجل جسرك العظيم ~~فقط، ذلك الجسر الذي يراه المرء في الليل عن بعد وقد أضيء بالأنوار المتنوعة الألوان ~~فيظنه القسطان. # ومحبتي لهذا البناء الحديدي العظيم محبة الصانع لشيء جميل يصنعه، أحبه كأنه ملكي ~~الخاص، أحبه كأنه صنعة يدي، وكلما داهمتني جيوش الهموم واليأس سرت إلى الجسر وحصنت ~~هناك نفسي، هناك أنصب خيامي وبين أبنية المدينتين أرفع علمي، وأجيش من النور ~~والهواء جيشا جرارا فتتبدد أمامه غيوم الغم ويذوب ثلج الأكدار، فأقف إذ ذاك ~~منتصرا والهواء البارد النقي يورد خدي، أقف في منتصف الجسر فوق المراكب والبوارج ~~الجارية تحتي وبين العربات والأرتال المارة عن يميني وشمالي وأتهلل بفوزي المبين - بفوز ~~النفس على الهموم المحدقة - على الرزايا التي تغشيها، لا جرم أن من يقطع الجسر ماشيا ~~كل يوم يستغني في حياته كلها عن الطبيب والكاهن والمحامي - يستغني عن الطبيب لأن الهواء ~~النقي والمشي هما الطبيبان الحقيقيان، يستغني عن الكاهن؛ لأن المشي يساعد على التأمل ~~والتأمل ms033 يسمو بصاحبه إلى ما فوق السفليات ويعقد بين خالقه وبينه ذاك الاتحاد الذي ~~تتوق إليه كل نفس بشرية سامية، ويستغني عن المحامي ؛ لأن النفس إذا استجمت كل ~~يوم في نور الشمس وانتعشت من نسيم الصباح وناجت في الفجر خالقها يتولد فيها للخصام ~~كره شديد. # ألوف من الناس يقطعون الجسر كل يوم، ولكن كم هو عدد من يمشون ولا يخاطرون بأنفسهم ~~في الأرتال المزدحمة؟ عددهم أقل من عدد الحكماء في العالم. على الجسر طريق رحبة ~~خاصة بالمشي وطريقان ضيقتان لسكة الحديد والمركبات الكهربائية، وإذا اعتاد جمهور الناس ~~أن يعبر الطرق الضيقة في الحياة ترى الأرتال أبدا مزدحمة وطريق السير الواسعة أبدا ~~مهجورة. # قطعت الجسر ماشيا على عادتي ذات يوم من أيام الشتاء الشديدة الرياح الكثيرة ~~الأمطار، فكم من شخص تظنني صادفت في طريقي؟ رجلا واحدا وبوليسين، أما البوليسان فلا ~~فضل لهما في قيامهن هناك ولكن الشخص الآخر جدد في الرجاء، ما أجمل المطر على ~~الجسر وعلى النهر تحته وما أقبح قعقعة المركبات والأرتال وقد شحن فيها الناس كالمواشي ~~ما أشقى هؤلاء الناس، ما أثمن أوقاتهم وما أرخص حياتهم ما أعظم أشغالهم وما أصغر ~~أعمالهم، هم يخافون على جلودهم من الأمطار ولكنهم لا يخافون على رئاتهم من جراثيم ~~الملاريا والسل. يهربون من الهواء النقي ومن تحت سماء الله الواسعة؛ لأن ذلك تستوجبه ~~التجارة، يكرهون المشي؛ لأنه مضر بأشغالهم فبئس الأرباح ونعم الخسارة، يرى السائر على ~~الجسر أن الطريق الجميلة الرحبة قد خصصت به وبقليل من مثله فإذا مشى هناك يقدر أن يرفع ~~يديه إلى العلا ليمجد خالقه دون أن يسيء إلى أحد، ويقدر أن يتنشق الهواء مليا غير ~~ممزوج بهدروجين البشر. # ولكن لننظر في المسألة من وجه آخر، لو كان كل من يقطعون الجسر حكماء تهمهم صحتهم أكثر ~~من تجارتهم لازدحمت طريق المشي الرحبة وأصبح هواؤها كهواء الأرتال، سبحان من دبر ~~الأمور! فالطرق الفسيحة جميلة لأن عابريها قليلون، لتزدحم الناس مع جراثيم الملاريا ~~والسل إذن وأنا أمشي مع إخواني وإن قل عددهم ms034 على طريق الجسر المتنكب عنها وتحت سماء ~~الله. # وفي مثل هذا اليوم وقفت على الجسر بعد الغروب بنصف ساعة وسرحت نظري في مرفأ نويرك ~~الواسع المستدير الجميل، المرفأ الذي لا يخلو دقيقة واحدة في النهار أو في الليل من ~~البواخر والقوارب والمراكب واليخوت. بواخر قافلة وسفن حافلة وقوارب راسية وزوارق ~~تشق العباب ذاهبة جائية، وهناك في جنوب المرفأ ترفع الحرية رأسها قائمة على أركانها ~~لتضيء العالم الجديد بضوء نبراسها، رأيتها تلك الساعة تشعل مصباحها في الوقت الذي ظهر ~~فيه البدر من وراء مدخنة في مدينة بروكلن فخيل لي أن تمثال الحرية محطة للقمر على ~~الأرض يصل إليها نوره فتعكس الأشعة بعد أن تجتمع على وجهها الجميل وتذكر العالم الجديد ~~بثبات هذا الكوكب القديم، فقلت في نفسي: متى يا ترى تصير الحرية مثل هذا القمر ~~فتوقد مصباحها لا في الغرب فقط بل في الشرق وفي الجنوب وفي الشمال - في العالم ~~بأسره. # متى تحولين وجهك نحو الشرق أيتها الحرية؟ متى يمتزج نورك بنور هذا البدر الباهر فيدور ~~معه حول الأرض ويضيء ظلمات كل شعب مظلوم؟ أيتأتى أن يرى المستقبل تمثالا للحرية بجانب ~~الأهرام؟ أيمكن أن نرى لك في بحر الروم مثيلا؟ أممكن أن يولد لك أخوات في الدردنيل ~~وفي بحر الهند وفي خليج الصين؟ أيتها الحرية! متى تدورين مع البدر حول الأرض لتنيري ~~ظلمات الشعوب المقيدة والأمم المستعبدة؟ # وأنت أيتها البواخر المقلة إلى أوربا ومصر وعدن والهند منسوجات «نوانكلند» وقطن ~~«ڤرجنيا» وحديد «بنسلفانيا» وقمح «تكساس» وخشب «ڤرمنت» خذي معك إلى بحر الروم وبحر ~~الهند والبحر الأحمر والبحر المتوسط بعض موجات من هذه الأمواج التي تغسل أبدا قدمي ~~تمثال الحرية، خذي معك ولو زجاجة صغيرة من هذا الماء المقدس ورشي منها سواحل مصر وسوريا ~~وفلسطين وأرمينيا والأناضول، وإلى كل جزيرة تمرين بها وكل بلاد تقصدينها وكل شعب تحيي ~~سواريك قباب كنائسه ومآذن جوامعه احملي سلام هذه الآلهة التي تنير الآن طريقك في الخروج ~~من العالم الجديد وتوكل بك ما لها في السماء من ms035 شقيقات باهرات. # احملي إلى الشرق شيئا من نشاط الغرب وعودي إلى الغرب بشيء من تقاعد الشرق، احملي ~~إلى الهند بالة من حكمة الأميركان العملية وعودي إلى نويرك ببضعة أكياس من بذور الفلسفة ~~الهندية، اقذفي على مصر وسوريا بفيض من ثمار العلوم الهندسية واقفلي إلى هذه البلاد ~~بفيض من المكارم العربية. أيتها البواخر الآيبة حيي عن جسر بروكلن خرائب تدمر ~~وقلعة بعلبك وأقرئي أهرام مصر سلام هذه المعالم الشاهقة المشعشعة بالكهرباء. سيري ~~أيتها السفن بسلام وارجعي بسلام. ~~••• # وقد شاهدت الآن ثلاثة مناظر عظيمة لا أقدر أن أنساها حياتي، لا أتناساها؛ لأنها عندي ~~أشبه برموز جميلة لدعائم الحياة الروحية الثلاث هي مراحل في رحلتي الفكرية التي ~~باشرتها منذ خمس سنين، أو من حين ولدت، نعم إني طفل في العالم الروحي، إني سائح في ~~مروج النفس وأوديتها. أمامي مسافة طويلة يجب أن أجتازها وتحتي هوة هائلة يجب أن أسبر ~~غورها، وفوقي فضاء غير متناه ينبغي لي أن أتمتع بجماله، وحولي من المروج والجبال ~~والأنهر والبحار ما يشغل معظم وقتي لو عشت ألف عام. # أما المناظر الثلاثة التي تمتع بها طرفي حتى الآن فتركت أثرا عظيما في نفسي ~~فهي لبنان وسواحله من ذروة جبل صنين وباريز على برج إيفل ونويرك في الليل من منتصف جسر ~~بروكلن. فالأول إنما هو رمز الطبيعة، والثاني رمز الفنون الجميلة، والثالث رمز الكد ~~والاجتهاد، وهذي هي دعائم الحياة الروحية الثلاث، فالمنظر الأول صنعة الله، والمنظران ~~الآخران صنعة الإنسان. المنظر الأول أو الطبيعة هو منبع النفحات الإلهية والإلهامات ~~الروحية، والمنظر الثاني أو باريز هو منبع التفنن في الصناعة على الإطلاق، والمنظر ~~الثالث المنبسط أمامي الآن # 1 # إنما هو عنوان الجهاد والجلد والثبات والنجاح، فإذا كنت أيها القارئ شاعرا ~~أو مصورا أو كاتبا بل لو كنت صباغا أو دباغا أو إسكافا وجه نظرك إلى ~~الطبيعة أولا تستمد منها الإلهام الإلهي وعنها تقتبس الألوان البديعة والمناظر الجميلة ~~والأشكال الأنيقة والنغمات السماوية، وعرج على باريز ثانيا تتعلم منها دقة الصناعة ~~ولطافة الأسلوب وجمال ms036 الفنون وغرابة الإبداع وسر الابتكار وانزل على نويرك ثالثا ~~تأخذ منها الاجتهاد والجلادة وتتعلم من أهلها الاستقلال في العمل والثبات بعد الفشل، ~~الطبيعة - التفنن - الاجتهاد - هذي هي أس الأعمال الفكرية، هذي هي دعائم الحياة ~~الروحية. # لبنان - باريز - نويرك - في الأولى روحي وفي الثانية قلبي وفي الثالثة الآن ~~جسدي. # | فوق سطوح نويرك # دخلت ذات يوم مصعد إحدى بنايات نويرك الشاهقة فرفعني الخادم في أقل من دقيقة إلى ~~الطابق الأخير منها - الطابق الخامس والعشرين - ومن هناك أخذت أدور صاعدا درجا من ~~الحديد لولبيا حتى وصلت إلى قبة البناية العظيمة، قبة تكاد تختفي بين الغيوم في ~~النهار وتضيع بين النجوم في الليل، قبة ترتفع فوق أبنية نويرك العالية ارتفاع هذه فوق ~~بيوت الفقراء الحقيرة. ومن هناك يشرف المتفرج على مدينة نويرك العظمى وينظر إليها نظرة ~~الطائر، ولكن يجب عليه قبل أن يرى أسواقها المزدحمة أن يطل من حالق على سطوحها المشتبكة ~~بأسلاك البرق والتلفون المغشاة بالدخان المتصاعد من المداخن ومن آلات سكك الحديد ~~الجارية فوق الأسواق. # وبعد أن وقفت في القبة بعيدا عن ضجة الأشغال وحركة التجارة وصياح باعة الجرائد ~~وضوضاء الأرتال والمركبات تنشقت الهواء النقي الذي يندر في البيوت والأسواق، تنشقت منه ~~مقدارا وافرا وسرحت نظري فيما تحتي من السطوح وما فوقها من المداخن التي يتصاعد منها ~~الدخان على الدوام في النهار وفي الليل، فخيل لي أن هذه المداخن أفواه براكين هائلة ~~تنذر بقدوم انفجار عظيم، فكأنها أيادي أولئك المعدنين السوداء مرتفعة نحو السماء ليصرف ~~الله عنهم البلاء، وكأن الدخان المتصاعد من أناملها هو الفائض من دخان الظلمات التي ~~يسكنها المعدنون ويحفرون فيها، ساكتين صابرين. # ألوف من المداخن تنفث في وجه السماء روحها الغازي رافعة إلى الخالق احتجاجها على ~~القائلين بحركة العمل المستمرة، بالحركة الدائمة التي لا يتخللها راحة ولا هدوء. تأملت ~~هذا الدخان مليا ونظرت في تكوينه وأشكاله، في اجتماعه وتبدده، في صعوده وسقوطه، في ~~انسلاله وهجومه، فرأيت هنالك أشباحا وحشية ترتفع تارة وتنخفض أخرى وتهجم على الهواء ~~هجوم الزوابع في ms037 الفضاء فكأنها تريد إفساده بنفسها الغازي القتال. هي أمواج ~~بخارية تتلاطم وتنتفخ وتتبدد في الجو، هذه تشبه حية تنساب وتختفي وتلك تشبه جاموسا ~~يشول برأسه وينطح بقرنيه السماء فيعود منهزما مسحوقا متبددا في الفضاء. # أغمض الطرف قليلا وعد معي إلى عالم التجارة والعمل! ألا ترى لتلك الأشباح ~~والهيئات المرعبة أمثالا في الهيئة الاجتماعية، ألا ترى كيف هذا الجاموس في البورص ~~ينطح تلك النعاج الصغار فيقتلها، ومن ثم ينطح خالقه فيقتل نفسه، ألا ترى تلك الحية في ~~الهيئة الاجتماعية تنفث سمها في الإخوان ولا تلبث أن تنفد قوتها المميتة فتتلاشى كما ~~تتلاشى أمواج الدخان. أترى هذه المداخن فوق هذه السطوح؟ لينفذ بصرك في الضباب المتصاعد ~~منها فترى ما ورائها من الشقاء والبلاء، من الويل واللأواء. # إن وراء هذه المداخن وإن شئت فقل تحتها ألوفا من الأرواح البشرية التي تضرب بالمعاول ~~تحت الأرض اثنتي عشرة ساعة كل يوم؛ فالدخان هو روح الفحم الذي يحترق في الألوف من ~~الأكوار والمواقد والأتن. ومع الفحم أيضا تحترق أرواح أولئك الرجال والأولاد الذين ~~يعدنون في ظلمة قتالة لا يدخلها الهواء ولا النور ولا الماء إلا بالطرائق ~~الصناعية، فهم يستخرجون الفحم وهم يحملونه إلى الأرتال التي تنقله إلى المدن والقرى، هو ~~عملهم المقدس الذي يحترق الآن أمامك ويذهب أدراج الرياح، نعم إن نتيجة عملهم للعالم ~~عظيمة ولكنها لأنفسهم عقيمة، هي كالدخان الذي يتبدد الآن تحت عينيك. # لا بد لنا من الفحم في الوقت الحاضر، ولكن أيبطل في المستقبل استعماله؟ إن كثيرا من ~~البيوت الآن تستعيض عنه بالغاز للطبخ وللدفاء وبعض شركات السكك الحديدية تستخدم عوضه ~~الكهرباء، نعم قد تنفد المعادن يوما من الأيام فيحرر المعدنون من العبودية التي لا ~~مثيل لها حتى في العبوديات القديمة - العبوديات التي أبطلت بحد السيف وسفكت من أجلها ~~دماء الأحرار. # لا يمضي شهر إلا ويحدث في معادن الفحم في هذه البلاد وفي غيرها كوارث تقضي على مئات ~~وألوف من المعدنين بالموت السريع، فكم مرة انهالت الأرض على أولئك المستعبدين وهم على ~~أشغالهم ms038 تحتها مكبون قانعون فأيمت ألوفا من النساء ويتمت ألوفا من ~~البنين، فضلا عن استخراج الفحم فإنه تمثال الموت التدريجي البطيء، فكل معدن يموت ~~بحكم الطبع منتحرا؛ إذ ليس الانتحار محصورا بتجرع السم وباستنشاق الغاز وبإطلاق ~~المسدس، لا، الرجل الذي يضطر أن يشتغل مع بنيه الصغار تحت الأرض فيحرم الهواء النقي ~~والنور وجمال الفضاء لا يموت أبدا موتا طبيعيا، والهيئة الاجتماعية التي لا تقوم ~~إلا بشقاء فئة من بنيها هي هيئة مظلمة مختلة، هي هيئة فاسدة تفتقر إلى كثير من الإصلاح ~~والتعديل والتحسين. قد تقدمنا على ما يزعم بعضهم في الحضارة والتمدن، وقد حررنا على ما ~~نعلم العبيد وأطلقنا الحرية في بلاد الغرب لكل امرئ، فقيرا كان أو غنيا، ولكن ~~العبودية الجديدة تظهر في مظاهر مختلفة وأثواب غريبة. فماذا ينفع السجين قولك له: أنت ~~حر، ماذا ينفعه تغيير ثوبه المخطط بثوب الرجال الأحرار إذا ظل راسفا في سلاسل الحديد ~~مسجونا في غرفته المظلمة. # قد تغيرت القيود وتنوعت السلاسل واستبدل النخاسون بغيرهم، تعددت الأسباب والموت ~~واحد، إن في الولايات المتحدة من العبوديات أنواعا وأشكالا، فهاك العبودية في ~~المعادن، والعبودية في آبار الغاز، والعبودية في معامل الأنسجة، وفي عالم العمل على ~~الإطلاق، فمتى يا ترى يتحرر الإنسان حقا، وتشمل السعادة والراحة كل أسرة ~~بشرية. # كفانا تأملا في المعادن والمداخن والدخان، لنعد إلى عالم التجارة لنسقط إلى ساحة ~~الجلبة والحركة والضوضاء، ها قد صرت في الشارع أسمع باعة الجرائد ينادون على جرائدهم: ~~أخبار أخيرة! أخبار مهمة! فابتعت نسخة من جريدة المساء وعدت إلى البيت تحت ضباب الفكر ~~وبين دخان النفس ولهيبها، فجلست إلى الكانون وقرأت الخبر الآتي: # اضطراب هائل في البورص وسقوط عظيم في الأسهم! قد بلغت الخسارة في ساعة ~~واحدة خمسين مليون دولار بسبب سقوط الأسعار الفجائي. # خمسون مليون دولار تخسر وتكسب في هنيهة من ~~الزمن وألوف من المعدنين يضربون بالمعاول عشر ساعات في النهار ويخاطرون بأرواحهم وأرواح ~~بنيهم في الظلمات الكالحة تحت الأرض من أجل دولار أو دولارين! ما أجمل هذا العالم ms039 يا ~~صاح، وما ألطف هذا التمدن الحديث الذي يأتينا في كل شارقة وبارقة بمثل هذه الغرائب ~~الخارقة. # | وفي مثل هذا اليوم طابت جهنم # بيت حقير صغير، بارد قاتم، لا نور فيه غير نور شمعة ضئيل وما يدخله من نور الكهرباء ~~في الشارع، وكانون فارغ يصفر فيه الهواء الآتي في المدخنة من السطح، وامرأة فقيرة تنتظر ~~رجوع زوجها من المعمل، وطفل مريض يئن من الألم ويرتعش من البرد. # ونحن الآن في أقسى شتاء رآه الزمان. # أسواق المدينة مغطاة بالثلج والأرصفة مغشاة بصفحات رقيقة من الجليد ومياه الأنهر ~~جامدة مجلدة وأنابيب الماء والغاز متفجرة، والنور منقطع عن البيوت والمساكن ~~والمعدنون مضربون عن العمل، وأصحاب المعادن لا يبيعون من الفحم إلا القليل، وشركات ~~الاحتكار ترفع الأسعار أضعافا وتقفل مخازنها في وجه الأمة. # وهذا أشد البلاء على الإنسان. # امرأة فقيرة ترتعش من البرد بالقرب من سرير طفلها المريض وقد بعثت بابنها إلى المخزن ~~بآخر فلس معها لتبتاع رطلا من الفحم حبا بهذا الطفل الذي يموت دنقا فعاد الولد ~~سريعا ورمى السطل الفارغ إلى الأرض لاعنا شركات الفحم الاحتكارية ونافخا في يديه ~~المرتجفتين ليدفئهما «لا فحم للبيع يا أماه لا فحم للبيع البتة» وتقدم نحو الموقد ~~البارد وصفعه برجله قائلا: «نعم ما كنت عليه أمس وبئس ما أنت عليه اليوم كنا في ~~الأمس نحصل على رطل الفحم يا أماه ولو بنصف مياومتي، وأما اليوم فعلى الفحم السلام، ~~وأصحاب المخازن لا يكلفون أنفسهم الكلام على الأقل، فترينهم جالسين على كراسيهم ينعسون ~~أو يدخنون رافعين رجليهم فوق مكاتبهم غير مكترثين للنساء والأولاد والرجال الواقفين تحت ~~الثلج وفي القر والزمهرير والسطول الفارغة بأيديهم، وعوضا من أن يكلموهم بالإحسان ~~يعلقون رقعة على الباب مطبوع عليها بأحرف كبيرة: (لا فحم اليوم للبيع) أود - والله - لو ~~وضعت أناملي هذه حول عنق أحدهم.» ~~- لا بأس يا بني فالحالة هذه لا تدوم. # وعند ذلك دخل الرجل بيته عائدا من المعمل، فنفض عن قبعته وثيابه الثلج وجلس على كرسي ~~بالقرب من نور الشمعة وأخرج ms040 من جيبه جريدة المساء وتصفحها دون أن يكلم زوجته أو أن ~~يتفقد طفله، تصفحها غائصا في أخبار المعدنين وأصحاب المعادن ثم خاطب زوجته قائلا: ~~«إليك هذا الخبر، قد أصر المعدنون على مطالبهم واتحد أصحاب المعادن المتمولون اتحادا ~~يمكنهم من إمساك الفحم عن الأمة هذا الشتاء برمته، وماهذا - اسمعي - وهو لم يزل يقلب ~~صفحات الجريدة، قد ارتفعت أسعار الفحم ستة أضعاف، ورمى إذ ذاك بالجريدة إلى الأرض ~~قائلا بصوت منخفض بطيء: وقد أقفل المعمل أبوابه إلى أجل غير مسمى لقلة الفحم وارتفاع ~~أسعاره، فيجب علي أن أبكر غدا لأبحث عن عمل جديد فما قولك - لا بأس، لا بأس يا ~~حبيبتي، الصبر جميل، وضمها إلى صدره وتقدم نحو سرير الطفل المريض، وبعد أن تفقده ~~وقبله عاد فجلس حول المائدة مع زوجته وابنه فأكلوا قليلا وهم تارة يفركون أيديهم ~~وطورا يخبطون بأرجلهم على الأرض مرتعشين مرتجفين، والطفل يئن من الألم والبرد، وفي ~~أثناء ذلك كان الثلج يتراكم على أسكفة الشباك والزجاج المغشى بالصقيع يقرقع من شدة ~~الرياح، والعواصف في الخارج تنفخ في الثلج على الأرض فتنثره في الفضاء والهواء ينفخ في ~~المدخنة على السطح فيصفر في القاعة من الكانون الفارغ البارد. فوا أسفاه! عوضا من أن ~~يخرج من المداخن الدخان في مثل هذا الوقت يخرج منها صدى صريخ الأولاد وتأوهات النساء ~~ولعنات الرجال، ويسقط فيها هواء الشتاء البارد فيملأ البيوت ويقتل الأطفال. # قلت ليقتل الأطفال، وليس في القول شيء من الغلو، فاسمع! قد اشتد أنين الطفل في سريره ~~فأسرعت الأم إليه وجست نبضه وعضت على شفتها ونادت زوجها وولدها، ثم دثرته سريعا ~~بالصوف ووضعته في حجرها وطفقت تقبله، ولكن الطفل بارد كالثلج وجامد كحديد سريره، لا ~~الصوف ولا حرارة قبلات أمه تعيد إليه الحياة. # نعم قد مات الطفل من الزمهرير، مات لأن الكانون بارد، مات لأن سطل الفحم فارغ، مات ~~لأن قلوب أصحاب المعادن والتجار خالية من الرحمة والحنان. # ومات مثله كثير من الأطفال في هذا الشتاء أيها القارئ. إن في ضواحي المدينة ms041 صفوفا ~~من العجلات المملوءة فحما، صفوفا ممتدة إلى مسافة عشرين وثلاثين ميلا، إن في خارج ~~المدينة ألوفا من قناطير الفحم موقفة محجوزة، ألوفا من القناطير المكدسة المحبوسة ~~عن الشعب، وفي داخل المدينة ألوفا من العيال تكاد تهلك من الصر والقر. # الناس تصرخ: «أعطونا فحما، أعطونا فحما» وأصحاب المعادن وشركات الاحتكار يصدرون ~~أوامرهم بتوقيف البيع إلى أن يعود المعدنون إلى المعادن. وهكذا يحارب أرباب المال رجال ~~العمل، هكذا تقتل شركات الاحتكار الأولاد والأطفال تعزيزا لأوامرها وتنفيذا ~~لمآربها، هكذا يضايق القوي الضعيف في كل مكان. أفلا يجدر بالفقراء في هذا الشتاء ~~التمثل بالشاعر العربي إذ قال: # أيا رب إن البرد أصبح كالحا # وأنت بحالي يا إلهي أعلم # فإن كنت يوما في جهنم مدخلي # ففي مثل هذا اليوم طابت جهنم # وأي جحيم أشد شقاء وأكبر بلاء من الجحيم الذي يعده المتمول للشعب، متواطئا مع ~~الشرع الجليل، ومستخدما قوة الحكومة لتنفيذ أغراضه وتحقيق مطامعه. # وأما في هذه الجمهورية الحرة المستقلة التي ~~يقال إن العدل والمساواة فيها سائدان فكم فيها من رجل يشمخ بأنفه على الشعب، ~~ويحتقر ممثليه، ويستخف بالصحافة، ويزدري السياسيين، ويضحك في وجه رئيس الأمة ضحكة ~~الخداع والاحتقار، كم فيها من رجال لا يهمهم برد الفقراء أو دفئوا، ماتوا أو عاشوا، ~~فإذا نفد الفحم من العالم يحرقون من مالهم بعض القراطيس ويظل الواحد منهم دافئا ~~غنيا، نعم إن الواحد من هؤلاء المتمولين يستطيع أن يرفع بيده اليمنى سعر قنطار ~~الفحم إلى الخمسة وعشرين دولارا ويوزع باليسرى مائة ألف قنطار مجانا على الفقراء وكل ~~ذلك بجرة قلم فقط. أهذي هي الحكومة الديمقراطية التي أسست لتعميم المساواة بين الناس؟ ~~أية شرائع مكنت هؤلاء الرجال من عملهم وساعدتهم على احتكار ضروريات الحياة والاستبداد ~~بالعباد. # فمن المقرر أن أصحاب العزم والحزم من الرجال لا يبلغون ثلث ما يتوخونه إذا عاكستهم ~~الحكومة، والشريعة التي تساعدهم على جمع الثروة وحصر ضروريات الحياة ترمي في آن واحد ~~ملايين من الفقراء في حالة تحزن الصدور وتثير الهموم، الحكومة التي تساعد هؤلاء ms042 ~~المتمولين العظام تصبح أخيرا عاجزة عن كبح جماحهم، «إن الحية التي تربيها تنفث عليك ~~السم من فيها.» # نعم إن الحرية تساعد - في هذه البلاد - أعداءها على بنيها، نعم إن الجمهورية الآن ~~تساعد المتمول ليظلم بماله كما كانت الملكية تساعد المتوظف ليظلم بنفوذه، وقد قال ~~أحد الفرنسيس الحكماء ما معناه: قد تسقط الملكيات من فقر شعبها وقد تسقط الجمهوريات من ~~غنى أفرادها، ولا تظن أنك راتع في هذه البلاد بظل الحرية والاستقلال وأنك ~~عائش تحت سماء العدل والمساواة، لا، فهذه كلها اليوم اسم بلا مسمى، هذه أمور لا ~~تشعر بعدم وجودها إلا متى طلبتها مضطرا، اطلبها إذا وأنا الكفيل بأنك لا تجدها، ~~فأسرج سريعا وألجم إن الشتاء كالح والليل دامس، والطريق وعرة والمسافة ~~بعيدة. # والدهر بالناس قلب # إن دان يوما لشخص # ففي غد يتغلب # | التمدن الحديث # إن مدينتنا الحاضرة ثابتة الدعائم راسخة الأقدام، وليس في العالم الآن من قبائل ~~البرابرة ما هو كاف ليغزو بلادنا ويهدم - في شهر واحد - ما شيدناه في قرون، ~~وإذا كان هنالك بعض القبائل فقواتهم المتحدة لا تضاهي نصف قوة أصغر مملكة أوربية. ~~من أين تجيء إذا قبائل الهون والفندال ليدمروا ما شيده التمدن الحديث من معاقل ~~الحضارة؟ # قال هذا القول المؤرخ الإنكليزي جبن وأقر عليه الكاتب سميث، ولكن ما هي يا ترى ~~فضائل تمدننا الحديث التي يرجى ثباتها وتعزيزها، هل هي في الحكومات الملكية أو ~~الجمهورية التي لم تزل تسن شرائعها مميزة بين القوي والضعيف، بين الغني والفقير. هل هي ~~في المحاكم التي يفسد فيها المال ضمير القضاة، هل هي في الشركات الاحتكارية التي لا ~~تضاعف خيرات الأرض إلا لتخزنها وتضاعف أثمانها. # هل هي في القوانين السياسية الجديدة التي لا تعزز إلا بقوة السلاح، هل هي في الجند ~~الاحتياطي الذي يعيش من مال الأمة فيضاعف الضرائب ويرهق الشعب، هل هي في الجهل الذي ~~لم يزل يحارب الحرية بترس الخرافة بعد أن كسر سيف الاضطهاد، هل هي في أوضاعنا العصرية ~~التي تؤثر العرض على الجوهر وترفع الاحتيال ms043 على الصدق، وتقدم الجربذة على الذكاء ~~الحقيقي والسياسة على العلم والجمال على الحقيقة والمال على العدل. هل هي في أدوات ~~الحرب التي تتكاثر وتتنوع كلما حدثت حرب جديدة في العالم، هل هي في الحروب التي تشهرها ~~الدول الأوروبية المسيحية على شعوب آمنة ضعيفة إكراما لشركة تجارية أو لحزب سياسي أو ~~لوزير يفادي من أجل شهرته بصوالح الأمة ومجدها. # هل هي في الآداب العامة التي لم تزل اليوم على نحو ما كانت على عهد قياصرة الرومان، ~~هل هي في الكليات التي تخضع أساتذة الفلسفة فيها لإرادة المتمولين الذين يديرون ~~سياستها فلا يدرسون فيها من العلوم الاجتماعية الجديدة ما كان مضرا بأغراض ذوي الثروة ~~والسيادة، هل هي في الصحافة التي تزين الشر والرذيلة في عيون القراء بنشرها الفصول ~~الطويلة والصور الغريبة ممثلة فيها من يرتكبون أفظع الذنوب ويقترفون أكبر الآثام. ~~ما هي فضائل هذا التمدن المؤسس على الطمع وحب المال والاستئثار، التمدن الذي تسن ~~أرباب المال شرائعه فتنفذها سماسرة البورص، ويبشر بها أصحاب المعامل وينشرها وزراء ~~الحربية بالمدافع والمدرعات. # ما هو أساس تمدن أهل الغرب إذا لم يكن التجارة والاستئثار، إن روح التجارة الخبيث ~~منبثة في دوائرهم الاجتماعية والمدنية والدينية والأدبية، فمن أجل التجارة ينفخون روح ~~حضارتهم في الشرق، ومن أجل التجارة يشيدون المدارس، ومن أجل التجارة يشهرون الحروب على ~~الشعوب الضعيفة، ثم يظهرون أمامها بمظهر الصداقة والمحبة والإحسان. ومن أجل التجارة ~~يبشرون بالإنجيل ويتحابون، ومن أجل التجارة يطبعون الكتب والمجلات، فالتمدن عندهم هو ~~التمول والسلام. # بشر فلاسفة الجيل الثامن عشر بالإخاء والحرية والمساواة، ونهض تلاميذهم ~~السياسيون فطالبوا بهذه الحقوق وسل الشعب سيفه على الملوك في أكثر ممالك أوربا ~~تنفيذا لمطالبه فحدث ما حدث من الثورات والفتن في آخر الجيل الثامن عشر ونصف الجيل ~~الأخير. وماذا كانت النتيجة، هل تتوجت الحرية، هل شملت المساواة الناس، هل توارت ~~اختلافات الأمم وتلاشت الضغائن وحزازات الصدور؟ ألق حولك رائد الطرف أيها القارئ ~~حيثما يممت وأجبني بالإيجاب إن استطعت، أعلنت الأمة الأميركية استقلالها سنة 1776 ~~وها ms044 قد مر عليها الآن مائة وثلاثون سنة وهي لم تزل بعيدة عن الاستقلال بعدها عن ~~المملكة التي حاربتها وخلعت نيرها أيام الاستعمار، نعم قد استقلت عن ملك متوج ولكنها ~~وقعت في قبضة ملوك لا تلبس التيجان. # تأمل هؤلاء العملة الفقراء الذين يطلبون من أصحاب المعامل زيادة أجورهم كي ~~يستطيعوا القيام بمعاشهم ومعاش عيالهم، فإن كل ذي عقل يفكر وقلب يشعر يرى صحة دعوى ~~العملة واعتدال مطالبهم. فالشعب والصحافة والسياسيون وأرباب الدين يشعرون شعورهم ~~ويتمنون لهم الفوز ولكن هل يصغي أصحاب الشركات لصوت الشعب؟ قد تألفت الجمعيات وأنشئت ~~اللجان وعقدت المؤتمرات لحسم الخلاف بين العمال وأرباب المال فكانت النتيجة سدى، وذهب ~~العناء أدراج الرياح. # دعا مرة رئيس الولايات المتحدة أصحاب المعادن وسألهم أن يتساهلوا مع عمالهم ولو ~~من باب المجاملة فرفضوا، قام أرباب الدين وكرروا رجاء الرئيس فرفضوا، قامت الصحافة ~~فسألت ورجت والتمست وتهددت وأنذرت والمتمولون على عنادهم مصرون. قامت الأمة من ~~أقاصي الغرب إلى أقاصي الشرق تطلب إقامة الحدود وأصحابنا جبابرة المال أصم من أبي ~~الهول. فما هو استبداد حكومة جورج الثالث بالنسبة إلى هذا العناد والتكبر والطغيان ~~والتجبر؟ # يقولون: إن الاعوجاج في الجمهوريات يتقوم بالاقتراع. فنقول لهم: إن كل صوت كبيرا ~~كان صاحبه أو صغيرا يشترى ويباع بالدولار، فأكثر الأميركيين مثلا لا يقترعون إلا ~~لمن يزيد في أصواتهم. وهذه من مظاهر التمدن الحديث التي نود أن لا تدوم. يقولون: ~~إن الحرية الشخصية مطلقة لكل فرد في الحكومات الحرة المستقلة. وما جوابنا لهم إلا أن ~~الجرائم الفظيعة التي تحدث بالعشرات كل يوم في المدن الكبرى ليست إلا بعض نتائج تلك ~~الحرية، فالتسميم والقتل والطلاق التي تزداد حوادثها يوما فيوما كلها من مظاهر التمدن ~~الحديث الموهوم. # أما الإخاء فكلمة لا معنى لها إلا في معجمات اللغة، فالتمدن الحديث يولد في كل فرد ~~عاطفة الكبرياء والأنفة والأثرة والخشونة، ورجال المغرب لا يقتربون من أحد إلا إذا ~~كان لهم منه منفعة شخصية. فأين الألفة وأين الإخاء وأين الضيافة وأين الولاء؟ سفكت ~~دماء الملايين ms045 من الناس في الفتن الأوروبية العديدة وما أثمرت هذه الدماء المهدورة ~~ثمارا توازي تلك النفوس البشرية؛ إذ إننا لم نزل - سياسيا وأدبيا واجتماعيا - ~~في الموضع الذي وجد فيه الناس والحكومات قبل الثورات، لم نتقدم إلا في العقول فقط، وما ~~سوى ذلك فلا اعتراض عندي على تدميره. # وقد فات الفيلسوفان اللذان نقلنا عنهما العبارة السابقة أن هذا التمدن الناشئ بين ~~الكنائس والمكاتب والملاهي والمتاحف والقصور والمشيد على المال والتجارة والظلم ~~والاستئثار لا يولد إلا الرذيلة والجهل. ومن الجهل والرذيلة يتألف جيش بربري عرمرم ~~ليست جيوش آتيلا وتيمور لنك وجنكيس خان بالنسبة إليه بشيء. وإذا زحف جيش الجهل والرذيلة ~~على معاقل تمدننا الزاهر الباهي يجعل عاليها سافلها كأن لم تغن بالأمس. ~~وقصارى القول: إن الخطر على تمدننا الكاذب هو من الداخل لا من الخارج، هو من أنفسنا ~~لا من الأعاجم البرابرة. # | الفقر وبنوه # التمدن الذي يقضي على الأولاد أن يباكروا بكور الزاجر ليذهبوا إلى المعمل لا إلى ~~المدرسة هو تمدن ناقص الجهاز مختل النظام. والهيئة الاجتماعية التي يحرم فيها ابن ~~الفقير التهذيب هي هيئة فاسدة يعزز فيها صالح أهل السعة وتهمل حقوق بني الفاقة. ~~والحكومة التي تتغاضى عن الآباء الفقراء الذين يشغلون أولادهم في المعامل طمعا ~~بأجورهم الزهيدة هي حكومة معوجة، تحتاج إلى نواب عادلين حكماء منزهين يسنون لها ~~شرائع قويمة وقوانين رادعة، تحتاج إلى رئيس خبير بأمراض الأمة ينبه مجلسيه ~~«أي الشيوخ والنواب» من حين إلى آخر ويحرضهما على سن مثل هذه الشرائع. تحتاج إلى صحافة ~~حرة عادلة مجردة عن المطامع الذاتية لتطالب بها حينما تهمل، لتحتج وتعترض حينما تداس، ~~لتذب عنها حينما يحاول إفسادها ذوو المآرب. # وقد يقال إن الآباء الفقراء وخصوصا المعيلين منهم يحتاجون إلى أجور أولادهم، ولا ~~يكون العيال غالبا إلا بين طبقات الشعب الوسطى وبين بني العيلة والفقر. أجل إن ~~المتكئين على وسائد الريش، المتسربلين بالخز والحرير، الخارجين من بيوتهم في المركبات، ~~السائرين إلى الحدائق في السيارات؛ أولئك يعرفون كيف يقاتل الأعيال وكيف ينقرض النسل ~~وتقتل الأطفال، ms046 أولئك يميتون الأنفس في الجنين مع توفر المال لديهم وذوو العيلة ~~يتكاثرون وإن ضاقت بهم الأسباب. # إي والله، إن جاز للإنسان قتل نفس في الجنين فالفقير بهذا الترخص أولى، فالفقر ~~يضاعف بنيه والحكومة لا تنشئ نزلا مجانية في جانب المدارس العمومية؛ ولذلك ينهك ~~الأحداث في المعامل قواهم فتقبض أنفسهم صغارا ويفقدون الحزم والعزم كبارا، ويشبون ~~جهلة أشقياء لا يعرفون من سنن الحياة إلا التمرد والعصيان. أفلا تخاف الحكومة على ~~نفسها من أولئك المستعبدين صغارا الثائرين كبارا، لتكفل لآبائهم إذا معايشهم لتنشل ~~الصبيان من عبودية الأشغال الشاقة، لتنشئ نزلا مجانية في جانب المدارس العمومية فلا ~~تموت إذ ذاك في المعامل الآمال ولا تعدم الأمة في المستقبل أولئك الرجال. # وليس الذنب على الآباء الذين يكرهون أولادهم على العمل عوضا من أن يكرهوهم على ~~العلم، فهناك أحوال ترمي بالناس إلى هوة الفقر وهم لا يعلمون، ولكن التعميم يضلل فرب ~~أناس تؤاتيهم الفرصة ولا يغتنمونها، أو أنهم يرونها بعيدة عنهم فلا يتبعونها، أو أنهم ~~ينظرونها ولا يجدون من يساعدهم على الظفر بها. كم من فقير لا يستطيع المحامي أن يبرئه ~~في محكمة العدل، وكم من محاويج جلبوا على أنفسهم الفاقة وما يليها من البؤس واليأس ~~والشقاء والبلاء. نعم، الفقر يولد الجهل والرذيلة والأمراض، الفقر يوجد البغض والحسد ~~والخصومات، الفقر يقتل المحبة والرجاء والآمال ويذهب بالأبوة وعزة النفس والجمال. هذا ~~إذا استثنينا أفرادا ينجحون على رغم أنف الفاقة المحدقة بهم، وأكثر هؤلاء هم من ~~الحكماء والعلماء والفلاسفة والشعراء. # أناس خصوا في البدء بنصيب وافر من العقل فعاشوا راضين بأفكارهم وعلومهم وتصوراتهم، ~~وفقر الفيلسوف هو غير فقر الجاهل هو غير الفقر الذي يبعد الصبيان عن العلم والنور ~~ويرميهم بين الألوف من أمثالهم في المعامل، هو غير الفقر الذي يضل النفس ويضعف العقل ~~ويعمي القلب، هو غير الفقر الذي يشوه الخلق والخلق ويذهب بالآمال ويغير طبائع ~~الرجال. نعم إن مثل هذه الفقر لحليف الجهل وأليف القذارة ورسول الفوضى، ولكن ما هو يا ~~ترى سبب الفقر؟ هي مسألة ms047 أقدم من يعقوب بن إسحق بن إبراهيم الذي خدع حماه ليكثر غنمه ~~فيجر من ذلك مغنما، نعم هي مسألة قديمة ولكنها تظل جديدة؛ لأنها لا تحل ما زالت ~~الأحكام في أيدي ذوي المآرب والأغراض الذاتية، لا تحل ما زال من يستطيعون حلها بعيدين ~~عن مجالس الأمم التي تسن فيها الشرائع والقوانين. لا شك أن كتابات تولستوي تسر ~~الملايين وتسليهم - إذا لم نقل تفيدهم وتهذبهم أيضا - ومن جملة المعجبين بهذا الرجل ~~العظيم كثيرون من النواب والموظفين في روسيا. # ولكن لو انتخب تولستوي ليجلس مع المتشرعين ونهض ليقترح على المجلس سن شريعة فيها ~~صيانة حقوق الجمهور لا حقوق الأفراد فقط، لو نهض ليقرأ على زملائه فصلا من إحدى ~~رواياته أو مقالة من مقالاته العديدة في المواضيع السياسية والعمرانية، وسألهم العمل ~~بما جاء فيها؛ فماذا تراهم يفعلون، ألا تظنهم يضحكون في وجهه ويعاملونه كما عومل ~~غونبلاين بطل رواية فكتور هوغو المعروفة بالرجل الضاحك لما وقف في مجلس الأعيان في ~~بلاد الإنكليز ليدافع عن الفقراء والبؤساء ويطلب من زملائه النظر في حالتهم المحزنة؟ ~~نعم هذا يكون جزاء من يطلب من مجالس الأمم مراعاة حقوق الملايين من أحلاف الفقر ~~والظلمة والشقاء. # يقرأ المتشرع روايات تولستوي بجانب موقده فيلتذ بها ويعجب بكاتبها، ولكنه يسخر ~~بمبادئها في مجلس الأمة، ويندد بتعاليمها في البلاط الملكي، ولماذا؟ لأنه لا ينتخب ~~ثانية لمنصبه إذا تظاهر بمثل هذه المبادئ، لا ينتخب ثانية إذا قال: يجب علينا أن نسن ~~شرائع للغني وللفقير بدون تمييز وتفضيل. وكم من المصلحين يتشدقون وهم عن مجلس الأمة ~~بعيدون، وكم من الكتاب يتغنون بندبهم حظ الفقراء والبؤساء. ولكن لينتخبوا أولئك ~~إلى مجلس التشريع فينبذون مبادئهم ظهريا قبل أن يدخلوا الباب، ويجلسون هنالك مع بقية ~~الأعضاء ويقترعون مع الأكثرية وهم ساكتون. # إن خيرات الأرض تكفي سكانها إذا وزعت توزيعا عادلا على الجميع، القمح الذي يزرع ~~في الولايات المتحدة سنويا يقوم بقوت سكان الأرض كافة، وهذه حقيقة راهنة، فقد قرأت ~~مقالة في كيفية تربية الماشية في إحدى المجلات الأميركية، ms048 جاء فيها: أن الولايات ~~المتحدة تذبح سنويا ثلاثين مليون رأس من البقر، فإذا قسمنا هذا المقدار على ~~سكان الولايات المتحدة فقط تكون حصة كل شخصين رأسا واحدا من البقر فيه أكثر من ~~أربعمائة رطل إنكليزي من اللحم. فهل يحتاج الواحد منا أكثر من رطل لحم كل يوم؟! وقال ~~كاتب المقالة: إن هذه البلاد المترامية الأطراف فيها بقاع من الأرض غامرة غير آهلة ~~تصلح للمرعى فلو عنيت بها الحكومة لتمكنت من تربية أضعاف ما يربى فيها الآن من ~~الماشية. # ولكن مع وجود هذا القدر الوافر من القمح ومن اللحم لا يزال المتسولون والبائسون ~~يطوفون أسواق المدن الكبرى، وكثيرا ما يموتون جوعا، ولا يزال الملايين من الفقراء ~~عاجزين عن ابتياع اللحم كل يوم. فأين الزائد من اللحم ومن القمح إذا؟ هي مسألة بسيطة، ~~أن شركات الاحتكار تشحن الزائد إلى الخارج لتضاعف أرباحها، هناك القمح مجموع ~~بالقناطير، هناك جبال من الدقيق تطلب من يأخذها ويوزعها خبزا على العالم، وهنا ~~ألوف وملايين من المساكين يشترون رغيف الخبز بدمهم ودم بنيهم الصغار. قمحا ينتظر ~~الطاحن، وطحينا يلتمس الخباز، والألوف من البشر يطلبون خبزا والمحتكرون يقولون لا، ~~ولماذا؟ لأن الأسعار هابطة ولا ربح في البيع للأفراد المحتكرين. # وأما النتيجة، نتيجة هذا الاحتكار على الفقراء، فلا حاجة إلى وصفها، ولا نريد أن ~~نهول بقبحها أمام القارئ ونخيفه، ولكن الحالة هذه لا تدوم. إن البورص هو السد ~~المنيع بين مخازن الاحتكار وبين الشعب، بين البائع والشاري، ولكن متى جاء الفيضان فلا ~~يجدي ذاك السد نفعا، نقيم السدود متى كان الماء وشلا أو غزيرا، نبنيها لنزيد كمية ~~الماء أو لنمنع فيضانها على الأرض المجاورة، ولكن متى جاء الطوفان وفاضت الأنهار ماذا ~~تجدي السدود الصناعية؟ # أتقف اختراعات الإنسان في وجه الطبيعة وقواتها؟ أيقدر السمسار في البورص أو ~~محتكر القمح مثلا أن يسكن الهياج متى هبت الأعاصير؟ إذا كانت خيرات العالم ~~غزيرة، ألا يجب أن تسود القناعة والسعادة في جميع البشر؟ ألا يجب أن يكون الكل على مبلغ ~~الكفاية؟ أي: متى ms049 يستريح الأفراد من التخمة ويأمن الجمهور من الجوع؟ كم يموت من ~~الممتولين بالانتفاخ وكم يموت من المساكين بالانقباض؟ ومتى - يا رب - تتساوى الأعضاء ~~وتتوازن فتظهر على الهيئة الاجتماعية علائم الجمال ودلائل الكمال؟ لا أظن ذاك اليوم ~~يراني ويراك أيها القارئ، ولكنني أؤكد أنه آت وكل آت قريب. # | الضجيج والضوضى # قالت أشجار الغابة لأشجار البستان: لماذا لا نسمع لأغصانك حفيفا؟ فأجابت: لأنني ~~أستغني عن ذلك بنمو ثماري التي تشهد لي. ثم سألت أشجار الغابة قائلة: ولماذا نسمع ~~لأغصانك هذا الصوت القوي؟ فأجابت أشجار الغابة: لكي يشعر الناس بوجودي. # التلمود # كتبت إحدى الجرائد الأميركية فصلا في مزمار الكنيسة وقيثارها، وقالت: إن العبادة ~~قائمة بالجلال والجمال والاحتيال، والحق بجانب كاتبها؛ إذ إن حياته وحياة جريدته وحياة ~~أكثر الناس إنما تقوم بالتشدق والتبجح، بالضجيج والضوضى، بالزخرف والاحتيال، بالتصنع ~~والتمويه، قال أبو العلاء المعري: # والغيث أهنأ ما تراه عطية # ما لم يحث بوارقا ورعودا # والحكماء الذين يرتأون رأي أبي العلاء ويقولون قول أشجار البستان في التلمود يعدون ~~على الأصابع؛ فهم - والحال هذه - لا يجدون الكنيسة والصحافة نفعا. لا سكينة إلا في ~~القبر، والضوضى حياة العالم. كيف لا يكون منشئ الجريدة مصيبا بانتقاده إذا ومعذورا ~~بتهلله، وكيف لا يتأثر المتدينون من كلامه العنيف، فقد شن أحدهم عليه الغارة مسلحا ~~بأقوال الرسل الأبرار وخرج بالتوراة على الطبل والزمر والقياثر، فمن وجه نرى في حجة ~~المعارض بعض القوة؛ لأنها تتضمن إقرارا خفيا بأن الديانة المسيحية على حالتها ~~الحاضرة وبزياداتها وطقوسها هي غير الديانة التي وضعها المخلص. # وبعبارة ثانية هي أكثر مما وضعه بدرجات، ومن ~~وجه آخر نستصوب انتقاد صاحب الجريدة؛ لأننا مهما سمونا بالنظريات نظل أبدا محاطين ~~بالحقيقة المؤلمة التي تنبئنا عن ميل الجنس البشري إلى كل ما فيه تصنع وزخرفة وجمال، ~~وقرقعة وضجيج واحتيال. والإنسان من طبعه حب الهياج والطرب والانبساط، فهو يعنى ببطنه ~~أولا، ثم بقلبه، ثم بعقله. وإذا شئت أن تستميل عقول أكثر الناس فلا تقوى على ذلك إلا ~~بواسطة بطونهم أو قلوبهم. أما الجدل ms050 الفلسفي والبرهان المنطقي فلا يجديانك في البدء ~~نفعا. يجب أن تخاطب بطن الشعب وقلبه قبل أن تخاطب عقله، والمتدينون اليوم لا يختلفون ~~إلى الكنيسة إلا إذا كان هناك شيء يطرب ويلذ. وأما فصاحة الواعظ ولاهوته وعلمه ~~الراسخ في ألوهية المسيح وناسوته؛ فتلك أمور قد درج يومها ومضى زمانها وذهب العلم ~~بعزها. # نحن في مرسح كبير يدعى العالم وبنو البشر كلهم ممثلون، وأذكر أن شكسبير قال هذا ~~قبلي وقد يكون فكري ابن فكره، ولكن ذلك قلما يهم. العالم مرسح كبير، أتحب أن تغص ~~بيعتك بالناس أيها الكاهن، أتريد أن تعقد جلسة سياسية أيها الخطيب، أتود أن تقترح على ~~الشعب اقتراحا مفيدا أيها السياسي. أتريدون أن تجمعوا حولكم من الرجال رهطا كبيرا ~~ومن النساء جمعا غفيرا؟ فما لكم إلا أن تعلنوا عن أجواقكم الكبيرة الشهيرة من ~~موسيقيين ومغنين وممثلين، فيجيئكم الناس زرافات وأفواجا، ويلتقفون المقاعد التقافا، ~~ويزدحمون على الدكات، ويحشرون في الزوايا. فتمثل إذ ذاك أمامهم الرواية فتميد من الجلبة ~~والضوضى البناية. ثم يقوم الخطباء وينتهز الفرصة الفصحاء فيقترحون اقتراحاتهم ~~العديدة ويبدون آرائهم السديدة وتميل قلوب الجمع معهم كيفما مالوا، وتختم الرواية ~~بالهتاف والضجيج وقد فتحت بالصريخ والضوضى. فبئس البداية وبئس النهاية. # ولكن أعلن في الجرائد أن الأستاذ الفلاني سيخطب في ليلة كذا في اكتشاف سيارة جديدة ~~مثلا، أو الشاعر الفلاني الشهير سيفيض في موضوع الشعر والعصر في يوم كذا. وانظر كم ~~يكون في القاعة من الناس لاستماع خطاب الشاعر أو الفلكي. إن جلستنا هذه هادئة لا جلبة ~~فيها ولا ضجيج، إنها لجلسة بسيطة، جلسة علمية أو شعرية لا طبل ولا زمر فيها، لا موسيقى ~~ولا مغنين؛ ولذاك لا يحضرها إلا النزر القليل من الناس، أتحزنك الحال هذه؟ ولكن ما ~~العمل، نحن في عالم لا يقوم إلا بالضجيج والتبجح ولا ينهض بغير الخداع والجربذة ~~والاحتيال، فارفع إذا صوتك وضع بجيبك ضميرك وسر مع الجمع كما يسير ودر بالليالي ~~كما تدور. # وأما الكنائس الأميركية التي يمتاز أعضاؤها عن بقية الشعوب بسمو المدارك والتساهل ms051 - ~~كما يقال - فهي مثل الملاهي من حيث الموسيقى والترتيل. إني أعرف عن ثقة أن كنيسة في ~~نويرك تدفع لرئيس جوق الترتيل فيها ألفي دولار مسانهة، وأعرف أيضا أن الأجراس - مع ~~ما اتصلت إليه هذه الأمة من التمدن - باقية في قباب الكنائس تقلق راحة السكان ~~بقرقعتها. وأؤكد أن نصف من يصلون يذهبون إلى الكنائس ليسمعوا أصوات المرتلين وأنغام ~~الأرغن، فيسمعون عرضا وعظ القسيس أو الكاهن. # نعم إنها لحال محزنة، ولكن أفي الوسع تغييرها؟ وهل هي في الكنيسة فقط؟ كلا، فهي ~~سارية في كل جمعية مدنية كانت أو دينية، نصف السياسة في هذه البلاد المنورة قائم ~~بالضوضى والضجيج والاحتيال، كما ذكرت. فانظر إلى مجتمعات هؤلاء الأميركان السياسية ~~وتأمل، نحن الآن في زمن الانتخاب فحاذر أن تصاب أذناك بالصمم، اسمع أصوات الأبواق ~~ودوي الطبول وضجيج «النوبات»، سرح نظرك في الشوارع لترى الألعاب النارية والصور الزيتية ~~والفوانيس السحرية والاختراعات الكهربائية وكلها تستخدم لجمع الشعب فتستميله إلى هذا ~~الحزب أو إلى ذاك. # كلها تستخدم لبث روح حب الوطن في الناس ولإضرام الحماسة في قلوبهم، أما الخطابة فهي ~~أمر ثانوي فلا تغتر بما تسمعه عن استنارة الشعب واقتناعه بالبرهان. الشعب حيوان عظيم ~~يحتال عليه الزعماء ويهيجونه بآلات الطرب ويستميلونه بأنواع الزخرف والزينات، ~~ويطبعونه بالإعلانات، ثم يرشون عليه قليلا من الفصاحة وشيئا من البيان فيرقص إذ ذاك ~~رقصة تلائم ما يسمعه من الألحان، هذا هو الشعب في الجمهوريات. نعم إن الطبل هو ~~البرهان المفحم والزمر هو الحجة القاطعة ومنطق هذا الزمان الضوضى. # قد تتوق نفوسنا إلى السكينة والهدو لعلمنا أن الرعد والبرق قلما ينفعان وأن المطر ~~دونهما لا يفقد شيئا من قوته وبركته ولكن أنى المفر من الضجيج؟ نود لو مجد الناس ~~الله مناجاة فقط، نود لو صلى المرء في مخدعه، ولكن ماذا يصير في الكنائس والمعابد ~~التي لا بد من وجودها، ألا ينبت العشب في أرضها وينعق بوم الخراب في أرجائها لو ~~جردت من أواني الزخرف وآلات الطرب؟ # وأما من شن على الجريدة الغارة مسلحا بأقوال ms052 الرسل الأبرار، طالبا إبطال ~~المزمار والقيثار فأنا أشعر معه من حيث النظريات فقط وأذرف وإياه دمعتين على فساد هذا ~~الزمان المضطرب وآله المقلقين ونندب حظ الدين الذي لا يقوم إلا بالزخرف والضوضى والضجيج ~~كما هي حالة فرع من الديانة المسيحية بالأخص ألا وهو «جند الخلاص» الذي لا أريد أن ~~يكون خلاصي عن يده المعتادة على ضرب الطبل وعند هذا الحد أودع عدو القيثار آسفا ~~وأسأله أن يضع سلاحه الديني جانبا وينظر إلى المسألة من وجهها العملي السياسي ~~الدنيوي فيرى - إذ ذاك - أن أكبر قسم من الحقيقة التي ظنها كلها بجانبه هي بجانب ~~الجريدة وبأولى حجة بجانبي. وخلاصة الكلام أن الجريدة مصيبة بانتقادها والمراسل غير ~~مخطئ تماما باحتجاجه، وإذا كان الضجيج لازما فالاحتجاج عليه لازم أيضا، ~~والسلام. # | روح هذا الزمان # المصلح السياسي في هذه الأيام هو ذاك الذي يندد بالحكومة ويطلب تغييرها ليحصل ~~مركزا فيها. هو الذي ينادي بالإصلاح نفاسا في الاشتهار إن كان شابا أو رغبة في ~~الوظيفة إن كان كهلا أو حبا بالمال إن كان شيخا. وسواء كان جمهوريا أو دمقراطيا ~~في الولايات المتحدة، أو من الأحرار المتطرفين في إنكلترا، أو من أعداء الإكليروس في ~~فرنسا، أو من الاشتراكيين في ألمانيا، أو من الفوضويين أو الثورويين في روسيا؛ فالغرض ~~الذي من أجله يناقش ويجادل ويعاكس ويشاكس ويندد هو واحد، الغاية التي تحركه واحدة، ~~الدافع والجاذب لا يختلفان مع المكان ولا يتغيران مع الزمان، فهو حقا وطني صادق، هو ~~غيور على الأمة ومصالحها، هو مصلح ومحب للبشر، ما زال خارج دائرة الأحكام، ما زال ~~ثوب السيادة بعيدا عنه. # ولكن ساعة ينال أمنيته ساعة يتسربل بأرجوان السلطة أو بصوفها (الأرجوان للأوربيين ~~والصوف للأميريكيين) تراه عندئذ يهجر الصحافة ويخفض صوته على المنبر وينسى أو يتناسى ~~الماضي، ويأخذ بزمام الأمور كما لو كان القيصر أباه أو ملوك البوربون أجداده! الانقلاب ~~في السياسة لازم وتلون السياسيين يكسب المنظر رونقا والتمثيل جمالا! # ولو تقصيت تعاليم هؤلاء المصلحين، لو سبرت غور فلسفتهم السياسية لوجدتها منحصرة إما ms053 ~~ببطن المرء وكيسه أو بشرف الحكومة ومجدها - يجب أن نشبع هذا الشعب الجائع، يجب أن ~~نحرر الشعوب المدوسة المظلومة، يجب أن نساوي بين الفقير والغني، يجب أن نحطم ~~الشركات الاحتكارية، يجب أن نعزز تجارة البلاد، يجب أن نؤيد سلطة الحكومة، يجب أن نوسع ~~نطاق المستعمرات، يجب أن نزيد قوة الجيش، يجب أن نبني المدرعات - يا لها من فلسفة ~~سياسية بل فلسفة تجارية لا أثر فيها لما يختص بالكمالات الروحانية وبتهذيب النفس وترقية ~~الشعور يا لها من فلسفة حيوانية لا غذاء فيها للحياة السامية التي لا تزهر ولا تثمر إذا ~~لم يكن لها من القلب والعقل والضمير والنفس أربع دعائم قوية. # وهذه كلها أمور تافهة في أعين المصلحين السياسيين فهم لا يهتمون لها، وعندهم أن ~~بطن الإنسان وكيسه وأهواء الأحزاب وتعصبها هي أهم ما في الحياة، فهم يدغدغون هذه ~~بالأكاذيب ويملأون تينك بالمواعيد، بطن الإنسان وكيسه وشهواته وتعصبه إنما هي أس ~~التعاليم السياسية التي تجعل الأميركان تجارا والإنكليز حكاما والألمان عساكر ~~والروسيين فوضويين والفرنسويين عبيدا للأحزاب والفتن. # في طنبور المصلح ذات الأوتار الغليظة السقيمة، وتر واحد لطيف صحيح، له في النفس ~~وقع جميل، وحتى هذا الوتر - وتر الحرية - لا يخلو من غنة خفيفة أو رنة خشنة، وذلك لأن ~~المصلح لا يضرب عليه إلا صدفة، أو لأغراض سياسية والشعب البائس الجاهل لا يطلب الحرية ~~غالبا إلا لاعتقاده بأنها تخوله الاعتداء على الأغنياء ليملأ كيسه وبطنه. # الحرية وحدها هي كما قيل سيف ذو حدين، والحرية مع التهذيب نبراس ذو نورين: نور يضيء ~~الطريق خارجا ونور يضيء ويحرق باطنا، وفي كل حال هي لا تشفي الأمة من أمراضها ~~السياسية والاجتماعية ولا تعلم الإنسان شرف النفس والمروءة، ولا تجعل الشرير صالحا ~~والمنافق صادقا والمعوج مستقيما وإن رابك شيء من هذا وجه أنظارك إلى ~~الأحوال السياسية والاجتماعية في الولايات المتحدة. # نعم ينبغي أن تتحرر الشعوب يجب أن يتحرر الإنسان ولكن لا بواسطة هؤلاء المصلحين لا ~~بسعي هؤلاء السياسيين، ولماذا؟ لأن عهودهم من نسج العنكبوت؛ لأن مواعيدهم ms054 مثل خيال ~~القمر على الغيوم، لأن أعمالهم تلول رمل لا تدوم، لأن شفاههم ليست مطهرة، لأن ~~اعتقادهم ليس من القلب، لأن نفوذهم ابن الساعة وحليف الأحوال ، لأنهم يحبون الحرية حبا ~~بالشهرة أو الوظيفة أو المال، وإن وفوا مرة بوعد من مواعيدهم المزخرفة بعد أن ~~يتقلدوا زمام الأحكام فهناك البلية الكبرى، هناك تتوج الآمال والأحلام إذ تهدأ ضوضى ~~الأحزاب وتزول الشكوى، فتعنو لهم الوجوه ويدخل الشعب رأسه في ربقتهم بعد أن أخرجه من ~~ربقة الظالمين من الملوك. # ينبغي للإنسان أن يحرر نفسه بنفسه، ينبغي له العمل في الداخل قبل الخارج، عندئذ ~~تكون حريته روحية أكثر منها مادية، تكون صافية من الغش والخداع تكون أساسا للحياة ~~الحقيقية الشريفة، لا شعلة نار لإضرام أهواء النفس أو طعمة لشهوات الجسد، أو امتيازا ~~للسلب والتعدي، أو براءة للقذف والمقاذعة. # الصالحون - وإن قلوا - موجودون في كل مكان في بلاد الظلم والاستبداد تجدهم كما في ~~بلاد الحرية والاستقلال، والحكماء وإن ندروا ينشئون في تركية وروسيا كما في فرنسا أو في ~~الولايات المتحدة، وفي أي مكان كانوا يعيشون راضين قانعين؛ لأنهم يعيشون حقا أحرارا، ~~والحكومة الاستبدادية مثل الضبع تتركك وشأنك إذا تجنبتها وإذا انتهرتها واعترضتها ~~تفترسك. # غير أن حرية الصالحين والحكماء لا تلبس القبعة الحمراء، ولا تصيح من على المنابر، ولا ~~تحفر تحت عرش السلطة لحزازات في الصدر أو فراغ في الكيس أو خلاء في المعدة، حريتهم تعيش ~~في القلب مع الحكمة ساكتة وتفعل فعلها هادئة، وهم مثل حريتهم يعيشون في قلب الأمة ~~هادئين ويبثون في سائر أعضائها نفوذهم الحسن وعطر نفوسهم الشريفة إن حريتهم ~~لروحية؛ لأنها تنزع من النفس قيود التعصب والتحيز الأعمى قيود الطمع والمجد ~~الباطل قيود الأهواء والشهوات، ولعمري إن تعليم المرءوس الحكمة والعدل والفضيلة ~~لخير من التنديد بالرئيس وظلم أحكامه؛ لأنك إذا خلعت الظالم وظل الشعب جاهلا يتبوأ ~~العرش بعده ظالم آخر بيد أن تهذيب الشعب وتعليمه ومعرفته حقوقه وواجباته تضعف الحكم ~~الاستبدادي وتلاشيه بالتدريج تماما. # أما فعل الحرية في تكييس أنفس الرجال وفي ms055 تهذيب الأخلاق وترقية الشعور فما هو قوي ~~بقدر ما كنا نظن بل هو ثانوي بالنسبة إلى عوامل الوراثة والفطرة والمعاشرة والتهذيب، ~~وما الحرية المعروفة في أوروبا وأميركا اليوم سوى سلاح للأحزاب السياسية والخطباء ~~والصحافيين، هو سلاح يقاتل به المنافق أحيانا منافقا آخر واللص لصا آخر وأحيانا ~~تستله رجال الفضل بعضهم على بعض، وأحيانا ترفعه الحكومة على عصابة من الفعلة محافظة ~~على امتيازات الأفراد أو سلبا لحقوق زعماء الأحزاب الضعيفة في البلاد. # إذ ما الحكم في الجمهورية إلا طاعة تقدمها الأحزاب الضعيفة للحزب القوي أو الأقلية ~~من المصوتين للأكثرية؛ لأن قوة الجيش ليست بجانبهم فالأكثرية إذا تسلب الأقلية حقوقهم ~~لتتمكن من الحكم، وتفعل ذلك بالقوة المعطاة لها لا من الشعب كله بل من قسم منه فقط، ~~وهذا هو الباب الذي يدخله المصلحون السياسيون فيمزقون رئاتهم المعتلة وهم يصيحون «حرية ~~الشعب، حرية الشعب» ولكن الحرية لا تجعل الشعب الجاهل شعبا مهذبا مستنيرا. # الحرية وحدها لا تصير المرء رجلا حتى ولا التجارة ولا المستعمرات تكسب الحكومة ~~مجدا والأمة شرفا إذا لم يكن في الحكومة رجال صالحون، وفي الأمة رجال ~~حكماء. # أما انتصار هؤلاء السياسيين للمستضعفين والمظلومين فهو في هذه الأيام خير واسطة ~~للتوصل إلى منصات الأحكام إلى المراكز المثمرة العالية، ولكن لو فتشت في تعاليمهم ~~السياسية وفي نهضاتهم ومشاريعهم الإصلاحية عن ذرة من الضمير الحي والإخلاص أو عن شيء ~~يسير من الغيرة المجردة عن المنفعة الذاتية لما وجدت ذلك، يلزمنا صلاح لا إصلاح، ~~الصالحون وأمثالهم الحسنة قبل المصلحين وجربذتهم والدجالين وعقاقيرهم. # المصلح في هذه الأيام هو قوة بخارية لتحريك هذه الآلات الصماء التي تدعى: شعبا، بل ~~رجالا، آلات تجارية وآلات عسكرية وآلات صناعية وآلات ثوروية، وكلها مركبة من دماء ~~زكية ولحم وعظام بشرية، كلها تتحرك عملا بهذه القوة الخبيثة الدافعة وتفني نفسها ~~بالفرك الدائم بالعمل المتواصل بالكد والنصب بالمساعي الباطلة المهلكة بالنهضات الغير ~~مفيدة، تفني نفسها لا من أجل نفسها بل من أجل أصحابها وأسيادها الصارخين دائما وراءها ~~وأمامها: «إلى العمل إلى العمل» ms056 فقد صمت آذاننا من صراخ الداعين إلى العمل ومن ~~ضجيج أصحاب الأشغال، كأن الأموال المتكردسة تصير صاحبها إنسانا، كأن العرق على جبين ~~هذا المخلوق الراكض على مؤخريه يجعله رجلا! لو صح ذلك لكان البغل من كبار الرجال، ~~البغل يحمل الأحمال الثقيلة من السواحل إلى أعالي الجبال دون أن يفاخر ويتبجح. أما إذا ~~تبادر لذهنك قول القائل «بعرق جبينك تأكل خبزك» فاذكر أن هذا المخلوق الصبور يأكل شعيره ~~بعرق جبينه أيضا، وأكد أن الملايين من الناس الذين يعرقون دما اليوم لا يموتون جوعا ~~إذا لم يعرقوا غدا. # لا ينبغي للإنسان أن يقتل روحه ليفثأ جوعه، والذين يملئون بطونهم فقط ولا يشعرون ~~بألم روح جائعة ولا يسمعون صراخ طفل في القلب يطلب الغذاء فلا أظنهم يستحقون الشفقة ~~إذا عرقوا كالدواب والثيران، اشغلوا هذه العضلات واملئوا هذه المعدة، فالروح لا تطالبكم ~~بشيء - ماتت الروح جوعا، وأما ذاك الذي لم يزل في روحه التي تميزه عن الثور والبغل رمق ~~من الحياة ذاك الذي نفخ الله فيه نسمة إلهية وخلقه على صورته تعالى ومثاله فهل يجوز ~~أن يعرق في سبيل شركة احتكارية أو من أجل جمعية إصلاحية أو تأييدا لحكومة ~~استبدادية؟ # لا، حتى ولا ينبغي أن يعرق في سبيل معدته وامرأته وأولاده، العرق في الحمام أو في ~~سرير اللذة أو على فراش الحمى أو في سبيل السرور والصحة - كل ذلك يطاق كل ذلك لازم ~~ومفيد، وأما العرق من أجل الرغيف - ولا فرق إن أكلها الفاعل أو سلبه إياها سيده - فلا ~~يجوز ولا يلزم ولا ينفع ولا يطاق، ولكن فلسفة السياسيين البغلية متأصلة في قلوب ~~الغربيين والبغل من أبطال هذا الزمان، ولا عجب إن أضافوا إلى أصنامهم العديدة صنما آخر ~~فإن بين البعل والبغل شيئا من الشبه والقرابة، النقطة فوق العين لا تفرق بين الاثنين. ~~أعوذ بالله من أصنام هذا الزمان ومن آلاته البشرية، أعوذ بالله من طواحين هذا التمدن ~~ومن حجار رحاها، أعوذ بالله من هذه التعاليم السياسية التي تصير الإنسان بغلا والبغل ~~إنسانا بل ms057 بطلا بل إلها. # | شهداء العلم # متى رأيت الأفراد يفادون بأنفسهم من أجل مبدأ علمي أو تعليم اجتماعي أو مسألة طبية ~~فقل أن سيؤيد ذلك المبدأ ويفوز ذاك التعليم وتتقرر تلك القضية، نعم سيعم انتشار هذه ~~المبادئ البلاد عاجلا أو آجلا، ستشعر الأمة بنفوذها، سينفع بها بنو الإنسان، ولا ~~يقف الأمر عند هذا الحد، فإن هذه المبادئ تشغل وحدها أفكار الباحثين والعلماء فتهتم لها ~~الجرائد والمجلات ويحدث الأساتذة بها تلاميذهم ويوعظ القسس بها على منابرهم ويباحث ~~الفاعل أخاه بشأنها وهو يقرأ جريدة الصباح. # ولو ذلك لما كان يحدث مفاداة وإقدام من أجل هاتيك المسائل، فالمرء لا يبذل نفسه ~~من أجل الإنسانية إلا عندما ترتقي إلى درجة يمكنها أن تشعر بما يقوم به الباذلون مهجهم، ~~أو بالحري لا توجد الضحية قبل أن ينضج الوسط الذي فيه ومن أجله يفادي الأفراد بحياتهم، ~~ولو كان الشعب لا يسمع عن هذه التعاليم شيئا لو كانت الجرائد والمجلات لا تهتم بها ~~لما كان أحد يبذل النفس والنفيس دونها، مثال ذلك أننا لا نرى اليوم أناسا يهتمون ~~لتأييد النخاسة وتعزيزها، لا نرى أناسا يذهبون شهداء الدين؛ وذلك لأن النخاسة أبطلت ~~والأبحاث الدينية اللاهوتية أصبحت ثانوية بالنظر إلى المسائل الخطيرة من طبية وعلمية ~~واقتصادية. # لو دققنا النظر في كل تعليم ومبدأ، وفي كل ~~نعمة يستمتع بها الجنس البشري لوجدنا حقيقة واحدة وراءها كلها، وهي هذه. لولا بذل النفس ~~والشهادة لما كانت، فقد كان للدين شهداء وللعبودية شهداء وللحكومات الاستبدادية شهداء ~~وللحرية شهداء أيضا. أما ونحن الآن في أول قرن العشرين فنتقدم إلى الكهنة والملوك ~~والأمراء والأعيان باحترام قائلين: تعالوا أيها العظماء والأتقياء تعالوا واغسلوا ~~أيديكم الطاهرة بدم شهداء العلم. # هذي هي المبادئ التي سادت عقول الناس الآن، هذي هي الأمور التي تشغل أفكار معظم ~~الكتاب والخطباء والفلاسفة في أوائل هذا العصر، وما خلاها من التعاليم - دينية كانت ~~أو اجتماعية أو أدبية - هي بالمنزلة الثانية من الاهتمام، ولربما كانت سائرة على طريق ~~الإهمال إلى ظلمات النسيان، شأن غيرها من ms058 المبادئ القديمة والتعاليم المنسية. # قد كتبت هذه السطور بعد أن قرأت في صحف الأخبار قصة رجلين ماتا شهيدي العلم في مدينة ~~هاڤانا؛ وذلك لأنهما قبلا أن يجرب بهما الدكتور كلداس مصلا قيل إنه يشفي من الحمى ~~الصفراء، فجاء الطبيب ببعوضة فيها مكروب الحمى المذكورة وقدم الشهيدان ذراعيهما ~~فلسعتهما البعوضة، فمرضا بتلك الحمى وماتا شهيدي الاختبار والتجربة. وما هما على ~~التحقيق إلا اثنان من الكثيرين يقبلون الضيم ويحتملون العذاب والألم من أجل العلم ~~مخلص العالم الحقيقي. # فالدكتور لازار في الجندية الأميركية مات أيضا على تلك الحالة، أي: أنه رضي أن تلسعه ~~البعوضة الحاملة للجراثيم في دمها ليختبر تأثيرها فمات شهيدا. وفي باريز الآن رجل ~~يموت من السل إذ إنه قدم نفسه ليختبر به الأطباء مبدأ الدكتور كوخ في هذا المرض ~~العضال، وقد تطعم في شكاغو ثلاثة شبان بمصل السل البقري ليختبر الأطباء فيما إذا ~~كان يختلف عن السل البشري وإذا كان الأول لا يعدي البشر. إن هؤلاء وأمثالهم يكفلون تقدم ~~العلم بحياتهم، بل يشترون حياته بدمائهم. # وكم من قضية طبية لا يستطيع الأطباء حلها إلا إذا قدم القلائل الغيورون المحبون ~~للجنس البشري أنفسهم للامتحان والتجربة، وهؤلاء الرجال الذين يفدون العلم والطب ~~بدمائهم وحياتهم هؤلاء هم شهداء هذا الزمان، بل هم الشهداء الذين يستحقون إكليل الغار ~~وهالة القديسين فقد مات شهداء الدين من أجل دينهم، وهذا ليس بكثير، أما هؤلاء فيموتون ~~من أجل العالم بأسره، يموتون اليوم لتقل الأمراض في المستقبل. وفوائد العلم ~~والاكتشافات مشاعة بين بني الإنسان على الإطلاق، ولا يتوقف دخول سمائها على إذلال ~~الروح وقتل الضمير ومس الوجدانات. # رحم الله شهداء العلم كلهم أجمعين؛ فهم أولياء القرن العشرين، هم الذين يستحقون ~~«التطويب» هم القديسون الذي يجب أن يحفظ ذكرهم في كل البيوت وفي المدارس والمعابد وبين ~~كل أمة وكل شعب وكل قبيلة. فقل طوبى لهم على ما أتوا عالم العلم والإنسانية من ~~الباقيات التي تؤهلهم لأعلى عليين في ملكوت السماوات. # | الحرب التي تهمني # ماذا تقول؟ حرب بين الروس واليابان؟ ms059 لا أصدق ذلك، لا أصدقه، نحن في السنة الرابعة ~~من الجيل العشرين، ومجلس التحكيم في مدينة لاهاي تعالى أن يكون ألعوبة يلهو بها ~~السياسيون، لا يا صديقي ، إنما الروسية مهتمة في سن شرائع تكفل لليهود حقوقهم فيصيرون ~~والمسيحيين متساوين أمام العدل. والشعب الياباني ساع بتربية الزهور واصطناع الأواني ~~الخزفية الجميلة، والجرائد! إنما هي عادة في البدن - الجرائد كذابة والتلغرافات التي ~~تنشرها زاعمة أنها من كوريا وبورت أرثر هي من مدينة أقرب إلينا - هي من نويرك ~~بالذات. # ولنفرض أنني مخطئ في ظني وأن الحرب بين الروس واليابان حقيقة ثابتة، فماذا أفعل ~~إذا؟ أيجب أن أهمل أشغالي وأضني نفسي في متابعة أخبارها والتحزب لأحد الفريقين، ماذا ~~يهمني من حرب جارية بين دولتين مستبدتين ظالمتين أساسهما الآية القديمة الفاسدة «الحكم ~~من الله» ماذا يهمني من حرب لا روح للشعب في نارها ولا أثر للحق في غبارها ولا صدى ~~للحرية في صلصلة حرابها وفي دوي مدافعها؟ # إمبراطور اليابان رجل يحكم حسب اعتقاده على أربعين مليونا من عباد الله بحق هبط ~~عليه من السماء، ويبعث الألوف منهم إلى الحرب ليموتوا من أجله، هو رجل ظالم مستبد خال ~~من الشفقة والمحبة، ولا شك هو قبيح النفس كما هو قبيح السحنة، وقيصر روسيا: صه صه أو ~~اخفض صوتك على الأقل، إن جيراننا من الروم الأرثوذكس، نعم ولكن لنا أيضا من اليهود ~~جيران وخلان، وإكراما للقارئ الأرثوذكسي الغيور ألطف ما كنت أنوي كتابته ولكن لا ~~بد من القول إن قيصر الروس ليس أحسن من إمبراطور اليابان. # وبعد هذا وذاك ما هي الغاية من هذه الحرب؟ هل أشهرت للمحافظة على حقوق عادلة - هل ~~فيها تعزيز مبدأ سام أو تأسيس تعليم شريف - هل يلحق الشعب المظلوم منها أقل فائدة - هل ~~تخفف الشقاء والبؤس عن الفلاحين في الأمتين والفقراء - هل تحسن تجارة الغرب مع الشرق - ~~ما هي الغاية منها - قل لي أدامك الله غيورا فاهتم عندئذ واتحزب، ما هو مدخل اليابان ~~في كوريا وما هو مدخل الروس في منشوريا؟ ما الحرب ms060 هذه إلا غارة تشنها دولة سراقة على ~~دولة متطفلة، دولة ظالمة على دولة مستبدة، لا أكثر ولا أقل، ولذلك لا أريد أن أعرف عنها ~~شيئا، الجرائد الأميركية في هذه الأيام تقلق الراحة وتبلبل الأفكار والعاقل العاقل ~~الذي لا يلتفت إليها. # اسمع يا صديقي، فهأنذا أحدثك عن حرب أخرى تهمني وتهمك أيضا مراقبتها واستطلاع ~~أخبارها ودرس حركاتها قوادها وتدوين حوادثها وانتصاراتها، حرب لا تستخدم فيها المدرعات ~~ولا المدافع ولا تهرق بسببها دماء الألوف من العباد، حرب ساكنة ولكنها هائلة، حرب خفية ~~ولكنها واضحة، حرب دائمة ولكنها محيية، حرب سرية داخلية يحارب فيها قائد النفس قائد ~~الجسد، ويجيش الأول جيوشه من الأفكار والنظريات الكمالية والثاني من الحواس واللذات ~~الحيوانية، هي حرب بين الروحيات والماديات، هي حرب جارية أبدا في كل امرئ حي الضمير ~~سامي الفكر شديد العاطفة كثير المطامع. هي حرب تشهرها علي نفسي كل يوم، ولا أستطيع ~~الانتصار عليها دون أن أسيء إلى أحد بالقول أو بالفكر أو بالفعل، ولا يمكنني التسليم ~~دون أن أحتقر ذاتي الروحية القائمة أبدا فوق ذاتي المادية وهذي هي الورطة ~~الخبيثة. # لتنظم الشعراء قصائدهم إذن عن حرب الروس واليابان، لتكتب الكتاب مقالاتهم عن سياسة ~~القيصر ودهاء الميكادو، لينشئ العارفون فصولا عن داخلية الدولتين ووطنية الشعبين، ~~ليهرول المراسلون إلى ساحة القتال في الشرق الأقصى، لتملأ الجرائد صفحاتها بأخبار الحرب ~~الجديدة ورسوم المعارك العديدة، وأما أنا فالحرب التي تهمني مراقبتها ويفيدني درسها ~~وتلذ لي متابعة أخبارها إنما هي حرب النفس والجسد حرب الروح والمادة. # في نفسي شعلة نار يتصل لهيبها بالمشتري والفرقدين، وفي غريزة حيوانية تغريني ~~أحيانا وتجرني إلى قعر الهاوية ولكنني أنهض منها قويا نشيطا وبينما أنا أفرك جلدي ~~صباحا في الحمام أسمع صوتا يناديني قائلا: عش كما تكتب، حافظ على ما تحوزه من الكمال ~~وطالب أبدا بالباقي، فأجتهد أن أفعل عشر ذلك في النهار وأستلقي على فراشي في الليل ~~فأحلم بجمال الحياة الممتزج بالعار والفضيحة، بالمحبة التي نسمها الغيرة، بالمجد الذي ~~يكلله العار، بالمطامع التي تقتلها ms061 السلطة، بالشهرة التي تفسدها الأنانية والتصنع، ~~بالنفوذ الذي تشوهه الكبرياء والاستبداد بالنجاح الذي يعيبه الطمع والاستئثار بال ... كفى ~~كفى! أي طريق أقرب إلى الصحراء؟ # | الخيانة وإبليس # ها قد دخلنا القرن العشرين ولم يزل في الأمم المتمدنة من يقول إن للشيطان دخلا في ~~شئون الناس. قد نقحت التعاليم الدينية ولم يزل للشيطان أثر فيها، تغيرت الشرائع ~~المدنية وتبدلت عملا بسنة الترقي الدائم، ولكن الشيطان لم يزل باقيا في مجلات ~~الأحكام ودساتير الأمم، رقينا في الحضارة بعض الرقي وتقدمنا في العلوم ~~والاختراعات، ولكن العقيدة المفزعة التي ترعب الإنسان وتخيفه باقية على قوتها في ~~معاقل تلك الحضارة وثنيات تلك العلوم. هي العقيدة التي تشوه شرائع أرقى دولة أوروبية ~~حتى الآن، هي العقيدة التي تشوب جمال الدين المسيحي وتفسد ما فيه من التعاليم الأدبية ~~والروحية السامية، هي العقيدة التي «نبعبع» بها الأطفال ونزرع باسمها في جنانهم ~~الصغير بذور الخوف والجبن وضعف الإرادة. # متى يا ترى ترمد نيران الجحيم؟ متى يموت الخناس الموهوم؟ متى يزول الخوف والرعب من ~~قلوب البشر؟ متى نقلع عن تعليم الأطفال الأكاذيب؟ متى تنقح شرائع الدول المتمدنة ~~ليكون بينها وبين تقدم العلم شيء من النسبة؟ هذي هي إنكلترا تلك البلاد التي ~~نبغ فيها دورين وهكسلي وسبنسر، البلاد التي تفاخر العالم بشكسبير وبيرن وبرنس ~~لم تزل رائحة الكهف والصحراء تشتم حتى اليوم من شرائعها المدنية، لم تزل هذه الحكومة ~~تشبه في بعض أحكامها الشعوب البربرية التي تؤدي الجزية صاغرة للعرش ~~البريطاني. # حكم يوما في لندرا بالموت على رجل يدعى لنش؛ لأنه حارب مع البوير الحكومة ~~البريطانية وهو بريطاني التبعة، وفي عرف الشريعة المدنية المكتوبة قد خان هذا الرجل ~~ملكته وحكومته وشعبه، ولم يزل الموت عقاب الخائن في كل الأمم، والدول المتمدنة ~~وغير المتمدنة سواء من هذا القبيل، ولكن ألا يوجد شريعة أرفع من الشريعة المسنونة؟ هل ~~تخلصنا - أيها القارئ الحر - من عبودية الأفراد لنقع تحت نير عبودية الحكومة؟ هل ~~وجدت الدولة للإنسان أو هل وجد الإنسان للدولة؟ الحكومة نفس وقلب وضمير ليدافع ms062 عنها ~~كل فرد من أفراد الأمة أولا يحق للمرء أن يرفض التطوع في جند الحكومة إذا كان ذاك ~~الجند يحارب حربا ظالمة، أولا يحق لمحب العدل والحق والحرية أن يستل سيفه على حكومته ~~إذا رآها تحارب ظلما وعدوانا لتقتل استقلال شعب ضعيف وتسلبه حريته؟ # الجندي الذي يهجم مجردا على حصون العدل والحق إنما هو الخائن بعينه، وهو الذي يجب أن ~~يحاكم من أجل خيانته في المحكمة الحربية، وأما الجندي الذي نفض عن حذائه غبار شعبه ~~وتبرأ من أمته لما رآها تحارب حربا ظالمة وتطوع في جيش الحرية والاستقلال ~~فهذا - والله - يجب أن يكلل بالغار، يجب أن ينصب تمثاله في عاصمة الأمة ليقتدي ~~به كل من جعل الحرب مهنته وحمل السلاح للارتزاق، ولكن ماذا تقدم الدول المتمدنة لمثل ~~هذا الآن؟ إكليلا من الشوك عوضا من إكليل الغار ومشنقة بدلا من التمثال، وهكذا فعلت ~~الحكومة البريطانية بالقائد لنش، وفعلت أكثر من ذلك، فقد قلت إن شرائعها لم تزل مشوهة ~~بالخرافات والخزعبلات والشيطان الموهوم لم يزل في مجلة الأحكام الجنائية، وإليك نص ~~التهمة التي رفعها نائب الملك إلى المحكمة قال: # قد أغرى الشيطان «لنش» وحمله على ترك الجند البريطاني ليحارب الملكة ~~وحكومتها؛ ولذلك نطلب محاكمته كما يحاكم الخائنون. ~~«قد أغرى الشيطان فلانا» تأمل هذه العبارة التي لم تزل في مجلة حكومة تفاخر جميع ~~الشعوب بتمدنها، وهل تظن أنه يوجد قاض واحد بين كل قضاة إنكلترا المفكرين ~~يعتقد بأن الشيطان أغرى لنش ليحمل السلاح على حكومته، ولكن القديم يبقى على قدمه ~~والترقيع من مميزات تمدننا الحديث، أين هو الشيطان؟ وكيف هو؟ ومن هو؟ وبأي هيئة ~~يظهر للإنسان ويوسوس بأذنه كما يعبر عن طريقة تكلمه في الكتب المقدسة، ومن منا رآه ~~في غير عالم الخيال؟ # والحق يقال: إننا لا نهذب ونمدن حقا قبل أن ننزع هذه الاعتقادات من تعاليمنا، ليس ~~هناك شياطين غير بشرية، وعالم الجن هو عالم الوهم والخيال، هو عالم الشعراء لا عالم ~~المتشرعين، قد يكون الشيطان جميلا في ديوان الشعر ولكنه في ms063 مجلة الأحكام قبيح، ~~الشياطين الموهومة غير المحسوسة وغير المنظورة هي ناتجة إما عن اضطراب في المعدة أو ~~اختلال في العقل أو عن جهل بربري، أقول هذا مستثنيا الشعراء؛ لأنهم وشياطينهم ~~سواء. # | خطاب المسيح1 # لو قصد المسيح العود إلى العالم لاختار أن يظهر للوجود بطريقة مألوفة ليكتسب ثقة ~~أبناء هذا الزمان الفاسد، فيدعونه إلى الخطابة ولا يعاملونه كما يعامل داوي الأميركي ~~اليوم في الولايات المتحدة، وداوي هذا من الأنبياء العصريين ممن يمثلون أدوارهم ~~الهزلية مجانا حبا بلهو الشعوب وتسلية الأمم. نعم إن هذا الجيل جيل متمرد عات فهو ~~لا يعجب بالعجائب ولا يحفل بالأنبياء. # لنفرض أن المسيح ظهر ظهورا واضحا بطبيعته البشرية وبعد أن شب وبلغ الرشد ~~وتخرج في إحدى الكليات الكبرى طفق يدرس حالة العالم الحاضرة ويراقب مجرى ~~تعاليمه ونتائجها، فعلمه هذا يحزنه ولا جرم ويغضبه، فإذا كان اليهود قد صلبوا المسيح ~~بالجسد منذ تسعة عشر قرنا فالمسيحيون الذين يفاخرون الشعوب بمسيحهم يصلبونه بالروح كل ~~أسبوع بل كل يوم، ولعمر الحق إن من يعبدون المسيح يؤلمونه، وكل صلاة تصعد من فم ~~المسيحيين أبناء هذا الجيل، هي مسمار في صليب المسيح، كل تضرع من تضرعاتهم هو إكليل ~~شوك على رأس سيدهم. نعم إن المسيحية في حالتها الحاضرة لعدوة المسيح، إن يسوع ~~وكنيسته على طرفي نقيض، ولو دعي لإلقاء خطاب في ~~إحدى مدن أوربا الكبرى لاستهل كلامه بالترتيلة التي تنشد في جمعة الآلام فيقول آسفا: # أيا شعبي وصحبي أين عهد الإيمان؟ # لأنه على نحو ما تقدم لم يزل يعذب ويصلب إن لم يكن بالجسد فبالروح، وبعد أن يتكلم في ~~حالة الكنيسة الحاضرة وفي فسادها ويوبخ الرؤساء وينذرهم ينتقل إلى الدول المسيحية ~~فيبرهن على غير عادته (أي: أنه لا يتكلم بالأمثال هذه المرة) بل يبرهن بالبرهان ~~الساطع أن التعاليم الدروينية لا تنطبق بتة على تعاليمه وأن الدول والشعوب يعملون ~~بتعليم بقاء الأنسب ويتصنعون بحب الضعيف والقريب والعدو، ويقول - والأسف ملء فؤاده ~~- إن تنازع البقاء ينفي الشفقة والمحبة، ويقضي على التمدن بالزوال وعلى الجامعة ms064 ~~بالاضمحلال ثم يفيض في المبادئ الاشتراكية، ويقابل بينها وبين تعاليمه، ويبين وجه الشبه ~~بين الاثنين، ويطلب من دول الأرض وحكوماتها أن تؤيد الرسل الذين يبشرون بالحرية والحق ~~والمساواة كما تؤيد من يبشرون بالمحبة والرجاء والإيمان، ويكون مجمل خطابه موجها إلى ~~ثلاث فئات من الناس فيخاطب الأولى معاتبا ويخاطب الثانية شاكرا وأما الثالثة الكبرى ~~فيكلمها مذكرا منذرا. # وأما العتب فيوجهه إلى أولئك الفلاسفة الذين قاوموا النصرانية مدعين أن نتائجها ~~مخالفة لما كانوا يعتقدونه خيرا للجامعة، وهم الدهريون والعدميون الذين طعنوا طعنا ~~شديدا على الدين المسيحي، فلهؤلاء يقول يسوع: «يحق لكم انتقاد رؤساء الكنيسة ولا لوم ~~عليكم ولا تثريب إذا خالفتموني في الظاهر وأما مبادئنا الأساسية فواحدة، أنتم تبشرون ~~مثلي بالحق والعدل والمحبة، ولكن الحق الحق أقول لكم إنكم تسلبون الإنسان أكبر تعزية ~~وأعظم تسلية وتخطفون من نفسه كنز الرجاء والآمال بقولكم له: إن الضريح خاتمة الحياة، ~~وإن الموت رقاد أبدي، فأين ذهبتم بالحياة الأخرى أيها العلماء، وكيف فاتكم أن النفس ~~خالدة وأن بعد الموت حياة أسمى وأبقى، اجعلوا أساس تعليمكم حقيقة الثواب والعقاب ~~فأجتمع إذ ذاك وإياكم في طريق واحدة ونبذل ما بوسعنا لتخفيف أثقال الحياة على ~~الإنسان. # أما ما قيل لكم في العجائب التي صنعتها فلا يجب أن تكترثوا كثيرا به، ولا يجب أن ~~يصدكم ذلك عن افتهام تعاليمي الأصلية المجردة من كل تنقيح وزيادة. خذوا الجوهر وانبذوا ~~ما سواه ظهريا، خذوا الأساس وابنوا عليه وأنا أقيم بمعاقل علومكم وأكون أبدا ~~معكم.» # أما الفئة الثانية فهي مؤلفة من الفلاسفة الروحيين الذين ساووا بين تقوى الله ~~وحب الإنسان، بين القنوت والإحسان بين العلم والإيمان، ومع ذلك فقد خرجوا عن المسيحية ~~بحسب عرف الكنيسة؛ لأن رؤساءها لا يرضون عمن كان جريئا في الحق حريصا على الحقيقة ~~ولا يرتاحون لما يخالف اعتقاداتهم المنتحلة من الأقوال والأحكام، فلهؤلاء يقول: # يعيرونكم بالكفر والإلحاد ويضطهدونكم ظلما وعدوانا فأنا أقول لكم هكذا جرى ~~لي يوم قمت على الكتبة والفريسيين وأحييت روح الحق والمحبة بين الناس هم ~~يبشرونكم ms065 بعذاب أليم وأنا أبشركم بمقام سام كريم فأنتم الأصفياء وإن ~~أنذروكم بالهلاك، أنتم فسرتم آيات كتابي تفسيرا حقيقيا، أنتم نددتم برؤساء ~~ديانتي لما رأيتموهم يضطهدون ويقتلون بعضهم بعضا ، أنتم خرجتم عن دائرة ~~الكنيسة لما رأيتموها أصغر من دائرة أقوالي، أنتم خدمتم الإنسانية التي جئت ~~لأخلصها خدمة مخلصة مجردة، أنتم وضعتم النفس على كرسي عرشها ودفعتم عنها ~~هجمات الدهريين وفيالق الجاحدين، أنتم مارستم الناموس ونفذتموه بأقوالكم ~~وأعمالكم، أنتم جعلتم لأبي في قلوبكم عرشا معززا كريما ثم طفقتم تنذرون ~~الضالين وترشدونهم لتقربوا إلى قلوب الناس ملكوت السماوات، أنتم دافعتم عن ~~الضعيف وسخرتم بالظالم الأثيم وحسرتم عن الرياء اللثام قد نبذتكم الكنيسة ~~التي خانتني ولكن الحق أقول لكم إنكم أقرب إلي وأكثر إخلاصا من الذين ~~نبذوكم، أنتم أتباعي المخلصون، أنتم أنصاري الحقيقيون، نعمة أبي في السماء تحل ~~عليكم. # ثم يصوب المسيح سهام غضبه إلى الملوك والأمراء والرؤساء المسيحيين ممن يتخذون ~~المسيحية ذريعة لتنفيذ مآربهم وتوسيع نطاق سلطتهم وتحقيق مطامعهم العديدة المنكرة، ~~فيصرخ فيهم قائلا: «يا ملوك الزمان ويا أمراء البلاد وساداته، الحق أقول لكم إن ~~مسيحيتكم فاسدة وإيمانكم كاذب، إنكم لا تختلفون عن الوثنيين إلا بخبثكم وريائكم، ~~فأولئك اضطهدوني وقتلوا رسلي، ولكنهم أقاموا بذلك جهرا وأما أنتم تعملون الآن ~~أعمالهم الفظيعة وتدعون الادعاءات الباطلة قائلين كذبا وافتراء: إن ما نفعله من أجل ~~المسيح ودينه، فتلحقون إثم الخبث بإثم الاضطهاد. # إن مطامعكم الدولية أنستكم واجباتكم وأماتت فيكم عواطف الشرف والصدق. إن الخبث ~~والختل والقسوة في كل أعمالكم ظاهرة، إن حسدكم الدولي يجعلكم صغار النفوس كبار الذنوب ~~فتتحاماكم الشفقة وتبعد عنكم الاستقامة، قد صيرتكم الأنانية أعداء الداء لمن ~~أوجد الجامعة التي تنتمون إليها، إن آثامكم العديدة الكبيرة التي تسترونها باسمي ~~معدودة عند أبي في السماء، إن الشعب الضعيف الحقير يئن من الضرائب والمكوس التي ~~ترهقونه بها لتقوموا بنفقات حروبكم، ألا تفكرون فيما تعملون، ألا تخجلون من ~~انتسابكم إلى دين يعلمكم عكس ما أنتم فاعلون. إن انتسابكم هذا الباطل لا يجديكم ~~نفعا يوم الحساب. ~~«فيا أمراء ms066 البلاد ويا ملوك الزمان وساداته، قد بشرت منذ تسعة عشر قرنا بالسلام على ~~الأرض والرجاء الصالح لبني البشر، فهل تفهمون بالسلام والحروب، وهل تظهرون رجاءكم ~~الصالح بمدافعكم القتالة ومدرعاتكم الهائلة. متى قلت لكم انشروا ديني بالسيف والنار، ~~متى قلت لكم انهبوا واسلبوا وافتكوا واقتلوا باسمي، متى قلت اضطهدوا من خالف تعليمي ~~واقتلوا من أنكر لاهوتي وانبذوا من سخر بأقوالي. # ماذا تفهمون «بالآية الذهبية» التي تفاخرون بها العالم بأسره، هل عندكم للمحبة معنى ~~سوى أنكم تتصنعون بحب من يخضع لسلطانكم صابرا وينفذ أوامركم ساكتا طائعا، ألا ~~يردعكم الضمير عن الأعمال القبيحة التي تقترفونها وتقولون «إن ذلك من أجل المسيح» متى ~~يا ملوك الزمان متى تخلصون لسيدكم متى تطهرون الاسم الذي جعلتموه بأعمالكم مرادفا ~~للظلم والجور والقسوة، أنا بشرت بالمحبة وأنتم تورون بينكم زند الضغينة، أنا بشرت ~~بالاتحاد العام وأنتم من أجل لفظة تختلفون وأحشاء جامعتكم تمزقون، أنا دخلت الهيكل ~~وكسرت الأصنام وأخرجت الصيارفة فعدتم أنتم تعبدون البعل وتسجدون لعجل الذهب. # قلت قاوموا الشر بالخير وأنتم تنفون من انتقدكم وتقتلون من ندد بأعمالكم وتنتقمون ~~من أعدائكم شر انتقام، فيا ملوك الزمان وسادة الأرض، لا توغلوا في الإثم والعدوان ومن ~~أجل العالم وأحطامه لا تهلكوا النفس، كفاكم استبدادا وظلما كفاكم رياء وخبثا، كفاكم ~~قسوة وجورا، كفاكم تجبرا وطغيانا، اعدلوا فلا تحتاجون إذ ذاك إلى جيش يحميكم ولا ~~إلى قلاع تصون بلادكم، حصنوا البلاد بالعدل أيها الحكماء والرؤساء وكفوا عنها يد ~~الظلم.» # | بيني وبين مدير الجريدة1 # زحفت منذ عام على هذ الخواطر روح خفية، فطردتها من أعمدة هذه الجريدة الأميركية، ~~أرادت تلك الروح الاستئثار، فآثرت الخواطر على الحضارة القفار، وعلى الدخان النار، ~~وسمت إلى الطيران في الفضاء دون الاقتراب من الكبار والصغار، هجرت قانعة وسارت ~~رائدة، فكان للهاجر والمهجور بعض الفائدة، والحقيقة الآن إلى البيت المطهر عائدة، ~~العود إذا إلى الوطن المحبوب، فقد استتب فيه السلام المطلوب، وظهرت حسنات وسيئات ~~تلك الحروب التي عززت بعض الحقوق ومكنت في الناس كثيرا من العيوب. # ختمنا هذه ms067 الخواطر منذ عام بالنزاع والخصام، ونفتتحها الآن تحت ألوية الوئام والسلام، ~~وهذا كل ما نكتبه سجعا رفقا بالقراء الكرام، فلا تجزع إذا أيها القارئ ولا تخف، ~~إن صاحب هذه الخواطر يعتبر الشريعة إلى حد محدود ولا تلذه الكتابة من وراء الحديد، وهو ~~يعدك بأن حريته وحكمته تبقيان غالبا في القانون، فإذا كانت الحكمة تحبس الجسد الذي ~~يحبس النفس فنحن في غنى عنها وعن توابعها، أجل قد يكفي هذه النفس القلقة حبس ~~واحد. # إني أحترم الشريعة ولا أتعشق الحبس؛ وذلك لأن الشريعة تمنحني بعض الحرية والحبس ~~يحرمني إياها تماما، فإذا ما لا يملك كله لا يترك جله، ولكن ما العمل إذا جاءني ~~صديق وأراد أن يشاطرني هذا القليل أو أن يحرمني منه كل الحرمان، أفلا يصبح هذا الصديق ~~كالحبس الذي لا أهواه، بل هو حبس لا حديد له ولا جدران، هو يريد أن يقيدني بإرادته كما ~~يقيد المأمور السجين، هو يريد أن يحصر حريتي ضمن جدران مصلحته الشخصية، أفليس أوفق - ~~والحالة هذه - أن أسلم نفسي إلى البوليس فأرتاح من قرقعة هذا العالم ودويه ومن وداد ~~أبنائه ومحبتهم؟ # الكاتب العربي خاضع لشريعة عامة وشريعة خاصة، فالشريعة العامة تنال احترامي إلى حد ~~محدود - كما سبق - ولكن كيف التملص من الشريعة الصحافية الخاصة؟ يطلب مني صاحب هذه ~~الجريدة وهو الذي يسن القانون وينفذه أن أمتنع عن البحث في المسائل الدينية وأن أجرد ~~هذه الخواطر عن كل ما تشتم منه رائحة الكفر - بحسب زعمه - ويطلب هذا مني إكراما ~~للإكليروس الذي يخدمه مضطرا إكراما لأولئك الذين حاولوا تقييد أفكاري فنجوت منهم ~~وشكرت ربي. # الشريعة العامة لا توجب سجن من يبحث في الموضوعات الدينية ورجال الشرطة لا تلقي ~~القبض على من ينتقد لوثيروس أو ينكر سلطة البابا فالشريعة العامة تعضدنا إذا وتنصرنا ~~على الشريعة الصحافية الخاصة. ومعلوم أن الخواطر هذه لا تحبس حتى وإن حبس صاحبها، ~~وجل ما يستطيعه الصحافي أن يمنع دخولها إلى مملكته فيوقفها في إدارة الجوازات (أي: ~~إدارة التحرير) ويعيدها إلى حيث أتت مع ms068 الاعتبار الذي توجبه اللياقة والأدب. # ومع أن الحق في جانبنا (وضمير الجمع عائد إلى الخواطر وصاحبها) فالشريعة العامة معنا ~~وهي لا شك تنصرنا على هذه الشريعة الخاصة إذا التجأنا إليها، فنحن نخضع للسلطة الصحافية ~~المستبدة لا لنعلم الناس الطاعة العمياء الخبيثة، بل لنعطيهم مثلا من هضم النفس الذي ~~يجرد فاعله عن السفليات ويرفعه إلى العلويات. وهناك سبب آخر نهمس به في أذن القارئ ~~وهو أننا لا نريد إلحاق ضرر مادي بصاحب الجريدة وهو لم ينفض عن ثيابه بعد السجن غبار إذ ~~إننا واثقون بالفوز إذا التجأنا إلى القضاة وقد سبقنا ونادينا بالتساهل فلا نخطئ إذا ~~وقفنا بجانب تعاليمنا وعملنا بها ولو مرة واحدة في السنة. # نعم إن بذل النفس حسن ولكن لا في جميع الأمور وهو واجب ولكن لا في كل الأوقات ~~والأحوال، هو حسن متى كانت نتائجه صالحة وثمرته ناضجة ومنفعته شاملة. هو جميل ~~في قبول المسيح الصلب من أجل تعاليمه، هو حسن في شرب سقراط السم إكراما لمبادئه التي ~~كان يعتقد صحتها، هو حسن في قبول غاليلو الحبس وسبينوزا النار وهوغو النفي وجان برون ~~الموت من أجل الحقيقة التي تعشقوها وبشروا بإنجيلها. وهضم الجانب حسن متى توقف عليه حسم ~~خلاف وإزالة خصومة، وإسقاط المرء حقه جميل متى مهد سبيل التساهل والوفاق بين الناس. ~~ومن حقوقي أن أبحث في أي موضوع أشاء فإن تنازلت عن بعض هذه الحقوق فذلك حبا ~~بالسلام والوفاق والتساهل. # مهلا أيها القارئ، فلا تلمني إذا تكلمت اليوم وأسقطت حقي غدا، سكت مدة - كما سبق - ~~عملا بالمثل المشهور ولأسباب ذكرت بعضها فما الذي أوجب الكلام الآن، حادث جرى في ~~العالم (وقلما يهتم لحركة الكون من كان في المستشفى بالقرب من أخت مريضة) حادث ~~مزق حجاب السكوت واضطرني أن أؤجل التوقيع على المحالفة مع المدير إلى الغد. # إن عروش أوروبا خاوية خالية في الوقت الحاضر، وملوكها منقطعون عن أعمالهم ~~ترويحا لأنفسهم من الجمود المستمر الذي يكتنفها. ومع أن نزهة الملوك لا تخلو من ~~الألغاز والأسرار فهي لا ms069 تقلق ولا تزعج، ومتى كان هناك أمر ظاهر فلا حاجة لمعالجة ~~الأمور المدفونة والأسرار المكنونة، وأما الخبر الذي مس أحد أوتار القلب فتحرك له ~~الفكر طربا هو أن الملك إدوارد السابع رأس الكنيسة البروتستانية وحامي إيمانها المقدس ~~سيزور البابا لاوون الثالث عشر في أثناء سياحته، هو خبر سار مفرح ولكنه لا يدهش. لا ~~يدهش لأن ترقي العالم الأدبي والديني يجعل مثل هذه الأمور طبيعية عادية معتادة، ولكن ~~الخبر المناقض لمجرى الترقي الدائم، الخبر الذي يكدر بقدر ما ذاك يسر هو أن الإكليروس ~~البروتستاني بعث إلى ملكه رسالة برقية بها يحتج على تصرفه ويعترض على هذه الزيارة ~~المهمة المفيدة. # فهل يتعجب القارئ إذا وقفت قليلا في وسط الطريق لأقول كلمة صغيرة، هل ألام إذا ~~تكلمت اليوم وأجلت بذل حقي إلى الغد؟ فحتام التعصب يا رؤساء العالم وعلام ~~الاستبداد؟ عفوا إن الرؤساء الحقيقيين العقلاء يميلون مع الزمان إلى التساهل ~~والموادعة والوئام، ولكن الصغار المنزوين لا يرضون عن مثل هذا الترقي. الصغار ~~المنزوون هم الذين يحتجون ويضجون ليشعر الناس بوجودهم. # كنت أظن بأن الكاثوليك أشد تعصبا من إخوانهم البروتستان، ولكن الخبر هذا أفسد ظني ~~وصرت أعرف في المستقبل كيف أرتاب وأشك قلت: إن زيارة الملك إدوارد غير مدهشة، ولكنها ~~مفيدة، أما احتجاج البرتستان فلا هو مدهش ولا هو مفيد، هو صفحة من تاريخ الأجيال ~~المظلمة، هو برهان على تأثير الإكليروس حتى اليوم في الحكام المدنيين. # منذ نشوء الديانة المسيحية، وبعبارة ثانية منذ تأسيس الكنيسة حاول رجال الكهنوت أن ~~يتسلطوا على الملوك ويستخدموا قوة الجيش لتنفيذ مآربهم، وفي هذه الأيام يحاولون ~~القبض على زمام الأحكام بواسطة المتشرعين المدنيين ولكن هل ينجحون؟ هل نجح الإكليروس ~~الإنكليزي في سن شريعة تجعل المدارس العامة الإنكليزية تحت رعايته وتدبيره ونفوذه؟ كلا، ~~وهل يغني اعتراضه الآن على الملك شيئا؟ كلا. نحن في تقدم من هذه الوجهة على ما ~~يعترضنا من الطوارئ المكدرة. # إن لاوون الثالث عشر مثال الحكمة والمحبة والتساهل، فهل يخطئ إدوارد السابع إذا زاره، ~~ولو كانت تسمح ms070 الاصطلاحات الكنسية بالسياحة لرئيس رؤسائها ألا تظنه يزور ملوك أوربا ~~كافة على اختلاف مذاهبهم؟ بلى. وأنا أظن أيضا بأن بعض المطارنة والكرادلة في قصر ~~الفاتيكان يعترضون على صنيعه هذا كما اعترض قسس البرتستان على ملكهم؛ وذلك لأن في ~~الطغمتين أناسا صغرت نفوسهم فلا يرون ما يراه العاقل ولا يوازرون الحق على ~~الباطل. وهم يعارضون ويحتجون ويضجون ليشعر الناس بأنهم في عالم الأحياء يرزقون. والذي ~~قاله سيلستين عن البابا بونيفاس الثامن يطلق على مثل هؤلاء الرؤساء، فهم أيضا يستولون ~~على المناصب كالثعالب، ويحكمون كالأسد، ويموتون كالكلاب. # | بين اللاهوتيين والعلماء # لما خرج العلماء الماديون على ما جاء في سفر التكوين حمل علماء اللاهوت توراتهم ~~وولوا مدبرين. ولما اكتشف علماء الجيولوجيا اكتشافاتهم أسرع فلاسفة الكنيسة بتنقيح ~~اعتقاداتهم، لما قال أولئك إن الأرض لا تكون في سبعة أيام أجاب هؤلاء قائلين: وما ~~أدراكم أن اليوم بعرف موسى لم يكن كناية عن ألف عام، وهكذا تنازع الفريقان فأفسد ~~العلماء زعم موسى من حيث تكوين الأرض وقام بعدئذ دورين فأفسد زعمه من حيث تكوين ~~الإنسان. وهذا كله كان في سالف الزمان، وأما اليوم فقد يندر النزاع بين العلماء ~~واللاهوتيين؛ لأن أولئك الكرام مشغولون فيما بينهم وهؤلاء الأتقياء مهتمون بإعداد ~~طبعة جديدة منقحة لتآليف مار توما والقديس أوغسطينوس. # وأما التوراة فلا بأس بها، لا بأس بإبقائها على حالتها الحاضرة، ومع أن الآباء ~~اليسوعيين في بيروت قد طبعوا «ألف ليلة وليلة» طبعة جديدة مطهرة فهم يستحقون الشكر ~~إذ طبعوا التوراة بحرفها الواحد. وإني لأقول لأولئك الذين يفضلون الطبعة المصرية ~~الأصلية من قصة ألف ليلة وليلة خذوا التوراة واقرءوا فيها قصة لوط وبناته، أو قصة ~~أمنون وتامار أو قصة باعيل أو يهوديت، أو الحديث بين تامار الباغية ويهوذا، أو قصة داود ~~مع بتشابع بنت أبيعام امرأة أوريا الحثي أو قصة هذا الملك البار، لما خطب ميكال ابنة ~~الملك أشبوشت بن شاول بمائة قلفة ويا لها من خطبة، فكل من هذه القصص الغريبة الجميلة ~~تليق أن تضاف إلى الطبعة المصرية ms071 الأصلية من كتاب ألف ليلة وليلة. # ولكن ما لنا وللتوراة الآن فقد قلت إن الماديين أفسدوا زعم موسى من حيث تكوين الأرض ~~والإنسان ولكن باستور أفسد زعم الماديين بأن الحياة تتركب من المادة وجاء أخيرا ~~الدكتور سيمون ليفسد زعم باستور. يقول هذا النطاسي الأميركي إن الحياة تتألف من مركبات ~~كيماوية وإن الخلية الحيوية الأولى (بروتوبلازم) هي وهم كبير وافتراض فاسد، وإن ~~دروين في خطأ مبين حيث ينصر هذا الرأي وإن المرء ليقدر في المستقبل أن يوجد مادة ~~آلية على نحو ما وجد هو، وإن للمعادن حافظة تحفظ التأثيرات كما للإنسان، وإن الحياة هي ~~نتيجة حركة كيماوية فقط، ومتى اختلت ميزانية الجواهر الكيماوية يضعف التأثير الكهربائي، ~~ومتى ضعف هذا وزال تماما يكون الموت. # وإن الجاذبية الكائنة بين بعض الجواهر الكيماوية هي نوع من الإدراك العقلي إذ إنها ~~تنتقي رفيقتها وتتآلف حسب طبيعتها وخاصيتها - ولا أوضح وأبسط من هذه المسائل، ومتى يا ~~ترى تنطق الجواهر الكيماوية؟ لي حديث مع النملة فحبذا لو تكلمت لتفسد زعم هؤلاء ~~الماديين الذين يظنون مصدر النفس البشرية في مزيج من الملح والصابون. # ولكن قد خرج من معسكر الماديين في ألمانيا فرقة كبيرة، خرجوا لينازلوا علماء ~~الإنكليز القائلين بالنشوء والارتقاء وببقاء الأنسب، نعم من بيت أبي ضربت. هذا هو لسان ~~حال تلك العقيدة التي تعزز القوة في العالم وتقتل في الضعفاء الرجاء، نعم إن علماء ~~الألمان يحاصرون الآن بمدرعاتهم قلاع علماء الإنكليز، وقد غنموا الفرصة يوم مات ~~الدكتور فيرخو ذاك الذي ضرب العقيدة هذه ضربة قاضية فنسفوا أعظم مدرعة إنكليزية ~~وأغرقوها وتدعى هذه المدرعة في تاريخ الطبيعيين شارلس دروين. # يذكر القارئ أن دروين هذا صرف معظم حياته الطويلة ليسر إلينا أخيرا بأننا قرود ~~مترقية، وأن أجدادنا الأولين أحياء حتى الآن ويقدر الواحد منا أن يراهم في بورنيا أو ~~في إحدى الحظائر المشهورة. ولكن الدكتور فيرخو يؤكد لنا أن دروين لم ينجح إلا بالخلط ~~والخبط والشطط والغلط، قد يصرف كمية وافرة من الحبر والقرطاس في هذه الحرب العلمية التي ms072 ~~لا يرى العاقل فيها شيئا يستوجب الأهمية. # وقد فتحت كتاب حكمتي في هذا الصباح - وكتابي أيها القارئ يختلف نوعا عن سفر الجامعة ~~- وقرأت في الوجه الأول منه: لا شيء مهم في العالم سوى الصحة والعقل والبشاشة، وتنازع ~~العلماء بعضهم مع بعض مثل تنازعهم مع اللاهوتيين يبلبل الفكر ويقلق الراحة، فإذا ~~استحسنت حكمتي واستصوبتها فحافظ على جواهر الحياة الثلاث الثمينات، أي: الصحة والعقل ~~والبشاشة، ولا تحفل بأمر مجيئك ومصيرك، لا تحفل إذا عرفت من أين أتيت ومن هم ~~أجدادك. # ولكن الطبع البشري لا يميل إلى السكينة ولا يقنع بالراحة، الإنسان يتطلب أبدا شيئا ~~يشغل الفكر ويجلب الهم. فإذا كان لا بد إذا من اهتمام الفكر بشيء دعنا نهتم بالحاضر أو ~~المستقبل لا الماضي. إلى أين ذاهبون؟ متى عرفنا ذلك لا يعود يهمنا معرفة من أين أتينا، ~~ولكننا لا نعرف حتى الآن شيئا عن الأمرين فالأوفق إذا أن نهتم بالحاضر الحاصل ونترك ~~مسألة نشوئنا إلى دروين أو إلى موسى إن كنت من الأتقياء ومسألة مصيرنا إلى القديس ~~أوغسطينوس أو إلى الأستاذ هكل إذا كان يحلو لك الفناء. # ومن الحقائق الثابتة أن كل عقيدة تبتدئ بالبدعة وتنتهي بالخرافة، تبتدئ بالاضطهاد ~~الذي يجيئها من الخارج وتنتهي بالإهمال الذي يأتيها من الداخل، وعقيدة النشوء ~~والارتقاء التي ارتعدت لها فرائص الإكليروس عند أول ظهورها أخذت الآن بالتغير ~~والترقي، وترقيها هذه المرة إلى أسفل لا إلى أعلى. رجل آخر مثل الدكتور فيرخو وتصبح ~~العقيدة هذه من أساطير الأولين. # أما العقيدة فجميلة في ذاتها؛ لأنها تشرح كل شيء وتفسره تفسير الماء بالماء، ولكنها ~~لا تبرهن على شيء برهانا حسيا، ولم يقدر واضعها ولا أحد من غلاتها أن ~~يرينا كيف يترقى الإنسان من حيوان كما ترينا الطبيعة كيف تنشأ الفراشة وتترقى من زيز ~~الشرنقة. البرهان الحسي الذي يحملنا على تأكد نشوء الفراشة من الزيز هو بعيد عن ~~عقيدة النشوء والارتقاء التي طعنها الدكتور فيرخو بمديته فأغمي عليها. # وللعقيدة فضيلة أخرى تؤهلها للموت، وهي أن الأوليات فيها مخلة فهي تنسب ms073 أصل ~~هذه الحياة البشرية ضمنا لا تصريحا إلى التولد الاختياري والتكوين الذاتي، وهذه من ~~الفقاقيع التي أخذها باستور وظل ينفخ فيها حتى فجرها، ولا تهمني اكتشافات الدكتور سيمون ~~من هذا القبيل فهو أميركي وكفاه بذلك تعريفا. ولم يقم أحد من الدرونيين بعد باستور ~~وفيرخو ليلم شعث العقيدة المشهورة ويركبها ثانية إلا الدكتور هكل الألماني، وهكل هذا ~~من الألمان الذين يحسنون الهزل فهو يريد أن يسلي الشعب الألماني ويلهيه إذ رأى حالتيه ~~الصناعية والتجارية في اضطراب وتقهقر، فلا لوم عليه إذا طفق يضرب على طنبور دروين ~~وينفخ في فقاقيعه «القردية.» # | ما هي السعادة # ما هي السعادة، وأين هي، هل هي في الأعمال الصالحة، هل هي في الحياة النقية التي ~~يعيشها أفراد قلائل، هل هي في الصداقة المجردة الحقيقية، هل هي في الاعتزال والوحدة، ~~هل هي في الثروة أو في الصحة أو في الشهرة والمجد، أو هل هي في الحب الجنسي والعيشة ~~العائلية الصالحة؟ فإن لم تكن في إحدى هذه الحسنات أو السيئات أين هي إذا، هل هي في ~~القبر أو هل هي خيال يزورنا في المنام ويختفي قبل أن يقول: عليك السلام؟ لا يا صديقي ~~إن السعادة منتشرة في العالم انتشار الهواء، ولربما قلت لك إن السعادة هي أن تتنشق من ~~الهواء النقي بقدر إمكانك، وأن تمشي في البرية بضع ساعات كل يوم، وأن تستحم في كل بحيرة ~~تصل إليها لتصبح صحتك كصحة الذئب أو العجل على الأقل. ولكن هذه وسائل حسنة فقط، هي طرق ~~مستقيمة تؤدي إلى السعادة بأقرب ما يمكن أن يصل إليها أحد من البشر. # أما السعادة بالذات فهي إتقان الصانع صنعته والتوفر عليها، السعادة هي في العمل ولا ~~سيما العمل الذي يتطلب إجهاد الفكر والاختراع. السعادة هي اللذة التي يجدها الإنسان في ~~إتمام عمله على غاية ما يمكن من الكمال، هي اللذة التي يجدها المصور في صورة يصورها، ~~والنقاش في تمثال يحفره، والشاعر في قصيدة ينظمها، والكاتب في رسالة يؤلفها والموسيقي ~~في لحن يبتكره، والعالم في اكتشاف ms074 حقيقة علمية جديدة، والإسكاف في حذاء يصنعه والخياط ~~في ثوب يخيطه، والفلاح في حقل يحرثه ويزرعه ويحصده. وقس على ذلك. # كل صنعة يتخذها الإنسان هي شريفة مقدسة بشرط أن يتقنها، بشرط أن يتابعها بنشاط ~~واستقامة وحكمة وحذق وحماسة. وعندي أن النجار الذي يصنع مكتبة جميلة مثلا لهو أشرف من ~~الأديب الذي لا يحسن عملا مفيدا، الأديب الذي يحتقر الأعمال اليدوية ويحمل نفسه ~~أثقال الهيئة الاجتماعية، فيفادي بمهجته خدمة للإنسانية. خذ لك صنعة شريفة وأتقنها ما ~~استطعت ومارسها باستقامة وقناعة وثبات فتستغن عن السعادة الفاسدة التي يطلبها جمهور ~~الناس، السعادة التي ينهك الجاهل قواه في الركض وراءها ويموت أخيرا وهو بعيد ~~عنها. ~~••• # كتبت هذه الفقرة ونشرتها فورد على الجريدة من القراء ردود عديدة فيها كثير من ~~الاعتراضات الفارغة والاحتجاجات السخيفة. وأما الذين قالوا قولا معقولا فاثنان، ~~أحدهما صحافي معتزل والثاني قسيس متجول. ولا شك عندي أن الصحافي اعتزل الصحافة ليقترب ~~من السعادة، والقسيس خرج من ديره ليفتش عليها في العالم، وبما أن مهنة الكاهن خارجة عن ~~دائرة الفنون والصنائع المقيدة جاء اعتراضه في محله إذا قال: إن السعادة الحقيقية هي ~~التي يتحد فيها الإنسان مع خالقه، هي قائمة في الصوم والصلاة والقنوت. وغير ذلك من ~~المتاجر الدينية التي يتاجر بها رؤساء الأديان ولو فكر حضرة القس وسبر بمسبار ~~النقد الناموس الذي أشرت إليه لأيقن بأنني أوافقه بالحرف إذا كنا لا نتفق بالروح، ~~يعجبني كثيرا اتحاد الإنسان مع خالقه، ولكن لو سئلت وسئل القس المحترم عما نفهمه ~~بالخالق لما كنا نرى ونسمع بعضنا لما يكون بيننا من بعد المسافة. # أنا روحي ولست ماديا. إني أرى في كل ما حولي من الطبيعة شيئا من الجوهر الإلهي ~~الذي نسمي مصدره الأصلي إلها أو خالقا وكلما ترقى الإنسان ازداد في عينه الجمال ~~الطبيعي المحيط به، وكلما درس الحكيم الطبيعة قرب من الناموس الرئيسي السائد في كل جزء ~~منها، وهذا الاقتراب من الناموس هو ما أسميه ويسميه القس المحترم أيضا «اتحاد ~~الإنسان مع خالقه.» # وأما الصحافي ms075 فيظن أن تعريفي للسعادة ناقص إذ قلت: إنها قائمة في إتقان الصانع ~~صنعته ومزاولته إياها بصبر وجلد وسرور، بحذق وقناعة وحكمة. واللبيب الذي يمعن قليلا ~~ويقرأ ما يتخلل السطور أيضا يرى بأنني كدت أنكر وجود السعادة في العالم بعد أن فتشت ~~عليها سنين عديدة بالفتيل والسراج. كدت أقول مع المراسل الفاضل: السعادة «على فرض ~~وجودها» هي كذا وكذا. ولكنني وجدت بعد أن فتشت حولي بأن السعادة الحقيقية هي التي تنشأ ~~وتنمو في الداخل، في الروح. أنا أكتب فيما اختبرته فقط، وإذا طابقت اختباراتي اختبارات ~~الغير فلهم أن يستفيدوا بها إما بالاقتداء وإما بالحياد. # لو أجهد المرء نفسه في جمع المال وأفنى حياته في احتكار صنف من البضاعة حتى يقال عنه ~~أخيرا إنه «ملك السكر» أو «ملك الفحم» أو «ملك القطن» أيكون يا ترى سعيدا، ولو أصبح ~~أغنى من روتشيلد أو روكفلر وكانت معدته ضعيفة ورئتيه معتلتين أيكون يا ترى سعيدا، ولو ~~كان صحيح الجسم والعقل وكثير المال والنشاط ولكنه خال من الشفقة والمحبة والحنو، ~~أيكون يا ترى سعيدا. لو كان غنيا في آدابه وفي صحته وماله وفقيرا في الفضائل التي ~~هي دعائم العائلة أيكون يا ترى سعيدا. إني أتفق من بعض الوجوه وذاك الصحافي في ما قاله ~~عن بساطة العيش وسذاجته، ولكنني أنكر أن المجد والشهرة والعظمة لا تأتي أبدا عن طريق ~~الحياة البسيطة التي تزينها القناعة وتكللها التأملات الروحية، من كان قنوعا في حياته ~~من الفلاسفة والحكماء كان - ولا شك - سعيدا. # أنا قنوع من جهة مادية أرضية، ولكنني غير قنوع من جهة روحية سماوية. روحي تطلب أكثر ~~من معدتي في الأحايين، وعقلي يطلب الآن أكثر من حواسي، وبما أن كلامنا هو عن السعادة ~~الحقيقية الروحية يجب أن نتكلم عن الفلاسفة والحكماء؛ إذ لا سعادة حقيقية إلا في الحياة ~~البسيطة النقية التي عاشوها. ويجب أن نذكر بأن في العالم طبقة كبيرة من البشر ممن لا ~~يفكرون أبدا في السعادة، هؤلاء الناس يكدون ويأكلون وينامون كأجدادهم الذين عاشوا في ~~العصر الذي ms076 عاشت فيه الحلقة المفقودة. # المجد الذي يجده القائد في انتصاراته زائل، والشهرة التي يتطلبها الكاتب زائلة، ~~والسعادة التي يجدها الفتى في ماله لا تدوم، والسعادة التي يجدها الفقير في قناعته ~~ومحبة أهله هي سعادة كاذبة ضيقة النطاق تزول إذا صار الفقير غنيا أو تنتهي إلى ~~الرضوخ والعبودية إذا ظل فقيرا، والسعادة التي يجدها العاشق في عشقه هي غالبا سم ~~قاتل. # إن طريق المحبين ملطخة بالدماء، أما السعادة الحقيقية هي التي يجدها الصانع في ~~صنعته على الإطلاق، أي: أن المصور مثلا يلتذ في صورة جميلة صورها، ولكن لذته هذه ~~أيضا لا تدوم فلربما شغف المصور بصورته مدة أسبوع أو أسبوعين أو شهر أو شهرين، ولكن ~~متى زالت هذه العاطفة زالت السعادة فعليه إذا أن يداوم العمل، أن يلاحق التصوير، أن ~~يصور صورة أخرى لتبقى لذته في عمله متواصلة. وهذه اللذة المتواصلة هي عندي السعادة ~~بعينها. # إني أعرف - حق المعرفة - ما في الحب الجنسي من اللذة، فلا تحدثني عن النساء، بل قل ~~لي لو داوم المحبون التواصل كما يداوم المصور التصوير أو الشاعر النظم ماذا يا ترى ~~تكون النتيجة. # وماذا يعني المعترض في قوله إن تنازع البقاء ينفي القناعة والزهد وشظف العيش، وماذا ~~يعني في قوله: إن جهاد الحياة وتطلب المعالي يقفان في طريق من عاش عيشة الزهد، ألم ~~تأت الشهرة أولئك الفلاسفة الذين ذكرهم رغم قناعتهم وعيشتهم البسيطة الفلسفية. قد وجد ~~أولئك الحكماء سعادتهم في عملهم لا في نتيجته المادية، وجد ملتون قسما كبيرا من ~~السعادة الأرضية في نظم تلك القصائد الشائقة ولكن بيعها إلى الطابعين ما كان إلا ليكدره ~~ويحزنه، نسي ملتون همومه أثناء نظمه، ولكنه لما انتهى من قصيدة «الفردوس المفقود» ~~وباعها بقيمة زهيدة من المال - بخمس جنيهات فقط - عاد فنظم ونظم ونظم، وهكذا كان يسلي ~~نفسه في عمله لا بنتيجته المادية، كان يقاتل الدهر في مداومة النظم والإبكار، وهكذا قل ~~عن أبي العلاء وكثير من الشعراء. # يظهر لي بأن الصحافي المعتزل مهتم كثيرا بجمع المال في هذه الأيام؛ ms077 ولذلك يكثر ~~من ذكر الأرباح الطائلة والجهاد في الحياة. أما أنا فلا أرى في مواصلة مثل هذا ~~الجهاد شيئا من الحكمة. والغاية من الحياة هي أسمى من أن نحددها بالدرهم والدينار ~~ونحصرها بالأصفر الرنان والدولار. إن الغاية الفضلى من الحياة هي أن يعيش المرء ~~باتفاق تام مع الطبيعة ونواميسها. وماذا تجلب المعالي الدنيوية غير المجد الباطل، ~~فلنطلب العلاء الذي تتطلبه النفس، العلاء الذي يجعل الإنسان مدركا ما في الطبيعة من ~~المناقضات والمؤتلفات، من البشريات والإلهيات. العلاء الذي يهمس بأذنك بأنك قسم مفيد من ~~هذا الكون العظيم مهما كانت منزلتك منه ومكانتك في أهله. # إن تمدننا الحالي متوقف على مداومة العمل ليل نهار، ولكن - بعيشك - قل لي ~~ولم هذه الحركة الدائمة؟ هل فيها قيراط من السعادة الحقيقية إذا نسبت إلى واحد في ~~الألف من الفقراء الذين يكدون ويجاهدون ويعرقون دما ليحصلوا معاشهم؟ هل فيها قيراط ~~من السعادة الحقيقية لأولئك الأغنياء الذين يجمعون الأموال الطائلة ويموتون في الجهاد ~~بائسين. # أنا أكره كل هذه الحركة كرها شديدا، التمدن الحالي يمنع الناس من أن تفكر وتأكل ~~وتنام على ما يقتضي، وعندي أن نظام الأسبوع يجب أن يتغير كل التغيير، يجب أن يقلب ~~ظهرا لبطن، يجب أن نخص يوما واحدا بالعمل وستة أيام بالراحة، وليست الراحة التي ~~أطلبها راحة الفيل وهو نائم في فيء صخرة في الصحراء، بل هي الراحة التي يجدها الفيلسوف ~~في درس الطبيعة وفي التأمل، هي الراحة - لا بل السعادة - التي يجدها الشاعر والحكيم ~~والمصور والنقاش والعالم في دروسهم وابتكاراتهم، هي الراحة التي تمهد السبيل إلى ما ~~وراء هذا الكون، إلى العوالم غير المنظورة، إلى الله. # السعيد من جعل فكره مرآة للطبيعة، السعيد من عاش حياة فكرية روحية حسية شعرية لا حياة ~~أرضية مادية محضة، هذا هو الرجل الغني بالعقل والروح، هو يعطيك مال العالم بأسره لو ~~ملكه ويخرج إلى البرية ليمتع هناك بكل ما أعدته الطبيعة لبنيها الروحيين، أنا ~~إذا مشيت تحت المطر أعتبر كل نقطة منه مرسلة لي وحدي، فأقتبلها ms078 بيد الروح وأعيدها بذات ~~اليد إلى الأرض وإلى البحار التي أعود أنا أخيرا إليها، وبيد الروح أصافح الآن ~~القارئ، إسكافا كان أو شاعرا، وأسأله أن يذكرني ساعة يضع جانبا أدوات صناعته وينظر ~~إلى عمله بعين الرضى والسرور والابتهاج. # | بيتان للمتنبي # قال أبو الطيب يمدح سيف الدولة: # نهبت من الأعمار ما لو حويته # لهنئت الدنيا بأنك خالد # ومن من الأدباء والشجعان لا يعجب بالمادح والممدوح لما كان في هذا من البسالة وفي ~~ذاك من الذكاء، ومن منهم لا يكرم الاثنين ويعظهما لو قرنت بسالة الواحد مع الحلم وذكاء ~~الثاني مع الفضيلة، وإن قلنا إن ذكاء المادح بعيد عن البشريات فبسالة الممدوح بعيدة ~~عن البشريات وعن الإلهيات أيضا. ولذلك نود ألا يقتدي أرباب الرجولية من الملوك بسيف ~~الدولة وأن لا يقتفي نوابغ الشعراء أثر المتنبي، إذ ماذا ينفع الذكاء الذي يستخدم ~~في المجاملة والتدليس والمداهنة، ومن يأسف على تلك العقول التي تحرق في المجامر مع ~~البخور على مذبح الظلم لتمجيد الظالم ومدح مظالمه، فلو قطع سيف سيف الدولة عنق ~~الذكي الذي يحاول قتل الحقيقة بذكائه لاستحق - إذ ذاك - مديح الشعراء الصادقين. # ولمعترض أن يقول: إن في شعر المتنبي الذي ترويه بعض الحقيقة فقد قطع سيف ذلك الأمير ~~الألوف من الأعناق التي لو جعلت بعضها فوق بعض ووقف هو عليها لصار رأسه بين النجوم ~~خالدا، ولكن من من البشر يتمنى الخلود لوحش مفترس، ومن منا يود لو كان الجزار في ~~العالم إلها، ومن منا يصدق أولئك الذين يتبعهم الغاوون. # أما المتنبي فلذكائه عندي من الإعجاب ما لشخصه من الاحتقار؛ لأن الرجل الذي تخصه ~~الطبيعة بقريحة وقادة فيضرمها أتونا ليحرق فيه عرائس الحقيقة والعدل لا يستحق أن ~~يدعى رجلا حقا. # والذكي الذي يزحف ويدب تحت غبار الظالم الأثيم يجحد نعمة إله السماء واهب الذكاء. ~~ولا تظنني أول من آخذ المتنبي بذلك، فقد نظر أبو بكر الخوارزمي قبلي إلى تناقض ~~حكمته وتفاوت طرفي فعلته، ومما قاله فيه: «ويخلع خلعة من نظمه تساوي بدره على عرض ms079 لا ~~يساوي بعره.» وهنا يجب أن أنبه القارئ إلى مبالغة أبي بكر وشدة ولعه بالجناس والتوشيح ~~والتدبيج، فإذا عرف ذلك يضرب عن «بدره وبعره» صفحا، وقد قال أيضا عن المتنبي: «ويزف ~~كريمة من كرائم شعره إلى من لم تقم عنده كريمة. (وولعه بالتوريات أشد من ولعه ~~بالسجع والترصيع) ولم تعرف له قيمة ... لو رأى الطمع في جحر فأرة لدخله، ولو أتاه ~~الدرهم من است كلب لما غسله.» إلى آخره من القول العنيف السديد الشديد. # وعندي أن العقل كالمرآة من إحدى وجوهه، والاستقامة له كالطهارة لتلك المخلوقة ~~المحبوبة، ويجب أن يلازمه الصدق أبدا كما يجب أن تلازمها الطهارة، ومتى تجرد الاثنان ~~عن تينك الفضيلتين تصبح المرآة مومسة والعقل قوادا. ولا لوم على المومسة التي تعرض ~~جسدها على الناس إذا اضطرتها إلى ذلك الحاجة، وأما الشاعر الذي يتاجر بذكائه مغضيا عن ~~الحقيقة والعدل فحبل من مسد أشدده في عنقه وألحقه بأبي لهب، أجل إن العقل الذي يدنس ~~في أوحال التدليس والكذب ما هو إلا متاع ينادي عليه صاحبه بالمزاد، قد تعذر - والله - ~~البغي؛ لأن الحاجة غالبا ترميها خارج البيت والفقر يبقيها في الشوارع واحتقار الناس ~~إياها يمدها في طغيانها ويبعدها عن النور. # والشرائع لا تبدد من حولها الظلمة بل تزيدها في أعم حالاتها ظلاما، ولو خصتها ~~الطبيعة بإرادة قوية وروح سامية لعادت - لا شك - عن غيها، بيد أن الشاعر الذي يبيع ~~ذكاءه بدرهم، الشاعر الذي لا يخدم الحقيقة ولا يذب عن الحق، الشاعر الذي يخلع عن عقله ~~ثوب الاستقامة وعن نفسه حلة الأبوة وعن قلبه رداء الصدق فما قولك به؟ ما قولك بهذا ~~الجربز المتمخرق العريان أعدت المشنقة لسواه؟ أويعد من الحكماء من قال أيضا: # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى # حتى يراق على جوانبه الدم # فحبذا لو حذف هذا البيت من ديوان المتنبي حبذا لو عدل الشعراء والكتاب والخطباء عن ~~التمثل به والعود إليه، حبذا لو أمعنا النظر قليلا في الأشعار التي نستشهد بها ~~والحكم التي ننقلها، أيجب أن تكون شرائعنا ms080 الأدبية اليوم كشرائع أجدادنها الناقصة؟ ~~أصحيح الشرف لا يسلم ولا يتعزز إلا إذا لطخ بدم بشري؟ إذا كان كذلك فأنا في غنى ~~عن مثل هذا الشرف. إذا كنت لا أستطيع المحافظة على شرفي إلا بسفك الدماء فأنا لا أحافظ ~~عليه خير لي أن أعيش مجردا عن ذاك الشرف الموهوم من أن يموت فرد من بني الإنسان ~~بسببه. # فكر قليلا فيما أقوله، إن الشرف المتعارف عند الناس نصفه فقاقيع وأوهام ونصفه ~~خيال وأحلام، ومعلوم أن فقاقيع الصابون كلما كبرت دنت ذراتها إلى الانحلال والخيالات ~~كلما امتدت أشرفت على الزوال، فيجدر بنا أن لا ننفخ شرفنا فيزول أو نعكس عليه من الجانب ~~نور الوهم فيمتد الخيال فنظن أنفسنا كبارا، وهناك حقيقة أخرى لا أكتمها القارئ وهي ~~أن الشرف الذي يعتبره سكان القارات الشمالية مقدسا يعد عند سكان القارات الحارة ~~أضغاث أحلام فالأوروبي أو الأميركي أو السوري الذي لا يدافع عن شرفه وعرضه في أية ~~ظروف كانت يعد جبانا ويوصم بوصمة العار. # ولا يدفعه إلى ارتكاب الجريمة مدافعة عن عرضه وشرفه إلا الخوف من التعيير، الخوف من ~~القيل والقال، الخوف من تقبيح الناس به واحتقارهم إياه، وهذا هو نفس الخيال الذي نخشاه، ~~وكلما كبر الخيال ازداد خوفنا لا من الإثم فقط بل من الغضاضة والعار. # يقول ثقات المسافرين: إننا كلما قربنا من خط الاستواء قصرت الخيالات بسبب استقامة ~~أشعة الشمس ففي جاوه مثلا يسير الغزال والأيل أو الأوروبي أو السوري في نصف النهار ~~مطلق الحرية، لا يخجل من ظله أو يخشاه، على أنهم إذا توجهوا نحو الشمال تظهر هناك ~~الظلال وتكبر الأوهام. وهناك البكاء على الشرف الملطخ بالدماء، هناك الخوف من الغضاضة ~~والعار الموهوم، ومن القال والقيل، ومن ظلم الرأي العام وصولته. # نعم كلما تقدمنا شمالا ازداد الخيال طولا. والخوف من هذا الوحش المفترس؛ أي: الرأي ~~العام، يشتد بقدر ما يمتد الخيال، هذا هو السر في المسألة، لا أكثر ولا أقل. # فالذي يخاف خياله إذا لا يلام إذا تمثل بقول المتنبي الذي افتتحت ms081 به هذه الملاحظات، ~~وليعلم القارئ بأنني أسكن بعقلي بالقرب من خط الاستواء فلا خيال هناك أخشاه ولا اصطلاح ~~يضطرني إلى تلطيخ شرفي بدماء بشرية فإن أراد مجاورتي ينبغي له أن ينبذ حكمة المتنبي ~~ظهريا ويتمثل بحكمتي. # | مكروب الغيرة # جاء في نشيد الأنشاد أن المحبة قوية كالموت والغيرة قاسية كالجحيم، على أن الحب الذي ~~يولد مثل هذه الغيرة هو ناقص الجهاز فاسد الجوهر، هو حب ربلي عضلي لا تتصل جذوعه بتربة ~~الروح الأزلية بل بسماء النفس الإلهية، وأن الحب الذي يصفه الحكيم والحب الذي يهز عامة ~~الناس وخاصتهم لشرع من هذا القبيل، وأما الفارض وحبه السري وجلال الدين الرومي وحبه ~~الإلهي ودانته وحبه السماوي فأمثال هؤلاء يعدون على الأصابع، ومع أننا نترنم بشعرهم ~~فتسكرنا نشوة غرامهم فإن بين حياتنا وحياتهم شعابا ووهادا. من منا لا يقرأ ابن ~~الفارض ولا يروي شيئا من شعره، كم منا يفهمه ويدرك كنه هيامه، ومن من الناس لا يختبر ~~بنفسه صدق قول سليمان الحكيم عندما تستولي عليه الغيرة. # ولكن حين يتحقق ذلك تتجلى له حقيقة أخرى أقسى من الأولى وأشد وهي أن ساعة تخامر ~~الغيرة القلب يأفن الحب ويذبل ويضمحل، فلا تكاد زهوره تنور في تلك الربلات الناعمة حتى ~~تسوس جذوره في العضلات المستحجرة، لا أنكر أن البضعة المكتنزة لأطيب من البضعة ~~المسترخية وأن الوجه الوسيم القسيم لأقرب إلى صورة الله من الجهم الدميم، ولكن في ~~الحالين الساق المجدول يبجبج ويزول وحسن الوجوه حال يحول. # الحب المادي إذا هو ضرب من الحمى التي يتلوها البرد والارتعاش، هو هوى ووله ~~يتبعهما تثاؤب وقرف، هو دبيب نمل في الجلد إن أزاله الحك والفرك شهرا تخلفه القروح ~~والأورام دهرا، وهذا هو الحب الذي ينتج الغيرة القاسية كالجحيم، على أن في كل مظاهر ~~الطبع البشري وفي كل الانفعالات النفسانية لا شيء يماثل هذه العاطفة الحيوانية ~~ويضاهيها إلا إذا استثنينا نهمة الكسب والإثراء في أبناء هذا الزمان، فالغيرة في ~~نشوئها وتجسمها وفي هولها وفظاعتها هي أم العواطف الحيوانية المحضة التي تنقطع ms082 فيها ~~المواصلة تماما بين قوة الإدراك والمجموع العصبي، هي العاطفة التي تحلل خرق وصية الله ~~الخامسة تعزيزا لوصيته السادسة والشريعة اليوم تؤيد جانب الغيرة وتعفو عن صاحبها الذي ~~يتمثل بقول المتنبي: # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى # حتى يراق على جوانبه الدم # ويعمل بموجبه في ساعات الظنون والجنون. # وكم من شاعر وقع في أشراكها! كم من عالم أخذ في أحابيلها! كم من كاهن تاه في ظلماتها ~~وخسر نفسه في موبقاتها فعاد الأول وهو يصفها لنا وصفا بليغا! وجاءنا الثاني وهو يبحث ~~في أسبابها وعلاتها ونتائجها وتصدى الثالث إلى الوعظ فنهى وحذر وتوعد وأنذر، ~~ولكنها لم تزل اليوم كما كانت يوم كتب نشيد الإنشاد فهي تستحوذ على الشاعر والعالم ~~والكاهن كما تستحوذ على الفلاح والنوتي وراعي الغنم، وكما استحوذت على سيدنا داود وابنه ~~سليمان في غابر الزمان. # ومن الأمور المدهشة المحزنة هو أن العلم لا يلطف مفعولها ولا التهذيب يؤثر فيها ~~تأثيرا حسنا ولا سمو العقل والإدراك يزيل شيئا منها. ففي المغرب بأسره قديما ~~وحديثا لم يأتنا التاريخ بنبأ يسر من هذا القبيل ولا أذكر إلا حكيما واحدا انتابه ~~مثل هذه النوبات العصبية بسبب نشوز امرأته وشرودها فملك ذاته وحكم عقله في الأمر لا ~~قلبه وسرح المباركة تسريحا حسنا دون أن يعضلها فتزوجت - إذ ذاك - من أحبها ~~وأحبته، والحكيم هو الكاتب الإنكليزي الشهير رسكن وقصته مع امرأته والمصور الذي ~~استغواها مشهورة فبدل أن يسترسل في الغيرة والظنون والحقد والقلى؛ أصاخ إلى صوت الحكمة ~~التي هو من أمرائها وفتح لامرأته الباب ولسان حاله يقول: اخرجي بسلام، اذهبي وعيشي ~~وإياه متعكما الله وأملا لكما، ولكن رسكن من هذه الوجهة فرد منقطع النظير وعمله ~~من الشواذات الجميلة التي تتمجد بها الحكمة وتود لو صارت قواعد شاملة ~~مطردة. # وإن أرجح الناس عقلا وأثقبهم رأيا وأسماهم إدراكا لتتغير أخلاقه ويذهب لبه سدى، ~~فيفسد في الهيئة الاجتماعية ساعة تستعبده الغيرة، وقليلون في أوروبا وأميركا الذين لا ~~يجترحون السيئات ويجنون الجنايات عندما تنتابهم هذه النوبات الدموية الخبيثة فتقذف ms083 بهم ~~إلى ضفة أرض خيالية ليسمعوا هنالك أصوات أشباح الشرف والشهامة تحثهم على القتل ~~وتطالبهم بالثأر والانتقام. ولا أظن هذه الأشباح سوى أشباح شرف وهمي وشهامة غير بشرية. ~~إنها - والحق يقال - خيالات ذواتنا الحيوانية وقد هاجتها حمية جاهلية. والظاهر أن في ~~كل منا كلبا كلبا يفلت من وجره بعض الأحيان فيخجلنا ويذلنا إن لم يمزقنا ويقتلنا، وقد ~~أعرب الشاعر شكسبير عن شعور كل إنسان من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق إذ قال: # إني لأفضل أن أكون ضفدعا وأتغذى من أبخرة الأرض وعفونتها على أن أكون ~~إنسانا وأبقي زاوية للغير في من أحبه. # فالفلاسفة يدعون الناس إلى الحكمة والتعقل، والمتشرعون يسنون الشرائع لردع ~~الإنسان وكبح جماحه، والعلماء يحذرونه من الاسترسال في الأشياء ويحببون إليه الاعتدال، ~~على أن ذلك كله لا يغني من الغيرة شيئا. اللص يزج في السجن جزاء عمله والقاتل من أجل ~~ثروة أو مطمع دنيوي أو لداع ما غير داعي الغيرة يكبل بالحديد وتنصب له المشنقة فيحرم ~~من حياته ولا أحد يرفع من أجله صوت الشفقة والحنان بيد أن القاتل غيرة ودفاعا عن شرفه ~~وعرضه يقف أمام القضاة عزيزا كريما فتنسخ من أجله ما سن من الشرائع في ما مضى من ~~الأجيال، وينسى المحكمون أنهم قضاة عدل وحق وإنصاف فيتساءلون ويذكرون، وما منهم إلا ~~وله ابنة أو أخت أو أم أو امرأة. # ألم يجن هذه الجناية غيرة ودفاعا عن عرضه، بلى، إذا فليعفى عنه. كذلك تتعزز ~~الوصية السادسة وتمتهن الخامسة التي هي أهم وأكبر، وإنه ليتعذر وجود عشرة رجال في ~~أوروبا أو في أميركا يدعون «جوري» أو محكمين ليقتصوا من مثل هذا الجاني بحسب الشريعة ~~الوضيعة وبموجب نص الأحكام الجزائية. ولا أذكر أن محاكم نويرك في مدة العشر سنين التي ~~كنت أطالع فيها أخبار مثل هذه الدعاوي حكمت مرة على واحد من هؤلاء المجرمين بالإعدام، ~~وكثيرون هم هناك وكثيرا ما كنت أطالع أخبارهم المؤلمة المزعجة حبا بدرس هذه العاهة ~~في الطبع البشري، وأذكر أنني حضرت مرة محاكمة رجل أطلق ms084 الرصاص على قسيس هتك ستر امرأته ~~وانتهك عرضها، فشكت المرأة القسيس لزوجها، وكان ما كان من إطلاق الزوج الرصاص على ~~الباغي، ومن نشر الفصول الضافية في الحادثة في صحف الأخبار، وحضور المرافعات في الدعاوي ~~الكبيرة في تلك البلاد مثل حضور الروايات التمثيلية، يسلي ويفيد. # ومتى كان في مثل دعوى هذا القسيس فيضحك أيضا، وحقا إني دهشت لما دخلت المحكمة في ~~أول يوم المرافعة ووجدتها غاصة بالنساء والقسس ثم تحيرت إذ رأيت القسس كلهم واجمين ~~وأكثر النساء ضواحك فكأنهن يسخرن من أختهن المنهوك عرضها، ويا للعجب كيف كن يزلقنها ~~بأبصارهن ساعة تدخل المحكمة متكئة على ذراع زوجها، وأما القسيس فما من قسيس إلا كان معه ~~وحتى بعض النساء شهدت له بطهارة الذيل وعفة القلب، وكذلك انتشل الباغي من حمأة الخزي ~~والعار والنساء يتساءلن ويتهاتفن قائلات: ولم أخبرت زوجها لم لم تسكت وتستر ~~إهانتها. # فخرجت المسكينة من المحكمة مدحورة مذمومة وخرج القسيس والغيد يرمقنه بأعين عطوفة ~~وإخوانه يقبلون عليه بأوجههم مهنئين، فقلت إذ ذاك في نفسي: لا عدو للمرأة إلا المرأة ~~ولا صديق حميما للقسيس إن كان في أميركا أو في بلادنا إلا هذه المخلوقة اللطيفة ~~المباركة، وفي المسألة سر بل أسرار أسدل عليها أولو أمر الستر محافظة على هؤلاء ~~الأبرار. وأما الآن فإنك لترى مقاليد هذا السر في يد الفطن والغبي من الناس، وفي جيب ~~الصغير والكبير من العوام. اصرف اللهم الخزي والعار عن هؤلاء العباد من ~~العباد. # ما من مشاحة في أن الأديان هزت الشعوب فلطفت نوعا أنفسهم الهمجية الخشنة، وأن حب ~~الخير هز الملايين من الناس فجاءوا بالصالحات والمبرات، وأن الشجاعة هزت الألوف ~~وألبستهم المجد في الصفوف، وأن الفلسفة وحب الحق والعدل أثرا نوعا في بعض المئات من ~~البشر. وأما عاطفة الغيرة الخبيثة فإنها لتهز كل امرئ وتستفزه وتحمله على ارتكاب ما ~~يعد بغيا وعدوانا في غير هذا السبيل. # ومذ نشوء الحياة البشرية - أو بالحري من يوم ~~ظهر الإنسان في صورة قرد كما قيل - رأى في شجرته قردا آخر ms085 فهزته عاطفة الغيرة واستفزته ~~وكانت النتيجة موتا زؤاما على الدخيل الباغي. وإن أسفل العواطف البشرية وأفظعها لتهيج ~~الواحد منا الآن كما هاجت ذاك القرد وحملته على قتل أخيه، فهي لم تزل مالكة عقولنا ~~مستولية على أعمالنا عابثة بعلومنا ومعارفنا ساخرة من فهمنا ومداركنا. لا ننكر أننا ~~تقدمنا ماديا تقدما سريعا فالعالم اليوم أعظم من ذي قبل من حيث الجربزة التي تدعى ~~تجارة والتفنن في القتل الذي يدعى حربا والعبودية التي تدعى صناعة. وأما أدبيا ~~وروحيا فلم نزل أطفالا نتهته في المهد، ونحسب لعابنا المتحلب زبد صرعة الوحي ~~وصراخنا دوي نبوة. # | التعزية في المصيبة والمصيبة في التعزية # إن مصيبتي ناتجة عن الطبيعة التي أنا منها وفيها ولها، إنها لنتيجة عوامل خفية تظهر ~~في زرع الحقل كما تظهر في نفسي وتؤثر في العشب الملتصق في المحار كما تؤثر في أعصاب ~~الحيوان والإنسان. إذا لا يحق أن تدعى مصيبتي مصيبة، بل هي بيت من القصيدة الإلهية ~~الجامعة اللانهائية لها، هي بيت واحد من القصيدة التي ينظمها الخالق فتتلاطم في ~~بحارها أمواج الرزايا، ويتبسم في سمائها برق السرور، وتتدفق من قوافيها سواقي الحب ~~الفضية، وتتأجج تحت ألفاظها نيران الهيام والحسرة واليأس. هي قصيدة الحياة التي ينظمها ~~شاعر السماوات والأرض ويجعل ألفاظها الأودية والسهول والجبال والبحار، ونقطها كواكب ~~السماء وبدورها، وحركاتها الرياح والعواصف، ومقاطعها حوادث الأمم والأفراد، ومحورها ~~الحياة والموت وما يتخللها من السكوت والابتسام والبكاء. # نعم مصيبتي هي بيت واحد من هذه القصيدة، نظم من أجلي خاصة فأقرؤه بعد ساعات السرور ~~مرارا وأردده في ساعات الغم تكررا، ثم أعود إلى ما في القصيدة الشاملة من الأبيات ~~التي نظمت لغيري. أبيات يغازل جمالها عرائس السرور، وتدرج في لهيب بيانها أرواح ~~المحبين، وتستذرف من عيون القدر دموع القداسة، وكل حادث يجري في العالم هو بيت من هذه ~~القصيدة والسعيد الذي يقرأ معظمها؛ إذ لا يستطيع أحد من البشر أن يقرأها كلها. # أنا على اتفاق تام مع الطبيعة والخالق، احترم ناظم السماوات وأعجب بقصيدته الإلهية ~~فأقرأ البيت ms086 الذي نظم من أجل الغير كما أقرأ البيت الذي نظم من أجلي، واللذة التي أجدها ~~في الواحد توازي الكآبة التي يلبسني إياها الآخر فما هي مصيبتي إذا؟ هي في أصدقائي ~~الأعزاء، بليتي في التعزية التي يقدمها هؤلاء من غير ترو وتبصر، في التعزية ~~التي تفسد حزني المقدس فتحوله إلى غيظ وحنق وشراسة، نعم أنا أحب الحزن كما أحب السرور ~~وسعادة الإنسان مؤلفة من الاثنين. # وكل طريق جزتها كنت راشدا # وأي بلاء تبلني كنت أحمد # إذا كنت أستحق التعزية وأنا في محفل الموت فلم لا أستحقها أيضا وأنا في محافل ~~الحياة، لم لا أستحقها وأنا في القهاوي والملاهي أو المجالس الأدبية أو في ~~مكتبي. # لا أنكر ما للإنسان من العواطف التي تميزه عن الحيوان في درجتي الترقي والانحطاط، ~~فهو كتلة عواطف مختلفة، منها مستمدة من ينبوع الحب الدائم، ومنها باقية من آثار الكهوف ~~والصحاري والأودية، ولهذه الكتلة قشرة غليظة تخفي ما تحتها وتبعده عن حاستي اللمس ~~والنظر، ألا وهي قشرة العادات. # فالإنسان إذا كتلة عواطف مختلفة مغطاة بقشرة العادات والتقاليد السميكة، ويجب على ~~الحسن من هذه العواطف أن يظهر في حالته الحقيقية، وكيف يتم ذلك إذا لم تنزع عنه القشرة ~~التي تيبس وتذبل مع الزمان، فإبقاؤها في هذه الحالة فوق عواطفنا هو كإبقاء باقة من ~~الزهور في إناء أسن فيه الماء. فالتحجر أو الذبول الذي يلحق بالقشرة ينتقل إلى ~~العواطف كما يتصل فساد الماء بالزهور فتذوي، لذا تحتم علينا أن ننزع القشرة إذا أحببنا ~~بقاء عواطفنا سالمة نقية مزهرة. # للعادات - كما للإنسان وللدول - أطوار مختلفة، أهم ما نراه ونراقبه منها طور النمو ~~وطور البلوغ وطور الاضمحلال، ففي الأول تنشأ العادة وتنتشر بين الناس، وفي الثاني تتملك ~~منهم وتستعبد النفس فيهم، وفي الثالث تظهر دلائل الاضمحلال إما في الحاكم وإما في ~~المحكوم، إما في العادات وإما في عبيدها. # وقد تظهر غالبا في الاثنين معا إذا لم يكن هناك سبيل للوراثة، فكم ضعافا يذهبون ~~فريسة عادات قبيحة؟ كثيرون كثيرون، وكم عقلاء جريئين ينتبهون ms087 وينبهون إلى أضرار تلك ~~العادات ويحاولون إبطالها؟ قليلون قليلون، نعم إن من يموتون عبيدا أرقاء لأكثر جدا ~~من الذين يعشيون أحرارا ويظلون سادات أنفسهم، وما أولئك الكثيرون إلا هيئات مختلفة ~~مملة لاصطلاحات قديمة معتلة. # هم صور جديدة بليدة لأجداد طوتهم الأيام وأنعشت قبورهم أمطار الأعوام، بل هم أرواح ~~ميتة في قبور متحركة، وهل تعرف من قتلهم؟ العادات والاصطلاحات والتقاليد، وحبذا لو حاول ~~القارئ أن يكون في هذه المناسبة من القاتلين فينجو عندئذ من القتل. وأكد أن العادات ~~والتقاليد السقيمة تقتلك إذا لم تقتلها، ولا يجب أن يراك الإنسان في تابوتك أو يجس نبضك ~~ليتأكد أنك ميت، فاقتل إذا ولا تخف، ليس كل قاتل مجرما. # أما العادات التي يجب إبطالها فكثيرة، أذكر منها الآن فروض التعزية المتملكة من ~~السوريين، قد قلت في البدء إن مصيبتي ليست من الله ولا من الطبيعة بل هي من أصدقائي ~~ومعارفي. لا مشاحة في أن السوريين يتأثرون أكثر من سواهم بحادثي الموت والفرح، فلا ~~يسعهم إظهار حزنهم أو سرورهم إلا بالولولة والهتاف، بالبكاء والضجيج، وسبب ذلك ~~واضح، يموت سقراطنا وعلى وجهه ابتسامة السرور والرضى والابتهاج، ويموت البربري من ~~الخوف والرعب قبل أن يقرع بابه. زملاء الفيلسوف المحبون له ينشطون بموته ويستمد أصدقاؤه ~~من ابتسامه الإلهي شيئا من الرجاء والتعزية، وأما أهل البربري فيملئون الفضاء ولولة ~~وصراخا وعويلا، وهذا سبب واحد وللقارئ أن يتوسع ويزيد. # يموت السوري فيذيع أهله خبر موته فتتهافت المعارف والأصدقاء والأقارب إلى بيت الفقيد ~~ليعزوا أهله «وليأخذوا بخاطرهم» كما يعبر عن هذا الواجب في لغة العامة، لا أشك ~~أبدا بقصدهم الحسن ولا أسخر من عواطفهم الحقيقية، ولكن العادات التي تخفي القصد ~~والكلام الذي يطلون به هذه العواطف فهذه والله البلية الكبرى، إذا كانوا يعنون «بأخذ ~~الخاطر» سلب خاطر أهل الفقيد بخلابة اللسان وفصاحة الكلام فهم - والحق يقال - يفوزون لا ~~بسلب الخاطر فقط بل بتعذيبه وتمزيقه إربا إربا. # الوعظ والنصيحة! نجنا يا رب منهما، نجنا من وعظ الثقلاء ونصائحهم، يظن من يذهب ~~ليعزي أن ms088 من واجباته التفلسف في أسرار الكون وحكمة الخالق وجهل المخلوق وبطل الحياة ... ~~إلخ، فيردد الكلام الذي ورثه عن أجداده من دون ما تدبر، وهو كلام فيه من التعزية قدر ما ~~فيه من المعنى أو قدر ما في الميت من الحرارة. وما أجمل السكوت في مثل هذه الحالة. ~~السكوت الذي يعبر عن كل شيء، فما أحيلاه. # قال أحد كتبة الفرنسيس «الكلام يخفي العواطف الحقيقية بدل أن يظهرها.» نعم، لا حاجة ~~إلى اللغة في ساعة الموت أو في ساعة الفرح الشديد، اللغة تقصر عن إظهار ما في النفس كما ~~يقصر البرق عن إظهار ما وراء الشمس والكواكب. # وأما من لا يستطيعون إلا التكلم فكم يخففون عن أنفسهم لو اعتاضوا عن المواعظ ~~المملة والنصائح البليدة بكلمتين فيهما ما معناه: إننا نشعر معكم في مصابكم ونرجو أن ~~يطيل الله بقاءكم، وبعد أن يقولوا ذلك ويروا الميت - إن شاءوا - يذهبون دون أن ينتظروا ~~القهوة المرة التي يقدمها أهل الفقيد. وهل يفعلون ذلك انتقاما يا ترى؟ ولم ~~القهوة المرة؟ فإذا كان صديقي يستحق فنجانا من القهوة ألا يجب أن أقدمه له كما يحبه، ~~لأهل الفقيد الحق أن يميتوا بعض لذاتهم إكراما له ولكن إكراههم المعزين على ذلك ~~أيضا هو ضرب من التقاليد التي لا تليق في هذه الأيام. إلا إذا فهمنا أن المعزي الثقيل ~~الذي يملأ القاعة مواعظ ونصائح فارغة يستحق العقاب على ذلك، وفنجان من القهوة المرة ~~هو عقاب خفيف. فما أجمل الرفق والرحمة! # وبعد أن ينتهي المعزي من التفلسف وشرب القهوة يقوم فيودع أهل الفقيد قائلا: إن شاء ~~الله تكون خاتمة أحزانكم. فهل تأمل أحد بمعنى هذه العبارة ونتيجتها الواضحة؟ لكل منا ~~أقارب وأصدقاء ومحبون يشق عليه فراقهم ويحزنه موتهم، ولكل منا شخص أو شخصان نود لو ~~سبقناهم إلى الآخرة؛ كي لا نحزن على فراقهما، ولكن حين يدعو لي المعزي قائلا: «إن شاء ~~الله تكون خاتمة أحزانكم» أيريد أن أموت قبل أقاربي وأنسبائي وخلاني كي لا أحزن ~~عليهم عند موتهم، أو هل يطلب لنا ms089 كلنا الحياة الدائمة على الأرض، ويريد أن نبقى أبدا ~~على هذا الشاطئ البارد دون أن نعبر بحر الموت إلى الشاطئ الآخر، شاطئ الأبدية ~~والسعادة الأزلية المنتظرة، إن العاطفة شريفة والدعاء جميل ولكن الغلو خاص ~~بالشعراء. # وهذه كلها آفات صغيرة بالنسبة إلى آفة أخرى، وكلنا نعرف شدة ولوع الخطباء والشعراء ~~عندنا بالتأبين والرثاء، فكل من مات يستحق عندهم دمعة وقصيدة، ولا فرق فيما إذا كانت ~~حياة المتوفى هبة ريح في صحراء الخمول أو كنز جواهر في سفح جبل العلم ~~والإحسان. # كلما مات سوري تجتمع الناس في بيت أهله لتندبه وتبكيه - كما ذكرت - وليس هذا بشيء ~~عند اجتماع الأدباء الذين يدعون في الجرائد خطباء وشعراء حول ضريحه؛ ليؤبنوه ويرثوه ~~ويشقوا عليه الجيوب والقلوب. # ما أحسن هؤلاء الأدباء وما أشرفهم ساعة الموت، ما أعظم محبة خطيبهم وغيرته، وما أشفق ~~قلبه وأفصح لسانه، وما أسخى دموعه وأشد زفراته، ولكن ما وراء كل ذلك يا ترى، أوراءه ~~نفس حقيقية تشعر بما تبذله العين وينطق به اللسان، أوراءه نفس صادقة تتفتت بالفعل كما ~~يتفتت صاحبها أمام الناس، أو هل وراء ذلك آلة صماء تديرها قوة التقاليد على عجلات ~~العادات المزيتة بزيت التجمل والإطراء. # لا أنكر أن بين الكثيرين من أولئك الذين يحبون الظهور ويطلبون الشهرة بعض الشعراء ~~الحقيقيين والخطباء الصادقين، ولكن العاقل الناقد لا ينكر أيضا أن أكثر المؤبنين هم ~~من طبقة أولئك النوادب اللواتي يستأجرن عند الشعوب الهمجية ليندبن الميت ويولولن ~~حوله، إلا أن الفرق بينهم وبينهن هو أن النوادب يندبن بالأجرة والخطباء يلغطون ويصيحون ~~بالمجان. # ومن المضحكات أنهم لا يتغيرون ولا ينقصون ولا يزيدون في كل مدينة، فهم دائما فخر كل ~~مأتم وزينة كل مأدبة، وكأنهم - والحالة هذه - جوق خطباء وشعراء واقف تحت الطلب مثل جوق ~~المغنين أو الممثلين، فهم يبكون اليوم في مأتم الأديب الحبيب وينشدون غدا في مأدبة ~~الحسيب النسيب، يرثون اليوم صديقا فارق العالم ويهنئون غدا شخصا متمسكا به وبحطامه. ~~يقولون في الصباح مثلا: قد أذابنا الحزن عليك يا خير الرجال، ms090 ويقولون في المساء، قد ~~أسكرنا السرور في دارك يا أمير الناس ويا محيي الآمال. فإذا كانوا مخلصين منذ ساعات ~~فهم كاذبون الآن، وإذا كانوا صادقين ساعة السرور فقد كانوا ساعة الحزن مرائين. # أنا لا ألوم الكاهن الذي تضطره وظيفته أن يحزن في الصباح مع آل الفقيد ويفرح في ~~المساء مع آل العروس؛ لأنه لا يشعر حقيقة بكلا الأمرين فهو عبد وظيفته التي تأمره ~~بالتظاهر فيتظاهر، وبالتصنع فيتصنع. وأما أدباؤنا الذين يدعون في الجرائد خطباء ~~وشعراء فما بالهم يزاحمون الكهنة ويسابقونهم، ماذا فعلت الأمة السورية لتستحق هذه ~~الضربة؟ وهل يجوز أن نشين قداسة الحزن بالثرثرة وندنسها بالرياء. # فوا أسفاه! لو كان عندنا رجال بقدر ما عندنا من مثل هؤلاء الأدباء لكنا والحق يقال ~~من خير الشعوب وأرقاها. # | الرداء الأسود # نمت البارحة كالعادة بعد أن قرأت صفحة من تأملات مرقس أوريليوس، نمت راضيا ~~مرضيا ناسيا منسيا تاركا ورائي كل ما لا يستحق أن يدخل معي هذا العالم الجميل ~~الكائن بين عالمي الموت والحياة، ولكن لم أكد أغمض جفني حتى وجدت نفسي عريانا في أرض ~~صلقع بلقع يرتعد حتى الجن من وحشتها المظلمة. أرض جرداء مرداء لا وديقة تعرف ولا صحراء، ~~لا غابا رمده النار ولا مدينة دمرتها العواصف، وجدت نفسي في بقعة ماحلة ولكنها ~~غامرة، في بقعة مجدبة ولكنها مثمرة، كيف لا والزارع فيها الموت والحاصد هو الله، فيها ~~تزرع الجثث الفانية ومنها تحصد الأنفس الخالدة. # وجدتني في عالم الأموات عند منتصف الليل والبرد قارس والسماء مكفهرة والديار مهجورة ~~فحجبت عني النجوم نورها وأمسكت عني الأرض حرارتها وكان قد ألبسها الغمام في المساء ~~الماضي ثوبا من الثلج فمرت عليه الرياح وحولته جليدا وصقيعا، فصارت تزل الأرض تحت ~~قدمي كلما أعصفت حولي الأهوية. # رياح وجليد، ظلمة وقبور، وأنا فيها وعليها أسير عريانا، أبحث عن صديق يسكن تلك ~~الديار. فسرت من بيت إلى آخر أطرق الأبواب برجلي المتجمدة ولكن السكان نيام، لا أحد ~~يسأل: من ولا أحد يقول: ادخل، فظللت سائرا وأنا أزلق تارة ms091 وأعثر أخرى والرياح لا ~~تشفق والجليد لا يرثي والظلمة لا ترحم. # وكنت أحس أحيانا بشوك تحت قدمي فإذ هي الحصى جمد عليها الثلج فأصبحت رءوسها ~~كسنان الرماح، سرت هائما في الظلمة على أشواك من الجليد ورجلاي تتركان وراءي أثرا من ~~الدم وبدني يرتجف كالقصبة تحت الرياح. نظرت إلى السماء ولكن الكواكب لم ترني، فهي ~~راقدة كالأجساد تحت قدمي، هي ملتحفة بملاءة كثيفة من الغيوم فكأنها دهشت لهذا المشهد ~~وأوجست خيفة من تصوراتها فرفعت الغطاء إلى ما فوق رأسها. وأما أنا المسكين العريان ~~فإذا أغمضت طرفي يجلد جفني عليه، وإذا وقفت لأرتاح تلتصق بالأرض رجلي، علي أن أسير ~~إذا حيث تقذفني الرياح، فهل تحملني إلى ضريح صديقي، لا أعرف، الليل لا يتكلم والجليد ~~لا يعزي، والبرد لا يبتسم والقبور لا تهدي، ولكن ما هذا؟ من أين النور الذي يشق ~~الظلام؟ نعم هو كوكب لا يخاف هول القبور قد جاء ليأخذ بيدي، ويهديني إلى بيت صديقي، ~~وما كدت أسير وإياه بضع دقائق حتى مر أمامي رجل مرتديا رداء أسود ثقيلا ~~فخاطبته بصوت خافت قائلا: من أنت؟ فنظر إلي ورآني عريانا أرتجف من القر والهواء، ~~وظل سائرا في طريقه ولم يتكلم. # ثم رأيت رجلا منضيا ثيابه مثلي يتأثره راكضا، ولكنه وقف لما رآني ثم تقدم إلي ~~وسألني قائلا: من أنت؟ قلت: غريب في دار الغربة. وأنت؟ فقال: أنا أحد سكان هذا العالم، ~~أنا لص القبور، فقلت: وهل تعرف الرجل الذي مر من هنا؟ فقال: نعم هو شريك لي، هو أحد ~~أولئك الذين يجهزون المرضى ويجنزون الأموات، يجيئني في الليل ليقاسمني الغنيمة بعد ~~أن يهديني إلى أثمن القبور وأغناها، وما لي أراك ترتجف؟ فقلت: ألا تشعر بالبرد فقال: قد ~~ألفه جسمي، ولكنني - والله - أخاف عليك منه. قال اللص هذا وركض يطلب شريكه المرتدي ~~بالرداء الأسود. # أما أنا فكاد الدم يجمد في عروقي ووقعت على الجليد مرتعشا من صبارة القر وشدة ~~الخوف، وبعد هنيهة شعرت بيد تعالجني فرفعت رأسي وإذا اللص بجانبي والرداء الأسود بيده ms092 ~~فقدمه لي قائلا: قم والبس هذا فيقيك من البرد، فأخذت الرداء مستبشرا ولكن ما كاد يقع ~~نظري عليه حتى عرفت أنه جبة شريكه فأعدته إليه قائلا: «أشكر معروفك، ولكنني أفضل ~~أموت بقربك عريانا.» # | فلتر # كل أديب سوري يحب فلتر، إن لم يكن علنا فسرا وإن لم يكن من قبيل المبدأ فمن ~~قبيل التصلف. وكل شاب يخرج من عالم الخرافة المظلم إلى بلاد الحرية العامرة يذهب توا ~~إلى فلتر ليقدم له الجزية، فالكاتب الإفرنسي الشهير هو في مملكة الآداب الحرة ~~كالبابا في مملكة الكنيسة. # ولكن بعد أن يعيش المبتدئ تحت سلطة سلطان ~~الحرية الدينية بضع سنين ويقترب منه وينقاد لأحكامه ويسهر وإياه ويسمعه يتكلم في نومه ~~يرى شيئا من نقصه وتنجلى له طرق مكائده وأساليب مصانعته فيشعر إذ ذاك بقليل من ~~الاستبداد الذي يجعله الكاتب مقبولا بما لأسلوبه من اللطف والرقة والرشاقة، وإذا لم ~~يكن للشاب رأس مال عقلي خصوصي تفتر فيه الحماسة وتضعف الهمة ويبرد الإيمان ويذوب ~~الإخلاص وتجتمع في صدره روح الإلحاد مع روح التساهل فيتعانقان ويضحكان من النفس التي ~~رحبت بهما. # الإلحاد مضر بالصحة، فهو - لا شك - ينفخ الصدر ولكنه يضعف القلب ويصغر الرئتين، ~~أقول هذا عن اختبار ولا أقول أكثر من ذلك، ليعمل القارئ فكره إذا، الإلحاد مضر ~~بالصحة ومهما قلتم لا أوضح. اختبروا لأنفسكم إن شئتم ولكن إياكم والتطوح وإذا كنتم لا ~~تعرفون الحدود فالأجدر بكم أن لا تجربوا؛ لئلا تتملك فيكم جراثيم المرض. # وإذا كانت معدتكم ضعيفة فإياكم وفلتر. وأما الذين يهوون الرجل ويحبون القيام ~~تحت سلطته فإليهم أسر هذه الكلمة: قد اتضح لي بعد أن سامرته وآخيته وسهرت وإياه ~~وسمعته يتكلم في نومه أنه أخطأ مرات في حياته، فما الفائدة من نكران سلطة البابا وخلع ~~ربقة الكنيسة إذا كنا في حياتنا الجديدة نخضع لسلطة أخرى أشد وأعظم من تلك؟ سامروا ~~فلتر وعيشوا في ظل نفوذه ولكن لا تخافوا أن تسألوه وتحتجوا عليه وتعترضوا على ما ~~تظنونه غير مقبول من أقواله وغير مشكور من أعماله. ms093 اسهروا وإياه، راقبوه في نومه ~~واسمعوه يفشي أسراره. # إن لحياة فلتر أوجها عديدة، ومن وجه يظهر ~~لي أنه في عالم الأدب كأبي النواس في عالم المجون، فكما ننسب إلى أبي النواس كثيرا من ~~الملح والنكات التي لا نعرف أصلها ننسب أيضا إلى فلتر كثيرا من الأفكار والأقوال ~~الحرة التي مات قائلوها وهم يطلبون الشهرة. # وكثيرة هذه الأفكار التي لا نعرف منبعها، وكثيرون الكتاب الأحرار الصغار الذين عبثت ~~بهم الشهرة وردتهم خائبين، فكم وكم من تحف الأقوال عبثت بهم الشهرة وردتهم ~~خائبين، فكم وكم من تحف الأقوال وطرائف الأفكار التي انتشلها فلتر من وادي ~~النسيان فنظفها ونحتها وجلاها ودمغها باسمه، وهل يلام على ذلك، ألا يحق له أن ~~يدعي ملكية شيء أوجده الاجتهاد وحسنته الصناعة التي امتاز بها، وهل تنقص قيمة ~~الفكر الجميل لأنه منتحل، نعم كان فلتر يسرق كبقية الكتاب والمنشئين الكبار، ولكن ~~هؤلاء يختلفون عن صغار الكتاب في كونهم يسرقون ويحسنون ويعترفون بالسرقة وأولئك يسرقون ~~فيمسخون وينكرون أنهم سرقوا. # اتهم مرة فلتر بأنه سرق بعض أفكاره من أحد زملائه، فأجاب متهميه قائلا ~~بطريقته المشهورة ما معناه: إذا كان هذا الكاتب سبقني إلى ما كتبت فيكون قد سرق من ~~الموضع الذي سرقت أنا منه. وقد قال غير مرة في نفس الموضوع ما معناه: وإذا أهداك أحد ~~حصانا أتفحص أضراسه قبل أن تقبله؟ وكم من الكتاب الذين نقلوا قوله المشهور عن ~~الله وفاتهم أن كاتبا رومانيا سبقه إليه. وإنما أعني قوله: «إذا كان الله معدوما ~~فينبغي للإنسان إيجاده.» # وقد غاب عن بالي اليوم اسم الكاتب الروماني الذي قال هذا القول، وإني لأذكر أنه أخذ ~~من القرآن قصة كاملة وأثبتها في إحدى رواياته دون أن يشير إلى مصدرها، وهي قصة موسى ~~في سورة الكهف مع ذاك الذي أوتي رحمة من عند ربه وعلما، وأولها «قال له موسى هل ~~أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا» ... إلى آخر الحديث. فأذكر أني قرأت هذه القصة ~~منذ سنين في روايته التي تدعى جاديز، وهي مثبتة ms094 في الحديث بين الناسك وبطل ~~الرواية. # كان فلتر واسع الاطلاع غزير المادة كثير التفنن في الإنشاء والترسل، وكان إذا ~~احتاج إلى فكر ما أخذه من رأس النبع لا من المترجمين والناقلين والناقلين عن الناقلين ~~والمترجمين كما يفعل الكويتب القليل الاطلاع القصير الباع، ذاك الذي وصفه الشاعر العربي ~~بقوله: # فتى ينظم الشعر ولكنه # على ما علمنا يسرق المسروقا # تعجبني في فلتر حرية فكره وخفة روحه مع شدة لهجته وطلاوة أسلوبه ولطف تهكمه ~~ودقة معانيه، وهذه خاصيات ومميزات تظهر في كل ما ألفه الرجل إن كان فصلا في فلسفة ~~التاريخ، أو قصيدة تصف نكبة لز بن، أو رواية يسلق فيها اليسوعيين، أو رسالة يتهكم ~~فيها على الإنكليز، أو كتابا يدغدغ فيه أحد أصدقائه من الملوك والأمراء. هذا ما له ~~علاقة بأسلوبه وطريقته، وأما إخلاص النية في الأقوال وسلامة القلب في الأعمال فتلك ~~مسألة فيها نظر، بل فيها نظران وثلاثة. # أنا لا أقول قول أعدائه فيه، معاذ الله أن أقول: إنه أول الخبثاء والماكرين وأكبر ~~اللؤماء والدجالين، أو إنه مسوط الذكاء أرسل إلى العالم من قبل إبليس، أو إنه قوة ~~الشر كلها متجسدة في إنسان، أو إنه خنزب أفلت من سقره ... وغيره من الأقاويل المضحكة ~~التي يرمونه بها أولئك الربانيين الصالحين الواقفين على طرق العلم مسلحين ليصدوا كل ~~من اجتاز من الأحرار بل ليوقعوا بهم ويسلبوهم ما تزودوه من الصالحات الباقيات، ~~ويشوهون بعد ذلك وجه شهرتهم ويطوون - إن استطاعوا - ذكرهم في مكامن الحقود والأغراض. ~~ولكنني اختلفت مع فلتر البارح وتأسفت لما رأيت أن الإخلاص الذي يصفه به محبوه ~~هو كالإخلاص الذي يدعيه أكثر المؤلفين، أي: أنه زمني يظهر ويختفي ويشتد ويضعف ~~مع الظروف والأحوال. # نعم إن هذا المترسل الإفرنسي كأبي النواس في حيله ودخمسته. وكثيرا ما كانت ~~تظهر بطانة ثوب الإخلاص الذي كان يلبسه، ويا لها من بطانة. ومما هو معروف أن الرجل ~~مشهور بكتاباته في الحرية الدينية، ولكن حريته كانت مفتقرة إلى التساهل الشامل الذي ~~ندعو إليه. # كان يعتقد فلتر بأن الدين ms095 الإسلامي دين فاسد وألف رواية تمثيلية دعاها «التعصب» ~~وأهداها إلى البابا - بعد أن كان قد اشتهر بعداوته للكنيسة وأربابها. مفتتحا كتابه ~~بهذه الكلمات: # إلى رئيس الديانة الحقيقية أهدي هذا التأليف في مؤسس ديانة فاسدة ... ~~إلخ. # فقبل البابا الهدية بكل سرور وبعث إلى فلتر كتابا لطيفا أثنى فيه على غيرته ~~(بخ بخ) وانتقد بعض أبيات في الرواية الشعرية فأجابه فلتر متجاملا على عادته في ~~مثل هذه الأمور: إنك لا شك معصوم عن الغلط في المسائل الأدبية أيضا (زه ثم ~~زه). # وهكذا تبادل الاثنان عواطف الولاء الكاذب وانتصر فلتر على أعدائه اليسوعيين ~~وأنصارهم. لا يخفى على القارئ اللبيب ما في هذا العمل من السياسة والحيلة والمكر، ناهيك ~~بأن الكاتب أخطأ في انتقاده الدين الإسلامي، وفي تحامله المنكر على مؤسسه ~~العظيم. # لا شك أننا تقدمنا قليلا في الأدبيات كما تقدمنا كثيرا في الماديات، ودليل ذلك هو ~~أن فلتر زماننا لا يتطاول على الإسلام ولا على الوثنيين لغايات دنيئة، تولستوي لا ~~يتخذ الحيلة ذريعة لينتصر على أعدائه، وهل تظن أيها القارئ بأن البابا الحالي يقبل ~~أن تهدى إليه رواية فيها يطعن المؤلف على دين من الأديان. أنا لا أظن ذلك، ولكن إذا ~~كان تساهل فلتر ناقصا فتساهلنا لم يكمل حتى الآن، فقد خطونا خطوة صغيرة نحو ~~التوفيق التام والمحبة الشاملة والسلام السابغ. نعم خطوة صغيرة فقط. # | جان جاك روسو # ومن لا يعرفه إن لم يكن حق المعرفة فبالاسم على الأقل، ألا يحذرنا الكهنة في المدارس ~~منه، ألا يحاولون خارجها إبعادنا عنه، فهم الذين يرغبوننا بالاطلاع على كتبه إذا ~~وبورود موارد علمه وأدبه. ومن انقلابات الطبيعة على من يخلون بنواميسها هو أن حب ~~الممنوع والميل إلى المحرم يفوزان أبدا على إنذار ذوي المآرب وتحذيرهم. وليست غايتي ~~الآن كتابة رسالة مستوفاة، منسقة تنسيقا مقسمة أقساما، ذات مقدمات ونتائج مربوطة ~~الواحدة بالأخرى. # ليست غايتي الخوض في تآليف روسو وفلسفته والبحث في علمه ومبادئه وآدابه. ليست غايتي ~~سرد سيرة حياته وتسويد هذه الصفحات بالتواريخ والأزمان. وبأسماء أعدائه من ms096 أدباء ~~وعلماء وحكام، وبوصف خليلاته الكثيرات من الأشراف والعوام، لا، لا. إني أترك الآن ذلك ~~لغيري من الكتاب فصديقي العالم جرجي زيدان مثلا يوفي روسو حقه في باب مشاهير الرجال، ~~إذا لم يكن قد فعل ذلك، أما أنا فما تعلمت حتى الآن أن أكتب ما يليق بدائرة ~~المعارف. # وما غايتي إلا كتابة بعض السطور عن روسو الرجل لا المؤلف، فالذي يمعن النظر في سيرة ~~حياته ويدقق الفكر في تآليفه يرى أنه «كان يظهر حقيقة ما يعلمه بما يعمله» يرى بين ~~خروجه عن المألوف بالقول وخروجه عنه بالفعل كثيرا من التناسب والتقارب، كان روسو نقيض ~~فلتر من هذه الوجهة بيد أنه في حداثته كان يعجب بزميله الشهير ويدعو نفسه تلميذه، ~~وفي غضون ذهاب فلتر بالشهرة كان جان جاك روسو من جملة أولئك الشبان الذين قرءوا كل ~~ما نشره ذلك النابغة الداهية بلهفة لا مثيل لها وكانوا يفاخرون بكونهم من أنصاره، كان ~~روسو في ذلك الوقت شابا خليعا لئيما متبذلا له من الجرأة والإقدام ما له في كل ~~الأمور ما عدا ما تعلق منها بمجالسة السيدات ومسامرتهن، كيف لا وقد درس الموسيقى ~~بضع سنين وهو لا يعرف من هذا الفن إلا بقدر ما كان يعرف فلتر من علم الفلك. # وحياة روسو وهو رجل كحياته وهو شاب من حيث إنه أعطى النفس هواها في كل الأمور، وذهب ~~مع الطبع في جميع أطواره. وأما أن ذلك سبب ما غشاه من الشقاء والبلاء والنغص والغصص فما ~~هو بالأمر الغريب العجيب، فالتفرد بالمزايا كلف المرء كثيرا والخروج عما اعتاده الناس ~~متلف له. وإلى اليوم لا يستطيع المرء أن يعيش حياة عقلية طبيعية على وفق قلبه ومزاجه ~~دون أن يخرج بعض الخروج عن دائرة المألوف من العادات والمعروف من الشرائع والعقائد. ~~وإذا فعل ذلك فالويل ثم الويل، إذا فعل ذلك يحتقره القوم ويلعنه الناس ويزدريه رجال ~~الأدب وتتعقبه الشريعة ويقعد له الرؤساء في الرصيد أن مثل هذا يحدث اليوم فكيف لا يحدث ~~في زمن روسو، عاش جان ms097 جاك بالقرب من البؤساء والفقراء بين الشعب المظلوم المثقل بأعباء ~~الدولة والكنيسة. # وعاش أيضا بين الجميلات من النساء والكريمات ~~من الخواتين، فأثار فيه الوسط الأول عاطفة الغضب، وحرك فيه الوسط الثاني عاطفة ~~الحنو والرقة والحب، فكتب ما كتبه وفيه كثير من دموع النساء على شعب رازخ بالذل ~~والعبودية مكبل بالأغلال والقيود، وعندي أن هذا هو السر في قوة روسو وفي ذكائه، هذه هي ~~المزية التي ترفعه على فلتر وعلى سواه من زملائه، فالمرأة شحذت قريحته والشعب ~~البائس أثارها؛ ولذلك دعي رسول الثورة وسميت كتبه أناجيلها. ومن غرائب المقادير ~~وتقلبات الزمان أن تآليفه كانت تغلف إبان الثورة الأولى بغلف مصنوعة من جلود أولئك ~~الذين اضطهدوه وسفهوا رأيه. # وقد عثرت على كتاب بعثه إلى مدام ديبيناي فآثرت تعريبه؛ حبا بإظهار ما فيه من وصف ~~الرجل لنفسه، وقبل أن آتي بالترجمة أذكر حادثتين أخبرنا بهما في «اعترافاته» ليرى ~~القارئ ما كان عليه الرجل من الخسة والدناءة وسوء السيرة. # يوم كان روسو نازلا على إحدى الخواتين اللواتي آوينه سرق سرقة صغيرة، فاتهمت بذلك ~~الخادمة وطردت من البيت، وروسو لم يقل كلمة واحدة ليبرئها أو ليرد عنها التهمة، سرق ~~هو السرقة فعوقبت الخادمة بسببه وظل هو صامتا. وكان ماشيا ذات يوم مع صديق حميم وهو ~~الأستاذ الذي كان يعلمه الموسيقى، وفي ذاك اليوم كان الأستاذ طافحا بالخمرة فوقع على ~~الرصيف مغمى عليه، وأما روسو فماذا تظنه فعل؟ ترك صديقه يخبط على الرصيف وفر ~~هاربا. # هذا هو الرجل الذي كان يذوب حبا بالقرب من النساء ويستشيط غضبا على الدول والحكام ~~من أجل الشعب البائس. هذا هو الرجل الذي ألف كتابه الشهير في التربية، الكتاب الذي لا ~~يعتق مهما قدم عليه الزمان؛ لأن المبادئ التي أعلنها والتعاليم التي وضعها في معنى ~~تربية الأولاد لم تزل معتبرة عند أرباب البحث وفلاسفة العمران، ولكن الفيلسوف الذي وضع ~~هذه المبادئ السامية هجر أولاده طمعا باللذات وتركهم في ملجأ اللقطاء تملصا من ~~الواجبات. # والكتاب الذي أشرت إليه بعث به إلى مدام ms098 ديبيناي سنة 1756 بمناسبة إهدائها إياه ~~بيتا جميلا في أحد المصايف بالقرب من غابة مونمورنسي المشهورة، فهل شكر الرجل المرأة ~~على هديتها، اقرأ جوابه: # سيدتي: أتريدين أن تجعليني خادما وعبدا لك بهديتك هذه، إن لك أيتها ~~العقيلة الحظ أن تري كل يوم أكبر أشقياء الدهر وأعظم نوابغ الزمان، ها هو رجل ~~خسيس وعظيم في آن واحد، هو أحط من الحيوان في الغريزة وله مطامع ورغائب ~~تتصل أطرافها بالآلهة. هو لئيم للغاية ولكن ليس في كل أعماله. إن له في أشأم ~~الفتن ناقة وفي أخطر الأعمال علاقة، وعنده حظ وافر من الخيلاء والخساسة والكذب ~~والخيانة، مع أن مبادئه الكمالية شريفة سامية واجتهاده ونياته لا ينكرهما عليه ~~إنسان. وإذا كانت سيدتي تسر بالتقرب من رجل مشهور والتزلف إليه فسرورها ~~لا يكون أبدا صافيا، خاليا من الأكدار؛ لأن الرجل المشهور خشن الطبع غالبا ~~وناكر الجميل، فهو يعتبر نفسه مهانا حيث لا إهانة قط، ويكون في الغالب شرسا ~~صبيانيا مضحكا بتصرفه ناظرا بالعين المجردة إلى الأشياء نظرة الأعمى إلى ~~الشمس، كل شيء عنده ناقص مظلم وكل شيء حوله مختل. # هذه هي المنة التي أظهرها روسو، هذه هي الحرية التي عاش في ظلها رسول الثورة. # خرج ذات يوم رجل من باريس قاصدا البرية ومعه كتاب كان قد طبع في ذلك الوقت وأحدث ~~ضجة عظيمة في عالم أوروبا الأدبي، ذهب الرجل متنزها وأخذ الكتاب معه رفيقا أنيسا ~~فقرأ معظمه في ذلك النهار وهو مستلق على العشب في ظل دوحة من البان. وظل يقرأ إلى أن ~~مالت الشمس إلى الغروب، فنهض إذ ذاك وهو معجب بما في الكتاب من التعاليم السامية ~~والمبادئ السديدة. وبينما هو عائد إلى باريس التقى بشيخ جليل يتوكأ على العصا وفي يساره ~~باقة من الرياحين والنباتات، فتبادل الاثنان عبارات السلام وسارا في الطريق معا، ولا ~~عجب إذا حاول الرجل مخاطبة الشيخ في ذلك الحين، فتأثيرات الكتاب الذي قرأه كانت لم ~~تزل حديثة في نفسه. وفي هذه الحالة تأبى التأثيرات التحجب؛ ولذلك كلم الغريب ms099 الشيخ ~~قائلا: عسى أن تكون سررت في الفلاة يا سيدي. ~~- نعم جئت أفتش على بعض الرياحين التي تنبت في هذه الجهات فقط. ~~- ما أجمل الطبيعة وما أعظم من يقربوننا منها في كتاباتهم، قد خرجت ومعي أشهر كتاب ~~طبع في الوقت الحاضر، ولا حاجة للتسمية قد قرأت بعض فصول «إميل» ووددت لو كنت خادما ~~لجان جاك روسو، أكد أني أهب نصف ما أملكه لأرى الآن هذا النابغة العظيم وأظهر له ~~الانفعالات الحسنة التي أحدثها كتابه في نفسي، وماذا يهم الأمة الإفرنسية إذا كان ~~المؤلف جنوي الأصل، وعندي أن لا جنسية للنابغة فهو ابن العالم على الإطلاق إن المؤلف ~~العظيم لملك في كل وقت وفي كل مكان، وله من كل الشعوب والأمم رعية مخلصة تعجب بمواهبه، ~~لا بل تعبدها. # فقاطعه عندئذ الشيخ قائلا: وهلا يخطر في بالك أن جان جاك روسو يتنازل عن الشهرة التي ~~تعجب بها ليكون أحد أولئك الحطابين الذين نرى دخان أكواخهم هناك؟ ماذا أثمرت له الشهرة ~~وهل أكسبته غير الاضطهاد، أما الأصدقاء والمحبون الذين لا يعرفهم ولا يراهم فهم يكتفون ~~بقراءة كتبه ويباركونه في قلوبهم، ولكن الألوف من الأعداء يرمونه أبدا بالقذف ~~والتعيير، لا شك أن النجاح يعزز الكرامة، ولكن كم مرة تجرح كرامة الفائز بتطفل ~~الخائبين وبفضول من حبطت مساعيهم. وأكد أن كرامة المرء تشبه في أصلها ذلك الشريف ~~المترف الذي لا ينام إلا إذا كانت زهور غرفته في محلها. # أما الجهاد العقلي المتواصل فقد ينفع العالم في الأحايين، ولكنه يضر بصاحبه دائما، ~~وكلما شاخ الرجل كبر عليه دين عقله، وما قيمة ما يدفعه الفيلسوف المحاط بالحقائق ~~المكروهة إلى هذا العقل المتطلب الكمال. قد شبهت النبوغ بمملكة ولكن أي رجل فاضل لا ~~يخشى أن يكون ملكا فيها؟ القوي هو أقرب إلى السقوط من الضعيف، وكلما ارتفع المرء ~~تكاثفت حوله غيوم الأخطار والمحن فلا تحسد الرجل الذي ألف هذا الكتاب ولا تعجب ~~به، بل أشفق عليه، إن كنت شفوقا. # فتعجب الرجل من حكمة الشيخ السوداء وألبس تعجبه ثوبا ms100 من السكوت، وكانا قد دخلا ~~الطريق التي تؤدي إلى قصر فرساي فمرت بالقرب منهما مركبة أطلت من نافذتها امرأة ~~جميلة وصرخت إذ رأت الشيخ قائلة: ها هو جان جاك، ها هو روسو. # أما رفيق الشيخ فلبث مذهولا مبهوتا وسمع روسو يخاطبه بلهجة عنيفة وصوت حاد: أرأيت ~~هذا، أرأيت هذا، لا يقدر جان جاك - على الأقل - أن يخفي نفسه عن الناس فالبعض يذكرونه ~~باحتقار والبعض بإكرام وإعجاب، والجميع يدلون عليه بالأصابع ويظنونه ملكا مشاعا كهذا ~~التمثال مثلا أو كتلك الخربة، فالمرء الذي ينال قليلا من الشهرة ويبتسم له النجاح ~~يصبح سلعة يتصرف بها الجمهور. فكل امرئ ينبش في أرض حياته ويردد عنه أتفه الأمور ~~ويمس بذلك حاساته ويجرح كرامته، الرجل، المشهور هو مثل هذا الحائط الذي يشوه ~~بالإعلانات والتزاويق، ولعلك تقول إنني شجعت الناس على التداخل في شئوني الخاصة إذ نشرت ~~شيئا من كتاب الاعترافات ولكن العالم اضطرني إلى ذلك. نظر الناس إلى داخل بيتي من ~~الشقوق وعيروني فوجب علي أن أفتح لهم النوافذ والأبواب ليروني كما أنا لا كما يتصورون ~~ويتوهمون. # الوداع يا سيدي، وإذا ذكرت الشهرة ثانية فاذكر أنك قابلت أعظم وأشأم بنيها. # | وليم غاريسون # لا مراء في أن الناس يقرءون غالبا كل ما يكتب عن كبار الرجال ومشاهير الكتاب، ولكن ~~ليس كل ما يكتب فيهم يستحق القراءة وليس كل ما يقرأ يحفظ وينقل، وقد يكون غالبا بين ~~قصد الكاتب وبساطة القارئ أو تعصبه أودية ووهاد. أي: أن أكثر القراء لا يتفهمون أقوال ~~الكاتب إلا بالناقص أو بالزائد، وقليلون من يزنون الكلام والمعاني بميزان المؤلف لا ~~بميزانهم، أو بالحري بميزان العقل لا بميزان الحماسة أو البساطة أو الغيرة أو التعصب أو ~~الكل معا. # وما الغاية يا ترى من هذه الملاحظات، هل هي مقدمة لأقوال جديدة في رجل عظيم جديد؟ ~~لا، بل هي تمهيد صغير لكلمتين موجزتين في واحد من أولئك الكتاب المنسيين في ظلمة ~~النسيان المحكوم عليهم بالخمول ظلما وعدوانا من جمهور الأدباء والمطالعين. وأما هوغو ~~ورنان وتولستوي وغيرهم ms101 من النوابغ الذين تكثر من ذكرهم الجرائد والمجلات فأولئك لا ~~خوف عليهم من الإهمال، بل الخوف كل الخوف عليهم وعلى شهرتهم الحسنة مما تتناقله ~~الجرائد عنهم ويكتبه الكتاب عن مبادئهم وآرائهم وكتبهم. # نعم جئت أحدثك اليوم بواحد من أولئك الكتاب المنسيين الذين جاهدوا في حياتهم ~~جهادا عظيما في سبيل الحق والحرية، وخدموا الإنسانية خدمات جليلة كبيرة. ولكن ~~الإنسانية يا صديقي لا تعترف لبنيها بالجميل إلا إذا نبهت إليه بالأجراس والطبول ~~والمدافع، إلى هذا الحد تبلغ بنا القساوة، وهكذا يحملنا الإهمال على نسيان من جنح في ~~حياته إلى السكينة فتعشقها، وإلى الحق فكان من عبيده، وسعى سعيا جليلا عظيما عاملا ~~عمله بنشاط وثبات وشقاء بعيدا عن التبجح والتصلف والادعاء؟ تعال معي أيها القارئ، امش ~~ولو فرسخا بنور مصباحي، اسقط معي إلى ظلمات النسيان لنعيد إلى الحياة أحد أمراء تلك ~~الديار، أفلا تحلو لك مثل هذه الرحلات، ألا يجدر بك هذه المرة أن تجيء معي وتصرف النظر ~~عن زيارة المتحف المصري مثلا لتشاهد هنالك جثث الفراعنة الجافة المدثرة بالكتان ~~المحفوظة في الزجاج؟ أنا أريك رجلا حيا بالروح لا تتقزز من رؤيته ولا يخيفك تجاعيد ~~وجهه، تعال معي إلى دهاليز الآداب المنسية فأعرفك ببطل حقيقي. # وها أنا أدون الآن لأول مرة في اللغة العربية قصة هذا الرجل الصالح، قصة هذا المصلح ~~الحقيقي الذي يجدر بكل من تعشق الحرية والحقيقة معرفته. # في أول يوم من السنة الحادية والثلاثين من الجيل الماضي نهض في مدينة بوسطن شاب فقير ~~حقير أحرز شيئا من الأدب وأنشأ مع ما له من الجرأة والعزم والحماسة جريدة صغيرة دعاها ~~«محرر الرقيق» ونشر في صدر مقالته الافتتاحية في العدد الأول من تلك الجريدة هذه الكلمات: # اعلموا أيها الناس بأن الكلمة التي أقولها أعنيها بالذات ولا أحاول ولا أراوغ ~~ولا أجامل في قولي، لا ولا أسحب كلامي ولا أعتذر عن شيء أنشره أجاهد وأثبت ~~وأجد، وسيكون صوتي مسموعا بينكم.» وإن هذه الكلمات لتذكرني بما جاء في ~~سفر أيوب! «لأتكلمن فيفرج عني، أفتح ms102 شفتي فأجيب، لا أحابي إنسانا ولا أطرئ ~~بشرا.» وهذي هي الخطة التي وضعها الشاب لنفسه ولجريدته، وثبت عليها ثبوت القمر ~~في دورانه. # شاب فقير لا يعرفه أحد يعيش بالخبز والماء والزبدة وينام على الأرض في ~~مطبعته، شاب وحيد في مذهبه لا شريك له ولا نصير ولا مشجع، فرجال الدين ~~والحكومة والهيئة الاجتماعية وأرباب التجارة كلهم أخذوا يناصبونه العداء ~~ويرسلون عليه البلاء. فعلوا كلهم ذلك لأن ضمير الأمة كان لم يزل خامدا ~~جامدا، وكانت الشهامة لم تزل بعيدة عن قلب الشعب والوطنية بعيدة عن السياسيين، ~~أطهد من أمة حرة وشعب حر؛ لأنه جاهر بالعداء للعبودية والنخاسة، ومع كل ما ~~رمي به من التقبيح والشتائم واللعنات فهو لم يخل مرة واحدة بقاعدته الأساسية ~~التي نشرها في أول عدد من جريدته، فجد وجاهد وثبت وقال قوله بجرأة وحرية ~~وإخلاص. # كان فؤاد الصحافي هذا يلتهب غيرة وحنوا على شعب إفريقي راسفا في سلاسل العبودية ~~في بلاد تدعي الحرية، فصرخ في وجوه مستعبديه صرخة ارتجت لها البلاد الأميركية من ~~أقاصي الغرب إلى أقاصي الجنوب، وبدأت إذ ذاك تظهر أنصاره وتزداد أصحابه فتلبدت الغيوم ~~على آفاق التجارة وفي جوها وأنذرت الأمة بإعصار هائل، فأخذت صواعق المتمولين تتساقط ~~على رأس الشاب ولكنها لم تزعزعه، ضرب مرات ضربا عنيفا وجر في شوارع بوسطن مشتوما ~~ذليلا وندد به الكبير والصغير وأشار إليه أرباب العلم والأدب بأصابع الازدراء ~~والسخرية ومنحت حكومة ولاية جورجيا جائزة لا تقل عن الخمسة آلاف دولار لمن يجيئها به ~~حيا أو ميتا. ولكن الصحافي الحر ظل في مركزه كجبل من جبال الألب راسخة قواعده في أرض ~~الحرية التي لا يموت فيها الفكر ولا يسخر القلب والضمير، ظل متمسكا بعقيدته واشتدت ~~صرخته على أولئك الذين استعبدوا قسما كبيرا من الناس. # ولم يحلم أحد من أعدائه بأن البذور التي زرعها سنة 1830 تثمر في خلال ثلاثين سنة، نعم ~~إن المبدأ الذي بشر به وليم غاريسون الأميركي وهو رجل فقير حقير لا يملك إلا قلبه وعقله ~~وقلمه عم في ms103 ثلاثين سنة نصف الأمة الأميركية وأنتج أخيرا تلك الحرب الأهلية ~~الهائلة التي أبطلت النخاسة وحررت العبيد ومحت عن جبين العالم الجديد وصمة ~~العار. # عقيدة بسيطة ولدت في شارع صغير في بوسطن لشاب مكروه منبوذ فقير، وانتشرت في وقت قصير ~~في أنحاء الجمهورية كافة، وتكللت أخيرا بمنشور الحرية الذي أصدره إبرهيم لنكلن ~~من عاصمة البلاد. هذا هو تاريخ النهضة على العبودية، وهو غير التاريخ الذي نقرؤه في ~~المدارس، نعم إن النهضة هذه تبتدئ بوليم غاريسون أحد سكان دهاليز التاريخ والأدب ~~المنسية وتنتهي برئيس الجمهورية، تنتهي بالرجل الذي لا تخلو مدينة كبيرة من تمثاله، ~~فكلنا نسمع بإبرهيم لنكلن محرر العبيد ومبطل النخاسة، ولكن من منا يعرف صاحب ~~جريدة «محرر الرقيق» الذي زرع البذور التي حصدتها الأمة في عهد الرئيس الشهير، أفلا ~~يجدر بنا إذا أن نذكر هذا الرجل مرة بالإجلال والإكرام مثلما تذكر الأمة الأميركية ~~رئيسها محتفلة بعيده كل عام؟ # | تولستوي # وقبل أن أقول كلمتي في من هو أشهر كتاب هذا العصر أحب أن أقابل بينه وبين ~~مرغن المثري الأميركي الشهير وإن كان لا يتبادر للذهن أن هناك ما يوجب ذكر ~~الواحد مع الآخر، فالأول نقيض الثاني على خط مستقيم. الأول يمثل القوة الروحية في عالم ~~الأدب، والثاني يمثل القوة المادية المالية في عالم التجارة. الأول جاءنا من فوق، من ~~الطبقة العليا في الهيئة الاجتماعية، والثاني نهض من ظلمات الخمول، من بين الجموع ~~البائسة. # ولد الأول أميرا فجعل نفسه فلاحا وولد الثاني فلاحا فجعل نفسه أميرا. يعيش ~~الأول ويجاهد من أجل الإنسانية، وتكد وتعرق الملايين من الناس من أجل الثاني وهو ~~جالس على ظهر يخته يشرب الشمبانيا ويدخن منشرح الصدر مطمئن البال. الأول تمثال ~~الحرية والإخاء والمحبة ونصير المبدأ الذي يقول بملكية الفرد (أي: أن كل فرد هو ملك ~~بذاته) والثاني تمثال القساوة والاستعباد والتجبر والاستبداد. # فالرجلان - إذن - يمثلان الخير والشر في أشد حالتيهما، وبينهما على الرغم من ذلك ~~وجه شبه - كما تقدم - الاثنان جباران تشعر بنفوذهما الأمم والشعوب، الأول عظيم في ms104 ~~الروحيات والثاني عظيم في الماديات. الأول جبار في الحكمة والأدب والثاني جبار في ~~التجارة والمال. ووجه الشبه بين الاثنين هو أن حكومتيهما تخشاهما وتعاملهما معاملة ~~حكومة مستقلة، أي: أن كليهما حكومة ضمن حكومة. # وقد رأينا مؤخرا كيف تفاوض رئيس الولايات المتحدة مع مرغن فيما يختص بمسألة ~~المعدنين وأصحاب المعادن، فبعث إليه ناظر الحربية مستعطفا فجاء هذا صغيرا وتوجه ~~إلى يخت المثري الشهير فرآه جالسا هناك جلوس القياصرة والأكاسرة وواجهه كأنه عاهل ~~الألمان، ورجاه باسم الرئيس وتوسل إليه طالبا منه الإسعاف في فض هذا المشكل الخطير، ~~وعاد كما جاء صغيرا حقيرا حاملا إلى الرئيس جواب المستر مرغن المؤلف من تين ~~الكلمتين: سأبذل جهدي. فالحكومة والشعب يخشيان هذا الرجل كما لو كان قوة من الجحيم، أما ~~الحكومة فتخشى مرغن؛ لأن الحزب الحاكم يحتاج إلى ماله ومناصرته وقت الانتخاب، وأما ~~الشعب فيخشاه؛ لأنه يستطيع أن يقطع عن الملايين من الفقراء والمتوسطين لوازم ~~الحياة. # والحكومة الروسية تخشى تولستوي وتهابه أيضا، ولماذا؟ إن تولستوي إلا رجل فقير ~~بالنسبة إلى المياسير في العالم، ولا ديون له على الحكومة. تولستوي لا يحتكر ولا صنفا ~~واحدا من لوازم الحياة، تولستوي لا يرشي القضاة والحكام، تولستوي لا يشتري نفوذه ~~بالمال، تولستوي لا يعزز قوته الأدبية وسلطته الروحية بالجند والسلاح ولا بالجهل ~~والخرافة. لماذا إذا تهابه حكومته وتعامله كما تعامل حكومة أوروبية أخرى؟ # نعم إن الحكومة وتولستوي متساويان، لا بل الفيلسوف الشهير هو أعظم من حكومته وأقوى؛ ~~فهو يكتب إليها طالبا منها أن تقاصه وتضطهده إذا كان ما يقوله ويعمله شرا، ولكن ~~الحكومة الجبانة الحكومة المسحوقة بزواجر النفس وقوارع الضمير تغض الطرف عن تولستوي ~~وتضطهد الضعفاء والفقراء الذين ينتحلون مذهبه ويقرءون كتبه وينصرون مبادئه. # فلماذا لا تضطهد من كان مصدر هذا الشر إذا كانت تعتقده شرا - كما قال في كتاب بعث ~~به إليها؟ لماذا لا تنفي تولستوي، لماذا لا تحبسه، لماذا لا تقتله، لماذا ترتعد من ~~نفوذه وتخشى صولته؟ لأنه يا صديقي ممثل قوة الخير دون تصنع وتكبر وأنانية؛ لأنه ms105 ~~مسلح بالحق ومحصن بقلوب مريديه الملتهبة حماسة؛ لأن نفوذه الروحي لا يقاس ولا ~~يحد، لا مثيل له في جميع القوات المادية القائمة بالسلاح والمدرعات ولا في السلطات ~~الروحية الكاذبة المؤسسة على الجهل والطاعة والخرافات؛ لأن أعماله تنطبق على أقواله؛ ~~لأنه مخلص متواضع مهتضم لنفسه لا كأكثر المصلحين متصنع أناني دجال. # إن لتولستوي أعمالا تثبت - كما قلت - أقواله، وله أقوال هي هي أقرب إلى ما سيأتي ~~من رد الفعل على التمدن الأوروبي مما هي إلى التعاليم التي قامت عليها معاقل هذه ~~الحضارة. فهو يكثر من ذكر بعض آيات الإنجيل ويتوسع توسعا عجيبا في بعض أقوال المسيح، ~~ويحث الناس على العمل جملة واحدة بهذه الأقوال وفي الحال، ولكن فاته بأن المسيح أتى ~~ليكمل فكمل ولا حاجة الآن إلى من يحمل رسالته ليكملها، بل الحاجة ماسة إلى أناس ~~ينبهون المسيحيين تنبيها ويبشرون حبا بالحقيقة لا حبا بالمال. # ولكن ما لنا وللتبشير الآن؟ فقد ثبت عند المفكرين بعد أن ظهرت نتائج الرسالة المسيحية ~~بأن أغلب ما فيها لا يقوم مقام الفلسفة الوثنية، وما لنا إلا أن ننتظر رد الفعل ونتائجه ~~التي يشير إليها تولستوي في بعض كتاباته ويحرض الشعب إلى ما يؤدي إليها عاجلا أو ~~آجلا. إن في رد الفعل هذا سحق قوة الأفراد المطلقة وتعزيز قوة الفرد على الإطلاق، فقد ~~تقرر في الجمهوريات أن قوة الأكثرية لا تقوم دائما المعوج ولا تصلح الفاسد، ولا ~~تكون - إلا نادرا - في جانب الحق والعدل والحقيقة. # فلا بد من رد الفعل إذا ولا مناص منه وكل ما هنالك من التعاليم الحديثة والشرائع ~~المدنية الجديدة تنحو هذا النحو، وما زال الشر هذا - أي: تسلط الأفراد ملوكا كانوا ~~أو متمولين على الأكثرية بقوة المال والسلاح - ما زال السلم الذي يبشر به تولستوي في ~~كتبه الأولى بعيدا جدا، ومقاومة الشر بالخير لا يكون الخير دائما فيها، فما الثورات ~~في الأمم إلا نوع من العدل البشري الذي يحده من جهة عدل الإنسان ومن الجهة الأخرى ~~عدل الله. # وأما الأعمال التي تثبت ms106 أقوال تولستوي وتعزز تعاليمه فوافرة، ويكفي أن أذكر أنه ولد ~~في ظل دولة ظالمة مستبدة وشب وعاش دمقراطيا حرا، بل اشتراكيا عاملا، بل فوضويا ~~مسالما. ولد حيثما الشرع يعتبر منزلا وذا خاصية إلهية وما رشد حتى نبذ كل سلطة مدنية ~~ودينية. تربى في حضن الترف والبذخ والنعيم، وعاش بين الأشراف والأعيان، ونراه الآن ~~نابذا لقبه ومجردا نفسه من كل زخارف الحياة ولذاتها. ولد ليأمر ويستأثر ويستبد فأخذ ~~يبشر بالحب الشامل والحقوق المتساوية والسلام العام. # ولد لتكون الخدم حافة من حوله أبدا فصار أخا للفلاح وخادما للإنسانية التي ~~تتألم من الظلم والاستعباد. ولد ليتمتع ببذخ الأشراف وجمال منازل الأعيان فترك ما هو ~~ملكه من البيوت وقسم أرزاقه بين فلاحيه أو «شركائه» وهو يسكن الآن في دار قوراء مع ~~امرأته وأولاده، وليس له في البيت بين كل هؤلاء إلا ابنة واحدة تشاركه في اعتقاده ~~وتعيش عيشته، وأما امرأته الكنتس فتهز كتفيها ساخرة وتسير في طريق الأشراف مكابرة. هي ~~تحافظ على لقبها ومركزها وتؤدب المآدب في بيتها لأترابها وهو يعيش وابنته عيشة بسيطة ~~فتقرأ على مسمعه في ساعات الفراغ الكتب التي يحبها بينما هو يعمل الأحذية. امرأته تترفع ~~عن الشعب وتسعى في ازدياد ثروتها وتوسيع أملاكها، وهو يقول قول الاشتراكيين ويعمل ~~به. # وأظن أن الفيلسوف يلبس ثوب الفلاحين ويمشي أحيانا حافيا؛ لأن امرأته تلبس المشد ~~والأحذية العالية الكعاب؛ التطرف يولد التطرف، وهذه بعض الأسباب التي حملته في أيامه ~~الأولى على تأليف روايته المشهورة «لحن كروتسر» وأما الآن فقد بعد عن ذلك الاعتقاد في ~~الزواج وتسامى فوق تلك المبادئ، وهو يعيش وزوجته - مع ما بينهما من الاختلاف ~~والتناقض - يعيش الاثنان في بيت واحد منفردين بعضهما عن بعض وتقدم الكنتس إلى ~~الفيلسوف الزاهد يوما بعد يوم باقة من الزهور، فيا ما أحيلا مثل هذا الاختلاف ~~والائتلاف! # وهنا أقف عند هذا الحد لأسأل سؤالا، ما الذي ~~يجعل تولستوي عظيما؟ بأي شيء تقوم شهرته الكتابية ويتعزز، فما هو في كتاباته فصيحا ~~ولا هو في تعاليمه مبتكرا ولا ms107 في رواياته ممتازا. فأسلوبه دائما بسيط ناشف وغالبا ~~مقعر ممل، والذي يقرأ روايات هوغو أو بلزاك ثم يقرأ روايات تولستوي يتبين له التفاوت ~~بينهم فالحماسة وسمو التصور والدقة في الوصف، واختراع الحوادث والإبداع في التنويع ~~والإيهام، والجمع بين المتناقضات والتفنن في أساليب الكتابة، والذكاء والرقة والمجون؛ ~~كلها مزايا تفتقر إليها روايات الروسي الشهير، وهو غير مبدع في تعاليمه؛ لأن مبادئه ~~الاجتماعية وأقواله بالرجوع عن التصنع المدني الفاسد إلى البساطة الأصلية النقية؛ ~~مأخوذة عن روسو، وآراءه السياسية والعمرانية والاشتراكية مستعارة من كارل مكس وهنري ~~جورج الأميركي، وتعاليمه الدينية هي تعاليم المسيح بالذات. ومع هذا وذاك فإنه رجل كبير ~~عظيم. # وإذا سألتني بماذا تقوم عظمته؟ أجيبك سائلا: بماذا تقوم عظمة المسيح؟ فيسوع لم يؤلف ~~المجلدات الضخمة ولا ألقى الخطب العديدة الفصيحة، والقليل الذي فاه به بعيد عن صناعة ~~الإنشاء والترسل، وخال من الفصاحة وزخرف الكلام، ولكن الحقيقة لا تجيء دائما في ~~المجلدات الضخمة، الحقيقة هي غالبا بنت الإيجاز والبساطة. # إن عظمة تولستوي هي مثال حقيقي لعظمة المسيح، وهي قائمة بالإخلاص والصدق ~~والاستقامة، قائمة بالعمل الصالح والمثل الصالح والفكر السديد. فالاثنان قالا وفعلا ~~وما المصلحون الصغار سوى أقزام بالنسبة إلى المصلح الحقيقي. هؤلاء يتفننون بأساليب ~~القول، ويفوهون بعبارات رنانة ويشعوذون ويوهمون وهم على تخوم الحقيقة ضاربون. # فالفقير الذي يدعو نفسه مصلحا ويطيل لسانه على الأغنياء مبشرا بالاشتراكية ولكنه ~~يفتح فاه مبهوتا إذا رأى غنيا سائرا في عربته هو أحرى بالجلد أكثر من الاعتبار؛ لأن ~~مثل هذا الفقير المصلح ينبذ التعاليم الاشتراكية ظهريا متى صار غنيا. والصالح ~~الفاضل المتظاهر بالتقوى الذي يبشر بالمحبة والإخاء والسلام قولا ويدس لأعدائه الدسائس ~~فعلا هو أولى بالشنق منه بالتأليه. ولكن الزمان يعاقب هؤلاء فينحدرون إلى ظلمات ~~النسيان بعد أن يعيشوا متمرغين في أوحال الكذب والبهتان. # | ابن سهل الأندلسي # في القرب من بيتي رابية جميلة، يحيط بها غاب من الصنوبر كبير، وتشرف على الكثير من ~~أودية لبنان وأحراجه وجباله وأدياره، وبالقرب من الرابية قرية صغيرة حقيرة ودير ~~للرهبان قديم ms108 العهد، فقصدت المكان ذات يوم ومعي الشاعر الأندلسي ابن سهل، ذهبنا معا ~~دون أن نتحدث على الطريق؛ لأنني ممن لا يعتقدون بجودة العملين اللذين يعملهما المرء في ~~وقت واحد. # وابن سهل هذا من الشعراء الذين صغر حجمهم ونحل جسمهم، وقل ادعاؤهم ورقت عواطفهم، ~~ولطفت شعورهم وكثرت دموعهم. هو شاعر صغير ذو شهرة صغيرة، ولكن كل صغير محبوب، وأنا ~~أحبه؛ لأنه ليس من الشعراء الكثيري القوافي والأوزان القليلي التصور والخيال، ليس من ~~أولئك الذين يهولك لأول مرة طول قصائدهم وتغيظك غرابة ألفاظهم وتزعجك غموضة أقوالهم ~~وتضحكك الشروحات التي هي أضعاف المتن في دواوينهم، ولا هو من أولئك الشعراء العظام ~~الذين ينثرون في بيوتهم الكواكب والأقمار ويثيرون في أبحرهم أمواج الأفكار ويضرمون في ~~قوافيهم النار، بل هو شاعر بسيط صغير حزين لطيف، أحب حبا شديدا مثل قيس العامري ~~وتعذب مثله أيضا، فهو في رأيي قريب جدا من الشاعر الحقيقي إذا لم يكن هو هو ~~بعينه. # كان ابن سهل يعشق على ما أظن عشقا حقيقيا لا عشقا شعريا كأكثر الناظمين ~~والمقفيين. قلت «على ما أظن» لأنني لا أعرف عن حياته الخصوصية شيئا، وهو لم يحدثني عن ~~نفسه عملا بعاطفة الحشمة التي توازي فيه عاطفة الحب، ولا يخرج في كل ما أنشده عن موضوع ~~واحدا شغل قلبه طول حياته وأذاقه أصناف العذاب. هذا إذا صدقنا ما يجهر به في ~~قصائده. # ينبغي للشاعر أن يعيش حقا قبل أن يشعر، ينبغي له أن يختبر الحياة ومظاهرها قبل أن ~~يصاهرها، وأن يشقى ويسعد قبل أن يزف إلى العالم بنات شعره، ينبغي له أن يذوق حلاوة ~~الكأس ومرارتها قبل أن يطلق خياله من قفص النفس. وإن الفرق بين شعر ينظم في رابعة ~~النهار مثلا والدم فاتر بليد وشعر يصبه الشاعر نصف الليل من جنان ذائب ملتهب ~~لكالفرق بين بركة ماء عكراء وسلسبيل جار في مروج خضراء. # أجل إن الفرق بين الشاعر الذي يخلو في غرفته ويقول: لنحب كقيس أو كجميل لننظم القصائد ~~الغزلية، لنتحمس كعنترة أو كالمتنبي لننظم ms109 القصائد الفخرية # الفرق بين هذا الناظم والشاعر الذي يخوض عباب الحياة فيحب حبا حقيقيا وينصر الحق ~~فعلا فيناضل عنه بيراعه وبلسانه وبعمله هو كالفرق بين الأزهار التي نربيها في بيوت ~~الزجاج وتلك التي تنبت وتنور في الحقول عملا بناموس الله. الأول يتغذى مما هو هو صناعي ~~كاذب قبيح والثاني مما هو طبيعي حقيقي صحيح، شعر الأول تمثال من الشمع أو باقة ورد ~~صناعية، وشعر الثاني هو الحياة الشعرية بعينها. # والذي ظهر لي مما أنشدنيه صديقي ابن سهل هو أن في ديوانه قد يتبع الربيع الشتاء، وقد ~~لا يكون فيه من الصيف غير الهجير، فقد زرع المسكين ولكنه لم يحصد؛ ولذلك كانت كأسه مرة ~~للغاية، ولكن المر هذا يستحيل في نفس الشاعر شرابا لطيفا يلذ طعمه ويسكر شذاه، وخريره ~~بين حصى الأشجان يطرب الولهان، ولا يفوتنك أن الشاعر هو الداء والدواء والمداوي، فإذا ~~شرب كأس الصبابة والشوق والصد وهام على وجهه بضعة أيام يمزج لنفسه بعدئذ كأسا أخرى ~~من شعره فيشربه مسرورا فيزيل مذاق الكأس الأولى، وما أشقى العاشق وأجمله وقد استلقى ~~على مضجعه نشوان من هذه الكأس الأخيرة التي مزجتها له يد الخيال لتداوي جروحات حبه، ~~وعند قراءتي ابن سهل خيل لي أن جروحاته لم تزل تدمي في قصائده. # لنعد إلى رحلتنا، فلما وصلنا إلى الرابية ~~الظليلة في أصيل النهار رميت بنفسي إلى الأرض البنية الناعمة تحت صنوبرة شامخة ووقف ~~صديقي الكئيب بين يدي، ولكن جمال الطبيعة أمامنا وطيب عرف الصنوبر الغض حولنا والهواء ~~الشرقي الذي جاء من السهول مارا فوق صنين، والسنونو الذي كان يغرد في بستان من ~~الزيتون قريب منا والجنادب التي ملأت الغاب بصريرها؛ كل هذه - وهي أبيات قليلة من ~~القصيدة التي ينظمها الله - أنستني في البدء صديقي، صرفت نظري وسمعي عما كان ينشده بشر ~~مثلي. # ولكنني بعد أن استلقيت على الأرض مستريحا ومستروحا واستنشقت الهواء الذي يمر في ~~البساتين والأحراج فيجني من طيب شذاها مثلما يجني النحل من الأزهار، وبكلمة أخرى: بعد ~~أن قرأت بضعة أبيات ms110 من قصيدة الله الجميلة عدت فقرأت قصيدة من ديوان ابن سهل، نعم إن ~~بين شعر الأول - عز وجل - وشعر الثاني مراحل كبيرة، ولكنه يستحق أن يقرأ هذا بعد ذاك ~~ولو ذهبت الموازنة بكثير من حسناته. # فبعد أن ترى إذن كيف أغصان الصنوبر تخفق حين يمر عليها النسيم وكيف تتصاعد منها ~~الزفرات حين يلاعبها الهواء اقرأ هذه الأبيات: # يعارض قلبي بالخفوق وشاحه # ويحكي امتدادا زفرتي ليل صده ~~••• # وجاء لتوديعي فقلت اتئد فقد # مشت لك نفسي في الزفير المصعد ~~••• # روض حرمت ثماره وقصائدي # من ورقه والآس نبت عذاره # أليس في هذه الأبيات شيء من أنفاس الطبيعة، ناهيك بما فيها من الخفة واللطف ~~والشعور؟ # ثم مثل لنفسك الفراشة الملونة الجميلة التي تتنقل في الشمس على الرياحين، وتختفي ~~بين الأدغال واقرأ هذين البيتين: # يسائلني من أي دين مداعبا # وشمل اعتقادي في هواه مبدد # فؤادي حنيفي ولكن مقلتي # مجوسية من خده النار تعبد # أليس فيهما خفة الفراشة وجمالها ولطف حركتها واختيالها؟ # واقرأ إن شئت أيضا: # أهواه حتى العين تألف سهدها # فيه وتطرب بالسقام جوارحي ~~••• # بخده لفؤادي نسبة عجب # كلاهما أبدا يدمي من النظر ~~••• # أخشى عليك الفيض من أدمعي # وأنت في عيني كما تدري # فحقا إن صديقي الأندلسي كثير الدموع وكنت أود أن أنقل للقارئ غير هذه الأبيات ~~أيضا، ولكنني أكتفي بالإشارة الآن إلى أبياته الجميلة عن الربيع وقصيدته المشهورة ~~بمطلعها - سل في الظلام أخاك البدر عن سهري. # | الثورة الإفرنسية1 # لو قصد المؤرخ أن يطالع كل ما كتب عن الثورة الإفرنسية في اللغتين الإفرنسية ~~والإنكليزية فقط لصرف زمانه كله في المطالعة، بل إنه يموت دون أن يتمم هذا العمل ~~الخطير غير المفيد، وقد انقسم مؤرخو الثورة إلى قسمين فمنهم من تحرى سرد الحوادث دون ~~تحزب وتحيز، ومنهم من ألحق بكل حادثة نتفا من فلسفته السياسية الخصوصية، فندد بحزب ~~ونصر آخر وكان إما ملكيا أو جمهوريا. # أما كارليل الكاتب الإنكليزي الشهير فقد حاد عن الخطين في كتابه المسمى «تاريخ الثورة ~~الإفرنسية» فهو لا يطرئ الجمهوريين كهيوغو ولا ms111 يندد بهم كتيارس ولا يتحامل على الملكية ~~بانتقاده أكثر مما لو كانت حكومة جمهورية. بل أراد في تاريخه هذا أن يكون خالي الغرض ~~غير متحيز لحزب من الأحزاب. ولكن نيته هذه الحميدة أوقعته في الفتور الذي لا يسلم فيه ~~صاحبه من عدم الاكتراث والشك، ومن كلف نفسه قراءة شيء من تآليف كارليل العديدة يبان له ~~بعد قليل من التفكر أن الرجل عصبي المزاج أسير السويداء والتخمة، وقد كان مصابا بداء ~~آخر أهم من الاثنين لا فائدة من ذكره في هذا الصدد، وأن نتيجة هذه العوارض الخبيثة ~~تنجلي دائما في كتاباته في شكل من التهكم فظيع والكتاب الذي نحن بصدده الآن مفعم ~~بمثل هذا الازدراء والسخرية. ومعلوم عند الناقدين أن هذا الأسلوب لا يليق في سرد ~~التاريخ فهو كثيرا ما يشوش المعنى الحقيقي، ويجعل القصة البسيطة متشعبة متلونة غامضة ~~لا يستطيع القارئ فهمها دون أن يجردها من ثوبها المزخرف الكثير الألوان. # ليس من العدل إذا أن يدعى هذا التأليف تاريخا؛ فهو خال من الاعتقاد والرأي في ~~الحوادث التي يسبرها، ومفعم بوساوس الفيلسوف العديدة التي تروقنا في بقية مؤلفاته ~~وتزعجنا في كتاب دعاه تاريخا. كتاب يفتقر إلى روح جدية لترفعه من طبقة الخلقيات إلى ~~طبقة العقليات، ولا نقدر أن ندعو الكتاب رواية؛ لأن فصوله غير متصلة بعضها ببعض إذ نقرأ ~~كل فصل بذاته ولا تتولد فينا رغبة معرفة السابق واللاحق. # فالكتاب إذا مجموع مقالات متفرقة في حوادث الثورة الإفرنسية ورجالها، مسطرة على ~~قرطاس الفتور والشك بيراعة التهكم والازدراء، ولا رأي خصوصي له في تلك الحوادث وأولئك ~~الزعماء سوى أنه ينصر تارة الكل وطورا يقاوم الكل، وهذه هي المزية التي خدعت ~~الناقدين في زمن كارليل فأنزلوا كتابه هذا منزلة التاريخ في الوقت الذي يجب أن يعد ~~في كتب الخلقيات والوصف، كيف لا ومزاج المؤلف العصبي ظاهر في كل صفحة من الكتاب، فهو ~~يقيس كل حادثة ويحكم على كل فرد له علاقة في هذه الفتنة الهائلة بمقتضى هذا المزاج ~~المركب من السويداء والتخمة والتهكم. ms112 # ولسنا من الذين ينكرون على الكاتب حق التهكم في الأحايين؛ إذ إننا نعتقد بصلاحية هذا ~~الأسلوب ونعده من الظرائف الجدلية الفعالة التي يقاوم بها الكاتب كل سخيف سقيم، ~~أما تهكم كارليل فحاد إذا خف، وفظ إذا اشتد. وبينا نحن نطالع هذا الكتاب لم ~~نتمالك أن أعدنا الفكرة إلى ما كنا نطالعه من نفثات فولتر فإننا نرى بين مؤلفين نابغتين ~~الواحد منهما لاتيني والآخر سكسوني شبها عظيما من حيث أسلوب الكتابة السخري الذي ~~استخدماه في مقاتلة الفساد والظلم والخرافة، ولكن أين تهكم الإنكليزي الكالح الجاف من ~~تهكم الإفرنسي الوضاح المنير، فهذا شبيه ببركان وذاك بمرض عضال مزمن، هذا يهلك ما يلقاه ~~عاجلا وذاك يدخل جسم الفساد والخرافة فيضعفه ويلاشيه تدريجيا. فضلا عن أن تهكم ~~كارليل خال من الذكاء الذي يزين تهكم فولتر، كان كارليل يرعد إذا غضب ويمطر، وأما ~~فولتر فكان يبتسم ابتسامته المشهورة ويسير بهدوء إلى غايته المطلوبة. # لنعد الآن إلى الكتاب الذي نحن بصدده، أراد المؤلف ألا يتحيز في تاريخه، وأن يكون مع ~~الحق أينما وجد، سواء كان في جانب زعماء الثورة أو حول عرش الحكومة القديمة، ولكن ~~رغبته هذه أدت به إلى الفتور وعدم الاكتراث. والحق يقال إن من لا يكترث لحادثة ما لا ~~يستطيع أن يكتب عنها بدقة وإصابة وإخلاص. وكارليل يبحث عن أكبر حادثة في العالم كما ~~تبحث صحف الأخبار عن جريمة بيتية أو حادثة خصوصية يزول أثرها بعد أن يقرأ خبرها، فهو ~~أبدا يفتش عن الحوادث الطفيفة التي كان الأحرى بها أن تدون في الروايات الغرامية، ~~ويستنتج منها نتائج عمومية فاسدة ويصور من هذه صورا خيالية فظيعة يسأم هو منها في ~~النهاية ويرفع يديه إلى السماء صارخا «أممكن أن تخلق ربي مثل هذا الشعب.» # وهل دعوة الإفرنسيس يا ترى خالية من الحقيقة وهل الثورة بذاتها نهضة فاسدة مضللة، ~~وكيف يتملص الكاتب الفاتر المشكك من لوم الناس الذين حاربوا الثورة أو نصروها وبعض ~~بنيهم وأحفادهم لم يزالوا حتى يومنا هذا يقاومون نتائجها وبعضهم ينصرونها، فلو كانت ms113 ~~فاسدة على الإطلاق لأمحت آثارها بعد مئة سنة من الزمان. نحن من الذين قالوا بعدم ~~الاكتراث في بعض المسائل الدينية التي لا تولد إلا النزاع والشقاق، ولكن الوقت لم يحن ~~لنبذ الحماسة السياسية والغيرة القومية، فالمرء الذي لا يكترث لأمور حكومته يعد ~~خاملا والكاتب الذي لا يجد خيرا في أي نوع من الحكومات يعد فوضويا. # إن الحقيقة التي نفصلها عن أخواتها، عن أسبابها ونتائجها، وندونها معتزلة مستقلة ~~كثيرا ما تغش المؤلف وتضر بالغاية الأصلية التي ينبغي أن تظل نصب عينيه، أما الثورة ~~في رأي كارليل فلا سابق ولا لاحق لها، هي فلتة اجتماعية لا سبب لها ولا نتيجة هي ضربة ~~من ضربات الله، هي مصيبة من مصائب الزمان، هي بنت الصدفة التي نشأت عنها وماتت فيها هي ~~حادثة معتزلة عن حياة البشر السابقة وعن مستقبلهم. إن عددا من الناس ينتسبون إلى بلاد ~~تدعى فرنسا قاموا في وقت من الزمن فهاجوا وماجوا وحدث بينهم شغب عظيم وقتال من أجل ~~قوانين ونظامات سياسية جمعوها فلقبوها بالقانون الأساسي، ومن ثم أهلك بعضهم بعضا ~~وختموا القانون بدمائهم وعادت الأشياء إلى عالم النسيان إلى ظلمات الزوال. هذا كل ما ~~يراه كارليل في الثورة الإفرنسية، فهو لا يكلف نفسه النظر في البواعث التي من أجلها ~~سفكت دماء الألوف من الناس، ومع ذلك هو يحاول إظهار الفاسد من الصحيح فيها، وكيف ~~يستطيع الكاتب أن يحكم على أحوال أمة في عصر لم يكن هو منه بعد أن أهمل التنقيب في ~~تاريخ الأمة الماضي وفي أخلاق الشعب وأحواله السياسية والزراعية والتجارية. # قد أوجب الأقدمون على المؤرخين إبداء الحكم في كل قضية يدونونها وأقاموهم مقام ~~القضاة، وبعد أن يدون المؤرخ الحوادث بدقة وإخلاص يمحص الصحيح من الفاسد، ويستنتج من ~~ذلك نتيجة تسوغ له وضع قاعدة أدبية فيها نور وهدى للأجيال المقبلة. وقد قام كارليل ~~ببعض هذا الواجب في تدوين الحوادث غير أنه أغفل أمرا جوهريا، هو ذكر السبب الرئيسي ~~الذي نشأت عنه الثورة، فهو لا يرى فيها عملا واحدا يستحق ms114 الشكر إذا ذكر، ولكن حادثة ~~واحدة فظيعة لا تقدح في نهضة عمومية خطيرة وإن تعددت هذه الحوادث المرعبة فالنظر إليها ~~وإلى أسبابها الأولية معا لأمر واجب على المؤرخ. # إن صلب المسيح بالنظر إلى مصلحة الشعب الإسرائيلي عادل في الظاهر وبالنسبة إلى ~~البشرية هو جائر فظيع. أما الحادث هذا وحده لا معنى له ولا أهمية. # وإن من يقرأ سجلات الحكومة الإفرنسية، ومعلومات السياسيين والكتاب الذين شاهدوا ~~الحوادث وكانت لهم يد فيها؛ يبالغ - لا شك - في التعنيف والتنديد بما يدعى «دور الهول» ~~إذا أغفل الغاية الرئيسية التي بسببها ومن أجلها تأسس. # ومن كان نظير كارليل سريع التأثر صعب المراس حاد المزاج يحكم على الحوادث هذه ~~بالنسبة إلى انفعالات نفسه لا بالنسبة إلى الظروف التي نشأت عنها؛ ولذلك لا نرى في ~~كتابه إلا مجموعة قصائد مدح وفخر وهجو ورثاء قلت مجموعة قصائد؛ لأن في أسلوب نثره ~~جمال الشعر وزخرفه، فهو يسير منشدا وراء عربة المنتصرين وباكيا في موكب المنهزمين، ~~يرفع اليوم قوس نصر للقوة المادية ويبني في الغد مذبحا للشفقة والحنان، وبين هذه ~~المتناقضات يصبح القارئ حائرا تائها، كيف لا وهو يتوقع من المؤرخ أكثر مما يتوقعه من ~~الشاعر. نريد أن نعرف كيف تخفض آلام البشر وشقاؤهم، لا كيف أن نندب هذا الشقاء ~~ونرثيه. # إن في حياة الأجيال الماضية أمثولة للأجيال الحاضرة والمقبلة، والمؤرخ الذي لا يظهر ~~هذه الأمثولة فيلهو عنها في وصف البؤس والشقاء لا يخفض شقاءنا ولا يعلمنا شيئا. إن في ~~أعمالنا اليوم أمثولة ثمينة لأبناء الغد هي الكنز الوحيد الدائم الذي يرثه عنا الخلف ~~بواسطة التاريخ، ومن واجبات المؤرخ المحافظة على هذا الكنز الثمين بعد الوقوف عليه ~~وإذا كان ضائعا بين أنقاض الثورات والحروب أو مختفيا في بحار الأهواء والتعصب عليه أن ~~يفتش عنه بصبر وعناء وينيره في الناس مصباح هدى وسلام. # إن الحلقة التي تصل الماضي بالمستقبل هي حلقة الترقي الدائم مما كان إلى ما سيكون، ~~والحوادث التي تتخللها هي حلقات بعضها يشتبك ببعض، وليست متفرقة متشتتة كما يزعم ms115 ~~كارليل والمؤرخ الذي يكمل سلسلة الترقي أو بالحري يزيد في توثيقها يخدم الناس خدمة ~~حقيقية، ولكن كارليل لا يعتقد بحياة جامعة شاملة، حياة روحية دائمة يتصل آخرها بأولها # 2 # بل هو شديد الاعتقاد بالتفرد والإفراد وقد قال مرارا إن تاريخ العالم هو ~~تاريخ عظماء الناس، على أن الفرد إنما هو صوت واحد ينطق باسم ملايين من الناس الصامتين، ~~فالرجل العظيم إنما هو عظيم بشعبه لا بنفسه، هو يستمد معظم قوته مما يحيط به من ~~الأشياء والظروف والرجال، هو خاضع كأصغر الناس لناموس الترقي الدائم الأزلي، بل هو ~~صنيعة هذا الناموس وخادمه المخلص علم ذلك أو جهله، فلو ولد نابليون في بلاد الصين مثلا ~~وعاش فيها لما كنا نعرفه الآن، ورب قائل: لو ولد نابليون هناك هل كانت حصلت فرنسا على ~~المجد الذي أكسبها إياه؟ أجيب بالإيجاب؛ إذ لو لم يولد نابليون فيها لنشأ غيره، وهذا ما ~~يجعلني شديد التمسك بما يدعى ناموس الترقي الدائم الذي يقضي بوجود رجل عظيم كل فترة ~~من الزمن لتأييد هذا الناموس وتعزيزه. # إن القنوط والشك واليأس والفتور كلها طبائع تظهر في كل صفحة من هذا التاريخ وفي ~~أسلوب إنشائه الجميل الفخيم، وقد قلت: إن كارليل هو أشبه بالشاعر مما هو بالمؤرخ، ~~والشاعر لا يكون أستاذا في الاقتصاد السياسي ولا فيلسوفا في العمران، فهو إذا قرأ ~~سجلات الحكومة الإفرنسية ومعلومات من شاهدوا الثورة يثور ثائره الشعري، فيحصل فيه ~~انفجار أشبه بالبركان، ويدهمنا بحمم تحرق ولا تنير، فتسود منها آفاق البصيرة وتظهر ~~أشباح أبطال الثورة التي يصفها وهي تتهادى في الظلمة غير المتناهية، ولكن ما هي غاية ~~هذه الأشباح وما هو غرضها. ولماذا أشغلت فكر كارليل فألف فيها مجلدين ضخمين ألأنها ~~كانت تندب وتنوح عبثا، وتقاتل وتحارب باطلا، وتصيح وتنادي دون غاية ودون مرمى؟ ماذا ~~فعلت هذه الأشباح؟ أكلها الزمان فتلاشت من ذاكرة الإنسان، بلعتها الظلمات فأمحت ~~من لوح الحياة. # هذا جواب كارليل وزبدة فلسفته المختبئة في أكمام الفصاحة وأشواك البيان، وبناء على ~~ذلك لا يحق لتأليفه ms116 أن يدعى تاريخا، وإنما هو ملحق تصويري لتاريخ الثورة ~~الإفرنسية، وإن فصوله لأشبه بصور رسمتها يد ماهرة، صور تساعدنا على الدخول ~~إلى تاريخ الثورة الجدي ولكن لا تنبئنا به كثيرا، فهي من هذا القبيل أشبه بالصور ~~التي تزين بها الروايات التاريخية، تحملنا إلى بعض ما يقصده الكاتب ولا تكشف لنا ~~الستار عن القصة بكاملها. # ومن وجهة فلسفية يمكننا أن نقول: إن المؤرخين اثنان الأول يعتقد بالنشوء والارتقاء ~~الاجتماعي بالترقي الدائم بالصعود المستمر، والثاني لا يعتقد بشيء من هذا. فلسفة ذاك في ~~العمران شبيهة بخط مستقيم عمودي، وفلسفة هذا بالدائرة. صعود البشر في رأي الأول ~~دائم مستمر، وفي رأي الثاني محدود تصل الشعوب فيه إلى نقطة لا يستطيعون أن ~~يتجاوزوها، فيهبطون عائدين إلى الهوة التي خرجوا منها، وهم في هذا يشبهون الحية التي ~~تأكل ذنبها. ومثل هذا المؤرخ الذي لا يكترث في الأشياء ولا يحترم روح التاريخ ولا ~~ينظر إلى ما وراء الحوادث يجرد على الفساد سلاح التهكم والازدراء ولا يفوز بغير الهدم ~~والتدمير. ومثال ذلك أن كارليل يشغل فكرته وقريحته غالبا بطفيف الحوادث وتافهها شأن ~~القصصي أو الكاتب الأخلاقي # 3 # ناهيك عن أنه لا يعتقد في تاريخه هذا بغير الزوال الدائم. # كل بيت للهدم ما تبتني الور # قاء والسيد الرفيع العماد # واللبيب اللبيب من ليس يغتر # بكون مصيره للفساد # والمؤرخ الدهري يختلف عن الفيلسوف الدهري في أن هذا يعتقد - على الأقل - بأزلية ~~المادة وخلودها وذاك لا يعتقد بخلود شيء. إنما حياة الأشياء والمخلوقات إلى أجل مسمى. ~~بل هي خيال زائل يظن ذاته حقيقة ثابتة دائمة، في مثل هذه الأقاويل يبرهن كارليل على ~~أن الثورة الإفرنسية لا تؤثر قط في تاريخ الشعوب والعمران، ولن تؤثر حتى في أحوال ~~أوروبا السياسية والاجتماعية. # وفي الفصل الثاني من الكتاب الأول يرفع الستار حتى النهاية عن فلسفته الاجتماعية ~~الدهرية، ومن يقرؤه مفكرا تنجلي له النتائج التي استخلصناها منه، وهي أن تعظيم ~~الصغائر يلذ متى كان النافخ في فقاقيعها كاتبا عظيما ككارليل، ولكن الحفول في ~~الصغائر ms117 يبعدنا عن الجوهر الحقيقي، وأن الفكر الروحي الداخلي زائل لا أزلي هو ولا خالد ~~بل هو يتغير ويتحول ويتلاشى كالمادة صحيحا كان أو فاسدا، وأن النهضات الاجتماعية ~~السياسية تظهر فجأة وصدفة لا بعد أن تنضج في خفايا الزمان، وأن الفلاسفة مخطئون على ~~الإطلاق في مبادئهم الاقتصادية وفلسفتهم الاجتماعية. # وفي بقية الفصول دليل واضح على كل هذا، وفي ما كتبه عن ميرابو بالأخص وعن ليلة رابع ~~آب دليل أنصع وأوضح. ومعلوم أن مجلس النواب ألغى في تلك الليلة الشهيرة - في ظرف ~~ساعتين من الزمن - نصف شرائع الحكومة القديمة وقوانينها. وإذا أراد القارئ أن يطلع ~~على مثال جلي طلي من تهكمه الفظ وانتقاده العنيف الشديد ليقرأ الفصول التي يصف فيها ~~فرار الملك والمحالفة الوطنية في شأن دي مار والمشاغب التي نجمت عن قلة الحنطة ~~واحتكارها. وكم مرة ردد في كتابه عن مجلس الأمة الذي نشل فرنسا من الهوة التي كادت ~~تبتلعها قوله إن «قد اجتمع أعضاء المجلس ليصلحوا قواعد الأفعال الشاذة.» # قد لا يحترم كارليل إلا القوة المادية وكثيرا يكبر نزوات الإنسان وأهوائه ويمجدها، ~~فهو لا يرى في نهضة الإفرنسيس على أرباب الظلم والظلام سوى خمسة وعشرين مليون معدة ~~فارغة وخمسة وعشرين مليونا من الألسنة الملتهبة حماسة الملتوية جنونا في عالم من ~~الفساد مضطرب مدلهم. فالخبز في مذهب كارليل هو سبب الثورة ونتيجتها هو الأول وهو ~~الآخر، وأما المؤرخ الذي يعتقد بالصعود المتواصل بالترقي الدائم فهو لا شك يرى أن ليس ~~بالخبز فقط يحيا الإنسان. # إن بين الكمالات النظرية والاختلال الحقيقي في حياتنا الاجتماعية علاقة خفية، تكاد ~~لا تنظر بالعين المجردة ولا تتجلى دقائق الحكمة فيها إلا لمن خصتهم الطبيعة بشيء من ~~البصيرة والذكاء وبنفس صافية شفافة صحيحة، تنعكس فيها الأشياء انعكاسا تاما جليا ~~صحيحا. ولا شك أن بين ما هو كائن في تصوراتنا وما هو حادث في حياتنا فرقا ظاهرا، ومع ~~ذلك فإن هذا إلا انعكاس ضعيف مختل لذاك، كأن العقل البشري اليوم أشبه بمرآة ~~مكسرة لا تنعكس فيها الأشياء كما ms118 ينبغي. وألا يجوز لنا مع ذلك أن ننفخ في الحوادث روح ~~الكمالات النفسية، فتبقى مدفونة فيها إلى أن ينشرها الزمان فتظهر ولو بعد ألوف من ~~السنين بمظهر من الحياة سام نقي جميل؟ ألا نستطيع أن نمزج القليل مما هو كائن في ~~تصوراتنا بما هو كائن حادث في حياتنا، ألا نستطيع - بكلمة أوضح - أن نزرع فيما نقص ~~وفسد من الأعمال بذور ما تعالى من الآمال، لتنبت وتنور ولو في جيل بعيد بل آت من ~~الأجيال. # هذه سؤالات يضحك منها كارليل الساخر بآمال الناس المستخف بتشوقات الروح الكمالية، ~~فهو لا يمنحنا شيئا ولا يدعونا إلى شيء ولا يؤملنا بشيء، القوة الحيوية المادية التي ~~تظهر في عظام الرجال وأبجال التاريخ إنما هذه في مذهبه كل شيء. # أنا آكلك وآخر يأكلني، براڤو! والأخير من البشر فريسة من يكون؟ # ولا نظن أن المؤلف حاول أن يضع تعليما جديدا في الثورة الإفرنسية، فالمؤرخون - كما ~~سبق القول - ينصرون الثورة أو يقاومونها، أما كارليل فشاء أن ينصرها ويقاومها معا. ~~ولكن هي التخمة وعرض بل مرض آخر ولدا فيه السويداء فأصيب بالفتور والشك وأصبح لا معها ~~ولا عليها، ولا نظنه - ولو شاء - يستطيع أن يؤسس حزبا ثالثا غير متحيز؛ لأنه في كل ما ~~كتبه عن الثورة لم يبد قط رأيا وضعيا ثابتا يتخذه الحزب دستورا لأعماله بل كان ~~كريشة في مهب الريح طوع تأثيراته وأسير وساوسه. # هل الملكية لازمة نافعة للناس، كلا، إنها مبنية على أساس فاسد، هل الجمهورية أصلح ~~منها، كلا، فهي قد نشأت من الظلمة وشيدت على جثث الملايين من العباد، إلينا إذا ~~بالفوضى، هذي هي نتيجة فلسفة غير المتحيزين من المؤرخين. # وقد علمنا التاريخ حقيقة نود لو لم تكن، وهي أن من أراد تأسيس حزب أو وضع تعليم أو ~~إنشاء ديانة؛ ينبغي له أن ينظر إلى وجه واحد من المسألة فقط، إذا شاء أن يكون صريحا في ~~رأيه حازما في قوله ثابتا في عقيدته، وبكلمة أخرى: إذا شاء أن يكون مؤسسا لحزب أو ~~تعليم أو دين ms119 ما عليه أن يكون متحزبا متعصبا مأخوذا بدعوته مهما كانت. عليه أن ~~يكون أعمى أصم في ما سوى ذلك؛ فالنفي والشك والتردد وعدم الاكتراث والفتور هذه لا ~~تؤسس ممالك وأحزابا وديانات، وهذه كلها من مزايا كارليل المشهورة، فقد أحب ألا يكون ~~متعصبا لا مع الثورة ولا لها فجاءنا بتعصب جديد خصوصي لا يضر بالحقيقة الجوهرية ~~ولا ينفعها، وقد تلذ لمن تتوق نفسه إلى الجديد من الأشياء والآراء، وبما أنه توسع في ~~الصغائر والتوافه التي تتعلق في الثورة ولذ له سردها بل نظمها في نثره الفخيم؛ فهو ~~أشبه بنور تضعضعت أشعته المرسلة في كل الجهات ولم تتعداها إلى ما وراءها من ~~الجوهريات. # وإنه لو صوب نور مصباحه إلى غرض واحد في جهة واحدة لأرانا في الزوايا شيئا من ~~الحقيقة الثابتة الدائمة. لو فعل ذلك لفاز في وضع تعليم جديد أو تأسيس حزب ثالث ينظر في ~~شئون الثورة نظر الغريب عن هذه الأرض ويقيس منافعها وأضرارها بغير مقاييس هذا ~~العالم. # أما التنديد برجال الثورة، والاستياء من النهضة بجملتها، والنفور من هولها والفرار من ~~نارها المحرقة المنيرة؛ فهذه ذنوب لا تغتفر للمؤرخ إذا اقترفها، فالطفل يولد في الألم ~~والعذاب والجمهوريات تنشأ في الثورات والحروب. الأم تتألم ساعة الولادة وكذلك ~~الأمة، يموت الإنسان والعذاب ملازمه، ويولد الطفل والألم حليفه، وكذلك الحكومات ~~بأنواعها والأمم. فلا تموت حكومة بسلام ولا تنشأ حكومة بسلام. # ولا بأس في الختام من قصة صغيرة أوردها، فقد ذكرتني بها مطالعة هذا الكتاب الذي أود ~~أن يطالعه كل من يحسن اللغة الإنكليزية من قرائي، ورب قائل: ولم تدعونا إلى ~~مطالعته بعد أن تحققت فساده وبان ذلك الضرر الذي ينجم عن اقتباس الأفكار التي جاءت ~~فيه؟ أريد أن يقرأه كل من كلف نفسه قراءة هذا البحث؛ ليستطيع أن يقابل بين الاثنين، لا ~~أريد أن يرتأي أحد رأيي دون أن يشغل قليلا فكره. لنعد الآن إلى القصة. # أراد أحد الملوك الأقدمين المولعين بالعلم أن يطلع على تاريخ الأمم فطلب أحد ~~وزرائه وأمره بتأليف - أو ms120 جمع - تاريخ عام، فذهب الوزير وغاب سنين، ثم عاد إلى الملك ~~ومعه عدد من الجمال محملة كتبا، فوقف أمام ملكه وقال: «ها هو التاريخ الذي تطلبه» ~~ولكن الملك وقد هالته أحمال الجمال أمر الوزير أن يختصر التاريخ، فغاب هذا ثانية ~~وعاد بعد سنين ومعه جمل واحد فقط يحمل التاريخ المختصر. # أما الملك فكان قد ضعف بصره ووهنت قواه فأمر الوزير أن يختصره أيضا، فغاب الوزير ~~للمرة الثالثة وعاد فرأى مليكه يتقلب على فراش الموت فلما رآه الملك قال: «آه، ثم ~~أواه سأموت قبل أن أطلع على تاريخ الأمم» فأجابه الوزير - معزيا: «لا تقل ذلك يا ~~مولاي فقد أحضرت لك مجموعة صغيرة تنبئك عن كل أعمالهم باختصار غريب، وها هي» ثم أخرج ~~الوزير من جيبه ورقة صغيرة وقرأ بصوت مرتفع: «إليك يا ملك الزمان بتاريخ شعوب الأرض ~~مختصرا: فإنهم تنفسوا فتنافسوا فعرقوا فماتوا.» # وتاريخ كارليل المقسوم إلى عشرين كتابا وكل كتاب مقسوم إلى فصول لم يفدنا عن ~~الثورة الإفرنسية أكثر مما أفاد الوزير مليكه عن تاريخ شعوب الأرض، فالأربع كلمات التي ~~تؤلف تاريخ الوزير تكفي لتأليف مثل هذا التاريخ دون أن يفوتنا منه شيء كثير. ولو شاء ~~كارليل أن يختصر لقال مع الوزير عن الإفرنسيس: «قد تنفسوا فتنافسوا فعرقوا فماتوا» ولكن ~~في الأمة الإفرنسية ما لا يموت، في الأمة الإفرنسية من نتائج الثورة العظيمة ما ~~تبقى آثاره بادية حية نامية في ترقي الأمم والناس. # | بذور للزارعين # إن حسنة واحدة تأتيها، لخير من ليال بالصلاة تحييها. # إن الأمين - وإن كان كنودا - لخير من المدغل وإن كان هجودا. # إن التعبد لفي الصالحات، لا في تتمة الصلوات. # ورب صغار يلعبون أصدق إيمانا من شيوخ يتورعون. # ورب محسنة في موبقات الوجود أصح دينا من راهبات السجود. # ورب كافر عمال للخير أحب إلى الله من راهب في الدير. # السالكون عملا وفكرا، خير من السالكين ذكرا. # أنت السالك، يا من تطابق بين أقوالك وأعمالك. # الندامة حبا بالغفران، كالإحسان حبا بالشكران. # وقد قال بلزاك: الندامة الشهرية، إنما هي ms121 خباثة أبدية. # المؤاساة خير العبادات، وممرضة تضمد جرح الشرير خير ممن يصلون من أجله. # إن روائح الأدوية عند من أحبت أن تخدم الله لأذكى من رائحة البخور. والنور الضئيل ~~المنبعث من عين المريض الذابلة لأجمل من نور الشموع في الهيكل. # بالأعمال لنخدم الله، ولنسبحه بالأعمال. ~~••• # الحكيم من وجد سعادته في عمله فلا يشغل فكره ولا يضيع وقته في التفتيش عنها في البيت ~~أو في المدينة أو في الجبال أو في قصور الوهم والخيال. ومن يتلاهى قانطا في تشريح ~~نفسه وأفكاره ليقف على أسباب بؤسه وشدته كمن يزرع غصنا من الورد ويقتلعه كل يوم ~~ليستطلع حال نموه. غصن نفسك تعهده بالتربية بدل أن تقتلعه صباحا ومساء لترى ما ~~إذا كانت ظهرت فيه جذور السعادة أم لا، عملك واظب عليه فتنسى أنك سعيد، وهذا لعمري ~~السعادة بعينها. ~~••• # كل عمل يساعد على نمو قوى الإنسان الحيوية وحفظها - جسدية كانت أو عقلية أو روحية - ~~وعلى حصر لوازم الحياة فيما يتطلبه الناموس الطبيعي فقط؛ هو عمل صالح شريف. ~~••• # الحكيم من صار إلى غرضه دون أن يلوي على شيء مما حوله من أشواك الضغائن والأحقاد، ~~ومن أشباح اللؤم والفساد. سر أخي في أمان ولا تقف بعد أن تخطو الخطوة الأولى، لا ~~تقف فتسبق، ولا تتلفت وراءك فتسقط، نحن في زمن قد يكون الوقوف فيه تقهقرا، سر في ~~أمان الله وخذ هذا البيت من الشعر ردده في طريقك كلما اجتزت عقبة من العقبات. # وما تجهمني ليل ولا بلد # ولا تكائدني عن حاجتي سفر # العمل هو يد السعادة اليمنى ويدها اليسرى الاقتصاد. ~~••• # لتكن غايتك أكبر من مقدرتك فيصبح عملك اليوم أحسن من عملك البارح وعمل الغد أحسن ~~من عمل اليوم. ~~••• # الفضيلة الكبرى في الأعمال هي أن يكون كل عمل بذاته الغاية والواسطة، أن تكون ~~لذته فيه لا في نتيجته. ~~••• # السر في النجاح في أي عمل كان هو أن تقضي نصف وقتك مفكرا ونصفه عاملا فتعرف - إذ ~~ذاك - غرضك وتسير توا إليه، تعرف - إذ ذاك - الطريق القويمة إلى محجتك ms122 فتسلكها، وكم ~~أناس يفشلون؛ لأنهم لا يعرفون حق المعرفة محجتهم أو لا يهتدون إذا عرفوها إلى أقرب ~~وأقوم الطرق إليها. فهم ينكتون في التراب كالدجاج ويكثرون من الحركة التي لا بركة فيها ~~ومن الصياح الذي يجفل أطيار الفلاح، فيثيرون الغبار ويزعجون الجيران. والجوهرة التي ~~يطلبونها تختفي أثناء ذلك تحت التراب الذي ينكتون فيه ويصيحون، فلو عملوا كالحكماء لا ~~كالدجاج فبحثوا على مهلهم مفكرين لما كانوا يزعجون أحدا بغبارهم وصياحهم، ولما كانت ~~حركتهم قليلة البركة، لو فتحوا عيونهم وتبصروا لما كانوا يدوسون بأرجلهم الجوهرة التي ~~يطلبونها. # إن مظاهر الحياة وحدودها عند الغربيين اليوم لواضحة جلية، ولا ظل يصل طرفي البياض ~~والسواد في حالهم الاجتماعية، لا غسق يصل ليلهم بنهارهم ولا طريق تجمع بين عمرانهم ~~ودمارهم. فهذه عندهم منطقة الغناء، وتلك منطقة الفقر والشقاء، هذه سهول العمل ~~والتجارة، وتلك حزون البطالة والقذارة، هنا فريق العلماء والحكماء، وهناك جموع ~~خيم عليهم الجهل والتعصب والبلاء. فالفقير عندهم هو الفقر مجسدا، والغني هو الغناء ~~موحدا. والغريب في أمر فقرهم وغنائهم هو أن البقرات العجاف اللاتي تأكلهن البقرات ~~السمان كل يوم يتضاعفن بالنسبة إلى تعدي هؤلاء عليهن. # هذه حال الغربيين النازعين اليوم إلى الاشتراكية وأما حالنا فليلنا لا يعرف من ~~نهارنا، وعمراننا لا ينفصل عن دمارنا، إنما نحن ظل الأشياء لا فقر عندنا ولا غناء، ولا ~~علم يذكر ولا جهل، ولا عمال ولا بطالة. غريب أمر الشرقيين، فما هم في حياتهم سوى حرف ~~وصل بين الأضداد. وقد تكون هذه حقيقة الحياة وقد يكون الحق في جانبنا، ولكنا إزاء ~~الغربيين الذين بدءوا يزاحموننا في أرضنا نؤكل لا محال كما توكل عندهم البقرات العجاف ~~كل يوم إذا كنا لا نخرج من ظل الأشياء ونشمر عن ساعد الجد والعناء. ~~••• # إن البلاء لمستقر، في جهاد الإنسان المستمر. # إن رأس الشقاء البشري، في هذا الازدحام الحضري. # أحب في صديقي الإباءة أكثر من المروءة، أحب منه الأنفة وإن كان فيها عنيفا، ولا أحب ~~الصغارة وإن كان فيها لطيفا. # الصديق الأبي الأنوف وإن ms123 جمد وجه وداده خير ممن يقبلك متشوقا كل مرة يراك وقلبه ~~كتربة أجداده. # الحر الكريم يظل صديقك وإن عاداك، والخسيس اللئيم هو عدوك وإن والاك. # لا تدقق في درس أخلاق صديقك «وفتلته»، إن كنت تطمع في دوام محبته. # لا تتوقع من صديقك أن ينصرك إذا كنت مخطئا، ولا أن يجد بأمرك إذا كنت فيه ~~بطيئا. ~~••• # الصداقة الحقيقية مثل كل عمل عظيم هي التي يشترك فيها القلب والعقل والضمير. فالشعور ~~- إذ ذاك - يكون غذاءها، والإدراك مصباحها، والعدل ميزان الاثنين. وإن رجحت إحدى كفتي ~~الميزان فمسير الصداقة إلى الامتهان، وتصبح أخيرا كعروس الشعر أو كبنت الخوان، أي: ~~أنها تصير إما خيالية وإما مادية، فتعيش يومها مشوهة إما في الحواس وإما في الأوهام، ~~وفي كلا الحالين لا عدل ولا لذة فيها للصديقين. ~~••• # الحياة مضيق بين أبديتين، ووميض برق بين غيمتين غامضتين. # إذا تخاصم من أصدقائك اثنان، لا تسبق في الإصلاح بينهما الزمان، فهو للعداء خير دواء. ~~وإن عاقبة الإسراع في وصل حبل الوداد هي غالبا كعاقبة الجرح المندمل على فساد. ~~••• # أشرف الحب حب من لا يدعك تشعر بولائه، قبل انقضائه، فهو لا ينقدك وداده في السراء ~~ليتقاضاكه مع الفائدة في الضراء. ~~••• # شر الأصدقاء صديق لا يعتبرك من أكفائه، فإن ظن نفسه أكبر منك يهينك في حبه وتقلبه، ~~وإن كان أصغر منك يغيظك في تودده وتحببه. ~~••• # أحب من الجمال ما كان فيه شيء من القباحة، ومن الحركة في الجمال ما كان فيها كياسة ~~وملاحة، ومن السكوت في الجمال ما كان فيه كثير من الفصاحة. # أفضل أن أشاهد كل يوم عشر مرات سحنة منكرة وفيها بهاء وغرابة وذكاء، على أن أرى ~~مرة في الشهر طلعة جميلة خاسئة والنفس فيها جدباء. ~~••• # من نهج لحاجاته المادية وغاياته الدنيوية منهج التدين والورع الكاذب والرياء ~~والتنطع كان بعيدا عن الدين وعن الله بعد هذه الأرض عن أبعد السيارات من ~~الشمس. # الدين الحقيقي ما أنار القلب من الإنسان والضمير، فيهديه في الحياة الدنيا خير ~~طريق إلى خير الأبواب في الآخرة. ms124 ومتى كان ضمير جاري كنور الشمس حيا نقيا، وقلبه ~~كوردة تفتح في الفجر لتستقبل ندى السماء لا فرق - إذ ذاك - عندي إن ذكر مع الدراويش أو ~~سجد مع اليسوعيين أو اغتسل في نهر القنج مع البوذيين، فهو المؤمن الحقيقي، هو الصادق في ~~دينه، هو رجل الله الأمين. ~~••• # بحث الفلاسفة الأولون في الكون والحياة فبدءوا بأبحاثهم من العلة إلى المعلول من ~~المركب إلى البسيط من الأعلى إلى الأدنى. بحثوا فعللوا، فاعتلوا، فماتوا وما أورثوا ~~العالم سوى الأوهام والشكوك. وعلماء اليوم يقلبون الآية فيبحثون في الحشرات والجواهر ~~الحية والمكروبات؛ ابتغاء الوصول إلى ما بدأ به فلاسفة الماضي. # وهؤلاء يحللون ويركبون ويعللون، فيعتلون، فيموتون قبل أن يصلوا إلى ما يزيل شيئا من ~~الأوهام والشكوك. والنتيجة إذا واحدة إن صعدنا من الأدنى إلى الأعلى أو سقطنا من ~~الأعلى إلى الأدنى، الكون كيفما نظر إليه العالم يظل فوق علمه. إن هذا السر العظيم وإن ~~رصدت نجومه بالتسلكوب أو روقبت جواهره الحية بالمكرسكوب أو تحللت أنواره وألوانه ~~بالسبكتريسكوب يظل سرا عظيما، يموت راعي الغنم فيه كموت سقراط أو سبنسر. وسكوت ~~القبور يناجي سكوت النجوم، والإنسان بينهما خيال يزول. # المتعصب على رأس الأشهاد وإن كان من طبقة واطية من الحيوانات الناطقة هو خير من ~~متعصب يتظاهر بالتساهل. # المتعصبون فصيلة غريبة من الحيوانات ذوات الاثنين، ومثل سائر الفصائل الحيوانية فيها ~~أنواع وأشكال. وأهم ما هو معروف منها اليوم ما كان كالثعلب أو كالذئب أو كالبزاقة أو ~~كالعقاب، فالأول جبان يتعصب في ظلام الليل، ويخاف في ضياء القمر خيال ذنبه. ~~والثاني يفترسك ويفترسني - لو كان بإمكانه - إن كنا لا نرى ما يراه أو لا نصلي وراه. ~~والثالث لا يهمه من العالم سوى صدفته ونقطة المطر التي يبل فيها قرنه «وحافة» القديس ~~الذي يلتجئ إليها من نور الشمس، وما سوى ذلك فهو لا يدرك شيئا من وجوده أو مما فوق أو ~~تحت وجوده. والرابع يظل في الفضاء مترفعا مترفضا إلى أن يشتم رائحة الجثة ~~فينقض عليها كما لو كانت من ms125 المن والسلوى. وهناك نوع آخر قديم العهد ... فهمت معنى ~~إشارتك وسأقف عند هذا الحد في التفصيل ... على أن ذاك المخلوق الشريف الجبار الذي يتعصب ~~لحق الله ودين الله، فوا أسفاه! ... قد انقرض نوعه من زمن طويل ولم يعد لك أن ترى منه إلا ~~العظام في الأنتكخانة. ~~••• # الناس أشباح تحركها الأغراض والأهواء، وتتقاذفها في بحار الحب والبغض الرياح ~~والأنواء. # الدين دينان، دين نظري ودين عملي، فالدين النظري إنما هو رغبة الإنسان في دوام ~~الحياة الروحية، وخشوعه أمام سر الأسرار العظيم، وإدراكه أن هناك صلة خفية تربطه ~~بأبديتين إلهيتين، أبدية وراء المهد وأبدية وراء اللحد. والدين العملي الحي إنما هو ~~العمل بنواميس الطبيعة، أي: شرائع الله المنطبعة على لوح قلب كل إنسان، فإن كنت يا أخي ~~من الذين يتقون الله فلست إذا من الخاسرين، ضع آمالك في هذه النجوم فوق رأسك، وفي ~~هذه القبور تحت قدميك وسر في طريقك يا أخي ولا تبال، لا تبال بمن يتجنون عليك باسم ~~الدين ويهددونك بغضب السماء وبنار الجحيم إذا كنت لا تعمل بتقاليدهم ولا تسجد لأصنامهم ~~ولا تتمتم صلواتهم، سر في طريقك ولا تبال. أما إذا كنت لا تستطيع أن تعزز جانب ~~نفسك وحريتك فتنصر الحق على الباطل في كل وقت ومكان وفي أي حال كان، إذا كنت لا تستطيع ~~أن تحافظ على نور الله في قلبك وعلى عدل الله في ضميرك فالأوفق لك أن تعود إلى القطيع ~~الذي انفصلت عنه، عد إلى الحظيرة التي خرجت منها، فكلب الخراف هناك يحميك - في ~~الأقل - من ذئاب الدهريين. ~~••• # إن في وفيك شيئا من السديم وشيئا مما وراء السديم، بل في وفيك سر أبدي عظيم، ~~لا يكشف الحديث من العلم غامضه ولا القديم. # الجرذان في قبوك لا يعرفون ما إذا كان القبو ثابتا إلى الأبد أو إلى حين، ولا يعرفون ~~من شيده ولماذا، إنما هم يعيشون في زاوية منه أو بالحري في ظلماته، فيجدون في ~~طلب رزقهم، ويدافعون عن أنفسهم، ويهربون من وجه الحيوانات المتسلطة عليهم، فيضاعفون ~~نسلهم ms126 ويضاعفون في ذلك عذابك. هذه زبدة حياتهم ومصلها في القبو الذي بنيته لنفسك لا ~~لهم. والبشر في هذه السيارة الصغيرة التي تدعى الأرض إنما هم - جل شأنك - كالجرذان، ~~فإننا نعمل كأحقر المخلوقات في الظلمات، ولا نعرف ما إذا كان العالم ثابتا إلى الأبد ~~أو إلى حين، ولا نعرف الغاية التي من أجلها شيد هذا القبو الذي يدعى الأرض ولا ~~الغاية من وجودنا فيه، ناهيك عن قصد البناء العظيم الذي ... هس! إنما نحن ~~كالجرذان. ~~••• # على الأديب أن يبدأ بنفسه فيؤدبها بعلمه، وكم نقرأ في الجرائد اليوم من النصح ~~والإرشاد والتنديد والانتقاد، فلا نكاد ننتهي من قراءة المقالة حتى نقف مدهوشين عند اسم ~~كاتبها العظيم، ما شاء الله! وما ضر هذا الناقد الناصح المرشد لو اختلى في بيته وقفل ~~الباب جيدا وسد النوافذ بالقطن أو بورق الخرنوب وبدأ بنفسه؟ أما ينبغي أن تسمع أذنه ~~صوته ويشعر ضميره بما يجترئ عليه قلمه؟ أعوذ بالرب الأحد من حارض نقد، ومن النفاثات في ~~العقد! # لكل نوع من المادة مزية لا تنفصل عنه، لكل نوع منها فضيلة من شأنها الصعود من ~~الأوطى إلى الأعلى. فالغاز مثلا يتبدد فيتجمد في الفضاء، والماء يتبخر فيتكون ~~غيوما، والأزوت يحل في النبات فينمو ورقا وأزهارا وثمارا، ويحل في ذوات الأربع ~~فتتنفس وتنشأ وتمشي، ويحل في الإنسان. وهذي هي العقدة التي لا يحلها عقل الفيلسوف ولا ~~يقطعها سيف الإسكندر، فإن كان في الأزوت جرثومة الفكر والخيال هل تكون هذه الجرثومة ~~كامنة يا ترى في أوراق الشجر وفي غريزة الحيوان كما تظهر نتائجها في حياة ~~الإنسان؟ ~~••• # إن الغناء الحقيقي لفي الأشياء التي يستطيع المرء أن يستغني عنها، وسأتولى بنفسي ~~شرح الآية هذه المرة. إذا كنت فقيرا ولم يكن لي رغبة في نوافل العيش وكشاكشه كالعربات ~~والخيل المطهمة والطنافس والرياش ودواعي الرفاه كلها فأنا - إذا - الغني. وإن كنت ~~متمولا وكان دخل أموالي لا يكفي لأدب المآدب وإحياء ليالي الرقص والغناء، بل لا يكفي ~~لدفع أجور خدامي وعبيدي وساحة خيلي فإني إذا لمن الفقراء. ms127 كم من الأشياء تغنينا إذا ~~استغنينا عنها وكم من الأشياء تفقرنا إذا طلبناها كالأطفال واستخدمناها ~~كالمجانين! ~~••• # في زخارف المدينة المعبودة، مائة مصيبة منقودة. # قد سئمت الخير الذي يعمله الأتقياء ابتغاء مرضاة الله، قد سئمت الإحسان الذي يتخذه ~~بعضهم مهنة للارتزاق. فما أكثر مثل هؤلاء المحسنين في العالم وما أقل الإحسان الحقيقي، ~~الخالص من كل ريب الصافي من كل عيب. قبل أن تكون محسنا يا هذا أحسن سلوكك وآدابك. ~~قبل أن تعمل مقدار ذرة من الخير كن أنت من بنيه. # هناك امرؤ أحسن من المحسن وهو الذي يعيش لنفسه حياة صالحة صافية، هو الذي لا يعرف ~~الخير عندما يصنعه، هو الذي لا يبتغي مرضاة الله ولا مرضاة الناس ولا الشهرة ولا المجد ~~من بره وإحسانه. عد إلى كتب العرب واقرأ فيها قصة عكرمة الفياض يا سيدي الأمير، ~~ولا تنس أن تقرأ أيضا قصة عمر بن الخطاب والعجوز، ومتى حملتك الحمية والغيرة إلى ~~الإحسان فاعمله ليلا وسرا؛ كي لا يراك أحد من الناس فيشوه برك بمديحه وإطرائه، ~~أنقذ الغريق والبس ثيابك وامش، فإن اللذة في العمل لا في النتيجة. ~~••• # كلنا في هذا المجتمع الإنساني ضائعون، كل منا كالولد التائه في الغاب يغني على ~~ليلاه لينسى خوفه وشجاه. لكل منا نغمة يترنم بها فتنسيه نوعا حقيقة حاله، تشغله قليلا ~~عن نفسه، كلنا - بكلمة أوضح - مستعبدون للعرض بعيدون عن الجوهر، كلنا نعيش للمنقول لا ~~للمعقول للمصطلح عليه لا للأصلح منه، الطف اللهم بعبادك. # من أجل ما قرأته في الكتب المقدسة فاتحة القرآن، فهي صلاة جديرة بأن يرددها ~~بقلب حي كل إنسان كل يوم في السنة. # إياك نعبد وإياك نستعين * ~~اهدنا الصراط المستقيم # أي والله، فإن الإنسان وإن كان من أرقى ~~البريطانيين أو من أرقى العثمانيين، إن كان من باريس أو من نويرك، أو من أطنه أو من ~~داهومي؛ هو في أشد حاجة إلى الهداية اليوم مما كان في أيام النبي داود، أو في عهد عاد ~~وثمود. ~~••• # إن من يكتفي بمسحة من العلم والحكمة كمن ms128 يكتفي بغسل وجهه إذا دخل الحمام. وليس ~~بالأمر الصعب على مثل هذا أن يفوز بقصب السبق إما في الثقالة وإما في الرعونة، وإذا ركب ~~إلى غرضه فرس سيبويه يعود وفي يديه القصبتين، فنقرأ إذ نراه التعويذتين! ~~••• # قل: تبارك السر الذي في ولا تحفل بضجيج الناس وضوضى الأمم، عش قنوعا هادئا ~~ساكتا معتزلا وواظب على نظافة العقل والقلب كما تواظب على نظافة الجسد فلا تكن من ~~الخاسرين، تلاه في العمل والنمو عن عقبات الحياة وهمومها، وبكلمة وجيزة كن مثمرا ~~ولو بين القتاد، فلا تحزن يوم يجيئك ملك الحصاد. # لا يختلف اثنان في أن الأولاد يطلبون الأشياء دون أن يدركوها فيلحون ويلبطون ~~ويصرخون وهم لا يعقلون، ومن الرجال الراشدين من هم أيضا كالأولاد فيطلبون ما لا يدركون ~~من الأشياء ويصرون على أمورهم ويلبطون على طريقتهم الخاصة، إما بالأيدي وإما بالأرجل ~~وإما باللسان. وهم أيضا لا يعقلون، تراهم يروحون ويجيئون دون أن يعرفوا من أين وإلى ~~أين، ويركضون ويضجون وهم كالأولاد لأحكام الحلاوى والقضيب خاضعون. هذه خزانة الكعك ~~والحلواء التي يعرفها الأولاد وهذه العصا التي لا يجهلون طعمها إذا هم أكثروا من الرواح ~~والمجيء إلى الخزانة. وكم أناس لو كسرت الحكومة عصاها يموتوت أمام خزانة اللذات شهداء ~~الأهواء والشهوات، كم أناس يسرقون الخبيص ويكبرون على البوليص، أعوذ بالرب الجبار، ~~من الصبيان الكبار. ~~••• # العواصف تقوي العواطف وتثيرها، فالنبت الذي تلويه الأهوية وتطويه يكون أشد من ذاك ~~الذي ينمو وينور في بيوت الزجاج. ~~••• # الضغط على الأنفس والعقول إلى حد محدود يولد من القوى الكامنة ما لا يخلو من سمو ~~الفكرة والإدراك، وأما إذا تجاوز هذا الحد فيولد اليأس والخمول، وفي اليأس متى انتفضت ~~عنه غبار الخمول قوة خبيثة قتالة لا عقل فيها ولا إدراك. # في كل إنسان جذوة من الخير لا تخمدها رماد الغواية والضلال مهما تكاثفت فوقها، في كل ~~إنسان شيء من الحب والحقيقة مهما أوغل في المنكرات ونكب عن السراط المستقيم. وإن أنا ~~صافحت مجرما فإنني أصافح تلك الجذوة الكامنة تحت رماد شقائه ms129 وذاك القليل من الحب ~~الراقد تحت بلائه، إنني أصافح الشقي الباغي؛ لأنه ساعة يقف أمامي لمن الصالحين ولو ~~إلى حين. ولا يهمني - إذ ذاك - ما كان من ماضيه ولا ما سيكون من مستقبله، لا، فإنه لا ~~يصدني عن مصافحته سيئة أتاها أو جناية اقترفها أو عار أحاق به، ساعة أخذ يده بيدي ~~تتصل كهربائية جسمي بجسمه وتؤهله لمصافحتي في تلك الآونة. ~~••• # خير الكتب وأنفسها كتاب لا يتركني بعد أن أطالعه في الحال التي ألفتها، كتاب يحرك ~~في عاطفة شريفة جديدة، أو قصدا كبيرا جديدا، أو فكرا ساميا جديدا، كتاب يزحزحني ~~من مكاني أو يدفعني لأزحزح من هم حولي، كتاب يفيقني من سباتي العميق، أو ينهض بي من ~~حمأة الخمول، أو يهديني إلى طريقة أحل بها عقدة من عقد الحياة، ولكن مثل هذا ~~الكتاب - على كثرة ما تصدره المطابع الحرة اليوم من القصص والروايات - أصبح كالامرأة ~~الفاضلة التي ينشدها سيدنا سليمان. ~~••• # كليمبروتوس اليوناني رمى بنفسه في البحر بعد أن انتهى من قراءة كتاب أفلاطون في خلود ~~النفس، وفي فعلته هذه الخارقة ثناء عظيم على المؤلف وعلى القارئ معا؛ إذ لو لم يقنع ~~كليمبروتوس بحجة أفلاطون لما كان فادى بحياته ليبرهن عن إيمانه، ولو لم يعتقد ~~أفلاطون بما كتبه لما استطاع أن يفحم كليمبروتوس. فمثل كتابه هذا يزحزح حقا ولكنه ~~يزحزح جدا، يزحزح القارئ دفعة واحدة عن هذا العالم، فهو إذا لا ينفع كثيرا. # ومن حظنا أنه لم يترجم إلى اللغة العربية. على أنني وإن كنت أشك في صحة عقل ~~كليمبروتوس لا أشك قط في شجاعته التي حملته على أن يعمل بما اعتقده صحيحا، فما قولك ~~بالمسيحيين والمسلمين واليهود، الذي يعتقدون - أو في الأقل يقولون - بالخلود، ويبكون ~~أمواتهم كما لو كانت أنفسهم أيضا للدود؟ فإن كنا في اعتقادنا صادقين، إن كنا واثقين ~~كأفلاطون وكليمبروتوس أن النفس لا تموت؛ ينبغي أن نفرح في الأقل ساعة تطلق من أسر ~~الجسد. على أنني لا أسألكم أن تفرحوا ولا أسالكم أن ترموا بأنفسكم في البحر لتبرهنوا ms130 عن ~~إيمانكم العجيب، ولكن لا تصمون الأحياء ساعة الموت بالعويل والنحيب. ~~••• # الحكيم لا يخشى الموت لعلمه بأن الموت بعيد عن الإنسان ما زال حيا، ومتى مات ~~الإنسان يصبح بعيدا عن الموت. # خير الإحسان وأجمله ما جاد به القلب والعقل معا، وما بقي ففيه الكذب والادعاء، ~~جد علي بشيء من القوت فآكله وبعد قليل أصبح كما كنت قبل إحسانك، ففتاتك لا تغير في ~~نفسي شيئا. ولكن هات منك فكرا ساميا جميلا فيتحلل في القلب والدماغ ويخالط النفس ~~مني فترثه عني الأجيال. في كل قوة أدبية - أي: عقلية روحية - شيء من الخير الخالص ~~النقي، وإذا كان فيك يا أخي شيء من هذه القوة الأدبية فهذا الخير يصدر عنك إن شئت أو لم ~~تشأ وينفعني أنا إن شئت أو لم أشأ. ~~••• # لما حدد «ديكار» المادة أهمل ذكر القوة والحركة اللتين هما من مزاياها، وخصصها بمزية ~~التمدد فقط، أما الحركة التي روقبت فيها فعزيت إلى قوة خارج المادة ومستقلة - أي: إلى ~~الله - ولكننا اليوم نتلقن في المدارس مبدأ أمسى من أوليات الطبيعيات وهو أن القوة ~~والحركة والتمدد كلها من مميزات المادة، وأن في كل جسم جامد أو آلي قوة كامنة تستحيل ~~حركة ميكانيكية، وأن الحركة الدائمة هي من طبيعة المادة، وأن الأجسام مؤلفة من جواهر ~~هي أبدا متحركة، ولكن قد يعود العلماء بعد البحث الطويل إلى غلطة «ديكار» ومتى عرفوا ~~ما هو الأثير واكتشفوا سرا واحدا من أسراره يصححون - لا شك - تعاليمهم ~~الطبيعية. # إن سيئات مشاهير الناس كحسناتهم من حيث إن الغلو يكون غالبا مصدر الاثنين، وإن ما ~~يقوله فيهم المقربون المدلسون لأخبث مما يقوله الحسد المبغوضون. لما مات الهر ~~كروب صاحب معامل المدافع الشهيرة أشاع أصحابه أنه كان يكره الحرب كرها شديدا، فيا ~~لها من إهانة يلحقها المدلسون بالأموات! وماذا تنفع الناس عاطفة كروب المكربة وقد ~~استخدم ثروته العظيمة في استنباط أدوات الحرب واصطناع موادها؟ أما إذا كانت المدرعات ~~والمدافع تصنع لقتل القتال لا لإحيائه فيكون الفضل في إبطال الحروب لبضاعة الهر ~~كروب. ms131 ~~••• # من الناس من يعجب ببعض أبطال التاريخ ليحذو حذوهم في السيئات لا في الحسنات، فينتحل - ~~لحماقته - من شذوذهم الأعذار، ويتخذ من عيوبهم مثالا لعيوبه. ~~••• # في سراة القوم أو الذوات من لا يمتازون عن أصغر الناس إلا بمن يحوم حولهم من ~~المداهنين والمدلسين والدجالين. ~~••• # النفوس أدوية يشترك في مزجها الله والإنسان، فمنها المرة ومنها الحلوة ومنها ~~الحامضة ومنها المزة ومنها - وهذه أكره من كل الأدوية - ما لا طعم ولا لون ~~لها. # الحكيم من اشتغل في سفينة نفسه كل يوم وظل متأهبا والجاهل المغتر بأمواله لا ~~يهتم بذلك حتى يسمع هدير الأمواج ويراها تتصاعد حول قصوره ولكن الطوفان يا سيدي لا ~~ينتظرك، وساعة يجيء لا ينفعك اهتمامك وتجديفك وصراخك «هاتوا خشب، هاتوا مسامير، أين ~~الخدم، أين هؤلاء الحمير» آه يا سيدي إن أذنيك لأطول من أذني خادمك؛ فهو اليوم في ~~فلكه يسبح ويسبح وأنت في غيك تموت. ~~••• # قالت امرأة الفيلسوف لزوجها: أرى الناس ينددون بك ويسفهون أقوالك وينكرون عليك تصرفك، ~~فأجابها الفيلسوف: إن هذا من حبهم يا حبيبتي، فلو كنا كالجماد أو كالثيران لما كان ~~الناس يفكرون بنا، لما كانوا يذكروننا لا في خيرنا ولا في شرنا، وقد تتعجبين كيف أن ~~الحب يحملهم على السفاهة والقباحة ولكن إذا قلت لك: إن البغض إنما هو بطانة الحب أفلا ~~يزول عجبك؟ نعم إن هذه العاطفة السرية الخفية وإن شوهها الجهل وأفسدها التعصب وصهر ~~عينيها الحسد؛ تظل حبا على الرغم من صاحبها، ولكن إذا وقفت على رأسها تظهر بطانتها ~~فتبدو سوأتها فيظنها الناس بغضا ويكرهونها. ~~••• # العالم لا يستنكف من تغيير عقيدة له أو إصلاحها إذا استوجبت ذلك الحقيقة. # ما أفقر الإنسان إذا كان لا يستطيع أن يرفع نفسه فوق نفسه. ~~••• # حاولت مرة أن أكره رجلا يحبه قلبي، فركبت في ~~شنآني مركب الغش والخداع وكنت واهما أنني أبغضه وأنا في الحقيقة أحبه، وظللت كذلك إلى ~~أن ثارت علي نفسي فونبتني وطلبت إلي أن أصلح الأمر، أن أكفر عن ذنبي تجاه ~~ضميري وتجاه صديقي، فرحت أطلبه لهذه ms132 الغاية فما وجدته، بل وجدته طريح الفراش، وجدته وا ~~رباه جثة باردة. مات صديقي قبل أن أراه وأكلمه وأستغفره، مات قبل أن يسمع الكلمة ~~التي يعذب في فمي لفظها، مات ولم ير ثوب الخداع الذي حرقته حول نعشه، مات والموت ~~في عينيه يحدجني ويقول: وهل سمعت أنني أمهلت مرة أحدا من البشر ليصلح أمره، ليسدد ~~حسابه، وإن كنت لا تراني ولا تسمع صوتي ألا تفهم نفسك نبئي، أفلا يشعر ضميرك بثقل يدي؟ ~~بلى ورب السماوات، الموت يثأر بالصدق والحق، الموت ينتقم من الحب الواقف على رأسه، فإن ~~كنت في شيء من مثل هذا أيها القارئ العزيز عجل-عجل إلى صديقك إلى حبيبك؛ قبل أن ~~يحول الدهر بينه وبين حبك، قبل أن يمنعك الموت من إصلاح أمرك وتسديد حسابك. # | الباب الثانى # | في الباب # لا المجد والشهرة أمنيتي القصوى، ولا الجاه والثروة، ولا السيادة والعظمة. أمنيتي ~~الجوهرية الأولى هي أن أكون بسيطا في أعمالي، صادقا في أقوالي، مستقيما في مبادئي ~~وآرائي، فطريا في تصرفي وسلوكي، حرا فيما أحب وما أكره. وبكلمة أخرى أود أن أكون ~~دائما نظيف العقل والقلب والجسم، بعيدا عن التصلف والزخرف والعجب والمصانعة، بعيدا ~~عن الجبن والخوف والتذبذب، بعيدا عن الخجل الذي يذل النفس ويميت الحقيقة، بعيدا عن ~~الكذب والجربزة والمداهنة والرياء. # علي أن أقتبل ما يقابلني من الصعوبات في مسالك الحياة باشا جادا ثابتا صابرا ~~متجلدا، علي أن أناهض الفساد والضلال في الناس وألا أكره أحدا من الناس، أود أن ~~أعيش دون أن أبغض أحدا، وأحب دون أن أغار من أحد، وأرتفع دون أن أترفع على أحد، ~~وأتقدم دون أن أدوس من هم دوني أو أحسد من هم فوقي. هذي هي سنتي وللغير أن يتخذوا لهم ~~سنة توافقهم، للغير أن يسلكوا ذات المسلك إذا شاءوا واستطاعوا، ليس من شأني أن ~~أتداخل في شئونهم ولا أن أرشدهم - منذرا - أو أعظهم - متأمرا متهددا - علي أن ~~أعيش صادقا مسالما مستقيما وللناس أن يعيشوا كما يطيب لهم. # لا أحب أن أنصح أحدا متى ms133 كانت نصيحتي بنت فكرة زائلة لا بنت حقيقة دائمة. ولا أن ~~أنضم إلى حزب من الأحزاب، أو طائفة من الطوائف، أو جمعية من الجمعيات مهما كانت ~~صبغاتها، ومهما تسامت غاياتها، ولا أن أساعد أحدا لا يعمل في مساعدة نفسه. وإذا كان ~~في ما يلهم الناس إلى الخير ويرفعهم درجة واحدة في سلم الرقي العقلي أحب أن ~~أظهره بالمثل والإشارة واللطف لا بالإنذار والوعيد والتأمر. أحب أن تشع حياتي ولا ~~أحبها أن تفرقع، أحب أن تكون كأحد الكواكب السماوية لا كسهم من الأسهم النارية. # أمين # بيروت في أول أيار سنة 1910 # | الخطب # (1) في العزلة # 1 # جاء في الأمثال: إن في الحركة بركة وليس فيكم - على ما أظن - من يجهل ذلك، ليس ~~فيكم من ينكر صحة هذا المثل السائر ولا يعمل به، وأما هذا الفقير فإنه لا يعتقد ~~بصحته ولا يعمل بموجبه، وقد خطر لي منذ سنين أن أعكس الآية وأجري على ضدها، فقلت: ~~إن كان في الحركة بركة ففي الفلوات بركات، وفي القعود سعود، وفي الهدو نمو ~~وسمو. وأشياء أخرى من هذا الباب. # ولا يخفى عليكم أن في هذه الأمثال حكمة تختلف عن حكمة المثل السابق، بل ~~تختلف اختلافا جوهريا يحاكي اختلاف النفس عن الجسد، فالحكمة فيها روحانية ~~معنوية وحكمة من يقول: إن في الحركة بركة حكمة مادية عملية تجارية؛ لذلك آثرت ~~الأولى على الثانية، فأوقفت عملي وخرجت من الوسط المضطرب لأفكر قليلا في ما أنا ~~فيه لأرى أين أنا من نفسي ومن الله، وحقا إني تألمت لما وقفت متأملا، تألمت ~~لما رأيتني قريبا من الناس بعيدا عن نفسي وعن إلهي، فتركت الحركة والبركة ~~للعمال ولبني الأشغال وسلكت في نور الحكمة والحقيقة مسلكا جديدا. # وهذه حالة لا بد منها لكل من تنبهت فيه الروح، هي طور من أطوار الفيلسوف ~~الأولى، هي أول ريشة في جناح الشاعر هي أول حادثة خطيرة في حياة الأولياء ~~والأنبياء، هي أول عقدة روحية عقلية يعجز عن حلها أكثر المفكرين. وجدت نفسي في ~~هذه الحالة متألما متحيرا ms134 مترددا. تألمت كثيرا لما رأيتني في الغربة بين ~~شعب لا يعرف معنى السكينة ولا الراحة ولا الجمال. وجدت نفسي في بلاد فيها الحركة ~~دائمة متواصلة، وأما البركة فيقال فيها ما يقال في بعض الأمراض إنها حادة ~~متقطعة. # وجدت نفسي بين قوم يأكلون ماشين، ويقرءون آكلين، ويعدون النقود راكضين، ويعبدون ~~الأوثان قائمين قاعدين، بل يقدمون أرواحهم وأجسادهم ضحية لآلهة ما سمعت بأسمائها ~~العصور العابرة. عشت زمنا بين قوم يقال إنهم مسيحيون، ولكنهم في الحقيقة وثنيون، ~~وثنيون بترفهم وبطرهم، وثنيون بأخلاقهم وشعورهم، وثنيون بمطامعهم واستئثارهم، ~~وثنيون بتعدد آلهتهم. وأما هياكل هذه الآلهة وأصنامها فإنك لا تشاهدها قائمة ~~في الأسواق، بل ينبغي أن تنظر إليها بعين الروح فتراها في كل حي وجماد يتحرك ~~هناك تعال إذا معي لأريك آلهة هذا الزمان الجديد، آلهة هذا التمدن الحديث، ~~تعال معي لأريك من الهياكل والأصنام ألوانا وأشكالا. هذا صنم من القطن لإله ~~البروص وذاك صنم من الفحم لإله المعادن، هذا صنم من السكر لإله الحقول وذاك صنم ~~من الخشب لإله الغابات. # وههنا هياكل من المرمر والرخام لإله التجارة، وهناك الهيكل الأكبر المشيد من ~~حجارة الذهب والفضة لإله الآلهة، إله الأمة، إله المال. والناس هناك يعدون ~~أموالهم راكضين من هيكل إلى آخر ومن إله إلى أخيه، وأبدا تراهم لهذه الآلهة ~~الغريبة ساجدين، فيعبدونها ويخدمونها ويموتون في سبيلها، يعبدونها في كل حالاتهم، ~~يخدمونها في حركاتهم وفي سكناتهم، فخرجت من بين هؤلاء المشركين طالبا في ~~البرية ربي مثل إبراهيم، خرجت من بينهم وأنا على اعتقاد أن المرء إن قرب من ~~العالم الجديد بعد عن الطبيعة وعن الشعر وعن الجمال الروحي وعن الله؛ ولذلك ~~حولت وجهي إلى مشرق الشمس وعدت في طريقي إلى أرض الأنبياء، عدت إلى وطني لأقترب ~~من جمال الشرق الشعري وجماله الطبيعي وجماله الروحي بل الإلهي، أي: الجمال ~~الدائم الأبدي الذي لا تشينه الحالة السياسية المختلة، ولا الحالة الاجتماعية ~~المعتلة. # عدت إلى مسقط رأسي باحثا عما أضعته هناك أيام الصبا، أفلت من أشراك التمدن - ~~والحمد الله - وفررت ms135 هاربا إلى الفريكة. على كتف الوادي وبالقرب من كروم أجدادي ~~نصبت خيامي، فوق نهر الكلب وقبالة جبل صنين رفعت رايتي البيضاء عوضا عن العلم ~~الأحمر الذي وضعته في يدي إحدى بنات الحرية في البلاد الأميركية. رفعت علم السلم ~~فوق فلسفتي الاجتماعية بعد أن كان علمي علم القتال وكتبت على بابي: في إصلاح الفرد ~~إصلاح الأمة وفي تهذيب الشعب إصلاح الرؤساء والحكام. # نعم - سادتي - إن التهذيب خير من التحزيب والتخريب، على أن ذلك ليس من موضوعي ~~هذه الليلة، فالمجال ضيق لمثل هذا البحث وأضيق منه منبر هذه الجمعية. # عدت إلى وطني طالبا فيه راحة العقل وراحة النفس وراحة الجسد، بل طالبا فيه ~~شيئا أشرف من كل ذلك وأسمى، طالبا في الطبيعة ومنها ما ينسي المرء عقله ونفسه ~~وجسده. عدت - يا سادتي - لا كما عاد يوليوس قيصر إلى رومية أو هوجو إلى باريس، عدت ~~قانعا شاكرا راضيا، وتذكرت السندباد لما عاد من سفراته، وأبا العلاء لما عاد ~~إلى معرته، فشكرت الله كالسندباد على سلامتي في الغربة، ولجأت - كأبي العلاء - إلى ~~العزلة في قريتي هربا من الحضارة ومتاعبها، وشغفا بالطبيعة وجمالها، وحبا ~~بالتأمل ولذاته، وتقربا من الله وبركاته، فدخلت هذه المدينة كما يدخل ~~الكهان الهيكل أو اللص البيت، دخلتها من باب السر فلم يدر بي من الإخوان ~~أحد، وصعدت إلى الجبل ولم يدر بي أحد، وأقمت، هناك زمنا في ظلال الصنوبر ولم ~~يدر بي أحد، فاضطجعت على العشب ورأسي في ظل وزالة زاهرة - إنا للطبيعة وإنا ~~إليها راجعون - وشكرت الله شكرا جزيلا، ووددت لو كان بيني وبين المدن أضعاف ما ~~بيني وبينها من الوهاد والجبال والبحار. # وأظنني أخطأت مرة فرددت بصوت عال صدى صوت نفسي، وما علمت أن للأشجار عيونا ~~وللصخور آذانا، بل ما علمت أن النهر يحمل إلى المدينة صدى صوت الوادي وصدى ساكنيه، ~~ففي صباح يوم من فصل الشتاء سمعت حديثا دار بين شجرة كبيرة من الصنوبر وأخرى ~~صغيرة، أو بين أم الغابة وإحدى بناتها، قالت الابنة: من هذا الغريب الذي ms136 لا يخاف ~~السكنى معنا في هذا الشتاء؟ فأجابت الأم: ما هو بغريب يا بنيتي، وإنما هو من ~~نبات هذه الأرض ومن سنديان هذه الجبال، هو من أبنائنا يا بنية، وقد طالما حملته ~~وحملته من ثماري لما كان صغيرا. قد طالما فرشت له من ريشي وظلي ما يزيل تعب ~~الجسد وهم الفؤاد وبعثت إليه من أرج نسيمي ما ينعش النفس ويحييها، ومع ذلك ~~فقد هجرنا زمنا طويلا وعاد اليوم ليكفر عن ذنوبه أمامنا وفي ظلنا. حبيه ~~يا بنتي فإنه يحبنا. # وبمثل هذا كانت الأشجار تفشي أسراري إلى النهر، والنهر يحملها إلى البحر، والبحر ~~يلقيها بلا اكتراث على شواطئ هذه المدينة، وقيل إن الصيادين سمعوا ذات يوم في ~~هدير الأمواج أصواتا غريبة مطربة، فظنوا أن أحدا من الجن يكلمهم بلساننا العربي ~~الشريف، وقيل إنهم فهموا من ألغاز الأمواج شيئا يسيرا وأشاعوا في البلد إشاعات ~~تحولت بعد أيام خرافات وخزعبلات، تشير كلها إلى أن في وادي الفريكة ناسكا تسجد ~~له الصخور وتخاطبه الأشجار وتكلمه السواقي وتستشيره الطيور. # فاستغربت الخبر كما استغربه الناس، وبعد أن فتشت في الوادي عن الناسك وأعياني ~~التفتيش كتبت إلى أحد أصدقائي كتابا هزأت فيه من هذه الخرافات التي قصها ~~البحر على الصيادين وأذاعها الصيادون في المدينة فزاد الكتاب الطين بلة؛ لأن ~~الأدباء الذين سخروا مثلي بهذه الخرافات اعتقدوا بعدئذ صحتها وطفقوا ينشرونها في ~~أندية الأدب، فتجسمت الإشاعة حتى استحالت خرافة وأصبحت في اعتقاد الناس حقيقة ~~راهنة، وكذلك تنشأ الخرافات وتستولي على الناس. فاهتم بعض أعضاء هذه الجمعية ~~بالأمر وكتب أحدهم إلي لأصدقه الخبر، ثم جائني من الجمعية نفسها كتاب تسألني به ~~أن أتحفها بشيء من أخبار الناسك وأسفاره، وبعبارة أوضح دعتني إلى الخطابة في ~~حفلتها السنوية منذ سنتين، فلبيت الدعوة وبعثت إلى الجمعية بشيء من ثمار نفس الناسك المذكور. # 2 # ولبثت أنتظر جوابها، وبينما أنا أتوقع منها كتاب شكر جاءني الرسول ~~بعد أسبوع ومعه الثمار التي بعثتها، ثماري أعيدت إلي، ردت الجمعية هديتي بلا ~~عذر ولا شبه عذر، أرجعت ms137 الثمار وأغفلت الاعتذار، وبعثت مع الرسول تقول قد فحص ~~الطبيب ثمارها فوجدها مضرة بصحة هذه الأمة، وجد فيها مكروبات غريبة خبيثة ~~عديدة فكانت هذه منها إهانة فوق إهانة، لكنني قبلتها شاكرا وحسبتها من جملة ما ~~ينبغي أن يعرض عنه المرء في عزلته، حسبتها مما ينبغي أن نترك وراءنا إذا حولنا ~~وجهنا نحو شمس النفس الشارقة من وراء جبال الحقيقة المرسلة ما فاض من نورها فوق ~~مروج الشعر وبحيرات الخيال. # فظل الناسك - والحال هذه - هائما في واديه، ولم يدر أن الجمعية لم تزل تناديه، ~~على أنه لم يكد يرفع طرفه إلى سماء الروح ويلمس بيده ما تجسم أمامه من السعادة ~~الروحية الحقيقية حتى جاء هذا الشتاء وفيه ما كتب له - بل عليه - من الشدة والبلاء، ~~فهجر صومعته في الجبل مضطرا واعتاض عن شذا الأودية بروائح الأدوية وعن الأولياء ~~بالأطباء، مع أن الفرق بين الأولياء والأطباء قليل لا يستحق الذكر، فكم من طبيب ~~فاضل يستحق أن يطوب قديسا أو يدعى وليا بعد موته، فقد تعرفت بفضل آلامي ~~العصيبة بعدد وافر من هؤلاء الأفاضل، وبان لي بالاختبار ما كنت أجهله، تحققت أن ~~الفرق بين الطبيب والكاهن كالفرق بين الكاهن والمحامي، كلهم - نفعنا الله بعلمهم ~~وبرهم - يتعاطون الجربزة، كلهم يتاجرون بشيء من الحقيقة وبكثير من الخزعبلات ~~والأوهام، على أن الطبيب أرفع درجة من الكاهن والكاهن أرفع درجة من ~~المحامي. # والثلاثة يا سادتي من سلالة واحدة ومن بطن واحد، نعم إن الطبيب والكاهن والمحامي ~~ثلاثة عقبان من بيضة واحدة، ومن الشرور ما كان لازما للبشر، من الشرور ما هو نافع ~~للإنسان، وقد كنت أسيرا لشيء منها في هذه المدينة لما جاءني رئيس هذه الجمعية ~~فأسرني أيضا بلطفه وجميل أدبه، وكلمني مرة أخرى في أمر الخطابة، ألح علي ~~الرئيس وعدد من الأدباء بأسلوب جعلني أظن أن الجمعية تنوي أن تحاصرني في ~~الفريكة وتعقد جلستها هناك إذا كنت لا أتكلم في حفلتها هنا، فخفت من المضايقة في ~~عزلتي ونتيجة خوفي - أيها الكرام - وقوفي أمامكم الآن خطيبا. عفوا ms138 سادتي ما جئتكم ~~خطيبا الليلة بل محدثا، وسأحدثكم في موضوع العزلة ومنافعها ومضارها. # العزلة إما داء وإما دواء وإما غذاء، هي داء لمن لا يجد في نفسه ما يغنيه ~~عن معاشرة الناس، ولو زمنا قصيرا. وهي دواء لمن سئمت نفسه من ملاذ هذا ~~المجتمع وموبقاته، من سروره وشروره، فيعود إلى أمه الطبيعة لتداويه بنور شمسها ~~وعليل هوائها وشذا رياحينها. وهي غذاء لمن يخرج من الهيئة الاجتماعية والنفس ~~نافرة من محيط هي غريبة فيه، يعتزل الناس طالبا في الطبيعة الراحة التي لا ~~يعرفها الناس، واللذات التي لا يشعر بها الناس، والتعزية التي قلما تعزي عامة ~~الناس. # نفس الأول خامدة جامدة، ونفس الثاني سقيمة عقيمة، ونفس الثالث من الأنفس ~~السامية الكبيرة التي قلما تنام، فهي تفيق من هجعتها قبل صياح الديك فتفتح عينيها ~~في ظلمة الليل الحالكة وتقاسي قبل بزوغ الفجر من العذاب والحيرة أشدهما، تبتدئ هذه ~~النفس بالمقاومة والتمرد، فتقاوم القوات التي تعترضها في طريقها وتتمرد على كل من ~~يحاول إبقائها في الظلمات الدامسة. # تسير بنور مصباحها الداخلي إلى أن تخرج من الظلمات بفضل ما فيها من الشجاعة ~~والإقدام والثبات، فتتدرج من الظلمة متمردة إلى العزلة هادئة وتعاني فيها بادئ ~~بدء نوعا جديدا من العذاب، تعاني هناك عذابا هو أساس كل لذاتها الروحية، بل ~~هو العذاب الذي يقاسيه من تعودت أعصابه المخدرات والمسكنات؛ إذ ينقطع عنها ~~دفعة واحدة، ومن العزلة تعود هذه النفس المحررة المستنيرة المتمردة إلى المجتمع ~~لتتمم فيه إرادتها، لتنير ولو زاوية صغيرة فيه بما فاض من نورها. # شبهت الانقطاع عن الناس بالانقطاع دفعة واحدة عن المسكنات التي يعتادها المريض، ~~فهل خطر لأحد منكم أن يستشير ربه بواسطة الطبيعة في أمر روحه المريضة كما يستشير ~~الطبيب في أمر جسده، أيدهشكم قولي لكم إننا كلنا مرضى بوجه ما، وفي هذا المجتمع ~~كما هو اليوم بالأخص بما فيه من دواعي الأمراض والهموم والأحزان تنسينا الحركة ~~الدائمة آلامنا، ولا أذكر الآن أي علماء الألمان قسم الناس ثلاثة أقسام فقال: قسم ~~منهم يولد ms139 للمستشفى، وقسم للمارستان، والقسم الثالث للبادية، أي: أن ذلك العالم ~~الألماني يقول إن الناس إما مرضى وإما مجانين وإما برابرة. # ومع ما في هذا القول من الغلو والضلال والكفر - فقد كفر العالم بالنفس وأساء ~~فهم نواميس الطبيعة وغالى في تقبيح الإنسان - مع ما في قوله مما ذكرت فهو لا يخلو ~~من الحقيقة، غير أنها حقيقة ناقصة متجزئة، وأما الحقيقة كلها، الحقيقة الشاملة ~~الأبدية هي أن الناس كلهم سواء من وجهة الفيلسوف، ومن هذه الوجهة أيضا يمكننا أن ~~نقسم البشر إلى قسمين أوليين، قسم الأحياء روحيا وقسم الأموات، وهاتان الطبقتان ~~نشاهدهما في كل شعب حضريا كان أو بدويا، ففي البداوة أناس تتنبه فيهم الروح ~~وتنهض من سباتها كما في الحضارة، بل في البدو تبلغ الروح المتفردة الكبيرة أعلى ~~درجة من السمو والقوة والجمال، فيخرج من البادية رجال كما يظهر في المدن رجال، وإن ~~نبغ في نويرك المخترعون وفي لندرا العلماء وفي برلين الفلاسفة وفي باريس الشعراء ~~وفي فلورنسة المصورون والنحاتون؛ ففي البادية ينشأ الأنبياء. # لكل بلاد مزية طبيعية ثابتة دائمة، وفي كل نفس بشرية شيء من سماء البلاد التي ~~نشأت فيها ومن أرضها، فيها شيء من تبر وطنها ومن ترابه، من خير هوائها ومن شره، من ~~فتوره ومن نشاطه، من هدوه ومن هياجه. فالناس إذا كلهم سواء من وجهة ~~الفيلسوف، الإنسان واحد من بلاد الزولو إلى شطوط النروج ومن ثلوج ألسكا إلى أطراف ~~اليابان، الناس كلهم سواء من حيث إن الأمراض والجنون والتوحش كلها تنتاب كلا منا ~~في أوقات مختلفة وبدرجات متفاوتة. # ولا يفوتنا أن نذكر مع هذه الشدائد كلها نعمة واحدة شاملة، فإنا ممن لا ييأسون ~~ولا يقطعون الرجاء مهما توغل الإنسان في الجهل والجنون والتوحش؛ لأنني على يقين ~~أن النفس في كل منا تفيق ولو مرة واحدة من سباتها في سياحتها هذه العالمية، تنهض ~~النفس من غفلتها فتجيء ولو بعمل واحد شريف خالص لوجه الله، ترينا من الشهامة ~~والمعروف والإحسان ما يزيل عن وجه الحياة شيئا من تقطبه وعبوسته، ms140 تنهض ~~النفس من ظلماتها، من تحت أثقالها المادية، من بين أغلالها الاجتماعية، من تحت ~~أهوائها وشهواتها وأغراضها الذميمة لتقول للناس: إنني لم أزل حية وأعرف معنى الحب ~~والتساهل والحنان، إنني لم أزل حية وأعرف معنى الحق والعدل والحرية، فيمكنني أن ~~أتسامى إلى ما فوق الشرف المتعارف بين الناس، إلى ما فوق الفضيلة المصطلح عليها، ~~إلى ما فوق القوانين والشرائع، إلى ما فوق قداسة الأديان وخزعبلات بدعها، أي: ~~لا بد لكل امرئ من ساعة - ولو في حياته كلها - يظهر فيها بمظهر الفضيلة الصادقة ~~الفضيلة المجردة النامية الحقيقية فيخضع للنفس الأمارة بالخير لا بالسوء لتظهر فيها ~~محاسنها الجليلة. # ولذلك ينبغي أن تقول إن الأمراض والجنون والتوحش وحسنات النفس أو يقظاتها تنتاب ~~كلا منا على الإطلاق، تنتاب كلا منا في أوقات مختلفة - كما قلت - وبدرجات ~~متفاوتة. ومن هذه الوجهة المرتفعة وجهة الفيلسوف العمومية كلنا - لا شك - متساوون، ~~أي: أننا كلنا مرضى بنوع ما وكلنا نتخذ الأشغال نلهو بها، نسكن بها آلامنا، نخدر ~~بها همومنا، نضمد بها جروح صبرنا ورجائنا ننعش بها آمالنا، وعندما يقف الواحد منا ~~ليتنفس قليلا ليتنشق نسيم السحر الجميل أو بالحري ليدع عمله هنيهة ويستريح ~~تعاوده آلامه مضاعفة كما تعاود الأوجاع المريض عند انتهاء فعل المرفين، وما هي ~~هذه الآلام يا سادتي؟ أروحانية هي أم جسمانية؟ فالطبيب يقول لنا إنها جسمانية، ~~والكاهن يقول إنها روحانية، والحقيقة ههنا أقرب إلى جانب الكاهن منها إلى جانب ~~الطبيب. # آلامنا روحية أكثر منها جسدية، يعود الرجل من أشغاله في المساء أو من ملاهيه بعد ~~نصف الليل فيستلقي على سريره متكرها متأففا متذمرا، فيشكو وقد خارت قواه من ألم ~~في أعصابه أو في معدته أو في رأسه، ويظن أن أوجاعه موضعية، يظنها جسدية، والحقيقة ~~- على ما أرى - هي خلاف ذلك، فالجسد لا يمرض من العمل وأعضاؤه تزداد قوة ومرونة ~~ونشاطا بالممارسة والتمرين وهذا ناموس طبيعي، من أين إذا آلامنا وأوجاعنا، ما هي ~~أسبابها أين مصدرها، أيمكن أن يكون لها مسبب غير مادي، أيمكن أن تكون ms141 آلامنا ~~الجسدية ناتجة عن ألم أصلي أساسي جوهري روحي؟ # سؤال أجيبكم عنه حالا بلا تردد وبالإيجاب، نعم سادتي وسيداتي إن مصدر هذه ~~الآلام الروح، فالروح منا تئن وتتأوه وصدى أنينها يظهر في كل جوارحنا وفي كل ~~حواسنا ، الروح تتألم من الضغط عليها، من احتقار الإنسان إياها، من إهماله شئونها، ~~من اهتضامه حقوقها، الروح تتأوه من قيود السلطة كما أنها تتألم من قيود العبودية، ~~فالرئيس والمرءوس سواء من هذا القبيل، الظالم والمظلوم يشكيان من مرض واحد فالروح ~~في كل منهما تتألم من حيوانية الإنسان الخبيثة، من أهوائه من ظلمه من استئثاره من ~~بغضه من توحشه من ذله من جهله من جنونه، فإذا كانت الأشغال تسكن آلام النفس ~~فالعزلة تضعف شكوتها ويستأصلها العود إلى الطبيعة. # ورب قائل يقول أتريد أن يكون الناس كلهم نساكا وزهادا وكيف يتسنى ذلك، ~~فالجواب أن ذلك غير ممكن وغير مطلوب، فالعزلة أنواع، وربما امتهنت حرمة ~~القاموس وتوسعت قليلا بمعناها المحدود، فقد تكون شوقا في النفس لسبر غور النفس، ~~لإدراك كنه قواها، لكشف الحجاب عن بعض أسرارها، وهذي هي عزلة الفيلسوف، أو قد تكون ~~اعتصام النفس بعالمي الخيال والجمال فرارا من مسئولية الحياة الاجتماعية ~~وواجباتها الصناعية، وهذي هي عزلة الشاعر، وهي ممكنة في المدينة وبين الجموع كما ~~في الصحراء أو في الجبال؛ لأن الشاعر وإن خالط الناس وحدثهم فهو دائما فوقهم ~~وبعيد منهم، ثم قد تكون العزلة طمعا في النفس لفتح ممالك عالم النفس، لرفع أعلام ~~الحقيقة والحب والحق فوق صروحها، وهذه عزلة الأنبياء، وهناك أنواع أخرى من العزلة ~~لا يهمنا ذكرها؛ لأنها تغيرت عما كانت عليه حين قال المتنبي بيته المشهور في وصف ~~الأسد: # في وحدة الرهبان إلا أنه # لا يعرف التحريم والتحليلا # قد اتضح لكم أن الميل إلى الوحدة والاعتزال ينشأ في النفس وعنها، وكما أن النفس ~~تتطلب المعرفة فهي تبتغي شيئا من العزلة تتغذى أثناءها من المعرفة. يقول الإفرنج ~~في السياحة تكملة التهذيب، أي: أن المرء مهما درس وطالع وتعمق في العلوم وتغلغل ~~فتهذيبه يظل ms142 ناقصا إذا كان لا يعرف من العلم إلا مسقط رأسه أو عاصمة بلاده، فإذا ~~كان في السياحة تتمة التهذيب ففي العزلة تتمة السياحة؛ لأن المرء لا يكون قد ساح قط ~~إذا كان لا يعتزل قليلا بعد سياحته في العالم ليحاسب نفسه، ليفحص بتأن وهدوء ما ~~في مخادعها، ليغربل ما فيها من الحقائق والخرافات والآراء السديدة المختلطة مع ~~الخزعبلات. وبكلمة أخرى ليسقي النفس من ماء الفكرة الذي يتقطر ويتكرر في ~~العزلة، ولا تظنوا أن كل من التجأ من المفكرين إلى هذه الطريقة انتفع بها، والذي لا ~~ينتفع منها لا يستطيع نفع الناس. # لما كنت في نويرك قصدت يوما مدينة كنكرد بالقرب من بسطن (وهي المدينة الصغيرة ~~التي أعطت العالم الجديد أكبر شعرائه وفلاسفته) لأزور فيها بيت الفيلسوف إمرسن ~~والحرج الذي بنى فيه الشاعر طورو مسكنه أو بالحري كوخه للعزلة فعاش فيه متنسكا ~~سنتين وألف هناك كتابه النفسي في فلسفة العمران وفلسفة الانفراد، والكاتب الذي ~~كان رفيقي ودليلي في هذه الحجة - وهو شيخ جليل في الصحافة وفي السن - كان رفيقا ~~وصديقا أيضا لأكثر شعراء كنكرد وفلاسفتها الغابرين فسألته عما إذا كان في ~~المدينة اليوم من يعد من طبقة هؤلاء الرجال العظام، فقال: إن الطبيعة يا صديقي ~~لا تجود علينا بالنوابغ كل سنة، فهي لا تعطي العالم إلا أفرادا قلائل كل عصر وما ~~كل من اعتصم بالعزلة يصل إلى ذروة التفرد والذكاء. فمنذ سنين جاء هذه الأصقاع ~~شاب إنكليزي واختار بيت طورو هذا مقرا لعزلته وعاش فيه كما عاش طورو سنتين، ~~ولكنه يئس بعد ذلك وهجر كنكرد ومن ذلك الحين لم نسمع عنه شيئا. # فعزلة طورو إذا أو عزلة النابغة أثمرت من الأدب والشعر والفلسفة ما يعد من ~~طبقة ما كتبه أكبر نوابغ العالم، وعزلة الثاني العقيمة أضرت بصاحبها؛ لأنه ~~لم يتدارك الخطر قبل حلوله، وفاته أن الوحدة الطويلة الأمد ما عدت لمثله وأن نفسه ~~لا تطلب مثل هذا الغذاء، لذلك لا أعمم في قولي ولا أغالي بمحاسن العزلة ومنافعها ~~إذ ما كل ms143 من اعتزل تفرد ولا كل من تفرد أفاد الإنسانية، على أن العزلة تنفع الكل ~~إذا أخذ منها كل بقدر ما تطلبه نفسه أو بالحري إذا عرف كل إنسان كمية الجرعة التي ~~ينبغي أن يأخذها، فمن نفس متجمدة لا تطيق العزلة أكثر من أسبوع إلى نفس متوقدة لا ~~ترضى بأقل من سنة أو أكثر وبينهما تتفاوت المدد كما تتفاوت العقول، هذي هي ~~القاعدة، فمن جرب العزلة بحكمة واعتدال انتفع لا شك منها فهو ينتفع عقليا ~~وجسديا وروحيا إذا أحسن استعمال الدواء. # وأفضل ما في العزلة للمفكرين أنها تقرب الفرد من نفسه، فالحياة الاجتماعية - ~~كما اتضح لكم مما ذكرته - تبعدنا عن أنفسنا حتى نجهلها جهلا فاضحا؛ لأن معرفة ~~المرء نفسه غير ممكنة في أي حال من أحوال هذا المجتمع المضطرب، وإذا جهل المرء ~~نفسه بعد عنها بعدا شاسعا، وإن حاول خدمة الإنسانية وهو بعيد عن نفسه، أي: ~~جاهلها لا يستطيع إلى ذلك سبيلا مهما أجاد ببيانه وفصاحته، ومهما بالغ في آرائه ~~وأكبر الناس دعواه، لا خير في مثل هذا مهما صاح ونادى ودعى القوم وادعى. وإن ~~صياح المصلحين ليذكرني دائما بهدوء الفلاسفة، بل يذكرني بما جاء في التلمود من ~~حديث دار بين أشجار الغابة وأشجار البستان، قالت أشجار الغابة لأشجار البستان: ~~لماذا لا نسمع لأغصانك صوتا ولا صدى فأجابت أشجار البستان: لأنني مشتغلة عن ~~الولولة بإنماء ثماري، ثم سألت أشجار البستان أشجار الغابة قائلة، ولماذا تسمع ~~الناس لأغصانك هذا الدوي وهذه الجلبة فأجابت أشجار الغابة: لكي يشعر الناس ~~بوجودي. # لذلك قلت: إن كان في الحركة بركة ففي الفلوات بركات وفي الهدو نمو وسمو، فالنور - ~~يا سادتي - ينبثق على العالم هادئا ساكنا، وإن شمس الحكمة لتحتجب غالبا عند هبوب ~~العواصف والزوابع، فمن الأنفس السامية المتفردة الهادئة ينبثق نور الحب ونور ~~الحكمة ونور الحقيقة. وفي الأنفس السامية المتفردة الهادئة ينابيع الجمال كلها. ~~جمال الفنون وجمال الروح وجمال الحياة السعيدة، وإلى الأنفس المتفردة السامية ~~الهادئة تعود بنا حسنات التمدن الحديث لترينا فيها أسبابها، لذلك كتبت ms144 فوق ~~بابي: في إصلاح الفرد إصلاح الأمة. # وفي تهذيب الشعب إصلاح الرؤساء والحكام. ~~(2) هنا وهناك وهنالك # 3 # أيها السادة والسيدات # دعي مرة أديب للخطابة في حفلة مثل هذه فلبى الدعوة فرحا مسرورا؛ لأنها ~~كانت أول ما جاءه من القوم وكان الخطاب باكورة عمله، فسود الأوراق وبيضها واستعد ~~لخطابه استعدادا يليق بوقفته الأولى على المنبر، ولكن لما وقف أمام القوم خانته ~~الحافظة وجمحت القريحة فاعتذر قائلا: لما دخلت هذا المنتدى لم يكن أحد يعرف من ~~خطابي شيئا سوى الله والداعي، وأما الآن فبأسف أخبركم أن لا أحد يعرفه سوى الله، ~~فاستحسن الحاضرون النكتة وعفوه من الخطابة، ولا تظنوا - رعاكم الله - أن الكلام ~~الذي أعددته أنا لهذه الحفلة لم يطلع عليه قبل هذه الساعة سوى العالم بذات ~~الصدور، كلا، فقد اضطرني أصدقائي إلى مراعاة اصطلاحات البلاد وقالوا: ابعث ابنك هذا ~~إلى المستشفى بلا عناد، فبعثته بعد أن دسمته من العين، وقرأت عليه المعوذتين، وهناك ~~استلمه مولانا الطبيب، وكفى بذلك تلميحا للبيت، وعاد إلي بعد أيام حسبتها سنين، ~~وعلى بدنه آثار المبضع والمشرط والسكين، فتصافحنا وكلانا يقول: الحمد لله رب ~~العالمين. # ويجب أن أقف عند هذا الحد في التسجيع والكنايات خوفا من أن تحسبوني أتلو عليكم ~~شيئا من سجع الكهان، أو مقامة من مقامات بديع الزمان، وقد يتبادر لذهنكم أني ~~أوردت القصة ليكون حظي منكم حظ ذاك الخطيب من قومه ولكنني لا أطلب كل هذا، أنا ~~أدفع الآن نصف ما علي من الدين لهذه الجمعية بشرط أن تعفوني من النصف الآخر، ~~ولكنني أعدكم بدفعه مع الفائدة متى تحسنت الأحوال على أنني أود لو كنت مطلق الحرية ~~لأدفع كل ما علي الآن، إن قوتي - يا سادتي - في حريتي لا في شعري، أود لو كانت ~~وقفتي هذه الأولى أمام قومي في وطني غير مقيدة بقيود التقية والأحوال، ولكن لسان ~~الحال أفصح من لسان البيان، وقد تكون الكلمة المحفوظة في الصدر أشد تأثيرا في ~~النفس من الكلمة المقولة. # لقيت على شاطئ البحر وأنا قادم ذات يوم ms145 إلى المدينة شيئا ذكرني بما يليق أن ~~أفتتح به هذه الكلمات القليلة التي تحوم حوما حول موضوع يتعوذ من ذكره الناس، ~~ذكرني ما لقيته على ساحل هذه البلاد السورية وسأخبركم عما لقيته بعدئذ أو لكم أن ~~تنبهوني إذا فاتني ذلك، ذكرني بمدينة في البلاد الأميركية قضيت فيها خمس عشرة سنة ~~متراوحا بين قومي والأعجام فلم أمل كل الميل إلى أولئك الأميركيين ولم أهجر كل ~~الهجر إخواني السوريين، لم يكن جفاء قومي ليقربني من الأعجام ولا إكرام الأعجام ~~ليبعدني عن قومي، ولقد سمعت من أصدقائي الشعراء الأميركيين من الكلام ما يضعف ~~الشعائر الوطنية لو كان في لمثل هذا الضعف استعداد. # وقد قال لي أحدهم مرة بعد أن قرأ في إحدى الجرائد الأميركية خبر قيام النزالة ~~السورية علي بسبب كتابي الأخير دع ذكر الوطن والأمة والزم الشعر، الشاعر ~~الحقيقي هو ابن العالم على الإطلاق وكل وطن صالح هو وطنه، فرنت هذه الكلمات ~~في أذني ولا سيما الناصح شيخ في السن وفي صناعته، وهجرت - إذ ذاك - قومي إلى حين ~~ونفضت عن أوراقي ودفاتري غبار لغتنا هذه الشريفة وأخذت أنظم في اللغة الإنكليزية ~~وأنقل إلى الأعجام ما عثرت عليه من كنوز العربية، وثبت عندي - إذ ذاك - أن الشاعر ~~الحقيقي يخلص الخدمة لوطنه أولا ومن ثم يتدرج إلى خدمة الإنسانية، أو يخدم الوطن ~~والإنسانية معا إذا كان من النوابغ الحقيقيين النادرين في كل أمة وبلاد. # وبعد أن فكرت في أمري هذا وسمعت المباحثة التي جرت بين ذاتي السوري وذاتي ~~الأميركي حكمت للأول على الثاني ورضيت أن أكون من الطبقة الأولى في الوطنية ولو ~~جعلني ذلك في الطبقة الوسطى من الشعر، وهكذا عدت إلى الكتابة من اليمين إلى الشمال ~~ولكنني حفظت في قلبي زاوية للغة التي اكتسبتها في العالم الجديد، ولو أصيخ إلى ~~قول صديقي الشاعر الأميركي لما كنت حظيت بمشاهدتكم هذه الليلة ولكم أن تعكسوا، نعم ~~إن ولعي بلغتي وبوطني لقوي شديد ولو سألتموني إيراد الأسباب التي توجب هذا ~~الولع لقلت لكم أحب لغتي لأنني ms146 أحب نفسي وأحب وطني لأنني أحب قومي، وقد يحملني هذا ~~الولع والحب إلى الغلو أحيانا، فقد قرأت مرة أن غالينوس كان يقول: أجود هواء في ~~الدنيا هواء بلاد اليونان. # وقال ابن رشد: إن أجود هواء لهواء قرطبة (بلده ) وقال ملتن: إن الهواء النقي ~~المنعش لا يهجر قط لندره، وأقول أنا - وأظنكم كلكم تقولون معي: إن هواء لبنان لهو ~~نفس الآلهة بالذات، وكلنا لا شك مصيبون، وما غلوي أنا إلا جزء من غلو أولئك ~~الفلاسفة الكرام، هذه الثمرة من تلك الشجرة، ولكن حبذا هواء لبنان وبئس المتنشقون، ~~حبذا ماء الجبل وبئس الشاربون، لا والله هذا كثير، لا يجب أن ألوم اللبنانيين ولا ~~أن أؤاخذهم بما هم عليه من الخمول والانحطاط والاستكانة والضعة. # فالإكليروس وشيوخ القرى راضون عن مثل هذا الانحطاط والخمول ويجب أن يرضى ~~المقلقون بما يرضي شيوخ القرى والإكليروس، يجب أن نرضى ونسكت، ولكن إذا نحن سكتنا ~~فالمهاجرون لا يسكتون، إذا نحن رضينا فالمهاجرون المقلقون لا يرضون، نعم لا بد ~~أن تشرق علينا شمس العلم والترقي من المغرب كما تشرق علينا شمس الله من وراء ~~جبل صنين، لا بد أن يشرق على سوريا قمر الإصلاح من وراء البحار مثلما يشرق عليها ~~قمر السماء من وراء جبل الشيخ، لا بد من التقاء الشمسين واجتماع القمرين وقد تأخر ~~قمر المغرب إلى الهزيع الأخير من الليل، فلتنم الأمة مطمئنة إذا، ولكن اذكروا ~~كلامي، لا بد من أن تعاينه ذات ليلة من ليالي تموز وهو شهر جليل الذكر عند أعظم ~~جمهوريتين في العالم. # 4 # وإني لأذكر يوم وقفت أمام قومي في أميركا فذكرت قومي في الوطن، وها أنا الآن أمام ~~نخبة من قومي في الوطن العزيز أذكر قومي في أميركا فتحلو لي الموازنة بين الشعبين ~~إذا لم أقل بين البلادين، ولكن الوقت قصير والحبل أقصر، فمتى يا ترى يعود ~~المهاجرون المنورون إلى الوطن. # وافطنوا أنني لا أريد سوى المنورين وأما ما بقي من المهاجرين فسواء على الوطن ~~إن عادوا أو لم يعودوا فهم لا ms147 ينفعون، الأمة بأفرادها لا بجرادها، ولكن حتى م ~~هذا الانقسام وهذا التشتيت وكيف تصان وتعزز الوطنية والمنورون من السوريين ضاربون ~~في أربعة أقطار العالم، تائهون في فيافي النزاع والجدال، فتراهم قائمين بعضهم على ~~بعض في كل صقع وفي كل قطر وفي كل بلاد، الشعب السوري في المهاجر جاهل ولكنه ناهض ~~عامل، والشعب السوري في الوطن منور إلى درجة ولكنه متقاعس متغافل. # هناك ترى السوريين في هرج ومرج وشغب ونزاع وجدال وقتال، تراهم أبدا قائمين ~~قاعدين ضاربين شاكيين، وهنا تراهم إلى السكينة والاستكانة مخلدين، هناك تضعف ~~الوطنية ويقوى التعصب الديني من عوامل خارجية، وهنا قد ينتج ذلك عن عوامل داخلية، ~~هناك نهاميون وزرازرة من الإكليروس عاكفون على جمع المال عاملون على إثارة الفتن، ~~وهنا - ولكن قد فاتني أن البحث في شئون ذوي الرئاسة محظور في هذه الجمعية بل في ~~هذه البلاد، هناك صحافة عربية نمت في ظل الحرية، فوافقها الهواء إلى حد أن صارت ~~صحتها فيه بلية، وهنا - ولكن الصحافة بنت الزرازرة والنهاميين فكما راعينا خاطرهم ~~يجب أن نراعي أيضا خاطر ابنتهم هذه العانس الفضفاضة الوهنانة. # الصحافة السورية في أميركا وما أدراك ما هي، سطور تلمع من خلالها الخناجر والحراب ~~وأعمدة تطفح بالحامض الكبريتيك، وأما هنا فعندنا زنابيل من القش ملؤها قطن منفوش ~~وبخور يحرق في مجامر التدليس حول الأرائك والعروش، ولكن قد فاتني أن الخوض في ~~أمور السياسة محظور في هذه الجمعية، بل في هذه البلاد، هناك قوم يقدمون على غير ~~هداية، ويخبطون خبط العشواء في البداية، وهنا كرام يرون البقاء في الخيام خيرا من ~~الهيام في الظلام والجمود خيرا من التطواف خارج الحدود. هناك حرية يرافقها بطر ~~وأشر وحماقة، وهنا تهذيب ناقص يتراوح بين المراعاة واللياقة، ويسير مستسلما ~~مكتئبا من الخمول إلى الذبول، هناك قيل لا يتبعه عمل وهنا لا قول ولا عمل. # ولعمري هذا الأخير أحسن من ذاك. هناك ضجة وقعقعة وضوضاء، وهنا هدو وقناعة ~~ورخاء، هناك صحافي يقارع كاهنا وكاهن يصارم صحافيا وهنا - كاد يطيش السهم ثانية ms148 ~~أو بالحري كاد يصيب كبد الحقيقة لو لم ترده هذه الجمعية الزاهرة بمجن التحظير: هنا ~~وهناك وهناك - وهل ينطق من في فمه ماء؟ نعم كدت أنسى ما وعدتكم به، ماذا تظنون لقيت ~~على شاطئ البحر؟ أسمكة من ذهب أو صدفة من الندى المتجمد على الصخور أو لؤلؤة صفراء ~~أو مرجانة بيضاء أو بنتا من بنات الأمواج الزرقاء اللائي يحلم ويهيم بهن الشعراء ~~أو شيئا أندر من كل نادر تحت السماء؟ لا، لا، ما لقيت شيئا من هذا، ما لقيت على ~~شاطئ البحر سوى الأمواج ثم الأمواج ثم الأمواج. # وهذا من مثل كلام المتصوف الذي يختلي بنفسه ويقول: قد وجدت روحي قد لقيت ذاتي ولك ~~أن تسأل هل كانت روحه - قدس الله سره - ضائعة أم كان هو محجوبا عن نفسه. ولكنني ~~أعجز عن الجواب؛ لأن الله يفتح علي في مثل هذه الأمور، ولهؤلاء المتصوفين ~~ضروب من الكلام لا نلحنها نحو العوام، غير أني أهديك إلى القشيري والسهروردي إذا ~~كنت لا تخاف أن تضيع في براري شطحاتهم وسرداب أسرارهم، وإذا أغلق عليك هناك فإليك ~~بفلاسفة الألمان الروحيين أو ببراهمة الهند القانتين. # وأما كلامي فكلام شاعر مفتون، لا كلام متصوف مغبون، نعم، ما لقيت على شاطئ البحر ~~سوى الأمواج القائمة القاعدة، الراغية الزابدة، الهاجمة الهائجة، سوى الأمواج تلاعب ~~الرمل فتترك عليه أثر حنين البحر إلى ما خرج من بطنه من سواحل وسهول وجبال، لقيت ~~هذه الأمواج أو بالحري لقيت فكرا صغيرا في موجة صغيرة منها جاءت تلثم قدمي ~~ضاحكة وعادت إلى حجر أمها راغبة راضية، ففكرت في نفسي إذ ذاك وقلت: أليست هذه ~~الأمواج من ذات البحر الذي تتلاطم أمواجه حول جبل طارق؟ # أولا تنقل أمواج البحر الواحد من مكان إلى آخر في مدار الليالي والأيام فتسافر ~~الموجة الواحدة إلى سواحل سوريا كما تسافر بواخر الميساجري ماريتيم، أولا تمتزج ~~أمواج البحر المتوسط بأمواج البحر الأتلنتيكي عند ~~مجتمع البحرين، أولا تسافر الأمواج من مرفاء نويرك إلى جبل طارق ومن ثم إلى سواحل ~~آسيا الصغرى؟ ms149 إذن - وها قد وصلت إلى بيت القصيدة - ما الموجة التي لثمت قدمي إلا ~~رسول خير من بلاد العلماء إلى بلاد الأنبياء، ما هي إلا موجة واحدة صغيرة من بحر ~~النور والهدى يقذفها المغرب إلى المشرق. # إن هي إلا موجة من أمواج العقل والحجى، يسوقها الله إلى بلد ميت فيحييها بعد ~~موتها، إن هي إلا موجة من أمواج النفس البشرية النبيلة تحملها الرياح والأعاصير ~~إلى المستضعفين المستذلين من العباد في كل بلاد، إن هي إلا موجة من أمواج الحب ~~والحنان يشحذ بها الأصفياء الأحرار عزم أولئك المنقادين للهوان المستسلمين ~~للامتهان، إن هي إلا موجة من الأمواج التي تغسل قدمي إلهة الحرية الرافعة نبراسها ~~في مدينة نويرك العظمى، وإني لأقول لكم الآن لا بد أن يرى المستقبل مثل هذا التمثال ~~الجليل الجميل في كل مدينة كبرى من مدن الشرق الأقرب والأقصى. # وإذا لم يكن تمثالا من نحاس أصفر أو رخام ثمين، فتمثال من نور في قلوب أرطنيين، ~~وهذه شبه نبوة بيد أني قصير الباع في هذه الصناعة، ولكن قد جاء في الحديث الشاعر ~~جزءان من ستة وأربعين جزءا من نبي، ولعل أحدكم يقول قد جاء أيضا والشعراء يتبعهم ~~الغاوون وهم في كل واد يهيمون، نعم قد سمعت هذا الحديث ولكنني لا أسألكم أن تتبعوني ~~اذكروا فقط كلامي، ودعوني وأحلامي. ~~(3) الحرية والتهذيب # 5 # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في ~~الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم ~~الوارثين ~~. ~~(سورة القصص 5) # أيها الوطنيون # أنتم المستضعفون في الأرض، وأنتم - إن شاء الله - الوارثون، ويشهد على ذلك نير ~~ماضيكم وحرية حاضركم، يشهد على ذلك ظلام أمسكم ونور يومكم، فأنتم المفلحون ~~والمحررون بفضل زعماء الآراء الحرة وبفضل الجند العثماني الذي سيبرهن لأوربا اليوم ~~بأن الشرق لم يزل منبت المعجزات، ففي الماضي كانت معجزاته دينية واليوم معجزاته ~~سياسية، بالأمس دهشت دول أوربا بالمعجزة التي أتتها اليابان واليوم تدهشها ~~المعجزات السياسية والاجتماعية في دول بني عثمان، فأوربا لا تعرف حتى الآن معنى ~~الثورة السلمية وما رأت بين شعوبها المتباينة عناصرها السياسية والمتضاربة ms150 مذاهبها ~~الاجتماعية مثلما يسود اليوم في أمتنا من التساهل والمساواة والإخاء. # 6 # وهذا هو النور الذي ينشق من الظلام، هذه وردة الوئام التي تنبت على ~~ضريح الشقاق والخصام، هذه هي الحرية التي تشيد الأمة هيكلها في روضة الألفة ~~والسلام. # جاء في بعض الأسفار أن الأطباء الأقدمين اكتشفوا العقاقير القتالة قبل العقاقير ~~الشافية، وكذلك يصح أن يقال في حكومات العالم بأسرها القتالة منها وجدت قبل ~~الشافية، ولا فرق إن كانت الحكومة أبوية كما في الصين أو أميرية كما في الهند أو ~~استبدادية كدول آشور ومادي وفارس أو كحكومة الروس بالأمس، فكلها من الأدوية القتالة ~~التي يسقيها الحاكم المحكوم ليقتل فيه الروح ويتمكن من إرهاب الجسد وتسخيره ~~واستعباده، فالظالم مجرم أيا كان، والحكومة الاستبدادية ذاهبة إلى البوار في كل ~~مكان، ولنا في حكومتنا على هذا أشد وأقطع برهان، فبالأمس كانت الأمة العثمانية ~~تتقلب على فراش الموت واليوم تمرح فرحة تحت سماء الحياة وفي ظل الحرية والدستور، ~~لنهنئ أنفسنا إذا لأننا عشنا - والحمد لله - لنرى الظلم مدرجا بكفنه الدائم، ~~والاستبداد هاويا إلى الجحيم. # بالأمس كان خطيبكم يتسنم على المنبر فيجمجم الكلام ويوريه، ويلغز ويرمز، ويعقد ~~مقاله ويلويه، لتخفى على جواسيس الحكومة معانيه، واليوم نراه كما لو كان في باريس ~~أو في نويرك يصدع بالحق ويجاهر مصرحا بآرائه ومباديه، والفضل في ذلك عائد إلى ~~زعماء النهضة الإصلاحية النظريين، وإلى زعمائها العمليين، وإلى الرئيس الأكبر الذي ~~انتهت إليه مطالب هؤلاء العثمانيين. بل الفضل عائد إلى كل من حرك قلما لبث ~~روح الحرية والدستور، وإلى جلالة السلطان الذي كلل النهضة بالفوز فصان الدولة من ~~الخطوب والمحن، وخلص الأمة من الهزاهز والفتن، فالأمة التي كانت أمس أسيرة ~~ظلمه أصبحت اليوم أسيرة فضله، وقد يكون الآسر أكبر من الأسير ولكن العاتق يا سادتي ~~أكبر من الاثنين، فالسلام اليوم على عبد الحميد، والسلام على عهده الجديد، سلام ~~على عصر الحرية المجيد. # 7 ~~••• # وجدير بنا بعد هذا التشبيب الذي لا بد منه للخطيب البحث في ماهية الحرية ~~وأصولها باختصار يوجبه ms151 الوقت والمقام، فالحرية اليوم كلمة تملأ أفواه القوم، الحرية ~~جمال يزدهي في أعمدة الصحافة وأندية الأمة، الحرية مجد أنسى التجار أشغالهم، ~~والأتقياء فروضهم وأنفالهم، الحرية آلهة هجرت الأمة معابدها لتعبدها. # كل ذلك جائز كل ذلك حسن إن لم يكن مفيدا، ولكنني في كل ما قرأته في الجرائد لمن ~~كتبوا وخطبوا ما اطلعت على كلام في الموضوع حري بالنظر والاعتبار، وقد يكون فاتني ~~في عزلتي كثير مما كتب وفات الشعب في ابتهاجه وهوسه أكثر من ذلك؛ لأن المعقولات في ~~مثل هذه الأيام قلما تستلفت أنظار الناس والبحث الفلسفي في الموضوع لا يروق الشعب ~~ولا يلائم الزينة في المدينة. على أنني دعيت إلى الخطابة في هذه الحفلة الشائقة ~~فينبغي لي أن أقول الكلمة التي يوجبها العلم ويقتضيها الضمير ويؤيدها الاختبار، ~~ولكم أن تنبذوها بعد أن تسمعوها أو تزرعوها فتستثمروها. # كل انقلاب في الحكومات لا يسبقه انقلاب في الأفكار والآراء لا يرجى منه كبير ~~فائدة، فالحرية السياسية جميلة وأما وحدها فمنافعها قليلة، ومن الواجب أن ~~يتحرر عقل الأمة وضميرها ليتعزز شأنها وشأن حكومتها. واعلموا أن ثورة روحية في ~~بلاد الإفرنج هي أصل هذه الحرية السياسية التي نتمتع بها اليوم فرحين مبتهجين، ~~يقال إن للجند يدا في هذه النهضة الإصلاحية ولا ريب عندي في ذلك، ولكن الجند في ~~الحكومات الاستبدادية إذا امتهنت حقوقه وحبس زمنا معاشه يقيم السيف في أمره حجة ~~قاطعة. # وكثيرا ما حدث من مثل هذا الحادث في الحكومات الاستبدادية في سالف الزمان، وأما ~~الآن فنرى أن الجند العثماني ينصر النهضة الفكرية الإصلاحية ويثق تمام الثقة ~~بمواعيد زعمائها، والفضل في تغلب الفكر على القوة والعقل على السيف حتى في الجند ~~عائد إلى شيء جميل في مدنيتنا ينتشر في العالم انتشارا سريعا، وهذا الشيء الجميل ~~يتجسد أحيانا في دعاة الإصلاح الصادقين وغالبا في الفلاسفة والشعراء الحقيقيين. ~~فالشورى على وجهها البسيط قديمة في العالم، وطريقها من المشرق إلى المغرب يكاد ~~يختفي في ظلمة التاريخ، وأما من المغرب إلى المشرق فمسلكها واضح وآثارها جلية، ~~فمن ms152 المصلحين العثمانيين إلى المصلحين الروسيين مرحلة قصيرة، وتكاد أسباب مجلس ~~المبعوثين تتصل بأسباب مجلس الدوما وفي الدوما تتجلى لنا أرواح باكونين وتورغانيف ~~وتولتسوي وغوركي، وهؤلاء منبثقون من فولتير وروسو وديدارو وهوغو، وروسو وفولتير ~~وهوغو مديونون لكالفين وجون نكس ولوثيروس بكثير من الحرية التي تنبعث أشعها من ~~أقوالهم. # فالثورة الروسية إذا هي ابنة الثورة الإفرنسية وكلكم - على ما أظن - تعلمون ~~ذلك، والثورة الإفرنسية - وهذا ما لا أظنكم تعلمون - هي إحدى نتائج الثورة الروحية ~~التي أطلقت ضمير الإنسان من قيود الخرافة السوداء، وعقله من قيود السلطة الصماء، ~~وقلبه من قيود الطاعة العمياء، فتدبروا هذا، واعلموا أن الحرية الروحية هي رسول ~~الحرية السياسية، وإذا جاءت هذه قبل تلك يعد مجيئها نقصا لا بد أن تحاسبنا عليه الأيام. # 8 ~~••• # ورب قائل يقول: وما معنى الحرية الروحية؟ فقبل أن أجيب على هذا السؤال أوجه ~~إليكم سؤالا آخر: أتظنون أن كل من عاش في ظل الدستور صار حرا، أتظنون أن كل من ~~تمتع بحقوقه المدنية أصبح حرا، أتحسبون الفقراء والعمال في الجمهوريات من ~~الأحرار، أتقوم الحرية بهذا الوهم الذي يدعونه في الحكومات الدستورية حق الاقتراع، ~~أتعجبون إذا قلت لكم: إن نصف سكان الولايات المتحدة لا يزالون مكبلين بسلاسل ~~العبودية، فما الفائدة للخادم من الحرية التي تتوقف على إرادة سيده الخبيثة ~~الجائرة، ما الفائدة من الحرية السياسية التي يكفلها له القانون إذا كان القانون في ~~قبضة الأغنياء، أفمثل هذا يعد حرا وهو لا يستطيع أن يبدي رأيا مخالفا رأي ~~سيده، أيعد حرا من لا يملك نفسه من لا رأي ولا روح له، أيحسب حرا من كان وجدانه ~~مقيدا بوجدان من يتوقف عليه معاشه، فالتسكسك في الولايات المتحدة أي: بذل ماء ~~الوجه أمام أرباب المال. هو مشتق من التسكسك في الشرق، أي: تعفير الوجه أمام ~~أرباب السلطة والسيادة، والمتسكسك - يا سادتي - وإن ملأ ماضغيه فخرا بالحرية ~~والاستقلال والمساواة فما هو إلا عبد تكللة، لا رأي ولا نفس له. # الحرية الروحية إذا هي أن يكون الفرد مالكا نفسه، أي: ms153 مطلقا من القيود التي ~~تضغط على روحه وعقله إن كانت هذه القيود عائلية أو اجتماعية أو دينية أو سياسية، ~~الحرية الروحية هي أن تكون روح كل امرئ بيده وتصرفه، لا محجوزة ولا موقوفة، ولا ~~مبيعة ولا مرهونة. # وطالب هذه الحرية يتدرج فيها من بيته إلى دائرة أشغاله ومنهما إلى معبده وحكومته. ~~فينعتق أولا من الواجب الكاذب الذي يفسد الحب في الأسرة، ومن المصادقة التي ~~تدعى لطفا وصداقة، ومن الخرافات التي تشوه وجه الدين، ومن التقاليد التي تفسد ~~الحكومة. فواضح إذا أن الحرية السياسية هي فرع من الحرية الجوهرية الأصلية الروحية ~~أو هي نتيجة من نتائجها، وهذه الحرية يحدها ويقيدها الناموس من جهة والتهذيب من ~~الجهة الأخرى، فبدون الناموس يستبد الحاكم ويوغل في الطغيان، وبدون التهذيب يستبد ~~الشعب ويمعن في العصيان، بدون الناموس يسود الظلم في الحكومة، وبدون التهذيب ~~تسود الفوضى في الأمة. # فالناموس القويم الحي والتهذيب القويم الحي إنما هما حصنا الحرية المنيعان. ~~وأما الناموس فتمثله الحكومة في الدستور ويمثله الدين في الإيمان، وتمثله ~~الإنسانية في الضمير، فالضمير الحي والإيمان الحي والدستور الحي إنما هي ~~الدعائم الثلاث التي تقوم عليها الحرية الحقيقية المعنوية الجوهرية. الحرية ~~الثالوثية التي هي واحدة أي: الحرية الروحية والحرية الأدبية والحرية ~~الدينية. # وإن كان المرء حرا سياسيا ومقيدا دينيا وأدبيا فحريته ناقصة، والحرية ~~الجوهرية الروحية الكاملة لا تسود وتنتشر في الأمم إلا بواسطة العلم الصحيح ~~والتهذيب الصحيح. فعلينا إذا أن ننادي بإصلاح المدارس بعد أن فتح لنا باب إصلاح ~~الحكومة، فإن أصلحنا الحكومة وظل التعليم تحت سيطرة من يقتلون في الناشئة ~~العثمانية عزة النفس وروح الاستقلال وعاطفة حب الوطن ويعطونهم بدلا من ذلك قليلا ~~من العلم الذي قلما يفيد، نعود إلى الحال التي كنا فيها وتمسي حريتنا كجواد ~~الإمبراطور الروماني كاليغولا # 9 # ودستورنا كطيلسان ابن حرب أو كجبة ديوجن، # 10 # علينا إذا أن نبث الروح الجديدة في مدارسنا، علينا أن نشيد لحريتنا ~~حصنا من التهذيب كما شيدت لها الحكومة حصنا من الدستور، علينا بالجهاد والثبات، ~~وبالتيقظ ms154 والتحذر، تحذروا أيها العثمانيون وتنبهوا. # تحذروا من انقلاب الأحوال وتقلب الرجال فإن للوزارة في الدولة مقاصد تخفى على ~~ممثلي الأمة وعمال الحكومة. # تحذروا من رجعات الظلم، تنبهوا إلى عودات الاستبداد فإن في السياسة من الأحابيل ~~والأشراك ما لا يعرفها إلا من أشرف في السياسة مرارا على الهلاك، احذروا من كان ~~في عهد الظلم حرا فأصبح اليوم مقيدا، فبدل الجاسوسية القديمة قد يتألف اليوم من ~~حزب التقهقر جاسوسية جديدة. # احذروا حيل المشعوذين والممخرقين كحذركم دسائس المعزولين والساقطين، ولا تغضوا ~~الطرف عنهم قائلين: إن لسمهم درياقا بالدستور، لا تأمنوا السم بأصفهان، إن كان ~~درياقه بخراسان. # احذروا الخونة والمرائين الذين ينادون معكم اليوم «فلتحي الحرية» وهم في قلوبهم ~~يلعنونها. # احذروا من المأمورين من يبتهج ويفرح معكم بالدستور وكان الظلم من طبعه والاستبداد ~~وراثة فيه، فإن العوسج لا ينبت تينا، والصخر لا يستحيل ماء معينا. # احذروا من اتخذ السياسة حرفة والسيادة بابا للارتزاق؛ فإن المعدة والأهواء ~~والمطامع تنسيهم الشعب والدستور والحرية. # احذروا المصلحين الكاذبين الذين يتزلفون من الشعب اليوم كما كانوا أمس يتزلفون من ~~السلطان ووزرائه، فإن طالب الوظيفة واحد، إن أحرق بخوره أمام الباشاوات أو أمام ~~الجماعات. # تحذروا من جهل الشعب العاتي كما كنتم تتحذرون البارح من ظلم الحكومة العاتية، ~~فالتاريخ شاهد على ما ارتكبه الشعب باسم الحرية من المظالم والفظائع، واحذروا في ~~انتخاب المبعوثين نفوذ رجال الدين فالعضو الذي ينتخبونه يؤثر في المابين مصلحتهم ~~على مصلحة الأمة. احذروا أيضا نفوذ الأغنياء الذين لا يهمهم من الحرية والدستور ~~سوى ارتفاع الأسعار في البورص وهبوطها. إذا شبع الزنجي بال على التمر. # احذروا من ينتمي إليكم اليوم ممن يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن الحق، ~~أولئك الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقون منها في سبيل الأمة والوطن والخير ~~العام. # وبكلمة أعم: احذروا الحرية التي لا ينيرها التهذيب والتهذيب الذي لا تنيره ~~الحرية. ~~(4) الثورة الأدبية # 11 # سادتي وسيداتي # قبل أن أبدأ بالكلام أطمئنكم ألا أكلمكم هذه الليلة بالرموز والألغاز، بل في ~~نيتي أن أجرد الأشياء من ms155 زيناتها وأسميها بأسمائها، فإن ذكرت العقاب مثلا لا ~~تظنوني أشير إلى شيء خفي تحته أو فوقه أو وراءه أو فيه بل أريد العقاب ~~بعينه، وإن قلت: هبت الشرقية، فلا تقولوا ما أجمل هذا الصور الخيالية، فإني أقصد ~~النار الحقيقية تلك التي لو مر العقاب فوقها لوقع فيها مشويا. قد حان لنا أن ~~ندعو المعول معولا - على حد قول إخواننا الأميركيين - وبناء على ذلك سنبقى على ~~الأرض هذه الليلة بعيدين عن القمر والجوزاء وعن تبرقش الشعراء. # لما وقفت أمامكم في السنة الماضية شعرت بوجودي معكم في غور الحياة، بل في أردن ~~الموت، وأما الآن فأراني - والحمد لله - أخاطبكم وأنتم في سهول الصحة تستنشقون هواء ~~الحرية، فمن أردن الموت إلى سهول الحياة وحقول الحرية إنها لخطوة خطيرة، ولكنها ~~صغيرة، هي خطوة إلى الأمام ولكنها لا تغني عن رحلتنا الطويلة شيئا من الإقدام ~~فإن حولنا وجهنا إلى مشرق الشمس نرى الجبال قائمة في طريقنا لا تعترضنا في ~~سيرنا بل لتشحذ منا الهمة وتوقظ فينا النشاط. # وكلما صعدنا في جبل نشاهد فوقنا روح ما تجسد من الآمال، وهي تدعونا إلى ما ~~فوقها من الجبال، وإن الأمة التي تستيقظ من سباتها وتنفض عنها غبار فتور ~~الأجيال ينبغي لها أن تواصل السير بالسرى وإلا تقهقرت فسقطت ثانية في الوهدة التي ~~قامت منها. ولا يخفى عليكم أن الطريق وعرة، والزاد قليل، والنفس مضناة من إقامتها ~~طويلا في الغور، والأحمال ثقيلة، والأدلاء كثيرون، ولكننا سنتوقف - إن شاء الله - ~~في مسيرنا على رغم هذه الصعوبات والعقبات إذا اتخدنا شمس العلم دليلنا، والآداب ~~والفنون زادنا. # إن الشمس المشرقة علينا من المغرب اليوم هي - والحق يقال - شمسنا، هي شمس ~~آدابنا، هي شمس أدياننا، هي شمس مجدنا الغابر، فإن نظرتم إلى خارطة العالم تروا أن ~~من البلاد ثلاثا آخذة منه مركز القلب، وهذه البلاد هي سوريا وفلسطين وجزيرة العرب ~~وما بين النهرين، هذه البلاد وطننا، هذه البلاد قلب العالم، وفي هذا القلب ظهرت ~~الأنبياء وفيه نشأت الأديان، ومن هذا القلب أشرقت على ms156 أوروبا في الأجيال الوسطى ~~شمس العلم والفلسفة والآداب، فأنارت ظلمات الأوروبيين وخرجت بهم من مهامة الجهل ~~والتوحش إلى واحات الرقي والعمران. # أجل إن وطننا لقلب العالم ولكن أوروبا رأسه، وإن كان القلب منشأ الخيال ~~والنبوة فالرأس منشأ العلوم والفنون على أن النور المنبثق من الرأس فقط هو كالنور ~~الاصطناعي الذي يضيئون به المراسح في أوروبا، هو نور بارد جامد خاسئ وإن لم يشترك ~~مع نور القلب وحرارته فلا خير فيه للإنسان مهما عظمت نتائجه في دوائر العمران ~~والفنون إن لم يكن الضمير أساسها والإخلاص لبها ونفع البشر غايتها الأولى. هي ~~أفيون لا فنون، فإنها تخدر الحواس وتذهب بشيء من الهموم، ولكنها تقتل النفس ~~وتفسد الحياة. # إن سكان هذه البلاد التي هي قلب العالم لشبيهون بشجرة ذكرها النبي شجرة مباركة ~~لا غربية ولا شرقية، نحن اليوم واقفون بين مدنيتين متناقضتين معاديتين الواحدة ~~منهما الأخرى، مدنية جديدة ومدنية قديمة، مدنية أوروبية ترفع أعلامها في البلاد ~~كلها، ومدنية شرقية لم يزل لها المقام الرفيع بين فئة راقية من نخبة الأدباء ~~والفلاسفة في أوروبا. فإن كان هؤلاء الأوروبيين يجدون في مدنيتنا ما لا يجب تركه، ~~ما لا يجوز اضمحلاله كم بالحري نحن؟ # ولي كلام طويل في هاتين المدنيتين أقول الوجيز منه الآن لست بجاهل ما في مدنية ~~اليوم لمن كثر ماله فقط من دواعي الراحة في المعيشة البيتية المادية والسهولة ~~والسفر والمواصلات، ولا أظنكم تجهلون ما في التعادي والتكالب في سبيل هذه الأشياء ~~أيضا والبلاء، فإن المدنية التي يدعى التكالب فيها نشاطا والخداع براعة والقوة ~~حقا هي عندي شر المدنيات، وهذه مدنية أوروبا اليوم مدنية كهرباء هي وبخار، ~~مدنية تجارة وكسب واستغرار، مدنية حروب وفتوحات واستعمار، ليس فيها للضمير والذمة ~~أثر من الآثار، مدنية جذورها حب الذات والاستئثار، وثمارها اليأس والانتحار، لا ~~تقولوا بالغت؛ فإن كلامي من الاختبار، لا من المجلات والأسفار. # وأما مدنية الشرق فلست بناكر أنها مدنية فتور وجمود واستسلام، مدنية أصولها ~~القضاء والقدر ولبها محض أوهام، ولكن فيها من جميل العادات ms157 والتقاليد، من جميل ~~العواطف والشعور، من شهامة النفس وكرم الأخلاق، من الاعتدال في العيش والبساطة؛ ما ~~تفتقر إليه مدنية أوروبا. وهذه الخلال الشريفة تبعث الحرارة من الحقيقة الباردة ~~القاسية فتمسي الحياة خفيفة الأحمال مرضية الآمال. # ناهيك عن أنه لم يزل في هذه المدنية القديمة شيء من الضمير الحي والتجرد في ~~الولاء، مما يزيد النفس الشرقية جمالا. والضمير الحي - أيها السادة - هو ملح ~~العلوم والفنون والآداب، ومن هذه كلها تتغذى المدنية الحقة. # نحن اليوم واقفون بين هاتين المدنيتين، بين مدنية غازية منتصرة وأخرى مدبرة، ~~فعلينا أن لا نخضع على الإطلاق لهذا الفاتح الغازي، وإن تمسك بما في مدنيتنا من ~~الخير الروحي، ولا ينجينا من استبداد هذه المدنية الفاتحة القاهرة ويحفظ لنا حسنات ~~تلك المدبرة سوى الآداب. # ولا أريد بالآداب الكتب فقط بل أريد منها آداب النفس أولا والأخلاق، إن الدين - ~~وهو أب مدنية الشرق - يرفض بتاتا مدنية الغرب، والعلم المادي - وهو إله مدنية ~~الغرب - يرفض بتاتا مدنية الشرق. فالدين والعلم في هذا الموقف متغرضان كل لقومه ~~ولا ينفعنا الواحد منهما دون الآخر، وإني لا أجد في كل قوى الفكر والنفس وثمارهما ~~أصلح وأنجع من الآداب تجمع بين الاثنين فينشأ عن ذلك مدنية جديدة قوامها الصنائع ~~والفنون وشعارها الإخاء العام، واعلموا أن الفنون السامية الجميلة هي التي تتغذى ~~من العلم والدين معا. # والأمة التي تجعل مثل هذه الفنون أساس حياتها الاجتماعية تكون ولا غرو مجد ~~المستقبل وأم الأمم. على شطوط البحرين وفي أودية الرافدين أحب أن أشاهد مثل ~~هذه المدنية الجامعة بين محاسن المدنيتين، أحب أن أرى في قلب العالم جمال روح ~~العالم وكمالها، أحب أن أرى في بلاد الشام وبلاد العرب ثمار الأنبياء وثمار ~~العلماء على شجرة واحدة. أحب أن تزرع بساتين هذه الأرض المقدسة من تلك الشجرة ~~المباركة، شجرة لا غربية ولا شرقية. وأحب أن أرى الأدباء والشعراء بعيدين عن ~~السياسة وأوحالها، منصرفين إلى حراثة هذه البساتين الجميلة. # أيها السادة! لا تظنوا أن الانقلاب السياسي يجدي نفعا إن لم يتبعه ms158 انقلاب أدبي، ~~لا تظنوا أن في الحكومة الدستورية دواء شافيا لكل أمراضنا، لا تظنوا أن الدستور ~~وحده يخلص الأمة من الأخطار المحدقة بها النامية في قلبها وأن الصحافة الحرة تقف ~~دائما - من أجل الأمة - في وجه المشعوذين والمضللين والمفسدين. وهل الدستور ~~والصحافة الحرة رقيتان من رقيات السحرة حتى إذا قلنا مثلا شولم صحافة! صرنا شعبا ~~حرا، شولم دستور! صرنا أمة راقية؟ لا يا إخواني لا، فإن طلبتم الحرية اطلبوا ~~المعنوي منها قبل الحرفي، الجوهري قبل السياسي. # اطلبوا الحرية الروحية التي تحصنها الآداب قبل الحرية المدنية التي تتاجر ~~بها الأحزاب، وإن خفي عليكم الفرق بين الاثنتين اذكروا أن حرية الجسد لا تجدي ~~المرء نفعا إذا كانت النفس مقيدة، وإن حرية الفكر والقول لا تغني فتيلا إذا ظلت ~~الروح أسيرة ما اعتاده الجسد من الراحة والترف والرخاء أو الذلة وتعفير الوجه ~~والعياء. # إخواني! إن الفرق بين الحرية الأدبية الروحية والحرية المدنية المادية لهو كالفرق ~~بين حرية السياسي في مراوغاته وحرية البدوي في خيمته أو الرجل الصالح الجريء في ~~معاملاته. أجل إن الحرية الحقيقية هي التي تنشأ في النفس لا التي يمنحها الملك ~~الرعية، فإن هذه تزعزعها الأهواء ويتاجر بها الزعماء وتقتلها رجعات التقهقر ~~الشعواء، وتلك كنز من كنوز النفس الخالدة، والذين لا يناضلون عن مثل هذه الحرية ولا ~~يفادون من أجلها بشيء مما ألفوه من رخاء العيش أو بشيء مما نالوه من المال أو ~~الرفعة والوجاهة فما ضرهم لو دعوا كلابهم أحرارا وذكروا عزت في صلواتهم مرارا، ~~الذين يتنازلون عن حريتهم ويتاجرون بها كما لو كانت ثوبا من الخام أو سهما من ~~أسهم البورص فإن هم إلا قبور متحركة إذ ما الجسد إلا كالقبر لنفس باعت حريتها. ~~ولكني خرجت عن الموضوع. # قلت: إن الآداب التي تجمع بين العلم والدين تكون قوام المدنية الجديدة التي يقرن ~~فيها بين مدنية المغرب المادية ومدنية المشرق الروحية، ولكن آدابنا لم تزل تحت ~~سيطرة المتدينين والمتنطعين، وأنفسنا لم تزل في ربقة رجال الدين، وإن لم نتجرد من ms159 ~~هذا الاستبداد الديني، أو بالحري السفسطي كما تجردنا من الاستبداد السياسي تظل ~~آدابنا مبتذلة جامدة خاسئة ونعود بعد حين إلى ما كنا فيه من الفتور والخمول ~~والانحطاط. # خذوني بحلمكم فأقص عليكم بوجيز الكلام قصة لكهان، ونشوء العبادة في قلب الإنسان، ~~لنعد إلى الأكواخ إذا فنحكي هناك شيئا من حكاية أجدادنا الأولين، من المعقولات ~~التي لا تنفيها الإلهيات أو الإلهيات التي لا تنفيها المعقولات. # إن أول دعوة لباها الإنسان دعوة بطنه وشهواته، وماذا يهمنا وقد علمنا هذا فيما ~~إذا كان يمشي على الأربع في تلك الأيام أو على الاثنين، فإن في العالم حتى اليوم ~~كثيرا من الحيوانات التي لا تمشي على الأربع. # هذا الحيوان الناطق إذا لم يكن يفهم في بادئ أمره إلا حديث معدته وحديث كبده، ~~فكان لا يحسن غير الصيد والحرب والأكل والسفاح، وبعد فترة من الزمن مقدارها ألفان ~~قرن أو ألفان عام - لا فرق عندي - بدأ يسمع صوتا آخر من فوق المعدة والكبد، بدأ ~~يشعر بدعوة القلب، فصار يعطف قليلا على أولاده، إن لم نقل أيضا على شريكته، بل ~~جاريته، بل بعلته، وعلى هذا الحال عاش سنين - وللعلماء أن يجمعوا الألوف منها فوق ~~الألوف فإن عدها لا يستحق تعب الفكر - عاش سنين وهو لا يرى ولا يسمع سوى ما ~~زينته له الغريزة وحدثته عنه المعدة. # أولا ترون أن بعض الشعوب اليوم فضلا عن القبائل المتوحشة لم تزل في هاته الحالة ~~المنحطة من الحياة، فإن القوى المدركة لم تظهر فيهم بعد، وفي هذه الفترة الطويلة ~~الأمد نشأت - على ما أظن - العبادات والمعبودات التي كانت في بادئ الأمر مادية ~~محضة؛ لأن هذا الحيوان الناطق بل هذا الصياد الغازي المسافح ما رأى في الأشياء إلا ~~ما ظهر منها، ما رأى في الشمس إلا النور، ما رأى في الشجرة إلا ثمارها وأغصانها ~~وقشورها، ما رأى في النار سوى لهيبها ودخانها ورمادها، ما رأى في الحيوانات سوى ما ~~بدا منها وما ظهر من حركاتها. في تلك الأيام السعيدة كان كل حيوان ناطق يعبد ms160 طاغوته ~~ويحب مرمورته على طريقته الخاصة بمقتضى شعوره وهواه عملا بداعي القلب ~~والغريزة. # وبعد مضي أحقاب وهو في هذا الغور من الحب والعبادة ارتقى قليلا إلى ما فوق ~~السهول وبدأ يشغل المخيلة منه حتى صار يرى في الأشياء شيئا تحت القشور وتحت ~~الرماد، وبما أنه لم يدرك أسرارها راح يسلي نفسه بالأشعار ويعللها بالخيالات. ~~وبمقتضى هذا طفق كل إنسان يمثل الخالق في الشكل الذي انطبع في قلبه أكثر من سواه، ~~ولا حاجة لتعداد هذه المعبودات كلها، فلو جئت أعد منها لا أن أعددها لاقتضى ذلك من ~~الوقت ما لا يسمح به المقام. ولكن إذا ذكرنا منها الجعل والشمس فقط نكون قد أتينا ~~على ذكر أولها وآخرها، أوطاها وأعلاها، أصغرها وأكبرها، وحالة الفرد تجاه معبوده في ~~تلك الأيام لم تزل سائرة اليوم في شعوب الأرض كلها وما ارتقى في الأمم سوى ~~الأفراد. # ولكن لنعد إلى أجدادنا أصحاب الأكواخ. لما ظهر في الجماعات أناس أرقى نوعا من ~~إخوانهم وبدا لهم أن الإنسان يرتاح إلى كل غريب عجيب - والزنجي والباريزي اليوم ~~سواء من هذا القبيل - لما علم هؤلاء الدهاة ما للخيال والوهم من السطوة على الأنفس ~~والقلوب؛ قاموا يؤسسون من هذه العبادات ديانات رسمية، فبنوا الهياكل وحاكوا من ~~أوهام الناس طقوسا وطرائق وأقاموا أنفسهم رؤساء في الهيكل وبدءوا يتكهنون ويمثلون ~~الله - أستغفر الله - يمثلون الطاغوت على الأرض. # وهذا - في رأيي - أول ما كان من أمر الوثنية والكهان، واذكروا أن الوثنية لم ~~تزل سائدة في بلادنا والكهان يتعاطون التجارة اليوم في دكانهم القديم. وقد ~~أوضحت كيف كان كل امرئ يعبد طاغوته على هوى قلبه قبل أن يولد الكاهن، ولكن هذا ~~المرمريت - اللفظة وحشية ولكنها في محلها - أول من ألف من هذه العبادات ديانة ~~رسمية فشيدت من أجلها الهياكل ونحتت الأصنام وقدمت الذبائح والقرابين، وتسربت ~~إلى بيت صاحبنا المتكهن العطايا والأموال، وذلك قبل أن يظهر في الأرض الأنبياء ~~الذين هم أعداء الملوك والكهان، فاذكروا هذا ولا تنسوه. إن الأنبياء لأعداء الظلم ~~في الملك والرجاسة في ms161 الهيكل والفساد في الجماعات. # وأما الكهان يا سادتي فهم أول من عاثوا في الأرض فسادا، هم أول من قيدوا ~~الأنفس البشرية واستعبدوها، هم أول من تاجروا بالخداع والتغرير، هم أول من استولوا ~~على الأمراء والملوك وأيدوا سلطانهم بأنباء من السماء مكذوبة. والكهان اليوم أو ~~رؤساء الأديان كلها هم أعداء الحرية الروحية الأدبية، ولا يغرنكم ما بدا منهم من ~~الارتياح إلى هذه الحرية التي منحنا إياها الدستور، فإن العنان لم يزل في أيديهم ~~والأرواح لم تزل في ربقتهم. الكهان هم أعداء الآداب الراقية، أعداء اشتياقات الأنفس ~~السامية إلى الكمالات الفكرية. على الكهان وآلهة الكهان امتشق نبي العرب حسامه في ~~الكعبة، وصب أشعيا نار غضبه في أورشليم. # على الكهان ومذابحهم وتزاويقهم وأصنامهم ورجاساتهم انقضت صواعق حزقيال في ~~إسرائيل وزمزمت رعود دانيال في بابل، على تغريرات رجال الدين وخزعبلات العبادات ~~قام عبد الوهاب في نجد ولوثيروس في وتنبورغ وجون نكس في إنكلترا وغيرهم في البلاد ~~كثيرون. فما علينا لو استغنينا عن المتكهنين المدلسين وتفلتنا من ربقتهم ~~واعتصمنا بالله وبدين الله وبأنبياء الله. تدبروا كلامي ولا تسيئوا افتهامي، إني ~~أحترم العاطفة الطينية التي تكاد تكون فطرية في الإنسان، ولكني لا أجد في خزعبلات ~~هؤلاء الناس وفي تنطعهم - وقد قيل: هلك المتنطعون - ما يساوي ذرة من نفس امرئ ~~راقية. # ولكن إذا لبس الكاهن أو الإمام لغايته ثوبا من التغرير والخداع ولبس المتعبدون ~~ثوبا من الجهل والخرافة؛ فذلك لأن الإنسان لا يسير في الأرض عريانا ينبغي له أن ~~يستر سوءته ولو بسوءة أسوأ منها. # وقد قال أحد المسلمين: إن من آفات الدين فسق المتكلمين وجهل المتعبدين. أيها ~~السادة، المرء يحتاج دائما إلى من يذكره بأنه من أبناء اليوم لا من بقايا الأمس، ~~يحتاج دائما إلى من يريه الربقة والقيود على روحه، يحتاج دائما إلى من يهمس في ~~أذنه أو يصرخ في وجهه: إنك إنسان حر، لا آلة في يد هذا أو ذاك يتصرف بها ساعة ~~يشاء كيف شاء، فيا أيها الشرقيون! إن تحت خريف نفسكم الدائم ms162 ربيعا جميلا إذا كنتم ~~تعقلون، إن تحت رهوكم موجات عظيمات لو ناهضتم العاصفة ولو مرة في الحياة، فإن مثل ~~هذه النهضات الروحية، مثل هذه الثورات الأدبية - وإن كانت عاقبتها اليوم غير مرضية ~~- فهي غدا للنفس منعشة محيية، مثل هذه النهضات تعود المرء الفكرة وتروض منه ~~الإرادة وتكسبه المنعة والاستقلال. # إن للماضي أثرا قويا في العروق، إن فتور الترقي وخموله لفي الدم، فإن كان لا ~~يمرن نفسه وإرادته على ما يحرك الدم - دم الجسد ودم الروح معا - يظل ما دام حيا ~~كطل من أطلال الزمان ولا ينهض الشرقيين من هذا الغور المظلم سوى الثورة الأدبية ~~التي يتبعها انقلاب عظيم في الأخلاق. # فها إننا صرنا أمة حرة ذات حكومة دستورية، ولكن ذلك لا ينافي ما في العائلة ~~وما في الطائفة وما في المدرسة من الجور والحيف والاستبداد، من العماوة والجهل ~~والفساد، ذلك لا ينافي ما في اصطلاحاتنا الاجتماعية - وأكثرها من فضول هذا التمدن ~~الإفرنجي - من الضيم والشقاء ما لا يماثله ظلم أظلم حكومة مطلقة. # ألا ترون أن التاجر لم يزل محني الظهر تحت أمواله وصكوكه، وأن الصانع لم يزل ~~أسير هذا العبد سيده، والتلميذ في المدرسة أسير جهل أستاذه، والأستاذ أسير استبداد ~~رئيسه، ألا ترون أن المصلح السياسي مرهونة حريته لخطة حزبه، والكاتب حريته عند ~~قرائه أو في قبضة رزقه، والصحافي حريته في جلده واستقلاله في كيسه - لا تؤاخذوني ~~فقد وعدتكم في البداية بأن أسمي المعول معولا والعقاب عقابا - ألا ترون أن المرأة ~~في البيت مقيدة بإرادة زوجها عادلة كانت أو جائرة، وأن الأب لم يزل يعتقد أن أصول ~~التربية في تأييد سلطته، وأن المأمور في الحكومة يتألم من ضغط ذاك الجا لس فوق ~~رأسه، والجندي من استئثار ضباطه، والكاهن من ظلم أسقفه، والأسقف من استبداد بطريقه، ~~والراهب يحترق في نذره ويئن من عنف رئيسه، والفلاح يتأوه من جور أميره، بل يصرخ ~~في بعض الأماكن تحت سوطه، شولم صحافة؟ صرنا شعبا حرا، شولم دستور؟ صرنا أمة ~~راقية. # إي إخواني! اسمعوا التقية تهمس ms163 في أذن هذا الشيخ: حافظ على مركزك. اسمعوا الخوف ~~يقول لذاك الصحافي: حافظ على مصلحتك. اسمعوا الذلة ترشد أخينا الفلاح قائلة: اتق ~~بطش سيدك. اسمعوا الجبانة تهمس في قلب الراهب: اتق الفضيحة وحافظ على ثوبك. ~~فالتقية والخوف والذلة والجبانة هي أعداء الإنسان الحقيقية، وإن لم يحرر نفسه منها ~~بنفسه فمائة قانون ومائة دستور لا تحرره. واعلموا أن الإرادة المستولية على أرواحنا ~~لا يخلصنا من ظلمها إلا إرادة أشد وأقوى منها. # لذلك أدعوكم إلى ثورة أدبية، أناشدكم بالحرية التي بعثت من غور ماضينا حياة ~~جديدة؛ ألا تدعوا الخوف والتقية والذلة والجبن تستولي عليكم متى شعرتم بيد ~~تضغط جورا على أنفسكم، متى رأيتم حريتكم الأدبية مقيدة أمامكم، ارفعوا أعلام ~~الآداب في البلاد شيدوا صروح التهذيب أسسوا معاهد للفنون، فإن الآداب والتهذيب ~~والفنون هي القوى الأدبية الروحية التي يتآلف فيها العلم والدين ويقرن فيها بين ~~بديهيات الأنبياء ومعقولات العلماء وتمتزج فيها روح الحقيقة وروح الجمال، وتنبثق ~~منها أشعة السلم والحرب والإخاء. # أجل هي القوى التي يتوقف عليها تحرير الإنسان وتحرير الشعوب والأمم، لنعزز ~~الآداب إذا والفنون، لنؤيد بالقول والعمل التعاليم السامية، لننصر الآراء الحرة ~~السديدة، ومتى رأينا أن الحزب الذي ننتمي إليه أو الطائفة التي نحن منها والجريدة ~~التي نكتب فيها تحاول تقييد أفكارنا أو الضغط على عقولنا أو المتاجرة بأرواحنا؛ ~~فعلينا أن نخرج منها سريعا، وننفض عن نعلنا غبارها. إن شرف المرء في حرية عقله ~~ونفسه، وشرف الأحزاب في حرية رجالها، وشرف الطوائف في حرية أبنائها. # إخواني! ما الناس إلا أمة واحدة وستجمعهم في المستقبل - إن شاء الله - جامعة ~~واحدة هي جامعة الآداب والفنون، ودين واحد شامل قوامه الأبوية الإلهية والإخاء ~~العام. ~~(5) المدينة العظمى # 12 # سادتي وسيداتي # قص أرستو الشاعر اليوناني قصة عرافة تترائى للناس أثناء الربيع والصيف في صورة ~~ملك سماوي وأثناء الخريف والشتاء في شكل حية رائعة هائلة، وكانت هذه الساحرة ~~تغمر بفضلها وآلائها أولئك الذين أحسنوا إليها وعاملوها بالمعروف في فصلي الشتاء ~~والخريف. وأما الذين أساءوا معاملتها وحاولوا قتلها ms164 وهي في تلك الصورة المخيفة ~~فكانت تحرمهم هذه النعم والبركات، وقد شبهت الحرية بهذه العرافة العجباء التي تبدو ~~تارة كالملك وطورا كالحية الرقطاء. # فالحرية في بادئ أمرها تتخذ هذا الشكل المزدوج الغريب الذي يتخوف منه بعض الناس ~~ويغالي في مدحه الآخرون، في الأمم التي ألفت العبودية تظهر الحرية أولا ~~كالحية فتتحول رويدا رويدا إلى ملك سماوي، وما من منكر أن حرية العثمانيين لم ~~تزل في فصل الشتاء، حريتنا لم تزل كعرافة أرستو في شكلها الهائل المخيف، ومع ذلك ~~علينا أن نصبر عليها ونحسن استقبالها حتى إذا استحالت ملكا قريبا لا نحرم فضلها ~~وآلاءها. # سادتي، إن الحرية مهما قيل فيها هي ضالة الإنسان المنشودة، هي غايته القصوى في ~~الحياة، هي قوام الأنفس والعقول، وغذاء الفنون والعلوم، وأساس كل مظاهر الرقي ~~والعمران، وأود لو دعيت المدينة العظمى - التي هي موضوعي الليلة - مدينة الحرية ~~وأطلقت على شوارعها أسماء رسل الحرية وأبطالها في كل زمان ومكان. # من الحقائق التي لا ريب فيها هو أن الإنسان مهما ارتقى في سلم الحياة يظل في مكان ~~يرى منه من تقدمه إلى العلاء، ومهما انحط المرء وتقهقر لا يصل إلى القعر الذي لا ~~يكشف على أحد دونه. # فالسلم والهاوية لا نهاية لهما في الحياة؛ لأن الدرجة الأولى منهما في المهد ~~والدرجة الأخيرة في القبر، أينما كان المرء إذا يرى كثيرين من الناس فوقه وكثيرين ~~تحته، وكلما ارتقى درجة في معارج الفوز والفلاح يسمع أصواتا بعيدة تدعوه إلى ما ~~هو فوقها. وهذه من حقائق الحياة التي فيها لجميع الناس كثير من التنشيط والتعزية، ~~علينا إذا أن لا نكون عبيدا لمن هم فوقنا وألا نستعبد من هم دوننا. علينا ألا ~~نتصاغر أمام الكبار وألا نتكابر أمام الصغار. # وكما في الناس كذلك في المدن، فلا يحق للوندرا مثلا أن تصعر خدها للقاهرة، ولا ~~القاهرة أن تشمخ أنفها على بيروت؛ لأن حسنات المدينة العظمى قد تكثر في هذه وتقل في ~~تلك، قد تكبر في المدينة الصغيرة وتصغر في الكبيرة. والمدينة هذه التي ms165 صورها ~~العقل بريشة الخيال ما هي من مدن هذا الزمان ولا من مدن الماضي. ليس في نيتي أن ~~أكلمكم لا عن نينوى أو بابل ولا عن نويرك أو باريس؛ فإن باريس من أمهات المدن ~~العظيمات، ولكنها لا تستحق - في نظري - صيغة التفضيل؛ لأن هناك مدينة أعظم منها ~~مجدا وأسمى منها شأنا وأبعد منها جمالا وأرقى منها فضلا وعلما. # ومن يتجاسر أن يتكهن في هذه الأيام، من يدري ما في المستقبل لشعوب آسيا ~~الصغرى، فقد تزهو والمدينة العظمى فوق أطلال بابل، قد يشيدها الزمان على ضريح ~~نينوى، قد ترتفع صروحها وأعلامها وأبراجها وقبابها تحت هذه السماء الجميلة على ~~هذه الشطوط التاريخية المقدسة أمام هذه الأمواج التي شاهدت جنازة مجد آسيا وستشاهد ~~- إن شاء الله - موكب بعثه. # وبأي تمتاز المدينة العظمى عن سائر المدن؟ # أبمراسيها البحرية، أبمحطات السكك الحديدية، أبمركباتها الكهربائية، أبأسلاكها ~~البرقية، أبأنبائها اللاسلكية، أبقصورها الشاهقة، أبصروحها الفخيمة، بأنفاقها ~~وجسورها وملاهيها؟ بأي تفاخر المدينة العظمى سائر المدن؟ أبشوارعها الواسعة ~~النظيفة، أبساحاتها الكبيرة الجميلة، أبمخازنها الحاوية ما ندر وعز من مصنوعات ~~الطبيعة والإنسان، أبمدارسها العمومية، أبمستشفياتها المجانية، أبمعاهدها العلمية، ~~أبمتاحفها الأدبية والتاريخية، أبمصارفها وبورصاتها وأغنيائها، أبكثرة سكانها، ~~أبتعدد معابدها؟ لا يا سادتي. # المدينة العظمى تمتاز عن سائر المدن بنوابغها، بشعرائها وعلمائها وأرباب الفنون ~~والصنائع فيها، المدينة العظمى هي التي يمكنها أن تفاخر سائر المدن لا بكثرة سكانها ~~بل بكثرة الأصحاء فيها، إذ ما هو الخير في مدينة تسعون في المائة من أبنائها ~~مرضى؟ المدينة العظمى إذا هي التي يخلو هواؤها من جراثيم الأمراض المعدية وتشرق ~~شمسها على عقول سليمة في أجسام سليمة. # المدينة العظمى هي التي تكرم أبطالها ونوابغها لا بإقامة التماثيل ونصب الأنصاب ~~فقط بل بالاقتداء بهم وبالعمل بتعاليمهم، هي المدينة التي يقرن فيها بين البساطة ~~والجمال في أمنيتها وفي أزيائها وفي فنونها، وبين الرحمة والعدل في أحكام قضاتها، ~~وبين العلم والدين في تعاليم علمائها، هي التي يحترم المرء فيها جسده وروحه ~~ويعتني على السواء في نظافة الاثنين، هي التي ينبذ ms166 رجالها ونساؤها الشرائع التي ~~يسنها الخائنون لتعزيز شئون أفراد من الناس، ولا فرق إن كان الأفراد من الأغنياء ~~والأمراء أو السلاطين، هي التي لا يوجد فيها أرقاء ولا تباح فيها النخاسة، هي ~~التي ينهض فيها الشعب نهضة واحدة على ظلم الحكام وفساد المسيطرين، هي التي يكون ~~شعار كل امرئ فيها: # لا تسقني كأس الحياة بذلة # بل فاسقني بالعز كأس الحنظل # المدينة العظمى هي التي لا يتداخل في شئونها سلطة أجنبية، هي التي يكون كل امرئ ~~فيها سلطانا بنفسه بل تمثالا حيا للحرية والإخاء. هي التي يعتبر الحكام فيها ~~كخدام يخدمون بالأجرة، هي التي يتعلم الأولاد الاستقلال وعزة النفس في مدارسها ~~قبل سائر العلوم، هي التي تطلق فيها حرية القول والعمل ويكثر فيها التنقيب ~~والبحث وتثمر فيها الفنون وتعزز فيها الآداب. هي التي تكون الصداقة فيها أمرا ~~مقدسا والإخلاص محترما كسر من الأسرار الإلهية. # هي التي لا تكره الامرأة فيها على الإقامة مع رجل لا تحبه ولا الرجل مع ~~امرأة لا يحبها. هي التي يكون الأبوان فيها صحيحي الجسم والعقل قويين نشيطين ~~مدركين فيوجدا نسلا قويا مدركا نشيطا - إن لم تصلح صحة هذا الجيل لا رجاء ~~لنا في المستقبل - المدينة العظمى هي التي تكثر فيها الأمهات الحزيمات ~~العزومات المدركات ما سما من مقاصد الحياة فلا يعلمن أولادهن الخرافة ~~والكذب والمراوغة ولا يعودنهم الطاعة العمياء والجبانة والخوف - الشرق يحتاج ~~إلى الأم التي تعلم أولاها الاعتماد على النفس فوق كل شيء - المدينة العظمى هي ~~التي تسير النساء في أسواقها مكشوفات القناع ويحضرن الاحتفالات العمومية كالرجال ~~ويشاركن في البحث والإرشاد كالرجال. # هي المدينة التي يستغني فيها أهل الأدب والفنون عن أهل المال، بل هي التي يتأسس ~~فيها دائرة أوقاف لا لخدمة المعابد، وإعاشة رجال الدين بل لخدمة العلوم والفنون، ~~لخدمة النوابغ والعلماء. # سادتي! عبثا تسن الحكومات الحرة شرائع حرة إن لم تطلق أنفس العلماء وأرباب ~~الفنون من قيود المصلحة ومن هموم الارتزاق. # قيل لبعض العرب ومن سيدكم؟ فقالوا فلان. فقيل بم؟ فقالوا: احتجنا إلى ms167 علمه ~~واستغنى عن دنيانا، فمثله تكون العلماء والأمراء، وبمثله - إن شاء الله - ستفاخر ~~المدينة العظمى سائر مدن العالم. وقال أعرابي آخر: أحب أن أتمثل بأبناء هذه ~~اللغة لتتأكدوا أن مثل هذه المدينة العظيمة لا يستحيل وجودها في بلادنا. # قال سيد من العرب لقومه: اعلموا أنني حاسدت عليكم حتى صرت عبدا لكم أغدق على ~~سائلكم وأصفح عن جاهلكم وأحوط حريمكم وأدفع غريمكم فمن فعل مثل فعلي فهو مثلي ومن ~~فعل فوقي فعلي فهو فوقي ومن فعل دون فعلي فهو دوني. فهل يا ترى يوجد بين المتمدنين ~~اليوم من تجتمع فيه هذه الخلال الشريفة كلها، أفلا يحق لمدينة المستقبل أن تفاخر ~~سائر المدن بمثل هذا الأمير. # وبين رجال العرب من كان أعظم منه. دخل ابن العباس على علي بن أبي طالب خارج ~~الكوفة وهو يقطب نعله، فقال له: ما قيمة هذه النعل. فقال ابن العباس: لا قيمة لها ~~فقال علي: لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا. فالمدينة ~~العظمى هي التي يكثر فيها مثل هؤلاء الرجال العظام الصالحين، هي التي يتعود كل ~~امرئ فيها محاسبة نفسه فإذا كان ممن لهم شيء من الشهرة أو المجد أو القوة أو ~~النفوذ أو السلطة أو المال؛ يسأل نفسه كل يوم وما قيمة هذه الأشياء كلها إلا أن ~~أقيم حقا أو أدفع باطلا، ما الفائدة من هذه السيادة أو من هذه الشهرة أو من هذه ~~الأموال إذا كانت لا تساعدني على نصرة الحقيقة وإقامة الحق ودفع الأباطيل ~~والأضاليل، ما الفائدة منها إذا كانت لا تبعدني في الأقل عن هذه الظلمات وسكانها عن ~~أسيادها وعبيدها، وقد قيل شر من الجهل نصرة الجهال، وأسوأ من الضلالة ~~الاحتجاج للضلال. # سادتي! إن المدينة العظمى هي التي تنتصر فيها الحقيقة قولا وفعلا، هي التي يروج ~~فيها الصدق كما هو الكذب رائج في العالم اليوم، هي التي يعيش فيها الأدباء ~~والعلماء لا للشهرة والمجد ولا للكسب والمال فقط بل لخدمة الحقيقة فكرا وقولا ~~وفعلا. إن فروسية اللسان ms168 لغير فروسية الجنان، وما كل من هز لسانه فخرا ومباهاة ~~يستل حسامه في الغارات، فالنفس الراقية التي تعيش لهواها وشهواتها وأباطيل المجد ~~والسيادة فقط هي كالكلب الإفرنجي الجميل الذي يقضي حياته كلها تحت قدمي سيده أو ~~تحت رداء سيدته، والعجب في أمر هذه النفس أنها كلما أمعنت في اللذات كلما ~~اكفهرت في وجهها آفاق الحياة. وقد قال أحد المتصوفين. # إن المرائي لا تريك # عيوب وجهك في صداها # وكذاك نفسك لا تريك # عيوب نفسك في هواها # وها أني ذكرت من المحاسن والأماني ما ستنفرد فيه المدينة العظمى عن سائر المدن، ~~وهناك أمنية أخرى بل نبوءة لأحد الأنبياء ترددت في ذكرها، وليلة كنت أفكر في هذا ~~الموضوع طرق بيتي طارق ففتحت فإذا بالباب شيخ جليل عاري الرأس حاف، لابس قميصا ~~بيضاء فوقها رداء أسود مسدول على كتفيه، وقف في الباب ورأسه منحن فوق يديه ~~المضمومتين على هراوته ولما فتحت دخل دون استئذان وسار توا إلى مكتبي وجلس ~~هناك على كرسي أمامي، فأخذني من أمره العجب ولكن قبل أن بادرته بالحديث قال: جئت ~~أحقق أمنيتك وأمدك بآخر من آرائي، فقلت والدهشة تملأ نفسي: ومن أنت يا سيدي، فقال: ~~أنا هو. ~~- هو؟ من؟ ~~- هو الذي يخطر الآن في بالك وتحير نبوءته قلبك. ~~- بالله أنت أشعيا بن آموص؟ ~~- نعم أنا أشعيا. # فنهضت على الفور عن كرسي وقبلت يد النبي، ولما رأيته قد تبسم تشجعت وقبلت أيضا ~~شفتيه اللتين لم تزالا ملتهبتين حتى اليوم. ثم تجاسرت فقلت: جئتنا يا مولاي وقت ~~العشاء فهلا باركت الخوان وأكلت معنا من عدس لبنان؛ ليصير بيننا - كما تقول العامة ~~- خبز وملح، فأومأ برأسه مبتسما وتقدمني إلى غرفة الطعام، وبينما نحن في طبخة ~~يعقوب بادرته بالحديث فقلت: ألم تتنبأ يا مولاي منذ ألوف من السنين بجيل يرعى ~~الذئب والحمل فيه معا والأسد يأكل التبن كالبقر والناس يطبعون سيوفهم سككا ~~ورماحهم مناجل؟ فأحنى النبي رأسه مجيبا بالإيجاب. # أولم تقل في رؤساء أورشليم إنهم عصاة وشركاء اللصوص وإنهم يحبون الرشوة ويتبعون ~~الأجور وإن ms169 الرب سيقطعهم من إسرائيل؟ فأحنى النبي رأسه ثانية، فقلت: وها قد مضى ~~على ذلك يا صاحب النبوة ألوف من السنين والعالم لم يزل كما كان يوم صببت عليه ~~شآبيب غضبك، فأجاب أشعيا قائلا: إن ألوف السنين التي مرت على نبوءاتي هي كالدقائق ~~في عين الله، والأجيال بالنسبة إلى الأبدية هي كالساعات بالنسبة إلى الأجيال، فلا ~~يريبك كلامي، ردد نبوءتي ولا تخف، بشر بالمدينة العظمى في بلادي وبلادك ولا ~~تيأس. قال هذا وهم بالانصراف، فاستأذنته بسؤال آخر فقلت: وكيف كان يكلمك الله يا ~~صاحب النبوة ويطلعك على غيب الأمور؟ فقال النبي: مثلما أنا أكلمك الآن، وقبل أن ~~فتحت الباب استحال شعلة نار، وتوارى عن الأبصار. # لا تظنوني مازحا أيها السادة، فإن للأنبياء المقام الرفيع في العالم الروحي، لم ~~تزل لهم تلك السطوة الصالحة على الأنفس السامية، وإنك إذا حككت نفس أكبر نابغة في ~~العالم تجد في لبها شيئا من روح النبوة. المدينة العظمى إذا هي التي تتم فيها ~~نبوة أشعيا، هي التي يسير الذئب والحمل والنمر والجدي فيها معا، هي التي يرتاح ~~فيها الناس من شرور أصحاب السيادة الدينية، هي التي تنقطع فيها سليلة أولئك ~~المفترين على الله وأنبيائه، الجالسين على عروش القداسة الكاذبة، القابضين على ~~صولجان الخرافة، المتوجين بتيجان الجهل والتعصب والطغيان. # إن مصيبة الشرق في رجال الدين والكهان لا في الأنبياء والأديان، المدينة ~~العظمى هي التي يسود فيها العلم والحرية والإخلاء والوفاء هي التي تنتصر فيها القوى ~~الروحية على القوى المالية والقوى العقلية على القوى المادية، هي التي تطبع فيها ~~آلات الحرب معاول ومحارث ومناجل، هي التي تشيد فيها الصروح والمعاهد لأرباب ~~الموسيقى والشعر والتصوير ولربات الفنون والجمال، هي التي يكثر فيها أمثال علي بن ~~أبي طالب وأشعيا بن آموص، وذاك الأمير العربي الذي ساد قومه؛ لأنهم احتاجوا إلى ~~علمه واستغنى عن دنياهم. أي سادتي! إن المدينة التي ينبغ فيها أعظم الرجال وأعظم ~~النساء لهي أعظم مدن العالم، وإن كان سكانها لا يتجاوزون عدد سكان الفريكة. ~~(6) قيمة الحياة # 13 ms170 # أيها السادة والسيدات # عندما وصلتني دعوة جمعيتكم لأخطب في حفلتها السنوية هذه؛ كنت مهتما بإنجاز تأليف ~~جئت في بعض فصوله على ذكر أجدادنا الفينيقيين، فسرني أن أرى شيئا من علو همتهم ~~ونشاطهم في أبنائهم الصيدونيين. سرني أن أرى مصابيح العلم والعرفان تضيء على هذه ~~الشطوط القديمة التي نشأت في ربوعها اللغة وكبرت فيها همة الفينيفي التجارية ~~والعقلية فجاء بما يدهش الإفرنج حتى اليوم من آيات الفكر الباهرات ومن غرائب ~~الاكتشافات والاختراعات، وسرني أن أرى روح أولئك الأجداد الكرام تنبعث اليوم فينا ~~فتنهض بنا إلى العلياء، وعجبت بصدف ترينا في صدف الحوادث لؤلؤ الأماني، فلبيت ~~الدعوة على ما كنت فيه من شغل شاغل وتأهب للسفر مزعج؛ حبا بزيارة مدينتكم ~~وبمساعدة هذه الجمعية الوطنية في مشروعها - إذا كان في حضوري ما ينفع وفي كلماتي ما ~~يفيد، على أني في قراءتي كتاب الجمعية وقفت عند عبارة مدهشة. # والظاهر أن كاتبه الكريم طويل الباع في طرق الإطراء وأساليبه، فبعد أن غلاني ~~بالغلو وأغرقني بالإغراق، رغب إلي أن أتحفكم بخطبة «لم تفتق رتق سمع، ولا خطب ~~مثلها في جمع» - السجعة له لا لي - فقلت في نفسي: وماذا يبتغي الصيدونيون مني وما ~~أنا بصاحب معجزات أو كرامات، إن خطبة مثل هذه - أيها السادة - في زمن كثرت فيه ~~المنابر والمطابع لا يستطيع أن يأتي بها بشر مثلي، لا جديد تحت الشمس ولا ~~فوقها، فالمذنبات التي لا نراها نحن إلا مرة في حياتنا مثلا مرت - لا شك - في ~~فلك الأرض بمرأى من أسلافنا مرات عديدة في ما مضى من الزمان، لا جديد فوق الشمس ~~وصوت الحقيقة الذي أحب أن أسمعكم إياه هذه الليلة طالما ردده قبلي العلماء ~~والأنبياء، لا جديد تحت الشمس على أنني أستطيع أن أحدثكم بلغة لم تسمعوها بعد إذا ~~كانت بغيتكم تنحصر في مجرد رؤيتي واستماعي خطيبا، يمكنني أن أحدثكم في عضارطة # 14 # السياسة ودهاقينها، # 15 # الذين يلهوجون # 16 # أعمالهم ويلهوقونها، # 17 # أو في زرازرة # 18 # يمشون في الأرض سبهللا، # 19 # ولا يحسبون سواهم للمجد ms171 أهلا، أو في سباهلة # 20 # يجمشون # 21 # العجنجرات، # 22 # ويعدون ترهات العصر آيات منزلات، أو في رعابيب # 23 # يسمدن # 24 # في المركبات، أو يتبهنسن # 25 # في العرصات، ويحسبن المخشلب # 26 # على صدورهن دررا وريش الطيور على رءوسهن تيجانا، أو في صفاريت # 27 # من الأدباء يطوفون حول القصور المشمخرات، # 28 # علهم يفوزون بشيء من أعلاق # 29 # السراة، أو في خريت # 30 # من ولاة الأمر خيدع # 31 # إذا استذريت # 32 # به قادك إلى محطمه سجيل، # 33 # أو في غطريف # 34 # كبير، ترفته الدنانير، وحسدته على أذنيه الحمير، أو في متنطع # 35 # مخرنبق # 36 # دفطس # 37 # وقته في حشو جؤجؤه # 38 # بما لا يفيد من العلوم، أو في - ولكن البساطة أولى وأشفى، ما لنا وخطبة ~~«لم تفتق رتق سمع، ولا خطب مثلها في جمع» فها قد أسمعتكم ما يفتق الأسماع حقا بل ~~يفلق الصخور. # سأحدثكم الليلة في موضوع قريب منا كلنا، بلغة تسمعونها كل يوم، وبعبارة ~~تفهمونها وأنتم إلى أشغالكم سائرون. موضوعي: قيمة الحياة، وأريد - بادئ بدء - أن ~~أسدل ستارا على الماضي وآخر على المستقبل فأحصر الحياة في الحاضر، وأسألكم ~~سؤالا: لو علمتم - حق العلم - أن الحياة صدفة من صدف الطبيعة، وأن لا سابق ~~قصد لها ولا لاحق، لا قوة مدركة وراء المهد ولا وراء اللحد، فترسلها وتبعثها عقلا ~~وروحا. # وبكلمة أخرى: لو تأكدتم أن الحياة مادية محض والموت ضجعة أبدية، كيف تعيشون ~~يا ترى وكيف تعملون لترفعوا من قيمتها وتجنوا الناضج اللذيذ من ثمارها؟ أتجعلون ~~قاعدتها الأساسية قاعدة التجار والمتمولين: أن لا حقيقة في العالم إلا المال؟ ~~أتقولون قول السياسيين والمسيطرين: أن لا حق في العالم إلا القوة؟ أتذهبون مذهب ~~فلاسفة اليونان الكلبيين: أن لا حقيقة في العالم إلا اللذات؟ أو تقولون قول ~~حشاشي الزمان القديم أن لا حقيقة في العالم على الإطلاق وكل شيء مباح؟ لو تأكدنا ~~أن الكون مركب من المادة والقوة فقط وأن الحياة كذلك، أينبغي أن نعيش ~~كالحيوانات؟ وإن نحن فعلنا أنأمن شر أنفسنا إن لم أقل شر ms172 الأقوياء فينا؟ # إذا أحب أحد الناس أن يعيش كما لو كان هو العالم وبيته الدنيا، واستطاع إلى ذلك ~~سبيلا أيستطيع أن يذهب على هواه دون أن تذهب حياته ضحية الأطماع والأهواء، ولو ~~ضحاني هذا السيد العظيم الأثيم وضحاكم على عرفات قدسه ومجده وأهوائه أيأمن ~~يا ترى صولة الجماعات حين يستيقظون فينهضون؟ أآمن هو ويد فوق يده تأخذ بناصيته ~~يوم يثأر الحق بأعدائه؟ # حكم عبد الحميد ثلاثا وثلاثين سنة وهو لا يحسب أن في العالم من ينبغي أن تراعى ~~حقوقهم وحياتهم سواه، فماذا كانت عاقبة بغيه وجوره وأثرته. # لا أنكر أن نظرة عمومية سطحية في أحوال الإنسان الاجتماعية ترينا الشرير يسعد ~~بشره والصالح يشقى بصلاحه، ولكن ذلك لا يكون إلى الأبد، وإنما يظهر كذلك لمن لا ~~ينظر في الأمور إلى ما وراءها لمن لا يرى في الحياة غير ظواهر الحوادث، مات ~~كثيرون ممن قاسوا أليم العذاب من الدور الماضي دون أن يشاهدوا نكبة سلطانه ~~وأعوانه، ماتوا يائسين من الحياة التي ينتصر فيها مثل هؤلاء الأشرار الكبار، ولكن ~~قصر نظرهم فيئسوا. # ولو تشوفوا إلى المستقبل وكان إيمانهم شديدا بالعناية التي لا تترك الأثيم ~~عزيزا إلى الأبد لما ماتوا يائسين، إن ما نراه نحن اليوم مثلا ونفر منه ~~ساخطين حانقين يراه غدا آخرون فيستجلون فيه اليقين، إن شر الأمس لينتج اليوم ~~خيرا وخير اليوم قد ينتج غدا شرا. أجل سادتي إن في الأشياء والأكوان عناية لا ~~يعقلها الإنسان ولا يدركها أرباب العرفان، إن في الحياة أسرارا تدك العروش وتزعزع ~~الجبال لو تجلت كلها دفعة واحدة في آن واحد. # ولكنه - تعالى - عليم رحيم فهو لا يمكننا إلا مما نحتاج إليه من القوات الخفية ~~في الحياة، فنستخدمها لخيرنا لو عقلنا لمنفعتنا، ونقف صابرين هادئين ثابتين أمام ~~مفظعات الوجود ومبهجاته، وعندي أن هذه الأسرار تتجلى للإنسان تدريجيا على حسب ~~ارتقائه العقلي والروحي؛ ذلك لأن الحياة سلم أوله الحيوان ووسطه الإنسان وآخره ~~الملاك. وقد يأتي يوم يشاهد فيه أبناء الأرض رجل المستقبل العظيم وقد ترقت فيه ~~القوى ms173 الحيوية كلها، أي: القوى الحيوانية والبشرية والإلهية، إلى منتهى الدرجات. ~~الإنسان مركب من هذه كلها وقواها كامنة فيه إلى الأبد، فإن رعى إحداها دون ~~الأخرى يقف في سلم الارتقاء وطبائع الحياة فيه ناقصة فاسدة. # نعم إني ممن يعتقدون بالنشوء والارتقاء ولا حاجة إلى أن يؤيد العلماء اعتقادي، ~~فإني لمؤيده بما أعرفه وبما أجهله من لوح هذا الوجود، من الحياة ومن الأكوان، ~~إن في نشوء الأنواع وارتقائها عناية إلهية عظيمة، والناموس الطبيعي الذي يكثر من ~~ذكره العلماء إنما هو مشيئة الله في الأشياء. إني لأرى يد الله في كل مظهر من ~~مظاهر الحياة، وأؤمل أن أرى - ولو بعد موتي بمليون من السنين - روح الإنسان متجلية ~~في كل مظهر من مظاهر الله. # أراني تجاوزت الحدود الوهمية التي حصرت هذا الموجود ضمنها، فأصبحت والماضي ~~والمستقبل يتجاذبان في المعقول والمحسوس، وكيف نستطيع أن ننظر في الحياة نظرة ~~بعيدة صائبة دون أن نتلفت إلى الماضي ونتشوق إلى المستقبل. كيف يمكننا أن ~~نقيسها لنعلم قيمتها وكل شيء فينا وحولنا ينطق بما مضى وبما هو آت مما هو قسم ~~جوهري من الحياة البشرية. أحببت أن أحصر الموضوع في الحاضر لأريكم أن الحياة ~~- وإن كانت مادية - لا يستطيع الإنسان أن يذهب فيها حسبما يشاء ويسترسل إلى ملاذه ~~وأهوائه دون أن تخثر نفسه، فيغلظ شعوره، فيكثر عثاره، فيشتد بلاؤه. # وإن شقاء الناس اليوم لناتج عن هذه الحياة المادية الحيوانية التي يكبرونها ~~ويعززونها ويعرقون دما في سبيلها. ألا إننا نعيش اليوم كما لو كانت الحياة ~~منحصرة في البورص والمخزن وغرفتي الطعام والنوم، نعيش كما لو كانت قوام الحياة في ~~جمع المال وفي تربية دود الأهواء والشهوات، ويا لها من دود تحوك للنفس وللجسد ~~أكفانا من الحرير. # نعيش كما لو كنا آلات هضم وأكثرها في هذا الزمان مصدئة، وأنصاب مجد وأكثرها ~~متهدمة، فالسياسي لا يرى في الحق قوة تستحق الاعتبار إن كان الحق لا يؤيده في ~~ضلاله وفساده، ورجال الدين يصمون آذانهم عما جاء في كتب الدين من سديد التعاليم ~~ويستخرجون ms174 من بعض الآيات والعقائد قواعد تمكنهم من الضغط على الأنفس والعقول لتكون ~~لهم في ذلك سلطة ما أنزلها الله على أحد من الناس، والصحافيون يزفون ثناءهم لهذا ~~الخاطب ويبذلون شهادتهم لذاك الطالب؛ حبا بإعلان أو اشتراك يحرزونه. # أو أنهم يوقفون الحق على رأسه غواية ونكاية، أو أنهم يتحاملون على الناس، ~~ويثيرون المفاسد والفتن حبا بالظهور والاشتهار، والغني فينا يعيش كما لو كانت ~~الأموال تقيه الموت وتكسبه الخلود، والتاجر يضرب أخماسا لأسداس ليل نهار ~~فيستنبط طرقا بل حيلا جديدة للكسب والإثراء، والوجيه الفاضل الواقف على شفير ~~الإفلاس يكتد الفلاحين الفقراء ويعرقهم ليؤيد فيهم منزلته العالية ومقامه الرفيع ~~الشأن. # ترانا نعيش كأن الحياة بنت يومها منحصرة بين شارقة وغاربة، مركبة من أمشاج لا ~~أثر فيها للعقليات والروحيات، بلى، نعيش كما لو كنا مركبين من ألسنة ومعد وأكباد ~~فقط، فنحسن اللقلقة والكبكبة والشر الثالث الذي ذكره النبي في حديثه الشريف ولا ~~نحسن سواها، نعيش لأهوائنا وأطماعنا وملاذنا ... نعيش لمجد في العالم باطل، نعيش ~~لوجاهة فينا فارغة، نعيش لأزياء تستعبدنا، لعادات واصطلاحات تسوقنا إلى ~~المذلات. # وفوق ذلك نعيش في الخداع والجربزة والتلبيس، نخادع لخوف فينا يسودنا، نلبس ~~على الله والناس لغايات في النفس خبيثة ذميمة، نتآخى طمعا بربح من هذا الإخاء، ~~نتصادق حبا بما في الصداقة من عائدة مادية بائدة، وقال المتنبي: # ولما صار ود الناس خبا # جزيت على ابتسام بابتسام # وصرت أشك فيمن أصطفيه # لعلمي أنه بعض الأنام # كانت لامرئ كرمة يأوي الثعالب إليها ويفسدون فيها، فنصب هناك مفزعة أو خيال ~~صحراء ليردعهم عنها، فجازت الحيلة على الثعالب وعجبوا لصاحب كرمة يحرسها ليل نهار ~~ليقطع نصيبهم منها! إلا أن أحدهم وكان أشجعهم وأدهاهم بادره الريب من ذلك فجاء ~~الكرمة ذات يوم ووقف قليلا وضربها بيد، فوقعت إلى الأرض، فضحك ثم ضحك ورفع فوقها ~~جنبه وراح يدعو إخوانه إلى اجتماع وطني سياسي، وخطب فيهم قائلا: إن الإنسان ~~لخداع مكار؛ فقد حرمنا نصيبنا من الكرمة بخيال نصبه فيها، ومن رأيي أن نحذو حذوه ~~لنفوز عليه. ms175 فأقترح عليكم نصب خيال أسد هناك لننال قسمتنا من الكرمة، فصفق ~~الثعالب الجياع له ونصبوا في كرمة الإنسان مفزعة بهيئة الأسد، ولما جاء الإنسان ~~في اليوم التالي رأى الأسد واقفا هناك ينظر إليه وقف شعر رأسه وهرول راجعا إلى ~~بيته، وكذلك نال الثعالب الجياع قسمتهم من الكرمة، خدعهم الإنسان بخيال فخدعوه ~~بمثله. # وكم من خيالات وبعبعات تحفظ اليوم كياننا ~~وتدفع عن شرفنا الوهمي عارا وهميا، كم في حقول وصحاري السياسة وكروم التجارة من ~~مفزعات لو ضربت مرة لأصبحت مفضحات. أجل، إن الحياة اليوم سواء كانت في أرقى مظاهرها ~~الأوروبية أو في أفخم مظاهرها الشرقية إنما هي حياة خاسئة فاسدة ناقصة، هي عند ~~الغربيين محض مادية تجارية، وأمست عندنا لا مادية تعرف ولا روحية. حياتنا أيها ~~السادة - وإن كنا لم نزل نؤم الكنائس والجوامع كأجدادنا - إن هي إلا ألعوبة في ~~روحياتها وأضحوكة في مادياتها. # هي مزيج فاسد من الاثنين، هذا سبب الشقاء والبلاء والفساد في طبقات المجتمع ~~كلها، بل هذا من وجهة خصوصية السبب الأصلي في انحطاط الشرق والشرقيين، ولكني ~~أقول - وحق ما أقول - إن سيادة الأوروبيين في الشرق لا تدوم طويلا إذا كان ~~أساسها القوة المادية فقط، وإن نهضة الشرق لا تنجح إن كانت أساسها الروحيات فقط. ~~الكتب المقدسة تصلح الحياة ولكنها لا تعمر البلاد، والعلوم المادية تعمر البلاد ~~ولكنها لا تصلح الحياة. # إذن كتبكم المقدسة احفظوها وكتب العلم عززوها، وكل كتاب - أيها السادة - يساعد ~~على حفظ الحياة وتحسينها وارتقائها هو عندي كتاب كريم مقدس، والحياة الصحيحة ~~القوية الجميلة السابغة هي التي تتغذى من كل كتاب مقدس روحيا كان موضوعه أو ~~ماديا؛ ذلك لأنها مركبة من الأضداد، ذلك لأنها مادية روحية عقلية. # ومن النواميس الطبيعية المعروفة أن قوى الإنسان تنمو وتشتد في التمرين والممارسة، ~~فإذا كنا لا نمارس إلا قوانا الحيوانية وفينا قوى أخرى عقلية روحية نظل - لا شك - ~~في درجة واطئة من سلم الحياة، بل نظل والجهل والبلاء أكبر ما في حياتنا؛ ذلك لأن ~~القسمين الكبيرين فيها اعتراهما الفساد ms176 من الإهمال، ولو مرن المرء قواه ~~العقلية والجسدية فقط لظلت الروح فيه مهملة مغبونة، وكثيرا ما تكون تشوقات النفس ~~المظلومة سببا لعوارض وأمراض شتى، كثيرا ما يكون شقاؤنا ناتجا عن فساد إحدى ~~قوانا العقلية أو الروحية. # وها أني وصلت إلى الحد الذي ينبغي أن نعرف عنده الحياة لنعرف كيف نقيس ~~قيمتها. مما تقدم يتضح لكم أن الحياة أصلا إنما هي: قوات عقلية روحية مادية، تظهر ~~في الناس بمقادير متباينة ناقصة ولكنها كامنة بالقوة وغير محدودة في كل نفس ~~بشرية. # قلت «إنها كامنة بالقوة» والعبارة فلسفية وضعية لا أحب أن أرددها وأكثر من ~~مثلها. على أنني أورد الفكر بعبارة بسيطة، أن في كل منا قوى غير محدودة من هذه ~~الينابيع الثلاثة، تظهر فينا أو في نسلنا بمظاهر شتى طوعا لأحوال نعقلها إذا ~~اعتبرنا ولأسرار لا نستطيع اليوم إدراكها، هذي هي الحياة نظريا، مبدئيا. # وأما عملا - آه لو كانت حياتنا الدنيا ابتسامة دائمة تبتدئ بالسرور وتنتهي ~~بالابتهاج، آه لو كانت حلما من أحلام الشعراء أو لحنا مطربا مفرحا من ألحان ~~الموسيقيين! ولكن الحياة في نظر أحد القديسين إنما هي: عقاب الإنسان في هذا ~~العالم. وفي نظر الفيلسوف هي: سلسلة من حديد المصائب فيها حلقات قليلة من ذهب ~~العزاء والهناء. وفي نظر الشاعر هي: هيئات هيولية محزنة لأسرار سامية غامضة، هي ~~خيال زائل لحقيقة أزلية دائمة. وفي رأي سيدنا سليمان: كل شيء باطل، وقبض الريح. ~~وفي رأي جمهور الناس: إنما الأرض وادي الدموع. # فالقديس إذا والفيلسوف والشاعر والحكيم والناس كلهم؛ مجمعون على أن حياتنا ~~الدنيا لا تساوي العناء الذي نقاسيه من أجلها، بل لا تساوي العرق الذي يتصبب من ~~جباهنا في سبيلها. ولكني أرفع على هذه الآراء كلها رأيا آخر أود لو سمعتموه ~~وحفظتموه وتمثلتم به في كل موقف وفي كل آن: ألا إن الحياة صالحة إذا كان المرء ~~صالحا، وجميلة إذا كانت نفس المرء جميلة، والإنسان لا يكون صالحا ونفسه لا تكون ~~جميلة إذا كان لا يربي ويرقي فيه قواه الروحية والعقلية ms177 والمادية كلها على ~~السواء. ومن النادر أن نجد في العالم اليوم حياة تامة الأجزاء ارتقاء ونشاطا ~~وإدراكا في شخص واحد، فإذا كانت القوة العقلية عظيمة في أحد الناس راقية تكون ~~القوة الروحية أو الجسدية فيه منحطة. # والعكس بالعكس، ودفعا لما قد يكون في كلامي من الإبهام أزيدكم إيضاحا بما ~~أريده بالحياة التامة الأجزاء ارتقاء وفهما ونشاطا، فالقوة الحيوانية التي ~~ينبغي للإنسان أن يراها ويتعهدها بالتربية تظهر نتائجها في صحته وصحة نسله، والقوة ~~الروحية تظهر في شعوره الراقي وحبه، والقوة العقلية في إدراكه ونباهته وحكمته. ~~واعلموا أن العالم مثلا يكون غالبا قوي الإدراك ضعيف الشعور، والشاعر شديد ~~الشعور ضعيف الإدراك، والفلاح أو البدوي يكون غالبا شديد الجسم ضعيف الشعور ~~قليل الإدراك. أما قيمة الحياة في كل من هؤلاء وإن كانت ناقصة فتختلف بالنسبة إلى ~~من يأتون به من الصالحات الباقيات، فقد تكون قيمة حياة البدوي في نسله أعظم منها في ~~نسل العالم، وقد تكون في الشاعر أعظم منها في العالم العلامة والحبر ~~الفهامة. # قد لا ينتبه أرقى الشعوب - حتى في هذا العصر - إلى ما في الوجود من دواعي ~~الارتقاء كلها والصحة والسعادة. ففي الشرق نظن الوسخ عرضا والخمول نعمة والخبل ~~مصدرا للتجليات الروحية، وعن هذه الأوهام ينشأ التقشف والزهد وما يصحبهما من إذلال ~~الجسد وإماتته. وفي الغرب بدأنا نرفع من أسباب النظافة والصحة إلى حد لا تعلوه ~~أقصى الغايات. وقد قال الفلاسفة هناك: إن واجبات الإنسان الأولية أن يكون حيوانا ~~نشيطا قويا، ولكن إذا نحن أهملنا ترويض الأجسام فهناك بدءوا يهملون ترويض ~~الأرواح، وفي الأمرين نقص ظاهر، على الإنسان أن يعتني على السواء في تربية وترقية ~~قواه العقلية والجسدية والروحية كلها. # سأضرب لكم مثلا من هذا النقص في التربية حتى في مشاهير الرجال، في الفيلسوف ~~سبنسر كانت قوة الإدراك راقية إلى حد نادر المثال عجيب، وأما قوة الإحساس ~~والانعطاف - أي القوة الروحية - فكانت فيه أضعف مما قد تكون في أحد سكان أواسط ~~إفريقيا. وفي الشاعر دنته نجد القوة الروحية عظيمة في ms178 شعره كما كانت في حياته، ~~وأما القوة العقلية إلى - قوة الإدراك - فما هي كذلك. ومثل هذه الموازنة تصح بين ~~ابن الفارض وابن رشد، أو بين البهاء زهير وأبي العلاء. وعندي أن في رجل المستقبل ~~العظيم يتجسد الفيلسوف سبنسر والشاعر دنته أو العالم باستور والقديس أوغسطينوس أو ~~ابن الفارض وابن رشد، سيجبل الله إنسانا جديدا كاملا من الطينتين، من النصفين، ~~وهو على كل شيء قدير. # من هذا يتضح لكم رأيي في ماهية الحياة وأقصى غاياتها، أجل إن الحياة الحقة هي ~~التي تجمع بين محاسن فلسفة الروحيين وفلسفة الماديين، هي التي يشارك صاحبها ~~أبيكوروس في لذاته وأفلاطون في روحياته وسقراط في إدراكه وحكمته، هي التي تعظم ~~فيها قوة الجسد وقوة العقل وقوة الروح. التي تؤلف بين أول درجات سلم الحياة ~~وآخرها، بين الحيوان مصدرها والملاك محجتها، مقل هذه الحياة كنز من كنوز الدنيا ~~وقيمتها لا تقدر ولا تحد. # أما حياتنا اليوم - حياة عالمنا أو تاجرنا أو كاهننا أو فلاحنا - فهي ~~ناقصة ضيقة خاسئة فاسدة وكذلك نتائجها، فكم من عمل فيه إخلاص وما فيه شيء من ~~العقل، من عمل فيه عقل وما فيه شيء من الإخلاص، ومن عمل فيه إقدام وشجاعة بل ~~قحة وسلاطة وما فيه ذرة من العقل والإخلاص. # ومع ذلك نستطيع أن نجعل حياتنا اليوم ذات قيمة تذكر إذا سرنا إلى غرضنا ~~بحزم وعزم ونشاط وثبات واقتطفنا من الأعمال الناقصة، ما هو صحيح ناضج من ~~ثمارها، إذا كنا حقا أحرارا، إذا كنا صادقين مخلصين محبين مدركين فنعرف أين ~~تنتهي حريتنا وأين تبتدئ حرية جارنا. نمهد بشيء من العلم والسلاح سبيل ~~الحياة الحقة التي وصفتها. # الحياة البشرية المستقبلة التامة الأجزاء ارتقاء وصحة وفهما، نعم إن قمة مثل ~~حياتنا اليوم لهي ناقصة تافهة ولكنها بالنسبة إلى ما هو دونها تستحق الاعتبار. ~~حسبنا أن تنقص فينا اليوم الجربزة والتلبيس والخداع فتعلو بالنسبة قيمة الحياة، ~~حسبنا أن يتقدم في كل بلد أحد الناس الأقوياء بصلاحهم الجريئين بفكرهم فيضرب إحدى ~~مفزعات الناس ويحطمها، الخيالات والبعبعات والأوهام ms179 والخزعبلات. كلما زال ~~شيء من هذه ترتفع بالنسبة قيمة الحياة. # قل لي إذا أيها المحترم ما هو اعتقادك الحقيقي فأقول لك ما هي قيمة حياتك. ~~قل لي يا صاحب السعادة والعزة ما هي آمالك في أعمالك فأقول لك ما هي قيمة حياتك. ~~قل لي أيها الصحافي الحر ما هي غايتك الكبرى في تسويد الصحف فأقول لك ما هي قيمة ~~حياتك. قل لي أيها الغني ما هو قصدك الأولي في جمع المال فأقول لك ما هي قيمة ~~حياتك. قل لي أيها الإنسان ما هي أسرار قلبك أقل لك ما هي قيمة حياتك. قولي لي ~~أيتها الامرأة ما هي غايتك القصوى في الدنيا أقل لك ما هي قيمة حياتك. # إخواني، أخواتي. # إن قيمة حياتنا اليوم ما نزرعه في القلوب من البر والصلاح، وفي العقول من العلم ~~والحكمة، قيمة الحياة ما يعود إلينا من ثمار الحب الذي نزرعه في صدور الناس. قيمة ~~الحياة ما يأتي به كل منا من الصالحات الباقيات مادية كانت أو عقلية أو روحية. ~~فالغني الذي يقدر حياته بما عنده من المال يرفع من قيمتها إذا بذل من ثروته ~~لنشر المعارف، واستئصال الأمراض، وتخفيف وطأة البؤس والظلم في العالم. # والعالم الذي يقدر حياته بما عنده من العلم يرفع من قيمتها إذا محص ~~علمه من الغش والخداع، من السفاسف والأوهام وبثه في الناس صافيا لوجه الله. ~~والمتقشف الذي يقدر حياته بما عنده من الزهد والتقوى يصنع خيرا إذا كان تقشفه ~~يفيد في الأقل إفادة سلبية فيخفف فينا وطأة زخرف هذه الحياة المدنية. على أن ~~العالم والغني والزاهد قلما تنفع حياتهم وقلما تكون أرفع قيمة من حياة أحقر الناس ~~وأجهلهم إذا كانوا لا يعملون لغير أنفسهم، وشر الحياة حياة لا انعطاف فيها ولا ~~إخلاص ولا حب ولا حماسة. # وأما رجل المستقبل ذاك الذي تتم فيه أجزاء الحياة كلها وتتساوى صحة ونشاطا ~~وفهما ورقيا فسيتمكن - إن شاء الله - من الجمع بين حسنات العالم والغني ~~والمتقشف، بين محاسن العقل والجسد والروح، بين الخيال والحقيقة، ms180 بين جمال الشعر ~~وجمال الحكمة وجمال الصحة. مثل هذا الرجل الذي يعيش في الحاضر كما لو كان الحاضر ~~الأبدية كلها فلا يعمل عملا لا يشترك فيه عقله وروحه وقلبه؛ هو يشغل رأس ~~ماله في أسواق الحياة الثلاثة فلا يكون عالما عاجزا لا يحسن التصرف في غير ~~منزلته ولا غنيا جاهلا ولا زاهدا أخبل. # هو الذي يحيي قواه كلها ويرعاها، فيغذي العقل والروح دائما كما يغذي الجسد، هو ~~الذي يروض نفسه للشدائد كما لو كانت من ضروريات الحياة، هو الذي لا يعول في ~~أموره على أحد من الناس. هو الذي لا يحترم في البشر إلا العلم والذكاء والصلاح، ~~هو الذي لا يحابي في سبيل العدل أحدا ولا يخشى في سبيل الحق إنسانا. هو الذي ~~يعيش لنفسه ولربه وللإنسانية في وقت واحد. إن حياة مثل هذا الرجل لكنز من كنوز ~~الدنيا، وقيمتها لا تقدر ولا تحد. ~~(7) هملت وشكسبير # 39 # يتوقع مني بعض الناس توجيه كلمة إلى أولئك الذين أساءوا فهم خطابي الأخير في ~~الكلية الأميركية، ونشروا على صفحات الجرائد مثالا من تسرعهم في النقد وبطئهم في ~~الافتهام. ولكنني آليت على نفسي ألا أوضح لأحد وألا أجادل وأناقش أحدا؛ فإن ~~الذين يعرفونني ويفهمونني بغنى عن الإيضاح، والذين لا يحبون أن يعرفوني ~~ويفهموني وإن صرفت ما بقي من حياتي شارحا مفسرا موضحا فإنهم لا يقتنعون ولا ~~يفهمون؛ لذلك لا أضيع وقتي فيما لا طائل تحته لا لكم ولا لي، لذلك لا أجادل أحدا ~~ولا أناقش بشرا، بل جعلت مبدأي وخطة حياتي هذه الكلمات الثلاثة «قل كلمتك وامش»، ~~فإننا إذا وقفنا لنسمع المداحين والهجائين الناطقين بالحجارة والناطقين ~~بالأزهار ننصرف عما وجدنا من أجله من بث المبادئ الحرة والتعاليم السديدة في ~~الناس إلى ما يعرقل سعينا ويقعد بهمتنا ويكدر صفاء أفكارنا ويعودنا مقاتلة ~~الناس لا تهذيبهم ولذلك جعلت شعاري: «قل كلمتك وامش.» # هذا هو مبدئي، هذه خطة حياتي الكتابية، وهذه نصيحتي لإخواني الأدباء أجمعين، ~~وبناء على ذلك سأقول كلمة في رواية هذه الليلة كي لا أخرجكم ms181 من الموضوع الجميل ~~الذي أنتم فيه. وإنني لا أستحسن - قطعا - الخطابة في المواضيع السياسية والإصلاحية ~~في مثل هذه المواقف الأدبية؛ فإنها تصرف أفكاركم عما جئتم من أجله هذه الليلة وتقطع ~~سلسلة الخيال التي تنقلكم من المكان الذي أنتم فيه إلى مكان الرواية وزمانها، وهذه ~~من شروط الإتقان في التمثيل، فإن الممثل الذي لا ينسيني وأنا جالس في تلك الكرسي ~~أمام هذا المرسح كوني في بيروت وفي الجيل العشرين، الممثل الذي لا ينقلني بمغناطيس ~~صناعته إلى الدانيمارك في هذه الرواية مثلا - لأشاهد هناك مليكها وأميرها ورجالها ~~وأشباحها يقطعون الحياة ويذيبونها - لا يكون قد أحسن أوليات هذا الفن. # يسرني جدا أن أرى روايات نابغة المراسح بل نابغة العالم تمثل في سوريا؛ فإن ~~شكسبير من سائر الشعراء كجبل الأرز من سائر جبال لبنان، ورواية هملت من روايات ~~شكسبير كضهر القضيب من جبل الأرز، بل شكسبير هو أمير شعراء العالم، ورواية هملت ~~هي أميرة روايات شكسبير. وكم قام بعده من المقلدين من الإنكليز والألمان ~~والإفرنسيس فأجادوا في طريقتهم، ولكنهم لم يشقوا غيوم مؤلف هذه الرواية ~~الفريدة. # ومن مميزات هذا الشاعر العظيم أنه ما ترك عاطفة من العواطف البشرية كلها - دقيقة ~~كانت أو غليظة، واطئة أو سامية، راقية أو وحشية، ظاهرة أو غامضة - حتى ألبسها من ~~شعره سربالا شفافا جميلا واستخرج منها حكمة سامية جليلة. فإن ذكرنا الحب نرى ~~في «روميو وجوليت» أرقه وأشرفه وأسماه وفي «ترولس وكريسيدا» أحطه وأكرهه ~~وأدناه. # وإن ذكرنا الغيرة يدهشنا بل يخجلنا تمثيله إياها في رواية «قصة من قصص ~~الشتاء» بصورة خبيثة صفراء خالية من ألوان الانعطاف والسماحة والحشمة. ويعجبنا بل ~~يسحرنا في رواية «أوتلو» الشهيرة تلك الرواية التي تستنشق الغيرة فيها أنقى هواء ~~البحار والجبال. وإننا لنرى أن ذاك الشهم الزنجي «أوتلو» ما فادى «بدرة أتمن ~~من قبيلة كلها» إلا كرها وفي سبيل عرضه وشرفه، وذلك بعد أن أفرغ الخائن يعقوب كل ~~سمه في قلب من أخلص له الوداد، وإن ذكرنا الانتقام نشاهده في أفظع وأوحش ~~هيئاته في «تيتوس ms182 أندرانيكوس» وفي أشرف وأسمى مظاهره في رواية الليلة. # وفي هذه المقارنة تظهر عظمة الشاعر الذي يسقط إلى أعمق أغوار الحياة فيستخرج ~~منها درر الشعر والفلسفة، ويرتقي إلى أعلى السماكين فيجيئنا بكواكب من الحكمة ~~السامية والحقيقة الإلهية. # هذه ست روايات ذكرتها موجزا لأمثل مقدرة الشاعر واتساع نطاق أفكاره ~~وتصوراته وفلسفته وشعوره، فمن «كريسيدا» إلى «جوليت» ومن «أندوانيكوس» إلى «هملت» ~~ومن «بوليكسين» إلى «أوتلو» ننتقل دفعة واحدة من جحيم الحب إلى سمائه ومن ~~أدغال الانتقام إلى ذرواته ومن أكواخ الغيرة إلى قصورها. وقد تجتمع أسمى مظاهر هذه ~~العواطف كلها في دور هملت؛ لذلك هي أعظم الروايات التي تمثل على مراسح اليوم. هي ~~رواية منقطعة النظير فريدة في بابها وجلبابها. # ففيها الضمير والفلسفة يمتزجان فيتماوجان بين التردد والإقدام. وفيها الدقايق ~~والحقايق تسيل حبا فتتلون غضبا فتهيج انتقاما، وفيها من الشعر والتصور ~~والفصاحة ما لا يجتمع مثله في رواية واحدة لغيره من الشعراء، وفيها - وهذا أهم ما ~~فيها للممثلين - غوامض أطوار هملت وشذوذاته، فإن دور هملت للممثلين هو كالنور ~~للفراشة. وندر في أوروبا وأميركا من لم يحرق جنحيه من الممثلين الشهيرين في بادئ ~~أمره مع هملت، ولتتأكدوا أهمية هذه الرواية في عالمي الشعر والتمثيل أقول: إن من ~~مائة ممثل في إنكلترا وأميركا لا يحسن تمثيل هذا الدور العظيم أكثر من عشرة ~~ممثلين. # وكل واحد من هؤلاء يمثل الدور بطريقة تختلف عن طريقة سواه؛ وذلك لأن المؤلف أكثر ~~فيه من أوابد الفلسفة وغوامض الحكمة وأسرار المعاني البديعة ما يحتمل التخريجات ~~والتأويلات العديدة، لا أقول هذا لأثبط من عزم هؤلاء الشبان النشيطين فإنني أكبر ~~همتهم وأثني على إقدامهم وأرجو ألا يقفوا في درس هذه الصناعة الجليلة وإتقانها عند ~~حد تصفيق الناس واستحسانهم فقد يضر المديح بالشاعر والممثل أكثر من نقد الناقدين ~~وتحامل المتعنتين. # لا شك أن بينكم كثيرين ممن سافروا إلى أوروبا وشاهدوا فيها تمثيل الروايات، ~~ولكنني لا أظن أن أحدا منكم دخل العالم الكائن وراء الستار هناك فإن المرسح ~~بأدواته وعجلاته وأنواره وأخشابه وأسراره وممثليه ms183 وجدران الورق والقماش فيه ~~لعالم آخر لمن يتسنى له الدخول إليه. # أذكر لما كنت أمثل دورا صغيرا في هذه ~~الرواية مع أحد الممثلين الكبار في الولايات المتحدة أنني دهشت أول ليلة من أمر ~~الشبح في الرواية وكيفية ظهوره، فلما قال «برناردو»: (ها هو، ها هو) رأيت من كان ~~يمثل هذا الدور يتخطى تحت الأرض، أي: تحت المرسح، فسألت أحد الممثلين وهلا يخرج ~~لتشاهده الناس؟ فقال: بل هم يشاهدونه الآن فقلت: وكيف ذلك؟ فأشار إذ ذاك إلى مرآة ~~طويلة في مؤثر المرسح، وقال: ترى الذي يمثل دور الروح واقفا تحت المرسح أمام ~~المرآة فينعكس خياله فيها فيخيل للناظرين أنه شبح حقيقي واقف بين الأرض والسماء ~~وإذا تكلم فصوته من تحت المرسح أقرب إلى حقيقة حاله؛ فإنه أشبه بصوت خارج من ~~القبر، وعندما ينتهي من كلامه لا يخرج كالأحياء ماشيا بل يتحول الممثل من أمام ~~المرآة فيخيل للناس أنه طار في الفضاء كما لو كان شبحا حقيقيا! إلى هذا الحد من ~~الإتقان والتفنن وإلى ما فوقه ترتقي هذه الصناعة هناك. # وقد جاءني منذ أسابيع مجلة إنكليزية موضوعة للتمثيل والممثلين قرأت فيها أن ابن ~~السيدة إلن تري، وهي كسارا برنار عند الإنكليز طبع رواية هملت على حدة في خمس ~~مجلدات ضخمة طبعة فريدة في بابها، فنشر فيها صور أشهر من أجاد في تمثيل ~~هذا الدور من الممثلين من أيام شكسبير حتى ~~يومنا. ورسوم الثياب ووصفها في زمن هملت مع المواعين والأشياء التي تستخدم على ~~المرسح أثناء التمثيل، وفيها أيضا وصف المشاهد والمناظر وحركات الممثلين وسكناتهم ~~كلها، وكيفية إلقائهم مسنودة إلى تقاليد تكاد تكون مقدسة عند عشاق هذا الفن ~~وأربابه، وتباع النسخة من هذه الطبعة من رواية هملت بخمسة عشر ذهبا إنكليزيا. ~~فتأملوا! # أذكر هذه لتقدروا هذه الرواية حق قدرها؛ فإنكم لو جئتم هذا المكان فسمعتموها ~~تمثل أربعين وخمسين مرة لتجلى لكم كل مرة شيء جديد من رائع حكمتها وبديع ~~معانيها وجميل التصور فيها. # وقد يخطر في بال البعض منكم أن كيف تكون يا ms184 ترى تأثيرات مثل هذا المرسح، ومثل ~~هؤلاء الممثلين في نفس من مثل على مراسح أميركا، وشاهد هذا الفن في أرقى مظاهره، ~~وعرف شيئا من أسرار المرسح وخباياه؟ أما الممثلون فإنني وإن كنت لا أستصوب هجومهم ~~دفعة واحدة على روايات شكسبير وبالأخص أعظمها أكبر همتهم - كما قلت - وأثني على ~~نشاطهم وأرجو أن يتوفقوا في سعيهم واجتهادهم ودرسهم المتواصل إلى شيء راق من هذا ~~الفن. وأما المرسح أو الملهى أو الملعب أو التياترو أو بالحري هذه الأخشاب ~~المسندة التي تدعى تياترو فإنها تذكرني بأيام شكسبير لما كان يمثل بنفسه ~~أدوارا في رواياته. # فإن فن التمثيل هناك ولد في مثل هذا المهد الحقير فلا عيب ولا عار في ~~ذلك. # ولا بأس في ذكر شيء من سيرة نشوء هذا النابغة العظيم فإن فيها عبرة لمن ~~اعتبر، في أيامه، أي: منذ ثلاثماية سنة، كانت لوندرا شبيهة ببيروت اليوم من حيث ~~أسواقها وأبنيتها وملاهيها. # ولم يكن فيها عربات ومركبات، بل كانت شوارعها دائما كشوارع مدينتنا يوم ~~الاعتصاب، فكان الناس يجيئون التياترو راكبين الخيل، فاقتضى لذلك وجود أولاد أمام ~~الباب يستلمون هذه الجياد فيحفظونها لأصحابها إلى أن تنتهي الرواية. ووليم شكسبير - ~~أيها السادة - كان من هؤلاء الغلمان، ولكنه عمل عمله بنباهة وأمانة وإخلاص حتى ~~أصبح بعد قليل زعيم الساسة وسيدهم، فكان الناس عند وصولهم إلى التياترو لا ~~ينادون إلا شكسبير فيجيئهم هذا ويجيئهم ذاك قائلا: أنا يا سيدي من رجال ~~شكسبير، وكذلك ترى الرجل العظيم ناجحا فائزا ~~مقدما في أول عمل باشره، نراه ناجحا؛ لأنه أتقن عمله وثابر على الصدق ~~والأمانة فيه. ومن دور السائس ارتقى إلى المرسح فأخذ يمثل الأدوار الصغيرة إلى ~~أن استيقظت في قلبه ربة الشعر فطفق ينظم الروايات ويمثل فيها حتى آخر أيامه. # قلت لكم إن لوندرا منذ ثلاثماية سنة كانت من بعض الأوجه مثل بيروت، وكان فن ~~التمثيل فيها كما هو اليوم عندنا، وكانت التياترو - خاصة شكسبير وشركائه - شبيهة ~~بهذه فالحالة الاجتماعية التي كتب فيها شكسبير أعظم رواياته كانت كحالتنا اليوم ~~منحطة ms185 جدا عن تصوراته وأفكاره وتشويقات نفسه. # فهل كتب الشاعر ما يلائم طبائع قومه وأمثالهم في تلك الأيام؟ هل راعى خواطر شعب ~~لوندرا منذ ثلاثمائة سنة؟ فإنه لو فعل ذلك لما كنا نقرأ رواياته ونمثلها اليوم، ~~بل هو ألف هذه الروايات لكل جيل ولكل زمان، ألف رواياته والحقيقة آخذة بضميره وربة ~~الشعر تملي على فؤاده والحكمة تنير زوايا قلبه ونفسه، ألف رواياته ولسان حاله ~~يقول: إن لم يقدرها أبناء اليوم حق قدرها فسيفعل - إن شاء الله - أبناء ~~المستقبل. # وهذه من نبوءات الشعراء، فالنابغة يا سادتي يتقن أي عمل أتاه بشرط أن يكون قلبه ~~مائلا إلى ذاك العمل، ومن مميزات شكسبير في صعوده من أحقر الأشغال إلى المهنة التي ~~تتصل بالآلهة أسبابها أنه كان يفرغ قلبه ودماغه في قالب عمله. وإن حياة هذا النابغة ~~لشبيهة بتمثال حي لما جاء في رواياته؛ فإنه ارتقى السلم من أوطى الدرجات حتى ~~أعلاها ووقف هنيهة في كل منها ليفكر بالحكمة التي فوقها والحكمة التي تحتها. # فإتقان العمل إذا إن كان في مسح الأحذية أو في النظم أو في التمثيل هو أساس كل ~~ما يدوم طويلا من الصنائع والفنون، ونحن الشرقيين مفتقرون جدا إلى الثبات الذي ~~يتغذى منه الإتقان فإننا لا نتقن شيئا ولا نثبت في شيء، بل ترانا نيأس قبل أن ~~نتمم عملنا فنضرب به الحائط وظننا أننا صورنا على الحائط صورة جميلة، نتطلب تمام ~~الاستحسان والتقريظ لأعمالنا وقد تركناها وراءنا ناقصة، فعسانا إذا أن نتمثل بشيء ~~من حياة هذا النابغة الإنكليزي الذي أتقن عمله ~~سائسا، وأتقنه ممثلا، وأتقنه شاعرا. ~~(8) حول المساواة # 40 # سيداتي وسادتي # عندما كتبت هذه الرواية الصغيرة لم يخطر في بالي أمر تمثيلها، وقد ألفتها ~~لغرضين غرض أدبي وغرض سياسي، فالغرض الأدبي ظاهر للأدباء من خلال الخيال ~~والغرض السياسي نقطة محوره، ومهما كان من أمر الرواية فما هي إلا وقفة أمام الباب ~~الذي لا بد أن يدخله الأدباء بعد حين، فقد عفنا الروايات المترجمة التي قلما تنطبق ~~على حالنا، وقد حان لنا أن ms186 نضع تاريخ الأمم الشرقية وبالأخص تاريخنا على المرسح ~~ليقتفي الناس آثار أجدادنا الحسنة ويتحايدوا منها السيئة. # ومن العجز أن نتهافت على موائد الإفرنج وعندنا في تواريخنا العربية وحياتنا ~~الاجتماعية من الحوادث والعبر ما كان يكفي ساردو وروستان وأبسن خمسين عاما لو ~~تفرغوا لدرسها ووضعها في قالب التمثيل. وما روايتي هذه سوى وقفة أمام باب هذا ~~الموضوع - كما قلت - وبما أنني أشتغل اليوم في نظم بعض حوادث تاريخ العرب ~~لتمثل في إنكلترا أو أميركا أود لو اهتدى بعض إخواني من الأدباء إلى شيء ~~من هذه الحوادث المهمة فيفرغونها في قالب تمثيلي على طريقة قريبة بقدر إمكاننا من ~~كمالات هذا الفن. # أما الغاية السياسية من الرواية فلا شك أنها ظهرت لأكثركم وتدبرتموها وما ~~عبد الحميد فيها سوى واسطة لإظهار الحقيقة المؤلمة التي طالما شغلت ~~المفكرين. # من الألفاظ الساحرة التي تتدهور على ألسنة الخطباء في هذه الأيام لفظة المساواة، ~~والمساواة أيضا هي محور الفكرة السياسية في الرواية، ولكن بين ما أرتئيه في هذا ~~الموضوع وما يرتئيه غيري بونا شاسعا؛ فالمساواة لفظة طالما تحمس لها الشعوب في ~~ما مضى من التاريخ، ووجدت فيها الأمم خلاصا ~~إلى حين، وإن كان في تاريخ الرومان أو الفرنسيس أو الأميركان، فإن هي إلا فترة مرت ~~فأضرمت في الشعوب هوسا أبعدهم عن الحقائق الطبيعية والاجتماعية وأعادهم إليها بعد ~~حين، والتاريخ شاهد على هذا، على أن الوقت لا يسمح الآن في استطلاع شواهده، ولولا ~~ذلك لكنت أبين لكم كيف خابت آمال الرومان والفرنسيس والأميركان في عقيدة زال شغفهم ~~بها بعد أن وضعوها في حيز العمل. # على أنني أصرح أمامكم الآن أنني لست من المعتقدين بأن الناس ولدوا متساوين كما ~~جاء في دستور الولايات المتحدة، فالناس لا يولدون متساوين لا في القوى العقلية ولا ~~الجسدية ولا الروحية، وهذه حقيقة لا حاجة للإسهاب فيها. وإنما الناس متساوون اسما ~~أمام الشرع أما فعلا فهم في البلاد التي تدعى مهد المساواة كإخوانهم في البلاد ~~التي كانت في الماضي قبرها. فالأميركي والعثماني شبيهان من هذا ms187 القبيل، وفي ~~الأمتين ذو النفوذ يخنق المساواة بنفوذه، وذو المال بماله، وذو السيادة بسيادته، ~~وذو العقل بعقله، وذو القوة بقوته. ومهما تحمسنا وبالغنا في القول ينبغي أن تكون ~~الحقيقة محجتنا في كل حال. # والحقيقة يا سادتي هي أن المساواة لا حقيقة لها في البشر اليوم، والذي يمكننا أن ~~نصل إليه بعد طويل الجهاد والثبات في مضمار الارتقاء هو أن يعرف كل امرئ مركزه ~~ويجازى كل امرئ على عمله، وهذه - في نظري - هي المساواة الحقيقية، ليجاز ، كل امرئ ~~على عمله بعدل وإنصاف، وأنا الكفيل بأن الناس لا تحلم بعدئذ بالمساواة. # إذا ما الفائدة للفاعل يا ترى من معرفته أنه وسيده متساويان إذا كان سيده هذا لا ~~يجازي عمله بعدل وإنصاف! المساواة الحقيقية إذا هي أن يجازى كل على عمله، أن ~~يجازى المجرم على جرمه، والفاعل على عرق جبينه، والعالم على عمله، والذكي على ~~ذكائه الذي يظهر في أعماله، ورب الفنون على عرائس صناعته والشاعر على نفائس ~~شعره. # فالمجرم إذا كان من المتشردين أو من السلاطين ينبغي أن يكون في نظر الشرع واحدا، ~~وفي نظر القضاة واحدا، وفي نظر السجان واحدا، أي: أن الحقيقة تطلب شريعة ~~واحدة وميزانا للعدل واحدا وسجنا واحدا لمن ساوت بينهم الجرائم والآثام. ولا ~~فرق بين الصعلوك من هذه الوجهة والأمير وبين الفقير والغني. # أذكر لما كنت في الولايات المتحدة أن المحكمة العليا حكمت على أحد أرباب الاحتكار ~~هناك بالحبس ستة أشهر لخرقه نظام الحكومة المختص ~~بالشركات الاحتكارية، فزج في السجن كبقية المذنبين، ولكنه لم يعش هناك كما عاش ~~إخوانه السجناء، فقد اختصته الحكومة بثلاث غرف فرشها من ماله بالطنافس والرياش، ~~وأذنت لأحد المطاعم أن يقدم له طعامه كل يوم في الأوقات المعينة وكان أصحابه وعماله ~~يزورونه كل يوم كما لو كان في بيته أو في مكتبه. # فما قولكم بهذا العدل في أرض تدعى مهد الحرية والمساواة، أفلا ترون أن حال عبد ~~الحميد اليوم شبيه نوعا بحال ملك الاحتكار الأميركي! فالمال الذي تدفعه الأمة ~~اليوم لإعاشة السلطان المخلوع ms188 هو ما يحق لكل المجرمين في البلاد أن يطالبوها بجزء ~~منه، هذا ما يدعونه المساواة أمام الشريعة، وهذه هي المحجة التي لم نزل بعيدين ~~عنها. أما المساواة في الهيئة الاجتماعية فالعقدة فيها أشد وأمنع، وإن عقدة ~~عقدها الله لا يحلها إلا هو. # ليعمل كل منا عمله بإخلاص وإتقان، وليعرف كل منا مركزه، ليجازي كل منا عماله ~~على أعمالهم بعدل وإنصاف، لنكن أحرارا بمعنى الكلمة، فنصبح متساوين فضلا وإباءة ~~في عين الله - قلت في خطابي في زحله كلمة عن الذين يتلبسون بالحرية ويفاخرون الناس ~~بأنهم من الأحرار، وذكرت - على سبيل المجاز - بياع البصل، أو بالحري من لا يعرف ~~كنه الحرية والمساواة، وأصبح يجتمع اليوم والأحرار الحقيقيين في ناد واحد، فقام ~~أحد الخطباء يعترض على تحقيري الشعب وعبثي بعقيدة المساواة المقدسة، وهؤلاء الناس ~~يحاولون تعزيز عقيدة لم يعززها الله وما عززتها الطبيعة، فقال: كيف لا يحق لبياع ~~البصل مثلا أن يكون من الأحرار، وكيف لا يحق له أن يجتمع وسيده الأمير في ناد ~~واحد؟ # لا يا سادتي، إذا كان بياع البصل أو الأمير نفسه يبيع حريته ببصلة فهو من ~~العبيد الذين لا يحررهم إلا الله، إذا ظل المرء حرا ما زالت حريته لا تضر ~~بمصلحته أو بمنصبه أو بنفوذه فلا الدستور ولا الثورة ولا المصلحون يستطيعون أن ~~يرفعوا عن نفسه سلاسل العبودية. ~~(9) الشعب والسياسيون # 41 # أيها السادة # إن لهذه المدينة مزية طبيعية جميلة، ما رأيت مثلها في مدن العالم الكبرى التي ~~زرتها وأقمت فيها. وهذه المزية المبهجة تظهر في هذا الفصل من السنة في أجمل ~~معانيها، فتسير مع النسيم في الليل فتنسي السائر حفر الأسواق وأوحالها، نعم إن ~~أجمل ما في بيروت جنائنها، وإن نفحات أزهار الجنائن تسكرني وتحزنني معا، فقد ~~طالما سألت نفسي وأنا سائر ليلا في شوارع المدينة - متى يا ترى تنتشر مثل هذه ~~الروائح الشذية في آدابنا وأدياننا وأخلاقنا ومبادئ زعمائنا، متى يا ترى تصير أرض ~~سوريا صافية كسمائها، متى يا ترى تصير قلوب أبناء سوريا نقية كهوائها، متى ms189 يا ترى ~~تصير حكومة هذه البلاد صالحة كأنبيائها؟ سؤالات يطرحها الرجاء على اليأس بل النور ~~على الظلمة، سؤالات طالما رددتها نفسي، فكنت كمن يقلب جذوة في الرماد، كلما ~~حركتها صغر حجمها وأمست أخيرا رمادا. # سؤالات إذا سألها علم العالمين بجلهم يجيب عليها جل من ادعى العرفان، سؤالات إذا ~~سألتها أزهار الحب والتساهل والإخاء نبت حولها شوك التعصب والنزاع ~~والخصومات. # ولكنني لا أيأس من كل ما هو جار اليوم، أنا لا أتشاءم بأخبار الأستانة المكدرة، ~~فإن الأمة هي كالأم ساعة الولادة، الأمة الجديدة كالطفل تولد بالعذاب ~~والآلام. # اعذروني أيها السادة إذا خالفت هذه الليلة رأيي في أمر الخطابة خلال الفصول؛ ~~فإنني وإن قلت بإبطال هذه العادة أعلم جيدا أن ذلك غير ممكن قبل أن يصير عندنا ~~دار خصوصية للاجتماعات العمومية. # وإذا كان الخلط بين الخطابة والتمثيل اليوم لازما فالإشارة إلى أن الطلاق كافل ~~سلامة الاثنين لازمة أيضا. # وبعد هذا الاعتذار ماذا عساني أقول؟ # إذا قلت كلمة في الحالة الحاضرة أخشى أن تظهروا استحسانكم بإطلاق الرصاص؛ ولذلك ~~لا أقولها، فإن الصحافيين كثيرون وكلهم في القول يتاجرون، بل كلهم من الأماجد ~~الكرام كما يقول أنطونيوس في جنازة القيصر، والذي يقوله هؤلاء الأحرار الأفاضل لا ~~يتجاسر أن يقوله هذا الفقير، الذي يقوله المسدس والخنجر لا يقوله اليوم القلم ~~والمنبر. الذي تقوله الحماسة الوطنية لا تردده دائما الحكمة، الذي يقوله ~~أنصار الأمة لا يقوله أنصار الحقيقة. وأني أؤكد لكم أيها السادة أن لسان ~~الحال اليوم أفصح من لسان الاتحاد ولسان التقهقر أطول من لسان الترقي وبلاء ~~بابل في ألسنتها، ولكن هذه البلبلة لا تدوم، وسينطق غدا لسان آخر هو لسان القوة ~~والحكمة، فيردد صدى كلماته لسان الحال ولسان الاتحاد ولسان الترقي ولسان التقهقر ~~أيضا وإن غدا لناظره قريب. # وأما الآن فحرمة للإنسانية أرى من الواجب أن نستلفت أنظار زعماء الفوضيين في ~~أوروبا إلى حالتنا المبهجة المفيدة فيبعثوا بوفد من قبلهم إلى بيروت ليتعلموا فيها ~~كيف تكون الفوضى، ولا بأس بالفوضى إذا علمتنا شيئا واحدا وهو ms190 أنه لا يثبت في ~~العالم والناس إلا الانقلاب، لا بأس بالفوضى إذا تعلم الشعب في مدرستها أن يتقي ~~زعماءه وأسياده؛ فإن الزعماء الذين يغرون الشعب اليوم على الصحافة حبا بالأمة ~~يغرونه غدا على الأمة حبا بالصحافة. عفوا سادتي قد جاملت من حيث لا أقصد ~~المجاملة، فإن الزعماء السياسيين يثيرون خواطر الشعب لا حبا بالصحافة ولا حبا ~~بالأمة بل حبا بأنفسهم الكريمة ومطامعهم السياسية الشرفية، فاتق - أيها الشعب ~~- الزعماء ولا تكن في أيديهم آلة صماء. # واتقوا - أيها الزعماء - الشعب فإنكم إذا أغريتموهم اليوم على أحد زملائكم يقوم ~~غدا من يغريه عليكم، لا يثبت إلا الانقلاب، اذكروا هذا أيها الثابتون في التقلب ~~... # وقد قيل: إن صوت الله في صوت الجماعات، وكم هو يا ترى عدد العثمانيين الذين لا ~~يقفون مع الواقف ولا يتزلفون إلى القوي، فالشعب اليوم واقف، الشعب اليوم قوي، ~~ولكن الحق يقف فوق كل واقف، والحق أقوى من كل قوة بشرية. # فإذا قال السياسيون إن صوت الله في صوت الشعب يقولون ذلك يوم يكون الشعب خادما ~~لمآربهم السياسية، ويوم ينقلب الشعب تنقلب - لا شك - الآية، يوم تصرخ الجماعات ~~فلتسقط الصحافة الحرة تقول الحكومة المسلولة: إن هذا لصوت الله، ولا تكاد تنتهي من ~~تهليلها حتى تصرخ الجماعات فلتسقط الحكومة! فيقول إذ ذاك الحكام إنه لصوت إبليس، ~~والحقيقة أيها السادة أن إبليس بريء من هذا الشعب وأن الله بعيد عنه. الحق يقال إن ~~صوت الشعب هو صوت أبي براقش لا صوت إبليس ولا صوت الله، الحق يقال إن أبا براقش هو ~~معبود الشعب ومعبود السياسيين. # تبارك الشعب وتباركت صبغاته السياسية، تبارك السياسيون وتباركت نزواتهم ~~الوطنية. ~~(10) في وصف بيروت # أيها البيروتيون # أقمت في هذه البلاد (بلادنا) ست سنوات ولم أستطع قبل الآن أن أقول في بيروت كلمة ~~حق يرضاها قلب شغف بحب بلاده ولا ينكرها عقل شغف بحب الحقيقة. نظرت إلى هذه ~~المدينة بعين رأت مدن أوروبا وأميركا فاستصغرتها وندبت حظها ثم نظرت إليها ~~بعين شاهدت غيرها من مدن سوريا فأحببتها وأكبرت شأنها، ms191 وأنا الآن ناظر إليها ~~بالعينين فأصفها وأنصفها. بيروت أم البلاد السورية وأمة البلاد السورية، ~~أميرة المدن الآسيوية وأجيرة المدن الآسيوية، بيروت حسنة من حسنات التمدن وآفة ~~من آفاته، بيروت لؤلؤة شرقية في صيغة من النحاس غريبة. # هي خلخال في رجل سلطانة المشرق عند الصباح، وأسوار في معصم ربة المغرب عند ~~الغروب، هي درة في أوحال تئن فوقها الكهرباء هي مرجانة على ساحل اختلط تبره ~~برماله ولجينه بأوحاله. ساحل النغولة مهد أم المدن السورية وعرشها، فم الأتون ~~بيروت، وأفق النور بيروت، ومطلع الظلمة بيروت، عروس الحرية هي وعجوز الحرية، يوما ~~تتهادى تحت علم الوطن عفة وكبرا ويوما تتوكأ على عصاها كيدا ومكرا، يوما تلبس ~~الرعاة العتاة أكليلا من الأزهار، تصعر يوما خدها للظالم وأمام سدته تعفر يوما ~~وجهها، بيروت منبر الدستور ومشنقته، بيروت حسناء النظام وبيروت صخابة ~~الفوضى. # مدينة المدن السورية بيروت، منبت الياسمين والقلام، مغرس الورد والشوكران، ~~القراص فيها يرفع رأسه عزة تحت أزاهر الليمون، والعليق يسرح ويمرح في ظل ~~النخيل، مدينة الدماء مدينة المدن، مدينة الخلسة والرجاسة، أخت أورشليم، روحها ~~تئن في الأزقة، نفسها تحشرج في المجاري، قلبها يغرد في البساتين، عينها تدمع في ~~دوائر الحكومة، جسمها يذوب في الموبقات، وعقلها يدق على سندان التفريق في ~~المدارس. # بيروت إحدى وصيفات باريس، هي قمر ينعكس فيه نور المغرب فيضيء المشرق وتنعكس فيه ~~أيضا ظلمة الغرب فتزيد الشرق ظلاما. بيروت منبت العلوم ومغرس الخرافات، هي حقل ~~خصبة التربة تزرع فيها أوروبا قمحها وزؤانها ووردها وقلامها ومع ذلك نراها ~~سائرة إلى الأمام ساهرة صابرة. إذا أقبلت سوريا بيروت أمامها وإن أدبرت بيروت ~~وراءها، إذا كانت اليوم كآذار من السنة تتراوح في رعدها وبرقها بين الظلمة والنور ~~غدا تصير كأيار بل كتموز، كأيار بأزهارها، كتموز بثمارها، إذا كانت اليوم أسيرة ~~شياطين التفريق غدا تصبح ربة الألفة والإخاء، إذا كانت اليوم عرش التعصب الديني ~~فهي غدا قبره. # مدينة المدن السورية بيروت وإثمها مثل مجدها كلاهما عظيم، إذا بكت هاج بكاؤها ~~بكاء الأمة، إذا غردت ms192 رددت أنغامها بلابل حلب وشحارير الشام وحساسين لبنان ~~وحمام الجليل، إذا وردت بحيرة الإصلاح «ورد الفرات زئيرها والنيلا»، وإذا أفسدت ~~أفسدت بناتها في السواحل وعلى شواطئ العاصي والأولى والأردن وبردي، كلمة باطل تنطق ~~بها بيروت تمسي حجة في دمشق كلمة حق تصدع بها بيروت تروي غليل القرى الظمآنة وتبعث ~~في مدن السواحل والسهول روح الجهاد. # أم المدن السورية هي وعجوز المدن السورية، تعلم بناتها الفضيلة يوما ويوما ~~تعلمهن الرذيلة، تحمل إليهن نورا وتحمل إليهن سما، إثمها مثل مجدها كلاهما ~~عظيم وأعظم من الاثنين واجب فرضه الله على الأمهات، أحسني القدوة يا بيروت ~~يحسن بناتك الاقتداء. في المروج والجبال وفي السواحل والسهول بناتك يستقين من ~~ينابيع علمك وأدبك، من مدارسك من صحافتك من منابرك من مطابعك، فصفي مياها تسقينها ~~بناتك. اخفري السبل، صوني المناهل، تعهدي المسارب، اقطعي يد كل أثيم يشتغل اليوم ~~في تعكيرها أو تخريبها أو تسميمها، اقطعي الأيادي التي تحمل إليها سرا فضول ~~الأديان وأوحال التعصب وأوساخ سخافات الأدب والسياسة، طهري ينابيعك، ارحمي ~~بنيك وبناتك. # أشهد أن لا نور ولا دخان ولا وحول في سوريا اليوم غير ما كان مصدره بيروت، وأشهد ~~أن بيروت وجه سوريا وأن الهوتنتوتي في هذا الزمان يغسل وجهه، بيروت قلب سوريا، ~~والعلم يقضي بأن يكون العقل كالقلب والجسم نظيفا نقيا، ولكن المدينة التي تدعى ~~درة تاج آل عثمان هي درة في أوحال وغبار تئن فوقها وتحتها الكهرباء. وتبض ~~حولها حباحب الأدباء. # أوحال وأقذار وغبار في أسواق المدينة، وفي آدابها وفي سياستها وفي أديانها، ~~ودرة العلم ودرة الدين ودرة تاج آل عثمان في هذه الأوحال والأقذار غائصات ضائعات، ~~وماذا يزيل الأوحال والأقذار والغبار، لا الصحافة ولا قرض البلدية ولا قصائد ~~الشعراء ولا كلماتي تزيلها، هذه الأقذار من فضول الأعصر والأجيال ولا يزيلها أبدا ~~سرمدا غير التربية الحقة والتهذيب الصحيح، تربية أساسها الشجاعة والحمية والصدق ~~والنظافة وتهذيب أساسه النزاهة والأمانة والإقدام وحب العدل والوطن متى تأصلت ~~هذه الفضائل في الرعاة وفي الرعية وفي السائدين والمسودين تصلح ms193 جادات المدينة ~~وتستقيم جادات الأدب والدين والسياسة. أصلحوا الحياة تصلحوا الحكومة، أصلحوا الحياة ~~تصلحوا المدينة. ~~(11) في لبنان # 42 # إخواني، أبناء وطني # إذا كان في حضوري حفلة هذه الجمعية ما يسركم وفي كلماتي ما يفيدكم فأنتم مدينون ~~بذلك لرسول الجمعية إلي، جاءني هذا الرسول الأسبوع الماضي فذكرني بعد أن قص ~~قصته بمخبري الجرائد الأميركية، بأولئك الشبان الأقوياء الذين يتسقطون حتى من ~~السماء الأخبار، وينالون بغياتهم بالجد والثبات، طلبني في محلات عديدة بالمدينة فما ~~وجدني، سأل عني بعض الأصحاب فثبطوا من همته، علم أني سأخطب في بيروت خطبتي الأخيرة ~~وأتأهب للسفر وما كان ذلك ليوقفه عن سعيه، عض على نواجزه وراح وجاء باحثا ~~طالبا حتى لقيني فحاصرني واستولى علي. # أعجبني من الشاب نشاطه وجده وثباته، فأحببت أن أنوه بها في هذا ~~المقام، وحبذا هذه المزايا الحميدة في شبابنا بل في كهولنا وفي نسائنا، حبذا العزم ~~في الأعمال والثبات في الأعمال والإخلاص في الأعمال، فلا التربية في بيوتنا نحن ~~السوريين ولا التهذيب في مدارسنا يغرس فينا مثل هذه الأخلاق الطيبة، مثل هذا العزم ~~والجد والإقدام، الشاب الذي نوهت به من متخرجي الكلية والمزايا التي أعجب بها إنما ~~هي من محاسن الأخلاق الأميركية، وحبذا لو تخلقنا بمثل هذه الأخلاق فنأخذ عن أصحابنا ~~الأميركان والإنكليز أماثيل العزم والجد والإقدام ونترك لهم عبادة المال والتكالب ~~في سبيل الإثراء. # فكم من خوار هلوع إذا قامت في وجهه عقبة واحدة يعرض عن غرضه ويعود إلى خموله ~~خائبا، وكم من رسول لفساد في خلقه وضعف في عزيمته يخدع مرسله ويخونه، وكم من مأمور ~~يركب إلى غايته مطية الغش والتلبيس ويطلي عقد الأمور بالأكاذيب ويدور حول ~~العقبات مثل كديش الناعورة فلا هو يذلل العقبات ولا هي تعززه، الإخلاص في الأعمال ~~والأمانة في الأعمال والجد والثبات في الأعمال هذا ما أنصح به لإخواني أبناء ~~وطني. # فالجد يدني كل أمر شاسع # والجد يفتح كل باب مغلق # وإن من يمد يده إلى السماء راغبا عازما جادا متشوقا لتدنو منه كواكب ~~السماء وأقمارها. # ولكن ms194 الطبيعة تنفر من الإلحاح ونواميسها تكره العجلة، وقلما نرى نحن السوريين ما ~~لا يعاكس الطبيعة ونظام الأشياء، إذا شاقنا أمر طلبناه كالأطفال ضاجين ~~ملحين صارخين صاخبين مئات السنين نريد أن يحشرها الله من أجلنا في برهة صغيرة، ~~نريد أن ينير من أجلنا الشمس في الليل والقمر في النهار، نريد أن يصلح شئوننا ونحن ~~إما نائمون وإما صاخبون، ولا الصخب - وايم الله - ولا النوم، لا العويل والفوضى ولا ~~التلبط والقنوط تصلح الشئون. # أكعكة تريد يا بني؟ اصبر تنلها . وأما هذا التلبط منك فلا يفيد، وهذا الصراخ لا ~~ينفعك، بمثل هذا الكلام تخاطب الأم ابنها اللجوج والأمة بنيها، نريد في لبنان ~~تهذيبا وحرية وعمرانا، نريد في لبنان إصلاحا، وايم الله لا نريد في لبنان إلا ~~الوظائف. أقول وحق ما أقول إن بلاء لبنان وفساد حاله لمن مصلحيه، مصيبة ~~الجبل أولئك الذين يصيحون في الأودية حبا باستماع صدى أصواتهم، أولئك الذين ~~يضربون على وتر الإصلاح حبا بالاشتهار أو خدمة لمآرب أحد المفسدين الكبار، أولئك ~~الذين يصطادون بشبكة التمويه والتغرير الدينار. # بلية لبنان أولئك الذين يزحفون على بيت الدين باسم الدستور فينصبون في باب السراي ~~مشنقة الدستور، أولئك الذين يصطبغون بصبغة الأحرار وإذ يتبوءون كراسي السيادة ~~يولون للحرية الأدبار، أولئك الذين يصطبغون بصبغة الماسون يوما ويوما بصبغة ~~المارونية فلا ماسونيين يعرفون ولا بكركيين، مصيبة هذا الجبل العزيز في أمثال أولئك ~~البنائين المحترمين الذين يناهضون الإكليروس يوما ويوما يتزلفون إليه ليسلبوه ~~النفوذ والسيادة، كنا في الماضي نقول: إن بلاءنا من الإكليروس، وأما اليوم فيا ما ~~أحيلي الإكليروس إلى جانب هؤلاء الذوات المصلحين، مسكين الإكليروس اللبناني؟ ~~صرخة واحدة أقعدته وكأني بالبنائين والمصلحين يصرخون اليوم في وجهه قائلين: اشلح ~~تربح، هذه حال الإكليروس اليوم وحال المصلحين. # بليتنا يا أسيادي من هذه الأحزاب، هؤلاء الزعماء والسياسيين العتق منهم والجدد، ~~ما أكثر المصلحين فينا وما أقل الصالحين، ما أكثر الواعظين وما أقل المتعظين، ~~عودوا إلى بيوتكم أيها الناس فالزموها، عودوا إلى أنفسكم فأصلحوها، أفسدتم ~~بإصلاحكم البلاد أهلكتم بسياستكم الناس ms195 أقول ولا أخشى لومة لائم إن كل ساسة لبنان ~~الموقرين سواء في الضلال والفساد، وما أشرنا مرة إلى أحد معجبين ممن اشتهروا بغير ~~الضلال والفساد وكان عند رجائنا فيه، قلنا في هذا الرئيس قولا جميلا كذبه ~~بأعماله، مدحنا الزعماء الوطنيين فحبقوا في الطحين ما كدنا نقول في هذا النائب ما ~~شاء الله حتى اضطرنا أن نقول إنا لله، كلهم في الفساد والضلال سواء عودوا إلى ~~بيوتكم أيها الزعماء الأعزاء، إلى حقولكم، إلى أملاككم، فتعهدوها بالتربية، أصلحوها ~~- أصلحكم الله - بارت أرض لبنان من اشتغال أصحابها عنها بالسياسة، غاضت مياه لبنان ~~من إهمال الغابات فيه والأحراج، وسيذهب لبنان ضحية إصلاح المصلحين - ويلهم مصلحين - ~~يهملون أرضهم وعيالهم وأملاكهم ليصلحوا حكومة لبنان، لله درهم ما أشد غيرتهم على ~~لبنان. # أقول - وحق ما أقول: لو سكت الزعماء والمصلحون العتق منهم والجدد وعادوا إلى ~~بيوتهم يحترفون لهم حرفة شريفة لأصلحت عاجلا شئون لبنان السياسية وأما شئونه ~~الاجتماعية والعمرانية فلا يصلحها غير المدارس الراقية والتربية الحقيقية، لا يصلح ~~حالنا أدبيا ودينيا غير المدارس الإعدادية العلمانية الوطنية والتربية ~~الأميركية الحقيقة أما الإصلاح السياسي فلا ينفع كثيرا بل لا ينفع قطعا في مثل ~~أحوالنا اليوم، وهاك ما قاله طومس كرليل في هذا الصدد، أنا قارئ ما عربته من ~~سديد حكمة هذا الفيلسوف العظيم. ~~«قد قيل مرارا وينبغي أن يقال أيضا تكرارا: إن كل إصلاح غير الإصلاح الأدبي لا ~~يجدي نفعا، فالإصلاح السياسي مع شدة الحاجة إليه يحصر فعله في استئصال الأعشاب ~~البرية كالشوكران القبيح السام والنباتات المشوكة التي يكثر نموها وتقل ~~فائدتها، ولكن الأرض وقد أصبحت بعد ذلك بورا تقبل البذور الكريمة كما تقبل ما قد ~~يكون أخبث وأضر مما استئصل منها. # أما الإصلاح الأدبي فهل يتحقق يا ترى رجاؤنا فيه إن لم يزدد يوما فيوما عدد ~~الرجال الصالحين فينا، أولئك الذين ترسلهم العناية الكريمة ليبثوا روح الصلاح في ~~الناس ليزرعوه كما تزرع الشجرة الحية بذروها؟ فالرجل الصالح إنما هو قوة سريعة ~~حية مثمرة، وكذلك في كل زمان ومكان ms196 يكون، ونفوذه إذا تدبرناه لا يقاس؛ لأن ~~أعماله لا تموت. # هي أبدية؛ لأنها بنت الأبدية، وقد تتحول فتنمو وتنتشر في أشكال جديدة ولكن جوهرها ~~الحي المحيي هو واحد. فيا أيها الصارخ من خبث الزمان ولؤمه القائل إن ديوجن في ~~يومنا يحتاج إلى مصباحين في رابعة النهار اعلم أن لا سلطة لك على الزمان، ~~وليس لك أن تصلح البشر، أن تنقذ عالما منغمسا في الغش والفجور والنفاق، وإنما ~~كتب لك أن تصلح رجلا واحدا فيه وأعطيت لذلك قوة عظيمة مطلقة فأنقذ هذا الرجل، ~~أصلحه قوم أوده إن في اهتمامك هذا شيئا بل أشياء تذكر، وحياتك وأعمالك لا ~~تكون بعدئذ باطلة.» # وكلنا هذا الرجل، وكلنا نستطيع أن نصلحه إذا سعينا في هذا وكنا ثابتين في سعينا ~~صادقين، أما الإصلاح السياسي فهو ينقي الأرض ويحصبها فقط، والإصلاح الأدبي ~~الذاتي يعطينا بذورا صالحة نزرع منها هذه الأرض المنتخبة الطيبة، وأما إذا ~~حصبناها ونقيناها وكانت بذورنا رديئة فاسدة يجيء كل إصلاح سياسي شرا من الآخر. ~~وبأسف أخبركم أن ما في جراب بذارنا اليوم غير بذور الحنظل والقرقفان والعوسج ~~والقراص، فإذا كانت لنا غيرة على بلادنا، وكان في قلبنا حب لأرضنا حقيقي نأبى أن ~~نتعبها ونهلكها بالإصلاحات السياسية العقيمة، لنسع في تنقية البذور قبل تنقية ~~الأرض، اطرحوا إلى النار جراب السياسة وما فيه - غيره آسفين - وخذوا لكم جرابا ~~جديدا تملئونه من بذور النفس المصلحة الجديدة فقد أعطي كل منا كما قال كرليل ~~قوة عظيمة مطلقة ليصلح نفسه وكل منا يستطيع إلى ذلك سبيلا إذا سعى قليلا. # ونصيحتي لإخواني اللبنانيين لأبناء وطني المحبوب أن يبتعدوا عن السياسة ويقتربوا ~~من الحقول، إن فلاحا في كرمه وراء محراثه لأشرف من كثير من ذوات لبنان، إن ~~صانعا في معمله لأطهر ذيلا وأنزه نفسا من ساسة لبنان، إن حائكا في ~~نوله لأسلم قلبا من مصلحي لبنان. جبالنا المقدسة! أيهجر بنوك أطلال السكينة فيك ~~ليتلوثوا بأوساخ السياسة وأوحالها؟ أيهملون أرضك فتصير بورا وأحراجك فتصير صخورا ~~حبا بمنصب في الحكومة يذل النفس ويفسد ms197 الحياة؟ إلى الحقول أيها السياسيون إلى ~~الحقول، بارت أراضي جبالنا من الإهمال، تصخرت أحراج جبالنا من الإهمال، غاضت مياه ~~جبالنا من الإهمال. # أتشقون في السياسة إخواني والمحراث ينشدكم نشيد الهناء والحبور؟ أتتمرغون ~~في أوحال الوظائف والأرض تحن إليكم حنين الأم إلى أولادها أتستذلون وتستضعفون ~~وتستعبدون في دوائر السياسة والحقول تدعوكم إليها لتلبسكم تاج الاستقلال، لتعيد ~~إليكم شرف الرجال، لتمتعكم بحرية الفكر والعمل والمقال؟ إلى الحقول إخواني، إلى ~~الحقول، ليرع كل منا خويصة نفسه، ليشتغل كل منا عن إصلاح الناس بإصلاح شئونه، ~~ليتعهد أرضه وأملاكه بالحراثة والتربية فيصطلح عندئذ لبنان ويصطلح شعب لبنان، ~~وتصطلح لبنان. ~~(12) التساهل الديني (خطبة ألقيت في احتفال جمعية الشبان المارونيين في نويرك ليلة 9 ~~شباط سنة 1900) # تنبيه # هذه أول خطبة ألقيتها في لغتي وقد انتشرت في سوريا ومصر وأميركا وقرظتها ~~الجرائد والمجلات هنا وهناك؛ لذلك أحببت أن أبقي عباراتها على ما كانت عليه ~~في الطبعة الأولى. # مقدمة الطبعة الأولى # قد طبعت هذه الخطبة لاعتقادي أننا بحاجة كلية إلى التساهل الديني فأملي أن ~~تصادف من المتساهلين استحسانا ومن المتعصبين قبولا تكون نتيجته الارتياح ~~والاستحسان على ما أرجو، فيزول - إذ ذاك - التعصب ويسود التساهل وتبرز بعد ~~ذلك أمتنا السورية إلى عالم الوجود قائمة على صخرة لا تقوى عليها نيران ~~الجحيم. # نويرك في الشهر الخامس من سنة 1901 # مقدمة الطبعة الثانية # وهذه عشر سنوات مضت والتساهل الديني - أي: هذه الخطبة - لم تزل من ~~الأدوية الناجعة دليل على أن داء التعصب الدفين لم يزل متأصلا في الصدر. وقد ~~قال لي أحد كبار الاتحاديين: إن الجمعية تود لو انتشرت هذه الخطبة في كل أقطار ~~المملكة، فلتتكرم الجمعية إذا وتترجمها إلى التركية، أبدلوا «الأمة السورية» ~~في الخطبة بالأمة العثمانية ولا تخشوا اللوم والتثريب؛ فإن عناصر هذه ~~الدولة كلها كالعنصر الذي عالجته، وإن ما نئن منه نحن المسيحيين لأشد وطأة عند ~~إخواننا المسلمين أفيسقمنا التعصب ويجهز علينا التمويه؟ # اتقوا الله أيها الناس، فقد صاح بكم الأحرار الأصفياء: عودوا إلى كتبكم. ~~ظنا منهم أنكم تعودون ms198 إلى الحسن السمح السامي من آياتها. فخاب ظنهم. لذلك ~~أقول: ارفعوا أعلام الوطن ولا تعودوا إلى كتبكم في غير المعابد؛ لأنكم تعودتم ~~أن تسرعوا إلى ما خط فيها من آيات فتفسرونها بما لا يقتضيه حالنا اليوم بل ~~لا يجيزه. عودوا إخواني إلى ضميركم إلى وجدانكم إلى عقولكم إلى حكمة موروثة ~~فيكم، وساعدوا هذه الدولة الجديدة فتساعدكم، ساعدوها أيها الرؤساء والأسياد في ~~بث روح التساهل الديني والجنسي في الناس، وسيف - والله - يرفع علي شر من سيف ~~أرفعه على إخوان لي في الوطنية. وشر من الاثنين - أيها العثمانيون - سيف يرفع ~~علينا أجمعين. # بيروت في 6 نيسان سنة 1910 # التساهل الديني # أيها السيدات والسادة # لما علم بعض أصدقائي بأني انتقيت موضوعا دينيا ألقيه على مسامعكم في ~~هذه الليلة الحافلة انتشر الخبر في جاليتنا السورية وأخذ كل رجل يبني عليه ~~العلالي والقصور ويستخرج النتائج ويقدر العواقب ويفسر الموضوع بحسب مبلغ ذوقه ~~وإدراكه وهواه، وقد اتفق هؤلاء المفسرون في شيء واحد وهو أني سأتعرض للدين ~~تعرضا خبيثا وهم ينوون توقيفي عن الخطابة؛ لأنهم للآن لم يألفوا حرية القول ~~والانتقاد فعسى أن يصادفوا الفشل وخيبة الأمل؛ لأنهم حكموا علي قبل أن يسمعوا ~~كلامي ويتدبروا براهيني. # وهذا شيء يناقض الشريعة والعدل ويأباه الرأي المستقيم والذوق السليم ~~فالقاضي الذي يحكم على مجرم بالقتل قبل أن يسمع دفاعه يكون ظالما مجرما ~~جاهلا، فلا تحكموا قبل أن تسمعوا ولا تقصدوا الشر قبل أن تتبينوا شرا أكبر ~~يستوجبه، وقد يظن البعض أن البحث في الأمور الدينية متعلق برؤساء الأديان ~~فقط ومحرم على سواهم، وهذا عين الضلال والغلط، فالمرء لا يرى مساوئه ولا ~~ينتقد الحرفة التي يتوقف عليها معاشه، ورؤساء الأديان لا يتكلمون عن الدين ~~شيئا مشينا ومضرا به على مسامع الشعب ولو لم يكن منافيا العدل والإصلاح بل ~~كل مباحثهم الفلسفية وكل أقوالهم العلمية هي مستنتجة من مقدمة تسبق كل بحث وكل ~~تنقيب، يطبعونها في جنانهم قبل أن يقدموا على الكتابة والجدال. # وهي هذه: الدين تأييده واجب وتعزيزه أوجب وإذا أفسده ms199 الزمان ولوى فيه الألسنة ~~بعض رؤساء الأديان فلا يعلن الفساد للشعب، فإذا كانت المقدمة على هذا المنوال ~~فهل يرجى منهم انتقاد جهري يكشف للعلمانيين ما لا يظنونه موجودا. إن ذلك لا ~~يكون فالرؤساء لا يرجى منهم إصلاح جهاري في الدين إذ إن ذلك يضر بمصالحهم ويضعف ~~سلطتهم ويسقط سيادتهم، وإذا سألتموني لماذا تبحث وتتكلم في الدين وأنت لست من ~~رجاله فأجيبكم كما أجاب روسو الفيلسوف الإفرنسي الشهير لما سئل عن تعرضه ~~للبحث في السياسة، وهو ليس أميرا ولا حاكما. # قال: أنا لست أميرا ولا حاكما ولكنني من أجل هذا كتبت فإني لو كنت أميرا ~~أو حاكما لما أضعت الزمان بكتابة ما ينبغي أن أفعل بل كنت أفعله وألزم ~~السكوت، وأنا لست قسيسا أو مطرانا ومن أجل هذا أخطب بموضوع ديني فلو كنت ~~قسيسا أو مطرانا لأصلحت وحسنت واستغنيت عن الخطابة ولزمت السكوت فالبحث في ~~أي موضوع كان محرما على الحيوانات العجم فقط أما الناطقة العاقلة فمن حقوقها ~~أن تخوض عباب أي موضوع شاءت. # ولكن الذي أوقعني في مثل بحر من الاضطراب هو الطلب الذي طلبته مني عمدة هذه ~~الجمعية (جمعية الشبان المارونيين) كي أعدل عن الخطابة بهذا الموضوع تجنبا ~~للشر وهربا من العواقب الوخيمة حسب زعمهم، ولعمري لا ينجم عن البحث والتفتيش ~~المصحوبين بالمعرفة والحكمة إلا كل شيء مستحسن ومفيد، البحث أم الحقيقة، ~~ماذا أفعل إذن، أأرمي نفسي في بحر البحث ~~والتنقيب أم أسلم تسليما غير شرطي دون أن ~~أنبس ببنت شفة، من وجه لا أريد أن أخون ضميري وأعود نفسي التردد فالشاعر ~~يقول: # إذا كنت ذا رأي فكن فيه مقدما # فإن فساد الرأي أن تترددا # ومن وجه آخر أود لو راعيت خواطر أعضاء الجمعية التي أنا عضو منها ~~وأجبت سؤلهم، فإن تكلمت استاءوا وإن لم أتكلم استاءت الحقيقة، وهذه هي الورطة ~~التي وقع بها ذاك الخطيب المفوه إسكندر أفندي العازار لما تكلم عن ~~«الجرائد وجرائدنا» في مدينة بيروت فأخذ في البدء يسرد تاريخ الجرائد مبتدئا ~~بالصين ومنتهيا في أوربا، ms200 ووقف يتبصر لما اتصل به البحث إلى جرائدنا وحالتنا ~~في تلك المدينة، والموقف يستوجب كثرة التبصر إذ كانت تلكم القاعة غاصة برجال ~~الحكومة وأصحاب الجرائد ونخبة الجواسيس، وكلهم كانوا واقفين للخطيب بالمرصاد ~~يتوقعون منه كلمة واحدة ضد الجرائد أو المكتوبجي ليشوا به ويسعوا بتوقيفه وحبسه ~~فبعد أن تبصر قليلا قال: جرائدنا ... أحسن صبغة للشعر عند عيد عون ... جرائدنا ... ~~أحسن دواء لوجع الرأس عند أبي نحول، جرائدنا ... جرائدنا ... فنهض أحد أصحاب ~~الجرائد في ذاك الثغر وقال له «ما معناك لم لا تتكلم ؟» فأسكته الخطيب إذ قال: ~~«الله يضيق على من يضيق.» # أما نحن فلسنا في بيروت الآن ولسنا محاطين بالوالي والمكتوبجي والجواسيس، ~~ولا توجد فوق رءوسنا أيدي رجال حكومة ظالمة جائرة مستبدة من شأنها الضغط ~~على العقول وتوقيف كل من نطق بالحقيقة وصرح عن أفكاره بحرية وإخلاص. نحن في ~~بلاد طرحت فنمت في ربوعها بزور الحرية منذ نشأتها نحن في جمهورية عظيمة يحق لكل ~~من وطئ أراضيها المباركة أن يتكلم بحرية تامة بشرط أن لا يمس حرية غيره، وهذه ~~الحكومة العادلة قد كفلت لشعبها الحرية بأنواعها كافة: كحرية الأديان وحرية ~~الصحافة وحرية الخطابة وحرية التعليم وحرية العمل. ولعمر الحق هذا أكبر باعث ~~لتقدمها السريع ونشأتها الغريبة، فما لنا إذا ومراعاة الخواطر عند البحث عما ~~يعود بأكبر الفوائد على السوريين في بلادهم وفي المهاجر ... موضوعي التساهل ~~الديني أتريدون أن أتكلم (فجاء الجواب من الجمهور اخطب! تكلم!) ~~- أأتكلم؟ ~~- تكلم، تكلم تكلم! ~~- سأتكلم إذا - وعلى الله الاتكال. # موضوعي في هذه الليلة الحافلة متشعب، الأطراف جليل الشأن جزيل الفوائد ذو ~~أهمية تأثيرها في المجتمع الإنساني لا يقاس ولا يحد، هو الموضوع الذي ~~انقسمت عليه الرجال في الأعصار الغابرة فالمتوسطة حين كان يدافع عنه كل ~~المدافعة العلماء والفلاسفة والأحرار ومحبو البشر الأبرار ويعارضهم - كل ~~المعارضة - الرؤساء والأمراء والملوك وكل من فضل قطعة معدن تدعى خطاء تاجا ~~على ذلك الشيء الخفي السري الإلهي الذي يسمى ضميرا. # تعريف التساهل # التساهل هو التسامح بوجود ما لا يستصوب بتمامه # 43 ms201 # وهذا تحديد كلي، أما الجزئي فهو إجازة العقائد الدينية ~~والطقوس الطائفية التي تخالف الطقوس والعقائد المختصة بالدولة، وهذا تحديد لا ~~يطابق حالتنا ولا يوافق الظروف الحاضرة، فإليكم إذا تحديدا يأتي بالمراد: ~~التساهل الديني هو الاعتبار والاحترام الواجب علينا إظهارهما نحن المذاهب ~~المتمسك بها أبناء جنسنا ولو كانت هذه المذاهب مناقضة لمذاهبنا وتقاليدنا ~~وطقوسنا على خط مستقيم. # يجب علينا أن لا نمكن ما لا يستصوب بتمامه من أن يفرق بيننا ويشتت شملنا ~~ويقسمنا على أنفسنا. # التساهل لا يكون في الأمور الدينية فقط بل في كل المسائل التي تطرأ على ~~عقول البشر، ويعمل بها الكبار والصغار عدا ما يستصوب بتمامه، ولا نستطيع أن ~~ندخل هذا الباب دون أن طرق بابا آخر فالتساهل نجم عن التعصب وهاتان الكلمتان ~~ضدان وهما ثانوية من ثانويات الطبيعة كالنور والظلمة والفضيلة والرذيلة والخير ~~والشر والعدل والظلم فلولا ذاك لما كان هذا، لولا الأول لما كان الثاني، ~~فالتعصب إذا ولد التساهل والتساهل ولد السلام والسلام ولد النجاح والنجاح ولد ~~السعادة مثلما إبراهيم ولد إسحاق وإسحاق ولد يعقوب ويعقوب ولد يهوذا وإخوته، ~~فالسليلة واحدة لكن الترقي يأخذ مجراه حسب سنة النشوء والارتقاء والتعصب يسبق ~~في كل الأحوال ليستوجب التساهل؛ لأن القضيب المستقيم يكون تقويمه ~~اعوجاجا. # ولكي يكون الشيء صريحا والبرهان جليا أجعل لكم تشبيها ثانيا، التساهل هو ~~الابن والتعصب هو الأب ولحسن الطالع لم يوجد في العائلة البشرية برمتها أب وابن ~~يتفقا ويتواليا في زمانهما قط إلا هذين الاثنين فالأب المتعصب يكره الابن ~~المتساهل والابن لا يستطيع أن ينظر الأب فاستعرت بينهما نيران الفتن وحمي ~~وطيس القتال في الأجيال المتوسطة التي يدعوها المؤرخون الأجيال المظلمة، وكان ~~الفوز أحيانا لهذا وأحيانا لذاك حتى دخل المتحاربون القرن التاسع عشر فأخذ ~~الابن يفوز على الأب، أخذ التساهل ينتصر على التعصب وأخيرا شق قلبه بخنجر ~~العدل وفراه بسيف الرحمة، مات التعصب ولكن وا أسفاه! كان موته إلى حين! أي: أن ~~روحه عند خروجها من جسمه الديني تقنصت بقوتها الأصلية الجسم السياسي. # خرجت من ms202 الجسم البشري ودخلت الجسم الحيواني، عوضا عن التعصب الديني الذي ~~سود صفحات التاريخ في الأجيال الغابرة قد ابتلينا بأيامنا هذه بتعصب ~~سياسي أو دولي إذا شئتم لم نر له مثيلا في تاريخ العالم بأسره، فما هذه ~~الحروب التي تشهرها الدول الأوروبية على الشعوب الحقيرة والقبائل الضعيفة ~~الصغيرة إلا نتيجة التعصب الدولي، نتيجة الفكر الفاسد الذي تتمسك به الدول ~~وتعمل بموجبه، فإنكلترا تعتقد نفسها أصلح من فرنسا، وفرنسا أرفع وأعظم من ~~جرمانيا، وجرمانيا أقوى وأحسن من الاثنين ... إلخ وإذا راقبنا حركات الدول، ~~واطلعنا على أسرارها، ودرسنا سياستها، وكشفنا الحجاب عن خفاياها، وتأملنا ~~الحروب العديدة التي تهدم هيكل المجتمع الإنساني؛ وقفنا منذهلين مندهشين سائلين ~~أنفسنا السؤال المضحك: أنحن من الجيل التاسع عشر، جيل التمدن والنور، جيل ~~المبادئ الديمقراطية والاشتراكية والرحمة المسيحية، أم نحن على باب القرن ~~العشرين؟ أجل نحن من الجيل التاسع عشر ... قبل المسيح وليس بعده، وقد تميز هذا ~~الجيل بالتعصب الدولي؛ ولذلك دعوت خطابي: التساهل الديني الناتج عن التعصب ~~الديني؛ لأميزه عن التساهل السياسي. أما المبدأ الأساسي لهما فهو واحد لا يتغير ~~منه سوى التكوين الخارج والأحوال الظاهرة. # ثم التساهل يكون إما من الدولة وإما من الشعب، وإما أن يكون طوعا واختيارا ~~وإما كرها وجبرا. أما التساهل الدولي الديني فهو يشمل الآن الدول ~~الأوروبية بمعاملاتها بعضها مع بعض، ولكنه لا يشمل الشعوب التي يدعوها ~~الأوربيون متوحشة، فالدول لا تتساهل مع هؤلاء المساكين الضعفاء، بل تتساهل ~~بعضها مع بعض؛ لأنها تضطر إلى ذلك وليس حبا بالمبدأ الشريف، فكثيرا ما ~~نراها تشهر الحروب على القبائل الضعيفة وتدعوها حروب الإنجيل وذلك لكي يعتنق ~~«البرابرة» الدين المسيحي كرها وجبرا. وهذا هو التعصب الدولي الديني، هذي هي ~~الاضطهادات التي كانت تمارسها الدول الأوربية المسيحية ضد بعضها والآن ~~تمارسها ضد «البرابرة» - كما تزعم - والبرابرة قوم يشعرون ويريدون ~~مثلنا. # هذه هي حروب شارلمان واضطهادات الملكة حنة الإنكليزية والملك كارلوس الإفرنسي ~~هذه هي مذبحة ليلة القديس برتلماوس، فعوضا عن حدوثها في باريز وفي الجيل ~~السابع عشر تحدث الآن ms203 في صحاري إفريقيا وفيافي آسية وتلول السودان وفي آخر ~~الجيل التاسع عشر، يا للعار ويا للشنار! عبثا يكتب العلماء ويندد المصلحون ~~ويبحث الفلاسفة، عبثا أتى السيد المسيح إلى الأرض لمثل هؤلاء الاقوام. # أما بين الدول المسيحية بمعاملاتها مع بعضها فلسنا نرى للتعصب الديني أثرا ~~فصار الكاثوليكيون بأمن وسلام في الجزائر البريطانية، والبروتستانيون يأمنون ~~على أنفسهم في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا واليهود، لا خوف عليهم من الأخطار ~~والطرد في أي بلاد حلوها - ما عدا الروسية - وصرنا نرى في مجالس الأمراء ~~الإنكليزية اللوردة والنواب الكاثوليكيين واليهود، وفي الدولة العثمانية نرى ~~الموظفين على اختلاف نحلهم ومذاهبهم من المسلمين والمسيحيين والدروز. ~~فالتساهل إذا في الدولة موجود غير أنه بين الملل والشعوب المختلفة مفقود؛ لأن ~~الكاثوليكيين في هذه البلاد الحرة كطائفة لا يحبون البروتستانيين ~~والبروتستانيون يكرهون الكاثوليكيين، وقس على ذلك في كل الأمم لا سيما في ~~الأمة السورية، فلو كان بوسعنا نحن السوريين كلنا لاضطهد بعضنا بعضا وشهرنا ~~على بعضنا الحروب الدموية، ولكن الدولة لا تساعدنا على الاضطهاد الديني ورؤساء ~~الأديان لا يستطيعون ذلك وحدهم، ولعلهم لو استطاعوا لا يترددون. # عندنا نحن شيء أقبح من الاضطهاد وأضر من الحروب، عندنا السياسة السرية ~~والأيدي الخفية والأعمال الباطنة الشيطانية، فكل هذه المنكرات تشير إلى غرض ~~واحد، وهي أكبر باعث على ابتعادنا وانقسامنا على بعضنا وقيامنا ضد بعضنا، ~~فالسياسة الخفية هذه أقبح من الاضطهاد؛ لأننا بالاضطهاد نستأصل دابر من ~~خالفنا بالمذهب فلا يبقى لنا معاند مفاخر ولا عدو مكابر. # ولكن السياسة السرية تفسد القلوب وتقتل في الإنسان كل عاطفة شريفة، السياسة ~~هذه هي الجبن والضعف واللؤم والخيانة والغش والنفاق والأيدي التي لا تظهر ~~مخالبها إلا في الظلمة الكالحة يدعو عليها بالكسر كل حر صادق وكل شجاع، ~~هذه سياسة سيئة غايتها وخيمة عاقبتها، وأبناء أمة واحدة يبقون بسببها ~~منقسمين منفردين عاجزين عن العمل مشمولين بالخمول ومكتنفين بالجهل، فيتسلط ~~عليهم شعب آخر وأمة غريبة فيبقون أذلاء جبناء إلى ما شاء ربك، هذه سياسة ~~لا طائل تحتها ولا نجاح وراءها، بل إن ms204 صاحبها يلقى الفشل ويبتلى بخيبة ~~الأمل قبل أن تمتد نيران فتنته فتفضي بالأمة إلى البوار. # أيها السوريون نحن أمة لا يتجاوز عددها ثلاثة ملايين نفسا، منهم مليون ~~متشتت في أربعة أقطار المعمور، فإذا وجد فينا خمسة عشر حزبا أو ملة فماذا يا ~~ترى تكون عاقبة شقاقنا وانقسامنا. # ألا يكفينا الضعف الذي يشملنا بكوننا أمة صغيرة حقيرة حتى نبتلى أيضا ~~بضعف الانقسام، وماذا تكون قوة كل حزب أو كل طائفة إذا شرعت تعمل عملا خطيرا ~~يستغرق الوقت الطويل والسهر والكد والاجتهاد، ويستوجب تضحية المال والنفوس ~~وخيرات البلاد. # أي عمل قامت به هذه الطوائف الصغيرة وكانت فوائده أكثر من أضراره؟ # فلو كان عددنا مائة مليون لما ضرنا انقسام الأحزاب إلى عشرين حزبا ولا ~~خمسة عشر طائفة فعندئذ يكون الحزب قويا، وإذا شرع يعمل عملا أو ينهض نهضة ~~سياسية أو أدبية كللها بالفوز والظفر. هذه الأمة الأميريكية يبلغ عدد سكانها ~~ما فوق الثمانين مليونا، ومع ذلك لا نرى فيها أكثر من خمسة أحزاب سياسية. وأما ~~الطوائف الدينية فكثيرة ولكن لا قوة ولا ذكر لها في الأمور السياسية ~~والوطنية والمدنية، قد سلبت منها سلطتها أو بالحري قتلت بيدها؛ ولذلك هي ~~ضعيفة ذليلة. قد قالت الحكومة الجمهورية لهذه الطوائف الدينية ما معناه: لكل ~~دين حق البقاء ولا حق لدين أن يبيد دينا آخر بالقوة الوحشية. # لكل دين حق البقاء! افتكروا في ذلك وأبقوا هذه الآية في حافظتكم، ~~ودولتنا العثمانية تنهج نفس المنهج، فالمسلمون يتساهلون مع النصارى ويسمحون ~~لهم بممارسة دينهم حسب طقوسهم وتقاليدهم. وبما أن الإنسان يجتهد ليستفيد من كل ~~شيء أنتجت الدول - ولا سيما الدولة العثمانية - نتيجة حسنة تئول إلى سياستها ~~بالراحة تعويضا عن لذة الاضطهاد الوحشية، فغدا التساهل ضربا من السياسة ~~الدولية بواسطتها تستميل الدولة الرؤساء والرؤساء قادة الشعب وسادته، فتصبح ~~البلاد بواسطة هذه السياسة براحة وطاعة، راحة لا تشكر ولا تراد وطاعة لا ~~تحمد ولا تحد. إني أفضل الاضطراب والعذاب على هذه الراحة، إني أفضل ~~الثورة على هذه الراحة الممقوتة، راحة الذل ms205 والخمول، راحة الجهل ~~والعبودية. # وكانت قد اتخذت هذه الخطة الدولة الرومانية التي كانت تتساهل بوجود الأديان ~~في الأجيال الأولى للمسيح. وقد وصف هذا التساهل المؤرخ الشهير غبن بكلام ~~وجيز مفيد فصيح، قال: «إن أنواع العبادات على اختلافها كانت سائدة في ~~العالم الروماني، وكان الشعب يعتقدها كلها صحيحة والفلاسفة يعتقدونها كلها ~~خرافية والحكام رأوها كلها نافعة مفيدة.» هذا كلام فيلسوف ومؤرخ مدقق، ~~افتكروا به وهكذا انتشر التساهل وجلب على الشعب ليس فقط السلام والراحة بل ~~الائتلاف الديني والجامعة المدنية، فالحاكم هنا رأى في الديانات المختلفة شيئا ~~مفيدا، وقال في نفسه: فلندعهم يختلفون ما زال اختلافهم يسبب غبطتنا وسعادتنا، ~~ويؤيد سلطتنا ويعظم شوكتنا، ويرفع مجدنا. # والدولة العثمانية تتساهل مع النصارى كي تبقيهم أذلاء شاكرين ولرؤسائهم ~~مطيعين ولسلطتها خاضعين. # قد برهنت لكم كيف الدولة تتساهل مع النصارى، ولا أظن أحدا منكم يشك في ~~تساهل المسلمين معنا، ولكن عجبا! كيف أن النصارى لا يتساهلون مع بعضهم؟ ~~الأجانب يتساهلون معنا ونحن لا نتساهل مع بعضنا، ولا نخالط بعضنا، ولا نواري ~~اختلافاتنا عند مصلحة أمتنا، ولا نتناسى ضغائننا عند محبة وطننا ~~ونجاحه. # ولربما قال بعض اللاهوتيين: كيف نتساهل مع من لا صحة لدينهم ولا حق في ~~معتقدهم فأقول: إن التساهل مبني على التناقض والخلاف في صحة من ادعى الصحة ~~وبوحي من ادعى الوحي، ولو لم يكن ذلك لما تساهلت الحكومة مع الطوائف ~~المخالفة لمذهبها؛ لأنها الغاية القصوى من غايات الحكومة المتعددة هي أن تحامي ~~عن كل مبدأ صحيح وتكفل لكل رجل حرية القول والفعل إذ لم تمس حرية غيره. # فلو تأكدت الحكومة أن الدين الفلاني هو الدين الصحيح لما كانت تساهلت مع ~~بقية الأديان، ولا أجازت ممارسة دين يخالف هذا الدين الصحيح إلا لغاية ~~سياسية كما ذكرت، ولكن لما كان الخلاف سائدا والتناقض شائعا والحكومة ~~المدنية تهتم بسياستنا، وكل من رؤساء الأديان يدعي صحة دينه ضاع صواب الشاعر ~~في ضوضاء أقوالهم فأنشد قائلا: # في اللاذقية ضجة # ما بين أحمد والمسيح # هذا بناقوس يدق # وذا بمأذنة يصيح ms206 # كل يعظم دينه # يا ليت شعري ما الصحيح # الله لا يفضل أمة على أمة ولا طائفة على طائفة، الله لم يصطف له في ~~الأرض شعبا خاصا من حيث إنه ذرية لها حق الانتماء إلى اختيار الله لها دون ~~غيرها، وما يقرأ في التوراة من تفضيل الإسرائيليين على غيرهم فلكون عبادة ~~الأصنام والمنحوتات وسائر المخلوقات هي من خرافات الدين. # فلو تركها قوم من المغضوب عليهم كما في التوراة واستساروا بحسب الناموس ~~الطبيعي لكانوا كالإسرائيليين الذين استلموا الوصايا؛ إذ الوصايا العشر كلها ~~طبيعية يفهم ضرورتها العقل المتنور ويغلط من يفهم اختيار الله للإسرائيليين أنه ~~اختارهم ليعضدهم ويهديهم دون غيرهم، فلو كان هذا هو المفهوم لبقيت عجائبه فيهم ~~بعد مجيء المسيح أيضا. # ولكن عدل الله أرفع من أن يحصر خلاصه بذرية دون غيرها؛ ولذلك قال في الإنجيل ~~الطاهر: اذهبوا وبشروا كل الأمم، أن من سار حسب الشرائع الطبيعية فعمل ~~الخير وابتعد عن الشر كما يرشده عقله ولم يتوصل إلى معرفة الدين الحقيقي فإنه ~~لا يهلك؛ لأن الله رءوف ورأفته لا منتهى لها؛ ولذلك أقول مع محمد # صلى الله عليه وسلم # ما ~~الناس إلا أمة واحدة. هذه آية منزلة وهي عين الحكمة التي أوحاها الله ~~لأوليائه، ما الناس إلا أمة واحدة، افتكروا فيها، إنها لآية فلسفية سامية ~~وما الدين التوحيدي إلا دين واحد، فكلنا نتحد يا رب، وكلنا نعبد إلها ~~واحدا. # قلت: إن التساهل مبني على الخلاف وادعاء الحق اللذين قد يكونان أوصلا ~~الشبطيقيين إلى الشك في كل شيء، فقالوا عن كل أمر: «لا ندري» وهم اللا أدرية ~~المسخور بهم؛ لأنهم يقولون لا ندري عما هو حقيقة مدركة لا لأنهم يقرون بقصورهم ~~عن إدراك مسائل شتى وحقائق فوق العقل. ففي مثل هذه الحال تفتخر العلماء ~~والحكماء بقولهم لا ندري جوابا عن المسائل التي تفوق مداركهم والكنوه الإلهية ~~التي يعجز عن تحديدها العقل البشري، فلم نتعصب ولم نستبد ما زلنا نتذبذب ~~من ضعفنا عن البحث في أمور دينية كثيرة لم يصل إليها. العاقل من قال ms207 لا أدري ~~جوابا عن مسألة لا علم له بها، فقد برهن عن صحة عقله وسلامة ذوقه وحسن رأيه ~~وعمق حكمته وثاقب فطنته. # وقول القائل: لا أدري كما قال العلامة الشيخ إبراهيم اليازجي خير من أن ~~يقال له أخطأت. وقد عد ذلك من جملة مآثر ذوي العلم وأدلة كماله فيهم، حتى ~~إن السيوطي عقد بابا في كتاب من مؤلفاته في من سئل من العلماء عن شيء وقال: ~~لا أدري. فذكر عدة من مشاهيرهم كالأصمعي وابن دريد والأخفش وأبي حاتم ... ~~وغيرهم من أهل هذه الطبقة. قال الزعفراني: كنت يوما بحضرة أبي العباس الثعلب ~~فسئل عن شيء فقال: لا أدري. # فقال له بعض من حضر: أتقول لا أدري وإليك تضرب كبار الإبل وإليك الرحلة من ~~كل بلد؟ فقال: لو كان لأمك تمر بقدر لا أدري لاستغنت، وسئل الشعبي عن مسألة ~~فقال: لا أدري. فقيل له: فبأي شيء تأخذ رزق السلطان؟ فقال: لأقول فيما لا أدري: ~~لا أدري. # ويقرب من ذلك ما حكاه بعض علماء العصر من الفرنسيس قال: إن إحدى خواتين ~~الأشراف تصدت يوما لأحد مشاهير العلماء في مجلس حافل، فقالت له: أمطر ~~يكون بعد الهلال أم صحو؟ فقال: لا أدري. قالت: إذا ما علة اتصال الغيث في ~~هذا العام؟ قال: هذا مما لا نعلمه، قالت: أتظن سكان المشتري يكونون على خلقنا؟ ~~قال: أيتها السيدة إني لا أعلم شيئا عن ذلك. قالت: يا عجبا فلم يتبحر ~~المرء في العلم إذا؟ قال: ليقول أحيانا إنني لا أعلم شيئا. # فلنتساهل إذا في الدين، إذ إننا لا ندري، والذي يدعي المعرفة هو هو الذي لا ~~يدري بأنه لا يدري بل يخبط في الأمور خبط عشواء، فليبق كل على دينه إذا دله ~~عقله على صحته بعد التنور الكافي والترفع عن الأهواء ولا ينتظرن أحد ~~رؤية دين غير مستصوب بتمامه كما يرى الحقائق الرياضية والعلمية مثلا مما هو ~~مستصوب بتمامه. # ولتجمعنا الوطنية إذا فرقنا الدين والله لا يريد التفريق. # لا تأخذوا كلامي على غير مأخذه ولا تحملوه على ms208 غير محمله وتقذفوا علي - لحق ~~ظاهر - بكلمة فتقولوا: وا أسفاه! على من لا يعرف الدين الصحيح. فإن قلتم ذلك ~~فأنا أنشد معكم قائلا: أسفا على العالم بأسره ما أكثر الضلال فيه، واصغوا إذا ~~شئتم لأقص عليكم رؤيا رأيتها ذات ليلة، وكنت قبل ذهابي إلى الفراش أترصد ~~النجوم والكواكب وأستطلع طلعة البدر تحدجني السماء بعينها الزرقاء وأتأمل في ما ~~رصعتها به يد القدير من الدراري الزاهرة كالمصابيح الباهرة. # حدث لي ذلك لما كنت في جبل لبنان الجبل العزيز الذي كثرت فيه الخرافات ~~وتعددت بين سكانه البسطاء المذاهب والديانات. الجبل الذي ترى فيه أكثر جهاته ~~الشمامسة والكنائس والأديرة والقلانس، الجبل الذي ابتزت خيراته الكثيرة رؤساء ~~الدين والدنيا وكثرت فيه خيرات الرهبانيات العديدة وضاعت بين كيس هذا وجراب ~~ذاك، وملكت أرزاقه الرهبانيات العديدة الوطنية والأجنبية، وفي مقدمتها ~~الرهبانية اليسوعية. # كنت في تلك الليلة أتأمل في الكواكب والبدر والثريا ودرب التبان التي تدعى ~~أيضا نهر المجرة، وقد شبهتها بدرب التساهل على الأرض؛ لأنها بيضاء نقية تسري ~~بها النجوم في مناطقها لا تلتطم فهن مؤتلفات مفترقات لا تتساقط منها الشهب ولا ~~تتنافر أجرامها في دورانها. # فلكثرة تأملي في الخالق والعزة الإلهية في تلك الليلة البهية حلمت بأني صعدت ~~إلى السماء حيا في مركبة من نار، ولما دخلت تلك الجنة الإلهية التي يعجز عن ~~وصفها بيان الإنسان رأيت هناك عرشا مرتفعا عظيما ينبهر النظر منه لشدة ~~تألقه ولمعانه، ورأيت أمام ذلك العرش أربعة رجال منتصبين ممتثلين أمام ~~الديان العظيم كل منهم يرشق الآخر بنظرة الغضب والبغض فسألت أحد الملائكة ~~عنهم، فأجابني قائلا: إن هؤلاء هم ممثلو أديان العالم في السماء فهذا سفير ~~المسيحية، وذاك سفير الإسلام، وهذا سفير البوذية، وذاك سفير اليهودية. فقلت: ~~وماذا يبتغون من العزة الإلهية، فقال: قد أقلقوا راحة الملائكة وسكان هذه ~~الديار بخصوماتهم واختلافاتهم المتواصلة وجاءوا الآن يستغيثون رب السماوات ~~والأرض، وبعد أن تشاغبوا وتشاكسوا وأوشك أن يفضي بهم الأمر إلى القتال نظر ~~الديان العظيم إليهم برأفة وحنان وقال: كلكم يا أبنائي ms209 صادقون، كلكم ~~صادقون. # قلت في بدء خطابي يجب علينا أن لا نجيز ما لا يستصوب بتمامه أن يفرق بيننا ~~ويشتت شملنا ويقسمنا على أنفسنا كوننا أمة ضعيفة صغيرة، نحتاج إلى التناصر ~~والتعاون غاية الاحتياج. ولم أقل ذلك إلا بعد أن رأيت كيف أخذ الدين منا كل ~~مأخذ فنخلطه بكل أشغالنا ونتخذه حجة بكل أعمالنا فالتجارة عندنا تجارة دينية ~~والجمعيات جمعيات دينية والنزل (اللوكندات) نزل دينية والعتال عتال ديني ... ~~وقس على ذلك. وهذا الذي يبعث بنا إلى الانقسام الذي يسببه التعصب الديني ~~الذميم . # فلنتناس الديانة في التجارة ولننبذ التجارة في الاجتماعات السياسية والأدبية ~~ولنسجد لربنا ولنمجده (إذا كان لنا رب غير المال) مفترقين في المعابد والكنائس ~~فقط؛ إذ إنها شيدت لهذه الغاية، وإني لأعجب من التناقض الذي يخالط أعمالنا ~~وعقائدنا فمن وجه نقول: إن الدين هبط من وراء الغيوم، وهو مقدس. ومن وجه آخر ~~نستخدم الدين لتنفيذ مآربنا الدنيئة فنسلب منه القداسة، وننزع عنه الاحترام ~~بإدخالنا إياه الدوائر المدنية من تجارية وسياسية وأدبية. # هل أوحي الدين ليقينا من الفاقة ويكفل لنا المسرة واللذة في هذا ~~العالم؟ # هل أوحي الدين لنتخذه عضدا لنا بتحقيق أمانينا الدنيئة وابتغاء الأشياء ~~الزمنية التي لا حد لها؟ # هل أوحي الدين ليساعدنا على الجشع والطمع والتحامل على أبناء جنسنا ~~والازدراء بهم؟ # هل أوحي الدين ليكون سببا أولا للخصام والشقاق والقتال؟ # هل أوحي الدين لتتسلح به فئة من الناس ضد فئة وتستخدمه كسيف تسله على كل ~~من لا يقر لها بالسلطة الوهمية؟ # هل أوحي الدين لتأسيس الدواوين التفتيشية التي تألفت في رومية وإسبانيا، ~~والتي أرعبت العالم بظلمها واستبدادها وجرائمها الفظيعة؟ # هل وجد الدين لبعضهم وسيلة لإفساد الهيئة البشرية؟ # هل وجد الدين كي يستخدمه الرؤساء آلة نافعة لتنفيذ مآربهم الخصوصية ~~وغاياتهم الشخصية؟ # هل وجد الدين كي يتعصب به خدمة الأديان ويستأثروا بالسلطة المسلوبة، ~~فيظلموا العباد ويضطهدوا من خالفهم في الرأي، ويحتقروا من هو أعظم منهم ~~علما وفلسفة وعقلا؟ # هل وجد الدين كي نفسده ونصلحه ونغيره ونقلبه بطنا لظهر؟ كلا ms210 ثم كلا ثم ~~كلا. # لو نظر الله - عز وجل - كما ينظر البشر إلى نتيجة وحيه لما كان تعذب ~~وتنازل ليكلم موسى وعيسى ومحمدا صلواته عليهم جميعا، ولو نظر أيضا إلى أن ~~عاقبة الدين الذي أنزله ستكون الاضطهاد والطرد والحروب والشقاق والخصومة لكان ~~أبقاه عنده في السماء ولكن الله ... الله أعلم. # الدين إما موحى وإما غير موحى، إما مقدس وإما غير مقدس، فإذا كان موحى ~~ومقدسا فلا يحق لنا أن نتخذه واسطة لتحسين أشغالنا التجارية وتنفيذ غاياتنا ~~الشخصية فنلحق بأمتنا الضرر الجسيم إذ إننا نكون حجر عثرة في سبيل الجامعة ~~التي يجب أن تجمعنا كسوريين، ونحن بحاجة كلية إلى الجامعة الآن قلت وأقول ذلك ~~مرارا، وأما إذا كان الدين غير موحى وغير مقدس فأرى من وجه الحكمة أن لا ~~نتمسك إلا بالجيد منه وننبذ الباقي ظهريا نبذ النواة. ولكن الدين مقدس؛ ~~ولذلك يقدم له الشعب الاحترام ومنه ما قدسته العوائد التي مكنها الزمان وثبتتها ~~الممارسة، وكفى بذلك قداسة تفرض علينا الاحترام والتوقير والاعتبار. # لماذا إذا نستخف بالدين ونتخذه كألعوبة نلتهي بها في الشوارع والحوانيت، نحن ~~بإخراجنا الدين من الكنائس لغاية عالمية نرذله ونجدف عليه، ومن التعصب الممقوت ~~أن نميز كل حانوت وكل بيت تجارة وكل إدارة أو كل جمعية بدين مخصوص، فنقول هذا ~~التاجر ماروني وذاك الطبيب أرثوذكسي، وهذا الصحافي كاثوليكي ... وما شاكل ذلك. ~~ما هذه الحالة التي وصلنا إليها، أينقصنا شيء إلا أن نضيف إلى أسمائنا أسماء ~~طوائفنا ونقول: زيد الماروني، وعمر الأرثوذكسي، ومحمد المسلم؟ فتشوا معي لأريكم ~~كيف تنقسم تجارنا وجرائدنا ونزلنا وأطباؤنا وجمعياتنا، أولا عندنا التجار ~~المارونيون والتجار الأرثوذكسيون والتجار الكاثوليكيون والتجار ~~البروتستانيون. # وأي من هؤلاء التجار المستقيمين يبيع سلعه وسبحه ودبابيسه لقديسينا المكرمين، ~~أيتعامل التاجر الأرثوذكسي مع مار متري ومار نقولا، أيتعامل صديقنا الماروني مع ~~أبينا مار مارون، وعندنا الجرائد المارونية والجرائد الكاثوليكية والجرائد ~~الأرثوذكسية، وعندنا المطاعم المارونية والمطاعم الأرثوذكسية والمطاعم ~~الكاثوليكية والمطاعم البروتستانية، وأي منهم نزل طعامها من السماء وهل يريد ~~القديسون أن نمجدهم بالكبة والهريسة ms211 والمجدرة، وعندنا الجمعيات الخيرية ~~المارونية والأرثوذكسية والكاثوليكية، وما ضرهم لو كانت كلها جمعية واحدة، ~~جمعية خيرية سورية. # ونار إن نفخت بها أضاءت # ولكن أنت تنفخ في رماد # لقد أسمعت لو ناديت حيا # ولكن لا حياة لمن تنادي # وهذه الحالة تعتور كل أعمالنا وأشغالنا وحرفنا. # متى تزول الشقاقات الدينية ويداس التعصب تحت نعال المدنية؟ # متى نؤلف جمعية التساهل، ونبني كنيسة التساهل، ونشيد مدرسة التساهل، ونؤسس ~~جريدة التساهل، ونفتح محل التساهل ولوكندة التساهل، وتصير أعمالنا كلها تساهلا ~~بتساهل، أي: متى تشملنا هذه الحالة السعيدة ؟ # أنا الآن أقترح على أصحاب جريدتنا العربية في الثغر خصوصا وفي العالم العربي ~~عموما إذا كان صوتي هذا الضعيف يصل إليهم أن ينشروا على صفحات جرائدهم الغراء ~~إعلانا بأحرف ضخمة كبيرة عن التساهل الديني وأنه يعطى بلا ثمن. ومن أراد أن ~~يقتنيه ويعمل به فليطرق باب ضميره، فهو البائع وهو الشاري، هو الواهب وهو ~~الموهوب. ولو كنت ذا قدرة مالية لنشرت هذا الإعلان على نفقتي فيسدني ~~الحساب الله يوم الغنيمة، يوم لا تجزي نفس عن نفس شيئا، فلنتساهل إذا، ~~فلننشر إعلان التساهل. # التساهل أيها الشيوخ الأجلاء، التساهل أيها الشبان الأدباء، التساهل أيها ~~الصحافيون والأدباء، التساهل أيها التجار والرؤساء، التساهل أيها السوريون ~~الأحباء، التساهل! لو كان لي ألف لسان ولو تكلمت من الآن إلى يوم الدين لما ~~عييت من تكرار وترديد هذه اللفظة العذبة السهلة اللطيفة، لفظة كرهتها الأجيال ~~المتوسطة وكلف بها الجيل التاسع عشر، لفظة عززتها الجمهورية في هذا الجيل، لفظة ~~انفتحت لها قلوب المتمدنين المخلصين لأبناء جنسهم، وتأهلت بها الضمائر الحرة ~~والعقول الصحيحة، لفظة طيب شذاها يملأ الفضاء وذكاء عرفها ينعش الصدور، هي ~~أحسن وأظرف وألطف وأبدع وأمتن وأجمل وأرفع وأسهل لفظة وجدت في معاجم ~~اللغة. # التساهل هو أساس التمدن الحديث وحجر زاوية الجامعة المدنية، التساهل شدد عزم ~~الأحرار فبرزت من عقولهم أسمى الأفكار. # التساهل أوجد الترقي والتقدم في كل فروع العلم والدين والفلسفة. # التساهل أيد سلطة الضمير ومحق السلطة التي لم ينزل الله بها من سلطان. ms212 # التساهل أعطى كل امرئ حقه فتمتع به ومارسه بحرية واستقلال. # التساهل وضع حدا للاضطهادات الفظيعة وكسر السيف الذي استخدمته الدول ~~لاستئصال شأفة من خالفها بالمذهب. # التساهل أطفأ بنفسه القوي النار التي أضرمها الإكليروس لحرب اليهود ~~والكفار. # التساهل جعل كل رجل صحيح العقل والجسم أهلا للوظائف في الدولة وأهلا ~~للانتخاب. # التساهل قوض عرش التعصب وبدد جحافل الجور والعسف الدينية. # التساهل قال للكنيسة: أنت سلطانة وقال للإنسان أيضا: أنت بذاتك سلطان، وكل ~~له حدود، وأينما وجدت الحدود كانت الحقوق وأصبح الأمر خارجا عنها ظلما ~~والإنهاء جورا. # التساهل هو اللين والرفق والمسامحة، وهو الحلم والسلام والحكمة. # التساهل يحسم الاختلاف ويمهد سبل الائتلاف. # التساهل يزيد الإنسان غبطة وسعادة ونجاحا في الحياة الدنيا، ولا يضيره في ~~الآخرة. # التساهل هو الطريق الوحيد الذي من تحته تجري الأنهار وعن يمينه ويساره ~~الأشجار، طريق يدر لبنا وعسلا، طريق مستو مستقيم لا يميل بنا عن روض ~~السماء. # التساهل هو الدواء لكل داء أدبي أو ديني أو سياسي أو علمي. # التساهل أصيل لا تنكره التوراة ولا الإنجيل ولا القرآن ولتأكيد ذلك نذكر ~~بعض الآيات الإنجيلية والقرآنية. ~~«من لطمك على خدك الأيمن فحول له الأيسر، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك ~~فدع له رداءك أيضا، ومن سخرك ميلا فسر معه اثنين (متى 65 و40 و41) إن ~~الله لا يحابي بالوجوه، فكل رجل من أي أمة كان يصنع الخير ويكره الشر ~~فهو مقبول عند الله «بطرس.» # افعلوا بالغير ما تريدون أن يفعله الغير بكم أو كما قالها كنفوشيوس الذي عاش ~~قبل المسيح بأربعمائة سنة «لا تفعلوا بالغير ما لا تريدون أن يفعله بكم»، وهذه ~~الآية هي منزلة، هذه الآية الذهبية الفلسفية هي كل الدين وكل الأدب وكل الشريعة ~~وكل العدل وكل الفضيلة. # إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر ~~وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون ~~(سورة البقرة). # بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن ~~فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ms213 ولا هم ~~يحزنون ~~(سورة هود). # من أسلم وجهه لله وهو محسن. ما قال: وهو ماروني أو أرثوذكسي أو مسيحي أو ~~يهودي أو محمدي، قال: من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون. ما أجمل هذه الآية وما أشرف تلك الآية الذهبية التي مر ~~ذكرها، إن هاتين الآيتين عظيمتان الواحدة منهما من الإنجيل والثانية من ~~القرآن، إنهما منزلتان ذهبيتان فلسفيتان، أني أبيعكم كل الكتب المقدسة بهاتين ~~الآيتين. # ادفع بالتي هي أحسن السيئة ~~(سورة المؤمنين) أليس هذا ضربا من التساهل # ولا ~~تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ~~(سورة العنكبوت) أيشتم من هذه الآية رائحة التعصب؟ # التساهل إذن هو الناموس وهو الطريق وهو النور وهو معطي الحق وهو الحياة وهو ~~روح الله. هو أول نجاح العمران وآخره هو الألف وهو الياء. # التساهل هو الباب ومن يدخل فيه لا يهلك فلندخل إذا فلندخل! فلندخل! ~~فلندخل! # | المقالات # وصية فؤاد باشا السياسية # 1 # قيل: إن دخول الحقيقة قصور الملوك لمن أصعب الأمور، وهي حقيقة جديرة بالنظر، ~~فلو تأملها الساسة العثمانيون والمصلحون لكانوا يقلعون عن مخاطبة الحاكم في ~~إصلاح شئون الدولة، فالحاكم لا يصلح، الحاكم يحكم، وعلى المحكومين إذا كان النير ~~ثقيلا أن يخلعوه وينبذوه، على المحكومين إذا كان الحكم ظالما أن يصلحوه أو ~~يأبوه. # فالحاكم الظالم مظلوم مثل رعيته وكفاه متاعب الحكم وعذابه متى بدأ النير يتقلقل ~~على رقاب العباد، لو كنت أنت الحاكم أيها القارئ المظلوم وجاءك وزيرك ذات يوم يقول: ~~قد تخلع النير وتفكك يا مولاي فماذا تقول له إذا كنت لا تستطيع اصطناع أو ابتياع ~~نير جديد، أتأمره بأن ينزع النير المخلع أو يصلحه؟ لا فإنك تقول له: أصلحه وثبته ~~في مكانه، وهذا هو الإصلاح الذي يباشره الملوك والسلاطين إذا كان يرجى منه إصلاح، ~~وجدير بنا أن نذكر أن الإصلاحات التي جرت في الدول الأجنبية لم تكن إلا نتيجة ~~القسوة التي استخدمها الشعب نحو حاكمه، والشعب لا يلتجئ إلى هذه الوسيلة الفعالة ~~إلا إذا ms214 أفاق من سباته وتنبه إلى حقوقه وتهذب شعوره نوعا، بدل أن نوجه الكلام ~~في وصيتنا السياسية إذا إلى الحاكم لنعلمه بأن النير تخلع ويقتضي إصلاحه، بدل أن ~~نبسط الكلام إلى السلطان في كيفية تأييد وتعزيز دولة استبدادية؛ كان الأجدر بنا أن ~~نبسطه إلى الشعب المظلوم فنريه بعض أسباب الظلم التي تورث البلاء والشقاء، ~~ونهديه إلى بعض الوسائل الفعالة التي تزيل هذه الأسباب. # فلو وجه فؤاد باشا خطابه إلى الأمة بدل أن يوجهه إلى حاكمها، لو وجهه إلى ~~المظلوم بدل الظالم، فكان أفاد حيث أجاد؛ لأن رأي من يطاع يؤثر في الشعب الجاهل ~~أكثر من رأي من لا يطاع. والأفراد المستنيرون يثقون بكلام وزير فقهته الحوادث ~~وأنارت العلوم فؤاده، لا سيما وفي هذه الوصية كلمته السياسية الأخيرة وكلمة ~~السياسي الأخيرة قلما تشوبها السياسة. # وقد أدرك هو ذلك إذ قال: «إن الصوت الخارج من القبر لا يكون كاذبا.» على أنه إن ~~لم يكن كاذبا فقد يكون مخطئا، وقداسة الضريح لا تمنعنا من أن نشير إلى هذا الخطأ، ~~نشير إليه مع إجلالنا صاحب الوصية واعتبارنا وصيته كمجموعة آراء سياسية فيها ~~الغث وفيها الثمين، فإننا نحترم بعض السياسيين ولكننا لا نأمن أحدا منهم، أما ~~الوصية إجمالا ففيها دليل ناصع على اختبار صاحبها الواسع وحكمته وعلى ~~تعمقه في درس ما دق وخفي من الأمور السياسية. # وفيها أيضا من الآراء السديدة والحكم البليغة ما يسر ويدهش المتفلسفين وإليك ~~بشيء منها: # إن ترقيات جيراننا السريعة وتأخرنا الناتج عن أغلاط أجدادنا الغير مقصودة ~~قد أوقعنا الآن في مهلكة عظيمة لا يمكن الخلاص من عاقبتها الوخيمة إلا ~~بقطع كل علاقة مع حالتنا السابقة والعمل على تجديد قوى الدولة بالوسائط ~~العصرية الحديثة. # وكيف يتسنى للفرد أو للأمة الانسلاخ عن الماضي، إنها لإحدى طرق الإصلاح ولكنها ~~ليست بالأقرب والأسهل، بل هي نتيجة لها مقدمات، وذروة ذات عقبات، فالانسلاخ عن ~~الماضي ليس بأمر سهل بل وغالبا مستحيل، وأما التخلص من «أغلاط أجدادنا الغير ~~مقصودة» فتلك مسألة أخرى ومن هذه الأغلاط غلطة مدنية ms215 عظيمة بل خرافة سياسية وخيمة ~~لا نظنها تتسلط إلى الأبد على عقول الناس والأمم، فإن العلم يزعزعها وإن كانت ~~متأصلة في الأجيال، والزمان يهدها وإن كانت راسخة كالجبال. # ونريد بهذه الغلطة بل بهذه الخرافة الحكومة الملكية حيث الأمة ومعظمها من ~~الفقراء والبائسين تلزم بمعاش فرد عظيم فيها لا يتعيش قط في حياته فترضاه عليها ~~ملكا وتعد له الصروح والقصور وتحيطه بالحجاب والحرس وتنفق عليه (ناهيك عن ذريته ~~وحواشيها) ما فوق مائة أو مائتي ألف ذهبا كل عام، ومع ذلك فصاحب التاج والصولجان ~~اليوم قلما ينفع الأمة (ألف سلام على ملوك الزمن القديم) وأما في زماننا فهذا ~~الفرد العظيم يكون إما خيالا كمالك الإنكليز وإما مقلقا كإمبراطور ألمانيا وإما ~~ظالما ك ... # ولكنهم كلهم يظلمون متى استطاعوا إلى الظلم سبيلا، فالحكومة الملكية غلطة من ~~أغلاط الأجداد لا بد أن يصلحها العلم والزمان في كل مكان، وهناك غلطات أخرى ذكر ~~صاحب الوصية بعضها، فالماضي من هذا القبيل يا أسيادي لا يتسلط إلى الأبد على ~~المستقبل، والتقاليد لا تستعبد الأمم إلى الأبد، فإن القوى الكامنة في المستقبل ~~الغير المحدود لا تقوى عليها سلطة محدودة هي ابنة أربعمائة أو ألف عام، بل من ~~المستحيل أن تخضع الأبدية لبضع ساعات زائلة، ونسبة القرن إلى الأبدية كنسبة الساعة ~~إلى الألف عام. ففي المستقبل إذا دول جديدة ورجال، ومن وراء المستقبل ينظر الله ~~بعين واحدة إلى ذوي المحاريث وذوي التيجان. # أما الترقيات الحديثة التي يروم فؤاد باشا إدخالها إلى الدولة فإنها - في رأينا - ~~لا تكفي لتعزيزها وإصلاح شئونها؛ لأن السكك الحديدية والتلغرافات والتلفونات ~~والقوات الكهربائية والبخارية كافة تزيد الأمة قوة، ولكنها لا تزيدها عقلا، ~~تزيد الملك مناعة ولكنها لا تزيده علما، والأمة اليوم أفقر إلى نور العلم ~~الصحيح منها إلى نور الكهرباء، هي أحوج إلى التهذيب منها إلى السلاح ولعمر ~~الحق إن الأمة المهذبة لأمضى سلاحا في يد الدولة، نحن الآن أفقر إلى ~~مدارس راقية وطنية منا إلى السكك الحديدية. # وأما إذا وضع حجر زاوية هذه المدرسة عند ms216 حد خطوط «السكة» فلا بأس بالاثنين، ~~وإذا كان ذوو الأمر يعاملونا مثلما كان أحد الأمراء الأشحاء يعامل ذويه فيقول لهم: ~~اليوم تأكلون إما لحما وإما عنبا اختاروا أحد الاثنين فجوابنا حاضر «أمسكوا علينا ~~البخار والكهرباء الآن وأسسوا لنا المدارس الوطنية، دعونا نسافر كما كان يسافر ~~أجدادنا ولو فترة أخرى من الزمن، حكيم على حمار خير من حمار في السكة.» # لنعد الآن إلى الوصية فقد جاء فيها: «ولزيادة الإيضاح أقول إن دولتكم العلية إذا ~~لم يكن لها قوة إنكلترا البحرية وقوة فرنسا العلمية وقوة روسيا العسكرية؛ فلا يمكن ~~سلامتها.» # فقوة فرنسا العلمية تكون لنا في مستقبل الزمن إذا تأسست في المملكة اليوم ~~المدارس العمومية الوطنية المجانية الإجبارية، وامتنع فيها تعليم الأديان ~~لنتخلص رويدا رويدا من التعصب الديني الذميم الذي لم يزل ينخر في عظام العظام ~~والمستنيرين منا. وتأسس من الجامعات الدينية المتعددة جامعة وطنية عثمانية واحدة، ~~عندئذ يصير لنا وطن ننتمي إليه وتمد من العلم قوة تساعدنا على إدخال الترقيات ~~الحديثة إلى بلادنا بواسطة شركات وطنية لا شركات أجنبية، فتعزز إذ ذاك الدولة ~~ماديا وأدبيا، ونتمكن قليلا قليلا من مساواة الروسية بجنديتها وإنكلترا ~~ببحريتها. # قلنا: إن التعصب الديني الذميم لم يزل ينخر في عظام العظام والمستنيرين من ~~العثمانيين، وإليك برهانا على ذلك من نفس هذه الوصية، فإن صاحبها على ما هو عليه ~~من سعة الاختبار وغزارة العلم ورجاحة العقل يظل متمسكا بما يدعيه «أغلاط أجدادنا ~~الغير مقصودة» وينسى مرارا تلك النفس الراقية فيه، فترينا نفسه الفطرية ما يحاول ~~أن يخفيه، فقد جاء في كلامه عن الدين الإسلامي والدين المسيحي (وليته لم يطرق هذا ~~الباب) ما يلي: # ومهما بلغ عدد الزاعمين بأن الدين الإسلامي هو الحاجز دون ترقي هيئتنا ~~الاجتماعية فإنهم جميعهم في خطأ عظيم وضلال مبين ... # فالدين الإسلامي لتجرده عن قواعد سر الثالوث والعصمة قد رافق مجرى ~~الترقيات الكونية. # ولسنا نحن من الزاعمين بأن الدين الإسلامي هو الحاجز دون ترقي الأمة، ولكننا ~~من الزاعمين بأن السفسطة تستولي حتى على عقول الوزراء ms217 والشعوذة أبدا تستهويهم، ~~فإذا كان سر الثالوث يؤخر في ترقي الأمة ويضر في صالح الحكومة وجب أن تكون ~~حكومتنا العثمانية أرقى بدرجات من الحكومات المسيحية لتجرد دينها الرسمي عن هذه ~~الأسرار، وإذا كان الدين الإسلامي قد رافق مجرى الترقيات الكونية كما يزعم صاحب ~~الوصية فلم لا نرى لهذه الترقيات أثرا في دولتنا العلية؟ لا والله إننا نحترم بعض ~~السياسيين، ولكننا لا نأمن أحدا منهم، فإنهم دائما يؤثرون الحقيقة الوقتية ~~الزائلة على الحقيقة الدائمة الأبدية، وإذا كان الفرق بين الاثنتين غير باد ~~للقارئ اللبيب فبكلمة أبسط نقول : إن السياسي يستخرج دائما من ظروف الأحوال ~~شيئا من الحكمة السطحية ويدمغها بدمغة الحقيقة السامية، ولولا ذلك لخلت أقوال ~~فؤاد باشا من التعصب والتناقض، وهل ممكن أن تتوحد كلمتنا وتتحد عناصر الدولة ~~المختلفة إذا كان وزراؤنا يتغرضون لغير داع ويتعصبون؟ خذ لك مثالا ~~آخر من هذا التغرض والتحامل، فإن صاحب الوصية ~~يشارك الفلاسفة في ذم الإكليروس ولكنه يبتعد عنهم منددا حينما يتعرضون للدين ~~الإسلامي، أمعن النظر فيما يلي: # ويجب على الباب العالي أن لا يغمض الطرف عن المساعي التي ستبذل في سبيل ~~اتحاد كنيستي الأرمن والأروام وأن يساعد - جهده - على انتشار المعتقدات ~~الفلسفية بين التبعة المسيحية؛ لأنها ترفع عن عاتق بني البشر نفوذ ~~الإكليروس. # وأما التبعة الإسلامية فهي بغنى عن مثل هذه المعتقدات! نعوذ برب الناس من شر ~~المنطق والقياس، فإذا كانت المعتقدات الفلسفية تنفع البشر فلم يتمنى نشرها بين ~~المسيحيين دون المسلمين؟ لا والله لا. إننا نذكر من المصلحين العثمانيين من كانت ~~نواياه أنظف وأنزه من نوايا فؤاد باشا، فهو ضمنا يود لو أزالت الفلسفة الدين ~~المسيحي، على أن الاعتقادات الفلسفية إما أن تكون مضرة بالأديان وإما أن تكون ~~نافعة، فإذا كانت مضرة فالدين المسيحي لا يستحقها وحده وإذا كانت نافعة فلا يجوز ~~أن يحرم منها الدين الإسلامي. أرأيت كيف أن الأقوال تسقط الرجال؟ هل اتضح لك أن ~~بعض السياسيين لا يستحقون النعوت الشريفة التي ينعتهم بها الشعب الغافل، نحن نعلم ~~وكل عاقل ms218 يعلم ما للإكليروس بل لرجال الدين على الإطلاق من النفوذ السيئ على ~~الأمة ولكننا لا نقبل أن يقال لنا ذلك على سبيل التعصب من سياسي يود إذلالنا، ~~فإذا شاركنا إخواننا المسلمون في انتقاد الإكليروس فليذكروا - دام فضلهم - بأن ~~البطريرك والإمام صنوان، وأن الشيخ والكاهن أخوان. والسلام. # تركيا الجديدة وحقوق الإنسان # 2 # الكتاب النفيس هو الذي تشعر وأنت تطالعه بأن نفس الكاتب تتنفس في سطوره وخلالها، ~~هو الكاتب الذي لا تجد في صفحة من صفحاته شيئا من جراثيم القنوط. هو الكاتب ~~الذي يجري دم الحياة الراقية في كلماته ، ويشع نور الإخلاص من سطوره، وتتوفر فيه ~~المادة التي تغذي النفس فتنعش فيها الأمل وتحيي منها العزيمة والإرادة، هو الكاتب ~~الذي يولده العلم مقرونا مع الاختبار والحماسة مقرونا مع التفكر والجرأة الأدبية ~~مقرونة مع الحكمة، بل هو الكتاب الذي تتجلى فيه النفس البشرية والذكاء البشري ~~والصناعة الكتابية في أرقى وأجمل صفاتها وإن لم يكن كتاب صديقي جميل أفندي معلوف من ~~هذه الطبقة العليا فهو من أعلى طبقة دونها. # ولعمري إن الكتاب الذي ينبه العثمانيين في هذه الأيام إلى أن الأمة ~~العثمانية في بداية ثورة عظيمة، وأن الثورة السلمية لا تغني عن الثورة العلمية ~~شيئا وأن التفرنج الحقيقي هي تمول لا تفرنج، وأن التمدن كالهواء والنور مشاع لا ~~حجة للإفرنج فيه، وأن مدارسنا الإكليريكية والسلطانية هي المستنقعات في أرض الحرية ~~العثمانية الجديدة، وأن الحكومة الدستورية ومجلس الأمة لا يسلمان من الخطر إن لم ~~تصلح حالة العثمانيين الاجتماعية بإصلاح العائلة وحالتهم الأدبية بإصلاح ~~المدارس. # وأن من الخطأ أن تضع حجرا واحدا من البناء الجديد قبل أن يسقط البناء القديم ~~بأسره، وأن استناد الشرقيين على الدين في أحوالهم العالمية يقضي على مستقبلهم ~~السياسي والاجتماعي والأدبي، وأن الحرية متى حلت أرضا لا تسمح ببقاء نصف أهلها ~~عبيدا بينما النصف الآخر أحرار، وأن الحكومة التي تستعبد رعيتها يسلط الله عليها ~~حكومة أقوى منها فتستعبدها، (وما ظالم إلا ويبلى بأظلم) وأن الثورة التي تنفع حقا ~~شعوب الأرض هي التي ms219 يقوم بها المصلحون على المبادئ الفاسدة التي لا يقوم بها ~~السياسيون على الحكومة؛ الكتاب الذي يصدع بمثل هذه الحقائق هو حري بالاعتبار، ~~الكتاب الذي فيه مثل هذه المنبهات والمقويات لأمة دوختها المظالم السياسية ~~وخدرتها الخرافات الدينية هو حقا جدير بأن يطالعه كل عثماني. # على أن المؤلف حبا بوطنه يفادي في بعض المواطن بحكمته فقد يطلق العنان لحماسته ~~في مضمار ضيق، فيضطر - وقد بدت له الهاوية - أن يقف غير موفق دفعة واحدة، وهذا هو ~~السبب فيما جاء في بعض الفصول من تزعزع الرأي والتضعضع، فإننا لا نستصوب البحث الآن ~~فيما قد يعود على الأمة وهي لم تكد تقف على رجليها بالنكسة والبلاء، إذ ما ~~الفائدة اليوم من البحث في استقلال الولايات مثلا والحكومة الرئيسية لم تتخلص بعد ~~من سيطرة دول أوروبا ومداخلاتها؟ وما الفائدة من البحث في إقفال المدارس الأجنبية ~~وإبطال الامتيازات الأوروبية ونحن لم نزل عاجزين. # وإن تحريض الشعب على مثل هذه الأمور يحدث في البلاد من القلاقل والفتن ما قد ~~يلحق طفل الحرية منها لطمة واحدة فتقتله وتقضي علينا بالرضوخ لنير أوروبا. وأما ~~نشر ما يدعوه صديقي جميل أفندي الديانة الوطنية، أي: ديانة حب الوطن، فهذا وحده ~~يخلصنا رويدا رويدا من النفوذ الأجنبي من هذه المدارس الإكليريكية، وهذه ~~الامتيازات الأوروبية، فمدارس (آبائنا) اليسوعيين مثلا تضطر أن تقفل أبوابها ~~متى تأسست إزاءها مدارس وطنية كاملة العدة مستوفية الشروط. # والبوسطات الأوروبية تمنح مأموريها فرصة على الدوام متى رأت أن دخلها لا يقوم ~~بنفقاتهم، والامتيازات الأجنبية تسقط دون أن نسقط أو نقوم عليها متى نبغ فينا رجال ~~يستطيعون أن يقوموا بأعمال أصحاب هذه الامتيازات حق القيام، وكل ذلك ممكن يا أسيادي ~~متى أصلحت داخلية الحكومة وظهرت فيها نتيجة أعمال الاختصاصيين الأوروبيين ~~المشتغلين فيها الآن، كل ذلك ممكن متى بدأت الحكومة تؤثر المقتدرين والمتمولين ~~والنابغين من رعيتها على أمثالهم من الأجانب. # حينما تنمو في الأمة عاطفة الوطنية يقوم الوطنيون إذا بما تطلبه حياتنا ~~الجديدة وأمتنا الحرة من المشاريع الخطيرة، وبكلمة أخرى حينما تنشر ms220 فيها ديانة ~~حب الوطن الجامعة المقدسة يضعف نفوذ الأجانب ويتلاشى وتسقط الامتيازات الأجنبية كما ~~سقطت دولتنا الاستبدادية بطريقة هادئة سليمة. # هذا ما أحب أن أستلفت إليه نظر صديقي المؤلف؛ لأنني رأيته في مثل هذه المواقف ~~يفادي بحكمته حبا بوطنه، ولعمري هي ضحية ثمينة في كل زمان ومكان، وفي أي سبيل ~~كان. # فاتحة مباركة # جاء في النطق الشاهاني كما دعته الصحافة، أو خطاب العرش كما يدعى عند ~~الإنكليز، أو خطاب الحاكم والوزراء كما هي الحقيقة أن السبب في فض مجلس النواب ~~الأول هو أن الأمة العثمانية لم تكن إذ ذاك أهلا لحكومة نيابية، وهو عذر ~~سياسي لا عذر حقيقي. وإن روح مجلسنا الأول لتتميز غيظا لدى استماعها ~~هذا الكلام، وكأننا بها تقول: الكذب محذور في الدين ولكنه مباح في ~~السياسية. # وكيف لا تكون الأمة أهلا لحكومة نيابية ومفاوضات المجلس في ذاك الحين أدهشت ~~حتى الأوروبيين! فضلا عن أن الحاكم بأمره يستطيع أن يفسد ويستبد، بل الحاكم ~~المطلق العادل الحاكم المحب رعيته العامل لخير أمته يستطيع أن يقلب حكومته ~~الاستبدادية إلى حكومة نيابية في ليلة واحدة إذا شاءت جلالته، ولا ينجم عن مثل هذا ~~الانقلاب السريع ما يضر بالأمة أو يقلقها؛ لأن من أطاع مليكه وهو ظالم يعبده لا ~~شك وهو عادل. # وما حدث في الأمة اليابانية وحكومتها يؤيد من هذا القبيل حجتنا، وإننا لنكتفي ~~بهذه الإشارة إلى ما جاء في الخطاب عن عدم أهلية الأمة؛ لأن ما مضى قد مضى ومجلس ~~النواب قد عاد ليحيا إن شاء إلى ما يشاء الله. # ولكن في الخطاب مأخذ آخر للانتقاد، وعلى النواب والصحافيين أن يتيقظوا لمثل هذه ~~التمويهات السياسية وليذكروا - دام فضلهم - بأن حكومتنا النيابية اليوم لم تزل ~~مكتنفة بظل حكومتنا الأمس المظلم الكثيف، وإلى أن تخرج من تحت هذا الظل وتنفض عنها ~~غبار السياسة القديمة سيبقى التمويه سائدا بين العرش والنواب أو بين الحكومة ~~والأمة. وإنها - والله - لفاتحة غير حميدة ونحن في فجر حياة جديدة؛ لأن ~~الحكومة التي تخرج من باب العسف والظلم ms221 فتدخل توا باب التمويه والمواربة لا تكون ~~قد حققت آمال الأمة والوطن، إذا ماذا عسى أن يراد في ما جاء في خطاب العرش من ~~أن السبب في إعادة مجلس النواب هو أن الأمة - والسعي في الثلاثين سنة ~~الأخيرة لنشر المعارف كان متواصلا - أصبحت الآن أهلا لأن تحكم نفسها بنفسها، فهل ~~يراد بكلام العرش أن الفضل للحكومة في نشر المعارف والعلوم في الأمة؟ أو أن بين ~~الوزراء من يحسن المجون ويجد حتى في هذا الوقت فرصة للمداعبة. # ومن يجهل أن الحكومة الماضية سعت سعيا جميلا لنشر العلوم والمعارف بواسطة ~~المراقبة؟ ومن ينكر بأن الجاسوسية كانت لها يد طويلة في زرع بذور الحرية، ومن لم ~~يعلم بأن نور الحق والمساواة كان ينبعث على المابين من قعر البوسفور، وأن أشعة ~~الدستور كانت تنعكس على العرش من منفى الأحرار ومن نجومهم الآفلة؟ أجل إن حكومتنا ~~في الأمس كانت تروض الأمة وتؤدبها لتكون أهلا لحكومة نيابية، فالمراقبة ~~والجاسوسية أستاذا الأمة الماهران والبوسفور والمنفى هما الفلق والقضيب، والحمد ~~لله قد تحررنا بعد أن تكسرت رءوسنا وأرجلنا. # إن حكومتنا النيابية إذا لهي من مكارم حكومتنا الاستبدادية، شيء والله جميل! ~~فمن يقول الآن: إن العوسج لا يثمر ثمرا طيبا؟ بل إن دستورنا هو من بنات مكارم ~~«مالك رقاب العباد» لا نتيجة سعي الأحرار والجند لرفع النير عن رقاب العباد، فإن ~~كان كذلك فلم لم يتكرموا به قبل أن جمع نيازي جنوده واستل أنور حسامه؟ # لا يا أيها الإخوان، لا يحق أن يقال ذلك في هذا الزمان، واعلموا أننا في زمن لا ~~يرد فيه تيار العلم مهما اشتدت المراقبة ولا يطفأ فيه مصباح الحرية مهما ~~تعاظم الظلم والاستبداد، وأن ما جاءنا من أمواج هذا التيار ومن نور هذا المصباح فمن ~~روح الزمان جاء لا من أرباب العرش والتيجان. # وقد تحررت الأمة العثمانية الآن وحبطت مساعي من حاول دفع هذا التيار ~~العظيم وإطفاء هذا المصباح الكريم. ومن المغالطات أن ظلم الحكومة الماضية واضطهادها ~~الأحرار وضغطها على المطبوعات ... إلخ تدعى كلها ms222 في خطاب العرش «السعي لنشر المعارف» ~~فإذا كانت الصحافة لا تحتج على مثل هذا الادعاء والنواب لا يتحذرون من مثل هذا ~~التمويه فحالتنا في نور الدستور والحرية لم تزل كما كانت في ظلام الظلم ~~والفساد. # أشرنا في بدء كلامنا إلى أن النطق الشاهاني كتب بمؤازرة الوزراء - أو على ~~الأقل - بمؤازرة الصدر الأعظم، وكل خبير في شئون الحكومات الملكية يعلم أن خطاب ~~الملك لا يكون من قلم واحد ورأي واحد، بل هو غالبا نتيجة جلسات عديدة ومفاوضات ~~طويلة بين الحاكم ووزرائه، ولو فرضنا أن الملك يستقل في عمله هذا كما يفعل إمبراطور ~~ألمانيا مثلا فلا بد من أن يطلع على كلامه الوزير الأكبر قبل أن يلفظه فيغير وينقح ~~فيه ليوافق الأحوال. # وخطاب العرش إلى مجلس نواب الأمة العثمانية لا يستثنى من هذه القاعدة، وفي ~~الوزراء من هو من جمعية الاتحاد والترقي على ما نظن أو فيهم - على الأقل - من إذا ~~أصدرنا منشورا باسم الجمعية يردفه بلفظة «المقدسة» فهل بدأت زعماء الأحزاب ~~بالمجاملة والمخاتلة يا ترى، لا سمح الله، ولكن العبارة هذه، أي: «السعي في نشر ~~المعارف» هي مقصودة لا شك والمقصود فيها - أيها الإخوان - التمويه والمواربة، ~~وأنصار جمعية الاتحاد والترقي في مجلس الوكلاء يعرفون ذلك ويغضون الطرف ساكتين، وما ~~ضرهم لو أعطوا الآن كل ذي فضل فضله، وتحروا الصدق في أول خطاب من خطب العرش لمجلس ~~الأمة، ما ضرهم لو أهملوا - في الأقل - ذكر أمر لا يستطيع أن يوارب أحد فيه دون ~~أن يشعر بنفور في نفسه من نفسه إذا لم نقل باستياء الناس طرا. # ومجلس النواب لم يستحسن هذا التمويه على ما ظهر لنا، وكنا نود لو عبر عن استيائه ~~بطريقة إيجابية لا سلبية، فقد أنبأتنا البرقيات أنه عند الفراغ من تلاوة الخطاب ~~لبث النواب صامتين ولم يفه أحد منهم بذاك الدعاء المعروف الذي طالما رددته ~~الأمة في الزمن الماضي، وهذا على ما نظن هو هو جواب النواب على مواربة العرش ~~وتمويهاته. على أننا كنا نود لو فاه أحد الأعضاء ms223 على الأثر بكلمة احتجاج وجيزة، ~~ولكن إذا أظهر المجلس استياءه بطريقة سلبية، فعلى الصحافة - وهي خير صلة بين المجلس ~~والأمة - أن تظهر ذلك بطريقة إيجابية، على الصحافة أن تبرهن الآن بأنها ~~متنبهة متيقظة، وأن من حقوقها أن تطالب المجلس والعرش بحقوق الأمة، وأن ترد ~~الفضل في نشر المعارف والعلوم إلى مكانه وذويه. # العفو العالي # جاء في الإرادة السنية التي قرأها علي جواد باشكاتب المابين في مجلس النواب أن ~~«قد صدر العفو العالي عن العساكر الذين اجتمعوا في هذا النهار (يوم سقوط وزارة ~~الاتحاديين) فلا يسألون عما فعلوا » وقد علمت الأمة جمعاء أن من نتائج اجتماع - ~~بل هياج - العساكر المتمردة قتل ناظر العدلية وعضو من أعضاء مجلس الأمة، فما ~~معنى العفو يا ترى، وماذا عسى أن يكون وراء هذا التسامح الشاهاني الجميل. # إن الاعتداء على أحد النواب - ناهيك عن قتله - يعد اعتداء على المجلس كله بل على ~~الحرية والدستور بل على الأمة بأسرها، ولكن من يعفو عن أنصار الجهل والتعصب ~~اليوم وإن عدوا بالألوف يعفو غدا عن أنصار النور والحرية وإن عدوا بمئات ~~الألوف، أليس كذلك؟ وإن مراحم «جلالة مولانا» لأوسع من السماء، فأصدقاء الدستور ~~وأعداؤه - الأحرار والخونة كلهم - يقيمون في ظلها الظليل آمنين، أليس كذلك؟ # ولكن الريب خلة في بعض الناس، ولا غرو إذا وجد في المجلس من ارتاب بحسن نيات ~~جلالة مولاه، فقام يعترض على ما جاء في الإرادة السنية فيما يختص باجتماع العساكر ~~يوم قتل ناظم باشا والأمير محمد أرسلان. ولا فرق إن أصدر المرتابون احتجاجهم من ~~المجلس أو من المكان المختبئين فيه، فإن مجلس النواب في مثل هذه الأيام هو حيث ~~يجتمع أو بالحري حيث يختبئ النواب. # ومن جميل أخلاق الشرقيين وبالأخص: الأتراك أن الشدة وإن أنستهم واجباتهم المهمة ~~لا تنسيهم فروض اللياقة والمجاملة، فقد قرأنا في صحف الأخبار رسالة تعزية من ~~الرئيس الجديد للمجلس إلى والد فقيد الوطن والحرية، ورسالة أخرى على شكلها من ~~الصدر الأعظم فقلت: وهل هذا يا ترى أهم ما توجبه عليهم الوطنية ms224 اليوم، هل هذا ما ~~يتطلبه منهم الدستور ويفرضه عليهم اليمين الذي أقسموه؟ أنظل إلى الأبد عبيد ~~المجاملة والمصانعة، أفي مثل هذه الدمعة الكاذبة تسر الأمة ويتعزى آل ~~الفقيد، أما كان أجدر بالنواب أن يبعثوا إلى المابين كلمة احتجاج على ما جاء في ~~الإرادة السنية فالمثل: «إن العفو من شيم الكرام» لا يصح دائما. # غدا يهيج الجنود ثانية فيقتلون آخر من النواب فتصدر الإرادة السنية بالعفو عن ~~القاتلين، وكلما قتل أحد أعضاء المجلس يفر هاربا من يخاف على جلده ولا يخاف ~~على شرفه ويمينه، فلا يمضي - والحال هذه - شهر واحد حتى تخلو كراسي النواب كلها ~~فينعب فوقها ثانية غراب التقهقر والظلم ويقهقه تحتها شيطان المكر والدهاء ~~والخيانة، أبمثل هؤلاء النواب تنتصر الحرية ويتعزز الدستور؟ # في عهد لويس السادس عشر قبل انفجار بركان الثورة بسنة واحدة رفض البرلمان في ~~باريس أن يصدق على قرض اقترحه ناظر المالية ليمونه سدا لعوز الملك والحكومة، ~~فجاء في اليوم التالي لويس بذاته - وأمر البرلمان أن يصدق على هذا القرض فأبى ~~ثانية وقام دسبريمنيل فأغلظ الكلام لجلالته وصرح بحقوق البرلمان على الحكومة، فخرج ~~الملك ووزيره محتدمين غيظا وبعد أيام جاء الضابط داغوست ومعه فريق من الجند وبيده ~~أمر بإلقاء القبض على دسبريمنيل فدخل المجلس وقال: جئت بأمر الملك، فقابله الأعضاء ~~ساكتين واجمين، ثم قال: وبما أنني لا أعرف أحدكم دسبريمنيل أطلب إليه أن يقف لأن ~~بيدي أمرا ... فقاطعه الأعضاء قائلين: كلنا هذا الرجل ولم يقف منهم أحد فخرج داغوست ~~وجنوده يومئذ مثلما خرج مولاه ووزير مولاه في اليوم السابق. # فإن كانت هذه وطنيتهم بل هذه حماستهم وجرأتهم في أمر يعد طفيفا ماذا يا ترى ~~يفعلون لو قتل الجنود أحد إخوانهم على باب المجلس، أيسمعون العفو عن القاتلين ~~ساكتين، أيكتفون بتعزية أقاربه ويؤجلون البر بيمينهم إلى أن يزول الخطر، أتمتهن ~~حرمة الدستور وكرامة مجلس الأمة، أيعتدى على الحرية وأنصارها، أيهرق دم النواب ~~على باب مجلس النواب ظلما وعدوانا فيفر الجبناء من الأعضاء هاربين ويظل الباقون ~~منهم ساكتين، أليس ms225 الاعتداء على أحدهم اعتداء عليهم أجمعين؟ # أمر لويس السادس عشر بنفي دسبريمنيل أحد أعضاء البرلمان، فأجابه البرلمان بصوت ~~حي: كلنا هذا الرجل، غمست حراب فريق من العسكر بدم الأمير محمد أرسلان فعفى ~~السلطان عن الجانين وسكت النواب عن عفو السلطان، وكأني بهم يشكرون الله على سلامة ~~دمائهم الكريمة! وهذا - أيها الإخوان - الفرق بين الشرقيين اليوم والغربيين في ~~مجالسهم النيابية وتجاه ملوكهم. # إن الحراب التي صرعت الأمير محمدا أرسلان حاولت صرع الحرية والدستور، بل هي حراب ~~أشربت سم الخيانة من أعلى مورد في الحكومة، فاذكروا هذا أيها الناس ولا تنسوه ~~أيها النواب. # الحرية وحدها لا توحدنا # إني ممن يقولون بالطريقة البطيئة الثابتة في إصلاح الأمم والناس، إني ممن ~~يرتأون أن لا خلاص للشعوب من الجهل والجمود والخمول إلا بالتهذيب والتربية، وما ~~الثورة عندي سوى أمثولة صغيرة في تهذيب النفس وتثقيف الأخلاق؛ لأننا إذا ~~تعلمنا أن نثور على المستبدين والظالمين من أسيادنا نتعلم أن نثور حتى على ~~أنفسنا متى كنا من هؤلاء الظالمين والمستبدين، وهذا لعمري أهم من ذاك، ولكننا لا ~~نحسن نحن السوريين لا هذا ولا ذاك. نحن قوم تعددت في بلادنا المدارس الأجنبية ~~وكثر فينا التقليد والادعاء، كنا بالأمس في مقدمة الشعوب بالرضوخ للضيم والاستسلام ~~للهوان، وصرنا اليوم في مقدمة طائفة من الناس لا يحركون في سبيل الأمة سوى ~~القصبة واللسان. # ومتى كثر في الأمة المرشدون والناصحون المتربعون بدست السيادة بشر تلك ~~الأمة بالهلاك، بدل أن تنصحني ساعدني، بدل أن ترشدني سر أمامي؛ إذ ما الفرق يا ~~ترى بين منافق يناهض حاكما مستبدا ولص يندد باللصوص والقتلة؟ ما الفرق يا ترى ~~بين متعصب يقول ما أجملك وما أسماك أيتها الحرية وبين شيطان يتغنى بمدح الملائكة؟ ~~إن الاثنين عندي سواء. # على أنني أجد بونا شاسعا بين عالم لا يعلم أن العلم إنما وجد لنفع الناس لا ~~لإثارة الفتن في الناس، ورجل عاش جاهلا ومات جاهلا وكان من آل الفضل في الناس. ~~وإني - والله - لأفضل هذا الجاهل الصادق على ذاك العالم المنافق، ms226 إني لأوثر ~~النفس الصافية الساذجة على نفس متفقهة لا تعرف من سبل الحياة إلا تلك الموحلة ~~المظلمة، ولا من أماني الحياة إلا تلك التي يحبل بها دود الأرض وتتغذى من سم ~~الأفاعي. # أجل يا أخي إن جمالا صالحا أو إسكافا حرا صادقا لخير من الأمراء ~~والرؤساء والعلماء الذين لا يعرفون من الحق والعدل، ومن الخير والإحسان، ومن ~~الإخلاص والفضل إلا أسماءها. # إن حاجتنا إلى التهذيب اليوم لأشد منها إلى السكك الحديدية والتلفونات، إن ~~حاجتنا إلى العلم الصحيح الذي يهذب الأنفس ويرقي العقول ويثقف الأخلاق ~~لأشد منها إلى العلوم اللغوية والفقهية واللاهوتية والخنفشارية. والتهذيب ~~الصحيح ينبغي أن يعم عناصر الأمة بأسرها على السواء ليأتي بفائدة تذكر ~~للأمة، وعندي أن أشد الويل والبلاء إنما هو في بيت يعيش تحت سقفه الجاهل ~~والعالم معا. # إن وطننا بهذا البيت أيها الإخوان، وعناصر الأمة فيه كأفراد تنافرت أذواقهم ~~وأخلاقهم وتعددت صبغاتهم القومية والدينية وتباينت فيهم درجات المدارك والعلوم، ~~فإذا ارتقى عنصر من عناصر الأمة دون سواه يلتجئ غالبا إلى المهاجرة إذا ظلت ~~العناصر المنحطة واقفة في طريق ترقيه كالسد في وجه المياه، أما الآية، ورب ~~فئة صغيرة غلبت فئة كبيرة، فالتاريخ لا يشهد على صحتها إلا مرة في الألف؛ لأن ~~الطبيعة لا تسمح أن تكون المعجزات فيها مبتذلة، والغالب المبتذل هو أن الأكثرية إن ~~كانت في المجالس النيابية أو في الطبيعة تتغلب على الأقلية. # على حكومتنا الدستورية إذا أن تنتبه إلى هذا الأمر الخطير إن كانت ترجو أن ترتقي ~~الأمة وتحيا، على حكومتنا أن تباشر تأسيس المدارس الوطنية العمومية الإجبارية ~~المجانية المجردة عن كل صبغة دينية. وإن كانت لا تباشر قريبا فلا ترج يا أخا ~~الحماسة كبير خير من هذا الانقلاب ومن هذا الدستور ومن هذا المجلس النيابي. # أظنك تعلم أيها القارئ العزيز أن لا غاية لي من الكتابة والخطابة والتأليف سوى ~~نشر المبادئ الحرة والتعاليم السديدة في الأمة، وأن من تجرد عن المآرب السياسية ~~وعن الأغراض الشخصية المادية يرسل كلمته في الناس دون أن ms227 يراعي خاطر أحد من ~~الناس، منذ خمس سنوات عدت إلى وطني من العالم الجديد وحتى الآن ما عرفت من ~~الرؤساء المدنيين والدينيين إلا من أحب أن يعرفني أو من جمعتني به التقادير، قضيت ~~هذه المدة كلها بعيدا عن الرئاسة والسياسة فبان لي أن في طاقة الإنسان أن يعيش ~~سعيدا دون أن يتزلف من السياسيين والأمراء أو عمال الحكومة والرؤساء، نعم عشت ~~محروما هذا الشرف العظيم فكانت همومي الأدبية ومتاعبي السياسية أقل من هموم سواي ~~من الأدباء. # عسى أن يعذر القراء مني هذه الكلمة الشخصية، فما قلتها إلا لأبني عليها قاعدة ~~عمومية هي جديرة باعتبار كل من زاول صناعة الكتابة وأحب أن ينفع الناس بعلمه ~~وأدبه. إن التقرب من العظام - وبالأخص أصحاب السيادة - منهم يفقد الكاتب مزية ~~الحرية والاستقلال. هذه هي القاعدة العمومية التي قلت من أجلها كلمتي الشخصية، ~~تكلمت عن نفسي، وما كنت لأفعل ذلك في غير هذه الأحوال لأؤكد لكم - أيها الإخوان - ~~أن الآراء التي أبديها والمبادئ التي أنادي بها إنما هي ثمرة علم لا يعرف ~~التفريق والتحزب ولا يفرق بين الجنسيات والأديان. # أحب أن أردد بعد هذا التمهيد كلمتي السابقة عن المدارس الوطنية وأردفها ~~بكلمة ليست بأقل منها أهمية، وهي: «صيحة في واد إن ذهبت اليوم مع الريح تذهب ~~غدا بالأوتاد» إن الأمة العثمانية لا تصير حقا أمة واحدة متحدة راقية إلا ~~إذا تأسست في البلاد المدارس الوطنية العثمانية المجانية الإجبارية، وتلقن فيها ~~العلوم أبناء المسلمين وأبناء الدهريين وأبناء المسيحيين وأبناء اليهود ~~معا. # بقي علي أن أقول كلمتي الأخرى، أننا لا نصير أمة راقية حرة بكل معنى ~~الكلمتين إلا متى صار أدباء المسيحيين وأدباء المسلمين يتباحثون في أي موضوع كان، ~~دينيا أو سياسيا أو اجتماعيا دون أن يثير ذلك في شعب الملتين غبار الجهل ~~وسموم التعصب، بل إذا كان لا يحق للمسلم أن ينتقد المسيحيين في شئونهم العمومية ~~والاجتماعية ولا للمسيحي أن ينتقد المسلمين فلسنا - والله - بأمة واحدة وليس ~~وطننا بذاك الوطن المجيد الجامع الذي يعبد في هيكله ms228 كل أبنائه على اختلاف المذاهب ~~والعناصر والجنسيات، بل إذا كنا لا نتجرد عن صبغاتنا الدينية في شئوننا الوطنية ~~والاجتماعية فحريتنا - أيها الناس - كلمة مقولة، وإخاؤنا لفظة غير معقولة، ~~والمساواة عندنا قاعدة باطلة مرذولة. # نعم يا سيدي، إذا كان إخواننا المسلمون لا يساعدوننا في نشر التعاليم الحرة في ~~الأمة، إذا كانوا لا يؤيدون - قولا وفعلا - آراء آباء الحرية والدستور، إذا ~~كانوا لا يرددون صدى أحرار المغرب وعلمائه ومن ينحو اليوم في الشرق نحوهم من ~~الأحرار الأصفياء والعلماء؛ فعبثا يحاول أبطال الدستور والحرية تجديد حياة ~~الأمة والمسلمون العنصر الأساسي في الأمة. # وأما انتصار الجيش فلا مجد عظيما فيه إن لم يتبعه انتصار في العلم والتهذيب؛ لأن ~~الجيش وإن دمر معاقل الحكومة الاستبدادية فنصره لا يزيل الجهل الذي أسست عليه ~~تلك الحكومة، وما زال الجهل سائدا في الأمة. سيان عندي إن كانت الحكومة فردية ~~استبدادية أو حرة نيابية، إن لم تباشر الحكومة في تدمير حصون الجهل إذا يعود ~~الجهل فيدمر حصون الحكومة، ولا يتم لها ذلك إلا في تأسيس المدارس العمومية الوطنية ~~مجردة عن كل صبغة دينية حيث أولاد المسلمين والمسيحيين واليهود والدهريين ~~يتلقون كلهم العلوم على أستاذ مدني واحد، وتحت سقف واحد، ومن كتاب واحد، وعلى ~~طريقة وطنية واحدة. # وما هذه ببدعة أنادي بها، فإن مكتب الصناعة في هذه المدينة أسس على هذه ~~الطريقة الوطنية وحبذا لو أحيته اليوم الحكومة فيكون مثالا للمدارس العثمانية ~~العمومية الإجبارية، وعبثا نحاول توحيد العناصر المتعددة في الأمة إذا كان ~~التعليم لا يوحد على هذه الطريقة الوطنية الجامعة الحرة. # جلست مرة في قهوة من قهاوي البحر أتفرج على الناس يسبحون، تأملتهم في تلك الحالة ~~الطبيعية وقد تجردوا عما يميز البعض منهم عن البعض، وقلت في نفسي: أين المسلم الآن ~~وأين اليهودي وأين الكافر وأين المسيحي؟ رأيتهم يسبحون كلهم في بحر واحد تحت سماء ~~واحدة وهم لا يستنكفون من أمواج تلعب حول قلوبهم كأنها قلب واحد وتغسل أجسامهم ~~كأنها كلها جسم واحد. فقلت في نفسي: متى يا ترى ms229 تصير عقولنا مرنة نشيطة قوية ~~كأجسامنا متى تصير أنفسنا كأمواج هذا البحر فلا تخضع إلا لناموس واحد هو ناموس ~~الله، أو - في الأقل - متى تصير متساهلة كأبداننا فتسبح في بحر الآداب الواحدة وتحت ~~سماء العلوم الواحدة دون تنافر ودون شقاق! # نظرت إلى البحر وأنا جالس في تلك القهوة فرأيت هناك المدرعات الحربية الأوروبية ~~ومنها المدرعتان الإفرنسيتان «لاڤريته» و«فكتور هوغو» فكرهت الإقامة في بلاد لم تزل ~~تحتاج فيها إلى مثل هذه المظاهرات الكاذبة، وهل كنا نشاهد المدرعات الأوروبية بصفة ~~رسمية في بحرنا لو تأسست عندنا المدارس العمومية الوطنية منذ ثلاثين سنة، هل كانت ~~تلطخ المذابح تاريخنا فتلحق بنا وبوطننا العار والشنار لو وحد منذ ثلاثين سنة ~~التعليم فنمت في قلوب العثمانيين عاطفة وطنية شاملة وانتشر روح التساهل الديني في ~~الأمة؟ # لا يا إخوتي، أنا لا أحب أن أرى هذه المدرعات على شطوط بلادنا، أنا لا أحب أن ~~يلتجئ أحد عناصر الأمة إلى دولة أوروبية أنا لا أحب أن أرى «فكتور هوغو» في ~~بحر بيروت، بل أحب أن أشاهد روح فكتور هوغو متجلية في أرواح أبناء بيروت. لا أحب ~~أن أرى «الحقيقة» على شواطئ سوريا بل أحب أن أراها في قلوب أبناء سوريا، أحب أن ~~تحمينا المبادئ السديدة لا المدافع والمدرعات، أحب أن يحمينا العلم الخالص من الغش ~~والتعصب المجرد من كل مصلحة جنسية أو دينية، أحب أن يحمينا الإخاء العثماني ~~والجند العثماني والعلم العثماني. # رجل الشعب # قد مضت السنة الأولى من عهد الدستور وما ولدت حرية اللبنانيين إلا الكلام، وماذا ~~يا ترى يلد الكلام وبالأخص ما كان فارغا أو كاذبا أو فاسدا مبرقشا من الكلام. ~~قد انقضت السنة الأولى من عهدنا الجديد ولم يظهر فينا رجل جريء حر صادق، رجل ~~عزوم ثبيت سكوت، يعمل من أجل هذا الوطن عملا واحدا صغيرا دون أن يستشير فيه كيسه ~~أو منصبه السياسي، دون أن يلتجئ إلى القناصل، دون أن يستعين ببكركي التي أصبح ~~هيكلها في جمعية الاتحاد والترقي في بيروت، بكركي وبطريركها اليوم فيلسوف ms230 تركي يحسن ~~العبادة والصلاة مثلما يحسن العدل في السياسة والأحكام، ولكن هؤلاء اللبنانيين ~~الذين يسجدون لشفيعتهم وهي في زي تركي أوروبي جديد وينادون في الجبل بالمحافظة على ~~امتيازات لبنان هؤلاء يجدفون في قلوبهم إذا صلوا ويموهون وينافقون حيثما سقطوا ~~وحلوا، هؤلاء لا يستحقون بركتك يا صديقي البطريرك، هؤلاء قوم مدغلون، والمدغل ~~والمؤمن لا يجتمعان. # وما قولك أيها الرفيق العزيز! أتظننا نجد رجل الشعب بينهم، أتظن البحث عنه في هذا ~~المكان يجدينا نفعا، ألا تظننا نصرف زيتنا سدى في مثل هذه الظلمات؟ احمل سراجك ~~إذا واتبعني. # من هيكل الحرية العثماني إلى الهيكل اللبناني فرسخ أو فرسخان، تعال إذا علنا ~~نفوز هنا بضالتنا المنشودة، ادخل وسرح نظرك في هذا المعبد الجليل الذي شيده قبل ~~الدستور البناءون، وهؤلاء البناءون لا يتعشقون الإكليروس كما تعلم على أنهم لا ~~يكرهون الثوب الكهنوتي الذي يلبسونه في دور الرئاسة دائما وفي دور السياسة عند ~~مسيس الحاجة. # هؤلاء الأحرار الكرام، وفيهم من الشبان العالم والمصلح والحكيم وفيهم أيضا من ~~يحتاجون إلى كثير من العلم والإصلاح والحكمة، يعبدون الحرية فوق كل شيء ويفادون ~~اليوم وغدا بكل لبنان من أجلها، فإن كان فيهم من يستحق أن يكون زعيم الشعب ألا ~~تظنه يلبس الأرجوان ويغطي أذنيه بقلنسوة من حرير إذ تبوأ غدا كرسي ~~الزعامة، دعنا من المجاز، ألا تظنه وإن كان رجل الشعب اسما يكون فعلا رجل ~~البنائين، هل أنت من رأينا، أولا تثق بهؤلاء الشبان المصلحين؟ تعال إذا نطلب ~~رجل الشعب بين شيوخ لبنان وأعيانه. # نحن الآن في كنيسة الجامعة اللبنانية وفيها هيكل كبير في الصدر شفيعهم «مار ~~نظام» له المجد وهيكلان صغيران إلى جانبيه للحرية والإخاء، وما قولك بهذا المجمع ~~الجامع اللامع، هؤلاء هم أسيادنا اللبنانيون الصادقون، هؤلاء هم الوطنيون الطاهرون ~~الذين يبيعون أملاكهم كلها ليحافظوا - إن اقتضى الأمر - على امتيازات لبنان. هؤلاء ~~هم الأبطال الذين يشترون النظام الجليل الثمين بدمائهم ودماء أولادهم ونسائهم، ~~أيريبك قولنا؟ ألا ترى فيهم الأمير والشيخ والوجيه والصحافي والكاهن ~~و«الكرخنجي؟» # ومن من هؤلاء لا ms231 يبذل النفس والنفيس من أجل «مار نظام» العزيز! من منهم لا يحمل ~~«المارتيني» إذا اقتضى الأمر دفاعا عن وطنه وحبا بامتيازات وطنه؟ ألا تظن هذا ~~«الكرخنجي» يصلح أن يكون رجل الشعب وهو أقرب الناس إلى الشعب وأعرفهم به وأنصفهم في ~~معاملته؟ أولا تظن أن في هذا الحبر المفضال وهو أشدهم شغفا بحب الشعب الذي يظن ~~الربقة في رأسه طوقا مقدسا من سيدة حريصة، أو هذا الأمير ... # ما بالك تضحك؟ ألا ترى رجل الشعب بين هؤلاء الأسياد الغطاريف؟ أتظنهم كلهم مثل ~~إخواني الذين يعبدون سيدة بكركي في هيكل الاتحاد والترقي؟ اتبعني إذا. # هذه سراي الحكومة، أتريد أن تدخل! لا! وأنا من رأيك، لماذا نضيع وقتنا وزيتنا ~~سدى! أشعل السراج إذا وتقدم. # أتخيفك هذه الظلمات، نحن الآن في قرى لبنان وقد خيم الليل والسكوت، أما هذا النور ~~الضئيل الذي تشاهده في كل قرية فهو نور الجمعيات التي تضم إليها اليوم كل من ~~استفاق مؤخرا من نومه وشفي قليلا من مرضه. فهل تظننا نجد رجل الشعب فيها وأعضاؤها ~~على الحالة التي وصفناها؟ امش إذا ولا تيأس قد يكون رجل الشعب في حقول هذا الفلاح ~~صاحب العباءة المرقعة، أو قد يكون كامنا في أحشاء تلك الفلاحة التي سلمت علينا. ~~تباركت ثمرة بطنك أيتها الأخت الفلاحة وتبارك من يعرفها ويكرمها متى ظهرت في الناس ~~لتقود وتهدي الناس. # الوداع أيها الرفيق فقد صرفنا بعض الوقت والزيت في البحث عن رجل الشعب ولم نصرفه ~~باطلا. # أما الآن فقد مضى العام على عهد الحرية عندنا واللبنانيون يجتمعون ويخطبون ~~ويتباحثون ويتشاركون وينادون، بماذا؟ بلا شيء، وينددون ويؤلفون الجمعيات والأحزاب ~~والوفود، ويحلون العقد والمشكلات بالتمويه والمسايرة والوعود. # مضى عام على حريتنا ولم يمض معه شيء من خمولنا ومصانعاتنا ورخائنا من شقاقنا ~~وادعائنا وعبوديتنا، مضى العام الأول على الدستور وأسيادنا الأحرار هم أسيادنا ~~بالأمس، والشعب هو ذات الشعب المفلوج الضرير الذي قضى حياته في ظلمات الجهل ~~والعذاب. # الشعب المفلوج الضرير ماذا تنفعه الحرية والنفس فيه صماء، الشعب الضرير المفلوج ~~ماذا يفيده ms232 قولك له: «أنا من الشعب أنا رجل الشعب.» إن كنت من الشعب يا هذا فأسفي ~~عليك. إن نفسك مفلوجة ضريرة، وإن كنت رجل الشعب بربك قل لنا: كيف تعالج الفالج ~~وكيف تداوي العماء، فإن كان عندك دواء نافع هاته، هاته باسم الله، داو هذا الشعب ~~بل هذه الأمة، داوها إن شاءت أم لم تشأ، داوها وإن اضطرك ذلك إلى تقييدها ليلة ~~ونهارا أو سنتين لتشفى، داوها بالسيف إن كنت تتأكد أنها بالسيف تبرأ. # إن كنت رجل الشعب أيها الزعيم المحبوب، إن كنت واثقا أن العناية الإلهية اختصتك ~~لتكون طبيب هذه الأمة فلا تنتظر من الصحافة شهادتها ولا من الحكومة فرمانها، ولا ~~تنتظر ريثما الناس يسمونك ويرشحونك وينتخبونك. وبعد ذلك يرذلونك ... # ولكن قبل أن تنادي: «دوا الفالج دوا للعين» أرني إن شئت ما في خرجك، ما هذه ~~المراهم والنباتات؟ أليست التي يتاجر بها «المغربي» ذاك الذي درس الطب ثلاثين ~~سنة في مغارة دانيال. # ألا تعرف «المغربي»، أما رأيته في زمانك راكبا كديشه وصيدليته في الخرج وراءه، ~~أما سمعته ينادي، دواء للرأس دواء للعين، إن أعشابك من أعشابه أيها الزعيم العزيز ~~ومراهمك هي نفس مراهمه، فالأوفق لك وللأمة إذا أن تبيع كديشك وترجع إلى ~~بيتك. # تبغ وملح للفالج والعماء، سبحان الهادي، أتظن يا زعيمي المحنك المبنك أن زرع ~~التبغ واستخراج الملح يشفيان فالج النفس وعماءها، أتظن أن التبغ والملح يستحيلان ~~نورا وهداية في قلوب اللبنانيين، أتظن أن المال في صندوق الحكومة يصلح الشئون إذا ~~لم يكن في الحكومة من يعرف كيف يستخدم المال لخير الأمة الأدبي والروحي قبل ~~خيرها المادي؟ # رح في سبيلك أيها المداوي اللاوي وقبل أن تكرهنا أو تنسانا اذكر منا هذه ~~الكلمة: خير لك أن تكون حمالا أو إسكافا من أن تكون مشعوذا. # إن بلاءنا أيها الإخوان من (مغاربة) السياسة الذين درسوا المداواة ثلاثين سنة في ~~مغارة دانيال وخانيال ونافقيال وشركائهم. إن بلاءنا من المصلحين الذين لا يصلحون ~~أنفسهم، إن بلاءنا من المشعوذين المدغلين الذين يسجدون في الهيكل التركي ms233 لسيدة ~~بكركي. بلاء الشعب من أسياده الذين لم يزالوا يسخرونه ويرهقونه، بلاء الشعب من ~~الذين أورثوا الشعب الفالج والعماء وجاءوا اليوم يتحببون إليه ليداووه «دوا للفالج ~~دوا للعين»، ورب السماوات إن كنت لا تطرد «المغربي» من بيتك يا أخي وترمي بأعشابه ~~إلى النار تموت لا شك مفلوجا ضريرا. # من المبكيات المضحكات أن تسمع اليوم من يتساءلون: ومن يا ترى يستحق أن يخلف رجل ~~الشعب؟ هنيئا لك يا رجل الشعب، فقد ارتحت في الأقل من المناداة «دوا للفالج دوا ~~للعين» ومن دانيال وخانيال ونافقيال الذين لا يريدون أن تداوي شعبك بغير المراهم ~~الفاسدة والأعشاب السامة. # لا يا أصحابي لا يا أسيادي، إن رجل الشعب الحقيقي لا ينتخب ولا يعزل ولا ~~يقاوم ولا يموت، إن روحه تظل حية وعاملة في الأمة بعد أن يقف نبضان قلبه، إن ~~أعماله لا تموت إذا غرست في قلب شعب حي قوي، أعصابه سليمة ونظره سليم. إن ~~أعمال الرجل العظيم كنهر يتدفق من أعالي الجبال في أودية الهيئة الاجتماعية ~~وسهولها، ولا يكاد يخف ماؤه أو ينضب بعد سنتين أو بعد عصور طوال حتى يبعث الله ~~رجلا آخر عظيما فيحيي فيه الأرواح التي تلاشت على ضفتي النهر الأبدي. # أليس من المضحكات إذا أن نتساءل: «ومن يا ترى يخلف رجل الشعب» وهل تظن أن الزعيم ~~الثبيت الحر الصادق كمقالة أكتبها بساعة أو بيوم فتقرؤها وتفهمها بخمس دقائق، ألا ~~يخطر في بالك أن لو كان صنع الرجال العظام أمرا سهلا لكان يولد في العالم رجل ~~عظيم كل يوم، أتظن أن إرادتي وإرادتك وإرادة من هم أكبر مني ومنك - قناصل كانوا أو ~~بطاركة - بل إرادة الملوك والسلاطين؛ تجعل «المغربي» حكيما والمشعوذ زعيما، أتظن ~~أن في إمكان الأحزاب أن تصنع الزعماء كما يصنع الخزاف إناء ثمينا أو الصيقلي ~~درعا متينة؟ # إن كنت تعتقد هذا الاعتقاد ولا تنبذه سريعا نبذ النواة فمسيرك ومسير أتباعك ~~وعبيدك إلى الهلاك، إن كنت لا تصرع اعتقادك الفاسد يا أخي فاعتقادك يصرعك، إن كنت ~~تظن يا صاحب السعادة ms234 بل يا صاحب الدولة بل يا صاحب الجلالة أن زعيم الناس كإناء من ~~الفخار تصنعه كالفخاري بساعة واحدة وتكسره إن شئت بضربة واحدة فأنت إما مخطئ واهم ~~وإما جاهل مكابر، وفي كلا الحالين لا خير فيك لوطنك أو لنفسك لا في أقوالك ولا في ~~أعمالك، الزعيم الحقيقي يا مولاي هو من السماء ونصره وكسره في يد الله. ينبغي لك ~~إذا أن تصلح عقيدتك قبل أن ترفع في سبيل الإصلاح عقيرتك، ينبغي لك أن تبيع كديشك ~~وترمي بخرجك وعقاقيرك إلى النار وتقرأ في كتاب الحكمة والزعامة على عالميال ~~وصادقيال لا على دانيال ونافقيال. # إن لبنان اليوم لفي حاجة إلى بطل حقيقي لا إلى رجل أو نصف رجل أو ربع رجل أو لا ~~رجل يدعى زعيما، نحن في حاجة إلى من يستطيع أن يجمع شتات هذا المليون من ضعفاء بل ~~من بؤساء البشر، نحن في حاجة إلى بطل يحكم هذه الأمة ويهديها سواء السبيل، وهل ~~تظن أن الطبيعة في لبنان تضن على أبنائه بمثل واشنطون أو أبي بكر أو كرمول ولو في ~~شكل صغير؟ يشهد تاريخنا أنها لم تضن علينا بالأبطال في الماضي، وتشهد سماؤنا وتشهد ~~شمسنا أنها لا تضن بهم في المستقبل. # وعندنا أن مثل هذا الزعيم العظيم يباشر إصلاح الجيش فيضاعفه وينظمه قبل كل شيء، ~~ثم ينظر إلى الشعب المفلوج الضرير فيداويه بغير زرع التبغ واستخراج الملح وتأليف ~~الجمعيات في القرى. لا ننكر أن هذه كلها لازمة مفيدة، ولكن الألزم منها أهم، وعلى ~~الألزم منها تتوقف اليوم حياتنا، إن كروملنا أو أبا بكرنا يا سيدي الأمير لا يصيح ~~كالمغاربة (دوا للفالج دوا للعين) لكنه يقبض المبضع بيد من حديد ويشتغل باسم الله. ~~إن كروملنا بعد أن ينظم جيشه ينظر في البلاد إلى من كثرت أموالهم وقلت أعمالهم ~~كالرهبان مثلا فيحاسبهم بعدل وإنصاف ويبني بما يأخذه منهم المدارس العمومية في كل ~~القرى والمدارس الزراعية الصناعية في كل الأقضية، هذا هو دواء الطبيب الصادق الماهر ~~لفالج النفس وعمائها. # مثل هذا الرجل إذا ms235 دخل مجلس الإدارة ورأى الأعضاء يدخنون الأركيلة وينعسون يطردهم ~~قائلا: إلى بيوتكم، دخنوا هناك وناموا إلى الأبد، وإذا كان اللبنانيون لا ينتخبون ~~من لا يدخن ساعة العمل وينام فأنا أنتخبه أنا أعينه، وإذا رأيته يدخن بعد ذلك في ~~المجلس أكسر - والله - الأركيلة على رأسه. # في مثل هذه اللهجة كان كرومل يكلم مجلس نواب الإنكليز، ولما رأى ذات يوم أن قد ~~استفحل أمرهم معه أخرج ساعته من جيبه ورمى بها إلى الأرض قائلا: «إن لم تستقيموا ~~أحطمكم مثل هذه الساعة»، وبعدئذ طردهم وقال: «أريد في المجلس أناسا صادقين ~~عادلين.» # مثل هذا الزعيم إذا تصدد له أولئك الأفاضل المحنكون المبنكون الذين ترسلهم الدول ~~الأوروبية ليتعلموا عندنا السياسة الشرقية بل ليكذبوا عنها في الدوائر الرسمية يقول ~~لهم «وبأي حق تتداخلون في الصغير والكبير من شئوننا؟» فإذا أبرز القناصل أوامر ~~وزرائهم يقول لأولئك الذوات الكبار «لما سالت دماؤنا في الماضي آستنا حكوماتكم ~~وضمدت جروحنا بهذا الذي ندعوه نظام لبنان، حمتنا لتحمي نفسها من حروب أوروبية ~~طاحنة وفي كل حال نحن لها ولكم شاكرون، أما الآن وقد برئ الجرح فلم نعد في حاجة إلى ~~العصابة ولا إلى عناية هؤلاء الممرضين قناصلكم، بل قد صرنا رجالا أصحاء نأبى الضيم ~~والحيف مثلكم، ولا نسألكم سوى هذا أن تعاملونا كما تريدون أن تعاملوا.» # هذا هو رجل الشعب هذا هو بطل الأمة ولا تظن أيها القارئ أن في إمكان الصحافة ~~أن توجد مثل هذا الرجل، لا، ولا الأحزاب ولا القناصل ولا البطاركة ولا الشعب ~~يوجده. البطل هو ابن السماوات والأرض ولا يوجده في الناس - كما قلنا - إلا الله، ~~فإن كنت يا أخي اللبناني تشعر أن في جلدك شيئا من البطل - ولا فرق عندي إن غطأت ~~جلدك هذا بعباءة مرقعة أو «بالفراك الأتوركا» أو بالحرير والأرجوان - إن كنت واثقا ~~متأكدا أن في قلبك شيئا من نور الله اظهر باسم الله واحكمني وسخرني في سبيل ~~الحق والوطن، اظهر فلا تظل طويلا مجهولا، إذا كانت تلك الروح العظيمة داخل جلدك ~~وذاك النور ms236 الإلهي في قلبك يتبعك الناس ويطيعونك بل يؤلهونك ويعبدونك. # نعم يا إخواني، نعم يا أسيادي، إني أؤكد أن السماوات والأرض في لبنان لا تضن ~~علينا ببطل لبناني في المستقبل، ولكن متى يظهر وأين ...؟ إن نبوءتي لا تتجاوز هذه ~~الحدود. # والسلام عليك يا بنة لبنان. # تباركت ثمرة بطنك أيتها الأخت الفلاحة، تباركت في أحشائك جرثومة الأبطال، وتبارك ~~من يراها ويعرفها ويمجدها متى ظهرت في الناس لتقود وتهدي الناس. # | الشعر المنثور # يدعى هذا النوع من الشعر الجديد # Vers Libres # بالإفرنسية وبالإنكليزية # Free Verse # أي: الشعر الحر أو ~~بالحري المطلق، وهو آخر ما اتصل إليه الارتقاء الشعري عند الإفرنج وبالأخص ع ~~الأميركيين والإنكليز فملتن وشكسبير أطلقا الشعر الإنكليزي من قيود القافية ~~وولت وتمن # Walt Witman # الأميركي أطلقه من قيود ~~العروض كالأوزان الاصطلاحية والأبحر العرفية، على أن لهذا الشعر المطلق وزنا جديدا ~~مخصوصا، وقد تجيء القصيدة فيه من أبحر عديدة متنوعة. # وولت وتمن هو مخترع هذه الطريقة وحامل لوائها وقد انضم تحت اللواء بعد موته كثير من ~~شعراء أوروبا العصريين، وفي الولايات المتحدة اليوم جمعيات «وتمنية» ينضم إليها فريق ~~كبير من الأدباء المغالين بمحاسن شعره الجلية المتخلقين بأخلاقه الديمقراطية ~~المتشيعين لفلسفته الأميركية؛ إذ إن شعره لا ينحصر مزاياه بقالبه الغريب الجديد فقط، بل ~~فيه من الفلسفة والتصور ما هو أغرب وأجد. ~~(1) الثورة # ويومها القطوب العصيب، وليلها المنير العجيب # ونجمها الآفل يحدج بعينه الرقيب # وصوت فوضاها الرهيب، من هتاف ولجب ونحيب، وزئير وعندلة ونعيب # وطغاة الزمان تصير رمادا، وأخياره يحملون الصليب # ويل يومئذ للظالمين، للمستكبرين والمفسدين # هو يوم من السنين، بل ساعة من يوم الدين # ويل يومئذ للظالمين ~~••• # هي الثورة ويومها العبوس الرهيب # ألوية كالشقيق تموج، تثير البعيد وتنير القريب # وطبول تردد صدى نشيد عجيب # وأبواق تنادي كل سميع مجيب # وشرر عيون القوم يرمي باللهيب # ونار تسأل هل من مزيد، وسيف يجيب، وهول يشيب # ويل يومئذ للظالمين، ويل لهم من كل مريد مهين # طلاب للحق عنيد مدين، ويل للمستعزين والمستأمنين # هي ساعة للظالمين # هي الثورة ms237 وأبناؤها الحفاة، وصبيانها المسترجلون العتاة # ورجالها الأشداء الأباة، ونساؤها المتنمرات # وخطباؤها وخطيباتها الفصيحات، وزعماؤها وزعيماتها المتمردات # ويل يومئذ للظالمين # أنذرهم بأغلال وسعير، بقنابل تفجر ويوم عسير # يوم لا ينهون ولا يأمرون، ولا يطلقون فيهربون # ويل يومئذ للظالمين ~~••• # ألم يأتهم حديث الرومان # يوم شغف قيصر # 1 # بالأرجوان، ومد يده إلى الصولجان # فإذا هو صريع خناجر أحرار ذاك الزمان، قتيل مهان كثير الطعان # ويل يومئذ للظالمين ~~••• # ألم نقص عليهم قصص باريس # يوم دك البستيل وزفت المحابيس، يوم قطع رأس الملك لويس # 2 # وحزت رقاب كبار الفرنسيس وفر الطاغون والمسيطرون من وجه هول ~~باريس # ويل يومئذ للظالمين ~~••• # ونبأ الإنكليز # يوم بايع القوم بياع الجعة # 3 # وقالوا هذا ولي عزيز # يوم نادى الخمار بالناس والملك في حرز حريز # فإذا بالمستضعفين أشداء وشارل المليك ذليل نبيذ، بل على المشنقة ~~يستعيذ # ويل يومئذ للظالمين، من كل متنمر متمرد مدين # ويل يومئذ للمفسدين، من نصر البنود الحمر المبين ~~••• # ونبأ العالم الجديد # ألم يروا لهيب الأتون في العالم الجديد، حيث يطرح كل جائر مريد # حيث يحرق الأرجوان وتذوب تيجان الحديد # حيث تحرر العبيد، ويموت ألوف البشر من أجل هؤلاء السود المناكيد # حيث قام الأذل على الأعز، والوضيع على الجبار العنيد # ويل يومئذ للظالمين، يوم يمتع الله المستعبدين # ويطلق في الشعوب سلطان روح كمين، بل يضرم من ناره البراكين # بل يثير في الجموع روح الأمين، روح كل زعيم صادق أمين # يوم يهب المظلوم سيف الظالم الأثيم # ويذيق المفسدين حر عذاب أليم، في هذه الأرض لا في الجحيم # ويل يومئذ للظالمين من كل متنمر متمرد مدين # ويل يومئذ للمفسدين، من نصر البنود الحمر المبين. ~~(2) ريح سموم # وبربك القيوم، ما الذي تظنه يدوم # صوت سمعته في الكروم، وقد مرت عليها ريح سموم، فجفت الأرض وعادت جزرة ~~كثيرة الكلوم # سقطت الجفان عن فسائلها وفزعت أوراقها إلى الغيوم # صرخ صارخ من وراء النجوم، ما الذي تظنه يدوم ~~••• # من صروح زاهية فخيمة، من رياض زاهرة كريمة، من بروج شاهقة عظيمة، من ~~معامل حديثة أو ms238 قديمة، ما الذي تظنه يدوم # من أسراب منورة تحت الأنهار، من أرتال فيها يدفعها الكهرباء أو يجرها ~~البخار، من بوارج ماخرات في البحار، من أساطيل تنذر بالدمار، من معالم ~~ومعاهد في الأمصار، ما الذي تظنه يدوم # من أنفاق تحت الأديم ملؤها عجاجه، تنفثها وتثيرها القطر الولاجة # من قباب بين السحاب وهاجة، ما الذي تظنه يدوم # من جسور فوق المياه جسيمة، من جزائر على المياه عظيمة، من جبال تحت ~~المياه قديمة، ما الذي تظنه يدوم # من سدود، محكمة منيعة من خلج كونتها الطبيعة، من ترع تؤلف بين ~~البحار، وتجمع بين بعيد الأقطار والأمصار، من خطوط حديدية تطوق الأرض، من ~~أسلاك برقية تطوي المسافات في الطول والعرض، ما الذي تظنه يدوم # من أبنية ذات الطبقات العشرين، من أحياء في المدن الكبرى يأوي إليها جميع ~~البائسين، من معابد وبيع لا أثر فيها للدين، من أصقاع لا صوت فيها ~~للأحرار الصالحين، ما الذي تظنه يدوم # من قصور مكتنفة برياض خضراء، من صروح الملوك والأمراء، من دور الرؤساء ~~والأغنياء، من أكواخ البؤساء والفقراء، ما الذي تظنه يدوم # من شرائع ودساتير ونظامات، من تقاليد وعادات وخرافات، من أديان وعقائد ~~وخزعبلات، من دول وممالك وحكومات، من أحزاب وطوائف وجماعات، ما الذي تظنه ~~يدوم # صوت صارخ من وراء الغيوم، صوت ريح سموم، أي شيء يدوم # مهلا مهلا، إن هذه كلها لصالحة في ذاتها، إن هذه كلها لحسنة في ~~وقتها # لكل شيء من العز والمجد أركان، لكل شيء من أبناء البطر والأشر أعوان، لكل ~~شيء برهة من دهره الوسنان # ساعة أو عام أو قرن من الزمان، الطويل من الدهر في عين الأزل والقصير ~~سيان # فلا تظنها إلى الأبد تدوم، لا وربك القيوم، مبدع الشمس والنجوم ~~••• # إلى حين يا أخي إلى حين، كل ما في العالمين، أي ورب العالمين، إلى ~~حين # وبعد فقل لي هل أنت من الممترين، هل أنت من القائلين السائلين، وبعد ذلك ~~وبعد حين # أما في زمانك تأملت المغاور في الصخور، فاذكر أن الأمطار والرياح ~~تكونها، والأمطار ms239 والرياح تهدمها # إن كل ما هو محترم معبود، من أضاليل الزمان والجدود، يظل في حرز حريز إلى ~~أن يظهر في الناس رجل عظيم عزيز # بطل تجود به الأيام، فيصرخ في وجه الأئمة والحكام، صرخة تردها البحار ~~والآكام، وهو قائم على المظالم البشرية، مناضل عن الحقيقة والحرية، باذل ~~مهجته في سبيل الإنسانية # أجل إن كل شيء لحريز في موضعه حصين، إلى أن يزلزله رجل حصيف رشيد، أو ~~امرأة عظيمة ذات رأي سديد # ومهما كانت حصونكم متينة منيعة، فساعة الزلزال والدمار شديدة ~~سريعة # ساعتئذ يتحدث الركبان في صنيع لأحد العظام جميل، أو عمل لإحدى العظيمات ~~جليل # أجل إن كل شيء لحريز في موضعه حصين إلى أن يقف أمام القوم رجل صالح ذو ~~رأي سديد، حر فصيح عنيد، أو امرأة صالحة ذات رأي سديد، حرة فصيحة، ~~لسانها من حديد # يومئذ يعلو صوت المطالب بحقوق المستضعفين المستذلين المستعبدين، صوت ~~الأمناء والأمينات من زعماء وزعيمات على كل ظالم جبار مهين ~~••• # وبعد أن تلاشت ريح السموم فوق الجبال، تلاها نسيم لطيف الاعتدال، فدخلت ~~في أثره غابة من الصنوبر كثيفة الظلال، وسمعت من خلال الأغصان، صوت المحبة ~~والمعروف والحنان # سمعت صوتا يقول: ورب الأكوان، لا يدوم إلا الإحسان والعرفان # لا يدوم إلا السجايا الروحية الفريدة، سجايا النفس البشرية ~~الخالدة # لا تدوم إلا آثار النهضات الجليلة، ومآثر الأنفس السامية النبيلة # وما أسخف الجدل والمنطق والبرهان أمام مشروع جليل، وما أوهن التعاليم ~~الوضعية تجاه خطب جسيم، وما أوهى الأقوال والآراء إذا قوبلت بنظرة من ~~رجل عظيم، أو صادفت نفحة من نفحات حكيم # عندما يرفع مثل هذا البشر رأسه وصوته ولا فرق عندي رجلا كان أو امرأة ~~يقف دولاب الأعمال، ولا يبقى شيء على حال # عندئذ يبطل الجدال، وتنكسر شوكة المال، وتحشر الرجال، وتكبر ~~الآمال # يومئذ تنقلب المجتمعات، وترتعد فرائص الطغاة الحفاة # يومئذ تنقلب العادات والعبادات، وتهب على الأرض الذاريات ~~السافيات # فيسأل السائل من وراء النجوم: أين مالكم ونفوذكم وشوكتكم، أين تقاليدكم ~~وطرائقكم ولاهوتكم، أين شرائعكم ودساتيركم وحكوماتكم، أين حصونكم ms240 وصروحكم ~~وسجونكم وجنودكم، أين مصانعكم ومعاهدكم، أين زخرفكم وسفاسفكم؟ # فقل إن هي إلا برهة من الدهر الوسنان، ساعة أو عام أو عصر من ~~الزمان # قل ورب الأكوان، لا بقاء لما سوى الجد والعرفان، والمعروف والحب ~~والإحسان # فهي هي الجبال الراسيات، وهي هي الحصون الواقيات وهي هي الباقيات ~~الصالحات # بلى ورب السماء والنجوم، لا يفلح المستكبر المظلوم، ولن تدون إلا آثار ~~النفوس الذكية السامية ووجه ربك الحي القيوم. ~~(3) تحت الرماد وفوق النجوم # تحت الرماد وفوق النجوم، ما لا تراه مما يدوم # رأيت فضيلة اليوم تجر أذيال الفخر والتبجح في شوارع الرياء وفي أزقة ~~الورع والقداسة فكرهتها نفسي # ورأيت ما يسميه الناس رذيلة تقضي حياتها في ظلمات السكون والكتمان وراء ~~ستار الخمول والنسيان فحن إليه فؤادي # لم إذا نبغض الأشرار، ولم إذا نعبد الأبرار # لماذا نميل وجهنا عن الفقراء الأذلاء، ونعفره أمام الأغنياء ~~والأمراء؟ # إن علية القوم أوطاهم أيها الإخوان فاحذروا من تكرهون ومن تحبون، من ~~تحتقرون ومن تجلون # وغدا ينير الله قلوبكم فتعرفون الحق وتعبدون # لا والله، أنا لا أشمخ بأنفي على أصغر صعلوك ولا أعفر وجهي أمام أكبر ~~الملوك ~~(إن تحت الرماد وفوق النجوم، ما لا تراه مما يدوم) # اعلموا أن الكل في عيني سواء من الوجهة التي أنظر منها إلى الناس، كيف لا ~~وتحت رماد نفس هذا الشرير جذوة خير حية، وفي بستان ذاك الصديق كثير من ~~الجذور السامة والنباتات الكريهة الرائحة. كيف لا وفي الصعلوك نفس تكبر ~~إذا انطلقت من القيود والأغلال، وفي الملك نفس تصغر إذا جردت من ترهات ~~الأبهة وأباطيل الإجلال # لم إذا يحسد الإنسان هؤلاء الأغنياء والأقوياء، وأولئك الملوك ~~والأمراء؟ إن أفقر البشر حالا، وأوضعهم شأنا وأقلهم مالا، لهو من أعاظم ~~الناس، إن كان لا يحسد أحدا من الناس ~~(إن تحت الرماد وفوق النجوم، ما لا تراه مما يدوم) # أنا لا أغبط من أبناء آدم إلا الرجل الحر حقا، الحر بكل معنى الكلمة، ~~ولكن أين أجد مثل هذا الرجل لأعبده لا لأغبطه # أما الأغنياء والأقوياء ms241 والملوك والأمراء - تباركت أسماؤهم - فعظمتهم إما ~~مكتسبة اصطناعية، وإما خلقية طبيعية، وجل ما في القوة المكتسبة ~~مسروق منهوب، ومعظم العظمة الاصطناعية مختلس مسلوب العظمة العرضية ~~الاصطناعية، هي كالسوس في عظام القوة الحقيقية، ومن يحسد السوس في العظام، ~~أو الذباب فوق الطعام، أو الجراد على الآكام؟ # وأما العظمة الخلقية الطبيعية فهي جير من روح الله # وأنا أطأطئ رأسي أمام كل قوة بشرية فيها شيء من جوهر الذات ~~الإلهية # وإن أسمى ما في قلب الإنسان من العواطف الشريفة هي تلك التي تتجلى في ~~اتضاعه وخشوعه أمام العظمة البشرية الخلقية التي هي حقيقة الله في ~~الناس ~~(إن تحت الرماد وفوق النجوم، ما لا تراه مما يدوم.) ~~(4) داويني ربة الوادي # داويني ربة الوادي داويني # ربة الغاب اذكريني، ربة المروج اشفيني # ربة الإنشاد انصريني ~~••• # ألا تذكرين يوم رددت وحيك بين قوم لا يشركون مع البعل إلها # ويوم قدمت ذبيحة للزهرة من يد من لا يعرف من الآلهة سواها # ويوم ناديت باسمك في هيكل إيزيس فطردني من الهيكل الكهان # ويوم تصاعد دخان بخورك على الأولمب فاكفهر منه جبين رب الأوثان # أنا من وضع بخورك في مجامر خدام هياكل الرومان # أنا من عقد أوتارك في قيثارة راقصات بابل وقين اليونان # أونسيت ما زرعته يدي حول هيكل تموز من الأشجار # وما حاكته يدي لربة الفينيقيين من أكاليل الغار والأزهار # وما خطته يدي في كتاب عبدة الشمس والنار # وما حطمته يدي من تماثيل الطغاة ودمى كبار الأبرار # داويني ربة الوادي داويني # ربة المروج اشفيني، ربة الإنشاد انصريني # انشديني على قيثارك من الألحان التي تردد صداها اليوم طيور الغاب وشحارير ~~البستان # انشديني من الأنغام، التي يطرف بها الرعاة الأنعام # صوت نايك في الدجى، وصوت أرغنك في الضحى، أسمعيني # إلى صوت عبادك على ضفات الأنهار، وصوت أولادك في القفار، اهديني # انشري الآن حول سريري، ما كمن في الحقول من عبيري # اسكبي الآن فوق رأسي، ما تركته الأحقاب في كأسي # ألحفيني بحبك، ضمخيني بطيبك، أنعشيني بهمس شفتيك، وبلمس ~~أناملك # رددي على مسامعي ms242 الآن، ما نسيته مما علمتني من الألحان # أسمعيني الآن، ما رددته عنك في مجالس قين بابل واليونان # داويني ربة الوادي داويني # ربة الإنشاد أصلحيني # أنا ناي الرعاة من عبادك # أنا عند العشاق من عبادك # أنا أرغن المتشرد من عبيدك # أنا كنارة الراقصات ليلة عيدك # أنا النفس التي يتجلى فيها جمالك، وينبعث منها نورك، وتنطبع عليها أسفار ~~حكمتك، وترف فوقها بلابل سحرك # أنا صوتك جسدته الدهور، أنا روحك أنزلت في الفيدا وفي الزبور # أنا رسولك إلى صفوة العباد، إلى خير من زين الأحلام في المعاد، بل إلى كل ~~من هام في كل واد # أنا وحيك في نشيد الإنشاد، أنا نورك في نفس من سربل التوبة ~~بالإنشاد # أنا في قيثارك نغمة حبسها الجهل ضمن جدران الأهرام # بل أنا أغنية رددتها الليالي على الأعوام # أنا في قيثارك روح الفقنس تحت رماد المنون، بل روح أرفيوس فوق أمواج ~~الفنون # أجل أنا قيثارك، وأنا صوتك، وأنا نشيدك # ولكن يدا أثمية خنقت البلابل في القيثار، وقطعت منه الأوتار # فجاءت اليوم بنات الهديل تداوي بسجعها سجعي العليل # داويني ربة الوادي داويني # ربة المروج اشفيني، ربة الإنشاد انصريني ~~••• # المسيني بأناملك تعيدي إلي بهاء ملكي # عوديني في الأسحار، تشتد من نسماتك الأوتار # اغسلي جراحي بموجات من فيوضاتك الإلهية # ضمدي أوتاري برقية من رقياتك الموسيقية # أعيدي إلي ما سلبتني الآلام من مجد الحياة الشعرية # ضميني إلى صدرك بنت الأزل والخلود، فتزول عن جفني كآبة الأجيال، ويثمر ~~في عقم الجدود # من يوم هجرت وإياك الجفان في قديم الزمان، ما رأيت أجمل من الحب فيك ~~إلا الحنان # فحتام اليوم هذا الصد والجفاء وهذا الهجر والنسيان # اذكرني ولو مرة في ظلامي # عوديني ولو مرة في منامي # انصريني قبل أن تذبل بأيامي. ~~(5) غصن من الورد # ركبت في الأمصار البعيدة هواي وأرحته من عنانه # غرست في بساتين الغرباء حبي فنور قبل أوانه # غرسته في أرض سمراء جديدة فناحت عليه زهور زمانه # طرحت بذور حبي جزافا ذات اليمين وذات الشمال # طرحتها في سهول الحرية فأحرقها قيظ ms243 الفوضى وداستها أرجل همجية # طرحتها في أنجاد العلم فأيبس ما نبت منها الصر وحملت رياح النزاع ~~البقية إلى حيث لا أدري # طرحتها على شواطئ نهر الفلسفة الراكد فذوت في ظلاله الظليلة - ماتت لأنها ~~لم تر نور الشمس # غرست حبي في غياض الحضارة الغيضاء، فأدمته الأشواك، خنقه العليق، قتلته ~~الجذور السامة # غرسته في أرض الأحباء والخلان فمات بالاستسقاء من مستنقعات الكذب ~~والرياء # غرسته في حقول التجارة، تجاه طواحين التمدن، بين بيت الصراف وبيت ~~الكاهن، فتواطأ الاثنان عليه ومدا في قلبه البلاط رصيفا للصوص # لأولئك اللصوص الذين يؤاكلون ويشاربون القضاة # ذهبت بحبي إلى الفقراء والبؤساء فغرسته في أرضهم الجدباء فلم ينبت # غرسته قدام بيت أم الحي فاقتلعته ورمته بوجهي وهي تقول: اذهب في ~~طريقك، جاءنا قبلك مغرون فقتلوا، صلبوا، حرقوا، نطلب إنصافا وعدلا لا ~~تعزية ورحمة # جزت حي البؤساء إلى مغاور اللصوص والأشقياء، إلى المنبوذين ~~والممقوتين # ذهبت فغرست بينهم غصنا نضيرا من حبي فعاش قليلا نحيلا ومات قبل أن ~~يبلغ أشده # في ظلمات قنوط المنبوذين قضى نحبه، دخان تجديف الجاحدين أعماه، خنقته ~~روائح بذاءة اللصوص والقتلة فكفنه الفاجر بلعنته وجلقت الفاجرة فاها ~~فوق جثته # هجرت المدن وهذه المدنية وركبت البحار # نثرت على المياه حبي كما تنثر شمس تموز ألماسها ولآليها # نثرته صباحا فتلونت الأمواج من شهواته، نثرته مساء فتوهجت من نيرانه ~~الآفاق # كلم حبي السحاب فأجابه، فدعا البحر فلباه # لمس حبي الآفاق بأنامله فارتعدت وتموجت مبتهجة متوهجة ~~••• # في صبح يوم من أيام الربيع بعثت حبي رائدا في صحراء جديدة، فمضى ولم ~~يعد إلي # ناديته من قمم لبنان فلم يجبني # فتشت عليه في الآفاق وورائها في مشرق الشمس ومغربها فلم أجده، تركت ~~حبي يهيم ثانية على وجهه # فركب هواه مرة أخرى وتركني أتحسر وأتأسف عليه، آه علي أواه ~~عليه ~~••• # في وطني في أرض أجدادي في التربة التي ذاقت قديما حلاوة ضربة معول ~~رجل قوي، غرست غصن ورد طري # غرسته والآمال تدفعني والعزم يعقد شفتي # غرسته في مكان عزيز جعلته في حرز حريز بعيد ms244 عن الحضارة والناس # لا فرق عندي الآن إن صمت مسامعهم وإن فتحت # لا يهمني إن استحجرت قلوبهم واستحالت طينا أو ذابت ماء ~~معينا # أنت أيتها الأرض أمي وسأفرح يوم تضمني إلى قلبك كما تضمين الغصن ~~الذي أنا الآن غارسه # أنت أيتها الأرض حية أبدا، أبدا تحبلين وأبدا تلدين # مهما كان ظاهرك فالشعور فيك لا يموت، النار في قلبك لا تخبو # الخريف يزيل الوقر من أذنك والشتاء يلين قلبك والربيع يحرك لسانك والصيف ~~يريك ثمرة أحشائك # ومن أفصح منك في الربيع وأكرم منك في الصيف # من أعظم تهيجا وعطوفا منك في الشتاء، من أشد سمعا في الخريف # من أرحم منك أيتها الأرض، من ألطف وأشفق وأحلم # تقبلين منا الأقذار وتعطينا عوضها الأزهار # تستنشقين نتانة أمراضنا وروائحها وتعيديها إلينا شذاء طيبا # تسكب لك السماء كأسا من الماء الزلال فيعكره الإنسان فتفيضين عليه ~~مكافأة خيراتك ومراحمك # أرض أجدادي افتحي الآن لي قلبك # لا تجهميني، لا تعبثي برجائي وعملي، لا تحبسي حبي عني دهرا # أيتها الأرض التي نقبها أبي وصلت تحت أشجارها أمي لا تودعي آمالي ~~الصخور، لا تحمليها إلى قمم الجبال فتموت هناك من الثلوج وشدة ~~الرياح ~~••• # على كتف هذا الوادي الذي ردد صدى صراخي وغنائي صغيرا، في هذه الأرض التي ~~هجرتها قبل أن هجرتني الصبوة؛ غرست غصن ورد طري # كلمت الأرض بيدي لا بلساني، حصبتها ونقبتها بمعولي الصغير # طعمتها من ذاك الأسود الذي تفرزه المواشي ومن ذاك الأصفر الذي يكاد يشتعل ~~في الصحراء من قبلة الشمس، ويكاد يذوب على السواحل من قبلة الأمواج # سقيت غصني من ماء الفؤاد، وحجبت عنه النور في أيامه الأولى # رفعت فوقه سرادق ودي وهيامي، ونثرت حوله في الشتاء أوراق الخريف ~~البالية # ولبثت - إذ ذاك - أنتظر جواب الأرض وحكمها # كم مرة زرت غصني وهززته مستخبرا فلم تبد عليه لا إشارة الموت ولا علامة ~~الحياة # كم مرة افتقدته وقلبت فيه الطرف مستقصيا أخباره # كم مرة وقفت أمامه والفؤاد يتموج بين اليأس والرجاء # تباركت أرض أجدادي فقد حسن في عينها ms245 اجتهادي # تباركت أرض أمي فستريني الورد على غصن تعبي وهمي # نعم الأرض كلمتني، أجابت الأرض سؤلي، رددت الأرض صدى حبي، ها إن غصن ~~الورد ينطق كالطفل # بدت على شفتيه لفظة الحياة وأثمرت في قلبه الكلمة الحية التي تساقطت ~~عرقا من أناملي ومن جبيني # في فمه لؤلؤة ملفوفة بلفافة ذهبية، وفي صباح الغد تستحيل لفافة لازوردية ~~وتبدو اللؤلؤة زمردة نحيفة ندية # وبعد غد أو بعده ينشأ من الزمردة صدفة خضراء في قلبها بحور من ~~الورد لا ترى وأجيال من الحياة لا تعد # في قلبها أوراق خضلة صغيرة ملتفة حول عرق نحيف طري، لا يعرف بعد اسم ~~الشوك ولا معناه # في قلبها أغصان وفي قلب الأغصان ورد وفي قلب الورد بذور وفي البذور ~~الأبدية والخلود ~~••• # كلمتني أرض أجدادي، أحيت في الرجاء ضمت إلى صدرها طفل حبي وأنعشته ~~بعد أن كاد يموت # نفخت فيه من روحها الأزلي فتحرك لسانه # هو ينطق بما تلقيه إليه من آيات الحب والجمال والحكمة والرجاء # أين فصاحتي من فصاحتها # الأرض لا تنطق إلا لتحيي، لا تتكلم إلا لتزهر وتثمر # ما قالت «لا» بزمانها قط، فإن كان جوابها إيجابا «فنعم» وإن سلبا ~~فسكوتا أبديا # كل آياتها جميلة كل أقوالها منعشة محيية # وليتها تعلم بنيها القول المثمر المنعش الجميل # أو ليتها تعلم بنيها السكوت ~~••• # كأني بالأرض تقول: ليكن عندك ذرة من الإيمان في وأعطني ساعة من العمل، ~~فأعطيك عوضها مائة بل ألف ضعف من الحب والرجاء، من السرورة واللذة من العزم ~~والنشاط، من الحياة البسيطة النقية التي لا سعادة للإنسان إلا بها ~~••• # كل جرثومة على غصن الورد الذي غرسته هي لفظة من ألفاظ الأرض العذبة، هي ~~رسالة حب من الأم لبنيها # كل برعم من هذه البراعم هو عقدة من عقد الكون، هو سر من أسرار ~~الحياة # في أي عصر ولدت أيتها الوردة، أي أرض شاهدت أول زهرة من أزهارك ~~واستنشقت أول نفحة من أريجك # من زرع بذرتك الأولى، من غرس أول فرع من فروعك # أول غصن من أغصانك الأصلية الأولى؛ ms246 من نقله من الحقل إلى البستان، من ~~الوادي إلى حديقة الإنسان # أيتها الوردة البرية بل الوردة السرية من أي دغل نشأت وفي أي سلم من ~~النبات الشوكية رقيت # لا تتكلم الأرض إلا ألغازا، الأرض لا تأتمن بنيها على أسرارها # احترز من شرك العلة الأولى، لا تبحث في أصول الأشياء # متع نظرك ونفسك فيما تراه وتسمعه وإن شئت الدخول إلى هيكل سر ~~الأسرار فتجرد عن الجسد قبل أن تطأ أسكفة الباب ~~••• # إني لأجد لذة شهية غريبة في مشاهدة هذه البراعيم الجديدة، وفي ~~مراقبة نشوئها ونموها # عددتهم - والله - مرارا كما تعد الأم أسنان طفلها # افتقدتهم مرارا كما تفتقد الطيور عشوشها # تلهفت - وأي تلهف - على برعم واحد نثرته الرياح منها # ولكن زمن السرور قصير، تكاد زبدة الأشياء تذوب قبل أن تجمد ~~••• # أواه، صرت أخشى الاقتراب من وردتي فقد أثت فروعها والتفت أغصانها ~~وقسيت أشواكها # أواه، صرت أنظر إليها بغير العين التي شاهدت نشوء براعيمها ونمو ~~فروعها # لهفي على وردة الحياة، تريني ألف شوكة قبل أن تفيح بنفحة واحدة من ~~شذاها # تجرحني مائة مرة قبل أن تعطيني زرا واحدا من أزرارها ~~(6) فؤاد # 4 # عند مهد الربيع # عرفتك قبل أن اخضرت من نسمتك الأولى صدور الحقول وجوانب ~~الربى # وقبل أن نور المهد من حر شفتيك # وقبل أن بدد نور عينيك غيوم الشتاء فهدأ البحر وانجلت ~~السماء ~~••• # عرفتك قبل أن حاكت لقصورك الجبال طنافس العصفر والأقاحي ~~والخزامى # وقبل أن أعدت لسريرك النمارق من الرياحين وريش الصنوبر وشقائق ~~النعمان # وقبل أن ملأوا كأسك من دهن اللوز وماء الورد وعصير الرمان ~~••• # عرفتك قبل أن نصبت لك العاصفة الأخيرة قوس نصر من دمها ودمعها ~~وزفيرها # وقبل أن ولت من الغيوم الباكيات وأقبلت الضاحكات تجر ذيولها الفضية ~~فوق صنين # وقبل أن لحفتك شمس الضحى بأشعة الحب والحنان # وقبل أن رفعت فوق سريرك عند الغروب قبة من نورها الولهان ~~••• # عرفتك قبل أن سدلوا على وجهك نقابا من الغمام ليحجبوا هناك هنيهة ~~رب الأنام # عرفتك قبل أن عرفت عيناك معنى الدموع وأسرارها ms247 # وقبل أن ذابت عن أهدابك الثلجة الأخيرة وسقطت عليها القطرة الأولى ~~من ندى العشق والحياة # عرفتك قبل أن نور في خديك الورد وتلألأت على شفتيك ~~الابتسامة # وقبل أن غردت في الغابات أطيارك وعطرت الآفاق رياحينك ~~وأزهارك # عرفتك قبل أن سمعت أذنك هتاف الأنهر وعويل الرياح # عرفتك قبل أن عرفت من الحياة الغسق والليل والصباح # هززت سريرك بأنفاس كانت لهيبا قبل أن صارت نسيما # وأصبحت حياة بعد أن كانت سديما # وكان ربك بذلك عليما # هززت سريرك باليد التي احترقت مرا فاستحالت مسكا وبخورا حول ~~السرير الكمين # باليد التي اكتسبت زغبا تحت رأس أمير الرياحين # باليد التي نور في أناملها الجلنار وفي راحتها النرجس ~~والياسمين ~~••• # هززت سريرك قبل أن نما الفؤاد مني آسا وغارا تحت قدميك # وقبل أن فاض ابتسامي نورا فوق عرشك # وقبل أن هطل غيمي دمعا حول سريرك # هززت سرير طفل الربيع قبل أن سار كلي قسما من سريره # هززته في الأعماق ففاح أريجه في الآفاق # هززته في أعلى عليين فغردت بلابله في الرياض والبساتين ~~••• # عرفتك قبل أن ودعتك السماء وقبل أن عرفتك الغبراء # ولكنني استغربت صراخك يا بن الربيع ويا بن السماء # إن لفي بكائك سرا لا تذيعه الأزهار # وإن لفي سكوتك لغزا حفظته النجوم والأقمار # وإن لفي نظراتك المبهمة الندية شيئا من غوامض البحار ~~••• # فهل جئتنا من ألم الفراق باكيا أم جئتنا الوحشة شاكيا # أين منك الروح التي تلقي في العيون سحرا حلالا فيذوب حبا ~~وجمالا # أين منك الإدراك الذي يلتهب في العالم نجما فيشع في الشاعر ~~خيالا # بل أين من نفسك الآن ما حير البرية في الإنسان # أين منك تلك القوة التي أغلت الصاعقة وأذلت البحار واسترقت الرياح ~~والكهرباء والبخار ~~••• # أتحلم ملائكة السماء بفراش الأرض وخنافسها # أوتذكر الفراشة يوم سارت تحت جناحها الشمس # أفي خطوط هذه اليد الصغيرة البضة آثار حبك النجوم وأسرارها # أو تحت هذه الأهداب الناعمة قبس من نورها ونارها # أتذكر شفتاك الكأس الذي سقتكه زنبقة الوادي # أتذكر الغدير الذي كان يغسل قدميك يوم كنت ms248 مضطجعا مع الدفلة تحت ظل ~~الدلب والصفصاف # أي ابن الوادي، إن فيك من بهاء الربيع ما فيك من مجد السماء # إن لفي هذه الوردة البشرية جذوع الماضي وأريج الحاضر وبذرة ~~المستقبل # أقبل رجليك؛ لأنني لا أنكر الماضي ولا أنبذه # وأقبل عينيك؛ لأنني أراك شاخصا إلى العلاء # وأقبل سرتك لرمز فيها بليغ جميل # ففي السرة سلسلة الحياة التي لا تتم حلقاتها إن لم تقطع # يقطعها الإنسان فيعيد وصلها الله # فاذكر قبلاتي الثلاث إن عدت في مستقبلك البعيد إلى ماضيك هذا ~~القريب # واذكر أيضا أن في كل قبلة حسرة ما زادها العلم إلا اشتعالا ~~••• # عرفتك قبل أن ودعتك السماء وما عرفت من سر هذا الوجود سوى الحاء ~~والباء # عرفتك قبل أن عرفت الربيع وقبل أن هززت سريره الخفي # عرفتك قبل أن أسرنا فصرنا بديع قواف لشعر إلهي # نظمنا الإله وأودعنا سرا من أسرار بيانه الأزلي # وقال عليكم بنجم سريع فهو فيكم ومنكم يضي # بهاء الحياة ومجد الحياة إليكم بنوري إليكم يدي # فجبنا نجوم النفوس عراة وفينا الخجول وفينا الخليع # أشدنا هناك بسعد تساوى الملاك العصي به والمطيع # شهدنا هناك ظلاما تلاه بهاء تلاه ظلام سريع # وقفنا حيارى وفي الظلمتين ضياء الحياة يضي ويضيع # شهدنا الدياجي وفيها الأحاجي فهذا الإله وهذا الربيع # ذهلنا فقلنا لربي لماذا، فقال اسقطوا من مقام رفيع # وقفنا دهشنا سألنا سقطنا فجئنا وسر القريض نذيع # فديوان ربك هذا الوجود وفيه السخيف وفيه البديع # وأنت ابن أختي بيت القصيد وخالك شاعر رب الربيع # عند لحد الربيع # ومثل خيالي أشرقت يوما وغبت قبيل الصباح فؤاد # ومثل خيالي أنسيتني نعيم الحياة وبؤس العباد # ومثل خيالي أسكرتني فقلت «اليراع» فقلت «الحداد.» # ومثل خيالي حيرتني رحلت وسرك في ذا الجماد # بهاء جمالك في تربة عجبت لترب جمالا يعاد # ونور عيونك في ظلمة عجبت لنور شديد السواد # وبلبل نفسك في وحشة، بل بلبل نفسي في تي البلاد # وحلو ابتسامك تحت الأزاهر ألبس روحي شوك القتاد # فراحت إلهة حبي تهيم وتبكي فؤادي في كل واد ~~••• # لله ms249 أنت من وردة سرية ناطقة فرطتها يد القضاء # لله أنت من شعاع فهم عجيب زال كالظل في البيداء # لله أنت من طير أسف فوق بحر الحياة فذاق ملحه وعاد إلى ~~الفضاء # لله أنت من طفل سجدت له أطفال السماء # إيه أطفال السماء! وهذا ربيعي أصبح ثلجا فليت الربيع بل ليت ~~المعاد # وليت النجوم تحدث عنه فهذه تجاليده في جماد # وحلو ابتسامه تحت الأزاهر ألبس روحي شوك القتاد # بنات خيالي أنيري حول خيال فؤادي في كل واد ~~••• # كشفق من أشفاق الأيام، كحلم من جميل الأحلام كوميض لاح في الظلام، ~~كذلك كان ابتسام الحبيب # كنفحة من نفحات الجنان ، مرت مع نسيم الفجر في البستان فرنحت الورد ~~والبيلسان وأيقظت الشوك في القرقفان، كذلك كانت حياة الحبيب كفراشة ~~مختبئة بين الرياحين، أمسكها عدو كمين، فدفعها إلى جهلة ظالمين، سمعت ~~أدواتهم الأنين، فبكت حظ مثل هؤلاء البنين، كذلك كان نصيب ~~الحبيب # ويلاه من طب أجهز على الحب # ويلاه من طب هو الشوك في نبت غمنا، ومن طبيعة هي أمنا، ومن قبور ~~هي لحمنا ودمنا # بهاء جمالك في تربة عجبت لترب جمالا يعاد # ونور عيونك في ظلمة عجبت لنور شديد السواد ~~••• # ركضت حولي في الدار فعلمتني حب الصغار، حبا طاهرا صافيا كله ~~أزهار # وقفت إلى جانبي في عزلتي فكنت حبيبي وسيدي ومعلمي # فتحت أمامي أبوابا عجزت عن فتحها يد حكمة الحكماء، وسدتني بما ~~لا تضاهيه شوكة الملوك والأمراء، وهديتني سبيلا ضلت في سبيله ~~العلماء # أنكرت سلطة المسيطرين، فجئتني وسلطتك من أعلى عليين # لله من أطفال هي ملوك في قلوب الرجال # لله من ضعف صولجانه فوق صولجان ملوك الزمان # كفرت بحب الأطفال فبعثك الله إلي رسولا # وصرت عندما أشاهد طفلا أحييه باسمك ساجدا وأقبله واجدا # إنما هؤلاء رسل الله في الناس # رسل هم الأطفال، رسل الحب والحنان والواجب والجمال # رسل كلماتهم سلام، وسيوفهم ابتسام # لله من رسول أنت أخلصت لك الإيمان وكنت لك أطوع من البنان # ولكنك اليوم حيرتني رحلت وسرك في ذا الجماد # ومثل خيالي أشرقت ms250 يوما وغبت قبيل الصباح فؤاد ~~••• # أقمت في وادينا صيفا واحدا كنت فيه الصيف والربيع وكتبت في قلوبنا ~~آيات هي خلاصة البيان والبديع # نظرت إلى السماء مساء فأدهشك كوكب هناك # مددت يدك إلى القمر كأنه راحة في ذراك # سمعت أنغام الموسيقى فطربت لها كأنها بانت بديهك وذكاك # عطفت على الأزهار وأحببت الرياحين كأنما صنعتها يداك # حسدك الحسون على زقزقتك، والحمام على حركاتك والورد على شذاك # حييت كل عابر طريق باسما وفي كل امرئ حبيت أخاك # كدت تشعر بالخطوب قبل حدوثها فأدمعك قبل أن يدمعنا بلاك # كللناك بالورد والغار يا حبيب الرياحين والأزهار # وفي ربيع السماء الخالد دموعنا طل في الجلنار # بل زهور في أفلاك تدار # بهاء جمالك في تربة عجبت لترب جمالا يعاد # ونور عيونك في ظلمة عجبت لنور شديد السواد ~~••• # من هضاب جللتها السماء إلى مدينة خيم فوقها البؤس والشقاء # حملناك - والغم يحملنا - إلى منبت التمويه والتلبيس والادعاء # إلى حمى الأطباء # ضربت في موطن الفهم والنور، فكان داؤك ذكاك، دماغ هو النبراس في ~~غشاء هو القرطاس # ويلاه من هذا الشهاب، وهذا الالتهاب # في فترة من الزمان سقيت من مر الحياة مما يغص به جبابرة ~~الزمان # يوم أسففت وقعت فكنت أحجية في دائك كما كنت أحجية في ذكائك # قال المداوون وقالوا، وضربوا في ميدان الحدس وجالوا، وأنت بعيد عن ~~جهل هو عندهم اليقين # مددوك على لوح التشريح وأنت مسرع إلى من لا يحدس في شئون ~~العالمين # أشمموك المخدرات وأنت في غنى عن هاته الترهات، كيف لا وقد أشلك ~~الداء وخدرك الدواء؟ # جاء الجزار وأعوانه بأدواتهم وعقاقيرهم، وأحاطوا بك؛ ليبعدوك عن ~~ملائكة أسرعوا إلى لقاك # بضعوا الجلد، كسروا الجمجمة، أجالوا أدوات في الدماغ، ويلاه من أطباء ~~يخبطون بل من جزارين يجربزون # قطبوا الجرح، لفوا رأسك بالشاش، كفنوا وجهك الأصفر بأوهامهم # ضمخوك بروائح العذاب والموت، وتركوك على سريرك # لأمك، لأبيك، لخالك، لربك # كفناك بأغشية قلوبنا وكلمناك بالورد والرياحين، بكيناك باسم كل ~~ما أحببته وأحبك في وادي الأمين # بهاء جمالك في تربة عجبت لترب ms251 جمالا يعاد # ونور عيونك في ظلمة عجبت لنور شديد السواد # وحلو ابتسامك تحت الأزاهر ألبس روحي شوك القتاد # فراحت إلهة حبي تهيم وتبكي فؤادي في كل واد. ~~(7) النفس الراحلة # تذكارا لراحيل دريان المتوفاة في 13 آذار سنة 1910 # على أبواب الجنة تنتظر الأرواح أحبابها # بل تنتظر الأحباب أرواحها # آه على المحبين، المودعين والراحلين ~~••• # أقف عند جثماني، لأودع أصحابي وخلاني # ومن فوق نعشي، أحيي الأعزاء المودعين # تخذت الموت منبرا، فرأيت من علاه ما لا ترون، وسمعت ما لا ~~تسمعون # جموع مثلكم يعولون في شمال الأرض وجنوبها، وأرواح مثلي ينتحبون في ~~السفينة التي تعبر نهر الموت والحياة، من أبناء الأرض عظماء ~~وعظيمات # هم رفاقي الآن إلى الجنان # فلا تيأسوا، ولا تجزعوا # الموت خرافة مرهبة، الموت صورة فانية، الموت منبر الخلود، الموت هو ~~الدرجة الأخيرة من سلم العذاب، فلم تنحبون، أيها الأحباب # على أبواب الجنة تنتظر الأرواح أحبابها # بل تنتظر الأحباب أرواحها # آه على المحبين، المودعين والراحلين ~~••• # ما بالكم تنحبون، أواه، ودمعة الفراق من يكفر بها، دمعة الوداع ~~من يجهلها؟ # دموعكم كالوابل المتساقط على بحر هاجت أمواجه # دموعكم تسكن الرياح # دموعكم تنور حول الراحلين زهرا، وتتكون في صدف الحب لؤلؤا ~~ودرا # دموعكم نور يضيء ساعة الفراق المظلمة الموحشة # دموعكم قط كلمات سفر الحياة # دموعكم أزهار على ضفتي نهر الأحزان ودموع الراحلين طل في كئوس ~~هاته الأزهار # آه على المحبين المنتحبين، المودعين والراحلين ~~••• # ساعة أزمعت الفراق، بدت لي أشياء من هناك، من وراء الكواكب ~~والأقمار # ساعة علت صيحة الأحباب، رفعت إلي أعلام جميلة من خلال ~~الضباب # على ضفاف أنهر الأبدية، في ظلال السدر الندية، رأيت الراحلين، على ~~فرش من السوسن متكئين، وسمعت أطيارا تغرد حولهم، «إلى حين أيها ~~المنتظرون إلى حين.» # في تلك الظلال أحبابي، حيث الورد لا يذوي والربيع لا يزول # حيث الحب يلعب متلهبا عن التنائي في جمع أصداف الحزن ولؤلؤ ~~الرجاء # هناك على إحدى الروابي، أنتظر أحبابي # وأنسج لهم من أزهار الدموع والسرور، أكاليل مجد لا تبور # وأدخل وإياهم بيتا جميلا ms252 خالدا من الحب والحبور ~~••• # على أبواب الجنة تنتظر الأرواح أحبابها # بل تنتظر الأحباب أرواحها # آه على المحبين المنتحبين، المودعين والراحلين. ~~(8) معبدي في الوادي # إيه أم الطبيعة بل أمي، جئت أجدد معك آمال الحياة وسرورها # جئت أجدد عهدي وإيماني مع كلاء الحقول وزهورها # جئت أردد تحت هذه الأفنان الخضراء، ابتهال أبنائك الأتقياء # وقفت على ضريح الشتاء ليلا، فشاهدت هناك مشهدا جليلا # شاهدت ربة الربيع تقبل جبين أبيها، فينور الأقحوان تحت شفتيها # رأيتها تكتب بدموعها سفر الخلود، فيردده العصفر في الجلمود # ورأيت الأولاد في الحقول حفاة، يقطفون الزهور لخير من تألم في ~~الحياة # فقلت في نفسي: ونعم الإيمان في قلوب الصبيان ~~••• # إن في قلبي اليوم شيئا مما في قلب جاري، وفي قلب الغاب أثرا من ~~آثاري # ألا إن قلبي في عقل هذا القروي، وعقله في قلبي الخفي. والذي يراه تحت ~~الكلاء أراه أنا في السماء، والذي يراه في الأرض المنبثق منها نور ~~العالمين، أراه في أكمام الورد أو في براعم الياسمين # فإذا كنت أرى ذلك في الحقل فلماذا أبرح الحقل؟ # ألأسمع في الكنيسة وعيد من لا يعرف من أسرار الحياة سوى ما قرأه في ~~كتب اللاهوت والصلاة # إن في ورقة من أوراق التوت سرا لا يكشفه اللاهوت # إلى الوادي إذا، هناك بين أشجار البطم والزمزريق وتحت أدواح الصنوبر ~~والسنديان، أشيد هيكل الإيمان # أراني هنا في بيتي، بل في بيت الطبيعة، بل في بيت الله # ورفقائي هم حقا أحبائي، هم إخواني، حبا بحبي وإيماني # إن هيكلي لقريب من سلسبيل فضي ذهبي، يجمع بين الدم الجاري في العروق ~~والصبيب المتصاعد في الأشجار واللبن الذي يجدد في النبات حياتها وفي ~~الأزهار أريجها وألوانها، ومنبر مرشدي هو مرسح الإنشاد والتغريد، لا منصة ~~التحذير والوعيد # أسمع همس الأفنان، وهي تسبح - في قلبها - الرحمن، وقد أحياها النسيم ~~العليل الذي جاءها اليوم من بلاد الجليل ~~••• # سماع قد بدأ الدوري بتلحينه والسنونو بإنشاده # سماع أن من حلق الحسون الذهبي تتدفق الأنغام الفضية # أن الأطيار تدعوك إلى تجديد إيمانك وآمالك في ms253 الحياة # هي تفتح لك أبواب السماء مغردة، ولا تبعدك عنها متهددة # هي تدعوك إلى العمل، وتنفخ فيك روح الجد والأمل # أي ربة الغاب إن رؤساء هيكلك يرددون صدى نشيد الربيع لا صدى منطق ~~«الغوري» والمعضلات # وشتان بين «الغوري» والدوري، وبين الحسون والخوري ~~••• # في ظل القويسة والغار، وبين الصعتر والوزال والخنشار وبالقرب من ضحضاح ~~يشف عن نبات حية تحت الماء وفوق النهر الجاري تحت قدمي هذا الوادي ~~الرهيب؛ أبني لك أيتها النفس هيكلا من الإيمان يؤمه في المستقبل ~~البعيد من إخواني والقريب # بل أقيم فيه تمثالا للوداد والإخاء وأدعو إليه كل بشر تحت ~~السماء # فيه أحيي اليوم أنفس المستقبل ومستقبل الأنفس العظيمة # وحياتي لا تزري بحياة الخنافس والدبابات؛ لأن الناموس الذي يحركها تحت ~~الكلاء يحرك النجوم في حبكها والسيارات في بروجها ~~••• # إن الأريج المنتشر من هذه الأدغال هو البخور الذي يحرقه الربيع على مذبح ~~الحياة والإيمان # هو أريج الزعرور والقندول المختبئة أشواكهما الآن تحت نقاب جميل من ~~الأزاهر الصفراء والبيضاء # بين هذه الأدغال الشذية وتحت شعاع ابتسامة الأشواك يلذ لي التأمل في من ~~مات ليحيي الحب والوداعة في الناس # بين هذه الأشواك تحملني تصوراتي إلى حيث وضع الأكليل على رأس رأس ~~الشهداء # على أن الزمان لم يبق منه سوى الأزهار التي تنور كل عام في قلوب ~~الأتقياء مثلما ينور القندول والزعرور في الغابات # باسمك أيتها النفس الإلهية أصنع لإيماني إكليلا من أزاهر الزعرور لا من ~~أشواكه # باسمك أشيد لحبي هيكلا من خشب السنديان وأزينه بالصنوبر والنيلوفر ~~وبأقمار البيلسان # وإلى أتباع الذي صلب وبني الذين صلبوا أقول: تعالوا نسبحه أجمعين في ~~وادي المسرة لا في وادي الدموع، تعالوا نتصافح تحت السماء، حيث لا حاجز ~~يحول دون الحب ولا ما يحول دون الإخاء. ~~(9) إنا غريبان ههنا أو جمعة الآلام # كلمة همسها النسيم في رعاة الجليل فسمعتها الدهور ورددتها ~~الأجيال # كلمة من أغصان الزيتون في أورشليم زلزلت العروش وأسمعت ملوك الأرض صوت ذي ~~الجلال # كلمة زرعتها دموع المرأة تحت الصليب، فنورت في السماء وكان ms254 فيها مسك ختام ~~النحيب # هي كلمة الربيع في كل عام، بل نشيد الأطيار على الدوام، بل أغنية الأزاهر ~~في الحقول والآكام # وإن أنفس الناس النبيلة، لتتجسد في مظاهر الربيع الجليلة # إن في كل نفحة من نفحات الربيع روح بشر عظيم وديع # إن العلم في هذه الأيام يحتفل بفوز أمراء الحرب وملوك السلام # وإن إكليل الشوك لأعظم من تيجان القياصرة، وكأس المر لأطيب من ~~خمرة الأكاسرة، وقد يدرك هذا الإنسان، فيظل من عبيد الزمان بل من أسراء ~~الغرور والبهتان ~~••• # جئت الكنيسة لأردد اليوم مع الناس، ذكر أمير الناس، بل ذكر الحقيقة التي ~~يعز نصرها بالعذاب، وتحلو بمر الشراب # دخلت الكنيسة وفي نفسي من أحد النخل والزيتون ما لا ينسيني إياه يوم ~~الجمعة الأليم # بل في نفسي من السرور والابتهاج ما لا يضاهيه فرح الناس في العيد ~~العظيم # إن في هذا اليوم يجتمع القمر والشمس، فيشرق الغد على المستقبل، ويشرق على ~~الحاضر الأمس # في مثل هذا اليوم ولد على الصليب الكريم روح بشر صميم # إنه ليوم حبور أيها الأتقياء، لا يوم حزن وبكاء، بل لبس ورياء ~~••• # وإنما نحن في جنازة المسيح، وهذا وربي تجديف قبيح # إن وراء ذاك الستار الأسود الصليب، وأمامه الآباء ووجه كل قطوب ~~كئيب # هم يجنزون من لا يعرفون، بل يدمدمون وينعبون، والناس إليهم شاخصون # ويلاه، أأنا الوحيد الذي لا يرى ما يراه الآباء، ولا يشعر بما يشعر به ~~هؤلاء الأتقياء # ها قد مشى في الجنازة المدمدمون، وهم في الكنيسة يطوفون # وهذا الصليب، وقد تصاعد وراءه النحيب، وأمامه البخور والطيب # وصل الموكب إلي، فما جثوت على ركبتي # سرحت في الناس نظري فرأيتهم كلهم ساجدين، ورأيت بمقرب مني رجلا آخر من ~~الواقفين # فقرأت في وجه هذا الغريب، ما خالج قلبي الكئيب، وصرخت ساكتا: إلهنا، إنا ~~غريبان ها هنا # ثم كلمت الغريب فقلت: ولم الجناز، ومن صلب قد فاز # ولم هذه الصلوات المبكية، وقد أشرقت على الأرض ابتسامة إلهية، فمال ~~بالنظر إلي، ولم يجبني بشيء ~~••• # ها قد دفنوا الصليب تحت الزهور، ms255 وانجلت غيوم البخور # وطفئت الشموع، وكفكف المدمدمون الدموع # خرجنا من الكنيسة أنا والغريب، ونفسي تناجي ذاك الحبيب # فسرنا معا إلى بستان من الزيتون خارج المدينة # وجلست تحت شجرة هناك فجلس الغريب إلى جانبي # نظرت إليه ونظر إلي، وقد استولى علينا السكون والعي # فكأننا حبيبان، فرق بينهما العرفان، فجمعهما الحب والحنان # وفي مثل هذه الساعة تفسح اللحاظ، عما تعجز دونه الألفاظ، على أنني حرت في ~~أمره العجيب وقلت في نفسي: من يا ترى الغريب؟ وما كاد يخطر ذاك في البال، ~~حتى وقف أمامي كالخيال # فعرفت الطيف في الحال، وقد أنكرته في شكل الرجال # وناديته مدهوشا: أخي، رفيقي، سيدي! هذا فؤادي ها يدي # نفحة من جنانك كلمة لإخوانك # أسمعت خدامك ينعبون؟ # ألتمثالك الناس يسجدون، وهم عنك بعيدون؟ # سيدي دعني ألقي على كتفك رأسي، فيذوب ثلج فتوري ويأسي، أقربني من ~~فؤادك؛ لأتزود من الحب الذي لا يعرفه أحد من عبادك، سيدي اسقني من الحرية ~~والحق والإخاء ما لا يشوبه الخوف والرياء ~~••• # وبين أنا أكلمه في البستان، طل البدر من شرفة لبنان # فتركني ذو الجلال، مكانه كالخيال، وذاب في القمر فوق الجبال. ~~(10) عشية رأس السنة # قم أيها الناعس المتقاعس، قم أيها البائس من الحياة # قم أيها العالم الفاتر الشعور القليل الاكتراث # قم أيها البخيل النائم على الصكوك الأوراق والكواغد # قم أيها المقامر العبوس المكتئب، وقم أنت أيها المسرور المحبور ~~المبتهج # قم أيها الساخر بأفراح الشعب البسيط # انهضوا كلكم واخرجوا معي إلى أسواق المدينة هذه الليلة # انهضوا من رقادكم، اخرجوا من سجونكم، أطلقوا النفس من قيودها # أحيطوا بهذا الجسم النحيل، أعطوني أياديكم ولا تخافوا # تعالوا معي ولا تأسفوا على شيء فات أو مضى # اسمعوا اسمعوا، إن الأبواق تناديكم بأصواتها والأجراس تستقبلكم بألحانها، ~~والليل يبتسم ابتساما لخروجكم ~~••• # نعم نحن في منتصف الليل # ولكن شمس تموز في رائعة النهار لا تنير الأرض كما أنارت المدينة ليلتها ~~هذه # أزاهر أيار كلها لا تبهج النفس وتفرجها كأزاهر هذه الأنوار # كيف لا، ومن أصوات السرور في الليل ينور الأثير في ms256 الفضاء وتزهر جنان ~~الجوزاء؟ # تعالوا وإياي إلى أكبر شارع وأجمل جادة أريكم هناك جمعا عجيبا من ~~البائسين والبائسات، يموجون كالبحر الهائج، ويهتفون هتافا عظيما ~~جميلا # وما هذا الشعب بشعب ثائر، بل هو محبور فاز بالحياة ساعة بعد أن عاش في ~~حياض الموت خلال العام المنصرم # إلي لنرى أحقر الأكواخ وأظلم المضايق وأقذر أزقة المدينة، أريكم ~~هناك أغنى الناس وأكيسهم، أرفعهم وأشرفهم # قد جاءوا هذه الليلة ليآسوا الفقراء ويعزوهم جاءوا ليتفقدوا شئون ~~البؤساء # ولكنهم قصدوا الأكواخ والمضايق والأزقة فوجدوها خالية خاوية # في هذه الليلة يخرج الغني من قصره، والفقير من كوخه، والبائس من سجنه، ~~والعبد من قيوده، في هذه الليلة يتحرر الإنسان ~~••• # إليكم أيها الساخرون بأفراح الشعب البسيط # تعالوا معي إلى الملاهي فأريكم أنها مهجورة وإلى رداه الرقص فأريكم ~~أنها مظلمة، وإلى مجالس الأنس لتروا كيف هي فارغة وإلى بيوت الشعب ~~فتشاهدوها مزينة بأغصان النخل والشربين والأنوار الصينية المنوعة الألوان، ~~في هذه الليلة يتحرر الإنسان # يتحرر الإنسان ولو ساعة واحدة في رأس كل عام # ولو ساعة واحدة في السنة تتساوى أفراد الأمة وطبقاتها ويخرج البشر من ~~السجون التي بنتها البشر # تنطلق الرجال من القيود التي صنعتها الرجال # في هذه الليلة لا يذكر الإنسان شيئا سوى أنه حر سعيد محبور # ينسى الفقير كونه فقيرا وينسى الغني كونه غنيا وينسى الشريف كونه ~~شريفا وينسى البائس كونه بائسا، وينسى الفاعل كونه عبدا # إن فرح الناس في هذه الليلة لعظيم، تكاد المدينة تضيق على ما في قلوب ~~أولادها من السرور والابتهاج # نعم في مثل هذه الليلة يخرج الإنسان من كل ما بناه الإنسان وشيده، ~~الملاهي والحانات والمعابر ورداه الرقص، وبيوت اللذات كلها، كلها لا تشفي ~~له غليلا، كلها ضيقة مظلمة، كلها صغيرة واطئة # لا شيء هذه الساعة في العالم يستحق أن يقف الإنسان تحته متهللا ممجدا ~~إلا الفضاء غير المتناهي، إلا السماء الشهباء المرصعة بالنجوم المزينة ~~بالكواكب والأقمار # في هذه الليلة يخرج أولاد المدينة وبناتها ورجالها ونساؤها ليودعوا العام ~~المنقضي وليستقبلوا العام الجديد # يطوفون في ms257 الشوارع متهللين فرحين نافخين في المزامير والأبواق هاتفين ~~هتاف الصبيان في الأسواق، وهذا - ورب الناس - جميل ~~••• # هلموا إلي أيها الساخرون بأفراح الشعب البسيط # تعالوا فانظروا كيف يسير الغني بجانب الفقير في هذه الليلة، والشريف ~~بجانب الفاعل، والصالح بجانب الأثيم، والصاحي بجانب السكران، والكاهن بجانب ~~الجاحد # تعالوا وانظروا كيف العاهرات المومسات يمسسن بمناكبهن مناكب الطاهرات من ~~النساء والعذارى من البنات # وكلهم رجالا ونساء صبيانا وبناتا يهتفون هتافا واحدا، ويسيرون تحت ~~سماء الله أول ساعة من العام الجديد بين ألحان الأجراس وأصوات المزامير ~~والأبواق # بين صفوف طويلة من الأبنية الشاهقة المنورة المزينة بسعف النخل ~~وأغصان الصنوبر والشربين # يموج هذا الجمع موجا في الشوارع والأزقة # يموج والكتف إلى الكتف، وكلهم في الإنسانية إخوان وأخوات، لا يعرف ~~الواحد منهم الآخر # بل كل يعرف الجمع بأسره # لا ضغينة هذه الساعة ولا بغض ولا حسد # لا حقد هذه الليلة يكدر صفاء قلوب الناس # نعم يسير الشريف إزاء الفقير ولا يتقزز من رائحة ثيابه # يسير الصاحي قبالة السكران ولا يشمئز من رائحة فمه # يسير الجاحد والكاهن ولا أحد منهما يعفر خده ويشمخ بأنفه # يسير الصالح والأثيم معا مبتسمين # تسير العذراء قرب الزانية ضاحكة مستبشرة # والكل يهتفون هتافا واحدا ويفرحون فرحا واحدا ~~••• # رحماكم أيها الساخرون بفرح الشعب العام # عودوا وإياي إلى زمان الصبا والطهارة # إن بين هذا الشعب المزدحم ولدا سوريا غريب السحنة نحيل الجسم أسمر ~~اللون مفلطح الرأس طويل الأرنبة غليظ الشفتين # يفتح بمنكبيه طريقه ويتقدم مع رفاقه الأولاد الأعاجم هاتفا هتافهم، ~~نافخا مثلهم في البوق، مرددا أغانيهم ونكاتهم قاسما أيمانهم لاعنا - في ~~الأحايين - لعناتهم ~~••• # من لا يأسف على زمان الفتوة وأيام اللهو والسرور الطاهر؟ # من لا يقول هذا القول المبتذل ويردد مرارا في أيام الكهولة هذا الكلام ~~المطروق؟ # ويلاه أمن اليوم أندب الصبوة، أتخدعنا السنون نحن شبان هذا العصر، ~~أتسقينا كأسا واحدة وتتقاضانا ثمن خمسين ومائة # أتكسر إلهة الشباب الكأس بعد أن ترينا إياها # أقسم بالله أيها القارئ، إن الساعات التي قضيتها في تلك الليالي ~~لألذ ms258 وأجمل ساعات شبابي # بل هي ألذ ساعات قضيتها حتى اليوم. ساعات سرور بسيط طاهر ~~صبياني # ولكن الساقي كسر الكأس وحطمها # أواه، سحق الساقي الكأس وسقاني مسحوقها # وإن طعم هذا المر ليذكرني اليوم بتلك الكأس الواحدة العذبة # يذكرني اليوم بتلك الليالي فأضحك عندما أتأمل فيما كنا نقوله ونفعله أنا ~~ورفاقي الأعاجم # إي والله، حتى إني لم أزل أذكر أسماء بعضهم من صبيان وبنات # أذكر كيف كنا نخرج فنودع العام المنقضي ونستقبل العام الجديد # وكيف كنا نقف على منعطف الشارع كل مع حبيبه ونعد الوعود ونعقد ~~العهود # رحم الله الأحباء وودادهم، رحم الله الحبيبات وعهودهن # والآن، ولا سمير للروح سوى الطبيعة، ولا رفيق غير الكتاب وبعض الأحرار ~~الصالحين تهواهم الأذن وتتشوق إلى رؤياهم العين # غير أن المناجاة تغني في الأحايين عن المصافحة # ويا ما أحيلى من نتعشقهم عن بعد قانعين صابرين. # | الباب الثالث # | نور الأندلس # 1 # من حسنات الحياة زيارة الأندلس، ومن الكفارات عن ذنوب الناطق بالضاد الحج إلى ~~الحمراء، التي قال فيها الشاعر: # تمد لها الجوزاء كف مصافح # ويدنو لها بدر السماء مناجيا # ومن حظي أني كنت من الحاجين، زرت تلك البلاد المباركة في موسم ظننته - أولا - ~~موسم الأعياد، ولكني بعد أن طفت في شوارع سفيليا (إشبيليا العرب) وتنشقت هواء برها، ~~وشممت نفح طيبها، وسمعت حمارها وفلاحها وشريفها يتغنون ب «أندلثيا» - وهم يلفظون ~~السين ثاء - ويناجون ربة السرور جودهم ليل نهار، بعيونهم وبأرواحهم الخفيفة ساعة ~~الأشغال، وبالعود والقانون ساعة اللهو والطرب؛ علمت أن عام تلك البلاد موسم، ~~ومواسمها أعوام يتلو الواحد الآخر دون انقطاع. # فالأندلس بلاد الرقص والقمار، بلاد الكنائس أيضا وحرب الثيران. إنما هي قطب ~~السرور في فلك الإسبان بل هي في نظر الأندلسيين بلاد الله وحدها، لا شريك لها في ذا ~~الشرف الفريد، وقد قال أحد ظرفائها: «خلق الله العالم في ستة أيام ثم جلس في اليوم ~~السابع في الأندلس ليستريح.» # على أن الزائر لا يرى حتى للخالق تعالى فرصة للسكون أو مجالا للارتياح، فالكنائس ~~مثل القهاوي والمسارح وبيوت ms259 الميسر كلها أبدا مفتوحة، تمثل فيها الحركة الدائمة، ~~والناس قائمون قاعدون يودعون عيدا ويستقبلون آخر، ومن غريب الأمور ولطيفها أن ~~حيث تكثر الأعياد تقل الصلاة، فالأندلسيون قلما يصلون رغم مواكبهم الدينية العظيمة ~~وموسيقى كنائسهم الرهيبة الفخيمة، وقد يحول ذا الجمال الظاهر في الاحتفالات، دون ~~الصلوات، ولكن هذا بحث آخر ما لنا وله الآن، إلا أني أقول قد يستغني المرء ~~أحيانا في الحركة عن البركة؛ إذ لا وقت لمن عيده دائم أن يحاسب نفسه، أو ~~يحسد جاره، ولا وقت يضيعه بالتذمر والشكوى. # والذي يخيل لي أن الله بعد أن جلس في الأندلس يستريح باركها ثم هجرها، وأبناء ~~البلاد حتى الآن يعيدون كتلاميذ المدرسة عند تغيب المعلم، وما أجمل ما فاح من تلك ~~البركة، وما تجلى وما تجسد في تلك البقعة من الأرض، ففي سمائها وفي شمسها عرش للعيد ~~وهاج، وفي بساتينها وفي مروجها حلة للعيد لا تبلى، وفي هوائها جرثومة سحر تدخل ~~قلبك فتشرع ترقص فيه حتى تستهويك وتستغويك فتخف الروح منك إلى نقطة الدائرة في ~~مدينة الطرب والسرور، بل تستوقفك بهجا، دهشا، نشوانا، فتسترسل مثل ابن البلاد، ~~إلى كل من رقص وكل من شاد. وتسير معهم من عيد صغير إلى عيد كبير إلى عيد أكبر إلى ~~عيد الأعياد في الربيع. ولكنك إذا جئت الأندلس من لندرة مثلا لا من مصر، تتعب من ~~الأعياد وتملها وهم لا يتعبون ولا يملون. # ثلاثة أبواب ينبغي أن تظل مفتوحة في وجه الأندلسي: باب القهوة، وباب ال «كاسينو» ~~وباب الكنيسة، فهو إذا خسر في المقامرة يؤم الكنيسة أو القهوة حسب ذوقه وإلهامه، ~~ليغير من حظه، ولم أر ما سوى ذلك في تلك البلاد للهرب من الأعياد؛ بابا مفتوحا. ~~إلا إذا لجأ السئوم إلى الجبال، أو طفق يركض جنوبا حتى قادش أو مالقة فيعتصم هناك ~~بالبحر، أو لبس قبع الخفاء الذي يجده في خزانة الغابر من الزمان، فإن فيه باب فرج ~~للمتفرج الغريب. أجل إن في قلب الأندلس ملجأ قلما يلجأ الأندلسيون إليه، هناك ~~مقام لا ms260 تسمع فيه ضجة العيد، ولا تصل إليه أصداء الأغاريد. # مقام بل مقامات هي أجمل ما في الأندلس أثرا وذكرا، وقد كان لها من السرور ~~أيام زاهرة، ومن الطرب ليال باهرة عاطرة، ومن المجد أعلام وقباب، ومعاهد وأنصاب، ما ~~تبقى منها اليوم غير قصور متهدمة نبتت في جدرانها الأعشاب، ونظم العنكبوت مرثاته ~~فوق النوافذ منها والأبواب. وجلس في عروشها العالية السكون، ودفن في جناتها ~~المهجورة الشعر والأدب والفنون. وإنك لتسمع؛ لسكونها المهيب وخلوها من الأنس الرهيب ~~همس الشمس وهي تتمشى في عرصاتها ووقع نقط الندى من أغصان الليمون والرمان، على ~~ورق الورد والبيلسان. # طلول كانت بالأمس معاهد وقصورا، وقصور كانت يوما دائرة المجد، وقطب الحبور، في ~~قناطرها وقبابها وأبوابها صناعة دقيقة نادرة، وفي كل رسم من رسومها آية جمال تدهش ~~اليوم أرباب الفن، وفي كل بيت من الشعر على جدرانها درة من المعنى، أو زهرة من ~~التقوى منقوشة في بلاط منقطع النظير لونا وتذهيبا. # وصنائع الزليج في حيطانها # والأرض مثل بدائع الديباج # هذي آثار العرب وقد أمست عروشا لربة النسيان، ومدفنا لمجد الزمان، وظلالا تجلب ~~الأحزان، وعبرة بليغة للإنسان، وهي، وإن كانت كذلك، بهجة للناظرين، ومصدر وحي ~~لأرباب الفنون والمتفننين، ولكن الذكرى، فيا لله من ذكرى تقبض على النفس فتجعلها ~~كالجماد، لله من آثار تبتهج لمرآها العين فيذوب لمعناها الفؤاد، لله من بلد تغنت ~~بمكارمه كل بلاد، لله من عزك يا بن أمية، ومن مجدك يا بن عباد، أي عبد الرحمن ~~والمنصور والمعتمد، من شادوا معاهد العلم والدين. لقد طالما اهتزت النفس لذكر ~~مآثركم وطالما وقفت العين شغفا عند أسمائكم في التاريخ. ولقد طالما تاقت النفس مني ~~والعين إلى مشاهدة ما تبقى من تلك الآثار المجيدة، وها قد استجيبت طلبتي وتحقق ~~أكبر آمالي، فقد وطأت أرضا عطرتها شمائل العرب، وجلت بلادا عمرتها همم العرب، ~~ووقفت أمام عروش هدمتها عصبية العرب. # سررت أني فزت بمهرب من العيد، فرحت كالهائم أنشد تحف النسيان، بل مخبئات الزمان، ~~وما البادي من أثر غير غلاف لكنز ms261 مكنون، يستخرجه العلم، وتجلوه الفنون، فمن قصر إلى ~~برج، ومن برج إلى طلل، ومن طلل إلى متحف، سرت كالهائم الولهان، نسيت العيد في ~~القريب البعيد من الماضي المجيد. فمن ال «هرلدا» أي: المئذنة التي شادها المهندس ~~جابر للخليفة يوسف بن يعقوب، إلى برج الذهب الذي شاده ابن العلاء على ضفة وادي ~~الكبير، ومن البرج إلى القصر الذي لم يزل فيه زاوية عامرة يقيم فيها ملك الإسبان ~~عندما يؤم إشبيلية. # ومن القصر إلى المتحف، وفيه من آثار الفنون والعلم ما يدهش حتى أربابها، هذه ~~أبواب خلاص من الأعياد ... ولكن الفرح بالخلاص لا يلبث أن يزول، فيحل محله كآبة شديدة ~~الوقع تكاد تشابه حزن الحبيب في فراق الحبيب، وفي مشاهدة الطلول والآثار يسترسل ~~المرء الرقيق الشعور إلى مثل هذه العواصف، وقد كمن فيها شبه سرور لا يصانع فيه، ~~ومتى تكاثرت الأحزان واشتدت يقام لها عيد في القلب، فيضحك صاحبها وهو يبكي، ويردد ~~الألحان وهو ينوح. # وقفت في تلك المئذنة القائمة إلى جانب كاتدرائية إشبيليا وهي أعظم كنيسة في ~~أوروبا خلا كنيسة القديس بطرس في رومية فانكشفت تحت عيني مدينة هي شرقية بل غربية ~~في سطوحها البيضاء، وجاداتها العوجاء، وعرصاتها الخضراء، ومصاطبها الحافلة بالفل ~~والقرنفل والمردكوش، وأهلها السائرون في الأسواق كأن لا شغل لهم غير شم النسيم ~~وقطف الزهور، فتراءى لي العيد ثانية كأنه يقول، لا مهرب لك مني وأنت في هذه ~~البلاد، فحولت نظري إلى القصر وبستانه الفسيح الجميل، ثم إلى البرج على ضفة نهر ~~الكبير، فساح بي الفكر إلى الشام، إلى الكوفة، إلى الحجاز، إلى الحرمين، جالت بي ~~الأحلام فأدنتني من مجد العرب الغابر بل مثلته حيا أمامي. # عرب الأندلس، عرب الشام، عرب بغداد، عرب الهند، أيعرف بعضهم بعضا اليوم إذا ~~اجتمعوا في نجد مثلا أو في الحجاز؟ وأي صلة تصل بين بني عباد في أوج مجدهم وبني ~~أمية، وبين بني العباس، وبين ببر المغول، بل أي صلة تصلهم كلهم بعرب الجزيرة؟ وأية ~~من تلك الدول العظيمة الهائلة يدرك سرها اليوم ms262 في اليمن مثلا، وتحترم شارتها، ~~ويؤمل بتجديد عزها؟ أليس للعرب ما يظهر من الفكر نيرا إلا إذا احتك بأفكار بعيدة ~~غريبة؟ أولا يثمر النبوغ العربي إلا إذا لقح بنبوغ أجبني؟ هل الفضل أو جله ~~ببغداد للبرامكة، وبالشام وبيزنطة للرومان، وبالأندلس للفرنجة، وبسمرقند للعجم، ~~وبكشمير للهنود؟ فما السبب إذا في مجد شاده أولئك العرب الأماجد خارج الجزيرة؟ وما ~~السبب في قصر عهده واضمحلاله؟ # 2 # زرت الأندلس حاجا، لا باحثا منقبا، وعدت منها وفي نفسي بهجة من شاهد ~~أجمل ما في الآثار، وحدث أفضل من في الديار، ولا فخر في ما أقول، إنما هي الصدف ~~إن شئت أن تدعوها كذلك، أو الجواذب النفسية إن كنت تعتقد بغير الجاذب الكائن في ~~الأثير. وهاك القصة. # بعد أن شاهدت ما في إشبيليا من الآثار العربية والإفرنجية أيضا، وأصبحت في محشر ~~من الأعياد، قلت في نفسي: الهرب رأس الحكمة. فسافرت إلى غرناطة، قاعدة الدنيا في ~~ذلك الزمان، وحاضرة السلطان، وقبة العدل والإحسان، وأقمت في القصبة الحمراء ~~أسبوعا وددت لو كان أشهرا، وكان قصدي أن أقيم ثلاثة أسابيع، لولا دف العيد ~~وزمره. # فقد صدف أن زيارتي كانت في الربيع ولم يكن أهل غرناطة ليقيموا بعد مهرجان أيار، ~~عيد الأندلس العظيم، وهو شبيه بعيد النيروز عند العجم والعرب، وقد يكون أخذ عنهم، ~~وكنت شاهدت في إشبيليا فاتحة ذا المهرجان الذي يدوم شهرا كاملا، وهربت منه كما ~~قلت، ولكن الويل للهاربين، فها إنه لحقني بخيله ورجله، بخيامه ونوباته ومشعوذيه، ~~بأعلامه وراقصاته وأغانيه، وما كنت من النادمين أنتفع بالتجارب المكربة فأسد بالقطن ~~إذني وأعتصم بالقصبة، بل هربت ثانية، تركت الحمراء وقصورها، وحيطانها الحافلة بجيد ~~الشعر في مدح ملوكها، وذكر مجالسها، ووصف جناتها وبركاتها: # أعجب شيء حادث أو قديم # مربض الأسد ببيت النعيم # وسافرت إلى قرطبة، مسقط رأس ابن رشد أبي الولد، لأشاهد فيها الجامع الكبير، الذي ~~شيد في عهد عبد الرحمن الأول مسجدا صغيرا، فنشأ والدولة نشوءا طبيعيا؛ إذ أضاف ~~إليه خلفاء عبد الرحمن الأربعة أقساما كبيرة، زادت بفخامته وجماله، ms263 وهو اليوم ~~كنيسة قائمة على عمد الجامع القديم، التي تتجاوز الألف عدا. # وصلت إلى قرطبة مساء، وأنا أحمد الله على خلاصي من المهرجان، لكني ما كدت أنزل ~~من عربة السكة إلا ورب العيد والأغاريد، والكابوس العنيد ... لا، لا، هي أصداء من ~~غرناطة لم تزل ترن في أذني. دخلت المدينة مستعوذا مستسلما، فإذا بالأصداء وقد ~~تعاظمت، وبالأصوات وقد تضاعفت وتعددت وتجددت وترددت، لها غنات ولها هدير، غريبة ~~الألحان والأغاني والضوضاء. وقد ملأت الفضاء وحيرت حتى السماء، فلا زئير الأسد وقد ~~خالطها صفير البلابل يشابهها، ولا نهيق الحمير بين صياح الديوك وعجيج الثيران، ولا ~~صدى المدافع وقد تخللها نعيق البوم وعواء الثعالب ، ولا الأبواب وقد نفخت فيها ~~القرود، ولا الدفوف في أيدي الجنود السود، بل كلها اجتمعت في قرطبة ضجيجا، وتصاعدت ~~عجيجا، كأنها ألحان من الجحيم، أصيبت بمغص أليم، سددت أذني مستغفرا الله ~~مسترحما، فإذا بصوت يهمس فيها: يا هارب، يا جبان، هي نوبات المهرجان. ~~«عيد بأية حال عدت يا عيد» ... ألا مهرب منك في بلاد الأندلس؟ ألا ملجأ للغريب فيها ~~من نعيمك وخمرك، وطبلك وزمرك؟ وقد زاد في الطين بلة أن المنازل والفنادق بسبب هذا ~~العيد المبارك، كانت كلها ملآنة، لا غرفة، ولا فرشة، ولا مسند فيها، لا لغريب ولا ~~لنسيب. # فبعد أن جلنا المدينة كلها أو ما تلألأ بالأنوار منها وأجرة العربة تصعد كالزئبق ~~في تموز، والدليل ترجماني يحرك يديه، ويهز كتفيه، شاكيا آسفا، بل خجلا من ضيق ~~بلده في وجه الزائر الكريم، وقفنا عند بوابة كبيرة إلى جانبها مصباح صغير ضئيل، ~~فترجل الدليل وقال كمن أنزل عليه الوحي: «انزل يا (سنيور) انزل، سآخذك إلى بيت عمي ~~وهو بيت يليق بك.» # فنزلت والحقيبة بيدي، وكذلك قلبي، فمشيت وراءه وكان المصباح عند الباب آخر عهدي ~~آنئذ بالنور، مشينا في زقاق ضيق، لا يمكن أن يقع السائر فيه لقرب حيطيه الواحد من ~~الآخر - إلا إذا وقع على وجهه أو ظهره - ومنه إلى ساحة من عليها ببعض النور ~~مصباح في شباك مفتوح، فتنفست ms264 الصعداء، ولكننا لم ندخل الساحة إلا لنخرج منها إلى ~~شبه جادة فيها شبه قنديل ظننته لبعده بصيص الحباحب ولم نصل إليه لأتحقق ظني، بل ~~سرنا يمينا ثم شمالا إلى زقاق آخر مظلم، وقف الدليل فيه وهلة وقال: أعطني يدك، ~~فأنزلني درجا درجاته مثل دكات لبنان متهدمة، وهو يقول: لا تخف وصلنا، وأنا أقول في ~~نفسي: إنه رأي غريب، في ما يليق بالغريب، أيقيم عمه تحت الأرض يا ترى؟ # نزلنا الدرج دون حادث يستوجب عناية طبيب، فانبسطت أمامنا طريق شع فيها ما كنا ~~نسيناه من حقيقة النور، فمشينا توا مسرعين، فإذا هناك مصباح لا ريب فيه فوق باب ~~مفتوح، دخلناه كأنه باب الجنة، وسرنا في فناء الدار، وهي عامرة بالأنوار، وفيها ~~أقفاص تغرد فيها الطيور، ومستنبتات نورت فيها أنواع الزهور، ولكن الدار خالية من ~~الأنس، وقد كان أهلها في المدينة يعيدون، ما سوى رب البيت، وهو شيخ جليل، جاء يتأهل ~~بالغريب وبالدليل. # تكلم الدليل فابتسم الشيخ نسيبه، وسار وهو يشير أن أتبعه، فأدخلني غرفة صغيرة، لا ~~نافذة فيها ولا شباك، إلا أن في بابها - وهو قبالة الحوض في الفناء - ثقوبا تؤذن ~~بتجديد الهواء، وصوت خرير الماء، وبعد المساومة - لا ضيافة في الأندلس اليوم - ~~سألني الشيخ عن أصلي، فقلت عربي، فهش وبش، ونادى نسيبه، وهو يشير إلى قلبه ويقول: ~~كلنا هنا عرب، إلا أنه تقاضاني أجرة الغرفة ثلاثة أضعاف إكراما للعيد، وقبض القيمة ~~سلفا إكراما - على ما أظن - للعرب. # وبعد حديث كان الترجمان صلته، علمت أن الشيخ ممن يعجبون جدا بعرب الأندلس، وإن ~~كان لا يعرف للضيافة معنى، ويعرف للمال ألف معنى، فهو في هذا مثل كل الإسبان بل ~~مثل أكثر الأوروبيين اليوم، وهو من القليلين في الأندلس الذين يفرقون بين العرب ~~والمغاربة، أو بين من جاء من بر الشام ومن جاء من إفريقية، فلا يقول: «مورو» إذا ~~أراد أن يقول: عربي، والعكس بالعكس، وهو يفضل الأمويين على سواهم، ويعجب بما كان ~~لقرطبة في عهدهم من الشهرة والمنزلة في العلوم والفنون. وقد ms265 أخبرني أيضا أن له ~~ولعا في درس الآثار، وبالأخص آثار قرطبة العربية، ودلني إلى بيوت في المدينة، لا ~~ذكر لها في كتاب الدليل حيث تشاهد فيها أمثال نادرة من البلاط الزليجي، أي المزجج ~~المذهب. # ولم يخطر في بال الشيخ - وكان قد أطلق للسان العنان - أن قد أكون تعبا، ~~نعسا، من السفر والضجر، فقد سر - ولا شك - بغريب الصدفة، فاسترسل في سروره، ~~ودعاني إلى ردهة الاستقبال ليريني فيها أثرا جميلا، أثرا مدهشا، وحقا أني ~~انتعشت حالا بما شاهدت، فتجددت في الرغبة بالسهر والحديث، كيف لا، والأثر ~~عربي، ذكرني بما قرأته مرة عن أحد الأولياء، وكان قد مر بالزهراء، قصر المنصور، ~~الذي : # نسي الصبيح مع الفصيح بذكره # وسما ففاق خورنقا وسديرا # فقال الولي: «يا دار فيك من كل دار، فجعل الله منك في كل دار»، ولم يكن بعد دعوته ~~إلا أيام يسيرة حتى «نهبت ذخائرها، وعم الخراب سائرها.» # وهاك أثر جميل من ذاك الخراب، في تلك الردهة الأوربية الفرش والبناء، على حيطانها ~~الأربعة، زنار من البلاط الزليجي منقوش فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ~~على نعمة الإسلام ...» وكذلك نتف من الشعر مفككة الألفاظ، مقطعة المعنى. # سألني الشيخ قراءتها وترجمتها، ففعلت طاقتي، فهز رأسه أن قال تمام، وسر جدا ثم ~~قال: وعندي أثر آخر يدهشك، وحمل القنديل الذي كان على الرف، وخرج من البيت يتقدمنا ~~إلى زقاق خارج الدار، وهناك، في حيط ظاهره قديم، حجر منقوش فيه «رشد» وقد كاد يمحو ~~تلك الأحرف الزمان، فقرأتها مدهوشا، فهز الشيخ رأسه وقال: لا شك عندي أن هذا بيت ~~آفروس - أي: ابن رشد - الذي كان يعلم الفلسفة في كلية قرطبة. # والأغلب أن بيت الفيلسوف - مثل سائر بيوت كبار المسلمين قديما - أصيب بما أصيبت ~~به قصور السلاطين، فتبعثرت حجارته، ورست في ذا الجدار بعضها، ولكني لم أحاول أن ~~أزعزع رأي سيدي الشيخ أو أفسد ظنا له فيه فخر وسرور، فقلت: وهل هذه الدار قديمة، ~~فقال: الغرفة التي تنام فيها هي أقدم ما في الدار بناء، وهذا ms266 الحائط من ~~حيطانها. # عدت إلى غرفتي وأنا لا أدري أني درت مع الشيخ حولها، فدخلتها والدهشة تملك نفسي، ~~والهواجس تتجاذب الفكر مني والخيال، نعم، إن ما شاهدته لتافه جدا بالنسبة إلى ~~الفخامة والعظمة في قصور إشبيليا وغرناطة، ولكن العين لا ترى ما تراه النفس، وقلما ~~تحسب للرؤيا حسابا، إن حجرا منقوشة فيه ثلاثة أحرف عربية لشبه نافذة في غرفة ~~صغيرة أرتني بل قربت مني ذلك العهد القديم المجيد. # وما المانع أن يكون هذا البيت بيت ابن رشد؟ أو هو - على الأقل - في الحي الذي ~~أقام فيه، بل في مركز بيته الأصلي بالذات، وما المانع أن تكون هذه الغرفة - ~~وهندستها عربية - غرفة ابن رشد الخصوصية؟ أصغاث أحلام. قد يكون الحجر من حجارة ~~قبر ابن رشد، فالإفرنجة هدموا وبعثروا حتى قبور المسلمين! اعترتني الرعشة من ذي ~~الذكرى، فاستعذت منها بغيرها، قد يكون هذا الأثر من الكلية التي كان يعلم فيها، ~~حسن، وقد يكون من نصب أقيم له بعد موته، هذا أحسن، وإن كان لا يثبته ~~التاريخ. # في كل حال وجدت نفسي تلك الليلة في دار لم تزل الروح العربية حية فيها، تلك ~~الروح الخالدة في الشعر وفي العلم وفي الفنون، تلك الروح الحافلة بمصابيح من النور ~~كابن رشد، والإدريسي، وابن العوام أبي ذكريا، والخلف أبي القاسم، وابن زيدون، وابن ~~الخطيب، وأصحاب الموشحات وغيرهم من نوابغ الأندلس. # وها إن آثارهم أمست في كل دار من دور أعدائهم الفرنجة، وهم أو أبناؤهم اليوم من ~~أشد المعجبين بهم. ففي قلب الأندلس روح العرب خالدة، ولكن ملكا شيدوه أمسى أثرا ~~من الآثار، ومجدا أقاموه استحال طللا من الأطلال، ومعاهد علم أسسوها لم يبق منها ~~حجر على حجر، إلا ما استقر، بعد انفجار بركان التعصب، في حائط جديد، أو في بيت ~~حقير مجهول. # فما السبب يا ترى في سقوط ذلك الملك الذي شعت أنواره في ظلمات أوروبا ~~كنجوم البادية في الدجى؟ وما السبب في اضمحلال أركانه وأصوله؟ ما السبب في زوال ~~مجده، وفي قصر أمله وعهده؟ # أقفلت ms267 الباب ونزعت ثيابي وأنا هدف لمثل ذي السؤالات ثم أطفأت الشمعة وسرت إلى ~~السرير هائج النفس، أعللها بالنوم، ولكني توسدت الأرق، وأنا أسمع خرير الماء في ~~فناء الدار، وأرى منعكسا على الحائط نقطا من النور الذي دخل مكسرا من ثقوب ~~الباب. وما هي إلا هنيهة حتى بدأت تلك النقط تمتد فاتصل بعضها ببعض وأصبحت كالدائرة ~~وهي ترتج وتتحرك على الحائط، نهضت من السرير لأرى ما في الدار، أو من فيها، فتحت ~~الباب وخرجت مستكشفا فإذا هناك مستنبتات الزهور والشاذروان والأقفاص والعصافير ~~فيها نائمة، ولا نور غير ما يشع من المصباح في الإيوان، عدت إلى غرفتي، وأنا أظن أن ~~ما بدا لي إنما هو وهم مني أو خدعة البصر كما يقال، فإذا بالنور، بعد أن أقفلت ~~الباب قد أحاط بالكرسي كالهالة واستحال دفعة واحدة شخصا هيوليا، بل رأيت جالسا ~~أمامي شيخا جليلا يشبه الشيخ صاحب البيت إلا أنه لابس جبة وعمامة. # ذعرت لأول وهلة وهممت بالخروج، فسارع مطمئنا وقال باللغة العربية: السلام عليكم، ~~فقلت: ورحمة الله وبركاته، أيتفضل سيدي الشيخ باسمه الكريم، فقال: ابن رشد يدعو لكم ~~بالخير وطول البقاء. ~~- أبو الوليد؟ ~~- أبو الوليد ابن رشد بعينه. ~~- ولم استحققت من فضلكم ذي الزيارة؟ ~~- فكرت يا ريحاني، وحرت، وسألت، فجئت أجلو فكرك، وأزيل حيرتك، وأجيب ~~سؤالك. ~~- غمرتني والله بفضلك. ~~- الفضل لذويه أرباب الفكر والرؤيا، ولست اليوم منهم. # قال ذلك وهو يهز برأسه كمن تهيجه فتؤلمه الذكرى. ~~- ولكن زيتك يا سيدي لم يزل يحرق في مصابيحهم. ~~- نعم في مصابيح الفرنجة، لا مصابيح العرب، والسبب في ذلك أن قد امتزج بزيتنا شيء ~~من الماء، كثير من الماء، ولم يحسن العرب تصفيته مثل الفرنجة، أجل، قد خالط علومنا ~~كثير من الخرافات والتقاليد والأوهام، نظرنا إلى العالم خلال ستار هو الإسلام، كان ~~شفافا باهرا في الأحايين كحالة قرطبة في عهد بعض الأمويين، فترائت لنا أشياء من ~~حقيقة الوجود والكون طلية بعضها، وبعضها غامضة أو مقطعة، فاستخدمنا منها ما ~~استطعنا، وأهملنا منها - كرها أحيانا وجهلا في الأحايين ms268 - ما خالف قواعد الدين، ~~لا يخدعنك ما تقرؤه في التاريخ عن تساهل الخلفاء في الأندلس وحلمهم، فإنهم - ما خلا ~~اثنين أو ثلاثة - آثروا الملك على العلم، والسيادة المطلقة على الحرية والعدل، وكان ~~أكثر العلماء والشعراء يأتمرون بأمرهم فيتزلفون إليهم، فجاء علمهم ناقصا بل مزيجا ~~من العلم والخرافة والخيال. # وكان الفيلسوف الحقيقي مكروها فجارى حينا، ودارى أحيانا؛ اتقاء سيادة مطلقة، ~~جائرة، عمياء، ولا شك أنك تعلم ما كان من إحراق الكتب في هذه المدينة في عهد ~~المنصور، ثم في عهد أولئك البرابرة المرابطين، حتى إن أحد قضاة قرطبة، ولا أشرف ~~بالذكر اسمه، أصدر فتواه بإحراق كتب الغزالي، وحرم قراءة (إحياء العلوم والدين) ~~مع أن الغزالي من أكبر المزاجين، هذه أحد الأسباب في سقوط الملك العربي في ~~الأندلس. # وهناك أسباب أخرى منها ما ذكره عرضا المؤرخون، فاذكر - رعاك الله - أن في ~~أوائل الفتح، أي: منذ دخول طارق إلى مجيء عبد الرحمن الأموي، كان الخليفة في الشام ~~يعين عامله على الأندلس حينا، وحينا يجيز لوالي إفريقية أن يعين من يريد من ~~رجاله. فكان العامل تارة من قبل الخليفة رأسا، وطورا من قبل واليه في إفريقية، ~~وطورا من قبل نفسه. # وهذا ما مكن في الطامعين بالملك روح القومية أو العصبية، وهي جرثومة خطل جاءت من ~~الشام، فنخرت في عرش السلطان فزعزعته ثم هدمته. فلا الدين، ولا اللغة، ولا الخطوب ~~السياسية، أزالت شيئا من العصبية أو لطفت في الأقل سورتها. وقد كنا في ذلك ~~الزمان نظن أن لا خير في العصبية التي لا تكون اللغة أو الدين ركنا من أركانها، لا ~~خير فيها لشعب ناهض، نشيط، طامع بالسيادة والاستيلاء، ولكننا نعلم اليوم أن الأديان ~~في الملك كالقبائل في البادية، تولد تلك الروح الخبيثة المحدودة النظر والغاية، تلك ~~الروح التي لا ترى في غير شئونها، وفي غير إيمانها، وفي غير عاداتها وتقاليدها، ~~وبكلمة، في غير دائرتها المحدودة الصغيرة؛ ما يستحق الذكر والاهتمام، بل ما يستحق ~~غير الازدراء والكره، والذم والاضطهاد. فلا خير في العصبية دينية كانت ms269 أو ~~جنسية. ~~- وهل يرى سيدي الأستاذ خيرا في عصبية كبرى تجمع بين عصبيات أكثر الناطقين ~~بالضاد مثلا؟ ~~- إذا كان ذلك ممكنا فهو غير مستحسن اليوم وغير مفيد بل قد يضر ضررا جسيما، ~~ففي ضخامة الملك العربي استبداد (قابل بين حكم الخلفاء الراشدين وبين بني العباس ~~مثلا أو بني أمية) وفي الاستبداد جهل، وفي الجهل حيف على العلم والعلماء؛ ذلك لأن ~~العرب بل المسلمين لم يزالوا في دائرة من الدين ضيقة، لا يخترق النور من الخارج أو ~~من الداخل حدودها الكثيفة. وأميرهم العالم العامل بعلمه لا يرضي العامة، وأميرهم ~~الجاهل لا يرضي الخاصة المفكرة، فلا يستطيع والحال هذه الحكم إلا بالقوة القاهرة، ~~والقوة القاهرة عيب وظلم قبيح في هذا الزمان. # قلت: وهل لعرب الجزيرة أمل بالترقي والتمدين؟ # فقال: لا أمل؛ ما زالت العصبية أساس أعمالهم السياسية والدينية، فالعصبية من أهم ~~الأسباب في سقوط العرب في الأندلس، وفي الشام، وفي العراق، وفي الهند، قد جاءوا هذه ~~البلاد مثلا ومعهم نزعاتهم اليمنية والمضرية، والعبسية والشامية، وما مر عشرون سنة ~~عليهم حتى اشتعلت الحرب بين قحطان ومضر وكانت أول حرب أهلية في الأندلس، وأخذت هذه ~~الروح - روح العصبية - تمتد بامتداد الملك، فكان ملكا واهيا متزعزعا، تفككت ~~أوصاله، واستقل بالحكم رجاله، فكان في «ألمرية» ملك، وفي «مرسيا» آخر، وفي غرناطة ~~سلطان، وآخر في «إشبيليا»، وهم يتقاطعون ويتطاحنون، فجاء يوسف بن تاشفين البربري ~~فاغتنم فرصة خلافهم ونزاعهم فساد. ثم اعترى قوم يوسف ما اعترى سلفاؤه فاستعان أهل ~~البلاد ببعضهم على بعض فتغلبوا عليهم وسادوا. وكذلك كان في دولة المغول في الهند، ~~فإن نزعاتهم القومية تغلبت عليهم فمهدت السبيل لتغلب أمراء الهند على ملكهم العظيم ~~القصير العهد. # وأطرق الشيخ عندئذ ثم قال: إن للعرب فضلا لا ينكر - وإن بالغ الناس بذكره - وقد ~~سمعتك تسائل نفسك سؤالات يشتم منها نكران هذا الفضل، أنت مصيب في قولك إن نبوغ ~~العرب قلما يثمر إلا إذا احتك بنبوغ أجنبي، ولكن هذا الاحتكاك لم يذهب بمزية النبوغ ~~العربية، بل أظهرها جلية، قوية، ms270 نيرة، مشعشعة، فاختفت في نورها الباهر مزية النبوغ ~~الأجنبي، اختفت ولا عجب إلى حين؛ لأن نور العرب شديد الاحتراق، جميل الأشعة، سريع ~~الانطفاء، ولكن الصبغة العربية أو مزية النبوغ الخاصة بالعرب إنما هي ثابتة في ~~الصناعات والفنون. # فإذا كان للرومان فضل في تدمر ولبيظنطية فضل في الشام، ولبني ساسان والبرامكة فضل ~~في بغداد، وللفرنجة فضل في قرطبة، وللهنود فضل في كابول، فذلك لأن النبوغ العربي ~~بعث ما دفن من علومهم وفنونهم، فأضاءها وأحياها، وأعاد إلى مدنياتهم مجدها، وقد ~~تجلبب جلبابا عربيا فخيما. وبكلمة أخرى: إن النبوغ العربي استولى في الماضي على ~~النبوغ الأجنبي فاستخدمه وانتفع به، وهو اليوم واقف بين قوات من النبوغ الأوروبي ~~عظيمة لا يستطيع الاستيلاء عليها. ~~- وهل يستطيع الانتفاع بها مع حفظ المزية العربية فيه؟ ~~- نعم، إذا كان العرب يدركون أسباب سقوطهم في الماضي فيتقونها، ~~ويجتنبونها. ~~- وهل لسيدي الشيخ أن يذكر غير ما ذكر من أسباب السقوط؟ ~~- قد أشرت إلى العصبية الدينية فأزيدك إيضاحا، واعلم - رعاك الله - أني أتكلم ~~الآن كمسلم، وإن كنا في العالم الخالد مجردين تماما من صبغات الأديان كلها، أتكلم ~~الآن كمسلم؛ لأني لم أزل أذكر القوم الذي كان الجسد منهم وأقام بينهم فترة من ~~الزمان، ولم أزل أنظر إلى تلك الذاتية - الذاتية الإسلامية، الذاتية الفانية - كمن ~~ينظر إلى خيال الحبيب في بحيرة الذكرى، على أني لو عدت اليوم إلى بلد الحبيب فلا ~~أظنني أكون من الراغبين به، الناظرين إليه بعين الإعجاب. # لا يدهشنك ما أقول؛ فإن الإسلام اليوم لم يزل كما كان يوم كنت أعلم الفلسفة في ~~كلية قرطبة إسلاما في الدين، وإسلاما في السياسة، وإسلاما في الاجتماع، وإن ~~النبي محمدا لأول من شاد العصبية العربية على هذه الأركان الثلاثة، فكان منها أن ~~الخليفة رفع صولجانه فوق الأرض ومده إلى السماوات، وفي تقليده السلطتين السياسية ~~والروحية أفسدت الواحدة وأسيء استخدام الأخرى. # وهذا الخلط في الأحكام، مثل الخلط في العلوم يبدو القبيح فيه أولا فينمو سريعا ~~فيفسد الصحيح، والغريب العجيب أنه لم يقم في ms271 الإسلام حتى الآن من أشار إشارة إلى أن ~~النبي محمدا لو سئل في ذا الخلط لما كان عنه اليوم راضيا. # قلت: وهل يرى فضيلة الشيخ في كنه الدين خلاصا للناس من صبغات الأديان وسيادات ~~الدنيا الدينية؟ # فقال: إن نظر الإنسان محدود، وكذلك نظر الأرواح. على أن أفقنا أوسع جدا من آفاق ~~الأحياء حتى الصالحين منهم المقربين، فالمسافة بين جرم وآخر عندنا كالفرسخ مثلا ~~عندكم، ويصح هذا القياس في المعنويات أيضا؛ لذلك أقول - إجابة سؤالك: إن كل ما ظهر ~~في العالم حتى اليوم من حقائق الدين والسياسة والاجتماع إنما هو خاضع لناموس ~~التحول والانقلاب، وإن شئت قل ناموس النشوء والارتقاء، وهذا الناموس صحيح قويم في ~~الطبيعيات وفي الاجتماعيات وفي الروحيات أيضا، صحيح قويم على قدر ما نرى الآن، وقد ~~يسلك بنو الأرض وكل حي فيها سبيله ألفا بل ألوفا من السنين فيصلون - إذ ذاك - ~~إلى حيث ينتهي سبيل النشوء، ويبتدئ سبيل آخر قد يكون أوسع منه وأطول. # وبكلمة أخرى: إن الله - سبحانه - لا يكشف لسكان الأرض من أسرار الوجود إلا ما كان ~~موافقا لحال الإنسان الروحية والمادية، وأن كشف الستار يكون بالنسبة إلى الرقي في ~~الحالين. وبكلمة أوضح: إنه تعالى مقيم الحدود وعالم بها، فلا يقدم لكم في الأرض من ~~حقائقه دفعة واحدة إلا ما تستطيعون هضمه واقتباسه، فلو علمتم مثلا ما قد يكون حال ~~البشر بعد ألف سنة لما كنتم بذا العلم راضين، سر أو أساء؛ لأنه إذا أنبئتم بسوء ~~المستقبل أسأتم إلى الحاضر في استرسالكم إلى الشهوات واللذات فتفسدون حسناته ~~الحقيقية على قلتها ففي كلتا الحالتين إذن لا تكون النتيجة حسنة ولا تكونون إذا ~~تبصرتم راضين، وحالنا نحن في عالم الأرواح شبيه نوعا بحالكم، إلا أن حدود الإدراك ~~عندنا أبعد جدا من حدودكم. # لذلك أقول إن ناموس النشوء والارتقاء اليوم أمامكم وحولكم وفوقكم وفيكم، فادرسوه ~~وافقهوه، وانتفعوا به، ولا تمددوا أيديكم إلى الستار، ستار الأسرار، إذا رأيتموه ~~يتحرك، بل كونوا متيقظين، متبصرين، راغبين بكل مظهر من مظاهر الحقيقة والوجود، ms272 ~~تائقين إليها، وانبذوا من ثمار البارح ما لا يليق بمائدة اليوم. والسلام ~~عليكم. # وما كاد ينهي كلامه حتى زال النور دفعة واحدة، إلا نقطا كانت تهتز فوق كرسي ~~فارغ، وقد انعكست على الحائط خلال الثقوب في الباب. # | تاريخ سوريا # في معجم ياقوت وجغرافية أسطرابون ودليل السياح شيء من تاريخ نهر الكلب وأشياء من ~~أساطيره المستغربة، وفي أثر مشهور هناك خلاصة تاريخ سوريا القديم والحديث، خطته يد ~~الزمان على فم المضيق الذي أذل ملوك الأرض وسمع صليل الرماح لجيوش مصر وبابل وآشور، ~~وهناك أيضا من آثار الطرق والأقنية الرومانية، ومن الكتابات الفينيقية والمسمارية ~~واللاتينية، ومن رسوم للملوك والآلهة منقوشة في الصخور ، ما يهم علماء الآثار فيجيئون من ~~أقاصي البلاد ليحلوا رموزها ويكشفوا أسرارها، وهي تلذ للسياح فيزورونها ويكبرونها ولا ~~يفهمون منها سوى ما يردده الترجمان والدليل. # أما كاتب هذه السطور وهو لبناني ابن اليوم فلا يهمه من أخبار الماضي وآثاره إلا ما ~~ينير منها ظلمات زماننا الحاضر، فقد زار نهر الكلب أول مرة ووقف عند آثاره وكتاباته ~~كسائر السياح دون أن يحل شيئا من رموزها غير ما يحله الكتاب والدليل، وأكثر السياح، ~~وكاتب هذه الأسطر كان يومئذ من الأكثرية، يتطلعون إلى الأطلال والأنصاب تطلع العين إلى ~~القمر، ولكنه كفر عن زيارته الأولى بزيارة ثانية فراقه من جميل الأزهار وطيب ~~النبات حول آثار النهر القديمة، ومن فصاحة المشهد الطبيعي فوقها؛ ما لا يستطيع قراءته ~~غير الشاعر ولا يحل رموزه غير الله. # وبالقرب من النهر شمالا قد شاهد وهو عائد إلى بيروت أثرا ينسي السوري كونها حمارا ~~أو عالما أو شاعرا أو أجيرا، أثرا حديثا يذكره بماضي بلاده البعيد وبماضيها ~~القريب، ولا فرق يذكر بين الاثنين، أجل، إن في ذا الأثر تاريخ سوريا القديم والحديث، ~~سوريا سبية الأمم، سوريا أمة الشرق والغرب، سوريا نهب الملوك الفاتحين، سوريا حاملة نير ~~الأجانب والغرباء. لقد كتب شلمنصر سفرا من تاريخك ما بقي منه غير أثر طمسه الزمان، ثم ~~جاء رعمسيس وأوريليوس وأنطونيوس وبلدوين وسليم الفاتح فكتبت ms273 سيوف جيوشهم أسفارا، ولم ~~يبق منها غير ما يهم الأثريين والسياح. # سوريا، أمي! أيكتب تاريخك بسنابك الخيل وبرماح الفرسان، فيمحي جيش اليوم ما خطه جيش ~~الأمس، ويمزق جيش الغد ما سطره جيش اليوم؟ # بالقرب من فم النهر شمالا، في صفيحة نقش عليها، فوق ما نقشه الآشوريون والمصريون ~~والرومان، ذكر الحملة الإفرنسية التي دخلت بلادنا في سنة 1860 يقرأ الزائر تلك الآثار ~~خلاصة تاريخ سوريا القديم والحديث، فمن نبوكدنصر إلى مرقص أوريليوس إلى السلطان سليم ~~إلى نبوليون الثالث # 1 # فصول طوال، اختصرتها جيوش مصر وآشور، وسودتها جيوش الترك، وعلقت عليها جيوش ~~الفرنسيس حاشية صغيرة مهمة، سوريا سبية الأمم متى تعتقين؟ سوريا أمة الشرق والغرب ~~متى تنهضين؟ # سوريا، أمي! متى يكتب أبناؤك أول صفحة من تاريخك الجديد؟ # | الأشجار الناطقة # في أحراج كاليفرنيا من ولايات أميركا المتحدة أشجار تفوق أرز لبنان قدما وكبرا، وقد ~~حفرت في جذوعها طرق كأنها أنفاق تمر فيها العربات، هذا دليل واحد على ضخامتها المدهشة، ~~والدليل على قدمها ظاهر في بقايا الجذوع المتحجرة في تلك الأحراج. ولكن أشجار كاليفرنيا ~~وهي من عجائب الدنيا إنما هي جماد هائل لا سر فيها ولا معنى لها، هي عظيمة ولكنها صماء ~~بكماء، هي قديمة ولكنها عقيمة لا قصة لها ولا تاريخ، لم يعش في ظلها نبي، ولا تغزل بها ~~شاعر، كانت تظلل البربري ووحش الغاب، وما عند مثل هؤلاء شيء من الفكر والشعور ليزرعه ~~حولها، إن عظمة تلك الأشجار مادية محض وشهرتها لا تتجاوز بلادها وعلم العلماء ~~والسياح. # أما شجر الأرز وغيره من الأشجار المقدسة كالبو عند الهنود والسدر عند المسلمين ففيها ~~غير الظاهر من الضخامة والعظمة فيها غير المادة، إن للأرزة صوتا لا يتلاشى وإن صارت هي ~~إلى الفناء، الأرز من الأشجار الناطقة بسر من أسرار التاريخ بل من أسرار النفس ~~البشرية. # فما السر يا ترى في القداسة التي تنمو في هذه الأشجار فتزيد قدمها جلالا وعظمتها ~~جمالا؟ أعبثا يمزج الإنسان شيئا من نفسه وآماله بشيء من التراب والشمس والماء ~~والهواء؟ # إن ms274 كان كذلك فما هو إذا ذاك الخيال الذي يسمعني في حفيف غصون الأرز صوت مليك أورشليم ~~وبنيها؟ ما هو الاتصال السري بين روح الأشجار وروح الشعراء والأتقياء من الناس؟ لا ~~أتعمد الغموض في ما أقول، ولكنه يخيل لي أن بذرة من بذور الإيمان ونقطة من ينبوع الحب ~~تقعان من يد الإنسان وقلبه عند أصول شجرة يقدسها فتختلطان وإياها، فتنموان في غصونها، ~~وتنوران في زهرها، وتثمران في ثمارها، وتتصاعدان بخورا في صحفها، وأحيانا تحرض في ~~قطرها وتسوس في لبها. # الحب خالد، وللأشجار التي يخصها الأنبياء والشعراء بحبهم روح سامية خالدة، وإن أرز ~~لبنان لمن هاته الأشجار الحية الخالدة الناطقة بسر من أسرار الطبيعة والحياة، إن ~~فيها شيئا إلهيا وأشياء بشرية روحية. # | أصوات السكينة # من المشاهد الطبيعية ما يستوقف القلب، ومنها ما يستوقف القلب والعقل معا، ومشاهد ~~لبنان المشهورة من هذه التي تحير الإنسان فتعقل منه اللسان. # على كتف وادي قاديشا أو عند مغارة أفقا أو في ظلال الأرز يقف المرء ساكتا خاشعا ~~مدهوشا، ولا غرو فإن لهاته المشاهد الجليلة مزية معنوية فوق مزيتها الطبيعية المدهشة، ~~أجل إن فيها من آثار تاريخ الإنسان وأديانه ومن تذكارات خرافاته وأباطيله ما لا تمحوه ~~يد الدهر ولا تدرسه السيول والأعاصير. # ومن هذه ما نراه عند مغارة أفقا تحت جفن الجبل القائم حولها كقلعة من قلاع ~~الفينيقيين، هناك آثار هيكل بناه الرومان للزهراء وشجرة جوز وارفة الظلال يقدسها ~~المتاولة المقيمون اليوم في ذلك الوادي، وفوق هاته الشجرة وذاك الظل تخيم سكينة رهيبة ~~عجيبة يتخللها نقيق الضفادع وتغريد الحساسين وحفيف أجنحة النسور، وهذه - لعمري - أصوات ~~السكينة التي تدفن فيها عقائد الإنسان وأضاليله. # كان الرومان في أفقا وكانت الزهراء، كان الإنسان في ذاك الزمان يعبد الجمال وكان ~~الجمال ينبوع ملذات الإنسان ومبراته، ومصدر ما تسامى من آدابه وفنونه، واليوم في أفقا ~~يوم التعاويذ بل يوم أولياء الجوز والجميز! أسفي على امرئ يدب حول جذور الدين في قيود ~~من الإيمان صدأى، فإن ما بقي من إدراكه وأمله لشبيه بتلك ms275 الرقاع البالية التي يعقدها ~~في أغصان الجوزة ليقيه وليها من تصاريف الدهر وكوارث الزمان، رقعة بالية، على شجرة ~~عالية، في ظل مغارة الجهل والخوف والغرور. أهذا ميراثك يا ولي الجوزة؟ ألا يسمعك الحسون ~~شيئا من نشيد عباد الزهراء؟ وأنت يا ربة الحب والجمال ألا تسمعين في نقيق الضفادع ~~بكاء عباد هذا الوادي؟ أولا تسمعين همس الحكمة الأزلية في حفيف أجنحة النسور؟ # وقفت بين حجارة هيكلك عند الجوزة فرأيت حجرا كبيرا كأنه رأس صنم، في فمه وعينيه شيء ~~من التراب وقد نبتت فيه ونورت أزهار العصفر البيضاء والصفراء، وسمعت الصنم يخاطب ~~الجوزة فيقول: أجمل الرومانيات قبلنني وهذي أزهار حبهن في فمي. # فقالت الجوزة : أعظم الكائنات عروسي، حجابها الربيع وجلبابها الصيف، وأزهاري وثماري من ~~نور حبها وحرارته. # فقال الصنم، ولكن الإنسان يشوه أغصانك برقاع خرافاته وأباطيله. # فقالت الجوزة: أما أنت فقد دنسك بغي الرومانيات وخلاعة الرومانيين. # فقال الصنم: إن نار الحب طاهرة مطهرة. # فقالت الجوزة: وإن رقاع الإيمان كفلس الأرملة ... # فقاطعها الصنم قائلا: بل هي كورق التين يستر بها الحارض من المؤمنين عورة ~~إيمانه. # فعظم إذ ذاك هدير المغارة وسمعتها تقول: أفي باب أم النهر المقدس نهر أدونيس، ينبوع ~~الحياة الدائمة، تفاخرون بما يشيده الإنسان ويقدسه؟ # فأجابت الضفادع الناقة: نعم، نعم. # وغردت الحساسين: لا، لا. # ومر النسر فوق جفن المغارة مسرعا وهو يهمس بجناحيه كلمة قل من أدرك سرها من ~~الناس. # | الشعر والشعراء # الشعراء اثنان شاعر قومه وزمانه، وشاعر العالم وكل زمان، الأول يندر في شعره ما يبقى ~~شعرا إذا ترجم إلى لغة أجنبية، والثاني عكس الأول. وقد يجيء في شعر هذا ما هو من طبقة ~~شاعر قومه وزمانه، وقد تعلو صناعته على قريحته في حالات للنفس يغلب فيها المكتسب على ~~الفطري، وقد يكون الشاعر الأول بعيد الإشارة علوا لا اتساعا فينظر إلى الأشياء ~~والأكوان من ذروة سماؤها صافية ولكن أفقها محدود صغير، كثير المضايق والسدود، فيرى ~~أصول الأشياء ورءوسها ولا يرى ما تشعب وامتد من أطرافها. وشعراء العرب ما عدا الفارض ms276 ~~والمعري من هذه الطبقة؛ لأن في شعرهم تغلب الصناعة الشاعرية الحقيقية، فيجيء ما ينظمونه ~~شعرا عربيا فقط لا شعرا على الإطلاق. # أما الفارض وأبو العلاء فيكادان يعلوان على هذا، كل في طريقته، وما تقيدت النفس ~~فيهما بظاهر الأشياء الزائل، أي: بتقاليد القوم وروح الزمان، وقد يستغرب ذكري هذين ~~الشاعرين كأنهما صنوان وقد اختلفا طريقة ومذهبا، على أنها متشابهان عند من دقق النظر ~~في شعرهما وحياتهما تشابها جوهريا جديرا بالاعتبار. # ففي شعر الاثنين ما لا يختص بأمة واحدة من الأمم أو بزمن من الأزمنة، بل هو جامع ~~شامل، سماؤه بشرية لا عربية، وزمانه لا هجري ولا مسيحي، وفي حياة الشاعرين حيرة وورع ~~يتناوبهما الشك واليقين فيعلو العقل في «رهين المحبسين» على النفس وتعلو النفس في شاعر ~~السالكين على كل معقول ومحسوس، ويجوز لنا أن نقول إن أبا العلاء من المتصوفين في بعض ~~حالاته كما أن الفارض في بعض أطواره من الماديين، شعر أبي العلاء كالموشور صاف، ولكنه ~~بارد، تنعكس فيه حقيقة الحياة فتتلون، فتحرق، فتنير ما يعالجه من المواضيع، وشعر الفارض ~~قبس من النفس نرى في لهيبه أشكال أزهار من الحب جميلة وطيور ألفاظ تغرد حول عرش ~~الأسرار. # وحقا ما يقال إن الشعر من الشعور، ومن الشعور ما رق فسال، ودق فغمض، واشتد ~~فاضطرم فأحرق فأنار، ومن الشعور ما هو مكتسب ومنه ما هو فطري، فيغلب في الأول التصنع ~~وفي الثاني الهوى أو الهوس. وقد قال أحد الفلاسفة: إن أول الهوس الشعر وأحسن الشعر ما ~~كان عن هوس وغرام، وعندي لا ينبغي أن يكون الشاعر، شاعر النفس، عاقلا أو فيلسوفا، ~~فالهوس أو الهوى أو النزعات الشديدة إنما هي صوت النفس وتنهداتها فتشجي تارة وتطرب ~~طورا، وطورا تزعج وتكرب، وفي كل حال أن نزعات النفس لهي ماء الشعر وغذاؤه ~~وخمره. # وكل شعر بدونها خاسئ بارد مشحوب اللون عليل، وفي هذه النزعات الشديدة لا يخضع الشاعر ~~لشيء من أشياء العقل العادية السطحية فتظهر في كل أقواله ونغماته في مظهر طيه الدعوى ~~التي يظنها ms277 الشاعر من لوازم الصناعة، ومن واجبات النبوغ، وقد تشتد هذه النزعة في بعضهم ~~حتى تصبح نوعا من الجنون وتتشابه باطنا في من اختلفوا ظاهرا أو شكلا، فهوس الفارض ~~بالأسرار - يتغزل بغوامضها - مثل هوس أبي العلاء بالعقليات وتغزله بالفناء والاضمحلال، ~~ومثل ورع أبي العتاهية حتى أصبح الورع في شعره نوعا من الخبل، ولكن المبالغة طبيعة في ~~الشاعر؛ لأن شعوره مجموع شعور الناس، وإن جاز لنا أن نشبه المجتمع الإنساني بجسم بشري ~~يصح أن نشبه الشاعر بالجهاز العصبي لهذا الجسم المعنوي الحي، وأكثر الشعراء من هذه ~~الطبقة، أي: أنهم شعراء قومهم وزمانهم. # أما الشاعر الكبير شاعر العالم وكل زمان فهو قلب العالم وعقله، فمن رقت شعوره هام - ~~كما يقال - على وجهه أو بالحري عام على وجه الأشياء فيتلهى بلطف أشكالها الظاهرة، ومن ~~اشتدت شعوره غاص في قعر البحار فجاءنا بشيء من لؤلؤها ومرجانها. ومن دقت شعوره غمضت ~~معانيه فشق في الظلمات حتى ينتهي عند أنوار هي من النفس والفكر بمكان. لكل حقيقة شعاع ~~أسود خفي، والشاعر الصميم من تمشى في ظلال الحقيقة فتتبع أشعتها حتى النهاية فيكتشف ~~حقائق أخرى هي من حقائق الحياة كالنور من الشمس، ولا أظن أن هذه المزايا كلها اجتمعت ~~لشاعر واحد من شعراء العرب. # قل ما رق من الشعور للمتنبي وندر ما دق، أجل، قد يتعمد أبو الطيب الغموض ~~فيجيئنا بألغاز باردة، وفي شعر أبي العلاء لا نسمع للقلب صوتا إلا ما كان تكلفا ~~واجتهادا. وشعر الفارض غابة مدلهمة فيها عرائس حاملات شموعا ضئيلة تركض أمامنا ~~لتهدينا إلى جنات النعيم، ولكن الشموع تنطفئ في وسط الغاب والعرائس ينشدن ويختفين في ~~الظلمات، وهذا أجمل ما جاء في الشعر من وصف أسرار الحب وألوهية الأسرار. أما هذه ~~المزايا الثلاث التي تقاسمها ثلاثة من شعرائنا فتجتمع كلها لشاعر اليونان هوميروس ~~ولشاعر الإنكليز شكسبير. # | الموسيقى الإفرنجية والعربية # لا أقصد في هذا المقال الوجيز أن أعالج الموضوع فنا وتاريخا وعلما، ولا أن أنقد ~~الموسيقى الإفرنجية في مظاهرها الشرقية، أو الموسيقى الشرقية في مظاهرها ms278 الغربية، ولا ~~أظنني لو قصدت أهلا لذلك؛ إذ لست من أرباب هذا الفن ولا ممن يدعون إدراك دقيق أسراره، ~~إنما هي خواطر خطرت لي يوم سمعت الفتى السوري أنيس فليحان يوقع على البيانو شيئا من ~~نظم الأساتذة الكبار وشيئا من نظمه أيضا. # الموسيقى عند الإفرنج لغة من لغات الفنون يستطيع العالم بها، المدرك أسرارها، أن يفصح ~~عما يخالج المرء ويسوده من شوق وحماسة وحنين وخيال، فينظم أهواء النفس أنغاما ويصف ~~العواطف إنشادا، ويقص القصص ألحانا، ويلبس مظاهر الوجود وحقائق الحياة ثوبا يحوكه من ~~خيوط ذهبية وفضية على آلات تعددت أسماؤها وتنوعت أشكالها، فالموسيقى عند الإفرنج إذن هي ~~لغة النفس والروح والعقل معا . # أما عند الشرقيين، فهي - في الإجمال - لغة القلب والعواطف، هي فن عند الغربيين أساسه ~~العلم، وهي فن عند الشرقيين أساسه الفطرة والبداهة، وكما أن آلات الطرب عندهم عديدة ~~متنوعة تمكن الناظم من معالجة كل مواضيع الحياة، فهي عندنا محدودة النوع والشكل، وتكاد ~~تنحصر في ما يصح منها لبث العواطف فقط. # وبكلمة أوضح: إن موسيقى الإفرنج لغة فخيمة الألفاظ، دقيقة التركيب، كثيرة الأوضاع ~~والأصول، وموسيقى الشرقيين لغة بسيطة قواعدها تنحصر في بضعة أصول وأوزان؛ لذلك لا يفهم ~~الأولى ويطرب لها إلا من كان ذا إلمام بقواعدها وأصولها، أما الثانية فيكاد يفهمها جميع ~~الناس؛ لأنها لغة العواطف على الإطلاق، فهي تدخل القلوب دون استئذان - كما يقال - ~~وتملك العقول فتعبث بالمعقول، وتطرب العامة والخاصة على السواء. # كيف لا والناظم الشرقي مطلق التصرف يركن إلى الفطرة، ويسترسل إلى البداهة، فينظم ما ~~تمليه عليه العواطف عند هياجها، وما توحيه إليه القريحة ساعة السرور، ولا غرو إذا ارتجل ~~الأنغام ارتجالا، فيوقع دررا على العود مثلا ثلاث مرات وفي كل مرة يسمعك شيئا ~~جديدا مبتكرا. # أما أساتذة هذا الفن في أوروبا فهم مقيدون بأصول وتقاليد تكاد تكون مقدسة عندهم، ~~وهي إذا أفادت الفن وضعا وعلما تؤثر - ولا شك - في قوى التوليد وتقيد البداهة فيهم، ~~فتجيء ألحانهم وفيها غالبا من النظم أكثر ما فيها من الموسيقى، ms279 ولو لم تكن أدوات ~~التعبير عندهم عديدة لجاءت ألحانهم باردة وفي الأحايين بليدة، ليس في نظر الشرقيين فقط ~~بل في نظر الغربيين أيضا. # النبوغ وحده لا يكفي إذا قصرت عن إظهاره اللغة، أو بالحري آلات الطرب، خذ لحنا من ~~ألحان (بيثوفن) مثلا أو (لست) فترى الناظم فيها وآلات الطرب التي يستخدمها لا تقل عن ~~الخمسين عدا، كثير الألسنة والأصوات، كثير القوافي والأوزان، بل تراه شاعرا تارة ~~وطورا فارسا، فيقص عليك قصة تتلوها قصيدة، أو ينظم نشيدا تتلوه معارك الحرب، أو يصعد ~~بك في عالم النفس فتراه شاعرا وفارسا وروائيا وفيلسوفا معا، يمزج زئير الأسد وهو ~~خائض بحر الأنغام بعندلة العندليب، وصوت الطبل بنفير البوق، وحنين الناي بزفير الكمنجا، ~~ونقرات الدف بترنيم القانون. يمزج بعضها ببعض كما يمزج الرسام الألوان، ينظم ألفاظها ~~كما ينظم الشاعر القوافي، فلكل آلة عنده لغة يعبر بها عن أحلام النفس أو تشويقات القلب، ~~أو هواجس الروح أو حقائق الوجود، فيجيء بها صورا رائعة فتانة، تراها بالأذن على حد قول ~~الفارض لا بالعين «والأذن تعشق قبل العين أحيانا.» # وقل من الشرقيين - وحتى الغربيين - من يفهم مغزى ألحان كبار الناظمين ك «شوبن» ~~و«لست» و«واغنر» و«بيثوفن» وذلك لأن عامة الناس لا يحسنون لغة الروح والخيال، ولا ~~يدركون غالبا في مقاصد الناظم غير واحد منها، وهو أنه يستخدم كل آلة من آلات الطرب لما ~~تحسن تقليده من أصوات الطبيعة دون سواه. # وعندي أن ألحان هؤلاء النوابغ لشبيهة بقصائد المتصوفين من الشعراء كالفارض مثلا ~~وجلال الدين الرومي، ففيها - ولا شك - أسرار إلهية، وفيها حقائق سامية بهية، ورغم أنها ~~تدون على الورق فيستطيع قراءتها أصحاب الفن، فقليلون من يحسنون فهمها وتلاوتها، أو ~~بالحري تفسير غوامضها بواسطة البيانو. # لذلك نرى بونا شاسعا بين أستاذ يجلس إلى هذه الآلة الفخيمة وأستاذ يجالسها - إذا صح ~~التعبير - فيعطيها من نفسه وتعطيه. كما أننا نرى فرقا عظيما بين شاعر يتلو قصيدة من ~~قصائد المتنبي أو الفارض وتلميذ يلوكها ويلحن بها، وإذا استزدتني في التفضيل والمقارنة ~~أقول: ما ms280 كل من يحسن القراءة يحسن تلاوة الشعر، ولا كل من يحسن تلاوة الشعر يجيد في ~~إنشاد آيات القرآن. ولعمري إن ألحان كبار الأساتذة في فن الموسيقى لكمثل آيات الكتاب ~~بلاغة وبيانا. # هذه بعض ما دار في خلدي يوم سمعت في «أيوليان هول» فتى سوريا ظهر لأول مرة أمام ~~الأميركيين يوقع على البيانو شيئا من أناشيد «شومان» و«بيثوفن» و«لست» وشيئا مما نظمه ~~هو من الألحان العربية، فإذا قلت إن أليس فليحان يحسن الضرب على البيانو فكأني قلت إنه ~~يحسن القراءة، وإذا قلت إنه أستاذ في فن الموسيقى فكأني قلت إنه يحسن دون لحن تلاوة ~~الشعر، ولكنه في ما وهب فوق ذلك. # فهو يتفنن بالقراءة والتفسير كما يتفنن الشاعر بالنظم، وكما يتفنن الرسام بمزج ~~الألوان، بداهته شرقية، وأصوله غربية، وأسلوبه يجمع بين محاسن الاثنتين، فهو لين ~~الأنامل طيعها شديد الشعور لطيفه، في سكناته بلاغة، وفي حركاته سحر البيان، تسيق نفسه ~~تارة يده فيطرب في وقفاته، كما يطرب في كراته، وطورا تسبق أنامله نفسه فتلاعب البيانو، ~~كما تلاعب العاصفة أمواج البحر، فيكاد السامع يضيع حيرة، ثم تدغدغها فيطرق دهشا، ثم ~~ترقصها فيهتز طربا. # على أنني أحسست أحيانا وهو يوقع الألحان الإفرنجية أنني لا أستطيع أن أتتبعه وألحن ~~غوامض فنه، ولا عجب، فإن أنشودة من أناشيد «بيثوفن» لكمثل قصيدة من قصائد الفارض، عذبة ~~الألفاظ، غامضة المعنى، لذيذة الأنغام، شريدة الأفهام، وحسب المرء أن يقف عند شاطئ ~~البحر فيسمع هدير أمواجه وما يتخللها من حفيف أجنحة النسور، وخفيف غطات الطيور. # ولكن الفتى فليحان طار بنا على أجنحة الخيال إلى عالم العواطف والحنين - إلى بلاد ~~العود والدف والقانون - في ما أسمعناه من بديع نظمه وعجيب ألحانه، أجل، إن في ~~ألحانه العربية المعنى الإفرنجية المبنى قد هز فينا أوتارا لم يلمسها شيء من بدائع ~~أساتذة الإفرنج، وبرهن لنا ولمن سمعه من جهابذة الفن من الأميركيين أنه أستاذ ماهر ~~وشاعر صميم، جمع بين الأصول الإفرنجية والبداهة الشرقية، ما لم يستطعه في هذا الزمان ~~عند الإفرنج غير الإفرنسي «ده ms281 بوسي». # ولا عجب إذا برز هذا الشاب السوري في المستقبل على «ده بوسي» في ما ينظمه من الألحان ~~الشرقية أو الغربية، ففي «التقسيم» نظمه وفي «المناجاة» وفي «رقص الدراويش» استنطق ~~البيانو بلسان العود والدف والناي والقانون، بل أنطقها وهي آلة إفرنجية بألسنة الدراويش ~~العربية، فكدنا وهو يرقصهم نرقص طربا ونسمعهم يصيحون «الله هو الله هو»! حتى الإغماء، ~~وبينما هو يسمعنا «التقسيم» أغمضت عيني فخلت أن شكري السودا يلاعب بريشته الساحرة ~~أوتار العود، وهذا لعمري عين الإبداع في الفن، بل هو برهان قاطع عندي أن في صدر هذا ~~الفتى السوري شيئا من نار الآلهة وأشياء من نور النبوغ . ونصيحتي له وقد ملك الآن ناصية ~~الفن وأتقن أصوله وأوضاعه أن يقلل من ترداده إلى الموارد الإفرنجية ويكثر من نظم ~~الألحان الشرقية، فهو ابن بجدتها، والغربيون مثلنا يطربون لها طربا شديدا. # | بلادي # إن الأزهار في بلادي # 1 # ألاعيب الطفولة، وهي هدية من الطبيعة ثمينة تتحفنا كل عيد بها، حتى إنها في ~~عيد الميلاد تنادي الصغار وتدعوهم إلى القلل المتوجة بالثلج لتفاجئهم هناك بأزاهر ~~البنفسج البرية. فيأتون بها إلى محراب القديس المحلي الذي يعدهم بتحقيق رغباتهم إذا ~~كانوا يصلون بينا يقطفون الأزهار باسمه. # وأذكر أني صليت مرة في نوبة غضب وحسد فدعوت بالموت على ولد سبقني إلى نقطة مستحبة ~~تظللها صخرة وقد نبت فيها طيب البنفسج الغزير، وما هو إلا أسبوع حتى انتشر الجدري في ~~القرية فذهب بحياة ذلك الولد رفيقي في اللعب، فنقمت على القديس؛ لأنه استجاب طلبتي، ~~وآليت على نفسي ألا أصلي له بعد ذلك وألا أجمع الأزهار باسمه؛ لأنه إذا كان قد سمع ~~صلاتي فما أحراه أن يسمع مني أيضا صوت الندامة. # وهكذا قد داخل الشك إيماني منذ حداثتي، إلا أن الطبيعة لم تبرح تتحفني بهداياها - ~~الأزهار - وهذا ما جعلني أصبو إليها بكليتي، حتى إني أقمت منها نفسا قديسا لنفسي ~~دعوته: مار زهر المسيح # 2 # في غابة الصنوبر أقمته وفي حمى الصليب. # وما الذي وفق بيني وبين الكنيسة؟ لم أكن عندئذ ms282 أعلم، ولا أنا أعلم الآن، على أن هيكلي ~~اليوم ومسيحي قائمان في غابة الصنوبر بين الأزهار. # وسواء كان محب الطبيعة شاعرا أو فيلسوفا يلبي دعوة الأزهار التي تنور كل سنة عند ~~محراب إيمانه، والطبيعة لا تذهل ولا تغير عادتها فلئن كنا في أقصى بلدان العالم فهي ~~تسمعنا أبدا صوتها، وإلا فلماذا - وأنا أقاسي الموت كل مرة - أجتاز المحيط لأزور ~~وطني؟ # أميركا أيضا أرض ميلادي، ميلادي الثاني، وهو أرفع في نفسي من وطني الأول، وفيها ~~أيضا أجدني في قلب الطبيعة آمنا مستأنسا، فهذه الأقاحي من أجمل ما تصنعه التربة ~~والحرارة والغيث، إلا أن جمالها عندي يشوبه ألم الذكرى، فالأقاحي التي عرفت دلال حبي في ~~صباي، والتي دعت تمتمة قلبي المملوء أوهاما، هي أذكى رائحة وأبهى طلعة وشكلا، وها ~~هنا جنات تفوق ينابيعها وبراعة يد الإنسان فيها جمال الطبيعة، إلا أني كيفما أتجه النظر ~~في محاسنها، لا أرى بعين المخيلة إلا رسم حوض الريحان الذي كان لأمي. # وها هنا ينبت أيضا زهر المسيح، وهو أنمى وأجمل من النباتات النحيفة التي تطلع من بين ~~شقوق الصخور في بلادي وفي ثقوبها وظلالها، إلا أني حين أتصورها يحملني الخيال إلى حقول ~~الفتوة فأراني راكضا حافيا في تلال لبنان، مصعدا طورا في هضابه وقد كستها الأزهار، ~~وطورا نازلا لأقطب في الوادي (يوم الجمعة العظيمة) طاقة أحملها خاشعا إلى الكنيسة ~~وأضعها عند قدمي المصلوب العزيز. # وما أعلى الشربين في وطني الثاني وما أجمله وما أعظمه، ولكن صنوبر لبنان أقرب إلى ~~قلبي، وللصنوبر فضل علي لا أجحده دانيا أو قصيا، فقد عشت في ظلاله ردحا أنتفع ~~بغيثه ونفحاته الطيبة؛ لذلك لا أتحول عن حبي أشجار صباي وذكرى ألاعيب الطفولة وتلك ~~السذاجة الطاهرة الأولى. # لله من غضب الآلهة، إن إلهة وطني لناقمة علي. # وإلا فما الذي ينبه الروح فينا ويستحوذ على قوانا العقلية ويقودنا بالعواطف إلى أمصار ~~ندعوها الوطن أو مسقط الرأس؟ إني جاهل حائر فلا أعتبر الوطنية وجلها سياسي، ولا حب ~~الوطن وكنهه الأنانية، ولم أكن قطعا وطنيا ms283 في أيهما ولا في ما حدده دجنسون # 3 # من الوطنية. # وفضلا عن ذلك أن وطنا لم تتحقق فيه الحريتان الشخصية والروحية لا يستحق الحب ~~والإجلال، وأن المرء يستطيع أن يخدمه وهو في بلاد بعيدة عنه، ولقد عالجت وطني قريبا ~~وبعيدا، وكنت في الحالين واحدا وكان الدواء واحدا، ولكن الداء عضال والشفاء التام ~~قلما يكون. # 4 # كفانا ما تقدم في الوطنية، ولكننا نتسائل كيف ينشأ حب الوطن؟ وما هي أسبابه؟ أهل هو ~~في اللغة؟ إن الإنكليزية عزيزة عندي كالعربية، أم هو في المعيشة الأهلية؟ أم في العادات ~~والتقاليد؟ فما أحببت وطني لما كنت فيه، وما راقني فيه عيش رأسه البساطة والسذاجة ولا ~~كنت أعرف إلا القليل من جماله، لذلك كنت مسرورا يوم ودعت لأول مرة أهلي وهجرت ~~الوطن. # أو لعل حب المرء بلاده ينشأ عن المذهب القومي؟ أو ينحصر في دين آبائه وأجداده؟ لا ~~أدري ولكني أعلم أن تلك البلاد التي أدعوها وطني كانت ولا تزال محرومة من مذهب قومي ~~خاص، كانت في عهد أنطيوخس الكبير بل في أيام زميلي الكاتب الفينيقي سنشوناثون كما هي ~~الآن، أما دين أجدادي فقد كان في جيب قبائي الذي خلعت يوم ركبت البحر مرتحلا. # ما هو السر إذن في حب الوطن أو في ذاك المرض الوطني المزمن؟ ألعله سحر الكهان أو دعاء ~~آلهة الأوطان! قد ألبي الدعاء فأعود فأرى الهيكل خرابا، وقد أعود مسحورا فتحل رقية ~~السحر عند الباب. # أو هي هدية الطبيعة بل هداياها عند الباب ودونه، التي تعاون الساحر وتعطر كلمات ~~الآلهة ونفحاتها؟ أراني ألتمس في ذا الموضوع نور الفكر لا نور العاطفة؛ لأن الجمال وحده ~~لا يخفف من آلام الحب والمعرفة. # أو لعل ألاعيب الصبا تمسي عندنا ألاعيب الروح؟ ها هنا إخالني اقتربت من الحقيقة، أجل ~~إن علينا أن نعود ثانية إلى الطفولة لنفوز بشيء من البهجة والحبور في حب الوطن، وفي ~~تلك المناظر المطبوعة صورها بالأذهان منذ أيام الصبا. # أجل إن أحلام الفتوة وسذاجتها الجميلة النقية وجمال الطبيعة الظاهر والكامن معا، ms284 ~~لتتصل أسبابها بأشجار الوطن وأزهاره وبسواقيه ومروجه وهضابه، أجل، إن كل ما يشغف الولد ~~في سنيه المقدسة لينطبع في ذاكرته النقية فيكون منه لنفسه حياة روحية، أبدا جديدة، ~~ولكنها كالأزهار تخضع لناموس التطور ومشيئته، فهي تنمو، وتبرعم، وتذبل، وإذ تذبل تفرش ~~من أوراقها سجادة تحت أقدام الذكرى، وتطلي بالذهب الباهت شفق الروح وتملأ ما يستقر ~~عندها أريجا منعشا طيبا. # إن روح الولد مستنبت يمسي جنة أسر ما فيها أزهار الذكرى وأحزنها أشواك ~~الهجر، وهذا - على ما أظن - السر في الحنين إليها. بل هي معبد دفنت فيه ملائك أحلامنا ~~وأبطال التصور والأمل. # وسيكون زهر المسيح شفيعي لدى القديس في كنيسة القرية، بل لدى الإله إلهي في معبد ~~الوادي، فإني عندما أقتلع تلك الأزهار من مكامنها في الصخور أجتهد أن أحافظ كذلك على ~~أوراقها المطرزة، وعلى كل عقدة من لفافتها القرمزية النحيفة، فأشاطرها حياة الهجر وحياة ~~أخرى منشأها الحب الإنساني. وإني لأجد في الاثنتين لذة لا يماثلها شيء في الأحلام ~~والآمال المادية. # أما مستنبتات أمهاتنا - وفيها الحبق والريحان - فكم لقينا في تخريبها من أزهار ~~السرور، وتلك الأزهار نفسها وتلك النباتات الطيبة الزكية التي كنا نتلفها لاعبين، ما ~~زالت تنمو وتبرعم لتنشر حولها ثقة بالنفس وأملا بالحياة، وهذا كل ما يتطلبه البشر ~~الفاني المتعثر في فيافي الخوف والشكوك. # أفلا ترى إذا أن تلك الألاعيب - ألاعيب الصبوة - وتلك الرموز - رموز الروح - لتحيا ~~حقيقة في الأزهار التي كنا نجمعها لقديس القرية، وكم مرة ضللنا الطريق واقتحمنا العواصف ~~في سبيلها؟ أفلا تراها في غض الكلاء وكثيف الأدغال حيث كنا نتغلغل فرحين ونضيع لاعبين؟ ~~أفلا تراها في الأشجار التي كنا نتسلقها ابتغاء ثمارها ولا تزال أغصانها تحن إلى ~~استماع أغانينا الجبلية؟ أفلا تراها في الجداول الفضية المتدفقة التي كنا نجتازها في ~~الشتاء مزدرين أخطارها؟ أفلا تراها في الكروم البهجة التي كنا نسرق عنبها الذهبي ~~والقرمزي وفي الحقول الخضراء المطرزة بالأزهار التي كنا نجمع منها لأحد الشعانين ~~الحندقوق وشقائق النعمان؟ # إن حب الوطن المجرد من هذه المحسوسات الطاهرة ms285 والتذكارات الروحية لحب سياسي مادي ~~لا يشغل العقل منا ولا القلب. # أما تاريخ بلادي فهو - والحق يقال - تاريخ بلاد بلا علم ووطن بلا نشيد، ولكن رسالتها ~~الروحية أضرمت قديما قلب العالم، أما تقاليدها فهي تقاليد أمة ولا ملك ولا زعيم. ~~تقاليد شعب ولا حقوق ولا حرية. تقاليد نفس ولا هيكل ولا إيمان. ولكن روحها القديمة لا ~~تزال حية تتألم ولذلك ستنهض للجهاد والفداء، ولئن كانت أسوارها المتهدمة وجناتها ~~الذابلة المهجورة قائمة بين رمال البادية وأمواج البحر - بين عقمين خالدين - فإن إرثها ~~الخالد الصليب، ومجدها الدائم الأزهار. # سوريا، بلادي، بلاد الورد والفل والوزال، أنت مهد الآلهة وفيك قبورهم، أنت الصليب ~~والمصلوب، أنت الوطن الروحي لكل شعوب الأرض، فلما عبدت بابل تموز، ولما عبدت بعلبك ~~المشتري، ولما استظهر الجليل على اليهودية، ولما انتصر قريش على الجليل؛ كنت ينبوع ~~حياة جليلة تتهافت على مواردك الأمم، بل كان هيكلك هيكل المجتمع الإنساني، وكان صوتك ~~صوت الله. # إيه سوريا بلادي، فمن دجلة إلى البحر الأحمر، ومن الطور إلى الحجاز، كانت روحك جنة ~~الوحي وكان جمالك مطمح الملوك، وإذا كانت قد خلت جبالك من الأنبياء اليوم فإن بلابلك ~~لا تزال تغرد في سهولك وهضابك، والورد لا يزال ينور في قلبك، والأرز لا يزال - من ~~أعاليه وقد كللها الثلج - يمد ظلاله وينشر طيبه فوق رمالك الذهبية. # سوريا بلادي، بلاد الورد والفل والوزال، مهد الآلهة ولحد الآلهة، إنك - وإن غدوت ~~قفرا سبسبا - لكعبة الروح إلى الأبد ومطمح أنظار الممالك والأمم. # | الكنيسة والجامع1 # لم أر بين سائر أماكن العبادة التي أعرفها - وقد حملت نفسي المنسحقة وركبتي ~~التعبتين إلى هياكل عديدة - أفضل من الجامع، وما أدراك ما الجامع؟ هو المكان الذي ~~يؤثر علي بديموقراطيته أكثر من سواه لما فيه من شواعرها المتنوعة، فليس في الجامع ما ~~يداهن الأغنياء، أو يكسر قلب الفقراء، أو يغفل الورعين، أو يرد ثقيلي الأحمال ~~خائبين. # وليست بشاشة الجامع بمقاعده المزدوجة، وليست رغبة الناس فيه لصدقاته، والخدمة يوم ~~الجمعة تكاد تنحصر بخطبة مصدرها القرآن فهي إذن ms286 لحن من البلاغة تعشقه الأسماع فيحدث في ~~القلوب خشوعا وفي الأفكار نزوعا إلى العلاء. # الجامع كبير يسع الخطباء وحتى النوام من المصلين، ويبقى بين الاثنين فراغ لا ~~يضر، فالمنبر لا يكون دائما قريبا من الزوايا الساحرة التي تظلل المسلمين ونفوسهم ~~فيفسدها عليهم. وهم على اختلاف طبقاتهم يجتمعون للصلاة وللراحة تحت سقف واحد، فتجد ~~بينهم درويشا يتمتم الكلام، وشحاذا أعمى، وحمالا منهوك القوى، وأعرابيا عليه غبار ~~البادية، وكلهم يؤمون الجامع ضارعين خاشعين، طالبين راحة بعد عناء باغين غفوة في الأصيل ~~قصيرة، فينام هذا أمام المحراب، ويتمدد ذاك على الرخام البارد تحت الأروقة، بين يكون ~~الشيخ أو الأمير راكعا على سجادة عجمية ثمينة، قائما بصلاته. # وهو ذا درويش يتمتم قائلا: بسم الله الرحمن الرحيم، ويعدد خرزات سبحته حتى تبلغ ~~النفس منه درجة الغيبوبة، هو ذا فقير يتثاءب ثم يهتف: يا الله يا كريم، ويخر مكبا على ~~وجهه، وهناك بدوي ممدد تحت الرواق كأنه جثة هامدة، وليس من ملحد أو جاهل أو طفيلي يزعج ~~المصلين أو يعكر راحة المستسلمين. # الجامع ميناء يرتاح إليه الشحاذ والأمير، وهيكل يضم المؤمنين، وناد يقبل أولاد الله ~~على السواء، هو حيث يعثر المنبوذ على حجر يسند إليه رأسه، فتكتنفه رهبة القبة الواسعة ~~التي تعلوه ولا ما يحرك السكينة في ذلك المكان الرهيب إلا كلمات: الله، يا الله، يا ~~كريم، التي تدفعها الصدور وقتا فآخر. ولئن كان الجامع قائما في سوق النحاسين فيندر ~~دخول صوت إليه من الخارج يفسد رهبة المكان، وإن النفس لتخشع فتدعو الجسد، وتبتهج فتدعو ~~العقل، إلى علويات السكون الذي لا يوصف ولا يحد. # لا صنوج ولا أجراس، لا آلة موسيقية ولا جوق مغنين، لا رسوم ولا تماثيل، ولكن أضواء ~~الإيمان المشتعلة دائما تهدي النفس فتجد خلال ذاك السكون وتلك الرهبة سبيلها إلى العزة ~~الإلهية، إلى الإله الواحد، إلى الله. # دخلت ذات يوم جامعا في إحدى القرى لأستريح، وقد خلعت حذائي عند الباب - وأنا معجب ~~بهذا التقليد الحكيم - والحكمة فيه حسية وروحية معا. # فإنه إذا كان ms287 من العيب أن تدخل بيت الله وحذاؤك في قدميك فكم بالحري إذا دنست سجاد ~~الجامع الثمين بأوحال الطريق وغبارها؟ # ناهيك بما اعتراني من السرور في العمل بهذا التقليد؛ لأن حذائي كان ضيقا على قدمي ~~فقلت كما يقول الكثيرون ولا شك: نعم العادة التي في ممارستها راحة واحترام. # ولم يكن داخل الجامع سوى مصليين، رجل وقور طاعن في السن في إحدى الزوايا وشحاذ قريب ~~في أطماره من العرى في الزاوية الأخرى، أما أنا فقد جلست على حصير تحت الرواق مسندا ~~ظهري إلى عمود، ممددا ساقي، وكنت إذ ذاك كأني في منزلي. # إن الراحة والاستسلام من أصول التعبد الحقيقي، وهما مما تجد في الجامع في كل ساعة من ~~ساعات النهار وفي كل ساعة من ساعات الليل، ولقد صليت كما أحببت، وخرجت مع رفيقي في ~~الصلاة وأخوي في تسبيح الله، أما الشحاذ فكان حمالا وقد ترك حمله عند الباب وإذ تعذر ~~عليه رفعه أسرع الشيخ المهاب لمعونته مشمرا ردنه الحريري وهو يقول: باسم الله، ~~وانحنى الحمال تحت حمله الثقيل وقد تقلص عصب رقبته تحت الحبل المشدود على رأسه ثم خطا ~~متثاقلا ولكنها خطوات ثابتة باسم الله. # والتفت الشيخ إلي وقال لي مشتبها: وهل أنت مسلم؟ # فأجبته وأنا أشد حذائي: إني أعبد الله وأكرم النبي. # فدعاني إذا ذاك إلى مناولة الغداء معه، وفي المسجد كل غريب للغريب نسيب. # ذكرني هذا بزورة لمدينة «نيوبورت» وهي مكة الأغنياء في أميركا، وهناك ذهبت للصلاة ~~أيضا وكانت الكنيسة - وهي بناية من الخشب صغيرة رغم من يؤمها من الأغنياء - تنبئ ~~ظاهرا بحقيقة حالها، فقد نقلت من إنكلترا منذ قرنين، وركبت تركيبا في «نيوبورت»، ~~أجل، قد جيء بأخشابها وبراعيها الأول كذلك من بلاد الإنكليز، كنيسة قديمة حقيرة، ~~ولكن الزجاج الملون في نوافذها خاسئ الصنع سخيف، وهو جديد يتزعزع عنده الجلال في الهيكل ~~القديم. # أما ثمن هذا الزجاج فلا نسبة بينه وبين صناعته، وهو مثل كل شيء تافه للأغنياء في تلك ~~البلاد الجديدة العجيبة يقاس بالذهب، وقد قيل لي: إن ثمن ms288 زجاج نافذة منها ألف ريال ~~وهبها أحد الأغنياء. # أوليس من الغضاضة أن نذكر أسماء المحسنين في موقف السخاء والإساءة! وإني لأعجب كيف ~~أن أولئك المسئولين عن تشويه خشب الكنيسة وجدرانها لم يضنوا بأسمائهم استحياء، قلت ~~المسئولين عن التشويه وحقا ما أقول؛ فإنه لا يطاق أن ترى النوافذ الملونة الزجاج على ~~حائط خشبي رقيق، لا يخلو من شارة هندسية، فتشوه جماله البسيط، وتمنع انعكاس نور الشمس ~~عليه. # ألا إن الإحسان لا يعيش في الظل، بل ينفخ في بوقه على السطوح في رائعة النهار، فيا ~~أيها البوق، بوق التبجح، إني لم أسمع صدى صوتك في ذلك الشرق الهادئ وفي تلك المساجد ~~المملوءة هواء نقيا . # ومما استوقف نظري في الكنيسة أيضا تلك المقاعد المربعة الزوايا التي تستطيع أن تضع ~~مكانها عددا من الكراسي الهزازة، وهي موضوعة على شكل الدواوين يجلس أربابها متقابلين ~~كأنهم جالسون في بهو الاستقبال. أولئك هم أغنياء أميركا، وهذه عندهم أبهة ~~العبادة. # ولماذا يا ترى يقسم مكان العبادة إلى مقاطعات؟ ولم لا تكون الكنيسة كالجامع الفسيح، ~~المطلوق للهواء النقي، تؤمه حينما تشاء وتبقى فيه ما تشاء، ولا حرج عليك، ولا قيد، ولا ~~ضريبة. # إن في المقاعد الكنائسية ما يكره المرء على طويل الصلاة، وإن فيها ضريبة مرسومة، ~~وضغطا على الحرية الشخصية، ولقد ترغب في أن تذهب إلى الكنيسة لقضاء بضعة دقائق تنبيها ~~للروح أو غذاء للنفس، فتكره على البقاء ساعات محصورا في المقعد فتعكر غالبا على ~~الآخرين أو يعكر الآخرون عليك صفاء التأمل والنجوى. # وقد علمت أن مقاعد كنيسة «نيوبورت» لا تباع، ولا تؤجر ولا تقدم مجانا للمصلين، ~~ولكنها تقتنى اقتناء فكأنها ملك لصاحب بيت أو لرب عرش يتحول بالإرث من الابن إلى ~~الابن، فلا يستطيع الغريب أن يدخل بيت الله ابتغاء الصلاة إلا إذا أراد أن يقف عند ~~الباب صابرا قانعا، وإن خلاص نفسه لأسهل من تمتعه بمقعد يستريح فيه من عناء ~~الوقوف. # أما أنا فقد جلست في مقعد مضيفي، وإخال أنه تملكه عنوة؛ لأن في كتاب الترانيم ~~اسما ms289 غير اسمه، بل فيه أسماء عديدة لأسر إنكليزية عريقة النسب، توارثت هذا المقعد ~~بعضها عن بعض، دليل ذلك أن لم يبق فراغ في جلد كتاب الترانيم لاسم آخر. # إن الأغنياء ليقاسون شيئا من الكرب سببه غناهم، وقد تهضم كذلك حقوقهم، فقد فاه ~~مؤسس الديانة المسيحية نفسه بكلمات مؤلمة شديدة عليهم، وقد حرمهم السماء بمثل واحد من ~~أمثاله. فوالحالة هذه يجب أن لا يعدموا حقا بسماء أخرى على الأرض، في كنيسة صغيرة، ~~حيث يستطيعون أن يناجوا ربهم على آخر زي دون من يزعج أو يلوم. # ها هنا يحبس أولئك الأغنياء المساكين أنفسهم ردحا قصيرا من الزمن، ولا حق لأحد من ~~سائر سكان الغبراء أن يتطفل عليهم في ساعة يوقفونها لعبادة الله، فهم يستوون واقفين في ~~مربعاتهم رصينين متأنقين فيرتلون النشيد المائة والسادس والسبعين أو المزمور الواحد ~~والخمسين خاشعين. فتتشرب كل حواسهم الإيمان، ويستشعرون سلاما وسكينة لا نظير لهما في ~~غير عالم الروح. وهذه حال الواعظ الذي لا يلقي عليهم من المنبر شيئا من أمثال الناصري ~~عن الغني والعازار مثلا أو عن الجمل وثقب الإبرة، إن هذا المحترم ليراعي شعور رعيته ~~وأميالها. # أستغفر الله مما ذكرت؛ فقد جئت الكنيسة لأصلي لا لأنتقد، وأما أولئك الذين قد سببوا ~~في هذا التغيير العقلي السيئ - بعيدين كانوا أو قريبين، غائبين أو حاضرين - فإني أسأل ~~الله لهم مثلما أبغي لنفسي من الرحمة والغفران. # قد أقامت الصلوة، ولكن الجزء المهم منها لم ينته، وسيقام في الزقاق الضيق أمام ~~الكنيسة، حيث شرذمة من البوليس يحفظون نظام العربات الذاهبة الآتية، فيتحرك نحو الباب ~~قطار السيارات الفخيمة المتعددة الألوان والأشكال، يحف بها الحشم وعلى دفتها السائقون ~~الكيسون المتشامخون، والعربات تجرها المطهمات، فيثب منها الغلمان في الأثواب المقصبة ~~الرسمية يفتحون لأسيادهم الأبواب ويطأطئون الرءوس للسيدات. # غوغاء وغرور ... ضجيج وتصلف ... معرض مدهش في العبادة ... أبهة وفخفخة في الورع والتقوى ... ~~تعال يا أخي المسيحي الفقير، تعال معي إلى الجامع! # | روح اللغة # إن للغة جسما لا ينمو إلا بالغذاء الجديد، وإن لها روحا لا ms290 يعلو أدب عليها ولا ~~يدوم أدب دونها، ولكن الأجسام عرضة للأسقام، وآراء الناس في الأرواح لا تخلو من ~~الأوهام. فاللغة إذا تحتاج إلى رجل الدين حينا، ورجل الطب أحيانا، أما إمامها فهو ~~شاعرها، وأما طبيبها فهو أديبها، وما العمل إذا مرض الأديب وعجز الشاعر؟ العياذ بالله، ~~وبما هو صحيح من روح اللغة، العياذ بمن يرى الصحيح فيستخدمه ليداوي ما اعتل فيها فيجدد ~~قواها ويفسح لها من الحياة أجلا زاهرا. اقطع الغصن اليابس ولقح الغصن الطري، تسلم ~~الشجرة فتنمو وتزهر، كذلك فعل دنته في اللغة الطليانية، وشكسبير في اللغة الإنكليزية، ~~وفكتور هوغو في اللغة الفرنسية، # 1 # ولا ريب أن في سوريا ومصر اليوم من يحاولون شعرا ونثرا - وإن عد ~~إحسانهم قليلا - تجديد حياة اللغة العربية وتوسيع نطاقها لفظا وبيانا. # إني ممن يتعشقون هذه اللغة الشريفة، وإذا كانت الإنكليزية تسابقها أحيانا إلى خيالي، ~~وتجلس مكانها في معقولي، فهي لا تزال على لساني، وفي قلبي، وطي أحلامي، ليعذر مني ~~القارئ هذا الإفصاح؛ فمن العادي الفطري أن يحب المرء لغة أجداده، ولكن لحبي غير الفطرة ~~تؤيده وتحميه، فهو ناشئ عن إعجابي العظيم بالجميل الخالد من الآداب العربية، وما هو ~~بالقليل إذا قسناه بغيره من مثله في لغات الأجانب. # لا يلمني القارئ إذا في تقديم العاطفة على البحث والبرهان، بل لا يلمني إذا جاءت ~~كلمتي في روح اللغة أقرب إلى شواذ البحث منها إلى أصوله، فهي كلمة عاشق، هزني ~~إليها صديق لي قديم سمعت حديثه أمس في دار الكتب العمومية، سمعته في نيويرك وهو في ~~بيروت، وها أني أسرع إلى إزالة العجب: كنت مارا في شارع هذه المدينة الكبيرة، وكانت ~~ساعة ليس لسواي حق بها، فدخلت المكتبة وسرت إلى الدائرة الشرقية منها فوقع نظري هناك ~~على مجلة الهلال وفيها مقال ممتع للأستاذ جبر ضومط في اللغة العربية، فطالعته شيقا إلى ~~استماع حديث هذا الصديق الفاضل في موضوع هو ابن بجدته - كما يقال - أو بالحري هو محيط ~~محيطه، وقد راقني منه خصوصا تعداد محاسن اللغة العربية ms291 والمقارنة بين آدابها وآداب ~~سواها من اللغات، ثم استشهاده حتى علماء الإفرنج في ما لا يحتاج عندي إلى غير برهانه ~~أحسنت يا صديقي الأستاذ، أحسنت، ولكنك في ذكرك إياي وسؤالك استهويت واستزللت، فإني بين ~~اللغتين مثلي بين معشوقتين لا أدري - والله - أيتهما أجمل ولا إلى أيتهما أنا ~~أميل. # على أني قرأت صفحة في جمال الاثنتين، وألممت بما في الهامش من شرح الغامض ناهيك بغموض ~~الشرح، فكان حظي من بعض الأسرار يسيرا، إلا أن من ذا اليسير ما يعد في عرف العارفين ~~كثيرا، كيف لا «وبضدها تتبين الأشياء!» فالورد في الأحراج أجمل منه في البساتين، ~~وحسنات آداب اللغة في الجاهلية - على قلتها - أبهى منها قياسا في حضارة هذا الزمان، ~~وذلك لأن دائرة نورهم تلألأت في الظلام، ودوائر نورنا تكاد تختفي في الكبيرة البهية من ~~الأنوار. ما العمل؟ ومن الملوم؟ إن لا فضل لنا إذا كنا نرضى أن نكون مثل من نظموا ~~ونثروا في الجاهلية وفي صدر الإسلام، بل نحن الملومون إذا كان نورنا اليوم لا يشع بين ~~أنوار الأمم المتمدنة فترنو إليه الأبصار مدهوشة مستهدية. ~~••• # من جميل ما قلت يا صديقي الفاضل: إن رقي اللغة في رقي أبنائها المشتغلين بها. هذه ~~حقيقة كبيرة أستأذنك بتقديم أختها الصغيرة، وهي: إن رقي اللغة لفي الخروج على السمج ~~العقيم من مألوفها مع المحافظة على روحها. ولكن الخارجين من الكتاب اليوم - على المألوف ~~وعلى الروح معا - كثيرون، فيخيل إليك وأنت تطالع ما ينشرون أنك تقرأ لغة أجنبية في ~~ألفاظ عربية، ولكني أفضل هذا الإنشاء - وفيه من غرابة وركاكة ما فيه - على إنشاء عربي ~~لا غبار على «سيبوياته» وقد أخذت معانيه كلها ومبانيه من «الفرائد الدرية» وغيره من ~~«المحنطات» اللغوية. # وعندي أن ضرر مثل هذه الكتب أشد من ضرر لغات الأجانب في من لا يحسنون من الكتاب حتى ~~الترجمة، بل لا يحسنون حتى التقليد، وأننا إذا علمنا التلميذ أن يقول كتابة «تمشى ~~الأمير» مثلا فيكتب «تحركت ركابه» أو «أخفق المرء سعيا» فيكتب «عاد بخفي حنين»، أو ms292 ~~«نكث عهده» فيدهشنا ببلاغة «قلب له ظهر المجن» وغيرها من ثمار البيان الشبيهة بثمار ~~صدوم، فإننا نعلمه حديثا لا يفهمه أبناء زمانه، وإن فهموه فلا يهمهم، ولا يفيد. إن في ~~مثل هذا القديم بل هذا التقليد جمود اللغة وعقمها، وكلنا نعلم ما يتبع الجمود ~~والعقم. # أجل أستاذي، إن رقي اللغة في نموها الدائم، والنمو في الحياة، والحياة في ما نألف ~~اليوم ونكتشف غدا، والاكتشاف في الفكرة والنظرة والإرادة، والفكر والنظر والإرادة لا ~~تدوم عاملة بغير الحكمة، والحكمة في أن نخبر المألوف فنتجاوزه إلى سواه، # 2 # من الحسن، أن ألم بشيء من شوارد اللغة، وأحسن من ذلك أن أفهم إذا استطعت # 3 # أصول الشوارد، فأنتفع بالأسباب إذا كانت شاملة، وقد أتخذ من القوالب ما ~~ترتاح إليه وفيه، أفكاري، ولعمري إن أوضاع اللغة، لا أساليب أرباب الإنشاء فيها، خير ~~ما يتعلم التلميذ ويقتبس الكاتب العصري، ولا بد له - إذا ذاك - إذا تفرد في ذكائه، أن ~~يتفرد في أسلوبه فينبذ السمج والعقيم من مألوف الأوضاع، ويعود إلى لوح الوجود وإلى ~~حاضر الأمة في حياتها الجارية فيتخذ من الاثنين مادة لبيانه، إنه ليجد في الاثنين ~~غذاء طيبا جديدا لأسلوبه ولأفكاره، لمجازه أيضا وخياله. # على رأسي امرؤ القيس والمتنبي، على رأسي ابن خلدون والغزالي، ولكن في رأسي عينين ~~تريانني أرضا رحبة إلى جانبي الطريق التي سلكوها، ومن الحكمة إذا سرت في الحقول ~~مستكشفا مستوحيا، أو متنزها، أن أراقب من حين إلى حين منعطفات الطريق فلا أهجرها ~~تماما، ولا أسلكها عماوة، وهذا ما أعنيه في نبذ المألوف والمحافظة على روح ~~اللغة. ~~••• # كان يوم وكانت «الفرائد الدرية» لي بستانا، و«نهج البلاغة» ميزانا، و«المقامات» ~~ديوانا وخوانا وإني لأذكر أول مرة فتحت القاموس فوقع نظري في حرف الخاء على مادة خرج ~~فقلت: وسفر الخروج، نقرؤه في المروج، على أنه حدث قبل ذلك حادث استقام فيه نوعا أمرنا، ~~أمر هذه اللغة وأمري. (ولا بأس بالإشارة هنا إلى ما قد لا يشير إليه سواي إلا معتذرا ~~فمن حسناتي - كثرت أو قلت ms293 - أني حكيم في ما لا يهم الناس في الأقل ولا يضر بالكون، ~~وهي حكمة لا يجوز التواضع عندها، ولا التفاخر بها، إني ذاكرها فقط وفي رأس الطير ورأس ~~الحية أيضا ما ينسيهما الدنيا في ما هما فيه مباشرة.) # عندما أزمعت إذا هجر ما ألفته من ضروب الإحسان، في البلاغة والبيان، أقمت ~~والقاموس سنة، عددتها من أيام أهل الجنة، فنسيت في خزعبلات اللغة خزعبلات الحياة كلها، ~~وأعذب الخزعبلات أبعدها من الأصول، ومن المعقول، فما القاموس - على رأي الشدياق - ~~بكابوس، ولا هو تاج العروس، القاموس مستودع قمح فيه من الزوان والحصى والتراب شيء ~~كثير، وقد تزودت من بعد الغربلة «أنا على سفر لا بد من زاد» ما قد لا يكفي في نظر علماء ~~الأزهر ابن أسبوع في الكتاب الكريم، ولكن القناعة كنز لا يفنى، وما كلف الله نفسا فوق ~~طاقتها - إن في الأمثال وفي الكتاب تعزية للكتاب والحق يقال إن خلاصي منوط غالبا ~~بالاقتصاد، وكثيرا ما ألجم قريحتي فنسير الهوينا في الموعرات، أو أستوقفها فنجلس ~~نستريح في ظل السكوت ونعيمه، فيشكرنا إذ ذاك القارئ، وتشكرنا كذلك اللغة. # 4 # لست في المفردات الشدياق، ولست في الأوضاع اليازجي، ولا أنا من الطامعين بمثل هذا ~~الغنى، ولكني أعلم أن للألفاظ - مثل ما للغة - من التاريخ والتطور ما يفيد اللغوي ~~معرفته، وقد يستفيد من الإلمام به بعض الكتاب، وأعلم أيضا أن مزية الألفاظ إنما هي ~~فيها، قائمة بنفسها، وقلما تزيدها لدى الشاعر، صقلا أو خشنا، المعرفة بأصلها وشأن ~~تطورها. # ها هي أمامك في القاموس، اضرب صفحا عما فيه من الوحشيات والخنفشاريات، من المستهجن ~~والعقيم والبذيء (حبذا قاموس مجرد منها) وقس الألفاظ بما عندك من حسن سمع وحسن ذوق، ~~وحسن نظر # 5 # فإن للألفاظ ما سوى الرنة والوزن بل الموسيقى والشكل؛ ألوانا أيضا وروائح ~~في ما دق وشف وتماوج وفاح من معانيها. # أجل إن من الألفاظ ما تعد من الأحياء، لها من مرونة البان، وصلابة السنديان، وسلاسة ~~الماء الجاري، وشذا الرياحين وزمزمة الرعود، وصفير البلابل، وهمس النسيم، ms294 وإيماء ~~الألوان ما يجعلها لدى الكاتب كنزا في الإنشاء والإبداع. اللهم إذا كان يعرف حب الآس ~~من حب البلان، أو القمح في الأقل من الزوان، فلا يتزود من القاموس دون غربلة، ولا يغرف ~~جشعا وجزافا من كتب اللغة. # ليس الكاتب النابغة من كان يبدعيا فقط (اللفظة للأستاذ ضومط) بل من كان أيضا حسن ~~الذوق في الفنون الجميلة كلها، في الغناء والموسيقى والشعر والنحت والتصوير، فيستعمل ~~الألفاظ كما يستعمل العواد الأوتار، وينظم المعاني كما ينظم الرسام الألوان، ويبني ~~جمله مقالا كما يبني النحات نصبا أو تمثالا، ويمزج أدبه وعلمه وخياله كما يمزج ~~صانع العطور عطوره، فتجيء فيها روح الفنون كلها، أي التناسب والتوازن والتباين في ~~التشابه ، خلا الإبداع نظرا وفكرا وأسلوبا، وهذا لعمري الجمال بعينه، بل هذا شيء من ~~الكمال في الآداب. # واللغة العربية تمكن الكاتب الذي يتعشقها، فيجهد النفس في افتهام بعض أسرارها، ~~من الكثير من ذا الجمال كما برهن عن ذلك الأستاذ ضومط. بل في اللغة ذاتها براهين لا ~~تعد، وحجج لا ترد، وقد تجسمت في من تجلت لهم روحها السامية من الشعراء والعلماء. كان ~~أبو الطيب، فجاء الشعر منه في أوج الصناعة، فإن في أنيق مبانيه، وجديد معانيه، وجزل ~~ألفاظه حقيقة ما قلت. وهو في مقدمة من أحاطوا علما بكل ما في الألفاظ من أسرار ~~المعاني وأظلالها وتموجاتها فكان - في اختيارها - موسيقيا، ورساما، وعطارا، ~~ونحاتا معا. # وكان أبو العلاء، فجاءت فلسفته الشعرية، وفيها من أصالة الرأي، ودقيق النظر، ورقيق ~~الشعور، وغور الخيال، وحرية الفكر، ما جعل المستشرقين يقولون: إنه وجد ألف سنة قبل ~~أوانه. وكان الفارض، فقال لهذه اللغة الشريفة: أريد منك مادة ذهبية لأسرار إلهية، أريد ~~جلبابا هفافا لكيان خفي علي، أريد أن أبني بناء فخما لربة الحب والرؤيا، فقالت ~~اللغة: لبيك! فنظم تلك القصائد الفريدة في لبها المنقطعة النظير حتى في الدواوين ~~الإنكليزية والفرنسية التي أعرفها. ~~••• # وهل أنا أنقض ههنا ما قلته في فن الإنشاء؟ عفوا أيها القارئ ... إذا كان لي أن أتطال ~~إلى الجوزاء فأين ms295 لي أن أصلها؟ ولا تلوم البصيرة اليد في هذا العجز، ولا اليد البصيرة، ~~على أن الشوق حسنة من حسنات الطالبين ولا حد له عندهم. وإني حتى في حبي هذه اللغة ~~طالب، متصوف، فتعذرني، ويعذرني المقربون منها، إذا سرت حول بستانها هائما، وقد طالما ~~ظننت الجدار الوهاج نهجا أو ستارا، فسقطت مرات عنده كذبابة تحاول الدخول من شباك زجاج ~~مقفل. على أني تسلقت الجدار مرة؛ لجهلي مكان الباب منه، ولشدة ابتهاجي مما شاهدت سقطت ~~في عليقة تحتي. # وسرت زمنا بين العليق والرياحين، في جادة تنتهي عند كل خطوة من خطواتي، أزرع ما قد ~~لا يليق إذا نور، بعرش اللغة، زينة أو تقدمة، ولكني أؤمل أن ثباتي في ما هويت وقاسيت ~~يجعلني - في الأقل - من المقربين. فها يدي ولم تزل دامية وثوبي ولم يزل مزقا، ويشهد ~~علي سيبويه أني ما آثرت يوما ثمرة طيبة في بساتين الغرباء على زهرة اللهم ذات أريج ~~في بستانه، لا والله حتى ولا على عنقود جميل اللون والشكل من عليق علمه - رحمه الله. # 6 # وهل أدناني هذا من روح اللغة؟ لا أنكر أنه استمالني وشوقني، وعلمني - فوق ذلك - ~~السلام عند اللقاء، على أني - والحق يقال - ما رأيت غير أظلال وبعض أشعة من روحها في ~~كتب النحو والبيان، وفي القاموس اقتفيت أثرها ولم أظفر بها، وفي دواوين الشعر ورسائل ~~المترسلين، وقفت مرات عند هياكل لها فارغة، وقد تبقى عليها من الطيب، ونثر الأزاهر ~~الذابلة، وسائل الشموع، ما يثير حتى في الوثني الشوق والتوقى. وبكلمة بسيطة: إن في كتب ~~اللغة يا صديقي أدلاء فقط، وهم - وإن تعددت آراؤهم في «حتى» وسخافات شتى - يشيرون ~~إجماعا إلى الحقيقة الكبرى، وهي: أن روح اللغة في تطورها. # فها مثلا أبو العلاء: إن طريقته في النظم غير طريقة أصحاب «المعلقات» قبله وأصحاب ~~«الموشحات» بعده، وإن أسلوب البهاء زهير لغير أسلوب سمية بن سلمى، والمتنبي في بعض ~~الاصطلاحات والأوضاع غير ابن زيدون فيها، وكفى بالقارئ أن يعود إلى ما هو معلوم من ~~أطوار الشعر العربي ms296 فيبدو له من الفرق بين الجاهلين مثلا والمولدين ما لا يحتاج إلى ~~برهان. # إن روح اللغة كامنة أيضا في عادات أبنائها - أبناء حاضرها وماضيها - وأخلاقهم ~~وتقاليدهم واصطلاحاتهم العامة. والكاتب العصري من درس هذه العادات والاصطلاحات واتخذ ~~منها مادة - أو في الأقل - دليلا لإنشائه، فيجيء وفيه من المعاني والمباني ما هو جلي، ~~حي، وقريب من أفهام أبناء زمانه. ومن الخطأ أن يظن أن كل ما جاء به عرب الجزيرة إنما ~~هو منتهى الفصاحة والبلاغة، وأن استعاراتهم كلها جميلة في كل مكان وزمان. ومن الوهم أن ~~نتصور في الماضي رب العصمة والكمال، كما أنه من الوهم أن نحصر نبوغ زماننا في إحسان لغة ~~مضر وقحطان، أو في الخروج عليها. # إني من الخوارج، ولكني أحترم من الماضي ما كان موافقا الحاضر ومفيدا له، أو ما كان ~~فيه - في الأقل - حقيقة ثابتة، أو جمالا لا يغيره الزمان ولا ينكره المكان. ولست أرى ~~شيئا من هذا في كثير مما ألفناه، فلا فائدة في أن نضع لسان قحطان في فم المصري، أو ~~لسان حمير في فم الشامي، فينطقون بحرف اللغة ويعبثون بروحها، بل جل الفائدة في أن نتعلم ~~أن نقتبس روح اللغة ونتشربها مما لدينا من نفيس آدابها وأوضاعها الجميلة، ومما هو حي ~~مثمر من عادات أبنائها وتقاليدهم. # ولا شك أن اللغة العربية حافلة بالألفاظ والأوضاع التي تمكن من الإفصاح عن أدق ~~الأفكار، وأرق العواطف، وأبعد التصورات، ولكنها تقصر عند الغريب الجديد من مظاهر ~~الحياة في هذا الزمان، لذلك هي تحتاج إلى مجمع علمي # 7 # يدخل إليها بعض الألفاظ الفنية والعلمية الحديثة، ويجيز بعض الاصطلاحات ~~العامة، كما فعل في الماضي العلماء في بغداد وفي قرطبة، وهذه من ضرورات الحياة لكل لغة ~~من لغات الدنيا. # هل أجبت في هذه الجولة سؤال الأستاذ ضومط؟ ولا بأس - مهما كان من نتيجة ما قلت - ~~بكلمة أخرى فيها زيادة إيضاح، نعم، قد كتبت في اللغة الإنكليزية أصف جمال الطبيعة في ~~بلادنا كما كتبت في العربية # 8 # ولا يختلف أسلوبي في اللغتين ms297 إلا في النظر إلى الموضوع من الوجهة التي ~~تفهم ولا تستغرب تماما، وفي بعض الاستعارات والآراء الاجتماعية التي تتخلل ما أكتب؛ ~~فلكل لغة - كما قلت - روح يجتهد الطامع بشيء من شرف التأليف أن يملك بعضها، فتستملكه ~~إذا فاز وتهديه. وفي هذا الفقير إلى رحمة شكسبير والمعري روحان قضت بهما الولادة ~~والهجرة، فإذا كتبت في الإنكليزية أفكر غالبا وأعبر عن فكري على طريقة الإنكليز، ~~فلا أقول مثلا: «خيم الليل على المدينة» وأهل هذه اللغة من غير أهل الخيام # 9 # ولا أكتب باللغة العربية: «هز يده» لعلمي أن هز اليد عندنا لا يفيد ~~المصافحة، وهذا مثل واحد من أمثال لا حاجة إلى تعدادها. # إلا أني أشير إشارة إلى الفرق الأكبر بين لغتنا ولغتهم، وهو أننا ننظر إلى الأشياء ~~غالبا من خلال المحسوس فتندر الحقائق المجردة في استعاراتنا. كأننا لا نفقه المعاني ~~إلا إذا صورت أمامنا فتدركها الحواس منا قبل أن يدركها العقل، وهم ينظرون إلى ~~الأشياء غالبا من خلال المعقول فتندر الاستعارات في حقائقهم المجردة # 10 # والنادر دائما عزيز، لذلك ترانا اليوم نجل الفكر فوق كل إجلال في ~~التأليف، فنبالغ أحيانا في التجريد، وهم - رغم مدنيتهم المادية العملية - يرغبون في ~~شيء من الخيال ويرتاحون - بالأخص - إلى الاستعارات الشرقية، أو ما استطاعوا رده منها ~~إلى لوح الوجود العام فيفهمونه. # أما الاستعارات المنوطة بمظاهر الأخلاق في الأمة وبعاداتها وتقاليدها فلا يفهمها ~~غالبا غير أبنائها، ولا تروق سواهم، والترجمة الحرفية من لغة إلى أخرى سمجة مستهجنة. ~~وأسمج منها التقليد في المحسوس دون المعقول، في الحرف دون المعنى. هذا المتنبي مثلا - ~~وله بين الشعراء عندنا المقام الأول - فلو ترجمنا بعض غلوه في مدح سيف الدولة الذي لا ~~تغيب الشمس إلا بإذن منه، ولا غرو فهو رب الأفلاك وقاهر النجوم؛ لضحكت من ترهاتنا ~~الأمم. # وقد زعموا أن النجوم خوالد # ولو حاربته ناح فيها الثواكل ~~(شيء محزن!) # فما كان أدناها له لو أرادها # وألطفها لو أنه المتناول ~~(شيء مضحك جدا!) # بيد أن من غلوه ما لا يبكي ولا ms298 يضحك، بل من غلوه ما هو جميل ومؤثر جدا؛ ~~لأنه مبني على حقيقة في الحياة يخبرها كل من تعددت أحزانهم فلا يبالون بالجديد منها، ~~ولا أظن أن شكسبير أو ملتن أو هوميروس أبدع في وصف هذه الحال من حالات النفس إبداع ~~المتنبي إذ قال: # رماني الدهر بالأرزاء حتى # فؤادي في غشاء من نبال # فصرت إذا أصابتني سهام # تكسرت النصال على النصال # على أن شكسبير لا يستعير في هذا المعنى النبال للغشاء، ومع أن ما يسمونه في ~~الإنجليزية المجاز المتباين يكثر في شعره فهو يتحرى غالبا التناسب، فلا ينسج غشاء من ~~الحراب أو من مادة صلبة. وشعراء الإفرنج أكثر تناسبا، وأقل غلوا، وأقرب معقولا في ~~استعاراتهم وتصوراتهم منا، إلا إذا جاءت في باب المجون والهزل، أما نحن فنجد حتى في ~~«محاربة النجوم». ~~••• # وليست هذه أكبر عيوبنا اللغوية، قلت في بدء كلامي إني أتعشق هذه اللغة، فلي فيها ~~إذا أمان يجوز الإفصاح عنها، وأماني الآن ثلاث لا غير، قد ذكرت القاموس، ونبهت إلى ~~الألفاظ الفنية، وأشرت إلى أبي العلاء، فمن أماني إذا: # أولا: # أن يعاد تأسيس مجمع علمي؛ لينظر في ما تحتاج إليه اللغة من الألفاظ ~~الجديدة الفنية والعلمية، فيجيزها بعد إعرابها وينشرها. # ثانيا: # أن يطبع المجمع العلمي أو إحدى شركات الطبع قاموسا عصريا مجردا ~~من الألفاظ الوحشية والمترادفات البدوية والأمثال التي لا تنطبق على ~~حياتنا اليوم، قاموسا مجردا بالأخص من المواد البذيئة كلها، ولا أريد ~~بهذه إسقاط ما قد يتبادر إلى الذهن من المفردات الجنسية، بل أريد - وكل ~~من لجأ إلى القاموس من الكتاب يعلم ما أريد ... هل تخلو صفحة منها؟ وكم ~~من مادة لا تبدأ إلا بها؟ أوما حان لنا أن نعفو تلك «الناقة» وتلك ~~«الجارية» المسكينة من الخدمة في القاموس؟ عار والله علينا - وآداب ~~لغتنا تعد من آداب العالم الخالدة - أن تظل قواميسنا حافلة بالوحشيات ~~والبذاءات، وها أننا بدأنا نشعر بوجوب تعليم البنات وتهذيبهن، والمدارس ~~المختصة بهن تزداد عددا يوما فيوما، فهل بين قواميس اللغة ما يليق ~~أن يستعملنه ms299 في دروسهن، أولا يحيط الكاتب علما باللغة إلا إذا حفظ ~~الأمثال المضروبة بالناقة والجارية كلها؟ إن أمنيتي الكبرى أن أرى قبل ~~أن أموت قاموسا عربيا عصريا نظيفا. # ثالث أماني: # أن ينشر أحد الطابعين منتخبات من لزوميات المعري؛ لأن فرائده ~~الشعرية، ودرر فلسفته العقلية، تضيع في الكثير مما تكلفه من الترهات ~~اللغوية، ومما تنحصر أهميته في أحوال زمانه، لذلك يقل من يطالعون ~~اللزوميات، ويكثير من لا يقرنون المعري بغير الكفريات، فلو اخترنا من ~~المجلدين الضخمين ألف بيت مثلا ونشرناها في كتاب جميل، لمكنا ~~الكثير من العلم بشعره علما لا ينحصر ب «غير مجد في ملتي ~~واعتقادي.» # و«في اللاذقية ضجة» بل يتجاوزها إلى بليغ حكمته، وسمو فلسفته، وجميل أدبه، ولا يظن ~~أني أريد مجرد ما تدعى منها بالكفريات، لا والله، بل أريد مثل هذه الأبيات: # فلتفعل النفس الجميل لأنه # خير وأحسن لا لأجل ثوابا # والغيث أهنأه الذي # يهمس وليس له رعود # أرى اللب مرآة اللبيب فمن يكن # مرائيه الإخوان يصدق ويكذب # فشاور العقل واترك غيره هدرا # فالعقل خير مشير ضمه النادي # ومثلها كثير من الحقائق والحكم التي لم ينطق بها نوابغ الإفرنج ولا ألفها ~~الأوروبيون إلا بعد ألف سنة من زمن كانت معرة النعمان فيه كعبة الأدب والشعر والعلم، ~~وكان أبي العلاء ربها «الضرير» البصير! # | تعددت الأسماء والظلم واحد1 # في التاريخ حقائق ينشرها الزمان - أضرت أو نفعت - وإن حاول كتمانها الإنسان. ينشرها ~~الزمان في إعادة الحوادث الأليمة والنهضات السياسية العظيمة. ومن هذه الحقائق أن من ~~الشعوب، قديما وحديثا، في الشرق وفي الغرب؛ من حاولوا مرارا أن يزيلوا بالقوة ما ~~في الحياة من نقص وزيادة، من أثرة وامتياز، من ضعف وقوة، من فقر وغنى، فكسروا نير ~~الطاعة وأبوا الخضوع لسيادتي الشرع والدين، بل طالما خاض الشعوب بحرا من الدم والأهوال ~~توصلا إلى ما كانوا يظنونه كمالا في الأحكام ومساواة بين الأنام. # أما زعماء هاته النهضات - نهضات المساواة إكراها - فلا شك أنهم ينشئون صادقين ~~ويعملون بادئ أمرهم مخلصين، لا شك أنهم يعتنقون مبادئ الكمال ms300 في الاجتماع والدين ~~مقتنعين لا مخادعين، ويقيمون أنفسهم أسياد حكم جديد، ورسل خير عتيد، علما منهم أن لا ~~فوز بلا قوة ولا قوة بلا حكم مهما كان. # ولكنهم لا يلبثون أن يسيئوا استخدام القوة التي يلقونها طوع مشيئتهم في شعب ثائر وفي ~~حكم لهذا الشعب جديد، أجل إن السيادة لتستغويهم فتغرهم، فتلعب بمطامعهم، فينقلبون وأيما ~~انقلاب لا على الشعب مصدر سيادتهم فقط بل على المبادئ ذاتها التي من أجلها امتطوا صهوة ~~السيادة، يتلونون حينا ويتطورون أحيانا، ويمسخون في النهاية، فيتركون في التاريخ ~~أثرا يذكر، ولا يشكر؛ إذ يجعلهم في صف الأتوقراطيين إذا كانوا من الفائزين، أو يحشرهم ~~إذا فشلوا مع رسل الشعب الكاذبين. # وهم في كلتا الحالين يستخدمون القوات السلبية في الاجتماع - قوات التجريد والتدمير - ~~لنيل مآربهم، مدعين أن في ذلك تحقيق آمال المولدين الكماليين، وكأنهم يقولون: لا بدعة ~~بلا خربة تقوم عليها، ولا كمال بلا اضمحلال ينشأ عنه. ولكنهم بدل أن يبنوا هيكل الإخاء ~~والمساواة، هيكل الحقيقة والكمال، على خرائب الهيئة الاجتماعية التي دمروها يؤسسون ~~حكما جديدا، لا في عدله بل في توزيع عدله. والتاريخ شاهد على ذلك، وحوادث الزمان ~~الحاضر كذلك، (البلشفية اليوم تظلم طبقات من الناس عديدة لتعدل في طبقة واحدة، طبقة ~~العمال، وعدلها هذا من نوع الانتقام) هذا ما أريد بالحكم الجديد في توزيع عدله ~~فقط. # أما الحلم بالكمال الذي يمثل للإنسان حكما تاما في عدله، مستويا في ناموسه، ~~شاملا في خيره، الحلم الذي يستنهض الشعوب من رقاد الأجيال والعبودية، ويدعوهم إلى ~~الثورة والقتال، الحلم الذي يضرم فيهم نار الجهاد ويشعل في صدورهم نور الأمل، ويقودهم ~~راغبين إلى الضحية، إلى الاستبسال، إلى الشهادة، إلى الموت، بل إلى التدمير والتخريب ~~بالسيف والمشعل؛ إن هذا الحلم لحي خالد في التاريخ، يجدد الجهاد من حين إلى حين في ~~الأمم، ويبعث الآمال في الشعوب، وهذا المبدأ مبدأ «الرجعيات الأبديات» لا ينفصل - على ~~ما يظهر - عن مبدأ «التعمير بالتدمير». # علينا أن ندون حقيقة أخرى، فمهما كان من إخلاص زعماء النهضة المؤسسة ms301 على هذين ~~المبدأين وطموحهم، ومهما كان من تطرف رسل المساواة وتوحش رسل التدمير فإن الأمة ~~التي يقلبونها ويبلبلونها تعود عاجلا أو آجلا إلى رشدها فتقيم القسط، وتعزز الشرع ~~والنظام، وتؤسس على مبادئ العدل والارتقاء حكما جديدا، يكون عدله أتم - وإن كان لم ~~يزل ناقصا - من عدل الحكومات السابقة. إذ إن الأمة التي تخوض عباب الثورة تكتسب قوة ~~أدبية وروحية توازي بل تفوق ما خسرته من قواها المادية. # وهذه الحقيقة في الثورات هي شواذ القاعدة، ندونها مسرورين حامدين رب العالمين، أما ~~القاعدة ذاتها التي يثبتها كذلك التاريخ هي أن كل نهضة سياسية، أو ثورة اجتماعية، حاولت ~~تأسيس حكم بالمساواة والإخاء بالقوة، بالسيف والخنجر، بالحراب والمدافع، حتى بتأليف ~~الجوالي الاشتراكية، كان نصيبها من وجهة الكماليين الفشل التام. # والمتطرفون في هذا السبيل، مهما كان من فوزهم الموقت وسلطانهم البائد، يتدرجون ~~غالبا في طريق سلكها كل ظالم في الدنيا، وكل مشعوذ في الدين، وإن إثمهم الأكبر لا ~~ينحصر في دفع الشعوب إلى مهاوي الفوضى والأهوال، بل يتجاوزه إلى حد تتدنس عنده المبادئ ~~الكمالية التي يودون تأسيسها على القوات السلبية في الأمة، قوات الشك والنفي والجهل ~~والعصيان، والقوات السلبية لا تولد شيئا صالحا يدوم طويلا. # وهذه حقيقة من الحقائق التي ينطق بها التاريخ قديما وحديثا، كما سيرى قراء هذا ~~الكتاب؛ إذ نقص عليهم قصص النهضات الفوضوية، البلشفية، في الشرق الأدنى وفي أوروبا، على ~~كل سيادة دينية كانت أو مدنية أو أدبية. والفرق بين تلك النهضات ونهضات اليوم هو في ~~المحيط وفي الأسماء فقط، وأن رسل الكمال، وإن شئت قل: رسل الأهوال، هم هم قرامطة كانوا، ~~أو حشاشين، أو بلشفيين، تعددت الأسماء والظلم واحد. # ومن ينكر أن الظلم سبب كل ثورة وجهاد؟ ولكن الظلم في الماضي كان متجسدا في الملوك ~~والكهان، وهو اليوم متجسد في الزعماء والسياسيين، أجل، قد كان الأمراء ورجال الدين ~~أسياد الناس في الماضي، أما اليوم فأسيادنا أرباب المال وزعماء العمال. وفي كلتا ~~الحالين الأمة التي تسود فيها الأثرة، إن في الصناعة أو ms302 في الأحكام، تلجأ - بعد صبر ~~طويل - إلى التطرف بالمطالب المادية المؤسسة على القوات السلبية في الناس، قوات التجريد # 2 # والتدمير. # | الثورة الحقيقية # أنا عربي شرقي ثوروي، عربي اللسان، شرقي الروح، ثوروي المبدأ. عربي لا يكره الترك، ~~وشرقي لا يزدري الغرب، وثوروي تهمه الكعبة مثلا أكثر مما يهمه الدستور. أنا ثوروي روحي ~~وإخواني - وإن قل عددهم - كثيرون، وسلاحنا من الله لا من معامل أوروبا، سلاحنا كلمة ~~نقولها، رأي نبديه، بذرة نزرعها في قلوب الناس. # أنا عربي جنسيتي على لساني وفي وجهي وطي أضلعي، أنا عربي، رمل البادية عزيز عندي ~~كدم أبنائها وسيئات العرب أجمل في نظري من حسنات عبيد التمدن، أنا عربي، ماضي بلادي حي ~~في فؤادي ومستقبلها نور من أنوار إيماني ، وإن قيل: حلم هو فنعم الحلم أحلمه صباح مساء ~~عند إشراق الشمس وعند غروبها، وقد يحلمه في نومهم سواي من أبناء العرب فينسون أنهم ~~يحلمون مثل هذا الحلم الجميل أو أنهم يتناسون فيموهون. # أنا عربي أحلم بإحياء مجد العرب - في ظل الدستور كان أو في ظل أعدائه - لا فرق عندي، ~~وما الدستور وما الحكومة سوى آلات في يد علوية لا ترى، فإذا انكسرت الآلة مثلا أو ~~تعطلت يجددها صانعها اليوم ويستأنف العمل غدا، ومتى نورت أشعة الشمس زهرا، وأثمرت ~~روائح الربيع ثمارا، واستحال رمل البادية تبرا، وظلمة أديانها نورا، وخيام أبنائها ~~قصورا؛ قل صح حلم حلمناه وتحققت آمال علم علمناه وعلمناه، ونحن في زمن عجيب ~~تصح فيه أكثر أحلامه، وتنبئنا لياليه بغرائب أيامه. # في شمس البادية ورمالها شيء من مجد الأجداد لا يموت، وفي روح الزمان السامية علم لا ~~تصد تياره الصحاري ولا تتجهمه الجبال، وعندما يقرن الله بين هذا الذي لا يصد وذاك الذي ~~لا يموت - بين العلم الصحيح وهمة العرب الشماء - قل صح حلم صوره العقل والخيال ونفخت ~~فيه الحقيقة نسمة الحياة والجمال. # أنا ثوروي أوقف حياتي لثورة سلمية حقيقية لا لثورة كاذبة سياسية، أدعو الناس إلى ~~ثورة أفكار وأخلاق وآداب وأديان، أقول وحقا ما أقول: إن ms303 إصلاح الشرق والشرقيين يتوقف ~~على مقدمتين جوهريتين بدونهما تظل نهضاتنا مناهضات غايتها السيادة والإثراء، وينحصر ~~إصلاحنا في تغيير الثياب والأعلام والأسماء. # إن في تصفية الدين وفي التفريق بينه وبين السياسة مقدمتين جوهريتين للإصلاح الحقيقي ~~الذي يبتدئ في وفيك أيها القارئ، ويتدرج إلى سوانا، إلى أولياء الأمر فينا، إلى ~~رؤسائنا وحكامنا. أصلحوا الحياة في البيت وفي المدارس وفي المعابد تصلح الحكومة، ليصلح ~~كل فرد نفسه فيصلح المجموع. قلت هذا مرارا، وسأقوله دائما في مثل هذا ~~الموضوع. # أنا عربي حر، وليست حريتي من فضل الدستور ولا من مكارم إخواني الأتراك، حريتي من ~~الله، وإذا فقدتها فأنا المسئول في ذلك لا الحكومة. ومتى بدأ الشرقي يشعر أن حريته من ~~الله لا من الحكام والرؤساء ، وأن دينه لله ولا شأن فيه للعلماء، والمتنطعين؛ بشر ~~الشرق إذ ذاك بنهضة اجتماعية حقيقية عظيمة. # لست بناكر أن في الشرق اليوم نهضة فكرية بدت آثارها في أطرافه وفي أواسطه في اليابان ~~وفي الهند والصين وفي بلاد العرب، ولكنها مادية سياسية ولدتها تجارة الغربيين وشيدت ~~أطماعهم معالمها. بل هي نهضة نرى للأوروبيين فيها اليد الطولى فهم القابضون على زمامها، ~~وهم أسياد زعمائها، ومع ذلك نرى فيها ثمرة قد يجنيها أبناء البلاد إذا أصلحوا أخلاقهم ~~ونبذوا ربقة المتنطعين من رجال الدين، والمستأثرين من الحكام، والمشعوذين من السياسيين، ~~ونهضوا مسلحين بحرية حقيقية هي منحة الله لا منحة الدستور. أما هذه الثورات السياسية ~~التي يضرم نارها أصحاب الأطماع والسيادة ويشن غاراتها ذوو الزعامة الدينية؛ فلا خير ~~فيها لأحد من الناس. # هذه ثورة اليمن مثلا، فهي مهلكة للترك وللعرب، هي ثورة أحقاد جنسية وأغراض سياسية، ~~فريق فيها سلاحه الأثرة وفريق سلاحه الجهل، نرى الأتراك فيها يضربون أعناق البدو بسيف ~~الحرية، ويحشون أمعاءهم بقنابل المساواة، ونرى العرب وزعماءهم حاملين على الدستور باسم ~~الخلافة والدين، فأين العدل إذا في سياسة الترك وأين العقل في ثورة العرب؟ لا - وربي ~~- إن الحق في هذه الفتنة محتجب احتجاب الشمس إبان الزوابع والأعاصير، ومهما كانت ~~نتيجتها فلا يستقيم الأمر ms304 ويمهد سبيل الثورة الحقيقية - أو بالحري الانقلاب العظيم - ~~إلا إذا أصلح الترك سياستهم وفهم العرب دينهم. # الثورة الحقيقية - ونحن من أنصارها، من رسلها - إنما هي التي يزرع الزمان بذورها في ~~قلوب الناس وفي عقولهم، بل هي التي يشعل الله نورها في أرواح البشر، هي الثورة التي ~~يتقدمها ري العراق مثلا وسكة الحجاز، وحرية الطباعة، والتجارة والتعليم، هي التي تنمو ~~في الجامعة نموا هادئا ثابتا بطيئا كما ينمو النخيل في الرمال. هي التي تبتدئ في ~~البيت، وفي الحريم، وفي المدارس والمعابد. هي التي يحمل بنودها أصحاب الآراء السديدة ~~وأنصار المبادئ القويمة الجديدة، هي التي تنشر راية العلم الصحيح في معاهد التعليم ~~وراية الحق في دوائر الحكومة، هي التي نفادي من أجلها بأرواح أحرار لا غرض لهم في تعشق ~~الحرية غير تعميم نعمائها بين الشعوب. # الثورة الحقيقية، أو بالحري الانقلاب العظيم هو الذي يساعد في ارتقاء الأشياء والحياة ~~مما هي إلى ما ينبغي أن تكون. مثل هذا الانقلاب يصلح حال الترك ويصلح حال العرب، بل ~~يصلح الشرق كله والشرقيين. # الولايات المتحدة: آزار سنة 1911 # | حكومة المستقبل # حكومة صغيرة إلا في عدلها، حكومة محدودة إلا في صلاحها، ادع إليها الناس، وبشر بها ~~الناس، سيحبل بها الفجر، سيلدها النور، فتترعرع في حجر العلم، وتتغذى من ثدي الأدب ~~والدين. هي آتية وكل آت قريب، حكومة جغرافية طبيعية لا أمر فيها ولا كلمة لغير من نشأ ~~في أرضها، بشر بها الناس. حكومة أدبية روحية لا أثرة فيها لغير الحق ولا سيادة لغير ~~الأمانة والإخاء والسلام، ادع إليها الناس. وسيكون حكامها من أمراء الحكمة والفلسفة ~~والفنون، وسيكون شعارها: الحكومة للرعية لا الرعية للحكومة. بشر الناس بحكومة ~~المستقبل. ~~••• # على أن بعض السياسيين والاقتصاديين يعتقدون أن العلم في اكتشافاته واختراعاته ليضمن ~~في المستقبل سلامة الممالك العظيمة، بل يعتقد غلاة القائلين بفضل الاستعمار الدولي أن ~~المستقبل إنما هو لمثل هذه الممالك المترامية الأطراف، الرافعة راياتها ومدافعها فوق ~~السود والصفر والبيض من الشعوب، وأن الممالك الصغيرة ستنقرض انقراضا قليلا قليلا، ~~فتتوارى ms305 جنسيتها في جنسية الغالبين السائدين، ويتلاشى استقلالها في ظل من في أيديهم ~~اليوم صولجان العلم وصولجان الثروة. وبعبارة أخرى: ستجذب الممالك الكبيرة الممالك ~~الصغيرة فتبتلعها كما تجذب المذنبات النيازك. وأحوال شعوب الأرض المستضعفة تؤيد اليوم ~~هذا الرأي، تؤيده إلى حين، تؤيده إلى أن يشرق عليها نور العلم الصحيح والحرية ~~الحقيقية، والعلم والحرية لا جنسية لهما. ليست الحرية ملك آبائكم أيها الرافعون في ~~بلادكم منارها، السادلون في مستعمراتكم ستارها، إنما أنتم واثقون بمن قد يخونكم، وما ~~خان العلم إلا من أساء استخدامه، اليوم يخدمكم يا أسيادي وغدا يخدم عبيدكم وأعداءكم. ~~وحين يقبل العلم بوجهه على الشعوب الصغيرة المستضعفة يكبر رويدا رويدا قصدها، ويشتد ~~ساعدها، فتنتبه إلى كنوز أرضها ومعالم ثورتها، وحسبها أن ترى في البد، مطلع العلم ~~والحرية؛ إذ ما من أمة وقفت في ضياء الفجر فآثرت على الإقدام الرجوع إلى ~~الظلمة. # وقد فات أولئك السياسيين والاقتصاديين أن الممالك إنما تقوم بالرجال، وبالفكر، ~~وبالطاعة، وأن رجال اليوم لا ينصرون الحكومة قلبا وقالبا، ولا يخدمونها، ولا ~~يطيعونها، إن لم يكن لهم فيها ومنها منفعة خصوصية. جرد الدولة البريطانية من ~~مستعمراتها مثلا، فتتزعزع الحكومة في لندرا، وينهض جيش عرمرم من سباهلة المأمورين، من ~~أبناء الدواوين المقفلة، فيقلبها ويدك عرشها في ليلة واحدة. بل جرد المستعمرات من جنود ~~الاحتلال فتعود السيادة دفعة واحدة إلى أصحابها الشرعيين، لا، ما لي والشرعيات وجل ~~العاملين فيها إن كان عندنا - أو عند الأوروبيين - يؤثرون خير السائدين على خير ~~المسودين، ويرفعون على مصلحة الأمة مصلحة الأعيان والمتمولين. لو فرضنا إذا أن ~~جنود الدول الأوربية عصوا في المستعمرات أوامر ضباطهم وحكوماتهم؛ تعود السيادة ~~عاجلا إلى أصحابها الطبيعيين - والحقوق الطبيعية قبل الحقوق الشرعية - ويتقلص ظل ~~الممالك الضخمة العريضة حتى مراكزها الجغرافية الأصلية. # أجل، إن الدول العظيمة، ذات الشوكة والصولة والاقتدار تعود دولا صغيرة إذا عصى الجيش ~~أوامرها، بل تتقوض أركانها إذا ولت بدل أبنائها في المستعمرات رجالا منها، أي: من ~~البلاد التي ترفع فوقها أعلامها ومدافعها. ولا أشك في أن رؤساء ms306 الدوائر وأبناء الدواوين ~~- بل عبيدها - إذا عزلوا اليوم يصبحون غدا في قاعدة بلادهم من معاندي الحكومة ~~ومنابذيها، فالقوة المؤسس عليها مجد هذا الملك الضخم العظيم إنما هي قوة اصطناعية ~~تزول رويدا رويدا كلما ازداد انتشار العلم في الشعوب والأمم. ~~••• # كلما ازداد المرء قوة من نفسه كبر قصده وعظمت همته، قف معي عند هذا، قلت كلما ازداد ~~المرء قوة من نفسه، ولم أقل: من الحال التي هو فيها - من أصحابه أو محبيه، أو من منصبه، ~~أو من ثروته - بل من نفسه، من داخل قلبه، من ذلك المصدر الخفي الإلهي الذي لا تبلغه يد ~~الناس ولا يد الحكومة. كلما ازداد من مثل هذه القوة الحقيقية ابتعد عن كل قوات العالم ~~السياسية الخبيثة. وبكلمة أخرى : إن المرء، متى نشأت فيه طبائع الحرية الفردية الروحية، ~~لينفر من هاته الطواحين السياسية التي تحاول طحن إرادته وسحق ذاتيته الروحانية ~~العالية، وأننا لنرى اليوم شيئا من هذا التمرد والتنابذ في من هم أساس الملك وعموده، ~~في الجنود وفي الجماعات. # كان الخوارج في صدر الإسلام يقولون: لا حكم إلا لله. وهذه كلمة حق قالها أناس قوة ~~أسيادهم من الجماعة لا من أنفسهم، وقوة تلك الجماعة نشأت في تلك الأيام من أحوال ليست ~~طبيعية، كانت للخوارج يوما وعليهم أبدا؛ وذلك لأن الكلمة الكبيرة: «لا حكم إلا لله» ~~كلمة لا يحق لجماعة ما اتخاذها دستورا إلا إذا كان أسياد - بل أفراد - تلك الجماعة ~~في درجة من الرقي يعرف فيها كل نفسه، ويعرف حقيقة الله كما تتجلى في الأكوان، وفي ~~الأشياء، وفي الناس، ويعرفون فوق ذلك أن من يخدم أخاه الإنسان من تلقاء نفسه إنما هو ~~خادم نفسه. # لا حكم إلا لله، يحق لي أن أقول هذا القول متى كانت سنة الله ثابتة في، سائدة ~~علي، آخذة بمجامع قلبي وعقلي، مشترعة لنفسي، مقضية في أعمالي أبدا وأقوالي. وما هي ~~سنة الله؟ في كتب الدين نجدها، وفي كتب العلم، في سفر التكوين، وفي سفر الفيزيولوجيا، ~~في علم الصحة، وفي علم الأدب، في ms307 نذر الأنبياء، وفي نصح العلماء نجدها، في النملة وفي ~~الأفلاك وفي الإنسان نجدها، على أن هذا ليس من مبحثي الآن. # ومثل ما قال الخوارج في صدر الإسلام: لا حكم إلا لله، يقول المصلحون في أروبا اليوم ~~لا حكم إلا للجماعات، ويالها من جولة أسمعتنا نعيق الزعماء في الأرض بعد أن أرتنا ~~قبسا من الإنسان في السماء. وإني لأجد في هذا السقوط من العلويات الإلهية إلى حضيض ~~الجماعات شيئا من التقدم والتحسين في الأحكام، اللهم إذا كانت أنفس الزعماء والمصلحين ~~كأنفس الخلفاء الراشدين وأمثالهم. على أن ما قلته في الخوارج يصح نوعا في الجماعات، بل ~~قد يكون الصلاح والأمانة والإخلاص في زعماء الجماعات أقل جدا مما كان منها في زعماء ~~الخوارج، ولكن الأحوال التي تكتنف الجماعات اليوم وتتكيف في حياتهم تكثر فيها وسائط ~~التهذيب والتربية، وإذا كانوا غير أهل لأن يقولوا اليوم كلمتهم المشهورة ويتخذوها ~~شعارهم، فهم أهل لذلك غدا. أجل إن يومهم لآت وإنه على الممالك العظيمة الأثيمة ليوم ~~شديد عصيب. # الملك يضعف بالنسبة إلى ازدياد عدد الأفراد الأقوياء الأمناء في الجماعات، أولئك ~~الذين يزدادون قوة من باطن حالهم، من أعمالهم، من حريتهم، من صلاحهم، فيحررون أنفسهم ~~ولا يكون في ذلك شيء من الفضل لأحد من الناس سواهم، أولئك الذين يرفعون ذاتيتهم ~~الروحانية الأدبية فوق كل سلطة مادية تحاول قتلها أو إيقاف نموها. أولئك الصالحون ~~المتمردون كلما ازداد عددهم في العالم ضعفت الممالك الطاحنة وتقلصت رويدا رويدا ~~أظلالها المهلكة. # وهذا ما يثبتني في اعتقادي أن المستقبل إنما هو للحكومات الصغيرة، الكبيرة في عدلها ~~ونزاهة ولاتها، للمالك الحقيرة القويمة المنهاج، لا لتلك العظيمة الأثيمة. ولا يدهشنك ~~قوي أن الحكومات المحلية المستقلة كل الاستقلال، بل الحكومات المدنية المركزية هي التي ~~لا بد للأجيال الجديدة المستقبلة منها، وإني لمؤكد أن مدنية المستقبل إنما هي تلك التي ~~تكون حكوماتها منها وفيها ولها على الإطلاق، وتكون صغيرة محدودة لا أطماع سياسية لها ~~ولا دولية، حكومة محدودة إلا في صلاحها، حكومة صغيرة إلا في عدلها، حكومة ms308 أدبية روحية ~~لا أثرة فيها لغير الحق، ولا سيادة فيها لغير الأمانة والسلام، حكومة أساسها هذه ~~الكلمات: إنما الحكومة للرعية لا الرعية للحكومة. # وهذه في مدنية المستقبل حكومة المستقبل، وهي كائنة اليوم جنينا في الشعوب الصغيرة ~~وفي الجماعات، هي كائنة وكل كائن آت، هي آتية وكل آت قريب، فادع إليها الناس وبشر بها ~~الناس. # | الصوم # للصوم أسباب صحية واقتصادية ودينية، منها طبيعة الإقليم، والقحط في الأحايين، ~~والأدواء التي تتفشى دائما في الربيع. والغاية من جعله طريقة دينية هي - ولا شك - ~~تعميم فوائده، فالناس في الماضي لم يكونوا ليعرفوا من المفيد والمضر إلا ما أوجبه ~~الدين أو أجازه أو أبطله، لذلك أدخل الحكماء والمتشرعون الصوم في الأصول الدينية، ~~والوثنيون أول من فعلوا ذلك ، ومن المعلوم أن قواعد الدين وأصوله مبنية كلها على مبدأ ~~الثواب والعقاب، على جنة وجحيم في غير هذا العالم، ومعلوم أن كل عمل يعمله المرء إنما ~~جزاؤه منه وفيه، فإذا عمله لغير ما فيه من الفائدة الناشئة عنه يمسي تقليدا مضرا ~~فاسدا. # أذكر أني قرأت عن إحدى قبائل الهند أنها كانت تصوم صوما طويلا مضنكا فكان العدو - ~~عدوها - يغتنم هذه الفرصة فيغزوها بعد صومها ويتغلب عليها. إن مثل هذا الجهل، ومثل هذه ~~المبالغة في إماتة النفس وإنكار الذات، ليفسد في الصوم غايته الأصلية الأولى. # وفي قواعد الأزدرشتيين على المجوسي أن يصوم بل يطوي بضعة أيام في الربيع، وكل على ~~طاقته، وهم لا يزالون مثابرين على الصوم ومنهم من يسعى لنشر هذا المذهب في أميركا ~~اليوم، ويدعى دينهم المجوسي الجديد «مازده» وهو دين فلسفي إلهي. وقد اجتمعت هنالك ~~ببعض المزديين وطويت على طريقتهم بضعة أيام في الربيع فرأيت في العادة فائدة كبرى ~~فاتبعتها، ومن الأميركيين أنفسهم من يطوون عشرين وثلاثين يوما، وقد قال ابن خلدون إنه ~~يعرف، أو إنه سمع ممن يعرفون، أناسا يطوون أربعين يوما وما يزيد. # أما التنحس - أي: الانقطاع عن اللحم - في الصوم فأصل الطريقة من الهند، ونذكر أن أبا ~~العلاء المعري اتهم بدين البراهمة لتنحسه ms309 أربعين عاما، وفي أوروبا وأميركا اليوم ~~طائفة كبيرة من المتنحسين، وفي لندن وباريس وبرلين مطاعم مآكلها كلها من البقولات ~~والخضر والحبوب مطبوخة وغير مطبوخة. # الصوم إذا والتنحس مبادئ صحية فلسفية أدخلها الحكماء في قواعد الدين ليستفيد بها ~~الناس أجمعون، ولا ننكر أن للصوم فوائد معنوية روحية فوق فوائده الصحية، فهو يعلم المرء ~~استخدام إرادته وضبط نفسه، ويعوده إنكار الذات واحتقار اللذات، ويعده أيضا في بعض ~~المذاهب بغفرانات لا علاقة لها بمعناه الروحي ولا بفوائد الصوم الصحية. # فالصوم والتنحس مدة محدودة يطهران المعدة والدم ويهيئان الجسم إلى فيضان الحياة في ~~الربيع أو ما يسميه العامة «جري الماء» الذي يعم كل حياة آلية من نباتية وحيوانية، في ~~فصل الشتاء تتقلص نوعا العروق والشرايين ويبرد الدم ويخمد فيبطأ في دورانه ثم يجيء ~~الريع فتلين العروق وتتمدد فيصعد الصبيب في الأشجار وتتجدد السرعة والنشاط في الدورة ~~الدموية في الحيوان والإنسان، فإذا كانت المعدة خامدة - ولا بد من خمودها إذا أشغلت ~~كثيرا أيام تبطأ الدورة الدموية - وإذا كان الدم بطيئا في سيره لا يحمل كل ما تهيئه ~~المعدة من الغذاء فيكثر عند دخول الربيع الأخلاط في الجسم والنفاط؛ لذلك كان الأقدمون ~~الذين لم يهتدوا إلى طريقة الصوم يلجئون إلى الحجامة والفصادة كل ربيع، وفي البلاد ~~المتمدنة حيث أبطل الصوم يكثرون من المساهل والمرطبات. ومن الغريب أن اللبنانيين اليوم ~~- وهم يصومون صياما طويلا - لم يزالوا يفتصدون في الربيع، ولست أدري لم الفصادة إذا ~~واظب المرء على الصوم وأحسن طريقته أي: جعل الغاية منه علمية صحية، فيقلل الأكل وينقطع ~~عن اللحم ويكثر الرياضة، وإني لأعجب ممن يصومون إماتة وورعا ويجعلون إفطارهم مقدار ~~غدائين وثلاثة، فيأكلون الظهر أو بعد نصف الليل كالرومانيين في مآدبهم، فأين الفوائد ~~الروحية والصحية من مثل هذا الصوم؟ # ولعمري إن الذنب في هذا الصوم المضر ذنب أرباب الدين ولهم ما لهم من السلطان على ~~أرواح المؤمنين وأبدانهم، فكان ينبغي عليهم أن يعلموا الناس كيفية الصوم ويشيروا إلى ~~فوائده كلها المادية والروحية، ولكن أرباب الدين ms310 اليوم يمالئون الناس في أميالهم ~~ويتذرعون بأسباب تافهة ليعفوا المؤمنين إذ لا يستطيعون إكراههم. # أخذت الكنيسة الكاثوليكية هذه الطريقة طريقة الصوم عن الديانة الوثنية وأخذت عنها ~~طرقا أخرى مفيدة قبل أن تغلبت عليها، أما مغزى الصوم الديني وأهميته فالفضل فيهما ~~لسياحة المسيح أربعين يوما في البرية. ولم يكن له - أي: للصوم - في أيامه الأولى شبه ~~وجه من الإماتة التي تبطل اليوم معناه، ولم تكن محدودة أيامه، بل كان كل إنسان يصوم ~~طاقته يوما أو يومين أو أربعين يوما وفي الجيل الخامس لم يتجاوز مدة الصوم عند ~~المسيحيين الستة والثلاثين يوما ثم صارت إلى الخمسين وثبتت عليها عند اللاتين، أما ~~الكنيسة الأرثوذكسية فلم ترض بصوم واحد واثنين بل جعلت أصيامها ثلاثة مدة اثنين منها ~~كل أربعون يوما. # ومن أهمل الصوم في الماضي كان يحرم نعما روحية عديدة ويعاقب فوق ذلك عقابا ~~شديدا، وفي عهد «شرلمان» كان يحكم بالموت على من لا يصوم الصوم كله، ومن أهمله مرة أو ~~مرتين تقلع أسنانه. # أما اليوم فلا خوف على أسنان من لا يصوم ولكن الخوف كله على معدته وآدابه. # وجدير بالذكر أن الكنيسة الإنكليكانية لم تزل تواظب على الصوم مواظبة شديدة، ولذلك ~~أسباب لا صحية على ما أظن ولا روحية، معلوم أن إنكلترا بلاد بحرية والسمك فيها كثير ... ~~وكم من طريقة وثنية أفادت تجارة مسيحية! # وعندي أن الأحكام القديمة في الصوم خير من هذا التساهل الذي أضاع مزيته الدينية ~~وفوائده الصحية معا، وهذا مما يدعو إلى الأسف، فحبذا المؤمنون لو صاموا صوما علميا ~~صحيا، فقللوا من الأكل، وأكثروا من الرياضة، وانقطعوا عن اللحم، ليريحوا المعدة ~~ويطهروا الدم قبل فيضان الحياة في الربيع. # | هباسيا # مهد العلم الحديث # ألقي الرواية جانبا، سيدتي، فأقص عليك قصة حقيقية، محورها المرأة والعلم وقطرها ~~الظلم والتعصب، تعالي معي أحدثك ماشيا فتفهمين كلامي ماشية، أنا الآن في حي ~~الأعيان من المدينة وها قصر الملك أمامنا، وبالقرب منه المتحف الشهير الذي بناه أحد ~~الملوك الفاتحين، وفي هذا المتحف دار العلوم التي يؤمها ms311 الطلبة من كل حدب وصوب، من ~~الشرق يأتون ومن الغرب، ومن الجنوب ومن الشمال ليتلقوا العلم والفلسفة من امرأة ~~عالمة حكيمة. # أقف بك، سيدتي، أمام هذه الكلية العظيمة، كلية لا شرقية هي ولا غربية، أقف بك ~~أمام هذا المعهد القديم - وهو مهد العلوم الحديثة - الذي شيده الأمراء وخلد ذكره ~~المؤرخون والشعراء. ما أبهى هذه الرواقات وقد غصت بالطلبة من كل أجناس الناس ~~والطبقات، وما أعظم هذه المكتبة وفيها ما يربو على الأربعمائة ألف مجلد، ولكنها وا ~~أسفاه ستوزع على الحمامات بعد حين، ولا يعصى العلم على ابن العاص! ولا الأربعمائة ~~ألف مجلد تقوى على كتاب واحد، إن لله في خلقه وفي كتبه شئونا. # نعم، سيدتي، نحن في سراديب التاريخ فلا يهولنك ما ورائنا وما أمامنا من الظلمات، ~~على أني أقف بك موقف النور لنذرف دمعة على العلم وعلى إحدى نسائه العاملات. # ليست المكتبة أعظم ما في المتحف العظيم بل هناك دوائر أخرى سترينها، هذا المرصد ~~الفلكي الذي يبعد الإنسان من الخرافات ويقربه من الله، وهذا المعمل الكيماوي حيث ~~الملك نفسه كان يشتغل بضع ساعات في النهار باحثا عن إكسير الحياة، وهذه دار ~~التشريح ولا أظنك تحبين أن تدخليها، وقد تتعوذين إذا أخبرتك أن الأطباء فيها يشرحون ~~الأحياء أيضا ممن حكم عليهم بالإعدام ابتغاء التوصل إلى الحقائق الطبية الراهنة، ~~لا تتكرهي سيدتي، فقتل المجرمين خير من قتل الأبرياء. # تعالي فأريك جنينة الحيوانات وبستان النباتات حيث الطلبة يتعلمون من الأمثال ~~الحية علمي النبات والحيوان، ولا تظني أن التعليم في هذا المعهد العظيم ينحصر في ~~العلوم الطبيعية فقط، بل يتناول أيضا العلوم العقلية والروحية، فإن هذا المعهد ~~لكمثل معاهد العلم كلها، إنما هو مهد الحقائق والأضاليل معا، ورب حقيقة ~~تشعل الأوهام نورها، ورب أوهام كبعض الأطيار تبيض بيوضها في عش الحقائق، فقد نبغ في ~~هذا المعهد العلمي المتشرعون واللاهوتيون والأطباء والفلاسفة والعلماء. # لا، يا سيدتي، ليست كلية «أكسفرد» هذه ولا معهد «الصربن» لسنا الآن في لندرا أو ~~باريس، إنما نحن في المدينة التي ms312 ولد فيها العلم الطبيعي واللاهوت المسيحي تحت سقف ~~واحد فتخاصما وتنازعا طويلا وكان من شأنهما في قديم الزمان ما كان، إنما نحن في ~~قاعدة البلاد المصرية، في باريس الزمان القديم، في الإسكندرية على عهد الرومان، ~~والمتحف الذي وصفت فروعه العلمية هو الذي شيده «بطليموس سوتر» وابنه «فيلادلفوس» ~~وكان المليكان يدرسان ويعملان فيه مثل سائر الطلبة والعلماء. # المؤرخون متفقون في أن كلية الإسكندرية هذه كانت - في زمانها - أعظم معهد للعلم ~~في العالم. كيف لا ومن مرصدها رصدت النجوم والكواكب التي استنار بها فيما بعد من ~~علماء أوروبا الفلكيون، كيف لا وفيها وضعت فلسفة «أرسطاطاليس» الاستقرائية موضع ~~العمل، وكان من ثمارها أن معهد «بطليموس» هذا أضحى مهد العلوم الحديثة. # ومن من علماء اليوم ينكر فضل «أرخيميدس» في الرياضيات؟ ومن لا يذكر «بطليموس» ~~و«آبولونيوس» و«هباركوس» في علم الفلك؟ ومن لا يعرف «إقليدس» ومبادئه في الهندسة ~~التي يتعلمها الطلبة في المدارس حتى اليوم؟ وقد لا تعلمين، سيدتي، أن «أراتوسينوس» ~~وهو من علماء هذا المعهد أيضا، قاس الأرض قبل علماء الخليفة المأمون، واكتشف شكلها ~~الكروي قبل «كبرنكوس» و«غاليلو»، وأن «هيرو» اخترع آلة بخارية قبل «جان وطس» ~~الإنكليزي، وأن «تيزيبوس» أول من اخترع ساعة مائية، وأن «يوليوس القيصر» بعث يطلب ~~من هذا المعهد الإسكندري «سوسيجينوس» الفلكي ليصلح له الروزنامة الرومانية على ~~الحساب الشمسي، فالمعهد الذي ينبغ فيه مثل هؤلاء العلماء العاملين، لا شك، عظيم، ~~وأعظم منه من كانوا يلقون فيه الدروس العالية. # الفيلسوفة العذراء # ومن هؤلاء، سيدتي، الفيلسوف «ثيون» الذي درس الرياضيات في القرن الرابع «ب.م» ~~وراقب كسوفا سنة 365 وألف في الفلك والطبيعيات تآليف درست كلها، ولكن أعظم تآليف ~~«ثيون» وأعماله إنما هو ابنته البارعة هباسيا، ولدت هذه الفتاة في الإسكندرية، ~~وقرأت العلوم على أبيها، وكان لها ميل خاص في الرياضيات والميكانيكيات، وقبل أن ~~وقفت حياتها على العلم والتعليم سافرت إلى أثينا وتلقت هناك الشريعة والفلسفة، ~~ورافعت في المحاكم، ونشأت نشأة عجيبة دلت على مقدرة عقلية فيها تضاهي مقدرة أعظم ~~الرجال. ولما توفي أبوها كانت ms313 قد تمكنت من العلوم وبرهنت في مواقف عديدة على تضلعها ~~ورسوخها في الرياضيات والفلسفة، فرقيت في العشرين من عمرها وهي عذراء إلى منصبه، ~~وظلت تعلم في المتحف الإسكندري أربعين سنة، فهاج أخيرا عليها هائج الجهل والتعصب ~~فقتلها شر قتلة - كما ستعلمين. # هباسيا زينة نساء الإسكندرية في تلك الأيام، ورئيسة الفلسفة الأفلاطونية، وصديقة ~~الأمراء المحبين للعلم والعلماء، ومرشدة الحكام، وعدوة التعصب والخرافة، كلنا نسمع ~~بالملكة «كليوباترا» الداهية الفاسقة، ولكن من منا يسمع بهباسيا العالمة العفيفة ~~العذراء؟ في المتحف الذي وصفته كانت تلقي دروسها على الألوف من الطلبة وفيهم ~~الأعيان والأغنياء واللاهوتيون، في ذاك المتحف كانت تعلم بأفصح لسان وأجلى بيان ~~فلسفة «أفلاطون» الجديدة التي تدعى في تاريخ الفلسفة «نيوبلاطونيزم»، في ذاك المتحف ~~الذي شيده «بطليموس» رفيق الإسكندر أنارت هباسيا أنوارا أطفأها الجهل والتعصب فظلت ~~بعدئذ أوروبا تعمه في الظلمات أحد عشر قرنا. # وقد كانت هذه الوثنية الفاضلة رائعة الجمال، فصيحة اللسان، شديدة العارضة، سديدة ~~الرأي، سريعة الخاطر، شريفة الشمايل، والخصال. وإن آباء الكنيسة أنفسهم ليعترفون ~~لها بذلك، على أنها كانت تتعب فكرها عبثا في مسائل قد تشغل الفلاسفة بعد ألفي سنة ~~من اليوم كما أشغلتهم منذ ألفين مضت، من أين الحياة وإلى أين؟ فإن هباسيا، سيدتي - ~~أمد الله بحياتك وأنارها - كانت تحاول حل هذا اللغز القديم العظيم: ما هو ~~العقل؟ وما هو العلم؟ وما هو الله؟ # في مثل هذه المواضيع الخطيرة كانت الفيلسوفة العذراء تلقي دروسها وخطبها، ~~والحقيقة أن فلسفة الإسكندرية في أيام هباسيا وقبلها إنما هي مزيج من فلسفات ~~اليونان كلها كفلسفة المشائين والرواقيين والكلبيين وغيرهم. # ومن تلاميذ هباسا الذين حازوا شهرة في زمانهم «سينيسيوس» أسقف عكا، وقد بعث هذا ~~الأب الفاضل برسائل عديدة إلى ابنة «ثيون» البارعة، فيها ثناء جميل عليها واعتراف ~~بفضلها وجميلها عليه. ولم تزل هذه الرسائل محفوظة، وفي إحداها يستشير المراسل ~~أستاذته في عمل الأسطرلاب دليل أنها كانت تميل إلى علمي الفلك والميكانيكيات أكثر ~~من سواهما، وقد ألفت كتابا وشرحت كتب «آبولونيوس» في هذه المواضيع، ولكن ms314 ابن ~~العاص الذي جاء الإسكندرية بعدئذ لم ير فيها وفي الألوف مثلها كبير فائدة فوزعها ~~على الحمامات لتسخن على نارها المياه. برد الله مثواه! # قد شهد المؤرخون لهباسيا الوثنية بالعفة والنزاهة كما شهدوا لها بالفضل والعلم ~~والحكمة، وهم متفقون في أنها عاشت وماتت عذراء، وأما ما قاله «سويدس» في أنها ~~اقترنت بالفيلسوف «أزيدوروس» فلا صحة له، وقد قيل: إنه محض اختلاق وافتراء، ~~والنمامون منذ البدء كثيرون، فالأسقف «سينيسيوس» أول من اعترف بفضلها وعلمها، ~~وعندما تعرف بها وأخذ يحضر محاضراتها كانت أضحت في الأربعين من عمرها، وكانت قد قضت ~~في المتحف عشرين سنة تخطب وتعلم، وظلت الصداقة بين الفيلسوفة الوثنية والأسقف ~~المسيحي نقية الأسباب وثيقة العرى، فلا هباسيا اعتنقت الدين المسيحي ولا «سينيسيوس» ~~خلع ثوبه الكهنوتي (على أني قرأت في أثر لأحد آباء الكنيسة أن أسقف عكا لم يتقبل ~~قواعد الدين المسيحي ولم يعترف بعقائده كلها، فهل في ذلك دليل على أرجحية الفلسفة ~~في كفة ميزانه؟ الله أعلم.) # أما في سلوكها ولبسها ومعيشتها فقد كانت آية البساطة والجمال، وإني لأتخيلها ~~واقفة أمام تلاميذها بثيابها البيضاء المهلهلة وقد عقصت بشريطة من الحرير شعرها، ~~وسدلت على كتفها ذيل ردائها، وفي رجلها العارية نعل يونانية بسيطة، فلا قبعة تثقل ~~رأسها، ولا مشد يضعف رئتها وقلبها، ولا كعبا عاليا يضر بعمودها الشوكي، وبمجموع ~~أعصابها. آية في البساطة والبراعة والجمال! وحبذا لو عادت نساء اليوم، سيدتي، إلى ~~الزي اليوناني القديم البسيط، خمسة أذرع من القماش الكتان الرقيق خير من عشرين ~~ذراعا من الحرير الثقيل المخيط على آخر «موده» فلا تثقلي وتشددي جسمك، سيدتي، كما ~~لو كان جسم عدوتك، ناهيك بأمر الاقتصاد والتوفير، على أننا لسنا الآن في موضوع ~~الأزياء والاقتصاد. # لنعد إلى هباسيا، وقد وصلنا إلى ما يثير الأحزان من أمرها فإن هذه العالمة ~~الحكيمة التي كان يكرمها الإسكندريون الراقون ويستفتيها العلماء العاملون، ~~ويستشيرها في أمور السياسة الحكام؛ لم تنج من كره المتعصبين من المسيحيين، فبعد ~~أن خدمت العلم والفلسفة أربعين سنة خدمات جليلة ماتت موت ms315 الشهداء على أفظع طريقة ~~وأنكرها - كما ستعلمين. # البطريرك كيرللوس # لم تكن الإسكندرية في ذاك الزمن مهد العلوم المادية فقط، بل كانت عش الكلام ~~أيضا والسفسطة، وبينا كان «نستوروس» و«كيرللوس» يتنازعان في عقيدة عبادة العذراء ~~و«اثناسيوس» و«آريوس» يتناقشان في عقيدة المشيئة الواحدة والمشيئتين، كان علماء ~~الإسكندرية يشتغلون هادئين باكتشافاتهم واختراعاتهم، ومن آباء الكنيسة الذين ~~اشتهروا بالفصاحة والعلم، وبالتعصب والدهاء، وبالمعاندة والمكابرة، الكاهن ~~«كيرللوس» الذي كان بطريرك الإسكندرية على زمن هباسيا، فبينا هي كانت تلقي دروسها ~~في العلوم الفلسفية على الألوف من الطلبة كان «كيرللوس» يثير من على منبره خواطر ~~النصارى على اليهود، ولما ارتقى إلى المنصة البطريركية في الإسكندرية كانت هباسيا ~~في أوج شهرتها وقد تجاوزت الخمسين من عمرها، ومنذ ذاك الحين إلى أن قتلت لم يطب ~~للبطريرك عيش ولم يسغ له شراب. # وإن أمره في التعصب والحقد والاستبداد مشهور لدى المؤرخين، فحينما ذهب إلى أفسس ~~ليناقش «نستوروس» في عقيدة العذراء استصحب زمرة من رعاع الإسكندرية حتى إذا ضاقت به ~~أبواب الجدال هاجهم على عدوه، وعندما تبوأ كرسي السيادة طرد اليهود من الإسكندرية ~~وبعث بعسكر على معابدهم وبيوتهم فنهبوها ودمروها وارتكبوا من الفظائع فيها ما تقشعر ~~لهوله الأبدان. # ولا يخفى عليك يا سيدتي أن البطريرك في تلك الأيام كانت له قوة الحاكم المدني، ~~فإن فرقة من الجنود كانت دائما موقوفة لخدمته لتنفيذ أوامره، على أن محافظ البلد ~~«أورستيس» لم يستطع صبرا وسكوتا على هذه الفظائع التي ارتكبها «كيرللوس» باسم ~~الدين، فناهضه برهة وكانت هباسيا في هذا الخصام نصيرة المحافظ بل نصيرة الحق، ~~واستمر هذا النزاع إلى أن حدث الحادث الهائل الذي أودى بحياة ابنة «ثيون» العالمة ~~الجميلة. # ولا تظني يا سيدتي أن هذا هو السبب الوحيد الذي أثار خاطر «كيرللوس» على هباسيا، ~~فإن رأس الخلاف بينهما لأبعد من هذا، أجل إنما هو نزاع بين العلم والخرافة، ~~بين التعصب والفلسفة، بين الحرية والاستبداد، بل هو نزاع بين عذراء وثنية أقامت على ~~فضائل الدين المسيحي دون أن تعتنقه وبين بطريرك استخدم الدين واسطة ms316 لإشفاء غليله ~~ونيل مآربه، وفاز بذلك فوزا مبينا، حتى إن المحافظ «أورستيس» أشفق على منصبه ~~وحياته من تعصب البطريرك وتغيظه، ولكن ذنب المحافظ ذنب سياسي فقط، وذنب هباسيا ~~سياسي علمي ديني، لذلك اختارها «كيرللوس» هدفا لحقده وغضبه، وسأنقل إليك حادثة ~~قتلها كما رواها واتفق في روايتها المؤرخون. # عندما كانت هباسيا عائدة في عربتها من المتحف الملكي قاصدة بيتها تصدى لها جمهور ~~من رعاع المسيحيين وفيهم الرهبان وفي مقدمتهم بطرس الشماس الذي كانت له في الجريمة ~~المنكرة اليد الطولى، فأسقطوها من العربة، وجروها إلى السيزاريوم - وقد كانت في ذاك ~~الزمان كنيسة للنصارى - ونزعوا عنها كل ثيابها ومزقوا جسدها تمزيقا بصدف المحار - ~~وقيل: بشقف من القرميد والفخار - ثم قطعوها إربا إربا وذهبوا بها إلى خارج ~~المدينة وأحرقوها هناك، وكان ذلك في آذار سنة 415 في عهد الملك «تيودوسيوس» ~~الثاني. # فقدس «كيرللوس» في صباح اليوم التالي على عادته، وأكل جسد الرب، ولكنه لم يستطع ~~أن يقول ما قاله «بيلاطوس» قبله بأربعة قرون «أنا بريء من دم هذا الصديق» لا؛ فإن ~~البطريرك مسئول عن قتل هباسيا على هذه الطريقة الفظيعة الشنعاء، وقد يتطرف ~~المؤرخون ويعتدلون بحسب نزعاتهم السياسية وصبغاتهم الدينية، ولكن ما من واحد منهم ~~يرتاب في أن البطريرك «كيرللوس» هو العامل الخفي على قتل هباسيا، وقد قال ~~«ثيودورس» وهو من آباء الكنيسة المشهورين، إن لكيرللوس يدا خفية في هذه الجريمة، ~~وقال أحد المؤرخين المعتدلين: إن لم تقتل هباسيا بأمر صريح واضح من البطريرك فقد ~~قتلت بعلمه وإرادته. # وقد أدهشني عنوان طويل لكتاب طبع في إنكلترا سنة 1730 في هذا الموضوع، قال ~~المؤلف إن هذا «تاريخ امرأة عظيمة في علمها وفضلها وفصاحتها وأخلاقها وجمالها، ~~قتلها إكليروس الإسكندرية ومزقوها إربا إربا إكراما لخاطر بطريركهم الذي يدعى ~~بلا استحقاق القديس كيرللوس.» # وفي قتلها أقفل باب المتحف العظيم الذي شيده رفيق الإسكندر. في قتلها كانت ~~نهاية العلم والفلسفة في المغرب، في قتلها تم للتعصب النصر على الحرية والتهذيب، ~~فأقفل باب النور الذي فتحه «بطليموس» في الإسكندرية كما ms317 أقفله «يوستنيانوس» في ~~أثينا، فكان «سميليسيوس» آخر الفلاسفة في بلاد اليونان وكانت هباسيا خاتمة الفلاسفة ~~في بلاد مصر، ومنذ هاتين الحادثتين المنكرتين تبتدئ ما يدعى في التاريخ «العصور ~~المظلمة» وتستمر في أوروبا أحد عشر قرنا. # هذي هي سيرة هباسيا، «العظيمة في علمها وفضلها وجمالها» بل هذه قصة النزاع بين ~~الدين والفلسفة في ذلك الزمان، ومهما قيل في البطريرك كيرللوس فمن المقرر يا سيدتي ~~أن الرجل الذي يعمل ما عمله في اليهود، الرجل الذي يهيج رعاعه على «نستورس» في مجمع ~~أفسس، الرجل الذي يستخدم القوة العسكرية لإثبات عقيدة لاهوتية وتعزيزها؛ لا يتردد ~~في أمر امرأة عملت على هدم صروح الخرافة والأوهام، فقولي - إذا: رحم الله أمثال ~~«كيرللوس» من البطاركة وجعل أمثال هباسيا من المقربين المكرمين. # | القديس أغسطينوس والغزالي # 1 # الرأي محترم أيا كان مبديه، محترم إلى أن يظهر الخطأ فيه، وعلى المفكرين أن ~~يخلصوا العمل في النقد والتمحيص فيحملون على ما فسد من الآراء والعقائد، ولا ~~يتعرضون لأصحابها. فإذا قال أحد الفلاسفة مثلا: «إن الله لا يوحي إلى أحد من الناس ~~وحيا خصوصيا ماديا كما في الكتب المقدسة» فليس من العدل والإنصاف ولا من ~~التعقل والحكمة أن نحمل عليه سبا وشتما وتعييرا، فنقول: إنه كافر، قليل ~~الأدب، جاحد نعمة ربه، وقد يكون هذا العالم الملحد أشرف عملا، وأسلم نفسا، وأكرم ~~خلقا، من أدعياء الدين الذين يسفهون ذاك العالم ويثيرون عليه أحقاد الجهلة وغضب ~~المتعصبين. أوما قالوا حتى في نبي الإسلام إنه سفه الأحلام وضلل ~~الناس. # إن نظر الغزالي في الوحي الإلهي كنظر القديس أغسطينوس بعينه، وقد أوتي كل منهما ~~بلاغة جلت الحق تارة وطورا بهرجت الضلال، فهما على السواء يحصران الوحي في حادث ~~خطير، منقطع النظير، يخرق نواميس الكون المألوفة، فيتجلى فيه الله لواحد من الناس ~~يدعى رسولا أو نبيا، ولكنهما يختلفان في إثبات الحادث وفي من خص بالتجلي ~~وبالوحي. والقديس أوغسطينوس من هذا القبيل أشد نزعة إلى التخصيص من الغزالي، وهو ~~إلى قبول العقائد الدينية أسرع منه إلى نفيها أو ms318 تمحيصها، ولو أتيح للاثنين أن ~~يجتمعا في هذا العالم لتناقشا وتنازعا وظل كل في وحدته الروحية بعيدا من الآخر، ~~وإني لأتصورهما في الجنة أو الفردوس أو في ما يلي هذه الحياة من نعيم أبدي، على ~~وفاق تام، وصفاء لا تعد فيه الأيام، يردد كل منهما من حين إلى حين، مذكرا لا ~~آسفا، ما طالما ردده في الحياة الدنيا. # فيقول القديس أوغسطينوس: أشعلت نفسي لأنير هيكل الدين وطريق الإنسان، ولكن علم ~~الكلام لا يصلح النفس ولا يعزز الدين. # ويقول الغزالي: # غزلت لهم غزلا دقيقا فلم أجد # لغزلي نساجا فكسرت مغزلي # اللهم إذا كانا يذكران العالم الذي اختلفا فيه مذهبا واتفقا مسلكا، وقبل أن ~~أتوسع في التنظير بينهما أقول كلمة في النظرية الكبرى التي هي أساس الأديان كلها - ~~النظرية التي يتفق القديس أغسطينوس والغزالي في القسم الأول منها ويختلفان في القسم ~~الأخير، أي: أنهما يؤمنان بالوحي الإلهي ولا يؤمنان بكل من ادعاه من نوابغ ~~الأمم. # 2 # إن الله جوهر أزلي سرمدي ينبعث منه جوهر الحياة التي تظهر في الأرض أنواعا ~~وأشكالا فتتدرج إلى الإنسان وإلى ما فيه من عقل وضمير وإدراك تميزه عن الحيوان، ~~وإذا أوحي إلينا أمر ما ولم يقبل الوحي كل الناس، فمن هو المسئول يا ترى؟ أفلا يجوز ~~التنظير بين الجوهر الأزلي الإلهي ومظاهره في الحياة الموزعة المقسمة في الناس؟ ~~أولا ينبغي أن يكون لما نشأ عن الجوهر الأصلي جاذب قوي فيه؟ وبعبارة أجلى، إذا ~~تكلم الله - عز وجل - بلغة من لغات الأمم أفلا يكون كلامه مقبولا معتبرا بل ~~مقدسا عند كل من تكلم في الأقل بتلك اللغة؟ واختيارا ذلك لا كرها وإن لم يكن ~~كذلك فما الفرق بين كلام الخالق وكلام المخلوق؟ # إذا أنا أبديت رأيا فمن المستحيل أن يستحسنه الناس أجمعون؛ وذلك لأنني لست إلا ~~بشرا، وأن ما في من الجوهر الأزلي الإلهي لقليل جدا بالنسبة إلى ما هو متوزع ~~في العالم، ولكن مصدر هذا الجوهر يفوق كل ما نشأ عنه وتوزع منه؛ لذلك نقول ونتيقن ~~أن ms319 الله عالم بكل شيء، وقادر على كل شيء، وناظر كل شيء. عنده علم الغيب وبيده ~~زمام الحياة والأكوان فإذا أوحى إلينا من لدنه سنة ما فمن الضرورة أن تنطبق على ~~حقيقة الأشياء الدائمة الأزلية فلا تقبل تلك السنة التغيير والتبديل وأن ما ينافي ~~سنن الكون لا يمكن أن يكون منزلا من عند الله. # على أن وحيه - سبحانه تعالى - إلى من خص من الناس بجزء كبير من ألوهيته يكون ~~دائما متقطعا، وغالبا غامضا؛ لذلك تناقضت الآيات في الكتب المقدسة وتضاربت ~~فيها الآراء، وأنا من الذين يجلون النوابغ ويقدسون الأنبياء، ولكني لا أستطيع ~~أن أقبل رسالتهم كلها بحذافيرها. # العصمة لله وحده، وما هو منزل من لدنه تعالى ينبغي أن يكون منزها عن الأغلاط، ~~والمنزه عن الأغلاط في الكتب أو في الناس إنما هو كامل تام، والكامل التام لا ~~يقبل التحسين، ولا يحتاج للتأويل ولا ينفعه الشرح العصري والتفسير. والحال أن ~~الكتب المقدسة كلها تؤول اليوم آياتها وتفسر، لا لشرح غويصها وكشف غامضها، بل ~~لتوافق الانقلابات الحديثة ولتنطبق على مقتضى الحال والمكان والزمان، وفي كل هذه ~~الكتب آيات يناقض ظاهرها وباطنها الحقائق العلمية، إذن ليست هي منزهة عن ~~الأغلاط، وبالتالي ليست هي منزلة موحية. # وقد يكون مصدر هذه الآيات مصدرا مجهولا ترتبط أسبابه الغامضة الخفية بنفس ~~الإنسان المتوقدة ذكاء، السامية خلقا، البعيدة حجة، والإنسان - نابغة كان أو ~~نبيا - هو عرضة للخطأ والنسيان يجيء في الأحايين بالمناقضات ولا يدركها. # 3 # أقف عند هذا الحد لأعود إلى ذينك العالمين الكبيرين المنقطعي النظير في ~~الروحانيات وفي البلاغة، وإني لأفضل حياة قدساها بالعمل الصالح الجليل على كثير ~~من غزير ما سوداه من الأوراق في الإلهيات والكونيات. # فإن للغزالي وللقديس أغسطينوس محرابا خصوصيا في مسجد نفسي الحافل بالأنوار، ~~وإن نورهما ليكسف أحيانا تلك التي أوقدها الذكاء ولم تلمسها الروح، أجل إني ~~لأفضلهما في الأحايين على كثير من النوابغ والعلماء، ولا أظنني مخطئا إذا قلت إن ~~العربي واللاتيني على شرعة واحدة من الحق والحقيقة، كلاهما يسلك مسلك التوحيد ~~كلاهما ms320 من كبار المتصوفين، وقد قال أحد السالكين: إن التصوف من الصوف، ثلاثة أحرف ~~هي أصول ثلاثة: # ص: # الصدق والصبر والصفاء. # و: # الود والورد والوفاء. # ف: # الفرد والفقر والفناء. # وإلا فكلب الكوفي خير من ألف صوفي. # والغزالي سيد السالكين في الإسلام شبيه فعلا وقولا بالقديس أغسطينوس سيد ~~السالكين في المسيحية، وللاثنين نظرات في الدين وفي الكتب المقدسة وإن غربت شكلا ~~بعضها عن بعض قربت روحا وتشابهت خطا. # وعندي أن كتب الدين مصابيح تنار بها مسالك الحياة لا مقاييس تقاس بها العلوم ~~البشرية، وسيدي الغزالي كأستاذي القديس أغسطينوس يضعف أسباب الدين وينفي القداسة ~~منه حين يرفعه على العلم. الغزالي يرى في القرآن القسطاس القويم لكل العلوم ~~البشرية، والقديس أغسطينوس يرى ذلك في التوراة والكتابان لا تقبل حجتهما اليوم في ~~سنن الكون كلها وفي أمور الحياة كافة، ففي القرآن مثلا: تجري الشمس لمستقر، وفي ~~التوراة: تقف الشمس إكراما ليشوع بن نون، وتلاميذ المدارس اليوم يعرفون أن الشمس ~~لا تجري ولا تقف وإنما تدور على محورها، والأرض تجري في الفلك حولها. # 4 # أذكر أني أشرت يوما إلى هذه الآية في حضرة عالم من علماء المسلمين فكتب إلي ~~بعدئذ شارحا مفسرا ليبرهن أن النبي كان عالما بحقيقة الشمس والسيارات حولها، ~~ولكن في عهد النبي لم يكن أحد يشك في أن الشمس تدور حول الأرض، بل كان هذا الوهم ~~شائعا في الشرق وفي الغرب حتى بين العلماء، والنبي محمد تتبع ما كان شائعا فقال: ~~والشمس تجري لمستقر لها، ولكن المدهش شرح سيدي الشيخ، قال: إن اللام في قوله ~~لمستقر، إما بمعنى «على» مثلها في قوله: # ويخرون ~~للأذقان # وقوله: «فخر سريعا لليدين وللفم» أو بمعنى «في» مثلها ~~في قوله: # ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة # أو بمعنى «مع» مثلها في قوله: «وكأني ومالكا لطول اجتماع ~~لم نبت ليلة معا» وعلى كل هذه التقادير يكون المعنى تجري في مستقرها، أي: تجري وهي ~~مستقرة في مكانها من دون انتقال عن فراغها الحايز لها، ولعله أشار إلى حركتها ~~المركزية على نفسها. ms321 # أدهشني هذا التفسير من سيدي الشيخ ولكنه لم يقنعني؛ فإذا سلمنا بدقائق لغوياته ~~كيف يمكننا أن نسلم بأن الشمس تجري وهي مستقرة في مكانها؟ ولكننا إذا رفضنا قول ~~النبي في طبيعة الشمس وناموسها - ولا لوم عليه في ذلك؛ لأن الخطأ هذا كان عاما في ~~ذلك الزمان - فلا نرفض ما سمي من نظرياته الروحية والأدبية، ومن شرائعه ~~الاجتماعية التي تنافي ناموس التطور والارتقاء. # مثال آخر من هذه التفاسير التي لا أبرئ الغزالي منها. # فقد كتب إلي صديقي الشيخ يقول أيضا: إن القرآن الكريم يشير إلى بدء خلق ~~الإنسان وعلم الحياة بقوله تعالى: # ولقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه ~~نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة ~~علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما ~~فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر ~~فتبارك الله أحسن الخالقين # وقد فاته أن هذا الوصف ينطبق ~~على خلق الحيوان أكثر منه على خلق الإنسان؛ لأن أهم ما امتاز به الإنسان إنما هو ~~العقل والروح والضمير، وقد أغفلت كلها في الآية، وأن ما فيها من وصف لخلق الإنسان ~~لا ينطبق لا على سنن العلم ولا على سنن الدين، «خلقناه من سلالة من طين ثم جعلناه ~~نطفة في قرار مكين» تعالى الله عن مثل هذه السمادير والرطانات، ثم قال شيخي الفاضل: ~~ويشير إلى علم طبقات الأرض في قوله: # سبع سماوات ومن ~~الأرض مثلهن # فإذا حصرنا كل سماء من سماوات الكتاب في سيارة ~~من السيارات وفلكها؛ بان لنا أن عين النبي لم تر غير القليل من سماوات الله، فإن ~~علم الفلك يبرهن ويحقق أنها لا تعد ولا تحد، وأن أكبرها أصغرها في نظرنا وأبعدها ~~منا. # وغني عن البيان أن للكتب المقدسة كلها تقاسيم وشروحات زادت غموضها غموضا وألقت ~~بين الناس الفتن، «أودعتهم أفانين العداوات.» # 5 # والغزالي والقديس أغسطينوس من كبار الأساتذة في علم الكلام الذي هو مصدر كل هذه ~~التفاسير والشروحات، على أن روحانياتهما الصافية المجيدة لتشفع بما جاءا به من ~~سمادير التفسير. ومن الغريب أنهما يتشابهان في ms322 كثير من طباعهما وأطوار حياتهما، ~~فالغزالي مثل القديس أغسطينوس كان في أيام حداثته في ضلال مبين على ما يقول، فقد ~~جاء في كتابه «درر القرآن» هذا الكلام الجميل في فئة من الناس. ~~«لم يدركوا أشياء من عالم الأرواح بالذوق إدراك الخواص ولا هم آمنوا بالغيب إيمان ~~العوام، فأهلكتهم كياستهم، والجهل أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء وكياسة ناقصة، ~~ولسنا نستبعد ذلك، فقد تعثرنا بأذيال هذه الضلالات مدة؛ لشؤم أقران السوء وصحبتهم ~~حتى أبعدنا الله عن هفواتنا ووقانا من ورطاتها.» # أما القديس أغسطينوس فعد إلى كتابه الذي يدعى «الاعترافات» تجد في كل صفحة من ~~صفحاته شيئا من هذا الجهر المدهش المفيد. # وقد قال الغزالي - مشيرا إلى علم الطب وعلم النجوم وعلم الهيئة والحيوان إن هذه ~~علوم «ولكن لا يتوقف على معرفتها صلاح المعاش والمعاد» ولكنه قال أيضا: كما يستحيل ~~الوصول إلى اللب إلا من طريق القشر، فيستحيل الترقي إلى عالم الأرواح إلا بمثال ~~عالم الأجسام. # وفي أقواله كثير من مثل هذه المناقضات؛ لأنه إذا زعمنا هذا الزعم فلا تصح ~~العلوم الروحية إلا إذا صحت العلوم المادية، والحقيقة في هذه إنما هي باب إلى ~~الحقيقة في تلك، وهو نفسه القائل بها، وقد وضعها في قالب بديع جميل. ~~«من ذهل عن تدبير المنزل والمركب لم يتم السفر، وما لم يتم أمر المعاش في الدنيا ~~لا يتم أمر التبتل والانقطاع إلى الله الذي هو السلوك.» # العلوم المادية إذا هي أساس العلوم الروحية، وكتب الدين مصابيح تنار بها مسالك ~~الحياة لا مقاييس تقاس بها العلوم البشرية. # وقد يتفق كبار العارفين والمفكرين في أمور منها أمر التشويش؛ لأن التعمق في ~~دار العلوم يؤدي إلى التغلغل في سرادبها. # وجدير بالناظر إلى أسرار الكون في منظار الغزالي أو القديس أغسطينوس أو العلماء ~~الماديين التمثل ببيت للمعري، الفيلسوف العقلي، إذ قال مرددا صدى صاحب السر ~~الأعلى: # أوف ديوني وخل أقراضي # مثلك لا يهتدي لأغراضي # | صديقي الأعز # إن لم تحاسب نفسك سرا حاسبك غيرك جهرا # لي صديق من علماء المسلمين ms323 حر الكلمة، شديد العارضة كثير المعارضة، لا يوارب، ولا ~~يصانع، ولا يحابي، يصدق في الجدال، ويصلب في القتال، منيع عنيد مريد، يؤمن بالله ولا ~~يؤمن بسواه. يخالف لا ليعرف، بل لينصف وينصف، فينتزع الحقيقة من بين جنبيك إذا ~~جنت على عمد هناك، أو يريك أنها بعيدة منك غريبة عنك، وأن حياتك بلاها لكالطلل في ~~الصحراء، بل كالكتابة على الماء، له صديق من أعز الأصدقاء بل أعزهم - وايم الله - لدي ~~وأقربهم إلي - إلى ذاتي المجردة المعنوية العلوية - إلى قدس الأقداس فيها. # وهو لا يزورني إلا في حين عثرة من عثرات النفس، أو كبوة من كبوات القلم، أو سقطة من ~~سقطات العقل والعمل، وقد جاءني منذ أيام يناقشني الحساب فسلم وجلس، وأشعل سيكارته وطلب ~~فنجانا من القهوة وبدأ باسم الله: لم أكن في المدينة ليلة خطبت خطبتك «روح الثورة» ولو ~~كنت فيها لما حضرت الحفلة، فإنني أفضل قراءة المفيد من الخطب - وما أقلها - على ~~استماعها، وبودي لو جعلت الحكومة ضريبة على الخطابة العصرية والدستورية وخطبائها ~~المصاقيع؛ إذ لست أرى فيها كبير فائدة، فالخطيب المليح الطلعة، الحسن البادرة، العالي ~~الصوت، الكثير الحركات والسكنات، يموه ما شاء وشاءت عنجهيته ويخبط في دقيق الأمور ~~خبط عشواء، فيسمعه القوم مرتاحين معجبين ويصفقون لنكتة باردة أو لطعنة صادرة تفوتهم ~~تمويهاته كلها وما قد يتخللها من شذرات حق ولمعات برهان. # والخطيب العالم الرصين الحصيف يمله الناس ولا يعلق من خطبة ساعتين في أذهانهم غير ~~كلمات الشكر للجمعية التي انتدبته وبعض عبارات الثناء على تأدبهم وكرم أخلاقهم وجميل ~~صبرهم في الإصغاء إلى مثل معضلاته وترهاته. الخطيب الأول ضرره أكثر من نفعه، والخطيب ~~الثاني لا يفيد قطعا. # فاستأذنت الأستاذ بكلمة فقال: أدركت لحنك لا الخطيب الأول أنت ولا الثاني، يتهمونك ~~بالعلم يا صاح وأنت بريء منه. # فقلت: وشأني في ذلك شأن شاعرنا المعري القائل: # يظن بي اليسر والديانة والعلم # وبيني وبينها حجب # أقررت بالجهل وادعى فهمي # قوم فأمري وأمرهم عجب ~~- نعم ويسمونك فيلسوفا وما أنت بفيلسوف، ويدعونك شاعرا ولست بشاعر، ms324 والحق في ذلك ~~عليك، لاستطعت لو شئت أن تكون أحد الثلاثة، ولكنك طماع طماح، لقد اشتغلت في درع نفسك ~~الأيادي الثلاث - يد العلم ويد الفلسفة ويد الشعر - فبالغت في صناعتها وترصيعها فرقت ~~حتى كادت تنقصف وتبلى، درع أنيقة الصنع وهاجة براقة، تبهر الناظر إليها، وتخدع ~~السامعين بها، ولكن من ينقرها مثل نقرة الناقد يسمع الغنة في صوتها ويأسف أسفا شديدا، ~~نعم، درعك رقيقة دقيقة واهية لا تقيك الأضاليل المقدسة وأغاوي الحياة الدنيا. خذها ~~يا ريحاني مني، ينبوعك لم يزل عكرا، ومياهه لم تزل متشتتة، أما النفس فلم تملك بعد ~~عنانها، لم تزل بعيدا منها، لم تزل عدوها، وبالتالي عدو الحقيقة. # ولكن هذا غير الموضوع الذي حملني إليك، قلت لم أسمع خطبتك، ولكني قرأتها في المجلة ~~وكنت قد طالعت في مجلة أخرى علمية خطبتك «الأخلاق» فما وجدتك فيهما فيلسوفا ولا ~~عالما ولا شاعرا، بل أديبا كسائر الأدباء تطلي الحديث وتجمجم الكلام، تصدع ببعض ~~الحقائق وتوهم الناس أنك مظهرها كلها، بل إنك محتكرها. # أبدأت تجربز يا صاح وتداوي وتجامل وتحابي، ما هذا عهدي بك، عرفتك حرا غير هياب، ~~وجريئا غير مذبذب، فما بالك صرت تتكلم كعلمائنا الموقرين عبيد الأمراء والأغنياء؟ كنت ~~تحمل على الكهان مثلا فاعتضت عن اسمهم الحقيقي بأدعياء الدين أتعميم منك هذا أم ~~تلطف؟ طرت إلى الهند بنا في خطبتك «الأخلاق» لترينا شر الخرافات والأضاليل هناك، ~~وعندنا نحن المسلمين ما هو أخبث منها وأضر، ذكرت شرائع «كنفوشيوس» وتعاليم «بوذا» التي ~~لا تصلح للناس في كل مكان وزمان وأغفلت ما بلي من شرائعنا ونحن لم نزل نقدسها. # فقلت: والحق في ذلك على صاحب المجلة؛ لأنه بدل من خطبتي ألفاظا كالتي أشرت إليها ~~وحذف منها كل ما خاله «يخدش الأذهان» عملا بالقول المأثور: ودارهم ما دمت في ~~دارهم. ~~- يا للذل ويا للعار! أية دار وأي قوم؟ أيفرقنا التعصب، ويقتلنا الجهل، وتجهز ~~علينا المداراة؟ ولكنك في موضوع الثورة أغفلت أهم الحقائق أو أنك تجاهلت وداريت، فاعلم ~~- أصلحك الله - أن من الحقائق الرائعة أن ms325 الثورة للأمة كالحمام للإنسان، تنبه فيها الدم ~~وتوقظ النشاط وتجدد القوى الروحية والمعنوية. ناهيك بالنظافة، فالخمود الملازم حكومات ~~الشرق كلها والأقذار التي تراكمت عليها والفساد الذي اعتراها لا يزيلها غير الحمام، ~~حمام الثورة الغالي. # ولعمري إذا انحط الجيل إلى درجة يصبح الدم في عروقه كالماء فهدره لا يضر وقد ينفع، ~~جيل كهام مرض عقيم لا يصلحه غير السيف، ألا فالسيف يمهد السبيل لتهذيب الجيل الوليد ~~الجديد. اعلم - أدام الله تمكينك - أن للدم عاملا هو أهم في بعض الأحايين من عوامل ~~العقل، أما العقل فإذا اختل يلقي صاحبه بالبيمارستان فيؤسر هناك، والدم إذا فسدت ~~ماهيته وأبطل عمله فهدره وحقنه سواء. ومن أشرف عوامله أنه إذا امتهنت حقوق الإنسان ~~ينبهه الدم الحي في عروقه ويستفزه . والدم يحمله على المناهضة والمكافحة. والدم يثير منه ~~كريم العواطف وشريف السخط والغضب. # وأما الجيل الذي لا يشعر بالمظالم ولا ينفر منها، الجيل الذي ألف العبودية، ولم ~~يزل يسترحم حكامه ليجددوا له القيود والأغلال، فأي فضل له في الحياة، على أن الأمة ~~وإن لم يبق فيها غير واحد من أبنائها يدرك الحقيقة ويصدع بها لا تعدم رجاء فأملا ~~فسعيا ففوزا في تجديد حياتها وعزها ومجدها. # ألا إن ثورة طبيعية دموية لتلقي كلا منا إلى ساحل الحياة. الطفل يولد باكيا ~~والأم في تلك الساعة العجيبة ضارعة متألمة متوجعة، الولادة - كل صنوف الولادة - طريقها ~~الدم ومهدها الأنين، والثورات في الأمم صنف منها. وبعد أن يولد الطفل تأخذ الأم ~~بالتعافي فتشفى رويدا رويدا ويمتعها الله بضعف ما ذبل من حسنها وما انحل من عزمها ~~وقواها. الأم! الأمة! إن فضل كلتيهما لعظيم، وعذاب كلتيهما أثناء الولادة - أثناء ~~الثورة - شديد أليم. # ولعمري إن ولادة الروح الجديدة في الأمة لأهم من الولادات البشرية كلها، هذه هي ~~الحقيقة بعينها أضعتها أو حاولت أن تخفيها في التفلسف بنواميس الكون الأزلية - سامحك ~~الله. # وهلا خطر في بالك أن الثورة المقبلة في البلاد سيكون الجوع مثيرها، آسيا الصغرى وقد ~~بارت أرضها ونضبت ينابيع الرزق فيها وتزاحمت على ms326 مواردها القليلة القصية الأجانب من ~~الرومللي وأوروبا. أيموت سكانها جوعا وحكامها في كراسي الحكم آمنون مطمئنون؟ لا والله، ~~الثورة التي ينفخ الجوع في نارها لأشد هولا من سواها، كان إذا اقترح أحد رجال ~~«نبوليون» عليه اقتراحا يبادره سائلا: وهل أنت كافل مغبته؟ أفلا يثير مثل هذا العمل ~~الشعب البائس الجائع، «نبوليون» العظيم - ولم يخش يوما صولة جيوش الأعداء المتألبة - ~~كان يخشى ثورة رأس أسبابها رغيف من الخبز، هياج الشعب البائس؟ لطالما خشاه أكبر أبطال ~~العالم واتقوه، والويل ثم الويل يوم يستفيق شعوب المشرق من سباتهم الطويل العميق ~~فيبتدرون الحسام، يمتشقونه على الظلام. ~~••• # وهذا بعض ما قاله سيدي الأستاذ ناصر الدين البغدادي منتقدا خطتي وخطبتي، وهو عندي من ~~أعز الأصدقاء بل أعزهم غير مدافع ؛ لأنه لا يجاملني ولا يداريني ولا يداهنني، لله دره من ~~صديق يناقش غير عاذر وينبه ويذكر وينذر، وبما أنني بحت باسمه إلى القراء سأهديهم عما ~~قريب رسمه - إن شاء الله. # | رسم # الأستاذ ناصر الدين البغدادي # التقيت في الشارع الجديد «ببيروت» بسيدي الأستاذ ناصر الدين وهو يمشي بين خطي ~~«الترام» منكسا رأسه يناجي نفسه، فجبهني بعد السلام بكلمة من كلماته القاسية شأنه كل ~~مرة نتقابل. ~~- جنيت يا ريحاني علي. ~~- بم؟ ~~- أوتسأل متجاهلا؟ ألا تعلم - رعاك الله - أني أتمثل دائما بقول الشاعر: # وخمول ذكرك في الحياة سلامة # ودهاك من أمسى لذكرك ناشرا ~~- ألأنني بحت إلى القراء باسمك ووعدتهم برسمك؟ ~~- هو ذاك. فما الاسم والرسم والجسم غير أشراك للأنفس وحبائل للعقول؟ المرء بأفكاره، ~~ولكنكم معشر الكتاب تعنون بزخارف الشهرة وتلهون بالأباطيل، أما الحقيقة فلا تعرفكم ولا ~~تعرفونها، وإذا اجتمعتم بها مرة في الزمان تجاملونها ظاهرا وتلعنونها سرا، شأنكم ~~وأسيادكم. وما الفائدة يا ترى من شهرة تطلبونها، وأسماء تذيعونها، ورسوم ~~تزخرفونها؟ # سمادير والله وترهات! جاءتكم من أوروبا فحسبتم الحياة لغوا بدونها، أي فضل لشهرة لا ~~تجديكم نفعا في غرة كل شهر حين يتقاضاكم الخياط والإسكاف والفراش والبقال والحمال؟ ~~أتنقدوهم من ذائع صيتكم؟ أتهدونهم جميل رسمكم؟ أتحبونهم من ترهاتكم؟ أتتلون عليهم من ms327 ~~رطاناتكم؟ أشعلوا النار وانفثوا في العقد حاوتكم. هيهات، هيهات، خذها مني، لتأكل النار ~~يوما سماديركم كلها وأوهامكم، نار الفكر، نار العقل المقدسة لتحرقكم أجمعين. أما ~~أفكاري فإذا كانت تفيد فهي لك، بثها في الناس، وادعيها - إن شئت - ما قيل، لا من ~~قال، والفكر الذي لا يقبله الناس إن لم يدعم بشهرة باطلة أو باسم كبير رنان لا يستحق ~~أن أحرك من أجله أناملي أو لساني. # الحقيقة تنبو عن الطبل والزمر، وإذا أغفلت زمنا وشعرت بدنو أجلها تلجأ إلى السيف ~~فينميها ويعيدها عزيزة ظافرة، خذها مني، ودعني في خمولي آمنا شر الناس، بعيدا من ~~ضوضاء الشهرة، مرتاحا من تكاليف الحياة الاجتماعية، ضوضاء الشهرة؟ إن مسامعي لتستك ~~منها ولتنبو عنها، أما ضوضاء الثورة - صليل السيوف وقرع الرماح ودوي المدافع - فمثل ~~الأغاريد في أذني. # وبينا هو ينثر من حكمه وبيانه، ويكنس الهواء بأردانه، إذا بجرس «الترام» يدق، وحمال ~~ينق، وحوذي يصيح، وحمار يحلف بالمسيح، وأميركي تعثر في الزحام و«كدم»، # 1 # وظريف سمع الأستاذ ينطق بالفصحى فتهكم: استفيقوا، إنكم في الطريق فاستفقنا، ~~وإلى الرصيف تسابقنا، ولكن الأستاذ وقد صدمه الحمار، تعوذ واستجار، وصاح: يا للعار ~~وللشنار، أتيس يسوق؟ ووحوش تفلت في السوق؟ فضحك سائق «الترام» وتنطس في الفك والإدغام، ~~ونادى الحوذي: يابو مشمش اللوزي، ظهرك، رجلك، فذعر صاحب الطبق ووثب، وقد شاهد المنية عن ~~كثب، فنطح الأستاذ في قفاه، وراح يلعن أمه وأخته وأباه، فضربه الحوذي بالسوط فلم ~~يصبه، ولكنه أصاب من سيدي ناصر الدين أذنه، وعلق بجسر العربة ردنه، فانشدح وزحف، ورسا ~~على الرصيف وتلهف: يا ما أحيلى البعير العاري، تجوب به القفار والصحاري، ومسح ~~العرق من جبينه، وهو يضحك في كم الفلسفة من حينه. ~~- أي - والله - فردن ممزق، رحمة في مثل ذا المأزق. ~~- والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، رب زحام، فيه كأس الحمام. ~~- تمام، لا بارك الله في المدينة وبهرجها، أما وقد نجونا من مهلكاتها هذه المرة - وقد ~~لا ننجو منها مرة أخرى - فلا بد من خطبة أخطبها غدا ms328 في المسجد، وأحب أن تسمعها. وبما ~~أن المسجد الذي أصلي فيه صغير ولا يعرفه من الناس غير المقيمين بجواره؛ أدلك اليوم ~~عليه فتؤمه صباح الغد فتسمع خطبة عربية (ومكن اللفظة الأخيرة ووقف عندها) خطبة عربية ~~بليغة وجيزة، لا كالخطب العصرية التي هي أطول من شهر رمضان، وأبرد من ظلف الظربان. ~~خطبكم العصرية؟ إن هي إلا رسائل جافة عقيمة حرية أن تنشر أو بالحري أن تدفن في مجلاتها ~~العلمية التي لا يطالعها غير المتنطسين - أدام الله تمكينهم - مجلاتنا العلمية التي لا ~~تزيدها السنون إلا قشورا. # وكاد الأستاذ يذهل ثانية فيقف غضبا ناقما في قارعة الطريق لو لم أستوقفه على ~~الرصيف ريثما ينتهي من كلامه، وما خلته ينتهي وموضوعه مجلاتنا العلمية. # وكان وقوفنا قدام دكان تباع فيه الأسلحة، وصاحب الدكان صديق الأستاذ - ولا غرو - ~~فبادره بالسلام وسألنا أن نشرف المكان، فقال الأستاذ على الفور: إن ما في حانوتك ليشرف ~~الإنسان، أفلم يقل الشاعر: # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى # حتى يراق على جوانبه الدم # وأنت يا ريحاني مخطئ في ما كتبته في ريحانياتك # 2 # التجاسر على أبي الطيب وكلامه عين الحكمة؟ سامحك الله! اجلس. ها هنا سر من ~~أسرار الحياة. # وأخذ الأستاذ مسدسا وشرع يقلبه ويتأمله. ~~- إني لأوثر السيف على هاته الآلة الدميمة، ألا فالسيف عنوان الفراسة، السيف راموز ~~الشجاعة والبطولة، وهذه - مصوبا المسدس نحوي - سيمة الغدر، ضريبة الجبن، أم ~~الاغتيال. إن ما يجيئنا من أوروبا ليذهب بالبأس والمنعة والنشاط والحضارة، تعلم الناس ~~الدهاء وتشربهم روح المكر والجبن والخداع. # ولكن هذا غير ما أبتغي من قولي إن ها هنا - وأشار إلى المسدس - سر من أسرار الوجود ~~والفناء، أعطني يا أبا حسن رصاصة، تأملها يا ريحاني، قطعة من الحديد صماء، لا توزن عشرة ~~دراهم ولا تبلغ طور بنصري هذا، إذا وضعتها في هاته الآلة الإفرنجية الدميمة وأطلقتها ~~عليك تخترق الأضلع منك، وتخمد جذوة الحياة فيك، الحياة هبة إلهية من لدنه تعالى. ألست ~~من القائلين بهذا؟ يكللها نور العقل الذي يدرك الإنسان بواسطته ما ms329 خفي من الأشياء، ~~وما دق من الحوادث وما بعد من الأكوان، وينظم بفضله الشعر، ويقيس الشمس، ويوزن ~~النجوم، ويحلل طبقات الأرض ويخطط فلك السماوات وأبراجها، ويدس مع ذلك الدسائس لأخيه ~~الإنسان - ينافق ويخادع ويجور ويتجبر - أما هاته الآلة فبكلمة واحدة من كلماتها تبطل كل ~~أعماله السامية والسافلة معا. # ألا إن الرصاصة هذه لأبعد سرا من الحياة وأسبابها فإنها إذا استقرت في صدرك أو ~~تحت أضلعك توقف الحركة الدموية فيك فتفسد القوة العاقلة الإلهية والشيطانية، فتدعك ~~جثة باردة هامدة، أقبس سماوي في الإنسان تطفئه قطعة من الرصاص؟ ومهما يكن من عز له ~~وسلطان - مليكا كان أو قائدا أو شاعرا أو نبيا - فهو إذا بغت بهاته الآلة الذرية ~~الدميمة يقف مذعورا مرتجفا صاغرا - سيفك يا صاحب الدولة! ملكك يا صاحب ~~الجلالة! # فقلت: وما أدراك أن عامل الرصاصة هذه كعوامل الزلازل والسيول في الأرض فتنبت نبتا ~~جديدا وتجدد فيها أصول الحياة. ~~- وإن جثة الإنسان لتعمل عمل الزلزال في تربة الأرض فتغذي الكلأ وتنميه وتبعث الخصب ~~فيه. دعنا من هذا الآن وانظر إلى الواقع، ها إني أتحرك وأتكلم أمامك أرى الأشياء ~~فأعقلها إلى حد ما، أحب وأكره أغضب وأعطف، أبتهج وأتألم، أضحك وأبكي، هي حقيقة لا ~~إخالك تنكرها، وهاته الرصاصة حقيقة أخرى، إذا اعترضت الأولى أفسدتها، صرعتها، ~~هدمتها، حولتها ترابا ودودا وكلأ وحيوانا، أمر غريب! سر عجيب! في هاته الرصاصة ~~كلمة كامنة تمحو إذا بدت كلمة الله المتجسدة في الإنسان؟ # فاستأذنت الأستاذ قائلا: ولكن حبة من القنب أو نقطة من السم إذا سرت في عروق ~~الإنسان تفعل فعل هاته الرصاصة. ~~- وهذا أغرب وأعجب، أفلا يؤيد كلامي أن أتفه الأشياء وأحطها لتفسد مبدأ الحياة في ~~الإنسان، لتخمد مصدر النور فيه، لتهدم ما بناه الله، قم بنا أهدك إلى ~~المسجد. # فودعنا صاحب الأسلحة، وخرجت أتلو الآية: # ويزيد الله ~~الذين اهتدوا هدى ~~. ~~••• # ونكبنا عن السبل الفجاج، والغوغاء فيها والعجاج، فأدلجنا في أحياء دامسة، كسراديب ~~الأطلال الدارسة، ليلها لا يدور وظلامها لا يغور، جاداتها أسنان منشار، وحوانيتها حفائر ms330 ~~وأوجار، ولكنها بالنمارق مفروشة، وبالبضائع مصفوفة، وفيها التجار متربعون، يسبحون ~~وينعسون، العطار قبالة العطار، مثل الدمى في خزف الأغيار، والبزاز تجاه البزاز، كأنهما ~~وردتان من شيراز، إذا رغبوا في المصافحة، أو المكافحة، فما هي إلا أياد تمدد، وكلمات ~~تردد، وأصحاب جلوس، لا كسب يقيمهم ولا فلوس، ولا حب ولا وقار، ولا ولي ولا نعار، ~~ولا سيف ولا نار، كأنهم صبيان الجنان، تجارتهم سلام وأمان، فشكرت على ذا الاكتشاف ~~العناية، وتلوت الآية: # ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على ~~سرر متقابلين * لا يمسهم فيها نصب وما هم ~~منها بمخرجن ~~. # فسمعني الأستاذ الرفيق ووقف شائلا بأنفه مبتسما ابتسام الإنكار والتحقير هامسا في ~~أذني: ذئاب في جلود الحملان، ما خلتك تخدع بالسبح والتناعس. # ثم استأنفنا السير ساكتين، فاجتزنا سوق العطارين، فسوق البزازين، فمنعرج في سوق ~~الخضر، فجادة البدو والحضر «وأنا الضارع، أتلو القوارع» فميدان ككفة الميزان، في وسطه ~~بركة كالكشتبان، فجادة أخرى، وأخاديد تحت البيوت تترى، لست أدري الآن من أيها خرجت، ~~وأيها دخلت، حتى وصلنا - والحمد لله كثيرا - إلى زاوية الأستاذ المباركة. فوقفنا في ~~باب مكتبة هناك، لا كفر يدنسها ولا إشراك، يباع فيها المصحف والغزالي، والبردة ~~والبيضاوي، صاحبها شيخ عبوس دميم، في جبة بيضاء كالريم، لحيته تندى بالخضاب، وأنفه ~~صيوان بلا أطناب، عيناه نقطتان هزازتان، كأنهما زئبق في كشتبان، وأذنه صغيرة زباء، ~~تبدو كالدواة من تحت عمامته البيضاء. # فألقى إليه الأستاذ السلام، ثم قال وهو يشير إلي: أتعرف من الرجل. # فأجاب الشيخ على الفور: إفرنجي كافر - ولا شك. ~~- بل هو من المستشرقين. # فترجرج الزئبق في ناظريه إذ زلقني بهما، وخاطب الأستاذ قائلا: وماذا يريد؟ ~~- يبحث عن الكتب الإسلامية. ~~- لا أبيع، لا أبيع. # وعاد الشيخ إلى مجلسه غير حافل بالزائر الغريب. # فضحك الأستاذ ناصر الدين قائلا: جازت ولا بأس يا شيخي، هذا صاحبنا الريحاني الذي ~~طالما وددت أن تراه وتتعرف به. # فأخذت الشيخ دهشة جعلته هنيهة كالجماد، ثم ترجرج الزئبق في عينيه، ولاح في وجهه ~~وميض من النور، فنهض إلي هاشا ms331 باشا، يعتذر ويستغفر، وأجلسني إلى يمينه على ~~الديوان وهو يقول: لا كانت ساعة، لا كانت ساعة، خدعتني يا ناصر الدين، بل هذه ~~القبعة لعنها الله! خدعتني. # فقال الأستاذ: وليخدعنك من هذا الرجل أشياء أخرى لو عرفتها، فإن لكل رأي من آرائه ~~قبعة، ولكل شيطان من شياطينه جبة. ظاهره أوروبي، وباطنه - الله أعلم بالسرائر. # فهتف الشيخ قائلا: لا سمح الله، لا سمح الله. # فقال الأستاذ شارحا الاكتفاء: كيف لا وبين الشرقيين والغربيين وهدة عظيمة. # فأجبته ذاكرا الآية: # وهو على جمعهم إذا يشاء ~~قدير ~~. # وفي تلك الآونة مر بياع السوس يقرع الفنجان بالفنجان، مناديا «برد يا عطشان» ~~فأوقفه الشيخ في الباب وأمر لنا بقصعة مما في قربته السوداء الزرباء الردغاء، وقال ~~يطمئنني: لا تتقزز، للطاهر كل شيء طاهر ثم مد يده إلى رزمة من الكتب تحت الديوان فأخذ ~~منها كتابا ونفض عنه الغبار قائلا: هذا سفر جليل أحب أن تطالعه أهديكه ذكرا لزيارتك ~~مكتبتي، فقبلته شاكرا وقرأت ما على جلده فإذا بالآية: # إن ~~الدين عند الله الإسلام ~~، فخطر لي فكر، ولكني تذكرت ما جاء في ~~الكتاب الكريم: ولا تسألوا عن أشياء إن تبدو لكم تسؤكم. # وفطنت - إذ ذاك - أنني في غور من المدينة بعيد الأرجاء وأن دون منزلي سراديب وأخاديد ~~لا يرمقها «قمر» # 3 # البلدية بشيء من نوره، فقمت أعتذر، فقال الأستاذ ناصر الدين: لا أدعك والله ~~ترجع وحدك، أما المسجد فها هو في وجه هاته المكتبة، تعال غدا. # فدهش الشيخ لهذه الدعوة وبهت، وأومأ إلى الأستاذ فكلمه كلمة في الزاوية، ثم خاطبني ~~مجاملا معتذرا مستغفرا ملحنا ملغزا، فأراحه وأراحني الأستاذ بكلمة من كلماته ~~الصريحة إذ قال: أما ترجمة ذا الهذيان كله فإليك بها: لا تجئنا غدا بالقبعة. # فقلت: وعلى رأسي الطربوش والعمامة. # وفي اليوم التالي يممت المسجد ... وكان الأستاذ ناصر الدين في المنبر فسمعته يقول: # ويل أمراء الناس، من عواقب الإفلاس، ويل أمراء الكلام من منطق الأيام، ويل ~~أمراء المؤمنين، من كتائب الحق واليقين، إفلاس في الإيمان، مغبته السقم ~~والهوان، إفلاس ms332 في الآداب، مغبته العقم والخراب، إفلاس في الحكومة، عواقبه ~~معلومة، ويل المنافقين والطغاة من نهوض الجماعات. ويل الأمة، من جهل الأقسة ~~والأئمة، قلانس لا تزين، وعمائم لا تعين، أرياء وإكرام، أسفه واحترام، ~~أفسق وإجلال، أنفاق وإقبال، لا ورب الجلال! ويل للرؤساء المتنطعين، ويل للأعيان ~~الأغمار، يحلفون بالرسل والأنبياء وهم لإبليس أخدان وحلفاء، ويل الظالمين، من ~~حمم البراكين، ويل لصوص الملك والسفاء من غضب الأرض والسماء، غدا ينقدون مما ~~يضربون، غدا يشربون، مما يسقون، غدا يأكلون، مما يطبخون، غدا يحصدون، مما ~~يزرعون. ازرع العاصفة، تحصد القاصفة، ليحصدون والله مما يزرعون. # وهل يحصد المرء غير ما يزرع، ازرع الوفاء تحصد جميل الدعاء، ازرع الآداب، تحصد المجد ~~والإعجاب، ازرع الصدق والرصانة، تحصد الثقة والأمانة، ازرع العلم والحلم والإحسان ، تحصد ~~السؤدد وولاء الزمان، ازرع البر والقناعة، تحصد الحكمة والدعة. ولكنك إذا زرعت الأثرة، ~~تحصد النقمة، وإذا زرعت الفسق والفحشاء، تحصد الويل والبلاء، وإذا زرعت الريب والشبهات، ~~تحصد الخيانات، وإذا زرعت الكذب والبهتان، تحصد الذل والهوان، وإذا زرعت الجهل، تحصد ~~التعصب الذميم، وإذا زرعت الظلم تحصد الجحيم. # جر أن الزارعين فسادا، ليحصدون رمادا، والزارعين عارا ليحصدون نارا، وحبة سبل ~~الإثم والفساد مجيدة عروش الظلم والاستبداد، ولكن الزنابير تكمن في الأزاهير، وتحت ~~الرياحين تلبث الثعابين، اليوم ديوان وإجلال وغدا سجن وأغلال، اليوم قبة مضروبة وغدا ~~منصوبة، اليوم تاج وصولجان وعود وكاس وقيان، وغدا؟ لا جنازة غدا ولا أكفان. # لنا النفوس، وللطير اللحوم، وللوحش العظام، وللثوارت السلب. ~~••• # وبعد الخطبة والصلاة، اجتمعت في مكتب الشيخ مبغض القبعات تجاه المسجد ... بنفر من ~~إخواني شبان المسلمين الذين ينزعون إلى الوهابية في الدين وإلى شبه مذهب الخوارج في ~~السياسة. # فقال سيدي ناصر الدين: هؤلاء من غراس الناشئة الإسلامية الجديدة. # وقال أحدهم مشيرا إليه: من غرس هذا الفاضل. # فرفع الأستاذ يديه مستغفرا الله مرددا قول لبيد: # إذا المرء أسرى ليلة خال أنه # قضى عملا والمرء ما عاش عامل # | بذور للزارعين # جاءتني من الأستاذ ناصر الدين البغدادي هذه الكلمة الشديدة تصحبها بعض غراس ms333 من مغرس ~~أفكاره الكريم: # أبقاك الله أيها الريحاني ومتع بك، اعلم أنني زرعت من «بذورك» في مزرعتي فلم ~~تنبت إلا قليلا، وهذا القليل سريع النشوء سريع الذبول، وقد بعثت بمثال منه ~~إلى ناظر الزراعة في العاصمة ليفحص ويحلل علنا نهتدي إلى أسباب السقم فيه ~~فنتلافاه، وإخال أن مكروبا غريبا كامنا في «بذورك» يحول دون نموها، وهاك ~~مثال من الغراس «البلدية» السليمة الجيدة وما أقلها وا أسفاه! أغرسها في بستان ~~أدبك ليتمتع بثمارها الناس، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. # ناصر الدين البغدادي # وقد غاب عن سيدي الأستاذ أن المكروب الذي أشار إليه قد يكون في التربة لا في البذور ~~نفسها، وليته بعث بمثال منها أيضا إلى «ناظر الزراعة في العاصمة.» # أما الغراس التي تفضل بها فهاك بعضها. # يبقى الملك بالعدل مع الكفر، ولا يبقى بالجور مع الإيمان. # حديث شريف # السلطان الكافر العادل إذا أفضل من السلطان المسلم الجائر. ~~••• # أتخشون الموت أيها الناس ولا تشعرون بموت أنتم فيه، إن عظاما في الأجداث بالية لخير ~~من هاته الأشباح التي تتمشى في أسواق المدينة. ~~••• # أصلحك الله أيها الأديب المصلح! أتمسح حذاءك ثلاثا كل يوم ولا تمسح نفسك مرة في ~~السنة؟ أبماء الوجه تغسل يدك الأثيمة وتلحف بماء الورد مثل العاهر البغي نتاناتك؟ أتجرد ~~يراعك على النائين من الظلام وأمام أسيادك الطغاة العتاة تعفر وجهك، إلى النار ~~بيراعك وإلى «البويجي» بنفسك لا بحذائك. ~~••• # مارك الله أيها الأمير، فإن من تطريهم من العرانين، يصرون الدرهم بالقلشين، ومن ~~تنصرهم من الغطاريف، يعوذون بالله الرغيف، وأصحابك الأعيان، الباقي في خاتم مجدهم فص أو ~~فصان، يبتاعونك غدا برتبة ونيشان، انتصح مارك الله ورعاك، واطرق باحثا عن رزقك غير ~~هذا الباب. ~~••• # نظرة في الهيئة الاجتماعية الشرقية صائبة ترينها مركبة في الإجمال من طبقتين من ~~الناس، الساهرين والنائمين، الظالمين والمظلومين، المغتصبين والمغتصبين، أما النائمون ~~فينهضون بعد طويل الرقاد أقوياء أشداء، فيظلمون أبناء الليل اللصوص وقد أصبحوا كهاما ~~سفهاء. ~~••• # روى أبو داود في سننه أن النبي قال: «سيأتيكم ركب مبغضون يطالبون منكم ms334 ما لا يجب ~~عليكم فإذا سألوا ذلك فأعطوهم ولا تسبوهم وليدعوا لكم.» # وهل كان أبو داود جاسوسا للأغيار فلفق الحديث؟ وهب أن النبي # صلى الله عليه وسلم # نصح مرة هذا ~~النصح لقومه أيرضى أن يكونوا مستذلين مستعبدين مدى الدهر؟ أحديثا تقدسون! أسيفا ~~للباغي تصقلون وتشحذون؟ أجواهر للطغاة تصوغون؟ وايم الله إن جواهر في تاج الظالم لأغلال ~~في أيدي الأمة، وإن سلامة الشرق والشرقيين لفي تحطيم التيجان والأغلال. # قال ابن مسعود: قال لنا النبي: إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها، قالوا: فما ~~تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدوا إليهم حقوقهم واسألوا الله حقكم، إن في هذه الحكمة ~~طريقان قويمان إلى عرش الكفر وسجن الإيمان، في هذه الحكمة الشرقية وأمثالها يحلل الظلم ~~ويقدس الاستعباد، قوم يسودون لا واجب عليهم غير البلص والاغتصاب، وقوم مستعبدون ~~تعودوا أن يسمعوا طائعين، ويسلموا صابرين ساكتين، ومعاذ الله أن تكون هذه سنة الحياة ~~القويمة. إن عكس الآية في الشرق لهي عندي عين الحكمة، خذوا حقوقكم من الظالمين أيها ~~الناس ومتعوهم على المشانق بحقوقهم. ~~••• # لا تأمن شر الاغتصاب إلا إذا اقتلعت عينه، الاغتصاب داوه بالاعتصاب. ~~••• # إن بدويا منتهى البلاغة عنده قوله: لا أو نعم لأفضل من أولئك الأدباء المتحذلقين ~~والسياسيين المرائين الذين يقضون حياتهم بين ال «لا» وال «نعم» مصانعين مذبذبين ~~منافقين. # | أبرشية الفريكة # قد يسر قرائي ما أنا مقتطفه اليوم من جريدة الفريكة # 1 # الرسمية، قال المحرر في محلياته: # قد آب إلى كرسي الأبرشية # 2 # بعد أن غاب شهرا حسبناه دهرا، سيادة أسقفنا الجليل فاستقبل خارج ~~المدينة استقبالا عظيما وأقيمت له حفلة تحت البطمة القديمة، نادرة المثال ~~فخيمة، وما كادت تهتز الأسلاك البرقية بخبر قدومه حتى خف إلى ملاقاته أبناء ~~الرعية الكرام، تتقدمهم الجمعيات الخيرية والإصلاحية رافعات الأعلام، هاتفات ~~هتافا رددت صداه الآكام، ونخص بالذكر من هاته الجمعيات «أخوية الأقاحي» التي ~~توارى تحت أعلامها البيضاء اخضرار الحقول، و«جمعية الشقائق» التي ملأت راياتها ~~الحمراء الربى، و«حزب القندول الوطني» وبنوده الصفراء تنور في الجموع، فتغني ~~الموكب عن الشموع، وما ms335 كاد يصل القوم إلى البطمة المشهورة حتى اعتلى رئيس حزب ~~الإصلاح الدكة فكان - وايم الحق - خطيبا، هز في الفضاء غصن بيانه فتناثرت منه ~~الأزهار والأشواك، فهتف الناس صارخين: ما وقف - والله - على منبر سواك، ثم ~~أسف الحسون شاعر سيادته الرسمي، فوقف على ذؤابة قندولة زاهرة وتلى في تهنئة ~~راعينا وتمجيده، بل في نفجه وحلجه وتنجيده # 3 # قصيدة لو سمعها حافظ لكان لها حافظا، ثم ارتجل السنونو أحد ~~شعراء سيادته الاحتياطيين أبياتا من على سماقته هي السحر الحلال كما يقال ~~ولفظ أحد الجداء الحولية كلاما في إصلاح الطائفة فتن به السامعين، ونثرت إحدى ~~البقرات النجل على سيادته زبدا من فيها هو ذوب اللجبن، وقدمت إليه طفليها، ~~عجلين توئمين، فقبلهما وباركهما وعلق في رقبة كل منها عوذة العين . ومن ثم ~~استأنف الموكب السير وسيادة راعينا شمس كواكبه فدخل المدينة وأبناء الوادي في ~~الحلل البيضاء والحمراء والصفراء ينشدون مهللين بيتين من الشعر نظمهما الدوري، ~~فبرز على المطران جرمانوس فيهما، وعلى الخوري، صاحب ديوان الشنطبوري. # 4 # قال شاعر السماقة يتأهل بسيادته: # عدت وعاد الربيع # عدت وعاد الهناء # عليك سلام الربيع # عليك سلام السماء # وقد قال الحسون: إن شعر الدوري هذا من نوع الأناشيد الدينية التي يقيسها ناظموها ~~بالأصابع ويقطعونها كالشعر ليكسبوها في الأقل ظاهر شكله، ووددنا لو كان في إمكاننا ~~إتحاف قرائنا الكرام بقصيدته الغراء - أي: قصيدة الحسون - ولكن مخبري جرائد السماء ~~التقطوا من الهواء دررها الغالية قبل أن تقع إلى الأرض. # على أن سيادة أسقفنا الجليل أخصنا بما جادت به قريحته في المأدبتين اللتين أقيمتا ~~له تحت الزيتونة وتحت السنديانة # 5 # والخطبتان من نفائس الخطب، في الواحدة منهما ما يسمونه إعجاز الإيجاز وفي ~~الثانية بلاغة عجيبة ما وقفنا على كلام للعرب في وصف مثلها. # 6 # خطبته تحت السنديانة # قال أعزه الله، وأيد في العالمين مبداه: # يا أيها الذين آمنوا، ثلاث ما قل قليلها، الغربة، والكربة، وأضغان ذوي ~~القربى، وثلاث ما كثر كثيرها، البرية، والحرية، والنعمة الإلهية، جعل الله ~~قسمتكم من تلك قليلة ومن ms336 هاته كثيرة والسلام. # ومن خطبته تحت الزيتونة # أربع وعظتني اليوم فأعظكم بها: # رأيت الوردة تفتح للنور قلبها وتميل إلي بوجهها وهي تقول: إن فيك - ~~أيها الإنسان - نسمة من جمالي ونفحة من شذاء كمالي، فهلا كنت نزيها في حبك ~~مثلي؟ # ونظرت إلى زهر المسيح وهو يلوح في شقوق الصخور كأنه واقف في بابه ينتظر ~~عودة أحبابه، فسمعته يقول: تراني - أيها الإنسان - أحن حتى إلى الصخور، ~~فهلا كنت وديعا مثلي؟ # ونظرت إلى جبل صنين وقد بدت ذؤابته السوداء من تحت كوفيته البيضاء فرأيته ~~يخلع قميصه ليستحم في شمس الربيع، وسمعته يقول: لا العواصف تقعدني - أيها ~~الإنسان - ولا السموم، لا الشتاء ولا الصيف، فهلا كنت ثابتا مثلي؟ # ثم حولت نظري إلى مغرب الوادي فرأيت أشجار الصنوبر الشماء تزدحم على ربوة ~~هناك وقد ضاقت بها التربة فاشتبكت أغصانها وجذوعها بعضها في بعض وسمعتها ~~تقول: إن فوق رءوسنا وتحت أقدامنا ما يكفينا، فهلا كنت - أيها الإنسان - ~~قنوعا مثلنا؟ # فيا أيها الذين آمنوا إن في الجبال، وفي الأشجار، وفي الأزهار لآيات ~~لقوم يسمعون ويبصرون، قل: جعلني الله نزيها كالورد، وديعا كزهر المسيح، ~~قنوعا كالصنوبر، ثابتا في الملمات كصنين. حديث شريف أسمعنيه الله وإني ~~لحديثه من السامعين وبرسل ربيعه من المؤمنين. # هذا ما اقتطفته من جريدة الفريكة الرسمية لقرائي الأعزاء لقوم يبصرون فيستبصرون، ~~ويسمعون فيؤمنون. # وأما المستحجرة قلوبهم والمتجزوتون # 7 # فإنهم وإن أنذرتهم لا يؤمنون. # هذا، ولقد طالما تاقت النفس إلى كتابة رسالة شائقة، عربية المعنى والمبنى، أي: ~~عربية الحروف والمفردات والجمل، وعربية الحبر والورق أيضا، إكراما لأسيادي ~~المتنطعين فأطرزها بالتفاسير وأكشكشها بالشروحات، فيقول الناس عند قراءتها: لله دره ~~ما أرسخه في اللغة قدما وما أطوله باعا، ولكني أعجز - والله - عن مثل هذا، وجئت ~~خالطا الآن شيئا يسيرا من عجزي في هذه الحفنة من «البذور»، وأستغفر الله بداية ~~ونهاية في ما قد يعده قرائي الأعزاء وأسيادي الأساتيذ تطفلا، وأسأله تعالى سترا ~~يمتد على تلفيقات ليس لها حد، ولكنها تلفيقات فيها من الحقائق والرقائق ما لا ~~تخفى أسرارها ms337 على المؤمنين. # | على الأرض السلام # «على الأرض السلام» مقالة طالعناها في جريدة تدعى الأبوقلبس، ننقلها إلى قراء ~~اللغة العربية لا خدمة لدولة من الدول المتحاربة، ولا تعزيزا لمبدأ من المبادئ ~~السياسية المتغالبة، ولا من أجل أمة من الأمم المنكوبة، ولا إكراما للحقيقة ~~المهانة المصلوبة، ولا حبا بالوطنية التي أسكتت المدافع حكماءها، وبلبلت المخلصين ~~من أبنائها، ولا بغية أن نهدي أحدا أو نضلل أحدا من الناس. # ننقل المقالة إلى قراء اللغة العربية؛ لأنهم ألفوا في هذه الأيام المنقول - معقولا ~~كان أو غير معقول - والمألوف غالبا مستحب، والمستحب حجته برقبته، ونأسف أننا لا نستطيع ~~أن نهدي كل واحد من القراء وبالأخص السوريين بركة من الأثر الذي عثرنا على الجريدة فيه، ~~فالسوريون أجدر الناس بمثل ذي البركة والإكرام. # كيف لا ونحن أرقى الشعوب فكرا وأعظمهم قدرا، وأشرفهم نفسا، وأسلمهم عقيدة، ~~وأبعدهم نظرا، وأشدهم على جواهر العقل حرصا، كيف لا وفينا شيء من كل الأمم ما سوى ~~جنون الأمم، كيف لا، وقد رفضنا أن نحارب من أجل الوطن أو نبذل في سبيله استقلالا ~~قليلا مما هو اليوم أبخس الأشياء، ولكن الدم السوري عزيز والنفس السورية أعز، ~~والسوريون حتى البقالون منهم لم يؤخذوا بخزعبلات الوطنية وبما يزينه من الأوهام أدعياء ~~الوطن، فهم أبعد الشعوب نظرا، وأثقبهم فكرة، أي والله! وأسماهم عقيدة، وأشرفهم ~~نفسا، فالسلام على السوريين أينما حلوا، وكيفما ضلوا، وإليهم خصيصا نزف هذه المقالة ~~من جريدة الأبوقلبس. # وقد يتساءلون: وما جريدة الأبوقلبس؟ ومن هو كاتب المقالة التي نشرفها اليوم بحلة ~~عربية؟ فهاكم القصة: # لما كنا السنة الماضية في إسبانيا خرجنا ذات يوم من مدينة على شاطئ البحر ~~المتوسط نبتغي النزهة، فوصلنا بعد أن اجتزنا مسافة خارج الصور إلى صخور تغسل ~~أقدامها الأمواج وبينها بقايا مركب عرفنا من حرف على صفحة من حديد مكسرة مصدئة ~~أنها غواصة (صبمارين) ألمانية، وبين بقايا هذه الغواصة عثرنا على فرد وجمجمة ~~منشور رأسها وقد سد بالورق، فرفعنا السدة ففاحت من الجمجمة رائحة الخمر، ~~فقلنا: وهذه من فظائع الألمان، يشربون ms338 الخمر اليوم بجماجم الأعداء مثل أجدادهم ~~في غابر الزمان، ثم كشفنا الأوراق فإذا بها جريدة الأبوقلبس وفي صدرها ما يلي: ~~«جريدة بشرية.» # تصدر في رأس كل سنة في أي لغة كانت في أي مكان كان، يحررها فريق من الكتاب لا ~~وطن لهم ولا دين. # ويساعد في تحريرها بعض من كانوا بالأمس وزراء، وأصبحوا اليوم ممن ينطقون ~~حقا، ويقولون صدقا، اشتراكها جمجمة من جماجم الأعداء. # وعلى هامش إحدى صفحاتها كتب بقلم رصاص ما يلي: # أنا جوهان شميت قبطان الغواصة # 100-U # أغرقت ~~في شهر واحد خمسين مركبا من مراكب العدو، منها باخرة كبيرة أقلت ركبا كثيرين ~~فيهم عدد من النساء والأطفال، ما نجا منهم واحد. ومنها مركب شحن عجبت لشجاعة ~~قبطانه فخلصته واثنين من بحريته وأنزلتهم غواصتي، وأقمت وإياهم يوما وليلة تحت ~~الأمواج وفوقها إلى أن أوصلتهم إلى الشاطئ سالمين فأعطيتهم مئونة يوم من الخبز ~~واللحم المقدد وقنينة من الخمر، فوضعها القبطان في الحقيبة التي كان قد خلصها ~~وودعني قائلا: «يا هر شميت»، أنت ألماني شريف النفس، كريم الأخلاق، فعسى أن ~~تجمعنا التقادير بعد هذه الحرب فنردد ذكرى هذه الأيام العصيبة وأكافئك على ~~معروفك حق المكافئة. # ثم أخرج من حقيبته جمجمة فأهدانيها قائلا: هي أعز ما لدي الآن أرجوك أن ~~تقبلها ذكرا مني، فقد كان صاحبها من أبناء وطنك ولم يكن شبيهك بغير الشجاعة، ~~أسرني ذات يوم في وسط الأوقيانوس وجوعني ورجالي ومثل بأحدهم ترويعا ولكن على ~~الباغي يا «هرشميت» تدور الدوائر، المثل بالمثل في هذه الأيام السوداء، سن بسن، ~~وجمجمة بجمجمة، فإليك أهديها، أعيدها إلى ألماني كريم الأخلاق، وهذه الجريدة ~~طالعها فإنك على ما ظهر لي ممن يعرفون الحقيقة ويحبونها، في جانب الله كانت أو ~~في جانب الشيطان. # نعم «جوهان شميت» يحب الحقيقة ويعرفها إن كانت لابسة خوذة ألمانية أو قبعة ~~إنجليزية، فقد طالع هذه الجريدة الصغيرة وخطت يده هذه الأسطر على هامشها قبل أن ~~قبضت على المسدس الذي خلصه من جهنم هذه الحرب. ولا يظن أحد أني هربت من واجبي ms339 ~~أو أني جبان، أنا قبطان «الغواصة» # 100-U # خمسين ~~مركبا من مراكب العدو أغرقتها في شهر واحد، فما بقي إلا مركبي أغرقه ودماغي ~~أبعثره، وأنا في عملي الآن أخدم ألمانيا العتيدة، بل أخدم الإنسانية التي ~~ستقيم في الأمم سيادة علوية جديدة. # قبطان الغواصة # جوهان شميت # هذه قصة الجريدة التي لقيناها على شاطئ البحر المتوسط في إسبانيا، وفيها قصة القبطان ~~الألماني الشجاع، الكريم الأخلاق، أما المقالة الرئيسية فيها فهذا عنوانها ~~كاملا: ~~«على الأرض السلام» «ورصاصة مسك الختام» ~~«لام.» # ومغزى المقالة هو أن كاتبها الذي يتمنى أن تنتهي هذه الحرب بل يصيح بالأمم ~~المتطاحنة صيحة إنسان عاقل مجرد من الغايات السياسية والجنسية والشخصية يطلب من الدول ~~باسم الإنسانية المصلوبة والشعوب المنكوبة أن تقرر أمر الحرب بالتصويت العام لا في ~~الاجتماعات السرية في النظارات الحربية والخارجية . فلو سئل كل امرئ في الأمم ~~المتحاربة اليوم ما إذا كان يريد أن تستمر الحرب أو تنتهي بمهادنة يتبعها صلح ~~عام لأجاب قائلا: لتنته الحرب، ليستتب السلام، وكاتب المقالة وزير من الوزراء أدار ~~شئون الحرب في نظارته سنتين ثم اعتزل السياسة. # أما عنوان المقالة ففيه غموض بل نكتة يعسر علينا بادئ بدء فهمها، ولكننا بعد أن ~~تصفحنا الجريدة كلها وجدنا أن محرريها متفقون بإلقاء مسئولية هذه الحرب على رجل واحد في ~~أوروبا، وهذا الرجل يدعى: «وليم هوهنزولرن.» وهم متفقون أيضا في أن جزاء العمل من ~~مثله، ولكن من يقتل الملايين من الناس أو يسبب قتلهم يمسي خارج الشرائع العادية، ~~الطبيعية منها والاجتماعية، فما معنى إذن «ورصاصة مسك الختام، لام؟» ليست «اللام» اسم ~~الكاتب ولا هي عبارة مختزلة غامضة من مثل ما يفتتح بها المحرر أكثر مقالاته وآياته، ~~وإنما هي لام بسيطة أي «ل» الجر أو الوصل، وغموضها ينجلي في عبارة صريحة نقتطفها من ~~الجريدة، وهاكها: # حرية الفكر في العالم اليوم مقيدة، لذلك نلجأ في الأحايين إلى الألغاز، ~~وقراؤنا الألباء يكتفون بأول حرف من الكلمة أو بأول برعم من الفكرة. # هذا مفهوم، و«مسك الختام رصاصة» مفهوم أيضا، ولكن رصاصة ms340 لمن ل «وليم هوهنزولرن» ~~ولا ريب. وكاتب المقالة يقترح أن تهدى الرصاصة إليه يتصرف بها كيف شاء، ومن رأي أحد ~~قراء تلك الجريدة أن يقرر ذلك في مؤتمر السلم وأن يستحضر ممثلو الأمم في المؤتمر ~~بربريا من برابرة إفريقيا ليحمل الرصاصة إلى «وليم» المذكور. وهذا حكم الإنسانية على ~~عدو الإنسانية، ونقتطف أيضا من جريدة الأبوقلبس مما يتعلق بالموضوع ويجلي غوامضه ما يلي: # المجرمون الصغار تقاصهم الحكومة، والمجرمون الكبار يقاصهم الله، وما لمن ~~ينكره من هؤلاء حتى الله، ويأبى أن يدنس ناموسه به، إلا زبانية الجحيم يناديهم ~~قائلا: قاتل نفسه يقرئكم السلام. # وإلى قراء العربية بعض آيات باهرات من جريدة الأبوقلبس: # لس عود، # 1 # ورب الوجود، للبشر عدو لدود، رأسه الجنود، والطبول والبنود، ومعامل ~~البارود. # لحل # 2 # ورب الفكر والعمل، لا تقطع الأمل، ولا تكن من المتعصبين، للوطنية أو للدين، ~~الحروب وكروبها، على الملوك والسياسيين ذنوبها. ~~••• # سنح # 3 # والمقيد ما فلح، عقل الأمم اليوم في صحافتها والصحافة في القيود، تمجد ~~البنود، وتكثر السجود، لرب القرود، المقدس الحدود، ارفعوا الأبيض من البنود، أو الأحمر ~~وكسروا القيود. ~~••• # الحقيقة المصلوبة تناجي ربها، وتستعيذ ممن يدعون حبها. ~~••• # سنح، ومن فلح، لا تنتهي هذه الحرب حتى تشترك بها كل الأمم، فسارعي أيتها الأمم ~~إلى السلاح، على جارتك أشهريها لذنب أو لغير ذنب ليشبع البشر من الحرب، ليشبعوا ~~اليوم. # دقوا الطبول قبل أن تكسروها، ارفعوا البنود قبل أن تمزقوها، الوطنية اليوم - أيها ~~المجانين - والإنسانية غدا. ~~••• # لسبيم # 4 # والرب الكريم، وزبانية الجحيم، كان للبشر في ما مضى من الزمان ثلاثة ~~أعداء: الجهل، والنعرة الدينية، ورؤساء الدين. وللبشر اليوم ثلاثة أعداء: الجهل، ~~والنعرة الوطنية، والجرائد. # وقاف # 5 # وسورة الأحقاف، ورب الأحلاف، التعصب الوطني مثل التعصب الديني. لكل ~~أجل. # الصحافة المضللة مثل رؤساء الدين المضللين. لكل أجل. # السيادة العسكرية مثل السيادة الخرافية. لكل أجل. # وليم هوهنزولرن مثل نقولا رومانوف وعبد الحميد. لكل أجل. # والاشتراكية الكاذبة مثل الأديان الكاذبة. لكل أجل. # الباسيفيست الأعمى مثل الجندي الأعمى. لكل أجل. # حكم الفوضى مثل ms341 الحكم المطلق. لكل أجل. # أدعياء الحرية مثل أدعياء الدين. لكل أجل. # صياح الزعماء مثل تمويه الوزراء. لكل أجل. # سفسطة المتكلمين مثل تفوق المتوحشين، لكل أجل. # الشعوب المظلومة باسم الوطن مثل الشعوب المظلومة باسم السلطة المطلقة. لكل ~~أجل. # جشع المتمولين مثل نفاق الاشتراكيين. لكل أجل. # من يغتنون اليوم من معامل المدافع والقنابل مثل الجياع والمرضى في البلدان المنكوبة. ~~لكل أجل. # وقبل أن ينقضي أجلهم كلهم عبثا ننادي: على الأرض السلام، على الأرض السلام! # لس عود، ورب الوجود، لسنا من المقيدين إلا بالإنسانية ولسنا من الساجدين إلا لرب ~~البشر. ~~••• # عدو البشر العنيد، اضربه بالحديد، وهات جمجمته، نزين بها قصر السلم الجديد. # | شبلي الشميل # في الشرق نوع من النبوغ قلما يدرك الشرق كنهه، وفي الشرقيين خاصة صفة من آل العلم ~~والعرفان قلما يقدره حق قدره، مثل منه رجل قد تقل تآليفه وتكثر نفحاته، يرسل نفسه ~~نورا في الناس عملا لا كتابة، فكرا لا قولا، يتشرب ما يوحى إليه مثلما تتشرب ~~الأزهار النور والندى ومثل الأزهار يبثه عفوا أريجا طيبا، حياته الدنيا نبراس يستضيء ~~به الناس. وجوده أينما حل منهل عذب يرده الأدباء عشاق الحرية والحقيقة والكمال، كلمته ~~المقولة نبأ أثيري تتناقله دوائر الأدب وتتلقفه الألباب، كلمته المكتوبة حجة على الباطل ~~وضربة على الضلال قاضية. قد لا يعمل بذاته عملا خطيرا ولكنه يستنهض للأعمال الخطيرة ~~أنفسا آن فيها النبوغ، قد لا يؤلف كتابا خالدا ولكنه يوحي إلى غيره خالد الآراء ~~والآيات، يوقف حياته لا للشهرة والمجد، ولا للثروة والسيادة، بل لخدمة الحقيقة، وخدمة ~~الأمة، وخدمة العلم والأدب في الاثنتين، يكبر أعمال الناس مهما صغرت إذا كان فيها ~~ذرة من الحق، ويستصغرها مهما كبرت إذا كان فيها ذرة من الباطل، عقله شمس مشعشعة لا ~~ليل يحجبها، ضميره بستان زاهر ربيعه لا يزول. # مثل هذا الرجل إرث روحي يستثمره الناس دون أن يضجوا باسمه، مثل هذا الرجل دائرة ~~نور تضيء، فتشعشع فتتسع، فتتفكك فتولد دوائر أخرى نيرة في قلوب الشعوب الدانية ~~والقاصية، نفس هذا الرجل حلقة ms342 رقي دائم تربط جيلا بجيل وأمة بأمة، وما موته - ~~إذا فقهنا سر النبوغ - غير مظهر من مظاهر حياته. # مثل هذا الرجل يندر في المغرب على رقيه ونهوضه، ولا يندر في المشرق على خموله وجموده، ~~نوابغ الغرب ينشئون في وسط تعددت طبوله وزموره، ونوابغ الشرق يقنعون بما يكتنفهم من ~~سكون وإهمال، وقد تكون هذه الحالة في عين الحكيم خيرا من تلك وأجمل. # شبلي شميل ممن وصفت. # شبلي شميل خير مثال لهذا النوع من النبوغ في الشرق، فيحق للأمة العربية أن ترثيه ~~ويغتفر لها الإطراء في الرثاء، تعودنا نحن العرب الغلو في تعداد فضائل الميت كما ~~تعودنا إهمالها في حياته، وقد لا نكون مسئولين في الحالين وشأننا في تقاليدنا ~~معروف. # كاتب هذه الكلمة واحد من الألوف الذين اتصلت بأنفسهم شعلة من نفس الشميل فأضرمتها ~~غيرة على الحق، وشوقا إلى الحرية، ولو برهة من الزمان، وهي كلمة وجيزة، والشميل يستحق ~~كتابا سيكتبه - إن شاء الله - من هو أهل لذلك. # قد تكون هذه الكلمة خالية من الرثاء ولكنها لا تخلو من الإطراء، ولا غرو وكاتبها من ~~محبي الشميل ومريديه، ولكن بدل أن نبكي الرجل يجب أن نسر - كأمة - ونفتخر أنه نبغ ~~في الشرق، وأن موته - كما قلت - إن هو إلا مظهر من مظاهر حياته. # مات شبلي شميل ثابتا - لا شك - في اعتقاده أو في عدم اعتقاده، وأمره والآخرة وربه، ~~ولا ريب عندي أنه سيكون من المقربين إذا آمنا بما أنزل في الكتب المقدسة، بل إني على ~~يقين أنه أسعد في حاله اليوم - ولا عدمية لمن كان مصباح هدى في الناس - مما كان ~~بالأمس. من محاسن شبلي شميل أنه ثبت في مبادئه حتى آخر أيامه، فقد كان أول من نشر مبدأ ~~النشوء والارتقاء في الأمة العربية، وظل متمسكا به حرفا وروحا بين أن أشياعه ~~الأولين في أوروبا تدرجوا منه إلى مبادئ أخرى لا سبيل الآن إلى ذكرها. # ومهما كان من أمر فيلسوفنا في هذا الصدد فإن إخلاصه باهر، وتجرده ظاهر، كافرا ~~عد أو مؤمنا وإن ms343 ما ندعوه كفرا أو زندقة أمسى زيا عند الأدباء يتحلون به في ~~شبابهم وينبذونه غالبا إذ يتجاوزون سن الأربعين، وعذرهم في ذلك أن الخبر والزمان ~~يعلمان المرء ما لا تعلمه الكتب. قد يصح ذلك، ولكن الحماسة من مزايا الشباب الجميل، ~~والحقيقة تألف الحماسة وتهواها. # وعندي أن النبوغ الحقيقي هو ما تدوم فيه تشويقات الشباب وحماس الشباب، وفيلسوفنا ~~الشميل ظل شابا في اعتقاده، شابا في مبادئه، شابا حتى آخر أيامه في حماسه. ومن ~~الحقائق الراهنة أن المرء إذا لم يكن ذا شأن في الهيئة الاجتماعية يذكر يكن غالبا ~~جريئا في رأيه، جريئا في الجهر باعتقاده، وأما إذا طمع بأشياء الدنيا، أو حاز مقاما ~~بين الناس، أو أمسى ذا ثروة أو سيادة؛ تستولي التقية على علمه وأدبه، فيلطف من شدة ~~لهجته ويجعل المداراة رأس سلوكه، وهذا ما لا يصح أن يقال في شبلي شميل. # لو طلب هذا النابغة السوري سيادة لجاءته صاغرة، لو طمع بأشياء الدنيا لنال منها ~~كثيرا وأصبح ثريا عبقريا في قومه، ولكن سيادة العلم فوق كل سلطان، وشبلي شميل ألبس ~~هذه السيادة لباس العفة والنزاهة، ولم يسئ إليها يوما بشيء من التذبذب أو المجاملة أو ~~المداراة. خذ كلمة من كلماته في شيخوخته تظنها كتبت في شبابه، وفي حملاته على الظلم ~~والظالمين، كما في مباحثه الاجتماعية والعلمية، كان التجرد والإخلاص من عوامل نفسه ~~الحية أبدا القوية. # أجل، إن من أجمل ما فيه استهتاره في سبيل الحق والحقيقة، تمشى في الأرض سامد الرأس، ~~عالي الهمة، أبي النفس، طاهر الذيل، مضطرم الفؤاد، بعيد النظر، صلب العود، شديد ~~اللهجة، لا يدنو إلا من الفضل في الناس، ولا يلين لغير الحق في أعمال الناس. # رفع لواء التمرد على طغاة الزمان وأرباب الضلال والبهتان مذ دخل ميدان الفكر والعلم ~~ولم يخفضه يوما في حياته، ولواؤه لواؤنا، حمله وحده بالأمس وستحمله الأمة - ~~أمتنا - غدا. إن هذا السوري الكبير سئم مما في الأمة الشرقية من جهل وخمول، ~~وجمود وسبات، فصرخ فيها صرخة مستنهض دوت في العالم العربي ms344 قاطبة، وسيردد صدادها ~~كل أديب حر مسلما كان أو مسيحيا، وماذا يهم إذا كفروه وهو من مصابيح الأجيال ~~المقبلة؟ # قلت إن من رجال العلم والعرفان في الشرق من يبث روحه قولا وفعلا أكثر منه خطا ~~ونشرا، ومع أن تآليف الشميل وحدها كافية لأن تجعل له مقاما ساميا عزيزا في ~~الأمة العربية ففي حياته الفردية من المآثر ما يماثلها إن لم نقل يفوقها فائدة ~~وفضلا، وعسى أن يفي هذا الباب من سيرة حياة فيلسوفنا الكبير من يباشر غدا تآليفها، ~~فقد كان ولم يزل له سيادة على العقول غير السيادة التي تولدها التآليف، وقد كان ~~ولم يزل له منزله في القلوب غير التي يحرزها النبوغ. شبلي شميل غرس طاهر غرسه الله في ~~الناشئة العربية الجديدة، وسينمو بعد موته أكثر من نموه في حياته. # | جرجي ديمتري سرسق # دفنت في الترب ولو أنصفوا # ما كنت إلا في صميم الفؤاد # على ضريحك أزهار من جنات الحب والبر جميلة، وفوق جثمانك نور من أنوار الله المقدسة ~~الجليلة، وحولك قلوب تحترق اليوم بخورا فيتصاعد إلى السماء أمامك ويضمخ أعلاما أنارت ~~لياليك وأيامك، كنت في الأمس للناس زعيما فأصبحت اليوم لربك كليما، قربك منه تعالى ~~جهاد في سبيل الحق والبر والحرية، يندر مثله في بلادنا السورية. # أيها السادة # عاش فقيدنا حرا لا يعرف إلا الواجب سيدا، ومات حرا لا يعرف غير الله عميدا، عاش ~~شريفا صادقا أبيا، ومات شريفا صادقا أبيا، عاش شجاعا ومات شجاعا؛ فقد رأيناه ~~يبش لأصحابه ويحدثهم ضاحكا حتى في الساعة الأخيرة الرهيبة، وقد سمعناه في اليوم الأخير ~~من حياته الدنيا يقول لطبيبه: يا حكيم في مكتبتي رسائل عديدة ينبغي النظر بها فقم أنت ~~فيها مقامي. # وليست الرسائل هذه من أشغاله الرسمية بل هي مما كان يتوارد عليه دائما من المظلومين ~~والبائسين، من اللاجئين إلى رحمة في فؤاده جمة، وعدل في صدره عميم، وأريحية لا تعرف ~~التجهيم، أجل فقد كان قلبه بحرا تجري إليه أنهر من هموم الناس وشئونهم، وما رد ~~يوما سائلا، وما كان ms345 إلى غير الحق والعدل مائلا. # فيا له من خطب جلل أفقدنا رجلا حقا قديرا، وصديقا صدوقا غيورا، وعاملا في ~~سبيل الحق عزوما جسورا، وأميرا من أمراء الإحسان كبيرا، وفيلسوفا في الشدائد ~~صبورا شكورا. وإن خسارة آله فيه وأصحابه لجزء من خسارة الأمة والوطن، فلتبكه ~~الأمة وليبكه الوطن. # كلنا نعلم أن جرجي ديمتري سرسق لم يكن في سبيل الإنسانية قوالا، بل كان فعالا، لا ~~يمل العمل، كان جنديا لا يسكره الفوز، ولا يقعده الفشل، كان من الزعماء المجاهدين ~~الذين تكسبهم النزاهة والإخلاص احترام الناس أجمعين، الأصدقاء منهم والأعداء. كان ~~خصما أديبا حليما شريفا، ولم يكن كخصومه حقودا لدودا عنيفا، وقد نال في طريقته ~~هذه القويمة الجميلة ما يعجز دونه أصحاب المكايد والدسائس والأضاليل، وقد أخبرني مرة ~~أنه رافق القنصل يوما في زيارة إلى أحد المعاهد العلمية في الثغر، فلما رآه رئيس ذلك ~~المعهد بادره قائلا: لسنا على ما أرجو بأعداء. فأجابه فقيدنا العزيز: لا أعرف غير ~~الضلال عدوا. # إذا كانت هذه منزلته عند الخصوم فماذا عساها تكون عند الأنصار والأصحاب، حبذا الرجال ~~مثله وحبذا الزعماء، وحبذا الأصدقاء - أصدقاء الإنسانية والأدب، أنصار المبادئ الشريفة ~~الحرة السامية. # فلو جاء اليوم من أحبوه واحترموه وأكبروه كل بزهرة واحدة إلى ضريحه لبات فقيدنا ~~وحوله ربى من الأزهار جميلة. # ولو رفع إلى الله الدعاء له كل من أحسن إليه لملأت كلمات الدعاء أرجاء ~~السماء. # ومهما كان القبر - أيها السادة - مقرا أبديا أو جادة إلهية فإن فقيدنا لممن ~~يقدسون القبور وينيرونها. # ومهما كانت عقيدة المرء الدينية أو العقلية في هذه العاجلة الفانية، فإن تقديسه ~~الواجب، وتفانيه في سبيله المجيد، ليجعلانه من الأتقياء الأطهار، والمقربين الأبرار، ~~ولا خوف على هؤلاء في الآخرة ولا هم يحزنون. # | الترقيع في العمل # أبناء وطني # يصح في زحلة قول الشاعر: # وأستكبر الأخبار قبل لقائها # فلما التقينا صغر الخبر الخبر # قد أحببت هذه المدينة وأحببت أهلها يوم لم أكن ~~أعرف من وطني سوى اسمه، يوم كنت في الولايات المتحدة، وعندما عدت إلى سوريا كانت ms346 أول ~~رغباتي أن أزورها فجئتها ماشيا من الفريكة ونسيت مشقة السفر ساعة أشرقت عليها من بين ~~الكروم فتذكرت إذ ذاك ما كان يقوله أصحابي في نيويورك وقلت صدقوا والله، زحلة عروس ~~مزينة! فإن منظر مدينتكم من أي من هذه المشارف حولها لمن أبهج المناظر التي ~~شاهدتها في لبنان. # وقفت بين الكروم على تلك الربوة الجميلة وحييت المدينة التي هي مسقط رأس أعز أصدقائي ~~في الغربة، وحييت فيها بواسق الحور الناطقة بلسان حال رجالها، وروافه الصفصاف الناطقة ~~بلسان حال نسائها، ولجين البردوني الجاري في حياة أبنائها، وقفت متأملا هذه المدينة ~~المختبئة بين الجبال كلؤلؤة بين الصخور، أو كزنبقة بين الأدغال ورددت قول الشاعر ~~الإنكليزي: # كم زهرة وسط الآفاق عابقة # وحسنها غير منظور من البشر # ولكن شذا زحلة كشذا تحيات صديقي المعري في رسائله إذا مر في الصحراء عطر منها ~~شواسع الأرجاء، شذا زحلة وفيه مزيج من البخور الذي كان يحرق بالأمس على مذبح الخرافى ~~فصار يحرق اليوم على مذبح العلم كان يحرق بالأمس أمام أصحاب السيادة فصار يحرق اليوم ~~أمام الشعب والوطن، كيف لا وفي مثل هذه الحفلات ينور عقل الأمة، ومنها ينبعث طيب ~~التهذيب والعرفان. كيف لا وفي هذه الحفلة دليل واضح على أن كهنة الله الحقيقيين يخرجون ~~من معسكر الجهل والاستبداد لينصروا أبناء النور على أسياد الظلمة. # تسرني بل تبهجني مظاهر الحياة الجديدة المتجسدة في نهضاتنا الوطنية ومساعينا الأدبية، ~~ولكنني لا أستحسن تعدد المقاصد والمسالك فيها، فلو أن الجمعيات في البلاد عملت كلها ~~شهرا واحدا فقط لغرض وطني واحد لكنا في أسابيع قليلة نصل على نتيجة لا توصلنا إليها ~~السنون الطوال، لو فكرنا كلنا في وقت واحد في أمر واحد وعقدنا الأواصر عليه ووطنا النفس ~~إلا نذره قبل أن نحل العقدة فيه أو نقطعها؛ لكنا نصل إلى شيء حسي جميل في مشاريعنا ~~ومساعينا. # ولكن الذين يدينون بدين الله دون واسطة سماسرة الدين، ويجلون الحرية والوطن دون أن ~~يقدسوا الأحزاب والجمعيات، لم يزل صوتهم متضعضعا وكلمتهم لم تزل متشتتة، ولا ms347 أقول إن ~~عددهم قليل؛ لأن صوتهم لو كان واحدا وقلبهم واحدا، في ظل الأرز أو حول الشاغور، أو في ~~وادي الفريكة، كما هو في زحلة لكانوا - على قلة عددهم - يأتون بما لا تستطيعه الأحزاب ~~اللبنانية كلها من الأعمال الوطنية التي لا يشوبها التحيز الديني، ولا يفسدها التغرض ~~السياسي أو الشخصي، نعم نحن في حاجة إلى جامعة لبنانية تهذيبية تؤسس في الجبل المدارس ~~الوطنية الحرة، وتنير فيه المنابر الأدبية الحرة، نحن في حاجة إلى جامعة لبنانية من هذا ~~الشكل تبعد عن المصلحين وإصلاحهم والمرقعين وترقيعهم، وتباشر تأسيس معاهد جديدة لحياتنا ~~الاجتماعية الجديدة، المدارس الحرة والمنابر الحرة هي التي تشعل مصابيح العلم والتهذيب ~~في الشبيبة وفي الشعب؛ لأن مثل هذه الحفلات هي - والحق يقال - مدارس الأمة العالية، ~~مدارس الرجال والنساء. # لكني أرى أن الأمة لم تزل بعيدة عنها على ما في البلاد من الإقبال عليها، لم يزل ~~بين المجموع العظيم الذي هو الشعب وبين صوتنا جدار هائل مظلم شيدته الأجيال وقدسته ~~السيادة، ولم نزل إذا شرعنا نعمل عملا أدبيا كان أو سياسيا نباشره ونحن واقفون في ~~ظل الجدار الشامخ فيتلاشى أمامه شيء كثير من قوانا. لذلك أرتئي أن نبعد قليلا قبل أن ~~نرفع صوتنا؛ فيصل - إذ ذاك - صداه إلى ما وراء سد الجهل المنيع. ومعلوم أن في الحرب لا ~~تطلق العساكر نارها على قلع العدو إلا من مسافة معلومة، لنخرج إذا من هذا الظل المهلك ~~قبل أن نرفع صوتنا، والذين يقيمون هناك ويصيحون كمن يقف في سفح جبل صنين من جهة البحر ~~وينادي من هناك الزحليين. # فمن لا يستطيع أن يصعد في الجبل إذا ليصل إلى ذروته عليه أن يدور حوله أن يبعد عنه، ~~ثقوا يا أسيادي أن الصوت الذي يجب أن تسمعه الأمة عاجلا أو آجلا وتنقاد له إنما هو ~~صوت من كانت حنجرته سليمة وصدره خاليا من جراثيم أمراض هذا الزمان، من حب الشهوة ~~وحب السيادة وحب المال ومحبة الذات الخبيثة، أما المصدورون والمعتلة حناجرهم فكلما ~~صيحوا دنا أجلهم، دعوهم ms348 إذا يصيحون وهم لتماثيلهم عاكفون، وفي الظلمة إلى حاجاتهم ~~يحلجون، إن الله عالم بما يفعلون، دعوهم يصيحون ويحرجون ويحرفون ويحرمون، ولكنني أنصح ~~لكم أن تخرجوا من مستنقعاتهم القتالة ومن ظل صداقتهم المهلكة، اخرجوا فإن الله مع ~~الخارجين، صعدوا في جبال الحقيقة فإن الله مع المصعدين. # الكلمة المفيدة أحب إلينا أن تحفظوها دون أن تصفقوا لها استحسانا من أن تستحسنوها ~~ضاجين وتنبذوها بعد ذلك غير مكترثين. الكلمة المفيدة وإن خرجت من فم الجمال ينبغي أن ~~نزرعها في قلبنا لتثمر في أعمالنا، ولكننا لم نزل نطرب للقول ونحجم عن العمل. # كنا في الدور الماضي لا نسمع من الأمة سوى صدى التأوهات والأنين، فجاء الدستور ~~ينشدنا شيئا من نشيد الوطن الذي لم ينظم كله بعد لينسينا آلامنا ويرينا بوارق آمالنا، ~~ولكننا لم نزل في ما كنا عليه من الصخب والفوضى فلا نسمع من نشيد الوطنية إلا الوقفات ~~المحزنة، والصيحات المزعجة، وبدل أن نقف قليلا ونسكت لنسمع ونستفيد، لنفكر في ما نحن ~~فيه وفي ما نحن إليه سائرون، لم يزل كل منا يغني على ليلاه ويستر برقعة من ثوب الحرية ~~عراه. # نعم ترانا نمزق ثوب الوطن لنرقع ثوب الأحزاب، نمزق ثوب الحقيقة لنرفع ثوب الدين، ~~ومهما تعددت مساعينا الوطنية ومشاريع حكومتنا الإصلاحية فإن هي إلا من باب الترقيع ~~والتجبير، لنرقع نظام لبنان، لنجبر رجل لبنان، لنصلح مدارس لبنان. وربي صرت أكره لفظة ~~الإصلاح بقدر ما كنت أرددها في الماضي؛ ذلك لأنني أكره الترقيع في الأمور، وأصبحت أعتقد ~~أن القديم البالي الذي لا يمكن نبذه - إن كان في الرجال أو في المبادئ - لا يمكن ~~إصلاحه. نظام لبنان، اطبخوا لنا على ناره طبخة من العدس فنشكركم، رجل لبنان المكسورة، ~~اقطعوها قبل أن ينخر السوس في كل العظام، رجل من خشب خير منها، مدارس لبنان أقفلوها ~~فتصلحوها، خير للشعب أن يبقى أميا من أن يسقى من الجهل والذلة والتدين ما يكفي ~~ليقتل أعظم أمة في العالم. # الذي لا يمكن نبذه في مثل حالنا لا يمكن إصلاحه، والعكس ms349 بالعكس، فكروا قليلا في هذه ~~الحقيقة؛ فإنها تنطبق على أمور وشئون كثيرة في الحياة. إن كلفنا الزائد في الأشياء ~~يجعلنا عبيدا لها، ومهما صار من أمر فسادها وإفسادها لا نستطيع نبذها ولا إصلاحها، وإن ~~انقيادها الأعمى للرجال لا يمكننا من نبذهم عندما نشعر بضرهم، ولكن إذا هم عرفوا أننا ~~قادرون على ذلك إن لم يعدلوا ويستقيموا، فلا تشغلنا بعدئذ مسألة إصلاحهم. # وبكلمة أخرى: خادم في بيتك إذا كنت لا تستطيع طرده عندما يستحق الطرد فلا تستطيع ~~إصلاحه عندما يتهامل في واجباته، كنيستك التي هي بيت الله إذا كنت لا تقدر أن تستغني ~~عنها عندما تصير بيت باعال فلا تستطيع إصلاحها. ابنك الضال إذا استأنس منك ضعفا في ~~واجباتك الأبوية يستبد في أمره ويستمر في غيه. فكم بالحري كاهنك أو حاكمك أو شيخك أو ~~أميرك أو معلم مدرستك، القوة الاحتياطية إذا إن كان في الأمور المالية أو الأمور ~~الأدبية والاجتماعية؛ هي ألزم من القوة المستخدمة، فهي التي تحفظ استقلالنا وشرفنا، ~~وتعزز حرية عقلنا ونفسنا، تجاه من هم فوقنا ومن هم دوننا. # أما الترقيع في الأمور فهو عين الكذب ~~والخداع؛ إذ نكذب بالرقعة على أنفسنا ونخدع بها الناس، وعندي أن ثوبا باليا خير من ~~ثوب مرقع، وشحاذا من شحاذي أرمينيا خير من الشحاذين الذين يوهمون الناس أنهم من ~~المحسنين؛ لأن الأول صادق في ظاهره وباطنه والثاني كاذب في الاثنين، الأول تعرفه إذ ~~تراه والثاني يخدعك وجهه وقفاه، ولكنك لا تستطيع أن تخدع الناس إلى الأبد أيها الشحاذ ~~المحسن، غدا ينكشف أمرك، فينكرك المحسنون الحقيقيون، وينكرك كذلك الشحاذون، أجل سادتي ~~إن كان ثوبي مرقعا، أو عقيدتي مرقعة، لا بد أن تأتي ساعة أنسى فيها نفسي، فيزول ~~انتباهي، فتبدو ذلتي. # من أسر على سريرة ألبسه الله رداءها، فهل تظن يا صديقي أنك تستطيع أن تستر ترقيع حبك ~~إلى الأبد، أتظن أيها المحترم «المتجزوت» أن رقاع دينك تخفى على الله؟ أتظن يا صاحب ~~السعادة والتجلة والكرامة أنك تستطيع أن تستر رقاع سياستك طول حياتك؟ ألا ms350 تظنون يا ~~أسيادي أن النفس تشعر بهذا العار الذي نلحقه بها حبا بدنيانا، حبا بكل زائل تافه في ~~الحياة، حبا بالمال أو بالشهرة أو بالسيادة أو بالوجاهة الفارغة؟ نعم إن ساعة يكشف ~~الله فيها عما في ثوب نفسنا من رقاع الجبن والذل والكذب من رقاع التمويه والرياء ~~والنفاق؛ لأشد الساعات ويلا، فنود لو كنا عراة من أن نقف في نور الحقيقة بأطمار ~~مرقعة. # إن بليتنا يا أصحابي ليست من الإكليروس فقط بل من أصحاب الوجاهة فينا أيضا، من ذوات ~~لبنان أصحاب التجلة والكرامة؛ فهم لا يتقدمون ولا يفسحون لغيرهم فيتقدم، هم لا يعملون ~~عملا واحدا مجردا من أجل الوطن، ولا يدعون غيرهم أن يعمل مقدار ذرة. هم واقفون في ~~وجه الشعب ولم يزالوا يفسدون في كرمه الجديد، لم يزالوا يتداخلون في شئون الحكومة، ~~ويحاولون الضغط على المأمورين. # مشايخ القرى وقسوس القرى وأغنياء البلاد، احبسوا خمسة أو ستة منهم بدل أن تحبسوا ~~المجرمين الصغار فتستحقون إذ ذاك شكر الأمة، أغنياء الجبل امنعوهم من التدخل في شئون ~~الحكومة فنشعر حالا بتحسين في حالنا. يزول إذا ذاك الكابوس عن صدرنا، نتنفس إذ ذاك ~~الصعداء. قد حان لنا أن نقلع عن الترقيع ونقدم ولو على عمل واحد كبير. وإذا كنا لا ~~نستطيع نبذ أطمارنا المرقعة لننزع منها الرقاع على الأقل، دعونا نقف يوما واحدا أمام ~~الله في حقيقة حالنا لا في حال التمويه والادعاء والوهم والخداع. # إن لبنان في الدور الماضي كان أحسن في نظري مما هو اليوم؛ لأن حالته وإن كانت سيئة ~~كانت حقيقية، كان واقفا أمام الله والناس بخلق أطماره، كنا نعرف عبيد بكركي من عبيد ~~الحكومة، كنا نعرف الرجل الحر الصادق إذا شاهدناه بين الألوف من الناس، ومن أين لنا أن ~~نعرفه اليوم وبياع البصل أصبح من الأحرار فصار يجتمع وسيده الأمير في ناد واحد؟ لا يا ~~سيدي عبثا ترقعون أطمار شيخنا المسكين، وعبثا تدهنون رجله المشلولة بزيت الجمعيات، ~~فإن هذا الزيت الذي نفاخر به اليوم لا يفرق كثيرا عن زيت ms351 مار دومط، والحق يقال إن ~~الجمعيات في البلاد لا تستطيع أن تعمل عملا كبيرا مفيدا إلا إذا اتحدت كلها تحت ~~رئاسة رجل واحد، وعملت كلها ولو شهرا واحدا - كما قلت - لغرض وطني واحد. فالنهضة ~~الوطنية وإن كان وراءها مال البلاد كله، وخيرة رجال الوطن كلهم؛ لا تصل إلى غايتها، ولا ~~تفلح بمسعاها، إن لم يكن لها زعيم عظيم، إن لم يكن في طليعة أبطالها قائد قوي، ~~تقي، ذو بصيرة وجرأة وضمير وإقدام. # | روح الثورة1 # أيها السادة والسيدات # كنت منذ أسبوعين في الكورة فتحققت ما طالما سمعناه بطرق الانتخابات في لبنان وبالأخص ~~في ذاك القضاء، حدثت الوجيه هناك والكاهن والفلاح فأدهشني من الكل جهرهم بما هم فيه من ~~المفاسد السياسية جهرا لا يقيده أدب ولا حياء. # يرشون ويرتشون ولا يخشون أمرا، بل يفاخر الفريق منهم أن زعيمهم يبذل الأموال الطائلة ~~في سبيل انتخابه ويضربون الأمثال تزكية واستبراء. وما سمعنا قبل اليوم بقوم يقترفون ~~المآثم المدنية ويبرئون أنفسهم بالأمثال السائرة. حدثت كاهنا في إحدى القرى فقال ~~مجيزا أعمال المرشحين: «اللي بدو يعمل جمال لازم يعلي باب داره.» وحدثت ~~فلاحا فقال مدافعا عن صاحبه: «زعيمنا رجل الشعب، ومحبوب من الشعب، زعيمنا عدو ~~المشايخ.» # فقلت: «ولكني سمعت أن بلغ من أمر زعيمكم أنه اشترى المندوب من الشعب بخمسين ~~ليرة.» ~~- وأكثر يا سيدي. ~~- وأنه بذل ثلاثة آلاف ليرة في انتخابه. ~~- وأكثر يا سيدي. ~~- وقد قلت لي: إن الشعب يحبه كثيرا وينصره. ~~- هذا مؤكد يا سيدي. ~~- فيا للعجب إذا كان الشعب يحبه وينصره وقد كلفه إلى بذل ثلاثة آلاف ليرة، فكم يضطر ~~المرشح المسكين أن يبذل من المال يا ترى لو كان الشعب يبغضه ويناهضه؟ ~~- أوه، شيء كثير، شيء كثير. # قال هذا وهو يلف سيكارته ولم يبال بما قال، كأن الرشوة عنده مثل فلاحة الأرض أمر ~~لازم لا بد منه. # ثم سألته قائلا: ألا تعلم يا رجل أن الرشوة ذنب قصاصه الحبس؟ # فأجاب الفلاح الذكي: «على رأسي يا سيدي، ولكن فرجيني الحبس بالأول والحكومة اللي ~~بتقدر ms352 تحبسني.» # فقلت في نفسي كأن هذا الفلاح قرأ السياسة على أستاذ أوروبي، الحق للقوة، إن كان في ~~برلين أو في الكوره، ولئن أحزنني استهتاره وتحجر ضميره فقد سرني منه طعنه الحكومة ~~اللبنانية هذه الطعنة النجلاء. ولم أتمالك أن سألته سؤالا آخر، وكان قد عمد إلى محراسه ~~ليستأنف عمله، فقلت: إذا كنت لا تنصر زعيمك الذي تحبه كثيرا إلا إذا رشاك فما الفضل في ~~حبك؟ # فأجاب على الفور: «هذا كلام يا سيدي، لما بيصير في فلوس ما بيعود في حب.» # وكبس على السكة برجله، ووكز الفدان بمساسه، ترح هه! وعاد إلى فلاحة أرضه. # أيتها الأرض المباركة! ليت قلوب أبنائك كقلبك حية محيية، وليت ضمائر أبنائك كضميرك ~~الذي لم يزل - والحمد لله - طيبا متنبها متيقظا، نعطيه الحبة فيعيدها إلينا ~~عشرين حبة وخمسين. # ولكن في الكوره فضيلة جميلة غير فضيلة الأرض لا ينبغي أن أغفل ذكرها: الكوره، على ~~ما فيها من جهل وطغي وفساد، ترفع اليوم علم التعليم الوطني الحر في لبنان، هناك إلى جنب ~~المفسدات السياسية عثرت على شيء من دواء أمراضنا الاجتماعية والأدبية، إذا أحسن ~~استعماله كان الدواء الشافي لها كلها. عرجت في عودتي على أنفه وزرت تلك الزاوية ~~الصغيرة المقدسة فيها، القائمة فوق الصخور، على شاطئ البحر، حيث تزرع اليوم آمال ~~الأمة في الناشئة الجديدة. هناك حسنة من حسنات التعليم لم أر مثلها في لبنان، مدرسة ~~لا طائفية ولا إكليريكية ولا أجنبية، مدرسة وطنية صغيرة في ظاهرها، كبيرة في مقاصدها، ~~يؤمها البنات والصبيان من سائر الطوائف والملل ويتلقنون فيها تحت سقف واحد مبادئ الإخاء ~~الحقيقي، والعلم الصحيح، والحرية الصافية، وحب الوطن المقدس، يتشربون فيها روح الألفة ~~وروح المعرفة معا. # لست يا سادتي بماسوني، ولكن مدرسة صديقي جبران المكاري، وإن كنت لا أستحسن بعض ~~الجزئيات في طرق التعليم فيها، إنما هي من طلائع الكلية اللادينية الوطنية الحرة التي ~~ننشدها، والتي يتوقف عليها وعلى أمثالها إحياء المبادئ الشريفة في هذه الأمة، بل ~~إحياء روحها الوطنية المائتة، وبعث ما دفن من آمالنا، نحن ms353 الأحياء القلائل، نحن أبناؤها ~~المبشرين ببعث مجدها، المرشدين إلى سبل الهداية فيها. # هناك فوق تلك الصخور على شاطئ البحر شاهدت طلائع ثورة في التعليم نبهتني إلى موضوعي ~~الليلة، ولا غرو، فنحن في زمن ثوراته أكبر ما فيه، وإن لم يمسسنا الله اليوم بغير الضر ~~منها فذلك لأن أولياء الأمر فينا لم يدركوا من مبادئها غير القشور، وأن في لبها إذا ~~ظفرنا به لمنافع جمة وخيرا عميما، لذلك اتخذت «روح الثورة» موضوعا أحدثكم به ~~الليلة علنا نخترق القشور فنغذي بلب الحقائق عقولا أوهنتها الترهات، ونقوي بها ~~أنفسا أقعدها الجهل والخمول. # أيها السادة والسيدات # من فضائل أجدادنا أرباب النبابيت ما يعد اليوم رذيلة، ومن وحوش الماضي الهائلة لم ~~يبق غير هياكل في متاحف العلم والتاريخ. ومن مواعين الأسلاف أصحاب الأناقة ما لا يصلح ~~اليوم لبيت الفلاح، ومن أديان الأقدمين الإلهية والحيوانية لم يبق غير المتهدم من ~~أنصابها والطامس من رموزها ورسومها، إن آلهة الإنسان لمثل مواعينه لا تصلح مدى الدهر، ~~نشعل النار يوما أمامها، ويوما تحتها، ويوما فيها. نقدم المحرقات اليوم، ونحرق ~~المعبودات غدا، الثابت في الحياة ثابت إلى حين، وأما الانقلاب فثابت إلى الأبد، أجل إن ~~يدا سرية علوية تعمل أبدا في الأمور وفي الأشياء فتحولها وتغيرها وتبدل ~~منها. # التطور سنة الحياة في الجزئيات منها والكليات، في العلوم وفي الأديان في السياسة ~~وفي الأمم، في الطبيعة وفي الناس. خذ شيئا واحدا من أشياء الأقدمين وقابله بما ~~نشأ منه وقام اليوم مقامه فتكاد تجهل الأصل، وتدهشك درجات التحسين فيه والارتقاء، وقفت ~~مرة في أحد المتاحف الأوربية أمام معرض من السلاح، فرأيت أدوات الحرب والقتال كلها ~~مصفوفة بحسب تاريخها ورقيها، أولها النبوت الشوكي الذي قطع من الغاب لقتل وحوشها، ~~وآخرها البارودة الحديثة التي يطلق بها عشرين مرة في الدقيقة، وقد اخترعها الإنسان لقتل ~~الإنسان، فقلت في نفسي: وفي المستقبل تمسي البارودة هذه مثل نبوت الأولين أثرا من ~~الآثار، بيتها المتحف وبارودها الصدأ. # ولا شك عندي أننا وإن كنا ابتدأنا بالنبوت الشوكي وتدرجنا منه ms354 إلى الغواصات والطيارات ~~الحربية سنتدرج أيضا إلى الحجة والبرهان، إلى التشريع والسلم العام. ولكن الانقلابات ~~في زمن السلم أعظم منها في زمن الحرب، وروح الثورة حية ثابتة أبدا، روح الثورة كائنة ~~في كل الأمم وفي كل الأماكن وفي كل الأزمنة، وهي في الناس وفي الطبيعة عاملة دائما، ~~إما خفية وإما ظاهرة، إما هادئة وإما هائجة، إما بانية وإما هادمة. # الثورة # 2 # يد الانقلاب، وناموس النشوء والارتقاء روح الثورة، ولهذا الناموس الإلهي ~~مظاهر قد تستغرب لتنوعها فيه، فهو عامل في الناس وفي الأشياء على السواء، في كل مكان ~~وزمان، ولكن رد الفعل فيه يختلف ونتائجه تتنوع، المياه كلها واحدة أصلا، السحاب يسخن ~~فيذوب فيسقط على الأرض ماء طهورا، ولكن مجاري المياه تختلف باختلاف التربة التي تسقط ~~فيها، فيجري منها المالح والمعدني والقراح، فالعوامل التي تعمل خفية في الأشياء قلما ~~يراها الإنسان، ولكنه يشاهد نتائجها التي تظهر في الأحايين فجأة فيكبرها ويدعوها ثورة ~~وانقلابا. وما الثورة إلا سلسلة من حوادث خفية تتجسم في مظهر من مظاهر الحياة السياسية ~~والاجتماعية، الثورة شجرة جذوعها أعظم من فروعها وتربتها أقدم من سمائها. الثورة حادث ~~خطير خمسه الأخير يظهر للعيان وأخماسه الأخرى خفية سرية. الثورة كلمة الله مجسدة في ~~الأشياء، تجعل الجماد حيا، والحي نارا، والنار نورا، والنور حقا وعدلا ورقيا ~~وسلاما. # كان الحديد جمادا فصار في الكور حيا، وساعة يدخل النار يبتدئ فيه تاريخ الثورة ~~الطبيعي، وساعة يضعه الحداد على السندان ويرفع فوقه المطرقة يبتدئ فيها تاريخها العملي، ~~فنراه بعدها حربة، أو مدفعا، أو معولا، أو سندانا. وكذلك الحجارة التي تصير كلسا، ~~والكلس الذي يصير طينا، والطين الذي يصير جدرانا، والجدران التي تصير سجنا، والسجن ~~الذي يصير عاملا حسيا بين الطبيعة والإنسان. كيف لا وهو الحلقة الأخيرة من سلسلة ~~الثورة الطبيعية، والفصل الأول من تاريخ الثورة المدنية، وقس على ذلك في حوادث الاجتماع ~~وفي مظاهر الطبيعة والأكوان. # إن الزلزال أقرب نتيجة إلينا من نتائج عناصر تحت الأرض ثائرة بعضها على بعض، وإن تفجر ~~البراكين وتساقط ms355 الشهب وفيضان الأنهار نتائج ظاهرة حسية لسلسلة حوادث بعيدة الأسباب ~~خفية. ولا أظن حادثا واحدا اجتماعيا أو طبيعيا أثر في تاريخ الأمم أو تاريخ ~~الأرض تأثيرا كبيرا وكان منفردا في مفعولاته وعوامله عن بقية الحوادث أو منفصلا عن ~~السابق واللاحق من مجاري النواميس الكلية الشاملة. في تاريخ الأرض مثلا أزمان بائدة ~~تعرف بأزمنة الحجر والجليد والنحاس وغيرها، يفصل بعضها عن بعض حادث في الطبيعة خطير، ~~ولكنه لا يفصلها - على ما أظن - تمام الانفصال. وإني لأجسر أن أقول - وإن كنت قصير ~~الباع في هذا العلم - إن حوادث هذه الأزمنة سلسلة بعض حلقاتها خفية لا مفقودة، وقد ~~أخفاها الحادث العظيم كما تخفي المرجانة في السلك مكانها. وقد يكون الحادث الخطير ~~همزة وصل محيية لا همزة قطع مهلكة، فيحمل بذور الحياة من زمن إلى زمن، وينقل مبادئ ~~الرقي من جيل إلى جيل. # وإن ناموسا كليا أزليا يغير في ماهية الحوادث إلى حد محدود ولا يتغير قطعا، ~~تتفجر البراكين فتقذف بحممها خارجا فتغير تربة الأرض حولها، وقد تغير شكلها أيضا ~~فتجعل السهول جبالا والجبال سهولا، ولكنها تقف عند هذا الحد ولا تتعداه، فلا تستطيع ~~أن تجعل البحر أرضا أو الأرض ماء. والطوفان كالبركان لا يخرج عن ناموسه ولا يتعداه، ~~فالمياه إذا طمت هدمت ودمرت، فتستحيل الأرض بحرا إلى حين، وقد تتغير تربتها وعمرانها، ~~ولكن مركزها تحت الشمس لا يتغير. # والذي يصح في تاريخ الأرض والكائنات يصح في تاريخ الأمم والحكومات، فللثورة ناموس، ~~وللناموس طريق، وللطريق منصات فيها عرائس تحمل شموعا يوقدها الله للناس وهي شموع ~~الزعامة والهدى. والزعامة بدونها صوت ولا عين، وسيف ولا يد، والزعيم الكبير الصادق من ~~سار إلى غرضه في نور تلك المنصات، فيحق أن يدعى - إذ ذاك - زعيم الناس ولا يجوز أن يدعى ~~زعيم الثورة؛ ذلك لأن الثورة سنة والزعماء مسوقون بها عاملون لها، حاملون بنودها، ~~مستمدون من أنوارها، كل على قدر طاقته. وإذا استطاع أكبر تمساح في النهر أن يوقف سيره ~~أو يغير مجراه، وإذا استطاعت النسور أن تسد ms356 فوهة البركان أو تخمد ناره؛ يستطيع الزعماء ~~في الثورة التأثير على ناموسها الذي هو روحها الحية الإلهية الأزلية. # في الأمس خطب اللورد مورلي في مجمع المؤرخين الذي التأم بلندرا - واللورد مورلي من ~~نوادر أرباب السياسة والأدب والفكر في العالم اليوم - فقال إن للبداهة في السياسة ~~تأثيرا كبيرا في تاريخ الأمم أي: أن رجلا عظيما في كلمة يرتجلها أو في عمل يعمله ~~بداهة وعفو القريحة، يغير مجرى الحوادث التاريخية المهمة، قد يصح هذا في فروع ~~الحوادث لا في أصولها، من من الزعماء كان أعظم في الارتجال من ميرابو؟ ومن من ~~أرباب السياسة كان في البداهة والإقدام أعظم من بزمرك؟ أما ميرابو فلو شاء إيقاف الثورة ~~أو تحويل مجراها لما استطاع إلى ذلك سبيلا، ولو خدم بزمرك غير الوحدة الألمانية لما ~~كان فيها سريا عبقريا. لو عمر ميرابو لاستطاع - في الأكثر - تلطيف فظائع الثورة ~~الإفرنسية، ولو مات بزمرك قبل أن يتمم عمله لتممه بعده سواه. # في الحياة ناموس يعلو به النوابغ، ولكنهم لا يعلون عليه، وإن شجاعة الرجال، وفصاحة ~~الزعماء، وبداهة السياسيين، تؤثر بظواهر الحوادث لا بجوهرها، وعندنا من تاريخ الدولة ~~العثمانية برهان على ذلك قريب. هذه الثورة الأخيرة - وقد تسمونها دسيسة - أسقطت الوزارة ~~الكاملية وأودت بحياة أحد زعمائها، فهل غيرت شجاعة أنور وأصحابه شيئا من جواهر الأمور؟ ~~هل عززت شأن الجند؟ هل صانت شرف الأمة؟ هل فازت برد غارات العدو؟ هل خلصت أدرنه؟ هل ~~ظفرت في الأقل بصلح شروطه أحسن للدولة من الشروط التي عرضت على الوزارة السابقة؟ ولو ~~نهض صباح الدين وأنصاره غدا ودكوا الوزارة الحاضرة دكا أيتغير يا ترى من روح الحركة ~~الفكرية الثورية شيء جوهري؟ لا لعمري! لو وفق العثمانيون إلى أكبر زعيم في العالم لما ~~استطاع اليوم رد الطوفان، ولما استطاع اليوم سد فوهة البركان. ~~••• # بعد هذه الإشارة الخصوصية التي ساقني البحث إليها أعود إلى عموميات الموضوع، قلت: إن ~~للثورة ناموسا ثابتا في كل الأمم وفي كل الأزمنة، عوامله أكثرها خفية وبالأخص في ~~أوقات السلم. ولا تنحصر ms357 هذه العوامل في الحكومة وفي السياسة فقط، بل هي حية محيية في كل ~~دائرة من دوائر الحياة، بل في كل نفس بشرية راقية. ففي كل امرئ تحدث ثورات منه وعليه في ~~ساعات من الحياة بوادهها أجمل ما فيها، فتلج في النفس أصوات تزعزع فيها المألوف، ~~وتنزع منها شكيمة العادات، فتنقلها من فكر إلى فكر، ومن حال إلى حال. وهذا قسم من ~~الحقيقة في سنة التطور؛ لأن الثورة لا تنحصر في الرجال بل نراها عاملة حتى في الأطفال، ~~فالطفل الجائع يثور على أمه عندما تمسك عنه اللبن، حتى إذا أصاخت الأم لصراخه ~~وأجابت طلبته يستحيل الجوع فيه شبعا، والصراخ غناء، هذه ثورة الطفل الطبيعية، وقد ~~كللها النصر، أما إذا تغلبت شهوته على حكمة أمه فتثور عليه معدته فيدعى الطبيب - ~~أي: الأجنبي - لينظر في أمره، وهذه ثورة أخرى طبيعية، سببها التفريط ونتيجتها التورط ~~والفشل. # وما يصح في الأطفال من هذا القبيل يصح في الرجال، على أن الطبيعة أمنا لا ترحمنا ~~ولا ترثي لحالنا، ولا تتساهل بتنفيذ شرائعها فينا. إن بثورا تظهر في جسم الإنسان ~~لدليل ثورة في دمه، فقد حمل الدم ما لا يستطيع حمله فرفضه ثائرا فظهرت آثار الثورة في ~~جلد صاحبه. وما يصح في المادة يصح في النفس، توبة الجاني ثورة في نفسه كللت ~~بالفوز. الانتحار نتيجة ثورة في قلب المرء أفسد اليأس قصدها وغير الفشل نتيجتها. الراهب ~~إذا تزوج فلثورة فيه على نذوره، والخليع إذا ترهب فلثورة فيه على شهواته. والنفس ~~الأثيمة إذا ارتدعت واهتدت فلثورة فيها على الشر والضلال، وإذا تسامت فلثورة فيها ~~على الخسة والسفالة والجهالة، وقس على ذلك في كل أطوار النفس وتقلباتها ~~ارتقاء وانحطاطا. # قلت: إن روح الثورة حية عاملة في دوائر الحياة كلها، وفي كل فترة من الزمن تتجسم ~~نتائجها فيبصرها الناس ويدركونها. خذ التجارة مثلا، إن طرائقها وأساليبها وأدواتها ~~اليوم غيرها منذ مائة سنة، وفروعها الجديدة المتعددة لم تخطر للفينيقيين ولا من سبقهم ~~من التجار في بال. تدخل بيت شركة من الشركات في ms358 أوروبا أو في أميركا اليوم فلا تجد فيه ~~غير المكاتب والدفاتر والآلات الكاتبة والأوراق وبينها وإليها مئات من الشبان والبنات ~~واقفين وجالسين يكتبون ويحسبون، فتظن نفسك في دائرة من دوائر الحكومة، فتسأل: ما هي ~~تجارة هذه الشركة، فيقال لك أن لا تجارة لها. # وبعد أن تطلع على حقيقتها يدهشك أمرها وتستغرب ماهيتها، فتقول في نفسك: وكيف يمكنها ~~أن تدفع رواتب عمالها الكثيرين وهي مؤسسة لفحص دفاتر التجار أو لتقدير أرباحهم، أو لنشر ~~الإعلانات، أو لمطالعة الجرائد فتقص منها ما يهم عملاءها من الأخبار. وهنالك أبواب ~~أخرى عديدة للارتزاق ما حلم بها الإنس في الماضي ولا الجن، وهذا التفريع والتخصيص في ~~العمل إنما هو نتيجة ثورات سلمية في طرائق التجارة القديمة. وإننا لنشاهد أكبر مظاهرها ~~في الولايات المتحدة، هنالك عند إشرافنا على نيويورك نرى أعلام الثورة قائمة أمامنا ~~مجسمة في تلك الصروح الشامخة، وإن ثورة الأميركيين على الهندسة المعروفة في فن البناء ~~القديم لمن أظهر ثورات السلم والتجارة. # ولا أخص الأمة الأميركية بكل ما نشاهده اليوم من أدلة الانقلاب ومظاهره الخطيرة، ~~نحن في زمن عظمت فيه أعمال العقل كما عظم البناء عند الأقدمين، ففي مدنية الغرب أشكال ~~معنوية وحسية من ضخامة الأهرام وغرابتها. هذه أبنية الأميركان وقد فاقت قلل الجبال ~~علوا، وهذه اختراعات العلماء واكتشافاتهم ملأت أعلامها الأرض بحرا وبرا وجوا. ~~فأين منها الأهرام وأبو الهول وأين منها هياكل المصريين ومعاهد الرومان؟ أيفاخرنا ~~الماضي بقبور أبطاله وبما تجسم من مجد ملوكه وخرافات كهانه؟ # هذه معاهد العلوم ومجد أربابها مجدها، وهذه صروح لملوك الثروة ومعاهد الخير والإحسان ~~تشفع بهم وبها، بل هذه مساعي أبطال العلم والعمل، إن آثارهم تدل عليهم. وإننا لنراها ~~اليوم في الشرق وفي الغرب، في أقاليم الأرض كلها وفي قطبيها، في صحاري الجنوب وفي ثلوج ~~الشمال، في السهول قائمة وفي الجبال، في البحار ماخرة وفي الأنهار، فوق المياه تعج ~~وتحتها، في الأثير تضج وفي الفضاء، تحت المعادن تهدر وفوق السحاب. وهي كلها من فضائل ~~الثورة العظيمة ثورة السلم والعلم، ms359 ثورة الفكر والعمل. # أجل سادتي، إن مساعي الإنسان في هذا الزمان عقمت أو أثمرت لجسيمة كلها عظيمة، بل هي ~~كلها ثوروية، ومثلما تكثر فيها أسباب الرقي والمجد والسعادة تتعدد فيها أسباب البؤس ~~أيضا والفقر والشقاء. جئني من الماضي بحسنة أريك من مثلها في الحاضر حسنات، جئني ~~بسيئة أعدد من شكلها سيئات. البؤس عندنا مثل النعيم كلاهما جسيم، والخير مثل الشر ~~كلاهما عظيم. والقبيح في هذه الحياة المادية الجديدة مثل الجميل تتصل أسبابه بمساعي ~~الإنسان العقلية المحضة، فيفسد الطمع نتائجها، وتشوه الأنانية جمال مقاصدها. # على أن ذلك لا يدعو إلى اليأس عند من يفكر في الأمور ويطلع على شيء من تاريخ الثورة ~~الاجتماعية السلمية، ثورة العلم والعمل في الغرب، فإن هي إلا حديثة النشأة كثيرة المحن، ~~وإن ما تضمره لنا الأيام من فوائدها لأضعاف ما نشاهده منها اليوم. ولو لم تكن روح ~~الثورة - أي: سنة التطور - حية في هذه الحياة ثابتة دائمة لما قبل الحكيم مدنية ~~الغرب وأكبرها. كيف لا ولم تزل للعبودية فيها آثار ظاهرة وأشراك مهلكة، وفيها في ~~أحياء البؤساء ظلمات لا تولد غير المنكرات. # كيف لا وفقر اليوم عبودية لا تقاس بعبودية الماضي، والعبد الراضي بسوء حاله غير العبد ~~المدرك لبؤسه المتمرد على أسياده، المطالب بما لغيره من وسائل العيش والرقي والسعادة. ~~وهذه من حسنات مدنيتنا التي تنبه كل من عاش في ظلها ونورها وتستنهضه ليطالب - في الأقل ~~- بما له من الحقوق المدنية والطبيعية، نعم إن روح الثورة فيها لا تقعد، وعينها لا تنام ~~وعقلها لا يقف، ويدها لا تكل أبدا. # أما الثورة السياسية فلي كلمة وجيزة في طرق الفوز والفشل فيها، من استقرى التاريخ ~~يعلم أن الثورة الحقيقية العظيمة نتائجها العميم خيرها؛ إنما تبدأ فكرا وشعورا، ولا ~~يبقى من آثارها بعد أن تحدث فعلا إلا ما كان منطبقا على ما نضج في الأنفس والعقول، بل ~~لا ينمو من بذورها إلا ما وافق التربة التي تزرع فيها. مثال ذلك الجمهوريات في مدن ~~إيطاليا في الأعصر الغابرة كجمهوريتي فلورنسا ms360 والبندقية، وحكومة كرومويل في إنكلترا، ~~وعروش نابوليون في أوروبا، فإنها لم تدم طويلا، عززها السيف حقبا من الزمن، ثم ~~قلبتها الفوضى، وأبادتها التقاليد الوطنية. وقد يكون نصيب جمهورية الصين اليوم نصيب تلك ~~الحكومات القصيرة الأجل. # فالثورة الحقيقية ذات النتائج الثابتة إنما هي بنت التعاليم السديدة والمبادئ السامية ~~لا بنت المدافع والحراب، على أن السلاح يعززها عند نشأتها، إذا جرد السيف في سبيلها ~~من كان عارفا ماهيتها، مدركا بعض أسرارها، محترما ناموسها، مستأصلا من التقاليد ~~والخزعبلات ما يعترض سيرها ونجاحها. # فالانقلاب الأدبي الذي يحدث أولا في النفس ثم يتدرج منها إلى البيت، فمعاهد العلم، ~~فدوائر الاجتماع، يولد ثورة نحتاج فيها اليوم إلى سلاح يؤيدها ويعززها، وإلا عدنا إلى ~~ما كنا فيه. إن انقلابا في الأخلاق والعقول، وفي طرائق التعليم والتربية، وفي دوائر ~~الأدب والاجتماع ليحدث الثورة الصالحة التي لا يتبعها رد فعل خبيث، ولا تأتي إلا ~~بالإصلاح الثابت الناضج المفيد. # ولكن هذا الإصلاح لا يتم بلا انقلاب في الأحكام، ولا يتم انقلاب بلا ثورة سياسية، ~~ولا تنجح الثورة السياسية بلا ضحية، ولا تصح الضحية إن لم يكن صاحبها عالما بأهمية ما ~~هو فاعل، ثابتا بما يؤمن، مدركا شيئا من المذهب السياسي الاجتماعي الذي ينبغي أن ~~ينصره بلسانه ويده، وبماله ودمه. تيقنوا هذا: إن المفاداة بالنفس لا بد منها في تأسيس ~~الأديان أو في نشر المذاهب الاجتماعية، أو في تأييد الحقائق العلمية، أو في تعزيز ~~النهضات السياسية. إن في دم الشهيد مكروب الثورة، ولكنه لا ينتشر إلا إذا كانت الأجسام ~~مستعدة له، ولا تكون كذلك إلا بعد أن تظهر فيها آثار الثورة الداخلية الهادئة، وهذه - ~~كما قلت - تظهر في حينها ولا يمكنا أن نعجل حدوثها أو نؤجله. وقد تنمو الثورة السياسية ~~في فساد الماضي والحاضر كما ينمو النبات في الأقذار، والاستشهاد في سبيلها يزيد بنموها ~~لا بنمو ثمارها. # أما روح الثورة فهي واحدة في الأمم المتمدنة، لكن أساليبها تختلف باختلاف طبائع ~~الأمم، وقد تتنوع أدواتها بحسب تقاليدهم وعاداتهم. ففي أميركا مثلا تعمل ms361 الثورة ~~اليوم بالفأس والمعول، وفي فرنسا بالريشة والقلم، وفي إنكلترا بالقياس والميزان، وفي ~~ألمانيا بالمجهر، وفي إيطاليا بالخنجر، وفي روسيا بالديناميت. أما في الشرق فالثورة لم ~~تهتد بعد إلى أدوات العمل ولم تحسن استخدام واحدة مما ذكرت. جربنا الريشة والقلم ~~فكنا فيهما مقلدين، جربنا القياس والميزان فكنا فيهما عابثين، لجأنا في الأستانة وفي ~~مصر إلى الرصاص، وفي الهند إلى الديناميت، فكنا فيهما مجرمين، جربنا الثورة السلمية ~~فكنا مخطئين، جربنا السيف والمدافع فكنا فيهما ضالين مضلين، والحق يقال: إن سلاح الثورة ~~عندنا لم يصقل بعد ولم يطهر. # ولا يفوتنكم أن البادئ بالثورة السياسية يكون غالبا إما فريستها وإما تاجرها، وقد ~~يكون تاجرها وفريستها معا، يأكل من مالها ثم تأكله، وقد يذهب ضحية على مذبحها، فيكون ~~«كالتربيل» الذي يرميه الصياد في البحر فيدفع السمك إلى سطحه فيصطاده إذ ذاك قوم أشبه ~~بالصيادين منهم بالزعماء. # الزعماء! عممت في ما قلته فيهم فأخصص. إن الهيئة الاجتماعية كالجبل، الخيرات عند ~~قدميه، والصحة في وسطه، والمحل في رأسه، في أسفل الهيئة الاجتماعية الجهل في العمل ~~والذل، وفي وسطها شيء من التهذيب والدهاء، وفي رأسها السيادة والأثرة، يستثمر القاعدون ~~عند أسفل الجبل الأرض فيبعثون بالغلة - ما خلا أجورهم - إلى من في رأسه، فيأخذ من في ~~وسطه قسما منها لقاء دفاعهم عن حقوق الإنسان كما يزعمون. # وفي أيام الثورة السياسية يكثر في هذه الطبقة الزعماء الأدعياء طلاب السيادة والمال، ~~فيهضمون حقوقا يزعمون أنهم يدافعون عنها، ويسلبون من تحتهم ومن فوقهم، ويتآمرون مع ~~السادة أصحاب النفوذ الخبيث فيتبوءون مجالسهم، مجالس الظلم والاستبداد والإثم والفساد، ~~ويسكتونهم بشيء مما يكسبون، وفي مضايق الخداع والنفاق يتقاسمون ما يغنمون. هؤلاء ~~الزعماء - وقد أمسوا في قمة السيادة - يصدرون أوامر هي كالصخور التي يدحرجها الصبيان من ~~أعالي الجبال، فتحطم الأشجار في طريقها، وتسحق الأزهار، وتدمر ما غرسه الإنسان وتهدم ما ~~بناه. # يدمرون ويفسدون، ومن فسادهم يكسبون، فهم تجار لا زعماء، يتاجرون بالسياسة وبالحرب ~~وبالدستور، يتاجرون بأدوات الجند ومعداته، برتبه وجهالته ودينه وكسائه، بخبز يومه. ~~يتاجرون ms362 بآمال الأمة وأملاكها، يتاجرون بويلاتها وولاياتها، يتاجرون بدمها ودموعها، ~~يتاجرون بأقدس الأشياء لديها. عفوا سادتي فقد أحسنت إليهم في ما قلت، فلو أحسنوا ~~التجارة في الأقل لانتفعت الأمة بعض النفع بتجارتهم، ولكن دأبهم أن ينهبوا ويبيعوا ~~ويخزنوا وكل في قلبه يقول: بعدي الطوفان. # أيستغرب الفشل في ثورتنا، والانخذال في حزبنا اليوم، وهؤلاء السفهاء الأغمار زعماء ~~الأمة؟ ربي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟ أوتتبع الظلمة أمة خرجت منها، ~~تتلمس إلى باب النور طريقها؟ لا لعمري، فإنها وإن فسدت في أيادي الطغاة المفسدين لا ~~تلبث أن تنتقل إلى من يصلحها من المصلحين الصالحين، فيعززونها فتعززهم، ثم يشعلون ~~منها مصباحا نيرا صافيا في الأمم. # فإنها إذا وقفت هناك وجدت من يأخذ بيدها ويهديها سواء السبيل، هناك طائفة الأدباء ~~الحقيقيين العاملين بجد وإخلاص في سبيل الرقي والعدل والحرية، وفي سبيل العلم ~~والحكمة والجمال. فعليهم وحدهم يتوقف تحرير الإنسان. # واعلموا أن الإنسان لا يتحرر تحررا حقيقيا تاما إذا لم تشرب روحه الثوروية روح ~~المعرفة والشعر والحكمة، وأن الأدباء الحقيقيين من شعراء وفلاسفة - أصحاب الفنون ~~الجميلة وأرباب العلم والحكمة - لا ينتمون إلا إلى حزب واحد في العالم هو حزب الحق ~~والحرية والحقيقة والجمال، ولا يكبرون ويجلون إلا فئة قليلة من الناس، رواد المدنية ~~الجديدة، دعاة الثورة السلمية الاجتماعية، المهذبين المعززين المرشدين المعزين، أرباب ~~الفنون الصادقين، النوابغ الهادين. # هؤلاء نجلهم ونكبرهم، ولا نجل من الناس سواهم، ولا يهمنا من الطوائف والملل غير ~~المتساهلة الراقية منها، تلك التي يقف رؤساؤها عند واجباتهم فلا يتعدونها، ويزرعون ~~في قلوب الناس حب الحرية الأدبية والروحية قبل كل شيء، ولا يناهضون روح الثورة - أي: ~~سنة الارتقاء المقدسة - وإنما يهمنا ويهم كل ذي شعور حي شريف أن ينتصر الهدى على ~~الضلال، وأن تكلل الحقيقة في الفنون والجمال، يهمنا أن تعزز الحرية الشخصية في كل ~~مكان، يهمنا أن يتمتع بحق المساواة تجاه الأحكام كل من بني الإنسان، نهتم لما كان ~~سديدا من التعاليم، سليما من العقائد، ساميا من الآراء. # أجل، إن التعاليم السديدة السامية ms363 لا تفسد أحدا من البشر، وهي لا تفسد مدى الدهر، ~~وإن روح الثورة التي تتغذى دائما بها لا تخمد ولا تضمحل، وإنما لها هجعات ولها ~~يقظات، ومتى أنار الله مصباحها في دوائر الأدب والدين والسياسة، وشعرت الأمة شعورا ~~حقيقيا صافيا أن العدل أساس الملك، وأن العمل به واجب مقدس، وأن طلب الحقيقة وحب ~~الجمال في الحقيقة ضرورة من ضرورات حياتها، وأن الحرية نور يومها والشجاعة هواؤها ~~وسماؤها؛ متى أصبحت الأمة تدرك هذه الجوهريات، وتجد في طلبها وتسعى لتحقيقها، ~~بشرها بفوز مبين في مضمار الرقي والمجد والعمران. # | الأخلاق1 # وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت # فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا # شوقي # أيها السادة والسيدات # لم يخلق الإنسان أميرا ولا كاهنا ولا سلطانا، وما خلق بوذيا ولا مجوسيا ولا ~~مسيحيا ولا مسلما، إنما هي الشرائع تسترق والأديان تفرق، أما السيادة فللعقل، وأما ~~التفاضل فبالمآثر والمبرات، أجل، ولا ينبغي أن يرفع امرؤ على آخر ويفضل بغير عقله ~~ونفسه وأدبه وأخلاقه. كل منا خص بلقب من خالقه أشرف من ألقاب الملوك والسلاطين، ألا ~~هو لقب «إنسان»، ولكل منا حقوق طبيعية متساوية ملازمة غير متعدية لا يستحق أن ~~يدعى بشرا من ينام عنها أو يغضي عن امتهانها، ولكل منا حقوق سياسية اجتماعية تنشأ في ~~حياتنا المدنية ومنها. عار علينا أن نسكت عمن يهتضمها من أولي الرئاسة ~~والإمارة. # وأرى ملوكا لا تحوط رعية # فعلى م تؤخذ جزية ومكوس؟ # ولكل منا حقوق أدبية نفسية ليس فوقها غير سنة الله السائدة في الأكوان والأشياء ~~لا نخضع فيها لسواها، لسنة الله التي تنير في الإنسان الضمير كما تنير في السماء ~~الكواكب والنجوم، لسنة الله التي تقرن نور الشمس بنور اليراعة، وقوس القزح بألوان ~~الطاووس، وزئير الأسد بصوت النبي، وتغريد البلابل بقوافي الشعراء، فحقوقنا الأدبية ~~النفسية التي لا نخضع فيها لغير سنة الله إنما هي برهاننا على وجود الله ولا حق أثبت ~~منها وأعلى. قد ألقى في السجن فأحرم حقوقي المدنية، وقد أحرم قوتي وأسام العذاب ~~فتمتهن حقوقي الطبيعية، ولكن السجن والجوع ms364 والعذاب لا تذهب بذرة من حقوقي الأدبية ~~الروحية. # إنك إذا استطعت حبس نور الشمس، أو إيقاف ريح السموم، أو تقييد أمواج البحار؛ لتستطيع ~~سلب حق من حقوق أخيك النفسية، ولكنها قد تغفل فيها فتفسد فتضعف فتموت، وكذلك حقوقه ~~المادية كلها. ولا حاجة لأن أضرب لكم الأمثال إيضاحا، فحرية الحركة مثلا من حقوقي ~~الطبيعية، وحرية التابعية من حقوقي السياسية، وحرية الفكر والضمير من حقوقي النفسية، ~~وسياج هاته الحقوق كلها الأخلاق، بل الأخلاق الطيبة السليمة المجيدة السامية. فإذا فسدت ~~الأخلاق في أمة نامت تلك الأمة عن حقوقها، وإذا نامت عن حقوقها استبد حاكمها، ~~وإذا استبد حاكمها ساء حالها، وإذا ساء حالها خربت ديارها، وإذا خربت ديارها حق ~~لأمة ياقظة ناشطة راقية أن تتولاها فتعمرها. # ملك أساس الجهل والسفه، وقوامه الاستبداد والجور، ومظاهره الفقر والبؤس والقذارة، له ~~يوم من الدهر فيزول، أمة لا تسمع فيها غير التأوه والأنين، والصراخ والشكوى، لها ~~يوم من الشقاء فيزول، ثم يبعث الله من يحل قيودها، ويمسح دمعها، وينعش بالعدل نفسها، ~~وبالعلم يجدد قواها. كانت أيام تباد فيها الأمم، يبيدها الجهل أو الوباء أو المجاعة أو ~~الظلم أو الحرب، وأما اليوم فالأمم تجدد شبابها؛ لأن المعارف والعلوم غير منحصرة في فئة ~~صغيرة من الناس، والأوبئة التي تساعد في إفشائها الأضاليل كعقيدة القضاء والقدر وغيرها ~~يكاد العلم يستأصلها. # وعاطفة في الأمم الراقية شريفة تمدها أموال كثرت في البلاد المتمدنة لا تمكن ~~المجاعات من البشر، والحكومات الاستبدادية لم تعد تطاق، والحروب شبه حروب أتلأ وجنكيز ~~خان أمست في خبر كان. فلا خوف على الأمم اليوم إذا إلا منها وفيها، الخطر على حياتها ~~في قلبها، في نفسها، في حكومتها، في الخاسئ الجامد من علومها ومذاهبها وتقاليدها، في ~~فساد أخلاقها وأحكامها وشرائعها. # وجدت الشرع تخلقه الليالي # كما خلق الرداء الشرعبي # فالاخلاق السليمة السامية المجيدة إنما هي سياج حقوقنا كلها بل هي من أهم أركان ~~الترقي والعمران. إنها لنور العدل في الملك، ونور الإيمان في الدين، ونور الصدق في ~~العلوم، ونور الحياة الحقة ms365 في الأمة. ولنا أن نسأل: ما هو مصدر هاته الأنوار ~~المعنوية وما هي خاصتها وغايتها، وبكلمة أوضح: ما هي الأخلاق؟ وما هي أصولها وأسباب ~~رقيها؟ وما هي عوامل الفساد فيها؟ وكيف تصلح إذا فسدت في الأمة؟ سأجيب مختصرا عن ~~كل من هذه المسائل ثم أقابل بين ما تسامى من أخلاقنا ومن أخلاق الغربيين؛ لعلنا نهتدي ~~إلى الأسمى فنتخلق بها. # 1 # الخلق غير الطبع والمزاج، الخلق إطلاقا ما يظهر من الفكر والنفس، والمزاج ما ~~يظهر من الشعور. وفي القاموس الخلق الطبع والسجية والمروءة والعادة والدين، فجاء في ~~التحديد بين الطبع والدين ما قد يكون من أهم مظاهر الأخلاق وأصولها، ففي الطباع ~~والسجايا شيء من الوراثة التي ليست من بحثي الليلة، وأما المروءة مثلا فخلق في ~~الناس، المروءة مظهر من مظاهر النفس بل صفحة راسخة من صفاتها لا يحتاج صاحبها ~~إلى اجتهاد أو تكلف في إظهارها. # وكذلك الشجاعة والكرم والحلم، وكذلك الجبن والبخل والغضب. هذه أخلاق قد تكون ~~خاصيتها معنوية ومادية معا، قد تكون في كريات الدم وفي الجهاز العصبي وقد تتصل ~~أسبابها بنجوم السماء. إن مزايا النفس السامية التي لا يأتي عليها كيل ولا قياس ~~ليراها الناس فيقدرونها إنما هي مادية روحية، ومصدر المادة فيها لم يزل غامضا ~~نوعا كمصدر الروح. # أما المتطرفون من علماء النفس وعلماء المادة فعلى غير هذا الرأي، على أنه لا ينكر ~~أن مزايا النفس في بعض أحوالها كالكهرباء لا تعرف إلا بمظاهرها؛ ففي الخلق العظيم ~~المجيد شيء من طبع البربري وأشياء من سجية النبي الإلهية، وأما الخلق العظيم عند ~~السالكين - أي: الإعراض عن العالم والإقبال على الله تعالى بالكلية - فتلك مسألة ~~أخرى أجيء بعدئذ على ذكرها. # ولهذه المزايا النفسية علم هو علم الأخلاق أو علم السلوك ألف علماؤنا فيه ~~مجلدات قلت فائدتها - على كثرتها - وقد تستغربون قولي إن في علم الأخلاق عندنا ~~ما يفسد الأخلاق السليمة السامية، كان العرب في صدر الإسلام وفي الجاهلية يقومون ~~المعوج في أميرهم بحد السيف، كانوا يقولون للظالم المستبد من أسيادهم: ms366 إما أن تعدل ~~وإما أن تعتزل، ويعملون بما يقولون، فجاء بعدئذ من علموا علم الأخلاق بمقتضى ~~الحكمة العلمية فقالوا: «ادفع إليهم ما طلبوا من الظلم ولا تنازعهم فيه وكف ~~لسانك عن سبهم.» و«لا تجعل سلاحك على من ظلمك الدعاء عليه ولكن الثقة بالله.» وقال ~~مالك بن دينار - والكلام منسوب إلى الله: «لا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ولكن توبوا ~~إلي أعطفهم عليكم.» وقيل أيضا - والكلام منسوب إلى نبي الإسلام: «سيروا على سير ~~أضعفتكم.» وكثيرة في كتبنا العربية أمثال هذه الحكمة العملية التي قلما تراعى ~~الحقيقة فيها، وضعت لتقييد المظلوم وأنزلت لتأييد الظالم، فأفسدت أخلاق ~~الاثنين. # أما الحكمة الخلقية فبينها وبين الحكمة العلمية تفاوت عظيم وفي تراجم النوابغ من ~~رجال التاريخ مثال حي لهذا التفاوت، خذ أيا منهم «يوليوس» القيصر أو نبي العرب أو ~~«لوثيروس» أو «كرامويل» أو «نابوليون الأول»، نوابغ السيف والروح والقلم نوابغ ~~الملك والدين، كل خطير النفس، رفيع الأهواء، بعيد الهمة، كانت شرعته الحكمة الفطرية ~~في ما ناله من جسيم الأمور إلى أن صار سيدا في الناس ورب ملك في العالم. فوارس ~~من فوارس السماء أوقدوا في الناس مشعال الحرية والحقيقة فملئوا البلاد نورا ظنوه ~~نورهم، فرفعوا أنفسهم إلى مقام الآلهة، واتخذوا الحكمة العملية سيفا لتعزيز شئونهم ~~وتنفيذ مآربهم، وفي الشرق حتى اليوم ملوك وأمراء، لا يستحقون أن يكونوا عبيدا ~~لأولئك النوابغ الأبطال، يرفعون أنفسهم إلى مقام الآلهة ويكلفون الناس التبخير ~~والسجود. # ومن شر البرية رب ملك # يريد رعية أن يسجدوا له # الأخلاق قوى كامنة في النفس تؤثر فيها الحوادث والأشياء فتظهر عفوا لغرض أولي ~~هو ارتياح النفس واطمئنانها، ولا يطمح صاحبها - بادئ بدء - إلى معالي المجد أو ~~الشهرة أو الغنى أو السيادة. خذ الغربي الراقي في أمة فسدت حكومتها، فهو يناهضها ~~في الدرجة الأولى طوعا لحكم ضميره فتطمئن نفسه، ورغبة بإصلاحها ثانيا فتصان ~~حقوقه، وإذا تتبع عمله أصابه في الدرجة الثالثة منه بعض النفع والفائدة، فيغره إذ ~~ذاك الكسب وتستهويه السيادة فيصبح وا أسفاه! سياسيا شرعته الحكمة العملية. ms367 # أما الشرقي في مثل حاله فقد يتمثل بأقوال الحكماء التي ذكرت شيئا منها ويستعيذ ~~من الظالم بالله. إذا وقف الغربي عند الدرجة الثانية من عمله كان عمله شريفا ~~مجيدا، وإذا تعداها كان عمله مشوبا مشينا، وفي كلا الحالين يظل أحسن من أن «ندفع ~~إليهم ما طلبوا من الظلم ولا ننازعهم فيه» إن عظم الهمة، والجرأة الأدبية، ~~ومناهضة الظلم والظالمين، لأخلاق غربية، وإن التصون والتقية والاستسلام إلى ~~الأقدار لأخلاق شرقية ... # نشكو الزمان وما أتى بجناية # ولو استطاع تكلما لشكانا # 2 # قلت إن الأخلاق مزايا راسخة في النفس تظهر في مظاهر شتى لغاية أولية هي إرضاء ~~النفس واطمئنانها، كالاستسلام إلى الأقدار مثلا عند الشرقيين، أو السعي في ~~مناهضتها عند الغربيين، أو الهرب منها عند السوريين. لننظر الآن في أصول الأخلاق ~~وعوامل التربية فيها، إذا أجلنا الطرف في عالم الحيوان رأينا فيه أمثلة من العمل ~~والصناعة ورقي الحواس قلما نشاهد مثلها في الإنسان. # ولكننا لا نرى فيها عامل الرقي حيا ثابتا دائما، فالنمل مثلا لم يرتق في ~~عمله منذ مدحه سليمان الحكيم - كأنه مثل الإنسان يضر به الإطراء - ولا النحل ارتقى ~~في صناعة العسل ولا البلبل في فن الإنشاد، ومهما بالغ الإنسان في تربيتها تظل ~~الغريزة فيها واحدة، وتبقى قواها محدودة، وفي الإنسان شيء أدبي روحي ثابت لا تؤثر ~~فيه الحوادث والأشياء. # الإنسان مدني بالطبع وسيبقى مدنيا، وفيه فطرة خير لا يضعفها نكد الدنيا ولا ~~يزيلها البؤس والاستعباد، وفيه عاطفة الحب حية أبدية، وفيه نزعة إلى المجد والعلى ~~هي إكليل أهوائه العالية كلها، وفيه مزية سامية إلهية تحبب إليه ما هو ثابت دائم ~~أزلي، فيعجب من مظاهرها في النمل والنحل والطيور، ويأخذه الخشوع والتهيب عند ما ~~يشاهده منها في نظام الكواكب والأفلاك، وعندي أن هاته الخاصية البشرية الإلهية التي ~~تتساوى أصلا في الناس، البدو منهم والحضر، وتتفاوت فرعا، إنما هي المصدر ~~الخفي لما ينشأ فينا من الأخلاق فتتباين وتتفاضل عملا بسنة الألفة ~~والانفراد. # فخلق النساك هو واحد، في الهند وفي جبل آثوس، لا ms368 يتغير، والوفاء في الكلاب لا ~~يظهر إلا في مرافقتها الإنسان، وأخلاق البدو من العرب كانوا أو من زنوج أميركا هي ~~واحدة. وما يصح في البدو يصح في القبيلة، وما يقال في الرجل المتمدن يقال في ~~الأمم المتمدنة، أي: أنها لا تفضل بعضها بعضا أدبا وأخلاقا، ولكنها تختلف في ~~ذلك اختلاف عاداتها وتقاليدها وشرائعها. # حرية الإفرنسي الجمهوري مثلا لا تفوق حرية الإنكليزي الملكي، وليست أخلاق ~~الإنكليز بأفضل من أخلاق الفرنسيس، بل الأمتان تستويان في الفطرة البشرية ~~السامية كما تستوي أفرادهما ولا تختلفان إلا ظاهرا وعرضا كما تختلف الطيور في ~~ريشها ولونها وكما تختلف في شكلها أوراق الأشجار - لا يفوتنكم أن موضوعي الأخلاق ~~لا الطباع - أما النزعة الشديدة إلى العلم، والطموح وإلى المآثر العالية، والصبو ~~إلى استطلاع ما وراء الأشياء، إلى اكتشاف أسرار الطبيعة ليستخدم ما فيها من القوى ~~الكامنة في سبيل الرقي والعمران - رقي الإنسان وعمران البلاد - فهذه كلها من ~~المزايا الراسخة اليوم في روح المدنية الجديدة. # ولا فضل لأمة على أخرى إلا بما أحرزته من جسيم الأمور في مضمار الفكر ~~والبحث والعمل، بما أكسبها نوابغها من مجد في سبيل الإنسانية ومفخرة. وهذه السجايا ~~الشريفة في الأمم إنما هي نتيجة الأخلاق السامية في أفرادها العاملين، وهي السبب ~~أيضا في ما قد يكون أسمى منها في أبنائها الآتين. # يقال: إن الإنسان ابن الأحوال أسير الحوادث، خاضع لأحكام الزمان مقود بزمام ~~القضاء، وقد يكون الحيوان وما في البشر من الحيوان كذلك، أما الإنسان - وفي كل ~~جماعة وكل أمة تجده - فهو فوق الأحوال والجموع والحوادث، وهو في الأحايين يتغلب ~~على القضاء، فيكتشف بلادا جديدة، ويغير خريطة العالم، ويذلل العناصر، ويسوق إلى ~~غرضه سنن الأكوان ويهدم الهياكل ويؤسس الأديان، يزعزع الممالك ويبيدها وينفخ في ~~الأمم المائتة روح الحياة. الإنسان حر في إرادته وعمله وفكره مهيمن على نفسه، مالك ~~زمام الحوادث التي ترفع به إلى ما فوق اصطلاحات الجموع وأحكام الناس. ولو لم يكن ~~كذلك لكان اعتقادنا بالله باطلا، ولو لم يكن كذلك لكانت أخلاق البشر ms369 كغرائز ~~الحيوان، لا يعمل بها ناموس النشوء الحي، ولا تؤثر فيها عوامل الارتقاء ~~الثابتة. # يقال: إن سر السعادة هو في تكييف أميالنا لتوافق الأحوال التي نحن فيها لا في ~~تكييف الأحوال لتكون لنا سلما إلى تشوقاتنا البعيدة وآمالنا العالية. وقد يكون ~~هذا سر النجاح في التجارة وفي السياسة لا سر السعادة، وقد يوافق الصيرفي والإسكاف ~~والبقال، ولكن الإنسان المدرك ما فيه من قوى الأكوان الكامنة الناظر إلى اليد ~~العلوية التي ترصع الأفلاك بالنجوم، وتخط فيها الأسرار، وتنصب منها للنفس البشرية ~~محجة أنوارها لا تنطفئ، الإنسان الذي لا يعيش ليومه ولنفسه، يرى أن عليه أن يسعى ~~أبدا سرمدا في ترويض عقله للفكر، وإرادته للعمل، وشعوره لما رق ودق في الحياة. ~~علينا أن نجاهد في سبيل العلم الذي هو أساس ملك الإنسان في الدنيا وفي ~~الآخرة. # هذه الأرض موطئ قدمي الله وموطئ قدمي الإنسان، ما فيها ينبغي أن يكون طوع ~~إرادته، خاضعا لفكره، عاملا بمشيئته، البخار والكهرباء والأثير درجات في الفكر ~~والاكتشاف تؤدي إلى درجات في سماء النفس فوقها. من كان ليحلم في الماضي أن قوة ~~كامنة في الفضاء يتمكن الإنسان من تسخيرها لتحمل أنباءه من أربعة أقطار العالم ~~بعضها إلى بعض، التلغراف اللاسلكي اليوم، والتلفون اللاسلكي غدا، وبعد غد إن شاء ~~الله نخاطب بعضنا بعضا بواسطة النفس التي هي آلة الفكر الكهربائية، أتقول: إن هذه ~~أضغاث أحلام؟ ولكن أحلام السلف وأوهامهم هي اليوم حقائق راهنة. # أجل سادتي، إن هذه الأرض وهي ذرة في فضاء الأكوان بما فيها من قوات ظاهرة ~~وكامنة، وبما فوقها وحولها من العجائب والأسرار، إنما هي موضوع مساعي الإنسان ~~الفكرية والسياسية والاجتماعية والدينية، «إن الوجود لسر مكشوف» كما قال الشاعر ~~الألماني الشهير، ولا يرى منه ويدرك - على ما أظن - غير ما نستطيع استخدامه ~~والانتفاع به، وما يرى ويدرك لا يذلله غير العقل، ولا يعمل العقل إلا حرا ~~مشجعا، ولولا هذه الحرية وهذا الإقبال على العلم في البلاد العامرة الراقية لما ~~اتصلنا إلى ربع ما نحن فيه ممتعون من ms370 ثمار العلوم والصناعات، وإن حب العلم وتشجيع ~~العاملين به لمن ثمار الأخلاق الشريفة السامية. # 3 # ها قد عدنا إلى أصول الأخلاق بعد أن انتقلنا قليلا إلى بعض نتائجها، أجل إن ~~أصول الأخلاق لفي هذه النفس الخالدة القلقة السامية المتيقظة، النازعة إلى استطلاع ~~أنباء ما وراء الطبيعة؛ لإصلاح شئون المجتمع، ولرفع شأن الأفراد فيه ~~والجماعات. # والأخلاق في نشوئها ونموها وتنوعها خاضعة مثل مظاهر الكون لعوامل خارجية طبيعية ~~واجتماعية، ولكن طيب شذاها لا يتغير على تنوع عوامل الرقي فيها. غصن ورد تزرع نصفه ~~في تربة حارة في إقليم حار ونصفه الآخر في تربة باردة في إقليم بارد، فلا يتغير في ~~وردهما غير الحجم واللون، أما شذا الوردتين، بل نفسهما، بل خلقهما؛ فهو واحد في ~~الحالين. # هذا في النبات، وفي السياسة إذا تغيرت الأحوال تتغير مبادئ السياسيين، وأما فضائل ~~النفس فهي واحدة في كل مكان وزمان، والنفس الكبيرة السامية لا تعمل فيها الحوادث ~~ولا تفقدها الأحوال فضيلة واحدة من فضائلها، على أن مسلكها قد يتغير في الناس ~~ويتنوع فتكسبه الأحوال شيئا من روحها وطبيعتها. قال ابن خلدون: «الإنسان ابن ~~عاداته ومألوفه، لا ابن طبيعته ومزاجه.» والأصح أنه ابن الاثنين. # من الباحثين في طبائع البشر والعمران أناس يقولون: إن عوامل الهواء والشمس تغير ~~في جوهرها تغييرا بينا. ومن هؤلاء العلماء «منتسكيو» وابن خلدون، أما ظاهر تأثير ~~الهواء والشمس ففي الأجسام كما نشاهده مثلا في ألوان البشر وريش الطيور. # رأيت في أحد متاحف لندرا نوعا من الطير من فصيلة واحدة بعضه من إقليم بارد وبعضه ~~من إقليم حار ولا يختلف سوى لون الريش في الطيرين، أما تأثير الإقليم في الأخلاق ~~البشرية ففيه نظر، يقول «منتسكيو»: إن الجبن خلق في سكان البلاد الحارة، وإن ~~الشجاعة من أخلاق سكان البلاد الباردة، ولكن الرومانيين قديما «سكان إيطاليا ~~الحارة» غلبوا السكسونيين «سكان إيطاليا الباردة» فتأملوا. # وعندنا في العرب شاهد آخر، كان عرب البادية أحسن خلقا وأرقى نفسا من أهل ~~البلدان المتمدنة التي احتلوها وسادوها. ناهيك بشدة بأسهم وشجاعتهم. فإذا ms371 كان ~~صحيحا ما يقول ابن خلدون و«منتسكيو» إن الحر يذهب بالبأس والمنعة، وهما من الأخلاق ~~المجيدة في الناس، لم لم يؤثر قديما في الرومانيين ولم لم يؤثر في العرب؟ ~~أوليست شجاعة الأمم المعنوية الروحية فوق شجاعتها المادية؟ قد فات ابن خلدون ~~هذا. # وما قولنا في الحبش وهم جيران العرب يسكنون في منطقة واحدة ولا يفصل بين ~~الأمتين غير البحر، فأين منهم بأس العرب ومنعتهم؟ وأين آدابهم وأين شعرهم وأين ~~نبيهم؟ فهل تشقي الشمس قوما وتسعد قوما؟ وهل كان الإقليم محابيا في أمة ~~متحاملا في أخرى؟ # وهاكم مثالا آخر من بحث ابن خلدون في تأثير الإقليم في الأخلاق، وصف السودانيين ~~بالخفة والطيش وشدة الطرب ونسب ذلك كما فعل «منتسكيو» بعده إلى هواء بلادهم وشمس ~~الإقليم الحارة. وقد كتب «تسيتوس» المؤرخ الروماني فصلا في الشعوب الألمانية ~~القديمة الذين استوطنوا البلاد الشمالية الباردة فوق نهر الدانوب فوصفهم كما وصف ~~ابن خلدون السودانيين بالميل الشديد إلى اللهو والطرب، فقال: «إنهم في أيام السلم ~~لفي هرج ومرج دائما قائمون.» # ولم ينسب المؤرخ الروماني ميلهم هذا إلى العوامل الطبيعية. إن أخلاق القبائل في ~~أمور كثيرة هي واحدة - كما قلت - ولا تختلف باختلاف الإقليم - كما يظهر مما تقدم ~~- أما إذا كانت طبيعة الفرح والسرور انتشار الروح الحيواني - كما يقول ابن خلدون - ~~وطبيعة الحزن انقباضه وتكاثفه، فتكون الحرارة سبب الأولى ويكون البرد سبب الثانية. ~~ولكن هذا نظر سطحي، فالألمانيون القدماء كانت تغلب فيهم - كما قال المؤرخ ~~الروماني - طبيعة الفرح والسرور، وأهل أوربا الشمالية اليوم وهم من سليلة أولئك ~~الأقوام تغلب فيهم طبيعة الحزن والكآبة، وهواء تلك الأصقاع اليوم هواؤها منذ ألفي ~~سنة، وإقليمها واحد لم تتغير فيه شمسه وسماؤه، فما السبب في تغير طباعهم يا ~~ترى؟ # لم أكن لأستوقفكم عند هذا البحث لو لم تكن قد اتهمت سماؤنا نحن السوريين بخمود ~~طباعنا، فقال الأوروبيون: إن لطيف هوائنا وجميل جونا لمما يدعو إلى الخمود ~~والخمول، ومعاذ الله أن تكون هذه السماء الجميلة سماؤنا أم هاته الآفات في ~~أبنائها، وإنما ms372 هنالك عوامل أخرى مدنية ودينية وأدبية غير عوامل الشمس والهواء ~~والحر والقر. إن الأخلاق مزايا راسخة في النفس تعمل في إظهارها الأحوال الاجتماعية ~~في الدرجة الأولى، ومن هذه العوامل الاجتماعية العادات والتقاليد والشرائع ~~والأديان، فهي تعمل في إصلاح الأخلاق كما تعمل في إفسادها. # وهاكم مثالا من ترهات أمة شرقية مما لم نزل نحن في بعضها، كانت للتتر أيام ~~جنكيزخان قوانين وأحكام سخيفة يراعونها وينزلونها منزلة الشرائع الإلهية، ومن ~~أغربها أن من يرمي سكينا في النار يعد مجرما قصاصه الشنق. وكذلك من نام على ~~سوط، أو ضرب حصانا برسنه، أو كسر عظما على عظم آخر. ولكنهم وإن احترموا مثل هاته ~~الترهات من الأحكام لم يروا في نكث العهد عيبا، ولا في السرقة والنهب والقتل ~~ذنبا. فالأحكام السخيفة والقوانين الباطلة أفسدت أخلاقهم فأمسوا لا يعرفون من ~~الخير والشر غير ما أجازه الحاكم أو أبطله. والشرائع السخيفة الباطلة في أمة لا ~~تعرف غير أميرها سيدا تذهب بحرمة النواميس الطبيعية والإلهية، ناهيك بما لها من ~~التأثير الخبيث في روابط الألفة وفي الجامعة الوطنية. # إن الشرائع ألقت بيننا إحنا # وأودعتنا أفانين العداوات # ليس الذنب إذا ذنب سمائنا وهوائنا، بل هي الشرائع كما قال المعري، ولم تزل كما ~~كانت في أيامه تعبث بالعقول وتفسد في الأخلاق و... # كم وعظ الواعظون منا # وقام في الناس أنبياء # فانصرفوا والبلاء باق # ولم يزل داؤك العياء # 4 # أما عوامل التربية في الأخلاق فعديدة أذكر أهمها الليلة ولا أفيض فيها لضيق ~~المقام، وإذا حصرت النظر في أوروبا فلأن مدنيتها خلاصة مدنيات العالم جمعاء، في ~~الأعصر الخالية عند سقوط الدولة الرومانية كان الدين المسيحي العامل الوحيد الصالح ~~في تلطيف أخلاق البرابرة هناك، ولكن الفساد الذي اعترى الكنيسة وأربابها بعد ذاك ~~تفشى في البلاد وعم شعوبها فخيمت عليهم ظلمات أمرها في التاريخ ~~مشهور. # وكلنا نعلم ما كانت فيه تلك الأمم من الجهل والخرافة والخمول يوم أشعل العرب ~~مشعال العلوم في بغداد، فاتصل نوره بالأندلس وشع منه أشعة في صوامع الرهبان في ~~أوروبا. فالرهبان ms373 إذن أول من اشتغلوا في إحياء العلوم في بلاد لم يكن ليسمع فيها ~~غير قرع الرماح، وصليل السيوف، وصوت الكنيسة الرهيب. # وللحروب الصليبية فضل في تدميث أخلاق الأوروبيين، وتلطيف أذواقهم وتحسين نسلهم. ~~ونظام الإقطاعات الذي لا يرى فيه بعض المؤرخين غير الجور والعسف والاستبداد ربى ~~في العامة أخلاقا شريفة أهمها الوفاء والصدق، وأسس في الأسر الأوروبية سيادة ~~المرأة. والنهضة الإصلاحية الدينية حررت نفس الإنسان من قيود السلطة المطلقة، ~~والثورة الإنكليزية الأولى أعطته حجة بحقوقه، والثورة الإفرنسية الشهيرة ~~متعته بها وعلمته التؤدة والاعتدال. وهناك عوامل أخرى عديدة كاكتشاف ~~أميركا، واختراع الطباعة، وإحياء الفنون والصناعات، مما هو من نتاج العقل الذي ~~يجلو مظاهر الأخلاق ويشحذها. # ولا يفوتننا أن نذكر بعض الفلسفات الأوروبية وفضلها في تهذيب الأخلاق ~~كالفلسفة الاستقرائية التي أحياها «ديكرت» في فرنسا و«بايكن» في إنكلترا، فلقنت ~~الأوربي حكمة الريب وعودته أن يسأل «كيف ولماذا» في كل عقيدة ومذهب وتعليم وحببت ~~إليه البحث العلمي والتمحيص. ثم الفلسفة الكمالية الألمانية التي غذت عقله ونفسه، ~~ثم الفلسفة الإنكليزية العملية التي غذت جسده فاشتد ساعده وصحت عزيمته. # وفي هاته الفلسفات كلها ترى أن المقام الأول في العمل إنما هو للإرادة، فالإرادة ~~إذا ضعفت في المرء ضعفت فيه فضائل النفس والعقل والجسد كلها، والإرادة مثل كل ~~الجوارح فينا ينميها الترويض وتعززها الممارسة. وهل تظنني مغبونا إذا حرمت نفسي ~~قليلا مما اعتدته من أساليب الراحة والرفاه أو عملت عملا صغيرا أستثقله متعمدا ~~في ذلك لا إماتة نفسي بل ترويض إرادتي للعمل؟ فإذا مر علي سنة وأنا كل يوم أعزم ~~عزما مهما كان صغيرا وأنجز العمل به أستطيع أن أقول مع الفيلسوف (كنت): «علي ~~أن أفعل أذن لي أن أفعل.» إذ ما الفائدة من هذه الأفكار الجميلة أفكارنا، ومن هذه ~~الأخلاق الفاضلة المجيدة، إذا كنا لا نروض أنفسنا لها، ونعمل بها عازمين حازمين، ~~لينتفع بها الناس ولينتفع بها الوطن؟ # ولا أنكر أن الضرورة في الأحايين تغير من أخلاق الناس فتحسنها أو تفسدها، ضاقت ~~مدينة أثينة على سكانها أيام ms374 مجدها والأرض المجاورة لم تكن خصبة فقلت المواشي ~~وعزت فأغفل الناس الأضحية، فأفتى الحكماء، أن هدية تهدى إلى الآلهة لخير من ثور ~~يذبح لها، فاتخذ الأثينيون الفتوى سنة؛ لأنهم كانوا أشد من الآلهة حاجة إلى ~~اللحم، وكان هذا سبب اعتدالهم وحكمتهم حتى إن الناس بعدئذ - وقد نسوا أو جهلوا ~~الأسباب - قالوا: إن الأثيني أرقى في خلقه الديني من سواه، ومثل هذا في التاريخ ~~أمثلة عديدة لأمور صغرت أسبابها وكبرت نتائجها. # أما عوامل الرقي الفلسفية والفنية التي ذكرتها فقد لا تلزم لتهذيب الأخلاق في ~~القبائل البدوية، وقد تحرم منها أمة وتكون أخلاقها سليمة كأمة العرب في صدر ~~الإسلام، ولكن الملك إذا اتسع وتعددت فيه المساعي والنزعات قام في ظله من مظاهر ~~الأبهة والجلال، والنفوذ والاقتدار، ما لا تسلم عواقبه ويسلم الملك منها إذا حرم ~~عوامل الرقي الخلقية والعملية والفلسفية والفنية. ولنا على ذلك شاهد من الدول ~~الشرقية الماضية ومن الدولة العثمانية اليوم. ولكن بحثنا الليلة في الأخلاق لا في ~~السياسة. # قد اتضح لكم إذا أن العوامل الاجتماعية تؤثر في الأخلاق مثلما تؤثر عوامل ~~الإقليم - أي: الحر والبرد - في الحيوان وفي ما هو حيواني في الإنسان. بقي علينا أن ~~ننظر خصوصا في ما يحط الأخلاق ويفسدها فتخمد في سبيل المجد والعلى ولا ينشط صاحبها ~~إلى نصرة ما فيه إقامة حق أو إزهاق باطل. ولا يطمح إلى مأثرة ولا تسمو إلى منقبة ~~همته، بل يغضي على الضيم خاملا وقد رئم المذلة والاستعباد. # وإن عبدا لعاداته الذميمة لكمثل عبد الحكومة الأثيمة، ففي الغرب - كما في ~~الشرق - مذاهب وعقائد وتعاليم تذهب بالبأس والمنعة والشجاعة والإباء، فتطفئ في ~~المرء نور الضمير، وتخدر منه الحس والشعور، وتقعد فيه الإرادة إلا في سبيل ~~الأباطيل والمنكرات. أحقا أن الغاية القصوى من الحياة أن ينجح الإنسان في عمله ~~مهما كان وكيفما كان؟ على رسلك أيها المتكالب في سبيل المال العابث بما في الحياة ~~من جوهر الكمال. إن في الحقول وفي الحراج وفي المناجم ما في السماء وفي البحار وفي ~~النفس ms375 البشرية من جمال، لا يوزن منه للتجار ولا يكال، وأنت أيها الزعيم، زعيم ~~العمال، سمعت أناسا يقولون: إنك تتاجر بالفقر والفقراء فتمسي غنيا، وأنتم أيها ~~البائسون المؤمنون بمن لا يصدقون ويل منكم ساذجين، يشحذون فيكم الغرائز ويقضون على ~~أخلاق سليمة فيكم خامدة ويغرون عليكم الأسياد، وإلى غاياتهم على بؤسكم ~~يسيرون. # وما انخفضوا كي يرفعوكم وإنما # رأوا خفضكم طول الحياة لهم رفعا # وسيدي صاحب الدولة والرتب العالية إنجيله غير إنجيل المسيح الذي يتبجح باسمه، ~~إنجيله كتاب عرفناه، هو: «كتاب الأمير» رأيناه يتخذه دستورا لأعماله وأقواله، ~~«وكتاب الأمير» لمكيافلي - أيها السادة - يعلم الكذب في السياسة والمكر والغدر ~~والسفسطة والرياء.» # قال «الكردينال ريشليو» في وصيته السياسية: إن الحاكم لا ينبغي أن يولي صاحب ~~الشرف والوجدان، وفي كتبنا العربية التي تعلم الملوك والسوقة السلوك كثير من هذا، ~~وإن نصيحة «ريشليو» لتذكرني بما قاله عمر عندما عزل زياد بن أبي سفيان، قال زياد: ~~لم عزلتني يا أمير المؤمنين ألعجز أم لخيانة؟ فقال عمر: لم أعزلك لواحدة منهما ~~ولكني كرهت أن أحمل فضل عقلك على الناس، فالشرف إذا والكياسة والذكاء والوجدان؛ ~~عيوب في صاحب السياسة، غربيا كان أو شرقيا، إلا إذا استخدمت في المصانعة والكذب ~~والمكر والخداع. # على أن الشرقيين قد لا يرون في مدنية أوروبا غير آفات أفضت فيها في خطاب لي سبق ~~فينفرون منها بل ينبذون من أجلها المدنية كلها زاعمين أن فيها ما لا يوافق حالهم ~~وشئونهم وطباعهم. ولعمري إن ما فسد في تلك المدنية لا يوافق أحدا من الناس لا ~~شرقيين ولا غربيين. # وفي أوروبا وأميركا كثيرون من ذوي الرصانة والحصافة، نوابغ في العلوم وفي ~~الفنون وفي الآداب، يحملون على ما في مدنيتهم من الموبقات والمنكرات وأكثرها آفات ~~ظاهرة تعرف الحكومة كيف تتأثرها لتصلحها أو لتستأصلها. وأما في الشرق فآفات المدنية ~~خفية دقيقة يصعب على العلماء معالجتها ويعجز في سبيلها الحكام. # الغربي بما فطر عليه من حب الحرية والجهر بالأمور يجرأ على عمل قد يكون مخالفا ~~سنن العدل المصطلح عليها، ولا يخفي ms376 قصده عن الناس بل يسير إليه في رائعة النهار ~~ويعززه بحجة عقلية أو سياسية. وقد يكون مجرما مع ذلك أو فوضويا، أو شاعرا أو ~~سريا. أما الشرقي فنفسه كتاب من الأسرار مختوم لا يعلم منه إلا ما نقش على الختم ~~«اللطف، المجاملة، المصانعة، الاستسلام» تحدث الشرقي في أجل الأمور أو في ~~أحقرها، وتطلق لنفسك العنان في النصح أو النقد أو التقريع، فيهز رأسه مؤمنا ~~محبذا، أي نعم، تمام، الحق معك، هذا صحيح، حبذا والله. ثم يذهب في شأنه ثابتا في ~~ضلاله. # إخواني، في كل أخلاقنا الكريمة الشريفة ما وجدت خلقا واحدا يقارن الجرأة ~~الأدبية والحرية الأدبية، شعوب وأمم تفرقوا مذاهب وهم في حاجة إلى التفاهم قبل ~~كل شيء، ومفتاح التفاهم التصريح بمقاصدنا وغاياتنا، التصريح بما تكنه أفئدتنا مما ~~يختص بشئوننا الاجتماعية والدينية. # أما هذه الحرية السياسية التي ترفع في الجرائد وفي الأندية عقيرتها فليست صافية ~~من شوائب التقية والتعصب والمخاتلة. لم يزل هذا الشرقي شرقيا - مسلما كان أو ~~مسيحيا - فيقف مثلا أمام الحاكم مكتفا مزررا، ويتأدب تأدبا لا يمنعه من ~~الغيبة والنميمة عندما يخرج من الديوان، ويظهر أن سب الحاكم سرا، هو خلق قديم من ~~أخلاق الشرقيين؛ لذلك قيل في الأمثال: ادفع إليهم ما طلبوا من الظلم ولا تنازعهم ~~فيه، وكف لسانك عن سبهم. # 5 # على المرء أن يدفع الحجة بالحجة، والظلم بالحق، بل بالتمرد إذا اقتضى الأمر ~~والعصيان، فيكون التمرد - إذ ذاك - حقا والعصيان واجبا، عليه أن يطالب أبدا ~~بحقوقه المهضومة مهما كانت، فإذا نام عن صغيرها لا يستطيع صيانة كبيرها، ولكن ~~الشرقي، لوفرة أدبه، أو لكبر نفسه، أو لشدة ورعه، يغضي على الضيم ويعود إلى الله، ~~وقد يتأوه في سره ويشكو الزمان. # والحق يقال: إن في الناس حتى في الغرب كثيرين مثل الشرقيين يسكتون ولا يعارضون ما ~~زالت تجارتهم رائجة، وما زالوا على شيء من العيش رغد هنيء، ولكن هذه المظالم التي ~~أصبحت من المزايا الشرقية المحضة لا تكثر في الأمم الغربية، ولا بد للتجار أصحاب ~~الذراع والميزان ms377 من المجاملة والمكايسة، فالحضارة تنبه في الإنسان غرائز لا أثر لها ~~في فطرة أهل البادية، وحبذا أخلاق العرب، حبذا البأس والمنعة وعزة النفس والمروءة ~~والإباء والشهامة والوفاء. ولكن الأحكام الشرقية والتقاليد الدينية والمذاهب ~~السياسية ذهبت بأكثرها. # في كل جيل أباطيل يدان بها # فهل تفرد يوما بالهدى جيل # ترانا لا نأتي عملا لا يكون منصوصا عليه في كتب الدين، ولا نخطو خطوة لم يخطها ~~قبلنا أجدادنا، ولا نقول في مشاكل الحياة قولا لا نستطيع إسناده أو إسناد مثله ~~إلى أحد الأئمة الكبار، ولا يمسنا ضر أو خير إلا منه تعالى، فنتوه في جهلنا ~~قائلين: إنا لله! ونتربع على بساط المذلة صارخين: إنا لله! ونركب مطية الجبن والعجز ~~متأوهين: إنا لله! وتحل بنا سبع ضربات مصر فنصرخ مبتهلين: والحمد لله والشكر ~~لله! # جميل هذا التناهي في الورع والتقوى، جميل هذا الصبر والاستسلام، ولكن في المغرب ~~أمما أراحوا الله من صراخهم، وشكواهم فأفلحوا، أي سادتي، خلق الله الطير ليطير ~~بجناحيه لا ليتمرغ بهما في أوحال اليأس ويكسرهما على صخرة الإيمان، وأجنحة النفس ~~والعقل في الشرقي لم تزل - والحمد لله - سليمة ولكنها مكبلة مقيدة، قيدتها ~~القناعة والاستسلام، قيدتها عقيدة القضاء والقدر، قيدتها الأحكام الظالمة، قيدتها ~~السيادة الدينية المطلقة، قيدتها الطاعة العمياء، قيدتها التقاليد والخرافات، بل ~~قيدتها المرأة في قيودها. حلوا قيود المرأة الشرقية فتحل قيود الشرق كلها ~~تدريجا. # ومن غريب سجايا الشرائع والأحكام أنها تحرر جيلا من الناس وتستعبد آخر، كانت ~~عقيدة القضاء والقدر قديما من أكبر عوامل النصر في الإسلام، وهي اليوم من أكبر ~~العوامل في تأخر المسلمين، والشريعة التي حررت المرأة من أحكام الجاهلية وعاداتها ~~أمست اليوم نيرا على المرأة لا يطاق، الشريعة التي تقبلها امرأة العصر الخامس لا ~~تقبلها امرأة العصر العشرين، والتي تقبلها امرأة اليوم قد ترفضها امرأة الغد، وهذا ~~هو ناموس الترقي الحي الدائم الذي يخدع المتشرع والمصلح والحكيم، سنن الأدب والدين ~~والسياسة إنما هي من عقل الإنسان، وإنما هي التي أبقت عقل الإنسان في قيود الجهل ~~والعبودية زمنا ms378 طويلا. # على المرء أن يكون متيقظا عاملا ناشطا مفكرا، فلا يقبل اليوم من الشرائع التي ~~سنت لأجداده ما لا يوافق حاله، ولا يساعده في ترقية نفسه وعقله، بل في ترقية ~~قواه الحيوية والروحية كلها. عليه ألا يكون ممن: # عاشوا كما عاش آباء لهم سلفوا # وأورثوا الدين تقليدا كما وجدوا # فما يراعون ما قالوا وما سمعوا # ولا يبالون من غي لمن سجدوا # لو سلم «كولمبوس» بالمقدر لما سافر سفرته العجيبة، وما أعظم تلك الثقة ثقته ~~بنفسه ونتيجتها. ولو سلم أولئك الإنكليز القلائل بالقضاء، ورضخوا لمظالم حكومتهم ~~لما هجروا بلادهم، وما أعظم نتيجة تلك الهجرة، جمهورية جديدة عظيمة! ولو سلم ~~العلم بأحكام القضاء لكانت الأوبئة والأمراض تبيد سوريا وقبائل من البشر كل ~~عام. # ومن العقائد التي تعلم السجود لغير الله ما هو مجحف بالفضيلة، مفسد للحقيقة ~~الكلية المطلقة، كعقيدة الثواب مثلا والعقاب، فالجحيم يجعل الإنسان هلوعا قاسيا ~~جبانا، والجنة والسماء تنسيانه واجباته في هذا العالم، وما رأيت ورعا أجمل من ورع ~~من يمارس الفضيلة حبا بها ومن أجلها، أما عقيدة القضاء والقدر فهي المسئولة عن ~~أكثر ما نحن فيه من الاستكانة والمذلة والخمود. ~~«علي أن أفعل» فالمقدر للجماد ولما فينا من جماد، لا للعقل المفكر والنفس ~~الخالدة، إن الأحوال الظاهرة لبنت الفكر، وإن الفكر لسيد الحوادث، من سعى سعيا ~~جميلا في تكييفها لتوافق نزعات النفس السامية، ولتحقق آمال الفكر العالية؛ كان من ~~الصالحين المقربين من الآلهة. وما يعترضنا في طلب الحقيقة، وفي تعشق صورة الكمال ~~من جهل وتعصب وتقاليد وخرافات؛ فمن الشيطان هي، لا من الله. وعلينا أن نناهضها ~~لنذللها ونستأصلها تماما. # قال إمرسون: «النفس الخالدة هي التي ترى الخلود في كل شيء، وتساعد في تكوين ~~العالم.» وفي النفس مرآة إلهية تنعكس فيها صورة الكمال. وكل فكر جميل يصقلها وكل ~~فكر خبيث يشوهها، علينا إذا أن نهجر أميالنا السيئة وآمالنا الباطلة ونزدريها ~~إذا اعترضت الفكر الجميل في سيره وسعيه وجده. إن إرادة الإنسان إذا أدركها ~~وروضها لعظيمة، ومتى بدأ يقول «علي أن ms379 أفعل أذن لي أن أفعل»، كما قال ~~الفيلسوف «كنت» ويقرن بالعمل قوله، يتدرج إلى السيادة المطلقة في ممالك الحيوانات ~~والنبات والأثير، وفي ما فوقها للنفس من ملك لا يحد. # لكل منا دائرة اجتماعية صغيرة يستطيع أن ينير فيها مصباح الفكر والحب ~~والإرادة، ولكل منا سلسلة حوادث يتألف منها المهم في حياتنا الإصلاحية فيستطيع أن ~~يكفيها لتوافق ما سما من أفكارنا وما سلم ورق من شعورنا، هذا إذا كانت لنا ثقة ~~بأنفسنا فنعزز بالعمل الإرادة فينا. # لا بد من سقوط كل عقيدة، دينية كانت أو سياسية أو فلسفية من شأنها أن تبقي ~~الإنسان في ضعفه وجهله وخموله، ولا بد من اضمحلال مذاهب وتعاليم ركنها الأول من ~~الوهم والخرافة، ولا بد من نسخ كل شريعة لا يقرها العقل ولا يخضع لها الضمير. وما ~~نهض بالأوربيين من مهامه الجهل والهمجية والاستعباد غير تحررهم من خزعبلات السياسة ~~والأحكام، ومن قيود الخرافات والأوهام. # في جزيرة جاوى نوع من الشجر لا ينمو في ظله نبت ولا يعيش حيوان، شجرة في جذعها ~~وأغصانها سم يسم تربتها وظلالها فتراها وما حولها من الأرض الجدباء كأنها واحة في ~~قلب البادية. وهذه لعمري شجرة الخرافة، يزرعها أرباب الدين في النفس فيسمون ~~فيها بالفضائل والأخلاق، وتمتد ظلالها إلى العقل وإلى القلب فتفسد فيهما الفكر ~~والشعور. شجرة جذعها من الخوف وسمها من الجهل، وأغصانها من الأوهام، وثمارها - وإن ~~كانت كبيرة جميلة - فكتفاح سدوم قلبها من رماد وكبريت! فمتى يتقلص ظلك في الشرق ~~أيتها الشجرة السامة المهلكة؟ متى يستأصلك العلم من أنفس الشرقيين؟ ومتى يطرد ~~هؤلاء الكهان الذين يرعونك بالتربية ويتاجرون بسمك وثمارك؟ # نكذب العقل في تصديق كاذبهم # والعقل أولى بإكرام وتصديق # أولئك الذين يتاجرون بتفاح سدوم يفسدون في الناس عقيدة الإيمان الحقة، الإيمان سر ~~القوى البشرية من عقلية وروحية وأدبية، الإيمان الحي الصادق يحرك صاحبه إلى ~~المفاداة بالنفس والنفيس في سبيل الحق والشرف والعدل والحق والمجد والعلى. وفي سبيل ~~العلوم التي تحبب هذه الفضائل إلى الناس، وفي سبيل الفنون التي تحيي فيها ms380 صورة ~~الكمال. قديما كان النبي الكاتب الشاعر في الناس، وما كان يتهيب الموت إذا اعترضه ~~في سبيله، فيسجل كلمته على أعداء الحق بل أعداء الله ولسان حاله يقول: على الدنيا ~~السلام. فأين شبه الأنبياء في أدباء هذا الزمان وشعرائه. # تراهم يتزلفون إلى ذوي السيادة ويصانعون صونا لمصلحة أو جرا لمغنم، أما ~~الإيمان فميت في صدورهم. فالأديب الذي يفادي بسعادته في سبيل أدبه، والسياسي الذي ~~يفادي بمنصبه في سبيل وطنه، والعالم الذي يفادي بحياته في سبيل عمله؛ إن هؤلاء ~~وإن عدوا من الكافرين لمن أجمل الناس ورعا وأصحهم اعتقادا وأصدقهم ~~دينا؛ ذلك لأن إيمانهم بالله. وبالحري بما في النفس البشرية من القوة الإلهية ~~الكامنة، لحي صادق مجيد، أتمجد الله يا هذا؟ كن عادلا محبا منصفا آمرا ~~بالمعروف ناهيا عن المنكر عاملا في تحقيق أمل واحد من آمال النفس السامية، فإن ~~في اقتدائك بالمقربين منه تعالى تمجيدا كافيا لاسمه. # 6 # عقائد في الشرق وأضاليل تفسد العقول والأخلاق فما الذي يصلحها؟ لا أقول قول ~~«منتسكيو» إن على الحاكم أن يستخدم القانون لينبه من أنامهم الدين، أو بالحري ~~الاعتقادات الدينية الباطلة، فالعقائد الفاسدة لا تزيلها غير العقائد السليمة، ~~والقانون لا يجرأ على اقتلاع شجرة الخرافة من أصولها؛ لأن ذوي المصلحة الذين ~~يتاجرون بسمها وثمارها كثيرون. # فالعلم الصحيح وحده ينبه من خدرته التقاليد والخرافات، وينعش منه النفس ~~والجسد أما القوانين والأحكام فتعجز عن إصلاح ما أفسدته من الأخلاق. إن عصرنا لهو ~~عصر البحث والنقد والتمحيص، وإذا كانت لا تسود هذه الروح روح الزمان الراقية في ~~آدابنا وأدياننا وسياساتنا واجتماعاتنا، فلا تصطلح أخلاقنا أبدا ولا تفك فينا ~~قيود العقل والروح. # في كل الفلسفات الأدبية القديمة والحديثة ما وجدت أصلح من فلسفة الرواقيين وأسمى. ~~منشئها «زينون» اليوناني، فإن فيها من المنبهات العقلية، والمقويات الروحية، ما لا ~~نجده صافيا في الحقائق التي نلقنها اليوم. فلسفة الرواقيين تعلمنا الواجب الذي لا ~~يتعدى العمل به اللازم المفيد، وتعلمنا الصبر على الشدائد وعظم الهمة، وتعلمنا أن ~~ننظر إلى السرور والحزن بعين ms381 هادئة وقلب مطمئن. وتشدد العزيمة فينا فتحصن النفس من ~~طوارئ الدهر وتعدها لنوائب الزمان، وتحبب إلينا الفضيلة حبا بها لا حبا ~~بجنات تجري من تحتها الأنهار. # لمذهب الفيلسوف «زينون» الفضل الأكبر في عظمة رومية وبأس أبنائها، بل هو مهد ~~رجالها العظام من قادة وسياسيين وفلاسفة وقياصرة، لو حكم علي بالتمذهب لما ~~اخترت غير الرواقية مذهبا. # لا أنكر أن ماضي الشرق غني بالنوابغ العظام، بالذين تفردوا ذكاء وروحا ~~وأخلاقا، فنظموا الشعر، واشترعوا الشرائع ووضعوا التعاليم، فكانوا أعلاما يهتدي ~~الناس بها، ولكن المعلمين منبهون مرشدون، والأنبياء إلى الطريقة القويمة هادون، على ~~أن «الإنسان لم يخلق ليقاد بالزمام» بل فطر على أن يهتدي بمصابيح العلم والحرية، ~~فالعلم ينير الحوادث ودلائلها، والحرية تمكنه من الاستفادة بها فكرا ~~وعملا. # إن في كل قوم حكمة، ولكل زمان سياسة، وفي كل حالة تدبيرا يبطل الأخير منها ~~السابق لها، إن تعاليم «كنفوشيوس» السياسية تغاير الشرائع الدستورية التي تأسست ~~عليها اليوم جمهورية الصين، وفلسفة بوذا الاجتماعية والدينية تتقوض في ظل الأحكام ~~الإنكليزية، وإن ما أنزل على نبي العرب لإصلاح حال العرب ورفع شأنهم أكثره لا يصلح ~~اليوم لإصلاح شئون أمم كبيرة لا يستطيعون أن يعيشوا كالبدو في بيوت من ~~الشعر. # وفي الشرقيين من أدركوا هذا، ممن عظم خلقهم وكبر قصدهم وبعدت همتهم، وإننا لنرى ~~شيئا من هذا الإدراك السامي حتى في المتفردين بالتوحش من الفاتحين، رجل رجلاه في ~~الدم وفي رأسه شيء من السماء نظر إلى السماء وقال: إذا كان الله في كل مكان لم لا ~~نعبده في أي مكان كان، ففي أشواك نفس «جنكزخان» الذي هدم الجوامع واعتنق الإسلام ~~وردة جميلة من وردات الحقيقة السامية، وإن كلمته لتذكرني بما رواه لنا «القديس ~~أوغسطينوس» عن «فكتورينوس» العالم الوثني الشهير في زمانه، فإنه أخبر أحد أصحابه ~~يوما أنه اهتدى إلى الدين المسيحي فقال صاحبه: لا أصدق حتى أراك في الكنيسة، فقال ~~«فكتورينوس»: وهل الجدران تجعل المرء مسيحيا، الحقيقة تتجلى في الأحايين للبربري ~~تجليها للفيلسوف. # وإننا لنجد في الشرق اليوم في ms382 أي مدينة كانت أناسا تساموا عقلا وخلقا، ولكن ~~خاصة أخلاقهم لازمة غير متعدية بين أن الغربيين إذا سمت أخلاقهم صحت منهم العزيمة ~~وبعد القصد، فيعملون بما أوتوا من المواهب لخير الناس. وإننا لنرى هذا الفرق في ~~حكمتنا وحكمتهم - كما قلت - وأزيدكم من ذلك مثالا، جاء في بعض الكتب: إن الرجل ~~الفاضل الرشيد لا ينبغي أن يرى إلا في مكانين، إما مع الملوك مكرما، وإما مع ~~النساك متعبدا، هذه حكمة الشرق. إنما الفاضل الرشيد من لا يرى لا مع الملوك ~~مكرما ولا مع النساك متعبدا، بل في معمعان الحياة عاملا، هذه حكمة الغرب. فالزهد ~~والانقطاع عن الدنيا كالإخلاد إلى نعيم العيش كلاهما يورث الخمول والخبال، وإذا ~~سلمت عواقبه فلا يربي في صاحبه غير الفضائل اللازمة أو السلبية. وهاكم قصة تمثل ما ~~أريد: التقيت مرة في الطريق على شاطئ البحر بدرويش اسمه الشيخ عبد الله، وهو من ~~السالكين، طريقته مولوية، فأخبرني أنه وصل إلى سوريا منذ خمسة عشر يوما قادما من ~~الحجاز ماشيا، وقضى في الطريق خمس عشرة سنة، وأخبرني أنه جاء سوريا ليزور فيها قبر ~~أحد الأولياء في نواحي طرابلس. # تركت ضياء الشمس يهديك نورها # وتبعت في الظلماء لمحة بارق # على أنه بان لي بعد أن حدثته في طريقته وأحواله - ولي نزعة إلى استطلاع أخبار ~~هؤلاء الدراويش - أن الحاج عبد الله على شيء من العلم، وأنه في سلوكه وقنوته لمن ~~الصادقين، ولم يطلب مثل أكثر إخوانه صدقة لوجه الله، ولكنني عند مصافحتي إياه ~~مودعا وضعت في يده قطعة من نحاس هذه الدولة فقبلها شاكرا. وسرت في طريقي أتأمل ~~في من جاء ماشيا من الحجاز - وقضى خمس عشرة سنة في الطريق - ليزور قبر ولي من ~~الأولياء. # أرسلت غربك تبغي الماء مجتهدا # وما على الغرب لما خانك المرس # وكنت وصديق لي نقصد يومئذ عمشيت لنزور فيها قبر ولية من وليات البر والحجى، هي ~~«هنريت رنان» أخت الفيلسوف الإفرنسي الشهير، فكنا والحاج عبد الله سويين من هذا ~~القبيل لكلانا مزار تحركنا إليه عاطفة الورع ms383 والتقوى، ولكن هذا غير ما أبتغي من ~~القصة. في اليوم الثاني ونحن عائدون إلى بيروت - وكانت السماء يومئذ ماطرة - تراءى ~~لنا خيال أسود على حجر إلى جانب الطريق، فاقتربنا منه فإذا به الحاج عبد الله ~~يستريح تحت المطر من عناء السفر - وهؤلاء الدراويش لا يخافون الزوابع والرياح - ~~فحدثناه ثانية، وقدم إليه رفيقي شيئا من المال - وهذه النكتة - فرفضه قائلا «لم ~~يزل معي والحمد لله مما تفضلتم به البارحة.» القناعة كنز لا يفنى، ولكنه كنز لا ~~يعمر البلاد. # خلق الحاج عبد الله ما يسمونه في لغة المتصوفين خلقا عظيما؛ لأنه أعرض عن ~~العالم وأقبل بكليته على الله تعالى، ولا أظنكم تجهلون ما في هذه الطريقة طريقة ~~السالكين والنساك من تعطيل الحواس الظاهرة والكفران بالذات. وإن السالك ليقتل ~~إرادته ويخلد إلى السكون الذي يولد الخمول والكسل. # وفي الهند عند البراهمة غرائب من أساليب الكسل والخمول. عقيدة البوذي مثل عقيدة ~~المتصوفين في نتائجها وفي بعض أصولها، والغاية القصوى منها اتحاد المرء والمبدأ ~~الأولي الدائم مبدأ اللاشيء - أي: العدم الأزلي - فالبوذي يغمض طرفه ويقول: إنني ~~جزء من هذا اللاشيء الأزلي اللانهاية له، وفي قتلي الإرادة، واستئصالي الرغائب ~~والآمال الدنيوية من صدري، أفوز على النفس فيتم اتحادي بالظلمة الأزلية الأبدية، ~~وهي تدعى عندهم «نرفانا» أما المتصوف فيدعوها جمع الجمع - أي: العزة الإلهية - وإذا ~~سئل البوذي ما هي «نرفانا»؟ أجاب: إني حين أغمض طرفي وأعود إلى نفسي مرددا: «أم، ~~أم» أظفر بها، «أم، أم»! الله الله! قد يسعد النسك صاحبه، ولكنه يخرب ~~العالم. # مثل هذه العقائد أصولها في أوحال العادات والخرافات، وفروعها في سماء النظريات ~~والأوهام، لا تربي في المرء أخلاقا سامية مجيدة يتعدى خيرها، ولا يلازم صاحبها ~~وينحصر فيه، ومن سخيف تقاليدها مثلا ما نراه متبعا عند البراهمة فعلى البرهمي ألا ~~ينظر إلى الشمس عند شروقها وغروبها، ولا يطأ حبلا ربطت به بقرة، ولا ينظر إلى ~~امرأته حين تأكل أو تعطس أو تتثاءب، ولا يلبس لطعام الظهر غير ثوب واحد، ولا يستحم ~~عريانا، وغيرها من ms384 آداب السلوك المستغربة المضحكة. # حتى إنه في إزالة الضرورة تراه مقيدا بخرافات بوذية، فقد حظر على البرهمي أن ~~يزيل ضرورة على الرماد أو في حقل مفلوح أو على ربوة خضراء أو على وكر نمل أبيض، ~~وغير هذه من الأوهام التي ينزلونها منزلة النواميس الطبيعية بل الإلهية. وهم مع ~~ذلك أصحاب تجلة وكرامة، محترمون في قومهم مؤلهون، فلا غرو إذا كانوا متقاعدين ~~متخاذلين خاملين، لا يعملون عملا مفيدا، الجلالة والوقار والكسل قلما ينفصل بعضها ~~عن بعض، وكل أمة يغلب في شعبها وهم الأبهة والجلالة، تستنيم إلى الضعة، ويخمل ~~منها الحس، ويكثر فيها الكسل. # هؤلاء نساك الروح، رهبان الشرق، براهمة ومتصوفون، يهربون من الحياة ويزدرونها، ~~أما نساك العقل فإليكم خبرهم. في المغرب اليوم عصبة الفلاسفة المتفردين الذين ~~يعرفون الأحكام ولا يقرونها، ولا يتعرضون لها مباشرة، يعيشون في حقولهم بعيدين ~~عن ضجيج المدن والناس، مستقلين مطمئنين، لا يتطلبون شهرة ولا مجدا. يعيشون على ~~الفطرة الأولى من الوجهة الجسدية، وعلى أرفع ما اتصلت إليه العلوم والحكمة من ~~الوجهة العقلية والروحية والمعنوية. # ترى أحدهم بدويا في غرائزه وطباعه، حضريا في مزاجه وأخلاقه، أميرا وفلاحا ~~في وقت واحد، وكثيرون من هؤلاء في الولايات المتحدة في البر لا في المدن يعيشون في ~~عزلة عن الناس، كل في دائرته كالنجوم في حبكها، وتشع أنفسهم أشعة الألفة الحقيقية ~~التي تربط كل دائرة بأختها، ولكل منهم مهنتان سماوية نسكية قوامها الآية: «على ~~الأرض السلام وبالناس المسرة» ومهنة دنيوية زراعية قوامها الفكر والعمل، فيحرث ~~أحدهم الأرض، ويربي المواشي، «ويقطر عربة أفكاره بالكواكب السيارة» كما قال ~~«إمرسون» وقد زرت أحد هؤلاء الكبار مرة في بيته فلقيته عند وصولي قدام باب الإسطبل ~~حاملا جراب قمح يطعم منه الدجاج، وبعد أيام دعيت إلى مأدبة في المدينة جمعت من ~~رجال العلم والأدب أشهرهم هناك وكان صديقي هذا رئيسها وقطب دائرتها. # فتأملوا هؤلاء النساك نساك العقل، نساك الفلسفة، لا ينكفون عن العمل المفيد، مهما ~~كان زريا، ولا تأخذهم أوهام الأبهة وخزعبلات الوقار والجلالة، وقد لا تعجبكم ms385 ~~أخلاقهم أو بالحري سلوكهم، فهم لا يحفلون بما تلقناه في الشرق من المجاملة ~~والمصانعة في الضيافة، ولا يحسنون من اللطف الشرقي الألف باء، ولكن صدقا في ~~أقوالهم، وحرية في أعمالهم، وجرأة في حريتهم؛ تقربهم إلى الفطرة البشرية الأولى ~~التي لا تعرف القهر والضغط، فيسترسلون مع الطباع، ولكنهم يستعملون في ذلك الفكرة ~~والتمييز. والفطرة الأولى أقرب إلى الخير، على ما فيها من غلاظة وسماجة، لبعدها عما ~~ينطبع في نفوس أهل المدن من سوء الملكات، وقبيح العادات، وفاسد الاصطلاحات، وهذا ما ~~يحمل ذوي الألباب والحصافة اليوم إلى السكنى في القرى أو التنسك في البرية. # ذلك مبلغ نساك العلم والأدب، وتلكم طريقتهم النسكية الفلسفية، ناسك الروح يعطل ~~الحواس منه لوهم فيه أن ذلك يقربه من ربه، وناسك العقل يهذبها ويرعاها أبدا ~~بالتربية ليقترب من نفسه فيعرفها، شعاره بساطة العيش مع سمو الأدب، فيقرن لذة ~~الحراثة بلذة التأمل، ولذة التأمل بلذة العمل. ناسك الروح يبعد عن الناس ليقترب من ~~الله، وناسك العقل يعتزل الناس ليقترب حقا من الناس، فيعيش طبق فلسفته وبموجب ~~علمه فيصير أهلا لأن يخدم الناس وينفعهم. فما قولكم بالناسكين ناسكنا وناسكهم، وأي ~~منهما أقرب إلى الله؟ # وهاكم مثالا آخر من أخلاقنا الكريمة التي قلما تفيد. في لبنان يكثر الشحاذون ~~ومنهم نساء من العرب يستعطين ليعيشن أولادهن ورجالهن! ومن هؤلاء البائسات بدويتان ~~استوقفتاني يوما فأدهشني أمرهما، بعد أن جاءتهما الخادمة بشيء من الدقيق جلستا على ~~الدرج قدام الباب وفتحت كل| جرابها، فأخذت البدوية الصغيرة واسمها حسنى تفرغ من ~~جرابها الملآن في جراب رفيقتها الفارغ، فسألتها السبب في ذلك، فقالت: هي ضرتي ~~ورجلنا يؤثرني عليها ويضربها ضربا أليما إذا عادت المساء وجرابها فارغ، فأشاطرها ~~ما معي لأرد عنها الضرب. # فعجبت لكرم أخلاقها ولكني أسفت لما ربيت عليه من الذلة والاستكانة والاستسلام، ~~فهي لا تستطيع ردع زوجها المتوحش إلا بهذه الحيلة الجميلة، ولو حاولت ردعه ساعة ~~غيظه لضربها أيضا، حبذا شهامة مقرونة بالقوة والعصيان، لحم الضبع يلزم له أسنان ~~الكلب، وإنه ليحق لمثل هذه ms386 المرأة أن تهجر زوجها، ولباركها الله لو فعلت، ولكن ~~زوجها ممن يدينون بدين يأمر بضرب النساء. # وهاكم قصة أخرى تمثل ما أريده بالأخلاق اللازمة المتعدية، مر أعرابي بعجوز ~~فطلب منها طعاما، فجاءته ببضع حيات مشوية وبكوز من الماء المالح، فاستغرب ذلك ~~وسألها السبب، فقالت: هذا كل ما عندنا في هذا الوادي، فتعجب الأعرابي وسأل العجوز ~~كيف تقيم هناك تأكل الحياة وتشرب الماء المالح؟! فقالت: وكيف تكون بلادكم؟ فوصف لها ~~بلادا فيها دور رحبة واسعة، وثمار يانعة لذيذة، ومياه غزيرة عذبة فقالت العجوز: ~~وهل يكون لكم من سلطان يحكم عليكم ويجور في حكمه؟ فقال الأعرابي: قد يكون ذلك، ~~فقالت آكلة الحيات: إذا - والله - يكون ذلك الطعام اللطيف، والعيش الظريف، مع ~~الجور والظلم؛ سما ناقعا، وتعود أطعمتنا مع الأمن ترياقا نافعا. حكمة العجوز ~~بليغة، وجميل إباء نفسها، ولكن ذلك لا يردع السلطان عن غيه ، ولا يكبحه عن ~~جوره وظلمه. # أجل إن قناعة الحاج عبد الله وشهامة البدوية حسنى وعزة نفس العجوز آكلة الحيات ~~لفضائل كلها جميلة ولكنها سلبية ملازمة، شريفة أخلاقهم روحية، ولكن شيئا ~~كهربائيا لينقصها، مثل هذه الأخلاق في الشرق لا تؤهله لمناهضة الظلم والظالمين؛ ~~لأنها غير مقرونة بإدراك النفس ما لها من الحقوق وما عليها، وقد يصح أن نقول: إن في ~~مثل هذه الأخلاق الشريفة نورا وليس فيها دم. الشرقي يهرب من الظلم معتصما ~~بالله «لا تجعل سلاحك على من ظلمك الدعاء عليه ولكن الثقة بالله»، فالهرب إلى ~~البرية من الظالم جبانة، والهرب إلى الله من الحياة كفران بالحياة وبباريها، نفس ~~الحاج عبد الله جميلة ولكنها ضالة، ونفس العجوز أبية ولكنها مستسلمة، ونفس ~~حسنى البدوية كريمة ولكنها خامدة خاملة، فحيلتها لا تزيل شراسة الخلق في زوجها، ~~وكان ينبغي لها أن تتفق وضرتها لتهجرا مثل هذا البربري، فإن خفاشا في كهف لخير ~~منه. # أقول - وحقا ما أقول - إن الشرقي يظل شرقيا قاعد الهمة، عاجز الرأي، خامد ~~الطباع متخاذلا مستسلما، قانعا من زمانه بالضعة والذل، إذا كان لا ينفض عن نفسه ~~غبار ms387 السنين من الكسل والخمول، ولا يكسر قيودا من التقاليد والخرافات والعادات، ~~قيدت منه العقل والنفس والجسد. # الإنسان الذي خلقه الله على صورته تعالى ومثاله، إذا تقيد في كل أعماله وأقواله ~~وأفكاره، لا يبقى فيه شيء من صنعة الله حر جميل، الفكر! انهضوا به من قبور ~~التقاليد، النفس! حرروها من خزعبلات الأوهام، الجامعة! ارفعوها على الحكومة ~~والحكام، الأخلاق! روضوها للعمل المفيد. إن أخلاقنا الروحية لرأس مال كبير في ~~حياتنا الجديدة، علينا إذا أن نستخدمه لخيرنا وخير الشرق بل لخير الناس أجمعين. ~~وإن من لا يرجو من هذه الحياة خيرا لهو غالبا ممن لا يستأهلون الخير ولا ~~ينالونه. # كلمات اليأس لا يزيل تردادها اليأس، التأوه والأنين لا يصلحان الشئون بل ~~يوهنان القوى ويورثان الخبال. لنعود أنفسنا ترداد كلمات الأمل والرجاء، فإنها ~~وإن كانت مبنية على وهم مستحب، أو فكرة طائشة، لتعودنا في الأقل العمل ، وتوقظ فينا ~~النشاط وتشحذ منا الإرادة. إن أملا أردده في نفسي كل يوم لا يلبث أن يملكها ~~فيدفعني إلى العمل لتحقيقه. المريض لا يشفيه الأنين، والشقوة لا يزيلها الاستسلام ~~إلى الأقدار، لتبرهن خطتنا في أمور الدنيا والآخرة على عقلنا، ولتبرهن قوتنا على ~~خطتنا، ولتبرهن أعمالنا على هذه القوة فينا. # وحبذا الشرقيون والغربيون لو أخذ بعضهم عن بعض مما هو جميل في أديانهم، صحيح في ~~آدابهم، سام في فنونهم، سليم في عاداتهم، سديد في عقائدهم، عادل في أحكامهم ~~وشرائعهم. فالحق يقال: إن خلاصة آداب الشرق والغرب - بل خير ما في الاثنين ممزوجا ~~موحدا - إنما هو الدواء الوحيد لأمراض هذا الزمان الاجتماعية والدينية والسياسية، ~~فالغربي عندئذ يعود إلى الله، والشرقي يرفع عنه تعالى بعض أثقاله. # | الباب الرابع # | الشعر المنثور # (1) النجوى # 1 # يا ذا الجلال الأزلي، ألحفني بشيء من جلالك # يا ذا النور الدائم، امددني بقبس من نورك # يا ذا القوة غير المتناهية، ابعث منها في قواي ~~••• # إنما أنا مبدأ الحياة الأزلية، وعين الحب والقوة، وأني حي فيك، عليم ~~بنجاويك ~~••• # أنت الحياة بأجمعها، أولا وآخرا، وإني لأحيا بك ~~••• # إنما أنا مصدر ms388 الإدراك البشري، وسأزيدك إدراكا بأنك جزء مني ~~••• # ساعدني اللهم لأجمع قواي الروحية، والعقلية، والجسدية، في سبيل الحق ~~والحب والحكمة ~~••• # إني أيها الإنسان مصيخ إليك، مطلق يديك، منعم عليك ~~••• # يا أيها الينبوع السرمدي، # المنبعثة منه أنوار الحب، المتدفقة منه مياه الحياة والعافية، إني أفتح ~~لك عقلي وقلبي، وأبسط أمامك روحي، فلا تحرمني فيض مكارمك، ولا تبعدني عن ~~ينابيعك ~~••• # إن ينابيعي لفي النجوم، وفي ما يربط النجوم بعضها ببعض، وفي ما ينشأ عن ~~ذا الارتباط من قوة وعافية # إن ينابيعي لفي الحقول، وفي ما ينشأ فيها من الأزهار، وفي ما يبعث من ~~الأزهار أريج الحب والجمال # وهي كلها أمام عينيك، وطوع يديك يد العقل والكشاف، ويد الروح ~~الخالدة ~~••• # إنك إلهي، ولا إله لي إلاك ~~••• # إني نبض الحياة فيك، وروح الحب فيك، ونور الحكمة فيك، كن علينا أمينا، ~~فهي الألوهية دينا ويقينا. # الرياض، في 1 كانون الثاني سنة 1923م ~~(2) على رمل الإسكندرية # إيه أيتها الأمواج الخالدة، كم شاهدت من أمواج الإنسانية ومن بحورها ~~الفانية # أمام عيونك الزرقاء، وفي ظل ابتسامتك الفضية، كم تبخر بحر ونضب، ~~وكم تبددت تحت أقدامك موجة هادرة شامخة من أمواج الناس # على هذا الساحل الذهبي الجميل لعبت الملوك قديما أدوارها، فتغنت بها ~~أرباب الفنون ورددت صداها ألسن الشعراء # بالقرب من صدى هديرك الهائل هاجت أمواجهم وماجت، فعادت إلى حيث لا يبلغ ~~مدك ولا تبصر عيونك الرمل والصخور # عادت أمواج أنفسهم المضطربة إلى حيث لا نبع إلا نبعك الدافق من ميازيب ~~ذهبية، في بساتين من النور الأزلي الروحاني # هناك نبعك أيتها الأمواج، وهناك أيضا نبع الإنسانية # لقد هجت قديما في صدر الإسكندر فجئت به إلى هنا ليبني لك هذه المدينة ~~الزاهرة # لقد حملت أنطونيوس إليها ليطفئ لوعة غرامه # لقد منحت القيصر قسطا من عظمتك، فخاض عبابك طمعا بملك عظيم، بل شغفا ~~بوجه وسيم # وأراك الآن هائجة في قلوب الصغار والأذلاء، كما هجت قديما في قلوب ~~الملوك والأمراء # أراك مضطربة مبتسمة معا إذ تشاهدين على ساحلك هذه الأمواج المزدوجة من ~~بحر ms389 الإنسانية # هي تتمازج على الرمل في كنف الصخور تمازجك في بطن أمك # هي أمواج من النفس يحن بعضها إلى بعض، ويهيج بعضها على بعض، ويختفي زبد ~~الواحدة تحت زبد الأخرى، ويذوب زجر الهائجة تحت مد المدبرة # الحب أيتها الأمواج يؤيدك # والحب يحمل إليك هذه الأمواج القلقة الفانية # ومهما عظم اضطرابها على سواحلك الذهبية فإنما راحتها في ابتسامتك الفضية ~~الدائمة ~~••• # لا تعجبي من هياج هذا الإنسان واضطرابه فما هو سوى طوائف من الأسماك ~~والحيوانات البحرية تختبط في بحر من النفس لا يرى # إن مدينتنا من المدن الكائنة تحت أمواجك، أيها البحر الهائل أيها الرقيب ~~الأزلي # وفيها من الحيتان والدلافين ما يزري بحيتانك ودلافينك # فيها يهدر بحر من هذه الإنسانية المتكالبة # ولكل موجة من هذا البحر الغريب لون يختلف عن الآخر # لكل موجة صوت لا يشبه أخاه # لكل موجة شكل ومنهج وعبوسة وابتسامة ~~••• # هذه الإسكندرية، وفي بحرها تشاهدين الآن ما لم تشاهديه فيما مضى من ~~الزمان # أمامك الآن أمواج مزبدة من نهر التايمس الهادئ، وأمواج هادئة من نهر ~~المسيسبي المتدفق، وأمواج كرواسي الجبال من أنهر السين والرين والدنوب، ~~وأمواج عليلة لطيفة من بحر الأحمر وبحر الهند وبحر فارس # هي الأمواج يتلاطم بعضها بعضا، ويمتزج بعضها ببعض # هي الأمواج تقتل بعضها بعضا، ويصبو بعضها إلى بعض # وفي هذه الحركة الدائمة تذوب الذات وتتلاشى الأصوات # في هذا العراك الشديد والضجيج المديد، تضمحل الأشكال وتنقرض ~~الرجال # أجل، هم يشيدون الصروح وهم يهدمونها، هم يؤسسون الممالك وهم ~~يبيدونها # ثم تطحن وجوههم تحت أقدامك، وأنت باسمة ضاحكة ~~••• # أيتها الأمواج الناطقة بلسان الفناء والأزل، الحاملة إلينا نباء من ~~الموت ونباء من الخلود # إن بحر الإنسانية ليفيض وينضب، ليزبد ويهيج، ليهدأ ويتبخر ويتلاشى، ~~وأنت إلى الأبد في عين الشموس والأقمار # تشاهدين أباطيل هذا الزمان، كما شاهدت أباطيل الأزمنة الغابرة # تسمعين ضجيج أبطال هذا الجيل في ال «بورص» كما سمعت من أبطال الأجيال ~~الماضية صليل الرماح في ساحات القتال، وتستقبلين الشمس كل مساء لتلحفيها ~~ليلا بحبك، كما كنت تستقبلينها يوم ms390 لم تكن على سواحلك المدن # ولا عمران كان، ولا نبت ولا حيوان. ~~(3) نبوكدنصر الشحاذ # ولم تنبح الكلاب؟ # من ذا الذي في الباب؟ # إن في الباب مليكا دوخه الزمان # إن في الباب شبحا محنيا تحت وفاضه، متكئا على هراوته، يمد يده ~~باكيا، ويهينم شاكيا # شبح مخيف يرتعد كالمحموم، لا يعرف أمن الناس هو أم مما فوق أو تحت ~~طبقات الناس # طيف من أطياف العياء والمذلة، نهب داء وفاقة، يطوف البلاد كفارة عما ~~اقترفه من الآثام سواه # تصرخ فيه معدة ظالمة، فتذل فيه صورة الصمد المتعال # تصفر في رأسه الرياح فتصرعه، فيردد صداها شبح الوساوس والأيام # يهذي فيتساقط اللعاب من فيه، أسير أسقام وأوهام # يدق صدره مستعطفا فيرتجف هيكله الهشيم، ارتجاف قصبة في الرياح # إن في الباب شحاذا يستنبح الكلاب # إن في الباب مليكا دوخه الزمان ~~••• # وإليك بخبره من فيه ~~«أنا نبوكدنصر من بين النهرين - نبوكدنصر الشحاذ ، الملك، ملك بابل وآشور ~~- الله سبحانه يطوف بي في العالم مثقلا بما ترونه من ذلة وفقر ومرض وصرع ~~وجوع وأوجاع ... أعطوني الله يعطيكم!» # ولله من ملك تخرق عيناه اللقمة، قبل أن تدخل اللقمة فمه # لله من ملك طي هذه الأطمار، في هذا الهيكل الهشيم المخيف # على كتفيه وفاضه، وعلى ذراعيه مواعينه، وفي يده هراوة يستعين بها على ~~الدهر والكلاب # لله من ملك على رجليه من آثار المفاوز أشواكها، وفي ساقيه جروحها، ~~وقد ركمت عليها الأسفار غبارها # لله من ملك يتساقط الدم من أنفه، والدمع من عينيه، فيجمد على لحيته ~~اللجين وعلى صدره الياقوت # ويورد الصرع خديه، فتلتهب الأحلام في محجريه # هنالك شيء من الهول ألبسه الدهر قميصا حاكتها شياطينه # بل هنالك غور غدور من ظلمات الزمان، ونبأ من عصور عقم فيها الهيكل ~~والصولجان # وفي ناظريه ساعة الصرع غيظ يحتدم - ولا غيظ من علوا العروش ~~مجدا # في ناظريه يتجسم الويل وقد ذاب عظما وعزا، ووجدا # ها هو أمامك مغمي عليه # قد ذبل الورد في وجهه، واضطرم الوهم في ناظريه # قد ذهب التلجلج من فيه والرجف من ms391 يديه، فهو لا يهينم الآن شاكيا، ولا ~~يمد يده باكيا # هو يرغي ويزبد لا كالصريع، بل كالمليك المنيع، وقد شخص إلى الفضاء يصب ~~عليه لظى تغيظه # كأن ملكه في الفضاء، وكأن عرشه في كبد السماء ~~«أنا نبوكدنصر ملك بابل وآشور، تاجي، صولجاني، وزرائي، موعدكم غدا. ~~إلي بآلة الصيد، لا، أشعلوا الأنوار، أين الإماء الحسان؟ حركوا الأوتار، ~~تعالي ... تعالي إلي، ليس الآن وقت العبيد، سوقوهم إلى السجن، إلى النار، ~~الخائنة، الفاسقة، إلى النار، آه عليك، آه علي، أواه على ملكي ~~...» # وهذا مليك دوخه الزمان، وعضه الويل في الكبد والوهم في ~~الجنان # إن في الخيال الثائب إلى رشده، الواقف أمامك الآن، الناطق بخليط من لغات ~~العرب والكلدان، نبأ من غور ظلمات الزمان # إن فيه تجسم ظلم الدهور وعدل الزمان # بل فيه تتجسد أرواح من جاروا على الإنسان # بلى، إن في مثل هذا المتسول الصريع المجنون، ليتقنص الظالمون ~~••• # ولم تنبح الكلاب؟ # إنما نحيب الكلاب هذا لا نباحهم # نحيبهم على من في الباب، على مليك صرعه الزمان، على شحاذ عضه الوهم في ~~الكبد والويل في الجنان # حتى الكلاب ينتحبون ويتساءلون # أين الروح التي نفخها الله في هذا الذي خلقه على شكله ومثاله؟ # وأين الكرامة التي تميز البشر عن الحيوان؟ # وأين الإباءة التي ترفعه على أسياده إلى خالقه؟ # أين من الرجال عزة النفس والشرف والحمية والعزم والنشاط؟ ~~••• # إن في الباب شحاذا من بؤساء الكلدان ممن أرهقهم سيف ابن عثمان # طواف يطوف البلاد متسولا كفارة عن ذنوبه وآثامه # بل عن جرائر حكامه # هو حجة الزمان، على طغاة الزمان # هو دمل من دمامل مجتمع الإنسان # هو ثمرة طغيانكم أيها الرؤساء والحكام، # هو صنع يدكم الأثيمة لا صنع يد الله. # إلى الذي صلب # من ديوان ولت وتمان # Walt Whitman # الشاعر ~~الأميركي الشهير. # 2 # إن روحي أيها الأخ الحبيب لتصبو إلى روحك # لا تبالي إذا كان الكثيرون يرددون اسمك مرنمين ولا يفهمون # أنا لا أردد اسمك مرنما، ولكني أفهمك، وهناك آخرون مثلي، إني ~~لأختصك بحبي أيها الرفيق العزيز # سلام ms392 عليك، وعلى الذين معك، من قبل ومن بعد، وسلام كذلك على ~~الآتين # ألا إننا نعمل معا لنعقد في الناس عهدا واحدا، ونحيي فيهم وصية ~~واحدة # نحن القليلين، المتساوين، لا نحفل بالزمان، ولا حدود عندنا ~~للبلدان # نحن المحيطين بطبقات الناس جمعاء، وبقارات الأرض كلها # نحن المسلمين بكل الأديان # نحن المحبين، المؤاسين، المدركين، المؤلفين بين الرجال # نمر بالخصومات والمزاعم ساكتين، ولكننا لا ننبذ شيئا مما زعموا، ولا ~~ننكر أحدا من المتخاصمين # إن لغط القوم وضجيجهم لبمسمع منا في كل حين # إلينا تتصل شقاقات العباد، والمعاير، والأحقاد، من كل جيل ~~وبلاد # هي تكتنفنا لتعتقلنا يا رفيقي، ولكنها عبثا تسعى # إننا أحرار، نسير في العالم، ولا قيد فيه يقيد مثلنا # نضرب في مناكب الأرض وسهولها، نجوب أنجاد الحياة وأغوارها، لنترك في ~~الزمان وفي الناس آثارنا الخالدة # بل لنشرب الأجيال روحنا والدهور، فينشأ الرجال والنساء في مقبل ~~القرون، وهم إخوان مثلنا محبون. # نيويورك # أبنت التمرد في العالم القديم، وعروس التفرد في العالم الجديد، وأم ~~الفوضى في العالمين. ويل لأبنائك وعشاقك # أطليقة الهنود بالأمس، ومحظية اليهود اليوم، وحاملة بنود الثورة ~~غدا، ويل لأبنائك وعشاقك # مهدك الحقول وفيه ثعابينها، سريرك المعادن وفيه سمومها، عرشك جبال ~~الثروة وحوله وحوشها. ويل لأبنائك وعشاقك # أحشاؤك من الحديد وفيها عقمه، صدرك من الخشب وفيه سوسه، فمك من ~~النحاس وعليه صداؤه، جبينك من الرخام وفي جماله جموده. ويل لأبنائك ~~وعشاقك # تشربين ذوب الإبريز، وتأكلين معجون اللجين، وتنتعلين أجنحة العلم، ~~وتلبسين الفاخر من الحرير النادر من الحلي، وقلبك قار يشتعل، ويل ~~لأبنائك وعشاقك # أبنت الألوان والأنوار، شعرك في الليل أشقر، وأسحم في النهار، ~~تصبغينه لكل مراود وتغسلينه لكل مغيار. ويل لأبنائك وعشاقك # أبنت الهمس والصياح، ليس في صوتك نغمة من أنغام الفجر والصباح، بل في ~~صوتك رنة الذهب وجموده، إن في الملاهي وإن في الأسواق، إن في ~~المصارف وإن في الكنائس. ويل لأبنائك وعشاقك # أبنت الثروة والاحتكار، في مخازنك خيرات الأرض، وفي خزائنك الأموال ~~والحلي، وفي قصورك عجائب الحضارة، وفي جاداتك بهاؤها وضجيجها ms393 وهولها ~~وعجيجها، وفي أكواخك الظلمة والفقر والجوع والأنين، ويل لأبنائك ~~وعشاقك # في أسلاك قلبك أبناء الحب والخداع، وفي عروقك أعباء التجارة ~~والأطماع، وفي أعصابك اهتزازات شرور السرور، وفي ربلاتك شهوات صرعى ~~الغرام، ويل لأبنائك وعشاقك # لله منك حرة نعارة، تاجرة فاجرة، عذراء الجنون أنت وزانية الفنون، في ~~فسقك وفي برك سلطانة أثيمة. ويل لأبنائك وعشاقك # مهلا بنت المعادن والكهرباء، مهلا ربة العمل والغناء، إن من ذي ~~الأرض جمالك لا من السماء # جمالك نور في زجاج يزول إذا كسر الزجاج، جمالك في قصورك لا في خدورك، ~~في مسراتك، لا في مبراتك # جمالك يملأ الفضاء نورا والنفس ظلاما، نبت أثيل أوراقه جسيمة ~~وأزهاره سقيمة، هذا جمالك # نهر من الكهرباء، على ضفتيه جمال من الرخام، وغابات من الحديد، هذا ~~جمالك # ليل باهر، نجومه من معامل الإنسان الفانية، لا من معامل الله ~~الأبدية، تعسا لذا الجمال # ساعة، أولها ابتهاج، وآخرها تثاؤب، قبحا لذا الجمال # مسرح الأهواء واللذات والأطماع صدر جمالك. آخر ما اخترعته المدنية ~~من آيات الكذب والمصانعة عين جمالك # ضخامة تتمخض بها التجارة، فيلقبها التجار بالعظمة والفخامة، لقد ~~كذبوا - والله - وكفروا # جمال معبودهم كدولار، صك في الليل وطلي في النهار، تبا لذا ~~الجمال ~~••• # أفي ساعديك عروس العالم الجديد يعظم حسنك، أفي أصغريك يضمحل أفي ~~سفاهتك يحيا، أفي بداهتك يموت؟ # أيتلألأ في عيونك ازرقاق نور المجون، وينطفئ في قلبك سناء شعلة ~~الشعر والفنون؟ ~~••• # أعروس العالم الجديد، عرس من أنت اليوم، وغدا عرس من تصبحين؟ # أمن خدر الهنود، إلى خباء اليهود، إلى قبضة القرود؟ # أمن أكواخ الحرية، إلى مخادع الفسق، إلى صروح الثروة، إلى هاوية ~~الثورة والويل والهلاك؟ # رحم الله أنفسا عرفتك طاهرة، ويل لأنفس عشقتك عاهرة ~~••• ~~«نيويوركليم» حسدتها اليوم أورشليم ~~«نيويوركليم»، وفيها العبرانيون يمرحون، ولا ينتحبون، ويل ل ~~«نيويوركليم» # أفي صحافتك كما في تجارتك، أمن على منابرك ومسارحك، يعلو صوت ~~إسرائيل أصوات أبنائك الحقيقيين؟ # أتملأ «تامار» أسواق الليل دعارة وملاهيه فسادا؟ # أتقبض «ياعيل» اليراع اليوم كما قبضت السيف في سالف الزمان؟ # وشتان بين عدو ms394 وعدو، بين الظلم «سيسرا» الأمس والحق وهو «سيسرا» ~~اليوم ~~••• # أبنت اليهود والقرود، أين منك اليوم فضائل الجدود؟ # ماضيك من النور والنار، وحاضرك نور مستعار # ومستقبلك؟ لا بد للمستعار من أن يزول، «وحسن الوجوه حال ~~يحول.» ~~••• # في حسنك لعنة جسمها الله في ذي الأبراج تحت سمائه # أصاغها من التبر، وضمخها بالطيب، وكللها بالتيجان ذات القباب ~~المذهبة # قباب هي دمامل الأرض، وأنفس تحتها هي دمامل الحياة ~~••• # وغدا تصير أبراجك في أنفاقك، ويدفن مجدك الكاذب تحت أنهارك، فتبكيك ~~عندئذ نينوى وتترحم عليك بابل. # نيويورك، في كانون الأول، سنة 1910 ~~(4) بلبل الموت والحياة # في القفص يغرد البلبل، وفي الأودية تولول الرياح # والأشجار تنثر أوراقها على أزاهر تموت في الحقول # ومن اليم يتصاعد السحاب فيثير في قلب الآفاق أشجانا تسوقها رياح ~~تذيب السحاب # أراها ثائرة حول صنين فيسمعني الوادي صدى نشيدها، وأرى أوراق الغاب على ~~صدور الرياح فيسمعني الحب صدى آمالها وأرى زجاج النوافذ وقد قبلها الشتاء ~~فيسمعني الليل بكاءها، ويريني الفجر دموع أسرارها # إنه ليوم السكينة، ليله وليل أعاصيره سويان، وصوت النعي وصوت البشير ~~فيه شبيهان # إنه ليوم سكينته من القبور، وصراخه من أعماق قلب الديجور # في الأودية والأحراج وفي السهول والجبال تتقطع أنامل الطبيعة في نول ~~آمالها، ويذوب قلبها على مذبح جمالها # إننا لفي الخريف، وإلى جانب الموقد على جلود الصوف تجلس أنفس الجبال ~~لتسمع في النار نشيد الزمان # والزمان يندب ابنه المشرف على الموت، يندب العام الذي دفن الأزاهر تحت ما ~~تناثر من أوراق حبه، وجاء يحفر قبره في الثلوج # وفي القفص يغرد البلبل، وفي الأودية تولول الرياح ~~••• # ألا قف بي على أطلال العام، نر مشهدا شيدت فيه هياكل الحزن والهيام، ~~هياكل يرفع الربيع تماثيلها فيسقطها الشتاء الهدام # إن صوت النعي لينتشر في الغابات والحقول، في المروج والجبال وبين الأشجار ~~والصخور # إنه ليخرج من الصخور كهدير الأمواج حول طنين الأجراس، ومن الأشجار ~~ألحانا تحسبها منظومة من مراثي أرميا ومزامير داود # وإنه ليهز أدواحا راسخة في أرضها فينبه فيها شمائلها # يتشامخ الصنوبر كبرا ms395 وعتوا فتغمز أعناقها الرياح # يتماوج الزيتون حبا وحنوا فيبدو على أغصانها نثار فضي كالنجوم ~~الماثلة بين الغيوم السوداء في الليلة الليلاء # وإنه ليهمس في قلب السماق واللوز فتختال غنجا ودلالا # وإنه ليضرب على أوتار الأرز فيسمعنا نشيدا قديما، ويرينا - ولو في ~~القبر - سحرا حلالا # وإنه ليصرخ في الأرض صرخة حق تزعزع السهول من الأرض والجبال # وإنه ليسكت فتنصت السماء، وتنصت البحار، وتتناثر من الأشجار أوراق ~~آمالها ذات اليمين وذات الشمال # فتحملها رسل الخريف لتكلل بها العام وهو في حال الاحتضار # ورقة بالية، من شجرة عالية، تحملها العواصف إلى حيث لا تدري الأيام، أهذي ~~هي الحياة؟ أهذا هو الموت؟ # في القفص يغرد البلبل، وفي الأودية تولول الرياح ~~••• # أسدل الظلام على الآفاق سدوله # من البحر إلى الجبال تتسارع الغيوم السوداء وعلى أهدابها زبد يكلل ~~الأمواج إذا هاجتها الأعاصير # إنها لبحر من السحاب زاخر فوق بحر هائج من الماء # وفوق جبال يذري ثلوجها الهواء # وفوق أودية تتقصف فيها الأشجار # وفوق سهول يغشى اخضرارها الغبار # وفوق كنائس مهجورة تصفر في كواها الرياح # وفوق مقابر لا يخيفها الليل ولا ترعبها الأعاصير # وفوق كهوف فزعت إليها وحوش الغاب # وفوق أنهار تجرف إليها الزوابع الصخور والأشجار # من أعالي الجبال إلى أعماق الأودية والبحار # من سهول الحياة وجبالها، تحت سماء الليالي وسحابها، إلى أعماق بحار ~~الأبدية # أهذي هي الحياة؟ أهذا هو الموت؟ # في القفص يغرد البلبل، وفي الأودية تولول الرياح ~~••• # يولي الخريف وتبقى ظلمات يومه، فنشاهد غروب شمسه، ونرتشف شفاه ~~نوره # ظلمات تذوب من قبلات الشمس وقد مالت إلى المغيب، فبدت أشعتها من خلال ~~الضباب المتكاثف فوق اليم، فلمست أسلاك سحر بيوت الجبال، فتلألأت في ~~زجاج نوافذها قطع من الماس المنقطع النظير، ولا ماس أمراء الهند ولا ماس ~~معادن أوفير # تغرب شمس الخريف فيتكون حولها من أنيق الأشكال وجميل الألوان ما يعجز عن ~~وصفه البيان # وأنى نحاول تصويرها على القرطاس وقد سكرت منا الحواس # إن أمواج النور على جبين الخريف لكندى الفجر على زنبق نيسان: هذا ~~تشربه الشمس ms396 وذاك يشربه الظلام # تعالوا إخواني نرتشف كأس الشمس وكأس الظلام # ففي القفص يغرد البلبل، وفي الأودية تولول الرياح ~~••• # الغروب في مجده وفي أجمل بلاد الله من يستطيع وصفه؟ # من يستطيع تصوير شيء من جمال حركاته وسكناته، من بديع ألوانه وخيالاته، ~~من هول اضطرابه وهدوئه، من بهاء بعده ودنوه # لا يتوقعن القاري أن ننقل إليه طرفا من سماء سوريا على صحيفة من ~~القرطاس # إن ما يتنوع فيها من الألوان، وما يتعدد فيها من أشكال الجمال ساعة ~~مغيب شمس الخريف؛ ليستحيل استخراجه من هذا السائل الأسود «الذي يسود ~~الوجه والقلب أحيانا.» # جل ما نستطيعه أن نشير إشارة إلى جمال الطبيعة وغموضها، إلى غرائب ~~شمسها وأسرار غسقها # يقصد السياح جبال سويسرا ليشاهدوا منها غياب الشمس، والشمس هناك تغيب في ~~الأحراج أو تختفي في الثلوج # وشمسنا - شمس سوريا - تستحم في البحر فتتورد من مشهد استحمامها ~~الجبال # قف معي والجبال نشاهدها الآن، قف معي والبلبل ننشد جمالها # ها إنها قد دنت من الماء فتجسمت حولها الألوان جبالا وسهولا، وبسطت ~~الغيوم أودية وحقولا، وبدت الأنوار في الضباب جزرا وصخورا، وغزلت من ~~أناملها في المياه خيوطا براقة وفسولا # هي تبعث حبها في الغيوم فتشعلها إشعالا، فيخيل للناظر أنها عرائس ~~راقصات، في مروج خضراء، على شواطئ بحيرات من دم المحبين حمراء # بل حول جبال كأنها البراكين، ترقص أرواح المحبين # سوتهن الشمس من الغيوم فأحيتهن قليلا نارها، ثم احتجبت عنهن ~~فاستحلن جمادا، ثم ظهرت قليلا فأبدعت وودعت، ثم أرسلت في الجماد نورها ~~فكونتهن بوارج، والبوارج تجري ملتهبة في بحر رهو من اللؤلؤ المذاب # والغيوم أشكالا، وقد أشعلت إشعالا، شبيهة بمدينة أحرقها أهلها خوف أن ~~يحتلها العدو # ألا في الضباب وقد بدت أشباحا أثر الهاربين، وفي السهول الخضراء وقد ~~جرت فيها السواقي الحمراء كتائب الفناء # من مدن النور، إلى ساحات الحرب، إلى ظلمات الليالي. أهذي هي الحياة؟ أهذا ~~هو الموت؟ # في القفص يغرد البلبل، وفي الأودية تولول الرياح ~~••• # ومن ساحة القتال، تنتقل النفس إلى مملكة الحب والجمال # عند المدينة المحترقة ms397 المدمرة أرى قصرا فخيما، حوله بحيرات صفراء، ~~على وجهها خيالات من الضباب الشفاف، تبدو من لمح البصر وتغيب # كأن كل ما في العالم من العنبر، وكل ما في السهول من الزعفران يذاب في ~~تلك البحيرات، لتغتسل فيها بنات النور بل الحب والسرور، حول أميرتهن أميرة ~~البدور # وإلى جانب هذه البحيرات الراكدة بحر هائج من عصير الرمان، تعلو أمواجه ~~حباحب من عصير الفل والأقحوان، وعلى شاطئ هذا البحر ظلال مدينة قائمة في ~~الفضاء، حولها سواق جارية زرقاء، وفي السواقي صخور كبيرة شهباء، ووراء ~~الصخور سهول فسيحة خضراء، وفوق السهول جبال سوداء وبيضاء، وفوق الجبال نجمة ~~واحدة حمراء # مدينة سماوية في أرض سماوية تستمد الشمس منها النور، فتعكسه خيالات ~~وألوانا كالموشور # إنما الشمس موشور الله، وإن ما نشاهده من غريب ألوانها وأشكالها لهو فيض ~~نور الله منعكسا على الشمس، فتظهر لنا العجائب وتخفيها قبل أن يفيق القلب ~~من سكرة الابتهاج لينطق بالتسبيح # في القفص يسبح البلبل، وفي الأودية تسبح الرياح ~~••• # أشرف النهار على الموت كما أشرف الخريف # يموت الخريف تحت جنح الظلام على صدر العاصفة، ويموت النهار معانقا الشمس ~~وهي تقترب من الماء بما فيها من جمال وبهاء # إن النهار ليغتسل معها عريانا، فيغرق معها فرحا ولهانا، بل يموت على ~~صدرها ميتة الغرام نشوانا # مليك من ملوك البحار فاجأه الموت ساعة الحب والحبور # وقف الموت إلى جانب سريره، والملك معانق مليكة قلبه # ناداه الموت، فنهض الملك مسرعا وقد ارتعشت جوارحه وامتقع وجهه # نهض مسرعا ملبيا، فتسربل بأفخر الأرجوان، ولبس درعه وخوذته، وامتشق ~~حسامه وركب مركبه، فأضرم فيه النار وأسلم شراعه إلى الرياح # خاض المركب عباب البحر محترقا ملتهبا، وعلى ظهره الملك، وعلى وجه ~~الملك ملك الموت # وكأني بالنهار هذا الملك الجبار # إنه يموت موتا جميلا، يموت موت إله من آلهة الرومان، متوجا بأفخر ~~التيجان، وقد رصعه بأبدع الحجارة، مكللا بأجمل الأزاهر التي تقدمها الأرض ~~إلى ابن من أبناء أميرها الزمان # بل تقدم إليه في الخريف ما أعطاها في نيسان # إن في تاجه ms398 العجيب لمن الجواهر أفخرها وأغربها # إن فيه لتمتزج الألوان، فمن زرقة الزمرد، إلى حمرة الياقوت، إلى بياض ~~اللؤلؤ، وبينها تتموج صفرة الفيروز وبريق الماس # كلها تذوب وتمتزج حول رأسه امتزاجا عجيبا # كلها تتموج وتستحيل أشكالا من حال إلى حال، تسير مسرعة، سرعة البرق أو ~~الخيال # هناك منها سهول من الزعفران وربى سربلتها الأقاحي # وهناك بساتين من الورد وجنات من السوسن، وهذا فراش من القرنفل، وذاك وساد ~~من الجلنار # كل تلك الأزاهر وهاتي الجواهر سوتها الشمس ونثرتها حول حبيبها المشرف ~~على الموت # نسجت منها الأكاليل والتيجان لتزين بها ضريحه، أذابتها لتغسل ~~ذراعيه ورجليه # أجل إن كل ما على وجه الأرض من الأزاهر، وكل ما في معادن الأرض من ~~الحجارة الكريمة، وكل ما في أعماق البحر من اللؤلؤ والمرجان؛ تذاب الآن ~~حول النهار الذي قضى على صدر الشمس لتزيد موته مجدا وغرامه جمالا # أومن أجل الموت كل هذا الجمال؟ # أومن أجل الموت كل هاته الأزاهر والجواهر السماوية؟ # أومن أجل الموت تنشر الطبيعة على الآفاق عبيرها وشذاها، فتختم الفجر ~~بمسك حبها، وتضمخ الغسق بسوسن أحزانها؟ ~~••• # في القفص يهينم البلبل، وفي الأودية تحشرج الرياح # قد اكفهر جبين صنين واستحالت الألوان البهية قطعا من الليل # تبدد طيب الرياحين في الفضاء، وراء الغيوم السوداء # سقطت المدن المنورة واضمحلت، ولت العرائس الراقصات، غاصت الجزر الفضية ~~في البحار، استحالت البحيرات الذهبية بركا من الزفت، وسكب الليل منه ~~كأسا شربها الموت # أواه قد دفن النهار، دفن في ضريح من الماء، مكفنا بكفن نسجته يد ~~الليل من نور أقمار السماء # وقد سكت البلبل في القفص، وسكتت في الأودية الرياح. # الفريكة، في 1 شباط، سنة 1913 ~~(5) الأناشيد الثلاث (من كتاب خالد) # وضعه المؤلف باللغة الإنكليزية وهو مقسوم إلى ثلاثة أقسام عنوان الأول «في السوق» ~~والثاني «في الهيكل» والثالث «في كل مكان» وقد افتتح كل قسم بأنشودة: رمز فيها إلى ~~معناه، أولها وهي فاتحة القسم الأول: «إلى الإنسان» والثانية: «إلى الطبيعة» ~~والثالثة: «إلى الله». # إلى الإنسان # مهما جزل خيرك، ومهما تفاقم شرك، ms399 لا أزال أخاك، مهما عليت في مدارج الحياة، ~~ومهما تسفلت لا أزال أخلص لك، وأؤمن بك، وأحبك. أفلست عالما بما فيك، ~~بما يأسرك، وبما يناديك؟ ألم تدمني تلك البراثن، أولم تشفني تلك الأجنحة؟ ~~تعال إذا، تطلع إلى العلياء، ها هو الهيكل الكلي الأكبر وقد جعل محطا ~~لنا لا محجة. # ولقد تشيد عند معالم المشرق والمغرب، فوق الجبال المشرفة على الغرب تحتها ~~وعلى الشرق، هيكل الأمم جمعاء لا تعبد فيه آلهة كاذبة باطلة. فإن آلهة ~~الفلسفة واللاهوت والآلهة التي صورها الإنسان على صورته البشرية الفانية وآلهة ~~الكهان والأنبياء؛ لمدفونة كلها تحت ينبوع الهيكل، وقد غدا مذبحا ومحرابا - ~~ينبوع الهيكل الذي تتدفق منه روح بارينا الأزلية - بارينا المحيي المميت، يغضي ~~الطرف حين تنشب البراثن في قلبنا، ويبتسم حين تظهر الأجنحة في جروحنا، وحقا ~~إن رب الدموع والابتسام ربنا، وينبوعه في ذا الهيكل فائض مدى الدهر، قف ها هنا ~~وارتو، قف ها هنا وارتو . # إلى الطبيعة # أيتها الأم الأزلية، السماوية الجهنمية، المكتنفة الأكوان، المغذية ~~أحياءها، الملتهمة أبناءها، إني لك أبدا سرمدا، أيتها الآلهة المتوجة ~~بالنجوم، المنتعلة الدرر واللآلئ؛ إني لك أبدا سرمدا ولئن كنت وليد هزيمك ~~وجيشانك، أو ثمرة من ثمار أحشائك، أو شعاعا روحيا من نورك، أو فلذة صماء ~~عمياء كونت من دمعك وابتسامك، أو يراعة آبدة من العقل الذي فيك أو في ما ~~فوقك، فإني لك أبدا سرمدا، ها أنا ذا أمامك، أخر ساجدا عند قدميك، أسلم نفسي ~~وكلي إليك، المسيني أيضا بقضيب سحرك الإلهي، اطرحيني ثانيا في بودقتك السرية، ~~أعدي صنعي ولا تحرميني مما فيك شيئا، أكثري في من سكينة جبالك، وسمو سمائك، ~~وهول بحارك، وقدس أحراجك، وصفاء ينابيعك، وشمم أرزك وثبات الراسيات في ~~أرضك. # عانقيني واهمسي في أذني بعض أسرارك، املئي حواسي وكياني من نفحاتك ونسماتك، ~~افتحي أمامي أعماق روحك المخيفة الهائلة، اطرحيني على صدر عواطفك يسر إلي بعض ~~ما فيك من قوة وعز وعظمة وجلال، اغمسيني في مغيب شمسك علني أفوز ببعض شيء ~~من إلهيات فنونك. أنشديني نشيد ms400 السر أيتها الأم الأزلية، كأسا من حبك ~~السماوي الجهنمي، فإني لأقبل الرأفة والعسف منك لأعرف السر في عسفك ~~ورأفك. # امسحيني بزيت البداهة المقدس لأظل قمينا لك، ولا تصديني ولا تجفيني، ~~فيضمحل في الصميم من الحب، العميم من العطف والمبرة، يا أيتها الأم الأزلية ~~مليكة العرش الأزرق والقبة الزرقاء، إني أبتهل إليك، وأقبل رجليك، وأطرح ~~بنفسي بل بكلي لديك، ولست متشوفا إلى ما عسى أن يكون ومنك، فلئن صرت مجمرة في ~~يد كاهنك الأكبر غدا، أو بخورا مني في المجمرة، أو يراعة في هيكلك، أو سراجا ~~مطفيا في محرابك أو لو صرت كوكبا في منطقتك، أو شمسا في تاجك، أو لؤلؤة في ~~نعلك، لتريني قانعا راضيا لأنني متيقن أن ذلك خير كله وسلام. # إلى الله # عبثا طلبتك أيها الرب الإله في أديان الناس، وعبثا بحثت عنك في سرداب عقائد ~~الناس، وعبثا كنت أنادي وأنادي كثيرا في مساجد الناس، ولكني لقيت في كتب ~~العالم المقدسة بعض آثار سماوية طامسة، فلقد توضح لي حرف ساكن من اسمك في «الفيدا» # 3 # وحرف في «الزند آفستا» # 4 # وحرف في الإنجيل وحرف في القرآن، أجل وفي كتاب الجمعية العلمية ~~الملكية وفي سجلات جمعية المباحث النفسية، بعض الحركات التي لا يحسن الجنس ~~البشري الطفيل أن يحرك بها اليوم الأحرف الساكنة المركب منها اسمك، وأنى ~~لأمم الأرض - ولم يزالوا في طفولة الحياة يلكنون ويتلعثمون - أن يحسنوا النطق ~~باسمك، ناهيك بإدراك كنهه؟ ممن تجيئنا أحرف العلة التي بدونها لا تلفظ ولا تفهم ~~الأحرف الساكنة في الكتب المقدسة؟ من يهدينا إلى تلك الهمزات همزات الوصل ~~الإلهية التي تجمع بين الكواكب البعيدة المتقابلة في أطراف الأفلاك ~~السماوية؟ # فلقد خطت على نقاب السر الأبدي كلمات وأمحت كلمات، ثم خطت وأمحت، وكل ~~أمة من أمم الأرض المتمدنة فسرت حرفا من هذا النباء الطامس العظيم، ولكن ~~الحركات وهمزات الوصل التي لا بد أن يأتي بها علماء المستقبل والأنبياء لتحيي ~~جمودا في أحرف الكتب المقدسة الساكنة وتبعث فيها سلاسة الماء والهواء، وتزيل ~~اللكنة من لسان ms401 هذا الجنس البشري الطفيل ومن قلبه. # خالد ~~(6) هجروها # 5 # هجروها وبانت الهديل ينحن على آكامها # لعنوها وجروحهم مضمدة بأعلامها # في أجمل بقعة من أصغر عوالمك، تحت أقدس الأبراج من سمائك، حول أعذب ~~الموارد في خير مروجك، بين أنقاض دفنت فيها أنوار وحيك، جلست هنيهة ~~أستريح # أسندت رأسي إلى جزع أرزة وارفة الظلال تقبل أغصانها بقية عمد هيكل ~~خرب قديم # وسمعت أصواتا شبيهة بأصوات رياح الشتاء في مقابر الجبال # وبدت أصحابها كالأشباح يضجون في الأنقاض ويولولون، ينعون، ويكبرون، ~~ويقتتلون # وبينما هم كذلك وإذا بحية جميلة على عمود من المرمر تشير برأسها إلى بيت ~~تحت العمود من العنكبوت # نظرت إلى البيت فرأيت الرتيلاء تحوك أخياطها آمنة فيه، وحيات صغيرة تلعب ~~حوله ولا تؤذيها ولا تؤذيه، ورأيت الأشباح يقتتلون فيهدمون الأكواخ التي ~~ابتناها الإنسان في الأنقاض # أشباح الماضي يبنون في أخربة الماضي ويهدمون ما يبنون # فاستوت الحية على عمود الهيكل وشرعت تقول: ويل الإنسان إذا فكت في الظلمة ~~قيوده، ويل الأمم إذا أطلقت في الليل سجناؤها، ويل البلاد إذا قدست فيها ~~سيادة هي كالظل في رواق الهيكل بل كطيف الموت في أنقاض الحياة # هجروها والحية تندب أطلالها # لعنوها والعنكبوت آمن في ظلالها ~~••• # سمعت قرقعة القيود فظننتها صليل السيوف والرماح # فابتسمت الحية وأومأت إلي أن أتبعها # سرنا بين الأنقاض حتى خربة الهيكل فدخلناها وإذا فيها ألوف من الرماح ~~والصلبان مكردس بعضها فوق بعض # وفي الزاوية قناة رمح وبقية صليب تحوك الرتيلاء حولهما بيتها السري ~~العجيب # فقالت الحية: إني لأرى ما لا تراه # فقلت: وماذا ترين؟ فقالت: أرى زنبقة نامية فوق الصليب محنية فوق الرمح ~~تقبله، وأرى وردة حمراء في الرمح تنور فوق الصليب # وعلت - إذ ذاك - أصوات الأشباح في الأطلال فقالت الحية: وإني لأسمع ما ~~لا تسمع # فقلت: وماذا تسمعين؟ فقالت: أسمع صوتا يقول: وهذه قيود الجهل فكتها يد ~~الأطماع # وقيود الفاقة حطمتها أنياب الجوع # وقيود الاستعباد قطعتها سيوف الضلال # وقيود الدين أذابها الصداء # وقيود الجور كسرتها الضغائن والأحقاد # وأما ضمير الأمة فلم يزل ms402 في قيوده ونفسها لم تزل راسفة في ~~الأغلال # هجروها والفتنة تنفخ في نارها # لعنوها والليل ينسج في دارها ~~••• # رأيتهم خارج المدينة ينحبون، سمعتهم تحت أسوارها يجدفون، اقتربت منهم ~~فزجروني، بعدت عنهم فلعنوني # قالوا: أنت منا ولست منا # وقالوا: أنت معنا ولست معنا # فقلت: حقا ما يقولون، وسرت في سبيلي بعيدا عن الهاجر والمهجور، أردد ~~قول حية الأطلال، وأتأمل الرتيلاء التي تحوك من قلبها بيتا للرمح ~~والصليب # هجروها وآمالهم مكفنة بأعلامها # لعنوها والبرق يشق غيوم آثامها ~~••• # والشهب في الظلمات، والذئاب في الغابات، ورماد المحرقات، تحت أنقاض ~~الخرافات، وعذارى الهيكل الباكيات، إن الهلال والصليب ليحترقان تحت قدمي ~~رب السماوات، وقد مال بوجهه إلى البرابرة في الصحاري والفلوات # ربي، إن في أمتي لبقية صالحة # ربي، إن في بلادي لمطلعا لم يزل عامرا بأنوارك # ربي، إن في ضفاف النيل لعرشا حوله شموع العلم والهدى نيرات # إن في أرض فرعون لبقية روح حية علمية، طاهرة زكية، تبهج الناصري وتثلج ~~قلب الهاشمي # إنها لحية في الآداب، زكية في أنوار العلم، علية في الفنون، طاهرة ~~في إمارة الشعر وأمرائها # ما رأيت ملكا للسيف يدوم، ولا سيادة تعزز بغير البر والعدل ~~والحجى # إن لشمس اليقين غيبات وعودات، ولآمال النفس هجمات ويقظات # وفي ترب الحياة بزرة وإن تراكمت فوقها ألف خريف، وثلوج ألف شتاء، تظل حية ~~طيبة يسمع تنهداتها الشاعر ويرى النبي نور شذاها، تشرق شمس يوم هنا ~~فتذيب الثلوج، فتهب الرياح، فتنتثر الأوراق، فنسمع - إذ ذاك - ما يسمعه ~~الشاعر ونرى ما يراه النبي # ليهجروها حانقين ضالين، ليلعنوها يائسين قانطين ~~••• # سرت في طريقي أنشد مجدا لأمتي بعيدا، فسمعت على ضفاف النيل لصوت عصر ~~المأمون صدى جميلا جديدا # ورأيت الشاعر والفيلسوف والأديب إلى جانب الأمير جالسين، وعلى أنقاض ~~هياكل الظلم والخرافة معاهد تشيد للعلوم والفنون والآداب # فقلت في نفسي: وهل تحقق حلمنا أيام آياتها أعجب من أعاجيب الموحيات ~~فتمجد نفحات الشعراء، وتعزز شوكة الأمراء؟ ويسير الفريقان في طريق واحدة ~~إلى محجة واحدة، وتصبح مصر كعبة العلماء، وقاعدة ملك النبوغ والذكاء ms403 # أجل، إن دولة العلم والأدب لأعظم شأنا، وأسمى مجدا، وأثبت أعلاما من ~~دولة النار والسيف والدماء. # الفريكة، نيسان، سنة 1913 ~~(7) الشرق # تمهيد # تتمثل في هذه القصيدة حالة الشرق الحاضرة في ظل تقاليده وعاداته، تمثيلا ~~يشمل بعض الإشارات من لفظ ومعنى تقربه حيا من بصر القارئ وبصيرته. ولكن ~~القصيدة لا تحيط بالشرق كله، وقد تنحصر بالشرق الأوسط والشرق الأدنى؛ لما ~~للإسلام فيهما من حرمة وسيادة. ويسمع للهند فيها صوت شديد تختلط فيه أصوات ~~الماضي الجامد بأصوات الحاضر الثائر؛ لما للأجانب والكهان في الهند من السيادة ~~والنفوذ، والشرق بين الاثنين حائر اليوم، تتنازعه عوامل العلم والدين فيثور ~~تارة وطورا يعتريه الفتور فيعود إلى القديم الجامد وعينه في الجديد ~~اللامع الخلاب. وبكلمة أخرى: إن الشرق يتكلم فتسمع في كلمه صوت الشاعر ~~وصوت الفيلسوف وصوت الأمير وصوت الصحافي وأصوات الكهان والعلماء - أم أم! ~~الله الله! # والعجيب الغريب أن ذكاء بعض الأدباء والشعراء في مصر كبا كبوة عند ~~هذه الكلمة التمثيلية، فاستعاذ بالله من طمطمانيات الشعر المنثور، واعتصم منها ~~بشيء من الأدب القديم العقيم، وبأشياء من السخافات في النقد والمبتذلات. # 1 # أنا الشرق # أنا حجر الزاوية لأول هيكل من هياكل الله، ولأول عرش من عروش ~~الإنسان؛ لذلك تراني محني الظهر، ولكني قويم الرأي ثابت ~~الجنان # أنا جسر الشمس # من أعماق ظلمات الأكوان إلى الأفلاك الدائمة الأنوار تصعد كل يوم على ~~كتفي وتكافئني مكافأة جميلة # أجل إن في جيوبي، وفي يدي، وفي نفسي من ذهب الفجر ما لا نظير له في ~~معادن الأرض كلها # تزودني الشمس للترحال، وتزود مني البصر أيضا والجنان، وأنا على ~~ثباتي في رحلة دائمة، كالكواكب لا تبصر حركاتها # إن أول القافلة، قافلة نفسي، ليتصل بالجوزاء # وإن آخرها ... لست أدري اليوم أين آخرها # قد يكون واقفا مستكشفا في أبواب ليفربول # أو نائما تحت عرائش الياسمين في سمرقند # أو جادا على ضفاف النيل # أو ضائعا في السكة البيضاء في نيويرك # ولكني قنوع رضي مطمئن؛ لأني وإن كنت لا أرى ساقة القافلة فإني ~~مبصر قادتها ms404 # وإني لأسمع طنطنة الأجراس عند المساء # وصوت الرسول يجيئني كل صباح مسلما # وفي يده ثوب جديد ألبسه ليومي # نسج من لا ينسج إلا لصاحب الجلال، رب الليل والنهار. # 2 # أنا الشرق # قد جئتك يا فتى الغرب رفيقا # فكن صبورا، إذا كنت لا تحسن السكون # إني مثقل أحمالا لا تراها العين التي ترى الأقطان وتشتهي الثروة ~~والجاه # ولو رأت عيناك بعض ما أنا حامل لخررت ساجدا، ولرحت شاهدا # وفي جيوبي أيضا وفي يدي أشياء من حقول النفس ومن جبالها، وأشياء من ~~أغوار الحياة # أشياء ترضي الله، وترضي الإنسان، وأشياء لا ترضي لا الإنسان، ولا ~~الله # منها ما أوده نبذه لو استطعت دون أن أضر بسيدي صاحب الجنود ~~والمدرعات # ومنها ما أود إخفاءه لو أني لا أستحي من نفسي الباصرة # ومنها ما أود إصلاحه، لو كان لصناع هذا الزمان ضمير يشفع باليد ~~الرجفة والبصر الكليل # وهناك أشياء يا فتى الغرب، لك فيها الحبور والسعادة # عندي ما يسكن نفسك المضطربة وينعشها # عندي ما يشفي ما في قلبك من أمراض التمدين # عندي ما يبعث فيك عدلا يتجاوز استياءك، وحرمة لما يقدسه سواك # عندي ما يقيدك رجلا ويدا لتهدأ وتستريح، فترى الكون - والعقل منك ~~مطلق والقلب مطمئن - وتتأمل كذلك أسرار الوجود. # 3 # أنا الشرق # لي عرس في الليل القديم البهيم لا تفارقني أبدا # ولي أيضا في كل يوم بكر من الحسان # تجيئني ممتطية جواد الفجر، لتخبر البصر مني والجنان # أراها فتهتز جوارحي طربا # وأرى صباي أمامي يهتف للفجر # لجلال الفجر الذي يجري في النفس مثل سلسبيل فضي في الجبال # فتبدو خلاله الأعشاب الخضراء، وهي تعانق الحجارة والصخور، فتبعث فيها ~~روحا يستحيل التجويد عندها نشيد حب وتشويق، نشيد وطن يستفيق. # 4 # أنا الشرق # أنا شبح يا فتى الغرب الباسل # شبح في موكب الزمان، في موكب الحياة الدنيا # ولكن للشبح صوتا بل أصواتا، تسمع شيئا منها اليوم وستسمعها مليا ~~غدا # أصوات متضاربة، متنافرة، إلا أنها من قلب واحد، لها صدى في ~~هياكلي كلها، ولها صدى في كليات ms405 بلادك # صوت يضج في الخلوات، ويتراجع في الأماكن المقدسة # وصوت يحدو في الصحراء ويملأ جبال تقواي سكونا طيبا # وصوت يهمس في أذن أدواتك رغبة جديدة مستطلعا قصدها ~~ومغزاها # وصوت يتماوج سلاما على وجه المياه في الأنهر المقدسة # وصوت يحن شوقا في ظلال الحرمين # كما أنه يئن ويطن في المنابر الجديدة، منابر الوطن # صوت ينشد «نرفانا» # 6 # لإلهة من ذهب ذي عيون من زمرد جاحظة # ويتغنى ب «كرما» # 7 # وبالقضاء والقدر في أكواخ البؤس والإثم والشقاء # وصوت يهتف استحسانا في ملاهي بلادك يا فتى الغرب وفي مراقصه # كما أنه يحدث في قهواتك، حول كأس من الخمر، بأحدث رأي علمي في ~~الجاذبية، وبأحدث رأي سياسي في عصبة الأمم. # 5 # أنا الشرق # أحتمي من العالم بنفسي # أستعيذ من العالم بالله ~~«أم، أم!» - الله! الله! # ساعة، ثم سكرة، ثم آية # إله عينه سوداء، # 8 # وشيطان عينه حمراء، # 9 # وملك عينه زرقاء، # 10 # يلبسون الحياة، ويعيدون إلي قديم الحياة # يرقصون في ظلال البنيان والنخيل # ويحرقون البخور في هيكل أحلامي # ويهمسون ، وينشدون، ويصيحون، طالبين الإطلاق - الإطلاق - إطلاق النفس، ~~والعقل، والروح، والجسد # يهمسون: «واه أم، واه أم، واه!» # 11 # ويرقصون # يصيحون: «لبيك اللهم لبيك» ويسجدون # ثم في ساحات المدينة يخطبون، وبالأبواق ينفرون، وعلى الثورة ~~يحرضون ~~«لبيك اللهم لبيك.» ~~«واذكروا الرجيم الأجنبي وإن كان حاملا إنجيلا» ~~«ولا تخافوه وإن كان حاملا مدفعا رشاشا» ~~«ولا تعاملوه وإن كانت بضاعته هبة» ~~«واه أم، واه أم، واه!» ~~«لبيك اللهم لبيك» # ساعة من الابتهاج الروحي حول سرير الوطن، يتلوها استسلام طويل ~~تحت عرش الله # ساعة، ثم سكرة، ثم أعجوبة # أبحث عن ذي العين السوداء، وذي العين الحمراء، وذي العين الزرقاء؛ ~~فلا أجدهم # بل أسمع ما يشبه أصواتهم في سراب ال «كرما» وفي فيافي القضاء ~~والقدر # أنغاما شجية روحية تذيب الشهوات أشواقا، وتحوك للنفس أحجبة من ~~خيوط الشمس، وتفرش لها طريق الفرقدين أزاهر سرمدية # ولكني وا أسفاه! أستغرب ذي الأنغام اليوم، ولا أستحبها وبالأخص عندما ~~أطالع يا فتى الغرب صحافة بلادك الفضاحة التي ms406 تنبئني بما لطياراتك من ~~الصولة والاقتدار، وكيف يمكنها أن تنسف أساطيلك البحرية ~~وتبيدها. # 6 # أنا الشرق # عندي فلسفات، وعندي أديان، فمن يبيعني بها طيارات # أتحسبها سفاهة مني، أوتظنها تجديفا؟ # قد يكون ذلك، قد يكون # أنا نفسي أجهل اليوم صوت نفسي، صوت المجالس، وصوت المنابر، وصوت ~~الصحافة # أجل، إن لي أيضا صحافة فضاحة يا فتى الغرب # ولي منابر قد لا ترضى بها آلهة أجدادي # ولكنها منابر جديدة، حريتها فتاة لا تعرف التمويه # فلا تسمعك ما يسر إن لم تجئها بما تريد # وهناك سر أهمسه في أذنك يا فتى الغرب # ليست الأديان والفلسفات ما تظنها # وليست ما تظن أني أظنها # فلا للحراثة هي، ولا للتجارة، ولا للسياسة، ولا للتقشف # إنما الأديان والفلسفات كمصافي الماء # هي مصافي الحياة، تصفيها - في الأقل - من بعض الحشرات ~~والجراثيم. # 7 # أنا الشرق # عندي تذوب الألوان كلها وتمتزج، فتتماوج نورا بعضها في بعض تحت ريشة ~~رسام الزمان # ألوان الغروب، وألوان الفجر، وألوان الليل السرية، لها كلها أفق ~~واحد عندي، وسماء واحدة # من الأخضر الناضر لذي النبوة التي تزرع الثريا بذورها، إلى الأصفر ~~الفاقع لذي السر الذي يخلع العذر والعذار، إلى الأحمر القاني لذي إرادة ~~لا تذعن لبشر أو جن، إلى الأزهر الباهي لخيال يسحر الساحرين ~~بيانا # هذا سلم من النفسيات لا تجده عند سواي # وهناك الأرجوان لسفاهة تجلس على العرش والزعفران لمجد هوت ~~عروشه # والجلنار يتماوج ظلالا حول عرش الأهواء والشهوات # والرماد المنتثر لما كان في سماء الفكر كوكبا نيرا # والأسود القاتم لدمقراطية شابة تحمل عصا التأديب # والأبيض الناصع لمصرية تحمل غصنا من النخيل # كلها تمتزج في آفاق نفسي # وتذوب في سماء آمالي # وتستحيل خمرا في كأسي # أجل إن خمر الأجيال الغابرة، وخمر الأجيال الحاضرة، التي لم يحسن ~~تصفيتها الزمان؛ لتملأ الكأس التي أشربها كل يوم، فتعيد إلي روح ~~النبوة القديم المجيد، وتثير في ألم الذكرى وتجدد في حب ~~الجهاد. # مصر، في 14 فبراير، سنة 1922 ~~(8) مصر # 12 # 1 # هي أكبر الشرقيات الباسمات للدهر، وهي أحدث الشرقيات الناهضات ms407 # هي أول من هزت الشمس سريرهن، وأول من قبلهن الليل على ضفاف ~~النيل # هي أول من لعب في ذرى الصناعة والفنون، وأول من رقص والقمر تحت ~~النخيل # هي أول من بنى ركنا للعلم، وبيتا للحضارة، وأول من شيد للحيوان ~~هيكلا وللموت قصورا # هي أول من نطق في قلب العالم كلمة العبادة والابتهال # هي أول من أضرم في ليل الحياة نار الإيمان # هي أول من نحت تمثالا جميلا، ورسم ذكرا وأملا للإنسان # هي أول من كون من شتات الغيب عالما حقائقه أغرب من ~~خرافاته # هي أول من نصب للحق الأنصاب، وأحرق البخور للخرافات، هي أول من شيد ~~للخيال معالم تباهي معالم الحق جلالا وخلودا # هي أول من حمل ميزان القسط، وأول من استرق العباد # لها الصولجان المرصع ماسا، ولها السوط الملطخ دما # هي أول من قال للموت لا، وأول من قال للحياة نعم # لها في الموت حياة، ولها في الحياة المآثر الخالدات # هي مصر # آية الزمان، ابنة فرعون # معجزة الدهر، فتاة النيل. # 2 # هي في هيكل الحب إلهة تسجد لها آلهة الأمم # هي في هيكل الجمال ربة لا تخضع لآلهة الزمان # ورد خديها من وادي الصفاء، وزنبق جبينها من جبال البر وذهب شعرها من ~~معدن الفجر، وقرمز فمها من بساتين الخلود # هي في السراديب مشكاة فيها مصباح يضيء، وهي في الفضاء نار على ~~علم # هي ابنة رموز أسرارها في فم العاصفة، وفي قلب النسيم # لها صوت يهيج حتى النخيل إلى الخيال، ويبعث حتى في الرمال شوقا إلى ~~النيل # هي ربة العشق، وربة الموت، وربة الخلود # هي مصر # آية الزمان، ابنة فرعون # معجزة الدهر، فتاة النيل. # 3 # هي في قلب العالم سيدة الإيوان الجديد، إيوان البر والحق، إيوان ~~الحرية والحجى، لسانها عربي، وقلبها شرقي، وعقلها غربي # لها في ظل الهرم أثر خالد، ولها في ظل تمثال الحرية زاوية للحكمة ~~والعدل # هي التي شاركت إيزيس هيكلها، ورعمسيس عرشه # وهي التي تتغنى اليوم بأنغام النور الذي كلل - هذا الصباح - رأس ~~أبي الهول # لها صوت ms408 سمعته قبل الهرم الصحراء، ونسمعه اليوم نحن الواقفين في ~~ظلال الأجيال التي شاهدها ذا الهرم # من ضفاف النيل، إلى ضفاف بردي، إلى شاطئ الفرات، إلى وادي الكنج، صوت ~~مصر يتماوج كالنسيم، ويزمجر كالرعد، ويخترق ظلمات الجمود كالنور # إن كلمة مصر لكلمة العرب، وإن كلمة العرب اليوم لغيرها بالأمس، ~~ولغيرها غدا # ولكنها أبدا كلمة مصر، مصر الخالدة، مصر الفراعنة، مصر المماليك، ~~ومصر «الزغاليل.» # كلمة علم تنطق بها مصر تنير مصابيح الهدى في الأمم العربية، ~~الدنية والقصية # كلمة عطف تفوه بها مصر تنعش قلوبا خدرها ريب الزمان # كلمة حق في وادي النيل يردد صداها في الشام وفي بغداد، بل يتراجع ~~صوتها بين طنجة وسمرقند، في كل بلد عربي القلب واللسان # آية الزمان، ابنة فرعون # معجزة الدهر، فتاة النيل. # 4 # حيتني بغصن من النخيل، وبزهرة من السوسن # أسمعتني نشيدا سمعه قبلي كاهن إيزيس، وأديب الرومان، وشاعر ~~العرب # همست كلمة في أذني ملأت فؤادي من فيضها القدسي، فيض الذوق والشوق ~~والهيام # فتحت لي باب خدرها فبهرت نورا، فسكرت حبورا # ذكرت يوما كان فيه ابن مصر عبد الملوك وهو اليوم سيد تنصت له ~~السلاطين # ضحكت مصر في ليالي الغم، وبكت في فجر الابتهاج # وضحكت لضحكها، وذرفت لدمعها الدموع # ضحكنا سخرية، وبكينا سرورا # جالستني مصر يا فرعون، وهي تذكرك وتقول: هل كان في من شيدوا الأهرام ~~رجل واحد حر؟ # بسمت لي مصر يا فرعون، وهي تذكرك وتقول: هل في مصر اليوم رجل واحد ~~يطيق العبودية؟ # تبارك أبناؤك يا مصر، وتباركت بناتك الناهضات # إن فيك ينور سر التجديد والخلود # إن سحرك يا مصر ليبعث الحياة في سكان أهرامك # إن فضلك يا مصر لينطق حتى أبا الهول # إن روحك يا مصر لكالندى في الأكمام، بل كأشعة الشمس تكلل الندى # إن جمالك يا مصر لكالخمر في كأس من النور، بل كالنور يسير على وجه ~~النيل # آية الزمان، ابنة فرعون # معجزة الدهر، فتاة النيل. # مصر في 20 فبراير سنة 1922 ~~(9) رب العراق # 13 # 1 # أصافحه والقلب في يدي # أحييه والروح ms409 على لساني # أكبره وكلي كلمة الإكبار # أقف أمامه فتنكشف أمامي أعاجيب الزمان # أنظر إليه فتنظر منه إلي ربات الأقاليم # ألمس ردنه فيرتعش جسمي، فينتعش، فيهتز ابتهاجا # ولا عجب وهو كثير الأطوار غريبها # يكلل رأسه السنديان، ويجثو عند قدميه النخيل # تقيم له الجبال الهياكل، وتنبسط لقدومه السهول # يقبل الثلج فمه، وتقبل الرمال أعطافه، وتمتزج أنفاسه بالخليج ~~والبحار # له كلمة تخيف، وله كلمة تثير، وله أخرى تحيي وتميت # وهو يسير في سبيله هادئا مطمئنا # يولي وجهه تارة الغرب وطورا الشرق، ولكنه ثابت مستقيم في ~~الحالين # يحمل الخير من الشمال إلى الجنوب # من إقليم إلى إقليم يجيء بفيضه، ويتحول غربا وشرقا لتعم بركاته ~~البلاد # تقول له الجبال: أقرئ السهول سلامنا، ويقول هو للسهول: أقرئي سلامي ~~قحطان ومضر. # 2 # هو رب العراق، وهو حياته الخالدة # عينه عين الدهر، ولسانه لسان الزمان، وحافظته حافظة الخالد من ~~الأكوان # قد شاهد من الممالك ما قام منها بالسيف، وما قام منها بكلمة سحر ~~حلال، وما قام منها بالعلم والفنون # تلألأت على ضفافه أنوار السرور والأهواء، وجرت في ظلال نخيله مواكب ~~العزة والمجد - إلى حين # ثم انطفأت الأنوار، ودرست القصور، واضمحلت آثار العظمة كلها - إلى ~~حين # وظل هو سائرا في سبيله هادئا مطمئنا. # 3 # هو رب العراق، هو حياته الخالدة # كلمة سحرية أوجدت في أرضه التوحيد، وبعثت من فيافيه صدى التكبير ~~والتمجيد # كلمة سحرية استعادت من بابل علمها، ومن آشور مجدها، واستعربت من آداب ~~إيران، وكللت الثلاثة بالسامي من الإيمان # كلمة سحرية، كلمة الإسلام، أحيت دار السلام # فنشأت فيها معاهد العلم والفنون، ونبغ الشعراء والمولدون، وظهر من ~~الحكمة والأدب كل كنز مكنون، ومرحت في ظلال غرائبها العبقرية ~~وشقيقاتها الخيال والمجون # كلمة سحرية، نشأت بعدها «الليالي العربية» # 14 # التي أصبحت للأمم جمعاء # بل هي «الليالي البشرية» بنات العبقرية العربية # بل ليالي النفس، التي ينعشها أبدا الخيال، وتحييها أبدا ~~الآمال # لله أنت يا بغداد الرشيد، فلا يزال ذكرك يعطر أرجاء الآداب ~~الغربية # لله أنت يا بغداد المأمون، فلا يزال نورك يشع ms410 بين أنوار العلوم ~~البشرية # لله أنت ما كان أقصر يوم الحكمة فيك، وما كان أقصر ليالي ~~السرور # وكل عزيز قصير الأجل # كل عزيز مطمح الصائلين والطغاة # سقطت بغداد، نهبت، دمرت، ضربت عليها الذلة، خيم فوقها الليل البهيم، ~~فنامت نوم الأسير وهو يئن من وطأة الكابوس # ثم نامت نوم المثقل جسمه بالمخدرات # ولكن الكارثة الأسيوية لم تغير مقدار ذرة في من هيكله في الجبال، ~~وعباده في السهول # فظل سائرا في سبيله هادئا مطمئنا. # 4 # إن رب العراق، مثل آلهة الهند، ليتجسد من حين إلى حين في بشر ~~كريم # من حامورابي، إلى آشور بنوبال، إلى نبوكدنصر، إلى المنصور والرشيد ~~والمأمون؛ هذه مراحل سعيدة ما شكا إلا قصرها الزمان # ثم لبس الزمان الحداد، ودام الحداد ألف سنة # ورب العراق يسير في سبيله هادئا مطمئنا. # 5 # أرب العراق! # جلست إلى جانب طريقك، جلست يا دجلة على شاطئك، ونور القمر يلبس ~~بغداد اليوم ثوبا من السحر مؤنسا باهرا # جلست يا دجلة على شاطئك، ونور الشمس يكشف عما في بغداد اليوم من ~~أشباح الحياة، وقديم المحزنات # جلست على شاطئك يا دجلة، وظلمة الليل تحجب بغداد وتعطف عليها، فلا ~~تخدعها كالقمر ، ولا تفضحها كالشمس # وسمعت إذ ذاك صوتا يقول: ليحي قحطان، ليحي العرب # وسمعت صوتا آخر: لتحي المدنية، وليحي كل من أشعل مصباحا من ~~مصابيحها إن في الغرب، وإن في الشرق # وصوتا ثالثا، أشد وقعا من الاثنين يشق يمينه الظلمات: ورب العراق، ~~إن قلب العراق حي إلى الأبد # ورب العراق، إن روح العراق لتبعث اليوم من ضريحها القديم # ورب العراق، لقد قرب زمن التجسد الجديد # وسيتجسد ربك في هاشمي كريم، يعيد مجد بني العباس الكرام # وسيتجسد كذلك في أمة ناهضة كريمة، تضيف إلى ذلك المجد مجدا ~~رفيعا جديدا. # بغداد، في 14 أيلول، سنة 1922 ~~(10) رفيقتي # 15 # هي رفيقتي في السفر، بل هي المبتدأ في حياتي والخبر # عرفتها في بلاد الغربة صغيرا، وعشقتها شابا، وعبدتها كهلا، وأمست في ~~حياتي في منزلة ذات الحب والحكمة والحنان # كانت أول من ms411 أشعل في طريقي مصباح الفكر، وأول من هداني إلى مروج الخيال، ~~بل كانت أول من استغواني، فتغلغلنا في أدغال الشك، وخرجنا منها إلى ~~بساتين اليقين # قالت عندما كلمتها: نعم، ثم قالت: لا راحة لك معي ولا خير في حياتك ~~بدوني، فقلت: لا راحة لي دونك، ولا خير براحة بعيدة عنك # هي عشيقتي المقصودة، وإلهتي المعبودة، ورفيقتي النصوحة الودودة # قبلنا قسمتنا كما نقبل الشمس، وكما نقبل السموم، دون أن نمجد الأولى كل ~~يوم، أو نشكو الثانية كلما قامت تصيح وتنوح # أقمنا في بلاد الغربة زمنا خبرنا فيه هناك حلو الحب، ومر الجهاد # ثم رحلت، والشرق محجتي، وبلاد العرب منها قبلتي السعيدة، سافرت من ~~نيويورك وحدي، ولكني، عندما مرت الباخرة بتمثال الحرية، أحسست بيد ~~تستوقفني، وبصوت يعيد إلي الذكرى، ويلحفني بالخجل والعار # هو صوتها، وهو وجهها، وقد ازداد نورا وجمالا ~~••• # قالت - وهي تبتسم: أفلا تخجل من نفسك؟ أتسافر وحدك إلى البلاد ~~العربية؟ # قلت: أخشى عليك منها؛ من وعورة المسلك فيها، من جمود الأفكار، من ~~تجهم النفوس، من تعدد المذاهب، من وحشية البدو، من ترفض الحضر # فقالت - والحنق يشعل لهجتها: أيعجزني ما لا يعجزك؟ لا والله # أما الترفض والتجهم والجمود والجهل فمن أجلها خصيصا أرافقك الآن # ولكنك لا تعرفين طبائع القوم وعاداتهم، ولا تحسنين المداراة والمجاملة، ~~ولا هم ألفوا مثل صراحتك، وقد تجرحهم نصال كلماتك # فأجابت - وصوتها الهادئ يكمن الحب والغضب: خير لك أن ترجع إلى بيتك من أن ~~تسافر وحدك إلى البلاد العربية # إن لي في تلك البلاد من أحبوني، من تعشقوني في الماضي، وأبناؤهم ~~اليوم يعيدون ذكراي، ويتشوقون إلى مرآي # إن لي في تلك البلاد آثار مجد تتوق إلى زيارتها نفسي # وإن لي فيها قولا جاءت ساعته، وعملا قرب يومه، وقصدا دنا أجله # أما أنت فقد تجاوزت الأربعين، فنعم صوتك، ولانت كلمتك، فما الفائدة ~~إذن من زيارتك البلاد العربية؟ # لو كان لي أن أزورها وحدي لقلت لك: ألزم البيت والكتاب وضع لوحة التعليم ~~فوق الباب # ولكني اخترتك رفيقا، فلا تكن عقوقا ms412 # هي رفيقتي في السفر، بل هي المبتدأ في حياتي والخبر ~~••• # هي الحرية # جاءت تزور البلاد العربية، وتزرع فيها بذورها الطيبة الصفية # هي الحرية التي أستمد منها الحياة، وهي الحياة أوقفها على خدمة هذه ~~الأمة التي لا يجمعها اليوم غير أمل وخيال # هي الحرية رفيقتي، شاهدت قلب ما شاهدت، وسمعت كنه ما سمعت، وكان سرورها ~~وكان حزنها أضعاف ما اعتراني من الحزن والسرور # ابتسمت في الحجاز ابتسامة المريض، وبكت في تهامة بكاء اليائس، وضحكت ثم ~~تأوهت في اليمن، وجلست تستريح في العراق # هي الحرية تخاطبك أيتها البلاد العربية # هي الحرية تخاطبكم يا أسيادي أصحاب العظمة والجلالة # أيها الملوك والأئمة والأمراء والسلاطين، إن في يدكم كنزا أنتم عليه ~~أوصياء # إذا صنتموه من الأجانب فلا تستهدفوه للجهل # إن في يدكم إرثا استحفظكم به الله # إذا حميتموه من كل نفوذ سياسي خبيث، فاحموه أيضا من التعصب الذميم، ومن ~~روح الرجعة الوخيم # إن في يدكم أمة لا تعرف خيرها الحقيقي، وهي لجهلها طعمة لكل صائل وكل ~~نهاب # إذا رددتم عنها الطغاة المستعبدين، فلا تكونوا أنتم من المستعبدين ~~الطغاة # أيها الملوك والأئمة والسلاطين والأمراء، إن في كلمة واحدة اليوم حياة ~~هذه الأمة # والكلمة لكم، فهل أنتم بها ناطقون؟ # الكلمة: «الاتحاد»، فهل أنتم في أمر واحد متحدون؟ # والأمر الأول الجوهري «الصلح»، فهل أنتم بالصلح راغبون؟ # والصلح أساس الوحدة العربية، فهل أنتم في سبيل الوحدة مجاهدون؟ # والوحدة العربية أساس الحرمة القومية، فهل من حرمة تعززون؟ # وحرمة الأمة لا تعزز بغير العلم الصحيح، فهل من معاهد العلم الصحيح ~~تشيدون؟ # إذا كنتم تفعلون فإني، أنا الحرية، وأقيم بينكم وأبشركم بمستقبل ~~مجيد # وإلا فسأعود إلى أقصى البلاد، وألبس على بلادكم العزيزة الحداد. # بغداد، في 18 أيلول، سنة 1922 ~~(11) العود إلى الوادي # 16 # أنخت بمنعطف الوادي وقلبي يحدثني بالرحيل # أرسلت في الأحراج والكروم رائد الحب فعاد ينشد بلاد النخيل # قلت: ولبنان؟ فقال عليل # ولكن الوزال سلم علي والسنونو رحب بي والصنوبر استبشر بإيابي # فتيقنت أنه بيتها، وإن كان الخادم من غير ذي ms413 المكان # كلمته، فأجابني بلسان لا أفهم اللكنة فيه # كلمته ثانيا، فعلم من لهجتي أني صاحب الدار، فأدخلني البستان وتركني ~~وشأني # فبادرت إلى البيت فإذا هو كالطلل وحشة وسكونا # فها الشوك وقد امتد إلى أسكفة الباب، وها العشب وقد نبت خلال الأحجار في ~~الجدران # بيت أبكم، أصم، لا كوة مفتوحة فيه تسمع الصوت، ولا شق في الباب يحيي ~~الجاي # بابا كباب اللحد قرعت، فلم أسمع جوابا # فجلست أنتظر لعل الأهل غيب أو نيام # جلست في ظل شجرة من الأزدلحت نور زهرها فعطر طيبه الهواء # وكان الأصيل وكان النسيم اللعوب، فتساقط الطيب من الأغصان في حجر السكون ~~كأنه ذوب الشعر في قلب الليل، أو شوارد الروح في بحيرة الأحلام # وتغلب النسيم، فنمت، وقلبي يحدثني بالرحيل ~~••• # انتقلت من بستان في قلبه السكون والجفاء إلى بلد ضوضاؤه تملأ ~~الفضاء # وسمعت أصواتا تعددت النعرات فيها وتنوعت اللهجات، من سجون الحياة في ~~المدينة وفي الجبال # أصواتا تنادي وتستغيث، وأصواتا تتأوه وتئن، وأصواتا تصيح الويل ~~والثبور، وأصواتا تنجد في الجدال وتغور، وأصواتا فيها تهديد ووعيد، ~~وأصواتا في المجالس لا تعلم ما تريد # ثم سمعت صوتا يهمس في أذني: أيدهشك ما تسمع؟ # قم بنا، وليدهشنك ما سترى # عرفت صاحب الصوت، رفيق الأسفار والأفكار، فتبعته # وقفنا في الباب، فإذا بالخادم هناك يرحب بنا باسما # دخلنا البيت، فإذا هو مشين بصور سخيفة في آطار مذهبة، ومفروش بالكماليات ~~الغالية من صناعة الغرب، إلا غرفة واحدة فيه لا تزال كما كانت يوم ~~هجرناه # فاستأنست عند وقوفي في الباب بحصيرها ومسندها، بعمودها وموقدها، بجلد ~~الغنم حول الموقد والشمعدان، وبما تلبد على الحائط وفي السقف من ~~الدخان # فهتفت قائلا: هذا هو بيت أمي، تبارك بيت الأمة # مشى الخادم أمامنا وهو يبتسم ويفرك يديه كفا على كف كأنه يقول: إن عملي ~~حسن وستستحسنونه # ووقف في الزاوية عند هيكل أشار إليه بيده إعجابا، ثم قال: ترانا نحترم ~~معابد الناس # فراعني ما رأيت، وأحزنني ما سمعت # حزنت، حنقت، خجلت، جزعت # كأنه لطمني بتلك اليد يده، وذبحني بتلك ms414 الكلمة من كلماته # هناك، في ذاك الهيكل، بين الشموع والدمن والأزهار الصناعية، رأيت إلها ~~مرعبا مخيفا، إلها شبيها ببعض آلهة الهند، وحشيا فظيعا، إلها من ~~آلهة الشر، تعددت في جسمه الواحد الأيدي والرءوس # وفي كل رأس عينان حمراوان تنظران إلى الآخرين شذرا، بل نقمة ~~وانتقاما # وفي كل يد خنجر يقطر دما، وفي مقبض كل خنجر نجمة رسمت بالماس ~~والياقوت # كأنها رمز الثراء، وبراءة من السماء # ملت بنظري عن الهيكل، وأسرعت إلى الباب، وقلبي يحدثني بالرحيل ~~••• # رأيتها خارج البيت، خارج البستان، بعيدة من الهيكل، جالسة وأحزانها في ~~قارعة الطريق # عرفتني فقامت تلاقيني، وفي خطواتها وهن وارتجاف # جلسنا على صخرة، في ظل تينة هرمة، يغرد في أفنانها الحسون، ويداعب حولها ~~الفراش الأقاحي، وينثر تحتها الهواء حرير زهر القرقفان # وخيم علينا السكون، وسارعت إلينا الهواجس والظنون ~~- ظننتك سعيدة يا أمي ~~- خلتك تعلم يا بني ~~- أصدقيني الخبر يا أمي ~~- لا تسأل سؤالا قد يحزنك جوابه ~~- هل أنت تعبدين ذلك الإله الفظيع؟ ~~- اسأل الخادم في البيت ~~- وهل هو أعلم منك بما في فؤادك؟ # فابتسمت هزءا وقالت: هو عالم بكل شيء ~~- وهل في ذاك الإله الوحشي الفظيع ما يعزيك يا أمي، أو يفيدك، أو ينعش ~~أملا واحدا من آمالك؟ ~~- اسأل إخوانك، أبنائي، أولئك الذين لا يخافون لا خادم الهيكل ولا الخادم ~~في البيت ~~- وهل أنت راضية عنهم يا أمي؟ # فأطرقت ثم قالت: وهل تظنني راضية عنك يا بني # ثم نظرت إلي وكأنها تجيب على سؤال أفصحت عنه عيناي: ذنبك الأول الهجر، ~~وذنبك الثاني العود إلي ~~- أفلا تسرك إذا عودتي؟ ~~- وما الذي جئتني به، بعد هجر طويل، من البلدان التي سحت فيها؟ ~~- جئتك بسكينة الدهناء والنفود، تلك التي تملأ النفس ورعا وخشوعا، ~~فتزيل منها الهواجس كلها والهموم ~~- لا تنفعني يا بني، لا تنفعني ~~- جئتك بقناعة البدوي ومروءته، بشجاعة البدوي وحريته، باستقلال البدوي ~~واطمئنانه ~~- لا تنفعني يا بني، لا تنفعني ~~- جئتك بالشمم العربي والإباء، بالشهامة العربية والوفاء، ببساطة العيش ~~وكرم الأخلاق، بالجرأة والبطولة في الشدة وفي الرخاء ~~- لا ms415 تنفعني يا بني، لا تنفعني ~~- جئتك يا أمي، بفكرة سامية من المدن الأوروبية - العمل الصالح أصح ~~الأديان - وجئتك كذلك بحرية الإفرنسي في ثورته، وبنشاط الأميركي في ~~عمله، وبإيمان الأحرار أجمعين بالحياة وبالناس ~~- لا تنفعني يا بني، لا تنفعني ~~- وماذا تبغين يا أمي، يا روح الأمة التاعسة الحزينة، ماذا ~~تبغين ~~- رءوس الإله الذي رأته عيناك - إله التفرقة والتعصب والشقاق - لا أبتغي ~~اليوم سواها ~~••• # بعد برهة من الزمان، وأنا عائد من الوادي، التقيت في الطريق بخادم البيت ~~وخادم الهيكل، بذاك الذي يحترم معابد الناس وذاك الذي يرتزق منها. وكلاهما ~~حامل عصاة يتوكأ عليها # فقلت - بعد أن سلمت: ما الخبر؟ # فقال خادم البيت: إلهكم مات # وقال خادم الهيكل: والويل للقتلة الكافرين # قلت: وإلى أين الآن؟ # فقال الأول: إلى البحر، وقال الثاني: إلى البادية # قلت: والحمد لله، وسرت في طريقي مسرعا إلى البيت # فلما وصلت إلى منعطف الوادي لاقتني امرأة خارج البستان، ما عرفت منها، ~~أول وهلة غير الجمال # بل هي فتانة هيفاء، في حلة بيضاء، وقد زينت شعرها الأسود بأربعة أزرار من ~~الورد، وحملت بيدها قمقما ترش منه ماء الزهر # أدخلتني الدار، فإذا فيها أربعة أنوار، باهرة الضياء، ومرآة كبيرة ~~تنعكس فيها آيات على الحائط خطت بماء الذهب # فقرأت الأولى: أربعة قلوب في جسم واحد # والثانية: أربعة هياكل في قلب واحد # والثالثة: أربعة حقائق في عقل واحد # والرابعة: أربعة عقول في ذات واحدة # وكانت دهشتي الكبرى، وفرحي الأكبر، في غرفتها الخاصة، في الزاوية ~~المقدسة، في مكان الهيكل منها # دخلت وهي آخذة بيدي وتقول: قد رأيت معبدي الجديد يا بني، وسأجمعك الآن ~~بإخوتك خدامه؛ بابن الشام، وابن لبنان، وابن حوران، وابن فلسطين # اليوم عيدي يا بني وعيدهم أجمعين. # في 17 أيار، سنة 1923 ~~(12) أراك يا بلادي بعينين # 17 # 1 # أيها السائح الأديب، إن في البلاد السورية غير جمالها الطبيعي ~~ومحاسنها الشعرية # أيها الوطني الكئيب، إن في البلاد غير البؤس والجمود والتقهقر ~~والخمول # إن في رأسي عينين، عين السائح وعين الوطني # أرى شمس الصباح تغسل ms416 رءوس الجبال، وتدفئ صدور الربى فيتماوج طربا كل ~~ما تلمس وكل ما تنير، ثم تدخل بيت الإنسان فتراه في ظلمات من الكلام ~~وفي بحر من الدموع # أسمع الحسون يغرد ساعة الفجر، وأسمع سحابة النهار انتحاب أمة مات ~~في قلبها البلبل والحسون # ألمس في النسيم روح المجد الذي يصيغ في خرائب التاريخ إكليلا من ~~النور والخيال لربة الذكرى والجمال # وأبحث في الخرائب الجديدة عن أثر مجيد فلا أرى غير جثة هامدة عند ~~ركمة من الرماد # أحمل فكري إلى الغاب هربا من فكر وطن مجذوم فأعود وفي حنين إلى ~~الجذم # أقف عند الغروب على قمة الابتهاج أودع الشمس فأسمع الألوف على شاطئ ~~اليأس يودعون الوطن # أجالس السكينة الزكية في ظل الصنوبر فأسمعها تقول: كنت أسمع أمس وقع ~~المعاول وغناء الفلاح ولا أسمع اليوم غير أبواق السيارات وثغثغة ~~المتفرنجات # وأجالس المتفرنجة فتصارحني قائلة: أتفضل أن تراني مثل تلك الفلاحة في ~~فسطان كالجرس شكلا وقبقاب من خشب؟ # يمر النسيم في ظلال الأودية فيحرك الأوراق في الأشجار والأدغال، فأرى ~~خلالها خيال تلك الفلاحة الساذجة التي كانت تكشف ساقها للشمس، وشعرها ~~للهواء، وأصبحت اليوم تلبس أجربة الحرير والقبعة الخضراء، وتلمس بيد ~~غنجها السماء # همست في أذن المتفرنجة: أين الفلاحة منك ؟ فوبختني بلحظة باريسية ~~ووقفت تودع، فمشى القلب معها إلى الباب # إن في قلبي عينين، عين السائح وعين الوطني المغروس بين ~~الصخور. # 2 # أيها السائح الفيلسوف، إن في البلاد غير ما يوحي إليك الشعر ويقرأ ~~على مسمعك من كتب الأنبياء # أيها الوطني الذكي الفؤاد، إن في البلاد غير ألواح العلم والأدب، ~~ترددها فخورا قانعا بما اكتشفه الإفرنج راضيا بما اخترعه ~~العرب # إن في البلاد حياة بشرية لحمها ودمها من لحم ودم الشعراء ~~والأنبياء # إن في البلاد أنصابا وآثارا فيها من أبواب العلم والأدب ما لا تجده ~~في كتب العرب وكتب الإفرنج # وإن في البلاد أيها السائح الحر تقاليد دكت أمس في بلادك ~~معالمها، أفترى في زماننا ما رآه أجدادك في زمانهم؟ # إذا كنت من الإخوان الذين ينصرون ms417 الحقيقة في كل مكان، فهلا وقفت في ~~سياحتك لترفع في سبيل الحقيقة صوت أدبك؟ # أترضى أن يكون السيف الذي أورث وطنك شرفا وعزا - هما رأس مالك ~~اليوم - في غمد الخطل تحت أمر الطمع والظلم؟ أتمر به ساكتا بل ~~مطمئنا ثم تقف على منابر البلاد لتثني على جمال الطبيعة فيها؟ # إنك أخ لنا وإن اختلف اللسان، ونأسف أن يكون في رأسك عين واحدة لا ~~عينان # أو أنك تركت في بلادك سلاح الحق والحرية، وجئت تنشد في بلادنا الروح ~~الشعرية # أيها السائح الإفرنسي جئتنا غابنا وعدت مغبونا # إننا نعلم بما ستكتب وبما تبتغيه، ونعلم ونود أن تعلم أن الشعر في ~~القلب لا في صخور الجبال والغابات، وأن القلب الذي لا يشعر بما يقاسيه ~~الإنسان يحرم من موحيات الشعر وإن ازدهت حوله بكل ما في الطبيعة من ~~جمال وجلال # وأنت أيها الوطني الفصيح، إن في الحياة فصاحة غير فصاحة اللسان، ~~وشعرا غير شعر الكلام # إن في الحياة من القوى التي فيها مجد - إذا استخدمها العلم والإخلاص. ~~وفيها - إذا استخدمها الجهل والنفاق - ذل وهوان # إن في الحياة - إذا عدت إليها - مفكرا حرا عاملا جريئا؛ ما يعيد ~~إليك الثقة بالنفس، والأمل بالناس، والإيمان بالله # خذها مني ولا تأخذها لا من الإفرنج ولا من العرب # كلمة خشنة صادقة هي لك ومنك خير من درر الألفاظ والمعاني التي كان ~~لها يوم، وكانت لها دواوين ومقامات # حقيقة صغيرة تكتشفها أنت خير من فلسفات ثمينة يهديكها من قد يروم ~~استعباد أعز ما فيك # إن لي عينين، عين السائح وعين الوطني. # 3 # أيها السائح الأديب، إنك تبغي الجمال في الحقيقة، وجئت لا تنشد غير ~~جزء منها # إن الحقيقة كلها لمثل ربك جمال يدوم # أيها الوطني الأديب، إنك تبغي الحرية في بلادك وقد ذبحتها ذبح الشاة ~~في فؤادك # إن فيك ما في السائح ولكنه دفين الدموع، وإن في السائح ما فيك ولكن ~~حب الذات يطفيه ويخفيه # وإن في ما فيكما وهو حي، حر، صالح، منير # حقيقة هي كالشمس، وحرية هي كالجبال ms418 # خذها عني ولا تأخذها لا عن العرب ولا عن الإفرنج # أريدك عاملا أولا ثم كاتبا مفيدا # أريدك حرا أولا ثم ثورويا مريدا # أريدك عاشقا أولا ثم شاعرا مجيدا # إي أخي الوطني، إن معولا تحيي به باعا من الأرض خير من يراع تدبج ~~به المقالات الإصلاحية التي لا تصلح شيئا ولا تفيد غير أعدائك # إي أخي السائح، إن صوتا ترفعه على جور من أهل بلادك في البلاد، ~~تأباه أنت وتقاومه في بلادك، لخير من تآليف تقص فيها قصص شعب فقير في ~~كل شيء سوى كرم الأخلاق # أجل، إن في البلاد حياة عرفت من الأحزان أشدها ومن الفرح أسماه ~~وأصفاه # فيها صلب صفوة العالمين، وفيها رقصت عشتار ربة الفينيقيين # وفيها يصلب كل يوم أمل من الآمال ويرقص في كل يوم وهم من ~~الأوهام # فهل أنت أيها السائح الأديب ممن حملوا اليراع على آمال الشعوب، أم ~~على أوهامها؟ # إننا نرى ما في بلادك من حقيقة وجمال في العلم وفي الفنون # أفلا ترى ما في بلادنا من شدة يقاسيها شعب صبور قنوع، ومن عطف مع ذلك ~~يزين أمة وديعة كريمة؟ # خذ عنا فلا تضل، نأخذ عنك فلا نموت. # الفريكة، في تشرين الثاني، سنة 1923 ~~(13) نفحة من لؤلؤة # 18 # يا أيتها الساكنة قعر ذاك النهر القصي، يا أيتها الراقدة تحت تلك الأمواج ~~الغريبة، لا تجزعي، ولا تخافي # أنت أميرة اللؤلؤ، واللؤلؤ هناك يلاقيك مرحبا # أنت ملكة المرجان، والمرجان يمجدك منشدا # يا أيتها الزنبقة المدفونة في مياه الغربة، ليست الغربة بعدك ~~بعيدة # وليس القعر دائما رمز السقوط والحزن والبلاء # أنت في غرقك ترتفعين، وفي هبوطك ترتقين # وقد كنت بعيدة عني، فأدناك مني الموت، فأصبحت حية في ذكر لا يموت # أنت في مخيلتي تنيرينها، أنت فيها شمس الحب والذكرى، إلى أن تفنى ~~المخيلة # أحببتك حبا روحيا، وروحك لا تزال رفيقتي، على م الدمع إذا ~~والحداد؟ # أبعدتك الهجرة الأولى، فأدنتك الهجرة الثانية، وأنت الآن في أفئدة محبك ~~وفيها من اللؤلؤ والمرجان، ما يندر في نهر الأمازان ~~••• # نعم فقدناك ms419 محدثة مطربة # فقدناك ووجهك ينير المجالس والقلوب # ولكنني لا أزال أسمع نغمات صوتك، وصدى كلماتك، وأنت تنشدين أو ~~تحدثين # وهو ذا وجهك أراه حيث أوجه نظري في كل مكان، أراه في النور وفي الظلمة، ~~في ليل الحزن وفي فجر المسرة، على الجدران، وعلى الأشجار، في الوادي، وفي ~~رءوس الجبال على وجه الفجر وعلى وجه الأمواج الضاحكة # أراك في الصفصاف وأذكر حنوك # أراك في أغصان البان وأذكر صباك وجمالك # أراك في السوسن وأذكر شذى حديثك # أراك في الغدير وأذكر نغمات صوتك # أراك في البنفسج وأذكر حشمتك ولين جانبك # أراك في خمائل الورد وأذكر جميل غيرتك # أراك في النور الذي ينبثق على العالم فيذكرني بكرمك # أراك في الشفق الذي يودعنا كل يوم إلى يوم واحد وأذكر وفاءك وصدق ~~عهدك # أراك على قمم الجبال وأذكر شرف نفسك وعظيم إبائك ~~••• # نهضت باكرا أتفقد زنبقة في بيتي، وجدتها، ورأسها على صدرها ذابلة # ماتت الزنبقة عطشا # لله من سر في ذا الماء! نقطة منه تحيي ونهر يميت # نظرت إلى الزنبقة المائتة فارتعشت نفسي، ولطالما انتعشت من مرآها # أين قلبها اليوم يخفق حبا وأين شذاها؟ # إن نيسان ليبعث ما دفن في كانون، فيطرب لذلك الإنسان، ويبتسم منجل ~~الزمان ~~••• # أي منجل الزمان، إن في الوجود حروجا أزاهرها من روح الله # وهي التي نورت قبل وستنور بعد أيامك وتبتسم دائما لابتسامك # وأنت من تلك الأزاهر أيتها الروح اللطيفة الطاهرة # كنت في حياتك الدنيا محجة الأفئدة المحبة، وكعبة القلوب الصافية، ولا ~~تزالين كذلك # لا تزالين عندي أعجوبة البعد والزمان # كلما رأيت لؤلؤة أسألها عنك # وكلما رأيت مرجانة أرى فمك، وأسمع كلماتك الدرية. # | في النكبة # الصليب، أو يوم في بيروت # 1 # دخلت المدينة التي كنت أعرفها فرأيتني فيها غريبا، سرت في المدينة التي ~~أحبها قلبي فهالني ما شاهدت، وقفت على منعطف جادة من جاداتها الكبرى، علني ~~أرى أحدا من أصحابي وإخواني، فمر أمامي أناس بل أشباح من الناس لا أعرفهم ولا ~~يعرفوني، لبثت حائرا مستغربا لا أدري أبين قومي أنا أو ms420 بين قوم من الأغيار بل ~~من غير ذا العالم. # ولا شك أني في المدينة التي كنت أعرفها وكانت تعرفني ولكن قومي - أين قومي؟ أين ~~إخواني؟ أين أحبابي؟ أفي هذه الأطمار من ودعت أمس سريا؟ أهذه الأشباح ما تبقى من ~~تلك النفوس الأبية؟ أفي هذه الهياكل من كانوا بالأمس من الكرام الأماجد ينشدون أسمى ~~الأماني، ويشيدون للعلم المعاهد ويرفعون للآداب الأعلام؟ أفي هذه الأجسام المتداعية ~~من عرفتهم رجالا أشداء يتاجرون ويعلمون، يجاهدون ويسعدون، يأكلون ويضحكون ~~ويلعبون؟ # وقفت ساعة على منعطف الجادة والكآبة ملء فؤادي، ألقيت السلام على أحد المارين ~~فلم يرد علي، ولم يقف ليرى من سلم، ظل سائرا في سبيله مثل سواه منكس الرأس، ~~محني الظهر، واجما واجفا، ساكتا قانطا، لله من ذي الهياكل وذي الأشباح، رأيتهم ~~يمشون كأن في أرجلهم قيودا، رأيتهم يتسللون كأنهم هم المجرمون لا حكامهم، ~~رأيتهم يتحايدون بعضهم بعضا كأن فيهم جربا، قلما يقف أحد منهم في الشارع، وقلما ~~يكلم أحد أحدا، كأن كل إنسان منهم غريب في البلد، منكسو الرءوس محنيو الظهور ~~يسيرون. # وإذا رفع إليك أحد وجهه ظننته أثرا من الآثار، أو رمزا من رموز الجوع والفناء، ~~فترى العين منه جامدة غائرة تكاد تختفي تحت جفن عليل ذليل، وترى الفم مفتوحا ~~مرتخيا كأن في أعصابه شللا، وترى الوجنتين كأنهما طليا برماد جبل ~~بالدموع. # إنما هؤلاء أبناء المدينة التي كنت أعرفها وكانت تعرفني، المدينة التي أحبها ~~قلبي، المدينة التي بثثت فيها شيئا من نفسي، المدينة التي أحبت في الإيمان ~~بالناس، وجددت في حب الوطن وحب الحياة، وأين هي اليوم من الحياة؟ وأين فيها اليوم ~~من كانوا بالأمس من أمراء الحياة؟ # رحت أبحث عن صديق لي منهم، وصلت إلى بيته فوجدت الباب والشبابيك كلها مقفلة، ~~سألت صاحب الدكان قرب البيت فلم يجبني، لم يكلمني، كررت السؤال فهز كتفيه ~~متجاهلا، قلت: إذا كنت لا تعرفني أفلا تفهم لغتي؟ أكلمك بالعربية، وأنا مثلك من ~~هذه البلد، بل أنا أخوك ابن وطنك، لا مأمور حكومة ولا جاسوس، وما غايتي ms421 من السؤال ~~سوى ... # فقاطعني الرجل قائلا: رح عني يا شيخ، رح عني. # ذهبت مطرودا ورحت أبحث عن صديق آخر لي، بيته في حي الأعيان، وقفت في الباب أقرع ~~الجرس، فجاء الخادم في زي الأرناوط يسألني ما الخبر، كلمته بالعربية فأجابني - ~~وكأنه يسبني - بلغة لا أفهمها وأقفل الباب. # قفلت راجعا والغم يقودني إلى بيت آخر في الحي، طرقت الباب ففتحه جندي ~~سألني بالعربية حاجتي. # قلت: جئت أزور جرجي أفندي ... فأجاب مستعجبا: ليس هنا، هذا بيت تيمور باشا، فقلت: ~~وجرجي أفندي؟ فقال: لا أعرفه، وأقفل الباب. # اجتزت الطريق في الجنينة أمام البيت وأنا متيقن أنه بيت صديقي؛ فكم مرة جلست ~~وإياه في تلك الخيمة خيمة الياسمين التي لم أزل أذكرها، وكم مرة تمشينا مساء في ضوء ~~القمر بين هاته الزهور وتحت هذه الأشجار، أشجار الليمون والنخيل نتباحث في شئون ~~الحياة وفلسفة الوجود. # طفت حول البيت لا أدري من شدة اليأس والغم مسيري. # تيمور باشا من هو تيمور باشا؟ وبين أنا أردد الاسم هاجسا مر ولد في قميص بالية ~~مقدودة وهو يلوك طرفها، فأوقفته سائلا أتعرف من هو صاحب هذا البيت؟ فأجابني على ~~الفور: وكيف لا أعرفه، هو بيت سيدي ومعلمي جرجي أفندي ... ~~- وأين جرجي أفندي اليوم؟ ~~- أنت تمزح، كأنك لا تعلم . # قطعت من هذا الحي رجائي، ورحت أبحث في حي آخر، طرقت بابا طالما فتحه الخادم ~~متأهلا مرحبا وطالما دخلته باسما مسرورا، دققت أولا وثانيا ولبثت أنتظر، ثم ~~دققت بعصاي وهممت بعد هنيهة بالرجوع لظني أن هذا البيت أيضا من البيوت العديدة ~~التي هجرها الأماجد الكرام، فسمعت إذ ذاك وطء أقدام على الدرج ويدا تعالج الباب، ~~فتحت فيه النافذة الوسطى فلاح منها شيخ ملتح طاعن في السن. # قلت: هل مختار أفندي في البيت؟ # وما كدت ألفظ الاسم حتى أقفل باب النافذة وسمعت الشيخ يقول: جاءوا يهزءون بي ~~وبأحزاني ... كلاب ... خنازير ... # استحال نور النهار في عيني ظلاما وأحسست أني مثل سائر الناس أمشي والقيود في ~~رجلي، همت في المدينة على وجهي لا أدري ms422 إلى أين يحملني اليأس، وأين تحط بي ~~الكآبة. # أين أصحابي؟ أين إخواني؟ أين أولئك الذين كانوا بالأمس نور المدينة بل مصابيح ~~الأمة؟ وبين أنا سائر في زقاق من الأزقة رأيت امرأة جالسة على قارعة الطريق ~~كأنها من شدة الهزال والعياء «مومية» مصرية، وإلى كلي جنبيها صبي ذابل رأسه في ~~حجرها، وهي تمد من أجلهما يدا رجفة نحيلة، كأنها عظام يحركها شبح ~~الموت. ~~- أعطوني الله يعطيكم، الله يتحنن عليكم، الله يفتح لكم أبواب الخير، الله يقيكم ~~من الجوع، الله يصون حريمكم وأولادكم، حسنة للصغار، كانوا أربعة وصاروا اثنين ~~... # فقال أحد المارين: صدقت، وغدا تدفن الثالث وبعد غد الرابع. # ورأيت الناس - مع ذلك - لا يبالون، يمرون أمامها كأنهم عمي صم لا يرون صورة ~~الشقاء في سواهم ولا يسمعون صوت البلاء في غير قلوبهم، لا تستوقفهم عاطفة الشفقة ~~ولا تحركهم عاطفة الحنان، وهل يلامون وكل واحد منهم يحمل صليبه ويجر قيود بؤسه وغمه ~~في مدينة الغم والبؤس، والجوع والدموع؟ # ساعة واحدة فأحسست بثقل تلك القيود، فكيف بمن قيدوا بها ثلاث سنوات؟ لا عجب إذا ~~استحجرت قلوبهم. # وما مشهد الأم وأولادها بفظيع إلى جانب مشهد آخر شاهدته، هو ذا ولد مستلق على ~~الرصيف، ألصقه الجوع بالدقعاء فظننته إذ رأيته ميتا، وهو ذا كلب قريب منه يصك ~~عظما جريدا، فلما رآه الولد طفق يدب على بطنه ويديه حتى وصل إلى الكلب فنزع العظم ~~من فمه وهو لا يبالي بنباحه، وسارع زحفا وهو يلتفت رعبا، كأنه خاف أن يراه أحد ~~من الناس. # خرجت من المدينة ونفسي كنفس تلك الأم، وقلبي كقلب هذا الولد، وبين أنا سائر إلى ~~الحرج رأيت في حقل على بضعة أمتار من الطريق ما ظننته لأول وهلة قطيعا من المعزى، ~~فاقتربت منه فإذا هناك ثلاث نساء وولدان في قمصان سوداء بالية مجتمعون حول مزبلة ~~يمدون إليها أيديهم فيبحثون فيها كالدجاج عن شيء يخففون به مضض الجوع، عفوا ربي! ~~قد كفرت بك وأنكرت عنايتك الإلهية، وجدفت على اسمك وسمائك، أتضن على مثل هؤلاء من ms423 ~~أبنائك حتى بالموت؟ أبشر خلقوا على شكلك ومثالك يقتاتون من المزابل؟ ويسابقون ~~الكلاب على عظم جريد؟ لله من ذي المشاهد البشرية الفظيعة المريعة! لله من نكبة ~~سودت يومنا! لله من جوع مسخ قومنا. # دخلت حرج الصنوبر واللعنة في قلبي وعلى لساني، نظرت إلى شمس المغيب من خلال ~~الأغصان وفكرت بالبلاد التي ستشرق بعد بضعة ساعات فيها، أتشرق يا ترى في قلوب من ~~هاجروا إليها فيسارعون بالنجدة، بالفرج، بالخلاص، قبل أن تنقرض أمتهم؟ أيموت ~~الأطفال في الأسواق، أيسابق الصبيان الكلاب على العظام، أيقتات الناس من المزابل، ~~وأبناؤك يا سوريا في مصر وباريس وأميركا يتنازعون ويتطاحنون ويستشهدون على صفحات ~~الجرائد؟ أفي الذل والشدة أنت تترقبين الفرج مع كل شارقة وكل غاربة، وأبناؤك ~~الأحرار يستمهلونك بين هم يتناقشون في الاحتلال والاستقلال؟ إن كل سوري حي الجنان ~~والوجدان، ليود قبل كل شيء خلاص بلاده وإنقاذ البقية الباقية فيها. # عدت إلى المدينة تحت جنح الليل في أزقة كأنها المقابر، عفوا، إن المقابر ~~تنور الأزهار وتغرد العصافير، وفي هذه الأزقة بيوت بل أكواخ تبكي فيها الأطفال ~~وتنوح فيها النساء. # وصلت إلى ساحة الاتحاد فوجدتها خالية مظلمة، تعثرت هناك بكلب فتحرك قليلا ولم ~~ينبح، الجوع والرعب يعقدان حتى ألسنة الكلاب، وما كدت أصل إلى وسط الساحة حتى ~~رأيتني أمام مشنقة تدلت منها جثة في قميص بيضاء، فتراجعت مذعورا فإذا أنا بين عدد ~~من المشانق، بل بين أصحابي وإخواني شهداء الحق والوطن والحرية، وقد استحال ظلام ~~الليل نورا على وجوههم، عرفت معنى سكوت الناس في البلد، هو ذا مصدر الرعب السائد ~~في قلوبهم، هو ذا مصدر البلاء المخيم على أنفسهم، وعرفت معنى تغيظ الشيخ وكلامه: ~~جاءوا يهزءون بأحزاني ... كلاب ... خنازير ... إي مختار أفندي ... إي جرجي أفندي ... إي ~~إخواني كنت في المدينة نهارا أبحث عنكم فها قد جمعني بكم الليل، جمعتني بكم نجوم ~~السماء، ولكن النور الذي ينير وجوهكم حير فؤادي، فتلفت أستطلع مقامه فإذا في ~~وسط المشانق صليب كبير يعلوها كلها، وعند الصليب امرأة في ثوب الحداد جاثية ms424 ترفع ~~إلى المصلوب يديها. # أمي، أم أمتي! هي خالدة لا تموت، لا تموت وفي قلبها ذرة من الرجاء، لا تموت ~~وإن أمست أرضها غابا من المشانق، لا تموت وفيها من أبنائها من يموتون شهداء الحق ~~والوطن والحرية. # اقتربت منها وألقيت عليها السلام، جثوت قربها وطفقت أقبل يديها ورجليها، ~~فنظرت إلي تسألني: من أنت؟ # قلت: أنا أحد أبنائك من المهجر. # فقالت: لا بارك الله بأبنائي في المهجر. ~~- ولكنهم اليوم يفكرون في خلاصك، يسعون في إنقاذك. # فأشارت إلى الصليب قائلة: هو ذا خلاصي وتعزيتي الكبرى. ~~- ولكن أبناءك يموتون شهداء لتحيي حياة جديدة، وغدا ترين جيش الحرية في ~~أرضك. ~~- منذ ثلاث سنوات وأنا أسمع كل يوم هذا الكلام، وأعلل النفس بالآمال. ~~- ولكن أبناءك اليوم يتطوعون في جيش الحرية. ~~- لا أصدق حتى أراهم وأرى بريق السيوف والرماح، فقد سمعت أنهم لم يزالوا منقسمين ~~بعضهم على بعض، انظر إلى هذه المشانق، تأمل هؤلاء الشهداء في ساحة الاتحاد - ~~الاتحاد بالموت، الاتحاد بالشهادة - فهل تعرف المسلم وهل تعرف المسيحي؟ هل تميز ~~بين اللبناني منهم والسوري؟ ~~- ولكن في أبنائك يا أمي من يطلبون استقلالك. # فصاحت بي وقد استوت واقفة ترفع إلى السماء يديها: استقلالي! أواه! أواه! ~~استقلالي بماذا يا بني؟ أبالموت والجوع والذل والهوان؟ استقلالي بالمشانق؟ استقلالي ~~بالقبور؟ أتطلبون استقلالي يا بني وأنا في آخر نسمة من الحياة؟ خلصوني أولا ثم ~~اسعوا في استقلالي. ~~- ولكن بعض أبنائك يا أمي لا يريدون خلاصك على يد فرنسا، فمنهم من يفضل ~~إنكلترا، ومنهم من يؤثر العرب، ومنهم من لا يدري ما يفعل ويقول، ومنهم الجبناء ~~الإمعيون الذين ماتت فيهم روح الحنان وعاطفة الشرف والوجدان، أما أبناؤك ~~الأحرار فستشاهدينهم غدا شاكين السلاح، يحاربون في أرضك من أجلك، يفادون بأنفسهم ~~في سبيلك. # فنظرت إلي نظرة يأس واسترحام، وقالت: منذ ثلاث سنوات يا بني وأنا أترقب ~~طلائع الخلاص، منذ ثلاث سنوات وأنا جاثية عند الصليب أسأل الله أن يعطف على ~~أبنائي، أن يفك قيودهم، أن يخفف - في الأقل - شدة النكبات المتوالية عليهم. منذ ~~ثلاث ms425 سنوات وأنا مقيمة في ظل المشانق، في ظل الرعب والهول، في ظل الجوع والتجويع، ~~أترقب لأبنائي في أرضي طلوع الفجر، فجر الفرج، فجر الخلاص، فجر الحرية ... # وأبنائي في مصر وباريس والمهجر يتنازعون ويتحزبون ويتخاذلون، وأنا اليوم لا أطلب ~~سوى الفرج وكسرة من الخبز ليأت الفرج يا بني ولو عن يد القرود، ليأت الخلاص ولو ~~عن يد الشياطين ... # أخت البلجيك # حكي أن يوسف لما ملك خزائن الأرض كان يجوع ويأكل من خبز الشعير، فقيل له: أتجوع ~~وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع. # إخواني السوريين: إذا كنا لا نخاف أن نشبع فننسى الجائع أفلا نخاف أن يقال فينا: ~~إننا أناس لا نعرف التأسي والإحسان، أناس لا أثر في قلوبنا لتلك العاطفة الشريفة ~~عاطفة البر التي تميز الإنسان عن الحيوان؟ سوريا اليوم أخت البلجيك، أختها في ~~الشدة والأسى، أختها في الفاقة والجوع، ونحن في بلاد أميركا راتعون في بحبوحة من ~~العيش تحت سماء الأمن والسلام. # وما منا من ليس له في الوطن المنكوب أم أو أب أو أخ أو أخت أو نسيب، ~~فهلا ذكرناهم اليوم إذا كنا لا نذكر سواهم؟ أننسى سوريا أمنا وهي اليوم تستغيث؟ ~~أننسى البائس فيها والجائع وفي كل ساعة في هذه البلاد يتجلى لنا البر والإحسان ~~في أشرف الحلل وفي أجمل المظاهر البشرية؟ أفلا نشارك الأميركيين أنفسهم - وقد كانوا ~~السابقين - في جمع شيء من المال لإعانة المنكوبين والبائسين في سوريا؟ هي فرصة نقرر ~~فيها - في الأقل - شأننا في هذه البلاد، هي فرصة نثبت فيها أريحية طالما رددتها ~~أمثال العرب، وكرما هو عنوان الشرقي، ووطنية لا تعرف اليوم التحزب والتفريق، ~~وطننا في حاجة إلى المال بل في حاجة إلى ضرورات العيش، فهل نرد فارغة يدا مدت ~~إلينا؟ # ينبغي أن نجمع - في الأقل - عشرة آلاف ريال نبعث بها إلى الوطن، ولو كل سوري في ~~الولايات المتحدة يدفع ربع ريال فقط لجمعنا أضعاف هذه القيمة. # فيا أخي السوري - أنت المقيم خارج نيويورك - زك مالك الآن. ريالا واحدا تبذله ~~في ms426 سبيل الوطن المنكوب اليوم خير من مائة ريال تبذلها غدا في سبيل إصلاحه ~~واستقلاله. أرسل ما تجود به نفسك إلى الجريدة التي تقرؤها، أو إلى المحل التجاري ~~الذي تتعامل معه، أو إلى صندوق اللجنة لإعانة منكوبي سوريا في نيويورك، وإن ما ~~تجمعه اللجان المختلفة يصل إلى اللجنة الأميركية التي عرضت علينا مساعدتها فيرسل - ~~إذ ذاك - إلى الوطن. # عار علينا وكلنا آمنون ناب الجوع أن ننسى اليوم الجائع في بلادنا، عار علينا ~~أن يدعونا الغريب إلى إعانة وطننا المنكوب فلا نلبي الدعوة. # في كتاب جاءني من الوطن أن بين الأيدي الممدودة للاستنداء أكفا لم تتعود ذلك، ~~فكيف بعامة الناس إذا؟ سوريا اليوم أخت البلجيك، أختها في الشدة والأسى، في الفاقة ~~والجوع، فهل نسمع نداءها ساكتين، وفي عروقنا ينبض دم أجداد كرام، وفي صدورنا ~~عاطفة بشرية حية؟ # إن الكريم وإن كان فقيرا يقاسم الجائع كسرته. فكيف بالغني؟ # لا نسألكم أن تقاسموا الوطن ثروتكم، إنما نسألكم بذل اليسير مما ~~لديكم. # نسألكم أن تقتدوا بيوسف الصديق فتذكرون - في الأقل - الجائع، لا نطلب منكم اليوم ~~اكتتابا باسم مشروع خيري أو نهضة وطنية، إنما نستحلفكم باسم الإنسانية أن ~~تبرهنوا على أنكم من أبنائها، وبرهنوا للوطن أن العاطفة الوطنية لا تزال حية في ~~صدوركم، وبرهنوا للأميركيين على أنكم أسرع منهم في إنقاذ إخوانكم من الجوع. # أجل، إن خير البر عاجله، وإن سادات الناس في الدنيا الأسخياء. # نيويورك، في 25 ك2، سنة 1915 # صوم وإحسان # أمة تصوم أشهرا، أمة تجوع وتجوع، أمة غشت الدموع بصرها فأمست لا ترى ~~غير يد القضاء وقد استل سيف النقمة أمة جمد الدم في عروقها، برد الدم في قلبها، ~~فأمست لا تستطيع حتى النداء مستغيثة، مستجدية أمة تتلاشى سغبا، تموت جوعا، ~~فريسة ظلم تواطأ والقضاء، ونحن من دمها ولحمها، من صميم قلبها من خيرة أبنائها، ~~ناءون عن هول أولئك البرابرة وعن هول ذلك القضاء، آمنون شر الاثنين، راتعون في ~~بحبوحة من العيش حريزة، في بلاد جزل خيرها، وعم اليوم برها، بل نحن في ms427 بلاد تقرأ ~~علينا روح الغيرية فيها أمثولة جميلة كل يوم، أمثولة في نكران الذات، في الشفقة ~~والإحسان، في الرحمة والحنان. # فهلا أخذنا عن تلك الروح روح الغيرية في الأميركيين وهلا سمعنا لها واقتدينا بها؟ ~~هلا وقفنا على المنكوبين في بلادنا يوما واحدا من أيام عملنا؟ يوما واحدا نقدسه ~~للوطن المهدد بالاضمحلال، يوما واحدا نجرد فيه أنفسنا من كل آمالنا المادية، من ~~أغراضنا الدنيوية، من غرائزنا الحيوانية، من مهامنا التجارية والخصوصية كلها، يوما ~~واحدا من نكران النفس والضحية، نتجه فيه نحو ذلك الوطن المنكوب وطننا، ولا نفكر ~~فيه بغير إخواننا الذين يموتون اليوم جوعا. # لست في ما أكتب الآن مبشرا، ولا مقرعا منذرا، وليس في قصدي النظر إلى الصوم ~~من وجهته الدينية، ولا من وجهته الصحية، كلمتي هذه تمليها علي نفس متألمة ~~متوجعة، من القلب هي لا من الرأس، فإذا دعوت السوريين إلى الصوم يوما واحدا ~~كاملا فذلك لأنبه فيهم العطف والحنان، فيشعرون بما يقاسيه إخواننا في ~~الوطن. # البعد جفاء، وما لا تراه العيون لا ترثي له القلوب. في مدن سوريا وفي سهولها، في ~~قرى لبنان وأوديته وهضابه ألوف من إخواننا اليوم يقتاتون بالأعشاب، بل يسقطون في ~~الطرق من الضنى، بل يموتون في البرية سغبا وجوعا، ونحن البعيدين عن هذا المشهد ~~المريع قلما ندرك معنى ما فيه من البؤس والويل، قلما نشعر بحقيقة ~~أهواله. # لذلك أقول: صوموا يوما واحدا فقط تعرفوا معنى الجوع، يوم واحد تحرمون فيه لذيذ ~~العيش يدنيكم من أولئك البائسين المقضي عليهم بصوم طويل مهلك، المقضي عليهم بالموت ~~جوعا، يوم واحد من التقشف يقربنا من الوطن، يقربنا من البلية الهائلة المخيمة ~~عليه، فيحيي فينا الحنان، ويوقظ فينا عاطفة الإحسان. # وماذا يكلف هذا العمل؟ شيئا من العزم، وقليلا من الإرادة، احسب نفسك أيها ~~السوري مضطرب المزاج تشكو تلبكا في المعدة فيصف لك الطبيب الحمية أو القليل من ~~اللبن، أفلا تمتنع إذ ذاك عن الأكل عاملا بنصيحة الطبيب؟ احسب نفسك في بلاد من ~~بلدان العالم المنكوبة اليوم، أفلا تضطر - إذ ms428 ذاك - أن تصوم؟ # حكي أن يوسف لما ملك خزائن الأرض كان يجوع ويأكل من خبز الشعير، فقيل له: أتجوع ~~وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع. # وقد أنسانا الشبع الجائعين، حسبك يوما من التقشف تكفر فيه عن إحجام منك في سبيل ~~البر وإهمال، حسبك يوما من الصوم يقيك - إن شاء الله - ألم الجوع وذله، فلو كنت في ~~سوريا اليوم وقيل لك: إن إخوانك في المهجر لا يسمعون ولا يلبون نداءك فماذا كنت ~~تقول؟ لو كنت أسيرا في الوطن اليوم أيها الغني فماذا يفيدك مالك وأنت لا تستطيع أن ~~تبتاع به لوازم العيش؟ بل لو كنت من أصحاب السيادة والجاه هنالك وجاءك أمر الحكومة ~~أن ادفع ألف ليرة عن بلادك، فإنك تدفعها صاغرا، وتراها تصرف في سبيل الظالمين ~~العتاة من يجوعون اليوم إخوانا لك في الوطن. # إخوان لنا هنالك يعيشون اليوم في هولين؛ هول المشانق وهول المجاعة، الفقير يموت ~~سغبا، والغني يموت رعبا، ونحن في هذه البلاد آمنون شر الاثنين يومنا زاهر وليلنا ~~هني، لا رعب يحرمنا النوم ولا جوع يحرمنا صفاء العيش. ومع ذلك ترانا نتردد إذا ~~جاءنا مستنجد باسم الوطن فنتعلل، وفي تعليلنا الرياء، ونبذل النصح، وفي نصحنا العار ~~والبلاء. والحق يقال إن أماجد فينا لا يشعرون قطعا بما يقاسيه إخواننا في الوطن، ~~قد خمدت فيهم المخيلة، اضمحلت قوة التصور، فلا عين لهم سوى تلك الظاهرة في رءوسهم، ~~ولا بصيرة سوى تلك التي تنبهها فيهم أقرب الأشياء إليهم. إني أرتأي إذن أن يصوم كل ~~سوري يوما واحدا كاملا ليذكر - إذ ذاك - الجائع، أجل، لنقتد ولو يوما ~~واحدا بيوسف الصديق. # وللصوم فوائد جمة غير التي تعدها الكنيسة ويحددها الدين، على أني أقول للمتدين ~~التقي: صم واسأل الله الفرج واليسر لإخوان لك في الشدة، وإلى الأديب أقول: صم تتنبه ~~فيك المخيلة، وتنفتح فيك عين الروح، وإلى الغني أقول: صم تر الجائع ولو كان ~~بعيدا عنك ألوف الأميال فترثي لحاله، وإلى المتألم من المعدة أقول: صم تبر، ~~وإلى النهم الأكول ms429 أقول: صم يوما تتحقق النعمة التي أنت فيها، وإلى النساء أقول: ~~صمن وحرضن الرجال على الصوم. # لا أريد أن أزعزع إيمان من آمن بالصوم والصلاة، ولا أن أدغدغ ريب مرتاب، ~~فلكل طريقته أو بالحري قصده في الصوم، ولكل فائدة، إن الصوم من وجهة دينية ~~مفيد، ومن وجهة علمية مفيد، ومن وجهة اقتصادية مفيد، ومن وجهة صحية مفيد. # وليس الغرض من مقالي هذا أن أذكر الجائع فقط، بل أريد أن يكون له من صومنا قليل ~~من العون على جوعه، فإن ليوم الصوم الذي ينبغي أن يكون عموميا فائدة مادية كبرى، ~~كل منا يصرف دولارا - في الأقل - على طعام يومه، دولارا نحرمه أنفسنا ونعطيه ~~الجائع، فأية خسارة نخسر؟ إنما هو عمل جليل جميل مبتكر، فيه دليل واضح على قوة ~~روحية فينا تدعمها الإرادة ويزينها رقيق الشعور والإحسان. # في الولايات المتحدة وكندا مائتا ألف سوري، فلو صام كل منهم أو أكثرهم يوما ~~واحدا وبعث بمصروف ذلك اليوم دولارا أو دولارين أو نصف دولار إلى لجنة إعانة ~~المنكوبين لجمعنا بهذه الطريقة وحدها في الأقل مائة ألف دولارا. # إني وربي جاد مخلص في ما أقول، ولست أبتغي الباطل المستحيل، إن مثل هذا العمل ~~لا يستوجب سوى شيء من العزم وقليل من الإرادة، وحبذا الجرائد المعقبة على هذا ~~الرأي إذا استحسنته، وحبذا الإكليروس مبشرين به، يوم صوم عمومي، نادوا به وادعوا ~~إليه الناس، يوم مقدس يسجل لنا في تاريخ نكبتنا، ناهيك بأن مثل هذا العمل يكبره ~~الأميركيون فيذيعون خبره في جرائدهم، وفي هذا فائدة كبرى، فائدة أخرى لنا، يوم ~~صوم تعينه اللجنة أو الإكليروس فنتوفق فيه - إن شاء الله - إلى جمع مائة ألف دولار ~~في الأقل، وما أجمله يوما إذا تقدم اليوم الذي سيعينه رئيس الولايات المتحدة ~~لإعانة المنكوبين في سوريا، فإنه ينبه الأميركيين إلينا فتكون التبرعات في الكنائس ~~ضعف ما قد تكون. # من أغنيائنا من يصرف عشرة وعشرين دولارا على عشائه، ومنهم من يصرف مائة دولار في ~~ليلة واحدة، زادهم الله خيرا وكرما، ولكن عشاء ms430 واحدا يحرمه الغني نفسه ويخصص به ~~الجائع؛ لأجمل في عين الله والناس من مائة مأدبة فخيمة، وما فضل الإنسان على ~~الحيوان إذا كان لا يستطيع أن ينكر ذاته يوما واحدا ليقي أخاه ويل الجوع؟ ما فضل ~~المرء إذا كان لا يستطيع التقشف يوما واحدا في أيام يسره وإقباله؟ # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا ~~هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير ~~(الآية). # وقد يزيل الله نعمته عنك غدا أيها الغني فتكره على تقشف لا فضل لك فيه، وقد ~~تذكر إذ ذاك الجائع ولا تستطيع إسعافه فتندم على ما فات ولا ينفع الندم، اذكر ~~الجائع في إقبالك، خصصه بشيء من يسرك صاف لوجه الله، صم يوما واحدا مع من يصوم ~~أشهرا وكن من المحسنين المقربين. # كراغزمور، نيويورك في 1 آب، سنة 1916 # الجوع # إذا نضبت في البلاد الأنهار، واستحالت السماء نحاسا حاميا ترسل أشعة شمسها نقمة ~~وانتقاما، فتحرق الأشجار، وتأكل النبات، وتجفف الأرض، وتجعل الحقول كالصحراء، يحدث ~~في الناس مجاعة لا يد جانية فيها للإنسان. # وإذا غزا الجراد زرع أمة ومروجها، يلتهم الأخضر واليابس كشمس النفود في ~~الصيف، فلا يترك وراءه شيئا يصلح للغذاء؛ يحدث في البلاد مجاعة لا يد أثيمة فيها ~~للإنسان. # وإذا ألقى الوباء في أمة عصاه، وشرع يفتك فيها فتكا ذريعا أوجب عليها ~~النطاق الصحي فأبعدها عن خيرات الأرض دون تخومها، قد تجهز عليها مجاعة لا يد جانية ~~فيها للإنسان. # وإذا كانت أمة في حرب فحاصرها العدو وحبس عنها الزاد فأبت التسليم صاغرة، قد ~~تهلك جوعا، ولا ذنب في ذلك على العدو أو عليها. أما إذا وطأ الجيش المحاصر أرضها، ~~وأبت البقية الباقية الرضوخ والاستكانة، ملجة في العصيان، فقد يتخذ الفاتح التجويع ~~طريقه للاستيلاء التام، وقد يكون الذنب في ذلك عليها. # ولكن أمة طائعة أولياء أمرها، أمة مخلدة إلى السكينة، أمة بريئة طاهرة ~~الذيل، تربأ على الضيم صبورة، سكوتة، جلودة، لا تزال تربتها في الأقل جيدة، ~~وأنهارها جارية، وسماؤها مقيمة على عهودها، ترسل غيثها ms431 رحمة وخيرا؛ في مثل هذه ~~الأمة لا تحدث مجاعة إلا لأحد أمرين، لجهل فيها أو لجور في أولياء أمرها. # والمجاعة التي لا يد فيها للطبيعة أو للقضاء أو لله إنما هي جناية الإنسان الكبرى ~~على أخيه الإنسان. # إن خيرات الأرض لتكفي أبناء الأرض. وإن التكافل والتعاون لمن أوليات الوجود ~~الإنساني، الوحشي منه والمدني. فإذا أغفلنا الآن البحث في أسباب المجاعة ونظرنا في ~~نتائجها فقط تحتم علينا النظر أيضا في الطرائق الفعالة لإزالتها، ولإزالتها ~~سريعا. # أمة صغيرة في بقعة قصية من الأرض تتضور اليوم جوعا، وأمة كبيرة، عزيزة ~~الشأن، عظيمة الصولة، يفيض عنها من خيراتها، أليس من العدل إذا، بل من الواجب ~~المقدس، أن نأخذ مما فاض عن هذه لنطعم تلك الجائعة؟ نعم، وما يصح في الأمم يصح في ~~الأفراد. هذا التعديل في خيرات الأرض عدل لا فضل فيه لمن أعطى ولا شكر عليه ممن ~~قبل العطاء. # الأمة المنكوبة أمتنا أيها الناس. الجياع فيها إخواننا. وإن الفائض عنا ~~اليوم لا حق لنا فيه. لا والله، ليس ما فاض من خيرنا اليوم لنا بل هو للجياع في ~~بلادنا. ولو كنت من أولي السيادة والسلطان لأخذت اليوم من الشبعان لأطعم الجائع. ~~لفرضت على كل سوري مقدارا من المال يدفعه - راضيا أو مكرها. # وماذا يضر السوري لو دفع اليوم دولارا واحدا لإغاثة إخوانه في الوطن؟ دولارا ~~واحدا على كل سوري الفقير والغني سواء. # إني من أصحاب الرأي لا أصحاب السيادة. لذلك لا أستطيع أن أضرب ضريبة هي حق - ~~والله - على كل سوري. ولكني عملت بطريقتي وبحقي فدعوت إخواني في المهجر في مقال ~~سبق إلى الصوم يوما واحدا يدفعون ما يوفرون فيه إعانة للمنكوبين. وقلت إننا إذا ~~خبرنا الجوع نرثي لحال الجائع فنسرع لإغاثته. # وكي لا يقال إني أبشر بما لا أفعل؛ بدأت بنفسي عاملا برأيي. فإني محاسب لقلبي ~~إذا مال وللساني إذا قال. لذلك صمت عن الأكل والشرب والتدخين يومين وصالا، ودفعت ~~نفقة يومين إلى اللجنة، وجئت في هذا المقال أطلع القارئ على ما ms432 خبرته من نتائج ~~الصوم ومفعول الجوع، وإذا كانت كلمتي في الصوم ذهبت أدراج الرياح فعسى أن يؤثر عملي ~~فيحمل إخواني في المهجر على الاقتداء بي. # من الساعة السابعة مساء حين بدأت أصوم حتى الساعة الثالثة بعد الظهر في اليوم ~~الثاني لم أشعر قط بالجوع. ولكني أحسست بطنين في أذني، وبتجفف في لساني، وبشيء ~~من المرة في فمي. على أني في الساعة السابعة، أي: بعد مرور أربع وعشرين ساعة، ~~بدأت أشعر بالجوع وبالعطش وبشيء من الدوار. # كنت أصيل ذاك النهار أتمشى وصديق لي في أحد شوارع المدينة، فمررنا بمطعم ~~صفت في شباكه أنواع الخبز والكعك والحلويات، فوقفت أمام الزجاج الحائل دوني وتلك ~~الجنة ناسيا ذاتي أتمثل في نفسي ولدا فقيرا جائعا لا فلس في يده يفثأ به سورة ~~جوعه. اخترقت الزجاج عيناي وما فيهما من نهمة إلى الأكل، فتحلب اللعاب في فمي، ~~فغصصت بمر مذاقه، ثم غصصت هذا وأنا لا أشعر حقا بمضض في الألم في معدة فارغة وقلب ~~يقتر شواء، لأني أجوع مختارا، والمسكين الذي صورته أمامي، بل أمام تلك المآكل ~~المصفوفة وراء الزجاج، يجوع مكرها. إن جوعي ينتهي ساعة أريد، وأما جوعه فلا يزول ~~إلا ساعة يتصدق عليه أحد المحسنين. ألا إن حالة اجتماعية توجد مثل هذا المسكين ~~الجائع لحالة ذميمة، منكرة، فاسدة ، جهنمية. وإذا كانت كذلك فكيف بها والمسئولون ~~عنها يجوعون عمدا أمة بأسرها؟ # لقد شاركتك جوعك يا أخي فتعال أقاسمك كسرتي، عله تعالى يبعدني من ذي الحاجة ~~والاستجداء الذي هو أشد ويلا من مضض الألم الذي يولده الجوع. ألا فليردد كل سوري ~~هذا الكلام، هذا الابتهال. وليتمثل حول مائدته الفاخرة صبيا فقيرا عضه الجوع، ~~أنهكه، أقعده، أضناه، أورثه الهزال والخبل، فيسارع إلى إغاثته. # من غريب أمر الصوم أن صاحبه لا يشعر بالجوع إلا في الساعات التي اعتاد أن يأكل ~~فيها. فإني بعد أن نمت الساعة العاشرة استفقت نصف الليل ولا أثر في نفسي للصوم كأني ~~قضيت البارح وقد أكلت - على عادتي - ثلاث مرات. # ولكني نهضت صباح اليوم ms433 الثاني وفي ساعة الفطور نهمة إلى الأكل. هذا - ولا شك - ~~من قبيل العادة. على أن مظاهر الجوع ازدادت نوعا وشدة. فتحت فمي فإذا به ~~كالقطن جفافا. بلعت ما تحلب من رضابي إذ مررت بركوة القهوة فإذا به أمر ~~من الحنظل. نظرت إلى لساني فإذا به أبيض كالحليب. لمسته بإصبعي فإذا به كعباءة ~~الراهب خشونة. أما أذناي فازدادتا طنينا، وأحسست أن رأسي جسم غريب ركب مؤقتا ~~بين كتفي. نزلت الدرج وعدت إلى غرفتي فانتابني نوبة من الارتعاش شديدة أقعدتني ~~بضع دقائق وأنا أرتجف حتى أطرافي. وكنت أثناء ذلك أحس بموجات حارة تتماوج في داخلي ~~- وبالأخص في جوار المعدة. # فقلت في نفسي قد عضك الجوع يا رجل، قد دنوت من إخوانك في الوطن. نعم بدأت في ~~اليوم الثاني أشعر بالجوع وأتألم من شعوري. كيف لا وهذا الضعف في رجلي - وبالأخص في ~~مفاصلي وركبتي - إنما هو احتجاج المعدة على صاحبها، بل على باريها، بل على من في ~~أيديهم خزائن الأرض، المسئولين عن توزيع خيرات الدنيا على عباد الله. # مررت بركوة القهوة ثانية فوقفت أمامها راغبا مترددا. ثم امتنعت لأني آليت على ~~نفسي أن أصوم يومين كاملين. وفي البيت المقيم فيه أناس في الدور الأسفل يطبخون ~~طعامهم فتتصاعد أحيانا روائح المطبوخات فتسطع في منزلي وتزعجني جدا. ولكن اليوم ~~يوم الصوم والجوع. وإن امرأ يقتر شواء يتصاعد صوت نشيشه من فوق النار إلى منزلي ~~لأحب عندي من مطرب أو مطربة. وإن روائح الشواء. والأبازير في أنفي لألذ من ~~روائح المسك والبخور. # ولت ساعة الفطور وولى معها مضض الجوع ولا غرو، فإن للعادة حتى في الأكل - ~~كما قلت - تأثيرا شديدا. إذ ما السبب يا ترى في رغبتي بالطعام ساعة اعتدنا الأكل ~~وفي نسيانه بل الرغبة عنه في سواها؟ أما الفكر مني ففي اليوم الأول من صومي كان لا ~~يزال رائقا صافيا، ولكنه في اليوم الثاني أصبح خاسئا حسيرا. # ومن غريب أمر الصوم أيضا أن الذي يصوم يومين يستطيع أن يصوم خمسة بل عشرة ~~وصالا. في مساء ms434 اليوم الثاني لم أشعر بشهوة إلى الأكل شديدة كمساء اليوم الأول. ~~وقد قرأت أخبار أناس صاموا أسبوعين وثلاثة دون أن يتعطل فيهم عضو من أعضائهم ~~الحيوية كالكبد أو الكليتين أو الرئة أو القلب. ومعلوم أن الأقدمين كانوا يكثرون ~~من الصوم والتنحس. فقد قال ابن خلدون: وقد شاهدنا من يصبر على الجوع أربعين يوما ~~وصالا. # على أنه لا ينكر أن الصوم أياما وصالا يفقد المرء قواه الجسدية والعقلية. فإن ~~العضلات والأعصاب لتتقلص وتذوب من الاقتيات مما كونت منه، وإن العقل ليخسأ ويمرض من ~~تشرب دم لا غذاء فيه. وبكلمة أخرى: إن الصائم طويلا، الطاوي أياما؛ يعيش على ~~لحمه ودمه، يأكل بالحقيقة نفسه. نعم إخواني، إن الجائع يعيش على لحمه ودمه، والجائع ~~كرها يقاسي من مضض الذل - ذل الحاجة وذل الطلب - ما هو أشد من مضض الجوع. # كتبت مرة نبذة أنتقد فيها بعض التعابير العربية التي نرددها نحن الكتاب وقلما ~~نتحقق معناها. من جملتها قولنا: «الجوع المدقع» فاستغربت إذ عدت إلى القاموس النعت ~~وقلت إن لا أحد يجوع جوعا يلصقه بالدقعاء - أي: التراب - إذ مهما اشتدت سورة الجوع ~~لا تبلغ درجة يصح أن ننعتها بالدقوع. # ولكني تحققت اليوم خطئي. فإن الجوع يوهن، يهزل، ينهك، يقعد، يهلك. وإن كان الجائع ~~هائما في البرية يطلب الأعشاب يقتات بها فليس من الغريب أن يسقط في الطريق من شدة ~~الجوع. نعم، رأيت كلاب السوق في الشرق في جوع ألصق بطونهم ووجوههم بالتراب، وكنت ~~أجل البشر عن ذلة الكلاب وجوعهم. # فوا أسفاه! إننا لنتحقق اليوم من حال بلادنا صحة التعبير العربي، بل تحققنا ~~التقصير فيه لا الغلو. إن ألوفا من إخواننا مطروحون اليوم في الطرق والأسواق ~~تتلاشى أجسامهم عضوا عضوا، عيونهم شاخصة إلى الشمس نهارا وإلى السماء والنجوم ~~ليلا، يسألون باري الأكوان كسرة من الخبز. قلوب واجفة، أبصار خاشعة، نفوس حزينة ~~حتى الموت، معد تلتصق بالأضلع منهم كما تلتصق أجسامهم بالدقعاء. بالتراب. في فمهم ~~المرة الصفراء - مر الحياة - يبتلعونها ثم يبتلعونها، وفي أعصابهم المتقلصة غصص ~~الرعشة، وفي ms435 أجسامهم المرض والوهن. # شيوخ وأطفال، نساء ورجال، يسارعون إلى المدينة من الجبال علهم يلتقون في ~~أسواقها ومن فضلات ذوي اليسار فيها كسرة من الخبز، فيتساقطون في الطرق كورق الخريف، ~~وقد استحوذ عليهم الجوع المدقع. أفلا تشاركهم جوعهم يوما واحدا. أيها السوري؟ ~~أفلا تمدهم بنفقة يوم من أيام يسرك؟ # لو مر بهؤلاء المناكيد الجياع وحش ضار أو عقاب كاسر لمال بوجهه عليهم، لرثى ~~لحالهم. وإننا نعلم أن في الحيوان غريزة هي أشرف من غريزة الإنسان التي أفسدتها ~~المدنية والتكالب فيها. من الطيور من يطعم صغارها من قلبها إذا لم تجد لهم ~~رزقا. # أيها السوري النائي عن إخوانك المنكوبين، جئت أخبرك خاشعا لا مفاخرا أني صمت ~~يومين، فأنهكني، أقعدني يوم واحد من الجوع. فكيف بمن يصومون أياما، بل أسابيع؟ ~~اليوم اليوم! من كان غنيا فليستعفف من كان مترددا في التبرع فليتقدم. من كان ~~متقاعدا فلينهض. من كان في سبات فليستفق. وما الفائدة من القول: غدا غدا. إن مثل ~~هؤلاء المستحجرة قلوبهم الذين يلوحون بثربدتهم للجائع لأقرب إلى الضاري من ~~الحيوان منهم إلى الإنسان. # قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت # ويبتلي الله بعض القوم بالنعم # الصوم! التقشف يوما واحدا تملكون تلك النفس منكم الشارهة إلى اللذات. إن مثل ~~هذه السيادة على أنفسكم لأشرف من وجاهة يجرها لكم المال. صوموا يوما واحدا ~~وتصدقوا علينا بدولارين مما رزقتم. الأمة أمتنا جاثية على قارعة الطريق ~~تئن من ألم الجوع - الجوع المدقع - الجوع المهلك. فهلا تسارعنا بل تسابقنا إلى ~~إغاثتها؟ «أليس بلسان في جلعاد؟» # الشحاذة # من أنعم النظر في الصالح من أعمال الناس، كبيرها وصغيرها، ظاهرها وباطنها، خصوصية ~~كانت أو عمومية؛ تحقق ما للمآرب النفسية فيها من المكانة والأهمية. وبعد النظر في ~~طائفة منها، في الطبقات العالية كانت أو في ما دونها من الهيئة الاجتماعية؛ يرى ~~أنها تقسم إلى قسمين: تلك التي تنحصر تماما في الأنانية، وتلك التي تتجاوز ~~الأنانية إلى شيء من الغيرية. # وبكلمة أوضح: من أعمال الناس ما تنحصر فائدتها في أصحابها فقط، ومنها ما ms436 يلحق ~~الغير بعض فوائدها. وقد يندر اليوم العمل المجرد عن كل مأرب نفسي أو غاية ذاتية، ~~العمل الذي فيه نكران الذات، وصافي المبرات. أما نكران الذات ففكرة قتلها التمدن ~~الحديث. وأما صافي المبرات فلا تجدها اليوم سوى في كتب الأقدمين وسير ~~القديسين. # وقفت عند كتابة ما تقدم لأشعل القنديل، فوقع نظري على كتاب كنت قد طالعت الليلة ~~البارحة فصلا منه أزال من نفسي مفعول ساعات في أحد الملاهي. الكتاب للقديس ~~إفرنسيس الأسيسي وفيه من جميل أعماله، وعجيب كراماته، ولطيف سيرته، ما قد يضحك رجل ~~اليوم المفاخر بروح العصر، المكبر نفسه، العامل إطلاقا لها. ولكنه ينعش ويبهج من ~~لا يزال في قلبه شعلة من الإيمان. # فتحت الكتاب وقرأت فصل العشرين منه وفيه أن إفرنسيس الأبر ذهب يوما إلى الغاب ~~خارج المدينة ليقابل الذئب الذي كان يغشوها فيقتل من أهلها ويخرب من أعلاقها فالتقى ~~به وهو قادم البلد يطلب فريسته. فكلمه باسم الرب والسيد المسيح وخطب وداده، وأمره ~~أن يرعوي عن غيه، وهداه فوق ذلك إلى الدين المسيحي! قرأت القصة ولبثت برهة بين مصدق ~~ومكذب، بين مؤمن ومرتاب. وأظنني ضحكت منها في قلبي إذ ألقيت الكتاب جانبا لأعود ~~إلى ما باشرت من هذا المقال. # جمح القلم في يدي إذ جلست إلى المنضدة أفكر في أسلوب لكتابة ما خبرته في يوم سبق ~~من أمر الشحاذة. ولا أكتم القارئ أني شحذت يومين من أجل المنكوبين في بلادنا وقد ~~علم أني صمت من أجلهم يومين أيضا. ولكني لم أصم على طريقة الأبرار والقديسين. وهذا ~~ذنبي. عملت عملا لا شك أنه صالح ومفيد ولكني شوهته بمقالة أعلنته فيها، فألفت ~~أنظار الناس من عملي إلى نفسي. على أني أتعزى بكلمة للإمام علي - رضي الله عنه - ~~«سيئة تسوءك خير عند الله من حسنة تعجبك.» # لماذا إذا أعيد اليوم فعلة أخذني فيها شيء من الندامة؟ ما الدافع إلى الكتابة؟ ~~العجب، الشهرة، المجد الباطل؟ لا أنكر ولا أدفع ما نالني منها. إلا أني لست وحدي ~~المسئول عنها؛ إذ لو كان ms437 لي أن أتنكر لفعلت. ولو جاءني جني بالقبع الأخفى ~~للبسته وخرجت أشحذ لوجه الله. وهل أكون راضيا تمام الرضا بالتنكر وما فيه من نكران ~~الذات يا ترى؟ سؤال لا أستطيع الجواب عليه؛ لأنني لم أخبر حقيقة أمره، وقد لا يأتي ~~بالفائدة التي أتوخاها. # وهل في الكتابة في الشخاذة الآن شريف قصد أو كبير فائدة؟ لست أدري. ألا تدري؟ إذن ~~لا تكتب. إن شر ما يسوده ويبيضه الكتاب اليوم مقال لا يقين ولا اعتقاد ~~فيه. # سمعت هذا الصوت خاشعا وقلت: طوعا وكرامة. إذن لا أكتب. وإذ هممت بتمزيق ما ~~سودت من الأوراق طرق الباب طارق ففتحت فإذا هنا شيخ طاعن في السن، نحيل الجسم، ~~بهي الطلعة، في ناظريه ضياء وهاج، وعلى فمه ابتسامة جميلة، وهو يستأذن ~~بالدخول. # دخل وجلس على الديوان، فجلست على كرسي قباله قائلا: أيتفضل حضرة الزائر باسمه ~~وقصده. # فقال - والابتسامة تنير وجهه: رأيتك البارح في الشارع يا ريحاني ورافقتك ~~متنكرا. ~~- أمر عجيب! ~~- عجيب في نظرك لا في نظري. وقد سمعتك الآن تناجي نفسك وتناقشها الحساب. # فأدهشني بل هالني كلامه فاستحوذ علي السكوت. # ثم قال: «جميل ما فعلت. ولكنك لست مقيما على الجميل من فعلك وليس في طاقتك ~~احتمال نتائج الخمول ونكران الذات. أنت ابن عصرك مثل سائر الناس. وفي قلبك مرض هو ~~مرض هذا الزمان. تقرأ في كتب القديسين فتضحك أحيانا مما تظنه وهما وخرافة. ~~وتحاول الاقتداء بالأبرار فتشوه بالإجهار أعمالك. على أن هذا مما لا يدعو إلى اليأس ~~في مثل حالك. إذا خلت الأرض من أناس يأتون بعجيب الآيات فيلينون أطباع الذئاب ~~ويهدونهم سواء السبيل - وفي مدينتكم اليوم كثير منها في صورة البشر - فذلك لأن ~~الإنسان قد فقد نعمة الإيمان وأعماله كلها - كما قلت في بدء مقالك الذي هممت ~~بتمزيقه - منحصرة في نفسه، مملوءة من أنانيته. ولكن كبار النفوس والأخلاق يقومون ~~بأعمال قد يفيض من منافعها على الناس. فيغتفر إذ ذاك ما فيها من حب الذات والغرور ~~بالنفس. قلت: إني رافقتك أمس ولكني لم أشاركك سرورك بفوزك، ms438 فإن الذين سألتهم ~~ريالا للجياع في بلادك فسبقت منهم الروح اليد والبشاشة العطاء؛ لخير منك. ~~بارك الله فيهم وأصلحك.» # قال هذا ونهض مودعا، فقلت وفي نفسي اضطراب يمازجه شيء من الغيظ: ولكنك يا سيدي ~~لم تتفضل علي باسمك. # فنظر إلي مبتسما مطمئنا ومد يده إلى جيبه وأخرجها فإذا هي نور يضيء كأنه ~~مصباح من الكهرباء كبير أشعل في غرفة صغيرة مظلمة. ملأ النور منزلي فأخفى الضياء ~~الباهر كل ما فيه من فرش وصور وكتب إلا كتابا. هو كتاب القديس إفرنسيس الأسيسي. ~~فدهشت، ذهلت، ارتعبت، وفركت بعد هنيهة عيني محملقا، فإذا أنا وحدي في الغرفة ~~والباب مقفل، والنور مضيء كالعادة، والأوراق التي كنت قد هممت بتمزيقها لم تزل في ~~يدي. # تبارك الله وتباركت آياته! فإني وإن صغرت دونها لمن الناظرين إليها في الفترات ~~الروحانية بعين الإجلال. وإني وإن كنت ممن لا يستحقون أن يلمسوا أردان أصحاب ~~المبرات والكرامات لمن الذين يجلون أعمالهم ويحبذون في مثل هذه الأيام العصيبة ~~الاقتداء بالقليل السهل منها. # احمل عصاك إذا وامش إلى الشحاذة، باسم المنكوبين ومن أجل الجياع في وطنك. وإذا ~~كان لا بد من الكتابة أيضا فللتذكير فقط. عل أفرادا من إخوانك يتنبهون إلى ما ~~فيهم من الإيمان الحي فيكبرونك برا ويفوقونك عطفا وإحسانا. # وما أجمل المباراة في المبرات ! # التعميم والتخصيص # التعميم والتخصيص، كلمتان شغلتانا شهرين عن نكبة الوطن. كلمتان زرعتا في قلوبنا ~~بذور الشقاق، أبعدتانا - كسوريين - بعضنا عن بعض، بعثتا في جاليتنا النيويوركية ~~نزعات ونعرات كاد يتلاشى ذكرها. كلمتان ألقتا بيننا الأحن والفتن، أضحكتا منا ~~السوريين داخل البلاد، وستحملان السوريين في مصر والأميركيين في هذه البلاد على ~~ازدرائنا واحتقارنا. # التعميم والتخصيص، كلمتان لا يعرفهما الموت، ولا تكترث بهما المجاعة. ولعمري إن ~~من واجبات السوري الأولى بل من واجباته المقدسة في هذه البلاد بالأخص أن ينسى أو ~~يتناسى اليوم كل ما يفسد جوهر الأمور، كل ما يحول دون المشروع لإغاثة ~~المنكوبين. # منذ باشرنا العمل وأنا وبعض الإخوان نحبذ الاتحاد وننشد الوفاق. قلت - ولا ~~أزال أقول: ms439 إن مشروعنا هذا لا ينجح نجاحا تاما دون أن نوحد كلمتنا، ونوحد ~~غايتنا، ونوحد عملنا. وأشهد بالله أني وإخوانا لي في اللجنة وخارج اللجنة مجردون ~~عن كل غاية سوى الغاية الجوهرية الكبرى من المشروع. وإني لأرفع هذه الغاية على كل ~~قانون، وكل نظام، وكل فلسفة، وكل حزب، وكل عظيم فينا. # أنا في هذه اللجنة خادم المنكوبين في سوريا، لا المتحزبين والمشاغبين في نيويورك. ~~وطني الجائع، وطني البائس، وطني المشرف على الموت، لا أرى اليوم سواه، ولا أسمع ~~نداء سواه ولا أعرف سواه، ولا أكبر مصيبة سواه. وفي هذا أنا من المخصصين لا ~~المعممين. # ولا يظن السوريون أني متفرد بهذه العاطفة الوطنية. كلا. إني أرى فينا - في ~~نيويورك وخارجها - كثيرين ممن يقولون قولي، ويشعرون شعوري، ويعملون عملي. # لا يزال - والحمد لله - في الجالية السورية النيويوركية بصيص من الضمير الحي. لا ~~يزال في السوري - على ما فيه من الأنانية الشديدة - عاطفة سامية جميلة تغلو على ~~أمياله وأهوائه. لا يزال - والحمد لله - فينا من يتطلع من كوى النزعات القروية ~~والسياسية والشخصية إلى اللب دون القشور. فهو إذا قال: بلدتي، وأبناء بلدتي. يعمل ~~في الحقيقة لوطنه، وللجياع في وطنه. # التخصيص والتعميم، كلمتان في كلتيهما حق، وفي كلتيهما تضليل. جميل بالمرء أن يخصص ~~أولا أبناء بلاده بإحسانه. وأجمل من ذلك أن يتناول إحسانه غير أبناء ~~بلاده. # ولكننا نحن السوريين من الأمم الصغيرة والمستضعفة. ومع ذلك ترانا نحسن دائما ~~إلى سوانا. أذكر أننا في نكبة الطليان في سيسيليا كان سوريو المهجر في مقدمة من ~~مدوا يد الإحسان لإغاثة المنكوبين في تلك الجزيرة. وغيري يذكر غيرها من أمثولات ~~البر التي تبرهن على غيرتنا، على إنسانيتنا، على عاطفة كرم هي من أخص حسنات ~~السوري. # فما بالنا - وشعورنا الإنساني لم يزل حيا سالما فينا - ننادي بالتخصيص؟ ما ~~بالنا - وكلنا سوريون، سليقة الكرم فينا شرقية، وعاطفة البر فينا غريزية - نتقاعس ~~ونتردد في إغاثة المنكوبين في وطننا العزيز؟ # إن التخصيص القروي في حالنا، ونحن بعيدون عن الوطن ولا علم لنا بأماكن ms440 النكبة ~~ومقدار شدتها في كل قرية؛ لمن المبادئ الفاسدة نظرا وعملا. # أنا من قرية صغيرة في لبنان تدعى الفريكة. سكانها لا يتجاوزون المائة عدا كلهم ~~من المزارعين. ولا ريب في أنهم كلهم اليوم في حاجة إلى الإسعاف. فلو قلت بالتخصيص ~~القروي أو البلدي، لوجب علي وحدي في هذه البلاد إغاثة أبناء قريتي. وقد لا أتوفق ~~إلى ذلك. ومثلي - لا شك - كثيرون من القرى الصغيرة في سوريا ولبنان. فهل التخصيص من ~~هذه الوجهة حق، وهل يأتي بالفائدة المرغوبة؟ # وهناك سوريون كثر عددهم، وجزل خيرهم، قاموا يخصون بلدتهم بإحسانهم. وقد لا ~~تحتاج بلدتهم إلى كل ما يجمعونه من المال. فهل يجوز يا ترى أن يمنعوا إحسانهم عمن ~~لا عضد ولا عون لهم؟ وهل يستقيم في عملهم معنى الإحسان الحقيقي؟ إذا كنا ننهض نهضة ~~واحدة - كسوريين - لإغاثة الأجانب في نكباتهم أفلا يجدر بنا اليوم أن نعمل كذلك ~~لإغاثة إخواننا في الوطن؟ # التخصيص من هذه الوجهة مبدأ فاسد. في مثل هذا التخصيص تضليل وتقصير، ناهيك ~~عما فيه من الأثرة وحب الذات. # على أننا إذا قلنا بالتعميم في إحساننا، إذا قلنا بإغاثة المنكوبين في وطننا ~~الأشد حاجة منهم فالأشد، ففي قولنا هذا شيء من التخصيص. بل فيه معنى التخصيص ~~الحقيقي. فاللجنة السورية اللبنانية لإعانة المنكوبين إنما هي لجنة تخصيص بالنسبة ~~إلى اللجنة الأميركية العمومية. وهذا التخصيص في التعميم إنما هو المبدأ الوطني ~~الذي لا يزال سائدا معززا في العالم. وجدير بالأمم المستضعفة - في الأخص - ~~ألا تسترسل إلى نزعة هي أصلا بدوية، نزعة القبائل التي يقال فيها: «إن عيشها في ~~رماحها» كل قبيلة، بل كل عشيرة، بل كل بيت لنفسه. # إن ضعفنا كأمة صغيرة لمن دواعي الشدة التي نحن فيها. فكيف بنا إذا ~~جزأنا ضعفنا مائة جزء، لا صلة بعضها بين البعض ولا عاطفة وطنية أو عاطفة إحسان ~~تربط بعضها بالبعض. إنما هذا عود إلى البداوة أيها الناس ونحن عن البداوة اليوم ~~بعيدون. فأناشدكم بالله أن نعمل كأمة جمعت كلمتها ووحدت غايتها؛ ليكون لنا من ~~ضعفنا ms441 شيء من القوة. # قلت إن لا يزال في الجالية السورية النيويوركية بصيص من الضمير الحي، من الإحسان ~~الحقيقي، قد يستحيل غدا لهبة جميلة، بل نورا سماويا. وبرهاني على ذلك آخذه من ~~قانون بعض اللجان الخصوصية التي أنشئت لغاية محدودة ولوقت محدود، فهي كلها تعترف ~~بوجوب بل بوجود لجنة عمومية. وتقرر في قانونها أنها لا تناهض عقدها، بل تعضد كل ~~مشروع وكل لجنة عمومية لإعانة المنكوبين. فهذا بصيص من الضمير الحي حول رماد ~~الغايات الذاتية، والمآرب الخصوصية والمنافسات السياسية. # إخواني السوريين: لست - وأيم الله - ممن يحملون عليكم بالتشنيع والتقريع. إني ~~لعالم بضعفنا وبمواطن الضعف في سوانا من الشعوب. فلا فائدة اليوم في التأنيب ~~والتثريب. # قلت: إن اللجان الخصوصية أنشئت لغاية محدودة ولوقت محدود، ولا ريب عندي أنها ~~كلها اليوم أجزاء حية عاملة مخلصة من اللجنة العمومية. وغدا - إن شاء الله - تجتمع ~~الأجزاء وتتوحد وتتدعم في اللجنة السورية اللبنانية لإعانة المنكوبين. # لجنة واحدة في نيويورك لا غير، لجنة واحدة عمومية. وسيحق لنا - إن شاء الله - أن ~~نفتخر بها، وبنتيجة مسعاها. لجنة واحدة نباري فيها لجنة إخواننا في مصر. لجنة ~~واحدة تبرهن للسوريين في الوطن وفي المهجر أننا كلنا اليوم نعمل يدا واحدة، وقلبا ~~واحدا، وروحا واحدة. # قد جمعتنا النكبة أيها الإخوان فقمنا نسعى للمنكوبين في الوطن أين كانوا. في ~~بيروت أو في لبنان، في الشام أو في طرابلس، في حمص أو في حلب، وللمنكوبين من كانوا ~~مسيحيين أو مسلمين. قد جمع الجوع بين أبناء الوطن، فليجتمع أبناء الوطن على ~~الجوع. # كتاب إلى صحافي # حضرة الصديق الفاضل محرر جريدة ... # أدهشتني منك كلمة في مقالك «إعانة المنكوبين» بل أحزنتني. قلت - أعزك الله ولا ~~أعز مقالك: الأمر المهم الآن هو أن يؤلف اللبنانيون المهاجرون لجان إعانة محلية - ~~أي: أن أبناء كل قرية لبنانية في المهجر يؤلفون لجنة ... إلخ. # فيا صديقي الذي كان حرا، هل أنت حقا من دعاة الوطنية الجديدة؟ هل أنت من ~~المبشرين بالروح القومية التي لا تعرف التقسيم والتحزب؟ هل أنت من أنصار ms442 ~~المبادئ الوطنية الشاملة العامة؟ هل أنت حر تسير أمام قرائك إلى الأمام؟ هل أنت من ~~قادة الرأي العام الذين سيذكرون في المستقبل إذا ذكر البناءون والمصلحون؟ إذا كنت ~~كذلك فالرأي الذي أبديته لا ينطبق قطعا على المبادئ التي نحن ننصرها ونسعى في ~~تعزيزها. إذا كنت كذلك فاقتراحك تأسيس لجان محلية اقتراح مضر بخطة وطنية طالما ~~فاخرت بها وجعلتها شعار جريدتك. # إن بليتنا الكبرى يا صديقي لهي في التفريق والتقسيم والتحزب، في التفريق الجنسي، ~~والتقسيم القروي، والتحزب الديني، بليتنا أننا لا نفكر في أمورنا الوطنية كوطنيين، ~~كسوريين، بل كشويريين وكسروانيين ومرجعيونيين ودمشقيين ... إلى آخره من السخافات ~~والضربات القروية. وما زلنا نفكر كذلك ونعمل كذلك، وما زال فينا من قادة الرأي ~~العام أناس يؤيدون هذه الفكرة السخيفة العقيمة الذميمة، فلا أمل - والله - بوطنية ~~ننشدها، ولا رجاء بتحقيق مبادئنا القومية الجديدة. # الفكرة القروية يا صديقي إنما هي السبب الأول في تقهقرنا وانحطاطنا، في شقاقنا ~~وضعفنا وفسادنا، الفكرة القروية فكرة سخيفة عقيمة، خسيسة ذميمة. إن الفكرة ~~القروية لمن أكبر أعداء الوطنية. فهل أنت وطني أم قروي؟ # إذا سمحت لي أن أجاوب عنك أقول بعد الجواب: لا تغمد سيفك إذا إلى أن تصرع ~~الفكرة القروية فنراها أمامنا مائتة. إن سم هذه الفكرة لمن أخبث السموم، ومن أول ~~نتائجه أنه يسري إلى البصر فيجعل صاحبه قصير النظر. خذ لك مثلا: قصدت الحكومة ~~اللبنانية مرة تبني طريق عربات بين قريتين وقررت أن يتقاسم أهل القريتين النفقات ~~مناصفة، فاحتج أحد الفريقين، أنهم لا يدفعون إلا ربع المصاريف؛ لأنهم لا يسافرون ~~كثيرا مثل سكان القرية الأخرى! # أمثل هذه العاطفة تدعى يا ترى عاطفة وطنية؟ أوبمثل هذه العاطفة تشيد أعلام ~~العمران وترفع أركان المدنية؟ إذا كنا لا نرى في التكافل والتضامن مصلحتنا ~~الخصوصية التي تتألف منها المصلحة الوطنية، فتربيتنا السياسية ناقصة فاسدة، ~~ووطنيتنا من زخرف الكلام الذي قلما نحسن سواه. # ساعدنا يا صديقي لننفي عنا هذه التهمة، ساعدنا لنقتل الفكرة القروية، التي هي ~~عدوة الوطنية. ساعدنا لنعزز - قولا وعملا - المبادئ ms443 القومية الجديدة التي لا ~~تعرف التقسيم والتحزب والتفرقة، ساعدنا لنزرع في العقل السوري بذور الحقيقة ~~السياسية الكبرى، وهي هذه: المصلحة الوطنية تتألف من المصالح الخصوصية، والمصالح ~~الخصوصية لا تقوم إلا بالتضامن والتعاون، الفرد للكل والكل للفرد، فإذا عملنا بهذا ~~المبدأ صرنا أمة ذات شأن، وإلا فعلى آمالنا الوطنية السلام. # | في الحرب وبعدها # في الدرجة الثالثة # 1 # من المشاهد التي لا أنساها حياتي مشهد الجنود الإفرنسية في ال «غاردي لست» ~~وال «غاردي تور» # 2 # مشهد رهيب خطير طالما استوقفني معجبا، أضرمني حماسة، هزني طربا، ضاعف ~~في حب فرنسا والفرنسيين، فوددت أن أكون منه لا من المتفرجين، غبطت رجاله على ما ~~شاهدوه، غبطتهم على ما نالوه من المجد، غبطتهم على ما خبروه وقاسوه، غبطتهم على ~~حياة أبعدتهم عن سفاسف الحياة وأنستهم ماديات الوجود. # كنت أجلس في القهوة ساعات أتأمل هذا المشهد العظيم فيتغير أمامي ولا يتغير، في أي ~~وقت من النهار والليل كنت أشاهد في المحطة وفي ساحتها أمواجا منه زرقاء بيضاء تموج ~~رائحة جائية، داخلة خارجة، من ساحات القتال إلى المدينة ومن المدينة إلى ساحات ~~القتال، فلا تكاد المحطة تفرغ من الجنود المسافرين حتى تمتلئ من القادمين، تأملهم ~~أيها القارئ، منذ ساعة كانوا في الخنادق، تحت عواصف المدافع وأمطارها، دخانها لم ~~يزل في عيونهم، أوحال الخنادق وغبارها وأوساخها لم تزل متراكمة على أثوابهم. ~~خوذاتهم وقد علقت في حقائبهم تفصح عن معارك خاضوها، غير لونها الدخان، شوهتها ~~شظايا القنابل، منها مكسرة، ومنها مثقبة، ومنها ما أمست أثرا من الآثار يحتفظ به ~~الجندي كما يحتفظ بأوحال الخنادق وأوساخها. # وتأمل العائدين إلى ساحات القتال بعد فرصة سبعة أيام، إن أثوابهم وحقائبهم لم تزل ~~هي هي، تطليها الأوحال، ويحجب لونها الحقيقي الغبار، فإن الأزرق أصبح رماديا ~~والأحمر بنيا مائلا إلى الذهب العتيق، أتذكر لون البحر إبان العواصف؟ إزرقاق ~~يتماوج بين لون الغيوم ولون الأفق المدلهم، هذا هو لون أمواج المجد التي كنت ~~أشاهدها في تلك المحطة في باريس. # تباركت أرض لا تزال تنبت مثل هؤلاء ms444 الرجال، تباركت روح لا تزال منشأ الشجاعة ~~والبسالة فيهم، قدست - والله - غبارهم وقدست الأوحال المتراكمة على جوانبهم، إنهم ~~أبناء فرنسا الحقيقيين، هم مصدر مجدها الباهر، هم أركان عزها وصولتها واقتدارها، هم ~~العاملون في تخليد ذكرها ومدنيتها، هم حماة روحها الجليلة التي أنارت العالم وحررت ~~الشعوب، هؤلاء هم ال «بوالو» # 3 # أبطال ال «مارن» و«السوم» و«فردون» # 4 # بل أبطال الحرية وحقوق الإنسان. # وإنه ليدهشك منهم سيماء وجوههم، لا الغم ولا الابتهاج، لا القلق ولا الضجر، لا ~~الخمود ولا الحماسة تبدو في ملامحها، هناك مسحة غريبة مبهمة بعيدة كالأفق، سرها ~~عميق، هادئة باردة ساكنة، هي كالحجاب وقد ألبستهم إياه الحرب، هي من نشأ الخنادق ~~وقد أشربت نارا وطليت دخانا، ترى الجندي منهم فلا تصدق أنه من الأبطال، تنظر ~~إلى عينيه فتنكر وجود الحماسة في صدره، خطواته ثقيلة كحقائبه، نظراته هادئة كنفسه، ~~قلما يبتسم وقلما يتكلم، كأن ما تشاهده منه إنما هو ذاته الهيولية، أما ذاته ~~المعنوية الروحية فكأنها لم تزل في الخنادق، أو كأن شبح الحرب لم يزل ملازما له ~~مستوليا عليه. # أدهشني أمر هؤلاء الجنود وحيرني، ولكني تيقنت حقا صدق الآية «المرء بأصغريه» بل ~~بأحد أصغريه في مثل هذه الحال، بقلبه فقط، تباركت هذه القلوب الكبيرة من أبنائك ~~أيتها الأمة المجيدة. # على أنني حزنت لما شاهدتهم يوما يركبون القطار في عربات الدرجة الثالثة منه، ~~الدرجة الثالثة لمجد فرنسا! الدرجة الثالثة لأبطال العالم! إنه لحيف - والله - ~~ولكنها الضرورة تقضي بمثل ذا الحيف. وددت مرارا أن أشاهد هذا الجندي البسيط في ~~الدرجة الأولى، يزينها ويشرفها بغباره وأوحاله، وما الرياش تفترشه السيادة أو ~~الوجاهة في هذه الأيام العصيبة غير ترف ذميم، ولعمري إن ما يفترشه الجندي ليليق ~~بالملوك، والدرجة الثالثة في القطار أصبحت الدرجة الممتازة. # لذلك سافرت يوم تركت باريس في الدرجة الثالثة علني أقترب من هؤلاء الأبطال ~~فأشاركهم ولو يوما واحدا في مشقة السفر، وهناك أمر آخر حبب إلي الدرجة ~~الثالثة، لما كنت أشاهد الجنود في ال «غاردي لست» كنت أتشوق إلى استطلاع ms445 أخبارهم، ~~إلى معرفة حقيقة أمرهم، إلى الدخول إلى مكنونات صدورهم، إلى كشف أعماق سرهم، رأيت ~~الضابط يمرح في أسواق باريس فراقني أناقة المظهر، وبهاء الطلعة، وجمال الثوب، ~~وسيماء العزم والحزم والنشاط. ولكني قلت إن ذلك من نتائج التدريب والتنظيم أما ~~داخلهم فقد يكون مضطربا متزعزعا، ورأيت الجنود المشاة ال «بوالو» الذين تدور ~~عليهم رحى الحرب، أبناء الخنادق والنار، رائحين جائين من ساحات القتال إلى بيوتهم ~~ومن بيوتهم إلى ساحات القتال، كأنهم من عمال المدينة، لا تهزهم بهجة العطلة ولا ~~يستفزهم الشوق إلى مشاهدة الآل والخلان. ويدخلون المحطة عائدين إلى جحيم الحرب ~~كأنهم عائدون إلى أشغالهم العادية أو إلى بيوتهم، ومع ذلك فقد خامرني بعض الريب مما ~~كنت أشاهد، فقلت: قد يكون ظاهرهم الهادئ الصامت نتيجة ما دوخت الحرب من داخل ~~أنفسهم. # حدثت بعضهم فكادت تكون لغتهم منحصرة بنعم ولا، كأن أصوات المدافع وأمطار القنابل ~~علمتهم السكوت وأفقدتهم عادة الحديث. فقلت في نفسي: علهم يخشون التبسط والإفصاح بل ~~تيقنت أن المرء في المدينة أيام الحرب - جنديا كان أو مدنيا - يجمجم الكلام ~~ويطليه، فيخالط آراءه شيء مما توجبه الحكمة والأحكام من التحفظ. أجل، إن لطفنا ~~مثلا لا يخلو في المدن من المصانعة وآراءنا لا تسلم من الضغط، وطالما تاقت نفسي ~~إلى مجالسة الجندي في زاوية بعيدة من دوائر الأحكام، من مراكز السياسة، من ضوضاء ~~الأسواق، من همس المقاهي، من ظل الجواسيس! وهذه فرصة اغتنمتها، فرصة في الدرجة ~~الثالثة نادرة. # فضلا عما كان يهزني من الشوق إلى الاقتراب من هؤلاء الأباسل الأشاوس؛ وددت ~~الاقتراب من أوحالهم، من غبارهم، من روائحهم، من أوساخهم، بل من روحهم الحقيقية ~~الخالدة الواقفة اليوم مجردة من أباطيل المجد وخزعبلاته، الممتشقة سيف الحق ~~والحرية، تلك الروح طي ذاك الثوب الأزرق الكمد البالي إنما هي التي ألبست فرنسا ~~اليوم حلة من المجد لا يبليها الزمان. # ركبت القطار من ال «غاردورساي» قاصدا إسبانيا، وقد أدهش قصدي بعض الأصحاب، ~~فتفننوا في التذكير والمداعبة، السفر في هذه الأيام جنون، كأنك لا تطالع الجرائد، ms446 ~~كأنك جاهل حقيقة الحال، لا فحم ولا عمال، لا بخار ولا كهرباء، قد يقف القطار بك في ~~بادية لا ظل فيها ولا ماء، ومحجتك إسبانيا! قد تصل سالما يا صاح لو كان لك هجين ~~تمتطيه. فلم أكترث بمثل ذا التثبيط والمداعبة، يممت المحطة باسم الله ووزير الشحن ~~والنقل، وعددت وأنا على الرصيف عربات القطار فإذا هي أربع عربات من الدرجتين الأولى ~~والثانية وعشر عربات من الدرجة الثالثة، فأعجبني من الشركة هذا النظام والاحتياط، ~~وسررت أن أكون من الأكثرية في صف المسافرين، والأكثرية هذه الأيام ممن وصفت، من ~~الجنود. # ستة منهم رفاقي في العربة، أحدهم جزائري أو إفرنسي في الزي التونسي الذي ذكرني ~~بجيش لبنان المنكوب التاعس، والبقية في الثوب البسيط الأزرق، الأغبر، الأسحم، أو ~~بالحري الملون بلون الخنادق، وبين هؤلاء كهل تجاوز الأربعين سنا، عمليق كبير ~~الهامة، شديد البنية، كث اللحية وجهه كالجلد إذا بل في الماء ونشر ساعة في ~~الشمس، وعيناه تحت حاجبين رهيبين جمرتان متقدتان، أما صوته فيا لله منه، لا يزال ~~يرن صداه في أذني، ولكن الرجل وضاء المحيا تنسخ ابتسامته غضبا تمثل في ~~جفنيه، وتزيل ما قد يعتريك من الاشمئزاز إذا سمعت صوته الخشن الجهوري، تمثله يصيح ~~بال «بوش» فيرجفون خوفا ورعبا، وما فتئت الألفاظ من فمه كجدول من الماء بين ~~الصخور ، لها ضجة، وللضجة في صدره صدى غريب. # جلس هذا العمليق تجاهي وجلس إلى جانبه شاب أمرد، أشقر اللون، أزرق العين، دقيق ~~البنية، لطيف الصوت فكه النفس، وأخذ يداعبه كأن له عليه دالة الصحبة فوق دالة ~~السلاح. ~~- لم يتغير عليك شيء حتى الآن، هذه العربات مثل الخنادق، تكتف واطو رجليك ~~وقل الشكر للوزراء. ~~- ولكنها خنادق متزعزعة يا بني، فها إنها بدأت تتحرك. ~~- كما يتحرك ال «بوش» أو الفيل. ~~- لا بأس يا بني، عطلة يقضيها مثلك في القطار خير من عطلة في المدينة. ~~- أو في باريس اليوم وقد خلت من أمثالك. ~~- ومن الفحم والحطب. # فقاطع حديثهما الجزائري قائلا: وما أحلى شمس إفريقيا اليوم! # فأجابه أبو اللحية: ms447 أما أنا فقد نسيت الشمس وأكاد أنكر وجهها إذا أطل. # ثم أشعل غليونه وبصق على الأرض (نحن في الدرجة الثالثة أيها القارئ، والخنادق ~~تنسي الجندي ما تعوده من آداب التمدين). # أما الجزائري فأخرج لفائف من جيبه ووزع منها على رفاقه ثم أشعل لفافة ووقف أمام ~~الشباك يتنشق الهواء. ~~- ما قولك؟ أتنتهي الحرب في الصيف المقبل؟ ~~- لو سألتني متى تنتهي حياتي لسهل علي الجواب. ~~- وماذا يهم متى تنتهي الحرب ما دام وزراؤنا بخير. ~~- سمعت أن الوزارة متزعزعة وأن وزير الحربية ... # الكلام للجندي الأمرد الذي قاطعه العمليق أبو اللحية هامسا كلمة في أذنه، فنظر ~~الشاب إلي - إلى الغريب - وسكت. # التجسس! الحذر من التجسس! عادة ألفناها في هذه الحرب فكادت تمسي ملكة فينا ~~كلنا. # وقد علمت بعد أن تعرفنا وتآخينا أنه ظنني تركيا أتجسس للألمان وكان في نيته أن ~~يتبعني حيث نزلت ليتحقق أمري - ليتجسسني - ولكننا شربنا في «تولوز» كأسا على ذكر ~~خطئه - ضاحكين. # بعدنا عن دوائر الحرب السياسية، ورحاها العقلية، فانقشع الجو قليلا، فتنفست ~~الصعداء، وكانت كل ساعة تمر تبعد الجنود أميالا عن ساحات القتال فأحسست ونحن نمعن ~~في السير جنوبا بارتياح منهم للحديث، وما لبث الأمرد أن تحقق أمري فقبل مني لفافة ~~تركية، بل مصرية، بل أميركية منتحلة اسما عربيا! وأجاب متلطفا على سؤال سألته، ~~أخبرني أنه من فيلق الأغراب الشهير. ولما علم أنني سوري لبناني هتف هتاف الدهشة ~~والاستحسان، ونهض من مكانه فجلس إلى جانبي يحدثني بلهجة لا تحفظ فيها ولا ~~تردد. ~~- بلادكم جميلة، يا موسيو، أنا لم أزرها، ولكني قرأت للامرتين وشاتوبريان، وكان ~~لي رفيق في الفيلق سوري، طالما حدثني عنها وشوقني إليها، السوريون شجعان، ~~وأعرف منهم من نال صليب الحرب، زماني لا أنساهم، قد حاربنا جنبا إلى جنب في ~~«شمباين» وفي «السوم» وفي «فردون» ونمنا في الحنادق جنبا إلى جنب، ولي منهم صديق ~~عزيز. # مد إذ ذاك يده إلى جيبه فأخرج أوراقا بحث فيها عن صورة أرانيها. صورته وجندي آخر ~~معه. ~~- هذا هو صديقي اللبناني، اسمه سليم، سليم ms448 ... ولكننا قلما نذكر الأسماء الحقيقية ~~في الخنادق، كنا ندعوه علي بابا - مازحين - وكان خفيف الروح، لطيف المعشر، حلو ~~المزاح، ذكي الفؤاد، ينظم الشعر ويتغنى به. وكم من ليلة في فترات القتال كنت ~~ورفاقي نجلس في الخندق على القش فيقص علينا قصصا شبيهة بألف ليلة وليلة، ويغني لنا ~~الأغاني العربية فيطربنا ويضحكنا كثيرا. وكان يخبرنا بما هو جار اليوم في بلادكم ~~فتتساقط الدموع من عينيه. مسكينة سوريا، مسكين لبنان، كنا نستمع حديثه آسفين غاضبين ~~فنود لو كنا هناك لنكسر رأس التركي، لنشفي غليلنا منه، لنمحو من الأرض ذكره ~~وأثره ... مسكين علي بابا! مسكين سليم! يا ليلي يا ليلي، لم أزل أذكر هذا النغم ~~الذي كان يتغنى به في سكون الليل وظلماته. # ثم مال محدثي بوجهه إلى رفاقه وطفق يسرد هذه القصة، وكنت قد سمعت كثيرا من مثلها ~~في باريس وتحققت شجاعة السوري في ساحة القتال تحت نار المدافع، وقرأت في الجرائد ~~كثيرا من وصف غرائب الاتفاق التي خلصت من الموت كثيرين من الجنود المستهترين، ~~ولكن علي بابا - الحديث للجندي. ~~- في ليلة مقمرة مثلجة، سكنت هنيهة فيها مدافع العدو شعرنا بشيء من الضجر ~~والملل فعقدنا الحلقة ونادينا علي بابا، فلم يجب، خرجت أبحث عنه فوجدته جالسا على ~~كيس من الرمل خارج الخندق تحت الثلج ورأسه بين يديه، فاقتربت منه فإذا به يبكي، ~~سألته الخبر فقال إنه وصله كتاب من آله في لبنان ينبئ أن ألوفا من السكان هناك ~~ماتوا جوعا، وإن ألوفا من المنكوبين يهيمون في الحقول والأودية يلتقطون الأعشاب ~~ليقتاتوا بها. فحاولنا أن نعزيه بما شاهده كل منا من أصناف الموت حولنا، والبعض ~~أساء مداعبته فاستشاط سليم غيظا وطفق يلعن الأتراك وال «بوش» ويندب حظ بلاده، وفي ~~تلك الآونة استأنفت المدافع هولها فجاء ضابطنا يقول: أريد منكم متطوعا، فكان سليم ~~أول من لبى الدعوة، كأنه يئس من الحياة فاستهتر، أو كأنه أراد أن يطفي نار ~~تغيظه في انتقامه من ال «بوش». ~~«خرج سليم توا ليقوم بواجبه، خرج كالمجنون، فتتبعناه بنظرنا من ms449 خلال الأسيجة ~~وهو يدب على الثلج خارج الخندق في ضوء القمر، دب حتى حاجز الشريط فنهض إذ ذاك ~~قليلا وبين هو يجتازه ...» # كمل الجندي عبارته بإشارة أفصح من الكلام، ثم قال: وما هذا بغريب، كثيرون مثله ~~أكلوا الشريط، كثيرون مثله ألبسوا إكليلا من الشوك، جاء الضابط ثانية يسألنا ~~متطوعا آخر، فتقدم منا اثنان كنت أنا منهما، فراح الأول يحمل أوامر القيادة وخرجت ~~أنا مسرعا لأنقذ صديقي علي بابا، دببت إلى المكان الذي سقط فيه فلم أجده هناك، ~~بحثت ثم بحثت عبثا وعدت حائرا إلى الخندق، وكانت إذ ذاك مدافع ال «بوش» تمطرنا ~~وابلا من النار، فقطعت الرجاء من عود السوري وتأسفت كثيرا عليه. # ولكن بعد ساعة أو أقل سمعت صوتا خارج الخندق يناديني باسمي، عرفت الصوت وخرجت ~~مسرعا، فإذا بشبح على بعد بضعة أمتار استوى واقفا وخطا بضع خطوات وسقط ثانية ~~على الثلج، سمعته يقهقه ورأيته يلوح بشيء في يده، فهرولت إليه فإذا به كما ظننت ~~علي بابا وبيده رأس ألماني هالني منظره في ضوء القمر ... «ابصق بوجهه، رأس تركي، رأس ~~غليوم، قطعته بيدي، خذ ابصق بوجهه ...» وكان يئن من جروح في زنده وكتفه دامية، وهو ~~ينطق بمثل هذا الكلام ويهذي كالمجنون أو المحموم، حملته على ظهري وهو قابض على ~~الرأس بلحيته يلوح به، وأسرعت عائدا إلى الخندق، ولكن قبل أن أصل أحسست برصاصة ~~أصابتني بل أصابت حملي، أصابت علي بابا في ظهره فاخترقت قلبه. مسكين علي بابا، ~~خلصني من الموت يا موسيو، لو لم يكن على ظهري لأصابتني تلك الرصاصة حيث أصابته. هذه ~~تقادير الحرب. # دفناه في الصباح متأسفين كثيرا عليه، وقلما تأخذنا عاطفة الأسف والحزن ~~ونحن تحت هطل المدافع ولهيب النار، ولكننا تأسفنا كثيرا على علي بابا، وإني ~~لأحزن يا موسيو كلما فكرت به، وذاك المشهد الهائل وهو قابض على رأس الألماني بلحيته ~~يلوح به في ضوء القمر، وتلك الضحكة المرعبة ضحكته، لا أنساهما حياتي، ولا أنسى ~~صديقي السوري ... سأحتفظ بهذه الصورة يا موسيو، كان سليم خفيف الروح، ms450 لطيف المعشر، ~~وكان شجاعا، حبذا لو كان لي يا سيدي أن أضحي بحياتي من أجل سوريا كما ضحى علي بابا ~~بحياته من أجل فرنسا. # الحق والقوة # قيل: إن الحق يعلو ولا يعلى عليه. وقيل أيضا: إن الحق للقوة. وفي كلا القولين ~~شيء من الخطأ وشيء من الصواب، في كلا القولين قياس لسلوك الناس والأمم يرعى ~~ويلغي عملا بما يسود الحياة من المطامع المادية أو الروحية. ففي القول الأول ~~حقيقة سامية نصفها ظاهر جلي، ونصفها غامض خفي، نصفها دائم أزلي، ونصفها ~~يتغير ويتلون تبعا للزمان والمكان، ووفقا لمطامع أولي الأمر والسيادة. مثل ~~ذلك: أنا كلنا نقول بإقامة الحق وتعزيزه. هذا هو النصف الأول الجلي من الحقيقة ~~الدائمة، ولكننا لا نتفق كلنا دائما على معنى الحق، وهذا هو النصف الثاني الخفي من ~~تلك الحقيقة. النصف الذي لا يدرك إلا ما ظهر منه، ولا يظهر إلا ما كان منه موافقا ~~لمصالح أشياعه. # أما القول الثاني: الحق للقوة. فالنظر فيه يتوقف على النظر في تاريخ صاحب هذه ~~القوة، فردا كان أو أمة، وفي الغرض الذي من أجله تستخدم تلك القوة. فإذا كانت ~~مثلا تستخدم دفاعا عن ضعيف مظلوم، أو عن حق مهضوم؛ كان الحق فيها ولها ظاهرا ~~لا يختلف في صحته اثنان. وإذا استخدمت في سلب أشياء الناس، ونهب بلادهم ، واستعباد ~~الشعوب الصغيرة، وهدم معاهد العلم والكنائس، فتلك قوة وحشية بربرية لا يقوم في ~~جانبها حق، ولا ينشأ عنها غير الإثم والضلال. # على أن الحق الذي لا يعلو ولا يعلى عليه إنما هو من الكمالات، إنما هو أمنية ~~من أماني النفس السامية، وقد يتحقق كله أو جزء منه في زمن من الأزمنة وفي شعب من ~~الشعوب. يتحقق وا أسفاه! إلى حين؛ إذ من حقائق الوجود المؤلمة المحزنة أن الكمالات ~~إذا وضعت موضع العمل لا تلبث أن يفسد شيء من كنهها فتمسي في حاجة إلى الترميم ~~والإصلاح، مثل ذلك في تاريخ الأمم دعوة النبي محمد إلى الإسلام، ودعوة الثورة ~~الإفرنسية الأولى إلى الحرية، فلولا القوة ms451 لما انتشرت الأولى في المشرق والمغرب، ~~ولما تكللت الثانية بالنصر في أوروبا جمعاء. # ولكن كمالات النفس والاجتماع كالجواهر الغوالي، إذا تمتع بها الإنسان، وتحلت ~~بها الأمم، يذهب شيء من رونقها وجمالها، فتحتاج إلى الصقل والإصلاح من حين إلى ~~حين. # الزمان والإنسان أفسدا العمل برسالة النبي وبرسالة الثورة الإفرنسية، فاستولى على ~~الإسلام الجهل والخمول، واستولت على الحرية السيادة المطلقة والمصالح المادية. ~~ولكن في كلتا الرسالتين - رسالة النبي محمد ورسالة الثورة الإفرنسية - جوهر الحقيقة ~~الأزلية الإلهية، فلا يدوم استيلاء الجهل والأطماع عليهما طويلا حتى يهب ~~أبناء من قاموا بتلك النهضتين العظيمتين ليعيدوا إلى الإيمان الطهارة والعز، ~~وإلى الحرية الصولة والمجد. # وهذا معنى الحرب اليوم في أوروبا ومعنى الثورة اليوم في بلاد العرب، تداعت أركان ~~الحرية في أوروبا لعوامل اجتماعية وسياسية ليس من شأننا الآن البحث فيها، فتغلبت ~~عليها في إحدى ممالك الغرب السيادة المطلقة بل السلطة العسكرية، وغرها الطمع فقامت ~~تهدد الحرية في أوروبا جمعاء، ولكن فرنسا - مهد هذه الحرية وحامية ذمارها - ~~وثبت ثانية وثبة الأسد، فاستلت سيفها الباتر، وحشدت جنودها الأباسل، لتنقذ من ~~براثن الألمان أشرف مبادئ الاجتماع وأعظم ركن من أركان الحكومات الدستورية ~~الحرة، ففي هذه القوة المجيدة التي أظهرتها فرنسا حق يعلو ولا يعلى عليه. # وتداعت أركان الإسلام في المشرق والمغرب من خمول استولى على شعوبه، وأطماع ~~استحوذت على أمرائه وأعلامه، فاغتنم الترك هذه الفرصة لاستخدام ما بقي من قوة فيه ~~لمآربهم الذميمة وأغراضهم الأثيمة. فنهض العرب في البقاع المقدسة نهضة الأشاوش بل ~~نهضة أجدادهم الكرام أنصار النبي لينقذوا الإسلام من مطامع الأتراك وجورهم، ويلبسوه ~~ثانية حلة العز والمجد والسيادة، وفي هذه القوة التي أظهرها العرب حق يعلو ولا ~~يعلى عليه. # فلو لم يكن للإفرنسيين وللعرب قوة تناضل عن الحق الذي هو إرثهم الروحي وتعززه ~~لظل هذا الحق أمنية من أماني النفس بل نظرية من النظريات لا أثر لها في سلوك الناس ~~يذكر ولا فائدة منها للأمتين. # أفلا يحق لنا إذا أن نقول: إن الحق للقوة اليوم عند الفرنسيين ms452 وعند العرب؟ أولا ~~يحق لنا أن نقول: إن الحق في الأمتين يعلو ولا يعلى عليه؟ # أما عند أعدائهما، عند الألمان والأتراك، بل عند من يحاول ذبح الحرية وإذلال ~~الإسلام، فالقوة قوتهم إنما هي قوة ذميمة عقيمة، لم تنشأ عن حق ما، ولا تعزز ~~حقا صغيرا من حقوق الإنسان. # أجل، القوة التي لا يعرفها الحق ولا تعرفه إنما هي قوة عقيمة همجية، لا تقوم ~~فيها حياة الاجتماع، ولا تدوم معها حياة الحكومات دستورية كانت أو ملكية مطلقة، ~~والحق الذي لا تؤيده القوة ولا تعززه الحكمة إنما هو حق خيالي شعري لا أثر له ~~يذكر في سلوك الإنسان والحكومات. # وإني لا أرى بين الأمم المتحاربة اليوم غير الأمم الكبرى المتحالفة وعلى ~~الخصوص هذه الأمة الإفرنسية العظيمة التي يحق لنا أن نقول في مقاصدها ومساعيها ~~القولين اللذين صدرت بهما مقالي: الحق للقوة، والحق يعلو ولا يعلى عليه. # أجل، إن الحق للقوة التي تظهرها فرنسا اليوم دفاعا عن كيانها، دفاعا عن حريتها ~~وعن حرية الأمم جمعاء، والحق الذي يعلو ولا يعلى عليه إنما هو هذا الحق الكبير ~~المجيد الذي تفادي فرنسا اليوم في سبيله النفس والنفيس فتكلله بالنصر وتعززه، ~~كما هو شأنها في كل نهضاتها وثوراتها الاجتماعية والسياسية. # وهناك في المشرق، في بلاد العرب، في البقاع، المقدسة، أمة صغيرة عدا ، ~~كبيرة فضلا ومجدا، غنية بما أورثها الأجداد من علم وإيمان، فتستحق أن تقرن ~~اليوم بفرنسا؛ لما قامت به من مجيد الأعمال حتى الآن في سبيل الحق والحرية ~~والاستقلال، وستحقق آمالنا - إن شاء الله - نحن الناطقين بالضاد، النائين عن ~~الأوطان، والعالمين بالغث والسمين من نزعات الأوروبيين. # باريس، في 12 كانون الثاني، سنة 1917 # لا حياة إلا بالحرية ولا حرية إلا بالسيف # 5 # إخواني أبناء وطني # في هذه الحرب وأهوالها حقيقة كلية علية لا يطفأ نورها ولا تزعزع أركانها، هي ~~من أوليات أسباب الوجود، ومن أهم دعائم المجتمع الإنساني، ومن أعظم أركان الأمم ~~والحكومات. حقيقة أولية أزلية لا تتبدل ولا تتغير، تزول الأمم وهي لا تزول، ms453 تضمحل ~~الممالك وهي أبدا حية ثابتة نيرة منيرة، تتقلب الأحكام وتتساقط العروش وهي قائمة ~~كتمثال الحرية في ميناء هذه المدينة، لا تزعزع الحروب أركانها، ولا تطفئ مصباحها ~~كوارث الزمان. # والحقيقة هذه هي أن الإنسان لا يفلح ولا يسعد ولا يرتقي إلا بممارسة حقوقه ~~الطبيعية، وأن الأمم لا تنشأ إلا بنشوء أفرادها، وأن الحكومات الحرة لا تقوم إلا ~~بشرائع عادلة تسنها المجالس النيابية، لا بأوامر تصدرها الملوك والسلاطين. وأول ~~حقوق الإنسان الحرية. حرية الفكر، وحرية القول، وحرية العمل. # وأول أسباب الرقي في الأمم الحرية الاجتماعية، والحرية السياسية، والحرية ~~الدينية. وأول دلائل الحياة الحرة الراقية أن يتمتع أفراد الأمة على السواء بهذه ~~الحقوق الطبيعية، فيسعون دائما في تعزيزها، وينهضون للدفاع عنها عندما تقيد أو ~~تمتهن. ومن أكبر دعائم الحكومات الحرة المستقلة قانون يكفل لشعبها هذه الحقوق ~~الأولية، ويوجب عليها الدفاع عنها يوم ينهض عليها الظالمون يحاولون قتلها. # حقيقة أولية أزلية إلهية لا تموت في أمة قبل أن تموت تلك الأمة وتضمحل ~~آثارها، فهل تظنها تموت في فرنسا؟ هل تظنها تموت في إنكلترا؟ هل تظنها تموت في ~~روسيا؟ هل تظنها تموت في أميركا؟ في هذه الأمة الفتاة المجيدة التي أنارت مصباح ~~الحرية منذ مائة سنة، والتي سجلت على الظالمين كلمة ترددها اليوم أمم الشرق ~~والغرب، بل تسطرها بالدم على لوح الوجود: لا حياة إلا بالحرية، ولا حرية إلا ~~بالسيف. # إنما هي هذه الحقيقة التي تبدو لنا اليوم من خلال ظلمات الحرب وأهوالها، ~~تسمعنا صداها المدافع، ترينا سناها الحراب، تحرك القنابل اسمها المجيد، تتغنى ~~بها الجنود في الخنادق وفي البحار، تسطرها الطيارات على جبين السماء وراء ~~الغيوم، ترفع بنودها الأمم وتقيم لها الأنصاب والتماثيل. # لا حياة إلا بالحرية، ولا حرية إلا بالسيف. # هذه الحقيقة إنما هي التي تنير قلوب العمال اليوم في معامل البارود والسلاح ~~وتثبت في العمل أيديهم، هذه الحقيقة إنما هي التي تبذل من أجلها خيرات الأرض، ~~وقوى الممالك، وحياة الشعوب، هذه الحقيقة إنما هي التي تحرك اليوم أدوات الحراثة ~~وأدوات الشحن ms454 والنقل، كما تحرك يراع الكاتب ولسان الخطيب. # هذه هي الحقيقة الخالدة في قلب الجندي تحبب إليه الموت في سبيلها، تحدثه بالنصر ~~في ظلمات الليل، تكلله بالمجد في ساحات القتال، تنعشه فتجدد قواه ساعة يستريح. ~~تضرم في نفسه نارا ساعة يهجم على العدو، عدوها، وتزهر نورا في كل جرح من جروح ~~أبطالها وشهدائها. # لا حياة إلا بالحرية، ولا حرية إلا بالسيف. # هذه هي الحقيقة التي دفعت بالمرأة اليوم إلى دوائر الأعمال الشاقة، فتراها في ~~أوروبا وفي هذه البلاد تقوم مقام الرجال، فتشتغل في معامل البارود والسلاح، وفي ~~دوائر سكك الحديد وتسير العربات، وتخدم في المطاعم، وتحرث الأرض، وتحارب أيضا - ~~كما في روسيا اليوم - كإخوانها الفدائيين. هذه الحقيقة يلبس شارتها الرفيع والوضيع ~~في الأمة من نساء ورجال، ويجاهد في سبيلها السياسي والكاهن والفلاح. أجل إن ~~الفلاح اليوم يحرث حقله لا حبا بالكسب بل دفاعا عن الوطن، والسياسي يخدم ~~الأمة اليوم لا حبا بالشهرة والمجد بل حبا بالوطن، والكاهن يصلي اليوم لا ~~في سبيل النفوس بل في سبيل الوطن. # لا حياة إلا بالحرية، ولا حرية إلا بالسيف. # من أجل هذه الحقيقة الأولية حاربت الأمم الكبيرة والصغيرة ثلاث سنوات، أهوالها ~~منقطعة النظير وفظائعها تروع حتى البرابرة. حاربت ثلاث سنوات وستحارب ثلاث سنوات ~~أخرى إذا اقتضى الأمر، بل ستحارب إلى أن تنتصر الحرية نصرا مبينا فيحطم عرش ~~القيصر بل عروش القياصرة، ويقضي على حلفائهم الأتراك السفاحين قضاء مبرما. ~~ملايين من شبان فرنسا وإنكلترا وروسيا يموتون في هذا السبيل المجيد، ألوف ألوف ~~الملايين من المال تبذل لهذه الغاية الشريفة. والأمم الصغيرة، البلجيكيون ~~والصربيون وأبناء الجبل الأسود الأشاوس، يؤثرون الموت والاضمحلال على أن يعيشوا ~~عبيدا للألمان أو لسواهم من أصحاب السيادة المطلقة الجائرة الأثيمة. # الألمان يا إخواني هم أعداء هذه الحقيقة الأولية الأزلية الإلهية، هم أعداء الحق ~~الأساسي من حقوق الإنسان كلها. أما الأتراك حلفاؤهم فهم أعداء الحرية منذ اكتسح ~~هولاغو مدينة بغداد، خلق الأتراك أعداءها، وعاشوا أعداءها، وسيموتون أعداءها. من ~~هولاغو إلى عبد الحميد إلى جمال ms455 باشا. يا لها من سلسلة جهنمية، من بغداد إلى ~~أرمينيا إلى البوسفور إلى سوريا اليوم، إلى كتشانف إلى أطنه، إلى بيروت ولبنان ~~والشام. يا لها من سلسلة فظائع ومظالم، آخر حلقة منها مثل أول حلقاتها، صيغت من ~~أرواح الناس، وجبلت بدماء الناس، يا له من تاريخ يبدأ بالسلب والنهب والتدمير ~~وينتهي بالشنق والصلب والتجويع، تاريخ كتب بدم الأمة، فلا تخلو صفحة من صفحاته ~~من جريمة اقترفها أبناء هولاغو وجنكيزخان. # ولعمري إن عهد الحكم الدستوري أكثر عهود الأتراك فظائع، وأشده أهوالا؛ فقد ~~اقترفوا باسم الدستور جرائم يروع ذكرها حتى تيمورلنك ويهول أمرها حتى عبد الحميد، ~~باسم الدستور حاولوا أن يمحقوا الأمة الأرمنية، فأسروا شبابها وقتلوا شيوخها ~~وأطفالها ونساءها، وباعوا في المدن بناتها، باسم الدستور شنقوا أحرار سوريا، وقتلوا ~~شبيبتها الراقية، ونفوا وجهاءها والأشداء من رجالها، باسم الدستور نهبوا ~~بلادنا، سلبوا بيوتنا، جوعوا أهلنا، قتلوا ثلاثماية ألف نفس بين مسلمين ~~ومسيحيين، من أمة بريئة مخلدة إلى السكون. # كلكم تعلمون ذلك فلا حاجة لأن أصف الفظائع السورية، على أنكم قد لا تعلمون أنه ~~باسم الدستور والملة أيضا ينقلون الأكراد والأتراك اليوم إلى بلادنا فيهبونهم ~~أملاكنا، ويسكنونهم في بيوتنا؛ قصد أن يمحقونا تماما وأن يجعلوا سوريا كولاية من ~~ولايات الأناضول. ومن منا يا ترى يرضى بذلك؟ من منا يسمع بذا الاضطهاد الفظيع ~~الهائل ويسكت؟ من منا يتصور تلك المشانق - مشانق الذكاء، مشانق الحرية، مشانق ~~الأحرار - وينام بعد ذلك هنيئا؟ من منا يفكر بتلك الفظائع ويمثل لنفسه ظلام تلك ~~النكبات التي نكبت بها بلادنا وأمتنا ولا تستفزه الحمية القومية والنعرة ~~الوطنية؟ ولد الأتراك أعداء الحرية بل أعداء المدنية، وسيموتون أعداءها، ~~ولكننا نحن السوريين لم نخلق لنكون عبيدهم إلى الأبد، لا - ورب السماوات - ولو عشت ~~عبدا حياتي كلها فسأموت - في الأقل - حرا، سأموت مجاهدا في سبيل حريتي وحرية ~~قومي. # إخواني أبناء وطني، إن الشعوب الصغيرة تنهض اليوم على ظالميها، تمتشق الحسام ~~لتقطع ربقة الجور والاستبداد، لتحطم قيود الاستعباد، فهلا اقتدينا بالشعوب ~~الصغيرة، وبالأخص إذا كان لنا ms456 اليوم من ينصرنا ويساعدنا من الدول الكبرى؟ أو هلا ~~اقتدينا بعرب الحجاز؟ قد ظهر لي بعد رجوعي من باريس أن كثيرين من السوريين يرتابون ~~في أن دولة كبيرة من دول الأحلاف تريد خلاصنا وتتأهب اليوم لأن تنقذ بلادنا ~~وأمتنا من الحكم التركي الفظيع. فإليكم ما استطلعته وتحققته أثناء إقامتي في ~~باريس، إلى المشككين المترددين أوجه - على الخصوص - كلامي، وقد حذر علينا الجهر ~~بمثله قبل اليوم. # عندما وصلت إلى باريس الشتاء الماضي أخبرني شكري غانم، وهو أقرب السوريين إلى ~~الحكومة الإفرنسية اليوم كما أنه حائز على ثقتها «أن النظارة الحربية تؤلف ~~للزحف على سوريا فيلقا يدعى فيلق الشرق وتحب أن يتطوع السوريون فيه ليكون لهم يد ~~في تحرير بلادهم، وسألني عما إذا كانت الدعوة إلى التطوع في أميركا تصادف ~~استحسانا وقبولا»، فأجبته وقتئذ أن السوريين - على ما أظن - لا يلبون الدعوة إلا ~~إذا كانت رسمية، أو بالحري إذا تأكدوا أن الحكومة الإفرنسية نفسها تدعوهم إلى ~~التطوع، ولكن الحكومة في ذاك الحين لم تكن في حالة تمكنها من الجهر بهذه الدعوة، ~~فأهملت وقتيا. # ثم مر شهران فدخلت أميركا في الحرب فتأسست على إثر ذلك اللجنة السورية في باريس ~~لهذه الغاية، واللجنة السورية الباريسية إنما هي أداة وصل بين فرنسا والسوريين، ~~فقد تأسست برضى الحكومة بل بإشارة منها وحضر جلساتها أحد المتوظفين في الدائرة ~~الخارجية ووزير من الوزراء. وهذه اللجنة مؤلفة من وجهاء السوريين هناك؛ من أدباء ~~وتجار، فتبرع أعضاؤها بمبلغ من المال، وكان من أول أعمالها أنها بعثت بوفد إلى ~~أميركا الجنوبية ليدعو السوريين هنالك إلى التطوع. # ولما كنت منذ شهر في باريس قابلت متوظفيها وبعض أعضائها واطلعت على قانونها ~~الأساسي فوجدت أن الغاية الأولى منه هو تحرير سوريا ولبنان بواسطة فرنسا من الحكم ~~التركي، ودعوة السوريين إلى التطوع في هذا السبيل تفصح عما يخالج قلب كل سوري وتعبر ~~عن أقصى أمانينا. # وغاية اللجنة الباريسية الأساسية إنما هي غاية لجنتنا بالذات، أي: أنها تنحصر في ~~تخليص البلاد من الأتراك، وهذا هو المهم ms457 بل الأهم اليوم. فعلينا إذن أن نخلص البقية ~~الباقية من قومنا في تلك البلاد التاعسة أو نفتح لهم في الأقل بابا للخلاص، ~~وأعلمكم أيضا بأني لم أكتف بمقابلة موظفي اللجنة وأعضائها بل حبا بتحري ~~الأمور وتحقيق مقاصد الحكومة الإفرنسية قابلت بعض المتوظفين في النظارة الخارجية ~~ووزيرا فيها من الوزراء، وهذا الوزير هو ثقة في المسألة السورية وكلامه فيها يعول ~~عليه، هو حافظ تقاليدها، ودليل سياستها، فترجع إليه الحكومة في الكبير والصغير من ~~مشاكلها، ومما قاله لي هذا الوزير: إن فرنسا تحب أن تساعد السوريين إذا هم ساعدوا ~~أنفسهم، وإنها تريد أن تخلص بلادهم من الحكم التركي وتؤسس فيها حكومة عادلة ~~راقية تكفل لأهلها الأمن والسعادة وتمهد لهم سبل الرقي والنجاح، وستمنح الحكومة ~~كل ولاية من ولايات سوريا - ولبنان منها - استقلالا نوعيا، بمعنى أن سيكون لسائر ~~الولايات مثل ما كان للبنان قبل الحرب مجالس إدارية ونظامات محلية توافق حالها ~~وسكانها، وأن الحاكم العام سيعين للوظائف العالية من هو أهل لها من ~~السوريين أنفسهم. # قلت للوزير: إني أتكلم بلسان الفئة الراقية من السوريين - أي: بلسان الشبيبة ~~السورية المتهذبة الحرة المعتدلة، التي تطمح إلى الحرية والاستقلال تدريجا - ~~فقال: نحن متفقون، وأول خطوة تنوي الحكومة الإفرنسية أن تخطوها لتحقق آمال الشبيبة ~~السورية الراقية هي أن تؤسس في البلاد مدارس عمومية إجبارية مجانية علمانية ، # 6 # وهذه عين الحكمة؛ فإن أساس الحكومات النيابية التهذيب، وسياج الحرية ~~التهذيب، وحياة الأمم الراقية التهذيب، ولم أزل أذكر كلمة الوزير الأخيرة، قال ~~عند الوداع: ذكر إخوانك في أميركا بالمثل السائر: إن الله يساعد من يساعدون ~~أنفسهم ... وقل لهم: إن فرنسا تحب أن تساعدهم ولكنها تحب أيضا أن يكون لهم يد في ~~تحرير بلادهم. # خرجت من النظارة الخارجية مقتنعا أن لا خلاص لنا اليوم إلا بواسطة فرنسا، وأننا ~~إذا أضعنا هذه الفرصة نجني على البقية الباقية في بلادنا المنكوبة، هي فرصة خلاصهم ~~الوحيدة والذنب ذنبنا لا ذنب الأتراك إذا كنا لا نغتنمها اليوم. تركت باريس وجئت ~~نيويورك مقتنعا بصحة المشروع بل ms458 بلزومه، وكان في نيتي عند وصولي أن أسعى وبعض ~~الإخوان هنا في تأسيس لجنة لهذه الغاية الوطنية الشريفة المقدسة، ولكني وجدت أن ~~اللجنة قد تأسست بفضل بعض الأدباء الأحرار والتجار، وأن غايتها نفس الغاية التي ~~ننشدها، فانضممت إليها مسرورا، وقد جئنا في هذه الحفلة نعلن أمرها وندعوكم إلى ~~مناصرتها. # إخواني أبناء وطني، هذه أول مرة في تاريخ سوريا أسس السوريين لجنة غايتها ~~التحرير من نير الأتراك، وهذه أول مرة في حياتنا السياسية أقدمنا على عمل ~~لسانه السيف لا القلم وعربونه الدم لا الكلام. # نعم قد نهض اللبنانيون في الماضي يدافعون عن حقوقهم بالسيف ويفادون بحياتهم في ~~سبيل استقلالهم، ولا ننكر ذلك بل نذكره دائما مفاخرين، ولكن قد كان في ما مضى بين ~~لبنان والولايات السورية جدار أقامه الفساد والتفريق، فتمتع اللبناني بحقوق ~~حرمها أبناء الولايات. وأما اليوم فقد قربنا المهجر بعضنا من بعض وأصبح ~~اللبناني وابن الولاية واحدا قلبا وقالبا، غايتنا واحدة، روحنا واحدة، مبدأنا ~~واحدا، خطتنا واحدة، ولجنة تحرير سوريا ولبنان ثمرة هذا التقرب وهذا ~~الائتلاف. # زرع الترك فينا بذور الشقاق # 7 # في الماضي فنبت شوكا وقلاما، ولكن مظالمهم الأخيرة حصدت ما زرعوا ~~وتركت الأرض وراءهم بورا، فعلينا نحن سوريي المهجر أن نزرع فيها بذور الوطنية، قد ~~ألفت الفظائع بين المسلم والمسيحي وبين اللبناني وابن الولاية، لم تعف المشانق ~~أحدا لدينه، لم يستثن التجويع أحدا لجنسه، ولم يميز بيننا النهب والسلب والنفي ~~والاضطهاد. # إخواني أبناء وطني، لقد جمعتنا اليوم النكبات فهل تفرقنا العصبيات والتعصبات؟ في ~~هذه اللجنة اللبناني والسوري والفلسطيني يعملون عملا واحدا ويسعون سعيا ~~واحدا، كلنا سوريون وسوريا واحدة لا تتجزأ، وهذا مبدأ من مبادئنا الوطنية ~~السياسية. # أما أولئك الذين لم يزالوا ينادون بالعصبية الدينية أو الطائفية ويحاولون زرع ~~بذور الشقاق فينا، أولئك الذين ينفثون في جامعتنا سم الجهل والتعصب والتفريق، ~~لمطامع نفسية دنيئة، أو لمآرب سياسية ذميمة، فإنما هم يقتفون أثر الأتراك ~~المفسدين المضللين السفاحين. لغتهم عربية ولكن روحهم تركية، هم أعداء الأمة ~~والوطن، أجل، إن من ms459 ينفخون اليوم في بوق النعرة الدينية أو يتسلحون على أعدائهم ~~بالنزعة الطائفية لمارقون خائنون، هم - والحق يقال - رجعيون، والرجعيون إما جاهلون ~~متعصبون، وإما منافقون مجرمون. # السوري اليوم واحد، والمشانق نفسها تنطق بذلك، فما اللبناني والشامي، والبيروتي ~~والحلبي والفلسطيني، والمسلم والدرزي والمسيحي واليهودي؛ إلا أسماء أولى نسمى بها. ~~أما اسم العائلة عائلتنا فهو سوريا، وسوريا واحدة لا نقبل بتجزئتها، ولا - والله - ~~نحن لا نقبل بتخليص ولاية دون أخرى من الولايات السورية، ولا الحكومة الإفرنسية ~~تريد ذلك. # 8 # من جملة ما قاله لي الوزير الذي حدثتكم عنه كلمة أثرت بي وأحزنتني، قال: عجيب ~~أمركم أنتم السوريون، تتفقون في الجوهريات وتختلفون في توافه الأمور، وجدير بكم أن ~~تقتدوا بالأرمن اليوم، الأسبوع الماضي كان جالسا في هذا الكرسي أمامي نوبار باشا ~~وإلى يمينه نائب بطريرك الأرمن وإلى شماله فوضوي أرمني هم يوما أن يقتل نوبار ~~باشا، فجاءوا يقولون لي: كنا في الماضي مختلفين منقسمين بعضنا على بعض وأما اليوم ~~فلا أحزاب ولا طوائف تفرق بيننا، كلنا اليوم حزب واحد وأمة واحدة، كلنا ~~أرمن، فهلا اقتديتم أنتم السوريون بهم؟ # كلمة حق أسكتتني وأحزنتني، ولكن أملي بالاتحاد كبير، وإيماني بأبناء وطني لا ~~يتزعزع، في السنة الماضية جمعت كلمتنا ووحدت قلوبنا لجنة إعانة المنكوبين، وستجمع ~~اليوم كلمتنا وتوحد قلوبنا لجنة تحرير سوريا ولبنان. ولعمري إن غاية اللجنة هذه ~~لأشرف وأعظم الغايات؛ لأن في إعانة المنكوبين خلاص قسم من الناس فقط وفي تحرير ~~البلاد خلاص أمة بأسرها، خلاصها في الحاضر، وخلاصها في المستقبل، وهذه اللجنة ~~بغايتها أولا لا برجالها، بمبدئها لا بمنشئيها، وأنا ممن ينشدون ويقدسون غايتها، ~~ويسعون في تعزيز مبدئها، ويتشرفون أن يكونوا من أعضائها. # نعم إن مثل المشروع الذي ستقوم به هذه اللجنة يشرف العاملين من أجله، الساعين في ~~تعزيزه، المفادين بأرواحهم في سبيله، وأي شرف - رعاكم الله - أجمل من ذا الشرف ~~وأسمى؟ شرف الجهاد في سبيل الحرية، شرف السعي في تحرير أمتنا من نير العبودية، ~~شرف النصر على السفاحين المدمرين أبناء هولاغو وجنكيزخان، بل شرف ms460 القتال جنبا إلى ~~جنب وجنود فرنسا البواسل جنود الحرية منذ نشأت الحرية، جنود النصر في ساحات الوغى، ~~جنود الحق في حرب الأمم، جنود المجد في سبيل المدنية، والسوري والإفرنسي أخوان، ~~يأتلفان ويتحابان؛ فقد حاربا في الماضي معا وحاربا معا في هذه الحرب ~~أيضا. ~~••• # وغدا يحارب الجنود الإفرنسية فلا بلادنا ليحرروها، غدا يضحون بحياتهم من أجل ~~الحرية حريتنا، فهلا شاركناهم في هذا الجهاد وهذه التضحية؟ إخواني أبناء وطني، نحن ~~لا ندعوكم إلى الحرب في سبيل أمة غربية أجنبية، بل في سبيل أمتنا وبلادنا ~~ندعوكم إلى الدفاع عن بيوتنا، عن حريمنا، عن أهلنا المنكوبين اليوم، ندعوكم إلى ~~السلاح لاسترداد حقوقنا المسلوبة، ولإنقاذ بلادنا من براثن الغول التتري، الوطن ~~يناديكم، البقية الباقية فيه تستنجدكم، تستغيثكم، أرواح الأحرار، أرواح شهداء ~~الأمة، تصرخ بكم، يا أبناء سوريا الثأر! الثأر! الانتقام! الانتقام! أرواح ~~الألوف من قومنا الذين ماتوا جوعا وتجويعا تناديكم اليوم يا بني لبنان وتدعوكم ~~إلى الجهاد إلى السلاح، وصوت الأموات إنما هو صوت السماء، بل صوت الله. # من منا يسمع هذا الصوت ولا يستجيبه؟ من منا تجري في عروقه دم الرجال يسمع ~~هذه الدعوة ولا يلبيها؟ ألا يحرك صوت الأموات - في الأقل - أرواحنا النائمة؟ ~~ألا يستنهضنا اليوم نداء الجياع والمنكوبين الذين لم نعد نستطيع أن نعينهم ~~بالمال؟ تجمعنا اليوم على الأخص رابطة الدم، تجمعنا اليوم نزعة الثأر والانتقام، ~~عشنا مئات السنين عبيدا، أفلا نعيش أحرارا ولو يوما واحدا قبل أن نموت؟ # إخواني أبناء وطني، في أوروبا وفي أميركا اليوم روح تسود كل نزعات الإنسان، وكل ~~أمياله، وكل أمانيه، وهذه الروح إنما هي روح التضحية، روح المفاداة بالنفس في سبيل ~~الحرية ومن أجل الوطن، هذه - وربي - ضحية شريفة يضحيها الإنسان، ولكن هناك ضحية ~~أشرف وأعظم، إلا وهي ضحية المرأة، ضحية الأم التي تفادي بابنها في سبيل الوطن، ~~ضحية الزوجة التي تفادي بزوجها، ضحية الفتاة التي تفادي بأخيها وبخطيبها. # فعلى النساء السوريات إذا أن ينهضن اليوم فيناصرن هذه اللجنة ويساعدن في تحقيق ~~آمالها ونجاح دعواتها، يا ms461 بنات سوريا، إليكن أوجه كلامي، ويا شباب سوريا، يا شباب ~~بيروت، يا شباب الشام، يا شباب لبنان، يا شباب حمص وحلب، يا شباب فلسطين، إياكم ~~أنادي، من منكم في هذه القاعة يحب أن يتطوع في فيلق الحرية تحت هذا العلم؟ من منكم ~~يفادي بحياته من أجل الوطن؟ يلزمنا فدائيون، تفضلوا، ليقف الفدائيون ليقف من أحب ~~التطوع، الموقف موقف عمل، لا موقف كلام، موقف جنود لا موقف وعود، قفوا، تقدموا، ~~تطوعوا الآن، ولنتمثل كلنا بقول الشاعر: # لا تسقني كأس الحياة بذلة # بل فاسقني بالعز كأس الحنظل # سنة 1950 # كذلك انتهت حرب الأمم يا بني، الحرب التي ترى أثرا من أهوالها في وجه أبيك ~~وشيئا من عبرها في نفسه، الحرب التي أورثتني عينا من زجاج وعينا لوجداني من ~~النور. وأنا واحد من أربعة ملايين نجوا من نيرانها مشوهين ظاهرا، مطهرين قلبا ~~ووجدانا، بل أنا واحد من عشرات الملايين في كل أمة قضوا ثلاثين سنة آسفين على ~~ضحايا تلك الحرب البشرية، قانطين من مساعي الإنسان، يائسين من مناهج الأمم، ~~صابرين على عقم الأيام. # انتهت تلك الحرب الضروس يا بني، وما كان من نتائجها الظافرة، المخالفة لما تقدمها ~~من الحروب، سوى سقوط الدول الأوتوقراطية الثلاث - أي: ألمانيا والنمسا وروسيا - ~~وظهور الدول الصغيرة الجديدة في قلب أوروبا، وهي على حداثة سنها غاضبة على ماضيها، ~~غير راضية بحاضرها، ناظرة بعين اليأس والرجاء إلى مستقبلها. # انتهت تلك الحرب عند عقد معاهدة فرساي التي لم يكد يطوي الزمان عاما عليها حتى ~~نسي العالم تلك الآيات الرنانة التي كان يرددها الوزراء والرؤساء والصحافيون ~~والزعماء، نسينا أو تناسينا «جمعية الأمم» و«حرية الشعوب الصغيرة» و«الحكم الذاتي ~~الاختياري» و«استئصال السياسة السرية» و«تخفيض السلاح» وغيرها من المبادئ، التي ~~سفك العالم المتمدن دم شبيبته من أجلها، نسيناها يا بني أو تناسيناها، وعدنا ~~ظاهرا إلى ما كنا فيه قبل الحرب. # أما تأثير الحرب الأدبي والروحي فظل حيا في قلوب الناس وشرع ينمو في الهيئة ~~الاجتماعية التي قلما تؤثر السياسة بها، والتي لا يظهر تأثيرها بالسياسة ms462 ~~والأحكام إلا تدريجا، وببطء وغموض تملهما النفس، ويكاد ينكر العقل حقيقة ~~فيهما دائمة، نعم يا بني، قد زرعت تلك الحرب بذور السلم في العالم، ولكنها لم ~~تنم بادئ ذي بدء إلا في الطبقات الواطئة من المجتمع البشري، في طبقات العمال ~~والفقراء، الطبقات التي التهمت نار الحرب رجالها، الطبقات التي لا يكون حرب في ~~العالم دونها، بل لا تقوم حرب إلا بها وبضحاياها. وبما أن الذين تولوا الأحكام ~~بعد تلك الحرب كانوا من الطبقة الوسطى التي تدعى في أوروبا «بورجوازي» لم يكن ~~الشعب راضيا بها، ولما نهض العمال والفلاحون في روسيا يؤسسون حكومة منهم ولهم، ~~حالت دون مساعيهم دول الأحلاف، فسقط ما كان يدعى الحكم البلشيفي، كما سقط قبله ~~الحكم البورجوازي والحكم الأوتوقراطي. # وإذا عدنا إلى التاريخ ودققنا النظر في مجرى الأحكام التي أسسها الناس؛ نرى ~~أنها تشير إلى دائرة فيها لم تزل ناقصة، فمن الحكم الأبوي، أي: حكم الحكماء في قديم ~~الزمان، تدرجنا إلى الحكم الاستبدادي، أي: حكم الملوك والأمراء، ومنه إلى الحكم ~~الدستوري أي: حكم الوجهاء والأكابر، ثم الحكم الاشتراكي، أي: حكم العمال الذي نحن ~~فيه اليوم، والذي سيتبعه - ولا شك - هو الحكم الأبوي، الدستوري، الاشتراكي، الذي ~~تتم عنده دائرة الأحكام كلها. ويظهر أنها تتبع بعضها بعضا على هذه الصورة طبقا ~~للتاريخ وعملا بناموس النشوء والارتقاء، فإذا تأسس حكم العمال على عرش الحكم ~~الاستبدادي مثلا لا يلبث أن يسقط فيقوم مقامه الحكم الدستوري البورجوازي، كذلك كان ~~في روسيا عندما سقطت البلشيفية. # إن لحرب الأمم من هذا القبيل نتيجة شبيهة بنتيجة الثورة الإفرنسية، إذ إنها ~~أسقطت الملوك الأوتوقراطيين عن عروشهم، وولت مكانهم بعد انقلابات عديدة من ~~ادعوا زعامة الشعب من وجهاء الطبقة الوسطى، طبقة البورجوازي، فلم يكن الانقلاب ~~النهائي الأخير سوى انقلاب سياسي قضي فيه - ولا شك - على أصحاب التيجان وأرباب ~~الشرف الموروث، وتعززت فيه سيادة أولئك السياسيين والزعماء الذين كانوا يرددون ~~ألفاظ الحرية والمساواة، ويتشدقون بتلك الآيات الذهبية الرنانة، ثم يخدمون بأعمالهم ~~وشرائعهم أمراء المال وأرباب المعامل والتجارة. # أجل ms463 يا بني، انتهت حرب الأمم ولم تنته حرب الأحزاب، أحزاب ذوي الثورة والسيادة ~~وأحزاب العمال، لم تنته حرب الطبقات بعضها على بعض المتأصلة أسبابها في المجتمع ~~الإنساني بل في أعماق الطبع البشري. # حكم الأوتوقراطيون زمنا طويلا فسقطوا فاندثرت آثارهم، ثم حكم الوجهاء ~~والأكابر، زعماء الطبقة الوسطى، فكان حكمهم شبيها من وجوه عديدة بحكم الطغاة أرباب ~~الصولجان والجنود، أي: أن مصالح الأفراد، وتقاليد الدول، ومآرب ذوي الثروة ~~والسيادة، ومطامع السياسيين، بل آفات الهيئة الحاكمة كلها، كانت تظهر دائما بمظهر ~~الشرائع والأحكام تارة على العمال وطورا على أرباب الفكر وأنصار الكمال، ويا لها ~~من شرائع سنت لتعزيز الحكومات، لتعزيز الجندية، لتعزيز الأحزاب السياسية، لتعزيز ~~المشاريع المالية والاقتصادية، يا لها من شرائع سنت باسم الديمقراطية فما انتفع بها ~~غير أعدائها. # ثلاثون سنة ولت يا بني، والشعوب - وقد شبعوا حربا - راضون بما كان، ساكتون عن ~~مظالم قديمة وجديدة، صابرون على فساد الأحكام وعقم الأيام، نعم رضينا بشرائع ~~سنها مؤتمر السلم، وبعهود عقدت بين الأمم، قبل العالم معاهدة فرساي كما يقبل ~~المريض الدواء. # ولكني لم أزل أذكر يوم عاد الرئيس ولسن من أوروبا مكللا بإكليل الإكرام ~~والإجلال، مزودا زقوم الخيبة والفشل، ويا له من يوم تمثلت فيه آمال الأمة ~~الأميركية لابسة الحداد، وآمال الدمقراطية مذبوحة على هيكل المطامع الدولية، وآمال ~~الملايين من أبطال الحرب مدفونة معهم على ضفاف ال «مارن» و«السوم» وفي سهول ~~«فلاندرس» و«شمباين.» # حتى إن أعداء الرئيس ندموا على ما بدا منهم من الاسترسال إلى التعصب السياسي ~~والتحزب، وكانوا حانقين على ساسة أوروبا الذين أكرموا الرئيس إكراما جميلا منقطع ~~النظير، وقد استطاعوا بدهائهم وغموض سياستهم وبمساعدة فريق من الأميركيين أنفسهم أن ~~يحولوا دون ما كان يبشر به من الكمالات السياسية ويسعى إلى تحقيقها. # مهما قيل بالرئيس ولسن يا بني، فإننا اليوم متفقون مقتنعون أنه من أعظم رؤساء هذه ~~البلاد، بل من أعظم كبار الزعماء في العالم، وإننا لنرى اليوم أن الأمم المتمدنة ~~لم تكن عند انتهاء الحرب مستعدة لقبول كمالاته السياسية، ومع أن ms464 أغلاطه كبيرة ~~كثيرة؛ فقد كان بعيد النظر وصادق اللهجة في سياسته الدمقراطية العمرانية، وإن ~~الأمة التي ترفعه الآن إلى مقام «لنكلن» و«واشنطون» لهي عالمة بمواطن ضعفه، ~~مدركة كل أغلاطه، وأكبر هذه الأغلاط وأضرها بخطته الدمقراطية الصميمة هو أنه أغضب ~~الحزب الجمهوري قبل سفره إلى أوروبا، فإن تقيده في ذلك الزمان بحزبه الخاص إلى درجة ~~التعصب الأعمى حمله على أن يؤثر سيادة الحزب على سيادة الأمة، والحكومة ناشئة من ~~الأحزاب كلها. # نعم قد كان الرئيس من هذا القبيل رئيس حزبه لا رئيس الأمة جمعاء، ولكنه كان ~~أيضا رئيس الأمم الصغيرة المظلومة في العالم بأسره، تلك الأمم التي كانت تنظر ~~إليه نظر العليل إلى الشمس والسماء، وهي تؤمل أن يجيئها من يده الخلاص والحرية، نعم ~~يا بني، إني لا أبالغ إذا قلت: إنه وإن كان - سياسيا - رئيس الحزب الدمقراطي فقط ~~فقد كان - معنويا - رئيس الأمم جمعاء، ولكن القوة المعنوية لم تؤثر في سياسة ~~ذلك الزمان الأوروبية، التي تواطأت وأعداءه عليه، وقد كان ولسن من هذا القبيل كمن ~~يفادي مجانا بنصف ميراثه، كمن يرمي بنصف ثروته في البحر، أجل، قد أفقر الرئيس نفسه ~~سياسيا، قد شطر قوته بيده شطرين، وترك عند سفره إلى أوروبا شطرا منها وراءه ~~يسعى في مقاومته. # ولا أحد ينكر اليوم أن الحزب الجمهوري ساعد الساسة الأوروبيين في تحقيق مقاصدهم ~~الاستعمارية ومطامعهم الدولية، بل ضرب الحرية ضربة أقعدتها، دوختها يا بني عشرين ~~سنة، أجل، قد غلب ولسن في ذلك الزمان لا بقوة الحجة، ولا بسداد الرأي، بل بمساعدة ~~أعدائه في هذه البلاد، فعقدت تلك المعاهدة في فرساي، المؤسسة على الانتقام والأثرة، ~~وكانت الغرامة الحربية التي فرضت على ألمانيا أهم ما فيها. # معاهدة فرساي - وحق الغالب لا حقوق الأمم معزز فيها - لا تختلف يا بني عن ~~معاهدة فيانا، وقد رضي العالم المتمدين بها؛ لأنه - كما قلت - كان قد شبع حربا، ~~وقرف السياسة والمتاجرة بالسياسة، بل كان - والحق يقال - منهوكا، مستضعفا، ~~سقيما. # على أن الأمم الصغيرة الجديدة التي ذكرتها تنبهت بعد بضع ms465 سنين إلى الخدعة ~~الدولية وعلت فيها صرخة الأحزاب الوطنية، فتضاربت الآراء والمصالح، وتباينت المقاصد ~~والغايات ودقت طبول التمرد والعصيان. فتفجرت براكين الثورة في الشرق الأدنى وفي ~~البلكان، فتدخلت الدول العظمى بشئونها واحتلت بلادها بضع سنين، مثل ذلك احتلال ~~روسيا قسما من بولندا، واحتلال ألمانيا قسما آخر، واحتلال النمسا قسما من أراضي ~~السرب. # أثارت هذه الحركات الرجعية ثائر الشعب العام أو بالحري العمال من اشتراكيين ~~وبلشيفيين وفوضويين فأخذوا يترقبون الفرص للوثوب على الحكومات الجمهورية المالية - ~~حكومات الوجهاء والأكابر - أو بالحري الحكومات القيصرية الجديدة التي تواطأت وأمراء ~~المال وأرباب الكنيسة في قديم الزمان. # قلت يا بني إن ذلك السلم الذي عقدت عهوده الدول الغالبة إنما كان سلما ~~تقليديا، أي: أنه كان مبنيا على مصالح الدول الأوروبية الكبرى في بلادها، وخارج ~~بلادها، وعلى مطامعها المالية والاستعمارية والتجارية. فقد قيدوا ألمانيا بغرامة ~~تكاد توازي ثروتها كلها، وتقاسموا مستعمراتها، وقطعوا الطريق على تجارتها، زد على ~~ذلك أن إنكلترا احتلت فلسطين والعراق، واحتلت فرنسا سوريا، واحتلت إيطاليا قسما من ~~البلاد الإفريقية العربية، ثم استولت على مراس بحرية في الأدرياتيك ادعاها ~~الجوغوسلاف والسربيون، كذلك سادت البورجوازي سيادة مطلقة، فتبنك الوجهاء والأكابر ~~ثلاثين سنة وهم متقلدون زمام الأحكام، قابضون على ناصية الزمان. # أجل، يا بني، إن معاهدة فرساي قسمت العالم المتمدن قسمين كبيرين أساسيين ، قسم ~~الحكام وأنصارهم من ذوي المصالح المالية والتجارية، وقسم العمال الذين كانوا يحتجون ~~من حين إلى حين بالإضراب عن العمل وبنهضات ثوروية محلية لم تأت بكبير فائدة. # استمرت هذه الحال ثلاثين سنة عاد فيها العالم المتمدن إلى تقاليده السياسية ~~القديمة، ساد فيها حزب المحافظين بل الرجعيين في كل الجمهوريات وأمعنت الأمم ~~بالمنافسات التجارية والتكالب المالي، ومن أشد هذه المنافسات وأخبثها ما نشأ منها ~~بين إنكلترا وأميركا؛ ففي سنة 1925 كانت بحرية الولايات المتحدة البحرية الثانية في ~~العالم، وظلت تزداد عددا وقوة حتى كادت تفوق البحرية الإنكليزية، وقد جرى بين ~~هاتين الأمتين ما جرى بين إنكلترا وألمانيا قبل حرب الأمم من المباراة في بناء ~~الأساطيل ms466 والطيارات. # زد على ذلك أن الولايات المتحدة التي لم يكن لها بواخر شحن تذكر قبل الحرب؛ ~~أصبحت بعدها في الصف الأول من قوات البحار والتجارة، ولكنها لم تستطع بادئ ذي بدء ~~أن تجاري إنكلترا في أجور الشحن؛ لأن النوتيين الأميركيين يتناولون أضعاف أجور ~~النوتيين الإنكليز، فاضطرت لذلك الشركات الأميركية أن تستأجر نوتيين من الأجانب ~~وفيهم من أتباع المملكة البريطانية، فامتعض لذلك أرباب الشركات الإنكليزية وسعوا ~~لدى حكومتهم فاحتجت مرارا من أجلهم، ولكن حكومة واشنطون وهي تميل بسمعها إلى ~~الشركات الأميركية لم تسمع احتجاج الحكومة الإنكليزية، التجارة يا بني التجارة! ~~إنما هي أم الحروب، والزعماء والوزراء والسياسيون والصحافيون آلات كلهم ~~بيدها. # قلت إن أميركا كادت تفوق إنكلترا ببحارتها وبتجارتها، بل فاقتها واجتازت حدودها ~~كل البحار، فصرنا نرى البواخر الأميركية تحمل البضاعة الأميركية والإنكليزية ~~والإفرنسية إلى الصين واليابان والهند وأستراليا والشرق الأقصى، فضلا عن جمهوريات ~~أميركا الجنوبية التي حلت أميركا فيها محل ألمانيا التجاري قبل حرب الأمم، ولا بد ~~في مثل هذه المناظرة التجارة الشديدة، وهذا التحاسد والتضاغن من شر يستثمره ~~السياسيون ويساعد في تعميمه الصحافيون، والزعماء الطامعون بالثروة والسيادة. لا بد ~~في مناظرة تجارية وسياسية بين أمتين من يوم تتفجر فيه براكين الطمع والحسد ~~والضغينة، وكذلك كان. # فقد أضرب عن العمل في أحد المراسي الشرقية النوتيون الإنكليز فشاركهم بالإضراب ~~بعض النوتيين المشتغلين في بواخر أميركية كانت راسية هناك، فاستخدمت الشركة ~~الإنكليزية نوتيين من الأهالي، فهددهم المضربون بالقتل إذا اشتغلوا، فحدث بين ~~الفريقين مناوشات اضطرت الحكومة المحلية، وهي إنكليزية، أن تخمد نارها بالقوة ~~العسكرية، فأطلق العساكر الرصاص على المضربين وبينهم من رفعوا العلم الأميركي، وكان ~~ممن قتلوا بعض النوتيين الأميركيين. # نقل البرق خبر هذه الحادثة فنشرته صحف الأخبار بالقلم العريض: «قد أهين العلم ~~الأميركي، قد قتل عدد من المواطنين الأميركيين.» فثار ثائر الناس، وفي مقدمتهم ~~السياسيون والصحافيون، على إنكلترا، ولكن صحف لندن روت الحادثة على غير ما روتها ~~صحف نيويورك، وقالت: إن الحق على المضربين، وإن جنود بريطانيا العظمى عملوا الواجب ~~عليهم. ms467 # ولما شرعت الصحافة الأميركية تنادي وتصيح: «الحرب الحرب!» نهض العمال والنساء ~~يحتجون عليها وعلى الحكومة، ولكن احتجاجهم لم ينجح. طلب الرئيس من الحكومة ~~البريطانية عذرا أو تعويضا فأبت ورفضت بتاتا، تدخلت فرنسا وألمانيا واليابان في ~~الأمر، ولكن النعرة السياسية والمصالح التجارية تغلبت على كل احتجاج وكل اعتراض، ~~أشهرت أميركا الحرب على إنكلترا وشرعت توا تجهز الجيوش، وكذلك فعلت إنكلترا، ~~ولكن الأيام حبالى بالمعجزات يا بني، ونهضات الأمم تنمو سرا نموا بطيئا، ~~فتظهر فجأة لتطهر المجتمع من أمراضه وأدرانه. # أجل، يوم صدق الرئيس على شريعة التجنيد الإجباري ظهرت في الأمتين ~~الأميركية والبريطانية قوات العمال دفعة واحدة وقد توحدت كلها كلمة، وقصدا، ~~وعملا. # كلمتنا السلام، وقصدنا السلام، وعملنا السلام، وحجتنا السلام. # عزلا وقفنا أمام دار الحكومة نرفض حمل السلاح، لا دفاعا عن أنفسنا ولا دفاعا ~~عن الأمة. # عزلا سرنا في الأسواق، وفي مقدمتنا النساء حاملات البنود البيضاء لا الحمراء، ~~وبينهن أمهات من سفكوا دماءهم في حرب الأمم. # عزلا اجتمعنا في الساحات العمومية، وبيننا ألوف ممن خاضوا عباب حرب الأمم، ~~ونجوا منها مشوهين مثلي. # لا يا بني، لم ننس تلك الحرب وأهوالها، ولم تنس النساء ويلاتها، ولم تنس الأمهات ~~أحزانهن، نهضنا وإخواننا البريطانيين نهضة واحدة على الحكومات المالية التجارية ~~الطاغية، لست أنسى حياتي يوم أمرت جنود الحكومة بتبديد اجتماعنا أمام دار الحكومة، ~~أمرنا بالذهاب إلى بيتنا فأبينا، فأمر الجنود بإطلاق الرصاص علينا، تباركت تلك ~~الساعة يا بني، وتبارك الإخاء والولاء، فلما أمر الجنود بإطلاق الرصاص رموا ~~سلاحهم إلى الأرض وأسرعوا إلينا يعانقوننا. تعانق الجنود والعمال يا بني، ~~واتحدنا على العدو، عدو التمدن والإنسانية، نعم، قتلنا في تلك الساعة الحرب في ~~مهدها، وأسقطنا حكومتها وأربابها، في تلك الساعة يا بني أشرقت شمس الإخاء والحرية ~~لأول مرة على العالم. # أجل، قد سقطت حكومة واشنطون وحكومة لندن في أسبوع واحد وأخذت ثورة العمال السلمية ~~تمتد وتنتشر في فرنسا وألمانيا وروسيا والنمسا وإيطاليا، سطع نورها في أمم أوروبا ~~وأميركا جمعاء، بعثت البلشيفية من قبرها وقد طهرها الفشل ms468 والزمان، فاستولت وهي ~~عازل على زمام الأحكام في العالم المتمدن، وكانت النساء - تبارك اسمهن وجنسهن - ~~العامل القوي في فوزنا فوزا مبينا. # عصينا يا بني، تمردنا، خلعنا نير الطاعة لحكومات تجارية طاغية، انتصر السلم نصرا ~~مبينا، فازت الحرية والإخاء فوزا باهرا، رفع العمال راياتهم البيضاء لا الحمراء ~~في كل العواصم الأوروبية، وبعد أن استتب حكمهم الدمقراطي الاشتراكي عقدوا مؤتمرا ~~في نيويورك قرروا فيه ثلاث مبادئ أساسية: # أولا: # استيلاء الحكومة على الشركات العمومية كلها. # ثانيا: # تحديد ثروة الشركات التجارية والمالية وثروة الأفراد. # ثالثا: # تأسيس شركة للحكومة عمومية في كل ولاية، رأس مالها ما زاد من ~~ثروة الأفراد والشركات الخصوصية، فينفق ريعها على المشاريع ~~العمومية، والمعاهد العلمية والفنية والصحية، وقرر المؤتمر أيضا ~~مبدأ الرئيس ولسن في الحكم الذاتي الاختياري لكل الأمم صغيرة ~~وكبيرة، فجلت إنكلترا عن الهند وعن مصر، وجلت فرنسا عن سوريا وعن ~~المغرب الأقصى، وخرجت ألمانيا وروسيا من بولندا ومن المستعمرات ~~الجديدة التي احتلتها، ثم تأسست جمعية الأمم التي استولت على ~~جنديات وحريات الأمم المشتركة بها، وكان رئيسها الأول رئيس أحزاب ~~العمال الأميركية. # وحكم العمال الذي نحن فيه الآن يا بني هو الحلقة الرابعة من دائرة الأحكام ~~البشرية التي ذكرتها، فمن الحكم الأبوي، أي: حكم الحكماء، إلى الحكم الاستبدادي، ~~أي: حكم الملوك والأمراء، إلى الحكم الدستوري، أي: حكم الوجهاء والمتمولين، إلى ~~الحكم الاشتراكي، أي: حكم العمال. إلى الغد يا بني، ولكنما الغد لله. # رفيق السفر والمؤتمر # 1 # قد كان أول اجتماعي به في مؤتمر واشنطون لتخفيض السلاح، وهو يمثل جريدة ~~نيويوركية يكتب إليها رسالة كل يوم دون أن يحضر اجتماعات المراسلين بمحدثي ~~الوفود المختلفة أو يؤم وزارة الخارجية متسقطا الأخبار، ومع ذلك كان يكتب ~~المقال الذي لا يحتاج إلى كثير عمل ومشقة ويقبل لقاءه مبلغا من المال، وكان ~~يقبل أيضا دعوة سيدات واشنطون الغنيات في حال أن ليس بينه وبين أمثالهن ما ~~يحلل الخبز والملح، فهو اشتراكي وهن في غير تلك الحال لا يرين فيه ما يوجب غير ~~التفاتة يمازجها شيء ms469 من التنازل والازدراء، إلا أن الغرائب تعددت في أيام ذاك ~~المؤتمر، كيف لا واللورد ... يتناول الغداء وأحد المراسلين. إننا يا سيدي في بلاد ~~ديمقراطية، والمسيو ستيفان لوزان «رئيس تحرير الماتان» يمشي إلى إدارة إحدى ~~الجرائد وفي جيبه مقال مكهرب موضوعه لا شيء، عند احتياجه إلى المال، والمستر ~~بلفور - يجيء بنفسه ليحدث المراسلين فيشرح لهم الفرق من وجهة أدبية بين الغازات ~~السامة والطيارات المدمرة، ويتفلسف في شرعية استعمال الطيارات مثلا وعدم شرعية ~~الغازات. # وهذه بعض الشعوذات السياسية التي نجا صديقي منها، أما زملاؤه المراسلون فما ~~كانوا لينظروا إليه بعين الاهتمام التي كانت لسيدات واشنطون الغنيات، أو لتلك ~~الجريدة التي كانت تنشر رسائله وتعلن عنها كأنها الدواء الوحيد لأدواء العالم ~~كلها، قالوا إن حرفته التشاؤم وكفى، أما أنا فأحببت الاجتماع به؛ لأنه كان ينصر ~~مبادئ طالما روضت هذا القلم في خدمتها، ويجاهد في سبيل الإنسانية جهادا ~~مبرورا يستحق احترام كل من أخلص الحب للإنسانية، هذا من حيث التعارف ~~والائتلاف. وهناك أمور تناكرت - أو بالحري تناقضت - حببت إلينا الاجتماع، ~~منها أنه يكتب من اليسار إلى اليمين وأنا أكتب من اليمين إلى اليسار، أنه غربي ~~إنكليزي وأني شرقي عربي، أنه ممثل أكبر جريدة في المؤتمر وأني ممثل أصغر ~~الجرائد، أنه مادي محض وأني مادي روحي معا. كل هذه حببت إلينا الاجتماع ~~فاجتمعنا وكان ذلك في نزله قبل العشاء. # وكنت قد طالعت بعض تآليفه واطلعت على رسمه في إحدى المجلات فأعددت نفسي إلى ~~خبر يكذب الخبر - كما هي العادة في أكثر المؤلفين - ووعدتها بخيبة الأمل، فما ~~كان شيء من الاثنين؛ لأن المستر ولز # 9 # شبيه برسمه وإن كان غير ما نتصوره في وجوه الاشتراكيين، وإنه ليصح ~~فيه ما قالته أم «برنارد شو» في الكاتب المعروف «كننغهام غراهام»: «هذا الرجل ~~لا يشبه الاشتراكيين بل يشبه الرجال الأماجد.» والمستر ولز من الأماجد، ولا ~~غرو، وله فوق ذلك من رونق الشباب ما يدهشك جدا إذا علمت ما عدد سنيه وعدد ~~مؤلفاته. أما المؤلفات فلا تقل عن الخمس والأربعين، ms470 فهب أنه بدأ يكتب في سن ~~العشرين وكان له في كل سنة كتاب لكانت سنه 65 ولكن الحقيقة هي خلاف الرقمين، ~~فهو في السادسة والخمسين من سنه، وفي السادسة والأربعين من شبابه، يسلب الزمان ~~عشر سنوات وهو مطمئن إلى الزمان، هذا هو المستر ولز، وهذا ما أدهشني منه عند ~~أول مقابلة. # وإننا إذا سلمنا أن هذا الروائي المؤرخ ~~لا يتحرى في ما يكتب الترسل والإبداع أو الاشتهار بأسلوب خاص فإن غزارة ~~مادته، وسعة علمه، وكبر همته التي لا تعرف الكلل، وخلاء وجهه من أثر العمل في ~~التوليد الدائم، بل من دلائل التعب والملل، لما يستحق الذكر ويستوجب الإعجاب، ~~فهو في حركاته وفي وجهه وفي اطمئنان نفسه وفي ظهره الهادئ إجمالا شبيه بقسيس ~~لم يعمل في حياته عملا غير تحبير المواعظ أو انتحالها، وللمستر ولز أيضا ~~مواقف في الوعظ، إلا أنها غير مواقف المحترمين أصحاب الإنجيل، فقد وعظ ضد كل ~~شيء في العالم ولم يستثن الديانة المسيحية، وهو تلميذ الأستاذ هكسلي، ومن ~~أنصار مبدأ النشوء والارتقاء الثابتين. # وما همني من أمره تلك الليلة غير نظرات في الإسلام والأمم الشرقية في ~~كتابه «موجز التاريخ» فإنه بعد تأليفه هذا الكتاب، وبعد رجوعه من روسيا، وفي ~~معالجته موضوع «الحرب والسلم» في واشنطون، أصبح شبه نبي اجتماعي بل أمسى طبيب ~~العالم بأسره، وما هو مثل بعض الأطباء يصف الدواء الواحد لكل الأدواء، بل له ~~وصفات خاصة لا تزال تستغوي المطلق من العقول، وأنا في السياسة وفي الدين لا ~~أزال مطلق الرأي والعقيدة، لي في الصحيح من تعدد المذاهب شغف يغتفر عنده ~~التنقل والغزل، وقد كان لي بعد موعدي مع ولز موعد مع الزعيم الشاب السياسي ~~الصيني والنغتون كو. # قد اجتمع الشرق والغرب في واشنطون وتنازعا ثم عقدا معاهدة، إلا أنهما لم ~~يتفقا على نظام أدبي واحد في السلوك السياسي تتبعه الدول جمعاء. وهذا لعمري ~~سبب المحنة، بل سبب المحن السياسية كلها في العالم، فإذا كان الشرق يتوق إلى ~~وطنية غير معادية لأوروبا، بل هي بالعكس ms471 بنت التهذيب الأوروبي، وإذا كان ~~الغرب في تطوره السياسي ينحو نحو اشتراكية تعطف على وطنيات الشرق الناشئة نشأة ~~جديدة، ثم تسير هاتان النهضتان في خط مستقيم الواحدة نحو الأخرى، فإلى متي يا ~~ترى نعمد في حلنا المسائل الأجنبية إلى ما ألفناه من تعصب في التشريق أو ~~التغريب؟ إلى متى تبقى المسألة مسألة شرق وغرب؟ ومتى تصير مسألة عدل وأدب ~~وكفاءة؟ هذه من المسائل التي سألتها المستر ولز تلك الليلة. # ولا أذكر أنه اتقاها أو أجاب صريحا عليها، قال: «إن أوروبا سائرة إلى ~~الدمار، ولكن لا يزال عندها أشياء يمكن أن يستفيد الشرقيون بها، وخير لهم أن ~~يسرعوا.» فقلت: «إذا كانت أوروبا أو بالأحرى المدنية الأوروبية في حال النزاع، ~~والشرق الحر الناهض الذي يفك رويدا رويدا قيوده القديمة ينظر إليها نظر ~~المعترف بالفضل المستمد الإسعاف، فماذا عندكم تمدوننا به؟ ما هي عندك طريق ~~الخلاص؟» # فأجاب المستر ولز قائلا: «العلوم التقنية (الفنية)، فإن الاستقلال الوطني ~~والاجتماعي موكل بالاستقلال الاقتصادي، ولا تفوز الأمم بالاستقلال الاقتصادي ~~إلا بإحسانها العلوم الطبيعية كالهندسة والكيمياء والميكانيكيات كلها، هذا ما ~~يفتقر إليه الشرقيون، ويمكنهم أن يتعلموه في كلياتنا، وخير لهم أن ~~يسرعوا.» # وهو يقول بالإسراع قولا ممكنا، كأنه يرى قرب حلول مصيبة أشد هولا من ~~التي لا تزال تخيم على العالم، ولا يرى للروحيات في المحنة أو في درئها دخلا ~~أو لزوما. أذكر أنه قال: إن بعض مصيبة الشرق هو استرسال أبنائه في ~~الشعر. ~~«وما قولك بالدين؟» ~~«إنه يتوقف على ما فيه من الخير العملي، كلنا نكره التدجيل كما أنا نكره ~~التدين الآلي، ولكن في القرآن أشياء كثيرة حسنة تكاد تهمل، فحبذا تجديد ~~الحياة فيها وإهمال القديم المنافي لخير هذا الزمان، المعادي لطبعه. ناهيك بأن ~~القرآن عروة الإسلام الوثقى، أو هو - في الأقل - وسيلة يحسن استخدامها في ~~تحقيق الوحدة الإسلامية، وإن وحدة أية أمة من الأمم مفيدة لها ولغيرها، ~~فالوحدة تعيد إليها كرامتها وتوجب عليها القيام بعهودها، أما الإسلام اليوم ~~فمشتت الشمل، مبدد القوى، ولو لم يكن لدى ms472 المسلمين من واسطة إلى الاتحاد ~~لوجب عليهم اختراعها، ولكن كتابهم خير واسطة. خذ لك مثلا شخصيا: لست ممن ~~يؤمون الكنيسة للصلاة، ورأيي في الدين أنه لا يزال في حال الامتحان والتجربة، ~~فالكلمة المتناهية حكمة لم ينطق بها بعد لا في الكنيسة ولا خارجها، ولا في ~~الشرق ولا خارج الشرق، ومع ذلك إني على يقين تام من أمر واحد، فإذا كانت ~~انكلترا في خطر من الاحتلال الأجنبي - العربي فرضا - وكان أبناؤها مشتتين ~~مبددين في أربع زوايا الأرض دون رابطة تربطهم بعضهم ببعض فلا أتردد في دعوتهم ~~إلى الإنجيل بل أتخذ الكتاب المقدس شارة جنسية، وعلما وطنيا، وعروة شاملة ~~في الوحدة القومية.» # قلت: «من رأيك إذن أن يتمسك المسلمون بالقرآن ويتعلموا العلوم ~~الطبيعية؟» # قال: «أولا ترى أن ذلك خير لهم؟» # إن المستر ولز على جانب عظيم من اللطف والذوق، فلا هو يحتكر الحديث ولا يبدي ~~رأيه كأنه آية منزلة، وقد ظهر لي أنه لم يحط علما بالإسلام، وما ساح ~~قط في بلاد إسلامية ليدرك الفرق الأساسي بين شعب انكليزي يعتصم طالبا الوحدة ~~بالإنجيل وشعوب إسلامية مختلفة متعددة تعتصم بحبل الله وبكتابه للغاية ذاتها، ~~فالشعب الإنكليزي أليف الفكرة العلمية الحرة وإن لم يكن متطرفا فيها مثل ~~المستر ولز، وهذه الفكرة - أم التهذيب والعلم - التي تشترك بها الأمم ~~الأوروبية الراقية تقي الإنكليز - في عودتهم إلى الإنجيل كرابط سياسي - من ~~الرجعية، من التقهقر، بل من تجديد الحروب الدينية، أما الشعوب التي لم تعرف في ~~تاريخها كله ولا في أدواره الباهرة مظهرا من مظاهر الحكم المدني البحت، والتي ~~لا ترى في دنياها ما هو جدير بالنظر والاهتمام غير ما كان له صلة في الدين ~~والآخرة، لا يخلوا رجوعها إلى كتابها تحقيقا للوحدة السياسية من أخطار ~~التعصبات الدينية وأضرار النعرات المذهبية، والخطة المثلى لمثل هذه الشعوب - ~~الخطة التي استحسنها بعدئذ المستر ولز وفضلها على الأولى - هي أن تسعى في تحقيق ~~الوحدة الجنسية القومية لا الوحدة الدينية. # ولكننا وقفنا تلك الليلة عند هذا الحد في الموضوع، ووقفت أستأذنه ms473 بالخروج؛ ~~لأن الساعة كانت الثامنة وما كان قد لبس ثوب المساء للعشاء، إلا أنني في الختام ~~أثنيت على روايته الأخيرة التي طالعتها بسرور وإعجاب وهي في رأيي أحسن رواياته ~~وأقصرها، ولها مقدمة هي من الإبداع بمكان، فقد تحرى في شكلها سفر أيوب. إلا أن ~~المساجلة هي بين الله والشيطان فقط، وقد اختلق المستر ولز شيطانا جديدا له ~~ذوق وأدب، وله كذلك إلمام بالعلوم وعلى الأخص علم النشوء والارتقاء، سأل الله ~~الشيطان قائلا كما قال قديما في سفر أيوب: وماذا تعمل في الأرض؟ فأجابه ~~الشيطان: أحرك فيها من أجلك. # قلت للمستر ولز: إني تشرفت بالتعرف إلى شيطانه وإني أعرف شيطانا آخر يشاطره ~~الذوق والأدب، وهو فذ بين أقرانه، شيطان عربي، تلفيق أديب عربي: «هل قرأت في ~~كتاب ألف ليلة وليلة قصة إبراهيم الموصلي ليلة كان أرقا ضجرا - ولكنني ~~أؤخرك عن موعدك.» ~~- لا، لا، قصها علي، الناس في واشنطون لا يتعشون قبل الساعة ~~التاسعة. # فقصصت عليه قصة إبراهيم والشيطان الذي زاره نصف الليل، فقال المستر ولز ~~ضاحكا: «حقا هو لطيف كريم، يغني للمغني ليسليه.» # فقلت مصححا: «بل ليعلمه أغنية جديدة.» ~~- نعم، نعم، وعل الشيطان أن يعلم العالم عقيدة جديدة» ومد يده يصافحني ~~فقلت: «وقد يكفي أن يحرك العقائد القديمة فتبخر ثم تصفى. مساء الخير. # وكذلك انقضت ساعة لذيذة مع المستر ولز، إلا أنه غاظني بعد أيام في مقال ~~أشار فيه إلى «السوري المسلم» الذي زاره، وما زرته ليكتب عني، ولم أتمالك أن ~~بادلته «الفضل» في مقال لي، وكان قد ألقى المسيو بريان خطابه الشهير في ~~المؤتمر فاستشاط المستر ولز غيظا ونسي تعاليمه الاشتراكية والدولية كلها في ما ~~كتبه في فرنسا ومطامعها، فلقبته إذ ذاك بالأممي # 10 # البريطاني، ولم نجتمع لا حربا ولا سلما في واشنطون بعد ~~ذلك. # 2 # في صباح يوم من يناير اشتد برده كانت السيارات الجميلة تتقاطر نحو البحر ~~في نيويورك، فتقف أمام مرسى إحدى البواخر الكبرى ويخرج منها الأميركيون ~~رجالا ونساء وقد جاءوا من أقاصي الولايات المت حدة وأدناها، ms474 وهم إلى السياحة ~~التي فطموا عنها مدة الحرب أشد شوقا من الصياد إلى الطير ومن الطير المسجون ~~إلى الفلا. أضف إلى هذا النشاط وهذه الحالة النفسية بهاء في الملابس ~~والأمتعة، وأثرا ظاهرا في الغنى، وأمثلة باهرة في الجمال، فيتجلى لك رهط ~~السياح الأميركيين بما يبهج العين، ويلمس القلب، ولا يمس العقل إلا نادرا، ~~يوقظ العواطف ولا يحرك فكرا، وهم خلاصة الناس يرحلون مدركين أهمية الرحيل ~~وأهميتهم، يفرون من برد أميركا طالبين الشمس في مهدها، راغبين بنسمات السحر في ~~ال «ريفيارا»، وبعليل الهواء في وادي النيل. # وكنت قد ودعت نيويورك ومحجتي غير محجة السياح، وفي صدري أمل غذته السنون ~~وتعهدته الحوادث، فما تلفتت مني لا العين ولا القلب عندما أبحرت ~~«الأدرياتيك» ومرت بتمثال الحرية، كنت وحدي، ولم يخطر قط في بالي أن سألقى بين ~~ذاك الرهط الفخم أحدا أعرفه، ولكني وأنا سائر إلى غرفتي التقيت على الدرج ~~برفيق المؤتمر المستر ولز، وكان قد ودع واشنطون مثلما ودعت نيويورك وفي نفسه من ~~المؤتمر ومن مهمته الصحافية ما أفصح عنه الوجه تعبا وضجرا، ولا غرو إذا كان ~~قد سئم السياسة وراح يطلب زاوية في بلاد الله يفوز فيها بالعزلة وبشيء من ~~النزهة. # قلت إن ظاهر المستر ولز لا يدل على حقيقة أمره، فهو أشبه بالتاجر الغني منه ~~بالمؤلف والفيلسوف، ومع أن كلمة يكتبها اليوم يردد صداها في العالم المتمدن ~~كله، ومع أن نفوذه الأدبي والسياسي أشد من نفوذ كثيرين من ساسة أوروبا، فهو ~~على جانب عظيم من البساطة والاتضاع، لا تكلف في لبسه، ولا في حديثه، ولا في ~~سلوكه، يعتزل الناس إلا ما كان فيهم من حسن الوجوه وحسن القدود، وهو من رسل ~~الإطلاق في الحب بل الإطلاق في أمور عديدة من الحياة الدنيا، إلا أنه لا يطارد ~~على ما علمت ولا يصول، قال لي أحد المسافرين وكان كرسيه إلى جنب كرسي: «يقال إن ~~في نية المستر ولز أن يكتب لنا إنجيلا جديدا، فيا لها من مصيبة.» # وعندما أخبرت المستر ولز بخوف جاري ms475 وتشاؤمه قال ضاحكا: «بل أحب أن ~~أصحح أو أعيد كتابة بعض فصول من التوراة.» ليس الرجل لامعا في حديثه ولا ~~يجيء بالنكتة أو بظريف الجواب إلا نادرا، وإن ما فيه من الإخلاص والرصانة، ~~والحصافة والاستقامة، ليشفع حتى بالمبتذل أحيانا من آرائه، ولكنه في حديثه ~~مع السيدات أبرع منه مع الرجال، وعنده شيء من المجون الإنكليزي الذي ~~أشبهه بمن يلبس نعلا من الكوتشوك فلا تسمع إذا زارك وطء قدميه، لا أريد ~~بذلك أن مجون المستر ولز خداع غدار يجيئك من حيث لا تدري، بل هو من النوع ~~الذي تسرك إشارته ولا يسوءك صوته، وكان لي منه حظ يذكر بالرغم عمن كان يميل ~~إليهن من السيدات ومن يحمن منهن حوله، فكنت أحتفظ كل يوم بأثر من نفسه ~~وبشيء من حديثه، وقد كان لنا جلسة ذات يوم طويلة تبادلنا بعدها التآليف وكتب ~~هو على كتابه: «إلى أمين الريحاني، بعد حديث مستحب في مواضيع هذا العالم - ~~عالمنا.» # وفي ذاك اليوم بعد ذاك الحديث سألتني إحدى السيدات: «وهل من صحة لما يقال ~~من أن للمستر ولز أربع زوجات.» فقلت: «هو يعجب بالمسلمين ولكنه على ما أظن لم ~~يعتنق حتى الآن الإسلام»، فأجابت على الفور: «ليس من الضروري أن يعتنق ~~الإسلام.» وفي جوابها ما يشير إلى باب من أبواب النهضة النسائية الحديثة في ~~أوروبا وأميركا، فإذا وصلت إلى الباب تقرأ ما كتب فوقه وهي كلمة واحدة: ~~المساواة. # وللمستر ولز في فلسفة الزواج الجديدة أسهم عديدة، منها ما يشق كبد ~~الاصطلاحات، ومنها ما يصيب كبد الحقيقة، ومنها ما يرمى في الهواء فلا ندري ~~أين يقع وماذا يصيب، إلا أن سلوكه في الحياة لينطبق على مبادئه وتعاليمه، أي: ~~أنه مطلق الحرية والتصرف في انتسابه السياسي مثلا وفي اختياره الجنسي، وهو ~~وإن كان له أكثر من زوجة واحدة - ليس لي أن أثبت الأمر أو أنفيه - لا يدعي ~~العصمة ولا النبوة، وهو وإن كان اشتراكي المبدأ، لا يحترم كارل ماركس مثلا ولا ~~يحتقر لويد جورج، ولا يرى في ضيافة الأغنياء ms476 ما يراه الشيوعي القصير ~~النظر. # إن التعصب الأعمى لمن الآثار القديمة، والمفكر المهذب الحصيف يسير مع ~~الزمان وأبناء الزمان مواليا في ما لا ضر فيه، ولا يطلب من الناس غير الصدق في ~~القول، وكرم الأخلاق في العمل، وحسن الذوق في الاثنين، وقد يقتنع أحيانا ~~بحسن الذوق فقط. ألا ما أسخف الرجل الذي يفاخر دائما بماله أو بدينه أو بمذهبه ~~السياسي وما أثقله، إن أهم ما في الحياة الناس، ومن يحفظ التوازن بين شئون ~~الناس وقضايا الحياة كلها إنما هو صديقنا الأكبر ومعلمنا، بل هو من المحسنين ~~إلينا. # ولا أبالغ إذا قلت: إن المستر ولز من هؤلاء الأفراد القلائل في العالم، فما ~~ضره إذا لبس مثل التجار الأغنياء ونام في كرسيه على ظهر الباخرة مثل سائر ~~الناس - وغط كذلك - وما ضره إذا لعب بالورق مع السيدات؟ إنه طالب راحة ونزهة، ~~وهل في كل الجمال البشري ما يرتاح إليه المرء ارتياحه إلى وجه جميل وابتسامة ~~جميلة؟ فضلا عن أن الروائي يرغب دائما بالحياة على اختلاف مظاهرها، يبحث ~~دائما عن موضوع، عن عروس، عن حادثة - غريبة أو جديدة - لرواياته. # حدثني ذات يوم مراسل إيطالي كان معنا في مؤتمر واشنطون وكان في الباخرة، وهو ~~شاب جميل، نقطة دائرة من الأوانس باهرة، قال ينتقد كتاب المستر ولز «موجز ~~التاريخ» إن الفصول المختصة بتاريخ إيطاليا مفعمة بالأغلاط والمقدسات ~~الفاسدة، ولا يدرك ذلك إلا المؤرخ الإيطالي ومن كان متضلعا بتاريخنا، إنما ~~المستر ولز روائي لا مؤرخ، فقلت: إنه أكثر من روائي وأكثر من مؤرخ، هو ~~فيلسوف ومصلح وحكيم. والمؤرخ غالبا عقيم وإن اجتمعت فيه مزيتا الفلسفة ~~والحكمة؛ لذلك نفضل تاريخ ولز بما فيه من الأغلاط على تواريخ لا أغلاط فيها ولا ~~حياة، أما النوع الأول أي: الخالي من الأغلاط فغير موجود والنوع الثاني نادر ~~جدا، وقد لاحظت أن في فصول أخرى غير التي أشار إليها الكاتب الإيطالي قرب ~~المستر ولز من الحقيقة ولكنه لم يفز بها، وعل إشارة خير من عبارة. # انتقلت ومحدثي من التاريخ إلى الفنون، ms477 وبينا كان يتكلم عن النهضة الفنية ~~الحديثة في إيطاليا وثبت منه نظرة أوقفت الكلمة على لسانه، فغير الحديث ~~هاتفا: «لله هذه الفتاة، أتعرفها (وكانت قد مرت بنا أجمل فتاة في الباخرة) هي ~~ابنة السيدة التي تجلس إلى المائدة قرب المستر ولز، وهو حتى الآن لم يعرفني ~~بها، أكذلك يكون المؤرخ الحقيقي؟» فتأكدت عندئذ أن حسد الكاتب هو حسد القلب، لا ~~حسد الأدب. # 3 # ليس للمستر ولز خطة اشتراكية أو طريقة عملية لإصلاح العالم، فهو اليوم ~~اشتراكي علما لا اشتراكي عملا، وقد يقبل الهيئة الاجتماعية والسياسية ~~الحاضرة بما فيها من المنكرات إلى أن يحدث حادث يقلبها بطنا على ظهر، وإنه في ~~ما يكتب يمهد السبيل لمثل ذا الحادث بل يستسرع يومه، وله في المستقبل نظرات هي ~~في الغرابة مثل نظرات المستر برنارد شو، إلا أن لها هالة علمية وفيها لب النشوء ~~والارتقاء. في المستر ولز سلامة ذوق يتخلله شيء من المجون، وفي المستر شاو ~~مجون يتخلله شيء من سلامة الذوق. # قلت للمستر ولز: «إذا كان الحب المطلق والأسرة كما هي اليوم يتناكران ~~ويختلفان فأيهما تنبذ، بل أي منهما أنت تنصر؟» فأجاب قائلا: «لا بد للقائل ~~بالحب المطلق أن يتنازل عن بعض أشيائه لكي تصان الأسرة في حالها الحاضر إلى أن ~~يصير أمرها إلى الحكومة فتؤسس دائرة خصوصية تتولى شأنها.» # ولو سألت المستر شاو هذا السؤال لقال لي: «إذا كان القائل العامل بالحب ~~المطلق ذكيا يشتري للأسرة، التي يهمه أمرها، سيارة من سيارات الحرب، وإذا كان ~~قويا ينصب لها - بدون مقدمات - المشنقة.» # غني عن البيان أن نتيجة مبدأ المستر ولز الحاضر تضر بصالح الفرد وتحول دون ~~نشوئه النفسي والعقلي، بل هي تناقض تعاليمه الأساسية في الاجتماع، وهو يدرك ذلك ~~ولا يعتذر عنه، قال الشيطان للرب: «إني أحرك في العالم من أجلك ولخيرك»، وفي ~~بستان المستر ولز الأعشاب السامة، والنباتات الطبية والزهور كذلك والثمار، وهو ~~يفتح لك الباب قائلا: أهلا وسهلا، ولكنه لا يرافقك دليلا، ولا يعترض إذا ~~اقتديت بشيطانه وكنت في البستان ms478 صاحب حركة فتخلط الأعشاب بالزهور، لعلك تهتدي ~~إلى حقيقة جديدة من حقائق الوجود، ولعل السم في هذا العشب مثلا يزيل المرض في ~~تلك الشجرة. # وهناك مبادئ أخرى أساسية في النشوء والعمران، منها مثلا: أن الإنسان لا ~~يزال مصعدا ولم يصل إلى آخر درجة من سلم النشوء والارتقاء، وأن الأوروبي - ~~فردا لا اجتماعا - لا يزال خاضعا للناموس الطبيعي القائل ببقاء الأنسب ~~وصالحا للعمل به، ولم يصل - كما يظن بعض العلماء - إلى القنة التي يختنق عندها ~~إذا لم ينكس راجعا، فالمرء والمدنية من هذا القبيل جسمان مستقلان. # قال المستر ولز: «إننا في بداية أمرنا في الاكتشاف والعلم، ولا نزال قيد ~~الأوليات في استخدامنا المبادئ العلمية في الحياة وعلى الأخص في أساليب البحث ~~والجدل، ومن الحقائق التي لا تحتاج إلى برهان أن كل ما كان من ارتقائنا في ~~الماضي ليس هو اليوم كما كان، حكوماتنا، وعلومنا، وطرائق الحرب، تغيرت كلها، ~~فهل يعقل أنها ستبقى على ما هي اليوم بعد خمسماية سنة؟ أما إذا قلت: وألا تتغير ~~من الحسن إلى السيئ أو من السيئ إلى الأسوأ؟ أجيبك: كلا؛ وذلك لأن نشوء ~~الإنسان هو من السافلات إلى العاليات ومن السيئ إلى الحسن دائما.» # وهو يرتئي كذلك أن مبدأ النشوء والارتقاء الذي ظهر وتعزز في الشعب السكسوني ~~سيؤهل هذا الشعب أيضا للعمل الأكبر في تكييف مصير العالم ومستقبله، وما هو ~~بالغريب أن تحاول أمة تسود العالم بواسطة مبدأ علمي اكتشفه علماؤها، ولكننا ~~نخشى - ويحق لنا أن نخشى - مثل هذه السيادة إذا كانت غير مدعومة بمبادئ ~~اجتماعية شريفة، وتعاليم روحية سامية. ~~«أقول - وعسى ألا تظن قولي غرورا: إن أميركا وانكلترا تتقدمان الأمم في ~~سبيل الارتقاء، وتهديانها إلى حكومة العالم المستقبلة، الحكومة ~~الأممية.» # لذلك دعيت المستر ولز «الأممي البريطاني» وهو بشر مثلي ومثلك لم ينتصر بعد ~~على عوامل الوراثة فيه، ولن تتنصر روحه في الجيل الثاني أو الثالث من ذريته على ~~نواميس هي في سيرها ونشوئها وزوالها بطيئة جدا، والبرهان على ذلك، خذه من ~~مبادئ المستر ولز ذاتها، ms479 بل من التعاليم الدروينية، وهو يحاربك بها، ولكنه ~~يعتقد أن الحرب حتى بين حقائق الوجود تجلي الحقيقة الكبرى في المثل الأعلى ~~وتقربها من الناس، «فإذا كنا غير مستعدين اليوم للمثل الأعلى في الحكومات ~~فينبغي لنا أن نقبل المثل الذي يدنو منه وهو الحكم الإنكليزي، وهذا مثال من ~~المجون الذي يحسنه المستر ولز.» # لكنه لا يريد بالحكم الإنكليزي - كما يتبادر للذهن - الاستعمار أو الانتداب، ~~بل يريد التشبه، الاقتداء، الاقتباس، «إذا كنا أحسنا أمرا فلكم الثمرة ولنا، ~~إذا كان دستورنا مثال العدل والحكمة فخذوه دستورا لكم. إن في الشرق الأقصى ~~اليوم نهضة نحن مديونون بها لأميركا، فقد خطونا في مؤتمر واشنطون خطوة كبيرة ~~نحو الحقيقة الكبرى في الاجتماع وفي السياسة، أجل، إن الفضل لأميركا في طرح ~~المسألة الصينية على بساط البحث وحمل الدول على اتفاق أساسي بخصوص الصين، ~~وجوهر هذا الاتفاق - كما تعلم - هو أن المساعدة لا تكون في أن تدخل الدول ~~الأوربية إلى الصين حاملة الإنجيل بيد وبرنامج التجارة باليد الأخرى، بل ~~المساعدة هي أن نخرج من تلك البلاد، ليس إلا، وقد تم في مؤتمر واشنطون ما ~~كانت الدول تخشاه، فقد أقرت الدول أن تخرج تدريجيا من الصين، كل بلاد ~~لأهلها.» # وهذه من المبادئ التي لا يستطيع المستر ولز اليوم إلا نصرها، لهو وإن كان ~~أمميا يدرك أن لا بد من حكومات في الشرق تتقدم الحكومة الأممية التي يبشر ~~بها ويدعو إليها، الوجود قبل العدم. فيجب أن تظهر الحكومة الوطنية في الشرق قبل ~~أن تزول، وستكون الصين أول الأمم الشرقية الكبرى المتمتعة بحكومة وطنية، فهل ~~تكون أول الأمم الشرقية التي تنبذها؟ يقول المستر ولز: لا أدري، ولكنه متأكد ~~أن الوطنيات ستعم الشرق كله، فتنتقل من الصين إلى الهند ومن الهند إلى بلاد ~~العرب. ~~- «وستكون سوريا آخر مراحل الوطنية في سياحتها الغربية؟» ~~- «كلا، على السوريين أن يبدءوا بالجهاد، فالنهضة إذا بوشر بها في طرفي الشرق ~~- الأدنى والأقصى معا - تكون أسرع في سيرها ونجاحها.» ~~- «وما قولك بمصر؟» ~~- «إني من أنصار المصريين في الاستقلال ms480 إذا استثنينا منه ترعة السويس، فلا ~~يجب أن تستولي على الترعة دولة واحدة من الدول؛ لأنها ممر عمومي في طريق ~~التجارة والأسفار التي تصل الشرق بالغرب، ويجب أن تكون - والحال هذه - في يد ~~حكومة أممية، أو حكومة مؤلفة من دول العالم الكبرى. حكومة تكفل حياد الترعة ~~وشيوعيتها وتحميها، أما الدول الصغيرة فلا تنفع إذا اشتركت بهذا الحكم، وقد ~~تضر، فهي غالبا تبيع أصواتها في تقرير الأمور، نعم، يحق لمصر أن تكون من الدول ~~المسيطرة على الترعة، وما خلا ذلك فأنا قلبا وقالبا نصير استقلالها ~~التام.» ~~- «أولا تظن أن في استطاعة مصر أن تحمي الترعة؟» ~~- «ليست المسألة في نظري مسألة حماية فقط، أنت تعلم أني أنصر المبدأ الذي ~~يقول بالاستيلاء العام على طرق التجارة والأسفار العمومية في العالم بأسره، وما ~~نفع المبادئ إذا ظلت إلى الأبد في العقل والخيال، ينبغي أن توضع موضع العمل، ~~ولا بد لكل عمل من بداية.» ~~- «وهل تطلب العمل بذا المبدأ في ترعة باناما أيضا؟ وكيف يمكنك أن ~~تنفذه؟» ~~- «نعم، إن النظريات والمبادئ خاضعة مثل كل أمر من أمور الحياة لناموس ~~النشوء والارتقاء، فإذا بدأنا في مصر ننتهي في أميركا.» ~~- «ولكن لمصر - كما لسائر الأمم - الحق الأول، الحق المطلق، في ~~أرضها.» ~~- «لا يحق لأمة من الأمم أن تملك أرضا لا تستثمرها ولا تدع غيرها أن ~~يستثمرها، وعلى هذا القياس أقول أيضا لا يحق لأمة من الأمم أن تستولي ~~وحدها على طريق عامة من طرق العالم وتقفلها يوم تشاء دون من تشاء من الأمم، ~~زد على ذلك أنها لا تستطيع - وهذا أشد ضررا - أن تحميها في زمن الحرب.» # ولا يختلف رأي المستر ولز في الأمم الشرقية، إذا جردناه من المبدأ ~~الاشتراكي، عن رأي بعض الأحرار من السياسيين الأوروبيين، فهم رغم عطفهم على ~~الشرقيين، لا يثقون بهم حتى الآن الثقة التامة، «ليكن لهم الاستقلال السياسي»، ~~يقول السياسيون والمستر ولز أيضا: «ليتمتعوا بالحكم الوطني، وليتعلموا أثناء ~~ذلك العلوم التقنية والميكانيكية والاقتصادية، وإذا كانوا لا يجيئون إلى ~~أوروبا لهذا الغرض، ليكن ms481 لنا حق التعليم في بلادهم.» قلت: «وهل تظن أن هذه ~~العلوم تكفي لتقدم الشرقيين ورقيهم؟» # فأجاب على هذا السؤال وهو يذكرني بكلمة قلتها في واشنطون إذ سألني أحد ~~المراسلين الشرقيين: ما هو دينك؟ فقلت: لا دين لي اسما ورسما، ولكني أعتقد ~~بالله أبينا أجمعين، وأعتقد كذلك بالإخاء البشري. # فقال المستر ولز - مجيبا سؤالي: أضف إلى العلوم دينك هذا، ولا أظن أن ~~أمة من الأمم تحتاج أكثر من ذلك - إذا عملت به - لرقيها وعمرانها. # | سوريا ولبنان # لا شيء بلا شيء # حقوق الشعوب الصغيرة، حرية الشعوب الصغيرة، استقلال الشعوب الصغيرة؛ كلمات ~~يرددها اليوم السياسيون والمصلحون في العالم المتمدن، ويردد صداها زعماء الشعوب ~~الصغيرة وكتابهم دون أن يدركوا أسبابها ويتدبروا معناها. ونحن السوريين من هؤلاء ~~الشعوب وفينا من مرددي الصدى كثيرون، منهم المتحمس السليم النية الذي يقيس أمور ~~بلاده بأمور بلاد أقام فيها وجهل تاريخها وتقاليدها، ومنهم الشاعر الناثر الذي يظن ~~أن الكمالات في نظم القصائد وتحبير المقالات، ومنهم الصحافي الذي لا يهمه من ~~الوطنية والاستقلال إلا ما جاء منهما في شكل الدينار، ومنهم التاجر الذي يجهل حتى ~~تاريخ بلاده ولا يعلم من حوادث الماضي والحاضر إلا ما تنشره وتمسخه الجريدة التي ~~يطالعها. وكلهم وطنيون إما قلبا وإما قالبا فقط، كلهم على اختلاف نزعاتهم وتباين ~~مقاصدهم، ينشدون الحرية ويطلبون الاستقلال. # وقد فاتهم أن لا شيء بلا شيء، لا شيء مجانا. # حقوق الشعوب الصغيرة، حرية الشعوب الصغيرة، استقلال الشعوب الصغيرة. مليح. على ~~الرأس والعين، وقد طالما بشرنا بهذه المبادئ وطالبنا بها بين قومنا في الوطن - ~~حتى في عهد عبد الحميد - وبين الأميركيين في هذه البلاد، ولكنه، وإن أكبرنا نظرية ~~فيها الحقيقة، لا يفوتنا عملية فيها حقيقة أخرى، فمن النظريات التي نعتقد بها ~~ونثبتها في الناس باللغتين العربية والإنكليزية أن ينبغي أن يكون للشعوب الصغيرة ~~ما للشعوب الكبيرة من الحقوق المدنية والسياسية والدينية والاجتماعية. # على أنه إذا طالعنا التاريخ وتدبرنا مغزاه يتضح لنا أن الشعوب الكبيرة إنما نالت ~~حقوقها بالسعي والجهاد، بالعلم والتهذيب، بالتضحية والمفاداة، ms482 وأن لها من القوة ~~المادية والمعنوية ما يمكنها من حفظ هذه الحقوق والدفاع عنها عندما تهضم أو تمتهن، ~~أجل، قد نالت حقوقها بالسيف وصانت حقوقها بالسيف، هذا ما يعلمنا التاريخ، هذا ما ~~تعلمنا حوادث اليوم، بل هذا هو معنى الحرب الحاضرة. # وما كان في الماضي بالنظر إلى هذه الأصول الاجتماعية والوطنية سيكون أيضا في ~~المستقبل، فكيف ننال حقوقنا نحن السوريين؟ أنظن أنها تجيئنا مجانا من هذه الدولة ~~أو من تلك الأمة؟ أنظن أنها تهدى إلينا لوجه الله أو من أجل الإنسانية والمبادئ ~~الدموقراطية؟ لا شيء بلا شيء، لا شيء مجانا، الحرية لا تشرى إلا بالدم، ~~الاستقلال لا ينال إلا بالتضحية. # إذا طلبنا الحرية والاستقلال إذن فبالسيف ينبغي أن نطلبهما، وإذا تم لنا ذلك ~~فبالتهذيب والوحدة الوطنية نحافظ عليهما، قف معنا عند هذا أيها القارئ ... إننا لا ~~نكتب شغفا بالكتابة ولا نتحرى في ما نكتبه مجرد الألفاظ الرنانة والتنميق الفارغ. ~~إن في كل كلمة فكرا نريده ونحب أن نقدمه جليا للقراء، قلنا بالسيف ينبغي أن نطلب ~~حريتنا، أما إذا طلبناها اليوم بغير السيف، إذا طلبناها بالكلام، بالكتابة، ~~بالعرائض، وإن كنا متحدين في ما نطلب، فلا ننال منها إلا شبه الحرية. أي: الحرية ~~الناقصة المقيدة بإرادة من ساعدونا لننالها والمقيدة كذلك بمصلحتهم السياسية، وهذا ~~معقول؛ لأن الطبع البشري وإن تغيرت الحكومات لا يتغير، ومن الحقائق الطبيعية أن كل ~~شيء بين الناس وبين الأمم متبادل، لا شيء بلا شيء، لا شيء مجانا. # أنت مثلا مظلوم، وظالمك أقوى منك، فلا تستطيع وحدك أن تنال حقك منه، ترى نفسك ~~بين أمرين، الطاعة أو التمرد، فتعيش في الحال الأولي عبدا وقد تموت في الثانية ~~حرا. أما إذا أحببت أن تعيش حرا فتستعين على الظالم بجارك القوي، فيقول لك ~~الجار: يدي ويدك عليه، فإذا قلت: لا أستطيع أن أقاتل، يقول هو في نفسه سأقاتل ~~إذا عنه وأتقاضاه من عمله وحريته شيئا لقاء ما سأبذله في سبيله. وقد يقول لك: ~~سأقاتل إذا عنك من أجل الإنسانية، فتقول: نعم ms483 الجار، لو لم يكن دمي من دمه لما ~~كان يقاتل عني ليحررني من ربقة الظلم. ولكن الحقيقة هي أنه لا يقاتل عنك إلا إذا ~~كان له غرض فيك. # هذا كلام صريح يفهمه من يقرأ ولو ماشيا، ونحب أن يتدبره السوري ويجرد نفسه من ~~الأوهام، لا شيء بلا شيء يا أخي، لا شيء مجانا. # لننظر إذن في الحال التي نحن فيها الآن، نحن كأمة محرومون حريتنا ~~واستقلالنا، حريتنا بيد الأتراك، واستقلالنا بيد الدول المتحالفة، فهل نستعيد ~~حريتنا بمجرد أن نطلبها من الأتراك؟ وهل ننال استقلالنا بمجرد أن نطلبه من الدول؟ ~~هذا غير معقول. # أما إذا وعدتنا دولة من الدولة بحريتنا واستقلالنا ودعتنا إلى الجهاد معها في ~~هذا السبيل فهل تظنها تفعل ذلك إكراما لسواد عيوننا؟ تركيا عدوة الأحلاف اليوم فمن ~~مصلحتهم أن يتغلبوا عليها، أن يسحقوها، ومن مصلحتنا كذلك، ولكن إذا جاءتنا الحرية ~~بهذه الطريقة السلبية فلا نحن مستحقونها ولا نحن نستطيع أن نحافظ عليها، والحقيقة ~~أنها لا تجيئنا صافية تامة إلا إذا كان لنا يد في الجهاد في سبيلها. # علينا إذن أن ندعو إلى التطوع، وعلى القادرين منا أن يتطوعوا في الفرقة الشرقية، ~~ذلك لأن الفرقة الشرقية وإن تكون إفرنسية فهي مؤسسة باتفاق خصوصي بين فرنسا ~~وحليفاتها، ونحن ممن يعتقدون بصحة هذا المشروع، بوجوب هذه الحركة، بقداسة هذا ~~الواجب، نحن ممن يدعون السوريين إلى التطوع؛ لأن التطوع اليوم إنما هو الخطوة ~~الأولى إلى تحريرنا وتحرير بلادنا، بل الخطوة الأولى نحو استقلالنا التام في ~~المستقبل. # التطوع لازم إذا كنا نريد حرية واستقلالا، التطوع لازم إذا كنا نريد أن ~~نكون أمة من الأمم الراقية المتمدنة، التطوع لازم إذا كنا نحب أن نتحرر ~~من ربقة الظالمين السفاحين. التطوع لازم إذا كنا نتوقع ممن ساعدنا من الدول أن ~~تشاركنا بثمار النصر على العدو، التطوع لازم إذا كنا ندرك الحقيقة الأولية في ~~التعاون والتضحية، التطوع لازم إذا كنا نريد أن نكون أسياد أنفسنا وأصحاب الرأي ~~والعمل في شئوننا، وإذا كنا لا نضحي بشيء في سبيل ms484 حريتنا فلا نحن نستحقها ولا هي ~~تليق بنا، إذا كنا لا نفادي بأنفسنا في سبيل الوطن فلا حق لنا به ولا حق لنا أن ~~نعترض على من يحررونه ويعمرونه. # نيويورك، في 10 تشرين الأول، سنة 1917 # لنا ولكم # لا غنى للأمم بعضها عن بعض وبالأخص المتجاورة منها، وما من أمة مهما عظم ~~شأنها تستطيع أن تعتزل العالم فتقول لبقية الأمم: لا حاجة لي بكن ولا حاجة ~~لكن بي، فالتبادل سنة الاجتماع، والتعاضد سنة العمران. قد كان للصين سور ~~هدمته التجارة، وقد كان للشرق نطاق من التقاليد والخرافة قوض التمدن قسما منه ~~كبيرا. # الأمم والشعوب في حاجة بعضها إلى بعض، والتعاون والتبادل من سنة الرقي ~~والنجاح، أجل، وسيكون لهذه السنة بعد الحرب شأن عظيم، سيكون لها من المكانة ~~والنفوذ ما لم يكن لها قبل الحرب، كيف لا والمخلصون النزيهون من المصلحين ينادون ~~اليوم بالاتفاق الدولي وبالتحالف العام؟ لا يضر التضامن بالاستقلال بل يساعد في ~~تعزيزه، ذلك لأن الاستقلال الذي يضرب نطاقا وهميا أو سياسيا أو تجاريا على ~~أمة ما لا يلبث أن يتلاشى بتلاشي قوى تلك الأمة وخيراتها. # الشعوب لا تحيا إلا بمبادلة ثمار سعيها، والأمم لا ترتقي إلا بمبادلة ثمار العلم ~~والعمل فيها، فإذا كانت هذه سنة العمران بين الأمم المستقلة بعضها عن بعض، ~~حكما وسياسة، فكيف بها بالشعوب التي هي من دم واحد وقطر واحد ولغة ~~واحدة؟ # السوريون من الشعوب المستضعفة وهم لذلك في أشد حاجة إلى التفاهم والاتحاد، إلى ~~التعاون والتضامن، لا حياة لنا إذا تقسمنا وتجزأنا أحزابا وطوائف، مذهبا وعصبية، ~~بل في انقسامنا واعتزالنا بعضنا بعضا موت الوطنية التي لم تزل في المهد، في ~~انقسامنا باب لاحتلال أجنبي لا حد له ولا شروط تقيده، وقد حان لنا أن نفهم ~~ذلك. # فينا اليوم فريقان بل حزبان، حزب رسم دائرة صغيرة وقال: هذي هي بلادنا، هذي هي ~~دائرتنا، وكل من كان على غير مذهبنا هو خارج الدائرة، وحزب رسم دائرة كبيرة ~~حول الدائرة الصغيرة وقال: هذي هي بلادنا، وهذي ms485 دائرتنا تضم دائرتكم وتصونها. ~~أصحاب الدائرة الأولى يقولون: لنا وحدنا. وأصحاب الدائرة الثانية يقولون: لنا ولكم. ~~الدائرة الأولى لبنان، والدائرة الثانية سوريا. الأولى رمز لمبدأ النهضة اللبنانية، ~~والثانية رمز لمبدأ الوحدة السورية. # فأي المبدأين أصح أيها القارئ؟ وأي المبدأين تعتنق؟ المبدأ الثاني مبني على ~~الفكرة الاجتماعية السديدة أن لا حياة للشعوب الصغيرة المستضعفة إلا بالاتحاد، ~~بالتعاون والتضامن، والمبدأ الأول مبني على الفكرة الطائفية التي لا ترى الحق في ~~غير الاعتزال، والتي أمست عند الأمم المتمدنة ضربا من التقليد أو أثرا من ~~الآثار. # المبدأ الثاني مبني على السنة الأساسية لا شيء بلا شيء، فإذا ساعدنا من يرغب ~~بتحريرنا من ذوي الصولة والاقتدار ننال الصافي من غايتنا، وإذا ترددنا وانقسمنا ~~وتفرقنا فلا ننال من حريتنا إلا ما تمنحنا إياه الدولة المتغلبة أو ما تراه موافقا ~~أولا لمصلحتها. أما مبدأ أصحاب الدائرة الضيقة الصغيرة فمبني على وهم أن فرنسا ~~مثلا تساعدنا وإن كنا لا نحرك ساكنا في سبيل أنفسنا، وأنها تمنحنا حريتنا ~~واستقلالنا - هذا إذا فازت بطرد العدو من بلادنا ~~- حبا بتقاليد قديمة طوى ذكرها الدهر، أو إكراما للصليبيين، لا أظن السوريين ~~يؤخذون بمثل ذا التمويه. # لا شي بلا شيء - كما قلنا في مقال بنا سبق - والحقيقة التي ينبغي أن تكون فوق كل ~~مصلحة وكل سياسة هي: أن فرنسا تبتغي من بلادنا شيئا لقاء ما ستضحيه في سبيلنا ، ~~وهذا حق لا ينكره إلا المكابر أو الدجال، لنفرض إذا أن اللبنانيين استقلوا ~~استقلالا تاما تحت رعاية فرنسا - كما يزعم المضللون - فماذا في لبنان من وسائل ~~العمران التي نستطيع أن نبادل فرنسا بها لقاء رعايتها؟ # إي أصحاب الدائرة الصغيرة، أصحاب الفكرة البدوية العقيمة، إي إخواننا القائلين ~~بمثل هذه اللبنانية، كيف نصون ديارنا ونحمي ذمارنا إذا اعتدى الجيران علينا؟ بل كيف ~~نحافظ على استقلالنا إذا حاولت الأكثرية في سوريا وهي من المسلمين أن تنزعه منا؟ ~~بل قولوا لنا كيف نصون حدودنا البرية والبحرية؟ أبأسطول فرنسا؟ أبجنود فرنسا؟ ~~وهل يعقل أن فرنسا تبذل من مالها ودم أبنائها ms486 في سبيل استقلالنا لمجرد كوننا من ~~سليلة الصليبيين - كما يزعم الزاعمون؟ أيظن الناس أننا على هذا المقدار من السذاجة؟ ~~لنجرد أنفسنا من الأوهام، لنقلع ساعة عن التضليل والتدجل، ولنفكر في معنى ~~الاستقلال تحت رعاية فرنسا أو غيرها من الدول. # نحن في زمن ساد فيه مبدأ الاقتصاد وعلت على كل نزعاته المصالح الصناعية ~~والعمرانية والمالية، فإذا كانت فرنسا أو غيرها من الدول ترغب في بسط حمايتها على ~~شعب من الشعوب فلا تباشر في تحقيق رغبتها إلا إذا كان في بلاد هذا الشعب أبواب ~~لمشاريع صناعية، ومصادر تجارية واقتصادية، تقوم بنفقات هذه الحماية أو في الأقل ~~ببعضها، هذا من أصول الحماية أو الاحتلال أو الاستعمار، ولا يخفى علينا أن فرنسا ~~بعد هذه الحرب تكون في حاجة إلى المال شديدة، وكفاها ما في بلادها من الأرض الخراب ~~والمدن المتهدمة التي يجب ترميمها وتعميرها، فهل تظنها أيها الأخ اللبناني تنفق من ~~فضلاتها علينا وعلى بلادنا إكراما لسواد عيوننا أو إكراما لكوننا - كما يزعم ~~الدجالون - من سليلة الصليبيين؟ # لا شيء بلا شيء، لا شيء مجانا. مبدأ قويم سديد لا ينكر صحته إلا الجهلاء أو ~~المضللون، وإذا بسطت فرنسا حمايتها على بلادنا فلا مشاحة أن سيكون لها يد كبيرة ~~في تعمير البلاد واستثمار موارد الرزق فيه لتنفق منها على ما تقتضيه الحماية من ~~النفقات. وهذا عدل؛ لأننا إذا كنا عاجزين اليوم عن نيل حريتنا واستقلالنا وحدنا، ~~وإذا كنا راغبين في أن تبذل دولة من الدول شيئا من قواها في سبيلنا، فالتبادل ~~بالمنافع واجب، وإذا كانت بلادنا خالية مثلا من سبل العمران ومصادر الرزق فلا ~~يغرننا أن الدولة التي ستساعدنا تمنحنا حرية خالصة من كل شائبة، وتهبنا ~~استقلالا تاما صافيا لوجه الله. # لذلك نقول: إن الفكرة اللبنانية، بل الفكرة القومية الطائفية، هي فكرة قديمة ~~عقيمة، هي لو عمل بها اليوم ضربة قاضية علينا، فقد كانت سبب تقهقرنا وبلائنا في ~~الماضي، وستكون إذا سادتنا سبب تقييدنا في المستقبل، ولكننا واثقون بتعقل ~~المستقلين رأيا وعملا من اللبنانيين، فسينبذون - ولا ms487 شك - هذه الفكرة آجلا أو ~~عاجلا وسينبذون كل من بشر بها إما جهلا وإما تضليلا. # وايم الله، ليس أحد أشد غيرة منا على لبنان، وليس أحد أشد رغبة منا في أن ~~يكون للبنان استقلال نوعي على شكل ما كان له في الماضي، بل أبعد قصدا من ذاك ~~النظام وأمتن أساسا. فنحن ممن يطالبون باستقلال محلي لا يخرج عن الرابطة ~~الوطنية، فيكون لنا الحق مثلا أن ننتخب والينا أو متصرفنا منا ويكون لأهل الشام ~~وأهل حلب وأهل فلسطين نفس الحق ونفس الاستقلال. ولكننا نكون كلنا مرتبطين بالرابطة ~~الوطنية، خاضعين لحكم وطني وحاكم عام، عاملين بسنة التضامن والتعاون التي هي سنة ~~الاجتماع وسنة العمران. # لبنان، لبنان! قد زهدنا إخواننا السوريين بلبنان، كأن لأهل لبنان حقا لا حق ~~به لغيرهم من السوريين، يا لها من عصبية تذل، يا لها من لبنانية ضيقة، إن السوري ~~أخي والمسلم أخي، وإن الحق الذي أتمتع به وحدي ليضعفني أدبيا؛ لأنه يثير ~~المحروم منه علي فيضطرني إلى أن أقاتله ظلما وعدوانا. # سوريا واحدة لا تتجزأ، فإذا نال السوري حريته ونوعا من استقلاله يشمل ذلك ~~اللبناني والفلسطيني، المسيحي والمسلم والدرزي على السواء. والذي يخاف من مثل هذه ~~المساواة هو ضعيف عاجز لا ثقة له بنفسه، ولا هو أهل للحرية ولا ~~الاستقلال. # وإذا كانت فرنسا لا تستطيع أن تبسط حمايتها على سوريا كلها فهي لا تبسطها على ~~لبنان وحده، والمستقبل شاهد على ما نقول. # 1 # بين شاعر وعالم # في صفحة واحدة من «مرآة» اليوم قصيدة ومقال يستحقان الذكر والإعجاب، أما القصيدة ~~فلصديقي الشاعر أبي ماضي، وهي من جميل شعره مبنى ومعنى، إلا أنه يندب فيها آماله ~~الغوالي وأحلامه الحسان. # وأما المقال فلصديق آخر اجتمعت به لأول مرة في باريس وقد استصحبه والده ليلقي ~~عليه درسا من لوح الوجود في التمدن الغربي وما فيه من محاسن وآفات، فشمت في زيدان ~~الصغير حينئذ نفسا سماعة، وفكرة واعية جلية، وهو اليوم صاحب الهلال يعالج في ~~المقال الذي نقلته «المرآة» موضوع اليوم، فيبرهن بأجلى ms488 حجة على وجود الوحدة السورية ~~الجغرافية والقومية. # القصيدة «زهرة من أقحوان» إنما هي أنشودة يأس تطرب وتحزن، والمقال «سوريا على ~~مفترق الطريق» إنما هو نبراس علم ينير ولا يثير، وفي هذا كما في تلك وطنية صادقة ~~صافية لا أذناب لها، ولا غبار عليها، على أن في القصيدة - كما في المقال - شائبة ~~تعد نقصا في نظر أولي النهى والعرفان. # صاحب الهلال الشاب يحذو حذو أبيه في الإنشاء والتهذيب، فلا يمس في مباحثه ~~الشخصيات شأن العالم الحقيقي، ولكنه يتحاشى حتى التقية الإساءة إلى أحد من الناس، ~~أو إلى حزب من الأحزاب، أو إلى طائفة من الطوائف. # بحث في المقال الذي نشرته «المرآة» في الوحدة القومية بحثا علميا فوقف فيه ~~عند حد المزالق والأخطار، ولم يبد لنا رأيا في حل مشكل المشاكل السورية، ولا أشار ~~إشارة إلى طريقة ما تمكننا من التوصل إلى الوحدة القومية. ولعله كتب مقالا آخر ~~لم أطلع عليه يدلنا فيه - بعد أن وصف الدواء - إلى من يحسن تركيب أجزائه، ~~على أنه أكد لنا في مقاله هذا أن «ليس من شأن الهلال خوض ميدان السياسة ~~التحزبية»، والسياسة اليوم لا التهذيب قابضة على نفس سوريا وعلى عقلها وعلى ~~موارد تجارتها وعلى خيراتها الدفينة، فكيف يمكنا أن نخلص بلادنا من قبضة السياسة ~~التحزبية؟ أو كيف يمكننا - في الأقل - أن نجعل يد السياسة عليها يد برد وسلام، ~~يد حكمة واتحاد ووئام؟ هذا هو القسم الثاني بل القسم الأهم من مقال صاحب الهلال ~~تركه - على ما أظن - لغيره من الكتاب، وسنكتبه عنه - إن شاء الله. # أما الآن فأعود إلى القصيدة التي راقتني جدا، قد أجاد إيليا أبو ماضي شعرا ~~وأحسن خيالا، ولكنه خدع نفسه والقارئ معا في استسلامه في أول القصيدة إلى ~~القنوط، قد ظن نفسه يائسا، ظن رأيه دفينا، ظن فكره ذبيحا، ولكن ربة الشعر ~~أتته بمعجزة من معجزاته فأرته في النهاية يأسه الدفين وقد نور أملا ~~جديدا. # ساقني روح خفي # نحو ذياك المكان # فإذا بالسر أضحى # زهرة من أقحوان # زهرة الأمل ما ms489 أجملها، وإن كانت بنت يوم تجدد حياتها الأيام، لا يا أخي الشاعر، ~~آلهة الشعر لا تعلم اليأس، وربة النبوغ لا تعرف القنوط. # بكى أرميا أورشليم، وأورشليم لا تزال على وجه الأرض، ولعن أشعيا إسرائيل ~~وإسرائيل، لا يزال حيا يعد النقود ويصيغ منها قيودا للناس! # ابسم يا صديقي الشاعر للأيام وإن كانت عصيبة، القنوط سم للنفس، والبكاء لا يفيد ~~الأمم، ولا يخفى عليك أن من شأن الشاعر في المواقف الوطنية أن يشحذ النفوس ~~ولا يكسرها، أن ينير القلوب ولا يحرقها. # وأنت يا صديقي العالم أكرم بك وأنعم من بحاث نقاد مجرد من الغايات ~~النفسية والمآرب السياسية. ولكن البحث في شئون الأمم بحثا علميا لا يفيد وحده، ~~التعليل حسن، وإزالة العلل أحسن، ونور الشمس للعليل خير من الاثنين، أجل، إن العلم ~~الصحيح ما أقام إلى البناء دليلا، وأوجد إلى العمران سبيلا. # قرأت قصيدة أبي ماضي فقلت في نفسي: إن اليأس في من يحسن مثل هذا الشعر، ويتجلى ~~له مثل هذا الخيال لمن المخيرات لا المصيرات، هو يأس اختيار لا يأس ~~اضطرار. # وكنت وأنا أطالع مقال زيدان الابن أتوق دائما إلى شعلة حماس في حججه الدامغة، ~~والحماس لا يشين علم العالم، وإن كان مثل الشاعر فوق الأحزاب، وإن موهبة الواحد في ~~نظري لهي شطر من موهبة الآخر. # العالم عين الأمة والشاعر روحها، وإن أمة فيها عالم واحد وشاعر واحد ~~لأمة حية راقية، لا تضمحل وإن تشتت أبناؤها في أربعة أقطار العالم. فعلى ~~الشاعر أبي ماضي وعلى العالم زيدان؛ سلام من أخ لهما، يحزن لما صارت إليه ~~بلاده ولكنه لا يبكيها ولا يندبها، فإن أورشليم رغم مراثي أرميا لا تزال على وجه ~~الأرض، وإسرائيل رغم تشتت أبنائه لا يزال حيا عزيزا بما له من نفوذ في بلاد ~~الله، وسوريا أخت أورشليم، والسوري جنسا - في الأقل - ابن عم إسرائيل. # نحن اليوم في موقف يستوجب - فوق كل شيء - الشجاعة والصبر، ثم الشجاعة والصبر، ~~والسياسة وإن بلبلت شعبا ما فهي لا تستطيع استئصاله. أجل، إن الأمة التي ms490 لا ~~تقنط لا تموت، فإذا حرمنا نحن اليوم التمتع بأمنيتنا الوطنية لا بد - إذا واصلنا ~~الجهاد في سبيلها - أن يتمتع بها أبناء سوريا في المستقبل. # التطور والاستقلال # أنا سوري أولا، ولبناني ثانيا، وماروني بعد ذلك، أنا سوري أنشد الوحدة السورية، ~~القومية، السياسية، الجغرافية. أنا سوري أجل مسقط رأسي لبنان، وأحترم مصدر لغتي ~~العرب، وأستوكل في ديني الله وحده. أنا سوري لبناني أفتخر ببطولة المردة، كما أني ~~أفتخر بصدر الإسلام وبمجد بني أمية في الأندلس، أنا سوري لا ينسى نهضة العرب على ~~الأتراك ومن شاركهم بها واستبسل في سبيلها من السوريين واللبنانيين، ولن ينسى شهداء ~~الوطن وما قاساه اللبنانيون من الأهوال حبا بفرنسا والفرنسيس. أنا سوري يود أن ~~يرى في سوريا حكومة دستورية لا مركزية، أساسها العدل والمساواة بالحقوق والواجبات، ~~وعمودها الوحدة الجنسية الجغرافية. # أنا سوري لبناني أعتقد بفصل الدين عن السياسة فصلا تاما دائما، لا قولا فقط ~~بل فعلا وشرعا؛ لأني مدرك - كما يدرك كل عصري عاقل حر - أن حجر العثرة الأول في ~~سبيل الوحدة القومية إنما هو التحزب الديني. أنا سوري لبناني ماروني أنظر إلى ~~الماضي مودعا، وأتطلع إلى المستقبل مسلما مستبشرا. # قلت مرارا ولا أزال أقول بفصل الدين عن السياسة، قلت مرارا ولا أزال أقول برفع ~~العصبية الوطنية على العصبيات الدينية كلها. كان السوريون في الماضي - ولا يزال ~~أكثرهم اليوم - ينتسبون أولا إلى دينهم ، ثم إلى مسقط رأسهم، ثم إلى وطنهم فيقول ~~اللبناني الماروني: أنا ماروني شبابي مثلا لبناني. ويقول الدمشقي المسلم: أنا ~~مسلم دمشقي سوري، فقلبت الآية لتوافق روح الزمان بل روح التطور والعمران. ولا خلاص ~~لنا من التحزبات الطائفية، المبددة، المهلكة، إلا بنمو هذه العاطفة الجديدة فينا. ~~الوطن أولا في قلب من يحب الوطن حقا ويجاهد في سبيله، والطائفة أولا في ~~قلب من يتشدق بحب الوطن وهو لا يريد بالوطن غير طائفته. # هب أن زعماء الطوائف السورية كلها اتفقوا في حكومة واحدة سورية وقاموا يؤسسونها ~~كإسلام ومسيحيين بل كسنيين وشيعيين ودروز وموارنة وأرثوذكس ويهود؛ فاتحادهم لا ms491 يدوم ~~طويلا، وإذا دام لسبب ما يظل متزعزعا واهيا لا يؤلف من القوميات الدينية ~~قومية واحدة وطنية، لا، لا. ما زال المسلم في دار الأحكام مسلما، والماروني ~~مارونيا، وقس على ذلك. ما زلنا أمة مقسمة عاجزة تؤثر صالح الطوائف على ~~صالح الوطن، بل تفضل المآرب الذاتية على الصوالح العمومية. # إني ممن يعتقدون، على كل ما حدث في سوريا في السنة الماضية # 2 # أن التطور سنة طبيعية، وأن فصل الدين عن السياسة من نتائج التطور ~~السياسي والديني؛ لذلك لا أوافق إخواني اللبنانيين في استقلال ينشدونه غير مدركين ~~أن نصفه وهم ونصفه تعصب ديني. كما أني لا أوافق مواطني الدمشقيين في استقلال تام ~~ناجز يطالبون اليوم به وهم في حاجة إلى مال الأوروبيين وعلم الأوروبيين في بادئ ~~أمرهم، بل هم في حاجة إلى جند منظم يستأصل شأفة العصابات المجرمة ويوجد ~~الأمن والطمأنينة في البلاد. # أجل، إني لم أزل أعتقد بمشارفة أوروبية إلى أجل محدود؛ حتى يطمئن المسيحيون إلى ~~إخوانهم المسلمين فتنمو بين الشعبين تدريجا ثقة تمكنهم من التآلف والاتحاد. ~~فإذا كان إخواننا في دمشق شريفين نية، مخلصين عملا، فليفتحوا قلوبهم وعقولهم ~~إذا وليرحبوا بمن يريد مساعدتهم. # إنهم يطالبون اليوم بالوحدة السورية، ويعدوننا بحكومة دستورية حرة مؤسسة على ~~سنن الدمقراطية بل على سنن العدل والإخاء والمساواة، نعم الغاية غايتهم، ولكن حكومة ~~مستقلة في قلب بلاد يستولي الغير على أبوابها البحرية لا تفي بواجب الاستقلال، ولا ~~تنعش أملا في حياتنا الوطنية، فاللبناني وهو يستنجد الإفرنسي مذعور خائف، مذعور ~~مما حدث، وخائف مما قد يعاد من ماض أليم. # فيا إخواني الدمشقيين، قولوا لفرنسا - إذا كنتم مخلصين في ما تطلبون وتعدون: إننا ~~نود أن نكون وهذا الشعب اللبناني أمة واحدة لهم ما لنا وعليهم ما علينا، بل ~~عليهم أقل مما علينا إكراما لتقاليدهم وعملا بما توجبه طبيعة بلادهم. تعالي ~~إذن راقبينا خمس سنوات مثلا فتتأكدين حسن نيتنا وتتحققين - إن شاء الله - حسن ~~عملنا. إننا لنرحب بك يا فرنسا إذا ساعدتينا في تعزيز الوحدة القومية الجغرافية، ~~ولكننا ms492 نصدك، نقاومك، نهدر دمائنا في محاربتك إذا حاولت قتلها. # ولا شك عندي أن سياسة فرنسا السورية ستكون منذ الآن فصاعدا سياسة توحيد لا تفريق، # 3 # ولا شك عندي أن الأمير فيصلا وهو الزعيم البصير الحكيم يستطيع أن يقف ~~بالمتهوسين عند حد التعقل والاعتدال، فإذا كان السوريون في المنطقة الشرقية ~~يريدون استقلالا وطيد الأركان فليعلموا أن لا سبيل إليه إلا باتحادهم ~~واللبنانيين، وما زال في البلاد فئة من الناس تفزع إلى حكومة أوروبية، ما زال شبح ~~الاحتلال منتصبا فيها يهدد كيان القومية الوطنية. # وبكلمة أوضح ما زال لبنان يقبل بالمشارفة الإفرنسية بل يطلبها، والسوريون في ~~الداخلية يرفضونها، فستبقى الحكومة المشارفة مضطربة الرأي، متزعزعة الأصول، لا ~~تدري أتخرج من لبنان أو تبسط سيادتها في المنطقة الشرقية أيضا. وقد كان هذا موقف ~~فرنسا منذ دخلت سوريا حتى الشهر الماضي، فكان - ويا للأسف - سببا من الأسباب التي ~~شجعت عصابات الأشقياء في ما ارتكبوه من الفظائع باسم الوطن. إلا أن هناك أسبابا ~~أخرى قد تتعامى في غيرتنا المذهبية عنها. ليست المسئولية في هذه الفظائع على حكومة ~~دمشق، ولا على العصابات فقط، ولا على الحكومة المحتلة وحدها، لنسجل الحقيقة وإن ~~كانت علينا، فإذا تقصينا الأسباب يتضح لنا المسئولية في بادئ الأمر إنما هي على ~~اللبنانيين أنفسهم، وقد وكلوا أمورهم السياسية إلى رئيس طائفة مسيحية، فاستحالت ~~المسألة وقد اكتسبت صفة دينية، احتجاجا على الإسلام صريحا جليا، ناهيك ~~باسترسالهم إلى حب فرنسا حتى الهوى، حتى الجنون، فكرهوا المتعقلين من المسيحيين ~~إياها ونفروا المسلمين. # ولا بد من تسجيل حقيقة أخرى - وإن كانت مؤلمة: إن المسلمين لأشد إخلاصا في ~~وطنيتهم من المسيحيين، وأسد رأيا وخطة؛ فهم يطلبون استقلالا تاما دون ~~وصاية أوروبية وهذا صريح جلي، والمسيحيون يتغنون بالوطنية ويطلبون استقلالا ~~ناقصا بمشارفة هذه الدولة أو بمساعدة تلك الأمة. ولا بأس بالحماية بل نراها ~~اليوم واجبة إذا كانت محدودة الأجل، مرتبطة بشروط لا تقدح بالوحدة القومية ولا ~~تضر بمصالح الوطن. # ولكن الأقلية المسيحية ستظل - على ما يظهر - أقلية، وهي تنقص بسبب ms493 المهاجرة يوما ~~فيوما، والأكثرية الإسلامية ستظل أكثرية في البلاد السورية. إن المسيحيين لفي ~~حاجة إذا إلى حماية دائمة، والحماية الدائمة احتلال، والاحتلال إنما هو ~~الاستعمار، فهل الاستعمار يا ترى نوع جديد من الاستقلال؟ وهل ينطبق مثل هذا ~~الاستقلال الموهوم على وطنية اللبنانيين؟ أيرضون بمشارفة إفرنسية دائمة بل باحتلال ~~بعيد الأجل، بل باستعمار يفقدهم تدريجا جنسيتهم، ولغتهم، وتقاليدهم، فيمسون ~~كأبناء الجزائر والتونسيين؟ بل يمسون لا لبنانيين يعرفون ولا فرنسويين. # أوما حان لبني لبنان أن يفهموا أن فرنسا تريد بسط حمايتها في البلاد السورية ~~كلها، وأنها تلعب بساداتنا اللبنانيين وبالإكليروس لعب الأكر؟ فلما كان موقفها ~~متزعزعا في سوريا، لما كانت تخشى أن تتغلب السياسة الإنكليزية على سياستها كما ~~تغلبت سنة الستين؛ أخذت تشجع اللبنانيين في طلب استقلالهم مقرونا بمشارفتها، أجل، ~~وقد شجعتهم إلى حد أن أذنت برسم الأرزة في العلم الإفرنسي وبرفعه علما لبنانيا ~~في الجبل، ولكنها حين تعزز موقفها في ما أقره مؤتمر سان ريمو غيرت خطتها ~~اللبنانية فأمرت بطي العلم - علم المجد والاستقلال الموهوم - بل منعت رفعه ~~والمظاهرات به لأسباب قد تكون غامضة عند أعضاء مجلس الإدارة، ولكنها واضحة في نظر ~~ذوي الألباب. # إننا نلوم فرنسا على مثل هذه السياسة، وإننا نحترم الصراحة وإن كانت علينا، فلو ~~أحسنت فرنسا النصح للبنانيين منذ البدء، ولو لم تمالئ الإكليروس اللبناني وتمده بسكوتها # 4 # في حماسه الطائفي؛ لما حدث ما حدث من المظالم والفظائع في المدن ~~المجاورة المنطقة الشرقية، فهل كان في سوريا خوف من العصابات قبل سفر البطريرك ~~الماروني إلى باريس؟ وهل أخلص المسيو كليمنصو النصح للوفد الديني اللبناني؟ كلا، ثم ~~كلا، فلو عمل هذا الإفرنسي الكبير بمبادئه الحرة وسلك في سياسته اللبنانية المسلك ~~الذي يسلكه في سياسته الإفرنسية لقال للبطريرك وحاشيته: خير لكم أن تتحدوا وجيرانكم ~~ونحن في البداية نشارف على هذا الاتحاد إلى حين، لو قال لهم هذا القول بدل أن ~~«يجاملهم» فيعطي البطريرك تعهدا ارتبنا بقيمته في ذاك الحين وتحققنا قلة قيمته ~~اليوم؛ لما أمعن اللبنانيون بالهوس الذي جر ms494 عليهم الويلات، إن كليمنصو الحر كان ~~رجعيا في سياسته اللبنانية. # المردة والصليبيون # يكثر الناشدون استقلال لبنان، المتغنون بحب فرنسا، من ذكر المردة والصليبيين، ~~وقد فاتهم أن أحوال الماضي لا تنطبق قطعا على أحوال الحاضر. قد حارب المردة في ~~قديم الزمان من أجل دينهم لا من أجل استقلالهم المدني السياسي، قد تحالفوا وملوك ~~بيزنطة لا لأن بيزنطة كانت أقرب إليهم من دمشق، ولا لأن الروم من جنسهم ودمهم؛ بل ~~لأنهم كانوا مسيحيين. وقد حارب الموارنة العرب لا لأن العرب جاءوا يقوضون ~~استقلالهم ويحتلون بلادهم بل لأن العرب مسلمون، فلو كان الاستقلال السياسي المدني ~~في نظرهم أعز شيء يذودون عنه لما رضوا بعدئذ بسلطة الأغيار يوم تحالفوا ~~والصليبيين باسم الدين أيضا ورغبوا بهم أسيادا في البلاد ما يزيد على المائة ~~سنة. # إن مقاومة اللبنانيين العرب إذا لمن أجل الدين لا من أجل الاستقلال، فقد كانت ~~المسألة في تلك الأيام دينية بحتة، واليوم نرى الموارنة يؤثرون الفرنسيس على ~~سوريي دمشق؛ لأن الفرنسيس - على ما فيهم من كره لمزج الدين بالسياسة - لا ~~يزالون يمالئون الموارنة على سبيل الدين، والموارنة لا يزالون يقاومون العرب لا ~~حبا باستقلالهم بل لأن العرب مسلمون. # والبرهان على ذلك أنهم يرضون بمشارفة إفرنسية لا أجل محدود لها، مشارفة تستحيل ~~تدريجا إذا شاءت فرنسا احتلالا تاما دائما، ولا يؤاخون مواطنيهم في البلاد ~~ويتحدون وجيرانهم. إن اللبنانيين من هذا القبيل رجعيون ، ونزعاتهم لا تزال ~~دينية كما كانت في أيام المردة والصليبيين. # وا أسفاه! أفلا تغير ألف سنة شيئا من هذا الشعب اللبناني الجامد في بلاده الناهض ~~في بلاد الأجانب؟ وهل يظل منقادا إلى الإكليروس وإلى الأعيان عبيد الإكليروس، ~~أولئك الذين لا يهمهم من استقلال لبنان غير أن يظلوا متبوئين كرسي السيادة، قابضين ~~على نفوس اللبنانيين وعلى عقولهم؟ أتعد المشارفة الأوروبية غير المحدودة الأجل ~~استقلالا؟ أويمكن أن يكون لها أجل محدود والحال التي توجبها، أي الأكثرية ~~الإسلامية والأقلية المسيحية، حالا دائمة لا تتغير؟ أنسلك اليوم ونحن في القرن ~~العشرين مسلك أجدادنا أبناء القرن ms495 العاشر؟ أهذا ما نسميه منعة ومجدا واستقلالا؟ ~~أتتطور الأمم في سائر المعمورة عملا بسنة الارتقاء ويظل اللبناني مقيدا بقيود ~~التقاليد العقيمة، قيود العصبية الطائفية، قيود صاغها الإكليروس والأعيان في ~~الأجيال الغابرة ولا يزال الإكليروس والأعيان يستخدمونه اليوم لمآربهم ~~الذاتية؟ # ولكن البحر مفتوح لبني لبنان والعالم الجديد يناديهم، فضلا عن الأحوال ~~الاقتصادية التي تحول دون إقامتهم في بلاد ضرب الفقر فيها عصاه وخيم البؤس على ~~ربوعها. # قد كان من حق الموارنة بل المردة في الماضي أن يحاربوا العرب الذين جاءوهم ~~ينادون: الجزية أو السيف أو الإسلام، ومن حقهم أن يرفضوا الثلاثة، ولكن لا جزية ~~اليوم ولا سيف ولا إسلام، إنما هي دعوة إخوان لنا في الوطنية، دعوة سلام وولاء، ~~دعوة إلى التعاضد والتضافر في تشييد وطن أساسه الحرية والعدل والمساواة، فهل يتقدم ~~السوريون المسلمون ويتأخر اللبنانيون المسيحيون؟ هل يرفع علم سوري في دمشق وعلم ~~إفرنسي في لبنان؟ # قلت في بدء مقالي إني سوري أولا، ولبناني ثانيا، وماروني بعد ذلك، أي: أني وإن ~~كنت من سلالة المردة، ابن هذا الزمان، وبيني وبين أجدادي ألف سنة من التطور، والرقي ~~والعلم والعمران. فإذا قلبت الآية لا أكون خائنا بلادي، جاحدا ديني، بل أكون ~~مخلصا لنبوغ أمتي، عاملا بسنة التطور التي ينبغي أن تسود بلادي وشعبي. # على رسلكم إخواني، إني لبناني مثلكم، ولكني أعتقد اعتقادا شبيها بالإيمان وهو ~~أن لا حرية ولا استقلال لسوريا إلا إذا كان كل سوري يقلب الآية ويسلك بموجبها، ~~فيقول الأرتودكسي اللبناني: أنا سوري أولا، ولبناني ثانيا، وأرتودكسي بعد ذلك. ~~ويقول الدمشقي: أنا سوري أولا، ودمشقي ثانيا، ومسلم بعد ذلك، ويقول الحوراني: أنا ~~سوري أولا، وحوراني ثانيا، ودرزي بعد ذلك، ويقول الفلسطيني: أنا سوري أولا، ~~وفلسطيني ثانيا، ويهودي بعد ذلك. # أجل إخواني، إن الوحدة الوطنية لا تكون إلا بمثل هذا الانقلاب الديني بل هذا ~~التطور الاجتماعي الوطني، وإن الوحدة القومية وإن بدت اليوم حلما من الأحلام كائنة ~~لا محال، هي حلم ستحققه الأيام. إي إخواني اللبنانيين لنتطلع إلى الأمام، فقد شغل ms496 ~~الفينيقيون دورا من التاريخ كما ينبغي، وقد استبسل المردة في سبيل ملوك بيزنطية ~~السفاحين من أجل الدين، فمثلوا دورهم في ذاك الزمان كما ينبغي، وقد مثل الموارنة ~~الذين حاربوا مع الصليبيين دورهم كما ينبغي، ونحن اليوم في زمان غير زمانهم، ~~وأحوالنا غير أحوالهم، وعالمنا السياسي غير عالمهم، يجب علينا إذن نحن أبناء هذا ~~الزمان أن نمثل دورنا كما ينبغي لنا. إن مزج الدين بالسياسة يقضي على الاثنين ~~بالفساد، وإن وطنية فيها مساعدة إفرنسية دائمة هي وطنية فاسدة في بادئ الأمر، زائلة ~~لا محال في آخره. # إني أغار يا إخواني اللبنانيين على مصلحة لبنان كما تغارون، وأجاهد في سبيله ~~كما تجاهدون، إلا أني أرى حدودا أوسع من الحدود التي ترون وتطلبون، ولا أخاف على ~~اللبناني إذا شارك في بعض أموره السياسية والاقتصادية الدمشقيين، بل أعتقد أن ~~اللبناني فردا إنما هو في منزلة أرقى الشعوب، ولا يكون مغلوبا على أمره حيث كان ~~وكيف كان. أومن حاجة لأن أشير إلى نبوغه ونشاطه ونهوضه خارج بلاده؟ أضف إلى ذلك ~~أن العقل يسود دائما في شئون الأمم وسياسات الدول، العقل هو الأكثرية، وإن خوفنا ~~على اللبناني إهانة له. # أجل إننا نهين اللبنانيين عندما نطلب لهم استقلالا ضمن دائرة صغيرة كلبنان ~~الصغير أو الكبير، بل نظلمهم إذا حصرنا مواهبهم وقواهم كلها في صخور ~~لبنان. # عشرون حجة # لو لم أكن أعتقد اعتقادا تاما أن مصلحة جبلنا وخير أبنائه إنما هما في اتحادنا ~~مع إخواننا في الداخلية لما كنت - والله - أقول كلمة في هذا السبيل، بل لكنت ~~من الداعين إلى عكس ذلك. أجل، إن خلاصنا، وسعادتنا، ونجاح بلادنا في الحال ~~والاستقبال؛ تتوقف على أمر واحد نقرره اليوم، وهو اتحادنا وإخواننا السوريين، ولا ~~أسأل النازعين إلى الانفصال العدول، ولا أتوقع في ما أقوله القبول، دون أن تسمعوا ~~برهانا بل براهين فإذا كنت أقول بالاتحاد وأعتقد أن ما أقول هو الحق فلي على ذلك ~~عشرون حجة: ~~(1) # إن تقسيم البلاد السورية إلى ولايات مستقلة تماما بعضها عن بعض يقضي ~~على استقلالها ms497 ووحدتها، ويمكن منها الطامعين بالاستعمار. ~~(2) # إن تقسيمها إلى «دوائر نفوذ» أوروبية يعيد إلى الوجود المسألة ~~الشرقية التي كانت السبب الأول في بلائنا وتأخرنا، كيف لا وقد كانت ~~بلادنا - لا أذكر الجبل وتدخل القناصل في شئونه كلها - مسرح أطماع ~~الدول الأوروبية، وكنا نحن ضحية سياستهم الخارجية وأغراضهم ~~التجارية. ~~(3) # إذا استقل لبنان عن الداخلية تنقطع عنه أهم لوازم العيش، باب ~~الحنطة وهو في حوران يقفل دون حاجته وطرق النقل وأهمها في يد السوريين ~~تمنع عنه، أو يميز في أجورها عليه. ~~(4) # أكثر من نصف تجارة بيروت هي مع تجار المدن في الداخلية فإذا استقل ~~لبنان خسرت بيروت أهم موارد تجارتها، وقد بدأ البيروتيون يشعرون بذلك ~~ويتألمون. ~~(5) # إن فصل لبنان عن الداخلية خطأ جغرافي وقسمة غير طبيعية؛ لأن في ~~يد لبنان أبواب البحر ولا حاجة له بها كلها، وفي يد دمشق وسائل النقل ~~ولا سبيل لاستخدامها كلها لتنتفع بها البلاد السورية قاطبة. ~~(6) # حياة البلاد الاقتصادية تضطرب، وحياتها الصناعية وهي في حاجة إلى ~~حرير لبنان تختنق تدريجا، وحياتها المالية تمسي في قبضة سماسرة ~~«القطع» والمتاجرين بالصكوك والأوراق. ~~(7) # البريد والتلغراف وسكك الحديد وهي في أيدي الضغائن والمنافسة تكون ~~معرضة أبدا للخلل والتخريب؛ إذ يتجاذب طرفيها شعبان نافران بعضهما من ~~بعض، قائمان بعضهما على بعض. ~~(8) # بدلا أن يكون في البلاد جمرك واحد تتعدد الجمارك ومزعجاتها وأضرارها ~~في كل المدن الكائنة على حدود اصطناعية، فتجهز على الصناعة ~~والتجارة، وتكره إلى الناس - وعلى الأخص المصطافين في لبنان ~~والسائحين - السفر في سوريا. ~~(9) # بدل جند واحد يناسب عدد سكان البلاد تضطر البلادان إلى تجنيد جندين ~~على نسبة جائرة لا تطاق لتحمي تخومها من تعديات جارتها، ويكون لبنان من ~~هذا القبيل مظلوما جدا؛ لأن اللبنانيين - وهم الأقلية - يمسون في ~~خطر دائم من هول عصابات الجهل والتعصب. ~~(10) # لا يستطيع لبنان وحده أن يقوم بنفقات حكومته المدنية، فكيف يقوم ~~بنفقات جند كبير؟ إن العجز في ميزانيته أمر معلوم، خذ لك مثلا، قد ~~بلغت ميزانية الجبل سنة 1909 تسعة وخمسين ألف ليرة، فلو فرضنا أن ms498 لبنان ~~استعاد الأراضي المسلوخة عنه - لو فرضنا لبنانا كبيرا - فلا أظن ~~الميزانية تبلغ أكثر من مائة ألف ليرة، أضف إليها دخل الجمرك الذي لا ~~يبلغ أكثر من مائة ألف ليرة سنويا، ثم دخل البريد والتلغراف ~~والملاحات - قل مائة ألف ليرة أخرى - فتبلغ ميزانية الجبل ثلاثمائة ~~ألف ليرة، فإذا كان مستقلا يقتضي له جند لا يقل عن العشرة آلاف ~~عدا، ونفقاته دون المعدات، إذا فرضنا ثلاث ليرات راتب الجندي شهرا ~~تبلغ ثلاثمائة ألف ليرة، فمن أين نجيء بعد ذلك بما يلزم لدفع رواتب ~~المأمورين والمشارفين على المأمورين فضلا عن نفقات الشرطة والمدارس ~~والمشاريع العمومية لترقية الصناعة والزراعة في البلاد؟ ~~(11) # إن خيرات لبنان الدفينة لا تستثمر بغير المال والعمال والأخصائيين، ~~فإذا كان دائما مهددا بالعصابات، ولا أحد فيه يأمن على ماله وحياته، ~~وكانت أحواله وجيرانه كأحوال الجمهوريات الصغيرة في أميركا الجنوبية، ~~أي: دائما في احتراب، فالعمال يهجرونه، والمتمولون لا يبذلون مالا ~~فيه، والأخصائيون لا يفادون بعلمهم ووقتهم إكراما لأجدادنا الذين ~~حاربوا مع الصليبيين. ~~(12) # المشارفة الإفرنسية على لبنان مستقل عن الداخلية تتدرج إلى احتلال ~~دائم، والاحتلال الدائم يقتل روح القومية، فيمسي لبنان كتونس أو ~~الجزائر، ويفقد اللبنانيون روحهم القومية، وآدابهم العربية، وتقاليدهم ~~الوطنية والاجتماعية. ~~(13) # من الحقائق التي لا ينكرها من كان له إلمام بتاريخ فرنسا ~~الاستعماري أنها لا تبذل من خزينتها شيئا من المال يذكر في ترقية ~~مستعمراتها، فإن خطتها الاستعمارية مبنية على القول المأثور عندنا ~~«من دهنه سقيله» ودهن لبنان لا يكفي وا أسفاه! طبخة واحدة من ~~طبخات العمران في هذا الزمان ... ~~(14) # إن الرأي العام في فرنسا والأحزاب المعارضة الحكومة يقاومون كل ~~سياسة خارجية، وكل خطة دولية، تستوجب إرسال جنودا إفرنسية إلى الخارج، ~~وفي الحوادث السورية الحاضرة برهان واضح على ذلك، وإن جندا ~~لبنانيا بقيادة ضباط فرنسويين لأشبه بجند تركي بقيادة ضباط ألمان، ~~بل هو أقرب إلى الفوضى منه إلى التنظيم. فإذا كان المأمور اللبناني ~~يتذمر من سلطة المستشار فكيف بالجندي، ونظام الجندية الحديث كالحديد ~~لا يلين لأحد، ولا يذوب حتى في ms499 نيران القتال؟ ~~(15) # إن روح الزمان المادية لروح احتكار واستئثار، وهي رغم ما تفكك من ~~ملك ضخم، ورغم ما تألف حديثا من الدول الصغيرة لا تزال أشد ميلا ~~إلى الكبيرة منها، بل هي عدوة الأمم الصغيرة باطنا وفعلا، وعلى ~~الأخص إذا كانت في بقعة من الأرض طالما تطاحنت فيها الشعوب، ولا تزال ~~تشرئب إليها أعناق الاستعماريين في أوروبا، وإن أمة لا تتجاوز ~~المليون عدا لتذهب ضحية ذوي الأطماع القريبين منها والبعيدين. ~~(16) # إن الحرب الاقتصادية في العالم اليوم تقضي على الأمم بالوحدة ~~الجغرافية في الأقل وبالتضامن والتكاتف، لتصون مصالحها، وتحفظ كيانها، ~~وتمهد سبيل رقيها المادي. ~~(17) # السوريون جيراننا لهم ما لنا من خير يرجى، وعليهم ما علينا من شر ~~يتقى، فضلا عن أن الجار - مهما كان دينه - أقرب إلينا من الأغيار؛ ~~بما يربطنا وإياه - في الأقل - من روابط الجنس واللغة والجغرافية، وإن ~~مأمورا أكلمه بلغتي خيرا من مأمور أضطر إلى ترجمان لأعرض عليه ~~أمري. ~~(18) # إن انفصالنا عن إخواننا في الداخلية دليل على تعصب فينا ديني ~~وسياسي، بل هو دليل على أننا نؤثر حب الذات على حب الوطن، أو أننا ~~جبناء نخشى الأكثرية فلا نصلح لتكوين أمة حرة، راقية، ~~مستقلة. ~~(19) # إن في لبنان من جودة العقل والنشاط والذكاء ما يرفع شأنه ويعزز ~~اسمه أين كان، بل يكفل له المساواة ويصون حقوقه ومصالحه وإن كان من ~~الأقلية في البلاد. ~~(20) # وأخيرا، إذا تم اتحادنا نستغني في مدة خمس سنوات - أو عشر بالأكثر - ~~عن المشارفة الأجنبية، وإذا ظللنا منقسمين فلا أمل لنا بالاستقلال. أما ~~إخواننا المتحمسون في دمشق فخير لهم أن يذعنوا إلى أميرهم الحكيم ~~فيفوزون باستقلال يضم تحت رايته الأقليات في البلاد، ولكن الاستقلال ~~الناجز التام والأقليات لم تزل ذعرة خائفة نافرة لا يحقق أمنيتهم ~~وأمنيتنا بوحدة سورية قومية شاملة. وهناك أمر خطير قد يكون فاتهم وهو ~~أن الخطر التركي لا يزال مخيما في الشمال، والخطر البلشيفي يمتد ~~جنوبا، فهل نستطيع يا ترى أن نرد الخطرين ونتخلص منهما في بادئ أمرنا ~~وليس لدينا من الجند وعدة ms500 الحرب ما يكفي اليوم لردع عصابات الأشقياء في ~~البلاد؟ # فإذا تم اتحاد الدمشقيين واللبنانيين، وتمكنوا من تأسيس حكومة ~~دستورية ثابتة، تستطيع حفظ الأمن والنظام، وتكفل للأقليات حقوقها، ~~وتجري في أحكامها على سنن العدل والمساواة؛ تنتهي عندئذ مهمة الدولة ~~المشارفة، ولا عذر ولا حق لها - إذ ذاك - بالبقاء في البلاد. # الطريقة الوحيدة إذا لحل قضيتنا المعضلة هي أن يتحد اللبنانيون ~~والدمشقيون ويتفقون على مشارفة إفرنسية محدودة الأجل. # إن الهوس غالبا ضلال، والعناد في غير الحق قتال، وإن امرأ يرتئي ~~رأيا أو يعتقد اعتقادا ثم ينبذه إذا تحقق فساده لأكبر نفسا ولأشد ~~جرأة من المستبسل في ساحة الوغى. أجل، إن الجرأة الأدبية هي أن نقول ~~الحق في ما يتجلى لنا منه، وإن كان قولنا اليوم ينفي قولنا ~~بالأمس. ms501