######OpenITI# #META# URI: 1360MayZiyada.IbtisamatWaDumuc.Hindawi17136091 #META# Tags: literature #META# ID: 17136091 #META# Title: ابتسامات ودموع #META# AuthorID: 47904861 #META# Author: فريدريخ مكس مولر #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 64620862 #META# Translator: مي زيادة #META# Related_books: 1318FriedrichMaxMuller.SmilesAndTears (TRANSL) #META#Header#End# # إهداء‏ # 1 - الذكرى الأولى‏ # 2 - الذكرى الثانية‏ # 3 - الذكرى الثالثة‏ # 4 - الذكرى الرابعة‏ # 5 - الذكرى الخامسة‏ # 6 - الذكرى السادسة‏ # 7 - الذكرى السابعة‏ # 8 - فتاة الجبال‏ # 9 - الذكرى الأخيرة‏ # إهداء‏ # 1 - الذكرى الأولى‏ # 2 - الذكرى الثانية‏ # 3 - الذكرى الثالثة‏ # 4 - الذكرى الرابعة‏ # 5 - الذكرى الخامسة‏ # 6 - الذكرى السادسة‏ # 7 - الذكرى السابعة‏ # 8 - فتاة الجبال‏ # 9 - الذكرى الأخيرة‏ # | ابتسامات ودموع # | ابتسامات ودموع # | أو الحب الألماني # تأليف # فريدريخ مكس مولر # ترجمة # مي زيادة # | إهداء # إلى العينين اللتين أطبقهما الموت قبل أن ألثمهما. إلى الابتسامة التي لا أعرف منها ~~إلا خيالها. إلى الاسم العذب الذي لا تهمس به شفتاي دون أن تملأ عيني الدموع. إلى الطفل ~~الذي رحل إلى خالقه ويتم في عاطفة الحب الأخوي فحرمني من حنو الأخ وقبلته وابتسامته ~~ودمعته: إلى أخي الوحيد الذي تقاسمه الأثير والثرى. # مي # | مقدمة # بقلم مي # أراني راغبة في تقديم الطبعة الجديدة بكلمة تشير إلى كيفية تعريب هذا الكتاب، وتوضح السبب ~~الذي حملني على استبدال اسمه الأصلي «الحب ~~الألماني» # Deutsche Liebe # باسم «ابتسامات ودموع» الذي عرف به لدى قراء العربية. وأن أشرح ~~ما يتناول هذه الطبعة من تغير يبدو في كل جملة تقريبا، ومن زيادة أتيت بها في صفحات كثيرة ~~من أغلب الفصول. # على أني لا أكاد أذكر الترجمة الأولى إلا ويأخذ محيطي بالتلاشي، ويسقط القلم من يدي لأحدق ~~في الصحيفة البيضاء كأنها آلة سحرية تستهوي الوسيط وتسطو عليه أسرارها. ولا يطول حتى تنتقش ~~عليها صورة المكان الذي أظلتني يومذاك سماؤه ودوت حولي أصواته. هاك حفيف الأوراق، وتصفيق ~~الأجنحة، وتغريد الأطيار على الغصون. ألا فاصغ إلى وقع أقدام السائرين في الطرق الحمراء ~~الضيقة المتلوية بين أشجار الصنوبر صعودا إلى قمة أشرفت على المرتفعات والمنخفضات يسرة ~~ويمنة، شرقا وغربا. وانظر جانبا إلى صنين وقد أثقلت ذروته ثلوج حولها انعكاس الأشعة ~~ثغرا نورانيا يسر إلى صدر الفضاء بما توصله إليه أصداء الغبراء من شكاية وتأوه. تنبثق ~~من جانبه سلسلة آكام تتساند مستديرة، مستطيلة، ناشزة، وتظل في انتقاص وتصاغر على ms01 انسجام ~~وحسن دراية حتى تسجد بواقي الصخور منها على الشاطئ. كأن أعالي صنين أنفذتها برسالة إلى ~~البحر لتعود بالجواب عليها . والبحر، آه! ترى ماذا يقول ذلك الأزرق الأفيح المائج بهدوء ~~ودلال، كأنه أرجوحة الأثير تهزها أيادي آلهة الهواء لتنوم فيها طفلا عجيبا دهشت بجماله ~~السماوات وافتتنت الأرضين بغرامه؟ # نعم، ها أنا ذا في ظهور الشوير بلبنان، ذلك المصيف الهنيء. نحن في صميم القيظ وقد تقاطر ~~المصطافون حتى ضاقت بهم المنازل والفنادق. والجماعات التي تباينت أفرادها علما وتهذيبا ~~وارتقاء، وتنافرت عادات ومشارب وأطماعا، ها هي تعيش تحت سقف واحد، وتتبع في أمور جمة ~~نظاما فردا وضع لضيوف النزل جميعا. ومن هذا الاجتماع بالغرباء، ومحاذاتهم أياما وأسابيع ~~وشهورا، والجلوس وإياهم حول مائدة واحدة مرة بعد مرة، وحدة تنشأ وتتثبت بالتكرار، فضلا ~~عن خبرة موفورة لدرس أخلاق الناس، وتمرين ميسور في أساليب المعاملة والإرضاء. # بيد أني بعد الأحاديث المسلية والضحك والائتناس أظل شاعرة بفراغ واسع، أظل متسائلة ماذا ~~يعرف أولئك المتنادمون المتسامرون المغتابون، بعضهم من بعض، أظل تائقة إلى الوحدة والاختلاء ~~تحت أشجار الحرج الصغير. لذلك سعيت في أن يبنى لي هذا الكوخ الضيق من خشب الغصون ويسقف ~~بالأعشاب اليابسة، وليس في داخله من حطام الدنيا سوى مقعد وطاولة نضدت عليها كتب قليلة. ~~وإنما دعي كوخي «الكوخ الأخضر» لأني جللت جدرانه من الداخل بنسيج أخضر. عدا عن أفنان ~~مخضوضبة حنت عليه، وخضرة غضة أحدقت به من كل جانب. هنا تعرفت بمكس مولر وبكتابه الجميل. ~~تعرفت به في الخلوة لأن الأرواح الكبيرة تنكمش في المحافل العادية ولا تتجلى إلا في العزلة ~~لمن كان على استعداد لتلقي فيض بهائها. # كنت شرعت أدرس الألمانية في القاهرة إبان الشتاء ولم ينلني منها سوى عشرين درسا أو أكثر ~~قليلا. ولما تزودت بالكتب قبيل الرحيل أضفت إلى حقيبتي كتابا ألمانيا لا غير، هو «الحب ~~الألماني» هذا. وقد وقع عليه اختياري لأن السيدة البروسية التي تتلمذت لها ذكرته ممتدحة ~~أسلوب مكس مولر المشبع فكرا ومعرفة على سهولته ورشاقته. ونسبت هذه ms02 الرشاقة وتلك السهولة ~~إلى كون المؤلف شاعرا بفطرته ووراثته رغم اشتهاره بالعلم والبحث، وإلى كونه إنجليزيا ~~بوالدته كما صار بعدئذ إنجليزيا بزوجته وباستيطانه إنجلترا أعواما طوالا، فكان له من ~~إجادة اللغة الإنجليزية ومعالجتها والتأليف فيها مساعد قوي في تجريد جملته الألمانية من ~~التطويل والصعوبة والإبهام الملازم لها غالبا عند كتاب الألمان، لا سيما العلماء ~~والفلاسفة. # أنشأت أتصفح الكتاب في عزلة «الكوخ الأخضر» ولم أفرغ من الفصل الأول حتى تملكتني روحه ~~الشعرية الفلسفية وأرهفت ذهني، فتمكنت من الإحاطة بالمعنى العام وإن فاتني من معنى المفردات ~~كثير. وما أتيت عليه إلا وعدت أراجع قراءته مرات حتى ابتهجت بمحاسنه نفسي المنفردة. وعلى ~~قصر باعي بالعربية التي كنت نشرت فيها مقالات قلائل، ومع أني لم يكن لدي معجم ألماني، ~~استعنت بالقلم والقرطاس لأرسم بلغتي تلك الخطوط البديعة، ولو كان لي مقدرة مكس مولر الفكرية ~~والإنشائية لما أفصحت عن حركات النفس بسواها. وقد قال لي أحد الأدباء عندما نشرت «ابتسامات ~~ودموع» في ذيل «المحروسة» في الشتاء التالي، قال: «أسائل ذاتي ساعة أقرأ ذيل «المحروسة» ~~أأنت ناقلة مكس مولر إلى العربية أم هو ناقلك إلى الألمانية؟» في هذه الكلمة، التي تخال ~~تملقا للوهلة الأولى، حقيقة أولية هي كل قوة الكاتب الوجداني الذي إنما نحكم له بالتفوق ~~لأنه أحسن التعبير، ليس عما يشعر به هو الكاتب، بل عما نشعر به نحن القراء. وكيف لا نحكم له ~~بذلك وهو الغريب الجاهل أسرار قلوبنا قد اطلع على خفايانا وبسطها لنا وللعالمين. وكتاب ~~«ابتسامات ودموع» من هذا القبيل آية سحر وبراعة، لا يقصر على الوصف، بل هو مهبط وحي للنفوس ~~الحساسة. ~~••• # كان ذلك في صيف 1911 وبي تيقظ الفتاة الأول، واستفسارها الصامت إزاء المسائل الكونية ~~والعمرانية والروحية، وإعجابها المنتبه المتحفز للاهتمام والتحمس، وبي كذلك خجلها وحيرتها ~~وترددها. # وكنت كئيبة. كنت أكتئب لغير سبب، وأكتئب للعوامل الدافعة بالاجتماع، الشاغلة أفراده ليلا ~~ونهارا. حتى إذا احتميت بحمى الطبيعة وألقيت عليها اتكال روحي رافقت الكآبة حبي واتكالي. ~~الكآبة خاتمة شعور الإنسان إزاء الجمال ms03 والقباحة، والخير والشر، والعدل والظلم، والكره ~~والحب، والفوز والخذلان. إليها تنتهي حركات التأثر في جميع حظائر النفس كأن لا شيء وراءها ~~سوى المبهم والمجهول والظلام الدامس. أهي ناتجة عن شعور المرء بضعفه حيال قوة العالم، ~~وبعجزه عن تحويل الأشياء عن مجراها؟ قد يكون. ولكن الواقع أن التنهد والامتثال نهاية كل ~~عاطفة وكل فكر، كما أن كل عمر بشري يختم بإرسال الزفرة وإسبال الجفون. # كنت قبلئذ أسير لا ألوي على شيء، إن وقعت عيني على شخص، أو طرق سمعي موضوع نظرت في هذا ~~وذاك نظرة استخبار سطحي. أما هناك فطفقت ألقي على نفسي أسئلة منطلقة من جهلي المتعطش إلى ~~الارتواء؛ من أنا؟ ما هو موقفي في الدنيا؟ لماذا تزعجني بعض الأحاديث، وتسخطني بعض الوجوه، ~~في حين أرتاح لأحاديث أخرى وتجذبني وجوه غيرها؟ لماذا أحب هذه ولا أحب تلك؟ لماذا ينفث هذا ~~في روعي وجوب احترامه فأسعد بتوجيه عاطفة جليلة إلى موضوع يليق بها، بينا ذاك الآخر لا ~~يلهمني غير الهزء والامتهان؟ لماذا يفرحني الناس وأفرحهم؟ لماذا يؤلمني الناس وأؤلمهم؟ ومن ~~أين لي ولهم هذه القدرة العميقة النافذة؟ أسئلة نقضي العمر ناشدين عنها أجوبة ولا نفوز قبل ~~الموت بالجواب الشافي. وهكذا صار كوخي الأخضر سجنا اختياريا، وشرفته نافذة مفتوحة على ~~ميدان العجائب والغرائب، وقد تسنى لي أن أستعرضها وأتفحصها بفكري سائلة عن ماهيتها دون أن ~~يكون ثمة سامع أو مجيب. # الفكر! ما أجذب الفكر إذا هو مزج بطلاوة العاطفة وخيمت عليه أوشحة الخيال! عشت السنوات ~~الأولى من حياتي دون تفكير، وها قد غدا الجناح الملون بألوان قوس السحاب يضرب جبهتي ليفسح ~~له فيها، وكرا فصار كل موضوع، وكل شخص وكل مشهد طبيعي، ينفحني بتأملات زرقاء، وردية، ~~ذهبية، فضية، رمادية تحوم حولي تارة، وطورا تجثم في متعاونة مع ما في الكتاب على إيصالي ~~إلى روح الإنسانية، فأكاد أسمع دقات قلبها وصدى أنينها فأدرك أنها شقية بجهلها واضطرابها ~~وهمومها، وأنه قدر على المختارين من بنيها أن يتألموا أضعافا لأنهم السابقون إلى مقاتلة ~~المجهول، وكجميع ms04 الطلائع يتلقون ضربات المصادرة والمقاومة، فلا تضعف عزائمهم، ولا تكل ~~أقدامهم، ويثابرون على تلمس السبيل في حالك الظلمات، ويسيرون إلى الأمام حاملين غنيمة ~~الجهود الإنسانية والثقة بتحقيق الآمال. ~~••• # والطبيعة! يا لاستهواء الطبيعة وقد انتشرت الأشجار والصخور على الجبال والوهاد فرقصت هناك ~~الأشعة وانسلت هنالك الأظلال! يا لخشوعها وقد تجمعت منازل القرى حول قبة الأجراس المنتصبة ~~كالمسلة، بل هي قامت في الوسط ككاهن مد يمينه نحو العلاء مبتهلا وجثت حوله الرعية خاضعة ~~ضارعة! يا لبراعة الطبيعة بالتنوع في لبناني الجميل! لقد تصرفت بجميع فنون الجمال فهي منه ~~كل يوم في حلة جديدة وهيئة طريفة. فساعة تغرق الكائنات جميعا في أوقيانس ضياء يبهر الأنظار ~~ويذهل العقول، وساعة تزحف كتائب الضباب المتراصة من أطراف البحار وتهجم فيالق السحب ~~المتكاثفة من أقاصي الآفاق فتكتسح ما قام أمامها وتبسط رواقها الرمادي، كأن العالم في دوره ~~السديمي. ويعتدل النور والحرارة يوما، ويبرز روح التيقظ والكتمان فتصبح ألياف كل نبت، وكل ~~قطرة ماء، وكل ذرة هواء، شاعرة بسر الوجود الخطير، تؤيد بحركتها اللطيفة ضرورة مساعدتها ~~وحقيقة كيانها، ويخال الهواء حساسا كقلب الولهان داويا كالنحاس المجوف. وآنا تبدو خطوط ~~الموجودات ونبرات الأصوات بوضوح غير عادي، وتنمو روعة الأشياء كأنها كبرت واتسعت وربضت في ~~مجاهلها الأهوال باتفاق فجائي بين آلهة القدر، فيتولاني افتتان، به ينقلب الزمن والمسافة ~~سائلا متحركا أو عبابا متموجا يحملني تياره إلى حيث لا أدري من عوالم الخيال؛ شأن ~~الحياة بالإنسانية الضعيفة الساذجة، الإنسانية التي تجهل الغرض من تحركها ووجودها ولا تفتأ ~~تذوب شوقا إلى بلوغ غاية تزعم الإحاطة بها وهي في الواقع لا تعلم ما هي! # وكم خلت القوة الحيوية غبارا ذهبيا أو سيالا أثيريا منبعثا من البحر والجبال ~~والكائنات جميعا، وكم عبدت الطبيعة عبادة حارة خاشعة كعبادة المتدينين والشعراء والمتيمين، ~~أولئك الذين يقدسون الحياة خارجا عن أشخاصهم ومحصورة في إله، أو رمز، أو إنسان، وكم ملأت ~~الدموع عيني شكرا للحياة، شكرا للطبيعة، شكرا لجميع الموجودات، شكرا لهذا الكتاب الذي ~~تتهادى بين سطوره خيالات اليأس ms05 والأمل والبكاء والابتسام والحب والموت واللانهاية. # أظنني قلت في مطلع الكلام أن القلم سقط من يدي، وكان ذلك وهما. ها هو القلم يجري على ~~الصحائف قليلا قليلا مستحضرا تلك الساعات تباعا كما تتعاقب الصور المتحركة على غطاء ~~المسرح، وما الألفاظ سوى رسوم إيمائية لحقيقتها. غير أن النفس تدخرها ككنوز ثمينة لأنها ~~كبيرة الشأن في تطوري الروحي والفكري. ~~«الحب الألماني» كلا، ليس هذا الكتاب حبا ألمانيا فقط بل هو خلاصة بسمات الإنسان ~~وعبراته، فسميته «ابتسامات ودموع»، فإن كان ذلك تزييفا لفكرة المؤلف الواجب احترامها على ~~كل مترجم، فهو صادق من حيث اقتناعي الخاص، أمين للصورة التي ارتسمت منه في نفسي. ~~••• # انتشر الكتيب وكادت نسخه تنفد منذ ثلاثة أو أربعة أعوام فحال دون طبعه اعتقادي بوجوب ~~إعادة الترجمة، لأني وإن رأيت بسرور أني ألممت بروح الكتاب إلماما يكاد يكون تاما إلا ~~أنه كان يخجلني ويسوءني معا أني أهملت طائفة من الأفكار الجميلة والمعاني الرائقة التي لا ~~يجوز الإغضاء عنها. # والآن أهدي إليك، أيها القارئ، هذه الطبعة الجديدة. لقد تقيدت بالأصل معنى وتعبيرا ~~محاولة إبرازه إلى العربية بصيغته الشعرية البسيطة خاليا من الاستعارة الغريبة والتنميق ~~الشرقي. والألفاظ التي أكثر المؤلف من استعمالها مثل «حاولت» و«خيل إلي» و«ظننت» و«روحي» ~~و«نفسي» و«قلبي»، جميع هذه الألفاظ وغيرها وضعتها في أماكنها لأنها ضرورية للغة ~~التذكار. # وستحب هذا الكتاب سواء أكنت معلما أو متعلما، فيلسوفا أو شاعرا، سياسيا أو تاجرا، ~~سعيدا أو شقيا، كبيرا أو صغيرا. ستحيا فيه وبه كما حييت. ستنمو به وتتوحد وإياه حينا ~~فينتزعك من ميدان المزاحمة والمنافسة والحقد والتهكم والحسد والإجهاد. ستتوحد وإياه ~~مستدعيا ماضيك، أو مفكرا في حاضرك، أو مترقبا مستقبلك. أو هو يمثل لك فصولا من ماضيك ~~وحاضرك ومستقبلك جميعا في آن واحد، كائنا عمرك ما كان، لأن العواطف لا تفنى والقلب لا ~~تدركه الشيخوخة. بل يسير جامعا من يأسه وآلامه وانتصاره واندحاره خبرة وقوة توصلانه إلى ~~سبل جديدة ومعارف مطلوبة. وحسبه أن ينبه فيك الذكريات الحلوة المرة من مباغتات الحب والحياة ms06 ~~والموت والابتسامات والدموع، وهي إرث بني الإنسان أجمعين. # | العلامة اللغوي مكس مولر # المقتطف # عدد تشرين الثاني /نوفمبر، سنة 1900 # فريدريخ مكس مولر. # كان «مكس مولر» عالما من شيوخ العلماء وأستاذا جليل الشأن طبقت شهرته ~~الخافقين وكان له اليد الطولى في وضع علم اللغات وتسهيل الاطلاع على عقائد الأمم الشرقية. ~~وهو ألماني المولد إنكليزي الموطن ولد بدساو من دوقية انهلت سنة 1823 وأبوه شاعر ألماني ~~أورثه قريحته ومخيلته فامتاز من صغره بالذكاء وسرعة الخاطر وقوة الخيال حتى يكاد نثره يكون ~~شعرا لما فيه من الصور الخيالية. وقد قال في هذا الصدد: «إني ابن شاعر وقد بذلت جهدي العمر ~~كله لكي لا أكون شاعرا.» لكن الطبيعة لا تغلب ولله در من قال: # وأسرع مفعول فعلت تغيرا # تكلف شيء في طباعك ضده # وكيف تغلب وقد ربي على ما ينميها ويقويها فقد كان بيت أبيه ناديا لرجال الأدب من الشعراء ~~والمغنين حتى إنه علق صناعة الغناء وصار غرضه الأكبر أن يصير من كبار الموسيقيين وبقي على ~~حبه لها العمر كله. درس في ليبسك وبرلين وباريس وامتاز وهو في كلية برلين بالاجتهاد وسرعة ~~التحصيل وذهب مذهب «كنت» الفيلسوف الألماني ولم يمل عنه. ثم مال إلى درس اللغات الشرقية ~~فنال منها النصيب الأوفر وبرع في السنسكريتية والفارسية وترجم الهيتوبادسا (كتاب قصص ~~الهنود) من السنسكريتية ونشرها وهو في العشرين من عمره. ثم انتقل إلى باريس ودرس على ~~العلامة المستشرق الأستاذ «إيجن برنوف» ولم يكن على سعة من العيش لكن كان من حسن بخته أن ~~صادقه البارون «بنصن» العالم الكبير فمد إليه يد المساعدة وكتب عنه إلى الأرتشديكن كارل ~~الإنكليزي يقول: # لقد أوصاني بعض ذوي المقامات العليا بشاب عمره اثنتان وعشرون سنة له مقام كبير في ~~عيني شلنغ (فيلسوف ألماني) أشهر نفسه بترجمته الهيتوبادسا من السنسكريت، وهو واسع ~~الاطلاع بارع في كل شيء، ويود أن يقيم في إنكلترا بضع سنوات، وهو ابن الشاعر اللغوي ~~المشهور «وليم مولر» الذي أعلمه من أمره أنه رائع الآداب رزين العقل. # ويقال إن ms07 أعظم اكتشاف اكتشفه البارون «بنصن» لفائدة اللغات الشرقية هو اكتشافه «مكس ~~مولر». وقد ساعده البارون «بنصن» والأستاذ «ولسن » على الشروع في العمل الذي بقي عاكفا عليه ~~إلى أن أدركته الوفاة فوكلت إليه شركة الهند الشرقية ترجمة «الرغ فيدا» كتاب ترانيم ~~البراهمة وهو أساس الآداب السنسكريتية. وقال له «بنصن» حينئذ: «لقد وكلت بعمل يكفيك العمر ~~كله قطعة كبيرة لا تنحت ولا تصقل إلا في سنوات كثيرة، لكن لا بد لك من أن تعطينا نتفا منها ~~من وقت إلى آخر.» فجعلت هذه النتف تنهال من قلمه كالمطر. وبقى عشرين سنة في تحرير «الرغ ~~فيدا» لكنه لم يقتصر عليه بل اشتغل بمواضيع كثيرة وبرع فيها كلها، فدرس اللغة الإنكليزية ~~وصار من البلغاء فيها كلاما وإنشاء، وله الخطب الرنانة التي كان الناس يتقاطرون ~~لاستماعها، ولو كانت في أعوص المواضيع اللغوية والفلسفية، لبلاغة عبارتها وسهولة مأخذها. ~~والكتب الكثيرة التي أعيد طبعها مرارا لرغبة الناس فيها. ومن هذه الكتب: «لغات دار الحرب» ~~(أي بلاد الهند) طبعه سنة 1854، و«عقائد الأمم» طبعه سنة 1856، و«تاريخ الآداب السنسكريتية» ~~طبعه سنة 1859، و«خطب في علم اللغات» طبعها بين سنة 1861 و1863، و«خطب في علم الدين» طبعها ~~سنة 1870، وكتاب النتف في أربعة مجلدات طبعت بين سنة 1868 و1875، وخطب في أصل الدين ونحوه ~~طبعت سنة 1878، ومقالات مختارة طبعت سنة 1881، ومقالات في ترجمات المشاهير من أصدقائه ومن ~~معلمي بلاد الهند طبعت سنة 1883، وكتاب في الدين الطبيعي طبع سنة 1889. وحرر «الرغ فيدا» في ~~ستة مجلدات كبيرة فيها ثمانية آلاف صفحة متنا وشرحا، وقد فحصه سبع مئة من البراهمة فحكموا ~~أنه أفضل نسخة وأصلحوا نسخهم عليه. وحرر كتب المشرق الدينية وهي خمسون مجلدا. وله غير ذلك ~~من الكتب والمقالات ومن آخر مقالاته مقالة في أديان أهالي الصين نشرت في جزء شهر (نوفمبر ~~سنة 1900) من مجلة القرن التاسع عشر. # وحالما ظهرت مقدرته في علم اللغات اختير أستاذا فيه، في مدرسة أكسفورد الجامعة، فأقام ~~فيها نحو خمسين سنة. ولبعض العلماء مثل هكسلي وتندل وفوستر مقدرة فائقة على بسط ms08 المواضيع ~~العلمية وهم يخطبون فيها حتى ترى الناس يتقاطرون إلى نوادي الخطابة عن طيب نفس ولو كان ~~الموضوع من المسائل الطبيعية العويصة، فجرى مكس مولر مجراهم وبلغ الطبقة العليا بينهم، فكان ~~يخطب في علم اللغات وقد لا يقول شيئا جديدا أو شيئا لم يذكره أحد قبله، ولكنه كان يفصح ~~عنه على أسلوب يختلب الألباب لم يسبقه أحد إليه حتى ذاع اسمه في البلاد الإنكليزية كلها ~~وصارت خطبه من المواضيع التي يتحدث الناس بها في مجتمعاتهم وولائمهم وذهب كثير من أقواله ~~أمثالا. # ولم تكن آراؤه كلها مما يقوى على النقد والتمحيص ولا لقي الطاعة العمياء من معاصريه ~~والتسليم التام لمقدماته ونتائجه، بل لقي من علماء عصره كل منتقد عنيد كما ترى في ما ذكرناه ~~في المجلد السادس عن رأيه في أصل اللغات وانتقاد الأستاذ «هوتني» عليه. وكذا مذهبه في ~~اشتقاق الشعوب الأوربية من الشعوب الآرية وتولد الأوروبيين والهنود من أصل واحد ومهاجرة ~~الأوروبيين إلى أوروبا من قلب آسيا، فإن كثيرين من نخبة العلماء يخالفونه الآن في هذا ~~المذهب. ويقال بنوع عام إنه كان متطرفا في مذاهبه متسرعا في أحكامه، لكن لا ينكر أحد أن ~~علم اللغات (الفيلولوجيا) الذي وضعه الأستاذ بوب سنة 1835 لم يوسعه أحد مثل تلميذه «مكس ~~مولر». وكتابه في «عقائد الأمم» لا يخلو من آراء غير سديدة ولكنه هدى العلماء إلى مكتشفات ~~عديدة في هذا الموضوع وأوضح كثيرا من الغوامض بذكاء عقله وقوة بداهته. # ولا شبهة عندنا في أنه وسع نطاق علم اللغات ورغب الناس في درسه وعلم الأوروبيين والمشارقة ~~أنفسهم كثيرا مما لم يكونوا يعلمونه من تاريخ لغاتهم ومعتقداتهم، ولكننا نرتاب كثيرا في ~~أن ذلك أفاد سكان المشرق سياسيا؛ فقد بذل جهده مدة خمسين سنة ليقنع الإنكليز أن الهنود ~~أبناء أعمامهم، لكن هذا لم يغير رأي الإنكليز في الهنود ولا أفاد الهنود مثقال ذرة. ومن لا ~~يقنعه قول الكتاب أن الناس كلهم من أب واحد وأم واحدة لا تقنعه آراء العلماء وأقوال ~~الفلاسفة. # وكان رضي الأخلاق كثير ms09 الأصدقاء يقصده الزوار من أقطار المسكونة ويكاتبه الناس بلغات شتى. ~~اختار إنكلترا وطنا له لكن حب ألمانيا وطنه الأصلي لم يهجر فؤاده، فلما نشبت الحرب بين ~~فرنسا وألمانيا سنة 1870 نشر خمس مقالات في جريدة التيمس دافع فيها عن سياسة «بسمارك» وأقام ~~الأدلة على أنه كان يقصد بها السلم لا الحرب. وبقي العمر كله عالما ألمانيا بين العلماء ~~الإنكليز. وقد بذل الإنكليز جهدهم في إكرام مثواه وخلقوا له منصب أستاذية اللغات الأجنبية ~~خلقة لكي لا يحرموا فوائده ولا يدعوه يهجر بلادهم. ثم أبدلوها بأستاذية علم اللغات ~~(الفيلولوجيا). ولما كثرت أشغاله وود أن يعفى من هذا المنصب لأنه لم يعد قادرا على القيام ~~به عينت المدرسة أستاذا آخر نائبا عنه يقوم بأعبائه وأبقت الأستاذية له. ولكن لما خلت ~~كرسي أستاذ السنسكريت وترشح لها هو والأستاذ الإنكليزي «مونير وليمس» فضل المنتخبون «مونير ~~وليمس» عليه، لا لأنه أكفى منه لهذا المنصب بل لأنه إنكليزي و«مكس مولر» ألماني، فاستاء من ~~ذلك لكنه لم يحقد على الذين فضلوا غيره عليه. وود مرارا أن يترك أكسفورد، وأما أكسفورد فلم ~~تتركه، وقد أكرمته كما أكرمت أشهر تلامذتها وأعظم أساتذتها، وكان الصلة المتينة بينها وبين ~~علماء أوروبا ولا سيما علماء ألمانيا حتى إن إمبراطور ألمانيا كان يبعث إليه بتلغراف ~~التهنئة كلما فازت أكسفورد في سباق أو نحوه. # توفي في الثامن والعشرين من أكتوبر سنة 1900 في بيته بأكسفورد على أثر مرض عقام في كبده، ~~واحتفل بدفنه في غرة نوفمبر/تشرين الثاني وحضر الاحتفال الجنرال «غودفراي كلارك» من قبل ~~جلالة الملكة، والهر «شلز ستينورتز» من قبل جلالة إمبراطور ألمانيا، وبعث الإمبراطور بإكليل ~~فاخر من الأزهار البيضاء وضع على النعش وقد كتب عليه «لصديقي العزيز»، وبعث ملك اسوج ~~إكليلا من الزنابق. وحضر الاحتفال أيضا ولي عهد سيام ونواب المدارس الجامعة والجمعيات ~~العلمية. # | مقدمة المؤلف # بقلم فريدريخ مكس مولر # الحرقة اللاذعة قلب من جلس إلى منضدة طالما اتكأ عليها صديق نام الآن في القبر ليستريح، ~~ترى من لا يشعر بتلك الحرقة بعد ms10 فراق الحبيب؟ من ذا الذي لم يحاول ولو مرة فتح أبواب حفظت ~~أسرار فؤاد يختفي اليوم وراء هدوء المدافن وجلالها؟ # هذه رسائل أحبها كثيرا ذاك الذي أجمعنا القلوب على محبته. وهذه صور، وأشرطة، وكتب وضعت ~~بين صفحاتها العلامات والرموز. من ذا الذي يستطيع الآن تقليبها ليستشف الغاية منها؟ وهل من ~~يد سحرية تلم شمل هذه الوردة الممزقة الجافة وتنفث فيها من جديد روح الحياة وأريجها؟ # كان اليونان يضعون موتاهم على فراش ناري فيلتهمها اللهيب. واعتاد الأقدمون إيداع النار كل ~~عزيز لديهم، وإنما النار مستودع أمين لهاتيك الذخائر. # كذلك يقرأ الصديق الأسيف صحائف لم تقع عليها عين غير تلك التي أطبقت إلى الأبد. وإذ ~~يتثبت من خلوها مما يعبأ به العالم يحملها بيد مرتجفة ويلقيها في النار، فيضم اللهيب وديعته ~~هنيهة ولا يطول حتى ينقلب وإياها رمادا. # لقد نجت الصفحات التالية من مثل هذا المقدور. ولم يكن يراد في البدء سوى إذاعتها بين خلان ~~الصديق الراحل. أما وقد وجدت أصدقاء بين الغرباء فهي جديرة بالانتشار في العالم الوسيع. ~~وكان يود ناشرها إظهارها على صورة أتم إلا أن الأوراق بالية في الأصل لا يتيسر نشرها ~~بحذافيرها. # الفصل الأول # | الذكرى الأولى # للطفولة أسرار ومميزات ولكن من ذا الذي يستطيع وصفها! من ذا الذي يستطيع تعليلها، لقد ~~اجتاز كل منا ذلك العمر الذي تشبه ذكراه ذكرى غابة هادئة مسحورة، وخبر يوما فيه فتح ~~عينيه المملوءتين بدهشة السعادة على سناء الحياة الجديدة الفائضة في روحه. يومذاك لا ندري ~~أين نحن ومن نحن: بل العالم كله يخصنا ونحن ملك العالم بأسره. حياة تخال دائمة بلا بداية ~~ولا نهاية لا هم فيها ولا ألم. القلوب عندها صافية كسماء الربيع، عذبة كعرف البنفسج، مطمئنة ~~قدسية كصباح أيام الأحد. # ماذا يطرأ على الطفل فيقلق فيه هذا السلام الإلهي، وكيف تنتهي تلك الحياة المشبعة سذاجة ~~وطهارة؟ أي العوامل يحول معاني كيانه، ويميت فيه الشعور بالاتحاد والتضامن؟ أي العوامل ~~يعلمه تمييز المفرد من الجمع، فينتبه ليجد نفسه في معترك الحياة وحيدا ms11 كئيبا؟ # لا تقل، يا ذا الوجه العبوس، إن ذلك العامل هو الخطيئة! أو هل يجني الطفل إثما ويقترف ~~ذنبا ؟ بل حري بك أن تعترف أننا لكل شيء جاهلون وإنه ما علينا سوى الاستسلام ~~والامتثال. # أهي الخطيئة التي تنبت البذرة زهرة، وتنضج الزهرة ثمرة، ثم تفنى الثمرة وتذرها ~~هباء؟ # أهي الخطيئة التي تحول الحشرة دودة وتجنح الدودة فراشة، وتذر الفراشة هباء؟ # أهي الخطيئة التي تسير الطفل رجلا، وتشعل منه الرأس بشيب الشيخوخة، ثم تهمد الشيخ جثة، ~~ثم تذر الجثة هباء؟ # وما هو هذا الهباء الذي تضيع فيه الصور؟ ألا فاعترف بأننا لكل شيء جاهلون وإنه ما علينا ~~سوى الامتثال والاستسلام! # ولكنه يحلو التلفت إلى ربيع الحياة وإلقاء نظرة على هيكل التذكار، سواء أكنا من العمر في ~~قيظ الصيف أو حزن الخريف، أو زمهرير الشتاء. بل لا بد من ساعات فيها يناجي القلب ذاته ~~قائلا: «وأنا أيضا أشعر بالربيع متيقظا في!» # هذا ما أشعر به اليوم. وتراني مستلقيا على ندى العشب في الغابة العطرية لأريح جسمي ~~المضني. أرفع بنظري إلى زرقة السماء البادية من خلال الوريقات الخضراء وأفكر: «ترى كيف كانت ~~طفولتي؟» # أخالني ناسيا كل شيء لأن صفحات الذاكرة الأولى تشبه التوراة القديمة المحفوظة في العائلة ~~أي أن أوراق الاستهلال منها ذابلة متجعدة ملوثة، ولا تتيسر القراءة إلا بعد صفحات وصفحات، ~~عند السطور المحدثة عن طرد آدم وحواء من الفردوس. # طفولتي بعيدة العهد يفوتني كثير من حوادثها ولا أعي أيامها القصوى، أعود بأحلامي إليها، ~~وأنتقل منها إلى الأبدية التي سبقتها، وتظل البداية المبهمة متراجعة أمامي كلما تتبعها فكري ~~القاصر، لأن فجر الحياة يختفي في ظلمات الغفلة والحداثة. وأنا في ذلك كالطفل يبحث عن نقطة ~~ارتكاز السماء على الأرض فيعدو حثيثا وتلبث السماء مجددة آفاقها، فيتعب الطفل وتكل قدماه ~~ولا ينال من بغيته شيئا. # على أني ما زلت أذكر أول مرة رأيت النجوم وكانت النجوم تعرفني منذ زمن طويل. كنت في ذلك ~~المساء على ركبتي والدتي، ورغم ذلك سرى البرد في جسدي واستولى ms12 علي الخوف، فانتبهت لذاتي ~~الصغيرة انتباها غير عادي. ورفعت والدتي أصبعها مشيرة إلى النجوم اللامعة، فدهشت وفكرت ~~«بأي لباقة صنعت أمي كل هذا!» وعادت الحرارة إلى جسدي وأظنني استسلمت للنوم. # وأذكر كيف اضطجعت مرة على العشب الأخضر وكل ما حولي يموج ويهتز ويطن ويهمهم، فاقتربت مني ~~جماعة مخلوقات صغيرة مجنحة ذات أقدام متعددة وحلت على جبهتي قائلة: «نهارك سعيد.» فشعرت ~~بألم في أجفاني وصرخت مناديا أمي، فجاءت وقالت: «يا بني المسكين، ها قد لسعتك البعوض.» ولم ~~أتمكن من فتح عيني لأرى زرقة السماء. وكانت أمي تحمل طاقة بنفسج نضير فأحسست بالأريج المسكن ~~ذي الزرقة القاتمة يخترق دماغي. ومنذ ذلك اليوم ما رأيت باكورة البنفسج إلا انتعشت تلك ~~الذكرى في حافظتي فأغمض عيني لعل سماء ذاك العمر تخيم علي مرة أخرى. # شفيت، فانبسط أمامي عالم لم أعهده يفوق منه الجمال جمال الكواكب ويفضل منه العطر عطر ~~البنفسج. وكان صباح عيد الفصح، فأيقظتني والدتي باكرا فوقفت أنظر إلى الكنيسة القديمة ~~القائمة إزاء النافذة. لم تكن جميلة كنيسة طفولتي، إنما كانت شاهقة، جدرانها ذات منظر مهيب، ~~باذخة قبتها يعلوها صليب مذهب، وتبدو أقدم جميع المنازل المجاورة. # ولطالما تمنيت تعرف من يسكنها فنظرت من شباك الباب الحديدي، وأطلت النظر مرة وكان الداخل ~~خاويا خاليا رطبا وليس ثمة نفس واحدة، فصرت أفزع كلما مررت بها فأعدو طلبا ~~للهرب. # ولكن في ذلك الصباح، صباح عيد الفصح، أمطرتنا السماء في الضحى رذاذا ثم بزغت الشمس في ~~أبهى حلة من الأنوار فبهجت جدران الكنيسة القديمة وتألق سطحها المصفح الأشهب، ولمعت نوافذها ~~الكبيرة، وسطعت القبة بسناء صليبها الذهبي سطوعا مدهشا تناول كل شيء منها وحواليها. وبدا ~~النور السائل من النوافذ الكبيرة حيا متموجا وأبهى من أن يمكن التحديق فيه، فأغمضت عيني. ~~إلا أن النور العجيب ما زال يفيض على روحي جاعلا جميع الأشياء لامعة عطرة ترن ~~وتنشد. # خلت حياة جديدة تنبض في، كأن شخصي الأول تبدل بشخص آخر، وإذ سألت عن الأصوات الفخمة ~~المتصاعدة من أعماق الكنيسة قالت والدتي: ms13 إن هذا نشيد الفصح. لم يتسن لي إلى اليوم معرفة ~~ذلك النشيد الذي هبطت أنغامه على روحي، ولا ريب أنه من تلك المزامير الرائعة التي تسربت إلى ~~روح لوثر الصارمة. ولم أعد أسمعه مرة أخرى. أما الآن فعندما أصغي إلى موسيقى بيتهوفن أو ~~مزامير مارسلو، أو أجواق هيندل، وأحيانا عندما أسمع الأغاني الساذجة في جبال اسكوتلندا ~~والتيرول، أشعر بأن نوافذ كنيستي القديمة تسطع بنور باهر، وأن عالما جديدا ينفتح أمامي من ~~عالم الكواكب وأعذب من عرف البنفسج. # هذا ما علق بذهني من تذكارات طفولتي يتخللها وجه أمي الحنونة وعينا أبي العميقتان، وحدائق ~~وأشجار أعشاب مخملية الخضرة، ودالية تحمل العناقيد الناضجة، وكتاب جليل حافل بالصور ~~الملونة، التوراة. هذا كل ما أميزه على الصفحات الأولى من ذاكرتي الذابلة. # لكن ما يعقبه واضح جلي. أرى ملامح الوجوه التي اعتدت مشاهدتها وأنادي أصحاب هذه الوجوه ~~بأسمائهم: أبي وأمي، وأخواتي وإخوتي، والأصدقاء والمعارف والمعلمون وبعض الغرباء ... # أواه! يا لحلاوة تذكار تركه الغرباء في فؤادي! ويا لعمق موضع روحي نقشت فيه ~~أسماؤهم! # الفصل الثاني # | الذكرى الثانية # كان على مقربة من بيتنا وإزاء الكنيسة ذات الصليب المذهب بناية شاهقة تعلوها قبب كثيرة. ~~عظمت حتى صغرت حيالها بناية الكنيسة ذاتها. وكانت قببها شهباء قديمة كقبب الكنيسة، إنما لم ~~تظهر فوقها الصلبان المذهبة، بل قامت على الجوانح نسور حجرية وخفقت راية زرقاء على القبة ~~العليا المطلة على المدخل، وقد امتد أمامه سلم يمنة وآخر يسرة ووقف جندي يحرس كلا ~~منهما. # نوافذ المنزل عديدة تجللها من الداخل الحرائر القرمزية تتدلى منها الطرر الذهبية. وأشجار ~~الليمون المنتصبة في الساحة الفيحاء تغطي الجدران بوريقاتها الغضة وتنشر على العشب أريج ~~أزهارها. # كثيرا ما كنت أرفع عيني إلى هناك عند المساء إذ تطلق أشجار الليمون أعذب أنفاسها وترسل ~~النوافذ أبهى أنوارها فأرى خيالات تجيء وتروح، وأسمع أنغام الموسيقى مترددة من أعالي القصر. ~~ثم تمر المركبات إلى القصر فيرتجل الرجال والنساء ويصعدون على الدرجات وعلى وجوههم سيماء ~~الصلاح والنبل، بينا نجوم الأوسمة تشع على صدور ms14 الرجال والورود والرياحين ترقص بين شعور ~~النساء، فأفكر في بساطتي: «لماذا لا أذهب أنا كذلك؟» # أخذني والدي بيدي يوما وقال: «ها نحن ذاهبان إلى القصر، فتأدب. وإذا كلمتك الأميرة أجب ~~باحتشام وقبل يدها.» وكنت في عامي السادس ففرحت فرح أهل هذا العمر. وكنت أسمع الثناء الكثير ~~على أخلاق الأمير والأميرة صاحبي القصر وما فطرا عليه من ميل إلى الإحسان وعطف على الفقراء، ~~فضلا عن عدل وإنصاف بهما يمثلان الله تعالى على الأرض في معاقبة الأشرار والمعتدين. ~~فحسبتني أعرفهما، وحسبتهما نظير الصورة التي وضعتها لهما مخيلتي. بل هما كانا من معارفي ~~القدماء لا كلفة بيننا ولا تكلف كأنهما بعض ألاعيبي وجنودي الخشبية. # صعدت في السلم وقلبي يدق بسرعة. وأخذ أبي يوصيني أن أقول «سموك» في مخاطبة الأميرة. ففتحت ~~الأبواب ورأيت أمامي امرأة طويلة القامة ذات عينين براقتين نافذتين، تخال آتية توا إلي ~~تمد يدها لأضع فيها يدي. ولملامحها هيئة ألفها ذهني ونصف ابتسامة محجوبة تلعب حول ثغرها ~~بلطف، فلم أتمكن من ضبط نفسي. وفي حين ظل أبي واقفا قرب الباب ينحني (لا أدري لماذا؟) ~~انحناء عميقا خففت أنا إلى السيدة الجميلة وقلبي يقفز إلى شفتي، ثم طوقت عنقها بذراعي ~~وقبلتها كما أقبل والدتي، فظهر الارتياح على وجهها وداعبت شعري ضاحكة. إلا أن أبي مسك بيدي ~~ودفعني بجفاء قائلا أني صبي شرير وأني لن أرافقه مرة أخرى. فأخذتني الحيرة وصعد الدم إلى ~~وجنتي وشعرت بسهم يخترق فؤادي الصغير وأن أبي يظلمني. نظرت إلى الأميرة أستمد دفاعا فلم أر ~~في محياها غير الرصانة واللطف. وأدرت ببصري في القاعة ومن فيها من رجال ونساء لعلي أجد من ~~يشاركني في ألمي فإذا بهم جميعا يضحكون، فهطلت الدموع من عيني وسرت نحو الباب وهبطت السلم ~~مسرعا تحت أشجار الليمون حتى وصلت المنزل والتقيت بأمي، فرميت بنفسي بين ذراعيها والشهيق ~~يقطع صدري. # فقالت: «ماذا جرى لك يا بني؟» # قلت: «آه لو تعلمين! ذهبت إلى الأميرة فوجدتها جميلة لطيفة مثلك يا أماه فلم أتمالك أن ~~طوقت عنقها بذراعي ms15 وقبلت وجنتيها.» # فقالت: «وكيف فعلت! هؤلاء الناس أشراف أماثل وهم غرباء عنا.» # قلت: «ماذا يهمني كونهم غرباء؟ أليس لي أن أحب كل من نظر إلي بعينين معسولتين ~~باسمتين؟» # قالت: «لك أن تحب من تشاء يا بني. ولكن عليك أن تكتم حبك ولا تظهر منه شيئا.» # قلت: «إن لم يكن حب الغرباء جريمة فلماذا يحظر علي إظهاره؟!» # فتنهدت أمي وقالت: «إنك لمصيب يا بني. لكن عليك أن تطيع والدك. وعندما تكبر سنا وفهما ~~تعلم لماذا لا يجوز أن تطوق عنق كل سيدة جميلة ذات عينين جذابتين.» # وكان ذلك اليوم كئيبا. عاد أبي إلى البيت وكرر أني أسأت التصرف. وفي المساء سارت بي أمي ~~إلى سريري فجثوت وصليت. غير أني لم أنم إلا بعد أرق طويل متسائلا: من هم الغرباء الذين لا ~~تجوز محبتهم؟ # وا لوعتاه عليك يا قلب الإنسان! إن أوراقك لتجف في ربيع أيامك والريش يتساقط عن جناحيك ~~قبل الأوان. عندما يبزغ فجر الحياة في أفق النفس ينتشر فيه عبير الحب. نحن نتعلم السير ~~والوقوف والكلام والقراءة لكننا لا نتعلم الحب، لأن الحب جوهر الروح وجميع قوى الروح تناديه ~~بأصواتها المختلفة. وقوة الحب أهم أصل غرسته الطبيعة في أعماق الكيان. فكما تجذب الأجرام ~~السماوية بعضها بعضا بالجاذبية الأبدية كذلك تجذب الأرواح المتآلفة بعضها بعضا وترتبط ~~الواحدة بالأخرى برباط الحب الأبدي. هيهات للزهرة أن تعيش بلا شمس وللإنسان أن يحيا حياة ~~عظيمة بلا حب. # أليس أن قلب الطفل يكاد ينسحق انسحاقا إذ تهب عليه من الجفاء النسمات الباردة الأولى في ~~هذا العالم الزئبقي؟ ولكن ها إن حب والديه يظل لامعا في ألحاظهم كأنوار سماوية وأشعة ~~إلهية. # حنين الطفل أطهر أنواع الحب وأبعدها غورا وأشملها طبيعة لأنه يحتضن العالم بأسره ~~منسكبا على كل نظرة ودودة، ويهتز لسماع كل نغمة عذبة. هو بحر عميق زاخر لا قرار له، وهو ~~ربيع كنوز لا تقدر وخيرات لا تحصى. وكل من اختبر الحب عرف أنه لا يقاس ولا يكال ولا يوزن ~~ولا زيادة فيه ولا نقصان، ms16 وإن الذي يحب صادقا يحب بكلية قلبه وروحه وبمجموع قواه ~~وأفكاره. # لكن وا حسرتاه! ما أقل ما يبقى من هذا الحب بعد الوصول إلى نصف رحلة الحياة! عندما يعلم ~~الطفل أن في العالم «غرباء» ويفهم من هم أولئك الغرباء تنتهي أيام طفولته، فيختفي ينبوع ~~الحب وتسحقه أقدام الأعوام والاختبار. ويوم يتلاشى لمعان العين الطاهرة فتحل محله خيالات ~~التعب والريب ينظر الإنسان إلى أخيه نظرة الغريب إلى الغريب ويتحاشى الدنو منه في الشارع ~~المزدحم. يمر غير مسلم خوفا أن لا ترد التحية فتتوجع روحه، لأن الإنسان ذاق مرارة الهجر من ~~أصدقاء طالما بادلهم تحية الرءوس وابتسام الشفاه ولمس الأيدي. الريش البهي يتساقط عن جناحي ~~النفس، وتجف وريقات الزهرة منها وتتمزق، ولا يبقى من منهل الحب سوى قطرات قلائل لإرواء غليل ~~التائه في صحراء الحياة. تلك القطرات نظل ندعوها حبا، فأين هي من حب الطفل الفياض ~~الجواد؟ # ليس ذاك سوى حب مزج بالشك والغموم ونار الانفعال المضطرم. حب يفني ذاته بذاته ~~كقطرات المطر على الرمال الحارة. حب يطلب دواما ولا يبذل يوما. حب يسأل «أتريد أن ~~تكون لي؟» ولا يقول «يجب أن أكون لك.» حب يستغرق نفسه، ويذيب نفسه، ويلاشي نفسه، وهو معذب ~~يائس. هذا هو الحب الذي تترنم بوصفه الشعراء ويتوق إليه الفتيان والفتيات. شعلة تلتهب ثم ~~تنطفئ ولا تدفئ، وتذهب تاركة بعدها الدخان والرماد. نحن نزعم يوما أن هذه الأسهم النارية ~~إنما هي آية الحب الدائم، ولكن كلما استعرت تلك النار وعظم لهيبها الموقوت قرب خبوها وحلكت ~~ظلمة الليل الذي يتبعها. # وساعة يسود الأفق ويدلهم حول الواحد منا فيرى نفسه وحيدا شريدا بين السائرين يمنة ~~ويسرة دون أن يعيروه التفافا، إذن تنهض عاطفة منسية وتتمشى في صدره ذهابا وإيابا، ولا ~~يدري أهي عاطفة حب أو عاطفة صداقة، ويود أن يصرخ لكل من أولئك الغرباء «ألا تعرفني؟» # إذ ذاك يشعر بأن الغريب أدنى إلى الغريب من الأخ إلى أخيه ومن الأب إلى ابنه ومن الصديق ~~إلى صديقه، ويدوي في طبقات ذاكرته ms17 صوت مجهول قائلا إن هؤلاء «الغرباء» أقرب أصدقائنا ~~وأعزهم لدينا وأحبهم عندنا. # إذن لماذا نمر بهم صامتين؟ ذاك سر لا يدرك وما علينا سوى الامتثال. عندما يمر قطاران ~~وأنت في أحدهما وفي الآخر وجه يود أن يبتسم لك، حاول مد يدك لمصافحة الصديق المبتعد عنك ~~قهرا. حاول ذلك وجربه لعلك تعلم لماذا يمر الإنسان بالإنسان صامتا. # قال فيلسوف قديم: رأيت بقايا سفينة أغرقتها العاصفة عائمة على صفحة البحر. يتلامس بعضها ~~ويتلاقى إلى حين. ثم تهب الريح فتفرقها شرقا وغربا دون أمل في اللقاء. وذاك مصير بني ~~الإنسان في بحر الحياة، ولكن ليس بينهم من شهد غرق السفينة. # الفصل الثالث # | الذكرى الثالثة # غيوم الحزن لا تبقى طويلا في جو حياة الطفل بل تتبدد بتدفقها من عينيه دموعا. لذلك عدت ~~بعد أيام إلى القصر فأعطتني الأميرة يدها وأتيح لي تقبيلها. وجاءتني بأولادها الأمراء ~~والأميرات فأنشأنا نتقاسم الألعاب ونتشارك في الملاهي شأن الذين يرجع عهد تعارفهم إلى سنوات ~~خلت. تلك أيام هنيئة لأني بعد ساعات المدرسة، وكنت بدأت أذهب إلى المدرسة، كان لي أن أتوجه ~~إلى القصر فأجتمع برفاقي وبين أيدينا ما يشتهي قلب الطفل من لعيبات ودمى كثر ما أرتنيها ~~والدتي وراء زجاج الحوانيت الكبيرة، قائلة: إنها باهظة الثمن قد تكفي الواحدة منها لإعالة ~~العيلة الفقيرة أسبوعا كاملا. ومثلها كتب الصور الجميلة التي أبصرت أبي يقلبها عند أصحاب ~~المكاتب ويقول: إنها لا تشترى لغير الأولاد الصالحين. ها هي لي الآن في القصر أقرؤها وأتمعن ~~في صفحاتها ساعات طويلات، لأن كل ما يخص الأمراء الصغار يخصني، أو بالأحرى هذا ما أزعمه. إذ ~~لا تقصر حريتي على استعمال ذلك المتاع الصبياني عند أصحابه. بل أنا مخير في أخذ ما أريد منه ~~إلى البيت وفي التصرف به وإهدائه إلى أولاد آخرين. وزبدة القول أني كنت اشتراكيا بأوسع ~~معاني الكلمة. # وكانت الأميرة تلبس يوما أفعى ذهبية التفت حول زندها التفاف الحياة والإحساس، فدفعت بها ~~إلينا لنلهو. وعند الانصراف لويت الأفعى حول ساعدي لأرعب أمي في الظلام، ms18 فلقيت في طريقي ~~امرأة توسلت إلي أن أريها الأفعى ففعلت، فتنهدت وقالت إنها لو ملكتها لخلص بثمنها زوجها من ~~غيابات السجن. فلم أتردد لحظة في مساعدتها، ومضيت أعدو تاركا المرأة والسوار الذهبي بين ~~يديها. # وحدث في الغد جلبة وضوضاء إذ جيء بالمرأة إلى القصر تبكي وتنتحب وقد اتهمت بأن اغتصبتني ~~الأفعى، فاستشطت غضبا وصرحت بتحمس وحدة: إني وهبتها السوار ولا أروم استرداده. لا أدري ~~ماذا جرى بعدئذ. على أني صرت منذ ذلك اليوم أعرض على الأميرة كل ما أحمله معي إلى ~~البيت. # مر زمن قبل أن تتسع أفكاري فأدرك معنى خاصتي وخاصتك. وطال اختلاط المعنيين في ذهني كما ~~طال عجزي دون التمييز بين اللونين الأحمر والأزرق. وآخر مرة ضحك مني أصحابي لمثل ذلك، كانت ~~يوم أعطتني والدتي نقودا لأبتاع تفاحا. أعطتني عشرين بارة وكان ثمن التفاح نصف هذه ~~القيمة. فقالت البائعة بصوت خلته حزينا أنها لم تبع شيئا منذ الصباح وليس لديها من النقود ~~ما ترده إلي، وتمنت أن أشتري تفاحا بعشرين بارة، فتذكرت أن في جيبي قطعة نقود أخرى من ذوات ~~العشر بارات، وسررت أن أحل المشكل بنقدها تلك القطعة قائلا: «الآن تستطيعين أن تردي العشر ~~بارات الباقية.» فلم تفهمني المرأة المسكينة بل أعادت إلي قطعة العشرين بارة واستبقت لنفسها ~~قطعة العشر بارات. # كنت أذهب كل يوم أشارك الأمراء في ألعابهم وأتعلم معهم الفرنساوية. ومنذ ذلك الحين أرى ~~صورة ترتفع من أعماق ذاكرتي، هي صورة ابنة الأمير الكبرى الكونتس ماري التي توفيت والدتها ~~إثر وضعها، فتزوج الأمير بعدئذ بالأميرة الحالية. تتصاعد تلك الصورة في شفق ذاكرتي بتمهل ~~وإبهام، فهي في البدء خيال سابح في الهواء يتشكل ويتكيف قليلا قليلا مقتربا مني، حتى يقف ~~أخيرا أمام نفسي ساطعا كالبدر يشق حجاب الغيوم بعد زوبعة شديدة ويبرز فينير وجه الليل. ~~كانت الفتاة أبدا مريضة تتألم صامتة. ولم أرها حياتي إلا ملقاة على سرير نقال يحمله إلى ~~غرفتنا رجلان، ويحملانه منها إذا هي تعبت وأشارت. هناك كانت ترقد بين الأنسجة البيضاء شابكة ms19 ~~يديها على صدرها، ووجهها شاحب وإنما مليح لطيف وعيناها عميقتان لا قرار لغورهما. فأقف ~~حيالها مشتت الفكر، وأحدق في عينيها متسائلا ما إذا كانت هي الأخرى من «الغرباء». فتضع ~~يدها على رأسي فتعتريني هزة وألبث جامدا صامتا بلا حركة ولا كلام، وكل قواي تطل من حدقتي ~~على تينك العينين العميقتين اللتين لا قرار لهما. # كانت تكلمنا نادرا غير أن نظرها يرقب كافة ألعابنا. ولم تكن تتذمر مهما أفرطنا في رفع ~~الصوت وإكثار الجلبة بل تنقل يديها إلى جبهتها العاجية وتغمض عينيها كمن يستسلم للنوم. ~~وتشعر بتحسن صحتها في أيام أخرى فتستوي فوق مضجعها ونرى على وجنتيها نضرة الفجر الباكر، ~~فتحدثنا الأحاديث المسلية وتقص علينا الحكايات المدهشة. لست أدري كم كانت سنها، على أنها ~~كانت باعتلالها الطويل وضعفها شبيهة بالأطفال يداريها الجميع، ويذكرونها برفق واحترام ~~وينعتونها «بالملك» ولم أسمع عنها يوما سوى الكلمة الطيبة. أما أنا فكنت أقف حيالها ~~خاشعا، وعندما أراها صامتة بائسة وأفكر في أنها لن تعرف يوما لذة النهوض والسير من مكان ~~إلى مكان بمجرد دافع الإرادة، وأنها ليس لديها من عمل تؤديه ولا من مسرة تتمتع بها، بل إن ~~سريرها هذا في الحياة إنما هو رمز نعش يضمها في الممات، إذ ذاك أسائل نفسي لماذا جاءت هذا ~~العالم وهي أهل لأن تذوق راحة رضية في حضن الله، أو أن تحمل على أجنحة الملائكة البيضاء على ~~ما نراه ممثلا في الصور المقدسة. ثم أشعر بوجوب مقاسمتها آلامها لئلا تقاسي وحدها جاهلة أن ~~قربها قلبا يتألم لها ويحتمل معها. ولكن كيف أبوح لها بما يجول في خاطري وأنا غافل عن ~~وجوده؟ كل ما كنت أعلم أنه لا يجوز لي أن ألقي بنفسي على عنقها لئلا أسبب لها كدرا وغما، ~~فأكتفي بالابتهال إلى الله من أعماق قلبي أن يريحها من سقامها. # أدخلت علينا في يوم حار من أيام الربيع وهي شاحبة كل الشحوب، أما عيناها فكانت أشد ~~لمعانا وأبعد غورا، فجلست على مضجعها ونادت بنا وقالت: «اليوم تذكار مولدي. حبذا ms20 العيشة ~~معكم طويلا، ولكن قد يدعوني الله إليه في القريب العاجل. ولما كنت راغبة في أن لا تنسوني ~~تماما بعد رحيلي جئت كلا منكم بخاتم يلبسه الآن في السبابة ويظل ينقله إلى الأصبع ~~المحاذي كلما مرت الأعوام حتى يستقر في الخنصر وهناك يبقى مدى الحياة.» # وعمدت إلى خواتم خمسة في أصابعها فنزعتها الواحد بعد الآخر وعلى وجهها أمارات حزن عميق ~~يمزجه حب ولين، فأغمضت عيني كيلا أبكي، فأعطت أخاها الأكبر الخاتم الأول وقبلته، ودفعت ~~الخاتمين الثاني والثالث إلى أختيها الأميرتين، وكان الخاتم الرابع نصيب الأمير الأصغر، ~~وقبلتهم جميعا. وكنت أقف قربها محدقا في يدها البيضاء وفي الخاتم الوحيد الباقي في ~~أصبعها. ثم استقلت على سريرها منهوكة القوى فتبع حركتها نظري والتقى بنظرها ففهمت بلا ريب ~~ما يدور في خلدي وسمعت ما يهمس به قلبي لأن ألحاظ الأطفال شديدة التعبير بليغة المعنى. حزنت ~~لإعراضها، ولو حاولت مراضاتي الآن ما رضيت أن أنال الخاتم الأخير لأن التخلف إنما يدل على ~~أني غريب لا تخصني بإعزاز ولا تحبني محبتها لإخوتها وأخواتها. وصرت متوجعا كمن فتح أحد ~~عروقه أو قطع بعض أعصابه، ولم أعد أدري أني أوجه نظري لأخفي كربتي. # فجلست من جديد ولمست جبهتي مرسلة في عيني نظرة استقصاء واستقراء أشعرتني بأن ما من سر ~~في إلا اكتنهته الفتاة وما من فكر إلا قرأته. وسحبت الخاتم الأخير من يدها متمهلة وقالت: ~~«وددت أن يصحبني هذا الخاتم يوم أفارقكم ولكن البسه أنت فذلك خير. وفكر في عندما أصير ~~بعيدة عنكم. اقرأ الكلمات المنقوشة عليه «كما يشاء الله». أما قلبك هذا فمفعم حرارة ورقة، ~~ألا فلتروضه الحياة وتنمه دون أن تقسيه!» ثم قبلتني كما قبلت إخوتها وأعطتني الخاتم. # ما أصعب الوصف وما أعصاه! يومذاك كنت أكاد أكون صبيا، فكيف يتفلت قلبي من سحر ذلك الملك ~~المتألم ولطفه؟ كنت أحبها كما يحبها الصبي، والصبيان يحبون بحرارة وصدق وطهارة قل منهم من ~~يحب بها في الشبيبة والرجولة، على أني ذكرت أنها من «الغرباء» الذين حرمت علي المجاهرة ms21 ~~بحبهم. إنما شعرت بتقارب روحينا وبتلامسهما بأرق ما تتلامس به أرواح البشر. زالت المرارة من ~~قلبي ولم أعد أشعر بأني وحيد في العالم، ولم أعد أشعر بأني غريب عنها تفصل بيننا هوة أو ~~مرتبة. كنت معها، كنت قربها، وكانت روحي تلمس روحها، فحسبي. # ثم رأيت أن استبقاء الخاتم الذي ودت أخذه إلى القبر، رأيت أن استبقاءه معي حرمان لها، ~~وتعالت في نفسي عاطفة طغت على كل عاطفة سواها فقلت مضطربا: «احتفظي بالخاتم إن شئت أن يكون ~~نصيبي. لأن ما لك هو لي.» فأطالت النظر في وجهي دهشة متأملة، ثم تناولت الخاتم ووضعته في ~~أصبعها وقبلت جبهتي مرة أخرى وقالت بصوتها العذب الرقيق: «أنت لا تدري ماذا تقول، أيها ~~الفتى، فحاول أن تفهم نفسك لتسعد وتسعد الآخرين». # الفصل الرابع # | الذكرى الرابعة # نجتاز من العمر أعواما يماثل تتابعها ممرا طويلا قامت على جانبيه أشجار الحور تحجب عنا ~~استدارة الأفق فنظل جاهلين أي الأنحاء نجوب، ولا نحفظ منها سوى كئيب الذكر أننا قطعنا من ~~الأيام مراحل وتقدمنا في السن. ونلهو في حدائقنا بمراقبة المد المنبسط من نهر الحياة فيلوح ~~لنا المشهد واحدا وإن تغيرت منه المناظر وتجددت على الشطين، فإذا ما بلغنا شلالات الحياة، ~~شلالات الجهاد والعناء والألم، كان عملها في نفوسنا شديد الأثر، وكلما ابتعدنا عنها زاد ~~تعالي صخبها وهديرها وضجيجها. حتى إذا أخذنا في الدنو من أوقيانس الأبدية اجتلى في ذهننا ~~معناها، ووضحت لنا أهميتها، فشعرنا بأن القوة التي ما فتئت تمدنا بالنشاط والفطنة والحكمة ~~وما زالت تسوقنا إلى الأمام نحو غاية سامية إنما تلك الشلالات أصلها ومصدرها، ومنها منهلها ~~الذي لا ينضب. # انقضت مدة دراستي ومضت معها أوقات السرور والخلو وذوى من أحلامي الجميلة كثير، على أنه ~~بقي لي إيماني بالله وحسن ثقتي بالبشر. رأيت الحياة شديدة الاختلاف عما صورته مخيلتي، ولكن ~~الشئون بدت لإدراكي كبيرة مهمة تزينها المعاني الرفيعة السامية. وما أشكل منها وجلب غما ~~وألما صار في تقديري أقوى شاهد على أن يد الله تدير حركات الكون فليس ms22 لعقولنا المحدودة أن ~~تحصر تلك الحكمة المتناهية. «لا يقع شيء إلا بإذن الله وسماحه» غدا هذا المبدأ الفلسفي موضع ~~راحتي وتعزيتي. # عدت في عطلة الصيف إلى بلدتي. فرح العودة وفرح اللقاء، من ذا منا يشرح أسبابه؟ من ذا الذي ~~يتفهم لذة نتذوقها في أن نرى مرة أخرى ما رأيناه من قبل، وأن نجد من جديد ما سبق وعرفناه ~~قدما؟ يكاد يكون التذكار سر كل تمتع وكل مسرة. قد يكون ما نراه ونسمعه ونذوقه لأول مرة ~~جميلا مرضيا لذيذا على أنه يدهشنا بجدته وغرابته فلا يتم الهناء به لأن مجهود السرور ~~يجيء غالبا أقوى من السرور نفسه. ولكن إذا سمع المرء بعد مرور أعوام نغمة قديمة كان يزعم ~~أنه نسي كل نبرة من نبراتها فعرفتها روحه وعانقتها كأنها صديق عزيز، أو وقف أمام صورة ~~العذراء ناظرا في عيني طفل تحمله فتنبهت فيه عواطف اعتادها عند هذا المشهد في صغره، أو ~~استنشق زهرة، أو ذاق طعاما لم يذكره منذ زمن الحداثة، شعر بلذة لا يدري لعمقها أهي آتية من ~~السرور الحاضر وحده أم هي جمعت بين أطايب الساعة المارة وتذكارات عهد مضى. # كذلك يعود الطالب منا إلى وطنه بعد غياب أعوام فتخوض نفسه بحر خواطر تحمله منه الموجات ~~المترنحة نحو شواطئ الأيام القصية، وإذ يسمع ساعة البرج يضطرب خوفا من التأخر عن ميعاد ~~الدرس ثم يعود من رعبه جذلا بانقضاء أيام الدراسة. يرى كلبا يعبر الشارع هو الكلب الذي ~~طالما لاعبه في الماضي، وها هو الآن قد كبر وشاخ حتى قام الفراغ مكان أنيابه. وهاك بائع ~~السلع المتجول الذي طالما جربتنا تفاحاته وما زالت في حكمنا، رغم غبار يلتصق بها ويغلفها، ~~أشهى صنوف التفاح في العالم. وهناك هدم منزل قديم وشيد غيره مكانه. ذاك كان منزل معلم ~~الموسيقى. ما كان أبهج الوقوف تحت نوافذه في ليالي الصيف والإصغاء إلى ما يبتكره ارتجالا ~~للتسلية بعد ساعات العمل الطويلة، فتنطلق الألحان كأنها بخار تجمع في نفسه خلال النهار ~~فأنشأ يعتقه ليلقي عنه حملا ثقيلا. ms23 وهنا في هذا الزقاق الضيق الذي كنت أخاله أوسع قليلا، ~~هنا اجتمعت ليلة بابنة الجيران الجميلة. لم أكن فيما مضى لأجرأ على محادثتها والنظر إليها. ~~على أننا نحن الصبيان كنا نتناقل أخبارها في المدرسة ونسميها «الفتاة الحسناء»، فإن رأيتها ~~آتية في الشارع عن بعد اغتبطت لهذه المصادفة دون أن أطلب الدنو منها. وكان أنها مرة في هذا ~~الزقاق المؤدي إلى المقبرة اتكأت على ذراعي وسألتني أن أسير بها إلى البيت. مشينا ولم ننبس ~~بكلمة طول الطريق. كنت صامتا وظلت هي ساكتة، ولكن سروري كان من الشدة بحيث إني الآن بعد ~~مرور أعوام، إن ذكرت تلك البرهة تمنيت انقلاب الزمن ورجوع ما لا يرجع ليتسنى لي السير مرة ~~أخرى صامتا سعيدا تستند على ساعدي «الفتاة الحسناء». # وهكذا تتوارد خاطرة إثر خاطرة حتى تعج موجات التذكار فوق رءوسنا، ونرسل زفرة تلفتنا إلى ~~أن الهجس أقلق انتظام التنفس منا، فيختفي عالم الأحلام بغتة كما تتلاشى الأشباح عند صياح ~~الديك في الضحى. # ولما مررت أمام القصر القديم المحاط بأشجار الليمون ورأيت الحراس على خيلهم عند الدرجات ~~العاليات توافدت التذكارات متلازبة في خاطري واكتأبت لدوران الأيام. لم أدخل هذا القصر منذ ~~أعوام عديدة. لقد توفيت الأميرة، واعتزل الأمير خدمة الحكومة وسكن منزلا منفردا في ~~إيطاليا، وصار نجله الأكبر الذي نشأت وإياه نائبا عنه. يقيم في هذا القصر تحف به بطانة من ~~شبان الأشراف والقواد يتمتع بحديثهم ويهنأ بعشرتهم، فكيف لا يحسب أصدقاء طفولته غرباء عنه؟ ~~ومما رغبني في الابتعاد أنني ككل شاب ألماني عرف احتياج الشعب الألماني من جهة وخطأ الحكومة ~~الألمانية من جهة أخرى، كنت انضممت إلى حزب الأحرار واعتنقت نظرياته المغايرة لنظريات بلاط ~~الملوك كل المغايرة. # نعم، منذ أعوام لم أصعد على ذلك الدرج. ورغم ذلك ألفظ كل يوم اسما قطنت صاحبته في هذا ~~القصر ومثلت صورتها في ذهني لا تبتعد عني. اعتدت فراقها الجسدي لأنها نمت خيالا جميلا ~~وثقت من أن لا أصل له في الواقع. صارت ملكي الحارسي وذاتي الأخرى، أحادثها ms24 ساعة أحادث نفسي، ~~وأستشيرها وأعمل بنصيحتها. لست أدري كيف تجسمت في إلى هذا الحد على قلة معرفتي بها. ولكن ~~كما أن النظر يبدع من السحب أشكالا كذلك حفظت ذكرى طفولتي رؤياها اللطيفة وكونت من خطوط ~~الحقيقة الضعيفة الواهية صورة كاملة بارزة. أصبح تعاقب أفكاري محاورة بيني وبينها، وما هو ~~حسن في، وكل ما أتوق إليه، وأسعى في سبيله، وأومن به، كل ذاتي المثلى كانت تخصها، كانت ~~مهداة إليها كما أنها آتية من روحها، من روح ملكي الحارس الأمين. # أقمت في بيتي العتيق أياما فجاءني في ذات صباح رسالة مكتوبة بالإنجليزية من الكونتس ~~ماري، وهذا نصها: # صديقي العزيز # بلغني أنك ستقيم هنا زمنا. نحن لم نلتق منذ أعوام طويلة. فإن أرضاك أن نلتقي مرة ~~أخرى فإني أسر كل السرور بمشاهدة صديق قديم تجدني وحدي بعد ظهر اليوم في الكوخ ~~السويسري. # لك بإخلاص # ماري # فجاوبت فورا بالإنجليزية أني سأزورها في الموعد المضروب. ولم يكن الكوخ السويسري سوى ~~جناح من القصر ينفتح على الحديقة ويتيسر الوصول إليه دون المرور في ساحة القصر الكبرى. ولما ~~أزفت الساعة الخامسة اجتزت الحديقة متغلبا على انفعالي، متهيئا لمقابلة رسمية، مؤكدا ~~«لملكي الحارس» في داخلي أن لا شأن لي مع هذه السيدة. ولكن ما معنى قلقي واضطرابي، ولماذا ~~لا يوحي إلي «ملكي الحارس» ما أتطمن به وأرتاح إليه؟ أخيرا تشجعت هامسا لنفسي بكلمات ~~سخرية بالحياة، وطرقت بابا كان نصف مفتوح. # وجدت في الغرفة سيدة لا أعرفها خاطبتني بالإنجليزية وقالت إن الكونتس آتية في الحال. ثم ~~خرجت وتركتني وحيدا ولدي الوقت الكافي لألقي نظرة على ما يحيط بي. # كانت جدران الغرفة من خشب السنديان يدور حولها نقش برزت فيه وريقات اللبلاب وتصاعدت ~~معرشة في السقف. كذلك كانت الطاولات والكراسي وأرض الغرفة من خشب السنديان وقد تحاذى فيها ~~الحفر والنقش. وتوزع هنا وهناك كثير من أمتعة ألفتها في غرفة ألعابنا القديمة وقد أضيف ~~إليها أمتعة جديدة، لا سيما الصور والرسوم. وكانت هي الصور بعينها التي اخترتها لتزيين ~~غرفتي في الجامعة: ms25 ففوق البيانو صور بتهوفن وهيندل ومندلسهن، وفي إحدى الزوايا زهرة ميلو ~~وهو في تقديري أتم وأبدع تمثال أبقته لنا المدنية القديمة. وعلى الطاولات كتب دانتي ~~وشكسبير، ومجموعة مواعظ تولر، وكتاب «اللاهوت الألماني» وأشعار روكرت وتنسن وبورنز، وكتاب ~~كارلايل «الماضي والحاضر»، وهي الكتب نفسها التي كنت أقلبها قبل أن أجيء إلى هذا المكان. ~~فاجتذبت إلى دائرة التأمل، بيد أني حاولت التملص منها ووقفت أمام صورة الأميرة المتوفاة. ~~عندئذ فتح الباب ودخل الرجلان اللذان عهدتهما في حداثتي يحملان الكونتس على سريرها. # يا لعذوبة تلك الرؤيا! كانت صامتة لا تتحرك وبقي وجهها هادئا كصفحة البحيرة حتى غادر ~~الرجلان الغرفة. إذ ذاك حولت نحوي عينيها، تينك العينين القديمتين اللتين لا يدرك غورهما، ~~وتألق وجهها فانقلبت كل هيئتها ابتساما. ثم قالت: «كنا صديقين ولا أظننا تغيرنا في ~~صداقتنا. لذلك لا يمكنني أن أقول «أنتم». وحيث إن العادة لا تسمح بأن أقول «أنت» بالألمانية ~~فلنتخاطب بالإنجليزية. # 1 # أليس كذلك؟» # لم أتأهب لمقابلة كهذه. رأيت أن لا تمثيل هنا، ولا مجاملة ولا رياء. هنا روح تتوق إلى روح ~~أخرى. هذا ترحيب صديق عرف عيني صديقه وراء الوجه العارية ورغم التنكر الاتفاقي. فأخذت يدها ~~التي مدتها إلي وقلت: من حادث الملائكة لا يقول «أنتم». # ولكن ما أعظمها قوة سبكت في قوالب الحياة واصطلاحاتها! وكم يتعذر التكلم بلغة القلب حتى ~~مع أشبه الأرواح بأرواحنا! تعذر ذلك علينا فاضطرب حديثنا وتضعضعت أفكارنا وشعرنا بارتباك ~~مزعج حاولت التخلص منه بما حضرني من الكلام فقلت: «لقد اعتاد الناس عيشة الأقفاص منذ ~~الحداثة فإذا ما وجدوا نفوسهم فجأة في الهواء الطلق لا يجرءون على تحريك أجنحتهم، ويتخوفون ~~الاصطدام بالصخور إذا هم حلقوا في الفضاء الوسيع!» # فقالت: «هو ذلك، وهو عين الصواب وليس نقيضه بالممكن. لا ريب أننا نود أحيانا أن نكون ~~كالأطيار أحرارا نتنقل على أشجار الغابات ونلتقي فوق الأغصان ونغرد سويا ثم نفترق دون أن ~~يعرف أحدنا الآخر. ولكن اذكر يا صديقي أن بين الأطيار غربانا يؤثر تجنبها. ولعل الحياة ~~كالشعر: فكما ms26 يحسن الشاعر سبك المعاني الجميلة والحقائق الخالدة في أوزان معينة، كذلك على ~~الناس صيانة حريتهم الفكرية والوجدانية رغم قيود المجتمع ودون الإيذاء بها أو التطاول ~~عليها.» # فأجبت مستشهدا بقول الشاعر بلاتن: «أي شيء أثبت نفسه خالدا في كل مكان؟ ذاك هو الفكر ~~الحر رغم قيود الألفاظ.» # 2 # فابتسمت ابتسامة رقيقة وقالت: «نعم. ولكن لي من ألمي ووحدتي ما يخول لي ما ينكر علي سواي. ~~وكم أشفق على الفتيات والشبان الذين لا يربطون فيما بينهم برابطة الصداقة والائتلاف إلا ~~ويفكرون هم أو يفكر لهم ذووهم، بدنو الحب أو ما يسمونه حبا. الفتيات يجهلن الجمال المختفي ~~في نفوسهن وقد يكفي لإظهاره حديث جدي مع صديق نبيل. والشبان يتعشقون فضائل الفروسية ويمرنون ~~نفوسهم على المحامد والمكارم إذا هم شعروا بمراقبة امرأة تحوم حول جهودهم ونتائجها سرية ~~كانت أم علنية. ولكن للأسف ذلك لا يكون. لأن الحب لا يلبث أن يقتحم الميدان. الحب أو ما ~~يسمونه حبا: أي ضربات القلب المتسارعة المتباطئة، وعواصف اليأس والرجاء، والتلذذ بالوجه ~~المحبوب والتصورات المرضية، وقد يرافق هذه غايات وأطماع جمة. تهجم كلها متعاونة على إقلاق ~~ذلك البحر الهادئ العميق، بحر الصداقة، وهو صورة صادقة للحب الإنساني الطاهر.» # صمتت هنيهة فيها لاحت على وجهها أمارات الألم، ثم قالت: «حسبي اليوم كلاما فطبيبي لا ~~يسمح لي بالإطالة. والآن أرغب في سماع تلك القطع الموسيقية لمندلسهن، النغمة المزدوجة، وكان ~~صديقي الصغير يعزفها جميلا فيما مضى. أليس كذلك؟» # لم أحر جوابا لأنها عندما صمتت وطوت ذراعيها على صدرها كالعادة رأيت في خنصرها ذلك ~~الخاتم الذي أعطتنيه يوما ثم رددته إليها. وكان تلاطم أفكاري يحول دون البيان، فجلست إلى ~~البيانو وعزفت ما شاءت. ولما فرغت التفت إليها وقلت: «حبذا لو أنيل الإنسان قدرة الإفصاح ~~بالنغمات الموسيقية من غير ألفاظ!» # فقالت: «ذلك واقع لا يحتاج إلى التمني. ولقد وعيت كل ما تهمس به هذه الألحان. غير أني لا ~~أستطيع استماع غيرها هذه المرة لأن ضعفي يتزايد يوما فيوما. على الواحد منا أن يقبل ~~بالآخر ms27 كما هو على علاته، ولناسكة مسكينة عليلة مثلي أن تتوقع بعض الحلم من صديق مثلك. ~~سنجتمع مساء غد في الساعة نفسها . أليس كذلك؟» # لمست يدها وهممت بتقبيلها. ولكنها أوقفت حركة يدي وضغطت عليها قائلة: «هذا خير. إلى ~~الملتقى!» # | هوامش # الفصل الخامس # | الذكرى الخامسة # يتعذر علي التعبير عن أفكاري وعواطفي بعد عودتي إلى البيت. هناك «أفكار بلا ~~ألفاظ». # 1 # يعزفها الإنسان لنفسه في الساعات الخطيرة. لم أشعر بفرح ولا بحزن بل بدهشة ~~فائقة. وصار مثل الهواجس والتصورات المخترقة ضميري كمثل النيازك الهابطة من الجو على الأرض، ~~ما أدركت غايتها إلا بعد الانطفاء والاستحالة إلى حجارة سوداء. وكما نقول لأنفسنا في الحلم ~~أحيانا «أنت تحلم» كذلك قلت لنفسي «أنت يقظان. وهذه هي.» ثم حاولت استجماع خواطري ولم شعث ~~فكري بقولي: «إنها لفتاة لطيفة ذكية الجنان وقادة الذكاء.» وأخذتني منها شفقة وطفقت أحصي ~~ساعات هنيئة سأقضيها وإياها في هذه العطلة. لكن لا، لا. لم تكن هذه سوى سوانح عبرت لباب ~~خاطري، وذلك اللباب أن هذه الفتاة هي منتهى ما بحثت عنه، وفكرت فيه، ورجوته وآمنت به إلى ~~الآن. هذه نفس بشرية عذبة كصباح الربيع، عطرة كشذا البنفسج، لامعة كلواحظ الكواكب. لقد ~~تبينت منذ النظرة الأولى قيمتها المعنوية وكل ما أودعت من بهاء وسناء، ورحب كل منا برفيقه ~~لأن الروحين تعارفا. خيل إلي أن «ملكي الحارس» مضى وتلاشى، وحاولت أن أناديه فلم تجبني نفسي ~~إلا بما دلني على أن في العالم مكانا واحدا أجده فيه. # وبدأ لنا عيش رغيد، إذ كنا نجتمع كل مساء فشعرنا بمتانة صداقتنا ورسوخها وأضحى ضمير الجمع ~~«أنتم» طفيليا بيننا فعمدنا بالمخاطب المفرد «أنت» نستعمله كأننا لم نفترق منذ الطفولة ~~أصلا. لم تصف عاطفة إلا تهادى خيالها في نفسي ولم أبسط فكرة إلا أشارت مصادقة كمن يقول ~~«هذا فكري أيضا.» كنت سمعت أعظم أساتذة الموسيقى في عصرنا يرتجل وشقيقته ألحانا على ~~البيانو فأذهلني أن يتآلف فكر شخصين اثنين ويتوحد شعورهما فيوضحان إلهامهما الموسيقي في آن ~~واحد على أتم انسجام لا ms28 تخونهما شاردة ولا تشد في إبداعهما واردة. أما الآن فقد اتسع فكري ~~فأدركت. اتسع فكري فعلمت أن روحي لم تكن فارغة مدقعة قاحلة، وإنما توهمتها كذلك لاحتجاب ~~الشمس عنها وهي كفيلة بإخراج البراعم والأزهار إلى الوجود والحياة. ورغم ذلك كان الربيع ~~حزينا وخيمت منه فوق نفسينا أوشحة رمادية لأن شهر مايو/أيار ورونقه لم ينسنا أن الورود ~~سريعة العطب وأن كل مساء ينزع من زهرة اجتماعنا ورقة. سبقتني هي إلى الشعور بذلك وذكرته ~~يوما دون أن تبدي أسفا أو ألما، فانقلبت أحاديثنا جدية هادئة ينيلها كل مساء يمر رصانة ~~وجلالا. # قمت أودعها مرة فقالت: «ظننت الموت قريبا عندما أعطيتك الخاتم، ولم أتوقع أن أعيش هذه ~~السنوات. ولكني عشتها وتمتعت بالجمال كثيرا. كذلك تألمت شديدا. إنما المرء ينسى هذا في ~~السعادة. والآن وقد قربت ساعة الفراق فكل دقيقة توازي كنوزا. مساء الخير. لا تبطئ ~~غدا.» # دخلت عليها يوما وعندها مصور إيطالي. كان حديثهما بالإيطالية، ومع أن الرجل كان أقرب إلى ~~العامل منه إلى الفنان كانت لهجتها لطيفة وديعة يخالطها شيء من الاحترام، فتجلى لدي عندئذ ~~شرفها الحقيقي أي شرف النفس لا شرف المولد. وبعد ذهاب المصور قالت: «أريد أن أريك صورة ~~أصلها في قصر اللوفر في باريس. قرأت وصفها فشئت أن تنقل لي.» ثم أرتني الصورة وانتظرت حكمي. ~~وكانت تلك صورة كهل في الزي الألماني القديم، تلوح على محياه سيماء التفكر والامتثال لقوة ~~عليا، وقد بدا في هيئته وأوضاع جسمه معنى الحياة العميق، فلم أرتب قط في أنه عاش يوما ولم ~~تبدعه مخيلة مصور. كان اللون البني القاتم متغلبا في الصورة، على أن الجزء الخلفي استحضر ~~مشهدا طبيعيا نيرا وظهرت في الأفق أشعة الفجر الآتي. لم يذهلني من تلك الصورة شيء إنما ~~أوحت إلي عاطفة هادئة استطعت معها التحديق في الرسم طويلا. فقلت: «لا صدق يفوق صدق الهيئة ~~البشرية. وإن روفائيل نفسه ليعجز عن إبداع صورة صادقة كهذه إن لم يعش صاحبها يوما.» # أجابت: «صدقت. أما الغرض من هذا الرسم فهاكه: قرأت ms29 وصفه فعلمت أن اسم راسمه مجهول كما جهل ~~اسم الأصل الذي نقل عنه، لعله من فلاسفة القرون الوسطى، فرغبت فيه ليتم به معرض الصور في ~~غرفتي. ولما كان مؤلف «اللاهوت الألماني» مجهولا وليس لدينا منه صورة رأيت أن صورة وضعت ~~لشخص مجهول بريشة مصور مجهول يصح أن تنوب عن مؤلف مجهول، فإن وافقت علقتها بين ألواحي ~~ودعوتها «اللاهوت الألماني».» # قلت: «فكرة غاية في الحسن. ولكن ربما مثلت الصورة شخصا أقوى من دكتور فرنكفورت وأعبس ~~وجها.» # قالت: «ربما كان ذلك. ولكني أنا الفتاة المتألمة السائرة إلى الموت استقيت من هذا الكتاب ~~قوة وتعزية، ولمؤلفه علي فضل كبير لأنه أعلن لي جوهر المسيحية في بساطته العجيبة. شمتني ~~إزاءه حرة في أن أومن أو أن أجحد لأنه لم يرغمني على أحد هذين، وقبض علي بشدة فخيل إلي أني ~~أدركت معنى الوحي للمرة الأولى. وأنت تعلم أنه مما يحول دون ولوج باب المسيحية الحقة أن ~~التعاليم تبسط أمامنا كوحي علينا أن نؤمن به قبل أن يهبط الوحي على نفوسنا. وطالما قلقت ~~لذلك: لست أعني أني شككت في حقيقة الألوهية وفي الألوهية عقيدتنا. غير أني لم أكن لأكتفي ~~بإيمان خلعه علي الآخرون، وحسبت أن ما تعلمته وتقبلته طفلة على غير فهم واختيار لا يستطيع ~~أن يكون خاصتي ولي. الإيمان لا يعار واليقين لا يستعار ولا يجدي التمويه نفعا. ولا بد من ~~اقتناع شخصي نستند إليه ونتعزى به إذ لا أحد يحيا ويموت عن أخيه.» # قلت: «لا ريب أن كثيرا من المنازعات العنيفة والمناقشات الحادة ترجع إلى أن تعاليم ~~المسيح عوضا عن أن تكتسب قلوبنا شيئا فشيئا بلا إرغام كما تملكت قلوب الرسل والمسيحيين ~~الأولين، فإننا نجابهها منذ حداثتنا كنصوص كنيسية قوية لا تقبل ترددا ولا ترضى جدالا، ~~وتضطرنا إلى الامتثال لأوامرها امتثالا مطلقا تسميه إيمانا، فلا بد من تولد الارتياب ~~عاجلا أو آجلا في كل نفس تميل إلى التأمل وتجل الحقيقة. وعندما نصل إلى تلك الخطوة من ~~السبيل فيتيسر لنا تحرير إيماننا المستعار المزعوم، تنتصب ms30 في وجهنا أشباح الشك والإلحاد ~~والكفر وتوقف فينا نمو الحياة الجديدة.» # فقاطعتني قائلة: «قرأت حديثا في كتاب إنجليزي أن الحقيقة تتجلى بالوحي وليس الوحي يتجلى ~~بالحقيقة. وإني لأشعر بذلك تمام الشعور لدى قراءة «اللاهوت الألماني». قرأته فشعرت بقوة ~~حقيقته القاهرة وأرغمت على الاستسلام. أوحيت إلي الحقيقة. بل أوحيت أنا إلى نفسي، وفهمت ~~للمرة الأولى معنى كلمة إيمان. أصبحت الحقيقة ملكي بعد أن أطالت التملص مني لأن أقوال ~~المعلم المجهول اخترقت كياني كتشعع الضياء وأنارت خفاياي جاعلة حيرتي اقتناعا، وظنوني ~~المبهمة إيضاحات جلية، فصممت على قراءة الأناجيل كما لو كانت هي الأخرى مكتوبة بقلم المعلم ~~المجهول، وأبعدت عني ما استطعت كونها أوحيت من الروح القدس بأعجوبة إلى الرسل، وأنها صودق ~~عليها من مجامع الأساقفة والأحبار فاحتضنتها الكنيسة باعتبار أنها الآية الفريدة العليا ~~للدين المنقذ الوحيد. عندئذ بدأت أكتنه مع معنى الإيمان المسيحي معنى الوحي ~~المسيحي.» # فقلت: «من المدهشات أن اللاهوتيين لم يفلحوا بعد في حمل البشر على جحود كل عقيدة كائنة ما ~~كانت. ولكنهم فالحون يوما إن لم يحتج المؤمنون بعزم قائلين «لكم أن تبلغوا في شروحكم ~~وأحكامكم هذا الحد ولا تتجاوزوه.» كل دين يحتاج إلى الدعاة، ولكن لم يقم إلى الآن دين واحد ~~في العالم لم يزيفه الكهنة، سواء أكانوا براهمة أو لاما # 2 # أو كتبة وفريسيين. أولئك يتخاصمون موردين شواهدهم وحججهم بلغة لا يفهمها من ~~أبناء ملتهم عشر واحد من عشرة أعشار. وعوضا عن أن يستوحوا الإنجيل مرشدين الآخرين إلى ~~استيحائه ترينهم يجادلون لإثبات صحة الإنجيل وعصمته لا من حيث هو إنجيل إنما لأنه دونه قوم ~~ملهمون. وهل يكون ذلك سوى حيلة من حيل التردد والقصور؟ بأي حجة يثبتون إلهام أولئك الأفراد ~~إلى تلك الدرجة العجيبة إن لم ينسبوا إلى أنفسهم إلهاما أعجب وأدهش؟ لا شك أنهم فرضوا هذا ~~الاعتراض، لذلك قصروا موهبة الإلهام على أكثرية من آباء الكنيسة المتألفة منهم هيئة ~~المجامع. غير أن هذا التحديد لا يأتي بالجواب المطلوب. إذ كيف نتأكد أنه بين خمسين حبرا ~~وأسقفا ms31 26 كانوا ملهمين و24 لم يصلهم من الإلهام شيء؟ يجزم المتطرفون اليائسون أنه يكفي أن ~~يلمس الملهم يد شخص ما لينتقل إليه الوحي والعصمة من الغلط، ويوقنون أن العصمة والوحي إنما ~~حفظا في رأس الكنيسة (أو في رءوسها) إلى أيامنا بهذه الوسيلة. ويعتقدون أن عصمة أولئك ~~الغرباء الذين لا نعرف منهم شيئا تقضي على كل اقتناع صميم فينا بالبطلان، وعلى كل استسلام ~~مخلص بالفساد، وتنكر كل بحث من أبحاثنا إن لم يتفق مع بياناتها وأحكامها. ورغم كل ذلك يبقى ~~السؤال القديم في انتظار الجواب: كيف يدري فلان أن فلانا ملهم لو لم يكن له مثل ذلك ~~الإلهام على الأقل، هذا إن لم يحو إلهاما أوفى وأشمل؟ ألا يتحتم علينا حياز الوحي في ~~أرواحنا لنكتشف آثاره عند الآخرين؟» # أطرقت لمحة ثم قالت: «يصعب الجواب. وطالما فكرت في كيفية استجلاء معاني الحب والتثبت من ~~حقيقتها. كيف ندري أن شخصا يحب أو لا يحب؟ ما وجدت إشارة واحدة من إشارات الحب إلا كانت ~~عرضة للتزوير والتقليد، فاهتديت أخيرا إلى أن المحب وحده يميز بين الصادق والكاذب من تلك ~~العلامات وأنه إنما يثق من حب القلب الآخر لأنه واثق من حب قلبه. ولما كانت موهبة الحب ~~شبيهة بموهبة الروح القدس (الوحي) كان الملهمون وحدهم إن هم سمعوا الرياح العاصفات حسبوها ~~أصواتا من السماء، وإن أبصروا زهرات القرنفل زعموها ألسنة نارية. والآخرون يخافون، أو ~~يغضبون، أو يسخرون قائلين: «كلام عتيق! أما نحن فنفوسنا ملأى بخمرة جديدة.» بيد أني أعود ~~إلى ما أسلفت وهو أن كتاب «اللاهوت الألماني» هداني إلى إيمان استخرجته من حاجات نفسي فوجدت ~~قوتي العظمى في ما يراه غيري خطأ وعيبا، وهو أن الأستاذ لا يبسط رأيه كقانون منظم بل ينثر ~~أقواله كالزارع أملا أن تقع بعض البذور على أرض صالحة فتتضاعف الغلة ألوفا. كذلك أستاذنا ~~الإلهي (المسيح) لم يحاول إثبات تعاليمه بالبرهان، لأن من حوى الحقيقة الكلية استخف ~~بالمظاهر وأعرض عن جميع صنوف المباهاة والتعنت.» # هنا ذكرت شواهد أسبينوزا وأدلته في «أخلاقياته» ms32 وطالما فكرت في أن ذلك اللوذعي ما أكثر من ~~شد خيوط شبكته الفلسفية إلا لشعوره بضعف مذهبه ووهنه، فأجبت محدثتي: «نعم، غير أني على ما ~~أوحاه إلي «اللاهوت الألماني» من الخواطر المفيدة لا يسعني إلا الإقرار بأني لا أشاطرك كل ~~إعجابك بهذا الكتاب. ينقصه في نظري العاطفة الإنسانية والطلاوة الشعرية، لا سيما وأنه خلا ~~من حرارة القلب وجحد الواقع ولم يحترمه. روحانية القرن الرابع عشر لا تصلح عندي لأن تكون ~~أكثر من درس نظري يتحتم أن تعقبه العودة إلى الحياة العملية بعزم وجرأة، إلى تلك الحياة ~~الواقعية التي عرفها لوثر وعالج منها المصاعب. لا غنى للإنسان عن إدراك معنى العدم، ولو مرة ~~في عمره، ليعلم أنه ليس بشيء وأن أصوله بداية ونهاية ثابتة عريقة في أصل يتعالى عن المحسوس ~~ويجل عن الحصر. وهذا الاتجاه نحو الله إن لم يقدنا في الحياة إلى كعبة آمالنا فهو يبقي في ~~نفوسنا وجدا مقيما إلى مرجعنا ومستقرنا الأبدي. ولكن البون شاسع بين هذا النوع من العبادة ~~وبين إنكار الخليقة كما يفعل الروحانيون، ولئن نشأ الإنسان من اللاشيء أي من الله وبه وحده، ~~فهو يعجز عن العودة إلى اللاشيء بقوته الذاتية. والتلاشي الروحي الذي يكثر «تاولر» الألماني ~~من ذكره لا يفضل «النرفانا» أو الفناء النوراني الذي يقول به البوذيون. تاولر يصرح بأنه لو ~~استطاع حبا بالله وإظهارا لخضوعه له أن يفنى فناء لما تردد في أن يسجد أمامه تعالى ~~ويتلاشى في عمق أعماق الهاوية، إلا أن الخالق لم يشأ فناء هذه الخليقة التي أوجدها. وقد قال ~~القديس أغسطينوس: «إنه في اقتدار الإله أن يتجسد إنسانا وليس في مقدور الإنسان أن يستحيل ~~إلى إله.» فلا بأس بالروحانية درسا يفيد ونظرية تنير، بها ترهف النفس وتلطف وتزداد تألقا. ~~إنما ينبغي أن لا تبخر القوى والملكات على نحو ما تفعل النار بالماء الغالية في القدر. ومن ~~أدرك العدم في نفسه عليه رغم ذلك أن يؤمن بأن ذاته الصغيرة إن هي إلا انعكاس الذات الإلهية ~~الكبرى. جاء في «اللاهوت ms33 الألماني»: # ليس كل ما تدفق من منهل الكمال بالجوهر الحق وليس له من جوهر في غير الكمال. ما ~~هو إلا حدث أو بهاء، أو مظهر محسوس. ليس هو الجوهر ولا جوهر له إلا في النار مبعث ~~النور، شأن شعاع الشمس وضوء الشمعة. # ولئن كان ما فاض من الكيان الإلهي كلهيب النار إلا أنه لا بد أن يكون حقيقة إلهية ~~في ذاته إذ قد يسائل المرء نفسه «وما هي النار بلا لهيب، والشمس بلا نور، والخالق ~~بلا خليقة؟» وقيل إن الطامع في استجلاء هذه الغوامض وتفهم حكمة الله إنما رغبته هذه ~~كرغبة آدم والشيطان. # حسبنا علما أننا نعكس الكائن الإلهي لنجتهد في صقل مواهبنا حتى يوم الكمال. ~~يستحيل إخفاء النور الإلهي من نفوسنا تحت المكيال، فلندعه إذن يلمع ويشرق ويضيء ما ~~يحيط بنا ويبعث فيه الحرارة، لنشعر بأن دماءنا تطهرها نار الحياة. وإذ يحل فينا ~~معنى قدسي رفيع يقوينا على اقتحام معارك العالم، وتذكرنا أصغر الواجبات بعلاقتنا ~~بالله، لا يلبث أن يصبح الأرضي في تقديرنا سماويا، والزمني أبديا كأن حياتنا ~~بأكملها حياة فيه تعالى، ليس الله الراحة الدائمة بل هو الحياة الدائمة. وأنجيليوس ~~سليزيس مخطئ بزعمه أن الله لا إرادة له، في قوله: «نحن نصلي أيها الرب إلهنا لتكن ~~مشيئتك المقدسة! ولكن اسمع وع: أيها المبتهل، لا إرادة لله لأنه الراحة ~~والسكون.» # كانت الفتاة تصغي إلي بهدوء وانتباه، فتأملت دقيقة ثم قالت: «القوة والصحة ضروريتان لمن ~~كان له مثل اعتقادك، وفي الأرض نفوس متعبة تعاني رهقا شديدا وتصبر إلى الراحة والطمأنينة ~~لأن وحدتها تثقل عليها. تود أن يضمها السبات والسكينة إلى أحضانهما فلا يخسر العالم بذهابها ~~ولا تأسف هي لفراقه. تلك النفوس تتعزى في هذه الدنيا بالاتحاد بالله والاستغراق في ذاته ~~الصمدانية، وهي تفعل ذلك بداهة إذ لا رباط يربطها بالعالم وليس لها من الأطماع ما يزعج ~~ويقلق، فتتوق إلى الراحة وتراها - كما يراها الشاعر الألماني - الخير الأسمى وترى الله راحة ~~والراحة فيه. ثم إني أجدك ظالما في نقد «اللاهوت الألماني» ms34 لأنه إن قال ببطلان الحياة ~~الأرضية فهو لا ينادي بحذفها. ويقول في مكان آخر إن السكينة والراحة لا يلقاهما الإنسان قبل ~~الموت، إلا أنه بارتقائه الروحي يصير شبيها بيد الله، لا يأتي أمرا بإرادته الذاتية بل ~~بإرادة الله، كأنه عز وعلا اختاره ليسكن فيه. ويقيني أن من امتلأ بروح الله شعر بتلك الحضرة ~~الإلهية فيه، غير أنه يكتم هذا السر الجليل في نفسه كما يكتم العاشق عن الملأ أسرار غرامه. ~~أما أنا فطالما شعرت بأني كشجرة الحور المنتصبة أمام نافذتي. هي ساكنة في المساء لا تهتز ~~وريقة من وريقاتها ولا يتحرك من أغصانها غصن، وعندما يمر بها نسيم الصباح فتترنح أوراقها، ~~يظل الجذع راسخا هادئا. وإذ يعود الخريف وتتناثر أوراق كانت بالأمس مفعمة حياة فيعتريها ~~الذبول يبقى ذلك الجذع في مكانه بلا حراك مترقبا مجيء ربيع آخر ...» # لقد ألفت الفتاة هذه الحياة الروحية فمحاولة إخراجها منها إثم. أليس إني أنا أيضا لم ~~أفلح في التملص من هذا العالم السحري إلا بعد جهاد عنيف؟ ومن يجزم بأنه ليس هو النصيب ~~الأفضل الذي لا يفنى وأننا لسنا بضالين نحن الذين نعدو ونكد لاقتناص منافع تحط منا الهمة ~~وتذبل القلب وتقرض الروح؟ # وهكذا كان كل اجتماع يثير مذاكرة جديدة تكشف لي وجها مجهولا من نفس لا تسبر ولا تحد. لم ~~يكن حديثها سوى تفكر وإحساس ينسجان كلاما مسموعا بدلا من أن يتعاقبا في وحدة الوجدان. ~~ولم تكن آراؤها آراء بل أجزاء حية منها عاشت معها أعواما لأنها كانت توردها بلا إجهاد، ~~كبنية ملأت حجرها أزهارا وقامت تلقي بها على العشب الأخضر. كان يسوءني أن لا أفتح كتاب ~~روحي تقرأ فيه مليا كما أقرأ في كتاب روحها، ما أندر المحتفظ منا بفطرته الأصلية في وسط ~~أكاذيب اتفاقية نقبلها مكرهين، سمها ما شئت عادات، أو أدبا، أو تكتما، أو مراعاة، أو حكمة ~~اجتماعية! وما أقل من يفلح في التلفت منها بين المخلصين المجاهدين! بل ما أندر من يذكر أن ~~حركاته إنما هي وجه عارية، ونقاب ms35 سخرية أسدل على ملامح الحياة! نحن نكذب في كل شيء حتى في ~~الحب، حتى في الحب الذي نسكته قهرا، وننكر عليه التنهد والتلوي والارتعاد ، ونحرجه إلى ~~التواري عوضا عن التجلي في الإشارات وتقديم النفس ضحية في النظرات، نكذب في الحب الذي ~~نسكته على أن يهمس في همهمة الشعراء. كم من مرة كدت أقول لها «أنت لا تعرفينني يا بنية» ~~ولكني كنت أشعر بأن كلماتي لا تصدق الصدق كله، فعولت على أن أترك بين يديها مجموعة أشعار ~~أرنولد التي وردت إلي حديثا، وسألتها أن تقرأ قصيدة الحياة الدفينة: وكان مغزاها الاعتراف ~~بحبي. ثم جثوت قرب سريرها وقلت «مساء الخير». فردت بقولها «مساء الخير» ووضعت يدها على ~~رأسي، فجرت في أعصابي تلك الهزة المستحبة وهب ما رقد في جوانحي من تذكارات الطفولة، ولم أعد ~~أستطيع حراكا بل ظللت أنظر في تينك العينين اللتين لا قرار لغورهما حتى أفاض سلام روحها ~~على روحي سلاما. ثم نهضت ومضيت صامتا، ورأيت تلك الليلة في أحلامي حورة طويلة تتلاطم ~~الرياح حولها دون أن تهتز عليها ورقة أو يتحرك منها غصن. # الحياة الدفينة # النور يعلو ويغمر حروبنا الكلامية: انظري، ها إن عيني تراودها الدموع وأشعر بكآبة ~~مبهمة تلتف حولي وتتمدد. أجل، نحن نعلم أننا نستطيع أن نمزح ونعلم، نعلم أننا نستطيع أن ~~نبتسم! ولكن في مهجتي حرقة لا تلطفها كلماتك الرقيقة، ولا تسكنها منك البسمات. # أعطيني يدك واصمتي قليلا، ولتستقر على عيني نظرة عينيك الصافيتين لأقرأ فيهما، يا ~~محبوبتي، آيات روحك! # أواه! هل يقصر الغرام دون فتح فؤادك واستماع صوته؟ # هل يحظر على المتيمين إظهار ما تكن قلوبهم؟ # كنت أعرف الناس يضنون بأفكارهم لئلا يتلقاها الآخرون ببرود وجفاء، كنت أعلم أنهم ~~يحيون ويتحركون مخدوعين خادعين، متنكرين متسترين، غرباء عن البشر، غرباء عن ذواتهم! ~~إنما القلب بعينه ينبض في كل صدر بشري! # ولكن نحن، يا محبوبتي، أيسكت ذلك النهي الوهمي قلوبنا؟ وأصواتنا؟ أيجب أن نخرس نحن ~~أيضا؟ آه! ما أسعدنا إذا حررنا قلبنا، ولو لحظة، وحللنا قيود الشفاه ms36 لأن السر الذي ~~أطبقها وختم عليها تقدس في أعماقنا! # القدر الذي سبق فعلم كيف يكون الرجل طفلا وكيف يكون زهوقا، وكيف تتقاذفه المطامع ~~فيخوض ميادين الشقاق والنزاع حتى لتكاد تتحور شخصيته، فلا يتمكن من وقاية النفس الطاهرة ~~من تلاعب الأهواء وإن أرغمها على الخضوع لناموس الكيان؛ ذلك القدر هو الذي يأمر نهر ~~الحياة في صدرنا استطراد السير إلى الأمام. # فننسى حركة ذلك النهر الدفين وإن لازمناه وهو يجتاز عرض البحار وكنا مثله مسوقين على ~~الدوام. # ولكن كم من مرة في ازدحام السبل. # وكم من مرة في جلبة المصارعة وضوضاء التقاتل. # يتصاعد فينا الشوق فننتبه لحياتنا الدفينة. # ويتيقظ لدينا احتياج لصرف نار قوانا التي لا تعرف السكون. # ويضنينا توق إلى البحث عن أسرار القلب النابض بعنف في أعماقنا لنعرف من أين تأتي ~~أفكارنا وإلى أين تقصد! # كثير هم الذين يحفرون في قلوبهم وينبشون. # لكن، وا أسفاه! قل من يشغل القلب وقل من يفعمه ويكفيه! # عالجنا كل شئون الحياة فأظهرنا في كل فن حذقا ومهارة. # على أننا لم نكن كما نحن في ذاتنا القصوى ولم نسر في سبيلنا الواحدة سريعة، ولم نفصح ~~عن عاطفة من العواطف المتضاربة في صدرنا. # وباطلا، حاولت أن تتكلم وتتحرك خلال تلك العواطف ذاتنا الخفية الصادقة! # فكانت أقوالنا وأفعالنا بليغة وحسنة، ولكن غير صحيحة! # وإذ يثقل الألم علينا وطأة الجهاد نسأل صغائر الحياة قدرتها المدهشة للوصول إلى ~~النسيان والسلوان فتلبي طلبنا إذ نلتجئ إليها! # ولكن رغم كل مغالبة وكل قهر تنهض، الوقت بعد الوقت، من عمق أعماق الكيان كما من أرض ~~قصية مجهولة، تنهض أصوات ملتبسة بائسة، وتنتشر أصداء طائفة سابحة فتملأ أيامنا كآبة ~~وغما. # إنما - وهذا نادر الحدوث - عندما نضم في يدنا يدا محبوبة ونقرأ بعينين يعذبهما دخان ~~الساعات ولهيبها، نقرأ بجلاء في عيني شخص آخر، وتداعب سمعنا الذي أصمه ضجيج العالم ~~نبرات صوت عزيز. # إذ ذاك تنبسط الأنوار في أرجاء جناننا وتضرب من جديد نبضات العاطفة الدفينة وتستقر ~~لواحظنا في محاجرها. # وينفتح كتاب القلب فنعني ما ms37 نقول، ونقف على ما نود معرفته، ويرقب الواحد منا فيض ~~حياته ويسمع همسها الشيق، ويلمس حركتها المتتابعة، فيتمتع بالحقول اللامعة، ويتمتع ~~بالشمس والنسيم. وأخيرا ، أخيرا يداهم ذلك الفيض الحار هدوء حبس فيه الخيال المراوغ ~~المدعو بالراحة: نسمة باردة تهب على وجهه، وسكون غير مرغوب فيه يهجع في صدره. # إذ ذاك تتخيله عارفا آكاما أشرقت عليها حياته وبحرا تسير إليه أعمار ~~الأنهار! # | هوامش # الفصل السادس # | الذكرى السادسة # في صباح الغد طرق بابي باكرا ودخل علي طبيب البلدة الذي كان بصلاحه وعنايته صديق كل ~~نفس فيها. شهد تعاقب جيلين اثنين من أهلها والأطفال الذين دخلوا العالم على يده وصلوا إلى ~~دور الأبوة والأمومة، وما زال يعاملهم جميعا معاملة الأب لأبنائه. لم يتزوج مع أنه كان حتى ~~في شيخوخته قويا جميلا. رأيته مذ عرفته كما يقف الآن أمامي وعيناه الزرقاوان الرائقتان ~~يلمعان تحت حاجبيه وشعره الأبيض الكثيف يتلوى جعديا، وهو يلبس الجرابات البيضاء وهذا ~~الحذاء ذا العرى الفضية، وعلى ذراعه هذا الرداء البني الذي قضى عمره جديدا. وعصاه هذه ~~الذهبية الرأس كان يحملها بعينها أيام طفولتي إذ يقف إلى جانب سريري ليجس نبضي ويصف لي ~~الدواء. ولقد تعددت الأمراض في حداثتي إلا أن إيماني بقدرة هذا الرجل كان كفيلا بالشفاء، ~~لأني لم أشك لحظة في كفاءته وسطوته على جميع العلل، فكان قول والدتي بوجوب استدعاء الطبيب ~~يوازي عندي قولها بوجوب حضور الخياط ليفصل لي قميصا بذلة. وما كان علي إلا أن أتناول أول ~~جرعة من الدواء لأشعر ببدء الشفاء والتحسن. # دخل الغرفة قائلا: «كيف حالك يا صديقي الصغير؟ أرى على وجهك دلائل التعب فلا تكثر من ~~الدرس. ليس لدي وقت طويل للحديث. إنما جئت أقول لك أن تكف عن زيارة الكونتس ماري. لقد صرفت ~~الليل قرب سريرها وأنت علة اضطرابها فامتنع عن زيارتها إذا كانت حقيقة عزيزة عليك. ستذهب ~~هي إلى البرية قريبا وخير لك أن تسافر أنت أيضا وتغيب مدة. والآن عم صباحا وكن أبدا ~~ولدا صالحا كما هو عهدي بك.» # قال ms38 هذه الكلمات وتناول يدي ناظرا في عيني بعطف مستفهما كمن يود سلب الوعد سلبا. ثم ~~غادرني ليعود الأطفال المرضى. # أدهشني أن يهتدي غريب إلى أسرار نفسي قبل أن أكون على علم تام بها. غير أني لم أفكر في ~~ذلك إلا عندما بلغ الطبيب أطراف الشارع، فجاش قلبي كالماء طال مكوثه على النار فغلى فجأة ~~وفار وعلا حتى ضاق عليه الإناء فتدفق. # كيف لا أرى صديقتي بعد الآن وأنا لا أحيا إلا ساعة أكون قربها؟ سأقابلها هادئا لا أتحرك، ~~وصامتا لا أتكلم، بل أكتفي بالوقوف عند النافذة وأنظر إليها وهي نائمة تحلم. كيف لا أراها؟ ~~وكيف يمكنني أن لا أراها؟ بل كيف لا أودعها؟ هي لا تعلم، ولا تستطيع أن تعلم، أني أحبها. ~~وأنا لا أرجو شيئا ولا طمع لي في شيء وقلبي ينبض بانتظام في حضرتها. إنما أحتاج إلى الشعور ~~بوجودها، أحتاج إلى استنشاق روحها، وعلي أن أزورها لأنها تنتظرني. ترى أيجمعنا القدر بلا ~~مأرب؟ ألست أنا تعزيتها، وأليس أنها موضع راحتي؟ أتدني الحياة بين روحين شأنها بذرات ~~الرمل في الصحراء ثم تبعث بريح سموم فتتلاعب بضعفها وتذرها في الهواء غبارا؟ أليس أن ~~نفوسا سعدت بالتقارب والتفاهم تحافظ على سعادتها، ولا تفصل بينها قوة ولو أسرفت في الدفاع ~~والنضال وقضت في سبيل ذلك الاتصال؟ وقد تحتقرني الفتاة إن أنا جازفت بحبها وأجفلت لأول ~~إشارة إجفال تلك الشجرة عند دوي الرعد في الفضاء. # توقفت بغتة وإذا بكلمة «حبها» تتراجع كالأصداء في جميع أنحاء قلبي مخيفة مروعة، «حبها؟» ~~وماذا فعلت لأستحقه؟ هي لا تعرفني إلا قليلا، وإذا استطاعت أن تحبني فعلي مصارحتها بأني ~~لست أهلا لتلك النعمة. وأخذت أفكاري وآمالي تتصاعد في جو نفسي ثم تهبط يائسة كأطيار تحاول ~~التحليق في بعيد السماء وهي تجهل أن الأسلاك ضربت حولها سياجا محكما. إن لم تكن هذه ~~السعادة سعادتي، فلماذا تحل على مقربة مني؟ ألا يصنع الله العجائب؟ ألا يصنعها كل يوم وكل ~~ساعة؟ ألم يصغ إلى صلواتي مرارا أرسلتها نحو علاه فعادت إلي ms39 تحمل مساعدة للمنكوب وتعزية ~~للمضني؟ أنا وهي لا ننشد خيرا دنيويا، إلا أن نفسينا المتفاهمتين تودان عبور هذه الحياة ~~يدا بيد ووجها إزاء وجه ، وأن أكون أنا عضدها في آلامها وأن تكون هي تعزيتي أو حملي ~~الغالي، وهكذا إلى نهاية العمر. ولماذا لا يمد الله بعمرها وينعم عليها من أيامها بربيع بعد ~~أوان الربيع ويبرئ سقامها؟ آه! يا للصور العذبة تمر أمام عيني! هي تملك قصر والدتها في ~~«التيرول». هناك نمكث فوق الآكام الخضراء في هواء الجبال النقي بين أصحاء لم تضعفهم ~~المدنية، بعيدا عن هموم العالم وجهوده حيث لا حاسد ولا عذول. هناك ندرك بسلام غروب الحياة ~~فتذوب أيامنا الأخيرة رويدا رويدا كاحمرار الشفق لدى هجوم الظلام ... # تراءت لي البحيرة القاتمة بأمواجها الهادئة ترجع صورة الجبال البعيدة يجلل الثلج أعاليها. ~~وسمعت رنين أجراس القطيع وأغاني الرعاة، وخلت الشيوخ والشبان متجمعين عند المساء في مدخل ~~القرية، وفوق هؤلاء جميعا لمحت خيال الفتاة سابحا كملك حب وسلام، ورأيتني دليلا لها ~~وصديقا. # عندئذ صرخت بأعلى صوتي: «يا لك من غبي! يا لك من غبي! أخارت قواك وذل شممك، وبلغ بك الحمق ~~والغرور هذا المبلغ؟ ألا تيقظ وانهض، واذكر من أنت واذكر فروقا تحول بينك وبينها! هي صالحة ~~لطيفة تسر برؤية نفسها منعكسة على مرآة نفس أخرى. غير أن ثقتها هذه الشبيهة بثقة الأطفال، ~~وكيفية تصرفها معك ومعاملتها لك، كلها تنم عن خلو فؤادها من عاطفة عميقة تحييك. ألم تر في ~~ليالي الصيف المنيرة وأنت تائه وحدك بين أحراج الزان كيف يسكب البدر فضي أشعته على كل غصن ~~وكل ورقة، ويضيء بركة الأسماء ذات المياه القاتمة فيشرق ممثلا في كل قطرة وجزء من قطرة؟ ~~ذاك موقف الفتاة إزاء ليل هذه الحياة، ولئن نشرت في فؤادك نورا ترتسم خلاله خطوط صورتها ~~المأنوسة فلا ترج شعاعا، لا ترج شعاعا حارا لاذعا! لا ترج عاطفة حارة تشبعك ~~وتحييك!» # مثلت صورتها أمامي مثول الحياة ليس كذكرى بل كرؤيا، فاستوقفني جمالها. ذلك لم يكن جمال ~~الرونق الزاهي الذي ms40 تفتننا به الفتاة الحسناء لأول نظرة ثم ينقضي ويزول بزوال الربيع. بل ~~كان جمال الانسجام والالتئام بين أجزاء كيانها، وجمال الحركة الصادقة والتعبير الروحي ، ~~ومعنى السكون المقيم. إن جمال الشكل واللون الذي تمنحه الطبيعة بنات حواء لا يرضي إلا إذا ~~أظهرت صاحبته أهلية له بل وتغلبا عليه. وإلا فهو يغضب ويسخط كأنه رداء ملكي تجره في ~~المسرح ممثلة ذات فن خامل سقيم. الجمال الروحي هو الجمال الوحيد يمد الصورة الترابية ~~الجامدة بالحياة والمعنى ويصير المنفر جذابا والقبيح مليحا. # كلما أمعنت النظر في طيف الحبيبة أدركت منها نبل الجمال وعمق الروح كأن الوحي بذلك الجمال ~~يهبط علي بالتدريج. أواه إنها لغبطة، إنها لسعادة تلمس يدي! وما غاية الزمن من تعذيبي؟ ~~أيريني قمة الهناء ثم يلقي بي غدرا في القفار حيث الرمال المحرقة والوحدة الموجعة؟ ما ~~الغاية من اكتشاف كنوز تحويها أرضنا هذه؟ أليس دوام الشقاء خيرا من أن يحب المرء مرة ثم ~~يبقى إلى الأبد وحيدا، ويرجو يوما ليسحق اليأس قلبه دواما، ويلمح النور طرفه ليصرف حياته ~~في الظلمات كفيفا؟ هذا ألم يفوق الآلام البشرية مجموعة بتمامها. # طال تشتت أفكاري وتتابعها المشوش المختل، إلى أن هدأت عاطفة شعوري وتجمعت خواطري وانتظمت ~~قليلا قليلا. يسمي الناس هذا الخمود تفكيرا ولكن التفكير في مثل ذلك محال وما لدينا من ~~قوة سوى الترقب والانتظار. وما هي نتيجة هذا وذاك؟ هي تلك التي يشهدها الكيماوي بعد أن تتخذ ~~العناصر أشكالها فيذهله أن نتائج التحليل تختلف عن مقدماته الاختلاف كله. # كذلك كانت الكلمة التي لفظتها بعد العودة من غيبوبتي هي هذه «يجب أن أسافر»! فجلست إلى ~~مكتبي وكتبت إلى الطبيب إني سأغيب أسبوعين وإني أترك الأمر له. ثم انتحلت عذرا قدمته لأبوي ~~وغادرت البلدة في ذلك المساء ووجهتي جبال «التيرول». # الفصل السابع # | الذكرى السابعة # ما أسعده فتى ذاك الذي جال في أنحاء «التيرول» فتسلق جبالها الشاهقة وهبط أوديتها العميقة ~~برفقة صديق محبوب: أليس أن حظا كهذا يبعث فيه نشاطا ويطيل منه العمر؟ وما أشقى ذاك الذي ms41 ~~يجوب البراري والقفار والغابات والمدن وحده لا نديم له سوى أفكاره المؤلمة. # ترى ماذا يهمني من هاتيك الجبال المتجلية بحللها الخضراء، ومن هذه الوهاد الغائرة ~~السوداء، وتلك البحيرات الزرقاء، والشلالات المتدفقة تتكسر فيها خطوط الأنوار والظلمات؟ ~~عوضا عن أن أنظر إليها ها هي تنظر إلي وبها ذهول لدلائل اليأس المرسومة على الوجه البشري ~~الماثل أمامها، وذهولها يسحق قلبي ويثقل علي انفرادي إذ ليس في هذا العالم الواسع شخص يشتاق ~~إلي، ويرغب في، ويؤثرني على أي أحد غيري. كنت أرقد كل مساء وأستيقظ كل صباح بهذا اللهف ~~المبرح، كأنما هو نغمة نفذت في سمعي واحتلت ذاكرتي دون أمل في الجلاء. # دخلت ذات مساء إحدى الفنادق تعب النفس والجسد وجلست بين الحضور فتوجهت إلي أنظارهم ورأيت ~~فيها خيال الشفقة على هذا الغريب التائه في ديارهم، فأمضتني جراح قلبي ومضيت أسعى تحت جنح ~~الظلام حيث لا عين ترى ولا شفيق يشفق. وعدت إلى غرفتي في أواخر الليل وانطرحت على مضجعي ~~الملتهب مهمهما لنفسي بأغنية شوبرت المعروفة «حيث لست موجودا هناك السلام والطمأنينة». ~~ومرت الأيام وحالي في ازدياد حتى أمسيت لا أحتمل منظر المغبوطين الضاحكين ومشاهد الطبيعة ~~البديعة الدائمة، فصرت أنام ساعات النهار بطولها وأصرف الليالي متجولا من مكان إلى مكان. ~~إلا أن عاطفة قوية كانت تستولي علي فتحول أفكاري عن مجراها وتردني إلى مخدعي، وهي عاطفة ~~الخوف أو إحساس الخوف، سمه ما تشاء. # نعم كنت أخاف في تلك الليالي القمراء إذ أتسلق أكتاف الأطواد في أدغال ليس بمعروف مداها ~~ولا منتهاها بمأمون؛ فتتوتر أعصابي ويتيقظ بصري ويرهف سمعي فأرى أشباحا بعيدة مبهمة، ~~وأتوجس أصواتا ذات همس ودوي وطنين تنبعث من كل صوب، وتتعثر قدمي في جذور انبثقت من شقوق ~~الصخور، هذا إن لم تزلق في عطفة بلت ترابها مياه الشلال؛ فينكمش في فؤادي القانط وتهزه ~~قشعريرة البرد وليس لديه من حرارة التذكار ما يدفئه ومن حلو الرجية ما يتعلل به. إن من أخذه ~~مرة وجل الليل لعالم بأنه وجل يتناول النفس والجسد معا. ms42 # لا أشك أن الخوف كان أول عذاب الإنسان يوم ظن نفسه منسيا من الله. ثم تشدد وخف اضطرابه ~~بتعاون أبناء الله فيما بينهم واتفاق كلمتهم على التكاتف والتضامن. وهو لا يعرف الوحدة ~~الساحقة واليأس الصميم إلا عندما يعوزه الحب والمعونة فيخال له أنه إنما انقطع عن شركة ~~الأحياء لأن الله هجره وأغفل وجوده. يسائل الطبيعة وعجائبها فيلقى من سكوتها هولا لا ~~مواساة، وينقل خطواته على الأرض المتينة الصلبة فتترنح تحت وطئه وتتوارى كزبد البحر وموجه. ~~وإن رفع بنظره نحو النور ينشره القمر صاعدا وراء أحراج الشربين حسب أشعته رءوس حراب تطعن ~~مهج الصخور، وخيوطه عقارب ساعة دارت دورتها زمنا ووقفت وقوفا لا ينتهي. # النجوم تدور مسرعة في أبراجها السحيقة لا تلتفت إلى تعساء الغبراء فلا تعزية في مشهدها، ~~بل هو يزيد النفس شعورا بالوحدة والهجران. وما من سلوى ممكنة في غير عمل الطبيعة المستطرد ~~بدقة يشمل الموجودات بأسرها لا تشويش يزعج ذلك النظام الكامل العظيم. # هاك الشلال، يا أيها المتأمل! فإن تدفق أمواهه أنال الجلاميد على جانبيه حياة وكساها ~~بطحلب ذي خضرة قاتمة، وفي ظل الجلاميد تختبئ تلك الزهرة النحيفة المدعوة «لا تنسني!» هذه ~~واحدة من ملايين الزهرات المنورات قرب كل ساقية وكل جدول في كل روض من رياض الأرض. وقد نورن ~~في أمكنتهن مرارا عديدة منذ أن نثر الكون على الخليقة ثروة حيويته التي لا نفاد لها. أحصيت ~~جميع الخطوط في وريقات هذه الزهرة، وعددت جميع الذرات في كأسها، وضبطت جميع ألياف جذعها ~~فليس من قوة أرضية مهما طغت وبطشت أن تزيد عليها أو تنقص منها فتيلا. وإذا استعنا بالمجهر ~~(المكروسكوب) لتبين عمل الطبيعة واكتشاف خفاياها في أدق أنواع إنتاجها وجدنا في أحشاء ~~البذور الهادئة، وفي البراعم والأزهار والأنسجة والخلايا، الناموس ذاته متكررا متجددا، ~~ويظل نظام الكون في أصغر الذرات وأنحف الألياف أبديا لا يلمسه تغير ولا يلحق به تبديل. ~~أنى توجهنا لقينا النظام الأوحد، فالنفس من هذا العالم الصوري عين أحاطت بها المرايا ففقدت ~~ذاتها في تكرار لا ms43 حد له ولا نهاية. وفي كل كائن وكل موجود يستقر الأبد الآبد الذي يختلب ~~ذهنك إزاء هذه الزهرة النحيفة. # وهناك في أعالي الفلك تجد النظام بعينه نافذا في الأجرام الكبرى: فالأقمار تدور حول ~~السيارات، والسيارات حول الشموس، والشموس حول شموس أخرى وما السديم الخيالي السحيق إلا عالم ~~عجائب وقدرة وجمال. ولا تفتأ هذه الكواكب العظيمة تدور في أبراجها لتظفر الأرض بتوالي ~~الفصول فتتمكن الزهرة من البروز والنمو، وتنسج منها الخلايا وتنتشر الأوراق فترصع هي ~~وأخواتها بساط الحقول. كذلك ينفذ النظام في الفراشة المتوسدة أحضان الأزهار، فإن يقظتها ~~للوجود وتمتعها بالحياة وكيفية تنفسها ونموها لأعجب من نسيج النبات ودورة الشموس. ونحن ~~البشر نظير كل كائن إنما يختص بنا النظام الكلي الخالد، فكم من موجود انتبه من غفلة العدم ~~وتحرك وعاش ثم اختفى غير تارك لمروره من أثر! # فإذا كان الكل بموجوداته الكبيرة والصغيرة وما يدبرها من حكمة وقدرة، إذا كان هذا الكل ~~بأعجوبة حياته وحياة أعاجيبه صنع كائن أحد، فلماذا أنت ترتعد وماذا تخشى؟ أليس الأحرى بك أن ~~تخر ساجدا مدركا ضعف نفسك وعدمها ثم أن ترفع عينيك نحوه واثقا بحبه وعطفه؟ أليس أن فيك ~~شيئا أثمن من نسيج الأزهار وأعضاء الخفافيش وأبراج السيارات؟ إذا كان ذلك ورأيت خيالك في ~~صفحة الوجود محاطا بتألق الكائن الدائم وشعرت بحضوره فوقك وتحتك وفي داخلك وإنما بذلك ~~الحضور الإلهي يصبح الشبح منك إنسانا، والقلق عندك راحة، والانقطاع اشتراكا، والانفراد ~~واحدية كبرى؛ إذا كان ذلك وعرفت أنك تناجي إلهك إذ تصرخ في ليل الحياة البهيم: «أبتي، ~~فلتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض وكذلك في!» فكيف لا تنقشع عنك إذن غيوم ~~الأكدار ويبزغ فجر السرور حاملا معه تعزية ونورا؟ إن لك من الله يدا لا تهملك بل تظل ~~تعضدك وتقودك عندما تهتز الراسيات وتنطفئ الشموس. حيثما حللت تكن معه ويكن معك وهو قريب ~~إليك على الدوام. له الخليقة بورودها وأشواكها، وله الإنسان بأفراحه وأتراحه «ولا يحدث شيء ~~إلا بإرادة الله وسماحه.» # بمثل هذه الخواطر ms44 كنت أسلي نفسي فأتقبلها تارة فرحا وطورا حزينا. لأنه إن نحن بلغنا ~~لحظة مقر الراحة والسلام القائم في غور الروح فيتعذر علينا المكث هناك طويلا. وكثر من ينسى ~~تلك الخلوة بعد الاهتداء إليها، وينسى حتى السبيل الفكري الممتد بين العالم وبينها. # انقضت الأسابيع ولم أتلق من فتاتي حرفا، فساورني هم جديد إذ قلت لنفسي: «ربما توفيت وهي ~~تستريح الآن في حضن السلام الأبدي.» فأقامت هذه الكلمات تحوم حول شفتي وكلما بالغت في ~~ازدجارها بالغت هي في إثبات معناها. # فعلام الازدجار وقد يكون حل المقدور؟ ألم يقل الطبيب إنها ضعيفة القلب وإنه يتوقع أن ~~تفارق الحياة من إلى يوم؟ فهل أغتفر لنفسي تهاونها إذا غادرت صديقتي الدنيا دون أن أودعها ~~وأبوح لها بحبي ولو في الساعة الأخيرة؟ ألا يتحتم علي البحث عنها الآن لأستمع منها كلمات ~~الحب والغفران؟ لماذا يتردد الناس في قضاء الشئون ويؤجلون مخيرين غبطة تتيسر في الحال ناسين ~~أن كل دقيقة قد تكون الأخيرة وأن ما فقد من الزمن فقد فقد من الأبدية؟ # فكرت في اجتماعي والطبيب قبيل السفر فأدركت أني لم أرحل إلا لأثبت له أني قوي صلب الإرادة ~~وقد عز علي الاعتراف بضعفي وباحتياجي إلى صديقتي، فاتضح لي الواجب في الحال وهو العودة ~~إليها على استعداد لقبول ما تبعث به إلينا السماء من فرح وترح، وذكرت قول الطبيب بقرب ~~ذهابها إلى البرية وقولها لي قبلئذ أنها اعتادت الاصطياف في قصرها في التيرول. أتكون إذن ~~على مقربة مني لا يفصل بيننا سوى سفر ساعات قلائل؟ ما كاد يتضح الفكر حتى عاجلته بالتنفيذ، ~~فغادرت المكان عند انبثاق الفجر ووجدني الغروب أمام قصرها. # وكان المساء هادئا جميلا وقد ضرب مجد الغروب فوق قمم الجبال رواقا عسجديا فسبحت ~~الهضاب في زرقة وردية، وتصاعد من الأودية ضباب رمادي فجعل يستحيل لامعا بملامسة الهواء ~~المنير، ثم اتجه نحو أعالي الجو كبحر ضياء متحرك. وتعدد تلك الألوان وألاعيب هاتيك الأنوار ~~كان يعكس على صفحة البحيرة المضطربة فتبدو فيها ذرى الجبال مراقصة رءوس الأشجار ms45 وسطح ~~الكنيسة المستدير، وكأن تلك الرسوم في الماء كانت هي بعينها الحد الفاصل بين عالمي المحسوس ~~والخيال. # استقرت عيناي على القصر القديم حيث أرجو الاجتماع بها، ولم يكن في النوافذ نور ولا حول ~~الجدران صوت يقلق سكون المساء. إن قلبي ليحدثني بلقياها، أيكذبني اليوم قلبي ويخونني ~~الرجاء؟ مشيت متمهلا فاجتزت الباب الخارجي ووجدتني في ساحة القصر حيث يسير الجندي الحارس ~~ذهابا وإيابا. بادرته بالسؤال عن الكونتس فأجاب إنها في القصر. فقرعت جرس الدخول وانتظرت، ~~وفي تلك اللحظة دهشت لما أنا فاعل إذ قد يكون بين الخدم من يعرفني، ولا أنا أجرأ على ذكر ~~اسمي لأني قضيت الأسابيع الماضية تائها في الجبال وقد أهملت أمر لباسي وهندامي حتى صرت ~~أشبه بالمتسولين، فماذا أقول، وعمن أسأل؟ لم يطل هجسي لأن الباب فتح وظهر منه البواب في زي ~~خدم الأمراء وحدق في مبهوتا. # سألت عن السيدة الإنجليزية وصيفة الكونتس فقال إنها هناك. فطلبت قرطاسا وقلما وكتبت ~~إليها: إني قدمت للاستعلام عن صحة الكونتس. # فبعث البواب بالرسالة مع خادم سمعت وقع خطواته المتباعدة في أبهاء القصر وممراته، وما ~~تلاشت تلك الخطوات حتى صار موقفي لا يحتمل، فأخذت أنظر إلى ما علق على الجدران من صور أفراد ~~الأسرة الراحلين: فرسان تدججوا بالسلاح، وسيدات ارتدين الزي القديم وفي وسطهن راهبة بثوب ~~ناصع البياض وعلى صدرها صليب أحمر. لقد رأيت هذه الصور قبل اليوم في أحوال مختلفة ولم أفكر ~~قط أن قلوبا خفقت في هذه الصدور. وها إن ملامح هذه الوجوه تظهر اليوم كتبا ملأى بالمعاني ~~وكأنها تقول جميعا: «لقد عشنا نحن أيضا وتألمنا مثلك.» نعم، نعم تحت هذه الأسلحة دفنت ~~أسرار كالتي تفطر الآن حشاشتي، وفي صدر الراهبة ذات الثوب الأبيض والصليب الأحمر جاشت ~~العواطف المتلاطمة الآن في صدري. خيل إلي أن العيون تطل علي من الرسوم مشفقة. ثم اختفت ~~الشفقة وحل الكبرياء مكانها وقالت الصور وأهلها: «أنت لست منا» وكانت تمر الدقائق فينمو ~~وجلي إلى أن سمعت وقع أقدام خفيفة. وإذا بالسيدة الإنجليزية تشير إلي ms46 بدخول إحدى الغرف، ~~فنظرت إليها مستفسرا لأقف على ما تعرف مما جرى ولكن ملامحها بقيت هادئة لا يبدو عليها دهشة ~~أو تعجب أو أي اهتمام خاص. وقالت بصوت رزين إن صحة الكونتس في تحسن وإنها ستقابلني بعد نصف ~~ساعة. # مثلما يأمل الغريق بالنجاة بعد يأس الموت إذ يرى نفسه آمنا على الشاطئ عقب أن تقاذفته ~~اللجج، كذلك كان وقع هذه الكلمات في نفسي. ها أنذا أدنو إذن من حقيقة جديدة وما آلامي ~~الماضية سوى أضغاث أحلام. قليلة هي هذه اللمحات، لمحات الغبطة المتناهية، في حياة الإنسان ~~وألوف ألوف من البشر لا يتذوقون هناءها. إنما الأم التي تناغي رضيعها لأول مرة، والوالد ~~الذي يذهب لاستقبال وحيده عائدا من الحرب وقد أثقلت جبهته أكاليل المجد والنصر، والشاعر ~~الذي تعترف له أمته بالعبقرية وتحييه بالهتاف والثناء، والشاب الذي يشعر بأن يد فتاته تسيل ~~حبا في يده، أولئك وحدهم يدركون لذة الأحلام إذا هي انقلبت حقائق. # مضى الوقت المعين فجاء الخادم وسار بي خلال غرف كثيرة ثم فتح بابا فلمحت في نور الشفق ~~الضئيل شبحا أبيض أمام نافذة عالية أطلت على البحيرة والجبال المتلظية الساطعة. ~~- «ما أعجب تلاقى البشر بعد الفراق الطويل!» سمعت صوتها العذب يلفظ هذه الكلمات فكانت كل ~~منها بردا على قلبي وسلاما. # فرددت كلماتها قائلا: «ما أعجب التلاقي وما أعجب الفراق!» وأمسكت بيدها فأدركت أننا معا ~~وعلى مقربة الواحد من الآخر. # فقالت: «إذا هم افترقوا فما الذنب إلا ذنبهم.» قالت ذلك وصوتها المنسجم النبرات عادة ~~كموسيقى سماوية، يتهدج قليلا. # فأجبت: «صحيح. ولكن قولي لي أولا كيف أنت؟ هل نستطيع التكلم؟» # فقالت باسمة: «يا صديقي العزيز، أنت تعلم أن صحتي غير جيدة؛ فإذا زعمتها متحسنة فعلت ~~حبا بطبيبي الذي أنا مدينة لعلمه وعطفه بحياتي منذ حداثتي القصوى. وقد وقفت حركة قلبي في ~~إحدى الليالي قبل مغادرتي المدينة فعانيت ألما شديدا وحسبت تلك الحركة واقفة دواما فراعه ~~ذلك ولكنه أمر مضى فلماذا نذكره؟ شيء واحد يؤلمني: كنت أرجو أن يعانقني الموت بلا وجع ms47 والآن ~~أعلم أن الأوجاع ستعذبني ساعة الرحيل وتفعم تلك الساعة مرارة.» ثم وضعت يدها على قلبها، ~~وتابعت: «ولكن، قل أين هذه الغيبة الطويلة؟ ولماذا قطعت عني أخبارك؟ لقد أورد لي الطبيب ~~جملة أسباب لسفرك الفجائي، فصارحته القول أني لا أصدقه في واحد منها. فذكرني أخيرا سببا ~~هو أدنى تلك الأسباب إلى الغرابة. أتعلم ما هو؟» # فقاطعتها خوفا من أن أسمع كلمة تؤلمني وقلت: «قد يخال السبب وهميا وهو ليس بوهمي. وهذا ~~مضى أيضا فلماذا نذكره؟» # قالت: «لماذا مضى يا صديقي؟ عندما ذكر السبب الأخير قلت له إني لا أفهم ما تعنيان؟ أنا ~~فتاة عليلة بائسة وحياة جسدي موت بطيء، وقد أرسلت السماء صديقين يرثيان لحالي أو يحبانني - ~~على زعم الدكتور - فأي شيء في ذلك يقلق راحتي أو راحتهما؟ كنت أقرأ قصائد شاعري المحبوب ~~«وردسورث» قبيل محادثة الطبيب فقلت له: «يا طبيبي العزيز إن الأفكار كثيرة متنوعة والكلام ~~المعبر عنها قليل فنرغم على تصديق ما لا نقصد ولا يفهم الآخرون ماذا نريد باستعمال كلمة ~~واحدة فيؤلونها ما شاء الوهم والخيال. فلو سمع من يجهلنا أنني أحب صديقي الفتى وإنه هو ~~الآخر يحبني لخالنا شبيهين بروميو وجولييت، ولو كان الأمر كذلك لوافقتك على وجوب ملاشاته. ~~ولكن أليس إنك تحبني أنت أيضا يا طبيبي الشيخ كما أحبك؟ ولقد أحببتك أعواما طوالا ولا ~~أدري هل بحت لك بذلك قبل الآن، فما أنا بيائسة ولا أنا بشقية. وأقول لك إنك خصصتني بمودة ~~شديدة وإنك تغار من صديقي الفتى. ألا تأتيني كل صباح متفقدا حالي وأنت تعلم أنه لم يجد ~~شيء؟ ألا تقدم لي أجمل أزهار حديقتك؟ ألم تحملني على إهداء صورتي إليك؟ وهناك أمر آخر قد ~~يحسن كتمانه، ألم تدخل علي يوم الأحد الماضي فجلست قربي وأنت تحسبني مستغرقة في النوم، ~~وحدقت في طويلا فكانت نظراتك كأشعة الشمس تلثم وجهي. ثم بكيت وأخفيت وجهك براحتيك وقلت ~~بصوت يقطعه الشهيق «ماري! ماري»! آه، يا طبيبي العزيز! صديقنا الفتى لم يأت أمرا كهذا ~~فلماذا أقصيته عني؟» قلت ms48 ذلك بلهجة جمعت بين الجد والمزاح كما اعتدت مخاطبته فتورد وجهه ~~خجلا وأسفت لإيلام عواطفه. ثم أخذت كتاب وردسورث وقلت: «هذا رجل آخر أحبه بكل قلبي، أفهمه ~~ويفهمني مع أني لم أره في حياتي. وأريد أن أتلو على مسامعك إحدى قصائده لتعلم كيف يحب البشر ~~ويحبون وإن الحب بركة إلهية ينزلها المحب على المحبوب فيفرش طريقه بالورد والرياحين.» ثم ~~قرأت له قصيدة «فتاة الجبال». والآن يا صديقي الصغير، أدن السراج واتل لي هذه القصيدة ذات ~~المعاني المنعشة. إن روح الجمال الخفية تلامسها كما يلامس احمرار الشفق رءوس الجبال المكللة ~~بالثلوج البيضاء.» # تكلمت فصارت عواطفي هادئة رضية جليلة. انتهت العاصفة وانعكس طيف البنية كصفحة البدر على ~~بحيرة حبي، بل على بحر الحب الشامل الذي يدعيه كل لنفسه بينا هو ينتشر في كل مكان لأن منه ~~حياة بني الإنسان. الحب بحر الحياة الهادئ الثائر معا في كل قلب، المفرق بين القلوب ~~والجامع بينها بعاطفة واحدة ووله واحد. وددت أن ألزم الصمت كالطبيعة المنبسطة أمامنا. غير ~~أن الكونتس دفعت إلي الكتاب فقرأت. # الفصل الثامن # | فتاة الجبال # يا فتاة الجبال العذبة، جمالك هو غناك الوحيد: أربعة عشر ربيعا سكبت على وجهك بهاءها ~~فحسبك هي ثروة وجاها. # هذه الصخور الرمادية، وتلك الأشجار الشبيهة بستار أسفر عن نصف وجه السماء، وذياك ~~الشلال المهمهم في أذن البحيرة المنصتة، وذيالك الخليج الصغير، وهذه الطريق الضيقة ~~المؤدية إلى مسكنك، جميعها تخال مرسومة بخطوط الأحلام وألوانها. وأنا أباركك من أعماق ~~قلبي، يا فتاة يبعث جمالها في هذا النور الأرضي نورا سماويا. # ليكن الله في عونك حتى اليوم الأخير! أنا لا أعرفك ولا أعرف ذويك على أن العبرات تجول ~~في عيني. سأذكرك في صلواتي بخشوع بعد ذهابي لأني لم أر حتى اليوم وجها كوجهك بدت فيه ~~الرقة في حشمة واللطف في طهر تام. # تعيشين هنا بعيدا عن البشر كبذرة قذفت بها يد الصدف، فلا ترخين أجفانك خجلا ولا ~~ترتدي ملامحك احمرار الحياء. على جبهتك تتجلى حرية أهل الجبال وصراحتهم، وفي ابتسامتك ms49 ~~يبسم الجود والحنان، وعطفك يتدفق تدفق خواطرك المنعتقة من ذهنك رغم قيود جهلك وعلى قلة ~~متاعك اللفظي. قيود تشعرين بها وتجاهدين في التغلب عليها فتجيء إشارتك مفعمة نشاطا ~~ولطفا معا. كذلك رأيت مرة أطيارا تصفق بأجنحتها لمكافحة العاصفة. # كل يد تقطف لك الأزهار، أيتها الحسناء، فيا سعد من عاش قربك في واد صغير كثيف الشجر ~~كثير الزهر، يلبس كملابسك ويرعى الأغنام مثلك! وهناك أمنية خير من هذه، ولكن أنت موجة ~~من البحر الإنساني العجيب. ليت لي بعض السلطة عليك وليتني من جيرانك لأتمتع بصوتك وأهنأ ~~بمرآك! بل ليتني أخوك الأكبر أو أبوك أو أي واحد من أقاربك! # وإني لأحمد السماء التي قادتني إلى هذا المكان المنفرد حيث عرفت السرور. سأذهب حاملا ~~معي الجزاء لأن للذاكرة ميزة كأنها ميزة النظر. فلماذا أكره الابتعاد؟ # وها إني أفرح وأتألم في آن واحد لفراقك، يا فتاة الجبال الحلوة! وسأحفظ أبدا في ~~ذاكرتي هذه المشاهد البهية حية كما أراها الآن، كوخك الحقير، والبحيرة، والخليج، ~~والشلال لا سيما أنت الروح المحيية جسم هذا الجمال. # وكانت معاني القصيدة تهبط على روحي كقطرات الندى. وإذا بصوتها العذب يتصاعد كنغمة الأرغن ~~تنبه المصلي من تأملاته العميقة، فقالت: «هكذا أريد أن تحبني يا صديقي، وهكذا يحبني الطبيب، ~~وعلينا أن يحب بعضنا بعضا هذا الحب وأن يثق الواحد بالآخر هذه الثقة. وعلى قلة اختباري أظن ~~أن العالم لا يفهم هذا الحب فجعل بنو الإنسان هذه الأرض صحراء يقطنها القحط والكآبة. لا بد ~~أن الحال كانت على غير ما هي في غابر العصور وإلا لما حدثنا «هوميروس» عن «نوزيكا» ذات ~~القلب الحساس؛ أحبت نوزيكا أوديسفس للنظرة الأولى فأسرت إلى صويحباتها: «حبذا الاقتران به! ~~وليت المقام بيننا يطيب له!» ولكنها خجلت أن تسير مع غريب له هذا الجمال الباهر لئلا يقال ~~إنها بحثت عنه. فما أبسط هذه الحكاية وأقربها إلى الواقع! وعندما قيل لها بوجوب رجوعه إلى ~~زوجته وولده لم تتذمر ولم تشك بل امتثلت واختفت، ونحن القراء نشعر بأنها حملت أبدا في ms50 ~~فؤادها صورة ذلك الغريب القوي الجميل. لماذا يتجاهل شعراؤنا هذا الحب الصادق وهذا الفراق ~~الهادئ؟ أما الشاعر العصري فيخرج من نوزيكا حبيبة لفرتر لأن الحب لم يعد سوى مقدمة لمأساة ~~الزواج. أهذا هو الحب دون سواه؟ هل جفت ينابيع السعادة الطاهرة؟ ألا يريد الناس أن يعرفوا ~~من الحب غير الخمرة المسكرة ليتجاهلوا ينبوعه العذب الشافي الظمأ؟» # فأردت تعزيز كلامها واستشهدت بالشاعر الإنجليزي القائل: «ألا يحق لي أن أبكي لما فعل ~~الإنسان بالإنسان؟!» # فقالت: «ما أسعد الشعراء! كلماتهم تنطق العواطف الخرساء في ألوف القلوب وتنشد الأصوات ~~أناشيدهم لإظهار أسرار الجنان. فؤادهم يخفق في صدر الغني والفقير على السواء فيطرب معهم ~~السعداء ويبكي التعساء لبكائهم. غير أن وردسورث أحبهم إلي، من أصدقائي من ينفي عنه ~~الشاعرية. أما أنا فأحب منه إعراضه عن الاستعارات العادية، وتجنبه الغلو والمبالغة وما ~~يسمونه «الطيرة الشعرية». هو صادق وأي ميزة توازي هذه؟ هو يفتح عيوننا على الجمال المنثور ~~تحت أقدامنا نثر زهرات الأقحوان في الرياض والمروج، ويسمي الأشياء بأسمائها، ولا يحاول ~~إذهالنا وتغريرنا بل يرغب في إظهار الموجودات يزينها جمال الطبيعة قبل أن تشوهها يد ~~الإنسان. أليست قطرة الندى على الحشيش الأخضر أتم بهاء وأوفى ثناء من لؤلؤة ثمينة صيغت في ~~قالب الذهب؟ أو ليس الينبوع المتدفق من صدر الأرض أجل وأبدع من مياه فرساي الاصطناعية على ~~الإطلاق؟ أليست قصيدة «فتاة الجبال» ألطف وأصدق من «هيلانة» جوتي و«هايدي» بيرون؟ إني آسفة ~~لعدم وجود من يماثل وردسورث في جلاء الفكر وسذاجة التعبير بين شعرائنا. قد كان يشبهه «شلر» ~~لو أنه استوحى خفايا نفسه بمثلما استوحى تاريخ اليونان والرومان، كذلك «روكرت» قد كان ~~يداينه لولا أنه آثر عيشة الرغد والرخاء بين ورود الشرق على سكنى وطننا الفقير. قل الجريء ~~من الشعراء الراضي بنفسه، المقدم على إظهارها مجردة من الزوائد؛ وردسورث ذلك الشاعر. وكما ~~نستمع برضى إلى أعاظم النوابغ حتى عندما لا يكونون أعاظم أملا في مشاركتهم في الشعاع ~~الساطع المنزل إليهم من شمس اللانهاية كما شاركناهم في أفكارهم العادية ms51 المألوفة، كذلك أحب ~~وردسورث نفسه حتى في القصائد التي لم تضمن فكرة مستحدثة. لا بد لكبار الشعراء من نوبة راحة ~~يغيب فيها عنهم الوحي والبيان الخلاب؛ فقد نقرأ عند هوميروس عشرات الأبيات لا تزينها لمحة ~~جمال، وكذلك دانتي. بينا بندرس الذي يستفز إعجابكم جميعا يضعف احتمالي وينفد صبري بدوام ~~ذهوله وافتتانه. إني لأضحي أثمن ما لدي لأتمكن من الاصطياف على شاطئ البحيرات حيث يقيم ~~وردسورث فأزور معه الأمكنة التي أحب ووصف، وأحيي الأشجار التي حماها من ضرب الفئوس، وأرقب ~~قربه غياب الشمس الذي أبدع في تصويره بالألفاظ إبداع مصورنا «ترنر» في تمثيله ~~بالألوان.» # لم يكن صوتها ليهبط شأن الأصوات الأخرى في نهاية الخطاب بل كان يرتفع ويقف على نبرة ~~استفهام، كأنها الطفل القائل: «أليس كذلك يا أبي؟» كان ذلك الصوت يصعد نحو مخاطبها بدلا من ~~أن يهوي عليه، تمازجه أنة توسل تجعل مخالفتها أمرا عسيرا. # فقلت: «وردسورث عزيز علي شاعرا وعزيز رجلا. الأفكار في شعره آكام صغيرة نتسلقها بلا ~~تعب بينا هي عند غيره جبال باذخة محفوفة بالصعاب والأخطار. لم أكن أكترث له في البداية حين ~~كان يذهلني أن يعجب به أكبر عقول إنجلترا الحديثة هذا الإعجاب العظيم، ولكني اقتنعت بالتالي ~~أن شاعرا تنظر إليه أمته نظرة الإكبار وتنزله من تقديرها تلك المكانة لجدير بأن يدرس ~~ويستقصى، وإنما تجاهل وجوده خسران للمتجاهل. الإعجاب فن لا يكتسب بلا دراسة وتمرين، فمن ~~الألمان من لا يذوق راسين، ومن الإنجليز من لا يفهم جوته، ومن الفرنسيين من لا يرى في ~~شكسبير إلا فلاحا خشنا. وما مغزى ذلك؟ مغزاه أن طفلا غريرا يفضل موسيقى الرقص على ~~إيقاعات ~~(Symphonics) # بتهوفن ذات الفخامة والجلال. فن ~~الإعجاب الصميم قائم في اكتشاف أرواح الشعوب والتعمق في دراسة كتب تكبرها الأمم، ومن بحث عن ~~الجمال عثر عليه وعلم أن الشعوب لا تعظم من نوابغها إلا من كان حقيقا بالإعجاب، وإن الفرس ~~لم يكونوا مخدوعين في حافظهم، ولا الهنود في كاليدازا. لا يفهم الرجل العظيم من المجابهة ~~الأولى ولا يوصلنا ms52 إلى اكتناهه غير المثابرة والنصب والعمل. ومن الغريب أن ما يرضينا لأول ~~نظرة لا يطول استحساننا له.» # فقالت: «ولكن هناك سرا يشترك في كتمانه وإذاعته معا جميع الشعراء وجميع الفنانين وجميع ~~أبطال العالم سواء أكانوا فرسا أو هنودا أو رومان أو ألمان وأكاد لا أدري كيف أصفه: هو ~~فكرة اللانهاية المنبسطة أمامهم ونراها نحن خلال كلامهم وآثارهم. هم يقرءون ما لا نقرأ في ~~كتاب الأبدية ويؤلهون الأشياء التي نزعمها صغيرة زائلة. أما سمعت غوتي ذلك الوثني الصميم ~~منشدا كيف يؤله «السلام العذب النازل من السماء» حيث يقول: # انتشر السلام على الهضاب # وبين رءوس الأشجار الباسقات # لا أثر لهبوب النسيم # وصغار الطير نائمة في الغاب # فانتظر قليلا عما قريب # ترتاح أنت كذلك # عندما نسمع أو نقرأ هذا ألا ترى أشجار الصنوبر ووراءها المسافة الفيحاء انتشرت فيها راحة ~~لا تستطيع الأرض أن تنيلنا إياها؟ فكرة اللانهاية تجدها أبدا في قصائد وردسورث، وذلك السر ~~الكامن وراء الألفاظ والأسجاع والأوزان هو هو الذي يحرك القلب دون غيره. من ذا الذي فهم ~~الجمال الأرضي أكثر من مايكل أنجلو الطلياني؟ ولكنه فهمه لأنه علم أنه انعكاس الجمال ~~السماوي. ألا تذكر موشحه لحبيبته فيتوريا كولونا: # قوة الوجه الجميل تدفعني نحو السماء # ولا أرتاح على الأرض إلى وجه سواه # وبه أحيا متعاليا بين الأرواح المصطفاة # وهي موهبة قل أن يتمتع بها الإنسان الفاني ~~••• # ومع المبدع الذي أبدع صنعها # وبنعمته وبمساعدته أرفع إليه خواطري # وأوقع على انسجام صنيعة أفكاري وأعمالي # لأحب بحرارة امرأة مليحة ~~••• # وإن قصرت دون تحويل نظري # عن عينيها الجميلتين المتألقتين # بنور يدلني إلى سبيل الله # إن قصرت وأحرقني اللهيب علمت # أن تلك النار النبيلة المتأججة في قلبي # إنما هي انعكاس الشعاع السامي # الساطع أبدا في ديار المجد والخلود # بدت عليها آثار التعب فأحجمت عن الكلام فاحترمت سكوتها. إن قلوب الناس تميل إلى الصمت بعد ~~تبادل الأفكار القيمة، ويخيل أن الملائكة ترفرف فوق رءوسهم. نعم خيل إلي أن أجنحة ملائكة ~~الحب والسلام تخيم في تلك الغرفة. نظرت ms53 إليها فبدت بثوبها الأبيض كالرؤيا تتجلى في الشفق ~~العابس وإنما يدها المستسلمة في يدي أثبتت لي حضورها الحسي. وأرسل الغروب المودع على محياها ~~شعاعا باهتا ففتحت عينيها وحدقت في مدهوشة مستفسرة، فسطع نور عينيها العجيبتين كبرق ~~خاطف بين أجفانها الوطفاء. وإذا بالبدر صاعدا بين الجبلين المقابلين يسكب ابتساماته على ~~القرية الصغيرة والبحيرة الهادئة. لم أر حياتي مساء أبهى من ذلك المساء ووجها أجمل من ذلك ~~الوجه؛ وجه الحبيبة كما كان في تلك الساعة، فشعرت بموجة حب تطفو فوق قلبي فقلت ثملا: ~~«ماري! دعيني أعترف لك بحبي وأنا بهذا الفتون! ألا تشعرين معي بقربنا الآن من السماء؟ ألا ~~فلتتحد نفسانا بقوة لا تسطو عليها قوة! دعيني أفض إليك بحبي. إني أحبك يا ماري كائنا الحب ~~ما كان، وأشعر بأنك لي لأني لك.» # جثوت قربها ولم أجرأ على النظر إلى عينيها، فسحبت يدها من يدي متمهلة مترددة في البدء ~~وبالتالي مسرعة مصممة، فرفعت طرفي إلى وجهها فرأيت عليه أمارات الألم. وبعد سكوت طويل ~~تململت وزفرت زفرة عميقة وقالت: «كفى؛ لقد آلمتني، على أن الذنب ذنبي والتبعة علي. أقفل ~~النافذة لأني أحس ببرد قارس كأن يدا غريبة لمستني. ابق معي، لكن لا، اذهب. وداعا، ونم ~~نوما هادئا وابتهل إلى الله أن يشملنا برعايته. سنجتمع مساء غد، أليس كذلك؟» # أواه، أين ذهب الهناء وكيف ولت الطمأنينة؟ خرجت من الغرفة وبعثت بالسيدة الإنجليزية إليها ~~وهمت في الظلام. مشيت طويلا على شط البحيرة وعيناي يرقبان نافذة الغرفة التي ضمتني وإياها ~~منذ حين. أخيرا خبت جميع أنوار القصر وتوسط القمر كبد السماء وسقطت أشعته عاموديا على ~~الأرض فبدت خطوط الشرفات والجدران من ذلك القصر كأنها أضيئت بفانوس سحري. وبقيت وحدي في ~~الليل الأدهم: أفكاري موجعة، وقلبي سقيم، ونفسي منفردة لا يحبها ولا يريدها في العالم أحد. ~~شمت الأرض نعشا والسماء كفنا يدور حولي، ولم أدر أحي أنا أم ميت قضى منذ زمن بعيد. # وإذ أطلت النظر إلى النجوم ذات المقل اللامعات، وهي تتم دورتها بانتظام حسبتها منثورة ms54 في ~~الفضاء لتنير القلوب المظلمة وتعزي النفوس الآيسة. إذ ذاك فكرت في نجمين سماويين أشرقا من ~~عيني الكونتس ماري على أفقي الحالك السواد وسجدت في فؤادي عاطفة الشكر والحنان لفتاتي ~~العذبة وملكي الحارس الأمين. # الفصل التاسع # | الذكرى الأخيرة # كانت الشمس مشرقة على رءوس الجبال وقد دخلت أشعتها من النافذة ساعة استيقظت من رقادي. ~~أهذه هي الشمس التي شيعتها البارحة بنظرات الرجاء والغرام عندما انبسط قرصها كيد صديق يبارك ~~اتحاد قلبينا، ثم هبطت وتوارت كمضمحل الآمال؟ ها هي الآن مشرقة تأتي إلي كطفل يهنئني بعيد ~~ميمون. لقد عادت إلي حيويتي المعتادة وتنبهت في الثقة بالله وبنفسي، ترى أأنا هو ذاك ~~الفتى الذي انطرح على الفراش منذ ساعات قلائل مضني الجسد خائر الروح؟ # ما حالنا لولا سنة الكرى؟ نحن نجهل إلى أي العوالم يمضي بنا هذا الرسول الليلي حينما ~~نستسلم له بعيون مغمضة وليس من يتكفل بفتحها في الغد ليعيدنا إلى يقظة العمر. لقد تعلق ~~الإنسان بأهداب الشجاعة والإيمان يوم تلقاه الصديق المجهول فنومه النومة الأولى، ولولا ما ~~فطرنا عليه من ثقة وامتثال لأبى الواحد منا، رغم التعب والنصب، أن يغمض عينيه بمحض إرادته ~~ويدخل مملكة النوم. إنما هما الضعف والشقاء تشتد علينا وطأتهما فنلجأ إلى قوة عليا ونرضخ ~~للنظام البديع النافذ في جميع الكائنات، فنسعد إبان الرقاد بحل الروابط التي تقيد ذاتنا ~~الأبدية الخالدة بذاتنا الأرضية الزائلة. # كل ما جرى بالأمس وكان في ذهني مبهما كضباب المساء أصبح الساعة جليا. شعرت بتقاربنا ~~الواحد من الآخر كأننا أخ وأخت، أو أب وابن، أو خاطب ومخطوبة، وأننا لا يحول بيننا انفصال. ~~بحثت عن معنى ما يدعوه البشر «حبا» وودت، كالشاعر، أن أكون أخاها أو أباها أو أي قريب ~~لها. وددت أن أهتدي إلى اسم يعرفني الناس به عندها لأن العالم ينكر من لم يحمل اسما وكنية. ~~هي قالت إنها تحبني حبا طاهرا يكنه قلبها للنوع الإنساني بأسره وهو مصدر كل صنوف الحب. ~~غير أنها خافت وتألمت لسماع اعترافي، وهذا الألم وذاك الخوف اللذان ms55 أتعساني البارحة هما ~~اليوم في عيني حجة راسخة على عاطفة تخصني بها. لماذا نحن نسعى في تفهم نفوس الآخرين ~~ونفوسنا مغلقة على بحثنا؟ ولماذا يستأسرنا ما لا نحسن تمييزه في الطبيعة والأفراد والقلوب؟ ~~أما الأشخاص الذين نعرف منهم جميع الحركات النفسية والبواعث الفكرية فلا ننفعل بتأثيرهم ولا ~~نعيرهم التفاتا، ولا شيء يكلح البهجة والرونق من محيا الحياة كزعم أولئك الماديين الذين ~~يشرحون المعاني ويحللونها تحليلا علميا لينفوا عجائب النفوس وأسرار الأفئدة. إن في كل ~~كائن غموضا يستحيل إدراكه ويتعذر تعريفه: أهو إلهام، أو قدر أو خلق؟ لا الفرد يعي معنى ذلك ~~الغموض المستتر فيه ولا اهتدى الباحثون إلى تفسير مقنع مرضي. وهكذا كل ما حملني بالأمس على ~~القنوط صار اليوم ينبوع أمل. وما زلت بقلبي أعلله حتى تبددت الغيوم من جو مستقبلي ~~السعيد. # خرجت إلى الهواء الطلق وإذا برسول يحمل من الكونتس كتابا. عرفت خط يدها الجميل الرزين ~~فرجوت في تلك اللحظة أعز ما يرجوه العاشق. ويا لسرعان ما خابت آمالي! سألتني في الرسالة أن ~~لا أزورها بعد الظهر لأنها تنتظر ضيوفا من المدينة، ولم تخط كلمة مودة أو كلمة تطمين، ~~وإنما أضافت حاشية معناها أن الطبيب يأتي غدا فاللقاء إلى بعد غد. # يومان يمزقان من كتاب حياتي! ويا ليتهما لم يكونا فلا أحتملهما فوق رأسي كسقف سجن مظلم. ~~علي أن أصبر عليهما ولست مخيرا في التصدق بهما على ملك عوجل بالخلع عن عرشه، أو في التبرع ~~لمتسول يدور حول أبواب المعابد. أطرقت وطال إطراقي، فذكرت صلاة الصبح لأن اليائس أحوج ما ~~يكون إلى الإيمان، وكالفارس يرى الهوة أمامه فيحكم شد اللجام، قلت: «فليكن ما لا مناص منه! ~~ولأقبلنه طائعا دون تذمر فالله لم يخلقنا للغم والمراثي.» # ولماذا لا أتعزى بهذه السطور التي خطتها يدها؟ ولماذا لا أتعزى بأمل الاجتماع القريب؟ سل ~~من عالج السباحة يشر بوجوب رفع رأسك فوق الأمواج، وإلا فاغطس ولا تدع من فمك وعينيك للماء ~~سبيلا. إن لم ترضنا الحياة كواجب فلنقبلها ونعالجها كفن. كلنا هنا ms56 أطفال، ولكن ما أغباه ~~طفلا يستسلم للغضب أو يركن إلى العبوس كلما شعر بألم أو حبط له مسعى! وما أحبه طفلا إن ~~بكى ظلت شمس السرور مشرقة في عينيه شروق الزهرة الناضرة وراء غيث نيسان، فلا يطول حتى تنفتح ~~أوراقها ويفوح طيبها لأن حرارة الشمس تمتص عنها قطرات المطر. # وعادت إلي خاطرة فبدأت أنفذها: ذاك أني طالما تمنيت تدوين كل كلمة سمعتها منها وإثبات ما ~~ائتمنتني عليه من جميل الآراء. وها قد حان الوقت الملائم، فصرفت اليومين مستحضرا ساعات ~~اللقاء محييا آثارها. وكنت قريبا منها شاعرا بحبها كأني ممسك بيدها. # وما أغلى تلك الصفحات لدي! كم من مرة قرأتها وأعدت قراءتها! هذه شهود سعادتي الغابرة، يطل ~~من بين سطورها علي وجه معروف وينظر إلي صامتا وسكوته أفصح من الفصاحة. يتلو علي ذكريات ~~الأسى والهناء فيرجعني إلى الماضي وأنطرح على مجموعة حوادثه كالأم على ضريح ولدها الميت منذ ~~أعوام ولا رجاء لها بضمه إلى صدرها مرة أخرى، هذه العاطفة نسميها حزنا، ولكن في الحزن غبطة ~~يعرفها الذين أحبوا كثيرا وتألموا كثيرا. # سل الوالدة عما تشعر به عندما تسدل على وجه ابنتها العروس نقابا لبسته يوم زواجها، مفكرة ~~في زوجها الذي أخذته المنية فحرمتها منه. سل الشاب عما يشعر به إزاء وردة ذابلة جاءته من ~~حبيبته المتوفية وكان أهداها إليها قبل أن يفرق بينهما العالم. كلاهما يبكي وليست دموعهما ~~دموع فرح ولا دموع ترح، بل هي دموع ضحية قدمت آلامها إلى الله بخورا بعد فناء الآمال، ~~وقنعت بالإيمان والثقة بحكمته غير المتناهية. # ولنعد إلى التذكارات التي تجعل الماضي حاضرا: انقضى اليومان وجوانحي تختلج حبورا كلما ~~ولت ساعة فآذنت بقرب اللقاء. وقد كثرت المركبات في اليوم الأول وجاء الفرسان من المدينة ~~فامتلأ القصر بالضيوف والزائرين وخفقت فوق قببه الألوية وصدحت الموسيقى في ساحاته. وعندما ~~أرخى الظلام سدوله ازدحمت الزوارق والقوارب في البحيرة وترددت على صفحة الماء أصداء ~~الأناشيد والأغاني، فأطلت الإصغاء لعلمي أنها هي الأخرى مصغية من نافذتها. وظلت الحركة ~~والجلبة في القصر ms57 إلى ما بعد ظهر اليوم التالي حيث عاد الضيوف أدراجهم، وآخر مركبة عادت في ~~المساء إلى المدينة كانت مركبة الطبيب. # عندئذ ضاق صبري وفكرت «ها هي وحدها، أشعر أنها تفكر في وتتمنى وجودي معها. أأترك ليلة ~~أخرى تمر دون أن ألمس يدها فرحا بانتهاء الفراق وابتداء التلاقي الجديد؟ أرى في نافذتها ~~نورا فهل أدعها هناك بلا رفيق؟ ألا يصح أن أتمتع ولو هنية بحضورها العذب؟» وجدتني فجأة ~~أمام بابها وقد ارتفعت يدي لقرع الجرس، فتوقفت قائلا: «ألا سحقا للضعف والتبذل! إن أنا ~~دخلت عليها الآن وقفت أمامها خجلا كسارق يتوارى بالظلام. سآتي إليها صباح غد، سأعود إليها ~~كبطل استحق أن تضفر لجبينه إكليل الحب.» # جاء الصباح وذهبت إليها. أواه! لا تقولوا، أيها الروحيون، إن الروح تحيا بلا جسد! الحياة ~~الحقيقة والسعادة التامة لا يجتمعان إلا حيث يتوحد الروح والجسد فيصيران روحا جسدية ~~وجسدا روحيا. الروح بلا جسد شبح، والجسد بلا روح جثة. وهل تخلو زهرة الحقل من الروح؟ ~~أليس إنها تبرز بقدرة الفكر الباري الذي ينيلها الحياة والجمال؟ ذلك الفكر هو روحها ولكنه ~~أبكم فيها بينا هو ناطق في الإنسان. الحياة الحقيقية حياة الروح والجسد معا، والاجتماع ~~الحقيقي اجتماع الأرواح الأجساد جميعا. أما العالم الذي عشت فيه سعيدا يومين كاملين فقد ~~اضمحل الآن كالخيال، أو كتنهد العدم، لأني الساعة أراها بالروح والجسد. # تمنيت أن أضع يدي على جبهتها وألمس أجفانها لأتثبت من وجودها بالذات وليس بالصورة الحائمة ~~حول روحي ليل نهار، بل كشخص غير شخصي يحبني ويتوق إلي، شخص أثق به ثقتي بنفسي، بعيد عني ~~إنما أقرب إلي من نفسي وبدونه ليست حياتي بالحياة، ولا موتي بالموت، وما أنا سوى لهاث ضائع ~~في الفضاء غير المتناهي. # استقرت عليها طويلا أنظاري وأفكاري فشعرت بتكامل الحياة في ولم يعد يرهبني الموت لأنه ~~لا يقوى على إفناء هذا الحب العظيم إنما هو يكسبه متانة ونبلا. # ما أعذب السكوت قربها وقد تجلت نفسها في وضع أعضائها ومجموع هيئتها وتتابعت السرائر في ~~عينيها! بقيت صامتا ms58 وشيء في يصغي كأني سمعتها تهمس في قلبها: «إنك تؤلمني.» ثم بعد ~~هنيهة: «هل اجتمعنا مرة أخرى؟ كن هادئا ولا تيأس، لا تسل ولا تستفهم، إني أرحب بك فلا تسخط ~~علي.» كل هذا قرأته في عينيها ولكنها لم تتلفظ بكلمة منه. وفتحت شفتيها أخيرا وقالت بصوت ~~متهدج: «ألم يصلك كتاب من الطبيب؟» # أجبت: «كلا.» # فقالت: «الأفضل إذن أن تسمع الخبر مني. اعلم يا صديقي أننا نلتقي اليوم للمرة الأخيرة، ~~فلنفترق بلا تذمر. لقد أسأت إليك عن جهل إذ كيف أعلم أن للنسيم العليل من القوة ما يسقط عن ~~الزهرة وريقاتها! كنت قليلة الخبرة فلم أتوقع أن توحي إليك فتاة بائسة نظيري سوى عواطف ~~الرحمة والإشفاق. ولقد أنزلتك على الرحب والسعة لأنك صديقي منذ أعوام طويلة، وسعدت بلقياك، ~~لماذا أخفي الحقيقة؟ لأني كنت أحبك. إنما المجتمع لا يفهم هذا الحب ولا يسمح به. لقد فتح ~~الطبيب عيني وأخبرني أن حكايتنا شائعة تتفكه بتفاصيلها أندية المدينة، وكتب إلي أخي الأمير ~~يسألني أن أقطع كل علاقة بيني وبينك. إن أسفي لألمك شديد. ولكن قل إنك تعفو عني، ولنفترق ~~صديقين كما التقينا.» # قالت هذا وأسبلت أجفانها لتخفي عني دموعها. فأجبت: «لي يا ماري حياة واحدة وهي قربك، ~~وإرادة واحدة وهي إرادتك. أحبك بحرارة الحب وحرقته، ولكني لست أهلا لك. أنت أرفع مني ~~مقاما وشرفا وطهرا فكيف أرجو أن أدعوك يوما زوجتي؟ وليس ثمة من وسيلة أخرى لنسير معا ~~في سبيل الحياة. ماري، أنت حرة ولا أريد أن تضحي لأجلي شيئا ما. العالم واسع وإن أردت ~~الفراق فلن نجتمع. ولكن إذا شعرت بحب لي وبأنك خاصتي فأعرضي عن المجتمع وانسي أحكامه ~~البلهاء، ودعيني أحملك على ذراعي إلى الهيكل فأجثو هناك وأقسم أن أكون لك في الحياة ~~والموت.» # فأجابت متمهلة: «تمني المستحيل حرام يا صديقي. لو شاء الله أن يجمع بيننا لما بعث ~~إلي بهذه الأوجاع التي تجعلني طفلة عاجزة بائسة. لا تنس أن ما ندعوه قضاء وقدرا، أو ~~ظروفا، أو فروقا اجتماعية إنما هو في ms59 الحقيقة إرادة الله، ومن طمع في التغلب عليها فقد ~~عصى الله وكان غرا داعيا إن لم يكن شاذا أثيما. إنما الناس على الأرض كالكواكب في عرض ~~الفضاء يسلكون سبيلا خطتها يد الله فإن تواجه فيها اثنان فذاك إلى حين ثم يفترقان ~~مسيرين. وباطلا يحتجان ويقاومان فنظام الكون باق على ما هو إلى الأبد. أنا لا أرى موضع ~~الخطأ في حبي لك. غير أن الآخرين يرونه فحسبي يا صديقي. ولنمتثل بتواضع وإيمان.» # كان صوتها هادئا يئن فيه الألم العميق، ولم أشأ أن أتخلى عن الجهاد منذ الخطوة الأولى، ~~فضبطت انفعالي ما أمكن لئلا أتهور مجازفا بكلمة تزيد في ألمها وقلت: «تقولين إن هذه ~~مقابلتنا الأخيرة فدعيني أعلم لمن نضحي ذواتنا. لو خالف حبنا نظاما علويا لامتثلت معك ~~بتواضع وإيمان. ولكن الحب هو إرادة الروح السامية وتسخير تلك الإرادة هو إنكار إرادة الله. ~~طالما حاول الإنسان مخادعة الله كأن دهاءه كفيل بتضليل الحكمة الربانية. وهذا محض جنون، ~~نصيب من اقتحمه نصيب قزم يبارز جبارا فليس أمامه من عاقبة سوى أن يسحق ويتلاشى. لا شيء ~~يقوم في وجه حبنا غير التقول والافتراء، فما هو التقول والافتراء؟ أنا أحترم أنظمة المجتمع، ~~أحترمها حتى في تشعبها وارتباكها الحالي لأن الجسم العليل لا يشفى بغير العلاج المركب. ~~وبدون الفروق الاجتماعية والاصطلاحات والعادات التي كثيرا ما نضحك منها يستحيل ترابط البشر ~~فيما بينهم والتعاون لبلوغ غاية وجدنا على الأرض لننتهي إليها، فيتحتم إذن تضحية الشيء ~~الكثير لتلك الآلهة الكاذبة، وكأهل أثينا الذي كانوا يرسلون كل عام سفينة مشحونة بالشبان ~~والفتيات يقدمونهم قربانا، علينا أن ننحر الضحايا على هيكل الحيوان المسيطر على تركيب ~~نظامنا الاجتماعي. ولكن ثقي أنه ليس من قلب حساس رقيق إلا تعذب وتفطر، ولا من رجل ذي إدراك ~~وشعور إلا وأرغم على إطباق جناحي حبه ليسجنه في القفص الاتفاقي الضيق وذلك حادث أبدا قديم ~~جديد. أنت لا تعرفين المجتمع. ولكني لو قصرت الكلام على أصحابي لأسمعتك من المفجعات ما يملأ ~~أسفارا: أحب أحدهم فتاة فأحبته ms60 هي كذلك. ولكنه كان فقيرا وكانت هي غنية، فتخاصم الأهل ~~والمعارف وتقاذفوا السباب والشتائم وكانت النتيجة انسحاق القلبين. لماذا؟ لأن المجتمع يرى ~~منتهى الحطة والذل في أن ترتدي السيدة ثوبا مصنوعا من صوف النبات الأمريكي وليس من نسيج ~~الدودة الصينية. # أحب آخر فتاة فأحبته أيضا. ولكنه كان بروتستانيا وكانت هي كاثوليكية، فقامت عليهما ~~قيامة الكهنة والأمهات وانسحق القلبان. لماذا؟ لأنه حصلت مناورات سياسية بين تشارلس الخامس ~~وفرنسيس الأول وهنري الثامن منذ ثلاثة قرون. # وأحب غيره فتاة فأحبته هي أيضا. ولكنه كان شريفا ولم تكن هي ذات حسب، فتصلبت كبرياء ~~أخوته وألهبت الغيرة أخواتها وانسحق القلبان. لماذا؟ لأن جنديا قتل آخر كان يتهدد حياة ~~الملك وعرشه منذ عشرات أو مئات الأعوام فأغدق عليه مولاه الألقاب والرتب، وها إن حفيده ~~اليوم يكفر عن ذلك الدم المسفوك بخلق نخره الفساد وصحة ترعى فيها العلل. # يقول علماء الإحصاء إن عدد القلوب المتفطرة يوازي عدد الساعات. وأنا أميل إلى التصديق، ~~لماذا؟ لأن المجتمع ينكر كل حب بين غريبين إن لم يرتبطا برباط الزواج، فإن أحبت فتاتان ~~رجلا ضحيت إحداهما، وإن أحب رجلان امرأة تحتم أن يضحي أحدهما أو أن يضحيا معا. لماذا؟ ~~لماذا يحظر على رجل حب فتاة ليس له أن يقترن بها. أكل الحب في أن يهرب الرجل بالمرأة كأنها ~~غنيمة حربية؟ أراك تغمضين عينيك فأدرك أني أطلت الكلام. لقد دنس المجتمع أقدس معاني الحياة، ~~فاسمعي يا ماري، فلنستعمل لغة العالم عندما نكون فيه متكلمين ممثلين فاعلين. ولكن فلنحفظ ~~بعيدا عنه محرابا طاهرا يختلي فيه قلبان صادقان ليتكلما بلغة الحب والإخلاص دون أن ~~يتأثرا بغضبه أو يكترثا لصواعقه. والمجتمع يكبر هذه المقاومة العنيفة من قلب أدرك حقوقه ~~وعرف عظمته فآثر على الأحكام البلهاء. لا بأس بالاصطلاحات والعادات في حل اعتدالها لأنه حسن ~~أن تعرش «اللبلابا» بألوف الأغصان والحبال على الجدار القوي. ولكن حذار من الإفراط لئلا يجد ~~النبت الطفيلي منفذا إلى داخل البنيان فيفسد إحكام أجزائه ويهدم متانة أركانه. إن حبنا لا ~~يضر بشرا ms61 ولا يؤذي أحدا بل يسعد نفسينا ويرفعنا إلى عرش مبدعنا. فاتبعي مشورة قلبك واصغي ~~إلى صوت ضميرك ثم أجيبي. ماري، كوني لي! اعلمي أن الكلمة المرتعشة الآن على شفتيك إنما هي ~~حكم علي وعليك بالسعادة أو بالشقاء. # صمت وضغطت على يدها فضغطت على يدي بأنامل ملتهبة وقد بدا التأثر في وجهها وحركاتها. ~~والسماء الزرقاء المنشورة فوق رأسي لم أرها حياتي على جمال ظهرت فيه الآن وقد هددتها ~~الزوبعة وأنفذت إليها الغيوم واحدة بعد أخرى. # ثم قالت كمن يتعمد تأجيل القرار النهائي: «ولماذا تحبني؟» # أجبت: بل سلي الطفل لماذا ولد، والشجرة لماذا أزهرت، وسلي الشمس لماذا بزغت فأنارت الكون! ~~لماذا أحبك يا بنية، لأنه يجب أن أحبك. وإن شئت إسهابا فدعي الكتاب الذي تحبين يتكلم ~~لأجلي: # أفضل الناس يجب أن يكون أعز الناس إلينا دون أن نعبأ بما يلحقنا بسببه من ربح ~~وخسارة، أو مساعدة وإهمال، أو شرف وذل، أو ثناء ومذمة، أو أي أمر من الأمور. أحسن ~~الأشياء وأشرفها يجب أن يكون أعزها إلينا لا لسبب آخر سوى أنه الأحسن والأشرف. وعلى ~~هذا المبدأ ينظم المرء حياته الداخلية والخارجية لأن بين الأشخاص تغايرا فيكون هذا ~~خيرا من ذاك وفقا لمقدار ما يظهر فيه من الخير الأسمى الذي يتجلى في أفراد أكثر ~~منه في غيرها. والفرد الذي يكثر فيه تجلي الخير الأسمى هو الأحسن، والذي يقل فيه ~~ذلك التجلي هو الأقل حسنا، فعلينا أن ننتبه لهذا الاختلاف بين الناس حتى إذا ~~اهتدينا إلى خيرهم أحببناه وأعززناه والتصقنا به طلبا للاتحاد الدائم. # وأنت، يا ماري، خير من عرفت لذلك أحبك وأنت عزيزة علي. وكلانا يحب الآخر. ~~فقولي الكلمة الواحدة التي تكبر وتحيا فيك؛ قولي إنك لي! لا تخوني قلبك ولا تخدعي عواطفك. ~~أعطاك الله حياة معذبة ثم أرسلني إليك لأخففها عنك، فألمك ألمي، وسنحمل هذه الآلام معا ~~بشجاعة كما تخترق البحر السفينة العظيمة رغم عواصف الحياة وأعاصيرها حاملة الأثقال ~~الباهظة وتوصلها إلى الشط الأمين. تكلمي يا بنية وضعي رأسك على ساعدي. # فهدأ ms62 روعها وخضب الاحمرار وجنتيها كما تخضب حمرة الشفق رءوس الجبال؛ ثم فتحت عينيها ~~البراقتين كشموس منيرة وقالت: «أنا لك. أنا خاصتك لأن تلك مشيئة الله. اقبلني كما أنا: ~~فسأظل لك ما حييت وليجمعنا الله في حياة أبهج من هذه وليكافئك خير مكافأة!» # وضعت قلبي قرب قلبها ليخفقا سوية، وأوقفت شفتاي الكلام على الشفتين اللتين نطقتا بدوام ~~سعادتي كما أوقف الزمان دورته، وتلاشى العالم حولنا ولم يمكث فيه غيرنا برهة خلتها دهرا؛ ~~دهر غرام وهناء. ثم زفرت زفرة عميقة هامسة: «اغتفر لي يا ربي كل هذه السعادة! والآن اذهب ~~ودعني وحدي لعلنا نلتقي مرة أخرى، يا صديقي ومحبوبي ومستودع غبطتي!» ~~••• # هذه آخر كلمات سمعتها منها. عدت إلى غرفتي ونمت نوما طويلا مثقلا بالأحلام المزعجة. ~~وبعد انتصاف الليل دخل علي الطبيب وقال: «لقد انتقلت ملكنا الطاهر إلى حضن خالقها. وهذه ~~وديعة منها إليك.» # فضضت الكتاب فوجدت فيه ذلك الخاتم المنقوش عليه «كما يشاء الله» وكانت أعطتنيه في طفولتي ~~ثم رددته إليها، وكان ملفوفا بورقة كتبت عليها الكلمات التي فهمت بها ساعتئذ: «كل ما لك هو ~~لي. خاصتك ماري.» # جلست وجلس الطبيب وغرقنا في بحران عقل يعرفه كل من فوجئ بيأس لا رجاء بعده. أخيرا نهض ~~الشيخ ومسك بيدي قائلا: «نحن نلتقي اليوم للمرة الأخيرة: أما أنت فعليك أن تغادر المكان، ~~وأما أنا فأيامي معدودة. غير أني أود أن أبوح لك بسر حملته دفينا في صدري طول الحياة ولم ~~أطلع عليه أحدا، والآن بي حاجة ماسة إلى إفشائه، فاصغ إلي. إن الروح التي فارقتنا روح ~~شريفة طاهرة والقلب الذي غادرنا قلب صادق عميق. عرفت قلبا آخر كهذا وروحا كهذه الروح، بل ~~أبهى منها، هي روح والدتها. عرفت والدة هذه الفتاة قبل زواجها فأحببتها وأحبتني. كنا فقيرين ~~فأنشأت أجد وأكد لأنتشلها من مخالب العوز والفاقة ولأصل إلى مكانة اجتماعية تليق بي وبها. ~~وقبل أن أدرك غايتي اجتمع بها الأمير الشاب وأحبها. ولما رأيت أمير بلادي مولعا بها يبذل ~~ما في وسعه ليعلي شأنها ويرفعها، ms63 هي اليتيمة البائسة، إلى مرتبة الإمارة، شعرت بوجوب تضحية ~~سعادتي لأجلها لأن حبي لها كان أقوى من حبي لنفسي، فغادرت البلدة وتركت لها خطابا فيه ~~حللتها من وعودها. ولم أرها بعد ذلك إلا وهي على فراش الموت عقب ولادة ابنتها هذه. يمكنك ~~بعد هذا الإقرار أن تدرك مقدار حبي لحبيبتك وإني إنما كنت أحاول إطالة عمرها يوما فيوما ~~لأنها كانت الشخص الوحيد الذي يربط قلبي بالأرض. والآن! سر في طريقك يا بني واحتمل الحياة ~~كما احتملتها، ولا تصرف يوما واحدا في الغم العقيم. ساعد ما استطعت المحتاجين من إخوانك ~~البشر، وأحببهم جميعا، واشكر الله الذي أنعم عليك في هذه الحياة الجرداء بقلب كقلبها، وحب ~~كحبها، وروح كروحها، وإن فقدتها»! # فقلت ممتثلا: «كما يشاء الله.» وافترقنا افتراقا لم يكن بعده من لقاء. ~~••• # لقد مرت الأيام والأسابيع والشهور والأعوام سابحة في بحر الأبدية. وطني صار لي أرضا ~~غريبة وبلاد الغرباء أصبحت وطني. لكن حب فتاتي لا يزال حيا في. وكما تسقط دمعة القلب على ~~مياه البحار كذلك غرق حبي لها في بحر حبي للإنسانية بأسرها؛ حبي الذي يشمل ملايين من أولئك ~~الغرباء الذين لا يعرفونني وقد شغفت بهم منذ حداثتي. ~~••• # إنما في أيام الصيف الساكنة الحارة كهذا اليوم، عندما أخلو بالغابة الخضراء في حضن أمي ~~الطبيعة، وتتوه بي أفكاري فلا أعود أدري ما إذا كان في العالم أناس غيري أم أنا وجدت وحدي ~~على الأرض، ذاك تحدث حركة في مقبرة حافظتي وتنهض الذكريات السحيقة من مدافنها، وترجع قوة ~~الحب القديم قابضة على فؤادي بشدة، فأنادي تلك الفتاة الجميلة، فتأتي إلي وتحدق في مرة ~~أخرى بعينيها العميقتين اللتين لا قرار لهما. عندئذ يتجمع حبي للإنسانية ويتجسم في حبي ~~لشخصها، لشخص ملكي الحارس، فتخرس أفكاري وتجثو عواطفي أمام سر الأسرار الغامض، سر الحب ~~المتناهي وغير المتناهي. ms64