######OpenITI# #META# URI: 1360MayZiyada.BaynaJazrWaMadd.Hindawi97415804 #META# Tags: literature #META# ID: 97415804 #META# Title: بين الجزر والمد: صفحات في اللغة والآداب والفن والحضارة #META# AuthorID: 64620862 #META# Author: مي زيادة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # اليقظة‏ # حياة اللغات وموتها ولماذا تبقى العربية حية!‏ # والمجمع اللغوي؟‏ ~~«الإجبشن ميل» تضحك‏ # ما زلنا في الموضوع‏ ~~«الإجبشن ميل» تناقش‏ # فلان «ومدامته»‏ # أجوبة الامتحان1‏ # النشيد القومي المصري‏ # محروسة!‏ # الحياة أمامك1‏ # تكلموا لغتكم!‏ # رسالة وحاشية‏ # الشعر القصصي الحماسي‏ # حديث عن الشرق الأقصى‏ # إمبراطور يصير ملكا1‏ # في عالم الألحان‏ # معرض الصور المصري‏ # لبيك يا مسيو فانبير!‏ # زواج الشرقيين بالغربيات‏ # نهضة الشرق العربي‏ # اليقظة‏ # حياة اللغات وموتها ولماذا تبقى العربية حية!‏ # والمجمع اللغوي؟‏ ~~«الإجبشن ميل» تضحك‏ # ما زلنا في الموضوع‏ ~~«الإجبشن ميل» تناقش‏ # فلان «ومدامته»‏ # أجوبة الامتحان1‏ # النشيد القومي المصري‏ # محروسة!‏ # الحياة أمامك1‏ # تكلموا لغتكم!‏ # رسالة وحاشية‏ # الشعر القصصي الحماسي‏ # حديث عن الشرق الأقصى‏ # إمبراطور يصير ملكا1‏ # في عالم الألحان‏ # معرض الصور المصري‏ # لبيك يا مسيو فانبير!‏ # زواج الشرقيين بالغربيات‏ # نهضة الشرق العربي‏ # | بين الجزر والمد # | بين الجزر والمد # | صفحات في اللغة والآداب والفن والحضارة # تأليف # مي زيادة # | المقدمة # بقلم سلامة موسى # مي كاتبة الشباب، تنافح عن حقوقه وتعتذر عن أغلاطه، وهي تفعل كل ذلك بروح الاعتدال مسوقة ~~في ذلك بالطبع لا بالتطبع. # ثم هي أيضا لأنها شرقية تحب الشرق وبخاصة مصر وسوريا بقلبها وعواطفها، ثم لأنها ذكية تحب ~~الحضارة الغربية وتدعو إليها، وذكاؤها ووطنيتها كلاهما يدفعانها إلى الإعجاب بهذه الحضارة ~~والحث على اصطناعها؛ لأنها من الجهة الواحدة نتاج عظيم للذهن الإنساني، ومن الجهة الأخرى ~~سلاح يمكن الشرق أن يرد به غارة الغرب. # فبهذا المفتاح يمكننا أن نفهم مي، وأن ندرك معنى المثل العليا التي تتشوف إلى تحقيقها، ~~وأن نعطف عليها، ومن هذه الوجهة تكاد جميع مؤلفاتها تتجه إلى غاية واحدة وإن اختلفت ~~الوسائل، وهذه الغاية هي إصلاح هذا الشرق، وتنبيه شبابه إلى اصطناع المثل العليا، والحث في ~~كل ذلك على التجديد. # فهي تساير الشباب في رغبته في تجديد اللغة والميل بها إلى التطور والإقلاع عن الجمود، ~~وتسايره أيضا في نزعته إلى الإصلاح الاجتماعي أو الاشتراكي؛ الذي كان سببا في نهوض أوروبا ~~في الثلاثين السنة الماضية، وفي تشوفه إلى صوفية طليقة من القيود ms01 المذهبية والفروق الدينية، ~~التي كثيرا ما مزقت الوحدة الوطنية والرابطة القومية، ولكنها لما استقر في نفسها من ذلك ~~المزاج الذي يقوم لديها مقام الصابورة من السفينة، تراها على الدوام معتدلة بحيث يقرأها ~~الشاب الثائر فيرتاح إليها، ويقرأها الشيخ الجامد المتزمت فلا يجد ما ينقم منها. # وإنه لمن أوضح البراهين على صحة نهضتنا أن نجد آنسة مسيحية مثل مي تدافع عن العرب واللغة ~~العربية، كما يرى القارئ في أحد مقالات هذا الكتاب، ففي هذه المقالة: «حياة اللغات وموتها» ~~نجد مي عاطفة على اللغة العربية، راجية لها الحياة، تستقرئ الماضي لكي تستضيء به في ~~المستقبل، تتهكم من طرف خفي على أولئك الشيوخ الذين ألفوا المجمع اللغوي، فما هو أن تركهم ~~لطفي السيد حتى انتثر عقدهم. # وهنا لست أستطيع أن أترك هذه الفرصة تمر دون أن آسف على خروج الأستاذ لطفي السيد من ميدان ~~الأدب والسياسة، وكيف لا نأسف على زمن كان يقود فيه الشباب نحو المستقبل؟! يضرب الجمود ~~بمطارق الحديد، ويعلمنا مبادئ الوطنية وحلاوة الأسلوب الساذج الخالي من الصنعة، وأمانة ~~التفكير، ومكافحة الاستبداد. # ولست أظن إلا أن مي قد تأثرت به كما تأثر به جميع الملتصقين بالحركة الفكرية في مصر، ومن ~~الصعب أن نعرف جميع المؤثرات التي أثرت في ذهن مي؛ فإن سعة ثقافتها تكاد تحول دون ذلك، فهي ~~تعرف عدة لغات أوروبية تقرأ آدابها كما تقرأ العربية وتلتذها جميعا، ومن هنا بعض إعجاب ~~الكثيرين بها. # وكيف لا نعجب بفتاة شرقية تقول (في مقال المحروسة): «فالمسئولية صارمة تثقف الذات القومية ~~والذات الفردية، غير ملاينة ولا مهادنة، وهي من أكبر البواعث على نفض دثار الخمول وتكوين ~~صفات النبل والكرامة.» # والدفاع عن المسئولية هو دفاع عن الحرية، وليست توجد حرية إلا وفيها مسئولية، كما ليست ~~توجد مسئولية بدون حرية، ولو كان شبابنا يفعل فعل مي، وبدلا من أن يطلب الحرية الدستورية ~~أو الحرية النسائية أو غيرهما يطلب المسئولية الدستورية أو المسئولية النسائية؛ لما وجد ~~الجامدون منفذا في حصن المجددين. فالحرية في نظر من يفهمونها ms02 ويدافعون عنها هي المسئولية، ~~وليس يخشاها إلا من يخشى المسئولية؛ لأن الإنسان إذا ألف القيد والسياج ارتاح إليهما، فكانا ~~له سندا يأمن به الغوائل. أما الانطلاق في فسحة الحرية فلا يطيقه إلا الأقوياء. ورجال ~~الصحافة عندنا يعرفون قيمة المسئولية التي تستتبعها الحرية؛ فقد كانوا أيام الأحكام العرفية ~~والرقيب يقرأ صحفهم يستكينون إلى هذا القيد ولا يحسبون حسبانا للمسئولية، فلما رفعت عن ~~الصحف الرقابة وعادت إليهم حريتهم، شعروا جميعهم بالمسئولية، فشدت من أعصابهم ونبهت من ~~أذهانهم. # فإذا كنا نطلب مع مي زيادة مسئولية نسائنا، وزيادة مسئولية شبابنا، وزيادة مسئولية صحفنا، ~~فإننا ننال ما نبتغيه من الحرية دون اسمها. # وهناك أسف واحد يعتري الإنسان كلما قرأ كتابا لمي، وهو أسف شبيه بالغبطة؛ فإننا نغبطها ~~جميعا لذكائها وسعة ثقافتها، ونود لو نجد عددا كبيرا من فتيات سوريا ومصر يقتفين أثرها ~~في خدمة الحياة القومية العربية والعمل على رقيها ورفعها، ولسنا نطمع في أن نجد من تساويها، ~~ولكننا نود أن نجد من تدانيها. ولعل بعض المسئولية في ذلك تلقى على عاتقها، فإن واجب ~~الأديب لا يقتصر على التنوير والإفادة، وإنما يعدو ذلك إلى إيجاد القدوة يقتدي بها الناشئ ~~ويحمل إلى الخلف ذلك المصباح المقدس، يزيد ضوءا على ضوء كلما مر به جيل. # | اليقظة # فليحيا الاستقلال التام! # فلتحيا الحرية! # فلتعش مصر حرة مستقلة! # فليحيا الوطن! # انتبهنا يوما على وقع هذه الأهازيج غير المألوفة، التي سرعان ما اهتدت إلى مصبها في ~~القلوب، كالماء يفيض فيتدفق على منحدر هيئ له منذ أجل مديد. # الأفواج، أفواج المتظاهرين، تتقاطر من كل صوب، والأعلام التي طال عليها العهد في الحقائب ~~تخفق فوق الرءوس خفوق الألوية المنتصرة، وهتاف المئات والألوف ينتظم متجمعا في نبرة ~~واحدة وقياس واحد، كأنه من صوت واحد ينطلق. والأصداء الشائعة يصدمها هنا وهناك ترجيع ~~المواكب الجائبة أنحاء المدينة في هرج وتهليل، والجو يدوي بارتطام الأصوات، وقرع الطبول، ~~وعزف الآلات، وزغردة النساء بين الهتاف والتصفيق. # وتمشت روح النشوة إلى الضيف والنزيل، فأذابت ما بين الأجناس والشعوب والمذاهب من ms03 جليد، ~~وألغت حاسة التفرق وسوء التفاهم ضامة النفوس كما في اعتناق من التعاطف وحسن ~~الوئام. # لمن يهتف الأجانب؟ وأي الألوية ينشرون؟ وعلام تنثر أياديهم الرياحين وفرائد ~~العطور؟! # أتراهم يحتفون بعيد الوطنية الشاملة لظهور طلائع الوطنية عند شعب يستفيق؛ فتحييه حتى ~~جنود الإنجليز وضباطهم بالإشارة والتلويح، ويحييه الجميع بالأصوات والألوان ~~والأزهار؟ # نعم، في ذلك اليوم من أواسط شهر مارس سنة 1919 وقد عبق الهواء ببشائر الربيع، ونورت ~~البراعم الزهية على الغصون، وسرت في الأجساد نفحة التجديد كرسول من حياة الأرواح؛ في ذلك ~~اليوم الغني بتنبه الأرض بعد هجود الشتاء، استيقظت أمة الوادي الجاثم بين البحر ~~والصحراء. # استيقظت الأمة وهتفت؛ فإذا في صوتها غضبة الأسود، ومفاداة الأبطال، وعزم الرجال، ومرح ~~الأطفال، وحنو النساء، وصدق الشهام. ~~••• # وتصرمت أيام الفرح والهناء بعد أيام الاحتجاج والمطالبة؛ فسارت الجماهير وراء نعوش ~~الموتى، سارت كاسفة لدى زوال صور الحياة، متهيبة حيال جلال الموت، لا أن العاطفة المستجدة ~~ظلت تجيش وتطمى حينا بعد حين. وبصوت المفجوع الذي تزكي منه التضحية الحمية، تهتف الجماهير ~~وراء الأعلام المنكسة: # فليحيا الوطن! # فلتحيا مصر! # فليحيا ذكر شهداء الحرية! # يا للرعشة العجيبة تعرو النفس لنداء الحماس والاستبسال! إن القلب عنده جازع والطرف دامع، ~~أمام مشاهد الفوز ووراء نعوش الضحايا على السواء. # وكأني خلال الألفاظ المتكررة في الفضاء المجوف، سمعت مصر الفتاة تقول: لقد كنت أيها ~~القطر، مسرحا خاليا منذ أجل طويل، مسرحا زيناته هذه السماء الزرقاء، وهذه الصحراء ~~العفراء. # وهذا الليل الناعم السحيق المغري إلى تلمس الأسرار. # وهذه الشمس المشرقة أبدا كمجد لا ينقضي. # وهذه الهياكل وما انتصب فيها واضطجع والتوى. # وهذه التماثيل الشواخص للذين عاشوا ولن يموتوا من آلهتي وعظمائي. # وهذه الآثار التي تركها الزمان الوثاب أوعية كبيرة تدخر أحلاما لا تدرك ورؤى لا ~~تمس. # ونيلي هذا، شاهد العصور المتابع سيره بلا انقطاع ولا ملل. # كلك، يا هذه الأجواء والمروج والبقايا والأمواه، إنما كنت مسرحا خاليا ~~ينتظر. # لقد مللت شلال الذراري المتلاحقة في ربوعك صامتة خانعة تجهل اسم الأمل والقنوط. # وانتظرت طويلا ms04 طويلا، انتظرت صوتا يليق بعلواء تاريخك العظيم . # وها قد آن الأوان فهببت فاسمعي! # اسمعي صوتي يخاطب الرعاة بين النخيل، والكهان في الهياكل، والفراعنة والبطالمة في ~~البلاطات والقصور. # يخاطب الغزاة والفاتحين من عتاة العهد القديم والعهد الجديد. # قائلا: إن كل ما حل بي من نكبات وعلل أخرسني حينا، ولكنه لم ينل من حيويتي! # لقد استيقظت، أيتها الأمم، استيقظ الشعب الصريع المستعبد! # استيقظ وأرسل كلمته الأولى: كلمة أسنى من الربيع، وأبقى من الأرض، ترن في قلبي فأزيد ~~وثوقا بما أريد وأبتغي. # كلمة هي تتمة للماضي، وعهد للمستقبل، كلمة هي المنبه، والغاية والوسيلة. # كلمة عميقة رحيبة كالحياة: الحرية. ~~••• # ما هي الوطنية؟ كيف تشب فجأة فتغزو القلوب وتثير فيها جنون العواطف، وتنمي في جوانبها ~~نبتة التأمل والتبصر والإرادة؟! # في مواكب الحماسة تسير المخدرات سافرات، وفي الألوية تتلاثم الأهلة والصلبان، ويتحاذى من ~~الجمهور الرفيع والوضيع والوطني والأجنبي، ممثلين جميعا إمكان التآخي بين بني الإنسان في ~~التفاهم العام وإعطاء كل ذي حق حقه. # واستيقظت شخصيتي الشرقية بفعل ذلك التأثير، وكما يحملنا أحيانا سحر الأنغام إلى بقاع ~~مجهولة؛ سارت تلك الشخصية إلى أقاليم بعيدة وراء مترامي القفار. # اجتازت فلوات الظمأ والخوف والوحشة والسراب والسكون، ومرت بأبناء المشرق في أوطانهم في ~~المدن والعواصم، في السواحل والجبال والأودية، عند القبائل المقيمة وعند العرب ~~الرحل. # مرت تصيح في كل قوم: وأنتم ما حالكم يا أبناء الشمس؟ أما سمعتم قعقعة القيود المتكسرة ~~في الوادي الأخضر؟! لقد تحطمت القيود الدهرية وأخذت تتساقط على وقع أناشيد الحرية. شعب ~~الوادي يهتف ويثبت حقه على الحياة والحرية؛ ألا فاصغوا إلى صوته فقد ملأ المروج والبحار! ~~وأطلقوا أصواتكم من حناجرها فقد انقضى وقت الرقاد! ~~••• # أيها الشرق! # يا شرقي الكبير الرهيب الرءوف. # يا شرق الطرب والحميا والنخوة والشدة العاصفة كريح السموم! # إنك لتتجمع تحت نظري كلوحة مصورة؛ فأرى منك الفقر، والجهل، والاضطراب، والاحتدام، ~~والانفعال، ليس فيك فيض الثروة ومعجزات الحضارة، ربوعك خالية مما لدى الأقوياء من صروح ~~ومعاهد ومصارف ومعامل، ربوعك خالية من المتاحف والخزائن والودائع المجلوبة ms05 من قصي الأنحاء. ~~إنك جاهل فقير مفكك الأوصال! # ورغم ذلك فأملي بك عظيم كالحياة والحرية! # أية قوة هذه التي تشد وثاقي إليك؟ # لماذا أهوى من لغتك الشدو الشجي النواح، والنبرة السريعة الحادة، والهتاف الأبي ~~الحار؟ ماذا تلمس في هذه اللغة العربية التي تنثرها شعوبك في مجاهل القفار، وعلى الجبال ~~والهضاب، وعلى سواحلك وأنهارك وجداولك، ووراء القطعان في مروجك، وقرب أنين نواعيرك؟ # أية وديعة لها عندي حتى تثير لهجاتها في البكاء الحنون، كبكاء اللقاء بعد فراق ~~طويل؟ # طويتك الواسعة الخفية تستهويني أيها الشرق، وتأسرني أنا الذرة الصغيرة بين ملايين ~~الملايين من ذراتك، وتمرج في كل كيانك بصحاراه ورياضه، بشواهقه وشواجنه، ببداهته وعجزه، ~~بفضائله ونقائصه، وبالقلوب المضطرمة فيه والنوايا الخالصة بين أبنائه. # ألا نظرة إلى هذه السماء المخيمة عليك ببهاء العسجد واللجين والأرجوان! # إنها الجو الوحيد الذي أظل الرسل، وما رضيت النبوات أن تنزل في غير هوائه. # إنك أيها الشرق، اصطفيت لتكون أرض الأبطال ومنشأ الجبابرة. # لقد حقت لك الراحة ثلاثة قرون بعد ازدهار عشرات القرون، لقد حق لمدك السني المحسن ~~أن يجاري ناموس الكون؛ فيتخاذل في جزر محتوم، ولكن ها قد آن أن ترتفع موجتك الجديدة وتمتد، ~~ها قد جاء وقت النهوض؛ فإلى النهوض رغم النوائب والمثبطات، إلى النهوض. # حولك الأقوياء يتكافحون ويجاهدون ويغنمون، وهم رغم ذلك يئنون في الظلام: «هناك فجر ~~منتظر لم يلح بعد.» # وكيف يلوح الفجر قبل أن يستنير المشرق؟ # أنت برج الفجر، أيها الشرق، أنت مزجي الأشعة. # فقم واعمل، قم وارقب من أي أنحائك يلوح مشعل الضياء. # | حياة اللغات وموتها ولماذا تبقى العربية حية! # (1) اللغة والحضارة # الشعوب كالبحار: لهذه مد وجزر ولتلك ارتفاع وهبوط. # للبحار موجات يأتين لاطمات الشاطئ بتجمع مياههن، ثم يغرن في صدر موجات متهجمات. ~~وللشعوب مدنيات تنمو فتعلو إلى ذروة المجد والسؤدد، ثم تهبط إلى منحدر الوهن والنسيان ~~متخلية عما لديها من نظام وقوة وخبرة لمدنيات جديدات تحل محلها. # ما هو الداعي إلى هذا التموج الدائم في مناطق المجهود البشري حتى تهلك عنده أشواط ms06 ~~المدنية واحدا بعد آخر؟ وما هي العوامل التي تجعل زاهر الأمس اليوم يابسا، وخصيب ~~اليوم قاحطا غدا؟ # لقد درس هذه المسألة الخطيرة علماء التاريخ والآثار والعمران؛ ففصلوا لذلك الأسباب ~~ووضعوا لتعليله المؤلفات الكبيرة، إلا أن أبحاثهم لا تفيد في تلافي المحتوم على كل ~~مدنية بلغت شأوها المنطق، ثم خضعت في هبوطها كما في ارتقائها لناموس التموج الدائم. ~~وليس في وسع المتأمل المخلص إلا إثبات ما قد تتابع وقوعه منذ فجر التاريخ: وهو أن ~~الشعوب تخلف الشعوب، والمدنيات تعقب المدنيات، وأنه في دوران الأحقاب لا بد أن يمسي ~~الجديد قديما، وأن ينقلب القديم يوما جديدا. # كذلك تنتشر لغة قوم بانتشار حضارتهم؛ فيسارع المغلوب إلى تعلمها وإتقانها ما استطاع، ~~حتى إذا انحطت تلك الحضارة، عاد ينكمش انتشار لغتها ودخلت مع الزمن في صف اللغات ~~الميتة. # إن هذا المقدور نفذ في جميع اللغات القديمة حتى التي يتصل عهدها بعهد اللغة العربية؛ ~~لقد ارتفعت اليونانية واللاتينية بارتفاع مدنيتيهما وهبطتا معهما أو بعدهما بزمن يسير. ~~فلماذا خرجت اللغة العربية من حكم ذلك المقدور، فظلت حية كل هذه القرون الطوال بعد تشتت ~~دول الفتوح واندثار العظمة العربية؟ ~~(2) عند اليونان # تاريخ بلاد الإغريق هو الفصل الأول من تاريخ المدنية الحديثة، ومنه استمدت أوروبا ~~مبادئ العلم والفلسفة والآداب، وما كانت تتمتع به المدن اليونانية من حرية واستقلال ~~مثل أعلى يتطلع إليه المفكرون والمصلحون، وتنشده الحكومات الحديثة الحرة؛ ذلك لأن ~~اليونان بدأوا بحل المشاكل الفلسفية والعمرانية ومعالجة بعض القضايا العلمية التي تضطرب ~~لها أجيالنا. # مرت عصور لم يكونوا فيها إلا منفعلين بحضارة الكلدان والمصريين والسوريين؛ إذ ~~كانت شواطئ النيل والفرات منذ زمن بعيد محط مدنيات قد وصلت إلى أوج العظمة والاقتدار، ~~لكن جاء يوم قاموا يناهضون تأثير الفينيقيين فيهم ليفسحوا المجال لمدنيتهم القومية؛ ~~فارتقوا ارتقاء باهرا وبسطوا سلطانهم على شواطئ البحر المتوسط، وبينا جيوشهم تنشر ~~أعلامهم على بلاد يفتحونها ويستعمرونها، كان أهل البلاد اليونانية يعيشون عيشة هنيئة ~~مستمتعين بما وضعته جمهورياتهم من النظامات الديموقراطية والاستقلال القومي. # ولما أن قام ms07 الفرس يهددون بلادهم الأوروبية بعد فتح الآسيوية ، نهضت أثينا وإسبارطة ~~لرد غارات المغيرين، وأصبحت أثينا عاصمة المدنية اليونانية منذ القرن الخامس قبل ~~الميلاد. # غير أن منافسة إسبارطة لها ولدت بينهما الحرب البيلوبونيزية # 1 # الشهيرة التي انتهت بانكسار أثينا. ثم قامت طيبة تزاحم إسبارطة. وهذه ~~الحروب المتوالية أضعفت المدن اليونانية ونالت من تضامنها واستقلالها؛ فسطا عليها فيلبس ~~المكدوني وأخضعها لسلطانه، واجتاح ولده الإسكندر مملكة الفرس عدوة اليونان فضمها إلى ~~مملكته الواسعة، إلا أن الإغريق انقسموا بعضهم على بعض بعد موت الإسكندر، فاستنجد ~~الإيتوليون بالرومان فكان ذلك أول النهاية، وصارت بلاد اليونان إقليما لاتينيا منذ ~~عام 146 قبل الميلاد. ~~••• # أما اللغة اليونانية ففرع من طائفة اللغات الهندية الأوروبية كلغات: الفرس، والهند، ~~وأرمينيا، وليتونيا، والقلت، والجرمان، والسلاف. وقد استعملت أولا في بلاد الإغريق ~~الأوروبية، ثم امتدت إلى شواطئ آسيا الصغرى، وإلى الجزر التي كانت تأتيها السفن ~~للاستراحة في رحلاتها بين القارتين الآسيوية والأوروبية. ولما تعددت مستعمرات اليونان ~~على شاطئ البحر المتوسط انتشرت لغتهم؛ فأصبحت لغة إيطاليا الجنوبية، وأكثر جهات صقلية، ~~وبلغت قارة أفريقيا يوم شادوا قيرين، وبلاد غاليا يوم بنوا مرسيليا. # اللغة اليونانية الأولى من أوفر اللغات ثروة، تتجلى الفصاحة في: رناتها الرقيقة، ~~وألفاظها الأنيقة، وأساليبها الفخمة، وقد أكسبها تنوع تشكيلها وتحريك منطوقها رخامة في ~~مقاطع الأصوات، وموسيقى لفظية في التعبير عن الأفكار والعواطف، وقد فازت بما لم تفز به ~~اللغات الأخرى، وهو أن لها مفردات خاصة باللغة الشعرية ومثلها للغة النثرية، وقد كتب ~~بها بعد المتقدمين المدعوين «بالمدرسيين» علماء العهد الإسكندراني، وآباء الكنيسة ~~الشرقية، وأدباء بيزنطية منذ ملك يوستنيانس إلى فتح الأتراك لمدينة القسطنطينية ~~(1435). # ولقد تلقينا مآثر اليونان في الفلسفة والفن والأدب عن طريق هذه اللغة؛ فيها نشأ الشعر ~~القصصي الحماسي # Epic # بأشعار هوميرس الإيلياذة ~~والأوديسا، وقصائد هيزيوذس، وبرز الشعر الغنائي # Lyrice # ذو الوسمة الدينية أو السياسية أو الرثائية، مع صولون وسافو وأناكريون وغيرهم. ولما جاء ~~العصر الشهير المدعو بعصر بركلس # 2 # سما النتاج الفكري إلى درجة الإتقان العظيم في الروايات المفجعة ms08 مع إسخيلوس ~~وصوفوقليس وأوربيذس، والروايات الهزلية مع أرستوفانس، والتاريخ مع هيرودوتس وثوسيديدس ~~وزينفون، والفلسفة مع أفلاطون وأرسطو، والبلاغة مع خطباء الأطيقيين؛ هؤلاء وغيرهم جعلوا ~~الآداب اليونانية آيات ينسخ عنها الناسخون. # وبدا الفن بجماله الساذج الأنيق سواء في هندسة البناء والنحت والرسم. # ظل الأدب والفن في تلك المنزلة إلى القرن الرابع، إلا أنهما فقدا عندئذ قوة الإبداع ~~والبداهة؛ فكان الرسامون والنحاتون قاصرين على نسخ التماثيل القديمة، وصار الشعراء ~~يحتذون هوميرس وأمثاله. غير أن الفلسفة لبثت تتألق في سماء مجدها مع: الرواقيين، ~~والأبيقوريين، والمشائين، والمرتابين، وأنصار الأفلاطونية الجديدة. كذلك كانت علوم ~~التاريخ واللغة في ازدهار. ~~••• # أخضع اللاتين اليونان فأعطاهم هؤلاء مدنيتهم الفريدة، وباحتكاك الفكرين لطف الفكر ~~اللاتيني وسما سموا عظيما، ثم انشطر العالم الروماني إلى شطرين: عاصمة أحدهما روما، ~~وعاصمة الآخر بيزنطية، # 3 # وقد زاد الاختلاف الديني في هذا التباعد: فمن الناحية الواحدة اليونان ~~وتلاميذهم السلاف، ومن الناحية الأخرى اللاتين وتلاميذهم الجرمان والإنجلوقلتيين، ولم ~~تتلاش اللغة اليونانية تماما بعد سقوط بيزنطية، بل ظل شعب الأقاليم يتكلم خلال القرون ~~الوسطى لغة اصطلاحية مشتقة من اليونانية القديمة، ومن تلك اللغة الاصطلاحية ~~استخرجت اليونانية الحديثة. # أما اليونانية القديمة فقد دخلت في عداد اللغات الميتة منذ زمن طويل، ولا يعنى ~~اليوم بدرسها إلا بعض العلماء، ويدرس مبادئها بعض الطلبة في الجامعات الكبرى. وقد قل ~~الذين يجيدونها بين الأكليروس اليوناني على استعمالها في الطقوس الدينية. ~~(3) عند اللاتين # يبتدئ التاريخ الروماني بدور هو أقرب إلى الأساطير المبتدعة منه إلى الحقائق ~~التاريخية الراهنة، ويخمن المؤرخون تتابع ملوك سبعة، ملكوا في خلاله من عام 754 (؟) إلى ~~عام 510 قبل الميلاد، وفي 510 أعلنت الجمهورية في روما، وقد أدى ذلك بالأمة إلى إيجاد ~~نظامات جديدة كالقنصلية والتشريع، وإضافتها إلى ما كان عندها من نظامات سابقة كطبقة ~~الأشراف وامتيازاتها، وجمعية المقاطعات، ومجلس الشيوخ ... إلخ، وعقب الانقلاب منازعة ~~طويلة بين الأشراف والعوام لم تنته إلا بفتح أبواب التشريع للشعب. # ولما اتحدت كلمة روما وملكت أمرها في الداخل، كبرت مطامعها في الاستيلاء على أنحاء ms09 ~~جديدة؛ ففتحت جميع جهات إيطاليا، وزحفت إلى الشرق فهدمت قرطاجنة العظيمة، وحولت بلاد ~~الإغريق إلى إقليم لاتيني، غير أنها رحبت بالنفوذ الفكري من هؤلاء الإغريق الذين كان ~~سيفها قد غزاهم. ولما عادت المنازعات الداخلية تبلبل أحوال الجمهورية، تولى أكتافيوس ~~إدارة شئون الدولة؛ فأصبح سيد العالم القديم، ونودي به إمبراطورا باسم «أغسطس» ~~يجمع في يده كل اقتدار وسلطة وتشريع. # ثم انتقل الصولجان إلى القياصرة، ورغم ما تخلل أيام حكمهم من ثورات عسكرية؛ فقد أصبحت ~~روما بعد إخضاع الإغريق عاصمة الشرق والغرب فسميت «سيدة العالم»، وتكاد تنحصر ~~عظمتها الخطيرة في القرون الأولى من عهد الإمبراطورية؛ لأنها كانت حقا عاصمة العالم؛ ~~إذ كانت دماغه المفكر، وقلبه الخافق، ويده العاملة. وليس من مدينة أخرى، حتى ولا ~~أنطاكية والإسكندرية لتقوى على منافستها وادعاء ما لها من الشأن والفخار. # وأصبحت النصرانية في عهد قسطنطين (306-337) دين روما الرسمي، وقد أخر حزم ذاك ~~الإمبراطور زمنا سقوط المدينة العظيمة، لكن الذين خلفوه هبطوا بها إلى دركات التقهقر ~~والإهمال، فما مرت فترة حتى ثلمت أسوارها حراب الهاجمين واندكت جدرانها أمام غارات ~~الفاتحين. ~~••• # اللغة اللاتينية كاليونانية شعبة من شعب اللغات الهندية الأوروبية، وهي التي تكلمها ~~جنود اللاتين والمستعمرون من الرومان؛ فحملوها إلى جميع أنحاء الدولة، ونشروها في كل ~~بلد فتحته جيوشهم؛ فتولدت منها اللغات اللاتينية الجديدة # Néo ~~latines # كالفرنساوية، والبرفنسالية، والإسبانية، والبرتوغالية، ~~والإيطالية، والرومانشية (واللادينية)، والرومانية # Roumain ~~. ويظن علماء اللغات أن هناك وسيطا بين ~~اللاتينية الأصلية واللغات الحديثة المشتقة منها، وهي اللغة الرومانية # Langue romane # المحضة، وهي شديدة الشبه بالفرنساوية ~~والبروفنسالية. # سبق القول أن روما قبل أن تتأثر بالمدنية الإغريقية لم تكن على شيء من الآداب؛ إذ ~~يتعذر إطلاق هذا الاسم على بعض الأناشيد الدينية، والنكات المبتذلة، وفن الإيماء أو ~~التخييل Pantomime # الذي كان يطرب له اللاتين طربا ~~شديدا. # على أن اختلاطهم باليونان بث فيهم الميل إلى الاقتباس والاستيحاء والرغبة في إيجاد ~~الآداب الكتابية، فكان الشعر اللاتيني في بادئ الأمر يحتذي الشعر اليوناني في الأساليب ~~والموضوعات، أو يكتفي بنقله إلى ms10 اللاتينية معنى ومبنى. # وكان المؤرخون أول الناثرين، وأشهرهم كاتو الرقيب # 4 # الذي وضع تاريخ أمهات المدن الإيطالية، ووضع آخرون تواريخ عامة أو خاصة في ~~الشعوب اللاتينية، وهم في الغالب يتحدون مؤرخي الإغريق في سياق الكلام وتصنيف ~~الفصول وتبويب التآليف، وقد ظلت البلاغة اللاتينية على جفوة وحوشية مدة طويلة، فما إن ~~استوحت الإغريق؛ حتى انقلبت فنا مرنا جزلا استمر يصقل ويتكامل بفعل بيانهم، وكان ~~نظام روما السياسي ملائما لفن الخطابة؛ إذ كانت أساليب الكلام متوافرة للمحامين ~~والمتشرعين. # ولقد كانت بلاد اليونان مدرسة روما؛ لأن شبان اللاتين العازمين على الاشتغال ~~بالمحاماة واعتلاء المنابر كانوا يقصدون إلى مدارس اليونان الكبرى لإتمام دروسهم وتثقيف ~~مواهبهم، كما أن كثيرين من الإغريق كانوا يدرسون في روما فن الخطابة والإلقاء. وتدل ~~كتابات العهد المدعو «بعهد أغسطس» (أي آخر قرون الجمهورية) على أن المؤلفين كانوا ~~مطلعين على أشهر مصنفات الإغريق من شعر ونثر، وأنهم يقلدونهم صراحا، وفي مقدمتهم ~~شيشرون العظيم تلميذ اليونان في الخطابة والكتابة والفلسفة جميعا، ومثله المؤرخون ~~والشعراء على وجه خاص. # لكن هذا لا يعني أن الآداب اللاتينية حاشية معلقة على هامش الآداب اليونانية، بل ~~كان لها طابعها الخاص؛ لأنها كانت أكثر من تلك امتزاجا بالأحوال العمومية وأظهر لشئون ~~الأمة؛ ذلك أن معظم الكتاب من خطباء ومؤرخين وفلاسفة قاموا بأدوار سياسية، فكان ~~لعلمهم وآرائهم وخبرتهم أثر فعال في مصالح الدولة، وكفى أن يذكر منهم: شيشرون، وقيصر، ~~وماركس أوريليوس، وتاشيتوس، وپلينوس الأول، وپلينوس الثاني، ليثبت لنا ما تقدم، ولما ~~كانت الآداب اللاتينية ذات اتصال بالحركة السياسية كان اللاتين جاهلين اتباع الفن ~~لذاته، الأمر الذي كان رائد اليونان في معظم آدابهم وفنونهم. ~~••• # فن اللاتين كآدابهم منقول عن الفن الإغريقي، إلا أنهما يختلفان في أن الأول يقلد ~~الثاني بلا أمانة، ثم يخلطه بصنوف فنية أخرى؛ فيحرمه قالبه المجرد وبساطته الأنيقة. ~~والزخارف القليلة التي كان يستعملها الإغريق بمنتهى التحفظ كان الرومان يغدقونها على ~~أبنيتهم وصروحهم بلا حساب، بيد أن الآثار الرومانية إذا كانت دون الآثار اليونانية دقة ~~وسذاجة، فهي لا ms11 تعدم عظمة وجلالا يلقيان التهيب في نفوس الناظرين. # وامتاز فن النحت في روما بما لم يكن ليعنى به الإغريق كثيرا، وهو تماثيل الأحياء؛ ~~لأن من عادات الرومان قبل اتصالهم باليونان أنهم كانوا يحفظون في منازلهم صور آبائهم ~~وجدودهم، وكانت تلك الصور والتماثيل تصنع من الشمع أو الخشب، ثم تحسنت بانتعاش الفن ~~فصارت تحفر في الرخام. والرغبة في التزلف إلى القياصرة وتملق الكبراء كانت تؤدي إلى ~~الاهتمام بتماثيلهم ووضعها في الأبنية العمومية وصروح الحكومة؛ ومن هنا تعدد التماثيل ~~اللاتينية والباعث على إتقانها. # أما في غير ذلك فقد قال الشاعر اللاتيني: «إن بلاد الإغريق المغلوبة أغارت على قاهرها ~~فاكتسحته في دورها.» ~~(4) عند العرب # سقطت روما العظيمة، فتساءل العالم أي شعب قدر له أن يحمل مصباح الحضارة باعثا ~~بأشعته إلى القارات الثلاث؟ فإذا بحركة جديدة تنشأ في أرض بعيدة بين قوم جهلت أسماءهم ~~سجلات التاريخ. # قضت مدنية الإغريق طفولتها في حضن المدنية الفينيقية، ثم دفع اليونان الآسيويين عنهم ~~فنمت مدنيتهم وترعرعت في أرض خصيبة، جميلة الموقع، معتدلة الهواء، عذبة الماء، ثم ~~نسخ اللاتين مدنية الإغريق مكيفيها في قالب يلائم سليقتهم، ويتمشى مع روح لغتهم، وقد ~~كانت بلادهم في منطقة تسهل لأهلها الانطلاق إلى الخارج وبسط سلطانهم على ما ~~حولهم. # ولكن كيف تكونت المدنية العربية، وهي التي انبثق نورها الأول في شبه الجزيرة حيث ~~تستعر الرمضاء ليل نهار؟ # نعم، إن بعض الجهات الساحلية مثل: اليمن، والحجاز، وحضرموت كثيرة الخصب تنتج البن، ~~والقطن، واللبان، والمر، والند، والبلح، والموز، والمشمش، والحنطة، والذرة، ~~والعدس، وقصب السكر، وشجر النارجيل (جوز الهند)، وأنواع الطيوب العربية على اختلافها. ~~غير أنها بعيدة عن أوساط التمدن والعمران، بعيدة عن تأثير الإغريق ونفوذ الرومان، فأي ~~سر أوجد تلك الحضارة التي انتشرت بسرعة لم تظفر بها حضارة، فعبرت من قارة إلى قارة ~~تحمل عز العرب، باسطة تمدنهم على آسيا، وأفريقيا، وبعض أوروبا، جالبة ثروة، وعلما، ~~وانتعاشا حيثما نشر القوم أعلامهم؟ # تنتنمي اللغة العربية إلى طائفة اللغات السامية، وهي ثالث فروع أصلية ثلاثة: الآرامية ~~والكنعانية ms12 والعربية. فالآرامية تشمل الكلدانية والسريانية والآشورية (الميتة منذ زمن ~~طويل)، وهي لغة عامية يقال إن السيد المسيح كان يخاطب بها تلاميذه. وتتكون الكنعانية من ~~العبرانية والفينيقية. فالعبرانية لغة اليهود المقدسة، ومع أنها تختلف اليوم كثيرا عن ~~العبرانية الأصلية؛ فإنها ما زالت مستعملة عندهم في الطقوس الدينية، ولهجة من الفينيقية ~~(وهي البونيقية) استعملت مدة طويلة في قرطاجنة وعلى شواطئ إسبانيا، ولها بالعبرانية ~~قرابة لفظية شديدة. # أما العربية فتشمل العربية الفصحى ولهجات مختلفة تكلمتها القبائل القاطنة في جنوب ~~بلاد العرب وبلاد الحبشة وغيرها، وهي اللغة التي فازت بالبقاء على حين أخواتها وبنات ~~عمها طوين في عالم النسيان منذ أمد مديد. # ظلت العربية منزوية إلى أواسط القرن السادس، فبرزت بغتة تتمتع بقوة بالغة أشدها، فما ~~عرف لها التاريخ أدوار الطفولة والنمو، وذلك لا ينفي أنها قد تكونت في زمن بعيد القدم، ~~أو أنها قد تكون شعبة من لغة سامية سابقة فقدت في مجاهل التاريخ؛ لأن بعض خصائصها ~~اللغوية (كجمع التكسير مثلا) يميزها عن العبرية والآرامية، فيجعلها أشمل منهما للمعاني ~~وأوفى للأغراض، ومن ذا الذي لم يسمع بغناها في المفردات والمرادفات؟ ذاك الغنى الذي ~~يعد عجيبا إذا ما قوبل بفقر اللغات السامية الأخرى. # بدت العربية في القرن السادس لتكون لسان الحضارة الجديدة، فانطلقت من شبه الجزيرة ~~تنقل إلى الأمصار القصية مفرداتها ومميزاتها، وجابت الأقطار ناشرة لهجاتها المختلفات من ~~أطراف جزر الهند إلى أواسط القارة الأفريقية. ~~••• # لم تقم سطوة العرب في أيام مجدهم وعزيز الذكر المحفوظ لهم على فوزهم الحربي فحسب، بل ~~الخلافة العربية مدينة بعظمتها للآداب والعلوم أكثر منها لمضاء السيف وتعدد ~~الفتوحات. # ففي القرون السبعة الأولى التي بدأت بالدعوة إلى الإسلام والهجرة من المدينة (عام 622 ~~للميلاد)، وامتدت إلى القرن الثالث عشر، يشهد المؤرخون لمدنية من أعظم ~~المدنيات التي عني بإثباتها تاريخ الآداب، فيها كان الشعراء والأدباء والعلماء ~~والمؤرخون والفلكيون على اختلاف طبقاتهم ونحلهم يتسابقون إلى أصقاع أظلها العلم العربي؛ ~~فصارت وجهة الطالب وكعبة الباحث. كانوا يذكرون حث النبي على طلب العلم، وقوله: ms13 إن الذي ~~يسير في سبيل طلبه إنما هو مسهل أمامه طريق الجنة. يذكرون ذلك فيتقاطرون من كل الأمصار ~~من المغرب الأقصى والهند وجاوه والقوقاز وتركستان ، فيقطعون البحار الواسعة، ويطوون ~~الجبال والوهاد وراء القوافل الكبرى ووجهتهم المساجد الشهيرة في مكة ودمشق وبغداد ~~والقاهرة وقرطبة؛ لأن الجامع لم يكن مكان الصلاة فقط، بل كان (وما زال في أكثر البلاد ~~الإسلامية) ملتقى العلماء ومجمع المتباحثين ومدرسة المتعلمين؛ فتقوم ثمت ~~المناظرات في الموضوعات السياسية واللغوية والدينية. # ويجوز القول في الذين كانوا يهتمون بتلك المناقشات اهتماما يدفعهم إلى تدوين خلاصة ~~ما يسمعون في صحائف يوزعونها على فريق دون آخر - يجوز القول فيهم: إنهم كانوا الصحافيين ~~الأول. وقد كانت جميع أحوال الدولة داعية إلى إثارة هذه النهضة الفكرية. فالاحتكاك ~~المتواصل بالشعوب الغريبة، وعيشة المدن الكبيرة، وثروة الدولة المتزايدة، ورفاهية ~~الحياة الفردية الناتجة عن الفتوحات الواسعة، كل ذلك كان دافعا بالمدنية الأدبية إلى ~~الأمام. # منذ القرن الثاني للهجرة أخذت تلتئم الاجتماعات العلمية في مدن الشام والعراق، في ~~دمشق والبصرة والكوفة على وجه خاص. فكان عهد الخليفة المنصور عهدا زاهرا تقدمت فيه ~~الآداب، وارتقت الأفكار، وترجمت المؤلفات الهندية واليونانية في الفلسفة والآداب ~~والعلوم؛ فتعددت المكاتب العمومية وغصت قاعاتها بالطلاب والمطالعين، وكان كل خليفة وكل ~~أمير يفاخر بما أنشأه من المكاتب، وبعدد ما جمعه من نفيس الكتب. ولما كان الخلفاء ~~يبتاعون الكتب بوزنها ذهبا، ويفسحون صدر مجالسهم للشعراء والعلماء ويجزلون لهم العطاء، ~~كان الأغنياء والأعيان يقتفون بالخلفاء ويفردون للعلم والأدب مكانا من حياتهم وحياة ~~قومهم. # ولقد عني العرب بالتاريخ عناية خاصة؛ لأنهم شعروا باحتياجهم إليه لتدوين ما يقع من ~~الحوادث في صدر الإسلام، وما يلقاه الدين الجديد من المقاومة أو الترحاب. أما العلوم ~~اللغوية فقد كان لها عندهم شأن لم يكن لعلم آخر، وسرعان ما وضعوا قواعد الصرف والنحو ~~للغتهم الزاخرة، في حين أن الإغريق، وهم مهذبو الأمم الأوروبية، لم يفرغوا من وضع أصول غراماطيقهم # 5 # إلا بعد انتقالهم إلى خارج بلادهم، يوم جازت حضارتهم إلى وادي النيل ~~فقامت ms14 بها عظمة الإسكندرية. # وما قيل في الرومان من حيث تأثير الإغريق في مدنيتهم ينطبق على العرب بعد فتح بلاد ~~فارس؛ لأن التمدن الفارسي القديم قد صب في التمدن العربي الحديث وما كان أن ~~امتزج بعناصر بيزنطية، ومن ذلك الخليط المختلف، المتناقض أحيانا؛ حيث تلاقت آثار مكة، ~~وسوريا اليهودية والمسيحية، وبيزنطية، وبلاد فارس وبلاد الإغريق، (هذه فيما يتعلق ~~بالعلوم والفلسفة فقط) نشأت مدينة سبكت في قالب خاص؛ فبدت للملأ مدنية قومية ~~عربية. # لم يعن الفن العربي بالصور والتماثيل، والنحت العربي كالرسم؛ مقتصر على تنميق ~~الحروف الكتابية. إنما العرب أجادوا في نوع من هندسة البناء بدأوا باقتباسه عن الفرس، ~~ثم مزجوه بخصائص بيزنطية، وقد راج ذلك الفن رواجا عظيما في إسبانيا؛ فبنيت طبق أصوله ~~«الحمراء» في غرناطة، وجامع إشبيلية ومأذنته الباذخة، ويمتاز البناء العربي بأقواسه ~~الأنيقة، وأعمدته الهيفاء، وتخريمه الدقيق، وبزخرف كله رونق وبهاء، ومن أجمل آثاره ~~مساجد الأستانة وقرطبة ومصر. # كان اليونان واللاتين قد سبقوا العرب إلى غربي آسيا وشمالي أفريقيا، إلا أن نظاماتهم ~~وعاداتهم لم يكن لها نصيب في حياة الشعب، ولم يقتبس بعضها إلا سكان المدن الكبرى، وبقي ~~أهل الأرياف في ذلهم وبؤسهم يرتعون. # لكن العرب الذين كانوا يستنكفون عيشة الحضر هبطوا الأودية الخضراء، واستوطنوا ~~المروج الفيحاء في جيرة الفقراء والفلاحين، وقد زاوجوهم فامتزجت المشارب واتحدت القلوب، ~~فترك الغالب في حياة المغلوب أثرا بينا من حيث تحسين الأحوال وتسهيل المعيشة ورفع ~~مستوى الإدراك؛ فإن الآداب والعلوم والصناعة والثروة والأمان كانت تحل أينما حلت ~~مدنية العرب، وقد كانت سوريا ومصر وشمال أفريقيا والأندلس أوساطا سعيدة للدأب ~~والنشاط، بينا كانت أقطار أوروبا في حالة أشبه بالهمجية، ويوم كان الغرب جاهلا وجود ~~الشرق الأقصى، ولا يعرف من أفريقيا إلا بعض سواحلها القريبة، كانت قوافل العرب وسفائنهم ~~تحمل تجارتهم إلى الهند وجاوه والصين، وأواسط أفريقيا والجهات القصية من أوروبا كروسيا ~~وأسوج والدانمارك. # عرفت أوروبا العرب بفتوحاتهم الواسعة، ولم تكن لتصدق في بادئ الأمر أن سكان البادية ~~يحسنون شيئا غير النهب والسلب والتخريب، على ms15 أنها ألفت مع الزمن وجودهم في الأندلس، ~~ولما أن رأت إسبانيا مستمتعة بعيش رغيد في أمان وسلام؛ أرغم أهلها على الإقرار بأن ~~العرب بارعون في فنون السلم كما أنهم متفوقون في فنون الحرب. وما تأسست جامعة قرطبة ~~العظيمة وطارت شهرتها إلى ما وراء جبال البرنات؛ حتى توارد علماء الفرنجة يطلبون العلم ~~على علماء المسلمين. # ومن بين قاصديها رجل فاضل كان يدعى # Gerbrt ~~، تلقن ~~العلم من أساتذة العرب، وذلك لم يحل دون ارتقائه كرسي البابوية الجليلة بعد سنوات باسم ~~سلفستر الثاني؛ لأنه كما قال روجر باكون الراهب الفرنسيسكاني، وهو نابغة كبير من نوابغ ~~القرون الوسطى، إذ أوصى في كتبه بدرس اللغة العربية: «إن الله يهب الحكمة من يشاء، فلم ~~ير إعطاءها للاتين؛ لذلك لم تزهر الفلسفة إلا عند شعوب ثلاثة: اليهود والإغريق ~~والعرب.» # ومعلوم أن أوروبا مدينة للعرب بكتب جمة نقلها اليهود من العربية إلى العبرية، ثم ~~ترجمت إلى اللاتينية ومنها إلى اللغات الأوروبية الحديثة. كما أن فلسفة أرسطو لم ~~تصل إلى علماء القرون الوسطى إلا عن طريق العرب وبعد تراجم أربع: من اليونانية إلى ~~السريانية، فالعربية، فالعبرانية، فاللاتينية. # وقد نشر الأستاذ سلامة موسى في جريدة «البلاغ» المصرية مقالا عن «العلوم والحضارة، ~~ونصيب العرب فيها» نقلا عن مجلة «كونكست» الإنجليزية، جاء فيه: # أن العلم الحقيقي دخل أوروبا عن طريق العرب لا عن طريق الإغريق؛ فقد كان ~~الرومان أمة حربية وكان الإغريق أمة ذهنية، أما العرب فكانوا أمة علمية. # فإنهم غزوا ممالك الشرق مثل: الهند وفارس وبابل، وتعلموا منها كل ما استطاعت ~~هذه البلاد أن تقدمه لهم، ولم يقتصر علمهم على الصنائع اليدوية مثل: النسيج، ~~والدباغة، والصياغة التي اشتهر بها الشرق، ولكنهم تعلموا أيضا جميع ما يمكن ~~تعلمه من الهندسة والطب والميكانيكيات. # وقد أحرق البطريرك كيرلس مكتبة الإسكندرية في القرن الخامس، فهجر آلاف من ~~العلماء تلك المدينة إلى فارس واستوطنوها، فلما ظهر العرب عادوا فجمعوا تلك ~~المعارف المشتتة، بل أضافوا إليها. # ثم انتشروا في الغرب، وجازوا البحر إلى إسبانيا حيث لا يزال ms16 شاهدا على ~~عبقريتهم كاتدرائية قرطبة والحمراء، وقد كان سكان مدينة قرطبة يزيدون عن ~~المليون في القرن الثالث عشر، وكانت شوارعها مبلطة ومضاءة، وكان فيها ما ~~لا يحصى من الحمامات، وكان فيها نحو مائة مستشفى عمومي، ولعل القارئ يدرك ~~قيمة ذلك إذا عرف أن شوارع باريس لم يوضع عليها البلاط إلا في ختام القرن ~~الخامس عشر، ولم يكن في لندن في نصف القرن السادس عشر مصباح واحد في شوارعها، ~~أما الحمامات والمستشفيات فلم تعرفهما هاتان المدينتان إلا بعد قرون. # فنحن مدينون للعرب باستكشافاتهم العلمية أكثر مما نحن مدينون لهم بثقافتهم أو ~~فنونهم؛ فهم رواد الزراعة العلمية والتربية العلمية للدواجن، وقد زادوا ~~معلوماتنا عن الكيمياء ونواميس البصر، وعرفوا حمض الكبريت وحمض النيترات، وهم ~~الذين علمونا الحساب والجبر وأضافوا الصفر إلى الأعداد الهندية التسعة، وكان ~~الناس قبلا يعتمدون على الهندسة في تقديراتهم؛ فاخترعوا الحساب الأعشاري. وكان ~~علماء العرب يعتمدون على المشاهدة في أبحاثهم بخلاف الإغريق، فإنهم كانوا ~~يعتمدون على الفلسفة، ولكن العلم لا يرقى إلا بالمشاهدة والتجارب. وقد استعمل ~~العرب المغناطيس كما أنهم استخدموا البوصلة في الملاحة ا.ه. # كذلك أدى العرب إلى الإنسانية ما على الأمم الكبيرة من واجب النفع والإفادة. ~~انتشرت لغتهم وحضارتهم أيما انتشار؛ فكانوا صلة أمينة، صلة خير وضياء بين العصور ~~الخالية والقرون الحديثة، ولما هبط الصليبيون الشرق عادوا إلى بلادهم يحملون بعض أنظمة ~~العرب التي اطلعوا عليها في رحلتهم؛ فاقتبسها الأوروبيون وقدروها قدرها، وعلى ذلك ~~الأساس العربي المتين أقامت أوروبا صرح مدنيتها الحديثة. ~~(5) لماذا تبقى العربية حية؟ # من هو المنبه إلى تكوين هذه المدنية القومية؟ # هو فتى كان بالأمس يقصد الشام في عير قريش للتجارة، وهو اليوم محمد النبي العربي ~~ورسول المسلمين. # أما مصدر تلك الحضارة فهو القرآن. # لقد ذاع القرآن بسرعة لم يظفر بها كتاب قبله ولا بعده، ولم يقصر انتشاره على الشعوب ~~التي نزل بينها وتوافقت تعاليمه ومدركاتها وطبيعتها، بل خضعت له بعدئذ أمم لها من ~~حضارتها السحيقة ما قد كان يعد كافيا للتفلت من سطوته ورفض ms17 الإذعان ~~لأحكامه. # ولقد أوجد القرآن دينا عربيا، ودولة عربية، وأحكاما عربية، وآدابا عربية، صارت ~~كلها أجزاء قومية واحدة ربطت شعوبا لم تكن العربية لغتها؛ لذلك قال جماعة من المؤرخين: ~~إن التمدن العربي كان تمدنا إسلاميا صرفا. # والقرآن مصدر جميع العلوم التي عني بها المسلمون في أوج حضارتهم؛ فلتفسير آياته ~~وسوره وجدت علوم الكلام وعلوم المنطق، ولتفهم ما فيه من نظام وتشريع وجدت علوم الشرع ~~والفقه، ولم تكن غاية المؤرخين الأولين من العرب إلا تحديد وقت نزوله وتدوين الأحاديث ~~النبوية. # ثم أليس الجغرافيون الأول أو علماء المسالك والأمصار، هم الذين مضوا من أقاصي ~~أفريقيا وآسيا لتأدية فريضة الحج، ثم عادوا يصفون رحتلهم وما رأوه في البلاد البعيدة من ~~الجديد غير المألوف؟ ألم يكن غرض علماء اللغة إيضاح ما غمض من آي القرآن وتطبيق قواعد ~~الصرف والنحو على نصوصه؟ ألم تطلب أرصاد الفلكيين وعمليات الرياضيين لتحديد ساعات ~~الصلاة وتوقيت مواعد الحج والصوم؟ ألم تستدع مسائل الوقاية الصحية والنظافة اهتمام ~~الأطباء كما ظلت بعد تحثهم على البحث والتنقيب؟ # نعم، لم يهتم العرب في ذلك الدور بعلم من العلوم إلا لأن آيات القرآن قضت بمعرفته ~~لاجتلاء معنى غامض، أو شرح قول مستغلق. ومذاهب علماء الكلام هي التي نبهت أبحاث ~~الفلاسفة ومناظراتهم؛ فكانوا بما نقلوا وما أوجدوا أساتذة الفلسفة الحديثة. # سبق القول أن قد اشترك مع العربية لغتان أخريان بكونهما قوميتين نشرتا عقيدة دينية ~~ومذهبا سياسيا بين شعوب مختلفة أي: اليونانية واللاتينية، فقد كانت اللاتينية ~~مستعملة من كمبانيا في إيطاليا الجنوبية إلى الجزر البريطانية، ومن نهر الرين إلى جبل ~~الأطلس. واستعملت اليونانية من أقاصي صقلية إلى شاطئ دجلة والفرات، ومن البحر الأسود ~~إلى تخوم الحبشة. لكن ما أضيقه انتشارا إذا ما قوبل بانتشار العربية التي امتدت إلى ~~إسبانيا وأفريقيا حتى خط الاستواء، وجنوب آسيا وشمالها إلى ما وراء بلاد التتر! أما ~~اللغة الفصحى فقد استولت على جميع أنحاء الشرق الإسلامي، وإن لم تكن لها الغلبة كلغة ~~كلامية على بعض اللغات في الشرق والشمال، فقد أوجدت ms18 تبديلا محسوسا في الفارسية، ~~والهندية، والهندستانية، والتركية، ولغات أفريقيا، ولهجات التتر. كذلك في اللغات ~~الحديثة المشتقة من اللاتينية أو المقتبسات منها، كلمات كثيرة ذات أصل عربي . # لقد عدت اليونانية واللاتينية في صف اللغات الميتة منذ سقوط مدنيتيهما، فما الذي ~~حفظ العربية حية بعد زوال مدنية العرب بقرون سبعة؟ # إن الذي كان باعثا على تكوين المدنية العربية هو هو الذي ما زال حافظها إلى اليوم: ~~هو القرآن. # لذلك ستظل اللغة العربية حية ما دام الإسلام حيا، وما دام في أنحاء المسكونة ~~ثلاثمائة مليون من البشر يضعون يدهم على القرآن حين يقسمون. # | والمجمع اللغوي؟ # نعلم أن المجمع اللغوي كان يلتئم كل أسبوعين اثنين في دار الكتب المصرية بدعوة من المدير ~~السابق، وأن هذه الجلسات ظلت تنعقد في الشتاء الماضي حتى جاء الصيف ولفحت لوافحه؛ فانحل ~~المجمع وانطلق «يصطاف» في أشخاص أعضائه الموقرين، على الشاطئ ذي النسيمات العليلات. # ولما انكسرت شوكة الحر ورجع الناس من مصايفهم عاد المجمع إلى الالتئام في دار الكتب، وكل ~~من لجانه تشتغل على حدة لعرض خلاصة أبحاثها على هيئة المجمع. لكن ما كان أن استقال الأستاذ ~~لطفي بك من إدارة المكتبة، وقد مر على هذه الاستقالة شهر دون أن يلتئم المجمع، ودون أن نقرأ ~~عنه في الصحف شيئا. # فأي خطب دهاه؟ # يتحمس الناس عندنا لمسألة في بادئ الأمر تحمسا أحسن ما يقال في تعريفه أن الفرنجة ~~ينعتونه «بالشرقي»، حتى إذا ابتعد موجد الفكرة وواضع أسها عن ميدان العمل لسبب من الأسباب، ~~هبط المشروع وتفككت أجزاؤه، كأن لا قيمة للفكرة نفسها ولا أهمية لها إلا بأهمية مروجها ~~ودوام حضوره، في حين ينبغي أن تكون قيمة الرجل من قيمة مشروعه، وأن يكون حضوره وغيابه سيان ~~من حيث التأثير في العمل؛ لأنه يظل في اطراد على كل حال. # فإذا كان لطفي بك موجد فكرة المجمع والداعي إلى عقد جلساته قد ترك إدارة المكتبة للاندماج ~~في الوفد المصري؛ فأي علاقة للمجمع بذلك؟! لم يكن للمجمع اللغوي صبغة رسمية، ولا كان ~~للحكومة تدخل ms19 في شئونه، رغم أن اجتماعاته كانت تعقد في دار تابعة لوزارة المعارف، فما دام ~~متمتعا بالحرية التامة، ترى لماذا لا يتفق الأعضاء المحترمون فيما بينهم على الاجتماع في ~~مكتبة أحمد زكي باشا مثلا، أو في منزل أي عضو من الأعضاء الآخرين، وكلهم من أهل الجاه، كما ~~أنهم أهل علم وفضل؟! # لماذا لا يتفقون على ذلك؛ فلا يدعون هذا المشروع يغرق في الماء أو يطير في الهواء كأكثر ~~مشروعاتنا الشرقية؟ # 1 # | «الإجبشن ميل» تضحك # استهلت جريدة «الإجبشن ميل» الإنجليزية هذه السنة المباركة بضحكة مطبوعة ذات عنوانين ~~أنيقين، يزينان العمود الخامس في الصفحة الأولى من عددها الصادر صباح أول يناير سنة 1919، ~~لقد أضحكها ما قلت عن المجمع اللغوي فترجمته إلى الإنجليزية تحت هذا العنوان: «إهمال ~~«الخالدين» في مصر»، ونشرت مقدمة وجيزة قالت فيها: إن «تهاون أعضاء المجمع يترك اللغة ~~العربية ملوثة بالألفاظ الغريبة، مثل: بوستة، وبيسكليت، وتراموي، وغيرها من الكلمات التي ~~تشوب صفاء اللغة». # ثم عادت فنقلت كلام «الأخبار» في تصريح فضيلة شيخ الجامع الأزهر ورئيس المجمع اللغوي بأن ~~جلسات المجمع ستعود إلى الانعقاد، وأنهم (أي الأعضاء) يبذلون جهدهم في إيجاد ألفاظ عربية ~~للمسميات الإفرنجية. # هذا التصريح أثبتته «الإجبشن ميل» بالحرف دون أن تعلق عليه بكلمة، إلا أنها جعلت له هذا ~~العنوان الضخم الذي ينم عن بسمة الازدراء وراء لهجة الجد: «جهد المجمع الجهيد»، وهي تعني ~~بذلك كلام الأستاذ الأكبر القائل: «إننا أجهدنا النفس كثيرا في سبيل إطلاق أسماء عربية على ~~كثير من الآلات الزراعية، وفي سبيل وضع تعبيرات عربية صحيحة بدلا من عديد الاصطلاحات ~~المتداولة.» # لا لوم على الصحيفة الإنجليزية، ولكن أتتفضل فتقول لنا: لماذا هي تنظر إلى هذا المشروع ~~بعين المرتاب في نجاحه، القائل أن لا ضرورة لهذا المجمع ولا فائدة من أعماله؟! # وإلا فما الذي يضحكها يا ترى؟ # لماذا لا يجوز للمجمع اللغوي ولكل كاتب عربي أن يؤثر استعمال ألفاظ عربية دون التعبيرات ~~الإفرنجية؟! أليست الحال كذلك عند جميع الشعوب؟ # ولو اقتصرنا على لغتها دون غيرها ألا تذكر «الإجبشن ms20 ميل» أن الإنجليز أنفسهم يفضلون ~~الكلمة السكسونية الأصل على الكلمة اللاتينية؟ وأن كبار كتابهم إذا وجدوا أمامهم كلمتين ~~اثنتين تؤديان المعنى تماما إحداهما سكسونية، والأخرى لاتينية سارعوا إلى استعمال الكلمة ~~الأولى؛ لأنهم يرونها أفصح وأبلغ؟ # فلماذا ينكر علينا ما هو في نظرهم عين البلاغة وكل الحق؟ # | ما زلنا في الموضوع # يظهر أن إخواننا السوريين سواء في الوطن والمهجر، قد وصلوا إلى دور إنشاء الروابط وتأليف ~~المجامع؛ ففي نيويرك «الرابطة القلمية»، وفي دمشق «الرابطة الأدبية»، وفي بيروت «المجمع ~~العلمي»، وكلها خطوات صالحات ننظر إليها نظرة الرضى والاستحسان. إن لمثل هذه المجامع ~~تأثيرا في اللغة من حيث: التنقية والصقل، فضلا عن الإنعاش والتنشيط. # عندما أقرأ الكثير مما يكتب في هذه الأيام أقف حائرة وبي استفهام، ما عسى يكون حكم ~~الأجيال المقبلة علينا؟ إني أشعر في أكثر مطالعاتي العربية بأني في ماضي اللغة العربية أو ~~في مستقبلها؛ في ماضيها مع المحافظين الجامدين، وفي مستقبلها مع المتهورين ~~المجازفين. # ولكن أين نحن من حاضرها؟ وما اسم اليوم الذي نحن فيه؟ إن السير على الأساليب العتيقة ~~وتقييد الفكر بالاستعارات المتحجرة من جهة، والمجازفة في اعتناق كل جديد دون بحث ولا تمحيص ~~من جهة أخرى؛ يوقفاننا في موقف الحيرة والقلق، ويجردان أدبنا العصري من طابع تطبع به الآداب ~~عادة في كل دور من أدوارها. # ولئن حق الانتقاد على دعاة الأسلوب العتيق الذين كأنهم ينكرون أنهم ولدوا بعد أولئك ~~القدماء بعصور، فليس ثمة ما يسوغ إفساد اشتقاق اللغة وتصريفها والتساهل في قواعدها أو ~~القضاء على روحها. # إنما الغرض من اللغة أن تكون آلة صحيحة لإظهار ما يراد إظهاره من فكر وعاطفة وبيان. إنما ~~الغاية منها إيصال المعنى الذي وضعت لأجله، والتردد في التعبير كثيرا ما يكون ترددا في ما ~~وراءه من مادة فكرية وإنشائية، فإذا وصلت أقلية راقية إلى الكمال النسبي فكرا وتعبيرا، ~~وتيسر لها أن تكون ذات أثر في بيئتها؛ قامت تحتذيها خاصة المتعلمين، فاحتضنت أساليبها ~~وتعلمت منها البحث عن أساليب جديدة. # وهذه الأقلية تؤثر بدورها في ms21 غيرها، فيظل تفاعل الفكر واللغة في اطراد لمصلحتهما معا؛ ~~لأن هذا التفاعل أي: تهذيب الفكر عن طريق التعبير، وتهذيب التعبير عن طريق الفكر، عامل ~~أولي في تكوين آداب الأقوام وتطورها بمقتضى ما يحيط بها من الأحوال، وما يستحثها ويوحي ~~إليها من المؤثرات. ~~••• # ولكن لماذا دعوا مجمع بيروت «المجمع العلمي»؟ أليس أنه تألف للبحث في شئون اللغة ~~والنهوض بالآداب العصرية؟ فما «للعلم» وله والحالة هذه؟! # أعرف أننا اعتدنا إطلاق هذه الكلمة على علم اللغة، كما نسمي العارف بأصوله «عالما»، ~~فعندنا في مصر مئات (ولماذا لا أقول ألوف؟) «العلماء» في اللغة والفقه، الحائزين لشهادة ~~«العالمية» من الأزهر أو من مدرسة القضاء الشرعي، ولكنهم ليسوا «علماء» بالعلوم الرياضية ~~والطبيعية ... إلخ، غير أنهم يتبعون نظاما معينا في ألقابهم وفي دراستهم جميعا. # أما المجامع التي تؤلف في هذه الأيام، وتسن لها القوانين على الطراز الحديث؛ فعليها أن ~~تسمي الأشياء بأسمائها دون إبهام ولا إشكال. ~~••• # في القاهرة مجمع يدعى «المجمع العلمي المصري» أنشأته الحملة التي صحبت نابوليون من ~~الاختصاصيين في مختلف العلوم، وأعضاؤه اليوم خليط من وطنيين وأجانب، وكلهم من صفوة العلماء ~~في هذه الديار، يتطارحون في قاعته المحاضرات العلمية النفيسة، ثم «الجمعية الجغرافية» ~~ومحاضراتها تبحث في حدود البلدان وطبيعتها وأخلاق أهاليها وعاداتهم، كذلك جمعية «الاقتصاد ~~السياسي والإحصاء والتشريع» تعنى بما ينطبق على اسمها ويدخل في دائرتها. # أما المجمع الذي كان قصده كقصد المجمع البيروتي، فكان يدعى «المجمع اللغوي»، ومن أعضائه: ~~الدكتور صروف، وأحمد زكي باشا، والأب لامنس اليسوعي، والمغفور لهما: شيخ الأزهر السابق، ~~وحفني بك ناصف. وقد دعا إلى إنشائه أحمد لطفي بك السيد يوم كان مديرا لدار الكتب. # لقد كان لطفي بك عاملا كبيرا في تكوين النزعة المصرية الحديثة، وكان له في «الجريدة» ~~أبحاث خطيرة اجتماعية وقانونية وسياسية وفلسفية وأدبية، وقد عني باللغة عناية خاصة، ومن ~~رأيه إدخال اصطلاحات المعاملات وما حسن من الألفاظ العامية في لغة الكتابة، وقبول كل لفظة ~~أجنبية ليس لها مقابل في العربية لتسمية الأدوات والآلات وتعريف المشاعر النفسية ... ~~إلخ. ms22 ~~••• # عقد المجمع جلساته الأولى في دار الكتب، وبدأ أعماله بتعيين لجان تبحث في الشئون التي عهد ~~بها إليها؛ فهذه تبحث عن الاصطلاحات العلمية، وتلك عن الاصطلاحات الفلسفية ، وتعنى غيرها ~~بالمسميات السيكولوجية ... إلخ. وقد رأيت قائمة حسنة «لمصطلحات علوم الفلسفة الحديثة» قدمت ~~إلى المجمع من أحد أعضائه أمين بك واصف، ثم جاءت الحركة المصرية تهز الأمة منذ 13 نوفمبر ~~1919؛ فاستقال لطفي بك من منصبه لينضم إلى الوفد المصري المجاهد في أوروبا لتحرير البلاد، ~~وتمزق شمل المجمع، وتوفي بعض أعضائه ولم نسمع عنه بعدئذ خبرا. # ولا أظنه عائدا إلى الالتئام في هذه الأيام العصيبة أيام المظاهرات والألوية، أيام ~~«فليحيا» و«ليسقط»، بين تشكيل الوفد الجديد وانتخاب أعضاء الجمعية الوطنية المقبلة التي ~~ستكون بمثابة «برلمان» نيابي. # السياسة هي الزي الذي تتزيا به اليوم أفراد الأمة: فمن عالم ماذا يريد، ومجاهر بما يعتقد، ~~ومن تابع هو سعيد بأن يسير أمامه قوم ليسير في أثرهم مع التابعين ... # | «الإجبشن ميل» تناقش # 1 # تذمرت بالأمس إذ رأيت «الإجبشن ميل» تضحك من مشروع المجمع اللغوي. أما اليوم وقد ~~توزعت في عمود منها ونصف عمود شظايا قنبلة قلمية؛ فإني أذهل بعض الذهول أمام هذه الحملة ~~غير المنتظرة. # لا أظن المناقشة ذات جدوى إذا أريد منها الإقناع، بيد أنها موفورة الفائدة مرغوب فيها ~~عندما ترمي إلى احتكاك الآراء، وما قد يؤدي إليه من شحذ الذهن والاهتداء إلى رأي جديد ~~أو اجتلاء رأي مبهم، وإذا كان مناظرنا واسع الاطلاع، خالص النية، صادق في تمحيص الفكرة ~~بأمانة ودقة دون تشبث بها وتعنت لها لأنها فكرته ليس إلا؛ وجدنا في مناقشته عدا الفائدة ~~سرورا ونشاطا. # وهذا ما أشعر به - بعد الإجفال الأول - إزاء اعتراض سبيرو بك. # وأول ما يحضرني من اعتراضه هو قوله: # إن المجمع اللغوي لا فائدة منه إلا إذا جعل غايته تلقف جميع الكلمات الشائعة ~~بين العامة ودمجها في اللغة؛ لأن اللغة ملك الأمة، وفي يد الأمة حياة اللغة ~~وموتها، وإن لم يكن لهذا المجمع من مثيل إلا في فرنسا؛ أفنحسب سائر ms23 الأمم عاجزة ~~ركيكة البيان لأن لا أكاذمية لها؟ كلا، إن الغربيين لا يقضون وقتهم في مثل هذه ~~المماحكات الباطلة، ولديهم ما يصرفهم عنها من المشاغل الخطيرة، وكما أن اليونان ~~والطليان لا يجهدون النفس لإحياء لغتهم القديمة ويكتفون بلغتهم الحديثة التي ~~تتفق منها السهولة والتراكيب والاصطلاحات مع حاجات العصر، كذلك على المتكلمين ~~باللغة العربية أن يطرحوا اللغة الفصحى بصعوبتها وتعقيدها جانبا، وأن يأخذوا ~~بكل لفظة تدور على الألسن؛ لأنها تؤدي معنى من المعاني المطلوبة، فإذا اعتزم ~~المجمع اللغوي على ذلك كان عمله نافعا، وإلا فليدع الشعب وشأنه يتصرف بلغته ~~كما يشاء. # هذا أول ما أذكره من اعتراض سبيرو بك؛ لأن الاستعارات المقبولة والتراكيب المنقولة ~~التي يرى فيها بعضنا كل الفصاحة وكل البلاغة، كادت تفسد علينا ذوقنا ونشاطنا وحريتنا ~~الفكرية، بل وحاسة الحياة فينا! # الغرب يعالج مجاري الماء وتيارات الهواء، وينبش دفائن الطبيعة وأسرار النفوس، ويسعى ~~إلى أخفى الزوايا من هذه الأرض؛ فيستعمرها ويغلبها على مرافقها ومواردها ومحصولاتها، ~~ويستدر من جبالها وسهولها وأنهارها ثروة ما كان الأهلون ليحلمون بوجودها. # وفي هذا الوقت المملوء بالعراك وتنازع موارد التجارة والثروة، والسعي للمعرفة والنور، ~~ترانا إذا شئنا أن نكتب ونعبر عن هذه الحركات الجديدة؛ نحرص جدا ليس فقط على أن لا ~~يغضب من عجزنا الخليل وسيبويه، ولكن نجتهد (وباطلا نجتهد) أن لا نعرض اللفظة الحديثة ~~لسخط المناطقة وعلماء اللسان والشعراء والمفسرين العديد عديدهم الذين لم يصدروا لها ~~التصريح بالحياة والتجوال! # الأمم حولنا وفي ديارنا تجري وتبدع وتنبش وتطير وتغوص وتكتشف، مسخرة قوى الطبيعة ~~لنشاطها وحاجتها، أما نحن فإذا حاولنا أن نحدث عن بعض هذا، فليس لدينا إلا الاستعارة ~~القديمة والاسم الذي رضي عنه القاموس، وهما لا ينطبقان على المعنى المستحدث والآلة التي ~~لم يعرفها أسلافنا. فإذا اقتحمنا على الاسم الإفرنجي وكتبنا كما تملي علينا شخصيتنا ~~ونزعتنا الفردية، تلقحانا في الحال الحرم اللغوي القاسي، وجوزينا على وقاحتنا، أو على ~~استقلالنا الأدبي، بالكلمة ذات الشأن الخطير كأنها هي الأخرى قدستها موافقة الخليل ~~وسيبويه: «هذا عربي بالإفرنجي!» # والذين ms24 يرموننا بهذا «الحرم» لا يذكرون حتى ولا حقنا الطبيعي في أن يكون لنا حكم ~~متواضع على «اللغة العربية البليغة» التي أقنعوا نفوسهم بأنهم كاتبوها! # 2 # فإن أنا رأيت رأي سبيرو بك بوجه في وجوب إصلاح اللغة وإنعاشها؛ فأراني وإياه على خلاف ~~في التفاصيل، ويمكن تلخيص اعتراضه في هذه البنود الثلاثة. يعترض حضرته: # أولا: # على صعوبة اللغة. # ثانيا: # على تضاعفها بين فصحى أو كتابية وكلامية؛ أي: عامية. # ثالثا: # يعترض على إنشاء المجمع اللغوي ويحدد وظيفته، أو بالحري هو يحذف ~~الحدود من تلك الوظيفة ويجعلها شائعة. # أما الصعوبة فإذا كانت بينة في اللغة العربية فهي غير محصورة فيها، وأية لغة تخلو ~~من صعوبة اللفظ أو التعبير والكتابة أو القواعد، أو الزوائد التي لا منفعة لها؟! حتى ~~ولو كانت حديثة مختلطة كاللغة الإنجليزية، فكيف بالعربية وهي من أمهات اللغات، وميزتها ~~على جميع اللغات الشائعة في كونها اللغة القديمة الحية رغم الزمان؟! # إن الذين تعلموا منا الإنجليزية يعرفون صعوبة نطقها، ويعجبون للحروف الكثيرة التي لا ~~تظهر في اللفظ، ومع ذلك فلا يحذفها الإنجليز ويرغمون أبناءهم والمتعلمي لغتهم على إجهاد ~~النفس في ما لا طائل تحته. والإنجليز قوم عمليون، ملكوا العالم بهذه الصفة، وروجوا ~~مصالحهم ولغتهم؛ حتى صارت مع الإسبانية أوسع اللغات انتشارا، وهم مع ذلك يحرصون على ~~تلك القيود التي تثقل كل لغة عصرا لتسقط عنها في عصر آخر، ويظهر أن وقت تحرير اللغة ~~الإنجليزية من تلك القيود لم يأن بعد. # ويصدق هذا على اللغات الأخرى: هاك الألمانية مثلا، لغة العلم والتجارة والكبرياء، ~~التي يطمع أهلها في إحلال الثقافة الجرمانية محل الثقافة اللاتينية في أنحاء المعمور، ~~فإن الأطفال يتعلمون بها أبجديات أربعا: اثنتين منهما الكبيرة والصغيرة # Majuscule & Minuscule # من الكتابة التي ~~يسمونها لاتينية، واثنتين أخريين من الكتابة التي يسمونها جرمانية، ولكل من الكتابتين ~~حروفها وخطها كأنهما لغتان لا تتشابهان. وما هذه إلا إحدى صعوبات تلك اللغة العصية، إلا ~~أنها لم تحل دون تقدم الألمان في ميادين العلم والاقتصاد والفلسفة والآليات والرياضيات ~~... إلخ، وهم يباهون ms25 بهذه الصعوبة، وينظرون ببعض الازدراء إلى اللغات المشتقة من ~~اللاتينية، وينكرون عليها اسم اللغات، بل يقولون إنها «لهجات». # حتى الفرنساوية تجد في كتابتها صعوبة لا شبه لها في اللغة العربية؛ فما قد يكتب عندنا ~~بثلاثة حروف يقتضى أحيانا عندهم سبعة حروف، والحركات التي تجد اليوم عندنا من يثور ~~عليها، ويطلب حذفها موجودة عند الفرنسويين، وإن اختلفت وظيفتها اللفظية بعض الاختلاف، ~~وتصريف الأسماء الذي يحرجنا في العربية موجود عند الألمان وعند اليونان الذين يضرب بهم ~~سبيرو بك المثل. إن اليونانية الحديثة بتصريفها وحركاتها وقواعدها ليست دون العربية ~~صعوبة، وتزيد عليها في اشتباك الأبجدية. وحسبي أن أذكر من ذلك أن حرف الياء يكتب عندهم ~~على سبعة أنواع؛ تارة بالحرف المفرد، وطورا باتحاد حرفين من حروف العلة. # الإصلاح ليس الهدم دواما، بل هو في الغالب تبديل وصقل وتكييف؛ إذ ليس في صالح الأمة ~~إنكار الماضي الزاخر بالمجد الأدبي والحكمة، وكما أن الفرد الواحد من الناس لا يأتي ~~العالم مستقلا عن أمسه وغده، بل يأتي متصلا على رغم منه بما سبقه وبما سيلحقه، فكذلك ~~اللغة التي هي وحدة حية ورثناها وورثنا معها الحق في أن يكون لنفسيتنا مجموعا وأفرادا ~~أثر فيها. أما نبذها والاستعاضة عنها باللغة العامية فاعتراف بالعجز والخذلان؛ لأن ~~اللغة تنتعش بانتعاش الأمة وتجمد بجمودها، وأدل دليل على ذلك أن أساتذة الأزهر - وهم ~~أئمة اللغة والساهرون على كيانها القديم - كانوا - على ما قيل لي - يلقون الدروس على ~~تلاميذهم منذ نحو قرن باللغة العامية. ولا عجب في ذلك والأمة يومئذ في سبات ~~عميق! # 3 # لذلك كان اقتراح سبيرو بك بالاكتفاء باللغة العامية غريب في بابه، ولا أدري هل في ~~التاريخ مثال واحد من نوع هذا التنازل والتجرد؟! # لئن اكتفى اليونان والطليان بلغتهم الحديثة دون القديمة؛ فلأن الشعبين الأولين ~~اندثرا، والذين يعيشون في إيطاليا وبلاد اليونان لا يتحدرون منهما مباشرة، بخلاف ~~العرب الذين نجد بينهم عائلات متسلسلة منذ عهد صدور القرآن، والشعبان الأجنبيان ينطقان ~~بلغة جديدة مشتقة من القديمة، ولكن لها قواعدها وأصولها وضوابطها، ms26 لا لهجة من لهجاتها ~~الاصطلاحية. # إن تضاعف اللغة أمر طبيعي عند جميع الشعوب؛ ففي قومية واحدة ذات لغة كبرى تتفاهم بها ~~جميع أنحاء الوطن الواحد، تجد لكل إقليم لهجته الاصطلاحية الخاصة، يخلد هذه اللهجة ~~الشعراء والكتاب الأوفياء لبيان «وطنهم الصغير» بتجديدها دون أن يكون ذلك تهديدا ~~لكيان اللغة الجامعة الكبرى. # عن طريق إحياء اللهجات الإقليمية نشأت شهرة نفر من كتاب الفرنسويين في النصف الثاني ~~من القرن التاسع عشر؛ أمثال: ميسترال، ورومانيل، وأوبانيل مجددي لهجة بروڤنسا، واللهجات ~~الأخرى من لسان أوك # Langue d’oc # الذي يشمل وحده ~~اللهجات: الجكسونية، والكتالونية، واللنجدوسية، والليموزينية، والبروڤنسالية ~~والدوفينية، والساڤوارية، والرومندية. أقتبس هذه القائمة عن لاروس الذي يختمها بكلمة ... ~~إلى آخره! # ويقابل هذا اللسان لسان أويل # langue d’oil ~~، وهو الذي ~~تغلب على تلك اللهجات؛ فكان اللغة الفرنساوية التي نعرفها اليوم. # كذلك في إيطاليا لهجة البندقية غير اللهجات: البيمونتية، والبولونية، والمودينية، ~~والنابولية، والصقلية، والفيورنتينية. ولكل من هؤلاء شعراء وكاتبون بلهجتهم الإقليمية ~~على مقربة من تصانيفهم في اللغة الإيطالية الفصحى. # ونلقى التعدد نفسه في اللهجات العربية: فلهجة مصر غير لهجات سوريا والعراق والحجاز ~~والجزائر ومراكش ... إلخ. حتى لهجات تلك الأقطار نفسها تختلف فيما بينها: فلهجة الصعيد ~~غير لهجة القاهرة، ولهجة فلسطين غير لهجة لبنان، ولهجة لبنان غير لهجة دمشق، ولهجة دمشق ~~غير لهجة حلب والإسكندرونة. وهنا أقلد «لاروس» وأقول ... إلى آخره. # فأي هذه اللهجات نعتنق؟ وهل من صالح أهل البلاد أن يؤلفوا لكل لهجة منها كتبا جديدة، ~~ويضعوا لها أصولا وقواعد جديدة؟! أليست صعوبة اللغة الفصحى والحالة هذه أقرب إلينا ~~منالا وأثبت أساسا؟ لا شك عندي في أن ضلع جميع هذه البلدان معها. # وقد خضعت اللغة الفصحى مرغمة لسنة التطور، فما أضعف الشبه بين عربية الجاهلية ~~وعربية أيامنا! هناك ألفاظ وتراكيب واصطلاحات اندثرت من تلقاء نفسها؛ لأن اللغة الحية ~~كجميع الكائنات الحية تشمل قوتي التركيب والتحليل، فهي من الجهة الواحدة تنمو وتتجدد ~~بما تضمه إلى معانيها ومفرداتها، ومن الجهة الأخرى تندثر منها الألفاظ الغريبة ~~والمفرادات الحوشية والكلمات غير المطلوبة. ms27 وهذا ما تم للغة العربية في تاريخها، وعلينا ~~الآن أن نمهد لها الوسائل لتجاري الحركة الكبرى في العالم بجميع شعبها وفروعها؛ فيتسنى ~~إذن أن تبقى رابطة فريدة بين مختلف الشعوب الشرقية. ولا يمكن أن نحافظ على مكانتها هذه ~~إلا وهي اللغة الفصحى القوية بقواعدها وأصولها، النازعة عن الجمود للاحتكاك بنشاط ~~الأفكار حولها. # 4 # وصلنا إلى المجمع اللغوي الذي تتخاصم صحف العاصمة لأجله وهو في غيبوبة ~~الأحلام. # وظيفة المجمع - يقول سبيرو بك - أن يقبل جميع الألفاظ الدائرة على الألسن ~~ويدونها في قاموس اللغة. # إذن يا سيدي الكريم، ما شأننا والمجمع في هذه الحال؟ ولماذا تنعقد هذه الهيئة العلمية ~~وكل فرد من أفراد الأمة «مجمع» قائم بذاته؟ # الشعب يقول: «تلتوار» و«ترمبيل» و«سمس» و«سجر» و«ماراتزمو»؛ أيكون إنعاش اللغة بمثل ~~هذه الألفاظ التي تعد بالمئات؟ أتجديد هذا وترقية أم هو مسخ وتشويه؟! # في اللغات الأوروبية لغو هو من سقط الألسن الجاهلة يسمونه # Slang # أو # Argot ~~، ~~ولا نعلم أنه يرضى باستعماله كاتب يحترم نفسه، فضلا عن نبذ المجامع له. فإذا كان الشعب ~~كثير الاستعمال لمثل هذه الألفاظ؛ أيتحتم تسجيلها في اللغة الراقية، وهي التي يأبى ~~الإصغاء إليها الفرد المهذب؟ إن للتعبير ارتقاء كما للأفكار والعواطف والميول، وكلما ~~لطفت النفس من امرئ وتثقف الفكر تهذب تعبيره وسما بيانه؛ لأن بين القلب واللسان ~~سبيلا سويا. وما نطمع فيه الآن هو إنصاف أنفسنا، فنصرح لها بأن تكون كما أرادتها ~~الطبيعة، وتفصح عن خوالجها بحرية. وإن ننصف اللغة فنحترم قواعدها وأصولها؛ فلا نحن نكذب ~~ونداجي، ولا اللغة تجمد وتختلط. وما نطمع فيه ويعمل له التعليم والتهذيب هو رفع العامة ~~إلى فهم أوسع وأحذق، والنزول ببعض الخاصة إلى ميدان أسهل ليتم في اللغة ما هو تام بين ~~المراتب من التمازج. # أما ما يستطيع أن يفعله المجمع اللغوي سواء انعقد في مصر أم في غيرها من الأقطار ~~العربية، فينحصر في أمور أربعة: # أولا: # أن يؤلف لجنة تبحث في كتب العرب، ففيها بحر زاخر من الألفاظ ~~والمسميات والمفردات الرشيقة البليغة التي نجهلها؛ ms28 فيستخرجون منها كل ~~ما يمكن الانتفاع به. # ثانيا: # أن يؤلف لجنة أخرى توجد لجميع المسميات والمعاني والأدوات ~~الجديدة أسماء وتعبيرات سهلة، إن لم تكن في كتب العرب فعن طريق النحت ~~والاشتقاق والتعريب؛ لتقرير ما يتفاهم به أهل جميع الأقطار، فلا يكون ~~كل من كتابهم قاموسا لذاته ومجمعا متفردا. # ثالثا: # أن يؤلف لجنة ثالثة ترجع إلى: «عمال السكة الحديد، وباعة الأقمشة ~~والأثاث والماعون وأدوات الزينة والاستصباح والطب والهندسة والصناعة ~~والزراعة، وسائر شئون الحياة، ومرافق المعيشة التي اتسعت دائرتها ~~بيننا؛ فتتعرف مصطلحات كل جماعة ومهنة، وتأخذ عنهم الأسماء التي عربوها ~~وتواطئوا على استعمالها، فتتناولها وتهذب منها ما هو خليق بالتهذيب ~~وتدونه في القاموس الذي يتحتم تأليفه. # رابعا: # أن يلخص لنا المجمع القواعد في كتاب واف على اختصاره على نحو ما ~~يفعل الإفرنج، بحيث يضمن للمتعلم الإلمام بها؛ فيعالج اللغة ويكتبها ~~كتابة صحيحة في أقرب وقت ممكن. # هذا أهم ما يقوم به مجمع لغوي عربي، على أن لا ينفرد مجمع قطر واحد بتقرير الألفاظ ~~وتدوينها؛ لأن اللغة ليست له وحده، بل عليه أن يعرض خلاصة أبحاثه على علماء الأقطار ~~الأخرى ومجامعها، فيبحثونها ويكون التقرير في آخر الأمر بالإجماع - قدر ~~المستطاع. # إذا كانت الأكاذمية الفرنساوية أشهر أكاذمية من نوعها؛ فلماذا نضرب صفحا عن مثيلاتها ~~اللائي هن دونها شهرة، على أنهن جميعا أنشئن في بادئ الأمر لتنقيح اللغة ~~وإنعاشها، ثم تدرجن إلى العناية بعلوم الآداب والتاريخ والاجتماع وغيرها؟ # على المجمع العربي أن يبدأ بما بدأت به المجامع الأخرى، لقد أطلعتنا أوروبا على ما ~~أبدعته وتتابعت الاكتشافات وتعددت العلوم؛ فوجدنا أنفسنا بغتة إزاء أشياء نجهلها ~~ومسميات لا أسماء لها عندنا، بينا يشتد احتكاكنا بالأجانب واحتياجنا إليهم، ونضطر إلى ~~مخالطتهم سواء في بلادنا وفي بلادهم، وقد درسنا لغاتهم فرأينا فيها العجب، ولا أدري ~~لماذا نحن لا نجاري تلك اللغات، ومميزات لغتنا هي ما فيها من التصاريف وحروف المعاني، ~~وهذه كافية وافية. وإذا اضطرت إلى اسم لمسمى جديد فإما أن تضعه لها وإما أن تقتبسه من ~~غيرها. على ms29 هذا النسق تمشت العربية في القرون الأولى حين ترجمت إليها كتب العلم ~~والفلسفة من السريانية واليونانية والهندية، وقام فيها واضعو علوم اللسان، فإنهم وضعوا ~~واشتقوا وعربوا واقتبسوا، وبقيت العربية في مقامها الأنيق يتفنن في سبك المعاني في ~~قوالبها أبو الطيب وأبو العلاء والصابي والأصفهاني وابن سينا وابن رشد وأمثالهم من ~~العلماء والأدباء. # لقد وسع القرآن اللغة العربية وحفظها من الدثور، وأبقاها في رونقها الأول. # 1 # ولا يطلب من أبنائها الآن لجعلها تجاري النهضة الفكرية والصناعية الحديثة ~~إلا أن يجروا على خطة أسلافهم الأولين في وضع المصطلحات وتسمية المسميات. # إن لغتنا واسعة حية نكتبها، ورغم ما يعصانا من المفردات والمعاني؛ فإننا نشعر بفيض ~~فيها وتجدد. # الشعوب تحاول اليوم نشر لغاتها لتقوي كيانها وتروج مصالحها، وتحاول إيجاد لغة دولية ~~جديدة يتفاهم بها الغرباء فيتحدون ويتضامنون، وهي لغة الإسبرانتو وما نحوها، فكيف ينبذ ~~الشرقيون هذه القوة الكبيرة التي امتازوا بها، ويتجاهلون أهمية جامعة اللغة التي توحد ~~بين عواطفهم وأفكارهم وأميالهم؟! # يكتب الكاتب العربي الواحد كلمة الشكوى، أو الحرية، أو الإصلاح، ويخطها في زاوية كوخه ~~في قرية بعيدة؛ فيرن صوته في ملايين القلوب الشرقية، وتتوزع عواطفه بين شعوب عديدة، ~~وحسبنا هذا لنحرص على اللغة الفصحى التي هي رابطتنا الوحيدة المكينة. # هذا ما ينبغي أن يذكره المجمع اللغوي أنى انعقد، كما عليه أن يذكر أن التحصن في ~~الماضي جمود وموت، والاستسلام للفوضى جنون واستهتار؛ فكما أن الشعوب هي ابنة الماضي ~~والحاضر والمستقبل فكذلك لغاتها ترتكز على الماضي، وتجاري الحاضر، وتهيئ المستقبل الذي ~~يسهل عليه بعدئذ أن يعمل لنفسه. # ولا يفوتني هنا أن أسدي إلى سبيرو بك الشكر على عنايته باللغة العربية والآداب ~~العربية مما تفرد به بين إخوانه الصحافيين والباحثين، فله مني ومن جميع عارفي فضله ~~الحمد والثناء. # | فلان «ومدامته» # بين الجمل الاصطلاحية المستعملة على بطاقات التهنئة بالعام الجديد تجد هذه الجملة الكثيرة ~~الشيوع: «فلان ومدامته يهنئانكم ... إلخ إلخ.» # طالما وقع نظري على هذه الكلمات مع أني ألفتها، فهي تضحكني كل مرة؛ لأنها تذكرني بذلك ms30 ~~اللبناني الذي أضاع زوجته في شوارع نيويرك، ومضى يسأل البوليس عنها بلغة زعمها إنكليزية حين ~~قال: «يا مستر وين راحت هالمستيرة؟» # لا يخفى على ذوي «المدامات» وغيرهم أن مدامتي ومدامتك ومدامته ليست دون مستيرتي ومستيرتك ~~ومستيرته فكاهة مستملحة، ولا يخفى أن التعبير العربي في هذه الحالة ليس بالميسور، ولا ينتظر ~~أن يكون ميسورا؛ لأن العرب لم يكونوا ليضموا أسماء نسائهم إلى أسمائهم في تبادل المجاملات ~~الاجتماعية؛ فبديهي أن المتفرنج منا يتفرنج «بنصفه الأفضل» بعد أن تفرنج في أمور جمة لا ~~غنى عنها في الوقت الحاضر. # ولا يظنن أن الشرقي وحده حائر في هذا المعنى، بل تناولت الحيرة الأوروبيين، وكثيرون منهم ~~يشيرون إلى زوجاتهم بأسماء يتبسم لها السامع إن لم يكن بشفتيه ففي نفسه. # ولقد أخذت المسألة منذ شهور دورا في فرنسا هو من الأهمية بحيث استدعى اهتمام الأكاذميا، ~~التي حاولت أن تعين لفظة يعني بها الرجل شريكته في الحياة. # ترى إذا ذكرها في غيابها فكيف يدعوها؟ أيقول: سيدتي أي: «مدامتي» (بالفرنساوية وليس ~~بالعربية)؟! أم يقول: «مدام فلان» أي: مدام نفسه - شأن الطفل المدعو بزيد مثلا، يحدث الناس ~~عن كورته التي هي كورة زيد، وإن زيدا أكل تفاحة كبيرة بعد أن ارتدى زيد ثوبا جميلا لا ~~يمكن أن يحصل عليه من لم يكن بزيد. # أم يقول زوجتي، أو امرأتي، أو جنيتي، أو أي شيء؟ # ولم يخبرونا ما إذا مر في أبحاث الأكاذميا خيال من هو أكثر ملوك فرنسا أرستقراطية ~~وأناقة؛ أعني: لويس السادس عشر، الذي كان يذكر ماري أنطوانت أمام الأعوان باسم «الملكة» ~~أحيانا، وباسم «امرأتي» غالبا، دون أن يردعه ما في اللفظة من معاني الدالة ~~العائلية. # لقد درجنا كالشعوب التي اقتبسنا بعض أساليبها الاجتماعية، على أن يسمي الرجل زوجته باسمها ~~في العائلة، وفي حلقة الأصدقاء، تاركا لفظة «السيدة» أو «الست» لكلامه عنها مع الخدم؛ فلا ~~يسأل خادمه هل عادت فلانة؟ وإنما هل عادت «الست» أو «السيدة»؟ ولئن حسن التمشي على هذا؛ ~~فلماذا لا يرضى الرجل الشرقي أن يقول للغرباء وللمعارف ms31 «امرأتي» أو «زوجتي» ببساطة لويس ~~السادس عشر؟ # إن أفخم ما أعرفه هو اصطلاح المسلمين في هذه الديار بقولهم عن مدام فلان: «حرم» فلان، ~~إنها لتسمية توفقوا فيها كل التوفيق، وإذا ذكر الواحد زوجته قال: «حريمي». # بيد أني لاحظت أنهم يطلقون هذه اللفظة على الزوجة المسلمة. # أما المتزوجون من أوروبيات (وجلهم من الشبان المتعلمين في أوروبا)؛ فإن الواحد منهم ~~يقول: «زوجتي»، وهي دون «حريمي» فخامة وأنفة، ولكنها أقرب إلى التسوية الأدبية بين ~~الزوجين. # بقي أن نقرر أن كلمة «حريمي» - بلا مداورة - دليل ناصع على ارتفاع قيمة المرأة؛ إذ إن ~~الزوج من زمن غير بعيد (وما زال كذلك في الطبقة الدنيا والمتوسطة الجاهلة) كان إذا أراد أن ~~يذكر زوجته بلع ريقه أولا، ثم صمت لحظة، ثم أشار إليها باستعارة «الأولاد عندنا». ~~«والأولاد عندنا» هي التي صارت «حريمي» بفضل «التطور» الحاضر. # وخلاصة القول، فإن استعارة «فلان وقرينته» تقوم بكل لياقة مقام «فلان ومدامته»، أو «فلان ~~ومستيرته»، أو «فلان وسنيورته»، وإذا ذكر الرجل تلك القرينة، فخير أن يقول: زوجتي أو امرأتي ~~وليس مدامتي. هذا مع الاعتراف بأن لفظة «مدام فلان الفلاني» على بطاقة الزيارة هي أنسب ~~وأحكم من اللفظة العربية، وإذا كتب للزوجين كتابا مشتركا فيستحسن العنوان باسم «فلان ~~وقرينته»؛ لأن كلمة «زوجة» ليس لها الصبغة الرسمية المقتضاة في الاسم العلني لمكتوب. # أعترف بوجود لفظة أخرى كلما هم القلم بتحبيرها بلعت ريقي أنا الأخرى شأن من أوشك أن ~~يقول: «الأولاد عندنا»، وهي لفظة «عقيلة» التي لا يأنف استعمالها كثيرون من كتابنا. # ألا رحمة، يا حملة الأقلام! # أجيرونا من وقر هذه الكلمة الممزقة غشاء المسامع! تنازلوا عنها كرما في مطلع هذا العام ~~الجديد! وعليكم بالزوجة، والقرينة، وبزوجة فلان وقرينة فلان، ريثما تتحفنا الفطنة منكم بلقب ~~سعيد لا حل فيه ولا ربط ... # | أجوبة الامتحان1 # هون عليك يا صادق أفندي! فليس ثمة ما يستدعي حرج الصدر، وضيق الخلق، وشق الجيوب. هون ~~عليك، وابق في أحاديثك الشهرية على ذلك الظرف المأنوس. # سيطول منك العناء إن أنت أردت أن ms32 تنصب نفسك على تحري الألفاظ الدخيلة واستبدالها بما ~~يقابلها في العربية، وستخذلك القوة والنشاط إن أنت تعمدت مطاردة تلك الألفاظ العديدة ~~واكتساحها. # ليس للغات حدود؛ لأن ما تترجم عنه من عواطف وخواطر لا يقف عند حد، ولا يمكن حبس أية لغة ~~ضمن سياج وهمي من محتويات المعاجم، ومفردات الثقاة، وتقارير المجامع العلمية؛ لأن الميول ~~الباعثة على التعبير لا تأبه للمعاجم، ولا تعنى بآراء الثقاة، ولا تتكيف بتقارير المجامع، ~~وعبثا تقام حول اللغة الحواجز والسدود؛ لأن اللغة ككل كائن حي حساس، ذات اتصال دائم بما ~~يحاذيها ويطرأ عليها؛ فالمد والجزر فيها متعاقبان، والنبذ والاكتساب على وفق حاجاتها سنة ~~جارية لا تجدي في تحويلها عربدة الساخطين. # وكما تتأثر أحوال الأمم باحتكاكها بالأمم الأخرى، وتتأثر بالحوادث فتأخذ وتعطي، وتقلد ~~وتقلد، وتقبس وتقبس؛ كذلك تتأثر اللغة بذلك الاحتكاك، وتوجد فيها الحوادث، قومية ~~كانت أم تاريخية، تغيرا محتوما. حتى ليتسنى على وجه التقريب تتبع تاريخ الأقوام بمسايرة ~~التغير البادي في لغتهم طورا بعد طور. # ولقد اختلطنا بالدولة التركية اختلاطا شديدا ستة قرون سيطرت فيها على دوائر الحكومة ~~والإدارة في مصر وغيرها من الأقطار الناطقة بالعربية؛ فأدخلت في تلك الدوائر ألفاظا تركية، ~~واصطلاحات تركية بقيت في المحررات الرسمية، وأثرها يدور على الألسن. كذلك كثرت النساء ~~التركيات سائدات ومسودات في المنازل الشرقية؛ فكان نشر لغتهن بين ذويهن ومخالطيهن أمرا ~~طبيعيا، وحيث لم يفلحن في نشر اللغة نثرن أسماء لمسميات متداولة، هي هذه الألفاظ والأسماء ~~التي تود أنت اليوم أن تستبدلها بسواها، ثم طرأ الاختلاط بأمم أخرى عن طريق السياسة ~~والاقتصاد والزواج؛ فإذا بهذه الأمم تعطينا ألفاظها، وتغمر لغتنا بفضلها، وتحبونا بترقيع ~~لغوي مزر، فصار حديثنا - حتى حديث بعض كبار كتابنا - شبيها ... بالسلطة الروسية. ~~••• # أما كلمة «آبلا» التي يظهر أنك مستاء منها بوجه خاص، فأظنها مترجمة عن الاصطلاح ~~الإفرنجي. # ذلك أن في مدارس الراهبات تنادي التلميذات معلماتهن الراهبات باسم «يا أختي» # Ma sœur ~~. فبماذا تنادي التلميذة معلمتها في المدرسة ~~المصرية؟ إن كلمة «يا أختي» «يا أخي» شائعة بين ms33 الشرقيين شيوعا لم يألفه الأوروبيون، ~~والفتاة الشرقية كثيرا ما تنادي رفيقتها بالدراسة وصويحبتها باسم الأخت، فإذا استعملت هذا ~~الاصطلاح لمخاطبة معلمتها، فأي فرق تضع إذن بين معلمتها ورفيقتها؟! # فاهتدوا إلى كلمة «آبلا»، وهذه اللفظة التركية ومعناها «الأخت الكبيرة» تفي هنا بالمراد؛ ~~إذ ليس فيها تصلب كلمة «معلمتي»، ولا عبودية كلمة «سيدتي»، وليس فيها الدالة والألفة التي ~~تلازم كلمة «أختي» العربية، بل هي جاءت مزيجا معتدلا من الدالة والاحترام، وكلاهما ضروري ~~بين تلميذة ومعلمتها. # ولكن إذا جاز استعمال هذه اللفظة وسواها مما لا مقابل له في العربية (وهذا لا ينقص من شأن ~~اللغة على الإطلاق)؛ فلا مسوغ لاستعمال الكلمات التي عندنا ما هو في معناها خير منها ~~وأوضح. # منها كلمة «تنت» الفرنساوية التي تعني: العمة والخالة بلا تمييز، بينا هي عندنا أبين آصرة ~~وأجلى تعريفا. و«الفاميليا» تستطيع أن تكون «العائلة» دون أن تتبلبل الألسن وتضل الأفهام. ~~و«هاو آر يو، شير أمي؟» يمكنها أن تكون «كيف حالك يا صديقي العزيز؟» أو باللغة العامية ~~اللطيفة «ازيك يا أخي؟» دون أن يرى أحد مكروها في عزيز لديه. «وتري بيان»، أو «أول رايت» ~~في وسعها أن تكون «حسنا جدا» أو «كويس خالص» دون أن يضحي أحد بميل من ميوله، ودون أن ~~يتنازل عن رأي من آرائه، ولكنه يكون بذلك أحسن ذوقا، وأوفى وطنية، وأكرم قومية. ~~••• # لست أعني أن كل الوفاء وكل الوطنية في تعظيم ما هو لنا وتحقير ما هو لسوانا. إن في التعنت ~~تصغيرا للنفس، وإفسادا للذوق، وتضييقا للإدراك، وهو أوسع السبل إلى الجهل والتقهقر ~~والانكماش، ولكن الحكمة والواجب معا يقضيان بترويج ما عندنا مما ينطبق على حاجاتنا ويفي ~~بمطالبنا، فإن لم يكن عندنا استفدنا بنتاج إخواننا بالإنسانية ليفسح لنا الحياة ويسهل علينا ~~التفاهم؛ لأن نتاج الإنسانية من جميع جوانبها ملك للإنسانية في كل زمان ومكان، والمكابرة في ~~كل أمر بلاهة وجمود وانتحار بطيء. # أما أن يكون لدينا ممتلكات ثمينة نعرض عنها بلا سبب فذاك الضلال المبين! # من ذا يشرح لي لماذا ينادي الطفل ms34 المصري والدته بقوله «نينه»؟ ولماذا تقول الفتيات ~~المصريات عن أمهن: «نينتي»؟ كيف ترضون أن تكون أول لفظة غريبة، وأعز اسم غير عربي؟ للأمهات ~~عذر في الماضي، ولكن ما عذر النساء الناهضات في الحاضر؟ # إن كلمة «ماما» أقرب إلى لفظة أم العربية، ولقد سمعت بين أهل البادية وبين بعض أهالي ~~فلسطين غير المتحضرين كلمة «ميمه»، وهي من أميمة تصغير التحبب في مناداة الأم، وهناك أساليب ~~أخرى وكلها عذبة يهتدي إليها القلب العربي لينادي الأم المحبوبة التي تسهر على مهودنا، ~~وتملأ خلايا حياتنا. فما شأن «نينا» غير العربية وشأننا والحالة هذه؟ ~~••• # وفي الختام أقول: إن «لجنة الامتحان» الممثلة في صادق أفندي قد تحكم بأني غير ناجحة في ~~هذا الامتحان، وإني من الراسبين الذين يرشحون نفوسهم أحيانا للانتحار. قد تحكم «اللجنة» ~~بذلك لأني لم أقل باستبدال جميع الألفاظ الغريبة استبدالا سريعا عاما بألفاظ ~~عربية. # لا بأس، لا بأس؛ فالزمان يغير الأحكام، إذ ندرت الأحكام المعصومة من الغلط. # وكيف يجرؤ امرؤ على الحكم في حين ما زال عندنا السردار والحكمدار والبكباشي ... إلخ إلخ، ~~حتى بعض الإشارات الرسمية والأوامر العسكرية غير عربية؟ وفي حين ما زال الباشا المصري، ~~والبك المصري، والأفندي المصري باشا وبيكا وأفنديا بالتركية؟! # لا ضير من الحكم أيا كان، كما أن اللغات الأجنبية لا تضيرها الألفاظ العربية المندمجة ~~فيها، وليشهد الشهود أن العبرة ليست بترجمة كلمة من لغة إلى لغة، وأن لفظة «أميرال» التي ~~تطلق على أمير جيش البحر، أو قائد الأسطول الإنجليزي مثلا - وهي من أصل عربي - لا تنال من ~~قوة ذلك الأسطول، ولم تمنعه من نشر الراية البريطانية في أربعة أقطار الدنيا ... ~~••• # هنا أورد فقرة جاءت في الصفحة الأخيرة من رسالة «الاشتقاق والتعريب»، التي وضعها الأستاذ ~~الشيخ عبد القادر المغربي عضو المجمع العلمي بدمشق، ليبدي رأيه في اللغة وتطورها، فقال ~~بقبول اللفظة الغربية مع العربية أو المعربة واعتبارها مرادفة حتى تشيع ويتلقفها الفهم، ثم قال: # إذا تنكرنا لتلك الكلمات الدخيلة وأسأنا بها الظن وقلبنا لها ظهر المجن وعملنا ~~على طردها ms35 من بين أظهرنا، أخشى أن يدركها الحنق علينا وتعمل على الانتقام منا؛ ~~فتغري بنات جنسها - أعني: الكلمات المعربة كلها من قديم وحديث - بالاعتصاب العام، ~~ويصممن على الجلاء والانسحاب من بين سطور لغتنا وبيوت أشعارنا. وبديهي أن كلمة ~~«الله» تكون معهن ؛ لأنها سريانية أو عبرانية، وما ظنك بفئة «الله» معها؟ لمن يكون ~~الفلح والنصر والغلبة؟ لا جرم أن تلك الكلمات الدخيلة الأعجمية الأصل التي لا عداد ~~لها، لو غادرت لغتنا لأبقت فيها فراغا واسعا يعسر علينا أن نملأه بكلمات عربية ~~أصلية؛ من ذلك عدة آيات وأحاديث إذا غادرتها كلماتها الأعجمية مست الحاجة إلى أن ~~يخلفها غيرها من العربية المحضة، وفي هذا ما يدعو إلى وقف دورة الفلك وإعادة ما مضى ~~من الزمن وتجديد أمر البعثة وإنزال الوحي. # اللهم غفرا! # | النشيد القومي المصري # بزغت علينا شمس اليوم ومعها تصريح «لجنة ترقية الأغاني القومية» بوقوع اختيارها على ~~النشيد الذي وضعه شوقي بك ليكون نشيدا وطنيا، وكانت هذه اللجنة قد فتحت مسابقة بين ~~الشعراء المصريين؛ فاجتمع لديها 56 نشيدا حاز الأسبقية بينها نشيد شوقي بك، فطرحته على أهل ~~الفن لتلحينه وضبطه بالعلامات الموسيقية ليصير النشيد الرسمي، ويتغنى به الناس في ~~اجتماعاتهم. # أترانا نسمعه بعد اليوم من جماعات الصبيان الذين يجرون في الشوارع منشدين بذلك الصوت ~~الشجي القرار عند كل مصري: # يا سمك يا بني # تلعب بالمية # ولعبك يشغلني # يا صيد العصر # يا سمك يا بني # أرجو أن أراهم بعد اليوم تاركين «السمك البني» وشأنه لينصرفوا مع شوقي إلى تعديد مفاخر ~~الجدود التي يدور النشيد حولها: # لنا الهرم الذي صحب الزمانا # ومن حدثانه أخذ الأمانا # ونحن بنو السنا العالي نمانا # أوائل علموا الأمم الرقيا # إلا أنه لا يكتفي بامتداح الماضي، بل أضاف طارف الأمة إلى تالدها، وذكر اتحاد العنصرين ~~المصريين: المسلم والقبطي، واتفاق كلمتهما على المناضلة في سبيل الاستقلال، ثم ختم النشيد ~~بهذين البيتين وفيهما وعد بتهيئة مستقبل يليق بالماضي: # نقوم على البناية محسنينا # ونعهد بالتمام إلى بنينا # نموت فداك مصر كما حيينا # ويبقى وجهك ms36 المفدي حيا # أما النشيد الذي جاء بعد الأول في قرار لجنة التحكيم، فهو لمحمد أفندي الهراوي الشاعر ~~وأحد موظفي دار الكتب. ومنه: # فيا وادي الكنانة لن تزولا # وفيك النيل يجري سلسبيلا # يطوف بمائه عرضا وطولا # ويبسط فيضه عاما فعاما ~~••• # فيا ابن النيل، هز لواء مصرا # وهيئ في النجوم له مقرا # واطلع بالهلال عليه فجرا # وعش في ظله العالي إماما # آمين! هذا ما نتمناه لمصر العزيزة ولأبنائها. # ولكن كيف يكون لواء مصر في النجوم «وهيئ في النجوم له مقرا»، ثم يعيش «ابن النيل» في ظل ~~ذاك اللواء وهو في مصر بالقارة الأفريقية من سيارة الأرض؟ كيف يتوصل المرء إلى رفع علم قومه ~~في كوكبة الجوزاء، أو المرأة المسلسلة، أو الشلباق مثلا، ويبقى هو مستظلا به على سيارة، ~~يبلغها نور تلك الصور السماوية فلا تدري هل الحياة مقيمة في مصدره، أم أن تلك الكواكب قد ~~ضرب فيها الانحلال منذ انطلاق أشعة منها - لهول أبعاد تفصلها عنها! # هذا ما لا يستطيع تفسيره أحد، وليس من تفسير ممكن سوى أن الشاعر وجد أمامه معنى قديما ذا ~~طنين مرضي فاستعاره ضاربا صفحا عن مخالفته لأبسط أصول العلم والمنطق، وهذا ما نفعله ~~جميعا ومرات عديدة في الشعر والنثر والخطابة والمحادثة العادية، وهذا «الغلو البديعي» هو ~~من ألزم عيوب الآداب العربية! # غير أن وصف الهراوي أفندي للنيل «وهو يطوف بالوادي عرضا وطولا ويبسط فيضه عاما فعاما» ~~سائغ جميل. ~~••• # وما دام الكلام على النشيدين الأولين؛ فيظهر لي أن نشيد الهراوي إسلامي «واطلع بالهلال ~~عليه فجرا»، أما شوقي فقد جعل الوطنية غير الدين: # جعلنا مصر ملة ذي الجلال # وألفنا الصليب مع الهلال # وأقبلنا كصف من عوال # يشد السمهري السمهريا # وليس هذا التآخي في حب الأديان بجديد عند شوقي، بل تجده في كثير من قصائده. # وأي طبيعة سمحة رحبة لا تدرك أن الدين رابطة بين الخالق والمخلوق، بينا القومية هي ~~الرابطة الدنيوية التي ما داخلتها فكرة الدين إلا أنزلت المحن بالقوم ومزقت شملهم، فلا يقوم ~~لهم قائمة، ولا تضمن لوطنهم ms37 حياة هنيئة بغير التكاتف والاتحاد. ~~••• # أهم الأناشيد القومية نوعان: فإما ابتهال إلى الله ليطيل أعمار الملوك وينصرهم على ~~أعدائهم مثل: النشيد الملكي الإنجليزي، والميكادو الياباني، والمصري السلطاني، ونشيد القيصر ~~الروسي قبل البولشفية، ذلك النشيد الفخم الجليل في تلحينه الهادئ وأوزانه الطويلة . # وإما امتداح البسالة والشجاعة والمفادة وجميع الفضائل التي ظهرت في أبناء الأمة ~~واستحثاثها على النخوة والنهوض، مثال هذا النوع المارسلييز التي قال فيها نابوليون - على ~~عهدة إدمون روستان: «لهذا اللحن شاربان»، والبرابانسون أي النشيد البلجيكي، والنشيد ~~الأمريكي. # وربما كان أجمل هذه الأناشيد وأحراها بهز النفوس وإثارة الحمية أناشيد الشعوب المستعبدة ~~التي تألمت كثيرا؛ فلم يسلبها الألم ثباتها وقوتها ورغبتها في استرداد حريتها المسلوبة ~~وترميم شرفها المثلوم. # فإلى أي النوعين، بل إلى أي الأنواع ينتمي النشيد المصري الجديد؟ # نشيد شوقي ونشيد الهراوي عذبان يظهر فيهما ما امتاز به الذوق المصري من: حسن اختيار ~~الألفاظ، وسلاسة التركيب، ومتانة السبك، ولكن هل هما يفيان بالمقصود؟ وهل يبقى الأول نشيدا ~~قوميا على الدوام؟ هذا سيحكم به المستقبل. ~~••• # ابتاع أحدهم مرة بيانو، ومضى إلى معلم كان يعلمه الموسيقى، فأخذ يصف له حلاوة تلك الآلة ~~ولطف طنينها، فقال المعلم: ليست المسألة مسألة حلاوة ولطف، إنما يجب أن تكون آلتك ذات ~~اقتدار على إرسال جميع الأصوات التي وجدت لأجلها وتأدية جميع المعاني المطلوبة منها. ~~عليها أن تكون هائلة عند الهول، ناعمة وقت النعومة، متحمسة وسط الحماسة، ممتثلة راضية ساعة ~~الرضى والامتثال. # وهذا القول ينطبق على النشيد المصري؛ إنه «حلو كثيرا» وينقصه «شاربان»، ينقصه قصف ~~المدافع، ورنين الأجراس، وزفير اللهيب، وزغردة النساء، وهتاف الثوار، وقعقعة قيود الذين ~~سجنوا لأجل الحرية، وأنين الذين قتلوا في سبيلها. # ينقصه مواكب النعوش الملفوفة بالألوية الحمراء، وضجيج الجماعات حولها «ليحيا ذكر شهداء ~~الحرية!» # | محروسة! # في 16 يناير 1923 # تستأنف «المحروسة» الصدور اليوم بادئة عامها التاسع والأربعين، بعد أن أوقفت عامها الثامن ~~والأربعين بطوله تقريبا. # يقال: إن اسم «المحروسة» أطلق على القاهرة لاعتقاد السكان بأنها محفوظة بقوة سحرية، أو ~~روحانية، تحمي منها الربوع ms38 والآثار؛ فلذا ترى ما فيها محفوظا ثابتا بينا آثار البلاد ~~الأخرى تتداعى وتتهدم، وإن كانت أحدث عهدا. # فبديهي إذن أن نتوهم أن القوة التي تخفر مدينة الأهرام وأبي الهول تهيمن كذلك على كل ما ~~سمي باسمها وتشمله بالعطف والرعاية. فإن هذه الصحيفة أوقفت ثلاث مرات منذ مطلع الحركة ~~الوطنية سنة 1919، ولعلها أصيبت أكثر من جميع الصحف المصرية، ولكنها سلمت من الأذى كل مرة، ~~محروسة بالقوة الخفية التي تخفر هذه المدينة العظيمة. # وكما أن آثار الجراح هي أنبل الأوسمة للجندي، «فالمحروسة» تحمل علامات جهادها الثلاث ~~أوسمة حقيقة بأن يكون لها مكانها في متحف تذكاراتها الثمينة. # لقد صودرت «المحروسة» في أول عهدها - كما يقول العارفون - يوم أن كانت ميدانا لأقلام ~~أثارت الشرارة الأولى التي صارت في النفوس يقظة، وفي الأذهان نورا؛ أعني: جمال الدين ~~الأفغاني، ومحمد عبده. كما امتزج اسمها بأسماء: سليم نقاش، وأديب إسحق، وعبد الله نديم ~~وسواهم من كبار الأدباء والشعراء. ومن هذه الأسماء وهذه الأفكار تألف متحفها الذي تستعرض ~~اليوم محتوياته، وقد حملت علاماتها الثلاث أوسمة خليقة بصحيفة وسمها أولئك العظماء بوسم ~~المجد والبقاء. ~~••• # أصبحت مصر كعبة العالم العربي وحاضرته المعنوية، فما لاح فيها نور إلا استضاءت به الأقطار ~~الأخرى، ولا مضت في أرجائها صيحة إلا اهتزت لها القلوب، ولا ظهر فيها أسلوب جديد في الأدب ~~والاجتماع والسياسة، إلا نظر فيه الآخرون باهتمام ومالوا إلى تحديه قائلين: «أليس إن مصر ~~فعلت ذلك؟!» # صرفت شهور الصيف المنصرم في سوريا ولبنان، فكانت أكثر أحاديثنا اليومية تدور على مصر ~~ويقظة مصر. # يمطرني السوريون الأسئلة فأحدثهم عن ظرف مصر وأدبها وطربها وذكائها، أحدثهم كيف أن مصر ~~التي طالما صوروها صاغرة خانعة كالتماثيل الجاثية عند قديم الأضرحة - قد هبت اليوم موفورة ~~الشباب والنبل والشهامة. # أحدثهم بخشوع وتحنان عما رأيت وسمعت وعرفت؛ فأرى الخشوع مني والتحنان قد انتقل إلى ~~السامعين، فجال في عيون النساء دموعا، وبدا في وجوه الرجال تأثرا، فأدرك عندئذ أن مصر ~~أصبحت مطمح الأنظار وموضوع الإعجاب. # ولئن كان هذا مما يبعث في ms39 مصر عاطفة الاغتباط والفخار، فهو كذلك يلقي عليها مسئولية ~~كبيرة؛ لأن في الإعجاب تشجيعا ووازعا وإيماء إلى المنهج القويم الذي يتحتم السير فيه نحو ~~العلى. # ولا يساق السائر في مثل هذا المنهج بدافع الغرور والمباهاة؛ إذ لا مباهاة ولا غرور مع ~~المسئولية، فالمسئولية صارمة تثقف الذات القومية والذات الفردية، غير ملاينة ولا مهادنة، ~~وهي من أكبر البواعث على نفض دثار الخمول وتكوين صفات النبل والكرامة في النفوس ~~الموهوبة. # عيشي يا مصر المحروسة أهلا لإعجاب يتحول عندك مسئولية وكرامة، فترسلينه إلى الأقطار ~~الشرقية وحيا وإنعاشا وقدوة جميلة! # | الحياة أمامك1 # الحياة أمامك، أيتها المصرية الصغيرة، ولك أن تكوني فيها ملكة أو عبدة: عبدة ~~بالكسل، والتواكل، والغضب، والثرثرة، والاغتياب، والتطفل، والتبذل. وملكة ~~بالاجتهاد، والترتيب، وحفظ اللسان، والصدق، وطهارة القلب والفكرة، والعفاف، والعمل ~~المتواصل. # فإن عشت عبدة بأخلاقك كنت حملا ثقيلا على ذويك فكرهوك ونبذوك، وإذا عشت ~~ملكة أفدت أهلك ووطنك وكنت محبوبة مباركة. # فأيهما تختارين؟ # إذا اخترت الملك فروضي نفسك على المكارم منذ الساعة؛ لأن الملوك يسلكون طريق ~~العز منذ الصغر. # | تكلموا لغتكم! # حبذا غيرة تبديها «جامعة السيدات» في بيروت على اللغة العربية. # وعلى ذكر اقتراحها «اللغة والوطن» تقول: إني دخلت منذ أيام مكتبة إيطالية صغيرة أبتاع بعض ~~كتب جبرائيل دانو نتزيو، فأقبل صاحب المكتبة على صفوف الكتب يستخرج منها مؤلفات ذلك الجندي ~~الشاعر الفرنساوية (لأن دانو نتزيو وضع كتبا بهذه اللغة) وتراجم كتبه الإيطالية إليها. وإذ ~~طلبت المؤلفات الإيطالية في الأصل لا منقولة سأل ما إذا كنت أريدها لنفسي أم لغيري. # قلت: «بل أريدها لنفسي.» # قال وقد أبرقت أسرته: «إذن تعرفين الإيطالية؟» # وإذا أجبت بالإيجاب أخذ يتكلمها، وقال بلهجة المتوسل: «لماذا لا تتكلمينها إذن؟ أعلم ~~أن الفرنساوية أكثر شيوعا في هذه الديار، وأنها هي المصطلح عليها في الحوانيت والأندية، ~~ولكن ماذا يمنعك عن استعمال لغتنا مع أبنائها؟ الفرنساوية جميلة، ولكن آه، ما أجمل ~~الإيطالية في فم من يحسنها! وما أحبها إلى من اعتادها! هي لغة الموسيقى والفن والقلب ~~والشباب والربيع، وكل لفظة ms40 من ألفاظها تستحضر شواطئ إيطاليا وآكامها وخضرتها وأزهارها، ~~وألواح متاحفها، ولياليها الغريدة، وقلبها الخصيب وروحها الخالد ...» # وظلت كلمات الشيخ صاحب المكتبة وصورة وجهه المفتون بوطنه في ذاكرتي حتى المساء، إذ اجتمعت ~~بطائفة من كرام السوريين رجالا ونساء، فأخبرتهم عما سمعت في ذلك الصباح، وتمنيت أن يكون ~~لنا نحن الشرقيين مثل ذلك التعلق باللغة التي فكر فيها آباؤنا، وعبروا عن أفراحهم وآلامهم ~~وآمالهم وجهادهم. # فوافق الحاضرون. إلا أن أحدهم - وهو من «الطراز الحديث» المكرر ثلاثا - فتح فاه فتحة ~~أنيقة تليق بالقرن العشرين، وتكلم قائلا: «نعم، ولكن لفظ العربية صعب علينا؛ فهناك حروف ~~خشنة مثل (محاولا إتقان اللفظ) ال ... عين وال ... حاء وال ... خاء، يا إلهي! كل هذا يمزق الحلق ~~فضلا عن ثقله على السمع.» وطفق حضرته يتكلم الفرنساوية جاعلا الراء منها غينا ~~غناء. # فتبادر إلى ذهني أن المرحوم الدكتور شميل قبل وفاته بشهور قليلة حضر درس الكونت دي جلارزا ~~أستاذ الفلسفة يومئذ في الجامعة المصرية، وكانت المحاضرة في فلسفة أرسطو، فمضت عشر دقائق ~~تقريبا والدكتور يصغي بانتباه تام، إذ ذاك لفظ جناب الكونت كلمة «الطبيعة» ثلاث مرات في ~~جملة واحدة، فمال نحوي الدكتور شميل وسأل: «أوطني هذا المحاضر أم أجنبي؟» # فأجبت: «هو مستشرق إسباني.» # ذكرت تلك الحادثة متعجبة كيف أن أناسا ولدوا في جرود لبنان، أو في أنجاد سوريا، أو في ~~سهول مصر، يجدون اللغة «خشنة يا إلهي! تمزق الحلق»؟! ويحسبون من يتكلمها في المجتمعات ~~«فلاحا». في حين أن أجنبيا يتقن لفظها ويحسن الإفصاح بها في موضوع فلسفي عويص. يحسن ذلك ~~إلى درجة إيهام رجل كالدكتور شميل، وحمله على التردد مدة عشر دقائق تقريبا، قبل أن يقدم ~~على الاستفهام هل ذلك الأجنبي من أهل اللغة أم من محبيها! # تكلموا ما شئتم من اللغات يا بني أمي! ولكن لا تنسوا لغتكم. # | رسالة وحاشية # (1) نقد الكتب # أستاذي الدكتور العلامة # أشكر لك المقال الممتع الذي كتبته عن نقد الكتب في عدد فبراير، وكان علي أن اصمت ~~تهيبا عند لهجته الصادقة. على أن لدي شيئا ms41 أضيفه. # لم أعن «مجلتكم» في كلامي عن قصور الصحف، ولا عنيت سواها من المجلات المنتبهة لما ~~فرض عليها، فتحدثنا كل شهر عن كتب ونشرات ومجلات وأعداد ممتازة من الصحف بكلام كله ~~إفادة، فهي من هذه الوجهة ترضي الواجب العلمي الذي تعمل للقيام به بكرامة ~~وأستاذية. # أما ما ذكرته عن الصحف الأجنبية فأستأذنك بألا نتباحث فيه، لتلك الصحف شأنها في ~~التفاهم مع جمهورها وإرضاء بيئتها، إننا بعيدون عنها، ولأغراضها ودخائلها جاهلون. أنت ~~تعرف منها بالاختبار بعض أساليبها، أما أنا فأجهلها تماما، فإذا حدثت عنها كنت ~~دعية متطفلة. وعلى كل، فليس كل سار في الغرب جديرا بالاقتباس في الشرق دون مراعاة ~~الحاجة المباشرة. # وإنما أسألك: كيف يمكنني، أنا الجمهور أن أطلع على حركة التأليف والترجمة في البلاد، ~~في مختلف الموضوعات الفلسفية والعلمية والاجتماعية والتمثيلية والأدبية ... إلخ؟ كيف ~~يمكنني أن أعلم بصدور ما يهمني من الكتب؛ سواء كان اهتمامي بها اضطرارا للعمل وكسب ~~الرزق، أم للفائدة الفكرية، أم للتفكهة وإرضاء للرغبة؟ إن رسائل الأخبار الكبرى هي ~~الصحف السيارة، وكل الغاية منها إيصال الأخبار إلى الجمهور وإطلاعه على ما يجري في ~~بيئته وفي العالم من الشئون والحوادث. فإن لم تنقل لي تلك الصحف ما وجدت لنقله ونقل ~~نظائره، فمن ذا يكون الرسول بين المؤلف الذي كتب للجمهور، وبيني أنا الجمهور الذي أتطلع ~~إلى ما ينشر لي مؤلفي؟! # تعلم الصحف الغاية من وجودها والسر من نشرها؛ فتراها تذيع أمثال الأخبار التالية: # تشاجرت زينب بنت علي في الخرنفش مع جارتها المدعوة حنيفة بنت أحمد السقا، ~~فتضاربتا وجرحت إحداهما الأخرى جرحا طفيفا في يدها تقتضي معالجته يومين ~~كاملين.» أو «سطا اللصوص ليلا على عزبة «ما أدري إيه»؛ فاستيقظ بعض الأهالي ~~ففر اللصوص ولم يوقف لهم على أثر ... إلخ إلخ.» # فأكرم علينا يا أفندم، دام فضلك، برأيك في نشر أمثال هذه الغرر؟ # قد يكون من واجب الصحافي أن يفسح صحيفته لما هو أتفه من هذا، فكيف بالوقائع الفكرية ~~والأدبية التي هي من أصدق مقاييس تطور الأمة؟ # أقول: إذن ms42 إن الصحافي يتحتم عليه - وليس له في ذلك الخيار - يتحتم عليه أن يذكر في ~~صحيفته كل كتاب يرسل إليه، أما الركون إلى الإغضاء فإجحاف في حقوق المؤلف، إجحاف في ~~حقوق القارئ، إجحاف في حقوق الجمهور الذي له أن يطلع على قوائم ما تنتجه أفراده ، وإجحاف ~~في حقوق الصحافة ذاتها التي هي بذلك السكوت تسجل على نفسها القصور وعدم المبالاة بما لا ~~يجوز إغفاله. # أفهم، وأعلم بالاختبار، أن النقد عمل شاق دقيق يستغرق وقتا طويلا ويتطلب معرفة ~~واسعة، وذوقا مهذبا، وبصيرة شفافة، وإحساسا حيا يفهم العدل كما يفهم الجمال وكما ~~يفهم أنظمة الحياة؛ فهو لذلك غير ميسور لكل من ادعى حمل لوائه. والصحف في شاغل ~~لانهماكها بالمشاكل السياسية والقومية، فلا أقل من أن يؤدوا هذا الواجب، وبأن يذكروا ~~باختصار اسم كل كتاب يهدى إليهم بلا تحيز ولا استثناء، مع اسم مؤلفه وموضوعه وثمنه ~~والمكتبة التي يباع فيها، حتى إذا شعر كاتب أو قارئ باندفاع خاص في سبيل الكتاب كتب ما ~~شاء في نقده أو تمحيصه أو معارضته أو تحبيذه. # الصحافة سجل الوقائع اليومية والمرآة التي ينعكس عليها من نفسية البيئة الصورة ~~المتتابعة التولد، فأي الوقائع وأي الصور تفضل ثمرات المطابع ونتاج الأذهان والقلوب؟ بل ~~يوم تقومون، أيها المفكرون، تزنون كفاءة الأمة وتحصون خطاها في سيرها إلى الأمام، فهل ~~لكم من وثيقة أصدق من الكتاب والفن والمتحف؟ كلا! وذاك ما تهملون! # والآن وقد فرغت من الخصومة التي يحسبها سادتنا الرجال عنصرا ملازما للمزاج ~~النسوي، أعود ضاحكة من قلمي الذي تمتع لحظة باستقلاله التام، وقام يناطح صخرة ~~الصحافة المنيعة - أستغفر الله! عنيت صرح الصحافة المنيع. ~~(2) «الرأي العام» المصري في عهد محمد علي باشا # حاشية # وهكذا في رسالة وحاشيتها علي أن أجابه العلم في شخص الدكتور صروف، والصحافة في ... ~~صرحها المذكور أعلاه، والتاريخ في شخص حسين أفندي لبيب أستاذ التاريخ في مدرسة «القضاء ~~الشرعي»، فقد أنكر علي حضرته قولي: إن إحدى الفوائد التي أخذت مصر تجنيها بعد جلاء ~~الفرنسويين هي بدء تكون «القومية»؛ لأنه ms43 يرى أن «فشو روح القومية واستفحال الرأي ~~العام مظهر من مظاهر رقي الأوروبيين في القرن التاسع عشر.» # لقد غنمت من كتابات الأستاذ، لا سيما من كتابه عن «المسألة الشرقية»، فوائد تاريخية ~~جمة؛ لذلك أقول: إني لو كان لي الحظ أن أكون من تلاميذه لكنت اجترأت أن أسأله في «حصة» ~~اليوم أو بعدها، ما إذا كان الرأي العام الأوروبي قد اشترك اشتراكا أصح كثيرا من ~~اشتراك «الرأي العام» المصري على عهد محمد علي، في جميع الحوادث التاريخية ~~العصرية. # أهو «الرأي العام» الإنجليزي الذي يبايع ملوك إنجلترا، مثلا؟ أم هي فئة من الموظفين ~~والكبراء تقوم بإتمام العادة المرعية والتقليد المستحكم في مكان معين من عاصمة إنجلترا، ~~فيعد سكوت الجماهير في إنجلترا وفي المستعمرات الشاسعة مبايعة وتسليما؟ # هذه صورة «الرأي العام» في ما هو عادة وتقليد، فما هي صورته في الانقلابات الخطيرة؟ ~~أهو «الرأي العام» الذي أوجد الجمهورية في الولايات المتحدة، وأوجدها في أمريكا ~~المتوسطة والجنوبية؟ أهو «الرأي العام» الذي دعا إلى الجمهورية الفرنساوية الأولى ~~والثانية والثالثة؟ أهو «الرأي العام» الذي قلب الحكومة الروسية؟ يقال: إن ألمانيا لو ~~استفتيت اليوم لغلب فيها الحزب القيصري، ورغم ذلك فأفراد قلائل يديرون دفة الجمهورية ~~فيها، ويوم يتكلم التاريخ سيحدثنا عن «ثورة» أمريكا وفرنسا وروسيا وألمانيا فنحذق ما ~~يقول؛ لعلمنا أن كل انقلاب يبدأ دواما برأي أخص أي: رأي فرد، يصير بعدئذ رأيا ~~خاصا أو رأي أفراد أو زعماء يسيطرون على «الشعب» بنفوذهم أو بالاستهواء أو بالإرهاب، ~~ويتكلمون باسمه، وهو أحب ما عليه أن يذكر ويحسب في الوجود، في حين لا مقدرة له على ~~التدقيق والتمحيص. وإذا وجد في «الرأي العام» بعض العناصر المتبصرة المدركة أليس معظمه ~~مسيرا معالجا كآلة تدفع فتصيح، ثم تجذب فتصمت؟ وسيكون ذلك أبدا لأنه يستحيل ترقية ~~جميع الناس إلى مستوى واحد. # فلماذا لا يجوز لمصر التعبير المستعمل في البلدان الأخرى لأحوال متشابهة؟ وتلك ~~الأقلية التي انتبهت سواء عن استياء من حكومتها، أو طمعا بمصلحة خاصة، أو بإيعاز من ~~محمد علي، لو لم ms44 تنتبه لمقدرتها على إزعاج المماليك ترى أكانت تزعجهم فتغلبهم ثم ~~تلاشيهم؟ وأكان محمد علي ينجح وحده كما نجح بأعوانه؟ وتلك الحلقة التي التأمت يومئذ حول ~~الوالي وأيدته فكانت النواة الأولى في تكوين الوحدة المصرية الحديثة؛ أي الأسماء نطلق ~~عليها سوى اسم «القومية» الآخذة في التكون؟ # هذا، وإني لأرجو الأستاذ الجليل أن يظل «واقفا لنا بالمرصاد» في سبيل تحري الصواب في ~~الوقائع التاريخية ما أمكن؛ لأنه بذلك يتم واجبه العلمي وينيلنا الفائدة ~~المطلوبة. # | الشعر القصصي الحماسي # 1 # أستاذي الدكتور العلامة # قرأت البحث المستفيض الذي نشر تباعا في عددي أبريل ومايو، وقد تفضل به الشيخ كاظم ~~الدجيلي اعتراضا على ما كتبته في الشعر القصصي الحماسي حينما نشرت عمرية حافظ. أسأل ~~حضرته قبول شكري لما استهل به مبحثه من تجميل ذكري. إني أعتبر ذلك الثناء ناطقا بسعة ~~حلمه أكثر منه دليلا على أهليتي. ولكني على كل حال سعيدة بهذه الكلمات المنشطة الآتية ~~من بعيد. ويظهر لي أن العظمة العربية التي اندثر ما كان لها من صرح ومعقل على شواطئ ~~دجلة والفرات ما برحت حية نامية نباهة وخلائق عاليات في نفوس كرام الأهلين. # على أنه في أجزاء بحثه الأخرى قد أوقع بي ظلما عادلا ... إذا جاز الجمع بين هاتين ~~اللفظتين؛ لأنه لم يكتف بإيراد أسماء القصائد والملاحم والعلواءات المدونة في مجموعات ~~الأشعار ودواوين العرب، بل لامني تلميحا لأني لم أقرأ تلك القصائد التي نظمها عرب ~~الجاهلية ومن عقبهم، ولم يصل إلينا ذكرها إلا بالنقل والتواتر. كذلك لامني لجهلي ~~منظومات قصصية حماسية مخطوطة حفظت في المكاتب الخصوصية، لم يطلع عليها غير حضرته وأفراد ~~قلائل من الأفاضل أمثاله. # أعترف بأني مجرمة في ذلك، ولكنها جريمة أجبر على ارتكابها سائر أبناء العرب، كما ~~ترتكب ملايين البشر خطيئة أبينا آدم بنظام الوراثة، بيد أني مستعدة للتكفير عن جريمتي ~~بالصورة الآتية؛ ليؤكد لي حضرته أن تلك المنظومات من نوع الإلياذة وحائزة مثلها لجميع ~~الشروط التي يعرف بها الشعر الذي يسميه الفرنجة # épopée ~~، فأتلقى تأكيده باليقين وأستشهد بتلك المنظومات ~~بعد ms45 اليوم على عهدته. # وبكلامي عن «الإيبوبي» عند الإفرنج إنما أعني تلك المنظومات القديمة الطويلة مثيلات ~~إلياذة هوميروس أو التي نسجت على منوالها، وقد ذكرت بعضها في سياق الكلام على عمرية ~~حافظ، أما اليوم فقد سرت الفوضى إلى كل شيء، وكما حدث اختلاط محتم بين الدرجات ~~الاجتماعية واللغات، فقد سرى الاختلاط كذلك إلى أبواب الشعر والأدب. فملاحم الإفرنج في ~~العهد الأخير يتغلب فيها العنصر الغنائي فضلا عن قصرها، وإذا اتصل الباحثون إلى إثبات ~~عربية سفر أيوب قبل أن يبرز عبرانيا؛ فلا حاجة بنا إلى غير هذا الأثر العظيم لنكون من ~~أغنى الأمم في الشعر القصصي الحماسي. # أما الجزء المحسوس من مقال الأستاذ، حيث ذكر القصائد المدونة في مجموعات العرب، ~~فيسرني أني وإياه على اتفاق تام في أمرها الجوهري، والاختلاف بيننا إنما هو على الاسم ~~فقط، فحضرته يطلق على هذه المنظومات اسم الشعر القصصي الحماسي، وأنا أسمي بعضها شعرا ~~وصفيا: كقصيدة بشر بن عوانة في مقتل الأسد مثلا، وقصيدة مزرد بن ضرار السعدي في ~~وصف شكته، وأسمي الكثير الآخر شعرا حماسيا. حضرته يقول: إن من قرأ شعر آخيل في ~~الإلياذة، ودرس أشعار عنترة العبسي ومهلهل بن ربيعة وقرابته البراق بن روحان، يرى قرب ~~المبدأ والمغزى بين أبطال العرب الثلاثة وبطل اليونان. ذلك لا ريب فيه، غير أن آخيل فرد ~~واحد من أمة يتكلم كلاما حماسيا، وما كان كل من عنترة ومهلهل والبراق إلا فردا ~~واحدا من أمة يتكلم كلاما حماسيا. أبطالنا كأبطال الإغريق بل أشد شكيمة، وكلامهم ~~كعزيمتهم ورجولتهم، قد تفوق بلاغته بلاغة الإلياذة، على أن ذلك لا يكفي لتكوين الشعر ~~القصصي الحماسي الذي وضع له أهل الغرب قواعد وشروطا، فإن نقص شرط من تلك الشروط، أو ~~تبدلت قاعدة من تلك القواعد، خرجت المنظومة من حيز (الإيبوبي) ودخلت دائرة شعرية أخرى. ~~لذلك قلت يوم كتبت عن عمرية حافظ: إن هذا النوع من الشعر (الحماسي) «عندنا منه كثير ~~كشعر عنترة العبسي مثلا.» # غريب أن جميع من قرأت من المستشرقين يقول بخلو العربية من ms46 الشعر القصصي الحماسي، ~~ومنهم من يطنب في وصف جمالها واتساعها وفلسفة قواعدها. وقع في يدي في العام الماضي ~~مجموعة المعلقات مذيلة بشرح ألماني من وضع المستشرق «وولف»، وكنت في مجلس حضره أحد كبار ~~علماء المسلمين عندنا، فصرت اسأله عن معنى بعض الألفاظ غير المألوفة - وما أكثرها في ~~المعلقات! - فكان يهز رأسه أحيانا ويبسم قائلا: «لا أدري!» فأبحث إذ ذاك عن معنى ~~الكلمة في الذيل الألماني وأجده. فإذا ما ذكرنا أن عرب الجاهلية كانوا أقرب العرب في ~~جميع العصور إلى نظم الملاحم، وذكرنا أن المعلقات أول تلك الملاحم وأهمها، عجبنا لأمثال ~~وولف هذا، الذين وقفوا حياتهم على هذه الأبحاث، وتعصبوا للغة العربية، وأحبوها حبا ~~يفوق حب كثيرين من أهلها لها، كيف ينكرون عليها شيئا ثابتا فيها؟ وكيف لا يدري هذا ~~الرجل الذي ذيل المعلقات بذاك الشرح الوافي في أي الصنوف الشعرية ينتظم صنف المعلقات؟ # ومن جهة أخرى كيف يقول معرب الإلياذة في مقدمته: «فلا سبيل إذن للزعم بوجود ملاحم ~~لعرب الجاهلية على نحو ما يراد منها بعرف الإفرنج»؟ وهو الذي قال بعد التلميح إلى أن ~~حرب البسوس عند العرب تقابل الحرب الطروادية عند الإغريق، وذكر ما تناقلته العرب من ~~منظوم بديع لوصف مواقعها، قال: «إننا نجد تلك القطع غير ملتئمة لفقدان اللحمة بينها، ~~فهي كالحجارة المنحوتة قد أحكم صنعها وبقيت ملقاة في أرضها غير مرصوصة بالبناء، ثم إذا ~~نظرت إلى أشهر الرجال والنساء فيها رأيتهم جميعهم شعراء: فكليب يقول الشعر، ومثله زوجته ~~جليلة وأخوه مهلهل، وكذلك مرة شاعر وابنه جساس شاعر، وكل ذي شأن في القصة من غريب ~~وقريب شاعر؛ كالحارث بن عباد وجحدر بن ضبيعة، فمجموع شعرهم أشبه من هذا الوجه بالشعر ~~التمثيلي؛ لأن لكل حادثة شاعرا ينطق بها. بخلاف شعر الملاحم كالإلياذة إذ ترى هوميروس ~~فيها ينطق بلسان الجميع.» # نقلت هذه السطور عن مقدمة الإلياذة؛ لأن حضرة الأستاذ استشهد غير مرة في مبحثه ~~بالمقدمة المذكورة، ولأني أرى فيها تعريفا حسنا لما جرينا على تسميته شعرا قصصيا ~~حماسيا. # نقول: «شعر ms47 قصصي حماسي»، ولا نفطن أن أول دليل على تغيبه من عندنا هو تغيب اسم ينبئ ~~بوجوده؛ كيف لم يهتم العرب الذين وضعوا للمسمى الواحد مئات الأسماء أحيانا، بإيجاد ~~كلمة تدل على خلاصة ما عندهم من آداب؟ نعم، إنه يوجد كلمة ملحمة، وجمع ملحمة ملاحم ... يا ~~حفيظ ! لو كنت شاعرا وعلمت أن إحدى قصائدي ستصبح، بل ستمسي، يوما ملحمة من الملاحم، ~~لكنت كتبت براءة شرعية بيني وبين القوافي والأوزان بحذافيرها. # ثم إن هذه الكلمة لا تؤدي معنى # Epopée # مطلقا، واسم ~~«حماسي» وحده أو «قصصي» وحده يعني نوعا آخر من الشعر، واسم قصصي حماسي طويل كالشواطئ ~~وهو من وضعنا نحن أبناء هذه الأيام، ولكني أتلقى بسرور كلمة «علواء» التي أشار بها حضرة ~~البحاثة المفضال الأب أنستاس ماري الكرملي، فهي أتم ما استعمل إلى الآن معنى واختصارا ~~ولفظا، ولكن إن نحن أخذنا بها وأطلقناها على الشعر القصصي الحماسي، فهي كذلك دليل على ~~غيابه لندرة استعمالها؛ فقد أخبرني من قرأ أكثر كتاب الأغاني أنه لم ير لها ذكرا ~~فيه! # إن غياب «الإيبوبي الإفرنجية» لا يحط من مقام لغتنا؛ لأن في العربية منظومات عالية ~~وشعرا حماسيا بديعا (مما دعاه بستاني الإلياذة «ملاحم قصيرة») يتفق مع روح الأمة، ~~ولن يصل شعراء الإفرنج إلى الإتيان بمثل ما يميزه من جزالة اللفظ وفخامة المبنى ورصف ~~المعنى والبساطة البليغة: بساطة الروح العربي وبلاغته الخلابة؛ لأن الغربي سيظل أبدا ~~غربيا والعربي عربيا مهما قربت بين أحوالهما الخارجية أسباب العمران. # ومن طبيعة العربي الهبوط إلى نفسه وتحليل ما يجول فيها من عاطفة وميل ورغبة ومفخرة، ~~فإذا ما أقبل ينشد تغنى بما يهيجه من غضب وكيد وانتقام وحماسة وكرم ونخوة، فكان مبدعا ~~شعر الحماسة والفخر. أو نظم المراثي أو زفر بما يسعر جنانه من وجد وحنين، فكان مبدعا ~~شعر الغزل والنسيب. وشعره الوصفي ينتمي دواما إلى أحد هذين النوعين؛ لأن الطبيعة ~~العربية لم تهتم قط بالنظريات المجردة، ولم تنزع إلا إلى الأشياء المحسوسة الملموسة، ~~فجاء شعرها الفريد صورة صادقة لجوهرها الوجداني. وكان ms48 الشعر القصصي الحماسي عندها ~~متفقا وسليقتها الخاصة، يجري على منهجه الخاص، خاضعا لجماله العربي الأنيق الخاص. ولو ~~قام أحد شعراء عصرنا يسرد تاريخ الأمة العربية لجاءت هذه العلواء المجيدة أعظم وأبدع ~~إلياذة في تاريخ الأدب عند جميع الشعوب. # أثبت هذا الرأي ليس بصفته رأيا حسنا، ولكن بصفته رأيي - كما كان يقول مونتاين، وقد ~~يكون الخطأ نصيبي والصواب في جانب غيري، ولكن الحقيقة كعبة جميع الباحثين، فإنما إياها ~~ينشدون في كل نفي وإثبات، ولو أردت اليوم كتابة ما دونته بالأمس لما أبدلت من ~~الألفاظ الأساسية لفظة واحدة، ولو لم يكن لذلك من سبب سوى حمل الشاعر البغدادي على ~~كتابة تلك الصفحات الممتعة النفيسة الاثنتي عشرة في معارضتي لكفى. # 2 # هللويا! # لقد عاد الشيخ كاظم الدجيلي في فبراير 1924 إلى موضوع الشعر القصصي الحماسي الذي ~~يطلق عليه هذه المرة - ولعله نسي أني كنت من أنصار هذه التسمية - اسم «العلواء عند ~~العرب»، فجاء يثبت وجود هذا النوع من الشعر تقريرا «للحقيقة»، وإنصافا للعرب، ~~وترويضا - طبعا! - لذلك «العناد» الذي يأبى حضرته إلا أن ينسبه إلي. # ناقشني، وصمت خمسة أعوام درس خلالها الحقوق، ونفحني بقصيدة نشرها في «الهلال»، ~~ودعاني فيها ببعض الأسماء الحلوة التي يبتكرها الشعراء يوم يوطدون النفس على معالجة ~~«العناد» عند امرئ بوجه من الوجوه، وعلى أن يسترضوه بالأوزان والأسجاع ليخاصموه بالنثر ~~المرسل. # وكنت أعلم بقصيدة وبلا قصيدة، برسالة وبلا رسالة، باسترضاء وبلا استرضاء، أن الشيخ ~~كاظم لن يسكت حتى يسكتني ويسكت المستشرقين القائلين بتغيب الشعر القصصي الحماسي من لغة ~~العرب ولغات الساميين عموما. # وليسمح لي الشيخ كاظم أن أحاول إرضاءه في أن أضيف إلى بعض القصائد «العلوائية» التي ~~ذكرتها سابقا من حافظ وشوقي ومطران (أورد الأسماء على حروف الأبجدية) منظومات جديدة ~~اطلعت عليها بعد ... الفصل الأول من قضيتنا؛ إحداها «الحرب الكبرى شعرا»، وهي منظومة ~~طويلة تملأ كتابا تاما، وتصف وقائع الحرب الكبرى، بقلم الأستاذ أسعد خليل داغر، ~~وأخرى قصيرة هي «ترجمة الشيطان» للأستاذ عباس العقاد في الجزء الثالث من ديوانه، ~~ومنظومتان للمرحوم ms49 عبد الحليم أفندي المصري. # ولئن خصصت هذه المنظومات بالذكر فلأني اطلعت عليها، وقد يكون هناك غيرها مما ~~أجهله. # أنشأ الشيخ كاظم ينشر رده لتقرأ الناس، وظهر الجزء الأول من تلك المرافعة الجديدة في ~~شهر فبراير. لا شك أنه تعب كثيرا وبحث كثيرا، وهو ولا شك مورد لنا مع أسماء المنظومات ~~التي اهتدى إليها الاسم الذي كانت تعرف به عند العرب؛ إذ كيف يهتدي المرء إلى فرع من ~~الآداب ولا يهتدي إلى اسمه؟ # فإذا أثبت الشيخ كاظم وجود الشعر القصصي الحماسي (وهو فاعل بإذن الله) في لغتنا، فهل ~~يعترف لي شعراء العصر والمجامع العلمية بهذا «الفضل»؟ وهل يسلمون بأنه لولا «العناد ~~النسائي» ما كنا وصلنا إلى هذه النتيجة «الباهرة»؟ # قيل لي: يا سيدي الأستاذ إنك رحلت أخيرا إلى إنجلترا لتدرس اللغة العربية في جامعة ~~لندن، وسواء كنت الآن في إنجلترا أم في العراق فهات يدك أصافحها! # تعجبني منك نخوتك وتعصبك للغتك في أدب وهدوء ورصانة، ويعجبني منك ثبات خمسة أعوام رغم ~~أعمالك الأخرى، ورغم قصائد الاسترضاء في الشعر والنثر. # قد تستغني اللغة عن كثير من شعرها، ولكنها لا تستغني عن همم رجالها وثباتهم وجهادهم ~~للخير والحق والإنصاف. # أتمنى هذا الثبات وهذا الجد وهذه النخوة لجميع رجال الشرق، ولأجلها أصافحك عن بعد، ~~أيها الشاعر العراقي، مصافحة الثناء والإعجاب. # | حديث عن الشرق الأقصى # في الشتاء موسم السياحة يكثر من الأدباء والعلماء الأجانب رواد هذه الربوع من يطلب ~~التعرف إلى بعض حملة الأقلام عندنا، فيفوزون بذلك عن طريق التوصية التي ليس أبرع منهم في ~~السعي للحصول عليها. # ولئن أزعجك، دون أن يدهشك من بعض هؤلاء تصميمهم على تسيير الحديث في منهج قرروه سلفا، ~~وإصرارهم على تأويل الكلام لمصلحة سياسية يخدمونها، أو غرض خاص يعملون له، فإنه يشفع فيهم ~~الغربي اليقظ المنصف الذي يحب بلاده ويجاهر بحبه، إلا أنه يسلم بأنها ليست كل الدنيا، وأن ~~ليس من المعقول أن تتغلب مصلحتها على مصالح جميع الأوطان وجميع الشعوب، بل إن هناك إنسانية ~~لكل جزء منها حقه ms50 في حدوده الطبيعية. # يسلم بأنك إنسان مثله تتمتع بمثل حقوقه في العاطفة والمطلب والمصارحة والمسعى، ويعترف ~~بأنه سمع عن هذا الشرق ولكنه لا يعرفه، ويود أن يعرفه ليقف على ما فيه من جمال وصدق ~~وإنسانية. # من هذا الفريق كاتبان أمريكيان جآني العام الماضي يحملان توصية من الدكتور فارس نمر ، كانا ~~قد طافا في ربوع الشرق الأدنى، ومما أدهشهما في مصر وغير زعمهما في «تعصب الشرقيين» أمر ~~بسيط في نظرنا، وهو أنهما دعيا إلى تناول طعام الغذاء يوم عيد الميلاد على مائدة رئيس الوفد ~~المصري (وهو يومئذ المصري (بك) باشا السعدي). # وسارا من الشرق الأدنى إلى الهند، وقد يظهر بعض ما هما عليه من صدق وعدم تحيز في هذه ~~النتف التي اقتطعها من رسائلهما عن الشرق الأقصى - الأقصى بموقعه الجغرافي، ولكن ما أدناه ~~إلينا بروحه وحالته وموقفه! # بورت سعيد، 27 ديسمبر 1922 # لقد كان سرورنا عظيما عندما سمعنا البارحة أننا ذاهبان إليكم مرة أخرى مع زكي ~~باشا وأمين بك يوسف؛ فظفرنا بزيارة الوداع بعد زيارة التعارف. ~~... نكرر هنا ما قلناه سابقا، وهو أن أهم ما في رحلتنا هذه يقوم بما نتلقاه من ~~أفراد أدركوا الفكرة الواحدة الشفافة التي لمسها القليلون، وتتبعوا وراء الحوادث ~~الجزئية أنظمة الكون الكبرى المحدثة كل شيء، «أولئك نوادر قلائل في العالم بأسره ~~وفي جميع الأجيال» كما قلت البارحة، ولكنهم النواة الجوهرية التي تتكون حولها ~~دوامات الجماعات المنظمة حركاتها على يد أشخاص ثانويين، ولقد كان في نظرنا أمرا ~~خطيرا أن نستبين هذه النواة الثمينة في الشرق الأدنى وراء تحرك الخواطر والمطالب ~~في اختمار بطيء ... # كالكتا (الهند)، 30 أبريل 1923 # عدنا اليوم من زيارة طويلة لمدرسة تاغور سانتينكتان (ميناء السلام). وطي هذا ~~قصيدة إنكليزية من الشاعر مهداة إليك خاصة، واسمها «طائر الصباح». # 1 ~~... سمعنا خلال هذه الآونة أخبارا كثيرة عن مصر: منها ظهور لائحة الدستور الجديد، ~~ومنها احتجاج حزب العمال في إنكلترا على سياسة لورد اللنبي، وهذه الأمور وغيرها لا ~~تخلو من الأهمية رغم أن لكل مسألة وجهين، ورغم ms51 أن هذه الحوادث نتائج لا أسباب. ~~يمكننا أن ندرك ذلك نحن اللذان زرنا الشرق الأدنى واستجلينا شيئا من تلك الحركة ~~الفكرية الواسعة التي تعمل بهدوء ليوم آت. # جئنا الهند منذ ثلاثة شهور تقريبا، وهو وقت قصير جدا لمن يتلمس المعنى ~~الجوهري من حياة متشابكة مرتبكة في مثل هذه البلاد العظيمة المترامية الأنحاء، ومع ~~ذلك يمكننا أن نخبرك ببعض ما رأيناه وشعرنا به خلال هذه المدة. # الهند - كبلادنا الأميركية - في تطور، وهي الآن تجتاز أزمة سينتج عنها خير كثير ~~للهند نفسها وللعالم أجمع. جئناها والروح مشبعة من روح ثقافتها القديمة، فوجدناها ~~في القرن العشرين مجاهدة تتنازعها مشاكل القرن العشرين؛ النشء الجديد فيها جاد حار، ~~ونراه راغبا في تأدية خدمة صالحة للنفع العام. العادات هنا بسيطة والأساليب ~~الحيوية خالية من تكلف الرسميات، إلا أن أثر الفكر الغربي آخذ في إيجاد التضاعف ~~والتركيب فيها شيئا فشيئا. وترين الهندي بوجه عام حساسا رقيقا يتأثر بسرعة ~~ويلبي بكل إخلاص نداء الجود، ويبادل عواطف المحبة بكل صفاء. # يخيل أنه انحط بعض الشيء على كر الأجيال، لكن ليس في جميع القبائل؛ فالماراثا ~~نشيط مستقل يتكل على نفسه، والبنجابي شديد محب للحرب وإن كان في وسعه أن يصرف قواه ~~في غير المكافحة والقتال، وهو أمر أثبته في «أمريتسار» خلال فترة اللاتعاون. أما ~~البنغالي فهو أضعف من هذين بنية، وهو رقيق لطيف ذكي طاهر القلب سامي الفكر، ومنه ~~تلقى الفن الهندي نفحة الانتعاش، وهو الذي أوجد في الآداب نزعة التجدد ~~والتحسين. # أما فقدان قيادة غاندي الشخصية فظاهر كل الظهور، وأمثال س. ر. داس موفورو الإخلاص ~~والكفاءة، إلا أنه ينقصهم مغناطيس المهاتما ومواهبه الروحية. على أن الشعور جلي بأن ~~غاندي تكلم فأرسل نفحة من روحه العظيمة، وأن هذه النفحة تبحث لذاتها عن طريق في ~~حياة الهند، وأما الاتحاد بين المسلمين والهندوس فليس على ما يرام، ولهذين الفريقين ~~دروس لا بد أن يتعلمها أحدهما على الآخر قبل أن يتفاهما ويتحدا الاتحاد الأمثل، ~~ورغم ذلك فهناك فكرة مستقيمة تتمشى وتنمو في سبيل ms52 الاتحاد المنشود وتقدره وتعمل له، ~~وهذا بلا ريب أهم أغراض غاندي. # أما تاغور ومدرسته «سانتنكتان» فخميرة فعالة في عجين الهند. كان فن الهند منذ قرن ~~على لا شيء من الإبداع تقريبا، إذ كان قاصرا على النقل والتقليد، فأرسل تاغور ~~صيحة في الهمم الخامدة، وما فتئ ينادي بالهند لتجود بما لديها، وتسعى لتوحيد ~~ثقافتها والترابط الفكري والأدبي مع سائر أنحاء آسيا. عندئذ - يقول تاغور - يمكننا ~~أن نعود إلى الغرب مقتبسين خير ما في حضارته فلا تشوهنا؛ لأننا نكون مرتكزين على ~~حضارتنا القومية. # فكر تاغور فكر بديع التآلف، محكم التركيب، بعيد المرمى، هو الفكر الشرقي المحض ~~الذي لم تفسده نزعة سطحية أو زخارف غريبة، ولكن الرجل مع ذلك لرحابة قلبه واتساع ~~عواطفه يدرك الجيد الحسن من جميع الجوانب، ويقدر ما فيه من إنسانية صادقة ... # و. ب. # هذا الحديث عن الشرق الأقصى ما أحراه بأن يكون عن شرقنا الأدنى، لو نحن استطعنا أن نوجد ~~لنا اسمين متوافقين كاسمي رسولي الحرية السياسية والأدبية في الهند. # لقد أطلق سراح غاندي في أوائل فبراير الماضي، وما إن غادر المهاتما سجن يرودا حتى ~~أرسل منشوره الأول بشكل خطاب إلى محمد علي رئيس الجامعة الهندية الوطنية الكبرى فعبر فيه عن ~~عقيدته الوطنية ورغباته وآماله، قال: إنه يعلم أن الحالة الآن أشد قلقا مما كانت يوم دخوله ~~السجن، وقال: إنه ما زال يعتقد أن طريق الحرية والاستقلال هي؛ أولا: في الاتحاد بين ~~الهندوس والمسلمين والسيخة والمجوس والنصارى. ثانيا: في مداواة فقر الهند بالاتكال على ~~مغازلها وإنتاجها؛ لأنه مقتنع بأن المغازل وحدها هي التي تنقذ الهند من موتها الاقتصادي ~~الذي تجود فيه بنفسها. # ثالثا: في التزام السلم في القول والعمل والفكر، «وهي أسلحة لازمة لنا للوصول إلى ~~غايتنا»، ويعتقد أنهم «لو عملوا بإخلاص لما احتاجوا إلى المقاومة السلبية، التي يرجو أن لا ~~يحتاجوا إليها، وإن كانت مؤثرة وحقة، وإنها حق من حقوق الأمة والفرد، بل واجب إذا هددت ~~حياتهما بالخطر.» # هذه الأركان الثلاثة التي تقوم عليها سياسة غاندي ذي الروح ms53 الكبيرة الحلوة يعجبنا أن ~~نرددها كل يوم، وبسببها يقول رومان رولان الفرنسوي في كتابه الجديد الجميل: إن «المهاتما ~~أوجد في تاريخ السياسة أقوى وأنفذ حركة شهدها العالم منذ ألفي سنة.» ~~••• # وبينا غاندي وتاغور، وهما مجدا الهند، يتفاهمان ويتعاطفان ويطلبان لوطنهما شيئا واحدا ~~إلا أنهما لا يسلكان لذلك سبيلا واحدا. # غاندي يريد أن يجرد الهند من كل أثر غريب في الصناعة والسياسة والإدارة والثقافة، وأن ~~يعود بها إلى عهد الآباء؛ فتكفي نفسها من نتاج مغزلها ومنوالها، وتعيش عيشة ساذجة هادئة ~~بمعزل عن ضوضاء العمران الأوروبي. # وأما تاغور فيمثل قوة أخرى من القومية الهندية؛ ذلك الشاعر العالم والفيلسوف لم يلق ~~بنفسه في المعمعة السياسية، بل عني بوجه آخر لا يغني عنه الاستقلال الاقتصادي والسياسي، وهو ~~التهذيب القومي في المدرسة الحرة، وإسماع العالم صوت الهند في آدابها العالية وفلسفتها ~~الزاخرة. # في كتبه خاطبت الهند العالم أجمع، وما زالت تلقي الهيبة في النفوس محرزة بذلك نصرا ~~خالدا، وليكون أثره التهذيبي مباشرا، فقد أنشأ مدرسته «مرفأ السلام» ببلدة بلبار من إقليم ~~البنغال، وهي التي انضمت إليها أخيرا جامعة كبيرة من هاتيك البلاد. # يتخرج النشء في هذا المعهد على آراء تاغور ومذهبه، ولا ريب أنه سيكون قوة كبيرة في ~~تجديد ذلك المحراب العظيم الذي ما زال مستودعا للمثل الأعلى رغم عواصف الحياة ~~وأنوائها. # ويوم الأربعاء من كل أسبوع، وهو يوم الراحة في «مرفأ السلام»، كان تاغور يجمع تلاميذه ~~ويخاطبهم كأخ كبير وصديق رءوف، ومن تلك المحاضرات الاجتماعية والفلسفية والفنية التي ترمي ~~إلى تحقيق كنه الحياة، والوقوف على اتصال الحياة الفردية بالحياة العامة، خرجت مجموعة ~~كتابه «سيدهانا» النفسية، مؤدية صورة حية من روح تاغور النورانية الرحيبة المفعمة جمالا ~~ولوذعية ووطنية وإنسانية. # فكأنه في حين غاندي «النبي السياسي الوديع» يدفع الأيدي العاملة إلى العمل ويحرض على ~~الثورة السلبية، فإن تاغور يقوم على حراسة اللهيب الجوهري في حياة الهند، ويذكيه في مدرسته ~~ويغذيه، ويرسل إلى العالم الوقت بعد الوقت خبرا عنه وصورة محيية منه. ~~••• # كل من غاندي وتاغور متمم ms54 للآخر، وإذا كان الحديث عن الهند أشبه ما يكون بحديث عن شرقنا ~~الأدنى لتشابه المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية هنا وهناك، فالدواء العام الذي ~~ينشدونه في تلك الأقطار هو أول ما نحتاج إليه. نحن كالهند نحتاج إلى التوحيد بين العناصر ~~ليتم لنا النهوض والأخذ بأسباب الحياة، نحن كالهند في حاجة إلى إحياء الصناعة الوطنية ~~وترويجها لنتدارك فقرنا، ونكفي حاجتنا قدر المستطاع، وإن لم يكن في الإمكان أن يستغني الآن ~~أي قطر من أقطار المسكونة عن صناعة الأقطار الأخرى أو عن بعض إنتاجها؛ فذلك لا يخلينا من ~~تبعة التهاون في ترويج أقمشتنا ومصنوعاتنا على اختلافها. # ونحن كالهند نحتاج إلى مدارس وطنية حرة - دون أن ننكر فضل مدارس الأجانب - تكيف النفوس ~~على حب البلاد وتتعصب لقوميتها ووحدتها، فرقي الأمم والأفراد يقاس بمبلغ امتلاكها زمام ~~أمورها وحسن إدارتها لمصالحها الحيوية، والتعليم - مع ترقية الصناعة الوطنية وترويجها - في ~~مقدمة هذه المصالح، وعليه المعول الآن في الشرق لتقوم المدرسة مقام المدرسة ومقام العائلة ~~في آن واحد؛ لأن النشء يجد غالبا في المدرسة الراقية الجو المعنوي المثقف الذي لا يجده في ~~البيت. # اعتدنا أن نلقي جميع المسئوليات على الحكومة، مع أن التعليم يجب أن لا تتعهده الحكومة ~~وحدها التي يهمها منه خصوصا تخريج الموظفين لمصالحها، بل هو عمل أهلي وطني حر. # لذلك حق على الشرقيين في هذا الطور الجديد أن ينيلوا التعليم الوطني الحر ما يليق به من ~~الاهتمام، وأن يجعلوا لوزارة المعارف حق «الرقيب الناصح لا الشريك المخالف»، ومجالس ~~المديريات وهي الصور الصغرى لطبقات الشعب أولى الهيئات بنشر التعليم الحر والنهوض ~~به. # كذلك نحتاج إلى إرسال صوت الشرق إلى الخارج لنقول: إن حركتنا السياسية والاقتصادية إنما ~~هي مظهر فقط من حياة قومية غنية واسعة. # | إمبراطور يصير ملكا1 # أعني الرصيف الذي طلب أهالي بورت سعيد استبدال اسمه «فرنسوا جوزيف» باسم ملك إيطاليا، ~~وغريب أن يكون المرء إمبراطورا فينقلب ملكا، رغم اعتقاد البشر أن الأول أرفع من الثاني، ~~ورغم أن الملوك لا يهدأ لهم بال في هذه الأيام ms55 إلا إذا غنموا لقب إمبراطور! # قد يكون الحق في يد إخواننا البورسعيديين، غير أني لا أفهم لماذا يطلق اسم ملك أجنبي على ~~شارع أو رصيف مصري، ولا أدري ما هي علاقة عميد أسرة هبسبورج، أو كبير أسرة سافويا بأماكن ~~شرقية عمومية أو خصوصية؟! # معقول وواجب أن تطلق على شوارعنا وأرصفتنا أسماء المحسنين من الأجانب، فإذا ما رأيت تمثال ~~دي لسبس قائما عند اليم، الذي أوجد له دي لسبس يدا زرقاء تصافح البحر الأحمر، وتنقل بين ~~قارات العالم القديم - بصرف النظر عن كل ما يتخلل ذلك من السيئات وأشباه السيئات - حسنات ~~العلم والتجارة والاقتصاد، إذا ما رأيت ذلك التمثال قلت: «أحسنت أيتها الأمواج بلثم موطئ ~~قدميه!» وإذ أرى تمثال ماريت باشا منصوبا فوق ضريحه على مقربة من المتحف المصري الذي سعى ~~لإنشائه، قلت: «لقد جمعت أيها المحسن آثار الفن المصري في متحف جميل، فنم آمنا في ظل ~~المتحف المجيد!» # ولكني لا أحذق معنى تسمية رصيف في بورت سعيد، أو في غيرها من البلاد المصرية والشرقية ~~جميعا، باسم رجل أجنبي منتهى ما يعلم الباحث من مميزاته أنه إمبراطور! # تؤخذ أسماء الشوارع من أسماء عظماء البلاد وأبطالها وكتابها والمحسنين إليها من أبنائها ~~إحسانا ماديا أو معنويا، أو هي تستخرج من تاريخها القديم، أو تقتبس من حادث طرأ عليها ~~وترك فيها أثرا. هذا هو الاصطلاح الذي يتمشون عليه في سائر البلدان، فما لإمبراطور النمسا ~~والمجر ولشوارعنا، وما لنا ولاسمه مهما يكن طويلا عند ما يكتبه باللاتينية؟ # كان وما زال سمو الخديو السابق صديقا لهذا الإمبراطور، فلم نسمع أن حكومة النمسا دعت أحد ~~شوارع فينا باسم عباس حلمي، وكان وما زال سمو البرنس فؤاد شقيق الحضرة السلطانية صديقا ~~حميما لإيطاليا وأبنائها، وحتى الآن لم نعلم أن رصيفا في روما أو شارعا في نابولي يعرف ~~باسم هذا الأمير المصري. # فلماذا نعطيهم ما لا يعطوننا؟ ولماذا نجرد أبناء الشرق من نصيبهم الطبيعي؟ # نعم، إن شوارع كثيرة تدعى بأسماء الحوادث التي طرأت على المدينة وبأسماء نفر من ~~المصريين، ms56 ولكن آخرين يستحقون الذكر ولا يذكرون، بينا كثير من أسماء الشوارع تدهش وتضحك، ~~وتحمل على التساؤل ما إذا كان رؤساء مصلحة التنظيم من الاستغراق في التأملات الفلسفية بحيث ~~لا يدركون، مثلنا نحن عامة الناس، ما تكنه وتبديه تلك الأسماء من النكتة ~~والمهزلة! # | في عالم الألحان # 1 # لقد أخذ المعهد الموسيقي المصري على عاتقه حملا ليس بالخفيف ، ووضع نصب عينيه غاية ~~محمودة، فلا يسعنا إلا التمني أن «يأخذ الله بناصره» والدعاء له بالعمر الطويل. # قالت صحف الأمس: إن إدارة هذا المعهد ضمت إلى أعضائها حضرة الأب كولانجت وغيره من ~~الملمين بهذا الفن إلماما نظريا أو عمليا، وذلك عين الصواب؛ إذ لا شيء يفيد ~~موسيقانا والولوعين بدرسها مثل احتكاكهم بالموسيقى الغربية والاطلاع على أفكار فناني ~~الإفرنج وأسلوب تمرينهم العقلي واليدوي والاقتباس عنهم. # يعيرنا الغربيون أن ليس في الموسيقى الشرقية أفكار، ولا وصف، ولا تصوير، ولا تصور، ~~ولا أوبرا. سبحان الله! وما حاجتنا يا ترى، نحن ذوي الأعصاب الطروبة الذين يشجينا شدو ~~القصب وتنهد النهر ونوح الحمام، ما حاجتنا إلى اشتباك الألحان وضوضائها؟ نحن نتمنى ~~لموسيقانا أن تظل شرقية محضة، تعبر بأنغامها العميقة الحزينة عن خفايا القلب الشرقي ~~وحنينه ولوعته، وتلمس نفوسنا بترجيعها البسيط فتهتدي فيها إلى مستودع العواطف الشجية ~~وينبوع العبرات السخينة. # إن الموسيقى الغربية رغم كونها «علمية» في طورها الحاضر تحدث مختلف التأثيرات، شرط أن ~~يكون السامع عليما بها أو فاهما ببداهته أنغامها، وإلا كانت جلبة وضجيجا لا يناله ~~منهما غير الصداع الأليم. # على أن أكثر الشرقيين يفهمون موسيقى بلادهم بلا درس ولا استعداد؛ لأن مقاطع ألحانها ~~ساذجة متشابهة، باستثناء المتفرنجين الذين يدعون أن الموسيقى العربية لا معنى لها. وسبب ~~هذا الحكم في الغالب هو تمكنهم من التوقيع - سواء كان ما يوقعون من جيد الموسيقى ~~الإفرنجية أم من رديئها - على البيانو، مع أن تقدير الموسيقى الغربية لا يؤدي إلى إنكار ~~الشرقية، وأصدق برهان على ذلك أن جماعة من كبار الموسيقيين الإفرنج حاولوا اقتباس ~~الألحان الشرقية، وإدخال شيء منها في ما يؤلفون؛ ms57 منهم كميل سان سانس الذي ألف لحنا ~~ممزوجا من جملة ألحان مصرية باسم «تذكارات الإسماعيلية»، فضلا عن قطعه الفارسية ~~الكثيرة. # يشعر الإفرنج الذين لم يألفوا ألحاننا بشيء من الغرابة إذ يسمعونها لأول مرة، وقد ~~يتألمون لجدة الأوزان وتنافر الاهتزازات منها وتباطؤ الآهات؛ ذلك لأن السلم في الموسيقى ~~الإفرنجية ينقسم فقط إلى مقامات كاملة وإلى أنصافها، في حين قسم الشرقيون المسافات بين ~~المقامات الأصلية، فكانت عندهم «المسافة الكبيرة» المحتوية على ثلاثة مقامات سموها ~~أرباعا، و«المسافة الصغيرة» المحتوية على ربعين فقط؛ ومن ثم الاهتزازات الدقيقة التي ~~تزعج السمع الغريب في بادئ الأمر. زد على ذلك أن الأصوات الشاذة عندنا كثيرة، وهي لا ~~تندر بين أكبر ملحنينا. وأقول بصراحة: إني لا أعرف بين الذين سمعتهم من الأموات أو ~~الأحياء إلا اثنين أو ثلاثة من ذوي الأصوات الصحيحة، أما الأموات فأشهد فيهم، بهذه ~~الثقة؛ لأني سمعت صوتهم في الفونغراف. # كذلك يخطئ المغني عندنا في تقسيم أوقات الإنشاد وتوازن الآهات والأدوار، فقد يبدأ ~~بإصلاح أوتاره في الساعة التاسعة، ولا يفرغ من ذلك إلا نحو الساعة العاشرة، فيصرخ «يا ~~ليل يا عين»، ويظل مناديا ليله وعينه حتى انتصاف الليل، ثم يقضي الشطر الثاني من ~~الجلسة الموسيقية على مقطع أو مقطعين من الدور. وكم يضيق المرء ذرعا بهذا التطويل، ~~ويكاد يصرخ في وجه المغني: فهمنا يا سيدي! اذكر النشوء والارتقاء وغير هذه ~~الجملة! # ليس كل الغناء في اللحن فقط، بل إن معنى الكلمات عامل أولي في حمل الأعصاب على ~~الإذعان لسلطة الموسيقى؛ فلينوع الموسيقيون إذن ألفاظهم ما استطاعوا، ولينشدوا كل ~~أدوارهم وليس كلمات منها فقط، وليتركوا الليل مصغيا لآهاتهم المطربة والعين مغرورقة ~~بدموع الحزن والسرور، والآهات مؤثرة، شرط أن لا يكثروا منها إلى حد يمل عنده السمع ~~وتسأم النفس. # ليس على المعهد الموسيقي الاحتفاظ بالموسيقى العربية ونشرها بين الغواة فحسب، بل عليه ~~- وفي هذا أهمية موقفه - أن يعنى بإصلاحها وحذف ما علق عليها من الشذوذ والإفراط في ~~المرادفات، وأن يبث فيها نسمة الإنعاش. # نرجو أن يعنى المعهد ms58 بذلك، وما أشد شكرنا له يوم نراه قد أدخلنا في سفر ~~التكوين! # أعني بلا ضحك، سفر التكوين الموسيقي. # 2 # كان المعهد السابق ذكره يشتغل خلال الحرب، ويظهر أنه هو الآخر استبد به المقدور ~~المتحكم في كثير من مشروعاتنا، فكان «شعلة قش وانطفأت»، ولعلي أجهل مصيره وهو ما زال ~~حيا يرزق ويرزق؟ حبذا الخطأ في مثل هذه الحال وفي كل حال تشبهها! # على أننا لسنا في جمود موسيقي صرف، ولا يسعنا إلا تقدير جهود أساتذة الموسيقى وهواتها ~~في وسط ما زال من هذه الجهة في سبات، ولم يستيقظ منه إلا الأفراد القلائل. # لا يخفى أن الموسيقى الشرقية جمدت عصورا طويلة بعد أن وصلت عند المصريين والآشوريين ~~والعبرانيين إلى درجة الإتقان المتناهي، بشهادة الآلات المنقوشة صورها على الآثار، ولم ~~يتغير السلم الموسيقي الشرقي أصلا رغم انحطاط الفنون كل هذه المدة. وأهم ما يلاحظ في ~~الأعوام الأخيرة من قبيل التجديد هو ضبط الألحان بالعلامات الإفرنجية، بعد أن كانت ~~الألحان تنتقل بالتواتر والتدوال من جيل إلى جيل شأن الألحان الشعبية القديمة في ~~أوروبا. # فكتابة الموسيقى إذن أصبحت غربية يزيد عليها العلامات المحتم زيادتها؛ لأن ليس في ~~الموسيقى الغربية ما يقابلها وهي أرباع المقامات. ويساير هذا التجديد محاولة إدخال ~~العنصر الغنائي الغربي وإدماجه في النغم الشرقي على نحو ما فعل ملحنو الغرب، الذين ~~استوحوا الموسيقى الشرقية وأفاضوا من عنصرها على مبتكراتهم، إلا أنهم أبرع منا في ~~الاستحياء؛ لأنهم فازوا بثقافة موسيقية وفنية راقية. أما نحن الذين كان لنا آلات ~~موسيقية تمتعت بكمال لم تصل إلى بعضه آلات الإغريق في مجدهم، ونشأت عندنا ذوات الأوتار ~~كالعود والقانون والقيثار التي دخلت أوروبا عن طريق إسبانيا - فضلا عن سائر الآلات ~~المذكورة في التوراة - فما نحن اليوم إلا في دور الثغثغة. # وفي هذا صعوبة موقفنا وكثرة ارتباكنا وتهافتنا أحيانا على ما هو بالإعراض أحرى، في ~~حين نطرح الطرفة الفنية المنيلة قوتا وتثقيفا وصقلا. # 3 # في فصل الشتاء تكثر عندنا الحفلات الموسيقية الوترية والغنائية، ولقد حضرت أخيرا ~~حفلة كانت كلها ms59 مكرسة لتوقيعات كلود دبسي الشاب الذي أبدع في الموسيقى الفرنساوية ~~العصرية، وهو اليوم مع ملحني الروس رائج بين هواة الموسيقى، لا سيما منذ وفاته؛ لأنه ~~بعد أن سكب شبابه الغض أنغاما مضى، فهو يمثل في نظري الدور الذي مثله كيتس أو شلي في ~~الشعر الإنجليزي. # في موسيقى دبسي تهب حينا بعد حين لفحة من جونا، أو تئن روح الشرق الحزينة، وقد بدا ~~بعض ذلك في قطعة موسومة باسم «سهرة في غرناطة» سمعتها في الحفلة المذكورة موقعة على ~~البيانو أحكم توقيع. لم يخلد الملحن في كل تأليفه هذا إلى جو الأندلس الذي تلاقت في ~~بيانه الفني أرواح الغزاة من: العبرانيين، والقلت، والفينيقيين، واليونان، ~~والقرطاجنيين، واللاتين، والقوط، والعرب، ولا تغلب على شتيته المنظم النغمات ذلك ~~الطابع الشرقي ذو الحماسة الكئيبة الذي نستجليه في معظم ما نسمعه من الموسيقى ~~الإسبانية، بل هو استسلم لأثر الموسيقى الأوروبية المتعارضة أنغامها بالعناصر الوصفية ~~والذهنية والتصويرية في تساوق الألحان # harmonie # لمسايرة ~~اللحن الأساسي وهو بنغم # mélodie ~~. استسلم لذلك وعبر عنه ~~بأسلوبه الأركستري بعد تكييفيه بطبيعته الفنية ونبوغه الطروب، إلا أنه ظل يعود دواما ~~ويعود أبدا بعد كل وثبة وكرة وفرة إلى ذلك القرار، الذي تئن فيه كآبة الشرق السحيق، ~~وتتنغم منه الزفرات والآهات على وقع خرير المياه من نوافر المرمر الشفاف، في ليل قصر ~~الحمراء المثقل جباه الملوك والأمراء بوسم المجد وأحلام الغرام. # أظن أن من أنفع ما يستوحيه ملحنونا الشرقيون هو هذه الحفلات الموسيقية تعزف فيها ~~ألحان الغربيين الذين بين أرواحهم وبين الروح الشرقية قرابة. # لأن هذه القرابة موجودة في الفن والأدب والموسيقى والفلسفة. فإن إدجر آلن بوو مثلا، ~~وموسه وبايرن ودانتي وهايني وشكسبير كذلك، أقرب ما يكونون إلينا، بينا ملتن وتاين ~~ولافونتن وكاردوتشي ورسكن وأوهلند أبعد ما يكونون. بتلك القرابة نستوحي الموسيقى ~~التركية والفارسية والأرمنية واليونانية الحديثة والبلقانية، لا سيما الهنغارية التي ~~يسهل الاقتباس منها مباشرة، ففيهن جميعا شيء من ذلك الحث المهيج تلازمه النهفة ~~الحزينة الجوهرية في الروح الشرقية، ونجد مثل ذلك في الموسيقى ms60 الروسية؛ كموسيقى: ~~روبنشتاين، وجلنكا، ورخمانينوف، وأرنسكي، وليادوف، وجريج النروجي. فعند هؤلاء وغيرهم ~~نجد من الانفعال والشجن والبث والكآبة ما يجعلنا وإياهم في جو واحد من الطرب. # ولكن صونوا كرامة الطرب أيها الأساتذة، ولا تسجلوا علينا أشباه حكاية الكوكاين. لا ~~تجدد لموسيقانا بهذه الدندنة التي تدعى # Musiquetté ~~، ~~وحاشا للمحترف أو الغاوي أن يفسد ذوقه وثقافته الفنية بالاستماع إلى مثل هذه الألحان ~~التافهة. ليست الغاية من التجدد نقل الألحان الغربية على ما هي، وإنما التجدد ~~بالاستيحاء؛ كأن مثلا ترى شيئا جميلا، أو تسمع لحنا مطربا، أو تقف على فكرة رائعة ~~فلا ترسخ في حافظتك على ما هي بلا زيادة ولا نقصان، بل هي تشعرك بوجود كنوز كثيرة وراء ~~ما تدرك، وتفتح لك منافذ على آفاق لم تأبه لها من قبل، فتنظر فيها ومنها تستمد. # أكبر قيمة البيان الفني وقيمة الحياة الأدبية في ما تفسح من أفق وتشعرنا بوجوده من ~~مجهول، لا بما تؤديه من المعاني المحدودة. كل قيمتها في حثنا على تناول أعلى مثال من ~~الجمال، وبما تبسطه من أبدية لا يلمسها الحس إلا لدن يحاذي الوحي، رغم كون الأبدية ~~كامنة في هذا الحس كما يشتمل عمر الشخص الواحد على سلسلة من حلقات التجدد والفناء، ~~والأثر الفني قمين بالخلود على قدر ما يحدث عن تلك الأبدية التي تتعاقب في الأجيال، ~~وما عمل الأجيال إلا أن تمر في رحابها وتنقضي. # 4 # بين موسيقى الشرق وموسيقى الغرب فرق أساسي؛ فهي في الغرب علم، تمثل في تأليفها ~~وتوقيعها مأساة الجهاد والكفاح بين العواطف والذكاء. # أما في الشرق فكل الموسيقى عذاب وشجو وأنين. # هي صوت القلب وخلاصة التعبير الوجيع، يتجسم فيها دون غيرها معنى الامتثال اليائس ~~والصبر المرير؛ فتسمعها أبدا منشدة على لحن واحد «ميلودي». وكل إنعاشها يجب أن يأتي عن ~~هذه الطريق، وليس عن طريق إدخال التساوق «الأرموني» فيها؛ فتساوق الألحان أخص خواص ~~الموسيقى الغربية. # قال لسنج مرة: إنه يعتقد بأن رافائيل قد كان يكون مصورا عظيما حتى ولو ولد بدون ~~ذراعين. والموسيقى الشرقية تستطيع ms61 أن ترتقي دون أن تتبدل طبيعتها إذا هي تعهدها الحذق ~~الفني والحاسة الموسيقية الدقيقة. # | معرض الصور المصري # 1 # مارس 1919 # لقد أضيف إلى الأحاديث المزعجة التي ملأت أندية القاهرة في هذه الأيام موضوع لطيف ~~لم تألفه بعد اجتماعاتنا، موضوع الفنون الجميلة، وذلك بفضل المستر ستيورت الذي عرض ~~رسومه المصرية، وفضل إخواننا الأقباط الذين أقاموا قبله معرضا كشف لنا عن أمر جهلناه. # وإني لأستغفر عما خالجني من الشكوك؛ فإني دخلت القاعة وفي نفسي ارتياب كثير وأمل ~~ضئيل، ولكن ما إن عرضت طائفة من متقن الرسوم حتى قلت الكلمة التي سمعتها ممن زاروا ~~المعرض قبلي وهي: «إنه أحسن كثيرا مما كنت أتوقع.» # مرضية النظرة الأولى في الردهة الكبرى لجامعة المحبة والغرف الأربع المحيطات بها، وقد ~~تغطت منهن الجدران طولا وعرضا، ولم أكن أدري أن للطائفة القبطية شغفا بالرسم، غير أن ~~العارفين يقولون: إن هذه المعروضات إنما هي لبعض الغواة من رجال ونساء، وإن الآخرين لم ~~يعرضوا لوحاتهم. أما المحترفون - وهم عدد يذكر على ما قيل لي - فقد أبوا الاشتراك في ~~المعرض؛ لأنهم اشترطوا ما لم يتم الاتفاق عليه. # لا يلوم هؤلاء من يدرك قيمة العمل والجد لنيل غاية بعيدة، ولكل مطالب تقاس عنده ~~بما بذل من سعي ومجهود. على أننا كنا نود أن يتم الاتفاق على ما يرضي الغواة ولا يغضب ~~السادة المحترفين؛ حتى ينجلي للجمهور مظهر صادق من الحركة الفنية عند إخواننا الذين ~~يبالغون في التكتم وإخفاء أساليبهم وميولهم عن غير الأقباط. # لم يكن ثمة ما هو منقول عن الطبيعة مباشرة أو معبر عن فكرة شخصية إلا رسمان اثنان، ~~إلا أن من الرسوم المنسوخة عن رسوم موضوعة من تماثيل ونقوش وفوتغرافيات ومناظر طبيعية، ~~كان حسنا، ومنها ما هو دقيق الإتقان سواء في التفاصيل والإجمال، وكل من سعى لإقامة هذه ~~الندوة وعمل في تنسيقها وترتيبها يستحق جزيل الشكر؛ لأنه كان مشجعا فكرة صالحة ومعززا ~~قيمة الفن بين ظهرانينا. ومما يغتبط له بنوع خاص أن قسما يذكر من هذه المعروضات (النصف ~~تقريبا) من ms62 صنع السيدات والأوانس، وهو شيء لم نكن نتوقعه مطلقا وتسرنا منه المباغتة ~~اللطيفة. وقد كان هناك غرفة خاصة بإحدى الأوانس، وقد غطت نقوشها ورسومها الجدران ~~الأربعة. وفي غرفة أخرى كنت ترى جمهورا من الفتيات يتناقشن ويتسامرن ويسارقن الزائرين ~~النظر آونة بعد أخرى، ولو علمت أنهن صاحبات الرسوم المعروضة لأدركت معنى تلك النظرات ~~الخفية. # إن هذا المعرض التجريبي مقدمة لتحقيق آمال كبيرة إن شاء الله. لقد قلد إخواننا ~~فكانوا متقنين، ونسخوا فكانوا مجيدين ونائلين من مثل رئيس مدرسة الفنون الجميلة في هذه ~~العاصمة كلمات التشجيع والإطراء. فهيا الآن إلى الإبداع والابتكار واستيحاء الطبيعة ~~والحياة مباشرة بلا وسيط! نظرة عين أو ثنية شفة، أو دمعة ترتعش على حافة الجفن، أو ~~سحابة تذهب حواشيها أشعة الشمس، أو خيال من خيالات السرور والأسى والشوق والتمني. كل ~~معنى مهما يكن هزيلا ينقلب أثرا فنيا بعمل المخيلة المبدعة والريشة الخالقة، وكلما ~~عالج الفنان التعبير عن ذاتيته نمت تلك الذاتية واتسعت، وقد أصبح باب المقابلة ~~والمسابقة والمفاضلة مفتوحا، وكثرة المترددين على الندوة تنبئ باستعداد عند الجمهور ~~لدرس الأعمال الفنية وتقديرها. # أي شيء أجمل من الفن، وأي شيء أقدر منه على تصفية النفس وترقية الميول وتطهير الأفكار ~~وتنقية العواطف؟ وإذا انفتح ذلك الباب؛ باب الغبطة المعنوية، فهو لا يغلق أبدا، بل ~~يعبره المرء إلى عالم جديد تملأه مسرات (وآلام!) تتضاءل أمامها المسرات والآلام ~~الأخرى. # نرجو أن يقام هذا المعرض كل عام، ونرجو أن يحقق الآمال، كما نرجو أن لا يكون في ~~المستقبل قبطيا صرفا بل مصريا كل المصرية؛ لأنه كما يتيسر الإخاء في أفق الوطنية، ~~كذلك هو ميسور في جميع الدوائر السامية؛ دوائر الخير والعلم والفن والفلسفة. # 1 # 2 # أبريل 1924 # رأينا هذه السنة المعرض السادس، وهو طبق المرام، ذو صبغة مصرية كما يليق بالبلاد التي ~~يقام فيها، وطائفة كبيرة من معروضاته من صنع المصريين، ومعها معروضات لغير المصريين، ~~محترفين وهواة، رجالا ونساء. وهذا هو الكمال في المساواة في عوالم الفن والفكر والعلم، ~~حيث تتجلى الطبيعة الإنسانية العامة ms63 واحدة عند الجميع. # وقد درج المعرض على هذه المساواة منذ سنته الثانية، بيد أنه أقيم هذه المرة في قاعات ~~سافواي بصورة شبه رسمية ومكبرة عن صورة المعرض الذي كان يقام في الأعوام الماضية، وهو ~~الذي كان حجر الزاوية منه ذلك المعرض الصغير في دار جامعة المحبة القبطية سنة ~~1919. # كانت القطع المعروضة هذا العام تنيف على الأربعمائة، ولا أدري هل اللجنة المنظمة ~~أصابت في ذلك؛ لأن الكثرة ليست ضمانا لرقي الذوق الفني ولا دليلا على جودة ~~الصنعة. # قد لا يغض التدفق من نفاسة النوع عند الطبائع الغنية الفياضة، ولكنه عندئذ ~~الاستثناء الجميل. أما القاعدة ففي وجوب التأني للإتقان الذي لا كمال بدونه؛ والقليل ~~المتقن لا سيما عند المبتدئ خير من الكثير المشوش. # كان على اللجنة أن تتصعب في قبول المعروضات، وأن تكون أدق نظرا في الاختيار؛ ليكون ~~القبول منها بمثابة التشجيع لذوي المواهب الفنية والتقدير لمعروضاتهم. كان عليها أن ~~تنبذ «الخرابيش» التي يزعم أهلها أنهم يعرفون يرسمون ويصورون، فلا تضع الادعاء والخلو ~~حيال الكفاءة والمقدرة يطميان عليهما. وخير «للصالون» أن يحوي مائة لوحة - أو أقل - ~~جديرة بالالتفات والاستحسان من أن يحوي مقدار ما تحويه صالونات باريس وروما؛ فيظهر ~~العجز في هذه الكثرة، ولا يكون تعدد الأطر والنقوش شفيعا في نقص الأصل وضعفه. # فمن تلك المعروضات ما كان يحتمل احتمالا، ومنها السطحي المصطنع الباهت كأنه نقش بماء ~~الورد، ومنها ما لا يقبل إلا كاثر رسم في الطفولة يوم بدأنا ننسخ طاقات الورد والأواني ~~الزرقاء والصفراء عن دفتر كاتارينا كلاين الألمانية. وأفهم أن يستاء الفنانون من جيرة ~~لا ملق لهم فيها ولا فخر. # وكان مما يبعث على السرور والأمل أن نتبين بين تلك القطع - المنسوخة عن منسوخ في ~~الغالب - بعض الرسوم الجديرة بمكانة لائقة في أي معرض ذي كرامة؛ فنرى فيها فن التلوين، ~~وجرأة الخطوط، وإحكام الرسم، وجلاء الأسلوب، وحذق التعبير عن خاطرة جلية أو تأثر غير ~~مرتبك. # ولا بأس من عيب أو عيوب إذا كانت اللوحة ناطقة بمزاج فني واضح الحدود والفوارق، ms64 فعيوب ~~المصور في الخطوط والألوان والشكل والقالب بمثابة الأغلاط اللغوية في آثار الكاتب. ~~تلك الأغلاط تتضخم ولا تغتفر عند الكويتب المتطفل، بينا هي جزء من شخصية الكاتب الكبير. ~~فالشواذ اللغوية والبيانية كثيرة عند شكسبير، وجلية عند بايرن وغيره، على أنها لا تنقص ~~من قيمتهم، بل الواقع أنهم جوزوها ودمجوها في اللغة لمجرد وجودها في آثارهم، وهي عيوب ~~قابلة الإصلاح، وإصلاحها من أسهل ما يكون. # رأينا من هذه اللوحات في المعرض. أما عيوبها ففي: ارتباك التأليف، وعدم مراعاة ~~التوازن في توزيع الطباق والإبعاد، وكأنها كانت مفتقرة إلى توحيد الأسلوب على منهج ~~واحد. ولكن فيها مجهودا جميلا، واقتحاما جديدا، وسعيا لشق سبيل غير مألوف. # وهناك لوحات تستوقف الانتباه؛ لأنها خلال التعبير عن فكر متغلب أو تأثر طام أنبأتنا ~~بأن ثمة شخصية كبيرة ومزاجا فنيا مشوقا قدر له أن يبرز بحرية وأن يصعد عاليا في ~~أفق الفن. # فكما أن في هذا المعرض وجوها للتحسين والإصلاح، فكذلك فيه حسنات توحي الرجاء، وأكبر ~~الأمل أنه يقام كل سنة، وأن في مصر الآن نواة فنية يرجى لها النمو. فللجنة الساهرة على ~~هذا المعرض السنوي أجمل الثناء، مشفوعا بالرجاء أن يكون الانتخاب في العام الآتي أدق ~~وأحكم؛ فمصر طفلة في الفن واليقظة، وهي ككل حدث تحتاج إلى من يتعهدها بخبرة ~~ومحبة. # 3 # أقول مصر في طور الحداثة، وأعني كل ما تتضمنه هذه الكلمة، فإن هذا الطور إذا كان كثير ~~العيوب ففيه كذلك حظ كبير من الحسنات والمواهب التي تنتظر الصقل والنمو. # في هذا الطور خلوص النية، وصفاء الطوية، وذكاء الفؤاد، ومقدرة العطف، وشتى الحوافز ~~لاقتحام أعلى القمم. وفيه خلو من مرارة التجربة وتجاهل لليأس والفشل، وهو حديقة تنور ~~فيها كل أزهار الأمل. # ومصر متمتعة بهذه الثروة الفاخرة. # فعلى متعهدي الفن فيها أن يذكروا أن بعض الأمزجة ذات وزن كبير أو ذات وزن ما، وتلك هي ~~التي يكون الإغضاء عنها جريمة وخسران، وسيكون لأصحابها أثر في الروح العامة إذا هم ~~وجدوا من الظروف ظهيرا، واستطاعوا أن يثقفوا مواهبهم ms65 بما تقتضيه من سعي ومجهود ~~وثبات. # ولكن ليس كل من رسم كذلك، وللمرء كل الحرية في أن يرسم لنفسه ويعرض رسومه في منزله، ~~ولكن حريته تغدو محدودة يوم يهم بنشر ما لها به في معرض عام. # إن الرسم والتصوير والنحت كالشعر والموسيقى، لا خير فيها إلا إذا عبرت عن مزاج تام، ~~وكانت على جانب من الإتقان، في حين أن أية نهفة من صوت ولو غير جميل، تعني شيئا ما، ~~وتدل على خاصة حيوية. وحسبها أنها تنوع من التنفس الذي هو أصل الحياة وضمانها ودليلها ~~الواحد. أما التصوير والرسم والنحت والشعر والكتابة الأدبية فلا بد أن يتساوى فيها حظا ~~الصنعة والفن؛ أي «كيفية» التعبير و«كمية» من شخصية يتسنى التعبير عنها. # ونحو هذه الغاية فلتسر مصر في معرضها التصويري، فتنشر آثارا توازت فيها المادة ~~والأسلوب. وليس من الضروري أن يتكاثر العدد كل سنة، ولكن من المحتم أن يرتقي الفنانون ~~وتصقل مواهبهم وتجود آثارهم. فالفن ككل شيء آخر في الحياة، له مختاروه وأشياعه، وقد كان ~~دواما نصيب الأقلية. ولا يطلب من الجمهور إلا أن يفهمه أو يفهم بعضه. وتربيته على ذلك ~~ميسورة في مثل هذه المعارض السنوية. # 4 # ومن مزايا هذا المعرض الذي يخلق «جوا» للفن، ويبث في الجمهور رغبة في درس الفن، ~~وينشط معالجي الفن وهواته، إنه موضوع يمرن عليه كتابنا مقدرتهم في النقد التصويري، ~~ومنهم من يبدي في ذلك إدراكا دقيقا وإحساسا نافذا، وإخلاصا مشكورا؛ فلا يسئم ~~المواهب الصالحة بالكلام الفاتر في الموضوع الحار، ولا يملق الغرور والغطرسة بالثناء ~~الوفير على ما هو عادي قد لا يستحق أكثر من النظرة السريعة. ~~«ما نفع النقد؟» يتساءل شارل بودلير، ثم يجيب: «الفنان يلوم الناقد في أنه لا يفلح في ~~تعليم المتفرج الرسم والنظم، وهو كذلك لا يعلم الفنان الذي لولا فنه ما كان النقد، ولكن ~~هذا اللوم لا ينطبق إلا على النقد الذي لا يرى ولا يشعر ولا يدرك.» ~~«كيف يكون النقد إذن؟» ~~«أعتقد بإخلاص أن خير نقد هو النقد المنوع الشعري المبهج، ms66 لا ذلك النقد البارد الذي ~~يسلك طريقة علم الجبر في حل المسائل الرياضية، فيزعم شرح كل غامض وفض مغالق الطبيعة، ~~دون تحيز ولا نفور، بل بتجريد نفسه اختيارا من كل مزاج وكل نزعة.» ~~«يتحتم أن يكون الناقد واسع المعرفة والإدراك، رقيق الإحساس، صادق الإخلاص، ومقياسه ~~هو الطبيعة بأسرها بإنسانها ومجتمعها، ثم عليه أن يتأثر لينقد بانفعال. لأن كونك ناقدا ~~لا ينفي كونك إنسانا، والانفعال يقرب بين الأمزجة المتشابهة، ويسمو بالمدارك إلى علو ~~جديد؛ وبهذا منفعته للفنان والمتفرج.» ~~«التصوير كجميع الفنون، هو الجمال تستوعبه عواطف كل منا، فيعبر عنه بانفعالاته ~~وأحلامه، أو هو التنوع في الوحدة، أو هو الوجوه النسبية المتعددة من الكل المطلق. فعلى ~~الناقد البصير إذن أن ينظر إلى الأثر الفني والتعبير الفني ومن ورائه الطبيعة وما ~~وراءها لا يغيب عن بصره؛ فيشرح ما في البيان الفني من معلوم ومجهول، أو من نقص في ~~العلاقات، أو من علاقات مختلة. الناقد العليم القادر أستاذ الحياة بما فيها من العلانية ~~والأسرار، والمتحركات والسواكن، يعرفها للفنان الذي عالجها صامتا، ويعرفها للجمهور ~~الذي يحدق فيها جاهلا.» # هذه بعض أقوال بودلير في النقد الفني، وهو الذي كان ناقدا ممتازا كما كان شاعرا ~~مطبوعا، والكلام على النقد الفني ينطبق على النقد عموما؛ إذ إن النقد كالحرية والعلم ~~والفن لا يأتي بالطفرة، بل هو تمرين متتابع طويل لكفاءة طبيعية. # لذلك قلت: إنه إذا سرنا أن نرى هذه المعارض الابتدائية؛ فيسرنا كذلك أن تظهر على ~~مقربة منها، وتصقل عن طريقها، موهبة النقد الذي يدرك، ويشعر، ويحاسب نفسه على ما يقول، ~~مقابلا بين موضوعه وبين ما يعدله في الحياة والطبيعة والمجتمع. # وهذا النقد العام الناظر إلى الأمور من جميع جهاتها قليل جدا في اللغة العربية التي ~~عني أئمتها في الغالب بالنقد اللغوي وما إليه. # ولذلك كان من دواعي الابتهاج أن تبدو مع النزعة الجديدة إلى الحرية السياسية النزعة ~~إلى العمل الفني، يحاذيها النقد الصادق الذكي. # هو ثالوث حي سعيد، بورك فيه! # | لبيك يا مسيو فانبير! # المسيو فانبير هو ms67 الكاتب الأجنبي الذي يكتب لمجلة بلجيكية عن حركة الأدب في العالم، وإذ ~~هم بالكتابة عن الآداب العربية وجد أنه في أمرها على جهل تام؛ فبعث إلى الدكتور طه حسين ~~يشكو جهله، وزود الشكوى بعشرة أسئلة يليها «ملاحظة»، وجهها الدكتور في جريدة «السياسة» إلى ~~الأدباء وحملة الأقلام، ولا أدري هل هم ردوا عليها فهيئوا لمسيو فانبير مادة كافية لمبحثه ~~عن الأدب العربي. # تعرف أوروبا شيئا غير يسير عن آداب: الهند، والصين، واليابان، والفرس، والترك، والأرمن، ~~ولا تعرف منا نحن إلا ما يحدثها به المستشرقون عن آدابنا القديمة، وبعضهم ذو فضل عميم، أما ~~عن آدابنا الجديدة فيحدثها كتابها وسياحها الذين يمرون بالشرق فيرونه كما يريدونه أو كما ~~يتخيلون، ويحدثها بعض محاسيبها فيذكرون لها ما يهمها مباشرة، وقد يؤولون ويكيفون لتتوافق ~~الأحاديث وهوى المصلحة. # وأدباؤنا الكاتبون باللغات الأجنبية يعنون بالتعبير عن شخصيتهم، ويعالجون الموضوعات ~~العامة لتأييد مذهب ما؛ فنظل مجهولين إلا من الذاكرينا الوقت بعد الوقت بما يحمل على الحكم ~~بأن كل ما لدينا فتيت يقع عن موائد الغير، أو هم يفخمون بعض الحوادث والمعاني والأشخاص ~~ويضخمونها ضاربين صفحا عن مركزها المحدود في عالمنا الأدبي العام. # فلا عجب أن يشعر الكاتب الأجنبي بالجهل والقصور إذا هو هم بالبحث الجدي، أما الملاحظة ~~فأوردها قبل المسائل لأهميتها؛ قال: «ليست هذه المسائل دقيقة، وإنما هي أعلام تبين لك الغرض ~~الذي أقصد إليه من هذا البحث، ولك الحرية المطلقة في أن تفصل ما استطعت، وتبسط كل آرائك في ~~المسائل التي ألقيت عليك.» # وقد صدق مسيو فانبير؛ فليست هذه المسائل «دقيقة» وإنما هي الخطوط الكبرى الراسمة صورة ~~الآداب، وهي عندي أهم من «الدقة»؛ إذ رغم ما نريقه كل يوم من مداد، فإننا لم نوضح بعد ما قد ~~توضحه الأجوبة الصغيرة عن هذه المسائل، وكثيرون منا لم يفكروا فيها، وفي بعض ما يكتبه أفراد ~~من صفوة كتابنا، دليل على أن هذه الخواطر لم تمر في أذهانهم بمثل هذا الاطراد. ولا لوم، وإن ~~جاز اللوم فهو يقع أولا على الصحف ms68 الإفرنجية التي لا تعنى عندنا بغير الجانب السياسي وتغفل ~~ما عداه، ويقع بعدئذ أو قبلئذ، على الصحف العربية التي لا تهتم برسم صورة عامة من آدابنا. ~~وبعد وقد زل بي القلم إلى ما يغضب الصحف العربية والإفرنجية جميعا، فلأمضين في الجرأة ~~فألوم الدكتور طه حسين الذي يشغل صحيفة الأدب الأسبوعية في «السياسة» بأبحاث ممتعة عن ~~الشعراء الأقدمين، ويتغاضى عن الأدب العصري فلا ينيله كل ما هو جدير به من البحث، وهنا أسكت ~~وبي شبه ذعر أن تنقض علي الصواعق من كل صوب. # ومن ثم أجيب عن المسائل؛ لا لأرسلها إلى المسيو فانبير، بل لأهتدي إلى ما يحب أن يعرفه ~~الكاتب الأجنبي، ولأرسم لذاتي صورة واضحة على قدر الإمكان من هذه الموضوعات ~~المتشابكة. # السؤال الأول: # هل لك أن تكتب لي ترجمة مفصلة لحياتك وآثارك الأدبية؟ # الجواب: # لا، يا سيدي المسيو فانبير؛ فذلك التفصيل يستغرق حياتي الصغيرة كلها! # السؤال الثاني: # ما الينبوع الذي يستمد منه الشعر العربي الحديث؟ # الجواب: # شعر شعرائنا يستمد الآن من ينابيع شتى لا من ينبوع واحد؛ فهناك الشعر ~~المستمد من الشعر العربي القديم يتحداه ويعارضه بالوصف والتشبيب والمجاز، وهو ~~قلما استحسن الجديد، وشعر آخر يستمد من القديم كذلك إلا أنه يتناول بعض المعاني ~~العصرية ويلخص شيئا من النزعات الشائعة، فيصبها في قوالب قديمة يحرص عليها جد ~~الحرص. وهناك الشعر الجديد الصرف أي المستمد من المعاني الجديدة والانفعالات ~~الجديدة والمعارف الجديدة (له)؛ فيصوغها في قوالب مبتكرة متفلتا من القيود ~~القديمة إلى تحدي الإفرنج في تعديل الأوزان وتنقيح القوافي. وهذا الشعر تختلف ~~شعبه باختلاف معرفة أهله للغة الفرنساوية أو الإنجليزية أو غيرها، ولكن هاتين ~~اللغتين بما نقل إليهما عن اللغات الأخرى هما الشائعتان. # السؤال الثالث: # ما وجهة الشعر العربي الحديث؟ وماذا عمل فيه من المؤثرات؟ # الجواب: # أما وجهته المعنوية فلم تبرز بوضوح حتى الآن، وإني لا أرى غرضا مقررا يرمي ~~إليه بمجموعه أو في قطر من الأقطار، إلا كونه سائرا مع الجيل الجديد من ~~الشعراء إلى التحرر يوما فيوما من ms69 الأسلوب القديم والتعبير القديم والقيود ~~الصناعية التي يتمشى عليها أنصار القديم آمنين. أما المؤثرات فأهمها الشعور ~~بحاجة البلاد وآلامها، والشعور كذلك بجمالها وخلودها، يصحبه استفزاز العاطفة ~~الوطنية، والتغني بحميد الصفات الشرقية، وتعظيم الشرق وتمجيد الحرية. ومؤثرات ~~أخرى اكتسابية أتت عن طريق الدراسة والاطلاع على مبتكرات الغرب فلفتت الشعراء ~~إلى ما هو جدير بعنايتهم وأغانيهم، وشرحت لهم بعض ما يخالجهم، ودلتهم على كيفية ~~الإفصاح عنه. وعندي أن أظهر ميزة في أبناء اليوم أنهم يعتلجهم القلق أمام مشاكل ~~العالم. أدركتهم حمى الحياة فهم يبحثون من المسائل، ويعون من معاني المجتمع ~~والطبيعة، ويحسون من روح الوجود ما كان ولا يزال الجيل السابق غافلا عنه. ومن ~~الدلائل اعتقاده البادي في آثاره أن مشاكل العالم تحل «بالنصائح»، وأن ما نراه ~~من التشويش والضجيج راجع إلى «عناد» الناس «وغرورهم»! # السؤال الرابع: # أتوجد في مصر أو في غيرها جماعات منظمة من الشعراء؟ وإذا كانت هذه الجماعات ~~موجودة فما ميولها ومن زعماؤها؟ # الجواب: # لا أرى شيئا من ذلك في مصر. لا يوجد هنا جمعية واحدة لا للشعر ولا للنثر، ~~وهو أمر يؤسف له، وبي استعداد لألوم بسببه أحدا ما، ولكني لا أدري إلى من أوجه ~~الملام. أما سوريا فقد كان فيها جمعيتان أو ثلاث: إحداها «الرابطة الأدبية» في ~~دمشق ورئيسها خليل بك مردم بك، لم تشتغل هذه الرابطة إلا سبعة شهور ثم انحلت ~~بأمر الحكومة، وعطلت مجلتها لأن أحد أعضائها اشترك في حركة ثوروية، وألقى قصيدة ~~اعتبرت مهيجة، فلم ينفسح لهذه الجمعية الوقت لترينا ميلها بجلاء، إلا أنها كانت ~~تعنى بجدة المعنى في الشعر ومتانة المبنى، وتنقل إلى العربية شيئا من آثار ~~الإفرنج، وتتعهد النزعة الأدبية الحديثة وجانبا من النقد الأدبي مع تمسك بأصول ~~اللغة ومميزاتها. وقد تشتت الآن أعضاؤها، وما زالوا يعالجون كل ما يميل إليه ~~بطبيعته من شعر وأدب ونقد. # وفي بيروت «عصبة الأدب» ورئيسها فليكس أفندي فارس، وغاية هذه الجمعية النهوض ~~بالأدب العصري. لم تحلها الحكومة، ولكني غير واقفة على أعمالها كجماعة منظمة ~~وإن اطلعت ms70 على آثار أفرادها المنخوبين رجالا ونساء. وكان لها شبه لسان حال في ~~جريدة أسبوعية يصدرها أحد أعضاء العصبة، وهي جريدة «الشعب» التي أوقفتها ~~الحكومة منذ عام ونيف. # وسمعت عن جماعة تشبهها في حمص، إلا أني أجهل مبلغ قوتها وأين هي من أعمالها ~~ونشاطها، وقد حدثتنا الصحف عن «منتدى التهذيب» في بغداد الذي كانت فاتحة أعماله ~~أنه أقام حفلة تكريم للأستاذ جميل صدقي الزهاوي. # وفي نيويرك «الرابطة القلمية » وعميدها جبران خليل جبران، ولسان حالها جريدة ~~«السائح» النصف الأسبوعية، وميل هذه الرابطة جلي إلى التحرر من القيود الصناعية ~~والبيانية في الشعر والنثر، وتسهيل قواعد اللغة والتصرف ببعض ألفاظها. وهو ميل ~~يتطابق وحالتها المكانية والزمانية؛ فهي في ديار نائية تقول بالتحرر من الماضي ~~والسير على منهج حديث في الأسلوب والتعبير، وكل آثارها قدوة ناطقة بميلها ~~وغايتها وهي من هذا الوجه أوضح «جمعياتنا» الأدبية شخصية وأجلاهن نزعة. # السؤال الخامس: # ما الأطوار التي مر بها الشعب العربي حتى وصل إلى صورته الحاضرة؟ # الجواب: # يقول اليازجي في كتاب «المترادف والمتوارد»: # تقسم الشعراء إلى أربع طبقات. الأولى: الشعراء الجاهليون، وهم الذين ~~كانوا قبل الإسلام كامرئ القيس والأعشى. والثانية: المخضرمون، وهم ~~الذين أدركوا الجاهلية والإسلام كلبيد وحسان. والثالثة: المتقدمون، ~~ويقال لهم: الإسلاميون، وهم الذين كانوا في صدر الإسلام كجرير ~~والفرزدق. والرابعة: المولدون، وهم من بعدهم كبشار بن برد وأبي نواس. ~~والمراد بالعرب منهم أصحاب الطبقتين الأوليين؛ لأنهم نشأوا على عهد ~~الجاهلية، وهم الذين يوثق بعربيتهم ويستشهد بكلامهم. والطبقة الثالثة ~~منهم من عدها من العرب، ومنهم من عدها من المولدين لما وقع من اللحن في ~~كلامهم، وهو الراجح. وجعل بعضهم الطبقات ستا. فقال الرابعة المولدون، ~~وهم من بعد المتقدمين كمن ذكر. والخامسة المحدثون، وهم من بعدهم كأبي ~~تمام والبحتري. والسادسة المتأخرون، وهم من بعدهم كأبي الطيب المتنبي ~~وأبي فراس ا.ه. # هذا ما جرينا عليه في تمييز الشعر العربي، وهو كما ترى تمييز تاريخي؛ أي: ~~إننا ننظر إلى أطوار الشعر بالنسبة للزمان الذي عاش فيه الشعراء دون ما شعروا ~~به ms71 وعبروا عنه أو كظموه، مما يتفق وزمانهم ووسطهم أو يسبقهما. ولا تنتظر مني، ~~يا سيدي العزيز مسيو إليان ج. فانبير، أن أحدثك عما يدور في خلدي النسائي ~~الصغير في ما يتعلق بهذه الأطوار، أو أن أجازف بوصفها على غير ما ألفنا؛ لأنك ~~لو عرفت لغتنا الشريفة فتسنى لك أن تنظر في هذا الكتيب، لرأيت أني لم أفلح ~~بعد في إزالة استياء الشيخ كاظم الدجيلي بسبب «العلواء عند العرب». أفلا يشق ~~عليك أن أشتبك بسببك في خصومة أخرى من هذا النوع وفي موضوع أخطر وأعم مع ~~الأستاذ مصطفى صادق الرافعي مثلا أو مع الأستاذ جبر ضومط؟ # ثلاثة قرون مرت على العالم العربي وهو ميت الأحياء، فلم يكن من أقوامه ~~مجتمع ولا من لغوه صوت ورأي، ثم عاودته الحركة في القرن التاسع عشر، فنشأ ~~أدباؤه وشعراؤه أقرب إلى تقليد القديم منهم إلى إبداع الجديد، وبذلك أوصلونا ~~إلى حيث نحن. أما صورة الشعر الحاضرة ... ولكن علي أن أنتظر الأسئلة ~~التالية. # السؤال السادس: # ما العصر الذي نستطيع أن نوقت به النهضة الأدبية الحديثة؟ # الجواب: # هو عصر النهضة والتجدد بما فيه من هدى وضلال، وجهل يتبختر وإدراك ينمو ~~ويتعذب. # السؤال السابع: # هل ظهرت في الشعر العربي آثار للمذاهب الغربية الشعرية المختلفة؟ أهناك تشابه ~~ولو قليل بين هذه المذاهب الغربية وبين مذاهب الشعر العربي إن كانت هناك مذاهب ~~للشعر العربي؟ لو أنك أردت أن تصف الشعر العربي الحديث على نحو ما يصف الغربيون ~~شعرهم فإلى أي مذهب من مذاهب الغربيين تضيف هذا الشعر؟ # الجواب: # كلمة «مذاهب» ليست هنا واضحة على ما يلوح لي، فلا أعلم منها ما إذا عنت ~~الأقسام الأربعة التي اتفق الغربيون على جعلها أساسية في لغاتهم وهي: الشعر ~~الليريكي أو الغنائي، والشعر الديدكتيكي أو التهذيبي، والدراماتيكي؛ أي المفجع، ~~والأبيكي؛ أي القصصي الحماسي، أم تعني التطورات التي مرت بها هذه الأقسام في ~~المذهب المدرسي والرومنتيكي والرمزي وما ينشعب منها؟ # اسمح لي أن أذكرك، يا مسيو فانبير، بأن فردينان برونتير الناقد الفرنسوي يوم ~~كتب عن ms72 «الرمزيين» قال: إن الآداب الفرنساوية منذ القرن السابع عشر تنقسم إلى ~~ثلاث مدارس كبرى مقابلة لثلاث فنون مختلفة: المدرسة «المدرسية» ذات الأسلوب ~~والنظم «الهندسي»، والمدرسة الرومنتيكية التي شغفت بالوصف فكانت «تصويرية»، ~~والمدرسة الرمزية التي يخيل أنها استوحت «الموسيقى» وحاكتها. وكان لهذه المدرسة ~~الفضل في مقاومة التعصب للقالب الشعري، الذي غالى فيه «البرناسيون» (وهم شعبة ~~من المدرسة الرومنتيكية)؛ فانضوى تحت لوائها جميع الذين يطمعون في أن يجعلوا ~~بيت الشعر الواحد معبرا عن خواطر وعواطف، وفي عصر تشبث أهله «بالناتورالزم» ~~فزيفوا الفن، وزعموا أنه قائم بنسخ الخطوط البادية للعيان، قام الرمزيون يعلمون ~~النشء أن للأشياء روحا نابضة وراء جمود الظواهر وحركتها. # وجميع ما بين أيدينا من شعر ونثر يا مسيو فانبير، مزيج من هذه «المدارس» ~~الثلاثة، فعندنا الشعراء الذين يهندسون ويبنون (والشعر العربي ممتاز ~~«بهندسته»)، ولهم من يفهمهم ولا يقدر سواهم، وينعت الذين لا يهندسون ~~«بالخياليين» حتى ولو تكلموا عن الحديد والصوان. وعندنا الرومنتيكيون أو الذين ~~يصفون بعض الأشياء والخوالج وقد تأثروا بالمذهب الغربي، ولهؤلاء جمهورهم أيضا. ~~وعندنا الذين يرون وراء الظواهر، ولهؤلاء القلائل أنصارهم من النشء في الغالب، ~~وهذه النزعة هي البادية بنوع خاص في شعر «الرابطة القلمية» وفي بعض ~~نثرها. # ويتلخص الأمر عندنا في نزعتين عامتين: «تنصر إحداهما الأدب القديم وتنكر ~~الجديد، والأخرى تقبل من الأدب القديم والروح القديم ما هي في حاجة إليه وتعدو ~~مع الحركة الحديثة. ويقول الأستاذ سلامة موسى ما مفاده أن الفرق بين الجماعتين ~~غير واضح كل الوضوح، وإنما يمكن تلخيصه في أن أنصار القديم يقصرون درسهم على ~~الأدب العربي والحضارة العربية، ولا يرغبون في الخروج عن حضارة قديمة جليلة أدت ~~رسالتها إلى العالم إلا أنها لا تقوم بمطالب العصر. بينا أنصار الجديد في تطور ~~مستمر يدرسون العلوم الحديثة والنظريات العمرانية والدينية وفروع الأدب ~~الأجنبية التي لم يعرفها العرب؛ لذلك يعمد هؤلاء إلى الاختزال والسهولة ليتسع ~~المجال لكل ما لديهم من القول.» وأنا أرى ضرورة وجود أنصار القديم قرب الآخرين؛ ~~لأن عندنا جمهورا لا يقوده غيرهم، ms73 ولأنهم حراس إرث الماضي. # وبين أفراد من هذين الفريقين مشاحنات كالتي قامت وتقوم في أوروبا بين مختلف ~~النزعات الأدبية، وهي بين كتابنا تلذ لي جدا. وإنك قد تجد عند شاعر واحد من ~~شعرائنا أثر المذاهب الشعرية الثلاثة دون أن يتغلب أحدها؛ لذلك وإن كانت النزعة ~~الشعرية ظاهرة أحيانا عند بعض أفراد الشعراء، فلا يتيسر تعريفها في المجموع ~~باسم مطلق. # السؤال الثامن: # أتعتقد أن هناك نهضة للغة العربية، وإن كان نهضة فصف مع التفصيل مميزات هذه ~~النهضة؟ وإن لم تكن هناك نهضة فما هي أسباب الجمود؟ # الجواب: # أعتقد أن اللغة العربية الآن في بدء نهضة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الناطقين ~~بها، ومن أهم دلائل هذه النهضة سيرها الحثيث، وهي تتناول شتيت المسائل بلغة ~~جلية تطرح التطويل والتعقيد يوما فيوما، دون أن تفقد شيئا من متانتها ~~وروحها. جملة الكتاب في هذا العصر أوضح وأصدق منها في أي عصر سبق، رغم كونهم ~~لا يتلاقون دواما على ألفاظ التعبير؛ لأن ليس لنا مجمع لغوي يعنى بتقرير ألفاظ ~~نتواطأ جميعا على استعمالها. أما المجمع العلمي بدمشق والمجمع اللغوي المصري ~~فهما يعملان، إلا أنهما لم يقرا بعد شيئا من هذا القبيل. ويعالج كتابنا ~~معاني وشئونا لم يسبق إليها تاريخ اللغة؛ فهي جديدة في وراثتنا كما هي جديدة ~~في وراثة العالم. وإجادتهم ناطقة بأهمية هذه النهضة، هذا في الأفراد. أما ~~الجماعات ففي جمود، ولا يرجى لها أن تستيقظ بمجموعها إلا شيئا فشيئا بمختلف ~~البواعث التي يأتي بها الزمن. # أفتح «البلاغ» وأنا أكتب هذا على مقال من الأستاذ عباس العقاد، موضوعه ~~«القديم والجديد» الذي يتخاصمون لأجله في هذه الأيام، وقد كتبه ردا على ~~استفتاء أديب عراقي في الموضوع؛ فأجد في هذا المقال ملاحظات أساسية عن اللغة ~~والتعبير تعزز ما ذكرته عند مناقشة «الإجبشن ميل». والأستاذ يعتقد كذلك أننا ~~الآن في نهضة فريدة فيقول بالحرف: «إننا في عصر لم تسعد اللغة العربية بعصر ~~أسعد منه في دولة من دولها الغابرة»، «عصرنا هذا هو أقدم العصور وأحقها ~~بالتوقير ms74 والتبجيل؛ لأنه وعى من الأزمنة التي درجت قباله ما لم تعه الأزمنة ~~الماضية، وبلغت أممه من تجارب الحياة ما لم تبلغه الأمم الخالية.» # وأزيد أن مصر الآن هي عاصمة اللغة العربية كما هي عاصمة العالم العربي ~~المعنوية. # السؤال التاسع: # ما رأيك في شعراء العرب المحدثين من غير المصريين؟ أبينهم وبين شعراء مصر صلة ~~قوية أو ضعيفة؟ # الجواب: # ليس الصلة قوية بينهم من حيث تفاعل الأفكار، وإنما هي متشابهة من حيث الدوافع ~~القومية والمناهج البيانية. ففي سوريا مثلا والعراق يروج المذهب الهندسي ~~والوصفي، والأسلوب الهندسي أو المدرسي ما زال هو المتغلب في مختلف الأقطار ~~العربية، والوصفي أو الرومنتيكي هو «الجديد»؛ فبديهي أن الصلة أحكم بين ذوي ~~النزعات المتشابهة، وإن كانت تلك «الصلة» تقصر في الغالب على نقل القصيدة أو ~~المقال، أو الاستحسان الكلامي والموافقة السلبية، أو النقد الذي يحاول أن يكون ~~حاذقا وقد يجيء أحيانا صبيانيا. # السؤال العاشر: # من أشد شعراء العرب القدماء تأثيرا في الشعر الحديث؟ # الجواب: # يتعذر التحديد، إنما يمكن ذكر المتنبي للمفاخرة، والمعري للاستياء، ~~وغيرهما. # السؤال الحادي عشر: # بأي شعراء أوروبا أعجبت حتى اعتقدت أن شعره يمثل عصره وبيئته؟ # الجواب: # أعجبت بشعراء كثيرين، نعمت في كل منهم بما كان عنده أوفى وأعم فغذيت به أحد ~~ميولي، ولكني لم أجعل يوما تمثيل العصر كله أو البيئة بحذافيرها شرطا ~~لإعجابي، بل أشك أن ذلك التمثيل في مقدور شاعر أو كاتب مهما يكن نبوغه عظيما ~~وفنه شاملا، وأظن أن كل واحد يعطينا صورة عصره وبيئته، بل صورة الإنسانية في ~~جميع العصور وجميع البيئات ملونة بلونه، متكلمة بصوته، وإلا فكيف يمكنني أن ~~أقابل بين أقوال الشاعر أو الكاتب وبين حالة بيئته وعصره لأبحث ذلك التطابق ~~وأقره؟ وإن تعذر ذلك علي فهو متعذر على كل أحد؛ لذلك أرجح أن هذه الكلمة التي ~~يقولونها عن بعض الكتاب والشعراء في الآداب الأوروبية، من أدل الكلمات على ~~«النسبية» في الناس. # ولو أردنا تطبيق هذه الكلمة على كتابنا في مصر لاستطعنا أن نجد من يمثل رأي جماعة ms75 أو ~~يوضح اتجاه نزعة، ولكن لا يمكننا أن نجد من يتكلم بجميع مطالب عصره. # ورغم ذلك فإن الصوت المتغلب الآن في الآداب العربية هو صوت الاستياء والتبرم والدعوة ~~إلى الإصلاح، تعتلج النفوس العواطف والمؤثرات، فتثور رواقدها فإذا بين الجيل الجديد والجيل ~~الذي سبقه هوة. هذا يريد أن يسيطر بعدد الأعوام، ولكنه لا يستطيع القيادة والهداية في تيه ~~المشاكل، فإذا بالجيل الجديد شيخ يشعر بالمسئولية مع اعترافه بأن الجيل السابق أدى كل ما ~~كان في مقدوره. # لقد تبوأ منابر الأدب فتية لا عهد لهم بالجيل الماضي - يقول الأستاذ عباس العقاد في ~~مقدمته لديوان المازني - «ونقلتهم التربية والمطالعة أجيالا بعد جيلهم، فهم يشعرون شعور ~~الشرقي، ويتمثلون العالم كما يتمثله الغربي. وهذا مزاج أول ما ظهر من ثمراته أن نزعت ~~الأقلام إلى الاستقلال، ورفع غشاوة الرياء، والتحرر من القيود الصناعية»، «إن كان هذا العصر ~~قد هز رواكد النفوس وفتح أغلاقها، فلقد فتحها على ساحة الألم»، «وهو العصر طبيعته القلق ~~والتردد بين ماض عتيق ومستقبل مريب، وقد بعدت المسافة فيه بين اعتقاد الناس فيما يجب أن ~~يكون وبين ما هو كائن.» ~~«نحن في عصر التردد والاستياء، ولا بد لهذا الاستياء أن يأخذ مداه ويطلع على كل نقص في ~~أحوالنا، حتى إذا تمكن من النفوس فحركها إلى العمل، وعاد عليها العمل بالرضى؛ فلا ينسى ~~الناس يومئذ فضل شعر الضجر والاستياء.» # والأستاذ المازني يضرب على هذا الوتر بعد صدور ديوانه بأعوام، فيقول في مقال جديد: «قضى ~~الحظ أن يكون عصرنا هذا عصر تمهيد، وأن يشتغل أبناؤه بقطع هذه الجبال التي تسد الطريق، ~~وبتسوية الأرض لمن يأتون من بعدهم. ومن الذي يفكر في العمال الذين سووا الأرض ومهدوها ~~ورصفوها؟ من الذي يعنى بالبحث عن أسماء المجاهدين الذين أدموا أيديهم في هذه ~~الجلاميد؟» # والدكتور هيكل يتكلم في إحدى مقالاته عن «الألم المعنوي» الذي يعذب، وهو أقسى من الألم ~~المحسوس. # وهذه الشكوى تجدها في أكثر آثارنا شعرية كانت أم نثرية، والشجعان بين أبناء هذا الجيل هم ~~الذي ينسون المشاكل ms76 التي تحرجهم ولا سلطان لهم عليها، فينظرون إلى ما يحيط بهم، وسواء كانوا ~~من أنصار القديم أو الحديث؛ فإنهم يعمدون إلى الإفادة والنفع والتنشيط؛ ينسون الاستياء ~~والتفطر ما استطاعوا، ولا يذكرون إلا أن مسئوليتهم كبيرة، وإن البلاد في حاجة إليهم، ~~فيعملون. # لذلك كانت ميزة الأدب العصري في أنه لم يبق منزويا أو محدودا في الفرد، بل تناول فروع ~~الحياة القومية شاعرا بأنه وهذا الجمهور واحد، وإنما المسئولية تعود على اللبيب؛ لأنه أشد ~~من الجمهور شعورا بالألم والحاجة وضرورة العمل. # هذه حالنا عموما، يا مسيو فانبير، وهي أشبه ما تكون بحالة الجيل الجديد في الغرب مزيج من ~~ألم وقلق وثورة إصلاحية. # نشعر بمشاكلنا الداخلية، ونعرف اشتباكها بمشاكل العالم، فنحاول الهرب إلى ما يصلح ~~الأحوال، ولكن خيال الألم لا يغيب. # | زواج الشرقيين بالغربيات # رد على استفتاء «الهلال» ~~(1) السؤال: # هل زاوج الشرقيين بالغربيات مفيد أم مضر؟ ~~(أ) من الوجهة الجنسية، (ب) الاجتماعية، (ج) الوطنية، (د) الأخلاقية. # الجواب: # إن زواج الشرقيين بالغربيات ككل أمر آخر تتحاذى فيه الفائدة ~~والضرر. ~~(أ) # أما والغاية من الزواج في النظام القائم هي: البنيان الاجتماعي ~~بواسطة إنشاء الأسرة، وزيادة عدد المواليد، والربط بين أبناء الوطن ~~الواحد برابطة القومية؛ فعلى الشرقيين أن يتزوجوا من بنات بلادهم، ~~إلا أنه يستحسن الاستثناء، بل هو يتحتم في بعض الأحوال؛ لأن الشعوب ~~كالأسر المتزاوجة على الدوام فيما بينهما، تنحط مع الوقت أخلاقيا ~~ومعنويا، وينتهي بها الأمر إلى الاضمحلال والانقراض. فإدخال بعض ~~الدم الغريب على الدم القديم ضروري لتحسين النسل، وتجديد القوى، ~~وشحذ المواهب. ~~(ب) # الأضرار المباشرة للزواج المختلط من الجهة الاجتماعية في: تبدل ~~العادات العائلية، وتغير المبادئ القومية بالتبع، وما قد ينجم عن ~~احتكاك الميول وتضارب النزعات من نفور واستياء؛ إذ ليست كل غربية ~~لتتنازل عما تحب وترغب فيه إكراما لزوجها وحرصا على المستحسن من ~~عادات محيطه وتقاليد جماعته. ولا كل شرقي - حتى وإن كان من أنصار ~~المرأة العاملين على إنهاضها - ليحتمل ما ألفه الغربي من اختلاط ~~النساء بالرجال ولو في أبسط المظاهر وأطهرها، ms77 وقد يحتمل فيكون ~~مقاوما ما يرتاح إليه في صميم قلبه، وداهمه من جراء ذلك نكد ~~متتابع، وهذا يجب ألا يكون في الحياة العائلية. # أما الفوائد ففي: احتكاك الشخصيات، واستيحاء الجيد النافع عند ~~الآخرين؛ لأن لكل أمة خصائص وثروات لا يخلو اقتباسها والاهتداء ~~إليها من بواعث الاستنهاض والتنشيط والتدريب. ~~(ج) # المنفعة من الوجهة الوطنية أقل من الضرر. ذلك أن المرأة ذات ~~العاطفة العالية قد تبث روح الوطنية وتذكيها في محيطها، إلا أنها ~~تؤولها سهوا أو عمدا في مصلحة قومها وبلادها. لذلك كان ابن ~~الوالدين المختلفي الجنسية أقرب إلى شيوعية الوطنية، واقتباس ~~الحسنات منها والسيئات، وكان الزوجان من الوطن الواحد أدنى إلى ~~التفاهم والاتحاد حيال المشاكل الوطنية والقومية. ~~(د) # يتعذر تحديد القول في الوجهة الأخلاقية؛ لأنها مرهونة بالأخلاق ~~الشخصية، إلا أن هناك خطرا عاما لا يستهان به؛ لأنه إذا انصرف ~~الشرقيون إلى التزوج بأجنبيات فمن يتزوج الشرقيات؟! ومن الجور أن ~~تقهر بنات الشرق على عيشة الخلو والوحدة، وقتل عواطف المحبة ~~وبذل الذات في نفوسهن، وأن يحرمن عذوبة الحياة العائلية لتتمتع بها ~~الغربيات على حسابهن، وليس أدعى إلى طرح القيود المحترمة المقبولة ~~من وقوع الظلم والتعسف على امرئ دون أن يجني إثما؛ فقد تتسرب ~~المرارة إلى خلقهن من هذه الناحية فيناهضن محيطهن تمردا، أو ~~مكابرة، أو انتقاما. ~~(2) السؤال: # إذا تزوج مسلم أجنبية مسيحية، فهل يحسن أن تعيش بدينها وعاداتها، أم يرغمها ~~زوجها على تغييرها بالدين الإسلامي والعادات الشرقية وأخصها الحجاب؟ # الجواب: # لا أستحسن الإرغام مطلقا، لا سيما فيما يتعلق بالدين، ولا بد أن ينظم ~~الزوجان علاقتهما وفقا لمزاجيهما مع بعض التساهل من الطرفين دفعا للمشاكل ~~والمصاعب. ولا أسوغ الإرغام إلا عند الضرورة القصوى؛ أي إذا ساء سلوك المرأة ~~فسهت عن كرامتها، أو عندما تكون هي في حاجة إلى ذلك. لأن مما لا ريب فيه أن بعض ~~النساء، غربيات كن أم شرقيات، لا تنتظم منهن الحياة إلا إذا عرفت تقودهن يد ~~حاذقة قادرة، بينا أخريات يزددن كرامة وارتفاعا كلما أجيز لهن التصرف ~~بحرية. ~~(3) السؤال: ms78 # هل من فائدة للعالم الإسلامي والعمل لوحدته في التزاوج بين المصريين والترك ~~والأفغان والفرس والمغاربة؟ # الجواب: # التزاوج بين المصريين المسلمين وغيرهم من الأمم الإسلامية خير ناشر للرابطة ~~الإسلامية، وقد سبق أن المسلمين جنوا فوائد هذا التزاوج أيام الفتوحات؛ إذ ~~كانوا يصاهرون القوم في كل بلد ينزلونها، فلا ينقضي زمن إلا وهم من الأهلين. ~~على نقيض اليونان واللاتين الذين احتلوا البلاد قبلهم، فلم يمتزجوا بالأهالي ~~وظلوا، حتى تقلص ظلهم، الغرباء الممقوتين. على أننا نرى العناصر الإسلامية ~~اليوم غير ميالة إلى التضحية بعنصريتها القومية في سبيل قومية إسلامية كبرى، بل ~~نرى المصري شديد التمسك بمصريته، والتركي بتركيته ... إلخ، وإن هم رغبوا في الوقت ~~نفسه في إيجاد الرابطة الشرقية المعنوية للوقوف في وجه الغرب وصد تياره ~~الجارف. ~~(4) السؤال: # لماذا يكثر التزاوج بين المصريين المسلمين والأجانب المسلمين المستوطنين مصر، ~~ولا نرى أثرا كبيرا لذلك بين أقباط مصر المسيحيين وغيرهم من المسيحيين غير ~~المصريين المقيمين بمصر؟ # الجواب: # إن المسيحيين غير المصريين لا يتزوجون عادة إلا بعد الاجتماع والتعارف، بخلاف ~~المسلمين الذين كانوا إلى هذه الأيام يتزوجون بلا سابق معرفة شخصية بين ~~العروسين، وقد غلبت العادات الإسلامية على الأقباط؛ فحالت دون امتزاجهم ~~بالمسيحيين غير المصريين. والمسلمون المصريون يشبهون المسلمين غير المصريين، في ~~الغالب، عادات وأساليب اجتماعية. أما المسيحيون غير المصريين فلهم من العادات ~~وشئون الاجتماع على اختلاف الطبقات ما لم يألفه الأقباط، والشاذ لا يعد ~~قياسا. # وأظن أن الزواج بوجه عام أقرب إلى المسلمين منه إلى المسيحيين؛ بسبب سهولة ~~الطلاق التي تمكن كل رجل وكل امرأة من تنظيم حياتهما على طريقة جديدة في زواج ~~جديد. # | نهضة الشرق العربي # رد على استفتاء «الهلال» # السؤال: # هل تعتقدون أن نهضة الأقطار العربية قائمة على أساس وطيد يضمن لها البقاء، أم ~~هو فوران وقتي لا يلبث أن يخمد؟ # الجواب: # يتعذر إطلاق حكم شامل على جميع الأقطار العربية، ونحن بعيدون عنها لا نعرف من ~~أحوالها سوى ما تشرحه لنا صحفها وكتبها فضلا عن الأنباء التلغرافية والأخبار ~~السياسية، بيد أنه يمكنني أن ms79 أتكلم عن مصر وسوريا، ويظهر أن أحوال البلدان ~~الأخرى أحوالهما مع الاختلاف المحتوم الملاصق بكل قطر. # لكلمة «نهضة» التي نستعملها بمعنى # Renaissance # معنيان اثنان: أحدهما تجدد ~~الأمة في مجموع أحوالها بعامل أو عوامل استفزتها وتغلبت على العوامل الأخرى؛ ~~كالنهضة الأدبية الفنية في أوروبا في القرن الخامس عشر، والنهضة العلمية ~~والآلية في أوروبا وأمريكا في القرن المنصرم وفي هذا القرن العشرين. # أما المعنى الآخر فهو الانتباه لوجوب إحداث التغير، والشعور بابتداء وقوع ذاك ~~التغير. فالتجدد هنا هو التيقظ والرغبة في الأخذ بما أخذ به آخرون، فوسع عندهم ~~مجال الحياة فاستفادوا به وخسروا، وتنعموا وتوجعوا، هو تحفز ومباشرة جميعا. ~~وهذا المعنى من النهضة يتطابق والحالة في مصر وسوريا، بما يتضمنه من: قلق ~~واضطراب، واندفاع ورعونة صبيانية، وإخلاص وارتباك، ونشاط وخطأ وإصابة. وبمثل ~~هذا تبدأ دواما النهضات الحقيقة بهذا الاسم؛ إذ لا طفرة في الحياة، ولا بد لكل ~~نضوج أن يستكمل وقته ونظامه. # أما كون هذه النهضة «قائمة على أساس وطيد» فليس ذلك بالمطلوب؛ إذ لا يحتاج ~~النهوض إلى «أساس» يضمن له البقاء، بل يحتاج إلى «دافع» يسوق ويستحث ويحدو، ~~والدافع موجود؛ ولذلك لن تكون هذه النهضة فورانا وقتيا، بل هي على نقيض ذلك ~~ابتدأت منذ عهد قريب، وستظل في تزايد بتفشي حمى الحياة بين شعوب المسكونة. إن ~~الحضارة العالمية الكبرى تنتقل من شعب إلى شعب خلال الدهور بحركة متموجة؛ تعلو ~~موجتها في أمة فتتجلى مواهب تلك الأمة وتأتي بأقصى ما في إمكانها، ثم تهبط ~~الموجة لتتكون من جديد عند شعب آخر، بينا تتأثر بارتفاعها سائر الشعوب بدرجات ~~متفاوتة. # وكذلك الشرق العربي بعد إجهاد تسعة قرون أدى فيها خدما جليلة إلى العالم، ~~وكان بازدهار مدنيته وانتشارها وصلة بين الماضي والحاضر - عاد فهجع ثلاثة قرون ~~شأن من ينام بعد مجهود كبير ليسترد قواه، وعندما استيقظ وجد نفسه وقد أحاطت به ~~أحوال جديدة تقتضي أساليب جديدة عند من يود مجاراة الآخرين حرا لا عبدا، ~~فنهض الشرق يطالب بكل ما تسوغه الحياة لبنيها النشيطين. ولئن بدت ms80 هذه الحركة ~~مشلولة من جهة، كفيفة من الجهة الأخرى، تفتقر إلى الدربة العامة والنظام ~~والتنسيق، فما هذا الاضطراب إلا طبيعي يلازم الخطوات الأولى في جميع دوائر ~~النشاط الإنساني، وسيأتي الزمن والمران والاختبار بالحنكة المطلوبة، والانتظام ~~في مختلف الجوانب. # وأكرر أن «الدافع» موجود في جميع أقطار الشرق بشكل الاحتلال الأجنبي، وهو ~~طبعا صائر من عنيف إلى أعنف بتنور الأذهان والتيقظ لمعنى الحرية، بل لدوي ~~اسمها وحده دون إدراك معناها، ولا قبل لأحد في هذه الأيام إلى مقاومة هذا الصدى ~~الرنان المتفشي في النفوس. # السؤال: # هل تعتقدون بإمكان تضامن هذه الأقطار وتآلفها؟ ومتى؟ وبأي العوامل؟ وما شأن ~~اللغة في ذلك؟ # الجواب: # بين هذه الأقطار منذ الآن تآلف ضمني منشأه ذلك «الدافع» المكون من: طلب ~~الحياة الجديدة، ومن كره الاستعمار، والرغبة في دفع سيطرة المستعمرين عن مرافق ~~البلاد وشئونها. فالهزة التي تضرب اليوم في الشرق هزة سياسية، وغريمته هي ~~أوروبا القوية ولية الأمر في الاختراع والصناعة والاقتصاد والمواصلات والحرب ~~وما نحوها، وبديهي أن أوروبا لا تريد هذا التضامن؛ لأنه يناهضها ليسلبها ما هي ~~في جد الاحتياج إليه. # إن ما دفع بأوروبا إلى الهجرة والاستعمار في بادئ الأمر ليس الطمع، بل هو ذلك ~~الباعث الاقتصادي المتلخص في «فقر البيئة بتزايد عدد سكانها». مضت تستغل موارد ~~الثروة الغافل عنها أهلها، فإذا بالسفن تعود إلى البلاد الأوروبية طافحة ~~بالمواد الغذائية، والمواد الغفل التي أنشأت تدير بها رحى الصناعة، ثم توزع ~~الإنتاج على الآفاق فتجني أرباحه. وما زال الغرب، وهو أكبر دار للمعامل ~~والمصانع، يحتاج إلى أن تمده الأقطار الأخرى بنقصه من الثمرات والأقوات والمواد ~~الغفل ليصنع ويربح ويحيا، على ما اعتاد أن يحيا بعد انتشار الاستعمار. فالغرب ~~بالتفريق بين الأقطار الشرقية إنما يدافع عن ثروته وحياته، والشرق المتيقظ يطلب ~~كذلك ثروته وحياته، وسيتتابع الصراع بين الفريقين. # وعلى أي فقد انقضت للمستعمرين أيام الهدوء والهناء، وإذا كان لا بد من ~~التموين وتبادل الإنتاج بين الشعوب فيتحتم أن يختلف نوعه وطريقته بعد الآن. إن ~~العالم كله في عذاب، ms81 واضطراب الشرق والغرب سواء بسواء، والمؤتمرات الواحد ~~والعشرون منذ الصلح مهزلة جعلت العالم أشد شعورا بضرورة «تصفية كبرى محسوسة» ~~تعدل فيها المصالح، وتراعى الحقوق، وتنظم المطالب بلا تحفظات ومداورات. ~~والمستقبل وحده يعلم متى تتم تلك «التصفية»، وهل هي تجيء عن طريق الحرب أم ~~السلم. # أما الترابط بين أقطار الشرق العربي فيظل تعاطفا أدبيا، حتى ولو جلا عنه ~~الغرب؛ إذ صار الناس اليوم يطمحون إلى «القوميات» ويرغبون شديدا في الاستقلال ~~ضمن حدود وطنية طبيعية. هذا إلا إذا جاءتنا الأيام ببعض مباغتاتها؛ فكثيرا ما ~~تأتي الأيام بما ليس في الحسبان. أيا كان المستقبل فاللغة العربية خير وسيلة ~~لهذا التعاطف الأدبي والتفاهم المعنوي بين أبناء الشرق. # السؤال: # هل ينبغي للأقطار العربية اقتباس عناصر المدنية الغربية؟ وبأي قدر؟ وعند أي ~~حد يجب أن يقف هذا الاقتباس: (أ) في النظامات السياسية الحديثة. (ب) في الأدب ~~والشعر. (ج) في العادات الاجتماعية. (د) في التربية والتعليم؟ # الجواب: # لم تقم إلى الآن في الشرق والغرب والشمال والجنوب سوى مدنية واحدة تعاونت ~~الشعوب، على غير اتفاق، أن تتناوب العمل كل في جانب من جوانبها الموافق ~~طبيعتها، فجاء الساميون بالعنصر اللدني والنبوي، وجاء الآريون (الهنود والفرس) ~~بالفلسفة الباطنية والإلهيات، وجاء اليونان بالفن والفلسفة النظرية، والرومان ~~بالنظام والتشريع والتجنيد والاستعمال، ولما تحضر العرب فعلوا ما فعلته كل من ~~هذه الدول قبلهم؛ أي إنهم جمعوا شتيت ما وجدوا من عناصر المدنية، وسبكوها في ~~قالبهم، وطبعوها بطابعهم، فكانوا وصلة أمينة قيمة بين الماضي والحاضر. # ولما حان الوقت نقلوا قبس الرقي إلى الغرب، فأحسن الغرب تلقي هذه المدنية ~~العظيمة التي تجمعت فيها جهود الدهور، فأنماها من وجهها العلمي والآلي المتفق ~~تمام الاتفاق مع السليقة الغربية، وسار بها شوطا بعيدا. # ولا يعني هذا أن الشرق ليس له مثل ذلك الاستعداد. إن أساس الهندسة، وخد ~~الخنادق، ووضع مبادئ العلوم الفلكية والرياضية، جاء من آشور وبابل، كما كان ~~الفينيقيون أول المستعمرين وأول من سلك البحار، وكما كان المصريون أول شعب وضع ~~الأنظمة ونسق الإدارة. # ولو نظرنا مثلا ms82 إلى القانون الساري اليوم في المحاكم المصرية الأهلية (فضلا ~~عن المختلطة)؛ لوجدنا أنه قانون نابوليون معدلا بعض الشيء وفقا لطبيعة ~~البلاد. وقانون نابليون مأخوذ عن قانون يوستنيانس الروماني، وهذا جاء بقانونه ~~من القانون اليوناني بعد تأثره بالمذهب الرواقي، والرواقيون واليونان جاءوا ~~بأنظمتهم بعد تخليص الفرس وغيرهم من القانون المصري القديم؛ وهكذا لم يستنبط ~~أولئك شيئا، وإن نحن نعتنا الأشياء مجازا بأسماء الشعوب التي نأخذها ~~عنها. # الاقتباس تبادل بين الأمم على مرور الدهور، وبينا يأتينا الأجانب يشيدون في ~~بلادنا مدارس وجامعات يخرجون فيها ناشئتنا على أساليبهم في التربية والتعليم، ~~ترى مثلا وزير الزراعة الأميريكية يخابر وزير الزراعة المصرية مستعلما عن ~~طريقة زراعة القطن، وعن طريقة صيانته من الحشرات في وادي النيل، ليستعين بهذه ~~المعلومات على تحسين زراعة القطن في البلاد الأمريكية. # هذا، فإن قمنا اليوم نزاور من أوروبا الأنظمة السياسية، والمنافع العلمية، ~~والأساليب العمرانية والآلية والتجارية، وكل ما تبديه من نشاط حيوي جميل يشعرنا ~~في الإنسان بفتوة وذكاء عظيمين. لو أعرضنا عن هذه المدنية الغربية، أو بالحري ~~عن هذا المظهر الأوروبي والأمريكي من المدنية العالمية الكبرى، فإلى أي مظهر ~~نتوجه وبأي الأساليب نأخذ؟ وإذا صمننا على أن لا نرى في المدنية إلا ما يزعجنا ~~من ضلال وشطط فما نحن إلا ناسون أن هذا وجه الضعف البشري الذي وجد في جميع ~~العصور، ولكن بأساليب مختلفة. وإذا انقطعنا عن حركة الحياة سجلنا على نفوسنا ~~البله ونحن أذكياء، والخمول ونحن ناهضون، ولا يبقى لنا سوى ركوب الأظعان في ~~البيداء، والسكنى تحت بيوت الشعر، والحداء الشجي في الليالي القمراء، والرقص ~~بالسيف والترس. # لا أقول: إن هذه العيشة البدوية غير جميلة؛ إن فيها لهناء وراحة ونبلا، ولكن ~~بشر أهلها باكتساح عاجل أو آجل؛ لأن الحياة تتأجج حواليها، وأصوات الآلات تهدر ~~محلقة فوقها وعلى مقربة منها. إن الأرض تضيق بساكنيها، وحمى العمل تدوخ الشعوب، ~~والأمكنة الصالحة الغنية مطلوبة لا غنى عنها، وللنشيط حق عليها؛ لأن نظام «الحق ~~للقوة» نافذ في الطبيعة وليس هو من ابتكار المستبدين، فإن ms83 لم يكن أهل البلاد ~~أقوياء عارفين بالطرق الحديثة مجارين حركة العالم اكتسحوا واستعبدوا، ونفذ فيهم ~~قانون تغلب الأصلح. # في الأقطار العربية شخصية الماضي الذي لا بد أن تتكئ على بعضه دون أن يعارضنا ~~في اكتساب ما يعود علينا بالحياة والحرية. عندنا عادات جميلة ووراثة أثيرة تحسن ~~المحافظة عليها، غير أنها لا تكفينا، ليتغن بها الشعراء ولينشدها المنشدون ~~ولينح عليها محبو الندب والنواح، ولكن مهماز الحياة وراءنا، واقتباس المحتوم لا ~~يغض من كرامة الأمم؛ لأنها مركبة من روح وجسد، فشعرها وفلسفتها وفنونها ~~وآلهياتها وأديانها وتذكاراتها الثمينة كل هذا بمثابة غذاء الروح، أما الحياة ~~المدنية منها، الحياة الحسوسة، فلها أساليبها الآلية والمالية والاقتصادية ~~والاجتماعية، وإلا فالغلبة والاستعباد. ولئن تحتم حمل القيود، فقيود يصيغها ~~المرء لنفسه خير من قيود تربطه بها الأيادي الغريبة. # أما الأنظمة السياسية فلا «ينبغي» أن نقتبسها، بل تقودنا الحاجة إليها شيئا ~~فشيئا، وتوحي إلينا الضرورة بما يحسن اقتباسه منها في صور مناسبة لحاجتنا. ~~وهذا ما جرى لتركيا التي حورت نظامها السياسي ثلاث مرات في 15 سنة؛ فقد أوحت ~~إليها الأحوال بحاجتها وبما تظنه حسن العائدة عليها، وهذا ما يجري لجميع الأمم، ~~كما فاجأت الأحوال مصرا بحركتها الوطنية التي لم تكن في الحسبان قبل شهور أو ~~أسابيع. # والأنظمة السياسية والاجتماعية أبدا في تفاعل، وهذا من بواعث التجدد في ~~الآداب؛ لأن الآداب وإن كانت ترجمان عواطف راسخة في الأفراد، فإن لغة هذا ~~الترجمان وأسلوبه يختلفان باختلاف العصور والبيئات والأحوال. ولا غنى لنا عن ~~الآداب الغربية، وليس اطلاعنا عليها اقتباسا، بل هو تعرفا بالعالم واستيحاء. ~~فلماذا يستوحي المصادر العربية دانتي مثلا، ويظل أدبه إيطاليا؟ ويستوحي كبار ~~شعراء الفرنسيس في القرن السابع عشر الآداب الإسبانية والعربية والإنجليزية ~~واليونانية واللاتينية فيظل أدبهم فرنسويا، فلا ننتفع نحن بما هو جائز ~~للآخرين؟ إن الانحصار في موضوع واحد يضيق الفكر ويحمل على الغرور، ولا بد من ~~اختلاف أنماط الأدب في اللغة الواحدة والوسط الواحد؛ لأن شاعر القصور لا يمكن ~~أن يكون شاعر الأكواخ، والعكس بالعكس، وإن كان ms84 لكل شاعريته وعاطفته ومنفعته ~~وصيحته وأثره في جماعته. # أما في التربية والتعليم، فحاجتنا إلى الأساليب التي تعرفنا ببلادنا أولا ~~وموقفها وشأنها، وتربي على الاستقلال والرجولة والنشاط والاتكال على النفس، ~~وتدفع رجالنا عن الوظائف الحكومية إلى الأعمال الحرة والعناية بتجارة البلاد ~~وزراعتها ومنتوجاتها واستغلال مواردها. ولا خوف أن يخنق هذا المنهج العملي ~~مقدرة الابتكار في الشرقيين، فما الابتكار إلا من خصائص الأفراد الأفذاذ من كل ~~أمة مهما عظم شأنها ، وهؤلاء يظلون فوق المناهج الدراسية والأنظمة، لا يتقيدون ~~بمكان ولا زمان. أما الأكثرية الساحقة فهي المقلدة المسيرة، المحتاجة إلى حياة ~~محددة معروفة السبل يسير فيها الجميع على السواء. # للأفراد أن يعتزلوا وينقطعوا ويرغبوا في حياة العزلة (ولو سألتهم عن هذه ~~الحياة لما أحسنوا تعريفها، ولا تجردوا فيها من مبتكرات المدنية وحاجتهم إلى ~~أبسط آلاتها ومنافعها). على أن ذلك الانقطاع لا يحيي الأمم، وقد تجوز الراحة ~~لمن جاهد كثيرا، ولكنها لا تجوز لأمة ما زالت تفتح عينيها لليقظة وتتحفز ~~للنهوض؛ فالأمة صورة مصغرة من الإنسانية، والإنسانية مستودع جميع النزعات ~~والكفاءات والعبقريات والمقدرات؛ فالمظهر العلمي الآلي في الإنسانية عبقرية ~~بديعة مدهشة. وإن كان لهذه الحضارة عيوبها، فأي حضارة، وأية حال إنسانية تخلو ~~من العيوب؟ ومصالح الأوطان والشعوب هي غير مصالح الرهبان في الأديار، وشيوخ ~~الطرق في التكايا، وأغراضها القاسية غير أغراض الفلاسفة والزهاد في ~~الصوامع. # تتحتم إذن تنشئة مختلف القوى في جميع أفراد الأمة والاستفادة بكل تجدد في ~~العالم، ويتيسر تلافي عيوب العصر ما أمكن بالمحافظة على ما في وراثتنا من حميد ~~الأخلاق، فلنحافظ على كل جمال شرقي، ولنروج كل فن شرقي، ولنعتز بلغتنا الشرقية ~~دون أن نغض الطرف عما يقدمه لنا الغرب من جمال وفن ونظام وابتكار، وليس في ذلك ~~القضاء على شخصيتنا؛ فالشخصيات «الذكية» تنمو وتتسع وتغنى ولا تفنى، والحياة ~~وكل ما في الحياة حب؛ أي تبادل في الأخذ والعطاء، والإنسان في العالم وارث ~~ملك لا تحده حدود الأقاليم، ثم يترك الإرث لمن يليه بعد أن يضيف إليه عمله ~~الفردي؛ فالإعراض بلاهة ms85 وسجن تضييق، وتحديد الحياة حرمان ومجازفة ~~وعبودية. # لقد أعطى الشرق الغرب أديانا وأخلاقا وفلسفة إلهية وأنبياء وإلها، فتلقاها ~~الغرب شاكرا وارتقى بها. أفيخجلنا أن ننتفع باختباراته الدنيوية وعلمه والدنيا ~~دنيا الجميع كما أن الخالق إله الجميع؟ ms86