######OpenITI# #META# URI: 1360MayZiyada.GhayatHayat.Hindawi93704293 #META# Tags: literature #META# ID: 93704293 #META# Title: غاية الحياة #META# AuthorID: 64620862 #META# Author: مي زيادة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # غاية الحياة‏ # غاية الحياة‏ # | غاية الحياة # | غاية الحياة # تأليف # مي زيادة # | غاية الحياة # أيتها السيدات # موضوعنا اليوم «غاية الحياة»، ولا أعرف كلمة خطيرة كهذه وأكثر تفلتا من حدود التعريف، ~~إن لفظة «الحياة» في معناها التام تشمل الكون بأسره مما يرى وما لا يرى، وهي ذلك ~~التيار الخفي النافذ في كل شيء، المحيط بكل كائن، وقد حوى من الاقتدار والجبروت ما ~~ألقى في روعنا أنه من روح الله، كأننا نحسب الحياة نسمات نور وإنعاش منطلقة من صدر تلك ~~القوة الكبرى التي نسبح جميعا في بحار جودها، ونسميها: «الله». # فإذا شمل معنى الحياة جميع الموجودات فأنى لنا تعيين غايتها؟ من ذا الذي يجرؤ على تعيين ~~غاية الفلك في دورته، والنجوم في سيرها، والمذنبات في تكونها، والشموس في تشععها ~~واحتراقها، والنيازك في تساقطها على الأرض حجارا سوداء؟ من ذا الذي استشف من البحار غاية ~~المد والجزر، ومن القمر غاية الاكتمال والانتقاص، ومن النوع البشري غاية مدنياته ~~وأديانه وأنظمته، وكل ما يتقلب عليه من الأطوار؟ كيف نتحرى غاية الربيع بحلوله بعد ~~الشتاء، فيتبعه الصيف المتلظي الذي لا يلبث أن يزول أمام الخريف الحزين؟ وما غاية الغصن ~~في تمايله وتجرده وإيراقه، وغاية البذور في النمو والإنتاج والذبول؟ نحن نعرف بعض الأسباب ~~الطبيعية في الخليقة وما يترتب عليها من النتائج، ولكن لماذا تعمل تلك الأسباب، وما غاية ~~هذه النتائج، وإلى أين يقودنا هذا الوجود وهذا الفناء؟ لغز رائع لا يحله الإنسان مهما ~~ارتقى علما وفضلا وإخلاصا. # والإنسان الذي هو جزء من هذا الوجود غير المدرك، أكثر ما يستعمل كلمة «حياة» ليعني ~~كمية أيامه على الأرض ومجموع أعماله، وكمية أيام كائنات أحاطت به وقد امتاز عنها جميعا بما ~~أوتي من إدراك وإرادة وحرية. فالجماد مثلا لا يتحرك إلا مرغما بفعل العناصر؛ كالأعاصير ~~والرياح تقتلع الصخور، والأمطار تنحتها وتفتتها، أو بعامل آلي كالديناميت يدمر الآكام ~~ويصعق الراسيات. والنبات، وإن تحرك مع النسيم ونشر شذاه في الهواء وكان له إحساسه الخاص ~~كبعض النباتات التي تنكمش إذا ما لمست، إلا ms1 أن أصوله تظل أسيرة أرض تغذيها. والحيوان ~~ينتقل من مكان إلى مكان بدافع الرغبة وبإيعاز الإدراك الذي لديه منه كمية ما. ولكن ~~للإنسان وحده قوة التمييز والمقارنة والاستنتاج والإبداع في أتم أنواعها الممكنة. له وحده ~~حرية الانتقال من جهة إلى جهة، والتفكير فيما شاء، وتنفيذ ما أراد. له وحده أن يتصرف ~~بالموجودات التي يعقلها ويعالجها ويستخدمها لحاجته، وهي تعنو له صاغرة؛ لأنها لا تعقله ~~وتبقى دونه مهارة ومقاومة، وإن جمحت يوما وفتكت به ساعة غضب عنجهي، فتلك طوارئ ~~عاديات، كالصواعق والفيضان والطوفان والأوبئة التي لا تدوم غير وقت ما، ولسرعان ما يهب ~~لمقاتلتها واختراع ما يمكنه منها ويقيه شرها. ولئن خنعت الموجودات إلى النظام الكلي ~~الذي يسيرها قهرا فعاشت عيشتها الصخرية العشبية البهيمية وأدت وظيفتها المعينة ~~جاهلة صاغرة، فإن الإنسان - وفي ذلك ميزته وفخره - لا يكتفي بتلك العيشة الابتدائية ~~العنصرية ولا يعيشها مرغما بل سعيدا، مدبرا، مختارا، وهو فوق ذلك يخلق لنفسه غايات ~~قومية وسياسية وفكرية وقلبية جمة، تتسابق إلى تحقيق غاية قصوى يوجه نحوها مجهوداته، ~~ويجمع أعماله في شبه قناة حيوية تنتهي إلى تلك الغاية البعيدة، تلك الغاية المحبوبة التي ~~يخالها تناديه وقد اتخذها كعبة آماله. # عند هذه الكلمة «كعبة الآمال» المرادفة لموضوعنا «غاية الحياة» يقف كل قلب ويزفر زفرة ~~حارة؛ إذ يتساءل: «وما غايتي من الحياة؟ أأعرفها أنا؟ وهل تشعر هي أو تبالي بوجودي؟ ما هي ~~يا ترى؟ أثروة أبتغي حشدها؟ أجاه، أم قدرة، أم حال أنعم فيها بجميع أسباب الهناء؟ ~~وأتذوق خلالها لذائذ الفوز والسيطرة! أهي علم لا أفتأ أذهب في غوره ليكشف لعاقلتي حجب ~~الحياة وأسرارها؟ أهي إرهاف ملكاتي الذهنية والنفسية إرهافا يرفعني فوق أقراني ويجعلني ~~موضوع إعجابهم؟ أهي تقوى تدنيني من خالقي وتطمئن بها نفسي؟ أهي شخص أيقظ في حياة ~~الوجدان العجيبة؟ وتمثلت لي في ذاته صفات الألوهية المعبودة حتى صرت أستهين لأجله بكل ~~عزيز وأجازف بكل مكنون؟ وأين أنا الآن من ضالتي المنشودة؟ ماذا أكسبني جهاد الأعوام ~~الغابرات، وإلى أين أوصلني ذلك الجهاد الطويل ms2 ؟ ماذا جنيت من الكد والتجلد والرجاء، وبعد ~~دموع أرسلتها وأخرى أمسكتها، وزفرات أطلقتها وأخرى كتمتها؟ أراض أنا عن نفسي وعن غيري؟! أم ~~أنا كلما خطوت خطوة إلى الأمام تقهقرت إلى الوراء خطوتين؟ أم أنا كنت أعلل النفس بشيء ~~فلما صار لي وجدته شيئا آخر؟ أم أن ما كان يبدو لي حقيقة محسوسة إنما هو خداع فتان ~~كلما جريت نحوه ملتمسا، ودنوت منه مستعطفا، ارتد وتباعد كما يرتد ويتباعد السراب في ~~الصحراء، وعدت أنا إلى عذاب محتوم واصطبار جميل؟ غايتي من الحياة السعادة، فهل أنا ~~سعيد؟» # وهنا يقف كل فترة أخرى ويزفر زفرة جديدة سعيدا كان أم شقيا؛ لأنه لا بد لكل ~~قلب من فراغ لا يملأ ومن حاجة لا تسد؛ ولأن النفس البشرية تشبه بركة الماء مهما راقت ~~صفحتها وتلألأ سطحها حركها قليلا تتعكر وتكفهر بما ركد في أعماقها من الأوحال، وفي أعماق ~~كل نفس آلام ثاوية، وتذكارات جاثمة، وجراح صديدة اندمل بعضها على فساد، يكفي أن تلمسها ~~يد أو إشارة لتمضها الأوجاع فتعمد إلى الاستغاثة والأنين. ~~••• # إن السعادة غاية الجميع، أما السبيل إليها فمختلف باختلاف الطبائع. حرمها الناس طويلا ~~فازداد شوقهم، واحتشدت في قلوبهم الكظوم والضغائن حتى لكأن الإنسانية تتحرك اليوم فوق ~~بركان ثائر. ففي كل مكان حروب وتقاتل على المنافع، ومن الغريب أن النقيضين؛ أي: يقظة ~~الوطنية وانتشار الاشتراكية، يسيران جنبا إلى جنب، والأمم جميعا على وجل واضطراب تنتظر من ~~وقت إلى آخر تغير الأحوال ووقوع ما كان يرجى أو ما لم يكن ليرجى. # بيد أن الحياة العامة لا تأخذ من حياة الفرد سوى ساعات معدودة، وفي أشد حالاته تحمسا ~~تظل حياته الداخلية على ما هي تقريبا. يظل له عوزه الذي لا يملؤه الغنى العام، تظل له ~~آلامه الجسمية والروحية يتجرع مرارتها ويحتمل من وخزها ما لا يخدره التهليل العام، ترى ~~ما هو تأثير تلك الأفراح الوطنية الجميلة في العليل اليائس؟! وفي المعدم الذي ليس لديه ما ~~يسد رمق صغاره؟ وفي القلب الذي حوى جمرة تأكل سويداءه؟ وفي ms3 الصدر الذي اكتظت فيه ~~الغموم؟ تلك لمحات ابتهاج تسطع ثم تترك القلب أكثر وحدة وسوادا، والعليل أكثر أسفا على ~~أيامه المتتابعة كالأظلال. # السعادة هي الغاية، وما السعادة - في حقيقتها وعلى تنوع صورها في الأذهان - سوى تطور ~~متتابع نحو حالة تستوفي عندها جميع القوى وسائل النمو والانبساط والظهور كاملة وافية ~~بأقل ما يمكن من المقاومة والألم، هذا إذا تعذر الخلاص منهما على الإطلاق. وهل من تطور ~~ونمو بلا عمل؟ لا جمود في الخليقة حيث كل مخلوق - حتى ولو اختفى وراء مظاهر الموت - يؤدي ~~وظيفته ويتمم ما وجد لتتميمه، وكذلك كل خلية من خلايا الجسم تعمل لتؤدي وظيفتها. غير أن ~~ذلك العمل الآلي ليس ليغني الفرد المفكر المريد الذي لا تكفيه الغاية العامة في ~~الكون، إنما هو يعمل عملا خاصا إضافيا يتفق مع غايته المختارة، تتمرن عليه مجهوداته ~~ويمارس به قواه. تلك السعادة التي يحلم بها لا بد أن يسعى إليها سعيا خصوصيا حثيثا ~~أريبا في تحنيه وتشعبه وتنوعه. ومع ذلك ليست كل قيمة العمل في أنه موصل إلى الغاية ~~المقصودة، ولكن قيمته المعنوية الكبرى في كونه آلة الاستقلال الفردي، وخالق الاحتياج إلى ~~الاعتماد على النفس. # وما هو الاعتماد على النفس إن لم يكن مكيف الذاتية الحرة التي تدرك أهمية احتياج ~~الآخرين إليها، وتدرك كونها مخلوقة على صورة الله ومثاله؛ لأن الله - وهو المبدع الأعظم - ~~خلق الإنسان وأودعه قوى الإدراك والاختيار والابتكار التي لا تظهر إلا في العمل؟ فبهذا ~~العمل الذي يخلقه الإنسان ويتقنه يصبح إلها صغيرا، بالعمل يكبر في عيني نفسه وتنسجم ~~حوله هالة الكرامة المفرزة عناصرها من داخله، المتشبع ثقة بكفاءته وإقدامه، بالعمل يرفع ~~رأسه الذي أحناه الطلب والاستنجاد، وينظر إلى الناس كأشباه لا هم فوقه ولا هم تحته، بل هم ~~إخوان يعملون في سبلهم المختلفة. # وينظر إلى الحياة متفرسا في ملامحها بلا وجل؛ لأنه تعلم في مدرسة الاعتماد على النفس ~~أن المصائب والمحن والمعاكسات الداخلية والخارجية تعجز عن النيل من قواه الجوهرية، وإن تلك ~~الرزايا إنما هي عناصر اختبار ms4 ، له أن يستخرج منها دروسا قيمة ومعلومات جديدة تزيده ~~قوة ونبلا. # ليس النبيل من ورث نسبا ومالا فاستخف بالناس والأشياء اتكالا على وراثته، بل النبيل ~~من خلق نفسه، وما زال بها كل يوم يجددها بعمله ليخلف للمستقبل ثمرة مجهوداته، النبيل من ~~لا ينتظر «الظروف» و«الحظ» و«البخت» تلك الكلمات التي يتمحل بها الذليل الخامل، بل ينتهز ~~الفرص ليجعلها صفحات جليلة في كتاب عمره. وما الأيام والساعات سوى فرص ثمينة للنابه ~~يستخرج منها العجائب. ~~••• # هنا أود أن أحصر الموضوع في المرأة؛ لأن الموضوعات النسائية تستوقفنا بوجه خاص لنبحث ~~فيها عن نقائصنا ونعرف مواطن ضعفنا؛ فنحاول الإصلاح ما استطعنا إليه سبيلا. # أما فيما يتعلق بضعف المرأة فأصارحكن القول بارتيابي منه في المعنى الذي يقصدون. أرسل ~~البحث في شئون العمران، فأجد تأثير المرأة وراء كل عمل مسببا من الحوادث ما لا تفسير له ~~بغير كلمة نابليون: «فتش عن المرأة!» وأقلب صفحات التاريخ فأراها في تعاقب العصور ملكة ~~صالحة، وسياسية دقيقة، ومفكرة كاتبة عالمة مصلحة لا يستهان بها، وذات بسالة كبسالة أعاظم ~~الأبطال، ذلك على رغم الجور والاستبداد، فلو أبدلناها بالرجل وعاملناه بمثل ما عاملها، ~~فحرمناه النور والحرية دهورا فأي صورة هزلية يا ترى يبقى لنا من ذياك الصنديد ~~المغوار؟ # على المرأة أن تكون جميلة أنيقة دمثة لينة متعلمة قوية الجسم والنفس ماضية العزيمة. ~~عليها أن تصون ذاتيتها الفردية، بينا هي تصطبغ بصبغة محيطها وتراعي ميوله لتحفظ توازن ~~السرور والانشراح في البيت الذي يحبها وتحبه، عليها أن تأتي بالأولاد وتتعهدهم جسما ~~وعقلا وروحا. عليها أن تكون عارفة بأساليب الاقتصاد والتدبير، عليها أن تحافظ على وفاق ~~الأسرة وسلامها وأن تنشئ علاقات تآلف بين أسرتها وأسر الأصحاب والمعارف وغيرهم ممن تدنيها ~~منهم المصلحة أو أي شأن من الشئون، فكأنها بذلك وزيرة داخلية ووزيرة خارجية ووزيرة معارف ~~ووزيرة مواصلات ووزيرة مستعمرات ... إلخ. هذه الأعمال التي توزع على نخبة من أفضل رجال الأمة ~~وأقواهم تلقى جميعا على عاتق امرأة واحدة تقوم بإتقانها على قدر المستطاع، ثم يعودون ~~فيقولون: إنها ms5 «ضعيفة». # صدقوا، هي ضعيفة ولكن إزاء نفسها الفائضة بالعواطف الرجراجة الصاخبة المستعمرة، ضعيفة ~~بأعصابها الدقيقة السريعة التأثر وباستعدادها لتشرب الألم واستيعابه إلى درجة لا ~~يتصورها من لم يكن امرأة، وإنما هو هذا الضعف الذي يجعلها أحيانا أكثر عدوا من الرجل إذ ~~تتناوبها هبات ووثبات تندفع بها كمن يريد التكفير عن قعود مضى أو كمن يخشى عجزا آتيا، ~~في حين أن الرجل يظل منظم السير، واسع الخطى، كأنه واثق من توفر القدرة والنشاط لديه على ~~الدوام. وإن التمست غاية استعملت للحصول عليها فنا وحذقا ليس هو حذق الرجل ولا هو فنه. ~~وكل ذلك ناتج عن تراكم آلامها الوراثية وعن توحد الغاية في الأجيال النسائية الخالية التي ~~لم تكن تبغي غير الحب والزواج والعائلة، فإن كانت هذه غايتها اليوم انطلقت إليها بقوة ساقت ~~ملايين ملايين النساء منذ أن وجد النوع البشري، لا تبالي أصادفت وعرا أم اصطدمت بصخر، ~~وإن تغايرت الغاية سيقت بذات القوة يزكيها التوق إلى المجهول ولذة الاختلاف والرغبة في ~~النجاح، فتتفوق في عملها، إن شرا فهي السفاحة ماري تيودور أو هي ريا وسكينة بطلتا فظائع ~~الإسكندرية، وإن رأفة فهي الأم المفادية والشفيقة العاكفة على فراش المريض تصد عنه ~~الموت وتجلب إليه العافية، وإن حماسة وفخارا فهي جان دارك ومدموازل بوستافويتوف ~~البولونية، أو هي المرأة المصرية تجوب الأحياء مرصعة هواء بلادها بالأعلام الخافقات، ~~وتهتف بما يستفز الدموع ويستنهض الهمم ويفهم الرجال شبانا وشيوخا قيمة الأوطان وعز ~~الأوطان وحرمة الأوطان. # ليست الصعوبة في المجاهدة لنيل غاية عزيزة، وإنما الصعوبة الموجعة على الرجل والمرأة معا ~~في عدم وجود الغاية، أوجع شيء للمرأة أن تكون مبهمة المطالب، والمستقبل أمامها صفحة خاوية ~~خالية ليس فيها بارقة أمل ولا كلمة عزاء. كثيرات هن التعبات اللاتي وقعن فريسة ذلك الشلل ~~المعنوي، مولد المجازفة والانحطاط الذي يدعى: السآمة، فيجرين هنا وهناك هربا منه ~~مخاطرات بما وجب صونه، ناسيات ما عليهن أن يذكرنه، ومنهن من لا تطيق البقاء يوما واحدا ~~بلا زيارات واستقبالات وأحاديث جارات وخالات وعمات، كأنها ms6 تخاف الاختلاء ومقابلة نفسها ~~وجها لوجه فتفقد بذلك أعظم تعزية وأعظم أمثولة في الحياة، وإن أحسنت القراءة دفنت سآمتها ~~في الروايات دون أن تفقه ما فيها من مغزى اجتماعي أو أخلاقي، مكتفية بتتبع الصلة ~~الغرامية والاستسلام إلى ما يبديه أبطال الرواية من انفعال اصطناعي مضخم، جاهلة ~~أنها بتطلب ذلك التحريض القهري تطفئ نور ذهنها وتضعف من نفسها جميع القوى حتى قوة الحب ~~الذي ينتقم من مهينيه ومزيفيه انتقاما صارما. # ما أعظم الحب وأشرفه - أيتها السيدات - في القلب المتبصر الحكيم! هو أقدر عامل ينهض ~~بالإنسانية مسهلا طريقها، مخففا أثقالها، خالقا من أبنائها الأبطال والجبابرة، ~~وأجمل الأرواح وأكبر القلوب وأنبل النفوس إنما هي تلك التي يظل فيها نهر الحب دائم ~~الفيضان، وتظل تبعث شعاع شمسها الداخلية إلى ما وراء الفرد والبيت والوطن، فتمتد على كل ~~شيء وتضيء كل شيء. الذي يحب كثيرا يفهم كثيرا؛ لأن الحب أستاذ ساحر، نتعلم منه بسرعة، ~~ويفتح لنا رحب الآفاق، يهمم فيها صوته المحيي الذي لا تسكته أصوات الأفراح ~~والأحزان. # ولكن كم نصغره ونحقره عندما نحصره في الموضوع الواحد الذي تدور حوله الروايات والأشعار ~~الغزلية، وننسى أنه الرابطة الكبرى - كدت أقول: الرابطة الوحيدة - بين أجزاء الكون وبين ~~الإنسان والموجودات، وأنه هو وحده دواء السآمة الناجع وبلسم التعزية الفعال. ~~••• # وكيف نتناول ذلك الدواء ونتغذى بذلك القوت الإلهي؟ السبيل واحد لا ثاني له، وهو: العمل، ~~العمل الذي ينير العقل، ويفتح القلب، ويملأ الوقت، ويحبو الحياة طعما لذيذا، ويروح ~~النفس الواجمة، ويرضي الطباع الساخطة، ويصرف العواطف المتلازبة في منافذ ومخارج حسنة ~~العائدة على المرأة الواحدة وعلى من يلوذ بها. فلتعمل المرأة أي عمل ينتظر يدا تقوم به، ~~وكل عمل تشعر من نفسها بميل جدي إليه، وسواء كانت مشتغلة لتعيش أو لتلهو، لا فرق بين ~~نوع العمل من علم وفن وخياطة وتطريز وتدبير منزل أو بيع في المخازن، فالأمر الجوهري هو ~~الاجتهاد، ووضع قلبها وفكرها في ما تعمله لتتقنه وتكبر به مهما كان صغيرا حقيرا، ولكن ~~لفظة الحقارة لا تصلح لمعنى ms7 العمل؛ لأن كل عمل شريف في ذاته، وليس منظف الشوارع بين ~~الغبار والأقذار بأقل أهمية من الرجل العظيم في قصره بين التهليل والإكبار، ولا هو أقل ~~نفعا لأمته وللإنسانية. # إذا أحبت المرأة ذاتها حبا رشيدا كانت لنفسها أبا وأما وأختا وصديقة ومرشدة، وأنمت ~~ملكاتها بالعمل، وضمنت استقلالها بكفالة عيشتها؛ لأن الأهل الذين تتكل عليهم قد يموتون، ~~وللإخوة والأخوات عائلاتهم وسبلهم في الحياة، والأصدقاء يتغيرون وينسون، والثروة الطائلة قد ~~تنقلب هباء، أما هي فلا تخون ذاتها ولا تنسى ذاتها ولا تفقد ذاتها، والثروة كل الثروة في ~~الإباء والاستقلال الفردي وتعاطي عمل ما بجد واهتمام وبراعة، والأعجوبة أن هذا العمل ~~الذي نباشره؛ هربا من الملل، ورغبة في قتل الوقت، لا يلبث أن يصبح ذا شأن كبير ويعين لنا ~~غاية عظيمة مشيرا إلى وسيلة الحصول عليها، بل لا أعجوبة في ذلك ما دام العمل الكبير مجموع ~~تفاصيل صغيرة دقيقة، أليس أن الجوامع الأثرية البديعة، والمآذن الهيفاء الباذخة إنما برزت ~~وثبتت بتناسق الحجر قرب الحجر؟ أو ليس أن العلم الذي تتفيأ بظله أماني الأمة ورغباتها ~~إنما نسج من خيوط واهية، يكاد يكون كل منها بلا أهمية في ذاته؟ # كذلك فلتكن مجموعة أعمالنا غاية جليلة نقوم بها عاليات الجباه تحت أكاليل العزم ~~والجهاد، وقد اختفت من عيوننا خيالات الخضوع والمسكنة، وحلت محلها نظرة من هي لم تعد عبدة ~~المجتمع، ولا عبدة الحاجة، ولا عبدة الرجل، ولا عبدة قلبها وهو أعظم جائر مستبد، بل نظرة من ~~أصبحت سيدة نفسها تطيع مختارة، وتعمل مختارة بهدوء من فاز أو قدر له أن يفوز في الحياة، ~~فتكتشف عند كل خطوة جمالا جديدا وتفرح كل يوم كأنها خلقت خلقا جديدا. ~~••• # بقي علي أن أشكر لجمعية «فتاة مصر الفتاة» دعوتها الكريمة التي مكنتني من الاجتماع ~~بكن أيتها السيدات، وأجازت لي التعبير عن أفكاركن. في الظاهر كنت أنا المتكلمة، ~~ولكنكن تعلمن أن ما يفوه به الفرد فنحسبه نتاج قريحته وابن سوانحه، إنما هو في الحقيقة ~~خلاصة شعور الجماعة تتجمهر في نفسه ويرغم ms8 على الإفصاح عنها. وإني لأغتبط بهذه المحادثة ~~الصغيرة، وأهنئ مصر ببناتها العاملات المدركات معاني الحياة، وكلكن هنا ذوات أثر في ~~بيئتكن وصاحبات فضل على قومكن، إننا نجتاز أياما عظيمة تهز النفوس إلى أعماقها ~~وتلفتها إلى ما لديها من المواهب والممكنات. ألا فلنكن أهلا لهذه الأيام بدروس نكتسبها من ~~مرورها! ولنكثر من التمني؛ لأن ما نتمناه واقع لا محالة، وأنا من المعتقدين أن مجرد الشوق ~~إلى أمر والرغبة فيه كثيرا ما يكونان إنذارا بوقوعه المحتم، والآن أعلم أنكن تنقمن علي ~~جميعا إن لم أضف كلمة أخرى هي بلا ريب حائمة في قلوبكن. # إن المنادين بحقوق النساء في فرنسا قد سموا أنفسهم أحفاد «كوندرسيه» الفيلسوف الفرنساوي ~~الذي دعا إلى المساواة بين الجنسين، وقد اتخذوا ذكرى وفاته في 29 مارس من كل عام عيدا ~~يحتفلون فيه بتحرير المرأة. وفي هذا الأسبوع الأخير من شهر أبريل ذكرى وفاة زعيم النهضة ~~النسائية في هذه الديار وأحد مؤسسي الجامعة المصرية التي تجعمنا الساعة جدرانها: قاسم ~~أمين، فمن واجب العرفان بالجميل أن نحيي تلك الروح التي احتضنت في رحابها المرأة الحائرة، ~~وأن نستحضر ذلك النظر الذي نفذ إلى قلب المرأة فأحبها في ضعفها وفي ضلالها، وفي تفطرها، ~~وفي حقوقها المهضومة وفي مواهبها المنسية، وأن نتلمس تلك اليد الروحية التي خطت يوما ~~صفحات الدفاع عن المرأة، ودلتها على طريق العمل القويم والاستقلال النفسي الذي هو ~~دعامة كل استقلال صحيح دائم. # صاح قاسم في القوم يهديهم، ولكنه لم يفته أن تحرير المرأة في يدها أكثر منه في يد الرجل، ~~وأن العمل ألزم الأشياء لها، وأعظم ما يكرم به الحي راحلا عزيزا هو الاهتداء برأيه ~~والتمشي مع ما حسن من مبادئه، ولقد تغذت فتاة مصر كل هذه الأعوام بروح قاسم؛ فبرزت ~~نبيلة ذات عزم وإقدام كما كان يصورها له المستقبل. لذلك كانت أجمل زهرة نضعها اليوم على ~~ضريحه هي زهرة الشكران، وكانت أصدق تحية نوجهها إليه هي هذه التحية المزدوجة: # فليحيا ~~زعيم النهضة النسائية! # ولتحيا المرأة المصرية ناهضة عاملة ! ms9