######OpenITI# #META# URI: 1360MayZiyada.BahithatBadiya.Hindawi19027171 #META# Tags: literary.criticism #META# ID: 19027171 #META# Title: باحثة البادية #META# AuthorID: 64620862 #META# Author: مي زيادة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # باحثة البادية‏ # 1 - كيف عرفتها‏ # 2 - المرأة‏ # 3 - المسلمة‏ # 4 - المصرية‏ # 5 - الكاتبة‏ # 6 - الناقدة‏ # 7 - المصلحة‏ # 8 - قاسم أمين وباحثة البادية: المقابلة بينهما‏ # 9 - قاسم أمين وباحثة البادية: المقابلة بينهما (تابع وخاتمة)‏ # 10 - بين كاتبتين1‏ # 11 - مرثاة باحثة البادية1‏ # 12 - تأثير باحثة البادية‏ # 13 - تأبين باحثة البادية1‏ # مقدمة‏ # باحثة البادية‏ # 1 - كيف عرفتها‏ # 2 - المرأة‏ # 3 - المسلمة‏ # 4 - المصرية‏ # 5 - الكاتبة‏ # 6 - الناقدة‏ # 7 - المصلحة‏ # 8 - قاسم أمين وباحثة البادية: المقابلة بينهما‏ # 9 - قاسم أمين وباحثة البادية: المقابلة بينهما (تابع وخاتمة)‏ # 10 - بين كاتبتين1‏ # 11 - مرثاة باحثة البادية1‏ # 12 - تأثير باحثة البادية‏ # 13 - تأبين باحثة البادية1‏ # | باحثة البادية # | باحثة البادية # تأليف # مي زيادة # | مقدمة # لما اقترحت على كاتبة الفصول التالية # 1 # أن تتحف «المقتطف» بخلاصة ما كانت باحثة البادية تنادي به لم أنتظر أنها تعنى بقراءة كل ما كتبته ~~الباحثة وما يضارعه مما كتبه قاسم بك أمين، وتعرض خلاصة ذلك للقراء على صورة تختلب الألباب ~~بحسن بيانها وبديع انتساقها وقوة حجتها، وتكون نموذجا جديدا للنقد في العربية بالأسلوب ~~الذي جرت عليه؛ فإنها مهدت لكل فصل من هذه الفصول وختمته وعلقت عليه من آرائها الخاصة ~~وأقوال أئمة الكتاب بما يدل على واسع علمها وبعد نظرها، وعلى أنها جارت أكتب الكتاب ~~الأوروبيين في هذا النوع من البحث والانتقاد. ولا أتذكر أنني رأيت حتى الساعة من ضارعها ~~فيه من كتاب العربية ولا من فاقها من الأوروبيين. والظاهر أن هذا رأي كثيرين غيري، حتى ~~اقترحوا عليها جمع هذه الفصول وطبعها على حدة، ففعلت وأضافت إليها كثيرا مما له علاقة ~~بهذا الموضوع. # وبعد، فليس غرضي من هذه السطور التنويه بكاتبة هذا الكتاب؛ لأن القراء يعرفونها كما ~~أعرفها، بل إبداء رأيي في كتاب أخرجته للناس ناظرا إليه من أربعة أوجه: وهي الأسلوب ~~والإحاطة والتعليق واللغة. وسأكتفي بالإشارة الطفيفة إلى كل وجه منها، وإلا لزمني أن أنشئ ~~على الكتاب كتابا أوسع منه إن استطعت. ~~(1) الأسلوب: # أسلوب الكاتبة في هذه الفصول غاية في الإحكام؛ انظر إلى ms001 التمهيد الذي عقدت ~~له الفصل الأول والثاني، فعرفت القراء بنفسها وبباحثة البادية وبما بينهما ~~من الرابطة الأدبية. ثم تدرجت إلى التفصيل فوصفت وجه الباحثة وعقلها وأسلوبها ~~في الكتابة. صورتها لعين القارئ كما كانت تراها بكل معانيها، حتى يحسب من ~~يقرأ ما اقتبسته من أقوالها أنه يسمع شخصا يكلمه بصوته الحي ويعرف هويته ~~وأمياله. وجرت على هذا الأسلوب في كل فصل من هذه الفصول؛ فإنها مهدت له تمهيدا ~~فلسفيا حسب موضوعه؛ لتتدرج بالقارئ إليه وتعد انتباهه إلى ما فيه من رأي ~~أو انتقاد أو نصح أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر. ثم نثرت أقوال الباحثة ~~المرتبطة بموضوع ذلك الفصل وشرحتها وعلقت عليها ما يزيدها بيانا أو يزيل ما ~~فيها من شبهة أو يخالفها فيما ترى مخالفتها فيه. ولما استطردت إلى المقابلة ~~بينها وبين قاسم بك أمين، جرت على هذا الأسلوب عينه في الفصلين اللذين عقدتهما ~~لذلك. ولعلها أنصفت قاسم بك أمين مثل أعز أصدقائه الذين كتبوا عنه. وما غرضها ~~إلا إنصاف الموضوع الذي تكتب فيه والغاية التي ترمي إليها وهي إصلاح شأن ~~المرأة. ~~(2) الإحاطة: # وأي إحاطة فإنها بحثت فيما كتبته باحثة البادية كامرأة مسلمة مصرية ~~كاتبة نافذة مصلحة. ومن الغريب أن عقلها الجامع البحاث أشار إلى هذه ~~الصفات كلها قبلما كتبت سطرا من هذه الفصول، كأنها نظرت بعين بصيرتها إلى كل ~~ما كتبته باحثة البادية فرأتها تتجلى فيه بصفاتها المذكورة آنفا، فلم يتعذر ~~عليها أن تستخلص منه حقائق كثيرة أيدت نظرها. أحاطت بالموضوع من كل جهاته ~~وعززته بآراء الباحثة وأقوالها وبما مهدته لها وعلقته عليها. ولا نظن أنها ~~تركت زيادة لمستزيد. وكل من عانى البحث في مؤلفات الغير المتشعبة الشئون ~~يعلم ما في الإحاطة بمناحيها من المشقة. ومن من الكتاب لا يود أن يتاح ~~له مثل الآنسة مي تحيط بما تكتبه وتشرحه وتعلق عليه تعليق إنصاف ولو كان ~~انتقادا، ولكن هيهات؛ فإني لم أر حتى الساعة كتابا مثل هذا في ~~العربية. ~~(3) التعليق: # هذا في نظري من أبلغ ما كتبته الآنسة ms002 مي؛ فإن مدركات العقل مهما كثرت لا تفيض ~~بقوتها وغناها ومجدها إلا لدى احتكاكه بعقل آخر مضاه له، حينئذ تتنبه النفس ~~إلى ما خزنته من المعارف وما وصل إليها بالإرث من الآباء والجدود ، وتنهض القوة ~~الناطقة: قوة الاستحضار والتمثيل والقياس، وتنهض البداهة وتنبه المبدأ ~~الفياض إلى سرد الأمثلة والأدلة وإقامة البراهين الخطابية والمنطقية وتأييدها ~~بالحقائق العلمية والمسلمات العرفية والشواهد الاجتماعية. وهذا كله ظاهر في ~~كل صفحة من صفحات هذا الكتاب. فهو كتابان: كتاب باحثة البادية أو خلاصة ما ~~كتبته في موضوع النساء، وكتاب الآنسة مي الذي جمعت فيه هذه الخلاصة وشرحتها ~~وعززتها وعلقت عليها زبدة معارفها الواسعة، وختمته بالمقابلة بين باحثة البادية ~~وقاسم بك أمين. وألحقت به ما دار بينها وبين باحثة البادية من المراسلات. ~~والكتابان والخاتمة في موضوع واحد هو أهم المواضيع الاجتماعية في هذا القطر، ~~ألا وهو المرأة المصرية وكيف تصلح شئونها فتصلح بها البلاد. ~~(4) اللغة: # اللغة معربة، خاصة بالكاتبة في أسلوبها، دالة على ذاتيتها. وكذا تكون ~~لغات كبار الكتاب. يرى القارئ لأول وهلة أن الكاتبة خرجت عن مألوف كتابنا ~~الأقدمين والمحدثين في كثير من أنواع المجاز والتعابير، كأن قريحتها الوقادة ~~رقت بها فوق مألوف العادات وعقلها المبتكر حلق بها في سماء الخيال شأن كل ~~نابغة في عصره؛ فإنه يكثر الابتكار ويكره التقليد. # وإذا كان بعض استعاراتها مقتبسا من لغات أوروبية فذلك ليس بدعة في العربية، ~~ولا هي أول من فعل ذلك، بل قد سبقها إليه جماعة من أساطين الكتاب، مثل الجاحظ ~~والصابي وابن المقفع وابن خلدون، فزادوا في غنى العربية بما أضافوه ~~إليها. # وهذا شأن كل الذين ابتكروا لغاتهم، مثل كارليل ولورد أفبري وفيكتور هيغو ~~ولامرتين ومثل الكتاب الرومان الذين كانوا يحسنون اليونانية قبلما يكتبون ~~لغتهم. وإدخال الجديد في اللغة ضروري لحياتها وإلا انحطت وتلاشت شأن الأسر ~~التي لا يتزوج أعضاؤها إلا في بعضهم. # وإلى القارئ مثلا واحدا مما كتبته في وصف باحثة البادية ككاتبة، حيث قالت: # وما حاجتي إلى الكلام عنها كاتبة؟! إننا لو ضربنا صفحا ms003 عن شهادة من شهد لها ~~بالمقدرة الكتابية، مكتفين بما ورد من أقوالها في الفصول الماضية، لأثبنا على الورق ~~ما قد سبق وقرره حكمنا الصامت، وهو أنها كاتبة كبيرة. يطلق الناس عادة اسم ~~«الكاتب الكبير» على من كتب كثيرا، وهم في ذلك مخطئون؛ إن من حملة الأقلام من له ~~مؤلفات عديدة وهو ليس بالكاتب الكبير حتى ولا بالصغير؛ لأنه ليس كاتبا على ~~الإطلاق؛ إنه ينقصه ما يسميه الإفرنج «قماش الكاتب»؛ أي السر الذي يقود الفكر إلى ~~اختيار الألفاظ الصائبة ويعلم اليد صياغة الجملة الملائمة. وينقصه خصوصا ذلك ~~اللهيب الخفي الذي ينشر بين السطور أشباح النور والظلام. # ما هي الكلمة؟ # الكلمة التي تعين الحركة والإشارة والصوت واللون والانفعال، الكلمة التي تعني أمرا ~~دون آخر وتوقظ عاطفة دون غيرها، ما هي وما هو سر انتخابها؟ الأبجدية لجميع البشر، ~~والناس لا يتفاهمون عادة إلا بالكلام، فما هي تلك القدرة المعطاة للبعض ليرسموا بالحروف ~~الوجوه ونوع استدارتها، والشفاه وحدود ثناياها، والآفاق واتساعها اللانهائي، والليل ~~وعمقه وكواكبه، والنفس وعجائب خفاياها؟ كيف تنبض في الألفاظ المجردة الجامدة حياة سريعة ~~متقدة بثورة الشعور وهيجان الغضب وأنين الشكوى ورنين النجاح والظفر؟ لماذا تهتز ~~الألفاظ تارة كالأوتار وتولول طورا كأمواج البحر العجاج، وتهمس حينا همسا عجيبا ~~كأنما هو منطلق من سحيق الذراري ومبهم الآمال القصوى؟ # قال فيكتور هوغو أن الكلمة كائن حي، # 2 # وقد تكون خالقا ساعة تجعل المخيلة ترى ما لا يرى، وتنظم القرطاس أفقا ~~مفعما بالكائنات الجميلة، وتصبح سحرا يصير الغائب حاضرا والعدم وجودا. # إن للإفصاح عن الفكر أساليب جمة، ولكن لا يصلح للكاتب الواحد إلا أسلوب واحد، وهو ~~الذي يتفق مع ذاتيته. كلنا عالم ذلك. وكلنا باحث عن الطريقة التي ... فأجارك الله يا أيها ~~الباحث من الطريقة التي ... إنك لتهوي قبل الوصول إليها في دركات التصنع والتكلف والتعمل، ~~وتتيه في فيافي الخلو والتقعر والجفاف. وإذا حاولت النهوض من الدركات أو العودة من ~~الفيافي تعثرت قدماك وقلمك بذيول الزوائد والحواشي الجاهزة بين المتداولات كالحلوى على ~~أطباق حلواني العيد. ms004 أو داهمك مرض الاختصار الجاف فيشعر قارئك الشقي بأنه حكم عليه بسف ~~التبن لجريمة مجهولة منه ومن البشر أجمعين. # إن أفلاطون الذي اشتهر ببلاغته اشتهاره بفلسفته ظل ينسخ كتابه «الجمهورية» إلى عمر ~~الثمانين ليزيده تحسينا وإصلاحا؛ ذلك لأن الكتابة - التي يراها الكثيرون مسألة هينة - ~~أكثر الفنون دقة وعسرا. ولا أظن اكتشاف القطب أصعب على الرحالة من اكتشاف الأسلوب ~~(هذا القطب الآخر) على الكاتب الذي عنده شيء يقوله؛ لأن نفسه تفيض به وتحثه على ~~إعلانه. كلمات النفس حركات خفيفة لطيفة. فكيف يتيسر نقل هذه الخفة واللطافة بالكلمات ~~البشرية الكثيفة؟ وكيف تتبع أداة القلم خطوات النفس الوثابة الكثيرة الأهواء في ~~تموجها وتحنيها المباغت من الفرح إلى الحزن ومن التحنان المذيب إلى النقمة ~~البركانية؟ إن ذلك لسر تملص من القواعد والنصوص وترفع عن أن تلقيه الضمائر إلى ~~الألسنة، وهو كل مقدرة الكاتب أو كل ضعفه. # فإثباتها الصمت للحكم والعمق لليل والنبضان للحياة والأنين للشكوى والرنين للظفر ~~والولولة للألفاظ والتموج للنفس، وقولها: إن من حملة الأقلام من له مؤلفات عديدة وهو ~~ليس بالكاتب الكبير ولا بالصغير، وإنه قد يكون بين سطور الكاتب لهب خفي ينشر بينها ~~أشباح النور والظلام، وإن البعض يستطيعون أن يرسموا بالحروف الوجوه ونوع استدارتها ~~والشفاه وحدود ثناياها والآفاق واتساعها اللانهائي وأنه لا يصلح للكاتب الواحد إلا ~~أسلوب واحد يتفق مع ذاتيته، ثم قولها: «إن من يحاول الوصول إلى هذا الأسلوب محاولة ~~يهوي في دركات التصنع والتكلف وتتعثر قدماه وقلمه بذيول الزوائد والحواشي الحاضرة ~~بين المتداولات، كالحلوى على أطباق حلواني العيد، أو يداهمه مرض الاختصار الجاف فيشعر ~~قارئه الشقي بأنه حكم عليه بسف التبن.» كل ذلك من المعاني التي تكاد تكون مبتكرة في ~~العربية. وقد أيدتها بأقوال أعظم شاعر فرنساوي وأكبر فيلسوف يوناني. # حسبي هذا الشاهد من فصولها للدلالة على بلاغتها في التعبير عما في نفسها وعلى ~~ابتكارها المعاني وإفراغها في قوالب جديدة واستعارات أنيقة وإلا لزمني أن أنقل أكثرها ~~ما كتبته تمهيدا وتعليقا وشرحا وتفصيلا. فهل قرأت كتب مشاهير الكتاب ms005 في أوسع اللغات ~~الأوروبية التي تحسنها فرسخ في ذهنها كثير من أساليبهم وتخيلاتهم التي لم نألفها، أو ~~نشأت نسيج وحدها نظرها يخترق حجب الغيب وجواهر الهيولى فيرى فيها ويؤلف منها بدائع ~~الصور ونفائس التراكيب ، أو هي مجموعة من الاثنين الخلقي والمكتسب. قريحة وقادة ~~تختلق الصور كما تشاء، وعقل مستقل يكره القيود إلا ما وقع عليه الإجماع، وذاكرة كثيرة ~~الحفظ سريعة الاستحضار تسابق قلمها إلى تصور ما يتخيله ذهنها مبتكرا كان أو ~~مقتبسا. ~~••• # وإني أعد الساعة التي اقترحت فيها على الآنسة ماري زيادة أن تجول في هذا المضمار من ~~أسعد الساعات التي مرت في حياتي. وبهذه الكليمات أقدم كتابها إلى القراء. # يعقوب صروف # | باحثة البادية # هي ملك هانم، كريمة اللغوي المحقق المرحوم حفني بك ناصف الذي شغل المناصب العالية في ~~وزارة المعارف والقضاء. ولدت بالقاهرة يوم الاثنين من شهر كانون الأول (ديسمبر) سنة 1886، ~~وتلقت مبادئ العلوم في مدارس أولية (مكاتب) مختلفة، ثم دخلت المدرسة السنية في تشرين ~~الأول (أكتوبر) سنة 1893، وحصلت منها على الشهادة الابتدائية سنة 1900، وهي أول سنة تقدمت ~~فيها الفتيات المصريات لأداء الامتحان للحصول على تلك الشهادة. ثم انتقلت إلى القسم العالي ~~في المدرسة المذكورة وحصلت على الشهادة العالية (دبلوم) سنة 1903. واشتغلت بعد ذلك بالتعليم ~~في مدارس البنات الأميرية. # وفي 28 آذار (مارس) سنة 1907 اقترن بها صاحب السعادة العربي الصميم عبد الستار بك الباسل ~~وجيه قبيلة الرماح بالفيوم. # وتوفيت بالحمى الإسبانيولية في القاهرة ليلة الخميس 17 تشرين الأول (أكتوبر) سنة ~~1918. # الفصل الأول # | كيف عرفتها # في مثل هذا الشهر كانون الثاني (يناير) منذ سنوات خمس اجتمعت بباحثة البادية للمرة ~~الأولى. كانت تقضي فصل الشتاء في حلوان، وقد دعتني إليها على غير معرفة سابقة سوى معرفة ~~القلم، بعد أن تبادلت وإياها بعض الرسائل في الصحف السيارة. دعتني على أثر رثائي ساعة ~~فقدتها يومئذ فكتبت تقول: «إني وجدت ساعتك المفقودة والتقطتها. رأيتك ترثينها بحرقة فجئت ~~لأمسح دموعك؛ لأني أحب دائما أن أمسح دمعة المحزون. تعالي إلي لتأخذيها؛ فإنها أحست ~~بشوقي لرؤيتك ms006 فأتت تقدمة لمجيئك وتعارفنا. عثرت علي وعثرت عليها لنؤكد لك أنك وجدت ~~الصديقة التي لا تخون.» # 1 # ترى ما الذي دفعها إلى ذلك؟ أهي النفس العلمية التي لا يفوتها سر من الأسرار ذكرت أنه ~~قدر علي أن أحمل القلم يوما لأبكي المرأة الجذابة وأستخرج أمثولة من كتابات المرأة ~~الخالدة؟ # ذهبت إليها والشفق يضرم ناره في قلب الأفق والسحب قد انقلبت هنا لهيبا، وهناك أنوارا، ~~وهنالك ألوانا. أي نفس لا ترتعش اغتباطا أمام جلال الغروب؟! والغروب في مصر أبرع جمالا ~~منه في أي قطر آخر، وهو يبرز على أبدع ما يكون للسائر في قطار حلوان، مشهد رائع لا ينساه ~~حياته من رآه مرة واحدة، فيه تبدو الأهرام كأنها ما تحجر من فؤاد الأيام وبعدها في ~~أطراف الأفق يكسبها جمالا غريبا شفافا كجمال الأحلام. # على أن اغتباطي بمنظر الغروب في ذياك المساء لم يكن ليلهيني عما ينتظرني من جديد، ولا ~~ليحبس عن ذهني أسئلة تتعاقب على فكر المرء قبيل اجتماعه بشخص غريب. إنما نحن نميل إلى ~~الغريب ونميل عنه في آن واحد. وإذا دنت لحظة موعد ضرب بينه وبيننا للمرة الأولى فإننا لا ~~ننفك متسائلين على غير إرادة (وغالبا على غير معرفة) منا: «ترى كيف هو؟ على أي قرار يوقع ~~نغمة صوته، وإلى أي الألوان يقرب لون عينيه؟ كيف يبتسم ويتكلم ويتحرك؟ بل كيف يفتكر، وأي ~~الأفكار متغلب عليه، وعلى أي الأساليب تتكون الفكرة في خاطره؟ ترى هل يتفاهم منا الروحان ~~بلغتهما المختلفة عن لغة الشفاه الإصلاحية، أم نحن الساعة ملتقيان ليعلم كل منا أننا لسنا ~~من وطن معنوي واحد، وأن بين مزاجينا هوة لا يزيدها التعارف إلا اتساعا؟» # أسئلة إنما ينحصر الجواب عنها جميعا في النظرة الأولى التي يتبادلها الغريبان، رجلين ~~كانا أو امرأتين أو رجلا وامرأة، أو خادما ومخدوما، أو نظيرا ونظيرا، أو كبيرا ~~وصغيرا. وتلك النظرة تسفر دائما عن إحدى عاطفتين اثنتين تتفاوت من كل منهما الدرجات: ~~فإما انجذاب وإما تقلص، والانجذاب ميل والتقلص نفور. # كنت أتدرج من هذه ms007 الأسئلة إلى غامض المعاني التي يحاول علماء النفس استكناهها وأردفها ~~بهذا السؤال الواضح: «أهذه المرأة التي سأصافحها بعد هنيهة هي الباحثة التي تنشر على الناس ~~أفكارها، أم صدق الزاعمون أن ليس لها من فصولها إلا التوقيع كما هي الحال عند بعض السيدات ~~الشرقيات اللاتي تعمدن التظاهر بالتفكير والتحبير؟» # والجواب عن مثل هذا السؤال قد يظهر في نظرة واحدة أو بسمة، أو حركة يأتيها الغريب فيستجلي ~~منها اللبيب حياة ذلك الغريب وقواه الخفية وما يمكنه القيام به من الأعمال. هذا على شرط أن ~~يكون الاثنان من درجة معنوية واحدة أو # Attuned # كما يقول ~~الإنجليز. ~~••• # وصلت إليها وقد تزركش رداء الليل بوشي الكواكب، ثم نشرت في الغد وصف زيارتي في إحدى ~~الصحف الفرنساوية # 2 # فأستعين الآن ببعض ما جاء في ذلك المقال؛ لأني كتبته تحت تأثير المقابلة ~~الأولى. وهاك وصف غرفة الاستقبال: # قضينا ساعة ونيفا في غرفة الاستقبال، واللون المتغلب في تلك الغرفة هو الأحمر ~~العقيقي، تتخلله نقوش خضراء فستقية ومزيج ألوان أخرى تبدو واهية الخطوط تحت نور ~~الكهرباء. ولم يكن ثمة ما يخبر عن عبوس الحجاب الإسلامي في تلك «الفيلا» الأوروبية، ~~بين أثاث دقيق الصنعة ومقاعد فصلت على أحدث طرز، مع ما نشر على الطاولات النحيفة ~~القوائم من الأشياء الفنية الصغيرة التي لا اسم لها وهي من صنع عمال المغرب أو من ~~قلدهم من عمال المشرق الحاذقين. # كان هتافها الأول هتاف ترحيب وكلمتها الأخيرة كلمة حب. واستغرقت الوقت بين طرفي ~~الزيارة مناقشة ودية في بعض ما عالجته الباحثة من الموضوعات كتعليم البنات، ~~والحجاب، والسفور، وكانت تحدثني بصوت أغن الرنين تملؤه لهجة الواثق مما يقول، ~~المعتقد بصلاح فكره، العالم أن آراءه مفيدة كل الفائدة لو كان لها الناس تابعين. ~~وإذا وجدت الكلمة العامية ركيكة إذا ما عبر بها عن بعض المعاني، استعملت الكلمة ~~اللغوية مكانها بنطق عربي فصيح مستشهدة بأبيات شهيرة وحكم سائرة تعزيزا ~~لآرائها، وعلى وجهها هيئة المحقق الجاد وفي عينيها نظرة بعيدة. وإذ نحن على هذه ~~الحال إذا بقريبة لها ms008 قد هبطت علينا من الصعيد على غير انتظار. وكانت باحثة البادية ~~سبقت وقالت لي حين وصولي: «رغب بعض صديقاتي في المجيء للتعرف بك، على أني أردت أن ~~نكون وحدنا في اجتماعنا الأول.» # ولكنها لم تبد انزعاجا بل ظهر السرور في وجهها وتحولت المرأة المفكرة دفعة ~~واحدة امرأة ضحاكة كأنما لم تكن هي التي كانت منذ هنيهة تستشهد بالمعري والمتنبي. ~~وقد ذكرت ذلك في مقالي الفرنساوي: ~~«جاءت قريبتها من الفيوم فأخذتا تتكلمان عن أشياء يعرفانها وتهمهما معا. ذكرتا ~~الأقارب والأصدقاء والصديقات والجارات والمعارف وهما تحلفان تارة بالله وطورا ~~بالنبي محمد مشتركتين في الضحك والتنكيت بين جملة وأخرى. الزائرة تحدث عن الديار ~~والباحثة تستزيدها من التفصيلات عن نساء الحي والمواشي والخياطة المصدورة والحمى ~~المتفشية في البلد، ثم اتفقتا في الثناء على البقرة الحلوب، وهبط صوتهما إلى قرار ~~الأسف لذكر البقرة الصغيرة المتوفاة في الأسبوع السابق. فقلت وقد أسفت لأسفهما: ~~«أماتت تلك البقرة المسكينة؟»» # أجابت باحثة البادية: «ماتت والله! وكنت أحبها كثير قوي.» # ولكن لا يغرننا هذا الانقلاب السريع من جليل المعاني إلى تافهها، ولا تخدعننا هذه ~~الضحكة الشبيهة بضحكة فتيات المدارس. إن لهذه المرأة كما لكل من الأفراد النوابغ ~~شخصيات متعددات تظهر كل منها في حينها. وهاك وصف ضحكتها في المقال الفرنساوي ~~السابق ذكره: # إنها تضحك بسرعة وسهولة وفي صوتها رنين كرنين أصوات الأطفال، تضحك بكل قواها كمن ~~يضحك من قلب لم يخالطه بعد معنى الكآبة ولم تنزل بساحته وطأة الهموم. وما أشد ما ~~يسر السامع بهذه الضحكة المملوءة طيبة وذكاء، ولولا أن خيالات الفكر والكآبة ~~تتمايل على جبهتها السمراء الجميلة لتساءل المرء أهو في حضرة امرأة ذاقت طعوم ~~اللوعة والألم؟ ... # نعم إنها التاعت وتألمت. أقول ذلك وإن لم أرها يوما إلا بين مظاهر السعادة والهناء، بل ~~لم أقابلها مرة إلا وهي صبيحة الوجه، طليقة المحيا، براقة العينين، والبسمة تلعب على ~~شفتيها. لكن هذه كلها ستائر تنسدل على حركات الحياة الحقيقية حاجبة عن النواظر معانيها ~~العميقة. وهل في وسع من ذاق مرارة ms009 الفكر وحلاوته أن يكون سعيدا بالمعنى الذي يقصده البشر؟ ~~وإذا فرضنا أنه حاز السعادة على ذلك القياس المألوف، أتكفي هذه السعادة الاصطلاحية لحمايته ~~من لهيب الألم النفسي؟ # ولكن لا تنقمن على الألم؛ فهو مغذي الذكاء ومهذب الشعور، ومنبه الإدراك إلى معان جمة ~~وأساليب فكرية كثيرة. إنما صاحب العواطف القوية شقي إذا ما ذكرنا أن هذه العواطف تعذبه في ~~كل حين وتظل هامسة له بالشكوى حتى في أعذب ما يناله من لحظات السعادة النادرة. لكن هذا ~~العذاب بعينه هو ممزق غشاء الجهل والأنانية عن بصر فريسته، وهو مستنزل الوحي على فؤاد ~~نهشته براثنه حتى أدمته. هو مفجر ينابيع النهى. هو يعطي القلم قوة تبدع من الكلام سيوفا ~~وبروقا، ويحبو اللسان بلاغة تمتلك القلب لأنها تخابره مباشرة بلا وسيط. وماذا عسى ينفع ~~الحديث إن لم يكن مصدره القلب؟! وما هي قيمة الإصلاح إن لم يكن ناشئا عن إدراك تكون ليس ~~في العقل وحده بل في العواطف المسحوقة وما تنبه إليه من احتياج كثير؟! ونظرة الكاتب إن ~~لم يطل فيها خيال القلب المتوجع ليست إلا بالنظرة الباردة القاصرة التي لا تنفذ إلى ما ~~وراء قشرة الظواهر، ويظل باب النفس، باب الحقيقة، أمامها مغلقا مجهولا! # إن مزاج باحثة البادية العصبي الصفراوي وجنسها النسائي، وقوة عواطفها وحدة ذكائها، كل ذلك ~~كان مشتركا في تكوين طبيعتها السريعة الانفعال وواضعا فيها قابلية شديدة للألم واستعدادا ~~كبيرا لمشاهدة الأشياء والحوادث من وراء غشاء قاتم. اقرأ كل ما كتبته تجد أنينا متواصلا ~~يخترقه من أوله إلى آخره. وذلك الأنين الذي يكاد يكون ركزا ينقلب ساعة الوجع الشديد ~~زئيرا وعويلا. # هذا المزاج النسائي وهذه الذاتية الأدبية، وهذه الكاتبة التي لم تدون أفكارها (على ما ~~يظهر لي من لهجة فصولها) إلا تحت التأثير وفي ساعة الانفعال، هي ما أقصد درسه في هذا البحث ~~الذي قسمته إلى أجزاء ستة هي: المرأة، والمسلمة، والمصرية، والكاتبة، والناقدة، والمصلحة؛ ~~لأن في هذا التقسيم تسهيلا كبيرا لتفصيل الصفات الأدبية والمميزات الكتابية. وسنرى في ~~الفصول الآتية كيف ms010 تبرز «الباحثة» قيمة في كل جزء من هذه الأجزاء. ولنا من كتاباتها ما يسند ~~إليه الرأي ويستخرج منه التعليل، بل لنا منها ما يبعث بالأشعة إلى تلك الصفحات التي كتبت ~~عن البيئة المصرية ولها، فيمكننا أن نقدر باحثة البادية قدرها ونحب من وراء حجب الموت تلك ~~الذاتية النادرة التي مرت في الحياة كحلم جميل. # أعترف بأني في حاجة إلى بعض المجاهدة لأتغلب على نفسي مبعدة من أمام ناظري خيالها ~~البسام، ومحاولة نسيان المرأة كما عرفتها؛ كيلا أتأثر إلا بفكر الكاتبة المنشور على ~~الصفحات البيضاء خطوطا سوداء. غير أني أعود فأقول إن التأثر بمعرفة المرء الشخصية ليس ~~بالأمر المذموم، بل هو غزير الفائدة؛ لأن الذين يعرفون كاتبا خارج فصوله يستعينون بتلك ~~المعرفة على قدر تلك الفصول، ويستخرجون من أحاديثه الشفاهية ما يؤيد أقواله الكتابية ~~ويعززها. وإني لشاكرة «للمقتطف» اقتراحه، فهو الذي أوحى إلي كتابة ما أراه الآن علي ~~واجبا مقدسا. # فلتحضر الروح العزيزة جلسات أكون فيها وحدي منفردة للبحث في آرائها واستخلاص درر ~~معانيها، ولتقد يدها الروحية القادرة يدي الجسدية الحائرة لأثبت ما تريد إثباته، ولتنر ~~حكمتها المكتسبة من ديار الخلود فكري الراغب في إدراك ما تعمدته من المقاصد، والساعي في ~~تحديد غاية قصوى رمت إليها وهي ترى فيها كل الخير لإصلاح الشئون. # الفصل الثاني # | المرأة # إن في بعض الناس قوة لا تكيفها النعوت، ليست هي الذكاء؛ وإن كان الذكاء بدونها بلادة، ~~ولا الجمال وإن عدم الجمال ميزة التأثير بفقدانها، ولا هي توازن تراكيب الجسم وتناسب ~~الأعضاء ونضارة الصحة، وكل هذه تافهة إذا حرمت منها؛ لأنها العنصر الخفي المحيي الذي ينفعل ~~به الأقوام ويخضعون لسطوته مريدين كانوا أم غير مريدين. لقد دعي ذلك العنصر مغنطيسيا ~~وكهرباء، وجاذبية، ولطفا، وخفة دم، وخفة روح، و«نغاشة». ولكن جميع هذه المعاني ليست إلا ~~أجزاء منه وتشترك معها في تأليفه معان أخرى شتى. # إنها لقوة عجيبة قد تحول ما هو في عرف البشر قباحة إلى جمال فتان؛ فهي بروق الذكاء ~~المتألقة في العيون وسيال اللطف المتدفق ms011 في الابتسام، وأغنية الروح المتماوجة في نغمة ~~الصوت. هي سحر الحركة وهي وسم الامتياز، وهي جلال الهيبة، وهي قداسة السكوت. هي المقياس ~~السري الذي يكيف الإشارة ويوقع الخطى، والشرارة التي تضرم نار الفكر، والنور الذي ~~يجعل كثافة المادة شفافة . هي اليد العلوية التي إذا حلت لسان المتكلم كان بليغا، وإذا ~~أشارت إلى الناظر بدت نظرته عميقة، وإذا قادت قلم الكاتب كانت كلماته شائقة فعالة يبقى ~~صداها داويا في أعماق النفوس. # وكل من عرف باحثة البادية شخصيا؛ أي معرفة الجسد، أو معنويا؛ أي معرفة القلم، علم ~~أنها كانت حائزة لهذه القوة التي حارت في تعريفها الأسماء. قد كان يكفي أن يعرفها المرء ~~ليشعر بانجذاب إليها وليحبها. وقد كان يكفي أن يقرأ إحدى مقالاتها ليرغب في مطالعة كل ما ~~كتبت منفعلا على رغم منه بالنفس الحار المالئ فصولها، حتى لقد يتبين توهج اللهيب ~~المعنوي بين سواد الحروف. عبثا تبحث هنالك عن الكاتب الذي يعلو بك إلى قمم الإدراك ~~والعرفان ويبتدع لك من روحه جناحين تطير بهما إلى الآفاق البعيدة. إن مؤلفة «النسائيات» ~~قانعة بالغرفة التي تسكنها، والحي الذي تسير بين منازله، والبيئة التي هي جزء منها. وحينما ~~تعثر على ما لا يرضيها - وما أقل ما يرضيها! - تضرب بمؤلفات الباحثين وشروح العلماء عرض ~~الحائط، غير معتمدة إلا على ما تختبره بالمشاهدة. وسرعان ما تقابل بين ما تراه عند الغير ~~وما يشبهه مما طرأ عليها أو قد يكون مهددا حياتها. # هي عين ترى ما هو كائن فتذكر ما يجب أن ~~يكون. على أن هذه العين لا تنسى لحظة أنها عين امرأة؛ فما تكاد تلمح خيال اللوعة حتى يخترق ~~القلب منها لهفا وتذوب ذراته وجعا. وإذا طرقت موضوعا تهتز له طبيعتها النسائية من ~~أقصاها إلى أقصاها، سمعت منها هذه اللهجة الخلابة: # إنه لاسم فظيع (تعدد الزوجات أو الضرائر) تكاد أناملي تقف بالقلم عند كتابته؛ ~~فهو عدو النساء الألد وشيطانهن الفرد؛ كم قد كسر قلبا وشوش لبا وهدم أسرا ~~وجلب شرا! وكم من بريء ذهب ضحيته، ms012 وسجين كان أصل بليته، وإخوة لولاه لما ~~تنافروا ولا تناثروا، ففرقهم أيدي سبا وأصبحوا تأكل الحزازات صدورهم، ويضمرون السوء ~~بعضهم لبعض، يثأرون ولا ثأر بني وائل، وكانوا لولاه متفقين! # إنه لاسم فظيع ممتلئ وحشية وأنانية. كم أحرج رجلا وعلمه الكذب فأفسد عليه ~~خلقه! وكم بذر مالا كان يعده البعض رزقه! وكم أحفظ قلب والد على ولد! وكم ~~علم الوشاية والحسد. فإذا ما لهوت أيها الرجل بعرسك الجديد فتذكر وراءك بائسة ~~تصعد الزفرات، يتساقط من مآقيها أمثال لؤلؤ عروسك، ولكنه صهرته نار الحزن فظهر ~~سائلا، واخش الله في صغار يبكون لبكائها، علمتهم الحزن فاستعاروا يواقيت عروسك ~~أعينا. أنت تقرع سمعك الطبول والمزامير وهم لا يسمعون إلا دق الحزن في طبول آذانهم ~~وكانوا من قبل ذلك جذلين. # 1 # قد ينظم الشاعر هذه الزفرات أبياتا عامرة، وقد يطلعك العالم الاجتماعي على سلسلة علله ~~ومعلولاته، مثبتا لك شر تعدد الزوجات. ولكن قلما تجد في قصيدة ذاك وأبحاث هذا تأثيرا ~~يهز نفسك كما تفعل هذه السطور القلائل. ليس ما قرأته هنا بمنحدر من الفكر أو بناتج عن ~~الملاحظة والتنقيب، بل هو اضطراب قلب جالت فيه المرارة مكونة أنات ما لبث القلم أن ~~وقعهن على وفق ضربات القلب الخافق. إن هذه الفقرة لا يكتبها إلا قلم امرأة. ~~••• # نحن الذين اعتدنا أن نرى في والدتنا سيدة البيت الدائمة وربة المنزل المطلقة لا نستطيع ~~إدراك ما هي عليه طائفة كبيرة من أخواتنا من الشقاء تحت التهديد المتتابع. ولا يمكننا ~~تفهم الانفعال الذليل المنحدر بهن إلى مهبط الخوف والقلق واضعا بين المرأة وبين تقديرها ~~لكرامتها واعتبارها لنفسها هوة عميقة. وقد فطن أحد مقرظي «النسائيات» إلى عجز الأمم غير ~~الإسلامية عن إدراك ذلك فلام الباحثة لوما لطيفا إذ قال: # لقد صورت في ذلك الباب (باب الازدراء بالمرأة) المرأة في نظر الرجل اليوم على نحو ~~ما كانت عليه في الجاهلية الأولى، وهذا أمر قلما طابق الواقع، وهل كان من حرج على ~~السيدة أن توسع المسألة بحثا وأن ترقب اليوم الذي تترجم ms013 فيه مقالاتها إلى اللغات ~~الأجنبية فتنشر أحكامها على هذه الأمة في العالم الأوروبي الذي يجهل معنى الغلو ~~البديعي وأنه من المحسنات في اللغة العربية؛ حيث يعتقد الأوروبيون لا سيما نساؤهم ~~أننا اليوم على ما كانت عليه جاهليتنا منذ أربعة عشر قرنا، وناهيك بما يحدث هذا ~~القول في العالم المتحضر من الآراء وما يجلبه علينا بعد ذلك من البلاء. # 2 # غار حضرة المنتقد على سمعة قومه فأراد ألا تقال الحقيقة كما هي حتى ولا في فم من لا ~~يبغي إلا الإصلاح. ولكن إذا تعمد كتم ما هو جار وسدل الحجاب على شقاء فئة كبرى فلا يكفي ~~تنبيه الباحثة إلى ذلك، بل عليه أن يكسر جميع الأقلام الشاكية وأن يسكت زفرات القلوب ~~المكلومة. عليه أن يثلج دماء الشبيبة الطامعة في توطيد دعائم الأسرة وحفظ كرامة المرأة. ~~عليه أن ينتزع الأفئدة من الصدور لتكف عن الشعور بلوعة التقهقر العائلي. نعم ليكسر ~~الأقلام، وليمزق الطروس، وليسل الألسنة ليجهل الغرب علة دامية في الشرق. أما باحثة ~~البادية فلم تفكر قط في ذلك، بل أثبتت الواقع بصراحة ناشدة الإصلاح فقالت: # أي ازدراء للمرأة وعبث بحقوقها أشد من أن تخرج كلمة من فم الزوج ساعة غضبه ~~فتفرق بينهما وتشتت ملتئمهما؟! وأي أمل لها في مستقبل مظلم لا تدري متى ينهار ~~بنيانه؟ إن الدين لا يسمح بتعدد الزوجات وبالطلاق هكذا على غير شرط كما يفعل الآن ~~رجالنا، وإنما جعل لهما شروطا وقيودا لو اتبعت لما أن منها النساء البائسات. # 3 # أين «الغلو البديعي» الذي يشكو منه هنا الأستاذ المنتقد؟! أين «الغلو البديعي» فيما تقرره ~~الباحثة من ازدراء الشرقيين - مسلمين كانوا أم مسيحيين - بالبنت في جميع أدوار حياتها، ~~وتفضيل الصبي عليها قبل ولادته وبعدها؟! وأين ذلك «الغلو» من مسألة الطلاق كما هو شائع ~~الآن؟! # نعم إن سهولة الطلاق كادت تلغى من الطبقة العليا، ويندر وجودها بين من يغارون على سمعتهم ~~ويفهمون معنى احترام الأسرة من الطبقة الوسطى. ولكن هؤلاء هم الأقلية. والطلاق شائع عند ~~الأكثرية شيوعا كبيرا. وهاك ما ms014 كتبته باحثة البادية بعد الاختبار الشخصي: # وهذه البادية التي أقطن لا أبالغ إن قلت إن جميع نسائها جربن الضرائر. طالما ~~سألت مرأة الحي هذا السؤال: «ترين هل تحبين زوجك الآن كما كنت تحبينه قبل زواجه من ~~غيرك؟» فكان جواب كل من سألت سلبا. وسمعت عن أخريات أنهن يفضلن أن يرين نعش ~~أزواجهن محمولا على الأعناق من أن يرينهم متزوجين بأخريات. فيا لله! أإلى هذا الحد ~~يبلغ بغض المرأة للضرة! # 4 # إن هذا الموضوع يفتح باب الفصاحة عندها. وإذا قالت حينا بوجوب الطلاق فما ذلك إلا لأنها ~~ترى فيه ما يخفف شقاء المرأة. قالت: # والطلاق على مذهبي أسهل وقعا وأخف ألما من الضر. فالأول شقاء وحرية والثاني ~~شقاء وتقييد. فإذا كان الشقاء واقعا على كل حال فلماذا تلتزم المرأة الصبر على ~~الشدة؟! ترى بعينها ما يلهب قلبها ويدمي محجريها! ألا إن حزينا حرا خير من حزين ~~أسير! وبعضهم يخادع المرأة الأولى بأن يجعلها حاكمة على البيت معها مفاتيح خزائنه. ~~ولكن ماذا تفيد مفاتيح الخزائن والحكم على السمن والعسل؟! وأين هذه من مفاتيح ~~القلوب وحب الزوج! # 5 # ألا يخيل إليك أن هذا الرجل الذي يدور على زوجاته وفي يده حزمة مفاتيح يفرقها لهو من ~~رجال القمر أو سكان المريخ، أو على الأقل من أشباح الأقاصيص والأساطير؟ ولكن لا! إن ذلك مع ~~الأسف واقع على مقربة منا. ومن أخواتنا من هن ذكيات الفؤاد جميلات الوجه والنفس لطيفات ~~الشعور شريفات الميول، وعليهن أن يحتملنه وأن يصبرن على مضضه؛ لأنه أمر داخل في عادات ~~قومهن! # إن باحثة البادية لا ينضب ينبوع إجادتها في هذا الموضوع، وما أكثر ما تصيب في نقده ~~مستخرجة منه دروسا أخلاقية كقولها: # تعدد الزوجات مفسدة للرجل، مفسدة للمال، مفسدة للأخلاق، مفسدة للأولاد، مفسدة ~~لقلوب النساء. والعاقل من تمكن من اكتساب قلوب الغير، فكيف بقلوب الأهل ~~والعشراء! # 6 # ثم تشرح كلا من هذه شرحا وافيا في مقال هو من أجمل ما كتبت، بل هو في تقديري أتم ~~فصولها وأبدعها. ~~••• # على أن مطالبها ms015 لا تتوقف عند قلة الضرائر والتفرد في المنزل، بل هي تنكر زواج هذا العصر ~~القائم على الطمع وحب المال، وتتطلع إلى تلاؤم الأذواق والتفاهم المعنوي. اقرأ هذا التهكم ~~الممزوج بالغيظ: # إذا اجتمعوا (المصريون) بسائحة إفرنجية أو امرأة غربية تلطفوا لها كثيرا؛ ~~فساعدوها في النزول من عربتها، وأمسكوا لها حقيبتها، ورفعوا الطرابيش (؟) إجلالا ~~لها، في حين أن أحدهم يستنكف الركوب مع امرأته في عربة واحدة. وإذا سافرت أو انتقلت ~~إلى محل آخر تركها ونفسها كأنه لم يكن صاحب الأفكار الحديثة القائل بمساعدة المرأة. ~~وإذا ازدحمت الطرقات في موكب أو مولد مثلا رأيت الرجال يدوسون النساء ويضربونهن ~~بالمناكب كأنه زحام الحشر. فهل هذا مبلغ احترام النساء عندنا؟ # 7 # كتبت هذه السطور منذ سنوات عشر. وإذا بقي هذا الوصف منطبقا في يومنا على جمهور من ~~الرجال، فإن هناك عددا كبيرا من الطبقتين العليا والوسطى قد تغيرت منهم العادات تحت تأثير ~~المدنية، وفعل السفر إلى أوروبا ومشهد الوحدة العائلية (ولو في الظاهر فقط) عند الغربيين. ~~فصاروا يركبون مع زوجاتهم وبناتهم ويرافقونهن في السفر والنزهة. فكثيرا ما يرى الآن الرجل ~~المصري في مركبة أو سيارة وبقربه زوجته ونقابها الأبيض الشفاف يضاعف جمالها الشرقي. ولا ~~يندر ذلك على طريق الجيزة والأهرام وفي الجزيرة حيث يكثر الازدحام أيام الجمع والآحاد ~~خصوصا، وفي الأعياد والمواسم الكبرى. # ولئن حملت كاتبتنا على الرجل بلا مجاملة فهي لا توفر المرأة، على أنها تعطف عليها غالبا ~~حتى في خطئها وعثرتها. وتلوم الرجل لأنه القوي، ومنه تنتظر المساعدة والقدوة الحسنى. وبدلا ~~من أن يستبد بسطوته فيصير سيدا رهيبا هي تريد أن يستسلم لعوامل الحنان فيصبح صديقا ~~مؤدبا. قالت: # وفي اعتقادي أن الرجل لو خفف قليلا من كبريائه وعلم أن امرأته مساوية له في جميع ~~الحقوق المشتركة وعاملها معاملة الند للند، أو على الأقل معاملة الوصي لليتيم لا ~~معاملة السيد للعبد، لما رأى منها هذا العناد الذي يشكوه، ولأطاعته حبا به لا ~~خوفا منه. فبنات العصر الحالي - حتى الجاهلات منهن - يفهمن الحياة أكثر من ms016 أمثالهن ~~الغابرات؛ فأصبحن لا ترضيهن الكسوة والطعام فقط كإحدى خدم المنزل، ولكنهن يقدرن ~~اليوم السعادة الزوجية أكثر من ذي قبل، ويعلمن أنه إذا لم يكن الحب أساس المعاشرة ~~بين الزوجين فلا معنى للجمع بينهما. # 8 # الحمد لله! لقد آن لهن أن يفهمن ذلك ولو تجرعن في سبيله من العلقم كئوسا! أليس أفضل ~~للمرء أن يسير نحو إدراك المعاني واستكناه الحياة ولو مخطئا ضالا من أن يظل مستكنا في ~~ليل الذل، راضيا بقيوده، قانعا بجهله وهو يحسبه عقلا وطول أناة؟ إنما المرأة في موقف ~~الاستعباد دون الجوامد حسا؛ لأن هذه تستعمل أقصى ما عندها من قابلية الحس، أما المرأة فإن ~~لم تجاهد في تهذيب ما عندها من الملكات كانت قاتلة قواها بيدها. والقوة التي تتبعثر مؤدية ~~إلى الفوضى إن لم تعرف لنفسها قانونا هي ذاتها إذا دربت كانت عنصر الارتقاء الرفيع. ~~ولئن عز السير بانتظام بعد ليل العبودية الدامس لأن العين التي اعتادت الظلام يبهرها الضياء ~~في بادئ الأمر، لكنها لا تلبث أن تألفه فتتمتع به لاجمة فوضاها مصلحة أحوالها. ليس هذا ~~رأي الباحثة. # وسننظر فيما تشير به يوم ندرسها مصلحة. غير أنها لا تنفك عن العودة إلى شعور ~~المرأة؛ ليعتد به الرجل ويجعله مقياسا لأعماله وأقواله. فقد تختلف عندها ألفاظ الشكوى ~~غير أن معنى الأنين ثابت لا يتغير. كل شيء في نظرها أفضل من «إيلام نفس المرأة وتنغيص ~~حياتها. يا لله! أليس لها من قلب يتأثر وشعور يحس وعواطف تثور!» ~~••• # هي امرأة بكل معنى الكلمة؛ ومن دلائل ذلك أنها تبدي يوما خلاصة ما يجول في نفسها وتضطرب ~~له جوانحها، ثم يثب فكرها في يوم آخر فتثبت عكس ما جاءت به قبلا على خط مستقيم. فهل ~~هي مناقضة ذاتها؟ كلا! بل هي مفصحة عن نفس كثيرة النزعات جمة الميول، كأنما هي جوهرة ذات ~~سطوح شتى، تلمع في كل منهن ألوان جذابة وأشعة فتانة، بينما عنصر الجوهرة يظل ~~واحدا. رأيت أنها كثيرا ما تستعطف الرجل بلهجة المتوسل المتعمد تنبيه الإشفاق في نفسه. ms017 ~~والآن اقرأ واضحك: # ولا يغيظني أكثر من أن يزعم الرجال أنهم يشفقون علينا. إننا لسنا محلا ~~لإشفاقهم، إنما نحن أهل لاحترامهم. فليستبدلوا هذا بذاك. والإشفاق لا يتأتى إلا ~~من سليم لعليل أو من جليل لحقير، فأي الصنفين يعتبروننا؟ تالله إنا لنأنف ~~أن نكون أحد هذين. # بل قد يتأتى الإشفاق من صديق لصديق ومن محب لمحبوب، وحذف الرحمة من القلب يعني حذف ~~الوداد معها في آن واحد؛ لأن الإشفاق من العناصر الجوهرية المؤلفة عاطفة الحب. والقلب ~~الذي لا يشعر مع من يحب ولا يشفق عليه إلا قليلا إنما هو محب حبا ملؤه الجفاف والأنانية ~~والبرد الزئبقي. # لماذا يشفق الرجل على المرأة؟ لأنها تقضي حياتها تائهة في لجج هوة لا يعرف هو منها إلا ~~الشاطئ، وهي هوة العواطف. للرجل كبرياء الجولات الفكرية والأطماع المتزايدة والقوة البدنية. ~~أما المرأة فمهما ارتقت وتناهت نشاطا ورغبة في تنسم ذرى الفكر ليست بقادرة على أن ~~تستخرج من نفسها آثار ذلك الإرث الذي أودعتها إياه يد العصفور. وهو قوة الشعور، قوة الحب ~~التي تخلق من الكائن الترابي العادي آلهة سامية جليلة. # والمرأة القوية القادرة بإرثها النسائي ضعيفة جدا إزاء نفسها. وفي ذلك ما يستدعي ~~الإشفاق والإجلال معا. وليس الإشفاق بقاتل الاحترام وملاشيه، بل قد يجتمعان متساندين ~~متعاضدين. فكم تشفق المرأة الضعيفة على الرجل القوي! وكم تكون قوته ذاتها موضوع عطفها! ~~وذلك لا يقلل من إعجابها به، بل كثيرا ما ينتبه حبها وينمو ساعة الشعور باحتياجه إلى ~~مساعدتها. فلماذا لا ينمو كذلك حب الرجل تحت فعل الإشفاق، وكم كان الإشفاق مقدمة الحب، وهل ~~في القلب المغلق في وجه الرحمة العذبة مكان للحب الأكيد؟! # ولكن لا يجفلن القارئ لهذه الوثبة الكلامية من الباحثة! إنه سيسمعها بعد حين عائدة إلى ~~الابتهال. ~~••• # لن أحاول وضع رسم معنوي لها؛ لأن كل رسم يظل واهي الخطوط إزاء الصورة التي جمعت فيها ~~نفسها بيدها في السطور الآتية: # لماذا يا مي تدعين علي بالعذاب المعنوي؟ ألا إنما العذاب البدني أخف منه وطأة ~~وأعفى أثرا. على ms018 أني جربت كليهما وذقت الأمرين معا. تقولين: «لأنه النار ~~المقدسة.» نعم لقد أعطاني من القداسة مقدارا أكثر مما يجب لمثلي، حتى جعل البون ~~بعيدا جدا بيني وبين هذا العالم غير القديس. تقولين: إنه «النار التي تطهر.» ~~حقيقة. إنه تلقى وجداني بالتطهير منذ أن كان لي وجدان حتى صيره شفافا يظهر كل ~~شيء ويتأثر لأقل شيء، وهذا فيه من الضنى ما فيه. تقررين أنه «النار التي تحيي.» ~~نعم إنه أحيا روحي حتى أحرقها؛ لأنه كان كمصباح سيال كهربائه شديد، ولكن فتيلته ~~لا تحتمل، «هو النار التي تلين.» هذا ما أبديت، ولكن ألا تعتقدين أن اللين يؤذي، ~~خصوصا في هذه الدنيا التي كلها صدام وعراك، وأنه لا يفل الحديد إلا الحديد. إنه ~~ألانني حتى صيرني ماء، وما أشد عبث الطبيعة والناس بالماء مع أنه أصل الحياة! ~~وختمت حسن تعليلك لعذابي بقولك إنه «النار التي ترفع النفس على أجنحة اللهيب إلى ~~سماء المعاني السامية.» نعم إنني الآن على أجنحة اللهيب، ولكني لم أصل بعد إلى ~~السماء، وإذا وصلتها فلن يعود العالم يراني. # 9 # يومئذ حسبت هذه الجملة الأخيرة زهرة من زهرات البيان، ولم أكن أدري أنها نبوءة، فما ~~تلقيتها إلا اليوم بالتصديق، فجاء تصديقي متأخرا! لقد وصلت الآن إلى «السماء» فماذا وجدت ~~هنالك حيث احتجبت عن أبصار البشر متفرغة لاستقبال وجه البقاء؟ إنها أردفت الفقرة السابقة ~~بهذه الجملة: «فهل يا ترى ستعجبني السماء؟ إني أشك في ذلك.» # أما أنا، فأعلم أنها هي التي كانت ذات قابلية للتكيف بقالب الأحوال المارة لم تكن ~~راضية عن «الأرض»، وسخطها على هذه الكرة هو الذي جعلها تشك في هل «ستعجبها السماء»، لقد ~~كانت كجميع ذوي المزاج العصبي، والعصبي الصفراوي، المستسلمين للكآبة، شديدة الشعور مع ميل ~~إلى الحزن. وقد قوى ذلك فيها تأثير المطالعة، واعترفت به حيث قالت: «أول ما حفظت من الشعر ~~المراثي وأولها رثاء الأندلس، وكنت في حداثتي أقرأ كثيرا ديوان المتنبي وأعجب بنفسه ~~الكبيرة وأظنه هو الذي عداني في ذلك وسمم آرائي. رحمه الله، إني ms019 ألذ كثيرا بهذه ~~العدوى.» # 10 # وقد تكون مدينة له كذلك ببعض الحكم المنشورة في فصولها، كهذه مثلا: «فالتجربة أرشد ~~معلم، والليل والنهار كفيلان بتأديب من لا مؤدب له.» # 11 ~~••• # من الأدوار الثلاثة المهمة التي تستغرق حياة المرأة؛ أي أدوار البنوة والزوجية والأمومة، ~~كانت تحت تأثير الدور الثاني يوم كتبت «النسائيات »؛ لخروجها من دور البنوة الصرف. ولما لم ~~ترزق ولدا ينال نصيبه من عنايتها فقد ظل اهتمامها محصورا في موقف الزوجة ومركزها في ~~العائلة والأمة. نعم إنها بحثت في جميع أدوار المرأة المصرية من الطفولة إلى الشيخوخة، ~~ولكنها كانت بالزوجية أكثر اهتماما منها بأي دور نسائي غيره. أما في أحاديثها فكانت تكثر ~~من ذكر أبيها وقرينها؛ مما يدل على مقدار احترامها لهما وتعلقها بهما. # زرتها مرة وسيدة إنجليزية فوجدنا صالونها مملوءا بالزائرات المسلمات من والدات وفتيات، ~~ودارت بينهن مناقشة فيما إذا وقع خلاف بين أب المرأة وزوجها فأيهما تتبع. فكثرت الأقوال ~~واحتدم الجدال إلى أن قالت شابة عروس عام: «مات أبي منذ سنوات خمس فحزنت عليه حزنا ~~شديدا، وما زلت أبكيه إلى يومي هذا. ولكن إذا مات زوجي أموت معه ولن أعيش بعده لحظة ~~لأبكيه.» فاعترضت والدة هذه السيدة بلهجة جعلتني أظن أن بينها وبين صهرها سوء تفاهم في أمر ~~من الأمور، وإنها تود استمالة ابنتها إليها. لكن باحثة البادية دخلت بينهما قائلة بلهجة ~~جمعت بين الجد والمزاح: «مكثت في دار أبي عشرين سنة ولما تتم لي هذه المدة عند زوجي ...» ~~فقاطعها هنا بعض الزائرات قائلات: «ما هذا؟ أتجعلين طول الإقامة ميزانا للحب!» # قلت إن باحثة البادية امرأة بكل معنى الكلمة؛ فهي لا تريد أن يعرف الجميع خفايا ضميرها، ~~ولا تريد أن تجرح زائراتها. وقد كان لديها مع قلمها (الذي كان صريره يشبه أحيانا وخز حربة ~~صغيرة غمست في مداد إنما هو مزيج من مرارة ولهيب) سلاح آخر نسائي محض، وهو الضحك، وما ~~يتقدمه من نظرات لطيفات المعاني، وما ينتج عنه من إرضاء الجميع دون إغضاب أحد، والتخلص من ~~المواقف الحرجة ms020 بمهارة وبساطة. # لو قالت: «تتبع المرأة زوجها» لغضبت الأمهات. ولو قالت: «تتبع والدها» لسخط الأخريات. فلم ~~تقل هذا ولا ذاك، بل ضحكت في وسط الضوضاء والاحتجاج والاعتراض ضحكة فضية كرنين البلور على ~~البلور، أعقبتها بنكتة صغيرة أقفلت باب الموضوع وأرغمت جميع الحاضرات على الاشتراك في ~~الضحك. وما كان أجمل ضحكة ثغرها! بينا شفتاها القرمزيتان تتلامسان بألفاظ مصرية التركيب ~~واللهجة والمعنى! # الفصل الثالث # | المسلمة # لئن أجملت هنا ما فصلته في النبذة السابقة من حيث إن باحثة البادية «امرأة» في جميع ما ~~كتبت فيحسن بي الآن المجاهرة بأنها إزاء صفاتها الأخرى «مسلمة» قبل كل شيء. وأي مسلمة هي! ~~مسلمة شغوف بدينها، تغار عليه غيرة محب مدنف يقدس الاسم المحبوب ويرى في كل حرف من حروفه ~~عالم بهاء وعظمة ومجد لا يفنى. إن إسلامها لظاهر في كتاباتها ظهورا جليا، وأقدر أنها ~~كانت معروفة بالورع بين أخواتها المسلمات. وقد ذكرت ذلك الآنسة نبوية موسى - التي كانت ~~رفيقتها في المدرسة - في خطبة بعثت بها إلى لجنة التأبين وألقيت في الاحتفال المهيب الذي ~~أقامه لها رجال مصر. # هي مسلمة إلى حد إدخال الدين في كل أمر من الأمور سياسيا كان أو اجتماعيا أو ~~أخلاقيا، حتى مسائل الأزياء والزينة والاصطلاحات والأحاديث الثانوية. ومما قالته في أسلوب ~~المحادثة بين الزوجين: # هناك أخرى تقول لزوجها حضرتك وسعادتك، فما هذا التكلف البارد! إننا بتسميتنا ~~فلانا صاحب العزة وتلقيبنا أحد الملوك بصاحب الجلالة لنكفر ونلحد. فما صاحب العزة ~~وذو الجلالة إلا الله الواحد القهار. ولو أنصف كتابنا لحذفوا تلك الألفاظ الدالة ~~على الشرك في كتاباتهم وأقوالهم. # 1 # إذا ما وقفت على بدعة مستحدثة ورأت أمرا جديدا سارعت إلى استجواب نفسها هل في ذلك ما ~~يغاير الأوامر الدينية. وإذا ساد نظام بين القوم واستحكمت روابطه بفعل المران والاستعمال ~~والملاءمة لشروط الزمان والمكان دون أن يكون مقررا في نصوص الشريعة السمحاء فهي لا تحفل به ~~كثيرا، حتى إذا ما أرغمت على قبوله قبلت منه أقل مظاهره ابتعادا عن الفكرة الدينية. ويا ~~ويلمها عادة ms021 لا تروق لها! إنها تثور ثائر غضبها وتتسلح باسم الدين لمكافحتها، ويا ~~لحدة سنان يراعها الذي يصبح في تلك الساعة حربة وخازة! قالت منتقدة الذين يعلمون ~~بناتهم الرقص والتمثيل. # لا أعلم عند الإفرنجية عادة تساوي «الزار» إلا مخاصرة الرجال في الرقص، وما يتبع ~~تلك العادة من التهتك والتصنع والميل عن جادة الصواب، وما ينشأ عن إباحتها ~~المطلقة بلا قيد ولا وازع، من الضرر البليغ والإخلال بالشرف. وأدهى من ذلك أن ينتشر ~~بينهن مذهب حرية الاعتقاد، وهو مذهب من لا يصدق بالله ولا باليوم الآخر، فيزعمن ~~أنهن يجتنبن الرذائل بمحض إرادتهن وتربيتهن. ولكن هل إذا منعت الفضيلة امرأة عن ~~إتيان ما لا يرضي فهل يصح أن تطبق هذه النظرية على كل امرأة؟ إن النفس لأمارة ~~بالسوء، ولقد تقدم على كثير من الموبقات لولا الضمير الحي، وهو ثمرة الوازع ~~الديني، أفلا يعقلون؟! أرانا لا نتمسك شديدا بديننا الحنيف وهذا بدعة وعدوة أتتنا ~~من الغرب. أو كلما رأينا إنسانا يفعل شيئا حاكيناه، وإن كان في ذلك خسارة ديننا ~~ودنيانا معا؟ # إن ذلك (أي الرقص) مناف للدين الإسلامي، هادم للفضيلة، مدخل لضار العادات ~~بيننا، فعلينا أن نحاربه ما استطعنا، ونظهر احتقارنا لمن تفعله من المسلمات ~~القليلات، اللاتي إذا شجعناهن بسكوتنا لا يلبثن أن يعدين الغير منه. # 2 # لست أدري هل كثر العاملات بهذا الرأي؟ إني شهدت من الهوانم كثيرات ممن أتقن خطوات ~~«البولكا» و«المازركا» و«الفالس» و«الطانجو» يراقصن صاحباتهن في اجتماعاتهن اللطيفات. فأي ~~مانع يمنعهن؟ وأي «عار» على امرأة في مراقصة زوجها أو أخيها في المجالس العائلية، أو مراقصة ~~صديقاتها في اجتماعات نسائية؟ إن فن الرقص - شرقيا كان أم غربيا - رياضة مفيدة للصحة ~~إذا استعمل باعتدال، فضلا عن إنه يمرن أعضاء الجسم فيكسبها لينا ونشاطا وخفة ~~ويحفظها من النشوفة والتصلب، كما أنه درس نافع جدا لتحديد الحركة وتسهيل انسجامها، وهو ~~أفضل مقياس لها. ويجوز مثل هذا القول في التمثيل. إني عرفت سيدات مثلن في اجتماعات نسائية ~~وسهرات عائلية، لم أرهن رأي العين ولكن قلن لي ms022 إنهن يفعلن. ومنهن واحدة تعجب بالباحثة ~~إعجابا شديدا، بل هي من أعز صديقاتها اللاتي يحببنها حبا جما، وقد اجتمعت بها للمرة ~~الأولى في صالون باحثة البادية نفسها. زرت هذه السيدة منذ عامين أو ثلاثة وأخذنا نتحدث عن ~~بعض الروايات التمثيلية، فذكرت رواية مثنية على حسن تأليفها وبراعة تنسيقها، ثم قالت: ~~«لقد تقاسمنا أدوارها في الأسبوع الماضي، ونحن منهمكات في هذه الأيام بدرسها؛ لأننا سنمثلها ~~أنا وصديقاتي أمام طائفة من معارفنا وزائراتنا.» كانت الباحثة في الفيوم يومئذ إلا أنها ~~كانت تراسل صديقتها هذه كل أسبوع تقريبا، ولا أدري هل علمت بما كان يشغل صاحباتها مما ~~أنكرت إتيانه بالحدة التي تعلم! # أما مسألة «الشرف» فيصعب حلها جدا؛ لأنها من الكلمات التي يستعملها البشر غالبا في غير ~~محلها، ولها رنين يقرع السمع كالأجراس، ولكنها في الحقيقة أمر نسبي، كجميع المعاني البشرية. ~~الشرف في اعتقادي أسمى وأنقى كثيرا من أن يتلوث بالغبار الذي تثيره خطوات «الفالس»، بل هو ~~أرق لطفا وأصفى جوهرا من أن تدانيه يد الإنسان. على أني أفهم أن الباحثة لم تقصد الرقص ~~على الإطلاق؛ لأنها لم تذكر الرقص الشرقي، بل هي عنت مراقصة الرجال للنساء على الطريقة ~~الإفرنجية. # والآن أشعر بأني جالبة على نفسي حكما شديدا من أبناء الطرز الحديث لما أنا مجاهرة به. ~~إنهم ينحنون أمام المرأة المحجوبة ولكنهم لن يكونوا لي من الراحمين. أنا فتاة سافرة تسري ~~علي عادات مجتمع هو أقرب إلى «التفرنج» منه إلى أي نزعة أخرى. وقد تعلمت الرقص واشتركت مع ~~قومي في السهرات الراقصات ولم أر فيها شيئا يصح أن يسمى «إخلالا بالشرف» ولكني ... ها قد ~~وصلت إلى الخطوة الرهيبة ... ولكني لا أريد للمرأة اختلاطا كبيرا بالغرباء، وأكاد أقول إني ~~لا أستحسن مراقصة الرجال للنساء. # أما الآن وقد فهت بهذا الإلحاد الاجتماعي الهائل فقد «نمرني» أهل العصر وحشروني في ~~فصيلة المتقهقرين والرجعيين. اللهم لك الحمد والشكر على كل حال! # وإذا نادت بالإصلاح العائلي استشهدت بالله متهددة الظالمين وقالت: ~~«ألا فلينتبه الرجال وليتقوا الله في نسائهم، ms023 وليعلموا أن التقوى مطلوبة في السر ~~والعلن وأن الله يرى» ... «يا قوم تداركوا الأمر ... وسنوا سنة صالحة لأبنائكم ~~وبناتكم من بعدكم يكن لكم آخرها إلى يوم الدين، ولله عاقبة الأمور.» # 3 # وقالت في إصلاح طريقة الزواج ووجوب اجتماع الخطيبين قبل عقد الخطبة استنادا إلى ما كان ~~يتم وقوعه في الماضي : # يرى أكثر عقلاء الأمة ألا بد للخطيبين من الاجتماع والتكلم قبل الزواج، وهو رأي ~~سديد لم يكن النبي # صلى الله عليه وسلم # والصحابة يعملون غيره. # مما يجعل مسألة الزواج عندنا (أي المسلمين) هينة لينة إباحة الدين الحنيف الطلاق ~~وتعدد الزوجات. ولكن حاشا أن يكون قصد الشارع ما نراه الآن من الفوضى في أدق ~~الروابط الاجتماعية ومن نقض عهود الأسر وقلب نظاماتها. فإن الأديان لم تخلق لجلب ~~البؤس وإنما خلقت لإسعاد البشر. «طريقة العرب على عهد النبي # صلى الله عليه وسلم # وما بعده في ~~أمور الخطبة والزواج طريقة شريفة معقولة إذ لم يكن الحجاب حينذاك كما هو الآن. وإني ~~أجاهر بأن حجابنا مقلوب ونظام اجتماعنا فاسد أشد الفساد لا يصلح ولن يصلح أن ~~تتبعه أمة متمدنة.» # 4 # وإذا قررت بعض مساوئ الرجل وأشارت بأمر عمدت إلى وصية الشارع العربي كقولها: # اللهم إن رجلا هذه أخلاقه مع زوجه وهذا مبلغ جشعه لخليق بأن يفارق، ولكن ~~المداراة مما أوصى به النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. فلتداره ما أمكن فذلك خير لهما من الخلاف. # 5 # وقد قالت بتعليم المرأة أصول الدين مرة بعد مرة، فصرحت بمطالبها في الخطبة الأولى التي ~~ألقتها في نادي حزب الأمة ثم جعلتها أساسا لاقتراحات قدمتها إلى المؤتمر الإسلامي المصري، ~~وخلاصتها وجوب تعليم البنات «تعاليم القرآن والسنة الصحيحة»، وأن يباح للنساء الذهاب إلى ~~المسجد لسماع الوعظ والخطب والإرشادات الدينية وحضور ما يقام من الصلوات والاحتفالات كنساء ~~الأديان الأخرى من مسيحية ويهودية. وكان لهذه الاقتراحات صدى استحسان عند الجميع حتى عند ~~أرقى المسلمين فكرا وأوفرهم علما. فكتب الأستاذ لطفي السيد بك في مقدمة «النسائيات» ~~مستصوبا مؤيدا فقال: «ولو صح نظري لكانت ms024 قاعدة بحثها في تحرير المرأة قاعدة الاعتدال ~~ورائدها في ذلك الشرع الإسلامي.» إلى أن قال: «وقصارى القول إن باحثة البادية قد أجادت كل ~~الإجادة في أن جعلت أساس بحثها تقرير المساواة لا على جهة الإطلاق بل في حدود الاعتدال ~~والدين.» # ووردت الأبيات التالية في ردها على قصيدة شوقي بك المشهورة: # أما السفور فحكمه # في الشرع ليس بمعضل # ذهب الأئمة فيه بي # ن محرم ومحلل # ويجوز بالإجماع من # هم عند قصد تأهل # ليس النقاب هو الحجا # ب فقصري أو طولي # فإذا جهلت الفرق بي # نهما فدونك فاسألي # من بعد أقوال الأئم # ة لا مجال لمقولي # لا أبتغي غير الفضي # لة للنساء فأجملي # وإن لها في مدارس الراهبات رأيا صارما جائرا. قالت: # وهذه الفئة الجاهلة الدعية في العلم هي ولا شك فئة خريجات مدارس الراهبات وكثير ~~من المدارس الأهلية الأخرى. وحسبك وقوفا على مبلغ هؤلاء أن تسألهن سؤالا بسيطا ~~عن بعض ما يلقينه على مسامعك مثل الببغاء فلا يحرن جوابا. ثم إن إحداهن لتسمعك ~~تاريخ فرنسا ولا تكاد تأخذ نفسها من سرعة الإلقاء، وإذا سألتها عن عمر بن الخطاب ~~أو صلاح الدين الأيوبي أو محمد الفاتح وأضرابهم من حماة الإسلام قالت لك لا أدري ... ~~ومدارس البنات كلها في مصر - خلا مدارس الحكومة الثلاث - لا أثر فيها للنظام وليس ~~فيها إلا تظاهر بالعلم ورياء وهي في اعتقادي لا تصلح مطلقا لتربية البنات ~~المصريات. وبالجملة أقول إن أحسن مدارس البنات في مصر هي مدارس الحكومة أخلاقا ~~وعلما، على أنها لا تزال تقبل الإصلاح والرقي. # 6 # حسبنا شهادة لمدارس الحكومة أنها أنجبت باحثة البادية ومن حذون حذوها. أما المدارس ~~الأهلية التي قالت فيها الباحثة ما قالت فأنا لا أعرفها إلا بالاسم، فلا يمكنني تولي ~~الدفاع عنها. ولكني أعرف بعض مدارس الراهبات حق المعرفة، وإني لأجاهر بأن انتقاد الباحثة لا ~~ينطبق عليها. وقد تكون الباحثة عثرت صدفة على فتيات «تخرجن في مدارس الراهبات وهن لا يعرفن ~~إلا العزف على البيانو والرطانة ولسن من العلم والتهذيب في ms025 شيء، وهن على جهلهن هذا شامخات ~~بأنفهن نحو السماء فيقضين وقتهن بين حديث خرافة وخروج في الشوارع وهن على العموم أكثر ~~النساء إسرافا وتبذيرا فضلا عن البهرجة وقلة الحياء»، وكن سببا في تكوين حكمها هذا ~~الشديد. ولكن إذا وجد مثل هؤلاء بين خريجات مدارس الراهبات فلا تعدم أضرابهن المدارس ~~الأخرى، ويوجد مثلهن بين اللائي لم يتخرجن إلا في منازل آبائهن على يد أمهر الأساتذة وأفضل ~~المؤدبين. كذلك أنجبت مدارس الراهبات نساء كن سعادة ذويهن ونور محيطهن، كما أنه قد يرى ~~من أفضل النساء في طائفة لم تتلقن العلم إلا من ذكائها الفطري ولم تتناول قواعد التهذيب إلا ~~من الوجدان السليم. # إن تأثير المدرسة وتأثير الوسط عظيم جدا ولكنه ليس له القدرة المطلقة. والأهمية الكبرى ~~إنما هي في قابلية التلميذ واستعداده. لقد قال أرسطو مرة: «إن عقل الطفل كالشمع اللين ~~يكيفه المعلم كيفما أراد.» فاقتبس هذه النظرية قوم من علماء الأخلاق وجعلوها أساسا ~~لتعاليمهم، لكن ما أكثر الذين قاموا يناقشونهم ويدحضون أقوالهم من المعارضين! ومن البديهي ~~أن المدرسة لو كانت ذات فعل مطلق شامل متماثل لما رأينا الفروق الكبيرة بين طلبة المعهد ~~الواحد والاختلاف الجوهري بين تلامذة الفرقة الواحدة المستقين العلم من أستاذ واحد ~~المنفعلين بتأثير مؤدب واحد. ترى لماذا لم تخرج لنا تلك المدرسة العزيزة وذلك القسم ~~الدراسي المبارك إلا «باحثة البادية» واحدة لا ثانية لها؟ # لست بمدافعة عن مدارس الراهبات لمجرد الدفاع، ولكني تربيت فيها سنوات أربع فاختبرتها ~~بنفسي، كما أني اختبرتها في غيري من بنات عمي وقريباتي ومعارفي اللاتي تهذبن وتعلمن فيها. ~~لم أجد فيها العيوب المذكورة في «النسائيات»، بل ما يناقضها على خط مستقيم؛ منها الترفع ~~الكثير عن الدنايا، والجري وراء مثل أعلى قلما يتراءى في سبل الحياة العادية، ورفع النفس ~~إلى ما وراء المرئيات، والإكثار من الصلاة والتطرف في العبادة مما يؤهل الفتاة لاعتناق ~~الحياة الرهبانية فتظل مدة بعد رجوعها إلى البيت حائرة في دوائر الهيئة الاجتماعية، غريبة ~~بين هؤلاء البشر الذين يجهلونها ولا تفهمهم. وعلى ms026 رغم تلك العيوب ما زال الآباء يتهافتون ~~على هذه المدارس، ورجال من أفضل المصريين حصافة وأوسعهم علما يأتمنونها على بناتهم واثقين ~~بأن نوع التربية الذي ينلنه بين تلك الجدران الصامتة لهو من خير الأساليب التهذيبية. # أما النقص الشائن في إهمال تدريس التاريخ الإسلامي والتواريخ الشرقية الأخرى وإتقان اللغة ~~العربية فإن اللوم فيه عائد على الأهل؛ إذ أي شيء يمنعهم عن تعليم ما يريدون لبناتهم بعد ~~خروجهن من المدرسة؟! وذلك يسهل عليهن يومئذ لأنهن يدرسن مختارات لا مرغمات، فيجدن لذة ~~تخلو منها أكثر الدروس المدرسية الجبرية، ويقفن على كثير في وقت قليل. إن الأجانب يهبطون ~~ديارنا لترويج لغتهم ونشر علومهم وتاريخهم. وفي معرفتنا للغاتهم وآدابهم وتاريخهم وعلومهم ~~سلاح في يدنا وقوة نجاهد بها في ميدان المسابقة المفتوح لنا ولهم، وهم فيه غالبا - غالبا ~~فقط! - فائزون. وهل يكتفي المرء في هذا العصر بكونه حافظا لتاريخ الشرق مستظهرا متون ~~سيبويه وحواشي الصبان إن لم يكن له إلمام بمعارف الغير مع إتقان لغة أجنبية واحدة على ~~الأقل؟ إن ناموس تنازع البقاء ليقضي علينا بذلك، وإن أحكامه لنافذة سواء شئنا أم لم نشأ. ~~فإن لم نسر بحكمة مع النظام سرنا جهلا ضده. ومن ذا الذي يستطيع معاندة ما لا يعاند ~~ومغالبة ما لا يغالب؟! فإن لم نجر مع دولاب الحياة انقلب علينا فكنا فريسته المنسحقة ~~تحته. # لندرسن علوم الأجانب من جهة ولندرسن تواريخنا من جهة أخرى نكن جامعين بين المعرفتين ~~أقوياء بالقوتين. ومن لم يكن مهتما بشئونه فكيف يتوقع من الغير بأحواله اهتماما؟! ~~••• # سيرى فريق أن باحثة البادية كانت متعصبة، ذلك مما لا ريب فيه، وكيف ينتظر أن تكون غير ~~متعصبة؟! أليست بشرا؟! أوليس التعصب من أشد العواطف ملاصقة للنفس؟! حدثوني عن تسامح من ~~لم يكن متعصبا لأضحك قليلا! من هذا الشخص؟ ومن أي مذنب مجهول في فيافي الفضاء قد هبط ~~علينا؟ العالم في مكتبه، والمحسن في كرمه، والشاعر في عزلته، والفيلسوف في تأملاته، كل ~~من هؤلاء متعصب تعصبا يتفاقم شره كلما كان خفيا تحت ms027 مظاهر الحلم والتساهل. # وإني لأرى استعمال المفرد في التعصب سخيفا، بل هناك تعصبات يجوز عليها جمع الجمع وجموع ~~الجموع إلى ما لا نهاية له. فالتعصب الجنسي والقومي والعلمي والفلسفي والأدبي والاجتماعي ~~والحزبي والفردي، وتعصبات أخرى لا أسماء لها تسير موكبا هائلا سريا لا يبرز فيه إلا ~~التعصب الذي ننعته بالديني. قال قائل: إن التاريخ سلسلة حروب، وإن الشعب الذي لا حروب له لا ~~تاريخ له. ولو قلنا إن الحروب إجمالا وتفصيلا ليست إلا حكاية تعصب البشر لكنا معبرين عن ~~الفكرة نفسها بكلمات هن أقرب إلى معنى الصدق. # كثيرا ما أسائل نفسي: ترى هل يهدأ يوما ثائر العواطف المتطرفة وتتوازن قوى الإنصاف ~~فيرتفع المرء بإدراكه إلى أفق يشرف منه على جميع النزعات الإنسانية؟ ترى هل يفطن البشر ~~يوما أن كلا من الميول وكلا من الأديان ينطبق دون غيره على مطالب فئة واحتياجاتهم، فلا ~~تطمئن منهم النفوس إلا بالتمشي مع نصوصها؟ لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، فمتى يذكرون؟ ~~وما يسمونه عند الآخرين تعصبا يدعى عندهم غيرة قومية ونخوة وحمية، فمتى يذعنون؟ ومتى ~~يقولون مع الشاعر: # هذي المذاهب كلها دين الهدى # كأشعة الشمس افترقن إلى مدى # والملتقى في مصدر الأنوار # 7 # كانت العاطفة الدينية مختلطة عندها بالمعاني القومية والاجتماعية كما هي حالها عند أكثر ~~البشر، وإن كانت عند المسلمين أوضح منها عند غيرهم. فإذا تكلمت في اجتماعاتنا في مسائل ~~إسلامية كنت أرى يدها تشير ببطء وعظمة ورأسها يرتفع مفاخرا. فأذكر إزاء هاتين الحركتين ~~كلمة الشاعر الإسباني القائل: «إنما في عروق الشرق جميع الدماء ملوكية» # 8 # ويا طالما لمحت على تلك الجبهة السمراء الجميلة خيالات عز الإسلام تموج بين عقارب شعرها ~~الأسود! فأحدق إذ ذاك في شفتيها الصامتتين وأراهما تتكلمان بلا حراك، وجمودهما يعبر ~~عن كلمات حائرات عليهما، وقد حسبتهن قول الشاعر: # توزع قلبي حبكم وهو غالب # وحقد على أعدائكم يتسعر # ولو كان لي بأس على قدر غيرتي # لكان لكم منه حصون وعسكر # أجود بروحي غير أن سبيلها # إليكم كما شاء الهوى ms028 متعذر # 9 # الفصل الرابع # | المصرية # المصرية من باحثة البادية مصريتان: مصرية بظرفها ومصرية بوطنيتها. # من لا يعجب بالظرف المصري الذي يبدو أدبا وحسن مجاملة في المعاملات، ويتناقله المتحادثون ~~نكاتا تمر في الحديث فتجعله ذا لذعة لطيفة تشرح القلب وتبهج الخاطر؟ إن لكل من الشعوب ~~صفة كهذه التي يسميها الفرنساويون # esprit # والأنجلو ~~أمريكيين # humour # وهو رسم جولة الفكر منهم مع ما تتضمنه من ~~وخز «يفلفل» الأحاديث والمناقشات فيحميها من الملل الذي يتهدد جميع العلائق البشرية إذا ~~استمرت على وتيرة واحدة. # تتكون الشخصية الجاذبة من عنصرين اثنين: أولهما ثابت لا يتغير وهو الطبع، والآخر يفرفر ~~متنقلا وهو الظرف. ولئن كانت قيمة المرء الأخلاقية وكرامته وعظمته في العنصر الأول وهو ~~القوة الأصلية الجاذبة، فإن الظرف (إذا كان طبيعيا لا تكلف فيه) ينقذ الانتباه من تعب ~~التوتر؛ إذ يمزج الطبع الجدي العبوس بشيء خفيف رشيق وثاب يرضي دائما إذا كان خاضعا ~~للذوق السليم. # وجميع الأقطار العربية تعترف للمصريين بالمقام الأول في عالم الظرف (كما في آفاق معنوية ~~أخرى) ويساعدهم على التفرد به لفظهم ولهجتهم ونكتهم اللاذعة. وقل من من الأوروبيين يفهم ~~ذلك؛ لأن فكرهم على توقده وانتباهه لا يستطيع الوصول إلى الدقة الشرقية الخفية. أيكفي ~~التوقد والانتباه لمن يطلب التفهم؟ أليس هناك صفة أخرى تصيب جوهر المعاني والأغراض ~~بوثبة واحدة، وهي البداهة التي كانت وستظل دائما قوة النفس الشرقية؟ وهذه الدقة المتوارية ~~إزاء النظر الغريب أليست هي البادية في السلم الموسيقي عوارض كثيرة التجزئة غريبة ~~الأوضاع؟ تلك العوارض أخذ بعضها نفر من كبار الموسيقيين في الغرب ونظمها بيانا فنيا ~~جميلا، على أن الجمهور الأجنبي ما زال يحسبها خطأ وخللا موسيقيا في حالتها الشرقية ~~الصرفة. مع أنها هي الجاعلة لموسيقانا سذاجتها وفعلها الأليم المستحب. # للسان المصري سلطان يعنو له الكلام، وللمصري سرعة خاطر مدهشة لا تكل ولا تنضب وألفاظ ~~كالسلسبيل حلاوة. ولكن هذه الميزة تظهر على أتم ما تكون في المصري الراقي الذي يرفع المعاني ~~المتداولة إلى أوج فكره ثم يظهرها جديدة الأنس والسلاسة تتبعثر ms029 فيها الملح الحسناء ورءوس ~~حراب صغيرة تتهدد بالوخز كثيرا ولا تفعل إلا نادرا. ~~••• # كل ذلك في باحثة البادية محدثة وكاتبة؛ خفة الروح ترفرف على جميع سطورها. إنها ~~تستوقفك الوقت بعد الوقت بنكتة غير منتظمة وتهكم شائق يناسب الموضوع. كقولها في انتقاد ~~الشراسة العابسة التي يستعملها بعض الشرقيين في منازلهم: # زرت مرة سيدة ممن ابتلين بمثل هذا الزواج القاسي وكنا نتكلم وأولادها الصغار ~~يلعبون قريبا منا وبناتها الشابات يضحكن وإذا بهن سكتن فجأة وارتبكت أمهن وغارت ~~أعينهن وعلاهن الاصفرار، وقامت إحداهن تهرول إلى الصغار لتسكتهم، والثانية تتسمع ~~على السلم، والأخرى ترى ماذا يمكنها ترتيبه في حجرة والدها. تعجبت من هذه الحركة ~~الفجائية وسألت عن الباعث لها، فأخبرتني السيدة والحزن باد عليها وتكاد لا تنطق ~~إلا همسا: «إن البك ربما يكون قد حضر.» فقلت في نفسي إذا كان كل هذا الاضطراب وفي ~~حضوره شك فماذا يفعل هؤلاء النسوة إذا قيل لهن: «إنه قد والله حضر»؟ # 1 # ظرفها يبدو في الغالب تهكما سليما لا مرارة فيه ترطبه البسمة التي لا تبعد عنه كثيرا، ~~ويعجبها أن تستعمله لإيضاح أغلاط الرجل. ولو كنت رجلا لجزلت لشراستي المزعومة وضاعفتها ~~أحيانا لتوحي إلى الباحثة مثل هذه النكتة المليحة: # فما أقدر زوج الضرتين على التفنن! ولو أنصفوا لعينوا زوج كل اثنتين سياسيا أو ~~ناظرا للمستعمرات! (ولكن الذي يؤسف له أنا ليس لنا مستعمرات.) # 2 # وهذه غيرها: # يقول لنا الرجال ويجزمون: إنكن خلقتن للبيت ونحن خلقنا لجلب المعاش. فليت شعري ~~أي فرمان صدر بذلك من عند الله؟! «إنهم لو أنصفوا ولم يتحزبوا لما عيرونا بأننا ~~قليلات النبوغ وأنه لم يسمع بأن إحدانا غيرت قاعدة في الحساب والهندسة مثلا. ~~وليتفضل أحدهم بإخبارنا عما استنبطه من تلك القواعد. فنحن نعترف لرجال الاختراع ~~والاكتشاف بعظيم أعمالهم، ولكني لو كنت ركبت المركب مع خريستوف كلومبس لما تعذر ~~علي أنا أيضا أن أكتشف أمريكا.» # 3 # ودونك هذا الوصف الحي في غاية الحياة؛ لأنه ينطبق على بعض مشاهدات واقعية. ولكنه يتناول ~~المرأة هذه المرة: # تسافر ms030 المرأة الإفرنجية الآن أو البدوية وحدها فتركب القطار أو الجمل، وسرعان ما ~~تحمل متاعها أو تحضر من يحمله لها بلا ضوضاء. أما المصرية فلا تسافر إلى محطة ~~قريبة إلا ومعها من الخدم والأقارب من تعطلت أعمالهم من أجلها، ثم تجدها لا تكاد ~~تحرك رجلا لتنزل حتى يتحرك القطار، وإذا ساعدها الله (والأولياء!) ونزلت فما أكثر ~~ما تفقده ولا تجده. ضاعت حقيبة المصوغات، وانكسرت القلة فبللت حبرتها، واشتبك ~~برقعها بمفتاح العربة فانقطع خيطه، وإذا لم يسرع حشمها في التقاط أطفالها فقد يقع ~~أحدهم تحت العجلات صريعا. # 4 # صدقت الباحثة، إن طائفة من النساء الشرقيات لم تتهذب منهن الحركة، فإذا مشين شعر الرائي ~~بأنهن متنبهات لحركاتهن مرتبكات فيها، وربما سرن على غير هدى فيصطدمن بما حولهن من أثاث ~~وجدران، ويقلبن مرغمات ما على الطاولات من إناء ومزهرية وكتاب. قد يكون هذا راجعا إلى دور ~~الانتقال الذي نحن فيه من القديم المنبوذ إلى الجديد المحبوب، ودور الانتقال يظل أليف ~~الحيرة والخبط والتردد إلى أن يقومه المران وتألفه العادة. ولكن من الشرقيات عموما ~~والمسلمات خصوصا من هن موزونات الكلمة يعد ما يقتضى معهن من الأوقات لحظات أنس ~~وهناء. # ينتشر ظرف الباحثة غالبا في سطور كما رأينا في النبذ السابقة ويجتمع أحيانا في كلمة ~~واحدة أو جملة مختصرة كقولها في نقد الحبرة العصرية: # إن نصف إزارنا السفلي مرط (جونيلة) لا يتفق مع كلمة حجاب ولا مع معناها ولا مع ~~الحكمة منه. أما نصفه العلوي فهو كالعمر كلما تقدم قصر. أما البرقع فأشف من ~~قلب الطفل. # 5 # كذلك تظل يدها سائرة على هواها والنكتة جزء من معانيها. وقد تدري بها فتضحك لها بعد رسمها ~~على القرطاس، وقد لا تلتفت إليها مطلقا. فتبقى في إعراضها والظرف يتسرب بين مقاطع الخطاب ~~حتى يجيء الانفعال الشديد يهزها فتتطاير إذ ذاك من حول صحيفتها أسراب الملح والنكات ~~والتهكم ويتفرغ اليراع لصب مقذوفات العاطفة المشتعلة والشعور المعاني. ~~••• # أما المصرية الوطنية فمضمرة دائما وإن لم ترفع القناع إلا الوقت بعد الوقت. وربما ms031 تكلمت ~~الوطنية أحيانا باسم الإسلام وتارة باسم الشرق بأسره كقولها: # إننا لو سلمنا بما يقترحه الكتاب من ضرورة تقليد الغربيين في أمور معاشنا ~~ولباسنا وزي بلادنا مما قد لا يوافق روح الشرق فإننا نندمج فيهم ونفقد قوميتنا ~~بمرور الزمن، وهذا هو ناموس الكون؛ إذ يفني الضعيف في القوي، وإنه لمن العار أن ~~نهمل هذا الأمر يجري مجراه. فأدعو الكتاب والباحثين للتفكير فيه وفي إيجاد مدنية ~~خاصة بالشرق تلائم غرائزه وطبائع بلاده ولا تعوقنا عن اجتناء ثمار التمدن ~~الحديث. # رأي في منتهى العقل والاعتدال، وإخاله يتفق غرضا مع الجمعية النسائية التي تألفت في هذه ~~الأيام لمقاومة تيار المدنية الأوروبية في هذا القطر. أنا الشرقية المحبة لكل ما هو شرقي ~~أتمنى لكل من أقطارنا طابعا شرقيا. لكن حسن أن يبسط المرء مدى فكره إلى ما وراء حدود ~~ما يتمنى؛ لأن جدران «التمني» ضيقة أحيانا. ثم إذا مال الإنسان إلى أمر ووجد من نفسه ~~دافعا يحمله على طلب ذلك الأمر بقوة كان ملبيا نداء سريا منبثقا من أعماق مزاجه. ~~وكأن خفايا المزاج تعلم أن في الأمر المطلوب ما يكمل منه قوى لم يبرز إلا بعضها، أو أن في ~~ذلك الأمر اقتدارا لتنبيه قوى جديدة مجهولة؛ إذ ذاك ما تنفع الآراء، وهل يستفيد المرء ~~منها حقيقة ولو تظاهر بالإصغاء والطاعة؟ إن كان من قوة الإرادة بحيث يتيسر له التملص من ~~هذا الانجذاب فهل في ذلك خيره أم كان خاسرا ظرفا من الظروف النادرة التي تهيئها الحياة ~~لتوسيع الممكنات وإنماء الملكات؟ ترى هل فنيت قوة اليابان منذ احتضنت المدنية الأوروبية ~~واستخدمت مظاهرها أم تحسب اليابان من الرابحين؟ # أما ساعة تتكلم الباحثة بلسان المرأة فهي تحذف اسم الشرق والأقطار الإسلامية ولا تهتم ~~إلا بالمرأة المصرية دون غيرها كقولها: # إن من يتصفح تاريخ المرأة المصرية الحديثة يرى أنها كانت دائما مظلومة مهضومة ~~الحقوق؛ ففي عصر إسماعيل هجم علينا جيش من الشركسيات انهزمنا أمامه وخرج ظافرا منا ~~بأحسن رجالنا، فلم يكن شريف ولا نابه بمصر إلا وأم ولده ms032 جارية شركسية من شراء ~~إسماعيل. ثم ابتدأ رجالنا بعد ذلك الزمن يتزوجون بالأوروبيات. «أما وقد صار الآن ~~بمصر من المتعلمات من يصلحن للزواج بأبناء جلدتهن أفليس من العار أن تقدر على أن ~~تجعل ابنك شريفا من أم ذات حسب فتختار أن يكون ابن جارية شركسية أو راقصة ~~أوروبية؟» ... «ألا رب معترض يقول أن قد بطل الرق الآن، وإن من يصاهر الترك يصاهر ~~أكفاء . هذا صحيح ولكن الأم تغذي الطفل بأميالها وطباعها كما تغذيه بلبنها، فإذا ما ~~حنت التركية لوطنها (وكل يحن بالطبع لوطنه) نشأ متشبعا بأميالها؛ يحب تركيا ~~ويميل عن مصر وهو معدود من رجالها» ... «وسبب فشل المصريين وعدم ميلهم الفطري للاتحاد ~~هو على ما أرى ناشئ عن تشعب أجناس أمهاتهم؛ فابن الفرنساوية يحب فرنسا، وابن الزنجية يذكر خصب السودان، وابن العربية يفتخر بمحتده، وولد المغربية لا يفتأ يذكر ~~بلده، وهكذا أضعنا وطنيتنا المصرية عن طريق المصاهرة بالأجانب» ... «ثم أجدني محقة ~~إذا قلت إن الدم يحن إلى نوعه؛ فإذا تكافأ الرجل والمرأة في العلم والتربية وكانا ~~مصريين مثلا فإن الحب بينهما يكون أصدق وأمتن منه لو كانا مختلفي الجنس.» # 6 # عندي اعتراض صغير على كلمتي «أصدق وأمتن». إن للحب درجة واحدة من المتانة والصدق، وتلك ~~الدرجة كعبة تدركها قلوب المخلصين قبل أن يفطنوا لها، بل إن الإخلاص المجرد من انتباه الشخص ~~المخلص لوقوع إخلاصه كان دائما من الصفات الودادية الأولية. ثم إن الحب هو العالم الأنور ~~والأفق الأطهر الذي تتلاشى عنده كل جنسية وكل تحزب، ولا يخطو بابه إلا المخلصون. كلا، لا ~~يكون الحب «أصدق وأمتن» بين مصري ومصرية منه بين مصري وفرنساوية، أو إنجليزي وزنجية. إلا ~~إذا أرادت باحثة البادية أن أبناء الوطن الواحد والطبقة الواحدة يكون لهم في الغالب أذواق ~~متشابهة متقاربة فلا يولد الاحتكاك فيما بينهم نفورا. وهي نظرية أصادق عليها نصف مصادقة ~~فقط؛ لأن أخوة الجنسية والطبقة لا تعني أخوة النزعات. كم من الناس رأوا أنفسهم منعكسين في ~~مرآة نفوس الغرباء المختلفين عنهم جنسية وعقيدة وأطماعا ms033 ومصالح، فكانوا معهم متفاهمين ~~متفقين؛ لأنهم وجدوا أن بينهم وبين هؤلاء الغرباء علاقات معنوية وقرابة روحية لم يربطهم ~~مثلها بذويهم وأقرب الناس إليهم! ذلك لأن للنفوس والميول وطنا غير وطن الجسد. على أن هذا ~~لا ينفي أن أبناء الوطن الواحد أقرب إلى الاتفاق فيما بينهم إزاء المصلحة الوطنية. # باحثة البادية تحب كل ما هو مصري؛ ما ألطف هذه الكلمة في وصف اللون المصري: # وما أحلى السمرة الجاذبة لو فهمنا معناها. إنها جميلة لأنها جميلة ولأنها مصرية ~~ولو لم يكن فيها غير المصرية والطبيعة لكفى. # 7 # وكم من رجل وامرأة في مصر يستحقان هذا التعنيف: # إننا في مصر ولكننا لا نعرفها. أرأيت أغرب من مبصر أعمى؟ إن الأهرام على قيد فلتة ~~العيار من القاهرة ولكن كثيرات منا لم يزرنها، والآثار تخبرنا عنها السائحات ~~الأجنبيات فنبدي جهلا مزريا ونعجب مما يقصصن علينا، وتاريخنا مبعثر في الأرض من ~~قديم وحديث ولا من تلم به حيا من غير الكتب الجامدة الخالية من الروح. # 8 # على أن وطنيتها أتم وضوحا عندما تعالج الموضوع الذي يكثر عودها إليه وهو ألا يأخذ ~~أبناء هذا الوادي من مدنية الغرب إلا ما لا بد من أخذه، على شرط أن يصطبغ بالصبغة المصرية ~~ويتسم بالطابع الوطني، كقولها: # فانصراف شبابنا لتلقي العلوم الحديثة في أوروبا يجب أن يكون لخير البلاد لا ~~لشرها. فكما يتعلمون لنفع أنفسهم يجب أن يقرنوا ذلك النفع بنفع مواطنيهم أيضا. ~~فواجبهم الوطني يقضي عليهم بأن يدخلوا كل ما يرونه صالحا في بلادهم مع الاستغناء ~~عن الأجنبي على قدر الإمكان. فصانع الحرير الوطني إذا رأى معامل أوروبا وسرعتها وجب ~~أن يشتري لبلاده الآلات اللازمة لسرعة إنجاز العمل لا أن يدخل تلك الصناعة بعينها ~~ويقضي على صناعته الجميلة فيكون قد اقتبس شكلا وأبطل آخر. فنحن إذا اتبعنا كل شيء ~~قضينا على مدنيتنا. والأمة التي لا مدنية لها ضعيفة هالكة لا محالة. «إذا أردنا أن ~~نكون أمة بالمعنى الصحيح تحتم علينا ألا نقتبس من المدنية الأوروبية إلا الضروري ~~النافع بعد ms034 تمصيره حتى يكون ملائما لعاداتنا وطبيعة بلادنا. نقتبس منها العلم ~~والنشاط والثبات وحب العمل. نقتبس منها أساليب التعليم والتربية وما يرقينا حتى ~~نبدل من ضعفنا قوة. وإنما لا يجوز في عرف الشرف والاستقلال أن نندمج في الغرب فنقضي ~~على ما بقي لنا من القوة الضعيفة أمام قوته المكتسحة الهائلة.» # 9 # ما أجمل هذه العبارات معنى ومبنى، وما أوفاها حصافة وحكمة! إنها لتستفز الحمية وتدعو ~~إلى التصفيق وها أنا أصفق لها بقلبي وراحتي. ~~••• # ليس بين المعاني الاجتماعية ما هو أدعى إلى التحمس والطرب من اسم الوطن؛ لأن الوطن كل ~~شيء؛ فهو الأهل والأحباب، والدموع والابتسامات، وهو القبور الغاليات، ومهد الذراري ~~المقبلات، هو مجموع الوارثات الأثرية والتاريخية والأخلاقية والعلمية والعملية، كما أنه ~~الفجر وأجواق بدائعه الذهبية والغروب بسرادقه المهيب المنصوب فوق جيوش السحب ~~المتلمعة. # هو العلم الذي ترتعش لتلاعب النسيم بأهدابه ذرات القلوب. # نحن الذين أحببنا من مصر جمالها الطبيعي وجلالها التاريخي وعظمتها الأثرية وعذوبة بنيها ~~وبناتها، نحن الذين أحببنا من مصر كل شيء نعلم أن مصر الحقيقة، مصر الصميمة، كانت تلك ~~السائرة عالية الجبهة وراء أعلامها المنشورة. مصر هي تلك الشبيبة الطامح إلى الارتقاء، وتلك ~~الأمة التي لها من فطنتها ما يذكرها أن طريق التقدم ليست التخريب والتشويش والتدمير، بل ~~الهدوء والعمل والتفكير. مصر هي المرأة المصرية التي أرتنا في هذه الأيام أن فيها ما كنا ~~نتمناه لها، وهو ينتظر أن تنبهه يد الأحوال ليبدو مسطورا. ما كان ألطف البسمات النسائية ~~أيام المظاهرات وراء النقاب الأبيض! وما كان أبهج الأعلام المصرية المثلثة الأهلة الموحدة ~~الصليب تلوحها الأيدي النحيفة! وما أحب الأصوات الشجية الخافتة تنشد أناشيد العز وتهتف ~~هتاف الحماسة! # لترقد الباحثة بأمان وسلام، إن لأخواتها أهلية وطنية كأهليتها. أحيي هنا ما كان عندها من ~~مصرية صادقة وأحيي بعدها كل امرأة مصرية، ولا أخشى ختم هذا الفصل بهتاف واحد: لتحي ~~مصر! # الفصل الخامس # | الكاتبة # أما انتقاد رسائلها من جهة صناعة الكتابة فحسبي أن أقرر من غير محاباة أنها أكتب ~~سيدة قرأنا كتاباتها ms035 في عصرنا الحاضر، بل هي تعطينا في كتاباتها صورة الكاتبات الغربيات ~~اللاتي تفوقن على كثير من الكتاب. # 1 # أحمد لطفي السيد بك # إني رأيت في كتابة هذه السيدة حدة في بعض الموضوعات؛ وكأنها معذورة في حدتها لامتلاك الموضوع نفسها وحواسها فكتبت فيه وهي ممتلئة حنقا. # 2 # الشيخ عبد الكريم سلمان # إنها أعادت لنا ذلك العصر الذهبي الذي كانت فيه ذوات العصائب يناضلن أرباب العمائم في ~~ميداني الكتابة والخطابة. # 3 # أحمد زكي باشا # لله درك أن نثرت # ودر حفني # 4 # إن نثر # 5 # حافظ إبراهيم بك # وما حاجتي إلى الكلام عنها كاتبة؟! إننا لو ضربنا صفحا عن شهادة من شهد لها بالمقدرة ~~الكتابية مكتفين بما ورد من أقوالها في الفصول الماضية، لأثبتنا على الورق ما قد سبق وقرره ~~حكمنا الصامت، وهو أنها كاتبة كبيرة. يطلق الناس عادة اسم «الكاتب الكبير» على من كتب ~~كثيرا، وهم في ذلك مخطئون؛ إن من حملة الأقلام من له مؤلفات عديدة وهو ليس بالكاتب الكبير ~~حتى ولا بالصغير، لأنه ليس كاتبا على الإطلاق. إنه ينقصه ما يسميه الإفرنج «قماش الكاتب» أي ~~السر الذي يقود الفكر إلى اختيار الألفاظ الصائبة، ويعلم اليد صياغة الجملة الملائمة، ~~وينقصه خصوصا ذلك اللهيب الخفي الذي ينشر بين السطور أشباح النور والظلام. # ما هي الكلمة؟ # والكلمة التي تعين الحركة والإشارة والصوت واللون والانفعال، الكلمة التي تعني أمرا ~~دون آخر وتوقظ عاطفة دون غيرها، ما هي وما هو سر انتخابها؟ الأبجدية لجميع البشر، والناس لا ~~يتفاهمون عادة إلا بالكلام، فما هي تلك القدرة المعطاة للبعض ليرسموا بالحروف الوجوه ونوع ~~استدارتها، والشفاه وحدود ثناياها، والآفاق واتساعها اللانهائي، والليل وعمقه وكواكبه ~~والنفس وعجائب خفاياها؟ كيف تنبض في الألفاظ المجردة الجامدة حياة سريعة متقدة بثورة الشعور ~~وهيجان الغضب وأنين الشكوى ورنين النجاح والظفر؟ لماذا تهتز الألفاظ تارة كالأوتار، وتولول ~~طورا كأمواج البحر العجاج، وتهمس حينا همسا عجيبا كأنما هو منطلق من سحيق الذراري ومبهم ~~الآمال القصوى؟ # قال فيكتور هوغو: إن الكلمة كائن حي، # 6 # وقد تكون ms036 خالقا ساعة تجعل المخيلة ترى ما لا يرى، وتنظم القرطاس أفقا ~~مفعما بالكائنات الجميلة، وتصبح سحرا يصير الغائب حاضرا والعدم وجودا. # إن للإفصاح عن الفكر أساليب جمة، ولكن لا يصلح للكاتب الواحد إلا أسلوب واحد. وهو الذي ~~يتفق مع ذاتيته. كلنا عالم ذلك. وكلنا باحث عن الطريقة التي ... فأجارك الله يا أيها الباحث ~~من الطريقة التي ... إنك لتهوي قبل الوصول إليها في دركات التصنع والتكلف والتعمل، وتتيه في ~~فيافي الخلو والتقعر والجفاف. وإذا حاولت النهوض من الدركات أو العودة من الفيافي تعثرت ~~قدماك وقلمك بذيول الزوائد والحواشي الجاهزة بين المتداولات كالحلوى على أطباق حلواني ~~العيد. أو داهمك مرض الاختصار الجاف فيشعر قارئك الشقي بأنه حكم عليه بسف التبن ~~لجريمة مجهولة منه ومن البشر أجمعين. # إن أفلاطون الذي اشتهر ببلاغته اشتهاره بفلسفته ظل ينسخ كتابه «الجمهورية» إلى عمر ~~الثمانين ليزيده تحسينا وإصلاحا. ذلك لأن الكتابة التي يراها الكثيرون مسألة هينة أكثر ~~الفنون دقة وعسرا. ولا أظن اكتشاف القطب أصعب على الرحالة من اكتشاف الأسلوب (هذا القطب ~~الآخر) على الكاتب الذي عنده شيء يقوله لأن نفسه تفيض به وتحثه على إعلانه. كلمات النفس ~~حركات خفيفة لطيفة. فكيف يتيسر نقل هذه الخفة واللطافة بالكلمات البشرية الكثيفة؟ وكيف تتبع ~~أداة القلم خطوات النفس الوثابة الكثيرة الأهواء في تموجها وتحنيها المباغت من الفرح ~~إلى الحزن ومن التحنان المذيب إلى النقمة البركانية؟ إن ذلك لسر تملص من القواعد ~~والنصوص وترفع عن أن تلقيه الضمائر إلى الألسنة. وهو كل مقدرة الكاتب أو كل ضعفه. # كذلك فيه الحكم بالإعدام أو بالخلود. وهناك معيار للوقوف على مقدرة الكاتب ومعرفة النقطة ~~المتغلبة لديه ودرجة إدراكه للسر المكنون، وهو المقابلة بين ما كتبه هو وما كتبه آخرون في ~~الموضوع نفسه. ~~••• # لنخضعن بعض صفحات الباحثة بل جميع فصول «النسائيات» لهذا الحكم نجد اللغة في يدها آلة ~~دقيقة ماهرة في تدوين ما تريد. ولا أعرف من هو أقدر منها على وضع الكلمة في مكانها، بحيث ~~إنك لو تعمدت حذف لفظة من جملة كنت ms037 باترا مجموع المعنى. هي تخبرك عن أحقر الأشياء برشاقة ~~وبلاغة لأنها مصرية كل المصرية، أي إن الرشاقة والبلاغة طبيعتان فيها سبق وجودهما عندها ~~قلم الكاتب. وقد وضعت «للكاتب» وصفا وما كانت واصفة إلا نفسها في هذه الفذلكة التي هي من ~~أدل ما كتبت على جمال أسلوبها: # اللسان والقلم رسولا القلب إلى الناس، أو هما جدولان صافيان تنعكس عليهما صورة ~~النفس وما حواليها من الصفات. وإن شئت فقل هما سلك كهرباء بين ذهن المرء ومن ~~يخاطبهم أو يكتب لهم. تنقل عنه رسالة أخلاقه حرفا حرفا بلا زيادة ولا نقصان. ~~والفضائل والرذائل كامنة في الأشخاص، لا يوري زنادها إلا الأقوال والأفعال. ~~فالمتكلم والكاتب تظهر أخلاقهما جليا فيما يقولانه أو يخطانه وإن حاولا ~~إخفاءها؛ لأن الطبع غالب والتطبع سمل بال قليل الستر إن وارى شيئا تظهر منه ~~أشياء. والفكرة وإن جانبتها لا تزال تحوم حواليك وترفرف إلى أن تجد لها مقرا ~~تستقر فيه من الجولان والاضطراب. # 7 ~~«الفكرة التي تحوم وترفرف» لا تجد عند الباحثة «مقرا تستقر فيه من الجولان والاضطراب» ~~إلا البيئة التي جعلتها موضوع اهتمامها. وإذا خرجت من هذه بالفكر حينا جاء ذلك للمعارضة ~~وتقوية الحجة ووجوب قياس القريب على البعيد كتمثيلها الطبيعة هذا التمثيل المترسل: # فالسماء معقودة على الأفق في مصر، وهي كذلك معقودة على الأفق في اليابان وفي ~~جرينلاند. لم يضع الله لها عمد المرمر في إيطاليا ولا قوائم العاج في السودان، ولم ~~يقرها على حوائط البلور في النمسا. تنيرها الشمس نهارا (إلا في القطبين) والقمر ~~ليلا، وقد نثرت فيها النجوم نثرا إلا قليلها فهو مظلم. ولم يشأ الله وهو قادر أن ~~يجعلها كلها في شكل عقود وتيجان وأن يرسمها دوائر مثلثات مرصوصة رص البلاط الملون، ~~وهي مع ذلك يأخذ جمالها بلب المتأمل المتفكر. والأرض بسيطة أيضا لا تحول ~~لنظامها. فالصخر يفتته توالي الريح والمطر فيصير رملا. والرمل تسفيه الريح ويعجنه ~~المطر فيكون صخرا. والبذر ينبت إذا لقي ريا وأرضا صالحة. وما أبسط سوق النبات ~~تظل قائمة ولكنها تميل ms038 مع الريح ويثقل عليها ثمرها فيتدلى أو يسقط إلى ~~الأرض! # 8 # وما الذي تظنه موجبا لهذه السطور المنمقة بقلم قدير، كما أنها تنم عن نفس منبسط ~~الأرجاء توزع فيها حب الطبيعة وتفهم الجمال؟ أتحسبه مشهد شروق أو غروب أو وقفة على جبل ~~شاهق، أو جوبة بين ضلوع الوادي المخططة بالمياه المتعلمات؟ إنها استهلت النبذة السابقة بهذا ~~المطلع: «بين الزوجين الحضريين من أهل مصر تكلف لا يتفق مع ما يريده الله لهما من سكون ~~الواحد إلى صاحبه، ويشذ عن شواهد الطبيعة وآثارها المرسلة إرسالا من غير تعقيد ولا إبهام. ~~فالسماء معقودة على الأفق في مصر ... إلخ.» # إذا أرادت انتقاد الكلفة بين الزوجين المصريين ليس غير! وإن ذلك ليذهلني قليلا. لأن ~~الفكر الذي يبقى ضيق الحدود ما ظل مستقرا على الجزئيات ينفتح منه الجناح بانطلاقه إلى ~~الكليات. فيستنسر محلقا في آفاق بعيدة، ويتسع منه الكيان ممتدا في تمدد الكون الذي هو ~~جزء منه. وحينما يصل إلى هذا المقام من النشوة المعنوية ينحسر لثام الظرفية عن صغائر الحياة ~~ويتموج الجزء الحقير غارقا في الكل العظيم فيبدو للمفكر بوجه آخر ومعنى جديد عميق. ولكن ~~باحثة البادية بعد هذه الطيرة الفكرية تهبط إلى ضرب مثل عن أحد ملوك الصين لتثبت قبح ~~التكلف وحلاوة البساطة، ولتنتقد المرأة التي تقول لزوجها «يا سيدي» أو «يا بك» فيناديها هو ~~بقوله «يا هانم!» # ترى ألم تكتب النبذة الأولى في يوم ثم عادت فألحقت بها ما يليها في يوم آخر؟ ~~••• # إنها كجميع النفوس التي أثقل فكرها ما خلا منه فكر الآخرين، فكانت بذلك منفرزة عن ~~محيطها، تتجنب جلبة الجمهور ما استطاعت وتستهويها العزلة حيث يختمر الفكر وتنضج ثمار ~~التأمل. تحب عيشة القرى والخلاء بقدر ما تنفر من المدن ميادين الكذب والمشاجرة والضوضاء. ~~وقد أبدت ميلها هذا في الفقرة الآتية الحسنة: # قل: ما أنقى الهواء وأعذب الماء وأصفى السماء في القرى! وما أكذب الحياة وأقرب ~~الوفاة في المدن! القرى جميلة لأنها على الفطرة. أما المدن فلا تعدم أثرا للتكلف ~~والرياء. أين ms039 دوي الكهرباء من خرير الماء! والدخان المتعاقد فوق المداخن من جو لا ~~ترى فيه إلا تحليق الصقور وإلا رءوس النخل الباسقات! وأين وحل الشوارع وعثيرها من ~~أرض كسيت ببساط النبات! وأين الرائحة المنبعثة من مقاذير المنازل وروث الدواب من ~~شذى أزهار الحقول! بل ما أوصل البصر يريد الجولان فيرده من هنا جدار ومن هناك سور ~~من نظر تسرحه حيث شئت فلا تجد إلا اللانهاية في الفضاء. # 9 ~~«اللانهاية في الفضاء»! في المدن مجد النشاط وجلال العمران ، ولكن عين المفكر في حاجة ~~إلى تسريح النظر في المدى الواسع كأنما هي تبحث في أبعاده المتراميات عن حل ما غمض عليها ~~من مشاكل الحياة، أو كأن القلب الحزين يستخرج من عصير الألوان الجوية بلسما إن لم يكن ~~شافيا لسآمته ففيه ما يجلب التلطيف والتسكين. # سمعت مرة فتاة تقول: «ومن ليس جميلا من هنا (مشيرة إلى العينين)؟» وقد كانت مصيبة. إن ~~من جميع أعضاء الجسم وتقاطيع الوجه ليس أكثر من العينين شفوفا عما يألفه الذهن من الخواطر ~~وما يلتصق بالنفس من رغبات. العين مرآة السريرة، تطل منها جميع الخيالات والأشواق، فإذا ~~عرفت عين امرئ عرفت ما هو إجمالا وبعض ما طوي عليه. ولئن كان بعض العيون جميلا دائما ~~فإن جميع العيون جميلة في أوقات معينة، والمعنى النفسي الأقوى تغلبا على الملكات ينيل ~~العينين تعبيرها المقيم. # لم يكن في عيني باحثة البادية ما يدل على أنهما اعتادتا النظر إلى داخل الوجدان، حيث ~~وراء الجراح والدماء والآمال المهشمة يلمع بصيص النور الذي لا يخبو، وهو السعادة الحقيقية ~~الوحيدة، لأنه من الروح، وللروح، وفي مأمن من كل شاردة وعادية. إن الباحثة لم تكن على شيء ~~من الروحانية، وكانت تقدر الظواهر وتتكئ عليها في أشياء كثيرة، حتى في تدينها. وعلى رغم ~~ذلك فإن إدراك «اللانهاية في الفضاء» كان يتألق أحيانا في عينيها الباسمتين الكئيبتين، في ~~تينك العينين القاتمتين لونا ومعنى؛ لأن الاحتياج العنيف المندمج في مطاوي النفس البشرية، ~~ذاك الاحتياج الدائم إلى قوت أثيري، ليس ليقوم مقامه ما ms040 تقدمه الأرض من غذاء وعزاء. وأكثر ~~الذين لا تسمح لهم شواغلهم بالشعور بذلك الاحتياج يطلقون عليه اسم «الخيال» وهو في الواقع ~~خيال بالنسبة إليهم. ولكنه بالنسبة إلى الآخرين حقيقة ثمينة قد ائتمن عليها أصفى جواهر ~~الإنسان. ~~••• # كلنا معجب بفصاحة القرآن ونعزو إليه فصاحة العربية عند المسلمين، واستقامة لفظهم وجمال ~~منطوقهم، وفخامة أسلوبهم الكتابي، لأنهم يستظهرون آية صغارا ويستشهدون بها كبارا. إلا أن ~~فصاحة الكتاب الحكيم وجماله قد عودا القوم الكسل الفكري. فصاروا إذا ما أرادوا الإفصاح عن ~~رأي أو نظرة أهملوا إجهاد القوى المولدة مطمئنين إلى ضرب آية قرآنية - أو حكمة شعرية - ~~مثلا، تاركين قرائحهم في حالة الجمود مستكنات، وعليها خيوط العنكبوت تخيم آمنات. بيد ~~أن هذا الانتقاد الذي يصح على الأكثرية لا ينطبق على أقلية لبيبة إن هي استعملت الآية ~~القرآنية عند الحاجة فإن لها أسلوبها الخاص. وقد تنسج عبارتها على وزن القرآن بنزعة فطرية، ~~واضعة ألفاظه لمعنى شخصي وبشكل جديد يسترق السمع ويستأسر المخيلة قبل أن يبلغ أفق الإدراك. ~~وعند الباحثة مثل ذلك أحيانا، كهذه الجمل ذات التفصيل القرآني والموسيقى القرآنية: # ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، فكيف ورجالنا على هذا الاستبداد يأملون صلاح ~~الأمة وتربية أبنائها على حب الاستقلال والدستور؟ أما والله لو أرانا رجالنا عناية ~~واحتراما لكنا لهم كما يحبون. فما نحن إلا مرآة تنعكس علينا صورهم ولنا قلوب تشعر ~~كما يشعرون، فإذا أرادوا من إصلاحنا فليصلحوا من أنفسهم وإلا فلينظروا ماذا هم فاعلون. # 10 # أظنني قلت قبل اليوم إن أحد أجزاء شخصيتها لا ينفصل عن الأجزاء الأخرى ولا تعمل إحدى ~~قواها إلا بمعاونة جميع القوى؛ لذلك ترى المصرية ممتزجة دائما بالكاتبة، وتتكلم الناقدة ~~والمصلحة بلسان المسلمة والمصرية، كأنما هي لا تستطيع تجريد نفسها من نفسها. وترتسم المرأة ~~في كل كلمة تخطها الكاتبة وما هي إلا امرأة في البدء، وامرأة بالتالي، وامرأة دائما. فإذا ~~ذكرت إحدى مزايا النساء ترنح القلم ثملا بين أناملها وهو يقول: # البشاشة مفتاح ما أغلق من السعادة، ومعوان على قضاء ms041 الأشغال يصل نورها إلى قلب ~~صاحبها فيفعمه غبطة. وكذلك (إني أحذف بسرور هذه الكذلك الزائدة هنا) يلقي شعاعه ~~الكهربائي على من حوله فتنتعش به أرواحهم. وهي جميلة في الكهل كما تجمل في الطفل، ~~إلا أنها أبهى وأشد تأثيرا في المرأة، تلك التي تسيطر على القلوب ولا تدري. # 11 ~~... أو تدري. وهذا لا يقلل من جمال البشاشة. # ولو جاز لي تحديد هذا الأسلوب الكتابي لقلت إن له من المزاج العصبي الصفراوي الحرارة التي ~~تكون حينا حدة وحينا نعومة، ومن الإسلام التنميق والبلاغة، وهو بالجملة مصري أسمر «نغش» ~~جذاب. ~~••• # ولا يسوغ لي أن أختم هذا الفصل دون التنويه بأمر آخر اشتهرت به دون غيرها بين المسلمات، ~~وهو الخطابة. ولكن كيف أتكلم عن أمر أجهله، وكيف أحكم على خطيب لم أكن يوما بين المستمعين ~~إليه؟ غاية ما أعلم أنها كانت جامعة لصفات لا بد من توفرها لكل مقدم على ارتقاء المنابر: ~~أولها وأهمها السمباثيا # Sympathy # وخفة الروح، ثم عذوبة ~~الصوت المنطلق من الصدر؛ لأن كل صوت ينحدر من الرأس إلى الأنف يكون ذا نغمة شائكة مزعجة ~~فيفقد قوة التأثير. وإن لم يكن الخطيب مؤثرا فلماذا يتكلم؟ ثم وضوح اللفظ وبلاغة النطق، ~~وأخيرا الشجاعة الأدبية اللازمة لإبداء الرأي بكرامة وسذاجة. # كثير من مقالاتها مكتوب بكيفية خطابية، وهي كيفية فعالة، غير أنها في خطبها تتبع خطة ~~المحدث البسيط؛ لأن خطبها لم تكن في الواقع إلا محاضرات، وهذه تشغل الدرجة الواقعة بين ~~الحديث المألوف والخطابة الصرفة. وقد تركت بعض المنظومات لأنها كانت تحب الكلام الموزون، ~~وكل ما نثرت موزون منسق. ولا أعرف في كل ما كتبت نبذة أبدع من هذه التي تبدو فيها مقدرة ~~مزدوجة كتابية وخطابية يختلط بها شيء من الشجن الشعري وكآبة المرأة الغزيرة العواطف الدامية ~~الشعور: # يصبونه (الماء) فينصب، ويريقونه فيختفي في الأرض، ويضعونه في كل آنية معوجة ~~وملونة فيأخذ كل شكل ويصطبغ بكل ما يراد به من الألوان. تبخره الطبيعة زارية ~~هازئة فتارة ترفعه إلى السحاب وطورا تقذف به إلى الأرض، وآونة ms042 تعاكسه بصقيعها ~~فيتحول بردا وآونة تحمي عليه براكينها فيخرج ملتهبا، وحينا تخبث رائحته بكبريتها ~~وزرنيخها فيلعنه الناس إذا أحسوا منه غير ما يريدون وهو بريء، ثم أليس هو رمز ~~الطاعة والامتثال؛ يضعون فيه سكرا فيحلو ويذيبون به الحنظل فيمر. وهم مع ذلك لا ~~يقيمون له وزنا ولا يعترفون له بجميل. وهو بلا ثمن في أكثر بقاع الأرض وأرخص ~~الأشياء في أقلها. إنه مثلي يا مي؛ يذهب ضياعا. # 12 # ما أوجع هذه الكلمة وأوجع المرارة التي أملتها! لقد فعل الحزن هنا ما يفعله في كل نفس ~~صالحة، فكان اليد المنبهة الخصب الجانية الخيرات. إن لهف أيام ولواعج عمر أنتجت أبحاثا ~~قليلة ولكنها فريدة من نوعها في الآداب العربية. وسنقف على زبدة هذه الأبحاث في الفصلين ~~المقبلين إذ نعالج الباحثة ناقدة ومصلحة، فنجد ثمة أكثر الآراء تعقلا ورزانة. لو لم ~~يكن للحزن من منفعة سوى انتباه ضحيته إلى ضرورة الإصلاح وعثورها على مواطن الضعف والسقام ~~من بيئتها، ولو لم يكن له من منفعة سوى تمزيق حجب الزهو والغرور عن محيا الرصانة والحكمة، ~~لكفى به قوة تسكب عليها البركات على كر الدهور! # كلا، لم تمض أتراحك جزافا، يا روح العزيزة؛ إذ لا يتلاشى شيء في هذا الوجود العظيم، ~~ولا ذهبت منك القدرة ضياعا؛ لأن الحياة والموت ألعوبتان في يد النظام المطلق: نظام التحول ~~الشامل، وما كان قومك بذلك التحول فيك إلا القوم الرابحين! # الفصل السادس # | الناقدة # أليس النقد من تلكم الملكات الفطرية المتسلسلة أدوارها في الطفل وفي الرجل على نمط واحد؟ ~~فتكون في دورها الأول نظرا بسيطا يعقبه انتباه إيجابي أو سلبي؛ أي الانتباه لوجود شيء أو ~~لعدم وجوده. ثم يجيء دور المقابلة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. حتى إذا اكتمل فعل ~~التمييز والمقابلة، وحكم الذوق بأفضلية أحد الوجهين وأنقصية الآخر، كان ذلك الحكم ما نسميه ~~نقدا. # كان الجمهور بالأمس يتخيل وجود نصوص ثابتة مترفعة عن التحوير هي سلاح الناقد، فردا كان ~~أو أقلية قادرة. فإذا أثبت الناقد أو نفى ms043 احتضنت رأيه الأكثرية بلا تمحيص ولا ارتياب في ~~أنها ماثلة أمام الحقيقة بعينها. ويا لهول روعة تجمد المفكر إزاء ما قاساه الأنام من جراء ~~هذا الاعتقاد الفاسد والاستسلام الذليل! وفي ماض ما أكثر ما أورث الحاضر من الحفائظ ~~والضغائن! أما الآن فالرأي العام - كالرأي الخاص - لا ينقاد إلا إلى من شاء الانقياد إليهم، ~~حافظا لنفسه حرية النقض والتأييد والمناقشة. والحقيقة أن عصرنا عصر انتقاد بلا نقدة؛ لأن ~~النقد أصبح جزءا مدركا من شخصية كل فرد، وانحصاره في أفراد دون غيرهم ينافي الروح النقدية ~~وينافي الواقع؛ إذ أي الناس لا يحب أشياء ويكره أشياء؟ # على أن للنقد شرطين اثنين لا بد منهما ليكون صائبا مفيدا. # الشرط الأول: أن يكون قوة فطرية مكتملة لا جزئية، والشرط الثاني: أن يكون الاطلاع ~~والملاحظة والاختبار قد أوسعته تهذيبا وتصفية. والشرطان لازمان متماسكان، إلا أن الملكة ~~الفطرية أكثر ضرورة؛ لأن وجودها يقبل المزيد والاتساع. وإن لم توجد فجميع المطالعات ~~والأسفار والاختبارات تعمل في محق القليل الذي أفلت من أصابع الطبيعة، وهي تقذف إلى الحياة ~~بمن لم تشأ أن تجعله من أهل الذوق. # لو نفينا عن الباحثة كل صفة كتابية وجردناها من جميع نعوت الإنشاء لظلت ناقدة في كل كلمة ~~خطها يراعها. كانت ناقدة بفطرتها التي ثقفها الدرس والألم والاطلاع على مناطق البيئة ~~المصرية مما لم يكن ميسورا لسواها. لأنها بمركزها الاجتماعي كانت ذات صلة بجميع الطبقات. ~~فبينا هي بوجاهة أبيها وزوجها من عشيرات الطبقة العليا إذا بها صديقة الطبقة الوسطى ~~برفيقاتها في المدرسة وبتعاطيها التعليم قبل زواجها. ولما كانت تذهب إلى قصر الباسل في ~~الفيوم كانت تجتمع بنسوة البادية والفلاحات، المحسوبات - بما يأتينه من الزراعة واللقاط ~~والخدمة المنزلية - إحدى أمتعة الرجل وجزءا من ثروته. فتحادث تلك النفوس، الخشنة بجهلها ~~وتربيتها وعاداتها، الرقيقة بأنثويتها وإحساسها وأوجاعها، وتقابل في سرها بينهن وبين ~~الأخريات ذوات الدلال واليسار، فتجد أن المرأة إن تغيرت منها الأثواب والإشارات فإن وجوه ~~الشقاء في حياتها متشابهة ومواضع الخلل واحدة في جميع الطبقات. فأدركت وجوب ms044 الانتقاد ~~والمعالجة ابتداء بأكثر الأعضاء سقما ومبعث الصحة والمرض في جسم العمران. يجب أن يبتدأ ~~بتعليم المرأة لأنها الأكثر جهلا. يجب إصلاحها السريع ليتيسر إصلاح الرجل. يجب أن يباشر ~~بتحرير المرأة كيلا يكون المتغذون بلبنها عبيدا. يجب أن يحسر غشاء الخزعبلات والأوهام عن ~~عينيها ليدرك الناظر فيهما، من زوج وأخ وولد، أن معنى الحياة عظيم. هي المظلومة المنحنية ~~أمام الرجل العسوف، هي المهضومة الحقوق الساكتة على مضض الهوان، وترى أي إله أو شيطان أباح ~~الجور عليها من بدء أيامها إلى منتهاها؟ منذ بدء أيامها؟ كلا، بل قبل ذلك! وهاك حجة ~~الباحثة: # المرأة المصرية مسلوبة الحق ومظلومة في كل أدوار حياتها؛ نراها يتشاءم منها حتى ~~وهي جنين، فإذا ظهرت مولودة تستقبلها الجباه مقطبة والصدور منقبضة والثغور صامتة، ~~ترى القابلة تحملها وهي منكمشة لا تبدي ولا تعيد كأنما كان لها بعض الذنب في ~~ولادتها، ترى أقارب النفساء وصديقاتها يكثرون لها الهدايا إذا كان مولودها ذكرا، ~~ويقللون منها عددا وقيمة إذا كانت بأنثى، نرى كل من نقل الخبر يطمح اليأس من ~~عينيه ولسان حاله يقول: ناقل الكفر ليس بكافر. فإذا انقضت ستة أيام كان سابع أيام ~~الصبي عيدا توقد فيه الشموع نهارا وتجلب أنواع الحلوى وتعزف آلات الطرب. أما ~~الصبية فيكتفى لها ببعض النقل ويحسب تفضيلا. # 1 # حق انتقاد تفضيل الصبي على الصبية ليس عندنا نحن الشرقيين فحسب، بل عند أهل المغرب كذلك، ~~لا سيما في هذه الأيام بعد أن فقدوا في الحرب ملايين الرجال فصاروا يطلبون الأبناء ليسدوا ~~ما ثلم من صفوفهم؛ وخوفا على البلاد من حروب مقبلات. غير أن هذا شيء موقوت، وتشاؤم الناس ~~من الفتاة قديم، فما هي أسبابه؟ يقولون بأفضلية الصبي لأنه يحفظ اسم العائلة. لست لأناقش ما ~~إذا كان في وسعه الاحتفاظ بذياك الاسم بدون معاونة المرأة. ولست لألفت نظر أحد إلى أن هذه ~~مسألة اصطلاحية صرفة، وإلى أنها كانت موكولة إلى المرأة أيام كان قانون الأمة # matriarcat # نافذا عند بعض الشعوب القديمة (وما زال ~~نافذا في بعض ms045 الجهات من أفريقيا الجنوبية)، وإلى أن صاحبات العروش ما زلن يتمشين عليه، إذ ~~إن الأنثى التي ترث صولجان أبيها تناول أولادها اسم عائلتها دون اسم أبيهم. # اللهم إن أسباب التفضيل عند الأهل كثير. منها أن الفتاة تأخذ نصيبها من ثروة أسرتها ~~وتعطيها لرجل غريب، بعكس الفتى الذي يزيده ثروة أبويه بزواجه وبأرباحه جميعا. أما ~~المقامرة، والسياحات، والمضاربة وجميع أساليب التبذير التي يبتكرها الولد ليلتهم ثروة ~~الوالد الكئيب فلا حساب لها ولا بأس بها، أليس أنه رجل؟ لقد امتدت يد النساء الآن إلى كثير ~~من أنواع العمل مدفوعة بالحاجة ووجوب إعالة من لا معين لهم وضرورة إشغال الأيام بفكرة جدية، ~~ومنهن من أثرين كأعاظم الماليين وكان نجاحهن حسن العائدة على ذويهن. ولكن ما العمل؟! إنهن ~~نساء! وربما كان سبب التفضيل الأكبر من تلك الأسباب الغامضة التي تذوب حيالها متبلورات ~~المنطق الثابت. كل أعمال الرجل حسنات ما دام «رجلا» وكل الذنوب جائزة تغفر له «لأنه ~~رجل»! ~~••• # ومقابل ذلك كل شيء يحسب على المرأة. تتدرج الناقدة في سرد حياة هذه المخلوقة المسكينة ~~فترى نصيبها من العلم قليلا، وترى الطيبات عليها حراما؛ لأنها «بنت» لا تصلح لغير أعمال ~~المنزل. هذا في الصغر أما في الشباب «فيحجر علينا حتى في استنشاق الهواء النقي، حتى في ~~اختيار لون الثوب الذي نلبسه.» # 2 # إن عدم حرية الفتاة في اختيار الثوب الذي تلبسه لا يرجع إلى ازدراء الأبوين بها، بل إلى ~~نقص في تربيتهما الأصلية وعدم إدراكهما وجوب تربية الصغار على الاستقلال في الاختيار ~~والاعتماد على النفس. الشرقيون - كبعض الشعوب اللاتينية - متأخرون جدا في هذه الطريق التي ~~قطعت منها الشعوب الأنجلوسكسونية شوطا بعيدا. إن هذه تثقف الأولاد على التمييز والاختيار ~~فيشبون أحرارا يعرفون ماذا يريدون ولأي سبب يريدونه. فكم من أم إنجليزية وأمريكية ~~رأيتها مع طفل لها أو طفلة تبتاع لهما في المخازن أثوابا أو أدوات مدرسية أو لعبا يلتهيان ~~بها، وتخيرهما في الانتخاب ضمن ما شاءت هي من حدود اقتصادية. وما أبهج مرأى الصغير ناظرا ~~إلى تلك ms046 الحوائج يقابل بينها مناقشا نفسه، حتى إذا قر رأيه على أحدها سألته أمه سبب ~~اختيارها وأبانت له منها العيوب والحسنات بألفاظ مختصرة وحجة مفحمة وتأدب تام كأنما هي لا ~~تحادث طفلا هو ابنها، بل تحادث رجلا غريبا عنها. # وما أجمل دوائر التيقظ تتسع قليلا قليلا في عيني الصغير! وما أعظم الفرق بين هذه الأم ~~الرشيدة والأم الشرقية الفظة التي رأيتها البارحة تشد بذراع صغيرها قائلة بصوت أجش ~~وعبوسة قبيحة: «امش يا ابن الكلب»! سيكبر هذا الولد واثقا من أن أباه كلب، وأمه امرأة كلب، ~~يعني كلبة، وأن وسطه جحيم أسود لا متسع فيه لغير الضنى والمحن! كيف تستلم تلك اليد الخشنة ~~نفس الطفل الطريئة، وإذا عاملته على هذه الصورة حين لا ذنب له سوى أن ذكاءه المتنبه ونفسه ~~الطلعة وقفت تستعرض بضائع نشرت في نوافذ الحانوت طالبة التفهم والمعرفة، فماذا تفعل به ~~ساعة يجني إثما ساهيا أو متعمدا؟ وهل يستطيع هذا أن يحب أمه ويحترمها كما يحب ذلك الغربي ~~الصغير أمه الصالحة ويحترمها؟ كثيرا ما ينسى الأبوان أن الاحترام يولد الاحترام والحب ~~يستدعي الحب، وإن معاملة أبنائهم لهما نتيجة لازمة لتصرفهما معهم. فكما أن لهما شخصية ~~مستقلة، وإرادة ترغب في الخبرة، وميولا تريد أن تنمو وتصلح، كذلك - بل أكثر من ذلك - ~~للأبناء المتنبهين رويدا رويدا ليقظة الحياة المنبسطة أمامهم بهولها وجلالها. وأي يد ~~تحسن قيادتهم بين أدغال الحوادث بحكمة وإنصاف وحنان أكثر من تلك التي عينتها الطبيعة ~~لتضمهم وتداعبهم وتهذبهم وتؤاسيهم؟ # وهكذا تتبع الباحثة الفتاة خطوة خطوة في دور التربية، فترى في الأم الجاهلة أكبر عثرة ~~في سبيل النجاح، وأن البيت يفتأ مفسدا من البنت ما تصلحه المدرسة، حتى إذا وصلت إلى عمر ~~معين «ذكرت الأم لزوجها، والفتاة تسمع، أن البنت قد كبرت وأنه يجب أن تترك الدرس والمدرسة ~~لتتزوج، وأن فلانا وفلانا أرسل والدته وأخته تخطبها.» # 3 # فإذا كانت الفتاة ذات عقل وشعور ~~صغرت نفسها واغتاظت لجرأة الرجل الذي يهاجم حياتها الهادئة بمجرد استنسابه الزواج منها. غير ~~أن السواد ms047 الأعظم يلتفتن لأمر الزواج وما فيه من لامع جديد فيهملن المدرسة والتعليم وتنتهي ~~إمكانية التهذيب والأخلاق وهو قوام العائلة! # غريب جدا إننا نتعلم جميع الفنون والأعمال قبل ممارستها إلا فن تهذيب النفوس الصغيرة! ~~الفتاة التي ترعرعت على جهل وغرور في منزل هذه حاله، تحت مراقبة أم هذه درجة إدراكها، ~~إذا صارت ربة بيت واستلمت نفوس الأطفال فكيف تتكفل بحل مشكلة إسعادهم وإعدادهم لحياة ينفعون ~~فيها الغير وينتفعون؟ لا ريب في أن هذا هو الأساس الأول لشقاء العائلة، أساس يقوم عليه سوء ~~التفاهم والمشاجرة المؤدية إلى النفور المحزن بين أعضاء الأسرة الواحدة. ~~••• # هنا تلمس الباحثة القفل وتفتح باب العائلة على مصراعيه لتجيل بنظرها في كل ما يختفي ~~وراءه. فتبصر الفتاة في ذلك الدور الذي يسبق الخطبة. الخاطب والأهل يبحثون ذاك عما يرغب فيه ~~من ثروة وهؤلاء عما ينشدون من جاه، والفتاة بين هؤلاء الأنانيين المستبدين كألعوبة لا صوت ~~لها في الجماعة. يجب ألا ننسى أن فريقا كبيرا من البنات لا يهم كلا منهن من الزواج ~~إلا زخرف الفرح والطمع بالاستقلال في منزل تصبح سيدته وتتصرف في تنسيقه وإدارته كيفما ~~شاءت، سعيدة بأن لها «مملكة صغيرة» تنفذ فيها إرادتها. ربما كانت فكرة هذه الحرية المتواضعة ~~من أهم المرغبات في الزواج. وقد يكون في هذا الفريق زوجات مخلصات وأمهات صالحات. إلا أن شح ~~السعادة وتزايد الانشقاق في العائلات ينبآن بأن غير المسرورات من زواجهن كثيرات ومعظمهن ~~عائد شقائهن إلى عبث الأهل برغائبهن، وحملهن على قبول من رضين به زوجا بالترغيب، أو ~~بالتوسل، أو بالإرغام الصريح. وليس هذا التحكم من خصائص الشرق وحده، بل سمعت من أجانب ~~وأجنبيات مختلفي الجنسيات أن هذه حالهم في بلادهم، وقد يكون هنا كذلك العنصر الأنجلوسكسوني ~~أكثر احتسابا برضى الأولاد من غيره. # لما كنت أدرس الإنجليزية أخذت يوما أتحادث وأستاذي بهذه المسألة الحيوية فأخبرني أنه ~~لما خطب، كانت الفتاة التي انتقاها ضئيلة في عيني أمه؛ لأنها ليست «ذكية ولا جميلة ولا ~~متعلمة ولا غنية» فقالت له «لك أن تبحث ms048 عن فتاة حائزة لصفات اجتماعية أكثر من هذه.» أجاب: ~~«صفتها الوحيدة أنها فتاة محبة وهذا يكفيني. أستطيع أن أبحث عمن تفضلها في نظر الغير، ~~ولكنها تحبني وأنا أحبها ولا أريد غير ذلك.» فبعد أن قامت تلك الأم بواجبها نحو ضميرها ~~ومطالبها الشخصية قامت بواجبها نحو ولدها فاحترمت عواطفه وأذعنت. # إني بكلامي عن العائلة عندنا واستبداد الأهل لا أعني الجميع على الإطلاق، بل أعني ~~الأكثرية؛ لأن النفوس النيرة الكبيرة موجودة في كل مكان لا تقيدها الحدود الجغرافية ولا ~~يسطو عليها مناخ الإقليم. حدثني نابه من أعاظم المصريين أنه بعد أن اختطب ابنته أحد ~~أبناء العائلات الوجيهة رأت الفتاة خطيبها وهو داخل فلم يعجبها مع أنه كان جميل الطلعة حسن ~~الهندام، وحملت أباها على استرجاع وعده. وبعد مدة وجيزة جاء خاطب آخر يماثل ذلك مقاما ~~ويقل عنه جمالا فأرادت أن تراه قبل البت في الأمر فأعجبها لأن «دمه خفيف» وتزوجت منه. وهو ~~من أشهر رجال مصر في هذه الأيام. # وقد تكلمت الباحثة عن الزواج خصوصا في فصل جعلت عنوانه «يا للنساء من الرجال ويا للرجال ~~منهن!» ملقية الخطأ على الرجل وعلى المرأة ولا سيما على طريقة الزواج نفسها. وحصرت شقاء ~~الزوجين وعدم الوفاق بينهما في الأسباب الآتية: ~~(1) # جهل أحد الزوجين بالآخر. ~~(2) # زواج مختلفي الطباع؛ كعالم وجاهلة وبالعكس، أو غني وفقيرة، ومختلفي الدين ~~والبلد. ~~(3) # الطمع في الغنى بغير نظر إلى الأخلاق. ~~(4) # الزواج القسري. ~~(5) # تأويل الدين الحنيف على غير ما أريد منه في أحكام الزواج والطلاق. # وهذه الأسباب كلها شعب لأصل واحد وهو عدم الحكمة. «فإذا روعيت شروط الحكمة فقل أن نرى ~~هذا الشقاء المخيم على البيوت المصرية الهادم لمعنى الزوجية. وخير للفتاة والفتى أن يعيشا ~~أعزبين من أن يتزوجا بثالث هو البؤس والعذاب.» # 4 # ثم أخذت بتفنيد صنوف شقائهما، فعددت عيوب المرأة الجاهلة كعدم الثقة بالزوج وتصديق ~~وشايات صويحباتها وجاراتها به، والغيرة الشديدة على حاضره وماضيه جميعا، والتحزب لأقاربها ~~وإفادتهم من مال زوجها ما استطاعت في حين أنها تبغض أهله وتسيء معاملتهم، والإثرة، ms049 ~~والمباراة، والإسراف، والبطالة، والاهتمام بالزينة والزيارات، وإهمال الأولاد للخدم ~~والمربيات، وتقليد الأجانب في اللباس والحركات بلا ترو، والثرثرة والتداخل بأمور الرجل. ~~أي شيء لم تذكره؟! أي شيء لم تنتقده؟! إنها لم يفتها حتى ولا التدخين، ولا الضحك، ولا ~~العبوسة. انتقدت كل ما استطاعت انتقاده في تلك الصفحات القلائل ثم وقفت طويلا عند سرعة غضب ~~المرأة وتهديدها بالفراق فقالت: # كل شريكين قد يختلفان اختلافات بسيطة، ولكنهما لا يذيعانها، ومن أحق بكتمان السر ~~من شريكي الحياة؛ أعني الزوجين؟! والحازم من لا يجعل للاختلاف الصغير محلا من ~~اهتمامه بل يزيله بمجرد الفراغ من التكلم فيه. «بقيت لي كلمة عن هؤلاء اللاتي يغضبن ~~ليقبضن ما يبقى لهن من الصداق عند أزواجهن، وهي عادة شائعة كثيرا عند بعض الطبقات. ~~أما قبحها فجلي؛ لأن المرأة بذلك تبرهن على أنها تقدر النقود أكثر من الحياة ~~والسعادة، وهذا جشع لا يليق إلا بالمرابين ومهووسي المال، والمرأة يجب أن تكون ملك ~~اللطف ومثال الرقة والنزاهة. وبعضهن يتذرعن بالغضب والاحتماء بالأهل ليصالحن الرجل، ~~والعادة أن يصالح الرجل زوجه بقطعة حلي وثياب كثيرة، فما أسخف هذه العقول! تفدي ~~المرأة راحتها وهناءها وسعادة أولادها بذلك المتاع الفاني!» ... «والمنزل لا بهاء له ~~إلا بالمرأة، كما أن قوامه الرجل، فترك المرأة بيتها يمسخ ذلك الهناء المرفرف عليه ~~ويسبب حزن الأولاد وانقباضهم، كما أنه يتلف وتعبث به أيدي الخدم فيخسر الرجل خسارة مضاعفة.» # 5 # وبعد فراغها من وخز المرأة التفتت إلى «الآخر»: إلى الرجل، ونضدت منه المساوئ المرعبة ~~جاعلة الطمع في رأس القائمة، ثم الاستبداد بمال المرأة بعد الحصول عليه، فقالت: # بعض النساء يهددن بالفراق إذا لم يعطين أزواجهن ما يطلبون ويذكر لهن الزواج ~~إرهابا، فأي الأمرين تختار المرأة البائسة؟ المرأة مظلومة دائما؛ إذا كانت فقيرة ~~لا يرغب فيها، وإن كانت وارثة يطمع في مالها. والوارثة مظلومة أيضا؛ فإما ألا ~~تتزوج لتأمن الطمع والطماعين، وإما أن تتزوج على غير بصيرة كعادتنا. # ما أكثر مساوئ هذا «الآخر» المخيف عدا! وليس الظلم أقلها؛ تتبعه الأنانية وعدم مؤاساة ms050 ~~المرأة في حزنها، والزواج من غيرها، والازدراء بها، والتكبر عليها، والضغط على جميع أنواع ~~حريتها، وكتم أسراره عنها كأنما هي شيء لا قدر له ولا قيمة ... عديدة، مديدة ذنوبك، يا ~~إسرائيل! وأما ما تغتاظ منه الباحثة بوجه خاص فهو عدم امتزاجه بذويه وإفادتهم من معرفته ~~وعلمه، فهي تحتمل الجهل من الغبي الصريح ولكنه يحزنها جهل امرأة العالم وابنته وأخته. ~~وتنسب ذلك إلى الخشونة التي يضيع بها الرجل تأثيره الحسن في أسرته. قالت ساخطة: # لا أحب الأب يتكبر على أهله وأولاده فيظهر لهم بمظهر الجبار العنيف ويظن أن ذلك ~~استجلاب للهيبة وهو لا يعلم بما يشعرون. «وهذا التجبر من جانب الأب يضعف الأخلاق ~~في الطفل ويفسدها إذ يربي فيه الجبن والذل ثم الاستبداد متى كبر.» # 6 # كانت من أنصار السفور مبدئيا. ومن رأيها أن كل ما تحتاج إليه المرأة ولا تجده بين ~~النساء كالطبيب البارع والأستاذ الماهر ... إلخ، يجوز أن تستعين به الرجل، وجاهرت بأنها لو ~~كانت واثقة من كمال المرأة وتهذيب الرجل لما ترددت في إباحة السفور للجميع - كما أنها تبيحه ~~للراقية من النساء. وقد أبدت فكرها في ردها على خطبة ألقاها زعيم السفوريين عبد الحميد ~~أفندي حمدي في نادي حزب الأمة. قالت: # لا، نساء مصر متعودات الحجاب الآن، فلو أمرتهن مرة واحدة بخلعه وترك البرقع لرأيت ~~ما يجلبنه على أنفسهن من الخزي وما يقعن فيه بحكم الطبيعة والتغير الفجائي من أسباب ~~البلاء، وتكون النتيجة شرا على الوطن والدين (لا أفهم كيف يكون السفور أو أي شيء ~~آخر شرا على «الدين»؟! مي.) وإذا أردت هدم بناء أفلا تهدمه قليلا قليلا إلى أن ~~يتم الهدم فتبنى على أنقاضه أحسن منه. «ثم أفدني أيها القارئ بالله، ماذا تقول ~~امرأة جاهلة أو متعلمة تعليما ناقصا لشاب تجتمع به؟! أتباحثه في العلوم وهي لا ~~تدرك أهميتها أو تعلم منها قشورا لا يعتد بها. أم تناضله في السياسة وهي لا ~~تعلم أين إنجلترا من جزائر الأرخبيل، ولا يمكنها أن تفسر لفظة دستور أو استعمار ~~مثلا. ms051 أم ماذا تفعل؟! اللهم إنها لا تجد شيئا تقوله له إلا ما قد تستحسنه من ~~هيئته وحسن بزته، وهناك الضلال الكبير. رأيي أن الوقت لم يأت لرفع الحجاب، ~~فعلموا المرأة تعليما حقا وربوها تربية صحيحة، وهذبوا النشء، وأصلحوا ~~أخلاقكم بحيث يصير مجموع الأمة مهذبا، ثم اتركوا لها شأنها تختار ما يوافق مصلحتها ~~ومصلحة الأمة.» # 7 # من الناس من لا ينتقد إلا بمرارة وبقصد الإيذاء والإيلام والإنقاص من قيمة المنتقد عليه. ~~أما كاتبتنا فتنتقد بسردها الحكاية كمن يصف لك حالا من الأحوال دون تعمد الانتقاد، ~~والمرارة تنقلب تحت قلمها ظرفا، فتبتسم حينا، وتبكي أحيانا. وتخال قطرات الدم سائلات من ~~يراعها ساعة تذكر شيئا يوجعها في أعز عواطفها ويلمس من نفسها أرق الأوتار حسا، كموضوع ~~تعدد الزوجات مثلا الذي ترى فيه الظلم البحت والاستبداد الأقصى ولا تبرره إلا إذا تعذر عيش ~~الرجل هنيئا مع زوجته الأولى. هاك صورة الضرتين: # أرى «القديمة» حزينة «والجديدة» كذلك. فإذا قلت للأولى: ماذا يحزنك؟ أجابت: ~~يحزنني ذلي وانكسار قلبي، وأنا على ما ترين لست أنقص عن الجديدة جمالا ولا ~~أدبا، وكنت أبذل جهدي في مرضاة زوجي، أما الآن فلا. على أنه لا يزال يسترضيني ~~فيقول لي: أنت أحب إلى من الأخرى، وأنت أول من ملك قلبي، وأنت جميلة، وأنت ... وأنت ... ~~إلخ. وأنا لم أتزوج عليك لنقص فيك وإنما كان ذلك مقدورا. وإذا ما سألت الجديدة عن ~~سبب انقباضها قالت: يحزنني أن أرى لي شريكة ومنافسة، على أن زوجي يحقق لي أنه لا ~~يعبأ بها، وأنه لو كان مقتنعا بها لما تزوج عليها، وأنه يريد طلاقها ولكنه يبقيها ~~رحمة منه لتربي أولاده فقط. «فزوج الثنتين غير سعيد كما قد يخيل له» ... «الإكثار ~~من الزواج داء إذا تأصل صعب استئصاله.» # 8 # في الضر ترى جميع أنواع المتاعب للرجل، وأكبر أسباب الغم والتعاسة للمرأة؛ فهو عندها ~~مفرق العائلة وأظلم مشتت لسلامها. قالت: «هو اسم فظيع تكاد أناملي تقف بالقلم عند كتابته» ... ~~و«هو اسم فظيع مملوء وحشية وأنانية.» إذا شقي الرجل ms052 مع زوجته الأولى له أن يتزوج عليها. في ~~هذا الظرف تسمح بالضر وتحرمه فيما عداه. «أما إذا كان يعد بقاءها (القديمة) معه ~~منغصا لحياته أو كان كارها لها فليطلقها بتاتا، فربما يجد مع غيرها راحة وتجد هي كذلك مع ~~غيره» ... «الطلاق شقاء وحرية، والضر شقاء وتقييد. ألا إن حزينا حرا خير من حزين ~~أسير!» ~~••• # أكتب هذا الفصل وبي عاطفتان قويتان: عاطفة الحزن وعاطفة العجز. فالعجز يجعلني قاصرة دون ~~تشخيص هذه العلل الغريبة عني؛ لأني فتاة مسيحية أرى الضر شيئا وهميا لا وجود له في ~~قومي، وقد ألغيت بغيابه جميع صنوف الرزايا اللاحقة به. ومهما تفهمت هذه الأوجاع بقلبي ~~النسائي فإنها تظل عندي خيالية ليس غير. أما عاطفة الحزن فمتأتية من أن العائلة التي وجدت ~~لتكون مستودع السعادة الطاهرة تصير على قولها مستنقع الحسرات والكوارث والقنوط. وهل يجدي ~~إصلاح المصلحين نفعا إزاء ناموس الألم النافذ على جميع الكائنات؟! لماذا يعذب الأب ابنه ~~والولد أمه، والغريب الغريب، والحبيب الحبيب؟ من أين تهجم جيوش الألم الدقيقة غير المنظورة ~~مصادمة أشرف الميول، جارحة أصفى النوايا، ساحقة أخلص القلوب؟ ما هذا ما نسميه ألما؟ وما ~~هي الغاية منه؟ إذا كان كما يزعم الروحانيون نتيجة ذنوب سابقات، وأننا نكفر اليوم عن آثام ~~الأمس وسنكفر في عمر آت عن آثام هذا العمر، إذا كان ذلك صحيحا فقد كان يوم بدء أعمار ~~الإنسان فيه تألم هذا مظلوما؛ لأنه تألم بريئا. وإذا سلمنا بالمعنى الشريف الذي جعله ~~الروحانيون للألم فقالوا إنه النار المطهرة من الفساد والواسطة المثلى للتهذيب والارتقاء، ~~فماذا نفكر إزاء من يتألمون ولا يستفيدون، بل يتقهقرون مجدفين على قوى الطبيعة والألوهية، ~~بل ماذا نقول فيما يقاسيه الحيوان من آلام جسمية دون أن ينتفع به؟ إن الذي تروعه معاني ~~الألم يتقطع قلبه إزاء أوجاع صغار الحيوان، فيرى الألم كما هو شيئا هائلا وحكما صارما ~~تخضع له الموجودات مرغمة مقهورة، وتخترع له البشرية مخففات المعاني لتؤاسي يأسها وتنقص من ~~بلواها. يخاف الناس ويرجون، ويكرهون ويرغبون، وظلام الألم مخيم عليهم ms053 أبدا، فيبحثون عن ~~الأصدقاء والمساعدين والمؤيدين والمحبين ليأمنوا شر ذلك السواد القاسي. ولكن، ولكن! أليس ~~هؤلاء الذين نحبهم ونحتمي في قلوبهم من مكايد الأيام هم الذين يسبكون سيال الألم في ~~كئوسنا صرفا، ويتفننون في التعذيب كأنما الطبيعة ائتمنتهم على أسراره؟ # ما هو الألم؟ من أين يأتي؟ وما هي الغاية منه؟ هل يتغلب عليه المصلحون يوما فتعيش ~~العائلة الجزئية بسلام وتترابط العائلة البشرية الكبرى برباط الأمان؟ # أم سنظل أبدا على ما نحن فيه كأنما الباري جل وعلا ينشئ وراء سماواته عالما جديدا لا ~~يتغذى إلا بعنصر الألم المتجدد مع الثواني في حياة أبناء الأرض؟ # الفصل السابع # | المصلحة # قدم يوما أحد وزراء روسيا إلى نقولا الأول تقريرا ضمنه اقتراحات توسم فيها خيرا ~~للإصلاح والارتقاء، فلما انتهى القيصر إلى هذه الكلمة كتب على هامش التقرير: «الارتقاء؟ أي ~~ارتقاء؟ فلتحذف هذه الكلمة من اللغة!» # للأوامر الهمايونية أن تقضي على اسم الارتقاء في معاجم اللغة والتقارير الرسمية، إلا أن ~~المعنى منه يبقى بنجوة عن الإلغاء والتكبيل عاملا عمله في الأفكار وفي القلوب. أيظن ذوو ~~التيجان والقابضون على أعنة الأمم أنهم فائزون في مكافحة القوى الحيوية والقضاء عليها. ~~وما هم فائزون إلا بارتدادهم خاسرين. حظر القيصر على الوزير استعمال كلمة غاب عنه أن يحبس ~~مجراها المندفع في نفوس الرعايا. ولما أن أقبل ذلك التيار الجارف على هاوية البلشفية اندك ~~يهبط فيها من أعالي الملكية المطلقة مكتسحا معه رفيع العروش ومبطاش الصولجة. ولو سبقت اليد ~~المدبرة ووزعته ترعا وسواقي ترضع الحدائق وتروي المروج لما ظل شلالا عصيا يولول ~~مبعثرا على الصخور. أكان ذلك لروسيا خيرا أم كان شرا؟ سؤال ما زال الجواب عنه دفينا في ~~صدر المستقبل الجدير دون غيره بإصدار الأحكام التاريخية. # لئن كان النقد فطريا في المرء فالإصلاح كذلك. النقد مزيج من كره وحب: كره لما يرغب ~~عنه من موجود، وحب لما يرغب فيه من مفقود. وهذا المفقود المرغوب فيه هو عنصر الإصلاح ~~بعينه؛ لذلك كان كل نقد إصلاحا مضمرا، وكل ناقد مصلحا محجوبا. أي ms054 شيء يحل بنا لولا ~~الإصلاح؟ إنه إن لم يتبسم لنا بسمة التعليل والتسويف التفت حولنا أكفان الجمود وتاقت ~~جوانبنا إلى أخشاب النعوش ومضاجع البلى. إن جمال كل شيء قائم على الرجاء بالتحسن والنمو ~~والتقدم ليصير في الغد أفضل منه اليوم، وما مجد الإنسانية إلا في كونها اليوم أوسع قوة منها ~~البارحة وأشمل إدراكا. لا أمل بلا إصلاح، وإن لم يكن ثمة أمل فما هو معنى الحياة؟ كلنا ~~عالم بذلك، على أن من الناس من يلحق به من صدمات الأيام ووخز الساعات ما يلفته إلى ما لا ~~يحفل به الآخرون، فيصبح النقد والإصلاح غاية حياته ومحورا تدور حوله الأفكار منه ~~والأقوال. # تلك هي باحثة البادية. قلت في فصل سابق إنها لا تعطي قارئها جناحين يطير بهما، ولا تسكب ~~له من رحيق الفكر والخيال ما يعلو به إلى قوة الألمبس أو يحدو به إيغالا في هياكل السر ~~والألغاز، ولا يهمها من خفايا النفوس غير ما هو معروف تشترك الجماعات في تقاسم خيراته ~~وشروره. أنها تبقى بين جدران بيئتها إلا أنها تحدق في مظاهر الأسى بعين يظللها خيال الدموع ~~فتكتب متهيجة متأثرة كأنما هي تحارب ذرات الشقاء بكل كلمة تخطها. رأت كل ما يتقيد به قومها ~~من عادات دهرية وفروض دينية واصطلاحات اجتماعية، ورأت من جهة أخرى ما لا بد من إدخاله من ~~تحسين يؤهلهم للسير بكرامة في موكب القرن العشرين، فنسيت أو تناست تأثرها لتبسط رأيا ~~معتدلا يوفق بين القديم الجامد والحديث المتهور. كتبت للجميع لأنها أرادت أن يفهمها ~~الجميع، ولم تقصد إلا الإفادة. يدلك على ذلك تصريحها هذا: # أريد مما كتبت وأكتب للجريدة بعنوان «النسائيات» تخفيف ويلات الزواج على قدر ~~الإمكان. ولست أقصد كل رجل على الإطلاق كما أني لم أكن أقصد كل امرأة، وإنما الكلام ~~على من فسدت أخلاقهم (وهم مع الأسف كثيرون) فسببوا شقاء النساء وهدموا بناء الزوجية. # 1 # وقد حاولت تخفيف تلك الويلات والتسوية بين الرجل والمرأة واختطاط الأسلوب لإصلاح شئونهما، ~~بالقلم واللسان معا. وهذا استهلال خطبتها الإصلاحية ms055 الأولى في نادي حزب الأمة. # أيتها السيدات، أحييكن تحية أخت شاعرة بما تشعرن، يؤلمها ما يؤلم مجموعكن ~~وتجذل بما به تجذلن. «ليس اجتماعنا اليوم لمجرد التعارف أو لعرض مختلف الأزياء ~~ومستحسن الزينات، وإنما هو اجتماع جدي؛ أقصد به تقرير رأي لنتبعه؛ ولأبحث فيه ~~عن عيوبنا فنصلحها. فقد عمت الشكوى منها وكثرت كذلك شكوانا من الرجال. كلنا ~~متظلمون، وكلنا على حق مما نقول. بيننا وبين الرجال الآن شبه خصومة، وما سببها إلا ~~قلة الوفاق بيننا وبينهم. هم يعزون هذه الحالة إلى نقص في تربيتنا وعوج في طريقة ~~تعلمنا. ونحن نعزوها لغطرستهم وكبريائهم» ... «والأوفق أن نسعى للوفاق جهدنا، ~~ونزيل سوء التفاهم والتحزب؛ لنحل بدلهما الثقة والإنصاف، ولنبحث أولا في نقاط ~~الخلاف.» # إذن فغايتها صريحة، وهي تريد إصلاحا سريعا لأن الشقاق بين الجنسين يؤلمها. قد وجدت ~~الوسيلة، فلماذا لا يسير عليها الحائرون؟ إنها كتبت دواما كمن يرسل أقواله من على منبر ~~الخطابة، وعندها استحسان لرأيها وإقدام وشجاعة ملازمة دائما لجميع المصلحين. كم من الجرأة ~~والثقة بالذات في هذه الجملة: «هو اجتماع جدي أقصد به تقرير رأي لنتبعه ولأبحث فيه عن ~~عيوبنا فنصلحها»! هذه المرأة تشعر بقلبها، إن لم تقرر بإدراكها، أن المتفوق بين ذويه رسول ~~من لدن الله جاء يحمل إليهم رسالة إنما هي كل غايته في الحياة. # كل مقالاتها جديرة بالاهتمام، وكل انتقاد وإصلاح فيها يستحق البحث والنظر، غير أني أورد ~~هنا وسائل الإصلاح التي لخصتها في بنود عشرة جعلتها خاتمة خطبتها الأولى في نادي حزب الأمة ~~قالت: # بقي علينا أن نبين الطريق العملي الذي يجب أن نسير عليه. ولو كان لي حق التشريع ~~لأصدرت اللائحة الآتية: # المادة الأولى: # تعليم البنات الدين الصحيح؛ أي تعاليم القرآن والسنة ~~الصحيحة. # المادة الثانية: # تعليم البنات التعليم الابتدائي والثانوي، وجعل التعليم الأولي ~~إجباريا في كل الطبقات. # المادة الثالثة: # تعليمهن التدبير المنزلي علما وعملا، وقانون الصحة وتربية ~~الأطفال والإسعافات الوقتية في الطب. # المادة الرابعة: # تخصيص عدد من البنات لتعليم الطب بأكمله وفن التعليم حتى يقمن ~~بكفاية النساء ms056 في مصر. # المادة الخامسة: # إطلاق الحرية في تعلم غير ذلك من العلوم الراقية لمن ~~تريد. # المادة السادسة: # تعويد البنات من صغرهن الصدق والجد في العمل والصبر وغير ذلك من ~~الفضائل. # المادة السابعة: # اتباع الطريقة الشرعية في الخطبة، فلا يتزوج اثنان قبل أن ~~يجتمعا بحضور محرم. # المادة الثامنة: # اتباع عادة نساء الأتراك في الآستانة في الحجاب والخروج. # المادة التاسعة: # المحافظة على مصلحة الوطن والاستغناء عن الغريب من الأشياء ~~والناس بقدر الإمكان. # المادة العاشرة: ~~(ليست هذه المادة إلا ملحة مصرية) على إخواننا الرجال تنفيذ ~~مشروعنا هذا. # وليتم مذهبها الإصلاحي أضيف إلى البنود السابقة اقتراحاتها العشرة في المؤتمر ~~الإسلامي، وهذه خلاصتها: # الاقتراح الأول: # ذهاب النساء سواء في المدن والقرى لحضور الصلاة وسماع الوعظ في ~~المساجد. # الاقتراح الثاني: # جعل التعليم الأولي إجباريا وتكثير المجانية على قدر الإمكان ~~في مدارس البنات الموجودة حاليا أو إنشاء غيرها. # الاقتراح الثالث: # تلزم جميع المدارس أميرية وأهلية بتعليم الدين الإسلامي. # الاقتراح الرابع: # تعين في كل مدرسة للبنات سيدة مسلمة عاقلة تراقبهن كيلا تهملن ~~واجباتهن الدينية ولا يخرجن عن عادة قومهن. # الاقتراح الخامس: # توسيع نطاق مدرسة الممرضات الحاضرة. والأولى إيجاد مدرسة للطب ~~جديدة لتعليم النساء الصناعة تعليما كاملا بدرجة تساوي درجة ~~الأطباء. # الاقتراح السادس: # تكثير المستشفيات الخيرية والصيدليات للمرضى من الرجال والنساء ~~والأطفال، ويكون في كل مركز من مراكز المديريات وقسم من أقسام ~~المدن واحدة على الأقل. # الاقتراح السابع: # اتخاذ جميع الوسائل لمنع الحيف الواقع على النساء المسلمات، ~~فينبه البوليس بأن يراعي الآداب العمومية في الطرق والاجتماعات وأن ~~يسوق كل مخل بالآداب إلى القسم. # الاقتراح الثامن: # السعي في تقليل تعدد الزوجات لغير داع ماس بقدر الاستطاعة؛ ~~فإن شقاق النساء واختلاف الأخوة الناشئين من هذه العادة وما يتبع ~~ذلك من الشقاق كل ذلك يدهور الأمة في مهاوي الفناء الأدبي. # الاقتراح التاسع: # تعليم المرأة المصرية كل ما يلزم من الصناعات الضرورية لجنسها ~~كالتفصيل والتطريز والقيام على تربية الأطفال والخدمة حتى لا يحتاج ~~الوطنيات إلى غيرهن من الأجنبيات. # الاقتراح العاشر: # منع النساء من ms057 المشي في الجنازات ومن الاجتماع للندب واللطم ~~والصراخ والتعديد بالطريقة القبيحة التي لا وجود لها إلا في ~~مصر. # عفوا يا سيدتي! إن عندنا مثلها في سوريا ... ~~••• # هنا أطبق كتاب «النسائيات» شاعرة بأن علامة استفهام كبيرة تتجسم في. أود أن أفهم كيف ~~لم تفكر في وجوب اهتمام النساء بذوي الفاقة، وضرورة تكوين جمعية خيرية نسائية بين المسلمات؟ ~~لقد أذهلني دائما أن أرى في هذا القطر جمعيات خيرية نسائية لجميع الطوائف والنحل إلا ~~للمسلمات، مع أن المسلمين أغنى عناصر القطر وأرحبها كرما وأقربها إلى إتيان المعروف. وبما ~~أنهم العدد الأوفر كان المحتاجون من فقرائهم كثيرين. إن أعمال البر أقرب الأشياء إلى قلب ~~المرأة، ولو فقدت هذه جميع دلائل اليقظة الفكرية فإن حنوها يظل حيا جائلا منسكبا على ~~من يستحقه ويظمأ إليه؛ لذلك لا أفهم إغضاء السيدات المسلمات عن تأليف جمعية بر منهن. # 2 # وفي ما عدا ذلك، هل من معترض على صلاحية اقتراحات الباحثة؟ إني أرى شيئين بارزين من إطار ~~هذا المذهب الصغير: أولا وجوب فتح أبواب التعليم للمرأة. ثانيا وجوب انطباق كل إصلاح على ~~التعاليم الإسلامية والعادات القومية. وتعصبها للأمر الثاني جعل أحدهم يقول عنها: «إنه لا ~~ينقصها سوى العمة لتصير شيخا.» على أني أتفاءل خيرا بتمسكها بالمصرية والإسلام ليكون ~~المتعنتون أكبر ثقة برأيها، هي التي لا تقبل من الدخيل إلا ما ليس عنه غنى. # إننا في زمن مطالبه عديدة واحتياجاته شديدة، وللمرأة كغيرها مكان تحت الشمس، وعليها ~~واجبات لا بد من تتميمها نحو نفسها ونحو الآخرين. فإذا قدر عليها أن تعول ذويها وهي ليست ~~من أهل الخدمة والخياطة فكيف تحظر عليها فروع العمل الأخرى؟! حتى وإن لم تقدم على الدرس عن ~~حاجة بل عن رغبة بحتة واحتياج إلى المعرفة والنور، ذاك الاحتياج المعذب المنبثق من أعماق ~~الكيان، فبأي عدل يحكم عليها بالبقاء في سجن الجهل، وبأي إنصاف تمنع عن التصرف بما لديها ~~من مشيئة تطلب القوة وذكاء يطلب الغذاء؟! كيف يحجر عليها في حريتها الشخصية البريئة، وهل ~~أوجد الباري هذه ms058 الحرية والعدالة جنبا إلى جنب فكتب على كل منهما: «خصوصية للرجال» و«حقوق ~~التمتع محفوظة للرجال»؟ # وعلى ذكر التعليم أود أن أقحم جملة معترضة وأقول: كم من علم ضروري للبنين والبنات على ~~السواء يهمل بناتا بينما هم يصرفون الأعوام في تحصيل آخر لا ينتفعون به. نعم إن المرء ~~يستفيد من جميع العلوم إلا أنه بحاجة ماسة إلى بعضها دون الآخر، وإني لأضرب مثلا بواحد ~~منها. كلما طالعت في الصحف أخبار المحاكم والأحكام شعرت بأن علم القانون والوقوف على ما جاز ~~وما حرم من الأعمال، من أهم ما يتلقنه أفراد مجتمع منظم يسير تحت نفوذ تشريع واحد. إن ~~المرء يجبهه القانون في كل خطوة يخطوها وفي كل أمر يأتيه. يرتكب المخالفة والجنحة لاهيا، ~~وقد يفقد ثروة أو يرتكب جناية على غير علم منه، ويعاقب شديدا على جرائم لا وجود لها في ~~تقديره ولا هو ينتبه لها إلا حين صدور الأحكام بها. كذلك في أعماله اليومية يحتاج أحيانا ~~إلى إيضاحات صغيرة في ذاتها إلا أن جهله إياها جسيم النتائج. فيلجأ إلى السماسرة والمحامين ~~وكتاب المحامين والموظفين العديدين - وقد يبتغي إيضاحا فلا يلقى إلا تعقيدا، فتتعطل ~~مصالحه وترتبك شئونه، ولا يقف على ما يريد إلا ساعة تنقضي فرصة الاستفادة وتلافي الشر. وكل ~~ذلك أساسه جهل أصول القانون وجهل أساليب التصرف المعينة في أحوال مخصوصة. # وما يقال في الرجل يزاد عليه في المرأة. لا سيما المرأة المسلمة التي يقوم حجابها جدارا ~~بينها وبين دوائر الأعمال، فيتاجر بجهلها الوكيل والقيم والحارس والكاتب ومن نحا نحوهم ~~فيتلاعبون بمصالحها ما شاءت لهم الأطماع تلاعبا. فإذا كانت المدارس تعنى الآن بتدريس علم ~~الصحة البدنية لأهميته فأحر بها أن تدرس مبادئ القانون وهو علم الصحة الاجتماعية. وعلى ~~اللبيب المتيقظ رجلا كان أو امرأة، أن يدرس ما استطاع منه في وحدته كيلا تصادمه البلية ~~ولات ساعة ندم. ~~••• # رأي الباحثة في الخطبة والزواج معروف، تقبله الأكثرية المتنورة إن لم يكن عمليا ~~فمبدئيا. لقد قالت في لائحة خطبتها في نادي حزب الأمة - وفي ms059 جميع مقالاتها عن الزواج - ~~باتباع الطريقة الشرعية في الخطبة، فلا يتزوج اثنان قبل أن يجتمعا بحضور محرم. وقالت في ~~الاقتراح الثامن من اقتراحاتها في المؤتمر الإسلامي بوجوب السعي في تقليل الزوجات. وهما ~~رأيان في منتهى التعقل والصواب. ومما يبشر بالخير أن تعدد الزوجات أصبح نادرا في الطبقة ~~الراقية، وقل من هؤلاء من يتزوجون بلا اجتماع وتعارف. وانتباه الآباء والفتيات لهذا الأمر ~~والعمل به إنما هو في مصلحة المرأة المصرية كما أنه في مصلحة القومية المصرية، وإلا فما ~~أسهل أن يتزوج الشاب من امرأة أجنبية تشربه روح وطنيتها فيتزوجها مبصرا بدلا من أن يقترن ~~بالمصرية كفيفا. # وقد ارتأت اتباع عادة نساء الأتراك في الآستانة في الحجاب والخروج. ترى أتعني عادتهن منذ ~~اثنتي عشرة سنة، أم عادتهن المتحركة مع الحياة، المتغيرة بتغيير الأحوال؟ إن المرأة التركية ~~تحركت كثيرا في هذه الأعوام، وقد كتب بعض مراسلي صحف الفرنجة في الآستانة أنها صارت تسير ~~في الشوارع سافرة بزي باريسي، كذلك تحركت المرأة المصرية. وكان أن قامت مظاهرات نسائية في ~~إبان الحركة الوطنية في الربيع السابق فلم يعترض الرجال ولم يقابلوا هذه النهضة الجميلة ~~بغير الرضى والإعجاب. ثم كان أن لجنة ملجأ الحرية أعلنت في أواخر نيسان (إبريل) أو أوائل ~~حزيران (يونيو) رغبتها في إقامة سوق خيرية تبيع فيها الفتيات المصريات أزهارا مساعدة ~~للملجأ، فهبت الصواعق والزلازل في وجه هذا الإعلان واستاء الجمهور استياء شديدا. # وأنا قرأت احتجاجاته بتعجب واحترام: التعجب لأن سخط اليوم لا يتفق مع رضى الأمس مع أن ~~أعمال البر لا تنقص عن أعمال الحماسة الوطنية شرفا اجتماعيا، وإن فاقتها شرفا ~~أخلاقيا. أما الاحترام فلأن ذلك الإباء صادر عن طائفة كبيرة من المصريين، وجميع الآراء ~~القومية جديرة بالاحترام لأنها تعرب عن نفسيات الأقوام وعقلياتهم. ولكني عدت على رغم مني ~~أتبين أحوال المرأة التركية. ففضلا عن أنها اشتغلت في مصالح التليفون والبريد والتلغراف ~~وغيرها فإن الحركة لم تقتصر على طالبات المعاش؛ إذ إن السلطانة حرم السلطان محمد الخامس ~~ذهبت إلى إحدى مدارس البنات ms060 في الآستانة لتتصدر حفلة ختام الدراسة الثانوية، ووزعت بيدها ~~الجوائز على المبرزات من الطالبات. ولما زار الإمبراطور شارل الهبسيوري الآستانة وذهب ~~لمقابلة الحضرة السلطانية حضرت الحرم السلطاني تلك الزيارة الرسمية في قاعة التشريفات من ~~وراء الحجاب. قد يقال إن هذا ليس سفورا بحتا. صحيح، ولكنه يشبه المقدمة، ولم يسبق له مثيل ~~- على ما أعلم - في تاريخ سلاطين بني عثمان. وإذا قيل: إن هذه إلا أخبارا طيرتها البروق ~~في ذلك الحين ولا يسهل التثبت من صحتها، فماذا نقول في السوق الخيرية التي أقامتها في ~~الآستانة جمعية نسائية قبل نشوب الحرب بشهور قليلة، وقد برزت فيها سيدات وأوانس البيوتات ~~الإسلامية الكبيرة، ونشرت صور بعضهن يومئذ مجلة «الأيلوستراسيون» الفرنساوية؟ # ليس ما أورده هنا إلا سوانح لا قيمة لها في الإصلاح المرجو، ولا أهمية لما أقوله إزاء ما ~~يرتئيه أساطين المسلمين. ثم هل يجدي الاحتجاج والاقتراح نفعا إزاء التطور والانتقال المحتم ~~من حال إلى حال؟! وباحثة البادية التي يعرف من قرأ كتاباتها تعصبها للمصرية والإسلام ~~وغيرتها في المحافظة على العادات الشرقية، تقول بالسفور ليس اليوم ولكن في المستقبل؛ لأن ~~المرأة ليست الآن على استعداد له لا هي ولا الرجل. ولقد سمعت منها ذلك شفاها بعد أن قرأته ~~في «النسائيات»، وأجده الساعة في مقالي الفرنساوي الذي كتبت تحت تأثير المقابلة الأولى. ~~وفيه ما معناه: # بعد تناول الشاي تحادثنا في تحرير المرأة والحجاب الذي يحاول بعضهم تمزيقه فقالت: ~~«سيمزق الحجاب عن قريب، ونحن سائرات حتما نحو السفور، ولكن أيكون ذلك لخيرنا؟ أنا ~~من القائلين بتحرير المرأة، ولكن علينا ألا نحتضن الحرية دفعة واحدة لنأمن شرها. ~~ليس من الممكن أن نخرج من الظلام الحالك إلى النهار الساطع دون أن تبهرنا الأنوار ~~فتتضعضع البصائر ولا نعود نرى الأشياء في مكانها كما هي.» ~~«قلت مصممة على إبقاء المناقشة في هذا الموضوع: حقا إن الأبصار تنبهر في ~~الأوقات الأولى فتخطئ النظر والحكم ثم لا تلبث أن تعود إلى مقدرتها الطبيعية. ففي ~~الاندفاع الأول للتحرير النسائي لا بد من بعض الفوضى ms061 ثم تعتدل الشئون وتتبع صراطا ~~سويا.» # أجابت بقوة: «كلا! محجوبات اليوم يجب أن يبقين محجوبات دائما. أما بناتنا ~~الصغيرات ...» # قلت: «نعم. البنات الصغيرات اللاتي ما زلن جالسات على مقاعد الدراسة ويلبسن ~~البرنيطة الإفرنجية ...» # قالت: «قلت نعم. أولئك يستطعن متابعة السفور إذا عرفن حدود الحرية وتلقين تربية ~~متينة. ولكن أنى لهن ذلك وأمهاتهن على ما هن عليه! ...» # 3 # الأمهات! نتوقف عند سماع هذا الاسم أمام كل صلاح وكل فساد، ونتطلع إلى حاملاته حيال كل ~~تربية أخلاقية وكل إصلاح اجتماعي. لئن كانت الجنة تحت أقدام الأمهات فإن الجحيم بين أيديهن، ~~ولهن أن يكن لذويهن ولوطنهن نعيما أو جحيما، عظمة أو هوانا. لو أدركت معنى هذه الكلمات ~~التي طال ترديدها كل فتاة، وبذلت مجهودها في إتيان ما في مقدورها، لضمنت للذراري تربية ~~عالية ورفعة مقبلة. لو أدركت كل امرأة أن في قبضتها السعادة والشقاء لعرفت قيمة الواجب ~~وكبرت في عيني نفسها، وفهمت هذا العناء العذب والمجد الخفي الحلو في أن تكون مليكة الأسرة. ~~وإذن لأصبح الشرق شرق العلو والقدرة كما أنه شرق الشمس والقمر. عبثا يقتحم الرجل منطق ~~الذرى؛ إن لم تكن رفيقته في أفقه المعنوي فإنها تقتل مواهبه بسخافتها وتعذبه بمطالبها، ~~وتسيء تربية أولاده بتربيتها السيئة، وكلما حاول التحليق فوق جبل كانت هي جبلا معلقا في ~~عنقه تشد به إلى الهاوية بدلا من أن تكون بتشجيعها وإعجابها جناحين لنفسه. كل إصلاح ~~وكل نظام جدار لصرح العمران والعائلة، المرأة أساسه. لترتفع الجدران الباذخة المزخرفة ما ~~شاء ذكاء الباني ومجهوده ارتفاعا، ولكن إذا لم تقم على أساس خال من الضعف، سليم من ~~الشقوق، تمر الرياح فتتداعى وتعصف العاصفة فتنتقضها حجرا حجرا. ~~••• # والوسيلة الوحيدة لإصلاح المرأة هي تعليمها؛ لأن العلم كما قالت الباحثة: # منور العقل على أي حال، سواء عمل به أم لم يعمل. «نحن نعلم أن نقص تربيتنا الأولى ~~وتربية إخواننا لا شك نتيجة جهل أمهاتنا، فهل نعرف الداء ولا نداويه، وقد قال ~~الحديث الشريف: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين»؟ إن المدارس مهما ms062 اجتهدت في تثقيف ~~عقول النشء وتهذيبها فإن المنزل له تأثير خاص بالأطفال. وإذا شعر تلميذ أن أمه ~~عالمة أو لها نصيب من علم فإنه يسعى جهده ليريها أنه أهل لحبها وتقديرها إياه، ~~فيجتهد ليحفظ سلسلة العلم لكون الصلة شديدة بينه وبينها، فتعلمنا الحالي ناقص يجب ~~أن يزاد عليه لا أن ينقص منه. أما ما أشكل على الرجال من علة فسادنا فهو ما ~~ينسبونه خطأ للتعلم وحقهم أن ينسبوه للتربية» ... «تلك التربية في الحقيقة يجب أن ~~تكون من أعمال البيت لا المدرسة. ولما كانت بيوتنا لم تبلغ الدرجة التي تؤهلها ~~لإحسان تربية الأطفال فقد وجب علينا أن نضاعف مجهوداتنا لإصلاح شأن أنفسنا ثم إصلاح ~~النشء. ولا يتم ذلك في لحظة كما قد يتوهم.» # 4 # كلا، لا يتم ذلك في لحظة؛ لأن التربية كالعلم تكتسب شيئا فشيئا، وتظل مكتسبة طول ~~الحياة. والعلم هو العلاقة الوحيدة بين الإنسان وبين الأشياء، والسلك السمباثاوي الجامع بين ~~الفكر الفردي والفكر الكوني، هو اليد القادرة الحاذقة التي تحسر اللثام عن أسرار الحياة، ~~وبه وحده ينتبه المرء لقيمته كفرد وكإنسان. لا ذل إلا في الجهل ولا رفعة بدون معرفة. ~~إنما هلاك النوع البشري في سد أبواب الإدراك وحذف إمكانية التعلم والتعليم. ولكن ما زال ~~الإنسان متناولا من بحار المعرفة والنور فهو سائر إلى الأمام مهما ألبست عليه ~~السبل. # تقول الباحثة: إن التربية من خصائص البيت لا المدرسة، وفي فرنسا اليوم مشروع جديد لنزع ~~الولد من حضن العائلة وهو في السنة السابعة من عمره ليتلقى تربية أخلاقية. أليس هذا المشروع ~~ناتجا عن ملاحظة عدم كفاءة الأمهات في التربية المطلوبة؟ على أن هناك تربية أخرى هي تربية ~~الذات. وقد ذكرتها المصلحة تلميحا حيث قالت: «فقد وجب علينا أن نضاعف مجهوداتنا لإصلاح ~~شأن أنفسنا ثم إصلاح النشء.» # إن الذين يسعدون بتربية متينة في الصغر قليلون في الشرق، ولعلهم ليسوا بالكثير في الغرب، ~~ولكن يكفي أن يكون المرء حساسا راغبا في الرقي ليباشر إصلاح نفسه. هو يستطيع ذلك في كل ~~أدوار الحياة ms063 وفي أي عمل من الأعمال. ولا يلبث الأمر المستهجن في بادئ الأمر أن ينقلب لذة ~~كبيرة وقوة نامية. وربما كان أكثر الأفراد تأثيرا في المجتمع أولئك العاكفون على تربية ~~ذواتهم، وهؤلاء يستفيدون من الكتب فائدة مزدوجة. # من اعتقادات الناس عامة أن العلم شيء والأخلاق شيء آخر، وقد يكون هذا ظاهرا في أحوال ~~كثيرة إلا أنه لاغ عند من يتعاطون إصلاح نفوسهم. عندهم يمتزج العلم بالأخلاق وتتوحد ~~المعرفة والتربية فتصير قوة رفيعة. وليس أقرب من العالم إلى الخلق السامي؛ لأن العلم يرينا ~~عظمة الإنسان وجلال الوجود وقدرة الألوهية الشاملة، فيصبح العالم محبا ويتوق إلى الصلاح؛ ~~إذ لا شيء يحث على الصلاح والرفعة الأخلاقية كالحب العميق الأكيد. # ألا فلنذكرن ذلك جميعا! وأنتم أيها الجالسون على مقاعد المدارس فتيانا وفتيات، ~~المطلون من وراء السطور على غرائب الحياة وخفاياها وممكناتها، أنتم الأمل الذي لم يذو بعد، ~~والزهرة النضرة التي لم تلفحها السموم، لو ذكرتم أننا في عصر عظيم لكنتم شيوخ حكمة في ~~شبابكم! إننا في عصر لا مثيل له في التاريخ، فلا يغفر اليوم للفرد أن يكون ضعيفا ضئيلا ~~لأن الأحوال تطلب الطبع الكبير والإرادة القوية ورجال الجد والعمل. فإن لم يعد في نصوص ~~الآباء ما يرضي مطالب الأبناء فما الواجب إلا أكثر خطورة على الذرية الحاضرة. # قد تغلط هذه الذرية في تأويل معاني الارتقاء ولكن عليها أن تتجنب الخطأ بدرس أغلاط من كان ~~لها سابقا. وقد تلقى فشلا مثلما لاقى السلف، ولكنها ستجعل اهتمامها مملوءا بثقة في الفوز ~~والغلبة. وستجتهد على الأقل في فتح طريق الارتقاء للذراري المقبلات. وأي فخر أعظم من فخر من ~~يهيئ السبيل؟! أليست قيمة الباحثة في أنها حفرت خط الإصلاح بدموع الإخلاص وإخلاص ~~الدموع! # الفصل الثامن # | قاسم أمين وباحثة البادية: المقابلة بينهما # فباحثة البادية بين النساء المصريات، بل المسلمات، بل الشرقيات عموما، لا يقل فضلها ~~في الضرب على مساوئ الأسرة عندنا والحض على وجوب تعليم المرأة لتحرير عقلها وتقويم ~~أخلاقها بالعلم الصحيح عن فضل قاسم أمين في وجوب تحريرها. ms064 وإن كانت لم تطلب لها هذا ~~التحرير إلى الغاية القصوى مثله. لأنها لم تطلب إلغاء الحجاب بالكلية، وهو رأي في نظر ~~البعض وجيه. # 1 # الدكتور شبلي شميل # نحن لا نكتب طمعا في أن ننال تصفيق الجهال وعامة الناس ... وإنما نكتب لأهل العلم، ~~وعلى الخصوص للناشئة الحديثة التي هي مستودع أمانينا في المستقبل؛ فهي بما اكتسبته من ~~التربية العلمية الصحيحة يمكنها أن تحل مسألة المرأة المكان الذي تستحقه من العناية ~~والبحث. # 2 # قاسم أمين # حبذا لو تصفح هذا الكتاب النفيس (تحرير المرأة) كل من يغار على وطنه وأمته وساعد ~~مؤلفه في بث آرائه بين الجمهور. # 3 # المقتطف # للحياة في أبنائها مآرب: تعطي بعضهم نفسا يكهربها الفكر والعاطفة، وتلقي في أعماقها ~~وديعة النبوغ فيصير بها صاحبها كأنما هو النقطة المركزية التي تتصل بها أسلاك جميع الشعورات ~~والخبرات والفكرات والأعمال. ما طغى ظالم في الأرض إلا اهتزت منه الجوانح حمية وحنقا. ولا ~~استبدت جماعة بجماعة أو جنس بجنس إلا انطلق صوته يدمدم كالعواصف لأنه صوت انفجرت فيه أصوات ~~من يتوجعون ولا يدرون كيف يتظلمون. ولا ضربت العلل الاجتماعية في بيئة عثوا إلا وحمل مشراط ~~الجراح ولفائف المؤاسي وقام يبضع يوما ويضمد يوما. تنزل به وبجاره نكبة واحدة في آن ~~واحد فيئن الجار كفرد بشري، ويصرخ هو وفي صراخه عويل جميع الذين قضوا وكانوا قبل الموت ~~فريسة اليأس والهوان. وقد تكثر المحن على هذا «السعيد التعس»؛ لأنه كما أن البلسم الشافي لا ~~تجود به الشجرة العطرية إلا بعد أن تقشر ثوبها ويتجرح صدرها فتجول حول كلومها اليد ~~الشديدة متلمسة السائل الزكي، كذلك لا تخرج المناداة بالإصلاح القومي والتقويم العمراني إلا ~~من أعماق نفس شققتها نصال الرزايا وجالت يد الألم تجس فيها آثار الجراح بلا ~~شفقة. # تشيخ الأمهات مناولات بناتهن قبس الحياة المنير، ويظل الهاتف العتيد يتنقل محجوبا بين ~~الأجنحة والمواليد من أهل الدار ونزيلها، والخمول الدهري مخيم على الجماعة إلى أن يجيء وقت ~~اليقظة؛ إذ ذاك يبرز هاتفا في الناس فيجفلون. فيلقاه بعضهم ساخطا ms065 محتقرا، وغيرهم ناقدا ~~متعنتا، ويصغي آخرون بمسامع النفس والرغبة، وبدهشة الحب والإعجاب، وسواء صمت آذانهم ~~جميعا أم كانوا من المنصتين فإن صدى الصوت يظل مترددا حول الأفكار والعادات حتى يندمج ~~فيها، فلا يلبث أن يصير الرأي واقعا والاقتراح إصلاحا. لماذا يجيء هذا الصوت الفعال من ~~أفراد دون أفراد - مع أن الهاتفين كثير - وفي زمن دون آخر؟ ذلك سر من أسرار الحياة. وللحياة ~~في الأمكنة والأزمنة والأفراد مآرب. # لم يكن قاسم أمين مصري الأصل وإن كان مصري المنبت والبيئة، وتام التمصر وطنية ~~وإخلاصا. لكن الحياة اختارته ليقول ما لم يقله أحد في مصر الحديثة قبله ، وليترك في النشء ~~أثرا جليلا لم يكن لغيره. لقد قرأت كتبه بعد «نسائيات» الباحثة في عام واحد (1914) ~~فبدهي أن يمتزج ذكراهما في نفسي، حتى إني لا أفكر في الواحد إلا تناسق اسم الآخر ومذهبه ~~في خاطري. وإني لأحسب من واجب الإقرار بالجميل أن أكرس له سطورا في ختام هذا البحث؛ لأنه ~~عمل لغاية سعت إليها الباحثة بعده، وإن كان عمل كل منهما مدفوعا بفطرته الخاصة، سائرا ~~نحو الكعبة المشتركة في طريقين يتحاذيان ويتباعدان على طول المسافة. لقد نفت الكاتبة عن ~~نفسها اتباع مذهب قاسم، والتشيع له، بقولها في ردها على قصيدة شوقي بك: # فعلام أكثرت الملا # مة وانضممت لعذلي # وسقيتني من مر قو # لك مثل نقع الحنظل # ونسبتني حينا لمذ # هب قاسم وأبي علي # تعنين ويلك أنني # أمارة بتبذل # وهو إنكار يدل أيضا على أنها لم تنصفه - ولا أجرؤ أن أقول إنها لم تفهمه. وكيف أجرؤ على ~~ذلك وأنا أعتقد - على رغم مني - بأن تأثيره فيها كان عظيما، وأنها لم تتناول القلم بشجاعة ~~إلا لأن قلمه أوحى إليها مهيئا لها في النفوس سبيلا وواضعا في الأفكار قابلية ~~واستعدادا. إنها لمست مثله نقطا معينة وارتأت إصلاحها تقريبا على الوجه الذي يطلبه. وهل ~~يمكن ألا تنفعل امرأة راقية بكتابات هي الأولى من نوعها، ممن لم يرد للمرأة وللأمة إلا ~~خيرا؟ لذلك أعود مجاهرة باعتقادي بأنها ابنته بالفكر والجرأة ms066 وتلميذته في المناداة بإصلاح ~~شئون النساء. ولا ينفي ذلك ما بينهما من خلاف زهيد؛ لأن الأستاذ والتلميذ وإن اتحدت ~~كلمتهما، فإن كلا منهما يظل جاريا وراء طبيعته يظهرها وينميها. وأبين شاهد على ذلك نجده ~~بين ذروتي الفكر الإغريقي: أفلاطون وأرسطو. فإن كان أفلاطون زعيم الفلسفة الإيديالستية ~~الكمالية الذي لا يبارى فإن التلميذ أرسطو انفصل عن أستاذه حتى صار اسمه مرادفا لاسم ~~الفلسفة العلمية العملية. ~~••• # هي تكتب كما تتكلم بفطرتها البسيطة، وهو كذلك يكتب كما يتكلم بفطرته البسيطة. إلا أن ~~فطرتها هي نسائية فتنتقد وتنكت وتتألم وتشفق، وترتقي منبرا خياليا تخطب بالإصلاح ثم تضحك ~~وتبكي ، وتأتي بجميع الأقوال والحركات التي تجعل المرأة محبوبة كالطفل، بليغة كالشاعر، خلابة ~~كالسحار. أما هو ... فقلب تثقله العواطف الطروبة وفكر شغف بالعدل والإنصاف والحقيقة. يحب ~~الخير والصلاح كما أنه يحب اللفتات الحلوة والكلمات اللطيفة. في ثنايا روحه شاعر ينشد ~~وينوح ساعة يقول: # يشعر العاشق بلذة ساحرة إذا كان محبوبا وإذا كان غير محبوب، فيجد في ألمه لذة ~~أخرى مشابهة للسكر. «أكثر الناس لا يفهمون من الحب إلا أنه أكلة لذيذة، إذا حضرت ~~أكلوها هنيئا وإذا غابت استعاضوها بغيرها. والحقيقة أنه إحساس عميق يستولي على ~~النفس كلها ويجعلها محتاجة إلى الاختلاط بنفس أخرى احتياجا ضروريا كاحتياج ~~العليل إلى الشمس والغريق إلى الهواء. نار تلهب القلب لا يطفيها البعد ولا ~~يبردها القرب بل يزيدها اشتعالا. ومرض يقاسي فيه العاشق عذابا يظهر باحتقان في ~~مخه وخفقان في قلبه واضطراب في أعصابه واختلال في نظام حياته، يظهر على الأخص في ~~الأكل وفي النوم وفي الشغل، ويجعله غير صالح لشيء سوى أنه يقضي أوقاته شاخصا إلى ~~صورة محبوبته مستغرقا في عبادتها ذاكرا أوصافها وحركاتها وإشاراتها وكلماتها. ~~نظرة في عيون محبوبته تملأ قلبه فرحا وتجعله يتخيل أنه ماش في طريق مغروس بالورد ~~أو راكب سحابة وطائر في المرتفعات العالية فوق فوق قريب السماء. وفي هذه اللحظة ~~يكون سعيدا أسعد من أكبر ملوك الأرض، فإذا انقضت عاد إلى ما كان فيه من العذاب ms067 والألم.» # 4 # في هذا المزاج الذي جمع بين الذكاء الفطري والمعرفة المكتسبة والخبرة الواسعة، بين جد رجل ~~القانون ودقة الأديب الطروب يتكون الاحتياج الشديد إلى الإصلاح. لأننا إذا أردنا إصلاحا ~~في التعليم مثلا فلا ننتظره ممن لا يحسنون القراءة، وإذا أردنا تعديل القانون وتنقية ~~الأحكام فلا نطلبه من مستبد قانونه أنانيته. وإذا شئنا تصفية الذوق وتلطيف الشعور فلا ~~نلجأ إلى الطبائع الخشنة والشعائر الضخمة، بل نأمل في الفكر المصقول والعقل الراجح والنفس ~~المتقدة عواطف، لتسوق بالناس إلى حب التحسن والرفعة المعنوية. ورقيق القلب نافذ الفكر ~~يتعذب بمعاشرة من لا يشبهه، ولا يميل إلا إلى من تفاهم معه، فينتخب أصدقاءه انتخابا لا ~~يجعله متساهلا فيه احتياجه المؤلم إلى خل وفي. اقرأ كيف يصور قاسم الصديقين: # تأمل في مسامرة صديقين تجد أنها كنز سرور لا يفنى. متى تلاقيا يفرغ كل منهما ~~روحه في روح الآخر فيسري عقلهما من موضوع إلى موضوع وينتقل من الجزئيات إلى الكليات ~~ويمر على الآمال والآلام والقبيح والحسن والناقص والكامل. كل عمل أو فكر أو حادث أو ~~اختراع يكسب عقلهما غذاء جديدا ويفيد نفسيهما لذة جديدة. كل مظهر من مظاهر حياة ~~أحدهما العقلية والوجدانية وكل ما تحلت به نفسه من علم وأدب وذوق وعاطفة تنعكس منه ~~على نفس الآخر فيكسبه لذة جديدة ويزيد في رابطة الألفة بينهما عقدة جديدة. # 5 # فإذا كان هذا ما يطلبه من صديقه فماذا تراه يطلب من تلك التي هي زوجته، وقد قيل إن العاقل ~~ينتخب لنفسه امرأة جامعة لكل الصفات التي يريدها في الصديق؟ ماذا يطلب من المخلوقة التي ~~ينفعل الرجل مرغما بتأثيرها في كل أدواره، وفي كل خطوة يخطوها سواء شاء أم لم يشأ، ينفعل ~~بتأثيرها غريبة وقريبة، عابرة في سبيله أو شريكة له في حياته؟ ماذا يطلب، وهل عنده ما هو ~~طالب بحق؟ هو يجيب عن هذا السؤال: # وكل منا يذوق حلاوة الساعات التي تمر به بدون أن يشعر حينما يطول الحديث بينه ~~وبين صديق له وتختلط نفساهما ببعض حتى يذهل ms068 كل عن أيهما يتكلم وأيهما يسمع. فهذا ~~السرور يتضاعف بلا شك، إذا وجد هذا التوافق بين رجل وأمه وأخته أو زوجته. ولكن يحول ~~الآن بيننا وبينهن عدم التوافق بين عقولنا وعقولهن ونفوسنا ونفوسهن؛ ولهذا فإنا ~~نشفق عليهن ونحن إليهن ونعذرهن، ولكن لا تكمل محبتنا لهن؛ لأن الحب التام هو ذلك ~~التوافق، وهو معدوم. # 6 # هو يعرف المرأة لأنه يعرف الرجل، ويعرفهما معا لأنه يعرف الطبيعة البشرية. ترى من يستطيع ~~أن يكتب كلمة كهذه إن لم يكن قد خبر أحوال الناس، ونقدهم ثمن كل حرف من حروفها نقطة من أثمن ~~دماء قلبه: «كلما قدرت على أن أقوم بخدمة طلبها مني صديق أسفت على خسارته وعددته عدوا ~~جديدا.» فلا عجب من أن هذا الذي ينفذ بنظره إلى أقاصي الوجدان طائفا بين ألغاز الميل ~~والنفور يتمكن من لمس تفتت المرائر وإحصاء نبضات القلوب. وأي حدس متيقظ مصيب في هذا البيان: ~~«يوجد أناس متى رأيتهم أو سمعتهم تشعر بنقص في خلقهم كأنهم صنعوا بغاية السرعة فلم ينالوا ~~حظهم من الإتقان المعهود.» # 7 # وإذا حاولت إجمال شخصيته ووضع عنوان لها ما وجدت أفضل من سطوره الآتية: # يظهر لي أن الارتقاء في الإنسان تابع على الخصوص لجهازه العصبي فأكثر الناس ~~استعدادا للرقي هم العصبيون الذين تبلغ منهم الانفعالات النفسية مبلغا عظيما ~~وتهتز أعصابهم المتوترة بملامسة الحوادث فيظهر أثرها فيهم بكثرة وشدة، أولئك هم ~~السعداء التعساء الذين يتمتعون ويتألمون. أولئك هم السابقون في ميدان الحياة، تراهم ~~في الصف الأول مخاطرين بأنفسهم يتنافسون فيما بينهم بمصادمة كل صعوبة. من بينهم ~~تنتخب القدرة الحكيمة خيرهم وتوحي إليه أسرارها فيصير شاعرا بليغا أو وليا ~~طاهرا أو فيلسوفا حكيما أو نبيا كريما. # 8 # أو قاسما أمينا ... # لأني أظن على ما أرى من كتاباته وصورته الموضوعة في صدر «كلمات»، إنه إن لم يكن مزاجه ~~عصبيا بحتا ففيه شيء كثير من المزاج العصبي. # كل هذه العناصر النفسية تجمعت فكان أغلبها عنصر القضاء. هو يلاحظ الأشياء ويراقب الحوادث ~~مدققا ممحصا ويحكم بفطرته لها أو ms069 عليها، وجاءت ممارسة القانون فزادت تلك الملكة ظهورا. ~~هو قاض في جميع كتاباته يجلس على منصة العدل غير ملتفت كالخطيب، إلى أنه أعلى مكانا من ~~الجالسين وأنه يجب أن يرفع صوته ليسمع السامعون، بل يجلس جلوسا طبيعيا لأن تلك المنصة ~~مكانه، ويتكلم بلهجة بسيطة. يرى الأشياء حوله فيدونها ويقول: «أعرف قضاة حكموا بالظلم ~~ليشتهروا بين الناس.»ليشتهروا بين الناس # 9 # ويسمع الأقوال فيسجلها، وهو الخبير بما فيها من رسم نفسية جمهور كبير من الناس، ~~وبما تقيده على قائلها من ونى فكري واستسلام ذليل: «سئل ح. بك: ما رأيك في كتاب تحرير ~~المرأة؟ فأجاب: رديء! ~~- هل قرأته؟ ~~- لا. ~~- أما يجب أن تطلع عليه قبل أن تحكم برداءته؟ ~~- ما قرأت ولا أقرأ كتابا يخالف رأيي.» # 10 # وإذا اهتم بموضوع ما أجرى فيه تحقيقا يتناول جميع فروعه العمرانية والسيكولوجية ~~والعلمية والوراثية والعائلية والوسطية، فيجاهر بما يراه حقا وقد لا يفهمه الآخرون، ولا ~~يخشى لوما بتسمية العيوب والأمراض بأسمائها. يجاهر غير منتبه للصواعق المنقضة عليه ممن ~~لا يحسنون إلا مضغ كلمات تلقنوها يوما فتجمدت معانيها في أفكارهم وفاخروا باحتكار ~~الحقيقة. إنه يبصر اللفائف البالية الفاسدة على قروح قديمة فيمد إليها يده الجريئة، وبينا ~~العليل يغلظ القول محتجا باسم الدين والأمة والشرف والعائلة ينزع هو تلك الأربطة هادئ ~~الجأش، ويحلل الجراثيم الخبيثة الراكدة عليها فيحصيها واحدا فواحدا. إن نظرة المحب تلمع ~~في عين هذا الآسي. ولا يروعه ضجيج الساخطين، بل يصمت عالما بأن التمدد أول أدوار الشفاء، ~~وإذا تكلم قال بسذاجة: # نحن نعلم أن رجلا يعيش في عالم الخيال يكتب في مكتبه على ورقة أن ليس على النساء ~~إلا أن يقرن في بيوتهن خاليات البال تحت كفالة وحماية الرجال. نفهم ذلك على الورق؛ ~~لأن الورق يحتمل كل شيء. # 11 # وكما أن الطبيب منه ودود كذلك القاضي مفكر. هذا يصغي إلى أقوال الشهود ويجمع حيثيات حكمه ~~في حين أن ذاك يغوص في نفس المتهم ويقلب صفحات حياته حتى يصل إلى كلمة الاستهلال، حتى يصل ~~إلى أمه، نعم ms070 أمه؛ كيف كانت؟ وكيف ربت هذا المسكين؟ وعلى أي وجه تربت هي قبل أن تلتقي ~~بالذي صار فيما بعد أبا له؟ ويتسلسل بحثه إلى نساء أخريات، وإلى جميع النساء، فيرى حالتهن ~~كما هي، ويعذر الذي يناقضه في الرأي لأنه لم ير ما رأى هو. فلا يجد ذاك صعوبة في أن يحكم ~~على المرأة بالانزواء في المنزل. وإنما: # يجد الصعوبة رجل اعتاد أن يحلل النظريات ويختبرها بقياسها إلى الواقع، فإنه إذا ~~أراد مثلا أن يحصل لنفسه رأيا فيما هي حقوق النساء التي نحن بصددها يجب عليه ~~أولا أن يسوق نظره إلى الوقائع التي تمر أمامه. أعني أن يطبق نظريته على الواقع ~~ويتصورها في ذهنه منفذة ومعمولا بها في قرية، ثم في مدينة، ثم في إقليم، وتتمثل ~~أمامه النساء في جميع أعمارهن وأحوالهن وطبقاتهن فيراهن بنات ومتزوجات ومطلقات ~~وأرامل. ويراهن في البيت وفي المدرسة وفي الغيط وفي الدكان وفي الأماكن الصناعية. ~~ويقف على سلوكهن مع أزواجهن وأولادهن والأجانب. ثم يعرف البلاد التي للنساء فيها ~~شأن غير ما لنسائنا في بلادهن، وكيف أنهن يستعملن حقوقهن، والنتائج التي ترتبت على ~~هذا الاستعمال. ويقف على حالة المرأة في الأزمان الخالية والتقلبات التي طرأت ~~عليها. «فإذا توفر ذلك كله لم يتيسر له أن يحكم في المسألة حكما قاطعا. لأنه يعلم ~~أن رأيه قائم على مقدمات ظنية فلا تكون نتائجها إلا تقريبية؛ لذلك تراه دائما على ~~طريق البحث. لا يركن إلى ما وصل إليه جهده إلا ليضعه قاعدة لعمل مؤقت. ولا يأنف من ~~تعديل رأيه بحسب ما يقتضيه الحال ويظهره العمل.» # 12 # لا يستطيع المرء أن يكون «قاضيا» عادلا أكثر مما يظهره قاسم أمين في هذه الفقرة. وإنك ~~لتجد هذه النزاهة والأمانة والإنصاف في كل ما كتب؛ لذلك هو يخفي العواطف وينساها ما استطاع؛ ~~لأنها - كما يقولون - تحول بين الفكر والعدل. ويظل متكلما بعقله، مناديا بالهدوء والرزانة ~~والسير على القواعد العلمية والانتفاع بالمشاهدات الاجتماعية، ووجوب ضبط الانفعالات على ~~الدوام. وعلى رغم ذلك فإن نفسه لا يفتر أبدا ms071 حتى إذا وصل إلى فكرة لمست من قلبه مكانا ~~حساسا أرسل كلمات تشبه في مؤاساتها لمسة التدليل والتحبب على جبهة رضيع عزيز: # أليس من الغريب ألا يوجد رجل بيننا يثق بامرأة أبدا مهما اختبرها ومهما عاشت ~~معه؟! أليس من العار أن نتصور أن أمهاتنا وبناتنا وزوجاتنا لا يعرفن صيانة أنفسهن؟! ~~أيليق ألا نثق بهؤلاء العزيزات المحبوبات الطاهرات وأن نسيء الظن بهن إلى هذا الحد؟! # 13 # وفي وسط كل هذه الأبحاث الجدية، الخالي معظمها من التأثر والشعور، يشعر القارئ بأن ~~قلب الرجل ليس بعيدا، أن قاسما أحب المرأة حبا جما. وقد خط لها رسما يشرفها في هذه ~~الألفاظ الوجيزة: «كلما أردت أن أتخيل السعادة تمثلت أمامي في صورة امرأة حائزة لجمال ~~المرأة وعقل الرجل.» # 14 # امرأة يجد فيها: # لطف الشمائل ورقة الذوق، وبهاء الفطنة، ونفاذ العقل، وسعة العرفان، وحسن ~~التدبير، والحذق في العمل مع المحافظة على النظام فيه، ونظافة الباطن والظاهر، وحنو ~~القلب، وصدق اللسان، وطهارة الذمة، وعظم الأمانة، والإخلاص في الولاء، ونحو ذلك من ~~الفضائل المعنوية التي ترجح عند العقلاء على جميع المحاسن الجسدانية. # 15 # هذا هو مثله النسائي الأعلى، وبهذا المثل القاطن جوارحه يسير في سبيل الحياة مراقبا ~~المرأة المصرية في خبرته القانونية، وفي العائلة والاجتماع والأمة جميعا. فماذا يجد؟ يجد ~~ما يدفعه إلى كتابة كل ما كتب في سبيل إصلاحها، يجد ما يجعله يقول في التمهيد لكتاب «تحرير ~~المرأة»: # أكتب هذه السطور وذهني مفعم بالحوادث التي وردت علي بالتجربة وأخذت بمجامع ~~خواطري. ولا أريد أن أذكر شيئا منها؛ لعلمي أنها ما تركت ذهنا حتى طافت به ولا ~~خاطرا حتى وردت عليه. فإن مثار هذه الحوادث جميعها شيء واحد، هو المرض الملم ~~بجميع العائلات، لا فرق بين فقيرها وغنيها ولا بين وضيعها ورفيعها. # ويرى يوما فتاة صغيرة يعجبه منها الذكاء والجمال، فيشير على والدها بتعليمها، ويجيب هذا ~~بأنها تتعلم إدارة المنزل، وهذا يكفي. فيشفق قاسم على هذا الصلف والجهل وينطلق مفسرا. # يعني هذا الأب العنيد بإدارة المنزل أن بنته ms072 تعرف شيئا من صناعة الخياطة وتجهيز ~~الطعام واستعمال المكوى وما أشبه ذلك من المعارف التي لا أنكر أنها مفيدة بل لازمة ~~لكل امرأة. ولكني أقول ولا أخشى نكيرا أنه مخطئ في توهمه أن المرأة التي لا يكون ~~لها من البضاعة إلا هذه المعارف يوجد عندها من الكفاءة ما يؤهلها إلى إدارة منزلها؛ ~~ففي رأيي أن المرأة لا يمكن أن تدبر منزلها إلا بعد تحصيل مقدار معلوم من المعارف ~~العقلية والأدبية. «والحقيقة أن إدارة المنزل صارت فنا واسعا يحتاج إلى معارف ~~كثيرة مختلفة. فعلى الزوجة وضع ميزانية الإيراد والمصروف بقدر ما يمكن من التدبير ~~حتى لا يوجد خلل في مالية العائلة. وعليها مراقبة الخدم بحيث لا يفلتون لحظة من ~~مراقبتها، وبغير هذا يستحيل أن يؤدوا خدمتهم كما ينبغي. وعليها أن تجعل بيتها ~~محبوبا إلى زوجها فيجد فيه راحته ومسرته إذا أوى إليه، فتحلو له الإقامة فيه ويلذ ~~له المطعم والمشرب والمنام، فلا يطلب المفر منه ليمضي أوقاته عند الجيران أو في ~~المحلات العمومية. وعليها - وهو أول الواجبات وأهمها - تربية الأولاد جسما وعقلا ~~وأدبا» ... «ومن المعلوم أن الطفل لا يعيش من طفولته إلى سن التمييز إلا بين النساء» ~~... «والأم الجاهلة ليس في استطاعتها أن تصبغ نفس ولدها بصبغة الصفات الجميلة؛ لأنها ~~لا تعرفها» ... «قد صار من المقرر عندنا أن الأمهات لا يفلحن في تربية الأولاد حتى ~~صار من المثل في الحطة ورداءة السيرة أن يقال فلان تربية امرأة.» # 16 # بل هو يذهب إلى أبعد من أن يحصر وظيفة الزوجة في إدارة المنزل وتربية الأطفال، هو يريد ~~زوجة تقاسمه أفراحه وآلامه وكلامه وسكوته. يريد منها أختا لروحه فيشكو ويقول: # إن الرجل أحيانا (ولست أدري هل كل رجل كذلك) يفهم بكلمة ويود لو يفهم بالإشارة. ~~يسكت في أوقات ويتكلم في أخرى ويضحك في غيرها. «له أفكار يحبها ومذهب يشغله وجمعية ~~يخدمها ووطن يعزه. له لذائذ وآلام معنوية؛ فيبكي مع الفقير ويحزن مع المظلوم ويفرح ~~بالخير للناس. وفي كل فكرة تتولد في ذهنه وإحساس يؤثر ms073 على أعصابه يود أن يجد بجانبه ~~إنسانا آخر فيشرح له ما يشعر به ويتسامر معه» ... «فإذا كانت امرأته جاهلة كتم ~~أفراحه وأحزانه عنها، ولا يلبث أن يرى نفسه في عالم وامرأته في عالم آخر. ومن ثم ~~تبتدئ عيشة لا أظن أن الجحيم أشد نكالا منها. عيشة يرى كل منهما فيها أن صاحبه ~~هو العدو الذي يحول بينه وبين السعادة» ... «والزوجة المصرية - مهما كانت - لا تعرف ~~من زوجها سوى أنه طويل أو قصير، أبيض أو أسود. أما قيمة زوجها العقلية والأدبية ~~وسيرته وطهارة ذمته ورقة إحساسه ومعارفه وأعماله ومقاصده في الوجود وكل ما تصاغ ~~منه شخصية الرجل منا ويصير به إلى أن يكون محترما محبوبا ممدوحا في أمته، فهذا ~~لا يصل إلى عقلها شيء منه. وإن وصل فلا يؤثر على منزلته في نفسها. وعلى هذا أول من ~~يجهل الرجل زوجته. فكيف يظن أنها تحبه؟!» ... «أبغض الرجال عندها من يقضي أوقاته في ~~الاشتغال في مكتبه. كلما رأته جالسا منحني الظهر مشغولا بمطالعة كتاب غضبت منه ~~ولعنت الكتب والعلوم التي تسلب منها هذه الساعات وتختلس الحقوق التي اكتسبتها على ~~زوجها. ومن هذا يتولد على الدوام نزاع لا ينتهي إلا بنزاع جديد ولا يدري الزوج ~~المسكين ماذا يصنع إذا أراد الجمع بين هذين العدوين: الزوجة والعلم» ... «ومن البديهي ~~أن الرجل الذي يكون هذا حاله ينتهي بفقد كل استعداد للعمل؛ لأن الرجل يطلب راحته ~~وهي في يد امرأته ولكنها تبخل بها عليه.» # 17 # هذه حالة المرأة فكيف يصلحها ويجعلها نافعة لنفسها ولغيرها؟ ما الذي جعل الرجل أفضل اليوم ~~منه البارحة؟ وعلى أي شيء تنتصب أركان العمران؟ أمر أصبح شغله الشاغل فحمل قلمه ونظر إليه ~~كمن ينظر إلى الأمل الوحيد في الدنيا وجرى به على القرطاس المطيع، ذلك القلم الذي قال فيه ~~خليل مطران: # يدك القبيح ويبني المليح # رجوعا إلى سنة الراسم # يشعشع نورا إذا ما انبرى # يسيل بماء الدجى الفاحم # باحثة البادية تصلح كامرأة، وقيل إن المرأة أكثر تشبثا بالماضي. وقاسم أمين يصلح كرجل؛ ~~أي ms074 يرسل نظره أبدا إلى الأمام. هي تسير بتحفظ بين تشعب الأفكار الجديدة والآراء المستحدثة، ~~وكلما خطت خطوة التفتت إلى الوراء لتتثبت من أنها تابعة السبيل الذي يربط الأمس بالغد. ~~وكلما جاءت بتبديل في النصوص الاصطلاحية حاولت سبكه في قالب الاعتدال مع مراعاة العادات ~~المألوفة ما أمكن. هي كثيرة التحذر في إصلاحها، عملية متواضعة في مطالبها، لا تبتعد ~~فترا واحدا عن حدود بيئتها وإن حامت فوقها بما أوتيت من شجاعة وذكاء. إلا أنك حينما ~~تسمعها صارخة كثيرا ما تظن أنها تفعل لتؤكد لك أنها غير خائفة، ولك أن تقدر كذلك أنها ~~تصرخ لتسمع صوتا إنسيا - وإن كان صوتها - يبعد عنها الرعب والوجل في وحدتها الفكرية. أما ~~قاسم فلا يصرخ ولا يخاف ولا يرتعش. في فكره مقدار الكمال الكافي لاختطاط النظريات، وفي ~~أصالة رأيه وحزمه من الجدارة ما يحول النظريات إلى ما يطابق الواقع، بل هي الواقع بعينه. ~~وله جناحان يدفعان به إلى نقطة إدراكية يشرف منها على الماضي والحاضر والمستقبل وعلى جميع ~~البيئات والأمم والتواريخ. فيضع هناك كرسي القضاء - كرسيه - ويجلس متأملا مقابلا بين شعب ~~وشعب وعصر وعصر، باحثا في كل آن وزمان عن تلك السعادة الحلال المتمثلة له في صورة ~~امرأة «حائزة لجمال المرأة وعقل الرجل.» وبين زرافات النساء المارة أمامه تستوقف خاطره ~~امرأة بلاده: أمه وأخته وزوجته وابنته، أولئك اللاتي أوجدتهن الطبيعة صديقات لحزنه وأنسه. ~~وكأني به يناديهن فيلبين النداء بطيئات متسكعات تعبات. ويدنين فيرى عليهن غشاء يمنع عنهن ~~نور الشمس ونور الحياة: الحجاب! # لهذه الكلمة دوي مرعب في نفسه كما لدوي أبواب السجون في مسمع من حكم عليه بالسجن المؤبد ~~ظلما. فيمسك بهذا الحجاب ويقلب معانيه من جميع الوجوه، ويدرس تاريخ نشأته وتأثيره في ~~الشعوب التي اقتبسته ثم نبذته، ويحلل أسبابه ويتبصر في نتائجه، ويراجع أقوال الكتاب العزيز ~~والحديث الشريف وعادات القوم، فيقرر بعد البحث والتعليل أنه ليس إسلامي الأصل ما دام أنه ~~استعمل عند أمم سبقت الإسلام، وأنه ليس واجبا على المرأة المسلمة ما دام أن ليس ms075 في الشرع ~~نص صريح يأمر به. هو في نظره أثر من آثار الهمجية الأولى، بل هو «أقصى وأفظع أشكال ~~الاستعباد؛ ذلك لأن الرجال في عصر التوحش كانوا يستحوذون على النساء إما بالشراء وإما ~~بالاختطاف.» ويتابع قائلا: # فلما بطل حق ملكية الرجال على النساء اقتضت سنة التدريج أن تعيش النساء في حالة ~~وسط بين الرق والحرية، حالة اعتبرت فيها المرأة أنها إنسان لكنه ناقص غير تام. ~~أكبر على الرجل أن يعتبر المرأة التي كانت ملكا له بالأمس مساوية له اليوم، ~~فحسن لديه أن يضعها في مرتبة أقل منه في الخليقة. وزعم أن الله لما خلق الرجل وهبه ~~العقل والفضيلة وحرمها من هذه الهبات. وقال: إنه «يلزم أن تعيش غير مستقلة تحت ~~سيطرة الرجل، وأن تنقطع عن الرجال وتحتجب بأن تقصر في بيتها وتستر وجهها إذا خرجت؛ ~~حتى لا تفتنهم بجمالها أو تخدعهم بحيلها، وأنها ليست أهلا للرقي العقلي والأدبي ~~فيلزم أن تعيش جاهلة» ... «وذلك هو السر في ضرب الحجاب وعلة بقائه إلى الآن» ... «ولما ~~كانت تهمة المرأة بنقصان العقل هي الحجة التي اتخذها الرجال لاستعبادها وجب علينا ~~أن نبحث في طبيعة المرأة لنعلم إن كانت كما يقال أحط من طبيعة الرجل أم لا» ... «ولا ~~ريب أن المرأة اليوم أحط من الرجل في الجملة، ولكن علينا أن ننظر هل هذه الحالة ~~طبيعية لها أو ناشئة عن طرق تربيتها» ... «لأن الرجال اشتغلوا أجيالا عديدة بممارسة ~~العلم فاستنارت عقولهم وتقوت عزيمتهم بالعمل، بخلاف النساء فإنهن حرمن من كل ~~تربية، فما يشاهد الآن بين الصنفين من الفروق هو صناعي لا طبيعي. لا نريد بهذا ~~التساوي أن كل قوة في المرأة تساوي كل قوة في الرجل وكل ملكة فيها تساوي كل ملكة ~~فيه، ولكنا نريد أن مجموع قواها وملكاتها تكافأ مجموع قواه وملكاته، وإن كان يوجد ~~خلاف كبير بينهما؛ لأن مجرد الخلاف لا يوجب نقص أحد المتخالفين عن الآخر» ... ~~«وبعبارة أخرى يوجد مذهبان أحدهما ينصح للناس بالتمسك بالحجاب والثاني يشير عليهم ~~بإبطاله» ... «فأي المذهبين يتفق مع ms076 مصلحتنا وتتوفر به منافعنا؟ أما الحجاب فضرره أنه ~~يحرم المرأة من حريتها الفطرية ويمنعها من استكمال تربيتها. ويعوقها عن كسب معاشها ~~عند الضرورة. ويحرم الزوجين من لذة الحياة العقلية والأدبية. ولا يأتي معه وجود ~~أمهات قادرات على تربية أولادهن. وبه تكون الأمة كإنسان أصيب بالشلل في أحد شقيه» ~~... «وأما الحرية فمزاياها هي إزالة جميع المضار التي تنشأ عن الحجاب، وسبق ذكرها. ~~وضررها الوحيد أنها في مبدئها تؤدي إلى سوء الاستعمال، ولكن مع مرور الزمن تستعد ~~المرأة إلى أن تعرف مسئوليتها وتتحمل تبعة أعمالها وتتعود على الاعتماد على نفسها ~~والمدافعة عن شرفها حتى تتربى فيها فضيلة العفة الحقيقية التي هي ترفع النفس ~~المختارة الحرة عن القبيح، لا خوفا من عقاب ولا طمعا في مكافأة ولا لوجود حائل ~~ليس في الإمكان إزالته، بل لأنه قبيح من نفسه.» وبالجملة فإن «المرأة لا تكون ولا ~~يمكن أن تكون وجودا تاما إلا إذا ملكت نفسها وتمتعت بحريتها الممنوحة لها بمقتضى ~~الشرع والفطرة معا ونمت ملكاتها إلى أقصى درجة يمكنها أن تبلغها. والحجاب على ما ~~ألفناه مانع عظيم يحول بين المرأة وارتقائها، وبذلك يحول بين الأمة وتقدمها.» # 18 # كما يخطئ من لم يعرف من قاسم أمين سوى أنه ينادي برفع الحجاب، وهو الأمر الذي اشتهر به! ~~وأنه يريد للمرأة الحرية المطلقة بلا قيد ولا شرط، وهو ما يقوله الذين لم يقرءوا كتبه! إنه ~~من أكثر من أعرف محافظة على أنثوية المرأة ومنزلتها في العائلة والأمة، وإن أنصفها في غير ~~هذا الدور. # الفصل التاسع # | قاسم أمين وباحثة البادية: المقابلة بينهما (تابع وخاتمة) # قال المقتطف في وصفه حفلة التأبين لقاسم، إنه ورد في خطاب السيد رشيد رضا الكلمات الآتية: # أخبرني قاسم أمين أنه كان يوما اطلع على ما كتبه الدوق داركور غافلا عن حال ~~النساء بمصر، فآلمه ذلك النقد والتشنيع فاندفع إلى الرد # 1 # بوجدان الغيرة، وبعد أن شفى غيظه وأرضى غيرته بذلك عاد إلى نفسه وفكر ~~في الأمر فرأى أن كثيرا من العيوب التي عاب الدوق بها ms077 البيوت المصرية صحيح في نفسه ~~فبعثه ذلك إلى درس هذه المسألة. وانتهى به البحث والتنقيب إلى تصنيف كتاب «تحرير ~~المرأة». # والواقع أن من طالع الرد على الدوق داركور وعلى كتاب «تحرير المرأة» رأى أن فكر قاسم ~~ارتقى واتسع وتسامى في الفترة التي مرت بينهما. وقد عزز هذا الكتاب بكتاب «المرأة ~~الجديدة» ردا على معارضيه فجاء كالكتاب الأول، بل أقوى حجة وأوضح دليلا. فقسمه إلى حرية ~~المرأة، والواجب على المرأة لنفسها، والواجب عليها لعائلتها، ثم التربية والحجاب، وخاتمة ~~ترسم صورة الأفكار في تلك الأيام بالنسبة إلى المرأة. أما الحرية فلا بد من منحها إياها ~~لأنه لا يظن «أن عقلا يقبل أن تعتبر المرأة إنسانا كامل العقل والحرية من جهة استحقاقها ~~لعقوبة الشنق إذا قتلت، ثم تعتبر أنها ناقصة العقل بحيث تحرم من حريتها في شئون الحياة العادية.» # 2 # فقال: # على أن ما قيل ويقال من أن حرية النساء تعرضهن للخروج عن حدود العفة كله كلام ~~لا أصل له، تبطله التجارب وينبذه العقل؛ إذ التجارب المؤسسة على المشاهدات الصحيحة ~~تدل على أن حرية النساء تزيد في ملكاتهن الأدبية وتبعث فيهن إحساس الاحترام لأنفسهن ~~وتحمل الرجال على احترامهن. # 3 # ويرى واجب المرأة لنفسها في ترتيب أعمال الإنسان المنقسمة إلى ثلاثة أنواع: الأعمال التي ~~يحفظ بها حياته، والأعمال التي تفيد عائلته، والأعمال التي تفيد المجتمع، مقررا أن هذه ~~الأعمال من خصائص الرجال والنساء على السواء. ولكنه يضرب صفحا عن نوع الأعمال الثالث؛ لا ~~لقصور المرأة وعجزها الظاهر الآن فحسب؛ بل لأنه يرى «أننا لا نزال إلى الآن في احتياج كبير ~~إلى رجال يحسنون القيام بالأعمال العمومية.» يسلم بأن الفطرة أعدت المرأة إلى الهيئة ~~العائلية ويردد أن «أحسن خدمة تؤديها المرأة إلى الهيئة الاجتماعية هي أن تكون زوجة ~~ووالدة.» إلا أن هذا لا ينسيه الواقع، وهو أن كثيرات ليس لهن عائل ولا واجبات عائلية، وأن ~~عدد هؤلاء اثنان في المائة من مجموع النساء المصريات «فهل من مصلحة للرجال أو لعموم الهيئة ~~الاجتماعية من أن يعيش ms078 هؤلاء النساء ضعيفات جاهلات فقيرات؟» ثم يتبسط في الشرح قائلا: # يوجد في كل بلد عدد من النساء لم يتزوج وعدد آخر تزوج وانفصل بالطلاق أو بموت ~~الزوج، ومن النساء من يكون لها زوج ولكنها مضطرة إلى كسب عيشها بسبب شدة فقره أو ~~عجزه أو كسله عن العمل. ومن النساء عدد غير قليل متزوجات وليس لهن أولاد. كل هؤلاء ~~النسوة لا يصح الحجر عليهن. «يقول المعترضون إنهم لا يمنعون النساء الفقيرات من ~~مباشرة أعمال الرجال والاختلاط بهم كما أنهم لا يمنعون المرأة من التعليم إذا كان ~~لازما لكسب عيشها؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات» ... «ولا يخفى أن كل نفس حية معرضة ~~لانتياب الحاجات ونزول الضرورات» ... «ولما كان الاطلاع على الغيب أمرا غير ميسور ~~للإنسان وجب أن تستعد كل امرأة لهذه الحوادث قبل أن تقع لها.» فإذا تزوجت بعد ذلك ~~فلا يضرها علمها بل تستفيد منه كثيرا وتفيد عائلتها، وإن لم تتزوج أو تزوجت ثم ~~انفصلت عن زوجها لسبب من الأسباب الكثيرة الوقوع أمكنها أن تستخدم معارفها في تحصيل ~~معاشها بطريقة ترضيها وتكفل راحتها واستقلالها وكرامتها. «يجب أن تربى المرأة على ~~أن تكون لنفسها لا لأن تكون متاعا لرجل ربما لا يتفق لها أن تقترن به مدة حياتها. ~~يجب أن تربى المرأة على أن تدخل في المجتمع وهي ذات كاملة لا مادة يشكلها الرجل ~~كيفما شاء. يجب أن تربى المرأة على أن تجد أسباب سعادتها وشقاءها في نفسها لا في ~~غيرها» ... «وليس معنى ذلك إلزام كل امرأة بالاشتغال بأعمال الرجال، وإنما معناه أنه ~~يجب أن تهيأ كل امرأة للعمل عند مساس الحاجة إليه.» # 4 # هذه النقطة من الموضوع ينساها كثير ممن يتعرضون لمعالجة تهذيب المرأة فيجزمون بأن لا ~~وجود للمرأة إلا بجانب الرجل. فكيف يحيا ذلك العدد الكبير من النساء الذي لا يعيش للرجل؟ ~~لقد أنصفهن قاسم. ثم تحول إلى الوظيفة المباركة التي سماها واجب المرأة لعائلتها، مفصلا ~~كيف أن الناس عادة يسيئون فهم تلك الوظيفة؛ إذ يجعلونها مقصورة على الأمومة الجسدية، ناسين ms079 ~~أن المرأة الحرة هي التي يكون لها نفوذ عظيم صالح في أسرتها، وأن نفوذ الجاهلة المستعبدة لا ~~يتعدى ما يكون «لرئيسة الخدم في البيت»، وكم كان هذا النفوذ سيئ الأثر جالب الهم والغم! ~~يلوم من كانت هذه حالتها مشفقا ناسبا انحطاطها إلى من هو السيد، مرجعا أمره - كما فعلت ~~الباحثة - إلى أصله الحقيقي وهو إهمال الرجل وأنانيته ~~وبطشه. وما تتعلمه البنات الآن ليس بكاف في رأيه لأن: # أكثر ما تعرفه المرأة التي يقال إنها متعلمة هو القراءة والكتابة، وهذه واسطة من ~~وسائط التعليم وليست غاية ينتهي إليها. وما بقي من معارفها فهي قشور تجمعها الحافظة ~~في ريعان العمر ثم تنفلت منها واحدة بعد واحدة حتى لا يبقى شيء. # 5 # هو يريد شيئا أفضل وأبقى من هذه اللوامع الظاهرة التي يعنى الأهل بطلاء شخصية بناتهم بها ~~من العزف على آلات الطرب، والغناء، ومبادئ الرسم، والكلام بلغة أو بلغات لا يحسن بها غير ~~ثرثرة الاجتماعات وقراءة الروايات، وتظارف الدمى تصنعا بالصوت والحركة. يريد للمرأة شخصية ~~قوية مستقلة، ولا يظنها قادرة على القيام بوظيفتها في العائلة والأمة إلا إذا حازت جانبا ~~كبيرا من المعرفة، وهي الوسيلة الوحيدة التي يرتفع بها «شأن الإنسان من منازل الضعة ~~والانحطاط إلى مراقي الكرامة والشرف.» وإن لم تكن الأم راقية بمعرفتها وفكرها فكيف تستطيع ~~تربية ابنها على مثل ذلك؟ قال: # غاب عنا أن الرجل إنما يكون كما هيأته والدته في صغره. «ويظن الجمهور الأعظم من ~~الناس أن التربية من الهنات الهينات، ولكن من يعرفها حق المعرفة يعلم ألا شيء من ~~الشئون الإنسانية مهما عظم يحتاج إلى علم أوسع ولا نظر أدق ولا عناء أشق مما ~~تحتاج إليه التربية. أما من جهة العلم فلأنها تحتاج إلى جميع العلوم التي توصل إلى ~~معرفة قوانين نمو الإنسان الجسماني والروحاني. وأما من جهة المشقة والعناء فلأن ~~تطبيق هذه القوانين على ما يلائم حال الطفل من يوم ولادته إلى بلوغه سن الرشد يحتاج ~~إلى صبر ومثابرة في العمل ودقة في الملاحظة والمراقبة قلما ms080 يحتاج إليها عمل آخر. ~~لا يؤخذ من ذلك أني أذهب إلى أن كل أم يجب عليها أن تحيط بتلك العلوم الواسعة ولكن ~~أن جميع الأمهات يجب عليهن أن يعرفن كلياتها، وكلما زاد علم الواحدة منهن بأصول ~~العلوم وفروعها زادت قوة استعدادها لتربية أولادها» ... «وليس تأثير المرأة في ~~العائلة قاصرا على تربية الأطفال، بل المشاهد بالعيان أن المرأة تؤثر على جميع من ~~يعيش حولها من الرجال. فكم من امرأة سهلت على زوجها وسائل النجاح في أعماله، وأعدت ~~له أسباب الراحة والاطمئنان ليتفرغ لأشغاله!» ... «وكم من امرأة طيبت قلب الرجل وقوت ~~عزيمته في حال اليأس والقنوط! وكم رجل طلب المجد ومعالي الأمور طمعا في إرضاء ~~محبوبته فبلغ الغاية مما طلب!» # 6 # وأي مصلحة لرجل أعظم من أن يعيش وبجانبه رفيقة تلازمه في الليل والنهار، في ~~الإقامة والسفر، في الصحة والمرض، في السراء والضراء، رفيقة ذات عقل وأدب، عارفة ~~بحاجات الحياة كلها، تهتم بكل شيء يمس بمصلحة زوجها ومستقبل أولادها، تدبر ثروته، ~~وتحافظ على صحته، وتدافع عن شرفه، وتروج أعماله، وتذكره بواجباته، وتنبهه إلى ~~حقوقه، وتعرف أنها باجتهادها تجد في منفعتها كما تجد في منفعة زوجها وأولادها. ~~وهل يسعد رجل لا يكون بجانبه امرأة يهبها حياته وتشخص الكمال بصداقتها أمام عينيه، ~~فيعجب بها ويتمنى رضاها ويتوسل إليها بفاضل الأعمال ويدنو منها بعقائل الصفات ~~ومكارم الأخلاق، صديقة تزين بيته وتبهج قلبه وتملأ أوقاته وتذيب همومه؟ هذه الحياة ~~التي لا يشعر الرجال عندنا بشيء منها هي من أعظم الينابيع للأعمال العظيمة. # 7 # يا لبلاغته ساعة يصف المرأة المثلى! إنه يتوق إلى أن يلقى فيها زوجة وأما وأختا ~~وصديقة وحبيبة وإلهة ومهذبة جميعا. وهو جائع عطش إلى كل ما تكنه ذاتها من رحمة ~~وحنو وحزم وحب شامل. كم كان أمينا لخيالها في ذهنه ساعة قال: إنه كلما حاول أن يتصور ~~السعادة رآها امرأة «حائزة لجمال المرأة وعقل الرجل.» ~~••• # في كتاب «تحرير المرأة» الذي هز مصر يومئذ هزة عنيفة لم يطلب رفع الحجاب دفعة واحدة، بل ~~هناك ms081 أقوال صريحة تدل على أنه ليس أقل من الباحثة اعتدال؛ مثلا: # إني لا أقصد رفع الحجاب الآن دفعة واحدة والنساء على ما هن عليه اليوم. «وإنما ~~الذي أميل إليه هو إعداد نفوس البنات في زمن الصبا إلى هذا التغيير. فيعودن ~~بالتدريج على الاستقلال ويودع فيهن الاعتقاد بأن العفة ملكة في النفس لا ثوب يختفي ~~دونه الجسم. ثم يعودن على معاملة الرجال من أقارب وأجانب مع المحافظة على ~~الحدود الشرعية وأصول الأدب تحت ملاحظة أوليائهن.» # بل يعتقد: «أنه لو استمر تخفيف الحجاب يتقدم بالسرعة التي سار بها إلى الآن - والنفوس على ~~ما هي عليه - لعمت البلوى وزاد الفساد انتشارا» ... «وليس الدواء في تغليظ الحجاب لأنه ~~مستحيل، بل من متممات شئوننا أن نحافظ على هذه الحالة: «حالة الاختلاط بالأجانب وقبول ~~الصالح من عاداتهم» متقين المضار التي نشأت عنها. والطريقة الناجحة والحجاب المنيع هي ~~التربية الصالحة.» ~~«والذي أراه في هذا الموضوع هو أن الغربيين قد غلوا في إباحة التكشف للنساء، وقد تغالينا ~~نحن في طلب التحجب» ... «وبين هذين الطرفين وسط؛ هو الحجاب الشرعي، وهو الذي أدعو ~~إليه.» # يمكننا اليوم أن نتخيل بسهولة بأي حدة وغضب قوبلت هذه الدعوة الجسورة، وكيف هب البعض ~~يدحضونها ويرمون صاحبها بالكفر. أما هو فقرأ تلك الانتقادات بتمعن ورد عليها بحصافة في ~~كتاب «المرأة الجديدة» حيث قال: # وعلى أننا بعد أن دققنا النظر في جميع ما قيل أو كتب في هذا الشأن، لا نزال على ~~رأينا ولم يزدنا تكرار البحث فيه إلا وثوقا بصحة ما ذهبنا إليه. «لو لم يكن في ~~الحجاب من عيب إلا أنه مناف للحرية الإنسانية، وأنه صار بالمرأة إلى حيث يستحيل ~~عليها أن تتمتع بالحقوق التي خولتها لها الشريعة الغراء والقوانين الوضعية، فجعلها ~~في حكم القاصر لا تستطيع أن تباشر عملا ما بنفسها مع أن الشرع يعترف لها في تدبير ~~شئونها المعاشية بكفاءة مساوية لكفاءة الرجل، وجعلها سجينة مع أن القانون يعتبر لها ~~من الحرية ما يعتبره للرجل - لو لم يكن في الحجاب إلا هذا ms082 العيب لكفى وحده في مقته ~~وفي أن ينفر منه كل طبع غرز فيه الميل إلى احترام الحقوق والشعور بلذة الحرية. ولكن ~~الضرر الأعظم للحجاب فوق جميع ما سبق هو أنه يحول بين المرأة واستكمال ~~تربيتها.» # ولعل هذا الرجل سليل الأمير الكردي تسعى أبدا في مجاري دمه ومطاوي روحه تذكارات إغارات ~~جدوده في جبالهم العصية وكل ما استنشقه آباء آبائه من هواء نقي وتمتعوا به من حرية، فما ذكر ~~الحجاب والضغط إلا هتف: # أي نفس حساسة ترضى بالمعيشة في قفص مقصوصة الجناح مطأطأة الرأس مغمضة العينين، ~~وهذا الفضاء الواسع الذي لا نهاية له أمامها والسماء فوقها والنجوم تلعب ببصرها ~~وأرواح الكون تناجيها وتوحي إليها الآمال والرغائب في فتح كنوز أسرارها؟ # وللمعترضين بأن الإطلاق يجلب الضرر يجيب : # أما الإطلاق في نفسه فلا يمكن أن يكون ضارا أبدا متى كان مصحوبا بتربية ~~صحيحة؛ لأن التربية الصحيحة تكون أفرادا أقوياء بأنفسهم يعتمدون على أنفسهم ~~ويسيرون بأنفسهم، فمن كملت تربيته استقل بنفسه واستغنى عن غيره. ومن نقصت تربيته ~~احتاج إلى الغير في كل أموره. فالاستقلال في النساء كالاستقلال في الرجال يرفع ~~الأنفس من الدنايا ويبعدها عن الخسائس؛ لذلك يجب أن يكون هو الغاية التي نطلبها من ~~تربية النساء. # بيد أنه أدرك أن إصلاح المرأة لا يتم بالتربية وحدها ما لم يتوفر لها وسط يكفل حفظ ما ~~تكسبه من فائدة معنوية، ولا بد لذلك من كمال نظام العائلة القائم على مسائل مهمة ثلاث، وهي: ~~الزواج والطلاق وتعدد الزوجات. وقد جعل أساسا لكلامه الآية الحكيمة القائلة: # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ~~. # أين «المودة والرحمة»؟ يسائل قاسم نفسه. أمن دواعي المودة أن يرتبط الزوجان برباط الزواج ~~قبل أن يتعارفا وقبل أن يميل كل منهما للآخر؟ أمن دواعي المودة ألا يتفاهم العروسان إلا ~~بعقول الآباء والجيران والرسل، وأن لا يعلم الواحد من أحوال الآخر إلا ما يسمعه نقلا عن ~~ناقل مغرض أو متهوس؟ وأين تلك «الرحمة» من رجل يتزوج من ms083 النساء ما شاء ومتى شاء؟ وأين ~~الرحمة في قلوبهن وكل منهن شاعرة بأنها مظلومة وأن زوجها مستبد طاغ؟ أين الرحمة في قلب ~~رجل يؤذي امرأة في أرق عواطفها وأعز ما عندها، ويسحق حياتها وسعادتها تحت قدم ~~أهوائه؟ # يقول بضرورة التلاؤم في الأذواق والميول، وأنه لا غنى عن أن يرضى كل بهيئة صاحبه؛ فلا ~~يشعر بذلك «النفور» الذي يبعد بين الأشخاص لمجرد النظر، ويقول بوجوب ائتلاف الملكات ~~والعقول. ولا يتأتى كل ذلك إلا إذا خالط كل منهما الآخر ولو قليلا قبل الخطبة، وبهذا ~~الاجتماع عود إلى «أصول الدين وعوائد المسلمين السابقين، وهو إصلاح يقضي به العقل السليم» ... ~~«لأن رجال العصر الجديد لا يرضون الارتباط بزوجة لم يروها، وإنما يطلبون صديقة يحبونها ~~وتحبهم لا خادمة تستعمل في كل شيء» ... «وكل ذي ذوق سليم يرى من الصواب أن يكون للمرأة في ~~انتخاب زوجها ما للرجل في انتخاب زوجته؛ فإنه أمر يهمها أكثر مما يهم ذوي قرابتها.» # أما تعدد الزوجات فقد قاومه بشدة مستعينا في ختام المرأة الجديدة بالتقرير الذي وضعه ~~يومئذ فضيلة خالد الذكر الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية بشأن إصلاح المحاكم الشرعية. ~~تعدد الزوجات عنده عادة «بربرية» كانت منتشرة عند ظهور الإسلام، ولا محل لها في هذا العصر ~~الذي تصعد فيه الشعوب درجة الرقي، وأن الفرد إذا ارتقى إلى حد عرف عنده كرامته وكرامة ~~الزوجة والأولاد، مال إلى الاكتفاء بامرأة واحدة؛ لأن: # في تعدد الزوجات احتقارا شديدا للمرأة. «وعلى كل حال فكل امرأة تحترم نفسها ~~تتألم إذا رأت زوجها ارتبط بامرأة أخرى؛ إذ لا يخلو حالها من أحد أمرين: إما أن ~~تكون مخلصة في محبتها لزوجها فتلتهب نيران الغيرة في قلبها وتذوق عذابها. وإما ~~ألا تكون كذلك وهي راضية بعشرته بسبب من الأسباب، فهي مع ذلك ترى لنفسها مقاما ~~في أهله فإذا ارتبط بأخرى سواها قاست من الألم ما يبعثه إحساسها بأن ذلك المقام ~~الذي كان باقيا لها قد انهدم، ولم يعد لها أمل في بقاء شيء من كرامتها عنده» ... ~~«ولا ms084 ريب في أن شقاء المرأة بهذه الحال يكون له أثر شديد في نفس الرجل المهذب حتى ~~يشعر دائما بأنه هو السبب في هذا الشقاء. ثم إن الأولاد من أمهات مختلفات ينشئون ~~بين عواصف الشقاق» ... «مثلهم كمثل الممالك الأورباوية تظهر بحالة السلم وهي تأخذ ~~أهبتها للحرب، حتى إذا حانت الفرصة وثب كل منها على الآخر فمزق بعضهم بعضا كما ~~نشاهده في أغلب العائلات» ... «فلا ريبة بعد هذا أن خير ما يعمله الرجل هو انتقاء ~~زوجة واحدة؛ ذلك أدنى أن يقوم بما فرض عليه الشرع فيوفي زوجته وأولاده حقوقهم من ~~النفقة والتربية والمحبة، وأقرب إلى الوصول إلى سعادته.» # 8 # ولا يجيز التزوج بأكثر من واحدة إلا في حالة الضرورة المطلقة. ومن ثم يصل إلى الطلاق ~~فيقول بأنه يفضل أن يكون الزواج عقدة لا تنحل إلا بالموت، «ولكن مما يجب مراعاته أن الصبر ~~على عشرة من لا تمكن معاشرته فوق طاقة البشر.» فيبيح الطلاق حينئذ لأنه من المضرات التي لا ~~يستغنى عنها، ومنافعه تزيد أضراره على ما يرى. غير أنه يقبحه كما هو شائع مبنيا على اللفظ ~~المستعمل بسهولة العادة، ولا يقبل به إلا مع النية الحقيقية والإرادة الواضحة برفع قيد ~~الزواج ووقوع الانفصال. وقد سن للطلاق نظاما قائلا إن الحكومة إذا أرادت أن تفعل خيرا ~~للأمة فعليها أن تعمل به. وهو: # المادة الأولى: # كل زوج يريد أن يطلق زوجته فعليه أن يحضر أمام القاضي الشرعي أو المأذون ~~الذي يقيم في دائرة اختصاصه ويخبره بالشقاق الذي بينه وبين زوجته. # المادة الثانية: # يجب على القاضي أو المأذون أن يرشد الزوج إلى ما ورد في الكتاب والسنة ~~مما يدل على أن الطلاق ممقوت عند الله وينصحه ويبين له تبعة الأمر الذي ~~سيقدم عليه ويأمره أن يتروى مدة أسبوع. # المادة الثالثة: # إذا أصر الزوج بعد مضي الأسبوع على نية الطلاق فعلى القاضي أو المأذون أن ~~يبعث حكما من أهل الزوج وحكما من أهل الزوجة أو عدلين من الأجانب إن لم ~~يكن لهما أقارب ليصلحا بينهما. # المادة ms085 الرابعة: # إذا لم ينجح الحكمان في الإصلاح بين الزوجين فعليهما أن يقدما تقريرا ~~للقاضي أو المأذون، وعند ذلك يأذن القاضي أو المأذون للزوج بالطلاق. # المادة الخامسة: # لا يصح الطلاق إلا إذا وقع أمام القاضي أو المأذون وبحضور شاهدين، ولا ~~يقبل إثباته إلا بوثيقة رسمية. # وليكون إنصافه تاما مستوفيا قال إن اعتبار المرأة لنفسها وحفظ كرامتها يقضيان بمنحها ~~حق الطلاق، كما للرجل، وإنه ليس من العدل ولا من الإنسانية أن تسلب واسطة التخلص من زوج ~~شرير أو من ذوي الجرائم، إلى غير ذلك ممن لا يمكن لامرأة سليمة الذوق والخلق أن ترضى ~~بمساكنته. # معلوم أن هناك ضربا من الزواج يدعى «زواج العصمة» به تحفظ المرأة عصمتها بيدها فتنطلق ~~عندما تشاء دون أن تقدم سببا للمحكمة. ويقال إن عددا يذكر من أغنياء المصريين يحفظون عصمة ~~بناتهم عند الزواج، وأن المرحومة البرنسس نازلي هانم كانت متزوجة على هذه الكيفية. ~~••• # ينجلي من كل ما سبق إذن أن باحثة البادية وقاسم أمين متفقان في وجوب إصلاح المرأة وفتح ~~أبواب التعليم أمامها وجعل التربية متوفرة لها، وعلى أن هذه من خصائص المنزل. كذلك هما ~~متفقان في وجوب الاجتماع والتعارف قبل الخطبة، وفي حل مشاكل الطلاق وتعدد الزوجات. ولا ~~يختلفان في مسألة الحجاب إلا قليلا؛ لأن كلا منهما يعترف بخطر إباحته بلا استعداد، ~~وبضرورة تعويد البنات عليه في الصغر وإعدادهن له مسلحات بالعلم الكافي والتربية المتينة. ~~هذا في النقط الأساسية، أما من حيث التفاصيل فإن كلا لحق فطرته وأثبت نظرته الخصوصية في ~~الحياة. # قضى قاسم أمين سنة 1908، وقضت الباحثة منذ عام وشهر وبعض شهر. فما هي نتيجة عملهما، وما ~~هو الأثر الذي تركاه في بيئتهما؟ إنه يصعب جدا تعيين هذا الأثر وحصر تلك النتيجة، لأن عمل ~~الفكر مكروب خير وضياء يسري متواريا في الأذهان والعواطف، محتجبا عن أنظار الناظر وإحصاء ~~الحاسب. إننا لا نستطيع أن نتصور كيف تكون الحالة لو لم يجيئا ويكتبا. أما من جهة الباحثة ~~فلو لم يكن غير حفلتي التأبين اللتين أقام إحداهما الرجال ms086 لمرور الأربعين يوما على وفاتها، ~~وعقد الأخرى النساء لمرور العام، لو لم يكن غير ما قيل في رثائها وإذاعة فضلها مما لم يكن ~~لامرأة قبلها في مصر الفتاة، لو لم يكن غير ذلك لكفى لتعيين مكانتها العالية. وسل الشبيبة ~~التي كتب لها قاسم أمين وهي طفلة تلعب ووضع كل آماله فيها، سلها عنه تجبك كما تقدره وإلى أي ~~درجات الإعزاز والإكبار يصل في نفسها. # لقد شاع قبيل الحرب أن عددا من الشبان المتعلمين اتفقوا فيما بينهم على تأليف جمعية ~~لتحرير المرأة، حتى إذا بلغ عددهم الألف أطلقوا الحرية لنسائهم وأخواتهم وأمهاتهم وبناتهم ~~وأباحوا لهن أن يخرجن سافرات. أليس أن قاسم أمين أوجد هذه الفكرة بكتاب «تحرير المرأة» حيث ~~اقترح تأسيس جمعية يدخل فيها من الآباء من يريد تربية بناته على الطريقة الجديدة، وأن يختار ~~لتلك الجمعية رئيس من كبار المصريين، ويكون عمل الجمعية في أمرين: الأول التعاون على تربية ~~البنات على القاعدة الحديثة. والثاني السعي لدى الحكومة في إصدار القوانين التي تضمن للمرأة ~~حقوقها بشرط ألا تخرج في شيء من ذلك عن الحدود الشرعية. # وأما الحكم في صلاحية ما ارتآه كل من هذين المصلحين الجليلين فهو كما قال حافظ في ~~مرثاته لقاسم أمين: # الحكم للأيام مرجعه # فيما رأيت فنم ولا تسل # وكذا طهاة الرأي تتركه # للدهر ينضجه على مهل # لينتبه الآن كل منهما في أكفانه متلفتا كما يتلفت الزارع إلى سهول زرع فيها حبات قلبه ~~يريا أن البذور المودعة في صدر الأرض نمت وترعرعت وصارت خضرة سندسية تبشر بالحصاد الذهبي ~~العتيد. يريا الشبيبة ناهضة والمرأة مشاركة الرجل في أفكاره وعواطفه. يريا أن فئة بدأت تفهم ~~ما قاله تنسن من أن قضية المرأة هي قضية الرجل، # 9 # وأن هذا وتلك عامودا العائلة، فإن مال أحدهما وقصر واختل وضعه تداعى سقف ~~الأسرة وانهار صرح الاجتماع القائم على دعائم العائلة. يريا نفوسا متيقظات وعقولا تدرك ~~كرامة الأفراد وكرامة الجماعات. نعم إن هذه فئة صغيرة من المجموع الكبير ولكن نقطة النور ~~ستظل آخذة في ms087 الاتساع حتى تشمل القوم قليلا قليلا؛ إذ ذاك تقدر مصر المفكرة قدر من فتح ~~الطريق بكل ما لديه من وسيلة وقوة؛ إذ ذاك تشعر نحوهما بتلك العاطفة التي هي فوق الإعجاب ~~والشكران، وقد سماها كارليل «عبادة الأبطال» فتطلق على كل اسم «بطل الإصلاح». # وعلى هذا فكلمتي الأخيرة كلمة أمل ونشيد ظفر. والحكم في مستقبل المرأة المصرية - وامرأة ~~الشرق الأدنى على العموم؛ لأن مصر عظيمة الأثر في أبناء هذه الأقطار - يجب أن يستخرج من ~~كتاب «تحرير المرأة»، ذلك الحكم الذي أصدره المؤلف ساعة وحي ودونه في السطور الآتية: # إنه لا بد لحسن حال الأمة من أن تحسن حال المرأة. فإذا أرسل الناظر فكره ليحيط ~~بأطراف هذا الموضوع الواسع وبجميع ما يرتبط به من المسائل انجلت له الحقيقة وتجلت ~~له بجميع أسرارها فيرى صورة لا تشابه الخيال الذي كان يظنه جسما. ويرى المرأة التي ~~يهيئها المستقبل تتلألأ في أنوار جمالها ظاهرة مظهرها الفطري ولابسة حلة كمالها ~~الثنائي: الجسم والعقل. # الفصل العاشر # | بين كاتبتين1 # إلى باحثة البادية # ترنمت باسمك قبل أن أعرفك، واتخذت ذكرك عنوانا لنهضة المرأة المصرية قبل أن أطالع ~~مقالاتك؛ لأن أصوات الجمهور قد اتفقت في الثناء على فضلك. غير أني عثرت بالأمس على ~~مجموعة كتاباتك النفيسة فانحنيت عليها ساعات طويلات فيها خيل لي أني أقلب صفحات نفسك ~~المفكرة المتوجعة. # ثلاث سنوات مضين، وتلك المجموعة محفوظة بين دفات المكاتب أو مبعثرة بين الأوراق ~~والأسفار المتراكمة يوما بعد يوم. لكن سرها ما زال مترقبا يدا تلمسه، مستعدا ~~لمناجاة نفس تتلمسه. # سنوات ثلاث، فيها مشت البشرية خطواتها المعدودات متعثرة بالعظام والجماجم، منشدة ~~أهازيج النصر الكاذب وتهاليل الفخر الباطل، وقواها الغالية تسيل على شفار السيوف، ودماء ~~حياتها تجري أنهارا في سهول قد أخفت نجمها الجميل وثمراتها الممتعة خوفا من وحشية ~~الإنسان. # سنوات ثلاث فيها شعرنا بارتداد صدمات السياسة والاقتصاد والأطماع المتزايدة. فيها ~~ارتفعت دويلات جادة مجتهدة وتهشمت أعضاء تركيا العظيمة بتاريخها، الضعيفة بإهمالها ~~وتهاونها. وقد جاش لذلك كل ما في صدر الإسلام من النخوة ms088 القديمة وبكت له قلوب الغيورين ~~على مصالح بني عثمان. # كل ذلك ومصر، مصر بكآبتها وانعطافها واندفاعها، كل ذلك ونحن هائمون على وجهنا في ~~صحراء الفوضى. صخور التقاليد القديمة تدمي أقدامنا الجديدة، وأشواك الاصطلاحات تجرح ~~أيدينا الممتدة للمس أشياء نظنها موصلة إلى حياة نريدها عظيمة. والسراب الجميل اللامع ~~في حدود المستقبل غير المحدود يستدعينا آمرا كأنه نظرة عين فتانة، فنجري في الصحراء ~~ولا ندري إلى أين المصير! # سنوات ثلاث مررن على يوم فيه ارتفع صوتك مرشدا. عائلتنا لا تزال على ما كانت عليه، ~~وأفكارنا لم تتغير إلا قليلا، وعواطفنا ما برحت حائرة بين تيارات متعاكسة دائمة ~~الاضطراب بين ما ندعي أننا نعلم وما نجهل أننا لا نعلم! غير أن الأصداء الخفية ما زالت ~~ترجع همس ذلك الصوت الرخيم. # بالأمس لمست نفسك وقرأت أفكارك فعثرت على جراح بليغة وددت تقبيلها بشفتي روحي، وما ~~أطبقت الكتاب إلا وأنا ألثم بناني على غير هدى. ولم يكن ذلك إلا إجلالا لصفحات قلبتها ~~وحبا لنفس استجوبتها فعرفتها. # فيا من «ارتفع قلبها إلى فكرها وانحنى فكرها على قلبها»، أيتها الباحثة الحكيمة، ~~لماذا تصمتين؟ # تتوالى الأيام ونحن في ضلال مبين. الرجل يجاهد في حرب الاقتصاد الدائمة. الرجل تائه ~~في مهام أشغاله، فإذا كتب بحث في العموميات، وإذا أجال قلمه في الخصوصيات فهو لا يستطيع ~~البلوغ إلى نور الوجدان النسائي لأنه يكتب بفكره، بأنانيته، بقساوته، والمرأة تحيا ~~بقلبها، بعواطفها، بحبها. # علاتنا مستعصية لا يشفيها إلا طبيب يعرفها. والمرأة بعلة جنسها أدرى فهي تستطيع ~~معالجته. ولا تطلب هذه الخدمة الشريفة من فتيات لا يعرفن من الحياة إلا ما يصوره لهن ~~الخيال المخيم بطلانه على منابت العواطف المخصبة. هذا اعتراف ساذج صادق: الفتيات لا ~~يداعبن القلم إلا لينثرن الدموع أو ليصورن الابتسامات. وما تجاوز ذلك علامات استفهام ~~متتالية وإن لم ير فيها من الاستفهام شيئا. # لكن الزوجة والأم التي أعطيت ذكاء وفطنة وعلما وشعورا قويا تدرك بواسطته كل ما ~~في الحياة من حلاوة ومرارة، تلك تستطيع وضع المرأة في مركزها السامي، ms089 وتلك تقدر أن تعمل ~~في مزج نصفي الشخصية المتألمة، شخصية المرأة وشخصية الرجل. # فيا سيدتي! # لدينا قلوب تحترق ولا ندري أي نار تحرقها، وتلتهب شغفا بما لا نعرف ماهيته، فعلمينا ~~أنت التي كنت فتاة قبل أن تكوني أما كيف نرشدها وإلى أين نوجهها! # لدينا نفوس عزيزة تنمو فيها ميول مبهمة ورغبات حارة، فارشدينا أي الأعشاب فاسد ~~فنقتلعه وأيها الصالح فنسقيه ماء الرعاية والحنان! # قولي يا سيدتي، تكلمي! # ضمي يدك البارة إلى الأيدي التي تحاول رفع هذا الجيل من هوة الحيرة والتردد. ساعدي ~~في تحرير المرأة بتعليمها واجباتها. إن صوتا خارجا من أعماق القلب، بل من أعماق ~~الجراح كصوتك، قد يفعل في النفوس ما لا تفعله أصوات الأفكار. # لا يهمنا أن تخفي تلك اليد النحيفة وراء جدران خدرك وأن تحجبي هيئتك الشرقية وراء ~~نقابك الشعري، ما دمنا نسمع صوتك في صرير قلمك ونعرف منك روحك العالية. # فهنيئا لوطن يضم بين بناته مثيلاتك، وهنيئا لصغار يستقون وعود الهناء من ابتسامتك ~~ويسكبون حياتهم في قالب حياتك. # 2 # مي # إلى الآنسة مي # إلى الكاتبة الفاضلة الآنسة مي: # قرأت تحبيذك لكتاب شقيقتي (باحثة البادية) ودعوتك إياها أن تثابر على الكتابة في ~~موضوعها «النسائيات»، وإني أنوب عنها في الشكر لك على ما جاء في مقالك من حسن الفكرة ~~وقوة التعبير والخيال، وأعتذر لعدم قدرتها على الكتابة الآن. ذلك لأنها في فراش المرض ~~منذ ثلاثة أشهر. وإنها لم تنس قط الاهتمام بما يرقي المرأة الشرقية على العموم ~~والمصرية على الخصوص، وإن كان ذلك الإصلاح على ما فينا من عيوب داعيا للقنوط أحيانا. ~~ولعل الله يشفيها في القريب العاجل لتقوم بما خصصت نفسها له، هذا وتفضلي بقبول شكري ~~واحترامي. # حنيفة حفني ناصف # إلى الآنسة مي # تفضلت فكتبت إلي كلمتك العذبة في الجريدة، وكنت إذ ذاك بين مخالب الموت، فلم يكن ~~في وسعي أن أمسك القلم لأرد عليك وإن كانت مخيلتي لم تبخل بالرد. كانت رسالتك عزاء ~~جميلا لي في مرضي الطويل المؤلم، وبلسما ملطفا لجراحي البالغة التي قلت ms090 أنك عثرت ~~عليها. آلامي أيتها السيدة شديدة، ولكني أنقلها بتؤدة كأني أجر أحمال الحديد، فهل ~~تدرين يا سيدتي ما هو لي. ليس لي بحمد الله ميت قريب أبكيه، ولا عزيز غائب أرتجيه ولا ~~أنا ممن تأسرهم زخارف هذه الحياة الدنيا ويستولي عليهم غرورها فأطمع في أكثر مما أنا ~~فيه، وليس لي حال سيء أشتكيه، ولكن لي قلبا يكاد يذوب عطفا وإشفاقا على من يستحق ~~الرحمة ومن لا يستحقها، وهذا علة شقائي ومبعث آلامي. إن قلبي يتصدع من أحوال هذا ~~المجتمع الفاسد. # وما لي أحمل نفسي أعباء غيرها وليست بمسيطرة على هذا العالم! ولكني كنت عاهدت نفسي ~~على الأخذ بيد المرأة المصرية، ويعز علي أن أتخلى عن هذا العهد وإن كان تنفيذه شاقا ~~ومحفوفا بالصعوبات ويكاد اليأس يسد طريقي إليه . # كنت اعتزلت الكتابة؛ لا لنضوب مادتها عندي، ولا اكتفاء بالقليل الذي كتبت من قبل، ~~ولكني كنت مللت المناداة بإصلاح المرأة المصرية، وثبط عزمي ما أراه من انصراف فئة ~~المتعلمين والمتعلمات الجدد عن العمل لتكوين القومية المصرية المطلوبة، وما حركتهم التي ~~ملئوا بها القطر صراخا إلا عنوان نهضة كاذبة. # تسألينني يا سيدتي أن أدلك وسط هذه الأحوال المتضاربة والآراء المتشعبة عن الطريق ~~الذي يحسن بالفتاة نهجه، وإنها لحال توجب الحيرة ولا ندري أي الطرق نسلك لنصل سريعا ~~إلى الغاية التي نقصد إليها. كلنا يرمي إلى تقدم الفتاة وتنورها وإعدادها لأن تكون ~~زوجة صالحة وأما نافعة أبناءها ووطنها، ولكن لكل مناد بالإصلاح وجهة هو موليها. ~~فبعضهم لا يرى لهذا التأخر والجهل من سبب إلا كان راجعا للحجاب، وهؤلاء قرروا وجوب ~~سفور المرأة المصرية حالا ونسوا حكمة التأني والتحفظ عند إرادة الانتقال من طور مظلم ~~مألوف إلى طور لم يعهد من قبل تكتنفه المدهشات واللوامع البراقة الجذابة التي تكاد ~~تغشي الأبصار. # وفريق لا يرى للسفور فائدة ويقول: إن الحجاب لا ينفي العلم، وإن إطلاق الحرية للمرأة ~~أخيرا كان سببا لفسادها، وإن اطراد تعليم المرأة وتثقيفها سيكون مجلبة للشغب ولخروجها ~~عن حدود وظيفتها في المستقبل ms091 كما خرجت أختها الغربية الآن. فأي الطريقين نسلك ومن نتبع؟ ~~إننا معشر النساء لا يزال ظلم الرجل يرهقنا واستبداده يأمر وينهى فينا، حتى أصبحنا ولا ~~رأي لنا في أنفسنا. فإذا قال لنا اختبئن حتى تدفن بالحياة صونا لكن وتدليلا كما ~~يقول المتنبي في رثاء أخت سيف الدولة: # على المدفون قبل الترب صونا # وكقوله في أخت ممدوحه الثانية من رثاء أيضا: # وما رأيت عيون الأنس تدركها # فهل حسدت عليها أعين الشهب # وهل سمعت سلاما لي ألم بها # فقد أطلت وما سلمت عن كثب # إذا أمرنا الرجل أن نحتجب احتجبنا، وإذا صاح الآن يطلب سفورنا أسفرنا، وإذا أراد ~~تعليمنا تعلمنا، فهل هو حسن النية في كل ما يطلب منا ولأجلنا، أم هو يريد بنا شرا؟ لا ~~شك أنه أخطأ وأصاب في تقرير حقنا من قبل، ولا شك أنه يخطئ ويصيب في تقرير حقوقنا ~~الآن. # نحن لا نأبى أن نتبع رأي العقلاء والمصلحين من الأمة، ولكننا لا يمكننا كذلك أن نعتقد ~~أن كل من يتصدى للكتابة في موضوع المرأة من العقلاء المصلحين. ليدعنا الرجل نمحص ~~آراءه ونختار أرشدها ولا يستبد في «تحريرنا» كما استبد في «استعبادنا». إننا سئمنا ~~استبداده. إننا لا نخاف من الهواء ولا من الشمس، وإنما نخاف عينيه ولسانه، فإن وعدنا أن ~~يغض بصره كما يأمره دينه وأن يكن لسانه كما يوصيه الأدب نظرنا في أمرنا وأمره، وإلا ~~فكل منا حر يفعل ما يشاء. والسلام عليك أيتها الفاضلة من المعجبة بك، المثنية على ~~أدبك الجم وعلمك الغزير. # باحثة البادية # إلى باحثة البادية # ليس أعز لدينا من لطفك إلا حزمك وصراحتك، وليس أجمل من صدى صوتك إلا فعل معناك. وإني ~~لأقبض على شجاعتي بيدي لأعترف بأني أحب - أستغفر الله وأستغفرك يا سيدتي! - آلامك ~~النفسية الشديدة من جراء شقاء الإنسانية وضلالها، وأتمنى من أعماق فؤادي أن تجد ~~دواما تلك الآلام منفذا رحبا إلى قلبك، وأن يبقى ذلك القلب كريما لينا ينجرح لجرح ~~الغريب، ويبكي لبكاء المظلوم، ويشفق على المتوجع أيا كان. بالاختصار - عفوك! ms092 عفوك! - ~~أتمنى لك العذاب المعنوي؛ لأنه النار المقدسة؛ أجل، هو النار التي تطهر، النار التي ~~تحيي، النار التي تلين، النار التي ترفع النفس على أجنحة اللهيب إلى سماء المعاني ~~السامية والميول الرفيعة والرغبات الكريمة، والتحمس لإجراء الإصلاحات اللازمة وتنفيذ ~~المبادئ الطيبة، والنهوض بالاجتماع نهضة تهتز لها القلوب حمية وطربا. # أتمنى لك ذلك، ولولاه لما وجدنا في كتاباتك تلك الأنة العميقة التي تنبه الفكر ~~وتلمس العاطفة في آن واحد. # لا أنكر أن أنانيتي تتكلم الآن. غير أني قلت ما قلت مسرعة هامسة. فابتسمي له إن شئت، ~~وإلا فلا تصغي يا سيدتي ولا تسمعي، بل اسأليني عما أهمس به لأجيب أني أحمد الله على ~~إبلالك وأني أسأله أن يديمك سالمة. وما أغلى سلامتك لدينا! ~~••• # جئت أسر إليك أمرا وقفت عليه عندما شهدت صدى مقالتك لدى جمهور القراء. اسمعي يا ~~سيدتي الباحثة، وصوني سري! # رأيت جميعهم يتقبل أقوالك بنظرة الفخر وابتسامة الإعجاب، ولكني رأيت كذلك أسيادنا ~~الرجال - أقول «أسيادنا» مراعاة؛ بل تحفظا من أن ينقل حديثنا إليهم فيظنوا أن ~~النساء يتآمرن عليهم؛ فكلمة «أسيادنا» تخمد نار غضبهم - قلت إني رأيتهم يطربون لتصريحنا ~~بأنهم ظلمة مستبدون. نعم آنست ذلك في ملامح كل من قرأ مقالك أمامي من أسيادنا ~~الرجال. # فذكرت إذ ذاك ألا سرور في العالم يضاهي سرور التفاهم. فإذا شعر المرء بأن هناك من ~~يفهمه كان سعيدا، سواء لديه أن تعرف منه صفاته أو علاته لأن معرفة العلات تتبعها ~~حتما معرفة الصفات، وإن كان الخير أقل انتشارا من الشر. وما النقائص إلا فضائل مضخمة ~~مكبرة تتسع وتستفيض دون أن تجد لها من الضمير مهذبا فتتجاوز الحدود المعنوية التي ~~عينتها اصطلاحات الاجتماع - إذا كانت اجتماعية - أو رسمتها علوم النفس والأخلاق، إذا ~~كانت أخلاقية. # فعملا برغبة التفاهم، وطبقا لنظام المباهاة، وتوصلا للاستمتاع بنتيجة هذه المباهاة ~~وذلك التفاهم، كان وسيكون السارق دائم المفاخرة بوقوف الناس على براعته في اختيار الطرق ~~الجديدة واستنباط الحيل الغريبة، وكان وسيكون القائل مسرورا بإعلان آثامه للورى آملا ~~أن يجدوا فيها أعمال ms093 بطل - من نوعه! وكان وسيكون السياسي جادا في إقناع الآخرين أن ~~دهاءه اقتدار وسوء ظنه وروغانه فطنة وحكمة. كذلك الرجل يسر، ويرجو، ويريد أن تشعر ~~المرأة باستبداده ظنا منه أن الاستبداد هو السيادة، وأن هذه مقياس ذاتيته التي يريدها ~~كبيرة. رضيت المرأة عن تلك السيادة أم تمردت عليها في نظره سيان، بل أظنه - سامحني ~~الله إن كنت مخطئة - مؤثرا تمردها على إذعانها؛ لأنها كلما زاد تمردها زاد شعوره ~~بالسيطرة. وأشد الملوك فرحا بهز الصولجان، وأرفعهم للرأس كبرا وتيها تحت ثقل التيجان ~~هم ذوو العروش المتداعية للهبوط. والرجل ملك متداع عرشه؛ لأن ريح الفوضى تهب عليه من ~~كل جانب، وخطوات الارتقاء النسائي تتوالى متكاثرة متمكنة مع مرور الأيام. ~~••• # لكنه ملك عزيز. # هو الأب والأخ والصديق والخطيب والزوج، فإذا سقط سقطنا معه، وإذا ارتفع كنا بارتفاعه ~~عظيمات؛ لذلك نريد له خيرا، ونجتهد في تأييد دولته بشرط أن ينصب عرشنا بقرب عرشه، وأن ~~نقف إلى جنبه وقفة المثيل بجوار المثيل. نريد أن نكون متساويين في الحقوق الأدبية ~~والعمرانية ما دمنا متساويين في الواجبات والمسئولية، بل إن واجباتنا ومسئوليتنا يفوقان ~~ما عليه من مسئولية وواجب! # فيا ترى متى يرضى الرجل بتقرير هذه الحقيقة؟ # ما أطيب قولك، يا سيدتي الباحثة، إنك تشفقين على من يستحق الشفقة وعلى من لا يستحقها. ~~الرجل من الذين يستحقون الشفقة؛ لأنه لا يعرف أنه يستحقها. أنه باستعبادنا لمنتحر. ولو ~~صرفنا النظر عن مستقبل الذرية وبحثنا في حياته الفردية لوجدنا أن ما من أحد يساعده على ~~التخلص من الشوائب الشائنة ويحثه على إنماء شخصيته الغنية المخصبة إلا نحن. كما أنه لا ~~يهدينا إلى واجباتنا ويضع في ضعفنا قوة إلاه. # الحجاب؟ وما هو الحجاب؟ # مرحبا به ما دمنا في وسط لا يعرف كيفية معاملة المرأة ولا يستطيع احترامها. ولكن كيف ~~نلوم الرجل على كلامه ونظراته ما دام رجل اليوم صنع امرأة الأمس؟ هكذا علمته أمه وإن لم ~~تعلمه ذلك فإنها لم ترشده إلى ما يفضله، ولا ذنب لها؛ لأن قصورها في جهلها ms094 لم يكن إلا ~~نتيجة اتفاق أبيها وزوجها على جعلها عبدة. # لا لوم على أبناء تلك الأمهات، إلا أن مستقبلنا صالح؛ لأن حاضرنا مملوء بالآمال ~~الطيبات. النشء تتنازعه طبائع الوراثة ومؤثرات العصر وعواصف الفوضى المهاجمة قديم ~~التقاليد من كل ناحية. ولكنه ينشد الصراط السوي ويصغي إلى صوت الإصلاح. فارفعي صوتك، ~~يا سيدتي، ولا تيأسي! قولي بصراحتك، واكتبي بشجاعتك! جاهري ولا تصمتي! # إن البذرة التي تزرعها اليوم يد الزارع تنبت سنبلة في كيانها حياة الغد وما يتبعه من ~~الأيام. وعندما تخضر المروج بنصرة الرجاء فتتماوج فوق غلتها نسمات الحياة، إذ ذاك سيسمع ~~المستقبل صدى جميلا يردد أبيات الأمير شوقي: # صدح أيا ملك الكنا # ر ويا أمير البلبل # صبرا لما تشقى به # أو ما بدا لك فافعل # 3 # فتجيب الأصداء الجديدة. لقد فعلت ! لقد فعلت! # مي # الساعة المفقودة # جعلها أرباب التجارة حلية نسائية، وأتقن الجوهري وضعها في سوار ذهبي فكانت نصيبي في ~~الشرى. # صورة مصغرة للكون، كذلك كانت ساعتي، مساحتها رمز للفضاء، دورتها مسرح اللانهاية، ~~حدودها حدود الإمكان، علاماتها مقاطع الوقت الذي رتبه الإنسان، ساعاتها مقياس الأعمال، ~~دقائقها خوف من هجوم الرزايا وترقب لوفود الآمال، ثوانيها دقات القلب ... من الثواني ~~يتألف الزمان ومن نبضات القلب تنسج الحياة نسجا. # فيا لهول ثواني الزمان! ويا لهول نبضات قلب الإنسان! # بين ثانية وثانية يلتقي العدوان في أحشاء الثرى: الماء والنار، فتميد الأرض بمن ~~عليها، وتتفطر أساساتها فتقذف البراكين مقذوفاتها الجهنمية وسوائلها النارية وتزفر ~~الطبيعة زفرتها القتالة فتلتهم صروح العمران وتفتح صدرها مرحبة ببنيها. تفتح صدرها ~~مرحبة فيتدحرجون إلى الهاوية التي ليس فيها من يعود على وجه البسيطة مخبرا. # بين ثانية وثانية يتلاقى الجيشان في ساحات الوغي فتدوي رعود المدافع في الفضاء وتختطف ~~بروق السيوف غالي الأرواح. ولأجل كلمة غالب أو مغلوب تندك عروش وتنتصب عروش، تدمر ~~ممالك ويعمر سواها، تخرب مدائن ويشاد غيرها، تتجندل أفراد وتفنى مجاميع فترتدي ~~الأقوام سواد الألوان وفي نفوسهم لوعة الفقدان وسواد الأحزان. # بين ثانية وثانية يموت أمل ويحيا يأس، تبتسم شفة ms095 وتدمع عين، يخون صديق ويخلص عدو، بين ~~الثانية والثانية! # وبين نبضة ونبضة هناك سر الأسرار. دماء داخلة إلى القلب ودماء منبعثة منه، تتهافت ~~عليه جراثيم الموت فتخرج مطهرة حيوية. بين النبضة والنبضة تأثيرات تهتز لها أعماق العمر ~~وانفعالات تشخص لمرورها ذرات الكيان. اشتعال الفكر وخمود العاطفة، ظفر البلاهة وتقهقر ~~النبوغ، لذعات الغرام والحسرات العظام. قنوط ورجاء، سعادة وشقاء. هتاف الروح المسلمة ~~ولهاث الروح المودعة! ~~••• # يا ابنة أبيك! يغدرنا الزمان ساعة الرجاء، ويخوننا يوم الصفاء، ويهجرنا حين اللقاء. ~~فأنت غادرة خائنة هاجرة كالزمان، يا ابنة الزمان! # كم من مساع طيبات وقعت مرورهن على دوران عقربيك وفكري يناجيك بأحاديث هداه وضلاله! ~~أبسم لك عند السرور فأتخيلك صامتة تبتسمين وأتنهد حيالك يوم الأسى فأتوسمك تتنهدين ~~وتحزنين، وكأن عقربيك ذراعان يمتدان نحو العلاء مستغيثين متوسلين. # لما أفنت قلبي وحدة القلب ضغطت بك على ساعدي قائلة «أنت الصديقة التي لا تخون.» ولما ~~مزقت سمعي أكاذيب الناس وأحاديثهم المؤذية خاطبتك قائلة «أنت لا تؤذين لأنك لا ~~تتكلمين.» ولما أذابني الجهل بدعواه والغرور بسخافته نظرت إليك قائلة «أنت عالمة لذلك ~~تصمتين.» # وكنت تعزيتي! # وكنت زماني، يا ابنة الزمان! # وعلى هذا ما كان أطول إعراضك عني وأقل اهتمامك بي! في النهار كنت تطوقين ساعدي فيوجعه ~~أثر سلسلتك وأجيب أنا على هذا العنف بلمسة المداعبة. وفي المساء كنت تستريحين بجوار ~~وسادتي فأوقع على موسيقاك الساهية ألحان أحلامي وآمالي، وفي الصباح كنت أول عين أشاهدها ~~وأول روح أستجوبها. # كل ذلك وأنت لا تنتبهين ولا تعلمين. # وها قد هجرتني. فقدتك وفقدتني فسيرى بحراسة الله وانسيني! # ولكن انتخبي اليد التي ستطوقينها! # فإذا وقعت في يد شرير وقصد استعمالك ليؤذي أخا له فانقلبي أفعى لساعة ولا تبرحي ~~مفرغة فيه سمك حتى تصرعيه قتيلا. ~~... لكن لا، لا، ليس الأشرار إلا ضحايا البشر وضحايا نفوسهم، لو كنت تعلمين. وهم خليقون ~~بالرحمة أكثر من الأخيار الصالحين. فلا تتحولي حية ولا تؤذي شريرا، بل غادري تلك اليد ~~المسكينة واسقطي في طريق أب فقير لتكوني من نصيب فتاة ms096 لم تلبس في حياتها حلية. زيني ~~يدا شوهت خشونة الخدمة جمالها ونامي على زند الفتاة الغريبة بدلال القبلة والتحبب! ~~نامي هناك واسعدي، ولو ساعة، قلبا بائسا يحسب السعادة في الغنى! # نامي هناك وانسيني، ولكن! # إن كان لديك ذاكرة تذكر، يا ساعتي الصغيرة المحبوبة، اذكري لحظة ما شهدته معي من ~~المسرات واللهفات، اذكري واحفظي ما تعرفين! # ولكن ... ألست ابنة الزمان الذي ننسب إليه في ضعفنا كل شيء وهو في قوته لا يبالي بشيء؟ ~~ترين بأي حافظة تذكرين، وبأي ذهن تتأملين؟ إنما علاماتك مداد قد تحجر، وعقربك إصبع ~~يشير إلى علامة يجهل منها المعنى، وأنت آلة ليس إلا، وإن كنت آلة الآلات المثلى. # أنت ابنة الزمان الناسي، وأنت مثله لا تذكرين! # مي # إلى الآنسة مي # عزيزتي مي: # لا تستغربي يا سيدتي أني دعوتك «بيا عزيزتي»، وسأدعوك باسمك على غير معرفة شخصية ~~سابقة. أقول شخصية وأحدها لأني عرفتك من كتاباتك الشعرية الجميلة من قبل وتعرفت منها ~~بروحك العالية الهائمة في الفضاء وكأنها تبحث عن مستقر لها فلا يكاد يعجبها مكان تستقر ~~فيه. # وتعرفت بك بالأمس، بل وارتبطت بك من دعائك علي بالعذاب المعنوي كأني أنا المعنية ~~بقول جميل: # وأول ما قاد المودة بيننا # بوادي بغيض يا بثين سباب # وقلنا لها قولا فجاءت بمثله # لكل مقال يا بثين جواب # وإنما حاشا أن يكون دعاؤك علي سبابا، وحاشا أن يكون له جواب عندي من مثله، فإني لم ~~أقابله إلا بالضحك والحلم الذي ركب في غريزتي. # لماذا يا مي تدعين علي بالعذاب المعنوي؟ ألا إن العذاب البدني أخف منه وطأة وأعفى ~~أثرا. على أني جربت كليهما وذقت الأمرين منهما معا. تقولين «لأنه النار المقدسة»، ~~نعم لقد أعطاني من القداسة مقدارا أكثر مما يجب لمثلي حتى جعل البون بعيدا جدا بيني ~~وبين هذا العالم غير القديس. # تقولين «إنه النار التي تطهر»، حقيقة إنه تلقى وجداني بالتطهير منذ أن كان لي وجدان ~~حتى صيره شفافا يظهر كل شيء ويتأثر لأقل شيء وهذا فيه من الضنى والخطر ما ~~فيه. ms097 # تقررين «أنه النار التي تحيي»، نعم يا مي. إنه أحيا روحي حتى أحرقها؛ لأنه كان ~~كمصباح سيال كهربائه شديد ولكن فتيلته ضعيفة لا تحتمل. # هو «النار التي تلين»، هذا ما أبديت. ولكن ألا تعتقدين أن اللين قد يؤذي ولا يفيد، ~~خصوصا في هذه الدنيا التي كلها صدام وعراك، وأنه لا يفل الحديد إلا الحديد. إنه ألانني ~~حتى صيرني ماء. وما أشد عبث الطبيعة والناس بالماء مع أنه أصل الحياة! # يصبونه فينصب ويريقونه فيختفي في الأرض ويضعونه في كل آنية معوجة وملونة فيأخذ كل شكل ~~ويصطبغ بما يراد به من الألوان. تبخره الطبيعة زارية هازئة، فتارة ترفعه إلى السحاب ~~وطورا تقذف به إلى الأرض، وآونة تعاكسه بصقيعها فيتحول بردا، وآونة تحمي عليها ~~براكينها فيخرج ملتهبا، وحينا تخبث رائحته بكبريتها وزرنيخها فيلعنه الناس إذا أحسوا ~~منه غير ما يريدون وهو بريء. ثم أليس هو رمز الطاعة والامتثال؛ يضعون فيه سكرا فيحلو، ~~ويذيبون به الحنظل فيمر. وهم مع ذلك لا يقيمون له وزنا ولا يعترفون له بالجميل. وهو ~~بلا ثمن في أكثر بقاع الأرض، وأرخص الأشياء في أقلها. إنه مثلي يا مي، يذهب ~~ضياعا. # وختمت حسن تعليلك لعذابي بقولك: «إنه النار التي ترفع النفس على أجنحة اللهيب إلى ~~سماء المعاني ...» إلخ. # نعم يا مي، إنني الآن على أجنحة اللهيب، ولكني لم أصل بعد إلى السماء، وإذا وصلتها ~~فلن يعود العالم يراني، فهل يا ترى ستعجبني السماء؟ إني أشك في ذلك. إني أول ما حفظت من ~~الشعر حفظت المراثي وأولها رثاء الأندلس. وكنت في حداثتي أقرأ كثيرا ديوان المتنبي ~~وأعجب بروحه العالية وبنفسه الكبيرة، وأظنه هو الذي عداني في ذلك وسمم آرائي، رحمه ~~الله، إني ألذ كثيرا بهذه العدوى. # وقد قال لي أخي مرة بعد حديث كنت أشتكي له فيه الدنيا وأهلها وأقول: «لعل الله يجزيني ~~على هذا في آخرتي بالجنة.» # قال متهكما «أنا واثق يا شقيقتي أن الجنة أيضا لن تعجبك؛ لأنه لا يكاد يسرك شيء.» ~~أستغفر الله. # إنك يا مي خالفت المألوف ms098 في التمنيات والمجاملات الفارغة، وهي كثيرة وشائعة جدا ~~الآن (بمناسبة عيدي الميلاد ورأس السنة المسيحيين). قلت: «ابتسمي له» أي لدعائك «إن ~~شئت، وإلا فلا تصغي ولا تسمعي، واسأليني عما أهمس به لأجيبك أني أحمد الله على إبلالك ~~وأني أسأله أن يديمك سالمة ...» إلخ. # لا يا عزيزتي، إني أكره الكذب والمجاملات الفارغة؛ ولذلك أصغيت وسمعت وابتسمت (حسب ~~أمرك) وتسرني جدا صراحتك حتى في الدعاء علي. # أتدرين يا مي أن ذلك اليوم الذي تمنيت لي فيه العذاب كان فيه عيد ميلادي أيضا، وأني ~~تفاءلت خيرا بدعائك، وافتتحت عامي الجديد بالضحك من تمنيك وبصداقتي لك تبعا لذلك ~~التمني المعكوس. أشكر لك يا عزيزتي أمانيك لي ورغباتك الصادقة، وأقر لك أني واقعة فيما ~~رجوت لي والحمد لله، ولكني يا مي لا أتمنى المزيد. إنه عذاب طاهر لا يتعدى الميل إلى ~~السكون والشعور بشيء من الحزن الشعري الجميل. ولكنه ولله المنة والشكر لا تخامره شائبة ~~من الندم ولا من الأسف الأثيم، وأخشى أن يزيد ضرام النار التي طلبتها لي فأحترق يا مي ~~أو أصل إلى ذلك الحد الذي لا أريده لنفسي ولا أظنك تريدينه لي. # الساعة المفقودة. # عجيب يا سيدتي أنك تريدين عذابي وأنا أريد هناءك! أتدرين ماذا سألقيه عليك ~~فيفرحك؟ # إني وجدت ساعتك المفقودة والتقطتها. رأيتك ترثينها بحرقة فجئت لأمسح دموعك لأني أحب ~~دائما أن أمسح دمعة المحزون. تعالي إلي لتأخذيها وتستغفريها من وصفك إياها بالغدر ~~وبعدم الإحساس. فإنها أحست بشوقي لرؤيتك فأتت تقدمة لمجيئك ولتعارفنا. # إنها بثت إلي ما كنت تشكينه إليها من العواطف والآلام. عثرت علي وعثرت عليها ~~لنكفي قلبك شر الفناء من الوحدة ولنؤكد لك أنك وجدت «الصديقة التي لا تخون.» # حكاية الرجل. # والآن فلنعد إلى حكاية الرجل. # عجيب جدا يا سيدتي أمر هذا المخلوق الغريب الأطوار الذي يسمى «بالرجل»! إني أعتقد ~~أنه كريم شجاع وله قلب حساس، ولكني أظنه (وبعض الظن إثم) أنانيا قبل كل شيء، ورأيي أن ~~أنانيته وحدها هي أصل رذائله، فهو يهضم حق المرأة ويستعبدها لا لأنه ms099 يبغضها أو يتمنى ~~لها السوء، ولكن ليلهو بها وهو يحبها. ويموت لأجلها لا لأنه يحبها ولكن ليلهو بها، وهو ~~في كل ذلك واسع الحيلة قوي الحجة فيقنعها فتصدقه وهو كذوب. # أما المرأة فهي دائما تحترمه وتحبه لأنها تحبه صادقة، وإذا كرهته كرهته علانية، ولم ~~يكن لذلك البغض من دواء. عرف ذلك أبو الطيب فقال: # وإن حقدت لم يبق في قلبها رضا # وإن رضيت لم يبق في قلبها حقد # هي صادقة مخلصة دائما، حتى وهي خاطئة. هي تحب لتفنى في الحب، ولكن الرجل يحب ليعيش ~~متمتعا بالحب. هي تحزن وقت المصاب لتتفرغ للحزن، ولكن الرجل لا يحزن إلا ليبحث عن ~~تعزية وسلوان. # المرأة كدودة القز تفرغ حريرها لتموت. إنها لتعلم أن حريرها الذي تقدمه للملأ ~~زينة وحلية سيقتلها ولكنها لم تحاول قط الخلاص منه. # أما الرجل فهو كالنحلة يتنقل من زهرة لزهرة متروضا، وقد يطيل المكث على زهرة ناضرة ~~وإنما ليمتص منها نضارتها وماء حياتها. إنها تحب الأزهار حينا ولكنها تلهو بها ~~أحيانا فتتركها هشيما. وهي تقدم للناس عملا فيه شفاء لهم وشمعا نافعا ولكنها ~~تعملهما لغذائها وسكنها قبل كل شيء. # ظلمنا الرجل حقوقنا لا لأنه كان ينوي ظلمنا، وإنما هو أخطأ كثيرا في حسبانه أن ما ~~يزيد في قوتنا يضعف من قوته هو. لعله ظن أن مملكتنا واحدة ولذلك نظر إلينا نظر ~~الدعيات الثائرات. وإنما نحن نريد له السعادة والمزيد من القوة في مملكته ونرجو منه ~~أن يفك عنا الخناق في مملكتنا المستقلة التي تشد أزره ولا تفكر في إضعافه قط مهما ~~بلغت من العزة والقوة. إننا نتقدم إليه كأننا ساعده الذي يريد أن يخدمه، لا كأننا يد ~~غريبة تريد أن تضربه. إننا منه وهو منا فليطب نفسا وليقر عينا وليعطنا ما ~~نشاء! # وإنما نحن يا مي ضايقناه في بعض شئون مملكته حتى ظننا نريد منازعته فيها. لنترك له ~~السياسة التي يحبها وحمايتنا. وأقول لك همسا: «إننا لا ننفع بدونه، ولكنه هو أيضا لا ~~ينفع من غيرنا!» # إن المطالبات بحق ms100 الانتخاب وإن كن يطلبن حقا إلا أنهن ظالمات الرجل وأنفسهن معا؛ ~~لماذا يرمن مشاركته في الجلوس على كراسي «البرلمان» ولا تقدم واحدة منهن صدرها للقاء ~~كرات المدافع ونصال الفناء في الحرب. الحق أحق أن يتبع. # ليهنأ الرجل بمملكته. إننا لا نهز عرشه ليتداعى إلى السقوط كما تقولين، ولكنا نهزه ~~لنطلب منه ... «الدستور». # الفصل الحادي عشر # | مرثاة باحثة البادية1 # أكتب اسم باحثة البادية فيتمثل لناظري ذلك الثغر البسام وذلك الوجه ذو السمرة المصرية ~~العذبة، وأسمع صوتها الرخيم مرددا كلمات حلوة اللفظ لطيفة المعنى. وأضع يدي على مجموعة ~~«النسائيات» فأشعر بالحياة الفائضة على تلك الفصول، وما هي إلا توقد النفس المتوهجة بين ~~صفحاتها. كل ما لباحثة البادية مملوء حياة مفيدة نافعة، فكيف أصدق أن تلك الشعلة النادرة قد ~~خمدت، وأن ذلك الوجه الوضاح قد اختفى وراء وشاح الردى؟ # كانت عينا باحثة البادية مفعمتين ابتساما كثغرها. ولكن إذا أمعن المرء النظر في أعماقها ~~وجد بعد الغور والكآبة المقيمة وراء الابتسام مما يرى في عيني المفكرين وفي عيني المزمعين ~~على الرحيل العاجل، أولئك الذين لا تطول حياتهم أكثر من زهور الربيع فيذهبون تاركين الجو ~~حولهم معطرا بعبير مآثرهم. ~~••• # إن لباحثة البادية مركزا فريدا في الحركة الفكرية عندنا. بعد أن قام قاسم أمين يقول ~~بتحرير المرأة وبإعطائها ما لها من حقوق أدبية واجتماعية، قامت باحثة البادية تؤيد كلامه ~~مظهرة أهلية المرأة وكرامتها ودرجة الارتقاء العليا التي يمكنها تسنمها. قامت هذه المرأة ~~العبقرية، ابنة الرجل الكبير، تدرس أحوال البيئة المصرية، فكان لها من ذكائها الفطري مرشد ~~أمين، ومن شعورها العميق منبه مخلص، ومن قلمها العربي الصميم أبلغ ترجمان وخير رسول. رأت ~~حاجة قومها إلى الإصلاح فصاحت صيحة ما زال يرن صداها. وظلت تكتب وتخطب ناشدة الإصلاح، وهي ~~المرأة المسلمة الوحيدة التي فعلت ذلك في وسط ما زال رجعيا في ميوله، بشجاعة وكفاءة ~~وتفوق لم ينل منها شيئا انتقاد الناقدين وتعنت المتحزبين. # كانت شديدة الحب لقومها، شديدة الغيرة على وطنها، شديدة التألم لما تراه من علامات التأخر ms101 ~~والانحطاط في البيئة المصرية. ومجموع هذه العواطف من حب وغيرة وألم كان يتخلل كل ما تكتبه ~~كأنين متواصل ينقلب ساعة الوجع الشديد زئيرا وعويلا. كذلك يتألم صاحب العقل والقلب ~~الكبيرين كأنما هو يتألم عن أمة بأسرها! ~~••• # لما زارتنا للمرة الأخيرة كانت ترافقها صويحبة لها، فأخذت هذه تنقر على العود وأنشدت ~~الباحثة بصوتها الشجي هذين البيتين من الموشح الأندلسي المشهور: # جادك الغيث إذا الغيث همى # يا زمان الوصل بالأندلس # لم يكن وصلك إلا حلما # في الكرى أو خلسة المختلس # وكأنها كانت في تلك الساعة متنبئة عن نفسها، متنبئة بأن وجودها بيننا ليس إلا حلما في ~~الكرى أو خلسة المختلس، وأنها راحلة عما قريب في مقتبل العمر ونضارة الشباب! # ولكن موتها ليس فناء؛ إن أمثالها يحسنون للجمهور، وهي محسنة للجنس النسائي خصوصا في هذا ~~العصر الذي تخطو فيه المرأة خطوتها الأمامية في سبيل الارتقاء. نحن في حاجة شديدة إلى نساء ~~تتجلى فيهن عبقرية الرجال دون أن يفقدن صفاتهن النسائية الجميلة من لطف العاطفة وعذوبة ~~الخلق، والرقة والدعة والاستقامة والإخلاص. كذلك كانت باحثة البادية التي برزت شخصيتها ~~فأعلت شأن بنات جنسها؛ إذ ظهرت كاتبة كبيرة، ومصلحة غيورة، وامرأة عاقلة، وصديقة أمينة. ~~فشغلت في حياتنا الأدبية، وفي حياة المرأة الشرقية عموما، مركزا ساميا جليلا قلما ~~يبلغه غيرها. # فلئن بكيت اليوم الصديقة الوفية والثغر الحلو البسام، فإني أحيي المرأة الخالدة بمآثرها ~~وأحني الجبهة أمام المحسنة الغيورة. إن باحثة البادية لا تموت ولا يمكن أن تموت، وستظل ~~حسناتها باقية ما بقيت لغة القرآن. والشعلة التي توارت اليوم في ظلمة القبر هي هي التي تطل ~~من سماء البقاء منيرة طريق الارتقاء للمعجبين بها الآسفين عليها. # فوداعا أيتها الراحلة الكريمة! لئن نزل البلى بيدك الرطبة فإن الخلود نصيب ذكرك وفضلك. ~~سيري إلى حيث لا حجاب ولا سفور، حيث النور شامل والجمال مقيم! هناك يحيط بك أمثالك من ~~الأرواح الكبيرة في دار هي مقر الذكاء والنبوغ، فأنت حقيقة بسكناها وهي حقيقة بأن ~~تسكنيها. # وأنا التي عرفتك وأحببتك، مع الدموع ms102 التي أذرفها على ذكرك ترينني جاثية أمام ضريح ضم جسمك ~~الثمين لأضع عند جوانبه باقة أزهار تعبر عن شكرنا لك. لكن الأزهار تموت، أما شكرنا فخالد ~~كفضلك! # مي # الفصل الثاني عشر # | تأثير باحثة البادية # قضت باحثة البادية بعد سكوت سنوات أربع فكان موتها أفصح مقالة وأبلغ موعظة. وقد كشف ذلك ~~الظرف المحزن عما لها من مكانة رفيعة في نفس الجمهور ودل على درجة الارتقاء العالية التي ~~يسع المرأة الوطنية أن ترمي إليها. # لا أدري هل نالت من الأذهان والقلوب فصول الباحثة وآراؤها وما كانت تبغيه من إصلاح أيام ~~جهادها مثل ما نالت بعد رحيلها؟ إنه ما طار نعيها حتى انتشرت الكآبة وعم الأسف، فسودت أعمدة ~~الصحف حزنا عليها وكثرت فصول الثناء على فضلها. وقد اشترك في ذلك الرجل والمرأة، والمحمدي ~~والعيسوي ، والشاعر والناثر، والأديب والصحافي، حتى الذي لم يكن ليعنى بالصفحة النسائية من ~~الأدب العصري وجد كلمة لهف يضيفها إلى ما قرأ وسمع من كلمات الحزن والأسف. # ذلك لأن مثل هؤلاء النوادر لا يخص أسرته فحسب إنما تكون أمته بفقده خاسرة. لما صمت صوت ~~الباحثة للمرة الأخيرة أدرك الجمهور أن ذلك الصوت كان شجيا، وأن القلم الذي انتزعته مخالب ~~الردى كان صريره موسيقيا. أليس من طبيعة الأنام ألا يفطنوا لجمال شيء وندرته إلا بعد ~~الغياب الذي لا حضور وراءه؟! # ولم يقتصر على فصول الصحف وقصائد الشعراء، بل عني النساء بإقامة حفلة تأبين من جهتهن ~~بينا كان الرجال ينظمون حفلة الرجال. فسبق هؤلاء وأقاموا حفلة الأربعين برئاسة معالي وزير ~~المعارف، وكانت جامعة لكل مظاهر الجلال. فرأت اللجنة النسائية المتشكلة برئاسة حرم سعادة ~~شعراوي باشا أن تؤجل عملها فتعقد اجتماعا نسائيا لمناسبة مرور العام على وفاة الفقيدة، ~~وأن تسعى في خلال هذا العام لإيجاد أثر لذكرها الطيب في المدرسة التي تخرجت منها. ومجرد ~~تفكير السيدات في هذا الأمر وذاك واهتمامهن بكيفية تنفيذ ما حسن في تقديرهن دليل على ~~تغيير كبير جار في النفوس. # أما حفلة الرجال فقد حضرها كل عالم وكبير ووجيه. ms103 ولو كان المؤبنون من النشء الجديد ~~القائل بسفور المرأة لوجدنا الأمر طبيعيا، ولكنهم كان أكثرهم من ذوي العمائم ومن ~~المطربشين الذين هم أقرب إلى حزب المحافظين منهم إلى حزب آخر. وقد فاه أحدهم بهذه الجملة ~~الخطيرة: «أيها الرجال قولوا للنساء إننا نكرم النساء العالمات كما نكرم أعاظم ~~الرجال.» # ولكن كيف يذهلنا ذلك وقد كان دواما أهل الذكاء والنبوغ مفيدين بمماتهم كما في حياتهم. ~~فإذا ما أسبلت منهم الجفون على العيون الجامدات فكأنما النفس منهم تتقمص في الأقوام باعثة ~~فيهم اهتماما وتحمسا لما جاهدوا من أجله طويلا. فهم بالشمعة التي يشتد لمعانها عند ~~الانطفاء شبيهون. # لما قامت نساء الغرب بحركتهن لم يؤيدهن فيها من الرجال إلا آحاد وقد هزأت بهن منهم ~~مجاميع. والآن وقد مرت أعوام الجهاد والألم فقد استملن إلى قضيتهن أعلى أصوات أمريكا ~~وأوروبا وأعمقها تأثيرا. أما عندنا فإذا ذكرت الحركة النسائية ذكرنا أن الرجل كان موجدها ~~ومؤيدها وأنه ما زال ساعيا في تنشيطها. وقد جاءت حفلة الرجال لذكرى باحثة البادية أتم ~~مصداق لهذا الإقرار. # مي # الفصل الثالث عشر # | تأبين باحثة البادية1 # سيداتي! # لما اجتمعت بباحثة البادية للمرة الأولى في 1914 بعد تصفح مجموعة «النسائيات» لم أستشعر ~~بأنه قدر علي أن أقف لتأبينها عما قريب. يومذاك لم أشعر إلا بجاذب تخطى بي من دور ~~الإعجاب بقلمها إلى دور الميل إلى شخصها، لأنها كانت من الذين خصتهم الطبيعة بقوة ~~مغناطيسية تجذب الغريب فيفطن لنفسه وقد وجد فيها مكانا خاليا ينتظرهم منذ زمن طويل. وليس ~~موجد تلك القوة ما يسميه البشر جمالا وذكاء أو لطفا وظرفا بل إن مستودعها جسم أجوف قائم ~~في الجانب الأيسر من الصدر - ذلك الجسم الذي ما ذكره حتى أكثر الناس طيشا وزهوا - إلا ~~وطأطأ الرأس كمن ينتبه لمعنى عميق من أقدس معاني الحياة. # إن عصرنا عصر الاختراع والآلات. فبالآلات هبط الإنسان إلى أعماق الماء وجعل له أجنحة ~~تسابق طير السماء، وبها استعبد عناصر الأرض وكشف أسرار الكهرباء. من البواخر العظيمة التي ~~تحذف الأبعاد وتلاشي البحار إلى ms104 الساعة الذهبية الصغيرة التي نقيس بها الزمان، في كل من ~~أحوالنا نرى الآلات ممثلة دورا مهما. لكن هذا الجسم الأجوف القائم في صدر الإنسان، هذا ~~القلب البشري العجيب، ما زال أتم الآلات وأقواها، بل هو أكثر اقتدارا من أعظم القواطر ~~الحديدية على الإطلاق إذا جعلنا المقابلة على نسبة الحجم الصحيحة. آلات الفولاذ والحديد، ~~تلك الصناديد المعدنية التي تزحزح الجبال وتدمر المدائن والحصون، تمل العمل وتطلب الراحة، ~~وهذا الجبار الصغير المخلوق من دم ولحم لا يعتريه إعياء ولا سكون؛ لأن في وقوف حركته انتهاء ~~الحياة الجسمية، وفي سكونه وراحته شقاء العواطف البشرية. # وما كانت قوته الوحيدة في تأدية وظيفته واستطراد النبض ليل نهار على حساب 72 مرة في ~~الدقيقة، ومائة ألف مرة في اليوم، وأربعين مليون مرة في السنة، بل كانت قوته الكبرى في ذلك ~~المعنى الملتبس الشامل الذي أطلقه عليه الثيوصوفيون والشعراء؛ إذ جعلوه هيكل العواطف ~~والرغبات ومنهل الحب والإشفاق والمكارم. ليقل العلماء ما شاءوا من أن العواطف تتولد في ~~الدماغ، أما نحن صغار الخلائق فحسبنا شعورا بأن في رياض القلب تغرد أصوات الطرب، وترفرف ~~أجنحة الهناء ساعة نكون من السعداء. وأن القلب منا يمسي صحراء محرقة تجول فيها لواعج ~~الأحزان ويتعالى في تيهها نحيب الوداع والحسرات عندما نكون من التعساء. حسبنا علما أن هذا ~~القلب الصغير يسير العالم، وأن من كان كبير القلب فهو في الحقيقة قائد العالم. # لقد تصلب قلب الرجل قليلا - أو كثيرا - في حرب الاقتصاد التي ما فتئ يشهرها في ~~ميادين الحياة، فلحق ببعض عواطفه جفاف وتوتر هما من مقتضيات المنافسة والجهاد. على أن ~~القلب ما زال مملكة المرأة، وفي هذه المملكة الضيقة الرحبة تجتمع القوة والدقة والكآبة ~~والصفاء، ويختلط التأمل بالأحلام والقنوط بالرجاء. عندما لا يتكلم من الرجل غير صوت الطمع ~~والتهديد والمفاخرة تسمعن في صوت المرأة أنينا كأنما هو بقية زفرة أو تتمة بكاء. وحينما ~~يعتز الرجل بإدراك ذروة السؤدد ونيل بعيد الغايات ترين المرأة منحنية على نفسها كمن ينحني ~~على جرح بليغ، ترينها ms105 منحنية على قلبها لأن شيئا يظل نائحا فيه. وسواء في ذلك تلك العائشة ~~في وسط الأبهة والتبجيل والإعظام، وتلك الحقيرة التي تتقاذفها عواصف الحاجة واليأس ~~والهوان. # كان هذا القلب القدير يتلظى مضطرما في صدر باحثة البادية على مقربة من ذكائها الفطري، ~~ولم تكن ألفاظها إلا شرار وميضه. به اختبرت البيئة المصرية في كثير من مظاهرها ودرست ~~المرأة المصرية في جميع أطوارها، ولما أن هالها ما شهدت من ذل وتعاسة غمست قلمها في مداد ~~إنما هو سيال قلبها الناري، وكتبت فصولا خالدات. إن محاسن التنميق والإنشاء تعجب وترضي ~~إلى حين، لكن يا لسرعان ما تدرج تلك المحاسن في أكفان النسيان؛ لأن الطبيعة البشرية لا ~~تحتمل الإعجاب المتواصل. أما الكلام المنطلق من القلب كقطع متقدة فيدخل القلوب مباشرة بلا ~~وسيط، ويمتزج بها لأنه يعبر عنها، يمتزج بها حتى يصير جزءا منها يأبى التفرق ~~والانفصال. # وكما أنها أصابت في لمس مواضع النقض وتشخيص العلل القومية كذلك رأت ببصيرتها النقية أكثر ~~طرق الإصلاح اعتدالا وأقربها اتفاقا مع سير الارتقاء الطبيعي. وقارئ «النسائيات» يقف على ~~خطتها الإصلاحية الرشيدة حيث لا يكون الرجل جائرا مستبدا ولا المرأة ساخطة متمردة، بل ~~يتصافى الاثنان فتصير هي له أخلص الأصدقاء وأوفى المساعدين، ويصبح هو لها أخلص الأصدقاء ~~وألين المرشدين. فيسيران في سبل الحياة وقد جعلهما التفاهم متغلبين على المصاعب، متعاونين ~~على تبادل المنفعة والسعادة، وذلك أقصى ما ترمي إليه العائلة الاجتماعية في كل زمان ~~ومكان. # كانت الباحثة زوجا لعبد الستار بك الباسل، وأستميحكن بالوقوف قليلا عند هذا الاسم. ~~اذكرن أنها كانت تكتب في سنة 1907 و1908 و1909؛ تصورن حال ذلك الوسط منذ اثنتي عشرة سنة ~~يوم كان القوم يرمون قاسم أمين بالكفر والإلحاد لأنه جنى هذا الإثم الفظيع الذي يدعى ~~المناداة بإصلاح المرأة! # إن إعجاب الناس بامرئ لا يسلم من لازم متعد هو انتقادهم له. فإذا كان الجمهور شديدا ~~على الرجل، يحسب نقضه بعض ما بلي من العادات عدوانا لبني الإنسان، فما قولكن في ظهور امرأة ~~ذات رأي شخصي ms106 وذاتية حرة في ذلك الوسط الرجعي؟ # يجب أن يكون الوسط راقيا جدا ليقدر الفرد الراقي وإلا أهمله وعد نبوغه جنونا، ~~ورأى في توجعه من التقهقر والانحطاط وقاحة وشرودا. # غير أن الباحثة كانت على حكمة مكنتها من استخراج الخير من الشر. فبدلا من أن يغضبها ~~تعنت الناقدين، انجلت لها الحقيقة كما تتجلى أحيانا في لحظات الألم ففهمت أن الطريقة ~~المثلى لتهذيب الرجل وإعلاء مداركه هي تهذيب المرأة وإعلاء مداركها، وأن الواسطة الفريدة ~~لجعل الشعب المصري حرا نبيلا عظيما هي تحرير الأم من قيود الغباوة والخمول وإفهامها ~~جلال النبل القومي والعظمة الوطنية. # ولقد وجدت في قرينها منشطا كبيرا. # إنه كان في وسعه أن يحطم قلمها بإشارة صغيرة، وبكلمة واحدة كان يستطيع إسكات ذلك الصوت ~~الفعال. بيد أن عبد الستار بك عربي صميم، وله من وراثته الكريمة بما كانت عليه نوابغ ~~النساء العربيات من حرية وأنفة مفاخر بأن تعيش في ظله من تماثلهن عزة وبيانا. # فليسر إليه الآن شكر المرأة المصرية مقرونا بآي الثناء! # أما أنت، يا أم الباحثة، فلك أنقى ما في القلوب من احترام وإجلال! وساعة تذهبين لزيارة ~~حفني بك ناصف الراقد هناك في مدينة الذين رحلوا، قولي له إن اسمه مجيد مرتين: مجيد بعلمه ~~وفضله، ومجيد لأنه والد امرأة مجيدة! هذا كل ما أردت أن أقول يا سيداتي. # وحول القلب الفتي الذي كان يذوب إشفاقا على المرأة الضعيفة المعذبة ويلتهب غيرة على ~~مصر والمصريين، حول الصوت الصامت الذي طالما ارتفع خطيبا والقلم الجامد الذي طالما تحرك ~~كاتبا اجتمعنا اليوم، المسلمة منا والقبطية والسورية، لنحيي أختنا الخالدة ولنمزج ذكرها ~~بذكر هذه الأيام المملوءة حماسة وأحزانا. # نعم، المرأة المصرية التي انبرت بالأمس تهتف في الجماهير هتاف الوطنية والفخار قد عقدت ~~اليوم في هذه الجامعة الأهلية المباركة اجتماعا معزيا في كآبته، ساميا في معناه، وحيدا ~~من نوعه في تاريخ النهضة الحديثة لبنات هذا الوادي العظيم! # فليحمل الهواء حديث اجتماعنا إلى من لم تحضره من أخواتنا في القاهرة، وفي الأرياف، وفي ~~الثغور، ولينقله إلى ms107 نساء سوريا وبغداد وسائر الأقطار العربية والأقطار الغربية التي ينشد ~~نفر من نزلائها أبياتا نظمت بلغة القرآن! ولتردد النساء اسم المرأة المصرية الكبيرة ~~«باحثة البادية» فيكون هذا الاسم عنوان نهضتنا النسائية الجديدة وعربون تضامن الشرقيات على ~~رغم تباعد الديار واتساع البحار! ms108