######OpenITI# #META# URI: 1360CaliAhmadShukri.MuassisMisrHaditha.Hindawi83579473 #META# Tags: history #META# ID: 83579473 #META# Title: الاتجاه السياسي لمصر في عهد محمد علي: مؤسس مصر الحديثة #META# AuthorID: 19138468 #META# Author: هنري دودويل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 15749405 :: 39291860 #META# Translator: أحمد محمد عبد الخالق :: علي أحمد شكري #META# Related_books: 1365HenryDodwell.FounderOfModernEgypt (TRANSL) #META#Header#End# # كلمة الترجمة‏ # مقدمة‏ # 1 - محمد علي وارتفاع شأنه‏ # 2 - عماد الإمبراطورية‏ # 3 - عماد الإمبراطورية‏ # 4 - مسألة الجزائر وفتح سوريا‏ # 5 - فكرة إنشاء إمبراطورية والطرق البرية‏ # 6 - الحرب السورية الثانية وحبوط تدابير محمد علي‏ # 7 - حكم محمد علي في مصر‏ # 8 - آثار حكم محمد علي في جزيرة كريت وسوريا‏ # الخاتمة‏ # كلمة الترجمة‏ # مقدمة‏ # 1 - محمد علي وارتفاع شأنه‏ # 2 - عماد الإمبراطورية‏ # 3 - عماد الإمبراطورية‏ # 4 - مسألة الجزائر وفتح سوريا‏ # 5 - فكرة إنشاء إمبراطورية والطرق البرية‏ # 6 - الحرب السورية الثانية وحبوط تدابير محمد علي‏ # 7 - حكم محمد علي في مصر‏ # 8 - آثار حكم محمد علي في جزيرة كريت وسوريا‏ # الخاتمة‏ # | الاتجاه السياسي لمصر في عهد محمد علي # | الاتجاه السياسي لمصر في عهد محمد علي # | مؤسس مصر الحديثة # تأليف # هنري دودويل # ترجمة # أحمد محمد عبد الخالق # علي أحمد شكري # | كلمة الترجمة # إذا قلنا مصر الحديثة فقد قلنا الأسرة العلوية المجيدة، وفي طرفها الأول محمد علي الكبير، ~~وفي طرفها الثاني جلالة الملك فاروق الأول حرسه الله. وليس يسع المؤرخ إلا أن يعجب حقا ~~بما يبذله جلالة الجالس على عرش مصر من همة مقطوعة النظير لإتمام المهمة التي اضطلع بها ~~أبوه العظيم ساكن الجنان الملك فؤاد الأول، وهي كشف ما يحيط بتاريخ مصر من غموض ولبس؛ ~~ليظهر جليا واضحا للعالم أجمع، فيتسنى للأجيال المصرية المقبلة أن تشرب من هذا المعين ~~الصافي، وتحمد لأسرة محمد علي ما قدمته من خدمات صادقات حولت مصر من ولاية تركية متواضعة ~~الأهمية إلى مملكة مستقلة ذات سيادة، يحسب حسابها وينزل على رأيها. ويضيق المقام إذا ~~أراد الباحث أن يأتي على كل ما عمله الملك الراحل في سبيل نشر تاريخ مصر. وإليك بعض ما أمر ~~جلالته بوضعه من الكتب الفذة: ~~(1) # فلقد أوصى الكاتب الفرنسي الكبير المسيو هانوتو بوضع كتاب عن تاريخ الأمة ~~المصرية يقع في سبعة مجلدات ضخمة. ~~(2) # عهد إلى المسيو دريو بوضع تاريخ مصر والدول الأوروبية العظمى (1839-1841)، ~~ويقع في خمسة مجلدات. ~~(3) # مختصر تاريخ مصر (من عهد ما قبل التاريخ ms001 إلى العصر الحاضر)، وهو من وضع فريق ~~من المؤلفين الممتازين، ويقع في ثلاثة مجلدات. ~~(4) # تاريخ الغزوات الحربية لمحمد علي وإبراهيم، وهو بقلم الجنرال فيجان القائد ~~الفرنسي المشهور. ~~(5) # تاريخ الغزوات البحرية لمحمد علي وإبراهيم، تأليف الأميرال دوران ~~فييل. ~~(6) # تاريخ ساكن الجنان إسماعيل، بقلم المسيو جورج دوران، وهو في 5 مجلدات. ~~(7) # كتاب الفن المصري في خلال العصور المختلفة، وقد ظهر أخيرا في مجلد ~~واحد. ~~(8) # مؤلف مصور عن مصر من وضع الأستاذين بواسونلس وترامبلييه. ~~(9) # وأخيرا هذا الكتاب الحاضر الذي نترجمه للقراء عن تاريخ محمد علي الكبير ~~بقلم الأستاذ هنري دودويل مدرس التاريخ بجامعة لندن. # ولهذا الكتاب أهمية خاصة؛ فإن مؤلفه لم يدخر وسعا في الاطلاع على كثير من المستندات ~~الرسمية ذات القيمة التاريخية في إنجلترا وفرنسا وإيطاليا، كما استطاع فوق ذلك الاطلاع على ~~بعض التقارير المحفوظة في وزارة الخارجية البريطانية، وهي التي أرسلها القناصل الإنجليز في ~~مصر إلى دولتهم. # يضاف إلى هذا أن الأستاذ دودويل كان قد هبط إلى مصر حيث أسعده الحظ بالتشرف بمقابلة ~~جلالة الملك فؤاد، فتفضل جلالته بأن أذن له بالاطلاع على بعض الخطابات والأوامر التي كان ~~محمد علي قد أصدرها إلى كبار موظفيه. ~~••• # ويسير جلالة الفاروق على غرار أبيه العظيم؛ فجلالته لا يلقي اهتمامه إلى التاريخ فحسب، ~~بل أصبح بحق راعي الحركة العلمية والثقافية في وادي النيل، بل لا يكاد أي مشروع يرمي إلى ~~تقدم مصر يخلو من تعضيد الفاروق ومناصرته، وليس إنشاء جامعة فاروق الأول في الإسكندرية في ~~أثناء حرب عالمية واتجاه النية إلى إنشاء جامعة أخرى في أسيوط بالشيء الهين. والآن وقد ~~انتهت الحرب في القارة الأوروبية، فلسوف يشهد العالم العجب العجاب من آثار نشاط الفاروق - ~~حرسه الله - في السير بوادي النيل في معارج الفلاح في كافة نواحي التقدم والعمران. # ولما كانت مصر الفاروق قد أخذت تتبوأ مكانة ممتازة ليس بين الشعوب العربية الشقيقة فحسب، ~~بل وبين الدول الأوروبية؛ نظرا لموقعها الجغرافي ومركزها الثقافي - وها هو صوتها يدوي في ~~المؤتمرات الدولية - فقد رأينا واجبا علينا أن نخرج ms002 للقراء هذا الكتاب النفيس عن الجد ~~الأعلى للفاروق، مستعينين بالله تعالى، فمنه الهداية والتوفيق. # المترجمان # | مقدمة # ليس ما سنعرضه أمام القارئ في كتابنا هذا سوى محاولة لاجتناب ما جرى عليه الكتاب ~~الفرنسيون من التقاليد، من جعل الشخص الذي يترجمون له «بطلا»، وما ألفه الكتاب الإنجليز من ~~جعل من يكتبون عنه «وغدا جبانا»، بل جعلت همي أن أتحقق مما قام به محمد علي؛ وذلك بتقصي ~~ما يوجد من المادة الأساسية الأصلية، وهي مهمة أصبحت في السنوات الأخيرة من وجوه عديدة أسهل ~~بكثير مما كانت في الماضي. # فلقد نشرت الجمعية الجغرافية في مصر تحت رعاية جلالة الملك فؤاد الشيء الكثير من ~~المعلومات الجليلة، وما نشرته باللغة الفرنسية والإنجليزية والإيطالية يعتبر على جانب ~~عظيم من الأهمية وله قيمته الكبيرة. # ولم أقتصر على دراسة هذه الوثائق، بل قد اطلعت بالتفصيل على ما كتبه ممثلونا من التقارير ~~المحفوظة ضمن أضابير وزارة الخارجية البريطانية ووزارة الهند، هذا إلى أنني قد تمكنت بفضل ~~معونة الأستاذ قطاوي من الإفادة من تقارير القناصل العموميين الروس، وهي التقارير التي لم ~~تنشر إلى يومنا هذا، وبخاصة تقارير الكونت ميديم معتمد روسيا، وقد كتبها في أحرج الأوقات ~~التي مرت بمحمد علي. # كذلك استطعت أخيرا بفضل إذن جلالة الملك فؤاد أن أدرس طائفة قيمة من الخطابات والأوامر ~~التي أصدرها محمد علي لكبار موظفيه. # وليس يسعني في هذا المقام إلا أن أنوه بما أسداه إلي من المعونة المشكورة كل من ~~المسيو رينيه ويوسف جلاد بك (باشا)؛ فإنهما لم يضنا علي بمساعدتهما القيمة، كلما ~~احتجت إليهما أثناء قيامي بمهمتي في القاهرة. # على أنني أشعر بأنني مدين للمسيو جورج دوين والأستاذ ل. م. ينسون؛ فلأولهما بسبب ~~الانتفاع العظيم بالمجلدات القيمة التي كتبها للمجموعة التي نشرتها الجمعية الجغرافية ~~الملكية في مصر، ولثانيهما لتفضله بقراءة مسودات الكتاب الحالي وتقديم ما عن له من ~~الملاحظات النافعة. # هنري دودويل # الفصل الأول # | محمد علي وارتفاع شأنه # لا يزال معشر أبناء الجيل الحالي يميلون إلى الاستخفاف بقوة أجدادنا في القرن الثامن عشر، ms003 ~~وازدراء ما كان في أساليبهم من الخبرة والابتكار. فآدابهم الرسمية، وأزياؤهم المبرقشة، ~~وأراجيزهم الحماسية، ورواياتهم الرقيقة الخيالية، وتواريخهم الشخصية؛ كل هذا يشعر بنهاية ~~الدنيا القديمة أكثر مما يشعر ببداية دنيا جديدة. وعلى الرغم من هذا، يتعذر علينا ~~المبالغة في مقدار ما نحن مدينون لهم به من الدين الحديث؛ فهؤلاء الأجداد لم يقتصروا على أن ~~خلفوا لنا آراء معينة عن حب الإنسانية، ونظريات واضحة عن النهضة والرقي، بل تركوا لنا ~~كذلك طريقة استخدام البخار في الصناعات، كما خلفوا لنا انقلابا في فنون الحرب، وهما ~~النقطتان العظيمتان اللتان دارت حول محورهما آراؤنا وتاريخنا الحديث. وفي الواقع أن أجدادنا ~~قد أحدثوا انقلابا كليا في موارد القوة، كانت نتيجته انهيار صرح الإمبراطوريات الكبرى ~~وفشل ريحها؛ لأن القوة لم تعد قاصرة على سلالة أولئك القبائل الرحل الذين اندفعوا شرقا ~~وغربا وجنوبا، وأخذوا يندفعون من براري روسيا الوسطى تجر في أذيالها مظاهر الخراب ~~والقسوة. بل صارت الآن ملكا للشعوب التي تستطيع بما لديها من جنود المشاة المنظمة أحسن ~~تنظيم أن تصمد بلا خوف ولا وجل في وجه أي قوة من الجنود الراكبة، بل أصبح في وسعها بفضل ما ~~لديها من مدافع الحصار الضخمة أن تشق طريقا لنفسها وسط الأسوار مهما بلغت مناعتها وقوتها، ~~كما أنها بفضل مدافع الميدان تقدر على تشتيت ما قد يستطيع الجنود الآسيوية الراكبة أن تحشده ~~من التجمعات. # وبالجملة، لم ينته القرن الثامن عشر حتى كانت الولايات الهندية قد ذاقت الأمرين من ~~فعل السلاح الجديد، وأخذت تطأطئ رأسها أمام شدة فتكه. هذا بينما كان الأتراك في الشرق ~~الأدنى قد عجزوا عن مقاومته، وهم الذين كانوا قد تمكنوا قبل ذلك بكثير من اختراق جبال ~~الكربات، وكادوا أن يستولوا على فيينا نفسها، وبدءوا ينسحبون أمامه؛ ومن ثم شرعت جنودهم ~~تنجلي باستمرار عن المقاطعة تلو الأخرى وينتزع منهم الإقليم بعد الإقليم، بل إن قبضتهم ~~على الآستانة أخذت تضعف رويدا رويدا. وكان بديهيا أن تنشأ عن ازدياد الشعور بالضعف ~~العسكري جملة عواقب أدبية لها أثرها السيئ؛ ذلك ms004 لأنه كلما تلاشت الثقة بالنفس ازدادت الثقة ~~المتبادلة انهيارا وضعفا. فقد تزعزعت ثقة الصاري عسكر - أو القائد العام - بمعاونيه من ~~الضباط الذين كانوا بدورهم يرتابون فيه، ثم إن الآستانة أخذت تضمحل بشكل ملموس، وهي التي ~~كانت يوما ما حصن الإسلام الحصين وركنه الركين، والتي أقيمت عليها المساجد في الماضي ~~ذكرى لذلك الدين، لا بل إنه حتى المسيحيون المحتقرون الذين لبثوا القرون الطويلة وهم قانعون ~~بحرث الأرض وأداء الجزية عن يد وهم وهم صاغرون - كما كان يفعل الرعايا الهندوس في دلهي - قد ~~بدءوا يرفعون رءوسهم ويتهامسون بالاستقلال. وأصبح شأن باشوات السلطان كشأن أمراء الهند إبان ~~سطوة إمبراطورية المغول لا ينفذون من الأوامر إلا ما يكفل لهم الربح ويعود عليهم بالمنفعة، ~~ولم تكن «بشالك» بغداد ودمشق والقاهرة سوى ولايات تابعة في الاسم فقط. # علاقة مصر بتركيا # ذاقت ولاية مصر الكثير من مساوئ الحكم التركي في خلال العصور الطويلة، ولم تكن ~~علاقاتها بالإمبراطورية يوما ما وثيقة حتى منذ الفتح العثماني في عهد السلطان سليم، بل ~~لقد تركت غنيمة باردة يستبد بها من فروا من مذبحة المماليك، وأقاموا أنصع البراهين ~~على نذالتهم وجبنهم بهجرهم لمولاهم. نعم؛ كان يشرف على أعمالهم أحد الباشاوات الذي ~~تعينه حكومة الآستانة، وهذا الباشا الوالي نفسه كان عرضة للاستبدال من آن لآخر؛ لأنه ~~لم يكن حاكما إلا بالاسم فقط لأن البيكوات وهم رؤساء المماليك وزعماؤهم قصروا مطامحهم ~~على تحقيق اللبانات الشخصية الخاصة، بينما كان أتباعهم - وهم خليط من رقيق الجراكسة ~~والكرج - يدربون على تأليف قوة من الجنود الراكبة غير النظامية. وفي الواقع، كانت ~~هذه القوة أشجع وأسمى قوة راكبة غير نظامية في كافة أنحاء العالم، وكانت نفوس البيكوات ~~تتطلع لاقتفاء الأشياء التي تهم ذواتهم. مثال ذلك أن الخراج الذي ينتزعونه من البلاد ~~كان يذهب في ابتياع الثياب الزردية الفاخرة، وملء الإسطبلات بأفخر الجياد العربية، ~~وتزيين القصور بأثمن السجاد الشرقي، وجلب أجمل بنات الرقيق إلى الحريم ووضعهن تحت حراسة ~~الخصيان العبيد. # وقد غاضت موارد مصر وتلاشت بسرعة في عصر هؤلاء المحاربين ms005 السخفاء؛ فالترع التي لم ~~يكن للزراعة حياة بدونها أصبحت مسدودة بسبب الإهمال، وبينما كان العمران يتلاشى في ~~المدن كانت الصحراء تطغى على الجهات التي كانت يوما ما آهلة بالسكان. ثم إن الإسكندرية ~~تدهورت إلى مدينة صغيرة لا يزيد عدد سكانها على 5000 نسمة بعد أن كانت ميناء عظيمة ~~زاهية بتجارتها ومصنوعاتها. وكثيرا ما شن البدو الرحل الغارة على الجهات المسكونة، ولم ~~يكن يخطر لأية قافلة من القوافل أن تقطع الطريق من السويس أو القصير إلى القاهرة في ~~أمان إلا إذا كانت مصحوبة بقوة كبيرة من الحرس العسكري، وبالجملة فإن مصر في عهد ~~المماليك كان مثلها كمثل السند في عهد الأمراء المغول سواء بسواء. # وقد أدى ظهور الأتراك العثمانيين إلى العدول عن طريق التجارة القديمة بين بغداد ~~والخليج الفارسي أو بين الإسكندرية والبحر الأحمر، وهي التي كانت خلال العصور الطويلة ~~وسيلة لنقل الجزء الأكبر من التجارة بين الشرق والغرب. ولكن حوادث الهند في أواسط القرن ~~الثامن عشر اقتضت إيجاد وسائل للمواصلات مع أوروبا تكون أكثر سرعة من طريق رأس الرجاء ~~الصالح. # فمشروعات «دبليه»، وأعمال «كليف»، ومعارك «وارن هاستنجز»، مضافا إليها مسألة ~~المسائل؛ وهي: هل تحكم الهند بحيث يكون الإشراف على تجارتها بواسطة لندن أو باريس، كل ~~هذه الشئون تطلبت اتخاذ قرارات عاجلة وإرسال الإمدادات على جناح السرعة، ومن ثم أصبحت ~~لشئون مصر وسوريا والعراق أهمية عظيمة في نظر الدولتين الأوروبيتين المتنافستين. # وكان من عادة شركة الهند الشرقية الإنجليزية من عهد بعيد إذا أرادت إرسال بريد مستعجل ~~إلى الشرق أن ترسل رسلها برا عن طريق حلب فبغداد، على أن يستقلوا السفن عند رأس ~~الخليج الفارسي، ولكن هذا الطريق لم يكن مأمونا بحال ما؛ بسبب ازدياد القلاقل في ~~«بشلك» بغداد من ناحية، وبسبب غارات القبائل البدوية المتوالية من ناحية أخرى. على أن ~~الطرود التي كانت ترسلها الشركة لم تكن تحتوي على ما يمكن أن يسيل لعاب البدو أو ~~يحرك شهواتهم، ولكنهم حتى وإن اعتقدوا أن الرسول لا يحمل في جعبته قسطا كبيرا من ms006 ~~المال؛ فإنه كثيرا ما كان يعن لهم أن يتسلوا بقتل ذلك «الكافر». # ومع أن كثيرا من الطرود وصلت سالمة إلا أن حاملها كان عرضة للقتل أو على الأقل ~~لأن يرغمه البدو على إتلاف أوراقه. # 1 # على أنه كانت هناك طريق أخرى عدا هذه الطريق بواسطة مصر ثم البحر الأحمر، ~~وكان في اتباع هذه الطريق فائدة لا يستهان بها؛ وهي تقصير مدة السفر في المنطقة التي ~~تقطنها القبائل الرحل من القاهرة إلى السويس. وليس من ريب في أن السفر بهذه الطريق كان ~~يكفل انتظام الطريق وسلامته، بشرط الاتفاق قبل ذلك مع البكوات المماليك في مصر، فلما ~~هبط الرحالة «جيمس بروس» إلى وادي النيل في سنة 1768م وجد علي بك حاكم مصر الفعلي ~~رافعا راية العصيان علانية ضد الأتراك وشديد الميل لمصادقة «الكفار»؛ ليأمن بمساعدتهم ~~له شر الاعتداء التركي، وقد كان من الذكاء، بحيث أقول بأنه سيتمكن بتشجيعه التجارة من ~~زيادة إيراداته. وسرعان ما وجدت اقتراحات بروس المؤيدة من التجار الطليان المقيمين ~~في الإسكندرية ظهيرا في الاقتراحات المقدمة مباشرة من القباطنة الإنجليز الذين رءوا ~~تدهور التجارة في البحر الأحمر، فتصوروا أنهم قد يجدون لبضائعهم الواردة من البنغال ~~سوقا رائجة في القاهرة. # وكان لعلي بك من الاهتمام بالموضوع أنه بعث بخطاب إلى ولاة الأمور الإنجليز في ~~البنغال، مقترحا عليهم أن يفتحوا طريقا للتجارة مع السويس رأسا، وتحدى أوامر السلطان ~~بأن لا يسمح لأي سفينة مسيحية بالاقتراب من الموانئ الواقعة في شمال جدة. # 2 # وعندما أصبح «وارن هاستنجز» حاكما لقلعة وليام في سنة 1772م أدرك فورا ~~بثاقب رأيه ما عسى أن تفيده البنغال من قبول الاقتراحات المذكورة، وقد أرسلنا فعلا ~~بإرشاده عدة قوافل تجارية، وهكذا إلى أن عقدت اتفاقية مؤقتة تعهد بها خلفاء علي بك ~~بأن يضمنوا سلامة البضائع عند إرسالها من السويس إلى القاهرة. # 3 # على أن هذه الترتيبات لم ترتج لها شركة الهند الشرقية ولا السلطان الذي كان ~~قد استرد بعض سلطته القلقة على مصر، فأما الباب العالي فقد خشي على موارد ms007 الحجاز من أن ~~تتأثر فيما لو تحولت التجارة الهندية من جدة إلى السويس، وأما الشركة فقد كان تخوفها من ~~أن يؤدي نشاط الحركة التجارية عن طريق مصر إلى الإضرار بما لديها من امتياز تصدير ~~البضائع المهربة من الهند إلى أوروبا عن طريق البحر المتوسط. # وكانت نتيجة ذلك كله أن الشركة أصدرت في سنة 1777م أمرها بمنع إرسال السفن المشحونة ~~بالبضائع إلى إحدى الموانئ الواقعة في شمالي جدة، ولكنها حصلت في الوقت نفسه من الباب ~~العالي على وعد شفوي بأن يسمح لبريدها وطردها باجتياز الأراضي المصرية مجانا. # ولم تكن لهذا التدبير نتيجة أصلا؛ إذ لم يكن لا بوسع الشركة ولا الباب العالي تنفيذ ~~هذه الأوامر حرفيا، فإن حق إرسال الطرود أسيء استعماله، وكان وسيلة لنقل البضائع ~~المغشوشة؛ مما ترتب عليه إلقاء القبض في سنة 1779م، ثم في سنة 1780م على حاملي الطرود ~~الإنجليزية وأودعوا السجن. # 4 # وأظهر الفرنسيون في الوقت نفسه أشد الاهتمام بما يمكن أن يؤدي إليه طريق مصر من ~~الاحتمالات، فلقد كانت الطريق المذكورة تبشر في نظرهم بفوائد طائلة؛ لأنها من الوسائل ~~المؤدية إلى تقليل شأن السيادة البحرية البريطانية تلك السيادة التي كان لها أسوأ تأثير ~~في سير حرب السنوات السبع. # فلو تحول الشطر الأكبر من التجارة الهندية إلى طريق البحر المتوسط، فلن يقتصر ~~الأمر على إفادة التجار الفرنسيين فوائد جسيمة، بل إن واجبات الأسطول الفرنسي تقل ~~كثيرا عما عليه. ومما شجع على التعلل بهذه الأماني ما كان يلوح على الإمبراطورية ~~العثمانية من علامات الاضمحلال والفناء، فإن شاءت الأقدار أن تتلاشى تلك الإمبراطورية؛ ~~فإن جيرانها كروسيا والنمسا لا محالة تجنيان فوائد جسيمة في الحال. ولكن هذه الفوائد - ~~كما لاحظ الفرنسيون في سنة 1873م - قد تصبح لا قيمة لها باحتلال الفرنسيين لمصر، على ~~أنه كان يوجد رأي آخر له قيمته من حيث إنه يمكن تطبيقه عمليا فورا ألا وهو عقد ~~محالفة مع البيكوات، وهو ما حدث فعلا. # ففي أوائل سنة 1785م توصل أحد المندوبين الفرنسيين إلى توقيع عدة اتفاقات مع ms008 ~~البيكوات ومع العميل الأساسي، ومع أحد زعماء البدو على نقل البضائع الفرنسية في أمان في ~~مقابل شروط مرضية، فكان مثل هذه الاتفاقات كمثل المعاهدة المؤقتة التي وصفها «وارن ~~هاستنجز» بمعنى أنها أقامت الدليل ناصعا على قلق الموقف المصري، فلم يكتف الباب ~~العالي برفض إبرام المعاهدة الفرنسية، بل عمل على تدعيم سلطته المزعومة على مصر. # وكانت النتيجة المباشرة أن الخطر الذي كان يهدد مركز الإنجليز في الهند تلاشى مؤقتا، ~~ولكن كان لا يزال هناك احتمال بأن الفرنسيين قد يخطر لهم يوما من الأيام أن يوطدوا ~~أقدامهم في مصر إما بالقوة أو بطريق المفاوضات، ومن ثم أخذنا نحتذي حذو الفرنسيين؛ فإن ~~جورج بلدوين الذي لعب دورا مهما في مشروعاتنا الأولى عين قنصلا عاما، وصدرت ~~التعليمات بأن يعقد مع البيكوات معاهدة كالتي عقدت بينهم وبين الفرنسيين، ولكن عودة ~~النفوذ التركي بعد اضمحلاله جعل عقد هذه المعاهدة أشق مما كان ينتظر، وانقضى عام ~~وتلاه عام آخر، ولاحظت وزارة الخارجية أن بلدوين كان يتقاضى سنويا مرتبا قدره 1400 ~~جنيه دون أن يصنع شيئا. # ومن ثم قرر غرنفيل سنة 1793م إلغاء هذا المنصب أو أن تقوم الشركة الهندية بدفع مرتبه ~~إذا كانت ترى ضرورة وجود بلدوين في مصر، وما كاد غرنفيل يقرر هذا حتى جاءت الأنباء ~~سراعا بأن بلدوين قد نجح بعد طول الجهد في توقيع المعاهدة المطلوبة. # ولكن رجال الوزارة وقتئذ ما عدا «دنداس» أخذ اهتمامهم يتحول كلية عن مصر؛ بسبب ~~الخطر المباشر الذي نشأ عن وقوع الثورة الفرنسية، ولكن سرعان ما دفع الفرنسيون أنفسهم ~~إلى الاهتمام بشئون مصر؛ ذلك أن عوامل عديدة أجمعت في شتاء 1797م و1798م على تجهيز حملة ~~عسكرية وإرسالها إلى الشرق. # وقد نمى إلى غرنفيل في فصل الربيع أن دور الكتب التابعة للحكومة قد فحصت فحصا ~~دقيقا لاستيعاب ما فيها من الكتب الخاصة بالرحلات إلى مصر وإيران والهند، وأن الحكومة ~~الفرنسية قررت الانتفاع بخدمات علمائها ممن لهم دراية بتاريخ العرب والترك والفرس، وأن ~~الحملة جعلت غايتها احتلال مصر وشق الطريق عبر ms009 برزخ السويس. # نعم؛ لم يكن أحد يعرف وقتذاك إلى أي حد يمكن أن ينظر الإنسان إلى هذا المشروع نظرة ~~جدية ولكن «دنداس» عده «مشروعا فائقا خيرا»، هذا بينما أن حاكم كلكتا العام رأى من ~~قبيل الاحتياط لإحباط هذا المشروع سلفا أن يجهز على السلطان «تيتو» أو يكبح جماحه ~~قبيل أن يوفق بونابرت بفضل مضاء عزيمته وجسارته إلى إيجاد وسيلة لإمداد السلطان ~~بفرقة من الجنود الفرنسية. أما في إنجلترا فقد استقر الرأي على حشد أكبر عدد ممكن من ~~السفن لتشتيت الحملة التي تجمعت في ميناء طولون كائنا ما كانت الغاية التي ترمي إلى ~~تحقيقها. وبهذه المناسبة كتب «جون ننجتون» وكان صادقا فيما كتبه «أن إنجلترا لم يسبق ~~لها اتخاذ قرار حكيم كهذا مقرونا بمثل هذا الحماس العام.» # وفي 19 مايو غادر نابليون ثغر طولون على رأس قوة تبلغ 38000 جندي، وفي 12 يونيو سلمت ~~له مالطة سلاحها، ولم يحن آخر الشهر المذكور حتى ألقى نابليون مراسيه في الأراضي ~~المصرية بالقرب من الإسكندرية، فاحتل المدينة من فوره وبدأ زحفه إلى الجنوب. وفي 18 ~~يوليو أنزل بالمماليك هزيمة ماحقة في معركة الأهرام بالقرب من القاهرة، ثم دخل إلى ~~العاصمة في 24 يوليو، وبعد ثمانية أيام التقى الأميرال نلسن بالعمارة الفرنسية فأجهز ~~عليها في خليج أبي قير بعد أن قضى الأسابيع الطويلة يجد في اقتفاء آثارها. # ومن ثم بدأت تظهر للعيان آثار السيادة البحرية؛ ذلك أن نابليون بعد أن انقطعت عنه ~~المؤن والإمدادات، بل والأنباء التي يمكن أن يكيف حركاته على ضوئها، قد تمكن بفضل ~~عبقريته في التنظيم من إنشاء حكومة، وأن يسترضي الزعماء الدينيين في القاهرة، ويقمع ~~الفتن ويضع البلاغات الطنانة. نعم؛ كان عليه أن يفعل ذلك كله، ولكنه كان في أعين ~~الفرنسيين كمن يحرث أرضا مجدبة في حاجة إلى الماء، ولقد حاول شق مخرج لنفسه عن طريق ~~سوريا، ولكن سفن أعدائه كانت قد نقلت إلى عكا المؤن والإمدادات بزعامة قائد محنك تمكن ~~من القضاء على ما بذله الفرنسيون من الجهود الفريدة لاحتلال ms010 ذلك المكان. # ولئن طنطن نابليون أمام سكان القاهرة بأنه دك أسوار عكا وترك المدينة قاعا صفصفا؛ ~~فإن ذلك لم يغير شيئا من الواقع، وهو أن الهزيمة حلت به ودارت الدوائر على ~~مشروعاته الضخمة. # وأخيرا، اضطر إلى الإذعان أمام منطق الحوادث، فتخلى عن جيشه في مصر وانقلب راجعا ~~إلى فرنسا في يوم 22 أغسطس سنة 1799م، تاركا مكانه في القيادة ل «كليبر» الذي كان على ~~حق في التبرم بمنصبه هذا والارتياب فيه؛ فإنه ما كاد يسمع باقتراب الجيش التركي حتى شرع ~~في مفاوضة السير سيدني سمث الذي كان يقوم بالدفاع عن عكا. وفي 24 يناير سنة 1800م عقد ~~اتفاق العريش الذي نص على جلاء الجنود الفرنسية عن الأراضي المصرية والعودة إلى ~~بلادها في السفن التي يجمعها ولاة الأمور الأتراك لهذا الغرض. # ولكن بينما كان هؤلاء مشتغلين بجمع السفن المطلوبة بما عرف عنهم من حب التراخي ~~انتهزت الوزارة الإنجليزية الفرصة بناء على معلومات خاصة وصلتها عن قوة الحملة ~~الفرنسية في مصر؛ لتعلن أنها غير مرتبطة باتفاق الفرنسيين سالف الذكر. # وقد أدت هذه الغلطة إلى إرسال حملة إنجليزية لإخراج الفرنسيين من مصر، وفي نهاية ~~العام المذكور كان السير «رالف أبار كرومبي» يسير في اتجاه مصر على رأس قوة عددها 15000 ~~جندي لطرد الفرنسيين من وادي النيل، بينما جهزت حملة هندية لمناوأتها من ناحية البحر ~~الأحمر. # وفي 8 مارس سنة 1801م ألقي السير رالف مراسيه في خليج أبي قير، وكان القائد كليبر ~~قد لقي حتفه قبل ذلك، وانتقلت القيادة إلى «مينو»؛ وهو قائد غير محنك اعتنق الإسلام، ~~واقترن بزوجة مسلمة، ثم دارت رحى المعركة خارج الإسكندرية؛ فأسفرت عن قتل السير رالف، ~~وعن التجاء قسم كبير من الحامية الفرنسية إلى الاحتماء داخل أسوار الإسكندرية، بينما ~~عهد إلى بقية الحملة وعددها 12000 بالدفاع عن قلعة القاهرة. # ولم يكن في هذا المسلك البعيد عن الجرأة العسكرية ما يبشر بوقوع مقاومة عنيفة؛ إذ ~~سرعان ما بدأت القاهرة تلقي سلاحها ثم تلتها الإسكندرية، ومن ثم وصل الاحتلال ~~الفرنسي في ms011 مصر إلى تلك الخاتمة المحزنة. على أن هذا الاحتلال لم يكن بغير نتائج، فلقد ~~زعزع حكم المماليك، كما أنه أزال الغشاوة التي كانت مخيمة على أعين الإنجليز، ونبهتهم ~~إلى أهمية مصر من الوجهة العسكرية بصفتها دولة واقعة في منتصف الطريق بين الشرق والغرب، ~~ثم إنه كشف للملأ عن عجز تركيا، وأخيرا جاء إلى مصر بطريق الصدفة بأحد المجازفين ~~الألبانيين، ألا وهو محمد علي. # كانت ولادة محمد علي في سنة 1769م في دار صغيرة بأحد الشوارع المهجورة القديمة في ~~قوله، وهي ثغر صغير يحيط به سور، ولا يعرف عن أرومة محمد علي إلا النذر اليسير، وهناك ~~خلاف في الرأي على ذلك، فمن قائل بأنه منحدر من سلالة تركية، بينما يوجد من يقول بأنه ~~من سلالة فارسية. ويستند القول الأول إلى قوة بنية محمد علي ومتانة أخلاقه، بينما يستند ~~القول الثاني إلى ذكائه المرن وسعة حيلته. # وكان أبوه إبراهيم أغا قومندان فصيلة محلية من الجنود غير النظامية في خدمة الوالي، ~~وقد لحق بربه تاركا ابنه الصغير في حضانة ذلك الوالي. ويخيل إلينا أن تربية هذا ~~الصغير كانت على أسس عملية صارمة؛ ذلك أن الطعام كان يقدم إليه في الأوقات المناسبة ~~كما كان يقسر على لبس ما يختار له من الملابس وأداء الصلاة في أوقاتها. # ثم درب على ركوب الخيل وحمل السلاح. وأغلب الظن أنه عندما بلغ سن الشباب خرج في ~~صحبة الدوريات المكلفة بمطاردة العصابات أو بتحصيل الخراج. # ومن ثم تعلم القواعد الأولية للحرب، وفن مباغتة العدو وأساليب القيادة. وهناك ما يدل ~~على خروجه على رأس بعض هذه الدوريات حيث أبلى أحسن بلاء. # وهنا نرى أنفسنا تحت رحمة القصاصين ومروجي الحكايات، الذين أولعوا بالمبالغة فيما ~~يروونه من الروايات، وبما يضيفونه على الموضوع من الحواشي التي يتخيلونها تخيلا؛ ~~لإظهار آثار العبقرية التي لمحوها حتى في تلك السن المبكرة لمحمد علي ومقارنة عظمته ~~فيما بعد بما كان يظهر عليه في البداية من سيما التواضع. # ولما بلغ الفتى سن الثامنة عشرة زوجه الوالي من إحدى ms012 قريباته، فاستولدها خمسة من ~~الأولاد الذكور، وهم الذين رزقهم محمد علي في حياته. ثم مالت نفسه لمزاولة تجارة ~~التبغ؛ إذ ليس بخاف أن أجود أنواع التبغ التركي يزرع في الإقليم المتاخم لقولة، ولكن ~~ليس في وسعنا أن نقول على أي مقياس كان محمد علي يعمل في تلك التجارة . وقد خيل إلى ~~بعض المؤرخين أنه كانت لمحمد علي تجارة واسعة تستند إلى أموال قرينته الثرية، بينما ~~يقول آخرون إنه استعان على الخروج من ورطته بقرض تافه لا يزيد على روبيتين. ومهما يكن ~~من أمر فإن ما نعلمه بصفة قاطعة هو أنه كان يذكر حياته الماضية بالحنان المصحوب بالأسف. ~~وقد ذهب في أخريات أيامه لزيارة مسقط رأسه، وأوقف وقفا خصص ريعه لنفقات إحدى مدارس ~~قولة التي لا تزال موجودة إلى يومنا هذا. # 5 # فعندما اضطر الباب العالي - تحت ضغط إنجلترا - لحشد الجنود وإرسالها إلى مصر جريا ~~وراء الأمل الكاذب وهو طرد الفرنسيين منها؛ طلب إلى والي قولة - أو كما يسمونه ~~بالتركية: شوربجي قولة - أن يجهز فصيلة من الجنود قوامها 300 محارب، فصدع الوالي ~~بالأمر وجمع الفصيلة المطلوبة تحت قيادة ابنه علي أغا وأرسل محمد علي كمساعد له. # ولكن السفر في البحر إلى أبي قير كان متعبا بسبب العواصف الجوية، حتى إذا ألقت القوة ~~التركية مراسيها في الأراضي المصرية قاست الأمرين من الحرمان والفاقة، قبل أن يقذف ~~بها الفرنسيون إلى البحر. وفيما ينقلونه من الروايات عن حادث الهجوم الفرنسي هذا ~~استطراد بأن محمد علي نفسه كاد أن يلقى حتفه غرقا وهو يحاول ركوب السفينة، لولا مبادرة ~~إحدى البوارج الإنجليزية الواقعة على مقربة من الميناء إلى إنقاذه. # ومهما يكن نصيب هذه الرواية من الصحة، فإن علي أغا قائد الفصيلة استولى عليه الجزع ~~بسبب ما رآه من دوران البحر والجوع والعطش؛ فسارع بالعودة إلى بلاده وترك قيادة الفصيلة ~~لمحمد علي. وليس من يشك في أن إقدامه من ناحية وسعة حيلته من ناحية أخرى استلفتا أنظار ~~القادة الأتراك، بينما أكسبته حصافة رأيه وحسن رعايته للجنود ثقة ms013 رجاله. # فلم يحل عام 1801م حتى كان محمد علي أحد الضابطين الكبيرين المتوليين قيادة الفصيلة ~~الألبانية، باعتبارها الجزء الرئيسي من القوة التركية المعسكرة في مصر. وقد تعاونت هذه ~~القوة مع الحملة الإنجليزية إلى حد الاقتراب من الجهات غير المحصنة في مصر واحتلال ~~الأماكن الخالية من الحاميات الفرنسية. # على أن هتشنسن وهو الذي خلف أبار كرومبي في قيادة الحملة الإنجليزية سرعان ما تزعزعت ~~ثقته في مقدرة تلك القوة التركية، وأخذ يحس بعجزها عن الاحتفاظ بمركزها في مصر. # 6 # ومما عزز هذا الرأي في نفسه أن الباب العالي طلب إبقاء قوة إنجليزية في وادي النيل ~~بعد طرد الفرنسيين منه؛ منعا لكل محاولة من ناحيتهم لاحتلال مصر مرة أخرى، # 7 # ولقد اقترح السفير الروسي احتلال النقط الحربية المهمة بالإسكندرية والسويس ~~إلى نهاية الحرب على الأقل، وكان هذا هو أيضا رأي الحاكم العام في الهند ~~البريطانية. # وقد انبرى بعض الكتاب لوضع كراسات بهذا المعنى. # 8 # وقد حبذ دنداس هذه الفكرة؛ لأنه كان على الدوام مقتنعا بأهمية مصر من ~~الوجهة الحربية. وصادفت الفكرة قبولا لدى الوزارة التي أبدت رغبة شديدة في الوصول إلى ~~تسوية العلاقات بين السلطان والبكوات للحيلولة دون تكرار سوء الإدارة، كالتي ساعدت ~~الاحتلال الفرنسي وعاونته. وتحقيقا لهذه الغاية اقترح تحديد حقوق المماليك وواجباتهم ~~وتنظيم طريقة لجباية الخراج، # 9 # وتعيين مبلغ محدد للاحتفاظ بقوة عسكرية تحت إشراف ضباط بريطانيين. # ولم يكن «إيلجن» سفيرنا بالآستانة - لسوء حظنا - بالرجل الذي يستطيع إقناع الأتراك ~~بأن مصلحتهم تقضي بالموافقة على ترتيب أمين، برغم أنه كان مكروها في نظرهم. فبدلا من ~~أن يقترحوا شروطا راحوا يقيمون الدليل ناصعا على ما اشتهروا به من نقض العهود؛ ذلك أن ~~قبطان باشا - كما كانوا يسمون الأميرال التركي - أغرى بعض المماليك بالحضور على ظهر ~~ذهبيتين، ومن ثم أمر بإطلاق النار عليهم واعتقل من نجا منهم من القتل. وكادت هذه ~~الحادثة أن تؤدي إلى نشوب القتال بين القوات التركية والقوات الإنجليزية، ولم يطلق ~~الأتراك سراح من وقع بيدهم من الأسرى إلا تحت تأثر ms014 التهديد، ومن ثم انسحب البيكوات إلى ~~أعالي الصعيد بعيدا عن متناول يد الأتراك. وبينما كانت هذه المشاحنات والمنازعات قائمة ~~على قدم وساق تم توقيع معاهدة «أمبان» التي قضت بإعادة مصر إلى حظيرة السلطان بتركيا، ~~فأصبح لفرنسا الحق بمقتضى هذه المعاهدة بأن تطالب بجلاء القوات الإنجليزية عنها في ~~الحال. # وبعد عدة محادثات ضعيفة لتسوية مسألة البيكوات ، قنع القائد البريطاني بإصدار أوامر ~~بالعفو عن البيكوات وإعطائهم مديرية أسوان. ومن ثم شرعت الجنود الإنجليزية بعد ذلك ~~تستقل السفن مصحوبة بأحد زعماء المماليك، وهو ألفي بك الذي ذهب لزيارة لندن، وقد عين ~~الميجر «ميسيت» ممثلا لإنجلترا في مصر للإشراف على سير العلاقات بين الأتراك ~~والمماليك، ولبذل كل ما في وسعه لمنع دخول الفرنسيين إليها. وهكذا انتهى الاحتلال ~~البريطاني لمصر في مارس سنة 1803م. # وبديهي أن تعيين ميسيت ممثلا لإنجلترا كان يراد به إحباط دسائس القناصل الذين ~~عينتهم فرنسا بعد توقيع معاهدة إمبان، ثم شرعت الدول المتاخمة لشواطئ البحر الأبيض ~~المتوسط ترسل معتمديها إلى مصر، وحذت حذوها فيما بعد السويد وبروسيا وروسيا. # وقد كان هؤلاء المعتمدون منقسمين إلى فريقين صريحين، ففريق منهم كان يشغل معظم وقته ~~بمراقبة الشئون التجارية، بينما كان الفريق الثاني يعنى بالمسائل السياسية. وبديهي أن ~~هذا التقسيم كان بنسبة أهمية الدول التي كانوا يمثلونها، على أنه لم يكن في بداية القرن ~~التاسع عشر من الشئون السياسية ما يستحق الاهتمام. # ولهذا كان القناصل العموميون من أمثال صولت ودورفيني يقضون الوقت في جمع التحف ~~القديمة مثل ما يقضونه في تمثيل مصالحهم الوطنية، ولكن أصبحت لأعمالهم السياسية منذ سنة ~~1830م فصاعدا أهمية جديدة، وصاروا في الواقع - وإن لم يكونوا في الشكل - معتمدين ~~سياسيين حقيقيين لدى بلاط الباشا، مهمتهم توجيه أعماله إلى ما يطابق سياستهم الوطنية، ~~وقد أصبح بعضهم أصدقاء حميمين لمحمد علي، لا بل أن نفوذ الكولونيل كامبل الشخصي كان له ~~أثر كبير في تكييف إدارة حكومة محمد علي، إن لم نقل في تكييف سياسته الخارجية. # وقد ترتب على رحيل الإنجليز أن خلا المسرح لسلسلة ms015 من الدسائس، ولنصب أشراك ~~المؤامرات بشكل مقطوع النظير. فقد كان الأمر البادي للعيان أن هناك حزبين يتطاحنان في ~~سبيل الاستيلاء على مصر، وهما الأتراك والمماليك، ولكن كانت الأمور في الواقع أعقد من ~~ذلك بكثير؛ فقد كان الأتراك أنفسهم منقسمين إلى فريقين: فريق كان يأتمر بأوامر خسرو ~~باشا المعين من قبل السلطان ليحكم مصر، والفريق الثاني وهم الألبانيون كانوا لا ~~يأتمرون إلا بأوامر زعيمهما طاهر باشا ومحمد علي. كذلك كان المماليك شطرين، أحدهما ~~يناصر البرديسي والثاني يؤازر الألفي، وكان كل من هذه الأقسام الأربعة أشد ميلا لسحق ~~الأقسام الأخرى بدلا من تكاتف الجميع لدفع الخطر المشترك. ولهذا كانت احتمالات ~~الائتلاف كثيرة؛ لأن الإنسان كان وقتئذ يمكنه أن يتكهن التكهن المعقول الممكن، وهو أن ~~قسما من هذه الأقسام الأربعة ما كان ليستطيع البقاء طويلا بمفرده. # وكان خسرو باشا أول من اختفى من على المسرح السياسي، فعندما عين فيما بعد صدرا ~~أعظم للإمبراطورية وصفه الساسة الغربيون بأنه «رجل متوحش وأمي ولكنه ذكي ~~ومقدام.» # ولكن تبين في عام 1803م أن أخلاق خسرو لم تسم إلى هذا المستوى الراقي، وإنما ~~وصف وقتئذ بأنه جاهل في الحرب والسياسة أو الإدارة تمام الجهل، ولا يعرف من هذه ~~الفنون سوى حز الرقاب. # 10 # وبالطبع كان مركزه بمصر في منتهى الحرج؛ ذلك لأن الأتراك كانوا أبغض في ~~أعين الشعب من الفرنسيين لأن جهلهم باللغة العربية - وهي لغة المصريين المقدسة - مضافا ~~إليه لحنهم عند التكلم بها وصلفهم ودعواهم بأن لهم الحق في حكم البلاد؛ كل هذه الصفات ~~ساعدت على استلاب كل معونة محلية منهم. وكثيرا ما دعا عليهم مؤرخ ذلك العهد «الجبرتي» ~~بأن يمحقهم الله جميعا. # وكان على رأس الفصيلة الألبانية طاهر باشا الذي كان ما أصابه في بلاده من النجاح وما ~~اشتهر به من الوحشية في قيادة إحدى عصابات قطاع الطريق سببا في مكافأته بالالتحاق ~~بجيش السلطان. ولقد أبدى طاهر في مصر الشيء الكثير من الشجاعة وسعة الحيلة، ولكنه لم ~~يكافأ المكافأة التي وعد بها. # 11 # ثم إن أنصاره ms016 كانوا في شدة التذمر بسبب عدم دفع مرتباتهم، وكانت النتيجة ~~أنهم أثاروا فتنة في القاهرة في شهر مايو سنة 1803م، وهي حادث مألوف كان يقع يوميا في ~~الجيش العثماني. ولما عرض طاهر باشا وساطته على خسرو رفضها هذا؛ فلم يكن من طاهر إلا أن ~~ذهب في اليوم التالي على رأس الفصيلة الألبانية فهاجم القلعة واحتلها، وإذ ذاك فر ~~خسرو إلى دمياط ، وارتقى طاهر منصة الحكم. ولما لم تكن الجنود العثمانية قد شدت أزر طاهر ~~في هذه الحركة؛ فإنه أهاب بالمماليك أن يتقدموا لتأييده، ولم يترتب على مصرعه أي تغيير ~~في الموقف المباشر؛ لأن محمد علي سرعان ما حل محله. وإذ ذاك اشترك الألبانيون والمماليك ~~في إنزال الهزيمة بمينو بالقرب من دمياط، وقادوه أسيرا إلى القلعة في القاهرة، وكان ~~هذا أول ائتلاف بين الألبانيين والمماليك ضد الأتراك. # وما كادت هذه الأنباء تصل إلى الآستانة حتى صدر الأمر إلى حاكم آخر يدعى علي باشا ~~بالذهاب فورا على رأس قوة من 1500 جندي ليحل محل الحاكم المخلوع خسرو فوصل إلى ~~الإسكندرية واحتلها. ولكن سرعان ما أوقع نفسه في نزاع مع قناصل الدول الأوروبية ~~المقيمين في تلك المدينة؛ فلقد أعلن أن الامتيازات لا حرمة لها ما دام هو الحاكم بأمره. ~~ولم يكن مطاعا بين جنوده، وقد كانوا يتسلون بإطلاق النار على الشعار المعلق فوق ~~القنصلية السويدية، ثم إنه حاول أن يتدخل في حكم أصدرته المحكمة المحلية في صالح ~~الفرنسيين لسبب مجهول. وفي أوائل سنة 1804م بدأ يزحف جنوبا في اتجاه القاهرة متوقعا ~~أن يهب الألبانيون تحت قيادة محمد علي إلى مناصرته، ولكن الألبانيين لم يحركوا ~~ساكنا، وأخيرا وقع الباشا في أسر البرديسي فأمر بإعدامه. # 12 # وإذ ذاك عين باشا ثالث - وهو خورشيد - مكانه، وكانت العلاقات بين الألبانيين ~~والمماليك قد أخذت تفتر؛ لأن الأولين كانوا شديدي التمسك بتسلم مرتباتهم كاملة، بينما ~~لم يكن أمام المماليك إلا أن يلجئوا إلى القروض الإجبارية وغير ذلك من الوسائل ~~العنيفة. # ولشد ما كان حزنهم أنهم رأوا أنفسهم مضطرين أن ms017 ينهبوا الأهالي لمصلحة الغير، ثم إنهم ~~أظهروا ميلا لمساعدة خورشيد بصفته «باشا» مصر؛ وذلك نظرا لدماثة خلقه واعتدال آرائه. ~~ومن ثم أصبح المجال واسعا خاليا لعقد ائتلاف جديد، وقد تم فعلا، كما كان مقدرا ~~بالضبط؛ فلقد عاد ألفي بك من إنجلترا في فبراير سنة 1804م، وسرعان ما هب حزب البرديسي ~~يساعده الألبانيون بتشجيع من محمد علي - على الأرجح - لمهاجمة حزب الألفي ونهب منازلهم ~~في القاهرة . ولشد ما كان اغتباط محمد علي بهذا الانقسام بين صفوف البيكوات، # 13 # وراح من فوره ينشد حليفا آخر في شخص الباشا الجديد، وكان لا يزال في ~~الإسكندرية. وقد أبلغ محمد علي المعتمد الفرنسي في القاهرة بأن الألبانيين بمجرد ~~استطاعتهم الحصول من المماليك على مرتباتهم المتأخرة عن الأشهر الثمانية السالفة؛ فلسوف ~~يعقبه انفجار يعيد الألبانيين إلى حظيرة رضا السلطان. ثم استرسل، فقال: «ماذا عسانا أن ~~ننتظر من أناس كالمماليك؟! إنهم أعداؤنا الطبيعيون وهم لا يتحرجون عن الغدر بإخوانهم الأتراك.» # 14 # وقد حدث الانفجار في الوقت الملائم كما توقعوا. ففي يوم 11 مارس أغار الألبانيون في ~~القاهرة على دور زعماء البيكوات، فسلمت القلعة. وإذ ذاك أعلن محمد علي الفرمانات بتعيين ~~خورشيد باشا واليا على مصر، # 15 # وكان طبيعيا أن يتقدم الباشا للاتصال بحليفه، ثم دارت رحى القتال عدة ~~أشهر حول القلعة بين البيكوات من ناحية وبين الباشا ومحمد علي من الناحية الأخرى، ولكن ~~بدلا من اتجاه الألبانيين والمماليك في العام السالف لطرد خسرو باشا فإن هيبة الأتراك ~~قد تلاشت الآن، حتى إن خورشيد أصبح لا يعتمد إلا على محمد علي، وكان نفوذه آخذا في ~~الازدياد، وقد صار الباشا - كما حدثنا لسبس - بحق عبارة عن أداة يسخرها الألبانيون ~~كما يشاءون في قضاء مأربهم، # 16 # وفي خريف هذه السنة تجلت هذه الحقيقة بشكل لا خفاء فيه، فلقد بدأ ~~الألبانيون يضيقون ذرعا بمصر، وأخذ كثيرون منهم يحنون إلى أوطانهم ويجأرون بطلب ~~العودة بصحبة ما جمعوه من الغنائم والأسلاب. ولكن خورشيد أحس بأن لا سبيل إلى احتفاظه ~~بمركزه بغير مساعدة محمد ms018 علي المنطوية على الحزم وسعة الحيلة؛ ولذا ألح عليه في ~~البقاء، ونحسب أننا لا نعدو الواقع إذا قلنا إنه لم يجد صعوبة في إقناعه بذلك. # 17 # وكان البؤس وقت ذاك قد ضرب أطنابه في كافة أنحاء القاهرة، ولكن لم يكن ثمة مناص من ~~ترضية جنود محمد علي وحملهم على البقاء. وهنا لم ير خورشيد حيلة إلا أن يرضيهم بتجديد ~~طرق الابتزاز التي كانت شائعة في أيام المماليك. مثال ذلك أن أعيان الأقباط جيء بهم إلى ~~القلعة، وطلب إليهم تقديم 2000 كيس «نحو 10000 جنيه»، ولكن المماليك المعسكرين حول ~~القاهرة قطعوا عنها الحبوب؛ فتفشت المجاعة في المدينة، ومن ثم أخذ المسلمون الصالحون ~~يتحسرون على أيام حكم الفرنسيين الكفار! # 18 # وظل معتمدو الدول ينظرون إلى هاتيك الحوادث دون أن يستطيعوا التكهن بما سوف تؤدي ~~إليه من العواقب. ولقد راجت بعد مرور جيلين من وقوعها إشاعة، ربما كان باعثها الرغبة في ~~استدرار السخاء الخديوي بأن ليسبس المعتمد الفرنسي أدرك عبقرية محمد علي من بداية ~~الأمر، وأنه ساهم في ارتفاعه بما كان يبذله له من النصائح. ولكن توجد إلى جانب هذه ~~الرواية الخيالية أقوال ليسبس نفسه لتليران عن محمد علي، فقد قال: «لست أظن أن محمد علي ~~له من العبقرية ما يجعله يفكر في المشروعات الكبرى، ولو سلمنا جدلا أنه فكر فيها ~~فليس لديه من الوسائل ما يمكنه من تنفيذ ما يفكر فيه.» من أجل هذا فإن ليسبس لم يكن ~~يشجع هذا الزعيم ذا العبقرية المحدودة أو يميل إليه. كلا؛ بل كان ميله إلى البيكوات ~~المماليك الذين كان يظن أن دعوتهم إلى كراسي الحكم سوف يتبعها ازدياد النفوذ الفرنسي. # 19 # وكان المعتمد البريطاني المأجور ميسيت معذورا في وقوعه ضحية لهذه الأماني الخداعة. ~~على أن حوادث سنة 1905م كان لها الفضل كل الفضل في جلاء الموقف؛ فإن أهالي القاهرة بعد ~~أن دفعهم المماليك إلى أحضان الجوع والفاقة، وبعد أن التهمهم الباشوات أخذوا ينفرون ~~واشرأبت أعناقهم إلى الزعيم الألباني يرجون منه إنقاذهم من ويلاتهم. ولعلك تجد ms019 الباعث ~~على هذا القلق في أعمال التحريض الماهرة أكثر مما تجده في الاعتراف بالجميل الناشئ عن ~~الوجدان النفسي؛ فإن محمد علي - كما حدثنا المؤرخ العربي المعاصر - قد توثقت عرى ~~الصداقة بينه وبين أحد العلماء، كما أنه كان يختلف خفية إلى داره ليتملقه، ويؤكد له أنه ~~لو كان أمر مصر بيده لأدار دفة الحكم بالعدل ولاتبع ما يشير به عليه الزعماء الدينيون ~~من الآراء والنصائح. # ومن ثم بدأ محمد علي بإعداد أنصار له في المدينة نفسها، وهي التي حاول خورشيد باشا ~~عبثا أن يسيطر على مصائرها باحتجاز عالمين من علماء الدين كضمانة في يده. # ولم يكن بينهما العالم صديق محمد علي، ثم شرع في الوقت نفسه يأتي بالإمدادات من سوريا ~~ليستغني بها عن معونة الألبانيين، فكان في حضور هذه الإمدادات إلى مصر فصل الخطاب؛ ذلك ~~لأنه تبين أن قائدهم هو شقيق أحد الذين اشتركوا في اغتيال حياة طاهر باشا. وقد برهنت ~~هذه الإمدادات على أن نظامها دون نظام الألبانيين أو المماليك بمراحل، وهنا راجت سوق ~~الإشاعات المقلقة في الخارج عن مسلك هذه الإمدادات، ورويت روايات تقشعر منها ~~الأبدان عن كيفية وصولها إلى القرى، وطردها السكان من مساكنهم، واعتدائها على عفاف ~~نسائهم، ثم قتلهن بعد ذلك واختطافها الأطفال. على أن هذه الأقاصيص - إذا حكمنا بما راج ~~من مثيلاتها في الجهات الأخرى - لم ينقص منها شيء أثناء ترديدها، ثم إن ما تضمنته من ~~المبالغات لم يضعف من تأثيرها الأدبي. ومن ثم استولى الذعر على أهالي القاهرة من ~~أقصاها إلى أقصاها، وأغلق الأزهر أبوابه، وخلت الأسواق من السابلة، وأصبح المرء لا يجرؤ ~~على مغادرة داره إلا وهو يشعر بأنه يحمل حياته على كفه. # وكان محمد علي عند وصول هذه الإمدادات التي قضت مضاجع الأهلين بسلوكها الوحشي ~~متغيبا عن القاهرة في غزو المماليك ومشتغلا بتشتيتهم، فلم يلبث أن عجل بالعودة. ولم ~~ينقض أسبوع حتى دخل العاصمة على رأس 4000 جندي، زاعما أن الباعث له على دخول المدينة ~~هو للحصول على مرتبات رجاله؛ وهي حجة سرعان ms020 ما صادفت نقطة حساسة في أنفس الإمدادات ~~بصفتها مكونة من جنود أتراك. وفي يوم التاسع من شهر مايو كان الأمر قد التبس على ~~خورشيد، فلم يدرك مغزى مجيء محمد علي، فانتهز فرصة عودته لإعلان الفرمان الشاهاني ~~القاضي بإعطائه متصرفية جدة. ولقد كانت هذه الإشارة اللبقة المقترنة برغبة التملق ~~الموجهة للزعيم الألباني بأن وجوده في مصر بات غير مرغوب فيه كافية لأن يبت محمد علي ~~في الموقف بسرعة؛ فبينما كان خورشيد يتأهب للعودة إلى داره في القلعة إذا بالجنود ~~الألبانيين يحيطون به ويستحثونه لدفع مرتباتهم، موجهين إليه تهمة الاستغناء عن جباية ~~الإيرادات العامة، ثم أخذوا يهددونه بالقتل العاجل إن لم يدفع هذه المرتبات. وهنا تقدم ~~أحد الضباط الألبانيين ليدرأ عنه عنف الجنود، وبينما كان خورشيد يعمل على التخلص من ذلك ~~الموقف الحرج كان الشعب بإرشاد العلماء ينادي بمحمد علي واليا على القاهرة. # 20 # وأخيرا، تمكن خورشيد من الفرار إلى القلعة، ومنها حاول تصويب مدافعه على المدينة ~~لإخضاعها، ولكن طوبجية الأتراك فشلوا في تحقيق هذه الغاية، ولم تؤد محاولتهم إلا إلى ~~إهاجة الأهالي لا إزعاجهم. # ثم تقدم العلماء معتمدين على تأييد الألبانيين بسلسلة مطالب. ولقد كانت الحكمة في نظر ~~القوم تقضي وقتئذ - كما تقضي الآن - بأنه في المساومات السياسية، كما في المساومات ~~التجارية سواء بسواء، ينبغي أن تبدأ بطلب ما تعتقد أنه المستحيل. وجريا على هذه الحكمة ~~طلب العلماء بأن تعسكر الجنود من ذلك الوقت فصاعدا على ضفة النهر الغربية، أي في جهة ~~الجيزة، وألا يسمح لأي جندي مسلح بدخول العاصمة، وألا يكلف الأهالي بتقديم الإعانات. # 21 # فلما رفضت هذه المطالب عادوا إلى المناداة بمحمد علي واليا على القاهرة بطريقة ~~رسمية، وشرعوا في محاصرة القلعة، وبلغ حماس الأهالي إلى درجة الغليان؛ مما جعل يذكر ~~رجال الجالية الفرنسية - وكانوا يرقبون تطور الأحوال عن كثب - بشدة اندفاع سكان باريس ~~المتحمسين للثورة الفرنسية. # 22 # وفي الواقع كان هناك تشابه كبير بين الثورتين؛ فإن الشعب في كلتا الحالتين كان ~~منهمكا في استبدال حاكم بآخر، على أنه ms021 برغم ذلك كان يوجد فارق جوهري بين الحالتين. ~~فالشعب الذي كان يتدفق وراء غوغاء باريس ورعاعها كان يهدف إلى إيجاد معاهدة جديدة، ~~بينما لم يكن للرجل الواقف خلف فتنة القاهرة من غاية سوى تعزيز نفوذه الشخصي بالوصول ~~إلى كرسي الحكم. وإذا كان الفرنسيون كذلك قد هاجموا البستيل واستولوا عليه، فإن سكان ~~القاهرة على الرغم من أنهم كانوا يقتلون أنصار خورشيد أينما عثروا عليهم في الطريق، ~~وعلى الرغم من أن كلا من هؤلاء السكان حتى الأطفال راح يبتاع السلاح؛ # 23 # فإنهم لم يستطيعوا الاستيلاء على القلعة. نعم؛ لقد تظاهر محمد علي بمساعدة ~~الأهالي، فقد أمر بسحب المدافع إلى قمة جبل المقطم؛ حيث يشرف على القلعة، ووضع جماعة من ~~الرماة الماهرين في مأذنة جامع السلطان حسن، ولكن الزعيم الألباني لم يكن يرى في الحالة ~~ما يقتضي استعجال الأمور والوصول بها إلى نتيجة حاسمة. ولعله كان يعتقد أن ذلك يكلفه ~~الكثير من الضحايا في وقت لم يكن يعتمد فيه الاعتماد كله على رجاله. # وفوق ذلك فإنه كان يفضل أن يصير باشا القاهرة برضاء الآستانة، لا أن يعلن عصيانه ~~على السلطان، وقد ذهب المعتمد الفرنسي دورفيشي، وهو أبعد نظرا من سلفه ليسبس، # 24 # إلى الباب الموضوع في تقرير بعث به حوالي ذلك الوقت إلى حكومته في باريس، ~~فقد كتب يقول: # إن تصرفات هذا الزعيم الألباني صاحب المشروعات الكبيرة تحملني على الظن بأنه ~~يؤمل أن يصبح باشا القاهرة بلا قتال ما وبدون إغضاب السلطان؛ فكل تصرف من ~~تصرفاته يكشف عن عقلية ماكييفالية، حتى لقد بدأت حقا أعتقد أن له عقلا أرجح ~~مما لدى الكثيرين من الأتراك. ويخيل إلي أنه يرمي إلى اعتلاء كرسي الحكم ~~باسترضاء العلماء والشعب، وهكذا يرغم الباب العالي على التنازل له عن طواعية ~~عن كرسي الحكم الذي يكون قد تم له الاستيلاء عليه. # ولقد جاءت النتيجة طبق ما توقعه هذا المعتمد الحاذق؛ ذلك أن رسولا من قبل ~~السلطان وصل إلى الإسكندرية في شهر يونيو يحمل أمرا بإعطاء ولاية مصر لخورشيد أو لمحمد ms022 ~~علي، أي لأصلح الرجلين وأعزهما نفرا، وبعد لأي ما اعترف الرسول بأن محمد علي هو ~~الأقوى، فخلع عليه الولاية ... # وفي يوم 7 أغسطس غادر خورشيد القلعة وأخذ طريقه إلى بولاق لركوب السفينة التي أقلته ~~إلى الإسكندرية. # ولقد كان ما أظهره محمد علي من المهارة السياسية أثناء هذه الحوادث مما يعتبر - ~~والحق يقال - خارقا للمألوف؛ فإنه أولا ساعد المماليك على قهر خسرو باشا، ثم إنه ~~رجح بعد ذلك كفة أحد حزبي المماليك ضد الحزب الآخر، وبعد هذا وذاك شد أزر خورشيد ~~باشا ضد المماليك ، وأخيرا وضع نفسه على رأس أهالي القاهرة في ثورتهم على خورشيد، ~~وأيضا على الأتراك والمماليك بالتوالي. ولكنه كان في كل هذه الحركات واقفا عن كثب لا ~~يسمح لنفسه بالتورط في تأييد أحد من هذه الأحزاب المتطاحنة، ثم إنه تمكن في نهاية ~~الأمر من نيل رضاء السلطان بتوليته ولاية مصر، ولقد شاء بعض الباحثين أن يرى في سعي ~~محمد علي للحصول على موافقة السلطان؛ رغبة منه في صبغ قوته بصبغة قانونية. ولكن محمد ~~علي كان سياسيا عمليا قوي الشكيمة، لا يعنى إلا بلباب الأمور دون قشورها؛ ولذا لم ~~يكن يحفل كثيرا بقيمة الحق المعنوي. على أن اعتراف السلطان لم يضاعف نفوذ محمد علي ~~داخل مصر نفسها؛ لأنه لم يكن يتوقع لوصول إمدادات من الجنود من الآستانة لتأييده، ولا ~~أن يواصل الباب العالي تأييده ولو أدبيا، بل إن الديوان المغامر الذي نخر سوس الرشوة ~~عظامه لن يتردد في أن يقلب له ظهر المجن متى ظهر على المسرح مرشح يمكن أن تعقد ~~عليه الآمال، هذا إلى أن المماليك كانوا لا يزالون يحتلون الوجه القبلي بأسره وجزءا ~~غير قليل من الوجه البحري. ولكن الاعتراف الشاهاني بولايته قد أراح باله مؤقتا على كل ~~حال، وجعله يطمئن إلى عدم التدخل من ناحية تركيا ولو إلى أجل مسمى. وهكذا صار في وسعه - ~~ولو لبضعة أشهر - أن يتفرغ للمماليك وحدهم دون أن يكون مضطرا للموازنة بين الأتراك ~~والمماليك، إلا إذا تدخلت في شئون مصر إحدى ms023 الدول الأوروبية العظمى صدفة. # ومهما كان من أمره فقد كان الشك يحيط بمركزه؛ لأن جيشه لم يكن يمكن الاحتفاظ به ~~كمجموعة متحدة إلا عن طريق دفع المرتبات بانتظام أو إطلاق يده في أعمال السلب والنهب. ~~ولذلك كان لا مفر له من الالتجاء في نهاية الأمر إلى سلوك خطة الابتزاز، وهي التي قضت ~~على أسلافه، وفي الوقت نفسه ماذا عسى كان يكون مسلك الدول الأجنبية حياله؟ نعم؛ إن ~~دورفيشي قد يسلم بمقدرة الباشا ويعترف بمواهبه الماكييفالية، ولكنه لم يكن يرغب وقتئذ ~~في استمرار إدارته ، ثم إن زميله المعتمد الإنجليزي ميسيت لم يكن ميالا لاستمرار حكم ~~محمد علي. وفي الواقع، إن كلا منهما كان قليل الثقة بحسن نية الباشا، # 25 # كما كان يرتاب في قدرته على الاحتفاظ بمركزه، # 26 # ومن ثم شرع المعتمدان المذكوران يشجع كل منهما حزبا معينا من أحزاب ~~المماليك، على أن إجماع المعتمد الإنجليزي والفرنسي على مخاصمة محمد علي قد دفعه بالعكس ~~إلى التقدم حثيثا إلى الأمام، وحفزه إلى العمل للحيلولة دون اتفاق كلمة المماليك ضده. ~~وعلى الرغم من ذلك لم يكن دورفيشي مخدوعا بقوة البيكوات من الناحية العسكرية، وحسبك ~~دليلا على هذا قوله: # إن زعماء البيكوات - حتى ولو اتحدت كلمتهم جميعا - ليس لديهم من الرجال ما ~~يزيد عن 800 من المماليك، بينما الباقون هم شراذمة من اليونانيين والعثمانيين ~~والأعراب الذين لم ينضموا إلى قضية البيكوات إلا طمعا في إشباع شهواتهم في ~~النهب والسلب، وقد مضى الوقت الذي كان المماليك يخرجون فيه للقتال وراء زعمائهم ~~كالضواري غير هيابين ولا وجلين يستقبلون الموت بنفوس هادئة. ثم إنهم أصبحوا ~~هيئة ينقصها النظام والمران، وبعد أن كان بلاط البيكوات يعتبر بمثابة مدرسة ~~للنظام العسكري وللتحلي بفضائل الأخلاق أصبح مهدا للرذيلة ولمخالفة النظام. ~~وليس من ريب في أن معيشة المماليك في الزمن الأخير معيشة القبائل الرحل التي ~~تقوم على السلب والنهب قد دفعهم إلى هذا الدرك الأخلاقي السحيق. # 27 # ثم ختم المعتمد المذكور أقواله عن مصر بألا أمل لها في أن تذوق طعم ms024 ~~النظام أو الحكم الصالح إلا إذا عاد الاحتلال الفرنسي. # 28 # أما موقف الإنجليز فكان على النقيض من هذا من عدة نواح؛ فإن ما حصلنا عليه من ~~التجارب إبان حملة سنة 1801م قد دفعنا إلى أن نعتقد اعتقادا جازما وبحق بأن الأتراك ~~لن يستطيعوا أن يستعيدوا مراكزهم في مصر أو على الأقل لن يتمكنوا من الاحتفاظ به؛ فلقد ~~وصفهم الجنرال هتشنسن بأنهم قوم ضعاف لا ثقة لهم بأصدقائهم، وقد جعلوا اعتمادهم على ~~أعدائهم، وتنقصهم الموهبة لوضع أي خطة معينة، ويعوزهم النشاط لتنفيذ تلك الخطط فيما لو وضعوها، # 29 # وكان كل إنسان يعتقد في الوقت نفسه بأن الفرنسيين ما زالوا يحلمون بالعودة ~~إلى فتح مصر. لهذا فإن نلسون بصفته القائد الأعلى في حوض البحر المتوسط قد صدرت إليه ~~التعليمات بمجرد استئناف الحرب مع فرنسا بأن يراقب أي حملة فرنسية يقصد إرسالها إلى ~~الشرق، بمجرد استئناف الحرب مع فرنسا، وهذا السبب نفسه هو الذي جعلنا نبسط سيطرتنا على ~~جزيرة مالطة. وبديهي أنه لو صمم الفرنسيون على استئناف هجومهم على مصر وعجز الأتراك عن ~~صدهم، فإن المماليك وحدهم يصبحون وقتئذ نواة الحكومة المحلية الفعالة؛ ومن ثم بذلت ~~مساع عديدة، وطرح على الباب العالي مختلف المشروعات ليعهد إلى المماليك بإدارة ~~البلاد، فلما تبين أن الباب العالي مصمم على عدم التورط في مشروعات من هذا القبيل ~~بدأت إنجلترا تقترح احتلال الإسكندرية على الأقل. ولما كان الباب العالي غير ميال إلى ~~اتباع هذا الرأي أيضا، فإن الوزارة البريطانية أصبحت من الآن فصاعدا تعتقد أن أعمال ~~الفرنسيين قد تدفعها إلى احتلال الإسكندرية، سواء أرضي الباب العالي أو لم يرض، # 30 # وقد نفذت إنجلترا ذلك المشروع عندما رأت السلطان بمناسبة ما أحرزه نابليون ~~من الانتصارات الباهرة في أوروبا في سنتي 1805م و1806م، وقضائه على الحلف الذي ~~تألف، فقد اعترف به إمبراطورا، واستقبل السفير الفرنسي في الآستانة بحفاوة خارجة عن ~~الحدود المألوفة؛ مما جعل الناس يؤولون هذه الظاهرة بأنها تطور يعتبر بمثابة فتح ~~أبواب مصر أمام الفرنسيين يدخلونها أينما يشاءون، ms025 ومن ثم قررت إنجلترا احتلال ~~الإسكندرية، فبعد أيام قلائل ذهب جزء من الجيش البريطاني المعسكر في صقلية قاصدا إلى ~~الإسكندرية، فاحتل المدينة في ليلة 20-21 مارس سنة 1807م، ثم بادر المعتمد البريطاني ~~ميسيت إلى دعوة حزب الألفي بك إلى شد أزرنا. هذا، بينما شرع القنصل الفرنسي بعد فراره ~~إلى القاهرة يعد معدات الدفاع على عجل لصد غارة المغيرين. # ومما ساعد على احتلال الإسكندرية بهذه السهولة أنها لم تكن وقتئذ حتى ولا تحت سيطرة ~~محمد علي الاسمية. وفي خلال سنة 1805م استصدر سكان المدينة بإلحاح من ميسيت فرمانا ~~يجعل الإسكندرية تحت سلطة ضابط من ضباط البحر مستقل تمام الاستقلال عن باشا القاهرة، ~~ومع أن الباشا قد حاول أن يرشي هذا القومندان البحري، ويحمله على قبول حامية ألبانية في ~~المدينة فإن ميسيت تمكن من إقناع القومندان بأن يرفض الاقتراح المذكور. # 31 # وفي يوم 29 مارس خرجت فصيلة إنجليزية قوامها 1400 جندي متجهة إلى مدينة رشيد بقصد ~~احتلالها، وكانت ترمي إلى غاية مزدوجة؛ الأولى: تسهيل دخول المؤن إلى الإسكندرية حتى ~~إذا أصابت نجاحا باهرا حققت الغاية الثانية: وهي دفع المالية إلى المبادرة لمساعدتنا، ~~ولكن المشروع قام على أساس خطة فاسدة نفذت بطريقة فاسدة أيضا؛ فأولا كان ينبغي ~~على فريزر بصفته قومندان الحملة أن يتقدم بنفسه على رأس القسم الأكبر من جيشه، # 32 # وثانيا كانت قيادة الفصيلة التي ذهبت لاحتلال رشيد فاسدة، فإن قائدها ~~فوشوب استخدم جنوده جميعا في الهجوم دون أن يترك لنفسه احتياطيا، فلما خر صريعا ~~في بداية الهجوم خلفه أكبر الضباط مقاما، ولكن هذا أيضا سرعان ما أصيب بجروح، وإن ~~تكن حالت دون اشتراكه مع جنوده في مواصلة القتال، إلا أنها لم تكن من الخطورة بحيث ~~تحمله على التخلي لغيره عن القيادة، فكانت نتيجة ذلك كله أن الحامية الألبانية عندما ~~أرغمت على التخلي عن مواقعها لم تكن ثمة مخافر أمامية لتحول دون عودتها. كذلك لم ~~يهتم أحد بلم شعث الجنود في صعيد واحد بعد أن كانوا قد تفرقوا واختل نظامهم أثناء ms026 ~~الهجوم، وما كان أشبه ما وقع بما سبق أن حدث في باتنا سنة 1763م؛ فإن العدو لما لم ير ~~من يطارده أو يتعقبه نجح في لم شعثه، ثم لما تأكد من عدم اتخاذ احتياطات مضادة أعاد ~~الكرة على المدينة ودخلها ثانية، ولما تبين له أن الجنود بلا حراسة انقض انقضاض ~~الصاعقة، حتى إذا اختلط الحابل بالنابل ووصلت إلى القائد الجريح الأنباء المزعجة تترى، ~~أصدر أوامره بالانسحاب العام، على أن هذا الخطأ سرعان ما تحول إلى كارثة كبرى؛ ~~فالمألوف في الشرق هو أن تقلب الحظ مهما كان تافها سرعان ما يؤدي إلى تبدل موقف ~~الأهالي، فإن القاهرة ما كادت تسمع باحتلال الإسكندرية حتى استولى الذعر على سكانها، ~~ولم يخطر للجنود الألبانيين المعسكرين فيها إلا أن يفروا إلى سوريا، وقد ابتاعوا أثناء ~~فرارهم من مصر الخيل والبغال والحمير بضعفي ثمنها لنقل أمتعتهم، بل إنهم لم يترددوا ~~في شراء «السيكوين» - وهي قطعة تقود مدقوقة في مدينة البندقية - بأربعة عشر قرشا مع أن ~~ثمنها المعتاد هو عشرة قروش، وأبدى الفلاحون استعدادهم للثورة ومنع المئونة عن بعض ~~فصائل جنود محمد علي التي لم تكن من القوة بحيث تستطيع الدفاع عن نفسها، في حين أنهم ~~قتلوا بعضا منها في كثير من الجهات. # 33 # حدث هذا كله كما قلنا عندما وصلت الأنباء باحتلال الإسكندرية، ولكن ما أصاب الجنود ~~الإنجليزية من الفشل في رشيد غير الموقف كلية، فقد استرد الألبانيون شجاعتهم، ثم إن ~~المماليك بدلا من أن يبادروا إلى الانضمام لجانب الإنجليز ترددوا أولا، ثم قرروا في ~~النهاية أن يتفقوا مع محمد علي في مقابل شروط معينة، وترتب على هذا أن الأهالي عادوا ~~إلى خضوعهم السابق، وأصبح يتعذر على الإنجليز أن يحصلوا على معلومات ما عن حركات العدو. # 34 # وقد تمكن محمد علي بفضل هذه التطورات من أن يحشد جنده ويرسلهم إلى الشمال لسد ~~الإنجليز الذين كانوا قد قاموا بمحاولة أخرى للاستيلاء على رشيد، ولقد كان تقدمهم في ~~هذه المرة بشيء من الحذر؛ بمعنى أنهم أطلقوا وابلا من ms027 القنابل على المدينة وأرجئوا ~~مهاجمتها فعلا إلى أن تصل إمدادات المماليك التي وعدهم بها ميسيت. وبدلا من ظهور ~~الحلفاء المزعومين ظهرت في مكانهم قوات محمد علي ... وسرعان ما وجد المحاصرون أنفسهم على ~~غير انتظار بين نارين. ثم استمر القتال ومالت كفة النصر إلى هذا الفريق ثم إلى ذاك، ~~وبعد أن سقط من رجالنا 400 جندي وأسر مثلهم صدر الأمر مرة أخرى بالانسحاب إلى الإسكندرية، # 35 # على أن محمد علي أخذ في القاهرة بأسباب سياسة الاعتدال التي سبق له اتباعها ~~مع خورشيد من قبل، ولو أن شخصا تركيا عدا محمد علي أحرز ما أحرز من النجاح، لداخله ~~الغرور وراح يقتل أسراه، ولأصدر أمره بإجراء عملية الختان لهم بخصيهم، ولقذف الباقين ~~على قيد الحياة إلى اليم دون أن يحسب حساب العواقب. ولكن الباشا نزل على حكم العادة، ~~فسمح بأن تحمل جماجم القتلى ويطاف بها في الأسواق، ولم يشأ أن يتناسى بأنه لا مفر من ~~عقد الصلح عاجلا أو آجلا، وأن الأساطيل الإنجليزية لن تسمح لسفن العدو بالدخول إلى ~~ميناء الإسكندرية أو مبارحتها، وإلى جانب هذا كله فإن بريطانيا لم تكن تسيطر على البحر ~~المتوسط من الأمام وكفى، بل وعلى المياه الهندية من الخلف. ولهذا كله قرر محمد علي أن ~~يعامل الأسرى معاملة حسنة، بل إنه أرسل أحدهم في شهر مايو إلى الإسكندرية مصحوبا ~~بمترجم يوثق به للبحث في الشروط، التي ينسحب الإنجليز بمقتضاها، وقد عرض في مقابل ~~انسحاب الحملة الإنجليزية أن يطلق سراح من وقع في يده من الأسرى وأن يصمد لأي قوة ~~أوروبية ترمي إلى احتلال مصر أو اختراق الأراضي المصرية في طريقها إلى الهند، # 36 # ولكن هذه الاقتراحات قوبلت وقتذاك بالرفض، غير أن وزارة بورتلند التي ~~تبوأت كرسي الحكم في ربيع سنة 1807م نظرت إلى الموقف العسكري نظرة حكيمة قائمة على ~~حقيقة الواقع أكثر مما نظرت إليه الوزارة السالفة وزارة غرانفيل. ومن ثم تقرر الجلاء عن ~~الإسكندرية التي كان في الاستطاعة احتلالها من جديد إذا اقتضى الأمر ذلك، وكان من ms028 نتائج ~~هذا القرار أن اتفاقا عقد في 14 سبتمبر يقضي بالتخلي عن الإسكندرية للباشا، في مقابل ~~إطلاق سراح الأسرى الإنجليز وإعلان العفو العام عن كل من كان له ضلع في مساعدة القوات ~~الإنجليزية. # وهكذا مرت الأزمة بسلام. وليس من شك في أن الحملة البريطانية لو حسنت قيادتها لأجهزت ~~على سطوة محمد علي الآخذة في الازدياد، ولأدت إلى إعادة مصر، إما إلى حكم المماليك أو ~~الباب العالي، ولكنها قامت على فكرة خاطئة أسيء تنفيذها. وما أشبه ما حدث بالحملة ~~العقيمة التي وجهناها في بداية الحرب العالمية الماضية إلى أعلى الفرات! فمن الخطأ ~~الغريب أننا أغفلنا في جملة رشيد أن نرسل أحدا من الضباط الذين عملوا تحت قيادة آبر ~~كرومبي أو هتشنسن إبان احتلالنا الأول للإسكندرية، كما أنه كان من المتعذر جدا سلخ ~~قوات كبيرة من الجيش المرابط في صقلية لتحقيق الغاية المقصودة من إرسال تلك القوة إلى ~~مصر. وبالجملة، فإن الفشل كان من كافة الوجوه ذريعا من حيث مداه ومن حيث الثمن الذي ~~تقاضاه منا، ولكنه على ما يظن لم يكن فشلا تاما كما كان يلوح بادئ ذي بدء؛ ذلك لأن ~~ذكاء محمد علي قد خلص من هذا الحادث بنتائج تتجلى فيها الحكمة؛ فلقد أدرك أن الجيش ~~الفرنسي لا يمكن أن يحسب حسابه مباشرة كالأسطول البريطاني، ومن ثم بدأ يفكر في أن ~~بريطانيا العظمى ربما تكون حليفا له قيمته في تحقيق مشروعاته التي كان قد بدأ فعلا في ~~تنفيذها. # ومن ثم بدأت الحالة في مصر تنجلي تدريجيا؛ فقد صار الزعيم الألباني ممثل الآستانة، ~~وأصبح التدخل الفرنسي مستحيلا، هذا إلى أن التدخل البريطاني قد حبط فلم يبق إذن سوى ~~المماليك الذين ينبغي الإجهاز عليهم قبل أن يعتبر محمد علي نفسه سيد مصر الأوحد. على ~~أنه كان مع ذلك تحت خطر متزايد بأن الغالب شأنه كشأن كثيرين من الموفقين المطالبين ~~بالاستيلاء على تركة بواسطة القانون قد يجد نفسه في النهاية أنه لم يرث إلا تركة مثقلة ~~بالديون. # فلقد كانت البلاد سائرة بخطوات واسعة ms029 نحو الخراب؛ فإن مديريات الوجه القبلي كانت تئن ~~تحت وطأة المماليك الحديدية، هذا بينما كان الوجه البحري عاجزا كل العجز عن سد حاجات ~~الجنود من جهة وحاجات الأهالي من الجهة الأخرى، بل لقد اضطر الفلاح في كثير من الأحيان ~~في سبيل أداء مطالب الحكومة وما لحق به من وسائل الإكراه الظالمة التي كان يتبعها ~~مندوبو الحكومة أن يتخلى حتى عن آلاته الزراعية. وقد أصبحت القرى الواقعة في الأراضي ~~المتاخمة لساحل البحر مهجورة، ثم إن شواطئ النيل التي كانت في يوم ما جنة زاهرة قد ~~حكم عليها بالخراب غير الطبيعي. # 37 # وقد كان الاحتفاظ بالجيش - كما كان شأنه في الماضي، وكما قدر له أن يبقى طويلا - ~~علة العلل في حدوث القلاقل العظيمة؛ # 38 # ففي سنة 1809م كان لدى الباشا نحو عشرة آلاف جندي، ولكنهم كانوا - كما تقضي ~~التقاليد التركية - يتناولون مرتبات 30000، # 39 # ولقد زادت مرتباتهم هذه وما إليها من مصروفات الحكومة بمراحل عن إيرادات ~~أراضي الوجه البحري حتى في سنة 1806م وعما تقاضته الجمارك من الرسم على تجارة ~~متلاشية. # ولم يكن من سبيل إلى سد العجز إلا بتجديد الضرائب التي فرضها المماليك وخورشيد باشا ~~في الماضي، وفي الضرائب التي أصبحت أثقل وأبغض إلى النفس مما كانت في أي زمن مضى؛ ذلك ~~لأن كل إنسان أصبح مجردا حتى من أمتعته المنقولة، ثم إن الأجانب أنفسهم أرغموا على ~~تقديم الأموال، كما أرغم القناصل على إبداء موافقتهم على ذلك العمل، # 40 # وقد حدثنا المؤرخ العربي أن الجنود وحدهم هم الذين كانت لديهم دون سائر ~~السكان نفوذ يستطيعون إفراضها. # 41 # وكان شأن الألبانيين في مصر كشأن الجنود العربية المأجورة التي جاءت إلى بارودا أو ~~إلى حيدر أباد، وكان موضع الحيرة في الموقف هو إما الالتجاء إلى السلب والنهب فيؤدي ذلك ~~إلى استفزاز الأهالي، وإما إغضاء الألبانيين عن اغتصاب الجنود وإثارتهم. # ولقد بذل محمد علي - بلا ريب - آخر ما في وسعه للخروج من هذه الورطة؛ فلقد اجتذب إلى ~~جانبه مثلا رجال الدين وبعض أعيان القاهرة بمنحهم ms030 بعض القرى التي كانت للبكوات ~~والمماليك من قبل، وكان يرمي بذلك إلى الفصل بين أهالي العاصمة وحكامهم السابقين فيما ~~لو تناسوا مظالمهم الماضية، # 42 # على أن المتاعب قد نشأت برغم ذلك من آن لآخر؛ مما أدى إلى إلقاء القبض على ~~مختلف الزعماء أو على أشخاص كان يؤمل أن يكونوا زعماء، # 43 # وكان مسلك جنوده أشد خطرا من كل هذا. # فبينما كان عائدا إلى القلعة في أحد أيام شهر أكتوبر سنة 1807م أطلق النار عليه نفر ~~من الجنود من منزل مجاور، فجرحوا جواده وأصابوا بعض رفقائه. # 44 # وبعد أيام قلائل احتشد لفيف من الجنود الألبانيين والعثمانيين أمام داره في المدينة ~~وصوبوا النار فعلا إلى النوافذ، وسرعان ما تحرجت الحالة في المدينة فلم يجد مندوحة ~~من مغادرتها للعودة إلى القلعة. # 45 # وأصبح باديا للعيان أن زيادة الإيرادات عن النفقات نقصها مهما كانت الطريقة التي تتم ~~بها هذه المعجزة؛ هي أول شرط أساسي في سبيل تحسن موقف محمد علي. وكانت التجارة إحدى ~~الموارد المالية التي فكر فيها على أن هذه الفكرة لم تكن جديدة. ولقد أساء الكتاب ~~الذين أشاروا إلى مركز شركة الهند الشرقية فهم الحقيقة، عندما زعموا أنها محتقرة في ~~أعين الشرقيين لا لسبب إلا لأنها تتاجر، ولكن التاجر العادي إذا شعر باحتقار فليس مرجعه ~~اشتغاله بالتجارة، بل لأنه بلا حماية، لا بل كنت ترى في كافة أنحاء الشرق من الآستانة ~~إلى الصين وبانجوك عددا من عظماء النبلاء وحكام الأقاليم وأبناء ملوك حاكمين وأمهاتهم ~~بل الأمبراطرة أنفسهم كل هؤلاء كان لهم اهتمام مباشر بالتجارة، ولهذا فقد كانت طبيعية ~~ومفهومة ولا محل للتشكك فيها تلك الخطوة التي خطاها محمد علي، وهو الذي احترف قديما ~~تجارة التبغ قبل أن تحدثه نفسه بالانغماس في هذه الجريمة العظمى التي يسمونها في ~~الشرف بالسياسة. # 46 # ولقد خدمه الحظ في هذه المسألة؛ فإن الإنجليز كانوا الأمة الوحيدة التي يستطيع محمد ~~علي أن يتاجر معها؛ لأن الراية الفرنسية في السنوات الأخيرة من حروب نابليون كانت قد ~~اختفت فعلا من ms031 بحار الشرق. ولقد قيل بمناسبة وصول إحدى البواخر الفرنسية إلى الثغر ~~الإسكندري سنة 1808م أنها الأولى من نوعها منذ خمسة أعوام ونصف عام، # 47 # وقد دخلت هناك سفينة في سنة 1811م فكانت الأولى من عام ونصف عام، # 48 # ولم يكن يمكن تأمين السفن الفرنسية في مارسيليا إلا بعد دفع 50٪ من القيمة ~~المؤمن عليها فورا. ثم إن الإسكندرية لم تكن يصلها من الصحف إلا صحيفة «مالطة ~~غازيت»، وكانت تنصح - كما قال دورفيشي - بمختلف أنواع القذف ضد الحكومة الفرنسية، # 49 # ولكن الإنجليز كانوا في الوقت نفسه عملاء متهافتين على القمح المصري؛ إذ ~~ليس يخفى أن تموين أساطيلهم التي تمخر عباب البحر المتوسط من مالطة إلى جبل طارق ~~لمراقبة ما يجري فيه وتموين قواتهم الآخذة في الازدياد، وهي القوات التي كانت تقوم ~~بالأعمال الحربية في إسبانيا، جعل الإنجليز يتهافتون على شراء مقادير كبيرة من القمح. ~~ولقد كانت سنوات الحرب المذكورة سنوات شح في محصول القمح في العالم عدا في مصر، فقد كان ~~الأمر بالعكس؛ لأن ارتفاع مستوى النيل أدى إلى وفرة المحصول، # 50 # ولقد انتهز الباشا هذه الفرصة التي ساقتها العناية الإلهية إليه، وسرعان ما ~~أصبح تصدير القمح بمثابة امتياز، ويقال إنه أفاء عليه ربحا بلغ 500 في كل ~~مائة. # ولقد بذل دروفيشي - القنصل الفرنسي في القاهرة - منتهى ما في وسعه للحيلولة دون ~~ازدياد هذه الصلات وتوثيقها، ولم يخرج ما حصل عليه من الترضية في هذا الصدد عن مجرد ~~التوكيد بأن الباشا إنما يعمل لمصلحته الشخصية فحسب، وعن إشارة من طرف خفي بأن الإنجليز ~~يحتمل أن يستخدم ضدهم ما قدموه للباشا من أموال وذخائر، # 51 # ولم تقتصر حركة التجارة على بيع الحبوب ومشتراها. هذا في حين أن ثمنها ~~دفع بعضه كسبائك ذهبية، والبعض الآخر بشكل ذخائر، والبعض بشكل سلع إنجليزية. فمثلا ~~رأينا الساعات الإنجليزية راجت سوقها رواجا لا يوازيه رواج الساعات الواردة من جنيف ~~(التي كان يقال كذبا إنها مصنوعة في بريطانيا)، وهي الساعات التي اعتاد أن يبيعها ~~الفرنسيون في مصر، ثم إن ms032 البفتة كانت تستورد من الخارج وتستعمل بدلا من البفتة ~~المصنوعة محليا. # 52 # ولعل أبغض شيء من وجهة النظر الفرنسية أن هذه العلاقات التجارية قد نشأت عنها صداقة ~~سياسية؛ فإن دسائس دورفيشي ونصائحه في خلال الحملة الإنجليزية في سنة 1807م قد ~~كللت بالنجاح في مبدأ الأمر. مثال ذلك أنه طلب - وقد أجيب إلى طلبه - بأن ~~يعين حارس قضائي على البضائع الإنجليزية الواردة تحت الراية «الفرنسية»، # 53 # وأعلن حربا شعواء موفقة على أحد الرهبان لاجترائه على نشر نبأ معروف في ~~الإسكندرية بطرد نابليون من الكنيسة، # 54 # ولكن حدث في سنة 1811م أن إحدى السفن الفرنسية المسلحة المكلفة باقتناص ~~السفن التجارية قد حاولت بيع البضائع التي اغتنمتها، كما أن سفينة أخرى قد أعادت ~~الكرة في سنة 1812م، وحاولت بيع سفينة إنجليزية استولت عليها، ولكن مندوبي إنجلترا ~~أبدوا في الحالتين معارضة شديدة موفقة؛ فقد أدى اعتراضهما إلى بقاء المسألة معلقة ريثما ~~وصلتهم فرمانات من السلطان. وكانت علاقات الصداقة قد توثقت بينه وبين إنجلترا بحظر بيع ~~الغنائم أي البضائع التي تقع غنيمة بأيدي أحد فريقي النزاع في المواني التركية، ولكن ~~هذا كما لاحظ دروفيشي في كثير من الغيظ، لم يمنع توريد بضائع الغنيمة التي حكمت ~~بمصادرتها المحكمة الإنجليزية في لندن وتضييق مجال الانتقام أمام الفرنسيين، وقد قال ~~بهذه المناسبة غالبا: ماذا عسى أن تكون قيمة الغنائم إذا لم نستطع أن نبيعها في جهة من الجهات؟! # 55 # ويلوح أن التجارة وقد دخلت في موضوع النزاع قد رجحت كفة الميزان كثيرا ~~لمصلحة إنجلترا، وبخاصة لأنها عجلت في ملء خزائن الباشا بعد أن كانت خاوية على ~~عروشها. # وفي الوقت نفسه وللوصول إلى الغاية عينها شرع محمد علي في إصلاح أداة الإيرادات، فلقد ~~سار الفساد السياسي في عهد الإمبراطورية التركية وعهد المغول في هذه الطريق عينها؛ ~~بمعنى أن الإيرادات العامة كانت تبذر يمينا وشمالا لسد مطامع شخصية، ثم إن طريقة ~~فرض الضرائب وطريقة جبايتها كانت قد وضعت بشكل حير عقول الباحثين. وقد سن ~~الأقباط الذين احتكروا لأنفسهم «مهمة المحاسبجية» ms033 طريقة حسابية تشبه في تعقدها ما كان ~~يفعله جماعة البراهمة في دفتر بونا، ثم جاء سك العملة بمثابة فرصة نادرة لسلب الفلاح ~~والحكومة على السواء، وأصبح الفدان تختلف مساحته باختلاف الأقاليم وباختلاف الجهات في ~~الإقليم الواحد، ثم إن عادة تأخير مرتبات الموظفين شهورا عديدة أعطى لهؤلاء الحق - وهو ~~ما يرجح أنهم كانوا يفعلونه على كل حال - أن يفرضوا ضرائب إضافية سرعان ما ضمت عند ~~اكتشافها إلى سلسلة الضرائب العامة وحلت محلها ضرائب جديدة أخرى. # ولقد عقد محمد علي النية على أن يشق لنفسه طريقا وسط هذه المساوئ المتجمعة، فقرر في ~~سنة 1808م إجراء تحقيق في مسألة ملكية الأطيان، ولكن أسلاف محمد علي من المصلحين ~~الشرقيين سبق أن حاولوا أن يفعلوا هذا، فكان نصيبهم على هذا الإصلاح أن سلقهم الناس ~~بألسنة حداد. # ولقد أراد الباشا أن يطبق في مصر ما فعله الإمبراطور «أكبر» في الهند، ولم يكن ثمة ~~محيص عن هذا بل كان ضروريا؛ فالضغط الذي استعمله ضد الموظفين المكلفين بجمع الضرائب ~~لم يكن من شأنه أن يحملهم على التخلي عن أجورهم الإضافية. كلا؛ بل أدى بالعكس إلى تشديد ~~وطأتهم على الفلاح الذي بعد أن ضاق ذرعا بما يستعمله من وسائل السلب كل من الملتزمين ~~والموظفين والبدو والمماليك والألبانيين جعل يفر من الأرض ويهجر الحقول دون أن ~~يحرثها. # وكانت نتيجة ذلك أن أمر محمد علي بأن تفحص كافة الهبات التي يزعم الملتزمون لأنفسهم ~~الحق في وضع أيديهم على الأرض بمقتضاها، فقضى بإلغاء جميع ما كان مختل الإجراءات، كما ~~أنه نزع بعد ذلك ملكية الأراضي التي تأخر سداد الضرائب عنها عدة سنوات وعوض أصحابها عن ~~ضياع أراضيهم بمعاشات معينة، ثم خطا محمد علي بعد ذلك بست سنوات خطوة أخرى، فألغى ~~الحصانة التي كانت تتمتع بها الأوقاف إلى ذلك الحين، وأمر بمسح الأراضي من جديد؛ حيث ~~تبين له أن الأطيان التي كانت تدفع عنها أموال أميرية كانت في كثير من الأحيان تدفع ~~هذه الأموال عن نصف المساحة المنزرعة فعلا. وقد سهل محمد علي ms034 بهذه الطريقة مسألة ~~توزيع الأراضي. # وأخيرا، قضى محمد علي في سنة 1814م بتجريد باقي الملتزمين من أطيانهم. نعم؛ كانت هذه ~~التصرفات قاسية وبغيضة في نظر الأشخاص الذين كان محمد علي يدين لهم بفضل ما كان ينعم به ~~من التأييد الشعبي، ولكن لم يكن ثمة مناص من أمثال هذه الإجراءات. ولقد بين دورفيشي ~~في سنة 1808م أن ما يقرب من ثلثي الأراضي التي كانت مزروعة فعلا في سنة 1798م كانت ~~بورا، على أن الباشا (مطبقا ما كان يروجه موظفو شركة الهند الشرقية من المبادئ) لم ~~يسمح بأن تبقى الأراضي التي أصبحت في حيازته بلا زراعة، بل أمر الفلاحين بالبدء في ~~حرثها، مع فرض أصرم الجزاء على من يتهاون في أداء أعماله # 56 # على أن هذا التدخل في حقوق الملكية الذي لم يغتفره الأحرار الإنجليز لمحمد ~~علي لم يمر مصحوبا بذلك الاستهجان العام المألوف. كلا؛ بل إن الأمر لم يخرج عن بضعة ~~اجتماعات بسيطة لا أهمية لها عقدت في الجامع الأزهر ولم تكن لها من نتيجة سوى ~~انتزاع بضعة وعود بتحسين الحالة، وهي وعود لم يدر بخلد أحد أنها ستحترم. # 57 # وقد أدت هذه التصرفات المالية إلى توطيد الخزانة الأميرية في القاهرة، ومن ثم قل ~~الخطر الناشئ عن جيش الباشا بنسبة الحرص على دفع مرتبات الجنود بانتظام. وفي نفس الوقت ~~أخذت المسألة الخاصة بالمماليك تقترب تدريجيا من الحل الحاسم؛ فلقد رأينا بيكواتهم في ~~سنة 1807م بسبب ما نصبه لهم محمد علي ودورفيشي من الدسائس، وبسبب الاختلاف فيما بين ~~بعضهم والبعض، وبسبب فشل الإنجليز في الاستيلاء على رشيد من الناحية الثالثة أخذوا ~~يهملون استغلال آخر فرصة أتاحها القدر لهم لاستعادة نفوذهم في القاهرة وفي الوجه ~~البحري، ولكنهم كانوا لا يزالون يعتبرون هيئة خطرة يحسب حسابها، وكانوا لا يزالون ~~يحتلون الصعيد تارة فيهددون بذلك القاهرة تهديدا فعليا أو ينسحبون إلى الجنوب نزولا ~~على تقلبات القدر وتبعا للسيطرة العسكرية. وقد يحدث أحيانا أن تجرى المفاوضات فجأة ~~فتسفر عن اتفاقات مؤقتة ليس في نية أحد الفريقين ms035 التقيد بها ولا أن تظل محترمة إلا بقدر ~~ما استغرق إجراء المفاوضات من زمن، # 58 # وكان أشياع ألفي بك ما يزالون يعللون أنفسهم بالآمال بأن تصل إليهم حملة ~~إنجليزية قوية جديدة، فتجهز كلية على عدوهم، ثم تعود في سفنها إلى إنجلترا. هذا ~~بينما كان الأكثر حماسة يرى أن في الاستطاعة الحصول من الإنجليز على بعض الأموال؛ ~~ليتمكنوا من شراء جنود محمد علي، ثم يتولون هم (أشياع ألفي بك) القضاء عليه نهائيا، # 59 # أما الباشا فكان قد صمم من جانبه على إذلال المماليك جميعا؛ ولذا وجه ~~اهتمامه إلى حملهم على العودة إلى القاهرة ليعيشوا فيها تحت حمايته، ثم انقضت بعد رحيل ~~الإنجليز عدة شهور بين مفاوضات وقتال من ناحية أخرى. # وأخيرا، قبل البيكوات في نهاية سنة 1809م المجيء للسكن في الجيزة # 60 # على أنهم رغم قبولهم هذا لم يصلوا إلى الجيزة قبل مرور ستة أشهر أخرى. ولما ~~وصلوها فعلا إذا بهم كانوا أشد استعدادا للحرب منهم للسلم. ولقد ظلت جموعهم زمنا ~~طويلا تواجه قوات الباشا، مع أن فريقا من زعمائهم قد انحاز إلى محمد علي إلا أن ~~الأغلبية قررت استئناف القتال، ثم دارت عدة معارك تمكن الباشا فيها من التغلب على ~~خصومه بفضل مدفعيته، وأخيرا قرر أغلب من بقي منهم على قيد الحياة أن يعلن في أوائل ~~سنة 1816م خضوعه # 61 # بعد أن انهار سلطانهم وفشلت رغبتهم. # وقضت الاعتبارات السياسية المرعية منذ عهد بعيد بالإجهاز عليهم أجمعين؛ ولذا عقد محمد ~~علي النية على أن يبيد كافة هؤلاء الطغاة بعد أن أوقعهم سوء حظهم في يديه. ولتحقيق هذه ~~الغاية كان من المستحسن جمع أكبر عدد منهم في مكان أمين لا سبيل إلى فرارهم منه، وإذ ~~كان قد تقرر إقامة مهرجان عظيم في أول مارس للإنعام على ابن الباشا بكسوة تشريفة ~~بمناسبة تعيينه «باشا جدة» وقائدا للجنود المزمع إرسالها لقمع حركة الوهابيين في ~~الحجاز؛ فقد رأى محمد علي أن يدعو جميع كبراء المماليك للاشتراك في المهرجان المذكور، ~~وسألهم أن يأتوا بكل من شاءوا ms036 من الموالي والأتباع. # فانطلت عليهم الحيلة تماما وقصدوا إلى القلعة في حشد كبير للاشتراك في الموكب الذي ~~تقرر خروجه من هناك قاصدا إلى المعسكر عن طريق بوابة الفتوح. وتنحدر من المنصة ~~الصخرية التي تقوم عليها المباني الرئيسية في القلعة طريق ملتوية تتجه إلى العزب (وتؤدي ~~إلى ميدان الرميلة)، وهذا يسهل الإشراف على كل نقطة فيه لإنزال الهلاك بكل من تحدثه ~~نفسه من الأعداء باقتحام الباب. وقد بدأت الجنود الملتحقة بالموكب تنحدر في هذه الطريق، ~~وكان في طليعتها الجنود العثمانيون، ثم الجنود الألبانيون، ثم المماليك، ثم جنود المشاة ~~والسواري. وما كادت طليعة الجنود تعبر الباب حتى أمر الزعيم الألباني بإغلاقه، وكانت ~~هذه إشارة لجنوده بإطلاق نارهم على المماليك وهم ينحدرون في الطريق المذكورة التي سرعان ~~ما تعطلت فيها حركة المرور بسبب ما تراكم فيها من جثت القتلى من آدميين وخيول، أما من ~~نجا فقد انهال عليه الرصاص وهو يحاول الفرار أو قبض عليه وجيء به إلى الباشا حيث أمر ~~بإطاحة رأسه، ويقال إنه لم ينج إلا شخص واحد من المماليك في هذه المذبحة التي لم ~~تكن فصل الخطاب بحال ما؛ ذلك لأن الأوامر قد صدرت إلى الجنود بأن يهبطوا إلى المدينة ~~فيقتلوا كل من عثروا عليه من المماليك. # وقد صدع الجنود بالأمر وراحوا يشنون الغارة على قصور المماليك وينهبون ما فيها بعد أن ~~أجهزوا على ساكنيها، وكان أحد الأوروبيين قد ذهب إلى دار قريبة من القلعة لمشاهدة ~~الموكب المزعوم، ولكنه ما كاد يعود أدراجه إلى منزله حتى رأى جمعا من الأسرى المساكين ~~وهم يساقون إلى ساحة الإعدام، لا بل لقد شهد بجانبه واحدا منهم يخر قتيلا بضربة سيف ~~شطرته نصفين، وقد رأى نساء أحد البيكوات يسوقهن الجنود الألبانيون كأنهن قطيع من الغنم، ~~وكان أينما ذهب وقع نظره على الجنود وهي محملة بمختلف أنواع السلب واغلة في الانتقام. # 62 # ولقد تمكن الباشا بعد ذلك بعام من تمثيل مأساة كهذه؛ فقد كان لا يزال يوجد بعض ~~المماليك في مختلف مديريات الصعيد، فبعد أن ms037 لبث يطاردهم ويضيق عليهم الخناق مدة أشهر ~~بالقوة التي أرسلها إليهم، وعلى رأسهم إبراهيم ابنه، سلم إليه 800 من المماليك ومعهم ~~نحو 2000 من مواليهم، فأرسلوا جميعا إلى النطع من فورهم، # 63 # وبهذه الوسائل الشبيهة بوسائل كرومويل أصبح الباشا سيد مصر المطاع لا ~~ينازعه أحد سيادة البلاد. # وليس فيما علق به دورفيشي على هذه الحوادث الشاذة ما يزيد الموضوع إيضاحا، فبينما ~~كانت برك الدماء لم تجف بعد في القلعة، وبينما كانت المدينة ما يزال يلوح عليها أثر ~~انتهاب قصور المماليك، ولم يكن ما حدث في نظره سوى «إعدام قطيع» جرد الإنجليز من ~~أصدقائهم الباقين، # 64 # ولكن القنصل الفرنسي لم يتنبه إلى الجانب الأدبي للمأساة إلا بعد أن اجترأ ~~ميسيت على ضم تهانئه إلى جانب تهاني الفرنسيين، وإلا بعد أن تبين أن مركز الإنجليز ~~بدلا من أن يسوء قد أخذ يتحسن باطراد، ومن ثم أخذ القنصل الفرنسي المذكور يصف ما ~~اتخذ أخيرا من الإجراءات ضد المماليك بأنها إجراءات شريرة ولا مسوغ لها. # وقد أراد البعض التخفيف من شأن هذه المذابح بأمرين؛ الأول: أن البكوات تآمروا فيما ~~بينهم على خلع محمد علي. والثاني: أن ديوان الآستانة هو الذي حرضه على ارتكاب تلك ~~الفعلة. وقد يكون كلا السببين صحيحا، ولكن السبب الحقيقي يختلف بلا جدال عن ذلك؛ فلقد ~~كانت سلطة الباشا ما تزال مزعزعة، ثم إنه كان قد طلب إليه مرات عديدة أن يذهب على رأس ~~حملة لتوطيد الحالة في بلاد العرب، فلم يكن يعقل طبعا أن يضعضع قوته ويترك للمماليك ~~الفرصة للتغلب عليه. # وليس من شك في أن الباعث الذي دفع تيمور لنك إلى التخلص من أسراه بقتلهم أمام أبواب ~~دلهي هو نفسه الذي دفع محمد علي إلى قتل المماليك، ثم إنه لا يوجد ما يدعو إلى الظن في ~~أنه يتردد في تنفيذ نيته بمجرد اقتناعه بأن مركزه محفوف بالخطر، على أنه - والحق يقال ~~- لم يكن من أولئك المتعطشين للولوغ في الدماء، كما أنه لم يكن ممن يعمد إلى القتل ~~حبا في ms038 القتل، ولكنه من الجانب الآخر لم يكن مدفوعا بعاطفة الرقة حيال الحياة ~~الإنسانية التي بدأت تعم بلاد العرب في إبان القرن الغابر، بل كان يرى أسبابا عديدة ~~تسوغ القتل تمام التسويغ، ولم يكن اعتقاده هذا بالشيء الغريب؛ فإن كل من غشي ديوانه من ~~الأصدقاء أو الرفقاء أو الضباط أو الرؤساء كان لا بد أن يرمي محمد علي بقصر النظر لو ~~أنه رأى غير ذلك الرأي. وفي العام التالي تمكن جلال الدين - حاكم حلب - من إطاحة رءوس ~~زعماء الإنكشارية جملة واحدة. # 65 # فكل ما فعله محمد علي هو أنه كان موفقا التوفيق كله فيما عجز قبطان باشا عن فعله ~~من سنوات. # وليس ثمة ما يمكن إضافته بعد ذلك إذا نظرنا إلى المسألة من ناحية الأخلاق التركية. ~~وبديهي أن وجهة نظر محمد علي وآراءه كانت كلها تركية تماما، ولم يكن يعقل أن تكون ~~عدا ذلك، فإن مولده ونشأته وتجاريبه في الحياة، كل هذه العوامل أدت إلى إخراج رجل قوي ~~الشكيمة لا يدركه الوهن دون غاية من الغايات . وليس وجه الغرابة في أن محمد علي قد أسس ~~ملكه كما يؤسسه التركي، بل في قدرته - على عكس أي تركي آخر في زمنه - على التطور ~~وامتصاص الآراء الجديدة وتحويرها؛ لتكون ملائمة لمختلف الظروف والملابسات الحديثة. وقد ~~كشفت له عيناه الثاقبتان عن مواطن الضعف الأساسية في بناء الحكم الشرقي الحاضر، وكانت ~~توجد إلى جانب سعيه المتواصل لوضع أسس سياسية حكيمة لتوطيد مركزه وتأمين مركز ذريته في ~~المستقبل قوة كامنة غريبة وشعور بالقوى التي تبنى بها الدولة أو تكون سببا في ~~انهيارها وخرابها، ومقدرة على مواصلة الكفاح للتحسين، وعين يقظى تنظر إلى مساوئ الأداة ~~الإدارية. وهي صفات لم تجتمع لحاكم شرقي من أيام أكبر عاهل المغول. وفي الواقع فإن حكمه ~~يعتبر بمثابة نقطة تحول لا في تاريخ مصر وحدها بل في تاريخ الشرق الأدنى بأسره؛ ~~فلقد كان في طليعة معاصريه في تطبيق الأفكار السياسية الغربية على شئون الشرق. # الفصل الثاني # | عماد الإمبراطورية # بلاد العرب والسودان # بعد أن ms039 دانت لمحمد علي الأمور وأصبح حاكم مصر الفعلي والأسمى، مرت فترة من الزمن تبلغ ~~العشرين ربيعا، فدفعت به الظروف إلى أن يظهر بوجه عام بمظهر الخادم المخلص والعبد النشيط ~~المطيع لأوامر مولاه صاحب الجلالة سلطان الروم والخليفة ظل الله في الأرض ... على أن طاعته ~~هذه لم تكن حقيقية، كما أن غيرته كانت مصطنعة. وأغلب الظن أنه منذ أول يوم خطرت له فكرة أن ~~الاستيلاء على حكومة مصر ليس بالأمر الذي لا يمكن تحقيقه عمليا؛ فإنه شرع يغذي الأمل في ~~أن يحكم وادي النيل يوما ما، لا كنائب عن سيد آخر، بل كحاكم مستقل. # نعم؛ كان طاهر باشا زميله في حمل السلاح يحلم بالحكم المستقل، ولكن مواظبة محمد علي قد ~~حققت هذا الحكم، فأخرجه من حيز التفكير إلى حيز العمل. ولقد عرض الزعيم الألماني على ~~الإنجليز في سنة 1812م، # 1 # كما عرض على الفرنسيين في سنة 1810م # 2 # عقد محالفة فيما لو اعترف به هؤلاء أو أولئك حاكما للقاهرة، لا بل لقد عرض ~~فعلا على ديوان الآستانة سنة 1810م أن يكون شأنه كشأن حكام ولايات البربر في شمال أفريقيا. # 3 # ولكن الإنجليز والفرنسيين رفضوا الاقتراح المذكور؛ مراعاة للحالة السائدة في أوروبا وقتئذ ~~من ناحية، واحتراما لما بينهم وبين السلطان من المحالفات من الناحية الأخرى. ويلوح أن محمد ~~علي لم يقدر تماما ما تقاضاه السلطان ثمنا للإنعام الذي طلبه زعيم الألبانيين، على أن هذا ~~الفشل من آن لآخر لم يفت في عضده ولم يحوله عن رأيه، بل أدى فقط إلى حمل محمد علي على ~~إخفاء نياته وكتمانها، ولقد كان من شأن إخفاقه في عقد التحالف مع إحدى الدولتين الأوروبيتين ~~سالفتي الذكر، أنه امتنع عن مناصبة الباب العالي العداء، ومع أنه قلما أطاع ما صدر إليه ~~من الأوامر إلا إذا كان من الممكن تحويله إلى تعزيز نفوذه وتوطيد مركزه؛ فإن تصريحاته ~~العلنية كانت دائما، والحق يقال، تصريحات التابع الموالي المخلص. وبالجملة، فقد كان ثمة ~~خلال هذه الفترة خلاف حاد بين ما يجاهر به ms040 محمد علي علنا وبين الغاية الحقيقية التي كان ~~يرمي إليها سرا. # ولقد كانت الحالة الداخلية في الإمبراطورية العثمانية كثيرة الشبه وقتئذ بحالة إمبراطورية ~~المغول في أوائل القرن الثاني عشر؛ فقد نخر السوس عظامها سواء بسواء، فديوان الآستانة كقصر ~~المغول من قبله كان قد أصبح ولا شاغل له إلا شئون الوزراء الخصوصية والمصالح الفردية لكل ~~منهم، ثم إن باشوات الإقليم التركية كنواب حكام المغول لم تكن تربطهم بالحكومة المركزية إلا ~~روابط واهنة. # وقد كانت بغداد والقاهرة عاصمتين منفصلتين، كما كانت حيدر أباد ولكناو من قبل، ولكن كان ~~ثمة فارق فيما يحيط بالإمبراطوريتين المتداعيتين من العوامل السياسية، فإن جيران المغول من ~~قبائل ماراتا أو الأفغان كانوا بعيدين بعضهم عن بعض، ثم إن تصرفاتهم السياسية كانت مسيرة ~~إلى أبعد حد بقانون الطبيعة، بحيث أن كلا الفريقين لم يحجم عن الاستيلاء على دلهي إلا خوفا ~~من أن يخرج الفريق الآخر بنصيب الأسد من الغنيمة، أما أملاك السلطان فقد كانت - على العكس ~~من ذلك - متاخمة لسلسلة من الدول الأوروبية، مرتبطة فيما بينها بعدة روابط كل منها متيقظة ~~تمام التيقظ لتوسع الأخرى وانتشار نفوذها، فكانت النتيجة أن إمبراطورية المغول، بينما ~~تركت وشأنها إلى أن تحللت بفعل العوامل الطبيعية وضربت فيها الفوضى أطنابها، فإن الأملاك ~~العثمانية ظلت متماسكة بفعل المؤثرات الخارجية أمدا طويلا حتى بعد أن زال تماسكها ~~الداخلي. من أجل هذا كان تصرف محمد علي بصفته دعامة الإمبراطورية مدفوعا بهذا ~~الاعتبار. # ولم يكن ثمة ما يدعو محمد علي إلى الاعتراف بالجميل؛ لأن الباب العالي إذا كان قد ظهر ~~ثبات في موقفه فقد كان فقط في عدائه لوالي مصر؛ فلقد بدأ باتهامه بالتآمر مع بيكوات ~~المماليك لتحقيق لباناته الشخصية وإنزال الأضرار بالدولة، فلما أرسل رءوسهم لتعلق على ~~الأعمدة عند مدخل البوابة الكبرى لقصر الآستانة، وجه إليه الباب العالي أشد اللوم لإقدامه ~~على قتل أخلص أنصار السلطان، # 4 # بل إن الباب العالي كثيرا ما طالبه أثناء كفاحه مع المماليك من أجل عرش مصر أن ~~يتأهب لقمع حركة الوهابيين ms041 في بلاد العرب، ولكن كان محمد علي يعتذر في كل مرة لغاية سنة ~~1811م، بما قد يترتب من الخطر بسبب ترك «أولئك الزعماء المصريين البؤساء خلفه في مصر»، ~~ويشير إلى ما يصلهم من التشجيع والمساعدة من باشا سوريا المجاور لهم، ويبالغ في مصاعب ~~الحصول على السفن اللازمة للملاحة، ولنقل مهمات الحملة في البحر الأحمر؛ # 5 # فإذا كان محمد علي قد قرر في النهاية أن يصدع بأمر الآستانة، وأن يطيع ما يشير ~~به السلطان، فلم يكن ذلك باعثه مجرد العواطف الجوفاء كالطاعة أو الولاء؛ فلقد رأى ألا حرج ~~عليه من القيام بالحملة المذكورة ضد بلاد العرب بعد أن دانت له الأمور واطمأن باله من ناحية ~~المماليك، ثم إنه رأى من ناحية أخرى أن الحملة قد تشغل أولئك الجنود الألبانيين المشاغبين ~~الذين أطلقوا عليه النار وهو لا يزال منهمكا في مكافحة المماليك، وقبل أن تتم له الغلبة ~~عليهم؛ لذلك أحس أن وجود الجنود الألبانيين في مصر أثناء تغيب بقية الجيش في بلاد العرب ~~قد يغريهم ويدفعهم إلى أعمال الشغب بعد أن خلا لهم الجو ولم يبق أمامهم من يضرب على ~~أيديهم. وأخيرا، رأى في إخراج الوهابيين من الأراضي المقدسة ما قد يرفع من شأنه ويعلي من ~~مكانته في كافة أنحاء العالم الإسلامي. # وكان أول ظهور المذهب الوهابي في بلاد العرب حوالي منتصف القرن الثامن عشر، فإن زعيم ~~الجماعة محمد بن عبد الوهاب بعد أن أتم دراسته في دمشق وبغداد ولى وجهه شطر مكة وألقى عصار ~~التسيار فيها، وهناك جعل ينعم البصر عن كثب في كيفية معيشة الحاج وعاداتهم، ولم يكن من شأن ~~كل هذا إلا أن يقوي في نفسه الاعتقاد بأن الإسلام قد أغارت عليه البدع، وأفسدته التقاليد ~~الجديدة ولا محيص له من العودة إلى ما كان عليه في عهد السلف الصالح من الطهارة والبساطة، ~~ومن ثم شرع يشن الغارة على زخارف الحياة في عصره، ويذكر الناس في عبارات بليغة مؤثرة بأعمال ~~الهدى كما نص عليها القرآن الكريم، ويبين لهم متى يمكن ms042 تسويغ الانحراف عن المرمى المقصود من ~~المعاني القرآنية، وقد طفق يبشر بهذه المبادئ الطهرية في قريته من أعمال نجد. ولما لم يكن ~~كبير الشأن في قريته التي كان فيها مسقط رأسه، ونظرا إلى أنه كان إلى ذلك الحين بمثابة نبي ~~غير مسلح، فقد هاجر كما هاجر من قبله النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # إلى حيث يستظل بحماية أمير ~~الدارعية محمد بن السعود. # وسرعان ما اعتنق الأمير المبادئ التي كان يبشر بها محمد بن عبد الوهاب، وهكذا وجدنا في ~~قلب نجد حكومة دينية متوحشة جعلت ديدنها شن الغارة وإعلان الحرب على جيرانها المسلمين الذين ~~انحرفوا عن الدين بما ابتكروه من البدع. وقد سارعت الحكومة المذكورة إلى التنديد بالخلافة ~~التركية، وبادرت إلى تحدي من يجاورها من باشوات الإمبراطورية العثمانية، وكان طبيعيا أن ~~لا يجد المذهب الوهابي كبير مقاومة في حالة الضعف والوهن التي كانت فيها الإمبراطورية ~~المذكورة وقتذاك، وقد ساوى الوهابيون في كرههم بين الشيعة والسنيين بانتهاك حرمة الأماكن ~~التي يقدسها الفريق الأول في كربلاء والفريق الثاني في مكة والمدينة، ولم يتورعوا عن أن ~~يقتلوا مئات المتعبدين والناسكين في داخل حرم الأماكن المذكورة. # وقد أحدث احتلال الوهابيين الحجاز رجة وأي رجة في أنحاء العالم الإسلامي، وكيف لا وقد ~~ترتب عليه تعطيل حركة الحج السنوي إلى الأماكن المقدسة تعطيلا تاما؟! ففي سنة 1805م ~~وكذلك في سنة 1806م اضطر الحج السوري أن يعود أدراجه إلى الشام دون أن يتمكن من الوصول إلى ~~الحرمين؛ مما أدى إلى معاقبة باشا دمشق واستبداله بآخر. وفي الحق، لقد كان هذا العقاب في ~~محله، فإن أموال «الميري» عن أراضي مديريتي دمشق وطرابلس الشام قد خصصت «بحسب الأساليب ~~التركية في الشئون المالية» للقيام بما يستلزمه إرسال الحج الشامي إلى الحجاز وحمايته من ~~النفقات. وكأنما رأى باشا دمشق أن الوهابيين كانوا للحجاز بمثابة نعمة جادت بها السماء ~~عليه؛ لأن تعطيل الحج يمكنه بناء على ذلك من تحويل الأموال المذكورة إلى جيبه الخاص. ومن ~~هنا لم يلاحظ على باشا دمشق هذا ms043 أنه قام بأي مجهود يذكر لإقلاق خواطر الوهابيين ~~وإقصائهم من مكة والمدينة. # 6 # وكان السلطان قد ظل السنوات العديدة قبل ذلك، وهو يصدر من الأوامر التي لا يؤبه لها إلى ~~كل من والي دمشق وبغداد لطرد المغيرين من الأراضي المقدسة؛ ذلك لأن حماية تلك الأراضي ~~يعتبر في نظر التقاليد الإسلامية من أسمى علامات الشرف، فلم يكن غريبا والحالة هكذا أن ~~يعتبر طرد الأتراك منها عارا وأي عار. لهذا ولى الباب العالي وجهه شطر باشا القاهرة ~~الناشئ، وقد خيل إلى السلطان أن يكون في الوقت نفسه قد قام بمناورة عظيمة لو أنه تمكن من ~~حمل باشا القاهرة على إنهاك قواه وتبديد موارده باستخدام جنوده في القضاء على الوهابيين؛ ~~لأنه بذلك لا يستعيد الحجاز فقط بل ويستعيد أيضا مصر إلى قبضة يده. وهكذا رأينا الباشا ~~والسلطان يتحدان في النهاية (وإن كان هذا الاتحاد لبواعث مختلفة) تحدوهما رغبة واحدة في ~~إعادة فتح بلاد العرب التي تعتبر مهد الإسلام. # ومن ثم، بدأ ابنه طوسون زحفه الحقيقي في أواخر سنة 1811م، وهو الزحف الذي بدأ مرة قبل ذلك ~~بالوليمة التي شهدت مأساة المماليك في القلعة وطاحت فيها رءوسهم، على أن المأساة وقعت في ~~هذه المرة، لا قبل الشروع في الزحف بل بعده؛ لأن الحملة نزلت في السفن في السويس وألقت ~~مراسيها في ينبع، ولكنها حوصرت في أوائل سنة 1811م في مضيق واقع على الطريق المؤدي إلى ~~المدينة، ودارت رحى القتال مدة ثلاثة أيام كانت نتيجتها عودة المغيرين القهقرى إلى ينبع، ~~بعد أن فقدوا كافة بطاريات الطوبجية، # 7 # أما الانسحاب فقد بدأه كبير ضباط طوسن إلى أن وصل إلى ينبع في أمان، ولكن سرعان ~~ما أطيحت رأسه - بناء على أوامر محمد علي - لشد عزيمة بقية الجنود. وقد انتهز الباشا ~~فرصة هذا الانسحاب للتخلص من بعض المشاغبين من زعماء الألبانيين ممن كانت لهم نزعات ثورية ~~وميول للشغب تسبب قلقا له، وكان طبيعيا بعد ما لحقهم من عار الهزيمة، وبعد أن ضاقوا ~~ذرعا بمصاعب ومشاق القتال في بلاد ms044 العرب القحلاء، حيث لا تزيد فيها الغنيمة عن بضعة إبل مع ~~ما يتعرض له الإنسان من خطر القتال، نقول: كان بديهيا بعد ذلك كله ألا يطيل أولئك الزعماء ~~الألبانيون اعتراضهم عندما اقترح عليهم الباشا أن يغادروا مصر، وأن يبحثوا عن خدمة في الجيش ~~العثماني في جهات أخرى تكفل لهم المكسب وتدر عليهم الأرزاق. # وقد انقضى فصل الحر عام 1812م في اتخاذ هذه الإجراءات والقيام بتجهيز الاستعدادات لحملة ~~ثانية، وقد تضمنت هذه الاستعدادات إغواء بعض القبائل العربية في الحجاز بوسائل عرفناها في ~~العصور الحديثة؛ لتسهيل الزحف على المدينة. وقد كللت هذه الإجراءات بالنجاح، وكانت ~~نتيجتها طرد الوهابيين من المدينة في شهر نوفمبر، ومن مكة ثم جدة في أوائل العام التالي. ~~ومن ثم بسط محمد علي ظله على الحجاز وأصبح سلطان الآستانة ينادى باسمه من جديد من فوق ~~المنبر في الأراضي المقدسة. # 8 # ثم ذهب محمد علي بعد شهور قليلة بنفسه إلى مكة «لتوطيد دعائم النظام» في ممتلكاته الجديدة، # 9 # ولكن تبين أنه كان يرمي من وراء هذه الزيارة إلى تعيين «شريف» جديد في مكة؛ ~~لأن الشريف القديم لم يكتف على ما يظن بالعطف على الوهابيين وتقديم المساعدة لهم، بل ~~كانت في حيازته أيضا أموال طائلة، وقد تم خلع الشريف بمنتهى السهولة وأرسل هو أولاده ~~الثلاثة إلى القاهرة، # 10 # على أن هذا التصرف قد أقلق عددا من القبائل العربية، ومن ثم شرع الوهابيون ~~يحشدون قواتهم من جديد في الصحراء، وإذ ذاك أرسلت التعليمات إلى القاهرة في طلب عدد ~~جديد من الجنود لصد هذا الخطر، فأمر الباشا بإرسال 10000 جندي في أسرع وقت ممكن، ولما لم ~~يكن في مصر وقتئذ سوى 12000 جندي؛ فقد كان لا مناص من الالتجاء إلى التجنيد العنيف لسد هذا ~~الطلب. ولهذا أخذ المراكشيون من بلاد البربر والرقيق السوداني واليونانيون - بل والأرمن - ~~يلتحقون بالجيش ويرسلون أفواجا أفواجا إلى جبهة القتال # 11 # هذه الحملة التي بدأت في سنة 1814م افتتحت بكارثة كما افتتحت حملة طوسن ~~من قبل. # فإن إحدى فصائل ms045 الجيش قد هاجمها العرب على غرة منها، وهي على مسيرة يومين من الطائف، ~~وما كان الفريقان يلتحمان حتى فر من الميدان عشرة من الضباط الكبار الاثنى عشر وقد أخذوا ~~معهم معظم رجالهم. # وهنا اعتلى محمد علي ظهر بعيره وانطلق كالسهم لمقابلة الفارين الذين لم ينفع الوعد ولا ~~الوعيد في لم شملهم، فكانت نتيجة ذلك أن سبعة قومندانات حرموا من رتبهم وأعيدوا إلى ~~القاهرة. والمظنون أن الثلاثة الباقين قد أعدموا، # 12 # وقد أصيب المصريون بهزيمة أخرى عندما شرعوا في مهاجمة «طربا» بقيادة ~~طوسن. # ويظهر أن الفصيلة المذكورة قد ضللها الدليل؛ ولهذا داهم الوهابيون خيامها ليلا واستولوا ~~على كافة أمتعتها ومدفعيتها، وكانت نتيجة هذه الكارثة تفشي اليأس بين الجنود المصريين. ~~ولقد ذكر أحد أذكياء السائحين - ويشير ميسيت بهذا الوصف إلى الرحالة بوركنهاردث الشهير الذي ~~كان وقتئذ في جدة؛ أي: في شهر أغسطس - ذكر أن الجنود قد خارت عزائمهم بصفة عامة، واستولى ~~عليهم القنوط والتذمر بسبب غلاء المعيشة، حتى بلغت الأثمان هنا ضعفها في مصر، وخاصة أنه ~~ليس ثمة أمل في المكسب ولا مجال للسلب والنهب؛ فليس في بلاد العرب فلاحون يمكن انتهابهم، ~~ولا قرى عامرة صالحة للاستلاب؛ فأعداؤهم ليسوا إلا مجرد رجال بدو في أطمار بالية، وكل ما ~~يطمع الجند المصري أن يغنمه بعد الجهود الشاقة هو بعير عراه الهزال من شدة الجوع. # 13 # ثم دار الزمن دورته وبدأ الحظ من جديد يبتسم للجنود المصرية. وجلية الخبر أن ابن السعود ~~فارق هذا العالم في شهر أبريل ولم يتمكن أولاده الثلاثة من الاتفاق فيما بينهم، # 14 # وفي الوقت نفسه وصلت الإمدادات للجيش المصري، وأمكن استرضاء زعماء العشائر ~~وأشياع مشايخ القبائلي، ونزل الباشا بنفسه بعد الاحتفال بالعيد في مكة إلى حومة الوغى ~~بقيادة الجيش، ويقال إن الوهابيين كانوا قد حشدوا قوة تقدر بأربعين ألف مقاتل في جبهة ~~«بصيلة» على مسافة 12 ميلا في غرب «طربا» فداهمهم محمد علي، وبعد معركة دموية حامية - وهذا ~~وصف محمد علي نفسه - تفرق الوهابيون أيدي سبأ، وواصل الفرسان المصريون ms046 تعقب آثارهم مدة ساعة ~~ونصف ساعة، وقد استولوا على المخيم الوهابي بما في ذلك 5000 رأس من الإبل وكثير من الأجهزة والأمتعة. # 15 # وقد كان هذا الانتصار الباهر خليقا بأن يؤدي إلى قمع الحركة الوهابية بصفة نهائية، ولكن ~~هذا الأمل لم يتحقق لعدة أسباب، فإن الباشا كان بعيدا عن القاهرة أكثر من عام، ثم إن الباب ~~العالي حاول مرة على الأقل أن يخلعه من باشوية مصر، # 16 # وفوق هذا، فإن عودة بونابرت من «ألبا» قد فتح الباب لحدوث اضطرابات جديدة في ~~القارة الأوروبية بما يمكن أن يفيد محمد علي منها سياسيا؛ # 17 # فلهذه الأسباب وغيرها قرر محمد علي أن يعهد لابنه طوسن بأن يواصل القتال إلى ~~النهاية، وقد أظهر هذا عجزه كما أظهره في المرة السالفة، فلقد بدأ الزحف الذي كان ينبغي أن ~~يؤدي به إلى قاعدة الوهابيين في «الدارعية»، ولكنه وجد أن المئونة قد نفدت، ونحسب أن ~~الوهابيين لو كانوا تحت قيادة زعيمهم المتوفي وقتئذ لأنزلوا بالمغيرين المصريين هزيمة ~~حاسمة، ولكن عبد الله أميرهم الجديد كان قد استولى عليه اليأس وفقد كثيرا من توازنه بعد ~~انتصار المصريين في بصيلة؛ فأحجم عن الهجوم كما أحجم طوسون عن مواصلة الزحف، وكانت النتيجة ~~أن الفريقين اتفقا على عقد صلح تنازل بمقتضاه الوهابيون عن كافة حقوقهم على القبائل الضاربة ~~في الجهات التي استولى عليها محمد علي. ولما كان هذا الصلح قد ترك في أيدي الوهابيين بعض ~~المناطق الواقعة في شمالي المدينة وشرقيها وفيما بينها وبين مكة؛ # 18 # فقد كان يعتبر بمثابة هدنة مؤقتة تحترم إلى أن يأنس أحد الفريقين من نفسه ~~القوة الكافية على استئناف القتال. # وفي أوائل شهر يناير سنة 1816م، أي بينما كانت القارة الأوروبية المتعبة تتمتع بفترة ~~طويلة من السلام لم تعتدها من قبل، وصلت الأنباء - أو على الأصح أذيع في القاهرة - أن بعض ~~القبائل العربية قد عكرت صفو السلام، وأشعلت نار الثورة بتحريض الوهابيين، وكانت المنية قد ~~أنشبت أظفارها في طوسون بعد عودته من حروب الصحراء، ومن ثم عهد ms047 الباشا بقيادة الحملة ~~الجديدة إلى إبراهيم وهو الابن الثاني لباشا مصر، وقد كان يسمى «أسد الشجعان الذي كانت ~~آراؤه سديدة موفقة في كل حين.» # 19 # وشاءت الأقدار أن يلعب هذا القائد الجديد دورا مهما فيما يقع في السنوات ~~المقبلة من الحوادث الخطيرة. # كانت ولادة إبراهيم في قولة سنة 1789م، وكانت سنه لا تتجاوز السادسة والعشرين ربيعا ~~عندما اختير لقيادة هذه الحملة، كان قصير القامة قوي البنية وعلى جانب عظيم من النشاط، ~~وكان في وسعه أن يقاوم متاعب اللذات ومتاعب الحرب على السواء، كان أزرق العينين عالي الجبين ~~ذا لحية شقراء، وكان كثير النشاط عقلا وجسما، وكان أشبه بوالده محمد علي من حيث الشجاعة ~~المقرونة بأصالة الرأي، ولكن كانت تنقصه حلاوة حديث أبيه وجاذبية أخلاقه وصدق فراسته، سواء ~~في الناس أو في المواقف، # 20 # وكان صارما يبعث الرهبة في النفوس بعكس أبيه الذي يبعث الإعجاب ويسحر الناس ~~بحلو حديثه. وأحسب أن إبراهيم ما كان ليستطيع أن يشق لنفسه طريق المجد كما فعل أبوه محمد ~~علي، ولكنه كان جنديا يشار إليه بالبنان على كل حال، فقد أصبح الساعد الأيمن لأبيه، ~~ينظر إليه بعين الهيبة المقرونة بالطاعة البنوية، وينفذ أوامره بمنتهى الإخلاص والدقة، ثم ~~إنه ورث عن أبيه أيضا حب النظر في المسائل بنفسه ، بدلا من وضع ثقته فيما يقدم له من التقارير. # 21 # وكان أول ما وجه إليه اهتمامه ليس إدراك فوز حربي معين، وأنه كان يرى أن الوقت المناسب لم ~~يحن له بعد، بل اكتساب بعض زعماء القبائل إلى الجانب المصري، بعد أن أخذوا يضيقون ذرعا ~~بالحكم الوهابي. وبهذه المناسبة كتب «هنري صولت»، وهو الذي خلف ميسيت في منصبه في أوائل سنة ~~1817م، يقول: «إن ما أبداه إبراهيم من المواهب في استمالة مختلف القبائل البدوية ليدل على ~~أن النجاح سيكون حليفه في النهاية.» # 22 # ولم يعد هذا العميد الحقيقة عندما عزا نجاح إبراهيم إلى عزيمته التي لا تفل ~~أو على الأصح قسوته حيال معارضيه، وإلى إشرافه على خزانة الأموال وإلى ما ms048 كان له من حسن ~~السمعة وشدة المحافظة على وعوده؛ وهي خلال ثلاث لا مناص منها لبسط نفوذ الإنسان بين القبائل العربية، # 23 # ثم إن إشرافه على مرءوسيه كان في الوقت نفسه يخالف كل المخالفة تساهل طوسن ~~حيالهم. وقد ضرب لنا صولت مثلا على صحة هذا الأمر، فقال: «إن المدعو حسن أغا المشرف على ~~شئون حدود الحجاز وقع في كمين؛ فبدلا من أن يكون أول الفارين إذا بالأغا يطلق النار على ~~جواده فيرديه أمام خط القتال، وبذا شارك الأغا مصير رجاله.» # 24 # ولعمري إذا كان في استطاعة إبراهيم أن يثير في نفوس رجاله مثل هذا الشعور ~~الشريف بالواجب فجدير به أن ينجح. # أما عبد الله بن سعود، فقد خيل إليه أنه في مأمن من طوارئ الحدثان؛ لوجوده في معقله ~~الصحراوي في الدارعية، على أن إبراهيم سرعان ما زحف بعد أن أتم خططه وأكمل استعداده، وقد ~~واصل زحفه لا كفاتح، ولكن كصديق وحام، ولم يكن هناك أي توازن في دفع ما يطلبه الجيش من قرب ~~المياه أو التمر أو الخشب. # ثم إن ما سنه من النظام القاسي حال دون ما اعتاده الجنود من أعمال السلب وارتكاب ~~المحظورات، وكان جديرا بأن يكسب بهذا التصرف شيئا من التأييد الذي كان من نصيب الجيش ~~الإنجليزي أثناء زحفه في الهند. ولكن برغم هذا كله فإن الحملة قد أبهظ عاتقها ما كان يحيط ~~بها من المصاعب الناشئة عن طول طرق المواصلات، وارتكازها على القاعدة البحرية في جدة. وفي ~~الحق أن ما لا يقل عن 80000 بعير قد استخدمت في صيانة طرق المواصلات، # 25 # ولم يكن لدى إبراهيم عندما وصل إلى الدارعية سوى 6000 جندي فقط. وقد لبث أمام ~~المدينة ثلاثة أشهر كاملة دون أن يستطيع شيئا، ومما زاد الطين بلة أن مخزن الذخيرة انفجر ~~بفعل النار. ونحسب أن قائدا غير إبراهيم كان يهون عليه في ظروف حرجة كهذه أن يقود جنوده ~~إلى أعمال النهب وسفك الدماء على طول خط التقهقر، ولكن إبراهيم احتفظ بمكانته وصمد لهجمات ~~العدو ms049 إلى أن وصلته الإمدادات والذخيرة من جديد، ومن ثم أخذ يضيق الحصار، وأخيرا تمكن من ~~الاستيلاء على القلعة في سبتمبر سنة 1818م، وقبض على زعيمين من مشايخ الوهابيين، فحلق ~~لحيتيهما المرسلتين، وطمر أسنانهما، وجعلهما أضحوكة أمام الناس، # 26 # وفي الوقت نفسه قضى بإبعاد عدد من أفراد الأسرة إلى القاهرة، # 27 # وأرسل عبد الله بن سعود إلى الآستانة لمفاوضة السلطان في الصلح إن استطاع إلى ~~ذلك سبيلا. # وهكذا تلاشى الخطر الوهابي مؤقتا، ونجح ساعد إبراهيم القوي وعزيمة محمد علي المنظمة فيما ~~أخفق فيه من قبل باشا بغداد أو باشا سوريا، وذلك على الرغم من قربهما النسبي من قاعدة ~~الوهابيين «الدارعية»، وبالرغم من تغافل إبراهيم عن تنفيذ المشروعات السابقة؛ لمحاولة إقناع ~~دعاة المذهب الجديد بالوسائل السلمية بأنهم قد حادوا عن طريق الصواب. # وقد أهدى أهالي الصوفية في فارس إلى محمد علي سيفا مقوسا نفيسا رصعت قبضته، فضلا ~~عن غمده بالأحجار الكريمة النادرة. # 28 # بل إن الباب العالي لم يتمالك نفسه من شدة الفرح بمثل هذا النجاح الخارج عن المألوف، فأمر ~~بقطع رأس شيخ الوهابيين وكبيرهم، وعين إبراهيم واليا على الحجاز والحبشة. # 29 # هذا بينما القنصل الإنجليزي قد اهتز طربا للقضاء على من أسماهم عصبة من اللصوص، برهنوا ~~على أنهم أشد تعصبا وأقل تسامحا وأكثر عداء لتقدم المدنية من نفس أتباع العقيدة الإسلامية ~~الذين كان الوهابيون يطمحون في أن يحلوا مكانهم. # 30 # ويظهر أن الإمبراطورية العثمانية كانت مرتاحة كإمبراطورية المغول وإمبراطورية المرانا ~~والفرس والصينيين أشد الارتياح إلى عدم تعيين حدود أراضيها بصفة قاطعة؛ مما فتح الطرق أمام ~~الآستانة لاستنكار أو تجاهل ما قد يقوم به الجيران من الحكام من أعمال الاعتداء والاستفادة ~~من أعمال ولاتها في الأقاليم أو التنصل منها حسب ما يتراءى لها، فلقد كانت توجد دائما فيما ~~وراء الأقاليم الواقعة تحت إدارة السلطان الفعلية والاسمية مناطق مبتهجة كان الأتراك قد ~~هبطوها مرة كفاتحين. # وكان وجودهم فيها داعيا لإدخال الرعب مؤقتا في قلوب زعماء هذه الجهات، وحملهم على إعلان ~~خضوعهم وطاعتهم لهؤلاء ms050 الفاتحين أو لتقديم ولائهم للسلطان بصفته الخليفة؛ طبقا للتقاليد ~~الإسلامية القائلة بوجوب الاعتراف به والنزول على أوامره ونواهيه؛ فهذه المطالب التي لم تكن ~~لتحتمل البحث لو عرضت أمام قضاة أوروبيين قد تناولت البقاع الممتدة على طول حوض البحر ~~الأحمر وما وراءها إلى عدن، ثم عبر البحر المذكور إلى بعض المواني الصغيرة كمصوع وسواكن على ~~الشاطئ الأفريقي، وهذا هو السر في أن لقب إبراهيم باشا تضمن أيضا الإشراف الاسمي على ~~الحبشة، وهو الإشراف الذي لم يكن يزيد في الواقع على مجرد الحق في تعيين حكام في المواني؛ ~~لتحصيل المكوس على منتجات السودان كالصمغ والعاج والرقيق، وهي المنتجات التي كانت تسير بها ~~القوافل لبيعها لتجار جوجاراتي الذين يؤمنون مواني البحر الأحمر. # 31 # على أن محمد علي لم يقتنع مطلقا بهذه السلطة المحدودة؛ لأنه كان يطمع في الإشراف على ~~التجارة نفسها؛ فلقد كان راسخا في اعتقاده أن أراضي السودان والحبشة غنية بما فيها من معدن ~~الذهب، كما أنه كان يعرف أن الجنوب هو المورد العظيم لأولئك الأرقاء السود والأقوياء ولهم ~~قيمة كبرى في مصر؛ فهذه البواعث الثلاثة كلها كانت قوية. ومن المتعذر أن يقول الإنسان هنا ~~هل كان محمد علي مدفوعا برغبته في العثور على مناجم الذهب؛ ليتمكن من اكتساب صداقة ديوان ~~الآستانة بأسره، أم كان مدفوعا بأمل الحصول على الرقيق؛ لتدريبهم على الشئون العسكرية ~~تمهيدا لتكوين جيوش منهم تمكنه من الاستغناء عن مشاغب الألبانيين والأتراك، بحيث يستطيع ~~يوما ما تحدي السلطان وكل ما يحشده من جنود وجحافل؟ # ومن ثم أعد محمد علي العدة للقيام بحملة كبيرة إلى جهات الجنوب متظاهرا بأن الغرض منها ~~رد إهانة قيل إنها موجهة من سلطان سنار، ثم لفتح الطريق أمام القوافل التجارية للوصول إلى ~~القاهرة عن طريق النيل، ولم ينتصف العام حتى كان قد احتشد نحو 5000 جندي في وادي حلفا؛ وهي ~~المنطقة التي لم يكن نفوذ الباشا يتجاوزها كثيرا، ثم عهد بقيادة الحملة إلى إسماعيل ثالث ~~أولاد محمد علي، وقد عين في هذا المنصب للتمرس في ms051 شئون الحكم والحرب، # 32 # وسرعان ما تمكن إسماعيل من فتح إقليم سنار والقسم الشرقي من السودان وإخضاع ~~زعماء هذه المناطق بعد قليل من المقاومة، ولم يكن ثمة ما يقتضي المباهاة في فتح هذه الجهات؛ ~~أولا: لقلة دراية السودانيين باستعمال الأسلحة النارية. وثانيا: لانقسام الأهالي بعضهم ~~على بعض برياسة زعيمين كانا يتطاحنان على الزعامة، وقد قتل أحدهما الآخر ثم فر إلى الحبشة. ~~ومن ثم بادر الملك الأسمى إلى التسليم، ثم واصل الجيش المصري زحفه جنوبا إلى أن وصل إلى ~~نقطة واقعة بين خطي العرض 10 و11 في الشمال # 33 # على أن الزحف هنا لم يكن مصحوبا بالتوفيق الذي شوهد في بدء الحملة؛ فقد كانت ~~الغابات والأحراش من أكبر العوائق في سبيل الفاتحين، مع أن الدفاع عنها كان سهلا، وتفشت ~~الدوسنطاريا وأمراض هذه المناطق بين الجنود المصرية، وقلت المئونة، وهكذا رأى إسماعيل ~~نفسه مضطرا إلى الانسحاب إلى سنار. # وكانت تقدمت في الوقت نفسه قوة من الجند بقيادة صهر الباشا الدفتردار بك قاصدة إلى كردفان ~~والشطر الغربي من السودان، وبعد مقاومة أشد مما شوهد في سنار سقطت الأبيض وأعمل الجنود ~~السلب والنهب فيها، وهكذا تم فتح السودان، ولكن إدارته تركت لأيد غير متمرسة. ولقد كان ~~في نية محمد علي أن يعهد إلى إبراهيم بإدارة ذلك القطر وتنظيمه، ولكنه أصيب بالدوسنطاريا ~~على أثر وصوله واضطر إلى العودة لمصر من فوره. # أما مناجم الذهب التي كانت مطمح أنظار محمد علي فلم يعثر عليها الجيش المصري، ثم إن عدد ~~من وصل إلى أسوان من السودانيين القادرين على حمل السلاح لم يتجاوز الخمسمائة في شهر مارس ~~سنة 1822م # 34 # بدلا من الجيش العظيم الذي كان يحلم به محمد علي، ثم إن إسماعيل نفسه لم يظهر ~~كفاءة في إدارة السودان، وهذا ما حدا بمحمد علي أن ينصح ابنه مرارا عديدة باستعمال وسائل ~~اللطف واللين، وأن يحكم بين الرعية بالعدل والعمل على مصالحة الناس. # 35 # ولكنه كان على الرغم من هذه النصائح يلح في مطالبة ابنه بإرسال فصائل جديدة ms052 من ~~الرقيق، وهو ما لم يكن يمكن تحقيقه إلا بمواصلة الغارات على الأهالي الذين كانوا قد ~~تملكهم الرعب والهلع. # وبديهي أن من المستحيل استمالة شعب ومحاولة استعباده في الوقت نفسه، وكان إسماعيل على ما ~~يظهر يرى أن الأمر الثاني هو أولى بالعناية، ففي أواخر سنة 1822م ركب إسماعيل نهر النيل ~~ورسا في مقابل شندي، وطلب إلى الزعيم السوداني هناك أن يقدم له خلال ثلاثة أيام 15000 ريال ~~و6000 رقيق. فأخبره الزعيم أن ذلك خارج عن مقدرته، فلطمه إسماعيل بالكرباج على وجهه صائحا: ~~«أتهينني أيها العبد؟!» وهنا تدخل زعيم آخر ووعد بتنفيذ الأمر وانسحب الزعيمان، وقد كانت ~~الغاية من الانسحاب ليست النزول على أوامر إسماعيل، بل لجمع أنصارهما وأتباعهما. ولما ~~اجتمعوا أحاطوا بقوات إسماعيل وسدوا الطريق في وجهها لهجوم فجائي قاموا به في الليل على غير ~~انتظار، أما إسماعيل ومن معه من الجند في الضفة الأخرى فقد استيقظوا ووجدوا أن الدار التي ~~كانوا فيها قد شبت فيها النار، ثم انقض عليهم الأعداء فمزقوهم إربا إربا. # 36 # ولكن الزعيم السوداني المسكين كان قد نسي شأن الدفتردار بك في كردفان، فما كاد يسمع بمصرع ~~إسماعيل حتى عاد إلى سنار على جناح السرعة، وهناك انتقم من الأهالي أشد انتقام، ويقال إنه ~~أطاح رءوس ما لا يقل عن 30000 شخص، وحدثت على أثر ذلك اضطرابات وقلاقل، وقام شخص يدعى ~~المهدي، وانضم إليه أنصار كثيرون. وقد نما إلى القناصل الأوروبيين أن ذلك المهدي وقع في ~~الأسر وأطيحت رأسه، ولكن تبين بعد شهر أنه لا يزال على قيد الحياة، ومن ثم أرسلت ~~الإمدادات من أسوان لقمع حركته، # 37 # وهكذا قمعت القلاقل، ولم يحل عام 1826م حتى كانت السكينة مخيمة على ربوع ~~السودان، وأصبح محمد علي قادرا على أن يتخذ ما يلزم من الإجراءات لإصلاح شأن ذلك الإقليم ~~وتنمية موارده؛ فقرر إرسال ثمانية من كبار أعيان الوجه البحري بصحبة 110 أشخاص لتعليم ~~السودانيين طريقة الزراعة في مصر. # 38 # ويلوح أن هذا التصرف وحده لم يأت بنتيجة ما، وأغلب ms053 الظن أن الجوع هو الباعث الوحيد الذي ~~دفع شعبا متأخرا وساذجا كالشعب السوداني إلى الإقبال على الصناعة، هذا فضلا عن أنه لم ~~يتعلم شيئا البتة من معلميه المصريين الذين لم يكن يظن فيهم التحمس لهذا الواجب ~~الإلزامي. # ولعل أهم ما طرأ من التغيير في خلال السنوات العشر التالية هو أن الخرطوم تحولت من قرية ~~صغيرة إلى مصاف المدن وبها 500 منزل مبنية بالطوب الأحمر، هذا عدا الثكنات والمخازن وغيرها ~~من الحدائق التي يزرع فيها التين والعنب، وكان هذا من عمل خورشيد باشا الذي حكم الإقليم ~~سنوات عديدة واتخذ الخرطوم عاصمة له. # وليس من ريب في أن ازدهار مدينة الخرطوم ونموها كان النتيجة التي تنشأ، وخاصة في الشرق، ~~عن وجود قاعدة الحكومة في جهة معينة. # على أن محمد علي لم يكن كثير الارتياح لركود حركة الإنتاج في ذلك الإقليم؛ فلقد قضى في ~~التفتيش في ربوعه ستة أشهر كاملة فيما بين سنتي 1837 و1839م، ولعل غايته من ذلك التفتيش ~~كانت لتحقيق الحلم الذي ظل يداعب محمد علي نفسه ألا وهو العثور على الذهب، ولكنه كان يرمي ~~فوق ذلك إلى غاية مهمة؛ وهي تنمية الزراعة في تلك الجهات وتوسيع مداها. # وفي الوصف المذكور عن رحلته هذه دلائل ناصعة على تفاهة النتائج التي تحققت وعما كان يجول ~~في خاطر الباشا من الأفكار عن طريقة تنمية السودان، وعلى الرغم من - أو بالأحرى بسبب - ما ~~كان ينتظر من كثرة المحصول، وقد قدره وقتئذ بنحو 60 ضعفا، فإن الزراعة كانت ما تزال مهملة ~~والأرض لم تخل من قشرتها القابلة للزراعة إلا بواسطة قطع الأخشاب الكبيرة؛ ومن ثم تقرر ~~إجراء تجربة أخرى ألا وهي تنمية زراعة قصب السكر والقطن والنيلة، واختير لهذه الغاية عدد من ~~الشبان العرب من خريجي مدرسة المهندسخانة، وأعطى لكل منهم 100 فدان معفاة من الضرائب لمدة ~~خمس سنوات، ووكل إلى كل منهم عددا من الشبان السودانيين لتعليمهم الوسائل الراقية ~~المستخدمة في الزراعة المصرية. # ثم ألح الباشا في الوقت نفسه على الزعماء السودانيين أن يسعوا ms054 وراء تحسين الزراعة ويعملوا ~~على تنشيطها، وكثيرا ما كان يقول لهم: لو احتذيتم حذو غيركم من الناس؛ فليس من ريب في أنكم ~~سوف ترتقون من مستوى العجماوات إلى مصاف الأوروبيين، ولسوف تبلغون من الثروة وتتعلمون كيف ~~تنعمون بمسرات الحياة مما يحول جهلكم دون تصوره، ولكن هذا ما كان ليتم بدون الأيدي العاملة ~~وإلا لما تحقق شيء من هذه الأحلام. ويقال إن سامعيه قد خلبت ألبابهم تلك الصورة الزاهية ~~التي رسمها لهم محمد علي عن المستقبل، حتى إنهم توسلوا إليه أن يأخذهم إلى مصر ليتعلموا ~~الوسائل الفنية، ولكنه نصح إليهم بأن الأفضل أن يرسلوا أبناءهم. # 39 # ولما كان هذا كله قد تم في نهاية الفترة الإيجابية في إبان حكم محمد علي فلا مندوحة عن ~~الاستنتاج بأن فتحه للسودان قد وطد سيادة مصر في ذلك الإقليم، ومكن الباشا من الحصول على ~~عدد معين من العبيد، ولكنه لم يؤثر مطلقا فيما كان عليه السكان من الثقافة الفطرية، كما ~~أنه - وهذا ما كانت له أهمية كبرى في نظر محمد علي - لم يؤثر أي تأثير في إنتاج الإقليم من ~~الوجهة المادية، كما أن القضاء على الوهابيين لم تكن له أي نتيجة أكثر من إعادة فتح مكة ~~والمدينة للحاج. # ومن ناحية أخرى فقد كان لاتساع نفوذ محمد علي شرقا وجنوبا نتائج على جانب عظيم من ~~الأهمية، فبينما كان الساسة الفرنسيون واقفين وقفة المتفرج كانت للساسة الإنجليز مصلحة ~~مباشرة في الموضوع، ويمكن أن يعزى منشأ ارتيابهم في سياسة محمد علي إلى الفترة الواقعة بين ~~سنتي 1811م و1822م؛ فقد كانت لأعماله العسكرية في بلاد العرب والسودان آثار مباشرة في ثلاث ~~مناطق كانت لهم فيها فعلا مصالح حيوية، ألا وهي: البحر الأحمر، والخليج الفارسي، ~~والحبشة. # وكان معظم الأعمال التجارية في تلك المناطق تتناوله أيدي تجار معظمهم من أصل جوجاراتي ~~جلبون متاجرهم من صورات وغيرها من مواني غرب الهند. ولم يكن في استطاعة إمبراطورية المغول - ~~حتى في إبان شوكتها - أن تقدم للسفن الهندية التجارية الحماية اللازمة، بل اضطر الإمبراطور ~~أكبر ms055 أن يحصل على جوازات من البرتغاليين، هذا في حين أن من جاء بعده من الأمبراطرة حصلوا من ~~الهولنديين أو الإنجليز على خفر لحراسة السفن أثناء السفر. وفي أواسط القرن الثامن عشر - أي ~~قبل أن تحصل شركة الهند الشرقية على ديوان بنغال - فإنها قد حصلت على لقب «أميرال ~~الإمبراطورية»، وما يلحق بذلك اللقب من أبواب الإيرادات والأراضي، وقد ظلت شركة بمباي ~~البحرية بعد ذلك سبعين عاما كاملة، وهي تقوم بحراسة السفن التجارية الهندية بانتظام بين ~~الهند والبصرة أو بينها وبين جدة، وترفع فوق سارية سفنها راية الشركة وراية الإمبراطورية ~~المغولية فوق جانبها، وقد ترتب على تضعضع قوة الفرس والعثمانيين أن أصبحت حراسة السفن أمرا ~~لا مناص منه؛ فلقد تفشت القرصنة واتسع مداها بسرعة شديدة، ثم إن ما كان يقابل به من ~~يقبض عليهم من القراصنة من الرحمة والشفقة الغريبة عند إطلاقهم، يضاف إليه سماح ولاة ~~الأمور لبعض التجار بنقل الأخشاب لإصلاح السفن التي كانت تهاجمهم؛ إن ذلك كله لم يكن من ~~شأنه أن يؤدي إلى وضع حد لأعمالهم المرعبة أو لزجرهم عن غيهم، # 40 # ومما ساعد على تفشي ذلك الشر من الوجهة الأدبية والسياسية والعملية نشوب الثورة ~~الوهابية؛ لأن الوهابيين أنفسهم أنشئوا أسطولا للقرصنة في كوم فودة إلى جنوب جدة، فلا عجب ~~أن يلتجئ إليهم قراصنة الخليج الفارسي عند سنوح الفرصة الملائمة. # 41 # وفي سنة 1808م وقعت إحدى السفن الإنجليزية في أيدي القراصنة الذين قتلوا الملاحين عن بكرة ~~أبيهم، وفي نفس السنة استولى القراصنة على السفينة المسلحة التابعة للشركة واسمها «سيلف»، # 42 # فأرسلت حملة لتأديب القراصنة ، فأبادت كثيرا من السفن التابعة لهم في الخليج ~~الفارسي. وفي سنة 1819م لم تتمكن الحملة القوية المجهزة في بمباي من الاستيلاء على أكبر ~~معاقل القراصنة في رأس الخيمة فقط بمساعدة إمام مسقط، بل أرغمت كافة القبائل العربية ~~المشتغلة بشئون الملاحة في الخليج أن تعقد معاهدة مع الشركة، وهي لا تقضي فقط بالعدول عن ~~أعمال القرصنة، بل وترك تجارة الرقيق أيضا، # 43 # ولقد عللت الشركة نفسها ms056 بالأمل في أن تحصل على مساعدة إبراهيم باشا لتحقيق هذه ~~الغاية بعد الاستيلاء على الدارعية، ولكن محمد علي لم يكن مهتما وقتئذ بالتطلع إلى شيء من ~~هذا في مثل ذلك المكان السحيق؛ ولذا لم تصادف اقتراحات الشركة قبولا. # 44 # أما في البحر الأحمر، فإن الأمور كانت تسير سيرها الطبيعي الهادئ؛ فإن فتح مصر بواسطة ~~نابليون قد وجه الاهتمام إليها، فمسحت البلاد في سنة 1795م على جناح السرعة وأصر لورد ~~فالنشيا فيما بين سنتي 1804م و1805م على العودة بواسطة هذا الطريق عند ختام رحلته الهندية، ~~وكان يرمي إلى أن يضرب عصفورين بحجر واحد، فكانت غايته الأولى البحث عن خير وسيلة لسد البحر ~~الأحمر في وجه أي اعتداء يحتمل أن يجيء من العرب، والثانية تنمية التجارة الهندية. ~~ولتحقيق هاتين الغايتين عمد إلى زيارة كافة الموانئ الرئيسية الواقعة في طريقة ابتداء من ~~عدن فما بعدها، وقد عني بتدوين كافة ما يهمه من المعلومات عن سير الحالة التجارية، وكان ~~من رأيه احتلال عدن. ولتحقيق الغايتين سالفتي الذكر عقد محالفة مع الوهابيين ومع الحبشة، # 45 # ولكن ظلت مقترحاته مجرد حبر على ورق، إلا فيما يتعلق بهنري صولت الذي كان قد ~~رافقه في رحلته الشرقية، وعين فيما بعد قنصلا عاما في القاهرة؛ فإنه قد ذهب في سنة ~~1801م إلى بلاد الحبشة في بعثة خاصة على أمل توسيع نطاق التجارة فيما بين تلك البلاد وبمباي، # 46 # وكانت شركة الهند الشرقية ينوب عنها مندوب يقيم في «مخا»، ومعه مساعده بلزوتي ~~الذي لعب فيما بعد دورا له نصيب من الأهمية في بداية تاريخ الحفريات في مصر، وقد ظل يتنقل ~~بين عدن وغيرها من الجهات حسبما تقضي الظروف. # وكانت الغاية التي جعلها محمد علي نصب عينيه وقتذاك - كما بينا من قبل - أن يعيد ~~التوازن في المالية المصرية بواسطة التجارة، فلم يكتف بإمداد المتعهدين الإنجليز في البحر ~~المتوسط بالحبوب، بل عرض على حكومة الشركة في الهند اقتراحات لتنمية التجارة في البلاد ~~الشرقية، ونظرا لأن الاقتراحات المذكورة قوبلت بشيء من الاهتمام فقد ms057 انتدب بلزوني ~~للسفر إلى القاهرة؛ حيث تمكن من عقد اتفاقية مؤقتة وتوقيعها في 28 مايو سنة 1810م. وقد نصت ~~الاتفاقية المذكورة على أن تكون الامتيازات التركية قاعدة المعاملات التجارية مع الهند، وأن ~~يتعهد الباشا بألا يعتدي بأي حال من الأحوال على الأملاك والرعايا الإنجليز في حالة نشوب ~~حرب بين إنجلترا وتركيا، بل أن يمدهم على العكس بالحماية اللازمة، وأن يتعهد بإعادة الفارين ~~من السفن البريطانية حتى لو اعتنقوا الإسلام (وهو شرط كانت تركيا ترفضه باستمرار إلى الآن ~~كما يؤخذ من كتاب أبوت تحت ظل الحكم التركي ص29)، وأن يمر المسافرون الذين يصحبون أمتعتهم ~~الشخصية بدون دفع مكوس جمركية، وأن تصحب القوافل التجارية من السويس وإليها قوة من الحرس، ~~في مقابل ثلاثة دولارات إسبانية عن حمولة البعير الواحد، وأن تكون الضريبة الجمركية ~~3٪. # على أن هذه الاتفاقية لم يقدر لها أن تبرم، وأغلب الظن أن الباعث هو التخوف من ~~الإضرار بالعلاقات البريطانية مع الآستانة، وقد رفضت الحكومة البريطانية في الوقت نفسه أن ~~تسمح لطرادة الباشا «أفريقيا» بالذهاب إلى البحر الأحمر عن طريق الرجاء الصالح، # 47 # وقد بقي الباشا في شبه حيرة وتردد، لا يدري ماذا يصنع ليحيط المحالفة التي كان ~~يطمح إليها بما يجعلها جذابة ليحمل الإنجليز على توقيعها. ولقد رأيناه كثيرا ما يحظر على ~~السفن القادمة من بمباي - نزولا منه على إرادة السلطان مع شيء من السخرية - بألا تواصل ~~سفرها إلى ما بعد جدة شمالا # 48 # على أنه صمم في نهاية الأمر أن ينزل بنفسه إلى غمار التجارة الهندية وعين فوزيس ~~وشركاه مندوبين عنه في بمباي التي أرسل إليها كمية هائلة من البضائع الأوروبية، عدا مليون ~~دولار سبائك ذهب، # 49 # ثم إنه ألح على القنصل الإنجليزي في الوقت نفسه - وذلك نظرا إلى نشاط القراصنة ~~الوهابيين - بضرورة إرسال قوة بحرية إلى هناك لرد إهانة القراصنة، وإلا أصبح من غير المأمون ~~أن يطلب إلى أولاده النقل من الحجاز واليمن. # وهنا حبذ صولت هذا الاقتراح وعضده؛ إذ كتب يقول: # إن من المستحسن أن يكون ms058 لسموه التفوق بحيث يحول دون تسلط هؤلاء القراصنة ~~الوهابيين على البحار، أما فيما يختص بمصر فإن سمو الباشا قد أصبح تاجرا بكل معاني ~~الكلمة بحيث إنه أصبح في قبضة أيدينا وتحت رحمتنا، وقد أصبح إيراد الدولة متوقفا ~~على التجارة ... بحيث لا يستطيع بدونها معونة حكومته عدة أشهر. ثم إن أميرال البحر ~~الأبيض في حالة قطع العلاقات بوسعه أن يحمل محمد علي - على ما أعتقد - على الخضوع ~~لشروطنا في كل وقت، بدون طلب قوة إضافية، عدا التي يشرف عليها في الأوقات المعتادة، ~~وهذا بإلقاء مراسي أسطوله في أبي قير وضرب الحصار على الشاطئ، وهو ما يمكن أن نفعله ~~في البحر الأحمر؛ فإن سفينتين من سفن البضائع تقفان بين جدة والسويس كافيتان لقطع ~~مواصلات محمد علي عن طريق البحر وحمله على قبول شروطنا في أقرب وقت. # 50 # وقد كان من نتيجة هذه الاقتراحات أن سحبت الاعتراضات التي أقيمت في سبيل السماح ~~بسفر طرادة الباشا إلى البحر الأحمر عن طريق رأس الرجاء الصالح. # 51 # فعلاقات الإنجليز مع الباشا بعد أن دانت له الأمور في مصر كانت للآن علاقة وداد وصداقة، ~~ولا ريب، ثم إنها لم تشبها شائبة - كما رأينا - من جراء زحفه على الوهابيين، وإن كان بعض ~~الأفراد الإنجليز قد استحسنوا تعضيد الأخيرين ومد يد المعونة إليهم، # 52 # ولئن كان ميسيت قد ساءه فوز محمد علي في بلاد العرب، فما ذلك إلا لشدة خوفه من ~~أن هذا النجاح قد يغري الباشا بالتورط فيما سوف يؤدي إلى هلاكه «لأني أعتقد أنه إذا لقي ~~حتفه في هذه اللحظة المبكرة؛ فإن هذه البلاد - مصر - سوف تعود من جديد إلى حالة الثورة التي ~~انتشلها منها.» # 53 # ولقد صدرت الأوامر إلى الكابتن سادلير بإرسال تهانئه إلى إبراهيم بمناسبة ما ~~أحرزه في الدارعية من النجاح، واقترح عليه القيام بعمل مشترك في الخليج الفارسي. كذلك عندما ~~أبدى صولت تخوفه من أن تكون الحملة الموجهة للسودان مقصودا بها فتح الحبشة، ولفت نظر ~~الباشا إلى أن مثل هذا العمل لن يقابل في ms059 إنجلترا بالرضاء والارتياح، بادر محمد علي إلى ~~التصريح جهرة أن البلاد - وإن كانت تعج بمناجم الذهب والمعادن الثمينة والدرر النادرة، ~~وبالرغم من أن الاستيلاء عليها لا يمكن أن يحوم الشك فيه - فإنه يفضل أن يعدل عن فتحها على ~~أن يشوه علاقاته مع الإنجليز. وبهذه المناسبة كتب صولت، فقال: «ما عرفت الباشا يقطع لنا ~~عهدا في أمر من الأمور إلا إذا كان ينوي المحافظة عليه.» # 54 # على أن ديوان الآستانة كان يرى في تلك العلاقات خطرا وأي خطر؛ فقد كان السائد في الأفهام ~~هناك أن ذلك الباشا القوي البأس سوف يعقد مع إنجلترا التحالف الذي يرمي إليه، وبذلك يخلع عن ~~عاتقه النير التركي بتاتا؛ ومن هنا كان اهتمام الديوان بانتهاز كل فرصة سانحة لإثارة ~~القلاقل والمتاعب. مثال ذلك أنه حاول توريط محمد علي في تأييد قراصنة الخليج الفارسي على أن ~~المتاعب الشديدة إنما نشأت عن تصرفات حاكم مخا، ففي سنة 1817م حجز أحد الأعراب في المصنع ~~الإنجليزي مدة وجيزة من الزمن، ثم أطلق سراحه إجابة لرغبة الحاكم، ولكن الشرذمة التي تؤلف ~~حرس المصنع اعتقل رجالها مع قومندان إحدى السفن التجارية التي وجدت هناك بالصدفة، ~~وكذا المقيم البريطاني وضربوا ضربا مبرحا وعوملوا معاملة سيئة، بينما انتهب المصنع ~~وسلب ما فيه، وبعد إضاعة وقت طويل في البحث وتحري الحقائق تقرر إرسال قوة عسكرية للحصول ~~على الترضية المطلوبة. # ولم يكن اعتماد مخا على الإمبراطورية العثمانية وارتباطها بها إلا صوريا فحسب، فقد كانت ~~أكبر مواني إمام صنعاء الذي لم يكن لسلطان تركيا عليه لا نفوذ ولا سيادة، ولكن محمد علي ~~تمكن في خلال سنة 1818م من أن يسلم إليه بعض الأراضي المتاخمة للميناء الشمالية (الحديدة) ~~في مقابل تعهده بتقديم كمية معينة من البن للسلطان سنويا؛ ومن ثم أصبحت بمثابة جزية ~~مفروضة على بلاد صارت منذ ذلك الحين تعتبر مظللة بالحماية التركية. # 55 # وليس يخفى أن الدول الأوروبية ما كانت لتقبل مثل هذه النظريات، ولا أن تسلم بحقوق لم تكن ~~مشفوعة بنفوذ حقيقي، ومن ثم راحت ms060 شركة الهند الشرقية تطالب إمام صنعاء بتقديم التعويض ~~اللازم، فعمد إلى سياسة المراوغة المألوفة، ومن ثم صوبت المدافع قنابلها على مخا وهددت قلاعها. # 56 # وسلم الإمام بحكم القوة ما كان ينبغي أن يسلمه من قبل من المطالب التي لا تستند إلى قوة ~~السلاح؛ فعقدت معاهدة نص فيها على أن تكون للمقيم قوة من الحرس، كما لزميله في بغداد ~~أو البصرة، وأن يسمح له بالظهور أمام الملأ، وهو على ظهر جواده، وأن تخصص مقبرة لدفن ~~الموتى المسيحيين فيها، وأن يعترف أن تجار صهورات هم تحت الحماية البريطانية، وأن تخفض ~~المكوس الجمركية التي يدفعها التجار الإنجليز إلى المستوى الذي يدفعه التجار الفرنسيون. # 57 # وهكذا سقط هذا الحصن الإسلامي الذي كان المسيحيون فيه إلى ذلك الحين عرضة لكافة أنواع ~~الإهانات التي تذهب بلا حساب أو عقاب، وكان محكوما عليهم بالسير على الأقدام مع حظر مرورهم ~~أمام بوابة معينة وجعلهم يشهدون جثث مواطنيهم تنهشها الكلاب وابن آوى، وحيث أرغم التجار ~~الهنود على أداء مبالغ جسيمة من الأموال بتعريضهم للاختناق بدخان كبريت العمود. # 58 # وكان بديهيا أن يؤدي مثل هذا التغيير الممقوت إلى سيل من الإشاعات؛ مثال ذلك أن الشركة ~~كانت قد أنزلت إلى البرسلكا بحريا لاستعمال طراداتها. ومن ثم انتشرت الإشاعة من أن حلقة ~~من هذا السلك قد نقشت عليها اسم طلاسم سحرية، وأن السلك سوف يستعمل في سحب المدينة ~~بأسرها إلى البحر أو لانتزاع الجبال تمهيدا لفتح طريق إلى صنعاء نفسها، # 59 # أما في الآستانة التي كانت قد وصلها صدى هذه الإشاعات فقد وجه نقد شديد إلى ~~السفير البريطاني، بينما صدر الأمر بتوبيخ محمد علي وتقريعه على مثل ذلك الإهمال، وكلف ~~باحتلال كافة مواني البحر الأحمر لغاية عدن باسم السلطان. # وقد تلا هزيمة الوهابيين وفتح السودان تنظيم قوات محمد علي العسكرية تنظيما باهرا يلفت ~~الأنظار؛ فإن الجنود التي تسنم على أكتافها المجد لم تكن سوى جماعة من الغوغاء المسلحين ~~لا يحفلون بالنظام ولا سبيل إلى كبح جماحهم إلا بدفع مرتباتهم بانتظام وباستعمال العقاب ms061 ~~الصارم، وقد كانوا عقبة كأداء في سبيل احتفاظ الباشا بمركزه بقدر ما كانوا لازمين له للوصول ~~إلى ذلك المركز. مثال ذلك أن ميسيت أرسل في تقرير له سنة 1816م يقول إن شطرا كبيرا من ~~الجيش قد أرسل إلى السواحل، وإنه عندما استفسر من محمد علي عن السر في هذا الترتيب أخبره ~~أنه «بعد أن أيقن بعجزه عن كبح جماح أعمال العنف التي ارتكبها الجنود في خلال الأشهر ~~القليلة الماضية، رأى أن يلجأ إلى حيلة لطيفة بأن يكلفهم بالخروج من المدينة على أمل أن ~~يسلس قيادهم، ويصبح في الاستطاعة إخضاعهم وجعلهم مطيعين للنظام بعد أن يصيروا شراذم صغيرة متفرقة.» # 60 # فلهذه الأسباب استقر رأي محمد علي على إنشاء نظام جديد، أي إنشاء جيش جديد يكون نظامه ~~وتدريبه والإشراف عليه أوروبيا. وبديهي أن احتفاظه بمركزه يترتب نسبيا إلى نجاحه في ذلك ~~المشروع الذي كان - ولا ريب - يعتبر من أشق المشروعات وأصعبها؛ فإن السلطان سليما قد ~~خلع ثم قتل حديثا لاجترائه على أن يقحم آداب الكفار إلى الإسلام بمحاولته إدماج جنود ~~الإنكشارية في فيلق جديد. ولم يكن الباشا ممن يتهيبون المضي في مشروعه لمجرد خطورته وصعوبته ~~لأنه لم يكن يؤمن بأن الإصلاح العسكري يقابل بالنفور من سواد الشعب، بل من الزعماء وحدهم؛ ~~لأنه لم يكن ينتظر منهم أن يصبروا على كشف أكاذيبهم التي ظلت مدة طويلة متسلطة على الخزانة العامة، # 61 # وسرعان ما نهض الدليل على عدالة هذه النظرية عند أول محاولة لإدخال الطريقة ~~الأوروبية في التمرين العسكري. # وقد حدث هذا عند عودته من الحجاز. فلقد بدأ يطبق هذا الرأي في جماعات الجنود الذين تحت ~~إشراف أقاربه، ولكن سرعان ما رأى علامات السخف والتذمر عندما أراد توسيع هذه الطريقة ~~وتطبيقها على الجنود الذين يقل سلطانه عليهم عنه في جماعات الجنود سالفة الذكر. وإذ ذاك ~~أصدر الباشا إعلانا بأن كل جندي لا يميل إلى إطاعة الأوامر يمكن أن يأخذ ما يكون متأخرا ~~له من المرتب وأن يرحل عن البلاد، على أن أحدا لم يحاول ms062 أن يفيد من هذا العرض إلى أن حدث ~~بعد ظهر أحد الأيام أن اجترأ لفيف من الجنود في ميدان الأزبكية بالقاهرة أمام قصر الباشا ~~وبدءوا ينهبون الدكاكين فجأة وهم يصيحون: «لا إله إلا الله.» وفي اليوم التالي انتشرت ~~الفتنة في كافة الأنحاء وأصبحت الدكاكين والمخازن عرضة للنهب والسلب، واعتدى على الحي ~~الفرنسي عدة مرات، وأصبح الأوروبيون لا يجرءون على الخروج من دورهم إلا بالزي التركي، # 62 # ومن ثم تقرر العدول مؤقتا عن المشروعات الجديدة. # على أن المقاومة بدلا من أن تضعف عزيمة محمد علي أو تصرفه عن الغاية التي وضعها نصب ~~عينيه، جعلته يفكر فيما عسى أن يتبعه من شتى الوسائل لتنفيذ ما استقر عليه رأيه من ~~الإصلاحات. وقد بينا فيما سبق أن بين بواعث إرسال الحملة السودانية كانت رغبته في الحصول ~~على العدد اللازم من الرقيق الذين يمكن تدريبهم على شئون الحرب على النمط الذي يهواه، وهذا ~~هو السر في إصدار الأوامر إلى إسماعيل لجميع العبيد السودانيين، وإرسالهم إلى أسوان على ~~جناح السرعة، ولما لم يكن ينتظر بحال ما أن يكون أولئك السودانيون مادة صالحة لإيجاد الضباط ~~منهم، فقد أرسل إلى أسوان للتمرس في شئون الحرب نحو 300 من رقيق المماليك، وكانوا ملكا ~~خاصا لمحمد علي. # وقد عهد إلى الكولونيل سيف الفرنسي بالإشراف على هذه المدرسة العسكرية الجديدة، وكان ~~الكولونيل المذكور قد تخرج من تحت السلاح، ثم شق لنفسه طريق المجد حتى استحق صليب الليجيون ~~دونير (جوقة الشرف)، ثم اعتزل الخدمة برتبة كابتن بعد أن أبلى خير بلاء في موقعة «ووترلو». ~~وفي سنة 1819م هبط سيف إلى مصر، وقد ملكت عليه حواسه حسن صفات الباشا وأخلاقه ورقة شمائله. ~~وفضلا عن هذا فقد ترك دينه المسيحي واعتنق الإسلام، ولم يكن في عمله هذا شيء من الخفة ~~والنزق الذي يقترن دائما بالمرتدين عن أديانهم، ثم صار سيف الخادم الأمين والعبد الطائع ~~لمحمد علي. ولما أصرت بريطانيا العظمى بعد ذلك بعشرين ربيعا إلى إعادة سوريا إلى مساوئ ~~الحكم التركي بذلت مساع عديدة ms063 مع سليمان باشا - كما كان الجنرال سيف يسمى وقتذاك - ~~لإرشائه وحمله على التخلي عن محمد علي، ولكن لا العرض يجعله واليا على إحدى الولايات، ولا ~~اقتناعه بخسران القضية التي يدافع عنها أثر فيه أو حوله عن ولائه، بل كان جوابه أنه ~~مدين لمولاه لا بواجب الشكر فحسب، بل بواجب الإخلاص والتفاني الذي لا حد لهما. # 63 # وما من شك في أن الأعباء الأولى في إعداد النظام الجديد كانت من أصعب ما واجهه سيف في مصر ~~طيلة حياته؛ فإن النظام العسكري تحت إشراف جندي أوروبي كان أمرا مستغربا وغير طبيعي في ~~مصر، حتى إن حياة سيف كانت عرضة للخطر أكثر من مرة. مثال ذلك أنه بينما كان مرة منهمكا في ~~تعليم فرقة من حملة البنادق ضرب النار إذا به يسمع صفير الرصاص فوق رأسه، # 64 # ويقال إنه اكتشف مرة أخرى مؤامرة بين المماليك لاغتيال حياته عندما جمعهم ~~ليخبرهم بالمرسومات الجديدة التي تتبع في الجيش، فاضطر حينذاك أن يجرد حسامه وأن يدافع عن ~~نفسه بمفرده، وأن يصد كل من تقدم إليه منهم. # 65 # وكان معسكر أسوان في البداية يحتوي على شبان المماليك، وجماعة الرقيق السودانيين، ولكن ~~الأخيرين قد خيبوا ما كان معقودا عليهم من الآمال. نعم؛ إنهم كانوا على جانب عظيم من ~~الشجاعة ولين العريكة، وقد خضعوا صابرين للنظام العسكري وأحسنوا دراسة تمريناتهم، ولكن ~~طبيعتهم لم تكن تعرف مقاومة الأمراض، فكانوا يموتون بالعشرات؛ فالأمراض التافهة التي لم تكن ~~تقضي على الجنود الأوروبية أو العربية بملازمة الفراش كانت تفتك في السودانيين فتكا ~~ذريعا. ولذلك كنت تراهم يموتون كالأغنام، فلم يحل عام 1814م حتى كان عددهم في معسكر أسوان ~~20000، ولكن لم يبق من هذا العدد في ذلك العام نفسه أكثر من 3000 شخص. # ولعل مرجع هذا الفشل - الذي يختلف كل الاختلاف عن تجاربنا في تلك الأصقاع - أن جنود محمد ~~علي لم يكونوا أحرارا بل كانوا أرقاء. # وقد أدى الإخفاق في استغلال ذلك المورد العسكري المنتظر إلى العمل بالنصيحة التي أبداها ~~دورفيتي - قنصل فرنسا العام ms064 - بتطبيق فكرة التجنيد على الفلاحين في مصر. ولعل هذه الفكرة ~~خطرت من تلقاء نفسها بعد ما شوهد من النجاح العظيم في تطبيق النظم الأوروبية على الهنود ~~في الجيش البريطاني، ولكن كل مقارنة من هذا القبيل يقلل من شأنها أنه لم يحلم إلى الآن أحد ~~باستخدام الفلاح المحتقر كجندي، بينما أن الجندي الهندي كان طيلة حياته من صميم الطبقة ~~العسكرية. # على أن الاقتراح باستخدام الفلاحين سرعان ما وضع موضع التنفيذ، ولكن نظرا لخروجه عن ~~المألوف فقد أدى إلى حدوث القلاقل والفتن في بعض الأقاليم، # 66 # وإن كان هذا لم يمنع من إرسال 30000 من الفلاحين إلى أسوان وسمح للكولونيل سيف ~~بزيادة ما لديه من المدربين الأوروبيين الذين جعل لهم هذا الضابط الفرنسي سمعة سيئة بعد أن ~~عين رئيسا لهم، فقد وصفهم بأنهم جماعة من اللاجئين ممن قذفتهم إسبانيا أو نابولي أو ~~بيدمونت، وأنهم لا يعرفون الصدق ولا عهد لهم بالأمانة أو الشرف، وبالجملة فهم أسوأ عصابة ~~أشرار يمكن أن يعثر عليها الإنسان في أي جهة من جهات العالم. # 67 # وبالرغم من ذلك فقد أدوا واجبهم تحت إشراف سيف على أكمل وجه، وقد رافق صولت محمد علي في ~~زيارة معسكر التعليم في سنة 1824م، وقد حدثنا أن من حق الباشا أن يبتهج ويفاخر بجيشه ~~الجديد. وهو رأي قامت على صحته الأدلة العديدة في الخدمات العسكرية التي تمت فيما بعد ~~تحت إشراف إبراهيم باشا في المورة وفي سوريا. ولعل أهم ما لوحظ من النقض بين هؤلاء الجنود ~~عدم وجود مصلحة طبية منظمة على نحو ما يراه الإنسان في الجيوش الأخرى، ولم يكن في الاستطاعة ~~- كما قال «صولت» - أن تغرس مدرسة للطب كما يغرس البستاني حقل البطيخ، ثم إن الفلاحين ~~كانوا يتحولون إلى جنود بأسرع مما كانوا يتحولون إلى أطباء. # وأول ما بدأت هذه الأفكار تتجلى بشكل واضح في خلال حروبه في بلاد العرب؛ فلقد هدد قراصنة ~~الوهابيين بقطع المواصلات البحرية بين السويس وجدة. ولذا حرص على إرسال طرادته المسلحة ~~«أفريقيا» إلى البحر الأحمر، ms065 فلما خاب أمله في ذلك من جراء منع الإنجليز الإذن بمرورها ~~أصدر أمره بإنشاء «فرقاطة» حربية في بمباي، # 68 # وقد سعى لحمل أحد زعماء القراصنة العرب للعمل معه، # 69 # بل إنه تمكن من إنشاء سفينة حربية في السويس مسلحة بستة عشر مدفعا، # 70 # وبالجملة فقد تمكن من أن يحشد في البحر الأحمر عمارة بحرية تستطيع صد غارات ~~الوهابيين ودفع عاديتهم. # وبعد ذلك بقليل بدأ بتنفيذ هذه النظريات في حوض البحر المتوسط، فبدأ بابتياع ما يمكن ~~ابتياعه من السفن الموجودة في هذه السواحل الشرقية للبحر المتوسط، أو التي بنيت في جنوا ~~أو البندقية، ثم سعى لتعزيز مركزه بالحصول على سفن أخرى من طراز أجود وأسمى. # وفي سنة 1821م طلب إلى كل من فرنسا وإنجلترا بأن تبني له كل منهما فرقاطتين من أحدث طراز. # 71 # وقد أعارت الدولتان طلبة أذنا صماء، وبهذه المناسبة كتب كاننج يقول: «إن من المستحيل ~~استحالة باتة على حكومة جلالة الملك أن تلبي هذا الطلب، وإلا كان ذلك بمثابة انتهاك مباشر ~~لحرمة الحياد الذي أعلن الملك لأمنيته على مراعاته في خلال هذا النزاع المنكود بين الباب ~~العالي واليونان.» # 72 # ومن ثم سعى محمد علي - وحصل فعلا - إلى إنشاء فرقاطتين وسفينة حربية في ~~مرسيليا، وهكذا لم يبدأ محمد علي بأن ينشئ لنفسه جيشا على الطراز الأوروبي فقط، بل وأن ~~يكون له سفن حربية تمكنه من مكافحة اليونان، وأيضا مكافحة أسطول السلطان نفسه في يوم من ~~الأيام لا يستطيع التكهن به بصفة خاصة. # الفصل الثالث # | عماد الإمبراطورية # الحرب اليونانية # كان من نتائج فتح بلاد العرب والسودان تنظيم جيش محمد علي، وتأسيس قوة بحرية، واتساع نفوذ ~~الباشا وسلطانه إلى حد بعيد. على أن تقدمه هذا لم يؤد إلى هذه اللحظة إلى اشتباك في عراك ~~مع إحدى الدول الأوروبية؛ فقد كانت سياسة فرنسا وقتئذ بعيدة عن كل عدوان، ثم إذا كان هناك ~~بعض أفراد من الإنجليز ينظرون إلى استخدام الضباط الفرنسيين بعين الغيرة؛ فإن لندن نفسها لم ~~يبد عليها شيء من القلق. ms066 هذا بينما كانت كلكتا أكثر ميلا إلى التعاون على توطيد دعائم ~~الأمن العام بدلا من مقاومته في المناطق المهمة التي تروج فيها سوق التجارة الهندية الخارجية، # 1 # وقد أخفقت حتى الآن كافة محاولات الباب العالي لتوريط محمد علي في نزاع مع ~~بريطانيا. # وفي أبريل سنة 1821م اغتنم اليونانيون فرصة الفتنة التي أشعل علي باشا نارها في يانينا ~~فرفعوا راية العصيان، وكان يوجد نحو 20000 من المسلمين موزعين في أنحاء البلاد فلم يشعروا ~~إلا وقد بدأ اليونانيون في الاعتداء عليهم، فالتجأ من استطاع منهم إلى الحاميات التركية، ~~أما الباقون فقد أبيدوا عن بكرة أبيهم. ومن ثم بدأت محاصرة الحاميات؛ فاستسلم بعضها بعد ~~الحصول على وعد بالأمان وسلم البعض الآخر نزولا على حكم العقل ومنطق الحوادث. # بيد أن هذا لم يكفل لا للأولين ولا للآخرين تمييزا في المعاملة؛ فإن اليونانيين قد ~~أعملوا السيف فيهم جميعا. وقد تمكن 3000 يوناني من هزيمة 5000 تركي بالقرب من تريبولتزا، ~~وكانت نتيجة هذه الموقعة أنهم قد استولوا على هذا المكان وكذا نافار، ولم يراع الثوار شروط ~~التسليم في كلا هذين المكانين، بل قتلوا في تريبولتزا ما لا يقل عن 8000 من رجال المسلمين ~~ونسائهم وأطفالهم. وقد تلت هذه الحوادث طبعا مذبحة عظيمة في الآستانة وغيرها ذهب ~~اليونانيون ضحية لها؛ حيث شنق بطريرك الروم وأربعة من كبار الأساقفة وقتل على أقل تقدير ~~يوناني واحد في نظير كل مسلم سقط ضحية حوادث المورة، بل إن شيخ الإسلام - وهو كبير رجال ~~الدين في الآستانة - قد عزل من منصبه وخرج مغضوبا عليه لمحاولته وقف تيار هذا الانتقام. # 2 # وكان طبيعيا أن تنتشر الحركة ويتسع نطاقها إلى أن تشمل جزر البحر، وكانت السفن الصغيرة ~~التي تنقل معظم تجار البلاد المتاخمة إلى شاطئ البحر المتوسط في الشرق ملكا لليونانيين من ~~سكان الجزر، ثم إن الأيدي العاملة في هاته الجزر كانت كلها يونانية، كما أن الملاحين كانوا ~~أيضا يونانيين، وهكذا أمكن تكوين أسطول حربي أصبح بعد قليل صالحا لضرب النار، وقد أزعجت ~~هذه ms067 الأعمال الملاحين الأتراك وأدخلت في قلوبهم الرعب، ولا ريب أن السيادة في البحر معناها ~~انتصار الثوار في البر، فتشكلت حكومة وطنية وعقدت جمعية شعبية. ولئن كان في وسع السلطان ~~أن يثأر للدم بالدم في أزمير والآستانة؛ فإن ذلك ما كان ليمكنه من استعادة أملاكه المفقودة، ~~وفي الحق لقد كان عجزه أمام الأروام الكبار أشبه بعجزه إزاء الوهابيين. # ويلوح أن محمد علي كان ينظر إلى هذه الحوادث بشيء من عدم الاكتراث؛ فقد تخلص في الوقت ~~المناسب من جنوده الألبانيين الذين لم تكن له بهم حاجة بأن شجعهم على ترك خدمته ~~والاستعاضة عنها بالخدمة في يانينا، ولقد نما إليه نشاط الجمعيات اليونانية الثورية التي ~~أسست في الإسكندرية والقاهرة، ولكنه لم يحرك أصبعا لوقف حركاتها، بل إنه لم يحاول ~~بعد أن يمنع سفر متطوعي الأروام من الإسكندرية. وأكثر من هذا أنه أطلق سراح بعض اليونانيين ~~الأرقاء الذين أرسلهم إليه باي الجزائر بمثابة هدية. # 3 # وفي سنة 1822م وهبه السلطان كريت بعد أن تمكن من إطفاء نار الثورة فيها، أما الجزيرة ~~فقد كانت ميدانا للمذابح من الفريقين، ومن ثم تقرر إرسال حسن باشا زوج إحدى كريمات محمد ~~علي إلى الجزيرة، ثم بعد وفاته تقرر إرسال حسين بك، وكان ثوار كريت كثيري العدد وعلى جانب ~~عظيم من الشجاعة والإقدام، ولكنهم خضعوا في النهاية بعد ما تلقوه من دروس القمع العديدة وقد ~~استغرقت هذه العملية نحو عامين، فلم يحل عام 1824م حتى كان لمحمد علي مركز يسمح له أن ~~يعلن أن «سناكيا» الحصن الأخير الذي اعتصم به الثوار قد أصبح خلوا منهم وأن زعماءهم قد ~~أعدموا. ولإقامة الدليل على صدق قوله أرسل إلى الباب العالي «غرارة» بآذان القتلى ~~لتعليقها على البوابة الكبرى للقصر. # 4 # ولم يكتف حسين بك بهذا الدليل على نجاح أعماله العسكرية، بل أراد إقامة دليل آخر، وذلك ~~بتوسيع دائرة تلك الأعمال. وكان يوجد بالقرب من شمال جزيرة كريت للشرق جزيرتان صغيرتان، ~~تسمى الأولى «كاسوس» والثانية «سكاريانتو»، وكانت أولاهما مقر عدد كبير من البحارة ms068 الذين ~~سبق أن عضدوا قضية استقلال اليونان أعظم تعضيد، وذلك باصطياد التجارة التركية ووضع يدهم ~~عليها، فجهز حسين بك حملة عسكرية ضد هاتين الجزيرتين، أما سكان كاسوس فقد رفضوا دعوته إلى ~~التسليم، وإذ ذاك أغارت الجنود على معاقلهم واستولت عليها عنوة، ثم أطلق القائد أيدي جنوده ~~في أعمال السلب والنهب مدة 24 ساعة، فتمكنوا في هذه الفترة من قتل 100 نفس وأخذوا أسرى ما ~~لا يقل عن 900 من النساء والأطفال. هذا عدا ما غنموه من السلع التي ادخرها أهل الجزيرة؛ ~~كالبن والحرير ... إلخ. # ولمضاعفة العقاب اختار حسين بك من رجالهم نحو 500 شخص للخدمة في السفن بنفس الأجور التي ~~كان يتقاضاها الملاحون المصريون وقتئذ. # أما سكان الجزيرة الثانية «سكاربانتو» فقد ألقوا سلاحهم بمجرد وصول الإنذار إليهم، فاكتفى ~~حسين بك بتكليفهم بدفع جزية الأعوام الثلاثة التي كانت عليهم للحكومة العثمانية. وهذا ~~الحادث يمكن أن يتخذ دليلا عادلا على سياسة محمد علي، وهي تقضي بإبادة العصاة شديدي ~~المراس بلا رحمة ولا شفقة واستعمال الرفق والهوادة مع غيرهم ليظل شعور الأمل، وكذا شعور ~~الرهبة حيا في النفوس. # وكان طبيعيا أن يؤدي نجاح الثورة الكريتية إلى زيادة مطالب الباب العالي من الباشا، ففي ~~أوائل سنة 1824م أصدر السلطان محمود الثاني فرمانا تعطف فيه بإسناد ولاية المورة إلى ~~محمد علي. وليس من المعقول أن يكون قبول هذا التعطف السامي منشؤه الخوف من إغضاب ~~السلطان. كلا؛ فقد كان هناك الجيش الجديد الذي أبلى بلاء حسنا في كريت، وأراد محمد علي أن ~~يجربه في أعمال أخرى أوسع نطاقا، وكانت بريطانيا العظمى ما تزال ملتزمة الحياد، وليس في ~~وسع أي إنسان مشهور في القاهرة بمعرفته ببواطن الأمور - ولو عن بعد - التكهن بمعرفة العوامل ~~التي كانت ستدفعها بعد زمن قريب إلى تغيير سياستها والاشتراك في الموضوع اشتراكا فعليا. ~~وإلى جانب هذا كانت توجد الفكرة القائلة بأن التغلب على الكفرة بعد التغلب على جماعة ~~الهرطقة سوف يرفع اسم الفاتح في نظر العالم الإسلامي، بحيث يجعل الناس يتناسون ما أحدثته ms069 من ~~الأثر السيئ محاولة تقليد المسيحيين في استعمال الشوكة والسكين عند تناول الطعام في المنازل ~~أو اكتراع الشراب المسيحي أو حماية أرواح المسيحيين وأموالهم في داخل بلاده بيد حازمة قوية. ~~وبالجملة، فإن كبح الأروام سوف يجعله زعيم العصر ويفسح أمامه الطريق - إذا أراد - لأن يتحدى ~~أوامر السلطان ويؤهله - هكذا خيل إليه - لاحترام وصداقة إحدى الدول العظمى. وانقضت ستة ~~أشهر في تجهيز الحملة، وفي أول يوليو غادرت ميناء الإسكندرية، وكان عددها لا يقل عن 16 ألف ~~جندي ومائة نقالة و63 سفينة مسلحة، # 5 # وقد عهد بقيادتها إلى إبراهيم باشا. ولم تكن الحملة تامة كما كان يشتهي أبوه ~~محمد علي، وقد عينه واليا على المورة وخوله السلطة التامة على الجنود وعلى بعض السفن # 6 # فقط؛ لأن السلطان كان قد عهد إلى قبطان باشا - ألا وهو خسرو باشا - بالقيادة ~~البحرية العليا. وبذا تعددت القيادة، وهي عادة - وإن كانت جاءت بما يسوغ اتباعها - إلا أنها ~~وضعت المبدأ الضار، ألا وهو تقسيم السلطة. ولقد لوحظ حتى في السفر أنه حدث دائما أنه ~~عندما سلمت قيادة الجيش إلى شخص معين والأسطول إلى شخص آخر أن انشغل القائدان بالتنازع ~~فيما بينهما عن السعي لإنزال الهزيمة بالعدو. وقد وصلنا إلى هذه النتيجة في الحالة التي نحن ~~بصددها باختيار خسرو قبطان باشا، فلقد كان العداء بين خسرو ومحمد علي من الأيام التي طرد ~~فيها خسرو بطريقة مهينة من ولاية محمد علي. وهكذا كان السلطان واثقا بأن قائدي الأسطول ~~والجيش لن يتحدا على خلعه. كما أنه كان على يقين بأنهما لن يتقدما إليه بغنائم النصر ~~المشترك الذي أحرزاه، وقد جاءت النتائج طبقا لما كان منتظرا، وكانت الخطة المرسومة أن ~~يتقابل الأسطول التركي مع الحملة المصرية على مقربة من جزيرة رودس على أن يعقب ذلك ~~الاستيلاء على منازل الملاحين المسلحين اليونانيين، ومن ثم تبدأ عملية فتح المورة من جديد. ~~وكان محمد علي هو الذي وضع الخطة، وهي تدل أشد دلالة على عظم تقديره للسيادة البحرية، أما ~~خسرو فقد بدأ بتنفيذ الخطة ms070 بإحكام؛ ففي اليوم الثالث من شهر يوليو استولى على جزيرة بسارا، ~~وكانت بمثابة بؤرة القراصنة وتقع غرب ساقس. # أما جزيرة ساموس، فإن دورها كان بعد جزيرة بسارا، ولكن خسرو قضى نحو شهر في الاحتفال بما ~~أحرزه من الانتصار؛ مما كانت نتيجته أن التقى غرب ساموس بعمارة من سفن اليونانيين، وقد أضاع ~~خسرو في المعركة التي نشبت في 16 أغسطس بين الفريقين فرقاطتين وسفينة مسلحة. وإذ ذاك اضطرت ~~العمارة التركية أن تولي الأدبار «بعد أن استولى عليها الرعب». # وقد وصل إبراهيم باشا إلى رودس في 13 أغسطس. وفي يوم 29 منه انضم إلى قبطان باشا بالقرب ~~من بودرن عند الجهة القديمة المعروفة باسم «هاليكارناساس»، ثم وقعت عدة ملاحم في شهر سبتمبر ~~مع اليونانيين، وكانوا هم البادئين بالهجوم على الدوام، وكان الحظ إلى جانبهم في كل مرة. ~~هذا بينما لوحظ أن السفن التركية في الأسطول الإسلامي تسعى جهدها لاجتناب منازلة العدو. ~~وفي نهاية الشهر استدعي خسرو إلى الآستانة مؤقتا، فلما انفرد إبراهيم بالأمر لم يسعه ~~طبعا إلا أن يلتزم خطة الدفاع، ولكنه تمكن في نهاية العام من حشد سفنه ورجاله في خليج ~~سودا في شمال كريت الشرقي بدون أن يعرض نفسه لخسارة تذكر. # ولا بد من الاعتراف هنا بأن هذه النتيجة السلبية كانت عملا باهرا جدا إذا ذكرنا ~~العجلة التي اتبعت في إعداد عمارته، ولم تستسلم العمارة المصرية - وهي التي كانت تتجلى ~~فيها عزيمة قائدها المقدام - للذعر الذي غمر خسرو عند التغلب عليه. ثم إن محمد علي في مصر ~~كان آخر رجل في الوجود يستسلم للهزيمة؛ فقد قال في هذا الصدد: «أنا أعلم جيد العلم أنني لا ~~أستطيع أن أنشئ أسطولا على رمال الأهرام وأنني لا محيص لي من تحمل الخسائر، ولكن سوف يكون ~~لي أسطول قوي مهما طال الزمن، وهنالك أستطيع منازلة اليونانيين وقهرهم.» # 7 # وبمثل هذه المغامرة الباعثة على الإعجاب عكف الباشا على تعزيز أسطوله، وقد وصلت السفن ~~الأربع التي كان سبق أن أوصى عليها في مصانع السفن الإيطالية. # ثم ms071 ابتاع الباشا له (بطريق غير مباشر) خمس سفن أخرى من الثوار اليونانيين، وكلف في ~~الوقت نفسه أحد الضباط الفرنسيين بالعودة إلى فرنسا للحصول على إذن بإنشاء فرقاطتين وسفينة ~~مسلحة في مصنع الملك تحت إشراف موظفين فرنسيين رسميين، # 8 # وقد صدرت الأوامر بناء على ذلك بإنشاء هذه السفن في مرسيليا. # 9 # ثم لوحظ أن بعض التجار الأروام كانوا منهمكين في إنشاء سفن لحساب محمد علي، بالرغم من ~~أن آباءهم قد ذهبوا ضحية المذابح في ساقس، وبقطع النظر عن أن عملهم هذا قد جلب عليهم سخط الكنيسة، # 10 # وكانت هناك سفن أخرى يجري بناؤها في أحواض البندقية وليجهورن. # 11 # وأرغم الأسطول اليوناني في الوقت نفسه على التخلي عن مراقبة السفن المصرية بسبب إلحاف ~~الملاحين اليونانيين في المطالبة بدفع مرتباتهم المتأخرة؛ ولهذا تمكن إبراهيم باشا في ~~يناير سنة 1925م من أن يعبر بلا كبير مقاومة من خليج «سودا» إلى «مودون» وتقع في خليج ~~المورة بغرب، وقد تجلى للناس أن اليونانيين ليسوا أكفاء له في حومة الوغى، فلم يكن عجيبا ~~أن تدور الدائرة على جزء كبير من جيشهم في نافار، وأن تلقي هذه المدينة سلاحها في 18 مايو. ~~وفي الشهر التالي استولى على تريبو لنزا في وسط شبه الجزيرة، وتلا ذلك نشوب حرب العصابات؛ ~~حيث كان الحظ إلى جانب اليونانيين، على أن إبراهيم وضع حدا لهذا النوع من القتال بأن أحرق ~~المدن المسئولة عن الحرب وأتلف محاصيلها واستولى على أغنامها ودوابها، فلم يمض إلا وقت ~~قصير حتى كان اليونانيون قد ملوا القتال وبادروا إلى إلقاء السلاح. # ويظهر أن اليونانيين لم يفيدوا من تفوقهم في البحر. ولعل أهم ما عملوه في هذا السبيل أنهم ~~حاولوا مرة الإغارة على ثغر الإسكندرية بقصد إشعال النار في السفن الراسية فيها؛ ففي عصر 10 ~~أغسطس تقدمت سفينة تحمل الراية الروسية، وما كادت تقترب من إحدى السفن الراسية حتى ~~اشتعلت فيها (أي في السفينة الروسية) النار، وإذ ذاك بادر الملاحون إلى النزول في أحد ~~القوارب في مؤخرة السفينة ويمموا وجوههم ms072 شطر سفينة أخرى كانت بانتظارهم عند مدخل الميناء. ~~وقد حبطت المحاولة حبوطا ذريعا؛ فإن السفينة التي اشتعلت فيها النار عمدا التهمت النيران ~~قلوعها، وإذ ذاك ضلت الطريق ودفعتها الرياح إلى أن تجاوزت السفن الحربية. وتصادف أن كان ~~محمد علي جالسا في قصر رأس التين يرقب الميناء وما فيها من الحركة، فبادر إلى امتطاء بغلته ~~وقصد إلى أقرب بطارية مدافع على أن يدرك العدو قبل التمكن من الفرار والابتعاد عن مرمى ~~المدافع، فلما لم يساعده الحظ في ذلك أمر بعض السفن بأن تتعقب السفن اليونانية فورا. ~~وشاء سوء الحظ أن تكون إحدى السفن المصرية على قدم الاستعداد؛ فأمرها بالذهاب وحدها لتعقب ~~الفارين. # وفي اليوم التالي ذهبت ثلاث سفن أخرى في أثرها، ثم جاءت الأنباء في يوم 12 أغسطس بأن ~~السفن اليونانية أحرقت سفينة محملة خشبا (سطاليا) على مرأى من السفينة الحربية المصرية ~~التي كانت قد أقلعت في 10 أغسطس لتعقب أثر اليونانيين؛ فاحتدم الباشا غيظا لسماع هذه ~~الأنباء، وقد دفعه الغضب إلى أن يأخذ أول سفينة بقرب الشاطئ وانطلق بها إلى عرض البحر، حيث ~~لبث أسبوعا كاملا يبحث بلا جدوى عن السفن اليونانية والسفن المصرية. # وليس من ريب في أنه لو التقى باليونانيين للقي حتفه حتما، ولكنه عرض نفسه لخطر أكبر ~~آخر؛ ذلك أن الرعب استولى على الإسكندرية عندما أصبح الأهالي في اليوم التالي لسفر محمد علي ~~ووقعت أنظارهم على أسطول مركب من 40 سفينة حسبوها لأول وهلة سفن اليونانيين، وأنهم عادوا ~~لتجديد الهجوم على الثغر بكامل قوتهم، ولكن تبين فيما بعد أن هذه عمارة قبطان باشا ~~ونقالاته، وقد أرغم بسبب نفاد المئونة والذخائر على التخلي عن الجنود التي كانت تحاصر ~~ميسولونجي، والتي كانت مهمته أن يحمي ظهرها من ناحية البحر. وأغلب الظن أن وصوله إلى ~~الإسكندرية لم يخفف القلق الذي استحوذ على قلوب الأهالي أو الوزراء، وقد بادر الأخيرون ~~إلى عقد جلسة مستعجلة استشاروا في خلالها قنصلي بريطانيا وفرنسا العموميين في ما ينبغي ~~اتخاذه من الإجراءات؛ فتقرر السماح بدخول الأسطول ms073 التركي إلى الميناء ومنع قبطان باشا من ~~النزول إلى البر منعا باتا، وطارت الإشاعات حتى وصلت القاهرة بأن قبطان باشا فصل سبعا ~~من سفنه وكلفها بسد مدخل فرعي النيل عند دمياط ورشيد، وأنه عقد النية على أسر محمد ~~علي فيما لو مكنته الظروف من ذلك. # 12 # وقد استولت على القنصلين الإنجليزي والفرنسي الدهشة لمخاطرة محمد علي وتوغله في البحر ~~على ظهر سفينة واحدة لا تحرسها سفن أخرى في وقت كانت فيه زبدة جنوده وخيرة قواده منهمكين ~~في الحرب في شبه جزيرة المورة. وقد تنفس الناس الصعداء عندما علموا أنه قد عاد إلى ~~الميناء ودخلها في جنح الظلام ليلة 20 أغسطس واتجه مباشرة إلى قصر رأس التين قبل أن يشعر ~~به أحد. # ومهما تكن نيات خسرو باشا عندما جاء إلى الإسكندرية، وألفى عدوه القديم متغيبا عنها؛ ~~فإنه سرعان ما غطى تلك النيات بما قدمه من التهاني الحارة لمحمد علي بمناسبة عودته. ~~وأرفق هذه التهاني بأن طلب باسم الباب العالي بلهجة الأدب والاحتشام أن يقدم له الباشا ما ~~في وسعه من المساعدة في المال والذخائر، لا بل إنه حرص على أن يكون هو البادئ بزيارة الباشا ~~وتقديم التحية له، وقد استقبله محمد علي عند الرصيف وذهبا إلى القصر معا، وما كادا يصلان ~~إلى قاعة الاستقبال حتى بادر كل منهما بدفع الآخر دفعا رقيقا لإجلاسه على كرسي الشرف، كما ~~أن كلا منهما حاول اختطاف المذبة لطرد الذباب عن وجه الآخر. ثم صدرت الأوامر بتقديم ~~المئونة إلى الأسطول وسلم محمد علي إلى خسرو نحو 80000 دولار لدفع مرتبات بحارته، # 13 # ولما كان موعد الرحيل في أكتوبر افترق الرجلان وكأنهما أخوان شقيقان، وقد صحبت ~~خسرو سفن محمد علي الجديدة وعدد وافر من الجيش أي نحو 1500 جندي راكب و8000 من المشاة. وقد ~~قصد محمد علي أن يعزز مركز ابنه إبراهيم في المورة، وأن يشترك في حصار ميسولونجي التي ظل ~~الأتراك طيلة الشهور الستة الماضية يهاجمونها عبثا، # 14 # وقد كللت هذه الإجراءات بالنجاح، فإن إبراهيم عهد ms074 إلى الكولونيل سيف ~~بالقيادة في المورة واتجه هو إلى ميسولونجي. وقد تمكن الأتراك بفضل معونة إبراهيم هذه ~~من مهاجمة المدينة والاستيلاء عليها عنوة في مستهل عام 1826م، ثم تلا هذا الفوز فوز آخر ~~بمحاصرة أثينا نفسها والاستيلاء عليها. وهكذا كانت قوة اليونان آخذه في الانهيار؛ فبعد أن ~~تمكنت من هزيمة الأتراك أناخ عليها إبراهيم باشا وتمكن من سحقها بفضل الجنود النظاميين ~~الذين دربهم أبوه، وبفضل السفن التي حشداها سويا. # وقد ثمل محمد علي بما أحرزه من النصر في كل من بلاد العرب وبلاد اليونان، حتى خيل إليه ~~وقتئذ أنه ليس ثمة ما ينبغي أن يحول دون توسع سلطانه، ثم حدثته نفسه بإبلاغ جيشه ~~المنظم إلى 100000. # وما كاد محمد علي يفرغ من قمع الفتنة في المورة حتى رأى نفسه مطالبا بأن يسلم هذه ~~البلاد القاحلة إلى سيدها الشرعي، أي المولى الأكبر واسترجاع جنوده وسد ما حدث في الصفوف من ~~الفراغ، كما رأى نفسه مطالبا بفتح اليمن والاستيلاء على شواطئ البحر الأحمر وتوطيد دعائم ~~الأمن في الخليج الفارسي مع احتلال ولايتي عكا ودمشق. # ثم بعد أن استتب له الأمر في هذه البقاع التعيسة يمم وجهه بعزيمة مضاعفة شطر الدجلة ~~والفرات، وهناك أخذ يفكر في أي الفتوحات أعود بالفائدة والكسب. وقد صرح مرة، فقال: «لقد ~~أكسبني السيف بأسا، ووضع في يدي من السلطان ما أكون معه ناكرا للجميل إن لم أواصل ~~استعماله في سبيل خدمة الإمبراطورية التركية وإنقاذها.» وهنا اعترض الضابط الفرنسي الذي ~~قيلت أمامه هذه العبارات الخصوصية، فقال: «ولكن أتظن يا باشا أن الإنجليز يتركون لك ~~الوقت الكافي لإتمام هذه المشاريع الهائلة؟!» # أما الحقيقة فهي أن الباشا ما كان في استطاعته أن يحقق شيئا من هذه المشروعات ما لم ~~يتوصل قبل ذلك إلى اتفاق مع بريطانيا العظمى، وبذا يضمن معونتها. وأغلب الظن أنه كان يعلم ~~كغيره هذه الحقيقة حق العلم، ولعل الوقت كان يقترب لإدراك هذه الغاية أكثر من أي زمن في ~~تاريخ حياته، وكان لا بد لجعل المعاهدة مقبولة في أعين ms075 الإنجليز من توفر شرطين؛ أولا: أن ~~تتوتر علاقاتنا مع السلطان أشد توتر - هذا إن لم تقطع بتاتا - وهو شرط لم يكن مناص منه ~~قبل التفكير في الاعتراف لمصر بوجود سياسي مستقل. الشرط الثاني: أن يكون لدى الباشا مزايا ~~يستطيع منحها أو منعها تتناسب مع ما تتضمنه المحالفة من الالتزامات. وقد بذلت فعلا ~~محاولة في هذا الصدد بعقد معاهدة مع حكومة الشركة في الهند، ولكن تبين في سنة 1810م ~~للسلطات الإنجليزية أن تنمية التجارة عن طريق السويس مشكوك فيها؛ ولذا لم تبرم المعاهدة ~~المذكورة. أما الآن فلعل فتح إبراهيم لشبه جزيرة المورة يكون بمثابة ضمان أقوى له قيمته ~~العظمى. # فلقد كان من شأن الثورة اليونانية أن تثير الاهتمام في كافة أنحاء أوروبا؛ ولهذا حياها ~~الشعراء والأحرار شعرا ونثرا ووصفوها بأنها بمثابة مولد الحرية من جديد، بل إن الخاملين ~~من المؤرخين أحسوا في حجراتهم المهجورة بروح الإعجاب تجيش في صدورهم؛ لما اعتبروه تكرارا ~~لذكريات ماراتون وسلاميس، فلما تبين لأولئك المعجبين أن الثورة توشك أن تقمع في بحر من ~~الدماء هاج هائجهم وراحوا يجأرون بصيحة الغيظ والحنق على محمد علي وولده إبراهيم. ومن ثم، ~~اشتدت النعرة ضد مساوئ الحكم التركي وأخذوا يبالغون في وصف تلك المساوئ، لا بل إن أولئك ~~المولهين في حب اليونان رفضوا في حدة وغضب قول القائلين بأنه يوجد بين اليونان الحديثة ~~واليونان المعروفة في التاريخ بون شاسع. ثم سارت الركبان بالأراجيف بأن إبراهيم قد بيت ~~نيته على استعباد الشعب اليوناني كله، وأنه يزمع إقصاءه عن بلاد المورة وإحلال الأتراك أو ~~العرب مكانه. وحتى جورج كاننج الذي لم يكن يحفل بالأراجيف رأى أن الحالة تتطلب التدخل؛ فكتب ~~إلى ابن عم له، وهو سفير بريطانيا في الآستانة، يقول: «إن بيع الناس في سوق الرقيق ~~وتحويلهم عن عقائدهم الدينية بالعنف وإقصاء المسيحيين عن أوطانهم واستبدالهم بأناس من ~~البلاد الإسلامية، وبالجملة فإن السعي لإنشاء سلطة بربرية جديدة كل هذه الحقائق ... جديدة في ~~نفسها وجديدة فيما تنطوي عليه من المبادئ وجديدة وغريبة وغير مفهومة ms076 إلى الآن فيما قد تؤدي ~~إليه من العواقب، أقول: إن هذه الحقائق يصح في رأيي أن تكون قاعدة جديدة للتخاطب إن لم ~~تكن للعمل ...» # وليس من شك في أن اتجاه حرب المورة في سبيل قسمة الأراضي وتوزيعها، وما كان للجيوش ~~الإسلامية من التقاليد المعمول بها قد أحدثا حالة شبيهة بالتي أسخطت كاننج وأثارت استهجانه. ~~وقد جربنا نحن - كما قدر لنا أن نجرب مرة أخرى في أرلندا - فقد كان يستحيل علينا ~~التمييز بين الفلاح وبين الجندي؛ لأن الشخصيتين قابلتان للتبديل والتغيير. ثم إنه كان من ~~العادات المعمول بها أن الأسرى من الرجال قد يصبحون أو لا يصبحون ملكا للقائد، ولكن الأسرى ~~من النساء والأطفال يصبحن ملكا خاصا لمن يأسرهن. وحدث أن الآستانة كانت غاصة بالرقيق ~~المجري أثناء انهماك الأتراك في الحرب مع المجر، كذلك أصبحت سوق النخاسة بالقاهرة غاصة ~~بالرقيق اليوناني أثناء حرب إبراهيم في المورة، وكان من شأن هذا أن تصطدم عواطف الجيل الذي ~~قد ينشأ حديثا بفظائع النخاسة وما يمر على الإنسانية من الويلات والنكبات. # على أنه ليس من الإنصاف في شيء توجيه أي لوم شخصي إلى محمد علي أو ابنه إبراهيم. وبهذه ~~المناسبة أشار قنصلنا الجنرال إلى الحقيقة المرة الكاملة، فقال: «ينبغي ألا يفوتنا أن ~~هذه المسألة لا تعتبر صفة خاصة ملازمة للنزاع الحاضر، بل هي وسيلة ألفها الأتراك في ~~كافة ما أثاروا من الحروب ... كما لا ينبغي أن نفترض أن الباشا كان في وسعه إلى الآن أن ~~يحدث تعديلا مذكورا في هذا الصدد، وإنه إذا كان قد تمكن من تحقيق شيء فإنما كان ذلك ~~لعدم خروجه عن المعتقدات الراسخة في نفوس رعاياه.» # ثم إن العدو كان أقل بمراحل من الآلات التي ابتدعها الخيال؛ فلقد كان مجموع الرقيق ~~اليوناني الذين جيء بهم إلى القاهرة 3000، وقد جاء بهم فريق من محبي المضاربة، وقد ~~ابتاعوهم من الجنود. # ثم إن أكثر من نصف هذا العدد قد أطلق سراحهم بتدخل هيئات مختلفة، فقد افتداهم بالمال ~~بعض السكان الأوروبيين الموجودين في مصر، كما ms077 أن البعض الآخر قد أفرج عنهم الذين ابتاعوهم ~~بمجرد شفاعة خدمهم اليونانيين. # ولقد شجع محمد علي نفسه على الإفراج عن هؤلاء الرقيق إما بإصدار الأوامر وإما بتقديم ~~المال من جيبه الخاص. # 15 # ولقد كانت أساليب هذه الحرب بربرية بلا جدال، ثم إن الوقت كان قد حان للقضاء عليها ولكنها ~~لم تكن شخصية ولا متعمدة، ثم إنها لم تكن بهذا المقياس الهائل الذي زعموه. وعلى كل فإن ~~صحة الرواية ليست لها علاقة تذكر بما تتركه من الأثر في النفوس. # ولقد لعب الاعتقاد بأن الجنس اليوناني بأسره قد يباع في أسواق النخاسة دورا هائلا في ~~دفع الدول الغربية العظمى إلى التدخل. # وإليك حقيقة راسخة أخرى تدلك على مبلغ استحقاق اليونانيين لكل هذا العطف المصطنع؛ فلقد ~~نجح اليونانيون في الجزر في صد غارات خسرو القبطان باشا، ولكن حاجة هؤلاء إلى النقود ~~سببت أكبر صعوبة في طريق الاحتفاظ بوحدات الأسطول اليوناني. ولم يكن الملاحون اليونانيون ~~راغبين حتى في خدمة بلادهم مجانا، وما دام دفع مرتباتهم قد أصبح متعذرا؛ فقد سمح لهم ~~بالقيام بأعمال السلب والنهب. فبحجة الحصار البحري بدءوا في أعمال القرصنة جملة والاستيلاء ~~على أمتعة الناس. # وحدث أن سفينة فرنسية كانت قاصدة «كانديا» وعليها شحنة من الذهب لدفع ثمن ما تبتاعه من ~~الزيوت، فاستولى عليها اليونانيون وأخذوا في تعذيب بحارتها لإفشاء مخبأ الذهب، وكان ثغر ~~«هيدرا» وثغر «سبزيا» أروح الثغور لأعمال القرصنة؛ ففي هيدرا أرسل الأميرال الفرنسي «دي ~~نرنجي» ضابطا إلى الشاطئ ليطلب إعادة ما أخذه اليونانيون من على ظهر إحدى البواخر ~~الفرنسية، وإذ ذاك اجتمع الأهالي وهددوا بقتل كل من حدثته نفسه بإفشاء أي معلومات عن ~~القراصنة المسئولين عن نهب الباخرة المذكورة. وكانت توجد في جبهة نابلي محكمة مخصوصة للبت ~~في أمر الغنائم، فحضر إليها القراصنة شاهري مسدساتهم، وتوعدوا بإحراق بيوت القضاة إذا ~~ترددوا في إصدار الحكم بإبقاء الغنائم في أيدي مقتنصيها. # وحدث مرة أن قائد العمارة النمساوية اضطر إلى وضع يده على بعض السفن اليونانية في هيدرا ~~وسبزيا لتعويض ما لحق ms078 بعض الرعايا النمساويين من الخسارة، كذلك اضطر أحد القواد الإنجليز ~~بعد يأسه من العدالة اليونانية إلى أن يدخل إلى ميناء هيدرا، وأن يقبض على من رآه فيها من القراصنة. # 16 # فأنت ترى أن الأسطول اليوناني بعد ما أظهره بادئ ذي بدء من المهارة والبسالة قد تحول ~~تدريجيا إلى منسر لصوص وقراصنة، غايته سلب البواخر الأوروبية ونهبها أكثر من القضاء على الأتراك. # 17 # ومن ثم تبين للناس أن الفقر في داخل الإمبراطورية العثمانية أنه إذا مست حرية التجارة ~~في عرض البحار؛ إذ كان الأتراك أنفسهم قد عجزوا عن تقليم أظافر القراصنة اليونانيين فإن ~~الدول التي أصيبت تجارتها بالضرر لا مفر لها من التدخل في الأمر لوضع حد لهذا ~~الكفاح. # على أن الباعث الحقيقي الذي دفع الدول إلى تقرير التدخل في النزاع لم يكن منشؤه أراجيف ~~محبي الإنسانية ولا ما ارتكبه القراصنة اليونانيون من الجرائم والفظائع. كلا؛ بل كان مرده ~~إلى ما لروسيا من مطامع سياسية تبتغي تحقيقها. فإن الإمبراطور إسكندر كان ينظر دائما إلى ~~حمايته الطبيعية للكنيسة الأرثوذكسية باعتبارها خير وسيلة للتدخل في الشئون التركية على أنه ~~لم يكن ميالا بين سنتي 1823م و1824م إلى الانفراد بعمل خاص يقوم به دون الدول الأخرى، ~~ومن ثم وضع تدابير باسم المؤتمر الأوروبي من شأنها أن تؤدي إلى جعل كلمة روسيا هي العليا في ~~اليونان. ولكن كاننج تمكن من التنصل من هذا المؤتمر، ولما توفي الإمبراطور إسكندر في ~~نهاية عام 1825م وخلفه الإمبراطور نقولا على العرش رؤي ألا مفر من اتخاذ إجراءات أخرى ~~للحيلولة دون نشوب الحرب بين روسيا وتركيا بسبب المشكلة اليونانية، وفي هذه الحالة اقترح ~~مبدأ تدخل روسيا وإنجلترا في النزاع وتم الاتفاق على ذلك، واقتنعت فرنسا بضرورة الانضمام ~~إلى الدولتين المذكورتين، وكانت نتيجة كل هذه المباحثات عقد اتفاق 6 يوليو سنة 1827م الذي ~~ارتبطت فيه الدول الثلاث آنفة الذكر ببذل مجهود مشترك لحمل فريقي الخلاف على أن تلجأ ~~الدول المذكورة في حالة الرفض إلى استخدام ما تهيئه الظروف من الوسائل الفعالة ms079 لمنع أي ~~اصطدام آخر بينهما، أما الطريقة العملية التي رؤي استخدامها لتنفيذ المشروع فتتلخص في ضرب ~~الحصار على المورة بواسطة أساطيل الدول الثلاث لتدويخ إبراهيم جوعا. # وكان سفراء الدول الثلاث قد تقدموا إلى الباب العالي من قبل بالتماسات عديدة لوقف ~~القتال، ولكن لم تقابل هذه المساعي في كل مرة إلا بالجواب الجاف؛ وهو أن الثورة اليونانية ~~تعتبر مسألة داخلية بحتة ليس لها أهمية شرعية بالنسبة للدول الأوروبية. وفي يوم 16 أغسطس ~~حمل تراجمة السفارات الثلاث إلى الرئيس أفندي - أي وزير الخارجية - مذكرة رفض استلامها، ~~وفي اليوم التاسع والعشرين من الشهر نفسه كرروا الزيارة؛ فأكد لهم الرئيس أفندي أن ~~السلطان لن يقبل أي اقتراح أو مسعى خاصا باليونان، وأنه لن يتزحزح عن موقفه هذا إلى ~~يوم القيامة. وفي يوم 31 من الشهر المذكور، ذهب السفراء الثلاثة يحملون تصريحا جديدا، وقد ~~رفض الرئيس أفندي استلامه أيضا بعد ادعائه بشكل أقرب إلى ادعاء الأطفال بأنه لم يفهم ~~محتويات ذلك التصريح، # 18 # فلم يبق ثمة أمام الدول المذكورة إلا الالتجاء إلى القوة. # وليس من شك في أن السبب في هذا القرار الجنوني إلى الاعتقاد بأن أوروبا كانت منقسمة على ~~نفسها بحيث لا تستطيع التدخل بصفة فعالة وأن روسيا لن توافق على أي عمل تقوم به العمارتان ~~الفرنسية والإنجليزية، وقد كان هذا الاعتقاد يرتكن أولا إلى ما للمحالفات الأوروبية من ~~التاريخ المملوء بالمصاعب وثانيا إلى سلوك السفير الروسي، # 19 # وأخيرا إلى ما اقترحته النمسا عن عمد، فقد كان ميترينج ينظر إلى الثوار ~~اليونانيين نظرته إلى الثوار الإيطاليين سواء بسواء، وكان مقتنعا في الوقت نفسه بأن الدول ~~الأخرى سوف تجني من الفائدة إذا تدخلت في الشئون التركية أكثر مما تجنيه النمسا، وعقد ~~المترجم الأول للوسيط اجتماعات طويلة غامضة مع كبار الموظفين المحيطين بشخص السلطان، # 20 # ونحسب أننا بعد أن عرفنا ما فيه الكفاية عن مسلك الساسة النمساويين في البلدان ~~الأخرى أصبحنا على يقين أن الغاية التي كان الوسيط يرمي إليها هي الإلحاح على السلطان بأن ~~يعمل ms080 بالقضاء على الثائرين في أقرب وقت، ولا ريب في أن هذا الرأي كان يتفق مع ما رأى ~~السلطان محمود نفسه. # ولقد كانت نتيجة أول تلميح لاحتمال التدخل المشترك أنه أرغى وأزبد وأخذ يقسم بأغلظ ~~الأيمان والدمع يجري في مآقي عينيه ليمزقن كل ولاية وليخربن كل مدينة يمتلكها في أوروبا ~~عن أن يرضخ لمثل هذا الإذلال الذي لا يمكن الصبر عليه، # 21 # ثم أصدر الأوامر لموظفيه أن يعلنوا على الملأ أن التدخل لن يؤدي إلى محق ~~اليونانيين محقا تاما، ثم قال: «ولنقتلن كل يوناني في بلادنا حتى إذا ما بدأ الدم ~~يسيل، ثم قال: ما أسوأ ما تكون العاقبة لو أن الأرمن - وهم أعداؤنا الآخرون - والفرنسيين ~~اختاروا أن يمزجوا دماءهم بدم المدنيين.» # 22 # على أن السلطان محمود كان لا بد له أن يعلم عندما فاه بهذا الوعيد أنه ليس ~~كسليمان القانوني. # وليس من شك في أن هذه الخزعبلات والأوهام لم يكن لها نصيب بين المشروعات التي كانت تجول ~~في خاطر محمد علي؛ فلقد كانت الغاية الوحيدة التي يسعى طول الوقت لتحقيقها هي تعزيز مركزه ~~في داخل الإمبراطورية العثمانية وخارجها مع تفضيل الفكرة الثانية، فيما لو مكنته الظروف من ~~ذلك، وقد قلق أشد قلق عند سماعه بنبأ التحاق لورد كوشران - ذلك الأميرال المتقلب - بالأسطول اليوناني، # 23 # وأنه نظر إلى التوبيخات الإنجليزية بغير العين التي نظر بها الرئيس أفندي ~~إليها، وقد قيل إنه عثر على المفتاح اللازم لتحريك العالم الأوروبي. # فقد عرض على إنجلترا قبل بداية الثورة اليونانية بزمن بعيد شروطا اختيارية، ومن أجل هذه ~~الشروط كان صولت شديد الرغبة في زيارة لندن سنة 1820م لأسباب صحية - على ما قيل - ولكن في ~~الواقع لأسباب تتعلق بشئون الدولة. وقد كتب صولت بهذه المناسبة: «إن رجلنا العظيم هنا قد ~~ألح علي في تبليغ رسائل لا أستطيع إثباتها على الورق.» # 24 # وعلى أن شيئا لم يترتب على هذا العرض. وفي سنة 1826م حظرت لاسنداتفورد كاننج ~~في الآستانة هذه الحقيقة البديهية؛ وهي أن أسهل طريقة لتليين قناة ms081 الحكومة العثمانية هي ~~الحصول على تأييد باشا القاهرة. # ولهذا كتب إلى صولت يسأله «ألا يعتبر محمد علي أنه بدلا من محق اليونانيين مع ما في ذلك ~~من المجهود أن الأصلح له أن يحصل على نصيب في الجزية التي كان يقترح وقتئذ أن تقدمها ~~اليونان إلى الباب العالي يضاف إليها إعطاء ولاية سوريا لولده إبراهيم.» # 25 # وقد خطر لصولت في بداية الأمر أن من المستحيل أن يتوقع الإنسان النجاح في جرح ~~الشعور الإسلامي إلى هذا الحد لحمله على تأييد القضية اليونانية، # 26 # ولكن لم يمر أسبوعان حتى بدأت سلسلة من المحادثات أخذ الباشا يبسط فيها آراءه - ~~تدريجيا - على أنه بدأ بإغفال أي فكرة ترمي إلى تأييد وجهة النظر الإنجليزية في الآستانة؛ ~~لأن الديوان كان كثير التذبذب، بينما كان السلطان شديد التعصب، ولكن كانت ثمة وسائل لتحبيذ ~~سياستنا، وأنه يهمه معرفة ماذا عسى أن تعرضه الحكومة البريطانية عليه من الشروط المرعبة. ثم ~~مر أسبوع آخر حيث ذكر صولت بأنه لما يضع إلى الآن على خاتمه سوى اسمه فقط، إلى أن قال: ~~«فأنت ترى أن حظي من أمارات الباشوية قليل، اللهم إلا إذا استثنيت الجاويشية - العصا الفضية ~~- وديواني.» ثم استطرد الباشا فقال: «إن مصر وإنجلترا يمكن من الوجهة الجغرافية والتجارية ~~أن تفيد إحداهما الأخرى، وهذا غاية ما أتمناه.» ولما عرض صولت مسألة الجلاء عن المورة أجابه ~~الباشا: «إن هذه ليست بالمسألة السهلة؛ لأنها في حاجة إلى معونة رجل سياسي قادر لتحقيقها، ~~أما إذا وجد من يرغب في ذلك فلا ريب في أنهم يستطيعون حل الإشكال.» على أن الباشا كان ~~أقرب إلى الصراحة في آخر سلسلة هذه المحادثات، وقد دارت في 26 سبتمبر، فقد قال: «إني أضع ~~قدمي الآن في ركابين، وعليه فالأمور سوف تبقى معلقة في الميزان لحين حلول فصل الربيع، ~~فإذا ما وجد وقتئذ أن لدى حكومتكم اقتراحات مرضية لي فإني على استعداد لقبولها، وإذن ~~يمكن إيجاد أسباب للانسحاب نهائيا من اليونان. أما إذا جاء الأمر على عكس ذلك فلسوف أجمع ~~كافة ms082 قواتي ثم أحصل بما لدي من النفوذ لدى الباب العالي على قيادة الأسطول العثماني بأكمله؛ ~~لأن القبطان باشا سوف يكون قد ساءت سمعته؛ ومن ثم أضع نفسي على رأس الأسطول. وبذا أوجه ~~كل اهتمامي إلى الفراغ من المهمة وحلها نهائيا.» وإذ ذاك سأله صولت عن الخدمات التي ~~ينتظرها الباشا من إنجلترا في مقابل ذلك، فأجابه محمد علي: «إنه ينتظر المساعدة في صدد ~~زيادة الأسطول ثم الجزية للتوسع في بلاد العرب.» ولكن صولت أضاف هنا: «إنني مقتنع بأنه يرمي ~~في صميم فؤاده إلى الحصول من حكومتنا على تأكيد عام بالموافقة على استقلاله فيما لو دفعته ~~الظروف إلى قطع علاقته مع الباب العالي.» # ولكن الباشا تحاشى الخوض في هذه النقطة. # 27 # وما هو أن انتهت هذه المباحثات حتى هبط إلى الإسكندرية أحد الساسة النمساويين موفدا ~~بمهمة من ميترينج، وهذا السياسي هو بروكسن أوستمد الذي قام في تاريخ آخر بعد ذلك بزيارة ~~أخرى غريبة للباشا. # وقد جاء إلى مصر في هذه المرة ليستحث الباشا ليترك التردد وليلح عليه في القيام ~~بحملة ضد اليونانيين في الشتاء؛ ليضمن لنفسه الغلبة عليهم قبل أن تتمكن روسيا والدول ~~الغربية الأخرى من التدخل في الأمر. # وقد أسهب في وصف ما في استقلال اليونان من الخطورة على التجارة المصرية، وأخذ يطنب في ~~ميل الإنجليز إلى بقاء مصر في حالة ضعف، وزعم بأن بضائع بريطانيا مهما كانت تحمل في ظاهرها ~~الخير إلا أنها ترمي في الواقع إلى مساعدة ممثل السلطان بل إلى شل حركته، على أن هذه ~~النظرية لم تنفع في إقناع محمد علي بأن أي محالفة توازي في فائدتها صداقة بريطانيا العظمى ~~أو أن أي فائدة يمكن أن تعوض عليه ما يخسره بسبب معاداة سيادة بريطانيا البحرية، وفي ~~النهاية توجه بهذا السؤال الصريح إلى محادثه النمسوي، فقال: «إذا لم ترغب إنجلترا في أن ~~تقوم بما تشير به علي فما حيلتي معها إذن؟!» # 28 # ولما مرت الأسابيع دون أن يصله رد على مقترحاته كان فكره قد اتجه بطبيعة الحال إلى ms083 ~~المشروع الآخر، وهو الحصول على الإذن من الباب العالي يجعله المشرف الأعلى على الحرب ~~اليونانية وبخاصة؛ لأن نجاحه في الآستانة لن يحول مطلقا دون الوصول إلى اتفاق مع ~~الإنجليز، هذا فضلا عن أن ذلك النجاح من شأنه أن يدفع بعدوه الشخصي خسرو في سبيل ~~الذل والعار. وكان محمد علي قد أرسل الشكاوى العديدة من سوء إدارة خسرو في قيادة الأسطول التركي. # 29 # ثم إنه أرسل في يوم 7 يناير سنة 1827م خطابين؛ أولهما إلى الصدر الأعظم، وثانيهما إلى ~~معتمده في الآستانة، # 30 # وقد ذكر في أولهما أنه لم يدخر أموالا ولا رجالا في سبيل خدمة السلطان وأن ~~موارده قد نفدت الآن، هذا فضلا عن ظهره فقد أصبح منحنيا تحت ثقل سنه المتقدمة، وإنه ~~لهذه الأسباب يرجو أن يعفى من إجابة مطالب جديدة؛ لكي يقضي ما بقي له من عمر في سلام ~~داعيا لمولاه بدوام الصحة والسعادة. على أن أهمية هذا التوسل المتواضع قد بينها ما ورد ~~في الخطاب الثاني؛ إذ قال: «إن اشتراك خسرو باشا في شئون الحرب كان من شأنه أن يؤدي إلى ~~الإهمال والتكاسل، فإذا ما ظل في منصبه فلسوف أكف عن التعاون معه وأطلب إقالتي من هذه الخدمة.» # 31 # وقد حدث أنه على أثر وصول هذين الخطابين إلى الآستانة أن تقدم ستراتفورد ~~كاننج بسلسلة اقتراحات غير مقبولة لدى الباب العالي في صدد اليونانيين؛ فلم يكن من سبيل إلى ~~التسويف في هذه الظروف حتى في الديوان التركي نفسه. وفي الحال صدر الأمر إلى أحد كبار ~~الأغوات بالذهاب إلى مصر في مهمة سرية، وقد حاول أن يعبر البحر في بارجة إنجليزية خوفا ~~من وقوعه في أيدي اليونانيين، ولكن ستراتفورد كاننج رفض لاقتناعه بأن المهمة لن تكون ~~مرضية لنائب السلطان # 32 # ولكن لم تكن هناك حاجة لأن يقلق كاننج كل هذا القلق؛ لأن الأغا كان يحمل معه ~~نبأ بإبعاد خسرو عن منصب القبطان باشا، وهذا عدا الفرمانات اللازمة بجعل محمد علي المسئول ~~وحده عن إدارة دفة الحرب. # ولكن هذه الأنباء ms084 لم يكن من شأنها أن تتغلب على حكمة محمد علي أو تدفعه إلى سحب قدمه ~~من أحد الركابين، بل شرع على مهل في إجراء استعدادات لاستئناف الحملة. وحتى في منتصف شهر ~~يونيو التالي كانت سفنه ما تزال موجودة في مراسيها في الإسكندرية، كما أن إمداداته لإبراهيم ~~لم تكن قد تمت بعد، ولكنه شرع في الإلحاح على قنصلنا العام بإرسال جواب على اقتراحاته ~~المتقدمة؛ لأنه لا يستطيع تأخير الأسطول إلى أجل غير مسمى. يضاف إلى ذلك أن الديوان في ~~الآستانة قد لاحظ أن التغيير في القيادة لم يغير شيئا من بطء سير القتال كما أن خسرو ~~الماكر كان قد نال الحظوة التي كانت لمحمد علي، وأنعم عليه بالعطف والسيف، إشارة لجعله صاري ~~عسكر وقائدا عاما لقوات السلطان. وفي 11 يونيو، أكد محمد علي لصولت رغبته في النزول ~~على إرادة الحكومتين البريطانية والفرنسية، ثم قال: إذا كان في نية هاتين الدولتين فعلا أن ~~تتدخلا فيحسن أن يظهر الأسطول الإنجليزي والفرنسي أمام الإسكندرية لعمل مظاهره لإرغام سموه ~~على الامتناع عن الحرب، فإذا ما أظهر أن الامتناع لفائدته فإنه في هذه الحالة يبادر بسحب ~~جنوده وولده من الموت. وقد أكد لي سموه أنه إنما يطلب طلبا مسوغا معقولا لاتخاذ هذه ~~الخطوة الحاسمة، # 33 # ثم إنه برغم إلحاح الباب العالي، وبرغم تحريض القنصل النمساوي ما زال متمسكا ~~بخطة التريث والانتظار مدة ثمانية أسابيع أخرى، # 34 # وأخيرا، أقلع الأسطول في يوم 16 أغسطس، وبعد ذلك بيومين وصل رسول إنجليزي ~~بمهمة خاصة. # 35 # وكان هذا الرسول الميجر كرادوك الذي أرسله كاننج خصيصا لإبلاغ الباشا بقرار الحلفاء في ~~لندن والتخلي عن المورة فورا بلا لف ولا دوران. وكان عليه أن يبين له أن الدول العظمى ~~قد اتفقت كلمتها، مع أنه لا ينتظر أي تدخل من ناحية تركيا، وأن قوات كافية ترسل إلى شرق ~~البحر المتوسط فإن شاء الأتراك أن يواصلوا المقاومة «فإن عواقب انضمام الباشا إلى الباب ~~العالي في نضال غير متساو كهذا قد تكون ضارة لمشروعات التحسينات ms085 البحرية والتجارية التي ~~ظل سموه حتى الآن يواصلها بقسط كبير من النجاح. وقد خطر لكاننج أن مثل هذه الاعتبارات ~~لا بد أن تكون لها نتيجة فعالة مع رجل حذر فطين لا يعتبر من المسلمين المتعصبين كما أنه ~~ليس من الخدام المخلصين للباب العالي.» # 36 # ومع أن كرادوك قد أمر بأن يجتنب استعمال التهديد فإن مهمته لم تكن بالمهمة ~~السهلة؛ لأنها كانت كما عدها صولت بمثابة «طلب إلى محمد علي بالتزام الحياد الذي قد يضر ~~أبلغ الضرر لعلاقاته مع الباب العالي بدون أي مقابل معين.» # 37 # ولقد انقضى نحو أسبوع في هذه المباحثات أظهر الباشا في خلاله كل ما كان في استطاعته من ~~الميل وألح عليه صولت بأن ينتهز هذه الفرصة لإيضاح رغباته للحكومة البريطانية بعبارة جلية ~~محدودة؛ لأنه إذا أضاع هذه الفرصة الطيبة للتحبب للدول العظمى «فلن ينتظر أن تسنح له فرصة ~~مثلها في المستقبل»، وهنا أشار محمد علي بأن تطلب أميرالية الحلفاء من إبراهيم باشا بصفة ~~رسمية بألا يهاجم «هيدرا» وهي الهدف الحربي الثاني في سلسلة الأعمال الحربية التي يقوم بها ~~إبراهيم، وقد لمح محمد علي بأنه سوف يصدر من ناحيته أوامر بهذا المعنى إلى إبراهيم، ثم ~~استطرد فقال: «لتقف إنجلترا بجانبي، وبذا أستعيض بما أخسره في ناحية أخرى، ولقد طالما رغبت ~~من صميم فؤادي ... أن أعقد معها اتفاق صداقة وتجارة لا تبليها الأيام. ولعلها تشعر الآن - على ~~ما أرجو - أنها ملزمة بمساعدتي» وقد رد صولت على هذا بما يعبر عن رأيه الشخصي، فقال: ~~«متى حان الوقت المناسب، وإذا ما نفذ الباشا هذه الخطة بنجاح فإن إنجلترا لن تتخلى عنه.» ~~ومن ثم اندفع الباشا يتكلم وقلبه مفعم بالآمال في المستقبل، فقال وقد لمعت عيناه وتهلل ~~وجهه: «إن سوريا ودمشق وبلاد العرب كلها في متناول يدي، فإذا ما ساعدتني حكومتكم كما أؤمل، ~~وإذا ما اعترف بي كأمير مستقل متى سنحت الفرصة فلسوف أكون راضيا الرضا كله.» # 38 # وقبل أن يخرج كرادوك التفت إلى باغوص بك الخادم الأمين للباشا وقال: «إنه ms086 يعتقد ~~شخصيا أن مصر إذا أعلنت استقلالها واستطاعت الاحتفاظ به فلسوف تعترف بها إنجلترا.» # 39 # وانتهت المحادثات دون أن يتقيد أحد الفريقين بأمر معين، وألمح ممثل السلطان إلى إبقاء ~~جنوده في المورة بلا عمل. وإذ ذاك رد المندوبان الإنجليزيان بأنه يستطيع في هذه الحالة أن ~~يعتمد على حسن نية الحكومة البريطانية على أن ما يؤسف له حقا أن كرادوك لم يتمكن من ~~الوصول إلى الإسكندرية في الوقت المناسب ليحمل الباشا على تأجيل إرسال أسطوله إلى ~~المورة. # ولذا كان موقف الباشا يبعث على الحيرة؛ فإن السلطان كان يأمره من ناحية بأن يبادر في ~~الحال إلى سحق الأروام، بينما كانت فرنسا وإنجلترا تطالبه بالانسحاب فورا من ~~المورة. # فإزاء هذا الموقف المحير لم يكن للباشا مفر من أن يغضب أحد الفريقين غضبا تاما، ولقد ~~كان مقتنعا في قرارة نفسه بعبث الاسترسال في مقاومة رغبات الحلفاء، ولكنه في الوقت نفسه ~~كان مرتبطا ببلاط يأبى عليه جهله الشديد وصلفه أن يسلم بأنه قد فات الوقت الذي كان غضب ~~السلطان يكفي وحده إلى حبس سفراء الدول الغربية في قصر الأبراج السبعة، أو أن يستطيع ~~الأتراك أن يصمدوا للقوات المسيحية المتحدة على قدم المساواة. # لقد بذل في يوم 5 أكتوبر مجهودا جديا ليفتح عيني الديوان إلى خطورة الموقف؛ فكلف ~~معتمده أن يبلغ البلاط أن مطالب الحلفاء قد تكون مجرد بلف، ولكن ليس معنى ذلك أنها لا ~~يمكن تنفيذها، وأن العقلاء من شأنهم الاستعداد لتقلبات الحظ بدلا من تعليل أنفسهم بالسعادة ~~والهناء، وأن عمارات الحلفاء إن التجأت إلى استعمال القوة فإن العمارة التركية في رأيه ~~الضعيف تتمزق شذر مذر ويهلك معها 30000-40000 نفس. # ثم استطرد، فقال: «من الخطر المحض أن يقصر همه في شئون الحرب على التوكل على الله، بل ~~ينبغي في الوقت نفسه أن يغفل عن كل ما ينبغي عليه فعله. نعم؛ إن النصر من عند الله، وإنه هو ~~وحده صاحب الحول والطول، ولكنه أمرنا في قرآنه الكريم بالسعي، ثم وعدنا بالمساعدة لنيل النصر.» # 40 # والخلاصة أن ms087 الإيمان وحده لا يمكن أن يعوض عن البارود المبلل أو عن السفن ~~الرديئة. # وقد جاءت الحوادث لسوء الحظ محققة لما كان يتوقعه؛ فإن أميرالي الحلفاء وهما كودوربنجتون ~~ورمني - لأن العمارة الروسية لم تتدخل إلى حلبة النزاع قبل يوم 13 أكتوبر، بدآ لفورهما ~~باستعمال الضغط على فريقي المتحاربين، وقد بادر الأروام طبعا إلى إعلان موافقتهم على عقد ~~الهدنة، ولكن نظرا لأن السلطان رفض الهدنة فقد اعتبر هؤلاء أنفسهم في حل من أي ارتباط؛ لذا ~~أعدوا حملة لتوجيهها إلى ألبانيا حيث دمروا عمارة بحرية تركية صغيرة في جالاكسيدي. ~~وبعدئذ اجتمع الأميرالان بإبراهيم شخصيا فوافق على وقف الأعمال الحربية مدة شهر إلى أن ~~تصله تعليمات؛ إما من الباب العالي أو من أبيه، ولكنه عندما سمع بأن الأروام يواصلون ~~أعمالهم الحربية اتخذ الاحتياطات اللازمة لإرسال المئونة إلى باتراس، وأن يطهر البلاد التي ~~يحتلها جنوده ممن يحتمل أن ينقلبوا إلى أعداء، وحاول الأميرالان مراعاة العدل بين ~~الفريقين، فإذا كان كودرنجتون مثلا قد أرغم الأسطول التركي من جهة على الالتجاء إلى ~~نافارين بدون إرسال الإمدادات إلى باتراس؛ فإنه من الجهة الأخرى حظر على الأروام أن يسيروا ~~حملتهم التي انتووا إرسالها إلى ألبانيا، ولكن كودرنجتون كان يميل هو وزملاؤه إلى منع ~~استمرار أعمال التخريب في المورة. ولما لم تكن لديهم إلا قوة بحرية فقد حسبوا أن يدركوا ~~غايتهم المذكورة بالقيام بمظاهرة مزدوجة ضد الأسطولين التركي والمصري. # 41 # ففي يوم 20 أكتوبر أقلعوا بسفنهم الحربية قاصدين إلى خليج نافارين، ولكن الأتراك كانوا ~~دائما يرتابون في نوايا كودرنجتون وأصحابه؛ ولذلك أطلقت البنادق الرصاص على بحارة إحدى ~~السفن الإنجليزية؛ فأجابت هذه على ذلك بإطلاق قنابلها على الأسطولين التركي والمصري، وإذ ~~ذاك نشبت معركة حامية استمرت من منتصف الساعة الثالثة إلى الغسق، وقد أسفرت عن تدمير ~~الأسطول الإسلامي على بكرة أبيه. # وقد هلل كافة أنصار القضية اليونانية لهذا الحادث الذي قابلته حكومات الحلفاء ~~بالدهشة والاستغراب؛ ذلك أن الحكومات المذكورة كانت قد حاولت أن تستخدم القوة البحرية في ~~أكثر ما يمكن أن ms088 يتحقق بواسطتها إذ ليس يخفى أن تأثير الأعمال البحرية في الأعمال البرية ~~بطيء ومحدود وتدريجي، في حين أن ما كان يتمناه الحلفاء هو وقف الأعمال العسكرية في الحال، ~~فهم والحالة هكذا قد كلفوا أميراليهم بمهمة شاقة تكاد تنوء بها كواهلهما، ثم إن تعليماتهم ~~كانت خاطئة وناقصة. وهذا بلا ريب نتيجة الموقف الذي وقفوه مما يتعارض مع المنطق؛ لأنهم في ~~الوقت الذي تظاهروا فيه بالتدخل بين السلطان ورعاياه المتمردين كان تدخلهم في الواقع لإنقاذ ~~اليونانيين، فبينما قد تجاوز هذا العمل البحري المدى الذي كانت تنوي الدول الغربية الذهاب ~~إليه فإنه في الوقت نفسه قد ساعد كل المساعدة على تحقيق الغاية المنشودة. هذه المعركة كانت ~~بمثابة خدمة مزدوجة لمحمد علي، فإنه كان على استعداد لفتح باب المفاوضات مع الحلفاء. # وأكبر الظن أن كرادوك، ولو كان عجل بالوصول إلى مصر بيومين اثنين فقط لما أقلع الأسطول ~~المصري قاصدا إلى المياه اليونانية بتاتا على نحو ما قاله كاننج، ولما اشتبكت الأساطيل في ~~معركة بافارين، وكان من رأي إبراهيم وديوان الآستانة بادئ ذي بدء الانسحاب من المورة شمالا ~~أي إلى خارج مرمى مدافع أساطيل الحلفاء، ولكن محمد علي لم ير معنى لمواصلة هذا الكفاح ~~العقيم. وفي اليوم التالي الذي وصلت إليه أنباء معركة نافارين أبلغ القنصل الإنجليزي بأن ~~الحرب لو اشتعلت بين تركيا وبريطانيا العظمى فلا خوف مطلقا على الرعايا الإنجليز في مصر، ~~ثم قال: «أعلم كيف أقدر أن أحتفظ بما لي من سمعة حسنة على السهر على العدالة والسخاء.» # 42 # ثم كتب في اليوم نفسه إلى ولده إبراهيم يخبره أن حمق الديوان هو سبب هذه ~~النكبة، وأنه يأمره بألا يبرح معسكره وألا يقوم بأي محاولة ضد الأروام، # 43 # ولما سمع بالاقتراح المقصود به سحب جيش إبراهيم إلى الشمال رفع عقيرته ~~بالاحتجاج الشديد الذي كان له مفعوله، # 44 # ومن ثم ظل إبراهيم باقيا في المورة إلى أن تحرج مركزه بسبب القوة الفرنسية ~~التي نزلت إلى البر، حتى إن الباب العالي لم يسعه إلا التسليم بألا ms089 مناص من الإذعان. وفي ~~اليوم السادس من شهر أغسطس سنة 1828م ذهب كودرنجتون إلى الإسكندرية لزيارتها وتوقيع الاتفاق ~~مع محمد علي، وبمقتضى هذا تم الجلاء عن المورة نهائيا، # 45 # مع أن السلطان ظل مصرا على رأيه، فاضطرت روسيا إلى أن تلجأ إلى استخدام ~~القوة. وفي العام التالي أرغمت الباب العالي على توقيع معاهدة أدرنة التي سلم فيها بنفس ~~الآراء التي أبداها والي مصر من قبل ذلك بعامين. # ولا ريب في أن تورط محمد علي في شئون أوروبا السياسية على نحو ما بسطناه هنا قد أنهك ~~موارده إلى أقصى حد؛ فإن ما أنفقه من الأموال الطائلة على بناء سفنه وفي شراء المؤن ~~والذخائر التي تدفقت على المورة، ثم إن ما جمعه من الرجال ودربه من الجنود وبعث به إلى ~~ميادين القتال كل هذا قد ذهب أدراج الرياح بين عشية وضحاها، وقد عاد جيش إبراهيم من المورة ~~وهو في حالة جوع وعجز وبؤس شديد، بل إن الكثير من الجنود قد غلبتهم الفاقة حتى عجزوا عن ~~مواصلة السير. # 46 # وهكذا نجح الباب العالي في تسخير الثورة اليونانية لخدمة غاياته وأغراضه، فإن باشا مصر ~~القوي لم يعد الآن صاحب القوة التي كان عليها عندما سمى نفسه حامي الإسلام. على أنه لم ~~يتورط في عداء الدول الغربية إلى الحد الذي كان يرغب فيه الباب العالي برغم من إحراق ~~أسطوله وتجويع جيشه، بل كان لديه لسوء الحظ من أصالة الرأي وبعد النظر ما يجعله يلقي ~~تبعة هذه النكبات على عاتق «السلطان العنيد» ووزرائه المأفونين الذين لم يحفلوا بما بذله ~~لهم من الآراء السديدة. وقد انسحب محمد علي من حومة الوغى وظل يشهد سير الأمور من مكانه ~~الحريز، بينما كان أهالي الآستانة يتوقعون وصول الروس الفاتحين إليها يوما بعد يوم، ~~وقد امتلأت جوانح محمد علي بالازدراء لعجز الباب العالي وحقده، وصار الآن أشد تصميما منه ~~في أي زمن مضى على تحرير نفسه تحريرا نهائيا من نفوذه السيئ، ثم إنه أصبح الآن أشد ~~إيمانا بأهمية السيادة البحرية وبخاصة ms090 سيادة بريطانيا البحرية، وقد تبين له الآن أن ~~امتلاك المورة لا يصح أن يعتبر الضمان الذي يمكنه تقديمه في مقابل الحصول على محالفة ~~إنجليزية؛ لأن السيادة البحرية قد انتزعت من قبضة يده في عصر يوم واحد ذلك الضمان الذي ~~حسبه ضمانا قويا، ولكنه قد يوفق إلى الحصول على الضمان المطلوب يوما ما، فهلا يمكن ~~أن يكون هذا الضمان هو الاستيلاء على طريقي الهند، بل ألا يمكن أن يكون هذا الضمان هو ~~التهديد بعقد محالفة مع مزاحمة إنجلترا في البحر الأبيض؟ # الفصل الرابع # | مسألة الجزائر وفتح سوريا # تمتد بلاد البربر على طول الشاطئ الأفريقي من موغادور إلى بنغازي، هي إمارات مكونة من ~~القراصنة، ومنها كانت تتركب بعض أجزاء الخلافة في الأيام الخالية، وقد احتفظت باستقلالها ~~بعد انهيار الإمبراطورية الإسلامية، ولم يكن من شأن قيام الإمبراطورية العثمانية أن تتدخل ~~في شئون تلك الإمارات التي ظلت حرة في أعمالها لا ترتبط بتلك الإمبراطورية إلا بروابط ~~الاحترام لتلك الدولة المتوحشة التي وطدت سلطانها في مدينة الآستانة وسلخت بلاد البربر طيلة ~~القرنين السادس عشر والسابع عشر في حروب متواصلة ضد الملاحين الأوروبيين كافة. # على أن تأسيس أساطيل الدول الغربية في إبان القرن الثامن عشر، وإن كان قد قلل من نشاط ~~تلك الولايات وضيق الخناق على ما كانت تقوم به من أعمال اللصوصية، إلا أنه لم يغير ~~شيئا من ميولها ونزعاتها، وإذا كانت الولايات البربرية المذكورة قد خشيت العبث بالسفن ~~الإنجليزية أو الفرنسية فإنها لم تفتأ تشن الغارة على كل ما كان يقع في أيديها من سفن ~~إسبانيا أو جنوا أو نابلي. # وقد بلغ عدد ما استولت عليه بلاد البربر من السفن بين سنتي 1805م و1815م نحو 90 سفينة، ~~وإذا كانت الإمارات المذكورة قد قللت شيئا من أعمال القرصنة بعد أن أطلق لورد اسكموث قنابل ~~أسطوله على مدينة الجزائر في سنة 1816م فإنها قد تمكنت على الرغم من ذلك من الاستيلاء على ~~26 سفينة أخرى في خلال السنوات العشر التالية، ومن ثم ذهب الأسطول الإنجليزي في ms091 سنة 1824م ~~إلى مدينة الجزائر مرة أخرى؛ لأنه لم يبق مناص من تصفية الحساب نهائيا مع هؤلاء ~~الأقوام الذين كانوا يدينون بمبادئ أهالي القرون الوسطى. # وكان أهالي بلاد البربر - كغيرهم من المسلمين الطيبين - قد غضبوا أشد الغضب لتدخل ~~المسيحيين في شئون اليونان، وكذا بادروا بإرسال كل ما لديهم من السفن لمساعدة الخليفة وهم ~~محنقون لزوال حرية البحار التي تمتعوا بمزاياها دهرا طويلا وغير حاسبين حسابا لكارثة ~~نافارين التي كانت تنتظرهم، وقد كانوا يميلون في حالتهم العقلية المحنقة هذه إلى تحدي ~~الغرب وما لديه من الأساطيل؛ ففي أبريل سنة 1827م دارت مناقشة عنيفة بين حسين باي الجزائر ~~وقنصل فرنسا العام المسيو ديفال، ولم يتحرج الباي من لطم القنصل الفرنسي بالمذبة على وجهه، ~~فطلبت فرنسا تعويضا عن تلك الإهانة، ولكن الباي أبى تقديم أي تعويض، ومن ثم سحبت قنصلها ~~المذكور وكلفت إحدى عماراتها بمحاصرة الجزائر؛ ونظرا لأن الباي ظل مصرا على رأيه، وأبى ~~الاستغفار عما فرط منه، ولأن الحالة العامة - وخاصة بعد نشوب الحرب الروسية التركية في سنة ~~1828م - لم تكن لتشجع على القيام بعمل حازم، فلقد حاول قنصل سردينيا ثم أحد ضباط فرنسا ~~البحريين أن يقنع الباي بقبول شروط أخف من الشروط التي كانت معروضة عليه أولا، على أن ~~هذه المحاولات لم تكن إلا لتزيد الباي اقتناعا بأن فرنسا بدأت تضعف أمامه؛ مما زاده صلابة ~~على صلابة. وفي أواسط سنة 1829م تقرر إرسال السفينة «بروفانس» وهي رافعة العلم الأبيض ~~باقتراحات جديدة ومعها تهديد بإرسال حملة عسكرية في حالة رفض تلك الاقتراحات، ولكن الباي ~~حسين ظل مصرا على الرفض، وكان جوابه عندما هدده ربان السفينة بالقتال تلك العبارة ~~الخالدة؛ وهي: «لدي البارود ولدي المدافع، وبما أننا لا يمكن أن نتفق فالأولى أن ترحل ~~من هنا.» # فلم يسع السفينة «بروفانس» إلا أن تقلع مراسيها وتعود إلى بلادها في 3 أغسطس، بينما ~~كان العلم الأبيض لا يزال يرفرف على ساريتها، على أن الريح قد غلبتها ودفعتها إلى أقرب ~~بطاريات المدينة، وقد عد الأهالي عملها ms092 هذا بمثابة إهانة متعمدة، فأطلقوا عليها القنابل ~~وظلوا يطلقونها طالما بقيت السفينة في داخل مرمى المدافع حتى تمكنوا بعد إطلاق ثمانين ~~قنبلة من إصابتها ثلاث مرات. # فلما أن وصلت هذه الأنباء إلى باريس ازداد الرأي العام سخطا على سخطه وأصبح قلقه بسبب ~~التباطؤ في إخضاع الباي ينذر بالخطر، ولكن الوقت لم يكن ملائما بالمرة لاستعمال العنف بل ~~كان داعيا للحيرة؛ ذلك أن الروس كانوا وقتئذ قد احتلوا أدرنة وأصبح انهيار الإمبراطورية ~~العثمانية وتمزيق شملها قاب قوسين أو أدنى، فهل كان بوسع أي وزير بعيد النظر أن يقوم في مثل ~~هذه اللحظة الخطيرة بتوريط قوات فرنسا البرية أو البحرية في الحرب في شمال أفريقيا؟ ثم إن ~~المسيو بولنياك - الذي عين في أغسطس وزيرا للخارجية - كان قد فرغ وقتئذ من وضع مشروع لو ~~أمكن تنفيذه لضمن التفاف الشعب حول عرش شارل العاشر الذي كان مهددا بالانهيار ولأحبط اتفاق ~~الحلفاء على خلع نابليون، # 1 # وقد توهم أن روسيا والنمسا سوف تقتسمان فيما بينهما معظم ما لتركيا من ~~الأراضي في أوروبا؛ وبذا تسنح لفرنسا الفرصة للمطالبة بتعويض عما ينشأ من الإخلال بالتوازن ~~الدولي، أما مشروعه فكان يتلخص في أن تستولي فرنسا على المقاطعات البلجيكية لغاية نهري ~~الموز والرين، ويمكن حمل بروسيا على الموافقة على هذا الترتيب بالسماح لها بضم ساكسونيا ~~والمقاطعات الهولندية الشمالية. أما ملك هولندا فيمكن تعويضه عن تقسيم مملكته بتنصيبه ملكا ~~على الآستانة وغيرها مما لم تزدرده روسيا والنمسا من الأراضي التركية في أوروبا، هذا بينما ~~يمكن تعويض إنجلترا بإعطائها المستعمرات الهولندية التي تصبح وقتئذ غير خاضعة لأحد. وكانت ~~النية منصرفة إلى تنفيذ هذه الفكرة بمعاهدة تعقد بين فرنسا وروسيا، حتى إذا ما تم ~~توقيعها تدعى بروسيا للاشتراك فيها، وبعدئذ يصبح لا مناص للنمسا من الانضمام إلى هذا ~~المشروع، وإذن تصبح إنجلترا مخيرة بين قبول جزيرتي جاوا ومولاكاس أو رفضهما. وبمجرد ما يتم ~~توقيع المعاهدة تحشد الدول المتعاقدة جيوشها ومواجهة أوروبا بقوة لا يسع أي دولة من الدول ~~الباقية أن تحلم بمقاومتها، ms093 وكان بوليناك يرى أن تحشد فرنسا 200000 جندي؛ ولذا كان يعتقد أن ~~تنفيذ المشروع يحتم عدم إرسال حملة بحال من الأحوال لتأديب باي الجزائر المشاغب. # ففي ظروف كهذه استقر رأي وزير خارجية فرنسا على اتباع الفكرة التي طالما أوصى بها ~~دورفيشي الذي شغل منصب قنصل عام لفرنسا في مصر والذي كان قد عاد في سنة 1829م في الإجازة. ~~أما هذه الفكرة فهي معاقبة الباي لا بيد فرنسا، ولكن بيد محمد علي الذي كان ميالا إلى ~~إعداد حملة كبيرة لفتح ولايات البربر الثلاث؛ وهي: طرابلس، وتونس، والجزائر. وضمها، وكان ~~من رأي دورفيشي أن إرسال حملة فرنسية خليق بأن يثير حسد إنجلترا ومعارضتها، وبالعكس فإن ~~امتداد سلطة الباشا على طوال الشاطئ الأفريقي لن يفتح باب الاحتجاج السياسي هذا عدا - وهو ~~ما كان يجول في خاطر بوليناك - أن التفكير المزمع في تغيير الخريطة الأوروبية من شأنه أن ~~يشغل بال الوزارة البريطانية، بحيث لا تفكر في مصير تونس والجزائر، بينما أن دول أوروبا ~~الأخرى سوف ترحب بلا جدال بوجود حكم صالح في تلك المناطق. نعم؛ حكم قائم على النظام ~~والأمن كالمشاهد في القاهرة والإسكندرية. # 2 # ويظهر أن هذا المشروع كان من بنات أفكار دورفيشي نفسه، فلقد لفت نظر محمد علي إلى مزايا ~~الاتفاق مع فرنسا في الجزائر بدلا من إثارة هواجس أوروبا بأسرها بما عسى أن يقوم به من ~~المغامرات في سوريا، # 3 # وقد توهم دورفيشي أن مزايا هذا الاقتراح لن تغيب عن أفكار الساسة الإنجليز كما ~~أنها لم تغب عنه شخصيا. # وفي سنة 1829م كان المشروع قد ملك على دروفيشي حواسه حتى أصبح العضو الوحيد الذي يتحدث ~~عنه حتى مع باركر القنصل الإنجليزي العام الذي حكم على المشروع بأنه خيالي محض، ولكن ~~المصاعب كانت تتلاشى تدريجا من أمام عينيه كلما أصغى إلى أقوال دورفيشي وحماسته في تحبيذ ~~المشروع، هذا إلى أن مساعدة فرنسا في السفن والرجال كان من شأنها أن تكفل النجاح وتجعله مضمونا. # 4 # أما خطة محمد علي فأغلب الظن أنها لم ms094 تكن كما حمل دورفيشي على اعتقادها، فإنه في الواقع ~~لم يكن مهتما ببلاد البربر، بل لعله كان يدرك أن امتداد سلطانه في تلك الجهات سوف يكون ~~مصدر ضعف لا مصدر قوة، وقد كان يدرك ما للمنطقة التي تضم إقليمي سوريا وبغداد من الأهمية ~~العسكرية، ثم إنه كان يعلم جيد العلم أنه لو أتيح له يوما ما أن يبلغ المنزلة والقوة ~~التي يطمح إليها فإن سوريا وبغداد تكون لهما قيمة لا تدانيها قيمة امتلاك الشاطئ الأفريقي، ~~ولكن في الوقت نفسه لم يكن ممن يقعدون عن انتهاز الفرص؛ فالاقتراحات الفرنسية - مهما كان من ~~شأنها - فلسوف تؤدي إلى تحقيق أمرين: # أولا: # أنها تتيح له الفرصة لإعادة إنشاء أسطوله المتلاشي. # ثانيا: # احتمال عقد محالفة مع فرنسا نفسها. # وإذا كان في هذا ما يقلق بال الإنجليز فلتكن المعاهدة مع إنجلترا، أو بعبارة أخرى أنه ~~كان على استعداد لفتح الجزائر إذا كان ثمة مغنم له من وراء ذلك، أو أن يطرح المشروع جانبا ~~إذا رأى أن في ذلك فائدة أكبر. # ويلوح أن دورفيشي قد أغرم بمشروعه إلى حد أعماه عن معرفة حقيقة نيات الباشا، هذا ~~بينما كان بوليناك متعطشا لاتباع أي خطة ترمي فورا إلى تهدئة ثورة الرأي العام الفرنسي؛ ~~وذلك بإنزال العقاب بالجزائر مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بالقوات الفرنسية لتنفيذ المشروع ~~الأوروبي الخطير الذي كان ما يزال يجول في خاطره؛ ولهذا بادر بعرض الأمر على الملك وحصل ~~منه على الموافقة، ثم راح بدوره يستشير زملاءه على ما يظهر، فأرسل تعليمات إلى جيبو مينو ~~سفيره في الآستانة وميمو قنصله العام في الإسكندرية، وقد كلف الأول بأن يطلب إلى السلطان ~~إصدار الفرمانات اللازمة إلى محمد علي لأن يقوم بإخضاع ولايات البربر، وأن يعزز هذا ~~الطلب بهاتين الحجتين: # أولا: # أن فرنسا إذا ما أرسلت حملة تأديبية من عندها، فأغلب الظن أنها لن تغادر ~~تلك الجهات التي ستفلت من قبضة الباب العالي نهائيا. # ثانيا: # بأن محمد علي سوف يدفع إتاوة بعكس الباي. # 5 # أما تعليماته إلى الثاني فكانت ms095 تتلخص في وجوب إبلاغ الباشا بأن فرنسا موافقة على آرائه ~~وتؤيد خططه ضد ولايات البربر، وأن الأسطول الفرنسي - إذا طلب الباشا ذلك - سيكون على ~~استعداد للتعاون مع قواته، وأنه سيتسلم في الحال عشرة ملايين فرنك إذا ما أرسل الحملة ~~المذكورة فورا. # 6 # على أن مباحثات الآستانة والإسكندرية لم تجر بالسهولة التي كان يتوهمها بوليناك بسبب ~~عجلته، فإن محمد علي استهجن أشد الاستهجان مفاتحة الآستانة في الموضوع قائلا إن الآستانة ~~لن تسمح من تلقاء نفسها بامتداد سلطة باشا مصر، وأنها قد تسعى للحصول على مساعدة الأسطول ~~الإنجليزي لإحباط أعماله العسكرية في ولايات البربر أو لم يؤخذ رأيها مقدما في الموضوع ~~فإن الأرجح أن ترضخ للأمر الواقع، # 7 # وقد بينت الحوادث أن هذه الاعتراضات كانت في محلها، فعبثا حاول السفير جيبو ~~مينو الانتفاع إلى أقصى حد بالمشروع الفرنسي، فإن الباب العالي - كما تنبأ محمد علي بذلك - ~~كان يعارض أشد معارضة - دون أن يصرح بذلك - بازدياد نفوذ أو هيبة تابعه الكثير ~~المطامع. # فعرض بدلا من ذلك اقتراحا مضادا للاقتراح الفرنسي المذكور، وقد صرح الرئيس أفندي أن ~~كل ما هو مطلوب لحسم الخلاف بين الباي وبين الفرنسيين هو أن يتوسط جلالة السلطان بما له من ~~السلطة السامية. ولهذه الغاية عرض أن يرسل مندوبا من طرفه - ألا وهو طاهر باشا أحد أعداء ~~فرنسا الألداء لحمل الباي على الرضوخ لحكم العقل بدون التجاء إلى القوة. # 8 # وبينما كان البحث يدور حول هذا الاقتراح المراد به عرقلة الأمور إذا بوزير خارجية تركيا ~~يشعر سفير بريطانيا السير روبرت غوردون بحقيقة ما هو جار خلف الستار، وقد أصاب في تقديره ~~بأن هذه هي أخطر طريق لإحباط أي مشروع بغيض للديوان العالي. # 9 # وأعلن محمد علي في الإسكندرية بأنه على استعداد لإرسال نحو 20000 جندي نظامي ومثلهم من ~~رجال البدو بقيادة ابنه إبراهيم، ولكنه يطالب على الأقل بضعف المبلغ الذي سمح للقنصل ~~العام ميمو للمفاوضة على أساسه. وفوق ذلك كله فقد طلب كشرط أساسي في المساومة أن تعطيه ~~فرنسا - بمقتضى ms096 عقد بيع صوري - أربع بوارج حربية تحمل كل منها 80 مدفعا، وقد صرح بأن ~~هذه السفن لا محيص من الحصول عليها لضمان نجاح الحملة بسرعة وللحيلولة دون أي تدخل أجنبي، ~~وقد ذهب عبثا كل ما بذله ميمو وهيدرا، وقد أرسل خصيصا لمساعدة ميمو - من المساعي لحمل ~~محمد علي على العدول عن طلب البوارج الأربع التي قال إنها كانت جزءا لا يتجزأ من المباحثات ~~التي دارت بينه وبين دوروفيش. # 10 # ومن ثم قفل هيدرا راجعا إلى باريس ليبسط هذه المطالب على بوليناك الذي أطلع عليها في ~~26 ديسمبر. # ومع أن معاهدة الصلح التي عقدت في أدرنة قد أخرجت وقتئذ مسألة تعديل الحدود الأوروبية ~~من دائرة الاحتمال العملية فإن بوليناك كان ما يزال يعلل نفسه بالحصول على تأييد روسيا ~~لضم الولايات البلجيكية إلى فرنسا. # ولهذا صحت عزيمته على قبول اقتراحات محمد علي وعرضها على زملائه في الوزارة، ولكنهم ~~تشددوا في معارضة الاقتراحات وأعلن أغلبهم أن الموافقة على نقل بوارج تحمل العلم الفرنسي ~~إلى دولة أجنبية يعتبر عملا غامضا، بل يكون متنافيا مع مقتضيات الشرف. # ثم إن وزير البحرية عارض أشد معارضة في إضعاف الأسطول إلى هذا الحد، وأعلن أنه لا يتأخر ~~عن تقديم استقالته فيما لو قبل الاقتراح المذكور، أما وزير الحربية بورمون فقد مر بخاطره ~~طيف المجد الشخصي فيما لو ذهب إلى الجزائر على رأس حملة؛ ولذا رفض بتاتا أن يحل محله ~~إبراهيم باشا في قيادة الحملة. وبعد محاولات عديدة لم يستطع بوليناك أن يقنع زملاءه بأكثر ~~من الموافقة على اعتماد بمبلغ 38 مليون فرنك يسلم منه 20 مليون فرنك لمحمد علي كطلبه ويخصص ~~الثمانية الملايين الباقية لإنشاء أربع بوارج له في الحال، ولكن لا بد إلى جانب هذا من ~~إبقاء عمارة فرنسية على قدم الاستعداد لتقديم مساعدتها لإبراهيم فيما لو اقتضى الأمر ذلك. ~~ثم عاد هيدرا إلى الإسكندرية حاملا هذه الشروط المعدلة، وصدرت في الوقت نفسه التعليمات ~~إلى قائد العمارة الفرنسية في شرقي البحر المتوسط بالحيلولة دون تهديد الأسطول التركي ms097 ~~للإسكندرية أو مهاجمة النقالات المصرية المتجهة نحو ولايات البربر، ولما آن وقت العمل على ~~المكشوف وأصبح قاب قوسين أو أدنى رأى بوليناك أن لا حرج عليه من مفاتحة الدول الأوروبية في ~~الموضوع. # وعلى الرغم مما أبدته دوائر باريس السياسية من التكتم فإن الوزارة البريطانية لم تكن تجهل ~~المشروعات التي استقر عليها الرأي، فلقد أبلغها باركر فحوى محادثاته مع دوروفيش في سنة ~~1829م، ثم إن السفير غوردون أرسل من الآستانة الأنباء المهمة التي أبلغها له الرئيس أفندي. ~~يضاف إلى ذلك أن مستر نينج أوقف الرسائل الفرنسية التي بعث بها جيبومينو من الآستانة إلى ~~باريس وبادر بتقديم نسخ منها إلى سفيرنا لورد كولي، وكانت الحكومة الفرنسية في الوقت نفسه ~~تجيب على كل سؤال توجهه إليها الحكومة البريطانية بالنفي البات، ولم يكن من شأن هذا ~~التصرف أن يحمل أبردين أو ولنجتون على الاقتناع بما أبدى لهما من البيانات في النهاية أو أن ~~يوافقا على السياسة الصورية التي أعلنت أمامها. وفي 23 يناير ذهب الدوق دي لافال - سفير ~~فرنسا في لندن - لزيارة لورد ولنجتون، وتلا عليه رسالة صورية تلقاها من بوليناك. وقد ~~استقبل السفير بشيء من الجفاء وقيل له إن محمد علي لا يمكن قانونيا أن يمتشق الحسام ~~ضد ولايات البربر إلا باسم مولاه السلطان ونزولا على أمره الهمايوني. وأبديت للسفير الرغبة ~~في أن تعدل الوزارة الفرنسية عن العمل المشترك مع والي مصر، # 11 # وكتب لورد أبردين من فوره إلى ممثلي بريطانيا في القاهرة والآستانة، فكتب إلى ~~ثانيهما يقول: «إذا كان السلطان قد وافق أو لم يوافق على هذا؛ فإن إنجلترا لا يسعها أن تقف ~~وقفة المتفرج إزاء ما يراد إدخاله من التغييرات على ملكية الأراضي المهمة الأفريقية بواسطة ~~وسائل فرنسية وتحت النفوذ الفرنسي وعلى الأرجح خدمة لمصالح فرنسا.» # 12 # وكتب إلى الأول مشيرا إلى معارضة إنجلترا في قيام الباشا بأمثال هذه المشروعات ~~بتعضيد الفرنسيين، ثم استطرد فقال إنه يرجو ألا يشك محمد علي في إخلاص البواعث التي دفعت ~~بريطانيا إلى إسدائه النصح بأن ms098 يزن جيدا في هذه المناسبة ما سوف يترتب من العواقب الوخيمة ~~على المشروع الذي يلوح أنه ميال للتورط فيه. # 13 # على أن هذه المعارضة للمشروع الفرنسي لم يكن ينتظر أن تثير الدهشة في نفس أحد، وليس ~~يخفى أن توطيد دعائم النفوذ الفرنسي في الجزائر - سواء أكان مباشرة أو عن طريق فريق ثالث ~~يعمل لحساب الفرنسيين - كان يؤدي حتما إلى تغيير الموقف في حوض البحر المتوسط؛ وبذا تنشأ ~~مسألة حماية المصالح البريطانية فيه، أضف إلى هذا أن المشروع كان يتضمن احتمالات عظيمة ~~أخرى؛ فشبح المسألة الشرقية بأثرها كان يطل من وراء المسألة الجزائرية، وأن محمد علي لو ~~تمكن من فتح الجزائر لحساب فرنسا لما كان لهذا الفتح أي معنى سوى أن يصبح فورا تحت ~~الحماية الفرنسية؛ فإن مركزه حيال مولاه السلطان سوف يتأثر بذلك الفتح الذي يتغير بمقتضاه ~~مركز مصر ضمنا، فيكون معنى هذا أن تصاب أسوار الإمبراطورية العثمانية وهي تترنح بتأثير ~~الشيخوخة بصدمة أخرى تهز كيانها وتعجل بانهيارها؛ وبذا يصبح العثمانيون وهم أقل قدرة على ~~كبح شهوات جيرانهم الروس، وهذه الحوادث قد ترحب بها الحكومة الفرنسية الآن كما كانت تفعل ~~في الماضي - باعتبارها فرصة سانحة لتوسيع سلطان فرنسا في أنحاء المعمورة - ولهذا كان ~~بوليناك قد بدأ يستغلها لفائدة الملكية. # ولكن كان الأمر على عكس ذلك في نظر الإنجليز؛ لأنهم كانوا يعتبرون الحوادث المذكورة حافلة ~~بالمخاطر التي تنطوي على الشر المستطير مما كانت تقتضيه مصالحنا الحيوية إلا أن نصبر على ~~توطيد إحدى الدول الأوروبية أقدامها على الطرق المؤدية إلى الهند. # ومن هنا ترى أن الاحتفاظ بالإمبراطورية العثمانية كان يعتبر في نظر الفرنسيين بمثابة ~~البديل الوحيد لتطورات لا سبيل لأحد أن يتكهن بمداها، وهي تطورات لا يسع العاقل على كل حال ~~إلا أن يبذل كل ما في استطاعته لتأجيل حدوثها إلى أبعد حد ممكن. إذن؛ فالحالة في سنة 1830م ~~كانت تمهيدا يشير إلى تناقض السياسة الإنجليزية والسياسة الفرنسية الذي ظهر بصفة جلية بعد ~~ذلك بعشر سنوات. # وقد شاءت الصدف أن يجيء إعلان ms099 الإنجليز الحازم رفضهم لذلك المشروع في نفس الوقت الذي ~~أخفقت فيه تدابير بوليناك لاستعادة حدود الرين وحبطت حبوطا ذريعا، فإن مباحثاته السرية ~~الغامضة مع سان بطرسبرج وهي المباحثات التي وضعت لها شفرة خاصة ثم ألغيت فيما بعد لم ~~تسفر عن نتيجة تذكر، فإن بروسيا أجابت صراحة أن أحدا لن يستطيع أن يحملها على السماح ~~لفرنسا الزحف إلى ضفة الرين اليسرى. # وهكذا أصبحت القوات التي كانت حتى الآن واقفة عاطلة على حساب مساعدة المشروع الأوروبي ~~فيما لو دعت الحاجة، أصبحت هذه القوات طليقة في نفس الوقت الذي تبين فيه صراحة أن إنجلترا ~~ستضع نفوذها بأكمله في كفة الميزان ضد محاولة محمد علي احتلال ولايات البربر. وإذ ذاك قرر ~~بوليناك مرة أخرى أن يغير خطته، وأن يقصر عمل محمد علي على احتلال طرابلس وتونس وأن يرسل ~~حملة فرنسية إلى الجزائر. # وخيل إليه أن والي مصر سوف يبقى على كل حال حليفا إيجابيا لفرنسا يمكن الاعتراف به ~~في الوقت المناسب «كما كتب بوليناك نفسه» بأنه من مساعدي ملك فرنسا. # 14 # ولكن بوليناك لم يحسب حساب حليفه المزمع في تقديراته هذه؛ فإن محمد علي كان من بداية ~~الأمر مصمما على أن لا يخطو خطوة إلا إذا نال من المزايا البحرية والسياسية ما يرجح كفة ~~الفائدة من السير في هذا المشروع، ثم إنه لا يعقل أن يكون قد قابل بالارتياح تردد ~~السياسة الفرنسية وقتئذ وتذبذبها؛ لأنه - وهو الرجل المعروف بمضاء العزيمة - كان يشعر ~~بكثير من الاحتقار نحو أولئك الرجال الذين يغيرون آراءهم وينقضون ما أبرموه بين عشية ~~وضحاها. وأغلب الظن أن اضطراب الخطط الفرنسية وتناقضها قد دفعه إلى الارتياب في فوائد ~~المحالفة التي يعقدها مع فرنسا، وهي محالفة - مهما كانت فوائدها ومزاياها - لا بد أن يصحبها ~~عداء الإنجليز على طول الزمن؛ ولهذا كله استقر رأيه على رفض الاقتراحات الفرنسية قبل أن ~~تبلغ له مذكرة لورد أبردين. # وبعد أيام قلائل استقبل القنصل البريطاني العام الذي حضر إلى القاهرة من الإسكندرية ~~خصيصا ليبلغه نصائح أبردين، فاعترض نائب ms100 السلطان بأن تحذير الإنجليز لا لزوم له، ثم راح ~~مرة أخرى - كما فعل مرة من قبل مع صولت - يشرح ميوله ويعلن رغبته في الوصول إلى تفاهم ودي ~~مع بريطانيا العظمى، وقد سأل القنصل السؤال الآتي: «ألست ترى أن من المستحيل الاحتفاظ ~~بالباب العالي؟ قد تستطيعون الترقيع هنا أو الترقيع هناك، ولكن تعرفون أن كل هذا مجهود ضائع ~~عبثا؛ إذ ما عساكم تصنعون بحكومة فقدت ثقة الشعب في قلب العاصمة والأقاليم؟! ...» ولهذا كان ~~من العبث الاعتماد على الأتراك في مقاومة الاعتداء الروسي في المستقبل مقاومة فعالة، ~~وبالرغم من ذلك كله فإن الاحتفاظ بالباب العالي من الأمور التي تمس مصالح بريطانيا العظمى ~~في الصميم. ثم استرسل الباشا، فقال: «فالطريقة الوحيدة لتقوية السلطان تنحصر في تقويتي وشد ~~أزري؛ لأنكم لو شددتم أزري لأصبح تحت تصرف السلطان في الحال جيش منظم يبلغ عدده 125000 جندي ~~على استعداد تام للوقوف كالسد المنيع في وجه روسيا لا في الآستانة وحدها بل في فارس ~~أيضا؛ إذ لا محيص للإنجليز من الاصطدام بروسيا في فارس؛ إذ ما هي فائدة اختلاس النظرات من ~~خلال أصابعك مع الادعاء في الوقت نفسه بأنك لا تبصر شيئا؟! ولقد زال الباب العالي فينبغي ~~إذن على إنجلترا أن تعد في آسيا قوة لصد الروس؛ فأين يا ترى يسعها إيجاد هذه القوة إلا ~~معي ومع ابني من بعدي؟! ...» # ثم أخذ يسهب في سهولة انضمام العثمانيين إليه والتفافهم تحت رايته، قال: «لو استقر رأي ~~الإنجليز على تأييدي ...» واسترسل في وصف موارده التي قال بحق: «إن الوزارة البريطانية قد ~~بخستها قدرها.» وأخيرا صرح قائلا: «إن الإنجليز لو اتخذوني صديقا لهم لأصبح في وسعي ~~أن أفعل ما أريد، أما بدون صداقتهم فليس يسعني أن أفعل شيئا ... ولقد أدركت منذ أمد بعيد أن ~~ليس في استطاعتي الإقدام على عظائم الأمور بدون إذن إنجلترا؛ لأنني أينما التفت بوجهي أراها ~~واقفة لي بالمرصاد ومستعدة لإحباط تدابيري.» # ويندر أن يكشف الساسة مكنونات صدورهم لسامعيهم إلا بالقدر الملائم لا أكثر ولا أقل، ولم ms101 ~~يكن محمد علي بالطفل الغر الذي يزل لسانه إلا بالشيء الذي يرومه. # ولكن ليس من ريب في أنه كان مخلصا فيما قاله عن موقفه إزاء بريطانيا؛ لأنها كانت تحيط به ~~من كل جانب إحاطة السوار بالمعصم، ولم يكن في استطاعة دولة أخرى عدا إنجلترا أن تقدم له ~~مساعدة فعالة كمساعدتها، ثم إنه لم يعد الحقيقة فيما ذكره عن موقفه وعن الفرص التي تنتظره، ~~ولقد كان وقتئذ القوة الوحيدة الحية القادرة على النمو والترقي في العالم الإسلامي بأسره، ~~وبهذه الصفة كان في وسعه بالاشتراك مع إنجلترا ومساعدتها له أن يؤسس في ظل الخلافة ~~العثمانية دولة عظيمة كالتي أنشأتها شركتنا الهندية الشرقية في ظل إمبراطورية دلهي. # ولكن لا بد لنا أن نسأل مرة أخرى: ما هي المزايا التي كان يسعه تقديمها لحمل الساسة ~~الإنجليز على ترك سياستهم التي أعلنوها واستبدالها بسياسة لإنشاء دولة جديدة في الشرق ~~الأدنى؟ فلو رسخت أقدامه يوما ما على حدود فارس وامتد سلطانه من القاهرة إلى بغداد ألا ~~يمكن أن يتقدم إليه الروس بما يغريه على ترك أصدقائه الإنجليز وقلب ظهر المجن لهم، وإذن ~~يصبح مركزنا في خطر محقق، إلا أن تأييدنا لسياسة مصر في الفتح لا يمكن أن يسوغه إلا باعث ~~قهري، ومثل هذا الباعث لا يحتمل على الأرجح أن يتهيأ إلا إذا حدثت أزمة أوروبية عظيمة ليس ~~غير. وعلى كل، فإن مجرى السياسة الإنجليزية بوجه عام لم يكن على التحقيق معارضة عظيمة ~~لمصر كما توهم بعض الكتاب، بل لتظل مصر في أنحاء خارجة عن حدود البلاد الطبيعية. # ومن جهة أخرى، فإن محمد علي كثيرا ما رمى بعينيه إلى امتلاك أقضية سوريا الأربعة، وقد ~~كان يعتقد أن امتلاكها يؤمن أراضيه المصرية ضد غارات الأتراك ويضع في قبضة يده مدينة ~~القدس إحدى مدن الإسلام المقدسة؛ وبذا يرفع مكانته ويضاعف هيبته في نظر العالم الإسلامي ~~ويزيد من موارده في المال والرجال كما حسب ذلك وجاءت الحوادث تكذب حسابه. أجل؛ إن امتلاك ~~هذه الأقضية يعطيه دمشق إحدى المراكز المهمة للثقافة ms102 الإسلامية، ثم إنه بذلك يستولي على ~~مناطق غنية بأخشابها فيوفر على نفسه ابتياع الأخشاب من تريستا بأثمان باهظة، هذا إلى أن ذلك ~~يقيم الدليل أمام الملأ على صحة النظرية التي يتشبث بها؛ وهي زوال سلطة الباشا الوالي ~~وانقراضها وقدرته وحده على تنظيم سلطة تركيا من جديد وردها إلى الشباب بعدما دبت فيها ~~الشيخوخة ونخر عظامها الهرم. # وكانت الأقضية الأربعة المذكورة في حالة رثة، فقد تغلغلت فيها القلاقل، بحيث لا يضمن سعاة ~~البريد أن يجتازوها بسلام. # 15 # فلقد حكمها الباشوات منذ أجيال عديدة ولم يقد ميلهم إلى السلب والنهب إلا إلى تحديد ~~سلطتهم. # وعليه، لم يكن باستطاعة أحد من السكان أن يتظاهر بشيء من اليسار والبذخ، بل كان كل إنسان ~~في حالة بؤس أو أنه كان يتظاهر بأنه كذلك. # ثم إن الأهالي مع ما كان بينهم من اختلاف الشيع والأديان كانت الأحقاد والمشاكل المتغلغلة ~~في نفوسهم تمزقهم كل ممزق؛ فهذه البلاد التي سادت فيها الفوضى كانت مطمع أنظار نائب السلطان ~~منذ زمن بعيد، فلقد تكلم إلى القنصل الإنجليزي سنة 1812م عن ميله إلى غزو فلسطين متى سنحت ~~الظروف الملائمة. # 16 # ولكنه أقعده عن تنفيذ ذلك العزم وقتئذ ما كان قائما في سبيله من المصاعب التي لا حصر ~~لها، ولعل أول هذه المصاعب حاجته إلى إنشاء جيش منظم يمكن أن يتخذه عدة صالحة لتنفيذ ~~غاياته. # ثم لا تنس إلى جانب تلك العقبة نفوذ السلطان الروحي، وقد كان ينبغي على محمد علي أن ~~يحسب له حسابه وبخاصة في السنوات التي كانت الضرورة تقضي بإيقاظ روح التعصب الديني أثناء ~~الثورة اليونانية. # ولقد قال مرة لصولت في السنة التي وقعت فيها معركة نافارين ما ملخصه: «هذا هو مبلغ تعصب ~~الأهالي الديني، غير أنهم ليهجرون الباشا متى كان مغضوبا عليه من رئيس الكنيسة.» ثم استطرد ~~فقال: «فلمقاومة السلطان مقاومة فعالة يجب أن يكون لدى الباشا من القوة ما يضمن له التفاف ~~الرأي العام حوله وليس هذا بالأمر الهين.» # وقد عزز هذا الرأي بالمثل الذي أورده عن ms103 أحد باشوات كردستان وقد شق عصا الطاعة فانفضت ~~من حوله الجنود كما تسقط الرمال من قدم الحاج. # 17 # ولكن عام 1830م رأى لمصر جيشا كبيرا منظما أحسن تنظيم، كما أن ابنه إبراهيم أقام ~~الدليل على أنه قائد محنك ماضي العزيمة، هذا في حين أن نظام القرعة العسكرية كان يبشر بأن ~~يلتحق بالجيش العدد المطلوب من الرجال، ومن جهة أخرى فإن ما نزل بالأتراك من الكوارث على ~~أيدي الكفرة سواء في البحر في موقعة نافارين أو في البر أثناء الحرب الروسية كل ذلك قد ~~نبه حتى البلداء من الأتراك إلى أن السلطان محمود لا يصلح بحال ما أن يكون دليلهم إلى ~~مواطن النصر والفوز. وفي الواقع فإن الإمبراطورية كانت بحيث تكفي رجة عنيفة واحده لأن ~~تلاشيها تماما وتمزق شملها . # وفي الوقت الذي تلاشت فيه المقتضيات السلبية التي كانت في الماضي تصد محمد علي عن التفكير ~~في التقدم إلى الأمام ظهر سبب إيجابي جديد؛ ذلك أن الطعم الذي أغرق به الباب العالي محمد ~~علي للاشتراك في الحرب اليونانية كان وعده إياه بإعطائه أقضية سوريا الأربعة متى انتهت ~~الحرب المذكورة ووضعت أوزارها، ولكن هذا الوعد وضع الآن في الثلاجة بعد أن استعاد خسرو ~~نفوذه في الباب العالي، وكان نائب السلطان لغاية سنة 1827م ما يزال يطالب عبثا بالفرمانات ~~الخاصة بتوليته شئون الأقضية المذكورة، # 18 # ثم أدرك محمد علي أنه أضاع أسطوله وعرض جيشه وابنه للخطر والهلاك في غير مقابل، ~~فاستقر رأيه على أن يحتل سوريا قبل أن يسبقه أحد إلى احتلالها. # ولم تكن تعوزه الحجج اللازمة لتنفيذ ما استقر رأيه عليه؛ فلقد كان الباب العالي طلب إلى ~~محمد علي أن يقدم المساعدة لقضم ظهر الفتنة التي كان مصطفى باشا الأشقودة يرلي قد رفع ~~رايتها في بلاد الرومللي، فأخذ محمد علي تحت ستار تنفيذ هذا الطلب يعد معداته العسكرية دون ~~أن يثير الشكوك في نياته، ولكن لما أبلغها الباب العالي أن مساعدته قد استغنى عنها اقترح أن ~~يستخدم قواته المتجمعة في محاربة عبد الله ms104 باشا والي عكا لابتزاز أموال التجار المصريين، # 19 # ثم إن هناك سببا آخر انتحله محمد علي ألا وهو الاستقبال الرديء الذي استقبل به ~~عبد الله باشا الفلاحين المصريين الذين فروا من القرعة العسكرية وذهبوا إلى عكا، وقد قيل ~~إن عدد الفلاحين الذين فروا هكذا في خلال سنة 1831م قد بلغ نحو 6000، وقد أبى عبد الله باشا ~~إعادتهم إلى مصر؛ فأجابه محمد علي بأنه سوف يأتي بنفسه لأخذهم، # 20 # وفي أكتوبر سنة 1831م أصدر الأمر إلى جنوده بالزحف على عكا. # ولعل أبلغ مثل نقدمه على عجز الباب العالي وقتئذ ووهن نفوذه إذ ذاك هو كيفية استلامه ~~اقتراح محمد علي بمحاربة عبد الله باشا، فإن الصدر الأعظم مع علمه بأن استعدادات محمد علي ~~إنما يراد بها احتلال الولايات العربية في داخل الإمبراطورية العثمانية - وتحسين إدارتها ~~وتنظيم شئونها ثم إعلان استقلاله - لم ير وسيلة إزاء ذلك الخطر خيرا من أن يلفت نظر عبد ~~الله باشا بأن يستعمل الكياسة ويتجنب كل ما عساه أن يؤدي إلى الاشتباك في الحرب، ثم إنه ~~كتب في الوقت نفسه إلى محمد علي كتابا رقيقا قال فيه: «إن شكوى بعض التجار لا يمكن أن ~~تسوغ تحكيم الحسام وإشعال نار الحرب، وإن ما ينشب من النزاع بين الباشوات المتجاورين لا ~~يمكن أن يسوى بإشهار السيف بل بتدخل الباب العالي.» # 21 # ولكن تركيا لم تعمل من ناحيتها استعدادات مطلقا لدفع الخطر المنتظر. # وحوصرت عكا برا وبحرا طبقا للخطة التي وضعتها القيادة المصرية، ولكن المصريين ~~فوجئوا بمقاومة لم يكونوا يتوقعونها، أما عبد الله باشا فإن صح القول بأنه لم يكن ~~نزيها ولا حكيما فإنه كان شجاعا، وهذا بالرغم من أن الحصار في مرحلته الأولى لم تدبر ~~شئونه بالمهارة اللازمة، ثم بذلت محاولة في اليوم التاسع من شهر ديسمبر للتغلب على ~~المدينة بإطلاق القنابل من البوارج الحربية ومن البطاريات البرية، ولكن السفن أصيبت بعطب ~~كبير، بينما كان ما تركته البطاريات البرية من الأثر تافها زهيدا. وبعد مجهودات عدة في ~~خلال الأشهر الثلاثة التالية ms105 بذلت محاولة جديدة للاستيلاء على أسوار المدينة عنوة وكادت ~~المحاولة تكلل بالنجاح فإن لفيفا من المهاجمين قد توغلوا حتى وصلوا سوق المدينة، ولما ~~لم يجدوا المدد خلفهم اضطروا إلى العودة من حيث أتوا، ومن ثم بدأ مركز إبراهيم يتحرج، # 22 # وخاصة بعد ما أخذت شراذم من الجنود تتجمع لتخفيف الضغط عن المدينة، وبعدما تشجع ~~الباب العالي بما رآه من طول دفاع عكا فقرر شطب اسم محمد علي وإبراهيم من قائمة أسماء ~~باشوات الإمبراطورية التي تنشر سنويا في عيد الأضحى، والتي حان موعد نشرها في سنة 1832م ~~في ذلك الوقت، ومن ثم بدأ ينتشر شعور القلق لا في القاهرة وحدها، بل وفي الإسكندرية أيضا، ~~وبدأ الناس يتهامسون ضد حكومة نائب السلطان وفي 14 مارس، وكذلك في 21 و23 منه عثر الناس ~~بالقرب من باب زويلة بالقاهرة على جثث ثلاثة أتراك عارية ، وقد أطيحت رءوسهم حديثا ~~وكان اثنان منهما من رجال الجندية والثالث من العلماء، وقد تدلت من صدورهم رقعة كتب ~~عليها: «هذا هو المصير الذي ينتظر كل من يعجز عن ضبط لسانه.» # 23 # وفي يوم 27 عثروا على جثتين عاريتين مع هذا التحذير «هذا العقاب ينتظر أولئك ~~الذين يتكلمون ضد الحكومة.» # ويلوح أن جماعة المتذمرين لم يحسبوا حساب جواسيس محمد علي ولا حساب قواد القوات التركية ~~البعيدين عن المهارة، وبعد حبوط الهجوم الذي قام به إبراهيم على عكا في 9 مارس قرر أن يترك ~~5000 جندي لمواصلة الحصار وزحف ببقية الجيش لتفريق شمل ما جمعه خصومه من القوات؛ فبعد أن ~~شتت الجيش التركي المركب من 12000 جندي بالقرب من حمص عاد إبراهيم لتجديد الهجوم على عكا. ~~وفي فجر يوم 27 مايو تولى قيادة الهجوم على المدينة بنفسه، وإذ ذاك نشبت معركة حامية قيل ~~بشأنها إن إبراهيم قتل بسيفه بعضا من الضباط الذين حاولوا التخلف عن إخوانهم المهاجمين، ~~وما كاد يخيم الظلام حتى كان إبراهيم قد نجح في الاستيلاء على المكان بعد جهود الجبابرة، ~~وهنالك عمت الفوضى ودار السلب والنهب طبقا لقواعد ms106 الحرب كما كانت معروفة إذ ذاك في بلاد العرب، # 24 # وقد أعلن عبد الله باشا في كثير من المباهاة: «إنني عندما شرعت في الدفاع عن ~~عكا كانت لدي أسوار ورجال وأموال، فلما استولى عليها إبراهيم كانت الأسوار قد دكت ~~دكا، أما جنودي الذين كان عددهم 6000 فقد طاح منهم 5600 ولم يبق في خزانتي إلا بعض ~~جواهر لا تسمن ولا تغني من جوع.» وقد ألقى بحق تبعة هزيمته على الباب العالي بشيء من مرارة ~~النفس، فقال: «إن شرفه لأشبه شيء بشرف الراقصات!» # 25 # وبعد سقوط عكا شرع إبراهيم في الزحف شمالا مرة أخرى، فدخل دمشق بلا مقاومة في 13 يونيو، ~~وفي يوم 8 يوليو رأى نفسه يهاجم القوات التركية بالقرب من حمص بدون أن يتوقع ذلك، وبعد ~~معركة قصيرة فرقها شذر مذر واستولى على بطارياتها ومخازن الذخيرة والمنقولات، وفي 15 ~~يوليو استولى على حلب وفي 29 منه هزم قوة تركية أخرى عند ممر بيلان ، وهنا أوقف الأعمال ~~الحربية مؤقتا. # وهنا رأى نائب السلطان نفسه أمام طريقين؛ فإما أن يعلن استقلاله ويوالي الزحف ضد ~~الأتراك الذين اضمحلت قوتهم المعنوية، وبذا يرغم السلطان على الاعتراف بمركزه، وإما أن ~~يتوقف عن الزحف أملا في أن يحصل بواسطة تدخل الدولة الغربية على التسوية التي يبتغيها، ~~وكانت لكل من هاتين الخطتين أخطارها العظيمة، فالزحف على الآستانة كما كان يقترح إبراهيم قد ~~يحتمل مع الأسف أن يدفع الدول إلى التدخل في مصلحة السلطان. ومن هنا رفض محمد علي ما اقترحه ~~إبراهيم من سك العملة باسمه، وأن يكون الدعاء باسمه أيضا في خطبة الجمعة، وقد صرح محمد ~~علي بأنه لم يصل إلى منصة الحكم إلا بانتهاج خطة الاعتدال؛ ولذا فهو لا يرضى بتاتا أن ~~تضاف إلى اسمه ألقاب شرف جديدة، # 26 # وبينما كان إبراهيم يتوهم بما داخله من الزهو بسبب انتصاراته أن كل ما يطلبه ~~هو وأبوه خليق بأن يتحقق بهزيمة الأتراك، كان أبوه يرى بثاقب نظره أن هناك دولا أخرى أشد ~~بأسا من تركيا ينبغي أن ms107 يحسب حسابها إذا ما أريد تثبيت ما أحرزه من النجاح، ولا ريب في ~~أن زحف إبراهيم على الآستانة سوف يكون الإشارة الأكيدة لتدخل الدول الأخرى التي سبق أن ~~تدخلت في اليونان، ومن جهة أخرى فإن وقف الزحف معناه إمهال الأتراك للتغلب على ما نزل من ~~الذعر بهم وجمع شتاتهم من جديد لحراسة الطريق المؤدية إلى الآستانة، ولكن الأتراك قد ~~غلبوا مرة على أمرهم، ومن السهل هزيمتهم مرة أخرى. وخلاصة القول أن محمد علي كان يعتبر ~~الجنود التركية كما مهملا وعدوا لا تقاس خطورته بخطورة فرنسا أو إنجلترا؛ ولذا آثر ~~وقف الزحف وأن يفتح باب المفاوضات. # وفي الواقع كان موقف الدولتين المذكورتين بالنسبة له موقفا وديا، فإن ملكيته لولايته ~~كانت شديدة الرغبة في رؤية شوكة محمد علي تتضاعف طالما أن ذلك لا يؤدي إلى حدوث رد فعل عنيف ~~في الآستانة يكون من ورائه فتح باب تجزئة تركيا قبل الأوان. وعليه، كان نفوذ فرنسا منذ ~~منتصف عام 1832م فصاعدا يتجه نحو حمل محمد علي بألا يستخذي فيما استولى عليه من البلاد وأن ~~يحصر مطامعه في النقطة التي صرح بوجوب تسويتها وتحقيقها وأن يؤثر الاتفاق مع الباب العالي ~~رأسا عن مواصلة القتال. # 27 # ولم تكن خطة الوزارة الإنجليزية مباينة لخطة فرنسا، فإن القنصل العام باركر بسبب وقوعه ~~تحت تأثير آراء القناصل في سوريا، حيث سبقت له الخدمة فيها وحيث كان يفهم حق الفهم مزايا ~~نظام الرشوة والفساد كما كانت في عهد الأتراك، أعلن استهجانه لانتصارات إبراهيم وأبى أن ~~يذهب لزيارة محمد علي وتهنئته بمناسبة سقوط عكا، # 28 # وكان يطيب له أن يسمى محمد علي بعد صدور فرمان الباب العالي بعزله «بنائب ~~السلطان سابقا»، أو «بالنائب الثائر»، ولكن موقف باركر لم يكن يترجم بحال ما عن موقف وزارة ~~الخارجية بلندن، فإن بالمرستون الذي ارتقى إلى منصب وزير الخارجية وتسلم أختامها في نهاية ~~1830م لم يكتف بتوبيخ باركر أشد توبيخ لاجترائه على تعجل خطة حكومة جلالة الملك نحو محمد علي # 29 # والاندفاع من تلقاء نفسه ms108 في سياسة لم يقرها رؤساؤه، بل استبدله بعد قليل ~~بالكولونيل باتريان كامبل، # 30 # وهو بلا ريب أقدر مندوبي إنجلترا في مصر في عهد محمد علي وأكثرهم فهما لحقائق ~~الأمور. # ولكيما يستر فتوحاته بستار يجعلها بعيدة عن إثارة الشكوك والانزعاج في نفوس الدول ~~الغربية؛ فإن نائب السلطان الذي ما برح يسمي نفسه بهذا الاسم مهما تبرأ منه مولاه راح ~~يضم أساس مشروع متناقض كان قد سبق أن عرضه على بريطانيا العظمى، هذا المشروع هو أنه ما زال ~~في أعماق قلبه خادما أمينا للإمبراطورية العثمانية إن لم يكن للسلطان العثماني نفسه، وأنه ~~إنما قام بما قام به لخير الباب العالي ولرفعة مجده، وأنه لا يطمع بحال ما في الاستقلال أو ~~الانفصال عن الإمبراطورية، وأنه إذا كان قد فتح سوريا فليس إلا لتوطيد دعائم الحكم التركي، # 31 # ولكن وقد أثبتت التجارب أن السلطان محمود قد أصبح عاجزا عن قيادة الشعب التركي ~~إلا في طريق الهزيمة والخسران، ونظرا لأن الديوان قد تملكت من نفسه البغضاء ومن الرجل ~~الوحيد - ألا وهو محمد علي نفسه - الذي في وسعه إنقاذ الإمبراطورية من الخراب، إذن فقد أصبح ~~واجبا محتما عليه بصفته تركيا مخلصا أن يخلع محمودا من على العرش وأن يجلس مكانه نجله ~~الأصغر عبد المجيد، على أن يكون له ديوان يكفل تسيير شئونه في طريق الحكمة والرشاد، # 32 # وفي شهري أغسطس وسبتمبر قام محمد علي بتجربة لإلغاء شارة البيادة الوحيدة ~~للسلطان محمود على مصر، فبحجة أن العملة التركية قد أصابها التدهور منذ سنوات عديدة، وأنها ~~آخذة في الاضمحلال المستمر، بحيث تسير من سيئ إلى أسوأ فقد أمر محمد علي بأن يقف التعامل ~~بها في كافة أنحاء مصر؛ وذلك لمنع حلولها محل العملة الأوروبية والمصرية المتداولة في ~~البلاد. ولم تكن لهذه التجربة أي صلة بالقانون المشهور الذي وضعه جريشام، وفي الحق كانت ~~محاولة محمد علي هذه محاولة تدل على منتهى الذكاء؛ فقد تمكن تحت ستار الإصلاح الاقتصادي ~~من أن يعلن للشعب المصري أنهم لم يعودوا يحكمون باسم السلطان ms109 محمود. # كانت المباحثات في الوقت نفسه متواصلة بين الإسكندرية والآستانة؛ فإن السلطان قد بعث ~~مندوبين في نهاية عام 1831م إلى القطر المصري حيث استقبلوا بكافة مظاهر الحفاوة ~~والتبجيل، ولكن المباحثات نفسها استمرت طيلة الشهرين التاليين، ولم تسفر عن شيء ثابت سوى ~~الدخان المتصاعد من الجبلين اللذين ظل الرجلان يتسليان بتدخينه يوما بعد يوم في قصر نائب ~~السلطان، ثم دارت المفاوضات بطريقة غير مباشرة بواسطة قبطان باشا التركي. وفي شهر سبتمبر ~~أبلغ محمد علي المستر باركر أنه لم يتسلم ردا شافيا، وأنه لم يبق أمامه إلا مواصلة ~~الزحف على الآستانة، وأنه قد وصلته أنباء سرية بأنه «لا يوجد الآن ما يعوقني أن أفعل هذا.» # 33 # على أنه كان برغم ذلك على استعداد لأن يفتح باب المفاوضة في شهر نوفمبر مع ~~أي رسول يروق للسلطان أن يرسله إلى الإسكندرية. # 34 # وأرسل يوصي ابنه إبراهيم بألا يعلن انتهاء حكم السلطان في سوريا ما لم يحصل أولا على ~~فتوى من رجال الشرع المحليين بأن السلطان محمود قد خلع لعدم لياقته للحكم. # 35 # على أن السلطان كان تحت ستار هذه المحاولات يعد العدة لبذل مجهود نهائي لطرد قوات ~~الوالي الثائر من سوريا. وفي الواقع لم تكن مفاوضاته إلا ذرا للرماد في عيني العدو ~~لتخدير أعصابه وليلهينه عن مواصلة الزحف على الآستانة أو مضاعفة قواته ريثما تتم ~~الاستعدادات التركية. # أما إبراهيم فكان قد وصل بجيشه شمالا إلى قونية، حيث اضطر لوقف الزحف بسبب تخوف أبيه ~~من أن تؤدي مواصلة الزحف إلى تدخل الدول الغربية، وفي نهاية سنة 1832م تولى رشيد محمود ~~باشا الصدر الأعظم بنفسه القيادة ضد إبراهيم. # وكان الجيش التركي كثير العدد تسنده وحدات قوية من البوسنة وألبانيا، وفي 21 ديسمبر ~~التحم الجيشان بالقرب من قونية فلم تلبث الخيالة التركية أن غادرت المعمعة، بينما المشاة قد ~~سمح لهم بالهجوم إلى أن تبينوا فجأة أنهم بين نارين وقد هزموا شر هزيمة، ووقع الصدر ~~الأعظم نفسه في الأسر، ومن ثم صارت الطريق إلى الآستانة مفتوحة ولا مدافع ms110 عنها، فاستقر ~~رأي إبراهيم على مواصلة الزحف فورا على أمل مواجهة أوروبا بالأمر الواقع وهو خلع السلطان، ~~ولكنه تلقى في قوتاهية كتابا من أبيه يأمره بالتوقف أينما كان. # وقد كان هذا القرار بناء على التدخل الأوروبي الذي كان يخشاه محمد علي منذ زمن، فإن ~~الإشاعات راجت في 12 يناير سنة 1833م ووصلت إلى إسكندرية بأن الأتراك قد قبلوا المحالفة ~~التي عرضتها روسيا عليهم، # 36 # وكانت هذه الإشاعات سابقة في الواقع لأوانها؛ ذلك لأن قيصر الروسيا وإن كان قد ~~عرض فعلا على السلطان أن يعضده ببعض قواته العسكرية المسلحة ضد محمد علي إلا أن العرض لم ~~يكن قبل فعلا، ولكن لم تمر سوى أيام قلائل حتى وصل إلى الآستانة أحد الضباط الروس ألا ~~وهو اللبوتونانت جنرال مورافييف يحمل تعليمات بأن يذهب رأسا إلى الإسكندرية ليطلب إلى نائب ~~السلطان أن يكف عن زحفه ضد تركيا، فوصل إلى الإسكندرية في يوم 13 يناير، وفي صباح اليوم ~~التالي حظي بمقابلة نائب السلطان مقابلة قصيرة، ولم يقدم الجنرال إلى محمد علي مستندات ~~رسمية من أي نوع، ومن ثم أذيع أنه جاء كوسيط في الصلح، ولكن كان السائد على الأفهام أن ~~مهمته تنحصر في مطالبة محمد علي بالانسحاب من كرامانيا وسوريا، وأن يسلم أسطوله إلى السلطان ~~وأن يخفض جيشه إلى 20000، وبعد يومين، وكذلك في يوم 18 يناير حظي بمقابلة نائب السلطان ~~وحادثه مليا وكان حديثهما سريا، وقد أذعن محمد علي ووعد بأن يقدم خضوعه للسلطان، وأن ~~يقف القتال كدليل على حسن نيته. # 37 # وكان الديوان التركي يتطلع بطبيعة الحال في تلك الساعات العصيبة إلى معونة إنجلترا بصفتها ~~حليفته التقليدية لا إلى روسيا عدوته اللدودة القديمة، ولهذه الغاية أرسل إلى لندن رسولا ~~خاصا للحصول على مساعدة بعض البوارج البريطانية، ولكن بالمرستون لم يكن على استعداد ~~للتورط في عمل معين من هذا القبيل، فرفض وترتب على هذا الرفض أن السلطان محمود قرر ~~برغم إرادته أن يتفق رأسا مع نائبه الثائر، ومن ثم وصل إلى الإسكندرية في 21 يناير ms111 خليل ~~قبطان باشا يحمل اقتراحات لعقد الصلح. # وكانت مقابلة نائب السلطان للقبطان باشا محاطة بكافة مظاهر التبجيل والأبهة؛ فلقد تقدم ~~ضابطان من كبار ضباط محمد علي من القبطان باشا وتأبطا ذراعيه لمساعدته على ارتقاء درج قصر ~~رأس التين، أما محمد علي نفسه فقد نزل إلى نصف الدرج لاستقبال زائره ولم يسمح له بتقبيل ~~يده، بل عانقه وقبل وجنتيه. ومن هناك قصدا إلى حجرة الاستقبال، ويد كل منهما في يد ~~الآخر، بينما طوق خليل باشا بذراعه الطليق وسط الباشا الهائل، ولما استقر بهما المقام جلس ~~خليل باشا راكعا على ركبتيه مبالغة في الاحترام، وكانت هذه الرسميات بمثابة تمهيد طبيعي ~~لما سيعقبها من محادثات طويلة مملة وبعيدة عن الإخلاص. # ونتساءل هنا: ماذا عسى كان محمد علي يطمح إلى نيله من شروط الصلح، لقد كتب إليه إبراهيم ~~من معسكره في كوتاهية يقترح عليه سلسلة مطالب، وقد ذكر في رأسها الاستقلال باعتباره «مسألة ~~جوهرية بالنسبة لنا تفوق في أهميتها كافة المسائل الأخرى.» ثم طلب ضم الأناضول وكليكية؛ ~~نظرا لما فيهما من الخشب اللازم لمصر والذي لا بد لها من ابتياعه من الخارج إذا أصرت ~~على الاحتفاظ بأسطولها، وطلب في النهاية جزيرة قبرص كقاعدة صالحة للأسطول، أما بغداد فقد ~~كانت في نظره قليلة الأهمية، ثم إنها بعيدة وفقيرة. # 38 # وقد كانت هذه الطلبات مرغوبا فيها من وجهة النظر المصرية، ولكن كان بديهيا أن هذه لا ~~يمكن أن يطالب بها إلا الفريق الغالب أو بعبارة أخرى لا يمكن تحقيقها إلا بتوفير القوة ~~المتفوقة، ولم يكن ثمة من سبب يحمل أوروبا على الموافقة على مطالب كهذه؛ إذ تبين لها أنها ~~غير مرغوب فيها من الناحية السياسية. # وللمقارنة النافعة بوجهة نظر إبراهيم هذه نذكر تلك التعليمات التي بعث بها بالمرستون في ~~الوقت نفسه إلى الكولونيل كامبل؛ فقد كتب يقول: «إن حكومة جلالة الملك تعلق أكبر أهمية ~~على صيانة أملاك الإمبراطورية العثمانية؛ لأنها تعتبر أن سلامة تلك الدولة عنصر أساسي في ~~التوازن الدولي في أوروبا. فمن رأيها أن كل ms112 انتقاص خطير من الأملاك الآسيوية التابعة ~~للسلطان، وما يترتب على ذلك من الموارد التي لا غنى عنها لجلالته؛ مما يكفل الدفاع عن ~~أملاكه في أوروبا، من رأيها أن ذلك كله لا بد أن يؤثر بالنسبة عينها في موقفه إزاء ~~الدول المجاورة لها، وهو ما لا بد أن تكون له عواقب ضارة خطيرة على مصالح أوروبا العامة؛ ~~ولذا ترى حكومة جلالة الملك أن ليس من المهم أن تحول دون تمزيق أوصال الإمبراطورية ~~العثمانية فقط، بل أن تعارض حتى في فصل بعض ممتلكاتها، وكان من المستحيل بداهة إعادة الحال ~~إلى ما كانت عليه؛ ولذا كان خير حل للإشكال أن تعطي سوريا لمحمد علي في مقابل شروط خاصة ~~بالحربية والتجنيد مما يترك موارد الباب العالي كاملة غير منقوصة.» # 39 # أما الحقيقة التي لا مراء فيها؛ فهي أن عجلة إبراهيم واعتماده على الحسام برغم تجاربه ~~القاسية في المورة كانا سببا في انقلاب الأمور عليه وترجيح كفة الميزان ضد ما كان يجيش في ~~صدره وصدر أبيه من المطامع الكبيرة؛ لأن الآستانة عندما سمعت باعتزامه الزحف عليها على أثر ~~إرسال خليل باشا إلى الإسكندرية وقعت في حيرة وأدركها الهلع الحقيقي الذي لا يرى فيه ~~الإنسان أي مبالغة، فلم يكن هناك جيش تركي منظم يصد إبراهيم عن الزحف، بل كل ما كان هناك هو ~~الوحدات المهشمة التي بقيت بعد اندحار جيش رشيد باشا للصدر الأعظم؛ لذلك خيف طبعا أن ~~يؤدي زحف إبراهيم إلى إيقاظ الفتنة النائمة، ومن ثم يساعد أعوان محمد علي على توسيع الخرق ~~إلى أن تعم الفتنة العمياء، فتحرق الأخضر واليابس، فيتمزق شمل الإمبراطورية ويتزلزل العرش ~~وتسقط الوزارة، وقد يكون نصيب الوزراء في ذلك الانقلاب أن يعجل إبراهيم منيتهم؛ لهذا ولى ~~الوزراء في هلعهم وجوههم شطر الروسيا التي كانت عرضت قبلا مساعدتها العسكرية؛ فتوسلوا ~~إليها أن ترسل على الأقل 20000 جندي لإنقاذ الآستانة فلبت روسيا الرجاء، وهي أشد ما تكون ~~فرحا واغتباطا، وحتى بعد أن عاد موزاييف من الإسكندرية وهو يحمل البشرى بأن زحف ~~إبراهيم ms113 قد وقف، وحتى بعد أن أكد مندوبا إنجلترا وفرنسا للباب العالي بأن المعونة ~~العسكرية لم يعد لها معنى أو حاجة؛ فإن الباب العالي ما زال رافضا سحب توسله إلى ~~روسيا، وكانت النتيجة أن جيش روسيا بدأ يعسكر على ضفة البسفور الآسيوية. # وفي الواقع أن إبراهيم ارتكب شططا كبيرا بعمله هذا؛ فإنه لم يقتصر على إثارة روسيا ~~وحدها، بل أثار الدول الغربية على بكرة أبيها، فبعد أن كانت طيلة المراحل الأولية في الحرب ~~السورية واقفة موقف المتفرج ترقب مجرى الحوادث دون أن تحاول التأثير فيها رأت نفسها الآن ~~مضطرة إلى التدخل بعد أن لم يعد منه مناص، وقد رأت الدول المذكورة أن لا مفر من موضع ~~نهاية لهذه الحرب السورية لتبديد مخاوف الآستانة أولا، وللتخلص من الروس بأسرع ما يمكن ~~ثانيا، ولوقاية الأتراك إذا سمح القدر من مغبة العواقب الناشئة عن سوء تصرفاتهم ثالثا. ~~وذلك خوفا من أن يؤدي تمزيق إمبراطوريتهم إلى إشعال النار في أوروبا. # وعبثا حاول محمد علي أن يصلح زلة ابنه بإحياء مشروعه القديم؛ وهو تجنيد الإمبراطورية ~~وبعثها من موتها عن طريق الثورة، ولم يخطر له أن ينادي باستقلاله، لا بل أكد لكامبل أن ~~إنجلترا وفرنسا بتقديمهما المساعدة له إنما يؤيدان السلطان في الواقع بأحسن وسيلة فعالة مستطاعة. # 40 # وقد جاء في المذكرة التي دفع بها إلى كامبل «أن التأمل الهائل والنظر الثاقب يدلان على أن ~~الحكم التركي قد نخره السوس من كل جانب، وأن قواعده قد أصبحت عرضة للانهيار، وأن موارده ~~المادية والأدبية قد نفذت، وأن الأمة قد أشاحت بوجهها عنه وأصبحت تزدريه.» # 41 # لا بل إن سمعته انحطت في نظر أهالي الآستانة أنفسهم، وأصبحوا يشكون فيه ~~ويرتابون؛ لأنه لم يعد يستطيع حماية نفسه ولا حماية الأمة، وبالجملة فإنه قد ترك نفسه ~~ألعوبة في يد الأقدار وأصبح فريسة جاهزة في براثن روسيا، # 42 # ولكن مزاعم الباشا - وإن كانت في الواقع لم تعد الحقيقة كما كانت تعرفها ~~أوروبا المعاصرة - إلا أن الساسة في الغرب لم يكونوا ميالين إلى ms114 التسليم بأن محمد علي هو ~~الشخص الوحيد الذي يستطيع بعث الإمبراطورية العثمانية من موتها - بل إن الأمم الأوروبية ~~قد تبادر بتقديم المعونة اللازمة للسلطان؛ لأن الاحتفاظ به دون أن يلحق به كبير ضرر قد ~~خيل إليها أنه أعود بالفائدة وأكفل بتحقيق المراد من حيث إقصاء الروس وإبعادهم عن ذلك ~~الموقف الغريب الذي لا نظير له في الماضي، وهو تظاهرهم بشد أزر الأتراك؛ هذا أكفل لتحقيق ~~المرغوب من كافة ما لدى إبراهيم من القوات والعتاد. # ونظرية أخرى حاول الباشا التشبث بها، وهي بمبدأ تقرير المصير «كما ينبغي أن نسميه ~~اليوم»، وهذا لعمرك من الأمثلة اللطيفة على السهولة الكاذبة التي يستطاع بواسطتها تسخير ~~المبادئ السياسية المعروفة في الغرب في شهر أعمال تختلف كل الاختلاف من حيث الجوهر؛ فلقد ~~زعم محمد علي أنه إنما فعل ما فعل باسم أئمة «الإسلام» ولتبرير هذه الدعوى لفت نظر ابنه ~~إبراهيم إلى ضرورة الحصول على فتاوى من علماء سوريا بأن السلطان محمود عزل أو ينبغي عزله؛ ~~لأنه غير أهل للحكم. # وقد أجاب إبراهيم على ذلك بأن بين له أن من خطل الرأي أن يتوقع موافقة علماء دمشق على ~~رفض سيادة السلطان قبل أن تصبح هذه السيادة لشخص آخر يحل محله ويدعم حقه فيها بالقوة. ومن ~~ثم نشأت صعوبة أخرى عن وجود قناصل للدول الأجنبية في كافة أنحاء سوريا، وألا سبيل للحصول ~~على الفتاوى المذكورة دون أن تردد الألسنة ذكر الوسائل التي لا يمكن الحصول على الفتاوى ~~المذكورة بدونها، على أن ما لم يمكن الحصول عليه في سوريا بدون فضيحة وما بذل في سبيله من ~~استعمال الرشوة والضغط يمكن طبعا أن يقال عن الجهات النائية التي لم يكن للدول قناصل ~~فيها، وقد ظهر تصريح منسوب إلى جماعة من الأكراد الضاربين على شواطئ البحر الأسود، وقد ~~نقضوا ولاءهم للسلطان ونادوا بدخولهم تحت حكم باشا مصر، وكان من المدهش حقا كما لاحظ ذلك ~~قنصل فرنسا الجنرال أن يصدر مثل ذلك التصريح من ولاية لا يستطيع محمد علي أن يحميها ضد ms115 ~~أعوان السلطان في الوقت الحاضر على كل حال، وأن يتمكن واضعو التصريح من السفر عن طريق ~~أنقرة دون أن يلحقهم أذى أو ضرر. # 43 # على أن أمثال هذه النظريات لم يكن لها تأثير قائم أمام الأوروبيين؛ فلقد كان في وسع ~~الباشا أن يزعم بأنه موضع العطف العام بقدر ما كانت أوروبا تعطف على البلجيك أو اليونان، ~~ولكن عباراته الساحرة ولسانه الجذاب لم يكن ليخفي عن الناس هذه الحقيقة، وهي أن الباشا كان ~~يعمل في الواقع لحساب نفسه؛ وذلك لأنه لم يكن يمثل أمة معينة تكافح من أجل حريتها، ثم إن ~~تفوقه على تركيا من الوجهة العسكرية لا يجعله محلا لأي عطف خاص، فإذا كانت له دعوى - ~~إذا صح أن نسميها بهذا الاسم - فمرجعها إلى تفوق النظام وضمانة العدالة واطراد الأحوال ~~في بلاده، وهي أمور ربما استطاع إدخالها في فتوحاته الجديدة كما أدخلها في مصر من قبل، وحتى ~~لو تمكن من ذلك ألم يكن في استطاعة الساسة الغربيين - ما دامت إدارته سوف تكون شرقية ~~حتما - أن يجدوا دائما فرصا عديدة للتجريح والتشكيك ... إذن فالضرورة السياسية كانت الوجهة ~~الوحيدة التي يمكن من ناحيتها بحث الموضوع في كل من باريس ولندن. # واتحدت على الأقل وجهتا النظر الفرنسية والإنجليزية اتحادا تاما، لا على ضرورة إقصاء ~~ذلك النفوذ الروسي الذي ظهر فجأة على ضفاف البوسفور، بل وعلى ضرورة وقف زحف إبراهيم الذي ~~ولد في قلب الباب العالي ذعرا خارجا عن حد المألوف، ومن ثم طلبتا إلى محمد علي ~~الانسحاب من آسيا الصغرى، بل وذهبتا إلى أبعد من ذلك بأن هددتاه في حالة عدم الإذعان بضرب ~~الحصار على الإسكندرية. # 44 # على أنه بينما كان بالمرستون معارضا كل المعارضة في أي تغيير في مركز الباشا من حيث ~~تبعيته الصورية لتركيا؛ فإن الفرنسيين كانوا على العكس ميالين لمداعبة فكرة الاعتراف به ~~حاكما مستقلا يوما ما على شاكلة الباي في ولايات البربر على أمل التوصل إلى حمله يوما ~~ما على قبول شروط غير مقبولة لديه بدون إبداء كثير من ms116 الغضاضة، بل لقد أرسلت مندوبا إلى ~~الإسكندرية وهو خطأ جعل ممثل النمسا يتساءل عن مركز ذلك المندوب وفي أي بلاط يمثل الدولة ~~التي أرسلته، وإذ ذاك اضطر قنصل فرنسا الجنرال إلى التصريح بأنه لا يختلف مركزه عن مركز ~~مندوب موفد بمهمة خاصة. # 45 # وهكذا بينما كانت الدول الغربية تسعى إلى التحايل على نائب السلطان أو تهديده لحمله على ~~سحب جنوده إذا بالباب العالي يسلم فجأة بمطالب محمد علي إلى حد أنه منحه جزيرة كريت ~~والأربعة ألوية السورية محتفظا فقط بإقليم أطنة. وقد وردت الأنباء بهذا في يوم 16 أبريل، ~~واستقبل رسول السلطان في مصر قنصلي إنجلترا وفرنسا الجنرالين، وما كاد ينتهي رسول السلطان ~~من تبليغ ما يحمله من التعليمات الخاصة بتنازل الباب العالي عن الألوية المذكورة حتى «نهض ~~الباشا وعيناه مغرورقتان بدموع الفرح، ثم خرج عن كل ما له علاقة بالوقار التركي وضحك ضحكة هستيرية.» # 46 # ولا ريب في أنه اعتقد أن هذا التسليم علامة على أن الباب العالي قد تولاه ~~الضعف، وأنه لا بد من أن يسلم بأطنة أيضا بعد قليل من الزمن، ولكن فرنسا وإنجلترا والنمسا ~~ما فتئت تلح على محمد علي بضرورة التسليم والإذعان ، وأخيرا أعلن على رءوس الأشهاد «أنه على ~~أتم استعداد للعدول عن المطالبة بحكم أطنة، وأن يقطع فوق ذلك عهدا لكافة الدول العظمى بأن ~~يظل إلى الأبد الخادم المطيع للباب العالي، وألا يعكر مزاج مولاه بحال ما بشرط أن يعلن ~~الباب العالي من ناحيته أمام مندوبي الدول بألا يحاول مطلقا أن يسحب الحقوق التي سبق منحها ~~له أي لمحمد علي.» # 47 # وبعد أيام قلائل صرح محمد علي أمام «المندوب الخاص» الفرنسي بنفس الروح السابقة، فقال: ~~«أنا رجل مسالم لا يرمي إلى غرض آخر سوى أن يكرس بقية أيامه في سبيل سعادة البلاد التي ~~حكمها الآن، إنهم يطلبون برهانا على أن هذه نياتي، وإني أقدم لهم البرهان بأن أتوسل إلى ~~أوروبا أن تحمي تركيا من أي اعتداء يأتي من ناحيتي، وأن تحميني في الوقت نفسه ms117 من أي اعتداء ~~يأتي من ناحية تركيا.» # 48 # وقد دارت هذه المفاوضات بكثير من الفتور، ولكنها كانت بمثابة فرصة ثمينة سنحت للباشا ~~لإظهار نياته والتصريح بآرائه؛ لأن الباب العالي قرر في يوم 3 مايو التنازل عن أطنة ~~أيضا. وهكذا سويت كافة المسائل المختلف عليها اللهم إلا مقدار الجزية التي يدفعها ~~الباشا عن الولايات التي تنازلت له تركيا عنها، ولكن الاتفاق قد تم في سبتمبر التالي على ~~هذه المسألة أيضا، وهو يتلخص في أن يدفع الباشا 30000 كيس سنويا عن مصر وأطنة وسوريا وطورسوس. # 49 # وهكذا وضعت الحرب السورية أوزارها دون أن تعود على أحد بفائدة؛ فالسلطان قد خرج منها بعار ~~الهزيمة على أيدي أحد باشواته الثائرين، بينما لم يحقق محمد علي أحلامه لا من حيث ~~الاستقلال ولا من حيث المركز الممتاز في البلاط العثماني. وبينما كانت الدول الغربية حانقة ~~على انتصارات إبراهيم التي فتحت ثغرة نفذ منها الجنود الروس كانت روسيا نفسها متألمة؛ لأنها ~~لم توطد أقدامها كما ينبغي على ضفاف البسفور، على أن روسيا على كل حال لم تنسحب إلا بعد أن ~~نالت بمقتضى بند سري وارد في معاهدة «أونهكيار يوكليس» المعقودة في 8 يوليو الحق في إقفال ~~بوغاز الدردنيل في وجه البوارج الأجنبية، ولعل هذا على الأرجح هو السر في ذلك التشكك الغريب ~~الذي كان بالمرستون ينظر به إلى سياسة محمد علي. وحتى قبل توقيع المعاهدة المذكورة كان ~~بلمرستون غير ميال لمشروعات محمد علي، وإن لم يكن شديد المعارضة فيها. وفي هذا الصدد كتب ~~بالمرستون يقول: «إن غاية محمد علي الحقيقية ترمي إلى إنشاء مملكة عربية تضم كافة البلاد ~~التي تتكلم العربية، وقد لا يكون هناك وجه للخطر من تحقيق هذا المشروع في حد ذاته، ولكن لما ~~كان تحقيقه يتضمن تمزيق شمل تركيا ولم يبق لنا مناص من معارضته، ومن جهة أخرى لا فرق بين ~~أن تضع تركيا يدها على طريق الهند وبين أن تكون تلك الطريق في يد ملك عربي قوي.» # 50 # وهذه الخطة طبيعية حيال الأحلام ms118 التي كانت تجيش في صدر رجل كانت مطامعه سببا ~~في إثارة مسألة من أعقد المسائل الأوروبية في شكلها الحاد. وهكذا أصبح من غير المحتمل أن ~~يتم ذلك التعاون في المستقبل بين إنجلترا ومصر - وهو ما كان يطمح إليه الباشا - بسبب ضعف ~~تركيا أو بسبب ما بين الدول الأوروبية من التنافس. وليس من ريب أن التمسك بأي مبدأ سياسي ~~كالمطالبة بالاستقلال الوطني أو بإحلال الحرية السياسية محل الظلم والاستبداد - نقول: لا ~~ريب في أن شيئا من هذا القبيل يصلح لأن يتخذه قاعدة لإثارة القلاقل السياسية، ويمكن على ~~الأقل أن يستخدم في اكتساب العطف العام من الشعوب الأخرى - ولكن مجرد المطالبة بإحلال حكم ~~أوتوقراطي صالح محل آخر فاسد لم يكف لإثارة أي عاطفة في صدر حزب الأحرار - ومما يدعو إلى ~~الأسف حقا أن عملية الإصلاح التي بدأها محمد علي وما ترتب من النتائج الحسنة على الحكم ~~الفردي الجاف المنظم وقدرته على أن يدخل في شعب كالشعب المصري مركب من عناصر غير متجانسة، ~~وذلك الشعور المشترك الذي لا سبيل للوطنية بدونه، لا بل إن عوامل التمدين التي كانت تتجلى ~~تدريجيا في إدارته نقول إن مما يدعو إلى الأسف أن ذلك كله قد تنوسي فيما كانت ~~تردده الألسن عن قسوة نظام الجندية الإجباري والشدة التي كانت تتجلى في عقوباته والإرهاق ~~الذي ظهر أثره في امتيازاته، ولا ينبغي ألا نتنحى باللائمة الشديدة على بالمرستون؛ إذ لم ~~يكن قد فهم حق الفهم أهمية حكم محمد علي الذي لم يكن في رأيه سوى الرجل الذي كادت مطامعه ~~البعيدة أن تثبت تقدم الروس في مركز خطير على ضفاف البوسفور. # الفصل الخامس # | فكرة إنشاء إمبراطورية والطرق البرية # كان بالمرستون - على نحو ما مر بك - هو الذي عزا إلى محمد علي فكرة إنشاء «إمبراطورية ~~عربية» تضم شمل كافة الأصقاع التي تنطق بالعربية. ومثل هذه الرغبة كان بديهيا أن تجيش في ~~صدر نائب السلطان؛ فإن فتح سوريا بعد أن دانت له الأمور في مصر والحجاز والسودان لم يترك ~~أمامه ما يستحق ms119 الذكر من العقبات في سبيل تحقيق تلك الرغبة؛ إذ لم يبق لإتمام ذلك ~~التوسع الإقليمي إلا أن يحتل الطرق والخليج الفارسي وجنوبي بلاد العرب. وبديهي أن قطرا من ~~تلك الأقطار لم يكن مغريا من الناحية الاقتصادية، اللهم إلا إذا استثنينا مصايد اللؤلؤ في ~~جزيرة البحرين في أنها من الناحية العسكرية آهلة بقبائل رحالة أو شبه رحالة لن ترضى بسهولة ~~عن إنشاء حكومة نظامية، وخاصة إذا كانت مصحوبة بفرض ضرائب مقررة وسن قانون للخدمة العسكرية ~~الإجبارية. ولكن هذه الأصقاع إذا لم تكن قيمتها كبيرة إلا أن احتلالها كان له من الناحية ~~الأخرى مزايا معينة؛ لأن احتلال الطرق يجعل أملاك نائب السلطان متاخمة لإيران، ثم إنه ~~بواسطة إيران يصبح قريبا من أواسط آسيا، أما احتلال جنوبي بلاد العرب فإنه يكفل له السيادة ~~على البحر الأحمر من ناحية والخليج الفارسي من الناحية الأخرى، ولهما ما لهما من المزايا ~~العسكرية في جميع الأزمان والعصور بحيث إنه قد يستطيع أن يحظر على العمارات البحرية ~~الإنجليزية الموجودة في الشرق المرور فيهما. # وبالجملة فإن ذلك التوسع وإن لم يؤد إلى زيادة موارد محمد علي المادية زيادة تذكر، قد ~~يضاعف كثيرا من نفوذه السياسي ويزيد هيبته، وكان يعتقد - وبحق - أن جنوبي بلاد العرب لن ~~يمكن أن تثبت طويلا أمام قوة منظمة، وأن بغداد على الأكثر لن تبدي مقاومة ما؛ لأن الحالة ~~العامة في الأقاليم كانت حالة تعاسة وبؤس لا نظير لهما. وقد كتب الكولونيل تيلور وكيل شركة ~~الهند الشرقية بهذه المناسبة يقول: «إن الأهالي من فرط بؤسهم يتطلعون إلى إبراهيم.» # 1 # أما تجار بغداد فإنهم لا يرون حدا لأطماع الحكومة التركية وميلها إلى ~~السلب والنهب إلا تخوفها من وصول الجنود من الهند، وقد استهجنوا قرار بالمرستون بمنع ضم ~~إقليمهم إلى ما أصبحوا فعلا يسمونه «بالخلافة المصرية». # 2 # وفي الواقع لو استطاع محمد علي أن ينادي باستقلاله لإحياء الخلافة المصرية من جديد؛ فإنه ~~كان يشرف على إدارة الحجاز، وهو المكلف بحمايته ضد المطامع الخارجية. ومهما كان شأن ما ~~حاكه ms120 رجال الدين من ضروب الخبث والدهاء حول مركز الخليفة الديني؛ فإن الجمهور كان يعتقد أن ~~خلافة السلطان لن يمكن أن تظل طويلا بعد أن أفلتت منه سلطته الاسمية على مكة والمدينة؛ ~~فالسلطان - كما كتب إبراهيم إلى أبيه - لا يمكن أن يذكر اسمه بعد اليوم في خطبة الجمعة أو ~~يشار إليه باعتباره خادم الحرمين، # 3 # وحتى قبل نشوب الحرب السورية رددت الألسن في مصر أن شريف مكة على وشك أن يذيع ~~منشورا بأن «من يملك الكعبة ويذود عنها هو الذي يصح أن يسمى بحق حامي حمى الملة المحمدية.» # 4 # ثم إلى جانب الاستيلاء على الحجاز قد كانت لمحمد علي السيطرة على مركز خطير آخر من مراكز ~~النفوذ في العالم الإسلامي وهو القاهرة؛ لأن مكة وإن كانت تعتبر مهد الدين الإسلامي من ~~الناحية الروحية إلا أنها لم تكن مركزا للثقافة أو العلم الإسلامي؛ فلم يكن فيها مدارس ~~تذكر ولا مكاتب كبيرة يلجأ إليها طالب العلم، بل لم يكن فيها مكان واحد لبيع الكتب أو ~~تجليدها. نعم؛ لقد كانت المحاضرات تلقى في المسجد الأعظم، ولكن لم يكن يلقيها أحد من ~~علماء الإسلام الأعلام ... هذا فضلا عن أن القليلين الذين حضروا لاستماعها لم يخرجوا عن ~~كونهم شرذمة من جهلاء الهنود والمالاي والعبيد . # 5 # ولكن القاهرة ودمشق كانتا وقتئذ قاعدتي الثقافة الإسلامية، وقد كانت المدينتان في قبضة ~~محمد علي، وهذا ما جعل له أهميته خاصة في العالم الإسلامي، فلو أنه استطاع ترقية هاتين ~~المدينتين وجعلهما مركزا للثقافة العربية لا للثقافة الإسلامية فحسب، ولو أنه جعل نفسه ~~محاميا للقضية العربية ضد القضية التركية؛ نقول: لو أنه فعل ذلك لتوصل إلى إيجاد روابط ~~للاتحاد بين البلاد التي يحكمها أقوى بكثير من روابط الخضوع لسيد مشترك. # ولقد وجه بعضهم إلى محمد علي قوارص اللوم على تهاونه في تحقيق هذه الفكرة، ولكن صاحب ~~ذلك الانتقاد تناسى بعض العوامل الرئيسية في الحالة العامة كما كانت وقتذاك؛ فإن الإسلام ~~كدين من الأديان لم يشجع مطلقا على ظهور القومية أو العنصرية؛ فإن ms121 صفته العامة قد أضعفت ~~بدلا من أن تتقوى ما بين الأجناس من اختلاف في الثقافة مما كان يمكن أن يتحول يوما ما ~~إلى خلال وطنية. ومما يلفت النظر حقا أن الحكام الوطنيين - حتى بعد مرور قرن بأكمله لعبت ~~فيه الآراء والأفكار الغربية دورها - كانوا يشعرون بما تقيمه أمامهم تعاليم الدين الإسلامي ~~من العقبات بسبب غاياته العامة التي لا حصر لها. وليت الأمر وقف عند هذا الحد، فلم تكن بين ~~الأمم العربية إذ ذاك روابط مشتركة عدا رابطة اللغة ورابطة الخضوع لسيد واحد؛ فالسوري ~~والمصري والعربي المتنقل والفلاح والعلماء والكافة، كل أولئك كانوا منقسمين فيما بينهم ~~بسبب العادة والتقاليد أو الآراء المحلية إلى حد أنهم لم يكونوا ميالين إلى التسليم برابطة ~~أخرى غير رابطة الدين، وهذا ما جعل محمد علي يظهر بمظهر المدافع عن الأمة الإسلامية بدلا ~~من الأمة العربية التي لم يمكنه حتى التفكير فيها، وهذه حقيقة اقتنع بها إبراهيم؛ فقد ~~تبين له أن الخلافات بين السوريين والمصريين أكبر وأشد من أن تجمع الفريقين في صعيد واحد ~~أو تجعلهم أمة واحدة. # أما محمد علي فكان يرى أن أهمية البلاد التي تتكلم العربية تنحصر في مزاياها العسكرية لا ~~فيما يمكن أن تؤدي إليه من احتمالات لم يكن يمكن التفكير فيها أو تصورها في عهده. # ففكرة الوطنية العربية لم تتولد وتظهر على المسرح السياسي إلا في أيامنا، ويرجع الفضل في ~~ظهورها إلى ازدياد النفوذ الغربي وانتشار التعليم ووجود الصحافة الشعبية، وفوق هذا كله إلى ~~سهولة طرق المواصلات. # فلم تكن فكرته متجهة إذن إلى إنشاء وحدة عربية داخل دائرة الإسلام، بل أن يصبح زعيم ~~الإسلام الأشهر المشار إليه بالبنان، وأن ينادي به الناس كإمام لهم. ولكن تحقيق هذه الفكرة ~~كان يقتضي إما خلع السلطان وتمزيق أملاكه أو قلب الديوان في الآستانة رأسا على عقب وإحلال ~~نفوذ محمد علي محل نفوذ خسرو باشا. أما موقفه فإنه كان دائما غامضا، وقد أصبح الآن أشد ~~غموضا، وخاصة بعد انتهاء الحرب السورية التي أسفرت عن انتصار إبراهيم ms122 الباهر. وقد كتب ~~كامبل يصف الموقف على حقيقته، فقال: «إنه تابع للسلطان من الوجهة القانونية ولكنه مستقل عنه ~~في الواقع، ومع أنه لا يفتأ يعلن أنه تابع وخاضع للسلطان إلا أن توكيداته هذه أقنعتني أنه ~~لا يرغب أن يعتقد غير ذلك عنه.» # 6 # ولقد طالما عززت الصحف الفرنسية والتصريحات الرسمية الفرنسية الأمل في نفسه ~~بأنه لو أعلن الاستقلال لقوبل ذلك الإعلان بكثير من العطف والتأييد. وكان يدفعه إلى ~~السير في ذلك الطريق نفسه ما كان يظهره السلطان ووزراؤه حياله من سوء النية الظاهرة - وهو ~~أمر كان طبيعيا - وبهذه المناسبة كتب كامبل بعد ذلك بأسبوع، فقال: «إن ما بدا من ناحية ~~الباب العالي أخيرا من التهديدات المصحوبة بالمظاهرات سوف يقوي عزيمة محمد علي في رغبته ~~الحصول على الاستقلال وتحقيق الغاية التي لا شك في أنه يعمل لها، ألا وهي إنشاء خلافة عربية ~~... وهو شديد الحنين إلى نيل السلطة والمجد طبعا، ويختلف عن بقية المسلمين بأنه مدفوع برغبة ~~شديدة في تخليد اسمه في صفحات التاريخ، ولا مناص من الاعتراف بأن النجاح كان على الدوام حليفه.» # 7 # وساعد مسلك السلطان في التجائه إلى الروسيا على اشتداد احتقار محمد علي واشمئزازه من ~~الطريقة التي تدار بها الأمور في الآستانة؛ لأنها أدخلت في دائرة النزاع عاملا لم يكن ~~يحسب أحد حسابه، ولقد كانت بمثابة طعنة فجائية لم تفتق له الحيلة وسيلة لدرئها، بل كان ذلك ~~المسلك أحد الأساليب القوية التي تجعله يشن الغارة على رجال الآستانة علنا، وألا يتورع عن ~~تقديم وتوجيه أشد عبارات النقد إليهم، وحسبك أن دعوة روسيا إلى مساعدة الباب العالي رجت ~~عواطف المسلمين رجة عنيفة وكادت تشق وحدتهم، وفي الحق أنها نفرت الناس جميعا، بحيث إن ~~الغازي الذي وصل أخيرا إلى القاهرة - والذي كان تعيينه في منصبه من الآثار البارزة الدالة ~~على سيادة تركيا على مصر - صرح بأن مهمته تقضي بإصلاح الأمور مع الباشا لإعادة المياه إلى ~~مجاريها، وأنه واثق من أن كثيرين من أصحاب الرأي في الآستانة ينظرون إلى محمد ms123 علي باعتباره ~~أكبر دعامة للإمبراطورية العثمانية فيما لو نشبت الحرب بينها وبين روسيا يوما ما، # 8 # فلو أمكن معادلة التحالف المعقود بين تركيا وروسيا بتفاهم بين مصر وإنجلترا ~~لكان في الاستطاعة تحقيق الأحلام التي كانت تجيش في صدر نائب السلطان منذ سنوات ~~عديدة. # ومن ثم قدمت مذكرة ممتعة وعلى جانب عظيم من الأهمية إلى قنصل إنجلترا العام لإبلاغها إلى ~~لندن، جاء فيها أن أول غاية يرمي نائب السلطان إلى تحقيقها هي اقتلاع نفوذ روسيا من تركيا، ~~وأن ينظم جيشا لا تنحصر مهمته في حمل روسيا على احترام استقلال تركيا وحدها، بل واستقلال ~~إيران أيضا، «أما الغاية التي كان يرمي إليها نائب السلطان من امتلاك سوريا فقد كان باعثها ~~النية السابقة؛ ولذلك كان يعلل نفسه بعد معركة قونية أن يحدث انقلابا في نظام الحكم في ~~الآستانة، بحيث يتمكن بمساعدة فرنسا وإنجلترا من التعجيل بإحباط مآرب روسيا، ثم استطردت ~~المذكرة بأن الباشا سوف يكون لديه قريبا جيش قوي يبلغ 150000 كامل العدد والعدد، وعلى ~~قدم الاستعداد للتعاون مع إنجلترا في المهمة المجيدة؛ مهمة تخليص تركيا وإيران من النير ~~الروسي، ثم انتهى الباشا بتوجيه خطابه إلى ما عرف عن الإنجليز من شيم العدالة وحب ~~الإنصاف؛ إذ كان يصح له في الوقت نفسه أن ينادي باستقلال مصر ، وهو ما عول على فعله فيما لو ~~استمرت عداوة الباب العالي له.» # 9 # وكان معتمدو إنجلترا في الشرق ميالين في ذلك الوقت للموافقة على تلك الاقتراحات، وإليك ما ~~كتبه بونسيني إلى كامبل في سنة 1833م؛ إذ قال: «إذا كانت روسيا مدفوعة بعوامل الأثرة ~~والأنانية؛ فالمرجو أن تكون قوة محمد علي في الجهة التي تقضي مصلحته باستخدامها فيها، أي من ~~يطرد من آسيا ومن كافة الأراضي التركية تلك الدولة التي إذا سمح لهما بغرس جذورها لتمكنت ~~قبل مرور وقت طويل من شل مجهودات شعبه المصري والعربي الجديد.» # 10 # بل إن كامبل كتب في العام التالي يقول: إن من رأيه «فيما يتعلق بصد روسيا ~~ووقف اعتدائها من ناحية آسيا ms124 أن إنشاء خلافة عربية برعاية محمد على قد يكون أقوى سد يمكن ~~إقامته لصد روسيا، بل لعل ذلك يكون أضمن من أي مقاومة يمكن أن يبديها الباب العالي، بل إن ~~محمد علي فيما لو اقتضت الظروف ذلك قد يقدم مساعدة عظيمة لإيران (إذا افترضت أنه استولى ~~على بغداد) فيما لو اشتبكت في حرب مع روسيا.» # 11 # ومن المحتمل أن هذه الآراء اتفقت إلى كراهية بالمرستون لسياسة روسيا والغايات التي ترمي ~~إليها؛ فلقد كان ينظر إليها باعتبارها الدولة الوحيدة التي يرجح نشوب الحرب بيننا ~~وبينها، ولطالما أبدى تذمره مما كانت تبديه من روح العداء في مختلف الأنحاء، وهي الروح ~~المستمدة من خلق القيصر شخصيا ومن هيأة الحكم الدائم فيها، وفضلا عن ذلك فقد كان يتلقى ~~في الوقت نفسه معلومات من أشخاص ليسوا تحت سلطة محمد علي ولا تحت تأثير سحره بأن روسيا تعمل ~~بنشاط على ترسيخ أقدامها في منطقة الطرق الخطيرة، وبهذه المناسبة كتب معتمدنا هناك يقول: ~~«إن روسيا إذا ما وطدت أقدامها في بغداد؛ فإن وجود العراق في مركز وسط وما يجري فيه من ~~الأنهار الصالحة للملاحة وما لديه من الموارد الطبيعية كل هذا يكون بمثابة أحسن فرصة للزحف ~~على الهند في المستقبل ... أو على الأقل لترسيخ أقدام الدسائس ومواصلتها وهي أشد خطر من الحرب نفسها.» # 12 # أفليس في الاستطاعة أن يؤدي الخوف إلى دسائس الروس وزحفهم عن طريق إيران إلى الهند إلى ~~تحقيق ما كان يرجوه نائب السلطان من اعتراف الإنجليز ومساعدتهم إياه بعد أن خاب في تحقيقها ~~«أولا» الجلاء عن المورة، و«ثانيا» التلويح بعقد معاهدة مع فرنسا ... ألم تسع الحكومة ~~الإنجليزية في الهند إلى عقد محالفة بين السيخ والأفغان وإيران عندما خيف من زحف نابليون ~~على الهند بالطرق البرية. # بيد أن هذه الاعتبارات أغفلت إغفالا تاما مركز بريطانيا العظمى وشخصية وزير خارجيتها، ~~وخلاف ذلك أنها كانت إلى ذلك الحين عالمة أو على الأصح معتبرة بأسها ومسئوليتها؛ لأنها لم ~~تخسر في خلال الأجيال الخمسة الماضية إلا حربا واحدة، وحتى ms125 في هذه المرة الواحدة لم يضعف ~~من بأسها ويفت في عضدها إلا علمها أنها إنما تقاتل شطرا من أسرتها، أما الحرب الأخيرة ~~التي اشتبكت فلم تكن فقط أشد الحروب هولا، بل إنها خرجت منها وهي أشد تيها بانتصارها فيها ~~في أي حرب سابقة. # فهل كان يحتمل إذن أن تغير القاعدة التي قامت عليها سياستها في أوروبا منذ أجيال ~~عديدة لتبتاع بدلا منها محالفة ضد عدو محتمل لم يعرف في تاريخه، إنه انتصر في حرب ما إلا ~~ضد الأتراك أو الإيرانيين ... ثم إن بالمرستون لم يكن بالرجل الذي يحاول سد النقص بعقد محالفة ~~أجنبية ليستغني بها عن تنمية قوة بلاده واستثمار مواردها؛ فإذا كان ثمة ما يستحق عليه ~~المؤاخذة فهو عدم سعة احتياله وليس خور العزيمة أو قلة الشجاعة. ولذا فقد اعتزم الوقوف في ~~طريق تقدم روسيا بغير الوسائل التي كان يقترحها محمد علي؛ ولذلك أرسل ردا قاطعا من ~~شأنه أن يقفل الباب في وجه كل رجاء، فلقد كلف كامبل بأن يبلغ محمد علي أسفه ودهشته لتلك ~~الاقتراحات التي تتعارض مع توكيداته السابقة، فضلا عن كونها تتنافى مع شرف الحكومة ~~البريطانية وتعهداتها، فمحمد علي في الواقع يرغب في أن تقره بريطانيا العظمى على اعتدائه ~~على السلطان، أو أن توافق على محاولته التخلص من ولائه لجلالته والمناداة بنفسه حاكما ~~مستقلا على البلاد التي يديرها الآن باسم مولاه السلطان، فكيف لنا أن نسمح بحدوث مثل هذه ~~الفتنة، وهذا الاعتداء المباشر على حقوق ملك متوج تربطه محالفة بمليكنا. # 13 # وليس من شك في أن هذه اللهجة كانت تنم عن عنصر السخف، بل والبهتان؛ فإن بالمرستون كان ~~يكتب عن موقف محمد علي إزاء السلطان كما لو كانت علاقة ذلك السلطان المجرد من السلطة ~~بوزرائه شبيهة بالعلاقات المألوفة في الغرب. # وقد عالج وزير الخارجية الموضوع كما كان يتوقع أن تنظر الولايات المتحدة إلى ما يقدمه ~~حاكم كندا العام من اقتراحات من هذا القبيل، أو كما كانت تقابل فرنسا اقتراحات كهذه من حاكم ~~الهند العام. # إذ لا ms126 ريب أن مجرد قبولها، بل وحتى تشجيعها لا يمكن تسويغه إلا بوجود حالة ينتظر معها ~~نشوب الحرب فعلا، هذا في حين أن الوزير الذي تسمح له نفسه بطلب المعونة الأجنبية ضد مليكه ~~لا يمكن أن يكون إلا متلبسا بأسوأ أنواع الخيانة العظمى. # على أن هذه الآراء كانت على ما يظهر تعتبر كقضية مسلمة لا وجود لها بالمرة؛ ذلك لأن ~~حاكم كندا العام يستطيع أن ينام قرير العين، وهو يعلم أن نجاح إدارته لا يمكن أن يعرضه ~~إلى حقد مليكه أو إلى الرغبة في الانتقام منه، كما أن حاكم الهند العام يستطيع أن يطمئن إلى ~~أن رئيس الوزراء لن يعمل على تلويث سمعته وإرساله إلى المشنقة، والنتيجة أن الآراء السارية ~~في الغرب كانت تطبق بلا حساب على الشرق، مع أنها لم تكن مفهومة على وجهها الصحيح، بل ~~ومجهولة تماما. # على أن التسليم بهذا لا ينتقص من موقف بالمرستون؛ لأن تركيا قد أصبحت جزءا من نظام الدول ~~في أوروبا؛ فللمحالفة التي تعقد معها نفس الالتزامات التي للمعاهدات التي تعقد بين ~~الدول الأخرى، وهي التزامات لا يمكن - والحق يقال - الاضطلاع بها بسبب الفوضى السائدة في ~~شئونها الداخلية، كل هذا لم يكن ليجاري فيه أحد، وفي هذه الحالة ألقى الاسترشاد بالمبدأ ~~السياسي ما يعززه من الاعتبارات السياسية، وليس من ريب في أنه لم يكن ثمة ما يحول دون ~~إلغاء ما بيننا وبين السلطان من التحالف القديم، وأن نؤيد بعد ذلك محمد علي في مشروعاته ~~ضد الإمبراطورية العثمانية والخلافة التركية، ولكن فن السياسة الخارجية يتضمن بين ما ~~يتضمنه خدمة المصالح الوطنية في داخل الحدود التي يفرضها مراعاة المبدأ السياسي، ولا سبيل ~~إلى إنكار أن هذا الأخير كان يصبح في خبر كان بإقرارنا والي مصر في مشروعاته - ولو سرا - ~~كما أن الأول كان يصبح في خطر باتفاقنا علنا مع محمد علي؛ إذ لا ريب في أن سحب مؤازرتنا ~~للسلطان كان يترتب عليها مبادرة الدول إلى اقتسام إمبراطوريته، وهو احتمال لم يكن يسعنا أن ~~ننظر إليه بعين ms127 الارتياح؛ لأننا لم نكن لنستفيد من تحول الأدرياتيك إلى بحيرة نمساوية أو ~~الآستانة إلى ميناء روسية؛ فماذا عسى أن تكون الفائدة التي يقدمها محمد علي، والتي يمكن ~~أن تعوضنا عن قلب القارة الأوروبية رأسا على عقب؟ إذ ما الذي يحملنا على التبرع بمساعدة ~~حاكم مصر بأن يبسط سلطانه عن طريق الفتح العسكري إلى بقاع جديدة لا يستطيع أن يزعم أن لديه ~~شبه حق في الاستيلاء عليها؟ ... فلهذه الاعتبارات جميعا نشأت سياسة ترمي إلى الاحتفاظ بسلطة ~~محمد علي في البقاع الواقعة فعلا تحت سلطانه مع إقامة للعراقيل في سبيل توسيع ذلك السلطان؛ ~~ولذلك آثر بالمرستون وبحق أن يقوي مركزنا حول الطرق البرية الجديدة المؤدية إلى الهند على ~~إنشاء دولة جديدة قد تنضم إلينا في يوم ما في حرب محتملة مع روسيا. # ولكن الطريقين البريتين الممكنتين إلى الهند هما طريق الفرات وطريق السويس، لم تخرج ~~إحداهما بعمل من أعمالنا من تحت سيطرة إحدى السلطات السياسية؛ فظهور محمد علي على المسرح ~~السياسي في مصر قد مكنه من وضع يده على طريق السويس، بينما كان وادي الفرات ما يزال تحت ~~سيطرة السلطان، ولو أنها سيطرة اسمية، وأحسب أنه كان يكون منتهى الحمق لو أننا عملنا بلا ~~باعث سياسي أو أدبي على وضع هاتين الطريقين تحت سلطة محمد علي في الوقت الذي بدأ يظهر فيه ~~ما لهما من أهمية سياسية كبيرة. # 14 # ومن أهم العوامل التي زادت في أهميتها استعمال البخار في الملاحة، فطالما كانت طريق البحر ~~الأحمر معطلة لمدة أشهر من كل سنة بسبب الرياح الموسمية، وطالما كانت طريق الفرات متعذرة لا ~~يمكن اجتيازها إلا بسحب السفن وهي عملية مضنية؛ فإن هاتين الطريقين إلى الشرق - برغم ما ~~لهما من الأهمية العسكرية - لم يكن يمكن أن تضارعا الطريق البحرية الطويلة حول رأس الرجاء ~~الصالح، على أنه قبل أن تضع الحرب مع نابليون أوزارها بدأ استعمال «اللنشات» البخارية في ~~الأنهر والترع الإنجليزية، وبعد سنوات قليلة بدأ استخدامها في عبور خليج المانش. ولم يحل ~~عام 1820م حتى ms128 كان الناس يتوقعون استخدام البواخر في طرق المحيطات الكبرى، ولكن التقدم ~~كان بطيئا هنا؛ ذلك لأن الآلات البخارية التي زودت بها أول باخرة لعبور الأوقيانوس ~~كانت ضعيفة ومتلفة، بمعنى أنها استهلكت مقدارا هائلا من وقود الفحم، وهذا ما جعلها لا ~~تجرؤ على الابتعاد عن السواحل لتأخذ حاجتها من الوقود. أما «طنبوشة الطارة» الكريهة المنظر، ~~فقد كانت عرضة لأن تقتلعها الأمواج في عرض البحر من أساسها، هذا إلى أن الآلات نفسها ~~كانت توقف أكثر من مرة لتنظيفها وإصلاحها؛ فلهذه الأسباب كان استعمال السفن في بدء الأمر ~~قاصرا على الجهات التي توجد بها سلسلة من المواني؛ كالمانش والبحر المتوسط والبحر الأحمر ~~والخليج الفارسي. # وسرعان ما أدركت الهند أهمية هذه الاحتمالات؛ ومن ثم اجتمع تجار كلكتا في أوائل سنة 1823م ~~وشكلوا لجنة لبحث الموضوع، فأدى نشاطهم إلى الرحلة التي قامت بها السفينة «انتربريز» ~~حول رأس الرجاء الصالح، وسلخت المسافة بين كلكتا ولندن في 113 يوما نصفها في السفر بالبخار ~~ونصفها في السفر بالشراع، وكان من أثر هذا الإخفاق النسبي أن أدرك الناس مضار السفر ~~الطويل بهذه السفن على حالتها الفطرية، واتجهت الأنظار إلى الطريق الملائم المختصر طريق ~~السويس والبحر الأحمر. # وكان في طليعة محبذي هذه الفكرة مونتستيوارت الفنستون، وقد صادف ذلك الوقت الذي شرعت ~~فيه لجنة كلكتا في القيام بحملتها، ولما خلفه السير جون مالكولم في منصب حاكم بمباي راح ~~يتحمس في تحبيذ الفكرة حتى إنه حاول في سنة 1829م أن يرسل السفينة «انتربريز» من بمباي إلى ~~السويس، ثم أمر بإنشاء سفينة جديدة اسمها «هيولندس»، وقد استطاعت في سنة 1830م أن تقوم بأول ~~رحلة بخارية في حوض البحر الأحمر. # ومع أن شركة الهند الشرقية لم يمكن وقتئذ حملها على إتمام المشروع بتخصيص سفن بخارية إلى ~~الإسكندرية وبالعكس لمقابلة البريد والمسافرين عند وصولهم إلى السويس؛ فقد جربت السفن في ~~رحلات مختلفة وأخذت السفن التابعة لوزارة البحرية تسافر من مالطة إلى الإسكندرية، وتشكلت ~~لجنة من الخبراء لوضع تقرير عن مسألة المواصلات البخارية مع الهند بحذافيرها، ms129 وأخذ التجار ~~يستخدمون طريق السويس بكثرة في شئون البريد حتى قبل إنشاء خط منظم، # 15 # ثم إن توماس وجهورن الذي كان حجر الزاوية في الترويج والدعاية اتخذ له مكتبا ~~في الإسكندرية وشرع يعمل كوكيل لنقل الرسائل البريدية، وهذا بالرغم من إصرار شركة الهند ~~الشرقية على عدم الانتفاع بالطريق. وقد وصف لنا أوكلند حاكم الهند العام الحالة في سنة ~~1836م وصفا حيا، فقال في كتاب لهيهوس: «يتسلم التاجر في «أنديا هوس» تحاويله على خزانتنا ~~لدفع مقدار معين بعد الاطلاع، وذلك بمقتضى مدة السفر التي قررتها المحكمة (أي حول رأس ~~الرجاء الصالح)، ينبغي أن يكون بعد التاريخ بأربعة أو خمسة أشهر، ثم إنه يرسل هذه التحاويل ~~إلى الإسكندرية، وهناك يستأجر النشيط واجهورن قاربا شراعيا ومعه حقائب البريد، ويقصد إلى ~~«مخا»، ويضع هذه الحقائب على ظهر إحدى السفن التجارية فتصل إلى كلكتا فيما لا يزيد عن شهرين ~~منذ خروجها من إنجلترا. وهنا يتسلم النجار الخطابات الواردة إليهم وأيضا تحاويلهم؛ لأن ~~خزانتنا قد أودع فيها نحو 20 لكحا من الروبيات لمكسب التجار ولخسارتنا نحن، وهكذا ترى ~~حركة الرسائل الخصوصية في ازدياد مستمر وسيل الصحف يقوى على ممر الأيام. أما أنا فبصفتي ~~حاكما عاما فإني أؤثر المواصلات عن طريق رأس الرجاء الصالح من طريق البحر الأحمر، بل إني ~~أفضل طريق رأس هورن (في جنوب أمريكا) عن الطريقين المذكورين، ولكن إذا فتحت الطريق ~~المختصرة فلسوف يكون من دواعي العجب، بل ومن أسباب النقض، أن يستخدمها كل فريق ما عدا ~~الفريق الذي له في الهند مصلحة هائلة.» # 16 # ولكن كانت هذه الأحوال آخذة في التلاشي وبسرعة؛ ذلك لأن الفرنسيين أنشئوا في سنة 1835م ~~خطا للسفر بالبواخر فيما بين مرسيليا والإسكندرية، وهكذا اضطرت شركة الهند الشرقية تحت ~~ضغط لجنة المراقبة أن توصي بصنع سفينتين بخاريتين جديدتين للسفر فيما بين بمباي والسويس ~~وبالعكس، ومن ثم أصبح تحسين الطريق طبقا لتوصيات لجنة الجزاء مضمونا. # ولم تكن هذه هي الطريق الوحيدة الممكنة؛ فقديما كانت البصرة منافسة جديدة لميناء السويس، ~~ولما كانت ms130 قد ظهرت فائدة البواخر في المياه الداخلية فقد جعل الناس يتساءلون طبعا: أليس من ~~الأصوب أن تتصل مياه أورنتس بمياه الفرات في هذا العصر الذي أصبحت فيه إنجلترا مغطاة بشبكة ~~من الترع، وبخاصة وأن مثل ذلك المشروع يكون أقل كلفة من شق قناة في برزخ السويس؟ # وفي نهاية سنة 1830م وأوائل سنة 1831م شرع بمسح هذه الطريق في وقت واحد «بشيسني» من ناحية ~~سوريا وفريق من ضباط الشركة من الهند، على أن الضباط قد حدث ما يعرقل أعمالهم بفعل الأعراب ~~الضاربين على ضفاف الفرات، وقد اغتالوا بعضهم فعلا. أما شيسني فقد تمكن من إتمام المساحة ~~الابتدائية برغم ما قام في سبيله من عقبات جبارة، ثم أرسل مرة أخرى في سنة 1834م على رأس ~~بعثة اصطحبت معها سفينتين بخاريتين من سفن الأنهر ذوات القاع المسطح لاستخدامها في نقل ~~أعضاء البعثة من مياه الفرات الأعلى إلى الخليج الفارسي، وقد استصدر فرمان سلطاني بالسماح ~~بالملاحة في الفرات، وبعد أن ذلل شيسني مصاعب جمة تمكن من جمع سفينتيه على النهر المذكور، ~~ولكن سرعان ما أغرقت الريح إحداها ووفقت الثانية في الوصول إلى البصرة، وبالرغم من أن ~~كبير البعثة كان شديد التفاؤل بما يمكن أن يصل من الاحتمالات بهذه الطريق التي تمكن من ~~مسحها بعد جهود جبارة؛ فإن الناس جميعا كانوا مقتنعين بأنه مهما كانت أهمية هذه الطريق من ~~الناحية السياسية؛ فإن طريق الفرات قد تستطيع منافسة طريق السويس والبحر الأحمر إلى الهند. # 17 # على أن البعثة كانت مدفوعة إلى أعمالها بغاية سياسية معينة؛ ذلك أن تلك المنطقة التي ~~يشغلها الفرات أصبحت لها أهمية هائلة بعد التقدم الذي تقدمته روسيا، وبعد أن تطورت ~~مشروعات محمد علي وتبينت الغايات التي يرمي إليها؛ لذلك أصبح في طليعة المسائل السياسية ~~المهمة أن تعرف وسائل النقل في تلك المنطقة، وهل هي سهلة وإلى أي حد تعتبر هكذا. ويلوح ~~أن روسيا كانت شديدة المعارضة لمحمد علي في إرسال البعثة المذكورة، وقد علم بونسيني في ~~الآستانة أن روسيا أبلغت الباب العالي ms131 بأن والي مصر على أتم استعداد لوضع كل ما يمكن من ~~العراقيل في سبيل تلك البعثة إذا رغب السلطان ذلك، # 18 # ثم إن كامبل كان مقتنعا وهو في الإسكندرية بأن قنصل روسيا العام حاول جهده ~~لاستثارة الباشا ضد المشروع، # 19 # وقامت المصاعب الشديدة بسبب العمال والمئونة. وكانت هذه الاعترافات معقولة؛ لأن ~~الروس لم يكن يروق في نظرهم ترسيخ قدم إنجلترا على ضفاف الفرات، في حين أن محمد علي كان ~~يخشى أن تكون نيتنا من وراء هذه الأعمال إنشاء قلاع هناك ترمي إلى احتلال النهر. # 20 # كما أنه كان شديد الحرص - من الناحية الاقتصادية - على تحسين طريق البحر الأحمر أولى من ~~طريق الخليج الفارسي. ولعله كان يؤمل أن تؤدي معارضته في مشروع يعلم أنه يهم الإنجليز ~~إلى تساهلهم معه في مسألة الاستقلال. # لهذا بينما كان يعمل إبراهيم خفية في سوريا كل ما يمكنه عمله لعرقلة تقدم شيسني؛ فإن محمد ~~علي ظل يرفض بدوره إرسال أوامر معينة إلى ابنه إلا بطلب صريح من السلطان. # 21 # وهذا ما أثار حفيظة بالمرستون ودفعه إلى تحرير خطابين بنغمة جافة، قال في ثانيهما إن ~~حكومة جلالة الملك مصممة على ألا يفشل المشروع ... بسبب عراقيل تقيمها سوء النية أمامه في ~~جبهة من الجبهات. # 22 # وهكذا بينما كان محمد علي يعمل على عرقلة مساعي بريطانيا لاختبار مبلغ صلاحية أنهار ~~العراق للملاحة، كانت وزارة الخارجية البريطانية تنظر بعين يقظى إلى أملاك السلطان الباقية ~~حتى لا يعتدي أحد عليها؛ فلقد أراد محمد علي مثلا أن يضم منطقة أورفة إلى أملاكه في سوريا ~~مستندا في طلبه هذا إلى أن المنطقة المذكورة لم يكن يحتلها الأتراك، وأنها في حالة فوضى ~~وتحت سلطة قطاع الطريق وأن سكانها كثيرا ما يغيرون على الجهات الواقعة حول حلب وأنه ~~لا يتردد في دفع الإتاوة عنها، وأنها كانت من قديم الزمن جزءا لا يتجزأ من ولاية حلب # 23 # على أن ذلك لم يفده شيئا، بل اضطر إلى الانسحاب من المنطقة المذكورة. وفي ~~سنة 1835م احتل جهة «الدير» ms132 الواقعة على الفرات، وكان يرمي بذلك بلا ريب إلى مراقبة بعثة ~~شيسني مراقبة فعلية، وكانت حجته في ذلك الاحتلال أن القبائل الرحالة في تلك الجهات ألفت ~~الغارة على أراضيه، # 24 # وقد صدر إليه تحذير حازم بألا يحاول الاقتراب من ولاية بغداد. # ومهما كانت نيات الباشا فإن مدينتي بغداد والبصرة كانتا تعتبران في نظر الإنجليز بأن ~~لهما أهمية خاصة، وقد صادف احتلال الدير نشاط الأعمال العسكرية في جنوبي بلاد العرب واحتمال ~~امتدادها إلى الخليج الفارسي؛ ولهذا بادر بالمرستون إلى الكتابة لكامبل بأن «بريطانيا ~~العظمى سوف تعتبر أن لمصالحها مساسا مباشرا بحيلولتها دون زعزعة هيبة السلطان في بغداد أو ~~العبث بها.» ثم استطرد فكتب فيما يختص بأي حركة عسكرية موجهة إلى بغداد، فقال: «قل للباشا ~~صراحة إن بريطانيا العظمى لا يسعها الوقوف مكتوفة اليدين إزاء تنفيذ مثال هذه المآرب.» # 25 # وليس من شك في أن هذه العبارات لم تكن مجرد بيان وجهة نظر بريطانيا. كلا؛ إذ مهما يكن ~~نتيجة بعثة شيسني في نهر الفرات، ومهما تكن النتيجة التي تترتب على تحسين طريق السويس، فليس ~~من شك في أن البحر الأحمر والخليج الفارسي كانا بمثابة طريقين مباشرين إلى الهند؛ ولذا صممت ~~بريطانيا العظمى على السهر على حمايتهما بالقوات البريطانية. # أما الحوادث التي أدت إلى احتكاك المصالح بين بريطانيا ومصر وتوسيع الهوة بين ~~الفريقين؛ فقد نشأت عن الفتنة التي وقعت بين جنود محمد علي المرابطة في بلاد العرب؛ فإن ~~الحرب السورية كانت قد أنهكت مالية محمد علي واستنفدت موارده، وتأخر على ذلك دفع مرتبات ~~الجنود في بلاد العرب؛ مما دفع ضابطين من الضباط الألبانيين إلى إعلان تذمرهما. # وكان الباشا قد كتب في سنة 1822م إلى حاكم الحجاز يبلغه أنه أرسل إليه 5000 كيس لتهدئة ~~ثائرة الجنود، ولكن لا بد له من حمل الضابطين المذكورين على العودة إلى مصر أو القبض عليهما ~~وإرسالهما إلى القاهرة مكبلين بالحديد، # 26 # ولكن لا أكياس الذهب ولا القبض على الضابطين أديا إلى النتيجة المرجوة، بل ~~سرعان ما رفع الجنود ms133 راية العصيان وأخذ زعماؤهم يتحدون حاكم الحجاز، ومن ثم أرسل إليهم ~~محمد علي أحد أصدقائهم الأقدمين لإعادة النظام، ولكنه اضطر إلى الفرار إلى القاهرة متسربلا ~~بثياب الخزي والعار. أما النقود التي أرسلت لابتياع البن لحساب الباشا فقد استولى ~~عليها القواد وتقاسموها بينهم، # 27 # وفي جدة وضع الثوار أيديهم على الممتلكات العامة كما استولوا على سفن الأفراد ~~وسفن الباشا، # 28 # وفي أواخر سنة 1832م كان الثوار قد رسخت أقدامهم في بلاد اليمن، # 29 # واتخذوا «مخا» قاعدة لأعمالهم، وهنالك جعلوا يعبثون أشد عبث بتجارة سورات، # 30 # ولم يكن يمكن القيام بعمل منتج في تلك الظروف، ولكن محمد علي أخطر كامبل في ~~منتصف عام 1833م بأن في نيته إرسال تجريدة لإخضاع «مخا»، # 31 # وهو مشروع كانت شركة الهند الشرقية تحبذه من صميم قلبها. # 32 # وفي نهاية العام تحركت التجريدة وهي مزودة بالأموال لرشوة القبائل العربية المحالفة للثوار، # 33 # وأخيرا كللت هذه المحاولات بالنجاح؛ فإن مشايخ القبائل سرعان ما انتقلوا ~~من معسكرات الثوار إلى المعسكر المصري بما عرف عنهم من الاستعداد للانتقال من جانب إلى ~~آخر بمجرد التلويح لهم بالمال، ومن ثم لم يسع الضابط المتمرد الباقي على قيد الحياة إلا ~~الفرار لإحدى البوارج التابعة لشركة الهند الشرقية، بينما وقع 16 من كبار معاونيه في الأسر ~~وصدرت الأوامر بإطاحة رءوسهم. # 34 # أما رؤساء العشائر، فإن كانوا قد أبدوا ميلا إلى أخذ مال المصريين مقابل الانقلاب ضد ~~الجنود الثائرين، إلا أنهم كانوا غير راغبين في ترك الحبل لمحمد علي على الغارب لينعم ~~بإدارة البلاد الواقعة فيما وراء مينائي الحديدة ومخا الواقعين في جنوب البحر الأحمر؛ ولذا ~~نشبت حرب طويلة الأمد بين ضباط محمد علي وشيوخ القبائل في العسير واليمن، على أن الضباط لم ~~يربحوا من هذه الحرب فائدة ثابتة تذكر، في حين أن الحرب شلت حركة التجارة، وحتى لغاية ~~سنة 1838م كان كامبل ما يزال يلح على نائب السلطان، ويبين له خطل السعي لكبح جماح قبائل ~~العسير وإخضاعهم بدلا من الاكتفاء باحتلال الموانئ وتشجيع شتى ms134 القبائل في الداخل على إحضار ~~حاصلاتهم لبيعها في المواني المذكورة. # 35 # على أن هذه الأعمال العسكرية إنما كانت أهميتها بالنسبة لبريطانيا العظمى؛ لأنها قربت ~~الجنود المصريين من عدن، وفي الواقع لم يكن يظن بعد إخفاقهم في إحراز أي نجاح يذكر ~~لغاية سنة 1838م أن هناك أملا في أن يبسطوا سيطرتهم على شواطئ البحر الأحمر الجنوبية ... ~~ولكن محمد علي ما لبث أن أحرز فجأة في خلال العام المذكور انتصارين باهرين. وفي اليوم ~~الخامس من شهر أبريل حاول أحمد باشا أن يطيح رءوس 500 من رجال قبائل عسير، وأن يأسر 1000 ~~رجل منهم # 36 # ووصل في الشهر التالي إلى جهة عنيزة القائد خورشيد باشا الذي كان قد قصد بلاد ~~الوهابيين، وتقع عنيزة في منتصف خط مستقيم يمتد من مكة إلى البصرة، وكانت عنيزة عامرة ~~بالتجار ويقصدها التجار من بغداد ودمشق؛ ولذا كان يحتمل اتخاذها قاعدة صالحة لمواصلة زحف ~~الجيش في المستقبل، وبعد قليل من التردد قصد شيخ القبيلة ومعه وجهاء قومه إلى معسكر خورشيد ~~وقدموا طاعتهم، ولكن وقع حادث دفع الفريقين إلى تحكيم الحسام فورا؛ ذلك أن أحد الجند ~~الأتراك أفرغ مسدسه في صدر أحد الأعراب في خلاف شخصي نشب بينهما وفي الشجار الذي نشب بسبب ~~ذلك الحادث مزق الجمهور الساخط ذلك الجندي إربا، وقد مات من الفريقين نحو اثني عشرة شخصا، ~~هذا عدا أن الجنود قد طردوا إلى خارج المدينة وأغلقت الأبواب في وجوههم، وهنا لم يجد ~~خورشيد مناصا من إطلاق قنابله على المدينة مدة ثمان وأربعين ساعة قبل أن يتمكن من إخضاعها، # 37 # وتلا هذا مواصلة الزحف في العام التالي حتى وصل إلى شواطئ الخليج الفارسي. وفي ~~أوائل سنة 1839م أشار معتمدو بريطانيا في الخليج إلى خضوع جبهة الحصى والقطيف، وكذا الأراضي ~~الواقعة على طول الشاطئ الغربي، وتوقعوا أن يصر الحاكم الذي عينه محمد علي في نجد ~~على تحصيل الإتاوة «التي اعتادت جزيرة البحرين أن تدفعها.» # 38 # أما خورشيد فقد كتب إلى المقيم الإنجليزي في الخليج يبلغه اعتزامه احتلال جزيرة ms135 البحرين ~~ولو اقتضى الأمر استعمال القوة، # 39 # ولم يتورع الضابط الذي كان يقود الجنود المصريين عند دنوه من القطيف عن ~~استعمال لهجة جافة في مخاطبته للأميرال البريطاني الذي كان يزور الخليج وقوله له إنه ذاهب ~~لإخضاع البصرة وبغداد، هذا بينما قد عزى إلى خورشيد نفسه أنه قال إنه ينتظر وصول المدد من ~~المدينة ليزحف بكامل جيشه. # 40 # على أن هذا النشاط فضلا عن منافاته للحكمة؛ فقد جاء في غير الوقت الملائم، وحسبك أنه ~~انطوى على التعمق في غير حاجة في منطقة لبريطانيا فيها نفوذ عظيم، فلقد كان شيخ البحرين أحد ~~زعماء العرب المسالمين في الخليج الفارسي (على حد التعبير الغريب الذي كان يستعمله قلم ~~الشئون الهندية في السياسة)، وأنه قد وقع المعاهدة العامة في سنة 1820م؛ ولذا رأت حكومة ~~الهند وبحق أن تصد ذلك الاعتداء الموجه إلى موقعنا؛ وذلك بإصدار الأوامر باستعمال لهجة ~~خشنة حازمة ردا على خورشيد وقومه على أن تشفع تلك اللهجة بإرسال الإمدادات، وأن تطلب إلى ~~مشايخ القبائل أن يقدموا معونتهم الودية لصد مطالب مصر. # 41 # ولقد حاول محمد علي أن يسوغ نشاطه هذا بأنه لم يرد من ورائه إلا صد الوهابيين ~~وحماية الحرمين والحصول على الإبل، # 42 # وأن الإشاعات التي تروج ضده في الآستانة وبغداد تتعمد أن تعزو إليه نيات عدائية # 43 ~~... إلخ، ولكن هذه المحاولات تجردت حتى من صفة مشابهة للحقيقة. # وأما نشاط محمد علي، فقد جاء في غير الوقت الملائم، فلأنه وقع في وقت وقوع حوادث أخرى ~~يؤسف لها، وكان من نتيجتها جميعا أنها أظهرت - إن خطأ أو صوابا - أن المسألة «مرتبة ~~ومطبوخة»؛ ففي سنة 1835م كان في نية شاه العجم إرسال مندوب إلى القاهرة، وفي سنة 1838م ذهب ~~أحد أعضاء البعثة الإيرانية في الآستانة لزيارة محمد علي، # 44 # ثم أشيع في اليوم التالي أن الشاه ينوي إرسال 50 شابا إيرانيا إلى القاهرة ~~للالتحاق بمدارسها، # 45 # وفي أوائل سنة 1840م وصل مندوب خاص من العجم يحمل معه بعض الهدايا الثمينة. # 46 # ومن يدري أن ms136 هذه الروحات والجيئات تكون قد جاءت عفوا بدون قصد معين، ولكنها وقعت في وقت ~~كان لروسيا نفوذ كبير في البلاط الإيراني، وفي الوقت الذي ذهبت فيه سدى كافة محاولات ~~المندوب الإنجليزي وانتقاداته للشاه لحمله على العدول عن محاصرة مدينة «هيرات» في الوقت ~~الذي قامت فيه حملة من بمباي سنة 1838م لاحتلال جزيرة «كرك» التي تملكها إيران في الخليج ~~الفارسي. # وحفلت إذ ذاك سوق الإشاعات بما راج فيها من الخرافات الغريبة، وتصادف أن هبط الإسكندرية ~~فيما بين سنتي 1835م و1836م رجلان من الآستانة يدعى أحدهما محمودا والآخر حسينا، لم يكن ~~ثمة ما يدعو إلى الارتياب لا في وصفيهما ولا في نواياهما، وقد قيل إنهما من جماعة ~~المخاطرين، ولكنهما شخصا قبل ذلك إلى زيارة روسيا في ثوب مندوبين من قبل بلاط دلهي. وقد ~~وقعت أعين الناس على محمود في القاهرة وفي الإسكندرية ثم اختفى فجأة. أما حسين فقد وصل إلى ~~مصر بعد زميله بعدة أشهر وكان مصابا بالطاعون؛ ولذلك طلب إلى وكيل القنصل الإنجليزي الذي ~~استعاد ميله الشديد لمقارعة بنت الجان بسبب إلمامه باللغتين التركية والعربية، طلب إليه أن ~~يعنى بأمتعة حسين؛ لأنه يحمل بين طياتها 50 كيسا من النقود، وما كاد وكيل القنصل يسمع ~~اللهجة الهندية في كلام حسين حتى ذكر أنه قابل زميله محمودا عند اجتيازه الأراضي المصرية ~~واعترف حسين بأن ذلك هو الواقع، ولكنه كان مريضا بحيث لا يستطيع مواصلة الحديث. # وفي اليوم التالي أصابته حمى جعلته يهذي إلى أن أدركته منيته، ومن ثم أخذت الأوراق ~~الخاصة به من المستشفى؛ فإذا بها مجموعة خطابات باللغة الفرنسية من الصدر الأعظم إلى بعض ~~الزعماء الهنود ومعها خطابات باللغة التركية يقدمه فيها الصدر الأعظم إلى محمد علي. # 47 # فلم يكن ثمة مناص من أن يحيط هذا الجو السياسي المكفهر بزحف محمد علي في اتجاه الخليج ~~الفارسي بجو من الشكوك؛ ولذا صدرت التعليمات إلى الأميرال المرابط في المحطة التابعة ~~لشركة الهند الشرقية بأن يذهب إلى زيارة الخليج، وهناك يبذل كل ما في وسعه ms137 للحيلولة دون ~~وقوع أي اعتداء على جزيرة البحرين، وإن كان أوكلند قد عارض في أن يحرك أصبعا في الموضوع ~~ما لم تصله تعليمات صريحة في اتباع خطة حازمة. # وكانت لندن قد عقدت نيتها على اتباع خطة الحزم؛ فلقد صدرت إلى بونسني في الآستانة ~~التعليمات بأن يستفهم هل تمت فتوحات محمد علي بإرادة الباب العالي، # 48 # وصدرت الأوامر في الوقت نفسه إلى كامبل في الإسكندرية بأن يبلغ نائب السلطان ~~بأن التعليمات أرسلت إلى الأميرال ميتلند بأن يحول دون احتلال البحرين ولو اقتضى الأمر ~~استعمال القوة، # 49 # وكان كامبل قبل أن تصله هذه التعليمات قد أصر، بناء على تعليمات سابقة وعلى ~~الأنباء الواردة من الهند، على إرسال أوامر صريحة إلى خورشيد بأن يدع جزيرة البحرين وشأنها. # 50 # واتفق أن نشاط محمد علي في جهة اليمن أدى إلى ما يشبه هذه الحالة عند مدخل البحر الأحمر؛ ~~فإن انتصاره على قبائل عسير في سنة 1838م جعله صاحب الأمر والنهي مؤقتا في جهات بلاد العرب ~~التي كانت تسمى من قبيل التهكم «بلاد الرخاء»، وكان محمد علي ميالا إلى اعتبار حاكم عدن ~~مجرد تابع خاضع لإمام صنعاء الذي أرغم حين قبل الدخول في طاعة السلطان، # 51 # كما أنه ادعى من ناحية أخرى أنه يضع يده عليها؛ لأنها كانت من قبل جزءا من ~~الإمبراطورية العثمانية. # 52 # وبالطبع لم يكن من المستطاع النظر إلى هذه الدعاوى وأمثالها بعين جدية. نعم؛ لقد حاول ~~إمام صنعاء بلا ريب من آن لآخر أن يبسط نفوذه على عدن، ولكن لم يكن له في الواقع نفوذ يصح ~~وصفه بأنه نفوذ حقيقي وثابت، فاعتراف الإنجليز بأنه كان يتمتع بحقوق السيادة كان يكون إذن ~~ضربا من ضروب الحمق والسخف، كذلك قل عن دعوى الأتراك فإنها كانت وهمية. نعم؛ لقد احتل ~~الأتراك عدن أيام عظمة إمبراطوريتهم إبان القرن السادس عشر والسابع عشر، فلما لم تسعد ~~حالتها تحت حكمهم تخلوا عنها في سنة 1630م باعتبار أنها عديمة الفائدة. وشاءت الظروف في ~~مناسبات عديدة في السنين القريبة أن ms138 يتصل الإنجليز اتصالا وديا بسلطان عدن. مثال ذلك ~~أنهم عندما صحت عزيمتهم على سد طريق البحر الأحمر خوفا من زحف نابليون على الهند اجتلوا ~~إلى أن تصير جزيرة «بريم» وهي التي كانت توصف بأنها «الصخرة القائمة في وسط البحر لا ~~يملكها غير الله العلي القهار والتي لا تدفع إتاوة ولا ينتظر أخذ إتاوة منها.» فلما ~~تبين لهم ألا سبيل إلى البقاء في تلك الصخرة الجرداء التي هي أشبه بالجحيم، وخاصة بعد أن ~~ذهبت سدى كافة مساعيهم في نقر الصخرة جريا وراء الأمل الكاذب - وهو العثور على الماء - قر ~~رأيهم على الانتقال إلى عدن مؤقتا، وهناك كانوا أحسن حالا فلقد خيل إليهم في الواقع ~~أنهم أصبحوا في فردوس بالنسبة لذلك الجحيم الذي كانوا فيه من قبل. ومما زاد في اغتباطهم أن ~~سلطان عدن رحب بمقدمهم وعرض أن يقدم لهم دائما عددا من رجاله للخدمة العسكرية في صفوف ~~الشركة الهندية، # 53 # وفي سنة 1802م عقد السير هوم بوبهام فعلا معاهدة مع السلطان، وفي سنة 1808م ~~أشار إليها فالنشيا بحماس شديد في تقرير له قدمه أثناء رحلاته في حوض البحر الأحمر إلى ~~كاننج؛ فبعد أن أسهب فيما أظهره سلطان عدن من ضروب الصداقة نحو الإنجليز استطرد يقول: «إنها ~~تعتبر جبل طارق الشرق، ويمكن في مقابل مبلغ زهيد من المال تحصينها تحصينا منيعا.» # 54 # وعندما ذهب مندوبنا في مخا لزيارة عدن إذا بها توشك أن تقع في قبضة محمد علي، ~~فلقد وافق السلطان على إبقاء حامية مصرية وسمح بإنشاء حلقة صغيرة على الخليج الشرقي، بشرط ~~أن يؤذن له بامتلاك أبواب المدينة، وأن يباشر داخلها سلطته العسكرية والمدنية، # 55 # ولسنا ندري ما السر الذي جعل محمد علي يحجم عن انتهاز تلك الفرصة، وخاصة ~~وقنصلنا العام صولت كان يتوقع انتهازها # 56 # لا ريب في أن محمد علي قد أضاع وقتئذ تلك الفرصة الذهبية التي كانت تكفل له ~~السيطرة التامة على البحر الأحمر، كما أنه أضاع فيما بعد - أي في الحرب اليونانية - الفرصة ~~النادرة التي عرضت له ms139 طيلة حياته للحصول على اعتراف الدول باستقلاله التام. # ثم استمرت الحال على ذلك المنوال إلى أن بدأ يتحقق مشروع سكة السويس، وظهرت الحاجة إلى ~~إيجاد محطات للفحم. وتدل الشواهد على أن الاختيار وقع في بدء الأمر على «سقوطرة»؛ ولذا ~~أرسلت حملة لاحتلالها من بمباي في سنتي 1834م و1835م، ولكن دل الاختبار على أنها غير ~~صالحة لهذه الغاية، فإن شدة اندفاع المياه نحو الشاطئ جعل النزول إلى البر متعذرا، ثم إن ~~الجزيرة كانت موبوءة بحمى الملاريا؛ ولذا تقرر العدول عنها، # 57 # وكانت الفكرة في سنة 1828م قد اتجهت إلى عدن واتخاذها مستودعا للفحم، وذلك ~~بمناسبة أول تجربة لتسيير السفن التجارية من بمباي إلى السويس، ولكن الباخرة «هيولندس» ~~تعذر عليها أكثر من 30 طنا من الفحم يوميا لقلة الأيدي العاملة، وهو سبب يبدو غريبا ~~في عين السائح العصري. # 58 # وفي أوائل عام 1897م ارتطمت بالشاطئ بالقرب من عدن الباخرة «درايا دولة»، وهي من البواخر ~~التابعة لمدارس، فكانت الراية الإنجليزية تخفق على ساريتها، وقد كانت الباخرة تحمل عددا من ~~الحجاج عدا الهبة العظيمة التي اعتاد «نواب أرقوط» إرسالها إلى مكة سنويا لغرض ~~مقدس. # فالحجاج الذين نجوا من الغرق وقعوا غنيمة باردة في أيدي الأعراب الذين سلبوهم أمتعتهم، ~~كما أن أعوان السلطان أنقذوا كل ما يمكن إنقاذه من الباخرة تحت إشراف ابن السلطان ~~نفسه. # وتولى نائب السلطان الرئيس بيع هذه السلع في الأسواق. # 59 # ولما بعث السير روبرت جرافت - حاكم بمباي - تقريره المفصل عن هذه الحوادث، لاح له أن ~~يتخذ التدابير المستعجلة، فقد كتب يقترح إنشاء مواصلة بحرية كل شهر مع البحر الأحمر بواسطة ~~البخار لا بتكوين عمارة من البواخر المسلحة يتحتم معها أن تكون لنا محطة خاصة على شاطئ بلاد ~~العرب كالمحطة التي لنا في الخليج الفارسي. # أما الإهانة التي لحقت الراية البريطانية بسبب سلوك سلطان عدن، فقد حملتني على القيام ~~بتحقيق كانت نتيجته أنه لم يعد يخامرني أي ريب في وجوب وضع يدنا على ميناء عدن. # 60 # والأرجح أنه كتب ما كتب ms140 تحت تأثير توسع الفتوحات المصرية في اليمن على أن أوكلند لم يشأ ~~أن يستعجل الحوادث، بل أشار بطلب تعويض؛ فإن أداه سلطان عدن أمكن وقتئذ عقد اتفاق ودي خاص ~~بمستودع الفحم. أما إذا لم يدفع التعويض المطلوب أمكن بعدئذ النظر فيما يجب اتخاذه من الإجراءات. # 61 # وإذ ذاك تقرر إرسال الكابتن هينز من رجال الأسطول الهندي لمباحثة سلطان عدن في الموضوع، ~~وسارت المباحثات بادئ الأمر بشكل يبعث على الرضا. # وبعد مباحثات طويلة سلخ فيها السلطان الليل كله مع مستشاريه وراء أبواب مغلقة، وكان ~~يخشى أن تسقط «لحج» عاصمة بلاده من زمن قديم في قبضة محمد علي؛ قرر أن يتخلى لشركة الهند ~~الشرقية عن ميناء عدن الآخذة في الانحطاط في مقابل مبلغ معين من الدولارات، لا بل وضع خاتمه ~~على وثيقة التنازل عن عدن للإنجليز. # وهنا نشأت بعض المصاعب؛ فقد كان ابنه الأكبر معارضا في هذا التنازل، ولم يكن هينز في ~~مركز يسمح له بإنزال جنوده لإتمام الصفقة. # 62 # فلما أذيعت الأنباء شرع جرافت يضرب على نغمة الضرورة الملحة من جديد «لأن تحصل ~~الحكومة البريطانية في الفرصة الوحيدة؛ حتى تجعل تحقيق هذه الفكرة ممكنة لمدة قرون عديدة ~~على جهة مهمة وضعتها الظروف غير المنتظرة في متناول يدها.» # 63 # ولكن حكومة الهند تراءى لها أن المسألة ينبغي أن يبت فيها ولاة الأمور في لندن. # 64 # وهكذا أرجئ العمل إلى أن وصلت في شهر أغسطس رسائل معينة من اللجنة السرية، # 65 # وبمقتضاها سمح أوكلند لحكومة بمباي في الشروع في العمل، # 66 # فأرسل هينز من فوره إلى عدن، وهو يحمل في جيبه مشروع معاهدة وبصحبته حرس مركب ~~من ثلاثين من سكان بمباي الأجانب؛ وذلك خشية من أن يكر محمد علي على عدن ويستولي عليها، ~~بينما كانت الأوامر قد صدرت بإعداد قوة عسكرية أكثر عددا وأوفر عددا. # 67 # ووصل هينز إلى عدن في 24 أكتوبر، وهنا لا بد أن يلاحظ كل من له أقل إلمام بشئون الشرق أن ~~قلة عدد رجاله شجعت ابن السلطان على ms141 أن يلح على أبيه بألا يرضخ للاقتراحات الإنجليزية. ~~وقد نجحت مساعيه في هذا الصدد، وبعد أن كانت الأوامر صدرت بالتخلي عن البضائع المسروقة من ~~الباخرة «درايا دوله» واختزانها، تقرر عدم السماح بنقلها، ثم مرت أيام دفع الغرور ~~العرب فيها إلى إطلاق النار على السفن الإنجليزية؛ فانسحب هينز إلى إحدى الجزر الصغيرة في ~~انتظار وصول الإمدادات، وقد وصلت هذه في 16 يناير، ولم ينقض يومان حتى استولى على المدينة ~~عنوة. # وأما السير تشارلس ملكولم، فبعد أن كان قد اقترح بصفته مفتشا عاما لقوة بمباي البحرية ~~الحصول على امتيازات من السلطان ... بدلا من أخذ تصريح بإنشاء مستودع للفحم يظل تحت إدارة ~~أحد شيوخ العشائر الطامعين المذبذبين؛ فإنه أصبح الآن مغتبطا بسير الحوادث، حتى إنه كتب ~~يقول: «إن ميناء عدن وخليجها الذي يطل على الجهة الجنوبية فقط يفوقان كل تصوراتي، وأحسب ~~أنه كان يستحيل الوصول إلى شيء أحسن من هذا يفي بكافة مطالبنا ...» # 68 # وليس من شك في أن هذا الاحتلال الإنجليزي لثغر عدن جاء مخيبا لآمال محمد علي، بل لعله ~~كان أكثر إيلاما له من إصرارنا على انسحابه من الخليج الفارسي، فلقد قلب ظهرا لبطن كافة ~~مشروعاته التجارية والسياسية؛ فلقد كان المأمول - وإن كان ذلك الأمل لم يتحقق - أن تتحول ~~تجارة البن كلها من مخا إلى عدن، # 69 # وبذا يفقد نائب السلطان امتيازا له قيمته الكبيرة، وقد شكا القائد المصري من ~~نقص الرسوم الجمركية في مخا، # 70 # وبديهي أن الدول الأجنبية، وخاصة فرنسا وروسيا، لم تكن مرتاحة إلى هذا الانقلاب ~~الذي طرأ على عدن؛ لأنه لم يكن ينتظر أن يؤدي إلا إلى ترسيخ مركز الإنجليز في الشرق ~~وتوطيده. # ولما كتب كامبل يقول: «إنني على يقين بأن فرنسا وروسيا قد أفهمتا محمد علي، ولن تفتآ ~~تفهمانه بآراء خاطئة عن وجهة نظرنا في امتلاك عدن.» # 71 # على أن محمد علي مهما كان شعوره الداخلي حيال تقدم النفوذ الإنجليزي؛ فإنه ~~اجتنب الاحتجاج وقصر نفسه على التكلم برغباته وآماله؛ فعندما نمى إليه أن حكومات ولايات ~~الهند ms142 قررت إرجاء العمل إلى أن تصلها تعليمات صريحة من ولاة الأمور في لندن، لاحظ محمد علي ~~«بأنه يؤمل أن تقتنع الحكومة الهندية بأن عدن جزء لا يتجزأ من اليمن ... وأنه يرجو أن لا ~~تتشكك حكومة الهند في مبلغ ارتياحه إلى إنشاء مستودع للفحم في عدن وحدها، بل في كافة ~~ممتلكاته الأخرى.» # 72 # ولعل أقرب عبارة للهجة الاحتجاج الرسمي قوله: «إنه مما يتنافى مع المعقول أن ~~نوافقه على إرسال تجريدة إلى اليمن، ثم نأتي بعد ذلك فنستولي على إحدى موانيها.» # 73 # ولكن مثل هذه الأقوال لم يكن من شأنها تهدئة ثائرة بالمرستون، فأمسك القلم غاضبا ووضع ~~خطا غليظا تحت الضمير في إشارة محمد علي إلى أملاكه، كما لو كان الضمير في نفسه بمثابة ~~خيانة ضد ميول محمد علي صديق بريطانيا الصدوق. أما فيما يختص بموافقتنا على إرسال تجريدة ~~إلى اليمن، فقد أجاب بالمرستون صراحة بأننا لم نبد معارضة في إرسال محمد علي تجريدة لكبح ~~جماح جنوده الثائرين، ولكن التجريدة كانت أرسلت قبل وصول موافقتنا على إرسالها بزمن طويل، # 74 # ولما استصوب نائب السلطان استعادة الجنود من اليمن تفاديا من وقوع حوادث على ~~الحدود رد عليه وزير الخارجية بأنه لا يرغب في استمرار احتلال الجيش المصري لليمن، بل ما ~~أشد ما يكون اغتباطه على العكس إذا حدث ما يدل صراحة على أن الباشا مهتم بتحسين إدارة ~~الولايات المعهودة إلى حكمه بدلا من تسخير جهود ذهنه وموارد القطر الذي يحكمه في إرسال ~~تجريدات عسكرية مهمتها شن الغارة على البلدان المجاورة ومناصبتها العدوان، # 75 # وحتى قبل أن يحتل الإنجليز عدن فعلا أنذر بالمرستون محمد علي «بأن كل محاولة ~~عدائية ضد عدن سوف تعتبر بمثابة اعتداء على أملاك إنجليزية، وإذ ذاك تعالج على أن لها ~~تلك الصفة.» # ومن ذلك الحين فصاعدا، وخاصة بعد أن أخذت العلائق تزداد توترا بسبب حوادث سوريا، ظلت ~~عدن مصدرا للجفاء بين الفريقين، وقد أنذر محمد علي بألا يتعرض لرؤساء العشائر المتاخمين ~~للمستعمرة الإنجليزية الجديدة، # 76 # وقد دار على الألسن فيما ms143 بعد أن نائب السلطان يحسن صنعا لو أنه عمل باقتراحه ~~فأصدر أمره بالجلاء عن اليمن كلية، # 77 # ثم راجت الإشاعات بأن الجنود المصريين قد حفزوا رؤساء العشائر لمهاجمة عدن، ~~ولسوء الحظ أن قنصلنا العام السخيف المجرد من اللياقة، وهو الذي خلف كامبل صدق تلك الإشاعات ~~وآمن بها كما لو كانت حقيقة لا ريب فيها، # 78 # وحتى بعد أن انسحب محمد علي نهائيا من اليمن لم يكف ذلك القنصل العام عن ~~تجريحه ولومه. # 79 # فأنت ترى فيما سقناه أمامك من الحوادث التي وقعت فيما بين الحرب السورية الأولى ~~والثانية مبلغ وهن سياسة محمد علي وقوتها وعدم ثباتها في كثير من النواحي؛ فلقد رأى بحصافة ~~رأيه وبعد نظره أهمية الصداقة البريطانية بالنسبة إليه. ويظهر أنه كان يرغب دائما في نيل ~~هذه الصداقة؛ فكان لا يفتر عن السعي لابتكار الوسائل التي تزيد في قيمة تعاونه في أعين ~~الإنجليز، ولكن يلوح هنا أن الباشا أساء فهم مركزه كما أساء فهم مركز بريطانيا ~~العظمى. # نعم؛ لقد كانت مصالح إنجلترا ومصر متشابكة، ثم إن استخدام طريق السويس إلى الهند جعل من ~~الأهمية بمكان بالنسبة إلينا أن تظل مصر بعيدة عن الوقوع تحت أي سيطرة أجنبية، اللهم إلا ~~إذا كانت تحت سيطرة بريطانيا، وأن نساعد على توطيد مركز حكومتها وزيادة رخاء سكانها هذا، ~~بينما كانت سيطرة بريطانيا البحرية سببا في جعل إنجلترا خير حليف يمكن أن يحالفه قطر لا ~~سبيل إلى مهاجمته إلا من ناحية البحر؛ لهذا كان عقد محالفة بين مصر وإنجلترا رأيا صائبا، ~~ولكن من وجهة نظرنا كان يوجد فارق كبير بين محمد علي باشا مصر الساعي لتوطيد دعائم النظام ~~وإقامة سنن العدل ونشر العلوم والمعارف في وادي النيل وبين محمد علي الذي يسخر شعبه في ~~فتح بلاد العرب وتدويخ سوريا ونشر سلطانه وبسط نفوذه شرقا لغاية البصرة وجنوبا لغاية عدن، ~~مهددا بهذا أعصاب أوروبا بقلب الإمبراطورية العثمانية ظهرا لبطن. # ولم يكن هناك ما يمكن أن يقنع بالمرستون - وفي هذا كان وزير خارجية بريطانيا على ms144 حق - بأن ~~مصالح بريطانيا في حاجة إلى تأييد دولة عسكرية قوية في الشرق الأدنى كالتي كان محمد علي ~~وبخاصة ابنه إبراهيم يحلم بإنشائها، بل لم تكن مصالح بريطانيا في حاجة إلى حماية أخرى عدا ~~حماية الأسلحة البريطانية، فلم يكن ثمة مناص من أن يؤدي بسط نفوذ الباشا شرقا إلى اصطدام ~~المصالح وتعارض السياسات. # وكذلك لم يكن هناك شبه ظل لما زعم بعض الكتاب المصريين العصريين لوجود عداء من ناحية ~~بريطانيا العظمى لمصر؛ فلقد كان المجال فسيحا أن يبلغ محمد علي شأو العظمة كما شاء في داخل ~~حدود مصر الجغرافية الطبيعية، ولكن لم يكن من شأنه أن يعرض مصالح أوروبا للخطر، أو أن ~~يضطلع بالنيابة عن إنجلترا بأعباء تحس هي أن في وسعها الاضطلاع بها على أحسن وجه. # وقد كان بالمرستون حكيما ومصيبا عندما آثر أن يدعم سلطة إنجلترا في الخليج الفارسي ~~وعند مدخل البحر الأحمر، بدلا من أن يسمح للغير - مهما كانت توكيدات صداقته - باحتلال ~~مناطق كان القدر قد أعدها لأن تلعب دورا خطيرا في تاريخ الإنسانية. # الفصل السادس # | الحرب السورية الثانية وحبوط تدابير محمد علي # كانت النتائج التي تولدت من مشكلتي البحر الأحمر والخليج الفارسي كثيرة الشبه لسوء ~~الحظ في اتجاهها وآثارها بالنتائج التي أسفر عنها تطور الحوادث في سوريا وما جاورها من ~~البلاد؛ فإن التسوية التي وصل إليها الفريقان في صلح قوتاهية لم تكن تسوية بالمعنى المفهوم ~~من هذه اللفظة؛ لأنها تركت كلا منهما مغيظا غير راض يتربص الفرص لإحداث تغييرات ~~جديدة، وكان هذا هو المعروف بين الشخصين البارزين في هذا النضال العنيف. # ففي الآستانة كان السلطان محمود وصاري عسكر خسرو مصممين: الأول على استعادة سوريا، ~~والثاني على إذلال منافسه القديم. # وفي الناحية الأخرى كان محمد علي الذي بسط نفوذه على كثير من البلاد، ولكن كان احتفاظه ~~بها في مقابل شروط مجحفة. كيف لا وقد كان يؤدي الإتاوة التي تتجدد كل عام ويستولي عليها ~~السلطان سنويا؟! # وكان الباشا يعرف أنه أصبح هرما، وأنه لا يرجو أن يفسح له ms145 الأجل طويلا، فجعل يسائل ~~نفسه عما يكون مصير ممتلكاته ومصير أسرته بعد انتقاله إلى الدار الباقية، ولم يكن يخالجه أي ~~شك في أن انتقاله من على المسرح السياسي سوف يكون بمثابة إشارة لخصومه لتجديد محالفاتهم ~~القديمة لا لإعادة سوريا وحدها إلى قبضة السلطان ووضعها تحت نفوذه المباشر، بل واستعادة ~~القطر المصري أيضا، وإذ ذاك يطاردون أسرته انتقاما من مسلك كبيرها ومؤسسها حيال السلطان. ~~كما أن الولايات التي بذل فيها من الجنود ما بذل لتحسين الإدارة ونشر المعارف والعلوم ~~سوف تقتسم بين باشوات من الطراز القديم، فلا يكون لهم هم إلا أن يمتصوا دماء الأهالي ~~ويستلبوا ما عندهم من حطام ونشب قبل افتضاح الأمر وإحالتهم إلى الاستيداع. وفي الحق لقد ~~تكهن محمد علي بأن أسرته وإصلاحاته لن يطول أجلهما بعد وفاته، وأن الأمس سوف يصبح ~~منسيا، كما أن العمل الذي وقف حياته وجهوده عليه سوف يتلاشى كأن لم يكن، وكلما تقدمت به ~~السنون كلما ازداد يقينا بأن عمله ما زال غير ثابت، وأنه يخشى عليه من تقلبات الأزمان ~~وتصرفات الحدثان. # ولقد دلت العلاقات بين السلطان وبين الباشا بعد انتهاء الحرب مباشرة إلى أي حد كان صلح ~~قوتاهية صلحا أجوف لا قيمة له؛ فقد كانت هناك مسألة الإتاوة، فحتى بعد أن تحدد مقدارها ~~وانتهى البحث فيها ظل السلطان متمسكا بدفع المؤخرات التي رفض محمد علي دفعها رفضا ~~باتا. وحدث أنه في أثناء البحث في مسألة الزيادة أن انتهز محمد علي فرصة زواج إحدى أميرات ~~البيت السلطاني، فأرسل إلى الآستانة مندوبا خاصا متظاهرا برفع تهاني الباشا، بينما كانت ~~مهمته الحقيقية ترمي إلى أكثر من ذلك. وذهب المندوب تصحبه حاشية عددها اثنا عشر شخصا، وقد ~~زوده محمد علي بالتعليمات بأن يتظاهر في الآستانة «بكافة مظاهر الأبهة التي تليق بإحدى ~~الوزراء» فيوزع ما قيمته مليون قرش بشكل هدايا، # 1 # وكلف المندوب في الوقت نفسه بأن يبين للسلطان محمود بأنه طالما بقي خسرو ~~في الديوان فإنه لن ينفك عن تسوئة سلوك الباشا، وأن السلطان لو أصدر ms146 أمره الكريم بإبعاد ~~الصاري عسكر عن ديوانه السامي؛ فإن الباشا لن يكتفي بالمواظبة على أداء الإتاوة في مواعيدها ~~... بل يدفع شطرا كبيرا من المؤخرات التي يطالب السلطان بها، وقد كان المظنون أن يجتمع في ~~الآستانة لهذه المناسبة عدد كبير من كبار خصوم خسرو، وبذلك تكون الفرصة سانحة، # 2 # وعلى كل، فلم تفشل البعثة فقط في تحقيق غايتها، بل لقد كان وجودها في ~~الآستانة بمثابة فرصة لتوجيه الإهانات والعبارات الجارحة إلى مرسلها محمد علي، مثال ذلك أنه ~~لم يسمح لرئيسها حبيب أفندي أن يضع علما على قاربه، ولا أن تكون له «تندة» ليتقي بها حرارة ~~الشمس، كذلك لم يسمح للعمال الذين تولوا عملية التجديف في القارب بأن يؤدوا مهمتهم ~~بالشكل المألوف عندما ينقلون شخصا له مركز هام. وقد كانت نتيجة ذلك كله أن كثيرين من ذوي ~~الحيثيات في الآستانة خشوا الذهاب إلى مقره لزيارته علنا ولم يستقبلوه في منازلهم إلا ~~خفية، بل إن السلطان نفسه تذمر عندما علم بأن بحارة القارب الذي أقله إلى الآستانة ~~صعدوا الأسكلة ورددوا قولهم: «على الطراز الأوروبي» اعترافا بكرمه عندما وزع بينهم ~~هبات تقدر بخمسين ألف قرش. # 3 # وأخيرا تم الاتفاق في خلال سنة 1834م على مسألة الإتاوة، وذلك بأن يؤدى المبلغ ~~السنوي وتهمل المؤخرات بتاتا، على أن ذلك الترتيب لم يشف عن أي تحسين حقيقي فيما بين ~~السلطان محمود ومحمد علي من العلاقات المضطربة الغامضة؛ فإن الأول مثلا لم يدع فرصة ~~تمر إلا وانتهزها لإثارة الاضطرابات والقلاقل في سوريا، ولقد سبق أن أدخل إبراهيم في ~~هذه الولاية نظام الخدمة العسكرية الإجبارية مع بعض إجراءات لحماية السكان المسيحيين، وبذا ~~أثار عوامل السخط بين طبقات الشعب، ثم تجمعت العاصفة وانفجر مرجل الثورة في المنطقة ~~الواقعة حول القدس، وتحرجت الحالة وأصبحت من الخطورة، بحيث رأى الباشا بأن يذهب لزيارة ~~سوريا بشخصه. ولم يكن هناك أقل ريب في أن الثورة إنما كانت بإيعاز أشخاص معينين كانوا ~~يعملون لحساب الآستانة، ويمكن من الحادث الآتي الذي وقع في نابلس استنتاج الغاية ms147 التي كانوا ~~يبشرون لها؛ فلقد صعد أحد الأتراك إلى مأذنة أحد المساجد وجعل يصيح بأعلى صوته: «ألم ~~يعد ثمة وجود للديانة الإسلامية؟! هل تلاشت وعفا أثرها؟! ... ألسنا عثمانيين؟! فليهرع ~~كل من يحب النبي محمدا # صلى الله عليه وسلم # إلى السلاح، وليصمد لذلك الرجل الذي يسمى إبراهيم ~~باشا، والذي لا إيمان له. ذلك المدمن الذي يعاقر الخمر ويأكل لحم الخنزير وكل ما يخرجه ~~البحر من القاذورات (يشير بذلك إلى أكل إبراهيم باشا الترسة وغيرها من أسماك البحر التي ~~يحرمها الدين الإسلامي) تشبها بالمسيحيين، والذي يسكن الأديرة مع القسيسين ويصلي ~~معهم مع أنه لا يذهب إلى المسجد مطلقا.» # 4 # وعلى كل فقد اتخذت الإجراءات القاسية لقمع الثورة، وقد جيء إلى محمد علي بثلاثة من ~~زعماء الثوار فأمر بإطاحة رءوسهم في الحال، # 5 # وتم نزع سلاح المناطق الثائرة، ونفذ نظام الخدمة العسكرية الإجبارية. ~~وبالجملة، فقد قمعت الثورة دون أن تزعزع شيئا من شوكة الباشا. # ولكن الحالة العامة كانت تنذر بالخطر؛ فإن كل فريق كان يرتاب في نيات الآخر ولا يطمئن ~~إليه؛ ولذا أخذ كل منهما يعد العدة للنضال الحاسم المقبل، وبهذه المناسبة كتب ~~القنصل البريطاني في حلب: «إن كل شيء في سوريا أصبحت عليه الآن مسحة عسكرية، وقد اتخذت كافة ~~الإجراءات لتقوية الجيش وزيادة عدده وعدده، وقد حصنت حزون جبال طوروس وأصبحت جنود ~~الباشا متجمعة خلف حدوده الشمالية، وليس من شك في أن الحالة في الجانب الآخر من الحدود ~~مشابهة للحالة هنا، فلقد حشد الأتراك في قونية ما لا يقل عن 9000 جندي.» # 6 # أما الشيء الذي استلفت النظر بصفة خاصة في إنجلترا، بل وأدى إلى الامتعاض والتذمر، فهو ~~نظام الخدمة الإجبارية الذي تمكن الباشا بمقتضاه من الاحتفاظ بقواته العسكرية كاملة غير ~~منقوصة بعد أن ازدادت وحداتها. ولم يكن هذا النظام سوى بدعة غير مرغوب فيها في سوريا؛ فإن ~~الباشوات الأقدمين لم يدر بخلدهم شيء من هذا القبيل، بل كانت عاداتهم استخدام بعض ~~الجنود الألبانيين أو غيرهم من الجنود الأجنبية المأجورة؛ لأنهم كانوا ms148 يستصغرون شأن صفات ~~السوريين العسكريين. # 7 # ولكن محمد علي عقد النية على استخدام السوريين في الأعمال الحربية، وإن لم يكن هناك ~~إحصاء بعدد السكان يمكن أن يعتمد عليه الإنسان، كما أنه كان يستحيل عمل مثل هذا الإحصاء، ~~فلم يكن ثمة ندحة عن الالتجاء إلى النظام الروماني لتنفيذ هذا المشروع الذي كان يعتبر في ~~كل جهة بأنه منحوس في حد ذاته ولا مفر من أن يؤدي إلى زيادة عبء الضرائب. ويلوح أن ~~السوريين كانوا لا يزالون يعللون به أنفسهم من الاعتقادات في عهد أوجبسترس؛ فلقد كانوا ~~يعتقدون أن الطريقة الوحيدة التي يمكن بها تنفيذ نظام الخدمة الإجبارية، وهو دعوة عدد معين ~~من الأشخاص في منطقة معينة إلى الخدمة العسكرية وإلقاء القبض عليهم عنوة، ولكن السوريين ~~الذين كانوا يؤثرون ما يلحقهم من إهانات الجنود المأجورين غير النظاميين على التحاقهم ~~أنفسهم بالجيش لم يتركوا حيلة إلا ولجئوا إليها لاجتناب القبض عليهم؛ ففي حلب مثلا اختفى ~~الأشخاص الذين بلغوا السن القانوني عن الأعين عندما صدرت الأوامر في سنة 1833م بدعوة 10000 ~~رجل للالتحاق بالجيش، ففر بعضهم إلى دور القنصليات ليحتموا بحرمها، وجيء بآبائهم لجلدهم ~~بالقرب من النوافذ على أمل إخراج الفارين من مخابئهم، وأخيرا كلف مشايخ أقسام المدينة بذكر ~~عدد الرجال الذين يستطيعون جلبهم للالتحاق بالجيش. # 8 # وفي سنة 1835م تكررت هذه الإجراءات وأشباهها، وكانت مصحوبة بنفس المقاومة السلبية، ففي ~~بيروت أحاطت السلطات بالمساجد وألقت القبض على الذكور اللائقين للخدمة العسكرية، وفي حلب ~~أغلقت المساجد والدكاكين ووقف دولاب التجارة حتى تعذر الحصول على الخبز واللحم وغيرها ~~من أنواع التغذية مدة يومين كاملين، وإذ ذاك أخذ كثير من الناس يفرون إلى القرى الواقعة في ~~سفح جبال طوروس، بينما لجأ آخرون إلى التزيي بزي النساء، وتمكنوا بهذه الطريقة من اجتياز ~~الحدود إلى أراضي السلطان، ولشد ما كانت خيبة آمالهم عندما أبصروا أن السلطان محمودا كان ~~يحتذي حذو محمد علي في جمع الأنفار، وأنه كان ينفذ الخدمة الإجبارية بمنتهى الصرامة ~~والقسوة. # ولقد بولغ في رواية هذه الحوادث ms149 أشد مبالغة أدت إلى أن تعلق عليها الصحف والدوائر ~~السياسية تعليقات ملؤها السخط والاشمئزاز، وقد أصدرت إلى كامبل تعليمات بأن يبلغ محمد علي ~~بصفة خصوصية غير رسمية بأنه إن كان يرغب في التجنيد الإجباري حقيقة، فلا أقل من أن توضع ~~أسماء الأشخاص اللائقين في جداول منظمة، وأن ينفذ المشروع بطريقة نظامية لا أن يخطف ~~الناس من الطريق خطفا بالقوة العسكرية وبدون تمييز بين اللائق منهم للخدمة وغير اللائق، ~~كما يحدث عندما يراد اقتناص عدد من الحيوانات البرية أو قطيع من المواشي في الصحراء. # 9 # على أن هذا الشعور الإنساني ما لبث أن خفف لتأييده في نواح معينة بعض ~~الصوالح الخاصة. # وكان يوجد أحيانا ما يسوغ ذلك العطف والتأييد، مثال ذلك ما حدث في سنة 1835م عندما قبض ~~الجنود في بيروت على بعض أشخاص في خدمة القنصليات؛ ففي هذه المناسبة أوفد محمد علي ~~الكولونيل سيف «سليمان باشا» بعمل تحقيق خاص في الموضوع، وطلب إلى قناصل الدول العموميين في ~~الإسكندرية أن يختاروا مندوبا لمرافقة سليمان باشا، # 10 # وأحيانا كنت ترى بالمرستون يقوم ويقعد ويرغي ويزبد عند سماعه أنباء غير حقيقية ~~تفتقر إلى إثبات، مثال ذلك أنه علم في سنة 1835م بأن المسيحيين جندوا كأنفار، فكتب من ~~فوره إلى كامبل يقول: «إن لأوروبا الحق في أن ترجو معافاة المسيحيين التابعين للباب العالي، ~~والذين يسكنون الأقطار التي عهد بها السلطان في الوقت الحاضر إلى حكم محمد علي من ذلك ~~التجنيد الجديد الذي يخيل إلى الباشا أنه يستطيع أن يرهق به السكان المسلمين الذين ~~عهد إليه بالمحافظة على صوالحهم والسهر على رخائهم ويسرهم.» # 11 # ولكن كامبل تغافل عن هذا التهكم اللاذع، وراح يؤكد لرئيسه أن مسيحيا ~~واحدا لم يطبق عليه نظام الخدمة الإجبارية؛ فلقد قام أخيرا برحلة طاف فيها أنحاء ~~سوريا، فلقي كثيرين من الحجاج وقد وشموا الصلبان على سواعدهم، فلما سألهم عن السر في ذلك ~~أخبروه أن الوشم عادة شائعة لا تنحصر مزيتها في تمييز المسيحيين من المسلمين، بل إنها ~~تحميهم من التجنيد الإجباري. ms150 # 12 # على أنه لو كان للمبادئ الإنسانية والعواطف المسيحية دخل في تذمر الدول العظمى، وبخاصة ~~بريطانيا، من عملية التجنيد الإجباري في سوريا فإن الاعتبارات السياسية جعلت للمسألة خطورة ~~مزعجة؛ ذلك لأن نشوب الحرب بين السلطان والباشا كان نذيرا بظهور الروس من جديد على المسرح ~~السياسي وتعزيز نفوذهم في الآستانة طبقا لنصوص معاهدة انكيار سكيليسي، وإذ ذاك لا يكون ~~أمام بريطانيا إلا أحد أمرين؛ فإما السكوت على أن يكون لروسيا التفوق في بوغازي البوسفور ~~والدردنيل أو تلجأ إلى الحسام لتهدم ذلك التفوق والقضاء عليه. وبديهي أنه لم يكن من السهل ~~التفضيل بين أحد هذين الأمرين؛ إذن فلا بد من منع محمد علي من مهاجمة الباب العالي، أو إذا ~~لم يكن منع نشوب الحرب؛ فإن بريطانيا تنضم إلى روسيا في تأييد السلطان وشد أزره؛ ولهذا وجهت ~~إلى محمد علي عبارات اللوم والتقريع في مرات عديدة. # وفي نهاية سنة 1837م اضطر كامبل أن يبين له أن الدول العظمى لن تسمح له بالاحتفاظ بكل ~~هذه التسليحات التي لن تكون لها نتيجة أخرى عدا وقوعه في أشكال مع السلطان، وبذا يتعذر نشر ~~ألوية السلام في ربوع الشرق. # 13 # أما بالمرستون فقد رفع عقيرته وردد عبارات التحذير عالية، وطلب إلى كامبل بأن يلفت نظر ~~الباشا إلى العواقب السيئة التي سوف تكون حتما من نصيبه إذا ما عاد إلى الاعتداء على أي ~~قطر من الأقطار التابعة للسلطان، ثم عليك أن تبلغ الباشا بأن نظامه الخاص بالتجنيد ~~الإجباري وتنفيذه إلى مدى واسع مضافا إليه تأهباته العسكرية الإيجابية وحشده الجنود في ~~سوريا؛ كل هذا خليق بأن يثير الارتياب في نياته حيال الباب العالي، # 14 # ولكن محمد علي لم يكن له إلا رد واحد على هذه الاعتراضات، وكان هذا الرد مفحما ~~يصعب ألا يرضخ له الإنسان؛ ذلك أن السلطان محمودا كان منهمكا في إعادة تنظيم جيشه، ثم إن ~~الضباط الألمان بما فيهم الجنرال فون ملتكه الشهير قد استأجرهم السلطان لتمرين الجيش ~~وتنظيمه. # ولما كان الباب العالي وقتذاك غير مشغول بحرب ms151 خارجية ولا مهدد بثورة داخلية يستعد لقمعها، ~~فما معنى هذه الاستعدادات إن لم تكن موجهة ضد مصر؛ فإذا كان الباشا يستعد من ناحيته ~~فاستعداده ذلك إنما هو ما تمليه عليه رغبته الصادقة في الاحتفاظ بالسلام، وهي الترجمة ~~الشرقية للعبارة اللاتينية: «إن أردت السلام فعليك بالاستعداد للحرب.» # ولم يرق هذا الرد طبعا في نظر بريطانيا وفرنسا، بل اغتاظتا له أشد الغيظ فأصدرتا ~~لقنصليهما العموميين التعليمات اللازمة بالتكلم مع الباشا في الموضوع بلهجة حازمة شديدة، بل ~~إن بالمرستون كتب في هذا الموضوع مرتين متواليتين في شهر مارس سنة 1838م؛ فقد طلب أول مرة ~~بيانات صريحة عن نيات محمد علي، # 15 # أما في المرة الثانية فقد حذره من عواقب الحرب الخطيرة؛ فقد استطرد في هذه ~~الرسالة الثانية يقول لكامبل: «ولا يفوتك أن تبين للباشا أنه ينبغي عليه أن يفهم أن ~~مواهبه وجهوده - على عظمتها في أعين العالم جميعا - سوف تجد مجالا واسعا للبروز في إيجاد ~~نظام محمود للإدارة في الأقطار الخاضعة لحكمه.» # 16 # ولكن بالمرستون برغم هذه الألفاظ المعسولة، وبرغم هذا السخط الأدبي لم يكن ينظر - ولعله ~~لم يكن يستطيع في مكانه ذلك أن ينظر - إلى الموقف نظرة عادلة مجردة عن الهوى؛ فإنه كان ~~يطالب الباشا بالتنازل عما لا يمكن التنازل عنه إلا خضوعا للقوة، وقد اقترح كامبل اتخاذ ~~خطة أدنى إلى العدل عندما كتب إلى رئيسه في نهاية سنة 1837م، يقول: «ليس يسعني إلا أن أشعر ~~أن محمد علي استطاع أن يكون آمنا على نفسه ضد أي اعتداء من جانب السلطان، ثم إنه إذا اضطر ~~وقتئذ إلى تخفيض جيشه وأسطوله إلى حد معين، ولو حظر عليه الالتجاء إلى الخدمة الإجبارية ~~في أي قطر من الأقطار التابعة له؛ فليس من شك في أن هذا التعبير الصالح سوف يظهر أثره الحسن ~~عاجلا في كافة أنحاء البلاد.» # 17 # وهذا لعمرك هو الحق الذي لا ريب فيه، فإن الباشا لم يكن يمكن أن يزيل مخاوفه ~~ويبدد شكوكه ويغنيه عن الحاجة إلى التسليح إلا ضمان من هذا ms152 القبيل، اللهم إلا إذا كان ~~المقصود أن يستعد الباشا لتسليم السلطان أي قطر من الأقطار التابعة له يقع عليه اختيار عاهل ~~الآستانة. ولقد كان من بواعث الأسف أن موقف روسيا جعل تقديم مثل هذا الضمان ضربا من ~~المستحيلات؛ ولذا لم يسع بالمرستون إلا أن يردد النظرية الرسمية؛ وهي أن محمد علي لم ~~يخرج عن كونه مجرد خادم السلطان ووزيره، وأن لهذا الحق كل الحق في أن تتطلع نفسه لاستعادة ~~أملاكه في أي وقت شاء، وأن ما يقوم به الباشا من الاستعدادات الحربية هو في الواقع عمل غير ~~قانوني ومناف لقواعد الولاء وينطوي على الخيانة. # وغير خاف أن هذه الصفات نفسها كانت هي نفس النظرية التي ترددها الإمبراطورية ~~العثمانية، ولكن كانت هناك نقطة تنتهي عندها هذه الخرافات القديمة وتصبح لا مفعول ~~لها. # فلقد حدث في الهند أن حكومة شركة الهند الشرقية قررت أنها في حل مما عليها حيال ~~إمبراطورية المغول من الواجبات بمجرد ما تخلى عن حمايتها، وانضم إلى قبائل الماهراتا ~~وهم أعداء الشركة المحتملون. ولقد أجمع العقلاء على تسويغ عمل الشركة، وإنما سقنا هذا ~~المثال لنبين أن محمد علي لم يكن يختلف موقفه عن موقف شركة الهند الشرقية الشريفة، ولعل ~~الخلاف - إن وجد - يرجع إلى ملابسات السياسة أكثر مما يرجع إلى المبادئ السياسية؛ لأن ~~خروج «دارين هيستنجز» على سلطة عاهل المغول «شاه علام» لم يكن من شأنه أن يعرض سلام ~~أوروبا للخطر كما كان يعرضها خروج محمد علي على السلطان محمود عاهل الآستانة، وكانت ~~النتيجة أن الباشا العظيم مع أنه كان أهلا للعطف بسبب ما كان يبذله من المساعي والجهود ~~لتوطيد دعائم ما بذله من الإصلاحات التي أدخلها وأن ينقذها من عبث الإدارة التركية؛ فقد ~~بقيت بعض أسباب قوية تسوغ سياسة بالمرستون برغم الكثير من النظريات غير المقنعة التي استند ~~إليها في قضيته ضد محمد علي، أو بعبارة أخرى أن بالمرستون كان يحسب حساب الصوالح العالمية ~~الكبرى ويرى مراعاتها أهم بمراحل من تعزيز نفوذ محمد علي أو الاحتفاظ بإصلاحاته، ولا ms153 يمكن ~~أن تعدل مزايا هذه الإصلاحات الأخطار التي تنشأ حتما من نشوب حرب أوروبية. ولقد صرح ~~بالمرستون في سنة 1833م - وكان على حق فيما قاله في ذلك الحين - أن العناية الكبرى التي ~~جعلتها الحكومة البريطانية نصب عينيها هي المحافظة على السلام ... إننا لا نميل إلى إحداث ~~تغييرات كبيرة في توزيع السلطة السياسية توزيعا نسبيا؛ لأن حدوث هذه التغييرات لا يكون ~~إلا بالحرب، أو إذا اقتضت حدوثه جدلا فلا بد حتما أن يؤدي عند إتمام التغيير إلى نشوب الحرب. # 18 # ونحسب أن من حق محمد علي علينا أن نرجئ الخوض في طبيعة إدارته وكفايتها إلى فصل آخر، ولكن ~~لا يفوتنا أن نذكر هنا أنه مهما كانت قيمة تلك الإدارة فقد كان عنصرا رئيسيا في سياسة ~~بالمرستون أنه كان ينظر إلى إدارة محمد علي بعين الشك والارتياب؛ فقد كان من رأي ذلك ~~السياسي الحر (التابع لحزب الأحرار) أن الغايات الصالحة الإنسانية المتنورة التي قال الناس ~~إن محمد علي وضعها نصب أعينه تتنافى بتاتا مع قبضه على الناس بالقوة للخدمة في جيوشه، ولم ~~يكن في استطاعة لورد بالمرستون بصفته من كبار الأعيان أن يوفق بين الحكومة العادلة وبين ~~تجريدها للناس من أملاكهم، هذا إلى أن رجال الاقتصاد في الغرب أجمعوا على استهجان ~~الاحتكارات التجارية التي أوجدها الباشا في مصر وفي غيرها من البلاد التابعة له. # فهذه الأسباب العامة وغيرها هي التي جعلته لا يميل إلى النظر بعين العطف إلى مطالب محمد ~~علي وآرائه؛ فكان كلما أشار كامبل إلى حماية الباشا لممتلكات الأشخاص يرد عليه بالمرستون ~~بقوله: «ما عدا ممتلكات الشعب الذي يحكمه محمد علي.» وكلما أشار القنصل العام إلى حب الباشا ~~للخير يجيبه وزير الخارجية: «وليس حب الخير هذا هو ميله للحرب وفتح البلاد واستلاب الناس ~~وسن نظام الخدمة الإجبارية وإيجاد الاحتكارات التجارية.» # 19 # فهذه الآراء وإن كانت بلا قيمة في تقدير ما قام به محمد علي من جلائل الأعمال ~~تساعد بلا شك على تفسير سياسة بالمرستون في الأزمة التي كانت ستهب ريحها ms154 في القريب ~~العاجل. # ولم تكن هذه الآراء مجرد نتيجة أفكار عامة أو منشأها المضايقة مما كان يبديه الباشا من ~~نشاط لا يدعو إلى الارتياح، وكان سير الإدارة في سوريا كما سأبين بعد أقل توفيقا وأبعد ~~عن النجاح مما كان في مصر، ولم تتورع الصوالح المغرضة عن المبالغة في مساوئ الإدارة السورية ~~بلهجة لبقة خداعة، وليس من شك في أن تدهور الإدارة التركية وإهمال الباشوات يضاف إليهما ~~استمرار انحطاط قوة تركيا العسكرية، ثم ما ترتب على ذلك من إحجام الديوان وتخوفه من ~~معالجة المسائل الخاصة بالشئون الخارجية؛ كل هذا قد شجع بعض العناصر في التمادي والإغراق ~~في إساءة استعمال الامتيازات التركية. من ذلك أن القناصل زعموا أن لهم الحق في معافاتهم من ~~كافة الضرائب والرسوم، اللهم إلا شيئا تافها محددا، وأن لهم الحق في تطبيق هذه المعافاة ~~على كل من يستخدمونه وعلى أي شخص يقولون إنه من رعاياهم. # وقد أثبت «لبارد» أن معظم القناصل في سلانيك كانوا يعيشون على الإيرادات المتحصلة من بيع ~~جوازات السفن أو الحماية للمسيحيين الوطنيين، # 20 # وقد كانت هذه الفضائح ترتكب في سوريا بلا رادع. وبهذه المناسبة كتب كامبل «إن ~~القناصل والأعوان اعتادوا أن يحموا عددا لا حصر له من رعايا الترك المسيحيين، وكذلك للتجار ~~بتوصية بعض السماسرة للتراجمة ... إلخ، وكانت هذه الحمايات تباع للرعايا المسيحيين، وكان بعض ~~هؤلاء من الثروة الضخمة ما يجعله يدفع الأموال الطائلة للقنصل في سبيل التظلل بحماية ~~تخرجه من طائلة القانون التركي.» # 21 # بل إن ليدي «هيستر ستانهوب» لغير ما سبب سوى مزاجها الأوتوقراطي أعطت 77 حماية بعضها ~~لأشخاص ذوي ثروة ضخمة، وقد أعطيت كافة هذه الحماية لأشخاص لم يكونوا في خدمتها يوما، ~~بل ولم تكن تدفع لهم مرتبات مطلقا. # ثم إن القناصل اعتادوا أن يصدروا شهادات بأن البضائع الموجودة في الجمارك التركية ~~تابعة لهم، «فهي إذن معفاة من الرسوم ولا يمكن تفتيشها»، مع أن الناس كانوا يعرفون جميعا ~~بأن القناصل إنما يتسترون على بضائع تابعة لبعض التجار الوطنيين. # 22 # ولقد كان ms155 من نتائج قيام حكم محمد علي في سوريا مع ما تضمنه قيام هذا الحكم من إدخال ~~نظام الخدمة الإجبارية أن زاد ثمن الحماية التي يحصل الإنسان عليها من القناصل، ولقد عاد ~~الكولونيل سيف الذي أرسله محمد علي إلى سوريا للتحقيق في حوادث الاعتداء على دور القنصليات # 23 # بتقرير شنيع وقاس، وقد أيده فيه مندوب القناصل العموميين الذي ذهب لمرافقته ~~في مهمته، وفي التقرير أن معظم التراجمة الملتحقين بالقنصليات هم جماعة من أغنياء التجار ~~ليس في استطاعة أحدهم أن يؤدي للقنصل وظيفة الترجمة؛ لأنهم لا يعرفون لغة أخرى غير اللغة ~~العربية، ثم إن الجنود الانكشارية كانت لهم ركالين، وانخرطوا في سلك التجارة. هذا إلى أن ~~الكتاب العموميين صاروا تجارا وبعضهم كانت له ثروة ضخمة، وكان الكثيرون من هؤلاء ~~الموظفين «بالاسم فقط» لا يضطلعون بواجباتهم؛ إما لأن مرتبهم أسمى من أن يسمح لهم بذلك وإما ~~لأنهم كانوا عاجزين فعلا عن أداء هذه الواجبات، ولكنهم كانوا مع ذلك يدفعون مبلغا طائلا ~~في مقابل الوظائف التي يشغلونها، وبخاصة لأن الحماية المعطاة لهم من القناصل لم تكن قاصرة ~~على أولئك الموظفين وحدهم، بل كان مفعولها نافذا على أسرات هؤلاء الموظفين وخدمهم أيضا. # 24 # وقد قدم كامبل نفسه أدلة معينة وصلت إلى علمه تثبت سوء استعمال الامتيازات؛ فلقد ~~رأى في بيروت في سنة 1836م أن القنصل البريطاني كان يحمي شحنة من القمح تبين فيما بعد أن ~~أحد اليونانيين أرسلها إلى آخر؛ فلما أشار القناصل العموميون في الإسكندرية بناء على شكاوى ~~محمد علي المشروعة بتحديد # 25 # هذه الحمايات الرباحة في نفس الوقت الذي كان يبشر بأن تدر من الربح أضعاف ~~أضعاف ما كانت تدره في الماضي، تألم القناصل غاية الألم لسخر القدر هذا؛ فلقد كان من رأيهم ~~أن أيام سوء الإدارة التركية منذ كان في استطاعة أي شخص من رعايا تركيا المسيحيين أن يحصل ~~(لأي اعتبار من الاعتبارات) على الجنسية الروسية أو الفرنسية أو البريطانية أعود بالربح ~~وأضمن للمكسب من نظام الإصلاحات البعيد عن المكسب الذي جلبه ms156 لهم محمد علي من مصر، فلم يكن ~~عجيبا أن نرى في تقاريرهم صورة لإحساساتهم المحزنة وأيديهم الخالية من الذهب. # وكثيرا ما رأى كامبل نفسه مضطرا إلى الإشارة إلى ولع بعض أولئك القناصل ورغبتهم ~~الشديدة في انتهاز كل تافه من الأمور، يحتمل أن تغضب حكومة جلالة الملك على نائب السلطان، ~~كما أنهم كانوا يتحادثون من آن لآخر عن امتيازات لم يكن لها وجود في يوم من الأيام؛ # 26 # فلقد طلبوا أن التراجمة الإنجليز ومعظمهم من سكان شرقي البحر المتوسط، مما لم ~~يكن لهم سوى حظ بسيط من التعليم - فضلا عن صفة النسب - يستقبلون بنفس مظاهر الإكرام كما ~~يستقبل التراجمة الفرنسيون، وقد كانوا من الأوروبيين المثقفين الذين يعملون في وظائفهم ~~باسم مليك بلادهم وهم مرشحون مع الزمن للترقية في السلك القنصلي، # 27 # لا بل إن أحدهم ذهب إلى حد تقديم عريضة مزورة وبأسماء مصطنعة ضد ولاة الأمور ~~المصريين دافع فيها عن مساوئ لا سبيل للدفاع عنها. # 28 # وإلى جانب ذلك كله لم تمر على القناصل الوسائط الملائمة التي يتصلون عن طريقها بالسفارة ~~البريطانية في الآستانة؛ فقد كان الترجمان الثاني بشارد وود صهر المستر مور القنصل ~~البريطاني في بيروت، ويمكن الحكم على مزاجه بالحادث الآتي: «فبينما كان كامبل يجوب أنحاء ~~سوريا في سنة 1836م التقى بهذا الرجل وسمعه يقص عليه حكاية تشمئز منها النفوس عن فظائع ~~إبراهيم في قمع ثورة كانت قد نشبت حديثا، وبخاصة إحراقه ما لا يقل عن ثلاثين قرية لم ~~يبق لها أثر.» فسأله كامبل عن أسماء تلك القرى فأرتج الأمر على مور ولم يحر جوابا، ~~فهل رأى القنصل هذه القرى المحروقة؟ ... كلا؛ بل سمع بها فحسب. وقد أصاب كامبل عندما طلب إلى ~~القنصل مور أن يتثبت من صحة الرواية، ومع أن مور لم يستطع التثبت منها؛ فإن صهره وود ~~أبلغها إلى السفير بونسيني في الآستانة باعتبارها حقيقة لا ريب فيها. # 29 # وليس من شك في أن هذه التقارير الواردة من القناصل كانت على اتفاق مع حالة بالمرستون ~~العقلية، وهي ms157 التي أصبحت مشتتة من جراء ما وصفناه لك في الفصل السابق عن تضارب السياسة، ~~ثم انقلبت إلى ثورة غضب بما كان يهدد سلام أوروبا من الخطر الكائن فيما بين السلطان ~~ومحمد علي من علاقات متوترة؛ لهذا كان نظره إلى الموقف الأوروبي وارتيابه في حقيقة إصلاحات ~~محمد علي يدفعانه إلى تأييد السلطان ضد الباشا. # أما خطة فرنسا فكانت تختلف كل الاختلاف عن موقف إنجلترا؛ ذلك لأن فرنسا لم تكن تنظر إلى ~~الإمبراطورية العثمانية باعتبارها كعبة مقدسة لا يصح قص شيء من أطرافها، بل لم تتردد في قطع ~~الجزائر منها. # وفي حين من الأحيان لم تحجم فرنسا عن إرسال وزير مفوض إلى الإسكندرية رأسا، كما أن لويس ~~فيليب أشار في محادثة خاصة إلى استقلال محمد علي بأنه أمر لا بد من تحقيقه مع الزمن. # 30 # ولقد سبق لفرنسا أن قدمت إلى محمد علي ما يحتاجه من الضباط لجيشه ولأسطوله كما قدمت ما ~~طلبه من الخبراء لمصانع البوارج والترسانات المصرية. # ثم لا ننسى الممولين الفرنسيين الذين زودوه بالقروض. # 31 # وكانت علاقة قنصل فرنسا العام بالباشا علاقة ودية وثيقة. وإذا كانت فرنسا بحثت كإنجلترا ~~في الاحتفاظ بسلام أوروبا؛ فإنها كانت تختلف عنها إلى تحقيق ذلك السلام بمنع السلطان من ~~مهاجمة محمد علي بدلا من منع محمد علي من تقوية نفسه ضد مولاه التركي؛ ولهذا كانت الخطوة ~~الأولى في برنامجها أن تصلح السلطان مع الباشا، وبهذه المناسبة كتب المسيو ميمو قنصل فرنسا ~~العام يقول: «إن من واجب فرنسا أن تؤلف بين شقي الإمبراطورية.» وفي خلال سنة 1836م ~~أرسلت إلى السفير الفرنسي في الآستانة تعليمات يعرض فيها وساطته لمصلحة الفريقين، ~~والظاهر أن الفرنسيين كانوا على استعداد لضمان مركز محمد علي طول حياته في مقابل تخفيض جيشه ~~وأسطوله بمقدار النصف، وهذا يساعد الباب العالي بدوره على احتذاء حذو الباشا. # 32 # وفي اليوم الذي سافر السفير في مسائه إلى باريس لمباحثة الميوتير ودارت فيه المباحثة بين ~~قنصل فرنسا الجنرال ومحمد علي، أعلن السفير للرئيس أفندي بأن على الباب ms158 العالي أن يعدل عن ~~خطته العدائية نحو باشا مصر، # 33 # وكانت نتيجة هذه الاقتراحات وما دار من المباحثات الغامضة بين السلطات الفرنسية ~~والباب العالي ومندوبي محمد علي # 34 # أن تم الاتفاق على إرسال صارم أفندي على رأس بعثة خاصة إلى مصر. ولم يكن هذا ~~العمل إلا مثالا آخر على سوء نية الباب العالي المعلومة، ففي الوقت الذي كان يتظاهر فيه ~~بتنفيذ رغبات فرنسا شرع (وربما بالإخلاص نفسه) في أن يكتب لوزيره في لندن بأنه يعمل على ~~ترضية السفير الفرنسي بدون كشف نوايانا، وأن بريطانيا هي الدولة الوحيدة التي يمكن أن تعتمد ~~تركيا عليها. # 35 # وعندما وصل صارم إلى الإسكندرية تبين لمحمد علي أنه إنما جاء لتملقه ومعرفة طوايا ~~نفسه. وبعد يومين من خروجه من الكورنتينا التي فرضها الخوف من انتشار الطاعون على كل وارد ~~من الآستانة استقبل محمد علي المستر كامبل، وانتقل بهما الحديث إلى ما تتناقله الألسن عن ~~نوبات الجنون التي تصيب القيصر نقولا، ثم استرسل الباشا فقال: «لست أعتقد أنه هو الملك ~~الوحيد الذي يصاب بهذه النوبات؛ فإن مليكي لا يلوح عليه أنه سليم في عقله.» فقد أرسل ~~مندوبا للاتفاق على التعاون بين القاهرة والآستانة دون أن يزوده بالسلطة الكافية لعرض ~~شروط معينة، # 36 # وفي المناقشات التي دارت بعد ذلك التاريخ اقترح صارم استبقاء مصر وعكا، ولكن ~~الباشا أصر على أن يكون العرض شاملا لكافة الممتلكات التي تحت يده، # 37 # ولذلك باءت البعثة بالفشل التام كما أراد ديوان الآستانة ذلك، ولكن العقبات ~~التي تحول دون الوصول إلى تفاهم شامل قد أصبحت الآن أشد وضوحا، # 38 # وهكذا بقي سوء نية الآستانة على حالة لم يغيره شيء. # ولم يخف على أحد الدور الذي لعبته فرنسا في هذه المحاولة العقيمة؛ فلقد كان السائد ~~في الأفهام أنه لولا تشجيعها لمحمد علي وتأييدها إياه لكان اهتمامه باقتراحات بالمرستون أشد ~~وأكثر. وفي الحق أن فرنسا كانت شديدة الحرص على تحذير محمد علي مما كانت تعتقد أنها سياسة ~~عدائية مطردة من ناحية بريطانيا، # 39 # ولعل ms159 سياسة ميترننج كانت ترمي إلى إثارة شكوك بريطانيا في خطط فرنسا؛ لذلك كان ~~مندوبوه يضعون تحت تصرف زملائهم البريطانيين كل ما كانوا يستطيعون اكتشافه أو سرقته أو ~~اختلاقه في هذا الصدد. فمثلا لم يكتف دي لوران قنصل النمسا الجنرال بأن يبلغ كامبل فحوى ~~رسائله إلى وزارة الخارجية، بل أبلغه كذلك الوقائع التي «حملها» من القنصلية الفرنسية، وقد ~~أطلع كامبل مثلا على خطاب بعث به الكولونيل سيف إلى ميمو وعليه توقيع ميمو وملاحظاته على ~~الهامش، وقد كتبت بخطه # 40 # على أن سياسة فرنسا لم يكن يعرقلها خداع الأتراك وحده أو مشاغبة الأجانب ممن ~~ألفوا الصيد في الماء العكر. كلا؛ بل إن عدم خضوع مندوبيها للنظام المركزي - كما أظهر ذلك ~~مندوبوها في الشرق في أكثر من مرة - جعل أمثال سفيرها «روسان» في الآستانة أو «سبستياني» ~~سفيرها في لندن يتمسكان بآراء تتنافى كلية مع آراء حكومة باريس. # 41 # وأخيرا لما تبين لمحمد علي في سنة 1838م أنه لم يفد شيئا من نوايا فرنسا المنبعثة عن ~~الإخلاص، عول على أن يدفع الأمور حتى تؤدي إلى النقطة الحاسمة، وقد خيل للسفارة ~~البريطانية في الآستانة أن قرار محمد علي هذا كان بإيعاز روسيا. ولقد رسخت هذه العقيدة في ~~نفس السفارة المذكورة واستقرت عدة سنوات، وهناك ما يحمل على الظن بأن الذي أوجد هذه الفكرة ~~وساعد على رسوخها هم جماعة القنصل # 42 # الذين من أصل «ليفانتي» ممن أغاظهم حكم محمد علي. أما كامبل فلم يصدق تلك ~~الفكرة، بل هزأ بها وبين أن صحة هذه الحكاية مشكوك فيها، ولا يمكن التوفيق بينها وبين ~~استدعاء قنصل روسيا الجنرال قبل إتمام سلسلة دسائسه ولا بين قلة الزيارات التي يقوم بها خلف ~~ذلك القنصل لمحمد علي، # 43 # وكانت معلومات كامبل في هذه المسألة كما في غيرها من المسائل الخاصة بمصر أصدق ~~واستنتاجاته أدق من معلومات واستنتاجات سفيرنا الهوائي المتصرف. # 44 # أما الذي ساق الباشا في الظاهر إلى أن يخطو الخطوة الثابتة، فلم يكن إيعاز السياسة ~~الروسية الخداعة ولا تأثير من رجال ms160 السياسة في سان بطرسبرج، كلا بل الذي حفزه إليها ما ~~كان يبديه نحوه التجار البريطانيون والفرنسيون من الميول الطيبة الصادرة من نفوس مخلصة. ~~ولقد سبق أن بينت للقارئ مبلغ أسفهم لأن محمد علي لم يسمح له بأن يضيف بغداد إلى أملاكه. ~~ولقد كان يمكن تعليل هذه الميول بأنها رغبات تنم عن الجهل من رجال يتاجرون في ظل نظام قائم ~~على الرشوة وعدم الكفاية، ولكن رغباتهم هذه لم يكن يشاركهم فيها تجار بغداد الأوروبيون ~~وحدهم، بل شاركهم إياها تجار القاهرة والإسكندرية، بل كانت هذه رغبة شركائهم ومراسليهم في ~~لندن وباريس ومرسيليا. نعم؛ كان الباشا مولعا باتباع نظام الاحتكارات، ولكن لا ينبغي أن ~~ننسى أن العدالة المطلقة والنظام لم يستتبا في جهة من جهات شرق البحر المتوسط كاستتبابهما ~~في الجهات التي كان يحكمها محمد علي. وبالجملة، فإن حكومته كانت الحكومة الوحيدة التي كان ~~يمكن المساومة معها بشيء من الاطمئنان. ولقد كان التجار الفرنسيون والبريطانيون - بقطع ~~النظر عن الاختلاف بين حكومتهم - على اتفاق في تمنيهم بأن يظل حكم محمد علي قائما إلى ما ~~شاء الله، فمثلا «واجهورن» مندوب القفل بالترانسيت عن طريق السويس قد أكد للباشا على ما ~~يظهر بأن بريطانيا سوق تعترف باستقلاله # 45 # كذلك فأمر التجار الإنجليز أن يغادروا القاهرة والإسكندرية عند انسحاب قنصل ~~بريطانيا الجنرال، وعندما شرعت الجنود البريطانية في مهاجمة إبراهيم باشا في سوريا، ولما ~~خمدت القلاقل في سنة 1842م تشكلت في لندن لجنة مخصوصة للتوصية على صنع مدالية ذهبية كتذكار ~~للحماية التي «قدمها الباشا بنبل» إلى الإنجليز المقيمين في مصر، # 46 # هذا في حين أن قنصلنا الجنرال كان يشعر بكثير من الحيرة عندما طلب إليه أن ~~يقدم إلى الباشا خطابا موجها إليه من الغرفة التجارية في بنغال يتضمن عبارات الاغتباط ~~بالمثل الحسن الذي ضربه للأمم المسيحية، وكان له خير وقع في النفوس. # 47 # فينبغي في نظري - التماس العذر لمحمد علي إذا اعتقد خطأ أن اتجاه الرأي العام في مسألة من ~~المسائل لا يمكن إلا أن يترك أثره في ms161 موقف الحكومة الشعبية. # من أجل هذا رأى محمد علي أن يطالع قنصل بريطانيا العام وزميله الفرنسي في 25 مايو سنة ~~1838م، ثم من بعدهما قنصلي النمسا وروسيا بتصريح رسمي أبلغهم فيه أن رأيه استقر على أن ~~يعلن نفسه مستقلا عن السلطان، وقد ذكر سببين لتسويغ خطته هذه؛ السبب الأول: مراعاة مصالح ~~أسرته، والسبب الثاني: صيانة الإصلاحات التي أدخلها. ولقد روى كامبل عن محمد علي أنه قال: ~~«إنه لا يسعه أن يوافق على أن تضيع تلك الغاية السامية التي وضعها نصب عينيه، أو أن تعود ~~إلى الباب العالي بعد انتقاله إلى الدار الأخرى كافة ما أنشأه من التأسيسات النافعة ذات ~~الأكلاف الضخمة كالترسانة والأسطول والسفن التجارية ومصانعه المزودة بالماكينات الأوروبية ~~والعمال، سواء الأوروبيين أو المصريين الذين أنفق عليهم ما أنفق في سبيل تعليمهم في ~~أوروبا.» ثم إن المدارس العديدة النافعة والمعاهد الأدبية التي أسسها على النظام الأوروبي ~~البحت، وما فتحه في سوريا من مناجم الفحم والحديد، ولا ما أنشأه من الطرق والترع في مصر، ~~وأنه سوف يتألم عندما يحس أن كافة ما قام به من ضروب الإصلاح كان كله لحساب الباب العالي ~~الذي سوف يترك تلك الإصلاحات تلعب بها يد الخراب والتلف، هذا بينما أن أسرته وأولاده ~~وأحفاده قد يكونون عرضة للحاجة والعوز وبل وقد يتخطفهم النطع واحد بعد واحد. # على أن اقتراح محمد علي هذا كان نصيبه الاعتراض الشديد من جانب فرنسا وبريطانيا، ولقد ~~صدرت التعليمات إلى القنصل كوسيليه أن يبلغ الباشا «بأن دولتي إنجلترا وفرنسا اعتزمتا ~~الالتجاء إلى القوة إذا ما اقتضى الحال ذلك لحمل الباشا على البقاء داخل حدوده كتابع لسيده ~~السلطان.» أما كامبل الذي قدم كثيرا من النصائح الأدبية، فقد طلب إليه أن يعرف الباشا ~~بقلق الوزارة البريطانية، وهو قلق مصحوب بالرجاء بأن يعمل الباشا على الوصول إلى قرار أحكم ~~من القرار الذي صمم عليه، ولكن كان لا يزال هناك أمل بأن تنفض الأزمة دون أن تؤدي ~~إلى انفجار، وقد خشي وقتئذ أن يظهر الأسطول التركي أمام ms162 الشواطئ المصرية؛ لأن محمد علي ~~أعلن للملأ أن الأسطول المذكور لو جاء فعلا إلى المياه المصرية لما تردد الباشا في الكر ~~عليه وإبادته بنفسه، وإذ ذاك بادر بالمرستون إلى اقتراح أن يطوف الأسطول التركي تصحبه ~~العمارة البحرية الإنجليزية المرابطة في البحر المتوسط بجهات البحر المذكور، وأن يذهبا ~~حيثما شاءا. # وقد رمى بهذا الرأي إلى تهدئة خاطر فرنسا والباشا من ناحية، وأن يبين لهما أن الأسطول ~~التركي لم يترك موانئه إلا للتمرين والتعليم فقط، بينما كان غرضه الحقيقي أن يظهر للملأ ~~ما بين تركيا وبريطانيا من صلات ودية وثيقة العرى. # 48 # وتسلم الباشا في الوقت نفسه الردود الباعثة على اليأس والقنوط، مع كثير من رباطة الجأش ~~وضبط النفس، ولم يزد على قوله إنه لا يستطيع الرجوع فيما اعتزمه، بل يؤمل أن تقف منه ~~الدول العظمى موقف أقرب إلى العدالة والإنصاف، # 49 # ويغلب على الظن أن آماله وقتئذ تزلزلت في إمكان وصوله إلى تفاهم مع الباب ~~العالي يسد عليه طريق الأسباب الفنية التي من أجلها تقاوم الدول اقتراحاته، ولم يكن ~~هناك أي شيء في أن للمال في الآستانة قوة وسلطانا على النفوس أكثر مما له في أي عاصمة ~~أوروبية أخرى، وكان الباشا قد أراد جس النبض أولا فسأل «ميديم» قنصل روسيا الجنرال كما سأل ~~كامبل عن موقف حكومتيهما فيما لو تمكن من إقناع الباب العالي بالاعتراف به كحاكم مستقل، ~~أو أن يكون وراثيا في أسرته. # ولكن جواب القنصلين لم يكن باعثا على الأمل، # 50 # أما الفرنسيون فكان ردهم أشد عطفا من زملائهم؛ فلقد كانوا في مستهل العام ~~التالي ما يزالون منهمكين في محاولة حمل الباشا على الكف عن الأعمال العدائية، وذلك بتعليله ~~بالوصول إلى اتفاق مع السلطان يضمن مركز سلالته في المستقبل، # 51 # ولكن هذا الاقتراح لم يكن بالمرستون ميالا إلى قبوله ما لم يوافق الباشا على ~~التنازل عن الجزء الأكبر من سوريا. # 52 # فلما اطمأن السلطان محمود إلى موقف الدول العظمى حياله وقوي أمله في حمايتها له فيما ~~لو دارت عليه ms163 الدوائر استقر رأيه على إشعال نار الحرب التي كان يعد عدتها من زمن طويل. ~~ويغلب على الظن أن مندوبي روسيا لعبوا الدور الأكبر في أعمال التحريض على أمل أن تدور دائرة ~~الحرب على الأتراك فيلجأوا إلى طلب المساعدة من روسيا وإرسال نجدة من جيوشها إلى الآستانة، # 53 # وفي شهر فبراير نمى إلى علم بونسيني أن السلطان محمودا قد اعتزم إعلان الحرب ~~في الربيع؛ # 54 # فلقد رددت الألسن أنه أرسل أمرا إلى مجلس وزرائه، قال فيه: إن الصار عسكر حافظ ~~باشا قد صرح بأن جيشه في حالة تضمن له التغلب على جيش محمد علي، وأن قبطان باشا أعلن بأن ~~الأسطول التركي في وسعه سحق الأسطول المصري، وأنه ينتظر بناء على ذلك أن يبدي مجلس ~~الوزراء ما يلزم من الشجاعة والحزم في أداء الواجب، # 55 # ولقد ظل حافظ باشا يلح ومعه ضباطه الألمان ليبدأ الزحف ضد جيش إبراهيم باشا ~~في سوريا، # 56 # وفي شهر أبريل عبر الأتراك نهر الفرات أمام «بير»، وانقضى شهران دون أن ~~يحدث ما يستحق الذكر، وهنا طلبت روسيا من فورها أن ينسحب جيش إبراهيم إلى دمشق ووعدت عند ~~موافقة إبراهيم أن تحمل السلطان على الانسحاب من الحدود السورية، # 57 # فأجاب الباشا بأن إبراهيم سوف ينسحب بمجرد عودة الأتراك إلى ما وراء الفرات، ~~وأنه إذا ضمنت أربع من الدول العظمى ألا يهاجمه الباب العالي، وأن تؤيد رغبته في أن يكون ~~الحكم وراثيا في أسرته؛ فإنه يسحب بعض جنوده من سوريا نهائيا، # 58 # وهنا أرسلت فرنسا إلى السلطان محمود رسالة طلبت فيها منه اجتناب الأعمال ~~العدائية، وأعلنت أنه إن لم يرتد حافظ باشا إلى ما وراء الفرات؛ فإنه يعتبر الفريق المعتدي، # 59 # وطلبت من محمد علي في الوقت نفسه أن ينسحب أيضا، # 60 # ولم ينتصف شهر يونيو بعد أن يئس الباشا من طول الانتظار للحصول على حل ~~مرض، بينما كان القائد التركي يحاول إثارة الفتن فيما وراء جيش إبراهيم حتى أعلن أنه لم ~~يعد يسعه الصبر على إطلاق الحرية لولده. ms164 # 61 # وفي باكورة صباح 24 يونيو، أي بعد الفجر بساعتين، بدأ إبراهيم بمهاجمة معسكر حافظ باشا في ~~نصيبين. # ولقد أسهب الضباط الألمان في ذكر الأسباب التي كان ينبغي بمقتضاها أن يكسب الأتراك هذه ~~الملحمة التي كانت أشبه باندحار تام منه بمعركة؛ # 62 # لأن إبراهيم استولى على كافة مدافع خصمه وخيامه وأوراقه، أي إن الجيش التركي ~~ذاب ذوبان الجليد تحت أشعة الشمس. # على أن الفوز الباهر قد اكتمل بنبأين آخرين يبعثان على السرور؛ ففي أول يوليو وردت ~~الأنباء بانتقال السلطان محمود إلى الدار الأخرى. # 63 # فلقد زادت همومه مما أصابه من خيبة أمل مقرونة بالقلق، وكان رئيس قسم الملابس قد لاحظ قبل ~~ذلك بأشهر تهدل ثياب مولاه، فأوعز إلى الترزي بأن يضيقها قليلا حتى لا تلوح فضفاضة على ~~هيكل سيده الذابل، # 64 # وقد ظل السلطان يرقب ما يجري من التأهبات لمهاجمة محمد علي بكثير من اللهفة ~~المتواصلة، حتى لقد قيل إنه كان يخفف من قلقه بتناول المشروبات الروحية المحرمة؛ فلقد ~~حولته كراهيته العنيدة إلى عدو خطير. لذلك كله كان من حق باشا مصر أن يغتبط بوفاة خصمه، ~~ولقد خلفه على أريكة السلطنة ابنه الأكبر عبد المجيد، وهو فتى في السادسة عشر من عمره وقد ~~نشأ في الحريم وكان له أصدقاء أخصاء ثلاثة، وهم خصيان أسودان وقزم، # 65 # وبديهي أن عناء محمود، وإن لم يلطف من حدته إلا بعض طفرات من الذكاء إلا أن ~~مجلس شورى الإمبراطورية لا بد أن يصيبه الوهن والضعف ما لم يجد إرشادا من الخارج. # وبينما كان الناس لا حديث لهم إلا فوز إبراهيم الباهر ووفاة السلطان محمود، إذا بالأسطول ~~التركي قد ظهر في مياه الإسكندرية لا ليطلق قنابله عليها، بل ليعلن انضمامه إلى محمد علي. ~~ولقد تبادر إلى أذهان الكثيرين من الناس أن هذا الانضمام كان نتيجة رشوة، ولكن هناك أسبابا ~~تكفي بنفسها لتعليل سلوك القومندان قبطان باشا؛ فلقد صدرت الأوامر إلى أحمد مشير قومندان ~~الأسطول بالذهاب إلى شاطئ سوريا لمعاونة حافظ باشا في مساعيه لإيقاد نار ms165 الفتن ضد محمد علي، ~~وقد زود لتحقيق هذه الغاية بنحو 6000 من البحارة. # 66 # ولكنه ما كاد يعبر الدردنيل حتى تلقى أوامر جديدة بالذهاب إلى رودس، فأثار هذا العمل ~~هواجسه، وإنه علم من الكابتن الذي جاءه بالأوامر المذكورة أن النية باتت معقودة على تجريده ~~من القيادة عند وصوله إلى رودس واستدعاء الأسطول إلى الآستانة، فجمع ضباطه وأعلن فيهم أنه ~~مقتنع تمام الاقتناع أن خسرو باشا يعتزم تسليم الأسطول التركي لروسيا، وأنه في هذه الحالة ~~يؤثر الانضمام إلى محمد علي، فأقروا هذا الرأي بالإجماع، # 67 # وكان قبطان باشا من ألد أعداء خسرو، ولما لم يكن هناك ريب في أن وفاة السلطان ~~محمود ستعزز مركز خسرو وتضاعف نفوذه، فقد كان طبيعيا أن يذهب أحمد مشير إلى الإسكندرية، ~~ويقترح على ضباطه الانضمام إلى محمد علي عسى أن يؤدي تعاونهم جميعا إلى القضاء على خسرو ~~عدوهم المشترك؛ فالشيء الذي كان يحتمل أن يعتبر في أي دولة أوروبية بمثابة عمل ينطوي على ~~الخيانة كان في السياسة التركية يعتبر دليل الفطنة المقرونة بأصالة الرأي وبعد ~~النظر. # وبهذه المناسبة كتب كامبل يقول: «ولا أعرف شخصا تركيا ... ولم يصدر في كافة أعماله من ~~غير مصلحته الشخصية، أو كان مدفوعا بغاية أخرى عدا شهوة الحكم ورغبته في القضاء على خصمه الشخصي.» # 68 # ولقد كان من نتائج تسليم الأسطول أن أصبحت لمحمد علي الكلمة العليا وأن يفعل كما يشاء، ~~وكيف لا ولم يكن ثمة ما يحول دون زحف إبراهيم على البوسفور بطريق البر، بينما احتشد ~~الأسطول التركي والمصري أمام الآستانة؟! ولم يخامر بونسيني أي شك في أن قلاع الدردنيل سوف ~~لا تصمد لمقاومة الأسطولين بالهمة المطلوبة، وأن الأمر سيؤدي إلى تشكيل حكومة جديدة في ~~العاصمة التركية يكون لأصدقاء محمد علي الرأي الأعلى في كيفية إدارتها. # 69 # ولكن الباشا مع ما فطر عليه من حب الاعتدال لم يشأ الذهاب إلى هذا الحد البعيد، فما كاد ~~يسمع بوفاة السلطان محمود حتى أصدر أوامر إلى ابنه إبراهيم بوقف رحى القتال. وفي اليوم ~~التالي ms166 لوصول أحمد مشير إلى الإسكندرية أرسل خسرو مندوبا خاصا إلى محمد علي يحمل خطابا ~~رسميا بارتقاء السلطان عبد المجيد الأريكة السلطانية، وكانت لهجة الخطاب ودية. وصفح ~~السلطان الجديد عن سلوك الباشا نحو أبيه الراحل ووعد بأن يغدق عليه النعم وأن يوليه ملك ~~مصر وملحقاتها على أن يكون ذلك ميراثا بين أفراد أسرته، وأخيرا ناشد الباشا أن يساعد على ~~ترقية الإمبراطورية وزيادة رخائها ويسرها. # 70 # على أن هذه الشروط الإجمالية لم يكن يحتمل أن يقنع بها محمد علي أو تجعله راضيا عنها، ~~ولكنه كان واثقا بأن في استطاعته الآن تحقيق ما كان يطمح إليه؛ وهو جعل حكم البلاد الخاضعة ~~له وراثيا في ذريته؛ ومن ثم أخذ يصرح أمام الملأ بعزمه على الذهاب إلى الآستانة ~~لإعلان ولائه الشخصي للسلطان الفتى. # ولكن الوزراء العثمانيين، كما كتب بونسيني «رجال أخساء حقراء»؛ فإن خسرو الذي يجري النفاق ~~في عروقه ولا يعرف معنى الشرف والأمانة أرسل إلى مصر سلسلة خطابات أخرى عدا الخطاب الودي ~~الذي أرسله إلى الباشا؛ فقد كتب إلى أربعة من كبار ضباط الأسطول يأمرهم بالقبض على قبطان ~~باشا وإحضاره إلى الآستانة. # وإذ ذاك تقبل محمد علي هذا التحدي من فوره وكتب إلى خسرو يأمره باعتزال منصبه بعد أن ~~أصبح من المستحيل الوثوق به من كبار رجال الدولة ولا من الأمة بصفة عامة، # 71 # وزاد على ذلك أن أرسل منشورا إلى كافة باشوات الإمبراطورية ناشدهم فيه ~~المساعدة للتخلص من هذا الصدر الأعظم الخسيس الذي لم ينتفع بسلوكه لا العرش ولا الأمة، بل ~~كان سبب كل ما نزل بالدولة من الرزايا والمصائب مدة سنوات طويلة. # 72 # واستولى الهلع على قلوب الناس في الآستانة وتولاهم الجزع، ورأى خسرو أن المخرج الوحيد ~~لنجاته من الخطر المنتظر هو النزول على إرادة الباشا وتلبية مطالبه بجعل حكم البلاد التي في ~~قبضته وراثيا في ذريته. # وما كاد أن يتم وضع هذا القرار حتى كان وزير النمسا المفوض قد تلقى من ميترنج تعليمات ~~من شأنها أن تغير الموقف ظهرا لقلب، فلقد ms167 كان الموقف في نظر وزير النمسا - كما كان في ~~نظر صولت في باريس أو بالمرستون في لندن - ينذر باحتمال تدخل الروسيا بمقتضى معاهدة ~~أونكيار سيكيليس؛ ولذا صدرت التعليمات لممثل النمسا بأن يخاطب ممثل فرنسا وبروسيا وروسيا ~~وبريطانيا العظمى للاشتراك معه في تقديم مذكرة إلى الباب العالي يصارحونه فيها بأن الاتفاق ~~بين الدول الخمس العظمى أضحى مضمونا، وأن الباب العالي يحسن صنعا إذا لم يبت في أمر ~~من الأمور بدون استشارة الدول العظمى، وقد أمضيت المذكرة في نفس اليوم الذي وصلت فيه ~~التعليمات وسلمت إلى خسرو في باكورة اليوم التالي، # 73 # وكان من شأن هذه المذكرة أن تشجع خسرو على نقض القرار الذي كان قد استقر ~~عليه رأيه. وفي يوم 6 أغسطس أرسلت إلى محمد علي مذكرة السفراء بناء على طلبهم فوجم لقراءتها ~~وكانت ملامحه يبدو عليها القلق الناشئ على هذا التغير الجديد الفجائي. وكان بونسيني شديد ~~الاغتباط بهذا التطور؛ فلقد كان مصابا بنوع من حمى كراهة روسيا؛ ولذلك كنت تراه يشتم رائحة ~~الدسائس الروسية في كل ما يجد من الأمور، فلقد كان شديد الاعتقاد بأن مصر لا تخدم إلا مصالح ~~روسيا. وقد انتقلت منه هذه العدوى إلى بالمرستون، وقد حدث في أوائل سنة 1836م أن محمد علي ~~ارتأى تخفيض الرسوم التجارية المستحقة على البضائع الروسية، ولكنه لم يكن ميالا إلى ~~معاملة البضائع الإنجليزية بالمثل، وقد اعتبر عمله هذا مؤيدا لما كانت تتناقله الألسن بأن ~~هناك تفاهما وثيقا بين الباشا وبين الحكومة الروسية، وأنه يتضمن من الأمور أكثر مما اعترف ~~به أحد الفريقين إلى الوقت الحاضر، وقد أصبح ما يفعله الباشا من الآن فصاعدا يعتبر خطأ ~~بأنه بإيعاز روسيا، ولقد قيل إن هناك معاهدة بينه وبين روسيا وفارس. # وإن روسيا كانت تؤيد وجهة نظره وإن حزبا جديدا قد تألف لإسقاط خسرو بمساعدة روسيا، ~~وعبثا حاول كامبل أن يبين سخف هذا الزعم مستعينا بكل ما كان يخطر له من الخواطر ~~والنظريات. # ومن المدهش أن سفيرنا الحاد الشم لم يحس شيئا يدعو إلى ms168 الاستغراب في مبادرة السفير ~~الروسي إلى توقيع المذكرة المشتركة ما دامت الغاية المزعومة التي يرمي إليها هي المحافظة ~~على الحالة الخطيرة القديمة ليتمكن من تحقيق المآرب الروسية. # كان أول ما استقر عليه الرأي هو غل يد الباشا عن العمل، بينما كانت أوروبا منهمكة في ~~بحث الحالة من جميع نواحيها. وقد اتفق رأي فرنسا وإنجلترا في هذه المسألة، حتى إن القنصل ~~الفرنسي حذر محمد علي بأن العمارتين الفرنسية والإنجليزية قد تستخدمان سويا في تنفيذ ~~إجراءات الضغط. ولقد كتب بالمرستون إلى كامبل يقول: «وينبغي أن يفهم الباشا جيد الفهم بأنه ~~ليس في مركز - لا من الوجهة الجغرافية ولا من السياسية، بل ولا من حيث الاعتبارات الحربية ~~أو البحرية - يمكن أن يستطيع معه أن يتحدى بلا حساب أو عقاب حكومات أوروبا عامة والدول ~~البحرية خاصة.» # ولقد كان مما استرعى الأنظار حقا أن قررت وزارة الخارجية استدعاء الكولونيل كامبل في ~~تلك الظروف، وكان قد ظل في منصبه في مصر منذ سنة 1833م فأتيح له في خلال وجوده في القاهرة ~~أن يشهد سياسة الباشا عن كثب وتطوراتها في الداخل والخارج، هذا إلى أنه زار كافة أنحاء ~~القطر المصري كما زار سوريا وكريت. وفي الحق أن كامبل لم يكن أحد المعجبين بالباشا إعجابا ~~أعمى، بل بالعكس لقد انتقد سياسته في مناسبات مختلفة وانتقدها بشدة، ولكن أخلاقه المرضية ~~تضاف إليها لهجته الجذابة في المخاطبة وما يتبعه وجوده من الهيبة، هذا إلى أصالة رأيه ~~وحكمه على الأمور حكما صحيحا؛ كل هذه المزايا والصفات أكسبته حظوة ونفوذا كبيرا لدى ~~محمد علي الذي أنزله منزلة الصديق الحميم، ولكن كامبل قد غفل عن مصلحته؛ لأنه حاول صد ~~التيار السياسي في الوقت الذي كان يشتد فيه ضد الباشا. خذ مثلا على ذلك أنه سعى لتخليص ~~بونسيني من الأوهام والخزعبلات التي كانت تشغل فكره عن علاقة روسيا بمحمد علي، كما أنه عمل ~~على أن يبين لولاة الأمور بصراحة سابقة لأوانها أن اليهود والمسيحيين سوف يصيبهم المكروه ~~فيما لو أعيدوا إلى حكم السلطان مباشرة، ms169 # 74 # ولم ينس له رؤساؤه اجتراءه على القول بأن الإمبراطورية العثمانية يمكن أن ~~يعود إليها سابق تقدمها ويسرها فيما لو أبعد خسرو عن منصبه، ودعي محمد علي إلى ~~التعاون في عملية الإصلاح. # 75 # وكان مما لا يمكن أن تطيقه النفس في عين الرؤساء الرسميين أن يلح كامبل بصفته الرجل الذي ~~خبر شعب مصر وشعب سوريا وشهد بعينه مبلغ ما عمل من الأعمال النافعة الصالحة باختلاف رأيه عن ~~الرأي الرسمي السائد وقتذاك بأن إصلاحات محمد علي لم تكن إلا إصلاحات جوفاء عارية، وكم كان ~~استغراب أولئك الرؤساء؛ لأن كامبل لم تستول عليه الدهشة عند سماعه بطلب محمد علي أيضا على ~~إبعاد خسرو عن كرسي الحكم وهي دهشة تشبه ما كان يصيبه لو أن لورد أو كانت طلب في ساعة غضب ~~إبعاد لورد بالمرستون من وزارة الخارجية، # 76 # وفي شهر سبتمبر أبلغ بإيجاز أن بالمرستون ينوي أن يشير باستدعائه، # 77 # وهو أمر كان موضع تفكير الوزير منذ عام، # 78 # وكأنما أراد القدر الساخر أن لا ينقل إلى مالطة أثناء احتلال الجنرال كين ~~لمدينة كابول إلا بالباخرة التي وضعها الباشا تحت إشارة الكولونيل كامبل. # 79 # وفي شهر ديسمبر سنة 1839م هبط القاهرة الكولونيل هودجز الذي عين خلفا للكولونيل كامبل، # 80 # وقد دلت الحوادث على أنه رجل حاد المزاج محب للشغب والنزاع، وكانت باكورة ~~أعماله في منصبه الجديد المشاجرة مع مندوب مصلحة الطرود في الإسكندرية؛ لأنه فرض عليه ~~رسوما بريدية طبقا للتعليمات الصادرة من مدير مصلحة البريد، # 81 # ثم راح يضع ثقته في شخص وكيل قنصل معين كان من شأن الروايات التي يذيعها أن ~~تثير ثائرة القنصل الجنرال ووزير الخارجية أيضا. # وكانت أخلاقه كفيلة بأن تجعله موضع سخط القناصل جميعا، وقد رأى رؤساؤه قبيل إعادة فتح ~~القضية العامة من جديد في سنة 1841م أن الحكمة تقضي بإرساله إلى حيث يمكن تلطيف مزاجه الحاد ~~في جو هادئ كجو همبرج، # 82 # وحسبك دليلا على الاعتراف بما قدمه من الخدمات في أزمة 1840م أنه سمح له ~~بقبول ms170 وسام قائد فرقة تركية. # 83 # ولنذكر هنا - لا على سبيل الحصر، بل على سبيل المثال - حادثين تافهين لهما أهميتهما؛ إذ ~~يدلان كيف كانت الأمور بعمله غير مأمونة العواقب ومصحوبة بكثير من التهور وعدم الاعتدال. ~~فلقد ذكر هودجز أن قنصل السويد العام حبذ عمل محمد علي في اعتقال الأسطول التركي، وفي ~~الحال بدون انتظار وصول تفاصيل أخرى طلب بالمرستون إلى الحكومة السويدية استدعاءه، ولكن هذه ~~الحكومة أصرت على معرفة الأسباب، وهنالك كتب بالمرستون إلى هودجز يطلب بعض تفاصيل ~~ومناسبات تخدش سمعة القنصل وتحرجه في نظر حكومته، ولكن هودجز عجز عن تلبية رغبة رئيسه. # 84 # وفي الحادث الثاني سنة 1840م ذلك أنه وصلت إلى هودجز في 5 مايو رسالة خاصة بمحاكمة بعض ~~اليهود في دمشق، وقد طلب إليه في الرسالة المذكورة أن يهول بما تركته «هذه الفظائع الوحشية» ~~من آثار العار حول اسم حاكم يفاخر بأنه ممن يعملون على خدمة قضية المدنية، # 85 # وقد جاء في رسالة تالية وصف «لشعور السخط العام» الذي عم البلاد الإنجليزية ~~من أقصاها، # 86 # وحسبك هذا دليلا على مبلغ الاستعداد وعدم التردد في تصديق أسوأ الإشاعات ~~والأقاويل. أما الحادث المشار إليه فيتلخص في اتهام اليهود بذبح أحد المسيحيين لخلط دمه ~~بالخبز غير المخمر. وقد كان الاعتقاد بوجود هذه الإجراءات سائدا في شرق شاطئ البحر المتوسط ~~كما كان سائدا في أوروبا في العصور الوسطى، وقد قبض على المتهمين وحوكموا أمام المحاكم ~~العادية وصدر الحكم عليهم، ولكن تبين لسوء الحظ هناك ما يدعو إلى الظن بأن شريف باشا، وهو ~~الحاكم الذي عينه محمد علي في دمشق قد توخى الاعتدال في تصرفاته؛ ذلك أنه نزل على ~~نصيحة مندوب القنصل الفرنسي. # وأدعى إلى الأسف من هذا أن القنصل البريطاني المستر «دري» لم يخطر له فقط أن البينة قد ~~قامت على المتهمين بما اتبع من الإجراءات أثناء محاكمتهم، وراح يؤكد أن ما اتخذه شريف ~~باشا من الإجراءات العاجلة قد أنقذ اليهود من مذبحة عامة يذهبون فيها ضحية السلب ~~والنهب. # ولقد كان ما ms171 أبداه بالمرستون من القلق العصبي في هذين الحادثين نتيجة ما قام أمامه من ~~المصاعب في سبيل الوصول بالمسألة العامة التي هي مثار النزاع إلى نتيجة مرضية؛ لأن الأمور ~~قد جرت على خلاف ما كان يهواه، فإن الصعوبة الرئيسية المنتظرة كانت تدور حول حمل روسيا ~~على التعاون مع الدول الأخرى ومنعها من توطيد مركزها بالانفراد بالعمل، ولكن تبين أن هذه ~~الصعوبة بولغ فيها؛ لأن القيصر نقولا لم يكن شديد الميل إلى العمل بنصوص معاهدة أونكيار ~~سكيليس، علما منه بأن عودة الروس إلى الآستانة ربما أدى إلى الاشتباك في الحرب مع ~~إنجلترا، وربما مع فرنسا أيضا، هذا إلى أنه قد يؤدي إلى توطيد مركز محمد علي في الشرق ~~الأدنى، وهي غاية بعيدة كل البعد عن تفكير القيصر، وفضلا عن ذلك قد بدأ دبيب الخلاف في ~~الرأي يظهر بين بالمرستون و«صول» وزير خارجية فرنسا؛ فإن الأول أعرب عن رغبته في رد سوريا ~~إلى حظيرة السلطان، بينما ارتأى الثاني إبقاءها في حيازة الباشا، فإذا ما عمد القيصر إذن ~~إلى تأييد سياسة بالمرستون بدلا من الانفراد بالعمل، فإنه يكون بعمله هذا أدنى إلى تحطيم ~~التعاون بين بريطانيا وفرنسا منه إلى توثيق عراه، # 87 # وهكذا استقر رأيه على إرسال البارون «برينون» في مهمة خاصة إلى لندن في سنة ~~1839م. # ولكن ما كادت هذه الصعوبة تتلاشى حتى قامت مكانها صعوبة أخرى؛ لأن بالمرستون كان شديد ~~الميل إلى اجتذاب فرنسا إلى رأيه كما اجتذب روسيا إن أمكن، ولكن السياسة الفرنسية وقتئذ كما ~~كانت قبل ذلك بعشر سنوات تتخللها المصاعب الجمة؛ فإن النظام الملكي الذي كان موجودا في شهر ~~يوليو كان كالنظام الملكي السابق أضعف من ألا يكترث بتيارات الرأي العام المختلفة، وقد كان ~~شعور الفرنسيين بصفة عامة إلى جانب محمد علي. ولا يفوتنا أن السياسة كانت وقتئذ كما كان ~~شأنها في كل حين عرضة للتحول والتقلب بسبب المصالح القارية والاستعمارية المتشابكة؛ ~~فالخوف من ألسنة الصحف جعل من الصعب على «صول» أن ينسحب من الموقف الذي كان فيه، وقد ms172 اعتزلت ~~الوزارة التي كان عضوا فيها في نهاية فبراير سنة 1840م بسبب مسألة داخلية بحتة، وخلفه في ~~منصبه البارون تير. # ونهج وزير الخارجية الجديدة منهج سلفه، ولكنه كان شديد العداء نحو بريطانيا، وكانت باكورة ~~أعماله استئناف المفاوضات المنفردة مع الباب العالي وبين الباشا بواسطة المسيو بونترا سفير ~~فرنسا في الآستانة؛ أملا منه في أن يواجه بريطانيا العظمى وروسيا بتسوية لا يسعهما أن يجدا ~~سببا معقولا لنقضها أو تبديلها، # 88 # ويرجح أن يكون إبعاد خسرو عن وظيفته نتيجة هذه المساعي، وإذ ذاك قرر محمد ~~علي من فوره إرسال سكرتيره الخاص سامي بك إلى الآستانة في مهمة خاصة، وكانت حجته الظاهرة في ~~هذا التصرف رغبته في رفع التهاني بمناسبة ميلاد كريمة السلطان وتقديم هدية تذكر بهذه ~~المناسبة، وهي إعادة الأسطول التركي، # 89 # وكان رد إنجلترا على هذا العمل أنها عقدت مع روسيا والنمسا وبروسيا معاهدة ~~نص فيها على أن تكون مصر ملكا لمحمد علي وذريته من بعده، وأن يظل حكمه في جيبولي قائما ~~مدة حياته فقط، بشرط أن يقبل هذا العرض في خلال عشرة أيام من وصول المذكرة إليه، أما إذا ~~أظهر ترددا بطول أمده إلى 20 يوما فإن مصر وحدها تكون ملكا له ولذريته، وإذا ما رفض ~~نهائيا فإن الدول الأربع تبادر إلى محاصرة الشواطئ المصرية، فإذا ما حاول الزحف على ~~الآستانة فإن الدول المذكورة تتعاون في الدفاع عنها بناء على طلب السلطان؛ ومن ثم يستأنف ~~العمل بالمادة الرابعة من النظام القديم للإمبراطورية العثمانية، وهي القاضية بإغلاق ~~الدردنيل في وجه كافة السفن الحربية في أثناء وجود الإمبراطورية في حالة السلم، وقد ~~أمضيت هذه المعاهدة في 15 يوليو سنة 1840م؛ وبذا نجح بالمرستون فيما كان يسعى إليه من ~~إرباح معاهدة أونكيار سكيليس في اتفاق أعم ولكنه أخفق في الحصول على تعاون فرنسا. # وأثارت هذه الأنباء عاصفة من التذمر والاستياء في العاصمة الفرنسية، وأخذت الصحف ~~الباريسية والوزراء بل وملك فرنسا نفسه يتكلمون كما لو كانت الحرب أصبح وقوعها لا مفر منه، ~~ولكنهم كانوا ms173 يعلمون كما كان بالمرستون يعلم أن الحرب غير واقعة. وبهذه المناسبة كتب ~~بالمرستون إلى هودجز يقول: «إن فرنسا لن تستطيع.» أي الباشا؛ أن تقدم له أي مساعدة ... ثم ~~إن تعوزها الوسائل لتنفيذ عزيمتها فيما لو أرادت مساعدته. # نعم؛ إن لها 15 سفينة في البحر المتوسط، ولكن هذا هو كل أسطولها، ثم إن لها جيشا يبلغ ~~عدده 60 ألفا يرابط في الجزاير، وهو في حاجة إلى عدد كبير من جنود الاحتياطي لسد النقص ~~الذي «يسببه المدافعون الجزائريون والحمى»؛ فكيف يسع فرنسا في هذه الحالة أن تشتبك في ~~الحرب مع أقوى الدول العسكرية في القارة الأوروبية. # 90 # وكان ثاني ما علل به المسيو تير نفسه من الآمال أن يستمر الحوار، وتظل المسائل معلقة ~~بحيث لا يبت النزاع نهائيا ريثما يأتي الشتاء فتتفرق من الأساطيل المحاصرة وتقف حركات ~~الجنود، وإذ ذاك يتمكن من تحطيم ذلك الاتفاق الذي عقدته الدول ويثبت نفوذ فرنسا من جديد، ~~وإذا جعل هذه الغاية نصب عينيه فقد نصح للباشا بتقوية مركزه والتزام خطة الدفاع وعدم ~~التزحزح قيد شعرة عن موقفه، # 91 # ولقد كانت نصيحته هذه أسوأ نصيحة يمكن تقديمها؛ إذ لا ريب في أن مواصلة الزحف ~~بغتة على الآستانة ربما كان يؤدي إلى حدوث تطور أساسي يتمكن معه الباشا من الحصول على ~~شروط مرضية وأدنى إلى تحقيق مآربه، أما أن يرفض شروط الحلفاء ثم يكتفي بمجرد المقاومة ~~السلبية فقد كان معناه الهزيمة بعينها، وهذا هو أيضا نفس ما حسب بالمرستون حسابه؛ إذ قال: ~~«إن فرنسا سوف تنتظر وتتحين الفرصة، حتى إذا ما استطاع محمد علي مقاومة الحلفاء أمدا ~~طويلا عرضت فرنسا أن تتدخل في الأمر كوسيط، ولكن مهمة الدول الأربع تنحصر في تضييق ~~الخناق على محمد علي بحيث لا تدع لفرنسا فرصة كالتي تعلل بها نفسها.» # 92 # ولقد ظل باشا مصر رافعا رأسه عاليا إزاء ذلك الاتفاق الدولي الخطير الذي كانت عراه ~~تتوثق تدريجيا ضده، ولعل الأرجح أنه اعتقد أن من المستحيل أن تتفق فعلا كلمة الدول على ~~خطة ms174 معينة للعمل في مسألة كانت على الدوام سببا في اختلاف تلك الدول وانقسامها بعضها على ~~بعض أشد انقسام، وكان يعتمد على روسيا وفرنسا أن تلغيا عمل إنجلترا فيما لو قررت هذه أن ~~تقوم بعمل ما، وعندما صدرت إلى هودجز التعليمات بأن يستحث ضباط الأسطول العثماني على أداء ~~واجبهم بالالتفاف حول راية السلطان والخليفة # 93 # نهض الباشا واقفا من مقعده وأقسم بأغلظ الأيمان ليطلقن الرصاص على أول من ~~تحدثه نفسه بالفرار؛ ومن ثم قرر هودجر أن الأصوب ألا ينفذ التعليمات الواردة له، # 94 # وإذ ذاك جندت أورطة جديدة، واستدعي الجيش من بلاد العرب وأنشئ معسكر ~~قرابة 36 ألف جندي في دمنهور، وهو اختيار حكيم نظرا لتوسط مركز المدينة المذكورة، وقد تم ~~هذا كله بنظام وترتيب لم يكن يعلم به هودجز. # 95 # ولكن هودجز نفسه بدأ يتأثر بطريقة معيشة ذلك الباشا المسن، كما بدأ يدرك مبلغ نشاطه وفرط ~~ذكائه ، ولقد خشي إن هو تشدد معه أن يدفعه اليأس إلى إحداث انفجار عام «قد تنشأ عنه ~~اتفاقات دولية جديدة أو تظهر فيه صوالح جديدة أو تسنح منه فرص يمكن أن تستخدم لمصلحته.» # 96 ~~«ولكن العام لم ينتصف حتى كان القلق الذي لا نهاية له قد بدأ يفعل فعله في صحة ~~الباشا فلقد أثرت فيه نوبات الحمى والقلق.» # 97 # حتى إن القنصل العام الروسي عندما دخل عليه في أحد أيام شهر أغسطس ألفاه ~~مستلقيا على الديوان في حالة نوم عميق، فأخبره محمد علي بأنه لم يذق طعم النوم لعدة ~~ليال سويا. وبهذه المناسبة كتب القنصل المذكور: «إن حالة سموه الصحية تضاف إليها الآلام ~~والعذاب التي كان على ما يظهر فريسة لها، هذا فضلا عما كان يبذله من الجهود للتغلب على روح ~~السخط والتذمر التي نشأت عن موقفه الحاضر، ثم إلى جانب هذا الشعور المتناقض الذي يشعر به ~~الرجل الذي بلغ الحلقة الثانية من العمر، ذلك الشعور الذي يعمل على هد القوى التي امتاز ~~بها الباشا، إن هذه العوامل مجتمعة قد جعلت محادثاتنا مؤلمة إلى ms175 أقصى حد.» # 98 # ولكن الباشا برغم هذه العوامل كلها لم تفلت منه قدرته على القبض على ناصية الحال، كما ~~لم تخنه مهارته في وزن الفرص وتقديرها، فلقد كان مثله كمثل المسيو تير؛ إذ أدرك بثاقب ~~فكره أن الحلفاء لم يتوخوا السرعة في أعمالهم، وأن الحصار البحري متى أعلنوه لن يسفر عن ~~نتيجة حاسمة مباشرة، وقد ارتأى له أنه يستطيع أن يعتمد لا على تأييد فرنسا المادي، بل على ~~مساعدتها الأدبية. ثم إنه كان يعتقد اعتقادا جازما بأن شعور الجمهور الإنجليزي هو في صفة ~~أكثر مما هو في صف الباب العالي؛ ولذا خيل إليه أنه إذا لم تأت طبق ما يشتهي فإنه ~~يمكنه أن يضمن على الأقل أن يكون ملك مصر وراثيا في ذريته، أما لو تصدع التحالف من ~~الناحية الأخرى لسبب من الأسباب فإنه قد يحصل على سوريا أيضا، # 99 # من أجل هذا أبى محمد علي عندما حضر مندوب الآستانة ورفع القناصل العموميون إلى ~~الباشا مطالب الحلفاء أن يصغي إلى طنطنة # 100 # الكولونيل هودجز وبلاغة عباراته، وأصر على المطالبة ببيان كتابي. # 101 # ثم مرت الأيام العشرة الأولى بدون رد رسمي من جانب محمد علي، ولما أوشكت مدة العشرين ~~يوما أن تنقضي عرض محمد علي قبول الحل الثاني، ولكنه أبى أن يؤكد موافقته على الحل ~~المذكور بإطلاق سراح الأسطول التركي، # 102 # ثم انقضى الأجل المضروب، ولكن القناصل العموميين ما يزالوا يتباطئون في ~~الإسكندرية، بالرغم من وصول الأنباء في يوم 7 سبتمبر بأن السلطان قد خلع محمد علي من كافة ~~المناصب، وبالرغم من أن الأوامر قد صدرت من سحب القناصل العموميين، # 103 # وفي الواقع لم يبرح القناصل المذكورون الإسكندرية قبل يوم 23 سبتمبر. # 104 # ويرجح أن يكون بين الأسباب التي أخرت سفر القناصل رغبتهم في أن يرقبوا عن كثب سلوك ~~قنصل فرنسا الجنرال، وسبب آخر أنهم كانوا قليلي الثقة بعضهم ببعض، مثال ذلك أن إحدى البواخر ~~وصلت من بيروت في يوم 7 سبتمبر، وما كادت تلقي مراسيها في ثغر الإسكندرية حتى أرسلت ms176 ما ~~قيمته 5 آلاف جنيه من النقود التركية في قارب ترفرف عليه الراية البريطانية لوضعه على ظهر ~~إحدى البواخر الإنجليزية التي كانت مرابطة في الثغر الإسكندري، ولكن قومندان الميناء وضع ~~يده على القارب وعلى النقود؛ لأن القانون التركي يحظر تصدير الذهب، وهنا استولى الغضب على ~~هودجز وتهدد من إنزال الراية من على داره وأدرك ممثلا الروسيا والنمسا أن هذا التصرف ~~يحتمل أن يثير نزاعا بين الباشا وبريطانيا العظمى؛ مما تجد معه الثانية الفرصة سانحة ~~للانفراد بالعمل دون الانتظار لتدخل حلفائها؛ ولهذا تدخلا في النزاع بقصد تسويته. # 105 # ومع أن هذا الحادث كان من أعمال التحريض فإنه لم يبلغ حدود الامتهان والإذلال الذي ~~تحمله هودجز آخر أيامه في الإسكندرية؛ فقد كانت هناك مسألة البريد الهندي أيضا. فقد ~~وصلت إلى هودجز قبل ذلك بأشهر عديدة تعليمات بأن يستفسر من الباشا عما ينوي اتخاذه حيال ~~البريد المذكور فيما لو استعمل الضغط ضده، # 106 # وفي يوم 19 سبتمبر وصل البريد الهندي، وهنا وقع هودجز في حيرة شديدة وقام من ~~فوره قاصدا الديوان راجيا ألا يعتدي أحد على البريد، فما كان من الباشا إلا أن هز رأسه ~~علامة الإيجاب، ولكن القنصل العام طلب توكيدا على ذلك فرد عليه الباشا بأنه لا يجيبه إلى ~~طلبه. # وهنا أبدى هودجز استغرابه ودهشته فلم يسع محمد علي إلا أن يرد عليه بحدة قائلا: «إن ~~الدول التي تزعم أنها متمدينة قد شرعت في اتخاذ إجراءات قد ترغمني على أن أحتذي حذوها ~~فيها.» # فلما طلب إليه هودجز أن يوضح ما يريده من هذه العبارة استطرد الباشا، فقال: «إن تصريحات ~~تلك الدول لا يمكن الارتكان إليها والثقة بها.» # وهنا قال هودجز إنه لا يسعه احتمال تلك الملاحظة إذا كان المقصود بها إنجلترا، فابتسم ~~الباشا ابتسامة التهكم وقال: «فلتؤخذ هذه الملاحظة بأنها تعني إنجلترا أو لا تعنيها، ولكن ~~ملاحظتي هذه ليست إلا صدى ما تتناقله الأفواه في كل مكان.» # وأخيرا، أخبره محمد علي أنه يسمح بمرور البريد هذه المرة فقط، ولما عاد هودجز ms177 إلى دار ~~القنصلية والغضب مستول على حواسه أبرق إلى لورد بالمرستون وإلى حكومة بمباي بأن البريد لن ~~يسمح بمروره في المستقبل. # وفي مساء اليوم نفسه بينما كان الحديث دائرا بين هودجز ومدير بريد حكومة جلالة الملك، ~~أخبر الثاني الأول «بأن إنسانا ضعيفا قد أثار الفزع والرعب الكاذب بلا مسوغ» حول مسألة البريد. # 107 # وفي اليوم التالي علم هودجز من قنصل روسيا العام أن محمد علي قد أكد لوكيل شركة الهند أنه ~~طالما يبقى على عرش مصر فإن البريد سوف يكون في أمن تام. # 108 # وهنا ثارت ثائرة القنصل العام وتغلب الغضب على حواسه، فأرسل إلى رؤسائه شكوى مرة من ~~مدير البريد ووكيل الشركة قال فيها: «أصبحت المسألة منحصرة فيما إذا كان يحق لمحمد علي أن ~~يجعل أحد الموظفين الساخطين يمشي مشية الجواد البطيء ليسخر من معتمد جلالة الملكة، وأن يقلل ~~من اعتباره ليوجد في مكانه سلطة إنجليزية مجهولة.» وبالاختصار: هل يحق لمحمد علي أن يحول ~~معتمد جلالتها إلى كمية سياسية مهملة؟ ثم استطرد فقال: «إنه لم يتوقع إلا العداء والخذلان ~~من كافة الأفراد الإنجليز هنا، ولكنه كان يؤمل على الأقل أن يلقى شيئا من العطف من جانب ~~الأشخاص الذين يشغلون مناصب عمومية على الأقل.» # 109 # وفي الحق أبدى بالمرستون عطفه عليه إلى حد أنه شكا إلى رئيس لجنة المراقبة ضد ~~وكيل الشركة، ولكن الرئيس أخبره بصراحة «أن الشكوى إذا بعثت إلى رئيس الشركة فلسوف يعلم ~~بها البلاط، ومن ثم ينكشف أمرها وتصبح معلومة عند الجمهور.» # 110 # أما من ناحية محمد علي فإنه قد أوفى بعهده، فعلى الرغم من سحب القنصل الجنرال وبالرغم مما ~~وقع في سوريا من أعمال العدوان، وما كان ينتظر أن يحدث من القلاقل في مصر؛ فإنه لم يكتف ~~بالسماح بمرور البريد، بل وضع إجراءات خاصة لحماية المسافرين عن طريق السويس، # 111 # وكثيرا ما كان يقول إن الحرب ليست بينه وبين الشعب الإنجليزي، بل بينه وبين ~~بالمرستون. # ومع أن محمد علي هو الذي ضحك على ذقون خصومه إلا ms178 أنه قد خرج مخذولا من الميدان؛ لأن ~~القوات التي تجمعت ضده كانت أكثر مما كان يستطيع مكافحته، ثم إن القيادة التي كان لها ~~الإشراف على تلك القوات لم يكن يعوزها الحزم والعزم، كما أنها لم تكن تعرف التواني أو ~~التقاعد، ففي يوم 11 سبتمبر نزلت إلى البر السوري بقرب بيروت قوة مركبة من البحارة الإنجليز ~~والجنود التركية، وقد حدث هذا بعد أن قضى الأعوان الأتراك الأشهر الطويلة في حض السوريين ~~على رفع راية العصيان، وكان جيش إبراهيم وقتذاك متفرقا في أنحاء البلاد وفي حالة ضعف شديد، ~~فضلا عن حاجته إلى الذخائر والمؤن، ولم يحل شهر أكتوبر حتى رفع الدروز راية العصيان. وفي ~~10 أكتوبر التقى الكولونيل نابيير في جهة بيت ماني بإبراهيم على رأس شرذمة من الجند، فأنزل ~~به الهزيمة واستولى على رايته، ثم سقطت بيروت. وفي اليوم الرابع من شهر نوفمبر سلمت عكا بعد ~~ضربها بالقنابل يوما واحدا، وهي التي قاومت إبراهيم من قبل مدة ستة أشهر كاملة، وبسقوط ~~عكا انهار حكم مصر في سوريا، أما في باريس فإن وزارة تيير التي أوشكت أن تجر فرنسا إلى حافة ~~الحرب؛ فقد سقطت قبل ذلك بأيام أي في يوم 29 أكتوبر، وفي يوم 15 نوفمبر ظهر الكولونيل ~~نابيير في مياه الإسكندرية على رأس عمارة بحرية قوية. وفي اليوم السابع والعشرين من الشهر ~~المذكور عقد مع الباشا اتفاقا بدون أن يكون له سلطة لعقد مثل ذلك الاتفاق، وقد وافق الباشا ~~على الجلاء عن سوريا وإعادة الأسطول العثماني في مقابل أن يعترف به حاكما على مصر هو ~~وذريته من بعده. وفي يوم 29 نوفمبر أرسلت التعليمات لاستدعاء إبراهيم من سوريا. # وما كادت تذاع هذه الأنباء حتى دهش لها رجال السياسة في الآستانة أيما دهشة، وقد كتب ~~هودجز بهذه المناسبة بلهجة لم يراع فيها منزلته القنصلية، فقال: «إن ما فعله نابيير قد ~~أثار ضجة شديدة بين رجال السلك السياسي هنا.» ولقد كان في مسلكه بعض ما عرف به الملاحون ~~من الخروج على العرف؛ فقد ms179 أبلغ الباشا القرار الذي وضعه بالمرستون والوزارة الإنجليزية في ~~أكتوبر مراعاة لشعور فرنسا. ويقضي القرار المذكور بالتوصية على أن يكون عرش مصر وراثيا في ~~أسرة محمد علي في مقابل مبادرته بسحب جنوده من الأراضي التركية الأخرى وتسليم الأسطول ~~العثماني. # ولما وصلت صورة الاتفاق الذي وضعه نابيير إلى لندن أقرتها الوزارة البريطانية في الحال ~~على أن هواجس بونسيني وظنونه ما زالت تضع العراقيل في سبيل التسوية التامة؛ فلقد حمل الباب ~~العالي على أن يصدر فرمانا بتاريخ 13 فبراير سنة 1841م يشتمل على عدة تحفظات غير مرغوب فيها، # 112 # ولكن محمد علي بناء على نصيحة نابيير رفض العمل بهذا الفرمان، وألحف بالمرستون ~~وميترننج في طلب تعديل المنحة وقد تم لهما ما أرادا، وصدر فرمان جديد بتاريخ أول يونيو ~~متضمن جعل العرش وراثيا للأرشد فالأرشد # 113 # من الذكور من أعقاب محمد علي مباشرة. وقد حدد هذا الفرمان الجزية، فجعلها ~~80 ألف كيس دراهم، وجعل عدد الجيش 18 ألف جندي إلا في حالة الحرب، أو إذا صدر تصريح خاص ~~بزيادته، وقد حظر الفرمان على مصر إنشاء سفن جديدة، وهكذا أصبح حاكم مصر وليس في قدرته أن ~~يهدد سلام أوروبا مرة أخرى، ولئن قيل إن محمد علي قد أخفق في تحقيق غايته الرئيسية وهي ~~إنشاء إمبراطورية؛ فإنه توصل بلا شك إلى تحقيق أشياء هامة؛ فإن مصر قد أصبحت بفضله مستقلة ~~عن الباب العالي فيما عدا الاسم، ثم إن إدارتها أصبحت إدارة منفصلة، وقد أصبح هذا الامتياز ~~مضمونا باتفاق كلمة الدول، مع أن الباشا لم يوفق إلى تحقيق مشروعه الأكبر إلا أنه ~~تمكن من وضع أسس دولة جديدة. # الفصل السابع # | حكم محمد علي في مصر # سبق أن بينا أن من بين الأسباب التي حملت بالمرستون على المعارضة في امتداد نفوذ محمد ~~علي عدم فهمه لحقيقة الأداة الإدارية التي وضعها الباشا. وقد كانت الأداة المذكورة على ~~التحقيق هي هدف المعاصرين يكيلون لها المديح بلا حساب أو يسلقونها بألسنة حداد لا تعرف ~~معنى الاعتدال، فكنت إذا سمعت أناسا ms180 متحمسين من أمثال واجهورن فلا تسمع عن الأداة الإدارية ~~المذكورة إلا أنها أداة صالحة أسفرت عما فيه خير البلاد والعباد. # وأمثال هذا الكاتب لا يعترفون طبعا بأن كثيرا من إصلاحات الباشا كانت إصلاحات عرضية ~~لا جوهرية، وبالعكس كنت ترى غيرهم من أمثال هولرويد مراسل بالمرستون لا ينظرون إلى المسائل ~~إلا بالعين البريطانية البحتة التي ترثي لحالة الفلاحين؛ لأنهم لا يعيشون في مساكن مبنية ~~بالطوب الأحمر ولا يأكلون اللحم البقري، # 1 # ولكن لا بد للحكم بنزاهة على إصلاحات الباشا وما يلحق بها من الآراء الإدارية ~~أن يلقي الإنسان باله دائما إلى عدة نقط بحيث لا يتناساها مطلقا، فأولا كان الباشا يعمل ~~في بلد شرقي، ومعنى هذا أن وظيفة الحكومة ومهمتها كانت صورة مشوهة عن مهمتها في بلاد ~~الغرب. وقد كان من المتعذر حقا على قوم ألفوا مبدأ «معلهش» أن يقدروا قيمة نظام يضطلع ~~بإرشاد كل فرد من أفراد الرعية في كل ناحية من نواحي الحياة، وبديهي أن تشبيه حالة مصر ~~بحالة حكومة الهند لم يكن له محل مطلقا؛ لأنه فيما عدا القليلين في إنجلترا من رجال «أنديا ~~هاوس» أو «النادي الشرقي » لم يكن يعرف أحد ما يصنعه مواطنوه في الهند؛ لهذا لم يكن مدهشا ~~أن الناس لم يفهموا محمد علي حق الفهم وأساءوا تأويل أعماله ونواياه، وفي الواقع لم يكن ~~يسمع أحد بين حين وآخر عبارات الانتقاد المعقولة المنطوي على العطف إلا من أمثال صولت أو ~~كامبل ممن كان لهم إلمام بحالة البلاد، أو من الموظفين الأنجلو أنديان الذين قامت أمامهم في ~~الهند مشاكل كالتي قامت في وجه محمد علي وحوله رعية شرقية تنظر شزرا إلى أعماله. # ثم لا ننسى من الناحية الأخرى أن الباشا ورث تركة مثقلة وحكومة عاطلة من كل شيء، ويتعذر ~~على الإنسان حقا أن يبالغ في وصف ما كانت عليه الولايات التركية في بداية القرن التاسع ~~عشر من حالة البؤس والشقاء. # ولقد حدثنا بوركنهاردت - وكان في حديثه صادقا - أن واليا نزيها لا يمكن أن يعلل ~~نفسه بالبقاء ms181 طويلا في منصبه؛ لأن الباب العالي لا ينفك عن المطالبة بتقديم الهبات ولا شيء ~~غير الهبات والإعانات، وإذ ذاك يرى الباشا ترضية لجشع الباب العالي نفسه مسوقا إلى ~~مضايقة رعاياه وإرهاقهم، وليس الوالي الذي يسهر على مصالح رعاياه ولا تحدثه نفسه بتقديم شيء ~~عدا الجزية المعتادة، أو الذي يدع العدالة تجري مجراها من أن يبوء بسخط مولاه السلطان ليس ~~لعدله، ولكن لأن عدله يحول بينه وبين انتهاب الشعب وتقديم بعض الأسلاب هدية إلى ديوان ~~الآستانة، وإذا باء بسخط مولاه ولا يرى له مخرجا لإنقاذ حياته إلا أحد طريقين؛ إما تسليم ~~رعاياه البائسين في هدوء وسكينة إلى سياط وإلى مستبد يحل محله، وإما أن يعلن مولاه بالثورة ~~ويظل ينازع مزاحمة السلطان إلى أن يقتنع الباب العالي باستحالة عزله فيظل صابرا على جمر ~~الغضا إلى أن تسنح له الفرصة للتخلص من ذلك الوالي العادل، # 2 # ومع أن هذه الأقوال قيلت في سنة 1810م، فكأنما تكهن قائلها بأنها ستنطبق ~~تماما على حالة محمد علي، وكان عدم إدراك هذه الحقيقة سببا في حمل بالمرستون على إساءة ~~الظن بأعمال محمد علي والارتياب في غاياتها. # وإذا ما استثنينا العراق، فإن مصر كانت أسوأ حالا من كافة الولايات العثمانية؛ فإن ~~المماليك كانت سياستهم قائمة على إرهاق البلاد واستلابها ولم يفكروا مطلقا في حماية ~~الفلاح لا من أسلحة البدو الذين كانوا يهاجمونه ويقضون مضجعه، ولا من عسف محصلي الضرائب ~~وسياطهم، بل لقد سولت لهم أنفسهم أن يتركوا أراضيه بلقعا بعد أن أصبحت الترع مسدودة بسبب ~~ما تجمع فيها من الوحل والطمي، حتى إن الدلتا وهي أخصب أراضي العالم قد قل خصبها بنحو ~~الثلث تقريبا. ثم إن غارات البدو في إقليم الفيوم كانت نتيجتها فرار السكان وترك الأراضي ~~خرابا، ولم يكن أحد يعرف مبلغ ما ينتزع من الفلاح ولا مقدار ما اختلس من الإيراد العام ~~في أثناء طريقه إلى خزينة الدولة. أما أعيان الفلاحين - وكانوا يسمون روزنامجية - فقد ~~كانوا معروفين بصلفهم وثرواتهم الطائلة، # 3 # أما العدالة فقد كانت مسألة ms182 رشوة لا أكثر ولا أقل، وأما الغنى واكتناز الثروة ~~فقد كان عماده المحسوبية. أما الحياة نفسها فكانت عبارة عن مجرد حظ أعمى. # ذلك كان شأن الحكومة التي ورثها محمد علي وألفها ونشأ في ظلالها في ولاية ألبانيا، ~~وليس من شك في أن استتباب الأمر له في مصر قد صيره حاكما أوتوقراطيا، ونحسب أن أحدا ~~لا يدهش لقبوله لتلك التركة، أو أنه سلك في بعض الأحيان نفس المسلك الذي كان لا ينتظر أن ~~يحيد عن أسلافه، ولقد قيل إن الجبرتي - صاحب التاريخ المعروف - لقي حتفه خنقا وهو عائد ~~من قصر شبرا إلى القاهرة في إحدى ليالي شهر يونيو سنة 1822م، وقد ربطت جثته إلى أقدام ~~أتانه، وتهامس الناس بأن الباشا قد ضاق ذرعا بانتقادات الجبرتي اللاذعة، # 4 # كما قيل إن الذي كان يعهد إليه بنقل خطاب سري كان يجازى بإلقائه في نهر ~~النيل كضمان على عدم إفشاء السر إذا كان قد عرفه. # 5 # ولقد ظل الباشا إلى أواخر أيامه والنزعة الأوتوقراطية متمكنة من نفسه، ولم يكن لأعيان ~~الإسكندرية ميل لإرسال أولادهم إلى باريس للتعليم، فاستعاضوا عن الأولاد الذين طلبهم محمد ~~علي منهم بأبناء البوابين وما شاكلهم من أبناء الطبقات الدنيا. ولما سمع الباشا بما فعله ~~الأعيان قال في شيء من الغضب الممزوج بالاستغراب: «إذا كان هؤلاء الأشخاص يجهلون مزايا ~~التعليم والتجارة فليسوا أهلا إلا لحمل الأثقال على ظهورهم كالشيالين والحمير.» ومن ثم ~~أصدر أمرا عاليا بأن يعمل كل إنسان بنفسه كائنا من كانت طبقته في إزالة تلال الأوساخ ~~والقمامة المحيطة بالمدينة؛ ومن ثم كنت ترى أصحاب الحوانيت والتجار والكتبة العموميين ~~ورجال الدين يحملون على ظهورهم في أيام معينة سلالا مملوءة طينا وهم غارقون في لجنة لم ~~يألفوها من العرق. # 6 # ولم يكن الباشا الحاكم الشرقي الأوتوقراطي بحكم الميراث فقط بل كان كذلك بحكم البيئة ~~أيضا، فإذا استثنينا العنصر الأوروبي الضئيل العديم الحيثية، ويدخل فيه القناصل العموميون ~~وبعض التجار الإنجليز والفرنسيون وشراذمة الموظفين الفرنسيين الذين كانوا يعملون في الإدارة ~~المصرية نقول إذا ms183 استثنينا هؤلاء لألفينا الباشا إنما يعيش في وسط شعب لم يكن يتوقع ولا ~~يرغب في شيء عدا الإدارة الأوتوقراطية، وأنت تعلم أن الحاكم الأوتوقراطي هو دائما بمعزل عن ~~شعبه. # على أن محمد علي لم يكن تفصله عن شعبه سلطته غير المحدودة فحسب، بل كانت تضاف إليها ~~سياسته ونواياه؛ ولهذا قال مرة للدكتور بورنج الذي هبط مصر لوضع تقرير عن سير الحركة ~~التجارية في سوريا ومصر ما معناه: «أرجو ألا تحكموا على أعمالي بمقاييس المعارف عندكم، بل ~~ينبغي أن بيني وبين ما يخيم حولي من الجهل المطبق ... فبينما توجد لديكم طائفة من الأذكياء ~~النابهي الذكر لا أكاد أجد حولي من يفهمني ويعمل على تنفيذ أوامري، وكثيرا ما يخدعني الناس ~~وأنا أعلم أنهم يخدعونني، ولست أعدو الحقيقة إذا صرحت أنني كنت وحيدا طيلة حياتي أو ~~على الأقل الشطر الأكبر منها.» # 7 # وكان ما يظهر في خلال حكم محمد علي من أعمال صالحة من صنع الباشا نفسه دائما، ~~وبالعكس كانت الأعمال السيئة في الأغلب من عمل أشخاص اضطر إلى استخدامهم لعدم وجود من ~~يفوقونهم علما وذكاء، وقد كانوا من الموظفين الذين لا يتعففون عن ارتكاب الموبقات لإشباع ~~شهواتهم في الحصول على المال، # 8 # وإلى هذه الحقيقة أشار الباشا مرة في حديث له إذ قال: «عندما هبطت أرض مصر كانت ~~البلاد بربرية وهمجية لأقصى حد، وهي لا تزال كذلك ليومنا هذا، على أنني برغم ذلك ما زلت ~~أرجو أن تكون أعمالي قد حولتها إلى أحسن مما كانت عليه، فلا ينبغي أن تجزع إذا لم تجد في ~~هذه الأقطار شيئا من المدينة المعروفة في الأقطار الأوروبية.» # 9 # وليس من ريب في أن ثلاثين سنة من حكمه قد أحدثت في البلاد انقلابا سياسيا معدوم ~~النظير، ولكن لا يفوتنا أن جيلا واحدا ليس يكفي لترك آثار دائمة ونتائج ثابتة؛ فإن مجرد ~~عدم توفيق الباشا إلى العثور على العدد الكافي من الأشخاص الذين يعتنقون آراءه ومراميه ~~بالحماسة المنبعثة عن الإخلاص، يضاف إلى ذلك شعوره بالهوة السحيقة التي تفصل ms184 بين سياسته ~~وسياسة غيره من الرجال، إن هذا كله قد ادعى بطبيعة الحال إلى إيجاد عناصر الضعف وعدم ~~الثبات في أعماله، وقد أدرك بحق أن كل تحسين يتوقف تنفيذه على سعيه وحده، وإن ما لا يتمه هو ~~شخصيا من الأعمال قد يظل كذلك دون أن يفكر أحد في إتمامه، ومن ثم كان هناك في بداية الأمر ~~بعض نقص في التقدير لأعماله ممزوج بجزء غير قليل من الاستعجال لرؤية نتيجة هذه الأعمال في ~~الحال. وبينما كنت تراه منهمكا في وضع الأسس الراسخة إذا به يتحول منها إلى التعجيل ~~بإقامة أسوار قصر أحلام وهو يقول: «أنا أعلم أنني رجل طاعن في السن؛ فإذا كان هناك ما أرغب ~~في إنجازه فلا بد من إنجازه فورا.» # ولقد تضافرت مؤثرات على تقويض إصلاحاته وتجريدها من القوة الدافعة الدائمة أو لتوجيه ~~نشاطه في غير وجهته المرغوبة، وبالرغم من هذا كله يتعذر على إنسان ما أن يجد حاكما ~~شرقيا نجح نجاح محمد علي في عمل هذه الإصلاحات العظيمة، مع أنه لم يكن مسوقا إليها بضغط ~~أجنبي، بل عمل ما عمله مدفوعا بحب النظام والعدالة والخير. وعلى الرغم من عناد كل من ~~التفوا حوله إن لم نقل مقاومتهم السلبية. # ولم يحدث الباشا تغييرا يذكر في شكل الحكومة التي ظلت تسير طبقا للقواعد التي أظهر ~~الزمن صلاحيتها وملاءمتها لحاجيات البلاد، والتي لم نجرؤ نحن على البدء في تغييرها في المهد ~~إلا من الجيل الماضي؛ فإن وحدة النظام الإداري كانت القرية وكبيرها شيخ البلد الذي يمثل ~~حاكم البلاد في كل صفة، ومن القرى تركبت الأخطاط، ولكل منها حاكم الخط، ومن هذه الأخطاط ~~يتركب المركز تحت حكم المأمور، وقد جعل عدد المراكز 61 مركزا، ومن هذه المراكز تركبت ~~المديريات السبع، ويشرف على كل منها مدير أو حاكم، وتشمل دائرة اختصاص المديرين الأربع ~~والعشرين مديرية التي كانت مصر تتركب منها في عهد المماليك. ولم يكن ثم مندوحة عن وجود هيئة ~~متشعبة الأطراف في المدن الكبرى، وقد كان هناك القضاة ورجال الشرطة المخصوصون ms185 للمحافظة على ~~السكينة العامة والحيلولة دون وقوع الجرائم ومعاقبة فاعليها. وقسم الأهالي أيضا حسب مهنهم ~~أو حرفهم إلى طوائف ونقابات ويشرف على كل منها رئيس النقابة؛ ففي القاهرة مثلا كان هناك ~~ما لا يقل عن 64 نقابة من هذا القبيل، وكان كل رئيس مسئولا عن سلوك أعضاء نقابته، # 10 # وكانت هذه هي القاعدة التقليدية المألوفة في الشرق بأسره في تنظيم أرباب الحرف ~~والصناعات. # ولضمان سير هذه النقابات سيرا يتمشى مع الأمانة والعدالة، لم يكن ندحة عن إبقائها تحت ~~الرقابة الدائمة اليقظة، وبخاصة وأن اعتقاد الجمهور في عدم أمانة الهيئات الرسمية كان ~~متأصلا في نفوسهم، وكانت الغاية المقصودة من هذا النظام الاحتفاظ برئيس مستعد للحيلولة ~~دون ظهور مستبدين عديدين. ولم يترك مشايخ القرى الفرصة السانحة لإرهاق إخوانهم الفلاحين، # 11 # وحذا المديرون ومأمورو المراكز حذو مشايخ القرى في إرهاق كل من وقعت أيديهم ~~عليه، وليت عدم الأمانة كان النقص الوحيد في أخلاقهم، كلا بل كان عدم الأمانة مقرونا ~~بالجهل المطبق، وقد يحدث أن يكون المتعلم فيها واسع الاطلاع في كتب الفلسفة الإسلامية ~~ملما بدواوين شعراء العرب والفرس، ولكن المدارس وقتئذ كانت تخرج علماء لا رجال أعمال، ~~وكان المدير لا يسترشد في أعماله إلا بما تواضعت عليه التجربة، وهذه التجربة لم تكشف في ~~أغلب الأحايين إلا عن خير الوسائل للسرقة مع استعمال اللباقة والحذر، # 12 # ثم إن الحاجة التي تقضي الاتفاقات القائمة على عدم الأمانة بين الموظفين بعضهم ~~وبعض، كثيرا ما نجم عنها تغيير هؤلاء الموظفين بغيرهم، ومن ثم كنت تجد المصالح يشغلها ~~رؤساء لا يعرفون من أعمالها وشئونها لا كثيرا ولا قليلا. وبهذه المناسبة كتب المستر بورنج ~~في تقريره يقول: «لم يكن هناك اهتمام ما بكفاءة الفرد واستعداده للقيام بمهام العمل الذي ~~عهد إليه بإنجازه.» # 13 # ولم تكن لسوء الحظ ندحة من ذلك. وقد شهد بهذه المسألة كامبل، وهو كما تعلم لم ~~يكن شاهدا متعنتا؛ إذ قال: «إن ما يصادفه تجارنا من المسائل المثيرة للغضب مرجعه عدم ~~وجود نظام معين يضاف إليه ms186 جهل صغار الموظفين المحليين لسير الأمور أكثر مما يرجع إلى خطأ ~~من جانب محمد علي أو إبراهيم باشا، وعلة هذا كله عدم وجود أشخاص بالكلية قادرين على السير ~~بمختلف الشئون في كافة المصالح المختلفة، وبخاصة في الأماكن والفروع التي تمتد فيها التجارة ~~الأوروبية، يضاف إلى كل هذا أن هناك نقصا طبيعيا ينطوي على الرشوة في كل شيء تركي؛ بحيث ~~لا بد أن يترك للزمن وحده أن يقضي على المساوئ الموجودة في الوقت الحاضر التي لا مفر من ~~وجودها، والتي نعتقد أنها آخذة في التناقض يوما فيوما.» # 14 # وفي الواقع لم يكن يمكن إدخال أي إصلاح ثابت ما لم ينشأ جيل جديد أكثر تعليما ~~وأدعى إلى الثقة من أبناء الجيل الحاضر. # وسدا لما أوجده المران والتعليم والأخلاق من النقص، لجأ الباشا إلى وسائل الضغط والعقاب ~~والتفتيش، وإنك إذ تقرأ كتبه الدورية، وقد كانت تتضمن وسائل الضغط المذكورة؛ تجد أنها كتب ~~ممتعة لذيذة ومفيدة، وإن كانت تثير الضحك تارة والأسى تارة أخرى؛ لأنها قد تتضمن أحيانا ~~وعيدا مخيفا؛ فمثلا هناك كتاب صادر في سنة 1826م يتضمن شكاية الباشا من أن الموظفين لا ~~يعنون العناية الكافية بتحسين الزراعة، وقد جاء في هذا الكتاب أن الباشا يوشك أن يقوم ~~بنفسه بزيارة الأقاليم وتفتيش أراضيها الزراعية، وقد أنذر كل موظف يرى أثرا للإهمال في ~~منطقته بدفنه حيا في حفرة خاصة. # 15 # ولكن أمثال هذا الوعيد لم يكن يمكن أن ينظر إليه الإنسان نظرة جدية؛ ذلك لأنه ~~هدد بعد عام من ذلك التاريخ بمعاقبة المهملين في الشئون الزراعية بالعصا أو بالسيف، # 16 # وفي بعض الكتب الأخرى التي دفع الحقد باركر القنصل العام إلى رئيسه بالمرستون ~~بقصد تسليته، ترى الباشا وقد صب جام غضبه على الموظفين. وإنك لترى أثرا لذلك لمناسبة ~~الإهمال في دفع الضرائب؛ إذ يقول للموظف المختص: «من ذلك يتبين أنك غبي مهمل، وإنه لدليل ~~جديد على أنك كالحمار في غباوته.» فإن لم تدفع الأموال فورا «فكن على يقين بأنني سأقطعك ~~إربا إربا.» # 17 # وكتب ms187 مرة إلى أحد الموظفين بمناسبة التباطؤ في تقديم العدد اللازم من الأنفار ~~للقرعة العسكرية: «وأنت أيها الحمار ماذا عساك صانع؟! ... إنني لم أضعك في هذا المركز إلا ~~لعدم وجود من هو أقدر منك على أن يشغله، وقد جعلتك مديرا، فهل يكون ذلك أن تهمل في أداء ~~واجبك هذا الإهمال وكل هذا الوقت؟! ... فبمجرد استلامك لأمري هذا ضع عقلك في رأسك وأرسل بقية ~~الأنفار ... وإن تباطأت في تنفيذه جعلتك مثلا بين بقية مديري الأقاليم.» # 18 # وأما حاكم السودان فقد كتب إليه بلهجة مخففة عندما أرسل إليه غرارة مملوءة ~~بآذان العصاة كدليل على نشاطه في كبحهم، قال الباشا: «على من يعتلون كراسي الحكم وأصحاب ~~السلطة أن يدركوا أن فتح البلاد لا يكون إلا باقتناع الأهالي بالوسائل السلمية، وبتوخي ~~العدل في تسيير الأمور بقصد اكتساب ثقة الأهالي، وعلى الحاكم أن يقتدي بالقدوة الصالحة التي ~~ضربها الفرنسيون في مصر وأن يقلد المسلك الذي سلكه الإنجليز بعدهم.» # 19 # ولكن القارئ يجد في الكتاب الدوري الصادر في سنة 1843م أقرب مثال للأوامر الإدارية، قال ~~الباشا الهرم - وقد أصبح كذلك بعد أن أثقلت عاتقه السنون - يناشد موظفيه بتقديم المساعدة ~~له؛ لأن متاعبه أصبحت فادحة، بحيث ينوء بها عاتق شخص واحد، وقد ذكرهم بمركز مصر وخصبة ~~تربتها، فقال: «إن من حسن الطالع أن ننعم بأرض كأرضنا لا مثيل لها بين أراضي العالم، وعندي ~~أن التقاعد عن بذل كل ما يمكن بذله من الجهود في سبيل مضاعفة يسرها ورخائها لدليل العقوق ~~الذي لا يمكن أن يرضاه قلبي ويستحيل أن أقره، فلا محيص لي من أن أناشدكم في كل حين بأن ~~تسهروا على أداء واجباتكم لكي نصل إلى الغاية التي جعلناها نصب أعيننا، وحذار من التكاسل ~~والإهمال ... إن الرجل العاقل لا يباهي بأخلاقه الحميدة، بل بما أصابه من النجاح في إدارة ما ~~عهد إليه من الأمور، فلا يفوتنكم أنني سأواصل السهر على سعادة هذه البلاد ورخائها، ولو ~~ضحيت في هذا السبيل بحياتي وحياة أقاربي. إن كل من حولي يعرفون جيد ms188 المعرفة أنني لا ~~يطيب لي إيذاء شخص ما، وقد سلخت أربعين ربيعا لم تمتد فيها يدي بمعاقبة أحد عقابا ~~شديدا، فإذا ما أرغمت يوما على الخروج عن هذه القاعدة فلن يكون الذنب ذنبي، بل ذنب غيري ~~... ولم يكن يدور بخلدي فيما مضى أن نصل إلى الحالة التي وصلناها الآن، والآن وقد سمت ~~مطامعي واتجهت إلي اتجاها أرقى من اتجاهها الماضي، فلأقدمن التضحية مهما جلت وعظمت ~~في سبيل رخاء بلادي، وهي أقصى أماني حتى ولو جلس على عرشها أحد أقاربي وأصبح ملكا ~~لسكانها البالغ عددهم ثلاثة ملايين.» # 20 # ولم تنقض ثلاثة شهور على ذلك الكتاب حتى عمل كبار موظفيه على أن يقسموا أمامه على أن ~~يخدموه بأمانة وأن يرفعوا اليد عن كل ما يقع تحت أنظارهم من الحيف أو إساءة استعمال السلطة، ~~فليس من شك في أن هذا الكتاب الدوري يشف تماما عن مكنونات قلب الباشا الحقيقية؛ فلقد ~~وجهه إلى الموظفين خاصة ولم يذع محتوياته بين القناصل العموميين، ولم يرم به إلى ~~التأثير في الرأي العام الأوروبي، وإلى جانب هذا كله كان متلائما تماما مع اللهجة التي ~~كان يستعملها محمد علي في محادثاته الخصوصية مع أصدقائه الأوروبيين، ولكنه يعلم جيد العلم ~~أن الإكراه كالعقوبة لا مناص منهما. نعم؛ لم يكن بطبيعته ميالا إلى إيصال الأذى أو الشر ~~إلى أحد، وفي الحق أنه امتنع على العموم عن أعمال التأديب، ولكن هذا كان بمثابة ميل عام لم ~~تكن له حيلة في الانحراف عنه بين آن وآخر. مثال ذلك: أن محصل الضرائب في مديرية الجيزة ذكر ~~كذبا في سنة 1822م أنه لم يستطع لا تحصيل العوايد العشورية ولا ضريبة المنازل، وقد كان ~~الباشا على حق أن يعتبر هذه المسألة في منتهى الخطورة، وقد ترجح عنده (ويستحيل البت هنا ~~هل كان الترجيح عادلا أم غير عادل) أن المحصل كان كاذبا في دعواه، وأنه مسوق إلى ذلك ~~بطمعه في الحصول على رشوة؛ فأصدر أمره إلى إبراهيم باشا - وكان وقتئذ مدير الجيزة - بأن ~~يتفاهم مع الرجل وأن ms189 يقنعه - إذا استطاع - بخطأه، فإن وفق إلى إقناعه فبها ونعمت وإلا ~~أطاح رأسه حتى لا تتعرض مصالح الدولة للضياع بسبب مسلكه السيئ. ويظهر أن إبراهيم باشا ~~نفذ الحكم بيده، وقد جاء بعد ذلك في كتاب إلى إبراهيم باشا أن الرجل قد لقي حتفه بسبب ~~عناده لا بفعل الباشا وابنه، وأن مركزه لا بد أن يشغله رجل فرنسي أو شقيق القتيل. # 21 # وكلما مرت الأيام وتحسنت الأخلاق العامة قلت عقوبة الإعدام تدريجيا، حتى إن ~~المخالفات الكبيرة كان يعاقب فاعلها بالأشغال في الأعمال العمومية التي تمت في عهد ~~الباشا. وقد صدر في سنة 1830م أمر بحبس 25 موظفا من موظفي مصر الوسطى مع الأشغال الشاقة ~~لمدة ستة أشهر، # 22 # وفي سنة 1833م أنذر الباشا مأموري المراكز بالعقاب إذا أرغموا موظفي الحكومة ~~بحرث الأرض الواقعة في دوائر اختصاصاتهم، # 23 # وفي العام التالي، نظرا لأن إرهاق الدماء كان عملا مذموما في نفسه حظر على ~~المديرين ومأموري المراكز إصدار حكم بالإعدام إلا بعد الحصول على إذن خاص من الباشا. # 24 # وقد صدر الأمر في سنة 1836م بإعدام أحد شيوخ القرى؛ إذ قامت البينة على أنه ضرب بلا مسوغ ~~شخصا ضربا مبرحا أفضى إلى موته. # 25 # ولكن الضمان على عدم خروج الموظفين عن حدود وظائفهم لم يكن إلا بإسداء النصح ولا بإنزال ~~العقاب الصارم، بل زيارة الأقاليم بين آن وآخر وتقصي أحوالها بدقة وعناية؛ ولذا لم ~~يقصر الباشا في زيارتها زيارة منتظمة، وكثيرا ما كان يزورها ويتجول في أنحائها باحثا ~~منقبا، وبخاصة عن حالة الحسابات ومسير الإدارة بوجه عام، بل كان كثيرا ما يتجول بمفرده ~~بدون حراس؛ حتى يتمكن أحقر الناس من الدنو منه ورفع شكواه إليه رأسا، وقد كان من نتائج ~~زيارة قام بها إلى السودان سنة 1839م أن أصدر أمره بعزل طائفة من الموظفين الجهلاء الخربي الذمة. # 26 # أما الموظفون الأجانب في الإدارة العامة فيلوح أن عددهم كان ضئيلا جدا؛ فمع أنه كان ~~يوجد في أنحاء البلاد عدد من خوارج الفرنسيين والإنجليز وغيرهم، فإنهم ms190 كانوا في الترسانات والجيش، # 27 # بينما العدد القليل جدا عمل في الإدارة العامة، ولم أعثر على أثر لاستخدامه ~~في الإدارة المدنية إلا في الخطاب الذي أشرت إليه سالفا، والذي أرسله الباشا إلى إبراهيم ~~باشا بتعيين محصل فرنسي في مديرية الجيزة بدلا من المحصل القبطي الذي أعدم. # كما أن المناصب الكبيرة لم يكن يشغلها أحد من أهالي البلاد؛ لأن الإدارة العليا كانت في ~~أيدي الأتراك لا في أيدي المصريين، وبهذه المناسبة كتب بورنج يقول: «إن أحقر شخص له قليل من ~~الدراية باللغة التركية يعد نفسه فعلا من طبقة أرقى من طبقة الوطنيين أبناء البلاد!» # 28 # بل إن أحد الخدم المصريين لم يكن يمكن تكليفه بحمل رسالة إلى موظف ذي منصب ~~كبير. # وفي الحق كان الرجل التركي في مصر في عهد محمد علي يتمتع بشيء من المنزلة السامية التي ~~كان يتمتع بها موظف شركة الهند الشرقية في الهند، وقد لاحظ الأجانب بشيء من الاستغراب ما ~~كان سائدا بين طبقات الأهالي من الشعور بالإصغار والإذلال؛ فلقد كنت تسمعهم يقولون: «لسنا ~~إلا مجرد فلاحين ...» ولم يدر بخلدهم مرة واحدة أن يتشككوا في حق الأجنبي في بسط ~~حكمه عليهم، وكانوا عزلا من السلاح كلية، وكان خضوعهم واستسلامهم تاما لا يطلبون أكثر ~~من أن يسمح لهم بصب مياه النيل بسلام فوق أراضيهم الخصبة. # 29 # ولكن الباشا لم تسول له نفسه أن تظل هذه الحال أمدا طويلا ؛ لأن ثقته بالأتراك كانت ~~إلى حد ما، وقد كان يحس أنهم يعطفون على الآستانة، وأن نفوسهم تتوق إلى وسائل الحكم القديمة ~~القائمة على الفساد والرشوة، وهي الوسائل التي كان الباشا قد عقد نيته على استئصال ~~شأفتها. # لذلك عمل كلما مكنته الفرصة على أن يستبدل بأولئك الموظفين الأتراك غيرهم من ~~المصريين، وكان دورفيني القنصل الفرنسي أول من اقترح عليه هذه الفكرة التي تعتبر وقتئذ ~~جريئة. # وكان الباشا قد أرسل إلى المدارس الفرنسية في سنة 1826م ما لا يقل عن 45 شابا من ~~أبناء مشايخ القرى وغيرهم للتعليم على نفقة الحكومة المصرية ms191 على أمل أن يصبحوا صالحين فيما ~~بعد للوظائف العمومية. # 30 # وتصادف أن الباشا في أثناء زيارته لأقاليم الدلتا في سنة 1833م أن عرج وبصحبته «الفلقة» ~~على صغار الموظفين الأتراك الذين يعملون في تحصيل الضرائب، فراعه عدم حدبهم على الأهالي ~~الفلاحين وتشددهم معهم في أخذ الأموال لشئونهم الخاصة، وهنا أعلن الباشا أن مشايخ القرى ~~الفلاحين ينبغي من الآن فصاعدا أن يرفعوا شكاياتهم إليه رأسا، # 31 # وكانت إحدى نتائج هذا القرار اجتماع رهط من المشايخ في الإسكندرية بعد ذلك ~~ببضعة أشهر، ويؤخذ من بيانات سكرتير الباشا للقناصل العموميين أن الباشا أراد انتهاز هذه ~~الفرصة ليلفت أنظار المشايخ إلى ضرورة القيام بواجباتهم على الوجه الأكمل. # وقد ذكر كامبل في تقرير له نص محادثة ودية دارت مع المشايخ المذكورين، وقد أقسموا ~~ليبذلن كل جهد في سبيل تنفيذ أوامر الباشا حرفيا، # 32 # على أن ما نشر من البيانات لا يدل على شيء. # ويظهر أن محمد علي قد أدرك أنه لا يستطيع الاسترسال طويلا في سياسة استبدال الموظفين ~~المصريين بالموظفين الأتراك؛ ذلك لأن الموظفين الأتراك كما لاحظ أحد الأجانب متمرنون أكثر ~~من الموظفين المصريين على السرقة بلباقة، يضاف إلى ذلك أن الدساسين ومحبي الصيد في الماء ~~العكر، وهم الذين يكثر عددهم عادة في ظل الحكم الفردي مهما كان ذلك الحكم نافعا وصالحا، ~~كانوا يعملون على استغلال ميول الباشا الصالحة في قضاء لباناتهم، فإن مشايخ القرى - كما علم ~~الباشا بعد ذلك - كانوا يحرضون إخوانهم على التلكؤ في تحصيل الضرائب أملا في أن يقع ~~اللوم على عاتق الموظفين الأتراك، فيطردهم محمد علي ويعين مكانهم المشايخ، فصمم الباشا ~~على وضع حد لهذه الحالة فورا، وكان من رأيه عدم إضاعة الوقت في القيام بتحقيقات مملة ~~وغير منتجة لن تؤدي إلا إلى جملة أكاذيب؛ ولذا قرر معاقبة كل شيخ متهم بمثل ذلك المسلك ~~الخطير بدون إضاعة الوقت سدى، # 33 # ويستبعد على ما يظهر أن تكون هذه المسألة قد تنوسيت في أثناء اجتماع ~~المشايخ في الإسكندرية، وهو الاجتماع الذي أسلفت الإشارة إليه، ms192 ولو أن البيان الذي أعطاه ~~سكرتير الباشا إلى الكولونيل كامبل لم يذكر شيئا من هذا، فلم يكن ثمة مفر من أن تنتظر ~~سياسة التوسع في توظيف المصريين لتطورات مشروعات الباشا التعليمية. # أما الأعمال في مركز الحكومة في حاضر القطر؛ فكانت موزعة بين سبع مصالح: الحربية ~~والأسطول، والزراعة، والمالية، والتجارة، و«العلاقات الخارجية»، والتعليم، والبوليس. ومع أن ~~الوزراء الذين كانوا يشغلون هذه المناصب كانوا يعتبرون من طبقة أرفع من طبقة مديري ~~الأقاليم، لم تكن لهم أي سلطة على هؤلاء المديرين؛ لأن الباشا كان يحرص على أن تكون بيده ~~كافة أعنة الحكم، كما أنه لم يسمح لهذه المصالح المركزية أن تجري في مجراها الطبيعي وتتسع ~~دائرة أعمالها؛ حتى تصبح وزارات كبيرة تكون أول ما تضعه نصب عينيها أن تبرر وجودها ~~بتعقيد الإجراءات العامة. وقد ألغى 200 وظيفة من وظائف الخزانة العامة، وكأنه لم يكتف بها ~~بل راح يذكر المراقب بأنه في وسع كبار التجار الإسكندريين بأربعة من الكتبة فقط أن يراقبوا ~~حركتهم التجارية التي لا يقل إيرادها عن ثلث إيراد الخزانة، وهل تناسى جنون الباشصراف في ~~ملء الوظائف العمومية بالأقباط؟! ... فإن لم يستطع المراقب إدارة شئون الخزانة بطريقة أحسن من ~~ذلك فلسوف تسند مهمة مراقبة الخزانة لشخص آخر. # ولعل أهم ناحية في حكم محمد علي هي - بلا جدال - حرصه على تنمية وتوسيع دائرة بحث المسائل ~~العامة في عمل ما، فلقد أنشأ في سنة 1819م مجلسا أو ديوانا قوامه سبعة أشخاص لإدارة وبحث ~~ما يعقد من الصفقات بين الخزينة وبين التجار الأوروبيين، # 34 # وطبق نظام التمحيص الرسمي هذا على كافة المصالح التابعة للحكومة المركزية، ~~وأصبح من المحتم أن تقتل كل مسألة بحثا قبل عرضها على الباشا. ثم حدث التوسع في تطبيق ~~هذا المبدأ في سنة 1829م؛ فلقد اختير إبراهيم باشا رئيسا لاجتماع خاص مركب من 400 شخص ~~منهم كبار الموظفين المدنيين والضباط العسكريين والمديرون وبعض مشايخ البلاد، وتناول بحثهم ~~خير الوسائل لإصلاح الفساد ولتحسين حالة الفلاحين. واستمر هذا المجلس يعقد جلساته في كل ~~مساء ms193 وأقسم أعضاؤه أن يتكتموا كل ما يدور فيه من المباحثات. وفي سنة 1832م جرب الباشا ~~مشروعا من هذا القبيل في سوريا، فقد أنشئ مجلس من الأعيان، # 35 # وعددهم 22 للنظر في شئون الرعية، # 36 # وفي سنة 1834م طالب فضيلة شيخ الجامع الأزهر ورئيس نقابة التجار بترشيح عدد ~~لائق من العلماء والتجار للاشتراك في أعمال المجلس الأعلى، وكلف المديرين في الوقت نفسه ~~بأن يشكلوا في كل مديرية جمعية من الزراع ومشايخ البلاد وغيرهم لانتخاب شيخين من مشايخ ~~القرى لتمثيل مزارعي المديرية المذكورة في المجلس الأعلى. أما السائحون وكانت معلوماتهم ~~عنوان الرأي العام الأوروبي فقد أساءوا فهم هذه الأمور وأساءوا تصويرها لمواطنيهم؛ فقد ~~كان هناك من ناحية الشاب دزرائيلي الذي صور الباشا للناس كأنه يقول إنه يود أن تكون له ~~برلمانات عديدة كما كان للغليوم الرابع مع حرصه على أن ينتخب هذه البرلمانات بنفسه، وكان ~~يوجد من الناحية الأخرى بعض فلاسفة الراديكاليين ومن إليهم من أنصار سانت سيمونز، وكانوا ~~يمثلون الباشا كأنه شخص اعتنق المبادئ الديمقراطية الغربية؛ فكان الفريق الأول لا يرى ~~فيما يقوم به الباشا من التجارب إلا أنها مجرد حيل يراد بها التغرير بالرأي العام ~~الأوروبي، وأما الفريق الثاني فكان يرى أن المقصود بها إنشاء حكومة نيابية. # 37 # وليس من شك في أن أعمال محمد علي لم تكن هذا ولا ذاك؛ فإن الأعمال العامة البادية العادية ~~في الشرق يبت فيها رهط من الموظفين يقال لهم الديوان أو الديربار، وعلى رأسهم الباشا نفسه ~~أو من عداه من كبار الموظفين، وأمام هذا الرهط المجتمع بصفة علنية يجتمع أرباب الشكاوى ~~والمتفرجون. وقد ذكر بارتل فرير بهذه المناسبة أن معرفة ميول الرأي العام في أي قطر من ~~الأقطار الغربية مهما كان لها من الأهمية، فإن أهميتها تزداد كثيرا في الأقطار الشرقية؛ ~~وذلك لأن الحكم الشرقي يحرص كل الحرص على معرفة ما يردده الناس في الأسواق وفي مناحي ~~القوافل. نعم؛ إنه يستطيع الاعتماد على تقارير جواسيسه - والجاسوسية في الحكومات الآسيوية ~~من أثبت العوامل والأدوات الحكومية ms194 - ولكن إلى جانب الجاسوسية كان يمكن الوقوف على جانب ~~آخر من آراء الناس بالاجتماعات التي كان يعقدها محمد علي من آن إلى آخر. ولقد كان الباشا ~~أحصف من أن يفكر في نقل التقاليد الغربية بلا تمحيص أو يقلدها تقليدا أعمى، ولكنه ~~كان في الوقت نفسه من الحصافة بحيث يرى أن لا ضرر من نقل الصالح من التقاليد المذكورة ~~وتحريرها حتى تتلاءم مع العادات المرعية في البلاد بحيث تعود بالخير والفلاح على حكومته. ~~ولعله كان مدفوعا بعامل آخر؛ فإن رجلا له من القوة وتقدير أهمية التعليم كما كان لمحمد ~~علي لا يمكن أن يقال إنه كان يجهل أن الجمعيات التمرينية التي كان يعقدها لم تكن مجرد ~~وسيلة من وسائل الحكم فقط، بل كان كذلك إحدى وسائل التعليم السياسي. ولو كانت مصر ورثت من ~~ورث مواهب محمد علي العظيمة كما ورث ممتلكاته لقدمت أمم الغرب من ضروب الإصلاح السياسي ~~ما يقل في أهميته عما قدمته اليابان، ولكن عمر فرد واحد وانقضى معظمه في تأسيس ملك ~~سياسي لا يمكن بمفرده أن يفعل أكثر من وضع الحجر الأساسي العام لمعاهد الإصلاح والترقي ~~تاركا لمن يخلفه تكملة البناء. # وقد كان النجاح المضطرد حليف إدارته المالية، ومن ثم خيب ظنون الذين كانوا يرقبون ~~أعماله ويتوقعون خرابه المالي قائلين إن حروبه المتعددة يضاف إليها مشروعاته الداخلية ~~سوف تؤدي إلى إفلاسه وإفلاس خزينة البلاد العامة؛ ففي سنة 1827م مثلا بينما كان عاتقه ~~مثقلا بنفقات الحرب في المورة وكانت موارده المالية متعبة بسبب هبوط منسوب فيضان النيل ~~عامين متتاليين، وكان محمد علي برغم ذلك منهمكا في تأسيس المصانع وإنشاء رصيف للبحر ~~وترسانة في الإسكندرية، # 38 # ولم يمض على ذلك سوى سنوات أربع فقط حتى كان يضع أساس مشروعات تزيد في نفقاتها ~~وضخامتها نحو عشرة أضعاف عن نفقات المشروعات السابقة، # 39 # وقد نجح في الابتعاد عن إشراك الدائنين الأوروبيين، # 40 # وقد خيل لبعض الناس في سنة 1837م أن هبوط أسعار القطن - وكان محمد علي ~~يحتكره - سوف يؤثر أشد تأثير في ms195 ميزانيته، ومع ذلك فقد تمكن الباشا من دفع ما لجنوده من ~~المرتبات المتأخرة، # 41 # وفي الواقع كانت إدارته المالية مقرونة بالنجاح، حتى إن باركر نفسه كان يعتقد ~~أن الباشا قد عثر على مصباح علاء الدين المذكور في الأقاصيص. # ولم يكن هناك أثر للسحر فيما كان يعمله محمد علي الذي جعل رائده الحكمة واليقظة، ولقد ~~كانت الحسابات العمومية عندما تسلم محمد علي أعنة الحكم بأيدي الكتبة الأقباط الذين جعلوا ~~منها أنموذجا للتعقيد، وكانت غايتهم من ذلك التعقيد مزدوجة؛ ذلك بأن يجعلوا خدماتهم ما لا ~~يمكن الاستغناء عنها، وثانيا لأن التعقيد يستر أغلاطهم بحيث يتعذر العثور عليها. ولم تكن ~~الحسابات العمومية مركزة في مصلحة معينة، بل كانت الضرائب المختلفة توزع بين المصالح ~~المتشعبة طبقا للطريقة التركية المتبعة # 42 # فلم تكن ثمة ميزانية، ولا أمل في وضع ميزانية، ولقد أظهر الباشا - والحق يقال ~~- ميلا لأن يدرس وينقل عن الغربيين في هذه المسألة كغيرها من المسائل فكلف باغوص بلك ~~الأرمني وأشد الموظفين إخلاصا بأن يحصل على مشروع لضبط الحسابات كالمعمول بها في المصالح ~~العمومية في أوروبا. # 43 # وأسندت إلى المسيو جرمار الفرنسي مهمة وضع نظام جديد، ولكن ذلك لم يبطل العادة ~~السيئة التي كانت متبعة، وهي تخصيص إيراد مناطق معينة لوزراء معينين لسد نفقاتهم بدلا من ~~إرسال الإيراد جميعه إلى خزانة مشتركة، ولا ريب في أن سير الأمور في الأحوال الحاضرة يؤدي ~~إلى الفساد وسوء استعمال السلطة؛ لأن لكل وزير خزانته الخاصة؛ أي إن هناك سبعة أبواب مفتوحة ~~(وهي أبواب الوزارات السبع) للغش والتدليس، مع أن فتح باب واحد للفساد في بلاد كهذه هو أكثر ~~من اللازم. # 44 # وعندما زار بورنج القطر المصري في سنة 1838م استطلع الباشا رأيه في مسألة الحسابات وجيء ~~إليه بمختلف الحسابات العامة لإلقاء نظرة عليها، فأشار بعدة توصيات لإصلاح الحسابات. وكان ~~في طليعة هذه التوصيات وضع ميزانية في ابتداء كل سنة لبيان الإيرادات والمصروفات، ثم إرسال ~~كافة الإيرادات إلى الخزانة الرئيسية، ثم الفصل بين السلطة التي تستلم الإيرادات عن ms196 السلطة ~~التي تتصرف في الأموال العامة وتخويل وزير المالية السلطة الكافية لإقرار ما يقترح عليه ~~من المصروفات أو رفضها، وأخيرا وضع قاعدة لدفع الحسابات العامة فورا وموازنتها وفحصها. # 45 # وليس فيما بين أيدينا من الأدلة المقتضبة ما يكفي لإعطائنا صورة صحيحة أو صورة كاملة عن ~~تاريخ الباشا من الناحية المالية، ولكن يلوح أنه استطاع في كل حين أن يخفض مصروفاته عن ~~إيراداته. خذ مثلا على ذلك سنة 1820م المتداخلة في سنة 1821م، (والمعلوم أن السنة ~~القبطية المستعملة في الحسابات المصرية تنتهي عادة في 28 سبتمبر)؛ # 46 # فقد بلغت الإيرادات في تلك السنة 240 ألف كيس، وبلغت المصروفات 190 ألف كيس، ~~وفي سنة 1832م المتداخلة في سنة 1833م زادت الإيرادات قليلا عن 500 ألف كيس، على حين أن ~~المصروفات لم تبلغ 415 ألف كيس، أما في سنة 1846-1847م؛ فقد كانت الإيرادات أكثر من 600 ألف ~~كيس والمصروفات أقل من 460 ألف كيس، وليس من شك في أن الباشا كانت تصادفه سنون تكثر فيها ~~المصروفات، وإذ ذاك يلجأ إلى الرصيد المتراكم فيغترف منه، ولكن كانت الوفورات أكثر غالبا ~~من العجز. # وقد كانت إيرادات الأطيان أو الميري كما يسمونها أهم باب من أبواب الإيراد، ولكنها قلما ~~وصلت إلى 50٪ من مجموع الإيرادات، بينما كانت نفقات الجيش والأسطول هي أكبر باب من أبواب ~~المصروفات؛ فلقد كانت تبلغ نحو 50٪ من مجموع الإيرادات. # وكانت ملكية الأطيان في مصر في بداية القرن التاسع عشر هي نفس الحالة المضطربة التي كانت ~~سائدة في الهند عندما بدأت شركة الهند الشرقية في إدارة أراضيها في الهند؛ فلقد كانت مصر في ~~نظر المذاهب الإسلامية الأربعة بمثابة بلاد فتحت بحد السيف وخاضعة لسلطة الخليفة . ~~وتوكيدا لهذا كان كل إمام مسجد في أي ناحية من نواحي القطر المصري يرتقي المنبر في يوم ~~الجمعة حاملا سيفا خشبيا أو سيفا حقيقيا، وهو بذلك يمثل خليفة المسلمين. # ولكن الحاكم كان يتخلى عن أراضي الحكومة «الجفالك» كما كان يحدث في كافة أنحاء العالم ~~وقتئذ بما يتنازل عنه من ms197 الهبات التي يمكن استردادها عند الطلب أو يقال أحيانا إنها غير ~~قابلة للاسترداد، على أن الخلاف لم يكن كثيرا على الشكل ولكن رجال القانون الإسلامي تمسكوا ~~بهذا المبدأ البسيط؛ وهو أن الهبة مهما كانت ملزمة يمكن استردادها متى اقتضت ذلك مصلحة ~~الدولة، وهي مسألة لا يمكن لأحد غير الحاكم أن يبت فيها. # ولقد كان من جراء ما نشأ من تلك الفوضى في خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، أن ~~وجدت طائفة من الملاك وفي طليعتهم زعماء المماليك والمزارعين الذين يؤدون الضرائب، وكانوا ~~وقتئذ يسمونهم الملتزمين، وبديهي أن الحكومة لم تحصل على إيرادات مطلقا عما كان بأيدي ~~الفريق الأول من الأراضي، في حين أن ما كان بأيدي الفريق الثاني اشتمل على مناطق أخذت تزداد ~~اتساعا مع مضي الزمن دون أن تدفع عنها ضرائب، وكانت تسمى أراضي الوسية، وكان من ~~باكورة أعمال الباشا - كما سلفت الإشارة إلى ذلك - أن استولى على أملاك أعيان المماليك، ~~وقام بالتحري عن الشروط التي تمت بها ملكية الأراضي الأخرى. وقد تمكن محمد علي فيما ~~بين سنتي 1804م-1814م من الاستيلاء على كافة الأراضي، وكافأ الملتزمين بمعاشات عوضا عما ~~كان لديهم من الأراضي، # 47 # ولا يلوح أن الباشا تجاوز في هذه الإجراءات الحدود الاسمية لحقوقه القانونية، ~~ولو أنه لا ينبغي أن يبرح الأذهان «الحقوق القانونية» هنا كانت تعني شيئا آخر عدا ما ~~تعنيه في أوروبا. وليس من شك في أن تصرف محمد علي ذلك كان ينطوي على شيء من الشطط ~~الذي ربما كان في وسعه أن يبرره نظرا لحاجته القصوى وقتئذ إلى المال؛ إذ لا ريب أنه لم ~~يسعه أن يؤسس حكومة ويقيمها على دعائم وطيدة إلا إذا استعاد تلك الأراضي التي تبلغ مساحتها ~~ثلاثة أرباع أراضي القطر، ولم يستول عليها الأفراد إلا بسبب خرق أسلافه وإهمالهم. وبديهي ~~أن الحاجة يمكن أن يلجأ إليها الإنسان لتسويغ كل شيء، على أن تصرفات محمد علي الآنفة ~~الذكر لم تؤثر مطلقا في الفلاحين ولا أحس بضيرها إلا عدد قليل من الملكيين، وقد ms198 كان ~~خليقا بمن وجهوا إلى الباشا عبارات النقد من الإنجليز أن يعودوا إلى أنفسهم فيذكروا أن ~~اللورد كوبونواليس لم يكتف بنزع أراضي عدد قليل من الأعيان، بل جاوزهم إلى الكثيرين من ~~فلاحي إقليم البنغال. نعم؛ ليس يمكن الدفاع عن الظالم، ولكن جريمة ظلم الأقلية هي أخف بكثير ~~من ظلم الأكثرية. ذلك الظلم في الحالة الأولى لا يؤدي إلا إلى نوع مخفف من الشقاء يسهل ~~تفاديه. وليس يخامرنا شك في أن لورد كورونواليس والباشا كانا يعتقدان أن سياستهما هي لصالح ~~البلاد عامة. # وتلا استعادة الأراضي مسحها مسحا دقيقا أولاه الباشا عنايته، وتشتمل سجلات المديريات ~~توقيعاته كدليل على اهتمامه بتلك العملية، # 48 # ولكن عمله هنا لم يأت كاملا لسوء الحظ بسبب رداءة موظفيه؛ فإن الذين تولوا ~~مسح الأرض كانت تنقصهم الخبرة والدربة، بينما كان رؤساؤهم تعوزهم الأمانة، # 49 # وفي الواقع لم يكن لمحمد علي محيص من مواجهته، كما قام أمام شركة الهند الشرقية ~~من المصاعب في سبيل القيام بمساحة الأراضي التي تأتي بالإيراد في الأقاليم البنغالية، ولم ~~يكن لها في الأقاليم الهندية الأخرى من نتيجة سوى إحداث سيل جارف من الأغلاط ~~الأولية. # ولنتقدم لك بمثال مما قام في وجه محمد علي من المصاعب؛ فقد اكتشف أن كبار الأعيان وأصحاب ~~الأملاك الواسعة يرشون موظفي المساحة ليشهدوا على أن أراضيهم قاحلة جرداء تعوزها مياه الري، ~~هذا بينما أولئك المساحون يسدون العجز الناشئ عن هذا التخفيض بفرض ضرائب فادحة على ~~الأراضي التي يقوم بحرثها صغار الفلاحين، # 50 # على أن عملية المساحة هذه مهما كانت مختلة في الأمور التفصيلية، وبرغم أنها ~~كانت في حاجة إلى مراجعة من آن لآخر كلما ظهر النقص باديا للعيان، نقول برغم هذا كله ~~فإنها قد كشفت عن مساحات زراعية كبرى كانت الآن غير معروفة للحكومة نتيجة لأعمال الغش ~~والتدليس المتعمد. # ومسألة أخرى كان لها أكبر نصيب من اهتمام الباشا، ألا وهي مسألة الري، فلقد أدخل ما لا ~~يقل عن 38 ألف ساقية أو ما يزيد عن نصف ما كان يستعمل من ms199 السواقي في سنة 1844م، # 51 # وقد اهتم الباشا بتطهير ترع الري القديمة وأمر بحفر ترع جديدة بجانبها، ثم ~~إنه حرص على إدخال مساحات كبيرة من الأراضي في الصعيد ضمن الأراضي القابلة للزراعة. ولم ~~يفت كامبل بهذه المناسبة أن يشير إلى حفر ترع جديدة أريد بها أن تروي ما لا يقل عن ~~المليون من الأفدنة، # 52 # وقد شهد بورنج من ناحيته بأن 100 ألف من الأفدنة البور قد أصبحت فعلا داخل ~~منطقة الأراضي القابلة للزراعة، # 53 # وكان ساعد الباشا الأيمن في هذه المهمة المهندس الفرنسي المسيو لينانت الذي وضع ~~المشروع الخالد لتوسيع دائرة أعمال الري في الدلتا وضبطها، والمشروع المشار إليه طبعا ~~مشروع قناطر الدلتا المشهورة التي اتفق الرأي على إنشائها عند تفرع رياحي النيل فيما بعد ~~القاهرة. # وقد كان المأمول عند وضع تصميم هذا المشروع أن يكفل ري أراضي الدلتا جميعا حتى في أسوأ ~~أوقات الفيضان، وأن يساعد على ري ما لا يقل عن 200 ألف فدان إلى 300 ألف فدان من الأراضي ~~الواقعة وراء القناطر المذكورة، # 54 # على أن وجه الصعوبة في إنشاء القناطر الخيرية كان يرجع إلى المسألة الفنية؛ فإن ~~لينانت لم تكن له خبرة سابقة بمثل هذا المشروع؛ ولذا ظل البحث حول مشروع بناء القناطر، ~~وتقرر في النهاية تحضير تصميم لعرضه على لجنة المهندسين في فرنسا، # 55 # وأظهر كثيرون من الناس ارتياحهم وقتذاك في إمكان تنفيذ المشروع الهائل الذي هو ~~من هذا القبيل يستغرق إتمامه نحو خمسة أعوام ويتطلب من النفقات ما لا يقل عن مليون ونصف ~~جنيه إنجليزي، على أن الحجر الأساسي للقناطر لم يوضع إلا في سنة 1247ه، ثم تبين بعد ~~إتمام هذا العمل الكبير أنه لم يحقق ما كان معقودا عليه من الآمال؛ ذلك لأن عدم أحكام ~~الأساس ساعد على تسرب مياه النيل، وهنا رفع المتشائمون عقائرهم، وقاموا يدللون على صواب ~~رأيهم، ولكن المهندسين العصريين يوزعون المسئولية بين عدم تأني محمد علي وعدم خبرة ~~لينانت، وعلى كل فإن هذه المسألة توضح أحسن توضيح قوة ms200 عزيمة محمد علي وضعفها في وقت ~~واحد فإنها تكشف من جهة بعد نظره وفرط حبه للإصلاح والتحسين كما تكشف من الناحية الأخرى ~~عن تعجله ونقص ما كان لديه من الوسائل. # وبالرغم من عدم تحقيق مشروع القناطر للآمال التي كانت معقودة عليها؛ فإن الأراضي الزراعية ~~التي كانت تحت حكم الباشا قد زادت مساحتها زيادة عظيمة، وشرع الباشا في توزيع الأراضي على ~~الأهالي كهبة لتشجيعهم على الإكثار من الزراعة، ولقد كانت الأراضي تعطى للأفراد من سنة ~~1829م فصاعدا على شريطة زرعها، وأسفرت هذه المنح في بداية الأمر عن إمكان استغلال ربع ~~الأراضي فقط بواسطة الزراع وورثتهم إلى أن حل عام 1842م فتحولت الهبة من الانتفاع ~~بغلة الأراضي إلى امتلاكها نهائيا، وحوالي ذلك الوقت أخذ الباشا في توزيع الأراضي التي ~~أصبحت بفضل مشروعات الري الجديدة الكبرى صالحة للزراعة بشكل «جفالك»، بشرط توسيع دائرة ~~الأعمال الزراعية فيها، وهذه الجفالك قد وزعها الباشا على أفراد أسرته، # 56 # وهكذا عاد حق الملكية الفردية مرة أخرى، وأخذ هذا الحق ينتشر في طول البلاد ~~وعرضها، وبذا أصبح الأفراد المسجلة أسماؤهم في سجلات الري ملاكا في الواقع، وأصبح ~~للأراضي في مصر كما في الهند سعر تباع به، وها هو بورنج نفسه يشهد بأنه لم يسمع بأحد ~~نزعت منه أراضيه في العهد الحديث إلا عقابا له على عدم أداء الضرائب، # 57 # وها هو ما كان ينتظر أن يحدث في الهند مثله في ظروف تشبه الظروف المشار إليها ~~هنا. # وكانت ضرائب الأراضي تدفع عينا أو نقدا، فالجهات التي كانت صالحة لزراعة بعض محاصيل ~~معينة كالقطن أو النيلة، وهي الجهات التي احتكر الباشا حاصلاتها، نقول: كان الباشا يفرض على ~~تلك الجهات أن تقدم مقادير معينة من الحاصلات التي كانت تزرع فيها، وفيما عداها كان ~~لصاحب الأرض أن يزرعها ما يشاء في مقابل ضريبة معينة تقدر بالنسبة لجودة الأرض وقيمة ~~المحصول الذي يصلح زراعته فيها. وقد جرت العادة لغاية سنة 1834م أن تفرض الضرائب بنسبة ~~المساحة بقطع النظر عما إذا كانت الأرض صالحة ms201 أو غير صالحة للزراعة متى كانت هناك مياه تكفي ~~لري تلك الأرض ولو جزئيا، ولكن الباشا رأى في تلك الساعة أن يسلك الطريقة العادلة بألا ~~يفرض الضرائب إلا على الأراضي التي يمكن ريها جميعا. # 58 # وأدخل الباشا حوالي ذلك الوقت إصلاحا آخر له قيمته العظمى، وذلك بإلغاء العادة التي كانت ~~متبعة في مختلف العصور، وهي الاستعاضة عن النقص في الإيرادات الناشئة عن الضرائب على أطيان ~~شخص معين بزيادتها على أطيان الأشخاص الآخرين، ويظهر أن هذه العادة كانت متبعة في كافة ~~أنحاء الشرق وكانت معروفة في الهند بقدر ما كانت معروفة في مصر، وكان محبذو هذه العادة ~~يدافعون عنها بقولهم إنها تحول دون تمكين مشايخ البلاد وغيرهم من أرباب النفوذ الواسع من ~~فرض نسبة غير عادلة من الضرائب على صغار الملاك. # 59 # ويخيل إلينا أن مقدار الضرائب قد زاد زيادة كبيرة، لا بل لقد رددت الألسن أن الضريبة ~~المالية قد زادت إلى نحو الضعفين، # 60 # ولكن هذه المسألة بمفردها تعتبر مبهمة أو مضللة على التحقيق؛ لأنها تتجاهل ~~كثيرا من الضرائب الإضافية وبعضها معترف به، والآخر غير معلوم مما كان يحصله الموظفون ~~وهو ما لم يكتف البابا بمنعه، بل حظره حظرا تاما، وكذلك لا ينبغي هنا أن يأخذ الإنسان ~~جديا ملاحظة من نفور الفلاحين الشديد من دفع ما استحق عليهم من الضرائب؛ فلقد علمتهم ~~التجارب القاسية في خلال قرون عديدة كما علمت الفلاحين الهنود من قبل أن المبادرة بدفع ~~الضرائب أمر غير محمود العاقبة؛ إذ كثيرا ما كانت تلك المبادرة تئول إلى اعتقاد بوجود ~~المال بكثرة؛ ومن ثم أدت إلى المطالبة بالمزيد. وليس من شك في أن عهد الحكم الضعيف ~~الذي سبق عهد محمد علي قد ساعد على رسوخ هذه العقيدة في النفوس، كما حدث في عهد حكومة شركة ~~الهند الشرقية سواء بسواء، وها هم الكتاب الفرنسيون الذين كانوا يراقبون حالة مصر في عهد ~~نابليون يشهدون بما كان يتكبده المماليك من الصعوبات الشديدة في سبيل جمع الضرائب؛ ~~فالفلاحون كما قال هؤلاء الكتاب: ms202 «لا يدفعون ما عليهم من المال إلا في آخر لحظة، وحتى ~~بعد ذلك فإنهم يدفعون بالتي واللتيا ومليما مليما، بينما تراهم يخبئون أموالهم ويخفون ~~أمتعتهم ومنقولاتهم ... فإذا ما أحسوا باقتراب الجنود منهم أطلقوا سيقانهم للريح تصحبهم ~~نساؤهم وأولادهم ومواشيهم تاركين وراءهم عششهم خاوية على عروشها، وأما إذا أنسوا من ~~أنفسهم قدرة على المقاومة، فإنهم لا يحجمون عن القتال بعد أن يستفزوا لمساعدتهم القرى ~~المجاورة، بل ورجال البدو أنفسهم.» ولهذا كنت ترى المماليك ملزمين باستبقاء الجنود في كل ~~مديرية من المديريات المصرية، ولا عمل لهؤلاء الجنود إلا محاولة إرغام القرى على دفع المال، ~~وهي مهمة كثيرا ما كان الحظ يخونهم في أدائها، تلك كانت الحالة في عهد المماليك، ولكن ~~محمد علي كان أعز سلطانا وأقوى نفوذا من هذا. ويلوح أن المقاومة العلنية لأداء المال ~~كانت معدومة بتاتا، ولكن المقاومة السلبية كانت ما تزال متواصلة؛ فإن الفلاح كان على ما ~~يظهر يحسب أن الشرف منتهى الشرف ألا يؤدي حصته من المال إلا بعد أن تنهال السياط على ~~جوانبه، بل إن البطولة التي كانت تستحق التمجيد والاحترام في نظرهم هي التي كانت تدفع أحدهم ~~إلى الاستماتة إلى النهاية في مقاومة دفع المال. # ولم تكن هذه الحالة الوحيدة التي يمكن المقارنة فيها بين الفلاح المصري والفلاح الهندي؛ ~~فإن الحكومات التي أرادت العناية الإلهية أن تقوم للإشراف عليهما كانت بمقتضى العادات ~~القديمة تعتبر أن الفلاحين لم يخلقوا إلا للقيام بمهمة واحدة في حياتهم، ألا وهي حرث ~~الأرض فقط؛ فواجب الزارع هو الزراعة، فإذا ما قصر في أداء ذلك الواجب فعلى الحاكم أن ~~يعاقبه عقابا صارما. وقد ذكر أحد الكتاب أخيرا مشيرا إلى النظام الزراعي في الهند ~~الإسلامية والهندوسية، فقال: «إنه نظام عبارة عن مجموعة واجبات لا حقوق.» # 61 # ويلوح أن محمد علي وشركة الهند وترتا هذه العقيدة الأخيرة بدون أي محاولة لتغييرها، وكان ~~الباشا بطبيعة الحال أشد من موظفي شركة الهند تشبثا بهذه العقيدة. ومن ثم كنت تراه لا يميل ~~بحال ما إلى رؤية الأراضي ms203 مهملة بلا حرث، وكان إذا علم مثلا أن الأراضي الممنوحة إلى مشايخ ~~القرى في مقابل خدماتهم للدولة ظلت بلا ري تعلوها الأعشاب الضارة أمر بأن يضرب هؤلاء ~~المشايخ بالسياط في جانب حقولهم ليكونوا عظة لغيرهم، # 62 # وكان من رأيه أن الفلاح لا بد أن يبقى تحت المراقبة فذلك أكفل لمصلحته. # وكان الباشا معروفا بحرصه على التدقيق في أسباب الشكاوى وسعيه لإزالتها، وهذا ما دفع ~~القنصل صولت لأن يقول: «إن الفلاحين كانوا على الجملة في عهده يعاملون معاملة أحسن وهم أسعد ~~حالا مما كانوا منذ سنين طويلة ...» # 63 # وليس يخفى أن شهادة صولت لها قيمتها الخاصة؛ لأن سياحاته العديدة وكثرة تجوله ~~في مختلف أنحاء القطر باحثا عن العادات جعلته يحتك مباشرة بمختلف طبقات الفلاحين في ~~مصر. # وكان كثيرون ممن شهدوا حالة مصر على رأي الباشا في وجوب المراقبة، وإليك ما قرره ~~بيربرن في هذا الصدد؛ إذ قال: «بناء على تجربتي للأخلاق العربية كما نشاهدها اليوم لا يسعني ~~إلا أن أسلم بأن هناك شيئا من الحقيقة في الفكرة القائلة بأن الفلاح المصري لو ترك ~~لنفسه ليفعل ما يشاء لقصر نفسه على الحاجيات المؤقتة التي يشتهيها، ولظل أمدا طويلا لا ~~يلتفت إلا إلى زراعة المحاصيل التي لا تقتضي زراعتها الكثير من الجهود والمال.» # 64 # وعلى كل حال، فإن أحوال الفلاحين تدهورت كثيرا بعد ذلك بزمن غير بعيد، ولعل ذلك لا يرجع ~~سببه إلى فداحة الضرائب التي كانت تنوء بها الأراضي بقدر ما كان يرجع إلى نظام القرعة ~~العسكرية الذي سأتناوله بالبحث فيما بعد ذلك؛ النظام الذي أثر أيما تأثير في قوة إنتاج ~~القرى، في حين أن المطالبة بمال الحكومة بقيت على نسبتها الأولى دون مراعاة الأحوال ~~الجديدة. # ونسمع ابتداء من سنة 1829م بسلسلة شكاوى من الفلاحين الذين هجروا قراهم، وعن صدور الأوامر ~~الضارة لا ضد هؤلاء الفلاحين الذين يغادرون قراهم فحسب، بل وكذلك ضد كل من يوجد في كنفه من ~~أبناء القرى الأخرى، # 65 # وقد عزا محمد علي ترك الفلاحين لقراهم إلى سببين ms204 رئيسيين الأول سوء معاملة ~~الموظفين المحليين للفلاحين، والثاني الجهل. وبهذه المناسبة قال محمد علي: «ليس هناك إلا ~~سيدان ألا وهما: السلطان محمود، والفلاح ... إذن فلا ينبغي أن ينظر للفلاح بالعين السيئة.» # 66 # وقال في مناسبة أخرى: «لا ينبغي حبس الفلاحين لإهمالهم الزراعة؛ لأن أول واجب ~~على الحكومة هو أن تكفل رخاء الشعب ورفاهيته.» # 67 # ولقد خول للفلاحين أن يرفعوا شكاياتهم إلى المديرين إن أساء إليهم صغار ~~الموظفين المحليين، لا بل وأن يرفعوا تلك الشكاوى إلى الباشا رأسا إن لم ينصفهم المديرون. # 68 # وكان يصحب هذا القلق المتزايد بين كافة طبقات الشعب تكدس الإيرادات المتأخرة، وقد أصدر ~~الباشا إلى المديرين في سنة 1833م إنذارا حذرهم فيه بأنهم يكونوا مسئولين أمامه شخصيا إن ~~لم يعملوا على أن يسدد الأهالي مال الحكومة. # 69 # وفي سنة 1835م قام الباشا بزيارة الأقاليم بنفسه لبحث هذه المسألة بدقته المعروفة، # 70 # وهناك رأي أن الحالة تحتم عليه أن يجري تخفيضا كبيرا في هذه الأموال. # 71 # وأخيرا التجأ الباشا إلى الطريقة المريبة، وهي حمل كبار ضباطه على أن يأخذوا لحسابهم ~~القرى الغارقة في الدين في مقابل دفع الأموال المتأخرة بالتقسيط مع دفع الضرائب الحاضرة في ~~مواعيدها في الوقت نفسه، ولما أظهر الضباط تذمرهم من هذا التصرف لم يسع الباشا إلا أن ~~يصارحهم بأنهم أثروا في مدة حكمه فلن يمكنهم الآن من التخلي عنه. # 72 # وعلى العموم كانت إدارة الإيرادات عرضة لما أصاب شركة الهند الشرقية في أوائل عهدها في ~~الهند من ضروب النقص والخلل؛ فلقد كانت تفرض ضرائب فادحة لا يسع الزراع أن يؤدوها ~~في عام واحد من الأعوام العادية يضاف إلى هذا أن المرءوسين المكلفين بجمع الضرائب كانوا ~~على جانب عظيم من الإهمال وحب الرشوة، هذا فضلا عن أن الضرائب المذكورة لم تكن متساوية في ~~كافة القرى؛ مما كانت نتيجته أن بعضها كان يقدر على الدفع، في حين أن بعض القرى الأخرى ~~ناء كاهلها بها. # ومع أن نظام إيرادات الأراضي كانت له أهميته الأولى بالنسبة للبلاد عامة؛ ms205 فإن أحدا من ~~الدول الأجنبية لم يكترث له بتاتا. # وبالعكس كان لسياسة محمد علي التجارية مساس بشئون البلاد في الداخل والخارج، وهذا ساعد ~~على اهتمام الدول بأمرها أكبر اهتمام. # ولم يكن يخطر لأحد أن تكون للامتيازات التركية حرمة في مصر في عهد المماليك؛ لأن الحياة ~~كانت رخيصة ومعرضة للخطر، والتجارة غير منظمة ومضطربة، وبيكوات المماليك في حياة تمرد ~~وعصيان، والتجارة الأوروبية في مصر تافهة؛ بحيث لم تر إنجلترا وفرنسا سببا كافيا ~~يدفعهما إلى محاولة التمسك بحقوقهما النظرية. # وقد ظلت هذه الحالة سائدة أمدا طويلا حتى بعد أن استلم الباشا أعنة الحكم في مصر، ~~ولم يفكر أحد سنوات عديدة في أن يرفع عقيرته بالشكوى الرسمية من القواعد الموضوعة لتنظيم ~~الشئون التجارية مهما بلغت الشكوى في الخفاء. # مع أن المتاعب الجديدة لم تبدأ إلا في خلال العقد الثالث من القرن الغابر، وقد وجه وقتذاك ~~كامبل حملة من اللوم والنقد ضد من سبقه من القناصل لما أظهروه من عدم الاكتراث وروح ~~الإهمال؛ فإن «الكثيرين منهم كان لهم ضلع في الأعمال التجارية أو مدينين لمحمد علي شخصيا، ~~وهذا ما جعلهم يخشونه في التمسك بما لمواطنيهم من حقوق عادلة.» أما القنصل موليه فقد كتب ~~إلى ديلسبس بعد ذلك بعامين خطابا يأسف فيه على ما أظهره الممثلون السابقون من شدة التسامح؛ ~~مما أدى إلى تقييد الأمور وجعل الشكوى متعذرة. # 73 # ولقد كانت سياسة الباشا التجارية مدفوعة في منشأها وفي مراحلها الأولى بحاجته إلى العثور ~~على المال، وبما في الاحتكار من مزايا ظاهرة كثيرا ما خلبت أنظار الحكام الشرقيين بعدما ~~خلبت أنظار التجار في الغرب، وكثيرا ما رفع صولت عقيرته بالشكوى في سنة 1820م، ثم في ~~سنة 1827م من المساوئ التجارية الناشئة عن مركز محمد علي بصفته التاجر الرئيسي في البلاد ~~التي يحكمها؛ # 74 # فإنه لم يكتف بإرغام الفلاح على الزراعة، بل كثيرا ما حدد نوع المحاصيل ~~التي ينبغي زراعتها في بعض الجهات وأمر بتسليم المحاصيل إلى شون الحكومة في مقابل سعر معين، ~~وبديهي أن مساوئ ذلك ms206 النظام أظهر من أن تحتاج إلى بيان، ولكن كان للمسألة وجه آخر؛ ذلك أن ~~موارد البلاد كان يجري استغلالها بشكل لا عهد لها به من قبل. وبهذه المناسبة كتب صولت يقول: ~~«ولا ينبغي أن يفوتنا أن الباشا إلى حد معين قد أنشأ كافة مواد الإنتاج الطيبة التي أصبحت ~~الآن أهم مواد التصدير كالقطن والنيلة والسكر، وباستعمال الحكمة في تخصيص مبالغ كثيرة ~~لإصلاح كثير من نواحي الصناعة، وهي تلك النواحي التي كان الفلاحون لا يجدون الوسائل الكافية ~~ولا الرغبة اللازمة لإصلاحها.» # 75 # وأدخلت كذلك زراعة الخشخاش فيما بعد في كثير من نواحي الصعيد، كما غرست أشجار التوت ~~وأنشئت المصانع لتكرير السكر وتقطير الروم. # وأنشئت في رشيد مدبغة لسد حاجة الجيش من الأحزمة والأحذية والسروج، # 76 # وقد أسست المصانع لحياكة الأقمشة القطنية، ولقد كان الباشا بأعماله هذه على ~~كل حال يحقق المثل الاشتراكي الأعلى في ناحية من النواحي. # ولقد قامت معظم مظاهر النشاط هذه على أساس فكرة سقيمة مختلة؛ ولذلك سرعان ما دب دبيب ~~الفشل في المصانع الدقيقة فأهملت آلاتها وتركت أجزاؤها المتحركة في حاجة إلى الزيت، هذا ~~بينما كانت الإدارة جاهلة مهملة، وكانت النيران هي مصدر القوة المحركة، مع أنه كان من ~~الطبيعي تسخير بحري ومساقطه لهذه الغاية، وأظهر الفلاحون كراهيتهم لما لم يألفوه من نظام ~~ساعات العمل، ومن ثم لم يكن ندحة عن جمعهم بالقوة كما كان يجمع أنفار القرعة العسكرية، ~~وقد لاحظ بورنج «أن الباشا كان يسحب من الحقول الأيدي العاملة، حيث كانت تعمل لإخراج الثروة ~~لاستخدامها في المصانع ... حيث تبدو تلك الثروة بلا حساب.» # 77 # ويقال إن الباشا أنفق ما لا يقل عن اثني عشر مليونا من الجنيهات على هذه المصانع وعلى ~~الآلات التي جهزت بها، وقد ذهبت كل هذه الأموال سدى. ومع أن هذه الجهود قد بذلت في ~~غير طائل فإنها تستحق الذكر المقرون بالاحترام؛ لأنها دليل على تحول في فهم الباشا ~~لواجباته، فلقد بدأ حكمه بالسعي لإيجاد المال ولم يلبث أن اختتمه بالسعي - مهما كان خاطئا ms207 ~~- بتحسين البلاد وتمدينها. # ولعله كان مسوقا في هذا العمل بمغالاته في تقليد الغرب، ولكنه ما لبث أن أصبح أنبل ~~وأشرف خلقا من هذا المخاطر الشره الذي لا غاية له إلا تعزيز مركزه وجمع المال ~~والثروة، بل إن ما فرضه محمد علي على نفسه من ضروب الاحتكار لم يخل من جانبه الطيب، ~~فإذا قيل إنه ضايق الفلاحين فلا جدال في أن مضايقته لهم كانت أهون بكثير مما كانت مضايقة ~~التجار الأجانب التي تكون لهم فيما لو ترك لهم محمد علي الحبل على الغارب ولكان عبء القروض ~~التجارية أفدح بكثير من المبالغ المتأخرة في جدول إيرادات الباشا، وهذه حقيقة كان محمد علي ~~يؤمن بها. # 78 # وبديهي أن اتباع تلك السياسة كان يثير غضب الحكومة البريطانية ويستفزها؛ لأن مصر ~~بصفتها جزءا من الإمبراطورية العثمانية كان يتعين أن تكون خاضعة لنظام الامتيازات ~~التركية وهي - كما يفهمها التجار الإنجليز - تتضمن الحق في إطلاق حرية التجارة. # فلقد نصت المادة الثالثة والخمسون على أن للتجار مطلق الحرية في أن يبيعوا أو يبتاعوا ~~أو يصدروا مختلف السلع التجارية دون أن يكون لأحد ما الحق في منعهم أو التعدي عليهم، ~~ولكن يوجد أولا ما يقيد هذا الحق الظاهر في إطلاق حرية التجارة؛ فإن هناك عبارة غامضة ~~غموضا يبعث على الريب، وهي تقضي باستثناء «السلع الممنوعة» من الأحكام السابقة. وقد لاحظ ~~صولت بحق أن هذه العبارة تترك تقريبا كل شيء خاضعا لثروات حكام الأقاليم ومديري البوليس؛ ~~فقد يستغلون تلك العبارة فيضيفون إلى قائمة السلع الممنوعة أي سلعة أخرى يختارونها. وهو رأي ~~وضعه ستراتفورد كاننج في تزييل لاحق بأنه رأي حكيم وقائم على أساس ثابت. # 79 # ومن هنا بدأت المفاوضات التي قام بها بالمرستون بواسطة بونسيني لمراجعة قواعد التجارة ~~الإنجليزية في داخل بلاد الإمبراطورية العثمانية، وهي المفاوضات التي أدت إلى الاتفاقية ~~التجارية التي أمضيت في سنة 1838م، وقد نصت هذه الاتفاقية بصراحة على إلغاء نظام ~~الاحتكار، وهو ما أصر بالمرستون على تطبيقه في مصر مدافعا عن رأيه بقوله: «ولعله ~~يتبين لكل ms208 إنسان له إلمام بالمبادئ التي تقوم عليها أسس رخاء الأمم ويسرها ... أن النظام ~~الذي يتبعه الباشا الخاص بالاحتكار ... سوف يؤدي حتما إلى جعل مصر وسوريا في حالة فقر مدقع.» # 80 # وما كاد يتم توقيع الاتفاقية حتى طلب بونسيني إلى القناصل في سوريا أن يوافوه بقائمة ما ~~احتكرته حكومة الباشا من الامتيازات، فأبلغه قنصلا حلب ودمشق بأنه لا توجد لتلك الامتيازات ~~قائمة، أما قنصل بيروت فقد بعث بقائمة طويلة دلت عند الفحص على أن الرجل يخلط بين ~~الامتيازات وبين إيراد الضرائب. # 81 # أما في مصر، فقد كانت الحالة أوضح مما كانت في سوريا. نعم كان الباشا محتكرا لبعض ~~الامتيازات، ولكن الأمر لم ينظر فيه جديا إلا بعد تسوية أزمة سنة 1940م؛ وذلك للسبب ~~الرئيسي الخاص بتأخير إبلاغ الفرمانات اللازمة الواردة من الآستانة. وقد ظهر وقتئذ مبلغ ~~الصعوبة في مصر مدى هذه الامتيازات؛ لأن المقادير الهائلة من محصول القطن أو السكر أو غير ~~ذلك من النتاج الذي كان تحت إشراف الباشا كانت هذه المقادير تسلم إليه؛ إما لأنه صاحب ~~جفلك أو كأنها جزء من إيراد أطيان الدولة. # وقد ظل بالمرستون يبعث برسائل # 82 # غاضبة تنطوي على التهديد والوعيد، ولكن آراء رجال التجارة في كل من الإسكندرية ~~والقاهرة كانت قلقة ومتذمرة من جراء سياسته السالفة التي ربما لم تكن تعلم تماما ما هي ~~«المبادئ التي تنظم ثروة الأمم»؛ ولذا فإن التجار المذكورين لا يسعهم مساعدة القنصل برفع ~~الشكاوى إليه. # 83 # وكان يوجد إلى جانب ذلك سبب آخر جعلهم ينظرون إلى الاتفاق التجاري بعين السخط ويتقززون من ~~تطبيقه على مصر؛ لأن الاتفاق من حيث علاقته بمصر قد أعد لا لنفع التجارة الإنجليزية، بل ~~لنقص إيرادات الباشا بتجريده من امتيازاته العديدة. ومهما كان الاتفاق مفيدا ونافعا في ~~الآستانة، أو في أزمير، أو في ما عدا ذلك من المواني الخاضعة لحكم السلطان؛ فإنه كان على ~~العكس من ذلك في مصر لأن المصدر الإنجليزي كان مطالبا بمقتضى الاتفاق المذكور بأن يدفع ~~12٪ بدلا من 3٪، كما أن المحاصيل في ms209 سوريا إذا صدرها التجار الإنجليز جميعا فإنها تأتي ~~بثمرة قدرها 2٪ بدلا من 12٪، أما التجار الأجانب فإنهم طبعا يظلون يدفعون على حساب ~~الأسعار القديمة؛ ولهذا كان يوجد مبرر قوي لسخط التجار على سياسة بالمرستون. # 84 # وليت البلوى وقفت عند هذا الحد؛ فإن الاتفاق عين الأسعار وحددها ولم يتركها تتراوح ~~على حسب تقلبات السوق؛ ولهذا تبين عندما بدأ العمل بهذه الأسعار في سنة 1841م أنها 22٪ ~~على حسب قيمة القطن وبين 20-25٪ على حسب سعر الصوف وأكثر بكثير من 2٪ على حسب سعر الحبوب، ~~أما الضريبة على الواردات التي أريد بها ألا تزيد عن 5 في المائة فقد بلغت فعلا 9 في ~~المائة، وكانت نتيجة ذلك كله أن الباشا وافق في النهاية أن يفرض ضريبة قدرها 12 في المائة ~~على حسب سعر الصادرات و5 في المائة على حسب سعر الواردات تدفع بالعملة المصرية، # 85 # أما فيما يختص بما احتكره من الامتيازات، فقد وجد الباشا بأن يبيع حاصلاته في ~~المستقبل بالمزاد العام. # 86 # ويتعذر على المرء ألا يعرض لهذه الأخطاء وما صحبها من المفاوضات الدالة على الغباء ~~دون أن يحس بحرج للعزة القومية. # ولقد كان في طليعة الأمور التي دعمت مركز الباشا أن تتجمع كافة القوى القادرة على ~~مناهضة قوات مولاه السلطان ومقاومتها؛ فسعيه إذن لإنشاء جيش كبير كما تسمح بذلك موارده كان ~~أمرا طبيعيا ومعقولا، أما كونه يسعى لإنشاء أسطول؛ فدليل على نشاط عقله وعلى الهدف الذي ~~يرمي إلى تحقيقه؛ فلقد كان إنشاء ذلك الأسطول عاملا رئيسيا في مشاريع محمد علي فيما لو ~~اتجهت آماله يوما ما إلى السيطرة على شئون الإمبراطورية العثمانية، ولكن كان لا بد لإنشاء ~~ذلك الأسطول من الابتداء بأول حجر في الأساس، وذلك في بلاد بلا تقاليد بحرية بتاتا وتحت ~~إشراف حاكم لا يدري شيئا من المسائل الفنية الخاصة بالأساطيل. على أن الباشا قد بدأ إنشاء ~~الأسطول بالتوصية في الخارج على بناء السفن، كما فعل في بمباي وليجهورن ومرسيليا، ثم ما لبث ~~أن طلب إلى الحكومتين الإنجليزية والفرنسية في سنة ms210 1821م أن تبنيا له عددا من ~~الفرقاطات. # ثم لم يمض على ذلك زمن طويل حتى أنشأ حوضا كبيرا في الإسكندرية، ومن ثم بدأ يبني السفن ~~لحسابه مستعينا بخدمات بنائي السفن الفرنسيين للإشراف على سير العمل، وفي سنة 1828م بدأ ~~الباشا بإنشاء ترسانة بحرية لتزويد القوات البحرية بما تحتاجه من المهمات والعتاد. ولم يلبث ~~أن شرع في إنشاء أسطول يحل محل الأسطول الذي دمر في موقعة نافارين، وكان على يقين بأن ~~سفنه سوف تكون أحدث عهدا وأحكم رعاية؛ مما عسى أن ينشئه السلطان من السفن، وبدلا من أن ~~يكتفي بالفرقاطات وجه عنايته إلى إنشاء بوارج كبيرة تحمل كل منها مائة مدفع أو أكثر. # 87 # وفي سنة 1829م جاء الباشا بالقومندان البحري «سيريسي» من الأحواض الملكية في طولون وعهد ~~إليه الإشراف على أحواض الإسكندرية. # وفي سنة 1831م أنزلت أول بارجة إلى البحر تحمل مائة مدفع وقد سميت باسمه، # 88 # وفي سنة 1833م كان لدى الباشا ست بوارج يتراوح ما تحمله من المدافع بين 84 و110 ~~مدفع هذا إلى جانب سبع فرقاطات. # ولم يحل عام 1837م حتى بلغ ما لديه من النوع الأول ثمانية يضاف إليها بارجة تاسعة كان ~~العمل ما يزال جاريا فيها، # 89 # أما الترسانة فقد بلغ عدد العمال فيها 3000 تحت إشراف 60 موظفا أجنبيا، ولحق ~~بهذه الترسانة المدرسة البحرية الكائنة برأس التين، وقد بلغ مجموع تلاميذها 1200 ~~طالب. # وواصل الباشا هذه التحسينات تحت إشرافه الشخصي يدفعه الحماس الشديد الذي حمله أن يسوق ~~رعاياه إلى معاونته في العمل بالرغم منهم، وكان يلذ له أحيانا أن يتجول على ظهر إحدى ~~سفنه في المياه المحيطة بالإسكندرية. # وقد مر بك ما قلناه عن محاولته مطاردة الأسطول اليوناني بإحدى البوارج المصرية، وقد ~~وضع الباشا قانونا للأسطول مستمدا من القواعد المعمول بها في الأسطولين البريطاني ~~والفرنسي، وراعى في هذا القانون التمشي مع القانون التركي، # 90 # ولكن الباشا بينما كان في وسعه بمحض همته ونشاطه أن يجد حاجته من السفن الجيدة ~~الصنع؛ فإنه لم يستطع الحصول ms211 على الملاحين في بلاد لم يكن لها أسطول تجاري من قبل. وبهذه ~~المناسبة كتب قنصلنا الجنرال في سنة 1832م، فقال: «إن هناك حركة متسعة النطاق ليس للحصول ~~على رجال تعودوا عبور البحار، بل للحصول على الأفراد بدون تمييز أو تثبت من صلاحيتهم ~~للعمل الذي يناط بهم. وقد جمعت الحكومة في الإسكندرية في خلال ثمان وأربعين ساعة ما لا ~~يقل عن 1000 شخص لتكملة العدد المطلوب.» # 91 # وقد كان في الإمكان عمل شيء نافع حتى لطائفة من الملاحين من هذا القبيل لو ~~أضيف إليه عدد معين من الملاحين الحقيقيين تحت إرشاد ضباط بحريين ماهرين ومدربين، ولكن ~~هؤلاء الملاحين الخام الذين جمعهم الباشا، كما لاحظ قنصلنا الجنرال العام السالف الذكر «لم ~~يكن يوجد بينهم لا ضباط مدربون وطنيون ولا حتى البحارة العاديون.» # 92 # وقد علل الباشا نفسه في سنة1831م بأن يسد هذا النقص باستخدام الضباط والملاحين ~~الإنجليز، وعهد إلى الكولونيل لايث ابن حاكم بنيانج على ما أظن أن يختارهم له. وكان محمد ~~علي في حاجة إلى اثنين من درجة قنطان واثنين من درجة كوموندور وإلى عدد من الضباط ونحو 40 ~~أو 50 صف ضابط عدا من يلحق بهم من الملاحين القادرين، # 93 # ولكن المسألة ظلت معلقة ردحا من الزمن؛ لأن الحكومة البريطانية لم توافق إلا ~~في سنة 1834م فقط على السماح للضباط البحريين المتقاعدين في الاستيداع بالخدمة في أسطول مصر، # 94 # وكان الباشا وقتذاك قد تمكن من استخدام بعض الضباط الفرنسيين، وكان الفيس ~~أميرال هوبيسون بك يعاونه بوظيفة رير أميرال حسن بك، وهو ضابط تركي تلقى علومه في جامعات ~~أوروبا. # ولكيما يظهر الباشا مبلغ اهتمامه بالأسطول الذي وضعه تحت رعايته الشخصية قرر أن ينشأ ~~أحد أنجاله، وهو سعيد بك، نشأة بحرية. وتنفيذا لهذا القرار التحق الأمير الشاب، وهو في سن ~~الثالثة عشرة بإحدى السفن بدرجة صف ضابط اسميا فقط ووقع الاختيار على ضابط فرنسي خبير ~~لتدريبه على الشئون الفنية، وبعد مرور خمس سنوات تولى الأمير قيادة إحدى الحراقات، ولكن ~~الأمير كان مصدر ms212 متاعب لأبيه؛ نظرا لما بدا عليه من علامات الكسل والإفراط في السمن قبل ~~الأوان، وكان الأمير يوزن من حين إلى آخر، وكلما بدا عليه ميل إلى زيادة السمن أرسل إليه ~~والده خطابا يشدد عليه فيه بالتمييز بين «الغث والسمين »، وبتنمية صفات الرجولة وبتخليص ~~جسمه من آثار الترهل البغيض في عيون الناس جميعا. # 95 # أما أسطول الباشا، فكان شأنه كشأن مصانعه سواء بسواء، أي إنه كان ينقصه الأساس المتين، ~~بمعنى أنه لم يكن في الاستطاعة الاحتفاظ به في حالة الاستعداد إلا إذا سهر منشئه على ~~مراقبته ورعايته بنفسه؛ لأن الأسطول لم يرق في أعين طبقة من طبقات الشعب، ولم يكن له ~~ماض طبيعي أو تقاليد مرعية قديمة، بل كان أبغض إلى الشعب من الجيش، وقد وقف هذا الأسطول ~~مكتوف اليدين في مياه الإسكندرية طيلة فترة الحرب السورية القصيرة الأجل، وقد حرمه القبطان ~~باشا من فرصة أداء المهمة التي لم ينشأ الأسطول إلا لأدائها. # وما كان الباشا ينتقل إلى عالم الخلود حتى بيعت السفن الصالحة الباقية إلى الباب ~~العالي، وكان ذلك دليلا على فشل التجربة التي حاولها الباشا في إنشاء الأسطول. # أما نشاط الباشا وما بذله من الجهود في إنشاء الجيش وتوسيع نطاق أعماله؛ فقد كان أدنى إلى ~~التوفيق من جهوده البحرية، ولقد سبق لي أن بينت أن محمد علي بعد أن كان جيشه في بداية ~~الأمر عبارة عن خليط من فرق أجنبية من الجنود المأجورين قد تحول تدريجيا إلى جيش عظيم ~~يتبع الجيوش الأوروبية من حيث النظام والاستعداد، وقد تم إنشاؤه على النمط الأوروبي، كما ~~أنه تكون بإدخال نظام القرعة العسكرية في البلاد. # فلم يحل عام 1832م حتى كان الباشا قد تمكن من جمع قوة نظامية كبيرة وكان جيشه وقتذاك ~~مركبا من 20 أورطة من المشاة و10 أورط من السواري، هذا عدا شرذمة صغيرة من الجنود الأتراك ~~غير النظاميين تصحبها قوة أكبر من البدو غير النظاميين أيضا، وقد بلغ مجموع هذه القوة 38 ~~ألف جندي. # وبعد مرور ثلاثة أعوام ازداد عدد ms213 هؤلاء الجنود فبلغ في سوريا وحدها 59 ألفا؛ أي إن معدل ~~الزيادة بلغ 50٪ # 96 # ويغلب على الظن أن مجموع ما كان لدى الباشا تحت السلاح بلغ 100 ألف جندي، وكانت ~~هذه الجنود مجهزة في بداية الأمر ببنادق استوردها الباشا من فرنسا وإنجلترا، ولكن لما كانت ~~البنادق المذكورة من نوع رديء فقد أنشأ مصنعا خاصا لصنع البنادق في مصر، وقد حصل الباشا ~~من لندن على 2000 عينة من أمتن وأحدث البنادق، وجرى تدريب الجنود وتمرينهم أولا تحت إشراف ~~ومراقبة ضباط فرنسيين وغيرهم من ضباط القارة الأوروبية مثل الكولونيل سيف، أما الضباط الذين ~~فتحت لهم مدارس خاصة في الجيزة وغيرها من الجهات فكانوا من أسر تركية أو أسر أجنبية، # 97 # وكان أكثرهم من موالي الباشا، وقد وقع عليهم اختياره نظرا لما لاحظه فيهم من ~~حسن الاستعداد للخدمة العسكرية، أما الجنود (الأنفار) فكانوا جميعا من الأسر المصرية ~~وبينهم بعض السوريين طالما كانت سوريا تحت حكم محمد علي. # ويقول البعض إن ما التجأ إليه الباشا من الوسائل لجمع الأنفار للخدمة العسكرية يعتبر من ~~أسوأ ما ارتكبته إدارته من الأغلاط؛ فلقد أراد الباشا إحصاء عدد السكان، ولكنه اضطر إلى ~~العدول عن ذلك الرأي بسبب المعارضة العامة التي اشترك فيها بعض الموظفين التابعين للباشا، # 98 # فلم يكن له ندحة من الالتجاء إلى مديري الأقاليم ليقوم كل بتوريد عدد معين من ~~الأنفار، وقد قسم هذا العدد طبعا بين القرى والدساكر المختلفة. # ومن ثم راح مشايخ القرى يضعون أيديهم على أكثر عدد من الرجال تاركين أولئك الذين ~~يقدمون لهم أكبر رشوة لإطلاق سراحهم وإعفائهم، أما من قعد عن دفع الإتاوة فقد أرسلهم ~~المشايخ كل اثنين مصفدين في الأغلال كأنهم مجرمون، # 99 # ولما كان الباشا في أوج عزه كان عدد من يطلبهم للخدمة العسكرية واحدا من كل ~~ستة أشخاص؛ أي بمعدل 17٪ تقريبا. # ولم يكن بين مصالح الحكومة ما يخشاه الأهالي ويكرهونه كالخدمة العسكرية، وقد يدخل في باب ~~المبالغات ما كان يرويه معشر السياح عن وجود كثيرين من الأهالي كانوا ms214 يفرون من الخدمة ~~العسكرية بقطع سبابة اليد اليمنى، # 100 # وقد ذكر كامبل أن السائحين ربما يكونون قد علموا خطأ بأن بعض الأهالي كان ~~يتعمد للفرار من العسكرية قطع أحد الأصابع وخلع الأسنان وعمى العينين. # 101 # نعم؛ قد يكون هذا من قبيل المبالغات، ولكن هذه الروايات قد قامت الأدلة على صحتها، ولم ~~يعد ثمة مجال للشك فيها كما تشهد مكاتبات الباشا نفسه بذلك؛ فقد كتب يقول: «ليس من يضعون ~~سم الفأر في أعينهم سوى حيوانات في صورة آدميين، وينبغي الحكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة.» # 102 # وإذا ظهرت إدانة قرينة الحلاق التي ساعدتهم على وضع ذلك السم في أعينهم فلا بد ~~من إعدامها وترك جثتها في العراء مدة ثلاثة أيام، # 103 # واتهمت امرأة بتهمة من هذا القبيل فألقيت في النيل حية. # 104 # وقد أصدر الباشا تحذيرا للائقين للاقتراع العسكري بأن من يتعمد تشويه عضو من أعضائه ~~فلن يكون جزاؤه السجن والأشغال الشاقة المؤبدة فقط، بل لا بد أن يؤخذ مكانه عضو آخر من ~~أعضاء أسرته. # 105 # وقد حذر الباشا الموظفين بأن استمرار هذا التشويه دليل على تراخيهم في مراقبة الأنفار، ~~وأنه إذا استمر هذا العمل فلسوف يجازون بنفس العقوبة التي يعاقب بها الأنفار سواء بسواء، # 106 # ولما تبين أن الأشغال الشاقة لم تكن رادعة لجأ الباشا إلى عقوبة الإعدام. # 107 # فهذه الأعمال كانت كلها ملموسة، بحيث إنها تبرر امتعاض بالمرستون من حكم الباشا ~~وتقوي الضرورات السياسية بالاعتبارات الإنسانية. # كما أنه لا يمكن عدلا أن يلقي اللوم كله على عاتق السلطان بسبب عناده وعدائه للباشا؛ ~~فإن الاقتراع للعسكرية كان يمكن أن يراعى فيه جانب العدل فيما لو خفف الموظفون من وطأة ~~جشعهم وميلهم إلى الاضطهاد والظلم، ولا ندحة عن القول هنا بأن الباشا فيما يتعلق بهذه ~~المسألة قد ورطته أحلامه السياسية إلى اتباع سياسة تذكر الإنسان بأنه حاكم تركي أولا ~~ثم هو بعد ذلك مستبد عادل، ولكنا إذا تركنا جانبا قوة ما لجأ إليه من الوسائل، فلا يمكن ~~القول بأن المقصود والغاية من ms215 تجييش الجيوش كانت كلها سيئة؛ إذ لم يكن من سبيل آخر لإنهاض ~~عزيمة رجال ظلوا يرسفون في قيود العبودية قبل إنشاء الهرم الأول، ولم يخطر لأحد منذ الفتح ~~العربي أن يستخدمهم في أعمال القتال، بل لقد ظلوا قانعين طيلة تلك القرون بحرث الأراضي ~~والحقول وحمل الأثقال وتحمل الضرب وإطاعة الأمر والتناسل تاركين لأعقابهم هذا الميراث ~~المؤلم. وكذا بلغ هلعهم من أن يخطفهم مشايخ القرى ويسحبوهم للانخراط في سلك جيوش الباشا إلى ~~حد أنهم كانوا يستهينون بقطع أحد الأصابع وخلع الأسنان ورمد الأعين، ولكن امتناعهم عن ~~التشبه بالرجال لا يمكن أن يحمل الإنسان على توجيه اللوم للباشا؛ لأنه أكرههم على ذلك ~~التشبه. # ولم يقف الإصلاح عند هذا الحد، فلقد أجمعت كلمة من شهدوا الحالة في مصر على أن النظام ~~الجديد كان أقل عنتا للأهالي عن نظام الجنود الأجانب المأجورين، بمعنى أنهم لم يتركوا ~~وراءهم أي أثر من آثار التخريب، ولم يكن زحفهم بالبلاد مصحوبا بآثار التدمير؛ لأنهم لم ~~يجتازوا الأقاليم المصرية كما لو كانوا يخترقون بلاد العدو على نحو ما كان يفعله الجنود ~~الأجانب المأجورون. # وبالجملة لم يكن ما أوجده الباشا من التأسيسات العسكرية مجرد مظهر من مظاهر السلطة مضى في ~~تنفيذها بلا مبالاة لرغبات رعاياه. كلا؛ بل كانت - والحق يقال - وسيلة من وسائل التعليم ~~وضربا من ضروب الإصلاح الإداري. # ومع أن القضاء كان في حاجة ماسة إلى الإصلاح إلا أنه كثيرا ما عرض إلى مسائل لم يكن من ~~المستطاع مداراتها بالعنت العاجل. # بل كان أشد ما يكون ارتباطا بالشريعة الغراء، بحيث لم يستطع الباشا مساسه أو التعرض له ~~إلا بمنتهى الحذر. # ولقد كان المفتي هو المرجع الأعلى في كل ما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية كالزواج ~~والطلاق، وبالأخص مسألة الميراث. # وكان تعيين هذا المفتي سنويا بواسطة الباب العالي أحد بقايا مظاهر السيادة العثمانية ~~على مصر. ولما كان هذا الموظف الكبير يبتاع منصبه هذا من الباب العالي نفسه فلم يكن ينتظر ~~من المفتي أن يكون نزيها في تطبيق العدالة ولا حريصا في ms216 اختيار من يشغلون مناصب القضاء ~~تحت إشرافه؛ ولذا كان محمد علي شديد الارتياب في ذمة هؤلاء القضاة ونزاهتهم، وقد نصح إحدى ~~الأسر بعد أن دب دبيب الخلاف بين أعضائها بأن يعقدوا الصلح فيما بينهم وألا يلتجئوا إلى ~~القاضي خيفة أن يقعوا في براثنه فلن يقتصر الضرر على أحدهم فقط، بل سيلحقهم جميعا وتدور ~~عليهم الدائرة ويخرجون من التحكيم بصفة المغبون، بينما يفوز القاضي بنصيب الأسد. # على أن الباشا وإن لم يسعه التدخل مباشرة في دائرة أولئك القضاة إلا أنه بذل ما في ~~وسعه لتحديد نتائج أعمالهم؛ فلقد أنشأ في كل من الإسكندرية والقاهرة محكمة جديدة لا ~~تتقيد بقيود الشريعة الإسلامية، وقد جعل أعضاء هاتين المحكمتين من رجال التجارة بدلا من ~~رجال الدين وعهد إليهما بفض المشاكل التجارية، وبخاصة ما يجد منها بين المسلمين والمسيحيين. ~~على أن هذا الأمر الذي استلفت الأنظار في تكوين هاتين المحكمتين أن الأعضاء المسلمين فيهما ~~لم تكن لهم الأغلبية؛ فمثلا كانت محكمة الإسكندرية مركبة من تسعة أعضاء بينهم أربعة ~~مسلمون، والخامس فرنسي، والسادس يهودي، والسابع والثامن من المسيحيين السوريين، والتاسع من ~~الرعايا اليونانيين. # 108 # أما فيما يتعلق بأحكام الجنايات فكانت من اختصاص الهيئة التنفيذية عادة، ولم يدخر ~~الباشا وسعا منذ جلوسه على الأريكة المصرية لوقف أو تقليل كافة الجنايات المنطوية على ~~استعمال العنف. وقد علق ميسيت في سنة 1813م على هذه الحقيقة الباهرة بأن سكان القاهرة ~~صاروا لأول مرة منذ أجيال عديدة يتمتعون بنعم الطمأنينة على النفس والمال، # 109 # إن هذا الشعور بالطمأنينة لم يتوطد إلا بعد استعمال مختلف ضروب الشدة وإعدام ~~كثير من الأشرار، وكثيرا ما كانت بوابة زويلة مثلا - وهي التي كانت ينفذ في ساحتها ~~الشنق العلني تعلق على جدرانها جثث المشاغبين - وكانت أحكام الباشا عرفية لا نقض لها؛ ~~فكانت الأحكام مما لا يمكن التوفيق بينه وبين ما يجري في القارة الأوروبية. # مثال ذلك أنه لو اتهم شخص بالسرقة من مصنع البنادق فإنه يحكم عليه إذا كان شابا ~~بالأشغال الشاقة المؤبدة وهو مصفد بالأغلال، ms217 أما إذا كان شيخا فيصدر الحكم بإعدامه ~~ليكون عبرة لغيره. # 110 # ولكن ليس ثمة ما يدل على أن تطبيق الباشا لقانون الجنايات كان أشد صرامة مما كان متبعا ~~في إنجلترا لغاية ظهور الإصلاحات التي وضعها «بيل»، وهي التي خفت وطأتها على كل حال بمرور ~~الزمن. # وكثيرا ما كانت تستبدل بعقوبة الإعدام الشغل في الجبال، وهذا ما حمل «عشماوي» الحكومة ~~المصرية في القاهرة على أن يصرح لبورنج أن عمله غدا محدود أو ضئيل. # 111 # أما الرق والنخاسة فقد كانا من الأنظمة المتأصلة بحيث لم يكن في وسع محمد علي إلغاؤهما ~~مهما كانت رغبته في ذلك شديدة. # وكان عهد محمد علي بهما يرجع إلى زمن الصبا، بل زمن الطفولة، فقد كانا القاعدة المعمول ~~بها في الشرق من عهد بعيد، ولم يكن فيها ما تتقزز منه العواطف الأدبية في العقلية الشرقية. ~~لا بل إن ضمير الغرب وهو أكثر تأنفا من ضمير الشرق لم يضق ذرعا من مسألة الرقيق ويطلب ~~وقفها إلا منذ عهد قريب فقط وقبل ذلك لم يعمل شيئا، بل ولم يكن في الاستطاعة عمل شيء ~~لتقييد سوق النخاسة في القاهرة أو التأثير في السلطة التي منحتها الشريعة الإسلامية للسيد ~~على مولاه. وقد لفت المسيو دي هامل قنصل روسيا الجنرال نظر الباشا في سنة 1826م إلى ~~الموضوع، وسأله إذا كان في استطاعته أن يشل قدرة السادة على إنزال عقوبة الموت بمواليهم أو ~~إلحاق الأذى بهم ومعاملتهم أسوأ معاملة؛ فأنعم محمد علي النظر مليا وخيل إليه أنه قد ~~يستطيع أن يصنع شيئا في صدد الذكور من الرقيق، ولكنه لم يعلل القنصل بشيء من الأمل فيما ~~يتعلق بالنساء الرقيق، بل قال إنه لا يمكنه التدخل في شئونهن؛ لأن الحريم مكان مقدس ولا ~~يسمح لقريب - كائنا من كان - بالدخول فيه، # 112 # ثم وقفت المسألة عند هذا الحد. # ولا بد أن ما قام بينه وبين الدول الأوروبية من النزاع حول الشئون الخارجية قد حول ~~نظره عن الدخول في مسألة شائكة كمسألة الرقيق لم تكن له شخصيا ms218 أي رغبة في إجراء الإصلاح ~~فيها أو تحسين شأنها. # وكانت النخاسة من أهم أركان التجارة في كافة البلاد والتي كانت تهم الباشا، وقد كانت ~~الغارات تشن من آن لآخر على الرقيق في السودان وفي المناطق الأخرى الواقعة جنوبي ~~السودان. ومن هناك كان الأسرى يرسلون إلى القاهرة في شكل قوافل كبيرة، وبالطبع كان من ~~أصعب الأمور أن يحصل الإنسان على معلومات صحيحة في هذا الصدد، ولكن أحد الفرنسيين في عهد ~~الاحتلال الفرنسي سأل قبطيا ظل مدة ثلاثين عاما يحصي عدد العبيد الذين يرسلون إلى ~~القاهرة؛ فعلم أن عددهم لم يكن يتجاوز الأربعة آلاف سنويا، # 113 # ومن المحتمل أن يكون هذا العدد قد ازداد وتضاعف لأمر ما بعد أن توطد حكم ~~محمد علي في السودان؛ فإن القارئ يذكر أن الباشا علل نفسه بإنشاء جيش كبير من هؤلاء ~~السودانيين، وقد كان أعوان الحكومة يقومون في فصل الخريف من كل سنة للحصول على العبيد، ~~وهكذا ظلت النخاسة في السودان امتيازا قاصرا على الحكومة وحدها. # 114 # ولم تكن فتوحات محمد علي في جنوب السودان هي وحدها التي كانت السبب في انتشار تجارة ~~النخاسة، بل لقد ساعد احتلال روسيا لبلاد الكرج والحركش على تقليل عدد الرقيق الأبيض الذي ~~كان يرسل منهما إلى الآستانة، وازداد الإقبال على الرقيق الأسود الموجود في سوق القاهرة. ~~ومن هنا انكشف سر المسألة؛ فإن ما أوجدته الحكومة الجديدة من حسن النظام قد ساعد فريق ~~الأجانب على التجول في أنحاء السودان بمأمن من الخطر. # ولقد تمكن أحدهم وهو الدكتور هولرويد من الحصول على تفاصيل ضافية للأماكن التي يقطنها ~~الرقيق وللغارات التي كانت تشن عليهم وما كان ينتظر الأسرى من المعاملة، ولئن لم تكن ~~هذه التفاصيل قد بلغت وصف فظائع هذه التجارة إلا أن بالمرستون قد استغلها لاستثارة الرأي ~~العام في إنجلترا ضد حكومة محمد علي # 115 # على أن الباشا بعد زيارته الطويلة لربوع السودان في سنة 1838م قد اتخذ ~~الإجراءات الفعالة لتضييق دائرة النخاسة. فبعد أن كانت الضرائب تدفع بتقديم عدد معين من ms219 ~~الرقيق قرر الباشا أن تدفع في المستقبل بتقديم مقادير معينة من الحبوب وما إليها من ~~المحاصيل، ومع أن قراره هذا كانت له نتائجه الفعالة طبعا؛ فإن هذه العادة الوحشية المتأصلة ~~في البلاد - عادة شن الغارة على الرقيق - قد قدر لها أن تظل وقتا طويلا دون أن ~~تستأصل شأفتها بتاتا. # وكان على النقيض من تراخي الباشا حيال النخاسة والرق موقفه فيما له مساس بالشئون الصحية ~~أو شئون التعليم؛ ففي مسألة الرقيق لم يكن الباشا كثير الإيمان بنظريات رجال الغرب في صدد ~~إطلاق الحرية للجميع، أما في المسائل الأخرى فقد كان على يقين بأن أطباء الغرب أعلى كعبا ~~من «الحكماء» المصريين، وأن شعبه يفيد أكبر فائدة من التعاليم الغربية. وقد وضع محمد علي ~~ثقته التامة في كل ما يتعلق بالشئون الصحية أو التنظيم الطبي في شخص كلوت بك، وهو أحد ~~أطباء الفرنسيين، وقد بنيت تحت إشرافه مدرسة للطب في جهة أبي زعبل، على أن هذه ~~المحاولة ما لبثت أن أعقبها الفشل، وتبين أنها محاولة جاءت قبل أوانها؛ وذلك بسبب ضعف ~~مستوى التعليم العام. # وقد كان كبار المعلمين فرنسيين ممن لا يعرفون التكلم بالعربية، بينما كان الطلبة مصريين ~~ممن لا يفقهون الفرنسية، فلم يكن يمكن في هذه الحالة أن تسفر النتيجة الختامية إلا عن ~~إخراج بعض «جراحين» لا دراية لهم بالطب الغربي. وليس من شك في أنه كان يكون أصوب لو أن ~~الباشا بدأ تنفيذ فكرته بإرسال عدد محدود من رجاله إلى الخارج للحصول على ما هم في حاجة ~~إليه من أنواع الخبرة والدراية، ولكنه كان راغبا في أن تكون الوحدات المختلفة التابعة ~~لجيشه مزودة بالجراحين ومساعديهم، وهذا ما جعله يصر على الحصول عليهم فورا، على أنه كان ~~ميالا لتشجيع الماهرين بين الزوار الذين يهبطون القطر المصري؛ فمن ذلك أن الدكتور شارل ~~تيلور حكيم العيون زار الإسكندرية في سنة 1836م، وقد أجرى عدة عمليات كان النجاح حليفه ~~فيها كلها؛ مما دفع الناس من كافة الطبقات أن يقصدوه أفواجا، وقد كان يذهل لمحاصرة داره ms220 ~~يوميا نحو 70 إلى 80 شخصا على أمل استلفات نظره والاستفادة مما خيل إليهم أنها مهارة ~~فوق مهارة البشر، وقد طمع الباشا في أن يستبقيه في مصر لينتفع الناس بعلمه؛ فعرض عليه ~~مرتبا قدره 1200 جنيه في العام. # 116 # وكان مستشفى البيمارستان من أفظع المناظر التي تصطدم بها أعين السائحين؛ فقد كانت دارا ~~في دور الإحسان والبر ملحقة بأحد المساجد، وكان الإنسان إذا زارها وجد جيشا من المرضى ~~تنبعث منهم روائح كريهة، ويرى القمل في أجسادهم، أو أن يجد بعض مسلوبي العقل وهم عرايا ~~الأجسام مصفدين في الأغلال تنظرهم من خلال نوافذ ذات قضبان حديدية تحول دون فرارهم. وكان ~~هؤلاء المساكين الذين هم أشد الآدميين بؤسا في حراسة أحد المصريين المسنين، فكان يستعرضهم ~~أمام السائحين على أمل أن يتحفوه بالهدايا وينفحوه بالبقشيش، وسرعان ما وافق الباشا على ~~مشورة كلوت بك بإلغاء هذا الأثر المتخلف عن العصور المظلمة، وأمر أن يقام بدلا عنها ~~مستشفى في ميدان الأزبكية الشاسع. # 117 # ومثل آخر يدلك على مبلغ حرص محمد علي واستعداده للأخذ بأهداب التحسين والإصلاح، وهذا ~~المثل يتجلى في مبادرته إلى إنشاء إدارة الشئون الصحية؛ فلقد أصيبت مصر في سنة ~~1830م بوباء الكوليرا وكان شديد الوطأة، وقد نقل الحجاج جراثيم هذا الوباء عند عودتهم من ~~الحجاز إلى السويس، وسرعان ما سقط ضحية له نحو 150 شخصا في خلال يومين. # وفي خلال الأسبوعين التاليين إذا بالوباء يظهر فجأة في القاهرة. وطمعا في منع الوباء من ~~الوصول إلى الإسكندرية استعان محمد علي بالقناصل العموميين واضعا تحت تصرفهم كل من كان من ~~جنوده على مقربة من الثغر، وأطلق الحرية الكاملة في صدد النفقات. # وقد لبى القناصل نداء الباشا، وإن كان يلوح أنهم قد داخلهم اليأس عن وقف انتشار ~~الوباء أو كبح وطأته؛ فأنشأ القناصل كردونين من الجنود في القاهرة والإسكندرية. # ولكن حدث ما كان ينتظر، وهو أن أعراض الوباء ظهرت بين الجنود، وما هو إلا أقل من أسبوع ~~حتى كان 800 منهم في المستشفى، أما الأطباء والصيادلة ms221 فالبعض منهم قد فر من البلاد ~~والبعض الآخر لحق بربه. # وهكذا دب الخلل في كافة المصالح العمومية وأغفلت جميع وسائل الوقاية، وقبل أن يتم ~~التغلب على هذا الوباء الفتاك كان قد ذهب ضحية له 9000 شخص في القاهرة وما يزيد عن 1500 شخص ~~في الإسكندرية، وكان تعداد المدينتين وقتئذ يقدر على التوالي بنحو 300 ألف و90 ألفا. # 118 # ولم تنتشر الكوليرا هذا الانتشار إلا في النادر القليل ولم تصبح وباء مرة أخرى إلا في سنة ~~1849م، ولكن التهاب الإبط وتورمها أصبح وباء يثير الذعر في قلوب الأهالي. ولعل من قرأ ~~قصة «أبوتن» يذكر كيف كان من عادة الفرنسيس عند سماعهم بانتشار الأوبئة في الخارج يحبسون ~~أنفسهم في أمكنة منعزلة عزلا تاما عن باقي الناس، هذا بينما كان المسلمون يحاولون بشيء ~~من الغموض أن يتجاهلوا الخطر المحدق بهم، على أن الذين كانوا يخترقون الشوارع مستهترين ~~بالخطر في مثل هذه الأوقات لم يكونوا المسلمين على اختلاف طبقاتهم، كلا فإن قليلا منهم ما ~~عدا طبقة الفقراء الذين كانوا يؤمنون بأن قضاء الله لا مرد له، ولما كانت طبقة الفقراء في ~~فقر مدقع فإن ذلك جعلها أقل حرصا على حياة البؤس واستمرارها. # أما من ساعدهم الرخاء والثروة على تذوق النعيم فقد كانوا أشبه في حرصهم على الحياة ~~بالفرنسيين غير المؤمنين، ولم يكن يسمح لأحد مطلقا حتى ولا القناصل العموميين بزيارة ~~الباشا أو الدخول إلى مخبأه، وأغلقت أبواب المصانع العامة ووقف دولاب العمل وقفا تاما. # 119 # ولعل أسوأ وباء وأشده فتكا بالأرواح هو الذي أصاب الوجه البحري سنة 1835م؛ فلقد كان ~~في رأي البعض أسوأ بكثير من الطاعون الذي أصيبت به مصر قبل ذلك التاريخ بأربعين عاما. ~~وقد بلغت ضحايا وباء سنة 1835م في القاهرة وحدها 31 ألفا، وذلك في خلال 3 أشهر فقط، ولكن ~~كامبل كان يعتقد أن العدد الحقيقي أكثر من ذلك وفي رأيه أن أكثر الضحايا كان من ~~المسلمين. # وحدث أن الوباء اختطف أرواح 135 فردا من أعضاء إحدى الأسر الكبيرة فأقفلت ms222 أبواب دورها ~~كما أقفلت أبواب 200 دار من دور المسلمين، لا لسبب إلا لأن السكان قد حصدهم الطاعون على ~~بكرة أبيهم فلم يبق منهم أحد، وقد هلك من الأقباط نحو ربع عددهم، وهكذا زاد عدد الضحايا ~~بنحو 20 ألفا. # 120 # ولما كانت القورنتينة هي الوقاية الوحيدة التي كانت معروفة وقتئذ ضد الطاعون؛ فإن الباشا ~~قد لجأ إلى القناصل مرة أخرى ينشد معونتهم؛ إذ لولاها ولولا موافقتهم لتعذر إن لم نقل ~~يستحيل تنفيذ لوائح القورنتينات وتطبيقها على عدد كبير من السفن والملاحين الأوروبيين. ومن ~~ثم اجتمع القناصل وشكلوا منهم لجنة كانت تعرف في أوقات مختلفة باسم مصلحة الصحة أو ~~اللجنة الصحية، وأنشئ محجر صحي بالقرب من الموضع الذي كانت تقوم فيه وقتئذ سكة كليوباترة ~~على شاطئ البحر عند الميناء الجديد أو الميناء الشرقي بالإسكندرية، وعند هذا المحجر كانت ~~السفن الداخلة في القورنتينة تلقى مراسيها. # 121 # وقد نبه على حكمدار بوليس الإسكندرية بأن يسهر على تنفيذ كل ما عسى أن يشير به القناصل ~~من الإجراءات الصحية، ولم يكن هذا لعمرك بالأمر الهين؛ ذلك لأن الأهالي لم يكونوا ميالين ~~إلى إطاعة الأوامر في هذا الصدد؛ لأنهم لم يفهموا الغاية المقصودة بها من جهة ولأن معظمهم ~~كان يعتقد أنها مما لا يتلاءم مع أصول دينهم. وقد أعلن الباشا في طول البلاد وعرضها أن ~~اجتناب العدوى لا يتنافى مع الشريعة، ووعد باستصدار فتوى من العلماء لتدعيم دعواه، وقد ختم ~~الباشا رسالته إلى رئيس الديوان بقوله: «إن الأهالي هم أشبه شيء بالعجماوات لا يميزون الطيب ~~من الخبيث.» # 122 # ثم تشكلت بعد ذلك بقليل لجنة أخرى برئاسة الكولونيل كامبل نفسه للسهر على تحسين ~~الحالة الصحية العامة في منطقة الإسكندرية، وكانت باكورة أعمال هذه اللجنة إزالة عدد من ~~العشش القذرة التابعة لصغار المصريين هذا إلى سد الخندق القديم الذي كان مملوءا بالماء ~~الآسن الذين يحمل جراثيم مختلف الأمراض. ثم تقرر نقل مدبغة الجلود الأميرية من وسط المدينة ~~إلى طرفها وأنشئت طريق واسعة لتفصل ما بين الحي الأوروبي والجمرك. ms223 # 123 # وقد تمكن كامبل في سنة 1837م، وبالرغم من مجيء الحجاج بلا انقطاع من الجهات المصابة ~~بالوباء أن يعلن أن الوباء قد انقطع، وعزا نجاحه في وقف الوباء إلى نظام القورنتينة الذي ~~طبق تطبيقا تاما على الجميع. وقد كتب كامبل بهذه المناسبة، فقال: «إن الباشا قد ترك ~~مسألة القورنتينة كلية إلى عناية لجنة القناصل الصحية، ثم إنه لا يكتفي بتنفيذ كل ما تصدره ~~اللجنة من الأوامر، ولكنه فضلا عن ذلك يقدم بلا صعوبة كل ما تشير به من النفقات للعناية ~~بشئون المحجر الصحي الذي أصبحت نفقاته باهظة بسبب توظيف عدد كبير من الموظفين الأوروبيين فيه.» # 124 # وقد تفرقت هذه اللجنة وانهد كيانها بعد استدعاء كامبل ووقوع حوادث سنتي 1839م ~~و1840م، وكان أكبر ما شغل اهتمام هودجز خليفة الكولونيل الحصول على كافة المعلومات النافعة ~~عن حصون الإسكندرية، ولعل اهتمامه بذلك كان أشد من اهتمامه بمساعدة الإدارة المصرية في ~~مختلف الشئون الصحية. # فتشكلت لجنة صحية جديدة رشح محمد علي ثلاثة من القناصل العموميين للاشتراك في أعمالها، ~~ولكن لم يكن له حق الإشراف عليها باعتبار وظيفتهم، ثم نشأ الخلاف حول تشكيل اللجنة تشكيلا ~~صحيحا، وكذلك بدأ الأطباء أنفسهم يتشككون في كفاية الفورنتينة كوسيلة لمنع العدوى ~~ويرجحون أن الطاعون قد يمكن انتقاله بوسائل أخرى عدا الاحتكاك الشخصي؛ ولهذا رئي ~~تخفيف وطأة النظام الصارم القديم تدريجيا إلى أن عدل عنه نهائيا، ولكن هذا يعتبر ~~بمثابة دليل لا سبيل إلى إنكاره على رغبة الباشا لاقتباس الأساليب الأوروبية واتباع ~~الإرشادات الأجنبية متى اقتنع أنها نافعة حقا. # وعلى أن فيما اتخذه من الوسائل لتشجيع التعليم وتعميمه المثل الباهر والبرهان القاطع على ~~سياسته الإصلاحية؛ فلقد كانت القاهرة تعتبر أحد المراكز الكبرى للثقافة الإسلامية، وكان ~~يهرع الطلبة من كافة العالم الإسلامي إلى الاغتراف من علوم جامعتها القديمة العظمى ~~الممثلة في الجامع الأزهر، ولكن هذه الجامعة كانت متأخرة لا في نظامها فقط بل وفي علومها ~~أيضا؛ فلقد كان كل همها إخراج علماء دينيين ومحامين شرعيين؛ أي لم تعن بتخريج رجال ~~الأعمال ms224 أو الإدارة. # وبينما ظن الباشا يولي الجامعة الأزهرية القديمة عطفه ويرعاها بعنايته إذا به قد ~~أنشأ بجانبها سلسلة من المعاهد، وقد رمى من ورائها إلى تغيير طريقة تفكير الجماهير وجعلها ~~تتمشى مع مقتضيات الحضارة العصرية. وقد لخص أحد المعاصرين الإنجليز نيات محمد علي وخططه، ~~فقال إنه بينما تمهل السلطان محمود بما أدخله فجأة من الإصلاحات العنيفة قد أضعف ولاء ~~الأتراك له؛ فإن محمد علي قد ظل على العكس من مولاه محتفظا بالخلق السامي بين مختلف ~~الأمم الإسلامية باتباعه الطريق الرشيدة الوحيدة التي لم يكن محيص عن اتباعها مع شعب كالشعب ~~المصري لم يغترف من أصول المدنية إلا القليل. # فإن الباشا بما سنه من ضروب الإصلاحات التدريجية التي لا تمس الإحساسات الدينية ولا ~~تصطدم بها قد وضع أساس الإصلاح الدائم لمعاهد الأمة متيقنا بأن التعليم سيزداد انتشارا ~~بواسطة ما أنشأه من المدارس العمومية في مختلف أنحاء مملكته لتحقيق ما يرمي إليه من ضروب الإصلاح. # 125 # ويلوح أن تاريخ هذه السياسة يرجع إلى سنة 1820م، وكانت في منشأها تعتبر بمثابة نتيجة ~~طبيعية لما أدخله الباشا من ضروب الإصلاح في الجيش؛ لأن التجاءه إلى اقتباس الأساليب ~~الأوروبية الخاصة بطرق التنظيم والتدريب اقتضى طبعا الحصول على ضباط قادرين على دراسة ~~العلوم الأوروبية العسكرية والهندسية والحسابية. وكان أول دليل على أن الباشا مسلما ~~بصحة هذا الرأي أنه استخدم في القلعة في القاهرة معلما إيطاليا يدعى كوشي وعهد إليه ~~بتعليم الرسم والرياضيات، ثم صدرت الأوامر بعد ذلك بتعليم اللغة الإيطالية ولغات البلاد ~~الواقعة شرقي حوض البحر المتوسط، ثم طلب الباشا بعد ذلك معلمين لتعليم اللغة الفرنسية ~~واللغة التركية، هذا عدا استخدام أحد مهرة المهندسين. # 126 # فمن هذه البداية البسيطة نشأت المدارس لتدريب الضباط وإعدادهم للفروع الخمسة في خدمة ~~الباشا؛ وهي: الطوبجية، والهندسة، والسواري، والمشاة، والبحرية. تحت إشراف المعلمين ~~الأوروبيين. # ولتوسيع أساس التعليم أرسل الباشا طائفة كبيرة من الشبان المصريين إلى فرنسا ولفيفا منهم ~~إلى إنجلترا لإتمام دروسهم على حساب الباشا، وقد أينعت ثمار هذه السياسة الرشيدة ms225 في سنة ~~1833م عندما أنشأ الباشا مدرسة الفنون والصنايع لتكون بمثابة مدرسة لتدريب كليات الضباط. ~~وكان بين أساتذة هذه المدرسة معلمان أوروبيان فقط أحدهما لتدريس الكيميا والآخر لتدريس ~~الرياضيات، وإلى جانب هذين المعلمين كان هناك أربعة من المعلمين الأرمن قضى أحدهما عشر ~~سنوات في مدينة ستوني هيرت بإنجلترا، هذا عدا ستة معلمين مسلمين تلقى ثلاثة منهم علومهم ~~في جامعة باريس والثلاثة الباقون في جامعات إنجلترا، # 127 # وتلا هذا التوسع إنشاء عدد من المدارس الابتدائية في كل مديرية، وأنشأ ~~مدرستين «تحضيريتين» كبيرتين إحداهما في القاهرة والأخرى في الإسكندرية لتغذية مدرسة الفنون ~~والصنائع، وكان دخول الطالب في هذه المدارس بمثابة قبوله في خدمة الباشا، وكنت ترى الطلبة ~~وقتئذ يتناولون مجانا الطعام والملبس والمسكن هذا عدا مرتبات شهرية قليلة تزداد تدريجيا ~~كلما انتقل الطالب من أحد الفصول إلى الفصل الذي يليه. # أما مستقبل أولئك الطلبة ونوع الخدمة التي يعملون لها وما يتلقاه كل منهم من التعليم ~~الفني؛ فهذه كلها مسائل لا رأي للطلبة فيها، بل الأمر متروك فيها للباشا ولموظفيه، ولقد ~~كانت مصر أول دولة شرقية أدخل فيها التعليم الغربي على ما يشبه القواعد المنظمة. # ولم يكن بورنج جانب الحقيقة عندما وجه انتقاده إلى المشروع قائلا إن التعليم ~~الابتدائي فيه قد وضع على أساس ضيق، وإنه يرمي إلى تعليم الأقلية تعليما عاليا بدلا ~~من إيجاد نظام عام للأكثرية. # على أن الباشا ما كان يمكن عدلا أن يلام؛ لأنه لم يتبع النظام الذي لم تكن قد اتبعته ~~بعد أمم أوروبية أعلى كعبا من مصر في المدنية الحديثة. # ولقد كان إنشاء هذه الكليات والمدارس مصحوبا بإنشاء مطبعة وجريدة وغازيتة. ولم ينته ~~عام 1837م حتى كانت مطبعة بولاق، وكانت وقتئذ من ضواحي القاهرة وممتدة إلى داخل نهر النيل، ~~وقد أنجز طبع ما لا يقل عن 73 من أمهات الكتب العربية، وكان بين هذه عدد من تراجم الكتب ~~الفنية لاستعمالها في المدارس الجديدة، # 128 # ووضع الباشا مشروع جريدة تنشر باللغتين العربية والفرنسية، # 129 # وكانت هناك صحف أوروبية ms226 في الإسكندرية في سنة 1824م، وفي هذه السنة نفسها نشر ~~صولت القنصل البريطاني العام قصيدة وصفية من الشعر، # 130 # وفي ذلك الوقت تحسن أيضا مركز الأوروبيين والمسيحيين عامة؛ فإن الأقباط ~~كانوا قبل ارتقاء محمد علي الأريكة المصرية عرضة لكثير من المتاعب والقيود، مثال ذلك أنهم ~~كانوا ملزمين بتمييز أنفسهم عن بقية السكان المسلمين بلون ثيابهم، وكان محظورا عليهم ركوب ~~الخيل، وكانوا ممنوعين بتاتا في أثناء شهر رمضان أن يأكلوا أو يشربوا أو يدخنوا في النهار ~~علنا في الطرق العامة؛ وذلك لكي لا يذكروا المؤمنين بهذا الصوم الإجباري. # وكان الأجانب من سكان الإسكندرية والقاهرة يقطنون في أحياء متفرقة ويحمي الحراس مداخلها، ~~وكانوا كلما أرادوا السفر إلى الخارج لبسوا الزي التركي ليتفادوا الإهانات. وقد وردت هذه ~~العبارات في منشور إعلان تركيا الحرب على روسيا في سنة 1827م، وهو «أن كل عاقل يعلم حق ~~العلم أن كل مسلم هو بطبيعته العدو الألد للكفار، وأن كل كافر عدو لدود للمسلمين.» ولكن روح ~~الحكومة في عهد الباشا تغيرت تغيرا محسوسا كما تغير لذلك إحساس الأهالي حيال ~~المسيحيين، وقد أسر الروس في الحرب التركية اثنين من أقارب محمد علي في سنة 1827م، فلما ~~عادا من الأسر في سنة 1829م إذا بهما يلهجان بالثناء على ما لقياه وغيرهما من الأسرى من حسن ~~المعاملة في السجون الروسية. # وعندما خيف في إحدى السنوات أن لا يبلغ فيضان النيل المنسوب المقرر إذ بالدعوات الحارة ~~والصلاة لله لا يقوم بها مشايخ المذاهب الإسلامية وحدهم على ضفتي النيل، بل شاركهم فيها ~~حاخام اليهود والقسس المسيحية، # 131 # بل إنه سمح للودلف المبشر المسلوب العقل بأن يخطب في الشوارع بلغة غريبة لم ~~يستطع أحد فهمها، ولكنه لما ملأ جدران القاهرة فيما بعد بإعلاناته وملاحظاته بلغة يفهمها ~~الجميع لم يسع الباشا إلا أن يسأله مغادرة القطر خيفة أن يعتدي عليه أحد الناس صدفة، فلا ~~يجد من يقيه شر العدوان. # 132 # وقد ظل كثيرون من رعايا الإنجليز يقطنون القاهرة والإسكندرية دون أن يصيبهم مكروه في ~~أثناء ms227 الحوادث المشهورة التي وقعت في سنتي 1839م و1840م. # وبديهي أن لا تصادف سياسة الباشا هذه قبولا لدى مشايخ الأزهر، وكان أحد خطبائهم وكان ~~اسمه الشيخ إبراهيم أشدهم وطأة في نقد هذه السياسة، وكان مما انتقد عليه هذا الشيخ أن ~~الباشا أعطى لليهود امتياز صناعة القصابين في الإسكندرية، وهكذا عرض للخطر إيمان ~~المؤمنين؛ ذلك لأن اليهود لم يراعوا تلاوة الصيغة المقدسة الإسلامية المألوفة عند القيام ~~بعملية الذبح، كما أنهم لم يحرصوا على توجيه رأس الحيوان المذبوح في اتجاه مكة، ثم إنهم ~~بدلا من أن يقبضوا على المدية بالأصابع الخمسة كانوا يقبضون عليها بثلاثة أصابع، # 133 # على أن الباشا لم يصبر على لغو هذا الشيخ، بل أبعده إلى تونس. # وهكذا كان الباشا في كافة هذه المسائل وأضرابها؛ مثل: إرغام رعاياه على التسامح الديني، ~~والسهر على ترقية الوسائل الصحية ونشر التعليم والثقافة وإقامة العدل بين الناس، وتنظيم ~~جيشه وإنشاء أسطول قوي، وتحديد الضرائب وتشجيع زراعة الحاصلات الجديدة، ومراقبة سلوك موظفيه ~~عن كثب. # نقول إن الباشا كان يعمل في هذه المسائل كلها ضد إرادة رعاياه كلهم تقريبا؛ ولهذا رأينا ~~المشروعات التي كانت نفسه تطمح إلى تحقيقها يهملها أو يعدل عنها بتاتا. ومن بين هذه ~~المشروعات مشروعات - كإنشاء الأسطول مثلا - كانت محاطة بمصاعب لا يسهل تذليلها، وقد ~~أصيبت معظم مشروعاته بالضعف وتولاها الفشل لا لشيء إلا لعدم ثقته بالمستقبل وشعوره بأن ~~ما يعمل ينبغي أن يعمله شخصيا أو ينجز في حالة حياته المحدودة الأجل؛ ولهذا يمكن الحكم ~~على أعماله بأنها كانت أعمالا قائمة على العجلة ولم تنضج تماما وإما أنها جاءت غير كاملة، ~~ولكن بالرغم من ذلك كله وبالرغم مما حدث من رد الفعل بعد اختفائه من على مسرح سياسة مصر فإن ~~ما يتنافى مع العدالة وواجب الإنصاف أن يقال إن أعمال محمد علي ذهبت أو أنها بمثابة نفخة ~~في رماد؛ فإن ما أوجده من الاندفاع إلى الأمام يضاف إليه ما أحكم من الصلات مع الغرب؛ كل ~~هذا قد استمر بعد انتقاله إلى الدار الأخرى، ms228 حتى إن مصر عندما بدأت فيما بعد أن تنفض عنها ~~غبار الكسل، وأن تسير مرة أخرى إلى الأمام وجدت أنها تبدأ من نقطة تتقدم كثيرا عن النقطة ~~التي بدأ بها الباشا العظيم. ويرجع الفضل في ذلك كله وقبل كل شيء إلى آثار الثقافة التي ~~تفتحت في عهده البلاد لها من أقصاها إلى أقصاها. # الفصل الثامن # | آثار حكم محمد علي في جزيرة كريت وسوريا # في أثناء الحرب اليونانية وضع جلالة السلطان جزيرتي قبرص وكريت تحت رعاية محمد علي ظنا ~~من جلالته بأن الباشا هو الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يصد عنهما حملات اليونانيين، وفي سنة ~~1830م عهد السلطان إلى الباشا بصفة رسمية بأن يباشر الحكم في جزيرة كريت، على أن محمد علي ~~اشترط لقبول هذا العبء أن يسمح له بإبعاد الجنود العثمانيين المقيمين في الجزيرة، وأن يحل ~~محلهم بعض الأورط المصرية. # 1 # وقد بدأ محمد علي بتنفيذ خطته فولى على الجزيرة قومندانا اسمه عثمان بك كان قد أرسله ~~من قبل لتلقي العلوم في فرنسا وإيطاليا، # 2 # أما أهالي الجزيرة فكانوا خليطا ويغلب فيهم العنصر اليوناني الذي كان عدده نصف ~~السكان، وقد قدر سافاري عدد سكان الجزيرة قبل ذلك بخمسين سنة بنحو 380 ألفا، ولكن هذا ~~العدد قد نقص بسبب الحروب والطاعون والبؤس المخيم على الجزيرة إلى نحو 100 ألف نسمة، وهو ~~عدد السكان عندما عهد إلى والي مصر بالإشراف على شئون الجزيرة، وكان بديهيا أن ينذر ~~اختلاط الأجناس في الجزيرة ببذر بذور الشرور والمتاعب واستفحال الخلاف، كما أنه لم يكن ~~ينتظر عاقل أن تصير مهمة الحكم سهلة مريحة، وحسبك أن مجموع الإيراد لم يتجاوز الأربعة ~~ملايين قرش صاغ، بينما كانت النفقات تتجاوز إحدى عشر مليونا من القروش، وأغلب الظن أن ~~الباشا لم يقبل الاضطلاع بشئون الجزيرة إلا لأنها تكون له بمثابة محطة بحرية تقع على مسافة ~~بعيدة في شمال الإسكندرية، وقد حذرته الحكومة البريطانية دفعتين بأن أي محاولة لإرهاق ~~السكان المسيحيين واضطهادهم أو استعمال العنف معهم قد يؤدي إلى تدخل الدول ms229 العظمى. # 3 # ونحسب أن مثل هذا التحذير لم يكن هناك ما يقتضي صدوره؛ لأنه إذا كان الوالي المصري قد عهد ~~فيه عن الأقلية المسيحية في مصر؛ فمن باب أولى أنه لن يفكر في اضطهاد الأغلبية المسيحية في ~~جزيرة كريت. وكانت باكورة أعماله بعد صدور الفرمان الشاهاني بتوليته حاكما على الجزيرة أنه ~~أذاع منشورا موجها إلى الشعب الكريدي؛ فقد طمأنهم فيه على أنفسهم وبين لهم أنه ليس ~~ثمة ما يخشونه، وأنه لن يتوانى في القصاص ممن يحاول إرهاقهم، وأنه سينشئ مجلسين أحدهما في ~~«خانية» والآخر في «كنديا»، وأن الأعضاء المسلمين والمسيحيين سيشتركون في أعمال هذين ~~المجلسين اللذين يخول لهما البت في كل الأمور ما عدا ما كان له مساس بالشئون القانونية ~~البحتة كمسألة المواريث، وكان في نيته إدخال عدة إصلاحات إلى الجزيرة كإنشاء رصيف لميناء ~~خانية وتغطية التلال بالغابات ونشر الزراعة وتعميمها، # 4 # وثمت مشروع آخر صحت عزيمته على تنفيذه وهو تحسين ميناء «سودا» لتكون صالحة ~~من ناحية لتخزين التجارة الواردة من سوريا ولتكون قاعدة للأسطول المصري. # 5 # وفي سنة 1833م شخص الباشا بنفسه لزيارة كريت، وقد ذهب في صحبته الكولونيل كامبل إجابة ~~لدعوة الباشا. ومن هناك أرسل الكولونيل إلى إنجلترا عدة ملاحظات مهمة عن شئون الجزيرة ~~وطريقة إدارتها، فقد بين أن الجزيرة في إبان الفترة التي كانت خاضعة فيها لحكم السلطان ~~تولى أمرها من قبله ثلاثة باشوات أساءوا الحكم فيها واستبدلوا جميعا على عجل، وكانوا ~~جميعا سواء في ظلم الرعية واضطهادها، وليس من شك في أن الحامية التركية المعسكرة في ~~الجزيرة كادت تطرد إبان الحرب اليونانية لولا مساعدة الجيوش المصرية لها، فلما انتقل أمر ~~الجزيرة إلى الباشا ولي عليها مصطفى باشا، وهو رجل كان يخشى الترك بأسه بقدر ما كان ~~السكان الأروام يعظمونه ويجلونه. # وقام الباشا المذكور بإنشاء المجلسين المختلطين الموعودين، كما أنشأ محكمتين ابتدائيتين ~~إحداهما في «صفكيا»، وكان أعضاؤها جميعا يونانيين؛ إذ لم يكن هناك أثر للجنس التركي في تلك ~~الجهة. وقدمت الحكومة إلى الفلاحين البؤساء ما أرادوه من ms230 القروض والمواشي ليستعينوا به ~~على زراعة أراضيهم من جديد، وصدر منشور للأروام الذين نزحوا عن ديارهم بدعوتهم إلى العودة ~~إلى بلادهم واستعادة أراضيهم، بشرط أن يدفعوا لأصحابها الحاليين نفس الثمن الذي ابتاع به ~~هؤلاء الأراضي المذكورة، وقد لبى الكثيرون نداء الباشا وعادوا إلى ديارهم واستوطنوا فيها ~~باعتبارهم كتابيين يعيشون في ظل الباشا وحكومته، # 6 # ويدفعون الجزية لها. # على أنه برغم هذه الإدارة المعتدلة قد نشأت المتاعب ووجد مجال للتذمر؛ فمن ذلك أن ~~كثيرا من اللاجئين اليونانيين أبوا العودة إلى الجزيرة إلا بجوازات يونانية باعتبارهم ~~رعايا يونانيين، كما أن بعضهم دخل الجزيرة بطريقة سرية مجهولة بقصد إثارة القلاقل من جديد، ~~ثم إن اللاجئين من سكان كنديا شرعوا ينشرون صحيفة اسمها «مينرفا» تنطق بلسانهم، وقد وقفوها ~~على إثارة السخط وإشعال نار الأحقاد والفتن في الجزيرة، # 7 # وقد أصر الباشا على ألا يسمح للاجئين بالعودة إلى الجزيرة إلا باعتبارهم ~~كتابيين يدفعون الجزية قائلا إنه لو سلك غير ذلك المسلك لأثار سخط المسيحيين الباقين في ~~الجزيرة وعددهم 60 ألفا، والذين لم يخطر لهم على بال أن يطالبوا بتغيير مركزهم أو أن ~~يعاملوا إلا باعتبارهم رعايا عثمانيين. # 8 # على أنه إذا كانت أعمال ابتزاز الأموال بالطرق غير النظامية قد أوقفت؛ فإن الضرائب ~~المنتظمة قد أخذت تزداد ويشتد عبؤها على الأهلين فإن «الخراج» أو الجزية المفروضة على كافة ~~الرعايا المسيحيين التابعين للباب العالي كانت تحصل بمنتهى الشدة والقسوة، # 9 # ولم يفلت من شرورها إلا القليل النادر، وقد فرضت ضريبة على النبيذ بقطع ~~النظر إذا كان مصنوعا بقصد البيع أو لشئون الصناعات المنزلية، ثم إن امتياز بيع التبغ ~~والخمرة والجلود في المدن كان من الأمور التي احتكرتها الإدارة المحلية؛ فأدى هذا كله إلى ~~زيادة الصخب، وجاءت الأنباء تترى من كل صوب وحدب بحصول بعض المعجزات في مختلف الأديرة، فشرع ~~الناس يتجمهرون في أنحاء متفرقة. وليس من شك في أن هذه المتاعب كانت كلها نتيجة ما كان ~~ينشره اللاجئون من الدعاية السيئة، ولما ظن أن الساعة الملائمة لإحداث ms231 الانفجار قد حانت ~~هجم أحد الأشرار على أحد السائحين الأتراك وأوسعه ضربا إلى أن فاضت روحه، وقد قبض على ~~الفاعل - وهو من اللاجئين العائدين - وأعدم فعلا، ولكن حكم الإعدام هذا كان أول وآخر ~~حكم. ومن ثم شرعت الإدارة في إبعاد اللاجئين العائدين أو السماح لهم بالبقاء باعتبارهم ~~كتابيين يدفعون الجزية، بشرط أن تدفع القرى التي ينتسبون إليها كفالة عن حسن سلوكهم، # 10 # ثم عاد الباشا إلى الإسكندرية بعد أن أصدر الأوامر التي من شأنها زيادة الأراضي ~~المنزرعة. # ولكن هذه الأوامر هيأت لسوء الحظ الفرصة لحدوث القلاقل من جديد؛ فلقد كان من بين أوامره ~~المذكورة أمر يقضي بأن يعين في كل منطقة شخصان لهما دراية بقوانين مصر، وأن يقوما بزيارة ~~كل قرية واستشارة أغنيائها عن خير الوسائل للبر بالفقراء ومساعدتهم وتوحيد الإجراءات لنقل ~~الأيدي العاملة من القرى الغاصة بالسكان إلى الجهات غير المنزرعة التي يقل فيها العمال، ومع ~~أن هذا الأمر كان مقرونا بأوامر أخرى لا سبيل إلى إنكار فوائدها؛ لأنها كانت ترمي إلى خير ~~الشعب عامة كإنشاء المدارس ودفع مرتبات طفيفة للطلبة نقول برغم هذا كله فإن أهالي كنديا قد ~~دخل في روعهم أن الباشا كان يرمي إلى فرض نظام مراقبة الأراضي كالذي كان متبعا في مصر؛ ~~ولهذا هاج هائجهم ورفع علم الثورة، على الرغم من أن النظام الذي أدخله محمد علي في كنديا ~~مهما افترضنا نقصه في بعض نواحيه؛ فإنه كان بلا جدال يشتم منه روح الخير وعدم التنطع في ~~الدين وحب العدالة ورغبة ظاهرة محسوسة في سعادة الشعب ورخائه؛ مما يشهد له أطيب شهادة. # 11 # وتهيج الباشا واشتد غضبه لكفران الأهالي بما ينتظر أن تدره عليهم وعلى جزيرتهم هذه ~~المشروعات من الخير وعقد نيته على التمثيل بالمسئولين عن إثارة المشاغب، فأصدر أمره بإعدام ~~عدد معين من الأفراد؛ إذ ضبطوا بجريمة الحض على الثورة. ولم يكتم الباشا رأيه عن كامبل ~~بأنه يتوقع أن يضبط بعض الأتراك متلبسين بالجريمة المذكورة كبعض الأروام، وإن ضبطوا ~~فلا مفر من إعدامهم أيضا أسوة ms232 بالآخرين. # 12 # وأخيرا، ضبط ولاة الأمور 31 شخصا بينهم خمسة من الأتراك وقد أعدموا جميعا. ولقد ~~زعم القنصل الفرنسي (وكان مشهورا بعطفه على اليونانيين وتحزبه لهم) أن المتهمين قد ~~أعدموا بدون محاكمة، # 13 # وأغلب الظن أن الباشا كان مقتنعا بأن هذه المتاعب كانت جميعا من عمل عصبة من ~~المهيجين؛ ولذا استقرت نيته على أن ينزل بهم عقابا لا تستطيع احتجاجات الدول العظمى ~~الحيلولة دون تنفيذه، وهو عقاب إن كان محدودا بحيث لا يسوغ تدخل أي دولة من الدول ~~الأوروبية إلا أنه كان من الفداحة والشدة بحيث يلقي على سكان كنديا درسا قاسيا، فإن كان ~~هذا ما حسبه الباشا فإن التوفيق لم يخنه؛ لأنه لم يعد يسمع بعد ذلك بحدوث أي مشاغب ~~أو قلاقل في جزيرة كريت. # وعهدت إدارة شئون الجزيرة إلى مصطفى باشا الذي ظل يشرف عليها طيلة سيطرة محمد علي على ~~الجزيرة. وقد أجمعت كلمة قناصل إنجلترا وفرنسا وروسيا على أن إدارة محمد علي الجزيرة كانت ~~إدارة سداها الاعتدال والعدل ولحمتها الإنصاف، وإنها كانت محبوبة من الشعب كما كان النجاح ~~حليفها إلى أبعد مدى. نعم؛ إن الباشا لم يتمكن من القضاء على التذمر السياسي قضاء ~~مبرما لأن جزيرة كريت كانت ما تزال تعتبر في نظر المهاجرين من الأروام جزءا من اليونان؛ ~~ولذا كانت هناك جمعيات عديدة في الإمارة اليونانية تتعطش دائما إلى ضم الجزيرة إلى أرض ~~الوطن القومي كما كان يوجد في نفس الجزيرة عدد كبير من الأشخاص يحلمون باقتراب اليوم الذي ~~تنضم فيه الجزيرة إلى بلاد اليونان أو على الأقل أن تتمكن الجزيرة من الحصول على نوع من ~~الاستقلال. # كل هذا كان مسلما به ولكن الجزيرة ظلت هادئة وراضية من وجود مصطفى باشا في منصة ~~الحكم، ولقد كتب القنصل الروسي يقول: «إن الضرائب كانت تدفع بدون إبداء أي مقاومة أو ~~معارضة، وإن الهدوء العام كان مخيما على الجزيرة، وأن المجالس البلدية كانت على استعداد ~~في كل وقت أن تعمل طبقا لرغبات الحاكم مصطفى باشا.» # 14 # ولقد نقل الحاكم ms233 في سنة 1838م إلى بعض أنحاء سوريا لتولي قيادة الجيش الذي ~~أرسل لقمع الفتنة التي نشبت في تلك الجهات، وقد شهد القنصل الإنجليزي بأن «سفر مصطفى باشا ~~كان أشبه بيوم حداد عام لسكان الجزيرة؛ فلقد أظهر سوادهم من تلقاء أنفسهم علامات الود ~~الخالص المنزه عن الغاية والهوى.» ولما غادر «خانيا» هرع إلى وداعه السكان جميعا ~~شيوخهم وشبابهم والعبرات تخنقهم وكلهم أسف على فراقه ويتوسلون إليه أن يعود إليهم بعد ~~إتمام مهمته في سوريا، # 15 # إلا أنه لا جدال في أن مصطفى باشا قد تمكن مدة حكمه في الجزيرة من حماية ~~الأروام وتهدئة عواطف المسلمين وإرضائهم. # ولما كان بالمرستون قد اعتاد ألا ينظر إلى حكم محمد علي في الجزيرة أو إلى مشروعاته فيها ~~إلا بعين الارتياب والشك فإنه لم يشأ أن يتركها وشأنها؛ فلقد انتقد حكم الإعدام الصادر على ~~26 من الأروام وخمسة من الأتراك قائلا: «إذا صحت الأنباء فإنه حكم يدل على القسوة ~~والرغبة في إزهاق أرواح العباد.» ثم اقترح اللورد أن يتنازل الباشا عن الجزيرة لحكم السلطان ~~الصالح وقال إنه يمكن حمل جلالته على أن يسن لها دستورا كالذي تتمتع به جزيرة ساموس. # 16 # ثم دارت محادثات عديدة بين كامبل من ناحية وكبير وزراء الباشا باغوص بك من ناحية أخرى، ~~ولكن محمد علي رفض بتاتا الاقتراحات المعروضة عليه وأعلن الباشا - بحق - أن كريت يختلف ~~شأنها عن شأن جزيرة ساموس، فبينما أن سكان الجزيرة الثانية كلها أروام فإن جزيرة كريت ~~يسكنها شعب من مختلف الأجناس، ثم إن فيها عددا كبيرا من الرعايا المسلمين الذين لا يمكن ~~وضعهم عقلا تحت الإدارة اليونانية. يضاف إلى هذا كله أن حالة الأروام في الجزيرة تشهد ~~بالبرهان القاطع أن حكم الباشا ليس قاسيا ولا يتنافى مع قواعد التسامح الديني أو العدالة، ~~وعلى ذلك ظلت الأمور تجري مجراها الطبيعي لغاية سنة 1840م عندما أضاع الباشا جزيرة كريت كما ~~أضاع سوريا، ولم يتوان بالمرستون لحظة في العودة إلى مشروعه السابق بسن دستور لجزيرة كريت ~~شبيه بالدستور المعمول ms234 به في جزيرة ساموس، وهو المشروع الذي يلوح أن اللورد كان متعلقا به ~~كل التعليق. ولعل الخطر في هذا أن كامبل لما بسط المشروع للباشا لم يبسطه له على وجهه ~~الصحيح، ومهما سلمنا بأن كامبل لما عرض المشروع لم يستعمل اللباقة الكافية، بل وكان يعوزه ~~الإقناع فلا جدال في أن الباشا لم يكن ميالا إلى إدخال الإصلاحات الحقيقية، على أن بونسيني ~~لم يستطع أن يصنع مع الباب العالي أكثر مما صنعه كامبل مع محمد علي؛ فإن دوائر الآستانة ~~كانت تعتقد كما اعتقدت دوائر القاهرة بأن دستور ساموس غير صالح بالمرة لجزيرة كريت. وقد أقر ~~بونسيني هذا الرأي وأيده؛ ومن ثم بعث إلى رئيسه يقول: «إن السكان الأتراك في الجزيرة لا ~~يمكن وضعهم تحت الإدارة اليونانية، كما لا يمكن التفكير في وضع حاميات يونانية في القلاع، ~~وإلا كان معنى ذلك استمرار الفتن وتكون النتيجة أن تصبح الجزيرة تحت حكم اليونان أو فرنسا ~~أو روسيا.» ومن ثم تقرر إرجاع الجزيرة إلى السلطان دون منحها ذلك الدستور الذي ظن أنه لا ~~غنى عنه لخير الجزيرة ويسرها. # وكان التسامح الديني معمولا به في سوريا كما كان في مصر بطريقة لم تكن معروفة حق المعرفة ~~إلى ذلك الحين. ولقد ذهب وفد من العلماء ورجال الدين في دمشق لمقابلة إبراهيم باشا لبث ~~شكواهم من أن المسيحيين صار يسمح لهم بامتطاء الجياد وأن الفوارق والمميزات بين الكفار ~~وبين المسلمين قد زالت؛ فأعرب لهم مع شيء من التهكم عن موافقته على وجوب الاحتفاظ ببعض ~~المميزات، واقترح أن يركب المسلمون في المستقبل الهجين أو الإبل وهكذا يحلون مكانا أرفع من ~~مكان المسيحيين، # 17 # ولقد سجل روبرت كيرزون مناسبة محزنة حضر فيها إبراهيم باشا بنفسه الاحتفال ~~بمعجزة النار المقدسة في القدس، # 18 # ولقد كان من جراء هاتين المسألتين - الخدمة العسكرية والتسامح الديني - أن ~~ثارت ثائرة الأهالي المسلمين كافة وازداد حنقهم على الحكومة الجديدة، وقد أشرنا إلى ذلك ~~فيما مر من فصول هذا الكتاب، وقد أشار إلى هذه الحقيقة «مارمونت» عند ms235 زيارته لسوريا في ~~سنة 1834م؛ إذ ألفى كافة الأتراك فيها ساخطين على إبراهيم باشا أشد سخط، وإن سخط الأتراك ~~على السلطان في الولايات العثمانية التي مر بها كان لا يقل عن سخط مواطنيهم الآخرين على ~~إبراهيم. ولقد وصف القنصل الإنجليزي في حلب شعور أهل سوريا بأنه شعور سخط وتذمر، لا بل شعور ~~كراهية أيضا. # 19 # وليس من شك في أن هذا الشعور قد استفحل أمره من جراء تجديد آخر كان يدعو إلى القلق؛ ألا ~~وهو السعي لقطع دابر الرشوة في الأعمال الخاصة بتسيير العدالة، وهذه المسألة قد أجمع عليها ~~كافة القناصل الإنجليز في سنة 1836م، وهم الذين لا يمكن بحال ما أن يستشهد بهم الإنسان ~~لتحبيذ إدارة إبراهيم باشا في سوريا والإشادة بها. ولعل أكبر خصوم إبراهيم بين أولئك ~~القناصل يسلم على الأقل بأن دائرة الرشوة قد ضيقت كثيرا، بينما يسلم غيره بأنها ما ~~تزال موجودة، وإن كان هذا داخل حدود ضيقة جدا، فضلا عن أنها لا تزاول إلا خفية عن علم ~~ولاة الأمور. ويقرر قنصل ثالث بأن الرشوة قد زال استعمالها زوالا تاما؛ # 20 # فأنت ترى أن كل القناصل قد أجمعوا - وإن كان إجماعهم ذلك لم يأت من تلقاء نفسه ~~- بأن العدل لم يعد المثل الأعلى الذي لا يطبق على المسلمين وحدهم، ولقد أسف أحد ~~أولئك القناصل لعدم وجود قانون مكتوب، ولكن هو نفسه يسلم بأنه كانت توجد في المدن الكبرى ~~محاكم كالتي أنشئت حديثا في مصر يجلس فيها اليهود والمسيحيون القضاة للفصل في شئون ~~العباد. # وليس من شك في أن المرونة كانت إحدى مزايا النظام الجديد، وقد كان من حق صاحب الشكوى أن ~~يتقدم بشكواه على حد سواء إما إلى المفتي أو إلى الموظف الإداري الرئيسي، فإن اختار ~~الطريق الأول فإن الحكم لا ينفذ إلا بعد عرضه على الهيئة التنفيذية ولها أن تقره أو ~~ترفضه، وأما إن اختار الطريق الثاني فمن حق الموظف الإداري - إن كانت القضية من القضايا ~~البسيطة العادية - أن ينظرها ويصدر حكمه فيها، أما إذا ms236 كانت القضية من قضايا الحسابات ~~المعقدة أو خاصة بالشئون التجارية أحالتها إلى المحاكم الجديدة، فأنت ترى أن نظام العدالة ~~كان يتضمن عنصرا جديدا له أهميته الكبرى، هذا العنصر هو أن الخصم غير المسلم اتسع أمامه ~~باب الرجاء عن ذي قبل في أن تسمع شكايته بنزاهة ويفصل فيها بما يطابق العدالة. ولعله ~~مما يستحق الذكر هنا أن شهادة غير المسلم كانت بمقتضى النظام القديم الذي حل محله النظام ~~الجديد لا تسمع ولا تقبلها المحكمة ضد شهادة أحد من المؤمنين الصادقين. # 21 # ولقد أجمل أحد القناصل نتائج حكم محمد علي في تلك البلاد، فقال إنها تضمنت بين ما ~~تضمنته تأمين الناس من الأعمال العرفية، ويستثنى من هذا القرعة العسكرية وحماية ~~أملاكهم ووجود نوع جديد من الحرية الدينية وحرية الحياة والمسليات والملاهي وتوزيع ~~الضرائب توزيعا عادلا، وبالجملة كانت الحالة في سوريا أقرب إلى الحرية بقدر ما كان يمكن ~~التمتع به في مثل أي حكومة حرة، وفي رأي القنصل المشار إليه أن الإدارة قد تحسنت من عدة ~~وجوه إلى أبعد من المدى الذي كان ينتظره الإنسان، على أن القنصل أضاف إلى ملاحظته السابقة ~~قوله: «إن الناس لا يقدرون انتظام الإدارة وتحسنها، بل تراهم بسبب شعورهم وعواطفهم ~~السابقة أو عاداتهم أو أفكارهم القديمة على استعداد دائما لأن يحولوا تلك الإدارة ~~وتسخيرها في خدمة مصالحهم الخاصة.» # 22 ~~«ولاحظ قنصل آخر» أن الرأسماليين الوطنيين لا يحجمون الآن عن توظيف أموالهم في ~~المغامرات التجارية، مع أنهم في الماضي ما كانوا يجرءون على الدخول في مضمارها. # ولقد نشطت حركة التجارة وانتشرت التجارة انتشارا هائلا. نعم؛ إن ضريبة الأراضي قد بلغت ~~الثلاثة أضعاف في بعض الجهات ولكن هذا التغيير كان منشؤه زيادة المنافسة على ما قبل؛ ففي ~~الجهات القريبة من حلب ارتفعت الضريبة؛ لأن الأراضي لم تعد تزرع على أساس المحسوبية ~~وقوة النفوذ كما كانت الحال من قبل، وهذا على الرغم من أن الأراضي التي هجرها أصحابها بسبب ~~غارات البدو قد تقرر زرعها من جديد، # 23 # وبذلت المساعي لحمل البدو ms237 الرحل على إنشاء صلات تجارة ثابتة مع بقية السكان ~~المستوطنين وزحزحة خط الحدود الذي يفصل الصحراء ومنطقة العمران شرقا وإقناع البدو أنفسهم ~~من الاهتمام بالزراعة، وقد كتب «وبري» بهذه المناسبة، فقال: «إذا استمر العمل بهذا ~~النظام؛ فإنه كفيل بأن يؤدي إلى أجزل الفوائد، وبذا يتم ربط الشعبين السوري والعربي في ~~غاية سلمية واحدة.» # ولقد أمكن حمل رعاة البدو أن يقضوا جانبا من العام في الزراعة في سهل أطنة الغني ~~المترامي الأطراف، وهو السهل الذي يقطنه مثلا خليط من الأناضوليين والتركمان والأكراد، ~~والذي كانت الفوضى منتشرة في أنحائه من قبل، # 24 # ويستحيل على المرء أن يذكر بالضبط إلى أي مدى تمكن المقارنة بين ما جمع في ~~عهد إبراهيم من الضرائب وبين ما جمع منها في العصور التي سبقته. # وليس من شك في أن الخزانة العمومية قد تضخمت وأصبحت عامرة بما دخلها من صنوف الإيراد، ~~وكان جمع الضرائب بانتظام وتحت المراقبة الدقيقة، وقد فرضت على الأقل ضريبة واحدة جديدة ~~هي ضريبة الفردية، وكانت عبارة عن ضريبة شخصية (وتشبه ضريبة الإيراد في إنجلترا)، وقد ~~أريد بها بادئ ذي بدء تحصيل إيراد وافر في خلال الحرب. # ولكن محمد علي جعلها بمثابة مورد دائم، وكانت في بدء الأمر بنسبة 50 قرشا عن كل شخص، ~~ولكن ما لبثت أن خفضت هذه النسبة وجعلت تتراوح بين 30 و50 بحسب ثروة الفرد المعين. ~~وعلى هذا الأساس كان يفرض مبلغ معين على كل أسرة مع ترك الحرية لأعضائها لتوزيع المبلغ ~~المطلوب بين أفرادها، كل على حسب مقدرته، ويقال إنه كان من شأن هذا الترتيب أن الفقراء ~~كانوا يعافون من الدفع في حين أن الأغنياء كانوا يؤدون ما يزيد عن الغاية القصوى لقيمة الضريبة. # 25 # أما الضريبة المفروضة على الكتابين، وكانت تسمى الخراج خطأ في سوريا وكريت، فقد كان ~~تحصيلها يجري بمقتضى فرمانات خاصة يصدرها الباب العالي وترسل بعد جمعها إلى الآستانة ~~يستعملها الخليفة في شئونه الخاصة، وكان معدل الضريبة المذكورة 15-30 قرشا حسب ثروة الشخص ~~المفروض عليه الضريبة، بيد ms238 أن الموظفين المكلفين بجمع هذه الضريبة كانوا يتخذونها دائما ~~لحمل هؤلاء الكتابيين على دفع حصة إضافية لهم لاستعمالها في شئونهم العائلية، ولكن وضعت ~~إجراءات خاصة في سنة 1835م لوقف هذه الإعانات الشاذة المخالفة للقانون. # 26 # وكانت الأموال الأميرية أو ضريبة الأراضي هي المورد المالي الأساسي في سوريا، كما في ~~البلاد الأخرى، ولكنها لم يراع في تطبيقها قاعدة معينة، كما أن تحديدها لم يكن بناء على ~~مساحة الأراضي مساحة حقيقية، بل كانت الوحدة الاسمية المستخدمة في مسح الأراضي هي أقصى ما ~~يستطيع «ثوران» حرثه من الأراضي في خلال يوم واحد، وهو نظام كان كفيلا بأن يفتح الباب على ~~مصراعيه أمام التهرب والتحايل، ولم تبذل أي محاولة لوضع ضريبة على العقارات العينية، ~~ولكن كان يطلب إلى مدير الإقليم أن يجد أموالا قيمتها المبلغ المطلوب، فيختصر الطريق ~~بأن يفرض المبلغ المذكور على القرى الواقعة في مديريته؛ فيعمل الأشخاص على تقاسم المبلغ ~~فيما بينهم. # وبالجملة، فإن أساس الإدارة الصحيحة - وهو مسح الأراضي بطريقة منظمة - كان معدوما ~~بالمرة، على أنه كان ينتظر أن حكم محمد علي لو استمر لكان الأمل عظيما في أن ينتقل ~~الإصلاح من مصر إلى سوريا. # 27 # ولا يلوح أنه كان في إدارة إيرادات الأطيان ما يثير الشكوى ويدعو إلى التذمر أو إيجاد ~~الضغائن والأحقاد، ولكن المقتضيات العسكرية التي كثيرا ما أشار إليها القناصل في تقاريرهم ~~كانت بطبيعة الحال موضع استياء الأهلين؛ فقد كانت السلطات العسكرية تستولي على الحبوب ~~والأرزاق بأثمان هي دون أثمان السوق لتزويد الكتائب الزاحفة. هذا بينما الأشجار الباسقة ~~كانت تقتلع لاستعمالها في الوقود وتؤخذ الدواب من أصحابها لاستخدامها في النقل إلى ~~مسافات بعيدة. نعم؛ كانت السلطات العسكرية تدفع إلى أصحابها أجورا، ولكن هذه الأجور قلما ~~كانت كافية للقيام بأود الفلاح لتعويضه عما تجشم من المتاعب في سبيل تتبع ماشيته ~~والعودة بها إلى داره بعد أن تفرغ حاجة السلطة العسكرية، ويضاف إلى ما سبق تسخير العمال في ~~بناء القلاع التي كان ينشئها إبراهيم باشا؛ فقد كانت أجور العمال دون ms239 نصف ما كان يحصل عليه ~~في الأعمال العادية، هذا عدا أن السلطات كان في وسعها احتجازه للعمل إلى أجل غير مسمى. # 28 # وقد سارت إدارة إبراهيم في سوريا من وجوه عديدة ولأسباب كثيرة سيرا هو أبعد من الهدوء ~~والنجاح من إدارة أبيه في مصر؛ فليس من ريب في أن انهماكه في حركة التجنيد قد نفر منه ~~الطبقات الإسلامية؛ لأن المجندين لم يؤخذوا إلا منها وحدها، بينما أدى ما أظهره من ~~التسامح الديني إلى قلق كل متعصب في أنحاء البلاد وشغل باله. أما الفلاحون والعمال فقد ~~ضايقهم محاولات إبراهيم للاستيلاء على الأقوات والمحاصيل، هذا في حين أن صرامته وشدته قد ~~أدخلتا الرهبة على قلوب الموظفين ورجال الإفتاء والقضاء وجعلهم يغرقون رعبا حرصا على ~~مرتباتهم الفادحة التي كانوا يتناولونها منذ زمن بعيد. وفوق هذه الاعتبارات جميعها كان يوجد ~~اعتبار آخر، ألا وهو أن الأهلين يعتبرونه حاكما غريبا هبط إلى ديارهم بأصول في الحكم ~~ومبادئ في الإدارة اقتبسها من مصر، ولقد كان مسلمو سوريا منذ زمن طويل يعتبرون مسلمي مصر ~~دونهم في الثقافة بكثير، فجاء فتح إبراهيم للبلاد السورية بمثابة فرصة أتاحت للمصريين أن ~~يرفعوا عنهم ذلك الازدراء والاحتقار الذي كان ينظر السوريون به إليهم، ثم تبين أن الجندي ~~الفلاح لم يكن يبدي من سعة الصدر نحو السوريين مثل ما كان يبديه نحو مواطنيه. # 29 # نعم؛ لقد ارتأى إبراهيم بأن ينشئ سلسلة مخافر بين المدن الرئيسية بعضها وبعض، ~~لكن لم يكن للناس ثقة بهذه المخافر واستمروا يرسلون بريدهم بواسطة سعاة يستأجرونهم لهذه الغاية. # 30 # وثمة مسألة أخرى كانت مثارا للخلاف ومنشأ للصعوبات، وهي خاصة بآراء إبراهيم السياسية؛ ~~فإنه كان أشد من أبيه تعلقا بفكرة إحياء الخلافة العربية، ولم يكن محمد علي ممن يفكرون ~~جديا في هذه المسألة، وإن كان قد عرف عنه أنه كان يداعب هذه الفكرة من آن لآخر، وقد ~~كانت ميول محمد علي بين روح الاستقلال السياسي وبين إصلاح الإمبراطورية العثمانية، وهذه ~~الغاية الأخيرة كانت أهم ما تطمح إليه نفسه، وكان ms240 يلوح له أن العرب عنصر أحط من العنصر ~~التركي، وأنه في حاجة إلى تعليم طويل وشاق؛ ولذا لم يكن يسمح في عهده بأن يشغل أحد من ~~العنصر العربي مركزا خطيرا لا في الإدارة ولا في الجيش، أما ابنه إبراهيم فكان على النقيض ~~من ذلك؛ ولذا رأيناه يسرف في تشجيع العنصر العربي. وقد ذكر كاتب فرنسي - هو «بوالي كومب» - ~~أن خطة إبراهيم هذه قد أدت به إلى متاعب في الإدارة العسكرية، وأنه كان بطبعه شغوفا ~~بالمعيشة في وسط جنوده مع رفع الكلفة بينهم وبينه، بل إنه كثيرا ما كان يقوم بالألعاب ~~الرياضية معهم ويتغنى بالعنصر الذي نشأوا من سلالته ويقارنه بالعنصر التركي البليد الساقط. ~~ولقد سأله أحد الجنود العرب يوما كيف يتفوه بأمثال هذه العبارات مع أنه تركي صميم؛ ~~فأجابه إبراهيم من فوره بحرارة: «كلا؛ لست تركيا! فلقد هبطت أرض مصر وأنا طفل رضيع، ~~ومنذ ذلك الحين قد غيرت شمس مصر الدم الذي يجري في عروقي، وصيرتني عربيا ~~صميما.» وكانت حاشيته تردد هذه الآراء. مثال ذلك أن مختار بك كان يجاهر بأنه هو وأمثاله ~~جيء بهم إلى مصر وهم في المهد، وعليه فلا تربطهم بالعنصر التركي أي رابطة وهم تابعون لا ~~للجنس الذي لا يترك إلا الخراب وراءه أينما حل، بل لذلك الجنس النبيل الذي أضاء طريق العالم ~~في العلوم والاختراعات وغطى أنحاء المسكونة بالمدن الناضرة والتماثيل البديعة التي أقامها ~~على طول المسافة بين بلاد العجم إلى بلاد إسبانيا على أن التغني بتلك السلالة الوهمية لم ~~يكن من شأنه إقناع الجنود من الجنس العربي الذين كانوا يحرمون من الترقيات لينعم بها رجال ~~يزعمون أنهم (من الناحية الروحية فقط) من سلالة الجنس الذي انحدروا منه أنفسهم. ومما ضاعف ~~شعور السخط هذا وزاد انتشاره التشريع الذي اقتبسه إبراهيم من القانون الفرنسي بمنع العقوبات ~~العرفية؛ فإن أقل توبيخ كان يؤدي في الحال إلى المطالبة بعقد الديوان (أي إجراء التحقيق ~~بواسطة المحكمة)، وكثيرا ما كان الجنود يتوعدون ضباطهم برفع شكايتهم إلى إبراهيم نفسه. # 31 # ولم ms241 يك تدهور النظام العسكري وتضعضعه بالبلاد الوحيد الذي ترتب على تحمس إبراهيم ~~للجامعة العربية وأخذه بمناصرتها؛ فإنه لم يكن يقتصر نحو إبداء ميوله نحو تلك الجامعة ~~سرا، كلا بل كان يتكلم علنا عن إنعاش القومية العربية والسعي إلى نظم كل من يتكلمون بلغة ~~الضاد تحت حكم واحد وفتح أبواب وظائف الدولة على مصاريعها أمام أبناء العرب، وكذلك تقليدهم ~~أسمى المناصب في الجيش واشتراكهم معه في التمتع بنعيم الإيرادات العامة وأبهة الحكم وعظمته، ~~على أن هذه الآراء والنوايا مهما كانت محبوبة في مصر كانت تقابل في سوريا مقابلة أخرى؛ ~~لأن التمييز لم يكن بين الأهالي باعتبارهم أتراكا أو عربا، كلا بل كانوا يميزون بعقيدتهم ~~الدينية فقط أي إن أهالي سوريا كانوا منقسمين إلى مسلمين ومسيحيين فحسب، وعليه فإن نظريات ~~إبراهيم لم يكن من شأنها أن تطمع السوريين في شيء كانوا محرومين منه، في حين أنهم كانوا ~~يكادون يوضعون في مستوى المسلمين الذين كانوا موضع ازدراء السوريين واحتقارهم، أو بعبارة ~~أخرى أن هذه الآراء بدلا من أن تغرس حب إبراهيم في قلوب الأهالي قد جعلته هو وسياسته موضع ~~ارتياب الشعب السوري. # وفي الحق لم يرزق إبراهيم ما كان لأبيه من هيبة حكم الناس وإسلاس قيادهم؛ فإن الباشا ~~الكبير كان يعرف بالضبط مواضع الندى ومواضع السيف، ومتى يترفق في القول ومتى يتوعد ومتى ~~يضرب ضربته الحاسمة؛ فكانت ملاطفته أشبه شيء بالقطيفة المخيفة التي تكسو براثن النمر. ولم ~~يكن تعوزه الحيلة أو يخونه ذكاؤه لابتكار مختلف المعاذير والتعللات المتعددة لتنفيذ ~~إرادته. # أما إبراهيم فكانت له موهبة واحدة؛ فقد كان جنديا باسلا موفقا وكان مبدأه أن القوة ~~وحدها هي الكفيلة بتذليل المصاعب، ولو كان إبراهيم ترك وشأنه لما تردد في تحدي كلمة ~~أوروبا المتحدة ولهدم في ساعة واحدة ما تجشم أبوه نحوا من ثلاثين عاما في إنشائه ~~وبنائه، وإذا كان إبراهيم قد فشل في اكتساب السوريين إلى جانبه فإنه قد نجح في نشر لواء ~~الأمن والسلام والتسامح الديني، كما أنه وفق في تقليم أظافر المغيرين ms242 وتنشيط الزراعة ~~وتطهير العدالة مما كان عالقا بها من الشوائب والأدران كما ساعد على توسيع دائرة التجارة، ~~ولكن مسلمي سوريا لم يذعنوا لإبراهيم إلا رهبة من جبروته وخشية من سطوته؛ ولذا كانوا ~~يتربصون به الفرص الملائمة لخلع يده والتخلص من حكمه والعودة من جديد إلى ولائهم السابق ~~واستعادة ما كان لهم من السيطرة التقليدية على المسيحي المكروه وغسل عار ذكرى غلبة المصريين ~~وفتحهم لسوريا. # | الخاتمة # كانت أزمة سنتي 1839م-1840م خاتمة النشاط في حياة الباشا الكبير، وإن كان قد سلخ بعد ~~ذلك حقبة زمنية بأكملها وهو يحكم مصر فإن العبء كان ثقيلا وخيبة الأمل من الفداحة بحيث لم ~~يستطع أن يضمن ذلك الشيخ الهرم الذي جاوز السبعين، فعلى عاتقه وحده كان عبء المسؤلية وبذل ~~الجهود واتخاذ القرارات الحاسمة وتدبير الرأي، ولم يكن يعرف طعم الكرى كما أن أعصابه قد ~~أصبحت متعبة إلى حد أنه كان كثيرا ما كانت تنتابه سورة الغضب الشديد، على أنه حتى بعد أن ~~مرت الأزمة وضعفت مرارة خيبة الأمل؛ فإن أعصابه قد ظلت متعبة برغم ما كان يبدو عليه من ~~علامات الصحة الجسمانية، # 1 # وفي منتصف عام 1844م ثقل عبء السنين على عاتقه بكل مزعج، وكان من نتيجته هذا ~~الحادث المرعب. # ففي إحدى الليالي وهو في الإسكندرية بعد أن فرغ محمد علي من المجلس الذي دارت فيه مناقشات ~~حادة بينه وبين كبار رجال دولته آوى إلى مخدعه، ولكن الأرق قد تملكه ولم تذق عيناه ~~النوم مطلقا. # وفي الصباح الباكر غادر فراشه وولى وجهه شطر قاعة الاستقبال وكانت خالية طبعا؛ لأن أحدا ~~من الوزراء لم يكن موجودا في مثل تلك الساعة المبكرة، وإذ ذاك استلقى محمد علي على ~~«الكنبة» وأجهش في البكاء والعويل بحالة عصبية مسموعة. # وبعد برهة قصيرة أرسل في إحضار طعام الإفطار، ولكنه لم يتناول منه شيئا عندما أحضر ~~إليه. # وقد رفض تناول قدح القهوة كما رفض تدخين «الشبك»، وبعد ما يقرب من الساعة طلب الباشا ~~المركبة وبدأ ينزل درج السلم، وكان الوزراء قد حضروا جميعا ms243 على عجل وقد ظلوا واقفين أمام ~~مولاهم دون أن يجرأ أحد على الدنو منه. # فما كاد بصره يقع عليهم حتى صاح فيهم بأنهم قد خانوه جميعا، وأنه قد عقد النية على أن ~~يغسل يديه من كل شيء وأن يغادر الديار لحج بيت الله الحرام. # ثم تولى عنهم قاصدا البيت الخلوي بقرب الترعة المحمودية الذي كان يقصده كلما أراد أن ~~يستقل الباخرة ذاهبا إلى القاهرة. ولما لم تكن الباخرة قد أعدت له أغلق الدار وبقي ~~فيها بنفسه، وكان كل جوابه على القنصل الفرنسي عندما حضر مستفسرا على الخبر الذي يمكن أن ~~يبعث به إلى حكومته هو «ما فات فات، والمقدر لا بد من نفاذه.» وفي اليوم التالي استقل ~~الباخرة وعند وصوله القاهرة حبس نفسه في قصره بشبرا بقرب النيل وهرع إليه كلوت بك ليسهر ~~على راحته، ولكن الباشا كان ما يزال في حالة هيجان عصبي، حتى إنه ما كان يستطيع أن يدني ~~قدح القهوة من فمه كما كان لم يكن يسعه التنقل من حجرة إلى أخرى بدون أن يتكئ على ذراع ~~أحد من رجال الحاشية. # 2 # ومع ذلك ففي الوقت الذي توقع فيه الناس أن تنشب المنية أظفارها في الباشا، أو يصبح ~~على الأقل عاجزا عن إدارة دفة الأمور؛ فإن ما ناله من الراحة وعناية كلوت بك وموالاته ~~السهر على راحة مولاه، وفوق ذلك كله قوة بنية الباشا الخارقة للعادة، كل ذلك قد مكنه من ~~استعادة صحته وقد فارقه الهم والوسواس وعاد ذهنه إلى سابق صفائه. ومن ثم عدل عن مشروع الحج ~~إلى بيت الله الحرام وقضى بالغرامة على كل وزير يثير حفيظته وغضبه. # 3 # وفي الوقت نفسه أخذت صلات الباشا ببريطانيا العظمى في التحسن تحسنا محسوسا، ويرجع سر ~~ذلك إلى سقوط وزارة الأحرار في سنة 1841م، وقد أبدى كل من «بيل» و«أبردين» رغبتهما في تسوية ~~العلاقات وتحسين الصلات ولم يحجما عن الإعراب عن استهجانهما لسياسة الوزارة السابقة. وفي ~~سنة 1843م عقدت الحكومة الإنجليزية العزم على أن تهدي محمد علي سفينة ms244 بخارية كدليل على ~~شكر الشعب الإنجليزي وتقديره له، # 4 # وأهدته شركة الهند الشرقية بنافورة من الفضة الخالصة، # 5 # وبعثت له جلالة الملكة بصورتها في إطار رصع بالأحجار الكريمة، # 6 # وأنعم عليه حوالي الوقت نفسه ملك فرنسا بنيشان جوقة الشرف «اللجيون دونير»، # 7 # وذهب إبراهيم باشا في زيارة فرنسا وإنجلترا، حيث استقبل فيهما استقبالا ~~حافلا، وقد أظهر أنه لا يتأخر عن نخب أي إنسان، وقد صرح محمد علي أنه سيحتذي حذو ولده ~~إبراهيم، وقد أكد له عدوه الألد القديم لورد بالمرستون الذي عاد إلى منصب وزارة الخارجية ~~بأنه إذا حضر لإنجلترا فلسوف تقابله جلالة الملكة المقابلة الحافلة التي يستحقها، وأنه ~~يمكنه أن يعتمد على حسن الاستقبال من حكومة جلالة الملكة له. # 8 # وشاءت المقادير ألا تقع هذه الزيارة، ولكن الباشا شد رحال السفر فعلا إلى الآستانة سنة ~~1846م، حيث قوبل مقابلة حارة، ثم (بعد زيارة قصيرة إلى مسقط رأسه في مدينة قولة) وهو ~~يتمتع بصحة جيدة ومنشرح الصدر انشراحا لم يتمتع به منذ سنة 1840م، وقد تواترت الإشاعات ~~بأنه وزع على كبار الناس في الآستانة ما يقرب من ربع مليون جنيه، # 9 # على أن هذا كان خاتمة أعماله؛ لأن إدارة البلاد ابتداء من سنة 1847م فصاعدا ~~أصبحت فعلا في يدي ولده إبراهيم؛ لأن الباشا نفسه كان قد تغلبت عليه الشيخوخة ~~الحقيقية. ولقد انتقل إبراهيم باشا إلى العالم الآخر في نهاية سنة 1848م؛ أي بعد أسابيع ~~قليلة من تلاوته «الحظ الشريف» بتعيينه واليا على مصر بعد أن أقعد المرض والشيخوخة والده ~~عن إدارة البلاد، # 10 # ثم خلف إبراهيم عباس الأول، وهنا لا بد أن نقول إن إبراهيم احتفظ بجميع تقاليد ~~أبيه، ولكن سرعان ما تغيرت الأمور بجلوس عباس على الأريكة وتحولت الدنيا إلى دنيا ~~جديدة تختلف كل الاختلاف عما كانت عليه في عهد سلفه الكبير؛ فإن محمد علي كان حريصا كل ~~الحرص على الاعتدال في نفقاته الخصوصية، ولكن عباس كان لا يرى أن هناك ما يستحق الإنفاق أو ~~إضاعة الأموال عليه، وقد ms245 كتب القنصل البريطاني العام وقتئذ بمناسبة ذلك فقال: «إن عباسا ~~أصبح يشيح بوجهه عن المشروعات التي بدأها الباشا الكبير واحدا تلو الأخرى، فقد أغلق ~~المدارس واستغنى عن المصانع، وإني أتوقع الآن أن أسمع أنه سيعدل قريبا عن مشروع القناطر ~~الخيرية الذي أثار لغطا كبيرا في أوروبا؛ فلقد كلف المشروع الخزانة إلى الآن ما يقرب من ~~المليوني جنيه، ولا يحتاج إلى إتمامه أكثر من نصف مليون، وبينما يضن عباس بالأموال على ~~أمثال هذه المشروعات الحيوية تراه يبذرها يمينا وشمالا في تأثيث القصور وتقديم الهدايا ~~الثمينة إلى أقارب السلطان في الآستانة، هذا إلى أنه شرع يتكلم عن ابتياع عدد من البواخر ~~كانت في زعمه عديدة وزهيدة الثمن كثمر التين.» # 11 # ولحسن الحظ لم يكن محمد علي يعرف ما هو جار خلف الستار، ولا يدري أن عباسا الأول قد طرح ~~كل مشروعاته النفيسة لترقية البلاد ظهريا الواحد تلو الآخر. وأحسب أنه لو كان علم بذلك ~~لصدم صدمة دونها صدمة الشيخوخة وما ينتابه من الألم الجثماني. وأخيرا، بعد حياة حافلة ~~لحق بربه وهو في سن الثمانين، وكانت وفاته في اليوم الثاني من شهر أغسطس سنة 1849م، ثم ~~نقلت جثته من القصر إلى الطريق الذي سلكه من قبل في سنة 1844م، وهو مشوش الفكر، ثم بترعة ~~المحمودية فنهر النيل إلى بولاق بالقاهرة، وكان في استقبال الجثة كافة أفراد الأسرة الباقين ~~على قيد الحياة ولم يتخلف سوى عباس. # وسار موكب الجنازة البسيط ميمما شطر المكان الذي اختاره محمد علي منذ سنوات ليكون ~~مثواه الأخير في المسجد الجديد الذي بناه بالقلعة، حيث يطل الإنسان على العاصمة الكبيرة ~~ومجرى النيل ومن خلفها الأهرامات. وبهذه المناسبة كتب القنصل الإنجليزي العام بعبارة بليغة ~~وبتأثر غير مألوف، فقال: «إن ما تظهره كافة طبقات السكان في مصر من الحب والتمجيد لاسم محمد ~~علي يسمو في روعته عن أي موكب جنازة اجتمع لخلفه؛ فلا يزال الشيوخ من السكان يذكرون فضل ~~محمد علي في تخليص البلاد مما كان فيها من الفوضى والاضطرابات، أما الشبان ms246 منهم فإنهم ما ~~فتئوا يقارنون بين عهده النشيط وعهد خلفه القائم على التردد والتذبذب. وأخيرا، فإن سائر ~~الطبقات بما فيها الأتراك والعرب لا يحسون فقط، بل يخشون التصريح علانية بأن يسر مصر ~~ورخاءها قد انقضى بوفاة محمد علي ... وفي الحقيقة ليس من سبيل إلى إنكار أن محمد علي كان برغم ~~غلطاته رجلا عظيما.» # فلقد استطاع دون أن تكون له مزية رفعة الحسب أو الثروة المدخرة أن يشق طريقه إلى السلطان ~~والشهرة العالمية لا معتمدا إلا على عزيمته التي لا تقل وقوة مثابرته وفرط ذكائه «ومع أن ~~محمد علي كان يخفي أعمال القسوة بين آن وآخر فإنه لم يكن قاسيا بطبعه، وكان يحب الشهرة ~~والسلطان حبا عظيما، وفيما عدا ذلك لم يحفل بالمال إلا باعتباره وسيلة لتحقيق الأماني ~~العظيمة.» وكثيرا ما سمع القنصل العام أكثر من واحد يتمنى في خلال مرض محمد علي الأخير ~~«أن لو اقتطع الله جل وعلا عشر سنوات من عمره عن طيب خاطر إلى عمر الباشا الكبير.» ولما هبط ~~إلى حلب أو دمشق أو أي من المدن التي كانت تحت نير السلطان مباشرة، حيث لم يكن الفرد ~~المسيحي مطمئنا على نفسه من الأذى أو الإهانة أصدر محمد علي أمره بأن يسمح لأي مسيحي ~~أو أوروبي بأن يسير في شوارع القاهرة بلا سلاح وبدون أن يتعرض لأي خطر كما كان يفعل لو ~~كان في لندن، وقد ختم القنصل العام ورسالته باعتذار لا لزوم له عن تحمسه لمحمد علي، فقال: ~~«وأغلب الظن أنني لم أستطع أن أقاوم كلية ما كان للباشا من التأثير في نفوس الذين كانوا على ~~اتصال به بفضل تربيته السامية وأخلاقه الجذابة.» # ثم ماذا يكون حقه في ذكرنا إياه؟! ... لقد كتبت على الصفحة الأولى من هذا الكتاب كلمة من ~~كلمات محمد علي قارن فيها بين ما عمله في مصر وبين ما عمله مواطنو الهند. وعندي أن وجه ~~المقارنة غير تام، ولكن هذه الكلمة تنطوي برغم ذلك على جزء من الحقيقة أكبر بكثير مما يود ~~الإنسان التسليم ms247 به بادئ ذي بدء، ولكن ثمة وجوه كثيرة للشبه بينه وبين رجال الإدارة ~~الإنجليز الذين أسسوا تلك الشركة في الهند، وقد رأى نفسه مثلا كما رأى أنفسهم يحكم ولايات ~~تابعة لإمبراطورية بائدة تعيش في ظلال مجد قد انقضى العهد الذي يبرر وجوده، اللهم ما عدا ~~ذكريات العظمة البالية، ثم إنه كمثلهم كان يضيق ذرعا بخرق الرأي المبني على الرشوة السائدة ~~في البلاط الإمبراطوري الذي يصر على ألا يرى إلى أبعد من الظروف الحالية المحيطة به، وقد ~~سعى كما سعينا في نيل الاستقلال إرضاء لمطامع شخصية بلا جدال، ورغبة منه في أن يبقى اسمه ~~تردده الأجيال المقبلة جيلا بعد جيل، ولكن أهم باعث على السعي لنيل هذا الاستقلال هو ~~كرهه للفوضى والرشوة وفساد الحكم. # وقد طمح الباشا كما طمح رجال الإدارة في الهند إلى أن يتمتع بالحرية ليتسنى له إيجاد ~~نظام جديد للإدارة خير من النظام السابق، ولكن ما كان عليه وهو يسعى لتحقيق هذا أن يواجه ~~كثيرا من المصاعب التي تعترض طريقه، وهي مصاعب تختلف كل الاختلاف عما كان يواجه حكام ~~الأقاليم في الهند؛ لأن ما كان على الآخرين أن يواجهوه لم تزد عن المعارضة التي كانت تأتي ~~من ناحية هيئات ضعيفة في داخل حدود الهند نفسها أو من ناحية منافسين أوروبيين لم يكن في ~~استطاعتهم اختراق نطاق المراقبة البحرية القوية المبثوثة في المياه الشرقية. # ولكن سياسة محمد علي كانت تسير في اتجاه مضاد لرغبات الدول العظمى التي كانت نار الحسد ~~مشتعلة بين بعضها وبعض، بحيث لا يمكنها الاتفاق أو جمع كلمتها على هدم الإمبراطورية ~~العثمانية لا على أيدي إحدى هاته الدول ولا على يدي دولة أخرى عداها، ثم إن الفرصة ~~الوحيدة التي كان يمكن حقا أن تحقق للباشا الحصول على حريته، وهي فرصة وجود حرب ~~أوروبية عامة لم تسنح مطلقا؛ فإذا كان محمد علي قد أخفق في إنشاء إمبراطورية عظيمة كما ~~فعلت شركة الهند الشرقية فليس ذلك مرجعه عدم مهارة الباشا ولا عدم مثابرته. كلا؛ لأن الحظ ~~والقوة اللذين ms248 كانا من نصيب الشركة قد أخطآه، فلم يكن له سبيل إلى الفرار من الضغط الهائل ~~الذي وضعته الدول الأوروبية العظمى. # على أن وجه المقارنة في هذه المسألة - أي مسألة السياسة الخارجية - ليس مما يلفت النظر ~~كما هو الحال في شئون الإدارة الداخلية والخارجية؛ فإن المهمة التي اضطلع بها الباشا كانت ~~تشبه من وجوه متعددة المهمة التي اضطلعت بها الشركة؛ فإن حكومة مصر كحكومة البنغال أو حكومة ~~الكارناتك لم يعد في استطاعتها أن تزعم أنها تعمل للصالح العام؛ ذلك لأن الحكام والأعوان ~~لم تعد لهم مهمة إلا اقتناص المصالح الشخصية، ونظرا لأن الرعية لم تكن منتظمة التنظيم ~~الكافي فإنها كانت تقاوم مطالب الحكام مقاومة صامتة متفرقة وعلى غير طائل، وقد أصبحت ~~العدالة مجرد صدفة من الصدف السعيدة، وتلاشت الحماية ولم يك ثمة ما يراقب حركة الشاهدين. ~~وبديهي أن إنشاء إدارة على أساس عفن ومتداع كهذا الأساس كان من أشد المهام السياسية، على ~~أن هذا الإنشاء لم يتم إلا بعد ارتكاب عدة غلطات. # يضاف إلى كل هذا أن أنواع ما قام من النظام الإداري في مصر أو في الهند كانت متشابهة ~~وقريبة بعضها من بعض؛ فلقد كان النظام في كلا البلدين نظاما أوتوقراطيا مستندا إلى ~~الحكم الفردي المطلق المحدود فقط بما يتحلى به الحاكم المفرد من المبادئ الأدبية، بمعنى ~~أنه كان كما يشاء السيد المطاع والمالك لزمام كافة الأراضي والتاجر الأكبر، وعليه كانت ~~المسائل الأساسية التي واجهت محمد علي وموظفي الشركة الأولين، وهي إلى أي حد يتفق مع العدل ~~وخير البلاد يمكن تحديد هذه السلطة الواسعة وإلى أي مدى يمكن تطبيق دروس التجارب الغربية ~~على الأحوال السائدة في الشرق، والتي تختلف كل الاختلاف عن أحوال الغرب. ولعمري لقد كان ~~البت في بعض هذه المسائل - لا فيها كلها - أسهل على الباشا منه على الشركة الهندية، هذا ~~بينما كان يعتبر سكانها من جنس واحد تقريبا إذا قيسوا بالأجناس المختلفة في الهند، ثم ~~إن نظامها الاجتماعي كان بعيدا عن التعقيدات الناشئة عن الأنظمة الطائفية الهندية. ms249 وفوق ~~هذا كله لم يكن سكان مصر منقسمين إلى مذهبين دينيين متنافسين كما هي الحال في الهند، ولكن ~~يذكر في مقابل هذه المزايا الكبيرة التي تتمتع بها مصر نقص كبير؛ وهو عدم وجود معين لا ~~ينضب من الرجال يعتمد عليهم في تنفيذ ما يصدر إليهم من الأوامر. وفي الواقع أن نظام ~~الإدارة في عهد الباشا كان يختلف عن نظام الشركة في الهند بعدم وجود هيئة الخدمة المدنية ~~كما هي الحال في الهند، وأحسب أنه لا يمكن عدلا تشبيه مصر في عهده بالهند في عهد بتنك، ~~ولكن قد يمكن المقارنة بينهما في أوائل عهد الشركة بحكم الهند، أي الوقت الذي لم يكن تطورت ~~فيه مزايا موظفي الشركة في البنغال مثلا أثناء حكم «كليف» أو «هاستنجز». # هذه الحقيقة وحدها كانت كافية في إيجاد الفوارق بين نظام إدارة إيراد الأراضي لدى حكومة ~~الباشا ولدى الشركة الهندية؛ فإن محمد علي لم يخطر له طبعا أن يعمل على وضع تسوية دائمة ~~للموضوع، ولكن سياسة كورنواليس الخاصة بالإيرادات لم تكن أكثر من مجرد سياسة محلية مشوشة لم ~~تلبث أن طرحت ظهريا في جميع الجهات ما عدا الجهة التي نشأت فيها تلك السياسة، وإذا ما ~~استثنينا تعيينه المحاصيل التي ينبغي زرعها في بعض الجهات ؛ فإن أساليبه كانت كثيرة الشبه ~~بما كان متبعا في مقاطعة مدراس مثلا؛ فتحديد ضرائب فادحة موضوعة على نسبة ما يمكن دفعه في ~~السنوات التي تكثر فيها غلة الأراضي لا في السنوات العادية، وعجز المزارعين عن دفع الضرائب ~~المختلفة عليهم، واستعمال الكرباج لحمل المزارعين على الدفع؛ كل هذه الأساليب كانت مستعملة ~~في بعض المقاطعات الهندية لا قبل بداية الحكم البريطاني فقط، بل وفي أوائله أيضا، لا بل إن ~~المبدأ القاتل بملكية الأراضي للدولة نادت به الشركة وطبقته منذ زمن بعيد قبل ظهور ~~الحكم البريطاني. # نعم؛ لم يكن في وسع الهند البريطانية أن تقدم ما يشبه نظام التجنيد الذي سنه محمد ~~علي في مصر، ولكن هذا التجنيد لم يكن ما يقتضيه في الهند، وهذا فضلا ms250 عن أن أحدا لم يسعه ~~أن يتصوره أو يدركه، أولا أنه لم يكن ضروريا؛ لأن عددا كبيرا لهذا كان يحمل السلاح ~~مكرها، وثانيا كان غير مفهوم؛ لأن العادة والنظام الاجتماعي كانا يحتمان ألا يحمل ~~السلاح إلا طبقات معينة فقط من الأهالي، ولعل الفائدة لم تكن كلها إلى جانب الهند في مسألة ~~كهذه. # ومسألة أخرى هي أن موقف الباشا كان أشد أوتوقراطيا في الظاهر من الحكام الذين كانوا ~~يعملون باسم الشركة الهندية، بمعنى أنه لم يكن يتردد في تنفيذ إرادته ولو بأقسى الوسائل ~~إذا اقتضى الأمر ذلك، ومن جهة أخرى لم تكن تفرق بينه وبين شعبه تلك الفوارق الدينية أو ~~الثقافية التي كانت تفرق حكام الشركة عن أمراء الهند، ولم يكن يقتصر على إرغام رجاله على ~~الانخراط في سلك جيشه فحسب، بل كان يحملهم أيضا على زراعة القطن وقصب السكر وشجر التوت وأن ~~يبعثوا بأولادهم إلى المدارس، وأن يقوموا بكل ما يظنه صالحا لخير الدولة وليس يسع أحد أن ~~يوجه إليه شيئا من اللوم في ذلك؛ إذ لم يكن ثمة سبيل للقيام بالإصلاحات التي كان ~~ينشدها. # ثم إنه كثير الحذر والتأني، ولعل ذلك كان من أهم مزاياه في طبع النظام الإداري بالطابع ~~الغربي؛ لأن المزايا المادية متى أدركت مرة فليس يسع الإنسان إلا التسليم بها. # أما المزايا الأدبية، فقد كان يعرف أنها مما لا يدركه الإنسان إلا تدريجيا؛ لذلك لم يكن ~~الباشا مستعجلا لحكم البلاد بالأساليب الغربية، فلم يحاول - كما فعل كورونواليس في الهند - ~~أن يعطل بين الهيئة القضائية والهيئة التنفيذية، أو أن يسن قانونا جديدا قد لا يستطيع ~~الشعب تفهمه، كما أنه لم يحاول البتة أن يغير أساس الإدارة من تنفيذي إلى قضائي، ~~ولكنه لم يسكت عن عمل كل ما أمكن عمله لتطهير العدالة مما كان عالقا بها من الأدران ~~والإشراف على المحاكم القديمة وإدخال محاكم جديدة أكثر انطباقا على روح العصر، ثم إنه لم ~~يحاول شيئا في سبيل إنشاء معاهد تشريعية، ولكنه لم يتوان عن بذل كل ما في ms251 سعته لتحسين ~~تصريف الأعمال العامة عن طريق النقاش، وأن يجمع في صعيد واحد ممثلي الطبقات المختلفة الذين ~~يساعد تبادلهم الرأي على تسهيل الأعمال العامة، وأخيرا عني بإنشاء المدارس وإرسال ~~البعثات المختلفة إلى أوروبا على أن يجعل شعبه على اتصال بالآراء والثقافة الغربية، وأن ~~ينشئ جيلا جديدا قد أشربت نفسه حب الآراء الصحيحة والمدارك السامية من الواجبات ~~السياسية أكثر من الجيل الذي كان يعمل معه. # ولعل الباشا في ذلك كله كان ملهما تمام الإلهام أكثر بكثير من الإنجليز الذين كانوا ~~يعملون على تلقين الهنود عامة الآراء الإنجليزية والثقافة الغربية، ولعل سوء حظه الحقيقي ~~انحصر في أنه كان فردا بعينه لا نظاما معينا، وإذا كان لجيل بعينه أن يضع الأسس فلا غنى ~~عن أجيال أخرى لرفع واجهة البناء ورفعها عاليا، ولقد أمعن خلفاؤه الأولون في النكث بعهده ~~وتجاهل أعماله واطراحها ظهريا، لا بل لقد كانوا في كثير من الأحوال يعملون على فشل الغاية ~~من هذه الأعمال، وإذا كان الخلاف بين عهد «بنتنك» وعهد خلفائه في الهند كان تافها؛ فإنه ~~على العكس من ذلك بين محمد علي وعباس الأول مثلا فقد كان الخلاف لا يتناول في الحالة ~~الثانية الغاية وحدها، بل والخطة أيضا. وفي الحق أن أعمال محمد علي قد تعرضت لهزة عنيفة ~~كما لم تتعرض لها أعمال أحد الحكام العموميين في الهند؛ لذلك لم يكن عجيبا أن نرى الكثير ~~منها قد اندثر وراح هباء. وبالرغم من ذلك كله، فإن من الواضح أنه هو الذي أنشأ مصر الحديثة ~~وجعلها على اتصال جديد نافع بالغرب، وليس من ريب في أن هذه الناحية من عمله لا يمكن لأحد أن ~~يغيرها، وإذا كان قد كتب له النجاح والتوفيق؛ ذلك لأنه طبع الشعب الذي يحكمه بطابع ~~الغاية النبيلة التي ينشدها ويعمل على تحقيقها، ولا تزال تقاليده حية إلى الآن برغم مرور ~~نحو قرن كامل! ms252