######OpenITI# #META# URI: 1359AminRihani.ZanbaqatGhawr.Hindawi24070363 #META# Tags: novels #META# ID: 24070363 #META# Title: زنبقة الغور #META# AuthorID: 93831791 #META# Author: أمين الريحاني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # | زنبقة الغور # | زنبقة الغور # تأليف # أمين الريحاني # | الفصل الأول # «من غور الحياة أرفع اللهم صوتي، من وادي الأردن أحمل إليك يا رب وزري، من أعماق ~~الأرض أنظر ضارعا إلى جبال قدسك وإلى شمس رحمتك وإلى سماء حبك.» # في الربيع الأول من هذا القرن توفيت في الناصرة امرأة اسمها سارة ولم يكن عند فراشها ~~ساعة النزاع غير راهب من رهبان الدير الذي كانت ترعى مواشيه وفتاة لا تتجاوز الخامسة ~~عشرة من سنها، ولقد كان البؤس رعي سارة والشقاء موردها حيث سارت وحيث جلست وفي كل بيت ~~خدمت فيه. على أنها لم تكن ممن يأكلون خبز المذلة ويغضون على الحيف والأذى، ولم تدخل الدير ~~طفلا فتخدم فيه فتاة لتتعود الرضوخ والاستسلام فتسوم نفسها طاعة الصغار وتتحمل دفعا للجوع ~~تفوق الأسياد والرؤساء، وليس أشد من بلية البائس غير بلية البائس العزيز النفس. # جاءت سارة الناصرة من السامرية في الثالثة والعشرين من سنها، ووقفت مكرهة في الأبواب ~~تقدم خدمة وتطلب عملا، وكانت قبل ذلك تقيم ووالدها الأرمل في قرية قرب جنين وتساعده في ~~أشغاله وفي سهراته، فتقضي حاجات البيت كلها ms001 بإتقان وعناية لا مزيد عليهما فتطبخ وتغسل ~~وتستقبل الضيوف - وترعى في بعض الأحايين الجمال؛ جمال أبيها، وقد يستغرب القارئ ذكرنا ~~الضيوف في بيت الجمال، وقد يستغرب أشياء أخرى في هذه القصة، ولكن الحقيقة في غور الحياة ~~وقد أبعدتنا عنها زخارف التمدن أمست غريبة بيننا، الفقر والبؤس والعار والشقاء تحجب عن ~~الناس اليوم في معاهد الإحسان المتعددة التي شيدت لتربية الجهل واستخدامه لا لمناهضته ~~واستئصاله. والمستقبح في هذه القصة هو أدنى إلى الواقع من المستملح فيها، لا غبار من الخيال ~~عليه ولا يد للتصور فيه. # قلنا: إن سارة كانت تساعد أبيها حتى في سهراته، وإليك البيان؛ فقد كان الجمال قصاصا ~~أيضا يقص في الخانات وفي بيته قصص الأقدمين في حلقة عامرة من المكارين والمسافرين ~~والفلاحين، بل كان بيته شبه ملعب رسم الدخول إليه شيء من التبغ أو السكر أو البن، وما ~~أجملها حلقة في ليالي الشتاء في الليلة القراء، وقد أضرمت النار في الموقد، وأشعل كل ~~من الحضور «السبيل»، ودارت سارة عليهم بالقهوة وبدأ والدها يتلو مقدمته الشهيرة؛ أي «كان ما ~~كان ... إلخ» فيهتز من ضحك القوم عمود البيت وتبتسم لنكاتهم نار الموقد من خلال ~~الدخان. ~~- برغوث على صدرك يا سارة. ~~- اجلسي قربي الله يحرسك لوالدك. ~~- كردم أبو آدم حفر البحر ومن يحفر قبري الليلة؟ تسلم يا نور العيون! ~~- ما أطيب قهوتك يا سارة! ~~- يا بنت أمير العرب هاتي بصه. ~~- الليلة من ليالي العجوز اسمعوا الهواء يزمر. ~~- والموقد يرد عليه. ~~- اسمع يا شيخ بدأت القصة. ~~- نشكر الله على سلامة البرغوث. # وما هذه إلا شرارة من الموقد الذي كانت تضطرم ناره في ذاك البيت، في وسط حلقة لسانها ~~الجمال القصاص، وروحها ابنته ساقية القهوة، وكانت سارة ذكية الفؤاد، فصيحة اللسان، عظيمة ~~الحافظة، أخذت عن أبيها وفاقته في صناعته، فإذا كان في سفر ليلة ما تقوم مقامه فتضحك ~~الحضور وتبكيهم وتهيجهم وترعبهم، بما تقص عليهم من الخرافات ومن حكايات الجان والعفاريت. ~~وكان أبوها يعزها ويعجب بها كثيرا، ويستصحبها في أكثر سفراته فتسير في ms002 القافلة إلى القدس ~~والكرك والشام، وتفتن حيث تقطن وتضرب عند اللزوم ضربة يعجز دونها الرجال. فتاة ترمي ~~بعينيها وترمي بساعدها، شديدة البأس ثابتة الجنان لا يتجهمها الليل ولا تستوقفها القفار، ~~وقد طالما اجتازت وادي اليرموك وحدها توصل السير بالسرى، وهي تغني أدوار «العتابا ~~والميجانا» بصوت جهوري رنان تردد الأودية صداه، وتصغي إليه وحوش الفلاة، وما أشبهها ~~بالشهيرات من نساء العرب اللواتي فقن الرجال فصاحة في المجالس وبأسا في ساحات ~~الوغى. # ولكن اليوم الأسود لم يمهل يومها، جاءها وهي صبية يسوق إليها من مثله الأيام والسنين، ~~جاءها يوم تزوج أبوها فكانت خالتها بليتها الكبرى، ولم تكن سارة لتطيق التحكم والتأمر، ~~فوطنت النفس على أن تهجر البيت. وكان قد حدث لها حادث منذ أشهر فعجل عليها بالفرار، فخرجت ~~من أبيها وهي حامل في شهرها الخامس لا تعرف ملجأ تلجأ إليه، فأقامت بضعة أسابيع في بعض ~~القرى حول المرج ثم رحلت إلى حيفا لتخفي هناك عارها، ولكنها ضلت الطريق فمشت شمالا حتى ~~وصلت إلى شفا عمرو، وهناك بين تلك النواويس خارج البلد جلست تستريح، وكانت قد بدأت تشعر ~~بانحلال في جسمها وتقطع في أوصالها، فأوت مساء ذلك اليوم إلى كهف من تلك الكهوف التي كانت ~~قبورا في قديم الزمان، وعرفت لأول مرة في حياتها ما هو العذاب وما هو الخوف وما هو القنوط، ~~ألا فإن هذه أول تجاربها. # حاولت أن تنام فحال دون ذلك ما أصابها من الآلام التي أخذت تزداد حتى أحست سارة أنها ~~دفنت حية في ذاك القبر، حية في قبرها تئن من الأوجاع، وصاحت نصف الليل صيحات لم يسمعها ~~غير الله وولدت كما تلد البدويات وهن في الطريق راحلات، ولكنها ولدت طفلا ميتا، فكان ~~غمها أشد من أوجاعها. وعند بزوغ الفجر لفت طفلها بالمنديل الذي كانت تحمل فيه زادها ~~ودفنته في الناووس الذي ولد فيه وغطته بأغصان من شجر الزيتون، وأقامت وإياه هناك بضعة ~~أيام تندبه وتندب حظها، وبعد أن نقهت قليلا وأحست من نفسها بشيء من القوة، خرجت من ms003 ذاك ~~اللحد والمهد لا تدري ما تصنع ولا ترى أمامها طريقا تنشط خطواتها، أترجع إلى قريتها ~~وقد كرهت الإقامة فيها؟ أتدخل شفا عمرو وهي لا تعرف أحدا هناك؟ أطرقت مفكرة حائرة ~~بائسة، فتذكرت أن أحد أبناء بلدها إلياس البلان يعلم في مدرسة ابتدائية في صفورية، فصعدت ~~في الجبل تقصد تلك البلد علها تحظى بلقائه فيفتح لها بابا للارتزاق، ولكنها لم تجده في ~~صفورية، وقيل لها: إنه نقل منذ سنتين إلى الناصرة ودخل الدير ... هناك، الدير! وقعت هذه ~~الكلمة في قلب سارة كما يقع الندى في نخاريب الصخور فينيرها، فتحت لها بابا ظنته باب ~~الخلاص فكان شركا من أشراك القدر جديدا، ولعل القدر في بعض أطواره مثل البشر إذا وقعت ~~الطريدة بين يديه لا يفلتها أو يذبحها. # جاءت سارة الناصرة وقد كدها الجوع والتعب فسارت توا إلى الدير الذي أهديت إليه فلقيت ~~هناك ابن بلدها الأخ إيلياس البلان، فتنفست الصعداء وشكرت ربها، وأول ما فاهت به هاته ~~الكلمات: دخيلك مت من الجوع والتعب. # فتأهل الأخ إيلياس بها وطيب نفسها وأدخلها غرفة قرب المطبخ وجاءها بخوان عليه بضعة أرغفة ~~من الخبز وقالب من الجبن وشيء من الزيتون وجفنة من الطعام. وبعد أن أكلت واستراحت سألها ~~حاجتها، فقالت إنها تريد أن تدخل الدير، فابتسم ابتسامة ثبطت من عزمها وأخبرها أن ~~رغبتها لا تتحقق إلا بشروط قد يصعب عليها إتمامها، ثم قال: أديرة الراهبات هنا كالشركات ~~العقارية؛ هل عندك شيء من العقار توقفينه للدير؟ هل عندك مال تدفعينه رسم دخولك؟ هذه أهم من ~~النذور الثلاثة، أتخدمين؟ حسن، ولكن الواقفات في أبواب الأديرة يطلبن الخدمة كثيرات ~~مثلك. # على أنه وعدها خيرا، وبعد أيام عادت إليه فأنزلها في بيت لأجراء الدير تساعد الفلاحين ~~وتغسل ثياب الرهابين، ثم نقلت إلى المطبخ لإحسانها الخدمة؛ فأحبها رفاقها من الخدم ~~وأعجبوا بحسنها وخفة روحها وزلاقة لسانها، وكانوا يجتمعون كل المساء عندها في المطبخ ~~وبينهم بعض الرهبان، فتقص عليهم المضحك المبكي من قصصها العجيبة ونوادرها الغريبة، ~~وأول من أعجب بها وأحبها ms004 الأخ إيلياس الذي دخل ذاك الدير ليتمم فيه علومه. وكان لم يزل في ~~ريعان الشباب يملكه من النساء حسن الوجوه وسحر العيون، وما لبث أن فتن بسارة، استهوته ~~الفتاة فخدعها؛ اختلى بها سرا مرارا وعللها بالوعود، وكانت سارة حادة المزاج سريعة ~~التأثر، في قلبها شعلة من الحب لا تطفئها تجارب الحياة المحزنة، فاستسلمت إلى الراهب الذي ~~وعدها أن يخلع الثوب الأسود ويتزوج بها، ولقد بر الأخ إيلياس بقسم من وعده إذ خرج من ~~الدير في فرصة الصيف مدعيا أنه ذاهب إلى بيته ليتفقد أهله، وكان قد أوعز إلى سارة أن ترحل ~~إلى قرية ... قرب كفر كنا وتنتظره في الخان هناك، وفي تلك القرية أقام وإياها بضعة أشهر ~~متنكرا، ثم تركها وهي في شهرها التاسع عائدا إلى الدير في الناصرة لعلمه أن في نية الرئيس ~~أن يبعثه إلى سوريا ليدرس الإفرنسية في إحدى مدارس الرهبنة هناك، فهرب من مسئولية فعلته ولم ~~يهرب حينئذ من الدير. # ولما ولدت سارة أقسمت يمينا أنها لا ترضع ابنتها قبل أن تنتقم من والدها اللئيم ~~الخداع؛ لذلك جاءت الناصرة ليلا تحمل لفافة ألقت بها عند باب دير الأيتام، وهي تقول: ~~سأرجع يا بنتي، سأرجع إليك وقد انتقمت من والدك. # وراحت تسأل في الدير عنه، فقيل لها: إنه سافر إلى سوريا. شكته إلى الرئيس فضحك منها ~~وشتمها وطردها خارجا، فقالت له والغيظ يحتدم في عينيها: عرفت طريقتكم؛ استرني أسترك، الله ~~لا يستر عيوبكم. وخرجت من الدير تلعنه وتلعن ساكنيه وسافرت إلى بيروت لتبحث عن الجاني ~~عليها، ولكن الأخ إيلياس البلان وقد قدر ما قد يكون من عواقب إثمه غير اسمه وخلع ثوبه ~~ولجأ إلى إحدى قرى لبنان يعلم فيها الصبيان، وبعد سنتين عاد يلبي الدعوة السماوية؛ دعوة ~~الرهبنة، فلبس الثوب الأسود ثانية ودخل في سلك رهبنة أخرى، وتدرج إلى رتبة الكهنوت فيها، ~~فسيم قسيسا وأصبح من المحترمين في الأرض. # وليس كالدير مأوى لأمثال الأخ إيلياس، ثوب أسود واسم جديد ودير قصي، وبال بعد ذلك ~~مطمئن، فيا له ms005 من إثم لا يقتفي أثره أشد أصحاب القيافة حذقا، يا له من ستر لا يكشفه ~~أكبر رجال الشحنة! # وبعد طويل البحث والتفتيش فوضت سارة أمرها إلى الله، وأقامت في بيروت تخدم في أحد البيوت، ~~ثم نقلت إلى الشام ثم إلى بلد في لبنان ولم تثبت طويلا في مكان، ظلت عشر سنوات في سوريا ~~والشقاء ملازمها والبؤس حليفها، وقد جفت من تصاريف الدهر طباعها وخمدت نفسها وخشنت ~~أخلاقها، فكانت تدخل البيت ضارعة وتخرج منه ناقمة، ولم تثبت إلا في بيت لبناني سنتين ~~متواليتين؛ لأن الامرأة اللبنانية تتحمل من الخدم أكثر من سواها. # ولا شك أن سارة عربية في أنها تكمن العداء طويلا ولا تنفك أن تطالب بالثأر، فلما سمعت ~~مرة وهي في لبنان أن الراهب الذي تبحث عنه هو في الناصرة، حملت رزمة ثيابها وسارعت إلى تلك ~~المدينة، وكانت تعلل النفس أيضا بلقاء ابنتها واسترجاعها من الدير، ولكنها لم تفز بواحدة ~~من رغبتيها؛ لأن الابنة التي جاءت بها طفلا رضيعا إلى الدير ضاعت بين المئات من مثلها في ~~معاهد الأيتام المتعددة بالناصرة، وتوارى الأخ إيلياس البلان مصعدا في مدارج النسك ~~والتقوى. # وبين هي واقفة ذات يوم في باب الدير الذي كانت تخدم فيه منذ عشر سنوات رآها القس جبرائيل ~~مبارك، فاعترته رعشة مزعجة وعلا وجهه الاصفرار، عرفها ولم تعرفه، فسألها متلطفا حاجتها، ~~فحاولت أن تكشف له سرها فاضطرب عليها، فقالت: أريد أن أخدم في الدير. فأحسن القس جبرائيل ~~إليها وجعلها من أجراء الدير ترعى المواشي. # العشر سنوات التي ولت والثوب الأسود واللحية غيرت من ظاهر الراهب فلم تعرفه سارة، ولا ~~أدركت اضطرابه عندما شاهدها ولا السبب في جميل إحسانه إليها، فالقس جبرائيل مبارك من أسرة ~~كريمة في جنين أمرها في الناس مطاع وكلمتها في الحكومة نافذة، على أنه لم ينبغ فيها إلا من ~~تولى الوظائف فكان ظالما، أو تولى أمر أرزاقهم الواسعة الأرجاء فكان مستأثرا أثيما يعامل ~~الفلاحين كما تشاء أطماعه، ويتصرف بنسائهم وبناتهم كما تشاء شهواته، وكان والد سارة ~~الجمال ms006 من عمال بيت مبارك، يجيئهم بأحمال القمح والحبوب والحطب وغيرها من حاجات العيش، ~~وكانت سارة كما ذكر ترافق أبيها في سفراته وتساعده في أشغاله، فتقيم وأباها أياما في بيت ~~أسيادهم في جنين. # وفي تلك الأيام كان جرجي مبارك (القس جبرائيل الآن) في العشرين من عمره، شابا غريبا في ~~بيته لا يشابه خلقا وطبعا أحدا من أهله وطباعه، عصبي المزاج، شديد النزعة إلى الوحدة، ~~غريب الأطوار، كثير الهواجس سريع الغضب سريع الرضى، في نفسه شعلة دخانها أكثر من لهيبها ~~تزيد بكآبته واضطرابه، يظهر له الحق في كل الأشياء في شكل مشوش فلا يصبر عليه إلى أن ينجلي؛ ~~يضرب الخادم مثلا لإهمال بدا منه، ويدخل غرفته فيؤنب نفسه على ما فعل، وقد رأته مرة أمه ~~في ساعة ملكته نوبة عصبية شديدة يدق برأسه على الحائط كالمجنون، فراعها ذلك وأخذت تناعمه ~~وتسكن من روعه، فسألها قائلا: متى يرجع أبو سارة من المرج؟ فقالت الأم: غدا، فسكنت إذ ~~ذاك جوارحه وهدأ اضطرابه، ولما جاء الجمال تصحبه ابنته، وهم عند المساء بالرجوع سأله ~~جرجي أن يظل عندهم إلى الغد، فامتثل الجمال أمره، فبعثه في اليوم الثاني بكتاب إلى أحد ~~عمالهم في حيفا، وتخلفت سارة في بيت سيدها الشاب، وكانت قد شعرت بشيء وحشي في حركاته ~~ونظراته، وأدركت اضطرابه حين شاهدها مع والدها، ولكنها لم تخشه ولم تنفر منه، بل استسلمت ~~إليه راغبة تلك الليلة؛ ليلة كان والدها في حيفا وأحبته حبا شديدا، ولكن جرجي نفر ~~مما اقترف ولام نفسه، ولم يكلم الفتاة بعدئذ وما نظر قط إليها، فشق ذلك على سارة ~~وراحت تكظم غمها وتستر بليتها، ولما عاد أبوها من حيفا قال له جرجي: لتبق ابنتك في البيت ~~ذلك خير لك ولها، فقبل الجمال نصيحة سيده دون أن يدرك السر فيها، وامتثلت الفتاة أمر ~~أبيها إلى حين، ثم هجرت البيت تهرب من ظل خالتها إلى ظل أشد منه ظلمة وبلاء. # وبعد سنتين هجر جرجي مبارك بيته وآله أيضا، فبينا كان سائرا إلى الناصرة ليزور أخاه ms007 ~~الأكبر يوسف أفندي مبارك هناك خطر له في الطريق أن يدخل الدير، وكذلك كان، دخل الدير في ~~السنة التي سافرت سارة إلى سوريا لتبحث عن إيلياس البلان، وفطم جوارحه عن الشهوات، وتاب ~~توبة دينية حقيقية. # ولم تمض عليه سنتان في ذلك الدير حتى أصبح من أسياده المقدمين يهابه إخوانه الرهبان ~~ويكرهونه، كيف لا وهو لا يبالي عند الحقيقة بشعورهم ولا يراعي خواطرهم بشيء؟! نفر مما كان ~~يشاهده في بيته فنفض عنه غباره ودخل الدير، دخل الدير فكشفت له أمور ثارت عليها نفسه ~~وهاجت لها ضغائنه، والقس جبرائيل يأله من يحب ولا يرى فضيلة في من يكره، على أنه كان يبذل ~~الجهد ليكون سيد نفسه قبل أن يصير سيد الناس، وطالما عذبه هذا النزاع بين الشعائر المتناقضة ~~فيه، بل بين معقوله وهواجسه، فقد كان يحب سارة ويكرهها، نسيها بعد أن جنى عليها ولكن أثر ~~الجناية ظل حيا يضرم فيه أحيانا تلك الشعلة الحمراء القديمة، وساعة شاهد الفتاة التي جنى ~~عليها منذ عشر سنوات هم لأول وهلة أن يطردها، ثم حن إليها فؤاده وأدخلها تخدم الدير. ~~وكان يناصرها ويدافع عنها في كل أمر يحدث بينها وبين العمال، وكثيرا ما كانوا ينمون ~~عليها ويغتابونها لأخلاق فيها عالية سودتها عليهم، فنقم الرهبان على سارة وكان القس ~~جبرائيل نصيرها الوحيد بينهم، ولقد حير أمرها كل من عرفها سواه، فمن كان يراها في الفلاة ~~ترعى المواشي كان يشاهد في وجهها كآبة لا تظهر لمن عرفها في الدير وفي المدينة، امرأة منوعة ~~صبورة قنوعة تهضم بؤسها وتكظم أشجانها، وتكلف نفسها البشاشة فتقص القصص العجيبة على ~~رفاقها الفلاحين. هذه سارة بنت الدير، أخت الرهبان، امرأة كئيبة حزينة، في صدرها سر كاد ~~يخنقها وحسرة كادت تودي بها، تجلس على صخرة في الفلاة أو في ظل صفصافة في المرج، فتلقي ~~خدها على يمناها وتتغنى بأهازيج البدو المحزنة. هذه سارة الراعية بنت المروج ~~والجبال. # شكت أمرها إلى الناس فوقعت شكواها على آذان صماء وصادفت قلوبا مستحجرة، فلبست لبؤسها ~~درعا من الصبر ms008 براقة، وضحكت مع الضاحكين كي لا يشمتوا بها. # وظلت على هذه الحال سنين، لا يسمع غير الله شكوى قلبها ساعة تختلي بنفسها في الفلاة، ~~قريبة من الدير الذي دفنت فيه سرها الحي، بل من البحر الهادئ - بحر الشفقة والإحسان - ~~الذي غرقت فيه ابنتها. ولطالما وقفت عند شاطئ هذا البحر تسائل الأمواج عن لؤلؤة قلبها فتضحك ~~الأمواج لسؤالها. # على أنها تعرفت يوما بفتاة تخدم في أحد أديرة الأيتام، اسمها مريم، فحن إليها ~~فؤادها وأخذت تتردد إلى ذاك الدير، فتجتمع بها وتحدثها وتمازحها وتقص عليها بعض القصص ~~المضحكة وفيها شيء من سيرة حياتها، ومرة سألتها اسم أبيها فهزت مريم كتفها، وقالت باسمة: ~~تقول الرئيسة إن القديس يوسف أبي، ولي في الدير أخوات كثيرات، وكانت مريم تستأنس بسارة وتحن ~~إليها وتود لو كانت مقيمة معها، وقد قالت لها مرة: «هنيئا لك! تروحين وتجيئين حرة كما ~~تريدين، وأنا محبوسة في هذا الدير.» وسألتها باكية أن تخلصها منه، فاغرورقت عين سارة وراحت ~~تفكر في رفع شكوى مريم إلى القس جبرائيل عله يستطيع أن ينقلها إلى ديره. # وبين كانت مرة ترعى المواشي، رآها القسيس جالسة على عادتها في ظل شجرة تردد الأدوار ~~المحزنة وتنتحب، فاقترب منها على حين غفلة وخاطبها قائلا: لماذا تبكين؟ فذعرت سارة وسارعت ~~تمسح دمعها فأعاد سؤاله، ما بالك يا سارة تبكين؟ فأطلعته على بعض سرها، أخبرته أنها في ليلة ~~عيد الصليب منذ أربع عشرة سنة ألقت عند باب دير من أديرة الأيتام ابنتها، وكانت طفلا ~~رضيعا، وأنها لم تزل تذكر أن الدير الذي جاءت إليه هو في آخر البلد في وسط الجبل، وأنها ~~تعرفت هناك بفتاة اسمها مريم وحنت إليها حنو الأم إلى ولدها، وسألته أن يساعدها في البحث ~~عن أصل تلك الفتاة وقصتها، وأن يسعى في نقلها إلى ديره، فامتقع وجه القسيس لهذا الخبر لظنه ~~أن الفتاة ثمرة فعلته، ولكنه طيب نفس سارة ووعدها خيرا. # وبينا كانت الراعية ترعى مواشيها في مكان قصي من البلد بعد هذه المقابلة ببضعة أيام، ~~نامت ms009 في أصيل النهار برهة، فلذعتها في رجلها حية سامة، ولم يكن أحد هنالك تستغيث به، وقد ~~حاولت أن تعالج نفسها بيدها؛ فربطت رجلها فوق الجرح بخيط من الشعر وعادت إلى الدير، ولكنها ~~لم تصل إليه إلا بعد أن سرى السم في جسمها، فبعثت تدعو القس جبرائيل إليها فلبى مسرعا، ~~ثم استدعى لها طبيب الدير فأبطأ في مجيئه، ولما وصل وجد أن السم سبق الدواء وأن لا مرد ~~للقضاء، ولما أحست سارة بدنو أجلها أخذت يد القسيس وقبلتها، واستحلفته بالمسيح وبالعذراء ~~أن يقضي حاجتها ويعرفها ويتمم وصيتها: «أرجوك أن تبعث إلى الدير ... تستدعي مريم، أحب أن ~~أراها قبل أن أموت، وهي إذا عرفت بحالتي تحضر حالا.» # فبعث الراهب رسولا إلى الدير يستدعي الفتاة، وبدأ يعرف، سارة أخبرته أثناء الاعتراف ~~قصتها كلها، فاغرورقت عيناه واضطرب فؤاده، وبعد أن جعلها في حل من ذنوبها ركع عند ~~فراشها، فخاطبها قائلا: «وأنا أعترف قدامك يا سارة وقدام الله وأستغفرك قبل موتك، أنا ~~جرجي - جرجي مبارك - دخلت الدير بعد أن جنيت عليك، اصفحي عني اغفري لي.» وأخذ يدها ~~يقبلها فأحست بدموع تتساقط عليها، وأجابته وهي شاخصة بعينها: «ما حقدت عليك مرة ولا ~~شكوتك مرة إلى الله، فلا تنس وصيتي أستحلفك بالمسيح ولا تبح لمريم بالسر، وإذا التقيت ~~بابن البلان قل له: إنني سامحت وصفحت، دخيلك، أنت ابن بلدي، أنت أبي، أنت سيدي، أنت أخي فكن ~~لمريم أبا وأخا أيضا، وخذ هذه الذخيرة أعطها إياها لتحفظها ذكرا مني.» فصعد القسيس ~~الزفرات ثم صلى عند رأسها، وقال وهو يسألها أن تردد كلماته: قولي معي يا بنتي: «من غور ~~الحياة أرفع اللهم صوتي، من وادي الأردن أحمل إليك يا رب وزري، من أعماق الأرض أنظر ~~ضارعا إلى جبال قدسك، وإلى شمس رحمتك وإلى سماء حبك.» # وفي تلك الآونة دخلت مريم البيت، فمدت سارة يدها وجذبت الفتاة إليها فقبلتها، ثم ~~قبلتها وضمتها إلى صدرها كأنها تريد أن تطلعها على ما في قلبها، كأنها تريد أن تسمعها ~~همس الأسرار في نفس ms010 الموت، فشهقت شهقتها الأخيرة وشخصت بعينها ووقعت في أنفاسها الخمدة ~~الأبدية. # فردد القسيس: «من أعماق الأرض يا رب أنظر ضارعا إلى شمس رحمتك وإلى سماء حبك.» وجثت مريم ~~عند جثة سارة تبكيها بكاء شديدا، والقس جبرائيل وقد أحس من نفسه وهنا يتأمل الفتاة ~~مضطربا حائرا. # | الفصل الثاني # ليس أفضل من معقول يقرن إلى بداهة، ولا أجمل من ورع يقرن إلى هوى، ولكن هذا نادر، ~~والنادر قياس الشعراء الحكماء، أما جمهور الناس، وبينهم اليوم عدد من المتثقفين كبير، ~~فالمعقول عندهم يعجز عن مرافقة أهوائهم، فيضلون السبيل ويظنون الأوهام والسمادير حقائق ~~رائعة. وإن أصحاب الأخلاق الكبيرة والإدراك المحدود من هذه الطبقة لينزعون غالبا إلى تحقير ~~في أعمالهم وأعمال الناس قلما يفيد، بل إلى تزييف فيه تضليل وتغرير، فتلعب إذ ذاك يد ~~التفريق في نزعاتهم وأهوائهم بل في طباعهم وغرائزهم. # العلوم النفسية «بسكولوجي» شغل مفكر الغرب اليوم، فيحلل العواطف ويشرح الأهواء توصلا إلى ~~الحقيقة الكامنة في النشوء، بل إلى السر الكامن في تلك الحقيقة، وهذه الطريقة في العلوم ~~النفسية نشأت عن العلوم المادية وسلكت مسلكها، وقد كان الدين في الشرق سابقا إليها فدعاها ~~الحكماء والمتورعون «محاسبة النفس»، على أن الفرق بين الشرقي والغربي هو أن الأول ~~يحاسب نفسه «الأمارة بالسوء» ليؤدبها فيذلها ويسترقها، والثاني يحلل نزعات النفس ليدرك ~~خيرها فيعززها، ولا مشاحة أن كلتا الطريقتين تولد التردد والتذبذب وتؤدي إلى تشويش فيه ~~ضعف لا إلى معرفة فيها قوة، ولعمري إن من يقتلع شجيرة النفس كل يوم ليراقب نموها لا ~~يفوز بشيء كبير من آمال النفس العالية، والشرقي من هذا القبيل أبلغ حكمة من الغربي؛ ~~لأنه أقرب إلى التوحيد في الحياة، لا وسط عنده في أمياله ولا ظل بين النور والظلمة في ~~نفسه، الناسك عندنا ناسك، والخليع خليع. # والقس جبرائيل من هذا القبيل شرقي صميم، شرعته التوحيد في نزعاته وأمياله وتشوقاته ~~وآماله، وقد كان قصده الأكبر الاهتداء إلى طريق واحدة مستقيمة، تؤدي به إلى محجة واحدة ~~معلومة، فوجد هذه الرهبانية وسلكها عشر سنوات معتصما ms011 بمبدأ التوحيد، على أن المنعرجات ~~الزاهرة العاطرة في تلك الطريق، ونار القرى التي تضرمها الحياة في تلك المنعرجات استوقفته ~~مرارا، فمال بوجهه إليها عاطفا شيقا، مال بوجهه فقط ولم يعرج مرة عليها، ولا غرو إذا ~~استوقفته طيبات الأرض؛ فإن الغريزة البشرية لم تزل حية فيه عاملة، وللوراثة حق على الإنسان ~~لا ينكر، ولا يقهر، ولا يحتقر. # ولقد طالما غلت في صدر الراهب مراجل أهواء سكنتها الإرادة ولم تطفئ النار تحتها، نار ~~الحياة من يطفئها غير الله؟ فقد خيل إلى القس جبرائيل مرة أن تلك النار أمست ~~رمادا، ولكنه أدرك الحقيقة حين عادت سارة إلى الدير، فنفخ إذ ذاك الشيطان في الرماد فشعشعت ~~خلالها بقية نار قديمة، فسارع الراهب إلى إطفائها فلم يظفر ببغيته، فاستعاذ منها بالله ~~صابرا متجلدا، ولم يكلم سارة مدة إقامتها في الدير إلا عند اللزوم، وقلما اجتمع بها. ~~ساقتها إليه الأقدار بعد أن طوفت بها في أغوار الشقاء عشر سنوات، فترحب بها وفتح لها باب ~~الدير عملا بواجب مقدس، قربها منه تأديبا لنفسه، أحسن إليها طاقته سرا ليغفر الله ~~ذنبه، ولم يكن في إمكانه أن يعمل عكس ذلك، من العار أن يطردها من الدير، ومن الجبن أن ~~يطردها من نفسه، لذلك كان يقف في طريقه عاطفا شيقا عند تلك المنعرجات الزاهرة العاطرة، ~~فيسكره أريجها ويعبث بنفسه سحر جمالها، فيتأكد إذ ذاك أن لم يزل خلال الرماد وميض نار، تسمل ~~عينيه إذا نظر إليها وتحرق فؤاده إذا اقترب منها، ولما كانت سارة على فراش الموت أحس من ~~نفسه بارتياح استغفر الله عليه مرارا، على أنه بعد أن عرفها وسمع وصيتها واطلع على ~~سر شقائها جاشت في صدره تلك النزعات، فضاعفت الشجون فيه والعذابات. مثل لنفسه امرأة ~~وحيدة تئن في كهف قصي من ألم الولادة وتدفن بعدئذ طفلها هنالك، فترقرقت في عينيه ~~الدموع. فكر بالفتاة الغريبة وبذاك الراهب الأثيم والدها، فراعته أسرار هي في يد الزمان ~~كالعواصف في أيدي الآلهة، كأن الموت أشعل في قارعة الطريق طريقه نارا لا ms012 تضاهيها نيران ~~الحياة بشيء، كيف لا وقد ماتت سارة تاركة بين يديه وديعة عزيزة؛ صبية جميلة، واستحلفته أن ~~يحتفظ بها ويبذل الجهد في سبيلها، أن يكون لها أخا شفيقا وأبا حنونا؟ فسمع كلماتها ~~متبرما متألما كأنه يقول: وهل من نهاية لمغبة إثمي؟! آه من تلك الشعلة البشرية التي ~~يضرمها الشباب فترة من الزمن فتملأ الحياة نارا يسد دخانها آفاق النفس إلى ~~الأبد. # ولكنه وعد سارة أن يعمل بوصيتها مهما كلف ذلك، وعدا مقدسا، وهو متيقن أن شعلة الحياة ~~بل شعلة الشباب لم تزل تلتهب في فؤاده، كيف لا وهو لم يزل في الخامسة والثلاثين من عمره؟ ~~ولما شاهد مريم وديعته راعه لأول وهلة جمالها. # فتاة فتانة قد يصفها الشاعر بابنة حورية، وقد يخيل إلى السذج أنها ابنة جنية، وكذلك كانت ~~تدعى في الدير، ولا غرو فقد تجسد فيها شيء من حسن الحوريات ومن صفات مليكات الجن ~~اللواتي كانت سارة تقص قصصهن، سمراء، نجلاء، شماء، حسنة القد، دقيقة الجوانب، في وجهها ~~ما يبهت الناظر إليه فيقف حائرا بين الإعجاب والارتياب، وفي ناظريها شيء آبد لا تقيده ~~صبوة ولا يدنيه اشتياق، إذا ابتسمت أزعجت، وإذا تكلمت أدهشت، وإذا سكتت استهوت، ألا فإن في ~~فمها معنى غامضا لا يدرك سره إلا النساء ومن خبر النساء من الرجال، وفي طرفيه حركة ~~كآبة مستحبة تستحيل إذا ابتسمت حركة استهتار منكرة، شفتها القرمزية الشبيهة بثمرة ناضجة ~~تفشي إذا تحركت أسرار جفنها الدقيقة الشبيه بالألف الفارسية، وهي مع ذلك كريمة الأخلاق، ~~وفوق ذلك ذكية الفؤاد، طامحة النفس، واجفة جامحة معا، ولم يكن يشين حسنها غير تحدب ~~في طرفي جبينها، ولكن الزمان وإن والى العنيد يمحي كلمة العناد من جبينه. # وكانت مريم إذا جاش جأشها تنتفخ أوداجها وتختلج شعرات أنفها. لا شك أن «سيماؤهم في ~~وجوههم»، ولا شك أن ظواهر المرء خداعة في أكثر الأحايين، ولكنها في مريم لم تكن غير ~~صادقة، بل كانت بليغة في صدقها فصيحة في تبيانها، فتحول دون التمويه والمصانعة مهما بالغت ~~النفس المتثقفة ms013 بالاجتهاد، ولكن نفس هذه الفتاة لم تزل ساذجة صافية ناصعة، ترسل نورها ~~إلى عينها السوداء الكبيرة دون أن ينعكس في عقلها ودون أن يمر بلبها، ثابتة الجأش، جريئة ~~الكلمة، نفورة مستهترة، لا تهاب أحدا، ولا تستحي أن تجهر بما يكنه فؤادها، تنعت من تحب ~~ومن تكره لا بنعوت التفضيل فقط بل بنعوت تضحك وتغيظ، ولقد طالما قاست العذاب من محوضة ~~طباعها وحرية قلبها ولسانها. # رآها القس جبرائيل ساعة توفيت سارة، ولم يكن يعرفها وما أدرك شيئا من معاني نفسها، ~~ثم عاد بها إلى الدير أصيل ذاك النهار، وكانت شمس الربيع قد مالت إلى الغروب، فأحنت على ~~الأرض بأشعتها الهادئة الناعمة؛ فماجت الألوان في الحقول الخضراء، وعلا الاصفرار جبين جبل ~~طابور، وبدت الناصرة ببيوتها البيضاء وسطوح أديرتها الحمراء كجزيرة كونت من اللؤلؤ ~~والمرجان. # وقف القس جبرائيل في ظل زيتونة قرب الدير، ونظر إلى مريم وقد توهجت من البكاء ~~عيناها، فألقى يده على كتفها يلاطفها ويسكن جأشها، ثم سألها قائلا: هل أنت مبسوطة في ~~الدير؟ # فأجابته على الفور: لا. ~~- لماذا؟ فسكتت مريم عن الجواب. ~~- أخبريني يا بنتي ولا تخافي، إني عامل ما يرضيك إن شاء الله ويسرك، أيتعبك الشغل في ~~الدير؟ ~~- لا، أدخلوني المدرسة منذ ثلاثة سنوات، ولا أخدم اليوم إلا في غرفة الأكل. ~~- لماذا إذن لا تحبين الدير، أتظلمك الرئيسة؟ ~~- لا، لا، الرئيسة تحبني كثيرا. ~~- أتضربك المعلمة؟ ~~- ضربتني مرة فأخذت القضيب من يدها وكسرته، فركعتني على الحصى أربع ساعات. ~~- لذلك تكرهين الدير؟ ~~- وحبستني في القبو يومين بلا أكل ولا شرب؛ لأني قلت: إنها مثل الجنية تفتش عن مارد ~~لتربطه بمسبحتها، كنت أعتني بغرفتها وبثيابها، فأعرفها. دخلت عليها مرة فرأيت المارد ~~عندها، المارد القس يوسف خادم الدير، يا ربي، يا ربي، القس الذي يأكل جسد الرب كل يوم ~~ولا يشبع رأيته ... # فأظلم جفن القس جبرائيل وقاطعها قائلا: أنت تكرهين المعلمة إذن ولا تكرهين ~~الدير. ~~- بلى، أكره المعلمة والدير. ~~- ولماذا تكرهين الدير؟ أخبريني ولا تخافي، فلا أبوح بذلك. # فرفعت مريم رأسها قائلة: وإذا ms014 بحت لا يهم، أنا دائما أقول للراهبات: «إن الدير مثل ~~الحبس.» وقد ضقت فيه صدرا، أحب أن أتفرج في المدينة، أحب أن أتنزه في البرية، هذه أول مرة ~~خرجت من الدير، ولولاك لما آذنت الرئيسة بذلك، هذه أول مرة مشيت في أسواق المدينة، يا عمري! ~~ما أحلاها وما أحلى دكاكينها وما أحلى روائحها، وما أجمل الزهر في الحقول والورد في مصاطب ~~البيوت، هنيئا لأصحابها - قالت هذا وهي تصعد الزفرات. ~~- وهل تكونين مسرورة في الدير إذا أذن لك بتنزيهة كل أسبوع؟ ~~- لا، لا، لا أحب الدير أبدا، أكره روائح الغرف فيه، وأكره روائح الزيت والبخور، وأكره ~~سكوت الراهبات؛ أدخلتني الرئيسة مرة إلى غرفتها فأجلستني إلى جنبها وأخذت تقبلني وتضمني إلى ~~صدرها وهي ساكتة فخفت منها وصرخت، فهمست في أذني كلمات لم أفهمها، وطفقت إذ ذاك تبكي وهي ~~تحجب وجهها بيديها. ~~- وهل أخبرت أحدا غيري؟ ~~- أي شيء؟ ~~- أن الرئيسة تحبك. ~~- أخبرت سارة فقط، ولكن الرئيسة تحب زلفا كما تحبني وزلفا أخبرتنا كلنا. ~~- الرئيسة تحب كل البنات يا بنتي؛ هي أمكن والأم تحب أولادها، فلا يشق عليك إذا ~~أحبت غيرك مثلك. ~~- سامحني اغفر لي! وأخذت يده تقبلها وهي تقول: خلصني من الدير، خلصني من الدير، آه ما ~~أحلى روائح الربيع في البرية، وقد قالت الرئيسة إنها تلبسني ثوب المبتدئات، فقلت لها: الكفن ~~أحسن. الله يرحمك يا سارة، وعدتني منذ أسبوع أن تخلصني من الدير! وشرقت مريم بريقها وهي ~~تمسح بكمها الدموع المتساقطة على خديها. # فأخذ القس جبرائيل يدها، وقد أعجب بنحافتها وأنيق سبكها ولدن أناملها، فقال وهو يرمقها ~~بعين العطف ويكظم غيظه: سأخرجك إن شاء الله من الدير، ليطمئن بالك. # فقبلت مريم يده شاكرة، ودخلت الدير وهي تضطرب مما تجاذب نفسها من الهواجس والعواطف ~~المتضاربة، فكرت بسارة فاغتمت وذرفت الدموع، فكرت بحالها وبقرب خلاصها من الدير فخفق ~~قلبها جذلا وخفت نفسها سرورا، وفكرت بالراهب فمثلته أمامها بنظراته وبصوته وبعطفه ~~وحنانه، فأحست من نفسها بارتياح يمازجه شعور لم تدرك سره ومعناه، لم يخاطبها أحد ms015 حتى ذاك ~~اليوم بمثل صوته الناعم غير سارة، ولم ينظر إليها أحد بمثل عينه الرءوفة غير سارة، وأما ~~نظرات الراهب وكلماته فلمست في قلبها وترا جديدا، فتموجت رناته في عروقها فاهتزت لها كل ~~جوارحها، أحست أن في صدرها عصفورا مقيدا، فمد الراهب إليه يده وفك جناحيه، فراحت تلك ~~الساعة تحلم الأحلام، وتمثل لنفسها نعيما ربيعه لا يزول وجماله لا يحول. # دخل القس جبرائيل إلى الدير مضطرب النفس فخرج منه يحتدم غيظا، حدث الرئيسة بشأن ~~الفتاة فتأكد أولا أصلها، رآه مسجلا في سجل الأيتام واللقطاء في يوم عيد الصليب سنة 1885، ~~طفل واحد لا غير، ابنة شهر أو أقل، وجدت على باب الدير صباح ذاك اليوم، فعمدت ودعيت: ~~مريم، وهي لم تزل في الدير، هي مريم بعينها، مريم ابنة سارة، ثم أخبرته الرئيسة عن سلوك ~~الفتاة وأطوارها، وقد علمت أنه يريد أن يخرجها من الدير، فقالت: البنت يا محترم نبيهة ذكية، ~~ولكنها عنيدة، وقحة، وعينها شاردة، ولسانها فالت، البنات في الدير لا يحببنها والراهبات ~~يلاطفنها ويبذلن الجهد في إصلاحها، وكثيرا ما يقاسين منها، أما أنا فأعجب بذكائها وأحبها، ~~وقد بذلت جهدي في سبيلها، فأدخلتها المدرسة منذ ثلاث سنوات لما توسمت فيها من الذكاء، وهي ~~الآن تحسن القراءة والكتابة في اللغتين الإفرنسية والعربية وتحسن الإنشاء في اللغتين أيضا، ~~وقد أخبرتني المعلمة أنها آية في الحفظ؛ إذا قرأت أمثولتها مرتين ترويها دون غلط، ويسرني أن ~~أخبرك أنها ابتدأت هذه السنة تصلح سلوكها فوعدتها بثوب المبتدئات. # وأخذت الراهبة تفرك يديها وهي تبتسم ابتسامة الارتياح والرضى. ~~- وهل هي تميل إلى الترهب؟ ~~- الفتاة لا تعرف صالحها، ومن كانت في عمرها لا ينبغي لها أن تسترسل في هوى قلبها، وأنت ~~تعلم يا محترم حالة هؤلاء البائسات اللواتي تقذف بهن الأقدار والمآثم إلى هذا الدير، فإذا ~~عشن دون قيد ودون إرشاد يقعن في ما وقعت به أمهاتهن، فالدير بيتهن، وخلاصهن في الخدمة وفي ~~الانقطاع إلى الله، ومن نستأنس بها النباهة والورع والذكاء نرقيها؛ لذلك أنصح لك أن تترك ~~مريم ms016 عندنا. ~~- ولكنها لا تحب الدير ولا تميل إلى الترهب. # فاضطربت الرئيسة وعمدت إلى مسبحتها تلعب بها لتخفي اضطرابها، ثم قالت وصوتها يكشف ما ~~حاولت إخفاءه: يا قس جبرائيل أنت أعلم بهؤلاء البنات مني، فهن لا يعرفن صالحهن، ~~ومريم أكثرهن عماوة وجهلا، ولسانها عدوها الألد، لا ينجو أحد في الدير من شره، تشتم ~~البنات، وتهين الراهبات، وتعير حتى القس يوسف خادم الدير، فقد قالت: إنه تيس مكسورة ~~قرونه. دائما تهين معلمتها وتقول فيها: إنها جنية تفتش عن مارد، لا أعلم من أين تجيئها ~~هذه الألفاظ، ولكن أظن أن فيها شيئا من أخلاق الجنيات، ألا ترى أنها تشبه بنات النور؟! ~~فكيف تكون حالة مثل هذه الفتاة إذا خرجت من الدير؟ اتركها عندنا ولا تتعب رأسك، ليس مثل ~~الدير بيت لتأديب النفس واقتلاع الأشواك منها، والأشواك في نفس مريم كثيرة طالما أدمت ~~أيدينا، وأنت تعلم أننا لا نؤذن لمثلها بالخروج من الدير؛ لأننا مسئولون عنها، وما خرجت من ~~عندنا خادمة إلا وكان أسيادها راضين بها معجبين بسلوكها، ومريم لا تصلح خادمة، أنا أعرفها، ~~وأحبها رغم عنادها وقحتها وتهورها، وأحب أن أصلحها وأرقيها، وطالما جربتني، فصبرت ~~قائلة: من أجل آلامك يا يسوع، فلا تتعب يا قس جبرائيل رأسك بها، اتركها عندي. # فنهض القس جبرائيل عن كرسيه متبرما، وأجابها قائلا: يا حضرة الرئيسة توفيت امرأة صباح ~~اليوم عندنا وأوصتني ساعة نزاعها بمريم، فقبلت الوصية، فصرت مسئولا عنها أكثر منك، سأنظر ~~إذن في أمرها وأخبرك عما قريب إن شاء الله بما أعول عليه وأظنه خيرا لها، نهارك ~~سعيد. ~~- نهارك سعيد ومبارك، صل من شأني ولا تنسني في دعائك. ~~- دعاء الصالحين. # وخرج من الدير كمن يخرج من بيت يحترق، أو كمن يخرج من ردهة التشريح في المستشفى، قلبه ~~كحبة الخردل، ونفسه كليلة كانون. ~~- دعاء الصالحين! دعاء الصالحين؟ وهل في الأرض صالح أو صالحة يا رب؟ # وراح يخاطب نفسه ويساجلها فيرفع تارة صوته دون انتباه، وتارة يقف في الطريق؛ ليسمع صوت ~~ضميره. ~~- صحيح، صحيح، صحيح ما يشيعه الناس ms017 ، صحيح ما طالما سمعت وكذبت، بنات يولدن بالإثم ~~ويربين في المفاسد، يأكلن خبز الإحسان وقد عجنته يد الحيف السوداء وخبزته يد الخبث الصفراء، ~~نتصدق على الأشقياء والفقراء ونتبجح، نكد أبناء نعمتنا ونرهقهم ونصمهم فوق ذلك وصمة ~~تلصقهم بحضيض الذل حياتهم، هذه المعاهد الفخيمة؛ معاهد الإحسان المتعددة عندنا إنما هي ~~السبب الأكبر في دوام الذل والفقر والشقاء في بلادنا، هي التي تمهد للشاب طريق إثمه، هي ~~التي تنير ظلمات الشقاء للأمهات وللبنات فشيقين، وا أسفاه، بما يرين وما يعلمن! كيف لا ~~وأبواب الأديرة مفتوحة لاقتبال ثمرة ضلالهن وجهلهن؟! بنت تولد في ظلمات المآثم فتربى في ~~ظلمات الخباثة والفساد ليتها لم تولد! بنت ترضع حليب البغض وتأكل خبز المذلة وتحبس في ~~الدير تأديبا لنفسها؛ فتموت النفس من كثرة التأديب ولا يبقى من الشقية غير جسد تعذبه ~~رئيساتها بالقضيب تارة وتارة بالرجاسة، ليتها لم تجبل طينة ذاك الجسد، خير لأبناء الفقر ~~والشقاء والإثم أن تقفل دونهم أبواب الشفقة والإحسان، فيصلحون أنفسهم بأنفسهم أو يموتون ~~ويرتاحون؛ راهب يخطف ابنة من الدير! فتاة تفر هاربة من الأسر والظلم فيفترسها أحد ذئاب ~~الشهوات، دير البنات! هو مسلخ يسرق منه الجائع قطعة من اللحم، خارج الدير ذئاب كاسرة ~~وداخل الدير حيات متورعة، فكيف تنجين أيتها الشقية؟ مريم محقة بشكواها، والرئيسة مصيبة ~~بكلامها، إذا ظلت الفتاة في الدير تشقى، وقد تشقى إذا خرجت منه، ولكن الغريزة التي تستنفر ~~الفتاة من الدير أصدق من الحكمة التي تقضي بأسرها، نعم، نعم، قد يخفي الثوب الأسود عيوبنا ~~ولكنه لا يزيلها، والذين ينظرون إلى الدير كالحبس لا يجب أن يؤسروا فيه، إذا خرجت الفتاة ~~منه وكانت حياتها حياة بؤس وشقاء ففي تحقيق رغبتها الأولى شيء من العدل والتعزية، لا، لا، ~~لا، النفس لا تنمو بالأسر والتشذيب، بل بالتربية والحرية، حرية المرء مقدسة، حريتك يا مريم ~~مقدسة. مسكينة الرئيسة! مسكينة الرئيسة! أتموت النفس جوعا وقد فقدت حريتها؟ أقبلة تحيي ~~وقبلة تميت؟ سكرة النفس تشفي مرض الجسد، فهل تشفي سكرة الجسد مرض النفس؟ الطف ms018 اللهم ~~بنا، اغفر اللهم ذنوبنا، ذنوبنا؟ ذنوبنا؟ وهل تكون الأمراض ذنوبا؟ هل يعد الضعف ~~البشري إثما، مسكينة، مسكينة! # وصل إلى الدير فدخل الكنيسة وسجد أمام القربان المقدس ساعة، صلى صلاة المساء ثم طفق ~~يتمشى في الرواق وسبحته في يده. ~~- «أبانا الذي في السموات ... اغفر لنا ذنوبنا، لا تدخلنا في التجارب، نجنا من الشرير ~~أمين.» # ثم دخل حجرته وأشعل شمعة فيها وأخذ كتاب «الاقتداء بالمسيح» وظل يقرأ فيه حتى نصف الليل، ~~ونام عندئذ مطمئن النفس، هادئ البال، كأن لم يحدث ذاك النهار أمر ما خطير، كأن لم يطلع ~~على أسرار تجعل الحياة البشرية لعنة في الأرض، ولكنه حلم حلما مزعجا تلك الليلة ~~سمع فيه صوتا يكلمه قائلا: اترك الفتاة مريم في الدير، خير لك ولها. فاستفاق القس جبرائيل ~~مذعورا ورسم شارة الصليب مستعيذا بالله: «أبانا الذي في السموات ... لا تدخلنا في التجارب، ~~نجنا من الشرير، آمين.» ثم أشعل الشمعة وفتح «الاقتداء بالمسيح» فقرأ بضع صفحات ونفسه ~~مضطربة وفكره متضعضع، فنهض من ساعته ولبس ثوبه وخرج إلى الرواق يصلي صلاة الفجر. # وفي تلك الساعة أشعلت الزهراء مصباحها الذهبي فوق قمة طابور، فلمست أشعته عين المرج ~~النائم في مهد الجبال بين السامرية والجليل، فاستحال اسمرار وجهه اصفرارا عليه غشاء رفيع ~~من نسج الندى والنسيم، وكان ربع القمر قد دنا من البحر وقد احمرت جوانبه فشابه سيفا ~~مخضبا، أو قلامة ظفر محني، أو قطعة بطيخ على طبق من اللازورد، وجبال عجلون وقد ~~نظرت إلى القمر والزهراء قبالها أخذت تخلع سرابيلها السوداء؛ لتستحم بنور الفجر الذي يبدو ~~كذوب الرصاص فيسيل كذوب اللجين فيتدفق كعصير الرمان. # وقف القس جبرائيل في رواق الدير، فأسكره هذا المشهد البهيج وأنساه صلاته، بل حرك لسان ~~النفس فيه فنطقت بصلاة أسمى وأجمل، نظر إلى الحقول حوله فرآها تهتز جذلا، وتتماوج حبا، ~~وتتلألأ على صدرها قبلات الندى. نظر إلى الناصرة على منحدر الجبل تحته فإذا هي نائمة مطمئنة ~~هادئة آمنة، تعطر أحلامها الأزاهر اليقظى في مصاطب البيوت وجنائن الأديرة، وتتهادى حولها ~~أغصان ms019 الزيتون يقبلها نسيم الليل، وتداعبها أنامل الصباح. # ثم طرقت أذنه أصوات الفجر وقد خرجت من سكينة الليل تشاطر الجبال والمروج أفراحها، في ~~طيقان القناطر فوقه وتحت القرميد يعشش الحسون والسنونو، فسمع حفيف الأجنحة وزقزقة الصغار في ~~أوكارها، خرجت الأم تسعى لصغارها وهي تسبح جذلة طربة، وقرع جرس إحدى الكنائس التي يقدس ~~كاهنها باكرا من أجل الفعلة فيصلون قبل أن يسيروا إلى أشغالهم في الحقول، وفي حارة ~~الإسلام رفع المؤذن صوته الرنان وهو يدور في مأذنته كالشمس في فلكها فتردد الجبال ~~شرقا وغربا صدى كلماته، هيوا على الفلاح، هيوا على الصلاة، وهناك على ذاك السطح رأى شيخا ~~يفرش سجادته ليصلي صلاة الفجر: بسم الله الرحمن الرحيم ... مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك ~~نستعين، اهدنا الصراط المستقيم. رآه يسجد سجداته فشاركه القس جبرائيل بصلاته، وعلى سطح ~~آخر أحيطت به مصاطب الحبق والرياحين أناس يشربون القهوة ويدخنون الأركيلة وهم يمزحون ~~ويضحكون، وفي الطريق خارج الناصرة تسمع أصوات القافلة فيردد المكارون الأدوار على رنات ~~أجراس البغال ويضحكون ضحك أبناء الفلوات، وقد خلت قلوبهم من الهموم وملأ نسيم الصباح أنفسهم ~~فزادها سرورا ونشاطا. وفي طريق العين رأى القس جبرائيل امرأة تحمل الجرة على رأسها ~~والسبحة في يدها، خرجت من بيتها باكرة، كما خرجت الحسونة من وكرها؛ تسعى لصغارها. # توهج الفجر فأيقظ الأرض وبنيها، فرددت القوافل والأجراس والمؤذنون والأطيار صدى ~~أصوات التسبيح، بل صدى أصوات تلك النفوس البسيطة الخاشعة الصافية، فهتف الراهب قائلا: ما ~~أجمل هذه الساعة، وما أقدسها! هنيئا لقلوب يسكرها سكوت الفجر وأريجه وأنفاحه وأنواره، ~~ليت الحياة ساعة من ساعات الفجر! # وفي تلك الآونة مرت فتاة تحت رواق الدير مسرعة واجفة، فطرقت أذن الراهب خطواتها ولم ~~يكترث، بل رفع صوته يصلي: «اجعل اللهم حياة البشر هادئة صافية كفجر يومك. ارفع اللهم ~~قلوب البشر إلى جبال قدسك؛ فيجلوها نسيم الحب ويعطرها أريج السلام.» # سمعت الفتاة الصوت فعرفته، فدخلت الدير مسرعة مستبشرة. ~~- «سدد اللهم خطوات المصعدين في جبالك، وطد اللهم مقاصد الشاخصين إلى نجم فجرك، ~~خفف ms020 اللهم بؤس البائسين، أنر طريق الضالين، أطلق سراح المأسورين.» # وكانت الفتاة قد صعدت إذ ذاك إلى الرواق، فسارعت إلى القس جبرائيل تقبل يديه ~~وتصرخ: دخيلك، دخيلك، لا ترجعني إلى الدير. ~~- مريم! مريم! ماذا جرى؟ ~~- دخيلك، دخيلك، هربت من الدير، مساء أمس بعد أن تركتني استدعتني الرئيسة إلى غرفتها ~~وضربتني حتى كدت أموت؛ لأنني شكوت مصيبتي إليك. ~~- وكيف خرجت؟ وكيف جئت إلى هنا؟ من دلك؟ ~~- الله خلصني والله دلني، جئت أفتش عنك، فأسمعني الله صوتك ... سمعت صوتك فعرفته، دخيلك ~~ما لي غيرك، لا ترجعني إلى الدير، أموت ولا أرجع. ~~- ليطمئن بالك يا بنتي، سكني روعك، تعالي معي. # ومشى القس جبرائيل قدامها إلى الكنيسة. ~~- ادخلي يا بنتي، صلي ليوفقك الله، وانتظري في الكنيسة إلى أن أعود. # | الفصل الثالث # في الحياة قوة خفية تجمع الناس وتفرقهم لغرض غامض قلما يدرك سره، بل في الحياة ~~سحر قد يكون سماويا وقد يكون جهنميا يجذب الأضداد بعضهم إلى بعض ويوقد في قلوبهم شعلة ~~الحب التي توحد بين أكبر القلوب وأصغرها، وأنورها وأظلمها، ليس بين بشرين تناقض أبلغ ~~وأشد مما بين القس جبرائيل وأخيه يوسف أفندي مبارك؛ العضو المسيحي في محكمة الناصرة، ~~والوجيه المقدم في قومه، وهذا التناقض الروحي والعقلي يزول دائما عند المصافحة. # يوسف أفندي في العقد الرابع من العمر طويل القامة قوي الساعد دموي المزاج، جاحظ ~~العين، ضيق الجبين، طلق المحيا، كريم النفس بسيطها، ثلاثة في الحياة تهمه فوق كل شيء ~~وتستهويه، ثلاثة يحذر منها الأنبياء، وينشدها بعض الحكماء، ويتغزل بها الشعراء، ويوسف أفندي ~~لا يحفل كثيرا بما جاء في الكتب المقدسة ولا في دواوين الشعر؛ فهو لا يميل إلى المطالعة ~~ولا يهمه الأدب والأدباء، يشره إلى اللذات لغريزة فيه، ويرغب بطيبات الحياة دون أن يستأثر ~~بها، جليسه أخوه، وضيفه سيده، لطيف المزاج، خفيف الروح، كبير القلب، يقدس الضيافة والألفة ~~ويمجد الوجه الوسيم والمائدة الفخمة، ولا عزيز عنده أعز من قنينة معتقة وصديق «معتق» ~~يشاركه شربها. # على أن انهماكه باللذات واسترساله في الشهوات لا تصده ms021 عن القيام بواجباته البيتية ~~والعمومية، فيسعى في سبيل الحق وفي سبيل الناس ما استطاع، وقد امتاز عن زملائه مأموري ~~الحكومة باستقامة ضميره وطهارة ذيله؛ فأحبه الناس لعدله ونزاهته، وأحبه زملاؤه لكرم نفسه ~~وخفة روحه، وما أشبه بيته بناد لإخوانه وأقرانه، بل ما أشبهه بنزل لكل لائذ بعدله ~~وإحسانه، ولا ينكر أن بعض السعاة والوشاة كانوا يقولون: إن بيت يوسف مبارك عش للدسائس ~~وملطأ للمعاثر، على أن المقيم في جواره، النافر من دخان ناره، قد يخطئ الظن إذ يرى ~~الرؤساء؛ دينيين ومدنيين من رهبان وكهان ومأمورين، يؤمون داره؛ حبا بنبيذه المعتق ~~وشغفا بطاولة القمار التي تترأسها زوجته الست هند، أو رغبة في فنجان قهوة فقط من يد إحدى ~~جواريه الرعابيب. # ويوسف أفندي يحترم أخاه الراهب احتراما لا غش ولا تكلف فيه، ويرتاح إلى حديثه، ويجنح ~~غالبا إلى رأيه، ولم يكن القس جبرائيل ليرتاب مرة في حبه لأخيه يوسف، ولقد طالما قال في ~~نفسه، بيت أخي مثل ديري، وحبذا كرمه وعدله وإحسانه في سبيل إخواني الرهبان، ولقد أدرك كلا ~~الأخوين شيئا من الحقيقة في نفسه وفي أخيه ولم يدركها كلها، فالسيئات تولد الحب مثل ~~الحسنات، وضعف المرء يزين الضعف في سواه. أجل، فإن المرء يستأنس بنقص في أخيه شبيه بنقص ~~فيه، ناسك يجوع جسده، وخليع يجوع نفسه، فالجوع إذن يجمع الاثنين ويؤلف بينهما. # لما ترك القس جبرائيل مريم في الكنيسة جاء توا إلى بيت أخيه فرآه يدخن الأركيلة ويشرب ~~القهوة في فناء الدار وهو متربع على الديوان لابس فوق قميص النوم عباءة حرير زرقاء، فنهض ~~هاتفا إذ رأى القسيس أخاه: ما شاء الله! ما شاء الله! على غير عادتك يا شيخ، ولكن الرهبان ~~ينهضون باكرا. ~~- صحيح، وينامون نصف النهار، الساعة الثالثة بعد الظهر هي نصف الليل عندنا. ~~- هنيئا لمن ينامون، أنهكني الأرق، حرق ديني، وصفق كفا على كف فحضرت الصانعة. ~~- هاتي جمرة، واعملي أركيلة وقهوة للقس جبرائيل. ~~- لا، لا، لم أقدس بعد. ~~- عجيب أمركم، ألا تشربون الخمر في القداس وتحرقون البخور؟ فالقهوة ms022 نوع من الخمر، والتنبك ~~مثل البخور، يسرها، هاتي يا بنت أركيلة وقهوة. ~~- يظهر أن الأرق ينفعك، أفلا ترى أنه يشحذ قريحتك ويجلو نفسك؟ ولعمري إن من يحسن الأسخان ~~... فقاطعه أخوه قائلا: المصيبة يا شيخ أنك دائما تدور الدورات «ممتطيا صهوة الفصاحة» هذه ~~عبارة عربية تعجبك، سمعتها البارحة ففلقت ذهني وعلقت فيه، انزل إذن عن ظهر الفصاحة واجلس ~~إلى جنبي، فإني والله مشتاق إليك، ما زرتنا منذ شهر، وإذا كنت تريدها بالملعقة فاعلم أن ~~حضورك وليس الأرق يشحذ القريحة ويجلو النفس. # وجاءت إذ ذاك صانعة حسنة الوجه والقد والحركة، تحمل أركيلة عجمية فخمة في مائها ورد ~~وياسمين، فأثبتتها على السجادة وقدمت النربيش ويدها اليسرى على صدرها إلى القسيس، فأخذه ~~باسما وألقى به على الديوان، ثم جاءت صانعة أخرى بفنجان من القهوة في ظرف من الفضة على ~~صينية من النحاس الشامي الثمين، فأخذه القس جبرائيل واستنشق منه قليلا، وقدمه إلى أخيه ~~قائلا: بنكم عاطل جدا. ~~- وعذرك مثل بننا، بالله قل لي، ما الفرق بين الاستنشاق والشرب وبين الشم والذوق، هل ~~الفم لك والأنف لغيرك؟ ~~- ما جئت هذه الساعة أباحثك في علم الفيزيولوجيا، كم خادمة عندكم اليوم؟ ~~- عرضنا كل ما عندنا الآن. ~~- اثنتان فقط. ~~- والطابخة، ولكن تعرف امرأة أخيك فقد تطرد واحدة منهن أو تطردهن كلهن غدا، فهي لا تطيق ~~خادمة عندها أكثر من شهرين والخادمات لا يطقنها يوما واحدا. ~~- أعرف فتاة تعجبك. ~~- لا يفيد، ينبغي أن تعجب الست هند. ~~- وهذا ما أعنيه، تعجبها كثيرا، فتاة ذكية فهيمة خفيفة الحركة نشيطة بارعة، ولكنها ~~عنيدة، وينبغي لكم أن تداروها في أول الأمر، الفتاة عزيزة علي، وقد أوصيت بها وهي لا تحب ~~أن تخدم في الدير، وأحب أن تخدم عندكم لتظل تحت مراقبتي، أوصيك بها خصوصا. ~~- وكم عمرها؟ ~~- ست عشرة سنة. ~~- وهل تحسن الخدمة؟ ~~- كانت تخدم في غرفة المائدة. ~~- وأين هي الآن؟ ~~- عندي، تنتظرني في الكنيسة، سأجيئكم بها بعد القداس. # وهم القس جبرائيل بالانصراف، فمشى أخوه معه حتى الباب ثم قال: وما هذه الإشاعات ~~التي ms023 يشيعونها عنك؟ كيف حالك وإخوانك الرهبان؟ سمعت البارح أن رئيس الدير ينوي أن ينقلك إلى ~~لبنان. ~~- لبنان أحسن من الناصرة. ~~- والامرأة سارة التي توفيت البارح، أصحيح ما يقال: إنها ... ~~- هي أم الفتاة التي حدثتك بشأنها. ~~- أم الفتاة؟ أولم تكفك الأم وما أشاعوه عنها وعنك؟ ~~- الله وحده يعرف ما في قلبي، الله وحده يدينني، ولا أسألك أنت يا يوسف غير أمر واحد؛ ~~أن تساعدني في تربية هذه الفتاة، وأن ترمقوها بعين العطف والحنان وتعاملوها بالمعروف، ~~سأجيئكم بها اليوم. # وعندما ودع أخاه كانت الست هند خرجت من غرفتها فرأت الراهب في الباب، فسألت زوجها: ~~ما الغرض من زيارته؟ فأخبرها، فسرت بذلك؛ لأنها تتمكن إذا جاءت الخادمة الجديدة من طرد ~~إحدى الثلاث عندها؛ أي الجميلة فيهن. # | الفصل الرابع # مثل الست هند من النساء تدعى عند العرب الأخصائيين: امرأة زنمردة، ولكننا نكتب ~~لأبناء العرب لا لأجدادهم ولجمهور الناس لا للأخصائيين، لذلك نتحرى البساطة في الوصف ~~والتعبير، ولكن اللبيب إذا تدبر هذه اللفظة العبلة الرجراجة وحللها يجد فيها ألفاظا ~~عديدة تدل على ذكاء واضعها وصفات المتصفة بها، كيف لا وفيها: «زنى» و«مرد» و«تمرد» وغير ~~ذلك من مفاتيح أسرارها، ولكننا لا نرمي الست هندا بها؛ لأنها تكبر تارة على بعض معانيها ~~وتارة تصغر عنها، ففي لغتنا وطريقتنا إذن نحاول أن نفيها حقها. # الست هند ربيبة السويداء وعشيرة الرهابين، كأنها أدركت قول الشاعر: «ولكل شيء آفة من ~~جنسه» فراحت تداوي سويداءها بسود الثياب وسود اللحى، وكانت تتدخل في سياسة الأديرة لسد فراغ ~~في وقتها، فتلعب بالرهبان كما تلعب بالقمار، وتدخن الأركيلة عند جثة خصمها كما لو كانت تقرأ ~~في ديوان أحد شعرائها المحبوبين، وهي آية في الحفظ، ترغب بالمطارحة وتحب المكافحة، فترمي ~~جليسها ببيت شعر من صفي الدين الحلي، أو زهير أو الفارض فتصرعه وتحرق فؤاده، ثم تزجر ~~الخادمة وتضربها لإبطائها بكأس ماء أو فنجان كنياك، ولم تكن في الناصرة امرأة تحسن مثلها ~~لعب القمار ورواية الأشعار وسياسة الرهبان وزجر الخدم، والسبب في غوايتها وأدوائها ظاهر ~~بسيط، ms024 فقد تزوجت صغيرة، وخبرت الحياة الزوجية صغيرة، وكبرت صغيرة، اجتازت أربع ~~مرات جحيم الولادة قبل أن تجتاز الخامسة والعشرين من سنها، ولم يعش من أولادها غير ~~واحد ربي منعما، فنشأ مخنثا، فشب شقيا، تلقن شيئا من العلوم في كلية من كليات ~~بيروت، فدفنه في مواخيرها وقهاويها قبل أن يعود إلى بيته، وتعرف برجال الشحنة وزار مرة ~~السجن إتماما لدروسه، وكان يدمن الخمرة احتراما لأبيه ويقامر حتى الفجر توقيرا ~~لأمه. # ولقد طالما استلفت القس جبرائيل نظر الأبوين إلى ابنهما عارف وحذرهما من عواقب أمره، ~~فأغفلت الست هند نصيحة سلفها وكرهته؛ لأنه لم يكن مثل سائل الرهبان من عباد محاسنها، فلا ~~يحضر مجلسها ولا يحرق البخور أمامها ولا وراءها، وما الراهب في عينها غير باب فرج للمرأة ~~أو ستر لسوءتها، ومتى كانت المرأة مثلها كريمة المحتد ربيبة المجد ينبغي أن يكون ~~الراهب خادما لها، وإذا كانت جميلة أيضا ففارسا من فوارسها ومجاهدا في سبيلها، ولكن ~~محاسن الست هند ولت باكرا، فلم يبق منها غير سحر في لحظها وخلابة في لسانها، وحركة تغري ~~عند إدبارها. # وكان بيتها صورة مجسمة لنفسها، يضج بالأمتعة الفخمة النافرة بعضها من بعض، ويمثل في كل ~~غرفة منه مأساة كل يوم، فترى الذوق مذبوحا على الديوان، والترتيب مشنوقا في الدار، ~~والاقتصاد مجندلا عند قدمي البذخ والإكثار. # تظل الصورة مثلا مائلة أو مقلوبة على الحائط شهرا فلا تستلفت نظر الخادمة إليها ولا ~~تحفل بها، يجد الزائر السكاير مبددة على الدواوين والطوائل والكراسي، فإذا أحب إشعال سيكارة ~~تفتش الخادمة ساعة عن علبة الكبريت، ثم تجيء والفوز يتلألأ في وجهها حاملة بملقط صغير جمرة ~~كبيرة ويدها اليسرى كالصينية تحتها، فتتفتت الجمرة، فتحرق يدها، ثم السجادة ثم الديوان، ثم ~~ثوب الزائر، ولا ينجو من الحريق غير السيكارة السعيدة الطالع. في روض الست هند العاطر ~~يذبل الورد على صدر أمه ويموت، والأواني الصينية الفخمة في بيتها تئن وتتأوه من الأزاهر ~~الاصطناعية فيها. في غرفة الست هند على مغسلة من الجوز فاخرة تزدحم قناني العطر ms025 والطيب، ~~وحناجير الأدهان والمعاجين، وعلب المساحيق، والأدوية والزيوت لتحسين البشرة وتطويل الشعر، ~~وليس هناك مقراض أظافر أو فرشاة أسنان. # وهذه أمثلة صغيرة من غرائب هذا البيت وسيدته قبل أن دخلته مريم، ولم يمض عليها شهران فيه ~~حتى تجلت في ترتيب فرشه وغرفه وأمتعته وأوانيه روح أنيقة جديدة، وقد أحدثت فيه ثورة لا بد ~~من تدوينها، وبدعة في غرفة المائدة تستحق الذكر. # دخلت مريم صباح يوم حجرة سيدتها تحمل باقة من الورد، وضعتها في الإناء الذي كان فيه أزاهر ~~اصطناعية، ورفعته تبتهج وتقول: أليس الورد يا معلمتي أحسن من هذا القماش الوسخ؟ فأجابتها ~~الست هند: بلى بلى الحق معك، فسرت مريم باستحسان سيدتها وأقدمت على العمل الذي كانت تفكر ~~فيه، ولقد طالما ثار ثائرها على الزهور الاصطناعية فوجدت في بيت مبارك ما يكفي لإضرام نار ~~الثورة في سبيل عرائس الحقول وربات الرياض، وكانت تأخذ كل يوم طاقة من تلك الطاقات ~~الكبيرة التي تضيع الراهبات في صنعها وقتهن الثمين، وتخبئها في غرفتها وتضع في الإناء ~~مكانها إضمامة من أزاهر الجنينة ورياحينها، ولما خلعت كل تلك العرائس الكاذبة من عروشها ~~جمعتها ذات ليلة على السطح، وسكبت فوقها إبريقا من زيت البترول ودعت الخادمات رفيقاتها إلى ~~الجنازة، ولما حضرن أضرمت في تلك العرمة النار، وأخذت بأيديهن فرقصن حولها ضاحكات، ومريم ~~تصيح مقلدة اليهود الدوارين، خام وشيت ومقصور! # ولم يغظ هذا العمل الست هند مثلما غاظها قول مريم: إن مغسلتها تفتقر إلى فرشاة ~~أسنان. ~~- يقطع عمرك! وأين رأيت أنت فرشاة أسنان؟ ~~- عند الرئيسة في الدير، وهي تنظف أسنانها صباح مساء، يا عمري ما أجمل أسنانها! ~~- أجمل من أسناني يا مريم؟ ~~- أسنانك يا معلمتي صفراء. # فاكفهر وجه الست هند وهمت بضربها، فاستدركت الفتاة قائلة: لا تؤاخذيني ولكن الرئيسة لا ~~تدخن بالأركيلة مثلك، الله يقطع الأراكيل فهي توسخ الأسنان. ~~- اسكتي، وقحة، ثرثارة! # وبعد أيام رأت مريم فرشاة أسنان على مغسلة سيدتها، فضحكت وقالت في نفسها: ما أحلى معلمتي! ~~تشتمني وتقبل نصيحتي. # والحق يقال: إن الست هند تحب ms026 مريم سرا وتعجب بها، وتكرهها سرا أيضا وتخشاها؛ ~~لأنها أجمل وأبرع خادمة دخلت بيتها، وكانت إذا أثنى زوجها على الفتاة تسكت أو تغير ~~الحديث. ~~- يا هند ما رأيت زماني مثل هذا الترتيب في البيت. # فنفرت قائلة: وما علمك أنت بالترتيب، لا تدلع الخدم فيظل البيت مرتبا. # فلم يحفل يوسف أفندي بما قالت: وهذه الأزهار، جميلة! جميلة! كأن الجنينة جاءت تشاركنا ~~بيتنا. ~~- وأنت تشارك الكل، هل يجي المطران الليلة؟ ~~- نعم وسيجيء رئيس الدير أيضا، والقائمقام. # وذهب يوسف أفندي إلى محكمته وهو يفكر في الطريق بالفتاة مريم ويمثل لنفسه جمالها وذكاءها ~~وتفننها فيبتسم فؤاده جذلا وإعجابا. # أصدرت الست هند في ذات الصباح أوامرها، فجاءت مريم تسأل الطابخة عن العشاء وألوانه ~~فأخبرتها. ~~- والنبيذ؟ ~~- وما غرضك من كل هذا - تتدخلين دائما بما لا يعنيك - روحي إلى شغلك. ~~- دخيلك يا لطيفة أخبريني. ~~- يا لطيف يا ستار! مثل العادة يا بنتي، عرق وسبعلي مر، وقبرصي أصفر، وشمبانيا، خلصيني ~~منك. # فراحت مريم إلى غرفة سيدها فأخذت من مكتبه قلما ودواة، وطلحيتين من الورق الشبيه بالرق ~~الذي يستخدم في المحاكم، واختلت ساعة في حجرتها ولم يدر أحد بما صنعت، وبعد الظهر رتبت ~~المائدة ترتيبا جميلا فوضعت باقة من الورد في إناء على الخوان، وقرنفلتين واحدة حمراء ~~وأخرى بيضاء عند كل صحن، وإلى جنبهما صحيفة مثبة إلى قدح تبدو منه فوطة المائدة كالزنبقة ~~البيضاء، وقد خط في تلك الصحيفة بالخط الكنائسي ما يلي: # قالت الحكماء: «من قل طعامه صح جسمه وصفا قلبه.» # الفاتحة: # سنمورة، قلب أرضي شوكة مكبوس، سلطة بطاطا وبيض، فجل إفرنجي، زيتون ~~شامي، عرق زحلاوي مثلث. # الدور الأول: # شوربة بزلا، سمك مشط بطرطور، بامية خضراء بلحم وأرز مفلفل، نبيذ ~~سبعلي مر. # الدور الثاني: # كبة أرنبية، حجال مقلية ومطرزة بالفطر والبندورة، نبيذ قبرصي ~~أصفر. # الدور الثالث: # روستو عجل تشيعه كماة السنة، سلطة هندباء ورشاد، شمبانيا مم. # الخاتمة: # معمول، عيش السرايا، مشمش حموي وخوخ إفرنجي. # ولما جلس الضيوف إلى المائدة أعجبوا بإتقانها وترتيبها، وأدهشت قائمة الطعام حتى الست ~~هند، ms027 فقال المطران والقائمة في يده: هذا شيء جديد على المائدة العربية يا يوسف ~~أفندي. ~~- الخادمة الجديدة يا سيدنا تجيئنا كل يوم بأمر عجيب. ~~- وهل هذه اختراعها؟ ~~- علمي والله علمك، اسألها. # فقال القائمقام: لا شك أن الست هندا ... فقاطعته ربة البيت قائلة: لا، وحياتك، لا علم لي ~~بها. # فأوقف المطران مريم وهي تقدم الشوربا وسألها قائلا: هل هذا خطك يا بنتي؟ ~~- نعم يا سيدنا. ~~- ومن علمك كتابة هذه القائمة؟ ~~- رأيت واحدة بالإفرنسية عند الرئيسة في الدير، كانت تحفظها ذكرا لمأدبة حضرتها لما كانت ~~في باريس، فخطر في بالي أن أكتب مثلها في العربية؛ فتعرفون منها في الأقل ما يقدم ~~لكم. ~~- ولكن عادات المطاعم لا يجرى عليها في بيوت الأماجد. ~~- وهذه العبارة، قالت الحكماء؟ ~~- قرأتها في كتاب، والراهبات في الدير دائما يرددنها ويذكرن البنات بها، كنا نجوع ~~إكراما للحكماء. ~~- واليوم أخذت بثأرك منا، ها ها ها! ما رأيت حياتي أذكى من هذه الفتاة، أهنئك يا ست هند ~~بها، وأنصح لكم يا سادة أن تعملوا بقول الحكماء، يظهر من هذه القائمة أن يوسف أفندي يريد ~~بنا شر. ~~- لا إكراه أيها السيد لا في الدين ولا في الطعام. ~~- ولكنا بشر يا ابني وضعفنا رأس مال إبليس. ~~- أنا أستعفي من الدور الثاني. ~~- ألتبرهن لنا يا سعادة القائمقام أنك حكيم؟! لعمري إن الحكماء أضعف البشر وإبليس ~~يزدريهم ولا يحفل بهم. ~~- الدور الثاني أحسن ما في القائمة، هل الحجال صيد اليوم؟ ونظر رئيس الدير إلى الست هند ~~ولاحت في عينه ابتسامة. ~~- وإذا كانت من صيد البارح؟ ~~- عفوا يا ست هند، لا تستثقلي التعنت من راهب معدته عاصية عليه. ~~- وأنت دائما تبرطلها بالمآكل الضخمة. ~~- بل أعاقبها تأديبا لها وانتقاما منها، ليت الراهب يستطيع أن ينزع معدته قبل دخول ~~الدير. # فوضع القدح يوسف أفندي من يده وقال ضاحكا: عندئذ يا محترم تقفل كل الأديرة. # فهتف المطران قائلا: أحسنت أحسنت، دير بلا خمر لا يكون، ورئيس بلا كرش ينافي كل معقول ~~ومنقول. ~~- سيادتك ناقم على الرهبان. ~~- لأن خمرهم في هذه ms028 الأيام عاطل ومعدهم فاسدة. # فقال يوسف أفندي: ليت المعدة وحدها فاسدة، ها ها ها قدمي السمك إلى الرئيس يا مريم، يقول ~~الأطباء: إن السمك أسهل المآكل هضما وأكثرها غذاء، وهذه السمكات كانت صباح اليوم في ~~البحيرة تسبح الله، اعطف على «السبعلية» أمامك يا سعادة القائمقام فقد حرم النبي الخمر ~~ولم يحرم النبيذ، عصير العنب كعصير التفاح أو الرمان. ~~- صحيح، وقد أدرك ذلك أسلافنا الأمويون. ~~- وأسيادنا الأتراك يحذون حذوهم. ~~- رجل في الجامع وأخرى في الحانة، هذه روح العصر أليس ذلك يا سعادة البك؟ ~~- نعم يا ست هند، ومن رأيي أن قليلا من الخمر يفيد الإسلام، ينهض بالمسلمين من ~~خمولهم. # فقال رب البيت وقد أفرغ كأسه وملأها للمرة الثالثة أو الرابعة: والكثير منه ينصرهم على ~~أعدائهم، الحماسة سر النجاح والخمرة تضرم في النفس نار الحماسة، للخمرة وحدها فضل على ~~الأوروبيين عظيم، الخمرة أم الحرية. # فقال المطران يغير الحديث: هذا الحجال «المطرزة» من أفخر وألذ ما طبخ، فأجابه يوسف أفندي ~~وهو يحدج مريم بعينه الجاحظة: في «التطريز» يا سيدنا لذة غريبة. # فقال سيادته يغير الحديث ثانية: وكيف حال عارف؟ ~~- لم يزل «يطرز» في بيروت. # فابتسم المطران وأمعن القائمقام في الضحك، أما رئيس الدير فلم يسمع النكتة؛ لأنه كان يحدث ~~الست هند بصوت خافت في موضوع ظهر من إصغائها إليه أنه يهمها جدا. ~~- وهل أتم عارف دروسه؟ ~~- تممها قبل أن يدخل المدرسة، الغلام يا سيدنا سر أبيه، وهو قريبا يعود إلينا غانما ~~ظافرا إن شاء الله، يا ظريفة هاتي الشمبانيا. # فسارعت الخادمة إلى الدلو في الصهريج تلبي الطلب، وكان يوسف أفندي قد اخترع طريقة لتبريد ~~الشمبانيا تقوم مقام الثلج إذا نفد، وفي الناصرة كما في باريس ولندرا قطعة الثلج تعد من ~~الأعلاق، فاستغنى يوسف أفندي عنها بحبل ودلو وصهريج. ~~- لا أنكر أن هذه العروس أجمل على المائدة إذا تسربلت بالثلج والفضة فلا يبدو منها غير ~~فمها الذهبي، ولكننا في الناصرة يا سادة، وسرابيل العروس تعيق في مثل هذه الساعة. # ثم فتح يوسف أفندي القنينة ms029 بلياقة نادرة كأنه خدم عشرين سنة في نزل باريسي شهير، فطارت ~~الفلينة وسقطت على رأس المطران، فضحكت الست هند وقالت: ستربح الليلة يا سيدنا. ~~- لا يربح من يلعب معك يا ست هند. # فقال القائمقام: ولكن حضرة الرئيس يدحض قول سيادتكم، فهو دائما من الرابحين. # فنظرت الست هند إلى الراهب كأنها تتلو عليه بلحظها بيتا من الشعر. # فقال يوسف أفندي: كل ربح على طاولة القمار خسارة، أما الربح الحقيقي، الربح الحقيقي ~~عندك سيدنا؛ الربح الحقيقي في البر والتقوى وال ... # وكانت مريم تقدم إذ ذاك الثمر فأوقفها قربه يتعلل بالاختيار، فأخذ خوخة واحدة بيده وأخرى ~~من خدها بنظره، وهو يقابل في نفسه بين لون شفتيها ولون الثمر، والست هند تراقبه سرا، ~~وتظهر لرئيس الدير أنها صاغية لحديثه. ~~- ما أجمل لون هذه الثمرة، بالله يا هند أن تروي لنا بيتا من الشعر فيه ذكر خوخ ~~الخدود. # فقالت الست هند على الفور وهي تنقر الطاولة بأناملها: «ألا خدد الله ورد الخدود»، ~~وسكتت. # فهتف زوجها قائلا دون أن يدرك معنى الشاعر: أحسنت أحسنت! ولكن الخوخ أحسن، وبالأخص إذا كان لونه كلون الورد. # وقال المطران: الشاعر يا ست هند يدعو على كل ما تشتهيه نفسه ولا تناله. # فأجابته على الفور: عسى أن تنال نفسك كل ما تشتهيه فتدعو للناس ولا تدعو عليهم - ~~تفضلوا. # ونهضت فنهض الكل وخرجوا إلى فناء الدار، فراح يوسف أفندي يحلج بين القائمقام والمطران ~~ويمازحهما ضاحكا، والراهب وزوجته يتخافتان ويتهامسان. ~~- إشاعات، إشاعات. ~~- ولكن القرائن تدل على صحتها، فقد أحب القس جبرائيل أم الفتاة حبا شديدا ~~عجيبا شاع أمره في الدير وفي البلد، وقد وصته عند موتها بابنتها مريم، مريم من الأسرة ~~المباركة يا ست هند. ~~- هس، لا تفضحنا، متى يصدر أمر الرئيس العام بنقله إلى لبنان؟ ~~- لا أدري، في إمكانك أنت أن تعجلي ذلك، ثم وقف عند الباب يستعطفها ويضغط على ~~يدها. ~~- لا، لا، لا تجئ غدا ولا بعد غد، الإثنين القادم بعد القداس، فتبع الرئيس الست هندا ~~وهو يفرك يديه مستبشرا مطمئنا. ms030 ~~- ها ها ها! هذا يا سيدنا من أغرب ما سمعت، ولكن هندا لا تصدق هذه الأخبار؛ لأنها محبة ~~ومخلصة لزوجها، وهي تظن كل النساء مثلها. # فسمعت زوجته الجملة الأخيرة، فقالت ضاحكة: مثلي أنا؟ لا سمح الله. وجاءت إذ ذاك مريم ~~بصينية من الفضة كبيرة في وسطها قنينتان من المشروب الإفرنجي، الواحد أخضر اللون والثاني ~~ذهبي تحيط بهما أقداح صغيرة دقيقة مستطيلة شبيهة بزهر الزنبق، وإلى جنب كل قدح فنجان ~~من القهوة في ظرف فضي مخرم جميل، فمشت الست هند مع الخادمة تسكب لكل ضيف ~~اختياره. ~~- أمشروب النعنع سيدنا أم «البندكتين»؟ ~~- لا أحب ما يصنعه الرهبان في هذه الأيام. # فملأت قدحا من السيال الأخضر وقدمته إليه، فتناوله منها باليمنى وأخذ يدها بيسراه فقبلها ~~قائلا: يد الكريمات أحرى بالتقبيل من أيدينا. # فقالت الست هند ضاحكة: قبلتك تجلب السعد، سأخسرك الليلة فلسك الأخير. وأنت يا ~~محترم، أمشروب الرهبان تريد؟ ~~- لا يا ست هند، من لطمك على خدك الأيمن ... ونحن نقتفي أثر سيادته مهما بالغ ~~بالتقريع. # فأجابته على الفور: خباثة منك هذه، أنت تحب النعنع وتكره «البندكتين». ~~- برافو برافو. ~~- وأنت يا سعادة القائمقام. ~~- اعفيني من الأخضر والأصفر واسمحي لي بفنجان من القهوة، ثم سكبت لنفسها كأسا ورفعته ~~قائلة: وأنا أشرب «البندكتين» استميح من سيادتكم عذرا؛ لأنني أحب الرهبان. # فقال المطران: ونحن نحب ما تحبين يا ست هند. ~~- سبق السيف العذل. # جاءت عندئذ ظريفة بالأراكيل، فوضعتها بإشارة من سيدتها في الغرفة المجاورة لردهة ~~الاستقبال؛ أي غرفة القمار، وبعد أن شرب السادة القهوة امتثلوا أمرها ودخلوا يلبون دعوة ~~«البوكر»، فجلس رئيس الدير إلى يمين الست هند والقائمقام إلى شمالها والمطران أمامها، فعدت ~~الحجارة وأعطت منها بمائتي غرش إلى كل من الجلوس، وافتتحت الجلسة بغاية الرصانة والخشوع ~~وكأنها تفتتح بالصلاة اجتماع «أخوات مريم» في الكنيسة. # وظل يوسف أفندي في الدار يدخن بأركيلته إلى أن سقط النربيش من يده فاستلقى على الديوان ~~متخدرا من الخمر. # أما الخادمات فبعد أن تناولن عشاءهن وتممن شغلهن اجتمعن في غرفة قرب المطبخ، ms031 وكانت مريم ~~قد أشعلت فيها سراجا وافتتحن جلستهن. # ومن أسرار نشأة مريم التي لا ندركها تعلمها لعب «البوكر»، فهل تعلمت يا ترى من مجرد ~~ترددها إلى صاعة اللعب، فاختلست مثائلها وهي تدور على الجلوس بالقهوة والمشروب؟ أم هل علمها ~~سيدها؟ لا نعلم ولكننا نؤكد أنها علمت رفيقاتها تلك اللعبة وكن يجتمعن سرا فيجلسن ~~على الحصير، وتترأس مريم جلسة «البلف» برصانة تفوق رصانة سيدتها «بالفة» المأمورين ~~والرهابين، وكانت تستخدم الفول بدل شظى العاج الرسمية، فتعد لكل من رفيقاتها بمقدار ~~عشرة غروش وتضع المال تحت الوسادة وتوزع الورق قائلة: الفتحة بخمس فولات، ومحدودة. ~~- ثلاث فولات. ~~- فوقك خمس فولات. ~~- جئت. ~~- وأنا جئت، ورقك. ~~- جوزان بالاس. ~~- ثلاث صبيان. ~~- ثلاث بنات. ~~- وليكن معلوما من تأكل فولاتها تخسر فلوسها. ~~••• ~~- اضبط لعبك يا سيدنا، كم ورقة أخذت؟ ~~- اثنتين. ~~- طيب، وفوقك مجيدي. ~~- وفوقك مجيديان. ~~- وثلاثة مجيديات. ~~- وهذه الليرة. ~~- لست ممن يهربون، ورقك؟ # فأظهر المطران ورقه ضاحكا. # فقالت الست هند، غير «بلفتك» صرنا نعرفها، ورمت ثلاثة صبيان على الطاولة وخلطت الورق ~~وما تبقى بيدها. ~~- آمري لنا بالقهوة إذن! # فصفقت الست هند ثم صفقت فلم يلبها أحد، فصاحت، يا مريم يا ظريفة يا لطيفة، يقطع عمر ~~الخدم! # ونهضت غضبة ناقمة فجاءت المطبخ فلقته خاليا، فسارت إلى الغرفة المجاورة له فرأت فيها ~~نورا، فوقفت في الباب تسترق السمع، فإذا بمريم تقول: هذا آخر دور اجعلوا الدخول نصف بشلك ~~عشر فولات، ففتحت الباب وصاحت بهن صيحة ألقت الرعبة في قلوبهن، ولكن مريم تشجعت ~~فقالت تدافع عن نفسها ورفيقاتها: أنت يا سيدتي قلت لي أن أقتدي بالأكبر مني، وقد سمعتك ~~مرارا ترددين هذا البيت: # وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم # إن التشبه ... ... ~~- يقطع الله عمرك! سدي فمك! وقحة، ثرثارة، وأخذتها بأذنها وصفعتها على خديها وقذالها، ~~وراحت تلعن الساعة التي دخلت فيها هذه الفتاة البيت، ومرت في الدار فسمعت زوجها يغط ~~فأيقظته بعنف قائلة: قم غط في غرفتك. # فاستفاق يوسف أفندي من حلم جميل ونهض عن الديوان وخرج إلى السطح يستنشق الهواء، وبين هو ~~واقف ms032 هناك مرت مريم في طريقها إلى المطبخ فأوقفها سيدها بيده وحدق نظره بها دون أن يكلمها ~~ثم جذبها إليه وطفق يقبلها. # وقضت مريم تلك الليلة تبكي وتفكر بالقس جبرائيل الذي لم يزرها منذ شهرين. # | الفصل الخامس # أما القس جبرائيل فقد كان في هذه المدة بسوريا يتفقد شئون الرهبان هناك، ويبحث عن دير ~~يقيم فيه قبل أن يصدر الرئيس العام أمره بنقله إلى لبنان، والقس جبرائيل لا يعطي الباغي ~~مراده فيه، سئم الإقامة بالناصرة بين إخوان اعتزلوا الله لا العالم يتنازعون السيادة ~~ويتألبون بعضهم على بعض، سلاحهم النميمة، والحسد حشو ثيابهم، فوطن النفس على هجر ديرهم، ~~فقد أشاعوا عنه الإشاعات الكاذبة فسمعها تردد حوله ولم يفه إباء بكلمة حق أو كلمة باطل، ~~ودسوا الدسائس ساعين به واشين فلم يحرك ساكنا عليهم، ورموه بالفحشاء فلم يحفل بهم، وقد ~~طالما قال في نفسه: الكبير فيهم لا يكبر علي بغير ذنوبه ومآثمه، البعد أولى وأجمل. # ولكن الحالة في سوريا ليست أحسن مما هي في فلسطين، فبين هو هناك بدت له أمور كادت تزعزع ~~إيمانه، واجتمع في أحد أديرة لبنان بالقس بولس عمون فاستطلعه أخبار إخوانه، فقال: حالتنا ~~يرثى لها، فقد أمسى الدير ملطأ للمعاثر، وعشا للمفاسد، وسوقا للمكسب والارتزاق، فلا ~~طريقة اليوم لمن يريد الانقطاع عن العالم غير طريقة النسك؛ النسك في البرية، ولعمري إن ~~النوتي خير من راهب هذا الزمان. ~~- والانضمام إلى البحرية خير الترهب لا شك، الطف اللهم بنا. # وأمعن الراهبان في الحديث وكل منهما مسترسل إلى الآخر مسرور بالاستزادة. ~~- ولا أظنكم تنوون البقاء هنا. ~~- كلا ثم كلا، سأسافر عما قريب إلى القاهرة لأدرس اللغة العربية في إحدى المدارس ~~هناك. ~~- وهل حضرتكم من أسرة عمون اللبنانية؟ ~~- لا، أنا من فسلطين. ~~- من أي ناحية؟ ~~- من السامرية. # فأطرق القس جبرائيل مفكرا وبدا في وجه القس بولس شيء من الاضطراب، كان ندم على ما قال ~~فقام من ساعته يعتذر إلى الزائر متعللا بالصلاة. # وبعد أيام عاد القس جبرائيل إلى الناصرة وهو حائر في أمر الراهب ms033 الذي جمعته به التقادير، ~~فخاطب نفسه مرارا يقول: بيت عمون من السامرية، مستحيل، مستحيل، لا أذكر أن في السامرية أحد ~~يدعى عمون، ولم لم أسأله عن إيلياس البلان يا ترى؟! إيلياس البلان، خطر في بالي أن أسأله ~~فنسيت الاسم، ولا بد أن أجتمع به ثانية، غريب، غريب. # وما كاد يصل إلى الناصرة حتى أخذت تتراجع في أذنه صدى الوشايات والدسائس وقد تضاعفت في ~~غيابه وازدادت خبثا وشرا، فصرفت باله عن تلك الصدفة وكادت تنسيه إياها، وفي اليوم ~~الثاني جاء يزور أخاه ويتفقد حال مريم. # سنة وبضعة أشهر ولت، ومريم تخدم في بيت مبارك فتزداد نفورا رغما عما كانت تقاسيه، ~~كرهت سيدتها وقرفت سيدها وهمت مرة بالفرار تخلصا من توحش الاثنين، ولكنها تمالكت نفسها ~~قائلة: الأحسن أن أنتظر إلى أن يرجع القس جبرائيل، وكانت مريم تزداد تلعقا بالراهب حين ~~تشاهده، فتود أن يظل قربها ليحميها من تصوراتها وأوهامها، تحبه وتحترمه وتخشاه، إذا حضر تقف ~~قدامه كالنعجة بين يدي الراعي، وإذا غاب تشيعه بدموعها وتتبعه بأفكارها، وكانت تشعر أحيانا ~~أنها كالعصفور قدام الأفعى، ومع ذلك لم تكن توده بعيدا عنها، وشد ما كان فرحها لما ~~رأته قادما إليها بعد غياب شهرين، قبلت يده ضاحكة فأحس القس جبرائيل بدمعة سقطت ~~على زنده، بكت فرحا وبكت حزنا، شكت إليه أمرها فطيب خاطرها ووعدها خيرا: قريبا أنقل ~~إلى لبنان يا بنتي فآخذك معي ليطمئن بالك. ~~- لا تطل غيابك هذه المرة، دخيلك، أحب أن أراك كل يوم. ~~- سأزورك مرة كل أسبوع أو مرتين إن استطعت. ~~- ألا يؤذن لي أن أزورك في الدير؟ ~~- لا لا، إياك أن تفعلي ذلك، ابق في شغلك إلى أن يجيء يوم السفر فتسافرين معي. # ولكن سيطول أمر تلك الهجرة وقد يزول؛ لأن القس جبرائيل أدرك بعد أيام أن يد امرأة ~~«مباركة» تشتغل في إهلاكه. ~~- من بيت أبي ضربت، امرأة أخي تسعى لنقلي، تناصر الرئيس وزمرته علي، لا بأس، لا بأس، ~~ولكن مصرع الباغي ذميم سيسافر الرئيس إلى لبنان وسيبقى القس جبرائيل مبارك ms034 في هذا الدير، ~~ورجله على رأس الحية الرقطاء. # وهذه أول مرة سادت أحقاد القس جبرائيل على حلمه، فظل في الدير يدير شئونه بيد من حديد ~~وعين لا تنام، وكان يزور بيت أخيه كل أسبوع ليتفقد شئون مريم بالرغم عما كان يقاسيه من ~~أشياء في نظرات تلك الفتاة وكلماتها حار فيها لبه. # وفي ذات ليلة بعد أن ارفضت جلسة «القمار» في بيت مبارك وانصرف المقامرون، أظهر يوسف ~~أفندي لزوجته اشمئزازه من تصرف رئيس الدير وحديثه. ~~- يا هند، هذا القسيس خبيث منافق، فإذا كنت تحبين زوجك وتحترمينه لا تقبلي في بيتك من ~~ينم على سلفك ويدس له الدسائس، وسلفك مثال الفضل والتقوى. # فسكتت زوجته هنيهة ثم قالت وهي تشهر الحرب عليه: وهذه الخادمة مريم شيبت رأسي، لم أر ~~بزماني فتاة عنيدة، عتية، وقحة مثلها، وماذا بينها وبين أخيك القسيس؟ ألا ترى كيف يختلي بها ~~كلما جاء يزورنا، وكيف ينور وجهها وتلعب عيناها حينما تراه؟ يوسف، أخوك لا يليق أن يكون في ~~الدير وبالقرب منا، هتك حرمة بيتنا، فضحنا. ~~- وأنت أيضا من أعدائه؟! أنت تناصرين الرهبان عليه؟! أنت تصدقين ... ~~- أن مريم ابنته، نعم، وخير له ولنا أن يأخذ الفتاة ويسافر وإياها إلى حيث لا يعرفه أحد، ~~أن يبعد؛ يبعد عنا. ~~- هند، من كان بيته ... ~~-لا يراشق بالحجارة، يا يوسف. # فاستشاط يوسف أفندي غيظا ووثب إليها رافعا يده، ولكن تمالك نفسه والتزم السكوت. # وبعد أيام دخلت مريم على سيدها صباحا تحمل إليه حسب العادة الأركيلة والقهوة وكانت - ~~وقتئذ - سيدتها في الكنيسة، فوقفت أمامه والحرد يلوح في عينيها. ~~- في وجهك خبر يا مريم. ~~- لا تؤاخذني سيدي، أحب أن أترك البيت. ~~- ولماذا؟ ~~- أنت تعلم. ~~- هل تخافين مني؟ وأخذ بيدها وأدناها منه ثم ضمها بلطف إلى صدره وجعل يقبلها ويطيب نفسها، ~~فتفلتت منه وهي تقول: لا لا، أحب أن أترك البيت اليوم. ~~- ولماذا، ألا تخبريني؟ ~~- في كل السنين التي قضيتها في الدير لم تضربني الراهبات إلا مرتين، والست هند تضربني ~~دائما كل يوم، صباح مساء لأقل الأسباب ms035 وبدون سبب، الست هند تكرهني ودائما تلعن أبي وأمي، ~~وأنا أكرهها ولا أحب أن أخدمها. ~~- طيب، لا تخدميها، ابقي في البيت ولا تخدميها، وأنا ... أنا - فاحتدمت إذ ذاك شعلة الغرام ~~في جوارحه كلها - أنت خادمتي أنا، أنت مرمورتي. # وطوقها بذراعيه وقيدها بعينه فتبرمت وتأففت، وطفقت تبكي وهي تحاول أن تتفلت منه، فوقعت ~~على الديوان فنهض بها يسكن روعها ويقول: لا تخافي، فلا أضرك أبدا امسحي دموعك، كوني مطمئنة ~~البال، غدا أسافر إلى حيفا لقضاء بعض الأشغال فتسافرين معي تتفرجين على المدينة. # فخرجت مريم من غرفة سيدها وأوداجها تنتفخ وصدغاها ينبضان كالساعة الدقاقة. # وفي ذاك اليوم جاء القس جبرائيل فتضرعت إليه أن ينقلها من بيت أخيه. ~~- ولأي سبب. ~~- لا أحب أن أخدم هنا، أحب أن أسافر، إلى سوريا، إلى مصر، إلى أي مكان كان لا فرق عندي ~~بشرط أن ... # ولأي سبب؟ هل حدث حادث؟ هل أهانك أحد؟ هل ضربتك سيدتك؟ ~~- لا لا، معلمتي لطيفة ليس مثلها بين النساء، ومعلمي من أفضل الرجال، ولكني لا أحب أن ~~أخدم في هذا البيت. # فاضطرب القس جبرائيل مما تخفيه مريم، ولقد طالما سمع شكواها ولم ينسب ما تبديه من ~~القلق والضجر إلى غير الطفيف من الأسباب، أما الآن فبدأت تتجلى له الحقيقة في المسئولية ~~التي اتخذها على عاتقه، ألح عليها أن تجهر بما تخفيه فتلجلجت وبكت. ~~- أخدم في الدير عندكم. ~~- ولكنك تكرهين الأديرة، وأنت الآن في بيت أماجد يحبك آله ويودونك، وإذا انتهرك سيدك ~~فإنما يريد صلاحك، ومع ذلك فقد قلت لك: إنني أنوي أن أنقل إلى لبنان فأستصحبك إن شاء ~~الله. ~~- لا، لا، أحب أن أترك اليوم، فجهمها القسيس قائلا: هذا مستحيل يا مريم، ستبقين هنا إلى ~~أن أنظر في أمرك، خرجت من الدير تحت رعايتي، فلا أعمل إلا ما يعود عليك بالخير. ~~- وهل تنقلني من هنا؟ ~~- إذا عملت بإشارتي. ~~- أنا مطيعة لك رهينة إشارتك، لا تنسني، دخيلك، دخيلك. ~~- وأخذت يده فقبلتها فاعترت الراهب هزة وردت وجنتيه خجلا وبين هو خارج التقى بأخيه في ms036 ~~الباب عائدا من المحكمة. ~~- ارجع تعش معنا. ~~- لا، لا، غير ممكن. ~~- وماذا جرى؟ ~~- كلهم جبناء أخساء؛ إذا حضرت يعفرون وجوههم أمامي وإذا غبت يسعون بي وينمون ~~علي. ~~- والرئيس العام غير سياسته، فينبغي لك أن تظل في الدير إلى أن يتم لنا النصر. ~~- لا أترك الدير مأمورا مهما جرى، داروا مريم داروها من شأني. # فقال يوسف أفندي واضعا يده على كتف أخيه ومحدقا به نظره: طمئني، أرح بالي، أنت تعلم ~~أنني كذبت كل ما سمعت. ~~- لا أحد غير الله يعرف ما في قلبي، ولا أبرئ نفسي أمام بشر غيرك؛ لأنني أحبك واعتبرك ~~وأعزك، أقسم بالله وجروحات المسيح. # كفى كفى، صدقتك. ~~- يوسف! أنت الوحيد، الوحيد في هذه الديار، لا يصدقني أحد غيرك. # فعانق أخوه وقد اغرورقت عيناه وراح القس جبرائيل وهو يوصيه بمريم. # ومضت على هذه الحال ستة أشهر ومريم تنتظر قرب خلاصها، والحرب بين القس جبرائيل والرهبان ~~يتراوح أمرها بين المناوشات والهدن، إلا أنه لم ينته كما شاء الأخوان؛ الراهب والقاضي، ولا ~~كما يشاء الله. # ففي صيف تلك السنة عاد عارف من المدرسة ببيروت، فهام بمريم لأول نظرة وكان نصيرها الثاني ~~في البيت على سيدتها، فازداد الحال ارتباكا واضطرابا. ~~- أنت يا أمي لا تطيقي الخادمات البارعات الذكيات، وكل مرة نتوفق إلى خادمة مثل مريم ~~تطردينها من البيت. ~~- وأنت مثل أبيك ومثل عمك «المفقوع»، لتخدمكم هذه الملعونة الوالدين، وخرجت الست هند من ~~الدار تحتدم غيظا. ~~- وقد أخطأت في وصف ابنها؛ لأن عارفا وقد علق الفتاة عاملها على طريقته الخصوصية لا مثل ~~أبيه ولا مثل عمه، ولا هي أحست بشيء من القرف الذي كان يعتريها من قبلات أبيه، ولا بشيء ~~من الجزع الذي يصيبها من وجود عمه قربها، بل شعرت مريم بروح ترف في البيت جديدة، ~~نفحاتها تنعش النفس وتهيج العواطف. قلنا: إنها شعرت بذلك، فأضلتها حواسها؛ لأن الخيال في ~~نفس الشاب أو الصبية يتحول بلحظة عين إلى حقيقة تلمس وتقاس، فكانت إذا جاءت إلى عارف بشيء ~~تقف أمامه غاضة الطرف محنية الرأس، ms037 وإذا حانت منها التفاتة ترسل عينها - على غير علم منها ~~- نظرة من نظراتها النواعم النوافذ؛ فيختلج فؤادها لابتسامة منه، ويخب الدم في ~~عروقها مستبقا إلى خديها. # وفي ذات ليلة من ليالي الصيف الحارة بعد أن أطفئت الأنوار في البيت وساد السكون، نهض عارف ~~من سريره يتلمس إلى غرفة مريم طريقه، وكانت الفتاة تنام وحدها في حجرة صغيرة تفتح على سطح ~~ضيق صفت على حافتيه؛ دفعا للحوادث صناديق من الخشب والتنك وأواني من الفخار، وقد زرع ~~فيها الرياحين والأزهار من حبق ومنثور وفل وياسمين، وكانت الليلة مظلمة فانسل عارف إلى ~~جنب الحائط فوجد الباب مفتوحا فدخل آمنا ولم يكد يخطو خطوتين حتى تعثرت رجلاه برجلي ~~الفتاة النائمة على الأرض قرب الباب، فركع إلى جنبها ومر يده على وجهها وهو يهمس اسمه في ~~أذنها، سمعها تصعد الزفرات، سرت إليه حرارة جسمها، هب هواء الليل ففاحت في الغرفة ~~روائح الفل والحبق والياسمين فأسكرته وسكنته معا، لبث قربها هنيهة يستنشق من شعرها وفي ~~بيتها مزيجا من هواء البحر وشذاء الياسمين وعاد إلى سريره ساكن الجأش هادئ البال. # وظل على عادته هذه يزورها ليلا ويعللها نهارا بالوعود التي يزخرفها الشباب والغرام، ~~فراحت الفتاة تمثل لنفسها بيتا في بيروت تكون فيه سيدة لا خادمة. # ولكن كأس الحب لا تصفو لبشر فكيف بكأس الشهوات؟ وقد شاهد عارف أباه مرة يقبل مريم فوقف ~~مبهوتا يكذب ناظريه، ثم سأل مريم سؤالا أجابته عليه دموعها، فغلت مراجل الغيرة في ~~صدره. # وفي ذات ليلة وهو يتلمس سبيله إلى حجرتها التقى بوالده على السطح، فجمد الدم في عروقه ~~واحتدم النار في عينيه. # فابتدره أبوه قائلا: ما أشد هذه الليلة! لم أستطع النوم داخل البيت. # فسكت عارف وانثنى راجعا، فتعثر بإناء من أواني الفخار فأخذه بيده ورماه تحت السطح وهو ~~يقول في نفسه: سألحقه به إذا لقيته ليلة ثانية هنا. # ومر على هذا الحادث أسبوعان، والابن ينظر إلى أبيه شذرا والأب لا يكلم ابنه إلا ~~تكلفا، وكان عارف ومريم قد عزما أن يسافرا ms038 سرا إلى بيروت. # وفي هذا الأوان جاء الناصرة أحد أقاربهم؛ أيوب مبارك، ليراقب حصاد أرزاق له في المرج، ~~فأقام عندهم بضعة أيام أو بالحري بضع ليال؛ لأنه كان ينزل باكرا إلى المرج ولا يعود حتى ~~المساء، فظن يوسف أفندي أن وجود أيوب عندهم يردع عارفا عن غيه، ونهض ذات ليلة يغتنم تلك ~~الفرصة الثمينة، وما كاد يصل إلى السطح حتى رأى عارفا خارجا من غرفة مريم، فصاح به ~~قائلا: يا لعين، أتضطرني أن أراقبك حتى في الليل؟ ألا تنجو خادمة من شرك؟ إلى متى هذا ~~التهتك؟ إلى متى هذا الجنون؟ # فسمعت مريم صوت سيدها ووقفت واجفة عند الباب تسترق السمع. # وظل عارف مكانه ثابت الجأش هنيهة، ثم قال متهكما وهو يشير بيده إلى غرفة مريم: تفضل، ~~تفضل. # وخطا خطوة نحو أبيه وهو يصر أسنانه غيظا. ~~- ستندم يا كلب على فعلاتك. ~~- سمع أذنك يا أبي سمع أذنك. # ووثب إلى أبيه يهول بيديه، فصفعه أبوه صفعة اصطدم منها بالحائط. # فلطمت مريم داخل الغرفة وجهها ولم تجسر أن تخرج إلى السطح. # وراح عارف يسب أباه وينذره بالويل، وأخرج من صندوقه تلك الليلة الخنجر الذي كان يحمله في ~~بيروت. # وفي اليوم الثاني أطلع أمه على ما جرى فأعطت مريم أجرتها وطردتها من البيت، وأسرع يوسف ~~أفندي إلى الدير فأوعز إلى القس جبرائيل أخيه أن ينقل الفتاة من بيته حالا، فاستمهله لذلك ~~يوما واحدا. # ولكن الأقدار لا تمهل البشر ولا تحفل بتدابيرهم، رزمت مريم ثيابها وصرت أجرتها في ~~منديل وارته في صدرها، وعولت على الرحيل صباح الغد إلى حيفا عملا بإشارة عارف الذي ~~أوصاها أن تنتظره في نزل هناك، فيوافيها بعد يومين ويسافر وإياها إلى بيروت. # ولسوء حظها وحظ عارف وحظ آل مبارك أجمعين أن ضيفهم أيوب حال تلك الليلة دون ذا التدبير، ~~وأيوب مثل نسيبه يوسف مزاجا، إلا أن الغريزة «المباركة» أشد فيه وأخبث، فما كادت عينه ~~تبصر مريم يوم وصوله حتى نهمت نفسه إليها، وجعل يترقب الفرص لقضاء وطره، فراقب حركاتها ~~وسكناتها دون ms039 أن يدعها تدري بذلك، واستبشر لما علم أنها تنام وحدها، وأيوب أفندي لا يرى ~~للمقدمات في مثل ذي الأعمال لزوما، فلم يستوقف مريم مرة، ولا كلمها، ولا نظر إليها إلا ~~خفيا، ولا أظهر إعجابه مثل غيره بحسنها وذكائها، فإن هي في نظره إلا جارية مثل الكثيرات ~~من الجواري اللواتي عرفهن، لا تستحق الالتفات إلا في حالة واحدة. # وعاد من المرج مساء ذلك اليوم وهو يفكر بالفتاة ويعلل النفس بقرب الوصول إليها ولم يحفل ~~كثيرا بما رآه في وجوه أنسبائه من دلائل الكدر والهم، ولا سأل أحدا منهم السبب في ذلك، ~~ولا ألح على الست هند في اللعب لما رفضت معتذرة ودخلت إلى غرفتها تضجع باكرا على غير ~~عادتها، وكان ارتاح إلى السكينة في البيت تلك الليلة؛ لأنها أفضل لقصده وأجمل، فنهض عند نصف ~~الليل وهو لا يدري ما حدث ذاك النهار والليلة السابقة، ومشى في فناء الدار المظلم مارا ~~بغرفة عارف فسمع فيها صوت أوراق تمزق فلم يكترث، وسار مسرعا إلى السطح. # وكانت مريم قد أرقت تلك الليلة من شدة الهواجس والغم فجلست في فراشها تصلي إلى العذراء ~~لتوفقها في بلاد الغربة ونور القمر وقد تسرب إلى داخل الغرفة ينير وجهها، فاعتراها وهي تصلي ~~النعاس، ولما وقف أيوب في الباب رآها جالسة مسبحتها بيدها، ورأسها يميد فوق صدرها، ثم ~~استفاقت مذعورة كأنها حلمت حلما مخيفا، وخيل إليها أن شبحا واقفا في الباب فرفعت ~~رأسها وصرخت إذ رأت الغريب صرخة سمعها عارف في غرفته، ونهضت تسارع إلى السطح مستغيثة فقبض ~~أيوب عليها وأسكتها متوعدا، فتنشنشت الفتاة في قبضته الشديدة ومادت إلى الأرض كغصن هصرته ~~الريح، وما هي إلا لحظة، فلاح هناك خنجر ثلاث مرات كوميض البرق سرعة ولمعانا، فصاح أيوب: ~~أمان! أمان! وخر من تلك الطعنات صريعا، فأيقظ الصراخ الخادمات في غرفتهن قرب السطح، ~~ففتحت لطيفة الشباك فشاهدت عارفا يجر شخصا برجليه من غرفة مريم، ثم وقف بعيدا عنه ~~مبهوتا مذعورا، ثم عاد فقبض عليه كالمجنون ورماه تحت السطح ، فوقع فوقه ms040 صندوق من صناديق ~~الزهور. # فصاحت لطيفة صيحة أوقفت عارفا هنيهة في عمله وراحت تولول وتلطم خديها. ~~- مريم، مريم! اخرجي من البيت حالا يجب علينا أن نهرب الليلة هذه الساعة، عجلي! ~~عجلي! روحي قدامي، وانتظريني عند البيادر. # وأسرع عارف إلى غرفته يلبس ثيابه، ولكن الخوف غلب الفتاة وزعزع عزمها، فطفقت تدور في ~~الغرفة كالمجنونة لا تدري ما تصنع. # وكانت قد استيقظت إذ ذاك الست هند، فجاءت تركض والخادمات يركضن وراءها، فلما رأت مريم في ~~تلك الحال وشاهدت الدم والخنجر على الأرض صاحت وهي تلطم منكبيها، يا بنت الكلب من قتلت؟ ~~قتلت ابني؟ يا باطل! يا باطل! قتلت عارفا يا يوسف، قتلت ... فقالت لطيفة تطمئنها: عارف في ~~غرفته يا معلمتي، عارف في غرفته، وأخذت بيد سيدها فأرته ما تحت السطح. # وكان هناك بعض الجيران، وقد أيقظهم الصياح وهم يقولون، مات، مات. ~~- الخواجا أيوب يا معلمي. # فصفق كفا على كف. ~~- من قتله؟ # فقالت لطيفة: لا أعلم، لا أعلم. ~~- اخرجي يا هند، اتركي الخنجر مكانه، واتركي البنت، اخرجي. # فخرجت الست هند وهي تقول لمريم التي همت أن تخرج أيضا: مكانك يا لعينة مكانك! # ثم أقفلت الباب واحتفظت بالمفتاح، وصاحت بالجيران المجتمعين تحت السطح اتركوا الجثة ~~مكانها وأخبروا البوليس. # أما يوسف أفندي فراح يطلب عارفا في غرفته فلم يجده، فسأل لطيفة عنه فقالت: رأيته يلبس ~~ثيابه، لعله عرف بما جرى راح يستدعي الطبيب. # فقالت الست هند: أسرعي أسرعي! وقولي لعارف أن يرجع حالا لا لزوم للطبيب. # فخرجت لطيفة وهي لا تدري ما تصنع. # وبعد نصف ساعة وصل إلى بيت يوسف أفندي مبارك ثلاثة من رجال الشحنة، فدلتهم الست هند على ~~الجثة وفتحت لهم الغرفة المحبوسة فيها مريم. # | الفصل السادس # من أرهب مشاهد الدنيا وأكملها في الساميات والسافلات معا مشهد في بلادنا، تتناهى عنده ~~أغرب الصفات الطبيعية والسماوية والبشرية، مشهد منقطع النظير منحصر في بقعة من الأرض صغيرة، ~~يجمع بين ما تدانى من أطرافها أكبر المتناقضات في مظاهر الوجود، من أغوار وأنجاد، ومن نيران ~~تشتعل تحت ms041 الينابيع، وثلوج تذوب فوق الجبال، ومن مجد قدسه التاريخ وقداسة دنسها الإنسان، ~~ومن إلهيات في أنوار الطبيعة تتهادى، ومعرات تعتس في ظلمات البشر، ألا فإن هناك درجات ~~للنشوء والانحطاط في الطبيعة وفي النفس، أولها مثل آخرها باد للعيان، بل هناك هيكل أشعلت ~~فيه مشاعل الحقائق الروحية وصفرت فيه رياح الأضاليل، سمعت فيه كلمات الله، وسمعت فيه ~~قهقهة إبليس، فتجسدت الأولى في الطلول والآثار، واستحالت الثانية مدنا وأديانا ~~وحكومات. # ألا في سبيل الله جمالك، أيتها البحيرة الزرقاء العين، الذهبية الجبين، الفضية الجوانب، ~~الباسطة أذيالها تحت رجل طبرية الموحلة السوداء، المستظلة في ظلال الجبال الخضراء والبيضاء، ~~الكامنة في قلبها البراكين، الزاهرة على ضفاتها الدفلى والفل والخزام، الشاخص إليها ~~«الهرمل» وقد اعتم بالثلج وتسربل بالغيوم، المدفون حولها المجد والصلاح، وقد حجب الشوك ~~ضريحهما وحنى فوقهما الشوكران، عروس الأردن هي تأخذ منه وتعطيه، فتستحيل الشريعة فيها ~~حبا، والناموس جمالا، فيها يبتدئ سلم الطبيعة وسلم النفس، وفوقها درجات لتاريخ الأرض ~~تقارن درجات في تاريخ الإنسان، فدرجات في أغوار الحياة وحياة الأحزان، أكثرها حزنا وأبعدها ~~سرا تلك التي وقف عليها برهة أطهر البشر نفسا وأقدسهم كلمة، ثم ولى كما ولت آلهة ~~الزمان، فنصب من ذكراه القدوس خيال يحجبه عن آل عثمان، مجد الرومان، وإن زهرة الشقيق التي ~~كونت من دمه لتقف نائحة كل ربيع بين دخان الوثنية وشرر الإسلام. # ومن أبعد الرموز الطبيعية معنى وأحبها صوتا، تلك الينابيع الحامية التي تذوب فيها أحقاد ~~الأرض ملحا وكبريتا، فتحملها المياه مرقرقة مسرعة إلى البحيرة الحلوة الفم المثلجة ~~الفؤاد، وهذه في أعماق الأرض حقيقة الحياة الرائعة؛ تغلي الضغائن في صدور الناس ملحا ~~وكبريتا فتلقى في قلب البحيرة؛ بحيرة الأبدية بل بحيرة المسيحية صفاء وعذوبة وبردا ~~وسلاما. # وإن البحيرة التي كتب على مائها أغرب ما في التاريخ - تاريخ الطبيعة وتاريخ الإنسان - ~~من الآمال والأحلام، وأعلنت حولها أقدس الأنباء السماوية والبشرية، لم تزل تجتذب إليها من ~~كل حدب وصوب جماهير الناس من مرضى النفوس والأبدان، فتريهم أعجوبة الله في سمائها ~~وأعجوبة ms042 الطبيعة في أرضها، يجيئها الحجاج فيغتسلون بمائها المقدس؛ تطهيرا للنفس ويؤمها ~~أولو الأسقام تخفيفا لآلامهم واستشفاء منها، كبريت في تلك المياه يشفي الأبدان وحلاوة ~~فيها تشفي النفوس، وهذه من أعاجيب بحيرة الجليل وينابيعها. # ولكن المقيمين في جوارها لا ينالهم من بركاتها مثقال ذرة؛ ذلك لأنهم يعبدون خيالا ولا ~~يعرفون جمالا، وإن شقاء هم فيه؛ شقاء لا مثيل له في العالم لا في الجهة الجنوبية بلندن ~~أو بنيويورك ولا بغيرهما، شقاء يفترش الأقذار ويلتحف الخمول ويشكر الله - إن مثل ذا الشقاء ~~ليبعث إلى الكفر بالله. يهود طبريا أتفسد حالتهم أسمى الحقائق الروحية التي أنزلت في تلك ~~الأرض أرضهم؟ أيقيمون عند ينابيع العجائب ويحرمون بركاتها؟ أمرضى النفوس والعقول والأبدان ~~وفي مهد الشرائع الموسوية والمسيحية؟ على أن صاحب البيت أدرى بالذي فيه، ولعلهم أدركوا ~~الحقيقة التي قلما يدركها من زار تلك الديار، فسخروا من بني الإيمان وذوي الأسقام ~~اللاجئين إليها، وهؤلاء بالنسبة إلى الحجاج قليلون، ولا غرو، فالاستحمام في المياه المقدسة ~~يعظم فضله بالمشقات، وإذا قضى المستحم نحبه فيها فهناك النعيم الأكبر، أما الحمامات ~~المعدنية؛ حمامات طبرية ففضلها لو علم الناس أعم؛ لأن مشقتها أكبر وأشد، ولا عجب إذا ~~أجهز على المريض فيها ولا بأس، فإن في الإجهاز تمام الشفاء، فهنيئا لمن يؤمها! وهنيئا ~~لمن يموت فيها! إن الصابر على حمام كبريتي حام لكالصابر على ما في الحياة من النار ~~والكبريت، والصبر باب الجنة، على أن السكينة هنالك، والبعد عن الناس، وجمال الطبيعة ولطف ~~الهواء لتحول نوعا دون الاستشهاد، فتفعل بالنفس وبالتالي بالآلام الجسدية ما لا تفعله ~~المياه. # قلنا: البعد عن الناس، وقد يستغرب ذلك؛ لأن الحمامات المعدنية في أوروبا أصبحت اليوم ~~مشرعة الأصحاء ومحجة الأغنياء والأدعياء، فيجتمعون هناك كما يجتمعون في حلقة السباق؛ سباق ~~الخيل أو في الأوبرا أو في القهاوي ليعرضوا نعيما هم فيه، أو ليبحثوا عن نعيم لا حجاب في ~~بابه ولا حرج على أصحابه، فيعجبون بعضهم ببعض، ويفاخرون ويزعجون بعضهم بعضا، أما في ~~طبرية فلا يجد الزائر حتى في ms043 إبان الموسم نعيما واحدا معروضا إذا استثنينا نعيم ~~الاستشهاد، ليس هناك من يزعج النفس أو من يقلق البال، فالمستحمون والعمال إذا أضفنا ~~إليهم صاحب القهوة والامرأة الوحيدة التي تتردد إليها لا يتجاوزون الخمسين عدا. # والضجر في الحمامات المعدنية من أنجع الأدوية للمصابين بالروماتزم - عفوا أيها الأستاذ - ~~للمصابين بالدحار، فإن له رد فعل مدهشا، الضجر «حراقة» روحية إذا استعملها المريض ~~عشرين يوما يرى العجب، ولكنها لا تفيد بعد ذلك إلا إذا كررت في حمام آخر، وكل ما يصرف ~~النفس عنها يضعف مفعولها، فمن يرغب بالأركيلة مثلا ويرتاح إلى حديث القهوة - وفي حمام ~~طبريا قهوة واحدة كما قلنا، وامرأة واحدة تتردد إليها - فلا يضجر تمام الضجر ولا يشفى تمام ~~الشفاء. ~~••• ~~- وهذا القسيس يا محمود من أغرب الناس، يعطيني كل يوم بشلكا لأجدد له الماء في الحوض ~~صباح مساء، فما قولك؟ ~~- بخيل، ولكنه أكرم من إخوانه. ~~- وماذا تظنني أفعل؟ أدخل إلى الحمام فأقفل الباب وأدخن سيكارتي وأغني: «يا رائحة ~~عالشام خذيني معاك» ثم أدعوه: تفضل يا محترم. ~~- وهل هذا حلال يا أحمد؟ ~~- حلال؟! المياه الكبريتية تطهر كل شيء، وهل هو أفضل من سواه، هذا الحوض العمومي ~~يستحم فيه خمسون نفسا من أصحاب السوالف في وقت واحد ولا تجدد مياهه إلا مرة واحدة في ~~الأسبوع، وقد سمعت الحكيم يقول: إن المياه المعدنية إذا استحم بها عدد من الناس تزداد ~~المعادن فيها وتكثر منافعها، صل على النبي، ويظهر أن اليهود يفهمون ذلك، فما مرة سألني ~~يهودي أن أغير له الماء - أركيلة يا طنوس - ولكن القسيس ابن حرام! فقد أحس بالطبخة، فنزل ~~البارح ووقف في الحمام أمامي، فنزعت ثيابي والله وغطست فصاح بي: يا بليد يا حمار (الأبعد) ~~هات «خيط مصيص»، فجئته به فربط السداد بالخيط وربط الخيط بوتد دقه إلى حافة الحوض، فصحت ~~وأنا متظاهر بالجهل ومعجب بشطارته: والله يا محترم نحن أغبياء ما عندنا فكر، وصرت كل يوم ~~أجدد لك المياه أي ساعة شئت، ولا أسلق حالي كل مرة وأعرض نفسي بعدئذ للشمالي أبي ms044 ~~الموت. ~~- إذن القسيس نفعك. ~~- نفعني؟ وأنت أبسط منه، من يدفع بشلكا لأجدد له المياه حين يرى أن ذلك لا يكلفني غير ~~سحب الخيط؟ وهذا الابن الحرام قطع عني البشلك بعد هذه العملية، نزل هو بنفسه البارح ورفع ~~السداد ونزلت أنا صباح اليوم وقطعت الخيط، ما شاء الله أيغلبني قسيس أفندي؟ ~~- ومن أين هذا القسيس؟ ~~- لا أعلم والله، فهو قلما يكلم أحدا، ولا أحد يعرف اسمه. أعطنا قدحين عرق يا طنوس ~~وأكثر من المازا. ~~- وغير هذه الأركيلة. زبوني «أبو السلة» يا محمود أحسن من زبونك، فقد سافر معي البارح ~~إلى تل حوم، وفلق رأسي بالسؤالات، ولكنه يخوف والله، حكيت له حكايات تطقطق الخواصر فما ضحك ~~وما ابتسم مرة والله، وقد حرت في أمره أراه لابسا لبس البدو ولهجته لهجة نصراني من ~~بلادنا، بالك ها هو. # ومر إذ ذاك رجل في زي الأعراب، طويل القامة نحيلها أشقر اللحية قطوب الوجه يلبس عباءة ~~سوداء بسيطة، وكوفية من لونها شدت على رأسه حتى عينيه بعقال من الشعر. ~~- يروح إلى البلد ماشيا وما هو بخيل والله، أعطاني ثلاث مجيديات البارح أجرة السفرة، ~~والسواح الإفرنج - يلعن جدودهم - لا يدفعون ثلاث مجيديات إلى تلحوم، وأظنه يمشي إلى البلد ~~كي لا يخالط الناس في العربة؛ فهو أيضا قلما يكلم أحدا. ~~- محظيون السنة بالخرس، أهلا بهيلانة. # ودخلت إذ ذاك القهوة فتاة تلاوص وتتغنج، وهي قصيرة القد غليظة الجوانب وسيمة الوجه مخضبة ~~مكحلة مبهرجة، فبادرها أحمد بالكلام قائلا: يا بنت الحرام أين كنت الليلة البارحة؟ هذه ~~النطنطة لا تعجبنا أبدا، فإما أن تقيمي في المدينة وإما عندنا في الحمامات. ~~- اسمعوا أخبركم ما جرى، كنت راجعة إلى هنا مساء البارح فاستوقفني في الطريق أحد البوليس، ~~وقال: ما قولك بليلة نقضيها أنا وإياك في السجن؟ امشي، امشي، فترددت فهمس في أذني كلمات ~~دغدغت قلبي، فسرت وإياه، وهو مثل القمر، وليس مثلك يخوف القرود، ولما وصلنا إلى دائرة ~~البوليس حبسني في غرفة هناك ووعدني أن يرجع إلي بعد ساعتين، عشقته والله ، وأخذت أعلل ms045 ~~النفس بقرب الاجتماع، فجاء بعد ساعتين يقول: اتبعيني، فمشيت طائعة فأدخلني دارا ثم أخرجني ~~منه، ثم فتح بابا في بيت قريب من الدائرة، وقال: ادخلي، فدخلت فأقفل الباب وتركني وحدي، ~~فإذا أنا بغرفة مفروشة بالسجاد وفيها سرير له قبة حمراء ومائدة ممدودة عليها الدجاج المحمر ~~والأرز المفلفل والمحاشي والسمك، وعرق من أحسن ما شربت في حياتي ونقل فاخر، فقلت في نفسي: ~~الله كريم، ليلة حظ هذه، وقلبي مشغول بالشاب وعيني مشغولة بالمائدة، ولبثت أنتظره وأغني: ~~«يا عيني أنا الصابر على النار» وإذا بالباب انفتح ووقف فيه شخص وجهه مثل الصاج المقدح، ~~ورأسه كرأس الثور وعيناه كعيني السعدان، فسقط قلبي من الخوف وذاب الكحل في عيني من الكمد، ~~كلمني الغزال وسلمني إلى الدب. ~~- يا بنت الحرام كنت عند مدير البوليس. ~~- يلعن سحنته ما أعطاني ولا بارة. ~~- تستأهلي أكثر من هذا، مليح، سامحناك، هات عرق لهيلانة يا طنوس، سألني عنك القسيس الليلة ~~البارحة. ~~- بالله؟ ماية قسيس ولا مدير البوليس. ~~- ولكن القسيس هذا يريد أن تسافري معه، وحياة النبي، سألني البارح قائلا: يا ابني، ومن ~~هذه الفتاة التي تظل عندكم في القهوة؟ فقلت: والله يا محترم هي الدجاجة الوحيدة بيننا ~~أتحسدنا عليها، فزجرني ابن الحرام وقال: إنه سيكتب إلى القائمقام لينفيك من هنا. ~~- يلعن لحيته هو والقائمقام ومدير البوليس مثل رجلي، وهل رأيت «أبو السلة» صبحته فما رد ~~علي، وغمزته فلم يلتفت إلي؟! «أبو السلة» حلو، مثل القمر والله، وتنهدت هيلانة ثم قالت: ~~الله ابتلاني بكم، سليلة القرود، ثم تنهدت ثم قالت كأنها تخاطب نفسها: اصطادني الغزال ~~وسلمني إلى الدب، وهذه عيشتنا، يفرجنا ربنا علبة البقلاوة ويعطينا، يا طنوس! قنينة ~~العرق. # | الفصل السابع # في فصل الشتاء من تلك السنة، بعد أن أصيب بيت مبارك بتلك الفاجعة التي ألبستهم الحداد ~~والعار، جاء قسيس إلى طبريا ليستحم بمياهها المعدنية، فاستأجر غرفة فوق الحمامات فريدة في ~~بابها، أرضها كخريطة لبنان البارزة، وسقفها كالجو المرصع بالغيوم، وجدرانها كجذوع الصنوبر ~~مرشقبة، وقد زينها العنكبوت بكرناش من الحرير، ونقشت ms046 الجرذان في زواياها المحاريب، وبنت ~~السنونو أوكارها فوق الشبابيك، فأقام القسيس فيها ورفاقه هؤلاء الأطهار معتزلا الناس، إلا ~~أنه كان يذهب إلى طبريا باكرا ليقدس في إحدى كنائسها ويعود إلى بيته الكثير السكان، فيقضي ~~معظم وقته بالمطالعة والكتابة والصلاة، مناجيا السنونو والعنكبوت والجرذان، وفي ذات يوم ~~هب الهواء ناقما عليه فبعثر أوراقه وخطف واحدة من بنات أفكاره، فوقعت في الطريق فعثر ~~«الأعرابي» بها وهو سائر إلى طبريا، وقرأ فيها ما يلي: «وبعد أن جلس المعلم على كرسيه أمام ~~تلاميذه سأله قائلا: ما هي الحياة؟ # فقالت الرتيلاء: الحياة كفن من الحرير أحوكه لنفسي. # وقال السنونو: الحياة فراش من القش يتخاصم فيه الذكر والأنثى فيكسران بيضات العش. # وقال الجرذون: الحياة بضعة لحم منتنة، وفخ مخلع، وقط جائع. # فقال المعلم في نفسه: وكذلك في الناس، كل ينظر إلى الحياة من بيته، من عشه، من جحره، ~~فيبني رأيه على تجاربه الصغيرة المحدودة؛ نتيجة ذلك الفوضى، أما الحقيقة فهي في جانب من ~~ينظر إلى الحياة من السماء من فوق الأرض وسائر الأكوان، فالدين إذن - منزلا كان أم لا - هو ~~أحسن في الأقل من فلسفة العنكبوت والجرذان.» # ثم قرأ على الجهة التالية من هذه الورقة ما يلي: «كلما فكرت بالماضي؛ ماضي حياتي ينقبض ~~قلبي، أجمل الأسرار الدينية كلها وأنفعها سر الاعتراف، فهو مرهم لجروح النفس. لولاك يا ~~ربي لمن يعترف المجرم الأثيم؟!» # فطوى الرجل الورقة ووضعها في جيبه وسار في طريقه إلى البلد يفكر بما حوته من الحكمة، ومن ~~الصدف أن هذا الرجل جاء تلك الناحية لما كان القسيس هناك، ولكنه لم يقم عند الحمامات، ولم ~~يكن قصده الاستحمام، فعلى شاطئ البحيرة بين طبريا وسمخ بيوت حقيرة شبه أكواخ منفرد بعضها ~~عن بعض، يستطيع المرء أن يقيم في إحداها بعيدا عن الناس وقريبا من البلد، وهذا الغريب ~~استأجر كوخا في أسفل الجبل إلى الجهة الجنوبية من قبور هناك لبعض علماء التلمود بين ~~الحمامات وسن النبرا، وكان المقيمون في الحمامات والعمال يراقبونه ويرجمون بالغيب في ~~أمره، ومن ms047 طبع الناس أنهم لا يستطيعون أن يجاوروا سرا دون أن يمنحوه اسما ويحيكوا له من ~~عنكبوت ظنونهم ثوبا وقصدا، فلقبوا الرجل ب «أبي السلة» لأنه لم ير مرة مارا بلاها، ~~وقالوا: جاء لا شك يتجسس للعربان، ولكن محمودا البحري رآه يكلم امرأة في تلحوم عرفته ~~وسلكت قدامه مسلك الخادمة قدام سيدها. # وفي ذات يوم عاصف ماطر، بينا كان القسيس واقفا عند شباك غرفته يراقب هياج البحيرة، أبصر ~~الغريب مارا في الطريق فدهش دهشة عظيمة واستدعى أحمد من ساعته. ~~- أتعرف ذاك الرجل يا أحمد؟ ~~- «أبو السلة» لا يا محترم، هو غريب جاء هذه الناحية منذ أسبوع. ~~- وأين يقيم؟ ~~- لا أدري والله، إلا أنه يجيء من هذه الجهة؛ جهة سمخ فيذهب إلى البلد. ~~- وهو ذاهب إلى البلد الآن؟ ~~- نعم، أظن ذلك. ~~- راقبه عندما يرجع خفيا، واتبعه واهتد إلى منزله، خفيا أفهمت؟ وتعال أخبرني. ~~وأعطاه بشلكا، فأخذه أحمد وهو يقول: أمرك يا محترم، محسوبك يا محترم. # أما الغريب فركب ذاك اليوم العربة التي تسير بين طبريا والحمامات ظنا منه أنها تقيه في ~~الأقل الأوحال، ولكن عربة السلطان لا تخلف مثل ذا الظن في تلك الطريق وفي مثل ذاك اليوم، ~~فكيف بعربة مخلعة متهدمة، سجوفها ممزقة، وأجزاؤها ملزقة، سقفها كالغربال، وعريشها مربط ~~بالحبال، يجرها ثلاثة من الكدش الجائعة الناحلة المنهوكة، وتقل طابورا من يهود طبرية، ~~وقنطارا من الأمتعة، وإن من يشاهدها عن بعد في مثل ذاك اليوم تسقط، وتعلو، وتكر، وتفر، ~~فتلعب الرياح بخامها الممزق، وترشقها الطريق بأوحالها فتختفي تارة في الماء دواليبها، وتارة ~~تغزل في الهواء، يظنها قاربا في البحيرة تتقاذفه أمواجها الهائجة، ومن سوء الاتفاق لتتم ~~في تلك الساعة ضربات إسرائيل على الغريب كانت الفتاة هيلانة من المسافرين جالسة قباله، ~~فجعلت تغازله برجليها، وترشقه بأوحال عينيها فتنشدح عليه إذا غارت العربة، وإذا انجدت يهوي ~~عليها، فتجلع فاها مكركرة وهو ساكت صابر، وتصيح صيحات يردد صداها اليهود هاذرين ~~هاذين. ~~- روضيه يا هيلانة! ~~- فارت الطنجرة يا هيلانة! ~~- ارفعي الغطاء. ارفعيه! ~~- أنزلي الستارة يا هيلانة! ms048 ~~- «رايح فين يا مسليني يا بدر حبك كاويني.» ~~- سدي الطاقة سديها! ~~- سدوا «طيقانكم» يقطع الله أعماركم! حبيبي حلو ومحتشم، آه حبيبي! # فنظر إليها الغريب بعين رءوفة وخاطبها بلطف قائلا: وهل الحشمة تضرك يا بنتي؟ ~~- الحشمة؟ مؤكد! تقتلني، إذا أنا احتشمت أموت من الجوع، وتموت ... وسكنت عند هذا منكسة ~~رأسها. ~~- إذا أنت احتشمت تحيين حياة سعيدة، تنجين من الأجلاف الأشرار وتكتسبين محبة الأفاضل ~~من الناس. ~~- الأفاضل؟ أين هم الأفاضل؟ في طبريا؟ اها ها ها ها! ما رأيت في حياتي كلها رجلا فاضلا، ~~أبي قواد الله يبليه! وأخي ديوث الله يعميه! وكل الرجال مثل أبي وأخي. ~~- فتجهمها الغريب قائلا: احتشمي يا بنتي تأدبي قد يكون بيننا الآن رجل فاضل. # فسكتت هيلانة وأطرقت مفكرة. ثم سألها الغريب: وهل أمك في قيد الحياة؟ ~~- لا تسألني عن أمي، أمي! # وشرقت الفتاة بريقها واغرورقت عيناها. # ولما وصلت العربة إلى الساحة خارج البلد دفع كل من الركاب نصف بشلك إلى الحوذي، ودفع ~~الغريب عنه وعن الفتاة، واجتازوا تلك الساحة - بل تلك البركة - غائصين في أوحالها ومياهها ~~حتى الركاب، وسار الغريب تتبعه هيلانة، وما كادا يدخلان البلد حتى أبصرها البوليس فاعترضها ~~في سبيلها قائلا: إلى الحبس، إلى الحبس. # فصاحت مستجيرة بالغريب: لا أروح، لا أروح. فتش عن غيري ما أكثر الغاويات في البلد، فتش ~~عن غيري عرفت حيلتكم، دخيلك يا سيدي خلصني من البوليس، جئت أزور أمي، أمي مريضة، دخيلك ~~خلصني منه. # فخاطب الغريب البوليس ونفحه ببعض المال، وقال للبنت: امشي يا بنتي، روحي في سبيلك. ~~- كثر الله خيرك، الله يطيل بعمرك، أنت أول رجل فاضل عرفته. # ثم شخصت إليه هنيهة وأخذت بطرف عباءته قائلة: تعال معي، تعال معي، البيت قريب. # فسار الغريب وإياها يجتازان في أسواق المدينة - بل في سواقيها - حتى وصلا إلى زاروب معتم ~~مسقوف يطفح بروائح يغمى على الثيران منها، ليس فيه غير أبواب مظلمة يكاد بعضها يلتصق ~~ببعض، فدخلت الفتاة أحد هذه الأبواب المفتوحة، ودخل الغريب فإذا هما في ساحة موحلة يلعب ~~فيها أولاد ms049 عراة تحت الشتاء، محاطة بغرف صغيرة على شكل صحن الدار في أحد الأديرة، فوقفت ~~الفتاة قدام باب تقول للغريب: تفضل. # فوقف الرجل مترددا. ~~- تفضل أعرفك بأمي. # فدخل، وإذا هو في كوخ مظلم وفي إحدى زواياه امرأة مريضة نائمة على الأرض وإلى جنبها طفل ~~يبكي، فجلست في فراشها وجعلت ترضعه. ~~- هذا كل ما كسبت البارح، وأعطت أمها بشلكين. ~~- أمك نفساء. ~~- أمي مريضة بالحمى؛ ولدت منذ أربعة أشهر ولم تزل في الفراش. ~~- وأين أبوك؟ ~~- أبي قواد الله يبليه، تركنا منذ سنتين. ~~- وأمك؟ والطفل؟ فلم تجب الفتاة بل خاطبت أمها قائلة: يا أمي هذا الغريب أحسن إلي وهو ~~أول رجل فاضل عرفته. ~~- وجاء يتفرج على بليتنا، كثر الله خيره رح في سبيلك يا عم! رح في سبيلك. # فخرج الغريب من البيت وأومأ إلى هيلانة أن تتبعه، فأعطاها في الخارج بعض المال لتبتاع ~~لأمها شيئا من القوت، والثياب، ثم قال لها: أتعرفين مدرسة اليهود عند الحمامات؟ والقبور ~~هناك؟ في تلك الجهة فوق الطريق بيت منفرد ليس هنالك غيره، تعالي بعد غد فأكون هناك لي غرض ~~معك، نهارك سعيد. ~~- أمرك يا سيدي، الله يريك الخير، الله يطيل عمرك. وراحت إلى أمها تصفق بيديها وتقول: ~~ليرة يا أمي ليرة، صدقيني، صدقيني، انظري بعينك. # وبسطت كفها أمام أمها في ذاك الكوخ المظلم فشع فيه قطعة من الذهب، فانقطع حليب الأم من ~~الدهشة وجعل طفلها يبكي. ~~- «حليقة» جيراننا كلهم لا تبلغ ليرة، يا أمي أي شيء أشتري لك؟ أشتري لك لحافا قبل ~~كل شيء وأشتري فسطانا للصغير، وفسطانا لك أيضا، أمي لا تبكي دخيلك، غدا تشفين، وهذا ~~الغريب أرسله الله، هذا الغريب من السماء جاء يفتقد الفقراء البؤساء مثلنا. ~~- روحي إلى السوق واشتري لي فخذ دجاج وقالب جبن ورغيف خبز. # فسارعت هيلانة إلى السوق، فأبصرت الغريب واقفا أمام دكان يحدث صاحبه: هل عندك غير هذه ~~الدجاجة؟ ~~- مذبوحة اليوم وحياة الله! أقطع لك فخذا؟ # فلم يدرك الغريب معناه، فقال: وهل تبيعون الدجاجة بالدرهم؟ # فقالت هيلانة وقد وقفت إلى جانبه: ms050 ومن يقدر أن يشتري دجاجة كاملة عندنا؟ ~~- أتريد دجاجة كاملة؟ يا حايم يا حايم رح إلى البيت وقل لأمك تذبح دجاجة حالا ~~وهاتها. # فقال الغريب: بل دجاجتين. # ولو علم الغريب أن في باريس أيضا تباع الدجاجة أقساما؛ فخذا فخذا وجانحا لزال ~~عجبه. # ثم وقفت عند ذاك الدكان فتاة صبية تحمل طفلا، فقالت: أعطني قوانص الدجاجة. # فوزن لها صاحب الدكان القوانص، وأخذ من الأقذار المتراكمة عند الباب جريدة فلفها فيها ~~وتناول منها متليكين. # ثم وقفت الفتاة أمام رجل جالس في الوحل على حافة قناة الماء، وأمامه على الأرض يقطينة ~~قسمها عدة أقسام، فابتاعت قطعتين منها وأعطته متليكا واحدا وراحت في سبيلها. # فقال صاحب الدكان للغريب: هذا يوم عيد عندها فقد قبضت «الحليقة». ~~- «الحليقة»؟ وما هي «الحليقة»؟ ~~- يا سيدي، أكثر يهود هذه البلد يعيشون على الحسنات التي تجيئهم من إخوانهم في أوروبا، ~~وكل بيت يقبض من الحاخام أو القنصل قيمة معلومة كل شهر، هذه هي «الحليقة». # ووقفت عندئذ امرأة أخرى تحمل طفلا ويتبعها صبيان، فابتاعت فخذي الدجاجة ثم ثلاث قطع من ~~اليقطينة وراحت في سبيلها، والولدان يركضان في قناة الأقذار ويصفقان جذلا. ~~- أولادها كلهم. ~~- نعم وقد يكون عندها غيرهم في البيت. ~~- ولكنها صبية. ~~- صحيح هذا، بناتنا يتزوجن صغيرات، وقبل أن يبلغن العشرين يبلغ عدد أولادهن - وأشار ~~الرجل بيده كلها. ~~- خمسة؟ ~~- وستة أحيانا. # وكان قد عاد الولد إذ ذاك يحمل الدجاجتين، فأعطى الغريب هيلانة واحدة منهما ووضع الثانية ~~في سلته. # وسار إلى سوق الخضر يقول لها: اتبعيني، فابتاع هناك شيئا من الكوسى والبندورة والبصل ~~والثمار وملأ لهيلانة سلة منها وودعها قائلا: سلمي على أمك، وتعالي بعد غد إلى البيت ~~الذي دللتك عليه. # وبينا هو عائد في طريقه منقبض النفس كسير القلب مما شاهد، مر قرب الشاطئ حيث تصب بواليع ~~البلد في البحيرة، فرأى هناك النساء يملئن جرارهن من تلك المياه وقد مازجتها أقذار ~~البواليع. # فمال بوجهه قرفا وحزنا وسار في طريقه. # فاتفق له أن مر ببيت الامرأة التي ابتاعت فخذي الدجاجة ، وكانت واقفة ms051 في الباب فألقى ~~إليها السلام، فسارع إليه أولادها الثلاثة وهم حفاة عراة وعيونهم تحدق في السلة، فأعطى كلا ~~منهم برتقالة فراحوا يصفقون ويرقصون. ~~- وهل عندك غيرهم؟ ~~- ولد آخر. ~~- وكم عمرك؟ ~~- ثلاثة وعشرون. ~~- وهل تأذنين لي بالدخول؟ ~~- تفضل تفضل. # فدخل الغريب إلى غرفة صغيرة مظلمة مفروشة بحصير واحد، وليس فيها من المواعين غير طنجرة ~~وجرة وإبريق. ~~- وأنت وزوجك وأولادك تقيمون في هذه الغرفة؟ ~~- ونشكر الله دائما، حالتنا أحسن من حالة جيراننا، هم عشرة ومنهم شاب مزوج يقيم وامرأته ~~وابنه مع والديه وأخوته في بيت مثل بيتنا هذا. ~~- فودعها الغريب وراح يجتاز في جادات المدينة الضيقة المظلمة الموحلة المنتنة التي تكاد ~~البيوت إلى جنبيها تصطدم وتقع بعضها على بعض، فطرقت أذنه رنات العود وأصوات المغنين، فقال ~~في نفسه: وهم مع ذلك فرحون جذلون، سبحانك اللهم! ~~- ولم يكن يصل إلى منعطف الجادة حتى شاهد في الشارع جماعة، بينهم عواد وضارب قانون ~~وناقر دف، واثنان يحملان طبقا عليه أنواع الحلوى، وهم يعزفون على آلات الطرب ويغنون، ~~فاستطلع أحد التجار خبرهم، فقال له: وهل أنت من باريس؟! ألا تعرف الزفة؟! عرس يا شيخ ~~العرب، عرس، وهذه هدية العريس إلى العروس، والليلة يجيئونه بها. # فضحك الغريب ضحكة اليائس وراح يردد في نفسه قائلا: يتزوجون ويتكاثرون ويعيشون على ~~الحسنات، ويقيمون في الأقذار ويشربون مياه بواليعهم، وعندما يبعث الله إليهم باعثا مطهرا ~~كالطاعون أو الوباء يجيء هؤلاء المحسنون من الإفرنج، والادعاء في إحسانهم أشد وباء من ~~الطاعون فيحاولون مقاومة العناية الإلهية، يبنون الصروح والمستشفيات ليعيش فيها أفراد منهم ~~لا رزق لهم في بلادهم، فيستثمرون بؤس العباد وأقدار البلاد ويعترضون صنع الطبيعة؛ فيحاولون ~~حفظ ما يريد الله استئصاله، وكم مرة جاء الوباء يريح طبريا من شقائها وويلاتها فناهضه هؤلاء ~~الإفرنج وردوه خائبا. # هنيئا لوحوش البرية! هنيئا لأطيار الفلاة! لهفي عليك يا طبرية ولهفي على أبنائك، ~~يتزوجون ويتكاثرون ويعيشون في البواليع على الحسنات، لا أثمرت خليقتك يا رب، تبارك عقم ~~الرمال والصخور، تبارك عقم البحار، الرجل الذي هو مليك مخلوقاتك ms052 كلها إنما هو أضعفها ~~وأحطها، والامرأة أمة الرجل. هذه طبرية وهي منذ بناها هيرودس حتى اليوم مهد الخمول والجبن ~~والعبودية، بل كان اليهود مرتقين عزيزي الجانب لما بنيت قديما فرفضوا أن يسكنوها، فجلب ~~هيرودس إليها جماعات من الأجلاف والأوغاد والشحاذين فأقاموا فيها ناعمي البال، فهل يهود ~~طبرية اليوم من نسل أولئك الناس يا ترى؟ تبارك عقم الرمال والصخور، تبارك عقم ~~البحار. # وجلس الغريب على شاطئ البحيرة برهة، وكانت قد سكنت الريح وكف المطر، فاستخرج من جيبه ~~كتابا وقرأ بضع صفحات وصلى صلاة المساء، ثم نهض وسار في طريقه عائدا إلى منزله، وبينا هو ~~مار بالحمامات راقبه أحمد واتبعه خفيا، فاهتدى إلى بيته وعاد يخبر القسيس. # وفي تلك الليلة أطلع أحمد إخوانه في القهوة على ما شاهد هناك. ~~- والله يا أحمد هذا الرجل «أبو السلة» أمره عجيب، له قصة عجيبة لا شك. ~~- ما لنا وله؟ هات العرق والنقل يا طنوس. ~~- اسمع بالله، وللقسيس غرض معه، والله أظن أن للاثنين علاقة بالفتاة. ~~- أي فتاة؟ ~~- أبو السلة مقيم فوق الطريق قرب القبور، وامرأة ... وأشار أحمد بيديه أن الامرأة ~~حبلى. ~~- وما ظنك؟ يمكن أن تكون امرأته. ~~- ويمكن أن تكون ابنته. ~~- وما غرض القس يا ترى؟ ~~- قد يكون علم أن هناك فتاة، قسيس أفندي ابن حرام - الله يوفقه - اشرب، اشرب. # أما القسيس فبات بعد ذلك يراقب الغريب، فلما شاهده في أصيل اليوم التالي ذاهبا إلى ~~طبريا سار توا إلى البيت الذي أهداه أحمد إليه، فالتقى قدام الباب بفتاة مشحوبة اللون ~~ثقيلة الحركة عيناها ذابلتان والكآبة بادية في وجهها، فألقى إليها السلام فردته ~~واجفة. ~~- كأنني عرفت الرجل المقيم معك يا بنتي، فجئت أتحقق ذلك. ~~- وماذا تريد؟ ~~- لا شيء سوى التعرف والألفة، أنا غريب هنا أليف الضجر. فجزعت الفتاة وهمت بالدخول إلى ~~البيت. ~~- لا تخافي يا بنتي، فقد أكون متطفلا ولكن الغريب إلى الغريب نسيب، من هو الرجل ~~المقيم معك؟ ~~- أبي. ~~- هذا ما ظننته، ومن أين أنتم؟ ~~- من الكرك. ~~- واسم أبوك؟ # فلفقت الفتاة اسما ثم قالت: تفضل ms053 زرنا عندما يكون أبي هنا، ودخلت البيت وأقفلت الباب، ~~فعاد القسيس وهو حائر في تصرف الامرأة مشكك في قولها. # وبينما هو عائد إلى غرفته في الحمام التقى بالغريب في الطريق، فتبادل الاثنان نظرة ~~سريعة وكل منهما سائر في سبيله، ثم التفت الغريب كأنه يريد أن يتحقق ظنا فرأى القسيس ~~واقفا يلتفت إليه. ~~- هو هو بعينه، نبذ الثوب وتزوج، سبحانك يا رب. # وفطن القسيس إذ ذاك إلى تلك المقابلة في لبنان وتذكر السؤالات التي سئلها، فقال في نفسه: ~~الأوفق ألا يعلم بوجودي هنا. # أما الغريب فلما وصل إلى البيت أخبرته الامرأة بزيارة القسيس وسؤاله عنهما. # فرفع يده إلى جبينه متبحرا، هو بعينه؛ هو القس بولس عمون ذاك العالم الفيلسوف الذي ~~قابلته في لبنان، وهذه الورقة التي عثرت بها عند الحمامات لا شك أنها من أوراقه، ثم قرأ ~~فيها ثانية: «كلما فكرت بالماضي؛ ماضي حياتي ينقبض قلبي، أجمل الأسرار الدينية سر ~~الاعتراف ... لولاك يا ربي لمن يعترف المجرم الأثيم؟» # ثم قرأ ما كتب في الجهة الثانية وقال: ليس هنا أحد يحسن مثل هذه الأشياء ويكتبها، ~~والاعتراف! الحق معه لمن يعترف المجرم الأثيم لولاك يا رب؟ # وبات الغريب حائرا بائرا تلك الليلة يفكر بالقس بولس عمون وبإيلياس البلان، واستيقظ ~~صباحا وجاء إلى الحمامات ليقابله، فقيل له: إن القسيس سافر مساء البارح. # | الفصل الثامن # لا نظن القارئ يجهل الآن الغريب في زي الأعراب المعروف بأبي السلة والفتاة المقيمة معه، ~~ولكنه يتوقع شيئا من أخباره قبل مجيئه إلى طبريا ومن قصة الفتاة بعد أن ألقيت في السجن، ~~فإن تلك الدعوى دعواها كمثل الكثير من الدعاوي التي تسمع في محاكم البلاد فتخفى حقيقتها على ~~رجال الشحنة والقضاة، أو إنها تخفى عمدا وعدوانا حبا بكسب، أو إرضاء لصاحب نفوذ، أو ~~تزلفا لذي أمر، فيبرأ مذنب، ويتهم بريء ولا يذنب - الحق والعدل - في كلا الحالتين غير ~~الحكومة الأثيمة. # وإننا لنسرد الآن إيجاز خبر القضية التي ألبست بيت مبارك عارا لا تدثره الأيام، وأقامت ~~رجال الحكومة وأقعدتهم ، وأشغلت القس ms054 جبرائل عن خصومة الرهبان، واضطرته في نهاية الأمر إلى ~~أن يخرج من الدير. # ما كادت تشرق الشمس على تلك الجريمة حتى ضجت الناصرة بأخبارها وتعددت حسب العادة في ~~مثل هذه الحوادث الإشاعات، فمن الناس من قال: إن يوسف مبارك قتل ابن عمه غيرة على عرضه. ~~ومنهم من قال: إن مريم سبب الجريمة والست هند مرتكبتها. ومنهم من أشاع أن للرهبان أصدقاء ~~الست هند يدا فيها، وما أحد ذكر عارفا، بخير أو بشر؛ ذلك لأن الشاب كان متغيبا معظم ~~الوقت عن البلد، ولم يخطر أمره في بال أحد من الناس إذا استثنينا المدعي العمومي. # ولما نمى الخبر إلى القس جبرائيل صباح ذاك اليوم هرول إلى بيت أخيه يستطلعه الحقيقة، وكان ~~يوسف أفندي قد استنطق العشية لطيفة، فأخبرته بعد كثير التردد بما شاهدت، فأخبر أخاه القسيس ~~وسأله رأيه في تلك المحنة السوداء، وليس يوسف مبارك أبا رومانيا ليجلس في كرسي القضاة ~~فيحكم على ابنه المذنب بالسجن أو الموت، وإنما الضعف البشري والحنان الأبوي سولا له ~~الكذب، فقال: إن عارفا كان غائبا ليلة ارتكبت الجريمة ولم يزل، فوافقه القسيس في ذلك على ~~شرط أن يساعده في خلاص الفتاة المتهمة زورا وظلما. # ثم ذهب القسيس إلى السجن فقابل مريم وسألها أن تصدقه الخبر، فقالت: إنها لا تعلم شيئا، ~~وأصرت على إنكارها، وكان الهلع قد استولى على الفتاة فأمست قليلة الكلام، كثيرة الأوهام، ~~على أنها لم تغير من قصدها مثقال ذرة ولم تقر أبدا بما كانت تعلم، قالت: إنها لا تدري من ~~القاتل، ولم تقل غير ذلك، وأقسمت يمينا للقس جبرائيل إنها بريئة. # وظلت الفتاة أربعة أشهر في السجن تقاسي مر العذاب من آلام ظاهرة، وآلام خفية، ريثما ~~تبحث الحكومة وتحقق في الدعوى. # وقد قيل: إن المدعي العمومي أظهر في الإجراءات من إصابة الرأي، وطهارة الذيل، وعفة النفس ~~ما قلما شاهده أبناء الناصرة في أمثاله، كيف لا وقد استنطق بيت مبارك كلهم من الست هند ~~الجليلة حتى العشية؟ هذا ما عرفه الناس وقد فاتهم أن ms055 يوسف أفندي وكلماته كانت تحرك في كل ~~هذي الإجراءات قلم المدعي العمومي ولسانه. # وقد شهد يوسف أفندي نفسه أنه ساعة ارتكبت الجريمة كان نائما، وأن ابنه عارفا غائب منذ ~~أسابيع، وأنه لم ير ساعة جاء يلبي صراخ الخادمات غير الفتاة مريم في غرفتها والجثة تحت ~~السطح، وكذلك شهدت الست هند والخادمة ظريفة، أما العشية فقالت تزيد على ذلك: إنها حين فتحت ~~شباك غرفتها رأت رجلا لابسا رداء أسود يسحب الجثة من غرفة مريم ويرميها تحت السطح، ~~ولكنها لم تر وجهه. # ثم جاء المستنطق والقائمقام إلى موقع الجريمة يفحصان المكان ويدققان النظر في هيئته ~~وشكله، فوجد المستنطق أن للسطح درجا من الحجر يصل إلى نصف الحائط، فيظل بين آخر درجة منه ~~والأرض علو مقداره أربعة أذرع، يستطيع أن يثب إليها أي كان من الرجال. # فقال المستنطق وقد انجلى له الأمر وانكشف السر: إن الجاني تسلق هذا الجدار إلى هذا ~~الدرج إلى هذا السطح واتخذ بعد ارتكابه الجريمة ذات الطريق هاربا، فأسر إليه إذ ذاك ~~القائمقام ما يعرفه بنفسه من تردد الرهبان على بيت يوسف أفندي وانشغال قلب أحدهم بحب ~~مريم، فسكت المستنطق إذ ذاك وأوقف الإجراء والاستقصاء. # أما مريم فلم تكن لتقر بما جرى لها في بيت مبارك، وأنكرت أنها تحب أحدا في البيت أو ~~في المدينة، أو أن أحدا في البيت أو في المدينة يحبها، إلا أن الست هندا ألفتت نظر ~~المستنطق إلى القس جبرائيل قائلة: إنه هو المفتاح الوحيد لقلب مريم، وقد يكون المغري على ~~قتل أيوب مبارك؛ لأن الفتاة تشكو إليه الصغير والكبير من أمرها دائما، وشد ما كان شماتة ~~الرهبان وشد ما كان سرورهم لما استدعي القس جبرائيل إلى سراي الحكومة ليستنطق مثل سائر ~~الناس، فامتثل القسيس أمر المدعي العمومي، وبعد أن أجابه على سؤالاته كلها زار مريم في ~~السجن وعرفها مطمئنا أن ما تقوله في كرسي الاعتراف لا يطلع عليه غير الله والكاهن، ~~فاعترفت له بكل شيء؛ بفعلات أخيه وتحبب ابن أخيه لها، وبقتله أيوب مبارك ms056 وباغتصابه إياها، ~~وجعلت إذ ذاك تبكي فانتبه القسيس إلى حالتها وجاء بعد أن عرفها يسأل القائمقام الإسراع في ~~استماع دعواها؛ لأن الفتاة حامل، وقد ترتكب الحكومة جريمة لا تغتفر إذا داومت التأجيل من ~~أسبوع إلى أسبوع ومن يوم إلى يوم. # وفي أوراق التحقيق التي رفعها المدعي العمومي إلى المحكمة، ويوسف أفندي عضو من أعضائها، ~~قال: إنه بعد طويل البحث والتمحيص والاستقصاء ظهر أن القتيل مطعون في ظهره ثلاث طعنات بخنجر ~~وجد مرميا على الأرض - وهذا، وايم الله، يستوجب طويل البحث والاستقصاء - وأن رأسه مكسور ~~من صندوق الزهور الذي وقع فوقه - وهذه من اكتشافات المدعي العمومي النير الذهن الذكي ~~الفؤاد - وأن الطعنات في ظهره وحدها لا تسبب الموت - هنيئا لحكومة عمالها علماء أطباء ~~فقهاء - فلو فرض أن الفتاة قاتلة أيوب مبارك فليست هي التي رمته تحت السطح، والعشية لطيفة ~~تشهد على ذلك، والمدعى عليها تقول أيضا: إنها لما كانت في قبضة أيوب مبارك رأت رجلا يطعنه ~~في ظهره فهلع قلبها وأغمي عليها فلم تر غير ذلك، فلو فرض أنها هي القاتلة فينبغي أن يكون ~~لها شريك في الجريمة، وحكم المصحف الشريف في سورة يوسف يصح في هذه القضية - وهذا منتهى ~~الذكاء والبراعة في تحقيق المدعي العمومي - إذا كان قميصه قد من قبل فصدقت وإن كان ~~قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين. والقتيل طعن من دبر ساعة كانت الفتاة مريم ~~في قبضة يده، وهو فوق ذلك طويل القامة فلو فرض أن الفتاة هي الطاعنة تلك الطعنات لوجب أن ~~تكون الطعنات في أسفل ظهره لا بين كتفيه، فمما تحقق من موقع الجريمة إذن ومن شهادات الشهود ~~يستدل أن رجلا، وقد يكون لصا، تسلق الجدار إلى الدرج ومنه إلى السطح قصد السرقة - ~~ليهنأ العدل بأربابه - فلما رآه أيوب مبارك قبض عليه فطعن اللص أيوب تلك الطعنات ورماه ~~تحت السطح وفر هاربا! # وبناء على ذلك برأت المحكمة مريم وأطلقت سراحها، وأوقفت الإجراء في الدعوى لظنها أن ~~المجرم راهب لا لص كما ادعى المدعي ms057 العمومي النير الذهن الذكي الفؤاد. # وبرأ الناس أيضا مريم، ولكنهم لم يبرئوا بيت مبارك، فكانوا إذا ذكروا الحادثة يقولون: ~~«يا للعار!» حانقين، ولم يقل واحد منهم: «يا حرام!» آسفا. # واضطر يوسف أفندي أن يسافر إلى سوريا؛ هربا من سهام الرأي العام، وتخفيفا لمضض الآلام ~~التي أصابته من هذه الفاجعة، ورغبته بالاجتماع بابنه عارف ليطلعه على ما جرى ويعود به إلى ~~البيت. # أما الست هند فلم تفتأ أن تنشر الأكاذيب عن سلفها القسيس وتشتغل سرا وجهرا في نفيه من ~~الدير، وإن الاهتمام الذي أظهره في هذه الفاجعة لمما يحقق ظنون بعض الناس ويثبت حجة ~~الرهبان عليه. وكذلك كان، فثار الرأي العام عليه وصار إذا مشى في أسواق البلد يشار إليه ~~بالبنان: هذا مخلص مريم وأبوها. وإذا أقام في الدير لا يسمع ما هو أخف من ذلك وقعا على ~~أذنه وقلبه. # وقد حار القسيس في أمر مريم لما خرجت من السجن وحالتها تشير إلى ما هي فيه، فأين يذهب ~~بامرأة حامل؟ إلى من يأخذها وهي اليوم لا تستطيع الخدمة، بل هي في حاجة إلى من يخدمها؟ جاء ~~بها إلى الدير فأنزلها في غرفة هناك ريثما يفكر في أمرها وفي مصيره، فهاجت عليه خواطر ~~الرهبان وتهددوه والفتاة بالطرد. # ولقد طالما قال: الزهد في الأديرة أضحوكة سفيهة؛ خداع وضعف وجبن وخباثة، والنسك في ~~الأديرة تجديف على اسم الله القدوس. # وها قد حان الوقت ليعمل بقوله، فوطن النفس على الرحيل ومريم؛ ليخلصها مما هي فيه، ~~لينقذها من عار يكتنفها، ليكون لها عونا في محنة جرها هو عليها إذ أدخلها خادمة في بيت ~~أخيه، فجاء بها إلى شاطئ البحيرة متنكرا في زي العربان؛ ليظل بعيدا عن الناس غريبا، ~~واستأجر بيتا خارج الحمامات عند مقابر علماء إسرائيل، فأقام وإياها فيه وهو يقول: سأبني ~~قرب البئر صومعتي وسأحرق الحبل والدلو، سأقيم عند الماء وأعف عنها، هذا هو النسك الحقيقي، ~~هذا هو الزهد المقدس. # ومع أنه أقدم على ذا العمل الخطير ثابت القدم، جريء القلب، فلم يشأ أن يطول ms058 أوانه، ويذكر ~~القارئ أنه عند وصوله إلى تلك الناحية سافر مع محمود البحري إلى تلحوم لغرض جوهري يختص ~~بمريم، فإن له في سهل الغوير بيتا وبعض أملاك، ولم يشأ أن تقيم الفتاة هناك وهي في حالتها ~~الحاضرة، فبعث أحد أجرائه إلى حيفا بكتاب إلى عارف ابن أخيه يبشره فيه ببراءة مريم ويسأله ~~أن يوافيه حالا إلى البيت في سهل الغوير. # | الفصل التاسع # - ولكنه لطيف كريم، يا أمي، وعدني ببيت وبعريس إذا قبلت نصيحته وأصلحت حالي وندمت على ~~خطاياي. ~~- هل هو كاهن نصراني؟ ~~- لا هو رجل غني، له أملاك في جهة تلحوم وعنده أجراء، ويريد أن أقيم هناك معهم فأخدم في ~~بيته ويزوجني بشاب ظريف ابن أحد أجرائه. ~~- ما لك وهذا التلفيق، هو خداع منافق مثل سائر الرجال، كم يدفع أجرتك في ~~الأسبوع؟ ~~- مجيديين. ~~- مجيديين فقط؟ اطلبي منه أربعة مجيديات، يدفعها، وحق الله إذا كان يحبك يدفعها وابقي معه ~~إلى أن يسافر إلى بلاده، ثم عودي إلى شغلك، ولا تغرك تلفيقاته، من يعيشني إذا بعدت عني ~~وأنا الآن مريضة، وافرضي أنني شفيت غدا فلا أحد يلتفت إلي، ولت أيامي، يا بنتي، كبرت ~~وشبت من الويل والشقاء، ألا ترين كيف هجرنا ذاك اللعين أبو هذا الولد، لا عاشت الأولاد، ولا ~~عاش الرجال! # وكان الطفل إذ ذاك نائما فاستفاق وجعل يبكي، فجذبته بعنف إليها ودقت برأسه على صدرها ~~وهي تقول: ارضع ترضع السم، ارضع ترضع البلاء، سأرميك في البحيرة يوما ما وأرتاح منك ومن ~~بذرة أبيك، هاتي الإبريق يا هيلانة، أحس أن في جوفي أتون نار، آه ما أحلى الموت! هنيئا ~~للموتى! ~~- أنت دائما يائسة يا أمي، ويحق لك أن تفرحي اليوم. ~~- نعم يا بنتي، الجنة التي نحن فيها تفرح القلب، اسمعي ألم تقولي لي: إن الامرأة التي مع ~~هذا الرجل حبلى؟ ~~- بلى. ~~- ارجعي إذن إلى بيته، وابقي عنده إلى أن تلد فأخبرك بعدئذ ما تفعلين، واطلبي منه أربعة ~~مجيديات كل أسبوع، أفهمت؟ أواه! أين جمالي يخدمني الآن؟ فإني الآن أعرف كيف أنتفع ms059 به، ~~كفاك، كفاك يا بن الستين كلب! قطعت ثديي، هس! لا تبك، لا تبك. الإبريق يا هيلانة! احترق ~~قلبي والله، احترق كبدي. أفهمت ما قلت لك؟ اطلبي منه أربعة مجيديات كل أسبوع، وهبيه البيت ~~والعريس. ~~- وربما كان هو العريس بنفسه، والله يا أمي! هو شلبي وكريم ولطيف وغني، أحبه والله ~~أحبه. ~~- الله يعمي قلبك، حمارة، دابة، ماذا يريد الرجل من بنت الهوى؟ زواجها؟ لم تزالي بسيطة يا ~~هيلانة، يتمتع بك ويتركك مثلما تركني ذاك النذل، الله يبليه بالبرص، الله يبليه بالطاعون، ~~أتعرفين ما كنت أصنع لو كنت اليوم صبية جميلة يا بنتي؟ أعطيني الإبريق! لو كنت اليوم صبية ~~جميلة لبنيت علية على شاطئ البحيرة أكرسها للغرام وللموت فأمتص فيها حياة الرجال وأجعلهم ~~بعد ذلك طعما للأسماك، أواه! روحي إلى شغلك يا بنتي، أعطي وانسي! ولكن لا تنسي أن تطلبي من ~~معلمك أربعة مجيديات. # وعادت هيلانة إلى بيت القس جبرائيل لا تعرف بأي نصيحة تنتصح: أبنصيحة أمها، أم بنصيحة ~~الغريب سيدها؟ ولكنها استسلمت إلى التقادير وظلت تخدم القسيس ورفيقته شهرين لتطبخ وتغسل ~~الثياب وتجيء إلى البلد تقضي حاجاتهما وتبتاع لهما زادا، وكانت ترافقهما في نزهاتهما ~~أيضا، كأنها تقيم معهما رفيقة لا خادمة، وكان سيدها يحسن إليها ويرشدها ويعاملها ومريم ~~معاملة واحدة. # ولم تكن مريم لترضى بذلك، فازداد غمها واحتدمت نار الغيرة في موقد أحزانها؛ فنفرت من ~~هيلانة ولم تتمالك نفسها فأخذت تخشن لها الكلام وتسيء معاملتها، وكانت هيلانة إذا حدثت مريم ~~تكثر من ذكر الرجال وتردد بعض أقوال أمها البذيئة. ~~- قلت لك مائة مرة: لا ترددي على مسمعي مثل هذا الكلام. ~~- لا تؤاخذيني، ولكن مثلك لا تشمئز من ذكر الرجال. ~~- سدي فمك. ~~- أمرك يا معلمتي، ولكني طالبة الإفادة، سمعت الناس يقولون: إنك زوجة معلمي ولست ~~ابنته. ~~- هذا لا يعنيك يا هيلانة. ~~- بلى يا معلمتي، هذا يهمني، فإذا كنت زوجته لا أفسد - والله - بينكما، بل أعود إلى ~~بيتي، إلى شغلي. ~~- وما معنى كلامك؟ ~~- معنى كلامي: إذا كنت زوجة معلمي فرزقي إذن على ms060 الله، ولو أحبني فأنا لا أفتن ~~بينكما. # فلم تتمالك مريم أن ضحكت، فتشجعت هيلانة وتمادت بمثل ذا الحديث، فأسكتتها مريم ~~وضربتها. # فشكتها إلى القس جبرائيل فطيب خاطرها ونصح لمريم أن تعاملها بالحسنى. ~~- لا نقدر أن نغير خادمتنا كل أسبوع يا بنتي، ونحن نبتغي الستر والبعد عن الناس، ولا ~~نقدر أن نعيش هنا بلا خادمة، فاصبري عليها من أجلي. # وبعد أيام بعث القسيس هيلانة برسالة إلى أجيره في تلحوم، فأدتها وجاءت بالجواب، وفي ~~عودتها عرجت على طبريا لتزور أمها، وكانت قد تعافت فأخبرتها بما جد في أمرها. ~~- الحق معك يا أمي، كنت أظن أن البيت في تلحوم قصر وإذا هو كوخ، وأن الشاب ابن أجير ~~معلمي ظريف وإذا به مثل القرد، والامرأة التي معه خبيثة شرسة، وأظنها ابنته أكرهها من كل ~~قلبي، ضربتني بنت الكلب وعيرتني، والله لو لم تكن في تلك الحالة لأخذتها بشعرها ومرغت فمها ~~بالتراب، لكسرت رأسها والله. ~~- وهل قرب يوم ولادتها؟ ~~- لا أدري، ولكني سمعته يقول لها: إن هذا شهرها، غريبة والله أطوار هذا الرجل؛ فقد أقام ~~في بيته حاجزا من الخام، فأنام أنا والامرأة في شقة منه، وينام هو في الشقة الثانية، وما ~~رأيته مرة يقترب منها لا ليلا ولا نهارا، وقد راقبته مرات في الليل وأنا أتناوم، يظهر يا ~~أمي أنها ابنته. ~~- لا فرق ابنته كانت أو امرأته، فهو يحبها وهو غني أليس كذلك؟ ~~- بلى. ~~- إذن ينبغي أن ننقل من هذا البيت إلى حارة أخرى في قلب البلد، فقد دبرت الأمر وإذا ~~سمعت كلامي وعملت بإشارتي نغتني، ابقي اليوم عندي تساعديني في النقل، وغدا تعودين إلى بيت ~~معلمك. # وفي اليوم الثاني عادت هيلانة تحتفظ بوصية أمها وتحمل إلى القس جبرائيل جواب أجيره في سهل ~~المغير، وقد قال فيه: إنه سافر إلى حيفا وبحث هنالك عن عارف فلم يجده ولم يسمع له ~~خبرا. # فمزق الكتاب وملامح الغيظ والفشل تبدو في وجهه. ~~- وأين كنت الليلة البارحة؟ ~~- نمت عند أمي. ~~- حسن، ولكنني أسألك ألا تتغيبي في هذه الأيام ms061 أبدا، لازمي معلمتك، ولا تغيظيها بشيء، ~~والتي مثلها اليوم تضيق أخلاقها، فكوني طائعة أمرها صابرة عليها، أفهمت؟ وأعطاها ثلاثة ~~مجيديات. ~~- نعم، أمرك سيدي. ~~- وسأعطيك ليرة عندما تلد معلمتك. ~~- كثر الله خيرك. # وراحت الفتاة إلى شغلها، وراح القس جبرائيل يداوي نفسه في الحقول، وكان الشتاء وقتئذ ~~قد هم بالرحيل، فصعد في الجبل فوق الحمامات وجلس على صخرة هنالك بدأت تنطق بجمال الربيع، ~~فنورت في نخاريبها بعض زهيرات أخذ القسيس واحدة منها وطفق يقلبها في يده وهو يقرأ في كتابه ~~المحبوب «كتاب الاقتداء بالمسيح»، ثم نظر إلى البحيرة وقد صفا وجهها، وهي نائمة تحت قدميه ~~كالطفل في رابعة النهار والنسيم يهز سريرها والحمام فوقها ينتحب وينوح، فهتف صارخا. ~~- يولي الشتاء والحمام لا يفتأ ينوح، يجيء الربيع والحمام ينتحب وينوح، تبتسم الطبيعة ~~لهذه الأماكن المقدسة والحمام فيها ينوح، تنيرها الشمس فتدفئها وتحييها وينيرها القمر فيخفي ~~معاصيها والحمام لا يزال ليل نهار يبكي وينوح، فما سرك أيها الحمام وما خبرك؟ أفي نفسك ~~نفس تلاميذ السيد؟ أفي صوتك صوت المريمات؟ أفي انتحابك تتجسد أصوات الدهور وأنين الشعوب؟ أو ~~هل هو نبأ من أنباء الرب القدوس تردده الأيام والأنام فيسمعناه في مهد روحياته الحمام؟ آه، ~~أواه! وإن في الإنسان مهما تقلبت أطواره ومهما تغيرت أيامه صوتا مثل صوت الحمام حيا ~~أبديا، آه، أواه! إن في سرك أيها الحمام، وفي خبرك، ولو تممت غدا أشرف مقاصدي ~~وأسماها، لو تكلل غدا مسعاي في سبيل الفتاة مريم لكان الغد أسعد أيامي، ولسمعت مع ذلك نوح ~~الحمام؛ نوح الحمام في الجليل ونوح الحمام في نفسي، آه، أواه! ~~«ارحمني يا رب حسب رحمتك، حسب كثرة رأفتك امح معاصي، اغسلني كثيرا من إثمي، ومن خطيتي ~~طهرني؛ لأني عارف بمعاصي، وخطيتي أمامي دائما.» # وبينا هو عائد إلى البيت زالت سكرته الروحية وأحس ~~بنار الجسد تتأجج في صدره، فأخفى دخانها نور بره وتقواه وأسمعه اضطرابه صوتا يقول: ~~قسمت يمينا أن أرعى هذه الفتاة وأصونها من تصاريف الزمان، وحين أراها تهتز لها جوارحي ~~كلها، يبتسم ms062 لها فؤادي، أحبها وأكرهها، أودها بعيدة مني قريبة، لحظاتها ذبحت نذري، ~~سكوتها هدم مذبحي، تأوهاتها فرطت مسبحتي، كلماتها محت اسم الله من كتاب صلاتي، آه أواه! ~~إيلياس البلان! إيلياس البلان! أين أنت؟ عارف، عارف! أين أنت؟ لو علمت اليوم أن أباها في ~~الهند لذهبت بها إليه، ولو علمت اليوم أن عارفا في أميركا لسافرت وإياها إلى أميركا، ~~ولكن الله وقد أخفى عني وعنها الاثنين يريد أن أحمل الحمل وحدي، لتكمل مشيئتك يا رب، ~~لتكمل مشيئتك، ولكن القس جبرائيل عبدك إنما هو بشر يا ربي، ومنذ أخذ يد مريم بيده يوم ~~ماتت أمها سارة ما زالت أمواج الحب والعفة تتلاطم حول نفسه. ~~«قد سررت بالحق في الباطن ففي السريرة تعرفني حكمة، طهرني بالزوفا فأطهر، اغسلني فأبيض ~~أكثر من الثلج، أسمعني سرورا وفرحا فتبتهج عظام سحقتها، قلبا نقيا اخلق في يا ~~الله، وروحا مستقيما جدد في داخلي، لا تطرحني من قدام وجهك وروحك القدوس لا تنزعه ~~مني.» # ولم تكن مريم أقل غما واضطرابا من القس جبرائيل، بل كانت نفسها تردد دائما صدى ~~تأوهاته البشرية، وهي في بلاء أشد من بلائه؛ لأنها وحدها لا تعرف لمن تشكو مصابها ولا لمن ~~ترفع عتابها، الراهب وصيها يناجي الله فيجد في يقظاته الروحية بعض التعزية، وهي تناجي ~~نفسها فتزداد حسرة واحتراقا، وإن فتاة في عمرها ومزاجها لقيت باكرا أشد المحن ~~وأخبثها ولم تستيقظ الروح فيها لجديرة بعطف غير عطف الناسك، وبحب بشري لا تشوبه إلهيات ~~البررة الزاهدين، وأما القس جبرائيل فكان يمازج عطفه وحنانه وإرشاده شيء بلبل بال مريم ~~وزاد بحيرتها وعذابها، فلم تدرك سر اضطرابه ولم تحسن فهم إرشاده وعتابه، ولما ألبسها ~~الذخيرة التي أعطته إياها سارة لم يقل لها: إن تلك الذخيرة من أمها، فظنت الفتاة أنها منه ~~وفرحت لذلك، إلا أن إقامتها وإياه في ذاك البيت تحت سقف واحد وليس بينهما غير حاجز من ~~الخام أزعجها جدا وكاد يهد قواها، وفوق ذلك لم يكن يأذن لها أن تحدث أحدا من الناس أو ~~أن ms063 تخرج وحدها إلى النزهة، فسئمت مريم الحياة وضاقت صدرا، ولم تكن تجسر أن تحدث القس ~~جبرائيل بما يكن فؤادها، ولكن ما بدا في شحوب وجهها وفي ذبول عينيها وفي ضعفها وسقمها ~~وأخلاقها كان ينطق بأفصح بيان بما في أعماق قلبها الكسير، فيسمعه القس جبرائيل ساكتا ~~صابرا، ويلجأ إلى الله؛ صونا لنفسه لا صونا لنفسها، وتخفيفا لآلامه لا تخفيفا ~~لآلامها. # وعلى هذه الحال قضت وإياه شهري حبلها الأخيرين، وفي ذات يوم عند غروب الشمس بينا كان يصلي ~~على شاطئ البحيرة جاءت هيلانة إليه تقول: معلمتي متألمة جدا، فبعثها إلى البلد تستدعي ~~قابلة: أسرعي، خذي العربة عند الحمامات، وارجعي وإياها حالا. فامتثلت هيلانة أمره، ~~ولما وصلت إلى طبريا ذهبت توا إلى أمها. ~~- الليلة، الليلة. ~~- طيب، وهل استدعيتم القابلة. ~~- أنا ذاهبة الآن إليها. ~~- حسن، عند القبور بعد ساعة أو ساعتين ولا تنسي ما قلت لك، تشجعي وتيقظي وكوني رشقة ~~وشاطرة. # وفي تلك الليلة ولدت مريم بعد طويل العذاب وشديد الألم طفلا ذكرا، وكان القس جبرائيل ~~ينتظر على شاطئ البحيرة خلاصها، فجاءت هيلانة تبشره بذلك، ثم سارعت إلى جهة القبور فكلمت ~~شخصا واقفا هناك تقول: بعد ساعتين، أجيئك بعد ساعتين. # وفي الساعة الثانية بعد نصف الليل، وقد كانت القابلة أنجزت عملها ونامت، وكانت مريم ~~والطفل والقسيس نياما كذلك، نهضت هيلانة تتسلل إلى فراش القابلة فأخذت الطفل من جانبها ~~فاستفاق باكيا، فاستفاقت لبكائه القابلة، فتظاهرت هيلانة بأنها تربته وتطايبه لينام، ثم ~~عادت إلى فراشها تترقب الفرصة، ونهضت بعد نصف ساعة فحملت الطفل النائم وأسرعت به إلى الشخص ~~الذي كان ينتظرها عند القبور، وعادت إلى فراشها فنامت ناعمة البال نومة البررة ~~الأطهار. # ونهض القس جبرائيل باكرا صباح ذاك اليوم فدخل على مريم ليهنئها ويشاهد ولدها، وكانت ~~النساء الثلاث لم يزلن نائمات فأيقظ القابلة وسألها عن الطفل، فنظرت حولها يمينا ويسارا ~~ثم نهضت تصفق كفا على كف وتصيح، فأسكتها القسيس وأيقظ الخادمة هيلانة وما كاد يتم سؤاله ~~حتى أخذت تبكي وتقسم بالله وبالأنبياء، فاستدعا الاثنتين إلى الخارج؛ ms064 خوف أن يوقظ لغطهما ~~مريم فتعلم بالحادثة فيجهز عليها. ~~- لما عدت أنا إلى البيت يا هيلانة كان الباب مفتوحا وكنت خارجا. ~~- نعم سيدي. ~~- وهل أقفلت الباب عند رجوعك؟ ~~- لا، تركته مفتوحا حسب العادة، والله يبليني ويضربني بالسبع ضربات إذا كنت ... فأومأ بيده ~~أن اسكتي، وأوعز إليها وإلى القابلة أن يقولا لمريم: إن ولدها عند المرضعة في البلد ترضعه ~~إلى أن تتعافى. # وراح يسرع إلى الحمامات مشتت الفكر مضطرب البال. # | الفصل العاشر # ليس في العناصر الطبيعية وقواها ما يستمر أبدا ثائرا، أو يستقر أبدا هادئا، وليس في ~~قوى الإنسان ومقاصده ما يخالف النواميس الطبيعية، تطمو السواقي والأنهار، ثم ترسب، ثم تغور، ~~ثم تجف، ثم يبعث الله فيها ماء الحياة؛ لتعيد على مسمعه نشيد التراوح الأبدي بين الحب ~~واليأس، والثبات والتردد، والخيبة والأمل، وكذلك في الأنفس البشرية، وفي السامية منها ~~خصيصا، تملؤها المقاصد النبيلة نورا، تكللها المساعي الشريفة آمالا، يعلو بها الإيمان ~~والإحسان إلى ذروة الإلهيات فتنور هنالك سوسنا ذهبيا، ثم يبعث الله من لدنه رسولا لا ~~يفرق بين فصول السنة ومراحل السالكين، ولا بين سوسن الربى وزنابق الغور، ولا بين سواقي ~~الجبال والأنفس البشرية. # ونفس القس جبرائيل الفائضة حبا وإحسانا أخذت بعد أن سرق الطفل أن ترسب وتغور، فلقد ~~وصل في جهاده إلى محجة تعجز النفس أن تتجاوزها مهما تعاظم عزمها دون أن يعترضها عارض يوقفها ~~قليلا فتستريح ثم تستأنف السير والسعي ناشطة مطمئنة، وأما الحادث المحزن هذا فبدل أن يوقف ~~القسيس أقعده، وأسكنه، وزعزع من العزم والإيمان. # لقد فكر لأول وهلة أن يبحث عن الطفل عله يظفر به فيعيده إلى أمه، وراح صباح ذاك اليوم ~~ووجهته الحمامات قصد الاستقصاء، ثم انثنى عن عزمه وأحجم آسفا يائسا، وتاه في الحقول ~~والجبال معظم النهار يساجل نفسه في الأمر وهو يحس منها وهنا واضطرابا. # من يوم تولى شأن مريم وأخذ على عاتقه أمر تربيتها لم يهدأ له بال، ولم تصف له حال من ~~الأحوال، خلصها من الدير فوقعت في أشراك أشر من أشراكه ms065 وأخبث، فجاهد في سبيلها دون أن ~~يحفل بوشايات الأقارب والإخوان وبتنديد النساء والرهبان، ثم خلصها من السجن وفادى بمنصبه ~~وبنفوذه من أجلها، بل اقتبل الفضيحة والعار وخرج من الدير قبل أن ينتصر على خصومه فيه؛ خرج ~~منه مدحورا مذموما وجاء بالفتاة يعيش وإياها على شاطئ البحيرة متنكرين، جاء يستر عارها ~~ويعينها طاقته على مشقة قدسها الله فيداوي نفسها ونفسه الكليمتين ويكفر نوعا عن ذنب ابن ~~أخيه. # ولقد أعياه الجهاد في الناصرة وأسقمه ضجيج الناس، وقد أسكرتهم أحاديث الإفك والفسق ~~والافتراء، ففر من المجتمع البشري هاربا يناجي الله في البرية ويستمد منه تعالى ما ~~يعينه في بلاياه. # وها الأقدار ثانية تعيد الكرة عليه، فآثر معقوله هذه المرة على شعوره ولم يحرك في ~~سبيل الطفل المفقود ساكنا، وقد يستغرب مثل ذا التصرف من القس جبرائيل، ولكنه لا يستطيع في ~~ذا الوقت أن يثير في طبريا ما هرب منه في الناصرة، فإن له في مريم قصدا يستوجب الستر ~~والتنكر وإذا لجأ إلى الحكومة ينفضح أمره ويخذل لا شك في مسعاه. # ولقد شاهد فوق ذلك من شقاء البنين والأمهات ما يعذر في نظره السكوت عن سرقة طفل ولد ~~إثما وحراما، وعاد إلى البيت يسلي نفسه بمثل ذي التأملات ويبرئها بمثل ذا المنطق ~~الفاسد، أعياه الجهاد فتعلل ببؤس العباد، وصرخ متأوها: تبارك عقم الرمال! تبارك عقم ~~البحار. # وعول ألا يبحث عن ولد مريم وأن يكتم أمر سرقته عن الناس وكان ذلك مستحيلا، فالقابلة ~~نشرت الخبر في البلد، وأم هيلانة لتصرف عنها عيون الشبهة وتضيف إثما إلى إثم؛ أشاعت أنها ~~سمعت أحد النوتيين يقول: إنه شاهد تلك الليلة رجلا على الشاطئ قبالة مدرسة اليهود قرب ~~الحمامات يرمي في البحيرة طفلا باكيا، فانتشرت الإشاعة وتجسمت حتى أصبحت عند الناس ~~يقينا، وقالوا محققين ذلك: إن هذا الغريب لا يكتم مثل ذا الحادث الرهيب؛ حادث السرقة ولا ~~يسكت عنه لو لم يكن هو الجاني على الطفل وأمه. بل قال أحمد يخاطب محمودا في القهوة: لهذا ~~الرجل على الفتاة معه ms066 ثأر يا محمود، وقد قتل ابنها ورماه في البحيرة انتقاما منها وأشاع ~~أنه سرق ليبرئ نفسه، وهذا معقول. # ومر أسبوعان والقس جبرائيل يعلل مريم بالولد، ولم يشأ أن يطلعها على الخبر قبل أن تشفى ~~تماما، ولكن هيلانة بعد أن قابلت أمها جاءت يوما تخبر مريم أنها سمعت الناس يقولون: إن ~~سيدها رمى الطفل في البحيرة ليلة ولد، فبهتت مريم بين تصديق وتكذيب، وسارعت إلى القس ~~جبرائيل جائشة القلب تسأله أن يصدقها الخبر وتلح في طلب ولدها. ~~- أصحيح الخبر، قل لي، قل لي. ~~- ومن أخبرك؟ ~~- هيلانة. # وكان قد نما إلى القس جبرائيل شيء من هذه الإشاعات. ~~- أريد أن أرى ولدي الآن، هذه الساعة، قل لي: من هي المرضعة فأذهب بنفسي إليها، أو أبعث ~~هيلانة الآن تجيئني به، هيلانة! يا بنت! ~~- اسمعي، يا مريم! سأبعثها، سكني من روعك. # ودخل القس جبرائيل البيت فأعطى هيلانة أجرتها وهو يكظم اغتياظه منها، وقال: لم نعد في ~~حاجة إلى خدمتك يا بنت، روحي في سبيلك الله يصلحك ويوفقك. # وراح يردد في نفسه: هذا جزاء الإحسان، هذا جزاء المعروف. # وولى النهار ولم تعد هيلانة فازدادت مريم قلقا واضطرابا، فنهضت باكرا وهي لم تنم تلك ~~الليلة تطالب القس جبرائيل بولدها وتبكي. ~~- ما بالك لا تتكلم؟ إذن أنا أبحث عنه، أنا أفتش عنه، وهمت مريم بالخروج من ~~البيت. ~~- إلى أين؟ إلى أين؟ تعالي أخبرك، اجلسي وسكني روعك. ~~- ابني ولدي، أين هو؟ ولماذا لم ترجع هيلانة؟ ~~- يا بنتي! سلمي إلى الرب أمرك، الرب أعطى والرب أخذ. ~~- مات! مات ولدي! وجعلت تلطم خديها وتنتحب. ~~- لتكمل مشيئة الرب، يا بنتي. # فصاحت مريم: كذاب، كذاب! أنت قتلته، أنت رميته في البحيرة، صدقت هيلانة، صدق الناس، أنت، ~~أنت يا قس جبرائيل. وهجمت عليه هجوم اللبوة على صائد اصطاد شبلها، فصاح بها: مريم! ~~- لا يخوفني صياحك، لا ترهبني نظراتك، ابني مات وأنت قتلته، أنت رميته في البحيرة، ويلك ~~يا قس جبرائيل من ربك! ويلك مني! والله سأشكوك إلى الحكومة سأخبر الناس، سأرفع صوتي في كل ms067 ~~مكان، إلى الله أشكوك، أهذا معروفك يا سيدي؟ أهذه طريق خلاصك؟ ليتني لم أعرفك، ليتني بقيت ~~في الدير، أنت جررت علي البلاء، أنت سبب فضيحتي في بيت أخيك، وجئت الآن تقتل ابني وترميه ~~في البحيرة، وما ذنب الطفل؟ ليتك قتلتني أنا، اقتلني، اقتلني وألحقني بولدي بفلذة كبدي، ~~اسمعوا يا ناس! هذا الرجل قتل ولدي ورماه. ~~- مريم مريم. ~~- لا أسكت، لا أسكت، سأبكي وأنتحب وأشكو إلى أن ترد إلي ولدي، إلى أن يسمعني الناس ~~فيجازونك، إلى أن يسمعني الله فيأخذ بثأري منك. ~~- مريم، قفي! قفي أكلمك. # وأمسكها بيدها يصدها عن الخروج وأقفل الباب. ~~- اسمعي أخبرك حقيقة الحال، ابنك سرق من البيت ليلة ولد. ~~- كذب! كذب أنت قتلته. ~~- وسنبحث عنه فنلقاه إن شاء الله. ~~- كذب، كذب، تلقاه في البحيرة؟ أنت رميته في البحيرة. ~~- مليح، أنا رميته في البحيرة، فاعملي ما يخطر لك. وفتح إذ ذاك الباب. ~~- روحي، روحي واتركيني في بلائي وحدي، ما بالك وقفت؟ ما بالك سكت؟ آه يا مريم لو ~~علمت ما أنا فيه، لو علمت ما أنا أقاسي من أجلك، لو علمت ما أنا أدبر لك، مريم، بنتي! ~~سكني روعك، وأنصتي إلى كلامي، الحياة يا مريم لعنة في الأرض، لعنة هي الحياة، خير لي لو ~~لم تلدني أمي، خير لك لو لم تلدك أمك، أمك! أتعرفينها! أباك أتعرفينه؟ ألم تلعنيهما أمامي ~~مرارا؟ كذلك ولدك المولود بالإثم يلعنك، المجتمع البشري لم يزل ينظر إلى مثلك وأبناء ~~مثلك نظر الأمير إلى عبيده، والحكومة لا تمتعكم بشيء من حقوق الإنسان، تعيشون مذمومين، ~~منبوذين، بائسين، يائسين، وحقا لكم أن تعيشوا مثل أسيادكم الأدعياء في مجتمع نخر السوس ~~عظامه وألبسه الظلم ثوب الجلاد. مريم، بنتي، لا يحرمونك الحقوق الاجتماعية والمدنية ~~والدينية فقط بل يفسدون عليك حقوقك الطبيعية، يقول لك الكاهن: ولدت بالإثم فالجحيم مأواك. ~~ويقول لك القاضي: ولدت خارج الشرع فلا حقوق لك في مجتمع شرعه سلطان. ويقول لك عبيد العادات ~~والتقاليد: ولدت في الفسق والشقاء فافترشي الفسق حياتك والبسي الشقاء حتى مماتلك. أما ms068 أنا ~~وليك، أبوك، أخوك، صفيك، فأقول لك يا مريم: ولدت كما تلد الأزاهر، وكما تلد الأطيار، وكما ~~تلد مخلوقات الله جمعاء، فلا أحرمك عطفي وحبي وولائي إلى أن يحرمك الله نور شمسه، لا أنبذك ~~يا مريم إلى أن تنبذك الشمس وينبذك القمر، فاشكري الله الآن على خلاصك، ولا تسترسلي إلى ~~الحزن فتنتكسي، أنا لك ما زالت لي قوة تساعدني على السعي في سبيلك في سبيل سعادتك، جئت بك ~~هذه الناحية لأقيك شر الناس، لأنقذك من البلاء والعار، وقد فزنا بشيء من رغبتنا والحمد لله، ~~ليس لبشر كل ما يريد في الأرض، كم من أمهات يلدن ويحزن ساعة الولادة! بل كم من أمهات يمتن ~~في الولادة! وكم من أمهات يربين أولادهن ويفقدنهم وهم في عنفوان الشباب! وكم من بنات ~~تبتلين مثلك فلا يجدن مأوى يأوين إليه ولا من يعطف عليهن ويمد إليهن يدا بيضاء، فاشكري ~~ربك، يا بنتي، ما زلت معك لا يمسك شر إن شاء الله. ~~- وأي شر أكبر من هذا الشر! ليتك تركتني في عاري، في بلائي، فأتعزى في الأقل ~~بولدي. ~~- لتعزيك الآن سلامتك، يا بنتي. ~~- لا كانت سلامتي، لا كانت. # ولزمتها إذ ذاك نوبة عصبية فأغمي عليها وسقطت إلى الأرض، فنهض القسيس بها يعالجها حتى ~~استفاقت ولزمت ذاك اليوم فراشها، ثم أخذت بعدئذ تقضي حاجات البيت وقلما تفوه بكلمة، ~~وظلت أسبوعا على هذا الحال، تخرج ووليها إلى النزهة على شاطئ البحيرة أو في منحدرات ~~الربى، فتنصت لإرشاداته وتمتثل أوامره وهي ساكنة مطرقة، وفي ذات يوم سألته عن عارف ~~مبارك، فقال لها: إنه بعث يبحث عنه في حيفا فلم يجده، وقد كتبت إلى أخي يوسف وهو الآن في ~~سوريا عل ابنه يكون هناك، وكتبت أيضا إلى مصر، فعسى أن يجيئني جواب مرض من إحدى ~~البلادين قريبا. ~~- يا قس جبرائيل! ~~- نعم يا بنتي. # فنظرت مريم إليه ساكتة وقد ترقرقت عيناها بالدموع، فطايبها وحاول أن يستطلع ما تفكر به ~~فلم تتكلم، كأن ما في نفسها من الغم والحسرة أوقع السكتة في ms069 لسانها، وظلت كذلك أياما ~~لا تدري ما تصنع وما تقول، كأن شيئا رهيبا غير حزنها على ولدها بدأ يشغل قلبها ويضرم ~~فيه نيرانا زادها السكوت التهابا، فتسمع في النهار تأججها وتكاد ترى في ظلمات الليل ~~شرارها. # والقس جبرائيل - وهو لا يدري لسذاجة فطرية فيه أن الفتاة تسيء فهم كلامه ولا تهتدي إلى ~~الصواب في تصرفه - كان يواظب على خطته صابرا، متجلدا، متيقنا أن سعادة مريم موكلة بها، ~~فخاطبها مرة يقول: لم هذا السكوت يا بنتي؟ ما بالك لا تكلميني؟ لم أنت دائما يائسة؟ ~~ألم أخلصك من السجن؟ ألم أنقذك من الموت؟ ألم أخرج من الدير وأتنكر في هذه الأثواب من أجلك؟ ~~ألم أقتبل الفضيحة والعار حبا بك؟ ألم أبذل ما بوسعي لأعيد إليك طهارة ماضيك؟ لقد أخطأت ~~مرة وجل من لا يخطأ، وسوف لا تخطئين ثانية بإذن الله، فقد ذقت مر الحياة ... ~~فقاطعته مريم قائلة: نعم وذقت حلوها أيضا، ووقع عندئذ نظرها على نظره فارتعشت نفسها، بل ~~أحست بسحر عينيه يجري في عروقها كلها فيسكن آلامها، بل شعرت بلذة غريبة من مجرد نظراته ~~تلك الساعة، فأخذها بيدها وأجلسها إلى جنبه قائلا: حلو الحياة يزول يا بنتي، وذكراه حينما ~~يزول تؤلم، أما مر الحياة فيلازمنا إلى القبر، حقيقته وذكراها كلتاهما مكربة مريعة، كلتاهما ~~توجع وتغم، وليس أشقى من المجرمين غير البائسين الذين يولدون خارج الحظيرة، يولدون ونير ~~العبودية على رقابهم، يلعنون في المهد، يرهقون في المدارس، ينبذون في المجتمعات، ويساقون ~~إلى المآثم والجرائم، ألا تذكرين كيف عوملت في الدير؟ فلو كان لك أب يكرمك وأم ترعاك لما ~~شقيت يا بنتي، فلا تحزني ولا تجزعي، روحي إلى طبريا تشاهدي هناك شقاء البنين والأمهات، ~~مريم، إني أحبك، أحبك من صميم قلبي، وأود صالحك، وأنشد سعادتك، وأسعى في سبيلك طاقتي، أحبك ~~ابنة لي وأختا، ولقد نجوت الآن من البلاء والعار وستكونين رفيقتي إن شاء الله في هذا ~~الوادي؛ وادي الدموع، ستقيمين معي إن شئت وستلاقين دائما ما يسرك ويرضيك، سيفتح الله ~~طريقا لك تتنعمين ms070 فيها، وإذا كنت تتضجرين مني ولا تريدين الإقامة قربي فسيكون لك من ~~تحبين، ولكني أقسم بالله إنني لما أكون قربك أشتم شذاء نفسك فأنتعش، وأرى في عينيك نورا ~~يشع في فؤادي فيدفئه، النور يا بنتي، في النور خلاصنا، في النور سعادتنا، شذا الورد خير من ~~الوردة، خيال الشجرة قصيدة حبها، أنعام الأطيار ألذ ما فيها، أنت الآن ابنتي، ولي في ظلك ~~ونورك ونغمات صوتك وطيب شذاك ما يخفف أماني فيك إن شاء الله. # لا، لا، لن أعود بك إلى الدير، فإني أعلم منك بأسراره وخباياه، ولكني أعد لك في سويداء ~~قلبي مركزا لا تمسه يد بشرية ولا تدنسه الأهواء والشهوات، في الحياة الروحية يا مريم، وفي ~~البعد عن الناس وعن الأديرة تمام السعادة، وإن لك بيتا على شاطئ هذه البحيرة في هذه الأرض ~~المقدسة تقيمين فيه ومن تحبين، لا إخالك تجهلين يا مريم ما أقاسيه في مناهضة الميول ~~السافلة وفي مكافحة الشهوات، هاتي يدك أرفعك إلى الذروة التي وصلت إليها، انظري إلي، هاتي ~~يدك أرفعك فوق ما فيك وفي من آثار بربرية وغرائز حيوانية، لا شيء يدوم يا مريم غير الروح ~~وآثارها السامية، اللذات تزول يا بنتي ولا يزول قرفها، ولا تزول سوء مغبتها، ما بالك؟ ألا ~~يروقك كلامي؟ أتتضجرين مني؟ تكلمي ولا تخافي، ألا تريدين أن تبقي معي وأن تقيمي في الأقل ~~بجواري؟ أنا مدبر لك ما يرضيك في الحالين، فلا تتبرمي، ولا تستسلمي إلى السكوت واليأس ~~والسويداء. ~~- ليس في طاقتي، ولا أعرف كيف أعبر عما في قلبي، فلا تؤاخذني إذا سكت. ~~- ولكني أود أن أصرف أفكارك عن حزنك، فإن التفكر الدائم في ما كنت فيه يضرك. ~~- الموت خير لي من الحياة، ولو فهمت معنى كلامك فلا أفهم معنى ما في نفسي، وما في نفسي ~~يكاد يقتلني. ~~- اعترفي لي بذلك يا بنتي، ولا تخافي، الاعتراف مرهم للقلوب الكليمة. ~~- وكيف أعترف لك وأنت سبب حسرتي وبلائي، منذ عرفتك يا سيدي منذ رأيتك أول مرة منذ أخذت ~~يدي بيدك ، سرى إلي ms071 منك شيء عجيب لا أعرف ما هو نور فؤادي وفتح عيني وبدد غيمة أثقلت ~~وقتئذ نفسي وأظلمتها، ولم يزل ذاك الشيء العجيب ينمو في ويزعجني، يعذبني، وبالأخص حينما ~~أكون قربك. # وسكتت مريم هنيهة محنية الرأس ثم نظرت إليه نظرة حادة صافية، كأنها فازت على ما يقيد ~~نفسها ويضغط عليها، وقالت: أتريد أن تعرف ما في أعماق قلبي؟ أتريد أن تطلع على رغبتي؟ ~~أتريد أن تعرف سبب حزني وكمدي وحسرتي؟ أتريد أن أريك نفسي التي تحترق وتحرق كل ~~جسمي؟ ~~- تكلمي، تكلمي، ولا تخافي. ~~- بل أخافك، وأشعر عندما أكون قربك كأني واقفة على شفير الهاوية، وفيها ما يجذبني إليها ~~ويحببني بعمقها وبظلماتها، فهل تخطئ الفتاة إذا أظهرت ما في قلبها، إذا أعربت عن رغبة ~~تحرقها وتحرمها النوم؟ # وسكتت مريم تنتظر جواب القسيس فلم يفه بكلمة، ثم قالت: ألم تدرك معناي؟ ولدي، ولدي، أنت ~~سلبتني ولدي، أنت قتلته ورميته في البحيرة. ~~- لا تعيدي هذا الكلام يا مريم، لا تعيديه. ~~- أتنكر أن ولدي مات، إذن - وهذه رغبتني - أسأل الله ولدا بدله، وأسألك أنت أنت، أطلب ~~منك. ~~- ولكنها حجبت وجهها عنه وطفقت تبكي، ثم جثت عند قدمي القسيس وأخذت يده تقبلها، وتقول: ~~سامحني، واغفر لي، أنا ابنة خاطئة، أنا امرأة ضعيفة، فقيرة، حزينة، وحيدة، ليس لي في العالم ~~غيرك، سامحني، سأظل معك، سأكون خادمتك، بل عبدتك، سأذهب وإياك حيث شئت. ~~- انهضي يا بنتي، الله يغفر لك ويباركك، انهضي، آمني بالله، آمني بنفسك، آمني بي، الإيمان ~~يا بنتي يذلل كل ما في الحياة من الأهواء المهلكة والأميال، آمني بالله وبنفسك التي هي من ~~عنده تعالى، وفكري بمن مشى على هذه البحيرة وقدس بخطواته وبكلماته هذه الربى، فكري ~~بالمريمات اللواتي رفعهن الإيمان إلى روحيات السيد المسيح، اسمعي يا بنتي! سنبقى هنا بضعة ~~أيام ثم ننقل إلى بيتي في سهل المغير، وإذا كنت لا تحبين الإقامة هناك نسافر إلى لبنان ~~فنقيم هنالك في ظل الأرز في تلك الجبال المقدسة، وعسى أن يجيئني قريبا جواب من سوريا ~~فنلتقي هنالك ms072 بعارف أو أبعث أستدعيه إلينا. # فأجابت مريم برأسها بالإيجاب وهي دفينة غمها، وأقاما في ذاك الكوخ على شاطئ البحيرة ~~أسبوعا آخر كان القسيس فيه يظهر لمريم أضعاف ما عودها من العطف والحب والحنان، ولكن مريم ~~لم تجد في ذلك تعزية لنفسها أو مرهما لقلبها. # وفي ذات ليلة نهضت من فراشها تهرب من نار ليلها الآكلة، ومشت إلى الجهة التي ينام فيها ~~الراهب فرأته متربعا في فراشه منكسا رأسه، كان يصلي ولم يرها فأصبحت واجفة، خجلة، وعادت ~~إلى فراشها ذليلة، وفي اليوم الثاني نهضت على عادتها واليأس مالكها والذبول يحجب وجهها، ~~فراحت تهيم في البرية وتقول: سئمت لطفه، سئمت كرمه، سئمت معروفه، سئمت تقواه، سئمته، مللته ~~كرهته. # وفي ذاك اليوم سافر القس جبرائيل إلى تلحوم ليرى إذا كان جاءه جواب من سوريا أو من مصر، ~~وبينا مريم عائدة إلى البيت من نزهتها مرت بالحمامات فشاهدت بعض السياح قادمين من سمخ، ~~فوقفوا هناك ليتفرجوا على الحمامات، فسمعتهم مريم يتكلمون الإفرنسية فألقت إلى الامرأة ~~بينهم السلام وعرضت عليها خدمتها: أتريدين أن تتفرجي على الحمامات؟ «بارايسي مدام». # فاستوقفت نظر السيدة الإفرنسية وقد أعجبت بها، فسألتها مازحة إذا كانت تحب أن تسافر معها ~~إلى فرنسا فتخدم في بيتها هنالك. # فأجابت مريم على الفور بالإفرنسية: «وي مدام آفك بليزير.» # فقالت السيدة وقد أعجبت بمريم كثيرا: تعالي إلى النزل في طبريا، سأسافر بعد يومين إلى ~~حيفا ومنها إلى مصر. ~~- «وي مدام آفك بليزير مدام.» # ولما عاد القس جبرائيل من تلحوم كانت مريم تنتظره في البيت وقد أعدت العشاء، فأخبرها أنه ~~بعث رسولا إلى أخيه في سوريا وسيعود بعد أسبوع، وأنه بعد يومين ينقل وإياها إلى البيت في ~~سهل المغير. ~~- ما بالك لا تجيبين؟ ~~- إرادتي في يدك. ~~- حسن، حسن يا بنتي، ليباركك الله. # وفي اليوم التالي شخص القس جبرائيل إلى سمخ لقضاء حاجة تختص بأملاكه في السهل فاستغنمت ~~مريم الفرصة وذهبت إلى النزل في طبريا لتقابل السيدة الإفرنسية، وبعد أن استطلعت هذه شيئا ~~من أمرها وتحققت رغبتها أوعزت ms073 إليها أن تجيء صباح الغد باكرا فتسافر معها إلى حيفا ومنها ~~في المساء إلى مصر، فعادت مريم مستبشرة بقرب خلاصها فرحة بالسفر إلى فرنسا مع سيدة جليلة ~~إفرنسية، ولما وصلت إلى البيت كان القسيس يضرم النار في الموقد ليسخن شيئا من الطعام، ~~فسألها: أين كنت؟ فأجابت: كنت في طبريا. ~~- وما غرضك هناك يا بنتي؟ ~~- التفرج والنزهة. # فسكت القس جبرائيل ثم قال: لا تروحي مرة ثانية وحدك إلى أبعد، لو أظهرت لي رغبتك ~~لرافقتك، وتناول وإياها العشاء مساء ذاك اليوم وهو مسرور بما شاهد في نفسها من الخفة ~~والبشاشة، ومسرور بقرب رجوع رسوله يحمل إليه وإليها خبرا من أخيه يوسف مرضيا. # ونام تلك الليلة مطمئن النفس ناعم البال، ولكنه طلب مريم في صباح اليوم الثاني فلم ~~يجدها. # | الفصل الحادي عشر # من عادات أكابر الفرنسيس وخاصة منهم أكابر الطبقة الوسطى طبقة ال «بورجوازي» أنهم ~~يستخدمون في بيوتهم لتربية أولادهم المربيات الأجنبيات، وقد أمست العادة هذه زيا تجري ~~عليه ربات البيوت ويغرقن فيه، حتى إن الواحدة منهن لتفاخر أترابها بتعدد أولئك المعلمات ~~في بيتها، فتذكر مس جسي مثلا مربية ابنها الإنكليزية إذا ذكرت سيارتها الجديدة، وتشير ~~ازدهاء إلى رأي السنيورا كارولينا معلمة ابنتها الموسيقى إذا تكلمت عن الرواية الأخيرة في ~~ال «أبرا» وتثني على فرولن شمت المعلمة الألمانية إذا ذكرت المناوشة الأخيرة بين الألمان ~~والفرنسيس في ننسي أو في متز، ولا تنسى مس - الله أعلم - الأميريكية معلمة أولادها ال ~~«جمنستيك» والرقص إذا كان الحديث في المال والأزياء الأخيرة، وفي أكثر الأحايين تدور على ~~الأولاد من كثرة المعلمات الدوائر، وتدور على السيدة ربة البيت أيضا إذا كان زوجها ضجرا ~~ملولا وكانت المعلمة قد خصت بشيء غير العلم. # أما مدام لامار فأرملة لا زوج لها غير الإحسان، هي من السيدات الإفرنسيات المتدينات ~~اللواتي يوقفن على المستشفيات والأديرة في الشرق الأموال الطائلة ويحسن إلى رجال ~~الدين عندنا إحسانا جما متواصلا، وهي تحب سوريا خاصة وأبناءها، وتحب أن تقيم فيها ~~وابنها الوحيد، لذلك شاءت أن تعلمه اللغة ms074 العربية، ولما جمعتها الصدفة بمريم وعلمت أنها ~~يتيمة وأنها تحسن اللغتين العربية والإفرنسية ماجت في صدرها ثلاث عواطف متباينة، فقالت في ~~نفسها أولا: «مسكينة هذه الفتاة.» والشفقة في ذوي الإحسان عاطفة مطبوخة حاضرة، ثم قالت: ~~«نعم المعلمة لفرنسوا.» ثم همست في قلبها: «وسأفاخر أترابي بمعلمة شرقية سورية.» # ولقد أحبت مدام لامار مريم وأعجبت بذكائها، ولما وصلت إلى الإسكندرية مكثت فيها بضعة أيام ~~تنتظر الباخرة الإفرنسية وابتاعت للفتاة من حاجات اللبس والسفر ما يجعلها أهلا لرفقتها، ~~فلبست مريم المشد والقبعة ذات الريش والحذاء العالي الكعب، وسرت سيدتها بشكلها الجديد ~~وأعجبت بارتياحها في الزي الإفرنجي كأنها اعتادته صغيرة، وبينا كانت وإياها في السوق دخلت ~~إلى مكتبة تبتاع بعض الجرائد الإفرنسية والمجلات، فسألتها إذا كانت تحب المطالعة؟ فأجابت ~~بالإيجاب، فاشترت لها رواية تأليف فرنسوا كبه ورسائل مدام دي ستال وكتاب «سياحة في الشرق» ~~للامرتين، فتناولت مريم الرزمة من صاحب المكتبة وسألته قائلة: «وهل عندك كتب عربية؟» فهز ~~رأسه بازدراء، فتعجبت مريم، فقالت مدام لامار: يظهر أن الكتب العربية لا تباع في البلاد ~~الإنكليزية. ~~- وأين تباع؟ في فرنسا؟ ~~- أصبت، فقد اشترينا الكتب الإفرنسية في مصر، وسنشتري الكتب العربية في باريس. # فلم يعجب مريم ذا التهكم من سيدتها، وبينا هما سائرتان في شارع شريف باشا، ومريم - وقد ~~استفزتها الغيرة الوطنية - تحدق في شبابيك المخازن علها ترى هناك كتابا عربيا ترفع به ~~شأن وطنها في نظر السيدة الإفرنسية، لاح لها في أحد الأزقة إلى جانب الشارع الكبير جرنال ~~عربي معلق بشريطة تحت صف من الزجاجات، وفيها التبغ والسكاير وعلب الكبريت وأنواع ~~الأبازير، فطرقت وسيدتها تلك الناحية فإذا هناك دكة أو بالحري دكان فيه شاب يكاد من ~~ضيق ما هو فيه لا يستطيع حراكا، وراءه رفرف بعض الكتب مرصوصة بين صناديق من الكرتون عهدها ~~أقدم من «العهد القديم». # فقالت مريم مستبشرة: وهل عندك كتاب عربي؟ ~~- نعم، عندي. # وسحب الشاب رزمة من خلال تلك الصناديق ونفض عنها الحديث من الغبار وفكها يعرض ~~الأجزاء، فاستوقف نظر مريم عنوان أحد ms075 الكتب فأخذته تقلب في صفحاته، فقال الشاب: ذوقك ~~سليم والله، ذوقك جميل، أهم كتاب طبع في هذه الأيام، وقد أحدث ضجة في العالم العربي، ~~وأقام العالم الإسلامي وأقعده، مؤلفه من نوابغ الزمان، كتاب نفيس والله، ينبغي أن تطالعه ~~كل امرأة شرقية، جاءني منه نسختان في الشهر الماضي ولم يبق غير هذه التي بين يديك، خذيها، ~~فلا تندمي، طالعيها تستفيدي. # فاشترت مريم كتاب «تحرير المرأة» وراحت تترجم لسيدتها ما قاله الشاب فيه، فضحكت مدام ~~لامار لسذاجة الشرقيين، أو ما يظنه الإفرنج سذاجة فينا، وهي تفكر بكتاب وصف هذا الوصف وما ~~بيع منه في شهرين سوى نسختين. ~~- يحق لك أن تفرحي، فقد ظفرت بكتاب عربي. ~~- نعم. # ووقفت مريم إذ ذاك تنظر وراءها كأنها رأت بين العابرين من تعرفه ثم توارى في مزدحم الناس، ~~فسألتها سيدتها: ما بالك؟ فاضطرب عليها. ومشت ترافقها إلى شركة البواخر الإفرنسية، فقضت ~~مدام لامار حاجتها هناك، وركبت العربة تعود إلى النزل، ولم تكد مريم تستقر فيها إلى جنب ~~سيدتها حتى رأت الشاب ثانية وهو داخل إلى مكتب الشركة، فصاحت على الفور: «مدام مدام!» ~~كأنها تنادي أحد رجال الشحنة، فأوقفت مدام لامار العربة تقول: هل نسيت شيئا؟ فقالت مريم: ~~لا لا، وراحت تردد في نفسها: ما أشبهه به يا ربي ما أشبهه به! # المصائب إذا تعددت ينسخ بعضها بعضا، يزيل اللاحق منها السابق أو يخفف أهواله. والفرح ~~الشديد ينسي أجل الخطوب، لما فجعت مريم في ولدها نست عارفا، ولما جد في حالها ما جد ~~من سفرها مع السيدة الإفرنسية نست القس جبرائيل وما قاسته في الناصرة وعلى شاطئ البحيرة من ~~الشدة والعذاب، وما كان النسيان فيها غير ضرب من الرقاد يزول إذا لمسته الصدف بقضيب سحرها، ~~ولما أمست في الباخرة في اليوم الثاني هبت العاصفة في صدرها؛ عاصفة الحب والذكرى لمجرد ~~وجه رأته في مزدحم يموج بالألوف من الوجوه البشرية، فندمت لأنها لم تكلم ذاك الغريب ~~لتحقق ظنها، ووقفت عند الغروب في مؤخر الباخرة تتكئ على الحافة وتنظر كئيبة ms076 حزينة إلى زبد ~~الأمواج تحتها، ثم أخذت من صدرها الذخيرة التي أعطاها إياها القس جبرائيل، ففاح منها أريج ~~مروج الجليل وأسمعتها هديل حمام البحيرة فطفقت تقبلها وتبكي، وبين هي كذلك كان أحد ~~المسافرين يتمشى على ظهر الباخرة ويراقبها خلسة، وكان قد رآها أصيل ذاك النهار تصعد إلى ~~الباخرة فراقه جمالها وأشكل عليه أمرها. # وقرع إذ ذاك جرس المائدة فمسحت مريم دموعها وما كادت تميل بوجهها حتى تراءى لها الوجه ~~الذي أبصرته في المدينة؛ وجه من كان يراقبها، فاعترتها رعدة أغشت بصيرتها فهتفت قائلة: هل ~~هو بعينه يا ربي أم أنا واهمة؟ ولكنها حينما جلست إلى المائدة رأته جالسا أمامها فزالت ~~دهشتها؛ [فقد كان] غير الشاب الذي رأته في الإسكندرية. # وفي اليوم الثاني بينما كانت جالسة في كرسيها على ظهر الباخرة تطالع في كتاب «تحرير ~~المرأة» اقترب منها فخاطبها بلهجة لا يجسر أن يخاطب بها سيدة إفرنجية، فقال دون ديباجة أو ~~اعتذار: أظنك من مصر؟ ~~- فدهشت مريم لهذه المبادرة وأجابته بصوت شجي تتمازج فيه أنفة مع لطف ومعروف: لا يا ~~خواجا، لست من مصر. ~~- من لبنان إذن. ~~- ولا من لبنان، بل من فلسطين. ~~- ولماذا كنت تبكين مساء البارح؟ هل من حاجة لك أقضيها؟ ~~- لا حاجة، كثر الله خيرك. # وقالت في نفسها: ما ألطف هذا الشاب، وما أجمل معروفه! ولكنها لم تدرك شيئا من وراء ~~ذينك اللطف والمعروف. # نجيب أفندي مراد من أسرة كريمة غنية في بيروت شبيه صيتها بصيت بيت مبارك في فلسطين، وهو ~~من الشبان الأغنياء الذين يسافرون كل عام إلى باريس ليذوقوا الحديث من لذاتها، ولكنه سئم ~~ما اعتاده هناك ومله وصارت نفسه تصبو إلى كل مستغرب جديد، ولما علم أن مريم مسافرة ~~والسيدة الإفرنسية إلى باريس ازدادت رغبته بها ووطن النفس على أعلاقها، فرمى الشبكة على ~~عادته في مثل ذي المواقف وطفق يعالجها بلطف يتخلله المبتذل من التغرير وببراعة تتراوح بين ~~الأدب والتمويه، ومعشر النساء قلما يدركن كنه الاثنين إذا كان الصائد دقيق الحيل، وقلما ~~يميزن بين معروف ms077 هو أرجوحة للنفس منشأه كرم الأخلاق ومعروف هو أحبولة للجسد، فكيف بفتاة ~~قروية ساذجة. # على أن مريم، وإن تكن من البنات اللواتي لا يطيب لهن عيش مجرد من الحب بعد أن يعرفنه ~~فيعدن إليه راغبات مستهلكات رغم ما يقاسين منه، وإن تكن من الشرقيات اللواتي يتلجلج في ~~أنفسهن روح النساء البابليات، بل تحتدم في عروقهن شعلة من تلك النار التي كانت تضرم في ~~الهياكل السورية قديما، فقد قاست من سذاجتها واستهتارها ما علمها شيئا من «صرف» الحب، ~~فصارت تعرف بعض مفرداته وتراكيبها، وتدرك بعض أفعاله وأوزانها، وتستطيع فوق ذلك أن تصرف في ~~بعض الأحايين ما لا ينصرف منها، فلو عاشت مريم في قديم الزمان؛ زمان الآلهة، زمان الشعر ~~والجمال والعهارة الدينية، لكانت من ربات الهيكل - هيكل الغرام - تعبد فيه وتقدم على مذبحه ~~ضحية ذكية، ولكن الزمان هدم الهيكل وحفظ المرأة، فهل يجعلها أسيرة الوراثة اليوم وكانت ~~قديما أسيرة الدعارة؟ جواب الدين على ذا السؤال سؤال آخر معروف، وهو: وهل ينبت العوسج ~~تينا؟ أما العلم فيقول: وإن كان العوسج لا ينبت تينا فقد ينبت تدريجا بواسطة التربية ~~نبتا أرقى من العوسج فيثمر ثمرا أحسن من التين، وأعجب ما في نشوء الأخلاق وأطوارها أن ~~الخلة الموروثة قد تضعف فتصير كالخلق المكتسب، والخلق المكتسب قد يتوطد فيصير كالخلة ~~الموروثة، ولعمري إن إفراطا في الحب يقرن إلى سذاجة في الخلق ليكسب صاحبه من التجارب ما ~~يجعله سيدا على الموروث فيه من الطباع والمكتسب، هذا إذا كان فطنا نبيها، عزوما طموحا، ~~حافظا ذاكرا، فلا ينسى اليوم حساب الأمس، ولا يرضى من الغد بما رضي به اليوم. # إذا كانت مريم قد استأنست بنجيب أفندي مراد الذي استمر أثناء السفر يحدثها ويناعمها، ~~ويتقرب منها، فقد كانت تزن كلماته وسلوكه بالميزان الذي اصطنعه لها القدر في بيت يوسف ~~مبارك بالناصرة؛ هذا أديب ولكنه رجل، حسن الوجه، حسن السلوك، حسن الحديث ولكنه رجل، يرف ~~حولي كطير الحمام، حفيف جنحيه كالنغم الرخيم في قلبي ولكنه رجل، ثم قالت مستشهدة على ms078 ~~عادتها: ولا بأس به وإن كان رجلا. # وجعلت تباحثه في موضوع الكتاب الذي تطالعه فتزعجه تارة وتارة تدهشه وتضحكه. ~~- إذا كانت المرأة أضعف عقلا من الرجل فالسياج ينفعها ولا يضرها والحجاب نوع من ~~السياج. ~~- وهل تفادين بحريتك خوفا من عواقبها؟ ~~- لا، ولكنني لا أركب الفرس الشموس قبل أن أسرجها وألجمها، الحرية فرس شموس ذللها الرجل ~~ولم تذللها المرأة، أوليس خيرا للمرأة الشرقية في حالتها اليوم أن تركب لغايتها جحشة سهلة ~~الانقياد، لا ترعبها إذا كبت وإذا سقطت لا تضرها. ~~- ولكن المرأة التي استعبدها الرجل أحقابا من الزمن ... ~~- أراك تردد كلام هذا المؤلف الذي يكثر في كتابه من ذكر العبودية؛ عبودية المرأة، ما هي ~~يا ترى العبودية؟ أنا لا أعرفها، إذا خدمت فأخدم راغبة، وإذا أحببت فأحب راغبة، وإذا جننت ~~فأجن راغبة - أعمل دائما ما أريد، وما عرفت هذه العبودية التي ... ~~- ستعرفينها عندما تتزوجين. ~~- وهل العبودية في الزواج؟ إذن لا أتزوج، والمرأة التي تعرف وتؤكد أن الزواج عبودية ~~وتتزوج راضية لا يحق لها أن تشكو العبودية، والرجل الذي يتولى الدفاع عنها وهي قانعة بما ~~هي فيه راضية، فإما أن يكون قليل الأدب طفيليا، وإما أن يكون منافقا. ~~- أجد هذا منك أم مزاح؟ ~~- وهل في مثل ذا الموضوع باب للمزاح؟ أقصى العجب من امرأة تلبس الحجاب رغم أنفها، وترضى ~~بظلم الرجل كرها منها. ~~- وماذا كنت تفعلين لو كنت من أولئك البائسات السجينات؟ ~~- أمزق الحجاب بيدي ولا أكلف رجلا الدفاع عني والرثاء لحالتي، عشر نساء يسرين سافرات ~~الوجوه في شوارع المدينة خير من مائة كتاب يكتب في سبيل تحريرهن. # وجاءت إذ ذاك مدام لامار فرأت مريم تحدث الشاب الغريب، فاستدعتها إليها تسألها عنه: لا ~~يجب أن تحدثي أحدا لا تعرفينه يا مريم. ~~- ولكنه عرفني بنفسه وهو شاب أديب من بيروت؛ نجيب أفندي تفضلي مدام أعرفك به. # فدهشت السيدة الإفرنسية وانقبضت لذي الحرية في الفتاة وذي السذاجة، وأفهمتها بعدئذ أن ~~السيدات لا يعرفن بالرجال، وإنما الرجال يقدمون إلى السيدات. ~~- كان ينبغي لك أن تستأذني ms079 أولا، فإذا أذنت تعرفين الشاب قائلة: اسمحي لي، مدام، أن ~~أقدم إليك فلانا. # فاعتذرت مريم إليها ووعدت أن تعمل في المستقبل بإشارتها. # وجعل نجيب مراد يتقرب من السيدة ويجاذبها أطراف الحديث، فراقها منه كياسة تكاد تكون ~~إفرنسية، وعلمت من أحد المأمورين في الباخرة أن الشاب من أسرة سورية كريمة، كثير المال، ~~كثير التجوال، ولم تنته مدة السفر حتى تدرج نجيب إلى قلب مريم وإلى إكرام سيدتها، فلما رست ~~الباخرة في مرسيليا كان فرنسوى لامار على الرصيف ينتظر أمه، وفرنسوى شاب لا يتجاوز الخامسة ~~والعشرين من سنه، قصير، لحيم، ناصع البياض، بليد البادرة، وبعد أن حيته أمه وعانقته قدمت ~~مريم إليه تقول: جئتك بمن يعلمك اللغة العربية، فرنسوى ابني يا مريم. # ثم عرفت ابنها برفيق السفرة أحد أعيان سوريا نجيب أفندي مراد، فتصافح الاثنان وتبادلا ~~المبتذل من عبارات السلام والسوري يتأمل الشاب ويفكر بمريم، فقال في نفسه: لا خطر في وجه ~~سمين ويد باردة، ثم أعطته مدام لامار بطاقتها. ~~- ينبغي أن تزورنا في باريس. ~~- أتشرف مدام. # وودعهم نجيب مراد مطمئن البال يهنئ نفسه بنجاح الدور الأول من مشروعه، وبعد أسبوعين زار ~~مدام لامار في بيتها وجالس مريم برهة يسألها عن حالها. ~~- وهل أنت راضية بمهنتك مسرورة؟ # فهزت مريم كتفها. ~~- وهل علمت سيدك قام زيد؟ وضرب عمرو زيدا؟ # فابتسمت ابتسامة الضجر. ~~- وهل تأذن لك سيدتك بالخروج إلى المدينة؟ ~~- يوما واحدا في الأسبوع؛ يوم الجمعة. ~~- وهل خرجت تتفرجين على باريس. ~~- آذنتني مدام أن أرافق الخادمة شرلت إلى البلد، فأخذتني إلى قصر فخم يدخل إليه الناس ~~واحدا واحدا مثل المعزى بين قضيبين من الحديد، والبوليس مثل الراعي يراقبهم ويعدهم، ولكن ~~القصر من داخل جميل غريب، رأيته غاصا بالناس وله مصطبة يحجبها ستار من المحمل كبير، أمامه ~~أناس يصوتون بآلات من النحاس كبيرة ويضربون على الدف والطبل، وقد انتصب بينهم رجل بيده قضيب ~~يرقص ويهول به كالمجنون، ثم رفع الستار عن بنات يرقصن ويغنين ويلعبن والرجال، لم أفهم من ~~لفظهم ورطاناتهم شيئا، ولكن رقص البنات ms080 أعجبني، الله ما أبرعهن وما أليقهن! تقف الواحدة ~~منهن على رءوس أصابعها هكذا (وخلعت مريم حذاءها وحاولت التقليد) فتنتقل كالعصفور وتدور ~~مسرعة كالبلبل دون أن تقع. # فضحك نجيب لهذا الوصف وسألها إذا كانت تحب أن ترافقه يوم الجمعة القادم ليفرجها على ~~المدينة. ~~- مؤكد أكون ممنونتك. # فاستأذن مدام لامار بذلك فأذنت، وجاء في اليوم المضروب يبر بوعده، فأخذ مريم في السيارة ~~إلى الحرج وتناولا طعام الظهر في قهوة هناك، وعاد بها إلى المدينة بعد الظهر ففرجها على قصر ~~اللوفر وقبر نابوليون، ثم تناولا العشاء في قهوة في البوليفار الكبير وأخذها بعدئذ إلى ~~تياترو تشاهد الرقص الذي أعجبت به، ولما ودعها عند الباب وعدها بيوم آخر مثل هذا بل أحسن ~~منه الأسبوع القادم، فباتت مريم تلك الليلة فرحة مدهوشة، كأن ما شاهدته من غرائب المدينة ~~وعجائب آثارها ملأ فؤادها فصرفه عن رفيقها، بل مضيفها، بل عشيقها، ولم يخطر نجيب في بالها ~~ذاك اليوم إلا في صفة الدليل. # ولما جاء المرة الثانية قالت له مدام لامار: يجب علي أن أشكرك عن مريم، فقد أثنت عليك ثناء كبيرا ونوهت بكرمك وشرف ~~أخلاقك. ~~- هذا تعطف منك جميل، مدام. ~~- واليوم إلى أين؟ ~~- إلى فرساي، وإذا عدنا باكرا نزور الكسنبور. ~~- حسن، حسن، تحذري يا مريم عند اجتيازك الشوارع، وعسى أن تعجبك قصورنا وآثار بلادنا، وا ~~أسفاه! أين هي من آثار بلادكم المقدسة؟ # خرت السيارة وعجت وراحت تلتهم الطريق التهاما، وعمد التلغراف إلى جانبيها تعلو وتهبط ~~كأنها صفوف من رواقص الجن أو أشباح من عالم الخيال، والأشجار تهوي فوق حقول خضراء تمر مسرعة ~~كصور السنماتوغراف، والبيوت هنا وهناك تبدو كالغيوم البيضاء والسوداء، ثم تدنو كالجبال ~~فتولي كالخيال، ومريم، وقد اعتراها الخوف، جامدة ساكتة كأنها تقبض على قلبها بيدها، ونجيب ~~يحدثها هازئا ضاحكا، وهي لا تكترث. # ولما وصلا إلى فرساي دارا في القصر ساعة يتفرجان على الصور فيه والتحف والآثار، ثم تناولا ~~الغداء في قهوة هناك فخمة، وخرجا يتنزهان في جنينة القصر المنقطعة النظير، وبينما هما ~~جالسان أمام نوفرة ms081 من النوافر المتعددة هناك، أعطى نجيب مريم علبة خضراء صغيرة، ففتحتها ~~فإذا فيها سلسلة من الذهب ذات أيقونة في شكل ورقة الحندقوق فيها ثلاثة حجارة من ~~الماس. ~~- يا ربي! لا أقبلها منك هذه ثمينة جدا ولا تليق بي. ~~- ما يليق بالإمبراطورة أوجيني يليق بك، خرج نابوليون الثالث صباح ذات يوم من هذا القصر ~~يتنزه وخطيبته الأميرة أوجيني، فرأت ثلاث نقط من الندى على ورقة من الحندقوق فأعجبت بها ~~جدا، فبعث الإمبراطور إلى صائغ القصر في باريس يأمره بصنع أيقونة في هذا الشكل، فأهداها ~~إياها. ~~- القصة جميلة، ولكنها لا تناسب، فلا أنت نابوليون، ولا أنا أوجيني. ~~- الحب يا مريم يتوج المحبين ويجعلهم ملوكا. # فوقفت مريم إذ ذاك وأحنت رأسها أمام نجيب تقول: أحييك يا صاحب الجلالة، مريم معلمة المسيو ~~فرنسوى لامار تحييك. # ثم قالت وقد غيرت لهجتها: لا، لا، إذا كنت تقصد أن تخطبني بهذه الهدية فأنت واهم، لا يا ~~أفندي لا، فقد قلت لي: إن الزواج عبودية. ~~- عند الإسلام يا مريم لا عندنا. ~~- إنما المرأة مرأة، والرجل رجل، إن كان عند الإسلام، أو عند النصارى، أو عند اليهود، ~~أقبل هديتك وأقبلها، ولكن لا تحرمني نعيما أنا فيه، خلني عند مدام لامار أعلم سيدي ~~المسيو فرنسوى اللغة العربية - وجعلت تقلده - واهد، اتنين، أربا، كمسه، سبا، تامانيه، يخزي ~~العين ما رأيت أذكى منه، بعد شهرين يصير أستاذا عربيا، قم بنا نرجع إلى البلد، فقد اشتقت ~~إلى سواد عينيه. ~~- عيناه زرقاوان. ~~- لا تؤاخذني، ولكنهما يظهران أحيانا كلون البحر إذا هاج أو كلون ثياب العرب إذا ~~«باخت». # وكأنها انتبهت إذ ذاك إلى شيء ففتحت كيسا من الحرير تحمله بيدها وجعلت تفتش فيه. ~~- ما لك؟ ~~- نسيت لائحة الطعام، ولا أرجع إلى البلاد بلاها، فعرج نجيب على القهوة وجاءها بها، ~~فقلبت فيها عينيها وتنهدت. ~~- أكثر من مائة لون، يا ربي! ما أجشع هؤلاء الإفرنج، ومن يقدر أن يحفظ أسماءها كلها، ~~سأبذل جهدي، فلا أطيق الخادم آمرا ناصحا يعلمني ما ينبغي أن آكل وأشرب، عيب ، عيب، إذا ms082 ~~عزمتني في الأسبوع القادم أعدك أني أطلب الغداء دون أن أستشيرك أو ألجأ إلى الخادم وأقسم أن ~~اختياري يعجبك، امش. # وبعد العشاء في المدينة تلك الليلة سألها قائلا: وهل تزوريني الآن في بيتي؟ ~~- في بيتك؟ أتخطب العصر وتتزوج المساء، أولم أقل لك إنني لا أقبل هديتك كخطبة؟ ~~لا. # فضحك نجيب، ثم سألها: أتحبين أن تسمعي الغناء الإفرنجي؟ ~~- لا، لا، يمزق أذني. ~~- التمثيل إذن؟ ~~- لا أفهم منه شيئا. ~~- الرقص؟ ~~- عليك نور، كما يقول ابن مصر. # فذهبا إلى تياترو ترقص فيها راقصة مشهورة رقصا شرقيا جديدا، فسرت مريم به أكثر من ~~سواه، وقالت لنجيب: رقص أولئك البنات اللواتي يقفن على أصابعهن رقص يدهش، ولكن رقص هذه ~~الامرأة يسكر كالخمر، الله ما أجمل فنها وما أبدع حركاتها! # وبعد أيام ذهبت مريم والخادمة شرلت إلى المخزن الكبير فابتاعت قميصا من الحرير صفراء، ~~وبعض قطع من الحرير الهندي وأحراما من السندس الأحمر القاني، وآخر أبيض. ~~- ما غرضك يا مريم؟ ~~- سترينني، أدعوك غدا مساء إلى غرفتي. # في ذاك المساء خلعت مريم ثيابها حتى جواربها ولبست تلك القميص وشدت الأحرام حول خصرها ~~منبسطا على حقويها معقودا تحت بطنها ورفعت الأحرام الأبيض بيديها أمام وجهها فبدت ~~كالراقصة الشرقية وأخذت ترقص رقصها، ثم دعت شرلت فدهشت إذ رأتها في ذاك الزي وراحت تستدعي ~~سيدتها، فجاءت مدام لامار يتبعها المسيو فرنسوى، وأغرق الجميع في الضحك والاستغراب، ثم أخذت ~~مريم تقلد الراقصة المشهورة فضجت الغرفة؛ غرفتها بالتصفيق والهتاف ... # Tres bien! Tres bien. # C’est excellent! # C’est epatent! # Encore encore! # وهذا أول ظهور مريم راقصة، غرفتها المسرح وغرفتها التياترو وسيدتها وسيدها والخادمة شرلت ~~الحضور، وقد فازت بظهورها فوزا مبينا، فتشجعت واستمرت تتمرن على الرقص، وفي تلك الليلة ~~بعد انتهاء الرواية عاد المسيو فرنسوى يطرق باب الراقصة الشرقية التي افتتن بها، ففتحت مريم ~~الباب فرأته واقفا يفرك يديه ويردد أمثولته مبتسما: واهد، اتنين، أهبك. # فقالت مريم وقد لاح الغيظ في جبينها: اعذرني يا مسيو فرنسوى، فقد قلت لك: إنني لا أعلم ~~في الليل. ~~- أهبك، ms083 أهبك! أهبك! ~~- ولكني «أهب» أن أنام، اعذرني. # وأقفلت إذ ذاك الباب، فنقم فرنسوى لامار منها وكمن لها في قلب حبه البارد شيء من العداء، ~~على أنه كان يسألها دائما أن ترقص فتفعل؛ لأن مريم وقد شغفت بالرقص استمرت تمارسه في ~~غرفتها أمام المرآة فتخترع من الحركات والإشارات والسكتات والوقفات فوق ما كانت تشاهده على ~~مسارح باريس، فازداد جسمها مرونة وازداد سيدها هياما بها، وبدأت تشعر بوحدة في باريس شبيهة ~~بوحدتها على شاطئ البحيرة. ~~- ما بالك اليوم كئيبة؟ هل حفظت أمثولتك؟ عليك أن تطلبي العشاء الليلة حسب وعدك. ~~- لم أحفظ من تلك اللائحة شيئا، كنت مشغولة عنها بالرقص، وبالتعليم، وبالضجر. ~~- أبدأت تضجرين في باريس؟ هذه خطيئة مميتة. ~~- لا أعرف ما هي الخطيئة المميتة، ولكني عرفت الضجر، والقرف، والسأم، فاعلم يا نور العيون ~~أن سيدي وتلميذي يريد أن يكون سيدي وزوجي، ثروة طائلة وعينان «بائختان». # قصر فخم، ووجه لحيم، كن دافئ، ويد باردة، أفلا تهنئني، أولست ممن يغبطن من ~~النساء؟ ~~- ويشقين في غبطتهن، نعم. ~~- لله من عاشق، يجثو أمامي على ركبتيه ويبسط ذراعيه، ويحني رأسه ويشخص بعينيه، ثم يلطم ~~صدره بيده البيضاء الباردة ويتلو أمثولته علي - أهبك! أهبك! أهبك! ثم يأخذ يدي فيقبل رءوس ~~أناملي قبلات «نار الجحيم أبردها». # الله، الله! أهكذا يحب الإفرنج؟ أهبك! أهبك! أهبك! قرف قرف قرف! - لا تشرب زجاجة ~~الشمبانيا وحدك. ~~- لا تؤاخذيني، فقد شغلت عنك بلذيذ حديثك. ~~- هذا سر بلادي، لم أزل أذكر بيتا من الشعر: # شربنا على ذكر الحبيب مدامة ~~- ومن هو الحبيب؟ ~~- أترى أغني في الطاحون؟ سيدي وتلميذي المسيو فرنسوى لامار. ~~- أرفع كأسي على صحة المسيو فرنسوى وصحتك. ~~- أف عليك! # ورمته مريم بشيء من لب الخبز كانت تعجنه ناقمة بين أناملها. # فرفع نجيب يده إلى شفتيه وأشار بها إليها شاكرا. ~~- قل للخادم أن يعجل بالقهوة، هذه الأنغام تحزنني جدا. ~~- إذن لا تريدين أن نقضي السهرة في ال «أبرا». ~~- بلى، أحب أن أرى ما تسميه «باله» فأحتمل الموسيقى والغناء أو بالحري الضجيج والصياح من ~~أجل الرقص؛ ms084 رقص «الباله». # ولكنها لم تعجب بهذا النوع من الرقص كثيرا، فقالت وهي خارجة من ال «أبرا»: يقدر الإنسان ~~أن يعلم الدب والسعدان الرقص، رقص هؤلاء البنات علمه أكبر من فنه، أما رقص تلك الراقصة ~~المشهورة فالفن فيه أكبر من العلم، فيه حركة خصوصية وما يدعوه الشعراء ارتجالا، ~~ابتكارا. ~~- سنزور الآن أكبر قاعة عمومية للرقص في باريس فتشاهدين فيها ما لم تشاهديه بعد من أنواع ~~هذا الفن، وركب وإياها سيارة سارت بها إلى ناحية ال «أبزرفاتور» ووقفت أمام صرح كبير فخم ~~كأنه من صروح الحكومة أو من قصور الملوك الأقدمين، فقالت مريم وهي داخلة: يظهر أن لا شغل ~~لهؤلاء الإفرنج غير الأكل والشرب والرقص. ~~- وتوابعها، لا تنسي توابعها. ~~- السكر والموت؟ ~~- بين الاثنين فترة لا يزدري نعيمها بشر، إنما هي الحياة. ~~- لا أعرفها. ~~- ستعرفينها، ما قولك بهذا النوع من الرقص؟ ~~- مليح، ولكن في رقص العرب رجالا ونساء أدب، ولا أدب في هذه الست من رأيي؟ بلى، الرجل ~~الذي يخاصر امرأة في قاعة عمومية على هذا الشكل مثلا، وذاك - وأشارت إلى بعض الرجال الذين ~~لا يكتفون بالمخاصرة على ما يظهر - هذا حيوان لا بشر، قم بنا، مثل ذي المشاهد تغيظني، ~~تزعجني. # وخرجت مريم من تلك القاعة وقد ضاقت فيها صدرا. # فشيعها نجيب إلى البيت وودعها حسب عادته عند الباب، وكانت إذ ذاك الساعة الثالثة بعد نصف ~~الليل. # رمت مريم بنفسها على الفراش تلك الليلة وهي تضحك ضحكة اليأس، وتقول: هل هو يا ترى مثل ~~القس جبرائيل؟ هل هو مثله؟ ثم صرت بأسنانها، ولعنت حظها، وما نامت إلا قليلا فنهضت على ~~عادتها باكرا وهي خامدة الذهن، بطيئة الحركة، ثقيلة القلب، سيئة الخلق، حردة ناقمة، فجاءت ~~سيدتها تؤنبها وقد علمت أنها تأخرت ليلة البارحة في عودتها إلى البيت. ~~- هذا مضر بصحتك يا بنتي ومشين بسمعتك. ~~- ليس أمري في يدي مدام. ~~- أنا مسئولة عنك، جئت بك إلى باريس. ~~- وندمت؟ دعيني إذن أرجع إلى بلادي. ~~- هل أنت مريضة يا مريم هل تشكين ألما ما؟ ~~- لا مدام، أنا ms085 حزينة، ولدت شقية، وسأعيش شقية، وأموت شقية، ولا أقدر أن أعلم المسيو ~~فرنسوى ولا ... ولا ... أحسنت إلي مدام فلا أسيء إليك، ولا أقبل ما لا ينعمني ويشقيك، ابنك ~~مدام ابنك ... ~~- فهمت يا مريم، طيبي نفسا يا بنتي، سأنظر في أمرك وأمره. # وكانت مدام لامار قد علمت بمكنونات ابنها ولواعج قلبه من الخادمة شرلت ومنها أيضا، ~~فاحتالت عليه في إبعاده عن مريم إلى أن تنظر ما تصنع في أمرها، بعثته ليتفقد شئون كروم لها ~~في أواسط فرنسا، فسافر المسيو فرنسوى وهو لا يدري ما وراء سياسة أمه، ودع معلمته آسفا ~~متأوها ووعدها أن يعود بعد أسبوعين. # وجعلت مدام لامار تفكر في مصير مريم، ليس من العدل أن تطردها من البيت، وليس من الحكمة ~~والرحمة أن ترمي بها إلى البحر في باريس، بلا قيد ولا شراع، أتعطي اسمها إلى سمسار الخدم في ~~المدينة فيدخلها بيتا تخدم فيه؟ أتبعثها إلى كرومها فتخدم هناك مع الأجراء؟ أتقدمها إلى ~~صديقة لها سألتها عما إذا كانت تعرف أحدا يعلمها العربية؟ أو ترجعها إلى بلادها، لقد حارت ~~مدام لامار في أي من هاته الطرق تتبع. # وقد مر الأسبوع ومريم تفكر تارة في اتخاذ الرقص مهنة لها وتارة في نجيب مراد، وفي كلتا ~~الحالين وطنت النفس على الخروج من بيت مدام لامار، ومن طباع مريم أنها إذا ملت أمرا فلا ~~تقيم عليه، وإذا كانت غير راضية في بيت فتهجره، وشد ما كان غيظها لما مر يوم الجمعة ولم ~~تر فيه ابن بلدها، فقالت في نفسها: هل ملني فهجرني؟ حفظه الله! سأبقى في باريس وسأصير من ~~راقصاتها المشهورات. # ولكن نجيبا كان في لندرا يقضي بعض حاجات تختص بأشغالهم المالية بسوريا، فأقام هناك ~~أسبوعا وعاد إلى باريس. # وفي صباح الجمعة من الأسبوع الثاني بعد سفر المسيو لامار كانت مريم خارجة من البيت قصدها ~~التنزه فالتقت بنجيب في الباب وهو قادم إليها، فاستأنست به وفرحت للقائه. ~~- ظننتك سافرت من باريس. ~~- ظنك في محله، وقد كتبت إليك من لندرا. ~~- لم يصلني كتابك. ms086 ~~- عجيب! ولكن من حضر ما غاب، تفضلي. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى جنة عدن. ~~- جنة عدن؟ سمعت معلمتي في الدير تقول مرة: إن جنة عدن في بلادنا. ~~- في بلادنا أخبارها وفي باريس آثارها. # ولما استقر نجيب في مركزه وأقفل الباب أدار السائق دولابه ونفخ بوقه وسارت السيارة على ~~رحمة الله تتخلل صفوفا من العربات في شوارع يموج في جانبيها مزدحم من البشر لا نهاية له ~~ولا بداية. ~~- قد شاهدت كل متاحف باريس وآثارها وأكبر مسارحها وأهم قهاويها وأغرب ما فيها، بقي علي ~~أن أريك ما لم تريه بعد وما لم يره إلا القليلون من السياح وأفراد من كبار الفرنسيس. ~~- وما هو يا ترى؟ ~~- هو سر لا يفتحه غير هذا، واستخرج من جبيه مفتاحا أصفر صغيرا، ثم قال: هذا المفتاح ~~عزيز عجيب، لا يظفر به إلا الأمراء والأعيان وكبار المأمورين والسياسيين، وبعض الأميركان ~~المجانين الذين يتقيئون أموالهم أمام الأجانب، هذا المفتاح قد يكون حمله أحد رؤساء ~~الجمهورية أو أحد أعضاء «الأكاديمي» أو أحد الوزراء أو أحد ملوك أميركا، فاعلمي أن في هذه ~~المدينة - في بعض زواياها الشريفة - جنات لا يدخلها غير البله الأغنياء أو أبناء باريس ~~الكبراء. ~~- ومن أي الطبقتين أنت أيها السيد الشرقي؟ ~~- هذا يوم جد لا يوم مزح، ها قد وصلنا انزلي هاتي يدك. # وكانت قد وقفت السيارة في زقاق مظلم ضيق مهجور أمام بيت ظاهره حقير وبابه وشبابيكه مقفلة ~~كلها. ~~- ويلي إلى أين تسير بي، أهذا بيتك يا نجيب؟ ~~- بيتي في النزل الذي تعرفينه، وهل سقطت إلى هذه الدرجة في عينيك لتظني أني أقيم في مثل ~~ذا البيت وفي هذه الناحية؟ ~~- وكان قد فتح نجيب الباب بذاك المفتاح السري الصغير. ~~- ادخلي، ادخلي، ما بالك؟ أتخافين وأنا دليلك؟ # فدخلت مريم وإذا هي بين بابين مقفلين في صفة مظلمة باردة، ففتح نجيب الباب الثاني وصعد ~~وإياها درجا سجاده الأحمر الثقيل يخسف تحت الأقدام، وعلى قاعدة درابزون البراق تمثال فتاة ~~عارية تحمل قنديلا كبيرا بيديها المرتفعتين فوق رأسها، وفي زاويتي الصفة - صفة الدرج ms087 - ~~تمثالان من الرخام يمثل الواحد منهما شابا رومانيا يحمل أكرة كان يريد رميها، ويمثل ~~الثاني امرأة تخلع ثوبها وقد بدا نصف جسمها عاريا من إحدى كتفيها إلى قدميها، وعلى رأس ~~الدرج تمثال آخر يمثل كاهنا يحرق بخورا أمام إلهة من آلهات الأقدمين، وعلى الجدران ~~المبطنة بورق فخم من لون السجاد صور شتى تمثل فصولا من كتاب الحب الأبدي. # صعد نجيب الدرج ولم يحفل بهذه التحف والآثار كأنه ألفها، وأما مريم فلما شاهدت الصور وقفت ~~خائفة واجفة. ~~- ما هذا، وما ذاك؟ لا، لا، لا أحب هذا البيت لا أحبه، دعني أخرج منه، دخيلك. ~~- أتروعك هذه الصور؟ ألم تشاهدي مثلها في قصر اللوفر؟ ~~- ولكن ذاك محل عمومي آهل بالناس، وهذا البيت مهجور - ربي! أخاف من ذي السكينة، تذكرني ~~بسكينة الدير، وسكينة القبور، أخاف من نفسي ومنك فيه، دخيلك، لنخرج من هنا. ~~- كما تريدين، إذا كانت الصور ترعبك فادخلي هذه القاعة الخالية منها. # ووقف أمام سجف أحمر عند رأس الدرج وفتح بابا وهو الباب الوحيد هناك وأخذ مريم بيدها ~~فأدخلها، فإذا هي في ردهة كبيرة كل جدرانها مبطنة بالمرايا من الأرض حتى السقف لها شباكان ~~مقفولان عليهما ستارات من الخرج الثمين فوقها سجوف من المخمل الأزرق الفاتح، والفرش والسجاد ~~من لون السجوف، والكراسي مذهبة الإطار محفورة عليها شارة أحد ملوك الفرنسيس، كأنها أثر من ~~الآثار القديمة. # وقفت مريم في تلك الردهة المتلألأة تطوقها بنظرات مستغربة فتمثل لها من نفسها أشخاص لا ~~تعد منعكسة في المرايا أمامها ووراءها ورأت من نجيب مئات حولها يضحكون، ثم أخذت تدور فيها ~~فتجس الجدران كالعمياء فلم تهتد إلى باب واحد، حتى إن الباب الذي دخلت منه اختفى أثره ~~تماما. ~~- وسترين ما هو أعجب من هذا، فلا تجزعي، كوني ثابتة الجأش ليس في الأمر سحر، ولا في البيت ~~جن، أترين هذه الطاولة؟ لا شيء عليها سوى هذه الأزاهر، عليك نور. # ثم تقدم نجيب إلى الحائط فكبس زرا في إطار من أطر المرايات يكاد لا يبدو للعيان، ثم نقل ~~إلى ms088 الحائط المقابل له وكبس زرا آخر فانفتح إذ ذاك باب فأدخل مريم منه، يقول: أسرعي، ~~أسرعي، ثم أغلق الباب وأقفله من جهته الخشبية لا من جهة المرآة، وأصبح ومريم في غرفة صغيرة ~~اعتيادية مفروشة بديوان شرقي وثير حافل بمخدات الريش والوسائد السندسية، وعلى جدرانها صور ~~من بعض إلاهات اليونان. ~~- هذه غرفة الانتظار، وهذا باب الحمام. وفتحه نجيب وكبس زرا فنورت أنوار الكهرباء في ~~حمام من الرخام الأبيض يبرق كالمرآة المصقولة. ~~- وهذا باب آخر ظاهر، لا شيء سري في هذه الغرفة الصغيرة، تفضلي ادخلي إلى هذه الردهة، ~~فدخلت مريم فإذا هي في ردهة أخرى كبيرة أبوابها سرية، ومخارجها خفية، وفرشها وسجادها ~~وسجوفها والآنية فيها من اللون الأصفر الغامق أو الذهبي القديم، في وسطها ديوان شرقي قباله ~~على الجدران الثلاثة مرايا طويلة بينها صور تمثل أطوارا من مشاهد الحب، وفي إحدى زواياها ~~سرير أميري ذهبي العمد سندسي القبة. ~~- مريم هذه جنة عدن، ولكن الجنة الخالية من العاشقين إنما هي كالقفر السبب أو كالطلل ~~الدارس، اخلعي برنيطتك، اخلعيها. # فامتثلت مريم أمره، ثم وقف باسطا ذراعيه ينظر إليها مستعطفا فوقعت على صدره جائشة ~~باكية. ~~- أتبكين ونحن في الجنة؟ تعالي أريك الآن الأعجوبة. # فكبس في موضع تحت صورة من الصور فانفتح الباب فخرجا فإذا هما في غرفة الانتظار ثم فتح ~~الباب الثاني فإذا هما في ردهة المرايا بل في ردهة المائدة، فوقفت مريم أمام الطاولة وهي ~~حافلة بآنية الفضة والصحون والزجاجات. ~~- قلت لي أن لا جن في هذا المنزل، فمن جاء بهذه الأشياء كلها؟ ~~- إله الحب، رب العاشقين، اجلسي. # ورفع نجيب أغطية الفضة عن صحون يتصاعد منها البخار وتفوح بروائح اللحوم والبذورات الطيبة، ~~وإذا هناك غذاء أو ما يدعوه الفرنسيس ترويقة مؤلفة من أربعة ألوان ومعها الحلوى والجبن ~~والثمار وركوة من القهوة على سراج له صفيحة من الحديد أشعل نجيب النار تحته لتظل القهوة ~~فيها حامية. # وإلى جنب المائدة عروسها، بل بيت شعرها، ذات الفم الذهبي غائصة في الثلج في دلو من الفضة، ~~ولما فرغت ms089 زجاجة الشمبانيا سكب نجيب القهوة ونهض يعمد إلى زر في الحائط. ~~- هذه الأزرار تخيفني، كأنها جراب الكردي أو خاتم سليمان. ~~- بل هي جراب الكردي، تعالي انظري! # جاءت مريم واجفة فإذا هي أمام خزانة فيها أنواع اللحوم الباردة تحت أغطية من الزجاج، ~~وزجاجات شتى من الخمر ومن المشروبات الروحية. ~~- أمن هذه الزجاجة أسكب لك أم من هذه؟ أم من تلك؟ # شرترز، بيندكتين، كريم دي منت، كنياك. ~~- كريم دي منت. ~~- والآن وقد وفينا الغذاء حقه نعود إلى غرفة الانتظار فأريك بعدئذ أعجوبة ثانية. # فدخلت مريم ودخل نجيب وراءها بعد أن كبس الزر في الحائط فانفتح الباب المقابل لتلك الغرفة ~~ودخل خادمان لا صوت لوقع أقدامها ولا لحركاتهما ينقلان الصحون وأواني المائدة، ويعيدان إلى ~~القاعة ترتيبها المألوف، وما هي إلا برهة حتى انتهيا من عملهما فغلق الخادم الباب إذ خرج ~~فأقفل من الداخل؛ أي من قاعة المرايا. ~~- استلقي على الديوان ترتاحي، وقد تريدين أن تنامي قليلا، ودخل نجيب إذ ذاك غرفة النوم ~~فخلع ثيابه وكبس زرا في الحائط فانفتح باب فإذا بخزانة فيها بعض ثياب النوم، فارتدى نجيب ~~قميصا واضطجع قليلا للراحة، ثم نهض بعد فترة وراح يستيقظ مريم فوجدها جالسة على الديوان ~~تسند رأسها بيدها، فقال لها: تعالي أريك الآن الأعجوبة في غرفة المائدة. # فخرج وإياها إلى غرفة الانتظار بعد أن كبس الزر فدخلت الخادمة من باب خفي تلبي الدعوة ~~فرتبت الردهة وعادت من حيث أتت، فأغلقت الباب فأقفل من الداخل. ~~- أين المائدة الآن؟ قلت لي أن لا جن في البيت؟ # فأطلعها نجيب على السر في هذه الحركات الخفية كلها. ~~- لو كنت قيصرة روسيا وكنت أنا عاهل الألمان وجئنا هذا المنزل السلطاني، بل الجني نقضي به ~~شهرا كاملا نأكل ونشرب وننام محفوفين بخدم لا نراهم ولا يروننا مثل آلهة الحب التي تحرسنا ~~فأكدي أن لا أحد في العالم يدري بوجودنا هنا إلا صاحب البيت، نعم، ولكن صاحب البيت يعرف أن ~~بيته مأجور، ولا يعرف لمن من الناس. # فقالت مريم وصوتها يرتجف: وهل ms090 تنوي أن نقيم هنا شهرا. ~~- ليكن ذلك إذا شئت، فنقول بعدئذ: «على ثروة مراد السلام!» ~~- لا، لا، سيدتي توبخني إن لم أعد الليلة، ولا أطيق توبيخها، وقد تطردني من البيت. ~~- ستعودين إن شاء الله. # وفي تلك الليلة أكثرت مريم من الشمبانيا وأغراها نجيب فوق ذلك بسيكارة من الحشيش فنست ~~الفتاة سيدتها ونست حالها، فرقصت رقصة بنات الهيكل وقدمت نفسها على مذبحه ضحية ذكية. # وفي صباح اليوم الثاني قال لها نجيب: «أنت الآن ضيفتي ونحن عرب تقاليدنا عزيزة عندنا ~~مقدسة، وحق الضيافة ثلاثة أيام.» ومريم وقد تخدرت مفاصلها ولم تعد تملك إرادتها أحنت رأسها ~~ساكتة. # ثلاثة أيام أقاما في ذلك المنزل الجني لا يريان من النور غير نور الكهرباء، ولا ~~يسمعان من الأصوات غير أصوات الغرام. # ولما خرجا أصيل يوم الاثنين ركبا سيارة إلى الحرج. ~~- ساعة في الهواء النقي قبل أن تعودي إلى البيت. ~~- ويلي وماذا أقول لمدام لامار. ~~- قولي لها: إنك التقيت بسيدة سورية تعرفينها فعزمتك إلى بيتها خارج باريس تقضين عندها ~~بضعة أيام. ~~- ولا تنس أن تقابل مدير ال «التياترو». ~~- سأقابله غدا وستظفرين بما تريدين إن شاء الله. ~~- ومتى أراك؟ ~~- الأسبوع القادم حسب العادة. # أما مدام لامار فقلقت جدا لتغيب مريم وبعثت إلى إدارة الشحنة باسمها تسألهم التفتيش ~~عنها، وعولت إذا عادت الفتاة أن تسفرها إلى بلادها حالا، فلما دخلت مريم مساء ذاك اليوم ~~بهتت مدام لامار لرؤيتها على تلك الحال، مشحوبة الوجه، غائرة العين، خامدة الذهن، بطيئة ~~الحركة. ~~- ماذا دهاك يا مريم، هل أنت مريضة؟ هل تشكين ألما ما؟ ~~- لا مدام. ~~- وأين كنت؟ أشغلت بالي جدا، أين كنت متغيبة؟ فسكتت مريم. فأعادت عليها مدام لامار ~~السؤال فأجابتها بصوت شجي خافت: ليس أمري في يدي مدام، لم أعد أليق أن أكون خادمة لك ولا ~~أن أقيم في بيتك. # فأظلم وجه السيدة الإفرنسية، فقالت مناعمة: حسن يا بنتي، فقد عولت أن أعيدك إلى ~~وطنك. ~~- لا أعود إلى وطني، لا أعود إلى فلسطين. # فأطرقت مدام لامار مفكرة وتركتها تلك الليلة وشأنها، ms091 وفي صباح اليوم الثاني جاءت تقول ~~لها: تعرفين يا مريم أنني أريد صلاحك، وأظن أن مصر توافقك ويكون لك فيها مستقبل حسن، ~~وسأعطيك كتاب توصية إلى أحد أصدقائي هناك، فينبغي أن تسافري حالا، الباخرة الإفرنسية تبحر ~~من مرسيليا بعد يومين، اجمعي ثيابك وأغراضك، وسأبعث إلى الشركة أبتاع لك تذكرة ~~السفر. # وفي اليوم التالي تناولت مريم من يد سيدتها تذكرة سفر إلى مرسيليا وأخرى إلى مصر في ~~الدرجة الثانية، وكتاب توصية إلى جمال الدين باشا أحد مدراء البنك الإفرنسي هناك، وغلافا ~~فيه عشرون ذهبا أجرتها. # ودخلت شرلت إذ ذاك تقول: العربة في انتظار. ~~- وهل أنزل الصندوق؟ ~~- نعم. ~~- الله يوفقك يا مريم، شيعي مريم إلى المحطة يا شرلت. ~~- لا لزوم لذلك مدام، لا لزوم، أنا أقدر أن أعتني بنفسي. ~~- حسن، بن فوياج - قولي للحوذي يا شرلت أن يوصلها إلى محطة «ليون». # ولكن مريم لا تحب أن تسافر إلى بلادها، بل لا تريد أن تترك باريس، فإن لها من يعينها فيها ~~على رغبتها، وينبغي أن تراه، ما العمل؟ ما التدبير؟ أطرقت الفتاة مفكرة بينا العربة تسير ~~بها إلى المحطة، فلاح لها فكر بعث الأمل في عينيها، ولما وقفت هناك، أنزل الحوذي صندوقها ~~وحقيبتها فاستلمهما أحد الحمالين، ولبث ينتظر أمر السيدة المسافرة. # صرفت مريم الحوذي ووقفت على الرصيف حائرة بائرة كأنها نسيت أمرا أو أضاعت شيئا، ثم ~~استدعت حوذيا آخر وأمرت الحمال أن يعيد أمتعتها إلى العربة. ~~- لا أقدر أن أسافر الليلة. # ونفحت الحمال بقطعة من النقود وأعطت الحوذي اسم النزل المقيم فيه نجيب مراد. # ولما وصلت إلى ذاك النزل الفخم في قلب المدينة استأجرت غرفة فيه وسألت عن ابن بلدها فقيل ~~لها: إنه سافر. ~~- متى سافر؟ ~~- مساء البارح مدام. ~~- وإلى أين؟ # فعمد الكاتب إلى سجل يقلب في صفحاته، ثم قال: لا نعلم مدام، لم يعطنا المسيو مراد ~~عنوانه. # | الفصل الثاني عشر # صعدت مريم إلى غرفتها مساء ذاك النهار فخلعت ثياب السفر، ثم اغتسلت وصففت شعرها وجلت ~~أظافرها، ثم ارتدت ثوبا من الحرير الأحمر ms092 الغامق تحجبه وتظهره غلالة من الخرج الأسود الفخم ~~وهو الثوب الوحيد من نوعه عندها، لبسته مرة واحدة فقط، وذلك ليلة زارت ال «أبرا» ونجيب ~~مراد، فبدت فيه مكشوفة الأذرع والترائب وسلسلة الذهب ذات الأيقونة الحندقوقية في عنقها، وقد ~~ظللت مؤخره ظلال خفيفة من ضفائر شعرها الأسود الكث المضفور في شكل يزدري العناية والتكلف ~~مسترخيا مستمسكا، تدخل الطية منه في الطية مائجة، كأنها حيات في أحجارها وقد بدت الرءوس ~~من خلال ثنياتها. # وقفت مريم بانحراف أمام المرآة، وقد مالت بوجهها تنظر إلى الصورة المنعكسة هناك فأعجبها ~~منها قدها، وأنيق جانبها، وانسلاك كتفها، والضفائر المسترخية فوق جيدها، ونزلت إلى البهو ~~الكبير وهي كما يقال فتنة للعالمين تتناول العشاء، فاستقبلها رئيس الخدم في الباب محني ~~الرأس باسما. ~~- هل مدام وحدها؟ ~~- نعم. # فمشى قدامها إلى وسط القاعة والناس نساء ورجالا يحدجونها بالأنظار معجبين مستغربين، ~~فقالت سيدة وقد رفعت المنظار الصغير إلى عينيها: أميرة هندية في زي باريسية، روح العصر! روح ~~التمدن! فأجابها الرجل: وقد تكون مسلمة خرقت حجابها، جميلة فتانة. # وقف رئيس الخدم عند طاولة صغيرة يعد للسيدة الكرسي، فجلست مريم والتيه جالس بين عينيها ~~والإباء يكلل جمالها، فقدم إليها قائمة الأطعمة ثم قائمة الخمر، فألقت هذه جانبا وجعلت ~~تقلب نظرها في تلك، وهي تفكر بالمرة الأولى التي رأت مثل هذه القائمة فهالها تعدد الألوان ~~فيها وظنت أن على المرء أن يأكل منها كلها. # ثم جاء الخادم ينتظر أمرها، فأصدرته وهي سامدة الرأس والقائمة بيدها دون أن تنظر إليه: أن ~~دبنه، أه دزوليف، أه بوي، سان جرمن، فيله دي سل، بوله إن كسرل، سالاد أنديف، ركفور، د مي ~~تاس، أه أين دمي بوتاي دي مم سك. # وترجمة ذلك في لغتنا الشريفة، ولكن الترجمة تذهب بلذة هذه الأطعمة الغربية الأسماء، وحسب ~~القارئ أن يعرف أنها تبتدئ بفنجان من الخمر وتنتهي بزجاجة من الشمبانيا ليدرك بعض ما جال في ~~نفس مريم تلك الليلة. # ولما عادت إلى غرفتها بعد العشاء عمدت إلى التلفون فطلبت علبة من السكاير ms093 المصرية وجرنال ~~المساء، فجاءها الخادم بالعلبة على صينية من الفضة فتناولتها ووضعت مكانها قطعة من النقود ~~فأحنى الخادم رأسه شاكرا. # أشعلت مريم السيكارة تلو الأخرى وهي تتصفح الجريدة وتفكر في طريقة تحل بها لغز القضاء ~~فيها، فأخذت السطر الأول من أول عمود في الصفحة الأولى من الجريدة والسطر الأخير من آخر ~~عمود في صفحتها الأخيرة، فكتبتهما على ورقة وجمعت كلماتها فإذا هي ثماني عشرة كلمة، ثم جمعت ~~حروفها فإذا هي خمسة وستون حرفا، فضربت العدد الأول بالثاني، ثم قسمت الحاصل على تسعة؛ أي ~~تاريخ ذاك اليوم، ثم على ثمانية عشر؛ أي عمرها فكان خارج القسمة عددا مفردا، ثم أسقطت منه ~~أربعة، وهي عدد الحروف في اسمها فظلت النتيجة عددا مفردا. # فنهضت إذ ذاك ونزعت ثيابها ونامت مطمئنة البال، وذهبت في صباح اليوم الثاني إلى بيت ~~الشركة؛ شركة البواخر، لتعيد تذكرتها، فقبلت التذكرة في الشركة وأعيد إلى مريم بعد إسقاط ~~عشرة بالمائة من الثمن رعي الأصول ما تبقى من المال، فضمته إلى ما معها وعادت إلى النزل ~~تحسب حسابها. ~~- هذه القيمة لا تقوم بنفقاتي في هذا النزل أسبوعا كاملا، علي إذن أن أنقل ~~منه. # وأخذت الجريدة تطالع في عمود الإعلانات منها، فكتبت على ورقة أسماء بعض النزل الخصوصية ~~«بنسيون» وراحت تستكشف خبرها، فتوقفت إلى غرفة في واحد منها تدفع فيه لقاء الأكل والنوم في ~~الأسبوع ما لا يقوم بنفقات يوم في النزل الكبير. ~~- حسنا فعلت، غرفتي في بيت مبارك بالناصرة لم تكن أكبر من هذه والحمد لله أن لهذه شباكا ~~وإن كان صغيرا، ربي! لا أظنه فتح منذ شيد البيت، وهذا المتراكم على زجاجه، لا غبار ~~يعرف ولا دخان ولا صقيع، وقد يكون مزيجا متجمدا منها كلها، لا بأس، وكيف يفتحه، (طق طق طق ~~طق!) وجعلت تدق إطار الشباك بكعب حذاءها. # فسمعت سيدة البيت الطقطقة فجاءت مسرعة. ~~- ما بالك مدموازل. ~~- أحاول فتح الشباك. ~~- لا لزوم لذلك مدموازل لا لزوم لذلك. ~~- بل لازم جدا هل أعيش بلا هواء؟ ~~- الهواء يقتلك مدموازل، نحن ms094 في فرنسا لا نفتح الشبابيك قطعيا. ~~- ولماذا الشبابيك إذن؟ ~~- للزينة مدموازل وللنور في بعض الأحايين. ~~- وهل تظنين النور يدخل من هذا الزجاج الأسود؟ أهذا حجابي، لا لا، (طق طق طق!) ~~- قد تكسرين الزجاج مدموازل، فتدفعي ثمنه. ~~- أدفع ثمنه وحبة مسك. ~~- ماذا تقولين، آبا موس؟ ~~- قلت في لغتي مدام: إنني أدفع ثمن الزجاج إذا كسرته، (طق طق طق طق!) والحمد لله فتاح ~~الأبواب والشبابيك، آه، ما أجمل هذا المشهد! ~~- وما أكثر المداخن أمامي، إذا بردت أنظر إليها والدخان يتصاعد منها فتدفئني، الهواء ~~يقتل! الشباك إنما هو للزينة! هذا أعجب ما سمعت في هذه البلاد - بلاد الزينة - سبحان الله، ~~والحمد لله فلا بأس بهذه الغرفة وقد فتحت شباكها، والخمسة أدوار تحتي بل المائة درجة إلى ~~كوخي أصعدها راقصة أتمرن عليها. # وجلست مريم على سريرها تعد مالها ثم قالت: خمسة وثلاثون ذهبا تعيشني هنا أربعة أشهر في ~~الأقل، وإن لم أظفر بمنيتي أثناء ذلك فأقفل هذا الشباك وأستلقي على هذا السرير، وأموت! الله ~~كريم! # ثم جلست إلى منضدة صغيرة في زاوية الغرفة وأخذت طلحية من الورق وكتبت عليها ما يلي: ~~(1) # لقد ولى يا مريم يوم الخمر والسكاير واللهو. ~~(2) # اسعي منذ الآن سعيا متواصلا. ~~(3) # أعرضي عن الرجال واحترسي منهم. ~~(4) # مارسي الرقص ثلاث ساعات كل يوم في الأقل. ~~(5) # لا تسهري خارج بيتك إلا إذا كان في أحد ال «تياترات» للمشاهدة والدرس. ~~(6) # لا تضيعي من وقتك ساعة في ما لا يعينك على نيل رغبتك. ~~(7) # لا تصرفي من مالك فرنكا واحدا إلا في ما يعينك على نيل رغبتك. ~~(8) # طالعي من الكتب ما استطعت وبالأخص ما هو منها في موضوع الرقص. ~~(9) # وأخيرا، لا تقفلي الشباك إلا إذا خفقت في باريس سعيا، وقطعت منها الرجاء. # من الجواذب الاجتماعية في المغرب اليوم، التي تجذب النساء فتبعدهن من نعيم البيت وظل ~~الأبوين، أو من قداسة المهد والأمومة، وتقذف بهن إلى معترك الحياة كالرجال، جاذبان قويان ~~لا مرد لهما ما زالت صحف الأخبار وما زالت المسارح في تلك الديار، فالتمثيل والتأليف - ~~المسرح ms095 والقلم - يغريان فتيات شغفهن بالظهور أكثر منه بالعلم والفنون، ولا غرو فقد أمسكت ~~هذه الكأس عن المرأة أحقابا من الزمان؛ أي الكأس التي تكمن العقرب في ثمالتها: كأس الشهرة ~~والمجد الباطل، فالمرأة اليوم تشارك الرجل بها ولا تبالي بما تقاسي منها، والرجل هناك وإن ~~بالغ في احترامه المرأة وإجلالها يشرب غالبا الكأس ويقدم لها الثمالة وما كمن فيها، لذلك ~~كان حظ النساء من المسرح والقلم قليلا والقليل من السم كثير. # على أن منهن من تبتغي غير الشهرة والمجد الباطل، ومنهن من لا تبتغي غيرهما، ومنهن ~~وهن الكثيرات يمسين من أدوات ال «تياتر» مثل سائر العمال يحركهن رجل لا ينبض فيه عرق من ~~عروق الشرف والعطف والحنان، ويا لها من أجزاء صماء في آلة صماء دولابها في يد المدير وزيتها ~~في مال المتفرجين من الناس، قلنا: إن منهن من لا تبتغي الشهرة، وماذا إذن؟ إنها تبتغي ~~التصعيد إلى سلم الاجتماع علها تفوز في الطبقات العالية فوقها بمن يكفل لها نعيما عماده ~~الأمومة والمهد، وهذا حلم جميل إذا صح، هي رغبة شريفة إذا حققتها الليالي. # وشواذ القاعدة نذكره إنصافا، هو أن من النساء من وهبن مثل الرجال مواهب سامية في الفنون ~~الجميلة فيؤثرن الفن على الزواج، ولا يؤثرونه على الحب، يعشن، لا عاش أعداؤهن، كغزلان ~~الفلاة يصدن ويصتدن إلى أن يجيئهن «هادم اللذات ومفرق الجماعات». # أما مريم الناصرية فشغفها بالرقص شغف ذاتي ينحصر مثل توحيد الصوفي بالذات الباطنية، شغف ~~مجرد لا تتصل أسبابه - أي في حالته الباطنية - بواحد من أسباب هذه العاجلة، وإن فتاة ذهنها ~~خال من خزعبلات الاجتماع لا تستهويها الشهرة ولا المجد يغريها، فهي لم تنشأ في وسط غربي ~~تتراجع فيه صباح مساء وليل نهار أصداء البطولة الكاذبة والشهرة العازبة، أحبت الرقص كما يحب ~~الناسك كوخه، والسالك ربه، والسكير كأسه، والشاعر عروس شعره، وصارت تود الظهور على المسرح ~~لتقرب مما ظنته منتهى الكمالات، فعولت على نجيب مراد فخانها، فنبذته من قلبها غير آسفة ~~وتوكلت على الله، توكلت على الله بعد ms096 أن حفرت في لوح قلبها تلك الوصايا وعاهدت نفسها أن ~~تقيم عليها وتحتفظ بها جهدها. # وفي اليوم الثاني بعد أن نقلت إلى تلك الغرفة العالية الصغيرة خرجت في ثوب بسيط أنيق من ~~الجوخ الكحلي، فعرجت على بياع الزهور وابتاعت أضمامة من الياسمين فزينت بها صدرها وهي ~~تقول: هذه لازمة في بلاد زينتها أهم ما فيها، والشبابيك في بيوتها تعد من الزينات. # وراحت تقصد أول «تياتر» زارتها في باريس وشرلت الخادمة، فطلبت أن تقابل المدير فقال لها ~~أحد الحجاب: المدير لا يقابل أحدا اليوم. ~~- وهل يقابلني غدا؟ ~~- وما غرضك مدموازل؟ # وفي عالم التمثيل حتى العجوز تدعى آنسة. ~~- الرقص. ~~- طالبة؟ ~~- نعم. ~~- تعالي غدا بعد الظهر. # فعادت في الوقت المعين ولبثت تنتظر برهة فخرج المدير من مكتبه وقابلها واقفا وصرفها ~~موجزا متلطفا: لا فراغ عندنا اليوم مدموازل. # فراحت مريم تطلب مقابلة مدير آخر فصدها الحاجب: المدير مدموازل لا يقابل الطالبات. ~~فصوبت خطواتها إلى «تياتر» أخرى فلم تفز برغبتها، وظلت مريم تبحث أسبوعين فأعياها البحث، ~~ولكنه لم يثبط من عزمها وما أورثها القنوط. # أعادت الكرة وقد اتخذت لنفسها خطة جديدة، وقفت ذات يوم في باب إحدى التياترات ~~الكبيرة ونور الأمل يبرق في جبينها وإضمامة الياسمين تؤنس قلبها. ~~- قل للمدير: إن راقصة من الشرق تروم مقابلته. ~~- وما الاسم مدموازل؟ ~~- راقصة من الشرق ماذا يهمك اسمي؟ ~~- قد يهم المدير مدموازل. ~~- الرقص لا الاسم يهم المدير، قل له: إن راقصة مصرية ... # فأعجب الحاجب بلهجة الفتاة الغريبة وبحسنها وعاد بعد هنيهة يقول: إن المدير يقابلك غدا ~~بعد الظهر. # فراحت مريم تعلل نفسها بالآمال وعادت في اليوم الثاني فقابلها المدير بمكتبه، وبعد أن ~~حدثها في ما تحسنه وفي ما تبتغيه قال: الراقصات اللواتي نستخدمهن مدموازل يتعلمن الرقص ~~صغيرات، يدخلن مدرسة ال «أبرا» وهن في الرابعة أو الخامسة من سنهن، فيتدرجن تدريجا ~~إلى كمالات الفن وإلى الشهرة، إني لآسف مدموازل، آسف جدا، نهارك سعيد. # خرجت مريم من المكتب وهي تقول: ما أقسى قلوب هؤلاء الناس! لم يسألني واحد منهم أن ms097 أرقص ~~ليعرف ما إذا كنت أحسن الرقص. ووقفت ذات يوم في رواق ال «تياتر فرنسه» حزينة يائسة تشخص ~~بعينيها إلى تمثال الشاعر دي ميسه فخطر لها أن تطرق باب المدير، وقد كانت أحاطت علما ~~بأهمية ال «كوميدي» وبعلو مركزها في عالم التمثيل، ففتحت أحد الأبواب تقدم رجلا وتؤخر ~~أخرى وإذا برجل ذو إهابة وإجلال يتخلل الشيب لحيته ويبرق في عينيه نور الكرم والمعروف خارج ~~من أحد المكاتب، فاستوقفته مريم تعتذر إليه، فرفع قبعته وسألها حاجتها، فأجابته أنها تحب أن ~~تقابل المدير. ~~- وما غرضك مدموازل؟ ~~- الرقص، أحب أن أكون من الراقصات. # فعلم الشيخ أن الفتاة غريبة وعطف عليها لسذاجتها. ~~- وهل تحسنين الرقص؟ ~~- نعم. ~~- وأين تعلمت؟ # فاضطرب على مريم. ~~- من أي بلاد أنت مدموازل؟ ~~- من فلسطين. # فرفع الشيخ حاجبيه مدهوشا: وهل رقصت مرة على مسرح ما؟ ~~- لا يا سيدي؟ # فاستغرب أمرها ورثى لحالها وأشار بيده إلى باب أن ادخلي، فدخلت مريم إلى مكتب فخم حافل ~~بالصور والتماثيل والكتب والجرائد والمجلات. ~~- اجلسي مدموازل، واعلمي أن الطريقة التي تسلكينها لنيل رغبتك لا تجديك في هذه المدينة ~~نفعا، فإن بين مدراء ال «تياترات» والممثلين طلاب المراكز وهدة عظيمة قد احتلها فريق من ~~الناس يدعون وكلاء وسماسرة، ولا يمكنك أن تفوزي بشيء من أحد المدراء إلا بواسطة أحد ~~الوكلاء، سأعطيك كلمة إلى سيدة من هؤلاء قد تنفعك وقد لا تنفعك. # وكتب الشيخ سطرين على رقعة دون أن يسأل الفتاة اسمها، وسلمها الكتاب قائلا: بن شنس ~~مدموازل، ثم شيعها إلى الخارج ودلها كيف تصل إلى مكتب تلك السيدة ورفع قبعته مودعا، ~~ومكررا: بن شنس مدموازل، وراح يقول في نفسه: ما أبعد أسبابك يا باريس وما أكثر أشراكك! ~~حتى من فلسطين تجتذبينهن فريسات جمالك ومجدك وأضاليلك! # وصلت مريم إلى ذاك المكتب فإذا هو غاص بالممثلات والراقصات الطالبات عملا، وهناك يعنى ~~بأمرهن شاب يسجل اسم كل واحدة وعنوانها في سجل ثم يسألها: في أي مسرح لعبت أو رقصت أخيرا؟ ~~وأي نوع من الرقص رقصها؟ وماذا تطلب أجرة ... إلخ، وإذا ms098 كانت الطالبة جديدة يصف الكاتب ملامح ~~وجهها وشكلها وقدها حتى ووزنها كأنه يكتب لها تذكرة مرور، فتدفع إذ ذاك الامرأة رسم ~~الوكالة وتعود إلى بيتها تنتظر جوابا فيه باب مفتوح للارتزاق، وقد تنتظر شهرا بل شهرين ~~فيجيئها جواب لا باب فيه لأمل في صدرها سجين. # أعطت مريم الشاب الكتاب فلما قرأ على الغلاف اسم ال «كوميدي فرنسه» أدخلها داخل الحاجز ~~وقدم كرسيا فجلست، ثم دخل بالكتاب إلى غرفة أخرى وعاد يقول لها: ادخلي. # فدخلت مريم فرحة مستبشرة والطالبات المنتظرات يزلقنها بأنظارهن ويغبطنها على تيسير أمرها، ~~وإذا هي في حضرة سيدة بيضاء الشعر زرقاء العين شاحبة الوجه غليظة اليد تتكلم دون أن تحرك ~~شفتيها. ~~- أنت من فلسطين؟ ~~- نعم مدام. ~~- وكيف وصلت إلى مدير ال «كوميدي»؟ # فأبرقت أسارير مريم سرورا لعلمها أن من أعطاها كتاب التعريف هو المدير بعينه. ~~- رأيته خارجا من مكتبه فكلمته. # فقطبت السيدة ما بين عينيها وزمت شفتيها. ~~- وما اسمك؟ ~~- مريم، ثم ترددت ثم قالت: مريم. # فكتبت السيدة على طلحية أمامها مريم مريم ظنا منها أن اسم الفتاة الثاني مثل اسمها ~~الأول. ~~- وأي متى جئت باريس؟ ~~- منذ أربعة أشهر. ~~- ولم تظهري بعد على أحد مسارحها، ولم تتعلمي الرقص في إحدى مدارسها، فاعلمي إذن يا ~~مدموازل أن عليك أن تبتدئ مثل سائر المبتدئات، وهن يعددن بالمئات وسأسعى في سبيلك جهدي؛ لأن ~~مدير ال «كوميدي» أوصاني بك. # ثم أفهمت مريم شروط الوكالة وكبست زرا، فجاء الكاتب فأعطته الورقة التي كتبت عليها اسم ~~مريم وعنوانها. ~~- سجل هذا الاسم في السجل. ادفعي الرسم للكاتب مدموازل. # عادت مريم إلى غرفتها ذاك اليوم والسرور يجول في وجهها، ولبثت تنتظر البشرى من تلك ~~السيدة، ولى الأسبوع يتلوه الأسبوع وكمل الشهر؛ شهر الانتظار ومريم تتجرع مر الصبر ~~وتتمرن أثناء ذلك على الرقص، ولكن كل آت قريب، ففي صباح ذات يوم استلمت كتابا من تلك ~~الوكالة فعمدت لساعتها إلى قبعتها تلبسها وعرجت على بياع الزهور فزينت صدرها بإضمامة من ~~الياسمين وراحت تلبي دعوة السيدة صاحبة الشعر الأبيض والوجه ms099 الشاحب القطوب، فأعطتها بطاقة ~~إلى صاحب قهوة في «منمرتر»! وقالت: هذا جل ما تفوز به مثلك الآن، كوني في القهوة الساعة ~~التاسعة صباحا. # ولم تتخلف مريم، بل وصلت قبل الوقت المضروب، فلقيت هناك سربا من البنات الباليات ~~الأثواب، الشاحبات الوجوه، الغائرات العيون، كأن الواحدة منهن عصفور بلله القطر يلبثن ~~منتظرات، ثم جاء رجل غليظ الجثة، سمين الوجه، كث اللحية، ضيق الجبين، جاحظ العين، فأمرهن ~~بالوقوف أمامه، فوقفن صفا وبينهن المسحاء والعجزاء والغراء والدعجاء، والدعشوقة ~~الرسحاء، فنشأ يقلب فيهن نظره ويفحصهن فردا فردا فتدور الواحدة كالتمثال على محورها ~~فيجسها كما يجس الغنام غنما يروم ابتياعها، إلى أن انتقى منهن ستا من لون واحد، ~~وقد واحد، ووزن واحد! وصرف الأخريات ومريم الناصرية منهن، على أنه كلمها وهو يزلقها ~~ببصره قائلا: أنت حاملة هذه البطاقة من السيدة؟ فأحنت مريم رأسها، فشرق الرجل بريقه وهز ~~رأسه وكتفيه وراح يقول في نفسه: جمالها يخسف جمالهن، ولونها يجعلها وحدها محجة الأنظار، لا، ~~لا، لا توافق. # عادت مريم إلى مكتب الوكالة كسيرة القلب، أسيرة الهم والغم، فوعدتها السيدة خيرا، وبعد ~~أسبوعين أعطتها بطاقة أخرى إلى مدير إحدى ال «تياترات» الصغيرة، فراحت وهي تكاد تقطع الأمل ~~تقف مع العشرات مثلها في الصف حسب العادة، فجاء المدير يفحص وينتقي، ووقف عند إحدى الطالبات ~~يجس صدرها وأوراكها، ثم قال: ادخلي تلك الغرفة واخلعي ثيابك. فامتثلت الفتاة أمره ثم جاءت ~~تمثل أمامه عارية، فدارت دورتين وهو يدقق النظر في تقاطيع جسمها، ثم قال: حسن، حسن، ~~البسي ثيابك، ثم أوعز إلى واحدة أخرى أن تعمل ذات العمل، فدخلت الغرفة عجزاء وخرجت منها ~~عارية مسحاء، فضحك المدير وقال: لا حاجة لنا اليوم بالصبيان. # ثم وقف أمام مريم يقيسها بناظريه ويزنها. ~~- أنت من فلسطين الله! الله! # دوري يا «فلسطين»، دوري قليلا، فدارت مريم وهي منكسة الرأس. ~~- عليك خلع ثيابك. # فلبثت مترددة ثم رفعت رأسها تهزه إباء وامتناعا، فضحكت البنات، فتركها المدير يفحص ~~غيرها حتى أنجز الفحص والانتقاء، فأفرد ستا من الطالبات غير المناسبات ولم ms100 تكن مريم ~~الناصرية منهن، ثم كتب أسماء المختارات وخاطبهن قائلا: الأجرة ثلاثون فرنكا في الأسبوع، ~~والتمرين الساعة العاشرة صباحا وسنبتدئ غدا، كن هنا في الوقت المعين. # لم تسر مريم كثيرا بهذا الفوز وما ملكتها منه الأحلام الجميلة، فجاءت في اليوم الثاني ~~منقبضة النفس تباشر عملها، فتحققت بعد التمرين ما كانت تخشاه. # جاء المدير يقول: إلى العمل يا بنات، وطفق يجول في المسرح ويلوح بيديه؛ آمرا ناهيا، ~~ناصحا معلما، ناقما صاخبا. ~~- أنت يا جولي خطوتك صغيرة، وأنت برشاقة، برشاقة، إلى الأمام، يديكن كالأجنحة ترفرف، ~~رأسكن إلى الشمال، نظركن إلى اليمين، امشي مشيا يا «فلسطين» ولا ترقصي سابرستي! امشي ~~مشيا، مثل رفيقاتك، لاحظي من إلى يمينك ووافقي بحركات يدك حركات يدها، رأسك إلى الشمال، ~~نظرك إلى اليمين، لا تحركي صدرك، برافوا «فلسطين» برافو، خطوة، خطوتان، ثلاثة، إلى اليمين ~~جولي، إلى الشمال لويز، قفي، قفن كلكن، سابرستي! ليكن الصف مستقيما، حسن، حسن، راجعن ~~ذلك. # فعادت البنات ست منهن إلى جهة الشمال خارج المسرح وست إلى جهة اليمين، ثم دخلن صفين على ~~خط مستقيم فالتقت جولي بلويز ثم تقدمن صفين ثم افترقن، والمدير يعيد الأمثولة: خطوة خفيفة ~~رشيقة، لا قصيرة ولا طويلة، حركي يديك يا «فلسطين»، ثبتي صدرك، رأسك إلى الشمال، نظرك إلى ~~اليمين، صفا صفا، إلى الأمام قليلا، أنت، أنت، إلى الوراء. # وهذا هو الدور كله، تقف هؤلاء البنات في وسط المسرح وراء المغنية الشهيرة بينا تغني دورها ~~وهن يطيبن برءوسهن وبأيديهن، ثم يجتمعن حولها ويدرن راقصات بل لاعبات كالبنات في ~~الحقول في فصل الربيع، ثم يدخل اثنا عشر شابا فيرقصون حولهن، وكل شاب يذارع فتاة ويرجع ~~بها إلى مؤخر المسرح بينا المغني والمغنية يغنيان معا دورهما المشهور. # ساعة من هذا التمرين، فعادت مريم إلى بيتها تقول: ثلاث خطوات على المسرح، وثلاث دورات حول ~~المغنية، وساعة وقوف كالتمثال! أهذا ما سعيت من أجله؟ ورمت بنفسها على السرير أسيرة الهم بل ~~طريدة الفشل، ولكنها لم تيأس، فعولت أن تجرب بادئة علها تتدرج سريعا. # وفي ms101 اليوم الرابع أوعز المدير إليهن أن يلبسن ثياب الرقص للتمرين الأخير، فدخلت البنات كل ~~خمس منهن إلى غرفة صغيرة جدرانها مبطنة بصور الراقصات والممثلين مقصوصة من الجرائد ~~والمجلات، وفيها بضع مرايا مكسرة، أمام كل واحدة منها رفرف عليه أصناف شتى من المساحيق ~~والمعاجين والأدهان. ~~- لماذا لا تخلعين ثيابك يا «فلسطين»؟ ~~- «فلسطين» حبيبتي، أتقربك «صالومي» ألا تعرفينها؟ تلك التي قطعت رأس يوحنا المعمدان، ~~ورأسك! أنت أجمل منها. ~~- وما أبدع شعرها، وما أطوله، وما أجمل لونه ترالا لا! وحاولت الراقصة أن تحله فنفرت ~~مريم منها. ~~- اخلعي ثيابك لنتفرج على معاطفك وارتدي هذه السرابيل الحريرية، ولا تستحي. ~~- لله من عينك، يا «فلسطين»، فيهن سحر المجدلية، دعيني أقبلهما. فتفلتت مريم منها حردة ~~ناقمة، فتقدمت إليها راقصة أخرى تقول: اكشفي عن ساقك يا «فلسطين»؛ لنتفرج عليه، وجنبك، ~~ترالا لا! ~~- إليك عنها لا تمسيها، هي مطهرة، هي من الهيكل هيكل عشتروت. ~~- الله! ورائحة شعرها كروائح الند والمسك والبخور. ~~- حلي شعرك، حليه. ~~- مريم المجدلية، ترالا لا! تعالي معي الليلة أجمعك بشاعر شعره مسترسل، ولحيته شقراء، ~~وعيناه زرقاوان، شاعر يشبه المسيح، تعالي معي أيتها المجدلية أجمعك بسيدك. # وكانت مريم أثناء ذلك تخلع ثيابها والحنق من ذا التعذيب والتنكيد يملك نفسها، فتورمت ~~أوداجها واحتدم الغيظ في ناظريها. ~~- لله ما أدق مفصلها الكعبي! أين خلخالك يا «فلسطين»؟ ~~- ولكن ساقها لا يناسبه، ساقها غليظ. # ومرت الفتاة يدها عليه فرفستها مريم وهي تلعن بالعربية أباها، فوقعت مستلقية على ظهرها ~~فضجت الغرفة بالضحك والصياح، فقالت إحداهن: يحق «لصالومي» أن تقطع رأسك. # وقالت الأخرى: يحق «لفلسطين» أن تصلبك. # وقالت الثالثة: يحق للمجدلية أن تشرب دمك. ~~- سأصلب عظامها! سأقور عينيها! نجاسة فلسطين! ساكرنن دي بالاستين! سأدق عنقها، سأفقأ ~~عينيها! وهجمت تلك الفتاة تستل دبوس قبعتها، فوقفت جولي تصدها وتحمي مريم. ~~- دعيني أقور عينيها، فقد أبت اللعينة أن أقبلها. ~~- ردي دبوسك إلى قبعتك، ليس الوقت وقت براز. ~~- يا للعار! يا للعار! إن هي إلا غريبة وإنكن غليظات قاسيات، لا تحردي يا مريم ولا ~~تغضبي، دعيها تقبل ms102 عينيك فهي تحبك، وتعجب بجمالك، تعالي، قبليها، سا سا! لتحيا «فلسطين»! ~~فهتفت البنات بصوت واحد: لتحيا «فلسطين»! # ثم خاطبتها جولي مناعمة ملاطفة فقالت: دعيني أساعدك، أين سرابيلك الحريرية؟ مرسي. # وأرتها سرابيل محكمة يلبسها اللاعبون على الحبال، والراقصات. ~~- أليس لديك واحد مثل هذا، أعيرك اليوم مما عندي، وبعد التمرين أذهب وإياك إلى حانوت ~~تشترين سرابيل؛ لأنها للراقصة يا صديقتي ألزم من المجلة للفقيه، والعربة للطبيب، والخادمة ~~للكاهن، السرابيل ألزم للراقصة من خبزها، بل هي خبزها، هي سرها، وهي سلاحها، وإذا ارتدت ~~قميصها بدونها تهلك في السجن جوعا، السرابيل شغاف الفن، شغاف الحب، شغاف العفاف، فإذا ~~اختال الفن عاريا دونها تحترق ال «تياتر» وتحترق باريس وينتهي العالم. ~~- أحسنت يا جولي أحسنت، لست والله في مركزك هنا ينبغي أن تكوني في مجلس النواب. ~~- أحسنت، عهدناها لبيبة، فإذا هي خطيبة. ~~- بل عهدناها زمارة، فإذا هي ثرثارة. ~~- البسي يا مريم وما لنا وهذرهن. # فلبست مريم ذاك اللباس المحكم، وانتعلت نعلا رومانيا، وارتدت قميصا من الحرير ~~مهلهلا، ثم وضعت جولي على رأسها إكليلا من الزهر المصطنع، فنزعته مريم وضربت به عرض ~~الحائط. ~~- ما بالك؟ أتأبين الإكليل؟ ~~- إكليل الهذر والهذيان، إكليل الكذب إكليل السخافة! حرقت الأزاهر الاصطناعية في بلادي ~~أفتلحقني إلى باريس؟ ~~- ولكن لا بد منه يا عزيزتي، إذا لبسنا الثياب اليونانية ولم نلبس الإكليل تديننا ال ~~«أكاديمي» وتجازينا على فعلتنا ال «كوميدي» ويشنقنا مدير ال «أبرا»، وإذا نجونا من الشنق، ~~يضحك منا البوليس، وهذا شر العقوبة، البسي الإكليل، البسيه فها الجرس يقرع، والمدير ~~ينتظر. # بدت مريم في سرابيلها اليونانية، كأنها ابنة آثينا أو عروس من روايات الشاعر بيرون، ~~فسر المدير بها وبإتقانها دورها، ولكن الفتاة الناصرية لم تسر لا بالمدير ولا بالدور ولا ~~بالراقصات رفيقاتها، لم ترض أن تكون هذه بداءة أمرها في الرقص، لم ترض أن تكون من ~~التماثيل المعروضة على الناس صفا، لم ترض أن تكون صفرا إلى الشمال أو كمالة عدد ~~الإقبال، ولم ترض فوق ذلك أن تأخذ رفيقاتها من قلبها ونفسها هدفا ms103 لسخرهن وهذرهن، على أنها ~~حبا بالفن قبلت العذاب ، وقدمت نفسها ضحية على مذبحه شهرا كاملا، فاضطر المدير بعدئذ ~~أن يغير الرواية؛ لأنها لم تصادف إقبالا فصرف بعض البنات وكانت مريم منهن، أنقدها أجرتها ~~بعد أن حسم منها عشرة بالمائة للوكالة؛ أي لتلك السيدة صاحبة الوجه الشاحب القطوب التي عادت ~~مريم إليها تسألها السعي مرة أخرى في سبيلها، فدون الكاتب اسمها في سجله ثانية، ثم ~~أنقدته الرسم وراحت تنتظر. # ولى الأسبوع يتلوه الأسبوع ثم الشهر ثم أخوه، ومريم ~~تنتظر صابرة واجلة وهي تنظر إلى كيسها من حين إلى حين كما ينظر المحكوم عليه بالإعدام إلى ~~الساعة في يومه الأخير، دنى الأجل، نفد المال، فجاءت مريم تلح على السيدة فقالت هذه في ~~نفسها متبرمة متأففة: ألا تكفينا بنات فرنسا بل بنات أوربا، يظنن أن مسارح باريس جنة عدن ~~فيتهافتن عليها كالذباب على الحلوى، ثم قالت تخاطب مريم: إن الطالبات عملا في ال «تياترات» ~~ألوف مثلك والمبتدئة تضحك في عبها إذا فازت بشبر على المسرح تقف فيه عارضة وجهها وساقيها؛ ~~لأن ذلك خير لها من أن تعرض نفسها وجسمها في الشوارع. # وتيقني مدموازل أنني باذلة جهدي في سبيلك، ولكني لا أعدك خيرا في المستقبل القريب، معظم ~~ال «تياترات» اليوم مقفولة والأشغال واقفة وسأبذل مع ذلك جهدي، لم لم تطلبي عملا في أحد ~~بيوت «المودة» عند إحدى الخياطات، قدك دقيق جميل وأية خياطة من الخياطات الشهيرات تستخدمك ~~تمثالا «مدل» عندها. # فلما سمعت مريم ذا الكلام وبالأخص الإشارة إلى التمثال نهضت على الفور، فودعت تلك السيدة ~~التي تتكلم دون أن تحرك شفتيها، وعادت إلى غرفتها وقد ساورها من الهم ما لا يحيا إلى جانبه ~~أمل ولا تثبت أمامه عزيمة، أقفلت الباب؛ باب تلك الغرفة الحقيرة فإذا هي فيها وحيدة مخذولة ~~يائسة، نظرت من الشباك إلى مداخن باريس أمامها فأحست أنها واحدة منها، مدخنة بين ألوف ~~المداخن، ليس في صدرها غير نار تتأجج فيتصاعد منها دخان الفشل والغم، ثم جلست على سريرها ~~تسند رأسها بيدها وجعلت ms104 تفكر في مصيرها، ثم نهضت على الفور فأخذت سلسلة الذهب التي أهداها ~~إياها نجيب مراد، فنزعت منها الأيقونة الحندقوقية المرصعة بالماس، ووضعت مكانها الذخيرة ~~التي أهداها إياها القس جبرائيل وطفقت تقبلها وتبكي. ~~- آه ما أكرمك خلقا يا قس جبرائيل! وما أعزك نفسا! وما أشرفك قلبا! # وفي اليوم الثاني ذهبت بالأيقونة إلى أحد الصاغة فباعتها بثلاثين ذهبا، ثم صوبت ~~خطواتها إلى شركة البواخر الإفرنسية وهي تقول: كسرتني اليوم يا باريس فلا بد من أن أكسرك ~~غدا. # | الفصل الثالث عشر # كان إبراهيم يخدش الأرض بمعوله حيث لا يصل إلى تربتها المحراث، وهو يخدش أذان الفجر ~~والأطيار بأدوار من المواليا. # وكان الراهب الفلاح قد باشر الفلاحة، وثوبه الأسود، وقد شمره من الأمام يبدو كذنب ~~الغراب من الوراء، وتبدو تحته سراويل زرقاء وجوارب بيضاء يقيها من الأرض حذاء ثقيل النعل ~~مرأس الأطراف، وقلنسوته مسترخية بين كتفيه وليس على رأسه غير عرقية سوداء صغيرة. ~~- جز الحشيش يا إبراهيم، جز الحشيش، وأرح صوتك، صباح مبارك يا ابني، أعط المواليا فرصة ~~ساعة، نفرت الأطيار، نكدت البقر، تعال إلى هنا، اترك الزوايا تنقبها بعدئذ، تعال جز ~~الحشيش. ~~- بكرت اليوم يا معلمي. ~~- لتنفر الأطيار وتكدر صفا الأسحار، أوقف لسانك، وحرك يديك، ها قد تعالت الشمس ذراعين فوق ~~الجبل ولم نحرث بعد ثلمين. ~~- لا خوف علينا يا معلمي، الجو صاف والنهار طويل، ولم يبق قدامنا للحراثة غير ~~القليل. # وجاء إبراهيم يمشي الهوينا مشية البقر، ويهول بمنجله ويصيح: يا ظريف الطول يا سن ~~الضحوك! ~~- إذا كنت لا تشفق على صوتك يا إبراهيم فأشفق على البقر، فإن للبقر آذانا، تعال جز ~~الحشيش واسكت، بحياة أبيك برحمة أجدادك أن تسكت، اسكت واشتغل. # وكبس الراهب على السكة برجله والمساس في يده كالرمح في يد فارس من فوارس الجاهلية وخطوته ~~وقد هرولت البقر مذعورة تكاد تكون طول المساس. ~~- آهو! آهو! الله معك «كحلا» الله معك، يمينك «كحلا» يمينك، آهو! عنها «أبلق» عنها - هذا ~~الفدان لا ينفع يا إبراهيم، فقد خدع أبوك هذه المرة، «الأبلق» لا ms105 يستأهل علفه. ~~- «الأبلق» يا معلمي زينة البقر، أحسن فدان في البلاد، صيته ملأ المرج وبيسان، ولما ~~اشتريناه واستلمت أنا رسنه جعلت ابنة صاحبه تبكي وتقول: خلوا لي «الأبلق» أو خذوني معه، ~~والله يا معلمي جرحت قلبي وسلبت عقلي. ~~- لا تقدر أن تسلبك ما لا تملك يا إبراهيم. ~~- والله يا معلمي وجهها مثل القمر وشعرها مثل الليل وجبينها مثل نجمة الصبح. وشرق إبراهيم ~~بريقه وهز رأسه وشخص إلى السماء بعينيه، ثم قال وهو يقطع بمنجله قضيبا من البردي: حظي مثل ~~شعرها يا معلمي، لو رضي أبي لسلمته رسن «الأبلق» وسلمتها رسني. ~~- كنا بالأبلق صرنا بنجمة الصبح، لا حول ولا! لسانك يا إبراهيم يلزمه رسن، جز الحشيش ~~يا ابني، ينبغي أن نطعم البقر. آهو! عنها! عنها «أبلق»، لعين هذا «الأبلق» لا أظنني أستطيع ~~أن أفلح يومين عليه، هات الكمامة يا إبراهيم، كمه، كمه، أتخافه؟ يا لضيعة الطول، يا لضيعة ~~العرض، خذه بقرنه ولا تخف، أمسكه بقرنه، يا لك من جبان، إليك عنه، رح غني للقمر وسلم ~~رسنك لنجمة الصبح، طر شاربك ولا تحسن أن تكم الفدان. ~~- وأخذ الراهب الكمامة منه ومر كفه على رقبة الفدان يملسها ويطايبه ثم كمه كما لو كان ~~نعجة حولية، ومسح الزبد الذي تساقط على يده من شدقيه وعمد إلى المحراث والمساس يستأنف ~~الحراثة. # وبعد برهة عاد إبراهيم وبيده المنجل وباقة من الحشيش يقول: نسيت أخبرك يا معلمي أننا في ~~رجوعنا من بيسان حيث اشترينا «الأبلق» مررنا بالحمامات فلمحت هنالك الفتاة التي بعثتها مرة ~~إلى بيتنا برسالة إلى أبي كانت جالسة في القهوة تشارب رجلا وتمازحه، فلما رأتني همست في ~~أذنه كلمة ثم سألتني عنك. # فأوقف الراهب المحراث لساعته. ~~- وماذا قلت لها؟ ~~- قلت لها: إن معلمي في البيت بالغوير. # فاكفهر وجه الراهب. ~~- خزاك الله! ومن كلفك بذلك؟ ألم أقل لك ولأبيك ولأمك: إنني أروم العزلة هنا، ألم أفرض ~~السكوت عليكم إذا سئلتم عني؟ ~~- وهل أكذب عليها؟ والرجل الذي كان يشاربها لحقني إلى الخارج وهمس في أذني قائلا: قل ms106 ~~لمعلمك إذا جاء إلى قهوة الحمام أية ليلة كانت هذا الأسبوع يشاهد صديقا فيها ويسمع ما ~~يسره. ~~- وغير ذلك يا إبراهيم. ~~- لا شيء يا معلمي. ~~- رح إلى شغلك، رح إلى شغلك، وألجم لسانك. # واستأنف الراهب الحراثة وقد علا وجهه غيمة اضطراب يتخللها بريق الهواجس المحرقة. # وساعة الظهر جاء أبو إبراهيم يحمل إلى سيده الغداء، فحل عن الأبلق والكحلاء النير ~~وربطهما أمام عرمة من الحشيش الأخضر. # ثم فرش عباءة في ظل شجرة عند ضفة الغدير جعلها خوانا وصف عليها الخبز والجبن والزيتون ~~والبصل وبضع سمكات مشوية، فجلس الراهب بعد أن صلى صلاة الظهر وجلس حوله أبو إبراهيم وابنه ~~يتناولون الغذاء، وكان سكوت إبراهيم أثناء الأكل مدهشا ومستحبا، فجعل يقلب نظره في ما ~~على العباءة، فيتناول اللقمة تلو اللقمة والرغيف تلو الرغيف وهو يقرض ويزدرد ويرتشف ولا ~~يميل ببصره يمينا أو شمالا. ~~- بارك الله فيك يا إبراهيم، بارك الله فيك! أولم تعطش يا ابني؟ فهز إبراهيم رأسه ~~واللقمة تملأ فمه، فقال أبوه: قم املأ الإبريق، لو كان يحسن الشغل كما يحسن الأكل. ~~- والثرثرة يا أبا إبراهيم، أصلحه الله. # عاد إبراهيم بالإبريق وقد ملأه من الغدير، فأوعز إليه أبوه أن يباشر نقب الزوايا، وقال: ~~ووالله إذا لقيتك نائما أذبحك بهذا المنجل، ثم قام الأب فساق «الكحلاء» و«الأبلق» إلى ~~الغدير ثم عاد بهما فكدنهما واستأنف الحراثة. فقال الراهب: سترى بعد الامتحان يا أبا ~~إبراهيم أنك خدعت بالأبلق، واستلقى في ظل الشجرة ينام القيلولة. ولما استفاق عمد إلى معول ~~يساعد إبراهيم في نقب الزوايا، ثم جاء إلى ضفة الغدير يصلي صلاة العصر، وفتح كتابه الذي ~~يحمله أبدا في جيبه؛ كتاب الاقتداء بالمسيح يطالع فيه، وما هي إلا برهة حتى جاءت أم ~~إبراهيم تقول: امرأة يا معلمي تطلبك في البيت. ~~- ومن هي؟ وماذا قلت لها؟ ~~- قلت لها: إنك متغيب، فكذبتني بدون حياء قائلة: معلمي القس جبرائيل هنا، أحلف بالله إنه ~~هنا، وأحب أن أقابله. # فقلت لها: إنه في رياضة لا يقابل أحدا من الناس، فقالت مصرة: ms107 وقولي له لطيفة العشية ~~التي كانت تطبخ في بيت أخيه بالناصرة تحب مقابلته. # فقال القس جبرائيل يخاطب نفسه: لطيفة، لطيفة، وما غرضها؟ ومن أخبرها يا ترى أنني مقيم ~~هنا؟ لا بأس يا أم إبراهيم، قولي لها، أو بالحري دليها إلى هذا المكان. # وما هي إلا برهة حتى عادت أم إبراهيم تستصحب لطيفة، ولما رأت هذه القس جبرائيل هرولت ~~إليه تقبل أذياله ويديه وتبكي. ~~- حسبك يا لطيفة، اجلسي على هذه الصخرة، وامسحي دموعك، ما خبرك يا بنتي؟ ~~- قصتي طويلة يا معلمي ومحزنة. ~~- أوجزي ولا تبكي. ~~- بعد خروج مريم من السجن طردتني معلمتي الست هند؛ لأنني لم أشهد في المحكمة كما أرادت، ~~لم أقل: إن مريم قاتلة المرحوم أيوب، فضربتني وطردتني ولم تدفع من أجرتي إلا قسما يسيرا، ~~فأصبحت طريدة شريدة. وظللت في الناصرة شهرين أفتش عن عمل، فلم أفز بشيء، ثم سافرت إلى حيفا ~~فتجشمت هنالك بضعة أشهر أخدم في أحد الخانات ثم عدت إلى الناصرة خائبة الأمل، فسمعت فيها من ~~أناس أنك مقيم في بيتك بالغوير، فجئتك مستجيرة مسترحمة علك تدخلني في أحد البيوت بطبريا ~~خادمة أو طابخة، هذه قصتي بالإيجاز. ~~- طيبي نفسا، وقري عينا، وأي متى تركت الناصرة؟ ~~- ظهر البارح. ~~- وكيف حال أخي يوسف؟ ~~- لم أره يا معلمي ولكني سمعت أن عارفا اليوم في حيفا يتعاطى التجارة. ~~- هل سمعت الخبر هذا وأنت في حيفا؟ ~~- نعم. ~~- وهلا رأيت عارفا؟ ~~- لا يا معلمي، وأين مريم اليوم؟ ~~- لا تسألي عما لا يعنيك. # فأشارت لطيفة بنظرها وقد حركت به بين القسيس وأم إبراهيم أنها تروم مساررته، ففهم القس ~~جبرائيل وقال مخاطبا أجيرته: شمي الهواء بضع دقائق يا أم إبراهيم، ما الخبر يا لطيفة؟ عساه ~~أن يكون خيرا. ~~- عرفت يا معلمي بما حل بمريم بعد خروجها من السجن؛ بولادتها، بسرقة طفلها، بسفرها مع ~~السيدة الإفرنسية إلى فرنسا، وليس ذلك بعجيب؛ لأن خبرها انتشر في الناصرة وفي حيفا، ولكن ~~الغريب العجيب ما اطلعت عليه ليلة البارح، فإذا كنت مصيبة في ظني فمجيئي إليك إلهام من ms108 ~~الله. ~~- وماذا رأيت؟ ~~- وقفت مساء البارح وأنا قادمة من الناصرة أمام بيت خارج طبريا وقد أنهكني المشي، فقلت في ~~نفسي: أن أسأل المبيت هنا خير لي من الدخول ليلا إلى البلد وأنا غريبة، فوقفت في الباب ~~وإذا بامرأة ترضع طفلا وتضربه وتقول: ارضع ترضع السم، ارضع ترضع الطاعون، فخفت ورجعت ~~أدراجي قائلة في نفسي: إن امرأة هي أشبه بالجن منها بالبشر لا تأويني، ثم فطنت لشيء من ~~المال معي قعدت أسألها حاجتي وأعرض عليها الغرشين كل ما كنت أملك، فأبرقت عيناها لذكر المال ~~واختطفت الغرشين من يدي قائلة وهي تشير إلى الزاوية: نامي هناك، فرميت بنفسي إلى الأرض وقد ~~كدني التعب ونمت من ساعتي، ثم استيقظت في الليل فسمعت الامرأة تكلم فتاة عندها وتسبها، ~~فتناومت أسترق حديثهما، فسمعت الامرأة تقول: تكاد تتم السنة ولم يسأل أحد عنه الله يلعن ~~أباه وأمه، لو كانت أمه امرأة لفتشت عنه ولكنها جنية غولة، لعنها الله. فقالت الفتاة: ~~بعثنا إلى الرجل خبرا وهو الآن مقيم في بيته بالغوير، وقد اتخذ أحمد الأمر على عاتقه، ~~ليطمئن بالك. فصاحت الامرأة: ليطمئن بالي؟ كلفنا ابن الخنا حتى الآن خمسة ذهبات، وأهلكني، ~~لم أعد أستطيع أن أرضعه، نفد حليبي وصار واجبا أن نشتري له حليبا، أكاد أموت والله، إذا ~~كان لا يجد شيء في أمره قريبا أرميه في البحيرة وأستريح منه، الله يلعن الأولاد، الله يلعن ~~البشر! # فقالت الفتاة: صبرنا عشرة أشهر لنصبر عشرة أيام، وقد قال أحمد: إنه لا يسلم الطفل قبل أن ~~يقبض الخمسين ذهبا. # فقالت الامرأة: وأنت صاحبة أحمد تؤاكلينه وتشاربينه، فسيشتبه الرجل بك ويشكوك ويشكوني ~~إلى الحكومة فتهلكين وتهلكيني معك، عليك إذن أن تختفي حالا، سافري إلى صفد غدا، وابقي ~~هناك أسبوعين وأنا أقابل أحمد فنطبخ الطبخة ونترك الطفل حيث لا يعرف مقره أحد غيرنا، ~~انهضي وأسرعي سافري الآن، وغدا أقابل أحمد. # هذا بعض ما سمعته من الحديث الذي دار بين الامرأة والفتاة، فهالني أمره وخطر لي أن ألفت ~~نظر الحكومة إليه، لينجو ذاك ms109 الطفل السيئ الطالع، حن قلبي إليه والله ! وأخشى أن ترميه في ~~البحيرة إذا كان أبواه لا يفتشان عنه، وقد فاتني أن أخبرك أن للامرأة طفلا آخر يستطيع ~~المشي ولكن الفرق بين الاثنين عظيم، الطفل الرضيع مثل القمر على وجهه ملامح الأكابر. ~~- وهل تعرفين البيت الذي نمت فيه؟ ~~- نعم أعرفه. ~~- وهل تعرفين الفتاة إذا رأيتها ثانية؟ وهل عرفت اسمها؟ ~~- لم أر وجهها في الليل ولكني سمعت الامرأة تناديها هيلانة، ولما نهضت باكرا أشكر الله ~~على سلامتي لم تكن هناك. ~~- حسن، حسن، روحي وأم إبراهيم إلى البيت، يا أم إبراهيم، فجاءت الامرأة تلبي نداء سيدها، ~~فخاطبها قائلا: أحسني وفادة لطيفة، عشيها، وافرشي لها أحسن فراش عندك. ~~- غابت الشمس والقس جبرائيل جالس عند ضفة الغدير يسمع خرير الماء وينكت الأرض بعصاه فطرق ~~أذنه صوت إبراهيم يغني المواليا على رنات أجراس المواشي، فصعد الراهب الزفرات يبارك ~~الأنعام وما شابهها في حياة البشر من شباب آبد وقلوب خالية ساذجة، نظر إلى السهل وقد لاحت ~~في أساريره خلال أثلامه البنية سيماء الجذل والرضى، فخيل إليه أن كل ثلم فيه إنما هو ~~فم ينطق بالشكر والتسبيح، فقد كان نهاره مقدسا، قدسه الإنسان العامل والقنوع إذ ألقى إليه ~~حبة الحياة؛ ليعيدها في الفصل الآتي سبعين حبة. ورفع إليه هنالك صورة جميلة من صور السعادة ~~البشرية التي يصورها إله الحقول ورب البعث والخلود؛ صورة الفلاح وابنه عائدان في الغسق إلى ~~البيت، يسوقان المواشي ويغنيان الموالي، أبو إبراهيم وقد حمل المحراث الطويل على كتفه يسنده ~~بالمساس، وابنه الشاب وقد حمل النير والمعول فوق حمل من الحشيش الأخضر، و«الأبلق» ~~و«الكحلاء» وأجراسهما تطن عند باب الليل طنينا شجيا، يسيرون كلهم الهوينا عائدين إلى حيث ~~الحب يلاقيهم بإبريق الحياة، والليل يقدم لهم كأسا مزيجها مسك وتسنيم. شاهد القس جبرائيل ~~هذا المشهد فهز رأسه أسفا قائلا: جميل، جميل، ولكنه ناقص، أين أنت الآن يا مريم؟ مريم ~~ابنة سارة أين أنت؟ أي بحر من أبحر الحياة تتقاذفك أمواجه؟ أي نعيم يكحل عينك؟ أي جحيم ~~يحرق ms110 فؤادك؟ # صعد الزفرات وعاد ينكت الأرض بعصاه أسير الهواجس، سمير الأشجان والذكرى، ولت أشباح ~~الغسق مدبرة تفر من الليل، وما الليل إلا مؤنس الأشباح، جاء يشعل مصابيحه ويدور في الأفلاك ~~دورته السرية فيرافقه القمر وقد أطل من شرفته في الهرمل يبتسم ابتسامة غنجت لها ~~البحيرة، وأبرقت أسارير الأحراج في الحقول وفي الجبال، فجعلت تصر الجنادب على العيدان ~~صريرها، وينوح فوق البحيرة الحمام، وتصوت فيها الأسماك والأمواج الجارية من الأردن تهز في ~~القلب سريرها. # مشى القس جبرائيل في السهل مكشوف الرأس والهواء العليل يناعم وجهه وينعش فؤاده، والليل ~~يؤنسه بأنواره وسكونه، فهز رأسه أسفا قائلا: جميل هذا المشهد جميل، ولكنه ناقص، أين ~~أنت الآن يا مريم؟ # لما فرت مريم الربيع الماضي هاربة منه كما يهرب الغسق من الليل أو الليل من الفجر، ظل ~~القس جبرائيل شهرين فريسة نزاع في نفسه شديد بين ما كان وما ينبغي أن يكون، بل بين ~~الحقيقة والخيال، بل بين واجب قدسه الله ومحكمة قدسها العقل وحبر الزمان، فهم مرة أن ~~يتبعها مستقصيا فعادت الحكمة تملك عليه نفسه ففوض أمره إلى الله، ونفض من أمرها يده، ومن ~~أمر ولدها أيضا، ولكنه لم ينقم عليها، ولم ينبذها من قلبه، ولم ينسها مرة في صلواته، أقام ~~في بيته قرب كفر ناحوم معتزلا العالم والناس، ناسكا لا على شكل أجداده النساك بل ناسكا ~~عاملا، ناسكا فلاحا. # ومرت الأيام تتلو الأيام ومريم وذكراها مقيمان في فؤاده يعطران صلواته وتأملاته، وما ~~نام ليلة قبل أن يبتهل إلى الله من أجلها: صنها ربي قها شر الجهل وشر الأهواء وشر ~~الأطماع وشر المستهترين من الناس، وشر المآثم والموبقات، اكحل جفنها بأحلام نعمتك، وابعث في ~~ناظريها بهاء نورك، سدد خطواتها، وثبت في سبيل الخير والحق قدمها، يا فتاح يا رزاق! افتح ~~لها بابا لا يحزنون من يدخلونه، ارزقها خيرا لا ينعمون من يحرمونه ولا يطغون من يرزقونه، ~~يا حليم يا رحيم! اسبغ عليها من سوابغ حلمك، أفض عليها من فيضان رحمتك، اهدها السراط ~~المستقيم حيث ms111 كانت وحيث حلت، وإذا كان عبدك الذي يضرع الآن إليك سعيدا في يقينه، ثابتا في ~~إيمانه، قويما في رأيه، صافيا في وجدانه، فاهدها ربي إليه، اهدها إلي، اهدها إلى ابنها، ~~آمين. # صلى هذه الصلاة تلك الليلة حسب عادته وأضاف إليها الجملة الأخيرة ذاكرا ولدها، صلى هذ ~~الصلاة في السهل وهو عائد إلى البيت يفكر بمريم شيقا آسفا، ويفكر مستبشرا بما كشف له في ~~أصيل ذاك النهار، ولما وصل إلى البيت جعل يقلب في أوراقه فعثر على الكتاب الذي كان يطلبه، ~~الكتاب الذي بعث به إليه أخوه يوسف يوم كان في بيروت، فاستلمه بعد أن سافرت مريم إلى فرنسا، ~~فأهمله يومئذ غضبا قانطا، ولكنه أعاد تلك الليلة قراءته. # أخي العزيز القس جبرائيل أطال الله بقاءه # أقبلك وأبثك أشواقي وأرجو أن تكون بخير، ثم أخبرك أنني اجتمعت والحمد لله بابني ~~عارف وهو الان في لبنان، وقد سلمته كتابك وأطلعته على الآخر منك لي، فآنست منه ~~قبولا بما تنصح، وأنا والله يشهد على ما أقول! عامل برأيك ساع سعيك في سبيل تلك ~~الفتاة، ومتى عدنا أنا وعارف إلى الناصرة نتمم ما فيه خير الجميع إن شاء ~~الله. # أخوك: يوسف مبارك # والآن وقد علم أن الولد ولد مريم، لم يزل حيا استحث سابق عزمه واستنهض راقد قصده وهو ~~يعزي نفسه قائلا: ما لا يبلغ كله لا يترك جله، وكأن الله أرسل لطيفة وقد أهداها إلى ~~ذاك البيت لتنبهه إلى واجب أهمله آثما، فنهض صباح اليوم الثاني باكرا يقول لها: تعالي ~~معي. # وذهب ولطيفة إلى السراي في طبريا ليقابل القائمقام. # | الفصل الرابع عشر # الحاج محيي الدين صاحب الكازينو بالقاهرة رجل قصير بدين لعين (نريد بالنعت الأخير ما هو ~~متعارف من معناه بين الناس عندما يقفون عنده يجرون الياء منه معجبين، فيقولون مثلا: فلان ~~لعين! ليصفوه بالحذق والمكر والدهاء)، فالحاج محيي الدين إذن قصير بدين لعين! وإنه وإن ~~ارتدى الحرير لأصلب خلقا وخلقا من قماش الخيام الإنكليزي، له رأس ككرة المدفع كبير ~~مستدير، تعلوه عمامة خضراء ms112 صغيرة، تحتها إذا أقبل جبهة عرصها خداع، وإذا أدبر سامد الرأس ~~تبدو عكنات رقبته تحت تلك العمامة كأمواج النيل أو كغدد الفيل، وهو غليظ الشفتين كذلك وعريض ~~الوجه لحيم، أما أنفه المشوه فيكاد لصغره يضيع في وجهه، وعيناه الصغيرتان الزايغتان تنفران ~~من أنفه، وشاربه المقصوص هو بين ذاك الأنف وتلك الشفة كخيال قضيب بين كهف وكثيب. # وقف الحاج محيي الدين مودعا السيدة فشيعها إلى الباب تعطفا وهو يعد سبحته ويسبح الله، ~~ويستغفر الله، ويستعين بالله، ثم عاد إلى مجلسه في زاوية الديوان وحبات الكهرباء الكبيرة ~~تطقطق بين أنامله الصفراء كأنها تردد الصدى لنبضات قلبه، ثم جلس مسترخيا يبسط ذراعيه، ~~ويزم شفتيه، وقد أنزل العمامة الخضراء حتى حاجبيه، ولسان حاله يقول: إنا لله وإنا إليه ~~راجعون. # وكان شريكه عاطف بك جالسا إلى منضدة يدخن سيكارة ويراقب حركاته معجبا باسما، فقال ~~محيي الدين يخاطبه: أخطأت يا أخي أخطأت، فأجابه عاطف بك: أنت أعلم بالجواري وأنا أعلم ~~بالراقصات. # فعمد الحج محيي الدين إلى الأركيلة يسكن بها غيظه، ثم قال: ولكن رقصها جميل، أجمل ما ~~رأيت حياتي، رقص جديد، مبتكر، غريب، مدهش، وهو فوق ذلك رقص أدبي تزينه الحشمة لا خلاعة في ~~حركاته ولا بذاءة في وقفاته، ولا ... فأغرق عاطف بك في الضحك، وقال: أراك تتكلم كشيخ من مشايخ ~~الأزهر، الله، الله! أحامل «النسخات» يحمل على الخلاعات؟! أصاحب «الكازينو» يمسي صاحب ~~كرامات؟ الله، الله! أنت مازح يا محيي الدين، أوتظن الرقص الأدبي يصلح الأمة؟ أتظنه يسر ~~جيش الاحتلال؟ إذا كنت راغبا بالجلاء فاعرض على أصحابنا الإنكليز هذه الرقصة، نبه الحزب ~~الوطني إليها. ~~- لا تعجبني هذه المداعبة منك، فإن رقصا عاريا من الخلاعة ... ~~- لا ينفعنا ولا ينفع البلاد، أبناء القاهرة لا يقبلون على مثله وعساكر الإنكليز يفرون ~~هاربين منه، وإن أقبلوا عليه بادئ بدء فلا يلبثون أن يملوه، رقص هذه الفتاة يخاطب العقل، ~~والمصريون يودعون عقولهم في البيت قبل أن يشرفوا «الكازينو» والجندي الإنكليزي، ولكنه ~~سبحانه تعالى لا يثقل الجندي عقلا. ~~- على رأسي رأيك في ms113 الجندي، ولكني لست من رأيك في الفتاة؛ فإن في رقصها السحر الحلال، ~~يعبث بالقلوب ولا يستأذن العقول، وما قولك بالراقصات الروميات عندنا؟ فإن رقصهن عار من ~~رغبة الناس من مظاهر الخلاعة، ويكاد يكون بليدا، ومع ذلك فالإقبال عليهن عظيم. ~~- لأنهن إفرنجيات يا أخي يا محيي الدين، نفاية الإفرنج هي أعلاق في ذي البلاد، خرز أوروبا ~~هو في نظر المصريين بل الشرقيين درر غوال، صل على النبي! ولا يفوتنك أن الراقصات ~~الروميات لا يكسفن «البلديات» عندنا، كلهن - إفرنجيات ومصريات - من طبقة واحدة فنا ~~وعقلا وحسنا، وإن شئت قل: من طبقة وسطى أو واطية في الفن والعقل والحسن، وجمهور الناس من ~~ذي الطبقة، أما الخاصة فحسبهم ليلة واحدة من الرقص الأدبي في السنة، حسبهم «البالو» ~~الخديوية، لا، لا، لا وسط عند هذه الفتاة الناصرية ولا وسط في نصيب مديرها منها. # فرفع الحاج العمامة فوق جبينه عجبا وهو يزلق بنظره عاطف بك الذي استمر يتكلم غير حافل، ~~فقال مكملا الجملة: فإما أن تكسره وإما أن تغنيه، فلاح الارتياح إذ ذاك في وجهه، وقال: ~~ولماذا لا نختبرها أسبوعا واحدا أو أسبوعين؟ إذا كنا لا نقدم لأبناء بلدنا الجميل من ~~الفن فكيف لهم بمعرفته؟ وليس من العدل أن نحكم عليهم بفساق الذوق قبل أن نختبر ~~ذوقهم. ~~- أنا عالم يا محيي الدين بما يجول في صدرك، صل على النبي! ولكن ظهور الناصرية على ~~مسرح «الكازينو» يغير خطتنا تماما، فنفقد الزبائن الذين لا يروقهم غير رقص ال ... الرقص الذي ~~يخاطب الحواس بالقلم العريض، وجيش الاحتلال في البلاد يزداد يوما فيوما، ولا نعلم ما ~~نكسب من الطبقة الراقية، لو كنت مدير «تياتر» في أوربا لما ترددت والله ترددي الآن، فلا ~~أنكر أن في منشأ الفتاة وفي فنها وجمالها وطموحها وهوسها ما يسترعي الأنظار، لست بجاهل ~~عالم التمثيل في أوروبا، ولقد أحطت علما بطرق المدراء هناك وحيلهم، وكأني بأحدهم وقد حظي ~~بلقاء هذه الفتاة الناصرية، وأدرك السر في أمرها وفنها يعلن عنها بالخط العريض، ~~فيقول: الناصرة منذ ألفي سنة ms114 والناصرة اليوم مهد الدين ومهد الرقص، مريم الناصرية ترقص رقصة ~~المريمات في أسبوع الآلام! ولكن بلادنا بلاد إسلامية، فلا ذاك الدين قبلت ولا ذا الرقص تقبل ~~اليوم. ~~- أنت مخطئ في ظنك، علي الخسارة أثناء أسبوعين نختبر الناصرية ورقصها، علي ~~وحدي. ~~- ليست جارية تتاجر بها يا محيي الدين، وقد ظهر لي من حديثها ونظراتها أنها صعبة المراس ~~حادة المزاج. ~~- على عاتقي أمرها. ~~- وإذا مثلت لك السماويات في رقصها ... ~~- والجهنميات أيضا فأنا المسئول. ~~- وأنا قابل، ليكن ما تشاء، وإن شئت أن تدخلها حريمك بعد أن تمتحنها في ~~«الكازينو». ~~- دعنا من ذا الهذر يا أخي. ~~- بل هذا جد مني، فقد أهنتها في حديثك فاغرورقت عيناها وهذا دليل واضح أنها أحبتك، ~~عشقتك. ~~- أنا أعلم بحيل اللقيطات الشريدات. ~~- نعمت بعلمك. ~~••• # أما مريم فعادت إلى منزلها بعد أن قابلت صاحب «الكازينو» ومديرها؛ لتفتش عن الكتاب الذي ~~أعطتها إياه مدام لامار إلى جمال الدين باشا أحد مدراء البنك الفرنساوي في القاهرة، وكانت ~~قد أهملت هذا الكتاب؛ لأنها لم تشأ أن ترجع إلى الخدمة في البيوت وآلت على نفسها وإن كسرت ~~في باريس أن تفوز في مصر، فزارت عند وصولها الكازينو لتشاهد ما هو معروض على مسرحها فتعرف ~~محلها من الإعراب فيها، فسرها ما شاهدت وساءها معا، وقالت وهي خارجة: ها هنا رزقي، ها ~~هنا بداءة حياتي الفنية، ها هنا فوزي، ولكنها أقرت لنفسها بعد المقابلة في اليوم الثاني ~~أن لم تزل الأحلام تخدعها، وكانت تظن أن مدراء التياترات في مصر أسهل مراسا منهم في ~~باريس، ولم يخطر في بالها أنهم أكثر تعنتا وأقل أدبا ومعروفا، فقالت تخاطب نفسها وهي ~~تفتش في حقيبتها عن كتاب مدام لامار: وماذا يهم إذا المدير فحص الراقصة كما لو كانت ~~جارية معروضة في سوق النخاسة، أو جسها كما لو كانت شاة، أو أمرها أن تمثل أمامه عارية، ~~فهو لا يهينها ولا يحتقرها إذا كانت يتيمة أو بائسة مثلي، وهنا في بلادي يهينني المدير ~~ويشيعني إلى الباب، لو استطعت والله لذبحته! لذبحته! ابن ms115 ستين كلب يعيرني بأصلي - أصلي ! ~~أصلي؟ # وقفت مريم فجأة تسائل نفسها فأبكاها السؤال، ذكرت لأول مرة أبويها فحرقتها الذكرى، ~~خنقتها العبرات، وقد يستغرب القارئ قولنا: إنها لم تذكر أبويها حتى الآن، وقد نكون أخطأنا ~~التعبير، لما كانت مريم في الدير أدركت غامض أصلها ولكنها أقامت هناك وكثيرات مثلها فلم ~~تبالي ولم تذكر والديها شوقا وحنانا، وبعد أن خرجت من الدير أقامت في بيت مبارك وفي ظل ~~القس جبرائيل خلية البال، مشتتة الآمال، فلقيت من الإعزاز ما أشغل نفسها عن الإكرام، ومدام ~~لامار لكرم في أخلاقها تجاهلت ما أدركته من أصل الفتاة لكي لا تهينها ولا تذلها، وكذلك ~~نجيب مراد فلم يفه مرة بكلمة يشتم منها معرفة ما يحزن مريم ذكره، ولا سئلت مرة ~~في باريس عن أصلها ولا نظر أحد إليها شذرا وازدراء. # وأما الآن فصاحب الكازينو المعجب بفنها وبحسنها وبمواهبها يخشن لها الكلام في أول ~~مقابلة، وينظر إليها نظرة الازدراء، وقد مازجه السرور والرضا كأنه يقول: أنت في قبضتي ولا ~~بأس بك. فأدركت لأول مرة أن من الرجال من ينظرون إليها كأنها غنيمة باردة، فساحت بها ~~الأفكار إلى باريس ثانية فجمعتها هناك بنجيب مراد؛ ذاك الذي أحبها كما تحب الفراشة ~~الزهور أو الفارس الجياد، فجعلت تقابل بين الاثنين وتقول: شتان بين من يخدع فتاة ~~ويكرمها ومن يهينها ويخدعها، شتان بين أديب دقيق الحيل كريم النفس، وجلف غليظ الرقبة ~~غليظ الشفتين، كرهته لأول نظرة قبل أن يفوه بكلمة، وبعد أن تكلم وددته ميتا عند ~~قدمي، ميتا ميتا، سيعلم ابن الكلب: # إن الفتى من يقول ها أنا ذا # ليس الفتى من يقول كان أبي # أولا يحق للفتاة البائسة مثلي أن تتمثل بقول الشاعر كالفتيان؟ # لا تقل أصلي وفصلي أبدا # إنما أصل الفتى ما قد حصل # وأصل الفتاة أيضا، أصل الفتاة أيضا ما قد حصلت. # وهذا ينبغي أن يكون، ولكن الكائن اليوم غير ذلك، وإن عقيدة الناس الاجتماعية بمريم ~~وأمثالها لمثل عقائدهم الدينية قديمة العهد، كثيرة العهود والقيود، والمتمردون عليها ينفعون ~~المجتمع ms116 الإنساني وقلما يسعدون. # نورت نفس مريم في بلاد الجليل فاستمدت حياة من تربة رباها، وهواء حقولها، ومياه ~~عيونها، وسماء بحيرتها، وجمال مروجها، وأريج أحراجها، فكانت وردة برية سماوية تليق أن ~~يزين بها الناسك مذبح إلهه، ونفس مريم التي بدأت تنور في المدن في معترك الحياة ترويها ~~مياه الاجتماع الآسنة ويغذيها هواء التمدن الفاسد جعلت تنمو كزهرة الأزاليا كبيرة، ~~قوية، قانية، شديدة ساقها، متينة بتيلاتها، قليل - وا أسفاه - عبيرها، وقد أثرت فيها ~~الخيبة أكثر من سواها، فغيرت الجفوة طباعها، وضاعف الفشل نمو الأزاليا في قلبها، فقد كانت ~~مستهترة في حبها، مستهترة كوردة الحقل لا تروعها هبوب الرياح، ولا ظلمات الليالي، فأصبح ~~قلبها كالأزاهر الجوية التي نصونها تارة من نور الشمس وتارة من الظل وطورا من الهواء، ~~أدركت مريم هذه الحقيقة ولم تدرك بعد كيفية العمل بها، فتعرض أزاهر نفسها إلى الشمس وإلى ~~الظل وإلى الهواء في الأوقات اللازمة النافعة، ولا مشاحة أن العمل جهلا أسهل من العمل ~~علما، وقد يشفي هذا حينا ويسعد ذاك أحيانا، وأن تحب الفتاة وتستسلم خير لها من أن تحب ~~وتتردد، وأن عذابها وهي تحب راغبة طائشة لأقل منه وهي تحب خائفة مرتابة محتقرة كارهة، والحق ~~يقال أن قد دخلت مريم في هذا الطور المحزن من أطوار الحب، ولم ترفع فوق مدارجه السوداء غير ~~واحد في العالم هو القس جبرائيل - ربي! وهل القس جبرائيل أبي؟ وهل يحب الأب ابنته أكثر من ~~حب الراهب فتاة لقيطة؟ أيستطيع أن يزيد أبي على ما أسلفني القس جبرائيل من الصنع الجميل ~~والمعروف والإحسان؟ بل لو كان أبي عالما بي وبسقوطي تلك السقطة المهلكة أكان ينقذني يا ترى ~~من البلاء والعار؟ أيرعاني أبي ويكرمني ويحبني كما رعاني القس جبرائيل وأكرمني وخدمني ~~وأحبني؟ لا أظن ذلك، لا، لا، بل كان يطردني من بيته لو علم بذنبي الذي هو ذنب غيري، ويلاه! ~~ما أمر الحياة! الحق معك يا قس جبرائيل الحق معك. # وأخذت الذخيرة وطفقت تقبلها وتبكي. ~~- أبي، أبي، أين أنت تحميني من الذئاب ms117 البشرية؟ آه يا قس جبرائيل حبذا أنت قريبا، لا، ~~لا، مستحيل أن يكون أبي، فلو كان ما رمى بولدي في البحيرة، ولدي! وهل أنا أعلم بتصاريف ~~الزمان وأسرار التقادير من حمام البحيرة وأسماكها؟ لا تكره شيئا لعله خير، أنا الآن أسعى ~~لنفسي وأكاد أهلك جوعا، ولدي! لقد أغناه الله من شقاء الحياة، ووالدي؟ ما لي ووالدي فلا شك ~~أنه أجرم على أمي كما أجرم علي، قد تكون أمي خدعت كما خدعت، وأذلت كما أذللت، وشقيت ~~كما شقيت، أواه! أمي أين أنت الآن؟ أفي عالم الأحياء أنت أم في عالم الأموات؟ أمي ليتك ~~قربي تأخذين بيدي الآن، ترشديني، تسليني، تدفئين نفسي، تجبرين قلبي الكسير، تشفين غليلي ~~بقبلاتك وبكلماتك، تعلميني الكلمة التي فيها صيانة عرضي وصيانة اسمك. # قضت مريم تلك الليلة أسيرة الهموم والأحزان، فخلعت ثيابها وهي تحن شوقا إلى أمها، وأطفأت ~~القنديل وهي تلعن من أهانها. # وفي تلك الليلة حلمت حلما رأت فيه أمها وسمعتها تقول: اخرجي من القاهرة، عودي إلى ~~فلسطين، أقيمي في ظل القس جبرائيل. ولكنه حلم من الأحلام فلم تحفل به، ونهضت صباح اليوم ~~التالي ترتدي ثيابها لتذهب إلى البنك الفرنساوي تطلب مقابلة جمال الدين باشا، فقد وطنت ~~النفس على أن تقيم في القاهرة ولو خادمة في بادئ أمرها أو معلمة أو مربية، أقلعت مكرهة من ~~جون الأمال تسلم إلى الحاجة شراعها، وهي تعلل النفس بالعود القريب، والفوز العجيب، وأما ~~الآن وقد نفد مالها فلا بد من السعي في غير السبيل؛ سبيل المجد، وقد ينفعها الآن كتاب ~~التوصية الذي بيدها، وبين هي خارجة من منزلها تقصد البنك الإفرنسي التقت في الباب بصاحب ~~الكازينو الحاج محيي الدين فوقفت سامدة الرأس مدهوشة. ~~- أريد مقابلتك يا ست مريم. ~~- تفضل. ~~- أعلى الرصيف؟ أفي الشارع تقابلين من يحمل إليك الأخبار السارة؟ ~~- أومثلك يحمل إلى مثلي أخبارا سارة؟ ~~- لا تؤاخذيني، فقد بدر مني البارح ما أسفت له. ~~- عذرك مقبول، وماذا عندك غير الاعتذار؟ ماذا تريد؟ ~~- أريد صالحك. ~~- كثر الله خيرك، صالحي الآن بيدي، وهمت ms118 مريم بالذهاب. ~~- كلمة واحدة لأبرهن لك في الأقل على حسن نيتي ورغبتي في قضاء حاجتك، وفي خدمتك. # فوقفت إذ ذاك مريم كأن خطر لها خاطر غير لهجتها وخطتها. ~~- تفضل، تكلم. # فمال الحاج محيي الدين برأسه ينظر إليها متبرما ويشير باسطا ذراعيه إلى الباب. ~~- لا حول ولا ... تفضل! # فمشى الحاج في الزقاق وراءها فوقفت أمام الباب؛ باب غرفتها ففتحته وهي تقول: تفضل، ادخل ~~واجلس ريثما أجيئك بعلبة السكاير. ~~- لا لزوم للسيكارة يا ست مريم. # فلم تحفل مريم برجائه بل ذهبت تسر إلى البربري خادم البيت كلمة وعادت تقدم إلى ضيفها ~~سيكارة، وتقول: أرجوك أن تجلس، وظلت هي واقفة قريب الباب المفتوح. ~~- اعلمي يا ست مريم أنني معجب بك وبرقصك وبمواهبك، وأحب من صميم قلبي أن تظهري عندنا في ~~الكازينو، وقد تباحثت وشريكي في شأنك بعد رجوعك. # وسكت فجأة يحدجها بناظريه، فابتسمت مريم شاكرة. ~~- وسيكون لك ما ترغبين إذا ... # ووقف إذ ذاك الحاج محيي الدين يخطو نحو مريم خطوات أدركت سرها، فلاقته بكرسي تقدمها ~~ملاطفة وتقول: تفضل اجلس فأزاح الحاج الكرسي وتقدم نحو الباب ليرمي سيكارته خارجا، فأدهشته ~~مريم إذ أسرعت إلى الباب وهي تقول: أرجوك، لا تكلف نفسك، أنا أغلق الباب. # وغلقت مريم الباب ووقفت في وسط الغرفة تنظر إلى الزائر ولا تبدي حراكا، فدنا منها ~~معجبا بهذه الحركة وهذا اللطف وقبض على يدها بيسراه، يداعب بيمناه خدها. # فأحست مريم كأن علقات تسرح في وجهها ولكنها وقفت متجلدة كالتمثال. ~~- لا تخافي، أنا صديقك، وستكونين في «الكازينو» تحت رعايتي فلا يعتريك ريب من ذلك. # فتجلدت مريم وهي تحاول إخفاء اضطرابها وقالت ملاطفة: هذا جميل منك. # وقرع إذ ذاك الباب قارع، فتظاهرت بالرعب وبعدت عنه تتنفس سرا الصعداء، فعاد الحاج ~~محيي الدين إلى الديوان يشعل سيكارة. # فتحت مريم الباب، فدخل الخادم قائلا: رسول من البنك الفرنساوي يقول: إن المدير يقابلك ~~اليوم الساعة العاشرة إفرنجية. ~~- ويلي! قد فات الوقت، اعذرني يا سيدي محيي الدين، اعذرني اليوم، لي عند المدير حاجة تقضي ~~علي أن أقابله ms119 حالا. # ومدت إليه يدها غانجة باسمة فصافحها ثم ربتها، وخرجت وإياه يتحدثان في ما يختص بظهورها ~~على مسرح الكازينو وبراتبها، ثم ودعها عند الباب قائلا: سأراك غدا فتوقعين على ~~الوثيقة. ~~- غدا إن شاء الله أتشرف بزيارتكم في «الكازينو». ~~- لا بل أنا أتشرف بزيارتك والوثيقة في جيبي. ~~- كما تريد، أتوقع قدومك صباحا في مثل هذا الوقت. # وافترق الاثنان وكلاهما راض بما كان، ولم يكن سرور مريم بما انقلب في تيار حظها أشد ~~من سرور الحاج بما ظنه فوزا في غزوته الأولى، ولكن الفتاة جعلت تفكر في حيلة أخرى تخلصها ~~من مخلصها إلى أن يتم لها ما تريد؛ إلى أن تستلم الوثيقة منه، ولم يضطرها الأمر إلى كثير ~~تفكير؛ لأن خبرتها في باريس تلبي الآن طلبها. # ولما جاء الحاج محيي الدين صباح اليوم الثاني دهش لوجود رجل آخر عند مريم، فطمأنت باله ~~قائلة بعد أن رحبت به: حضرته مدير المقاولات. ~~- صحيح، صحيح، لقد فاتني أمره. # وجلس على الديوان يعد سبحته ويستغفر الله، ثم استخرج من جيبه الوثيقة فقدم منها نسخة ~~إلى مريم لتوقع عليها ففعلت، ثم وقع عليها مدير المقاولات وأعادها إلى محيي الدين، ~~فقدم إليها نسخة أخرى وقد وقع عليها هو وشريكه، وبعد إنجاز العمل جاء الخادم بالقهوة ~~والسكاير، وجلست مريم تحدث زائريها بما رأته من جمال مصر، ثم قال مدير المقاولات وهو ينظر ~~إلى ساعته: إذا أحببت أن أشيعك إلى البنك يا ست مريم فالوقت قد حان، تفضلي. ~~- قد فاتني ذلك، أشكرك لتذكيرك إياي، ولكني لا أكلفك ... # فقاطعها المدير قائلا: ليس في الأمر ثقلة، فإن مكتبي في تلك الناحية والعربة ~~تنتظرني. ~~- لا تؤاخذني يا سيدي محيي الدين، يظهر أن حاجة في البنك بهذه البلد لا تقضى بيوم أو ~~بيومين، وقد وعدت المدير أن أقابله اليوم أيضا. # ولبست مريم قبعتها وعمدت إلى شمسيتها تتكئ عليها وتقول:الأمر هام جدا يا سيدي، ولا ~~أعلم كيف أكفر عن سوء أدبي، يا للفضيحة ويا للعار! عذرا أرجوك، فالعذر من شيم الكرام، ~~وغدا أقابلك إن شاء ms120 الله. # فاضطرب الحاج محيي الدين ولم يفه بكلمة جوابا، ولكنه أخذ يد مريم الممدودة إليها ~~فصافحها، وأحس بنظرة من نظراتها تخرق كالشرارة فؤاده، فزادت بنار وجده اضطراما. # وفي ذاك الأسبوع كانت تذهب مريم إلى الكازينو كل يوم لتتمرن على الرقص، وكانت تلجأ إلى ~~أدق الحيل لتتخلص من أشراك الحاج محيي الدين، أما عاطف بك فأحسن معاملتها وبالغ بإكرامها، ~~وأشار عليها أن تغير اسمها؛ لأن مريم اسم عادي، بل اسم مسيحي، ولا يستوقف الأنظار، ولا ~~يليق براقصة، فاقترح عليها اسم «غصن البان» فقبلت مريم الاقتراح. # وبينا هي عائدة إلى منزلها بعد ظهورها على مسرح الكازينو الليلة الأولى، لاح لها قرب ~~بابها شخص، تحققت من عمامته الخضراء ورأسه الكبير أنه الحاج محيي الدين، وكان قد سبقها إلى ~~منزلها تلك الليلة ولبث ينتظر قدومها، فأمرت الحوذي من ساعتها أن يستمر سائقا، فمرت ~~العربة مسرعة أمام بابها وهي متوارية فيها يحجب «الكبوت» وجهها، فلم يرها الحاج المطارد، ~~وظل ينتظر في قهوة قرب ذاك المنزل حتى الساعة الأولى بعد نصف الليل، فعاد بعدئذ إلى ~~بيته يصر أسنانه غيظا ويقول: أبنت بنت الكلب تخدعني؟ أتصدني وترغب بغيري؟ أتتفلت من يدي ~~فتعلق على دبق الأوغاد؟ فلا شك أنها في إحدى الحانات الآن تشارب وتداعب أجلاف جيش ~~الاحتلال، بنت ستين كلب! ستندم والله على فعلتها! ستندم ولا ينفعها الندم. # أما مريم وإن أزعجتها مباغتة الحاج فلم ترعها، ولا اعترضت سرعة خاطرها، ولا أفسدت عليها ~~صفاء نفس ذاقت لأول مرة لذة الفوز في سعيها. ولما سألها الحوذي: إلى أين يا ست؟ بعد ~~أن اجتازت العربة الشارع المقيمة فيه أجابته على الفور: إلى الجيزة، إلى الأهرام. # ورضيت بعد الفكرة ببداهتها؛ لأن الليلة وإن لم تكن مقمرة فقد كانت ناعمة منعشة، خفيف ~~ظلها، عليل هواؤها. فراح الحوذي يحث بالسوط خيله، ومريم تقول في نفسها: نزهة ساعة ~~فيفرجها الله. # ولكن بعد أن اجتازت العربة كبري النيل ملكها وهم مخيف؛ لعلمها أنها وحدها، وفكرت بما ~~احتالت به على الحاج محيي الدين، فظنت أنه ms121 رآها لما مرت أمام بابها وأنه الآن يقتفي ~~أثرها، فسألت الحوذي خائفة: أترى عربة وراءنا؟ فقال: لا. فقالت: قف قليلا. # وأصغت ثم قالت: إن عربة وراءنا قريبة منا، أسرع، أسرع. # فامتثل الحوذي أمرها، ودخلت العربة مسرعة في طريق الأهرام الجميلة بين صفين من شجر ~~السنط والكينا تحت قناطر من أغصانها المتعانقة، ولا صوت يزعج سكينة الليل غير صوت حوافر ~~الخيل العادية. # وما هي إلا برهة حتى رفع إلى مريم خيال الهرم الأسود، كأنه قبع الخفاء على رأس الصحراء، ~~فأوقفت الحوذي ثانية وهي لم تزل أسيرة الرعب والأوهام وسألته: وهل من مبيت عند ~~الأهرام؟ ~~- هناك نزل جميل يا ستي. ~~- حسن، أسرع، أسرع! # وبعد قليل وقفت العربة قدام النزل على حدود البادية فترجلت مريم والخوف والجرأة ~~يتناوبانها، فإذا هي لأول مرة أمام الهرم الكبير الواقف كطود من الظلمة في بحر من الرمل ~~راقدة أمواجه، تحت سماء هجرتها نجومها، بل هو قلب الليل وقد جسمه الزمان، فهالها خياله، ~~وهالها ظلامه، وهالتها الوحشة المخيمة حوله وفوقه؛ وحشة البادية، ووحشة الليالي، ووحشة ~~الأجيال والأزمنة. # ومع ذلك فقد أحبت مريم أن تشاهده قريبا في تلك الساعة، فسألت الحوذي أن يرافقها، فتردد ~~خائفا. ~~- ما بالك؟ ~~- ما لنا وله يا ست، الهرم يتكلم في الليل، وربي الموتى فيه ينهضون ليلا ليتنزهوا على ~~الرمال وحق النبي! ~~- كلام صبيان، امش معي، امش قدامي. # فخجل الحوذي ومشى مترددا في الطريق التي توصل إلى الهرم الكبير وهو حائر في أمر هذه ~~السيدة معجب بشجاعتها وإقدامها، وبينا هو صاعد في الدرجات تعثر بشيء صرخ بين قدميه فهلع ~~قلبه ورجع أدراجه، فنهض الحمار الذي كان نائما هناك مذعورا ينادي رفيقه حمارا آخر ~~نائما قربه، يدعى: محيي الدين. ~~- يا محيي الدين، يا محيي الدين. # فوقفت مريم مبهوتة لاستماع هذا الاسم هناك وعادت تسارع إلى العربة، وتسائل نفسها قائلة: ~~كيف سبقنا اللعين؟ كيف سبقنا إلى الأهرام؟ ثم أمرت الحوذي أن يعود إلى البلد ~~مسرعا. ~~- قلت لك يا ست: إن الهرم يتكلم وإن الموتى فيه يخرجون ليلا ms122 للنزهة، وحق النبي إن من ~~تعثرت به منهم. # وسقط بسوطه على الخيل يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. # ومريم قد أخذتها الرعبة، وملكها مما توهمته الخوف باتت تلك الليلة وطيف مخيف، طيف الحاج ~~محيي الدين يلازمها في يقظتها ويطاردها في نومها. # | الفصل الخامس عشر # الرقص فن من الفنون الجميلة تتحرك النفس في السامي من أنواعه قبل أن يتحرك الجسد، ترفعه ~~العفة، فتحطه الخلاعة، تزينه حركة، فتشينه حركات، يعززه الذكاء إذا قرن إلى رقة وكياسة، ~~وتفسده الخفة إذا قرنت إلى فواحش الفكر وسوافل الحواس. # الرقص سراج وهاج يبهر فيسحر، وهو شعلة نار تحرق ولا تنير، هو وحشي إذا ملكته ~~الربلات وسادته الجوارح، وهو سماوي إذا استخدمت هذه فيه كما يستخدم الرسام ~~الألوان والشاعر الألفاظ والقوافي، فأية ذات نهدين يا ترى لا تستطيع أن ترجرج صدرها ~~وتذبذب أردافها فتهيج الحيوان في الإنسان؟ ولكن راقصة ترفع بك إلى ما فوق المبتذل من ~~الشهوات دون أن تلجأ إلى المتبذل من حركات الراقصات، فتشخص إليها مبهورا مسحورا خاشعا، ~~وقد نسيت ذاتك الحيوانية السافلة، لأجدر أن تعد من أرباب الفنون بل من نوابغ ~~الدنيا. # ورقص غصن البان الذي لم يشاهد مثله في القاهرة أبهر إبهارا على ما في بعض مظاهره من ~~ركاكة لا تؤاخذ بها المبتدئات، فصفق الناس لها أول ليلة بدت أمامهم واستعادوها مرارا، ~~وما لبثت أن حققت قول الحاج محيي الدين وظنه، ولم يكن الحاج ليود أن يحقق شيء من ذلك ~~بعد أن أخفق سعيا في مطاردة غصن البان، فكيف له الآن بطردها انتقاما منها على صدها ~~واستكبارها وقد صارت للكازينو مورد رزق عميم، وأصبحت في مصر أشهر من أهرامها فكثر المعجبون ~~بها، الخاطبون ودها، المتغزلون بجمالها العاشقون فنها وحسنها، غص البان حديث القهاوي ~~والحانات، بل حديث المجالس والدواوين؛ فقد كان استحسان الحاج رقصها رمية من غير رام، ~~وصار يود إذلالها بل إهلاكها، ولكنه تمالك نفسه واتخذ خطة في معاملتها جديدة، وهو يقول في ~~نفسه: لقد أصبحت ولي نعمة من كانت ولية نعمتي. # والحاج محيي ms123 الدين يدرك الحقيقة ولا يموه على نفسه فيها، فقد أدرك أن غصن البان أكسبت ~~الكازينو شهرة أدبية فصار يؤمها الطبقة الراقية من أصحاب الكياسة والذوق والأدب، والمدير ~~عاطف بك رفع أسعار تذاكر الدخول لتليق بهذه الطبقة الرفيعة من الناس فتضاعف إيراد الكازينو ~~وتضاعف مع ذلك الحضور، حتى إن النساء كن يستصحبن بناتهن - لسنا متأكدين هذا الخبر لأننا ~~ننقله عن صحف الأخبار - ليشاهدن رقص غصن البان «السامي فنا، الحلال سحرا، العاري من ~~الخلاعة، المجرد من فواحش الإشارات والحركات» ثم أثنت الجريدة التي اقتبسنا منها هذه ~~الكلمات على صاحب الكازينو الحاج محيي الدين «الذي لا يألو جهدا في البحث عما يهذب النفس ~~ويرقي الأخلاق فيعرضه للناس مهما كلفه ذلك؛ حبا بتطهير المسارح والمراقص من أسافل ~~الخلاعات، بل غيرة على ذوق الأمة من أن يعتريه الفساد.» # وقد أفاضت الجرائد في الموضوع، فتحمس الكتاب والشعراء وأغرقوا في الثناء على الكازينو ~~وربة الرقص فيها، وفي الطعن على بقية المراقص في البلدة والراقصات: «إن في رقص غصن البان ~~لسحر القريض، وشجي الأنغام، وبلاغة البلغاء، ودقة النقاشين، بل في رقصها نفحات من قداسة ~~الإيمان وأحداء جميلة من تراتيل العذارى في هياكل اليونان.» # هذا ما قاله أحد شعراء مصر الشهيرين مصباح أفندي، لما وقف في اللوج ذات ليلة يتلو قصيدة ~~من نظمه في مديح غصن البان وفنها الجميل العجيب. # ولما قابلها تلك الليلة قبل يدها قائلا: «بل ينبغي أن أقبل رجليك فإنك لتنظمين بهما ~~شعرا وأنغاما وصورا يعجز دونها قريحة الشاعر وبنان الموسيقي وريشة الرسام.» # فقالت غصن البان ودموع الفرح تغشي عينيها: لا أكلفك إلى ذلك، بل أرضى منك بقصيدة تقص ~~فيها قصة محزنة؛ قصة فتاة وحيدة مثلا تحب الحياة حبا جميلا، وتسترسل في تيارها ~~مستهترة، فتذوق شيئا من حلوها وأشياء من مرها كثيرة، فأتلوها على الناس، بل أمثلها ~~راقصة. # فلبى الشاعر طلبها وأعلنت الكازينو أن غصن البان ستتلو على الحضور قصيدة غراء من نظم ~~الشاعر الشهير مصباح أفندي، وطبعت إدارة الكازينو مئات من تلك القصيدة لتوزع على ms124 الحضور، ~~فظن الناس أن غصن البان ستتلو القصيدة كما يتبادر إلى الذهن، وقالوا: ولا غرو إذا أبدعت في ~~الإلقاء والتمثيل كما تبدع في الرقص. # ومن عجائب نبوغ غصن البان أنها تولت بنفسها إدارة الموسيقى لرقصتها الجديدة، فكانت في ~~أوقات التمرين تعلم الجوق معاني حركاتها وأسرار وقفاتها ونبراتها ونقلاتها، فيصحبها العود ~~والكمنجة بما يلائم من الأنغام، وكانت إذا شاءت أن تعبر عن الفرح برقصها تسكت الكمنجة وتدير ~~بقية الآلات ناصحة معلمة قائلة: «هذا بطيء، هذا بليد، أسرع يا عواد ولا تتبالد، اضرب ~~الأوتار ولا تخش أن تكسر الريشة.» # ثم إذا مثلت دور الحزن تسكت العود وترقص على أنغام الكمنجة الرخيمة، حتى إذا وصلت إلى ~~سكرة الحب توعز إلى صاحبي الدف والقانون أن يشاركا بقية الجوقة. # غصن البان مخترعة الأنغام! هذه من مظاهر ذكائها التي لم يكن أحد ليتوقعها، فأدهشت مدير ~~الكازينو وصاحبها، وأدهشت كذلك الموسيقيين. # وفي تلك الليلة وقف الشاعر على المسرح فتلا قصيدته ثم بدت غصن البان حافية في قميص ~~متسع شفاف مهلهل، إذا مسكت طرفيه بيديها المنبسطتين تبدو فيه كالفراشة المجسمة أو كطير ~~من أطيار الجنة، فجعلت تنقل نقلات خفيفة، بطيئة، وهي غاضة الطرف، واجلة القلب، كأنها ~~تجس الأرض جسا، أو كأنها تكتب برجليها كلمات الحياء والخوف والتردد، فمثلت الابنة ~~الوحيدة الغريبة وهي تدنو من حياة الاجتماع! من معترك الحياة، فتدخل واجفة واجلة، فتخف ~~طربا لأول مشهد تشاهده من مشاهد الأنس والسرور، فتصل تدريجيا وقد رفعت يديها أمامها ترقص ~~أناملها النحيفة اللدنة إلى جنة الحب وبهجة اللذات، والعود والقانون والدف ترافقها ~~بالأنغام، ثم تقف فجأة كمن تحلم حلما مرعبا فتستفيق مذعورة، فتسكت آلات الطرب وتسكن ~~جوارح الراقصة، فتقف إذ ذاك وقفة معناها الأسى، ويسمع صوت مغنية وراء الستار تغني بصوت ~~رخيم شجي: «يا غزالي كيف عني أبعدوك؟» وغصن البان تحرك قميصها أمام وجهها وحول رأسها كمن ~~تندب حظها، ثم تدخل طورا آخر على رنات العود والقانون وهي تتمايل كشجر الحور في فصل ~~الخريف وذراعاها كزنبقتين هزهما النسيم تنقل نقلات ms125 كأنها أبيات من ديوان الحماسة، فترفع ~~ركبة تلو الأخرى حتى قبالة صدرها وهي تهز رأسها وكتفيها مسرعة مقبلة مدبرة، فتحجب وجهها ~~بطرف قميصها تارة وتارة تبديه، كأنها تداعب الأقدار، وما هي إلا فترة حتى تظهر فيها ~~راقصة الهيكل غانجة راغبة هائجة، فيحل شعرها الأسود فيتماوج على منكبيها وجوانبها، ~~وتحتدم النار في عينيها فتبدو كأميرة الجان متمردة على القضاء، فتشرب كأس الغرام ثانية ~~حتى الثمالة. # وتتوارى أنغام الكمنجة في نقرات الدف ورنات العود والقانون، وتمسي حركات غصن البان ~~ارتجاجا متواصلا كارتجاج النور أو الأثير، لا يفصل بين الواحدة والأخرى فاصل ما، كأن ~~نفسها ترقص في الفضاء أمامها وجوارحها كلها تتسابق إليها في سكرة الحياة بل في رقصة الموت، ~~وتتوارى قليلا قليلا وهي شاردة مفترة، جامحة، سافنة. # فضجت التياترو بالتصفيق وهتاف الإعجاب. ~~- أحسنت أحسنت! يعاد! يعاد! برافو، برافو، كمان كمان. # واستعيدت غصن البان مرات عديدة تلك الليلة. # وبعد انتهاء دورها ارتدت ثيابها وقلبها يخفق طربا وغما، فبعثت تستدعي مصباح أفندي فجاء ~~يهنئها ويقبل يدها، فقالت تخاطبه: بل أنت أجدر بالتهنئة. ~~- هذا من لطفك، ولكنك ربة الفن، وما أنا إلا واحد من عبادك، سحرت الناس، فتنت الناس، ~~تيمت الناس. ~~- ولكني يا مصباح منقبضة النفس، الكآبة تملأ قلبي، أفرغت نفسي للناس فلم يبق فيها شيء لي، ~~آه، أواه. # فنظر إليها مصباح أفندي عاطفا واجدا. # فأخذت غصن البان يده تضغط عليها، ثم قالت: تعال معي. # وركبت وإياه عربة أوصلتهما إلى بيتها، وبينا غصن البان تترجل حانت منها التفاتة فأبصرت ~~الحاج محيي الدين واقفا قريبا يراقبها ومن معها، فهتفت قائلة: ربي! ربي! أيتبعني كظلي؟ ~~هذا جزائي؟ # والحاج محيي الدين، وقد أدرك أنها رأته يراقبها، انثنى راجعا راضيا. ~~- أينغص هذا اللئيم عيشي؟ أينكد حياتي إلى الأبد؟ ~~- من هو يا غصن البان، من هو؟ ~~- ادخل ولا تسل، اجلس، اجلس أيها الشاعر، ما هو إلا خيال، بل وهم من أوهامي. # وجلست إلى جانبه تشخص إليه، ثم قالت: اسمع، لقد أسكرت الناس وأنا صاحية، مثلت في رقصة ~~الليلة حياتي؛ حياة ms126 هذه الفتاة الجالسة الآن إلى جانبك ولم يدرك أحد ذلك، وماذا يهم الناس ~~ما أقاسي؟ أسقيهم وأنا ظمآنة فيشربون، أطعمهم وأنا جائعة فيأكلون، أرقص لهم وأنا حزينة ~~فيطربون، وجزائي ما هو جزائي؟ صياد يخيم على قلبي، يتبعني كظلي، ينكد عيشي، يتعقبني ~~كأني مجرمة أثيمة، هذا الشيطان الذي يملأ جيبه من مالي ويملأ نفسي غما، صرت أخشى يا مصباح ~~أن أختلي بنفسي، أغمض طرفي فأراه أمامي، أفتح عيني فأراه يطاردني، ويلاه، ويلاه! ~~- ومن هو يا غصن البان؟ قولي من هو فأريحك منه إن شاء الله. ~~- لا، لا، ما لنا وله! أشعل السيكارة. # وضربت كفا على كف فحضرت الخادمة. ~~- أتشاركني في زجاجة من الخمر أو تفضل مشروبك الوسكي والسودا؟ ~~- لا أطلق الوسكي والسودا. ~~- ليكن ما تشاء. وبعد قليل جاءت الخادمة تدعو سيدتها إلى غرفة المائدة، فدخلت ومصباح ~~أفندي فأكلا مما أعدته لتلك الساعة من الأطعمة الباردة، وشربا بضع كئوس ثم تناولا القهوة، ~~وعادا إلى الردهة وغصن البان تقول: ألا يحق لمن تطرب الناس أن تذوق من الطرب شيئا يسيرا؟ ~~ألا يحق للساقي أن يرشف ولو ثمالة الكأس؟ # فهتف مصباح أفندي قائلا: ووالله لأفرغن نفسي في كأسك أيها الساقي. ~~- أيها الشاعر الحبيب، أنت عزيز، أنت جميل، أنت لذيذ، أنت وإن سكت مطرب، نفسك أعانقها، ~~نفسك أعبدها، نفسك ترقص الآن أمامي كما رقصت منذ ساعة أمام الناس، في عينيك وفي شعرك أنغام ~~شجية، أسمعها إذا لمست شعرك، في أناملك، في فمك، في ساعدك ما يبهج قلبي الآن ويطرب نفسي ~~ويسكر كل جوارحي، لا تقبل عيني، لا تقبل خدي، لا تقبل عنقي آه! أنت جميل أيها الشاعر، أنت ~~جميل. ~~- وأنت في حديثك كما أنت في رقصتك فتانة ساحرة، أنا أعبدك، أنا من عبادك، أنا أسير ~~حبك، ثغرك، آه ما ألذ ثغرك! ~~- وغدا تكرهني، غد تنقلب علي، لا يهمني، لا يهمني، أنت الليلة لي وحدي، كلك، كلك لي، ~~وهذا حقي أيها الشاعر، هذا حقي، وإلا فكيف يمكنني أن أطرب الناس وهم يسألونني حقهم كل ليلة؟ ~~فإن ms127 لم أملأ النفس التي أفرغتها، إن لم أغذ القلب الذي بذلته فكيف يمكنني أن أؤدي إلى ~~الناس حقهم غدا؟ لا أعرف ما تفعل غيري من النساء، إذا وجدن في حالتي، ولكن ما تفعله غيري ~~لا يهمني، أظنني أعرف ما أريد، ما أحب وما أكره، وإلى أن ينقضي أجلي سأعيش لما أحب ولمن ~~أحب، وأفر هاربة مما لا أحب وممن يكرهه قلبي. # وجثت إذ ذاك أمام مصباح تقبل يده وفمه وعينيه، وتقول: أنت الليلة حبيبي، بل أنت سيدي، ~~وأنا عبدتك أيها الشاعر، نفسك الليلة ترقص لغصن البان، عيناك تبهجان قلبي، شعرك يطرب نفسي، ~~سيدي حبيبي! غصن البان تجثو أمامك وترمي نفسها بين يديك، صه! لا تفه بكلمة واحدة، لا يعجبني ~~في ذا الوقت حديث الشعراء، انظم غدا ما تريد أن تقوله الليلة وابعث به إلي، ابعث القصيدة ~~يا جميل إلى من أحبتك الليلة وعشقتك ... # وفي صباح اليوم الثاني قدمت غصن البان إلى مصباح أفندي دبوسا لربطة الرقبة؛ ذكرى منها ~~وودعته قائلة: إياك أن تخدع أو تطمع بي، وخير لك أن تظل بعيدا عني، الوداع أيها الشاعر، ~~الوداع! انسني، اجفني، عقني، وإن لم تستطع ذلك فانظم لذكراي قصائد تطرب الناس. ~~- جميل والله أن أودعك ضاحكا، فإن كلامك يضحك، سأراك قريبا. ~~- لا لا لا. ~~- سأراك في الكازينو مساء اليوم، سأراك كل ليلة هناك! ~~- كما يراني الناس، وما المانع؟ الوداع، الوداع. # | الفصل السادس عشر # عند انقضاء فصل الشتاء حسب عاطف بك حسابه فأدهشته الأرباح، ولكنه أدرك أن إيراد الكازينو ~~في الأسابيع الأخيرة لم يكن كذي قبل، بل بدأ ينقص قليلا. ~~- ما قولك يا محيي الدين؟ لا أظن الناس يقبلون على غصن البان في الموسم القادم كما أقبلوا ~~عليها هذه السنة. ~~- هذا من باب الحدس والظن، غصن البان متفننة جدا، وقد تجيئنا السنة القادمة برقص ~~جديد، ليس من رأيي أن نتنازل عنها. # فقال عاطف بك وهو يفتل شاربه مبتسما: لا أسألك أن تتنازل عنها ولكن الكازينو ... ~~- دعنا من المزح، سأسافر هذا الصيف إلى سوريا ولبنان. ms128 ~~- وتستصحبها؟ لله درك! ~~- بل أتركها لك في مصر وكي لا تتفلت من يدنا ينبغي أن تجدد الوثيقة معها، وأسألك إكراما ~~لي أن تكرمها وتقضي لها ما تسألك قضاءه من الحاجات. ~~- هي الآن بغنى عني وعنك. ~~- وهذا السبب في وجوب إكرامنا. ~~- إذا كان المرء بغنى عنك فإكرامك له تزلف إليه. ~~- ليكن ذلك، المصلحة يا عاطف بك المصلحة. ~~- صل عليها وعلى النبي. ليكن ما تريد. # وكذلك كان. جددت الوثيقة، وقضت غصن البان بعض أشهر الصيف في الرمل بالإسكندرية وبعضها في ~~حلوان، وسافر الحاج محيي الدين إلى سوريا ولبنان وعرج في عودته على حيفا فزار الناصرة ~~وتوصل بعد البحث إلى مقابلة الست هند قرينة صاحب الفضيلة يوسف أفندي مبارك، وعاد إلى مصر ~~مسرورا بما علم من سيرة مريم الخادمة سابقا، الراقصة الشهيرة الآن. # وفي ذات يوم بعد أن فتحت الكازينو أبوابها لتستأنف غصن البان العمل فيها، جاء الحاج محيي ~~الدين يخاطبها فقال: قد نوه بك في حضرة أفندينا، وقد علمت من صديق لي في المعية أن ~~سموه يرغب بإكرامك، وسنسعى جهدنا في ذا السبيل؛ لأنك يا غصن البان أهل لكل ~~إكرام. ~~- أشكرك يا سيدي محيي الدين، وأرجوك أن تعذرني، أن ترحمني، أن ... ~~- وما معناك؟ # فشرقت غصن البان بريقها، وقالت: أيحتاج مثلك إلى الشرح والإيضاح؟ ثم وقفت كأنها تطارد ~~أفكارها المتشردة، ثم قالت: اعذرني، اعذرني، لا تبال بما قلت، لا تؤاخذني. ~~- ليس ما يستوجب الاعتذار والمؤاخذة، أنت حرة، وأنا من أبناء العصر القائلين بحرية ~~النساء، وليطمئن بالك. # وبعد أسبوع جاءها يقول: البشرى! لقد أمر أفندينا أن تمثلي أمامه في قصر القبة، وهذا شرف ~~لم تنله راقصة قبلك، لا تشكريني، فلست الساعي بذلك، ولا الفضل لي، إنما نحن نسر لسرورك، ~~ونشاركك أيضا في ذا الشرف وذا الإكرام. # رقصت غصن البان في قصر القبة أمام سمو الخديوي فأعجبه جدا رقصها وأثنى عليها، وجعل ~~أعضاء الأسرة الخديوية وأعيان القاهرة يعزمونها بعد ذلك لترقص في بيوتهم، فغرها الفوز ~~وطمحت نفسها إلى المزيد فيه، ومع أنها أدركت أن هؤلاء ms129 الأعيان يعزمونها كراقصة لا كسيدة من ~~أتراب نسائهم، فظلت طامحة شافنة ثابتة في ظنها؛ بل في وهمها أنها لا بد أن تنال منزلة ~~سامية في الهيئة الاجتماعية، وكانت غصن البان تسر لنفسها أن رغبتها الشريفة إنما هي ~~شريعة ينبغي أن يحترمها الناس. # ولما جاءها ذات يوم دعوة إلى البالو الخديوية من السر تشريفات، لم يخطر في بالها أن هذه ~~أيضا من مكارم الحاج محيي الدين؛ بل من دسائسه، بل ظنت أن آمالها بدأت تحقق وأن ذلك من ~~طلائع ما تستوجبه منزلتها. # حضرت غصن البان البالو تستصحب صديقها الشاعر مصباح أفندي، فالتقت هناك بصاحب الكازينو، ~~فجاء يسلم عليها ويهنئها ويلاطفها. ~~- نورت القصر يا غصن البان، يا محجة أنظار الناس يا ... ~~- حسبك من هذا يا سيدي محيي الدين. ~~- كلمة أقولها لك! فمشت وإياه إلى ردهة النخيل وجلسا على ديوان محفوف بأنواع الأزاهر ~~والنباتات، ونجوم السماء تبدو من سقف الزجاج كالعصفر والأقحوان في سهول لبنان. ~~- فضلك يا غصن البان على الكازينو عميم، وقد أصبحت ذات منزلة عالية - لا تقاطعيني ولا ~~تعتذري وتتعللي حسب عادتك - البيت الذي أنت فيه لا يليق بك، فالإدارة تعد لك بيتا ~~مفروشا في شارع قصر النيل، ونرجوك أن تقبلي هديتها فتقيمين فيه ما زلت في القاهرة. # فدهشت غصن البان واغتمت جدا ولم تفه بكلمة جوابا. ~~- ما بالك؟ أترفضين هدية الكازينو؟ # فرفعت يدها إلى جبينها كأن صداعا أصابها، وقالت: أدركت يا سيدي محيي الدين دقائق صنعك، ~~قتلي والله تروم بفضلك، إنك لأظلم الناس، لأظلم الناس، تكرمني وأنت تذلني، تكرهني وتحسن ~~إلي، وأنت تعلم أنني لا أحبك، لا أحبك. ارحمني ورق لحالي! ووالله إن ملكتني فلا تملكني ~~حية، اعذر مني حرية قولي وحرية فعلي، هذه شيمتي. ~~- أكرمك فتشتميني، ولا بأس، ولكنك مخطئة في ظنك، لقد أدركت من زمان ما جهرت به الآن ~~فمنعت قلبي عنك، وإن ما نلته من الإكرام في هذه الأيام هو بعض حقك ولا فضل لي في شيء منه، ~~تأكدي ذلك، وليس البيت هدية مني، قلت لك. ~~- حسن ms130 حسن، أقبله على شرط أن أحاسب الإدارة به، أدفع الأجرة من كيسي. ~~- لا فرق، لا فرق. # نقلت غصن البان إلى بيتها الجديد فأقامت فيه محفوفة بالخدم ممتعة بنعيم الدنيا؛ نعيم ~~الاجتماع، وبذلت في فرشه وزينته فوق ما كانت تحصله من المال، وأمسى بهوها مجتمع الشعراء ~~والكتاب والباكوات من الطبقة التي قلما تراعي اصطلاحات الاجتماع، ولا يهمهم أن يقال فيهم: ~~إنهم من أتباع راقصة أو مغنية، وكانت تعد لهم المآدب الفاخرة وتدهشهم كل مرة بتحفة ~~جديدة ابتاعتها أو بأثر نادر عجيب، وبكلمة أصبحت غصن البان ربة بيت وصاحبة منزلة، ~~لا تعترض كلمتها في المجالس ولا يرد في مخازن البلد طلبها. # ولكنها مع ذلك ظلت راقصة في اعتبار الناس، وكثيرا ما كانت تتألم حتى من الأقربين إذا ~~تجاوزت حدها، ولا غرو، فالراقصة في الشرق مهما أتقنت فنها وأبدعت لا تستطيع أن تكتسب ~~إكرام الناس الحقيقي المجرد من مشوهات الغرور والادعاء والتعطف، رقصت أمام الخديوي ~~فانتقد بعض الصحافيين سموه وطعن بها طعنا ذميما، حضرت البالو فقيل به: هذه بدعة لا ~~تغتفر! فتحت بيتا في شارع قصر النيل فصاح نساء الأعيان: وغدا تدعونا من أترابها، إلى متى ~~هذا الغرور؟ # حاولت غصن البان أن ترفع نفسها اجتماعيا إلى منزلة فنها فلم تفلح، فعادت إلى نفسها ~~تعيش حرة مستقلة كما يطيب لها، وقنعت بشهرتها التي لا تلبث أن تزول، ونعيمها المادي ~~الملازم مثل ذي الشهرات وبمن حام حولها من المتحذلقين والكيسين عشاق جمالها. # ولا يجوز أن نغفل حقيقة هامة في حياتها؛ وهي أنها لم تستسلم إلى الأقدار تمام الاستسلام، ~~فكانت تسعى دائما لنيل ما تتوق إليه نفسها وما يتطلبه عقلها وقلبها، فثبتت في الجهاد حتى ~~الفوز أو الفشل، وهي وإن عاشت لأميالها وأهوائها فلم تكن كسائر الراقصات والغواني، ولكنها ~~فيما شاع عنها من أمر غرامها وحرية اختيارها أثارت عليها خواطر زميلاتها ومن حرم مجلسها ~~وهبات قلبها من الطالبين، وقلما همها ذلك، قالت الراقصات: تعيش مثلنا وتترفع علينا، ما ~~شاء الله! وقال بعض الشبان: إن هي إلا ms131 مومسة. وكان الحاج محيي الدين يسمع مثل هذه التهم ~~والفريات فيغضي عليها ويستمر في إكرام غصن البان. # | الفصل السابع عشر # جاء ذات ليلة خادم الكازينو يقدم إلى غصن البان بعد أن أتمت رقصها باقة من الورد، فلما ~~وقع نظرها على البطاقة فيها اعتراها هزة مبهجة مزعجة معا، فارتدت ثيابها وهي تفكر بمن ~~خدعها في باريس وجفاها وجاء اليوم يجدد عهد الحب، ولكنها مع ذلك لم تكره نجيب مراد وقد ~~أعجبت الآن بجرأته وإقدامه، ولما قابلته مرحبة باسمة بادرها قائلا: «لا شك أنك ناقمة ~~علي.» ~~- لا لا، وحياتك. ~~- وحياتك إن أمرا هاما استدعاني ذاك اليوم من باريس ولم أتمكن من ... # فقاطعته غصن البان قائلة: لا ذنب مع استغفار، فقد عذرت وصفحت، قل لي: كيف حالك؟ ومتى جئت ~~القاهرة؟ وكيف علمت بوجودي هنا؟ ~~- جئت القاهرة منذ أسبوع ولما قرأت في الجرائد عن الراقصة الشهيرة في الكازينو قلت: هي ~~مريم لا شك. ~~- اسمي الآن غصن البان. ~~- نعم يا ست غصن البان، تفضلي. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى نزل كنتيننتال نتناول شيئا من الطعام. # وبينا هما جالسان إلى المائدة عاد نجيب مراد إلى موضوع سفره من باريس، فقاطعته ثانية ~~تقول: غير هذا الموضوع، لا حاجة يا صديقي لاعتذار، أما قصتي بعد أن سافرت فطويلة أقصها ~~عليك في غير ذا الوقت والمكان. # ودخل إذ ذاك مصباح أفندي فأبصر غصن البان، فجاء توا يسلم عليها. ~~- أهلا بشاعري العزيز، تفضل، سأدهشك بعلمي، البارح زارني أحد المشائخ فعلمني آية أتلوها ~~الآن عليك، اجلس حيث يؤخذ بيدك وتبر، لا حيث يؤخذ برجلك وتجر. ~~- ألحنت، واللحن جريمة، تبر وتجر لا تبر وتجر، اذكري ذلك، فلو سمعك الشيخ لنفض منك ~~يديه. ~~- النحو والمشائخ سيان عندي، بل النحو مثل المشائخ شعره أبيض، بارك الله لك فيه، أقدم ~~إليك صديقي نجيب أفندي مراد من أعيان بيروت. ~~- أنعم وأكرم! شرفت بلدنا. ~~- وحضرته ... # فقاطعها نجيب قائلا: حضرته بغنى عن التعريف، مصباح أفندي شرفت فآنست. ~~- جئتك يا غصن البان بخبر مدهش. ~~- وما هو؟ ~~- في القاهرة شخص واحد لا ms132 يعجبه رقصك. ~~- من هو ؟ قل لي من هو؟ فقد سئمت من يعجبهم رقصي، فلا شك أن الرجل ممتاز بعقله. ~~- هو واعظ شهير ندد بك على منبره. ~~- أفسدت الطبخة، هو شيخ من مشائخ الأزهر، ولا عجب. ~~- بل هو قسيس من قسس النصارى يعلم في إحدى مدارس الإفرنج هنا. ~~- أنعم وأكرم بشيخك وبقسيسي، ليتك تركتني في وهمي، فقد مثلت لنفسي رجلا مثلك أو مثل نجيب ~~أفندي ووددت التعرف به. # فقال نجيب: لو زرت سوريا ورقصت هناك لشاهدت من مثل هذا الرجل المئات والألوف، كلنا في ~~سوريا هذا الرجل، لا نرى في مثل رقصك ما يراه إخواننا المصريون. ~~- أي إنكم لا تخدعون مثلنا، لتهنأ سوريا بحصافة رجالها! ~~- بل لا نتأثر مثلكم، أرجوك المؤاخذة، فقد أسأت فهمي، أردت والله ثناء. ~~- وأنا كذلك. # فقالت غصن البان ضاحكة: والحمد لله على سلامتي، خطر في بالي المثل السائر، ولكنه لا يليق ~~بذا المقام، فلا بأس إن تقارضتم الثناء باسمي على شرط ألا تشاركوني به، لنشرب سر مصر ~~وسوريا. # فقالت نجيب مراد: وفلسطين أيضا. # فتجهمته غصن البان وقالت على الفور: لا أشرك مع البلاد المقدسة بلادا. ~~- الحق معك، ولكن الفن يا غصن البان يتعدى مثل الدين البلاد، ومصر بلاد الفن قديما ~~وحديثا، سر سوريا ومصر. # ثم قال نجيب مراد ليظهر للشاعر أنه أسبق إلى قلب الراقصة الشهيرة منه: أتذكرين يوم شربنا ~~هذا السر في باريس؟ # فاغتاظت غصن البان ولم تكترث بما قال، وفي تلك الآونة قرب من المائدة رجل نحيل الجسم عدل ~~القامة يناهز الأربعين من العمر، حنطي اللون غائر العينين في وجهه أثر الجدري وأثار القصف ~~والتهتك، وهو يلبس عوينة كأكابر الإنجليز ويميل بطربوشه حتى حاجبه الأيمن فيكاد والزجاجة ~~يتماسان، فأبصرته غصن البان قادما إليها فبادرته وهي جالسة بالسلام، ومدت إليه يدها ~~فقبلها. ~~- أهلا بسعادة الباشا، جئت بوقتك لتخلصني من حجر الرحى، أكاد أسحق بين حب سوريا وحب مصر، ~~بل بين التجمل والمسايرة، وأنت لا تجامل حتى غصن البان، ولا عجب فأنا لا أحبك ولكني أحب ~~حديثك، ms133 تفضل، اجلس بيني وبين الشاعر، وأجرني منه. # ثم قدمت إليه جليسيها وقالت تعرفهما به: صاحب السعادتين الحائز على الرتبتين المصرية ~~والإنكليزية، بل ولي النعمتين - نعمة الملك ونعمة الأمير - سر همت باشا. # فأحنى سر همت رأسه باسما ابتسامة الازدراء ولسان حاله يقول متهكما: علمت شيئا وفاتت ~~عنك أشياء، ثم أمر الخادم أن يحضر زجاجة من الشمبانيا. وقال يخاطب غصن البان: هل سررت في ~~الإقامة بحلوان؟ ~~- كيف لا وجئت بهذا السعال المكرب؟ أرجوك ألا تذكرني بها، سر همت باشا يا نجيب أفندي عالم ~~أسر ... ما هي الكلمة؟ ~~- أثري. ~~- أثري، أثري، أي إنه لا يهتم لغير الماضي؛ الماضي القديم البعيد، يحفر القبور، ويغازل ~~الموميات. ~~- أخطأت، ننقل القبور إلى القصور، فإنها أجدر بميت كريم من حي لئيم، ونغازل الخالدات ~~الذكر لا الموميات؛ الخالدات الذكر عرائس الحب، لا يهمني من الحاضر غيرهن، والبخور نحرقه ~~في هياكلهن، والخمر نشرب على ذكرهن، وما سوى الحب والخمر هلس كله بهلس، الاحتلال ~~الإنكليزي، والحزب الوطني، ومشائخ الأزهر، ومفتي الديار المصرية، وتحرير المرأة، والبالو ~~الخديوية، ورقص غص البان هذه كلها تدل على أمر واحد هام، وهو أن الناس هربا من فراغ في ~~قلوبهم وظلام في عقولهم وعقم في نفوسهم؛ يتلهون بالخزعبلات السياسية والاجتماعية وبالتخرفات ~~الدينية والفنية، ترقص غصن البان فتعبث بالعقول والقلوب، يخطب مصطفى كامل فيطرب الناس، ~~يتفلسف الشيخ محمد عبده فيسلينا، يعظ شيخ الأزهر فيضحكنا، تصدر أوامر النظارة الخارجية من ~~«دون ستريت» إلى المعتمد الإنجليزي فتبعث بنا إلى الحمام، يصدر قاسم أمين كتابا فترتفع ~~أسعار «النسخات» في البلد، صل على النبي! اكتشفت أمس اكتشافا يزعزع اعتقاد هؤلاء ~~النوابغ كلهم لو أنهم يعلمون، مددت يدي أمس إلى صدر ملكة من ملكات الفراعنة ... # فقاطعته غصن البان هاتفة: يا للفضيحة ويا للعار! ~~- أي والله، جسارة هي بل سوء أدب مني، ولكن العلم في بعض الأحايين فضولي، مددت يدي إلى ~~صدر الملكة فلقيت فيه صفيحة من البردي كتبت فيها هذه الكلمات: «سأوافيك غدا نصف الليل إلى ~~البستان تحت شباك البهو الكبير.» ~~- الله الله! ms134 يا دائم يا كريم ! ~~- نعم، كل ما سوى الحب يا ست غصن البان هلس بهلس، كله يزول «سأوافيك نصف الليل إلى ~~البستان تحت شباك البهو الكبير.» لعمري إن في ذي الرسالة سر الحياة كلها، ولكن فيها ما هو ~~أغرب من «سأوافيك» فيها اسم علمت بعد البحث والتنقيب أنه اسم الكاهن الأكبر؛ كاهن الهيكل ~~الملوكي. # ورفع النظارة إلى عينه يثبتها تحت حاجبه وهو ينظر إلى غصن البان كأنه يسائلها رأيها، ~~فقالت: وهل وافته الملكة؟ ~~- وافته إلى البستان ورافقته إلى قدس الأقداس في الهيكل، وماتت في سريره وأوصت أن تدفن ~~الرسالة معها وفي صدرها، إنما هذه الخالدات الذكر، تزول الأديان والأمم ولا يزول الحب، ~~تتغلب العادات والسياسات وتتغير الأزياء والأسماء والحب هو هو - خالد أزلي أبدي، والعاقل لا ~~يهتم في الحاضر لسواه. ~~- وهل عثرت يا سر همت على مومية راقصة من راقصات الزمان القديم، أو على أثر من آثار الرقص ~~في الصور والتماثيل؟ ~~- عندنا كثير منها. ~~- بالله حدثنا بها. ~~- غدا أرافقك إذا شئت إلى المتحف المصري وأطلعك على آثار الرقص وصور الراقصات والراقصين؛ ~~لأن الكهان في قديم الزمان كانوا يرقصون والعذارى في الهياكل ... # فقاطعه مصباح أفندي قائلا: ويدعونهن بعدئذ إلى قدس الأقداس؟! لله من الكهان! ~~- ولكن رقصهم جميل يشابه في بعض حركاته رقص غصن البان. # فقال نجيب مراد: واللبنانيون حتى اليوم يجتمعون في الكروم في عيد مار باخوس؛ أي إله الخمر ~~عند الرومان، فيرقصون رجالا ونساء كما كان الرومانيون قديما يرقصون ما يدعى «باكانال» ~~فيهرجون ويمرجون ويسكرون أيضا رجالا ونساء. ~~- يظهر أن كل جميل مبهج في الحياة أصله الدين، كالرقص مثلا والشعر والتصوير والنحت، كل ~~الفنون الجميلة عند اليونان والرومان قديما وعند الأوروبيين حديثا إنما الدين أوحاها إلى ~~نوابغ البشر، ولكن الأديان اليوم قد أفلست فلا توحي إلى الناس غير الجهل والتعصب ~~والرياء. ~~- ما أسرعكم إلى تجريم الأديان! الجهل يا مصباح أفندي، والتعصب والرياء من حقائق الوجود ~~الملازمة يمازج الخير شرها، الجهل مفيد، لولاه مثلا ما احتل الإنكليز مصر، وغدا يخيم على ms135 ~~جيش الاحتلال ويتسلل إلى «دون ستريت» فتنتصر على الإنكليز قوة سياسية جديدة، لولا الجهل ~~مثلا ما ظهر مصطفى كامل وأمثاله في أوروبا من زعماء الشعب الممخرقين، ولا غنى للشعب عن ~~البهلوان يسليهم في ساعات اليأس ويضحكهم أوقات الضجر، البهلوان في السياسة أو في الدين أو ~~في الملاهي ألزم منك يا ست غصن البان، أما التعصب فهو لازم لحفظ التوازن بين الشعوب، وبين ~~عقائدهم السياسية والدينية، التعصب أساس كل اعتقاد، والاعتقاد أساس الإيمان، والإيمان أساس ~~العمل، والعمل! لولا العمل لكانت الأرض قفرا بلقعا، أما الرياء فإن هو إلا درع نتدرع بها ~~على لؤم اللؤماء وجور الأمراء، بل الرياء حجاب تسدله على نفس حساسة تأبى السفور في ~~الاجتماعات، حيث يختلط الحابل بالنابل ويحتك منكب الصعلوك بمنكب الأمير، وها صديقي الحاج ~~محيي الدين أخبث الناس وأشدهم تعصبا قادم إلينا، يا حاج محيي الدين. # فسارع الحاج إلى سر همت يسلم عليه معتذرا مستغفرا. ~~- أثنيت عليك في حديثي، قلت: إنك أخبث الناس وأشدهم تعصبا، فينبغي أن تشاربنا، هذه الكأس ~~فقط. ~~- لا أقبلها إلا من يد غصن البان. ~~- تعطفي إذن يا غصن البان! ~~- فاتك يا سيدي محيي الدين استماع حديث سر همت باشا، فقد حبب إلينا الموت والحب. # فقال الحاج متهكما: بل الحب والموت! رحم الله الفارض: # وإن شئت أن تحيا سعيدا فمت به # شهيدا وإلا فالغرام له أهل ~~- ونعم، وصرت أود أن أكون مومية من الموميات. ~~- لأفتش في صدرك عن رسائل الغرام؟ ها ها! ~~- دعنا من المزح، فإن حديثكم يا سادتي لذيذ مفيد جدا وبالأخص لفتاة جاهلة مثلي، مدحت ~~الجهل يا سر همت إكراما لي فأهنتني، أودعك ناقمة عليك. # ونهضت إذ ذاك غصن البان فنهض جلساؤها كل يريد تشييعها إلى منزلها، فقال سر همت: نلقي ~~القرعة. ~~- لا لا، قد تقع عليك، نجيب أفندي يشيعني الليلة. # وركبت وصديقها القديم عربة أوصلتهما إلى منزلها، فدخلا الجنينة والحارس نائم في صندوقه ~~عند الباب، فوقفت غصن البان تودع نجيبا، فقال مدهوشا: أتغيرين عادتك معي؟ ~~- لا بل هذه العادة، أنسيت ms136 باريس يوم كنت تشيعني إلى منزلي عند مدام لامار. ~~- ولكني لم أنس ... # فقاطعته قائلة: لا لم تنس فوزك بل نسيت مقدماته، نسيت المكارم التي تكلفتها لتنال إربك، ~~وأنا لم أنسها، فقد اتخذتها شرعة حياتي، دقائق الحيل يا نجيب تغتفر إذا علمتنا وهذبتنا، وقد ~~غفرت بعد أن أدركت حيلتك، وسأحفظ لك ذكرا جميلا في قلبي، ليلتك سعيدة. # ولم تقف غصن البان لتسمع جوابه بل دخلت إلى بيتها وأقفلت الباب، فجاءت الخادمة تعينها في ~~خلع ثيابها وتعد لها الحمام. # وفي تلك الآونة طرق الباب طارق، فجاءت الخادمة تفتح، فإذا بمصباح أفندي مضطرب البال ~~مكفهر الوجه يطلب مقابلة سيدته، فارتدت غصن البان ثوب الحمام واستقبلته في باب ~~غرفتها. ~~- أفلا تأذنين لي بالدخول؟ ~~- لا، لا، أهنتني في مجيئك الآن جئتني متجسسا، وهب أن الرجل عندي في هذه الساعة فما ~~حقك علي، ألم أقل لك مرارا: إنني حرة، مستقلة، ولية أمري، ولية نفسي، أمنح من أريد حبي ~~وأحرمه من أريد؟ ~~- وستدركين خطأك وستندمين. إنك يا صديقتي لفي ضلال مبين، من تمنحينه حبك فيمنحك حبه يلقي ~~في قلبك مسئولية عظيمة إذا كنت ذات وجدان، الحب يا غصن البان تقتله الحرية المطلقة كما ~~يقتله الأسر المطلق، إذا أحببتك وكرهتني فرحمة الله عليك، إذا أحببتني وكرهتك فرحمة الله ~~علي. ~~- لا أدرك معناك. ~~- أولا تقولين ادخل فأوضح؟ ~~- لا، لا. ~~- ألأن في الداخل من تؤثرينه علي؟ ~~- ذلك لا يعنيك. ~~- ستندمين على ذا التصرف. ~~- لا أندم على شيء أفعله من تلقاء نفسي، اتركني وحدي. ~~- لو تأكدت أنك وحدك ... ~~- كلمتي شرفي، أترتاب بما أقول؟ ~~- العذاب يذهب بيقيني، الغيرة تذبح إيماني. ~~- وإذا أدخلتك تندم، تندم والله، إذا أدخلتك تقتل في ما هو أعز من اليقين والإيمان ~~لديك. ~~- إما أنا وإما هو. ~~- في دخولك منزلي الليلة خروجك من قلبي إلى الأبد، ادخل، ادخل فتش وأرح نفسك. # فدخل مصباح غرفتها وجعل يفتش كالمجنون تحت السرير وتحت الديوان ووراء السجوف ووقف مذهولا ~~حائرا بل مدحورا مذموما. ~~- أفلا تخجل الآن؟ ~~- وما أدراني؟ ~~- ألم تزل في ريب مما ms137 أقول؟ لقد جنيت على نفسك! # وصفقت كفا على كف فجاءت الخادمة. ~~- شيعي مصباح أفندي إلى الباب. # | الفصل الثامن عشر # الراهب الذي ذكره مصباح أفندي تلك الليلة في نزل كنتيننتال إنما هو راهب البحيرة؛ ذاك ~~الذي كان في طبريا يستحم بحماماتها المعدنية يوم كان القس جبرائيل مقيما في تلك الناحية ~~ومريم، بل هو القس بولس عمون الذي اجتمع به القس جبرائيل بلبنان، ولما سافر فجأة من طبريا ~~جاء إلى مصر يعلم اللغة العربية في إحدى مدارس الإفرنج، وقد يذكر القارئ أن القس بولس من ~~علماء الكنيسة العصريين، فيلسوف روحي غزير المادة ثاقب الفكر يجمع بين أشد النزعات الدينية ~~والأدبية مؤلفا مقارنا، بهي الطلعة، حاد النظرات فصيح اللسان، شديد العارضة، يحمل في ~~عظاته الرنانة على كفر شبان العصر مستشهدا بفولتير، وعلى تهتكهم وفحشهم مستشهدا بالقديس ~~أوغسطينوس، وما لبث أن اشتهر في مصر وأصبح محترما معززا في قومه يشار إليه ~~بالبنان. # ولما ظهرت غصن البان تحدجها الشهرة من كل مكان، وجعلت الجرائد تنشر الفصول الطوال فيها ~~مطرية مغرقة، والناس من علية القوم وعامتهم يلهجون بذكرها، طفق القس بولس يندد في عظاته ~~بها ويحذر الناس من ذا الجنون بخزعبلات الملاهي والفنون المؤدية إلى فساد في الذوق، وفي ~~الأخلاق، وفي العقول. # والقس بولس حر الكلمة شاذ الطباع لا يحفل بأقوال الناس إذا رام عملا، ولا يهمه انتقاد ~~إخوانه إذا انبرى يناصر ما يظنه حقا وعدلا، فقد ذهب ذات ليلة إلى الكازينو ليشاهد بعينه ~~رقص غصن البان، فلما ظهرت الراقصة على المسرح في مظهرها البسيط الفتان اعترته هزة إعجاب ~~أحدثت في قلبه تأثيرا جديدا، بل استيقظت فيه عاطفة الحنان والوداد - أجل فقد سحر القسيس ~~برهة كسائر الناس، أوقفت حركات الراقصة حركة المنطق فيه والبيان، أفسدت حجته، بلبلت أفكاره، ~~ولكنه لم يلبث أن عاد إلى علمه وتقاليده - إلى معقوله في الأشياء ومنقوله، واستمر يندد ~~برقصها ويحذر الناس من السم في دسم فنها، ومن الشر في سحرها. # وفي صباح ذات يوم بينا هو ذاهب إلى الكنيسة خطر له ms138 خاطر استعاذ بالله منه : أحق ما أقول، ~~أعدل ما أنا فاعل؟ ومن هي يا ترى هذه الفتاة من أين؟ فإن بين رقصها ورقص بقية الراقصات ~~فرقا عظيما، في رقصها شيء من التقوى، شيء من العبادة، شيء من الحزن، أحق ما أقول فيها؟ ~~أعدل ما أنا فاعل؟ # وظلت هذه الأفكار تتجاذب معقوله ووجدانه حتى حملته ثانية إلى الكازينو، جاء يطلب مقابلة ~~صاحبها الحاج محيي الدين. # فأدخله الخادم إلى الإدارة فاستقبله الحاج مرحبا وأجلسه على الديوان، فعرف القسيس نفسه ~~إليه قائلا: وقد تظنها خبثا ونفاقا ممن يندد براقصتكم الشهيرة ويرغب بمشاهدة ~~رقصها. # فهتف الحاج مرددا وهو يعد سبحته: أستغفر الله، أستغفر الله، سبحانه تعالى جبلنا كنا من ~~طينة واحدة؛ الحاج والقسيس والراقصة، والله سبحانه يحب الجمال. ~~- وهل لك أن تطلعني على شيء من أمر هذه الفتاة؟ هل هي من مصر؟ ~~- لا يا سيدي، لا، وجاء إذ ذاك الخادم بالقهوة. ~~- تفضل، لا، لا، العفو! وما الغرض من سؤال سيادتكم؟ # فسكت القس بولس عن الجواب هنيهة، ثم قال: سمعت أن اسمها غصن البان إنما هو اسم ~~مستعار. ~~- هذا صحيح. # وأطرق الحاج قليلا، ثم نظر إلى جليسه نظرة ساحر يدعي علم الغيب، نظرة خبيثة مزعجة ~~وقال: أشعل سيكارة، وأطرق ثانية. ~~- ممنون. # فرفع إذ ذاك الحاج رأسه فجأة كأنه لقي ما أضاعه، أو كأنه يسائل جليسه: وهل أنت الرجل؟ ثم ~~قال:صحيح، صحيح، اسمها الحقيقي مريم، مريم، وقصتها عجيبة غريبة، سبحانه تعالى يمنح آلاءه من ~~يشاء ويحرمها من يشاء، يرفع الوضيع ويخفض الرفيع، فإن نشوء غصن البان لمن أعجب الأمور، ولا ~~أخشى أن أطلعكم على شيء من أمرها، ولا أكتم سيادتكم - أتأمرون بأركيلة؟ ~~- ممنون لا أدخن. ~~- لا أكتم سيادتكم أن تنديدكم بها ينفعها وينفعنا أكثر من مديح الشعراء وإطراء الصحافيين، ~~ووددت والله لو أن مشايخنا مشايخ الأزهر يقتفون أثركم، ما لنا وهذا؟! مريم يا سيدي ولدت في ~~قرية صغيرة قرب الناصرة، وتربت في دير من أديرة الأيتام فيها، وخدمت سنتين في بيت أحد ~~الوجهاء هناك، و... # وأمال ms139 الحاج بعمامته إلى الأمام وتثبت في جلسته على الديوان وهو يحدق النظر بالقسيس، ثم ~~قال: وحدث لها من الحوادث ما لا يليق ذكرها، حوادث محزنة، محزنة جدا، وجاءت القاهرة من ~~باريس، وهي الآن - لا تؤاخذني - ربة الرقص في البلاد، هذه قصتها بإيجاز، سبحانه تعالى ~~وهاب الذكاء، رب النعم والآلاء، يمنحها من يشاء ويحرمها من يشاء، الذكاء نعمة، والجمال ~~نعمة، وغصن البان ... # فقاطعه القس بولس قائلا: وهل لك أن تدلني إلى بيتها؟ ~~- على الرأس والعين. # وصفق كفا على كف فجاء الخادم، فقال يخاطبه: دل سيادة المحترم. ~~- لا، لا، لا أكلفه إلى ذلك، وليس غرضي ... تكرم بعنوانها فقط. ~~- كما تريد، وأدى إليه ورقة كتب فيها عنوان غصن البان. # فأخذها القس بولس ونهض شاكرا مودعا، فشيعه الحاج محيي الدين إلى الباب، وشيعه بنظره ~~وبفكره إلى ما وراء الأبواب وهو يعد سبحته ويهز رأسه متأملا حائرا. # | الفصل التاسع عشر # جلست غصن البان إلى المائدة تتناول الفطور وبيدها بضعة تحارير جاءتها صباح ذاك اليوم في ~~البريد، ففتحت الأول فإذا هو من سر همت باشا يسألها مرافقته إلى المتحف المصري، وفتحت ~~الثاني فإذا هو من أحد الشبان المتيمين فمزقته باسمة، والثالث من فراش في الموسكي يلح ~~عليها في تسديد حسابه فمزقته واجمة، والرابع من أحد تجار العاديات يتوعدها بالشكوى إن لم ~~تدفع ما عليها فمزقته حانقة، والخامس مزقته، والسادس كذلك، والأخير وقد أدركت فحواه من ~~العنوان لم تتنازل أن تفضه، وضربت المائدة وهي تقول: لينتظروا مثلما أنتظر، وكيف لي بدفع ما ~~علي والكازينو لا تدفع ما لي؟ يا مرجانة! يا مرجانة! ~~- نعم يا ستي. ~~- ألم تسمعي الجرس، من ذا المبكر يا ترى؟ # فراحت الخادمة تفتح الباب وعادت تقول: الصائغ ستي يطلب مقابلتك. ~~- ليجيء بعد الغد، بعد الظهر لا صباحا. # فراحت مرجانة وعادت تقف أمام سيدتها خجلة مضطربة. ~~- ما بالك؟ ~~- هو في الباب يقول: إما أن تعيدي الخواتم وإما أن تدفعي ثمنها الآن. # فنهضت غصن البان تحتدم غيظا ودخلت إلى غرفتها وعادت بعلبتين صغيرتين دفعتهما إلى الخادمة ms140 ~~لتسلمهما إلى الصائغ . ~~- قولي له ... وسكتت تحارب غيظها ثم قالت: معلمتي تسلم عليك وتعتذر إليك. # وما كادت تنتهي من فطورها حتى قرع الجرس ثانية ففتحت مرجانة الباب، وإذا براهب يسأل عن ~~غصن البان. ~~- وما اسم سيادتكم؟ ~~- قولي لها: إن راهبا من بلادها يروم مقابلتها. # فجاءت مرجانة تخبر سيدتها فقالت غصن البان كأنها تخاطب نفسها: راهب؟ راهب من بلادي؟ قد ~~هربت من الرهبان، ولا شك أن ذاك الراهب الذي يندد بي وبرقصي، لا، لا، ثم خاطبت الخادمة: ~~قولي له: إنني لم أزل نائمة. # فعاد الراهب في اليوم الثاني فقالت له الخادمة بعد أن قابلت سيدتها: الست مشغولة الآن ولا ~~يمكنها أن تقابلكم. # فلم يحفل بذا التمنع والاستكبار وراح ثالثة يطرق باب غصن البان في شارع قصر النيل، فكان ~~الجواب فصل الخطاب. ~~- لا رغبة للست بمقابلة سيادتكم. ~~- لا بأس، لا بأس. # وانثنى القس بولس عمون راجعا إلى مدرسته كاظما غيظه لائما نفسه على ذا الاهتمام لراقصة ~~غرة ضالة. # وفي ذاك الصباح بين كانت غصن البان تفض تحاريرها وتمزقها كان عاطف بك والحاج محيي الدين ~~في إدارة الكازينو يتحدثان بشأنها. ~~- أوأنت آذنتها أن تبتاع ما تريد باسم الكازينو، تفضل، ودفع عطف بك إلى شريكه ثلاث قوائم ~~من بعض التجار في الموسكي. ~~- لا بأس، لا بأس، ولا بد من وضع حد لذلك، ادفع هذا المبلغ من أجرتها واكتب إلى هؤلاء ~~التجار أننا غير مسئولين من الآن فصاعدا عما تبتاعه غصن البان. ~~- بل أرى من الواجب أن نعلن ذلك في الجرائد، وإلا فتصبح غدا شريكتنا، وقد قلت لك: إن ~~الإقبال على الكازينو هذه السنة لا يكون كالسنة الماضية، فقد أخطأنا في اتكالنا عليها ~~وحدها، أخطأنا، فالناس يملون كل شيء. ~~- لا بأس، لا بأس، في الشهر القادم نغير اللائحة. ~~- من رأيي أن نبتدئ منذ الغد، في البلد جوقة من الرواقص الإفرنسيات. ~~- ولكن وثيقتنا وغصن البان لا ينقضي أجلها حتى آخر الشهر القادم، دعها الآن، ولا تفاتحها ~~بالأمر. # وركب الحاج محيي الدين عربة يقصد إدارة إحدى الجرائد، ms141 فأبصر وهو مار بالأزبكية الشاعر ~~مصباحا جالسا في السبلندد بار وحده يشرب الوسكي والسودا، فأوقف العربة وصرف الحوذي وجاء ~~يسلم عليه: يا مصباح أفندي. ~~- والسلام عليكم، تفضل. ~~- ما لي أراك على شيء من الكدر؟ ~~- وهل يصفى الزمان لابن أنثى يا محيي الدين؟ ~~- وهل يرضى الشاعر بالشمس والقمر لو سخرا له يا ترى؟ سبحانك اللهم! أنت الوحيد يا رجل ~~المقرب من غصن البان الممتع بجمالها وحبها، المقيم بنعيم ... ~~- حسبك، حسبك، ونادى مصباح أفندي الخادم، فطلب الحاج محيي الدين فنجان قهوة. ~~- وماذا دهاك قل لي، كنت أظن أن الشاعر حليف النصر دائما في الهوى. ~~- الشاعر يا محيي الدين يحب حبا وثيق العرى قصير المدى، يحب مرة كالفارض ويعشق دائما ~~كالبهاء زهير، يفرغ نفسه في يوم واحد ويعيش مداعيا مموها حزينا بقية أيام حياته. ~~- وهل نبذت غصن البان يا ترى؟ ~~- بل نبذتني، لقد ذاقت قبلي السم في الثمالة فكسرت الكأس. ~~- وكسرت قلبها انتقاما، اتقوا الله أيها الشعراء! ~~- والله لقد كسرت الكأس وكسرت نفسي، حبها نار يا محيي الدين وحب الشاعر نور. ~~- ولكن في غصن البان غير جمالها الظاهر ما يحبب مثلك إليها. إن مواهب نفسها لمما يعجب به ~~أولو الألباب والنهى، ولو أطلعتك على شيء من أمر نشأتها لازداد إعجابك بها وحبك لها، هي ~~نابغة مثلك والله، آية من آيات الدهر. # وجعل يقص عليه ما قصه على القس بولس عمون، فرفع مصباح رأسه مصغيا وأبرقت أسارير وجهه، ~~فاستمر الحاج في الإغراء طي التلبيس والإعجاب. ~~- وقد اتهمت المسكينة بجريمة ارتكبت بسببها في بيت أسيادها في الناصرة، وسجنت خمسة ~~أشهر، قصتها والله عجيبة! وفرت هاربة إلى طبريا مع راهب يقال: إنه أبوها، ووضعت هناك ~~ولدا. # فحملق مصباح عينيه مدهوشا، أصحيح ما تقول؟ ~~- لقد ساقتني التقادير إلى الناصرة في سياحتي الصيف الماضي، والناس هنالك صغيرهم وكبيرهم ~~يعرفون قصتها، والله أحزنني أمرها. # ونظر إذ ذاك إلى مصباح أفندي يستطلع ما كمن وظهر فيه من مفعول ذا الخبر، ثم قال وهو راض ~~بما كان: وأظن أن أباها في ms142 القاهرة، أي والله ، قد يكون ذاك القسيس الذي يندد بها ~~وبرقصها. ~~- هذا من أعجب ما سمعت حياتي، وهل أخبرت غصن البان؟ ~~- لم أخبر أحدا غيرك، الأماجد يا مصباح أفندي يسترون العيوب، ولولا ثقتي بك ما أطلعتك ~~على ما أظنك تسره ولا تذيعه، ولكن غصن البان أصبحت الآن سيدة نفسها وسيدة الفن، وقد لا ~~يهمها من ماضيها شيء، سبحانه تعالى يمنح آلاءه من يشاء ويحرمها من يشاء. # فنهض مصباح أفندي على الفور كأن جاءه الوحي وودع محيي الدين معتذرا، وراح مسرعا إلى ~~غرفته يدون الآيات. # والحاج يضحك في نفسه ويقول: ما أغرب أطوار هؤلاء الشعراء، قد يذبح الشاعر مصباح الراقصة ~~غصن البان هذه الليلة، ويرثيها غدا، سبحان الله، سبحان الله. # وفي اليوم التالي نشرت إدارة الكازينو إعلاما في الجرائد مؤداه أنها غير مسئولة عن ديون ~~غصن البان السابقة والحاضرة والمستقبلة، فازداد قلق التجار وحاموا حول الراقصة ملحين ~~ملجين مصرين متوعدين، غدا وبعد غد وبعد بعد غد كلمات لا تسحر التجار، فأصدرت الدعاوى، ~~وأصدرت المحاكم أحكامها، وبوشر كل في برهة شهر واحد تغيب فيه الحاج محيي الدين عن مصر ~~عمدا. ووقف الدلال في البيت الذي أدبت فيه المآدب الفخيمة، وتاهت فيه غصن البان بضعة ~~أشهر عزا ومجدا، يبيع بالمزاد ما فيه من الرياش والتحف والأعلاق والآثار، وكانت الجرائد ~~أثناء ذلك تنشر المقالة تلو المقالة في إفلاس غصن البان وسقوطها، معددة دائنيها وعشاقها، ~~واصفة تلك المآدب الفخمة التي كانت تأدبها لأصحابها ومريديها، مرددة أقوال الحكماء في ~~القصف والإفراط مذكرة، منذرة. # فطالعت غصن البان بعضها ولم تبالي، ولكن مقالة واحدة أثارت كل ما في نفسها من كوامن ~~الغيظ والأسى؛ مقالة عنوانها: «مريم الناصرية» علمت من لهجتها وأسلوبها أنها من قلم الشاعر ~~مصباح أفندي، قص فيها الكاتب قصة غصن البان من حين دخولها بيت مبارك خادمة حتى دخولها ~~الكازينو راقصة، فجاء على ذكر هربها من الدير، وهربها وأحد الرهبان من الناصرة، وهربها من ~~طبريا، ولم يكتف الكاتب بذلك بل قال: إنها هي التي ارتكبت الجريمة ms143 في الناصرة وسجنت هناك ~~وخلصها معلمها أحد أعضاء المحكمة، وإنها ابنة راهب من رهبان دير النجاة، وإنها ولدت في ~~طبريا ولدا رماه أبوها في البحيرة، وغير ذلك من الحوادث التي تفسد حقيقتها الإشاعات ~~وتجسمها الغايات والأحقاد. # أحدثت المقالة هذه ضجة في القاهرة وتناقلتها بعض الجرائد في مصر وسوريا وفلسطين، وأمست ~~غصن البان في عارها وبلائها كما كانت في عزها ومجدها حديث المجالس والقهاوي والحانات، وما ~~كاد ينقضي ذاك الشهر الأسود حتى جاءها كتاب من الحاج محيي الدين، كلل به مساعيه الحسنة ~~ومكارمه فكان الضربة القاضية عليها، والكتاب فريد في بابه فلا نضن به على القارئ ~~الكريم: # إلى العزيز المحترمة السيدة غصن البان أطال الله بقاءها # نهديك أطيب التحية والسلام، ونأسف جدا لما دهاك من الدواهي، ووالله وددنا لو أنها ~~حلت بنا لا بك، ونسأله تعالى أن يحسن سلواك ويزيل همومك، ولقد غمنا جدا تغيبنا ~~الشهر الماضي عن القاهرة، فقد كنا بذلنا في سبيلك النفس والنفيس والله! ولكنا لا نظن ~~أن أمر التجار يهمك، ولا يهمنا، المال يفدى بالمال، ونحن لم نزل كما كنا من محبيك ~~وأنصارك ومريديك وما تحتاجينه من المال موقوف لك، ولكن ما نشرته الجرائد غمنا جدا ~~جدا، ونظن أن الجريدة التي نشرت تلك المقالة وفيها من المطاعن بعرضك ما يزعزع الجبال ~~هي مسئولة تجاه القانون، فإذا أحببت أن ترفعي الدعوى عليها فمحامي الكازينو تحت أمرك، ~~يشهد الله والنبي على ما نقول، لقد غمتنا تلك المطاعن جدا جدا، سودت يومنا أدمت ~~فؤادنا. # أما الوثيقة بيننا وبينك فبما أننا متعاهدون سابقا وجوقة من الرواقص الإفرنسيات ~~يرقصن هذا الشهر عندنا، ووجودك معهن يضر بهن بل يكسفهن تماما، فلا نرى الآن إلى ~~تجديدها سبيلا. # أطيب التحيات أيتها العزيز غصن البان. # من محبك الحاج محيي الدين # كتب هذا الكتاب بخطه وأعاد قراءته مرتين مستحسنا معجبا وبعث به إلى «العزيزة المحترمة ~~غصن البان» وهو يردد ضاحكا قول الفارض: # وإن شئت أن تحيى سعيدا فمت به # شهيدا وإلا فالغرام له أهل # وطفق يتمشى ذهابا ms144 وإيابا ويعد سبحته ، ويقول: أخطأت يا شيخي يا فارض أخطأت، المرء يقتل ~~من يحب ويعشق، أي والله يقتل من يحب ويعشق، ولكن الأوغاد يقتلون من يحبون بالخناجر، ~~والجبناء بالسم، والمجانين بالمسدس، أما الأماجد فبالمكارم والنعم يقتلون من يحبون، نعم ~~نعم، لو سقطت يا غصن البان من مسرح الكازينو ما ضرك ذلك، ولكن سقوطك من قمة الهرم الكبير؛ ~~من ذروة الشهرة والعز والمجد! الله، الله! # | الفصل العشرون # رمى القس بولس عمون بالجريدة إلى الأرض وقبض على لحيته مطرقا مفكرا: ينبغي أن أقابل هذه ~~الفتاة مهما كان من أمرها، ينبغي أن أقابلها. # ونهض من ساعته فارتدى جبته وحمل عصاه وذهب توا إلى البيت في شارع قصر النيل، فوجده ~~مقفلا مهجورا، لا حارس في الباب، ولا أحد في الداخل يلبي الجرس أو النداء، إلا أن الأطيار ~~كانت تغرد في البستان حوله كأنها تردد قولا قديما محزنا: «والطلول الدوارس هجرتها ~~الأوانس.» # انثنى القسيس راجعا فسدد خطواته إلى الكازينو فقال هناك عاطف بك فأعطاه عنوان غصن ~~البان الجديد، فجاء الناحية حول البركة وقرع باب بيت في أحد الأزقة ففتحت له خادمة سوداء ~~تقول: تريد إيه. ~~- غصن البان. ~~- نقلت من هذا البيت الأسبوع الماضي. ~~- إلى أين؟ ~~- لا أعلم، لا أعلم. # وأقفلت الخادمة الباب فجأة دون اعتذار كأنها أبت أن تجيب على سؤال آخر في الموضوع، فعاد ~~القس بولس إلى مدرسته وهو يقول: لا تكرهوا شيئا لعله خير لكم، ولكن الهواجس حالت دون ~~استسلامه، فبلبلت باله وأيقظت في فؤاده المحرق المؤلم من الذكرى، فكتب كلمة لغصن البان ~~أرسلها في البريد إلى عنوانها الأخير، ولبث ينتظر، فمر الأول والثاني فلم يجئه الجواب ولا ~~أعيد كتابه إليه، ثم ذهب إلى إدارة البوليس مستقصيا، فرحب المدير به ووعد أن يبذل الجهد في ~~البحث عن مقر غصن البان. # وبينما كان القس بولس في غرفته ذات يوم يطالع في مجلة إسلامية مقالة في تحرير المرأة ~~والحجاب، جاءه الخادم يقول: قسيس من فلسطين يروم مقابلة سيادتكم. # فنزل القس بولس إلى صاعة الاستقبال، وإذا ms145 هو في حضرة القس جبرائيل مبارك! وقف مبهوتا إذ ~~رآه يكاد لا يصدق ناظريه، ثم هتف متأهلا مرحبا، وتعانق الأبوان وجلسا جنبا إلى جنب على ~~الديوان. ~~- كيف حالكم؟ وكيف إخواننا في الناصرة؟ ~~- هجرتهم منذ أربع سنوات. # فقال القس بولس متبحرا: صحيح، صحيح، ورحمة أبيك تخبرني، ألم تكن في طبريا منذ ثلاث سنوات ~~مقيما هناك في زي الأعراب. ~~- دعنا من هذا الآن، فقد رأيتك لما كنت أنت هناك أيضا، سنعود إلى هذا الموضوع. ~~- واستخرج القس جبرائيل جريدة سورية من جيبه فيها المقالة التي نشرت في جرائد مصر؛ ~~المقالة التي عنوانها: «مريم الناصرية». ~~- اقرأ هذه. ~~- قرأتها يا أبتي قرأتها. ~~- إذن لي عندكم حاجة، أنا غريب هنا ولا أحسن التجول في المدينة ولا أحب ذلك. ~~- حاجتكم نقضيها على الرأس والعين، وماذا عساها تكون؟ ~~- مهمتي سرية. ~~- حسن، لنصعد إذن إلى غرفتي. ~~- لا أحب أن يراني أحد هنا. ~~- الغرفة قريبة، والتلاميذ الآن في دروسهم، تفضل. # وصعد القس عمون إلى غرفته يتبعه القس مبارك، فإذا هو عند دخوله في حجرة صغيرة فيها سرير ~~وديوان صغير وكرسيان وحصير، ومنضدة للكتابة ورفرف فوقها طويل، لوح بسيط غير مدهون وغير ~~مصقول أحنت الكتب ظهره، وعلى الحائط صورة القديس أنطونيوس بين صورتي العذراء ويسوع من الصور ~~اللماعة الملونة المطبوعة في ألمانيا. # أقفل القس بولس الباب ودعا الزائر إلى الديوان وجلس على كرسي أمامه، ينصت ~~لحديثه. ~~- جئت القاهرة يا أبتي ملبيا صوت الرب إلهي، جئت أبحث في هذه المدينة عن فتاة من ~~بلادنا لعلك تعرفها، صاحبة هذه القصة، فتاة خاطئة كما تعلم شقية يتيمة وحيدة، أنقذتها من ~~العار والبلاء مرة، فضاقت مني صدرا وهربت إلى فرنسا ثم عادت كما يظهر إلى مصر. المقالة هذه ~~لا تخلو من الحقائق، وقد أحاق بها العار والبلاء ثانية، ماتت أمها في الناصرة منذ خمس ~~سنوات وأوصتني بها، وقد تجلت لي الحقيقة الرائعة في الزهد والتنسك منذ تلك الساعة، ساعة ~~عرفت أمها، ولا يخلص البر والنسك إلا من خلص نفسا غير نفسه، فهل لك أن تساعدني ms146 في ~~البحث عن هذه الفتاة وفي خلاصها؟ # فأجاب القس بولس والاضطراب باد في وجهه وفي صوته: كأني سمعت قبلك ذاك الصوت الذي سمعته، ~~سبحانه تعالى وتبارك اسمه. ~~- إذا تركنا مريم تذهب فريسة المعاصي والمنكرات، إذا تركناها تموت في موبقات هذه المدينة، ~~فلا النذور تنفعنا يا أبتي ولا نسكنا يرضي الله. # أحب القس بولس أن يسأل محدثه سؤالا؛ فتردد خوفا من استماع الجواب، كأنه تحقق أمرا ~~ود ألا يكون، فآثر السكوت، ثم قال: وأين أنت مقيم؟ ~~- خارج القاهرة، قرب الأهرام، فلقد تعرفت بأحد الفلاحين في السكة وأنا قادم من بورت سعيد ~~وهو يسكن هناك، فاستأجرت منه بيتا بل كوخا قرب بيته؛ لأن إقامتي خارج المدينة أوفق لقصدي، ~~لا أريد أن يعلم أحد بما أنا فاعل، وبالأخص الجرائد، فتفسد سعينا. ~~- حسن، حسن، ولكني أعتذر إليك الآن، علي درس القضية، فهل لك أن تنتظرني هنا قليلا ~~فنستأنف الحديث ونفكر بطريقة نتخذها. ~~- كما تريد. ~~- هذه مجلة إسلامية فيها مقالات تسلي وتضحك، سأعود قريبا. # وخرج القس بولس من غرفته مضطرب البال، أسير الهواجس، تتقاذفه من تقادير الزمان عواصف ~~الهول المجهول، ذهب توا لا إلى المدرسة بل إلى الكنيسة فجثا أمام المذبح يصلي، ثم تلا ~~المزمور الحادي والخمسين: ارحمني يا رب حسب رحمتك حسب كثرة رأفتك امح معاصي، ألهمني ربي ~~سواء السبيل، إذا كان ما أظنه الواقع فاهدني الطريق المثلى لأخلصها وأخلص نفسي، مدني ~~بنفحات من لدنك فأقوى على الشدة، مدني بنورك الأزلي فينير ظلمات سري المهلكة، وسجد مرارا ~~يقبل الأرض، ولبث هناك خاشعا ضارعا متبحرا متأملا، ثم خرج من الكنيسة ثابت الجأش موطد ~~العزم وقد زال بعض اضطرابه. # وبينا هو عائد إلى غرفته لاقاه في رواق المدرسة خادم فسلمه كتاب من مدير البوليس ~~يستدعيه فيه إلى الإدارة، فلما اجتمع بأخيه القس جبرائيل أخبره أنه كان قد باشر البحث عن ~~غصن البان وأن رغبته بإنقاذها لأشد من رغبته، وأطلعه على كتاب مدير البوليس، ثم قال: أما ~~إذا اهتديت إلى منزلها فلا أظنها تقابلني، لقد حاولت مقابلتها ms147 مرارا فأبت مكابرة ، وحضرتكم ~~تعلمون أني معروف في البلد، ولا يمكنني أن أتجول في كل أنحائها وأحيائها، وقد تكون غصن ~~البان ... # فقاطعه القس جبرائيل قائلا: إذا اهتديت إلى البيت فأنا أقصده، أنا أسعى إليها، أنا ~~أقابلها، فقد جئت من فلسطين لهذه الغاية، وهل لك أن ترافقني الآن أهديك إلى كوخي، فتجيئني ~~بعد البحث بالخبر اليقين؟ ~~- نعم، نعم، ولكني لا أكتمك يا أبتي أن في عملك هذا قد تنقذ نفسين وقد تهلك نفسين. ~~- مشيئة الله، لتكمل مشيئة الله. # وخرج الراهبان من المدينة أصيل ذاك النهار وركبا بعد أن وصلا إلى الجيزة «الترامواي» ~~ساكتين لم يفه أحدهما بكلمة واحدة فنزلا قرب الهرم الكبير ومشيا في طريق بين سهول صفراء ~~وخضراء قرب نصف ساعة وإذا هما أمام بيت من اللبن حقير. ~~- هذا منزلي اليوم وهذه الطريق إليه، لا أظنك تضلها سأنتظرك مساء غد هنا، لا أحب التردد ~~إلى المدينة ولا إلى الدير كثيرا، فأستحلفك بالله ألا تتخلف. ~~- بل أكون عندك غدا بعد الظهر، أو عند الغروب، أظن إدارة البوليس قد اهتدت إلى منزل ~~الفتاة، وقبل الوداع يا أبتي أرجوك أن تخبرني ... ولم يكمل القس بولس الجملة، بل وقف ~~مترددا. ~~- قل ما تريد! ~~- قلت: إن أم الفتاة أوصتك بها، فهل تبوح لي باسمها. ~~- وما المانع؟! اسمها يا أبتي سارة. ~~- سارة، سارة! # ورفع القس بولس يده يحجب بها وجهه. ~~- سأوافيك غدا هنا. # وعاد إلى البلد ومراجل الحيرة واليقين تغلي في فؤاده يخاطب نفسه قائلا: سارة، سارة، ما ~~أكثر السارات في فلسطين، قد تكون هي، وقد لا تكون، قد تكون وقد لا تكون، وإذا كانت هي ~~بعينها؟ ربي! أيفرح الآباء بلقاء بنيهم وأحزن عند لقاء بنتي، مريم بنتي، أممكن ذلك؟! ولم ~~اهتمام القس جبرائيل لها؟ قد كان القس جبرائيل في الدير لما خرجت منه وهجرت تلك الامرأة، ~~فعادت من كفر كنا إلى الناصرة، أذكر ذلك، لا، لا، مستحيل، مستحيل، عشرين سنة يدفن سري ~~فتبعثه اليوم حيا أيها الرب لتطهرني، لتهلكني في الدنيا كي لا أهلك في ms148 الآخرة، لما أحببت ~~تلك الامرأة واستسلمت إلى عاطفة هي فينا منك يا ربي؛ عاطفة الحب المقدسة، فأنت سبحانك الحب. ~~أكان ذلك لكي تتعذب الأم ويعيش الأب كاللص، وتشقى الابنة شقاء اليتيمة البغي؟ إذا هربت من ~~العار المحيق الآن بي أممكن أن أهرب من وجهك؟ إذا قتلت نفسي أممكن أن أقتل إثمي؟ سيفتضح ~~غدا أمري، سيدهش الناس غدا سري، فيلعنني القاصي والداني وأمسي طريدا شريدا منبوذا ~~ذميما ... وقد لا يكون مما أظن شيء، سارة! ما أكثر السارات في بلادنا! وما أكثر اليتامى وما ~~أكثر المريمات! فلماذا تعذب نفسك بالأوهام أيها الرجل؟ وإذا تحققت الأوهام، آه يا ربي، غصن ~~البان ابنة القس بولس عمون الشهير الحامل على الرقص والرواقص والتهتك والفسق والخلاعة، ~~أواه! ما هذا الحساب الذي تناقشنيه يا رب! بنتي طالما حننت شوقا إليها، طالما أسفت لأن ~~أمها حملتها رضيعا إلى الدير، طالما ندمت على فعلتي، بنتي كم ليلة سهرت متهجدا أسأل الله ~~أن يجمعني بك، وها إني الآن قريب منك، قريب منك؟ ومن يعلم، ألأنني قريب منك أرتجف كالقصبة ~~في الريح العاصفة، ومما أخاف يا ترى؟ أأخاف بنتي؟ أأخشى ملقاك؟ وما الذي يجعلني مخالفا ~~الآباء؟ مخالفا النواميس البشرية الإلهية في الحب؟ # إن النذور والترهب والتنسك والتعبد لطرق ضيقة كلها، مظلمة، باردة، إذا قوبلت بطريقك، ~~أيها الحب الإلهي! فإذا عدت إليك، إذا سجدت أمامك، إذا اقتبلت الخزي والعار من أجلك فقليل ~~ذلك قليل، وسأقتبله قانعا، شاكرا، راضيا، تكفيرا عن ذنبي يا سارة بل عن ذنوبي، غصن ~~البان الراقصة الخاطئة الساقطة ابنتي! يا للحبور ويا للسرور! سأضمها غدا إلى قلبي، سأضمها ~~غدا إلى قلبي، سأقبلك أيتها الخطيئة المتجسدة كما قبلك السيد في قديم الزمان، سأبني لك ~~بيتا في فؤادي، سأقضي الليالي ساجدا في نور شمعتك الضئيل أمام الرب إلهي، ارحمني يا الله ~~حسب رحمتك وحسب كثرة رأفتك امح معاصي. # | الفصل الحادي والعشرون # في الفضيحة نوع من الشهرة يلبس فريق من الناس ثوبها الأصفر على علاتها شفافا باليا، ~~فيبدون سوءة النفس وإن واروا ms149 سوءة الجسد، كيف لا وهم يبذلون في إعلان أنفسهم الأموال ~~الطائلة والفضيحة تعلنهم مجانا؟ ففي أوروبا وأميركا إذا تناولت صحف الأخبار أسرار ممثلة ~~فهتكتها تزداد تلك الممثلة شهرة فيروج سوقها ويتسابق المدراء إلى المتاجرة بها وبفنها، ~~فتنتقل من بلاد إلى أخرى ومن ملهى إلى آخر والإقبال حليفها، والأموال بين يديها تتصرف بها ~~كيف شاءت أميالها وأهواءها، أما في الشرق حيث لا تفصل بين المرء ومهنته بين آدابه وفنه، ~~فالخزي والفشل والعار تحيق به في الحالين. # سقطت غصن البان في القاهرة فنسي الناس رقصها، وأفسدت طلاسم سحرها؛ فجفاها كل أصحابها ~~ما سوى سر همت باشا، ولم يجئها كلمة تعزية أو تشجيع من أحد سوى ذاك الكتاب من الحاج محيي ~~الدين فودت غصن البان أن تغمسه بالسم وتلقمه إياه. # وحيدة، طريدة، منبوذة، فماذا عساها تصنع؟ إلى أين تذهب؟ كيف تتجه الآن بآمالها؟ فكرت في ~~أمرها ثم فكرت وهي تظهر في أشد شداتها هذه من الضعف قوة، فوطنت النفس على أن تقيم في ~~القاهرة ريثما تسكن العواصف وتهدأ الرياح، ونقلت من قلب البلد إلى إحدى زواياها المظلمة؛ ~~هربا من الشماتة، بل هربا ممن يعرفونها ولا يحفلون بها، فهي تطيق عذاب الوحدة والخمول ~~ولا تطيق ظلم الشهرة والخذل. # ولكن اثنين بحثا عنها؛ القس بولس عمون وسر همت باشا واهتديا إلى منزلها في مصر العتيقة. ~~وسر همت سعى إليها ذات يوم يعزيها ويطيب نفسها ويعرض عليها المال، ويرجوها أن تقتبل ضيافته ~~إلى أن تفرج كربتها وييسر الله أمرها. ~~- البيت في الجزيرة مفروش مهجور تقيمين فيه وخدمك. ~~- لا وحياتك لا، أرجوك ألا تحدثني بالبيوت، اعذرني يا صديقي، اعفني، صرت أخشى المعروف كما ~~أخشى الأفاعي، صرت أخشى المكارم كما أخشى الوحوش الضارية. ~~- غصن البان! ~~- أرقص لك يا سر همت وأبسطك، ولكني لست آلة طرب تتناولها الناس فيضربون عليها ويعبثون بها ~~ويسكرون على أنغامها، لا لا، لست كمنجة تؤجر أو تعار أو تشترى، وهب أني آلة طرب يا سر همت ~~يا صديقي فقد تقطعت أوتاري، تقطعت كلها. ~~- ما ms150 أنصفت والله ما أنصفت، أسأت فهمي، أهنتني، أسألتك يا غصن البان شيئا من أشياء ~~الحب مرة؟ وهل كنت ممن يحومون حولك ابتغاء هبة من هبات جسدك؟ ~~- لذلك أخشاك. ~~- أنا صديقك، وقد قلت مرارا: إنك لا تحبينني، ولكني ما من مرة شككت في أنك تعتبريني ~~وتكرميني كما أعتبرك وأكرمك، أجل يا أختي مواهبك، وأريد أن أعزز فنك، فنك يكبر على ذي ~~البلاد، مستقبلك يا غصن البان في أوروبا؛ في باريس في لندرا في فيانا في برلين، ولقد فكرت ~~في أمرك كثيرا، اسمعي، لا تنظري إلي عاشقا أو صديقا أو محبا أو وليا، أكلمك الآن ~~كما يكلمك مدير من مدراء التياترات، تعلمين أن أصحابي ومعارفي في لندرا كثيرون، وبينهم ذوو ~~النفوذ في عالم التمثيل هنالك، سأسافر هذا الصيف إلى لندرا وأنوه بك هناك، أطبل وأزمر لك، ~~أنت الآن راقصة شرقية شهيرة، ظهرت في مصر وفزت فيها فوزا مبينا رغم أنوف البغاة والسعاة ~~والحساد، سأخابر أحد المدراء بشأنك هناك، فتظهرين إن شاء الله في لندرا كالشهيرات من ~~الرواقص لا كالمبتدئات وإني واثق بفوزي، دعيني أسعى من أجلك. ~~- لا، لا، لا أريد أن يسعى أحد من أجلي، سأسعى لنفسي. ~~- إن ثقتك هذه بنفسك لجميلة، وجميل إباؤك، سأسعى إذن من أجل الفن؛ فنك لا من أجلك، وإن ~~شئت أن تشاركيني في الأرباح فلا أعف عنها. ~~- إذا كنت ترى في رقصي ما ينبغي أن يراه الأوروبيون، وإذا كنت تعاملني كما يعاملني وكيلي ~~أو مديري، وإذا كنت تقبل مني جزءا من إيرادي، وإذا ... ~~- وإذا، وإذا، وإذا، كفاك من ذي الإذا بل الأذى فقد آذيتني جدا، أعمل كما ~~تشائين. ~~- وأنا قابلة. ~~- وسأسافر هذا الصيف إلى لندرا وعساني أفوز بما أبتغيه فأكتب إليك كي تسافري أو أعود ~~بنفسي فأستصحبك، أنا الآن وكيلك ومدبرك، ولكن إقامتك هنا يا أختي، يا صديقتي! وها إنك لم ~~تزالي تسعلين، بالله أن تقبلي ضيافتي، البيت في الجيزة على شاطئ النيل جميل. ~~- لا تحدثني بالبيوت، لا تحدثني بالضيافة، أنا راضية بما أنا فيه الآن، هذا ms151 البيت يكفيني، ~~ومرجانة والحمد لله ومحمود لا يهجرانني. ~~- تبصري بما أقول، البيت في الجيزة مهجور، انقلي إليه تقيمين فيه وخادماك، وإذا أحببت ~~أن تدفعي أجرته أقبلها منك عندما تشتهرين بلندرا. ~~- اعذرني، أفضل أن أبقى هنا، سأقيم في هذا الحي، في هذا البيت إلى أن يجيئني خبر منك، ~~عزمت عزمي ولا أتحول عنه. ~~- كما تريدين، أوترفضين عيادة طبيبي يعالج سعالك؟ ~~- لا. ~~- حسن، بارك الله فيك. ~~- أوترفضين عزيمتي الليلة إلى العشاء؟ ~~- أين؟ ~~- في الكنتينتال، لا أغير عاداتي ولا ينبغي لك أن تغيري عاداتك، أحب أن يراك الناس معي، ~~أفتخر بذلك؛ لأني كما تعلمين أحتقر هؤلاء الناس، كانوا أمس يهتفون لك كالمجانين، واليوم ~~ينبحون عليك كالكلاب عليهم لعنات الله وإبليس، قومي بنا، لا يهمني اليوم بالقاهرة ~~غيرك. ~~- والموميات. ~~- والموميات، عليك نور. ~~- انتظر ريثما ألبس ثيابي. ~~- ولتكن أحسن ما عندك وأجمل. # وخرجت غصن البان من غرفتها الخصوصية بعد نصف ساعة وقد ارتدت ثوبا من الحرير الرمادي، ~~أنيق الزي، بسيط التخريج، وقبعة مخمل من لونه صغيرة شبيهة بالعمامة في مقدمها ريشة بيضاء ~~تبدو فوق جبينها البراق كطائر من الحمام أسف على الماء. ~~- وما هذه الذخيرة يا غصن البان؟ ~~- ألم ترها قبل اليوم؟ هي سلواي الوحيدة ألبسها في أيامي السوداء فتسليني، تشجعني، ~~تعزيني، امش ولا تحفل بها. ~~- بل شوقتني إلى الاطلاع على سرها. ~~- سرها هنا - وأشارت إلى قلبها - امش يا سر همت ولا تكن ... ~~- فضوليا، ممنون، ممنون، تفضلي. # وخرج وإياها من ذاك البيت الحقير، فوقف محمود عند الباب ويده على رأسه، واجتازا زقاقا لا ~~نور فيه غير أنوار القناديل الضئيلة المعلقة فوق الأبواب، فتري المارين أشباحهم ولا تنير ~~سبيلهم، والرواشن فوق رءوسهم إلى الجانبين تكاد تقع بعضها على بعض، ولما وصلا إلى الشارع ~~العمومي ركبا عربة سارت بهما إلى الكنتينتال. # وبعد العشاء ونزهة في الجيزة شيعها سر همت إلى بيتها قرب نصف الليل وودعها عند الباب، ~~وكان محمود لم يزل جالسا هناك ينتظر سيدته، فلما دخلت باب الرواق استفاقت مرجانة فجاءت ~~تفرك عينيها وتقول: أتريدين حاجة ms152 مني؟ ~~- لا يا مرجانة، روحي نامي. # وصعدت غصن البان إلى غرفتها منقبضة النفس مضطربة البال تفكر بسر همت ووعوده، وتقول: ومن ~~يصدق منهم يا ترى؟ خدعوني كلهم خدعوني، ولم يزالوا يحاولون، ولكني لست اليوم تلك الساذجة، ~~بيت على شاطئ النيل، شهرة في لندرا، وكيلي، صديقي، ما شاء الله! أوتلام الراقصة الخاملة ~~المسكينة الضعيفة إذا خدعت وابتذلت وامتهنت؟! يتحجر قلبها وتفسد أخلاقها وتتجعد بشرتها، ~~فتتاجر بجسدها كما يتاجر محيي الدين بمكارمه، وسر همت أيضا، سر همت مثله ولا شك، أتلام تلك ~~المسكينة يا ترى إذا قبلت حب من يخطب ودها كما لو كان حقها دون أن تبادله حبها، يخدعها ~~فتخدعه، يهينها فتهينه، يضحك منها فتضحك منه؟! والناس يحتقرونها ويزدرونها ولا يدركون ~~الأسباب التي شوهت نفسها وقتلت فيها الصدق والطهر والوفاء، ولا يحفلون بتلك الأسباب وإن ~~أدركوها. # خلعت برنيطتها ثم نزعت السلسلة من عنقها فرفعت الذخيرة إلى فمها تقبلها. # وبينا هي واقفة أمام المرآة تناجي تلك الذخيرة، كان رجل قادما في ذاك الزقاق يعد إلى ~~يمينه الأبواب، فوصل إلى المقصود منها وإذا بمحمود جالس على الأسكفة تحت القنديل وقد ~~بدت أسنانه كالعاج المنقى يعد سبحته ويتمتم متغنيا ببعض الأشعار على نغمات عود في الحارة ~~المجاورة. ~~- هذا بيت غصن البان؟ ~~- نعم. # فهم الرجل بالدخول فاستوقفه محمود قائلا: حاجتك إيه؟ # فدخل الرجل ولم يحفل به فلحقه العبد وأمسكه بجبته. ~~- تريد إيه يا شيخ؟ # فتفلت الرجل منه وضربه على وجهه ضربة أطفأت نور عينيه فوقع إلى الأرض، فتركه يئن ويلهث ~~ويسب، وتقدم مسرعا فإذا هو في رواق صغير فيه نوفرة متهدمة جافة بل نائمة لا صوت لها، ~~وإلى يمينه باب ودرج يوصل إلى الدور الثاني، فنظر الرجل إلى الشبابيك فيه فلم ير نورا ~~إلا في واحد منها، فصعد الدرج ومحمود وراءه ينادي: يا مرجانة، يا مرجانة! # وذهب توا إلى الغرفة المنورة فوجد الباب مفتوحا وغصن البان مدبرة تخلع ثيابها، فلما ~~رأت الخيال الأسود منعكسا أمامها في المرآة ذعرت وصاحت مستجيرة، وسارعت إلى الباب تقفله، ~~ثم ms153 نادت من الشباك : يا محمود، يا مرجانة، يا مرجانة، يا محمود! # فطمأنها الرجل من الخارج قائلا: لا تخافي يا بنتي، البسي ثيابك يا مريم وافتحي. ~~- يا محمود، يا مرجانة، دهتكم داهية، من الغريب الواقف في الباب؟ # فجاء محمود ويده على عينه يصيح ويتوعد الغريب. ~~- يا بنتي يا مريم لا تخافي أنا القس جبرائيل، صديقك القس جبرائيل مبارك، البسي ثيابك ~~وافتحي الباب! # فسمع القس جبرائيل غصن البان تهمس اسمه همسا أشد من الصياح وساد داخل الغرفة سكوت عميق ~~قصير، ثم قالت تخاطب محمودا: دع الرجل يا محمود، رح نم. # وبعد هنيهة فتحت الباب وقد ارتدت غلالة خضراء، ووقفت تحت العتبة كالتمثال لا تبدي حراكا، ~~نظرت إلى الراهب نظرة جامدة باردة، ثم قالت: وماذا تبتغي مني اليوم؟ ~~- ما أبتغيه من خمس سنوات ولم أزل أبتغيه. ~~- وكانت بغيتك قريبة منك فلم تظفر بها، فكيف إذا أصبحت بعيدة عنك بعد السماء من ~~الأرض؟ ~~- البعيد من الله أقرب إليه من القريب منه. ~~- اتركني إذن قريبة من الله. # ولاح في عينيها بريق الشقاء المستهتر وهي تبتسم ابتسامة التهكم. في السنين التي قضتها ~~نائية عن وصيها ومرشدها - خارج السجن - في نعيم الحياة وبؤسها، نشأ فيها خلق الازدراء ~~والتفوق، فكان يخفي في بعض الأحيان فطرتها الطيبة، زالت سذاجتها كما يزول لون الزهرة ~~وشذاها إذا قطفت وعرضت للشمس، ولكن تلك الغريزة الحميدة كمنت في قلبها كما تكمن في الزهرة ~~بذور الحياة الخالدة، والخلق المكتسب فيها؛ خلق الغواني والممثلات منشأ الغرور والتفوق، خلق ~~من يقفن كل ليلة أمام الناس فتسكرهن ضجات الاستحسان والإعجاب، ذاك الخلق الأنيق ~~الباهر الكذوب خانها تلك الآونة، ولم تكن لتستطيع أن تخفي ما جاش في صدرها من جيشان الغم ~~والأسى، فلما أجابت القس جبرائيل الجواب الذي ظنته قاطعا مفحما عبس بها وأجابها قائلا: ~~ما جئت أمازحك. # فارتعدت فرائصها وتساقطت منها حلي الغرور والتصنع كما تتساقط من الأشجار أثمارها ~~المتهرئة، فوقفت لا كغصن البان أمام أحد مريديها معتزة شافنة، بل كمريم الناصرية أمام ~~الله صاغرة خاشعة، نظرة ms154 من نظرات القسيس القاسية أحيت فيها حقيقة حالها، كأنه تناول الوردة ~~البالية فنفخ بها فتطايرت بتلاتها وبدت في قلبها العاري بذور الحقيقة الرائعة؛ بذور الحياة ~~الطاهرة، فمدت غصن البان يدها إلى الراهب كأنها تقول: خذ ما تبقى في قلبي وازرعه حيث ~~شئت. ~~- ما جئت أمازحك. # ثم قال دون أن يقترب منها: تعالي معي. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى حيث أشاء. ~~- سيدي القس جبرائيل. ~~- ولا كلمة، هاتي يدك، ومد يده إليها. ~~- لي كلمة واحدة أقولها، ادخل يا مولاي، ادخل بيتي وإن كان لا يليق بك. # وأخذت يده فأدخلته غرفتها وأجلسته على الديوان أمام سريرها، فاعترت الراهب هزة حين ~~شاهد وجهها في نور القنديل، سبحانك اللهم! أتكذب المآثم، أتخطئ الدعارة؟ هذه النضارة وهذا ~~الرونق في وجهها، لقد زادتها السنون جمالا، وليس في عينيها ولا في فمها أثر من آثار ~~الخطيئة، إلا أن نظراتها ولهجتها في بعض الأحايين كانت تزعجه. ~~- أجئت تنقذني مرة ثانية يا مولاي؟ هل تعرف من أنا الآن؟ لما هربت وإياك إلى طبريا كنت ~~بنتا جني عليها فصرت أما؛ أما حزينة، ثم فررت من تلك البلاد ومنك هاربة، فخضت عباب ~~الحياة راغبة طامحة مستهترة، نسيت ولدي ونسيتك إلا في أوقات ال ... نسيتك ونسيت قديم بلائي، ~~قاتلت أهوائي واسترسلت في أهوائي، مددت يدي إلى الثمار المحرمة، الثمار التي اشتهتها نفسي، ~~فقال الناس: إني راقصة بغي، قاتلت من حاول هتك عرضي ممن يكرههم قلبي فغلبوني، لقيت منهم ~~الويل والبلاء، وقال الناس: هذا الترفع كذب وهذا التمنع صاغته حيل النساء! رأوني ساعة ~~استهتاري ولم يروني في ساعات عذابي، رأوني راقصة بغيا، ولم يروا ما في قلبي من الأماني ~~العالية والمطامع الشريفة، فكرهت نفسي الرجال وطردت من قلبي الحب وذكراه، إلا أن زوايا ~~هذا القلب الكسير، في زواياه المظلمة الباردة شيء واحد أعزه وأقدسه وأهتدي به، شيء واحد ~~يشفع بي أمامك وأمام الله، أبتي القس جبرائيل، مولاي، منقذي، لا تنظر إلي غضبا، عبوسا، ~~أخاف هاته النظرات، ترجفني كلماتك، سامحني، ارحمني، ارث لحالي. # خرت غصن البان أمامه ms155 جاثية وطفقت تقبل يديه وتنظر إليه تارة خاشعة حزينة وتارة بهيجة ~~غانجة، نفس مريم في قلب غصن البان، قلب غصن البان في نفس مريم، إنما هذه الامرأة التي خرت ~~أمام القس جبرائيل جاثية فأحزنته كلماتها، وأزعجته حركاتها، وعذبته منها تلك النظرات ~~المريبة، وارتعشت جوارحه من قبلاتها الحارة، فأبعدها عنه قائلا: انهضي انهضي، وسيري ~~معي. ~~- لا، لا، إليك عني، دعني في بلائي، في وحدتي، في وحشتي، إن يدك لا تصل إلي لتنقذني ~~ثانية، وإذا حاولت ذلك قد تسقط معي، سر في سبيلك، ودعني في شقائي. ~~- إني لأعرف ما في قلبك وما ليس في قلبك امشي معي. ~~- مستحيل، مستحيل. ~~- امشي قدامي. # وأخذها بيدها فتفلتت منه نافرة حانقة. ~~- البلاء المحيق اليوم بي خير من القساوة التي تمد إلي يدها، الشقاء المكتنفني خير من ~~تبرد كلماتك. ~~- السعادة تناديك وتنتظر قدومك، امشي معي. ~~- ولكن رسول السعادة لا يكون ظالما قاسيا. ~~- مخطئة أنت. ~~- برهانك، برهانك أني مخطئة، أنظرت إلى ما في أعماق قلبي وبششت له، أأريك ما لم أزل أقدسه ~~فلا تحفل به؟ ~~- ومن قال لك ذلك يا مريم؟ إن أوهامك باطلة، انظري إلي، تقدمي مني، أأسألك عن هذه ~~الذخيرة وهي بادية لناظري، عزيزة عندي كريمة مقدسة؟! ~~- وأخذ الذخيرة يقبلها ويقول في نفسه: رحمة الله عليك يا سارة، فلاحت إذ ذاك في وجه غصن ~~البان ابتسامة السرور والرضى وسكتت هنيهة، ثم أخذت يديه بيديها وقالت: لا تقساني، لا ~~تظلمني، لا تعاملني كمن ظفر بالحياة فأذلها، عاملني كمن يحب الحياة وإن أذلته، مولاي القس ~~جبرائيل، أنا رهينة إشارتك، أنا خاتم في بنصرك، ولكني لا أجسر اليوم أن أسألك ما سألتكه ~~مرة، لقد أفسد الخير سذاجتي، فصرت أخشى ما أعلم وما أجهل، أنت تعرف ما أريد، أنت تدرك ~~بغيتي القصوى، فقد حفظتها مقدسة هذه السنوات كلها، وكنت في نعيم الحياة شقية حزينة، كنت ~~أبكي وأنتحب حين تعتريني لذكراه هزة الشوق، ولدي، ولدي. ~~- سيري معي فيكون لك ما تبتغين، السعادة تناديك وتنتظر قدومك. ~~- إلى حيث شئت، إلى حيث تريد، ms156 حتى إلى الجحيم . ~~- نحن الآن في الجحيم، أسرعي، أسرعي لنخرج منه. ~~- الآن؟ ~~- الآن، هذه الساعة، هذه الدقيقة. ~~- وبيتي وأمتعتي و... ~~- غدا يجيء من يعتني بذلك، انفضي الآن يدك من كل شيء وسيري معي إلى بيتي، دعي خادمتك ~~نائمة، وخادمك، البسي ما يقيك هواء الليل البارد، اقفلي الباب، هاتي المفتاح. ~~- بارك الله فيك. # ومشت والقس جبرائيل إلى منعطف الجادة فإذا بعربة تنتظر هناك، فركبت وإياه وراح الحوذي ~~يحث خيله إلى الجيزة، ومنها إلى ناحية الأهرام، وبعد سير ساعة وما يزيد وقفت العربة، ~~فترجل القس جبرائيل وصرف الحوذي ودخل وغصن البان في بستان من النخيل ماشين مسرعين جنبا ~~إلى جنب. ~~- إلى أين يا قس جبرائيل؟ ~~- إلى بيتي. ~~- ويلي! هذه الظلمة مخيفة مرعبة. # اجتازا في ذاك البستان إلى الصحراء فأصبحا بعيدين عن الحقول والسبل فيها، ضل القس ~~جبرائيل الطريق تاه ورفيقته في البادية، في بحر من الرمال وبحر من الظلمة، مشيا ساعة ~~فأعياهما المشي، فرمت غصن البان بنفسها على الرمل تئن من التعب والخوف. ~~- أين بيتك يا قس جبرائيل، ربي! ما عساك تصنع؟ إلى أين، آه ما ألطف هذا الهواء! دعني ~~أستريح قليلا، اجلس تسترح، اجلس هنا إلى جانبي، هواء الليل منعش وظلمة الليل إذا كنت قربي ~~لا تخيفني. # وقف القس جبرائيل وقد أحس من نفسه وهنا ينظر غربا وشرقا وجنوبا وشمالا يسأل الله ~~الهداية، ولكن البادية كلها طريق والليل كله طريق أخرى ولا حاجز في الطريقين ولا حد ~~لهما. ~~- انهضي يا بنتي، امشي، امشي، الله معنا، ها قد تراءت لي ظلمة أشد ظلاما من الليل واقفة ~~كالطود هناك، هذا الهرم، لله! ما أقرب الطريق إلى الجحيم وما أبعدها منه، ما أقصرها ذهابا ~~وما أطولها إيابا! # واستأنف ورفيقته السير ثم وقف فجأة يسند رأسه بيديه من صداع بل دوار أصابه. ~~- ما بالك يا قس جبرائيل؟ لماذا لا تجلس قليلا فتستريح، دعنا ننتظر هنا ريثما يطلع ~~الفجر، النوم على الرمل تحت السماء لذيذ. ~~- امشي يا بنتي امشي، هذا الهرم، قد اهتدينا إلى الطريق، وقريبا ms157 نصل إلى البيت . # وهب إذ ذاك الهواء البارد رسول الفجر فجعل يصفر في نخاريب حجارة الهرم فيستحيل صفيره ~~صياحا بشريا وعويلا، فخيل إلى القس جبرائيل لما اعتراه من العياء والدوار أن أناسا ~~هناك يقهقهون ويضحكون منه، بل سمع أصواتا تقول: صفقوا للناسك! قد فاز بقوت قلبه. ~~- حيوا الناسك وعروسه! ~~- خذوا الدفوف واضربوا وارقصوا! # وكان صدى العويل والصفير يتراجع في هبوب الرياح، فسمع الراهب تلك الأصوات حول الهرم كأنها ~~أصوات خارجة منه. ~~- لو أحبها لرحمها، لتركها تنعم في جحيمها. ~~- لو أحبها لعاش وإياها هناك. ~~- لو أحبها لقتلها. ~~- تبارك ضلاله! وتباركت أوهامها! ~~- خذوا الدفوف واضربوا وارقصوا ... # هدأت الريح قليلا ولم يهدأ ما أثارته في قلب القس جبرائيل من الهواجس والأوهام، فقبض على ~~يد غصن البان وقد تصور أنها تحاول الفرار منه وأسرع في مشيه، لقد سمع أصواتا لم تسمعها، ~~ولكنها أحست باضطرابه وسمعت تنهداته، وكادت نار يده تحرق معصمها. ~~- ما بالك يا قس جبرائيل؟ ما بالك؟ ~~- لا شيء يزعج يا بنتي، لا شيء. # ولكنه كان يسائل نفسه قائلا: وما هي يا ترى هذه الأصوات المرعبة؟ أتضحك الأموات منا؟ ~~أتنذرني بحبوط مسعاي؟ ~~- يا قس جبرائيل ... ~~- وصلنا يا بنتي، وصلنا. # وما كاد يقف في باب كوخه حتى تراءى له خيال أبيض حول رأسه هالة من النور، فسمعه يقول: أنا ~~الرحمة، أنا المحبة، من يميت نفسه يحييها، ومن يحيي نفسا أخرى يحيي نفسه. # دخل إلى الكوخ يرتعد وجلا وغصن البان لم تزل في قبضته، فأجلسها على مرتبة من الخشب فيه ~~وأشعل القنديل. ~~- هذا سريرك، نامي يا بنتي، لقد أعياك المشي وأراك ترتعدين بردا، نامي قليلا. # ثم خلع جبته وغطاها بها. ~~- نامي قليلا لنقوى على السفر غدا. # ثم أطفأ القنديل وخرج من الكوخ، فجلست غصن البان على تلك المرتبة ورأسها بين يديها تفكر ~~في مصيرها، والقس جبرائيل يتمشى على الرمل قلقا معذبا يردد ما أسمعه الوهم من أصوات الليل ~~والقبور. ~~- لو أحببتها لتركتها في الجحيم! لو أحببتها لأقمت وإياها هناك، لو أحببتها لقتلتها! ~~شياطين الجحيم! أتتبعني ms158 لتهزأ بي، لتسخر مني، لتضحك من مسعاي، هيهات هيهات! أواه، رأسي ~~يلتهب وهواء الفجر لا ينعشني. من أمات نفسه أحياها، من قتل نفسه أحياها، رب الأكوان! إن ~~نجومك ورمالك لتخفي الصغير والكبير من أسرارك، من أحيا نفسا أخرى أحيا نفسه، والنفس إذا ~~عادت إليها حياتها الدنيا عادت الرغبات معها والأهواء والشهوات، كانت مريم ضالة فوجدت، ~~ومن وجدها؟ من أنقذها؟ من ذا الذي عاد بها إلى الحياة إلى مطهر القلوب؟ أنا الفقير إليك يا ~~ربي، فهل ينبغي لي أن أقتل النفس الجديدة في تلك التي أحييتها، لك المجد، بتحقيق آمالي ~~وبتوفيق مسعاي؟ لم تزل تظن أن الذخيرة مني، مسكينة واهمة، سأكشف لها السر، سأطلعها عليه، ~~فتكرهني لذلك، تلعنني، وقد تتفلت من يدي فيخفق مسعاي ثانية، ما العمل؟ ما العمل؟ # جلس على الرمل قبالة الكوخ يتأمل الربع الأخير من القمر وقد ظهر في الأفق فوق الرمال يرفع ~~سجفا من سجوف الظلام، وأقبلت طلائع الفجر الأولى تطارد الليل فتميزت الصحراء والسهول ~~وبدت رءوس النخيل قرب الهرم كأحمال من الرتم حول الأتون، وهب نسيم الفجر فأنعش الراهب ~~وجدد فيه العزم والثبات. ~~- سنسافر اليوم، سنسافر اليوم. # ورفع رأسه فإذا بغصن البان واقفة في باب الكوخ تنظر إليه، والقمر ينير وجهها، والنسيم ~~يداعب شعرها، فنادته بصوت متلجلج مضطرب ودنت منه تخاطبه قائلة: ظننتك هجرتني، وقد تفعل، من ~~يعلم؟ اسمع يا قس جبرائيل، أحب أن أعرف إلى أين ذاهب بي؟ وما الغاية من سعيك هذا؟ أتريد أن ~~تنقذني من موبقات المدينة؟ هذا مستحيل، الموبقات ليست في المدينة بل في قلبي، رح يا سيدي في ~~سبيلك، ودعني أعود إلى شقائي، إلى بؤسي، إلى وحدتي، إلى جحيمي، لا تقترب مني أدنسك، يدي ~~ملطخة بالإثم، جسمي مدهون بزيوت الفحش والعار، في صدري تحتدم نيران الشهوات، في عيني رماد ~~كان بالأمس نار رغبات سماوية، في شعري سم قبلات العشاق والمحبين، لا تقترب مني أدنسك، سر ~~في سبيلك، عد إلى نعيمك، ودعني أعد إلى جحيمي. ~~- سنسافر اليوم، هذه الساعة إن شئت، إلى ms159 طبريا حيث السعادة تنتظرك، تناديك من تلك الأرض ~~المقدسة، لا تسترسلي في الأوهام، وطدي ثقتك بالله، لا ترتابي ... ~~- أرتاب في أنك صليبي. ~~- وستسافرين معي إلى طبريا فتلتقين هناك ومن تحبينه. ~~- ومن أحبه؟ عساك تحلم بزواجي، أنت مخطئ، ليست غصن البان تلك الفتاة مريم التي كنت ~~تعرفها، خاطرك الوداع، أدعو لك بالتوفيق حيث سرت، وحيث حللت. ~~- وهمت بالذهاب فأمسكها القس جبرائيل بيدها وأوقفها. ~~- اتركني! ~~- قفي قليلا، ادخلي، اسمعي كلمتي الأخيرة. ~~- لا، لا. # فجرها إلى الباب فوقفت هناك متمنعة متمردة. ~~- دعني أذهب إلى سبيلي. ~~- عبثا تحاولين التفلت من يدي. ~~- اتركني، لا تكرهني. # فضغط على معصميها فصرخت متأوهة والتوت تحت وجهه الناظر إلى وجهها كغصن هصرته ~~الرياح، فنهض بها حتى كاد خدها يلامس لحيته، وهو ينظر إليها بعين لاح فيها وميض الشهوة ~~التي طالما خدعتها فأصبحت بين يديه كالعصفور رماه الصائد، لا تبدي حراكا، فحملها إلى داخل ~~الكوخ وهي ترتعد بردا وحبا وجزعا، وما لبثت أن أغمي عليها، فمددها القس جبرائيل على ~~المرتبة وطفق يفرك يديها ورجليها ويناديها باسمها مطمئنا مطايبا. # وفي تلك الساعة دخل القس بولس عمون قادما من البلد، فوقف في الباب والقس جبرائيل مدبر ~~يعالج غصن البان. ~~- المجد لله يا أبتي. # فالتفت القس جبرائيل مذعورا وإذ شاهد القس بولس تنفس الصعداء: جئت في وقتك، هذه الابنة ~~مريم ابنتنا، لقد أغمي عليها من شدة التعب، ساعدني لنعيد إليها رشدها، تقدم، افرك ~~رجليها. # فدنا القس بولس ينظر إلى وجهها فشاهد الذخيرة على صدرها، فتأملها فإذا هي بعينها تلك ~~الذخيرة التي أعطاها إلى أمها سارة يوم كانت حاملا، فقبلها وقبل مريم هاتفا: بنتي! ~~بنتي! سبحانك اللهم، ارحمني يا ربي وارحمها. # جمد الدم في عروق القس جبرائيل ووقف كالشبح بين البنت والراهب محملقا: وهل أنت الأخ ~~إيلياس؟! ~~- نعم أنا إيلياس البلان، أنا هو. # فصفق القس جبرائيل كفا على كف معجبا مبتهجا، ثم بسط ذراعيه إلى القس بولس، فضمه إليه ~~يقبله ويقول: غفر الله ذنوبنا أجمعين، لقد سامحتك سارة وغفرت ذنبك وهي على فراش الموت، ms160 يا ~~مريم، يا مريم، استفيقي يا بنتي، استفيقي، افرحي تهللي، ها قد ظهر قسم من سعادتك، ها هو ذا ~~أبوك. ~~- أبي، أبي! ~~- نعم أبوك. # فأيقظتها الدهشة وجلست تنظر إلى الراهبين حائرة بائرة. ~~- أبي أين أبي؟ من هو أبي؟ # فضمها القس بولس إليه هاتفا: بنتي الحبيبة، بنتي مريم! أجثو أمام أمك فيك، أسأل الله أن ~~يغفر ذنبي، رحم الله أمك، غفر الله ذنبي. # وضمها إليه وطفق يقبلها مبتهجا، مضطربا، باكيا. # | الفصل الثاني والعشرون # على شاطئ البحيرة عند تلحوم امرأة تناهز الأربعين من العمر تحدث أحد النوتيين، وولد ~~صغير صبوح الوجه، أشقر الشعر، حاد النظرات، أنيق الثياب لا يتجاوز الرابعة من سنه يلعب ~~على الرمل ويراقب القوارب القادمة من طبريا وسمخ. ~~- يا لطيفة، يا لطيفة، زات السختولا. # فأدارت الامرأة وجهها وإذا بالصبي قريب من الماء، فصاحت به مذعورة: فريد، فريد! يا ربي، ~~يا مريم العذرا! وركضت إليه تجذبه بيده وتضربه عليها. ~~- قلت لك ألف مرة لا تقترب من الموج، قم نرجع إلى البيت، ما جاء أحد اليوم. # فصرخ فريد متأوها وجلس على الرمل يقبض على رجله بيده كأنها حرقت أو جرحت. ~~- عرفت حيلتك، قم يا حبيبي، قم اركب على ظهري. ~~- فركب فريد ضاحكا متثبتا، وعادت به إلى البيت؛ بيت القس جبرائيل في السهل وهي تغني ~~له: # والدوم ويلي عالدوم # راحت يا حرام الشوم # راحت لكن راح ترجع # راح ترجع صباح اليوم. # ولكنها لم تعد لا صباح ذاك اليوم ولا صباح تواليه، فملت لطيفة الانتظار؛ وإشفاقا على ~~فريد من الخطر في لعبه قرب الماء لم تجئ به بعدئذ إلى شاطئ البحيرة. ~~- اليوم نطلع إلى الربوة ونأخذ العنزة معنا. ~~- والسلة للهندبا أنا أهملها. ~~- طيب احمل السلة واركب على ظهري. ~~- أتعب عاضهرك، مباره وزعتيني، سديتي بيدي كتيل. ~~- مليح، اركب على كتفي، على رقبتي، الله يجيرني منك! ~~- أمسي يا لطيفة، بكله أغني عاقبرك. ~~- واليوم غن لي عالدوم، غن. # فجعل فريد يردد بلثغة الأطفال الجميلة: # عالدوم ويلي على الدوم # لاهت يا هلام السوم # لاهت لكن لاه تلزع ms161 # لاه تلزع صباه اليوم. ~~- يسلم فمك، ومن يرجع يا حبيبي؟ ~~- الماما. ~~- وأين هي الماما؟ ~~- الماما بمصل. ~~- وأنت مشتاق إليها؟ ~~- كتيل، كتيل. ~~- ولما تجيء ماذا تقول لها؟ # قلا: يا ماما العنب استوى وبطلع معا علكلم وبقطفلا العنقود. # الصليب حولك، الصليب حولك. ~~- غني أنت، غني: وطلعت عالاس الزبل. # وجعلت لطيفة تغني له الأغاني والأهازيج وهي في الحقل تملأ سلتها من الهندباء وهو يختار من ~~عسيب العفص أطرى الأغصان ويلقمها العنزة. # وفي ذات يوم بينا كان عائدا إلى البيت راكبا على عنق لطيفة يهز رجليه ويغني «عالدوم» ~~رأى قاربا في البحيرة بعيدا فهتف قائلا: سختولا، سختولا، زات الماما، زات الماما. # وظل يلح ويبكي حتى جاءت به لطيفة ذاك اليوم إلى «فلهوم» أي كفر ناحوم، ولبثت تنتظر قدوم ~~القوارب من طبريا، فجلست وإياه على الشاطئ تجمع له الأصداف تعلله بها، ولما وصل أحد ~~القوارب ونزل منه بعض الإفرنج المقيمين في دير بتلك النواحي طفق فريد يبكي، ورمى في البحيرة ~~غيظا كل ما جمعته لطيفة من الصدف. ~~- لا تحرد يا حبيبي، لا تبك، غدا تجيء الماما، قم نرجع اليوم إلى البيت. # وما كادت تجتاز وإياه الشاطئ حتى سمعت صوتا يناديها: يا لطيفة يا لطيفة! فتلفتت ملبية ~~كأنها عرفت صاحب الصوت، وإذا بقارب آخر يقل امرأة وراهبين وبضعة صناديق من الأمتعة، ~~فعادت تركض والصغير على ظهرها يحثها من شدة الفرح برجليه، ويصيح: الماما، الماما. # ولقد أعد القس جبرائيل مريم لهذه الدهشة المفرحة العظيمة قبل السفر من مصر، فقص ~~عليها قصة الطفل منذ سرق تلك الليلة إلى يوم استرجاعه من الشقية أم هيلانة وإلقائها في ~~السجن، ولولا ولدها ما عادت مريم وإياه إلى فلسطين. # ولما اقترب القارب من الشاطئ قال القس جبرائيل يخاطب مريم: البحيرة التي مشى عليها السيد ~~إنما هي أم العجائب، سلبتك ابنك طفلا رضيعا فأعادته إليك صبيا بهيجا، ها هو فريد ابن ~~البحيرة تحمله رفيقتك القديمة لطيفة، اسمعيه يناديك. # وكان فريد على الشاطئ يرقص ويشير بيديه مناديا الماما، فلما وطأت أمه الثرى ركض إليها ms162 ~~باسطا ذراعيه فتعلق بعنقها يقبلها ويقول: أين كنت يا ماما؟ وهي تقبله وتبكي، جلست على ~~الرمل وأجلسته في حجرها تحدجه بنظرها منصتة إلى كلماته وسؤالاته لا تدري ما تقول، فأصابها ~~من شدة التهيج والبكاء نوبة سعال دامت بضع دقائق، فأخذ القس جبرائيل الصبي وأسعف القس ~~بولس ابنته وسار الجميع توا إلى البيت. # وفي تلك الليلة نامت مريم تضم ابنها إلى صدرها وهي تحس بلذة جديدة بهيجة عجيبة، أسكنت ~~جوارحها وضمدت جراح قلبها. # وفي الصباح باكرا نهض فريد يوقظ أمه ويقول: ماما، استوى العنب، اطلعي أقطفلك ~~العنقود. # فنهضت تداعبه وتلاعبه وتضمه إلى صدرها وتقبله، وجاءت به إلى فناء البيت تحمله على ~~ذراعها فأحست من نفسها وهنا. ~~- لا أستطيع أن أحملك يا حبيبي. ~~- أنا أمسي علكلم. ~~- سنطلع إلى الكرم يا عمري، تعال قبلني. # فركض فريد إليها يعانقها ثم قبلها في فمها، فأبعدته تقول: لا، لا، قبلني هنا (مشيرة إلى ~~خدها) وهنا (مشيرة إلى عنقها). # ثم أبعدته منها قيد ذراع وهي تنظر إليه بعين كئيبة حزينة ترقرق الدمع فيها. # ودخلت إذ ذاك لطيفة تحمل طبقا من القش عليه الخبز والجبن والزيتون والعسل والقريش ومقلاة ~~فيها بيضات مقلية وسفود من الشواء فألقت الطبق على طاولة قرب الديوان وهي تخاطب مريم: لا ~~تؤاخذيني إذا ناديتك حسب العادة القديمة باسمك، لقد سمعت بما كنت فيه من العز بمصر وفرحت ~~كثيرا، ولكنك دائما تلك المريم عندي، سبحان من يغير ولا يتغير، أنسيت لطيفة العشية التي ~~كانت تلعب وإياك «البوكر»؟ أتذكرين تلك الليالي والفولات، والأزهار التي حرقتها، وال ... # فقاطعتها مريم تقول: لا تذكريني بتلك الأيام يا لطيفة! ~~- وما بالك تبكين يا بنتي، أنت أعز من بنتي، أتبكين فرحا للقاء فريد، يحق لك، لولاي ~~... ~~- علمت بفضلك يا لطيفة، وأنا شاكرة لك ممتنة. ~~- وإذا غبت يوما واحدا عن فريد يضيع عقلي. # وأخذت الصغير من ذراعيها وطفقت تقبله وتردد النكات التي يسر بها، غن للماما يا حبيبي ~~غن لها: وطلعت عاراس الجبل. # فوقف فريد قدام أمه وهو يجول بنظره فرحا بينها ms163 وبين الطابخة ويشير بيديه وبرأسه ~~إشارات لطيفة فتانة. # وطلعت عالاس الزبل # أسلف على البهلا # وسمعت الهمام ينوه # ينوه على البهلا # قلت لو يا همام # صلي صلاتك ونام ... # صلي صلاتك ونام ... ~~- كمل كمل، أنسيتها؟ راحت ... ~~- بلى، بلى، اسكتي. # قلت لو يا همام # صلي صلاتك ونام # لاهت أمك تسوه # الله يعطيك غيلا. # ونظر إلى أمه فرآها تضحك وتمسح بالمنديل عينيها، ثم ركضت إليه فجثت أمامه وطوقته بذراعيها ~~تقبله هاتفة. ~~- ولدي، حبيبي، حياتي، مهجتي، نور عيني. # ثم تبعده عنها قليلا فتحدق فيه كأنها تنظر إلى شيء عزيز توارى عنها، ثم تضمه إليها ~~مسرعة متلهفة كأنها تحميه من حيوان يحاول افتراسه. ~~- ماما، قومي نطلع علكلم. # فأخذته لطيفة وأجلسته على الكرسي قائلة: بعد الفطور يا حبيبي، تقدمي يا بنتي قبل أن يبرد ~~اللحم والبيضات. # فجلست مريم إلى المائدة تلقم ابنها وتحاول إشحاذ شهيتها بشيء من عسل بلادها وقريشه، ولم ~~تأكل إلا قليلا. # ثم نهضت مستسلمة إلى فريد وقد خرج من البيت يجر لطيفة بذيلها. # فحملته على ظهرها ومشت قدام مريم إلى الكرم، فاعترتها في الطريق نوبة سعال شديدة وردت ~~منها الوجنتين وأخفت هنيهة حدقة عينها. # وبينا هي وولدها ولطيفة في الكرم كان القس جبرائيل والقس بولس يتحدثان بشأنها. ~~- لا يجوز أن تقيم هنا. ~~- سننقلها إلى لبنان بعد أن يتم ما حدثتك به وعليك أن تساعدني، فإن في الزواج خلاصها ~~وسعادتها. ~~- وهل ابن أخيك راغب؟ ~~- بل مصر وملح في ذلك، وقد أنبأته برجوعنا وسيجيء من حيفا اليوم أو غدا. ~~- وإذا كانت لا تريد ما نريده لها. ~~- لا أشك في أنها ترضى بما فيه خيرها، وفي كل حال كنت ناصحا لها مرشدا مثلي، حبب ~~إليها الزواج، فإنه نافع لها ولابنها ولوالده، بل لازم متحتم، هو الحق الذي ليس غير الخير ~~فيه، زواجها بابن أخي عارف يرفع عن الولد ذنبا ليس ذنبه؛ يزيل من حياته ظلمات الغش ولطخة ~~العار، وعارف في هذا العمل يكفر عن إثمه، ومريم تصادف فيه ولا شك زوجا فاضلا محبا ~~كريما عطوفا حنونا، لقد ms164 هذبه الدهر وعلمته تجارب الأيام، لقد أصلح الشاب شأنه. ~~- ولكن مريم ... ~~- هب أني مخطئ في ظني فلست متحولا عن عزمي، زواجهما لازم ضروري، متحتم عليهما، ينبغي ~~أن يكون للولد أب معروف فلا يلعنه في مستقبل حياته، ينبغي أن يتزوج عارف بمريم ليغفر الله ~~ذنبه، ولا يهمني عاشت وإياه بعدئذ أم لم تعش، الحق يا قس بولس؛ حق الله يعلو ولا يعلى ~~عليه، والعدل قبل السعادة، العدل فوق السعادة ... # جلست مريم تحت الدالية تنظر إلى السهل المنبسط أمامها وإلى البحيرة الزرقاء الراكدة، وقد ~~ظللتها شمس الصباح بظلال الجبال القائمة حولها شرقا وغربا، لقد لقيت أباها، ولقيت ابنها، ~~ولم تكن تتوقع بعد هاته الدهشات المحزنة المبهجة دهشة أخرى، لم تكن تحلم بما يضمره لها ~~القس جبرائيل وبما تكشفه لها مخبآت الزمان. ~~- وماذا يهمني أبي؟ إذا جهرت به إذا ادعيته أفضحه، فينبغي أن أنساه. أما القس جبرائيل فقد ~~صنع صنعا جميلا ليس في إمكان بشر أن يكافئه عليه، صحيح، صحيح، ولكني مع ذلك أكرهه، خدعني ~~مرتين، عذبني ليخلصني مما يظنه إثما فرماني بما هو أشد عذابا وويلا. ومرضي من يخلصني ~~منه؟ جاء بي إلى هذه الديار القاصية، إلى هذا الغور المهلك ليجمعني بابني، وكان في إمكانه ~~أن يستصحبه إلى مصر، إن في كل ما يصنعه شيئا غامضا خفيا، سريا يدل على حب الذات ~~والكبرياء والاعتداد بالنفس، يكسر قلوب الناس ليقيم رأيه، يزدري أشياء الغير ليعزز أشياءه، ~~يجر على الناس الويل والبلاء باسم «الحق السماوي» وباسم الله، فينبغي أن أنساه أيضا، ~~سأشكره في الآخرة يوم أقف أمام الرب إلهي. # آه ما أمر الحياة! لقيت ولدي فلذة كبدي ولا أستطيع أن أفرح بلقائه، لقيت والدي وكأنني ~~لقيت عدوي، ألم يكن عدو أمي؟ أكنت شقيت يا ترى لولاه؟ أكنت لقيت من الحياة أمرها لو ~~أنه أحب أمي وأكرمها فاحتضنتني ورعتني بالتربية، قذف بي إلى هذا العالم وفر هاربا، ~~جبان رعديد! لئيم أثيم! يستحق الذبح. وأين أبوك أنت يا مهجتي، يا حياتي! أتجتمع به يا ترى ~~بعد ms165 موتي كما اجتمعت أمك بك فازدادت حزنا وغما؟ معلمي عارف أفندي! ابن الأكابر! الأديب ~~السري! ويل الشبان أمثالك! ولكني أحببته فجنى علي، أحببته حبا ضحك مني عليه، كنت ~~ساذجة في تلك الأيام، وخطيئتي الكبرى أنني إذا أحببت أحب حبا لا يدرك حدودا ولا يعرف ~~خداعا، لو علمت اليوم مقره لذهبت إليه وولدي بيد والخنجر باليد الأخرى، شقيت الأم فلا ~~يجوز أن يشقى ابنها، لا، وحياة الله! # بمثل هذه الأفكار كانت تزيد نفسها اضطرابا وغمها غما، ولا ريب أن اشتداد وطأة المرض ~~عليها أظلم فؤادها وحرمها لذة العطف والحنان، «الحياة لعنة في الأرض!» هذا أحسن ما قاله ~~القس جبرائيل، فالجميل في الحياة إنما هو الطعم في شبكة الصائد، اللذات حبائل وأشراك مهلكة، ~~والبعد عن اللذات عذاب لا يطاق، ما العمل إذن، ما العمل؟ الحياة لعنة في الأرض! # ولما وصلت إلى البيت عائدة من الكرم وولدها سألها أبوها: لما أنت مضطربة كئيبة؟ # فلم تجبه، دخلت إلى البيت ورمت بنفسها على الديوان وقد أعياها المشي، وأظلم وجهها وقلبها ~~ونفسها من التأملات المحزنة، فاقترب منها القص بولس يطايبها ويطمئنها ويمسح بمنديله العرق ~~المتصبب من جبينها. ~~- لا تخافي يا بنتي. # فقالت على الفور كأنها تضربه بما تقول: لست بنتك، لو كنت أبي لما تركتني أشقى. ~~- أخطأت يا بنتي وندمت على خطيئتي. ~~- وما نفع الندم وقد جوزيت أنا على فعلتك، عشرون سنة من البؤس والعذاب والذل تقاضاها ~~الدهر من دمي ولحمي ونفسي وفؤادي لقاء خطيئتك، ثمن إثمك، ما أجمل هذا الدين دينكم! تقترفون ~~المآثم وتجرون البلاء على العباد وتملأون الأرض فسادا ثم تلبسون المسح وتذرون الرماد ~~على رءوسكم، ثم ... ~~- مريم، مريم، بنتي! # ولم يستطع أن يفوه بكلمة أخرى، خنقته العبرات، ولكن مريم لم تحفل به: أي نعم، تلبسون ~~المسح وتذرون على رءوسكم الرماد ثم هللوا، هللوا، ادخلوا مجد ربكم آمنين. والله لأذبحنك ~~وأذبح ابني وأذبح والده لو كان لي أن أراه، وألبس بعد ذلك المسح وأذري على رأسي الرماد ~~وأعيش على الخبز المبلول بالماء فأموت قديسة ms166 وأدخل مهللة مجد ربي، إذا كانت الحياة لعنة في ~~الأرض فمجد ربي أضحوكة ذميمة، دعني في شقائي، اتركني، إليك عني. # وخرجت إلى المصطبة قدام الباب فجلست هنالك تسند رأسها بيديها وتتأمل أمرها ~~ومصيرها. # فلحقها القس جبرائيل وأخذ يدها بيده فرفعت رأسها حانقة ناقمة ثم أحنته يائسة مستسلمة، ~~فقال يخاطبها: انهضي يا مريم وادخلي غرفتك تستريحين قليلا، انهضي الله معك، فمشت وإياه نحو ~~الغرفة. ~~- ادخلي رضي الله عنك، نامي قليلا، استلقي على فراشك لقد أتعبتك النزهة، واطردي من قلبك ~~مثل هذه الأفكار التي جرحت بها قلب والدك، اطردي من فكرك كل ما يؤلمك ولا يعينك على ~~الشفاء من مرضك، نامي يا بنتي قليلا تستريحي. # ثم جاء يخاطب القس بولس قائلا: لا تكلمها بالأمر الذي تحدثنا به، دعني أعالجه وأعالجها ~~وحدي. # | الفصل الثالث والعشرون # دخل فريد إلى البيت راكضا ينادي الماما، فأمسكه القس بولس وأجلسه على ركبته يقبله، ~~ويقول: الماما نائمة الآن، ألا تحبني يا ابني؟ ~~- من أنت؟ ~~- أنا أبوك. # فهز فريد رأسه مشككا ثم قال: لا، لا، عمي القس جبرائيل قلي البابا ساب ظليف. ~~- صحيح يا ابني، واليوم نراه إن شاء الله. ~~- اليوم؟ البابا؟ البابا كمان؟ # وجعل يصفق بيديه طربا. ~~- أي نعم. ~~- ومن أي بزي؟ ~~- من حيفا. ~~- وأين هيفا؟ ~~- حيفا عند البحر. ~~- البحر في تلهوم؟ ~~- لا، لا، البحر بعيد، # فهز فريد رأسه عابسا. ~~- لا يزي البابا اليوم. # وكان الصغير مصيبا في ظنه؛ لأن عارف مبارك سافر من حيفا ذاك النهار إلى الناصرة فبات في ~~بيته هناك، وعول على أن ينهض باكرا فيركب العربة إلى طبريا فيصل إلى بيت عمه في الغور ~~قرب الظهر، وليلة كان في بيته بالناصرة قص على والديه بعض قصة مريم وابنها وأخبرهما بما ~~هو عازم، فسكت أبوه مطرقا واستشاطت أمه غيظا. ~~- جننت يا عارف، والله بالله! إذا فعلت هذه الفعلة؛ إذا تزوجت بهذه الفتاة الساقطة لا ترى ~~وجهي فيما بعد، رح اعمل ما تشاء، عمك مجنون، وقد أصبت بعدوى جنونه، ابن مبارك يتزوج ~~براقصة ساقطة، بل بخادمة ms167 من خادمات بيته ، يا ربي يا ربي! أي ذنب اقترفنا ليكون هذا ~~قصاصنا؟ أستحلفك بالله وبأجدادك يا عارف أن تقلع عن قصدك، أن تسمع كلمتي، أن تعمل بإرادتي؛ ~~إكراما لأمك الحزينة، عد إلى رشدك، ارجع غدا إلى أشغالك بحيفا، اترك هذه الفتاة وشأنها، ~~اتركها لعمك القسيس المجنون، هو يخلصها ببركاته وصلواته. # فانتهرها زوجها قائلا: اسكتي يا امرأة، اسكتي، في الأمر ما لا تدركينه أنت، القس ~~جبرائيل أعلم مني ومنك بما هو حق وما هو باطل، وعارف بعد هذا وذاك راشد يحسن إدارة شئونه ~~بنفسه، هو الآن ولي أمره، رح يا ابني، اعمل ما تشاء وفقك الله! ~~- وأنت أيضا مجنون، أنت أيضا تريد أن ترمي بابنك إلى التهلكة ولا تهمك الفضيحة ~~والعار. # فانتهرها زوجها ثانية فخرجت الست هند تسبه وتسب أخاه وتدعو على ولدها وعليهما بالموت ~~العاجل. # وفي صباح اليوم الثاني لما كان عارف راكبا العربة قاصدا طبريا جاء القس جبرائيل يسأل ~~مريم أن ترافقه في نزهة إلى تلحوم ليريها خرائب تلك البلد القديمة، وكان قد سكن جأش مريم ~~ذاك الصباح سكونا يتلو العواصف أو يتقدمها منذرا بها، فحدثها القسيس في الطريق بما قد ~~يكون اليوم من أمرها وكشف لها الأخير من ستور السر المحجوب، فنظرت مريم إلى ما وراءه ساكتة ~~باهتة غير حافلة، وبعد أن فكرت قليلا قالت لمحدثها: عملت دائما بما تشاء فلا أقاوم اليوم ~~إرادتك، إنني راضية إكراما لولدي، سأقبله زوجا لي وإن كنت لا أستطيع أن أعيش ~~وإياه. ~~- بل ستعيشين وإياه سعيدة إن شاء الله، عارف يعشقك ولقد ذرف الدموع فرحا حين أطلعته على ~~خبرك وبشرته برجوعك. ~~- ولقد كدت أغرق في بحر من دموع العشاق المخادعين، ويا ليتك لم تنقذني منه حية. ~~- انسي الماضي ماضيك يا مريم، انسي تلك الأيام السوداء. # فنظرت مريم إليه نظرة حادة محرقة، وهتفت قائلة: الماضي؟ ماضي؟ هو شبح مفزع يمشي ~~أمامي، يظلم الأفق في ناظري منه، يحبس عني نور الشمس، يقود نفسي إلى الهاوية، الماضي يا ~~قس جبرائيل سوس ينخر في عظمي، ms168 نار تتأجج في دمي، نمل يدب في جسمي، الماضي؟ ليتك تعرف كيف ~~تعيش المومسات - وقد دعيت بمصر مومسة - ليتك تعرف كيف تعيش المومسات، وكيف تموت القديسات ~~البارات؟ تلبس البائسات الحرير فيظن أنهن راتعات في بحبوحة من العيش باهرة زاهرة، وإن ~~لم يلبسن الحرير يمتن جوعا، حريرهن مسوحهن، والطيوب التي يذرينها على شعورهن وصدورهن ~~إنما هي رماد التقشف والتقوى، المومسة يا قس جبرائيل إنما هي القديسة، تمشي وراء ماضيها إلى ~~النار مستشهدة، وأنا الآن أمشي وراء ماضي، ومهما كان من مستقبلي فإن ما أساق إليه هو هو، لا ~~ينقص بلاؤه ولا يزيد، أنت يا قس جبرائيل مخلصي وأنت صليبي، قبلتك وحملتك صابرة راضية، ولكني ~~لعنتك مرارا في قلبي ولم أزل أكرهك. # فحاول القسيس أن يسكن روعها ويعزيها ببعض كلمات ذاكرا مريم المجدلية، فنهضت عن الحجر ~~الذي كانت جالسة عليه في ظل صفصافة قديمة، وغيظ التهكم واليأس يحتدم في ناظريها. ~~- أي نعم، مريم المجدلية! المومسة القديسة، شهيدة الإيمان والغرام والأوهام، وأنا، أنا ~~... # ثم أشارت بيدها باسمة إلى سلسبيل من الماء قريبا. ~~- تفضل يا مولاي، هذا الماء وهذي يدي وهذا شعري، تفضل يا مولاي إلى الغدير! أظنك اليوم ~~تبارك إكليلي، فتحرمني إكليل الاستشهاد. # وضحكت ضحكة أعادت الإثم إلى جفنيها واللعنة إلى فمها، فأغضى القس جبرائيل على ما بدا من ~~تغيظها وتجديفها وقام يناعمها ويطايبها وهو عائد وإياها إلى البيت. # وبينا هما عائدان كان قد وصل عارف من الناصرة فاستقبلته لطيفة طاهية بيتهم القديمة وفريد ~~الصغير. # يقال: إن الغريزة أصدق من العقل، ولا ريب أنها تصح غالبا بين الآباء والبنين، لما شاهد ~~عارف الولد الذي لم يره قط حياته ضمه إليه وسأله عن الماما، وكان الصغير يحدجه بنظرات ~~من نظرات الأطفال المبهمة كأنه يستطلع حقيقة أمره، ثم قال وهو يقبل الغريب: أنت ~~البابا؟ ~~- نعم يا ابني، أنا البابا. ~~- الماما لاهت تسم الهوا مع عمي القس جبلايل، وتفلت منه إذا شاهد أمه وركض يلاقيها ~~ويبشرها بقدوم أبيه وهو يصفق بيديه طربا: يا ماما، يا ماما، ms169 زا البابا، زا البابا! # فوقفت مريم في الباب والدم واقف في عروقها تنظر إلى الشاب الذي لم تشاهده منذ خمس سنوات ~~نظرة الغريب القريب، بل نظرة الهاجر المحب، فتقدم إليها يقول: أتسامحيني؟ أتغفرين ~~لي؟ # فأحنت مريم رأسها ولبثت ساكتة، فمد عارف إليها يديه مستغفرا مستعطفا: سامحيني، ~~اغتفري، اصفحي. # فبدت على وجنتيها الدموع كالطل على الورد وأخذت يده ذاهلة ساكتة واجفة، صافحته اليد ~~منها ولم تصافحه النفس، وليس عارف ممن يشعرون لأول وهلة ببشاشة النفس أو بتجهمها، فظل ~~قابضا على يدها وتقدم وإياها فأجلسها على الديوان يعتذر إليها ويستغفرها. # فدبت كلماته في قلب مريم دبيب النار المدخنة في جوانب البيت فأدفأته وأظلمته معا، ~~أحست بحنو طالما تاقت إليه في هذه الأيام؛ حنو صاف لا تمازجه الغايات السافلة ولا ~~يشوبه حب المكارم والجميل، فجاءها كالعاصفة دفعة واحدة فضاقت منه صدرا، على أنه وإن كانت ~~قد ضعفت بل ضاعت ثقتها بالناس وصارت تخشى حتى المعروف منهم والإحسان، رضيت بما ساقته إليها ~~الأقدار إكراما لولدها. # جلست على الديوان تنصت إلى كلمات عارف، معلمها السابق، والد ابنها، خطيبها الآن، ولم تفه ~~بكلمة واحدة، وفي تلك الآونة دخل القس بولس فسلم على عارف مبارك، فانبرى القس جبرائيل ~~يتمم واجبات التعريف فاضطرب عليه، فأراحه القس بولس من حيرته وتردده قائلا: أعرفك بنفسي، ~~أنا زوج سارة الراعية التي توفيت في الناصرة منذ خمس سنوات، والفتاة الجالسة إلى جنبك ~~بنتي. # فبهت عارف لهذا الخبر وشرع يقلب نظره بمريم وبوالدها القسيس. ~~- لا تتعجب من جهري، من لا يخجل من الصدق أمام الله لا يخجل منه أمام الناس. # فقاطع القس جبرائيل الحديث قائلا: دعونا من هذا الآن، لقد أشرقت الشمس؛ شمس الحب والحق ~~وأزفت الساعة، أترضى يا عارف مريم زوجة لك؟ ~~- نعم، نعم. ~~- أترضين يا مريم عارفا زوجا لك؟ # فلم تجب مريم فأعاد القسيس السؤال: أتقبلين عارف مبارك عريسا لك؟ ~~- ولماذا تسألني؟ ألم أبح لك بسر قلبي، كمل عملك وأرحني منك. ~~- سري عنك يا بنتي خففي من روعك، هذي ساعة فرحك، ms170 لتكمل مشيئة الله . # ونادى إذ ذاك أجيره أبا إبراهيم ولطيفة، فقال يخاطبهما: عندنا الآن عرس يا أولادي، كوني ~~أنت الأشبينة يا لطيفة، وأنت يا أبا إبراهيم الأشبين. # وبدأ القس جبرائيل بالصلاة، وكان فريد الصغير أثناء ذلك واقفا إلى جنب أمه متمسكا ~~بردائها رصينا عبوسا حائرا بما هو جار أمامه، ولما بارك القسيس إكليل العروسين ركض فريد ~~إلى لطيفة يقول: الخلوف زاع، اسمعيه يمعق، روهي أطعميه، ثم جاء يقول لأمه: اطلعي نطلع علكلم ~~ونأخذ البابا معنا، العنب استوى، وأنا أقطفله العنقود. # فضحك القس جبرائيل معجبا، وقال: خذوا الحقيقة من هؤلاء الصغار، أجل لقد استوى العنب وحان ~~وقت القطاف، ليبارككما الله ليبارككما الله! # فنظرت إليه مريم نظرة ودت لو أنها خنجرا في فؤاده. # ثم هنأهما القس بولس وودعهما قائلا: إذا كنتم تستحيون بي فسأخفي منذ الآن وجهي وأمري عن ~~الناس، وأقيم والقس جبرائيل متنسكا في هذه الديار. ~~- لا يا أبي لا، بل يجب أن تقيم معنا - معي أنا، لا طاقة لي على فراقك، سامحني أبي، اغفر ~~لي، لقد أهنتك وجرحت قلبك ساعة كنت متألمة متعذبة، سامحني. # وأخذت يده تقبلها باكية، فقبلها القس بولس ووعدها أن يقيم قربها: إكراما لأمك وإكراما ~~لك يا بنتي، ويا ليتني توفقت في شبابي إلى هذه السعادة التي أنعم الله بها عليك يا عارف، ~~ليتني ألهمت إلى مثل شهامتك ومروءتك ووفائك، بارككما الله ومتعكما. # ثم قالت مريم تخاطب زوجها: قم بنا نطلع إلى الكرم إكراما لفريد، احمله على ظهرك، امش ~~قدامي على مهل، لا تسرع فالمشي يتعبني. # وبينا هم سائرون في البرية جلست تحت صفصافة تستريح وقد اعترتها نوبة سعال شديدة، فسألها ~~زوجها: أمن زمن تسعلين؟ ~~- منذ أشهر، ولم تشتد علي الوطأة إلا في هذا الشهر. ~~- وهل استشرت الطبيب؟ ~~- لا تسل عما يزيد بآلامي. # ثم نهضت مستنشطة تظهر من الضعف قوة ومشت مصعدة حتى وصلت إلى الكرم على رأس ~~الجبل. ~~- ما أبدع هذا النهار، وما أجمل المشاهد حولنا! تغيب الشمس فتودعها حمائم البحيرة نائحة ~~باكية، ثم تشرق فتستقبلها ms171 نائحة باكية، كأنها تدرك ما لا يدركه الإنسان من أسرار الحياة ~~وحقائق الوجود، أنا بائسة يا عارف وأنت قليل الحظ، سيئ الطالع، عدت إلي مستعطفا ~~مستغفرا يوم لا أستحق أن أرى وجهك ولا أن أسمع كلماتك، لقد تدنس جسمي، وتدنس قلبي، وتدنست ~~نفسي، آه أواه! حياتي نغمة من نوح الحمام، حياتي قطرة من دم طائر مذبوح، حياتي شعاع من ~~هذه الشمس الغاربة، شعاع لامس الأرض فتبدد نوره، نقطة دم امتزجت بالتراب فاعتراها الفساد، ~~أغنية سمعتها آذان البشر فضحكت منها قلوب البشر، راقصة ... # فقاطعها فريد وهو قادم إليها يقول: ماما، هذا عنقود للبابا. ~~- خذه منه، هذا عنقود السعادة، إذا ظل على الدالية يبلى، وإذا قطف لا يدوم، بل هذا الصغير ~~الحبيب عنقود سعادتنا، ويلاه! لولاه اليوم لكنت سعيدة، لولاه لعرفت ما أفعل، لعرفت مصيري، ~~لقررت أمري، لأنهيت حياتي. ~~- ما بالك يا حبيبتي، ولم هذا اليأس؟ إذا كان مرضك يقلق بالك فمرضك إن شاء الله يزول، ~~غدا أعود بك إلى حيفا نستشير الطبيب، وإن كنت لا تحبين الإقامة هناك فأقيم وإياك حيث ~~تشائين، ننتقل إلى لبنان، إلى مصر، إلى باريس، إلى حيث يميل قلبك. ~~- قلبي لا يميل إلى شيء، كان قلبي نارا موقدة فصار رمادا، وبلاد الله في عيني كالغور، ~~وحياتي كالنبع المالح الذي شاهدته اليوم، الكامن في الأدغال تحيط به الدفلى وورق البردي ~~والقصب والشوك، فإذا اخترقتها سالما تشاهد غديرا بهيجا مترقرقا يركض إلى البحيرة منشدا ~~نشيد السرور، فتهتف قائلا: ما أجمل وجهك في ظلال الدفلى والقصب، وما أبدع صوتك في سكينة ~~الأدغال! ولكنك إذا شربت منه تجد مياهه مذقة مالحة. ~~- كفاك من هذه التأملات المحزنة، كفاك من هذه الأوهام، تعالي نشاهد من ذاك المطل مشهدا ~~يزيل الأكدار ويبهج القلوب. ~~- أين فريد؟ # ونهضت مريم مذعورة تتلفت منادية ابنها، فأجابها من تحت الدكة ثم صعد الدرجة وجاء راكضا ~~هاتفا: ماما، ماما، عسفول، عسفول. # وكان الولد قد رأى عصفورا متفلتا من قضيب نصبه هناك أحد الصبيان ولم يزل على جنحه شيء ~~من الدبق، ms172 فلحقه وأمسكه وجاء والديه يريهما إياه بهجا طربا: عسفول عسفول، مسكته تحت ~~الهفه. # فتأمله عارف وقال مخاطبا عروسه: قلبك مثل جنح هذا العصفور، حط على قضيب الصائد ثم تفلت ~~ولم يزل الدبق عليه يمنعه من الطيران، لذلك أنت حردة يائسة. ~~- وما أقل حظ من يمسكني ويغسل جنحي، تعال يا حبيبي نمشي والبابا. ~~- ماما، بكله أغسل العسفول وأربطه بخيط. ~~- برافو فريد، برافو! لقد رد صغيرنا عليك وأفحمك، اركب على ظهري، هات يديك، مكن رجليك، ~~امش قدامنا يا حبيبتي فنماشيك، على مهل، على مهل. # ولما وصلوا إلى ذاك المشرف العالي بدت البلاد أمامهم في حلة باهية حاكتها شمس المغيب، ~~فأكسبت مروجها رونقا وآفاقها اتساعا، هنا سهل الغوير يزدهي ببساتينه وتترقرق فيه الينابيع ~~ماء طهورا، وماء أجاجا، وهناك إلى جوانب البحيرة جبال شامخة قائمة كالقلاع على ضفاف ~~البحار، وسواد أحراجها وأدغالها يستحيل من نور المغيب ازرقاقا فاحمرارا فاصفرارا، ~~والبحيرة كالطفل على صدر أمه هادئة ساكنة تنصت إلى هديل الحمام وتسمع فوق الهديل حفيف ~~أجنحة النسور، وهنالك شمالا يبدو جبل الهرمل أبيض اللمة يحيي الجبال المتوارية وراء قمة ~~طابور، والشمس فوق الناصرة المحجوبة عمن وقف فوق سهل الغوير تشع بأشعتها الصفراء المائتة ~~فتملأ السهول المنورة حزنا وتصفر لفراقها وجوه الربى، وفي هذه السكينة يسمع الواقف على ذاك ~~الجبل طنين أجراس المواشي عائدة إلى زرائبها وأجراس خيل العربات في الطريق المختبئة تحت ~~جفن الجبل. # فقالت مريم وهي في وسط ذا المشهد: أجمل وأحزن ما فيه؛ غروب الشمس غروب الحياة. # ثم ضم فريد صوته إلى أصوات الحمام والأجراس سائلا: بابا، أين تلوه الشمس؟ ~~- تسوح في الأرض يا حبيبي. ~~- وبكله تلزع؟ ~~- بلى. ~~- وليس تلوه الليلة إذا كانت بدها تلزع بكله، ما تتعب من المسي في الليل؟ # فضحك أبوه وقال مطمئنا: غدا نعزمها تبيت عندنا. # فضرب فريد كفا على كف هاتفا: أيوا، وبكله أنام أنا والسمس، أنا أهب السمس. # فضمته أمه إلى صدرها وجعلت تقبله ضاحكة باكية. # ولما عادت وإياه وزوجها إلى البيت كان القس بولس والقس جبرائيل ms173 ينتظرانهم للعشاء، وكانت ~~لطيفة قد أعدت لهم مائدة فخمة من سمك البحيرة المشوي والمقلي، ولحم الضأن المطبوخ بالخمر ~~والدجاج المحمر والأرز المفلفل والمحاشي والرمان المفروط بالسكر، والجبن والعسل وتوابعهما، ~~فقدمت الألوان دفعة واحدة على طبق كبير من النحاس الأبيض الشامي المنقوش، وهي تقول: لو كنت ~~أحسن الكتابة يا بنتي مريم لكتبت لك لائحة الطعام، تفضلوا. # ولم يفهم غير مريم هذه الإشارة، فابتسمت وأشارت إلى لطيفة أن اسكتي، وجلس الجميع على ~~مساند إلى المائدة، ولطيفة واقفة تنتظر الأوامر وتقص عليهم بين الفصل والفصل من قصص فريد ~~وعجائب ذكائه. # وقد كان إصغاء مريم إلى هذا الحديث أكثر من أكلها، وبعد العشاء قدمت القهوة وجاءت لطيفة ~~بأركيلة إلى سيدها عارف أفندي، وخرجت ومريم إلى المصطبة قدام الباب تستنشق الهواء، ثم عادت ~~تقول لزوجها: غدا نسافر من هذه الأديار، لا أقدر أن أعيش هنا، الوحشة تروعني، والحر ~~يهلكني، أكاد أختنق. ~~- مؤكد، مؤكد، سنسافر غدا. # ودخلت مريم إلى غرفتها تخلع ثيابها، ثم جلست أمام الشباك تتأمل الظلمات المخيمة على ~~السهول والجبال، وكان الليل ليل الغور هادئا خامدا ساكنا لا يحركه من أصوات الأرض غير ~~خرير الينابيع التي لا تسمع في النهار، وصرير الجنادب الذي لا يتعشق غير الظلمة ولا يتحمس ~~في أناشيده لها إلا إذا سكت الليل من شدة الحر منصتا، وكانت ترى بين الأدغال وفي جوانب ~~الربى أقساما من مجاري المياه تتلألأ كأنها سيوف وحراب امتشقتها العبيد السود ليدفعوا عنها ~~بلية مقبلة، نظرت إلى السماء فرأت النجوم تهتز فيها كأنها دراهم في يد بخيل أو أزاهر من ~~النيلوفر في بحيرات يداعبها النسيم. # شربت مريم كأسا من يد الليل فزادتها أرقا وغما، نظرت من شباكها في وجه هذا الليل ~~الأسود، وفي عيونه المتعددة البيضاء الصفراء، فهالها جموده وسكوته وأرقها منه تلك اليد ~~الممدودة تحمل كأسا أخرى؛ كأس الذكرى والأسى، وكأنها سمعت تنهداته وهو واقف أمامها حزينا ~~مثلها يقول: تعالي أحملك إلى بلاد النسيان، تعالي أسقيك في بيتي غير هذه الكأس، في بيتي عند ~~باب الشمس. ms174 # أحست مريم بشيء يشتعل في فؤادها، بل كادت تسمع فيه تأجج النيران، فهتفت صارخة: ليت شعلة ~~من الجحيم تحرق جسدي، جسدي هذا الذي تضن به نفسي علي. # وراحت إلى الباب فأقفلته، ثم عادت تفكر بما جرى لها في فترة من الزمن قصيرة، وبما ~~صادفته من أسباب السعادة التي تسعد أية فتاة في غير حالها. ~~- لقيت ابني بعد أن ظننته ميتا، لقيت أبي فإذا هو أب محب حنون رقيق الشعور كريم ~~السجايا عظيم الخلق، وعاد من قطف زهرة حبي يستر حملي مستغفرا فاعتنق ذنبي وتزوج عاري، أرى ~~حولي أيادي لا تتحرك في غير خدمتي، أسمع حولي أصواتا لا تردد غير كلمات الحب والمعروف ~~والعطف والحنان، القس جبرائيل يغمرني بإحسانه، والدي يدهشني بعطفه وحنانه، عارف يحزنني ~~بمروءته وشهامته ووفائه، وولدي ولدي! آه من نغمات صوته وأزاهر ابتسامه وضياء نظراته، لولاها ~~لكنت سعيدة، لسلمت نفسي إلى الليل يحملني إلى عالم النسيان يدفنني في قلب ظلماته، نعم نعم، ~~بنوا لي هيكلا من أزاهر السعادة فدخلته فإذا هو خربة تصفر فيها الرياح، آه ثم أواه، ما ~~أجملك، أيام الصبوة! أيام السذاجة، ما أبهاك! يوم كنا نقطف زهرة الأقحوان فنعد بتلاتها ~~مؤمنين بما تقول واثقين بما تحكم كأنها صوت من السماء، واليوم اليوم؟ إن أصوات السماء ~~المتجسدة حبا وإحسانا لتقع على آذان منا صماء وقلوب مستحجرة، ربي ما أجمل جسد الحب، وما ~~أقبح نفسه! ما أبهجه في عيني، وما أكرهه في فؤادي! ما أجمل الفضيلة بعيدة وما أقبحها ~~قريبة! تنادينا من العلاء فننصت إليها ونجيبها ونسعى إليها طاقتنا، ثم تلمسنا بيدها المحناة ~~بعناء الجميل فننفر منها هاربين. # وسمعت إذ ذاك بومة تنعق فاستنكرت صوتها ونهضت عن الكرسي مذعورة، فجلست على الديوان قرب ~~السرير تمسح العرق المتصبب من جبينها ووجنتيها وصدرها، فعثرت بالذخيرة المعلقة في عنقها، ~~فجعلت تقبلها مناجية أمها، وذكرت الليلة التي حلمت ذاك الحلم، فسمعت أمها تقول لها: اخرجي ~~من القاهرة. ~~- خرجت من القاهرة التي فزت فيها وسقطت فيها، وها أنا في محيط من السعادة ms175 أسمع أصوات ~~الحياة ؛ حياة الفن، حياة الجهاد، حياة المجد، حياة الشقاء، فأود أن ألبيها، أمي، أمي! أنت ~~الوحيدة التي لا يغير البعد ولا القرب حبها ولا الموت ولا الحياة، ليتك الآن إلى جانبي أشعر ~~بلمس يدك وأسمع صوت حنانك اللذيذ. # وقفت أمام الشباك كأنها تنادي أمها، فسمعت زوجها يطرق الباب فلم تفتح، فظنها عارف نائمة ~~وعاد إلى غرفته، ولكن مريم حاولت أن تنام فحال الحر دون رغبتها فخرجت من غرفتها إلى الفناء ~~تمشي حافية على البلاط، فسرت في رجليها إلى قلبها نفحات باردة أنعشتها، ثم تحرك الليل فهب ~~نسيمه فبرد جسمها المحترق وجفف العرق المتصبب منه، ولامست نفحات السحر جفنيها فأخذها ~~النعاس. # دخلت غرفتها ونامت ساعة فأيقظتها نوبة من السعال شديدة أقامتها فجأة من سريرها، فسمعها ~~عارف تسعل فنهض من فراشه مسرعا وجاء يحمل شمعة مضيئة، فتح الباب ودنا من مريم يسند رأسها ~~وهي تسعل، فأحس برعشة غريبة مضنكة إذ لامست يده شعرها المبلل بالعرق البارد، وجمد الدم في ~~عروقه حين رأى الدم في الطشت أمامه، فمرت في مخيلته كالبرق صورة عمه القسيس وسمع صدى ~~لعنات رددها في قلبه. # عادت مريم إلى سريرها فجلس عارف على كرسي إلى جانبها يربت يديها ويواسيها. ~~- اتركني يا عارف، لا بأس علي وحدي، رح نم يا أخي، رح نم، أعطني الإبريق قبل أن تتركني، ~~وملعقة من تلك القنينة، سلمت يداك، اتركني الآن، وأقفل الباب. # | الفصل الرابع والعشرون # كان القس جبرائيل منشغلا بفحص أوراق له قديمة حينما دخل عليه القس بولس والقلق باد في ~~وجهه، فحياه يسأله عن حاله: وما لي أراك مضطرب البال؟ ~~- هل أخطأت في ما فعلت؟ ~~- لم أفهم ما تريد؟ ~~- هل أخطأت في جهري أن مريم بنتي؟ # فعمد القس جبرائيل إلى أوراقه يقلبها وهو يقول دون أن ينظر إلى أخيه الراهب: وهل أنت ~~مرتاب بما تظنه حقا؟ # ثم دفع إليه تلك الورقة التي لقيها عند حمامات طبريا لما كان هناك واحتفظ بها، فقرأ ما ~~فيها القس بولس مدهوشا وقد علم أنها من ms176 أوراقه، من أوراقه ، وبخط يده. ~~- فيها جواب على سؤالك. ~~- نعم، نعم، وفيها ما هو أرسخ بنفسي من التعاليم الدينية والأدبية، هذا يا قس جبرائيل من ~~أوراقي، أنا كتبتها وحق ما كتبت: «لولاك يا ربي لمن يعترف المجرم الأثيم»، «الاعتراف مرهم ~~النفس» حق هذا، حق ما كتبت، وبهذا أبشر، وبهذا أنا عامل، ولكني أحس من نفسي الآن وهنا ~~فاعذرني إذا لجأت إليك، العلم لا ينفع في الشدات نفع نفحة من نفس سامية أو شذرة عزاء وتشجيع ~~من ذي خلق مجيد عظيم، فلا تضن علي باليسير من كثيرك، إني متيقن يا قس جبرائيل أن أيامي ~~ستكون كلها سوداء إذا قضيتها بعيدا من بنتي، وإذا أقمت معها أو قربها أكون عليها وعلى ~~زوجها منشأ عار دائم وبلاء مستمر، أنا معذب بين واجبين؛ واجب بشري وواجب إلهي، بنتي أحبها ~~ولا أطيق وحياة الله فراقها، ولما جهرت بالحقيقة أمام عارف زلقني ببصره كأن يرميني بأفظع ~~الآثام، طعنني طعنة أدمت فؤادي كسرت نفسي، فعلمت آسفا أن من المستحيل أن أرى ابنتي بعد أن ~~تنتقل إلى بيته. ~~- ستراها هنا، ستجيء مريم من حين إلى حين في فصل الشتاء لتقضي عندنا بضعة أسابيع. ~~- ولكنها لا تقيم وزوجها بلاي. ~~- كلام النساء، فإنها لتنساك حين تشفى من مرضها وتنساني، فتنصرف عنك وعني إلى زوجها ~~وولدها. ~~- وهل تظنها تشفى من ذا المرض، إني لأخشى عليها منه، ولا أحب أن أفارقها ما زالت مريضة، ~~أسفت لجهري المبتسر، ليتني لم أفعل. ~~- إن ما فعلت حق، وقد تكون واهما في ما تظنه بعارف، فهو كريم الأخلاق شريف النفس. ~~- لا أنكر ذلك، ولكنه لا يطيق أن يرى في بيته الراهب الذي هو والد زوجته، ولقد طالعت ذلك ~~في عينيه، ولا لوم عليه، على أني أظن أنه مساق إلى ما فعل بما تقول أنت يا أبتي، لا تسئ ~~فهمي، أظنه وزوجته ينجذبان إليك مطيعان لك، عاملان رغم إرادتهما بمشيئتك، ولا أظنهما يعيشان ~~سعيدين، إذا شفيت البنت من مرضها. ~~- يا قس بولس، أنت أطول مني باعا في ms177 العلم والفلسفة والآداب ، ولكن نفسي ترى ما لا يراه ~~علمك، إنما رجل الله يا قس بولس من عمل بحق الله، واقتبل شاكرا مستسلما كل نتائجه ~~وعواقبه، وحق الله ما تم عندنا البارح، وحق الله أن نعيش صادقين مخلصين وإن عشنا تعيسين ~~بائسين. ~~- وأنا اليوم كسير القلب، كسير النفس، بل أنا اليوم أشد الناس بؤسا وبلاء بنتي، بنتي، ~~حرمت رؤيتها عشرين سنة ولم أنسها يوما واحدا، واليوم وقد حقق الله بغيتي القصوى يفسدها ~~علي عبده، أيمنحني الله نعمة فيحرمنيها الإنسان؟ لا وحياة الله لا، سأقيم قربها ولو ~~متنكرا سأزورها ولو شحاذا. ~~- لو كنت خامل الذكر لاستطعت ذلك، ولكنك معروف مشهور حيث سرت وحيث أقمت، والجرائد اليوم ~~تلهج بذكرك، وا أسفاه، اقرأ ما كتبته عن غصن البان وأصحابها الرهابين، قد وصلتني هذه ~~الجرائد اليوم. # طالع القس بولس مقالة في إحداها ونهض يلطم خديه ومنكبيه: «قد فتن القس بولس عمون الواعظ ~~الشهير بغصن البان الراقصة وفر هاربا وإياها.» هذه الكلمات في الجريدة سملت عينيه ومزقت ~~أحشاءه - رحماك ربي! رحماك ربي! إن بلايا أيوب كلها لو بليت بها لأخف علي من هذه البلية، ~~سأطلعهم على الحقيقة، سأطلعهم على الحقيقة، نعم نعم من السر سريرة ألبسه الله رداءها، ليعلم ~~العالم إذن بدخيلتي، بسري، بذنبي، بعاري. # وعمد إلى القلم والورق يكتب كتابا عموميا إلى جرائد القاهرة، يقول فيه: إن غصن البان ~~بل مريم الناصرية هي ابنته من لحمه ودمه، وشخص تلك الساعة إلى طبريا فسلم الكتاب إلى مدير ~~البريد هناك فنفثت بعض كربته، وعاد إلى البيت في الغوير ماشيا يجتاز في طريق جميلة تطوق ~~الربى إلى جانب البحيرة متغلغلة في البساتين منسابة في الحقول، فدخل المجدل والشمس تميل إلى ~~المغيب وجلس إذا وصل إلى تلحوم يستريح، فشاهد في خرائب تلك البلد ما رسمته الشمس في أطلالها ~~من الأظلال والأضواء المتقطعة، فقال في نفسه: وما أشبه الدين اليوم والبر والتقوى بهذه ~~الخرائب المقدسة وما يتخللها من نور زائل وظل يميل إلى الزوال، وكل ينكر الشمس ويظنها ~~ذراعا ms178 من النور؛ نور الله الأزلي الأبدي، وأنت أيتها الشمس، بل أنت أيها السيد المسيح ~~محجوب سناؤك، مشحوب بهاؤك، الويل لك يا كفر ناحوم، الويل لك يا بيت صيدا، يا كفر ناحوم مصر، ~~يا كفر ناحوم فرنسا، الويل ثم الويل لك، بل الويل ثم الويل لكتبة هذا الجيل وفريسي هذا ~~الزمان، وأنا منهم، أنا القس بولس عمون، أنا إيلياس البلان منهم، أقمت بينهم خمس عشرة سنة، ~~اردد رطاناتهم، وأزين خزعبلاتهم، وأسلك مسلكهم، عابدا تزاويقهم، متناهيا في سبيل ~~معبوداتهم، بلى، بلى، أفلم يرقني رقص غصن البان فحملت عليه؟ أولم أقل في نفسي ليس في ذا ~~الرقص ما يفسد الأخلاق ويخل بالآداب ثم نددت به من على منبري؟ قريبا، أحسست بميل إلى تلك ~~الفتاة وفنها فلعنت الاثنين؛ لأن التقليد كان مستعبدا نفسي والخبث مالكا معقولي، ارحمني ~~يا الله حسب رحمتك وحسب كثرة رأفتك امح معاصي، ومهما كان من أمري وأمر بنتي فإن حناني ~~الأبوي - اللهم - حنانك، وما حبي اللهم إلا ذرة من حبك. # صلى القس بولس في خرائب كفر ناحوم صلاة المساء وعاد إلى البيت يناجي نفسه ويقول: الرقي ~~الحقيقي والدين الحقيقي والآداب الحقيقية إنما هي في خروجنا من أنفسنا حين يتهدم هيكلها ~~وتغيب شمسها، حين تمسي بلى، بلى. ولماذا حمل بياني على ما أقره وجداني؟ لأني ولا مشاحة ~~كنت كالطلل الدارس في الغور الدامس، حين تمسي مثل كفر ناحوم. # نام تلك الليلة وفكرة جديدة تشرق في نفسه، وفي صباح اليوم الثاني أخبره عارف بما قاسته ~~مريم ولامه على مجيئهم بها إلى الغور. فقال القس بولس: والأجدر بك أن تلوم عمك. ~~- عمي؟ لا أدري ما يصنع عمي، أعماله تحير العقول. # ثم جاءت مريم تقبل يد أبيها وتقول: سنسافر اليوم، هذه الساعة، ألست متأهبا يا ~~أبي؟ ~~- لا يا بنتي، لا يمكنني أن أسافر وإياكم، ولا أن أقيم في المدينة معكم، ولكني سأزورك من ~~حين إلى حين. # فصاحت مريم وقد اغرورقت عيناها: أتهجرني أبي؟ أتهجرني في شدتي. ~~- ولكن زوجك يا بنتي خير رفيق وخير أب ms179 لك. ~~- لا وحياة الله! لا أسافر بلاك، سأبقى هنا، سأقيم وإياك وولدي حيث تقيم، وسأخدمك وأكون ~~لك ابنة محبة طائعة لا يهمها في العالم غير ابنها وأبيها. ~~- ولكنك في حالة تقضي عليك بمشورة الطبيب، وتقضي علينا بخدمتك والاعتناء بك. ~~- ولماذا تتركني إذن، دخيلك أبي، تعال معنا. # فقال عارف معقبا بلهجة باردة على كلام مريم: تعال يا أبتي معنا، تعال وعمي تقيمان في ~~البيت عندنا على الرحب والسعة، وليس ما يوجب عليك أن تطلع الناس على دخيلة أمرك. # فقال القسيس والنار تحتدم في ناظريه: ليس ما يوجب علي الصدق والإخلاص؟ أنت شاب يا ابني ~~تبتسم للحياة فتبتسم الحياة لك، ولا تدرك ما في أعماقها من البؤس والشقاء، أطلعتك على سري ~~فازدريتني ولا حق عليك، ولست أنا لصا ولست نبيا، فأسلبك راحتك وأنذرك بما قد يكون من ~~أمرك، كشفت لك سري؛ لأني لا أريد أن أخدعك فتخدع نفسك وتخدع زوجتك، فهل تنكرني الآن فتخدع ~~الناس وتخدع الله؟ سأبقى بعيدا منك وإذا أنكرتني أنا عمك والد امرأتك فلا أحرك ساكنا في ~~تكذيبك، اعمل ما تشاء وما تطمئن له نفسك ونفس زوجتك. ~~- لا تطمئن نفسي يا أبي إلا بقربك مني، والدي العزيز لا تهجرني بعد أن لقيتني، هذه ذخيرة ~~أمي على صدري أستحلفك بها أن تسافر وإيانا وتقيم عندنا، وإذا كان عارف لا يريد ذلك فأنا ~~أفضل الإقامة وإياك في هذه البرية، فأموت بين يديك سعيدة، نعم، نعم، أفضل أن أموت بقربك على ~~أن أعيش بعيدا منك. # وجاء إذ ذاك القس جبرائيل يقول: وهل وطنتم النفس على السفر؟ فقال عارف: نعم. وقالت مريم: ~~لا. # فأسر القس جبرائيل إلى القس بولس كلمة، ثم قال: سافري يا بنتي مع زوجك وولدك، وبعد ~~يومين أزورك والقس بولس في بيتك الجديد، وإذا اصطفتم في لبنان نرافقكم ونقيم وإياكم ~~هناك. ~~- أصحيح ما تقول؟ أتسافر وإيانا إلى لبنان يا أبي، إذن لنسافر من هنا. ~~- ذلك مستحيل، ينبغي لي أن أعود اليوم إلى حيفا لقضاء بعض حاجات وسنسافر إذا شئت من ms180 هناك ~~بحرا. ~~- ليكن ذلك يا بنتي، سافري اليوم وزوجك. ~~- وهل تسافر وإيانا إلى لبنان. ~~- نعم، نعم. ~~- وبعد يومين أشاهدك بحيفا عندنا؟ أتزورنا بعد يومين؟ ~~- نعم، نعم. ~~- ونسافر يومئذ إلى لبنان. ~~- نسافر إلى لبنان. # وبينا كان القس جبرائيل يتناول العشاء وضيفه ليلة ذلك النهار خاطبه قائلا: ما ضرك لو ~~أقمت عند بنتك؟ ~~- لا يضر ذلك بي بل يضر بها وبزوجها. ~~- وهل أنت متيقن؟ هل أنت مؤكد أن عملك هذا إنما هو إكراما لهما فقط، لا تجبني على هذا ~~السؤال، أجب نفسك، أجب ربك. ~~- كل كلمة من كلماتك يا قس جبرائيل تفتح بابا من الحق للنفس وبابا من العذاب. ~~- والعذاب في سبيل الحق عذب، وإنه لمحتم علينا قبول ما جره السالف من أعمالنا وذنوبنا، ~~القضاء لا يرد، والله سبحانه لا ترد أحكامه، وإن الحقيقة التي تطهر النفس لفوق السعادة، أي ~~نعم، وما شأن السعادة يا ترى إذا قابلناها بفضائل النفس السامية، بالصدق والإخلاص والبطولة ~~والصبر والاستشهاد في سبيل الحق، فالحق يعلو ولا يعلى عليه، ما كان مكتوما سيعلن وما كان ~~مختبئا سيظهر، لتكمل مشيئة الله. # فطأطأ القس بولس رأسه مرددا: لتكمل مشيئة الله. # وفي صباح اليوم الثاني نهض باكرا يودع القس جبرائيل. ~~- إلى أين يا أبتي؟ ~~- إلى حيفا. # فأحنى القس جبرائيل رأسها قائلا: رافقتك السلامة. # | الفصل الخامس والعشرون # وقفت مريم في شرفة البيت بحيفا تنظر تارة إلى البحر وتارة إلى جبل الكرمل ثم تدور ~~ببصرها وبقلبها إلى فريد الواقف قربها يسائلها عن البواخر في المرفأ، البحر فالسفر فالحرية ~~فالجهاد فالإقبال فالمجد، لقد لاحت هذه الكلمات في جوانب نفسها كوميض البرق فأنارت هنيهة ~~ظلامها واستفزت الخامد في منازعها. # ونظرت إلى الدير على قمة الجبل المقدس فأخذتها رعدة دبت إلى صدرها فأثارت كوامن غمها، ~~ذكرت أيامها في الدير بالناصرة فصعدت الزفرات، وذكرت يوم سافرت من هذا الشاطئ ومدام ~~لامار فاعترتها هزة أيقظت فيها رواقد الرغبات والهمات. # وهب هواء البحر فوق البساتين يحمل إليها شذا الورد والفل والياسمين فأنعش فؤادها ~~وأحيا المائت من آمالها، فجثت ms181 أمام ولدها تضمه إلى صدرها، وتقول: شفيت يا حياتي، شفيت يا ~~عمري، وغدا نسافر، غدا، غدا. # وكان زوجها وهو ينتظر قدوم الطبيب جالسا على الديوان في فناء الدار منقبض النفس مستسلما ~~إلى الأفكار والهواجس: إذا كانت تفضل أن تقيم ووالدها لم قبلت بعقد الزواج يا ترى؟ ولكنها ~~معذورة، المرض يذهب بمحاسن الخلق والخلق، وهذا الراهب أبوها، راهب مجنون، سيجيء غدا بيتي ~~يقيم فيه وابنته، على رأسي الابنة، أما الأب؟ فلا أعرفه ولا أحب أن أعرفه، لا والله، حسبي ~~ما اقتبلت وما قاسيت، أمي أبي أهلي الناس كلهم ينظرون إلي شذرا ويضحكون مني، وإذا علموا ~~بأمر الراهب يسلقونني بألسنتهم، تأكلني نار الشماتة والسخرية، لا والله لا، إذا جاء هذا ~~البيت يجد الباب مقفلا دونه، ليرجع إلى ديره يستر فيه عاره. # جاء الطبيب يلهث وينفخ مستعيذا بالله من الحر والغبار، فجلس على الديوان يستريح ونزع ~~طربوشه يمسح العرق المتصبب من جبينه، وبعد أن شرب كأس الشربات الذي قدم على صينية من الفضة، ~~دخل إلى غرفة مريم ففحصها فحصا بسيطا؛ جس نبضها، وأخذ حرارتها، وألقى رأسه على صدرها ثم ~~قال: ظننت الأمر خطرا يا خواجة عارف فجئت كما ترى مسرعا، فلا شيء والحمد لله يزعج البال، ~~التهاب خفيف في شعب الرئة ودرجة واحدة من الحمى. # وكتب الوصفة وسلمها إلى الخادم، وجلس على الديوان يدخن بالأركيلة التي أعدت له ويشرب ~~القهوة، وبعد أن هنأ عارفا وطمأنه وباحثه في القديم والحديث من أخبار الدولة والدول ودع ~~وانصرف. # ولكن عارفا ظل مشككا، وبعث يستدعي الطبيب الإفرنجي الشهير ليتحقق ما قاله الطبيب ~~السوري، فعاد الخادم يقول: الحكيم يكون هنا الساعة الثامنة مساء، والموعد في لغة إفرنج ~~الشرق وقت غير محدود، ففي الساعة التاسعة سمع ضجيج سيارة في البستان، سيارة الحكيم! دخل ~~حضرته والقبعة في يده، فسلم باللغة العربية التي يحسن شيئا منها، وراح توا يفحص ~~المريضة فحصا دقيقا؛ وضع قلم الحرارة في فمها وأخذ نبضها يجسه والساعة في يده الأخرى، ثم ~~فحص لسانها وقبض على لحيته واجما، ms182 ثم استخرج من جيبه آلة فوضعها على صدرها وظهرها يستطلع ~~خبر رئتيها فهز رأسه مرتابا، ثم ضرب بقضيب من النحاس عظم ساقها وقطب جفنيه، ثم سألها أن ~~تمد يدها وتبسط أناملها فشاهد فيها اهتزازا قليلا، فضجرت مريم وتأففت ولم تجب الطبيب إلا ~~على بعض سؤالاته المتعددة. # خرج حضرته وعارف إلى فناء الدار يحدثه بأمرها، وسأله سؤالين امتقع لهما وجهه ولم يدر ما ~~يقول جوابا: مرض الست على ما يظهر مزدوج، يلزمها راحة بال وهواء نقي وغذاء، لتفتح شبابيك ~~غرفتها ليل نهار، لتلازم سريرها بضعة أيام، وبعدئذ انقلها إلى الجبال؛ جبال لبنان حيث يكثر ~~الصنوبر، وسأعودها بعد يومين. # ودفع إلى عارف الوصفات التي خطتها أنامله وأملاها عليه علمه الغزير؛ أربع وصفات لا ~~غير. ~~- لتشرب من هذا قبل الأكل ومن هذا بعده، ولتدهن من هذا، ولتتنشق من هذا. ~~- وهل من خطر على حياتها؟ # فبزم الحكيم شفتيه وذوى ما بين عينيه وأمال برأسه مفكرا، ثم قال: في كل مرض خطر على ~~الحياة وأمل بها، والأمل بشفاء الست أكبر من الخطر. # وأمر عند الوداع أن تفرد أواني الأكل والشرب عن أوانيها، فعاد عارف يهز رأسه ويقول: هذا ~~ما توقعت، هذا ما خشيت، وخطر في باله أن يسأل الحكيم سؤالا آخر فلم يلحقه في الباب، كر ~~دولاب السيارة وراحت تهدر خارج البستان. # وفي اليوم الثاني أحست مريم بتحسين في حالها، ولم تفتح واحدة من القناني التي وصفها ~~النطاسي الإفرنجي الشهير، ونزل عارف إلى مكتبه يتفقد أشغاله، فسمع من أقوال الناس ~~والإشاعات عن امرأته وأبيها الراهب ما أثار شجونه وهاج كوامن غيظه، وعزم أن ينقل مريم إلى ~~لبنان ريثما ينتسى أمرها. # وبينا كان عارف في مكتبه جاء القس بولس، وكان قد وصل ذاك اليوم ليتفقد ابنته، فوقف في باب ~~البيت بحيفا كما وقف في ذاك الباب في شارع قصر النيل. ~~- مستحيل يا محترم الخواجا في المكتب، الست مريضة والطبيب لا يؤذن لأحد بمقابلتها. ~~- هذا قانون للغرباء. ~~- لكل الناس يا محترم. ~~- لا بد من أن أدخل. # وهم ms183 القس بولس بالدخول فأوقفه الخادم قائلا: لا لوم على خادم يعمل بأوامر سيده، أرجوك أن ~~تخرج. # فصاح القس بولس به: ياو ياو! سيدتك بنتي، بنتي، ألا يؤذن لوالد أن يرى ابنته؟ ~~- لو جاء السلطان اليوم ما أذنت له بالدخول. # فطأطأ القس بولس رأسه وانثنى راجعا، فجلس تحت نخلة في البستان ينظر إلى البيت والنفس منه ~~حزينة حتى الموت. # وكانت لطيفة ربيبة فريد قد سمعت ما دار من الحديث بين الخادم والقسيس فجاءت مسرعة تخبر ~~سيدتها، فاستشاطت مريم غيظا وراحت تنادي أباها فالتقت بالخادم في الباب. ~~- ومن أعطاك هذه الأوامر؟ ~~- الخواجا عارف يا ستي. ~~- داهتك داهية أنت والخواجا عارف. # وخرجت إلى البستان تنادي - أبي أبي! فسارع القسيس إليها مجيبا وجلس وإياها على مجلس في ~~الجنينة تحت النخيل. ~~- أزورك هنا يا بنتي، لا أدخل البيت. ~~- بلى، بلى، دخيلك أبي. ~~- وغدا أزورك يا بنتي، أنا مقيم في النزل، وسأظل في البلد إلى أن تشفي، وسأزورك هنا في ~~البستان كل يوم. ~~- ولكن الطبيب أشار بالسفر إلى لبنان. ~~- فأسافر وإياك كما وعدت. # وفي تلك الآونة جاء عارف عائدا من مكتبه فسلم على القس بولس ولعنه في قلبه، فقالت مريم ~~مخاطبة زوجها: أفلا تريد يا عارف أن يزورني أبي؟! أمرك يا سيدي مطاع، أمرك مطاع. # ثم ودعت أباها قائلة: سأزورك أنا في النزل يا أبي، ولا أكلفك إلى ما فيه ~~إهانتك. # ودخلت وزوجها إلى البيت تصر بأسنانها وتحاول كظم غيظها، فلم تنم تلك الليلة إلا ~~قليلا. # وفي اليوم الثاني اشتدت وطأة الحمى عليها، واستمرت تصعد الحرارة حتى درجة الخطر، فبعثت ~~تستدعي أباها إليها فجاء مسرعا، دخل الغرفة فوجد عارفا جالسا إلى جانب السرير منكسا ~~رأسه، وسمع مريم تهذي فهتفت إذ رأته: أبي، أبي، أقم عندي، قربي، لا تفارقني، سأموت، سأموت، ~~ولكني أموت سعيدة وأنت قربي، إلى جانبي، لقد انشرح صدري الآن، قد زالت آلامي، شفيت، شفيت، ~~وغدا نسافر إلى لبنان، غدا صباحا، أنا وإياك وفريد، نقيم في ظلال الصنوبر، سأرقص في ظلال ~~الصنوبر، أتلو عليك قصيدة ms184 الابنة الحزينة البائسة ، الله ما أجمل أنغام الكمنجة، الكمنجة ~~وحدها، وحدها، أنغامها تذيب قلبي، تطرب نفسي، سكرة الحياة ما أحبها، سكرة الموت ما أبدعها! ~~أيها الشاعر نفسي الليلة حزينة، حزينة حتى الموت، سأموت وأسافر إلى باريس، إلى باريس، الله ~~ما أجملك يا باريس، تموج شوارعك بالناس، بالأزياء، بالأبهة، بالجمال، بالفنون، ضجيج شوارعك ~~وقهاويك مثل الأغاريد في أذني، العربات والسيارات والجماهير والبوليس في وسط الشارع رداؤه ~~على كتفه وصولجانه الأبيض في يده واقف، ما ألطف بوليسك يا باريس وما أعظم سطوته! وأنوارك ~~والناس في بهائها رائحين جائين كل إلى جنبت من يحبه ويهواه. وها قد جاء المعاز بقطيعه # 1 # ما ألطف قصب المعاز وطنين أجراس القطيع، جاء المعاز: حليب، حليب، هاتي يا ~~بنت دلوك، قصب الراعي في أسواق باريس، اسمعوا قصب الراعي، وغدا نسمعه في لبنان، غدا، غدا ~~أموت، آه، أواه، غدا أموت ولا أسمع صوت أجراس القطيع، عارف أستغفرك هات يدك، سامحني، أنا ~~مائتة، أنا مائتة، خذ يد أبي صافحه واستغفره، استغفره يا عارف، لله ما أحلى الصفاء وما أجمل ~~القلوب الصافية اسمعوا صوت القصب، اسمعوا صوت أجراس القطيع، سأرقص لكم على أنغامها، سأرقص ~~لكم رقصة الابنة الحزينة البائسة. # وهمت أن تنهض من سريرها فلم تستطع، هاج الهذيان سعالها، وأنهكت الحمى قواها. # وجاء يومئذ النطاسي الإفرنجي يعودها، فوجدها في تلك الحال فوصف لها الحمامات ~~الباردة. # ثم جاء الطبيب السوري فوصف الكينا، وقال مستعيذا بالله: الحمامات الباردة تجهز عليها، ~~تجهز عليها، هي نوبة حمى يا خواجا عارف وستزول غدا أو بعد غد إن شاء الله. # | الفصل السادس والعشرون # وفي لبنان دواء للنفوس شاف، ودواء للأبدان، على ربوة بنية الأديم زاهرة الجوانب، ~~بين قمم تحتها خضراء، يعطر الصنوبر هواؤها، وقمم فوقها بيضاء، ثلجها لا يزول، في بيت هنالك ~~تحيط الكروم به والغابات، ويشاهد من إحدى شرفتيه الوادي ومن الأخرى البحر، أقامت مريم ~~وابنها وأبوها ثلاثة أشهر مباركة، زاهرة أيامها، صافية لياليها. # وكلما وقفت في الشرفة تنظر إلى البحر بعيدا، وقد بدا في ms185 الأفق الغربي كسجف أزرق غامق ~~متدل من السماء اللازوردية، والبواخر والقوارب كالطيور رسمت عليه والسوسن، كانت تجول ~~المطامع والنزعات في صدرها جولات فتسمعها صوتا يردد هاتفا: البحر، فالسفر، فالحرية، ~~فالجهاد، فالإقبال، فالمجد! # وكلما وقفت في الشرفة الأخرى تنظر إلى الوادي العميق القرار، المظلم الجوانب والأسرار، ~~الكثير الأكناف والأخطار، كان يخيل إليها أن بينها وبين تلك المطامع والرغبات وهدة مثل هذه ~~الوهدة عظيمة مخيفة، فيستحوذ الكرب عليها. # ولكن صوت القصب هنالك على تلك الربوة في الجانب الآخر من الوادي صوت مؤنس سماوي ~~إلهي، ينعش قلبها، ويطرب نفسها، فيبعث فيها كامن عزمها، ويحيي الجميل من أحلامها، صوت ~~القصب في المساء المهيب، إنما هو حنين الجبال إلى الجبال، والعشاق فيها إلى العشاق، بل هو ~~حنين القلوب في سجونها، حنين صغار الطير في وكناتها، حنين النفس إلى سرب من النفوس مثلها ~~تنضم إليه فتبسط جناحيها ناشطة جذلة راغبة تقاسم أخواتها السراء في الجهاد والضراء، صوت ~~القصب يناديها، وبينها وبينه وهدة عميقة مخيفة مظلمة، صوت القصب في ذاك الجبل بعيدا، صوت ~~القصب وراء البحار في أسواق باريس. # وفي ذات ليلة من ليالي الخريف بينا كانت وأباها ينصتان إلى حنينه المحزن المطرب المهيج، ~~والقمر وقد أحيطت به الغيوم البيضاء يفرش ظلالها للأحلام وأرباب الأحلام على المروج وبين ~~الصخور وحول الينابيع، نظرت مريم إلى أبيها وخاطبته قائلة:والآن وقد شفيت يا أبي علي أن ~~أعود إلى بيتي، إلى بيت نفسي، إلى بيت قلبي، إلى بيت آمالي وأميالي، ولكن عارفا يجيئنا ~~الأسبوع القادم ليعيدني إلى بيته، هيهات، هيهات! أبي، حبيبي، ولي قلبي، لقد شفيت بفضل ~~الله وفضل هذه الجبال المقدسة، فسأكشف الستار إذن عن مكنونات صدري، أبي، إن في قلبي ما لا ~~أستطيع أن أشارك به إنسانا، ولا يمكنني أن أحب رجلا إلا إذا محضته حبي، وقد كنت أظن أن ~~القس جبرائيل يزدلف إلي ويخادعني، ولكنه علمني ألا أخادع ولا أحابي، حقي أن أعمل بما ~~يوحيه إلي ضميري، بما يطالبني به فؤادي، بما يفرضه علي محض حبي، هذا حق، ms186 ولقد طالما قال ~~القس جبرائيل: إنما الحق فوق السعادة، فإذا أقمت وزوجي وفي قلبي ما لا أستطيع أن أشاركه به، ~~في قلبي ما يمسكه الحب عنه، أكون مخادعة، خائنة، ناهيك ببؤسي وغمي، وببؤسه من جراء ذلك ~~وغمه، فلا سعادة في مثل ذا العمل ولا حق، أحلف بالله يا أبي إني إذا أقمت وإياه لا يقيم ~~وإياه قلبي، ولا جزء صغير منه، وما الفرق بين البغي والزوجة التي تهب زوجها جسدها وتمسك ~~عنه قلبها، بل هناك فرق عظيم يظهر في الخداع والخيانة والنفاق، وعندي أن الامرأة التي تقيم ~~وزوجها على هذه الحال إنما هي أشر البواغي وأخبثهن. # لقد تمم القس جبرائيل قصده بي، ليهنأ بذلك، والآن قد أبعدني الله منه أبوح لك بسري؛ بل ~~بسبب حزني وغمي لما كنت في طبريا، فقد كنت أشعر وأنا في ظل القس جبرائيل أنني آلة صماء ~~يعالجني كيف شاء، لا رغبة لي ولا رأي، ولا عزم، ولا إرادة، كنت أشعر أنني عائشة مائتة، ~~أفرغت نفسي من فضائل الحياة كلها فملأها نفوذه علي كربا وحزنا وغما، وأما الآن فأنت ~~رفيقي، أنت أبي، أنت ولي قلبي، وأنت أيضا معذب في شئونك، تجاذبك الحرية ويجاذبك الأسر، ~~إذا أقمت في هذه البلاد فإما أن تنبذ الثوب وإما أن تعيش منبوذا، وفي كل حال تعيش ~~مغموما محزونا مدحورا مذموما. # وهب أنك أقمت في الرهبانية مكرما معززا فهل تسعد أبي في بعدك مني؟ أنا وإن كنت في سابع ~~سموات الإقبال والمجد لا أسعد ولا أنعم في بعدي منك، أبي ذنوبنا تعلمنا الحق، التجارب ~~تؤدبنا، وأنا بفضلها الآن أميرة نفسي، وقد سكن الليل وصفا أديمه، وتلألأت الكواكب في قبة ~~عرشه الفخم ناشطة، عازمة، طامحة، وسأعود منتضية حسام النفس إلى مضمار الحياة، وأنت أبي إلى ~~جانبي، وفريد على صدري، الحرية يا أبي مقدسة، حرية المرأة، وحرية الولد، وحرية الرجل، حرية ~~فريد وحريتك وحريتي، حرية فريد في ظل أمه، وحريتك في ظل علمك ووجدانك، وحريتي أنا في ظل ~~أبي، نعم، نعم، سيظهر فريد حياتي، ms187 وسيظهر فني وسأسعى لك وله ولنفسي ... صوت القصب يناديني ~~ويناديك، ينادينا كلنا، صوت القصب هناك، هنالك، في ذاك الجبل، بل وراء قامات البحار، قد ~~كانت نفسي كالزيز محبوسة في الشرنقة فأصبحت الآن فراشة حرة، ونفسك أبي كذلك، نفسك كذلك، ~~سنلبي إذن صوت القصب، صوت الحياة، صوت الحرية، صوت الحق، صوت القصب يناديني ويناديك أبي، ~~صوت القصب ينادينا كلنا. # فقال أبوها: كنت أهدي الناس يا بنتي وأنت اليوم تهديني، بارك الله فيك، بارك الله ~~فيك. # وفي اليوم التالي كتبت مريم كتابا إلى الخواجا عارف مبارك بحيفا تكشف له سريرتها وتعلمه ~~بقصدها، وكتابا آخر إلى القس جبرائيل مبارك تشكر له جميل صنعه وإحسانه وتخبره أنها متبعة ~~فيما هي فاعلة الحق الذي علمها إياه، الحق لا تعلو حتى السعادة عليه. # وسافرت وأباها وابنها من سوريا يتبعون نور الشمس. ms188