######OpenITI# #META# URI: 1359AminRihani.SijillTawba.Hindawi85302613 #META# Tags: novels #META# ID: 85302613 #META# Title: سجل التوبة #META# AuthorID: 93831791 #META# Author: أمين الريحاني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # شريف أفندي‏ # نبوخذنصر‏ # عبد الحميد في سجن الآستانة‏ # إكليل العار‏ # بقضاء وقدر‏ # شريف أفندي‏ # نبوخذنصر‏ # عبد الحميد في سجن الآستانة‏ # إكليل العار‏ # بقضاء وقدر‏ # | سجل التوبة # | سجل التوبة # تأليف # أمين الريحاني # | شريف أفندي # شاهدته على الرصيف وهو يقصد إلى إحدى شركات البواخر ليبتاع تذكرة للسفر إلى مصر، وكدت ~~أنكره مع أني اجتمعت به مرارا بباريس، إلا أنه كان يلبس الطربوش هناك، وقد اعتاض الآن عنه ~~ببرنيطة من الجوخ اللين شدها فوق حاجبيه، وأخفى ناظريه بنظارات زرقاء كبيرة حتى كاد يبدو ~~مقنعا، ولكن عذوبة الصوت التي يمتاز بها أشراف الترك نمت عليه. # كان اجتماعنا الأخير منذ عام بباريس وقد جلسنا حول مائدة في قهوة «يدش» نتحدث عن الانقلاب ~~العثماني، فشيدنا دولا من الخيال، وبنينا قصورا في الهواء، وكان هو يشرح نظرياته منفعلا! ~~وقد أناط كبير آماله بالثورة، فاتخذ منها الأساس لأمة تركية جديدة، شديدة البأس، حديثة ~~الأسباب في المدنية والعمران، لها من سالف مجدها ونشاط أبنائها اليوم ما يمكنها من استرجاع ~~منزلتها الرفيعة بين الأمم العظيمة الراقية. # وقد أطلعني يومئذ على برقية جاءته من بعض أصحابه في الآستانة يطلبون منه العودة إليها، ~~فغادر عاصمة الفرنسيس ميمما عاصمة بلاده، وقاعدة مجد أجداده، وقلد بعيد وصوله وظيفة عالية ~~في الدولة، فبرهن فيها على صدق الوطنية والاعتدال، إلا أن أعماله ذهبت سدى؛ لأن جنود دول ~~البلقان كانت يومئذ على أبواب الآستانة، وكان الخلل مستعصيا في العاصمة، بل كانت الفوضى ~~ضاربة فيها أطنابها، فاستقال وعاد إلى بلاد الغربة وهو لا يزال يرجو الخير من نهضة ~~الاتحاديين. # وها هو ذا في الآستانة ثانية وكأني به قد أعاد الكرة في سبيل أحلامه الوطنية فأخفق ~~ثانية سعيه، بل قضي على آماله كلها فبات واليأس يباري في نفسه الاضطراب. # أجل، قد رد سلامي والاضطراب أظهر ما بدا في ملامحه، ولو لم يكن في خطر معجل عليه لما جاء ~~بنفسه إلى «غلطا» وقد تنكر بالبرنيطة والنظارات وهو مصمم على السفر إلى بلاد بعيدة باسم ~~منتحل. # ولما كان بيننا صلة ولاء ms01 عقدناها منذ عام بباريس دعوته لفنجان من القهوة في إحدى المقاهي ~~الكثيرة على الرصيف، فأجاب قائلا: «لست بمأمن هنا، ولأعدائي آذان في كل مكان، على أني أقبل ~~الدعوة وأنا مشتاق إليك وإلى حديثك إذا أنت تبعتني.» # قال هذا ومشى أمامي في دهليز ضيق مدلهم إلى حانوت في منعطفاته، فوقف هناك مبتسما وقال: ~~«في هذه المكتبة صديقي الوفي الوحيد في الآستانة وسأعرفك إليه.» # دخلنا فإذا نحن في مكتبة صغيرة لرجل طاعن في السن، أبيض اللحية، أزرق العينين، ناصع ~~الجبين، بادر إلينا مبتهلا حين شاهد مولاه الأمير عز الدين، وقد حاول أن يقبل يده فسحبها ~~الأمير معتذرا. # هو شريف أفندي الكتبي المعروف في «غلطا» والشاعر المعروف في الآستانة، يبيع الكتب ~~للارتزاق وينظم الشعر للتفريج. دخل بنا إلى غرفة وراء المكتبة فيها ديوان نظيف، ولها نافذة ~~تشرف على صف من المطاعم الحقيرة التي يكثر فيها الشواء، والتي يؤمها طائفة من العمال في حي ~~غلطا كل ظهر وكل مساء. # ومن تلك المطاعم مطعم قريب من الغرفة التي نحن فيها، فتخال نفسك فيه من روائح شواء ~~تتنشقها، ومن أحاديث حول الموائد تسمعها. وقد لفت نظري بين جماعة هناك رجل أنيق البزة، بهي ~~الطلعة، يستغرب وجوده في ذاك المكان، وقد كان جالسا إلى مائدة قريبة من الشباك المطل على ~~الغرفة التي نحن فيها. # وما كان شريف أفندي بمبطئ في «التشريفات»، فما كدنا نخرج من مقدمات الحديث بعد جلوسنا على ~~الديوان حتى أظلمت النافذة، وإذا هناك خارجها رجل أسود عمليق يحمل النارجيلة بإحدى يديه ~~والقهوة باليد الأخرى، فتناولهما شريف أفندي من النافذة، وقدم النارجيلة للأمير ثم القهوة ~~له ولي؛ أما القهوة فأحسن ما شربت في الشرق، وأما النارجيلة فكأنها من أحد قصور آل عثمان لا ~~من مقهاية من مقاهي غلطا المشرشرة. وهاكم الأمر العجيب فيما يتعلق «بكيف الأتراك»، فنارجيلة ~~العامل ونارجيلة الأمير واحدة، وقلما يتغير في القهوة غير الفنجان إن كان في غلطا أو في ~~بيرا. # قال الأمير بعد افتتاح الحديث: هي مشيئة الله، أنا اليوم راحل ms02 وسيرحل غدا البادشاه. نعم، ~~كلنا راحلون عاجلا أو آجلا ... تركيا الجديدة؟ تركيا الفتاة؟ هو حلم لا يقظة بعده. ولماذا؟ ~~لأنه حلم حلمه السيف لا العقل والحكمة. # فتطرق إلى أولي الأمر في الآستانة خصوصا زعماء الاتحاديين، وشرع يفند أغلاطهم، وينتقد ~~أعمالهم إلى أن قال: وليس فيمن فوقهم الكفاية ولا أمل إلا فيمن دونهم؛ في الشعب. نعم يا ~~صاح، إن نوابغ الرجال في تاريخ الأمم نشئوا من الطبقة الثالثة؛ من الحضيض، نبغوا فيمن حملوا ~~أعباء الظلم قرونا من الزمن، وسيقوم في بلادنا أناس من هذه الطبقة التي كانت مستعبدة، ~~سينقذ الأمة نوابغ من أبنائها العامة لا من الخاصة؛ لا من الأعيان ولا من الطبقة الوسطى، ~~أما نحن أعيان الترك فإثمنا على رءوسنا، وليس في رءوسنا القوة والحكمة لإنقاذ الأمة. # وبينما كان الأمير يتكلم كان شريف أفندي مصغيا كل الإصغاء وهو يمشط بأنامله لحيته ~~البيضاء ويهز برأسه مؤمنا مستحسنا، إلا أنه وقد حانت منه التفاتة رأى في النافذة ما ~~أدهشه؛ رأى أن الرجل الأنيق البزة، البهي الطلعة الذي كان يتناول الطعام إلى المائدة ~~القريبة من غرفتنا قد مال بأذنه إلى الحديث يلتقط ما وصل منه إليه، فنهض شريف أفندي في ~~الحال وهمس كلمة في أذن الأمير عز الدين، فتوقف عن الكلام وقام يودعني معتذرا. # خرج من المكتبة مسرعا وخرج شريف أفندي معه بعد أن سألني أن أبقى في المكتبة وقال: إنه ~~سيعود في الحال. # أعجب لهؤلاء الشرقيين الذين لا ينسون الواجبات ولا يتنازلون عن المجاملات حتى في أشد ~~الأوقات عسرا، وفي أقرب الساعات خطرا. # خرج شريف أفندي يشيع سيده الأمير، وعاد بعد قليل بصحبة رجل آخر جلس مكان الأمير وتناول ~~النارجيلة، فشرع يدخن دون مقدمة ودون سلام وهو هادئ البال مطمئن، ثم نظر إلي نظر الجليس ~~الأليف وقال يستأنف الحديث: هذا ما يقوله أعداؤنا يا أفندي، هذه هي التهم التي يتهمون بها ~~زعماءنا كبار الاتحاديين. وطفق يدافع عن الحكومة الاتحادية وعن الجمعية، فقطع شريف أفندي ~~الحديث عليه قائلا بصوت عال ليسمع الجاسوس في ms03 الخارج في ذلك المطعم: هي الحقيقة بعينها، ~~وقد أصاب جواد بك، إي والله، أصاب كبد الحقيقة. # أدهشني وحيرني هذا الانقلاب في جلستنا، وما اهتديت إلى كلمة أقولها لشدة استغرابي بما ~~رأيت وبما سمعت. # استطرد الرجل الكلام مدافعا عن الاتحاديين مطريا سياستهم وشريف أفندي يؤمن له: «إي ~~والله، وتمام تمام» حتى ظهر في الباب ثلاثة رجال: شرطيان ورجل في ثوب مدني، دخل الرجل وبقي ~~الشرطيان عند الباب، وكان جواد بك مستمرا في حديثه كأنه لم ير أحدا. # وعندما بادر شريف أفندي إلى استقبال الرجل وقف جواد بك ووقفت، فلم يكترث الداخل علينا، بل ~~أجال في الغرفة الصغيرة نظره وسأل شريف أفندي قائلا: أين الأمير عز الدين؟ # فقال شريف أفندي: أعرف الأمير عز الدين بالاسم، ولكني لم أره قط في حياتي. # البوليس السري: بل كان هنا منذ دقائق قليلة. ~~- والنبي، ما كان هنا، وهؤلاء الأفاضل يشهدون على ما أقول. ~~- عار على مثلك وهو قريب من يوم الحساب أن يقسم بالنبي كاذبا. ~~- بل عار على مثلك أن يهين مثلي. اسمع يا أفندي، وثق بما أقول، لم يدخل الأمير عز الدين ~~هذه المكتبة قط، وماذا عساه يريد هنا؟ ما الذي يجيء به إلى مثل هذا المكان الحقير بغلطا؟ لم ~~أر الأمير. أقسم بالنبي ثانية وعساك أن تحترم يميني. # وفي تلك الآونة دخل الرجل الأنيق البزة البهي الطلعة الذي رآه شريف أفندي في المطعم ~~المجاور لمكتبته وقال: أولا تعرفني أنا يا شريف أفندي؟ ~~- ومن لا يعرف سموك يا مولاي؟ رأيتك مرة تجتاز بعربتك الجسر فسألت الله أن يعزك ويحميك ~~وقلت في نفسي: هو ذا زين الأمراء، أما الآن فماذا عساني أقول وقد رأيتك في هذا المطعم ~~تتناول الطعام مع الرعاع؟ فقد طار قلبي جزعا ... وقد تكون سمعت جواد بك يقص على الأفندي قصة ~~أعداء الاتحاديين ويدحض حججهم مدافعا عن الحزب وعن الحكومة، ولا ريب أنك وقد سمعت ذلك تشهد ~~أمام هذا الرجل ... # فقطع الأمير الحديث عليه قائلا: ظننت أني سمعت صوت أخي لا صوت سواه ms04 . # وخرج كما دخل دون أن يسلم على أحد، فتبعه البوليس السري والشرطيان. # فتنفست الصعداء وحمدت الله، وخرج جواد بك كما دخل هادئ البال مطمئنا دون أن يقول كلمة ~~واحدة في الدور الذي مثله ذلك التمثيل المحكم، أما شريف أفندي فجلس على الديوان يمشط لحيته ~~بأنامله، ويبتسم ابتسامة السخرية والازدراء، ثم قال كأنه يخاطب نفسه: الأخ على أخيه، والابن ~~على أبيه، هذي هي ثمارك أيتها الحكومة الاتحادية، وهذا هو خيرك أيها الدستور! # ثم نظر إلي فقال بلهجة العطف والاعتذار: وكيف أخلص مولاي الأمير؟ ألا يجوز الكذب يا ~~أفندي في مثل هذه الحال؟ إني أفدي مولاي وأعز الناس إلي بدمي، فكيف لا أخلصه بلساني ~~وبحيلة لا تضر أحدا؟! أما الآن فعلي بخلاص نفسي، سيعود هؤلاء الذئاب، سيعودون ولا شك ~~ليفترسوني، سيفتشون مكتبي، سيحجزون أوراقي. # قال هذا وبادر إلى خزانة فيها أوراق عزيزة جدا لديه، كيف لا وفي تلك الصفحات نبضات ~~قلبه، ولآلئ دموعه، وأنين حبه، وصيحات إخلاصه لوطنه وزماجر نقمته؟! هي قصائده تناولها بيديه ~~ومسح بها عينيه، ثم قبلها قبلة الوداع وأشعلها بعود من الكبريت قائلا: كما تلتهمك النار ~~الآن لتلتهم نار الجحيم أعداء أمتي أجمعين. # | نبوخذنصر # حكي أن نبوخذنصر ملك بابل كان ذات يوم يتمشى في جنينة القصر وعدوه الأكبر ذلك الذي ~~يدعى في لغات الناس الغضب، فالغضب ونبوخذنصر وحدهما وطئا تلك الليلة ثرى البستان. مثل ~~لنفسك الملك العابس في بستانه الضاحك وقل لي فيما إذا كان مشهد الأضداد لا يثير الشجون. هاك ~~نبوخذنصر بين السنط والنخيل ساكنا متبسلا، بل قلقا مضطربا يحسب نفحات الورد نارا ~~ونسمات الليل إعصارا. إن كل شيء في السماء ساكن باهر جميل، وإن كل شيء على الأرض - في قلب ~~الملك - مظلم مضطرب. # والسبب في ذلك قصة - سأقصها عليك - حدثت في بابل قبل الميلاد بنحو سبعمائة سنة. # خرج نبوخذنصر ذات يوم إلى الصيد، فركب كعادته قاربا فخما على شاطئ نهر الفرات تصحبه ~~حاشيته وكلابه، وبعد قليل بينما كان القارب يمخر مياه ذلك النهر المجيد قديما، الحقير ~~اليوم ms05 ، رأى الملك أسدا مضطجعا على الشاطئ بين القصب، فأمر الصيادين بأن يرسلوا عليه ~~الكلاب، فأفلتت من سلاسلها فسبحت إلى البر إلى عرين الأسد. وكانت وقعة بين هذه الكلاب وملك ~~الغاب، ثم رأى الملك الفريسة تجر في النهر إلى القارب الملكي، جرتها الكلاب المنتصرة وقد ~~تركت وراءها أثرا من الدم، وإذا أجيزت لنا المبالغة نقول: استحالت المياه دما من جروح ~~الأسد المأسور، وإذا أذن الشعراء نقول: قد تكون من دم الأسد بين الأمواج الزرقاء بحيرات ~~من الياقوت المذاب. # كل هذا جميل، وكل هذا يسر الملك في غير هذا اليوم، أما اليوم فلا شيء في العالم يبدد غيمة ~~الغضب التي تعلو جبينه، لا شيء في العالم يعيد إلى صدره الراحة والسكينة. # إن شيئا صغيرا أغضب نبوخذنصر، وقلما تغضب الكبائر الملوك، أما إذا غضب نبوخذنصر ~~فليغضب لغضبه الوزراء وتضطرب الأمة ... اللهم عونك، اللهم سترك، أزل اللهم هواجس مليكنا ~~وهمومه، واصرف عنا وعنه شر عواقبها. تشاور الوزراء وابتهلت الأمة. # أما نبوخذنصر فلما عاد ذاك اليوم من الصيد دخل غرفته الخصوصية هو وعدوه الغضوب، ورمى ~~بنفسه على مضطجع فخم مفروش بالطنافس الهندية، والجلود المرقطة، وحشايا الريش ~~والحرير. # وبعد هنيهة جاء الخدم بالطعام، فحاولوا فتح شهوته بلذيذ الألوان وأنواعها وقد وضعت في ~~أطباق من الفضة على مائدة كبيرة من الرخام. # وها قد جاءوا بالتين والعنب والليمون وبضروب من الحلوى، يعقبهم الساقي بمسك الختام؛ بخمر ~~أرمني معتق لا ند له في غير قصر الملك. # جلس نبوخذنصر إلى المائدة والنفس منه في هواجس تضيع عندها الشهوة للطعام، نظر إلى المائدة ~~نظرة الاشمئزاز، ثم رمق الخمر بنظرة العطف والولاء، فأكل قليلا وشرب كثيرا ثم انطرح على ~~ديوان النشوة تحت ستار الرقاد. # فهل يا ترى ينقذه النوم من براثن الهواجس والغضب؟ هلا تشمله وهو نائم تلك السكينة التي ~~تشمل أحقر النيام من العباد؟ # خذ الجواب من الخدم والعبيد، اسمعهم وهم يتكلمون: لا راحة له في اليقظة ولا في المنام، هو ~~ذا في عالم الأحلام يجهش ويئن، إنها لأحلام مخيفة، تراه ms06 يئن منها ويصيح، تراه يرغي ويزبد ~~كأنه على العرش. # نعم، إن نبوخذنصر لفي عالم الأحلام، وما حلمه ظاهرا بأمر خطير، هو يحلم بشاب فلاح ذبح ~~الفتاة التي أحبها، ذبحها لينقذها من ثالث غير كريم؛ هو يحلم ببالادان الذي ذبح معشوقته ~~زبيبة لينقذها من الملك نبوخذنصر الذي أمر بأن تكون من نساء القصر، وبعث بخصيانه ليجيئوا ~~بها إليه. # ولما أفاق نبوخذنصر من رقاده كانت الشمس قد مالت إلى المغيب، وأذيالها تفيض على الأفق ~~نورا ذهبيا يوشي الضباب اللازوردي، ويحيط بالاثنين هنا وهناك خطوط حمراء من النار، فنهض ~~من مضجعه وصعد على أجنحة هواجسه إلى شرفة عالية يطل منها على المدينة؛ على بابل العظيمة وما ~~فيها من القصور الشاهقة، والمعابد الفخمة، والجنائن المعلقة، ومن التماثيل والجسور ~~والأبراج. # أطل نبوخذنصر على بابل - على بابله - وهتف قائلا: ومن يتجاسر أن يغيظ سيدك ~~الأكبر؟ # ثم طوق الشرفة بنظرة من نظراته الملتهبة، فشاهد هناك الورد والياسمين والفل والمنثور ~~نامية زاهرة في أفخر الآنية وأجملها، فتنشق من روائحها المنعشة، ولكنه لم ينتعش، ثم نظر إلى ~~السماء فتجلى له البدر من وراء غيمة فضية الحواشي، فأنار الأرض وما فيها، وما أنار وجه ~~الملك! # وكان بالقرب من هذه الشرفة قاعة كبيرة معدة للرقص والطرب تجيء الغيد بإشارة من الملك ~~فيرقصن فيها رافلات بأثواب مهلهلة، ويضربن على الأعواد والطنابير فيحولن القصر إلى جنة لم ~~يحلم بها غير نبي واحد من الأنبياء. # ولكن قلب الملك ذي الليلة في عالم لا يعرف النور والسرور، ولا محل فيه لبابل ولقيان بابل ~~ولجنائن وعرصات بابل، لا محل فيه للقمر ولا مكان فيه لزهرة من الياسمين. # هاكه في شرفته يحترق من غيظه كأنه يقول متسائلا: «متى ينتهي العالم الذي وجدت فيه ~~مكدرا؟» # وقف يتأمل قباب الهياكل القائمة على أكتاف الثيران، ثم الخنادق والخلجان التي يبدو ماؤها ~~كالفضة في ضوء القمر. وما الفائدة وما الخير في عمل لا ينسيه ما هو فيه؟ خيال يمر أمام ~~عينيه فيود لو كانت حقيقته بين يديه، وما رآها غير مرة ms07 فجاشت وما زالت تجيش في صدره ~~الشهوات. # جدف نبوخذنصر وأقسم بأرباب آشور كلها. ~~- أتموت هذه الفتاة هربا من شرف يغشيها؟ أيقتلها حبيبها لأني اشتهيتها؟ ونمرود ~~العظيم! # طرق إذ ذاك أذنه وقع أقدام قريبة. ومن يتجاسر أن يقرب من الملك في هذه الساعة غير رئيس ~~الوزراء؟ # هو الوزير الأكبر جاء يكلم مولاه في أمر عرفت أهميته من اهتمام الملك له، ولكن بعد أن ~~تكلم الوزير ازداد نبوخذنصر غضبا فقطب حاجبيه، ولمع البرق في ناظريه، وصرخ قائلا: ~~أيحتقرني هذا العبد الخسيس؟ أيتجاسر أن يغار على الفتاة التي أحبها قلبي؟ ألا تعلم، أيها ~~الوزير، بأن هذا الشقي أراد أن يفهمني بأن استحساني جمال زبيبة هو عار عليها؟ فكيف إذن تطلب ~~مني أن آمر بقتله؟ أف عليك يا تفلاط. في الأمس ارتجفت يد أحد الخصيان وهو يضع على رأسي ~~التاج، فلو أمرت بقتله لكان في ذلك شيء من العدل، أما هذا الانتقام الذي ينتهي سريعا ~~بالموت فأي عدل فيه؟ أتريد أن أريح العبد من حياته المؤلمة؟ إنك يا تفلاط لشفوق ~~رحيم! # كان تفلاط عالما بأن بالادان في السجن ينتظر الموت، وكان عالما بما لغضب نبوخذنصر من ~~مثل هذه العواقب، فعجب أن الشاب الفلاح لا يزال حيا، ولكنه بعد أن سمع كلام الملك أدرك ~~السبب؛ فزال العجب. ~~- أنت يا تفلاط داهية في السياسة، ولكنك راسخ أيضا في علمي العقاقير والسموم، فهات إذن ~~طريقة جديدة ننتقم بها من هذا الشقي. ~~- طريقة جديدة؟ ~~- نعم يا تفلاط، أنت تعرف أنواع سموم الهند والحبشة ومادى وغيرها من البلدان، وأنا أريدها ~~لغرض الآن، فإن موت هذا الشاب موتا بسيطا لا يعجبني، لا يعجبني قطعا، هو لا يخشى الموت؛ ~~فقد كان شجاعا جسورا في قتل معشوقته، وهو يظهر الآن شجاعة تذكر في احتماله لوعة الفراق ~~الأبدي، فماذا يهمه بعد ذلك الموت؟ لا أسألك أن تعذبه عذابا جسديا، فهو ولا شك يحتمل أشد ~~العذابات، ناهيك بأن العذاب الجسدي لا يقضي به إلا على المجرم الأثيم، وبالادان هذا هو أكبر ~~من الأثيم المجرم ms08 ؛ فقد جدف على آلهة آشور في تمرده على مولاه ومليكه، إذن يجب أن يكون بين ~~الذنب والقصاص نسبة في الهول والفظاعة. # فخضع الوزير قائلا: أمرك يا مولاي، سأباشر العمل إن شاءت الآلهة. # وفي اليوم التالي حل بالادان من قيوده، وجيء به إلى مجلس الملك، فدهش الشاب لوجوده في ~~حضرة نبوخذنصر ملك بابل وآشور؛ لوجوده حرا. كيف لا وقد جاء ليسمع الحكم بالموت، فسمع بدله ~~الأمر بالحياة، سمع نبوخذنصر يخاطبه قائلا: أنت حر يا بالادان. # فبأي دهشة تلقى بالادان هاتين الكلمتين؟! إنه ليصعب علينا الحكم فيما إذا كان حزنه على ~~معشوقته أعظم من دهشته هذه، وفيما إذا كان الذنب الذي اقترفه أعظم من حزنه! # وبعد أن قال الملك لبالادان: أنت حر، وهبه قصرا يسكن فيه، وأعطاه من الملابس أفخرها، ~~ومنحه لقبا عاليا، ثم جعله من المقربين. ~~- إني يا بالادان أكبر الشجاعة وأجل الإخلاص، وقد أظهرت في حبك لزبيبة منتهى ~~الفضيلتين، فاخدم مولاك بما أحببت معشوقتك. # ثم قال: ستتناول الطعام معي هذا المساء، وستجلس إلى يميني، وسيقدم لك وزيري تفلاط الخمر ~~بيده؛ وذلك مني جزاء وفائك ومروءتك. # ومع أن هذا التعطف الملكي الكبير أثار في قلوب الوزراء البغض لبالادان والحسد منه، فقد ~~تكهنوا في غرض الملك الخفي، وقالوا بين بعضهم: «سيسمه ولا شك، وقد تفاوض وتفلاط في هذا ~~الأمر ... نعم، نعم سيكون لغضب مليكنا نهاية مخيفة مرعبة؛ لننظر ولنصبر.» # وكان الوزراء من الصابرين، ولكنهم سقط في أيديهم، فلا تمت النبوءة ولا تحققت ~~الآمال. # جلس بالادان تلك الليلة إلى المائدة الملكية فأكل وشرب وقام سالما، بل هناك ما هو أعجب ~~من ذلك، فقد قررت الإنعامات عليه فأصبح في اليسير من الأيام نديم نبوخذنصر ورفيقه المحبوب. ~~قلت: إن هذا الشاب كان فلاحا حقيرا، وقد كان كذلك يتيما فقيرا، فتبناه أحد علماء آشور ~~ولقنه مبادئ العلوم، وهذبه في الفضائل المدنية، فصار في مقدمة أولئك الذين يتذوقون الآداب ~~ويتأنقون في أسباب العيش. # وكان الملك بعد أن يعود من الصيد يجلس كعادته على المضجع المفروش بالطنافس الهندية ms09 وجلود ~~الأنمار، ويطلب إلى بالادان أن يقرأ على مسمعه أشعار الأولين، فقرأ عليه ذات يوم قصيدة ~~لشاعر آشوري يمدح فيها الملك أزوبار، الصياد العظيم، الذي فقد في آخر أيامه صديقه الحميم ~~هياني، وفيها يصف الشاعر شدة تأثر الملك ويقول: إنه كان يصلي إلى الآلهة، ويبتهل ويضرع على ~~الدوام من أجل صديقه، فاستجابت الآلهة طلبته، وأجارت نفس الحكيم من النار. # وبينما هو يقرأ ذات يوم على عادته ونبوخذنصر يسمع مصغيا، ضعف صوته ثم انقطع دفعة واحدة، ~~فنظر إلى الملك نظرة العظيم الحائر وقد اصفر وجهه وذهب النور من ناظريه. فسأله الملك ~~قائلا: «لماذا لا تكمل القراءة؟» فأجاب بالادان مرتجفا لا متكلما، وقد حاول التكلم ثانية ~~فكان صوته يصل إلى حنجرته ويموت هناك. # دعا الملك إذ ذاك وزيره تفلاط فحضر في الحال، وتبادل الاثنان نظرة فيها علم وفيها ارتياح، ~~ثم قال الملك لبالادان: إنه محزون جدا لما أصيب به، وإنه سيبحث عما فيه الشفاء. # وكان الخدم يروحون لبالادان وهو مضطجع على الحشايا الدمقسية وبينها، فسأل أحدهم أن ~~يجيئه بأدوات الكتابة، فأخذ القلم وكتب على الورق: لا تحزن أيها الملك العظيم على الحقيرين ~~مثلي؛ أنا لا أخشى الموت ولا أخشى الحياة، قد قتلت خطيبتي خوفا من ظلمك، وقد كنت أيها ~~الملك العظيم جميلا في حلمك فغفرت ذنبي، فلا تحزن إذن علي، بل عجل بالموت إذا كنت حقا ~~ممن يرحمون. # وبعد هنيهة عادت إلى بالادان قواه فنهض عن المضجع مستبشرا، وطفق يتمشى في القاعة، أما ~~الملك فبعد أن قرأ مبتسما ما كتبه بالادان خاطب الوزير قائلا: لقد أحسنت؛ فإن الشاب لا ~~يخشى الموت ولا يخشى الحياة، فاقتل فيه الحواس، هذا الذي يسرني؛ لنروعه إذا كان لا ~~يروعه الموت. وماذا يجيء بعد الخرس؟ العمى؟ ... ~~- العمى يا مولاي، إن شاءت الآلهة. ~~- الآلهة يا تفلاط؟ وما دخل الآلهة في تركيباتك الكيماوية الخفية؟ ~~- إن للآلهة يا مولاي العلم والقوة كل القوة. # هز الملك رأسه مرتابا فيما قاله الوزير، ولكنه بعد أن أطرق قال: «إنك مصيب يا تفلاط، ~~ومتى ms10 يجيء العمى؟» ~~- غدا أو بعد غد بإذن الآلهة. ~~- سأترقب قدومه، ومتى أمسى الشاب أبكم أعمى أعلمه بقصاصي وأعيده إلى السجن ليقضي هناك ~~بقية أيامه؛ ليعش هذا الخسيس في ظلمات السجن وظلمات الحياة، ليعش هنالك طويلا فيتأمل ~~ويتألم، كذلك يكون قصاص من يهينون بمثل إهانته سيد بابل وآشور. # خضع الوزير بين يدي الملك فلم ير ما غشى وجهه من أمارات الخوف والارتياب. وفي صباح اليوم ~~التالي قبل أن ورد الفجر الآفاق كان نبوخذنصر يتمشى في رواق القصر، فجاءه أحد العبيد يقول: ~~«أيها الملك العظيم، قد أصيب بالادان بالعمى.» ~~- وأي متى كان ذلك؟ ~~- قبل انبثاق الفجر يا مولاي غشاه العمى بغتة كما تغشى زوبعة الرمل عابر الصحراء! ~~- عوفيت يا تفلاط عوفيت! # قال ذلك ومشى توا إلى منزل بالادان، فرآه جالسا على كرسي محني الرأس، مشحوب اللون، ~~والعبيد واقفون حوله وبين يديه، فأمرهم الملك أن ينقلوه إلى المضجع وينصرفوا، فامتثلوا ~~الأمر، فتقدم إذ ذاك إلى الشاب الضرير الأبكم وكلمه قائلا: اعلم يا بالادان أني لم أعف ~~عنك قط، قلت لي: إنك لا تخشى الموت، وأما الآن وقد سلبت النور والكلام، أفلا تخشى الحياة؟ ~~هذا هو قصاصي وعدلي، بل هذا هو حلمي، وستبقى حيا في ظلمات السجن إلى ما شاءت الآلهة. إن ~~نبوخذنصر لا يعارض بما سيكون بعد اليوم من أمرك. # بعد أن فاه بهذه الكلمات، وبدت على وجهه أمارات الفوز، وقف هنيهة ليرى ما يكون من تأثيرها ~~في الشاب، وقف ينظر إلى الوجه الذي وجه إليه كلامه؛ فإذا هو هادئ ساكن جامد لا يغشاه شيء من ~~الغم، ولا يحركه شيء من الجزع! فخطر للملك إذ ذاك أن يناديه باسمه، فراح نداؤه سدى، ناداه ~~ثانيا وثالثا فكأنه ينادي شخصا من الرخام، فدنا الملك منه وجثا عند رأسه وصرخ في أذنه ~~كمن يصرخ في واد مناديا رفيقا تاه فيه، فما حرك بالادان شفتيه بكلمة أو بإشارة. # نبوخذنصر سيد بابل وآشور يخر راكعا أمام هذا العبد المجرم ليسمعه كلمات فيها وحدها ~~القصاص الأكبر، نبوخذنصر ينادي بالادان ms11 وقد جثا أمامه ليسمعه الصوت الذي همسه في أذن ~~الآلهة، وليريه القلب الذي حجبته أفانين الانتقام. أوترتاب بقوة الآلهة أيها الملك العظيم؟ ~~إن الآلهة - على ما يظهر - أعظم منك وأطغى، وإن لهم على ما يظهر يدا عاملة قاهرة في سموم ~~تفلاط الغربية. # أجل، أيها الملك العظيم، إن بالادان الآن أرفع منك لأنه تجرد عن الحواس التي تقيد النفس ~~وتعذبها، إنه بعيد عن صدى صوتك، بعيد عن هول غضبك، بعيد عن ظلمات سجنك، بعيد حتى عن اليد ~~التي ترتجف حول معصمه، الطمه بدل أن تجس النبض منه، كلمه بيدك أو بسيفك، وهو مع ذلك لا ~~يجاوب، لا يتنازل أن يجاوب سيد بابل وآشور، هو سعيد لأنه لا يراك ولا يسمع صوتك ولا يستطيع ~~أن يخاطبك! # بعد أن جس الملك نبض بالادان وتأكد أنه حي تعاظمت حيرته، وتفاقم وجده، فبعث يطلب وزيره ~~الأكبر، فجاء تفلاط متأبطا ظنونه ومخاوفه وكأنه أدرك ما قد يكون لسمومه من أوابد التأثير، ~~وما قد يجيء في تركيباته الخفية من النكبات غير المقصودة. # وقف تفلاط أمام نبوخذنصر مشتت الفكر، مضطرب البال، وعندما دنا من بالادان كلمه متجاهلا ~~حقيقة الأمر الذي كان يتوقعه ويخشاه، ثم خاطب الملك قائلا: أيها الملك العظيم قد عصتني ~~سمومي، وقد يكون للآلهة يد في ذلك العصيان، فتغيرت نتائج تركيباتي الخفية، أو أنها تجاوزت ~~الحد الذي كنت أرمي إليه. أي مولاي، إن السموم التي أعطيتها هذا الشاب لتقتل فيه حاسة النظر ~~سرت في العروق المجاورة وقتلت فيه كذلك حاسة السمع، سرت بالرغم عن علمي الواسع في ماهية ~~ما أعطيت، وبالرغم عن الاحتياطات التي اتخذتها، وبالرغم عن العقاقير المضادة، وأخشى أن تكون ~~سرت في عروقه كلها فتميته موتا متدرجا هادئا دون أن يشعر بشيء يذكر من العذاب. # صعق الملك، وبعد هنيهة خاطب الوزير قائلا: هل سمعتك تقول: إن بالادان سيموت موتا هادئا ~~خاليا من العذاب؟ أهذا الذي طلبته منك؟ أهذه هي مقدرتك في مزج السموك وتركيبها؟ أهذا هو ~~علمك في أنواعها وخاصياتها؟ يموت هذا العبد الصعلوك ms12 دون أن يشعر بشيء من الألم ويموت معه في ~~نفس الساعة عدلي وانتقامي؟ من ذا الذي يعارض مشيئة نبوخذنصر؟ من ذا الذي حرك يدك حينما كنت ~~تمزج سمومك الغريبة؟ من ذا الذي مزج معها خمرة الموت الهادئ؟ من ذا الذي يتجاسر ... من هو؟ من ~~هو؟ ... تموت زبيبة لتنجو من غرامي، ويموت بالادان فينجو من انتقامي، وأنا نبوخذنصر الملك ~~أتحرق في غضبي، وأشتعل في هيامي؟! لا والآلهة، فإما أنك خائن، وإما أنك جاهل، وفي كلتا ~~الحالتين إنك لأثيم. ~~- بحلمك أيها الملك العظيم، لك أن تقول ما شئت عن ضعف وزيرك وجهله، أما الخيانة - آه يا ~~مولاي! - أتظن أن عبدك يدنس بالخيانة حياته؟ أيشوب بالخيانة شيبه؟ أيبيع ماضيه الباهر ~~الطاهر لفلاح حقير مجرم؟ إني أعترف أمامك وأمام الآلهة بجهلي. نعم، إن جهلي أكثر جدا من ~~علمي، وإن في الطبيعة أسرارا لا يدركها غير الآلهة. كان يخامرني في الماضي شيء من الريب ~~بجهلي، وأما الآن فلا أرتاب إلا بعلمي. نعم، إن للآلهة وحدها كل القوة، وكل المجد، وكل ~~العلم، ويظهر يا مولاي أن نواميس الكون لا تخدم مشيئة الملوك، فها إني أحاول خدمة هواك ~~فترتجف فوق السموم يدي، فهل أنا الملوم؟ إذا أغمضت الآلهة جفن الفيلسوف وأغلقت دونه أسرار ~~نواميسها، أفيعد الفيلسوف مجرما، وهل يقاص على ما يظن ويفترض توصلا إلى غرضه الذي هو ~~غرض مليكه؟ خفف عنك يا مولاي، ووطد بالآلهة إيمانك، فلعل خلاصي وخلاصك في موت هذا المسكين ~~على هذه الحال. ~~- كفى، كفى. إليك عني أيها الخبيث! إليك عني واعلم أني آذن لك بخمسة أيام لتخرج من بابل؛ ~~فإذا لم تخرج قبل انبثاق الفجر في اليوم السادس تظل أسيرا فيها بقية حياتك. ~~- لا بأس بذلك يا مولاي، فالآلهة تدخل حتى قلوب الملوك في بعض الأحايين، فتسكن الغضب ~~فيها، وتنير ظلمات الانتقام بأنوار الندامة، بيد أنه إذا طلبتني بعد أن تشعل الأنوار، أيها ~~الملك العظيم، فلا تجدني. # قال هذا وخرج مسرعا، أما نبوخذنصر فظل يمشي في القاعة مطرقا، ثم وقف فجأة متنبها ms13 كأنه ~~أوحي إليه بشيء يسر، وقد رأى بالادان يحرك رأسه ويشير بيده، فخطر له أن يكلمه بالإشارة، ~~ونسي أنه ضرير، ثم دنا من المضجع ليحدق النظر بفريسته، فإذا بالضياء قد استحال ~~ظلاما. # رفع الملك يده إلى عينيه لظنه أن الغشاء عليهما لا على ما حوله، وأن هناك غشاء ولكنه ~~تحت الجفون فلا تصل إليه يد بشرية. ادلهم المكان فهم الملك بالخروج، فأحس أن في رجليه ~~أصفادا من الحديد، ولا أصفاد هناك غير الخوف والذعر، فهل تسربت إليه سموم تفلاط؟ هل سرت في ~~عروقه السموم التي قتلت في بالادان الحواس؟ إن الآلهة لأعلم بذلك، ونحن لا نعلم إلا أن ~~نبوخذنصر هو الآن من أشد الناس غما وبلاء، وأن بالادان من السعداء المحبورين. # والدهر في الناس قلب. أجل، وقد دارت على الباغي الدوائر؛ كان في نفس نبوخذنصر من الغم ~~والغضب أضعاف ما كان فيها ليلة كان يتمشى في البستان ساعة علم بما اقترفه بالادان. # وفي فجر اليوم التالي، بينما الطيور تسبح في الأفنان بحمد ربة النور والحياة، وبينما ربة ~~النور والحياة ترسل على الأرض فيضا من بركاتها السماوية، كان نبوخذنصر واقفا في شرفة ~~القصر يتأمل الأحداث المفجعة التي حدثت في الأسبوع الغابر، وكان تفلاط خارجا من بابل وهو ~~آسف عليها وعلى مليكها، وكان بالادان قد أسلم الروح وعلى شفتيه الذابلتين الرضى ~~والحبور. # ومما يجب علينا تسجيله من حقائق هذه القصة: أن وجه بالادان كان يزداد بهاء وجلاء بعد أن ~~ماتت فيه الحواس الثلاث، كأن القوة في تلك الحواس تتحول ولا تموت، فتجري في البواطن مجراها، ~~فتزيد بقوة ذاك الحس الخفي السري الذي لا يذكره علماء الفيزيولوجيا في كتبهم، والذي بواسطته ~~نرى ما لا تراه العين المجردة، ونسمع ما لا تسمعه الأذن. # وكأن بالادان بعد أن تجرد بعض التجرد من المادة صار يرى معشوقته زبيبة رؤية البصر، ويسمع ~~وهي في عالم الأرواح صوت حبها ووفائها؛ أوليس الحبور الذي يغير وجهه نتيجة ظاهرة لتلك ~~الكلمات الذهبية التي كانت تقع من شفتي نفس بعيدة على ms14 أذن هذه النفس الواقفة في باب قفصها ~~المادي وهي على وشك الخروج منه؟ ليس من ريب إذن أن بالادان مات سعيدا، وليس من ريب أنه في ~~الأقل نجا من انتقام نبوخذنصر. إن أطباء القصر وعبيده يشهدون على ذلك، وهم يشهدون أيضا أنه ~~مات وعلى شفتيه بسمة الرضى والحبور. أما القصد من التأكيد في تسجيل هذه الحقيقة فسيظهر فيما ~~بعد. # نعم، قد مات بالادان، وقد خرج من هذا العالم مثلما خرج تفلاط من بابل، كلاهما آسف عليها ~~وعلى مليكها العظيم. وقد جيء بالخبر؛ خبر خروج الاثنين إلى الملك وهو في شرفة القصر، ~~فاقتبله ساكتا هادئ البال، وظل كل ذاك اليوم وقد خلا بنفسه مثلما كان في الصباح، فلم يأمر ~~حتى بدفن بالادان، ولم يقابل رئيس الكهنة الذي جاء يخاطبه بشأن تفلاط، ولم يأذن لأحد من ~~وزرائه بالمثول بين يديه. ولنا أن نقول: إذا كان بالادان قد نجا من انتقام نبوخذنصر، وتفلاط ~~من غضبه، وزبيبة من شهواته، فالنفس في نبوخذنصر لم تنج من الغم والهواجس والأوهام. # إنك تعلم، أيها القارئ، بأن نبوخذنصر لا يزال أسير الغم والغضب، ولكنك لا تعلم بأنه أمسى ~~كذلك فريسة للأوهام والأباطيل، فلا تظنه محزونا مضطربا لأنه نادم على طرد وزيره الأكبر من ~~بابل، أو لأن ذاك الشاب الفلاح مات موتا سعيدا. لا، لا، فقد أمست جميع هذه الأمور عنده في ~~خبر كان. # إنما الذي يقلق نبوخذنصر الآن ويشغل أفكاره ويعذبها هو شيء صغير يتعلق به وبالآلهة؛ أوليس ~~هو القائل أن لا قوة فوق قوته؟ فلا ملوك الأرض ولا آلهة السماء تقوى على نبوخذنصر! # أما إذا قال هذا القول الآن، فالسموم تكذبه، ويكذبه كذلك الموت، فكيف تتدخل الآلهة في ~~شئونه وتعترض مشيئته الملكية؟ كيف يغمضون جفن وزيره ويرجعون فوق البوتقة يديه؟ وما هي قوة ~~الآلهة؟ وبأية طريقة يتدخلون في شئون الدنيا؟ ... هي الأفكار التي شغلت قلبه وذهنه كل ذاك ~~اليوم فسلبته شهوة الأكل ولذة الرقاد. # وظل كذلك إلى أن أشعل الليل مصابيحه في السماء، فدخل إذ ذاك مخدعه ms15 ورمى بنفسه على السرير، ~~ثم أمر الخدم بإطفاء الأنوار والانصراف. وما كانت الظلمة لتعين نبوخذنصر على الأرق، فظل ~~يتقلب على فراش الهواجس حتى الهجعة الرابعة من الليل. # وفي تلك الساعة تراءى له طيف إلى جانب الحائط، فنهض من سريره منذهلا مذعورا ونادى ~~العبيد، فجاءوا مسرعين، فأمرهم بإشعال الأنوار فأشعلوها، ثم أمرهم بإطفائها فأطفئت. # وانصرف العبيد، وعاد الملك إلى سريره يغالب السهاد، إلا أنه سمع وهو على وشك النوم وقع ~~أقدام في مخدعه، ففتح عينيه وإذا بالطيف الذي تراءى له قرب الحائط قد صار في وسط القاعة، ~~فنهض ثانية ونادى العبيد، فجاء هؤلاء مسرعين وبأيديهم المصابيح المشعلة، أما الطيف فكان قد ~~اختفى قبل دخولهم، ثم عاد بعد أن خرجوا من القاعة، فوقف إلى جانب السرير الملكي. # فغر الملك المسكين فاه صارخا، ثم جلس مرتعبا وقد قبض بيديه على الوسادة والغطاء وجمع ما ~~تبقى فيه من الرشد والشجاعة ليحدق في الطيف نظره. # هل في زمانك، أيها القارئ، نظرت إلى وجه ميت وقد كفن بضوء القمر؟ إذن ما رأيت قط شيئا ~~مرعبا، وخير لك ألا ترى وجه نبوخذنصر حينما وقع نظره على نظر الطيف الواقف أمامه. وإننا من ~~أجلك نضرب صفحا عن مثل هذه التفاصيل، ولا نقول سوى أن الملك حرك شفتيه فنطق الرعب فيه ~~يخاطب الطيف أمامه. ~~- ألست بالادان؟ ~~- أنا هو. ~~- ولكنك حي. ~~- حي بالروح أيها الملك. ~~- أولم تمت صباح البارحة؟ ~~- مات الجسد الذي حاولت أن تسومه صنوف العذاب، أما الروح التي تخاطبك فما مسها شيء من ~~سمومك. ~~- والقصد من مجيئك الآن؟ ~~- جئتك يا نبوخذنصر من عالم الأموات، بل عالم الأرواح، أحمل إليك نبأ من أسلافك ملوك بابل ~~وآشور. فاعلم، أصلحت وعوفيت، أني بعد خروجي صباح أمس من هذا العالم مررت بواد عميق مخيف ~~مظلم يجري فيه نهر أسود من الزفت الذائب، وعلى شواطئه عمد كبيرة من الحديد الذي ذهبته ~~النيران، وجادات من الجمر المتأجج وقد تصاعد منه اللهيب والدخان، وفي تلك الجادات رأيت ~~أناسا كثيرين يمشون ذهابا وإيابا، عراة يمشون مطأطئين ms16 الرءوس محنين الظهور، وعلى ~~أكتافهم أحمال غريبة الأشكال، وفي أيديهم سلاسل من حديد تقطر من اللحم الذي يذوب عليها، ومن ~~هؤلاء أناس يمشون في عزلة عن سائر الناس كأنهم كانوا في العالم من الأعيان والكهان والملوك، ~~وقد رسا في وجوههم من آثار المجد والعز ما يذهل الغريب ويروعه، ناهيك بأن الأصفاد في أيديهم ~~وأرجلهم أثقل من سواها، والأحمال على ظهورهم من الفولاذ الملتهب، فيذوب اللحم تحتها ولا ~~تنفد أدهانه. # خنقني الغم إذ وقفت أمامهم، وقد خاطبني أحدهم سائلا: من أين أتيت؟ وإلى أين أنت سائر؟ ~~فأجبته: إني عابر طريق، وإني من بابل، فصرخ إذ ذاك صرخة هائلة وطفق يبكي كالطفل الفطيم، ثم ~~خاطبني بصوت كصوت الصغير فقال: أنت من بابل؟ بابل مدينتي، بابل مملكتي، بابل سبب هلاكي ~~وبلائي! قال ذلك وهو يجهش، ثم طفق يبكي فأبكاني، وكدت مما ملكني من الحزن ومن الاحترام لما ~~هو فيه، كدت أقول: عليك السلام. ولكن الأرواح تخجل مما تكون قد ألفته في العالم، تخجل من كل ~~شيء سوى الحب، ثم خاطبني آخر فقال: اعلم أنك أمام ملوك بابل ونينوى، ومعنا كثيرون من ~~الصيارفة والكهان، وبما أن الذين يتعذبون في هذا الوادي لا يؤذن لهم بالعود إلى العالم، ~~فأسألك أنت، أيها الغريب، أن تعود إلى بابل، وتخبر نبوخذنصر بما رأيت وما سمعت؛ هي ذي ~~حياتنا في وادي النار واللهيب، انظر كيف يذوب اللحم تحت الحديد المشتعل ولا يفنى، وكيف يملأ ~~الدخان العيون فتحرقها الدموع الغالية، واعلم أنه محتوم على كل منا أن يقضي ليله جالسا على ~~عمود من هذه العمد الحامية، وفي الصباح يقذف بنا زبانية النار إلى نهر الزفت، ثم نخرج من ~~النهر ونمشي في هذه الجادة الملتهبة نجر أوزارنا، وبعد ذلك يصعد كل منا إلى عموده. أما ~~ساعات الليل، أيها الغريب، فهي أمر ساعات الجحيم، نقضيها في السهاد والعذاب، فتتساقط من ~~عيوننا الدموع الغالية، ومن شفاهنا اللعنات والأنين. آه ثم أواه! وقد قيل لنا: إننا بعد مضي ~~ألف سنة في وادي النار نخرج ms17 مكبلين بالسلاسل مثقلين بالأحمال؛ لنسوح في العالم ليلا، ونعود ~~في النهار إلى وادي النار. فعد، أيها الغريب، إلى بابل وقل لنبوخذنصر: إن رئيس الكهنة قد ~~رثى لحالك، وأحب أن ينقذك من العذاب الذي هو فيه، فاغتنم الفرصة قبل فواتها، اغتنمها قبل ~~أن تأتيك حشرجة الموت. هذا الذي رأيت وسمعت، هذا هو الخبر الذي أحمله، فاذكره يا نبوخذنصر ~~واذكرني. الوداع ثم الوداع. # عندما انتهى الطيف من كلامه غاب عن نظر الملك، فصاح يناديه: قف، قف يا بالادان. وعبثا ~~كان ينادي، فقد لباه بدل بالادان العبيد، فطردهم من الغرفة، وقد وثب من سريره كالمجنون وطفق ~~يتمشى ذهابا وإيابا وهو يناجي نفسه: أملوك بابل وآشور في نار الجحيم، ورئيس الكهان، أخي، ~~أخي في النار؟! كذب المخبر، كذب بالادان؛ إنه لوهم وخرافة، الميت لا يعود إلى العالم، ~~والملوك لا تهلك. لا، لا، كله كذب واختلاق ... الملوك لا تهلك ... # فجاء صوت من الخارج يقطع عليه كلامه ويقول: اذكر ما قلته لك واذكرني. ~~- هو صوته، هو لا يزال قريبا مني، هو يذكرني وينذرني، ينذر نبوخذنصر، ماذا تقول يا رجل؟ ~~أين أنت الآن؟ وهل أنت الملك؛ ملك بابل وآشور؟ أهذه يدك؟ أفي هذا الصدر قلبك؟ أفي هذا الرأس ~~عقلك؟ أهذا هو الجبين الذي تنيره كواكب السماء؟ أوأنت الآن في قصرك؟ وأين صولجانك، وأين ~~تاجك، وأين حسامك؟ إذن لم لا تتحرك؟ من يتجاسر أن يدخل عليك في الليل؟ أنت نائم أم أنت في ~~حلم؟ استيقظ يا نبوخذنصر استيقظ ... حسامك، استرجع بحسامك شتات مجدك. # تناول السيف وهم بالخروج فخانته خطاه، فاصطدم بالحائط. ~~- آه ثم أواه، أيضمحل مجدي أمام خيال زائل؟ أتنهد قواي من كلمة سمعتها؟ أيسكتني بالادان ~~وهو ميت بعد أن احتقرني وهو حي، ثم ينذرني بالهلاك؟ الهلاك لنبوخذنصر والموت السعيد ~~والسعادة الخالدة للصعاليك؟ لا والآلهة! الملوك لا تهلك. أين بالادان؟ أين أنت أيها الخيال ~~اللعين؟ # وكأنه رأى الخيال عائدا فهجم وقد استل سيفه عليه، ولكنه وقف جامدا كالخشبة عندما سمع ~~الصوت ثانية يقول: اذكر كلامي واذكرني. ~~- لا حاجة ms18 إلى القول: إن نبوخذنصر لم ينم تلك الليلة، وفي صباح اليوم التالي خرج من القصر ~~مبكرا وظل يمشي حتى وصل إلى شاطئ الفرات خارج المدينة، فجلس في ظلال مقصبته هناك يستريح، ~~فرثى النوم لحاله وحل في جفنه ضيفا كريما. # قد شاهدته، أيها القارئ، وهو في سكرة الغضب، فانظر إليه الآن؛ إن نبوخذنصر في البستان هو ~~الغضب المجسم، هو الشر المستطير، هو الظلم في أفظع مظاهره، ونبوخذنصر النائم الآن على شاطئ ~~النهر هو الحب في طفولته، هو الخير في فجره، هو الرحمة في مظهر جديد، هو الصلاح في أطمار ~~الفقراء، هو الندامة في مسوح المتنسكين. # وهو الآن على شاطئ الفرات يحلم حلما جميلا، فهل يمحو بعمل واحد آثامه ومظالمه ~~كلها؟ # ولكنه لا يزال في بحر من الهواجس مضطرب الأمواج، فتراه واللون في وجهه يتحول أصفر أحمر ~~فينم على ما هو فيه من الاضطرابات؛ هو مركب تتقاذفه الرياح، بل هو ذبابة في عنكبوت رتيلاء ~~الحيرة، أتقتله الرتيلاء أم يخرج من عنكبوتها فائزا الفوز المبين؟ # زمجر الأسد في عرينه فاستفاق نبوخذنصر، وكانت الشمس قد تكبدت السماء، وتحولت أشعتها ~~العمودية على وجه النهر حجارة كريمة تشع كالألماس، واشتد في اشتداد الحر صرير ~~الجنادب. # ما عدا ذلك فالسكون كان عميقا، وقد استقر في كل شيء كأنه الفصل الأول من فصول الحياة، أو ~~كأنه يعد للطبيعة المقيل، ففرش لها أغصان الدلب الذهبية، وأغصان الحور الفضية، وحشايا القصب ~~اللازوردية، وسكن لها حتى النسيم الذي كان يلاعب الأسل على الشاطئ والكلأ في الحقول. # وكان الملك لا يزال تعبا، فجلس يتأمل ما كان عليه في الصيف الماضي من الكدر والغم، ولكن ~~غمه في الصيف الماضي كان قصير الأجل، ولم يكن سيئ العاقبة، فأولئك الذين أثاروا غضبه أخرجوا ~~سريعا من مسرح الوجود، وما كان ليسكن غضب نبوخذنصر إلا مثل هذا الانتقام العاجل. وأما ~~الآن فبالادان على ما يظهر من المحبورين، وتفلاط من المغبوطين؛ لأنه بعيد عنه، والآلهة على ~~العروش خالدون، وملوك بابل مع رؤساء الكهنة في النار، ونبوخذنصر. آه ثم ms19 أواه! # استفاق وهو يتأوه، ونهض وهو يلطم جبينه بيده، ثم سار مسرعا مستبشرا وعاد إلى القصر، ~~فجمع أمامه الوزراء والموظفين والعبيد ورؤساء الكهان وخاطبهم قائلا: اعلموا أن للآلهة ~~القوة كل القوة، والعظمة كل العظمة، والعلم كل العلم، وما ملوك بابل وكهانها غير خدم ~~للآلهة، وإني آمر الآن بأن تطلقوا سراح المسجونين في مملكتي كلها، وتطلقوا كذلك سراح الحريم ~~في القصر، وترسلوا إلى وزيري الأكبر تفلاط أن يرجع بأمر مليكه إلى منصبه، وتدفنوا بالادان ~~بكل احترام في المعبد الملكي، وليكن زمام الملك بيدك أيها الوزير إلى أن يعود تفلاط، هذه هي ~~أوامري، هذه هي مشيئتي. # ثم أم المعبد فدخل إلى مخدع رئيس الكهنة فيه، وأقام هناك حتى المساء، فعاد إذ ذاك إلى ~~القصر، وكان قد أمر أحد العبيد بأن يجيئه بقميص من الخيش، فخلع أثوابه الدمقسية ~~والأرجوانية، واستشعر القميص الخشن. لبس نبوخذنصر المسح وصار من النساك الزاهدين ~~المتعبدين. # وظل على هذه الحال يأكل قليلا ويصلي كثيرا، فنحل جسمه، وخارت قواه، واحتل منه مقر الفكر ~~والنهى، وبينما كان عائدا ذات يوم من المعبد أغمي عليه أمام القصر وتحت الشرفة التي كان ~~يطل منها على بابل، فنقله العبيد إلى داخل القصر، وبادر إليه الأطباء، ولكن الطبيب الأكبر ~~سبقهم جميعا فشفى نبوخذنصر من أمراض الحياة كلها ... ودفنوه عملا بمشيئته الملكية في المعبد ~~الملكي إلى جانب بالادان. # | عبد الحميد في سجن الآستانة # المشهد الأول # يرفع الستار عن جماعة من السجناء وبينهم خورشيد وسليمان وفهيم، ~~بعضهم يلعب بالورق والآخرون يتحدثون ويضحكون، وهنا أحدهم مستلق على ظهره، وهناك آخر ~~جالس وحده يتأمل يديه، وفي مؤخر المسرح حيدر باشا يتمشى والهموم تثقل جبينه، ثم يجلس في ~~الزاوية معتزلا. ~~(يدخل محمود.) # محمود ~~: # أعلمتم أيها الإخوان أن الاتحاديين خلعوا السلطان؟ # خورشيد ~~: # عبد الحميد خان؟ # محمود ~~: # نعم خان! # سليمان ~~: # ولماذا خلعوه؟ # محمود ~~: # يا غليظ، أما سمعتني أقول: إنه خان؟ خان الأمة، خان الدين، خان الوطن. # خورشيد ~~: # حسنا يفعلون، ولكننا نحن المجرمين لا نخلعه؛ فهو سلطاننا إلى الأبد. # محمود ~~: # أي نعم، سلطان ms20 المجرمين. # الكل ~~: # إي والله هو سلطان المجرمين. # خورشيد ~~: # وأين هو الآن؟ # محمود ~~: # قيل إنه نقل إلى قصر في سالونيك. # خورشيد ~~: # ولم لم ينقلوه إلى قصرنا هنا؟ # محمود ~~: # وهل يقيم السلطان ورعيته في بيت واحد؟ # خورشيد ~~: # ولكن في قصرنا هذا الفخم غرفا كثيرة. # سليمان ~~: # وما ضره لو أقام معنا وعاش مثلنا وأكل من أكلنا؟ أللسلطان معدتان يا ~~ترى؟ # محمود ~~: # يا لك من أرعن جاهل! ألا تعلم أن من يقتل البشر بالمئات تعد له الأمة القصور ~~الفخمة، تهابه وتكرمه، ومن يقتل الناس بالألوف تمجده وتنصب له التماثيل؟ فمن ~~أنت بالنسبة إلى هؤلاء السفاكين الكبار والفاتحين العظام ليخطر في بالك الإقامة ~~معهم؟ كم مخلوقا قتلت في حياتك؟ # سليمان ~~: # واحدا فقط. # محمود ~~: # اسكت إذن؛ فإنك لا تستحق أكثر من ست أقدام مربعة في هذا السجن، وكسرة من ~~الخبز في قليل من الماء الفاتر المالح كل يوم. # سليمان ~~: # آه! أين الإنصاف أيها الناس؟ وإنني أحلف أمامكم وأمام الله أنني أكلت أصابعي ~~ندامة على الإثم الذي اقترفته. # محمود ~~: # وماذا ينفعك أكل أصابعك؟ كل سلاسلك يا سليمان لعلك تتخلص منها ومن ~~السجن. # خورشيد ~~: # وهل عبد الحميد الآن في السجن بسالونيك؟ # محمود ~~: # هو في قصر هناك كقصر يلدز تسميه الأمة سجنا؟ # فهيم ~~: # لعنة الله على هذه الأمة! ما النفع إذن من خلع السلطان؟ # محمود ~~: # لا تصرف غيظك سدى يا فهيم، إن في خلع عبد الحميد منافع جمة لنا وللأمة؛ ~~فغدا يعفو السلطان الجديد عن المجرمين. # فهيم ~~: # ليحبسوا عبد الحميد معنا، وليحبسوا عنا عفوهم؛ هذا عندي عين العدل ~~والإنصاف. # محمود ~~: # أما إذا عفي عنا فنحن اليوم أفهم مما كنا بالأمس، قد تعلمنا أمثولة جديدة ~~(يحدث في السجن جلبة وغوغاء) ~~، اسمعوا - ~~إذا كنتم تحبون أن تنتفعوا من خلع عبد الحميد - عندي نصيحة أقدمها لكم مجانا؛ ~~فإن اتبعتموها ... # سليمان ~~: # ما هي؟ # الكل ~~: # ما هي؟ قل ما هي؟ # محمود ~~: # غدا يصدر السلطان الجديدة عفوه الشامل؛ فنصير نحن أحرارا كبقية الأحرار في ~~الدولة، ونسير توا إلى سالونيك ... ~~(قهقهة ~~وضجيج) # ألا تريدون أن تسمعوا ms21 ؟ # سليمان ~~: # أنا لا أذهب إلى سالونيك. # محمود ~~: # لك أن تذهب حيث تشاء بعد أن تصير حرا، لعنة الله على كل جبان. اسمعوا أيها ~~الإخوان: إذا عدتم بعد أن تصيروا أحرارا إلى حرفتكم الشريفة؛ فأحسنوا القتل، ~~القتل! وإلا فلا! افتكوا ولا تصغوا إلى ما يسميه الأتقياء صوت الضمير، اقتلوا ~~ولا تعيروا أذنكم إلى ما يدعوه الشعراء المغرورون صوت أطفال القلوب، كونوا من ~~الفاتكين، من الشجعان، ولا تندموا في الصباح على ما ترهق خناجركم من الدم في ~~الليل. لكم متى صرتم أحرارا أحد أمرين: فإما أن تهتدوا وتصلحوا حالكم؛ فتصيروا ~~مؤذنين وقارئين ومعلمي أولاد، وإما أن تضربوا في الأرض وتفتكوا في الناس؛ ~~فتصيروا من كبار السفاكين المشهورين المحترمين؛ إذ ذاك تهابكم الأمة، وتكرمكم ~~الحكومة، وإذا سقط نجمكم في نهاية أمركم، وانتصرت الإنسانية عليكم أو العبودية، ~~فتسجنكم الأمة في القصور الفخمة لا في الأكواخ المنتنة المظلمة، وتصرف عليكم ~~من الأموال في الشهر ما يكفي الواحد منا طول حياته! # سليمان ~~: # وهل يصرفون هذه الأموال على عبد الحميد الآن؟ # محمود ~~: # وهل يكتفون بها؟ ألا تحسب أجرة القصر، وأجرة الحرس، وأجرة الخدم ~~والخصيان؟ # خورشيد ~~: # ولم الخصيان؟ # محمود ~~: # لأن الحكومة المحترمة الرقيقة القلب ما أحبت أن تحرمه حريمه؛ فأذنت له باثنتي ~~عشرة امرأة يقمن معه في القصر. # خورشيد ~~: # ما أعدل هذه الحكومة، وما أرحمها! مسكين خورشيد! ومسكينة امرأته! # محمود ~~: # وقد أذنت هذه الحكومة بأن يصحبه كذلك نجله الصغير فلا ينقصه شيء من دواعي ~~التعزية والسلوان. ~~(عند هذا يقف حيدر باشا وقد لاح على وجهه الاضطراب.) # حيدر ~~: # هو وحريمه وابنه يقيمون اليوم في قصر ألاتيني محفوفين بالخدم والخصيان، ~~متوسدين الريش والحرير، آكلين من مال الأمة التي امتصوا دماءها، واستعبدوا ~~أبناءها! وهل هذا يا ترى ما يدعوه الناس اليوم مساواة؟ هل هذا هو العدل يسقوننا ~~منه بالجرة ويسقون غيرنا منه بالملعقة؟! أيجوز أن يكون في الحكومة ميزانان ~~للعدل: ميزان للمجرمين الكبار، وميزان للصغار؟ # الكل ~~: # لا والله لا! # سليمان ~~: # ولكن حكومتنا اليوم حكومة دستورية، فلماذا تعامل عبد الحميد هذه ~~المعاملة ms22 ؟ # محمود ~~: # لأن حكومتك الدستورية تخاف أن تقتله، بل تخاف أن تحاكمه. # فهيم ~~: # وهل تخاف الحكومة من رجل واحد؟ # محمود ~~: # نعم، متى كان هذا الرجل سلطانا بفضل الخرافات والأوهام كعبد الحميد. # سليمان ~~: # وما الفرق بين السلطان المجرم وبيني مثلا؟ # محمود ~~: # قلت لك أيها الأرعن الغليظ: إن الفرق بينك وبين مولاك هو كالفرق بين من يذكر ~~الله ويذبح كل يوم، ومن يقترف مرة إثما صغيرا ويأكل أصابعه ندامة ~~كالجبان. # سليمان ~~: # والله إذا خرجت من السجن غدا لأقتلن في يوم واحد مائة من الباشاوات كي لا ~~يقال عني: إنني مجرم صغير. # فهيم ~~: # لا تكلف نفسك كل هذا، فإذا كنت حقا شجاعا فدونك الباشا الذي معنا؛ فهو من ~~الذين كانوا يذكرون الله ويذبحون. # الكل ~~: # اقتلوه ... ~~(عند هذا تعلو ضجة السجناء، فتطفأ الأنوار على المسرح، ويرفرف ~~فيه طائر جميل أبيض كالثلج له جناحان يشعان كنور الشمس حين شروقها، فيرف هذا الطائر ~~فوق رأس حيدر باشا، ويستقر عليه، فينير وجهه، ويضرم النار في حاجبيه، فيسقط إذ ذاك ~~عن الباشا ثوب السجين، ويبدو للعيان في هالة من النور كمشير من مشيري الدولة وقد ~~لبس ثوبه العسكري واستل حسامه.) # حيدر ~~: # اتبعوني، وإن شئتم بعد ذلك فاقتلوني. ~~(يخطو خطوة نحو الباب، فيسقط حائط السجن أمامه كما لو كان من ~~نسيج العنكبوت وقد نفخت فيه الرياح، ثم يخرج ويخرج السجناء معه.) # المشهد الثاني # غرفة في قصر ألاتيني بسالونيك منيرة بالشموع. عبد الحميد جالس على ~~الديوان ونجله الصغير إلى جانبه ونعمت بين يديه. # نعمت ~~: # ما لي أراك مضطربا يا مولاي؟ خفف من روعك واصرف عنك الهواجس ~~والأوهام. # بدر الدين ~~: # أين هو الخيال يا أبت؟ وفي أي شكل بدا لك؟ هل هو كبير، طويل، أسود اللون ~~كالمارد في القصة التي قصتها علي نجم العيون؟ # نعمت ~~: # لا تذكر الآن هذه الأشياء، ألا تراه مضطربا قانطا حتى الموت ... مولاي، أتأمر ~~بالانصراف، أتريد أن تكون وحدك؟ # عبد الحميد ~~: # لا، لا، لا. # نعمت ~~: # إذن، تعطف على عبدتك بابتسامة، وارفع عن عينيك غشاوة الوهم؛ إنك الآن أحسن ms23 ~~من ذي قبل، فقد ارتحت في الأقل من هموم السلطنة التي كانت تؤرقك، وتسقيك مر ~~العذاب. # عبد الحميد ~~: # ولكنني أخاف أن يقتلوني. # نعمت ~~: # كيف يكون ذلك وقد قرروا ألا يحاكموك؟ # عبد الحميد ~~: # أخشى الغدر، أخاف أن يق ... يا الله! ~~(يدخل حيدر باشا في شكل خيال وقد تنكر برداء أسود، فتأخذ ~~الأنوار في الانطفاء رويدا، ويعم المسرح الظلام ساعة ينتهي حيدر من كلامه.) # عبد الحميد ~~: # ما بالك تتبعني؟ ماذا تريد؟ ومن أنت؟ تكلم، تكلم! # نعمت ~~: # ماذا جرى يا مولاي؟ من هذا الذي تكلمه؟ إلى متى تظل أسير هذه الأوهام؟ # عبد الحميد ~~: # ألا ترين؟ هناك، هناك. انظر يا ابني، هذا هو الخيال اللعين. # بدر الدين ~~: # أين يا والدي؟ أين هو؟ أحب أن أراه، أنا لا أخشاه يا والدي. # عبد الحميد ~~: # هو ذا، هو ذا يدنو منا. ماذا تريد؟ ماذا تريد مني؟ # حيدر ~~: # كلمة، يا عبد الحميد. # عبد الحميد ~~: # تكلم، تكلم. # حيدر ~~: # هي لعبد الحميد لا لسواه ... ~~(يشير إلى نعمت وبدر الدين.) # عبد الحميد ~~: # حسن، تكلم. ~~(حيدر يشير ثانية إلى نعمت والولد، فيأمرهما عبد الحميد ~~بالانصراف.) # عبد الحميد ~~: # اذهب معها يا بني. # بدر الدين ~~: # ولكنني أحب أن أرى هذا الخيال الذي يشغل بالك، ويقلق راحتك، أحب أن أراه، أنا ~~لا أخشى الخيال، لا والله لا أخشاه. آه، أين سيفي الآن؟! # عبد الحميد ~~: # اذهب، اذهب مع نعمت يا بني ... تكلم الآن، ولا تدن مني. # حيدر ~~: # لا تخف، إنما أصغ لكلامي وأجب عليه. كان لأحد الشيوخ الكبار في إحدى ~~القبائل الهمجية نهمة غريبة في سرقة الأطفال وذبحها، وكان له أعوان وجواسيس ~~يعملون بإشاراته، ويحترمون غريب شهواته، ولما استفحل أمره ولم يبق في القبيلة ~~رضيع قامت الرجال والنساء على هذه الزمرة اللعينة، وألقت القبض على الشيخ، ~~وعلى كل رجاله وجواسيسه، فقتلت منهم صغارهم ونفت كبارهم وسجنت أقاربهم ~~وأنصارهم. أما الشيخ، فإجلالا لمقامه وعملا بأمر كهان القبيلة أقاموه حاكما ~~عليهم بعد أن ندم أمام الكاهن والناس على آثامه كلها، ووعدهم ألا يقترف مثلها ~~في المستقبل، فأثارت هذه ms24 المعاملة خواطر السجناء الأبرياء، وقاموا يطالبون بدمه ~~باسم أطفال الإنسانية، وما انفكوا حتى فازوا فأراحوا القبيلة من شيخها السفاح ~~الجبان ومن شركائه الكهان. فما قولك يا عبد الحميد في مثل هذا العمل؟ أعدل ~~يعد أم لا؟ # عبد الحميد ~~: # وما معنى قولك هذا؟ # حيدر ~~: # إذا أبت الأمة قتل شيخها السفاح ... # عبد الحميد ~~: # وهل تريد قتلي؟ # حيدر ~~: # أنا أحد عبيدك المخلصين يا مولاي، أنا أحد وزرائك الذين خدموك ليل نهار، ~~ودفعوا عنك مرارا دسائس الأشرار، أنا الذي شربت من دم الأبرياء من أجلك، أنا ~~الذي أكلت فلس الأرملة احتراما لأهوائك، أنا الذي نهب العباد ليرضي سيد ~~العباد. أواه! أنا الذي أعمى الله البصر منه والبصيرة فجعلني من أصفياء عبد ~~الحميد، أنا أحد تلك الآلات الصماء بيد الجبار الجزار. نعم، كنت آلة في الأمس ~~وسأصير عليك غدا نكالا، أنا الآن آكل خبز الذل والهوان مع المجرمين، وأنت ~~سيدي، ولي أمري، مالك عنقي، تتنعم اليوم في ألاتيني، كما كنت تتنعم أمس في ~~يلدز؛ ذلك لأن الجهل لا يزال سائدا في الأمة، والظلم لا يزال مؤيدا في ~~الحكومة؛ ذلك لأن الشرع يقدس شخصك، ويرذل من أجلك أمة بأسرها؛ ذلك لأن التقاليد ~~الخبيثة الفاسدة تعزز مقامك، وتذل شأن الوطن والحكومة؛ ذلك لأن التعصب الديني ~~والجنسي لا يزال قابضا على الصولجان في ديوان العدل والإنصاف؛ ذلك لأن ... ~~(عبد الحميد يستوي واقفا ويهم بالخروج) ~~... مكانك يا عبد الحميد! أود والله لو تجسدت فيك هذه الشرائع، وهذه التقاليد، ~~وهذه العادات، وهذه الأنظمة والقوانين كلها فأشد على عنقك بيدي وأريح العالم ~~منك ومنها معا. ~~(عبد الحميد يحاول الخروج فيرى الباب ~~مقفلا) # عبثا تحاول ذلك، فإذا كانت الحكومة تخاف أن تحاكم عبد ~~الحميد - إذا كانت الأمة تخاف أن تقتل عبد الحميد - فلست أنا الآن من هذه الأمة ~~ولا من تلك الحكومة، أنا خارج الشرع يا عبد الحميد، أنا تحت القوانين والأنظمة، ~~بل أنا الآن فوقها، أنا فوقها؛ لأنني مجرم سلاحي الحق، أنا رجل أثيم حقير يا ~~مولاي جئت الآن أغمس سيفي ms25 في دم سلطان المجرمين. # عبد الحميد ~~: # إلي! إلي! خنقوني، قتلوني. # حيدر ~~: # ادخلوا، ادخلوا! تعالوا أيها المجرمون الصغار، واغمسوا أيديكم في دم هذا ~~المجرم الكبير. ~~(يدخل السجناء كالأشباح في قمصان سوداء، فتعلوا الضجة صراخ عبد ~~الحميد، وتنطفئ أنوار المسرح، فتتوارى إذ ذاك الأشباح وتزول الضوضاء.) # عبد الحميد ~~: # أواه، أواه! آه! خنقوني، قتلوني. # المشهد الثالث # الغرفة نفسها وقد أنيرت بالشموع. عبد الحميد جالس على الديوان غارق ~~من الخوف بين الحشايا كأنه يحاول أن يخفي نفسه مما تراءى له من الأشباح، وابنه ونعمت ~~جالسان بين يديه. # بدر الدين ~~: # أين هو الخيال يا والدي؟ أين هو؟ # نعمت ~~: # مولاي، ما هذه الأوهام؟ ألا تريد أن تخرج إلى البستان فتستنشق النسيم في نور ~~القمر؟ # عبد الحميد ~~: # والأشباح، والأشباح؟ ألا يظهرون في البستان؟ # نعمت ~~: # أي أشباح يا مولاي؟ # عبد الحميد ~~: # الأشباح ها هم! ها هم! اخسئوا. إليكم عني يا ملاعين! إليكم عني. ~~(يقف ليهرب) # ارحموني، لا تدنوا مني، آه خنقوني. ~~أواه! أواه! قتلوني. ~~(يقع على الديوان مغشيا عليه، وبعد قليل يستيقظ كأنه في ~~حلم.) # أشباح آثامي، لا يا بني، أشباح مجد أبيك. ها هم، قفوا، قفوا! ~~(يهم بالخروج) # إليكم عني أيها الملاعين! يا ~~الله! وهل أنتم في كل مكان؟ أتسدون في وجهي كل مهرب وكل ملجأ؟ ربي! أرى الأشباح ~~السوداء تذوب حولي، أراها تزيد حولي كالأمواج الهائجة، أراني في بحر من الزفت ~~المشتعل، بل في بحر من اللهيب. إنما أنت واهم يا رجل، أنت الآن في ألاتيني، أنت ~~في السجن، ولكن ما هذه الأمواج التي تلطم خدي؟ ما هذه الأمواج التي تزبد فوق ~~رأسي؟ لا لا، إنما هي محض أوهام، أنا عبد الحميد! أنا في قصري الآن، أجل أنا في ~~يلدز، بل أنا في ... يا الله! ما هذه القصور التي أراها على ذلك الشاطئ بين تلك ~~البساتين الغناء، إنها قصورك، يا عبد الحميد. نعم، وهذه بساتينك تغرد فيها ~~الطيور، ويداعب أغصانها نسيم الربيع، فكأنها لا تعرف الأحزان ولا تشعر ~~بالهجران، كأنها تسخر من هذه الأمواج السوداء ومن ms26 هديرها. # آه! أين أنا يا ربي. ربي، أين أنا؟ أديوان في القصر هذا، أم قارب في البحر؟ ~~هل أنا أمام شواطئ أرضي وفي ظل بساتيني؟ هل تلك هي قصوري؟ إذن أنا في البوسفور، ~~أنا في قبضة الأمواج، هي ذي الأشباح ترقص حولي طربا، أراها تسخر مني. أراها ~~تشير إلي إشارة الازدراء. ربي، ارحمني، بل أغرقني ربي في لجج البوسفور أمام ~~القصور التي لعبت فيها صغيرا وخرجت منها حقيرا، ولم؟ ألأنني كنت في يد ~~الأقدار أعمل مأمورا كأصغر عبيدي؟ ألأنني سجنت ثلاثين سنة فاستحال نهاري ليلا ~~وليلي جحيما؟ ألأنني كنت بين وزرائي كوزير بين السلاطين؟ ألأنني ما أكلت مرة ~~وكنت أمينا من العيش بعدها؟ ألأنني ما نمت ليلة وتأكدت أني سأستيقظ حيا؟ لا. ~~لا، بل لأنك أعطيت ملكا فلم تحسن سياسته؛ لأنك طردت من ضميرك روح الحق ~~والإنسانية، وخنقت في قلبك جنين رحمة الله، وأطفأت في نفسك نور عدل ~~الله. # صوت في الظلمة ~~: # إيه عبد الحميد! # عبد الحميد ~~: # رحماك ربي. أواه! ... اصرف عني هذه الأشباح، لا تسمعني اليوم هتافها وقد ~~أسمعتني بكاءها بالأمس، أواه! أتتزاحم حولي كلما استرحمت وكلما تأوهت؟ أتسخر من ~~دموعي؟ أويضحكها بكائي؟ اخسأ. أتلطم خدي أيها اللعين؟! أتبصقون في وجهي أيها ~~الأخساء الأشقياء، ولم لا تقتلوني بعد هذا؟ # صوت في الظلمة ~~: # الانتقام، الانتقام! ... # عبد الحميد ~~: # آه ما أشد هذا الانتقام! أتنطق اليوم فظائعي؟ أتبعث من قبورها آثامي؟ أتتركني ~~أمتي أعيش بقية أيامي في هذه الظلمات، في هذا الجحيم، ومع هذه الخيالات المرعبة ~~الهائلة؟ لا لا سأريكم كيف يكون الانتقام أيها الملاعين. ~~(يحاول خنق نفسه) # عبد الحميد، أتسطو على شخصك ~~المقدس بيدك الأثيمة؟ ألا تشفق حتى على نفسك؟ عد إلى رشدك، اصرف عنك هذه ~~الهواجس والأوهام. نعم، أنا عبد الحميد وهذا هو قصري، وهؤلاء هم وزرائي بل ~~عبيدي ... # إلى البوسفور بالسجناء الذين جئتني البارحة بأسمائهم! # وهل تعود أنت؟ ما بالك لا تكلمني، وأنت يا أبا الهدى، أما سمعتموني؟ ما بالكم ~~لا تجيبون؟ يا الله! ومن أنت؟ أخي مراد؟ أجئت ms27 تشاركني سجني؟ أجئت تغسل الدم عن ~~يدي؟ أجئت تنثر على أحزاني دموع أحزانك؟ تراني ورثت سجنك، وأحييت بلاءك في ~~بلائي، فمن يا ترى يرث سجني ويحمل أوزاري؟ أخي مراد، ومن هذا الذي معك؟ مدحت ~~باشا، أخرجت من قبرك لتجعل لي مكانا فيه؟ أبعثت من القبر لتبرهن على خلود ~~الحرية والأحرار؟ وهؤلاء الأشباح الذين يسخرون مني ويضحكون أراهم يشيرون ~~بأيديهم كمن يريدون ... # صوت في الظلمة ~~: # الانتقام ... الانتقام ... # عبد الحميد ~~: # آه! يا لها من أصوات مرعبة هائلة! اقتربوا إذن مني، ابصقوا في وجهي، أيلذ لكم ~~هذا الانتقام؟ خذوني، أغرقوني، اقتلوني. آه! أحس بثقل الأمواج فوق رأسي، أفي ~~البوسفور يموت عبد الحميد؟ ربي، أفي البوسفور تدفنني؟ أمع هؤلاء الأخساء ~~تحشرني؟ ... مدحت، أنا عبد الحميد مولاك! مراد، اسمع عبد الحميد أخاك! مدحت، قل ~~كلمة لهؤلاء من أجلي. هات يدك، وزيري، هات يدك، أخي، أترفضون اليد التي كنتم ~~تقبلونها صاغرين، أتأبون مصافحتي؟ # أصوات في الظلمة ~~: # الانتقام، الانتقام! # عبد الحميد ~~: # أجل هو الانتقام. أواه! أحس بسهام من النار تشق فؤادي، أحس بشيء يأكل من ~~عيني، بل بشيء ملتهب ينقر في خدي. أواه! أحس بأصابع من حديد تضغط على عنقي. ~~أواه! غرقت ... لله من البوسفور ... إني أختنق ... إني أموت ... ~~(يقع مغشيا عليه.) # | إكليل العار # ما ودع حين ولى، ولا أحد من رفاقه الجالسين حول منضدة مربعة بساطها أخضر رفع إليه نظرا ~~أو فاه بكلمة دعاء أو عداء. نقف أحدهم المنضدة بأنامله والوجه منه أصفر من السهر والهم، ~~فماثله الآخر، فرمى الثالث الورق من يده، وزاد كل منهم ما اجتمع في وسطها من حجارة العاج ~~أو الأزلام السوداء والحمراء والبيضاء. أدير الورق واستؤنف اللعب، وأخذت الأزلام تنتقل من ~~أطراف المنضدة إلى وسطها. «احترق» الثاني ولكنه ظل في كرسيه يراقب الجولة الأخيرة بين ~~رفيقيه. # والسكوت سائد كأن غرفة القمار معبد أو بيت مهجور دخله اللصوص، تحسس كل من اللاعبين ورقه ~~والعين منه جامدة غائرة واليد ترتجف، نظر كل منهما إلى صاحبه نظرات منكرات مختلسات فيها ~~تفرس وفيها افتراس، وشرع ms28 كل منهما يضاعف أزلام الآخر حتى كاد ينفد ما بين يديه منها، غربل ~~كل منهما حظه من الورق الذي بيده، فأسقط الأول ورقة، وأسقط الثاني ورقتين، وبينا هو يفعل ~~ذلك حانت منه التفاتة، فخامره منها الريب، فاستشاط على الفور غيظا ونهض واقفا يهم ~~بالخروج. # فسأله صاحبه: ما بالك؟ # فأجاب وقد رمى الورق من يده: قد تواطأتم علي. ~~- أنت مجنون. ~~- أنت قليل الشرف. ~~- احفظ أدبك؛ أنا - والله - لا أبيع شرفي بمال العالم. ~~- بعته الليلة بعشرين دولارا. عيب عليك. ~~- من كان مثلك لا يستحق أن يلعب مع الناس. ~~- من كان مثلك أنت ... # وانحنى فوق المنضدة ليكمل الإهانة بيده، فحال دونه صاحب المنزل لائما مؤنبا. ~~- عيب علينا يا ناس، واجب أن نقتدي بتوفيق زيدون المقامر الشريف النفس؛ فإنه إذا خسر سكت، ~~وإذا ربح لا يتبجح ... عيب عليكما. # وبينما هو يؤنب صديقه، وكل منهما - وقد ثاب إلى رشده - يعد أزلامه، كان توفيق زيدون ~~نازلا الدرج منكس الرأس، كاسف البال، يده في جيبه الفارغة، ونفسه الملتهبة في يده. # وما قيمة نفسه وهو لا يملك فلسا واحدا؟ وماذا عساه يصنع وقد لجأ إلى آخر الحيل فكان ~~فيها مدحورا؟ إلى أين يذهب بهذه النفس المحترقة المتقلصة السوداء؟ سؤالات كان يرددها وهو ~~خارج من البيت لاعنا القمار والمقامرين. # راح تائها في أسواق المدينة كمركب لا شراع له تتقاذفه الرياح، وقف على منعطف الشارع ~~فشاهد الأرتال تمر أمامه كأنها أشباح وكأن ضجيجها أصوات العفاريت، رفع رأسه وإذا بالساعة في ~~الكنيسة تعلن الثانية بعد نصف الليل. # أيعود إلى غرفته؟ أيلجأ إلى وحشة الوحدة وظلامها؟ أيداوي نفسه ببلسم الرقاد؟ لا، لا، ~~رصاصة تسرع به إلى الجحيم خير من هذا. # والحقيقة أنه استحب الموت ومر في قلبه خاطر الانتحار مرور السحاب، فظل برهة أسير هواجس ~~مريعة تتجاذبه نزعات أثيمة لا تخلو من قصد شريف، على أن قصده الشريف كان كغنمة بين ذئاب ~~كاسرة، أو كملاك بين زمرة من شياطين أفكاره. # لبط الأرض برجله واللعنة تخرج من فمه، وشياطينه تومئ إليه أن اتبعنا ms29 ، تبعها صاغرا فنزل ~~الدرج إلى سكة الحديد تحت الأرض وركب القطار السريع الذي يخترق قلب المدينة، بل ينساب ~~كالحية تحت أضلاعها. وكانت نفس توفيق زيدون مثل ذاك القطار تتسارع أمواجها السوداء بين ~~أنوار لقصد شريف صفراء ضئيلة، تبدو وتختفي كالبرق، مثلما ترقص أنوار النفق الزرقاء ~~والحمراء، والقطار بين صفوف منها يقعقع ويضج، فتردد صداه الألوف من عمد الحديد القائمة تحت ~~قصور المدينة. # نزل في محطة وسط البلد واجتاز بضعة شوارع ثم وقف عند باب في أحدها يقرع الجرس. # أطلت بعد هنيهة فتاة من الشباك تسأل: من الطارق؟ فهمس توفيق باسمه، فراحت متأففة تكبس ~~زرا يفتح الباب ولم تلبس غير قميص النوم لتستقبل صديقها. # ما سلم توفيق حين دخل المنزل، بل سار توا إلى غرفة فيه مفروشة بالسجاد، أثاثها يجمع ~~بين البساطة والفخامة، ورمى بنفسه على كرسي قرب البيانو وهو لا يدري ما يقول. # أخذ الفتاة العجب فسألت قائلة: ما بالك تجيئني هذه الساعة؟ ~~- لأنني ... # ووقف يشعل سيكارة. ~~- ماذا جرى يا عزيزي؟ هل أنت مريض؟ ~~- بل يائس من الحياة. ~~- أطلعني على شيء جديد من أحوالك. ~~- سقطت أسعار الأسهم اليوم فخسرت كل مالي. # فقالت لوسيل باسمة وهي لم تزل واقفة أمامه في سربالها الشفاف: جئت تمزح إذن. ~~- ليس وقت مزاح. ~~- وما علمي يا عزيزي توفيق أنك ذو ثروة! ~~- ثروة؟ ثروة؟ إن مائة دولار عند مثلي ثروة كبيرة، فقد تجلب المائة دولار ألوفا من ~~الدولارات. ~~- وقد تجلب ... # فقاطعها قائلا: ما لم أطلعك عليه فيما مضى. ~~- قد أطلعتني مرارا في مثل حالك الآن على المهم من أمرك، هل لك رغبة في كأس من ~~الوسكي؟ ~~- لعن الله الوسكي! كيف أحوالك اليوم؟ ~~- كما ترى نمت باكرا فأيقظتني باكرا. هذا من قواعد الصحة. ~~- وماذا يهمني من ذلك؟ كيف أحوالك المالية؟ ~~- أسوأ من حالك يا عزيزي. ~~- تكذبين، تعالي قبليني. ~~- أقبلك إذا كنت لا تهينني. ~~- أريني إذن حافظة نقودك؛ أما زارك أحد هذه الليلة؟ ~~- قلت لك: إني نمت باكرا وأقسم بالله ... ~~- يمينك لا تقنعني؛ أريني حافظتك. # دخلت لوسيل غرفتها ms30 وعادت بعد هنيهة بحقيبة صغيرة رمتها في حجره، ففتحها توفيق وأجال فيها ~~يده وعينيه، ورماها إلى الأرض غاضبا ناقما. ~~- أنت كذابة محتالة. ~~- وأنت قليل الشعور قليل الإيمان، بل أنت بربري، وقد سألتك أن لا تزورني في آخر الليل ~~سترا لحالي؛ أفلا تعلم أني أشتغل في النهار فتاة محصنة مكرمة ولا أحد يظن بي ظنا سيئا؟ ~~واجب أن أحافظ على شرفي وأصون عرضي تجاه من أشتغل عندهم في الأقل، لست مستهترة مثلك، ولي ~~أمل بالتخلص مما أنا فيه خارج عملي اليومي، ولو كانت أجرتي تكفيني لألبس على الأقل مثل سائر ~~البنات لما تنازلت إلى عمل ليلا آتيه آسفة حزينة، بل لما ملت إلى غيرك من الشبان، قلت لك ~~ذلك مرارا وأنا عالمة أنه لو كان بإمكاني أن أكتم حبي لكان خيرا لي وأنفع، ولكني صريحة ~~القول سليمة القلب، وهذه بليتي. لست خداعة ولست كذابة ولست محتالة، أنت تعلم ذلك ولا يردك ~~هواك عن إهانتي، ألم أسعفك فيما مضى؟ ألم أقاسمك ما كنت أملكه من المال؟ بل طالما أفرغت ~~حافظتي بين يديك. والآن تجيئني في آخر الليل فتشتمني وتهينني لأن حافظتي فارغة، صدقني يا ~~عزيزي توفيق إذا قلت: إني لا أقوى على ردك وصدك، ولو كان لدي ريال واحد الآن لأعطيتكه ~~مسرورة. # اقتربت لوسيل من صديقها فجلست على ركبته تلاطفه وتداعبه، وقد كانت تخشى أن تغيظه لأنه ~~مطلع على حقيقة أمرها. # توفيق زيدون شاب شديد البنية، أسمر اللون، أسود العين والشعر، وسيم الوجه، طويل القامة، ~~طويل الأنف دقيقه، في فمه سيماء الشهوة والخشونة، وفي ذقنه القصير المائل إلى عنقه ما يدل ~~على ضعف الإرادة. # ولوسيل فتاة أميركية صافية البشرة، ذهبية الشعر، زرقاء العين، دقيقة الأطراف، متناسبة ~~الأعضاء، لا تتجاوز العشرين من العمر، في شفتها السفلى بروز يجعل فمها كفم الطفل فيه سذاجة ~~وجمال، وهي لطيفة المزاج سهلة المراس، نفسها في الحب كجدول من الماء المعين نهارا، وكالنهر ~~الطامي ليلا. اجتمع بها توفيق زيدون في المخزن الذي تشتغل فيه، فشغفت به ومحضته حبها ms31 ، ~~وأطلعته بعدئذ على خفي أمرها، فشجعها على ذلك بدل أن يردعها، وكان إذا خسر في القمار يلجأ ~~إليها. # أما لوسيل فمثل سائر أخواتها من الشقر الحسان تهيم بحبيبها ساعة يكون معها، وتكاد أن ~~تنساه إذا غاب، وهي مخلصة في كلا الأمرين، عاملة بناموس طبيعي يملك قلبها ومزاجها. # فلما جلست على ركبة توفيق تداعبه ألانت من نفسه، وأنسته بعض بلائه، فرفع إلى صدرها يدا ~~راغبة كأن النار تتوقد في أناملها، وقام وفي عينيه رغبة أشد اتقادا. # وبينا هو في السرير أمال نظره من جمالها الذهبي إلى المرآة وراء السرير يتأمل جمالها ~~الخيالي، فرأى هناك خزانة الثياب منعكسة فيها، وعلى بابها الذي نسيت لوسيل أن تقفله تماما ~~لفافة زرقاء من الأوراق المالية كانت قد أخرجتها من حقيبتها لتضعها في جيب ثوب لها، فأخطأت ~~المقصد ولم تدر فسقطت اللفافة على الأرض. # ولما نهض توفيق ليلبس ثيابه خرجت لوسيل من الغرفة، فسارع إلى باب الخزانة فالتقط ما كان ~~على الأرض من المال ووضعه في جيبه قائلا في نفسه: كذابة، عاهرة. # ولما عادت لوسيل إلى الغرفة قبلها قبلة باردة وودع. # ركب القطار تحت الأرض ولم يكن فيه تلك الساعة غير رجل واحد، فأخرج المال ليعده، عده ~~فرحا مستبشرا وهو يردد في نفسه: كذابة، عاهرة. # ثم وضعه في جيب صدرته، وأخذه النعاس من شدة الضنك والتعب فنام، فوقعت من اهتزاز القطار ~~قبعته على الأرض، فالتقطها رفيقه متلطفا ووضعها قربه. # ولما وصل توفيق إلى غرفته كان عقرب الساعة في قبة الكنيسة مائلا إلى الرابعة، فنام مطمئن ~~النفس هادئ البال حتى ظهر اليوم الثاني، فنهض إذا ذاك يلبس ثيابه، ثم ذهب إلى المطعم ~~ليتناول الغداء، فأكل هنيئا كما نام، ومد يده إلى جيبه ليدفع ما عليه، ففتش عن المال ثم ~~فتش فلم يجده. # يخسر المرء نصف ثروته في الأشغال أو في القمار ولا يأسف، ويبذل الكثير في سبيل ملذاته أو ~~في ضيافة أصحابه مسرورا، ولكنه إذا أضاع ريالا واحدا يقوم له ويقعد، ويظل أياما حائرا ~~لا يحسن عملا ms32 . # أما توفيق زيدون فلم يكن في أية حال من الأحوال ليحسن عملا إلا إذا استثنينا القمار، وقد ~~طالما خسر آخر فلس في اللعب وهو مالك نفسه، صابر على تمرد حظه، ولكن خمسين ريالا التقطها ~~من غرفة حبيبته، بل سرقها ثم أضاعها بلبلت البال وشتتت منه ما بقي من آمال. # عاد إلى غرفته كالمجنون يفتش زواياها عل المال سقط من جيبه وهو ينزع أو يلبس ثيابه - ~~وهذا معقول، إلا أن في المعقول ظنا يخطئ أحيانا - ثم فتش في جيوب أثوابه المعلقة في ~~الخزانة كأن يدا سرية سحرية نقلت المال إليها، ثم فتش في دروج خزانة أخرى وهو لم يزل ~~متمسكا بخيط من الأمل رفيع انقطع عند الدرج الأخير الذي لم يكن فيه غير مسدس صغير. # أخذ يدير المسدس بين يديه، ووضعه أمامه على المائدة، ثم جلس على كرسي يتأمل الماضي ~~والحاضر من حاله؛ عشر سنوات قضاها في أميركا ولم ينجح فيها بعمل من الأعمال، شارك أخاه في ~~التجارة فصرف فوق حصته في دوائر القمار والخلاعة وانفصل عنه، وهو يكره أخاه كرها شديدا، ~~بل البغض متبادل متساو بين الأخوين، وأخته سليمة التي تبيع البضاعة الشرقية في المصايف ~~طالما مدته بالمال، على أنها اعترضته يوما في أمر فتاة ولع بها فأغلظ لها الكلام وطردها من ~~بيته. أما أصحابه، بل رفاقه في اللعب، فهو مدين لأكثرهم، ولم تعد له الجرأة أن يسألهم حاجة، ~~والحق يقال: إن أبواب الفرج أقفلت كلها في وجه زيدون إلا بابا واحدا طرقه ليلة أمس، ولولا ~~الصدفة لعاد من بيت لوسيل كما خرج من بيت القمار، على أن الصدف مثل الدهر متقلبة خائنة، فلم ~~تكد تريه باب الفرج حتى أقفلته في وجهه، أعطته خمسين ريالا في آخر الليل وسلبته المال في ~~الصباح! # الصدف؟ إنما هي يد القضاء. دخل توفيق زيدون نفسه يجدد النظر في ذكريات هناك، مثلما يعود ~~العاشق الولهان إلى رسائل حبيبته يقرؤها ويمزقها، مزق ذكريات أخيه غير آسف عليها، مزق ~~ذكريات أخته، مزق ذكريات ألعابه وخلاعته، محاها كلها ms33 من لوح نفسه الأسود العتيق، ولكن ذكرى ~~أبوية استرعته فوقف عندها واليد منه ترتجف، فقد أوصته أمه قبل سفره إلى أميركا أن لا يقترب ~~من منضدة القمار، وقد طالما قال أبوه: المال الحرام لا يثمر؛ ذلك لأن داء القمار كان ~~متفشيا في آل زيدون في الوطن، ولكن توفيقا لم يكترث بوصية والديه، وما فكر فيها آسفا ~~حزينا قبل هذه الساعة. # القمار، والموبقات التي هو فيها من جراء القمار، وتلك الفتاة المسكينة التي كانت تبيع ~~جسدها لأصحابه وتقاسمه كسبها. الله منها! أتوفيق زيدون يصل إلى هذا الحد من السفالة؟ لم يكن ~~قبل اليوم ليفكر بحقيقة فعلته، لولا خسائره في القمار لما التجأ - والحق يقال - إلى لوسيل، ~~على أنه أفاق في هذه الساعة من سكرته، نفر من ضلالته، وود أن يبتعد عن الموبقات التي طالما ~~خاضها طربا حبورا. انفتحت فيه فجأة عين الروح فهاله من ذلك أمره؛ رأى نفسه ابنا عاقا، ~~رأى نفسه سافلا. يا للفضيحة ويا للعار! # جلس على الكرسي وأخذ المسدس يديره بين يديه، وبينا هو يداعب الموت؛ يراود رصاصة فيها ~~الخلاص مما هو فيه، قرع بابه قرعات سريعة شديدة، فوضع المسدس على المنضدة وراح يفتح الباب، ~~فإذا بلوسيل والاضطراب باد في عينيها. أخذته من رؤيتها الدهشة، بل أحس بقشعريرة في جسده كأن ~~كأس ماء بارد سكبت على نفسه الملتهبة، فأطفأت فيها نزعة الانتحار، وردته إلى حاله كسيد ~~الفتاة وولي أمرها، أما لوسيل فلم تمهلها أن يسأله الغرض من مجيئها، دخلت غرفته تقول: أنت ~~لص، أنت مجرم، وقبل أن أشكوك إلى البوليس جئت أعطيك فرصة لتخلص نفسك. كذبت الليلة البارحة، ~~فقوصصت على كذبي. خبأت ما كان لدي من مال فتلصصتني وسرقت، لم يزرني أحد سواك بعد ليلة ~~البارحة، نعم أنت سارق مالي، وإذا كنت لا تعيده إلي الآن أشكوك إلى البوليس. ~~- أنت مجنونة. ~~- لا يهمني، أسألك أن تعيد إلي مالي وإلا ... ~~- أجئت تهدديني في بيتي؟ والله لأشجن دماغك إذا كنت لا ترعوين. # واقترب إذ ذاك من المنضدة يمد يده إلى ms34 المسدس فخافت لوسيل وغيرت لهجتها. ~~- يا عزيزي توفيق، أنا في حاجة الآن إلى المال أكثر منك، قد رهنت في الشهر الماضي خاتما ~~هو أعز الأعلاق لدي؛ هو هدية من أمي يوم ميلادي؛ آخر ميلاد قضيته وإياها، وأحب أن أسترجعه؛ ~~فإني منذ رهنته والنحس يكتنفني، فأشفق علي واكتف بما أسلفتك من الحب. # وتناولت منديلا وأخذت تمسح الدموع المتساقطة على وجنتيها الورديتين، ثم قالت: مذ عرفتك ~~حتى الآن لم أسألك دولارا واحدا، بل أنت مدين لي. ~~- يا بنت الخنا، جئت تهينينني في بيتي؟! والله ... ~~- لا، لا، لا أحب أن أذكرك بذلك، ولو كنت تستطيع القيام بمعاشي لما ملت إلى أحد سواك، بل ~~لما قبلت في بيتي غيرك من الناس. والآن جئت أرجوك أن تعيد إلي ما أخذته مني الليلة ~~البارحة، هب أني أسألك قرضا في ساعة ضيقتي؛ فإني لم أدفع أجرة منزلي منذ شهرين - أقسم ~~بالله - وصاحب البيت يهددني بالطرد؛ فإذا كنت لا ترثى لحالي، فما معنى صداقتك، بل ما معنى ~~حبك؟ أخذت مني خمسين دولارا، أعد إلي نصف القيمة على الأقل. ~~- اعلمي أني لم آخذ منك دولارا واحدا، وإذا عدت إلى هذه التهمة أبعثر دماغك برصاصة من ~~هذا المسدس، وإذا كان هذا قصدك من زيارتي فتفضلي. # وأومأ بيده إلى الباب. ~~- يجب أن أدفع أجرة غرفتي. ~~- صاحب البيت ينتظر. ~~- يجب أن أشتري فستانا لأمي. ~~- لست موكلا بأمر أمك. ~~- أتطردني إذن من بيتك؟ ~~- اشكري ربك إذا خرجت سالمة، أنت أول من اتهمني بالسرقة، وقد عفوت عنك. اخرجي ولا تريني ~~وجهك فيما بعد. # اقتربت لوسيل من المنضدة وفي نيتها أن تقبض على المسدس اتقاء للشر، فكان توفيق أسرع منها، ~~فقبض على يدها بيمناه، ولطمها بالأخرى على وجهها. ~~- يا بنت الخنا، تحاولين قتلي أيضا. ~~- تسلبني مالي وتهينني وتضربني وتطردني من بيتك. ستندم يا توفيق زيدون على فعلاتك هذه، ~~ستندم يا لص، يا وحش، يا ... # وخرجت من غرفته مسرعة. # ناداها توفيق، فتح الباب وسألها أن تعود فلم تجبه، لبس قبعته وتبعها، ولكنه لم يرها في ~~الشارع ms35 ، راح إلى بيتها فوجد الباب مقفلا، فبات ينتظر أمام الباب علها تعود فخاب أمله، ~~فعاد إلى غرفته يائسا وقد أخذه شيء من الندم على ما فعل. # حدثته نفسه ثانية بالانتحار، فكتب كلمة إلى أخته يودعها ويستغفرها، وأخذ المسدس قائلا: ~~على الدنيا السلام، ولكنه حين رفع آلة الموت إلى رأسه مترددا. دق جرس التليفون فوضع المسدس ~~وفي نفسه بعض الارتياح إلى صدفة وقفته مرة ثانية عن قصده، وراح يجيب للنداء. # الصوت صوت لوسيل. ~~- ماذا تريدين؟ ~~- ندمت على ما بدا مني، اغفر لي، تعال الليلة تسمع ما يسرك. ~~- ماذا جرى؟ ~~- سأخبرك عندما تحضر. # أخذه العجب من أمرها، هل تضمر له الشر؟ هل تدعوه لتغدر به؟ أو هل هي صادقة فيما تقول؟ إن ~~كان الأول فتوفيق زيدون لا يخشى تهديد فتاة أو غدرها، وإن كان الثاني فقد يكون له في شدته ~~سبيل إلى الفرج، ثم عاد إلى نفسه يؤنبها على ما فعل، ندم ندامة حقيقية على معاملته لوسيل ~~تلك المعاملة، فقال يحدث نفسه: خلصتني من الموت مرتين، فينبغي أن أحسن في الأقل معاملتها، ~~ولكنه أخذ العدة لكل ما قد يحدث، فراح يقابلها تلك الليلة والمسدس في جيبه. ~~••• # عادت لوسيل إلى شغلها في المكتب أصيل ذاك النهار برغم ما جرى في منزل توفيق زيدون، عادت ~~إلى شغلها برغم اضطراب ملك نفسها، وبرغم يأس كاد يذهب برشدها - على أنها وقفت هنيهة في باب ~~دائرة الشرطة ولم تدخل، وقفت خائفة وذهبت حائرة - فدخلت المكتب كليمة الفؤاد، مشتتة البال، ~~أسيرة الغم والهواجس، وإذ جلست إلى الآلة الكاتبة لتباشر عملها أحست بصداع شديد غشى بصرها، ~~فبدت صفوف الأحرف أمامها كالأزرار البيضاء وقد ذاب سواد ما نقش فيها، فلم تكد تميز الألف من ~~الباء، ولا الأعداد من أحرف الهجاء. # كتبت سطرا فعضت شفتها غيظا، ونزعت الورقة من الآلة ومزقته. حاولت العمل ثانية وأناملها ~~ترتجف، فمزقت الصفحة الثانية، ثم الثالثة والرابعة. توقفت عن العمل وأخذت تصعد الزفرات، ~~وشرعت تفرك يديها وجبينها علها تنتعش فتملك حواسها، ثم أخرجت من حقيبتها القلم ms36 الأحمر ~~وعلبة المسحوق والمرآة الصغيرة، فدهنت شفتيها وطلت خديها وهي تحاول أن تزدري همها وتنسى ما ~~حل بها. # وكانت رفيقتها تنظر إليها شذرا، وتضحك في سرها هازئة، ثم همست في أذن الكاتب كلمة ~~فأجابها قائلا: ولا ريب بذلك، لم تنم الليلة البارحة. # أما الكاتب هذا، فكان قد استطلع خبر لوسيل، عملا بإشارة المدير، وتحقق أمرها، فنهض حين ~~رآها في هذه الحال ودخل على المدير يقول: يظهر أن هذه الفتاة مريضة أو أنها لم تنم الليلة، ~~وهي لا تستطيع قط عملا. # فأمر المدير بأن يأتيه بحسابها، ثم ناداها إلى غرفته. ~~- لماذا لم تجيئي إلى المكتب صباح هذا النهار؟ ~~- كنت مريضة ولم أزل أحس بصداع شديد أليم. ~~- الأحسن إذن أن تعودي إلى بيتك، وقد تكونين في حاجة إلى المال لتستشيري الطبيب، فهذا ما ~~تبقى من أجرتك. # أخذت لوسيل المال وهي تشكر المدير الذي استأنف كلامه قائلا: ولم نعد في حاجة ~~إليك. # هذا ما كانت تتوقعه، فلم تسأل المدير السبب في طردها ولا همها أمره، على أنها تيقنت أن ~~الكاتب قد وشى بها، وفضح أمرها بعد أن تظاهر بحبها واكتسب ثقتها. # أجل، قد تحققت لوسيل السبب في طردها، وشعرت لأول مرة بحقيقة حالها وسوء مصيرها، فخرجت من ~~المكتب وهي لا تكاد ترى ما حولها من شدة الغيظ واليأس والكمد، وذهبت توا إلى منزلها، فرمت ~~بنفسها على السرير واسترسلت إلى البكاء، بكت كطفل فبللت الوسادة دموعها. # حياتان؛ حياة خير وحياة شر، لا تجتمعان في شخص واحد. # جلست تؤنب نفسها وهي تردد هذه الكلمات، وشرعت تفكر فيما جرى في يوم واحد من حياتها ~~المزدوجة؛ سرق مالها، أهينت، ضربت، فقدت وظيفتها، وصاحب البيت فوق ذلك يهم بطردها إذا لم ~~تدفع المتأخر من ثلاثة أشهر. # وماذا لديها من المال؟ خمسة دولارات فقط، خمسة دولارات لا تكفي أجرة النقل إذا أذن لها ~~صاحب البيت أن تنقل فرشها، وإذا نقلت إلى بيت آخر، فماذا عساها تفعل؟ أتبحث عن وظيفة أخرى؟ ~~لم يعطها المدير شهادة بحسن السلوك، ولم تزل تذكر ms37 كم قاست من العذاب أول مرة بحثت فيها عن ~~عمل في المدينة. # حياتان؛ حياة صلاح وحياة إثم، لا تأتلفان في نفس واحدة. # ستهرب إذن من الخدمة - من المكاتب - من المديرين واستبدادهم، ثم ماذا؟ أتستمر في مسيرها ~~المشين المعيب في طريق الإثم والعار؟ أفي السوق وفي القهوة تطلب رزقها؟ فكرت في ثمار ليلها، ~~وفي الحلو والمر من كأس إثمها، فكرت فيمن أخلصت له الود وكيف يسرقها ويهينها ويضربها ~~ويطردها من بيته، من وثقت به يخونها، ومن اشتروا جسدها يهينونها ويزدرونها. أجل، إن الشبان ~~الذين يطاردون البنات في الأسواق، ويستغوونهم في القهاوي، لكذاك الكاتب الخائن، ولكذلك اللص ~~توفيق زيدون، فماذا عساها تفعل؟ # حياتان؛ حياة طهر وحياة عهر، لا تجتمعان في امرأة واحدة. # أتعود إذن إلى بيتها؟ أتحتمي في ظل أمها مستغفرة مسترحمة؟ إنها تخشى أمها ولا تستطيع أن ~~تقيم وإياها. فلما كانت في البيت كان أخوها الوحيد سلواها هناك، أما وقد سافر إلى أميركا ~~الجنوبية فقد سئمت الإقامة فيه، وخرجت غير آسفة تؤم المدينة، ناهيك بأن الإقامة في القرية ~~لم تعد تروقها وقد ألفت العيش في المدينة. # إذن لا العمل نهارا في المكتب، ولا السير ليلا في طرق الإثم والعار، ولا الرجوع إلى ~~البيت، فكرت لوسيل مليا في أمرها، وطنت النفس أن تظل في المدينة. أجل، تشكو توفيق زيدون ~~إلى الشرطة، ستشكوه إلى الشرطة، ولكن الريب ملكها في كل شئونها، التردد أقعدها، الخوف قيد ~~منها العزم والنشاط، فهي إذا شكت السوري تفضح أمرها بيدها. طال النزاع في صدرها فكاد ~~يقتلها، وكل نزاع نفسي لا يجلو الروح والفكر يولد اليأس والقنوط، واليأس في مثل هذه الحال ~~أشد من الإيمان قوة، وأعظم من الموت هولا. # أشهر اليأس سيفه في لوسيل، فنهضت ملبية. أجل، ستقتص بيدها من السوري اللئيم، سينال من ~~يدها جزاء فعلاته. خمسة دولارات هي كل ما تملك، وستحسن استخدامها. قد أغلقت أبواب الرزق ~~والفرج في وجهها، فستموت في الأقل شريفة النفس، ستموت بعد أن تذيق السوري جزاء إثمه. # لبست قبعتها وأسرعت إلى ms38 مخزن تبتاع مسدسا بالمال الذي قبضته أجرتها، وعادت إلى البيت ~~فخاطبت زيدون بالتليفون تسأله أن يزورها تلك الليلة، ولو علمت بقصده تلك الساعة لندمت على ~~إفسادها عمله، لو كان لها أن تراه والمسدس بيده لتركته وشأنه وشكرت ربها، ولكنها الأقدار ~~تلعب بالناس لعب الأكر. # دخلت لوسيل مطبخها الصغير لترى ما عندها من حواضر البيت للعشاء، فوضعت إبريق الشاي على ~~وجاق الغاز، وبينا هي تفتح علبة من الفاصوليا المطبوخة لتسخنها، قرع الجرس فراحت تفتح ~~الباب؛ فإذا هناك رجل حياها تحية الأحباب هاتفا: «هالو» لوسيل. # وقفت لوسيل مدهوشة وهي لا تكاد تصدق نظرها. ~~- وليم. وليم. # ورمت بنفسها عليه تعانقه، فعانقها وقبلها تكرارا. ~~- ثم دخلت وهي آخذة بيده، فأجلسته على الديوان وجلست إلى جانبه، فقبلها وليم ثانية وهو ~~يردد اسمها ويربت خديها. # وليم أخو لوسيل شاب لا يتجاوز الثلاثين سنا، طويل القامة، نحيف الجسم، عصبي المزاج، حاد ~~النظر، روحاني العين، خطواته تدل على ثقة له بنفسه، وحديثه يدل على إيمان له بالناس، وهو ~~يحب لوسيل أخته الوحيدة حبا جما، ولا يريدها بعيدة عنه إلا إذا كانت متزوجة وسعيدة في ~~زواجها. # وشد ما كانت دهشة لوسيل، وشد ما كان ابتهاجها بمشاهدة أخيها بعد تغيب طويل الأجل! ~~- وليم عزيزي، متى عدت؟ وكيف علمت أني هنا؟ ومن أعطاك عنواني؟ ~~- عدت في الأسبوع الماضي، ومنذ وصولي وعلمي أنك تركت البيت وأنا أبحث عنك، الفتاة التي ~~تهرب من بيتها يا عزيزتي لا تراسل أحدا في قريتها، ولكن ابن القسيس جارنا هجر القرية ~~أيضا، والقسيس أبوه عالم بمقرك، وبما أنت تصنعين. # اضطربت لوسيل هنيهة عند سماعها: «وبما أنت تصنعين.» فامتقع لون وجهها، ولكنها اطمأنت حين ~~واصل أخوها حديثه قائلا: وهل أنت راضية بوظيفتك وبأجرتك؟ يظهر من هذا البيت ومفرش منزلك ~~وأثاثه أنك في يسر وإقبال، إلا أنه مهما كانت أجرتك؛ خمسة وعشرين ريالا أو خمسين في ~~الأسبوع، فأخوك وليم لا يرضى بها، ولا يريد أن تقيمي في هذا البلد بعيدة عنه. جئت يا أختي ~~الحبيبة لأعود وإياك إلى البيت ms39 ، واعلمي أني نجحت نجاحا باهرا في سفري إلى البرازيل؛ لذلك ~~وطنت النفس أن أؤسس عملا لنفسي، فأحب أن تكوني معي إلى حين زواجك، أنا عالم بأشراك المدينة ~~يا عزيزتي لوسيل وبموبقاتها، وقلما تسلم ابنة غريبة فيها. # صعدت لوسيل الزفرات واغرورقت عيناها بالدموع. ~~- ما بالك تبكين؟ ألا تعودين إلى البيت؟ أولست ترغبين في بيت تكونين سيدته؟ ~~- لا يا أخي وليم، لا أعود إلى البيت. ~~- ولماذا؟ ~~- لألف سبب. ~~- سبب واحد يقنعني، وقولي لي: لماذا تبكين؟ ~~- هل تعشيت يا عزيزي؟ ~~- لا. # إذن تشاركني العشاء الذي كنت أحضره لنفسي عند وصولك، وبعدئذ أقص عليك قصتي. # وراحت لوسيل إلى المطبخ تحضر العشاء لها ولأخيها، وبينا كان وليم ينتظر في غرفة الاستقبال ~~وهو يجيل الطرف فيما فيها من الأثاث والأعلاق استوقف نظره صورة على ظهر البيانو، فإذا هي ~~صورته وهو صبي، وإلى جانبها بل وراء إطارها الفضي، المسدس الذي ابتاعته منذ ساعة. فتحه وليم ~~فإذا فيه ست رصاصات، ثم أعاده إلى مكانه دون كثير اكتراث. # وبعد برهة جاءت لوسيل تدعوه إلى غرفة الطعام. ~~- فرش منزلي ينبئ باليسر، ولكن مائدتي يا عزيزي وليم كما ترى. ~~- أتجوعين نفسك لتكسي جسدك مثل سائر البنات؟ ~~- ربما كان الأمر كذلك. ~~- ولم لا نذهب إلى أحد المطاعم؟ قومي تعالي معي. ~~- لا لا، أفضل أن أكون وإياك وحدنا. ~~- لتقصي قصتك. حسن هاتيها إذن. # أحنت لوسيل رأسها ثم رفعت منديلا إلى عينيها. ~~- ما بالك؟ وما الداعي إلى هذه الدموع؟ أخبريني يا عزيزتي لوسيل ولا تكتمي شيئا؛ فإنك ~~تعلمين مقدار حبي لك. نعم، أنا لك في كل حين، إذا كنت في شدة فقد جئت أساعدك، وإذا كنت ~~في محنة ... # ونهض إذ ذاك يقبلها ويربت خديها. ~~- أطلعيني على أمرك، اكشفي سرك، ولا تخفي عني شيئا، وكل ما أستطيع عمله من أجلك فأنا ~~فاعله مسرورا؛ تكلمي. # نهضت إذ ذاك لوسيل وراحت إلى ردهة الاستقبال ثم عادت والمسدس بيدها، فوضعته على المائدة ~~أمام وليم. ~~- هذه هي قصتي. ~~- لوسيل! ~~- نعم، هذه هي قصتي. ~~- وما معنى ذلك؟ هل تنوين شرا ms40 بنفسك أو بأحد من الناس؟ إذن قد جئت في الوقت المرغوب ~~فيه. نعم، جئت أخلصك من نفسك. حيف عليك، حيف أن يفكر مثلك بهذه الأمور؟ فإذا كانت هذه قصتك ~~فقومي بنا نذهب إلى المسرح. ~~- لا، لا، إني أنتظر رجلا هذا المساء. ~~- رجلا تنتظرين؟ ومن هو؟ من تنوين قتله يا ترى؟ # قال وليم قوله ضاحكا، أما لوسيل فظلت ساكتة. ~~- كلميني يا عزيزتي، فقد حيرني أمرك والله، وهل لي أن أعرف من هو الرجل، وما عسى أن يكون ~~شأنه؟ # اسمع يا عزيزي وليم، أخبرك بما جرى ليلة أمس واليوم، ولكني أستحلفك أن لا تسألني أن أطلعك ~~على سوابق حالي، وأرجوك أن لا تؤنبني ولا تغير ظنك بي، فأنا أعلم مقدار حبك لي، ولكنك قد ~~تجهل مقدار حبي لك، رسمك دائما أمامي، وذكراك أثناء تغيبك لم تذهب يوما من قلبي، ليس لي ~~سواك في هذا العالم ولا ... # فقاطعها وليم قائلا: لا حاجة لهذه الديباجة، أخبريني ماذا جرى ولا تكتمي شيئا. # أجابت لوسيل طلبه فأعلمته بما حدث في عشرين ساعة مضت، منذ مجيء توفيق زيدون الليلة ~~البارحة حتى أصيل ذاك النهار، وكان وليم وهو يستمع حديثها جالسا في الكرسي جامد العين، ~~أصفر اللون، بل كان كتمثال من الشمع، ثم نهض من الكرسي فورا وطفق يتمشى في الغرفة منكس ~~الرأس، ويداه مضمومتان وراء ظهره. ظل كذلك بضع دقائق لا ينبس ببنت شفة. # تقولين: إنه سرق مالك وضربك وهم بقتلك، وطردك من بيته؟ لوسيل عزيزتي، وعدتك أن لا أستطلع ~~ماضيك في هذا البلد، وعدتك ألا أؤنبك. ارفعي رأسك لوسيل ولا تبكي، كل ما أقوله يا حبيبتي هو ~~ذا: ليس الرجل وحده ملوما، ولكن غلطة الفتاة تغتفر قبل غلطة الشاب، وأنت أختي، أختي ~~الحبيبة، لا شيء يزعزع حبي لك، ولا شيء يغير حسن ظني بك، على أني أسألك أمرا واحدا، ولا ~~أقبل منك فيه رفضا وإلا نسيتك، أنكرتك، محوت من قلبي رسمك وذكرك، أسألك يا لوسيل أن تعودي ~~معي إلى البيت حالا. قولي: نعم، عديني بذلك. # ولكن ms41 قبل أن تفوه لوسيل بالجواب قرع جرس الباب، فذعرت وهتفت قائلة: هو ذا. ~~- مكانك. أنا أقابله. # فصاحت: لا، لا، وقد أمسكت بيده. ~~- مكانك يا أختي، وسكني روعك. ~~- ولكن أعطني المسدس، أعطنيه. وقابله إذا شئت. ~~- ليس هذا من شأنك؛ فقد انتهى أمرك والرجل وابتدأ أمري. ~~- أرجوك أن تعطيني المسدس. ~~- أرجوك أن تجلسي وتسكتي. # تفلت من يديها وراح يفتح الباب، فإذا برجل هناك، فخاطبه بصوت هادئ قائلا: أنت توفيق ~~زيدون؟ ~~- نعم. ~~- أنا أخو لوسيل، جئت أخبرك أنها لا تستطيع أن تقابلك. # وهي تهديك هذا المسدس علك تكون في حاجة إلى المال فتبيعه وتتصرف بثمنه. خذه، ~~خذه. # لبث زيدون جامدا كالصنم، فلم يمد يده ولا حرك شفتيه، أما وليم فوضع المسدس في جيبه ولطمه ~~على خده بقفا يده. ~~- نذل، لص، جبان، إذا لم تكن في حاجة إلى المال فأنت في حاجة إلى المسدس، خذه، تصرف به ~~كيف شئت. قال ذلك وأقفل الباب، ثم عاد إلى لوسيل يقول: إذا كان لا خير البتة في هذا المخلوق ~~فالمسدس ألزم له، إذا كان لم يزل في نفسه بذرة صلاح واحدة فالمسدس لا يضره. لننسه الآن، ~~انسيه يا عزيزتي لوسيل، انسيه وتعالي إلي، تعالي أقبلك. # رمت لوسيل نفسها على صدر أخيها، فطوقها بذراعيه يقبلها وتقبله، وعاشت ما تبقى من حياتها ~~قربه. # أما توفيق زيدون فعاد إلى منزله يقول: وهذا إكليل العار. لا يتنازل أخوها أن يقتلني، لا ~~يدنس يده بي. هذا إكليل العار يا توفيق، ولكني لا ألبسه، لا والله ولا أقتل نفسي قبل أن ~~أصلحها، بلى سأضحي بها من أجل بلادي. # وكتب كتابا إلى لوسيل يستغفرها، ثم ذهب إلى الدائرة العسكرية في حيه، فتطوع في الجيش ~~وسافر بعد بضعة أشهر في فرقته إلى ساحة القتال، إلى خطوط النار. ~~••• # دخل إلياس نادر البيت متهللا وكانت ابنته الوحيدة سلمى تعد له العشاء، فهرول إليها ~~والجريدة بيده يقول: «قد عاد من فرنسا.» ~~- «من يا ترى؟ توفيق؟» ~~- «قد عاد توفيق سالما ظافرا، راح نفرا مقامرا وجاء ضابطا، على كتفه شريط ms42 الشرف، كما ~~ترين، والوسام (صليب الحرب) على صدره.» # نظرت سلمى إلى الصورة ووجهها يتلألأ سرورا. ~~- «وأين هو الآن؟» ~~- «كلمني بالتليفون من المحطة وقريبا يكون هنا، هل يليق عشاؤك ببطل من الأبطال؟» ~~- «ويلي! لم أطبخ غير الأرز والبامية.» ~~- لا بأس، ارفعي هذا «المشمع» وضعي مكانه غطاء الكتان، ورتبي المائدة بما عندك من الذوق. ~~سأرجع حالا. # قال هذا وخرج مسرعا إلى دكان صديقه بتروكنتي الطلياني، ثم عرج على اللحام، وعاد وفي ~~كلتا يديه رزمة كبيرة. ~~- «خذي يا بنتي، توفيق يستحق مأدبة ولكن خير الجود الموجود، كما يقول المثل.» # ثم قال خافضا صوته: «هل زارك أنطونيو اليوم؟» ~~- «لا، لم أره منذ أسبوع.» ~~- «إذا زارك غدا يجب أن تكلميه بلطف يا بنتي، هؤلاء الطليان أشرار عند الغيظ.» ~~- «أنا لا أخشاه، أنا لم أعده بشيء. نعم ذهبت وإياه إلى المسرح مرة واحدة، كما تعلم، ~~ولكني لم أقبل منه هدية ما، حتى ولا سلة تفاح صغيرة، ويوم جاءنا مكتوب من توفيق وعلمنا بقرب ~~رجوعه قلت لأنطونيو بصراحة: إني لم أعد أستحسن ولا أستحل مقابلته.» ~~- «وماذا قال؟» ~~- «أخذ يهذي على عادته، ولكني أعرفه، هو رجل طيب القلب.» # عند ذلك قرع الباب ففتحه أبوها، فإذا بتوفيق زيدون واقفا هناك ينزع قفازه، فصاح إلياس ~~به مرحبا، وأخذ بيده فجره إلى وسط القاعة هاتفا: سرجنت زيدون، يا لطيف يا ستار - ولطمه ~~لطمات على كتفيه ظهر تأثيرها في ركبتيه - كنت محدوب الظهر يا ... قبل دخولك الجندية، فصرت ~~كالرمح، وكان صدرك مثل القوس فصار مستويا منفوخا، وتلك السحنة الصفراء ... وقرصه في خده وهو ~~يكمل كلامه: «ما أحلى الورد!» ثم لطمه على ظهره لطمة تلو الأخرى مستمرا في ذا التحبب: «ما ~~شاء الله، وصار يلبس القفاز، يا عيني، ويمسح حذاءه، ويحلق كل يوم.» # بعد ذلك كله طوقه بذراعيه وطفق يقبله في وجنتيه. # فقال توفيق ضاحكا وهو يحاول الإفلات منه: «ما أحلى ساحة الحرب يا إلياس! وما ألطف رش ~~المدافع! أليس في البيت غيرك يا ترى؟ دعنا نسلم.» # فقالت إذ ذاك سلمى: «الحق مع ms43 توفيق يا أبي، وهل هو لعبة يا ترى؟ أرح يديك في ~~الأقل.» ~~- «يا قرد، أيلام المشتاق إذا بث أشواقه؟» فقال توفيق وهو يصافح سلمى: «وكسر أضلاع ~~المشتاق إليه، لا بأس، لا نلومه إذا كان لا يلومنا.» # فضحكت سلمى وهي تتقدمه إلى الديوان وتقول: «اجلس وقص علي قصتك كلها من الألف إلى ~~الياء.» ~~- «قصة طويلة يا سلمى، ولا شك أنه جائع مثلي، فبعد العشاء - إن شاء الله - غدا وبعد غد ~~يقصها عليك بالتتابع. هاتي لنا العرق الآن وشيئا من الماذا.» # امتثلت سلمى أمر أبيها، وراحت تخدم الاثنين كأنها جارية وكأنهما أميران، بل كانت في ~~نظرهما وهي تروح وتجيء كطيف من أطياف الجنة، خفيفة الحركة، رشيقة القوام، ساحرة اللحظ ~~والابتسام، فلا لوم على إلياس نادر إذا غالى في حب ابنته وإعجابه بها، ولا عجب إذا قبل ~~توفيق من أجلها كل لطمة من لطماته، وضحك لكل نكتة من نكاته، فعند الكأس والحب والشوق ~~واللقاء لا يرى المرء على الأرض غير ما في السماء، ولو سئل سرجنت زيدون رأيه في الكون بعد ~~أن عاد من فرنسا وتعددت زياراته إلى بيت نادر، لقال ولا شك ناسيا لوسيل والقمار وويلات ~~الحرب: «الكون عال من الطبقة الأولى.» # أما أنطونيو كاتالان بياع الثمار والحلوى في الدكان الصغير أمام بيت نادر، فجل ما يقال ~~فيه أن رأيه في الكون لا يليق بالنقل والنشر، ولا عجب؛ فقد حدث في عالم أنطونيو يوم عاد ~~السرجنت زيدون من فرنسا حادث خطير غير في نظره نظام الكائنات، فأمست الحياة كثمرة بالية ~~بين يديه، أو كقشرة موز تحت قدميه. # أما في أثناء تغيب توفيق فقد كان موفقا في عمله، سعيدا في يومه، أرباحه كثيرة، وآماله ~~كبيرة، وكل مصاعب الحياة لديه صغيرة حقيرة، كيف لا وكان إذا نظر من باب دكانه إلى الشباك في ~~البيت الذي أمامه تجلت له آيات السحر والجمال في لواحظ فتانة سرقت من سماء سوريا النور، ومن ~~فجر سوريا السهام؟! وكم مرة وهو يصفف تفاحاته وموزاته رآها في الشباك تنفض البساط ms44 ، وخدها ~~كالتفاح، وجبينها كجبين الصباح! وكم مرة وقف وسلمى في الباب عند المساء وكان الكون أمامها ~~بابا للسعادة مفتوحا على مصراعيه! بل حدث ولا حرج عن ساعات جلس فيها وإياها على ~~الديوان، فخيل إليه أن الأفلاك تدور تحت قدميه. # أما الآن، فالويل لمن أقفل الأبواب، والويل لمن أفسد عليه نظام الكائنات، والويل لك أيتها ~~الفتاة السورية الناكرة الوعود، العابثة بالعهود، الويل لك من غضب أنطونيو كاتالان، والويل ~~لمن تربع مكانه على الديوان، وحل محله في أعلى الجنان. # فها هو ذا مسرع إلى بيت صديقه القديم بتروكنتي البقال وعينه تقدح نارا، ورأسه يلتهب ~~بالمقاصد السامية لإصلاح الكون. أجل، ليس أنطونيو من الذين يخضعون مستسلمين إلى الأقدار، أو ~~يسكتون عمن يلعب على حسابهم بالنار. # وصل إلى الدكان فوجد من فيه ممن هم في نظره آفات الزمان مشتغلين كل بما يهمه؛ بتروكنتي ~~يعد نقوده، وامرأته تقشر البطاطا للعشاء، وابنهما الصغير القذر متربع على الأرض وهو يكسر ~~بيديه ورجليه لعبة من اللعب، فود أنطونيو لو أن الكون كهذه اللعبة بين يديه. ~~- مساء الخير يا كاتالان. كيف حالك؟ ~~- لا يهمني حالي، عندما تنتهي من عد أموالك أكلمك. ~~- انتهيت، وأنا مصغ إليك. # فدنا أنطونيو منه وانحنى فوق صندوق الزجاج قائلا: أمر مهم. # ففتح بترو بابا صغيرا بين رفوف الدكان وأدخله إلى غرفته الخصوصية. # أما بتروكنتي هذا فقد كان قبل الحرب العظمى عضوا عاملا في جمعية (اليد السوداء)، وكانت ~~وظيفته أن يصنع لإخوانه ما يحتاجون إليه من أدوات التدمير والفناء، على أنه فتح أثناء الحرب ~~مخزنا لبيع المأكولات، فربح أرباحا كثيرة، ثم تزوج وندم على ذنوبه، فصار بعد ذلك أبا ~~صالحا وتاجرا محترما، فلا عجب إذا عقد والكون معاهدة سلم أبدية، ولا عجب إذا اكفهر وجهه ~~عندما سمع أنطونيو يقول: «اقترعنا مساء أمس.» وادعى أنه لم يفهم معناه. ~~- «قد هجرت الجمعية يا كنتي ونسيتها، ولكن إخوانك لم ينسوك، وهم وإن كانوا ناقمين عليك ~~يغفرون ذنبك إذا أجبت الآن طلبهم ... بل قد فرض عليك ... لا تخف؛ فالقرعة لنسف ms45 المعمل أصابت ~~غيرك.» # فقال بترو وهو يحك رأسه بسبابته: «وماذا تريدون مني؟» ~~- ما لا يحسن عمله سواك؛ قنبلة صغيرة مدمرة توضع بعلبة من علب الشيكولاته، وإليك ~~الأجرة. # قال هذا أنطونيو وهو يخرج من جيبه لفافة من الورق، فعد له عشر دولارات، فابتسم قلب بترو ~~لمرأى المال، ونسي أنه ندم وتاب إلى الله. ~~- يجب أن تسرع في العمل. ~~- سيتم بعد أسبوع. ~~- حسن جدا بعد أسبوع. إلى الملتقى. # فتصافح الطليانيان المدمران للكون، وخرج بياع التفاح راضيا حتى على آفة الكون زوجة كنتي ~~التي كانت تقشر البطاطا عند الباب، فسلم عليها، فردت السلام دون أن تنظر إليه. ~~- ما أجمل ابنك يا مسز كنتي! تعال إلي يا كنتي الصغير؛ سأعطيك لعبة جديدة إذا كنت ~~تقبلني. # وما كاد أنطونيو يقبله حتى وثبت الأم كاللبؤة عليه فانتشلت ابنها من بين يديه. إن ~~السيدة كنتي تكره كاتالان كرها شديدا، وتتشاءم فوق ذلك منه، ومن عجيب تشاؤمها أن ابنها ~~وقع ذاك المساء فجرح في وجهه، فنسبت ذلك إلى قبلة أنطونيو، ولما سألت زوجها عما يريد قال: ~~جاء يستدين بعضا من المال، فصاحت قائلة: لا تعطه دولارا واحدا، لا معاملة بيننا وبين ~~كاتالان. # ولكن بتروكنتي وإن كان يحب امرأته ويعمل غالبا بنصيحتها لا يخلف وعده، وبينا كان يشتغل ~~في اليوم الثاني في غرفته الخصوصية تعثر ابنه بصندوق في الدكان فوقع وشج رأسه، فصاحت ~~الأم مستجيرة بكل قديسي إيطاليا، فخرج الأب كنتي يسب الشيطان وأعوانه في الأرض ~~جميعا. # وهم في تلك الحالة جاء إلياس نادر يشتري بعض الأغراض لبيته، فساعد الأب والأم في تضميد ~~جرح الصغير، ثم اشترى من كنتي أشياء كثيرة وفيها خمسة صناديق من البيرا. # فقال بترو: ولماذا هذا الإسراف يا إلياس؟ # فقال إلياس: عرس بنتي يا بترو! لي ابنة وحيدة وهي عندي بما في الدنيا، وسيكون عرسها ~~لائقا بها. ~~- وهل ترضى هي أن تقترن بأنطونيو كاتالان؟ ~~- لا، لا، نحن لم نعد أنطونيو بشيء، عريسها ابن بلدها السرجنت توفيق زيدون، ويجب أن تحضر ~~العرس يا بترو في الأسبوع ms46 القادم؛ جئت خصوصا أدعوك، وإذا كنت لا تحضر أقتلك والله. ~~- سأحضر العرس، والله سأحضر. # وبعد أن خرج إلياس نادر من الدكان لبس بترو قبعته، وراح يستطلع خبر أنطونيو ليخفف ما بدأ ~~يخامره من الريب، فلما وصل إلى الدكان رآه واقفا في الباب كالمعتوه وهو ينظر إلى السيارة ~~أمام بيت نادر، السيارة التي جاء بها السرجنت زيدون ليخرج بسلمى إلى النزهة. ~~- ما بالك يا كاتالان؟ # فأجابه مبهوتا: لا شيء، لا شيء. ~~- هل علمت أن سلمى نادر ستقترن بابن بلادها السرجنت زيدون؟ # فهز أنطونيو كتفه ولعن نفسه باطنا لأنه لم يتمكن من إخفاء غمه واضطرابه، ثم قال وقد ~~تأججت النار فجأة في عينه: هل باشرت العمل؟ عجل به عجل. ~~- سأعجل به يا أنطونيو. # وعاد بترو إلى بيته يضحك ويقول: ما أجمل المعمل الذي تريد نسفه يا كاتالان! # وفي اليوم الثالث بعد هذه المقابلة، مرض ابن كنتي بالحمى، فنذرت أمه النذور للقديسين من ~~أجله وهي تلعن أنطونيو كاتالان وتود أن تنظف الأرض منه، فشاركها زوجها بالصلوات واللعنات، ~~وتجاوزها إلى التأملات؛ تأمل ما حدث لابنه الصغير يوم جاءه كاتالان بطلب من «الجمعية»، وفكر ~~فيما أصابه في يوم كان يعمل ليلبي طلب الجمعية، وها هو ذا اليوم فريسة الحمى طريح الفراش، ~~فسأل كنتي نفسه قائلا: أذلك لأني قلت: يجب أن أبر بوعدي لكاتالان؟ الله ينتقم منك يا ~~كاتالان. # ثم خطر لكنتي خاطر فيه الكفارة عن ذنوبه كلها، فجاء في آخر الأسبوع بعد أن زال الخطر عن ~~صغيره إلى دكان أنطونيو بعلبة مختومة بالشمع الأحمر ودفعها إليه قائلا: هذا آخر عمل أصنعه ~~للجمعية، قد انتهيت من هذا العمل، أفهمت يا كاتالان؟ انتهيت، انتهيت تماما، وإياك أن تفتح ~~العلبة؛ إن في فتحها قضاء الغرض. # فقال كاتالان متهللا: أشكرك يا كنتي، أشكرك ثانيا باسم الجمعية. # وفي ذلك اليوم كانت الأهبة للعروس قائمة في بيت نادر، فلبث أنطونيو في دكانه ينتظر قدوم ~~السرجنت زيدون؛ لأنه لم يشأ أن يخص الفتاة وحدها بغضبه، ولما جاء السرجنت العريس استأجر ~~أنطونيو رسولا ms47 وأعطاه العلبة قائلا: خذها بعد نصف ساعة إلى سلمى نادر وسلمها إياها يدا ~~بيد، بعد نصف ساعة؛ ثلاثين دقيقة. # وكان أنطونيو قد باع ثماره وحلواه كلها استعدادا لهذه الساعة السعيدة، فأقفل الدكان وذهب ~~توا إلى محطة سكة الحديد ... ها هنا تنتهي وظيفتنا وتبتدئ وظيفة رجال الشرطة. # لما وصلت العلبة إلى سلمى نادت والدها لتطلعه على ما فيها، وهي تقول: هدية من أنطونيو؛ ~~كنت دائما أقول، ولا أزال أقول: هو رجل طيب القلب. # على أن والدها عندما همت بفتح العلبة وقفها قائلا: هؤلاء الطليان شياطين؛ قد يكون فيها ~~ديناميت، أنا أفتحها خارج البيت. # وفي تلك الآونة، قبل أن يصل إلياس نادر وهو يحمل العلبة إلى الخارج دخل اثنان من رجال ~~الشرطة السريين يوقفان باسم الشرع حفلة العرس. # ثم قال أحدهما مخاطبا رب البيت: وأين الهدايا التي جاءتكم؟ # فأشار إلياس إلى مائدة وقد وضعت عليها هدايا العرس. ~~- وهل جاءكم هدية من أنطونيو كاتالان؟ ~~- هاكها. # وقدم إلياس نادر العلبة وهو يتنفس الصعداء، فاستلمها الشرطي متحذرا وهو يقول: اشكروا ~~الله أنكم نجوتم من الهلاك جميعا. ~~- ألم أقل لك يا سلمى: إنه قد يكون فيها ديناميت؟ يا خبيث يا كاتالان، ستنال جزاء ما ~~اقترفت يداك، فالقضاء لا يرثي للمجرم ولا يحابي في عدله. # وكان في دائرة الشرطة مشهد آخر في تلك الساعة له صلة بعرس سلمى نادر وبحبيبها السابق ~~أنطونيو كاتالان. # وهاكم أنطونيو، وهاكم صديقه كنتي أمام المدير؛ الأول يحترق كمدا ويتحفز انتقاما وهو ~~ينظر إلى ابن بلاده نظرات كأنها الخناجر، والثاني يضحك في سره وهو هادئ النفس مطمئن ~~البال. # وكيف وصل الاثنان إلى دائرة الشرطة؟ وكيف علمت الدائرة بما كاد يحل ببيت إلياس نادر من ~~الدمار والهلاك؟ هي الحلقة السرية في هذه القصة، ولكننا لا نكتم القارئ حتى أسرار من هم ~~حراس الأمن العام وأمناء الهيئة الاجتماعية؛ يوم جاء أنطونيو إلى دكان بتروكنتي كان من حسن ~~الاتفاق أو من سوء الاتفاق لأنطونيو أن جاء بعده أحد رجال الشرطة يزور صديقه القديم، فلم ~~يجده، فاستقبلته ms48 زوجة الطلياني وأكرمت وفادته؛ إنها تعلم أن سعادتها الزوجية تتوقف على حسن ~~صلتها بهؤلاء الناس. # وقد وعدت السيدة كنتي الشرطي عندما زار الدكان في اليوم التالي أن تساعده في استكشاف ~~الغرض الغامض من زيارة أنطونيو لزوجها، وكان أن مرض ولدها - كما أسلفنا القول - فتشاءمت كما ~~تشاءم زوجها بأنطونيو، وألحت عليه بأن يطلعها على الحقيقة بشأن زيارته، فأخبرها بنصها ولم ~~يكذب: قد اشتريت له بعض المواد لصنع قنبلة صغيرة. ~~- للجمعية؟ لبيت نادر؟ لمن؟ # ها هنا وقف الرجل قائلا لامرأته: ما تعودت أن أبوح بأسرار الجمعية. # أما المرأة فبادرت سرا إلى دائرة الشرطة تطلعهم على الخبر وقد كتمت أن زوجها هو صانع ~~القنبلة. # بيد أن رجال الشرطة لا يجهلون تاريخ «اليد السوداء» في تلك المدينة، فسارعوا إلى بيت نادر ~~ليدفعوا عنه البلاء، وألقوا القبض على أنطونيو في محطة سكة الحديد ساعة كان يشتري تذكرة ~~السفر، وكذلك على بترو كنتي المشهور بصنع القذائف والقنابل لجمعية «اليد السوداء». # وها هما أمام المدير، الواحد يضحك في سره، والآخر يود لو أن بيده تلك القنبلة فيقذف بها ~~ذلك المكان متمثلا بقول ذلك الذي هدم الهيكل في قديم الزمان: «علي وعلى أعدائي يا ~~رب.» # وها هو ذا الشرطي وقد عاد من بيت نادر يحمل العلبة الجهنمية. # فعندما رآها أنطونيو صاح كالمجنون: «هي علبتي، هي تخصني، أنا دفعت ثمنها، أعطوني إياها ~~فأعلمكم كيف يكون العدل، وكيف يكون الموت.» # قال هذا وهو يحاول الإفلات من أيدي الشرطة، فألزموه مكانه. # ثم تكلم بتروكنتي، فصدق مدير الشرطة الخبر، قص القصة كلها وختم كلامه قائلا: «افتحوا ~~العلبة فتتأكدوا من صدق كلامي، وإذا كنتم تخشون فتحها؛ فأعطوني إياها واخرجوا من القاعة، ~~فأنا أفتحها وأتحمل عاقبة أمرها.» # فقال المدير: «لا نكلفك ذلك يا كنتي؛ فقد برهنت مرة على توبتك الصادقة، وأنا الآن أفتح ~~العلبة بناء على ما قصصت.» # قال ذلك وفض ختم العلبة، فقطع الشريطة المربوطة بها ثم فتحها؛ فإذا هي ملآنة من الأرز ~~الذي يذرونه في تلك البلاد على العروسين تبركا وتيمنا، وعلى ms49 وجه العلبة المال الذي دفعه ~~أنطونيو، العشر دولارات، ومعها ورقة كتب عليها: «يهنئك أنطونيو كاتالان، ويرجو أن تقبلي منه ~~هذه العشر الدولارات فتشتري بها هديتين؛ الواحدة لك والثانية لزوجك.» # وكان أنطونيو في أثناء ذلك غائصا في لجة الهواجس، فرفع رأسه بعد أن سمع هذه الكلمات ~~وخاطب بتروكنتي قائلا: ما أشرفك يا ابن بلادي! وما أكرمك! وما أعظم فضلك! وأنا اليوم أتوب ~~توبتك، وأرجو أن أكون على شيء قليل من فضائلك في المستقبل. إني تائب أيها المدير، تائب توبة ~~خالصة صادقة، وبرهانا على ذلك أترك هذه العلبة بين يديك لتصنع بها ما تشاء، ولكني أتمنى ~~إرسالها إلى صاحبتها. # وكانت الكلمة الأخيرة للعروس إذ عادت العلبة من دائرة الشرطة في ذلك اليوم بعد الإكليل ~~إليها: «ألم أقل: إن أنطونيو كاتالان رجل طيب القلب؟!» # | بقضاء وقدر # قصة سياسية رمزية # 1 # كان في قديم الزمان في بلاد هيروس مدينة تدعى «نبال» يحكم أحياءها الخمسة خمسة شيوخ ~~مستقلون الواحد عن الآخر كل الاستقلال، وكان الناس في تلك الأحياء يعيشون متقاطعين ~~متنابذين، فيستهلك سكان كل حي أنفسهم؛ يستغل بعضهم بعضا، ولا يعرفون من قواعد الحياة ~~الاجتماعية غير قاعدة واحدة قديمة هي: الطاعة للكبير والعصا للصغير. # وكان الكبير فيهم ينشأ على ثلاثة أصناف من الحب: حب الذات، وحب المال، وحب الجاه، ~~فصار كل صغير إذا ما كبر يقلد كباره الوجهاء حتى تأصلت في جميع الناس طبائع الظلم ~~والأثرة، وسادت المصلحة الخاصة المصالح العامة كلها. # وبما أن كل حي من أحياء نبال كان مستقلا عن الآخر مقاطعا له، عملت في أبنائه عوامل ~~العزلة والأثرة، فحرموا فوائد المخالطة ومنافع التضامن، وتفشت فيهم ثلاثة أصناف من ~~الفقر: الفقر المالي، والفقر الأخلاقي، والفقر الأدبي. # ندب الشيوخ ما صارت إليه أحوال رعاياهم المادية والمعنوية؛ ندبوها سرا في ~~قلوبهم. # ولكن بعض الناس شكوا حالهم صارخين صاخبين، وبعضهم قاموا يتهمون الشيوخ بما حل بهم ~~ويطلبون الإصلاح، فاجتمع الشيوخ سرا ذات ليلة، وبعد الصلاة والتأمل والمذاكرة في ~~المصالح المشتركة، أدركوا أن سياستهم تزول إذا هم ms50 سلموا بمطالب المصلحين، وأدركوا أنهم ~~لا يستطيعون أن يوحدوا سلطاتهم الخمس؛ لأن كل واحد منهم طالب بالسيادة لنفسه متمسكا ~~بها، فقرروا لذلك أن يذكروا شعوبهم بالعقيدة المثبتة في كتب الدين ويأمروهم بالعمل بها؛ ~~وتلك العقيدة هي أن الشعوب تشقى وتسعد بقضاء وقدر. # عندما سمع الناس كلام الشيوخ طأطئوا رءوسهم طوعا وحزنا، وراحوا يسترحمون الله، ولكن ~~أفرادا فيهم أعطوا من الشجاعة والعقل أكثر من سواهم قاموا ينادون بخلع الشيوخ، ~~وبتأسيس حكم واحد في مدينة نبال، وقد تبع هؤلاء الزعماء في كل حي جماعات من الناس، ~~فأعلنوا الثورة على الشيوخ، فاشتعلت نارها اشتعالا متقطعا يبدو حينا لهيبا، وحينا ~~دخانا، فيسطع النور تارة وطورا يتلاشي؛ ذلك لأن أهل نبال كانوا ينشدون الإخاء ~~والمساواة، ويرغبون في العدل والحرية، ولكنهم لفقرهم وضعفهم المادي والمعنوي لم ~~يستطيعوا الجهاد المستمر في سبيلها، فقالوا بعد وميض من النجاح في دجى الفشل والقنوط: ~~«الحق مع شيوخنا؛ إن بلاءنا وذلنا بقضاء وقدر.» # 2 # جاء فاتح من الشرق فاستولى على مدينة نبال في بلاد هيروس، وولى عليها حاكما ~~واحدا، فرفع الحواجز القديمة بين الأحياء، وحث الناس على المخالطة والمشاركة والتعاون ~~والتضامن: «كونوا إخوانا فتثرون وتسعدون.» # أطاع الناس حاكمهم الجديد، ولكنهم في اتحادهم كانوا كالماء والزيت لا كالخمر والماء؛ ~~ذلك أن حب الذات وحب المال وحب الجاه - ناهيك بما تأصل فيهم من نفور بعضهم من بعض، وكره ~~بعضهم لبعض، وتعصب بعضهم على بعض - قد حالت كلها دون تبادل الثقة وصفاء النية وحسن ~~الظن، وبكلمة أخرى: قد كان الإدغام على دغل، فدب بين الناس روح التنابذ والتخاذل، ~~ومشى الكبار على هام الصغار إلى أغراضهم الخاصة، بل ضجت حول العرش المكائد والأطماع، ~~فرأى الفاتح صونا لنفسه ولعرشه أن يسود الشيوخ كما كانوا سائدين في الماضي، فقسم ~~المدينة إلى أحياء، وسعى في إقامة التوازن بين أهاليها، فقوى الضعيف على القوي حينا، ~~وحينا تملق للقوي دون الضعيف، وكان في أكثر الأحايين يغري بعضهم ببعض. # قال الفاتح للشيوخ المستقلين المقيدين بالعرش: «الطاعة منكم لي تضمن الطاعة منهم ms51 ~~لكم.» فصاغوا لأنفسهم قيودا من ذهب، وللناس قيودا من حديد. # ظلت مدينة نبال في بلاد هيروس بضعة قرون على هذا الحال يستغل الشيوخ الشعب، ويستغل ~~الفاتح الشيوخ، وكلهم وقد خيم عليهم الفقر والجهل والذل يقولون: «بقضاء وقدر.» وكلهم ~~يسترحمون الله. # 3 # جاء الفاتح من الغرب فاستولى على مدينة نبال في هيروس، وكان قد أرسل إليها رواده ~~السود، فعلموا أبناءها لغته، ثم جاءت بناته البيض يعلمنهم أساليبه في الحب والسلوك ~~وزينة العيش. # وقد علم الفاتح من رواده وبناته أن شعب نبال قد نشأ على ثلاثة أصناف من الحب: حب ~~الذات، وحب المال، وحب الجاه؛ فقال في نفسه: هو ذا شعب مثل شعبنا، ولا يفل الحديد إلا ~~الحديد. # لذلك باشر حكمه باسم المال وبه، فبذل منه بلا حساب في مدينة نبال وبلاد هيروس، فجاءه ~~الشيوخ طائعين شاكرين، وبيد كل واحد قيد ومفتاح: هو ذا مفتاح السيادة يا صاحب الدولة، ~~وهو ذا قيدها: فرق تسد، وابذل تدم. # ولكن هذا الفاتح الجديد يحب المال - كما قلت - حب أبناء نبال له، فلم تمكنه شهوته ~~هذه، ولا مكنته خزانته من البذل الدائم. ما العمل إذن؟ إن هناك قيدا غير ذاك الذي أشار ~~به الشيوخ، فقد استعمل المفتاح؛ مفتاحهم، واستعاض عن القيد بأن أقام الحواجز القديمة ~~بين الأحياء. # ثم جاء بجنوده البيض والسود والصفر يعزز حكمه، فنشأت النفرة في قلوب الناس، فقام من ~~يحسنون منهم الكلام ينتقدون الفاتح ويطعنون عليه، وقام كذلك الشيوخ؛ لأنه بدل أن ~~يسترضيهم بالمال في الأقل شرع يتجهمهم ويشتمهم ويهددهم بجنوده السود، فنهض في بعض ~~الأحياء الناس عليه، واشتعلت في بلاد هيروس للمرة العاشرة أو العشرين نيران ~~الثورة. # وكان الناس في نبال يحبذونها في قلوبهم ويلعنونها بألسنتهم، بيد أن ذلك لم يخف على ~~الفاتح؛ فكرههم واحتقرهم وعاملهم معاملة السيد للعبيد. # ولكن الشيوخ الذين يمتصون كالعلق دم الشعب ظلوا يتملقون الفاتح ويتزلفون له، أما هو ~~فلأنه أبغضهم جميعا - ولا يستقيم مع البغض عمل - نسي تقاليد أمته المجيدة، وأمسى لا ~~يحسن إدارة شئون بلاد هيروس ms52 ومدينة نبال، فتفشت بدوائر الحكومة كل أنواع الظلم ~~والفساد. # استمرت هذه الحال بضع سنين حسبها الناس بضعة قرون وهم يئنون ويشكون ويقولون مع ~~شيوخهم: «بقضاء وقدر.» ثم يسترحمون الله. # 4 # ضرب البؤس في نبال أطنابه، وأرسل الغل في كل ناحية ضواريه، فأمسى الفاتح بين الاثنين ~~حائرا في أمره هلعا متضعضعا، وقد خطر له أن يغير خطته وسلوكه الإداري، بل سلوكه ~~الشخصي أيضا، عله بالحب والحكمة والعدل يظفر بطاعة أهل هيروس وبرضاء أهل نبال، فيوفر ~~في الأقل ما ينفقه على جنوده السود، وينجو من الغل الذي يغلي في صدور الناس. # ولكن الناس وقد سبق الغل إلى قلوبهم فتوطنها - احتلها - أمسوا لا يثقون بهذا الفاتح ~~ولا يحسنون الظن به، ولا يصدقون ما يقول، بل كانت لهم الجرأة أن يقولوا له: «إننا لا ~~نصدقك ولا نؤمن بك.» # ومع ذلك فقد أسس الفاتح في مدينة نبال حكومة دستورية مستقلة تعززها المجالس النيابية ~~والوزارات، وتحميها الجندرمة والسيارات، ولها فوق ذلك رايتان ولحنان وطنيان، فقال ~~الناس: «هي مكيدة؛ فهو يريد أن يزيد فقرنا فقرا فندخل رءوسنا في ربقته صاغرين.» # وأقام في بلاد هيروس حاكما وطنيا واحدا، فوحد الأحياء، وعين الوزراء من الأدباء ~~والشعراء، وأسس المعاهد العلمية والصناعية، ثم قطع الأشجار ليوسع الطرق للدفاع عن ~~الوطن، وضحى بجنوده الغرباء في هذا السبيل، فقال الناس: غربي خبيث، لطيف الحديث، يذبح ~~إخواننا دفاعا عنا، ويقدم لنا كأسا من الحنظل تطفو على وجهها حبب شبيهة بحبب ~~الشمبانيا، غربي خبيث. # رفت سمعة هذا الغربي الفاتح كالغراب في بلاد هيروس وفي مدينة نبال، فانتشرت منها ~~أنواع السموم، فقحلت حقول الجميل والمعروف، وأظلمت مساكن حسن الظن، وعندما عم البلاء ~~واستولى اليأس والغم حتى على قلوب الشيوخ، قام أحد الحكماء منهم مواسيا معزيا فقال: ~~«هو مثل كل الفاتحين، ونحن مثل كل المستضعفين الذين يقيمون في طريق الفاتحين. إن بلاءنا ~~بقضاء وقدر.» # 5 # سمع الفاتح هذه الكلمة فأنكرها لأول وهلة، ثم ذكرها ورددها مرارا في نفسه، وكان من ~~أمره أنه عاد إلى بلاده يستشير كبار ms53 قومه، فقال أحد الشيوخ هنالك : وهل نحن في هيروس ~~للتجارة والكسب أم للخسارة والذلة؟ هذا الشعب مثلنا محب للمال والجاه، ومحب كثيرا ~~لنفسه، فلا يمكننا أن نستولي عليه وعلى موارد ثروته إلا في تمليقنا له، وتمجيدنا ~~لأجداده؟ # وقال شيخ آخر: إنما نحن في هيروس لنعزز مركزنا البحري ونتولى بابا إلى الشرق. # وقال ثالث: ولكن أصحاب ذاك الباب أتعبوا رأسنا، دوخونا، فيجب علينا استرضاؤهم، وخير ~~الوسائل هي أن نرسل بناتنا إلى تلك البلاد؛ فنصاهر أهلها ونتخذهم لنا أخدانا ~~وأعوانا. # وقال الرابع: وهل يستوي السيد والعبد؟ وهل يستوي العالم والجاهل؟ أتريد أن نصاهر نحن ~~أرباب التمدن من لا يعرفون من المدنية غير عنوانها؟ إني أرى أن نرسل إليهم الراقصات ~~والقيان من بناتنا، ونشفعهن بالشمبانيا. لاعبوا القلوب فتذهب العيوب، خدروا العقول ~~فتستقيم الميول. # ثم انبرى للكلام أحد المعارضين هناك فقال: لا أمل لنا في هيروس ونبال ولا راحة بال ~~إذا سلكتم هذا المسلك المشين، لا أمل لنا في تلك البلاد إلا إذا أعطينا أهلها أحسن ما ~~عندنا من النظم، ومن العلوم، ومن الأخلاق، وإذا كنا لا نستطيع ذلك فعلينا أن نخرج منها ~~في الحال. # ضج الشيوخ فصاحوا بالرجل صوتا واحدا: عدو الوطن، خائن الأمة، وأخرجوه من ~~المجلس. # ثم أقروا بالإجماع رأي التخدير، وعاد الفاتح إلى هيروس ونبال يقيم فيهما معالم ~~السرور، ويعبد الطرق إلى اللذات، فقال بعض الشبان الذين يدعون الحكمة ويؤثرون عليها ~~المال وظلا من الجمال: قد صدق شيوخنا؛ لا بد من هذا الفاتح مهما كان أمره. إن بلاءنا ~~حقا «بقضاء وقدر»! # 6 # طوى الزمان أيامه ولياليه وكانت نبال تزداد فقرا، وهيروس تزداد غلا، وقد تكاثرت في ~~البلاد الحسان والمسارح والحانات. سكرت نبال فظنت نفسها أخت قارون، وتخدرت هيروس فخيل ~~إليها أنها ربة التاج والصولجان. # وقد رأى الفاتح أن يستمر في التخدير، فأحيا لأهل نبال ليلة راقصة في يخته الراسي ~~بميناء البلد. # ليلة راقصة في يخت الفاتح العظيم، إنه لتعطف جميل يشمل الأوانس والشبان، ولا يزدريه ~~الشيوخ، ولكن الرياح لا تجري بما ms54 تشتهي السفن دائما؛ ففي الليلة السابقة لليلة اليخت ~~الراقصة شبت في مخازن نبال النار فاندلعت ألسنتها في كل جانب، والتهمت قسما من ثروة ~~المدينة. # وعندما انبلج الفجر فأشرقت الشمس على ركام سوداء تحت سقوف هاوية، وبين جدران متهدمة، ~~اندلعت ألسن الظن والغل، فقال الناس: «غربي خبيث، يبسم لنا في النهار ويحرق مدينتنا في ~~الليل، غربي أثيم يسقينا الشمبانيا لينسينا البنزين.» # غضب الفاتح المسكين غضبة البريء وقال: «أقسم بالله إنها بقضاء وقدر.» # 7 # أنير اليخت بالكهرباء، وعزفت فيه الموسيقى، واصطف الخدم لاستقبال الناس، فتقاطرت إليه ~~الأوانس والشبان من مدينة نبال، وجاء كذلك كبار القوم يتقدمهن نساؤهم وبناتهم. # دارت رحى السرور التي تطحن القلوب والعقول، ثم دوت كالبنادق زجاجات الشمبانيا، فثمل ~~الناس وهم على رمية نبل من الحريق الذي كان لا يزال يرسل إلى السماء من أنفاسه المتقطعة ~~لهيبا ودخانا. # استمر الرقص حتى انبلج الفجر على تلك الركام والطلول، فاستفاق إذ ذاك الفاتح وقد ~~اكفهر منه الجبين، استفاق من ثمله فأحس بما يلتهب كذلك في قلوب النباليين إخوان ~~الراقصين والراقصات، وقد قال في نفسه: لو أجلنا الليلة الراقصة! نعم كان من الواجب أن ~~نؤجلها. # ثم قال يهون الأمر: «ولكن كبار نبال لم يفكروا في ذلك، فقد بادروا إلى الحفلة حتى ~~رئيسهم الأكبر، فإذا كانوا هم لا يشعرون بالنكبة؛ فهل ألام أنا الأجنبي؟» # ولكنه عندما سمع في اليوم التالي صوت المدينة المنكوبة تردده صحافتها وتجارها ~~ونساؤها، ذكر تلك الكلمة النبالية الهيروسية المشهورة فقال: وهل كان يحضر شبانكم ~~وبناتكم وشيوخكم الحفلة الراقصة لو لم يكونوا متيقنين مثلي أن الحريق كان بقضاء ~~وقدر؟ ~~••• # بقضاء وقدر! أجل، وأنت هناك يا أخي بقضاء وقدر، وإن القضاء ليسعى بينك وبين أهل هيروس ~~ونبال، والقدر يهدم ما تبنيه ويبنونه من الآمال. # صوت هادئ بارد خافت، له مع ذلك روعة السؤدد والعظمة، تموج إلى مسمع الفاتح من ناحية ~~الغرب، فسمعه كذلك يقول: أيها الزميل الكريم، والفاتح العظيم، مهما كان من حسن ظنك ~~وصفاء نيتك وشريف مقاصدك، فإن شهرة سوداء تقدمت ms55 ما تأخر من أعمالك، وإن ما فيه تسويد ~~صحيفتك وتشويه سمعتك لمثل ما فيه نكبات هيروس ونبال: بقضاء وقدر! ms56