######OpenITI# #META# URI: 1360MayZiyada.CaishaTaymur.Hindawi30427571 #META# Tags: literary.criticism #META# ID: 30427571 #META# Title: عائشة تيمور #META# AuthorID: 64620862 #META# Author: مي زيادة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - البارق في الظلام‏ # 2 - عصر الشاعرة‏ # 3 - النشأة والزواج‏ # 4 - بيئة الشاعرة‏ # 5 - شاعرة بثلاث لغات‏ # 6 - أشعارها في الغزل والأخلاق والدين‏ # 7 - نثرها‏ # مقدمة‏ # 1 - البارق في الظلام‏ # 2 - عصر الشاعرة‏ # 3 - النشأة والزواج‏ # 4 - بيئة الشاعرة‏ # 5 - شاعرة بثلاث لغات‏ # 6 - أشعارها في الغزل والأخلاق والدين‏ # 7 - نثرها‏ # | عائشة تيمور # | عائشة تيمور # | شاعرة الطليعة # تأليف # مي زيادة # عائشة تيمور «شاعرة الطليعة». # | مقدمة # الشاعرة عائشة عصمت تيمور هي بنت إسماعيل باشا تيمور. ولدت سنة 1840م بمدينة القاهرة. ~~بدأت حياتها تميل إلى تعلم القراءة والكتابة، وقد آنس منها والدها هذا الميل، فأحضر لها ~~اثنين من الأساتذة؛ أحدهما يعلمها الخط والقرآن والفقه، والآخر يعلمها الصرف والنحو واللغة ~~الفارسية. وبعد ما أتمت حفظ القرآن الكريم تاقت نفسها إلى مطالعة الكتب الأدبية، وفي ~~مقدمتها الدواوين الشعرية، حتى تربت عندها ملكة الأدب. تزوجت من السيد توفيق زاده، وكان ذلك ~~في سنة 1854م وعمرها أربعة عشر عاما، فتفرغت للشئون الزوجية، ثم تاقت نفسها إلى الأدب ~~والعلم، فاستحضرت سيدتين لهما إلمام بالنحو والصرف والعروض، فأخذت عنهما حتى برعت وأتقنت ~~نظم الشعر. # تعلمت اللغة التركية، التي أخذتها عن والدتها ووالدها، ووضعت في الشعر ثلاثة دواوين ~~باللغات العربية والتركية والفارسية، وألفت في النثر كتابين هما: «نتائج الأحوال» و«مرآة ~~التأمل في الأمر» وستقرأ عن هذين الكتابين للآنسة مي في هذا الكتاب. توفيت السيدة عائشة ~~تيمور في 2 أيار السنة 1902 وهي في سن الثانية والستين. # الفصل الأول # | البارق في الظلام # دعتني جمعية «مصر الفتاة» دعوة كريمة إلى إلقاء محاضرة على أعضائها في الجامعة المصرية. ~~فوعدت. وخطر لي أن خير موضوع أتخذه هو شخصية نسائية غنية ندرسها معا. فتعرض لنا في سياق ~~البحث موضوعات جمة في الأخلاق والأدب والاجتماع نمحصها قدر المستطاع، بينا نحن نرسم من ~~المرأة صورة شيقة. فنسجل للحركة النسائية في هذه البلاد مفخرة أخرى تثير فينا الرغبات، ~~ونستمد من وحيها المثل والمعونة والفائدة جميعا. # وما خطر لي ذلك إلا وصحبه اسم شجي يحيا دواما بزفراته ms01 الحارة المنغومة. زفرات تناقلتها ~~الأصداء يوم لم يكن للمرأة صوت يسمع، فرسمت من الذاتية خطا جميلا حين كانت صورة المرأة ~~سديما محجوبا وراء جدران المنازل وتكتم الاستئثار. # برغم ذلك أنشأت أنقب في تاريخ المرأة المصرية. وكنت كلما دققت نمت «التيمورية» في ذهني ~~وتفردت صورتها أمامي؛ إذ لم يقم على مقربة منها صورة تسابقها أو تشبهها ولو شبها بعيدا. ~~ونظرت إلي بعينيها المجهولتين المرمدتين باثة حسرتها، باكية شجوها، مهمهمة لي في خلوتي ~~أبياتا كثر أمثالها في ديوانها «حلية الطراز»؛ حيث تقول: # حي الرفاق وصف للحي أشواقي # وحدث الركب عن تسكاب آماقي # قد جرعتني صروف الدهر مرتغما # لواعجا كحميم أو كغساق # أسال حر الهوى قلبي وأبرزه # جفني على يد آماقي وأحداقي # هذا شواظ الهوى في القلب ملتهب # وفي التنفس من آثار إحراقي # فطالعت كل ما عثرت عليه من آثارها، وجمعت من المعلومات عنها ما تيسر، وفكرت في نشر بحوث ~~عنها. وكان يدفعني إلى ذلك: # أولا: # أن لعائشة فضل المتقدم بيننا وهي طليعة اليقظة النسوية في هذه البلاد. # ثانيا: # أن الجمهور يعرف أنها «شاعرة» دون أن يلم بما تتكون منه شاعريتها، ودون ~~أن يقف على حال من أحوال حياتها أو يحلل ميلا من ميولها. # ثالثا: # أن النظرة في مقدرتها إنما هي اكتناه للذات المصرية ليس من الجانب النسوي ~~بل بوجه عام. وسنرى بعد التحليل أن لعائشة مكانتها بين أدباء عصرها وليس ~~بين الأديبات الشرقيات وحدهن. # رابعا: # أنها من عمال دولة القلم عاشت في وحدتها كثيرا، وأعطتنا في شعرها ونثرها ~~صورة مؤثرة. أما رأيها في الحياة فحقيق بالانتباه والتبصر؛ لأنه رأي جمهور ~~كبير من الشرقيين والشرقيات كان شائعا في زمانها وليس بالنادر في أيامنا ~~هذه. # خامسا: # أن مثل هذا البحث يرافقه سرور متضاعف. أليس أن جميع طبقات الناس تلذ لها ~~الروايات، وهي إنما تمثل حياة أشخاص وهميين؟ فكيف بحياة أشخاص عاشوا قبلنا ~~وعانوا صامتين كل ما يعانيه أبطال الروايات! هم الذين توفرت لديهم شروط ~~اليقظة أيام كان الجمهور منا في سبات واستكانة! وكم من ms02 نابه قضى تاركا ~~آثاره فاكتفينا بالثناء عليها وعليه ثناء النائحات على كل ميت، فظلمناه في ~~مماته بعد أن كان مظلوما في حياته! فلم نستجل من آرائه رأيا ولم نحلل من ~~العوامل التي كونته عاملا. # كلا، لم نحلل بعد رأيا ولم نستجل عاملا؛ لأننا ما زلنا في هذا الفن الجليل أطفالا. نظرة ~~إلى ما يكتب عن ثمرات المطابع عندنا ترينا (مع استثناء صغير) أننا نقابل الكتب الجيدة بأحد ~~الأنواع الثلاثة التالية. # الأول: # أن نغفل ذكرها إغفالا حتى وإن كانت عنوانا قيما ليقظتنا ~~الفكرية، وخطوة واسعة تستدعي الإعجاب والاغتباط. ولا يبرر هذا الإغفال حتى ~~ولا الاعتذار بأن الجمهور يتطلب الآن موضوعات معينة لا يرضيه سواها؛ لأن ~~هذا الجمهور المتهم هو هو الذي يبتاعها ويستهلك طبعاتها، فكيف يجد متسعا ~~من الوقت لمطالعة كتاب بكليته ويضيق وقته وصبره دون قراءة سطر ~~عنه؟ # النوع الثاني: # هو إما مرقة دهنية لزجة مزجت فيها مواد الثناء والمدح والإطراء ~~يطلى بها ذكر الكتاب، دع عنك كونه صائبا أو غير صائب، وإما تقريظ ~~بالاستعارات المألوفة التي لم تعد تعني شيئا يختم (كما تختم جميع الصلوات ~~بآمين) بكلمات لا مفر منها مثل «حث الجمهور على اقتناء هذا السفر النفيس» ~~أو «التمني أن يصادف هذا الكتاب الشيق النافع ما يستحقه من الرواج ~~والانتشار». # أما النوع الثالث: # الذي أرادوا أن يطلقوا عليه اسم «النقد الحديث» فهو نقيض «التقريظ» ~~العتيق. ويفكهني أن أتخيل أحيانا أن جميع اصطلاحات الثناء والإطراء «أضربت ~~عن العمل» هي الأخرى لحين ما فتكأكأت في مكان واحد متماسكة متجمدة، ~~ففاجأتها قنبلة تائهة فافرنقعت متطايرة أشظاظا ملتهبة تقمصت بفضل بعض ~~النقدة «العصريين» قذفا وطعنا وتهجما. # ومما يؤسف له أن من هؤلاء النقدة من هو ذو مقدرة كبيرة، لو هو أنال مقدرته كل موهبة من ~~التثقيف والصقل والملاينة والكياسة الفنية، فتذكر أن نقده ليس بالبلاغ العسكري يعلن الأحكام ~~العرفية، ولا هو بالمنشور الأسقفي يحرم عضوا من شركة المؤمنين وشفاعة القديسين، ولا هو ~~بأمر «المعلم» القروي (على الطراز القديم) غضب على تلميذ مسكين ms03 لم يحفظ أمثولته كما ينبغي ~~فحظر عليه أن يأكل، أو يشرب، أو يتحرك، أو يتنفس بغير سماحه . كلا. ليس النقد بشيء من ذلك. ~~إن هو إلا نظرة فرد معرض للخطأ في عمل فرد آخر معرض للخطأ يختلف عنه ميولا وتأثيرات وكفاءة ~~ووراثة. وإذا كان الأدب واجبا في الخطاب الشفهي، فهو في الخطاب الكتابي أوجب. وأول مظاهر ~~الأدب هو التهيب أمام شخصيات الناس لكونها شخصيات إنسانية فحسب، فكيف بها إذا هي بذلت ~~مجهودا ما، وكانت ذات ميزة علمية، أو فنية وأخلاقية؟ # إن ألزم مميزات الناقد هي العطف. لست أعني العطف بمعنى الإغضاء والتساهل واعتبار العيوب ~~والنقائص حسنات وكمالات. وإنما أعني عكس التحامل والتعنت ليتهيأ له التجرد من ذاتيته ~~تجردا موقوتا يتسنى معه الدخول في حياة المنقود شاعرا معه، متوجعا لحاجته، مراعيا ~~عادات بيئته ومطالبها، خاضعا لجميع مؤثرات المحيط، طالبا لحين غايته من الحياة. وإلا فكيف ~~يدعي أنه فهم المنتقد عليه؟ وإن لم يفهمه فكيف يكون رسوله إلينا؟ كيف يجرؤ امرؤ على تحويل ~~حاجات الناس إلى حاجته، وحصر عقلياتهم في عقليته، وسجن قلوبهم في قلبه، وقياس أحوال حياتهم ~~بمقياس حياته، ثم يأتينا بحكم يزعمه نهائيا بلا نقض ولا إبرام؟! إلا أن ذاك هو الهاجي وليس ~~بالناقد. هو المتصلب وليس بالفنان. هو الذي يتجاهل أن النقد لا يقوم بإظهار العيوب (وجميع ~~الناس بارعون فيه) وإنما هو إحكام التمييز والتعليل، شأن المصور في توزيع الأنوار والأظلال ~~على ما يجب أن تكون في اللوحة الواحدة. # أعلم أن بين نقدة الفرنجة كثيرين من المتحاملين، ولكن ما يأتونه من ضروب الطعن والنهش لم ~~يقنعني بأن العصمة في جانبهم، ولم أر في أحكامهم سوى رأيهم الخاص ليس إلا ... وهذه الصورة ~~التي أرسم من التيمورية إنما هي نظرة فردية في طبيعتها ولا زعم لي أنها صورة مطلقة. وأتمنى ~~أن تتنبه الرغبة في معرفتها في نفس كل من شاء مسايرتي فيدرسها معي متصفحا روحها، راسما ~~لذاته صورة منها خصيصة. فإن الحرية الفكرية هي ما ننعم به ولله الحمد. وبها سيبقى ms04 الإنسان ~~كبيرا نبيلا وإن كان في سواها عبدا ذليلا. ~~••• # وقد أحصيت الأسباب العمومية لدرس الشاعرة، ولكن لدي سببا آخر؛ وهو مقابلة معنوية جرت لي ~~معها منذ حداثتي القصوى. # كان ذلك في تلك البلدة بفلسطين وقد بدا الحي متجليا ببهجة الأعراس وبهائها لزواج ذلك ~~الوجيه السري. ونصب صوان عظيم على سطح الدار الواسعة ليقام فيه مهرجان الفرح كل ليلة. فما ~~يخيم الظلام إلا وتعزف الآلات الشرقية تحت الخيمة الوضاءة بتألق الأنوار ومعالم الزينات، ~~الغاصة بوجوه القوم وأعيانهم من تلك البلدة وضواحيها. # إذ ذاك يهرع أهل الحي إلى الشرفات والنوافذ وسطوح المنازل يتسمعون إلى آهات الطرب الشائعة ~~في الفضاء حتى لتتهادى أصداؤها نحو ما جاور من جبال الجليل. والأطفال مغتبطون بأن يحتضنهم ~~صدر دافئ ويحميهم من أهوال الظلام، فتتنبه منهم النفوس لتفهم أعجوبة الألحان. # كنت على ذلك في ليلة فإذا بصوت ينشد على نقرة العود: # كحل بعينيك أم صبغ من الرحمن # جفن من السحر أم سحر من الأجفان # خال بخديك أم صنع من الديان # توهت فكر الأنام في الجفن والخالات # 1 # تبارك الله ما أحلاك من إنسان # سمعت وأصغيت ليس بنفسي كما كانت صغيرة وقتئذ بل بكل قواي الكامنة التي سينميها المستقبل ~~وبكل ما في الأيام التي عشتها وسأعيشها من أمل ويأس وسعادة وشقاء. ولعلي استشعرت ببعض ما ~~سأفهمه بعدئذ من نجوى الموسيقى الشرقية ... تقول إن الإنسان يجهل كيف ولماذا ولد، ولكنه يعلم ~~أنه يحتاج إلى السعادة التي لم يفز بعد منها سوى بفتيت موهوم. تقول للطفل والشاب أنهما أكبر ~~سنا مما يظنان، وتقول للقوي الظافر أنه ضعيف مدحور، وتقول لكل أحد إن حياته كانت إلى هذه ~~الساعة خالية سخيفة قحطاء. تقول له إن في الدنيا أمورا لم يختبرها وإن جهله لها فقر وضنك ~~وذل وعبودية وموت سبق الموت. تقول إن الاجتهاد والجهاد عقيم النتائج؛ لأن العمر قصير سريع ~~العطب، وإن كل لحظة يجب أن «تعاش» بأكملها ليستخرج منها أقصى ما تكن. تقول إن القلب روي ~~بالعبرات ينتظر اليد القادرة تضرب عليه ms05 ليتفجر كصخرة موسى ... وإذ تنطلق الأصوات سابحة ~~كالأجنحة في فردوس من الألحان، ثم تصبح متفجعة منتحبة، ثائرة، عاصفة تلج وتتمادى يخيل أن ~~الفزع قد جوف تحتها هاوية تترامى فيها الأصداء المرتعشة. فتعكف النفس على حاجتها ووحدتها ~~وحيرتها بين هذه الهاوية وذلك الفردوس، وتطلب التوازن والراحة في سحر الحب وذوب الحنان ... ~~ولكن العمر قصير سريع العطب، وكل ما فيه موسوم بوسمه ... ولكن الحياة مراوغة في استقامتها، ~~شحيحة في كرمها، وكل ما فيها كريم شحيح مراوغ مستقيم ... # هذا بعض ما قاله لي فيما بعد شهيق الأوتار، فهل فهمت منه عندئذ شيئا؟! لا أدري! ولكن كم ~~ذا انتقش الظلام بالمشاهد الخلابة لذكر ذلك الشخص العجيب الذي لم يكن أحد يعلم ما إذا كان ~~جمال عينيه كحلا أم صبغا من الرحمن! ذاك الشخص الذي تاهت به أفكار الناس فتجمهرت لتهتف: ~~تبارك الله، ما أحلاك من إنسان! أتتصورون أثر هذا الرسم في مخيلة صغيرة شديدة التيقظ، وفي ~~نفس لينة ترتعش أمام مظاهر الفن والجمال حتى لقد تبكي لمرور سحابة زاهية في الأفق ~~الأزرق؟ ~~••• # ولطالما سمعت هذا «الموال» بعدئذ من منشدين أصوليين وغواة يقبلون عليه إقبالهم على جميع ~~الأدوار المصرية المشوقة. ولكن أكانوا يعلمون من هي شاعرته؟ # أرجح أن تلك كانت نشوتي الموسيقية الأولى. فأبقت في أثرا، كأنما هو إشارة من روح ~~التيمورية تنبهني. وما تبينت تلك الإشارة إلا عند مطالعة ديوانها والاهتداء إلى ذلك ~~«الموال» فيه. فأدركت أنها حدثتني منذ زمن بعيد تلك الروح التي غاصت نفثاتها الحزينة ~~الطروبة في أرواح المنشدين فحبست على أوتارهم ألحانا، وانطلقت على أمواج الهواء فنا ~~وتغريدا وإبداعا. وهكذا تلك المرأة التي وقعت زفراتها في وحدة خدرها وراء الحجاب، صار ~~الشجن والطرب منها فعالا تتناقله أجواء الأقطار وتتأثر به ليالي الأفراح في نازح الديار. # كذلك برقت التيمورية في تلك الظلمة وكان ذلك النور منها رمزا لنور آخر خطير. إن عائشة ~~عصمت ظهرت حين كانت المرأة في ليل دامس من الجهل. فجاءت بارقا يبشر المرأة المصرية ~~ومستقبلها. # الفصل الثاني # | عصر الشاعرة ms06 # الحياة الفكرية والاجتماعية # بزغ القرن الخامس عشر على ربوع الغرب فجرا ما برح ينتشر ويعمم حتى شمل بنوره نهضة ~~التجدد الكبرى. وما تولى إلا وقد جاء بحادثين بدلا حظ البحر الأبيض المتوسط وحظ مرافئه ~~في الحركة التجارية والعمرانية. وهما اكتشاف فاسكو دي جاما طريق الهند عن طريق رأس ~~الرجاء الصالح، بعد أن شق كولمبس البحار وصولا إلى الأقطار الأمريكية. وبينا التطور ~~يتتابع في الغرب حثيثا سواء في العلم وأسباب المواصلات وامتزاج الشعوب والصناعة ~~والتجارة والثروة والحرية الفردية والكرامة القومية - كانت مصر، وقد حرمت من مرور تجارة ~~الشرق، تتقهقر ببطء حتى انقطعت العلاقات بينها وبين العالم. وظلت ثلاثة قرون يحكمها ~~بالاسم ولاة عثمانيون وتدفع الجزية السنوية إلى تركيا إلا أنها تعثو فيها تلك الفئة ~~الطاغية من المماليك «البكوات». ففشت في أنحائها الخزعبلات والأوهام، واشتد العوز ~~مهددا بالأمراض والمجاعات. والدول التي تتنافس الآن في اكتساب صداقاتها كانت قد نسيت ~~حتى الوجود من هذه البلاد الفريدة بتربتها وتاريخها وحضارتها العريقة، الفريدة بموقعها ~~الحربي المنيل النفوذ السياسي والرواج التجاري لجمعه بين القارات الثلاث وسيطرته على ~~طريق المشرقين. # أي عجاجة لا تثير أعمال الرجل العظيم! هبط نابليون الشرق يستغله ويقيم عليه الركن ~~الأول من عرش، أراد أن يخيم ظله على الشرق والغرب جميعا. فهبت الدول تقاتل الجبار ~~وتتحالف لهزيمة جحافله. وصار القطر المهجور محجة للغايات؛ لأن البطل أدخله في خريطة ~~أطماعه. # جاءت القوة العثمانية بقيادة القبطان حسين باشا وتكاتفت والحملة الإنجليزية في ~~الرحمانية فزحفتا معا على القاهرة. فسلم الفرنسيون نهائيا في سبتمبر 1801 بعد ~~الاحتلال بثلاثة أعوام دون جني أية فائدة حربية. وكم من عمل يؤتى في سبيل غاية تفشل، ~~فإذا به موفور العائدة لغاية أخرى! # فقد أسفرت الإغارة الفرنساوية عن ثلاث نتائج: # الأولى قومية: # إذ شعر المصريون بأهمية بلادهم وبمقدرة الشعب على إزعاج ~~الحكومة المستبدة إذا هو اتحد وتضامن. كما لمحوا وميضا من المدنية ~~الأوروبية الحديثة ورغبوا في اقتباسها. # الثانية علمية: # إذ استصحب نابليون جماعة من العلماء الأخصائيين. فدرسوا طبيعة ~~البلاد ومواردها، وأدخلوا الطباعة ms07 ونشروا الصحف وأسسوا «المجمع العلمي ~~المصري»، وجاءوا في مختلف الموضوعات بأبحاث قيمة، منها وصل البحر الأبيض ~~بالبحر الأحمر الذي سيستفيد منه دلسبس، وأحدثوا إصلاحات كثيرة ذهب جلها ~~إنما بقي منها جرثومة ستنمو بعد الآن على يد حكومة البلاد. # الثالثة سياسية: # أن بين ضباط القوة العثمانية كان ذلك الرجل الذي ولد هو ~~ونابليون وولنجتون في سنة واحدة «1847م» وحكم مصر بعد محوه المماليك ... ~~وبين رجال محمد علي رجلان يختلفان أصلا وعملا أحدهما كردي وهو محمد ~~تيمور بن إسماعيل بن علي كرد، الذي كان ضابطا وساعد في استئصال دولة ~~المماليك حتى صار من خاصة الوالي. فترقى في المناصب من كاشف، إلى ~~محافظ، وتوفي سنة «1264ه/1847»، والآخر تركي الأصل وهو عبد الرحمن ~~أفندي الإستانبولي الذي كان كاتبا في الديوان الهمايوني عند السلطان ~~سليم الثالث ثم صار ذا مكانة عند محمد علي حتى أنه بعد وفاته دفنه في ~~القلعة. وكان لسلالة هذين الرجلين أن تحمل علامة اليمن. فقد تزوج محمد ~~تيمور بابنة عبد الرحمن أفندي فكانا جدي الشاعرة. ~~••• # ولدت عائشة سنة 1256 هجرية قبل وفاة محمد علي بتسعة أعوام، وتوفيت بعد تولية عباس ~~الثاني بعشرة أعوام؛ أي إنها شهدت تطور بلادها على عهد أربعة ولاة هم: محمد علي وإبراهيم ~~وعباس الأول وسعيد، وثلاثة خديوين هم: إسماعيل وتوفيق وعباس الثاني. # كان لمحمد علي مطامع سياسية معينة فبذل المجهودات لتأييدها في الداخل بإنشاء المدارس ~~الحربية والمستشفيات العسكرية، وتنظيم الجيش وتخريج الأطباء، ونشر المعارف وإرسال ~~البعوث إلى أوروبا لتتلقى العلوم الفنية والميكانيكية والحربية. أما في الخارج فكان ~~يؤيد مطامعه بالحروب والفتوح. # وتتابع التطور ضئيلا خلال ولاية إبراهيم التي لم تدم سوى شهرين اثنين، وولايتي عباس ~~الأول وسعيد حيث كان غرض التعليم محصورا في تخريج موظفين للحكومة وضباط للجيش. وإن ~~امتاز عهد سعيد بأمور ذات شأن، منها وفاء ديون الحكومة، وحذف الجمارك الداخلية ~~والاحتكارات، وإرجاع الحرية الفردية وحق الملكية إلى الفلاحين - بعد أن كان محمد علي قد ~~جمع الأملاك بين يديه جاعلا الحكومة تسيطر على كل تجارة مع ms08 الخارج. وتم في عهد سعيد ~~إنشاء القناطر الخيرية التي بدئ بها بأمر من محمد علي. وسعيد هو الذي فوض إلى صديق ~~طفولته دلسبس أن يباشر حفر قناة السويس. # بيد أن الاندفاع الأكبر جاء في عهد إسماعيل فعاد إلى معالجة مشروعات محمد علي مرسلا ~~البعثات إلى أوروبا، موجدا المكتبة الأهلية ومتحف الآثار المصرية، حافرا الترع للري ~~ومجملا المدن الكبيرة. # وأصدر أمرا في أواخر عهده يعلن رغبته في أن يحكم بواسطة مجلس نظار، بعد أن كان أصدر ~~أمرا بتشكيل مجلس نواب تأخذ الحكومة رأيه فيما تسن وتحور من النظم والقوانين وكان ~~كاهل مصر قد أثقل بالديون مما أدى إلى قبول الرقابة الأجنبية على المالية المصرية. فقام ~~يوما ينكر على الموظفين الأوروبيين حق التدخل في شئون بلاده. فحملته الدول أثر ذلك على ~~التنازل لولده توفيق تحت الرقابة الفرنساوية الإنجليزية فيما يتعلق بالمالية. # وقامت الثورة العرابية مطالبة - فيما طالبت به - بإلغاء الرقابة الأجنبية على المالية ~~المصرية. وكان ما كان من احتلال إنجلترا وتفويضها إلى لورد دوفرن درس مختلف المشاريع ~~وتنفيذها في مصر. وبعد توقف القطر عامين استطرد فيه التنظيم والتقدم بحيث تمكن القاضي ~~المفكر قاسم أمين أن يقول في رده الفرنسوي على الدوق داركور: # إن الحرية التامة سواء في التفكر والكتابة أصبحت مباحة، وإن المصري يتمتع ~~الآن بكل ما ضمنه الإعلان الشهير من «حقوق الإنسان» وإن الجميع يتوقون إلى ~~العلم ويتعلمون معتبرين أن هذا هو السبيل الوحيد للنهوض. منذ ثورة عرابي انتبه ~~الشعب المصري لمكانته وكرامته. استنار ذهنه فجعل يهتم بنظام الحكم وبالشئون ~~العامة يقدرها ويحكم لها أو عليها. وبالجملة فإن مصر تيقظت بالفعل. # 1 # نشر قاسم هذا الكتاب سنة 1894. ولما توفيت عائشة بعد ثمانية أعوام كانت حركة التطور ~~في ازدياد وقد أضيفت إليها عناصر فنية متنوعة. ~~••• # أهي يقظة الفكر عند الأفراد تهيئ اليقظة القومية أم هي يقظة الجمهور ومطالبه والأحوال ~~المحيطة به التي تخلق الأفراد وتحبوهم بالمواهب الضرورية ليتكلموا بصوت الجماعة؟ # أظن أن التفاعل هنا محتم كما هو في كل أمر آخر. فالأفراد ms09 يخلقون الجمهور والجمهور ~~يخلق الأفراد؛ لأن القوى البشرية محكمة الترابط فيما بينها، فإذا انتبهت إحداها تأثرت ~~بذلك الانتباه جميع القوى وهبت متجددة نابضة ، مبدعة. كأنها الصوت الواحد يحدث هزة في ~~مكان من الهواء فتتناقله الموجات المسارعة حتى يرن في أقطاب الفلك جميعا. # ولكن يخيل أنه قبل تنفيذ أي عمل يقتضي رسم خريطة خيالية جلية في الذهن الناضج الصافي، ~~خريطة من الخرائط التي يسمونها المتهكمون «نظريات» وهذه النظريات التي تثني لذكرها ~~شفاه العلميين هي من الأهمية بحيث إن الطبيعة لا تجمع عادة (وإن فعلت نادرا بشذوذ ~~جميل) بين مقدرتي النظر والعمل في شخص واحد؛ إذ إن لكل منهما صفات تنافي صفات الأخرى. ~~يهيئ النظريون الخرائط الذهنية، فينظر فيها سواهم بعين النقد والتمحيص مستخرجين منها ~~ما لاءم حاجة الوقت، وينفذها آخرون فتصير شيئا محسوسا يستخدم ويخدم. كأنما هي «المثل ~~الأفلاطونية» التي بموجب نظريتها لا تكون المحسوسات إلا انعكاس أفكار كائنة في ذهن ~~الإله الأعظم. تلك هي حكاية التلغراف اللاسلكي التي ابتدأت مع مكسويل وهرتز وبرنلي ~~نظريات وتعديلات علمية، فصارت مع ماركوني عاملا آليا تعنو له مجاري الجواء في نقل ~~الأفكار. وتلك هي حكاية الغواصات التي كانت في كتب جول فرن الفرنسوي رؤى وأخيلة علمية. ~~فبسط أديسن الأمريكاني لوزارة بحرية بلاده إمكان إنشائها في تقرير نسخه الألمان سرا، ~~وسيروها خلال الحرب مدنا متحركة تخفر البحار وتصادر سفن الأعداء وسفن من كان لهم ~~مواليا وظهيرا. وتلك هي حكاية الثورة الفرنساوية أعدها الكتاب والمفكرون، والثورة ~~الروسية التي مهد لها الروائيون والشعراء سبيلا. ~~••• # وانتحت الحياة الجديدة في مصر هذا النحو. فإنه إلى جانب التحسين الزراعي والحربي ~~والميكانيكي والمدرسي، ظهرت حركة أخرى راودها الغموض في البدء، إنما جعلت تتسع وتنجلي مع ~~الأيام. نشأت عن تواصل الاحتكاك بمدنية الغرب سواء بواسطة النزلاء المقيمين في هذه ~~الديار، وبعوث الشبان العائدين من أوروبا وقد تطعمت نفوسهم بجديد النزعات وحديث ~~الآراء، وجماعات خريجي المدارس المصرية وقد سرت إليهم عدوى الفكر العصري خلال ما تلقنوا ~~من الدروس الأوروباوية. وقدم مصر جماعة من ms10 نوابغ السوريين وأحرارهم النازحين أثر النكبات ~~فكان صدم أفكارهم بأفكار المصريين جزيل النفع للفريقين وللفكر العربي عموما. # بلغت تلك الحركة أشدها في عهد إسماعيل وقد بدت أدبية اجتماعية بعد أن كانت ميكانيكية ~~علمية، يمتزج فيها استيحاء الجديد وتجديد «القديم» الاستيحاء بالاطلاع على مؤلفات ~~الأجانب ونقل ما تيسر نقله منها إلى العربية. والتجديد بإعلاء شأن روح اللغة؛ إذ كانت ~~يومئذ آلات مطبعة بولاق الأميرية والمطابع الأهلية الأخرى تشتغل لإعادة نشر مؤلفات ~~«المدرسيين» من كتاب الإسلام وعلمائه الأقدمين. وكثرت الصحف حتى بلغ عددها السبعة ~~والعشرين فترتب على ذلك «نشر أغراض عامة في تلك الجرائد ومباحث علمية وأدبية في صحيفة ~~روضة المدارس وتخريج نوابغ من طلبة مدرسة دار العلوم على يد أستاذهم المرحوم الشيخ حسن ~~المرصفي واستفادة بعض النبهاء من طلبة الأزهر بطول اختلاطهم بالمرحوم الشيخ جمال الدين ~~العالم العصري حين ذاك، سلوك سبل أخرى في الإنشاء تستمد منها الأقلام. فعوضا عن ~~الاشتغال بكتابة التهاني أو البشرى بمولود، أو التأسي على مفقود أو المدح أو الهجاء أو ~~العتاب أو الاستعطاف أو التغزل بالغيد والغانيات أو مكاتبة الأصحاب والأحباب والرجاء ~~والاعتذار التي هي من الأغراض الخصوصية، مالت الأقلام إلى الكتابة في حب الوطن وما ~~يستلزمه من خير العمل والحث على الفضيلة والتباعد عن الرذيلة وحق الحاكم على المحكوم ~~والمحكوم على الحاكم وغير ذلك من شرح حكم عالية هي من الأغراض العمومية. كل هذا كان ~~أعظم مرشد للمطلعين عليها حتى ترتب على ذلك تغيير عظيم في الأساليب الإنشائية، وفي ~~الحركة الفكرية وفي الشعور بالذاتية». # 2 # ذكر هنا أمين باشا سامي ذلك الرجل الشرقي الشبيه بفلاسفة الماضي كسقراط وسواه الذين ~~لم يكتبوا وإنما أرسلوا تعاليمهم ضمن المحادثات العادية. وكانت أهم المحافل الفكرية هي ~~الحلقة التي تعقد حول جمال الدين «في القهوة التي قرب قهوة البورصة القدي ...» «ولعل ~~تلاميذه لا ينسون في مستقبل الأيام أن يحيوا ذكره بينهم في ذلك المكان» هذا رأي ~~الدكتور شبلي شميل الذي عرف الأفغاني وجالسه وناقشه. ويتابع الحديث عنه قائلا: ~~«لم يكتب ms11 فيما أعلم شيئا # 3 # وإنما يلقي على آخرين مقالات ضافية تنشر في «جريدة مصر» # 4 # تحت أسمائهم. ولولا الشيخ محمد عبده ويده الكاتبة لما كان لصوته ~~صدى ولبقيت تعاليمه في صدور أكثر الذين تلقوها عنه وماتت معهم؛ إذ كانت كل ~~تعاليمه حديثا يلقيه بحسب مقتضى الحال» «وقبل «جريدة مصر» كانت شهرة جمال الدين ~~مقتصرة على الأخصاء وأعماله محصورة في دائرة مريديه. وأما «جريدة مصر» فكانت ~~سببا كبيرا لإذاعة صيته ونشره في الآفاق.» «ولم يتهيأ له أن وقف خطيبا في ~~قوم إلا مرة واحدة أظهر فيها أنه خطيب مفوه أيضا. وكان ذلك بمسعى أديب إسحق. ~~وفي تياترو زيزينيا على محضر من جمهور غفير من علية القوم من رجال ونساء من ~~السوريين والمصريين. فألقى خطبة اجتماعية سياسية أبدع فيها معنى ومبنى وجرأة ~~وبقي يرتجل الكلام نحو ساعتين من دون أن يبدو أدنى تعب أن يتلعثم حتى خلب ~~العقول وأقام الناس وأقعدهم.» # 5 # جاء الأفغاني مثالا محسوسا لتفاعل الأفراد والجمهور. إذ رأى ببصيرته النافذة ما ~~يحرك نفوس إخوانه من العوامل المستفزة نفسه، دون أن يهتدوا إلى كيفية التلخيص والإفصاح. ~~فتكلم فيهم بلغته «الممزوجة ببعض لكنة أعجمية تنم عن أصله الغريب وإنما وقعها على الأذن ~~كان محبوبا. # 6 # تكلم فيهم بفصاحته النارية فكان له اليد الطولى في تحريض الأفكار وإضرام ~~الثورة العربية» فهو زعيم الناقمين في ذلك العهد، هذا الأفغاني الذي أرسلت شعلة روحه ~~الشرر من أفغانستان، إلى بلاد فارس، إلى وادي النيل حيث مر كتيار لفاح. # شعر الفكر المتغير المتكيف بوجوب تبديل أستاره والتجلي بزي يوافق صورته الخفية فكان ~~ذلك التطور في نتاج القرائح والأقلام من شعر ونثر، وإن كان في الشعر أسبق أما في النثر ~~فأوضح. وظهرت مع الشعر الفصيح ضروب من الشعر العامي كالمواليا التي لم يألف معالجتها ~~نفر من كبار الشعراء. وتجدد «الزجل» الطلي. وأما وضوح النثر فجاء من انتشار العلوم ~~الطبيعية والرياضية، فمال الناس معها إلى إحكام المعنى وإخراجه من معمعة السجع والجناس ~~والاستعارة والتورية. وبديهي أنه لم يفلح ms12 في ذلك أولا غير النفر اليسير، وتفرقت من ~~الآخرين الطرق. فتحدى بعضهم أسلوب الأقدمين من صدر الإسلام أو من صدر العباسيين. وتسربت ~~إلى أسلوب غيرهم ركاكة لغة الدواوين التي لم تخلص منها حتى في هذه الأيام. ولعل أقرب ~~الأساليب منالا هو أسلوب الصحافة التي كانت وما زالت عندنا ميدانا للعلماء والشعراء ~~والأدباء، وقد تحتم عليها التوفيق بين مختلف الأذواق والكتابة بلغة يفهمها الجميع على ~~السواء. ولصحافتنا في ذلك تاريخ أعز. وما فتئ التحسن يبدو عليها من عام إلى عام وهي ~~عامل كبير في رفع فكر المجموع، وربما كانت العامل الأكبر؛ لأنها العامل الأشمل. ~~••• # وإذا كانت الحالة الفكرية والاجتماعية في تفاعل مستديم، فكيف كانت يا ترى العيشة ~~العائلية؟ كيف كانت حالة المرأة؟ أكان يصل إليها صدى الخارج؟ أكانت تشتغل لرقي بلادها ~~في دائرة الأسرة وتدرك معنى المطامع القومية؟ # هاك شبه جواب عن هذه الأسئلة عند أمين باشا سامي الذي يخبرنا أنه في عصر محمد علي كان ~~الأهالي: «عقبة كئودا في طريق تعليم بنيهم. غير أنهم لما تحققوا أن تعليمهم في تلك ~~المدارس ومكثهم بها ينقل حالة أبنائهم إلى حالة أرقى من التي انتشلوا منها تحققت الرغبة ~~عندهم.» «أما تعليم البنات فلم يصادف تسهيلا في عصره حتى اضطر إلى إصدار أمره إلى حبيب ~~أفندي في 4 جمادى الثانية سنة 1247ه (10 نوفمبر سنة 1831م) # 7 # بشراء عشر جوار سودانيات صغيرات السن ينتخبن بمعرفة كلوت بك لتلقي فن ~~الولادة ومعهن اثنان من آغوات الحرم يتعلمان فن الطب والجراحة.» # 8 # كانت عامة الفتيات تتعلم التطريز وأشغال الإبرة سواء في بيوتهن أو بالتردد على ~~المعلمات القبطيات وغيرهن. ومنهن من يتعلمن القرآن على فقيه البيت. ونفسي تحدثني أن ذلك ~~الفقيه كان ينطبق عليه وصف صاحب مذهب «هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد.» # ليأخذن التلاوة عن عجوز # من اللائي فغرن مهتمات # يسبحن المليك بكل جنح # ويركعن الضحى متأثمات # فما عيب على الفتيات لحن # إذا قلن المراد مترجمات # ولا يدنين من رجل ضرير # يلقنهن آيا محكمات ms13 # سوى من كان مرتعشا يداه # ولمته من المتثغمات # 9 ~~••• # أليس هذا قد كان رأي أكثر الأهل في معارف البنت وفي الذين يتولون تعليمها؟ بيد أن ~~السيل متابع مجراه والوفود الأوروبية ترد أفواجا ومعها البعوث الدينية تؤسس المدارس ~~للبنين والبنات. فأنشئت مدرسة راهبات الراعي الصالح في شبرا منذ 1844، وتلتها مدرسة ~~الأمريكان للبنات بالأزبكية سنة 1856، ومدرسة راهبات الفرنسيسكان الإيطالية سنة 1859. ~~وبينا مدارس الجوالي تتكاثر في أنحاء القطر أسست مدرسة البنات بالسيوفية سنة 1873 (ولم ~~يسبقها من المدارس الأميرية سوى مدرسة الممرضات والقوابل منذ عهد محمد علي). وهي ~~المدرسة التي تعرف اليوم بالمدرسة السنية. وتلتها مدرسة القربية سنة 1874 ثم انضمت ~~ومدرسة السيوفية وعرفت بها. وكان عدد المدارس للبنات والبنين في ازدياد سريع حتى أنشئ ~~منها في حياة «عائشة» ما يقارب الألف من مدارس أميرية ومدارس تابعة لمجالس المديريات ~~أهلية وأجنبية عدا المعاهد الدينية والكتاتيب. # بيد أن المرأة لم تكن وصلت إلى دور تثقيف نفسها. بل كانت راتعة في انقطاعها وجهلها ~~شأن من اعتاد الهواء الفاسد يضيق منه النفس ويعتل إذا هو انتقل إلى حيث الهواء نقي. ~~وإنما هي الأقلية المتنورة من الرجال التي كانت تطلب في الزوجة شريكة وصديقة، وللأبناء ~~التربية المنزلية الصالحة، وللبيت ذلك الجو المفرح الذي تخلقه المرأة بعذوبة حبها إذا ~~هي قرنت بالحصافة والمعرفة. وكان أولئك الرجال يتشاكون الغم فيما بينهم، وليس من يقتحم ~~مصادرة الرأي العام. حتى انبرى قاسم لا يبالي بتطعين الحراب، هادئا كمن جس مقاتل الخصم ~~وتسلح بصارم الحق واليقين. # الحياة المنزلية # نحن حوالي منتصف القرن التاسع عشر، في مدينة القاهرة عاصمة الديار المصرية قبل أن ~~تبدل معالمها يد الهدم والبناء. وقبل أن تصقل بعض جوانبها يد التحسين الجديد. مدينة ~~شرقية توالت عليها نوائب التاريخ واختلطت فيها أجناس الشعوب وهي لسرها الطويل كتوم ~~توزعت في مختلف الجهات، منها البقايا الأثرية والجوامع البديعة الفائقة على الثلاثمائة، ~~والحمامات والأسواق و«السبل» المرمرية المقدمة ماءها العذب لكل ظمآن يرتوي وفوق المدينة ~~الجاثمة ترتفع تلك المآذن بقاماتها الهيفاء فيخيل أحيانا أن ms14 الإنسانية أعلت هياكلها في ~~الهواء الأزرق ليس ليصل صوت المؤذن إلى المؤمنين على مسافة بعيدة فحسب، بل ليكون ~~المبتهل في صلاته أقرب إلى باريه وأرسخ في الثقة بالاستجابة. وطورا تبدو تلك المآذن ~~كأنها حراب أرسلتها أيادي الإسلام تنبئ الجائب بأنها على دوام الاستعداد لدفع الطوارئ ~~عن الذمار. # في الشوارع والساحات تبصر أخلاطا من الثروة والفقر، أناسا يرتدون الأثواب النفيسة ~~وعليهم دلائل النعمة والرخاء، وآخرين يرتدون الأطمار البالية وعليهم دلائل الذل ~~والشقاء. ولكن «رغم مشهد الفقر والمرض عند الشعب فإن شوارع القاهرة ليست لتوحي الأسف ~~والخيبة اللذين يشعر بهما المسافر في الأستانة ذات المنظر الفخم من الخارج، المحزن في ~~الداخل. نعم إن أكثر هذه الشوارع مظلمة ملتوية متشابكة الواحد في الآخر كأنها مجاهل ~~التيه، يعترضها هنا وهناك ممرات خفية وغاية ما يسع عابرها أن يستسلم لحكمة دابته ~~وثقافتها. على أنها نظيفة يتعهدونها بالكنس والرش المنظم وبدلا من بلاط الأستانة ~~الشنيع وتلك السلالم الحجرية في غلطة وبيرا، لا تجد هنا إلا أرضا مستوية صلبة تسير ~~فوقها بلا عناء. أما المنازل القائمة على جانبي الشارع فهي في الغالب أشهق من بيوت ~~عاصمة تركيا وأتقن صنعة، ففي كل وقت تبصر العين الواجهة المزخرفة بالنقش العربي، أو ~~النافذة ذات المشبك الخشبي الدقيق الفن الأنيق التفاصيل، فيكاد المرء يغتفر لأجلها ~~الغيرة التي أقامت هذا الحاجز بين داخل المسكن وتطلع السابلة.» # 10 ~~••• # كاتب أجنبي يجيئنا بهذا القول لا يرى في ذلك «الحاجز» سوى رمز «للغيرة». كأن الغيرة ~~من واردات الشرق التي يتفرج عليها الغرب ولا يكابدها. ولكن هلم نقف أمام أحد هذه ~~المنازل، أمام المنزل الذي نتطلع الآن نحو الماضي لأجله. هلم نستعين بالخيال حين لا ~~وسيلة سواه، فنخترق جانبا من الحديقة الحافلة بالورد والرياحين تحت رعاية الأشجار ذات ~~الظل الوارف. هو ذا الآغا يسير بنا إلى دار الحريم حيث تلقانا طغمة من الجواري ~~والخادمات وتدعونا إلى الجلوس في الفسحة الواسعة الموفورة النور والهواء أرضها تختفي ~~وراء البسط العجمية والطنافس الفاخرة. والمقاعد والأرائك تدور في جوانبها، تتخللها ms15 ~~الطاولات الصغيرة وعليها أدوات التدخين من علب اللفائف وأطباق صغيرة للرماد (منافض). ~~وعلى جدرانها تتألق مياه المرايا العميقة الصافية. وقام في وسطها خوان كبير من الخشب ~~المموه بالذهب، تتدلى فوقه الثريا العديدة الشموع المنحدرة من السقف المصنوع من خشب ~~الجوز المجمل بالنقش والزخرف بل هي هبطت من صميم رسم مثل وردة كبيرة تناوب فيها الحفر ~~والتخريم بنتوء مستدير وسيم. فكان النور خلال تلك التخاريم من جهة إلى جهة نفيذا. # هذه هندسة أكثر منازل الطبقة العليا وما دونها قليلا في ذلك العهد وما بعده حتى ~~أوائل القرن العشرين. أما البذخ والترف في بيوت الكبراء فيبدو في اتساع الغرف والردهات، ~~وفي تعدد المقاعد والمرايا ونفاسة الأقمشة والثريات والطنافس. ولا بد من قاعة أو قاعات ~~للاستقبال. على أن السيدات يقابلن عادة في هذه «الفسحة» فسحة الدار، كل شهور الصيف ~~الطويلة. وهنا تنعقد اجتماعات الأسرة سواء في الليل والنهار. # اقتبس هذا الوصف من كتاب الزوجة الأولى لصاحب الدولة حسين رشدي باشا. كانت السيدة ~~فرنسية ووضعت كتابين بلغتها وقعتهما باسم «نية سليمة» المستعار فوصفت فيهما المجتمع ~~المصري وعاداته على ما أدركته في أواخر القرن الماضي. وإنما استندت على هذا ~~الكتاب # 11 # لأن هدى هانم شعراوي التي تفضلت فأعارتنيه مع الكتاب الآخر # 12 # قالت لي إنه أصدق ما قرأت من نوع هذه الكتب في وصف العادات المصرية، ~~وأكثرها إنصافا وأقربها إلى الواقع. وإذا أضفنا إلى ذلك أن «نية سليمة» عاشت في ذلك ~~المجتمع وعاشرته وأحبته، غير ضاربين صفحا عن بطء التطور الاجتماعي، ولا سيما في الشرق ~~وفي الأيام الخالية، أمكننا أن نقول إن هذا الكتاب وإن أنشئ في أواخر القرن التاسع عشر ~~فهو يقرب كثيرا إلى ما كانت عليه في أيام عائشة. # فلتكن إذن «نية سليمة» دليلنا. ~~••• # هي تقول لنا إن هذه السيدة الجميلة البشوشة التي جاءت مرحبة وجلست على المقعد قربنا ~~هي ربة المنزل. أما أولئك النسوة الجالسات على «الشلت» فهاك خبرهن: ~~«إنهن من المترددات على المنزل، وليس لهن أن يجلسن قرب السيدات على المقاعد، ms16 ~~وإن كن أرفع قدرا من الخادمات الجاثمات على البساط أو على الحصيرة»، «هن من ~~الجواري البيض المعتوقات ومن الجواري السود اللاتي حججن. ومعهن الدلالات بائعات ~~الأقمشة والبضائع. ومعهن المراضع وأخوات الرضاعة وقارئات القرآن وسواهن من ~~النديمات ومن المختلفات إلى المنزل لأغراض شتى. يأتين ويجلسن القرفصاء كل ~~اثنتين أو ثلاث على «الشلتة» الواحدة، ويشتركن في الحديث ويروين الأخبار.» «أما ~~الزائرات المهمات فتأتين وبعد كلمات الترحيب وتقديم لفائف التبغ تحضر القهوة ~~التي يستغرق تقديمها من الزيارة زمنا. فالعادة في الطبقة المتوسطة أن يؤتى بها ~~مصبوبة في الفناجين على طبق من الفضة. أما في البيوت الكبيرة فيتعاون في ~~تقديمها ثلاث خادمات على الأقل: إحداهن تحمل الطبق يجلله غطاء مخملي مزركش وقد ~~تهدلت من حواشيه الهدبات الذهبية والفناجين مصفوفة عليه. وتحمل الخادمة الثانية ~~أبريق القهوة في شبه مجمرة فضية امتلأت بالرماد المتلظي. بينما الخادمة الثالثة ~~تصب القهوة، وتدور بها على الزائرات» # 13 # أما الأحاديث فهي طبعا لا تختلف عن المألوف حتى اليوم في الدوائر النسائية غير ~~المتنورة و... وربما المتنورة أحيانا. موضوعات لا تنفد مادتها كأنها الماء كلما غالبت ~~في الإسراف منه زاد تدفقا وسيولا. وتلك الموضوعات هي الولادة، والخطبة، والزواج، ~~والموت، وخصام الأزواج، وخصام العائلات فيما بينها، والثروة، والاغتياب إلخ. ولكن يخيل ~~أن السيدات المصريات لم يكن يومئذ لتنطبق عليهن التهمة التي يحب الرجال أن يلصقوها ~~بالمرأة؛ لأن «نية سليمة» تقول بجلاء إنه: # ليس من الغريب أن يقطع الأحاديث غير مرة سكوت طويل وربة البيت لا تقلق من ~~جراء ذلك ولا تجهد ذهنها للاهتداء إلى موضوع جديد. فقد حضرت مجالس السيدات ~~قليلات التزاور فيما بينهن يظللن جالسات معا دقائق طويلة ثم يفترقن دون أن ~~يتبادلن كلمات التبجيل المبتذل والمجاملة الشائعة ذات المراسيم المسهبة والجمل ~~المهلهلة. فهي تنطوي على تمنيات ودعوات صالحات يتيسر ترديدها مرات عديدة دون أن ~~يكون في ذلك غضاضة أو خشية الهزوه والنكتة.» «ثم تأتي زائرات أخريات فتنهض ~~صاحبة المنزل للاحتفاء بهن ويحذو حذوها الجميع، فتلقي الواصلات الجديدات ~~التحية، ولكن ما ms17 أدق الفوارق في أساليب التحية! إنهن يقبلن يد السيدة المسنة ~~ويدعونها «عمتي»، ويقبلن وجنة مثيلتهن في السن والمرتبة ويدعونها باسم «الأخت» ~~العذب، ويقابلن معارفهن الأقل مؤالفة بتحية «تركية» أما السيدات الأوروبيات ~~فيصافحنهن باليد. # 14 # إن اللائي يحضرن اجتماعات السيدات المصريات يعلمن أن وصف صنوف السلام ما زال حيا ~~بحياة الواقع في أيامنا. ولقد كانت دواما ساعات السلام لي أوقات اغتباط ودرس أتبين ~~فيها العادات الراسخة وأحلل أسبابها ما أمكن، بيد أن هناك نوع سلام آخر يدخل في الصنف ~~الثاني الذي وصفته «نية سليمة» إلا أنه يتجاوزه للإفراط في التودد والتعاطف. وهو ضم ~~الخد إلى الخد مرة بعد أخرى وإرسال قبلات سريعة متوالية في الهواء يسمع لها مصيص شائق ~~كأنه تغريد طائفة خاصة من الطير. وفيما يتعلق بالتحية «التركية» أو «اللاتوركا» كما ~~يقولون فهي كما تقول «نية سليمة»: # كم من نبل وكياسة في التحية التركية، وكم تنويعها ميسور؛ فاليد اليمنى تنفتح ~~بهيبة وبلا توتر وتستطيل في تحدر أكثر أو أقل بعدا حتى ليصل إلى الأرض عند ~~الضرورة. ثم إن النصف الأعلى من الجسد الذي انحنى يعود إلى التقويم والاعتدال ~~مسايرا حركة اليد التي تدنو من الفم أولا، ثم من الجبهة دون أن تمسها، وتركن ~~أخيرا إلى موضعها تاركة خلاء في الهواء كما يترك مرور جناح الحمامة. # والوداع يشبه السلام فتعاد عنده طقوس الاحتفاء والتبجيل ذاتها. أما التفصيل ~~الحري بانتباه خاص فهو أن السيدات اللاتي لا يرين مطلقا أزواج صاحباتهن يحسبن ~~مخلات باللائق إن لم يبعثن إليهم بالسلام مع زوجاتهم. وربة البيت لا ترافق ~~زائراتها بل تتقدمهن إلى الباب فيتبعنها. # 15 # لطيف هذا! ومعناه المشيعة تسهل لزائراتها السبيل وأنها تخرج من منزلها على نوع ما ~~بخروجهن أو هي تودع معهن شيئا منها. وإني لأوثر هذا على السير وراء الزائرات كما ~~تطردهن طردا وتقتفي أثرهن لتكون على ثقة من ذهابهن والتثبت بأنها تخلصت لحين ما من ~~ورطة وجودهن ...! ~~••• # هب أن هذا المنزل الذي زرناه الآن متبينين فيه بعض عادات ذلك العهد هو منزل ms18 إسماعيل ~~تيمور باشا، # 16 # وأن تلك السيدة ربة البيت التي رحبت بنا هي والدة عائشة، «وهي جركسية الأصل ~~معتوقة والدها إسماعيل تيمور باشا»، # 17 # فأين عائشة الصغيرة نفسها؟ أين الشاعرة العتيدة التي نلتفت اليوم إلى معالم ~~الأمس لننال لمحة من حجر نعمتها وما فيه من خطوط ألفتها فكان هيكل زفراتها وهديلها؟! # ألا فاعلم أن عائشة اليوم بنية صغيرة لا تحضر مجالس «السيدات» ولا تختلط بالزائرات ~~إلا لتقبل أيديهن إن كن من صديقات والدتها وقريبات أسراتها. وإذا شئت أن تراها فعليك ~~بذلك المخدع المنفرد حيث تجدها مع أختيها. # الفصل الثالث # | النشأة والزواج # نشأة الشاعرة # مع أختيها؟ إذن بين فتيات ثلاث متقاربات سنا، متماثلات حالا، كيف لنا أن نهتدي إلى ~~ضالتنا؟ لو عرفنا صورتها امرأة لاستدللنا بملامحها المتركزة لنتبينها الآن بين أختيها ~~لاعبة لاهية - أو هادئة راصنة كما كان وما زال كثيرون من الشرقيين يريدون لأبنائهم ~~جاعلين حداثتهم شيخوخة، مكبلين منهم البداهة على نوع ما فيحرمونهم مرح الطفولة الهنيء ~~وذكريات الغفلة ونعومة البال. إلا أن الشخص الوحيدة الذي في وسعه أن يطلعنا على تفاصيل ~~معيشتها، أعني شقيقها الجليل أحمد تيمور باشا # 1 # يفوته من حياتها قسط وافر؛ لأنه ولد قبل وفاة والده بسنة (1871) يوم كانت ~~عائشة في الحادية والثلاثين، تعيش زوجة وأما في منزلها بعيدا عن دار والدها. لذلك رغم ~~كل ما نقلناه عند أحمد باشا من الاستعداد لتلبية السائل، فإنك لتراه أحيانا يتوقف عن ~~الجواب ريثما يراجع تذكاراته، ثم يقول ببسمة الآسف «والله ما اعرفش.» # بيد أني فزت منه بهذا الوصف الظريف في إبهامه؛ «كانت لا طويلة ولا قصيرة، لا بيضاء ~~ولا سمراء، لا سمينة ولا نحيفة» أما عطوفة إدريس راغب باشا الذي رآها في حداثته في ~~زيارة والدته فطنت هانم حرم إسماعيل راغب باشا # 2 # فقد رد على استفهامي بقوله: «مش في بالي تمام كانت ازاي، لكن كانت حلوة ~~والله»، كذلك بعد مرور أعوام، وقد تقدمت عائشة في السن، رأتها حرم شعراوي باشا تزور ~~الزوجة الثانية لوالدها محمد سلطان باشا. ms19 # 3 # وقالت لي إن كل ما تذكر منها أنها «كانت ست كدا الأتوركا» مفهوم أنها لم ~~تكن ألافرانكا»! # ولكن أظننا بلا دليل ولا علامة قد نعرفها بمجرد الاستسلام لهدى الفراسة. إن التي ترجح ~~على أختيها بمثل ما رجحت عائشة لا بد أن تحوي ملامحها منذ الصغر شيئا يختلف عما يرى في ~~وجه عادي الصغار. فنحب أن نتصورها طفلة دمثة في العاشرة من عمرها، تنضح شفتاها ~~المتوسطتا الحجم بطلاوة العاطفة وشوق المحبة. شفتان تهمان بالافترار لتذوق المستطاب ~~المستساغ من طعوم الحياة جاهلتين ما وراء ذلك من حنظل وغسلين. ونحب أن نتخيل في العينين ~~القاتمتين من معاني الشجن وغزارة العواطف ما يتفق مع معاني الوجوم واللذاذة في الثغر. ~~ونكاد نرى تينك الشفتين تختمان بالخط اللطيف البارز بدقة كأنه حفر حفرا، الذي يرى في ~~شفاه أهل الفن والذوق، وفي شفاه بعض الشعراء. كأنه يشير إلى الأوزان التي سيضبط توقيعها ~~العواطف المستفيضة الشاردة، ويقتنص الزفرات الملتهبة المتدافعة ليسكبها فيما يظل ~~منضدا على القرطاس نظيما، ويظل على شفاه الطروب من الناس شاديا. ~~••• # من أين جاءت هذه الصغيرة بميلها المبكر إلى الكتب، وبوراثتها الشعرية والبيانية، وميل ~~جدها جلي لحمل سلاح الجندي دون سلاح الكاتب؟! أمر لا تتيسر معرفته، إلا للذي اطلع على ما ~~يجهله كبير الأسرة الحالي، أحمد تيمور باشا، من تاريخ التيموريين قبل الهجرة إلى مصر. ~~بيد أن المعروف عن والدها أنه كان راغبا في العلم والأدب، فألف كتابا ضمنه خلاصة ~~مطالعاته محاكيا به سفينة الراغب # 4 # ووضع لأسرته تاريخا باللغة التركية كان في نية السيدة عائشة أن تنقله إلى ~~العربية (نروي هذا عن أحمد باشا وقد أخبرته به شقيقته الشاعرة فيما بعد). وجمع مكتبة ~~نفيسة تشتتت بعد وفاته كما تبعثرت أصول الكتابين اللذين لم يطبعا. على أن لذلك الفاضل ~~أجمل أثر يحمد في تعليم ابنته والعناية بتثقيفها في عصر ضنين على النساء بالتعليم ~~والتثقيف وإن عائشة لتذكره دواما بالشكر والتحنان، وترثيه بعد وفاته بقصيدة ملأى ~~بالعبرات: # أبتاه، قد حش الفراق حشاشتي # هل يرتضي القلب ms20 الشفوق جفائي؟ # يا من بحسن رضاه فوز بنوتي # وعزيز عيشته تمام رخائي # إن ضاق بي ذرعي إلى من أشتكي # من بعدك فقدك كافلا برضائي؟ # 5 # ليس هذا من مألوف الشكوى والثناء. بل هو كان لها على الدوام نصيرا منذ الصغر في ~~جهادها ضد والدتها التي كانت تحثها على تعاطي أشغال الإبرة. # ولا يفوتنا الآن - في هذه النقطة من بحثنا - ما زلنا أيام كان أبناء العظماء، حتى ~~الملوك أنفسهم، يتزوجون من معتوقاتهم. ولطالما استهجن كتاب الفرنجة هذه العادة ذاهبين ~~إلى أن دماء العبيد تجري في عروق أكثرية الشعوب الشرقية. وما هي منهم إلا نظرة سطحية؛ إذ ~~ليس أولئك الجوار دواما من أصل وضيع؛ فمنهم الكريمات أسيرات الحروب. وقد قذفت حرب ~~المورة، مثلا، إلى مصر بكمية وافرة من بنات اليونان، ومنهن الشريفات المخطوفات، ومنهن ~~الشركسيات يبيعهن الأهل مدفوعين بحب الرفعة والتقدم لأولادهم الذين إذا عاشوا في جبالهم ~~كان حظهم محدودا، أما إذا انتقلوا إلى بلاد أخرى عن هذا الطريق فلهم أن يتعللوا بأكبر ~~الآمال ويرتقوا أعلى المراتب. # لست مبررة عمل الأهل، إنما أنا شارحة إحساسهم، نعم إن كثيرين من أولئك الأولاد يحلون ~~بيوتا صغيرة يعملون فيها للخدمة فيجيء الإعتاق متأخرا، ويكون الزواج فقيرا والجهاز ~~ضئيلا. ولكن الشرع الإسلامي شديد الرفق بالرقيق، جم العناية بحاله. ثم قد يسعد الصبي ~~فيصير «مملوكا» ألمعيا، وتصير البنت «هانما» غنية. ولهم أن يحلموا حتى بالعروش. # هذا من جانب الأهل. أما الأزواج فلم يكونوا يومئذ ليطلبوا في المرأة سوى خصائص الصحة ~~والجمال الجسدي وجودة البنية، فتزيد أو تنقص قيمة الجارية بقدر ما تحوز من تلك الخصائص. ~~فيخرجونها على أعمال معروفة كتدبير المنزل، وأشغال الإبرة، وفنون الرقص والعزف والغناء ~~أحيانا، ويربونها على عادات الكبراء وعلى طريقة من الطاعة تتلاقى فيها الأنفة ~~والإذعان. # وهناك سبب اجتماعي آخر في مصلحة الجارية، وهو كونها بكليتها لعائلتها الجديدة. يقول ~~الظرفاء إن آدم كان أسعد الأزواج؛ لأن حواء كانت «مقطوعة» فظل حياته في نجوة من صولات ~~أهلها وجولات أنسبائها. والحق يقال من عيوب المجتمع ms21 الشرقي ذلك التطاول المرق الذي ~~يسمونه «وحدة حال» أو «يا سلام! الناس بالناس!» وبه يستبيح بعض الأقارب والأنسباء ما ~~كان يجب أن يحجموا ويقفوا دونه. مسلم أن البر بالأقارب حسن ومحمود، ولكن على شريطة ألا ~~يكون ذلك باعثا على إضرار العائلة وتنغيصها، وألا يكون معناه انتهاك حرمة البيت من ذلك ~~الجيش الجرار الذي تسحبه بعض النساء الشرقيات كأنه الهدية الواحدة من هدايا العرس ~~المنقلبة ضربة لازب، جيش يصير همه ابتداع الأكاذيب وتلفيق الروايات، لا سيما إذا كثر ~~الاختلاط وظهرت أسباب المنافسة والحسد. وإنما باعتدال المعاشرة والاحتفاظ بعادات كل ~~عائلة، والسهر على استقلالها الداخلي وراحتها وأسرارها يتحقق التفاهم بين الأقارب وتنمو ~~المودة، أما التطاول والتهجم فمؤديان إلى القطيعة حتما. وقد بدأ الشرقيون يفهمون أن ~~البنت عند زواجها ثمرة نضجت فسقطت عن شجرتها، فأضحى أول واجباتها محصورا في العائلة ~~الجديدة التي تنشئها، كما تتقيد البذرة بالثمرة الجديدة التي كونتها تنفيذا لناموس ~~الخليقة. ولقد كان هذا الاستقلال العائلي، وتقديس حدود البيت والتفرغ للاعتناء به، ~~والقيام بما يعود عليه بالرفاهية والهناء؛ من أكبر عوامل تقدم الأمة الإنجليزية. كما ~~أن نقيضه في كثير من الأسر الشرقية من أهم عوامل التقهقر؛ إذ كيف يتقدم وينجح من كان في ~~حياته البيتية شقيا! # هذا ما كان ينجو منه زوج المعتوقة. وقد ذكرت «نية سليمة» قول سيدة مصرية معتوقة إنها ~~ستبتاع في الأستانة زوجة لولدها؛ لأن «بنات باشواتنا كثيرات الدلال. أريد لابني زوجة بلا ~~حم ولا حماة لأضمن سعادته»! # 6 # يدرك القارئ والحالة هذه، أن والدة عائشة لم تكن تفهم تشبث ابنتها بالكتب، ويدرك أنها ~~كانت تجدها شاذة فتسأل الله عليها صبرا ولها معونة! ~~••• # غير أن الأب الحصيف قريب يسمع ويتبصر. فتقول لنا زينب فواز في كتابها «الدر المنثور» ~~إن الباشا عندما رأى الجدل متتابعا بين زوجته وابنته تفرس في هذه النجابة وقال ~~لوالدتها: «دعيها فإن ميلها إلى القراءة أقرب». وأحضر لها اثنين من الأساتذة، وظل يعنى ~~بها، فما تمكنت من معرفة إلا يسر لها الأخذ بأخرى. وتشهد لنا ms22 عائشة بفطانة والدها وعطفه ~~في مقدمة كتابها «نتائج الأحوال»؛ حيث تقول والدتها إذ تراها عاكفة على الكتاب والقرطاس ~~كانت تأتي: # وتعنفني بالتكدير والتهديد، فلم أزد إلا نفورا، وعن صنعة التطريز قصورا. ~~فبادر والدي، تغمد الله بالغفران ثراه وجعل غرف الفردوس مأواه، وقال لها: «دعي ~~هذه الطفيلة للقرطاس والقلم، ودونك شقيقتها فأدبيها بما شئت من الحكمة.» ثم ~~أخذني بيدي وخرج بي إلى محفل الكتاب، ورتب لي أستاذين؛ أحدهما لتعليم اللغة ~~الفارسية، والثاني لتلقين العلوم العربية. وصار يسمع ما أتلقاه من الدروس كل ~~ليلة بنفسه ... # وهي تتبسط في هذا الحديث في مقدمة ديوانها التركي والفارسي # 7 # بكلام مشوق، لا سيما أنه أهم ما لدينا لمسايرتها في نشأتها. فتكرر القول أن ~~والدتها كانت تحثها على تعلم التطريز ورأيها «أن هذا النسيج هو أداة النساء وأستاذ ~~المعارف لبنات حواء ...» أما عائشة فلا تراه إلا «كالهم العنيف ...» فتتابع: ~~«وبالرغم مما كان متأصلا في نفسي من الميل إلى تحصيل المعارف من جهة والحصول ~~على رضى والدتي من جهة أخرى، فإن نفسي ما برحت نافرة من المشاغل النسوية.» وكان ~~من دأبي أن أخرج دائما إلى قاعة منزلنا (السلاملك) فأمر بمن يوجد هناك من ~~الكتاب لأصغي إلى نغماتهم المطربة. ولكن أمي - أقرها الله في رياض الفراديس - ~~كانت تتأذى من عملي هذا فتقابلني عليه بالتعنيف والتهديد والإنذار والوعيد. ~~وتجنح أحيانا إلى الوعود اللطيفة والترغيب بالحلي والحلل الطريفة. أما أبي، ~~رحمه الله، فكان يخاطبها بمعنى قول الشاعر التركي: # إن القلب لا يهتدي بالقوة إلى الطريق المطلوب # فلا تجعل النفس معذبة في يد اقتدارك ... # فاحذري من أن تكسري قلب هذه الصغيرة وأن تثلمي بالعنف طهره، وما دامت ابنتنا ~~ميالة بطبعها إلى المحابر والأوراق فلا تقفي في سبيل ميلها ورغبتها. وتعالي ~~نتقاسم بنتينا: فخذي «عفت» وأعطيني «عصمت». وإذا كانت لي من عصمت كاتبة وشاعرة ~~فسيكون ذلك مجلبة الرحمة لي بعد مماتي. # ثم وجه أبي خطابه إلي قائلا: تعالي إلي يا عصمت. ومنذ غد سآتيك بأستاذين ~~يعلمانك التركية والفارسية والفقه ونحو اللغة العربية. ms23 فاجتهدي في دروسك، ~~واتبعي ما أرشدك إليه، واحذري أن أقف موقف الخجل أمام أمك» فوعدت أبي بامتثال ~~هداه، ووعدته على أني سأبذل جهدي لأكون موضع ثقته ومحققة أمله. # 8 # في مناقشة هذين الأبوين وتغلب الأب في النهاية، أمثولة لكثير من الوالدين في هذا ~~العصر. فالأهل يقر رأيهم منذ حداثة أبنائهم في الغالب ، على السبيل التي سيسلكون. ~~فيقولون: نجعل هذا طبيبا، وذاك محاميا، والآخر مهندسا، وأخاه تاجرا ... إلخ. ولو هم ~~تفحصوا الميول والممكنات لربما وجدوا أن المحامي المزعوم لن يفلح في غير الطب، وأن ~~المهندس خلق للتجارة أو للصحافة وأن الطبيب هيأته الطبيعة لبيع الأثاث القديم في المزاد ~~العلني. وهلم جرا. هذا عدا تعويد الولد لباسا وأساليب لا تتفق مع مقدرته المالية، وبث ~~الأطماع الجنونية فيه حيث لا كفاءة ولا حذق يؤهلانه لتحقيق الغايات الكبيرة. كثير من ~~شقاء العالم اليوم راجع لسوء تدبير الأهل. فيصرف الأولاد الأعوام في تلمس السبيل مجهدين ~~نفوسهم في نيل ما ليس لهم، معذبين الآخرين وكل قلق حائر ففي صراع الأنانيات لتركيز ~~الحظوظ وتنظيم المعيشة. # أما شاعرتنا فقد نعمت بأب يجمع بين الإدراك والمقدرة. فسيرها في هذا الاتجاه الذي ~~تطلب نازعة عن الإبرة التي تكره، والمنسج الذي تلقى، حتى إنها لا تذكر تلك الأشغال ~~النسائية إلا بالاستنكاف والاشمئزاز. # هنا ملاحظة صغيرة؛ لأن هذا القول عن عائشة سيزيد في تعميم الخطأ الشائع؛ وهو أن الفتاة ~~إذا هي أحبت الدرس والعلم، وإذا هي برعت في معرفة أو فن، رغبت عن أشغال المرأة وترجلت. ~~وأنا أقول - وإني لأعلم ماذا أقول - إن هذا إلا مذهب طائش غبين. إني أعرف فتيات ونساء ~~ينهضن من المسرات الأدبية والفنية، بل ومن أعمق وأعوص النظريات الفلسفية، إلى أشغال ~~الإبرة والتفصيل، بل إلى ما دونها من رفو ورتق، وتدبير المنزل ومزاولة الطبخ. فيجدن في ~~كل ذلك راحة وسلوى. ويدخلن في تلك الأعمال الوضيعة شيئا من التفنن محولات ما فيها من ~~خشونة إلى ضرب من الكياسة. # كذلك رأي طائش وغبين ذاك القائل إن الاطلاع والعلم «يرجلها ...» إنها ms24 لتتضاعف بالعلم ~~أنثويتها. ومن السخافة أن ينعى على المرأة المتعلمة التأنق والزينة واللطف. حتى أن صورة ~~المرأة «المتعلمة» لتكاد تستحضر لمخيلة الناس عجوزا دميمة متصلبة شرسة. ولماذا؟ أترى ~~الرغبة في تنوير الأذهان والتوق إلى حياة داخلية سامية، يعني الزهد في الدنيا، ~~والانقطاع عن العالم، والانفراد للدرس والتحبير شأن الرهبان في الأديار؟! # ثم أليس من الغريب أن الرجل إذا هو برز في الشعر أو الفن أو الفلسفة، تأنث بعض ~~الشيء، # 9 # بمعنى أنه يدق فكره وتصقل عواطفه؟ فكيف تتحور العوامل التي يتأنث بها الرجل ~~فتكون عند المرأة مدعاة للترجل؟ # لا أنكر وجود المترجلات بين المتعلمات؛ والسبب أنهن بطبيعتهن كذلك. وقد تجد المترجلات ~~بين الجاهلات الغبيات، كما تجد بينهن من لا يعنيها أمر بيتها ولا إلمام لها بتطريز أو ~~بتفصيل أو بتنظيم. شغلها الشاغل الزينة والثرثرة والانتقال من زيارة إلى زيارة. وقد ~~تكون كذلك دون ترجل، وبالعكس. فإن لم تهتم عائشة بأشغال الإبرة فإنها على غير استعداد ~~طبيعي لها. ولو لم تحب الكتب والكتابة لما زاولت تلك الأشغال، ولو زاولتها ما أتقنتها. ~~وذلك لم يقلل من عذوبة أنثويتها الخالصة. # وعلى كل فلنغبطها على الوصول إلى غايتها، ولنصغ إليها تخبرنا باختصار كيف أنها منذ ~~السابعة من عمرها إلى الثالثة عشرة صار دأبها التزام الانزواء، «منكبة على دروسي أجتهد ~~فيها فوق ما كان ينتظر أبي مني. غير أن أبي لم يكن يأذن لي بالخروج إلى مجالس الرجال، ~~وتولى بنفسه تعليمي كتب البلاغة الفارسية مثل شاهنامة الفردوسي والمثنوي الشريف، ~~واختصني من ساعتين من وقته في كل ليلة أقرأ فيهما عليه ...» # 10 # هذا الأب الذي يعرف أن يكون أستاذا وصديقا معا جدير بكل شكر وثناء. ~~••• # أنت الشاعر، أنت الأديب، أنت الفنان، أليس أنك تذكر من أعوامك الأولى ظرفا خاصا، أو ~~مشهدا جميلا، أو كلمة محمسة، أو وجها محبوبا أهاج بلابلك، ولفتك إلى نفسك، وكأنه ~~وسع فيك أفق نور وفتح في جنانك بركان نار؟ أليس أن لك ساعة تفتق فيها من نبوغك البرعم ~~الأول؟ # ولعائشة مثل تلك ms25 الساعة! ما هو الباعث فيها على الشعر؟ هو الوجه الذي تسفر له المرأة ~~المحجوبة؛ وجه الطبيعة. حنت الطبيعة ذات ليلة على الشاعرة الصغيرة فتولدت في نفسها ~~الفتية خوالج جديدة، ورأت البدر منيرا والليل جميلا، وكأن لصفحة السماء روحا تحس ~~وتناجي. دعها تلقي علينا حديث وحيها: # في خلال هذه المدة كنت أنظر في دواوين الشعراء ، وأعالج النظم بالأوزان ~~السهلة. وفي إحدى الليالي جاءتني مربيتي بباقة ورد وضعتها في مشربيتي. وكانت ~~الليلة ليلة البدر. ففيما أنا أمتع ناظري بذلك المنظر دعتني أمي إليها. فجعلت ~~باقة الورد في أمانة البدر. ثم عدت من عند أمي فوجدتها مبددة فأحزنني ذلك ~~كثيرا ... ووضعت ناصيتي في كفي، وأخذت أفكر فجادت قريحتي ببيتين من الشعر ~~الفارسي ... # 11 # ألا يحلو لك تيقظ العاطفة على هذا النمط؟ أتبصر معي تلك الطاقة النضرة في نور القمر، ~~والبنية تستعطف البدر لأجل ما تحب؟ ثم تعود فترى البدر غافلا، وطاقة الورد مبددة، ~~وتوسلها وأملها هباء ... # رمز يا عائشة، رمز إلى ما في الحياة الممتدة أمامك! فلا ما هو موضوع الإعجاب والرجاء ~~ليستجيب، ولا ما هي نضرة الأزهار لتبقى. وإنما الإنسان هو الذي يثق ويبتهل ويخيب ويحزن. ~~فيؤدي به ذلك إلى تجربة مرة، أو عاطفة جريحة، أو اختبار قاس! # ذاك وحيها الأول، وهو منظر ما زال غني الوحي لقرائح الشعراء، ومخيلات العاشقين، بل ~~لجميع القلوب الحساسة. ولكن لنصغي إلى بقية الحديث. # وعندئذ دخل علي أبي فرأى ما بي من الحزن وسألني عن حالي، فأنشدته الشعر ~~وأنا في خجل وحذر. وإنما كنت كذلك لأن أبي كان كلما رأى في يدي ديوان شعر يقول ~~لي: «إنك إذا أكثرت من مطالعة الشعر الغزلي فسيكون ذلك سبب زوال كل دروسك من ~~ذاكرتك ...» # أما الآن فإنه لما سمع شعري أعاد كلامه الأول وزاد عليه قوله: «إن الشعر إذا ~~لم يكن باللغات الثلاث - العربية، والفارسية، والتركية - لا تكون له حلاوة ...» ثم ~~قال لي: «إذا أتممت الكتب التي بدأت بها سآتيك بمعلمة تعلمك العروض. وإني أتوسم ~~فيك السرعة في تعلمه ms26 ما دامت عندك هذه الرغبة ...» فأجبته بأني قد حصلت على قليل ~~من معرفة النظم باللغات الثلاث. فطلب مني أن أنظم قطعة من الشعر. فقبلت ذيله ~~وانزويت في غرفتي. ففتحت كتاب المثنوي الشريف مستمدة من روحانية ناظمه. وبدأت ~~أنظم على وزن شعر الرباعيات الذي مطلعه: عزم ديدار تودار دجان ما. # 12 # نظمت هذا الشعر باللغات الثلاث الفارسية والعربية والتركية، وأنشدته والدها. فضمها ~~إليه وقال: # إن ما فيه من غلطات اللغة وسقطات القافية ستدركينه بنفسك فيما بعد. وإذا ~~بقينا أحياء إلى العام القادم فإنني سأدع الكتب التي أقرئك إياها وأجعلك تبدئين ~~بقراءة متن «الكافية». «ولكن لم يحل العام القادم بعد طول الانتظار حتى تقيدت ~~بقيد الزواج.» # 13 # بهذه الكلمات القليلة ذات الروح الجديدة في قدمها، تخبرنا عن نفسها إلى حادث الزواج ~~الذي لا تذكره إلا بكلمة واحدة. ومن ثم تنتقل في تلك المقدمة إلى الكلام عن ذاتها بعد ~~مرور عشر سنوات على زواجها. أما أنا، فعند هذه الكلمة الوحيدة التي تغير حياة الفتاة ~~بكليتها، أقف طويلا وأتأمل. وكم كنت أود استطلاع ما شعرت به عندما أبلغت أنه تم اختيار ~~ذاك الذي سيكون زوجها. أي عواطف جاشت في نفس تلك الشاعرة الصغيرة؟ أي حنان وخوف؟ أي ~~صبابة وإجفال تناوبت على قلب ناظمة القصيدة التي روت لنا الآن حكايتها مع أبيها، فجعلت ~~هذه الأبيات العربية بين الأبيات الأخرى من تركية وفارسية: # يا شهي الذات يا حلو اللما # ضاع عمري في عسى ولعلما # إن عددت النوح مني طالما # قد جرى دمعي بخدي عندما ~~••• # إن سقى دمعي الثرى لست الملوم # مذ سقاني العبد مقدور الظلوم # ذقت حبا والهوى نار السموم # قاطف زفراتي، بخلاق السما ~~••• # مت حرصا فيك أن قربتني # ودنا أجلي إذا أبعدتني # إن حرمت الأنس أو آنستني # فعلى كل جوابي أينما # هذا ما قالته وهي في الثالثة عشرة قبل أن تطلق لعواطفها العنان وقبل أن «يرخص لها ~~رسميا» أن تتخذ لنشيدها موضوعا حيا. فأي الأناشيد تغرد الآن في القلب الصغير إذ ترقب ~~«وجهه» من وراء ms27 النافذة وهو داخل؟ وإذ ينقلون إليها أخباره؟ وأن تتصوره فيه اليوم وهو ~~بعيد؟ وإذ تفكر في الغد حين تكون معه؟ ليتها دونت لنا يومياتها في ذلك العهد؛ إذن ~~لتمتعنا بتأثرات بريئة شهية! ~~... ولكن لقد أغفلت الكتب وأسلمت الكراريس للغبار والسكون، ولهت التلميذة المجتهدة ~~بتهيئة الأثواب الجميلة الزاهية والحلى المتألقة الغالية. والأيام تحدو الأيام سراعا ~~في إتمام معدات العرس. ولقد أقبل أخيرا اليوم العظيم يوم تنفتح السماء فوق المرأة ~~مرسلة إليها قضاء السعادة أو قضاء الشقاء. # وها هي ذي بطلتنا الآن ليست شاعرة بل هي عروس شعر في بهجة أعوامها الأربعة عشر، تنجلي ~~على عرش الصبا والرواء والحب. الأمل يزهو على شفتيها، والتأثر يلهب خديها، والرغد يبسم ~~في نظراتها، ويخافون عليها عين السوء في مهرجان الفرح فيذرون فوقها وحواليها حفنات ~~الملح، كما تذر في القاعة حفنات النقود للبائسين. # ها هي ذي تسير في موكب العرس إلى بيت عريسها يتقدمها ثلة من البوليس، وأخرى من ~~الفرسان، وحملة الشموع والأزهار، والموسيقى الوطنية الشجية بألحان الناي ونقر الطبول. ~~تتبعها مركبتها المجللة بنفيس الأقمشة ووراءها خط طويل من مركبات المدعوات. ها هو ذا ~~بيت الفرح تخفق حوله الأعلام المصرية الحمراء، وتلمع بينها عديد المصابيح الملونة ... ها ~~هم وصلوا، ووقفت مركبتها ... وقد جاء الخاطب يستقبل عروسه ويقودها بيده إلى مخدعها وسط ~~جلبة المدعوات، وتراكض الخدم والآغاوات، والأصوات والزغاريد الممزقة الهواء. # وبينما هي تبدل أثوابها وتخرج إلى قاعة الفرح لتحضر دورا آخر من الرقص والغناء يذهب ~~الزوج الفتى «بزفة» إلى الجامع بين أصحابه، لتأدية فريضة الصلاة. ولكن ها هو قد عاد، ~~وجاء يقابل عائشة التي تنزل عن درجات عرشها (كوشا) وتقف مرتعشة مسدولة الخمار، في ~~انتظار إتمام الطقس المألوف ... الفتى يجثو للصلاة. ثم ينهض ويدنو من الفتاة فيرفع الحجاب ~~وينظر في وجهها للمرة الأولى، ويشبك على صدرها حلية ثمينة فتقبل يده شاكرة ويرد هو على ~~هذه القبلة، بقبلة على جبهتها. ويلقي بحفنة من النقود إلى من بقي حولها من النسوة ~~فيختفين. ويصعد العروسان إلى (الكوشا) فيجلسان في ms28 بهجة الفرح وسرور الأهل والأصدقاء. ~~وبعد هذه الليلة تستهل حياة جديدة. # وهنا نترك الشاعرة وشأنها تحيا قصيدة ليست هي نظما ولا نثرا. # بعد الزواج # تزوجت عائشة فانتقلت بالزواج إلى عالم جديد له ما يرافقه من حرية ومسئولية، وما ~~يخالطه من مسرات وغموم، ولقد كان يشوقنا أن نقف على وقع هذا الظرف الخطير في نفسها، وأن ~~نستشف اللون الذي بدت لها الحياة به بعد أن اختلفت في بعض جوهرها عن حياتها في بيت ~~أبيها. # ترى أكان لها من هذا الانتقال مستطاب الأثر أم مستنكف الخبر؟ أكانت به محظوظة أم ~~مغبونة؟ # حسن أن نعلم، بفضل «الدر المنثور» أنها «هنالك اقتصرت عن المطالعة وإنشاد الأشعار ~~والتفتت إلى تدبير المنزل وما يلزم له خصوصا حينما رزقت بالأولاد والبنات.» ولكنا ~~مضينا على تخمين ذلك وإن لم نخبر به؛ لأنه أمر طبيعي. أمر طبيعي كذلك أن يسوقها كسواها ~~عباب الحياة اليومية متشابها للجميع بمادته، وإن تغاير حتما لكل امرئ بتغاير مزاجه ~~وبتفاعل هذا المزاج والأحوال التي تعالجه ويعالجها. أما ما ولده هذا الانتقال في ~~الشاعرة من خوالج، أما نسيج شعورها في تلك الأعوام السحيقة فذاك ما يظل مغلقا علينا ~~لولا لمحات نسترقها فيما كتبت، ولولا القليل الذي ترضى أن تلقي به إلينا، فتقول: # وبعد انقضاء عشر سنوات كانت الثمرة الأولى من ثمرات فؤادي، وهي توحيدة نفحة ~~نفسي وروح أنسي، قد بلغت التاسعة من عمرها، فكنت أتمتع برؤيتها تقضي يومها من ~~الصباح إلى الظهر بين المحابر والأقلام، وتشتغل بقية يومها إلى المساء بإبرتها ~~فتنسج بها بدائع الصنائع فأدعو لها بالتوفيق شاعرة بحزني على ما فرط مني يوم ~~كنت في سنها من النفرة في مثل هذا العمل، ولما بلغت ابنتي الثانية عشرة من عمرها ~~عمدت إلى خدمة أمها وأبيها فضلا عن مباشرتها إدارة المنزل ومن فيه من الخدم ~~والأتباع. فتسنى لي أن أنصرف إلى زوايا الراحة. # 14 # إذا نظرنا إلى توحيدة بعيني أمها وجب أن نسلم بأنها فتاة غير عادية. وسيكون لها من ~~محبة والدتها نصيب فوق نصيب ms29 كل من إخوتها وأخواتها، وبسبب توحيدة هذه ستبكي عائشة ~~كثيرا، كثيرا. ~~••• # كانت قبل الزواج قد تلقت عن مؤنس أفندي القرآن الشريف والفقه والخط، ودرست على ~~الأستاذ خليل رجائي علم الصرف واللغة الفارسية التي سبق فعلمنا أن والدها تولى متابعة ~~تلقينها إياها قبيل زفافها، مكرسا لابنته كل يوم ساعتين من وقته. ثم تلت أعوام جاءت في ~~مطلعها توحيدة التي شبت فطنة الذهن، يقظة الفؤاد، فحملت على منكبيها الفتيين تبعة ~~الإدارة المنزلية والتنظيم. فانقلب بشاغل عائشة ذلك الشوق القديم، وعاد إليها بقوة الحب ~~الذي ساير عمرها في الحزن والفرح - حب الدرس والمطالعة: ~~«حينئذ خطر لي أن أستأنف ما فاتني في صغري من تعلم فن العروض فجئت بمعلمة» ... ~~«ولكن لم يمض على الشروع في الدرس ستة أشهر حتى انتقلت المعلمة إلى رحمة ربها. ~~وكانت بنتي تلازم دروسنا في تلك المدة فاستطاعت - بسبب حداثة سنها وتوقد ذهنها ~~- أن تلم بفن العروض أكثر من إلمامي به.» # 15 # توحيدة مرة أخرى! ترى لماذا تشغف الشاعرة بذكرها، والإشادة باسمها، وإظهار محاسنها، ~~ألما تنطوي عليه من توقد وذكاء؟ ألأنها جاءت العالم وعائشة حديثة السن فكانت الأم ~~لابنتها - فيما كانته - أختا كبيرة، وكانت البنت لوالدتها أختا صغيرة؟ ألأنها رفعت ~~عنها عبء التدبير المنزلي وكانت، في الوقت نفسه، أقرب أولادها إلى تفهم ذوقها وميولها؟ ~~أم لاجتماع هذه الميزات في توحيدة بعد كونها البكر وهي تلك الميزة الأولى التي ذاقت ~~الشاعرة بها لذة الأمومة للمرة الأولى؟ # يتعلق بعض الأهل - لا سيما الأمهات - كل التعلق بأبكارهم. ولئن أردف قوم من المدعوين ~~بعلماء النفس الذين لا تطمئن منهم الخواطر إلا إذا أوجدوا لكل سيل جبلا يصدمه - أن هذا ~~التعلق يخف بعد أعوام محدودة يوم يفتح الولد على الشئون عينا ترقب وتبرز من شخصيته ~~الخصائص المستقلة. وأن جماعة من الأمهات يداخل حبهن عندئذ بعض الكره والنكد؛ لأنهن يرين ~~في بناتهن المنافسات والمسابقات. هذا إذا كانت الأم من دعيات التأنق وعاشقات اللألاء ~~الاجتماعي في الأندية والحفلات. # لئن قال بعض السادة العلماء ذلك فإن قولهم ينطبق ms30 على فئة وتتملص منه أخرى. تتملص منه ~~وتحلق فوقه في جو المحبة والرحمة والدراية تلك الفئة الصالحة من الرجال والنساء ~~المولودين، ليكونوا آباء وأمهات؛ لأننا هنا أيضا نجد المختارين الصميمين، وعلى مقربة ~~منهم يدب الدخلاء ويتحرش المتطفلون. والحالة الوالدية - كأية حالة طبيعية أو اجتماعية ~~سواها - إن هي كيفت الأفراد فهي لا تكيف منهم سوى فطرتهم بجبلتها ورغباتها وميولها. ~~لذلك لا تبدو بأسنى مظاهرها وأبقاها إلا في الشخصيات المهيأة لها. ~~••• # وعائشة مهيأة لذلك على ما نرى من ولعها بتوحيدة - توحيدة الآلة القادرة التي تتحول ~~بواسطتها رواكد العاطفة الوالدية عند الشاعرة تيارا دافقا. فهي تحب منها المواهب ~~والحسنات وتخلف للعيوب الهزيلة تفسيرا لا يهتدي إليه ويترجمه بهذا اللطف، إلا من ~~استنار بنور الجنان. # هاك مثلا لذلك: # الفتاة التي كانت تقوم بإدارة المنزل ورقابة وضيع أعماله الداخلية كانت، على ~~ما يلوح، لا تقصر دون إتقان أعمال أخرى تقتضي بعض اللباقة، كاستقبال الزائرات ~~والاحتفاء بهن. # فجاءت يوما بعض السيدات (ويظهر أن الغرض من زيارتهن أن يخطبنها، وهي تجهل ~~ذلك) فخفت توحيدة ترحب بهن ريثما تأتي والدتها، وقالت ملاطفة بموجب الطقس ~~المألوف «أوحشتونا». إلا أنها كان بلسانها لثغة خفيفة قضت بأن تجيء أوحشتونا ~~«أوحستونا!» وهنا دخلت السيدة عائشة فسمعت الكلمة التي حرفها العيب اللفظي، ~~فمضت تشرح ذلك العيب على هذه الصورة: # قال العواذل مذ قالت مؤانسة ~~«أوحستنا» أنها تجفو وذاك غلط # لم يبدل الشين سينا لفظها غلطا # بل لم يسع ثغرها الزاهي ثلاث نقط # 16 # ومرت على الشاعرة فترة - تقول زينب فواز - فقدت خلالها والدها (سنة 1882) ثم زوجها ~~بعد ثلاثة أعوام، «وصارت حاكمة نفسها، فأحضرت لها اثنتين لهما إلمام بالنحو والعروض ~~إحداهما تدعى فاطمة الأزهرية، والثانية ستيتة الطبلاوية، وصارت تأخذ عليهما النحو والعروض ~~حتى برعت وأتقنت بحوره وأحسنت الشعر وصارت تنشد القصائد المطولة والأزجال المتنوعة ~~...» # 17 # يجوز الاعتراض هنا بأن عائشة نظمت كثيرا قبل تعلم النحو والعروض على هاتين السيدتين. ~~فقد طالعنا في ديوانها مثلا قصائد الترحيب بميلاد أخيها، وتأبين والدها، وغير ذلك، ~~وجميعه وقع ms31 قبل أن «تبرع في الشعر وتتقن بحوره»، ومن هنا نستنتج أن استفادتها من قليل ~~الدروس السابقة كانت غير هزيلة. # ولكن، أليس أن ضوابط النظم تتعلق بالموسيقى السمعية أكثر منها بالقواعد المدونة؟ ~~والواقع أن هذه القواعد لم تكن إلا تقريرا محسوسا لتلك المطالب الدقيقة التي تجهر بها ~~حاسة السمع، فتلبيها أفراد الطائفة الواحدة كل من جانبه على غير تعاهد من الآخرين. حتى ~~إذا أجمع كثيرون على أمر واحد عرفوا أنه حاجة أولية فعرفوه بيانا، ودونوه قاعدة، ترجع ~~إلى حكمها الأجيال من هذه الطائفة. لا لأنها «حكم»، بل لأن هذا الحكم يترجم عن الحاجة ~~النفسية التي نشدتها حواس الشعراء في الماضي وستنشدها على الدوام. لذلك نرى أن شعراء ~~جميع البلدان في جميع العصور أوجدوا في مختلف اللغات - غير متحالفين فيما بينهم وجاهلين ~~بعضهم بعضا - بحورا للشعر وأوزانا وضوابط موسيقية ذات وقع لفظي في النفس (حتى لمن لا ~~يفهم اللغة)، بينما المعنى الشعري يحبو النفس بوقعه الخاص. وعوارض المغالاة والإغراق ~~والتمسك بصيغة النظم دون المبالاة بالجوهر، طوارئ تداهم اللغات تبعا لحالات الأقوام ~~ووفقا لنواميس الاجتماع، إلا أنها لا تنقص من الشعر دعامته الموسيقية المؤثرة. # كذلك قد يعترض بعض أهل الذوق اعتراضا خافتا على أن معلمة العروض تدعى ... الطبلاوية، ~~قائلين إنه على التي تعلم الأوزان الشعرية أن تنتحل لها اسما يتفق مع عملها ويوحيه ~~للسامع. ولكن، أليس للطبل من موسيقى؟ وإن لم يكن للطبل شدو اللحن والنغم، أليس أن له ~~موسيقى الفصل والوقع والتعريف؟ والسيدة الطبلاوية لم تكن تلقن الشعر، وهو ليس بما ~~يتلقن، بل تعلم كيفية التمييز بين اتزانه وانكساره. فاسمها بهذا متضمن لعلمها وعملها. # وسواء رضي أهل الذوق لهذا الشرح أم لم يرضوا فليذكروا أنه أمر فائق أن يوجد بين ~~السيدات الشرقيات من يستطعن في ذلك العهد المظلم للنساء أن يدرسن هذه الدروس، في حين أن ~~من يستطعنه اليوم نادرات بيننا وقليلات عند الشعوب الأخرى. أذكر أن كاتبا فرنسويا ~~كبيرا (أظن ألفرد كابس # Alfred Capus ~~) ندد قبيل الحرب ~~الأولى في مجلة «فمينا» ms32 بالسيدات الفرنساويات؛ لأنهن، بعد إحصاء فئة من المتعلمات بينهن، ~~ظهر أن العارفات بقواعد النظم وأصول البحور الشعرية، يكدن لا يبلغن الخمس في المائة. ~~فما أعظم فضل تينك السيدتين الأزهرية والأخرى، ولو كانت الطبلاوية، بما كانتا تعرفان، ~~وبأنهما أضافتا إلى مصباح عائشة زيتا يعين على تغذية نوره! # بيد أن تمتع الشاعرة بالابنة المحبوبة لن يطول. قدر على توحيدة أن تموت باكرا في ~~ربيع الصبا . علة مجهولة ترقبها وتنفث في جسدها وهي تكتم أمرها رفقا بالتي تحبها. وها ~~هي تسرد لنا طرفا من حديثها المحزن: # قبل أن تنطرح على فراش المرض فاجأتها في أحد الأوقات وهي في رداء نومها وبين ~~أناملها قلم تكتب به القطعة العربية الآتية: # اسمع مقالي يا أريب # وقصتي شرح مريب # قد كنت في دوح الصبى # أهتز كالغصن الرطيب # أصبحت حالي عبرة # يبكي على مثلي الغريب # كلا، ولا لي منهل # أروى به إلا النحيب # فالدمع مني ساجم # والرمس أضحى لي قريب # يا رب عجل رحلتي # واغفر ذنوبي بالحبيب # فلما رأتني مقبلة عليها دست رقعة الشعر تحت وسادتها بسرعة، ولكني بادرت في ~~الحال لاستخراجها، فاختطفتها مني، ثم خاطبتني قائلة: «لا تعبئي يا أمي المشفقة ~~بمثل هذه الثرثرة.» ثم قالت لجاريتها: «خذي هذه الورقة فاحرقيها.» فلحقت ~~بالجارية وأخذت الورقة منها وألححت عليها بالسؤال فأجابتني: «إن سيدتي تتناول ~~الطعام معك إذعانا لرأفة أمومتك، ولكن الطعام لا يبقى بعد ذلك لحظة في جوفها ~~وهي تذهب كل ليلة إلى سرير نومها تطمينا لقلبك غير أنها لا يغمض لها ~~جفن» ... # 18 # إن نحن وجدنا هنا دليلا جديدا على لطافة توحيدة وحرصها على راحة والدتها، فلا يسعنا ~~إلا التعجب كيف أن الأم الشديدة الحب لم تلمح على وجه ابنتها أمارات المرض. نتعجب - ~~لولا الاستدراك بأن التي ترى أن ثغر توحيدة الزاهي لا يسع ثلاث نقط فيقلب الشين سينا ~~قد تعثر بسرعة على عذر شعري يكتفي به قلبها لكل تغير وكل شحوب. # أما وقد ثبت أن الفتاة مريضة حتى لترثي نفسها، فهاتوا الأطباء، وهاتوا العلاجات، ~~وبالغوا في ms33 الاعتناء والمداراة! إلا أن المقدور نافذ لا محالة. والمريضة تعلن ذلك وتلقي ~~على والدتها كلمات التعزية والتشجيع. إنها أقبلت على عالم السر والرهبة فاستمدت منه ~~الحكمة التي تهبط على كل من حاذاه. واستلهمت الغيب إرشادا للمتخلفين فقامت، وهي ~~الصغيرة وهم الكبار، تعظهم بسطوة الراحل وحقه على النصح والتوديع الهادئ: # عبثا تدفعك الشفقة يا أماه إلى معالجة أمراضي؛ فإنه قد آن الأوان. ولا مناص ~~من تلبية نداء المنادي «كل من عليها فان»، وإني أضرع إلى الله أن يلهمك صبر أيوب ~~وأن يمنحني نعمة رضاك فيكون ذلك سبب الرحمة والتجاوز عن سيئاتي وأن يصون شقيقتي ~~وإخوتي. # ثم ضمتني إلى صدرها فاعتنقنا. وبتنا ليلتنا إلى الصباح في بكاء وانتحاب ~~ونواح. # 19 # قضت توحيدة، فأقامت لها الأم مناحة دامت سبعة أعوام متوالية، فأضعف البكاء نظرها ~~وأصابها الرمد. «وهنالك كثرت لواحيها وعواذلها من أولادها وصويحباتها.» «وأخيرا سمعت ~~قول الناصحين وقللت شيئا فشيئا من البكاء والنوح حتى شفاها الله من مرض ~~العيون.» # 20 # وهذا خبر ذلك الشفاء من قلمها: # أصبح جسمي الضعيف كأنه فاقد الحياة لكثرة أتعابي وأوصابي. ثم أنعم الله علي ~~بالشفاء وأشرقت ظلمات كآبتي بنور وجود ابني محمود، فكان فرحة بيت ~~الحزن. # 21 # يخيل أن هذا الفتى محمود شب على شيء من ميول توحيدة، وكأنه قد صمم على أن يقوم ببعض ~~ما كانت تقوم به أخته الكبرى ليفوز بتعزية والدته ويربح محبتها الخاصة. ويظهر أنه نجح؛ ~~لأنه هو «فرحة بيت الحزن» الذي شرع ينصح ويؤاسي ويذكر الأم الحزينة بالآية الكريمة: # وبشر الصابرين * الذين إذا ~~أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ~~. ~~وهو الذي طلب أشعارها العربية ليجمعها، وأشعارها التركية ليطبعها فتكون «أثرا من آثار ~~براعتك وفصاحتك.» # 22 # فقالت: # في استطاعتي أن أنظم الآن شيئا من الشعر شكرا لله، تعالى، على ما وهبني من ~~النعم، أما أشعاري الماضية فكنت قد أحرقتها كلها، ولا أظن أن في مكتبتي إلا ~~الشيء اليسير منها بالعربية والتركية. وأما أشعاري الفارسية فإنها لما كانت في ~~محفظة فقيدتي فقد أحرقتها ms34 بمحفظتها كما احترق كبدي. ~~«إن أمك يا بني لم تبق عندها الآن رغبة في قراءة شيء من كتب الأدب»، «وسأنصرف ~~إلى الانكباب على تفسير القرآن ومطالعة الحديث النبوي وإني وهبتك ما عندي من ~~الكتب والأوراق فاصنع بها ما شئت»، وإذا «رأيت فيها جدارة بالطبع ~~فاطبعها.» # 23 # وكان ميل محمود شديدا - وكل ابن لأم ذكية يدرك ذلك - إلى إظهار فضل والدته بصورة ~~عامة. فنشر الكتب وكان له بذلك علينا حق الامتنان. ~~••• # في عنوان هذا الفصل، «بعد الزواج» شبه وعد بشرح أحوال غير معروفة وتبيين دقائق غامضة. ~~وها أنا لم آت إلا ببعض الخطوط الكبرى التي استطعت تناولها. بيد أن الشرح لا ينتهي ~~بانتهاء هذه الصحيفة. وعندما ننظر في شعر عائشة ونثرها وآرائها نظل مماشين تسلسل الأيام ~~والأعوام في حياتها؛ لأن كل ما لدينا منه دونته إلا القليل بعد الزواج. # يخيل أن آجال الأفراد عموما تخضع لمقدرين أكبرين اثنين؛ أحدهما مداومة السير ~~واستمرار التتابع ضمن حدود طبيعية وفي دائرة قوانين محتومة. والمقدر الآخر هو أن يعمل ~~المرء طول حياته، مع بعض التغير في أنواع العمل بمقتضى الأطوار المختلفة، باختيار ~~مسير - إن صح الجمع بين هذين النقيضين. وكأن العمل ينجز هو الآخر ضمن حدود ضربت له وفي ~~دائرة قوانين لا يحرقها إلا مستهترا مفسدا على نفسه إمكان المعيشة. # جداول جداول تجري أعمار الأفراد نحو ما وراء الموت مما لا يحد ولا يدرك. جداول يسيطر ~~عليها ذانك المقدران الشاملان في المرض والعافية، في الفرح والترح، في الأمل والقنوط، ~~في الرغبة والاشتياق، في المحبة والكراهة. والأصوات المختلفة المتصاعدة بتأثير هذه ~~العوامل تكون شدو الجداول البشرية - ذلك الشدو المطرب المشجي. وهذا الجدول من عمر عائشة ~~هو الذي سنسمعه شاديا فيما يلي بإبهام كل خرير، ولذة كل قديم، وتبشير كل رائد ~~... # الفصل الرابع # | بيئة الشاعرة # بيئتها الاجتماعية # ترى هل الحاضر إلا خلاصة ما أتمته الحياة واستهلكته من المطالب والجهود؟ وما هي ~~البيئة إن لم تكن تلك «الخلاصة» منظمة بيد الإنسان وبمشورته أو منتظمة بحكم الأحوال ~~والاسترسال؟ وهل ms35 اليوم إلا الماضي لغد، وهل يكون الغد إلا ماضيا لبعد غد؟ # إن كل صباح وكل مساء يأتيان بمجهودهما وخبرتهما ليضيفاهما إلى ذخيرة الماضي الفسيح، ~~وكل خيط من خيوط الزمان ينسج نسيجه في رحاب ما يمر ويتجمع ويبقى. وعندما ننتقل من بيئة ~~إلى بيئة، ومن مكان إلى مكان، ومن آن إلى آن، لن نجد أمامنا إلا صورا مختلفة من صور ~~الماضي الحي في كل حاضر وفي كل مستقبل. # فإذا ما ولد الطفل تلقته دائرة من دوائر الماضي التي تدعى «البيئة»، فوجد فيها بداهة ~~ما يقوم بحاجته؛ لأنه هو كذلك صورة أخرى من تجمع الماضي، فلا غرو أن يقوم كل نوع بنوعه ~~ولا غرو أن تحتشد أسرار الحياة وتوجز في البيئة التي هي صورة مصغرة من العالم. ولا غرو ~~أن تكون ممثلة المعالم وللحياة في إغداق نعمها ومواهبها بلا سبب على بعض أسراها، وتكون ~~لآخرين أقسى مثال للجور والتعسف والحرمان. # وليست البيئة من خصائص الإنسان، بل للجماد، والحيوان والنبات بيئتها الموافقة لنموها، ~~الملائمة لطبيعتها. إلا أن الإنسان قد يكون في بيئته الحسية يقوم بكل فرائض مرتبته ~~الاجتماعية ومطالبها ويعد فيها من السعداء أو من البؤساء، ويظل في داخله شاعرا بشعور ~~غير هذا الذي يحسبه الناس عليه، ويرتبونه بموجبه. قد يكون جائعا وهو يقيم الولائم، ~~سائرا في القفار وهو يتخطر في الحدائق، مستعطيا متسول الفكر والعاطفة وهو كثير الفضل ~~والمنح. وعلى نقيض ذلك قد يشعر بأجنحة الحرية تصطفق في نفسه وهو مكبل بالقيود والأصفاد. ~~وقد يلمس مكمن مقدرته وهو في أدنى دركات العجز. وقد يتضح في وجدانه أعلى نهج للمعرفة ~~والحكمة وهو أمي جاهل لا يدري، بموجب تعريف البشر، الفرق بين اللغة والفن ولا ماذا يميز ~~بين الموسيقى والكيمياء. # البيئة الاجتماعية هي دائرة الإنسان الاجتماعي. إلا أنها لا يأبه لها الإنسان الخفي ~~في الإنسان، الذي كثيرا ما يحتاج إلى بيئة غير هذه، ويختار أقاربه وعشراءه وأحبابه ~~مختلفين تمام الاختلاف عن الذين تجعلهم البيئة والحياة أقاربه وعشراءه وأحبابه. وفي هذه ~~البيئة المعنوية صورة أخرى ms36 من الماضي الباقي. ولكم أنمت الحياة نفسها بحصر هذه ~~المتناقضات في شخص واحد! ولكم خلق الماضي لنفسه مستقبلا جميلا من لهف الحرمان، وزفرات ~~الأسى، وتجمد الدماء التي لا تسيل! ~~••• # وعائشة ابنة ذلك السري الوجيه والموظف الكبير الذي، بعد تقلب المناصب أيام عباس الأول ~~وسعيد وإسماعيل، انتهى بأن يكون رئيسا للديوان الخديوي؛ عائشة لم تفارق مرتبتها ~~الاجتماعية بزواجها من محمد بك توفيق نجل محمد بك الاستامبولي الذي كان حاكما في ~~السودان. ظلت في تلك المرتبة تتمتع بما هيأت لها بيئتها من رغد حسي، وتعاشر مثيلاتها ~~نساء العظماء والكبراء. ولقد ذكرت عرضا في أواخر كتابها «نتائج الأحوال» شيئا عن ~~اختلاطها بالبلاط، وذلك لشرح كلمة «واي واي أي غوث وأنا أي شيذرتوانا» التي تقولها ~~الأعاجم حينما ترمى بهول فجأة قالت: ~~... كانت تدعوني ربة المعالي وكنز اللآلئ والدة صاحب السمو إسماعيل باشا ~~الخديوي السابق، تغمدها الله برحمته ومنحها فسيح جناته، بالقصر العالي للترجمة ~~عند حضور أقارب ملوك العجم. فكنت أسمع هاته اللفظة من أفواههن. وهي كلمة تقال ~~عند مفاجأتهن بشيء ما. وكنت أقيم معهن على قدر إقامتهن وأتسامر معهن وأستفسر عن ~~عوائدهن وأخلاقهن. # في هذه الأوساط تجد ما ألفته من كياسة وتهيب، وما أحسنته من آداب المحادثة والمجاملة ~~واللطف. على أن أولئك السيدات لا يعنين بغير الشئون المعتادة في العائلة والاجتماع وما ~~أفعمت به من مسرات وأحزان. أما عائشة فشأنها شأن العاشق الذي تبدو له جميع محافل الأنس ~~والطرب مقفرة لتغيب الحبيب عنها. # في تلك المرتبة الرفيعة فخامة الصروح، وضخامة الألقاب، وأبهة المظاهر، ولكنها فيها ~~يعوزها القوت، ويعوزها السرور، وتعوزها الحرية. إنها تتوق إلى الاختلاط بالذين يعرفون ~~ما تعرف، ويفكرون بما تفكر، ويحبون ما تحب. في الخارج حركة التطور تجري مجراها الطبيعي، ~~وإن وثبت حينا، وتريثت حينا. وفي الأفكار غليان، وفي الحماسة فتوة، وفي القلوب أشواق. ~~ولا تخلو المدينة من دوائر علمية يتحاضر فيها أهل الفضل على طريقة العصر، ويتناقش فيها ~~الأدباء كأنهم في وفاقهم وفي اختلافهم أعضاء الأسرة الواحدة. ولكن عائشة المعنوية إن ms37 هي ~~تجاوزت نساء عصرها بالمعرفة والفهم، وسبقتهن باقتحام عواطفها وتقدم مطالبها، فإن عائشة ~~الاجتماعية تظل مخدرة محجوبة. # صدمتها الحياة للمرة الأولى في النضال مع والدتها بين الكتاب والإبرة. فأيدها الوالد ~~الحصيف وسيرها إلى ما تريد وجرت خطوات في فرجة الأعوام فإذا بصدمة أشد وأصلب، صدمة ~~العادة والتقليد. هذه لن يحميها منها الوالد القادر ولن تخرج عليها نفسها القلقة. ~~أخبرني كيف تثور على جماعتها امرأة هي ابنة رجل معروف وأم أولاد محبوبين، وليس بين ~~جماعتها صوت ينكر تلك العادة ويدعو إلى تغيير ذلك التقليد؟ يومئذ كان قاسم حدثا، ولعله ~~كان من دعاة الحجاب. ولعلها هي كذلك لم تفكر في وجوب السفور. بل عمدت إلى تلك العلامة ~~الأخرى من علامات النبوغ ورضيت بها: الاحتمال حيث لا منفذ غيره. # امتثلت واحتملت. ولكن حتى للاحتمال والامتثال ساعات لا مندوحة للمرء فيها عن أن ينفس ~~كربته، ويندب حسرته، ويرسل ما هو أشبه ببثة السجين المظلوم. فقالت إنها دعتها: # الرأفة بكل مغبون لقي ما لقيت، ودهي بما به دهيت، إلى أن أبدع له أحدوثة ~~تسلية عن أشجانه عند تزاحم الأفكار، وتلهيه عن أحزانه في غربة الوحدة التي هي ~~أشد من غربة الديار # 1 ~~... # هذه الكلمة تكفي لنشعر مع عائشة بوحدتها المضاعفة. وهذه الكلمة وهي لوحة تصويرية ~~تامة، تدهش عند امرأة سبقتنا بثلاثة أرباع القرن. وغريب أن تهتدي يومئذ إلى حقيقة تلك ~~«الوحدة» وأن تعبر عنها، وهي ابنة عصر التطويل والتبسط، بهذا الإيجاز البليغ. # وكأنها مرة أخرى تجد بعض الراحة في شرح ألمها بشكل الاعتذار المجلل بالسجع والتورية: ~~«... لم يمكن لي دخول محافل العلماء المتفقهين» ... «فكم التهب صدري بنار شوق إلى ~~محافلهم اليوانع، وأدر جفني على حرماني من اجتناء ثمرات فوائدهم در المدامع. ~~وقد عاقني عن الفوز بهذا الأمل حجاب خيمة الأزار، وحجبني قفل خدر التأنيث عن ~~سناء تلك الأقمار. وأحلاني بسجن الجهل حليف أثقال وأوزار. فكانت تلك الحجب لمن ~~لام في هفوات هذا المسطور أكبر أعذار. فلا تلوموا معشر الأفاضل خيبة، ولا ~~تعبثوا بسجينة شجية ...» # 2 ms38 ~~... وخصوصا ... لا تلوموا معشر القراء في هذا العصر كاتبة مسجعة. لأنكم لو رجعتم إلى ما ~~كتبه بعض «كبار» الناثرين في عهد الخديوين لعثرتم على ما ليس فيه شيء من أحكام عائشة ~~ولا ذرة من صدق عواطفها. ولي من هذا البيان معارض لما جاء في جريدة «الأفكار» الصادرة ~~يوم 13 مارس 1923، استهلالا لمقال عن الصالونات الأدبية في فرنسا وإنجلترا وألمانيا ~~وعلاقة الآداب في تلك البلاد بالدوائر النسائية الفكرية. قالت «الأفكار»: # كنا نريد أن نكتب شيئا عن السيدة عائشة تيمور باعتبار أن تاريخ حياتها يفيض ~~النور على الحركة الأدبية الفكرية في مصر في عهد إسماعيل وتوفيق. ولقد أجهدنا ~~أنفسنا على غير طائل وراء الحصول على وصف ولو مجمل أو غير دقيق للدائرة الأدبية ~~التي ظلت سنين عديدة تجتمع بلا انقطاع في منزلها «بدرب سعادة». ولكننا سنتكلم ~~عن سيدة إنكليزية (ليديا وايت) تشبه السيدة عائشة تيمور من حيث جعل منزلها ~~ملتقى كبار الكتاب والشعراء في عصرها ... # من أين جاء كاتب هذه الفقرة بمعلوماته؟ أهو استند على قول عائشة: ... «صرت أتهافت على ~~حضور محافل الكتاب بدون ارتباك، فأجد صرير القلم في القرطاس أشهى نغمة، وأتحقق أن ~~اللحاق بهذه الطائفة أوفى نعمة» ... وهي تعني بذلك أيام اختلافها ووالدتها في حداثتها ~~القصوى قبل أن تتحجب؟ أم هو رأي ما قد يشير إلى ذلك في القصائد العربية والتركية التي ~~رثت بها بعض العلماء؟ أم لديه دليل آخر؟ # حاولت الاستفسار عن ذلك من المسيطرين على «الأفكار» في ذلك الحين، فلم أظفر بالجواب ~~الشافي. وتيمور باشا الذي قال قبلئذ إن شقيقته كانت «محجوبة» أجاب على السؤال الجديد ~~بقوله إنه يظن «أن ذلك لم يحصل.» # أسافرة كانت عائشة - أحيانا - أم محجوبة دواما؟ نقطة في غاية الأهمية ولكن يتعذر ~~جلاؤها، خصوصا بسبب تباين السن تباينا كبيرا بين تيمور باشا وشقيقته. فإذا جاء يوما ~~من يثبت بالحجة الناصعة سفور عائشة في تلك المحافل الكريمة سجل للشاعرة فضلا جديدا ~~وشجاعة فائقة، وأظهر أنها بشير التحرر النسوي ليس الوجه النظري والعلمي فحسب، بل بالعمل ms39 ~~كذلك؛ لأنها تكون قد حققت قاسما قبل أن يتكلم قاسم. ~~••• # أما وأندية الرجال ليست، في الظاهر، لشاعرتنا فلنتحول إلى اللاتي قد تتفاهم معهن من ~~النساء. وفي مقدمتهن «ربة الأدب الباهر والقدر الشريف السيدة وردة بنت الفاضل الشيخ ~~اليازجي نصيف» فإن عائشة لتتمثل بها وتذكرها بإعجاب في ديباجة «حلية الطراز»، وأهدت ~~إليها نسخة من ديوانها بعد صدوره. فشكرتها «وردة العرب» نثرا ونظما، وأعقب هذه الصلة ~~الأولى تبادل بعض الرسائل أثبتتها زينب فواز في كتابها «الدر المنثور». لن تجد في تلك ~~المراسلة كل الحياة التي يودعها بعض الأدباء في رسائلهم حتى ليتغذى بها أصحابهم أياما ~~وأسابيع، ويتعشقونها كأنها قطع من أرواحهم. بيد أنك ستجد سبك الكلام اللطيف، والثناء ~~المأنوس، والنظم الحلو الرنان الذي يرضي ويجعلك شاكرا لهاتين السيدتين ما أبرزتا لك من ~~أسلوب المجاملة النسائية الكتابية في ذلك العصر. # 3 # وهناك سيدتان قيل لي إنهما كانتا تقولان الشعر وهما ابنتا حبيب أفندي الكتخدا، ومن ~~عشيرات الشاعرة. لم أوفق إلى شيء من آثارهما وقد قل من سمع بآدابهما بين المصريين. حتى ~~أني قيل لي مرة عند ذكرهما أني أبتدع شعرهما في مخيلتي على نحو ما فعل زفس بابنته بالاس ~~- أثينا التي أخرجها من رأسه تامة الجمال والكمال. لا شيء من ذلك، بل قال لي أحد ~~الفضلاء إنه قرأ لإحداهما أبياتا جيدة. # ومن معاصراتها الست المغربية والبون بينها وبين عائشة شاسع جدا طبقة وحالة ومعرفة. ~~إلا أنها كانت امرأة ذكية، سريعة الخاطر، تمازح الناس بشيء من الجرأة المتطرفة، وتتطارح ~~الأزجال مع الشيخ علي الليثي وغيره. ومن المأثور عنها من دلائل سرعة الخاطر أنه اتصل ~~بها يوما أن أحد الباشوات كان يرميها بما هو غير حسن وغير ممدوح. فأجابت المغربية ~~بابتسامة ذات معنى خطير: «والله كلام سعادة الباشا في محله» ... # كذلك نعرف زينب فواز السورية المولد المصرية الموطن، منشئة «الرسائل الزينبية» فضلا ~~عن فصولها الأخرى وقصائدها. وهي التي عقدت في كتابها «الدر المنثور في طبقات ربات ~~الخدور» فصلا مطولا عن شاعرة آل تيمور. وصدرت الكتاب ms40 المذكور بخطاب من السيدة عائشة ~~مثقل بالثناء والتبجيل من نحو ما كانوا يثنون يومئذ ويبجلون. ~~••• # ويحدثنا «المقتطف» في عدد يونية 1897 عن السيدة ليلى هانم «كريمة المرحوم خليل باشا ~~شريف من وزراء الدولة العلية، وأخي المرحوم علي باشا شريف رئيس مجلس شورى القوانين ~~السابق». فيقول إن هذه السيدة «تكتب بالإنجليزية مقالات تنشر في أشهر المجلات» وإنها ~~كتبت رواية غرامية اسمها # A Turkish Love Story # ترجمها ~~محرر «المقتطف» ونشرها متتابعة في المجلد السادس والعشرين سنة 1901 باسم «رواية أمينة». ~~قرأت هذه الرواية بثوبها العربي بكل سرور في العام الماضي، ولا شك عندي أن الوصف فيها ~~«لحريم» الأستانة يومئذ أصدق من كل ما كتبه الإفرنج في هذا الباب. # وليست لتقصر يقظة المرأة على الكاتبات والأديبات بل للمهتمات بالشئون العمومية عن غير ~~طريق القلم أثر قيم. لذلك يتسع المجال هنا لذكر المغفور لها البرنسس عين الحياة، الزوجة ~~الأولى للسلطان حسين (يوم كان أميرا)، ووالدة البرنس كمال الدين حسين. فإنها كانت ~~معروفة بالمقدرة والفطانة وحب السعي الحميد. ومن مآثرها الخطيرة الشأن «مبرة محمد علي» ~~أول جمعية خيرية للسيدات المسلمات، بيد أنها لم تشهد نتيجة ما دعت إليه. ولم يتم إنشاء ~~المستوصف الأول الذي أطلق عليه اسمها وما زال معروفا به «مستوصف عين الحياة» إلا بعد ~~وفاتها في أوائل 1911. أما الغرض الذي عينته لنفسها هذه الجمعية فهو «العمل جهد الطاقة؛ أولا لتقليل عدد الوفيات الجسيم من الصغار في القطر المصري. ثانيا لتقليل عدد وفيات ~~الأمهات الناجمة عن حميات النفاس.» # وماذا أقول عن البرنسس نازلي الملتهبة ذكاء، البارعة في الموسيقى وفي اللغات التي ~~عرفتها، الخارجة على عادات زمنها بمقابلة من شاءت من أفاضل الرجال والتدخل في مختلف ~~الشئون العالمية والحوادث الوطنية. ولقد نشر المرحوم ولي الدين يكن في كتابه «المعلوم ~~والمجهول» صورة خطاب أرسلته إلى عبد الحميد في أيام بطشه وجبروته. وحسب القارئ الاطلاع ~~على هذا الخطاب ليعرف ما كانت عليه من الجرأة والذكاء والنزعة الاستقلالية. قالت تخاطب ~~صاحب الجلالة اليلدزية الرهيبة: # مليكي # قرأت مع الأسف ms41 الشديد في جرائد أوروبا التي وردت في هذا الأسبوع أن مولاي ~~الأعظم غاضب علي غضبا شديدا. وعلمت أن السبب في غضبه حضوري مؤتمر «تركيا ~~الفتاة» الذي عقد بباريس. ولهذا أرجو الإذن لي ببيان ما يدور بخلدي في هذا ~~الباب: # إن استهدافي للغضب الملوكي ليس بالأمر الحادث، ولكنه مستمر منذ أربع سنوات. ~~وإذا وجب أن يميز من حل بهم ذاك الغضب سهل تعيين الفئة التي ينبغي أن أحشد في ~~عدادها. غير أن حضوري مذكرات هذا المؤتمر ليس تذرعا للشهرة؛ فهو إذن منزه عن ~~كل غرض ذاتي. # يذكر مولاي الأعظم أنه قال ذات يوم للمرحوم خليل باشا شريف: «إني مغرم بكلمة ~~الحق.» ولقد بشرني المرحوم بهذه البشارة الملكية وتعاهدنا كلانا منذ ذلك أن لا ~~نحيد عن كلمة الحق. # قرأت ما ينشره هذا المؤتمر منذ زمن مديد واطلعت على اللوائح التي رفعها إلى ~~الأعتاب الشاهانية. ولما كانت هذه المنشورات بمثابة كلمة حق في وصف الدمار الذي ~~باتت فيه المماليك المحروسة الشاهانية، رأيت أن أحضر مذكراته عند نزولي بباريس. # فشهدت من الجميع منتهى الود والولاء للمقام الملوكي وللوطن والأمة. ورأيت ~~الجميع باكين لحال الوطن الذي بات على شفا الفناء. فهاجني ذلك وتذكرت أن مولاي ~~كان مغرما بكلمة الحق، فظننت، وا أسفاه، أنه ربما تسلى من ذلك الغرام. ولكن هز ~~فؤادي ما عاهدت الله عليه وأيقنت أن العشق يزول والعهد يبقى. # ولما زرت الأستانة منذ أربع سنوات أوصاني بعض المقربين بأن أرفع إلى مولاي ~~عريضة أستقيل بها من هفواتي، ولما لم يكن لي علم بهفوة سبقت لي لم أقدم على هذا ~~الأمر. فقد تغيرت سياسة مولاي مع الإنكليز. وذهب الرضاء الذي كان توسط لي في ~~نيله المرحوم السير هنري لايرد: وأني لأتلقى بكل ارتياح توسط الإنجليز في إحراز ~~رضاء مليكي. بل أشكر اليوم ما أصابني من الغضب الملوكي. وإن في بعدي عن مشاهدة ~~ما وقع بالأستانة من الزلازل وما نزل بالرعية من الفقر، وما جرى من دماء ~~المظلومين الذين ذبحوا كما تذبح الأضحية، وعن سماع ms42 استغاثات المظلومين ~~وتأوهاتهم ما يسليني وما أحمد الله على بعدي عنه. وسأستمر لذا على العمل بنص ~~الأمر الملوكي الذي بلغتنيه الحكومة المصرية غير رسمي - ما دامت لي الحياة. # على أني لا أبرح داعية بطول عمر مولاي وبقاء دولته. ولا أبرح داعية بأن يعود ~~له سالف غرامه بكلمة الحق. فإذا قدر الإله ليزولن بؤس اليوم كما تزول الرؤيا ~~المفزعة. فيصبح سعيدا مهنأ. ويلقى رعيته في رغد بالاتحاد والحرية فإن رعيته لا ~~تريد منه إلا أن يكون أبا مشفقا. # ولعلي تجاوزت الحد وأسأت البيان. فلست أدري مبلغ وقع ما أتشرف بعرضه. فليثق ~~مولاي أن كلام أصدق عبيده في زماننا هذا لا يختلف عما جرى به قلمي. وليوقن ~~مولاي أن ورقتي لم تسطر إلا بخالص النية وصادق الولاء. # 4 # خادمتك نازلي # بنت المرحوم مصطفى فاضل باشا المصري # القاهرة في 22 أكتوبر سنة 1896 # يجب لتعلم قيمة هذه الرسالة أن تعلم من هو عبد الحميد، وكيف كان ينتقم من مناهضيه في ~~أية بقعة كانوا من الأرض فكيف بهم في مصر ومن أعضاء الأسرة المالكة. # قد يفوتني أسماء أخرى معروفة. وقد يكون ثمة سيدات كثيرات ذكيات قديرات من اللاتي ~~يدمجن في «الطراز القديم» وقد يدهشن العالم والمحنك بأسلوب إدارة بيوتهن وأعمالهن ~~وأملاكهن لوفرة ما يبدين من الخبرة والدراية - حتى ولو كن أميات. ولكن أيكون لمثل عائشة ~~من مثيلاتهن بيئة معنوية؟ # بيئتها المعنوية # لم يكن للشاعرة من بيئتها الاجتماعية البيئة المعنوية المطلوبة. ولا أظنها نعمت من ~~ذلك العصر بما نحن اليوم نفتقر إليه. # ما سمعت أديبا يذكر أهمية المحيط ومبلغ تأثيره إلا سمعت منه الشكوى. ما حدثني مطلع ~~على شئون الشبان العائدين من أوروبا إلا قال إنهم بعيد وصولهم يشعرون بنقص علمي عظيم ~~حولهم، ولا يلبثون أن يفهموا أنهم عائشون في وحدة فكرية وفنية بعيدا عن تواصل الحركة ~~الذهنية في العالم. ولا يعرف مرارة تلك الوحدة وصقيعها إلا الذي أرغم على تقطيع الأعوام ~~والأعوام تبليه في انفراد ووحشة. لا يعرفها إلا الذي صرف الأيام والليالي جائعا ms43 عطشا، ~~وهو يعلم أنه في قفر لن ينبت له في القريب العاجل قوتا ولن تفجر له منه المفاوز ~~منهلا. # حال محزنة حال التأنق إلى ما يعلو على العيشة الملامسة الثرى. حال محزنة حال الأديب ~~الصميم في عصرنا والمتأدب. إنه سرعان ما يتصدى له من يناقض ويعاكس ويتمطى ليقدم له ~~ويؤخر، ويفصل في قماشه ويخيط، وسرعان ما ينبري له وللعالمين من يقدح ويهجو لسبب أو لغير ~~سبب، أو لسبب جدير بالتقدير. وسرعان ما يسمع المدح المائع المتهدل لا اعترافا ~~بالأهلية، بل عن هوس ، أو حمق، أو لغاية. وقد يجد من يمتدح بإخلاص ولكن ببلاهة فيجعل ~~الذبابة فوق النسر، أو يسيرهما في فلك واحد فإنهما يطيران وكلاهما من «ذوات ~~الأجنحة». # 5 # أما تجانس الخواطر، وحب الآداب، وسعة الإدراك في تحليل الأشياء وتقديرها، والإحكام في ~~وضعها وتربيتها، والغوص في المعاني الواسعة، وفهم مناحي الحياة والعناية بخصائصها كما ~~هي لا كما يراد حصرها في شخصية واحدة؛ كل تلك الغبطة المعنوية التي نطلبها بأشواقنا ~~ولا نحسن التعبير عنها، فليست بعد لنا. وهي مفقودة في هذه البلاد. بل ندر الذين يفهمون ~~ارتفاعها ونبلها من الأفراد. # وأولئك هم المعذبون. # وستبقى هذه الحياة مفقودة ما بقي التعاطف الأدبي غير موجود. وإذا طرح اليوم متحمس ~~النداء المستثير فكأنه يستنهض أنبتة تضطرب وتتحرك في مكانها وقد حظر عليها الخطو ~~والانتقال. وتمضي الصيحة الرجافة فترتطم نبراتها في الهواء ثم ترتد على مرسلها ثقلا ~~باهظا كأنما يتعرضها المضي جدار كثيف تختنق عنده الأصداء فترتد على قلب مرسلها ثقلا ~~يجر معه معاني المحال وانقطاع الرجاء - إلى حين. # والمدهش بعد كل هذا أن نجد منها من يشب وينهض ويتفوق. يتفوق ليس على قياس مدح ~~المداحين، وهجو الهجائين، ومسيري الذبابة والنسر في خط واحد. بل هو يرتفع رغم المثبطات ~~فوق الصدمات والموانع ... # يرتفع ويبدو عظيما وكأن اسمه وحده يكفي ليقول: «إني موجود وأثري متسرب إلى جمودكم ~~ليقلبه حركة! إني موجود، وحميتي ماضية في خمولكم لتثيره نهوضا! إني موجود، وعزمي ~~متغلغل في قلقكم لينسقه انتظاما!» قلت: ms44 مدهش ذلك؟ كلا، بل هو خطير! # أليس أشد دلائل القوة خطرا في أن يظل النسر محلقا ولو مهشما داميا؟ أن يظل ~~محلقا. حتى بجناحين مهشمين داميين؟ ~~••• # ولعل الحياة تحتال على بنيها، لا سيما الأصفياء منهم عندما توسعهم مقاومة وتشبعهم ~~تعذيبا؟ لعلها تودعهم حاجات ومطالب تعلم سلفا إنها غير مهيئة لها ما يقوم بها ~~ويحققها. وما ذلك إلا لتلح على الفرد الموهوب أن يجني المعونة والتعزية والقوة من أعماق ~~وحدته، من أعماق وجعه، من أعماق قنوطه! لعل لها غرضها من المنع والحرمان فيظل لابنها ~~المختار أن يخلق لنفسه عالما يملأه ببرايا هواجسه وبأشباح ما يحب ويأمل وينشد. يظل له ~~أن يبدع ما ينقصه إبداعا ما، إبداع التخيل والتدوين، فتكون الحياة لذاتها عن هذه ~~الطريق صورا جديدة من لهف الحرمان، وزفرات الأسى، وتجمد الدماء التي لا تسيل؟ # أم لعل الحياة في أحشائها كلوم يعوزها البلسم، وهو لا يستخرج من شكوى البؤساء. فتخلق ~~لهم المحن لتسمع مثل هذه الزفرات التي ترسلها عائشة في خلوتها: # أعلل نفسي والأماني كثيرة # وما كان أغنى النفس عن ذا التعلل # فلا الوقت في أمري فأقضى مآربي # ولا الدهر يصفو لي فأكمد عذلي # ولا النيل يدنو لي فأروي بفيضه # ولا الصبر طوع لي فتحلو الحياة لي # ولا الحظ ذو سعد ولا البخت مسعف # ولا مهجتي صلد أقول تحملي # ولا لوم إن واريت في الترب جثتي # وقلت أقيمي حيث ذلك منزلي # أي إنها تحبذ الانتحار في هذا البيت الأخير. ومن ذا الذي لا يشتهي الموت في بعض لحظات ~~الألم؟ ثم تعود إلى طلب المسرة والهناء، ولكن لتلقى خيبة أخرى: # والله ما همت حظا باسم داعية # إلا وأعقبت فيها الهم من أسفي # ولا سعيت بأقوى العزم في أرب # إلا رجعت طريح الأرض في دنف # أو لترى السرور يتحول إلى الألم شأن كثير من مسرات الحياة! # وما منحت بيوم قد أتى غلطا # بالأنس إلا وقامت فيه غاراتي # ويظل الاختبار يحذر وينذر: # لا تفرحن بدنيا أقبلت وصفت # بكل ما ترتضي، واحذر عواقبها # وترقب ms45 أحوال الناس فيسوءها منها الخلل والفساد: # حسن الوفاء وصدق الود قد صرعا # واستوحشا بفيافي الغدر وانصدعا # كلاهما من سقام لا مساس له # حزنا على الحق والإنصاف مذ صرعا # وأولئك الأدعياء الناعتون نفوسهم بما ليس فيهم، المتلمظون لأن الفرص سنحت لهم ضلالا ~~بأن ينزلوا الأذى بما يحيط بهم. وهم يحسبون واجب البشر كله في إيقاف الجهود على إشباعهم ~~وإرضائهم - كيف تذكر أولئك إن لم يكن بلهجة الازدراء والأخطار هذه: # آل الغرور لقد ساقوا نجائبهم # شرقا فغربا فداست كل ما لاقت # ظنوا الزمان على رغم يطاوعهم # وأن أوقاته طوعا لهم راقت # وليس إلا عدوا سوف يفجأهم # برقط غدر إلى عاداتها اشتاقت # ألا يذكرك هذا البيت، لا سيما الشطر الثاني منه، بالمعري وآرائه في الدهر وعربدته على ~~الدنيا التي كثيرا ما يشبهها بالحية الرقطاء؟ # وهكذا تجد عائشة الألم عوضا عن الهناء. وليست الآلام الملموسة البارزة أنكأ الآلام. ~~بل قد نفضل أحيانا أن نصاب بما يسحقنا ويجرفنا بشدة جرف العاصفة لأوراق الخريف، بدلا ~~من معاناة ما نسكت على مضضه مما نأنف التفكير فيه مليا، ونستنكف شرحه مع عجزنا عن ~~مقاومته والابتعاد عنه. # ولربما آثرنا الداهية الدهماء تعبث بنا فتذرنا هباء، على مقاساة نكال متقطع متتابع ~~كوخز الإبر. نكال لا هو يشتد فيقتلنا، ولا هو يكف لحظة لنتخدر. ولا يكون عقابا على ذنب ~~فنثوب ونتفادى. بل كثيرا ما يجيء مكافأة على الحسنى فيفعم القلب مرارة. ~~••• # اجتمعت في أوائل مايو 1922 بالأستاذ الشيخ الغمراوي المفتش الأول للغة العربية في ~~وزارة المعارف. فذكرت عائشة فقال: «إنها شاعرة عصرها وإن أساءوا فهم كثير من معانيها.» ~~قلت: «مثلا» فقال: مثال ذلك قولها: # ما ضرني أدبي وحسن تعلمي # إلا بكوني زهرة الألباب # فما يفهمه الشخص العادي من هذا البيت أنها تمدح نفسها مدحا يشبه الذم. وما ذلك إلا ~~لقصر النظر أو لتعمد. في حين هذا القول يقرر أمرا واقعا تألمت من جرائه. ذلك أن بعض ~~السيدات كن يسمعن عليها الثناء الذي لم تربحه بالتظاهر والتهويش بل بالكفاءة والكرامة. ~~فيثور منهن ms46 الحسد فيعمدن إلى تشويه الحقائق. والتحريف والتعريض. يشعرن بالقصور عن ~~مجاراتها فيستسلمن لتعذيبها وإلحاق الأذى بها على مختلف الأساليب انتقاما لنفوسهن من ~~تفوقها. فشعرت بهذا وتألمت. لذلك قالت: «ما ضرني أدبي ... إلخ.» # هذه خلاصة كلام الأستاذ وهو من الصحة بحيث تجد له طائفة من الأدلة في شعر عائشة ~~كقولها: # وكم حليفة سعد إذ تعنفني # تقول سعيك مذموم النهايات # فأخفض الطرف من حزن أكابده # وأهمل الدمع من تلك المقالات # واها لتلك الدموع! تنصب في القلب عند كلام الحاسد والمتطاول، وتدفع إلى التشاؤم في ~~نبالة الفطرة البشرية، ثم تنهمر في الخلوة لاذعة محرقة. على أن عائشة عذبة بطبيعتها فهي ~~لا تثور سريعا. بل تتجلد هنا وفي معاكسات أخرى وتكافئ الشر خيرا حتى نفاد ~~الصبر: # ومذ أتت عذلي تبغي مصادرتي # ظلما منحتهمو أسنى الكرامات # وكلما عددوا ذنبا رميت به # بسطت للعفو راحات اعترافاتي # وكلما حرروا منشور مظلمتي # وأظهروا في الورى غدرا جناياتي # أظهرت شكري لهم بالرغم من أسفي # وكان ما كان من فرط التهاباتي # واها لتلك النصال تغمدها في القلوب أيادي الغرباء وأيادي المعارف والأصدقاء! # واها لتلك الأيدي التي أحسنت إلينا، ولتلك الأخرى التي أحسنا إليها، تمتد لتأتي إشارة ~~تمحو جميل الذكرى حينا وتحجب رقيق الشفقة دهرا! # وتلك الكلمات الفاترة الركيكة وذلك الترفع المصنوع الحقير! وتلك العناية التي سرها ~~التقليل! وذلك الشرح للثناء في الظاهر وكل الغرض منه التصغير والتحديد السخيف! # وتلك الشبكة الواسعة التي يحبكها حولك الاغتياب والافتراء ويلصق بك ما يلصق من التهم ~~والذنوب! فتفكر أولا في الدفاع عن نفسك أمام الذين تحسبهم أفطن من غيرهم وأقرب إلى ~~الإنصاف. وبعد قليل تصمم على السكوت كبرا وازدراء. ذلك ما تعنيه الشاعرة: # ولم أفه لذوي رد لمعرفتي # أن الحبيب حبيب في المسرات # طبعا. هم كذلك أصدقاء المجتمع، الأصدقاء السطحيون والآخرون المتقمصون في أثواب ~~الأصدقاء والمتكلمون بلسانهم كيف يركن إليهم. لذلك: # أخفي الأسى إن حسود جاء يسألني # لأين أسعى، وأومي لابتهاجاتي # وقد تخفيه احتشاما وصيانة لكرامة الألم، وقياما بالواجب الذي يمتهنه أولئك الذين ~~يكرهون ms47 الناس إكراها على مخاشنتهم ومقاطعتهم؛ لأن الجفاء الوسيلة الوحيدة للتخلص من ~~تطفلهم. يزعجون الناس بلا مراعاة فيخسرون حتما عطف القلوب. يتجاهلون أن لكل شيء حدا ~~طبيعيا، وأن أعصاب بني الإنسان ليست من حديد. فلا تحتمل النواح والشكوى والإلحاح ~~والمضايقة إلا لحين. وإن واجب المرء الأول نحو صحته لا سيما وأن له من مسئوليته وشئونه ~~ما يتحتم القيام به أن يضن بكل تأثر مضن وأن يقلع عن كل اضطراب عقيم. # إن التحدث بالهموم وشكوى الغموم مرض شرقي متأصل. وكأننا أقرب الشعوب إلى رجم الآخرين ~~بآلامنا وأوصابنا في كل زمان ومكان. وليس أدل من هذا على الضعف المعنوي وضعف الخلق ... ~~ليس أدل من هذا على الحاجة إلى التهذيب. # وكأني بعائشة مطبوعة على هذه الصيانة الخلقية والكتمان النبيل فهي تقول: # أقوم والضيم تطويني نوائبه # طي السجل، ولم أسمعه أناتي # إن ضل سعيي فهادي الصبر يرشدني # إلى طريق رشادي واستقاماتي # أما والقلب المعذب يظل على نبله، في حاجة إلى أن يبث كربته لصديق ذي حول ولطافة، ~~فعائشة تتجه إلى القلب الرءوف الأكبر الذي لا يقلقه أنين البرايا: # ولم أزل أشتكي بثي ومظلمتي # لعالم الجهر مني والخفيات # وقد يحسن أن أدغم في هذا الباب ملاحظة أخرى: هناك نكتة تكاد تكون الوحيدة في كل ~~كتاباتها، وقد ظهرت كل الظهور في عصرها دون تمييز في الموضوعات. فتجدها أمامك في المرض ~~والعافية، في رثاء الأحباء وفي آهات الغرام. موضوعها الطب والأطباء. # وقد تشير إلى قلة ثقة الشاعرة بأبناء أبقراط الجهابذة النطس. قالت تتهكم على طبيب في ~~ثلاثة أبيات مفردة: # يا من أتى للجسم يبرئ سقمه # ويظن جالينوس بعض عبيده # أفنيت بالطب الذي تهدي به # أمما، وقربت الردى ببعيده # وزعمت أنك أنت قد جددته # وقد أضعت قديمه بجديده # وهاك ما يعني أن يأس الطبيب في نظرها أمل: # إذا يئس الطبيب وكل عني # بقدرته بما أرجو حباني # وهذا استهزاء بالأطباء وتوجع من رمد عينيها: # تخالفت الأساة بطول وعد # يعللني، ويأس فيه حيني # ومن فظ يهددني جهارا # بمبضعه المصوب في اليدين ms48 # وقد عفت الأساة وعدت أرجو # طبيب الكون رب المشرقين # وفي وصفها لأقوياء العالم وضعفهم حيال الردى: # يئوب بالعجز أقواهم إذا ألم # به ألم، ويبدي شر حسرات # يلوذ ضعفا بأذيال الطبيب، وما # يغني الطبيب لدى فتك المنيات # وكذلك كان لها في الرثاء مجال لإظهار عجز الطب والأطباء فقد جاء في مرثاة والدها: # رجع الطبيب بيأسه متسربلا # وأراق جرعته على الحصباء # وفي مرثاة ابنتها: # جاء الطبيب ضحى وبشر بالشفا # إن الطبيب بطبه مغرور # وصف التجرع وهو يزعم أنه # بالبرء من كل السقام بشير # فتنفست للحزن قائلة له # عجل ببرئي حيث أنت خبير # وارحم شبابي، إن والدتي غدت # ثكلى يشير لها الجوى وتشير # وارأف بعين حرمت طيب الكرى # تشكو السهاد وفي الجفون فتور # لما رأت يأس الطبيب وعجزه # قالت، ودمع المقلتين غزير # أماه قد كل الطبيب، وفاتني # مما أومل في الحياة نصير # لو جاء عراف اليمامة يبتغي # برئي، لرد الطرف وهو حسير # ومن مثال ذلك في شعرها الغزلي: # سروري باللقا ونعيم قربي # أعاد بعودك الميلاد ثاني # لقد أرغمت كل طبيب سوء # أضاع بهزله طول الزمان # وغيره: # لو شخص الداء جالينوس أعجزه # وقال لقمان تكليفي به باطل # كيف الشفاء ومن أهواه فارقني # هيهات إن الهوى بحر بلا ساحل # جاء الطبيب يداويني فقلت له # دع عنك طبي ولا تتعب بلا طائل # تعذر الطب والبرء انزوى ونأى # عني، ولوني من فعل الهوى حائل # ما ينفع الطب والأحشاء في حرق # والجفن من فرط وجدي دمعه هاطل # وأحسن دواء ينجح وينشد هو ذا: # أرنا زمان الأنس يا وجه الحبيب # واحذر، حماك الله، أن يدري الرقيب # دعني، لأني باللقا قلبي يطيب # ودع العلاج وما يقول به الطبيب # عفوكم يا سادتنا الأطباء لئن قال بعض الشعراء إن بعض الأمراض خير من بعض الأطباء، ~~فلكم من شاعر قدر أفضالكم على المرضى والأصحاء على السواء. # ولكم من شاعر جعل الطبيب عالما وحكيما ورسولا في آن واحد، عندما يدرك كرامة مهنته ~~وكل ما تقتضيه! وإذا كان الاصطلاح العربي ماضيا على التوحيد بين الطب ms49 والحكمة فينادي ~~الطبيب «حكيما» ألا ترون في بيان الشعراء وتوقيع أسجاعهم ما عمل على حفظ تلك العادة ~~التقليدية ونقلها من جيل إلى جيل؟ # وبعد هذه العوارض فلنلخص: البيئة المعنوية الصميمة كانت لعائشة في كتبها وأوراقها، وفي الكتب التي تقرأ، وفي ~~الأوراق التي تحبر؛ ففيها كانت تجد التعزية ومنها المعونة. وإذا أصابها الرمد شكت بلغة ~~التوقيع! # إذا شكت الورى سقم العيون # فإني أشتكي ألم العيون # أبيت كواله أضناه وجد # أنادي من جفوني! من جفوني! # فلا جفن يطاوعني فأبكي # ولا صبر أزيل به شجوني # وإذا طال رمدها طلبت كتبها وأوراقها كما يطلب الحبيب الغالي: # أمس الكتب من شغفي عليها # وأبلي حسرة من سوء حالي # وأندب مهجتي حبا لأني # حرمت بدائع السحر الحلال # وليست لتشغف فريدة. بل هي ككل محب تريد عند حبيبها مثل ما عندها. فتنيل الأوراق ~~والمحابر والأقلام روحا تحس وتشوق وتبكي: # نعاني أبيض القرطاس لما # جفاني اليوم نور الأسودين # وقد جفت دواتي وهي تبكي # لما قد راعها من طول أيني # وأقلامي قد انشقت لأني # حرمت مساسها بالأصبعين # كذلك كان وسط عائشة من أرواح المؤلفين والشعراء ومن نفثاتهم، من أرواحهم كان لها أسرة ~~تناجيها. فتتحدث إليها وتصغي حينا بعد حين. # وفي تلك «الغربة» التي تأوي إليها أرواح الخواطر كتبت أشعارها العربية المجموعة في ~~ديوان «حلية الطراز» وديوانها التركي والفارسي «كشوفة» و«نتائج الأحوال» ورسالة صغيرة ~~اسمها «مرآة التأمل في الأمور»؛ هذه هي بيئتها المعنوية المحبوبة. # حبها لاسمها # والاسم ... أليس هو أول علامات الفرد في جماعته؟ ~~«على أي شيء يحتوي الاسم؟» يسأل شكسبير بلسان جولييت، ومن منا لم يتساءل عن اهتداء ~~البشر إلى التسمية وعن رائدهم في ذلك! ألا تصغي إلى همس خفي وراء الاسم، والكنية عند ~~سماعها للمرة الأولى كأن لهما ذاتا خفية وراء المعنى الظاهر؟ أوليس من هذه الروحانية ~~المستترة استخرج معنى الحساب بالأرقام والحروف، الذي لا يستهان به في أصوله ~~الفيثاغورية؟ # إلا أن الشاعر العربي القائل «الأذن تعشق قبل العين أحيانا» عبر عن جانب من حقيقة ~~روحانية عميقة ومضت له ms50 في لحظة إلهام وإشراق. # راجع ما شئت من الأسماء التي تعرف أصحابها معرفة شخصية أو معنوية، تر استحالة تبديل ~~اسم بسواه. كأنما تلك اللفظة التي يعرف بها المرء عن طريق الانتحال أو بالمناداة منذ ~~الولادة، أصبحت جزءا أساسيا من ذاتيته، أو صارت على الأقل من أدل الدلائل عليها. وفوق ~~ذلك فإن معنى الاسم الواحد يتغير بإطلاقه على أشخاص مختلفين. هذا شيء يعجز الوصف إلا ~~أننا نشعر به بجلاء، ترى ألأن شخصية الفرد تتفاعل وشخصية الاسم بامتزاجها بها؟ # إن ما يحدو بي إلى هذا الشرح هو شغف عائشة باسمها، شغفها بأسمائها الثلاثة؛ فإني لم ~~أر في مطالعاتي كاتبا يشبه عائشة من هذا الوجه، لا في الشرق ولا في الغرب. # شغفت بكل اسم من أسمائها الثلاثة ورضيت بها جميعا في بيئتها المعنوية فلم تنتحل ~~اسما جديدا. وأحسنت توزيعها؛ إذ خصت شعرها العربي باسم «عائشة» وشعرها التركي والفارسي ~~باسم «عصمت» حتى لتكاد ترى هذه الكلمة في ختام كل قصيدة من قصائدها «كشوفة»، وخصت اسم ~~عائلتها بنثرها. # ولماذا هذا الشغف؟ لكأنها متينة الشعور بالصلة بين المسمى واسمه. أو كأنها تذكر قولا ~~مأثورا عند بعض المشارقة، وهو أن الاسم ينزل على صاحبه من السماء! أو كأنها تطرب له ~~لأنه اسمها ليس غير، وأنه أول علاماتها بين الناس! أو كأنها تتشبه بداهة بذلك الفيلسوف ~~الهندي، يقضي الوقت الطويل مكررا لنفسه اسمه حتى تنكشف له حجب الغيب فتستيقظ ذاته ~~البصيرة العليمة رائية ما يجري على بعد مسافات، سامعة ما يقال في البعد السحيق! جميل ~~معنى «عائشة» وجميل معنى «عصمت» أما «تيمور» - فعلى عهدة من شرح لي وفسر - فلفظة تركية ~~أصلها في اللغة العامية «دمير» ومعناها الحديد الصلب الذي لم يصقل بعد. ولذلك يخطئ من ~~يطلق هذه اللفظة على تيمورلنك للتصغير أو للاختصار؛ لأن معنى «تيمورلنك» نصل السيف ~~المصقول. # على أننا قبل الانتباه لمعنى هذا الاسم نتأثر بوقعه المرضي للسمع. وهو يمثل (على ما ~~يلوح لي) مزيجا من نبرة الأمر العسكري وأبهة وقورة رزينة. تمسها كآبة طفيفة ووداعة. ms51 # وبعد، أيتسع معنى الاسم فتكون كلمة تيمور رمزا إلى أن الطبيعة النسوية المصرية بدأت ~~تصقل بعائشة؟ # لكنها لم تأخذ الاسم كما هو بل أطلقته على نفسها بصيغة النسبة. فإذا بها «التيمورية» ~~وفي هذه الأيام حيث صارت الألقاب والنعوت طوفانا يغمر الصالح والطالح على السواء أصبح ~~عدم اللقب لقبا وغدا التجرد من النعوت نعتا. فجمل بنا أن نوجز في نعت الشاعرة المصرية ~~وأن نسميها، حينا بعد حين، بهذا الاسم الآخر الذي أحبته ووضعته في فم أشخاص يستشهدون ~~بأقوالها ويضربون بأشعارها الأمثال «التيمورية». # الفصل الخامس # | شاعرة بثلاث لغات # عبقريتها اللغوية # قالت التيمورية شعرها بالعربية لغة وطنها المصري. وبالتركية لغة آبائها، وهي لغة لا يزال التخاطب بها في بعض الأسر ذات الأصل التركي. وقالته بالفارسية التي هي لفئة من ~~أدباء العرب والترك لغة «مدرسيه»، شأنها عندهم شأن اليونانية واللاتينية عند الغربيين. ~~والسبب في ذلك علاقة الفرس بهذين الشعبين الشرقيين من حيث السياسة والتاريخ. # ليس بوسعي درس شعرها غير العربي لجهلي اللغتين اللتين كتب بهما. على أني أذكر هنا شبه ~~شهادة سمعتها عرضا من شقيقها أحمد تيمور باشا. وهي قول المغفور له السلطان حسين ~~لسعادته أنه «يفكر فيه كلما رأى ابنته قدرية تقرأ في ديوان السيدة عائشة.» وهناك شهادة ~~مسجلة في آخر الديوان المذكور «كشوفة»، وهي رسالة من «إيران دولت عليه سي مصر قاهرة ~~قونسولي سعادتلو دوقتور ميرزا محمد مهدي بك أفندي حضرتلي.» # ولكن هل تعني الشهادة والإنكار دوما كل ما يرصف فيهما؟ نقرأ أحيانا وصف بعض نتاج ~~الأقلام عندنا فنحسب أننا مقبلون على مثل ما أبرز أوربيدس ودانتي وشكسبير. فنحملق ~~بالعيون والقلوب فإذا بنا نطالع شيئا حسنا قد يجوز «تشجيع» صاحبه. أو شيئا غير حسن ~~يتحتم أن يحرم كاتبه من الفاكهة والحلوى طيلة أسبوع على الأقل. # لنكونن إذن من أنصار اللا شهادة ما بقينا في هذه الفوضى الإطنابية. غير أننا لا ~~يسعنا إلا الإعجاب بقلم يعالج الشعر والآداب في لغات ثلاث. # لا يذهلنا الآن أن يتكلم الشخص الواحد بثلاث لغات أو أربع، وأن ms52 يتكلم باعة الدكاكين ~~وغلمان البواخر والمقاهي والفنادق بما يربو عليها، لعلمنا أنهم لا يستعملون إلا الكلمات ~~المألوفة التي تفي بالأغراض السطحية. لا يذهلنا ذلك لتتابع الاحتكاك والاختلاط بين ~~الأمم. بيد أنه ندر حتى بين مشاهير الشعوب من الأفذاذ من عرف أكثر من لغتين معرفة ~~عبقرية. ~~••• # عبقرية اللغات عبقرية مستقلة. هي حذق عميق رشيق ينفذ في أرواح الشعوب ويأوي إليها، ثم ~~يتحول اتساعا وعلوا فيشملها. كأن الفرد الموهوب يتقمص في كل شعب يدرس لغته فيتوحد ~~وإياه حيا بحياته، ناطقا بلهجته، مدركا منها الخصائص والمستعصيات . ويفسر الروحانيون ~~هذه الموهبة بما يفسرون به المواهب الأخرى والعبقريات. أعني نظرية الأعمار المتكررة ~~بالتناسخ والتجسد بين شعوب مختلفة. # وقبل الإلماع إلى الشعر العربي والكلام عن شعر عائشة أعلم أن قولي لن يرضي أنصار ~~القديم ولا أنصار الجديد. ولما كنت من ألين الطبائع عريكة كنت مستعدة لتغيير فكري بشرط ~~أن يقنعني السادة المثقفون. وبعد فلنبدأ متوكلين على الله. # ليس أعسر من تعريف الملكة الشعرية وتحديد الشاعر. أصحيح أن الشعر كله رقة وعذوبة ~~وإحساس وموسيقى دون تفكير ومعرفة وبحث وقوة؟ أم هو مزيج من كل ما تفنيه الحياة وتولده ~~من المدركات والمحسوسات، سبك في قوالب متعددة وفقا لأنظمة بديهية تتملص كالشعر نفسه من ~~حظيرة التفهم والإدراك؟ # الشعر أحد أساليب التعبير عن خواطر وعواطف وحاجات ما فتئت الإنسانية تستوحيها وتنفعل ~~بها. قليلة هي تلك المعاني الأساسية. بيد أن شعبها ومناحيها تذهب كل مذهب وتضرب من ~~أعماق البحار إلى أقطاب الأرض، إلى فسيح السموات، إلى رحبات الزمن في الأزل منها ~~والسرمد. # ولقد بدأت الهمهمة الشعرية عند كل قوم بوسيلة من الوسائل. عن طريق العبادة، أو تعظيم ~~الأبطال، أو شكوى الآلام وبث الغرام. ويظهر أن الداعي إليها عند العرب هو سير الأظعان ~~في البوادي وانتقال القوافل في وحدة القفار فاهتدوا إلى الحداء مستحثين الإبل في مستعر ~~الرمضاء. فخفت الإبل سيرا وانتعش منها النشاط، وارتاح الحادون إلى النشيد يجدون فيه ~~ملهاة عن المشقة وتسلية التعب والضجر. وتطرقوا بعدئذ إلى تنويع الموضوعات فتغنوا ms53 بمزايا ~~المحبوب وشبهوه بما يعجبهم من خصائص الحيوان في الفلوات التي يجتازون. ووصفوا وحشة ~~المضارب المتنقلة والآثار العافية، ومرارة الوداع والفراق. وعددوا مفاخر القبيل والنسب ~~ولذائذ العشق والحرب والغزو والتطعين والإخضاع. # وكان من ثروة اللغة في الألفاظ والاستعارات «لكثرة القبائل المتكلمة العربية» مساعد ~~على التزام البحر والقافية في تنظيم الحداء. فأوجد هذا في الشعر العربي طلاوة وغنى في ~~الوتيرة الواحدة. وجزالة ونكهة بدوية ودقة لفظية تغرد بها دون غيره. ومنه كذلك جميع ~~العيوب التي يسبح فيها شعرنا إلا القليل كما في بحر طام . # يصمم أكثر شعراء العرب على تقليد هذا الشاعر أو ذاك من القدماء بدلا من أن يجروا ~~وراء سليقتهم الفردية، فينجم لنا «طبعات» جديدة مشوهة من الشاعر المقلد. ويخاطبوننا ~~بلغة عصور خلت ونحن اليوم في عصر الحيرة والتردد والثورة الكبرى. فمن الإعجاب بالجزالة ~~البدوية جاء حب النسخ والتقليد، وعنه نجم الفقر في الخيال العربي، والتقيد باللفظ دون ~~المعنى، وجمع الفكرة في كل بيت بمفرده، والخلل في اتساق الخواطر، والقصور في تنظيم ~~أجزاء الخطاب. حتى إنك كثيرا ما ترى وجوب جعل آخر القصيدة أولها ومنتصفها آخرها. # وعن التقليد نتج حصر الشعر في أبواب المدح والهجو والرثاء والحماسة والفخر والنسيب، ~~والحكمة أحيانا. وعند ترتيب الدواوين على الحروف الأبجدية لأن التواني وشيوع الموضوع ~~يفقدان كل قصيدة عنوانها كما يفقدان كل ديوان فهرسه. وعنه خصوصا نجم إهمال التاريخ في ~~قصائد الشاعر ومؤلفات الكاتب. كأن نمو الفكر ومماشاة التطور دورا بعد دور شيء لا يلتفت ~~إليه. مع أن معرفة التاريخ ليست دون معرفة الحوادث والمؤثرات وألسن البيئة أهمية في ~~تفهم فصل أو كتاب. ~~••• # جميع هذه العيوب في ديوان التيمورية حيث لا تنظيم ولا تنسيق، حتى ولا تبويب على ~~الأبجدية، ولا أثر للتاريخ في القصائد - إلا القصائد التاريخية في السطر الأخير منها! ~~ولئن جرت على عادة العرب في التعبير، أي الإفصاح عن عواطفها غالبا باستعارات من سبقها، ~~فالأمر الذي يسبيني في شعرها أن شخصيتها تبدو من خلال المحفوظات كما يبدو الجسد في لوحة ~~تصويرية ms54 من خلال الأنسجة الشفافة وقد تفلتت من عيب «المفاخرة» بذويها وأهلها. ولا هي ~~تبدأ بالتغزل لتنتهي بالإطناب. وليس للأطلال والمضارب ذكر في قصائدها. وأما من حيث ~~الصدق فأظنها في مقدمة الصادقين من شعرائنا. ومعظم استسلامها للغلو في جزء خارج عنها ~~وهو شعر المجاملة بينا هي في شعرها الذي يرسم نفسها ساذجة مخلصة عذبة تروي حديثها ~~بأسلوب ليس هو بالهندسي الذي لا يقدر أنصار القديم سواه. إنما هو كما يقول الفرنجة ~~روائي # romantique # يجري عليه بعض شعراء العصر. # وهذا الشعر الوجداني بطبيعته، الغنائي بلهجته، ينقسم إلى خمسة أقسام كبرى. وهي: # شعر المجاملة. # الشعر العائلي. # الشعر الغزلي. # الشعر الأخلاقي. # الشعر الديني أو الابتهالي. # ففي الأقسام الثلاثة الأولى تلقت التأثر من الناس فأعادته إليهم نشيدا. وفي القسمين ~~الأخيرين تلقت التأثر من مختلف الجهات فخاطبت نفسها وناجت نبيها الكريم مبتهلة إلى ~~العزة الإلهية. # شعر المجاملة # لقد حلت المجاملة عندنا مكان الصدق في أمور جمة لخلو محافلهم الاجتماعية من النقد ~~المنصف الحصيف. فإن نحن استنكفنا هذا التطفل من المجاملة، وتأففنا لإدمان معالجيها ~~والراضين بها، فهذا لا يحول دون التقرير بأنها في حالتها المعتدلة علامة للثقافة ~~النفسية. المرء يعيش في بيئته فعليه أن يقلع عما يزعج بني جلدته لغير ما سبب. لذلك ~~هو يضبط خوالج نفسه، ويحاول الشعور معهم والتلطيف إليهم لا خبثا ولا كذبا بل ~~تمرنا على الغيرية بتهذيب ذاته في فن الإرضاء «والدوزنة» واقتبال التضحية الصغيرة ~~التي تسهل بالمران وتتحول شيئا فشيئا إلى سرور وقتي مأنوس استبدل كلمة «نرجو ~~تشريفكم» في دعوة بكلمة «احضر عندنا يوم كذا ساعة كذا» تعلم أن الصراحة ليست هي ~~الخشونة، وتقدر المجاملة المعتدلة وآداب اللياقة. وتعلم لماذا هذه الملح في حالة ~~الدقة والإحكام تلقى في اجتماعات الأنس رونقا سطحيا مستحسنا. # أما عائشة فلديها الوقت الكافي لتتفنن في تنميق الدعوة على هذا النسق: # لقد من الإله لنا بسعد # وأشرقت الليالي بالأماني # وقام الفوز في الدنيا خطيبا # ودق الحظ أوتار المثاني # وأنتم للمنى عين وروح # ومشكاة السرور مع التهاني # لكم صفو ms55 المسرة في انتظار # فمنوا بالتعطف والتداني # أجيبوا دعوة الداعي فأنتم # فرائد والمجالس كالجمان # وفي الوليمة يقرأ المدعوون هذه المجاملة الأخرى على لوحة كبيرة: # قد من فضلا بالصفا الفتاح # وضياء توفيق الهنا مصباح # والسعد أقبل والعناية ساعدت # دامت لنا بسرورنا الأفراح # وتطرز اسم رجال الإنشاء: # علام الدر يا غواص غالي # فبعه بما يسام ولا تبال # لقد جاد الإله لنا ببحر # يجود بدره قبل السؤال # وتحيي دولتلو حسين باشا، «أليس هو السلطان حسين بعدئذ» لقدومه من السفر فتقول: # لاحت شموس السعد بالأقطار # وجلت عروس الأنس للأبصار # واستبشرت مصر المنى بقدومه # حسن الخلائق غرة الأنوار # لو للديار فم لقالت مرحبا # بشرى بنير عزتي ومداري # قد أقبلت بالبشر دولتك التي # هي تاج آمالي وعين فخاري # أكثر المجاملة في شعرها لامتداح الخديوين «عشر قصائد تقريبا». # هاك كلاما حلوا ~~رنانا في تهنئة الخديوي بالعودة: # كللت تاج البدر قربا بالشرف # مذ حل في مصر ركابك وانعطف # طربت بمقدمك السني بلطفه # مصر السعيدة والسرور بها هتف # وازينت بكر الحبور وأصبحت # مجلوة بين الرفاهة والترف # وتجملت مصر بما جاد الهنا # ورخيم مطربها على عود عكف # في منتهى اللطف هذان البيتان لا سيما الثاني. وفي الشطر الأخير نفحة شعرية منعشة. ~~وهذا مثله: # وتراقصت مهج النفوس لبشرها # كبلابل غردن في روض أنف # أضحى يقول بسعد بابك نيلها # أقبل على بحر الوفاء ولا تخف ~~••• # أكل هذا محض رغبة في المجاملة والإرضاء؟ بل فيه بعض الصدق، إن للأعياد العمومية ~~والاحتفالات بهجة و«جوا» ينفث في الجماهير فكرة ويبث فيهم توقعا. ويخلق في ذوي ~~الشعور المتيقظ مختلف العواطف. فكيف لا تتأثر المرأة المحجوبة إذ تمر في مركبتها ~~المسدولة الأستار بين معالم الزينة والألوية والأنوار وصفوف الجنود وقرع الطبول؟ ~~كيف لا تهتم بالذات العلية التي تهتز البلاد لحركاتها وهي القريبة إليها بمنصب ~~أبيها، المدينة لها بعض الشيء بمرتبة أسرتها، الملمة ببعض أحوالها بالاختلاط ~~بنسائها؟ فكما تهنئ خديويا بالعودة تهنئ الخديوي التالي توفيق باشا ~~بالتولية: # تيجان يمن الصفا أضحت تكللها # يد السرور بفوز دائم بهج # والسعد أشرق ms56 نورا والسما غنيت # عن نور أقمارها والأرض عن سرج # تقلد النير الدري تولية # ضياؤها لسوى الإصلاح لم يهج # هذا الخديوي الذي قرت بموكبه # عين الزمان وقالت للهدى ابتهج # يسوس بالعدل والإنصاف أمته # ويبذل الفضل والجدوى لكل رج # والدهر رنم بالبشرى يؤرخه # يا مصر قد زانك التوفيق بالبلج # وإذ يمر الخديوي ببنها العسل تنظم هذه الأبيات لتكتب على لوحات الزينة: # البشر أجرى ببنها أنهر العسل # والنصر أضحى بتوفيق السعود جلي # وافى «الخديوي» فأضحى نور بهجتها # كالبدر في التم أو كالشمس في الحمل # ما ثم أرض سقاها غيث مقدمه # إلا وفازت بزاهي الأنس والجذل # تهلل القطر بشرا من زيارته # وأيقن القوم حسن الفوز بالأمل # وحين مولد ولي عهده: # قرت عيون للسعادة بالصفا # مذ بشرت بسمي عم المصطفى # عباس أشرق بالمعالي نجمه # من نير التوفيق سعدا أشرفا # رقصت بمنبتها الغصون بشارة # بقدوم من بوجوده دهري صفا # قالت ميامن بشره تهن الورى # فالأمن والتوفيق فوزا أخلفا # إلا أن هذه اللهجة تصطبغ بالجد في قصيدة الترحيب بالخديوي بعد الثورة ~~العرابية: # الله أكبر يوم آب عزيزنا # عيد كبير زانه التشريق # وافى الخديوي الفخيم المرتضى # رب الفخار عزيزنا توفيق # رفعت له الأعلام يوم قدومه # وبدا لها في الخافقين خفوق # وسرت بأرجاء البلاد مسرة # من عطرها روح النسيم عبيق # عزفت له الأفراح ألحان الهنا # وبدا يشير لحسنها التصفيق # ومن ثم تمضي في إنكار تلك الثورة التي لم يرض عنها الخديوي: # ولك السيادة ليس ينكر أمرها # إلا عديم العقل أو زنديق # قدحت بأكباد العدا نار الغضا # واشتد ما بين الضلوع حريق # كفروا بأنعم فيض جدواك التي # تربو على قطر الندا وتفوق # ظلموا نفوسهم بخدعة مكرهم # والمكر يصمي أهله ويحيق # فرقت شمل جموعهم فمكانهم # في الابتعاد وفي الوبال سحيق # هذه مصارحة خطيرة وهي الغمزة السياسية الوحيدة في كتابات التيمورية إذا استثنينا ~~مشايعتها للعرش في قصائد الثناء. مشايعة فيها تتلخص عاطفتها «الوطنية» وبها تحب جو ~~«مصر السعيدة» ونيلها الفياض، وألحان أفراحها. تريد لمصر الخير والصلاح والهناء ~~بواسطة الخديوي الذي ترى فيه ms57 أقدر عامل على ذلك، ليس لأنه مصلح أو خير بطبيعته، بل ~~لأنه صاحب الأريكة. فكما أنه فوق رعاياه في المكانة فهو كذلك لهم في الصلاح والعدل ~~المثل الأعلى. # والتيمورية في هذه «المحافظة» السياسية متفقة وطبيعتها؛ لأننا رأينا فيما مضى ~~وسنرى في الباقي من آثارها أنها غير ثائرة. # شعرها العائلي # أليست المجاملة وحب التساهل لتيسر العلاقات بين أعضاء البيت الواحد، وتحل من ~~المشاكل ما قد لا يفلح في حله الصراحة والعناد؟ # تكاد تتوحد العاطفة والمجاملة في بعض شعر عائشة العائلي؛ لأن الملاينة تتخذ لهجة ~~أقرب إلى النفس في مثل ترحيبها هذا بولادة شقيقها: # غنى فؤاد الأم أهلا بالذي # مذ جاء أشرقت المنازل بالهنا # وفي قولها يوم بدأ يقرأ، كأنما هي رأت في المستقبل المرتبة العلمية التي هو ~~بالغها: # لاح العود وأسفر التوفيق # وتلا لنا سور العلا توفيق # 1 # رقم الفقيه له على لوح الهدى # أقبل، فإنك للنجاح رفيق # وفي وصف هدية بعث بها خطيب شقيقتها إلى عروسه: # تهادينا الزهور فعطرتنا # وللنسمات تعطير مضاعف # سألنا ما الذي أذكى شذاها # فقيل لأنها نفحات «آصف» # 2 # وفي قولها في ختان ولدها: # دقت له العلياء دف سروره # لما زها عن ثغره البسام # وغدت تعوذ نجمه لما بدا # ودعته في أفق المسرة سامي # رمقته أحداق الورى من بشرها # وصفت له الأرواح في الأجسام # هذا شعور الأم. ولأنها ترمق ولدها بالبشر، وتصفو له روحها، فهي لا تقبل في الثناء ~~عليه بعدئذ معارضة ولا إنكار؛ فتكتب إليه مرة تطلب كتاب «درة المختار»: # طروس حررت فورا # فحاكت نسمة الأسحار # سأودعها تحيات # بها عرف الصبا قد سار # إلى عالي المكانة من # سما في المجد والمقدار # له همم إذا ظهرت # توارت دونها الأقمار # وأرجو من معاليكم # سريعا درة «المختار» # وتكتب إليه مرة أخرى مشتاقة صادقة، وفي الشطر الأخير مثال من ذكرها لاسمها، أما ~~السطر الأول فمن ألذ أحاديث الأمومة: # قلبي لبعدك لم يحمد مجاورتي # وفر نحو حبيب في حشاه ربي # فقل بطلعتك الغرا وعزتها # واحكم بما ترتضي متعت بالأدب # من غير ms58 قلب أتبقى روح عائشة # لا والذي زان هذا المجد بالأدب # وأصدق صورة من شعرها العائلي في المراثي، ولا سيما مرثاة ابنتها المحبوبة توحيدة ~~وهي القصيدة الوحيدة تقريبا التي يذكرها الناس من شعرها زاعمين أنها خير ما نظمت ~~التيمورية، وحكمهم في هذا حكمهم في كثير من الشئون؛ يقرون رأيا ما، ويعززونه، ~~ويتعصبون له قبل الاطلاع على سواه، بروح التساهل، وقبل أن يصرفوا ولو دقائق في ~~البحث والمقارنة. # وأضيف إلى هذه المرثاة مرثاتها للشيخ إبراهيم السقا الذي يلوح كأنه عضو من ~~عائلتها المعنوية. فتتوجع لفقده: # الدهر أبدل راحتي بعناء # واعتاض صفو تنعمي بشقاء # شجن عرى الإسلام بالظمأ الذي # حل العرى بضمائر العلماء # أضحت حصيدا أرض أزهرنا التي # كانت به كالدوحة الخضراء # تشكو الأوام وما بها من مطفئ # مذ غاب سقاء العلى بالماء # قلبي عليه غدا كجمرات الغضا # وا لوعتي من حره وشقائي # فلأذرفن أسى عليه مدامعي # ما دمت عائشة بخدر فنائي # اسمها من جديد، يصحبه وصف كارب من التحجب؛ إذ تدعو خدرها «خدر فنائها». # أما في مرثاة والدتها فتطلب للراحلة الرحمة، وتهنئ القبر بنزيلته المخدرة التي لم ~~تسفر لغريب: # يا قبر، فاهنأ بالتي أحرزتها # هي درة بالدرج لاحت تسطع # يا رب، فاجعل جنة المأوى لها # دارا بطيب نعيمها تتمتع # واسكب على حصبائها سحب الرضى # فضلا، وإن تك قد سقتها الأدمع # يهنأ لأرباب النعيم نعيمهم # طوبى لمن من نهرهم يتضلع # وبعد هذا الامتثال تنتفض صائحة بالموت الذي فطر حشاشتها. إلا أن صيحتها تظل ~~استرحاما. وما أبلغ وصفها الردى «بمنهل التشتيت» على قياس النظرة الدنيوية التي ~~تختبر به الفراق المر، دون الأمل الروحي الذي يرى فيه وسيلة الاجتماع ~~والاتحاد. # يا منهل التشتيت، حسبك ما جرى # فعيوننا قد أقسمت لا تهجع # ذهب الأحبة واستقر ركابهم # يا ليت روحي ودعت إذ ودعوا # يا ليتهم طلبوا الفداء فهذه # روحي ولكن «ليت» ليست تنفع # وفي رثاء شقيقتها: # أحبيبتي، كيف الرضا بتشتت # قد ضر بالإخوان والأولاد # وفي هذه المرثاة ترتفع التيمورية لحظة إلى ما فوق الندب والرثاء: # يا من ms59 أتى للقبر يقرأ طرسه # مهلا، فليس كتابه بمداد # وأعد له نظرا فإن حروفه # كتبت بذوب العين والأكباد # وفيها هذا البيت الذي يسجل بداهة وجوب انحلال الصور الكونية ليتسنى لها أن تتألف ~~وتتشكل مرة أخرى. فيتم بذلك ناموس من أكبر النواميس في الوجود: # وجدت، وأعدمها الزمان حياتها # ما أقرب الإعدام للإيجاد! ~~••• # تولد المرأة أحيانا صنوف التوليد المحسوس. فأحوال حياتها جميعا تتهيأ لهذه ~~الوظيفة وتتجه نحوها اتجاه الأنهار إلى البحر. ولقد شبهت الأم دواما بالطبيعة، تلك ~~الأم العظمى. وكان ما يرمز إلى أمومة الطبيعة ووظيفة التوليد الرائع فيها، أنثى في ~~جميع أديان الأقدمين؛ فإيزيس المصريين «تلك الإلهة التي بدأت التوليد الإلهي، الأم ~~الإلهية التي ولدت جميع الأشياء»، واللواتي قمن مقامها في الميثولوجيات الأخرى، ~~يرمزن إلى المرأة القادرة بأمومتها، الممثلة الطبيعية بوظيفتها، القائمة حلقة ~~مغناطيسية بين الحياة والحياة. # فما هو شعورها يوم ترى مخلوقها جامدا في حضنها هامدا؟ # لا عجب أن يبدو الكون عندئذ متهدما في نظر الثكلى وأن ينقلب الروض قفرا، وأن ~~يغشى النور ظلام. # ولا عجب أن يكون غمها الأكبر الذي لا يحتمل أن يظل هذا الكون المتهدم لها عامرا ~~لسواها، ويظل هذا النور منتشرا ينير الناس ويفرحهم في حين يدلهم الجو حولها. # أي مأساة هذه التي تتصدع من جرائها الخليقة؟ # أغمضت توحيدة عينيها، فكل الحياة عند عائشة سواد وتهدم وتفجع وتناقض أليم. # ستر السنا، وتحجبت شمس الضحى # وتغيبت بعد الشروق بدور # ومضى الذي أهوى وجرعني الأسى # وغدت بقلبي جذوة وسعير # طافت بشهر الصوم أكواب الردى # سحرا وأكواب الدموع تدور # فتناولت منها ابنتي فتغيرت # وجنات خد شأنها التغيير # فذوت أزاهير الحياة بروضها # وانقد منها مائس ونضير # يا روع روحي، حلها نزع الضنا # عما قليل ورقها ستطير # من أرق قصائد تنسن الإنجليزي وأدلها على شاعريته الحنون قصيدة «ملكة مايو» وهي ~~عادة جرى عليها الإنجليز في بعض المقاطعات أن يختاروا كل عام من بناتهم ملكة ~~للربيع. # فإذا شئت أن تقف على مثال من توارد الخواطر فاقرأ قصيدة تنسن المذكورة # The May Queen # وقابل ms60 بينها وبين مرثاة ~~التيمورية لابنتها ضاربا صفحا على الاتساق التام في قصيدة الشاعر الإنجليزي، وعن ~~نقيض ذلك في قصيدة الشاعرة المصرية. تجد العاطفتين تتلامسان في غير موضع. وأذكر أن ~~عائشة كانت تجهل الإنجليزية، وأن هذه القصيدة لم تنقل في عصرها إلى العربية. وأظنها ~~لم تنقل بعدئذ وقد أكون مخطئة. # فتاة تنسن تقول مودعة والدتها ساعة الموت: # 3 # You’ll bury me, my mother, just beneath the hawthorn ~~shade, # And you’ll come sometimes and see me where I am lowly ~~laid. # I shall not forget you, mother, I shall hear you when you ~~pass, # With your feet above my head in the long and pleasant ~~grass. # I have been wild and wayward, but you’ll forgive me ~~now; # You’ll kiss me, my own mother, and forgive me ere I ~~go; # Nay, nay, you must not weep. # و«توحيدة» تقول: # والقبر صار لغصن قدي روضة # ريحانها عند المزار زهور # وتقول: # أماه، قد عز اللقاء وفي غد # سترين نعشي كالعروس يسير # وسينتهي المسعى إلى اللحد الذي # هو منزلي، وله الجموع تصير # قولي لرب اللحد، رفقا بابنتي # جاءت عروسا ساقها التقدير # وتجلدي بإزاء لحدي برهة # فتراك روح راعها المقدور # أماه، لا تنسي بحق بنوتي # قبري لئلا يحزن المقبور # فتاة تنسن تذكر حبيبها فتقول: # 4 # And say to Robin a kind word, and tell him not to fret; # There’s many worthier than I, would make him happy yet. # If I had lived-I cannot tell-I might have been his wife; # But all things have ceased to be; with my desire of life. # وتوحيدة لا تذكر اسما، إنما تشير إلى الزواج الذي كان قريبا لولا الموت: # أماه، قد سلفت لنا أمنية # يا حسنها لو ساقها التيسير # كانت كأحلام مضت وتخلفت # مذ بان يوم البين وهو عسير # عودي إلى ربع خلا ومآثر # قد خلفت عني لها تأثير # صوني جهاز العرس تذكارا، فلي # قد كان منه إلى الزفاف سرور # وكما تطلب فتاة ms61 تنسن الصلاة، وتبارك الكاهن الذي أسر إليها بكلمات الرحمة والسلام ~~فأفهمها عذوبة الغفران، وحبب إليها الموت بعد أن كان مخيفا، وأكد لها أن المسيح ~~الذي «مات لأجلها سيبلغها السماء» كذلك تطلب توحيدة أن يزار قبرها وأن تتلى الصلوات ~~على روحها لتحظى برحمة الرب الغفور: # أماه، لا تنسي بحق بنوتي # قبري لئلا يحزن المقبور # ورجاء عفو، أو تلاوة منزل # فسواك من لي بالحنين يزور # فلعلما أحظى برحمة خالق # هو راحم، بر بنا، وغفور # الأم عند تنسن لا تسمعنا صوتها. أما عائشة فتنتحب وتعود فتبكينا: # بنتاه، يا كبدي ولوعة مهجتي # قد زال صفو شأنه التكدير # لا توص ثكلى قد أذاب وتينها # حزن عليك وحسرة وزفير # قسما بغض نواظر وتلهفي # مذ غاب إنسان وفارق نور # وبقبلتي ثغرا تقضى نحبه # فحرمت طيب شذاه وهو عطير # والله لا أسلو التلاوة والدعا # ما غردت فوق الغصون طيور # كلا، ولا أنسى زفير توجعي # والقد منك لدى الثرى مدثور # أبكيك حتى نلتقي في جنة # برياض خلد زينتها الحور # إنها تؤمن بالخلود، لذلك يعقب تفجعها الخضوع، وبينا هي تقول بلسان الجسد: # قد كنت لا أرضى التباعد ساعة # كيف التصبر والبعاد دهور! # ولهي على «توحيدة» الحسن التي # قد غاب بدر جمالها المستور # إذ بها يتجه انتباهها إلى ما وراء الموت فتذكر أن الفراق الطويل والانفصال ~~المحسوس لا يجردانها من فخر الأمومة واغتباطها. فتقول بامتثال حزين وقد نما أملها ~~بالاجتماع المنتظر: # هذا النعيم به الأحبة تلتقي # لا عيش إلا عيشة المبرور # وتشكر الله على كل حال: # قلبي وجفني واللسان وخالقي # راض وباك شاكر وغفور # ابنتها إن فقدت بها «كبدها ولوعة مهجتها» فإنها رغم ذلك، الفتاة الصغيرة التي لا ~~تستطيع أن تكون لوالدتها الحصن الحسي والمساعد الذي يخفف الأثقال ويروج الأعمال. ~~صدر والدها هو لها ذلك الملجأ في الحزن واليأس، ومن قلبه التعزية ومن مقدرته ~~المعونة فيوم تفقده تفقد الشاعرة هذه الشفقة التي تلذ لها من أبيها، وتذلها من ~~الناس ولهذا تقول في رثائها له: # يا حسرة ابنته إذا نظرت لها # بمماته ms62 عين من البأساء # يا كنز آمالي وذخر مطالبي # وسعود إقبالي وعين شفائي # يا طب آلامي ومرهم فرحتي # وغذاء روحي، بل ونهر غنائي # أبتاه، قد جرعتني كأس النوى # يا حر جرعته على أحشائي # وهذا الأنين يستحضر لذاكرتي أنين ابن أخيها المرحوم محمد تيمور فيما بعد، عند ~~ضريح والدته في ساعة غم متفجع قانط: # أماه، قومي واسمعي # أماه، ما لك لا تجيبي؟ # أرأيت دمع محاجري # وسمعت يا أمي نحيبي؟ # هل راع قلبك ما لقيت # من النوائب والكروب؟ # إن الوجود صحيفة # ملأى بأسرار القلوب # خلفتني للهم فيه # وللشدائد والخطوب # أماه، إني قد طرق # ت حماك في اليوم العصيب # أبكي على سعدي كما # يبكي الغريب على الغريب # أفنى الغرام تجلدي # وفقدت في أهلي طبيبي # هذا جناه أبي علي # وما جنيت على حبيب # والفرق بين التيمورية وابن أخيها في هذا الانتحاب أن الشاعر الفتى همه الشكوى ~~وطلب الشفقة؛ إذ ليس من يسمع له ويواسيه غير الأم في قبرها. # أما عائشة فتعود إلى انتباه لطيف في حسرتها، وهو دليل رقة نسائية حلوة، تعنى برضى ~~والدها ميتا وحيا. وفيه كذلك دليل على الأثر الذي تركه الوالد الصالح الحكيم في ~~حياتها: # يا ليت شعري، حينما حل القضا # هل كنت عني راضيا أم نائي؟ ~~••• # أسمعت القصب يشدو؟ # ذلك القصب الشرقي الساذج الذي سبق شدو جبروت الفراعنة وجلال الأهرام وكتمان ~~الهياكل - أسمعته يشدو تحت النخيل على ضفاف النيل عند حلول الشفق ؟ # لكأن شدو عائشة شدوه. # إنها تجرب مزمارها في المجاملة، وتنتحب فيه بالرثاء، لتبلغ منه أشجى قرار وأحر ~~زفير في شكايات الغرام. وتسمو به بعدئذ مرفرفة كالألحان المجنحة، في الابتهال إلى ~~المهيمن على دوران الأكوان وحظوظ بني الإنسان. # الفصل السادس # | أشعارها في الغزل والأخلاق والدين # شعرها الغزلي ~~«الحب عارض في حياة الرجل، ولكنه حكاية حياة المرأة.» # كلمة شهيرة قالتها امرأة من أنبغ نساء العالم في فيض عاطفتها واتساع تفكيرها وفي ~~مقدرتها الأدبية، هي مدام «دي ستيل» الفرنسية التي نالت شهرة غير مختلسة، ومجدا ~~مستحقا، وإعجابا توافق وعبقريتها النادرة. وقد عاشت ms63 تلك المرأة الممتازة، عمرها ~~وعواطفها تذوب جوعا، والظمأ إلى الحب الهانئ يبرح بها، ولم تفهم معنى السعادة، على ~~قولها، إلا في الحب المتبادل الذي تم لها في الأعوام الأخيرة من حياتها. # المفروض أن تسير عاطفة الحب عند المرأة سيرها الطبيعي ابتداء بحب الوالدين، إلى حب ~~الأخوة والأخوات، إلى حب الأقارب والأصدقاء، ثم يتجه الحب في حينه إلى الخطيب الذي تطلب ~~فيه المرأة طبعا الحبيب، ثم حب الزوج والولد والعائلة الجديدة بشتى فروعها. # وبرغم أن هذا الحب نسيج حياة المرأة، فإن الرجل الذي اعتاد إذلالها باسم القوة ~~والحصانة، سد في وجهها منفذ الانتباه لعواطفها المشروعة، وأنكر عليها الإفصاح عما ينبئ ~~بأنها ذات يقظة مستقلة. وكل ما اقتحمته في عالم التعبير خلال العصور المظلمة يكاد يتلخص ~~في وصف النبات والحيوان في حكايات قصيرة، ولم تنظم إلا الأناشيد الدينية والصلوات ~~الروحانية، فإذا خرجت من ذلك فلتصوير حياة الرعاة وعاداتهم ومرحهم في عيشة الخلاء، أما ~~النساء العربيات في الجاهلية وفي صدر الإسلام فلم ينظمن - على ما أعلم - إلا في المدح ~~وفي الرثاء وما إليهما. وقليل ما ينسبونه من شعر الغزل والنسيب إلى بعض الشاعرات. # ولو أننا رجعنا إلى أوائل القرن الماضي - وهو عهد مدام دي ستيل نفسها - يوم أنشأت ~~المرأة في الغرب تنزع إلى تحرير فكرها وإطلاق براعتها، وقابلناه بعهد عائشة والمرأة ~~حبيسة خدرها وراء الحجاب، لوجدنا شاعرتنا في طليعة نساء العهد الجديد المتعرفات حقهن في ~~حرية العواطف ومشروعيتها ضمن حدودها الطبيعية، هي في طليعتهن، ليس في الشرق فقط، بل في ~~العالم المتمدن كله. ~~••• # لقد قالت الكثير من شعرها الغزلي محاكاة وتقليدا، كما اعترفت بذلك في تصدير بعض ~~أبياتها حيث تجد: «وقالت متغزلة في غير إنسان والقصد تمرين اللسان.» ولكن، أتكون ~~الأبيات التالية في بساطتها «لتمرين اللسان» كذلك؟ # أشكو الغرام، ويشتكي # جفن تعذب بالسهر # يا قلب، حسبك ما جرى # أحرقت جسمي بالشرر # رام الحبيب لك الضنى # لم ذا وأنت له مقر؟ # لكن تعذيب الهوى # ما للشجي منه مفر # ويبدو شعرها في أصدق لهجاته عندما ms64 تذكر هذا السعير الذي يضرمه الشوق (وكثيرا ما ~~يذكيه الصد في بعض الأمزجة إلى حين) وهي تستوحيه في أكثر غزلها: # حر التهابي ووجدي واحتراق دمي # بفيح وادي الغضا عمن سواك خفي # هاكه في هذا المخمس الذي سمعتهم ينشدونه في سورية: # يا ظبي، في قلبي عليك حرارة # تطفي لظاها - إن سمحت - زيارة # حلو الرضاب، أفي الوصال مرارة # أم في التفاتك للشجي خسارة # وجميع ربحي في الهوى أنفقته # ومن مربعاتها: # لما نأى عني وبان صدوده # والقلب أصبح لا يفيق عميده # ملك الهوى رقي وحق وعيده # والحب خط بالجباه قديم # بهذا الشطر الأخير هي تردد الفكرة الشائعة في الشعر العربي، وهذه الفكرة حقيقة ~~محسوسة، فحواها أن بين جماهير الناس أشخاصا خلقوا للحب وكانوا مفطورين عليه أكثر من ~~غيرهم، وقد قدر على أولئك الأشخاص أن يعرفوا بعضهم البعض وأن يبحث الواحد منهم عن ~~الآخر، أللسعادة أم للشقاء؟ سيان! وإنما للحب وفي سبيل الحب على كل حال. وتمضي عائشة في ~~إتمام مربعاتها، وكلها غنائية تجمع بين بساطة اللفظ وسهولة المعنى وفتنة الغرام ~~الضرورية لتوقيع الإنشاد: # يا ليل، ها أنا فيك ساه ساهر # ولعزة المحبوب شاك شاكر # يا ليل، قد أيقنت أنك كافر # إذ لم يكن لي من دجاك رحيم ~~••• # يا ليل، إنك في الفعال منافق # هذا تسهده، وذاك توافق # وإذا لضيم أن فيك العاشق # ضاعفت شكواه وأنت بهيم # وهذا الخطاب لليل يذكرني بأبيات لابن أخيها، المأسوف عليه محمد تيمور الذي رأى في ~~الليل عكس ما رأت فخاطبه مطمئنا إليه شاكيا غدر الناس: # أنا، يا ليل، أناجي # منك سلطاني الرحيم # أنا في الدنيا وحيد # ولي الناس خصوم # راقهم، إن جد أمر # برق غدر لا يدوم # ورأيت الغدر نارا # ورأوا فيه النعيم # هدموا بنيان ودي # وانمحت منه الرسوم # ومليك الليل بر # هو لي أم رءوم # وهو لي خل أمين # ولأفكاري نديم # أنا، يا ليل، أناجي # منك سلطاني الرحيم ~~••• # ارتكبت قبل اليوم جريمة الصراحة إذ قلت إن الخيال الشعري عندنا من الفقر بحيث ترى ~~المعاني نفسها مكررة في ms65 كل جيل بنفس الألفاظ القديمة. وقد بحث السادة الشعراء عن مزيد ~~من القيود فاهتدوا إلى ما يسمونه «المعارضة» التي تفرض عليهم التزام البحر والقافية كما ~~تعهدوا بالتزام اللفظ والمعنى مع شيء من التبديل في الوضع! فهل بعد هذا من لوم على ~~عائشة إذا هي وقفت عند معالم الغزل المألوفة التي قصرت في الكثير من شعرنا على التشبب ~~بالعين والحاجب والخال وأخواتها؟ وشهدت عائشة جميع الأجيال السالفة تلوم العواذل راجية ~~أن يرد كيد اللاحي إلى نحره. ففعلت هي فعلتهم جميعا فلامت العواذل، راجية أن يرد كيد ~~اللاحي إلى نحره. وتغزل الشعراء بالخمرة، وزعم المتصوفة منهم أنهم يرمزون بها إلى الحب، ~~وأحيانا إلى الحب الإلهي، فعلام لا تتحداهم عائشة؟ # جهل العواذل ما تريد بشربها # نفسي وما تلقي من السكرات # وسلوها عن جفوة أم صبوة # لفؤادي المضني من الحسرات # شتان بين ظنونهم وسرائري # الله يعلم منتهى غاياتي # كذلك تحدث الأندلسيون في شعورهم واصطناعهم تفهم أسرار الطبيعة وتأويل معانيها، فوصفت ~~حركات حدثت للزهر وللماء؛ لأن المحبوب، الذي تسميه التيمورية بالاسم الطامي في الشعر ~~العربي، أي الغصن، بدا في الروض. فاهتز لظهوره كل ما استطاعت ألفاظ الشاعرة أن تهزه من ~~الموجودات. فإذا بها تتساءل: # إن كان ذلك حال الزهر من عجب # فكيف حال أخي وجد وأشواقي؟ # كل هذا التعمل عندها وعند من قلدتهم، بل عند الكثيرين من كتاب الغرب، كان مقدمة طويلة ~~لعهد «الرومنتزم»؛ أي عهد دخول الشعراء والأدباء إلى نفوسهم يلمسون جراحهم بأيديهم ~~ويستوحونها، ويتعرفون حالاتهم النفسية فيتمكنون من النظر إلى الطبيعة تلك النظرة ~~النافذة الرائعة فيكتنهون فيها مغزى المعاني ويرون فيها فاتن الصور والألوان في الحزن ~~وفي الابتهاج جميعا. وما ذكر الإحساس بالطبيعة ونزعة الرومنتزم؛ أي النزعة الوجدانية ~~الصميمة في الأدب، إلا ذكر جان جاك روسو موجد تلك النزعة في آداب الغربية. فسرت من بعد ~~إلينا، وتعلم الجيل الجديد من شعرائنا تعرف ما في نفوسهم وما في الطبيعة من تغير وتنوع ~~في الظواهر وفي الخوافي. بيد أن الرومنتزم، ككل شيء آخر في هذا ms66 الكون، أفسح المجال ~~لمذاهب أدبية أخرى تطورت منه ومن فروعه فأصبح اليوم في حكم «القديم» في أوروبا، بينا ~~هو وغيره من شتى المذاهب الأدبية ما زال شائعا عند الجيل الحاضر من شعرائنا وأدبائنا. ~~••• # ولكن عودة إلى التيمورية! إننا رأيناها متكلمة بلهجة الرجل، وذلك راجع طبعا إلى ~~أمرين اثنين ذكرتهما قبلا، وهما: # أولا: # عادة الضغط على عواطف المرأة وإخراس صوتها. فكان أيسر لها أن تتخذ ~~لجهة الرجل المصرح له بما حظر عليها. # ثانيا: # لأنها كانت مقلدة؛ فقد قلدت الرجل في معانيه كما قلدته بداهة في ~~لهجته. الرجال أساتذتنا ومهذبونا ومكيفونا، عليهم نتلقى دروسنا، وعن ~~كتبهم وكتاباتهم نقتبس المعرفة، وبذكائهم نستعين لصقل ذكائنا وإنمائه، ~~ومنهم نستلهم كل فكر عظيم وكل عاطفة جليلة. لقد احتكر الرجال جميع ~~أنواع القدرة والإبداع والتفوق، فما نكاد نفتح عيوننا وأذهاننا حتى نرى ~~جميع مناحي السلطان والسيطرة والنفوذ ممثلة فيهم. بيد أن الطبيعة ~~النسائية تظهر عند عائشة بعض الظهور في الخجل الذي يشعر المرأة أحيانا ~~بأنها صغيرة ضئيلة أمام من تحب، كما يشعرها بأن هذا الرجل الذي اختارته ~~هو الذي يملأ الدنيا حياة ويفيض عليها الرونق والنور: # أنا المسربل بالأعذار من كلفي # إذا التقينا، وأنت الرائق الوسم # وتظهر طبيعة المرأة ظهورا أتم في هذا الخجل الصريح: # وهذه كلمات قادها شغف # إليك، لولاه لم تبرز من القلم # جاءت، ومن خجل تمشي على مهل # تخاف عند لقاها زلة القدم # وقد يكون خير شعرها الغزلي وأصدقه في القصائد التي قيلت خلال رمد عينيها وبعد الشفاء ~~منه، يوم عادت إلى مشهد النور ورؤية وجوه الأحباب. ومنها: # بكعبة الحسن إنسانا أرى فسلوا # عيني التي طالما ضلت من الغسق # وخبروني، أأنساني صفا ودنا # لمستهام رماه البين بالأرق؟ # وما لبث أن عاودها الرمد فانقلبت تشكو الظلام الذي هي فيه والألم والحرمان ~~جميعا: # فوا أسفي على إنسان عيني # غدا في سجن سقم واعتقال # حجبت بسجنه عن كل خل # وصرت مخاطبا صور الخيال # ثم ترسل الأمنية الواحدة المتضمنة أماني أخرى: # فيا إنسان عين غاب عنها # وبدلني به ms67 طول الملال # عسى ألقاك مبتهجا، معافى # وأصبح منشدا «أملي صفا لي» # لتهنأ مقلتي بسنى حبيب # بديع الحسن، محمود الوصال # وأنظم أحرفي كالدر عقدا # به جيد الصحائف كان حالي # ثم تصف ما تقاسي من العذاب في الظلام والأرق: # فكم أمسي بما ألقى حزينا # وبين النوم معترك وبيني # أبيت ومؤنسي الخفاش ليلا # وحالي معه شر الحالتين # فذاك بنور عينيه مهنى # ولي أسف بحجب المقلتين # وأبسط للظلام أكف بثي # وأشقى لوعة بالظلمتين # تراني معرضا عن كل ضوء # فهل خاصمت نور النيرين؟ # ينافرني السنا فأفر منه # كأن الضوء يطلبني بدين # وأجنح للظلام جنوح صب # دنا لحبيبه بالرقمتين # وجاء يوم شفيت نهائيا فمضت تنشد «أملي صفا لي!» على نحو ما تمنت: # روحي بقربك قد نالت من الأرب # ما ترتضيه، فمرها في الهوى تجب # فضع يمينك فضلا فوق مهجتها # تكف بالكف ما عانته من وصب # لا تنكرن مزايا الحب إن له # في الراحتين لراحات من التعب # هذا معنى آخر مقتبس كسائر معانيها، إلا أنه في الأصل ذا مغزى بعيد. ففيه إشارة إلى ~~مغناطيس اليد كم هو مؤثر فعال بين المحبين والأصدقاء، حتى بين الغرباء الذين لا تنافر ~~بينهم. وهو قاعدة علمية تقوم اليوم عليها، أي على مغناطيس لمس اليد، طائفة من تجارب ~~التنويم المغناطيسي وكيف لا يكون لكف الحبيب هذا التأثير، والحب محور الحياة؟ # صب لقربك بالحياة يجود # إني له بعد البعاد وجود # بختام طبع الحسن قد طبع الهوى # في قلبه «هذا هو المقصود» # ولكن العواذل - لحاهم الله!- عادوا إلى الاصطياد في الماء العكر، بتعبير كتابنا ~~السياسيين في هذه الأيام. فهل من انتقام أتم من رميهم بالكفر؟ # كأنهم بعنادي عصبة كفروا # ما حل في قلبهم صدق وإسلام # أما وهناك ما يؤدي إلى خيبة الأمل وصد العاطفة، فتسخط شاعرتنا، ورغم الألم والمضض ~~تجنح إلى الإعراض والنسيان: # غضضت نواظري عن غصن قد # وعفت حنين قلبي، وهو روحي # فلو عقب الهوى قلبي، وقالت # إذن روحي أروح، لقلت روحي! # وأفكاري تسوح لفرط شوقي # فأطوي لوعتي، وأقول سوحي! # لظبي قد بكت عيني، ms68 وقالت # أنوح إلى النشور، فقلت نوحي! # وذاك لميله شرقا وغربا # لنفحات الغبوق مع الصبوح ~~••• # كان الناس في عصر عائشة يتلقفون الأدوار والمواليا، تلك الأغاني الشعبية التي يفهمها ~~الجميع ويستلذونها بلا إجهاد؛ لأنها تخاطب ألصق العواطف وتحدث عنها باللهجة العامة. ~~وتلك الأغاني، كمجموعة المغني العربي القديم والحديث، تكاد تنحصر في شكوى الحب، ولوم ~~الحبيب، ووصف جماله ودلاله، وعبادة ما نثر على وجنتيه من خال وشامة، والتحرق من جراء ~~هجره، والابتهال إليه وإلى الأيام والقدر ليروا جميعا ما يحسن صنعه لتسوية الأمور ... ~~وقصائد عائشة الغزلية لا تعلو هذه الأغاني إلا بكونها منظومة؛ لذلك سهل إنشادها، لا ~~سيما الرباعيات التي يغنوها في سورية وفلسطين لبساطة معانيها وتراكيبها. كذلك سمعت ~~أدوارا ومواليا تنشد في اجتماعات الأنس وحفلات الأفراح، ولم يدر المنشدون أنهم ~~بإنشادهم يلحنون روح التيمورية. كما أن كثيرين منا عندما ينشدون «قدك أمير الأغصان» ~~و«الحلو لما انعطف» وغيرها، يجهلون أنهم منشدون شعرا لإسماعيل صبري باشا. وأن كثيرا ~~من الأدوار الشائعة هي من صنع أدباء كبار نحسبهم تحصنوا في معاقل اللغة الفصحى مزدرين ~~بالأدب الشعبي البليغ. وهاك دورا من وضع عائشة: # حياتي بعد بعدك نوح # ووعدي ضيعك مني # دانت أنت الغذا للروح # وليه ترضى البعاد عني؟ # وغيره: # أنا أحب الحب # نفس الغرام روحي # وصبحت أول صب # الناس ترى نوحي # في قلب من جوه # والسر هو هوه # وهذا من المواليا: # يا ألف أهلا، مليك الحسن أهو قابل # وكل مضني بحسن الامتثال قابل # هاروت لحاظه أتى بالسحر من بابل # كم من ضنى تاهت أفكار وقلبه داب # يا قلب، تقبل كدا؟ # قال لي: نعم قابل ~~••• # اشتهر كاردوتشي الإيطالي بموهبته الشعرية وبموهبته النقدية معا. وكان يؤثر عنه كذلك ~~ازدراؤه بشاعرية المرأة. وله في ذلك رأي سار مسير الأمثال، وهو أن اثنين عليهما أن لا ~~يعالجا الشعر وهما: الكاهن المسيحي والمرأة. ولكثيرين من الناس في مواهب المرأة رأي لا ~~يختلف عن رأي كاردوتشي ولست أدري هل قدر لهم ما قدر لكاردوتشي فحمله على تغيير رأيه مما ~~سجله بقلمه على ms69 نفسه في اغتباط يوم وضع المقدمة لمجموعة الشاعرة الإيطالية آني فيفانتي. ~~ليس أظرف من اندحار هؤلاء العظماء بعد تعنتهم في بعض الآراء غير الناضجة، ولا أصرح من ~~اعترافهم بالخطأ اعترافا خلا من التحفظات والاستدراكات والمداورات التي تشغل جماعة من ~~الكويتبيين وذوي المدارك المحدودة، أولئك الذين كأنهم لا يفتئون يقولون: أعترف، ولكني ~~لا أعترف. صحيح، ولكنه غير صحيح. جميل، وهذا مع ذلك غير جميل! # عدل كاردوتشي رأيه بعد مطالعة أشعار إليزابيث براوننج الإنجليزية، ومدام ديبور فالمور ~~الفرنسية، وآني فيفانتي الإيطالية، مصرحا بأن لدى المرأة شيئا تقوله غير ما تنسخه عن ~~الرجل. ولا عجب في قوله بل العجب في قول المناقضين؛ لأنه مهما فاخر الرجل بعبقريته التي ~~نحبها ونعجب بها ونستحثها فيه، فهو لا يستطيع أن يزعم أنه الطبيعة البشرية كلها؛ لأن ~~الطبيعة لم ترده أن يكون أكثر من النصف الواحد من الذات الإنسانية المكتملة فإذا به هذا ~~النصف النشيط البارع الجميل الذي أوجد لنا ما نتمتع به اليوم من محاسن الحضارة والثقافة ~~... ومن الباقي الذي نشقى به وهو غير خير وغير حسن ... # أما النصف الآخر فهو المرأة، النصف الذي ظل إلى اليوم مهملا، إن لم يكن مكموما ~~مسحوقا. النصف الذي قد يذكر أحيانا بصفته غير موجود في ذاته ولا حق له على الحياة ~~والحرية، وكل الغرض منه هو إخراج النسل ليس غير. هذا الرأي شائع كثيرا، بيد أنه لا ~~يتناول الأقلية المنصفة من الرجال الذين هم في الحقيقة نبهونا إلى نفوسنا، ولهم الفضل ~~الجزيل في تشجيعنا وإرشادنا ومساعدتنا. # بدهي المرأة في بادئ الأمر تقلد الرجل تقليد التلميذ للمعلم، تقليد الصغير للكبير. ~~بدهي أن تفعل ذلك في مجموعها المستيقظ. ولكن تتفلت من كل تقليد واحتذاء صاحبات العبقرية ~~منذ ظهور نزعتهن، مثيلات سافو، ومدام دي ستيل، ومدام دي نواي معاصرتنا التي فازت العام ~~الماضي بجائزة الآداب من الأكاديمية الفرنسية، ومتليدا سيراوو التي يشبهها بول بورجيه ~~ببلزاك الكبير في رواياتها المشبعة بحياة الشعب وبوصف عاداته وانفعالاته وآلامه. # إن عواطف المرأة وتأثراتها شيء بشري مشروع. ms70 وبالمران تتعلم الاستسلام لطبيعتها ~~النسائية والركون إليها في الاهتداء إلى التعبير، بعد أن لجمت خوالجها قرونا طوالا. ~~والصيحة التي ترسلها الآن ستفتح في إدراك البشر وفي آدابهم أفقا جديدا. # أثبت هذا في إيمان وهدوء، دون تحيز ولا تعنت. # إنما نحن من الذات الإنسانية الواحدة الجهة الماثلة إزاء جهة الرجل، فنختبر إذن ~~بفطرتنا ما لا يستطيع الرجل أن يعرفه، كما أن اختبارات حضرته تظل أبدا مغلقة علينا. ~~وإذا قدر للمرأة المصرية أن تلج باب الشعر والأدب وتمعن في المسير في ما وراءه من فسيح ~~المسافات كان مرجع الفضل إلى التيمورية التي نشرت أول علم في الجادة غير المطروقة، ~~وبكرت في إرسال الزفرة الأولى أيام كانت تكتم الزفرات وكان إرسال الصوت في عالم الأدب ~~يحسب للمرأة عارا وجريمة. ويوم ينمو الأدب النسائي في هذه البلاد فيجيء حافلا بحياة ~~فنية غنية، ستظل أناشيد عائشة - هذه الأناشيد الساذجة - لذيذة محبوبة كترنيمة المهد ~~القديمة التي همهمت لنا بها أمهات أمهاتنا، شجية مطلوبة كشدو القصب القائل في ظل ~~النخيل: إن وراء المشاغل والهموم، يلبث القلب البشري معذبا بظمأ لا يرتوي، مثقلا ~~بحنين لا يعرف الاكتفاء والنفاذ ... # شعرها الأخلاقي والديني # كنا في الفصل السابق في أنس وبهجة وكأننا في ليلة من ليالي الأعراس؛ لأن شعر عائشة ~~الغزلي كان مستحضرا لنا نغمة القصب، ونقرة الدف، وشدو المغني، أما هذا الفصل، فإنه ~~سينتقل بنا من «مجلس الأنس الهنيء » إلى ما يشبه خطبة أخلاقية. فكأننا اليوم نقول مع ~~عائشة: # تركت الحب لا عن عجز طول # ولا عن لوم واش أو رقيب # ولا من روع زفرات التصابي # ولا من خوف أجفان الحبيب # ولا حذر الفراق وخوف هجر # به تجري المدامع كالصبيب # ولكني اصطفيت عفاف نفس # تقر بصفوه عين الأريب # والواقع أنني لم أكن مخيرة في انتقاء هذا الموضوع، بل أنا مرغمة عليه بحكم سياق البحث ~~وانسجامه. أما عائشة فتقول إنها «اصطفت عفاف النفس» ولماذا؟ # وذاك لأنني في عصر قوم # به التهذيب كالأمر العجيب # نستطيع أن نجعل هذا البيت حدا فاصلا بين ms71 ما نظمته التيمورية للمجاملة والمحاكاة ~~والرثاء وتبيان العواطف وبين ما نظمته لتأدية رأي لها في شئون المجتمع، وتبصر في أحواله ~~وأخلاقه بين طوارئ الزمان وتقلبات الأيام. # ورأيها وتبصرها لا تنفرد بهما، بل هما شائعان لا سيما بين الشرقيين. ولكن يهمنا هنا ~~منهما أن شاعرتنا عمدت إليهما وأخذت بهما، ولو من وجهة سطحية. إن عائشة لم تتعمق أصلا ~~في فكرة أو في عاطفة. بل كانت تكتفي بالناحية المطروقة وترضى لها بالتعبير المألوف. ~~ولكن لا ننسين أنها المرأة المصرية الوحيدة في عصرها التي أقدمت على ما لم تدرك أهميته ~~يومئذ مئات الألوف من النساء ومن الرجال أيضا. # ولقد ألمحت غير مرة في شعرها وفي نثرها إلى ما بينها وبين وسطها من عدم التفاهم. ~~وهاكن أبياتا تدل على ما حاولته في سبيل التآلف والتفاهم، في حين وسطها لم يبذل من ~~ناحيته جهدا ولم يبد لملاقاتها اهتماما: # عقدت عزمي وهم حلوا عزائمهم # وفي العزائم محلول ومعقود # ما طابقوا حين لم يبدوا مجانسة # ولا تشابه معدوم وموجود # أبدي ائتلافا ويبدون الخلاف، وقد # غدا لهم في جيوش الهجر تجريد # وكم أقابلهم مستنجزا، ولهم # لسوء حظي، في الأعراض ترديد # لو للسعادة عين في مساعدتي # ما كان لي ساعد بالطوق مشدود # هي تعني أن السعادة لو شاءت أن تساعدها ما كانت أوجدتها مقيدة بقيود هذه البيئة، ~~خاضعة لظلم الوسط الذي يرهقها. وهنا نتأكد مرة أخرى أنها لم تكن سعيدة. وسنفهم شيئا ~~فشيئا أنها كانت تتألم من انفرادها الأدبي، وسط المجهود الذي تبذله في رجاء ونشاط ~~فيئوب عليها مقاومة وفشلا. فإذا بها تلقي إلينا بهذه النصيحة غير الجديدة: # لا تفرحن بدنيا أقبلت وصفت # بكل ما ترتضي، واحذر عواقبها! # وعلام هذا التحذير؟ لأن من صفت له الدنيا من ناحية تجهمت له من ناحية أخرى؛ لأن ~~الصفاء نفسه لا يدوم، وقد لا يطول حتى ينقلب كدرا. فخير شيء وسط هذا التحول في العسر ~~واليسر، انتهاج طريق العفة والاستقامة والصلاح: # ما الحظ إلا امتلاك المرء عفته # وما السعادة إلا حسن أخلاق # وهي ms72 تعطينا نصائح أخرى لتشرح لنا قليلا ماذا تعني بالأخلاق الحسنة: فمنها عدم الركون ~~إلى المملقين، ومنها الإقلاع عن البخل وعدم التعلق بالمال والقناعة: # رب الدراهم أحصاها وعددها # في حصن أكياسه ألفا على ألف # والحمد لله إذ عدي لمسبحتي # وعن سواها تراني قاصر الطرف # ومنها حفظ اللسان؛ لأننا جميعا بشر تشوهنا العورات: # احفظ لسانك من ذم الأنام ودع # أمر الجميع لمن أمضاه في القدم # معايب الناس لا يكبرن عن غلطي # إذا نممت بها في محفل الهمم # ومنها صيانة النفس: # وما احتجابي عن عيب أتيت به # وإنما الصون من شأني وعاداتي # ولو كنا في مجال المناقشة كنا أثبتنا أن الصون لا يقوم بإسدال الخمار، كما أن التبذل ~~ليس قائما بالسفور. إنما الصيانة والعفة ملكتان نبيلتان من ملكات النفس، تأخذ بهما ~~المرأة بصرف النظر عن زي الثوب وهندام الرأس. وسنرى عندما ننظر في آراء أخرى لعائشة ~~أنها إن هي فاخرت بالحجاب في شعرها فهي تشكوه في نثرها؛ لأنه حرمها مجالسة أهل الفضل ~~والأدب وحال دون الاستزادة مما ترغب فيه من علم ومعرفة. # أما الآن فحسبنا الإصغاء إلى بقية ما تقول مفاخرة بالحجاب. هي تفاخر، ونحن نوافق على ~~هذه المفاخرة التي نود أن تكون نشيدا للصيانة النسائية الأخلاقية، ونتمنى وجود هذه ~~الصيانة الأبية، وبأرقى مظاهرها، عند كل امرأة وكل فتاة. وهذه هي أبيات المفاخرة ~~الوحيدة في شعر عائشة: # بيد العفاف أصون عز حجابي # وبعصمتي أسمو على أترابي # وبفكرة وقادة، وقريحة # نقادة قد كملت آدابي # ومنها: # ما ساءني خدري وعقد عصابتي # وطراز ثوبي واعتزاز رحابي # ما عاقني خجلي عن العليا، ولا # سدل الخمار بلمتي ونقابي # عن طي مضمار الرهان إذا اشتكت # صعب السباق مطامح الركاب # بل صولتي في راحتي وتفرسي # في حسن ما أسعى لخير مآب ~~••• # نيات صالحة وآراء طيبة. بيد أني إذ أراها مؤكدة المرة بعد المرة أن السعادة في حسن ~~الأخلاق يخطر لي أحيانا أن أقول: كلامك يا سيدتي على الرأس والعين، لكني لا أراه ~~متطابقا والواقع. الشعر الأخلاقي غير الشعر الغزلي؛ هذا ms73 يلقي إلينا بما شاء من العواطف ~~والخيالات والأماني فيروقنا ونطرب له. أما الشعر الأخلاقي فشيء آخر؛ إنه يلقي علي ~~درسا ويختط لي طريقا. فلي الحق أن أناقشه إذا هو لم يفلح في إقناعي بقوله إن السعادة ~~في حسن الأخلاق وفي صيانة النفس وفي حفظ اللسان، إلى آخر ما يسديه إلي من النصائح. ~~فهاك إنسانا صالحا لم يجن إثما، ولا يؤذي أحدا. ويعبد الله ويسالم الناس، ويتكل على ~~ذاته في العمل ليل نهار متبادلا وإخوانه البشر منافع العمل وحسناته. ورغم كل ذلك فهو ~~ليس بسعيد، في حين فلان، وهو سيء الخلق لا يراعي في معاملته ذماما، ولا كرامة، ولا ~~عدلا، ولا حقا، فهو مع ذلك سعيد تبسم له الدنيا ويساعده الحظ في جميع شئونه. ثرثار، ~~طويل اللسان، طويل اليد، الاغتياب دأبه، والنفاق ديدنه، وبرغم ذلك فالناس له مصادقون ~~وأوفياء يعزونه ويكرمونه ويهابون جانبه. فكيف أهتدي إلى الصواب وسط هذا التناقض المبين؟ ~~علام يرغد المنافقون والدساسون حولي، وأنا من الرغد والطمأنينة محروم؟ وأولئك الذين ~~يمزقونني بافترائهم وتطاولهم، ترين بماذا أجيبهم وكيف أعاملهم؟ # عبثا نلقي على شاعرتنا هذه الأسئلة، إنها لا تعطي عنها جوابا. بل تحدثنا عما تفعل ~~هي عندما تتألم من مثل ما يؤلمنا وكيف أنها اتخذت من النوائب وسيلة للتشدد والتقوي ~~والتغلب على النفس المتوجعة وعلى العالم الظالم: # كم قابلتني ليال ريحها سحر # بطيئة السير ترمي بالشرارات # لاقيتها بجميل الصبر من جلدي # وبت أسقي الثرى من غيث عبراتي # كم أقعدتني أيام بصدمتها # وقمت بالعزم مشهور العنايات # وأما كلام الناس، أغبياء كانوا لا يدركون فضلها أم كانوا حسادا يتحرقون من تفردها، ~~فإنها تحتمله بتجلد وأدب، ولا تشكوهم لأحد؛ لأنها لا تجهل ما يصطنعونه من اهتمام في ~~الظاهر وهم في سرائرهم غافلون أو مبتهجون. وإن هم من تلقاء أنفسهم تعلموا عندها ~~الاهتمام والعطف أو جاهروا باللوم والنقد تظاهرت هي بالرضى وحدثتهم عن ~~«ابتهاجاتها»: # وكم حليفة سعد إذ تعنفني # تقول سعيك مذموم النهايات # فأخفض الطرف من حزن أكابده # وأهمل الدمع من تلك المقالات # ومنها: ms74 # ومذ أتت عذلي تبغي مصادرتي # ظلما، منحتهمو أسنى الكرامات # وكلما عددوا ذنبا رميت به # بسطت للعفو راحات اعترافاتي # ولم أفه لذوي رد لمعرفتي # أن الحبيب حبيب في المسرات # أقوم والضيم تطويني نوائبه # طي السجل، ولم أسمعه أناتي # أخفي الأسى إن حسود جاء يسألني # لأين تسعى؟ وأومي لابتهاجاتي # وعلام هذا الاحتمال؟ ولماذا يكون بين الناس المحظوظ والمغبون؟ الجواب عندها امتثال ~~كئيب: # أقول للصبر: لا عتب على زمن # أعطى لأبنائه أسمى العطيات # فيحدثها الصبر بحكاية تقلب الأيام، فتتذوق الحديث كأن فيه بعض التعزية: # فقال: مهلا، ولا تغررك شوكتهم # فالصحو يعقبه سود الغمامات # فليس كل ملوم دام مكتئبا # وما السعيد سعيد للملاقاة # فدهرهم غرهم جهلا وما علموا # أن الزمان قريب الالتفاتات # بيد أن هذه التعزية لا تطيب خاطرها ولا تقنعها، فتعود في آخر القصيدة إلى الشكوى ~~والتضرع: # ربي إلهي معبودي وملتجئي # إليك أرفع بثي وابتهالاتي # قد ضرني طعن حسادي، وأنت ترى # ظلمي، وعلمك يغني عن سؤالاتي # ومنها: # فكيف أشكو لمخلوق، وقد لجأت # لك الخلائق في يسر وشدات # فيا لها من جراح كلما اتسعت # أعيت طبيبي رغما عن مداواتي # وهكذا نحن من شعر عائشة الأخلاقي في دائرة صغيرة لا تنفحنا بمتين الحجة أو بمكتمل ~~الرأي القائم بنفسه. بل نعثر فيها على الكلمات المسكنة من صبر وتجلد وإنذار بأن الأيام ~~متقلبة لا تدوم على حال. ودفعا للألم تتمنى عائشة أن تتجرد من كل شعور وكل رجاء، وكل ~~اغتباط، وألا تنتظر السعادة كيلا تفاجأ بالفشل والخيبة: # فلا تقل لي متاع وهو عارية # واليأس عندي راحات اعترافاتي # على أن الراحة الكبرى عندها في الصلاة وفي الالتجاء إلى الله الذي هو وحده يسعد ~~ويشقي. وهذه العاطفة تصل بين شعرها الأخلاقي وشعرها الديني فتجعل منهما مزيجا ~~واحدا. ~~••• # لقد تغذت الإنسانية منذ فجر تاريخها، بعواطف أولية قليلة استدرت منها كل نشاطها وما ~~فتئت تسوقها في جهادها. وتلك العواطف منها الحسن ومنها السيئ. ومن مظاهرها ما هو صالح ~~ومنها ما هو طالح. ومن تمازج هذه العواطف في نفوس الأفراد وفي نفوس ms75 الجماهير تتكون ~~الرغبات والشهوات والانفعالات التي تتلاطم وتتعارض فيما بينها. فينجم عن تباينها ومضيها ~~في الاسترسال ما نسميه التطور الإنساني الذي نشهد منه هذه الصور الرائعة دهرا بعد دهر ~~في ازدهار الحضارات، وفي كل ما يهتدي إليه الإنسان من اكتشاف علمي واختراع آلي، ونظام ~~اجتماعي ودولي، وابتكار فني وأدبي. # ومن تلك العواطف الإنسانية الإعجاب بمكارم الأخلاق الذي نجده حتى عند أحط الجناة ~~غريزة، ومنها العاطفة الدينية المتلونة بشتى الألوان على تنوع النفوس، حتى لتبدو ~~أحيانا في مظهر يزعمه البعض «كفرا». على أنها متأصلة عريقة في قلب الإنسان الذي يروعه ~~هذا الكون العظيم فيتساءل «من ذا الذي أنشأه؟» ويذهله النظام الدقيق في الفلك الدائر، في ~~نمو النبات، في سنن الحياة فيبحث عن الغاية التي من أجلها ينفذ هذا النظام. ويجزع مما ~~يهدده من حاجة وألم ومرض وعجز ونكبة وموت فيلجأ إلى بداهة القوة العليا المهيمنة على ~~عوز البشر وبؤسهم، ويبتهل إليها مستسلما لعوامل رحمتها وأحكام حكمتها. هذه هي البواعث ~~الأساسية للشعور الديني الذي يسبك فيما بعد كل نفس في قالبها الخاص. ولقد كانت العاطفة ~~الدينية حية كل الحياة عند شاعرتنا، وقد سمعت من شقيقها المفضال أحمد تيمور باشا، أنها ~~كانت تقية تصوم وتصلي وتقوم بجميع الفرائض الدينية. على أن شعرها الديني لا تعمق فيه ~~ولا روعة. هو كسائر شعرها، يتناول النواحي المألوفة المتداولة. ويمتزج بالعاطفة ~~الأخلاقية من حيث الاعتراف بالذنوب والرغبة في التوبة، ومن ثم يبدو فيه الاستعداد لساعة ~~الرحيل، وذكر هذه الساعة يحملها على وصف ما يجول في القلوب من طمع حيال سرير المحتضر ~~أمام حشرجة النزع، حتى عند هيل الثرى على نعوش الأقربين. وفي هذه الأبيات سخرية طفيفة ~~في مس من الكآبة على ما يبذله الحي من مجهودات لحشد المال: # أراك بلمتي، يا شيب، عظني # وقد حان الرحيل غدا، لعلي! # فأول ما نرى حدث مهول # تهيل ثراه كف أخ وخل # وقد رجعوا كأن لم يعرفوني # وهم نسبي وأبنائي وأهلي # وتشتغل البنون بقسم مال # أنا من حشده في عظم شغل ms76 # وليست عائشة بغريبة عن الشعور بحيرة النفس وترددها بين ما يخالجها من عوامل الإغراء ~~بملذات العالم وبين نزعتها إلى البر والتقوى: # كيف المسير إلى أرض المنى وأنا # بطاعة النفس في قيد الضلالات؟ # والجواب في الابتهال الذي ألفناه عند عائشة، وهو الذي يدعو إلى نعت هذا الشعر ~~بالابتهالي: # إن كان عصياني وسوء جنايتي # عظما، وصرت مهددا بجزائي # فقضاء عفوك لا حدود لوسعه # وعليه معتمدي وحسن رجائي # يا من يرى ما في الضمير ولا يرى # إني رجوتك أن تجيب دعائي # يا عالم الشكوى وحر توجعي # دائي عظيم القرح، جد بدوائي! # بحبيبك الهادي سألتك دلني # لعلاج أمراض وجلب شفائي! # وهذا الشعر المبتهل من شاعرة مصرية شرقية مسلمة يعيد إلي ذكرى القديسة تريزا ~~الإسبانية الأوروبية المسيحية، التي عاشت في القرن السادس عشر وأسست رهبنة الراهبات ~~الكرمليات، وقد لقبت «بالعذراء الساروفيمية» نسبة إلى الملائكة الساروفيم لفرط تقواها، ~~ونقاء نفسها، وروحانيتها الحارة، وشغفها بالسيد المسيح الذي كانت تتخيل أنه يتجلى لها ~~ويخاطبها في ساعات الانعطاف والرؤيا. وقد نظمت شعرا ابتهاليا جميلا في لغتها ~~الإسبانية، أشهره نشيد وجيز ترجو فيه من الله أن يمن عليها بالموت لتتجرد من ثوب التراب ~~فتراه عندئذ وجها لوجه. فهي في ذلك النشيد الملتهب تقول: # نشيد القديسة تريزا # أحيا دون أن أحيا في نفسي، وأنتظر حياة هكذا رفيعة - حتى إني لأموت لأني لا ~~أموت. # وإني ليزيد في كلفي أن أرى إلهي لدي سجينا حتى أني لأموت لأني لا ~~أموت. # انظر كيف أذوب شوقا إلى رؤياك، ولا طاقة لي على الحياة بدونك، حتى إني لأموت ~~لأني لا أموت. # فمتى يتيسر لي، يا إلهي، أن أقول القول الفصل بأني أموت؛ لأني لا أموت! # ولكن الفرق بين الشاعرتين أن القديسة المسيحية واثقة من رضى الله عنها، عالمة بحبه ~~لها، وإنما تعذبها قيود الجسد التي تشد وثاقها بالأرض وتحول دون فناء روحها في روح ~~الله. ففي صيحتها شيء من التدلل على المحبوب، وفيها كذلك صدحة الشوق والنشوة والظفر، ~~أما التيمورية فمبتهلة في لهجتها. # ولكأنما كانت تيأس ms77 لولا رحمة الله الواسعة ولولا شفاعة النبي الكريم الذي تلوذ بحماه ~~وتترنم بمدحه وتمجيد أمته: # طه الذي قد كسى إشراق بعثته # وجه الوجود سناء الرشد والكرم # طه الذي كللت أنوار سنته # تيجان أمته فضلا على الأمم # نعم الحبيب الذي من الرقيب به # وهو القريب لراجي المجد والنعم # روحي الفداء، ومن لي أن أكون له # هذا الفداء، وموجودي كمنعدم # وما هي الروح حتى أفتديه بها # وهي البغاث بغار الظلم والظلم # ومنها: # ولا يحيط به مدح ولو جعلت # جوارحي ألسنا ينطقن بالحكم # وما سوى عز كوني بعض أمته # ذخرا أفوز به من زلة الوصم # إلا التماسي عفوا بالشفاعة لي # من خاتم الرسل خير الخلق كلهم ~~••• # رأينا في هذه المقابلة الصغيرة، أنه كما يتلاقى البشر في أبحاث العلم وضروب الفن ~~والأدب والفلسفة والحكمة، وكما يتفاهمون بالحب وابتغاء الخير العام وبالمعاني الإنسانية ~~الرفيعة، فكذلك تتوحد عواطف البر والتقوى وحب الله في قلوب الصالحين. # امرأتان مختلفتان دينا وجنسا وقارة، تعيشان على تباعد ثلاثة قرون وتزيد، في بيئتين، ~~كل منهما غريبة عن الأخرى، وهما مع ذلك تناجيان إلها واحدا لا إله إلاه، وتصليان ~~صلاة واحدة حافة بالأمل وبالاتكال وبالثقة في لغة الغرب وفي لغة الشرق على السواء. # وبين ما يبدو الآن في الشرق من جديد العوامل والنزعات، نجد الدعوة إلى وحدة قومية ~~ووحدة إنسانية مع احترام العقائد الدينية، وترك الحرية لكل فرد يتمتع بها دون التعدي ~~على حرية أخيه ودون أن تعمل هذه العقائد المتباينة على تفريق الكلمة وتمزيق الشمل. ~~وأسجلها مفخرة لعائشة أن تجيء بقول له، فوق قيمته التاريخية والأدبية، ما يمكننا من هذه ~~المقابلة الجميلة فيتيح لنا الإلماع إلى هذه الوحدة النبيلة التي يتفشى الآن حبها في ~~ربوعنا، والتي يتصافح عندها ويتصافى بنو الإنسان. # الفصل السابع # | نثرها # نتائج الأحوال # أما الشعر فقد قرضته عائشة تحديا لبعض من سبقنا من «ذوات الخدر والأحساب» أو كما ~~قالت: # ما قلته إلا فكاهة ناطق # يهوى بلاغة منطق وكتاب # وأما النثر فقد عالجته لملء ساعات الفراغ الطويلة التي لم ms78 تكن لتستنفدها محبة الأبناء ~~وواجبات المنزل، ولياقات المجتمع، وفروض العبادة، ونظم القصائد، وقد شعرت قليلا قليلا ~~بأنها تحب أن يكون لديها بلاغ تؤديه إلى قومها. وأما هذا الكتاب خاصة «نتائج الأحوال»، ~~فهي تطلعنا في مقدمته على بواعث إنشائه وتخبرنا كيف كانت دواما تميل إلى استقصاء ~~أحاديث السلف وتحب مسامرة الكبار ومجالسة العجائز لتسمع أخبارهم «وألتقط من تلك النوادر ~~أعاجيب القدر»، ولما تم لها ذلك وأنشأت تطالع «من التواريخ ما قدرت قدرتي أن تدانيه، ~~وما أمكن فكرتي الخامدة أن تصل إلى معانيه». «ولما تأملت في سير الأمم، وتحققت أن السعد ~~والنحس منوطان بالقدر من القدم، وقد شاهدت والله في نفسي صدق هذا الخبر ... فدعتني الرأفة ~~بكل مغبون لقي ما لقيت، ودهي بما دهيت، إلى أن أبدع له أحدوثة تسلية عن أشجانه عند ~~تزاحم الأفكار» ... # إذن فلتعمد هي إلى تخيل الخيالات ونسج الحكايات. ولن يكلفها ذلك أكثر من جمع شتات ما ~~قر في ذهنها من حكمة العجائز وما يتطابق وإياه من تجاربها الشخصية، لتدوين آراء شائعة ~~مقبولة في أحوال هذا الناس: في السعد والنحس، في الصبر والمواساة، في الخيانة والوفاء، ~~في الحب والكراهية، في القضاء والقدر، في التربية والأخلاق، وفيما يستتبع المصائب ~~والرزايا في النفس الرشيدة من تقويم ورجوع عن الغي والضلال. ~~«نتائج الأحوال» هو بالجملة من رواسب تلك القصص التي سمعناها في طفولتنا، خلال ~~الليالي الساهرة في زمهرير الشتاء وهزيم الرعد وتدفق الأمطار. فتمتعنا منها بلذاذتين ~~اثنين: لذاذة التحرز من غضب الطبيعة وصقيعها في ملجأ دافئ، ولذاذة الاستماع إلى سير ~~الملوك والأبطال والجان والعاشقين يتصرف بهم القضاء والقدر، لينتهي بنا الأمر في الغالب ~~إلى اندحار الشر وانتصار الخير. # فإذا تطلعت إلى خلاصة «نتائج الأحوال» فهب أنك تصغي إلي في ليلة صاقعة ممطرة وأنت ~~في ثوب الطفل الغرير ففي هذه الحال تتذوق حكايتي بما فيها مما وعيته من أقاصيص الماضي ~~الساذج. ~~••• # هذه ككل قصة قديمة تحترم نفسها، فيها ملك وابن ملك ووزير ونديم، وعريس وعروس، وغير ~~ذلك كثير. وإليك أسماء أهم الشخصيات: ms79 # العادل: # ملك عظيم صالح منصور. # الممدوح: # ولي عهده، محور آماله ومطمح آمال الشعب. وهو بطل الحكاية. # عقيل: # الوزير. وهو واسع الإدراك حاذق التدبير، وقد فوض إليه الملك أن يدير ~~شئون الدولة. # مالك: # النديم. ويظهر أنه على غير ما يستحسن في النديم من عذوبة المنطق ~~وبراعة الظرف ولطف السمر «ولم يبد من أولئك شيء في سياق القصة» فهو ذو ~~مواهب خلقية كالوزير من حيث الاستقامة والوفاء والحصافة وسعة الإدراك ~~وحسن التدبير. قد يحار علماء النفس حيال مثل هذا التركيب السيكولوجي، ~~لكن حيرتهم لا تغير الواقع. # دشنام: # قيم على خزينة المال. # غدور: # قيم على خزينة السلاح. # بوران: # ابنة ملك العجم وخطيبة الممدوح. مشهورة بسداد الرأي، وذكاء العقل، ~~وحسن الإدارة. # أما «حبكة» القصة فمنشأها أن الملك مولع بولده، شأنه شأن الكثيرين من الآباء في الشرق ~~من حيث يسيء فهم المحبة الوالدية ويحسبها قائمة في إنالة الولد جميع مطالبه وعدم التعرض ~~لصد أهوائه. أخذت تظهر نتائج هذه التربية السيئة في سلوك الغلام وفساد أخلاقه، فلم يجرؤ ~~على لفت الملك إلى ذلك سوى الوزير والنديم. لكنهما لم يحدثاه في ذلك مباشرة، بل في ~~حديث رمزي طويل ذكرا فيه حديقة فيها غصن لم يحسن تقليمه. فأدرك الملك اللبيب غرضهما، ~~وأفحمته حجتهما، وندبهما لتثقيف ولده وتعليمه. فقاما بذلك خير قيام، وبدت نتيجة جهودهما ~~في زمن قصير بتحول التلميذ النجيب عن وجهة الطلاح والجموح إلى وجهة الصلاح والسجاحة. ~~ولا تسل عن سرور الملك! إنه عبر عنه تعبيرا فاخرا بالطريقة التي ألفها ملوك الحكايات ~~في عطفهم على من يحسن في سبيلهم البلاء، ويخدمهم في صدق ووفاء. # وإزاء هذين الرجلين الأمينين لمولاهما، ولوظيفتهما، وللمصلحة العامة (إذا جاز مثل هذا ~~التعبير في الحكايات القديمة) نجد مثالا شنيعا للحسد والخيانة والدسيسة في القيمين ~~دشنام وغدور؛ فقد أخذهما الاستياء من نجاح الوزير والنديم، فدأبا ليفسدا عليهما الأمر ~~بتملق الأمير الصغير وإيغار صدره على هذين اللذين يقصيانه عن أندية اللهو والمرح، ~~ويبعدان بينه وبين والده بحجة التعليم والتهذيب، بينما هما في الواقع يكيدان له ms80 لانتقاص ~~سطوته وكرامته وتنغيص حياته. # وتبع ذلك جهاد صامت عفيف بين الفريقين؛ فتارة ترجح عند الأمير كفة الإخلاص ~~والاستقامة، وتارة يستسلم لصوت الوشاية والافتراء. وتم الفوز للدساسين في النهاية؛ لأن ~~الحقيقة كثيرا ما تتخاذل وتتوارى في تعمل الغيرة والتفادي، وكثيرا ما يظفر الخونة ~~والمحتالون، فخرج الفتى على أستاذيه الصالحين، وقاطعهما، وتوعر خلقه، وتفاقمت شراسته. ~~وأراد الوزير أن يتلافى الأمر بالتي هي أحسن، فاقترح على الملك أن يزوجه. فوافق الملك ~~على هذا الاقتراح. وأنفذ وزيره إلى إيران يفاوض ملك العجم في خطبة ابنته بوران المشهورة ~~بسداد الرأي، وذكاء العقل، وحسن الإدارة. ومضى النديم إلى الشين (الصين) لإحضار أمتعة ~~الزواج وجهاز العروس. # وخلا الجو للدساسين قرب التلميذ المنقلب عريسا بين عشية وضحاها. فحزن الملك جد الحزن ~~لشراسة ولده، وتعاون الغم والشيخوخة على تهديم صحته وأشرف على الموت. وماذا عسى يصنع ~~المشرف على الموت؟ إنه يستدعي إليه ولده ليزوده بالنصائح. وذاك ما فعله الملك العادل. ~~بيد أن المنية عاجلته قبل أن يمعن في الكلام، فقضى نحبه بين ذراعي ولده مأسوفا عليه من ~~هذا الولد المسكين. # وهنا - وقد سنحت للدساسين الفرصة التي تربصا بها طويلا - قام القيمان بتمثيل الفصل ~~الثاني والأهم من دورهما؛ فأوهما الشعب بأن الملك ما زال على قيد الحياة، غير أنه لمرضه ~~وضعفه عهد إليهما هما القيمان بإدارة شئون الدولة وشئون ولده. وأنفذا الفتى إلى المجلس ~~يحمل كتابا مزورا في هذا المعنى، والفتى في حزنه على والده مشرد الفكر، لا يعرف مضمون ~~الكتاب. ومن ثم يجهدان للتخلص من هذا الفتى فيفوضان أمر الفتك به إلى عبدين يقودانه إلى ~~خارج المدينة للقيام بمهمتهما الغادرة. لكنهما تأخذهما الشفقة عليه، فيكتفيان بإبعاده ~~إلى مكان لا يستطيع العودة منه إلى المدينة. # ومن الناحية الأخرى، لا يفوت القيمين الأفاكين إبلاغ الوزير في إيران أن الأمير عشق ~~صبية من بنات الإفرنج وجرى في أثرها، فعلى الوزير أن يمضي في العالم ليبحث عنه. ويكتبان ~~إلى النديم أن الأمير خرج إلى الصيد فشرد به الجواد «وانساب ذاك الفرس إلى ms81 ضيعة حرسها ~~عبيد» فليجدن إذن في طلبه بين العبيد. أين ذلك؟ هنا على مقربة منا، يا أصحابي، في ~~السودان! أجل، في السودان! # وهذا هو ذا صاحبنا الوزير يطوي البراري والقفار، وينتقل من دار إلى دار، وها هو ذا ~~صاحبنا الآخر، النديم، يذرع شواطئ النيل في أعاليه، ويفتش في أقاصي السودان وأدانيه. ~~وينقضي زمن غير قليل وجميع أقطاب القصة (بما فيهم أنا التي أقرا لألخص) في مثل تيه بني ~~إسرائيل يعمهون! وليس من سبيل يتبع في «نتائج الأحوال» سوى اشتباك القصة الصغيرة بالقصة ~~الصغيرة، وارتباك هذه بقصة غيرها، على نحو حكايات «ألف ليلة وليلة» و«كليلة ودمنة»، وإذ ~~كنت أنا وأصدقائي أشخاص الرواية نجوب الكتاب لنعثر بعضنا على بعض فلا نفوز بغير التطوح ~~والتنائي، كم ذا سألت الله أن يأخذ بيدنا فيجمع شملنا ويرد لهفتنا! لا سيما الفتاة ~~العروس بوران التي ما علمت بما جرى لخطيبها حتى طلبت الانفراد في عزلة عن الناس. وأراد ~~والدها أن يزفها إلى ابن أخيه ليتدارك الحال ويحول مجرى أفكارها قبل الاستفحال في ~~الجوى. ولكنها أبت، وفرت إلى حيث لا يعثر عليها! لأنها على نحو ما ينشد الشيخ سلامة ~~حجازي في الجراموفون: # عرفت هواكم قبل أن أعرف الهوى # فصادف قلبا خاليا فتمكنا # وكم كان يغيظني أننا بينا نحن «أي أنا والصلاح من أهل الرواية» تعبث بنا الأقدار وتجد ~~بنا النوى فنتقلى على مثل جمر الغضى ؛ إذ بالغاصبين الخائنين يسرحان في بغداد ويمرحان، ~~لهما تضرب المدافع وتنتشر الألوية، ولهما تقدم الرعية فروض العبودية والإكرام! # بيد أن للأيام دورتها، وأخذت تتحول الأمور على ما يرام. فتلاقى بديا الأمير والنديم ~~فعجلا بالذهاب إلى إيران، حيث تسوق الفتى أشواقه، فهو كعروسه. قد وقع الهوى من نفسه ~~مكانا بعيدا. وظل في مصائبه ويأسه يلازمه خيال الفتاة التي وعدوه بها دون أن يعرفها. ~~وكان للأمير والنديم في إيران رحلات عديدة غير موفقة. إلى أن أقبلا أخيرا على جبل شاهق ~~فإذا هناك إشارة تركها لهما الوزير تدعوهما، فيما لو اهتديا إليها، إلى العراق مباشرة. ms82 # فعادا مباشرة إلى العراق واجتمعا بالوزير وهو في زي ناسك، ولك أن تطلق هنا العنان ~~لمخيلتك فتتصور ما شاء لك التصور من سرور وحبور، من بكاء وإغماء، يتلوه يقظة، فسلام، ~~فكلام يناسب المقام. وانضم إلى هؤلاء الثلاثة العبدان اللذان أبقيا على الأمير، وكان ~~القيمان الغاصبان قد أرادا الإيقاع بهما لانكشاف فعلتهما، فأخفق الخائنان ونجا العبدان ~~الوفيان. وكان هذا التلاقي مبعثا لمؤامرة طويلة، وقد آل كل من المتآمرين على نفسه ~~ليصرعن الآفة بالآفة، ويفلن الحديد بحديد مثله، وآزرهم طبيب الملك، ودبر لهم الحيل، ~~فكان الفوز حليفه في كل ما دبر. فأوفد إلى أصحابه المتآمرين عددا من الرجال، وحفروا ~~نفقا يمتد إلى قلب المدينة ويفضي إلى خزينة الدولة! وأبى السعد إلا أن يكلل مساعيهم ~~بالنجاح وإلا أن يهيئ لهم الأفراح والليالي الملاح، فلم شملهم بالعروس بوران! لست ~~بواصفة لك مشهد اجتماع العاشقين السعيدين بعد طوال الفراق! حسبي أن أتمنى لك مثل هذه ~~الساعة مع من تهوى ... وعندما آن الأوان ليثوب كل من الحبيبين إلى رشده، جاهرت الفتاة ~~برغبتها في العودة إلى الوطن ليزفها أبوها إلى خطيبها بالأبهة اللائقة بالملوك. «لا بد ~~لي أن أتوصل إلى بلادي بشرفي - تقول بوران: وأدخل قلعة أبي بصيانتي ثم يبعثني هو إلى ~~هذا العزيز بالصيانة.» وكذلك كان. # وعاد الأصحاب بعدئذ إلى إتمام أعمالهم ففاجأوا البلاد بدخول الأمير منصورا وقبضوا ~~على الخائنين. وتتابعت الحوادث والمشاهد بمثل سرعة الصور المتحركة، منها: موكب الملك، ~~المدافع تقصف والطبول تدوي، هيجان بغداد وأفراحها، فوز الحق والصلاح وانهيار الغدر ~~والطلاح، مجيء العروس في موكب بديع، المناداة بالممدوح خليفة وإجلاسه على «التخت»، ~~أفراح، أنوار، أهازيج، زينات، شموس مجلوة، بدور منيرة، وفوق كل ذلك خطب وأشعار! وبات ~~العروسان يديران كئوس المواد السكرية ويتداولان أقداح الوداد العبقرية. # وفي القصر أقيمت بالطبع حفلة «تشريفات» لمناسبة الجلوس المجيد والزفاف السعيد. فتقاطر ~~المهنئون، وتليت رقاع التهاني، ووزعت الهدايا من العروس على أرباب الدولة. وجادت قريحة ~~الملك فانبرى يخطب في الجموع شاعرا ناثرا، ويمتدح النوائب التي هذبته وعلمته الصبر ~~والحكمة. ms83 وهاكم أبياتا من نظمه: # واشتاقني عزي كشوقي للمنى # مذ كنت ألقى لاعج اللوعات # قلدت سيف الصبر كي بجرازه # أسطو على محن الزمان العاتي # حتى قطعت به حبائل محنتي # وسلكت نهج الرشد في طياتي # وأنا المقر بما جنيت، وليس لي # عذر سوى أسفي على هفواتي # فلأشكرن شدائدا لو لم تكن # ما كنت أدري زلتي لمماتي # أدركني العياء في مراجعة هذه القصة المكتوبة للغة «المقامات»، ذات الكناية والسجع ~~الطويل، غير أن مطالعتها ومطالعة أمثالها تتحتم على الباحث عن مصدر التطور، وهذا الفن ~~بارقة للفن القصصي الحديث عندنا، ذلك الفن الذي ما زال في لغتنا جنينا، ولم يبلغ قط ~~عند العرب طور النضج والقوة. # تاريخ الفن القصصي عند العرب يتلخص في سطور وجيزة. فقد نشأ في القرن الأول للهجرة ~~مستندا إلى تاريخ الجاهلية، وظل في نمو يقتبس من التاريخ ومن الخيال معا حتى القرن ~~الرابع. فجاء بتلك القصص أمثال «الجمهرة» و«عنترة» و«بكر وتغلب» و«شيبان وكسرى ~~أنوشروان»، وغيرها من قصص الغرام مثل «مجنون ليلى» و«جميل بثينة» وما إلى ذلك من عديد ~~القصص التي اندمجت بعدئذ في كتاب «ألف ليلة وليلة». # وقد ألف العرب كتبا لا أصل لها في الواقع إنما استمدت موضوعها من العلم والخيال ~~والحكمة جميعا. وربما كان أنفس تلك الكتب «أسرار الحكمة المشرقية» الذي روى ابن طفيل ~~الأندلسي أنه لخصه عن كتاب كبير من وضع الرئيس ابن سينا حيث هذا الحكيم صور نشأة ~~الإنسان وألمع إلى نظرية التطور. # أما كتاب «ألف ليلة وليلة» فهو فارسي الأصل. وقد وضع أصله في القرن الرابع فتناولته ~~أيادي النساخ بالإضافة والتحريف فكان كل منهم يزيد عليه وينقص فيه ما شاء، وذلك حتى ~~القرن العاشر. # ووقف الفن القصصي بجمود اللغة مدة ثلاثة قرون. فحكاية عائشة بعيوبها ورواسبها تجربة ~~أولى في النزعة المتجددة، لا سيما فيما يختص بالأدب النسائي؛ إذ لا علم لي بامرأة عربية ~~اللغة وضعت قصة تامة قبل عائشة. فهي بتجربتها هذه من رواد المنهج الجديد. ~~••• # والرواية بعيوبها ذات مغزى أخلاقي؛ لأن واضعتها جعلت سوء تربية ms84 الممدوح وعجزه عن ~~تمييز الصديق من العدو منشأ مصائبه. فقد رأى عدوا فيمن يحسن إرشاده، ويعلمه كبح ~~أهوائه، وينبهه إلى واجباته ومسئولياته. وحسب صديقا من حفز طيشه وغروره، وملق منه ~~الزهو والعجرفة، وشجعه على العبث بكرامة الناس وكرامته الشخصية. فعوقب بنتائج ضلاله. ~~ولكنه يوم ثاب واعترف بخطئه، بعد أن أتمت المحن صقله وهيأته لمنصبه، عادت إليه حقوقه ~~ومسراته وحقق جميع رغباته. ومن ثم اسم «نتائج الأحوال». # أما أن الحياة تتصرف معنا، بني الإنسان، على هذه الكيفية فقد يحدث أحيانا، ولكن ~~نقيضه قد يحدث أيضا. قد يتفق أن يعلو صوت الحق، وينتصر الصلاح، فيظفر المرء بما هو له ~~في حكم الطبيعة والقانون والكفاءة، وقد يثاب المرء عن الخير خيرا، وعن التضحية كرامة. ~~ولكن كم ذا يفوز الشر، ويغلب الظلم والخداع، كم ذا يجار على صاحب الحق في جميع القوانين ~~البديهية والمشروعة! وكم يتألب الناس على سحقه وإهلاكه، وما له من ذنب سوى الإخلاص ~~والتفاني! # وما كان أعدل الدنيا وأنصف الدهر، لو عومل كل بما يأتيه، وكان حقا من نوع ~~العمل. # على أنه لا مندوحة لنا عن الأخذ بالمبادئ الأخلاقية ونشرها. ولا بد من تلقين النشء ~~دروس الصدق والاستقامة والصلاح مهما عصفت حولها الشرور والأكاذيب والمفاسد؛ لأنه ينطبق ~~على المبادئ الأخلاقية السامية ما قاله قولة الجاحد في الألوهية: «لو لم يكن الله ~~موجودا لوجب أن نخترعه .» # أجل، يجب أن نخترع الأخلاق السامية لو لم تكن موجودة؛ لأنها من المواهب الفكرية ~~والذهنية، إنما هي لباب الفضل في الإنسانية، وهي التي لا يتغلب عليها مذهب سياسي ولا ~~تدرك قواعدها ثورة اجتماعية، فعلى من يستطيع تأييدها ونشرها أن يفعل، ليذكرنا على ~~الدوام بأن الدنيا ذخيرة من أنفس ذخائر المثل الأعلى الذي لا يقتصر على جيل أو على فرد، ~~بل تتعاون الجماعات والدهور على تمثيله وتحقيقه. # مرآة التأمل # الشائع أن «باحثة البادية» كانت أول مصرية عالجت الموضوعات الاجتماعية، وقد سبق أن ~~أيدت هذه الفكرة قبل الاطلاع على نثر التيمورية. فأستدرك اليوم لأسجل الأسبقية لعائشة ~~التي كتبت ms85 في هذه الموضوعات في صحف عصرها وفي «مرآة التأمل في الأمور» وهذه رسالة ~~وجيزة في 16 صفحة من القطع الكبير. ليس لهذه الرسالة من تاريخ يوقتها، إلا أن كاتبتها ~~ختمتها (على طريقة ذلك العهد) بامتداح لسمو الخديوي السابق، عباس حلمي باشا، فقد نشرت ~~إذن بعد توليته، أي بعد 1892، وفي السنوات العشر الأخيرة من حياة التيمورية. # لغة هذه الرسالة ككل ما نثرت عائشة، وهي لغة المقامات ذات السجع والتطويل، وهي ~~تستهلها بالشكوى وتفكر «لعلي أرى لسماء الصفو هلالا ولعقد الأزمة إنحلالا.» ويظهر ~~أنها عثرت على «انحلال لعقد الأزمة» أو ما يشبه ذلك؛ لأنها «فناداني زعيم الجسارة هلمي ~~إلى مقصورة السلامة، ولا تحذري الانتقاد والملامة، وعليك بإيضاح الدعوى.» # وهنا قامت و«زعيم الجسارة» ذلك - ولعله صديق خيالي - بتخاطب حفل بالتضخيم المسجع شغل ~~صفحتين اثنتين. فوصلنا أخيرا في أول الصفحة الرابعة إلى «إيضاح الدعوى». وما هي سوى ~~انقلاب الأدوار بين الرجال والنساء، وتسرب الفساد إلى داخل الأسرة. وتفصيل ذلك عندها أن ~~جماعة من الشبان «غرهم الله بالغرور حتى إن كل إنسان هم بالاقتران من وضيع ورفيع وخامل ~~ونبيه، كان كل بحثه عن الحلي والحلل والضياع والعقار، لا عن النسب والتدين والعفة ~~والوقار»، ذلك ليتمتع بما تمتلكه ربات الجمال «... ويريح فكره من الأتعاب ويستغني عن ~~الجهد في الاكتساب، ويسلم الزمام للهوى»، مكتفيا «بتلك الثروة المستعارة، وما يدري ~~بأنه واقع في حبائل الخسارة. فتحتاط به أقرانه.» «ويقوم جيش المداهنين بين يديه» ... ~~«ويظل الزوج بين لهو وتبذير حتى ينفذ من يده الدينار والدرهم، وإذ يعود إلى البيت ~~تقابله الزوجة بالسخط والنفور، ولا يلبث أن ينتقل النفوذ والسيطرة إليها؛ لأن الزوج ~~عاجز إلا عن القصف والتبذير.» «وحق الزوجية لا يتم إلا إذا كان كل واحد منهما يرعى ~~الآخر فيما له وعليه. فعلى الزوج أن يقوم بكل حقوقها ومصالحها، كما يجب عليها طاعته ~~والانقياد لأمره.» فإذا انقلب الرأس عقبا فكيف تستقيم الأمور؟ وكيف «لا تلقي المرأة ~~وشاح الحذر وترمي برقع الحياء!» # أتكون الزوجة صابرة كتوما، دفعا للشماتة وحذرا من ms86 ذيوع الفضيحة، «فدفنت هذا الويل ~~بجدث قلبها الحزين الولهان»؟ إلا أن الكتمان لا يداوي علة، والتجلد لا يفثأ غلة، بل ~~تجدب في نفسها مادة الحياة و«بدلت القصور بالقبور»؛ إذن فالبشرى للزوج الذي لا يرثي ~~ليتم الأطفال، «بل يأخذ من الميراث ما لقي وأبقى ويجعله صداقا لمن يلقيها في أكفة ~~الشقاء!» # أم تكون المرأة سليطة اللسان وإذ تضيق بالحياة ذرعا تعمد إلى اللوم والمشاجرة؟ إذن ~~تبدأ حياة هي الجحيم؛ إذ لا مقدرة للرجل على زجرها وإسكاتها؛ فيهجر بيته إلى الحوانيت ~~والحانات، «وإذا أتى المنزل نام في الحال خوفا من المرافعة في القيل والقال.» # فكيف تسكت النساء على ضياع شبابهن ونضارتهن وأموالهن وآمالهن في السعادة والهناء؟ إن ~~الحزن والأسى ليلهب قلوبهن! فتمضي الواحدة منهن إلى الجارات مستجيرة من عذابها وكربها. ~~فإذا هي وقعت على امرأة فاضلة تهون عليها الأمر صمتت لحين استئناف الأزمة الجديدة. أما ~~إذا ساقها سوء الطالع إلى تلك الدور التي تبدل منها الصون والحصانة باسم الحرية ~~العصرية، فهناك تغريها من سفلت أخلاقها فتستسلم المرأة وتخرج عن جادة الحشمة. عندئذ ~~يغار الزوج ويقوم بالتهديد والوعيد. ولكن كيف تعبأ المرأة به وبكرامته وهو لم يعرف ~~لنفسه واجبات ولم يقف شروده عند حد؟ # هذا منشأ الشقاء على ما يبدو للتيمورية؛ لذلك ناشدت الرجال في آخر الرسالة أن يصغوا ~~إليها، ورجت منهم «أن لا تنبذوا خطاب هذه الضعيفة ولا تقيسوه بأقوال النساء السخيفة.» # وقد لبى الرجال هذه الدعوة، بداهة أو اختيارا. فالنقد الاجتماعي الذي سيعالجه قاسم ~~أمين بحصافة ولوذعية، قد سبقته التيمورية بهذه الدعوة إلى الإصلاح؛ لأن الكتاب الذي ~~وضعه قاسم أمين بالفرنسية ردا على الدوق داركور صدر سنة 1894م وعقليته لم تتفتق فيه عن ~~تلك الثورة النبيلة الكامنة التي شبت في كتابيه «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة»، وقد ~~صدر الكتاب الأول سنة 1898م وصدر الآخر في 1900م. # لا تصلح العائلات إلا بتربية البنات # يقول ابن أخي الشاعرة، الأستاذ محمود تيمور، إن التيمورية نشرت مقالات في جريدة ~~«المؤيد»، وأرجح أن خير تلك المقالات أدرجتها ms87 زينب فواز في كتابها «الدر المنثور». وقالت ~~أنها اقتبستها عن جريدة «الآداب» الصادرة يوم السبت الموافق 9 جمادى الثانية سنة 1306 ~~الهجرية، أي سنة 1888م، قبل أن يكتب قاسم أمين في هذا الموضوع باثنتي عشرة سنة ~~تقريبا. # أرجح أن هذه خير مقالاتها؛ لأن عائشة كانت وزينب فواز على اتصال وائتلاف. وقد ترجمت ~~زينب لعائشة في حياتها واستقت منها مصادر تلك الترجمة بما فيها نص مراسلتها ووردة ~~اليازجي نظما ونثرا. كما أنها صدرت كتاب «الدر المنثور» بخطاب من عائشة كله ثناء ~~وتقريظ، على طريقة يومها، ولما أدرجت هذا المقال دون سواه فأكبر الظن أنها فعلت بإشارة ~~التيمورية، أو أنها فضلته على غيره نظرا لمحتوياته. # إنه لأثر نفيس حقا؛ لأنه بكر في لمس موضوع خطير. وخير ما تنتهي إليه مباحثنا اليوم ~~ليس بأصدق نظرا، ولا بأصوب حكما مما جاءت به عائشة منذ 37 عاما. # عنوان هذا المقال هو «لا تصلح العائلات إلا بتربية البنات»، وكما أنها في «مرآة ~~التأمل في الأمور» تجعل منشأ الشقاء في بحث الرجل عن الثروة ليسيء بعدئذ التصرف بها ~~فيهدم بيته بيده، فهي في هذا المقال تلوم المرأة على إسرافها في الزينة دون انتباه إلى ~~واجباتها، وترى في ذلك مبعث الخلل والفساد، وتعجب «من مدنية تشفف بتزيين فتياتها بحلي ~~مستعار، وتستعين على إظهار جمالهن بزخرف المعادن والأحجار، وتتخيل أنها زادتهن بسطة في ~~الحسن والدلال، والحال أنها ألقت تلك الأحداث في أخدود الوبال؛ لأنه لا يعد عليهن من ~~تلك المستعارات إلا العجب والغرور المؤدي بهن إلى ساحات المباهاة والفجور؛ وذلك لكف ~~بصيرتهن عن الإدراك وعدم علمهن نتائج الأحوال وعواقب الأمور.» # 1 ~~••• # موضوع زينة المرأة قد يشغل كتابا أو كتبا لمن يريد أن يتناوله من وجهه المهم دون ~~الاكتفاء بالإرشاد، أو بالتهكم، أو النقد الجارح، لذلك ألقي هنا بكلمة فقط. # أعتقد أن من طبيعة وجود المرأة أن تكون جميلة، كما أن من طبيعة وجود النوع الإنساني ~~أن يكون ذكيا نشيطا. وكما يصقل المرء ذكاءه بالمعرفة والتجربة والاطلاع، فكذلك تصقل ~~المرأة ms88 جمالها بالزينة والأناقة والكياسة. الفتاة معدة لتكون ربة منزل، وأم عائلة، ~~وسيدة مجلس زائرة ومزورة، وليست معدة لتنزوي في حياة الزهد والرهبانية؛ فيجب أن تنشأ على ~~ما أعدت له من إبهاج المنازل وتزيين المجتمعات، وبث اللطف والأنس في كل ناحية تحل فيه. ~~ولما كان عليها أن تبهج برخامة صوتها، وحلاوة ابتسامتها، وظرف حديثها، فعليها كذلك أن ~~تروق النظر بحسن هندامها. فالعيب إذن ليس في ميل المرأة (والرجل كذلك) إلى الزينة، ولكن ~~في المغالاة بإرضاء ذلك الميل، وعدم الخضوع لقواعد الذوق السليم في التصرف بمظهره. ~~والغلو عيب في كل أمر، وسقم الذوق نكبة دائمة. # وللتوفيق بين تنظيم الزينة والاقتصاد فيها؛ فعلى الفتاة أن تتعودها منذ نعومة أظفارها. ~~بعكس ما تجري عليه أكثر المدارس، إن لم نقل كلها، في تجريد البنات من كل حلية وإفهامهن ~~أن الزينة لا تجوز إلا بعد الخروج من المدرسة، فينلن حريتهن من هذه الوجهة متأخرات؛ أي ~~إن الحرية في الزينة تفاجئهن مفاجأة بدلا من أن يتعودنها شيئا فشيئا، فيكون شأنهن ~~عندئذ شأن من وجب عليه أن يربي نفسه تربية جديدة تناقض تربيته السابقة من كل وجه. ومن ~~هنا عدم التوازن والاتزان، وعدم وضع الشيء في مكانه، وإغراق في إسراف الوقت والدرهم، ~~والغلو في الأخذ بأهمية الزينة. ومن هنا زعم أكثر النساء بأنهن لا يتجملن أصلا. ~~والواقع أن أكثرهن زعما وتنصلا أوفرهن تبرجا وتجملا، إلا اللائي يأبى التجمل أن ~~يتناسب و«طرازهن» الطبيعي وشكلهن. # ولو شبت جميع الفتيات على اعتبار الزينة المعتدلة المعقولة الفنية جزءا من ترتيب ~~هندامهن على ما يناسب شكلهن وقالبهن بحكم الذوق والزي السائر، لما أنفقن في سبيل ذلك ~~وقتا طويلا ولا بدا ذلك فيهن تكلفا وعملا مستثنى، بل لاندمج في عاداتهن وصار ~~طبيعيا. وإذن لما رأينا المرأة في كثير من العائلات الشرقية بأثواب رثة قذرة بين ~~زوجها وأولادها، بلا لياقة ولا حاسة فنية. حتى إذا استقبلت ضيوفا أو خرجت للزيارات ~~ارتدت أفخر الأثواب وازدانت بأنفس الحلي، فبدت في كل أولئك غريبة بطيئة الحركات مرتبكة ~~السكنات، ms89 وكأن كل جارحة فيها تنطق بأنها «مطقمة بزي الآحاد والأعياد» على نحو قول ~~الفرنسيين. # لو درجت المرأة منذ الصغر على الزينة المعقولة لأدركت أن هذه الزينة جزء من جمالها ~~وأنها تعالجها لنفسها لا للناس، ولامتدت عنايتها تلك إلى منزلها فلا تقصر ترتيبه ~~وتزيينه على يوم الاستقبال في الغرف والردهات التي يراها الزائرون والزائرات، في حين هي ~~تبقيه في سائر الأيام على أسوأ ما يكون من التشويش والارتباك، ولامتدت تلك الأناقة غير ~~المصطنعة إلى أفكارها، إلى آرائها، إلى عاداتها إلى نظرتها في الحياة. فالمزية الواحدة، ~~حتى وإن كانت خارجية، تستطيع أن تتناول نواحي شتى، كما أن العيب الواحد قد يهدم حياة ~~بأسرها. ومواعظ المصلحين لم تجد نفعا على طول الأجيال؛ لأن حب الجمال في الإنسان أعرق ~~من أن يخلقه الإرشاد، وليت الإرشاد ينقلب تحويلا إلى الأخذ بالوسائل المغرية بتوقيت ~~الزينة وتنظيمها. ~~••• # طويلة حاشيتي هذه بعد كلام التيمورية، ولكنها غير دخيلة ولا هي تافهة. فمن حق الجميل ~~أن يطمع في المزيد، ومن حق غير الجميل أن يقلل من دمامته، ويسترها، محاولا إظهارها ~~بالمظهر غير المستنكر. # ورغم إنكار الغلو في الزينة الفارغة، فإن التيمورية ترى أن أعنف العتب يقع على الرجل ~~- وباحثة البادية ستقول هذا القول فيما بعد - لأنه القوي وفي وسعه النهوض بالمرأة إلى ~~حيث تتسع مداركها فتصبح له شريكة. فإذا بها تهتف: # فيا رجال أوطاننا! لم تركتموهن سدى؟ وهن بين أناملكم أطوع من قلم؛ فعلام ~~ترفعون أكف الحيرة عند الحاجة كالضال المعني، وقد سخرتم بأمرهن وازدريتم ~~باشتراكهن معكم في الأعمال واستحسنتم انفرادكم في كل معنى؟ فانظروا عائد اللوم ~~على من يعود؟ # منذ خمس وثلاثين سنة طلبت عائشة اشتراك المرأة مع الرجل في الأعمال، ولم هذا ~~الاشتراك؟ لأنه طبيعي «من حكم باري النسمات وموجد المخلوقات» ولأنه الأساس الأصلي ~~«لصيرورة مدار عمران هذا العالم على الزوجين. ولو أمكن الانفراد لخص عالم الأسرار ~~إحداهما دون الآخر، وهو الأفضل، ولم يفقره إلى ما هو دونه. فكان التأمل في هيولي هذا ~~الكون موجبا على الهيئة الرجولية ms90 العناية بتعليم المرأة وتهذيبها لينالوا بذلك أرفع ~~مجدا وأهنأ جد، ولتعتاض الفتيات عن قلق الجهل براحة العرفان»؛ أي ليقمن بواجبات ~~التدبير في منازلهن وفي شئونهن، ويأتين بالمطلوب من عطف ووقاية وحكمة نحو نفوسهنتركتموهن سدى ~~وذويهن، دون شعوذة ولا شرود عن الصواب. # إنها تقول بلغتها بالمساواة بين الرجل والمرأة، تقول بذلك تصريحا لا تلميحا: «إذ لو ~~أمكن الانفراد للرجل لخصه الله بالوجود دون المرأة، فهما ضروريان كل منهما للآخر، ~~موجودان معا تحت شمس واحدة وأحكام واحدة ليأتي كل بقسطه من واجبات متعادلة.» # لقد قالت بهذا في الشرق، ورأت أن يتساوى الرجل والمرأة وأن يشتركا في الأعمال، وهي ~~محجوبة رهن جدران الخدر ... ومتى؟ في حين كان هذا يعد بدعة في أوروبا؛ إذ لا يفوتنا أن ~~لفظة «ذكر» لم يتفق على حذفها من قوانين إنجلترا والاستعاضة عنها بلفظة «رجل» أو «أحد» ~~إلا منذ سنة 1850م. وكان ذلك مقدمة لتحرير المرأة عندهم من حيث إدخالها في الإنسانية. ~~••• # تنطوي التربية على فروض كثيرة وتحتمل شتى الإيضاحات والتأويلات. وعليها تحت قلم عائشة ~~مزيد من الإبهام والمرونة. إلا أنها بقولها «تأديب البنات وتهذيب العائلات» يغلب عليها ~~وجوب تنشئة الفتاة لتكون أهلا للسهر على مصلحة الأسرة والقيام بالمطلوب في سبيل تقدمها ~~وراحتها وهنائها؛ لأن في حجرها تشب الأجيال، ومن كان مهيأ لإعداد الصلاح والعظماء ~~والنبلاء وجب أن يكون على عظمة ونبل وصلاح. # والمساواة؟ هي معنى عارض في كلام عائشة، برغم أهميته بالنسبة للوقت الذي ورد فيه. أما ~~اليوم فقد شاعت هذه الكلمة وذاع معناها لدى من يفهمه ولدى من يزعم أنه يفهمه. ولكن ~~أكثرية الرجال، حتى المتعلم الراقي منهم، تكهربهم هذه الكلمة وتثير سخطهم وتهكمهم، وهم ~~لا يقرون منها ما يقرون إلا بشروط من الحصر والتقييد. # وأرى أن في إنكار المساواة على المرأة تكريما لها، أية كانت الصيغة واللهجة المعبرة ~~بها من ذلك الإنكار، لعل الرجل الذي يجهده كفاح الحياة لا يريد ذلك الكفاح للمرأة، ~~طامعا في ادخارها للراحة والهناء والرخاء والمواساة. بل هو دليل على محبته المتلونة ms91 ~~الألوان، وعلى احترامه ولو مسخه أحيانا بشكل الاستخفاف. أذلك الإنكار محض أنانية كما ~~يزعمون؟ وماذا ترى لو كان ذلك؟ ومتى كانت الحياة خالية من الأنانية؟ وما أحب أنانية ~~أحبابنا إلينا! أما الأنانية الممقوتة من القريب والغريب على السواء فهي الأنانية التي ~~تتورم على حسابنا، ولا تجعل لحقوقنا في إحصائها قدرا وشأنا. ومن هنا منشأ كل ثورة، ~~وكل فتنة، وكل ظلم. # إن المرأة التي تنال عوضا عن تأدية واجباتها عطفا وحبا، لا تثور ولا تشكو حتى ولو ~~عسرتها المسئولية، وإنما هي المرأة المظلومة من ناحية العواطف ومن ناحية المعاملة، التي ~~تضج وتلج. يطلبون منها ألف ألف واجب، ويقيدونها بألف ألف قيد، ويرهقونها بألف ألف وقر، ~~ومقابل ذلك، ماذا؟ مقابل ذلك لا رعاية، ولا عطف، ولا محبة، حتى ولا مجاملة. مقابل ذلك ~~أحيانا، لوم وتفنيد، إذن لماذا تحتمل؟ وفي سبيل أية غاية هي تحيا؟ لقد سن لها المجتمع، ~~دون الرجل قانونا للعواطف والأفكار والأعمال، وركز لها ضمن حدود الأسرة هناء القلب ~~ومسرات الحنان. ولم تقدر تلك القوانين أن ما فرضته لها من رضى قد لا يتحقق، في حين تظل ~~المرأة مرغمة على الواجبات الباهظة وتظل تعذبها لجاجة العيش ووخز الحاجة. وليست كل أسرة ~~لتقوم بتلك الحاجة المحسوسة نحو أفرادها، ولا كل رجل، زوجا كان أو أبا، أو أخا، ~~ليعلم ويدرك أن الرجولة لا تقوم بترأس العائلة وبالأمر والنهي، بل بتأدية واجبات ييسرها ~~لها المجتمع قدر الإمكان ويجعلها على المرأة أعسر ما تكون. # قيود واستدراكات وحدود من كل جهة في حياة المرأة. وعلى هذه المخلوقة الضعيفة أن تذعن ~~لها جميعا وأن ترى فيها الفضل والبر والكمال، وأن تأتي بما لا يخجل أن يهمله الرجل شرط ~~أن تظل ضمن حدود الفضل والبر والكمال. وللرجل كل الحرية في الحلال والحرام، في الممنوع ~~وفي الجائز. أيمكن أن يسكت على هذا الجور قلب يحس وينبض؟ إنه ليتآكله الجوى ويكظم عذابه ~~إلى حين، ولكن لا بد أن يتفجر عن الأسى يوما، لا سيما إذا رأى أن لا منفعة ms92 له من جهاده ~~وأن خيوط حياته تبلى عبثا ليجني ثمرة تعبه من ليس لذلك أهلا. # واها، أيها الرجال الفضلاء، أنتم الذين تسعدون النساء العائشات تحت رعايتكم، لو ~~علمتم كل ما تكنه الدعوة إلى المساواة من نصال مغمدة في القلوب! # لو علمتم ذلك لعملتم، ليس على نقض معاني المساواة كما تفعلون أحيانا، بل على تعديل ~~القوانين الجائرة وجعلها صالحة لجميع أفراد المجتمع. ms93