######OpenITI# #META# URI: 1360MayZiyada.Musawat.Hindawi82646393 #META# Tags: literature #META# ID: 82646393 #META# Title: المساواة #META# AuthorID: 64620862 #META# Author: مي زيادة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # 1 - الطبقات الاجتماعية‏ # 2 - الأرستقراطية‏ # 3 - العبودية والرق‏ # 4 - الديمقراطية‏ # 5 - الاشتراكية السلمية‏ # 6 - الاشتراكية الثوروية‏ # 7 - الفوضوية‏ # 8 - العدمية‏ # 9 - يتناقشون‏ # 10 - رسالة عارف‏ # تمهيد‏ # 1 - الطبقات الاجتماعية‏ # 2 - الأرستقراطية‏ # 3 - العبودية والرق‏ # 4 - الديمقراطية‏ # 5 - الاشتراكية السلمية‏ # 6 - الاشتراكية الثوروية‏ # 7 - الفوضوية‏ # 8 - العدمية‏ # 9 - يتناقشون‏ # 10 - رسالة عارف‏ # | المساواة # | المساواة # تأليف # مي زيادة # من ذا يخلصني من قسوة التمايز! # ميشليه # | تمهيد # أما رأيت الثري؛ تنهب الأرض سيارته، كأن السعد أقام من الأبهة والرواء هالة ~~بينه وبين سواه، وهناك في الزاوية يدب المعدم ويعتفي متأوها كأنه في تمرغه حشرة ~~خبيثة تأنف الأرض مسها وتمقت انعكاس ظلها؟ # أوما رأيت الحسناء ترتدي الثياب الفاخرة على أحدث هندام، وفي عنقها ومعصميها جواهر ~~توازي ثروة وتصور نعيما؛ أما رأيتها تمر رشيقة معطرة أمام امرأة رثة ~~الثوب تحمل طفلا هو آية ذلها في الغد كما هي علة ذله اليوم، والذباب يأكل من ~~مآقيها ووجنتيها ما لا تستطيع إزالته لأنها فقيرة حتى من الماء الطهور؟ # قد تخفي مظاهر البؤس مالا وعقارا، وقد لا تكون دلائل العز سوى فخفخة واستهتار ~~غرور. على أن المشهدين يمثلان من سلم الكفاف أعلى الدرجات وأدنى الدركات، وبينهما ~~تتحاذى الرتب على اختلافها بما يلازم ذويها من عوز منوع واحتياج لجوج. # إزاء هذين النقيضين حن الشعوريون إلى أخوة الروح تبدو بين طبقات المجتمع، وعمد المفكرون ~~إلى المقابلة والاستنتاج، وقام المحرومون يصرون صريرا، وانبرى النظريون يعينون حقوق ~~الناس على الناس، ومثل الشاعر الحماسي دوره فأرسل «هايني» زفرات كأنها المتفجرات ~~هولا وتحريضا؛ حيث هتف: «ملعون هو الإله، إله السعداء ... ملعون هو الملك، ملك الأغنياء ... ~~وملعون هو الوطن المجازف ببنيه!» # وليس جميع هؤلاء ليسلمون بأن شكايتهم تعارض نظم الطبيعة، بل هم يتسلحون بالحجة ~~والبرهان مشيرين إلى الشمس تسكب النور والحرارة على الأشرار والصالحين، ويستشهدون بالهواء ~~يسدي الحياة إلى الحيوان والإنسان ولا يكون على الجماد ضنينا، ويدلون إلى الأرض تعتش ~~في حضنها المعادن وتكلأ المرعى لكل ذي نسمة يرتعي، ويومئون إلى منبسطات البحار تضم ms01 مختلف ~~السمك والوحش المائي من كل فصيلة وحجم ولون، ويذكرون اللحد يحوي الموتى قاطبة على نمط ~~واحد ليدفع بهم إلى الانحلال فريسة وإلى التحول مادة. فإذا أجزلت الطبيعة الهبات ودعت ~~جميع بنيها إلى امتصاص ثديها المدرار، فأنى للكبرياء أن تخلق التمايز والتفاضل، وتجعل ~~بين البشر فروقا وسدودا، فتشل عضوا لتقوي عضوا، وتحرم قوما لتمتع ~~قوما؟ # هم يتساءلون عما حلل هذا الجور المرهق، ويصيحون بقوة انفعالاتهم واحتياجاتهم: ~~المساواة! إنما نطلب المساواة! # إن لم يتمرد العبيد بهذه الكلمة وبمعناها العصري، فإنما التوق المبهم إليها هو الذي ~~اضطرهم إلى تكسير القيود، والخروج على سادتهم مرة بعد أخرى في تعاقب العصور القديمة، حتى ~~باتت أثينا وروما من أولئك الثورات في خطر عظيم. # هي التي دمدمت في نفوس عشرين ألفا من العبيد أن يفزعوا إلى الإسبارطيين يوم احتلوا ~~جانبا من بلاد الإغريق في الحرب البيلوبونزية؛ طمعا في الحصول، إن لم يكن على تحرير تام ~~فعلى تحسين مبين. # هي التي نفثت العصيان في قلوب عبيد مناجم اللوريوم وقوت سواعدهم للفتك بحراسهم ~~والمسيطرين عليهم، فاستولوا على حصن سونيوم وأنزلوا في أتيكا الجميلة خرابا ~~ودمارا. # بإلهامها انقلب إسبارطقس التراقي زعيما لإخوانه العبيد في روما، فحارب على رأسهم جيوش ~~الدولة النظامية يقودها الكبراء والنبلاء، ولم يكف عن النضال إلا بسقوطه صريعا بطعنة ~~أرسلتها يد كراسس، أحد أعضاء الحكومة الثلاثية العليا. ثم أي قوة أقامت دولة المماليك ~~في مصر إن لم يكن التطلع إلى المساواة؟! # لأجلها شبت الثورة الفرنساوية، وانبرت تعلن للإنسان حقوقه المدنية المرتكزة على الحقوق ~~الطبيعية، فأثبتت في مطلع بيانها بندا أول يشاركها اليوم فيه العالم المتمدن، وهو أن ~~«الناس يولدون ويظلون متساوين أحرارا إزاء القانون». فحذفت بهذا البند نظام الإقطاع ~~القائم على تفاوت الحقوق والواجبات. # وباسمها اعتصمت المرأة فنهضت من تحت قدم السيد الساحقة ووقفت عالية الجبين إزاء مسالك ~~الحياة وأعمالها. وفي سبيلها وضع ماركس كتابه الشهير صارخا «اتحدوا يا عمال العالم!» ~~فتبارى الزعماء في تكوين الأحزاب، وسن القوانين، ونشر اللوائح، وإقامة المؤتمرات ~~الثلاثة لاتحاد العمال الدولي. ms02 وهي هي التي هزت الروسيا من أقصاها إلى أقصاها، وأضرمت ~~تحت سمائها شعلة الثورة المدلهمة. # اذكرها يتزاحم حولك جمهور دعاتها وكهنتها: ماركس، ولاسال، وإنجلس، وبرودن، وباكونين، ~~وكروبتكن، وعشرات غيرهم يدحضون مذهب دارون وهوبس القائل بتنازع البقاء بمذهب التضامن ~~والتعاون البادي بين جميع الموجودات. # بل اذكرها يضج حولك هتاف الشعوب، وصراخ المراتب الاجتماعية، وأنين المحتاجين ~~والمتوجعين. هؤلاء لا يفقهون معناها تماما ويزعمون أنها مشاركة الغني بغناه، والوجيه ~~بوجاهته، والمنعم بنعمته. وحسبهم أنها تخفي عنهم شبح غد غدار لا يضمن لهم ولذويهم ~~الغذاء. أو يرون فيها انفراجا معتدلا لضيقهم، كذلك العامل الإنجليزي القائل: «أتريد أن ~~تعرف ما هي المساواة؟ عشر شلنات في النهار يا سيدي.» # تكاد تكون المشاكل الدولية ألاعيب إذا ما قوبلت بالمشاكل الاقتصادية التي يسمونها ~~اجتماعية. ومشكلة «المساواة» هي الآن أم المشاكل، واسمها يطن من كل صوب. # وإنها مع الحرية والإخاء لتهز نفسي، وقد لمستها منذ أن كان لي نفس تتحرك. غير أني ~~وصلت إلى نقطة أود عندها تحليل كل شعور وكل تأثير. # ما هي المساواة، وأين هي، وهل هي ممكنة؟ هذا ما أرغب في استجلائه في الفصول الآتية دون ~~اندفاع ولا تحيز، بل بإخلاص من شكلت من جميع قواها النفسية والإدراكية محكمة «محلفين» ~~يستعرضون خلاصة ما تقوله الطبيعة والعلم والتاريخ، ليثبتوا حكما يرونه صادقا ~~عادلا. # الفصل الأول # | الطبقات الاجتماعية # أصل الخليقة في المثيولوجية الهندية أن بيضة الذهب الحاملة برهما كانت تطوف على وجه ~~الغمر عندما انطلق منها الإله، فانفلقت قشرتها فلقتين كونت إحداهما السماء وكانت الأرض ~~من الأخرى. ونشر برهما الأثير بين الأرض والسماء، ثم خلق الكواكب والنبات والأشجار ~~والحيوان فتهيأت الأرض لسكنى النوع البشري. إذ ذاك سحب من رأسه رجلا يدعى برهمانا، ~~وسلمه «الفيدا» أو كتب الهند المقدسة مستودع الحقيقة الخالدة. ومن برهمانا هذا ولد ~~البراهمة الذين عهد إليهم في نشر الديانة وتعزيز أصولها. ثم أخرج برهما من ذراعه اليمنى ~~محاربا يدافع عن الكاهن ويبقيه منيع الحوزة محمي الذمار، واستل من فخذه رجلا ثالثا ~~هو الفلاح الذي يهيئ ms03 للجندي وللكاهن الغذاء، والتاجر الذي يمهد أمامهما وسائل ~~الحياة ويضمن لهما موارد الرزق والثروة، وأخيرا انتزع من قدمه المقدسة رجلا رابعا ~~هو أبو الصنائع وزعيم طبقة العاملين للآخرين؛ ومن هذه المخلوقات الأربعة المخترجة من جسم ~~برهما تسلسلت شعوب الهند بمراتبها الاجتماعية، تضاف إليها طبقة الأسافل المتشردين (وما هي ~~إلا حثالة الطبقات الأخرى) المختلفة عن أبناء برهما بما توعزه من رعب واحتقار؛ لأنها ~~خلاصة القبح والتعاسة. # لقد ارتفعت قيمة الفكر الهندي في هذا العصر ارتفاعا كبيرا بما يرمي إليه من حقيقة علمية ~~فلسفية وراء أسلوبه الشعري ومظاهره الخيالية؛ ومغزى هذا الرمز إلى الخليقة أن البشر - وإن ~~كانوا أبناء إله واحد، مخلوقين على صورة واحدة - يستمدون الحياة من أصل واحد، ويعجن جسمهم ~~من طينة واحدة تتماثل بها احتياجاتهم ورغباتهم، إلا أنهم في الوقت نفسه أسرى التنوع ~~تكييفا، أسرى التنوع قهرا؛ يقيدهم هذا التنوع الأولي فيحبو كل فرد وكل طائفة ~~منهم كفاءة تختلف عن كفاءة الآخرين، ويودعهم براعة وحذقا يتساويان قوة عند الجميع ~~وإن تميزا مظهرا طبق العمل المطلوب. # وهل للاجتماع من انتظام لولا تنوع الطبقات وتنوع الكفاءات؟ وهل تبدو طلائع المدنية ~~بلا تقسيم العمل طبقا لقابلية أفراد وجماعات ينجحون في فن ويرسبون في فن آخر؟ وأنى ~~لنا العلماء والفلاسفة والفنانون والأبطال والاختصاصيون في كل صنعة لولا التميز ~~والاختلاف؟ فلو أبدنا التنوع في أصوات الخليقة بحذف درجات السلم الموسيقي السبع ~~أبدنا فن الموسيقى بحذافيره، وما بقي لحاسة سمعنا سوى نغمة تطرد الاستمرار على ~~وتيرة فردة. ولو لاشينا الألوان السبعة من التحليل الطيفي فقد الشعاع خواصه وانتهت ~~بنا واحدية اللون إلى الظلام. ولكن في الظلام نفسه درجات لأنه محبوك الطرفين بالشروق ~~والغروب. أليس أن الشفق غير الغلس، وأن هذا وذاك غير انتصاف الليل الأدهم؟ # ليس أمامنا سوى الكثرة والتعدد عندما نفتح أنظارنا على الكون فنرى الكواكب متألقة في ~~فضاء يحتويها، ونرى الماء واليابسة، والجبال والوهاد، والأشجار والصخور، والمروج المخصبات ~~والصحاري القاحلات، فضلا عن صنوف الحيوان، ثم لا نلبث أن نرد جميع هذه المظاهر إلى ms04 أصول ~~أو أنواع كبرى ثلاثة، هي: النوع الجمادي، والنوع النباتي، والنوع الحيواني الذي يتناهى ~~ارتقاء ودقة في الإنسان المدرك المرغم على تمثيل دوره في مأساة الوجود؛ لأنه جزء من هذا ~~الوجود، وتسري عليه جميع نواميسه إن راضيا وإن كارها. # وكما أن الحياة الجمادية في دورها الهيولي كتلة عظمى لم ينمقها التكييف صورا ~~وأشكالا، كذلك البشر في همجيتهم كل متماثل لا تنظمهم المراتب ولا كبير منهم ولا ~~صغير؛ وهذا شأن بعض القبائل المتوحشة في أفريقيا وبين هنود أمريكا إلى أيامنا؛ هم يعيشون ~~جماعات صغيرة ولا شاغل لهم غير ما يشغل الحيوان الأعجم. إلا أن لكثير من فصائل الحيوان ~~فروقا اجتماعية؛ فعندها الملكية المطلقة، والأرستقراطية، وثوروية تتطلع إلى الهدم، ~~وغيرها يطلب المساواة، وبالجملة فإن قضيتها الاجتماعية تكاد تشبه مثيلتها عند النوع البشري. ~~وقد تسهل مراقبة هذه الفروق بين حيوان المنازل، كالنمل - مثلا - الذي يظهر عنده تقسيم ~~العمل ظهورا تاما؛ فمن أعضائه العامل المنتج، ومنها المحارب المدافع، ومنها العبد ~~الرقيق، وبعض العشائر تغزو بعضها فتقهرها وتستعبدها، إنما تعاملها برفق ولين. ~~••• # ابتدأ دور تكوين الشعوب بانتشارها قبائل يتقارب منها الجوار بتقارب الأصل، ولكل قبيلة ~~وسائلها الحيوية في موارد موطنها الطبيعية، التي هي بدورها ربت في أعضاء القبيلة ذكاء ~~ومهارة موافقين لاستخدامها؛ فاصطنعوا لأنفسهم تلك الأدوات الحجرية والفخارية، واخترعوا ~~القوس والنشاب، وآلات حرث الأرض وطريقة فلاحتها، واكتشفوا النار ووسيلة إضرامها، وكانوا ~~يشتركون في استعمال هذه الأدوات والآلات عند الحاجة لأنها ملك الجميع الذي كان يعمل له كل ~~فرد تحت مراقبة زعماء أكفاء، ويضمن له مقابل تعبه السكن والقوت والكساء في حالتها ~~الأولى؛ فينجلي من هذا أن الاشتراكية سبقت كل نظام آخر في حياة البشر. ومع أن هذه ~~الاشتراكية مشوبة بخلل كثير إلا أنها حسنة بالنظر إلى زمنها، ولأنها أول خطوة في عالم ~~النظام والتدريب. وقد لاحت فيها أول بارقة من بوارق النبوغ الذي سيكشف أسرار الطبيعة ويتغلب ~~على عناصرها في العصور التاليات. # تطورت حياة القبائل قليلا ونمت مدارك الأفراد فيها؛ فاتجهت تدريجيا نحو غاية واحدة ms05 ~~وهم لا يعلمون. فتلك التي قطنت المروج اقتنت الغنم والخيل بعد تأنيسها، ونظمت القطعان ~~للانتفاع بخيراتها من حليب وما يتأتى منه في حياتها، ومن جلد وصوف بعد أن تنفق، فتوفر ~~لديها من ذلك ثروة طائلة. فطمعت في توسيع فلاحتها طلبا لثروة أعظم، وكان ذلك سببا لاختلاف ~~القبائل فيما بينها على مسألة الحدود؛ فقامت المناوشات والمعارك، وانتصر هذا واندحر ذاك، ~~فشعر الغالب لأول مرة بنشوة «السيادة»، ونهبت القبيلة المغلوبة وضم أعضاؤها إلى ~~القبيلة الغالبة. إلا أنهم كانوا يحسون بفرق بين الجماعتين، وبكآبة مقابلة لنشوة «السائد»، ~~ولم تكن تلك سوى كآبة «المسود»؛ وهذا منشأ الأوتوقراطية والرق. # وجرى مثل ذلك تقريبا في الأودية المخصبة؛ حيث عنيت القبائل بزراعة صنوف النبات ~~والأشجار. والخوف من غارات القبائل المجاورة دفعهم إلى انتخاب زعماء حربيين يهيئون ~~خطوط الدفاع إزاء هجمات العدو، فارتفع هؤلاء الزعماء - مع الوقت - إلى درجة سادة يسيرون ~~الفلاحين ويتقاضونهم بدل الأرض التي يستغلونها، ويفرضون عليهم الضرائب، إلى أن ~~أنشئوا الرق في أملاكهم من سلائب العدو وغنائم الحروب. # كذلك عند مصب الأنهار؛ فإن القرصان استوطنوا الشواطئ ليسهلوا العلاقات بين الفلاحين ~~وقبائل الجبال، ولما تبينوا رعب الفلاحين ورغبتهم في صد الغارات عن حياتهم الهادئة ~~نظموا قوة حربية، وانقضوا كالصاعقة على الضعفاء فسادوهم، وانقلب الأحرار ~~عبيدا. # تم ما يشبه هذا بين القبائل القديمة يقودها جماعات وأفرادا ذلك الشعور العريق في قلب ~~الإنسان، وهو الطمع في السيادة والسعي إلى التفوق. وسرعان ما عثروا على عماد السيادة وهو ~~الملك، أو رأس المال كما يسمونه بلغة هذا العصر. وهذا الملك لم يكن ليتأتى إلا من ~~الذكاء والمهارة، أو الامتياز بصفة أو كفاءة خاصة؛ فأخذوا يمتلكون الأراضي ويحشدون الثروة ~~من المواد المنظور إليها كثروة في ذلك الحين. وكان ذلك الفصل الأول من تاريخ الاقتصاد ~~البشري الدائر كله حول ذلك المحور الرهيب الذي يدعى الملك. فالحصول على الملك والاحتفاظ به ~~من جهة، والرغبة في نزعه من جهة أخرى سببت هذا العراك المالي والاجتماعي الذي لا ينتهي؛ ~~فكون الأرستقراطية والعبودية، وسبب المجازر والفظائع، ms06 ولأجله شبت الحروب، ونشبت ~~الثورات، ودكت الحصون ودمرت أجمل آثار العمران، وتشكلت الأحزاب العديدة؛ فهذه ~~ديمقراطية، وهذه جمهورية، وتلك اشتراكية ، وغيرها فوضوية. ومنها القائل بتمتع الفرد ~~بأملاكه، ومنها المرتئي جعل الملك مشاعا للجميع، ومنها الضاحك من كل حزب بتفجر القنابل ~~وهدم الصروح وإزهاق الأرواح. وقد أدى التزاحم والتقاتل إلى انتشار الأقوام، فسعوا في ~~الأرض يروجون تجارتهم ويكثرون أرباحهم ليحفظوا لهم المكانة والوجاهة في جماعتهم. وتوطد ~~نظام الوراثة لأن السيد العظيم كان يشرك أولاده في إدارة الأملاك؛ فيتمرن عادة الولد ~~البكر على فن الإدارة والحكم، وينتهي إليه حق الإرث الأكبر. ~~••• # وبدهي أن الأب كان يعامل أفراد عيلته كمعاملة زعيمه له، فإن ظلمه ظلمهم، وإن أنصفه ~~كان لهم منصفا. وكذا تكونت الأرستقراطية في داخل الأسرة في حين كانت تتكون في الجماعة ~~أو في الدولة؛ فكانت الأرستقراطية أو الأشراف يشمل عميد الأسرة ووالديه، ويليهم أعضاء ~~الأسرة الآخرون، وتلي هذه درجة الخدم أحرارا وعبيدا. فهاك بلاد اليونان مثلا في زمنها ~~الأقدم، أي العهد الملكي المطلق؛ حيث تجد طبقة مؤلفة من جميع رؤساء الأسر، وهم في الغالب ~~نبلاء كالملك نفسه، وينتسبون للآلهة مثله، ويحملون لقب «ملك»؛ لذلك يذكر هوميرس ملوكا ~~كثيرين في مدينة واحدة، يجتمعون لدى الملك ليسدوا إليه النصح في شئون الدولة أو ~~ليسنوا له إرادتهم. وكانت الطبقة الثانية من ذوي القربى لأولئك الزعماء، وهم أرستقراطيون ~~ولادة وحقوقا، يملكون الأراضي أحرارا أو يتمتعون بنتاج أراضي الأسرة المشتركة. وإن لم ~~يكونوا يحضرون اجتماع الملوك فإنهم كانوا أعضاء جمعية أبناء الوطن العمومية. وخضوعهم الوحيد ~~في امتثالهم لكبير الأسرة بينا هذا لم يكن ليمتثل لغير الملك. وتؤلف الطبقة الثالثة من ~~خدم البيت المنقسمين إلى عبيد وإلى معتوقين، وعدد هذه الطبقة قليل لأن العمل اليدوي لم يكن ~~محتقرا، ولم يكن أبناء «الملوك» ليترفعوا عن فلاحة الأرض ورعي المواشي. وكان هناك طبقة ~~أخرى تحوي من لم يكن يخص أسرة كبرى من أهل الصنائع الدنيا والعمال والشحاذين وقطاع ~~الطرق وأمثالهم. # وتعينت مع الزمن الفروق الاجتماعية واكتسبت كل من الطبقات صفات ms07 تنسب إليها وعيوبا ~~خاصة بها. وتجبرت الطبقات العليا في سماواتها الوهمية وحسبت نفسها من طينة مختلفة عن ~~طينة الآخرين، لها من ألقابها وثروتها وامتيازاتها ما يفتح لها أبواب الألوهية على ~~مصراعيها. ونما الإدراك ونور الشخصية في الطبقات الأخرى شيئا فشيئا حتى وصلنا إلى حيث نحن ~~اليوم؛ إذ لا بد بين البشر من تبادل المنفعة والتضحية، فإذا انتفع قوم دون أن يضحوا ~~شيئا كانوا مغتصبين ظالمين، وإذا كانوا كثيري التفادي قليلي الانتفاع كانوا مظلومين مهضومي ~~الحقوق. ولئن كمنت المصلحة الذاتية وراء جميع الأعمال فهذه المصلحة - أو الأنانية - موجودة ~~في جميع أجزاء الكون كأنها عنصر جوهري لحفظ الوجود. # إن النوع البشري وإن امتاز عن الطبيعة المحسوسة بطبيعته الإدراكية والأخلاقية والروحية، ~~فهو يظل مربوطا بها بجسمه واحتياجاته المادية، خاضعا لجميع نظمها، وفي ميوله ميول ~~وحشها؛ فهذا قرد، وذاك ثعلب، وذلك عقرب، والآخر ثعبان، وأما التنوع بين الطبقات، وبين ~~الأفراد، وبين مظاهر الطبيعة فأصلي، ولولاه لما كانت الخليقة. وأرجح أن أفلاطون يوم ~~كتب «جمهوريته» ضرب صفحا عن هذه الحقيقة التي لا أدري كيف استطاع إغفالها. # لقد طال تأمل روسو في حالة البداوة الأولى، وقام هو وأتباعه ينادون بالعودة إليها لتحصل ~~الإنسانية على الهناء المفقود، وترتع في بحبوحة السلام والحرية. وقد نسوا أن الهمجي مستعبد ~~بجهله الفادح وأن له من الخرافات سجنا لعقله، ومن الأوهام حجابا لروحه؛ فهو وإن كان حرا ~~حرية نسبية من حيث علاقته بأمثاله وبقناعته - التي لا يمكن أن تدوم أكثر من زمن ما - فهو ~~أسير أحط أنواع العبودية وأخطرها. وهيهات الرجوع إلى الماضي! إذ إن عودة النظام الشمسي ~~المندفع بسياراته وأقماره نحو النجمة الكبرى من كوكبة الشلياق؛ قلت إن عودته إلى حيث كان ~~منذ مائة ألف سنة توازي في نظام الكون تجريد النوع البشري مما اكتسبه بالألم والخبرة والبطش ~~خلال تحدر الدهور. # خلفنا قوة نجهلها وتتجاهلنا، هي قوة الحركة الدائمة في جميع مناطق الحياة، تدفع بنا أبدا ~~إلى الأمام فنسمي سيرنا ارتقاء. وقد يكون الارتقاء المزعوم تقهقرا في نقط شتى على ms08 أن ~~ما لا مهرب منه هو السير المرغم، هو التحرك المتواصل، هو الاستطراد الذي لا راحة منه أمام ~~القبر ولا وراءه. # يتعذر علينا فهم ما هو «الوراء» وما هو «الأمام» في معاني المكان والزمان والذهن، ورغم ~~ذلك يمكن القول إن اتجاه التاريخ البشري بمعنى التقدم والتحسن وإن كثرت حركاته الرجعية ~~واللولبية. «إلى الأمام ولو على الجثث!» ليست كلمة حماسة شعرية قالها غوتي الألماني فحسب، ~~وإنما هي صوت الخليقة القاهر، هي صوت توالي الأشياء وتناسخ الموجودات، هي انبثاق الحركات من ~~الحركات، والذراري من الذراري، والأنظمة من الأنظمة. # لا بد من تنوع الصور وتعدد الطبقات. فلولا التنوع والتعدد ما كانت المدنية ولا ~~كان الوجود الحسي، ولو لم يكن للفروق من فضل سوى شحذ العزائم وإرهاف القوى والتسابق إلى ~~الأولوية، لكفى لنقبلها محاولين عبورها بما أوتينا من عزم وكفاءة. والفوز للأصلح ~~دواما. # الفصل الثاني # | الأرستقراطية # لو كان هذا البحث تاريخيا لكنت بدأته بالكلام على الملكية أرستقراطية الأرستقراطية على ~~نوع ما، أو أفضلية الأفضلية، لا سيما الملكية التيوقراطية أي المستمدة سلطتها من الله؛ ~~فاستنجدت بالأساطير التي هي سجل الانتقال من واقع مجهول مأثور إلى واقع مزعوم منشور ~~يقبله من أهل السذاجة من قبل واقتنع، ويكتفي الآخرون بالتمويه والمحاباة. استنجدت بها لطلب ~~جرثومة تلك الأسر الشاهانية الجلى، فماشيتها في نشأتها التدريجية سائدة على العائلة، ~~فالقبيلة، فالمجتمع، فالأمة بالقوة البدنية أو الفكرية، أو التدبيرية، حتى يمدها متلاحق ~~الظفر بمطامع تتعدى أفرادها العصاميين إلى سلالة المستقبل. # أما والناموس الكوني ناموس بقاء الأفضل، يستخدم ولا يستخدم في ضمانة الأفضلية لتلك ~~السلالة، فلا بد من صيانتها دون منافسة المزاحمين، ولا بد أن تملأ قبل الرماء ~~الكنائن، ومن ثم التذرع بأقوى البواعث النفسية من عاطفة دينية وخشية ما وراء المنظور؛ ~~من ثم استجارة الملك بالدين والدين بالملك لتبادل المنفعة، فيصبح الحاكم حامي حمى ~~العقائد ورافع منار الفضائل، ويصبح الكاهن حامل لواء السلطة الفردية وأول شاهد بأنها آتية ~~من الله. ولا يطول حتى تستهوي البدعة ملفقيها. وهل من عجب ما دام ms09 الاستهواء الذاتي ~~شرطا أساسيا للاستهواء الغيري؟ فلا يستفز الخطيب حماسة إلا عند تحمسه، ولا يحدث ~~الكاتب تأثيرا إلا بعامل تأثره . ومن ذا ينفي أن انجذاب الشهداء واستهواءهم الذاتي في ~~مصرع العذاب بين الضواري الممزقة لحمانهم، واقتحامهم الموت بصبر الأمل وثقة الشجاعة؛ إنما ~~كان أعظم نصير للمسيحية على الوثنية وأسمع داع إلى الانسلاك فيها؟ # هكذا صار الفراعنة مع الزمن - على نحو ما وجد الفتح الإسباني بعدئذ زعماء القبائل في ~~أمريكا الجنوبية - أبناء الشمس المنيرة. وهكذا صار زعماء الجرمان صنيعة فخذ «تهور» إله ~~الحرب، فغدوا أحفاد «أودين» الإله الإسكندنافي الميثولوجي واهب البسالة وعلة المعلولات. ~~وهكذا صار المهرجاه ثمرة تقمص من تقمصات ڤيشنو الأقنوم الثاني من الثالوث الهندي، فضلا ~~عن أن جماعة من ملوك اليونان واللاتين وأبطالهم جاءوا من تزاوج البشر والآلهة عند مرور ~~هؤلاء على الأرض. وصار من الملوك من إذا رؤي صعق رائيه كأن جلاله جلال المولى في عليقة ~~موسى. وأوتي آخرون علما وحكمة خارقين كملوك فرنسا وإنجلترا يشفون الصرع والشلل وداء ~~الخنازير وغيرها بمجرد اللمس الكريم. وظلت القرون الوسطى - بعد الأولى - ترى هالة ~~الألوهية حول الملكية، وتحسب حبل سلطانها مشدودا بمتكأ العرش الصمداني. # حتى اليوم وقد استوضح التمحيص من خفايا الترهات والتقاليد الذميمة شيئا كثيرا، ~~واتبع فن النقد الدماء الملكية في رحلاتها المتعرجة خلال الأنساب الجمة لتنتهي حتما ~~إلى المصب المقصود؛ كأنها الرجل المستقيم لا يمنعه اعوجاج المحيط عن الاهتداء إلى ~~الصراط السوي. اليوم وقد ناوش استقلال الشعب أثرة الفرد وتغلب عليها بالنظم الدستورية، ~~فأبقى للفرد السلطة النظرية واجهة تزويق لبنيان فيه تتصرف الأمة بشئونها الإدارية ~~والقضائية والسياسية. اليوم وقد قضت الحرب على البقية المتمهلة من الحكم المطلق بقضائها على ~~قيصرية ألمانيا والنمسا والروسيا، بعد أن قضت الثورة العثمانية على الاستئثار الحميدي. ~~اليوم ما زالت الجماعات تتهيب مظاهر الأبهة الملوكية؛ لأن الاستهواء الحسي الوقتي يضاف ~~إلى الاستهواء الوراثي المتراكم الذي يتناول المرء كائنة حريته الشخصية ما كانت، ويعده ~~للتأثر والاستسلام كما تتأثر القنبرة بضياء المرآة الساطعة فتجمد أو تستسلم. # أقول ms10 الجماعات وأعني الأفراد كذلك؛ أعني أقوى الأفراد شوكة وأبقاهم أثرا، تنكسر شوكة ~~الملوك ويظل صوتهم مسموعا ويعفي أثر القياصرة وهم أبدا خالدون، فڤولتر - أحد مهيئي ~~الثورة الفرنساوية والهاتف باحترام الفكر وتقديس الحرية الفردية - يراسل رهطا من ملوك ~~أوروبا ويقبل صداقتهم. ولا بأس بهذا، إنما الشيء الفري أنه يختم رسائله بوضع احترامه ~~وتعلقه وولائه «تحت أقدامهم». وقاسم أمين المصلح الجريء يطمع في تقديم كتابه «تحرير ~~المرأة» إلى سمو عباس الثاني. ورابندرناث تاغور الهندي نبي وحدة الوجود المثبت في قصائده ~~أنشودة الحياة مترددة من كوكب إلى كوكب، ومن ذرة إلى ذرة، يحمل لقب «سير» أنعم به عليه ~~جلالة ملك إنجلترا. وما هم جميعا في ذلك إلا من بني الإنسان! ~~••• # ولو كان هذا البحث تاريخيا لدرست أحوال بلاد لا أرستقراطية فيها، كاليونان الحديثة ~~ورومانيا وصربيا، وأحوال بلاد أخرى كانت فيها فألغتها مثل نروج والبرازيل، ولألمعت إلى ~~السلطنة العثمانية والسلطنة المصرية حيث - عدا العائلة المالكة - لا أرستقراطية سوى ~~أرستقراطية اللقب العرضي المنوط بالفرد دون ذريته. نعم، إن رشاش الباشوية يصل إلى الأنجال ~~فينقلب بيكوية، ولكنه ينتهي عندهم ويفنى فيهم ولا ينتقل منه إلى أبنائهم شيء؛ فحفيد الباشا ~~أفندي مجرد، إلا أن الأفندي الذي لا تحصي شجرة عائلته بيكا واحدا يستطيع هو - ومن دونه ~~- أن يصير باشا إذا رمقته الأحوال بنظرة الرضى. # وإذن لكنت أقابل بين الألقاب الوراثية في الشرق والغرب وأستفهم عن اصطلاحات أحار في ~~تفسيرها. منها أن البرنسس بتريسيا أوف كونوت ابنة عم جورج الخامس، وابنة أخ إدورد السابع، ~~وحفيدة فكتوريا الملكة والإمبراطورة - تزوجت في العام الماضي بسماح الملك، ابن لورد بسيط ~~أهلته لها شجاعة أبداها خلال الحرب، وتبادل عاطفة الحب التي تسوي بين الدرجات وتمحو ~~فروقها فتشرف كل ما لمسته بأناملها الخفية. فتنازلت البرنسس عن لقبها ومرتبتها، وأصبحت ~~بكل بساطة «لايدي رامساي» تدخل في الاحتفالات الرسمية وراء جميع البرنسسات والدوقات ~~والمركيزات والكونتسات، إلى آخر ما هنالك من طغمات الألقاب، في دور لقب «اللادي» الضئيل ~~الذي تحمله، بعد أن كان لها في هذه ms11 المواقف أقرب مكان في جوار الملكة. يخيل إلي أن هذا ~~ينافي المعقول في أمة يجوز أن تحكمها النساء، وقد فعلن؛ إذ كان المنتظر أن امرأة ~~كالبرنسس باتريسيا إن لم تعط زوجها لقبا كلقبها، فهي تحفظ اللقب لنفسها - على الأقل - كما ~~بقيت جدتها ملكة إنجلترا في حين أن قرينها لم يكن إلا برنسا ألمانيا فقط. # وبخلاف ذلك هنا في مصر؛ حيث لا تكون ولاية العهد والحكم إلا للذكور، فإن البنات الحاملات ~~لقب برنسسات إذا هن تزوجن برجل ليس بذي لقب لا يفقدن لقبهن العائلي، ولا يفتأن يحملنه ~~وينادين به. ينادين به ليس تزلفا أو مجاملة، بل هو حق لهن مدون في كتاب الألقاب ~~الرسمية، معترف بإمارتهن من البلاط السلطاني. # ولربما هبطت دركة أخرى لأرسل نظرة في الألقاب اللبنانية المدهشة بإباحيتها؛ ففي جميع ~~البلدان الكبيرة والصغيرة يرث لقب الشرف الابن البكر، ولأعضاء العائلة المالكة لقب برنس ~~وبرنسس على شريطة أن يكونوا أبناء ملك أو أحفاده مباشرة من جهة الذكور. أما في لبنان حيث ~~انقرض الحكم الوراثي منذ عشرات الأعوام، فأبناء المير أو الأمير يولدون أمراء، وأبناء الشيخ ~~مشايخ كلهم، لا يتملص من هذا المقدور فرد أحد. فلو نفذنا هنا القانون الساري في جميع ~~البلدان وأجرينا التصفية اللازمة لهذه الشيوعية المطلقة، فأي رياضي ينبئنا كم شيخ وكم مير ~~يبقى من عملية الطرح الباهظة؟ لو اقتصر اللقب على ابن الحاكم الأصلي وحفيده، وظل فيما ~~بعد متتابعا بالوراثة إلى البكر من الذكور، فكم ملقب يا ترى يفلت من عجاجة المعمعة ~~اللقبية؟ ومما يلفت أن زوجة المير اللبناني كانت تعرف أيام حكمه ب «الست»، وما زالت بطاقة ~~الزيارة لها على هذا النص بالعربية والفرنجية «مدام الأمير كذا كذا». ولكن يظهر أن «ارتقاء» ~~بعض الأهالي في بيروت ولبنان وفي المهجر آل إلى كرم حاتمي بالألقاب، فصارت كل سيدة ~~«أميرة» قبل زواجها وبعده! وفي هذه الحال الأخيرة يضاف اسم عائلة زوجها إلى اسم عائلتها! ~~كل هذا والبرنسس باتريسيا حفيدة أعظم إمبراطورية وأعظم دولة عرفها التاريخ إلى الآن، تحمل ms12 ~~لقب لايدي رامساي. ~~••• # يرى بعضهم الملكية وأرستقراطية الحسب متلازمتين؛ إذا وجدت الواحدة قامت إلى جانبها ~~الأخرى. وفي هذا القول صواب وخطأ؛ أما الصواب ففي احتياج الملكية إلى أرستقراطية تتكل ~~عليها، وأما الخطأ فلأن الأرستقراطية في غنى عن الملكية تستطيع أن توجد وتنمو بدونها؛ ~~لذلك نرى الأرستقراطية في تعريف أرسطو أقلية من ذوي الأهلية والفضل يسودون في جمهورية ~~فيديرون منها الشئون، وينفذون القوانين الموضوعة بأمانة ودقة. ويقومون بعبء الحكم حبا ~~بالمصلحة العامة والخير العام. ويضارعه تعريف شيشيرون في كتابه عن الجمهورية حيث يسمي ~~الأرستقراطيين # optimates # وهي الترجمة اللاتينية الحرفية ~~لكلمة # Aristoi # اليونانية، أي الأفضلين أو الأماثل. فمعنى ~~الأرستقراطية الأصلي إذن هو حكم الأفضلين، أو حكم الأفضل. # طبعي أن يؤلف المرء لنفسه جماعة تتفق مصالحها مع مصالحه بقدر الإمكان، ويثق من ~~مساعدتها عند الخطر المداهم. والملكية تتبع هذا النظام الطبيعي؛ إذ لا شيء ألزم للسلطة ~~الوراثية من الارتباط بذوي الشرف الوراثي، وتتوقع أن تبقى لها عواطف الشكر والولاء في أسرة ~~أغدقت عليها هي وأسلافها الألقاب والخيرات، ولكن طالما ضل هذا الأمل، ولئن وجد يوما من ~~يدعى هندنبورج وغيره من كبار الضباط والقواد الذين ظلوا يسمون غليوم الثاني «ملكي ~~وإمبراطوري» بعد محنته، وتطوعوا في تقديم نفوسهم عنه للمحاكمة الدولية؛ ففي التاريخ شواهد ~~أخرى هي عبرة للمعتبر، كمعاملة أشراف إنجلترا للملك غليوم أوف أورنج وجورج الأول، ومثلها ~~معاملة أشراف الملكية الفرنساوية لنابليون الأول، ونابليون الثالث، ولويس فيليب، وما كان ~~بعد ذلك من سعي أشراف الإمبراطورية النابليونية (أي الأرستقراطية التي خلقها نابليون) ~~لإرجاع البوربون وإجلاسهم على عرش فرنسا! # في البشر استعداد كبير لنكران الجميل والتملص من قيوده، والإيقاع بصاحب الفضل عليهم عند ~~قضاء المصلحة. ورغم ذلك ما فتئ الملوك يوجدون الأرستقراطية اللقبية جزاء خدمة جليلة ~~وأملا في ولاء مقيم. وإن لم يسلم ملوك الفكر من التقرب فليس من يتقن فنون التزلف ويبرع ~~فيها كأولي العز التالد. فهذا الشريف الذي يزن نبرات صوته، ويعد خطواته، ويقيس إشاراته ~~مع الخلق ومع نفسه تراه يتوق إلى خدمة الملك ms13 سرا وعلانية. وإذا أسعده الحظ بمحاذاة سيده ~~في احتفال رسمي هرع يغسل يديه، ويقبل أنامله إن لم يمرغ جبهته عند موطئ قدميه، وقدم ~~له أطباق الطعام، وملأ كأسه خمرا أو ماء، وحمل أوامره إلى الآخرين؛ فهو بالاختصار يمثل ~~دور «جرسون» قهوة أو مطعم، وهو بذلك فخور. # الأرستقراطية ضرورية لمنفعة الأمة. آه! إني أسمع زئيركم يا دعاة المساواة، وأرى ~~ازوراركم أيها الأساتذة الديمقراطيون. إنها ضرورية للاحتفاظ بصفات هي جزء من ثروة الأمة، ~~لأن لكل طبقة قوة حيوية اؤتمنت عليها. لست قائلة باحتكار القوى والكفاءات في بيئة دون ~~بيئة، ولا أنا قائلة بذكاء ابن الذكي، وبفضل ابن الفاضل، وبأن ابن النصاب لا بد أن ~~يعدم شنقا. ربما كان سر الوراثة أكثر الأسرار الطبيعية تنبيها لحب البحث في. ما ~~أضمن تأثير الوراثة المباشرة من جهة، وما ألغاه من جهة أخرى! تقولون إنه لغو بتغلب ~~الوراثة المتقطعة، أو الرجعى، أو الوراثة البعيدة على الوراثة القريبة! قولوا ما شئتم وأنا ~~أبقي على اعتقادي حتى يتغلب عليه اعتقاد خير منه؛ وهو أن المواهب تظل متدفقة في ذلك ~~التيار الرائع تيار الحياة الذي يخترق الأكوان، ويلقي نثرات منه أتم بهاء وسناء في ~~أفراد دون أفراد بصرف النظر عن صيغة نعتهم الاجتماعي. غير أني أقول كذلك إنه إذا كان ~~للتربية الشخصية والبيتية تأثير - ويتعذر نفي هذا؛ إذ نسد بنفيه باب التقدم والتحسن - ~~فكيف بالتربية الوراثية الطويلة؟! لهذه القاعدة شواذها أيضا، ومن الأرستقراطيين من هم ~~دون الخاملين ذلا ومهانة. ولكن هذا الشذوذ يثبت القاعدة التي هي أن رفيع الحسب يكون ~~عادة مباهيا باسمه يطمع في صونه ناصعا ألمعيا، ويرغب في عظائم الأمور لأنه مسوق أبدا ~~بكبرياء المولد. زد على ذلك أنه يشب على تربية حسنة، وذوق مصفى، ومعاملة جميلة، وتدبير ~~مرضي، وعلم كثير، وعادات نبيلة، وميول سامية؛ جميع هذه الصفات يقتبسها عن محيطه الممتاز بعد ~~أن تكون الوراثة المباشرة وغير المباشرة أثرت فيه تأثيرها؛ فيبتدئ حياته على استعداد تام. ~~أكاد أقول إنه يبتدئها حيث ينهيها من لا اسم له، ms14 وتمهد له الحياة سبلا لا تفتح للوضيع، ~~فكأن خدمة المصلحة العامة وخدمة الإنسانية أيسر له منها لغيره. له أولوية الشهرة وشهادة ~~المجد يظل بها مكرما معززا أينما ذهب، بينما الآخر يضحى غالبا لأنه مجهول لا ~~يعرفه أحد؛ فيصرف قواه ونشاطه في إقناع الناس بوجودهما عنده، وتتابع الخيبة والفشل قد يملأ ~~قلبه مرارة ويفسد خلقه فيتحدر من يأس إلى يأس، ومن انكسار إلى انكسار حتى يهوي في ~~لجة الارتياب من مقدرته وكفاءته؛ فيلقي السلاح، ويطوي اللواء، ويسلم تسليم المغلوب ~~عندما ينطلق الأرستقراطي في سبيل السعي والمجد. وادخار هذه الشخصيات الموهوبة بحكم الوراثة ~~إنما هو في مصلحة الشعب والإنسانية بلا جدال. # هو في مصلحة العموم لا سيما إذا كانت المرتبة شبيهة بالأرستقراطية الإنجليزية التي لها ~~بين أرستقراطيات أوروبا مكانة فريدة. هذه بيئة تكونت ببطء متناه لتعادل السائد والمسود ~~حضارة في تاريخ هاتيك البلاد. فاندغم النورمانديون بالسكسون على ممر الدهور فتألفت أفضلية ~~ما زالت بتساهلها ورشدها تحفظ امتيازاتها في هذا الجيل العصيب؛ لأنها وهي من أكثر ~~الأرستقراطيات محافظة على تقاليدها التي منها تفرد الابن البكر بحقوق الوراثة، فهي في ~~الوقت نفسه حكيمة تعيش في أراضيها على مقربة من الفلاحين بعيدة عن التبذير والاستهتار، ~~تتعاطى الصناعة والتجارة وغير ذلك من الأعمال، وتفتح بابها لكل ذي أهلية ومعرفة وثروة أو ~~خدمة جليلة. وهي ذات أثر في معظم شئون الدولة تقبل الإصلاح، وتنبه إلى التعديل الضروري. ~~وقد جاهدت مع الشعب لحمل الملكية على احترام القانون، وتحرير الكاثوليك، ومنح أيرلندا ~~المساواة السياسية، وإعطاء اليهود حقوقهم المدنية والسياسية، وإنشاء النظام النيابي وما ~~نحوها؛ فهي قليلة الأذى، قليلة الظلم، وهي مستودع صفات وعادات مستحسنة؛ لذلك ستبقى زمنا ~~آخر لأنها قريبة إلى نظام الطبيعة. ~~••• # أظن أن ذكر نظام الطبيعة - بعد هذه المرافعة الطويلة في تأييد الأرستقراطية - يشفع بي ~~لدى السادة الديمقراطيين ويفرج من عبوسهم في النظر إلي. لا أقول إن الإشراف أو التفاضل ~~ضروري في الطبيعة فحسب، بل أقول إنه من الطبيعة ولا يمكن حذفه؛ لأنه - كالانخفاض - جزء من ~~أجزاء ms15 الوجود. لاشه تلاش ضده، وبملاشاة الضدين يمحي كل شيء. الإشراف والانخفاض ~~من الوجود نفسه؛ إذ ليس سطح الأرض كله بالمنبسط، ولا النجوم كلها من قدر واحد. والذين ~~يطلبون المساواة مسستشهدين بالشمس تسكب نورها على الصالحين والطالحين، وبالماء تسبح فيه ~~جميع الأسماك على الإطلاق، ينسون أن الأسماك من طبيعتها التنوع حجما وصفة؛ فمنها المصفر ~~ومنها القاتم، ومنها السردين ومنها الحيتان. وينسون أن العبرة ليست بالنور الذي ترسله ~~الشمس، بل بالغاية المتنافرة التي يرمي إليها هذا وذاك، وبكيفية الاستفادة من النور والظلام ~~لبلوغها. فكما أن سطح الأرض ينبسط هنا مروجا وسهولا، ويهبط هناك منحدرات وأودية، ويتشامخ ~~هنالك جبالا وقمما، كذلك للطبيعة البشرية سهول وأودية وقمم. # وهاك استدراكا ينيلني حظوة في عيون جهابذة الديمقراطية، ويصح أن يكون متنا لكل بحث ~~في تاريخ الاجتماع؛ وهو أن الأرستقراطية التي احتكرها ذوو الألقاب لبيئتهم ليست إلا جزءا ~~من الأرستقراطية التامة المتشكلة من أرستقراطية الفضل (وهي التي يعنيها أرسطو وشيشرون) ~~وأرستقراطية الحسب، وأرستقراطية العقار، وأرستقراطية المال، وأرستقراطية النبوغ. ومن ~~المفكرين - مثل شوبنهور الفيلسوف الألماني - من لا يعترف بغير الأرستقراطية الأخيرة؛ إذ يرى ~~الناس اثنين: عبقريا وخاملا، وبينهما هوة يستحيل عبورها؛ لأن الطبيعة الخاملة لا ~~تتحول طبيعة عبقرية. وللعبقري كل الفضل في نظره لأنه هو مبدع كل جميل وعظيم. ولكن إذا ~~صحت نظرية شوبنهور من حيث إرجاع الإبداع إلى العبقرية، فهذا لا ينفي أن للدرجات الأخرى ~~فضلا متساويا مع استعدادها في تطور العمران. البذرة تلقى وهي أصل الشجرة، ولكن ~~النمو يتطلب عناصر أخرى. الشرارة أصل النار، ولكن لا بد من مواد يتسع بها اللهيب ~~وينتشر. والغريب هو شعور أهل الألقاب والجاه بضئولة ما لديهم فيسعون للحصول على ~~الأرستقراطيات الأخرى، وإن لم ينالوها تظاهروا بحيازها. مثال ذلك رغبة الملوك والعظماء في ~~الاشتهار بالعلوم والفنون وضروب الإنشاء. ومن لا يذكر ما جرى للويس الرابع عشر مع بوالو ~~النقاد الفرنسوي الذي عرض عليه الملك يوما قصيدة من نظمه كأنه يلتمس مصادقته ~~واستحسانه ليفاخر بهما أمام الأعوان، فكان جواب بوالو: «مولاي قادر ms16 على كل شيء؛ أراد نظم ~~أبيات سقيمة فنجح كل النجاح.» وقد يخلط الناس فيحسبون أن من توفرت له أرستقراطية توفر له ~~غيرها. كقول الشاعر عن أرستقراطية المال: # فهي الكلام لمن أراد فصاحة # وهي السلاح لمن أراد قتالا # نقبل هذه النظرية من شاعر فقير بلا ريب؛ لأن الواقع أن المال يبالغ في إظهار العي، ~~ويزيد الجبان خوفا وجبنا. ولا يكون «الكلام» إلا لمن فطر على الفصاحة، ولا «السلاح» ~~إلا في يد الفارس المقدام. ولا هو الارتقاء إلا لمن خلق ليرتقي متسلقا جبال الصعوبة ~~فيصل إلى ذروة التفوق. أما القول بالحظ والنصيب فصائب إلى حد ما. بيد أنه من دلائل ~~العجز أن يظل المرء مكتوف اليدين في انتظار «الظروف» ليتحرك. «الظروف» تخلق الشخصيات ~~الضرورية لها، وتكون الأرستقراطيات الفردية والقومية المطلوبة، وتنبه النبوغ وتعززه. ~~ولكنها في الغالب تختار ممثليها وأبطالها بين العاملين المتحفزين لا بين الكسالى ~~الخاملين. وإن اختارت خاملا سهوا بدد عطاياها هباء، وظل الحظ فيه على نحو قول العامة ~~«رمح يغرز في النخالة.» # قال شاعر عربي آخر: # كل من سار على الدرب وصل # وهذا الآخر يشفع في نظريته أنها منظومة. كلا، لا يصل كل من سار على الدرب؛ لأن ~~المدعوين كثير، أما المختارون فقليل. ويقال إن فضل المجاهدين في انخذالهم أعظم، ولا بأس ~~بنشر هذه الكلمة للتشجيع لا سيما وأن نتيجة الجهاد لا تعرف قبل البلوغ إليها. ولكننا نعلم ~~أن الحياة لا تكرم وتكبر إلا من كافح فغلب. أما الآخرون الذين ينهكهم الجهاد فيقعون صرعى ~~في طول السبل وعرضها، فتلقي عليهم نظرة الإشفاق ثم تنساهم؛ لأن وقت البطولة ضيق لا يسع ~~التحسر على الفريسة والضحية. وستظل الأرستقراطية - أرستقراطية الجماعة وأرستقراطية الفرد ~~- ما دامت الطبيعة، ولو تحولت منها الأنواع وتغيرت المظاهر وتعددت الأسماء. سيظل ~~التفوق موجودا ما بقي بين البشر جماعات وأفراد يسيرون بخطوات الجبابرة نحو قمم الوجود ~~فيتجلون على طور القدرة والمجد فوق صياح الصائحين وتجديف المجدفين. سيوجد أبدا هؤلاء، ~~ومنهم من ينعكس خيال أرستقراطيتهم في الأجيال الآتية ويمتد حتى أطراف ms17 الدهور القصية، مهما ~~تقلبت الثورات والنظم والعمرانات. هذا إذا كانت الأرستقراطية من الطراز «الأصلح» وهو ~~الطراز الذي قررت له الطبيعة الفوز أولا وآخرا. # الفصل الثالث # | العبودية والرق # من عجائب الطبيعة وضعها النقيض بجوار النقيض: تجعل الأكمة الجرداء قرب البحر الزاخر، ~~وخضرة الخمائل وخصب الواحات وراء رمال الصحاري وقحط القفار. حيال الذروة الأرستقراطية ~~يزينها تاج الملكية تحفر البطاح لسيل العبودية الجراف؛ حيث تتزيف السجايا وتتلاشى ~~المكرمات. ما أقامت ارتفاعا إلا أوسعت تخومه تجويفا، وما جادت بنابه إلا بلت ~~بمعتوه، ولا سلمت بوليد إلا ودعت بصريع. # ألا إنما الحياة غنية بالمال والذكاء والكرم والصلاح والحب والجمال والفخار. على أن في ~~كفتها الأخرى ما يعادل الأولى من شقاء وفقر وخمول وقبح وكره وانحطاط. كأنها مرغمة على ~~حفظ النظام في توازنها؛ إذا هي أسرفت في نقطة، تعقبت الإسراف بالاقتصاد فيما يحاذيها؛ ~~فحيث يمتد الرخاء تنتشر التعاسة، وحيث يكثر الخير يقل، وحيث يتغلب قوم يندحر قوم. هنا ~~القصور والصروح والأواوين، وهناك الأكواخ والخصاص والزرائب. حتى الصحة ذاتها قتل متتابع، ~~وكأن نفس الطفل البريء معمل هلاك يفتك بمكروبات لو انتشرت في جماعة لأودت بهم. # ترى هل امتداد الكون المهيع مسافة محدودة إن نحن رأيناها لا تحد فلقصر النظر، وقواه ~~كمية معدودة إن نحن زعمناها لا تعد فلضيق الإدراك؟ هذا سؤال يخرجنا من الاجتماع ~~والتاريخ لتدخلنا محاولة الجواب عنه في الفلسفة واللاهوت، وما نحن منه إلا في دائرة تبتدئ ~~عندها الأبحاث حيث تنتهي. ~~••• # كتاب «مانو» هو أحد كتب الهند المقدسة وقد حوى شرح مذهب البراهمة وتاريخ مدنية الآريين ~~منذ نشأتها، فجاء فيه أن أصل العبيد سبعة: أسير الحرب، ومعدم رضخ لمن يكفل معاشه، وابن ~~العبدة المولود في بيت المولى، والفرد مهدى هدية أو مبيعا بيعا، والمنتقل بالإرث من ~~الوالد إلى الولد، والمستعبد عقوبة على جناية ارتكبها، والمستعبد لعجزه عن تأدية دين أو ~~ضريبة أو غرامة. وسواء ألم هذا الإحصاء بكل الأصول أو أغفل بعضها، فالعبودية قديمة ~~كالحرب، والحرب من خواص الخليقة. لقد حاذت طبقة العبيد طبقة الأحرار ms18 منذ فجر العمران، ~~وكأنها في تلك المحاذاة تقول: # هم جيرة الأحياء أما جوارهم # فدان، وأما الملتقى فبعيد # وكيف «يلتقي» اثنان يمتلك أحدهما الآخر امتلاكا لا يقصر على تضييق الحرية الشخصية شأن ~~الرجل مع المرأة والمؤدب مع التلميذ، وإنما هو حذفها ليصير العبد آلة خضوع وعمل، تحصى ~~من متاع المالك مع المواشي وما شاكلها. # مأساة دهرية يتألم لذكرها القلب الشفيق، بيد أن المؤرخ المفكر يراها فجرا محصحصا ~~في ليل الهمجية، وأول بادرة من بوادر الرفق من حيث إدراك وجوب الاحتفاظ بحياة المغلوب ~~والحرص عليها. هي دليل التقدم وإن نسبها هربرت سبنسر إلى الشبع بتقريره أن أول العبيد هم ~~أسرى الحرب، وقد جرت العادة بأن يأكلهم الغالب في ولائم النصر. وأنه عندما كثر عددهم أجل ~~قتل بعضهم للتلذذ بلحمانهم المشوية في وليمة آتية ليصير النصر الواحد نصرين؛ فاستخدموهم ~~خلال هذه الفترة فانتبهوا للحال إلى أن حياة الأسير أنفع للغالب من موته. # وعلى كل، فإن الإبقاء على الأسرى يظل كبير الأهمية لإثباته أن النوع - حتى في تلك ~~الهمجية القصوى - ذو نظرة صائبة وإرادة قوية تمكنه من ممارسة الإپيقورية قبل ولادة أسلاف ~~إپيقورس، فيضحي اللذة الصغيرة للحصول على لذة أعظم ... وأهميته الكبرى في إيجاد العبودية ~~وهي الفارق الأول للدرجات الاجتماعية، والمرتبة الأولى لتقسيم العمل الذي قامت عليه دعائم ~~الحضارة. فلولا إناطة الأعمال الدنيا بأولئك القوم ما تفرغ المحارب لبسط سلطانه، ولا أبدع ~~أعوانه ما تستلزمه فنون الحرب وتؤدي إليه من عمل زراعي وصناعي واقتصادي وسياسي. ولولا ذلك ~~التقسيم وهذا الإبداع ما ظهرت الحقوق والواجبات، ولا كانت النظم، ولا توصل البشر إلى ~~تخزين قوة وحذق يستحيل وجود مثلهما عند العشائر الأولى. # لقد عرفت العبودية شعوب الشرق قاطبة من الهند والصين إلى مصر ففينيقية فآشور، فالفرس ~~الذين ضموا تحت لوائهم أمم آسيا الغربية؛ فاختبروا جميع صنوف العبودية في الحقول والمنازل ~~والإيوانات، منذ أيام بابل إلى عهد اليونان. وحالة العبيد متماثلة في كل مكان يتصرف السيد ~~بهم بيعا وحياة وتعذيبا وموتا، إنما يختلف هذا التصرف باختلاف فطرة ms19 الشعوب واستعدادها؛ ~~فبينا حالتهم في الهند على أسوأ ما يكون، إذا بهم في الصين على هناء نسبي لا ينظر إليهم ~~كأشياء أو آلات، بل كأناس يحميهم القانون جاعلا حياتهم في مأمن من الخطر وأعضاءهم سالمة من ~~التشويه. وليس في تاريخهم ثورة واحدة على تجمع مئات الألوف منهم حتى اضطرت الحكومة غير ~~مرة إلى إعتاقهم بالجملة، طغمة بعد طغمة، لتفسح مكانا للمستجدين من أسرى الحروب والجناة، ~~والعصاة الثائرين على الحكم الأعلى. ومع أنهم ملك الأمة المشاع فهم يعيشون في العائلة كوضيع ~~أفرادها، ولكل عبد أن يعتق بعد سن السبعين، ولكن كثيرين كانوا يأبون الحرية ~~لتعلقهم بمواليهم. أما في منشوريا فلم يستعملوا إلا للزينة والأبهة في الأعياد ~~القومية والاحتفالات الرسمية. ثم تدرجت العبودية إلى الرق بالعمل الحر؛ فكان التطور ~~الاجتماعي في الصين غير متخلف عنه في الغرب. # أتصدق أن اليهود «شعب الله الخاص» كانوا يمتلكون بعضهم بعضا؟ إن الشريعة تبيح لهم ~~استعباد أخيهم اليهودي ستة أعوام، أما غير اليهودي فعبد حتى الموت. ولا يفهم ما ورد في ~~إنجيل يوحنا قولهم للمسيح «نحن لم نستعبد لأحد قط.» وهم خاضعون يومذاك للاحتلال الروماني، ~~وقد بيعوا في أسواق أورشليم، واستبعد سلمنصر عشرة أسباط منهم، وظل سبطان آخران في قيود أهل ~~بابل سبعين عاما. وقد جاهروا في كتاباتهم بأنهم استعبدوا سبع مرات في أرض الميعاد. ومن ~~يجهل بيع عيسو بكوريته ليعقوب بأكلة عدس، أي بيع كل حقوقه وقبول العبودية لذراريه؟ ولكن ~~العرب الذين ينتسبون إلى عيسو كادوا يمحون بسيادتهم وعظمتهم هفوة السلف الجائع. وقد باع بنو ~~يعقوب أخاهم يوسف للتجار وباعه هؤلاء في مصر فخدمها في السنين الجوائح، وجر إليها ذووه ~~فانتهى بهم الأمر إلى الرق. ولم يكن ليطلق سراحهم لولا الضربات العشر الذائعة الصيت. ~~على أن العبودية عندهم أخف منها عند غيرهم. ترى بين العبد والمولى تبادل الأمانة والرعاية ~~فيحفظان السبت سويا، وللعبد أن يتزوج وينشئ عائلته وحريته ميسورة بالمال. إن قتله ~~مولاه يقتل، وإن جرحه أعتقه، فإذا انقضت السنة السادسة ورفض أن يتحرر قدم ms20 إلى قضاة ~~الشعب فثقبوا أذنه عند باب سيده. ولقد كان ثقب الآذان رمزا للعبودية عند شعوب كثيرة. ~~أفتعجبن بعد هذا يا سيداتي، إذا أنا أذريت ما يشع في آذانكن من فرائد الدر ~~والجوهر وما تهدل منها من الحجار الكريمة وغير الكريمة، لأحدق في ذلك الثقب الذي ~~يشوه أذني أنا الأخرى، وإن كفيته عار الأقراط؟ إني لأتأمله عندكن وألمسه في مبتسمة ~~خجلي. ~~••• # حمل الفينيقيون نظام العبودية مع ما حملوه من الأنظمة والعادات إلى اليونان فجرى هؤلاء ~~عليه، وكان العبيد عندهم أنواعا: نساء لخدمة البيت، ورجالا للفلاحة والزراعة وخدمة الجيش ~~وسائر الأعمال الخشنة، وصبية متأنقين يكرمون الضيوف ويعدون المركبات ويرافقون ابن ~~مولاهم في تنزهه وجولانه، ويشاطرونه دروسه وألعابه، كأنهم المماليك الصغار في بعض ~~البيوت الشرقية. عوملوا برفق فأحبوا مواليهم، إن غاب أحدهم يوما تألموا لفراقه ~~وانتظروه باكين، وإن عاد أقبلوا يلثمون يديه ووجهه فرحين، وإذا اكتسبوا ثقته بحسن سلوكهم ~~ورجاحة عقلهم أطلق يدهم في ماله وشئونه وأنالهم عنده مكانة. قد يكون سبب ذلك أن اليونان ~~كانوا يقدرون الأعمال اليدوية، حتى إن هوميرس ذكر العمال على مقربة من الأبطال، وقال إن ~~الحدادين والمهندسين والنجارين كانوا يدعون مع الأطباء والعرافين والشعراء إلى ضيافة ~~الملوك. وكان أبناء الأسيرات أحرارا، مثل تويسر المولودة من أسيرة؛ لم يكن من فرق بينه ~~وبين أخيه أجاكس (المولود من حرة) ابن تلامون ملك أجين. ولا عجب والملوك والملكات كل يوم ~~عرضة للأسر والاستعباد. مقدور لم ينج منه ولا الآلهة؛ إذ إن البشر أسروا أبولون ونبطون ~~وڤولكان ومارس، فامتثل هؤلاء الآلهة وخدموا صامتين حتى رفقت بهم يد القدر. # أما الإسبارطيون فطبعوا العبودية بطابع شدتهم. العبيد هنا ملك الجمهور يلبسون جلود ~~الحيوانات، ويسخرون لباهظ الأعمال بصرامة عسكرية، ويسكرون إلى درجة العربدة وفقد ~~الشعور ليرى الأحرار كم يحط الشراب من قدر الشارب فيعرضون عن الخمر ويأنفونها. نحن ~~تضحكنا حكاية جحا الذي أرسل ابنه يستقي ماء فأوصاه أن لا يكسر الجرة في الطريق وضربه ~~ضربا مبرحا، فاعترض الجار لأن الولد عوقب قبل أن يغادر ms21 البيت وقبل أن يرتكب الذنب، فأجاب ~~جحا: «وما نفع الضرب بعد كسر الجرة؟» كذلك اعتاد أهل إسبارطة ضرب العبيد ضربا عاما لا ~~لإثم جنوا، وإنما ليذكروا دواما أنهم عبيد أقل ما يتهددهم السياط. ويحظر عليهم حتى ~~القوة البدنية فيقتلون القوي منهم، أو يؤدي مولاه ضريبة لأنه لم يوقف نموه. وكثرة ~~الانتصارات والفتوحات مورد عبودية متدفق كان يضاعف عددهم على عدد الموالي سبعا أحيانا؛ ~~فيفتك بهم بأساليب مختلفة تخلصا من شرهم. وروى ثوسديدس - أعظم مؤرخي اليونان - أن ~~الموالي سألوا عبيدهم مرة عن الألفين الأشد بينهم بأسا والأقوى شكيمة ليعتقوهم، فقام ~~العبيد بانتخاب ذينك الألفين، وتناولهم السادة فزاروا بهم الهياكل ثم اختفوا ولم ~~يعد يظهر لهم من أثر. # وكم من تحالف للعبيد مع أعداء إسبارطة! وكم من ثورة جعلت السادة في خطر مقيم! وقد تلظلظوا ~~مرة وكان تهديدهم مخيفا فاضطر الأحرار إلى طلب الهدنة والمساومة مع الزعيم دريماكس، ثم ~~عادوا فاغتالوه بعد عقد الاتفاق؛ فاستأنف الثوار هياجهم وأقاموا له مذبحا جعلوا عليه هذه ~~الكلمات «إلى البطل المحسن». ويقال إن هيكل أفسس يعود تشييده إلى اتفاق - عقب ثورة - بين ~~الموالي والعبيد. بيد أن تلك القلاقل والاضطرابات وتدخل العبيد في جميع الأعمال ~~بالتدريج قضت على الجمهوريات اليونانية وهيأت البلاد للفتح الروماني. # وما كان أشبه حالتهم عند الرومان بها عند الإسبارطيين فعمدوا إلى العصيان والحروب، وكادت ~~حرب إسبارطقس تؤدي إلى خراب روما لولا قتل العبد الزعيم الذي قضى مجدفا على اسم روما ~~الممقوتة. # جاء دور التحرير تحت تأثير الفلاسفة، فأخذ العبيد يتعاطون جميع أعمال التجارة وتيسرت ~~لهم المناصب السياسية؛ فارتفع بعضهم ارتفاعا عظيما مثل نارشيسس مستشار الإمبراطور كلوديس ~~الذي حرض على قتل الإمبراطورة مسالينا. واشتهر آخرون بالشعر والفلسفة مثل ترانتسيوس ~~الشاعر الهزلي، والشاعر هوراتسيو، وإبكتتس الفيلسوف الرواقي وغيرهم. وكانت كلما علت ~~مكانة العبيد هبطت الدرجات العليا؛ إذ إن أولئك لم يكونوا يطلبون المساواة للمساواة وإنما ~~يرمون إليها ليصيروا هم سادة ويمسي الموالي لهم عبيدا. # والمدهش في كل هذا أن الفلاسفة لم يقبحوا العبودية ولم ينكروها، ms22 بل أقروها مع أن منهم ~~من ذاق مرارتها كديوجنس الكلبي، وإبكتتس السابق ذكره، وأفلاطون الذي ظل أسيرا في مصر ~~وصقلية حتى فداه أحد أصدقائه. وكل ما امتاز به أفلاطون هذا أنه لم يضرب عبده بيده؛ لأن ~~الفلسفة والشعر رققا منه النفس ولطفا الشعور فحملاه على أن يوكل إلى سواه تنفيذ ~~العقوبة في مملوكه! ~~••• # يوصلنا هبوط روما إلى مطلع القرون الوسطى التي تكيفت خلالها الطبقة السفلى تكيفا ~~خاصا. لم تلغ العبودية، بل بالعكس بقيت منتشرة في البلدان المختلفة ولها في ليون ~~بفرنسا، وفي روما بإيطاليا، أسواق عامرة بالتجارة الآدمية من السود والبيض. ومرت العصور، ~~فاكتشف كولمبس القارة الأمريكية في أواخر القرن الخامس عشر، ولم يهمل هذا المرفق ~~التجاري بل كانت له أهميته، ونظم بعدئذ الإسبان والبرتغاليون المتاجرة ببني الإنسان ~~تنظيما دقيقا بين العالمين. # لم تلغ العبودية إنما امتازت القرون الوسطى بشيوع الرق الملازم لنظام الإقطاع في أنحاء ~~أوروبا. لقد تسايرت العبودية # Slavery, esclavage # والرق # 1 # Serfdom, servage # في جميع فصول التاريخ، فاختلط معناهما ~~والتبسا في اللغات المختلفة وحسبهما الناس مترادفين لمعنى واحد. أما الفرق بينهما فهو ~~أن العبد يملكه سيد وهو لا يملك شيئا. وأما الرقيق فملك سيد يملكه أرضا مقابل ما ~~يفرضه عليه من ضريبة وخدمة وطاعة قصوى. العبد ينزغ من بلده وأهله ويتبع سيده المطلق. أما ~~الرقيق فيظل في ديار جدوده وسيادة المولى تحددها العادة والمصلحة؛ إذ ما نفع أرض لا يد ~~تعمل فيها؟! فمن مصلحة الشريف أن تعمر الأرض وتنتج له الخيرات، ومن مصلحة الرقيق أن ~~يشتغل في أرض يحبها وله من نتاجها ما يكفي - ولو بالإجهاد - لإعالة بيته وأولاده. فضلا ~~عن أن الإغارات الخارجية وقلة الأمن في تلك الأيام كانت تقضي بالانتماء إلى سيد عظيم ~~والاحتماء بحماه. والرق في ذاته أنواع، وظل يخف بالتدريج خلال الزمن حتى فقد في فرنسا ~~صفته السياسية وصار مرجع الأمر إلى الملك، ولم يبق منه للأشراف غير الميزة الاجتماعية، ~~ولكنهم ظلوا منطلقين في الظلم والإجحاف؛ فاهتاج الشعب غير مرة وهم يقمعون الهياج ms23 بقسوة ~~متناهية، ثم زاد واتسع في المرة الأخيرة، ورأى العالم الطبقات الاجتماعية تمتزج وتتساوى ~~على دوي سقوط العروش، وانهيار جدران البستيل، وفصل أعناق الملوك في ذلك الزلزال الهائل ~~المدعو بالثورة الفرنساوية. # قضت الثورة على الاسترقاق الذي كان ألغي قبلئذ في إنجلترا، وظل يحذف في دولة بعد ~~دولة، وفي مستعمرة تلو مستعمرة إبان القرن المنصرم. واستفادت أمريكا بدروس العالم القديم ~~واختبارها الشخصي، فألغته الولايات المتحدة سنة 1865 والبرازيل سنة 1888. وهتف الكتاب ~~والخطباء أن لطخة العار غسلت عن جبهة الإنسانية بفضل الثورة الفرنساوية وهمة مفكري ~~إنجلترا. # يخيل إلينا - نحن أبناء اليوم - أن امتلاك الإنسان للإنسان من خصائص الزمن الخرافي، مع ~~أننا نعلم أن النفوس كانت تحصى في عقود البيع بلبنان مع الغنم والخيل وآلات الفلاحة منذ ~~عهد قريب، وأن دولة المماليك المؤلفة من عبيد الأمس ارتفعت إلى أوج الحكم فكان لها جيش ~~من العبيد الغرباء، ثم جاء نابليون الشرق محمد علي باشا فغلبها على أمرها، ونظم جيشا ~~كبيرا منه فرقة أو فرق بأكملها من السود النوبيين، وكادت المتاجرة بزنوج أفريقيا تشوه ~~جيلنا، وهي من أفظع أنواع الاستعباد؛ إذ لا أسر، ولا دين، ولا جريمة تبررها، وما هي غير ~~اقتناص البشر للبشر طمعا بالمال، لولا أن مطاردتها واكتساحها من أشرف ما تفاخر به بريطانيا ~~العظمى. # ترى، ألم يكن للنصرانية والإسلام من أثر في القلوب لتحملها على الرحمة والعطف؟ لا شك في ~~تأثير الدين أيا كان، وإذا أحصيت العوامل الكبرى كان الدين في مقدمتها لتكييف النفوس. ~~وقد انتقى السيد المسيح تلاميذه من الخاملين ومضى ينادي بالمساواة والغفران وحب الأعداء؛ ~~لأن الجميع أبناء الله يدعون. وعزز مذهبه العظيم بمثله في حياته الطاهرة، وصار النصارى ~~يرددون هذا النداء الجميل في الصلوات والاحتفالات؛ ففعل فعله وملأ القلوب أملا وتعزية. ~~على أن الدين المسيحي أقرب إلى النظريات، وعلى نقيضه الإسلام؛ فإنه نظري وعملي معا؛ وجد ~~العبودية عند شعوب سبقته فاقتبلها ولكنه لطفها أيما تلطيف، وعلى مقربة من تعاليمه ~~العالية ونصائحه الحكيمة أوصى باليتيم والضعيف والرقيق، وكان الطائع الأول ms24 النبي ~~العربي ذاته الذي بكى عبده الميت كما يبكي الكريم صديقا عزيزا؛ فكانت حالة العبد في ~~دين محمد من أحسن حالات أمثاله. أما الإعتاق والدعوة إليه فمن أمجد صفحات تاريخ ~~الإسلام . # يرمز المصورون إلى العبودية برسم رجل بائس رسف في قيوده، ولو أنصفوا ما كان غير المرأة ~~رمزا. الرجل عبد مرة وهي عبدة مرات. قيمة الرجل في استقلاله النفسي وطموحه إلى بعيد ~~الغايات. والمرأة إن هي أبدت ميلا إلى الانعتاق من الأوهام القديمة والتحرير من العادات ~~المتحجرة نظر إليها كفرد شاذ أو كخيال في دوائر الرؤيا؛ ذلك لأنهم اعتادوا استبعادها ~~ليس بالجور والضغط والتعذيب فقط، بل باللطف والتدليل والتحبب. وإلا فماذا تعني هذه ~~الحلي وهذه الجواهر؟ بل ماذا يعني تغني الشعراء بجمال الوجه وملاحة القوام؟ النساء ~~المسكينات يتهن دلالا أن يكن محبوبات لجمالهن، ولو تفكرن قليلا لأدركن ما في ذلك ~~من معنى التحقير لجميع قواهن، حتى الأنثوية نفسها، ولكفى أن يتقدم إليهن رجل بامتداح ~~حسنهن وحده ليرفضنه زوجا. وهؤلاء هن اللائي بعد أن يشترين بالمال والحلي ~~والتملق - وقد عنى سكوتهن قبول نير العبودية والرضى عنه - ينبرين فجأة مطالبات ~~بحقوقهن مناديات بالاستقلال والتحرير. وأنا التي أكتب هذا يشوك الآن ساعدي سوار دار ~~حوله، فأنظر إليه وأضحك ولا أزيحه عني. لقد توارثت النساء حمل القيود في صورة الحلي حتى ~~عشقتها، إن هي لم تثقل حركتهن لغرض ما وضعن مكانها ما يشير إليها لغير سبب. # تشكون من زواج هذا العصر وتستصغرون الذي يتزوج البائنة ويقبل صاحبتها معها، بدلا من أن ~~يتزوج المرأة ويقبل معها بائنتها. ولكن أتظنونه أفظع من زواج يؤدي فيه الرجل مهرا؟ إذا ~~شاء شراء المرأة زوجها فكيف يحسن ابتياع الرجل زوجته؟ الزواج عقد اجتماعي يأتي فيه الشريكان ~~برأس مال حسي ومعنوي: المال والكفاءة الشخصية؛ فالمال يجعل المرأة مثيلة الرجل، والكفاءة ~~الشخصية تؤهلها لأن تكون زوجة معتبرة وإما محبوبة. تزعمون - أنتم النظريين المتطرفين ~~- أن صفاتها تكفي لإسعاد رجل نشيط يتكل على جده واجتهاده! ألا فادخلوا هيكل أسرار ~~العائلة وقفوا على ما ms25 هناك من نكد وويلات أصلها فقر عائلة المرأة! لا أنكر أن الكفاءة ~~الشخصية تفوق المال أهمية، وأن المال لا يدوم إلا حيث تكون الكفاءة، ولكن أواثقون أنتم من ~~أن كل امرأة تنصف زوجها ولا تختلس نتاج جهوده أو بعضه؟ أبي النفس يخاف أن تستعبده المرأة ~~الغنية، فهل هو للفقيرة أقل استعبادا؟ وعلى كل، فعبيد اليوم كعبيد الأمس ليس أمامهم ~~للتحرير من سبيل غير ذينك السبيلين القديمين: المال والكفاءة الشخصية. ~~••• # هذه هي الخطوط الكبرى في خريطة العبودية التاريخية، فرغت من تعدادها بانشراح من نفذ من ~~تحت جبل ووقف يتمتع بمحاسن الرياض. # لقد اتفقوا على أن العبودية كانت وانقضت، وأظنني كتبت منذ هنيهة أن عصرنا يفخر بإلغاء ~~متاجرة الإنسان بالإنسان، وقد استجمعت فكري للمرة الأخيرة قبل أن ألقي بالقلم جانبا ~~فتململت في حافظتي جميع معاني الأسى، ورأيت أشباح الذل متجمهرة في رحاب خيالي، كشرت عن ~~أنيابها تهددني، ومدت بمخالبها نحوي لتفترسني، جيش عرمرم من أرواح العبودية والرق أخذ ~~يصفق بأجنحته السوداء صارخا: «نحن أحياء نتألم فكيف تذكرين الموتى وتنسيننا؟» فدنوت من ~~جماعة وقلت: «من أنتم؟» فصاحوا: «نحن نزلاء الليمانات وضحايا الأشغال الشاقة، أحجار ~~الصوان تحني ظهورنا، وأزيز السياط يمزق أجسامنا، ما نحن إلا عبيد إسبارطة.» قلت: «وكيف يكفي ~~الاجتماع أبناءه شركم؟ لقد سرتم في وسطه فكانت الجرائم منكم بعداد الخطوات.» فتنهدوا ~~وقالوا - وتنهدهم وكلامهم مقذوفات براكين: «ما نحن إلا عبيد إسبارطة.» # وسرت نحو جمع آخر انحنى يشتغل والعرق يقطر من ذرات وجهه فصرخ: «نحن الشعوب المغلوبة، ~~وما غرامة الحرب إلا رق القرون الوسطى.» فقلت: «وهل من وسيلة أخرى ليستعيض الظافرون عما ~~خسروه من مال ورجال؟» فهزوا أكتافهم وانحنوا على الأرض متظلمين: «ما هذا إلا رق ~~القرون الوسطى.» # وتحولت إلى جهة أخرى، وإلى أخرى وإلى أخرى، وأنى توجهت لاقيت أقواما ينبعث من ~~صدورها التظلم والعويل، وتخيم فوقها الأجنحة السوداء. رجال ونساء، شيوخ وأطفال، مثرون ~~ومعدومون، عبيد الوراثة، وعبيد العاهات، وعبيد الأمراض، وعبيد الجهل، وعبيد الأوهام، وعبيد ~~الطمع، وعبيد الحاجة، وعبيد الحياء الإنساني، وعبيد ms26 الغرور، وعبيد الكذب، وعبيد الحسد، ~~وعبيد الأهل، وعبيد الأبناء، وعبيد الغرباء؛ يزحفون جميعا من كل ناحية كالجحافل الجرارة، ~~وهدير شكواهم كهدير العباب المتلاطم؛ فصرخت جزعا: «من أنتم، من أنتم؟» والعبيد - جميع ~~العبيد، عبيد الماضي والحاضر والمستقبل - أجابوا كجوق رهيب: «نحن العبودية الدائمة!» قلت: ~~«كلا، كلا! لقد ألغيت العبودية وأنتم أحرار، ارفعوا أيديكم لا سلاسل فيها! حركوا ~~أقدامكم لا قيود تثقلها!» فقالوا: «السلاسل والقيود أقل رموز العبودية هولا، القيود في ~~دمائنا وأهلنا وأوطاننا، القيود في رغباتنا وحاجاتنا، القيود في بشريتنا.» فصرخت بملء ~~صوتي: «أقول لكم أنتم أحرار ولا عبودية في القرن العشرين!» فقالوا: «إذا محيت من العبودية ~~صورة رسمت أخرى؛ لأن أصل العبودية باق على كر الدهور، نحن العبودية الدائمة، نحن أودية ~~الحياة المجوفة عند أقدام الرواسي.» # واختفت الجماهير في لحظة فوجدتني مقلبة صحائف هذا الفصل، وقد وقفت أقرأ كلمات ~~الاستهلال «من عجائب الطبيعة وضعها النقيض بجوار النقيض ... ما أقامت ارتفاعا إلا أوسعت ~~تخومه تجويفا ...» # الفصل الرابع # | الديمقراطية # استعرض ما شئت من فصول التاريخ الطبيعي تجد بين الحيوان والحيوان مصارعة مطردة، ~~وبين النبات والنبات مقاتلة سرية أو علنية بلا تباطؤ ولا مهادنة. ومثلها في تاريخ علم ~~طبقات الأرض؛ فهنا الصخور والمعادن تتزايد وتتناقص، وهناك تراجعت الأمواج في محيطها ~~فاستحالت أرض غارت تحت تقلب الأواذي مدينة آهلة. ومثلها في تاريخ الفلك حيث تتكون ~~عوالم وتزول عوالم. وليس التاريخ البشري ليختلف عن تلك التواريخ. غير أن الإنسان يمتاز على ~~سائر الكائنات بالعقل والغريزة الاجتماعية؛ فهو يطبع كل ما يقتحم من خطر، ويشهر من حرب، ~~ويركب من هول بطابع هاتين الميزتين. ولما كان تنازع القوى الطبيعية ينتهي دواما بصعود ~~الغالب وهبوط المغلوب كانت نظم الإنسان ومبادئه وأحزابه أبدا في ارتفاع وانخفاض. # لم يهتد زعماء الإصلاح إلى أنظمة سياسية غير الثلاثة التي ذكرها أرسطو، وهي: الملكية أو ~~حكومة الفرد، والأرستقراطية أو حكومة الأماثل، والديمقراطية أو حكومة الشعب. ولئن دانت ~~المدنية المتأخرة بالديمقراطية فإن جل المدنيات المتقدمة - إن لم يكن كلها - نما ~~وترعرع ثم توارى في ms27 حضن الملكية. ألأن الشعب الرازح تحت أثقال العبودية كان في غيابات ~~جهله مدفونا؟ ألأن تلك المدنيات شرقية، وشعوب المنطقة الحارة أقرب إلى الملكية ~~لميلهم إلى عدم التفكر وتثاقلهم عن حمل المسئولية - كما يزعم المؤرخون؟ ألأن الأمة في ~~دورها الابتدائي تحتاج إلى سيد احتياج الطفل والقاصر إلى معلم ومرشد؟ ليس البت ~~بالأمر الميسور، وإنما ما يتحتم البت فيه - بعد نظرة سريعة في المدنيات البعيدة - هو أن ~~الشعوب لم تكن عقيمة في ظل الملكية بل أنتجت ما لا نزال نستفيد منه حتى في هذه العصور - ~~عصور الإبداع المتواصل. # فمدنية مصر العظيمة تكونت في عهد ست وعشرين أسرة مالكة يوم كان فرعون سيدا مطلقا ~~يسن القوانين وينفذها، ويسهر على الراحة والأمن، ويسعى في تنظيم البلاد وتجميلها، ~~وإليه مرجع الأمور الدينية والمدنية جميعا؛ فأسفرت تلك الحضارة السحيقة عما ما زلنا ~~نعجب به ونستوحيه من بدائع هندسية، وفنون إدارية، وفلسفة روحانية. # أما الحضارة الكلدانية الآشورية، فكانت عظيمة في هندستها عظمتها في علمها؛ لأنها - مع ~~تلك الأسوار الضخمة، والأبنية الفخمة، والحدائق المعلقة المحسوبة من العجائب السبع في ~~القدم - جاءت بفنون الحرب وما يتبعها من تدريب الجيوش، وحفر الخنادق، وخد الأراضي، ~~واختراع مركبات الهجوم والدفاع، وأساليب التدمير النظامي، وإعدام الأسرى، ونقل المعدات ~~والأسلحة؛ هذا من جهة، وكانت عاكفة من جهة أخرى على التمرين العقلي، والبحث الفكري، فوضعت ~~القواعد لعلوم الحساب والفلك، وأوجدت المكاييل والمقاييس والموازين الأولى، وميزت بين ~~السيارات والثوابت، وأحصت كسوفات الشمس وخسوفات القمر، وعينت دائرة البروج مسمية ~~كلا من علاماتها باسمها، ووقتت أجزاء السنة، واخترعت الساعة الشمسية، وهي التي وضعت ~~أصول التنجيم، وكشف طوالع السعد والنحس، وتركيب التعازيم والتعاويذ والطلاسم والتمائم ~~والحمائل وعقاقير الغرام. # أما اليهود فمعروف مجدهم الحربي في عهد داود ومجدهم التجاري في عهد سليمان، فضلا عن ~~أنهم حبوا العالم بكتاب التوراة الجليل. # وأحدث الفينيقيون فن سلك الأبحر وما يجر إليه من استعمار، وتجارة دولية، وصناعة تمد تلك ~~التجارة؛ فأنشئوا المصارف في الأنحاء المختلفة، وأذاعوا مع مدنيتهم مدنية كل بلاد ~~يرودونها، ونشروا مع ms28 مصنوعاتهم الأبجدية التي اختزلوها من الهيروغليفية، وأساليب المعاملة ~~المالية والاقتصادية، وعلم مسك الدفاتر. # ولما قام الفرس يبسطون شوكتهم على العالم الشرقي ويخضعون الشعوب المغلوبة لصولجان ~~ملكهم، اقتبسوا عن الأقوام زبدة حضاراتهم فجمعوا بين الإدارة المصرية، والهندسية الآشورية، ~~والعلوم الكلدانية، والبحرية الفينيقية متوسعين في التصرف والتكييف ليطبعوا تلك المدنية ~~المختلطة بطابع فارسي. وقد بدأ بهم تأثير الآريين - وهم من أصل آري - في التاريخ المعروف، ~~وأخص ما جاءوا به حكمة زرادشت القائلة بحرب بين عنصر الخير أرمزد، وعنصر الشر أريهمان؛ ~~حرب تبقى إلى منتهى الزمن حيث يتغلب عنصر الخير فيعم النور والحقيقة. # كذلك في الشرق الأقصى كالصين مثلا حيث شيد السور الأكبر قبل المسيح بأربعة قرون، ~~وحفرت الترعة الكبرى في القرن التالي مما يدل على تقدم الهندسة. وقد عرف أبناء مملكة ~~«ابن السماء» علوما وفنونا جمة كالكتابة ومبادئ علم الهيئة، واخترعوا الحك (البوصلة) ~~والمطبعة والبارود، وتعالت جدران معابدهم في الفضاء، وكست الحرائر النفيسة الرجال منهم ~~والنساء، وشربوا الشاي في فناجين الصيني الثمين أيام كان الغرب في همجية قصوى. وإذا أخذنا ~~ببعض ما وصل إلينا من كتاب كنفوشيوس المدعو «تشو-كنج» علمنا أن مبادئهم الأخلاقية من عبادة ~~الآلهة وحب العائلة واحترام الموتى ... إلخ، لا تقل جمالا عن أسمى المبادئ المعروفة ~~لدينا. # وقد تأثرت اليابان في القرن الرابع ق.م بمدنيتي الصين والهند، كما تأثرت أوروبا ~~فيما بعد بمدنية اليونان واللاتين. وبعد كفاح عنيف بين المولى والأشراف، يشبه كفاح ~~الأرستقراطية والملكية في القرون الوسطى، اعتنق ذلك الشعب الشرقي المتوقد مدنية الغرب ~~الحديثة بأكملها، وصار - وهو القزم في عالم القياس - يخطو خطوات جبار في عالم التقدم ~~والرقي. # كذلك كانت الملكية حسنة العائدة في القرون الوسطى مع شارلمان. وإذا ماشيناها إلى أيامنا ~~مع بسمارك - وهو أكثر ملكية من الملك، كما يقولون - ومع الإمبراطور غليوم الثاني، وجدنا أن ~~ألمانيا في عهد هذه القيصرية الحربية المطلقة جرت خلال نصف قرن شوطا أجفلت له الدول ~~قاطبة. # على أن بقع الظلام الواسعة تحاذي خيوط النور في تاريخ هاتيك المدنيات التي لم تكن ms29 تحسب ~~لحياة الفرد حسابا، وإنما خلدت بعدها أسماء أشخاص اشتروا عظمتهم بدماء الجماعات وجثث ~~العبيد. ~~••• # ثم حصحص بصيص الكرامة الإنسانية في بلاد اليونان التي تناولت قبس الحضارة من يد الفرس ~~بعد أن تغلب ملتيادس على داريوس في مرج ماراثون، وأغرق ثمستوكليس أسطول العجم في خليج ~~سلامين؛ فأنشأ اليونان يكررون أصول تلك الحضارة وينقونها ويرتبونها ليجعلوها ترضي ~~الذوق منهم والعقل، وهم الفنانون والفلاسفة قبل كل شيء؛ فحبوا وطنهم في قرنين اثنين بصيغ ~~جديدة في القانون والعلم والفن والفلسفة. وهناك أخذ الفرد يعرف حقوقه وواجباته، هناك أشرق ~~فجر الديمقراطية ولم تكن الحروب المتتابعة لتظلمه، ولا زحف الرومان وظفرهم ليلاشيه، بل ~~ظلت أثينا المغلوبة مهذبة العالم. # لم تقم في روما حكومة ديمقراطية محضة، ويرى بوليبيس المؤرخ اليوناني أن النظام الروماني ~~كان مزيجا بديعا من الملكية والأرستقراطية والديمقراطية. غير أن العنصر الديمقراطي كان ~~كبير النفوذ راجح الشوكة بعد أن صارع الطبقات العليا فتساوت جميع المراتب في الخضوع لسيد ~~واحد هو قيصر. وكما كان العالم القديم شديد الإعجاب ببسالة الجيوش الرومانية، كذلك كان ~~الإعجاب بالوحدة الإمبراطورية من الشدة بحيث بقيت تلك الوحدة مثلا أعلى تنشده الملوك ~~في العصور التالية؛ فأقام شارلمان دولته على منوالها، وطمع نابليون في إعادتها إلى الوجود ~~بعد كر العصور. # شطرت دولة الرومان في آخر القرن الرابع للمسيح شطرين: إمبراطورية الغرب وعاصمتها روما، ~~وإمبراطورية الشرق وعاصمتها بيزنطة (الآستانة اليوم). ولم يطل حتى تدفقت الشعوب ~~الآسيوية واشتركت مع شعوب زحفت من أوروبا الشرقية والمتوسطة، فتبارى المغول والسلاف ~~والجرمان في الإغارة على روما واكتساحها وإيساعها تخريبا وتدميرا زمنا يناهز قرنا، ~~وطفقوا بعدئذ يقتبسون عادات الأمم المغلوبة وقوانينها، فألفوا منها نظاما قام عليه فيما ~~بعد التشريع الإقطاعي. # وتجاذبت السياسة في القرون الوسطى نزعتان: الوحدة الدولية أو المركزية، والتخصيص القومي ~~أو اللامركزية. فمن قائل بإخضاع الشعوب وتوحيد قيادتها كالإمبراطورية الرومانية، ومن قائل ~~بتوزيع القيادة وإطلاق كل أمة تنظر في أمورها وتنمي مدنيتها وفقا لمطالبها القومية ~~وممكناتها الطبعية. فتغلبت النزعة الأولى بصيرورة شارلمان إمبراطورا على الغرب، وهو ms30 الذي ~~عهد إلى الأشراف بإدارة المقاطعات تحت مراقبة مفتشين اختصاصيين، على أن يكون إليه مرجع ~~الأحكام جميعا حتى في الأمور الدينية. وسادت بعد ذاك النزعة الأخرى يوم تقاسم الدولة ~~أحفاده الثلاثة في معاهدة فردون (في منتصف القرن التاسع)، التي أوجدت كلا من ممالك فرنسا ~~وألمانيا وإيطاليا ذات كيان سياسي مستقل. ثم تناولها النظام الإقطاعي في القرن العاشر ~~فظلت إلى القرن الثاني عشر عجاجة دويلات وإمارات ودوقيات وكونتيات لا عداد لها، وبين صاحب ~~الأرض والرقيق تبادل حقوق وواجبات تتنوع بتنوع الأمزجة الشخصية والعادات المحلية. ~~والمرجع النهائي إلى الملك الذي لم تقم فوق إرادته غير إرادة الله. # وكان حجر الزاوية في صرح تحرير الأمم الحديثة تلك البراءة الملكية التي نالها الإنجليز من ~~ملكهم في مطلع القرن الثالث عشر، وقد منحتهم مبادئ الحرية الدستورية التي ستتكيف الأحوال ~~منذ الآن فصاعدا لتنشرها في جميع أقطار الغرب. من تلك الأحوال أن البرابرة عادوا إلى ~~التفجر من مجاهلهم كما فعلوا منذ عشرة قرون فتدفقت سيولهم على الشرق والغرب، واكتسح ~~التتر فيما اكتسحوه الدولة البيزنطية - تلك الدولة التي كان لجأ إليها أسمى عناصر الدولة ~~الرومانية المقهورة وأجملها. ومن هذه الكارثة العالمية الكبرى، ومن اختلاط الشعوب وامتزاج ~~المدنيات تكونت حضارة جديدة ازدهرت على الأطلال والأنقاض كما تنبت الأزهار في ميادين ~~القتال وعند زوايا القبور؛ ذاك أن البيزنطيين عادوا بكنوزهم الفكرية والفنية إلى إيطاليا ~~فألقوا فيها شرارة ما لبثت أن شبت نارا امتد منها اللهب في أنحاء الغرب؛ فخلقت فيه ~~حياة جديدة وروحا جديدا - وذلك هو عهد الانبعاث أو النهضة. # انتعشت الفنون والآداب، واستنارت الأفكار، وتقدمت العلوم، واكتشف كولمبس القارة ~~الأمريكية؛ فأدركت العقول من العالم صورة غير التي رسخت فيها، والتفت الناس إلى كرامة ~~الفرد وأهليته وأخذ الاجتماع الحديث يتمخض بمبادئ تنافي مبادئ الاجتماع القديم. وشفعت ~~هذه وغيرها من عناصر «النهضة» بثورة دينية بدأت في ألمانيا بزعامة لوثر. وكانت تلك الثورة ~~ابنة النهضة الفكرية وحليفتها إلا أنهما افترقا بعد حين، وتسرب الإصلاح الديني إلى حيث لم ~~تصل النهضة الفكرية؛ ms31 فكثر أتباعه في ألمانيا وسويسرا وفرنسا واسكتلندا وإنجلترا. ولئن أنتج ~~معارك دموية فظيعة، فقد ساعد في تحرير الفكر لأنه أطلقه من القيود الدهرية، وأظهر إمكان ~~النقد للفلسفة الدينية؛ فسمت بذلك قيمة الإيمان نفسه؛ لأن إيمانا يمتن ويرسخ بعد الامتحان ~~بمحك النقد العلمي خير من إيمان يقوم على الجهل والوهم والتسليم. واختراع المطبعة وسهولة ~~الطباعة يسرا إذاعة الآراء بين أهل البلد الواحد وشعوب البلاد الأخرى. # وبينا نظام الإقطاع يسود في ألمانيا وغيرها من بلاد الغرب، وبطرس الأكبر وخليفته كاترينا ~~العظيمة يحولان الروسيا من مملكة شرقية إلى إمبراطورية ذات صبغة غربية؛ إذا بسويسرا عاكفة ~~على تحسين نظامها الجمهوري الذي ساعدها بعدئذ نابليون على التمتع به في أكمل حالاته. ~~وإذا بإنجلترا تعدل دستورها وتخطو به خطوة جديدة في ربوع الحرية فلم تنجح في ثورة 1648، ~~ولكنها نجحت سنة 1688 دون هدر قطرة دم واحدة. وانتهت المناقشات السياسية مع زعم الملكية ~~بتناول حقوقها من الألوهية، وتفرغت الحكومة للشئون الخارجية فأقامت هذه الإمبراطورية التي ~~لا مثيل لها في التاريخ المثبوت. وسارت في طليعة دول تنيرها بقبس دستورها، ومضى الفلاسفة ~~والمصلحون يستقون من منهل حريتها. وإذا بفرنسا تفوز بالوحدة الوطنية في عهد لويس الرابع ~~عشر، إلا أن الأهالي كانوا في استياء من انقسام الأمة إلى ثلاثة أقسام: قسم الإكليروس، ~~وقسم الأشراف، وقسم غير الأشراف. في استياء لأن هناك جماعة تتمتع بجميع الامتيازات ولا تحمل ~~مسئولية، بينما جماعة أخرى ترهقها المسئولية، ويضعفها الكدح المتتابع، وتثقل كاهلها ~~الضرائب. وليس يتساوى الجماعتان في غير الرضوخ لإرادة الملك. # لم تطل الحال، بل انبثق فجر آراء جديدة في التساهل والمساواة بفضل الفلاسفة ~~والاقتصاديين والإنسكلوبيذيين، وظلت هذه الآراء كالشرارة تدنو من بارود السخط العام الذي ~~دوى قاصفا في الثورة الفرنسية فأعلنت «حقوق الإنسان» لإزالة ما بين البشر من حدود ~~وفروق. أو تقررت سراية القانون عليهم جميعا من غير ما جور أو تحيز، ولهم أن يقلدوا ~~وظائف الحكم والتشريع والقضاء وفقا للكفاءة منهم والمقدرة. فإذا صح أن فرنسا درست الحرية ~~على إنجلترا، فإنها مع ms32 أمريكا أشبعت العالم بفكرة الحرية فتبعت الدول آثارها تدريجا؛ لأن ~~الديمقراطية، وكل نظام آخر يتغير بتغير طبيعة بلاد ينفذ فيها. ولقد جاهد الغرب حتى إنه ~~بعد إعدام قيصر روسيا وانهيار عرش ألمانيا والنمسا، لم يبق في أنحائه ملكية مطلقة واحدة، ~~وأن الديمقراطية عمت العالم المتمدن. وإن لم تكن البلاد جمهورية كأمريكا، فهي ممالك ~~دستورية كإيطاليا وإسبانيا ... إلخ. ولا يعلم إلا الله ما يختفي وراء تلك العروش المترنحة ~~من دسائس البلشفية، وقنابل الفوضوية، ومدمرات الشيوعية. ~~••• # فإذا كانت الديمقراطية هي حكم الشعب، وتسوية الحقوق والواجبات بين أفراده، فلا مناص مما ~~يحمل الجماعة على المطالبة بهذه التسوية وذاك الحكم. فأي محرك يا ترى بعث على إلغاء ~~الملكية والأرستقراطية وإحلال الدساتير الديمقراطية محلها؟ نعم، إن بين القوى الإنسانية ~~ترابطا متينا، وائتلافا تاما؛ بحيث إن التيقظ إذا بدا في قوة لا يلبث أن يمتد ~~فيتناول القوى جميعا. على أن هذا لا ينفي أن لكل حركة باعثا رئيسيا تتفرع منه بواعث ~~جمة؛ ففي الماضي كان الجيش اليوناني يتألف من الأشراف الذين لم يكونوا ينازلون العدو ~~إلا على الخيل أو في المركبات، وقد لاحظ أرسطو أن جيشا يرجح فيه الفرسان لجيش حكومة ~~أرستقراطية. ولكن الحروب المتزايدة في الداخل والخارج ثلمت صفوف الفرسان إزاء مهاجم ~~عتي؛ فأرغم الأشراف على تعزيز الجيش بفيالق المشاة من الشعب، وإمدادها بالسلاح والمعدات، ~~وتدريبها على القتال والدفاع؛ فشعر هؤلاء بضرورتهم لحفظ كيان الوطن، وانبروا يبثون في ~~البلاد الثورة والشقاق حتى ظفروا بالمساواة المدنية والسياسية. كذلك في روما التي لم يكن ~~لها من شاغل سوى الفتح والاستعمار، وأشرافها يربئون بأنفسهم عن التجارة والصناعة والفلاحة ~~وغيرها مما أقبل عليه الشعب فأصبح صاحب الثروة. وترامي أطراف الإمبراطورية، واحتياجها ~~الشديد إلى زيادة جيوشها البرية والبحرية أوجب ضم الشعب إلى صفوف الفاتحين والمحاربين، ~~ومنحه من الامتيازات ما لم يطل أن تمتعت به الأمة جميعا؛ فصار لها مجلس نيابي يتكلم ~~بصوتها، وانقسمت الإمبراطورية إلى حزبين: حزب الأشراف وحزب الشعب كما يوجد في عصرنا ~~الرأسماليون والعمال. فكان إن استأثر مجلس ms33 الأشراف برأي امتنع مجلس الشعب عن التصويت ~~ورفض مساعدته لتتميم الأعمال - وفي ذلك صورة للإضراب في هذا العصر. ولم يوفق بين الحزبين ~~إلا بعد قرن ونصف قرن؛ إذ تنازل الأشراف عن الامتيازات السياسية أولا والدينية بالتالي؛ ~~لأن الوظائف الدينية كانت سياسية أيضا. # اشتراك الشعب في الحرب هو إذن مصدر الديمقراطية القديمة. وأما الحديثة فمصدرها اثنان ~~متلازمان هما؛ أولا: الاختراعات الآلية والاكتشافات العلمية، وثانيا: تعميم المعرفة ~~وسهولة التعليم. ففطن الذين كانوا بالأمس يذعنون غير متذمرين - وربما مسرورين شاكرين - ~~فطنوا إلى أهمية عملهم في هذه الأساطيل التي تمخر البحار وتدني ما شسع من الأمصار، وتلك ~~السكك الحديدية التي تشق الأطواد وتطوي القفار وتطوق الكرة بنطاق مكين، وهاتيك الآلات ~~البخارية والكهربائية والهوائية التي تفيض على العالم النضار وما يمثله من ثروة، وتحبو ~~الناس بأسباب الرغد والهناء. وبينا الثروات الباهضة تقيم السدود بينها وبين الفقر المدقع ~~إذا بالمعرفة تزيل الفروق وتقرب بين الطبقات؛ فتنبهت الأطماع العامة وأحدثت في النفوس ~~غليانا أثارها على التقاليد الموروثة، فنادى الجمهور بالديمقراطية ملخصا مطالبه في ~~بندين جوهريين، أحدهما سياسي والآخر اجتماعي، وهما: أن الديمقراطية قائمة على أكثرية ~~العدد التي يستمد منها القانون قوته، وأنها تقضي بحذف الفروق الاجتماعية، أو على الأقل ~~بتحويلها إلى أقلها ليتمكن جميع الأفراد من إنماء مواهبهم وإظهارها بلا ضغط أو ~~مقاومة. # ولقد لمست موجة الديمقراطية شواطئ الشرق الأدنى، وأول من هتف بها في مصر لطفي بك السيد، ~~يوم كان بعضهم يطلقون عليه مزاحا لقب «الفيلسوف الديمقراطي». ولم تقف المسألة عند حد ~~المزاح، بل هو لاقى من اعتناق الأفكار الحديثة مصائب واحتمل سخافات؛ منها أنه يوم كان ~~مرشحا لعضوية الجمعية التشريعية سنة 1914 حاربه أحد مزاحميه بما لو فهمه القوم لكان ~~للطفي بك لا لخصمه حجة. قال الخصم: «يبقى نائب عنا ازاي؟ دا راجل ديمقراطي!» فأرعبت ~~الناخبين هذه الكلمة الأعجمية وأولوا معناها بأسوأ ما يتموهمون. بيد أن التغير ناموس ~~الكون، ولم تمض خمسة أعوام حتى صار لمصر الفتاة حزب يدعى «الحزب الديمقراطي المصري» تنتسب ~~إليه فئة ms34 من أرقى الشبان المتعلمين في أوروبا، العائدين من مدارسها العالية بمعتبر ~~الشهادات ومحترم الألقاب. وهنا الوقائع التاريخية تقضي بالاعتراف أن اسم الديمقراطية جديد ~~في هذه البلاد ولكن معناها غير جديد؛ لأن الإسلام كان أبدا ديمقراطي المبادئ ~~ديمقراطي الأساليب. وهل من ديمقراطية أتم من أن نرى الملوك يتخذون لهم من الجواري ~~زوجات شرعيات ويرفعونهن إلى مراتب الملكات؟ أوهل من ديمقراطية أوفى من أن يخرج من ~~الطبقة الدنيا قوم يرتفعون بكفاءتهم الشخصية ورجاحة عقولهم فيحملون أعظم الألقاب ويقلدون ~~أجل المناصب؟ ولكن على مقربة من هذا التساهل والإنصاف تقوم أرستقراطية مزدوجة؛ لأن موقف ~~الأجير المصري إزاء صاحب الأرض يكاد يكون - فضلا عن موقف العامل المصري إزاء الممول - ~~موقف الرقيق إزاء الشريف في نظام الإقطاع. وكانت الحال على ذلك في سوريا وفلسطين حتى الحرب ~~العظمى. أما في لبنان فالديمقراطية نافذة منذ أن حور النظام الأساسي في سنة ~~الستين. # وليس هو الإسلام وحده، وإنما قالت بالمساواة قبله البوذية والنصرانية. على أن مؤسسي هذه ~~الأديان جاءوا باستثناء واستدراك؛ إذ ذكر بوذا التناسخ، وأن من البشر من هم (بذلك ~~التناسخ) أكبر سنا، وأعظم فضلا، وأوفر طهرا. وقال السيد المسيح: «المدعوون كثيرون ~~والمختارون قليلون.» وجاهر النبي العربي بأن الله يهدي من يشاء. وكيف لا يرى هؤلاء ~~المشرفون على أسرار النفوس فروق البشرية تفصل بين هؤلاء الذين تجمعهم جامعة الروح العليا؟! ~~فجاءت السياسة تؤيد ما لم تفلح في توطيده الأديان ولا فازت بتثبيته حضارة اليونان ~~والرومان. # وأما الفرق بين الماضي والحاضر فهو أن الديمقراطية القديمة قامت على العبودية فظلت ~~الطبقة السفلى مسخرة للأعمال الدنيا والخدمة، لتتفرغ الطبقات العليا للحكم والقضاء. ~~كان الفرد ينتمي أبدا إلى سيد أو قبيلة أو عشيرة (على ما نرى اليوم بين الأعراب أهل ~~البادية وسكان الريف)، فيفاخر بقوله «نحن» كأن لا رأي له ولا قيمة في ذاته منفصلا عن ~~جماعته. على نقيض هذا العصر وفخر الفرد فيه أن يقول «أنا» وأن يكون قيما في نفسه، ~~مجردا عن أي أحد، وأيا كان حسبه ونسبه. الفرد اليوم ms35 يقوم مقام المجموع، وليست نقابات ~~العمال وشركات التعاون لتثبت غير ذلك. الواحد للكل، نعم، ولكن على شريطة أن يكون الكل ~~للواحد. وهي ميزة تفرد بها هذا العصر ولم تعهد من قبل ، ولئن قبلناها من غير دهشة فلأننا ~~نحياها. أما مؤرخو المستقبل فسيتخذونها محور أبحاثهم، ويرون فيها ما لا بد أن ~~تكونه: فاتحة عهد جديد. ~~••• # وبعد كل هذه الحرية وكل هذا التقدم، ترى هل حصل الفرد على السعادة المنشودة؟ وهل تم ~~للمجموع السلام والهناء؟ هل جاءت الديمقراطية بكل ما ينتظر منها؟ # هناك ميزة تلازم ميزة «الفردية» العصرية، وهي طلب التوسع والاستعباد على الطرز الحديث. ~~مفهوم أن الأمم الكبيرة تقول برغبتها في إنهاض الأمم الصغيرة من جهلها وخمولها، وتسييرها ~~وإياها جنبا إلى جنب في موكب الحضارة العظيم. ولكنه مفهوم أيضا أن هذا القول أسلوب من ~~أساليب البيان السياسي، وأن تلك الأمم لا خلاص لها مع هذا التزاحم الدولي والأزمات ~~الاقتصادية في غير استغلال المستعمرات وتصريف تجارتها فيها. وما استعدت ألمانيا نصف قرن ~~وفاجأت - أو زعموا أنها فاجأت - أوروبا بالحرب الضروس إلا توصلا إلى انتزاع ما يمكن ~~انتزاعه من عدو حسبت اندحاره أمرا واقعا. ولكن ألمانيا هي التي اندحرت ولو إلى حين، ~~والشعوب المرجو استغلالها واستنتاج أراضيها بدأت تتحرك وتأبى أن تستعمر وتستغل. دع عنك ~~الخطر الأصفر الذي اكتسح الغرب مرتين في مطلع القرون الوسطى وفي آخرها، وطالما تخوفته ~~أوروبا قبل الحرب الكبرى، وما زالت تخشى منه إغارة جديدة تجيء أشد هولا وأفتك ~~بطشا. # هذه مظاهر الديمقراطية في الخارج، وما حال تلك الحكومات في داخلها؟ أي صنوف المساواة يسري ~~بين مراتبها الاجتماعية وبين أفرادها؟ أزالت الفروق من بينها ولم يعد فيها صغير أو حقير؟ ~~يخيل إلينا أن أقرب الأمم إلى الديمقراطية هي الأمة الأمريكية لقلة ما وراءها من ~~التقاليد؛ فهل حالت المساواة دون ما يقابل به البيض السود من ازورار واحتقار؟ هل حالت ~~الحرية والمساواة دون هدر الدماء والتشنيع والتفاضل؟ إن تلك القدرة الهائلة التي تغلي فيها ~~جميع عناصر الدنيا ما زال يؤبه ms36 فيها لفروق الجنسية والثروة والذكاء والعلم والتربية، ما ~~زال يؤبه لتلك الفروق بالفعل وإن نفيت بالقول، بل ما زالت الانتقادات تملأ صحفهم، وتعدد ~~الأحزاب يقسم مجالسهم، وقرب ثروتهم القارونية نرى العوز الأقصى والحرمان الوجيع. فإذا ~~كانت الديمقراطية الدواء الناجع، فما هذا الذي نسمعه من صخب الشكاية والتهديد؟ ما هذه ~~البراكين الفائرة ضمن أنظمة المساواة التي سنت بدماء الأنام؟ وما بال موقف العمال إزاء ~~أصحاب الأموال يشبه موقف الشعب إزاء الأرستقراطية في القرن الماضي؟ # سئل صولون الشارع اليوناني يوم وضع أسس الديمقراطية: «أتظن أنك أعطيت أهل أثينا ~~أحسن نظام ممكن؟» فأجاب: «بل أعطيتهم أحسن نظام يوافقهم.» وقيل إنه لم يكن يطمع في نفوذ ~~نظامه أكثر من مائة عام. وقال آخرون بل كان يتوقع تغييره بعد عشرة أعوام. ويحسب صولون من ~~حكماء اليونان السبعة، فلا عجب إذا هو لم يثق من دوام القانون لأنه يعلم - وهو الحكيم - أن ~~طيبة الإنسان فردا كان أو جماعة، متبدلة متحولة متكيفة مع الأحوال، وأن القوانين ~~توضع للأفراد وليس الأفراد بموضوعة للقوانين. # وإزاء حركات الدول في داخلها وفي خارجها، إزاء حرب الأحزاب وسخط المراتب وتربص الطبقات، ~~إزاء حاجة المدنية وإنتاجها وما تفنيه من جديد وتحييه من قديم، إزاء الفروق الجوهرية ~~والكره الطبعي وضرورة الحرب والمناضلة، يقف المفكر متأملا، وإذ تتعالى إليه أصوات ~~الهاتفين وضجيج الغاضبين، ترتسم في الفضاء أمامه صور الشارعين يكتبون الأنظمة، ويسنون ~~القوانين متفائلين مستبشرين. فينظر إليهم صامتا وفي نظره هذا السؤال الذي لا جواب عليه: ~~«أين المساواة التي تدعون؟» # الفصل الخامس # | الاشتراكية السلمية # طالما كانت النظريات المجردة والمذاهب الفلسفية مستودعا لمختلف الآراء يستخرج منها ~~ما لا يتفق مع مرماها الأساسي أو ما يناقضه. ومن الأدلة على ذلك أن الاشتراكية مقتبسة ~~من مذهب «هجل» الفيلسوف الألماني. وما الفلسفة الاشتراكية أو المادية الماركسية - كما ~~يسمونها أحيانا - إلا تحريف الفلسفة الهجلية تحريفا قد يكون مقصودا ليتلاءم وحجة ماركس ~~الكبرى في ثقته بفوز الاشتراكية التي أقامها على ما دعاه المادية التاريخية أو الأساس ~~المادي التاريخي # matérialisme Historique # وهاك ms37 شرح هذه ~~المادية التاريخية التي شاد عليها ماركس عقيدته: # سبقه المصلحون فقالوا بتدرج العالم ورقيه بالعوامل الفكرية والأدبية والأخلاقية، فنفى ~~ماركس ذلك ليثبت أن كل تطور في السياسة والتشريع والأخلاق والفكر ناتج عن التكيف الآلي ~~والتحول الاقتصادي. أي إنهم أرجعوا الرقي المادي إلى أصل معنوي، فقال هو بالعكس وجعل ~~التغير الداخلي وكل تغير سواه آتيا من التطور الآلي والاقتصادي؛ لأن مبدع الأحوال ~~ومحدث الانقلابات هو الاحتياج البشري؛ ذلك الاحتياج الذي يستنبط صنوف التصرف ويستخدم وسائل ~~القوة ليظفر بتنظيم الاجتماع على ما يقضي به الزمان والمكان. فالفن والصناعة على أنواعهما ~~من لوازم الحياة العمرانية وهما يفرضان بتقسيم العمل، فينتج عن هذا تغاير الوظائف الموجد ~~المراتب الاجتماعية. وتتطور النظم في التاريخ على هذا النمط فتسود كل مرتبة - خلقتها ~~الوظيفة طبعا - في أشد أدوار الاحتياج إليها؛ لذلك ساد رجال الدين وذوو الشرف الموروث يوم ~~كان الدين كل شيء، وكان الملك سليل آلهة تخاطب العباد من وراء ستار الهياكل، وتنفذ ~~الأوامر، وتسن الشرائع على لسان الكهنة والعرافين. وتسلط رجال الحرب يوم كانت البلاد في ~~خطر إزاء هجمات الغازي لا يرده غير اليد المسلحة بالقوة والنار. وغلب أهل المال يوم ~~استولوا على موارد الخير ومصادر الثروة. أما سيادة الغد فلليد العاملة التي لولاها لوقف ~~اليوم دولاب الصناعة فشلت حركة العمران. # هذه هي «المادية التاريخية» التي تضمن لماركس وقومه تغلب الاشتراكية في المستقبل على ~~الأنظمة الأخرى. ثم إن حركة المعاش تدور بالإنتاج، وما الإنتاج العالمي الضخم بعمل فرد أو ~~جماعة أو شعب، بل هو عمل جيش العمال المنتشر في جميع أنحاء الكرة الأرضية ينتج الثروة ~~ويمون العالم. وهو أمام هذا الخير الفائض فقير تعس شاظف العيش، ضئيل الممكنات، محروم ~~الوسائل، يعمل ويكد وليس بواثق من قوت غده. فإذا كان الطور جديدا، والإنتاج جديدا، ~~والثروة جديدة، فلماذا تظل شروط العمل قديمة؟ وإذا كان الإنتاج مشتركا، فلماذا تكون ~~الاستفادة منه فردية؟ لماذا تشتغل الألوف والملايين ليتنعم الآحاد والعشرات؟ لماذا تتلامس ~~الثروة والفاقة، والبذخ والعري، والعلم والجهل، والسعادة والشقاء؟ ms38 إن في هذا التناقض رأس ~~الأوجاع الحاضرة ومصدر المشاكل الاجتماعية المختلفة. فقام دعاة الاشتراكية يعالجون الأمراض ~~ويحلون المشاكل إنصافا لبني الإنسان وتعزيزا ل «المادية التاريخية». وأنشئوا يكونون ~~شركات التعاون ويؤلفون نقابات التضامن لمحاربة الأثرة الرأسمالية. حتى إذا ما توفرت لديهم ~~القوة الكافية لم تعد الاشتراكية حكومة في الحكومة كما يسمونها الآن، بل أصبحت الحكومة ~~الوحيدة القائمة على أساس المساواة بين الجميع، وحذف فروق الدرجات والمراتب، وتكسير قيود ~~الوطنيات والأديان والثروات والامتيازات. ~~••• # يؤاخذها كثيرون - حتى المعجبون بما فيها من المبادئ السامية - بما يشينها من أوهام ~~ونظريات تحول دون صيرورتها نظاما شاملا نافذا. غير أنها تظل عملية في بعض أغراضها. ~~ولكن دعنا حينا من العمليات والنظريات؛ فالاشتراكية أقدم من ماركس وهجل والقرن الذي تتابعا ~~فيه، إنها موجودة في الطبيعة، هي والفردية والنظم الأخرى جنبا إلى جنب. لقد ابتدأت ~~الوحدات الإثنوغرافية بها حياتها الاجتماعية يوم كان أفرادها في غفلة الفطرة لا يرون ما ~~بينهم من تعاريف الفروق، ثم تطورت إلى الملكية فما عداها. ولكن إن اعترى الاشتراكية ~~الكسوف وراء النظم السائدة على تعاقب الغير فقد ظلت الفكرة منها ترود أدمغة الفلاسفة ~~والكتاب. هي التي أوحت إلى أفلاطون كتاب «الجمهورية» فكانت فيه أرستقراطية يتساوى عندها ~~المحاربون والأماثل والموالي. وأما طائفة العبيد وما حاذاها من الطبقة الدنيا فمنهمكة ~~طبعا في الأعمال الحقيرة، غريبة عن الكمال الأخلاقي الأسمى الذي ينزع إليه أهل ~~«الجمهورية» وقد ترابطوا للوصول إليه بروابط الاشتراكية والمساواة. هم جماعة حكماء لا ~~يقيدهم متاع الدنيا ولا يربطهم نسب أو قربى، تخلصا من تلك الأنانية العائلية التي تخلق ~~الأسرة فالعشيرة فالقبيلة فالأمة فالوطن، وتتسع هنا وهناك حتى يصير الاحتكاك بين مظاهرها ~~منشأ الخلاف والحروب. # ومن تلك الكتب الشهيرة «يوتوبيا» ثومس مورس و«مدينة الشمس» لتوماسو كمبانلا، و«اليوتوبيا ~~الجديدة» لويلز الإنجليزي معاصرنا الذي ما فتئنا نطالع طلي كتاباته الجامعة بين حقائق ~~العلم وبدائع الخيال مما يشوق المفكرين. # ولم تكن الاشتراكية خيالا في الكتب فحسب، بل نفذت قانونا خضعت له جماعات وقفت حياتها ~~للفلسفة أو العلم أو العبادة ms39 أو حب الإنسانية. منها المدرسة الفيثاغورية في بلاد اليونان، ~~وجماعة الهشنيين على شطوط البحر الميت، والترييث؛ أي زهاد اليهود في مصر، والغنوستيون، ~~وكثير من الجمعيات الرهبانية وغير الرهبانية ذات الصبغة الدينية أو المختفية وراء المظاهر ~~الدينية. ومنها في الشرق المزادقة والخوارج والإسماعيلية والقرامطة والحشاشون والوهابية ... ~~إلخ. وإن كانت هذه الجمعيات الأخيرة أقرب إلى الفوضوية منها إلى الاشتراكية، أو هي الوسط ~~بينهما. بيد أن الاشتراكية لم تظهر قبل اليوم، كما هي اليوم دستورا منظما تنظيما ~~علميا دقيقا في جميع فروعه، يجاهر بغايته الرهيبة التي هي قلب الحكومة، ونقض النظام، ~~وهدم المجتمع الحالي من أساسه. ليس في بلد أو في شعب أو في جنس أو في قارة، بل في جميع ~~البلاد والشعوب والأجناس والقارات ليقيم على الأخربة نظاما جديدا، ويمد سلطانه إلى جميع ~~أنحاء المعمور فتخضع له الأمم قاطبة مترابطة بالوحدة الاشتراكية الشاملة وأخوة المساواة ~~التامة. إن هذه المضاربة الاجتماعية الكبرى لأول مضاربة من نوعها في التاريخ، ولا يعادل ~~الطمع فيها إلا إقدام أتباعها القائلين بصلاحيتها ومشروعيتها التي يزعمونها المشروعية ~~الطبيعية الوحيدة، وأن ما عداها تعسف وطغيان واستغلال الإنسان للإنسان. # أقول الاشتراكية حاصرة في هذه الكلمة جميع المذاهب المدعوة باسم موجديها في الغرب، بل ~~باسم الذين أحدثوا فيها بعض التغيير والتعديل. وسواها من المذاهب ذات الفروق المهمة ومنها ~~ما يرمي إلى اشتراكية الأملاك ورءوس الأموال فقط، ومنها ما يعمل لشيوعية رءوس الأموال ~~وشيوعية استهلاكها جميعا؛ لأن جميع هذه المذاهب تتفق في المسألة الجوهرية، وهي هدم الملكية ~~الفردية وإقامة الملكية الشيوعية؛ فيمسي الفرد غير مالك بصفته فردا مستقلا، وإن أصبح ~~مالكا من حيث هو جزء من مجتمع تتوزع الخيرات بين أفراده على قاعدة التسوية. أما نزعات ~~طالبي تحقيقها فعلى كثرتها تنقسم إلى قسمين رئيسيين، أحدهما أقوى من الآخر كثيرا، غير أن ~~قوته لا تنفي وجود نده، وهما: النزعة الألمانية الثوروية، أو الماركسية التي انقلبت في ~~الروسيا بلشفية، وموجدها ماركس العظيم؛ والنزعة السلمية التي يجوز أن تنعت بالفرنساوية لأن ~~جل أهلها أفرنسيون - وإن وجد ms40 بينهم من قرب إلى الماركسية، أو من شغل الوسط بينها وبين دعاة ~~الإصلاح السلمي. ~~••• # الاشتراكية السلمية كالثوروية ترمي إلى تغيير النظام القائم ولكن بوسائل غير حادة، بل ~~بإدخال أعضائها في الهيئات النيابية والإدارية والقضائية يعدلون ما أمكن تعديله، ويكثر ~~عددهم مع الزمن حتى تصبح يوما أعنة الشئون في أيديهم، فيسنون نظامهم وينفذونه دون ~~استباحة أرواح وسفك دماء. ولقد ولدت الروح الاشتراكية الجديدة مع الديمقراطية الجمهورية في ~~الثورة الفرنساوية التي استفزت في آن واحد الحماسة الوطنية وحماسة توحيد جميع الأوطان. وظلت ~~تلك الروح نامية في فرنسا وسويسرا وإنجلترا وألمانيا حتى خطا بها لوي بلان - صديق فكتور ~~هوغو - خطوة واسعة سنة 1839 إذ أعلن أن غايتها هي حماية العامل من جور صاحب العمل، وجعله ~~قادرا على الإنتاج مستقلا فيما سماه «المعمل الاجتماعي». وأنشأ برودون بنك التعاون ~~المدعو «بنك الشعب» سنة 1849 فانضم إليه عشرون ألف مساهم في ستة أسابيع، ولكن لم يطل أن ~~حكم على برودون بالسجن عقابا على بعض كتاباته، فهرب إلى جنيف فهبط بهربه مشروعه؛ ~~ومنذ ذلك الحين وزعماء الاشتراكية الفرنساوية يتعاقبون معدلين من المذهب ما لا يتفق مع ~~أحكامهم دون أن يتحولوا عن الغاية الجوهرية وهي القضاء على رأس المال والتسوية بين جميع ~~أفراد المجتمع. # وتنضم إلى هذا الحزب السلمي الاشتراكية الأمريكية وزعيمها هنري جورج الذي لم يجد لإزالة ~~الاضطراب الاجتماعي من وسيلة أفضل من إثقال كاهل أصحاب الملك بضرائب تعادل إيراداتهم ~~تقريبا، كأنهم «محصلون» لخزينة الحكومة. على أن تجعل هذه الضرائب رأس مال للعمال ~~يستغلونه في معامل اشتراكية فتتعطل الصناعة الفردية شيئا فشيئا لنقص الأيدي العاملة. ~~غير أن هنري جورج لم يقل لنا هل يقبل أصحاب الملك تأدية تلك الضرائب، وهل تقبل الحكومة ~~فرضها على الذين يملئون خزائنها؟ وإذا هي قبلت، فهل تتنازل عن مثل تلك الثروة لترسمل ~~من غير ربى تلك الطبقة التي تحاربها في قوتها العظمى؟ ولو رفضت الحكومة ورفض أصحاب الملك ~~فماذا يكون؟ أليس أنه إذن يدوي صوت ماركس الرهيب وتخفق الألوية الحمراء فوق جماهير ms41 ~~الثائرين؟ ~~••• # ويصح أن يذكر في سياق الكلام على الاشتراكية السلمية «الحزب الاشتراكي المصري» الذي أعلن ~~بروغرامه في شهر أغسطس المنصرم، فكان مسالما إلى حد أغاظ الأستاذ عزيز ميرهم - سكرتير ~~الحزب الديمقراطي - من جهة ، وتخوف لتكونه المحافظون وعلى رأسهم فضيلة السيد محمد ~~الغنيمي التفتازاني - شيخ السادة التفتازانية - من جهة أخرى؛ فقامت بين هذه النزعات الثلاث ~~مناقشة أسفرت عن أمر واحد، هو أن جميع المتناقشين محقون فيما يدافعون عنه؛ فالمحافظ محق ~~في محافظته، والمعتدل مصيب في اعتداله دون أن يكون تطرف المتطرف بمستهجن؛ لأن مذاهبهم ~~هذه ومئات المذاهب الأخرى وجوه للفكر الإنساني يختفي وراء كل وجه منها قسط من الحقيقة، ~~وأجزاء من كلية الحياة ذات ألوف الأنحاء والمناهج. فالرأي الواحد يعبر عن احتياج فرد أو ~~جماعة، وما كانت الحقيقة يوما محتكرة لفرد، ولا الإنسانية محصورة في جماعة. # قلت إن الأستاذ عزيز ميرهم قام يؤدب الاشتراكية المصرية ويحثها على «استكمال ~~اشتراكيتها»، ليس بصفته سكرتيرا للحزب الديمقراطي، ولكن بصفته الشخصية المجردة (وقد يكون ~~في هذا ما يخطر الحزب الديمقراطي بانفصال أحد أعضائه عنه عندما تنضج الاشتراكية في هذه ~~البلاد)، ولقد أجاب سلامه أفندي موسى - أحد أعضاء الحزب الاشتراكي - بما يدل على تصميم ~~الاشتراكيين المصريين على المسالمة وعلى أن رائدهم الإصلاح التدريجي: # ومع تمنينا نجاحهم (البولشفيين) في تجربتهم العظيمة فإنا لن ننصح بالطفرة، وسيكون ~~رائدنا التدرج والتطور. ولا شك أن الاشتراكية المصرية ستكتسب لونا خاصا ~~بتأثير الوسط المصري والمزاج المصري لا يمكننا ولا نرغب في تعيينه الآن، وإنما نأمل ~~أنها تسير في خطة تواد الطبقات فيها أكثر من نصيب التباغض؛ فلا ينبغي أن يفهم ~~الغني من حركتنا أنه خصم لنا نسدد إليه سهامنا؛ فإن الغنى والفقر نتيجتان للنظام ~~الحاضر، والاشتراكية بإنقاصها من حقوق الغني من الجهة الواحدة ستزيد في حقوقه من ~~الجهة الأخرى؛ فهي ستضمن له حياة خالية من هموم العيش ولا تكلفه سوى شغل ساعة أو ~~ساعتين في اليوم، وأظن أنه من الممكن أن نقنع طبقة كبيرة (!!!) # 1 # من الأغنياء الحسني النية بأفضلية الاشتراكية ms42 على النظام الرأسمالي ~~الحاضر، فلا يحتاج الاشتراكيون إلى اتخاذ خطة عدائية نحو الأغنياء. # وأما ما سألنا عنه الأستاذ هيكل عن كيفية تطبيق الاشتراكية على الأراضي في مصر، ~~فهذا مما يسهل الجواب عليه: فإن في القطر المصري نحو خمسة ملايين فدان مغل ~~يشتغل فيها نحو عشرة ملايين نفس، فلو فرضنا أن بضعة من أغنياء أمريكا ذوي الملايين ~~ألفوا شركة واشتروا جميع أراضي القطر المصري، أكانوا يرضون بتشغيل عشرة ملايين ~~عامل لاستغلال هذه الأرض، أما كانوا يكتفون بمليون عامل أو أقل من هذا العدد ~~فيستخدمونهم بواسطة آلات بخارية عظيمة للزرع والري والحرث والحصيد؟ فهذه الشركة ~~المفترضة هي الحكومة الاشتراكية، فإن القطر المصري يكفي زراعته نصف مليون عامل ~~تقريبا إذا اعتمدنا في زراعته على الآلات وفرضنا أنه عزبة واحدة يملكها مالك ~~واحد. # ومن البديهي أننا في نظام اشتراكي لا نخصص نصف مليون عامل للزراعة ونترك سائر ~~الأمة في بطالة إجبارية، فإن تعميم التربية سيمنع عددا كبيرا من شباب الأمة ~~وصبيانها عن الشغل، ثم إن زيادة السكان المطردة ستضطرنا إلى الصناعة، وهذه ستتطلب ~~عددا كبيرا من العمال لا يمكن الحصول عليه الآن؛ لأن الزراعة بكيفية ممارستها ~~الحاضرة تحول بينهم وبين مزاولة أي عمل آخر. # فالنظام المنشود للاشتراكية الزراعية هو النظام الميكانيكي، وبواسطته يخف عبء ~~العمل الزراعي ويتحرر عدد كبير من العمال يستطيعون بذلك الشغل في المصانع، وطريقة ~~الملك الفردي الحاضرة تحول دون الانتفاع بالآلات الحديثة. والفرق بيننا الآن وبين ~~نظام اشتراكي هو الفرق بين رجل يعتمد في رحلته على ركوب الجمل وآخر على ركوب ~~القطار؛ فزيادة الإنتاج التي تطلبها زيادة السكان لا تكون إلا باستعمال الآلات ~~الكبيرة، وهذه لا يمكن استعمالها إلا في نظام اشتراكي. # 2 # هذا ما يقوله الاشتراكي المصري الذي حذا حذو هنري جورج وسائر الاشتراكيين المسالمين - ~~ابتداء من سان سيمون إلى أوسيب لوريه - في الاستكانة عند أمله بنجاح مساعيه ولم يزد. ترى ~~لو لم تقنع تلك «الطبقة الكبيرة من الأغنياء» فماذا يحدث؟ أوتراهم لم يزيدوا لأن السكوت ~~أفصح من الكلام في ms43 بعض المواقف؟ # الفصل السادس # | الاشتراكية الثوروية # خرجت الاشتراكية الثوروية من دماغ ماركس كتابا بين سطوره بقع الدماء ولهب الحرائق ~~ونار المقذوفات، كما خرجت بالاس أثينا آلهة الحرب والحكمة غادة مدججة بالسلاح من دماغ ~~أبيها جوبتر إله الآلهة. ذلك الكتاب المدعو «رأس المال» # Das ~~Kapital # هو إنجيل الاشتراكية الحديثة، ولم يبدعه مؤلفه إبداعا بل ~~استخرج أهم عناصره من الفلسفة الألمانية ومن الاشتراكية الفرنساوية، يضاف إليها تأثير ~~الجمعية الشيوعية البركسلية السرية التي كان ماركس هو ورفيقه إنجلس ينتمي إليها بعد إبعاده ~~من باريس، وإلى الجمعية الديمقراطية الدولية العامة، فضلا عن كتابات الاقتصاديين الإنجليز ~~وتطور حركة العمال في إنجلترا، التي ابتدأت بتأثير روبرت أون # Owen ~~، مؤسس الاشتراكية الإنجليزية، وهو رجل وقف ثروته ~~البالغة اثني عشر مليونا لتحقيق نظرياته. # ماذا يبغي ماركس وأصدقاؤه إنجلس ولاسال وويتلنج وغيرهم المنادون بالجمهورية الاشتراكية، ~~الموجدون بين الطبقات حربا ما فتئت تذكيها بلاغتهم النارية، والتي ستفضي حتما إلى ~~زلازل اجتماعية فظيعة؟ ما هي غايتهم من إلغاء فروق الوطنيات، ومحو حدود البلدان، وتكوين ~~اتحاد العمال في جميع الأقطار؟ # الاقتصاد دولاب تدور به آلة الحياة الاجتماعية بفروعها ومظاهرها المختلفة. وليس الاقتصاد ~~هنا ليعني التوفير، ولكنهم يريدون به - حسب الاصطلاح الحديث - طريقة الإنتاج والتبادل. ينتج ~~المرء ما يستطيع إنتاجه ليبدله بما يحتاج إليه من ضروري ويصبو إليه من كمالي؛ فيتمكن بعدئذ ~~من الاستمرار على الإنتاج في نوع العمل الذي يجيده. ولقد كان التبادل يحصل مباشرة بلا ~~وسيط في الجمعيات الأولى، غير أن تقدم الحضارة جعل المال من الأهمية بحيث أصبح واسطة ~~التبادل الوحيدة التي يستحيل بدونها الحصول حتى على أهم الضروريات، وتفنن الناس في حشده ~~لا سيما عن طريق الصناعة التي ارتقت آلاتها ارتقاء عظيما، واستولى أهل رأس المال على ~~منابع الإنتاج فصاروا لا هم لهم سوى سرعة الإنتاج والإنتاج بأبخس الأثمان لتزداد الثروة ~~بالأرباح السريعة؛ وهذان الشرطان متوفران في استخدام الآلات؛ فغدا العامل بذلك مرغما على ~~قبول أحد اثنين: فإما الموت جوعا لضيق اليد، وإما العمل بأقسى الشروط ليعيش عيشة كلها ms44 كد ~~وحرمان وظلام. ~~••• # لقد مرت الأمم والجماهير في قرون العبودية فلم يبق منها على الأرض غير آثار الملكية ~~والأرستقراطية، حتى هب الشعب في الثورة الفرنساوية يطالب بالمساواة مفاجئا المستأثرين ~~بالسيف والنار، وانبرى نابليون الديكتاتور يلقي بذور الثورة أينما حل ويوسع من دوائر ~~الحرية ما يسر انبساط شوكته. قبله لم يكن يحارب إلا الأشراف، ولم يكن يدخل البلاط إلا ~~الأشراف، ولم يكن يرشح للمناصب الرفيعة إلا الأشراف؛ فرفع الصغار من ذوي الكفاءة إلى ~~أعلى الدرجات، وجعل من ذوي البسالة والمهارة الحربية مارشالية وقوادا عظاما، وخلق ألقاب ~~الشرف للممتازين بمواهبهم الطبيعية؛ فشعرت الأمة - بما فيها طبقة العمال - بأن الحرية ~~السياسية التي اعترف لها بها سنة 1789 متحققة. # بيد أن النظام الديمقراطي قصر على تعريف المساواة بين الطبقات والأفراد في الحقوق ~~وأمام القضاء، ونادى بالحرية النظرية التي تحرم الاستعباد النظامي على ما كانت تجوزه ~~القوانين في الماضي، ولكنه فاته أن هناك عبودية اقتصادية أشد هولا من أية عبودية سياسية. ~~وماذا عسى تنفع الحرية السياسية من ليس لديه ما يؤهله للتمتع بها؟ عبودية الأمس ضمنت له ~~الغذاء والسكن والكساء، أما حرية اليوم فسلبته هذا الضمان ولم تنله ما يحتاج إليه. وما ~~كانت قيمة المرء الاجتماعية والسياسية إلا لتوازي قيمته الاقتصادية؛ أي ما يملكه من مصادر ~~الثروة؛ لأن الذي لا شيء عنده عبد لمن عنده شيء، وهو يواصل العمل ساعات طويلة، ويفني قواه ~~في الكد والإجهاد، فلماذا يبقى عبدا؟! # يبقى عبدا لأن الحكومة اهتمت إلى اليوم بالإنتاج وأهملت التوزيع، وليس النقص في قلة ~~الإنتاج فهو موفور، إلا أن سوء التوزيع يمنح قوما فيصبحون موالي، ويحرم قوما فيمسون ~~عبيدا؛ أولئك يتنعمون ولا يعملون، وهؤلاء يبذلون حياتهم في العمل بلا أمل ولا عزاء؛ لذلك ~~أشهر الاشتراكيون الحرب على جميع القوانين السارية لينيلوا الذين حررتهم السياسة في ~~ثورة الأمس الحرية الاقتصادية في ثورة اليوم، وذلك بالتوزيع على الجميع سواء بسواء؛ ~~فالتوزيع إذن قلب قلب النظام الاشتراكي، وغاية غايته. ولما كان توزيع نتاج العمل ~~ذاته غير مفيد لمنتجه في ms45 كل الأحوال، فقد جعلوا التبادل على قاعدة ما سماه ماركس «الوقت ~~الاجتماعي»؛ أي عدد الساعات المستهلكة لإنجاز العمل، وحذفوا المال واسطة الاحتكار ~~والاستغلال وعامل الطغيان الأكبر - على ما يرون - وقضوا على الثورات الفردية وما لها من ~~مصارف، وشركات مالية ، وصناديق توفير، وبورصات ... إلخ، ليوحدوا الثروة في يد الحكومة أو ~~المجتمع، وشعارهم هو هذا «لكل ما يخصه ولكل نتيجة عمله»، ولكنهم علموا أن مثل هذه ~~المساعي لا تنجح في بلد واحد سوى نجاح وقتي، وأنه لا تلبث الحكومات الأخرى أن تزاحم الحكومة ~~الاشتراكية في أسواق التجارة وتتألب عليها فتقضي على أنظمتها وتطارد مؤيديها حتى ~~الهلاك؛ ولهذا قرروا نشر دعوتها في جميع أنحاء المعمور لتتم بها تلك الثورة الدولية ~~الكبرى والانقلاب العام العظيم الذي تنبأ عنه كروبتكن الروسي منذ أكثر من ثلاثين عاما، ~~فقاموا ينادون باستقلال الشعوب وحريتها في تقرير مصيرها، وما هذا الاعتراف إلا تمهيد ~~للاتحاد العالمي الشامل تحت راية الشيوعية المطلقة. ~~••• # أما الواسطة لبلوغ هذه الغاية فهي القوة؛ لأنهم يرون أن النظام الحاضر يحول دون الإصلاح ~~المنشود بمحافظته على الحقوق الفردية وتأييده امتيازات أصحاب المال والعقار الذين يملئون ~~خزائنه بالضرائب، والأنانية الحيوية تحمل هؤلاء وذاك على استخدام كل وسيلة ممكنة للاحتفاظ ~~بممتلكاتهم؛ فالقوة وحدها تتغلب عليهم، ولتنظيم هذه القوة أنشئت شركات التضامن ونقابات ~~التعاون، وغرضها الدفاع عن حقوق العمال حتى إذا آن الأوان قاموا بالحركات الثوروية ~~المطلوبة. وقد استحسن ماركس الديكتاتورية لتخويل هذا الانقلاب الواسع ما يحتاج إليه من ~~الشدة والإتقان، بل رأى أنه يتحتم حصر الأمر والنهي في يد زعيم مطلق. ولا شك أن ماركس ~~استنبط المنصب الديكتاتوري لموافقته لفطرته ومكانته؛ هو الذي كان ديكتاتور الاشتراكيين يوم ~~أسس الإنترناسيونال # 1 # الأولى، وإنما انفض الأشياع يومئذ من حوله لمغالاته في الاستئثار ~~والطغيان. # بين الناس اليوم شعور قوي بأن اليهود هم الذين ابتدعوا الاشتراكية وما والاها؛ انتقاما ~~من الشعوب والأجناس والأديان التي حملت عليهم واضطهدتهم عشرين قرنا لم يكن لهم فيها حرية ~~ولا وطن ولا كيان، وسعيا لنشر سلطانهم على العالم، ms46 فعملوا في تأسيس الإنترناسيونال التي ~~سميت المؤتمر الدولي الأحمر، وأقاموا إزاءها في فيينا تحالف الممولين الذي دعي ~~المؤتمر الدولي الذهبي - ذلك ليقبضوا على ناصيتي القوة في المعمور: وفرة العدد ورأس ~~المال. ويستشهد الناس على صدق شعورهم بأن كبار زعماء البلشفية من اليهود، كما أن كبار ~~الممولين في العالم يهود يمدون البلشفية بالمساعدة السرية رغبة في نشرها وبقصد ابتزاز ~~المال أيضا؛ لأن الثورة العامة مضاربة مالية وسياسية فيحاء تروج سوقها الصحافة العالمية ~~بلهجات متناقضة - وزعماء الصحافة يهود كذلك. # فيدافع اليهود عن نفوسهم قائلين إن رئيس الشركة الصحافية الكبرى المستر أستون ليس ~~يهوديا، وأن «شركة الأنباء البرقية الأمريكية» ليست إسرائيلية، وأن مستر هرست صاحب سلسلة ~~الصحف والمجلات ليس يهوديا، وأن اللورد نورثكليف قطب أقطاب الصحافة البريطانية ليس ~~يهوديا، ومثله صاحبا «الشيكاغو تريبيون» وغيرهما كثيرون. وإذا كان هناك ممولون من ~~اليهود فلماذا لا يذكر حيالهم روكفلر ومورغن وريان ودوبون وهنري فورد وويرهاوز، و15 ألفا ~~سواهم من الأمريكان أصحاب الملايين الذين ليسوا يهودا؟ وإذا كان بعض زعماء البلشفية ~~يهودا، فألوف من صغار تجار اليهود فقدوا أموالهم ولاقوا حتفهم في الثورة الروسية بعدما ~~ذاقوا في عصر القيصرية من الإهانة والعذاب والتجرد من الحقوق السياسية والقضائية؛ فإن هم ~~ثاروا فإنما فعلوا كمرتبة اجتماعية وليس كطائفة دينية، وإذا كان تروتسكي وسڤرولوف وغيرهما ~~من البلشفيين يهودا، فليس في لنين وتشيتشرين وكراسين وكلينين قطرة دم إسرائيلي. وأكثر قادة ~~المنشفيك - أعداء البلشفيك الألداء - يهود، ومثلهم زعماء الديمقراطية الدستورية المنافسة ~~حكومة السوفييت. وإن البلشفيين يكرهون اليهود لأنهم ينظرون إليهم كمحافظين على النظام ~~الرأسمالي، وأن اليهود محبون للقانون وهم في البلاد اللاتينية - حيث تراعى الحرية الدينية - ~~أقرب الناس إلى حفظ النظام وأشدهم تعلقا بالعائلة والفردية والملكية. # ذكرت هذا الاتهام والدفاع لأنه نقطة ذات أهمية خاصة في هذا الاضطراب الشامل، ليس ~~استجلاؤها بالممكن في الحاضر ولن يكشف أسرارها إلا المستقبل. ~~••• # بينا كانت دول الحلفاء قائمة في وجه دول الوسط تهتف باسم الديمقراطية والحرية، قال ~~الكونت أوكوما - أحد كبار ساسة اليابان - إن المدنية الأوروبية ms47 التي يزعم الحلفاء الدفاع ~~عنها آخذة في التهدم والانهيار تحت معاول الاشتراكية. نعم، العالم يرى اليوم انتهاء طور ~~وابتداء طور آخر. وقد قامت الديمقراطية المتطرفة تكتسح الديمقراطية المعتدلة التي لم ~~يطل عمرها أكثر من قرن واحد بعد قرون الملكية؛ لأن الأمم نضجت بسرعة في هذا العصر، ولا شك ~~أن سرعة النضج ستتزايد في العصور المقبلة. # لا بد أن تزول حضارة اليوم كما زالت كل حضارة سبقتها، ولا بد أن يحور النظام الحاضر ~~كما حور كل نظام قبله. ها إن ظل الاشتراكية يمتد فوق هذا الجيل ونجد آثارها حولنا ~~أنى نظرنا ففكرنا. لقد انتشرت شركات التعاون في كل مكان حتى في أقاصي اليابان، وهبت ~~الشعوب تتسابق في الإنتاج الصناعي وفي التهذيب الفكري جميعا. واهتزت الأجناس لعاطفة ~~الكرامة القومية؛ فعقد حتى زنوج أفريقيا مؤتمرا في لندن لتقرير المطالبة بما تطالب به أرقى ~~أمم الجنس الأبيض من سيادة قومية واستقلال. ولقد كثرت جيوش العمال العاطلين في الشرق ~~والغرب، وتعددت فتن الشيوعيين المهاجمين صرح الحضارة بفئوس الثورة والعصيان. ومهما جد ~~النظام الحالي في الترميم، فالبناء متداع سيسقط في مستقبل قريب أو بعيد؛ لأن روح ~~الاشتراكية انطلقت إلى أعماق النفوس واستقرت فيها منها المطامع والآمال. # يا للمطامع والآمال المتشابهة في قلب الإنسان! عند كل انقلاب وكل تحول يأتينا النظريون ~~بالإصلاحات المنمقة والدساتير المزركشة مستشهدين بالعلم والفلسفة والتاريخ، وضامنين لنا ~~بتنفيذ قوانينهم عصرا ذهبيا يدر على العباد لبنا وعسلا. ولكن هذا التاريخ وهذه ~~الفلسفة وهذا العلم الذي يستهوون باسمه ألبابنا ويلطفون آلامنا، هو الذي ينقض وعودهم ~~وينكرها. إن في «المادة التاريخية» التي يستند إليها ماركس وأصحابه أكبر مكذب لأماني ~~الاشتراكية؛ لأنها إذا صدقت من حيث ظهور المرتبة الضرورية للاجتماع على المراتب الأخرى، فهي ~~كذلك تثبت بلا إثبات وجود التغاير الملاصق للإنسانية في جميع تطوراتها. # إن تقسيم العمل ملازم لأنواع العمل ولدرجة عقول الناس ودرجة كفاءتهم، وهذا التقسيم ~~المحتوم هو الذي يخلق المراتب المختلفة؛ لذلك كان هذا المذهب القائل بالمساواة أظلم ماحق ~~لها، وكان هذا المذهب الداعي ms48 إلى الإنصاف أشد الطغاة طغيانا. أترى المساواة في سبك ~~العسجد والطين في قالب واحد؟ وهل الإنصاف في تجريد الغني ليعطى المعدم؟ وهل الحرية في ~~توحيد العقل الكبير والقلب النبيل مع الفكر السخيف والنفس الزحافة؟ وهل يقوم حسن التوزيع ~~باستبدال صك بصك وعهد بعهد؟ وما هي لوائح «الوقت الاجتماعي» التي سيبدل كل بواسطتها ~~نتيجة عمله؟ ما هي إلا شكل جديد من الأوراق المالية! ومن هم أولئك الموزعون؟ أهم ~~ملائكة؟ فالملائكة سقطوا! أهم آلهة لتضمن لنا نزاهتهم وعدالتهم؟ وإذا كانوا على ذلك ~~الكمال، فكيف ينظرون إلى ماركوني - مثلا - وإلى الخامل الذي يتطفل على الناس، بعين ~~واحدة؟ ولو فعلوا فسووا بين النسر والضفدع، أفلا تكون هذه المساواة أعظم خيانة لأرقى ~~صفات الإنسان، وأسخف ظلم لما هو فخر الإنسانية وشرفها؟ # يقولون إن الشيوعية لم تنجح في الروسيا لأن الشعب ليس على رقي. التاريخ وراءكم أيها ~~الفلاسفة الكلاميون، التاريخ القاسي والوراثة القاهرة. وهل الشعب فرد واحد ليرتقي كله على ~~نمط واحد وفي درجة واحدة؟ ولماذا لم يتطور على هذه الصورة في عصور الملكية وما تلاها؟ ~~ألأنه لم يتعلم؟ وهل كل من يتعلم يعلم؟ وهل كل من يدرس يحفظ؟ وهل كل من يحفظ يحسن ~~التصرف بمحفوظاته وممتلكاته؟ إذن ماذا تفعلون بالفروق الشخصية؟ ماذا تفعلون بوجوه العقول ~~ووجوه الاستعدادات، ووجوه الملكات التي لا تقل اختلافا عن وجوه الأجساد؟ لماذا لستم ~~جميعا مثل لنين وكروبتكن وماركس ولاسال، حتى أنتم الأذكياء المتعلمون المخلصون؟ وماذا ~~تفعلون بالأجسام العليلة، أتساوون بينها وبين الصحيحة؟ وماذا تفعلون بالأعضاء البتراء، ~~أتقولون إن الفردية شوهتها؟ # إن أكبر ما تعاب به الاشتراكية المتطرفة هو نفخ الخامل والكسول والجبان، وإيهامهم أنهم ~~في الدنيا الكل في الكل. تعاب بالقضاء على تلك المكرمات الإنسانية وتلك الصفات ~~النبيلة؛ صفات القناعة والنزاهة والخضوع والرقة والتهيب أمام الأشياء العظيمة الجليلة ~~التي هي أثمن إرث في متحف العصور، والمناداة بصلاح ما يناقضها. المخلصون من دعاة هذا المذهب ~~ينسبون خمول الخامل وكسل الكسول وجبن الجبان إلى جهله وعدم توفر وسائل التقدم له لينهض ~~من ms49 دركته الفكرية والأخلاقية. وقد يصح ذلك في بعض الأفراد، ولكن ماذا نقول في الذين هم على ~~هذا الانحطاط المعنوي والحسي رغم علمهم أو توفر أسباب العلم لهم، ورغم وجاهتهم وعظمتهم ~~الاجتماعية؟ إن الذل الأخلاقي موجود بين الملوك وجوده بين الصعاليك، فما شأن المساواة في ~~ذلك؟! نعم، إن عيوب الاجتماع كثيرة، نعم، إن الأوجاع الحالية مريرة، ولكن الدواء سيكون ~~أمر والإصلاح أوجع؛ لأنه سيظلم كثيرين من الأبرياء ويقضي على جمال كثير. غير أني من ~~الذين يثقون بالمستقبل أيا كانت أغلاط الحاضر؛ لأن التحول رائد الكون. # الغد للاشتراكية بلا ريب، ولكنها ستغلب على أمرها بعد أن تنيل الاجتماع ما تستطيع أن ~~تأتي به من التعديل. الغد للاشتراكية، ولكنها لن تكون أوفى من الديمقراطية في تتميم عودها. ~~الغد للاشتراكية، ولكن من بين الطبقات المتساوية بالمساواة الجديدة ستنهض فئة فتعلو وتطفو ~~على الطبقات الأخرى، طبقة أرستقراطية المستقبل التي ستخلقها الكفاءة الشخصية وتقسيم العمل ~~المحتم اليوم والأمس وفي الغد. الغد للاشتراكية، ولكن الفردية ستظل منتصبة قربها على ~~الدوام. الغد للاشتراكية، ولكن ما بعد الغد لنظام آخر سوف ينبثق من قلب الاشتراكية التي هي ~~مذهب إنساني؛ فهي بذلك خاضعة لطبيعة الإنسان تملأها الحسنات والسيئات ويستحيل فيها الكمال، ~~إلا إذا بقي لها ذلك الكمال مثلا أعلى تتبعه ويظل هاربا أمامها إلى منتهى ~~الدهور. # الفصل السابع # | الفوضوية # نشرت جريدة «التيمس» في أوائل يوليو سنة 1920 رسالة بتوقيع كروبتكن الروسي أنكر فيها ~~أعمال البلشفية التي دعاها «ديكتاتورية حزبية» جازما بفشلها؛ فسارعت الصحف العالمية ~~المنددة بالبلشفية إلى تناقل هذه الرسالة مستعملة إياها كوسيلة لبث الدعوة ضد ~~السوفييتية، ومعلقة عليها بما يعني أن كروبتكن الذي قضى عمره مضطهدا منفيا لخروجه على ~~حكومة القيصر انفض عن شيوعية وطنه، وأخذ يناهضها بعد أن كان نازعا منزعها مواطئا لها. ~~وفي هذا التلميح من أرباب تلك الصحف أحد اثنين: فإما تضليل لمن لا يعرف وجوه الاختلاف ~~بين المتمردين السياسيين، وإما جهل محض توحدت عنده الاشتراكية والفوضوية. # لأنه على مقربة من الثوروية الاشتراكية ثوروية فوضوية هي ms50 أقل من تلك شيوعا ولكنها ~~أشد حرارة وأقوى وحشية. وكلاهما انبثق من الديمقراطية شاعرا بألم العمال ومرجعا ~~أصل الشقاء إلى استبداد صاحب رأس المال بالمأجور؛ ذلك الاستبداد الذي هو - على قولهما - ~~مبعث افتقار المجاميع في سبيل تنعم أقلية ظالمة جائرة. وكلاهما يجاهر بتعذر إصلاح هذا ~~المجتمع القائم على الملكية الفردية، ويقول بوجوب تقويضه وقلب النظام الحالي رأسا على عقب. ~~إلى هنا يتفقان ثم يظهر بينهما الخلاف في أساليب التقويض وفي كيفية تنظيم المجتمع المقبل. ~~الاشتراكية تريد تسخير الحكومة وإرهاب رأس المال لتقليل ساعات العمل وتحسين حالة العامل ~~ريثما يتم لها القبض على زمام الحكم، والفوضوية تريد الفتك بذوي المناصب لا لسبب آخر سوى ~~أنهم ينفذون قانونا يكرهه الفوضويون. الاشتراكية تعظم المجموع وكأنها لا تهتم ~~بالفرد إلا لأنه جزء من مجموع هو كل شيء في تقديرها، والفوضوية تقول باستقلال الفرد ~~استقلالا تاما يكاد يتلاشى المجموع حياله. الاشتراكية تريد قلب النظام الرأسمالي لتوطد ~~مكانه نظامها الاشتراكي، والفوضوية تريد قلب النظام الرأسمالي وكل نظام سواه، تريد إلغاء كل ~~قانون على الإطلاق أخلاقيا كان أم سياسيا أم اجتماعيا. هي الفوضى؛ أي التفويض إلى ~~الفرد إدارة شئونه دون مراقبة أو سيطرة. وتنظر إلى الاشتراكية كنوع جديد من الثكن ~~والأديرة ودور الحكومات فتنازلها مثلما تنازل الأرستقراطية والديمقراطية، ولعلها في نظرها ~~أشد الأنظمة خطرا واستئثارا. فلئن كانت الاشتراكية نقدا للمجتمع الحاضر فالفوضوية نقد ~~النقد وهدم الهدم وزلزال الزلزال. فهل من عجب بعد هذا إذا ما استنكر كروبتكن تلك ~~«الديكتاتورية الحزبية» وهو الفوضوي المقاتل كل سلطة شيوعية كانت أم قيصرية؟ ~~••• # ترى أي المفكرين نصدق، أروسو الهاتف بالعودة إلى الطبيعة لأن الإنسان خير بطبيعته ~~ولكن المجتمع أفسده بأنظمته، أم هوبس المصرح بأن الإنسان ذئب للإنسان وأنه طوي على ~~الفوضوية لا يقمعها ويحسن ضبطها فيه سوى الحكم المطلق: الحسن دون سواه؟ # إذا تحرى الباحث أحوال العالم بلا مشايعة ولا تحزب، وجد من الناس الصالح والطالح، ~~الذكي والأبله، المسالم والمتحامل، الخائن والوفي، فوجب عليه قبول كلا المذهبين كمتمم ~~أحدهما للآخر. وليس ms51 هوبس بالغبين ولا بالمتعسف؛ لأن اللانظام ساير النظام في جميع ~~أدوار التاريخ. وليست الفوضوية لانظاما موقوتا، بل هي حنق وعصيان متتابع يرمي إلى نقض ~~أركان المجتمع؛ فنجدها في اضطرابات آلت إلى تغيير النظم في بلاد اليونان والرومان ~~يتخللها ذلك الطور الخاص المدعو بالديماغوجيا ؛ أي حكومة الرعاع، وهو في نظر أرسطو خامس ~~أنواع الديمقراطية. # 1 # ذلك الطور الموجد عهد الطغاة # Tyrans # وقد بدأ ~~في بلاد اليونان خصوصا في القرن السابع والسادس قبل المسيح. وكثيرون من أولئك الطغاة أمثال ~~بيزيستراتس وأرثاغوراس وبيرو وبوليكراتس كانوا أولا زعماء الفتنة ودعاة التحريض ضد حكم ~~الأماثل أو الأقلية، ثم وصلوا إلى الحكم الديكتاتوري الأعلى؛ فكان عهدهم مقدمة لعهد ~~الديمقراطية المعتدلة. أما الطاغية - باليونانية # Tyrannos ~~- فكان في فجر التاريخ محاربا في الغالب يكبره الشعب؛ لأنه أنقذه من غارة المهاجمين وحفظ ~~له حرمة الوطن، فلا يطول حتى يختاره زعيما يتكلم باسمه في مناقشة العظماء والكبراء. ثم ~~تغيرت الحال وصار الزعماء يبلغون أعلى المراتب بفصاحتهم البيانية - موهبة ما فتئت ترفع ~~ذويها إلى الأوج. ولدينا من ذلك في هذا العصر أمثال الدكتور ويلسن ولويد جورج وبلفور وسواهم ~~من فطاحل الخطابة الجليلة الشأن. # وظل الاضطراب الديماغوجي يقلق هاتيك البلاد بدافع التنازع الاجتماعي بين الأغنياء ~~والفقراء، حتى وضع له الفتح اللاتيني حدا بتأييد الممولين؛ لأن نظام البلديات الذي ~~قامت به الإدارة الرومانية كان نظاما تيمقراطيا؛ أي إنه كان يرتب الناس وفقا لثروتهم، ~~وبديهي أن يخص الفاتح ذوي اليسار بالحكم والمسئولية. غير أن الأمة الغالبة لم تسلم ~~من هجمات الديماغوجيا لأنها دهمت هي أيضا بتنافس الطبقات؛ فتعددت في سجلاتها أسماء ~~الطغاة، حتى إن المؤرخين يعتبرون إصلاحات الأخوين الطاغيين طيبيريوس وكابوس جراكس ~~استهلالا للدور الثوروي الذي تخطى بالجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية أو ~~القيصرية. # تتالت جماعات الخوارج عند مختلف الشعوب مظهرة استياءها بصنوف جمة من التمرد ~~والمقاومة إلى أن وصلت الفوضوية إلى طورها العصري. ويرى أهلها في فلاسفة الفردية في القرن ~~الثامن عشر كروسو وسواه المخبرين والمبشرين، ويكادون يستخرجون شعارهم من بيتين كتبهما ~~ديدرو أحد ms52 مؤسسي الإنسكلوبيذيا الفرنساوية ومفادهما: «لم تصنع الطبيعة من الناس الخادم ~~والمولى، وأنا لا أريد أن أسن الشرائع ولا أن تسن لي.» # 2 # ولكن صاحب الوجه النظري من هذا المذهب هو الذي يدعوه كروبتكن «أبا الفوضوية الخالد»، هو ~~برودون الفرنسوي الذي أنكر الملكية الفردية والملكية الشيوعية جميعا، قائلا إن الأولى هي ~~استبداد الأقوياء بالضعفاء، وإن الثانية هي استبداد الضعفاء بالأقوياء، وإن حكومة تقر ~~الملكية أيا كانت وتحافظ عليها لحكومة لا يطلب إصلاحها بل يجب قلبها. برودون يرمي ~~إلى هدم السلطة في جميع دوائرها وأشكالها زمنية كانت أم روحية؛ فلا جيوش ولا محاكم ولا ~~إدارة ولا كنيسة، يريد إبدال التقوى بالعدل والتدين بحسن الأخلاق. ومتى ألغيت السلطة حل ~~محلها التعاقد الحر الاختياري فينظم المجتمع نفسه هيئات مركزية لأصحاب الحرف والفنون ~~والصنائع، ويرتبط بروابط معرضة أبدا للحل والتبديل دون الخضوع لقوة غربية. وهو يستحسن ~~الفقر لأنه يحث على العمل. وليس ليرى الرقي في الهناء والرخاء المفسد بل فيما يكتسبه ~~المرء من صفات الرجولة وما يعززها من استقلال ذاتي وإدراك حصيف لمعاني العدل والمساواة؛ ~~فيعيش الفرد عندئذ حرا مستقلا فينتج حسب استعداده ويستهلك حسب احتياجه، وكذا تسير ~~الإنسانية في سبيل التقدم لا تقيدها شريعة ولا يذلها أمر ولا نهي. # أما نظرية «قيمة العمل» فواحدة عند برودون وماركس جميعا، إلا أن هذا سخر بذاك؛ لأن ~~الماركسية وإن خيلت منادية بالمساواة، فهي في الجوهر نظام ديكتاتوري له صرامة القضاء ~~والقدر وقسوة التطور المحتوم الذي تقوم عليه، فتبدو إزاءها الآراء البرودونية في الحرية ~~والمساواة والعدل خواطر شعرية روائية شفافة تذوب كالضباب عند شروق الشمس. # ماركس يقول بالثورة الصريحة بلا مداورة، أما برودون فتختلط عنده الثورة بالإصلاح ويتغلب ~~هذا أحيانا، ولا سيما عندما ينصح للعمال أن يتصافوا وأصحاب رأس المال. إلا أن هذا لا ينفي ~~أن برودون ذا المواهب النادرة والنفس المتلظية هو الذي شوش العقول وألهب القلوب وأطلق ~~مسموم السهام، وأن من فوضويته النظرية العلمية تولدت الفوضوية العملية المحسوسة؛ فوضوية ~~سار باكونين الروسي في سبيلها فاندفع وراءه ms53 المندفعون. كان شعار برودون: «لا إله ولا سيد.» ~~فأضاف إليه باكونين: «ولا عقيدة ولا شريعة.» ~~••• # ظهرت بوادر الفوضوية العصرية في الإنترناسيونال المنعقدة مؤتمراتها بمدينة لاهاي في أواخر ~~سنة 1872؛ وذلك بانسحاب أحد الزعماء - باكونين - الذي عيب الاشتراكية أن تكون حكومة ذات ~~مجلس عام له سلطة ديكتاتورية مطلقة على اللجان الفرعية. تعود إليه هذه للبت في شئونها، ~~ومرجع الأحكام إلى ماركس القائم على رأس التحالف زعيما لا مرد لقضائه؛ فانحلت ~~الإنترناسيونال، وتشتت شمل الأعضاء فمالأ بعضهم الزعيم الألماني، وشايع آخرون الزعيم ~~الروسي. وكما ظل ماركس منطلقا في تتميم مشروعه انبرى باكونين ينشر دعوته؛ فأوجد التآلف ~~الحر وانضم إليه كثيرون من مختلف البلدان وأصدروا صحيفة «الطليعة» # Avant-Garde # التي لم تكن أن عطلت؛ فأصدر كروبتكن ~~بالاشتراك مع إليزه ركلو الفرنسوي صحيفة «المتمرد» ذات الأثر الشديد في نشر الدعوة ~~الفوضوية في أوروبا وأمريكا سنة 1878، لما كان عليه كروبتكن من مقدرة كتابية وبلاغة ~~مستعرة، فضلا عن أنه ذو مذهب قيم في ذاته ينم عن طبيعة طويت على الخير وحب بني ~~الإنسان؛ فكانت شديدة الثقة بالمستقبل. # كروبتكن كجميع الفوضويين يقول بالتحرير من النير الاقتصادي والحكومي والديني، وليس ذلك ~~التحرير عنده حلما من أحلام الغواية بل هو نتيجة سيفضي إليها اتجاه الاجتماع الحالي. أما ~~وسيلة التحرير فهي الثورة - الثورة الجديدة المختلفة عن كل ثورة سبقتها. تلك لم تتعد ~~بلادا شبت فيها، أما الثورة الجديدة فإذا شبت في بلد امتدت بسرعة إلى ما يحيط به ~~وألهبت أنحاء العمران. وهو يؤثر الثورة على الإصلاح لأن في الإصلاح قبولا مضمرا للماضي ~~الذي يتعدل بالإصلاح قليلا أو كثيرا؛ بينا الثورة تسير إلى الأمام سابقة لتنصب على ~~محجة المستقبل أعلاما. ولما كانت الجرائم لا تقترف إلا ضد الملك ورأس المال (؟) فبإلغاء ~~العلة تلغى النتيجة. والأخلاق الفوضوية تجعل الناس أذكياء أحرارا صالحين عادلين (؟) وإذا ~~بقي هناك أشرار يميلون إلى الأذى، فالطب يصدقك الخبر وهو القائل إنهم مرضى ومجانين. ~~فبدلا من العقوبة والسجن عالجهم بالمؤاساة والإخاء، ودع الجميع في راحة واستقلال ~~يرتفعون إلى آفاق معنوية ms54 مجهولة. # وهكذا تطور ذلك التمرد الذي كان عند روسو حنقا على الشرائع، وعند ماركس سخطا على ~~رأس المال لا على أهله، فانقلب عند باكونين هتافا بالحرية الطليقة مع كره للفتك، وبدا ~~عند كروبتين إدراكا لطبيعة الثأر دون أن يحكم له أو عليه، إلى أن قرر المؤتمر الفوضوي ~~المنعقد في لندن سنة 81 شرعية كل وسيلة لإبادة النظام الحالي واغتيال أئمته. ويقال إن ~~صحيفة «الحرية» في أمريكا كانت ترشد الخدم إلى كيفية تسميم مواليهم حتى عن طريق ~~الأحذية! # على أن الفوضوية كجميع الميول البشرية تصطبغ بصبغة الشعب الذي يقبلها؛ فبينا هي حادة ~~لجوجة في تشيكوسلافيا - مثلا - وإيطاليا وإسبانيا، إذا بها هادئة مسالمة في أسوج ونروج ~~والدانمارك. ومع أن في لندن جماعة فوضوية صغيرة كانت تصدر منذ أعوام صحيفة «الفوضوي» ~~الأسبوعية، ومع أن إنجلترا وسويسرا ما فتئتا كعبة الفوضويين الأجانب ينشئون فيهما الأندية، ~~وينشرون الصحف بلغات متعددة لبث الدعوة في أوطانهم؛ فإنهما لم تقاسيا من هذا المذهب ما ~~قاسته الدول الأخرى؛ ذلك لأن طباع أهليهما باردة عملية تنزع خصوصا إلى الإصلاح الاقتصادي. ~~وليس الشيوعيون في إنجلترا بالفوضويين. والمظاهرات التي جرت هناك منذ شهور ناتجة عن كثرة ~~العمال العاطلين الذين وفر عددهم وتفاقم خطرهم في أكثر الممالك الكبرى. أما الفتن ~~والاعتصابات فمتعلقة بالمسائل الاشتراكية، أو راجعة إلى أسباب محلية خاصة. غير أن الفوضوية ~~تتفق وطبيعة العامل الأمريكي؛ لذلك شاعت بين أولئك القوم، واشترك أعضاؤها في عقد ~~المؤتمرات وتهيئة الاعتصابات الفرعية تمهيدا للإضراب العام الشامل. ~~••• # ولعلها مزاج أكثر منها مذهبا، تلك الفردية المضخمة المثبتة نفسها بالخروج على كل ~~شريعة، الجاحدة حتى مجالس النواب؛ لأن الشعب بالإنابة والتمثيل إنما يقيم عليه موالي. «وهل ~~يكون الثور حرا إذا هو اختار جزاره؟» فجمعياتها بلا رؤساء وبلا هيئة تنفيذية، ولا يجمع ~~بين الأعضاء سوى وحدة المشرب والمطلب والرغبة في تداول الصحف الفوضوية، والاحتفال حينا بعد ~~حين بأعياد «شهدائهم». # ولقد فحص لمبروزو كثيرين من فوضويي شيكاغو وسواهم، فرأى أن حالة الفوضوي المجاهد حالة ~~عجز وسقام، وما ظهوره بمظهر الجسارة ms55 والمفاداة سوى من «وثبات» الضعفاء المتهورين؛ فمنهم ~~المبتلون بالأمراض المزمنة، ومنهم ذوو العريكة الخشنة الوعرة التي يعتاص عليها التطبع ~~بطبائع الوسط، ومنهم ذوو الجمود الأخلاقي غير الشاعرين بهمس الضمير ودبيب الوجدان، ومنهم ~~الجاني حبا بالجناية كالفوضوي الألماني موست الذي يرى فيه لمبروزو المذكور أحط أنواع ~~الجناية، ومنهم أهل الباطنية والروحانية، وأهل الوحي والرفعة مثل باكونين وكروبتكن، ومنهم ~~الفدائي المقتنع بأنه إنما يضحي بنفسه خدمة لبني الإنسان. # وليفسحوا مجال الدخول إلى الفردوس الموعود تراهم يكردسون الجثث على الجثث، ويجندلون ~~الصريع فوق الصريع! # إن الفوضوية مذهب محزن مروع، وهو على حداثة نشأته ذو تاريخ مضرج بالدماء. # الفصل الثامن # | العدمية # العدمية # Nihilism # اسم قديم كان وما زال يطلق على ~~المذاهب الفلسفية القائلة بأن لا شيء موجود ولا شيء يمكن أن يعلم - على نحو مذهب غورغياس ~~اليوناني أستاذ ثوسديدس كبير المؤرخين، ومذهب فيختي الألماني تلميذ كنت وأستاذ شلنج. وقد ~~أنالها تورجنيف الروسي معنى جديدا؛ إذ نعت بها في رواياته أشخاصا تناولتهم الحالة ~~الفكرية الشائعة يومئذ في طبقة المتعلمين الروس. ولئن ألف الناس الخلط بين الفوضوية ~~والعدمية والنظر إليهما سويا كمنتهى التطرف والحدة الثوروية، فلأن حكومة القيصر ~~الأوتقراطية أوجدت هذا الخطأ وأذاعته لتبرير ما تأتيه من ضغط ومقاومة، فوحدت في أحكامها ~~جماعة المتنورين الأحرار ودعاة التهويش واللانظام. # على أن العدمية في وجهها الأولي غير الفوضوية وإن أشبهتها. أما وجه الشبه ففي كونهما ~~معا مغالاة في إثبات الفردية وإنكارا لكل سلطة وقيد وشريعة، وأما وجه الاختلاف ففي أن ~~العدمية بدأت مسالمة بعيد جلوس القيصر إسكندر الثاني سنة 1855 وبقيت فكرية معنوية إلى ~~سنة السبعين. وكان القيصر المذكور ارتقى العرش مجاهرا بميله إلى الإصلاح والتسوية بين ~~رعاياه، فما تم له في سنوات حكمه الأولى إخراج بلاده من حروب اشتبكت بها مع الدول حتى ~~تحول إلى الإصلاح الرئيسي الذي طالما نادى به وهيأه كتاب الروس في القرن المنصرم، ~~فجاء لوطنهم أهم حوادث التاريخ في ذلك القرن؛ وهو أن القيصر ألغى نظام الاسترقاق سنة 1861، ~~والثلاثون مليونا الذين كانوا يعملون ms56 للموالي ولا أرض لهم ولا حرية أصبحوا مستقلين عن ~~سادتهم، ورأى الأحرار في ذلك فاتحة عهد جديد فبعثت المواهب والقوى، وبرزت العقول الراجحة، ~~وكثر عدد المفكرين وعلماء الاجتماع والاقتصاديين والشعراء والروائيين، وقاموا يحاربون ليس ~~الأثرة السياسية بل الأثرة الأدبية في جميع أنواعها، ويحررون الفرد من قيود الدين وطغيان ~~المجتمع ومزاعم الوسط ، بما فيها المزاعم الثوروية الذائعة يومذاك في أوروبا الغربية. وبعد ~~أن هاجموا العقيدة والاصطلاح هاجموا العيلة مشعرين المرأة التي قضت حياتها أمة بأن ~~جميع صنوف الحرية - ابتداء من حرية الحب - حل لها. ~~••• # ومن أساطين هذا المذهب ومن أنبلهم غاية وأكثرهم بديعية بطرس لفروف، الذي يرى أن الحوادث ~~الاجتماعية في تطورها العلمي أو الأخلاقي والفلسفي الثلاثي إنما منها ما يظل في نمو ~~مستمر، ومنها ما يقف جامدا فيتقهقر إلى رجعية الانحلال والفساد. وبين ذلك النمو الحي ~~والبقاء الميت يتعدى الماضي على المستقبل فيختل التوازن، ويظهر في ذلك الطور حدث جديد ~~هو ما يسمونه المرض الاجتماعي. وليس لعلوم الاجتماع من غرض سوى معالجة هذا المرض وضبط ~~التوازن في آلة المجتمع. ولقد كان حكماء الماضي يرون الخلاص بالاحتفاظ بالتقاليد، وإذا ~~بالأحفاد يجدون في ذلك العلة الكبرى؛ إذ لا جمود في الخليقة. ولما كان المجتمع تابعا ~~للطبيعة في سنة التحول تحتم عليه إحداث نظم تلائم احتياجات معقولة هي كل يوم في ~~ازدياد. # يهدم التطور صورا قديمة ويبدع صورا جديدة على يد أشخاص يخلقهم التطور نفسه وقل ~~من فهمهم في محيطهم، وكلما تعالوا إلى المثل الأعلى أفرط العامة في الاستخفاف بهم ~~ودفعهم عنهم؛ لأنهم «لا يشبهون جميع الناس». على أن نفوذ هؤلاء الأفراد وفوزهم النهائي ~~إنما يتعلق بما عندهم من شجاعة وإقدام واعتقاد بأن الحرية الفردية المطلقة يجب أن تكون ~~دعامة المدنية الجديدة الحقة؛ لأن الإنسان حر، ولو كانت فكرة الحرية وهما لوجب الأخذ بها ~~لأنها وهم ضروري للرقي. # وللرقي عنده وجهان: النظري والعملي. والعمل على غير معرفة وبال؛ فيجب تفهم الرقي في ~~معانيه كلها سواء أوجدت عندنا أم رأيناها حوالينا، حتى إذا ما ms57 تشبع الفكر منا معرفة ~~واستنارة انضممنا إلى أقلية المجاهدين في اتجاه معين ضد سخافة العصر واستئثار ~~الماضي. # الفردية في هذا المذهب عظيمة أهميتها خالد أثرها؛ فالأفراد أحدثوا الحاضر الذي كان ~~بالأمس يخال مستحيلا وقد أصبح اليوم وقوعه عجيبا؛ فعلى كل أن ينهض مناديا بفكرته ~~قائما بتنفيذها بنشاط وقوة، ولتحمل بعد ذلك موجة القدرية التاريخية شخصيته ونتائج أعماله ~~إلى محيط الشخصيات والأعمال العامة؛ فذلك لا ينفي أن إقدام الفرد الواحد أو إحجامه إنما هو ~~في بناء المستقبل جزء لا ينحل. # ومع اعتراف لفروف بأن المشاكل الحاضرة موفورة التعقيد صعبة الحل، وأن الشرط الأعظم ~~للإصلاح هو تبديل النظام الساري بنظام يرضي مطالب العمال وسواهم؛ أي إنه مع قوله بالحرية ~~والمساواة في معناها العصري، فهو يعلق على الوحدة العائلية أهمية كبيرة. ورغم إنكاره ~~جميع أنواع الحكم ومجاهرته بأن السيطرة الدينية لن تعود إلى ما كانت عليه، فهو أبعد ~~المفكرين عن حذف الأخلاق الحميدة من الحياة الاجتماعية، بل هو يدعو كلا إلى تثقيف نفسه ~~وإصلاحها لتكون حياته مثالا ولترى نظرياته محققة في أعماله. أما غرضه من تعظيم الفرد ~~في فرديته وخبرته وعمله واستقلاله، فهو تهيئة عيشة حسنة هنيئة لملايين الأشخاص الضئيلة ~~المجهولة المؤلفة المستقبل طوعا أو كرها. وهو لا ينفك عن مخاطبة الفرد قائلا: «جاهد ~~لذلك المستقبل ولا تنس أن المندحر إنما هو ذاك الذي يعترف باندحاره.» # جهاد الأفراد لخير الإنسانية دين وغاية عند لفروف. وهو وإن كان عدميا متطرفا، إلا أن ~~مبادئه الأخلاقية ومثل حياته الشخصية غيرت معنى العدمية التي لم تعد تعني النفي والإنكار ~~على الإطلاق، بل نفي «المرض الاجتماعي» الحاضر وإنكار «تعدي الماضي على المستقبل». بيد ~~أنه راسخ الإيمان يثق بمستقبل خير فيدعو إلى تهيئته بصوت محرض مقنع. # وأي متعلم زكي في هذا العصر وفي كل عصر لا يكون عدميا بعض العدمية على طريقة ~~لفروف؟ أي مستنير يعلم أن التطور ناموس الحياة ولا يبصر الجثث الاصطلاحية التي ينحني ~~المجتمع أمامها، والزوائد الخرافية التي تشين الأديان، والخلل في محاسن القوانين والشرائع؟ ~~أي ms58 نفس تتألم وترى الآخرين يتألمون فلا تنهض محتجة سرا أو علنا؟ ومن ذا الذي ~~يسميه الناس عظيما فتتناقل ذكره الأجيال إن لم يكن ذاك الذي يقضي على قديم ضار ويوجد ~~جديدا نافعا في عالم الأدب أو العلم والتشريع والاجتماع والاختراع؟ ولكن ما كل جديد ~~بالنافع ولا كل ثائر بالصائب؛ فكم من تمرد ليس إلا تطاولا ومباهاة! وكم من معدم ~~كالجزار أو الجلاد يفعل ليتقاضى الأجرة! وكم من مدمر لا يسوقه سوى ما دفع ذلك الخامل إلى ~~إحراق هيكل أفسس البديع يوم ولادة الإسكندر! ~~••• # ولئن لم يكن جميع دعاة الثورة وأشياعها من درجة لفروف، فإن تلك العدمية لم تكن من الروس ~~مكابرة وتعنتا، بل نتيجة لازمة لما قاسى الشعب من الجور وهضم الحقوق، ولم تجئ سنة ~~السبعين حتى انتهى للعدمية طور الفكر وابتدأ طور العمل؛ ذلك أن الإصلاحات التي وعد بها ~~القيصر ظل بعضها حبرا على ورق، ونفذ البعض الآخر تنفيذا ناقصا جاء بآلام جديدة دون ~~أن يشفي الآلام الماضية؛ فأخذ العدميون ينتشرون في المدائن والقرى مختلطين بالشعب ليحيوا ~~حياته ويطلعوا على احتياجاته فيبتون بينه روح الثورة بالمنشورات والخطب والأحاديث ~~والتعاليم. بينا كان المنفيون اختيارا أو إرغاما يوصلون إلى الأمم صوت الشعب طالبا ~~الانعتاق من نير الأوتقراطية. وقد انضمت النساء إلى الرجال في نشر المذهب الجديد وإنهاض تلك ~~الجماهير الكثيفة من هوة الذل المألوف والعبودية المقبولة. وتعددت مراكز التآمر في ~~أنحاء أوروبا، ومن أهم تلك المراكز مدينة زوريخ؛ حيث كثرت الطالبات الروسيات الثائرات، ~~فجاءهن الأمر القيصري بمغادرة سويسرا والعودة إلى الروسيا، فعدن يذعن تلك الآراء ~~المهيجة في الداخل، وكانت دعوتهن الممتزجة بدعوة الرجال صراخا وعويلا يستحث النفوس ~~على الكفاح لخلاص الوطن وخلاص الإنسانية؛ فالتهبت القلوب، واستبسلت الجماهير، وامتدت تلك ~~العدوى الوطنية إلى الكهول والشيوخ من ذوي الوجاهة والحيثية والمستقبل المكفول كالقضاة ~~والضباط وسواهم. # وخشي القيصر تفاقم الشر فأوقف تنفيذ المشروعات الإصلاحية مطلقا يد الحكومة في الضغط ~~والمقاومة لقمع الهياج؛ فاشتدت العدمية من جهة أخرى لا سيما بتأثير باكونين محرض الفلاحين ~~على ms59 المطالبة بإتمام الإصلاحات الدستورية، وعصيان بولونيا، وانتشار الاشتراكية في أوروبا؛ ~~فإذا بالعدمية فوضوية مجازفة مستهترة، وإرهاب دموي جنوني يناصب الكيان السياسي، غير متبصر ~~ولا هائب في ارتكاب الجنايات، واغتيال ذوي المكانة، والتدمير والفتك المعتزم. وقد بلغ حده ~~الأقصى في مقتل القيصر نفسه سنة 1881. # ومرت الأيام والعدميون يرهبون بالاغتيال والهدم والتشويش ويرهبون بالتعذيب والنفي ~~والإعدام، وبقيت الحكومة تطاردهم ذرافات ووحدانا وتقضي على الزعماء والرؤساء منهم، حتى ~~أدركوا الحقيقة القاسية وهي أنهم في هذا الصراع الهائل مغلوبون؛ فقل عددهم شيئا فشيئا، ~~وضعفت حدتهم، واختفت حركتهم متوحدة والحركة الفوضوية إزاء الرأي العام. # ولكن أيعني الاختفاء الفناء؟ ترى ألم يبقوا عاملين سرا في الروسيا وفي مختلف ~~البلدان بعد انسحابهم من ميدان الإرهاب العلني؟ ألم يكن لهم ولو يد خفية تجهيزية في ~~الانقلاب الأعظم الذي لم تستجل منه بعد العوامل الكثيرة المشتبكة؟ # منذ نصف قرن تقريبا كتب محرض كبير من محرضي الروس - وأعني به هرزن الذي توفي ~~في باريس - كتب يقول ما معناه: «إن مطلب الروسيا هو مطلب أوروبا بأسرها؛ الثورة الاجتماعية. ~~غير أن أوروبا التي نفدت حيويتها في نهضتين عززت بهما تاريخها لا تعيش الآن إلا بعلاقتها ~~بالماضي الذي تتعثر فيه أنى توجهت؛ فلن تصطلح حتى يصلحها أحد بلدين؛ فإما ولايات أمريكا ~~المتحدة، وإما الروسيا التي دخلت حديثا في ميدان التاريخ، والمستقبل لهذه حتما لأنها ~~طليقة من التقاليد ولم تنم بعد النمو الموافق لطبيعتها، ولسوف تغتنم الفرص لإظهار ما ~~عندها من القوى الفتية والمقدرة المدهشة فيبتدئ فيها الإصلاح والتعديل.» # من ذا يعرف لهرزن هذا الرأي ولا يحسبه نبوءة بعد الانقلاب البلشفيكي؟ لست لأزعم أن ~~البلشفية أصلحت العالم، ولكنها من الحول والتهديد بحيث قبلت أن تفاوضنا وتتعاهد معها ~~الحكومات الأخرى ومنها الملكية المحافظة. وكيف لا يجيء بمثل هذه النبوءة من وقف على طبيعة ~~الشعب الروسي وممكناته المتنوعة المكنونة؟ أذكر أني حضرت خلال الصيف المنصرم في كازينو سان ~~استفانو حفلة خيرية لمساعدة المهاجرين الروس، وقد تشكل جوق رجال منهم لينشدوا بلغتهم ~~بعض الأناشيد القومية. من ذا ms60 يستطيع التعبير عما تلازب في ذلك الإنشاد من جموح وشكيمة، ~~وفاعلية وانفعال، وغم وذل ونصر باهر؟ من ذا يستطيع وصف تلك الوجوه يبدو فيها تارة الخشوع ~~والتوسل، وطورا العتو والوعيد؟ تهب من أصواتها الأعاصير وتنفجر الصيحات، فيتزلزل ~~المكان وتكاد تخر الجدران، فيدربها ترنيم هادئ على وتيرة واحدة كله حزن وتجلد ~~وخضوع . ولا تلبث الريح الزعزعان أن تعود إلى الصعق والعصف الشديد ممثلة هدير البحار، وولولة ~~العناصر، ووعورة المنحدرات، ورعب الآفاق الجوفاء. ولعلي أدركت في تلك الساعة - بل في لحظة ~~من تلك الساعة - قوة النفس السلافية المصطخبة الصاخة، ولعلي فهمت في تلك اللحظة من ~~الاضطرابات الثوروية والحدة البلشفية والأهوال النهلستية ما لا تشرحه المجلدات. وقد يكون ~~أننا في تلك اللمحات السريعة نسبر من غور النفس ما لا نصل إليه عن طريق الاستقراء ~~والتدليل. ~~••• # كلا، ليس المتفائلون بالمغبونين ولا المتشائمون بالمتعسفين؛ فإن كل جماعة عكفت على جانب ~~من الفطرة البشرية الكثيرة التناقض والتنوع. ألا ترى أن ذاك القائد الذي لا يأبه لمشهد ~~الأشلاء يغمى عليه إذا شم رائحة الجبن، وذاك المحارب الذي اعتاد النوم على الصخور ~~والحصى يأرق إذا تاهت وريقة ورد على أنسجة فراشه الوثير، وذلك المحرض الذي لا يرتوي إلا ~~بدم الأبرياء يقضي ضحية امرأة لعوب مثل غامبتا ولاسال وغيرهما. ومن لا يذكر وقفة إمبراطور ~~ألمانيا على مرتفع ينظر إلى ساحة القتال في غد معركة كبيرة، وما وقعت عيناه على الخراب ~~والقتلى حتى هطلت دموعه قائلا: «لم أرد هذا!» فدعت صحف الحلفاء تلك الدموع ب «دموع ~~التمساح». ولكنها ربما كانت دموعا صادقة كما صدقت بعدها حملات الألمان على أراضي بلجيكا ~~وفرنسا؛ لأن التناقض في الطبيعة ولأن الحرب هي الحرب. هي صورة الحياة في أشد الهيجان والحدة ~~فالصراع صارم لجوج. وإن أنت تمهلت رحمة بعدوك سبقك هو إلى الفتك بك دون رحمة ولا ~~تمهل! # اجتمعت بعد الصلح بكاهن توفر فيه الصلاح والذكاء والعلم، كان حارب على خط النار ونال ~~الميداليات والأوسمة. وإذ قلت له إنما كنت أتأثر له بنوع خاص بين ms61 أخبار الحرب هو خبر ~~التطاعن بالسلاح الأبيض؛ ابتسم وأخذ يصف لي لذة الطعن والتجريح عندما تخترق الحربة جسم ~~العدو، وأن من ذاق هذه اللذة مرة أو مرتين لا يستطيع الإمساك عن البحث عنها بهوس في ~~المعارك غير مبال بالخطر. وزاد بما يؤيد الرأي القديم، وهو أن الإنسان إن لم يكن له من ~~الدين أو من الأخلاق الفردية أو من القانون وازع وتمكن من أخيه، فالضواري دونه فظاعة ~~وحيلة في ابتداع أساليب التعذيب، ليس للدفاع عن نفسه أو للانتقام والتشفي فحسب، بل ~~أحيانا للذة القسوة والإيلام، أو لمجرد اللهو وقتل الوقت. وإن أكبر آفات الحرب المشروعة ~~في نظره هي إطلاق تلك الغريزة الوحشية في الإنسان، وتشجيعه على إرضائها وتشديدها بمختلف ~~صنوف التشجيع. # إن أهل المذاهب التدميرية يريدون للجميع ما حرم على الأكثرين؛ فهم ككل اختصاصي لا يرون ~~من الأشياء سوى نقطة واحدة يحسبون بها الخلاص وبدونها الهلاك، والغاية عندهم تبرر الواسطة، ~~وقد يوجد بينهم الثوروي الفاضل المدفوع بعاطفة حب الإنسانية؛ فتكون الأحوال وحدها مسئولة عن ~~حدته، وعما يأتيه أو يشير بإتيانه من الجرائم؛ لأن من الناس الصلاح لا خوفا ولا طمعا بل ~~بنزوعهم الفطري إلى الصلاح نزوع الموسيقي إلى الموسيقى والشاعر إلى الشعر، والرياضي إلى ~~الرياضيات. ولكن أولئك أقلية صغيرة هي خميرة الدهور، والأكثرية الساحقة تحتاج إلى قانون ~~يلجمها ويهذبها. إن الأنانية مصدر كل عمل، ولا يعقل أن ينفع المرء ويجاهد لمصلحة الآخرين ~~دون أن يفكر في مصلحته الشخصية. وعندما يهتدي إلى ذلك الموضع الحساس من حياته فكثيرا ما ~~يجاهد لنفسه باسم الجمهور؛ ذلك لأن الحسد يجاور الحاجة في الإنسان، وكما أن في قلبه جوعا ~~إلى التودد والإعزاز وتوقا إلى أن يكون محبا محبوبا، ففيه كذلك قوة كبيرة للكره ~~والتنافس؛ فقد يتمرد ويشكو ويثور لأنه مظلوم يطلب حقه، وقد يفعل أيضا لأنه خامل تلهبه ~~الغيرة ولا يستطيع الوصول إلى مرتبة من هو فوقه، فيجرب المشاغبة والنقض والحرق ~~والتشنيع، فإن نال بغيته فذاك، وإلا فقد حرم غريمه من النعمة؛ وذاك في النفس ms62 المنتقمة ~~سرور كبير. وحتى بين المتآمرين على الهدم ترى كلا يشد الحبل إلى جهته. # حسن أن نعطف على التعساء وأن نتوجع للفواجع التي تمرر حياة الآخرين وحياتنا أيضا. ~~حسن وواجب أن نسعى كل في بابه لإسعاد إخواننا وتحرير أنفسنا، على شريطة أن نعرف الطبيعة ~~البشرية ونلم بكيفية معالجتها؛ إذ لا منفعة بحسن النية إذا هي قرنت بالجهل؛ فمرض ~~الولد وسوء أخلاقه كثيرا ما ينتج عن حب الوالدة الجاهلة، وحب الدين مع التعصب أشعل ~~المحرقات وأجرى الدماء، وحب الوطنية والإنسانية عند روبسبير وسواه جز أعناق النساء ~~والأطفال والشبان والشيوخ. فهل جنت الإنسانية والوطنية والعقائد من وراء ذلك رقيا ~~خصوصا؟ # ذلك هو الإنسان. وتعاليم الأديان الكبرى السبعة لم تصقل منه بعد عشرات الدهور غير القشرة ~~الخارجية. ونظرة إلى أحوال العالم ترينا كبائر الطمع والحسد والنهب والتضليل حبا بالأذى ~~وطلبا للسيادة سواء بين الأفراد والأفراد، والجماعات والشعوب، والأحزاب والدول. وإن كان ~~هناك من يحب الانزواء والمسالمة بفطرته فمن ذا يكفي الناس شر الناس؟ من ذا يكفي العقلاء ~~شر المتطاولين إن لم يكن النظام وممثلوه؟ أي نظام؟ النظام الاجتماعي المقارب لنظام ~~الطبيعة! فإن عنصر الحياة نفسه تدفق وانتظام معا، وإذا تعذر تعريف نوع النظام فهذا لا ~~ينفي أن استبداد الفرد الواحد يؤثر على استبداد الجميع بالجميع. ~~••• # أعترف بضعف هذا المنطق ووهن هذه الحجة إزاء إغارات الساخطين، وأعترف بضرورة الثورات ~~أحيانا؛ ففي السلم لا تجرؤ الأفراد على العمل مهما رثت الأنظمة وبليت، وبعض المشاكل ~~الاجتماعية لا يحل بغير هجمات الكواسر، كما أن بعض الأمراض المزمنة لا يشفى بغير ~~العمليات الجراحية؛ فعند وضع دعائم المستقبل على أنقاض الماضي لا بد من قوة أولئك العتاة ~~ووحشيتهم التي لا تتأثر لدموع النساء، ولا تخجل بضرب الفئوس. # تأتي الأزمات فترى الأمة نفسها عند هوة فاغرة؛ فينصح الحكماء والعقلاء بالرجوع إلى ~~الوراء والسير بتبصر حول حرف اللجة، ولكن المجموع يتدافع هدادا كالبحر فيقتحم ~~الحواجز والسدود، وتقع منه الصفوف الأولى فتملأ الهاوية ويسير الباقون فوق الجثث. ~~والإنسانية غير ضنينة بأبنائها لأن ms63 قواها غير متناهية. # الثورات ضرورية لجرف النظم البائدة، الثورات ضرورية لتجديد القوى وإيحاء الجرأة ~~والإقدام، ولكنها لا تنفع لغير ذلك. إن المذاهب الثورية من الاجتماع بمثابة الزعازع من ~~الطبيعة والزلازل والطوفانات. ولئن كان لكل من هذه القوى فائدته في الخليقة رغم ما يجر ~~من خراب ودمار، فهل يمكن أن تكون مقذوفات البركان الفوار نظاما للساكنين حواليه؟! # كروبتكن! كروبتكن! أنت الذي كنت من أهل الوحي والرؤيا قبل أن تصير مليك المؤامرات ~~السياسية، وتناسيت مرتبتك لتمتزج بالشعب شاعرا بجوع الجائع، ووحشة المنفى، ويأس المحكوم ~~عليه، وعار المرأة الساقطة! أنت الذي عرفت أبهة بلاط القياصرة # 1 # وإكرام المجامع العلمية قبل أن تسجن في الحصن المطل على نهر النيڤا، وتهرب ~~مجازفا بحياتك إلى حيث عشت فقيرا محتاجا تبتاع قوتك بعمل يدك! لقد أنكرت البلشفية، فهل ~~قضيت راضيا عن المذاهب الفوضوية؟ هل ظللت على يقينك حتى حافة القبر؟ هل قضيت راضيا ~~واثقا بأن المستقبل لجماعتك؟ # وهمان كبيران يقودان الحياة؛ في أحدهما يحسب المرء نفسه حرا في العبودية على شرط أن ~~تغير اسمها وشكلها - وإن ظل جوهرها ثابتا لا يتغير. وفي الآخر يعتقد المرء بصلاح ~~البشر الفطري اعتقادا مطلقا. فهل تستطيع أن تقول الآن بعد أن شفت بصيرتك بنور الخلود ~~أي الوهمين أقل خطرا؟ وأنت الذي كنت زعيم الوهم الثاني، هل تستطيع أن تنبئنا لماذا ~~لا نفتأ نؤلم بعضنا بعضا؟ ولماذا - ما دام الناس صلاحا - قضيت أنت عمرك في محاربة ~~«الصالحين»؟ # الفصل التاسع # | يتناقشون # الأشخاص: # السيدة جليلة: # معلمة مي في الماضي، فطنة، معتدلة الرأي. # مي: # تلميذة السيدة جليلة، وكاتبة مقالات «المساواة». # بلانش وأنتوانت: # فتاتان على أحدث طرز، رفيقتا مي في المدرسة، تتكلمان الفرنسوية ~~دواما. # عوني: # نجل السيدة جليلة، اشتراكي متحمس، وذو قلب مخلص نبيل. # عارف: # أديب عرف الناس وتألم؛ فأدت به المعرفة إلى شيء من الجمود، ولكنه ~~يخفي وراء مظاهر القسوة والتهكم طبيعة حارة صادقة ~~خيرة. # الأستاذ سامي: # عالم فيلسوف. # سعيد بك: # من الوجهاء، ورئيس جمعية خيرية. # زكي أفندي: # من المتأدبين، لا فكر له أو له ms64 فكر يحجبه اعتناق كل رأي عابر ~~وامتداح جميع الناس على السواء. # الزمان والمكان: # حوالي الساعة السابعة مساء في ~~ردهة الاستقبال بمنزل والدي مي. # السيدة جليلة ~~(وقد دخلت منذ هنيهة مع ولدها عوني، تعدل جلوسها باحثة في ~~سرها عن كلمة تبدأ بها الحديث، شأن من يصل إلى مجلس صمت فيه المتحادثون عند ~~مجيئه. والآخرون ينتظرون ببعض الارتباك وراء علامات التأدب ليستأنفوا الكلام. ~~فتبتسم السيدة جليلة لمي ثم تدير الطرف في الحاضرين وتقول) ~~: # كانت لهجتكم عند دخولي لهجة متناقشة ومجادلة، فأي المشاكل العالمية كنتم تحلون؟ ~~(يبتسم الجميع الابتسامة الاجتماعية المناسبة ~~ويتململون). # مي ~~: # وصلت يا سيدتي عند احتياجي إلى دفاعك عني؛ لقد كان هؤلاء السادة يحاولون أن ~~يحلوا بإنصاف مشكلة التغاير والتفاضل التي لا تحل، أما والظلم حليف العدل في ~~الإنسان فكانوا يمرنون ظلمهم علي. # زكي أفندي ~~(مسرورا باغتنام الفرصة ليتكلم) ~~: # أشهد الله العظيم أنك أنت التي ربطتنا جميعا. # السيدة جليلة ~~: # على ذكر التغاير والتفاضل أقول إني قرأت مقالاتك عن «المساواة» بمنتهى ~~الاهتمام، وأنتظر الباقي منها لأدرك النقطة المعينة في فكرك، وقد هيأت من ~~الاستنتاج والاستدلال ما هيأت لإيصالنا إليها. # مي ~~: # النقطة المعينة؟ إذا دل بحثي على أن لدي شيئا معينا أقوله فقد فشلت حتى في ~~التعبير عن رغبة ساقتني إلى معالجة هذا الموضوع الجموح. # سعيد بك ~~: # جاهرت في كلمة التمهيد باستعراض خلاصة ما تعلنه الطبيعة والتاريخ والعلم ~~لتستخرجي حكما مجردا من غير ما تحيز ولا اندفاع. أليس في ذلك تعيين لنقطة ~~ما؟ # مي ~~: # بل في ذلك إعلان رغبة ومعاهدة إخلاص، ولكن ... # عوني ~~: # ولكن؟ # مي ~~: # ولكن كم من رغبة نبديها مخلصين ونحسبها معقولة مقبولة ثم تمر الأيام فندرك ~~غرورا تكونت منه تلك الرغبة، وحماسة لا يشفع بها إلا ذلك الإخلاص! ~~(تأمل قصير) # كيف زعمت أن أستعرض خلاصة ما تعلنه ~~الطبيعة والعلم والتاريخ، وأي إله أنا ليتبين لي ذلك؟ ~~(خجلى) # ولكني عوقبت بغروري نفسه؛ إذ إني بتوغلي في البحث تحدو بي ~~أبدا تلك الرغبة الحارة، كنت أزداد شعورا بأن ما أتلمسه من الخطوط التاريخية ms65 ~~والعلمية والاجتماعية لن يوصلني إلى شيء ~~(ضاحكة) # سوى إلى تلقي رسائل التعنيف والتقريع من حضرات القراء ~~الذين يريد كل منهم أن أذهب مذهبه وآخذ برأيه. ~~(تعود ~~إلى التأمل) # حسبتني مقبلة على موضوع لي أن أعالجه على ما أريد، ~~فإذا بالموضوع يعالجني قاذفا بي من تيار إلى تيار، ومن حيرة إلى حيرة، ومن لجة ~~إلى لجة. وها أنا ذا أردد سؤالا ألقيته على نفسي مرارا خلال هذا البحث: أين ~~أنا الآن؟ أين أنا؟ # عارف ~~: # أي إنك تتساءلين: أين المساواة؟ أين أعثر على خيال المساواة؟ # مي ~~: # قد يكون هذا معنى سؤالي. قد وسعت دائرة البحث حتى ضاع فيها الخيال الذي أنشده. ~~أو أن الدائرة التي أزعمها وسيعة اختنق فيها الخيال لضيقها فحلق فوقي وفوقها ~~هازئا فلم أعد أراه وأسمع صوته. # بلانش ~~(تتثاءب وتسأل رفيقها بالفرنساوية) ~~: # عن أي شيء يتكلمون؟ # أنتوانت ~~: # عن الشيء الذي كانوا يتكلمون عنه عند مجيء السيدة جليلة. # عوني ~~(هادئا في الظاهر، ولكن اهتمامه يبدو في نظره ولهجته) ~~: # أتريدين أن تلمحي خيال المساواة أيتها الآنسة؟ أتريدين أن تسمعي أصواتا تناديها ~~بلجاجة؟ إذن أقفلي باب مكتبك وانسي ما كتبت عنها وما يكتبون، ولا تكتفي بالنظر ~~إلى السابلة من وراء سجوف النوافذ؛ فما تلك الحياة الظاهرة إلا حاشية بعد صفحة ~~الحياة. اتركي كل ذلك وانزلي إلى ميدان الحياة السوداء حيث القلوب تدمى، والعيون ~~تدمع، والقوى تضيع جزافا. امتزجي بذوي الأطمار البالية، جوعي مع الجائعين، احتاجي ~~مع المحتاجين، وأصغي إلى الشكاوى والتوسلات تنطلق من بين شفاه الفقراء والمرضى ~~والمحرومين انطلاق الدم من الكلوم البالغة. تفحصي عقولا تطلب من المعرفة والنور ~~غذاء ولكن البؤس أقفل في وجهها أبواب المدارس، وحرمها الكتب والفنون وجميع مشاهد ~~الجمال والرقي التي أوجدها الفكر الإنساني، ~~(بشيء من ~~التحمس) # وعندما ترين كل ما يتمتع به الكسالى الظالمون الذين احتكروا ~~الصحة والهناء والرخاء لنفوسهم، عندما ترين جهود العمال وذكاءهم ونبل أعمالهم في ~~الحرمان؛ إذن لا تسألين «أين أنا من المساواة؟» بل تعلمين أن الطبيعة خلقتك لتكوني ~~اشتراكية وعينتك لتوقفي قواك في ms66 سبيل الإنسانية المرتفعة إلى عظمة المطالبة ~~بحقوقها. # عارف ~~(يصفق ضاحكا) ~~: # أعد، أعد يا عزيزي عوني ليطول إعجابي بك! أؤكد لك أنك بموهبتك الخطابية ~~هذه المقرونة برأسك الذي يشبه بانحنائه رأس زعماء الباطنية في القرون الوسطى، ~~تستطيع أن تكون واعظا دينيا مفلقا يأتي بالخطب الرائعة في أتفه المواضيع ~~الممكنة. # عوني ~~(يخاطبه بمودة وإن ضمنت لهجته لوما) ~~: # أتسمي موضوع البؤساء والمظلومين والمحرومين المطالبين بحقوقهم موضوعا ~~تافها؟ # عارف ~~(بشيء من التهكم) ~~: # ومن هم أولئك البؤساء والمظلومون والمحرومون الذين ما فتئتم تتاجرون باحتياجهم ~~المزعوم؟ من هم أولئك الذين تحاولون إقناعنا وإقناعهم بأنهم تعساء وأن لهم ~~حقوقا؟ # سعيد بك ~~: # سلني أنا أيها الفتى؛ فمركزي في الهيئة الاجتماعية، والوظيفة التي أشغلها في ~~جمعيتنا أرتني ما لم يره الآخرون. البؤساء والمظلومون والمحرومون هم المرضى ~~والعجزة الذين لا ملجأ لهم، هم الأرامل واليتامى الذين لا عائل لهم، هم الآباء ~~الذين فرغت أياديهم وبيوتهم ولا عمل منه يرتزقون، آه! لقد رأيت ما يفطر ~~القلوب! # عوني ~~(تزعجه هذه الأوصاف التي لا أثر فيها لسند الاشتراكية ~~الأعظم) ~~: # المحرومون هم خصوصا الذين يعملون ليل نهار ليديروا حركة العالم، ويستغلوا موارد ~~الثروة، ويقيموا بهجة العمران فتتنعم طائفة المحتكرين والأنانيين على ~~حسابهم. # زكي أفندي ~~(يحبذ هذا الكلام كما يحبذ كل كلام) ~~: # صحيح، صحيح. # عارف ~~: # لقد سمعنا هذا مرارا وتكرارا، فهل من جديد؟ # عوني ~~: # الحاجة واحدة لا تتغير، والفقر قديم لا تنوع فيه. البؤساء والمظلومون ~~والمحرومون هم البؤساء والمظلومون والمحرومون، أفهمت يا عزيزي؟ # عارف ~~: # طبعا فهمت، فهمت وقنعت! أنا الفاهم رغما عنه، ~~(يضحك) # أنا المقتنع رغما عنه، ومن ذا الذي لا يقنع بهذه الحجة ~~المفحمة؟ ~~(ينقلب جادا فجأة) # ولكن الحجة لا ~~تفلح في الإقناع، وإلا أقنعتكم أن تدعوا الناس وشأنهم ولا تشجعوهم على الوقاحة ~~والتطاول يوما بخطب رثائية، وبحيل كاذبة مغلوطة يوما. # سعيد بك ~~(ينظر إليه من أعالي ثقته بأنه رئيس جمعية تعول ~~المحتاجين) ~~: # يظهر يابني - أدامك الله راتعا في بحبوحة الهناء - أنك قضيت عمرك سعيدا رغيد ~~العيش فلم تذق أنانيتك ذل الحاجة والجهاد، كما ms67 أنك لم تبتهج بلذة الإحسان ومسح ~~دموع الحزين. # عارف ~~(تتجمع أفكاره على فكر واحد فيشتعل وجهه وتتألق عيناه) ~~: # وكيف عرفت ذلك يا سيدي؟ من يدريك أني لم يكن لي يوما مثل سذاجتكم هذه - عفوا ~~عن هذه الكلمة الجريئة! - من يدريكم أني ما تحجرت إلا لأن الناس استغلوا ليني حتى ~~أمحق، وعالجوا عطفي حتى الاستنزاف؟ إنكم باسم الإحسان تبتزون المال من الأقوياء ~~النشيطين كما تبتزونه من الكسالى المترفهين لتعطوا الذين لا حق لهم به، فتنسون ~~أن في ذلك تملقا للخمول وتحبيذا للمذلة، وتنسون أن المرء إذا كان له من يعوله ~~مجانا قل اتكاله على نفسه وفرغ عقله إلا من الانحطاط والدعوى. # سعيد بك ~~(مشفقا على الذين لا يفهمون) ~~: # لو كنت أبا وكان ابنك عريانا، لو كنت زوجا وكانت امرأتك جائعة، لو كنت ~~ابنا وكانت أمك مريضة وفقرك يحول دون الطبيب والدواء، ولو كنت فتاة وحيدة دون ~~أهل والدراهم حاجتها لتبتاع ضروريات العرس؛ إذن لفهمت معنى إغاثة ~~الملهوفين. # عارف ~~(يصغي إلى هذا الكلام بانتباه وكأنه يولد فيه صورا يتناقض ~~أثرها في نفسه، ثم يرفع رأسه ببطء) ~~: # إني أنحني أمام الحاجة الصميمة ويأخذني الخشوع أمام الألم الصادق. ومن هذه الوجهة ~~أقدر أعمال الجمعيات الخيرية وأرى فيها تمهيدا لجمعية مقبلة كبرى تحتضن الذين ~~يلزم المجتمع بإعالتهم، ولكن ~~(يهب فجأة كأن سوطا ~~ألهبه) # ولكن ما لا أحتمله هو أن الذين لا يخجلون دنسوا بحقارتهم ~~حتى معنى الألم العظيم، واتخذوا كلمات الاستعطاء وأسماء اليتامى والأطفال والجائعين ~~إعلانا فعالا لتموين الكسل والمعايب؛ صارت دعوى الجوع والعري مرسحا من مراسح ~~التمثيل وأسلوبا من أساليب النصب والمضاربة. لقد رأيت دموعا كاذبة في العيون ~~المتوسلة، وسمعت المحسن إليه يلعن الكريم الذي أعطاه بلا حساب، وشهدت حوادث ~~الاحتيال تتتابع للضحك من البلهاء والتطاول عليهم. رأيت ذلك ففهمت أن للمساعدة ~~المجانية أغلاطا فادحة، وأن أعمال البر كثيرا ما تنتج شرا. # السيدة جليلة ~~(مصادقة على ما في كلام عارف من الإصابة) ~~: # صدقت يا عارف أفندي؛ فإن دعوى الحاجة كثيرا ما جففت قلب الكريم ms68 فسدته حتى ~~أمام العوز الأكيد، ونكران الجميل من أفظع ما يحتمل. # بلانش ~~(تهمس لأنتوانت بالفرنساوية) ~~: # عارف لطيف لا بأس به، أتعلمين؟ # أنتوانت ~~: # لا بأس به لولا أن حذاءه كثير اللمعان؛ ليس من المعقول أن حذاء يشع من تلقاء ~~نفسه على هذه الصورة. ومن عيوبه أنه يتكلم ~~(محاولة ~~اتقان اللفظ بتهكم أنيق) # بلغة الحاء والخاء والعين. # عوني ~~: # مع تقديري لخدمات الجمعيات الخيرية أقول إننا في هذا العصر نأبى استماع كلمات ~~الإحسان والمحسنين. لقد مل الناس فضل الناس كما مل المتفضلون التفضل. ~~والإنسانية التي تبذل حياتها في سبيل الإنتاج لا تمد يدها للاستعطاء؛ لأنها تعلم ~~أن المسئولية تنيلها حقوقا، وهي بتلك الحقوق تتذرع لتعمل على توطيد المساواة. ~~لقد ذكر عارف تمثيل الألم وتعمل الاحتياج، وما الدافع إليهما سوى هذا النظام الذي ~~يسمن قوما ويهزل قوما؛ فيعمد المحرومون إلى أية الوسائل ليتمتعوا. النظام ~~القائم مبعث الشرور وخالق الكذب والغش والتهجم. استبدله بنظام يسوي بين ~~الجميع تختف المعايب والمفاسد والمخازي التي لم يوجدها سواه. # عارف ~~: # ما سمعتك متكلما، يا صاحبي عوني، إلا رسخ اعتقادي بأنك ولدت لتكون رئيس مدرسة ~~إكليريكية تهيئ المرسلين للوعظ والإرشاد ... إذن كيف تفسر النصب والاحتيال من ~~الغني السري؟ إن في النظام القائم لعيوبا جمة يتحتم إصلاحها. ولكني بينه ~~وبين الليمان العالمي الشامل الذي تعدنا به الاشتراكية متردد، ويكاد يكون ضلعي ~~معه. إن المساواة التي تطلبونها بجلجلة وضجيج موجودة في العالم، ولكن العقول ~~المتنوعة لا تدركها على نمط واحد، وهي الطبائع المختلفة التي تنبذها هنا ~~وتحضنها هناك. في مدرسة واحدة تتخرج أجيال الطلبة فينبري واحد منهم ينتقل اسمه ~~وفكره على جناح الدهور، ويظل مئات رفاقه بين التوسط والخمول متراوحين. هواء واحد ~~تنشره الطبيعة فيقضي على أناس ويحيي أناسا. قانون واحد يفسره من المحامين مئات ~~وألوف فيكون في يد الفذ براءة امرئ تألبت لاتهامه القرائن. عوز واحد يعض ~~الجماعة فيتشدد به العبقري ويسمو بينا الآخرون يظلون في هوة المذلة ~~والشكوى. فرصة فريدة تسنح لأخوين فيستفيد بها الواحد ويفيد، ويهبط بها الآخر ويؤذي. ms69 ~~وتعودون بعد ذلك إلى المناداة بالمساواة؟ أما ذكرت في الحكايات القديمة كيف تملأ ~~الغرف التسع والخمسين الآلات المختلفة والأسلحة والأمتعة الثانوية، ولا يوجد الشيء ~~الجوهري إلا في الغرفة الستين؟ ذلك شأن الناس؛ إذ ليست جميع الأقفال لتخفي كنوزا ~~وإن أخفت أشياء لها أهميتها النسبية. # زكي أفندي ~~: # صحيح يا ناس، كلام جميل في محله ! # عوني ~~: # ليست الاشتراكية مسئولة عن إيجاد النبوغ في الأفراد، ولكن غايتها تمكين كل فرد من ~~إنماء مواهبه الطبيعية إلى حدها الأقصى والتمتع بثمرة أتعابه على ما يحتاج. إن ~~شركات الاحتكار وطغيان رأس المال يرهق بني الإنسان، ومزاعم الدول وتكالبها على ~~الاستعمار ضيق الحياة على السائد والمسود جميعا، جاعلا أبدا أمام عيونهم شبح ~~الحرب الهائل. وهذا المرض الفعال لا يشفيه سوى عملية الاشتراكية التي تلاشي ~~استغلال الأفراد والجماعات؛ فتتكاتف الدول والأجناس، وتظهر العبقريات الكامنة آتية ~~بمختلف الاختراعات والاكتشافات في العلوم والفنون، وتستخرج من الأرض خيرات جديدة ~~لخير الجميع؛ فلا نعود نرى الأكواخ قرب القصور والموت جوعا قرب البذخ والترف؛ إذ ~~ذاك ينفذ في العالم أجمع ذلك البند النظري الذي وضعته الثورة الفرنساوية: «خلق ~~الناس أحرارا متساوين». # زكي أفندي ~~: # وهذا أيضا كلام جميل يا ناس! # عارف ~~: # بل إذ ذاك يزيد التفاوت ظهورا ... آه! ليتك يا صديقي تنفث في شيئا من إيمانك ~~وقبولك لتلك المعاني المتعاكسة المتنافرة كشيء تقرر وقوعه. إن الثورة لم توجد ~~نظرية المساواة؛ لأن المساواة كانت نافذة بين الأشراف الذين كانوا يعاملون بعضهم ~~بعضا كأشباه متماثلين. ولكن ذلك البند أراد التسوية بين المراتب أمام القانون لا ~~غير، وقد ألحقوه باستدراك خطير إذ حرموا من تلك المساواة القانونية القصر ~~والنساء والمجانين والمحكوم عليهم؛ فيكون المتساوون والحالة هذه أقل من نصف ~~الأمة، فأين المساواة؟ # عوني ~~: # وليس ذلك بالشيء القليل في دولة خرجت مباشرة من دور الملكية والأرستقراطية. وتلك ~~التسوية القانونية برهان جليل على أن المساواة حل للناس، وأن لأبناء الأجيال ~~الآتية أن يتناولوها بحقوقهم وينشروها قانونية واقتصادية واجتماعية بين إخوانهم ~~أجمعين. # عارف ~~: # والحرية! والعدل! ماذا تفعل بالحرية والعدل اللذين ms70 هما من أقدس معاني الإنسانية؟ ~~كيف تسوي بين العظيم والحقير؟ بين العبقري الذي تقتله هذه المساواة والأبله الذي ~~تفسده، ألا تذكر كلمة سكينة قبل موتها: «إنني أفاخر بأن أموت شنقا موت الرجال»؟ ~~كذلك فهمت سكينة المساواة! وكم بين النساء والرجال من سكينة! وكم بين الناس من جان ~~لا عن حاجة، بل لأن الجناية غريزة فيه! بل كم بين الفقراء من حكيم قنوع لا يطلب ~~أكثر من سترة الحال! إن جرمكم الأكبر أيها الاشتراكيون في تجاههم الطبيعة البشرية، ~~وحسبان الإنسانية محصورة في الطبقة العاملة. تحسبون أنفسكم منزهين عن وراثة بني ~~الإنسان وتريدون بتلك المساواة الآلية أن تضمنوا القوت للجميع بكمية متعادلة ~~لتقتلوا ما هو فوق القوت؛ لتقتلوا التفوق عن طريق المباراة التي كانت وستظل ~~دواما الحاث الأعظم. ألا إن السر في البذرة لا في الأرض التي تحرث وتهيأ، ~~وذكاء الناس وقوتهم نار كامنة تحتاج إلى النضال، تحتاج إلى احتكاك الحديد ~~والصوان لتقدح شرارتها. وهل كانت تستطيع العمل ملايين الأيدي لولا العبقرية ~~الواحدة التي كشفت سرا من أسرار الطبيعة؟ فكيف تريدون أن تسووا بين ذلك النور ~~الإلهي في فكر، وبين عمل يد عملا ميكانيكيا لا إجهاد للعقل فيه؟ بل كيف تزعمون ~~أن الرخاء ينمي النبوغ بينا نرى ذوي النبوغ غالبا من الفقراء والمعوزين؟ # عوني ~~(يبتسم بطيئا) ~~: # يفكهني أنك تناقض نفسك، وأنك أنت المعارض للاشتراكية من أعظم المعترفين ~~بضرورتها. # عارف ~~: # أنا أعارض الاشتراكية؟! إني من أول القائلين بإنصاف العمال ووجوب الإصلاح، وأن ~~للاشتراكية المعقولة دورا لا بد أن تمثله، ولكني أقول باستحالة المساواة التي لا ~~ينتج عنها سوى الظلم والتهويش، وطعن الحرية طعنة جديدة. الناس في الحياة متساهمون، ~~ولكنهم غير متساوين في براعة التصرف بأسهمهم. والضغط إلى درجة معينة على القاصر ~~والجاهل والشرير خير للمضغوط عليه ولمحيطه جميعا. أما الضغط على الرفيع الحر ~~الكبير فجناية عليه وعلى محيطه. في العالم اليوم آلام وفواجع لا تطاق وستؤاسى على ~~وجه ما، ولكني أقول إن الاشتراكية لن تنجح أكثر من النظم السابقة؛ لأنها نسخة ~~جديدة منها ms71 كما أن جميع المعاجم الجديدة نسخ عن المعاجم القديمة. لن تنجح أكثر من ~~النظم السابقة وستأتينا بويلات مستحدثة. ومما ينذر بتلك الويلات اختلاف زعماء ~~الاشتراكية فيما بينهم؛ لأنه أيا كانت النظم والهيئات الحاكمة فما يجب الالتفات ~~إليه في تنظيم المجتمع هو الفروق القائمة بين الناس، لا وجوه التشابه بينهم. وهل ~~يصير الصغار أقل صغرا إذ انكمش الكبار إلى مستواهم؟ # عوني ~~: # نحن لا ننكر أن بين الناس فروقا وأن كلا من الناس ميسر لعمل ما، ولكننا ~~نريد أن نقلل من جور الطبيعة ونسهل الحياة للجميع، نريد إصلاح ظلم الصدف جهد ~~المستطاع، نريد معالجة الأمراض البشرية ما أمكن، ونريد إدخال الجميع ميادين الرقي ~~والنور لتنال الإنسانية سعادة ما فتئت تجري وراءها منذ فجر التاريخ. # عارف ~~(يبتسم مشفقا) ~~: # ما أقرب تحول الأرض إلى سماء عند الإصغاء إلى إخواننا الاشتراكيين! وما أسهل ~~حذف المرض والانفعال والموت! قل لي يا عوني، هل تلاشون من قلب الإنسان الشوق ~~الملهب إلى الحب والكره القتال المدمر الذي لا حد له؟ # بلانش ~~(لأنتوانت بالفرنساوية) ~~: # ماذا يقول عن الحب؟ أف، ما أطول هذه الجلسة! # عارف ~~(متمما دون أن يسمع كلام بلانش) ~~: # وهل تلاشون لذة الحرب، والشغف بالحرب، وفنون الحرب في مظاهرها المختلفة؟ أتقتلون ~~الأمل؟ أتقتلون القنوط؟ أتفعلون كل ذلك لتأتونا بسعادتكم الموعودة؟ وهل من سعادة ~~بعد محق جميع تلك العناصر المكونة كلية السعادة ...؟ # مي ~~(مخاطبة الفيلسوف المصغي إلى هذه المناقشة باهتمام وسكون ~~تام) ~~: # لماذا لا تسمعنا صوتك يا أستاذ؟ لماذا لا تفضي إلينا ببعض ما يفيضه الوحي عليك ~~في خلواتك؟ ~~(يبتسم الفيلسوف ابتسامة مبهمة صغيرة. مي تطلب ~~بإلحاح) # قل لنا رأيك! اذكر لنا الطريق التي على الإنسانية أن تسير ~~فيها لتفوز بالسعادة المنشودة. # الأستاذ سامي ~~(يبتسم ابتسامة كلها عطف) ~~: # البحث عن السعادة! ربما كان هذا ضلال الإنسانية الأكبر. # مي ~~: # وكيف ذلك؟ إنك تسلبنا أملا جميلا يا أستاذ! # الأستاذ سامي ~~: # إن للإنسان حقا في البحث عن الأمر المستحب لا سيما إذا كان واسطة لنموه، ~~ولكن التاريخ يرينا أن الإنسانية إلى اليوم ms72 مريضة؛ مريضة بأطماعها وأشواقها ~~وحاجتها وطبيعتها، ومرضها هو الحياة بعينها؛ فتتقلب على فراش المرض بتغير النظم ~~وتبديلها حاسبة بنومها على هذا الجانب الراحة والطمأنينة - أو السعادة إذا شئتم - ~~فلا تلبث دقائق أو أعواما حتى تشعر بالتعب كالأول، فتتقلب على الجانب الآخر؛ أي ~~إنها إنما تغير النظام، وهي لكذلك إلى الأبد. # زكي أفندي ~~(معجبا دهشا) ~~: # كلام الأستاذ أستاذ الكلام! ~~(باسطا ذراعيه ~~بافتتان) # دام فضلك ينبوعا نستقي منه يا أستاذ! ~~(تدق يده بكتف أنتوانت التي تتبعد مستاءة) # آه، ~~بردون مدموازل! كيف بدرت مني هذه الإساءة؟! ما أجمل هذا الثوب وما أدق ~~ذوقك! ~~(تحدث حركة بين الحاضرين فيتململون ~~للنهوض). # أنتوانت ~~(متثائبة) ~~: # حقا، إن من الرجال من هم بلا لطف، كأنهم لا يشعرون بوجود السيدات والفتيات ~~معهم. لن أزور مي بعد هذه المرة إلا يوم تكون وحدها، أو يوم يكون المجتمعون أقل ~~ثقلا وغطرفة! ~~(تنظر بدلال إلى تطريز ~~ثوبها). # بلانش ~~(ضاحكة) ~~: # مع أن زكي أفندي امتدح جمال ثوبك وحسن ذوقك! # أنتوانت ~~(متأففة) ~~: # هذا لا أريد منه إطراء ولا ثناء. ~~(بتأفف مزج بشيء ~~من الدلع) # لقد قررت في سري ألا أتزوج إلا رجلا ذكيا، حتى إذا ~~شاء أن يمتدحني فعل ببلاغة، وإذا أراد أن يذمني ذم بكياسة وأناقة. # بلانش ~~(وقد نهضت كما نهض الجميع للانصراف واشتبك الحديث بينهم. تضحك ~~من كلام أنتوانت) ~~: # ولكن لا تستطيعين أن تقولي إن هؤلاء الرجال الثلاثة غير أذكياء! فلو خيرت ~~بينهم فمن تختارين؟ الفيلسوف بأسرار عينيه وابتسامته المتمنعة؟ # أنتوانت ~~: # كلا! هذا قديس، لا أريد أكثر من أن أشعل أمامه شمعة وأضع طاقة أزهار. # بلانش ~~: # إذا عوني؟ أو الآخر؟ # أنتوانت ~~: # عوني؟! هذا الذي يريد أن أن يوزع ما عند الواحد على جميع الناس، كما يقولون؟ ~~تأملي حالي إذا هجم يوما على ثيابي وحلاي ليفرقها على نساء لم يتعبن ~~بابتياعها! تأملي حالي إذا تبرع بثوبي الأزرق؛ ثوب الرقص ... لا لا! هذا لا ~~أريده. # بلانش ~~: # بقي الآخر! # أنتوانت ~~: # هذا يقوم حذاؤه اللماع بيني وبينه سدا منيعا! كيف لا أهزأ برجل صغير القدمين ~~إلى ms73 هذا الحد؟ ~~(تضحكان ويمتزج صوتاهما بالأصوات الأخرى.) # عارف ~~(متمما حديثه مع الفيلسوف) ~~: # إن كلامك ليعبر عن كثير من أفكاري يا أستاذ، وأعتقد أن اختلاف الكائنات الحية ~~وتغايرها شرط أساسي لكل نمو وكل كمال نسبي. وما هو تنزاع البقاء - ذلك المصدر ~~الفياض للتنوع والثروة الحيوية - ما هو إن لم يكن في تطوره إثباتا مستمرا ~~للاختلاف والتفاوت؟ وظهور الفرد الموهوب تحريض للنوع بأسره وحث سريع لجوج. ~~(يختفي صوته وراء جلبة التحيات.) # السيدة جليلة ~~(مودعة مي) ~~: # إلى الملتقى يابنتي. مهما احتدم الجدال فمثل هذه الاجتماعات يشحذ القرائح، وأحسن ~~ما يوحيه إلينا كاتب أو محدث هو أن ننتهي من الإصغاء أو المطالعة وفي نفسنا ~~استفهام جديد. لقد سررت بهذا الاجتماع كثيرا! # أنتوانت ~~(إلى بلانش بالفرنساوية دواما) ~~: # هيا بنا مع السيدة جليلة. # عوني ~~(مودعا) ~~: # شكرا أيتها الآنسة، واسمحي لي أن أردد التعبير عن ثقتي بأنك منضمة إلى ~~صفوفنا بحكم فطرتك ونزعتك الفكرية. بي اقتناع بأن السعادة النسبية ممكنة لبني ~~الإنسان، لا سيما وأن فكرة الارتقاء والسعادة وليدة العصور المتأخرة بعد أن تعاونت ~~الأديان والفلسفات على إقناع الإنسان أنه دودة صغيرة تتمرغ في التراب أمام وجه ~~الخالق ... والثورة أبدع مظهر من مظاهر الاستياء، وشرف المرء قائم في الاستياء من ~~الرث البائد والبحث عما يفضله. شرف الإنسان قائم بإنصاف الآخرين كما ينصف نفسه. ~~والنفوس الكبيرة قلقة أبدا لا ترضيها غير اللانهاية. # عارف ~~(يدفعه بكوعه دفعة خفيفة) ~~: # وهكذا تبدأ بالوعظ والإرشاد وتنتهي بالوعظ والإرشاد! الحياة بحر يا صاح، تتدافع ~~فيها الأمواج واللجج والأنظمة والثورات، وإذا استبقيت أنظمة أكثر من سواها فلأنها ~~أنفع للناس وأصلح، ولكن السعادة ليست غايتها ولا الكمال كعبتها! ما غاية ~~الإنسانية إلا الإنسانية، وما كعبة الحياة إلا الحياة. أليس الأمر كذلك يا ~~أستاذ؟ # الأستاذ سامي ~~(بصوته الهادئ) ~~: # كما تدور الأحقاب تدور الأنظمة، والبقاء للذي لا يموت ولا يتغير ~~(يخرج ووراءه زكي أفندي يمتدح كل واحد ~~بدوره). # مي ~~(تودع الزائرين وتعود إلى الغرفة الخالية حيث تتراجع أصداء ~~الأصوات التي تكلمت هناك منذ حين. وبعد إطفاء الأنوار ms74 تخرج إلى الشرفة تحت القبة ~~المدلهمة، تسند رأسها إلى الحائط وتفكر صامتة ثم تبسط يديها نحو الفضاء، نحو ~~خيالات الأشجار، نحو أشعة النجوم، نحو هدير الأصوات وهدوء السكوت، وتقول بلهجة ~~المبتهل) ~~: # ها أنا ذا وحدي أيها الليل فأفهمني ما علي أن أدرك! ها أنا ذا مستعدة أيتها ~~الحياة، فسيريني حيث يجب أن أسير ! # الستار # الفصل العاشر # | رسالة عارف # إلى مي # وأنا أيضا كالسيدة جليلة، تتبعت مقالاتك عن «المساواة»؛ فرأيتك تارة تهيمين بين ~~الانقلابات العمرانية، وطورا تهبين لتطلقي في أحد فروع الموضوع حكما جزئيا لم يكن ~~ليتوقع سواه قارئ أول فصولك عن «الطبقات الاجتماعية»، بل لا يتوقع سواه ذو عينين ~~تبصران ولب يعقل. # خططت العنوان وأدرت الطرف فيما حولك فشاهدت تعدد الموجودات وتمايز الأنام فنقلت ~~قسرا تلك الصورة المتجددة في البرية؛ صورة التطور من أدنى الكائنات إلى أرقاها، وخضوع ~~الوحدات الصغيرة للوحدات الكبيرة، ووجوب الفناء لاستمرار البقاء؛ وهو الغاية المثلى التي ~~تضمحل في سبيلها الصور والآجال. # كذلك قرأت باهتمام تدوين مناقشتنا الأخيرة منتظرا منك الحكم النهائي. ولقد ذكرت أنك ~~شكلت من قواك «هيئة محلفين»، ولكن نسيت أن مثل تلك الهيئة لا تنهي القضايا على الوجه ~~الذي اخترت، وإنما عليها أن تهيئ حكما ما، للدائرة العليا نقضه أو إبرامه. # بيد أني أفهم أن الأبحاث التاريخية والمواقف الأدبية هي غير المحاكم والقضاء، وأفهم ~~كل الفهم معنى ابتهالك لليل والحياة. ولكم ناديت الليل واستغثت بالحياة عند التباس ~~المسالك واشتداد الخطوب! ولكم أحبطني العي والقنوط عندما جاءت الوقائع تكذب ما أنا في ~~حرارة إخلاصي عضدته وعززته! فعقب فشل آمالي الشك الأليم وصرت أود سحق المخادعة ~~والرياء سحقا. أما التحمس الصادق فله مني مزيج اعتبار وشفقة؛ لذلك أقدر تحمس عوني ~~وأشفق عليه جميعا - وإن حاولت إخفاء مشاعري وراء نبرات التهكم والمناوشة. # لقد تألم صديقي شديدا، وكيف لا يتألم في محيطنا الأناني من كان له من عوني رقة ~~العواطف ونبل الفكر وسمو الميول؟ غير أن ألمه ناقص؛ لأنه جاءه من فئة واحدة من الناس؛ فئة ~~العظماء والأغنياء ms75 والأشراف. فتخيل أن الرذيلة تحصنت في القصور وأن الفضيلة استوطنت ~~الأكواخ، وحسب السعادة حيث الرغد، والتعاسة حيث الشظف، ولم يفهم الحرمان بغير معناه ~~الظاهر؛ ومن هنا مبعث خطئه وتحمسه معا. # وكنت في البدء مثله هو وجماعته؛ أرى الحاجة كل الحاجة في فراغ اليد فأنادي بالمساعدة ~~دون حساب، وأتمنى أن يكون لحمي للجائع قوتا ودمي للظامئ شرابا، والخلل حولي كنت أظنه ~~خللا في فقط، وزعمت جميع النفوس من درجة واحدة فمضيت أجاهد لإعلائها إلى أوج قطنته تلك ~~النفوس القليلة التي وضعتها الحياة على طريقي فأثار النبل منها احترامي وإعجابي. # شببت فإذا بي مخطئ، وأن ما في من خلل منشؤه الطبيعة البشرية المتوازنة أجزاؤها نقصا ~~وكمالا، ورأيت أن أنانية تسربلت بالحرير ليست بأطمع من أنانية ارتدت الأطمار، وأن كبرياء ~~بدت في التشامخ والصمت والتأله ليست بأكره من كبرياء توارت في التذلل والتوسل ~~والنحيب. وتبينت في كل مرتبة أثرة وتحيزا واستعدادا قصيا للجور والطغيان، بل ~~تبينت ذلك في كل فرد من أفراد المرتبة الواحدة والأسرة الواحدة. وعلمت أن بعض العقول ~~قفر، وبعض القلوب صخر، وبعض النفوس رموز حية لليأس والنكد، وبعض الصور البشرية انعكاس ~~لتمثال الشقاء الدائم، وأدركت للحرمان معاني جمة. # لقد تيسرت معالجة العوز المادي فتنظمت الجمعيات الخيرية تطعم الجياع وتكسو العراة ~~وتعلم أبناء الفقراء. وها جمعيات التعاون تحرر العامل من تحكم صاحب رأس المال - أعني أن ~~الأدوار تبدلت وأن التحكم صار الآن للعامل. ولكن، أي جمعية وأي شيوعية ترغم الطبيعة ~~على بسط يدها إن منعت، وتغيير نظامها إن جارت؟ هاك زهرة نضرة في حقل الشوك والعليق، فما ~~ذنبها؟ هاك شجرة فريدة وسط الصحراء، فلماذا تشقى؟ كل يرحم من قضى جوعا، ولكن من ذا ~~يرحم قلبا جائعا إلى الحب العظيم، وفكرا له من يفهمه ويقدره، ونفسا طويت على الحنان ~~وبذل الذات تترقب مجيء من تسعد بالتضحية لأجله فلا يجيء، كأن نهر الأعمار جرفه في تيار ~~قديم؟ أي تفطر لمن صانع فلم يكافأ بغير التهجم ونكران الجميل؟ أي تعاسة لمن لا ~~يؤذي الناس ms76 متعمدا فيحرم الصحة مثلا، أو النظر، أو النطق، أو يسلب عزيزا؟ وذاك الوالد ~~الصالح الرصين، لماذا ابتلي بولد مستهتر أبله؟ وذاك الثري المحسن لماذا يحرم هو وزوجته ~~نسلا قد يحسنان تنشئته، بينا ذلك السافل الشرير يستعمل أسماء أبنائه آلة للاحتيال وإرضاء ~~الأهواء؟ # هذه حرمانات قليلة من حرمانات عديدة خرساء لا اسم لها. ولقد قال بركليس زعيم الديمقراطية ~~اليونانية: «عندنا لا يخجل أحد بفقره، وإنما يخجل إذا هو لم يكافح الفقر بالنشاط والعمل.» ~~فإذا تيسرت معالجة الفقر - ولو معالجة نسبية - بالنشاط والعمل، فكيف تعالج حاجات أخرى ~~ليس لموهبة أو صفة مهما شرفت وسمت أن تتغلب عليها؟ وما هذا النظام الذي يزعمون فيه الإنصاف ~~والمساواة، وهو لا يتناول سوى الظاهر الممكن تعديله بلا سلب ولا فتك، في حين تظل جميع ~~الحرمانات الأخرى تنشب في القلب أظافرها؟ # قد تقولين الآن إن اليأس من شفاء المرض الواحد لا يبرر إهمال المرض الآخر، وهذا صحيح. ~~وقد تقولين ما ينسبه إلي بعض أصحابي الاشتراكيين، وهو أني أرستقراطي النزعة وأن أحكامي ~~العامة تقوم على اعتبارات خاصة. أما أني أبني أحكامي على مشاهدات شخصية فأسلم به، وأود ~~أن أسأل كل ذي رأي، بل أود أن أسأل الذين سنوا الشرائع والأنظمة، وكونوا الجمعيات ~~والأحزاب، وأحدثوا الثورات والإصلاحات ... أود أن أسألهم: هل يمكن الاقتناع بغير الاختبار ~~الشخصي، وهل يكون اليقين يقينا إن لم يبن على اقتناع فردي؟ # وأما أرستقراطيتي المزعومة فينقضها أني أكاد أرى رأي ذلك الكاتب الأمريكاني الذي أثبت ~~بالأدلة التاريخية أن أكثر رؤساء الولايات المتحدة ورؤساء الجامعات في هاتيك البلاد، ومديري ~~المصارف والشركات، وزعماء الأحزاب ... أن أكثرهم ينتسبون إلى شارلمان ملك الفرنسيس. وأقول معه ~~إن الشعوب المختلفة لو عادت مئات السنين إلى الوراء لوجدت جدودا واحدة وسلفا واحدا؛ ~~فنكون جميعا أبناء ملوك، وإن تاهت منا الأسماء خلال تشعب الأنساب. ومع تسليمي بصدق ~~الوراثة على قياس خمسين في المائة تقريبا، فإني أذكر كذلك الامتيازات الفردية التي لم تجعل ~~الإمبراطور ماركس أوريليس أنطونيوس أعظم من أخيه في الرواقية والنبالة الأخلاقية ms77 العبد ~~أبكتتس، وأذكر أن أمونيوس ساكاس مؤسس الأفلاطونية الجديدة - التي ربما كانت أكبر مدرسة ~~فلسفية عرفها التاريخ - كان حمالا، وأن فاراداي أحد أعاظم العلماء المكتشفين كان ابن ~~معدمين وحصل قوته أعواما طويلة من بيع الصحف عاري القدمين في شوارع لندن ... وهلم ~~جرا. # لقد تألمت في حياتي لأمور كثيرة ومن مختلف المراتب، وتألمت من مجموع الوراثات ~~المتجمعة في التي أسميها «نفسي». وأعرف من جهة ظلم المجتمع، وظلم الحياة من جهة ~~أخرى. وإني لمن الصائحين عاليا بالثورة على كثير من الأنظمة والعادات والاصطلاحات كما أني ~~من الصائحين عاليا بوجوب الامتثال لأنظمة أخرى وقبول عادات واصطلاحات موافقة في تقديري. ~~أعرف الحياة صالحة محسنة جميلة من الجانب الواحد، وخادعة غادرة قبيحة من الجانب الآخر. إلا ~~أني «زرادشتي» من حيث إيماني بأن الغلبة النهائية للخير والصلاح والجمال. ولو أردت أن ~~أعرف الحزب السياسي أو الاجتماعي الذي أنتمي إليه، لقلت إني أرستقراطي، ديمقراطي، اشتراكي ~~سلمي، اشتراكي ثوروي، فوضوي، عدمي ... إلى آخره. كل ذلك دفعة واحدة وبوقت واحد. وإذا خطر لك ~~أن تضحكي ذكرتك برينان الذي كتب يوما ائتوني بصفحة لأحد كتابنا فأبرهن لكم أنه في ~~السطور العشرة الأولى ذو نزعة تختلف عن نزعته في السطور العشرة التالية، كما تختلف هذه عن ~~السطور الأخرى. وما ذلك إلا لأن جميع النزعات موجودة في كل منا وإن تغلبت إحداها على ~~الأخريات. وهذا التغلب وحده هو الذي يبرز منوعا في مختلف الأفراد فيسم الواحد ~~منا بوسمه، ويضع له العنوان الذي يعرف به. # لو كنت ذا كلمة مسموعة بين حكومات العالم لجعلتها تعرض عن اصطخاب الأحزاب التي خلق كل ~~منها لنفسه بيانا ذا ألفاظ يتمثل فيها قرع النواقس، ودوي المدافع، وخفوق الأعلام، ~~وتنضيد الإعلانات، وحفر الخنادق، وحركات الهجوم والدفاع. كلهم يشكون الظلم وكلهم ظالمون، ~~كلهم ينادون بسقوط الجاني وكلهم جانون، لكن أولئك الظالمين الجانين مظلومون أيضا بحكم ~~الوراثة والأحوال والقدر؛ فهم لم يخلقوا أنفسهم مختارين، بل خلقتهم حوادث دهرية لم يكن لهم ~~فيها يد ولها فيهم كل النفوذ. ولقد طال جهاد ms78 الإنسانية للتحرر من ظلم ما ورثت من غرائز ~~غير مدركة، كما تطلب التحرر من طغيان الطبيعة واستبداد الأقوياء وبطش السلطات وسفالة ~~الجبناء وحسد الخاملين؛ فصرنا اليوم في عصر الكلام الرنان تتلاطم فيه ألفاظ «الشرف ~~والعظمة والحرية والاستقلال والمروءة والإحسان والتعاون»، وإنما هي ألفاظ فارغة قلما ~~فكر مرسلوها في معانيها. كلنا نطالب ب «حقوقنا » وليس منا المهتم بتأدية واجبات تشرى ~~بها الحقوق. ولعلنا حيال الثورة على رأس المال نحتاج إلى ثورة على الدعوى والغرور؛ ثورة ~~حصيفة - إذا جاز نعت الثورة بالحصافة - تحدد الكفاءات، وتقسم العمل، وتعرف الواجبات، ~~وتضع الناس في مراكزهم لا عن تحيز لامتيازات الوراثة ولا تملقا للمال أو مراعاة لآراء ~~الأكثرية، بل وفقا للكفاءة الطبيعية الملزم المجتمع بإنمائها وتعهدها والاستفادة منها ~~عند جميع أعضائه. # قلت إني لو كنت ذا كلمة مسموعة لسننت القوانين الآتية وأحكمت تنفيذها قبل إصلاح الشوارع ~~وإنشاء المعارض وبناء المتاحف وإقامة الاحتفالات ونصب التماثيل، وهي: # أولا: # إيجاد مطاعم عمومية ومنازل للمبيت؛ فعار على المدنية أن يموت فيها أفراد ~~من الجوع والبرد، وعار أشد أن يستعطوا قوتهم ويناموا على قارعة الطريق، أو ~~أن يعمدوا إلى السرقة والنصب والتهجم على المثقلين بإعالة نفوسهم وإتمام ~~أعمالهم العسيرة. ويجب ضبط النظام في تلك المطاعم لمنع الاحتيال؛ لأن ~~الاستعطاء ليس دواما حاجة غذائية، بل كثيرا ما يكون فطرة وغريزة. # ثانيا: # منع التسول بتاتا؛ فالصالحون للعمل يجب أن يعملوا للحصول على قوتهم. ~~وأما الآخرون المرضى والعجزة وذوو العاهات الجسمية فيأوون إلى الملاجئ ~~القائمة على نفقة الحكومة أو المجتمع. # ثالثا: # جعل التعليم الأولي مجانيا، على أن لا يكون متماثلا للجميع، بل ~~يتعلم كل وفقا لاستعداده ما يحتاج إليه وينفعه في عمله؛ فتاجر الأثاث ~~لا يحتاج إلى النظريات الفلسفية، وصانع الأحذية لا يحتاج إلى الهندسة ~~الزراعية، والمهندس لا يحتاج إلى قرض الشعر. وطبيعي أن لكل أن يتوسع ~~بعدئذ فيما يميل إليه من المعارف الكمالية - على نفقته الخاصة. # رابعا: # إيجاد مكاتب عمومية تمتحن فيها الكفاءات وتوزع فيها الوظائف ~~والأعمال حسب الاستعداد؛ فمن الظلم الفادح أن ms79 يطلب المرء عملا به يفيد ~~ويستفيد فيرى جميع الأبواب مقفلة في وجهه؛ إذن لا يعود الكسالى يتذرعون ~~بإحدى تلك الحجج المكذوبة «لا أجد عملا». # خامسا: # إيجاد معاهد كبيرة يأوي إليها من الأبناء من شاء أو من كان شقيا بين ~~والديه فيضطرب بينهما فكره، أو تعتل صحته، أو ينغص عيشه أو - ما هو أخطر ~~من هذه جميعا - يفقد صفاته الحسنة وتتلاشى نزعاته الطيبة؛ فقد وجد الطلاق ~~بحق ليفصل بين المتزوجين الذين ليسوا على وفاق ويريحهم. ولكن كيف يعيش ~~الابن الشقي بين أبويه؟ ولمن يشكو همه؟ وماذا يقول؟ # سادسا: # أن تكون عيادة الأطباء والصيدليات والمستشفيات والتمريض مجانية للجميع ~~على نفقة الحكومة أو المجتمع؛ فمن العار أن يموت أناس لأنهم ليس عندهم أجرة ~~الطبيب وثمن العلاج، أو نفقات العملية الجراحية والمستشفى. كذلك يكون نقل ~~الموتى والدفن مجانيا ومتشابها للجميع؛ فإن الأبهة في الجنازات لمن ~~الأمور المرسحية التي تشوه هيبة الموت. فما دام الناس متساوين في تسليم ~~النفس الأخير فليكن دفنهم مظهرا للمساواة لا مجلى لفروق المراتب في تلك ~~المركبات المنمرة «بريمو» و«سكوندو» و«ترسو». # سابعا: # نفقات المرافعات والدفاع والقضايا المختلفة تكون على الحكومة أو المجتمع. ~~وفي ذلك - فضلا عن المنافع الجمة - رادع عن الرشوة في بلاد تستعمل فيها ~~الرشوة، ورادع لجشع بعض المحامين الواسعي الضمير. # ثامنا: # أن يفرق في السجون بين المساجين حسب مراتبهم وأخلاقهم؛ فإن الثمرة ~~الصالحة لا تعدي الثمرة الفاسدة، ولكن فساد الثمرة الواحدة يمتد إلى مئات ~~الأثمار الصالحة. ولما كان الغرض من السجن كف أذى الجاني عن المجتمع، كان ~~من الظلم أن يكون السجن مفسدة للجاني؛ فلا يجوز أن تمنع عنه الكتب والصحف ~~وما يطلبه من وسائل التثقيف سواء في العلم والفن والمهنة. ويجب أن يشتري ~~طعامه ولباسه بعمله في السجن شأنه في المجتمع، وألا يحقر ويذل، بل يكون ~~هناك في خلوة فيها يشعر بأنه أخطأ دون أن يرى في النوع الإنساني بأسره ~~عدوا وجلادا، لئلا تنقلب قوى نفسه خوفا وكرها، ومرارة ورغبة في ~~الفتك والانتقام. # تاسعا: # يقولون إن العضو الفاسد ms80 في المجتمع يقطع. نعم، على شريطة أن يصيب ~~الطبيب في الحكم بالفساد، لا أن يعود يبرأ المسكين بعد تنفيذ الإعدام ~~فيه كما وقع في بلاد كثيرة. ثم فليجرد الإعدام من مظاهر القسوة التابعة ~~له، كإيقاظ المحكوم عليه من رقاده الأخير لأن ساعة التنفيذ دنت، وإلباسه ~~تلك البذلة القرمزية، وإحاطته بجميع تلك الأمور الرهيبة، وتلاوة الحكم عليه ~~في آخر لحظة من حياته فلا يرى حوله إلا وجوها صارمة، ولا يلمس إلا اليد ~~الفاتكة؛ كل ذلك لم ينفع إلى الآن في ردع أحد، لا سيما وأن تلك الرهبة لا ~~يراها سوى المحكوم عليه؛ فليكن الإعدام إذن بالكهرباء، أو بطريقة سريعة ~~جدا تقضي على الجاني بلحظة دون أن ينتظر وقوعها دقيقة بعد أخرى ويوما ~~بعد يوم. هذا بعد إبلاغه الحكم بمدة كافية ليهيئ نفسه للموت، ولتعيد ~~المحكمة نظرها في القضية فتكون على ثقة من صلاحية الحكم. # أما المبالغ الضرورية للقيام بالنفقات المذكورة في الاقتراحات الأولى، ~~فيؤتى بها من ضرائب سنوية تفرضها الحكومة باعتبار الثروات. وكل يؤدي ~~الضريبة راضيا إذا ضمنت له ما قد يبذل المبالغ الطائلة عن الحاجة ~~إليه. # لا أزعم أن فكري تم نضوجه، بل أرجو أن يظل قابلا للرقي والتطور طول حياتي. ولكن لا ~~أشك في أن هذه الإصلاحات ستتم في المجتمع عاجلا أو آجلا على وجه ما؛ لأني شاعر بأن لا ~~غنى عنها وأن إهمالها جرم متجدد مع الأيام. المجتمع ينيل الفرد حياة لم يطلبها هو؛ فعلى ~~المجتمع إذن أن يهيئ للفرد إمكانية هذه الحياة حسيا واجتماعيا ومعنويا، ثم فليفتح له ~~ميدان المسابقة لتبرز بها ملكاته ومواهبه. وأعتقد أن الإحسان إلى الناس لا يقوم بإعطائهم ~~مالا وقوتا وأثوابا يتمتعون بها بلا تعب فيحسبون الحصول عليها من حقوقهم، بل الإحسان ~~إليهم هو في فتح عيونهم على المقدرة الكامنة فيهم، وتنبيههم إلى وجوب تبادل الحقوق ~~والواجبات، وإفهامهم أن الذي لا يؤدي واجبا فلا حق له. # بين الأستاذ سامي الذي ينكر السعادة، وصديقي عوني الذي يرى كل السعادة في حذف رأس المال ~~ومحو ms81 الفروق بين المراتب، أقف أنا قائلا بأن هناك سعادة ممكنة؛ فقد سعدت في حياتي أياما ~~وأسابيع، وكل الناس عرفوا طعم السعادة وطعم الشقاء. ولعل السعادة والشقاء مزاج أكثر ~~منهما حالة نفسية؛ فمن البشر من خلق سعيدا أو تعسا، كما أن منهم الباسم والعابس، الشره ~~والقانع، البدين والهزيل، ولكن يتحتم أن يؤدي المجتمع كل ما يمكنه أن يؤديه لأعضائه، ~~وهو إلى الآن غير فاعل. المجتمع أيضا يطالب بحقوق كثيرة ويؤدي واجبات قليلة. فلا غرو أن ~~يحذو أعضاؤه حذوه. # ها أنا ذا وقعت فيما اتهمت الأحزاب به، وخلقت لي لغة مسهبة لأقول شيئا قليلا. ثم ~~ما منفعة اقتراحاتي - على أهميتها ولجاجتها - في هذا الزمن العصيب؟ إن الأرض لترتج تحت ~~أقدامنا والهواء يحمل إلينا ما قد يكون لهيبا ودخانا لحريق سحيق. فالنظم الاجتماعية ~~تتطور ككل شيء حيوي - كما قلت في مقالاتك وكما هو الواقع - فلننتظر إذن ما هو كائن؛ ~~لأني أرى الإنسانية الآن كالأفعى تغير ثوبها، أراها كالجو يتعاقب فيه السكون والزوابع، ~~الصفاء والغيوم، النجوم والأمطار. كفانا أن نرقب سير الحوادث متكلين على نفوسنا، محدقين ~~في وجه الحياة بلا وجل، مستعدين لتبين الصلاح والحقيقة. ونحن أبدا كالأرض أمنا التي ~~تقبل البذور الصالحة ثم ترسلها غلة وخيرا، وإذا هوت عليها الأشجار اليابسة تجمدت في ~~حضنها مادة للنار واللهيب. ولنكن أبدا مطلقين هذا الهتاف الجامع بين الإخلاص والحيرة، بين ~~الزفير والابتهال: ها أنا ذا وحدي أيها الليل، فعلمني ما يجب أن أعلم! ها أنا ذا مستعد ~~أيتها الحياة، فسيريني حيث يجب أن أسير! # عارف ms82