######OpenITI# #META# URI: 1360MayZiyada.RujucMawja.Hindawi39714175 #META# Tags: literature #META# ID: 39714175 #META# Title: رجوع الموجة #META# AuthorID: 64620862 #META# Author: مي زيادة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # | رجوع الموجة # | رجوع الموجة # تأليف # مي زيادة # | الفصل الأول # كان مساء 8 أكتوبر باردا والجو ملبدا بالغيوم، وعندما أقبل أول الليل أخذت مساكن ~~شارع رامبران تتوارى عن النظر شيئا فشيئا وراء حجب أستار ذلك الظلام الحالك، وكان الهدوء ~~محيطا بالمكان والسكينة محدقة بجهاته الأربع كأنه روضة في قفر. # وإذا بامرأة حديثة السن، حسنة الهيئة، جميلة المنظر، ملتحفة برداء واسع تعبر تلك الطريق ~~بسرعة، وهي تذهب وتأتي، وتصعد وتنزل ناحية الرصيف بين شارع لسبون وشارع كوسل، إلى أن وقفت ~~أخيرا أمام أحد بيوت الشارع الثاني، ونظرت مليا واجهته المشرفة على السكة. لو صادفها ~~أحد من المارين وقتئذ على تلك الحال لما شك في أنها تنتظر شخصا ما، وأن ذلك المكان هو ~~موعد للقائهما، غير أنه لم يكن من سبب لمجيئها سوى ms01 مراقبة خيال، خيال فتاة ولدت في ذلك ~~البيت منذ إحدى عشرة سنة، إلا أنها كانت منذ حين رقدت رقادها الأبدي تحت المرمر المحاط ~~بشجيرات الورد الأبيض. # هذا وقد هجم الظلام الحالك بخيله ورجله، حتى إن كثرة المصابيح المتلألئة لم تكن ~~تغني شيئا، فجلست تلك المرأة بالقرب من باب إحدى الحدائق وغاصت في بحر من الأفكار المزعجة، ~~وبعد هنيهة بدأت دموعها الكثيرة تنهل على وجناتها وهي تتأوه وتصعد الزفرات من قلب ~~مجروح، وفي غضون ذلك أرادت أن تترك تلك البقعة التي كثيرا ما تذكرتها أيام سعادتها، وإذ ~~عزمت على مفارقة ذلك المكان سمعت بغتة صوت مركبة في أول شارع كوسل؛ فاستولى عليها رعب ~~شديد واكتنفتها الحيرة من كل جانب، وأخذت ترتجف وهي لا تدري ماذا تعمل من شدة انفعالها، ~~وأوشكت أن تقع على الحضيض، لكن يدا قوية أمسكتها بغتة وهي مطبقة الجفنين كمغمى ~~عليها، واضعة رأسها على تلك الكتف التي تسندها، وفي أثناء ذلك سمعت صوتا كان قد غاب عنها ~~منذ خمس سنوات. ~~- مرغريت! # ففتحت عينيها ونظرت في وجه من ناداها ثم أطبقتهما، وبعد لحظة سمع صوتا من بين شفتيها ~~المصفرتين: ألبير! ~~- مرغريت. مرغريت. أنت هنا؟ ألم تزالي تتذكرين وقد أتيت إلى هنا لتنظري البيت الذي ~~ولدت فيه؟ ثم جعل ألبير يضغط على ساعد مرغريت بشدة، ولم تستطع الجواب، بل كان يصعب ~~عليها التنفس، وبعد هنيهة أجابت بالجهد: نعم جئت، ولكن لا تكلمني بل دعني ~~وشأني. # فدنا منها وهو ممسك بيدها، وهمس في أذنها: من إحدى عشرة سنة يا مرغريت، لو عاشت ابنتنا ~~لكانت بلغت إلى هذا العمر. قال ذلك والزفير يقطع صوته، وكاد يتقطع قلب تلك المسكينة التي ~~بدأت عبراتها تجري على وجنتيها كسيل مدرار. ~~- ابكي يا مرغريت، اندبي ابنتك واندبي حظ أبيها التعس. نعم، أنا هو ذلك الأب السيئ الحظ ~~والد إيڤون، أليف صباك، وشريك حياتك سابقا، وقد نسيت ذلك. # فقاطعته بجرأة قائلة: لا، أنا لم أنس. ثم ظهر على محياها أنها تتذكر كل ما قاسته من ~~العذاب مع ms02 ذلك الرجل في غابر الزمان، على أن ألبير تظاهر بأنه لم يسمع كلامها، ثم قال: ~~تعالي نذهب إلى الحديقة؛ إذ إنها خالية في مثل هذه الساعة، ولنأخذ معنا كالسابق ابنتنا ~~إيڤون. # فأذعنت مرغريت طائعة؛ لأنها كانت قد اعتادت الطاعة لهذا الصوت، ولكن في الدقيقة عينها ~~خطر لفكرها كوميض البرق أنها زوجة رجل آخر؛ بيد أنها ظنت ذلك حلما: نعم، هذا هو ~~الشارع، وهذا هو البيت بعينه، وهذه الحديقة نفسها، وألبير بجانبها حسب سابق عهده. # تلك كانت حياتها الماضية، وهذا هو عين الحقيقة، بل كيف تغير كل هذا يا ترى؟ وكانا ~~يسيران في طريقهما صامتين، وهو يخالسها النظر من وقت إلى آخر، يمتع عينه بذلك الوجه ~~الجميل المحبوب الذي يستره برقع شفاف، فكان يخاطب نفسه قائلا: ترى كيف نسيت زوجتي ~~وعلق قلبي بحب امرأة أخرى؟ نعم، إني عشت عدة سنوات بعيدا عن تلك التي كنت أعبدها، ثم إنه ~~شعر بنار شوق تحرقه، وأراد أن يضمها إلى صدره مستغفرا إياها. أما هي، فكانت مضطربة ~~قلقة (كريشة في مهب الريح) لا تعرف ماذا تفتكر وتقول، وعندما وصلا إلى باب الحديقة عادت إلى ~~الوراء وقالت: يجب أن أذهب وحدي، أرجو أن تتركني وشأني. ~~- لا. # فأطاعته ولم تخالف له أمرا، وسارا معا إلى أن وصلا إلى بقعة كثيرة الأشجار خالية، ثم ~~ظهرت لهما عن بعد أرض مخصبة فيها أشجار عظيمة، غير أنها مجردة من أوراقها، وكان هذا ~~المنظر مؤثرا جدا تحت جنح الظلام الحالك. وإذ تأكدت مرغريت أن لا ثالث بينهما ولا رقيب ~~على حركاتهما، اطمأنت قليلا، وأمعنت النظر في وجه ألبير الذي إذ لحظ منها ذلك أطرق ولم ~~ينبس ببنت شفة. ~~- كيف وجدتني؟ أما ترين هيئتي متغيرة؟ ~~- نعم. ~~- هل تقدمت في السن؟ ~~- لا شك في ذلك. ~~- أرى أن الوقوف يتعبني، فلنجلس هنا يا مرغريت. # فاتجها نحو مقعد كان قريبا منهما وجلسا عليه، ثم شرعت مرغريت تحدق في ملامح ذلك ~~الرجل الذي أحبته مدة طويلة؛ فرأته شاحب اللون، ضعيف الجسم، منحط القوى، وعند ذلك ~~مالت ms03 إليه كل الميل وأحست بشفقة عظيمة عليه، حتى إن قلبها كاد يذوب حنانا، ولم يكن إلا ~~القليل حتى تذكرت خداعه لها بعد موت ابنتها إيڤون الوحيدة. نعم، قد تمثلت لها تلك ~~الخيانة الفظيعة التي تقشعر منها الأبدان، كيف لا وهي أنها عندما كانت تبكي وتنوح وفي ~~حالة يرثى لها من الأحزان، رأت بين ذراعي زوجها امرأة أخرى هي من أعز صديقاتها، لعمري ~~إنها لأفكار مؤلمة تأبى إلا أن تستقر في المخيلة لتعذب صاحبها تعذيبا، وتكوي فؤاده ~~حينا بعد حين بتذكرات هي أحر من الجمر. # إذ رأى ألبير مرغريت صامتة أحس بما كان يدور في خلدها من الأفكار المزعجة والهواجس ~~المؤلمة، فدنا منها بكل هدوء وأسند رأسه المكشوف إلى كتفها المرتجف، فنظرت إلى شعره الأسود ~~الذي طالما سرحته بيديها، ثم حدقت في صدغيه حيث كانت تظهر عروق زرقاء نحيفة؛ فعند ذلك ~~زاد اضطرابها وهاجت عواطفها، فلم يغب عن ألبير ما شعرت به؛ لأنه كان عارفا حق المعرفة ~~بعظم حنوها وضعفها النسائي، فقال لها بلين: مرغريت، لا تخافي. نعم قد كنت زوجك في الماضي، ~~وهأنذا لم أزل حتى الآن، بل وما دمت حيا أرزق. ~~- لا، لا. ~~- بل نعم، نعم. ثم وقف وأمسك يديها وقال: ذهبت اليوم إلى مدفن ابنتي إيڤون وأتيت بهذا ~~الغصن الصغير من شجرة ورد أبيض بالقرب من ذلك المدفن، وها هو. # فتناولته مرغريت من يده وقبلته بحرقة مرارا، ولثمته تكرارا، ثم استأنف كلامه ~~قائلا: نعم، إن إيڤون كانت تحبنا حبا شديدا لا زيادة بعده لمستزيد. أما مرغريت فلم ~~تستطع أن تجيبه بشيء؛ لأن العبرات كانت تسيل بغزارة على وجنتيها، والزفرات كادت تخنقها، ~~ثم تنفست الصعداء مرارا والعرق يتصبب من وجهها. ~~- آه يا مرغريت، إني من حين فقدت أمي لم أجد أحدا يكلمني عن إيڤون عزيزتي، فهي ماثلة ~~أمام عيني آناء الليل وأطراف النهار، ولا تبرح من بالي لحظة واحدة. ~~- أين تركت صديقتك؟ # قالت هذا وهي تضطرب اضطرابا من شدة التأثر. ~~- إن تلك لا علم لي بمهب ريحها، نعم إنها ms04 صحبتني مدة سنة تقريبا عندما كنا نجوب ~~البلاد سوية وننتقل من جهة إلى أخرى، ثم افترقنا وذهب كل لشأنه. ~~- ترى أين ذهبت؟ ~~- إني لا أعلم من أمرها شيئا؛ فإن بلاد الله واسعة أرجاؤها. وأما أنا فقد عزمت على أن ~~لا أعود إلى باريس حيث أرى آثار سعادتي الماضية، وقد توفيت والدتي بعد أن استقدمتني إليها، ~~على أني أشكر الله شكرا جزيلا يا مرغريت؛ لأنه قيض لي مرآك. ~~- إني وحقك لم أجن ذنبا، ولم أقترف إثما، ولم أفكر قط في الخيانة، بل أراني ~~لم أزل متسربلة بثوبي العفاف والأمانة. نعم، إني كنت أحبك وأحافظ غاية المحافظة على ذلك ~~الحب؛ بيد أنك خنت وهدمت سعادتك بيدك. # فهز كتفيه وقال: كان يجب أن تسامحيني يا مرغريت ... لم لا تغفرين لي؟ لم لا تسدلين ذيل ~~العفو وتعودين زوجة لي كالأول؟ # فأطرقت مرغريت إلى الأرض صامتة لا تحير جوابا، وجرت دموعها على خدها، غير أن قلبها كان ~~يخفق خفوق الغبطة، وبعد هنهية قالت: لقد سامحتك. ~~- لكن سماحك هذا لا يجدي نفعا الآن، ومنذ قليل قلت عندما زرت مدفنها: يا بنيتي ~~الصغيرة الراقدة تحت الثرى، أتصدقين أن أمك قد تركتني؟! فهأنذا أبكيك وحدي طالما بقيت ~~حيا. # فتحركت الشفقة في قلبها ثانية وقالت: لا، بل ابكها معي. ~~- نعم، الآن أبكيها معك، ولكن غدا مع من يجب أن أبكيها؟ # أما مرغريت ففكرت بولدها الذي كان ينتظر رجوعها إلى البيت؛ فإذ ذاك كفكفت دموعها ~~بمنديل ونهضت ناظرة إلى الساعة، ثم قالت: لا أرى شيئا. # فأخذ ألبير الساعة ونظر إليها وقال: الوقت منتصف الساعة السابعة. ~~- فيجب علي الانصراف إذا؛ فإن ابني الصغير ... ~~- أنا عارف بوجود ولد لك، وأنا أحبه من كل قلبي، كيف لا وهو أخو إيڤون. إني أستودعك ~~الله الآن، فاذهبي يا مرغريت بحراسته تعالى، ولكن أستحلفك بأن تعودي إلي في الغد. ~~- أعدك بأني أعود. ~~- من كان يحبك منذ عشرة سنوات ويبذل النفس والنفيس في سبيل رضاك، ألست أنا؟ ~~- نعم أنت. ~~- ألم تكوني زوجتي التي أحببتها قبل أن تعرفي ms05 رجلا آخر. ~~- نعم. ~~- فلنعد إذا يا عزيزتي إلى ما كنا عليه قبلا من حسن الاتحاد والوئام؛ لنقضي باقي ~~العمر معا في معترك هذه الحياة وانسي الماضي. ومن ذا الذي ما ساء قط! أما أنا ~~فإني أعتبرك قرينتي كالسابق، ولا أريد أن أنفصل عنك ولا أن أعيش بدونك. فأناشدك الله أن ~~تعودي إلي؛ فإن العود أحمد، أقسمي لي إذا بحبك لإيڤون بأن ترجعي بدون إبطاء. # أإلى هذا الحد تصل بإلحاحك؟ ~~- نعم؛ إذ لم يبق لي من طاقة على الاصطبار، ولا أقدر على احتمال بعادك عني إلى أكثر من ~~غد. نعم يا مرغريت، وحقك إني أذوب ضجرا في وحدتي، وقد سئمت نفسي العيشة في هذه الحياة ~~الدنيا. عودي إلي ولا تخافي على ولدك؛ فإن والده يعتني به، وأمك تعوله فلا بأس عليه، أما ~~أنا فإني أراني وحيدا في تعاستي في هذه الدنيا؛ إذ لا معين لي ولا أنيس يسليني في ~~وحدتي، فأسرعي بالرجوع إن كنت تحبين إيڤون وتعزيني (ثم حاول أن يأخذها بين ذراعيه). ~~- ثق بكلامي وتيقن أني أرجع على شرط أن لا تتلفظ بشيء مما ذكرته الآن. ~~- سأطيعك بلا سؤال. ~~- وأنا سأرجع بدون ريب، وأما الآن فلا بد من ذهابي على جناح السرعة لمشاهدة ابني الذي قد ~~مل من الانتظار. ~~- اذهبي الآن بحراسة الله، وغدا ترينني أنتظرك، وبعد غد، وكل وقت في هذا المكان؛ فإني لا ~~أتعداه. # فتركته مرغريت وسارت في سبيلها وكل جوارحه أنظار تشيعها. أما هي فبعد أن ابتعدت عنه ~~قليلا التفتت، فرأته لم يبرح مكانه وقد رفع يده مسلما، ثم ركبت أول عربة وجدتها وذهبت ~~تنهب الأرض حتى توارت عن النظر. # | الفصل الثاني # انتهت مرغريت إلى البيت وقرعت الجرس ففتح، ورأت زوجها أمامها وهو طلق المحيا، ~~باسم الشفتين، ولما رآها أسرع إليها وصافحها وأمارات الحب ظاهرة على وجهه، ثم خاطبها ~~بحنو قائلا: لقد تأخرت يا عزيزتي، فماذا جرى لك اليوم؟ # فأجابته غير مكترثة به: لم يجر لي من شيء. قالت هذا وإذا بصوت أمها يناديها: أسرعي يا ~~ابنتي ms06 أسرعي؛ فإن صغيرك يبكي ولا يريد أن ينام بدونك. فقالت : هأنذا آتية. ثم هرولت إلى ~~حجرتها وأشعلت فيها المصباح، ثم وقفت جامدة حائرة في وسط الحجرة لا تعي على شيء، مرتبطة ~~اليدين، حزينة النفس، وكأني بها ترى ذاتها أنها غريبة في هذا البيت. وكان زوجها قد تبعها، ~~فلما رآها على هذه الحال دنا منها ومد يده إلى رأسها نازعا الدبابيس من شعرها، ثم رفع ~~القبعة عنه وقال: أسرعي إلى الصغير يا حبيبتي؛ فإنه يبكي منذ وقت غير وجيز. ~~- ويلاه! هل هو مريض؟ ~~- لا، بل هو في غاية الصحة، لكنه قد اعتاد أن يرى أمه كل يوم قبل هذا الوقت؛ فخفي ~~إليه، وبعد أن تناغيه قليلا ينام لا محالة. فأسرعت مرغريت إلى حجرة ابنها، وأطفأ زوجها ~~المصباح، ثم دخل مكتبه، وجعل يقرأ في كتاب كان قد طواه عند دخول مرغريت، وبعد مضي نصف ~~ساعة خرجت تتبعها أمها على الأثر، فسألها زوجها: هل نام الصغير؟ # فقالت والدتها: نعم نام. ~~- فإذا يلزم أن نتناول طعام العشاء. # وإذ جلس الثلاثة على المائدة شعرت مرغريت ببعض التعزية عندما رأت زوجها الحقيقي تلقاءها، ~~وتذكرت ألبير ذلك الخداع الذي عذبها ونغص عيشها، فقابلت بين الأول والثاني، فرأت ~~فرقا عظيما بين معاملة هذا وذاك؛ فإن زوجها الثاني كثيرا ما أحبها في كل مرحلة من ~~مراحل هذه الحياة، وخصوصا عندما كان يراها محتاجة، فإنه مد لها يد المساعدة، ~~واتخذها تحت ظل حمايته لكي ينسيها آلامها السالفة، ويبدل غمومها وهمومها بالأفراح؛ ~~ولذلك شعرت بميل إليه فائق العادة، ورأت أنها محتاجة إلى أن تخبره بواقعة الحال، أي بما جرى ~~لها في يومها، غير أن وجود والدتها مدام موستل منعها عن الكلام؛ فأبقت ذلك إلى أول فرصة ~~تسنح لها، إلا أنها لم تستطع كتمان عواطفها وإخفاء إحساساتها، ولم تمض سوى هنيهة حتى ~~تفجرت ينابيع دموعها، وسالت أنهار دموعها على خديها، وشعرت بضيق صدر ضاغط على مجرى النفس ~~كاد يخنقها، وأخذت تئن أنين البائس الحزين. فحينئذ نهض روجر عن كرسيه مرتعبا مضطربا، ~~وأوقفها ms07 في مكانها وأسندها على ذراعه، ثم ذهب بها إلى حجرته حيث أجلسها على مقعد هناك، وفي ~~غضون ذلك هرولت مدام موستل والطعام في فيها وقالت: ما الخبر؟ وأي خطب جرى؟ ~~- لا تخافي يا حماتي، دعيني أعالجها وحدي، أما أنت فاذهبي إلى مزاولة شئونك. ~~- نعم، في مثل هذا اليوم ولدت ابنتها إيڤون، فيظهر أنها تذكرت ذلك فما قدرت - والحالة ~~هذه - على امتلاك عواطفها. ~~- لم يغرب عني ذلك، وقد أدركت كل هذا من ملامح وجهها، وظهر لي جليا أنها تفتكر بابنتها ~~إيڤون. قال هذا وشرع يداوي امرأته هذه بعناية كلية واعتناء لا زيادة بعده لمستزيد، وهو ~~ينشقها المنعشات على اختلاف أنواعها وضروبها، وكان طبيبا ماهرا في صناعة الطب، ولم ~~يكن إلا بضع دقائق حتى عادت إليها قواها وفتحت عينيها كأنها قد انتبهت من سبات عميق، ~~وقالت: يا روجر، اذهب وأتم طعامك، وأنت يا والدتي اصحبيه إلى المائدة واستكملي غداءك، ~~فما من حاجة لي بكما بعد. # فأجابت والدتها: لا أستطيع أن آكل لقمة واحدة؛ لأن معدتي في اضطراب شديد! ~~- تعالي يا حماتي معي إلى المائدة، وأنت يا عزيزتي مرغريت إذا شعرت بتعب جديد فما عليك ~~إلا أن تقرعي جرس الاستدعاء لأحضر بسرعة. ~~- لا شك في ذلك. # فهدأ روع مرغريت وجمعت قواها لأن المكان خلا لها، ثم بدأت ثانية تعيد في فكرها ذكر ~~ماضيها وما حدث لها في أدوار حياتها، وما هي إلا لحظة حتى أغمضت جفنيها، فتمثل حينئذ شخص ~~ألبير الحلو أمام ناظريها، فأمعنت النظر طويلا في صباحة ذلك الوجه المنير، والجبهة العالية ~~البيضاء، كما أنها تأملت في ذلك القوام المعتدل الذي لا يضاهيه قوام، فضلا عن رنات ~~صوته اللذيذة، إلى غير ذلك من الصفات التي كانت تأخذ بمجامع القلوب. فعند ذلك، عضت على ~~أناملها ندما وكادت تغيب عن الرشد، ثم عادت إلى واجباتها وفكرت في شخص الدكتور روجر ~~الذي كان قوي البنية، عريض المنكبين، أسمر اللون، ذا لحية سوداء طويلة، وعينين ~~براقتين، تلوح على محياه طهارة القلب وسلامة النية وحرية الضمير. # قد ms08 علم مما تقدم أن مرغريت تحب ابن عمها روجر، لكن شتان ما بين الحبين الأول ~~والثاني، وقد قال الشاعر: # نزه فؤادك حيث شئت من الهوى # ما الحب إلا للحبيب الأول # نعم، إن حبها وعشقها وميلها وهواها وقلبها، كل ذلك كانت قدمته إلى ألبير الذي عرفته ~~أولا، ومعلوم أن الحب كلما عظم ازدادت الغيرة. على أن مرغريت عندما رأت ما كان من أمر ~~زوجها ألبير مع صديقتها بلانش، كبر عليها وصعب احتماله، فأسرعت إلى أمها وقصت عليها ~~الخبر، مظهرة لها عظيم حزنها وشديد كدرها، غير أن هذه لم تكن ذات تعقل ورزانة ~~وحكمة لتسكين جأشها وتهدئة روعها، فهاجت وماجت لدى سماعها ذلك، وانتقضت انتفاضا وقالت: ~~تبا له من رجل دنيء، ووغد لئيم، عادم الشرف، فاقد الإحساسات الإنسانية، أسألك رباه أن ~~تخلص ابنتي من هذا الوحش الضاري! # ولم تكتف العجوز بهذا الكلام المهيج العواطف دفعة، بل كانت تتلفظ به مرارا وتراجعه ~~تكرارا أمام ابنتها، مظهرة لها فظاعة عمل زوجها وخيانته التي لا يطاق احتمالها، ولم ~~تزل على هذا ومثله من اغتياب ألبير وتخطئته بأسمج الألفاظ والتعابير، حتى بدأت مرغريت ~~تشعر بأن مراجل العداوة والحقد تغلي في أحشائها، وصارت تكره ألبير كرها عظيما، وشعرت ~~بأنها لا تقدر أن تساكنه ولا أن تعيش معه؛ فعزمت على طلب الطلاق. على أنها عندما أعلنت ذلك ~~لوالدتها قالت لها: هذا الصواب بعينه، كيف لا، وإن الزوج هو سيئ المبادئ فاسد السيرة، فلا ~~تطيب السكنى معه بوجه من الوجوه؟! # أما ألبير، فإنه سمع في إحدى المرات الحديث الذي كان يدور بين الأم وابنتها بهذا الخصوص، ~~وعندما طرقت مسمعيه كلمة «طلاق» أسرع طالبا مواجهة مرغريت، فأبت مقابلته كل الإباء، ثم كتب ~~لها بعد ذلك عدة رسائل، غير أنها أعادتها إليه على الأثر مختومة كما كانت. فاستعان ببعض ~~الأشخاص من ذوي الرزانة والرصانة والمعرفة التامة بحقائق الأمور ليحادثوها في الأمر، فرفضت ~~مقابلتهم، وأبت أن تسمع كلام وسيط أو حديث رسول في هذا الشأن. وبعد أن استعمل كل الوسائط ~~الفعالة لإصلاح ms09 ذات البين بينه وبينها ولم تفد شيئا بل ذهبت أدراج الرياح، لم يشأ ~~أن يحتقرها ولا أن يعاملها معاملة سوء، فعزم أخيرا على أن لا يعود يفاتحها بهذا الأمر، بل ~~يدعها وشأنها تاركا حبلها على غاربها. # هذا، وبعد أن تم أمر الطلاق بين الزوجين، شعرت مرغريت بوخز الضمير المتعب وضيق في صدرها، ~~وما ذلك إلا لأنها كانت تحب ألبير حبا لا زيادة بعده، وكانت تبكي بكاء مرا وتندب حظها ~~حينما كان يخطر في بالها أنها قد فارقته فراقا لا اتحاد بعده، ولم يجر ذلك إلا بمجرد ~~إرادتها وقبولها التام. على أن والدتها كانت تبذل أقصى الجهد من جهة ثانية بإقناعها بأن ~~تتزوج ابن عمها روجر، الذي كان يحبها حبا شديدا، غير أن مرغريت لم تعبأ بهذا الكلام في ~~أول الأمر، وحسبته أمرا ساقطا لا يلزم أن يذكر بشفة، ولكن نظرا لما رأته من حنو ~~ابن عمها روجر، وحسن أمانته وشفقته، أخذت تفكر في هذا الأمر من وقت إلى آخر، إلى أن ~~أضحى شغلا لها صباح مساء، وكثيرا ما كان هذا الفكر يقلقها في غدواتها وروحاتها، وإذ لم ~~تر مناصا من هذه الأفكار المتعبة والهواجس المضنية، اضطرت أن ترضى الاقتران بابن ~~عمها روجر، على أنها عزمت عزما أكيدا ثابتا على أن تمحو من فكرها اسم ألبير، واسم كل شخص ~~يذكرها به. # أما روجر فقصد اتخاذ كل الوسائط الفعالة لكي يجعلها سعيدة ذات عيش رغد وقلب مطمئن؛ ~~لتنسى ذكر تلك الآلام الماضية. وكان يقرأ غمومها وسائر أحزانها بل وأعماق أفكارها في عينيها ~~وملامح محياها، وكان يدل على كل هذا إشاراتها وحركاتها. وقد فهم روجر في ذلك المساء أن ~~مرغريت تتعذب عذابا مبرحا بتذكر أمر محزن. # كان يجري ذلك في مخيلة مرغريت، وأخيرا طرق أذنيها صوت أمها تخاطب روجر في قاعة ~~الطعام. ~~- إني في قلق شديد؛ فدعني أذهب إليها. ~~- لا ضرورة لذهابك، بل الزمي مكانك. ~~- إنها وحدها، فلا شك أنها تضجر. ~~- دعيها منفردة؛ إن الوحدة تفيدها في هذا الوقت. ~~- على أنها عصبية المزاج! ms10 ~~- لا عجب في ذلك؛ فإنها قد ذاقت من أنواع العذاب في ما مضى من حياتها ألوانا. ~~- تبا له من قاس! # فأنكر الدكتور روجر عليها ذلك، وقال لها بلطف: أرجو يا حماتي أن لا تعودي إلى ~~ذكره. ~~- أهلك الله ألبير الذي كان سبب شقائها وعذابها. ~~- بل الأولى بك السكوت؛ لأنها إذا سمعت شيئا من هذا فإنه يزيدها آلاما. ~~- لا أستطيع أن أسكت. ~~- إن كان الأمر كما تقولين، فأنا أشير عليك بالنوم العاجل كهذه. # فأطرقت مدام موستل ولم تجب بكلمة. ولم يكن إلا القليل حتى نهضا وذهبا إلى حجرة مرغريت، ~~ثم دنت منها والدتها وودعتها بقبلة في جبينها قبل أن تذهب إلى سريرها، أما مرغريت فأشارت ~~عليها بالبقاء ففعلت. ثم سألها روجر قائلا: كيف أنت الآن يا عزيزتي مرغريت؟ ~~- أحسن قليلا، وإني أشكرك شكرا جزيلا، ولم أزل أحس ببعض التعب. ~~- لا بأس عليك، فالزمي سريرك وخففي عنك قلق الفكر واضطراب البال؛ فإنهما يضنيان ~~الجسم كما لا يخفى عليك. # ثم جلس واشتغل بمطالعة الجرائد، وكان حينا بعد حين يخالسها النظر، وأما هي فكانت تتناوم ~~وليست بنائمة. # | الفصل الثالث # عند انبلاج صباح اليوم الثاني نهضت مرغريت من فراشها، وسألت عن زوجها، فأجيبت بأنه خرج ~~منذ ساعتين، فذهبت إلى غرفة طفلها وحملته على ذراعيها، وأخذت تكثر من تقبيله وملاعبته ~~وضمه إلى صدرها، كأنها لم تره منذ أشهر طويلة. وكان وجود صغيرها مكسيم بين ذراعيها ~~أحسن واسطة لأن تنسى ألبير وتسلوه، وبينما هي تناغي صغيرها وتلثمه، أقسمت له بأنها قد محت ~~من فكرها اسم ألبير، فهي مزمعة أن لا تعود إلى تذكره في حال من الأحوال، ولا يصعب ~~عليها ذلك بل يكون سهلا لديها بوجود طفلها المحبوب الذي تبذل دونه النفس والنفيس، فهي ~~مصممة أن لا تحب سوى طفلها هذا ووالده الدكتور روجر. وكان ذلك الطفل كحمامة وديعة حين ~~تمس شفتاه ثغرها تشعر بلذة خارقة العادة، وتحن إليه حنانا لا غاية بعده، وهو يلغو ~~تارة ويصرخ أخرى، وحينا يصفق وحينا يبش في وجه أمه ثم يقرع ms11 أديم الأرض برجليه ~~فرحا. # ثم أتى الدكتور روجر فوجد زوجته وابنه على هذه الحالة من الانشراح والسرور، فوقف هنيهة ~~عند باب الحجرة مراقبا متأملا حركاتهما اللطيفة، مصغيا إلى حديثهما الذي حسن وقعه في ~~أذنيه، ولم يكن قد شعر من قبل بمثل هذه اللذة. وكانت عيناه ترمقانهما بحنو لا ~~يوصف، وفؤاده يرقص من هزة الطرب على رخيم صوتهما، وما عتم أن رمى بنفسه عليهما، ~~وتناول الطفل بذراعه وضم أمه بالأخرى سائلا عن صحتها الغالية باهتمام عظيم، ثم قال: أريد ~~أن أريك شيئا جديدا أيتها العزيزة، فأوجه إليه حسن التفاتك. وعلى أثر قوله هذا ضرب ~~جرس الاستدعاء، فدخل أحد الخدام فأشار إليه الدكتور بأن يأخذ الطفل مكسيم إلى مرضعه، ثم ~~خرج إلى صحن الدار وأتى بباقة أزهار بيضاء كبيرة ووضعها بين يدي مرغريت قائلا: عزيزتي، قد ~~آليت على نفسي أن أزور مدفن إيڤون في هذا اليوم لأضع عليه هذه الأزهار النقية، وقد خطر لي ~~هذا أمس، وأرغب في أن تصحبيني في هذه الزيارة، فماذا ترين؟ # فرمقته مرغريت بنظرة طويلة كانت تبدو في خلالها على صفحات محياها عبارات الشكر ~~والامتنان؛ لأن فكر روجر هذا قد سرها سرورا لا يوصف، ووقع من نفسها أعذب موقع، ثم ~~أطرقت وعلامات الابتهاج وانشراح الصدر بادية على وجهها. ~~- ماذا ترين يا مهجتي، ألم يحل ذلك في عينيك؟ دعي عنك التأثر، واتركي الانفعالات ~~النفسانية الشديدة الأضرار بالصحة، ولا شيء يحل محل الصحة كما لا يغرب عنك. # سارا في الشارع الموصل إلى المقبرة ويد مرغريت بيد زوجها، ولم ينبسا ببنت شفة في ~~أثناء سيرهما هذا، وعندما قربا من المدفن أسرعت في مشيتها اشتياقا وحنينا للراقدة فيه، ~~وما وقع نظرها عليه حتى هرولت بسرعة شديدة وجثت على ركبتيها خائرة القوى، منكسرة القلب، ~~حزينة النفس، دامعة العين، غارقة في بحر من الأحزان. # وبعد ذلك حانت التفاتة من روجر إلى ضريح إيڤون فرآه مكسوا بأنواع الزهر المختلفة ~~الألوان والأشكال، فوضع باقته فوقها بوافر الاحترام، ولحظ بين تلك الورود الذابلة إكليلا ~~وباقات منها خضراء ms12 حديثة الوضع، فتأكد أن مرغريت هي التي أتت بها بالأمس، فقال لها: لماذا ~~لا تخبرينني حينما تأتين إلى هنا؟ نعم، الآن فهمت جليا سبب دموعك وقلق أفكارك مساء ~~أمس! # أما مرغريت فكانت غائبة عن رشدها، لا تسمع ولا تفهم ما يقال لها، وهي ذارفة الدموع، ~~باكية نائحة راثية فلذة كبدها إيڤون بألفاظ تفتت الأكباد وتلين الصخر الأصم، مخاطبة إيڤون ~~كأنها في عالم الأحياء بين يديها، ثم تنظر حينا إلى الأزهار التي على المدفن وتلمسها ~~بأناملها، ثم تقبل بحرقة شديدة تلك التي أتى بها ألبير كأنها ذخيرة منه. # فعلى هذا الضريح تذكرت مرغريت في ذلك الوقت حبيبين لها تفديهما بروحها: ألبير وإيڤون. ~~نعم، إنها لم تحب أحدا في ماضي حياتها كما أحبتهما، وقد بدا لها أن موت ألبير - ولو كانت ~~منفصلة عنه - أشد عليها من موت إيڤون. # فيا أيها الدهر الخئون الغدار، لم جمعت قواك وبذلت جهدك في تفريق شمل الأحباب ~~وتشتيت الأصحاب؟ لم هذا الجور أيها الزمان الظالم؟ بل كيف يسوغ لك أيتها الطبيعة إصدار ~~هذا الحكم المخالف كل عدالة على خط مستقيم بتشتيت هذه الأسرة الصغيرة؟ # وأما أنت أيها الحب القوي الجبار، ترى بأي عبارات أكلمك؟ وبأي لسان أخاطبك؟ بل أي ~~ألفاظ أسوقها إليك!؟ لعمري إنك لأنت الملك العظيم الاقتدار، أنت المستبد بالحكم على شعبك ~~الكثير، لم أيها الحب لا تصد هجمات الكون عن عبادك، وتمنع الإيذاء عن آلك والتابعين ~~شرعك ومرادك؟ # لم لم تدفع أيها الحب عن هؤلاء الثلاثة نقمات غضب العالم والدهر والزمان والسماء ~~والأرض والعناصر؟ مع أنك أيها الحب على كل شيء قادر! لعمري إنه لم يكن من العدل أن تسمح ~~للطبيعة والأحوال أن تكدر صفاء عيش من اتبعوا شريعتك. كيف يجوز أيها الحب أن تدع الموت ~~والافتراق يدخلان بيوت من يعبدونك ويحافظون كل المحافظة على اتباع سننك؟ # ظلت مرغريت جاثية زمنا طويلا وهي غائصة في بحر من التأملات المحزنة، لكنها تصورت على ~~حين بغتة شخص إيڤون منتصبا أمامها، فهتفت: ابنتي المحبوبة، هلمي إلى داخل قلبي، ms13 ~~تعالي أقيمي في حضن أمك الحزينة التي لا تنساك ولا يطيب لها عيش بعدك. سلام عليك وألف ~~تحية يا ابنتي التي أذوب حبا لدى ذكر اسمك العذب المستحب، سلام على عينيك المطبقتين حتى ~~يوم النشور، سلام على شفتيك الباردتين، أين أنت الآن يا ولدي إيڤون؟ عند من تسكنين؟ ومع ~~من من الملائكة تلعبين؟ # بل سلام على روحك الطاهرة التي لا شك أنها تتنعم بذلك الفرح الدائم! لكن أنى لجسمك ~~المتنعم أن يحتمل السكنى مع الديدان، ويطيق ظلمة القبور؟ نعم نعم، قد تلاشى جمالك، واضمحل ~~حسنك، وذبل ورد خديك، وأضحت أعضاؤك رمما بالية، وصرت أثرا بعد عين، فوا لوعتاه ووا ~~حسرتاه! لم لا تسرع أيها الموت وتأخذني إلى فلذة كبدي إيڤون؟ تعال ولا تبطئ. # وفي غضون ذلك نظر روجر إلى مرغريت فكاد قلبه يتمزق، وخصوصا عندما رأى جسمها ملقى على ~~الحضيض جثة لا حراك بها، فدنا منها ومسك يدها وأنهضها بحنو قائلا لها: انهضي أيتها ~~الحبيبة الحزينة، فقد آن لنا أن نذهب. فوقفت وقد أودعت ذلك المكان التنهدات والزفرات ~~التي يرق لها الجلمود، ثم سارت وهي مستندة إلى ذراعه. أما هو فعندما رأى أن الحزن آخذ ~~منها مأخذه، شرع يعزيها ويقول لها: كفكفي دموعك، وافتكري بمكسيم ولدك الجميل المحبوب، ~~تذكري كلماته اللطيفة، افطني في تلك القبلات الحلوة اللذيذة، فقالت بصوت خفي: نعم، نعم. بعد ~~أن كادت تخنقها العبرات، ثم نشفت دموعها وهي صامتة. ذلك ولم يزل روجر يردد على مسامعها ~~آيات حبه لها، إلى غير ذلك من العبارات التي تجعلها تسلو إيڤون، ثم قال لها: إني أبذل ~~النفس والنفيس في سبيل رضاك يا عزيزتي؛ لأنسيك ذكر عذاباتك الماضية وما تقاسينه من فراق ~~إيڤون. ~~- لا أقدر أن أنساها. ~~- أعرف ذلك، ولكن ما قولك إذا رزقت إيڤون أخرى؟ # فابتسمت عند ذكر ذلك على ما بها من الحزن والغم. # | الفصل الرابع # وعندما وصلا إلى سانت أوغستان قالت له: أشكرك يا روجر شكرا جزيلا. ~~- بإذن الله سأشاهدك مساء في أتم صحة وأنعم بال. # قال هذا ms14 وذهب في طريق آخر لعيادة مرضاه، وكان النهار صحوا مع أن السحب تحجب السماء، ~~وبينما كانت مرغريت سائرة تذكرت عندما سمعت الساعة تضرب أنها عاهدت ألبير بالمقابلة في ~~مثل هذا الوقت بالحديقة المعلومة، فوقفت تناجي نفسها وقد حارت في أمرها ولم تدر ما تعمل، ~~على أنها كانت متيقنة نيل عزاء عظيم بقربه لا سبيل للحصول عليه بسواه؛ لأن الحديث بينهما ~~سيكون في إيڤون. ثم قالت في نفسها: لا مانع يصدني عن الذهاب إليه؛ فهو وحيد في هذه الدنيا ~~لا أنيس له ولا تعزية، فلا يمكنني أن أخلف وعدي، بل لا بد من الذهاب إليه الآن على جناح ~~السرعة، قالت هذا وسارت ووجهتها موعد اللقاء، ولما بلغت باب الحديقة رجعت القهقرى ~~كأنها ندمت على مجيئها، ولم تزل على هذه الحال مترددة، تقدم رجلا وتؤخر أخرى، ~~إلى أن عزمت أخيرا على الدخول، فتوغلت بين تلك الأشجار الملتفة بقدم ثابتة وعزم أكيد، حتى ~~انتهت إلى الموضع المقصود، فوجدته جالسا ينتظرها على أحر من نار الغضا، وعندما لاحت له ~~خف لملاقاتها، ثم صافحها وقبل شعر رأسها، فاضطربت وتملصت من يده، فاعتذر وقال: لا ~~بأس، سامحيني يا مرغريت؛ فإني تعيس! ~~- يظهر لي ذلك. # ثم ضغط على يدها بعد أن سكت طويلا وقال: إني تعب في هذه الحياة الدنيا، فلا يمكنني ~~قط احتمال هذه المعيشة. نعم، لن تكوني قرينة لي فيما بعد فإن سعادتي قد انتهت كما يظهر ~~لي، ومالت شمس الهناء والصفاء إلى المغيب، وأضحت التعاسة أليفي، والشقاء سميري، والعذاب ~~المبرح ألزم إلي من ظلي، وذلك من يوم انفصالك عني، فمن كانت حالته هذه فموته خير له؟ ~~نعم يا مرغريت، إنك ستكونين نظيري في التعاسة جزاء عملك هذا، ومن يعش ير. ~~- أنا لا أكون كذلك لأني لا أستحق. ~~- كنت معي أسعد حظا ولا يمكنك إنكار هذا؛ لأنك قد أقررت بما أقول مرارا عديدة، ولا ~~يقوم الإنكار بعد الإقرار. # نعم، قد قضينا معا أياما ما كان أحلاها وأشهاها، ولم يبق سوى أن نتمناها! ~~- أنا لا أنكر ms15 ذلك، إنما كنت أرى أني سعيدة وأنت تحبني. ~~- أنا وحقك قد أحببتك دائما، ولم أفتر عن حبك قط من عهد معرفتي بك، فكوني إذا ~~على ثقة من هذا؛ لأن صاحب البيت أدرى بالذي فيه. ~~- لو كنت تحبني لما مالت نفسك إلى ارتكاب الخيانة ومخالفة شروط المحبة. ~~- رأيتك أليفة الأحزان والأشجان على فقد إيڤون، تنوحين وتعولين آناء الليل وأطراف ~~النهار، وهذا مخالف لطبيعة الرجل على خط مستقيم، وقد سئمت نفسي طول البكاء والأنين؛ فجرى ~~ما جرى على غير إرادة تامة مني. # وفي غضون ذلك كانت مرغريت صامتة تفكر بمعاملة روجر لها، وكيف أنه وقف حياته وأوقاته ~~وأثمن ما بين يديه لأجل مرضاتها وسعادتها، مع أن ألبير هذا قد ذاقت في أيامه كئوس العذاب ~~أشكالا وألوانا، ويصعب عليها أن تنسى كل ذلك، ثم رفعت رأسها وقالت: قد أتممت وعدي اليوم ~~وأتيت إلى هنا؛ لأني أقسمت بابنتي إيڤون، لكني لن أعود بالمستقبل إلى ذلك، وهأنذا أستودعك ~~الله. قالت هذا وهمت بالانصراف. ~~- أعيريني أيضا نظرة واحدة، أما آخر كلامي معك فهو أني كما قلت لك: إذا شئت أن تريني، ~~فأنا في كل مساء هنا، وإذا أردت يوما ما أن تري رسم إيڤون ... ~~- رسم إيڤون؟! ~~- نعم. ~~- وأين هذا الرسم؟ ~~- عندي، وأما مكان سكناي فهو بيت والدتي القديم، حيث لا يأتي إلي أحد، فتعالي يا ~~مرغريت هلمي وانظري صورة ابنتك إيڤون، والآن أستودعك الله. # ثم ذهب لا يلوي على شيء، أما مرغريت فهمت أن تتبعه، لكن قواها لم تطاوعها، وجلست على ~~مقعد هناك وأجهشت بالبكاء لائمة نفسها على قساوتها في معاملة ألبير بالماضي إلى هذه الدرجة، ~~وكيف أنها طلبت الطلاق واتخذت روجر قريبا لها فيما بعد، كل ذلك كان يجول بفكرها، ولو لم ~~تكن مرتبطة بسنة الزواج ثانية، لعادت إلى ألبير لتقضي معه باقي حياتها. # | الفصل الخامس # إن مرغريت لم تفتكر منذ ذلك اليوم بألبير إلا نادرا، وقليلا ما كان يخطر في بالها، ~~وكانت تستخدم كل الوسائط لتسلوه ولا تبالي به، وقد أخذت تزداد اهتماما وتعتني ms16 بنوع خاص ~~بإرضاء زوجها الذي لم يأل جهدا في تكثير الأسباب لإسعادها في شئون هذه الحياة، وكانت تقضي ~~أكثر أوقاتها في ملاعبة طفلها وملاحظة أمور بيتها. # وفي صباح أحد الأيام من شهر نوفمبر خرجت المرضع مع مكسيم حسب العادة للتنزه، لكنها ~~لم ترجع في الوقت المعين لرجوعها، بل تأخرت نصف ساعة تقريبا، فقلقت مرغريت من هذا ~~التأخر، واضطرب بلبالها، وأخذت تحسب ألف حساب، فقصد روجر أن يذهب بنفسه للبحث عنهما لأجل ~~تسكين روعها؛ لأنها كانت منحرفة الصحة منذ أيام، وهي تتأثر من أقل انزعاج. وبينما هما ~~يتجاذبان أطراف الحديث بهذا الموضوع، إذا بالمرضع حاملة مكسيم على ذراعيها وهي تلهث تعبا؛ ~~لأنها كانت تمشي بسرعة، فقالت لها مرغريت: قد قلت لك غير مرة أن لا تتأخري في الرجوع عن ~~الوقت المعين لك، ومع ذلك فقد تأخرت اليوم نصف ساعة فاشتغل بالنا، فما سبب تأخرك ~~هذا؟ ~~- نسيت ساعتي هنا يا سيدتي، فأرجو منك المعذرة هذه المرة، وفضلا عن ذلك أني صادفت رجلا ~~في الطريق استوقفني بسبب ملاعبته مكسيم، وقد ظهر لي أنه يحب الأطفال كثيرا. ~~- ومن هو هذا الرجل؟ وتبادر إلى ذهن مرغريت في الحال أنه هو ألبير، فاكفهر وجهها. فقال ~~لها روجر: لا تعكري صفاء مزاجك يا عزيزتي. ثم قال للمرضع: وأنت من صادفك ~~بالطريق؟ ~~- لقيت رجلا لابسا ثياب حداد، وهو كثيرا ما يلاعب الأولاد الصغار ويلاطفهم، وقد سألني ~~بنوع خصوصي عن عمر مكسيم وأحواله، وأظن أنه فاقد ابنا له! ~~- مهما كانت حالته فلا يلزم أن تكلمي أحدا بالطريق من الآن فصاعدا، لا سيما الذين لا ~~تعرفينهم. ~~- أنا لا أكلم أحدا حتى الذي أعرفه، ولكن هذا الرجل هو الذي استوقفني وتكلم معي، وبدأ ~~يلاعب الطفل مظهرا له سائر أنواع الملاطفة، فأراني والحالة هذه لم أقترف إثما ولم ~~أجن ذنبا. ثم خرجت مقطبة الوجه. ~~- لا أهمية لتأخرها هذا يا عزيزتي مرغريت، وكثيرا ما يحدث ذلك في كل زمان ومكان، ولا بد ~~من أن يكون كلامها صحيحا، وأن ذلك الرجل توفي له حديثا ms17 ولد من عمر مكسيم. ~~- أفهم كل هذا، ولكن قصدي أن لا تكلم أحدا بالمستقبل؛ لأن الآداب توجب على الإنسان - ~~ولا سيما المرأة - أن تكون في غاية الاحتشام كما لا يخفى عليك. ~~- لا فض فوك ونعم الرأي رأيك. ها إني أراك قد تعافيت من الزكام وملكت تمام الصحة ~~التي هي أغلى من كنوز الأرض عندي، فإذا كان الجو نهار غد صافيا، فلا بد من الخروج ~~للتنزه. وفي أثناء ذلك دخل الخادم وبيده رسالة برقية باسم روجر يطلب بها مرسلها من ~~الدكتور روجر الاهتمام ببعض الشئون، فخرج على الفور، وعلى أثر ذلك دخلت المرضع إلى قاعة ~~الطعام وهي لم تزل مقطبة الوجه متمتمة، فأجلست الطفل بالقرب من أمه وأحضرت له الطعام ~~قائلة في نفسها: يظهر أنه لا ثقة لهم بي، فأي شيء ارتكبت من سوء الأدب يا ترى؟ ~~- صادفت رجلا بالطريق، فسألني باهتمام عن عمر الولد، وبما أن الآداب تقضي علي ~~بمجاوبته جاوبته، ولا أراني مخطئة في ذلك. ~~- ما مضى قد مضى، دعينا من هذه القصة. الآن اذهبي لإتمام شغلك كما كنت أفهمتك. # وكانت يد مرغريت تنتفض انتفاض العصفور بلله المطر عندما كانت تلقم الصغير؛ لأنها فهمت ~~من كلام المرضع ووصفها بأن الرجل هو ألبير بعينه، فغلت مراجل الشوق والهيام في قلبها، ~~وتساقطت دموعها الغزيرة، وحنت إلى ألبير حنين الظمآن إلى الماء والعليل إلى الشفاء، ثم ~~ضمت ولدها إلى صدرها وانهالت عليه باللثم والتقبيل أكثر من عادتها. # | الفصل السادس # إن حال مرغريت قد تغيرت تغيرا كليا مذ أخبرتها المرضع بأن رجلا صادفها في الطريق، ~~وعادت لا تذوق الراحة ولا طعم الكرى؛ لأن ذكر ألبير لازمها ملازمة الظل، وفي أكثر الأيام ~~كانت تخرج للتنزه مع المرضع ومكسيم على أمل أن تصادف بغيتها وغاية غاياتها، ~~غير أنها لم تجد له عينا ولا أثرا، مع أنها كانت تكثر من الترداد إلى الحديقة ~~المذكورة. وفي ذات يوم خطر في بالها - بعد أن عيل صبرها - تسأل المرضع: ألم تزل تصادف ~~الرجل المذكور؟ فأجابتها بأنفة: نعم، أجده مرارا ms18 لكني كل مرة ألمحه عن بعد أسير في طريق ~~آخر حتى لا ألتقي به، ولولا ذلك لكنت حضرتك تقولين إني أنا التي أفتش عنه لأستميله ~~إلي. قلت - والشيء بالشيء يذكر - إن اللواتي يرمن استمالته إليهن كثيرات من ذوات الجاه ~~والوجاهة والجمال الرائع، ولعمري إني لا أصلح أن أكون خادمة عندهن، ويظهر لي أن الرجل جدير ~~بالاعتبار، حري بأن يكون من رجال الأعمال المهمة، ولا يخطئ ظني لأنا نرى غالبا أن ~~المنظر دليل على المخبر، ولكن يا ليت صحته أحسن منها الآن؛ فإنه ضئيل الجسم نحيفه. # كانت تقول ذلك وهي تزعم بأنها تعرف الفراسة وقراءة الأفكار؛ إذ إنها لم تصف الرجل وما هو ~~مفطور عليه من وفرة ذكائها وحسن إدراكها، وكانت تنتظر تعجبا وعلامة استحسان من سيدتها ~~مرغريت، لكن هذه ظلت صامتة لا تنطق بكلمة، ولا تبدي إشارة سلب ولا إيجاب، على أن ما فاهت ~~به المرضع كان يخرق فؤادها كسهام نارية، وكادت تجهش بالبكاء لو لم تضبط نفسها بعد الجهد ~~الجهيد. ولما خرجت المرضع من الحجرة، طفقت تفكر في هيجان بالها واضطراب بلبالها وما ~~تلاقيه من العذابات المبرحة لدى تذكرها ألبير، فوطدت النفس على أن تبحث عنه في كل ناحية ~~وصوب لتراه؛ إطفاء لغليل أشواقها التي كادت تذهب بحياتها، بيد أن عزيمتها فترت عندما ~~تمثلت ناظريها أمانة روجر وحبه المفرط لها، فصعب عليها إذا أن تخون من يحافظ على الأمانة ~~لها أشد المحافظة، ولا يزال يبحث عن أسباب سعادتها ورفاهيتها. # إن مرغريت افترقت عن صديقاتها، وانفصلت عن صواحبها من عهد زواجها بروجر؛ ولهذا أخذت تشعر ~~يوما بعد آخر بضجر الوحدة وصعوبة الانفراد؛ فملت هذه العيشة، مع أنها في مدة إقامتها ~~مع ألبير كانت قد اعتادت على مبادلة الزيارات والاجتماعات البيتية، والرغبة في اللبس ~~والتبرج والتزين بأنواع الحلي الثمينة. ومنذ اقترنت بروجر رغبت عن كل ذلك واستقلت بذاتها ~~استقلالا تاما، اجتهدت أن لا تلتقي بمن يعرفنها خوفا من تجديد جراحها العميقة وذكر ~~الأيام الماضية. # أما الدكتور روجر، فإنه كان ميالا جدا ms19 إلى هذا الاستقلال، ويستحسن جدا عشرة ~~مرغريت ومحادثتها؛ ولذا لم يكن يخالط أحدا من الناس غيرها، إلا في النادر وعند الضرورة ~~الماسة. وكان والداه وشقيقته المتزوجة بأحد ضباط العسكرية يقطنون في جهة بعيدة عنه، وأخوه ~~البكر كان مهندسا يسكن في ضواحي باريس مع زوجته وأولاده، وبما أن المسافة بعيدة كانت ~~المواصلات متعذرة إلا مرات قليلة في أثناء السنة. # لكن في إبان الربيع كانوا يتزاورون على رغم البعد، وكانت مرغريت تحب سلفتها وأولادها ~~الثلاثة، وهذه لم تكن بأقل محبة لها ولمكسيم الصغير، وكانتا تجلسان وتتجاذبان أطراف الحديث ~~أوقاتا طويلة تقضيانها بأرق المعاشرات وألطفها. # فعلى هذا الأسلوب كانت حياة مرغريت، أي بين تدليل زوجها وعبادته لها وقبلاتها اللذيذة ~~الحلوة لولدها مكسيم، وبين حنو أسرة روجر عليها واحترامهم لها وملاطفتهم إياها، إلى أن ~~جمعها الاتفاق بألبير في ذلك المساء كما تقدم ذلك في حينه. وهي تهتز شوقا وتحن حنينا ~~إلى ذكر أيام تقضت ما كان أحلاها وأشهاها. # وفي أحد الأيام عندما ضربت الساعة الخامسة، هتفت بصوت عال من غير انتباه: لا بد لي من أن ~~أراه، ولي الاختيار العام بذلك؛ إن روجر لا يسألني أبدا عن ذهابي وإيابي، وألبير كان زوجي ~~وإني لأحبه حبا مفرطا، فما المانع لي؟ # نهضت في الحال وذهبت مسرعة إلى المكان المعهود؛ إذ لم تستطع أن تصبر أكثر من ذلك، ولم يكن ~~سوى القليل حتى وصلت إلى المعهد. # | الفصل السابع # اعتادت مرغريت أن ترى ألبير من وقت لآخر، ويكون موضوع الحديث معه إيڤون، وبما أنه كان ~~منكسر القلب ملازم الوحدة والوحشة، وتخفف أحزانه بعذوبة كلامها وحسن مسايرتها. وأما ألبير ~~فكان أطوع لها من بنانها، لا يخالفها بشيء وينتظر أوامرها انتظار هلال العيد، وجل القصد ~~من معاملته هذه صيدها بحبائله واستجلابها إليه ثانية. وفي مساء إحدى ليالي ديسمبر الباردة، ~~قال لها وهما يتجاذبان أطراف الحديث، بعد أن سعلت سعالا شديدا: لا أريد أن تأتي إلى هنا ~~فيما بعد؛ فإن البرد قارس لا يحتمل! فقالت باضطراب: وكيف نلتقي؟ # فرمقها بنظرة معنوية ms20 لو حدثت في الأيام الأولى لألقت بنفسها بين ذراعيه، وكانت تنتظر ~~الجواب من فيه، فخاب أملها! # ثم قال لها برزانة: هل لك بي من ثقة؟ فلم تقدر أن تجيبه، ولكنها أشارت برأسها: ~~نعم. ~~- إن صورة إيڤون عندي، فيمكنك أن تأتي وتنظريها متى سنحت لك الفرصة. # فأطرقت طويلا وأحاطت بها الهواجس والأفكار المزعجة إحاطة السوار بالمعصم، ثم تأملت في ~~أنه كيف يحسن أن تدخل ثانية تحت سقف بيت ألبير ولو دقائق يسيرة؟ # وعندما تيقنت ذلك وتصورت ابنتها في ذلك البيت، اقشعر بدنها وشعرت بأن الأرض ترتج ~~تحت قدميها، وظهر لها أن الأشجار تجري، وجميع النباتات تدور، وكأنما الكون قد انقلب ومناظر ~~الطبيعة تغيرت أمام ناظريها، وبينما هي كذلك قالت على غير انتباه: نعم، سأذهب وأرى ~~إيڤون! # غير أنها بعد أن لفظت ذلك، كنت تراها غارقة في بحر من الأفكار والهواجس المؤلمة، وكانت ~~كأمواج البحر يلاطم بعضها بعضا، وعيناها تمثلان أمامها صورة ذلك الوجه المحبوب الذي كان ~~لها في الماضي، وهو ليس لها الآن. ثم إنها ذكرت أنها أقسمت وابنها على ذراعيها على أن لا ~~تعود إلى التفكير في ألبير، ومع ذلك حنثت بيمينها. # فيا ترى ألم تكن تحب مكسيم؟ نعم، كانت تحبه حبا شديدا، وقد كان يسهل عليها تضحية ~~حياتها من أجله، ولكن من جهة أخرى كانت تظن أن ألبير هو أكثر ضرورة لحياة قلبها من مكسيم ~~ولدها. والحالة هذه إن كانت لا تخاف الموت حبا بمكسيم، فإنها من جهة ثانية لا تطيق الحياة ~~وهي بعيدة عن ألبير. # فمن يا ترى في هذه الحياة الدنيا يشفق على هذه النفس المسكينة ويساعدها كي تنتصر ~~على حبها، وتتخلص من هواجسها المضنية التي تحاربها ليلا ونهارا!! من هو الذي ينجيها من ~~شعورها، ويبعد عنها آلامها التي تعذبها كثيرا! من ذا يضمد كلوم قلبها بتلك المراهم ~~الشافية! # فتبا لك أيتها الدنيا الخادعة، وتعسا لك أيها الدهر الخئون بأهله! # بكت مرغريت بكاء مرا، وتنفست الصعداء مرارا، وألبير يطيب نفسها. # ولعمري إنه الأولى بالتعزية والأجدر بالشفقة والمرحمة؛ ms21 لأنه كان بحالة يرثى لها لا ~~تنفع فيها تعزية، فحري به أن يبكي وينوح على حياته التي كانت مفعمة من الصفاء ~~والهناء، فأضحت مقرونة بتراكم الحزن والعناء! # | الفصل الثامن # في ذلك المساء أصيبت مرغريت بحمى شديدة وعسر تنفس كادا يذهبان بحياتها، ولم تعلم ~~والدتها بذلك إلا في صباح الغد، فأسرعت هذه إلى حجرة ابنتها لتتفقدها وتعتني بتمريضها. ~~وبعد أن عاهدت على نفسها أن تحمل أعباء ذلك، أظهرت لصهرها كدرها العظيم وقالت على مسمع ~~منها: إنها لعنيدة جدا؛ هي تعرف حق المعرفة أنها ضعيفة وصحتها منحرفة، وأن مزاجها اللطيف ~~لا يحتمل شدة البرد والحر، ومع هذا وذاك فلا تبالي، بل تخرج من المأوى زمن وقوع الثلوج ~~والأمطار. # فقال روجر يعذرها: إن الزكام في هذا الفصل يحدث على رغم التحفظات والاحتياطات؛ لأن حال ~~الجو رديئة تصب الزكام وباقي العلل صبا. ~~- إني لا أعتقد صحة القول، فعليك أن تأمرها بأن لا تخرج في مثل هذه الأوقات، كما أن عليها ~~الامتثال لأمرك. إنها توالي الخروج منذ أسبوع كامل! ~~- الآن يجب أن نهتم بمعالجتها وتمريضها، لا لومها وتعنيفها. ثم دخلا معا حجرة المريضة ~~التي لم تبتسم لهما ولم تعرهما جانب الالتفات، مع أنه خاطبها قليلا، فلم تجبه ~~متظاهرة بأنها نائمة، فلم يبطئ أن خرج لعيادة مرضاه بعد أن أوصى أمها بالتعليمات الضرورية. ~~أما هذه فسألته بعد أن رافقته إلى الباب: لا تكترث بنا، كأننا مسسنا إحساساتها بأمر ~~ما! ~~- لا بأس بذلك، فإن هذا من آثار الحمى، وأنا سأعود بعد قليل. # إن الدكتور روجر لم يضطرب من مرض زوجته؛ لأنها لم تزل في عنفوان صبائها، وهو - هو نفسه ~~- يعالجها، ومع ذلك كان يشعر بغصة في صدره؛ فقد شعر بعدم اكتراث مرغريت به بعد كل ما ~~أبداه لها من علامات الحب والاحترام، كما أنه لسلامة قلبه نسب هذا الفتور إلى شدة الحمى، مع ~~أنه كان يشعر أثناء ذلك بغم داخلي ضاغط على قلبه وسائر أحشائه، وكان يخشى أن ترغب عنه ~~وتقرع سن الندم على قبولها إياه بعلا. ms22 ولو لم تحرضه وترغبه أمها لما أقدم ~~على طلب يدها؛ فإنه - مع فرط حبه لها - لم تكن مخلصة له حبها كل الإخلاص، وعندما كان ~~يجالسها يشعر بنوع من الانقباض، كان فؤاده يتلهب حنينا إليها، لكنه لم يجسر قط أن ~~يظهر لها جميع عواطفه، وكثيرا ما كاد يترجم عن إحساسات قلبه وما يكنه فؤاده من الولوع ~~والوله بها، لكنه يلجم لسانه عن التفوه ولو بكلمة واحدة أمامها. نعم، إن كل ما يفعله ~~المحب لسعادة وهناء زوجته فعله روجر، بل زاد عليه أضعافا، ومع ذلك لم يتمكن من التوصل ~~إلى امتلاك قلبها. # نعم، طالما خطر على باله ألبير زوجها الأول، وكان يشعر بقرب وقوع الخطر، وسأل نفسه يوما ~~عما إذا تلاقيا اتفاقا، ماذا يصنعان؟ هل يحول الواحد منهما وجهه عن الآخر غير مكترث ~~بملاقاته، ولا ذاكر تلك الأيام التي تقضت؟ # إن روجر - مع ما هو عليه من حدة الذكاء والفطنة - لم يقدر أن يجيب على هذا السؤال، لكنه ~~من هذا وغيره علم بأن سعادته إن هي إلا وقتية سريعة الزوال، وأن بيته مبني على ~~الرمل. # وإذ كان الدكتور روجر من ذوي الرزانة والعقل الراجح، رام أن يشغل أفكاره بغير ذلك، فذهب ~~إلى عيادة مرضاه، وكان يصغي إلى وصف أعراض العلة من فم المريض بكل تأن وانتباه أكثر من ~~العادة، قاصدا بذلك ملاشاة همومه وإبعاد غمومه باشتغاله بأمراض غيره، وكان في الساعة ~~المعينة يرجع إلى مسكنه ماشيا بدلا من أن يركب حسب عادته؛ وذلك ليسرح نظره ببعض المناظر ~~التي يصادفها في طريقه. وفي أحد الأيام رأى وهو سائر أمامه مركبة تجري بألبير، وكان وقوع ~~نظر الواحد منهما على الآخر كوميض البرق، فتوقدت في قلب كل منهما نار محرقة دونها جمر ~~الغضا. وإن هي إلا لحظة حتى قال روجر في نفسه: سأبذل نفسي في سبيل حفظها لي حتى آخر نسمة ~~من الحياة. # أما ألبير وقد التهبت نار الغيرة في فؤاده، أقسم في نفسه قائلا: والله لأسترجعنها، ~~ولو كلفني ذلك فقدان حياتي. # | الفصل التاسع # عندما ms23 شفيت مرغريت، شرعت أمها تؤنبها على قلة مداراتها لصحتها وعدم الاعتناء بها، ~~وكانت تكرر ذلك كثيرا على مسامعها، ومرغريت لا تصغي إليها شيئا. وفي بعض الأحيان كان روجر ~~داخلا فسمع زوجته تقول: كفاني كفاني ما سمعت منك. # فبادرتها أمها بالدفاع عن نفسها مؤكدة لها أنها لا تقصد سوى خيرها؛ لأن الحب الوالدي ~~يدفعها إلى ذلك حبا براحتها، إلخ. لكن روجر غير موضوع الحديث وقال: دعينا من هذا الجدال ~~يا عمتي؛ فإن مرغريت لم تزل ضعيفة. قال هذا ودنا منها مستعلما عن أحوال صحتها، فلم ~~تقابله بوجه باش، ومع ذلك جلس بالقرب منها معتنيا بأمرها غاية الاعتناء، وبعد أن جس ~~نبضها قال مسرورا: لقد تعافيت وعادت صحتك إلى حالها الأولى، فالحمد لله على السلامة. ~~فقالت أمها هامسة: قد حصل لها ضعف آخر. فقال: إن كان ذلك صحيحا فهو من آثار الزكام. ثم ~~قالت الأم لروجر: بما أنك هنا، يمكنني أن أذهب لأغذي مكسيم. ~~- عودي إلى هنا يا والدتي. ~~- سأرجع بعد بضع دقائق. ~~- ويلاه إلى متى يجب أن أحبس هنا، فقد ضاق صدري يا روجر. ~~- إن خروجك يا مرغريت يتعلق بجودة أحوال الجو لا بإرادتي كما لا يخفى عليك، وهل تعلمين ~~بماذا أفكر؟ ~~- لا أعلم، قل لي إذا شئت. ~~- مرادي أن أمضي بك إلى جهة الجنوب. ~~- وماذا يا ترى أفعل في جهة الجنوب! لا لا، بل أفضل البقاء معك هنا. إن مرغريت لم ~~تتملق بقولها هذا؛ إذ إنها كانت تعلم حق العلم أن روجر هو سندها الوحيد. ~~- كوني على ثقة بأني ذاهب معك. ~~- ولمن تترك المرضى الذين تعالجهم؟ ~~- إني أوصي بهم أحد أصحابي الأطباء. ~~- لا، بل أفضل البقاء في العاصمة باريس. ~~- عليك أن تطيعيني يا مرغريت، بما أني أنا الآمر وصاحب البيت! # قال هذا باسما، فصمتت وحدقت به طويلا. ~~- والحالة هذه ينبغي أن تغادري العاصمة. ~~- إن كان ذلك كذلك، فأنا مريضة جدا والسفر يتعبني. ~~- أما الآن فإنك تعافيت ولست مريضة، ولكن من الممكن أن تداهمك علة ما، وذلك مما يكدر ~~صفاء عيشي ms24 يا عزيزتي، فأريد إذا أن أتخذ كل الاحتياطات الواقية، فكوني على ثقة من ذلك ~~إذا. ~~- إني لا أشك في حبك لي يا روجر، ولكن لم تكلمني بهذا اللحن والنغمة الجديدة؟ ~~- إن حياة الزوجين يجب أن تكون مرضية وسعيدة، ذات صفاء وهناء لا يكدرها أقل شيء البتة، ~~ولعمري إن ذلك لا يتم إلا بمبادلة تمام الثقة بينهما، وينبغي على كل منهما من باب الوجوب أن ~~يفتح قلبه لرفيق حياته هذا، ويطلعه على ما يسره ضميره في السراء والضراء، كاشفا له ~~أعماق قلبه، ولو شعر على نوع ما بألم من هذا الإقرار. # عندما سمعت هذا الكلام حدثتها نفسها من أنه عارف بوجود ألبير في العاصمة؛ ولهذا قالت: ~~حتى الآن لم أفهم شيئا، فما معنى هذه الألغاز يا ترى! ~~- لقد تعذبت أيتها العزيزة في ما مضى، وقد آليت على نفسي أن أبذل مجهودي في أن أنسيك ~~ذلك، وقد يعسر لسوء الحظ محو ذكر الأيام الماضية المحزنة في هذه الحياة الدنيا، ثم إني ~~لمتأكد أنك تنقبضين - ولو قليلا - متى علمت ~~بوجود ألبير في العاصمة، بل أنا قد رأيته رأي العين، وبما أني شريكك في آلامك يجب أتجنب ~~كل ما يسبب لنا انفعالا. # وعند سمعها ذلك امتقع لون وجهها، واصفرت شفتاها، وشعرت بضيق في صدرها بعد أن دمعت ~~عيناها، فدنا منها روجر وأخذ يديها الباردتين بين كفيه. ~~- لا يحق لي أن أتكدر من دموعك هذه عند ذكر ذلك الرجل المعروفة صفاته حق المعرفة، وأنت ~~أعلم بها مني، أما رجوعك إلى الوراء فهو من رابع المستحيلات. نعم، لقد أصبحت لي وخاصتي، ~~ونحن الاثنان لسنا سوى واحد، وما ألبير إلا خيال نظرته في ماضي حياتك. كما أنك لا تستطيعين ~~أن تنسبي إلي القساوة والظلم وسوء المعاملة بهذا القول. فوحقك إن ذلك لا يصدر إلا عن حب ~~مفرط لا نهاية له، بلى وتربة إيڤون!! فإذا لا سمح الله اقتضى يوما ما أن أعمل لك عملية ~~جراحية تقتضي استعمال آلات الجراحة لأجل تمزيق لحماتك فلا تحسبين ذلك قساوة مني، ms25 بل تعرفين ~~حق المعرفة بأني أتوجع في الوقت عينه. وفي غضون ذلك كانت دموعها تسيل من تحت جفنيها ~~المغمضين. ~~- إني طبيب كما تعرفين، وصناعتي قائمة في أن أوجع لكي أشفي، لكني لا أرتضي بمعالجة جسم ~~أزمنت علته إن لم تكن للعليل الثقة التامة بي. وعليه فإن كان ذلك كذلك، يجب أن تخبريني ~~بأوجاعك وتطلعيني على سائر آلامك لأداويها؛ فإني أبذل حياتي دونك إذا اقتضى الأمر، لم ~~تبكين هذا البكاء أمامي؟ إن مهجتي تذوب حنانا عليك عندما أرى دموعك. # إن مخاطبة مرغريت بهذه اللهجة التي ملأها الحب وسائر أنواع الملاطفة والمجاملة، عطف ~~قلبها إليه وأثر فيها تأثيرا شديدا، فحاولت أن تقول باسمة: وماذا علي أن أقول؟ ~~- ربما ترغبين في الماضي ورجوع القديم إلى قدمه، فأنا أشير عليك بأن تميتي هذا الفكر ~~ولا تدعي للتذكر به سبيلا. نعم، أنا لا أستأهلك؛ فإنك لأسمى مني وهذا لا يختلف فيه ~~اثنان، وعندما تزوجتك عهدت على نفسي واجبات لن أهملها أبدا، نعم سأدافع عنك حتى آخر ~~نسمة من حياتي، انظري إلي واجعليني دائما نصب عينيك، ولا تأملي العود إلى الماضي ~~(هنا شعر بارتعاش يدها التي بين كفيه) قد قبلتني يا مرغريت بتمام إرادتك، وكنت أحبك ~~كما أني كنت أظنك تعيسة. ~~- نعم، كنت تعيسة. ~~- فلندع الماضي نسيا منسيا، إن إيڤون توفيت فاعتبري أن ألبير مات أيضا، ~~فتصوري أنك لن تجدي له أثرا ولا عينا! # فأنت أنينا يلين له الصخر الأصم لدى ذكر ذلك. ~~- واعلمي أن لك زوجا حنونا للغاية قد وقف حياته على رضاك، وهو لا يحلم بسوى سعادتك ~~ورفاهتك، ونظرك أعظم برهان على ذلك؛ لأنك ترين رأي العين ما أفعله استجلابا لرضاك. إن لك ~~ولدا تتسلين به، فهل نشتت شملنا بيدنا من أجل من مات؟ # فهمت أن تقول بأعلى صوتها: لا لم يمت، الميت لا يتألم وألبير يتألم! فأدرك ~~روجر فكرها لذلك، قال: لسنا بمسئولين أن نشفق على من أساء إلينا وهدم أركان سعادته ~~بيده؛ فانعطافنا عليه والحالة هذه يقع في غير محله. لم أر ms26 ألبير سوى لمحة بصر، لكني ~~متأكد أنه قد تغير كثيرا وأصبح شاحب اللون ممتقعه. # فانتفض بدن مرغريت وقاطعته بقولها: نعم، وقد رأيته. فمسك روجر نفسه وملك عواطفه وقال: ~~حقا إنك لمسكينة أنت، ولم لم تخبريني بذلك؟ ~~- وكيف أخبرك؟! ~~- لأنه ما من ذنب لك إذا وجدته في طريقك كما وجدته أنا مثلا. نعم، أنا أعلم وأنت ~~كذلك والناس أجمع يعلمون أن هذا الرجل هو سبب تعاستنا ومجلبة لتكدير صفاء عيشنا. # قالت: أنا محتاجة إلى الهواء. وزفرت زفرة شديدة ثم ألقت رأسها إلى الهواء مغمى عليها؛ ~~فخف روجر يرش وجهها بالماء البارد مع تنشيقها المنعشات، وعندما فتحت أعينها أخذها إلى ~~مكتبه لأنه أدفأ، ووعدها بأن يسافرا معا بأقرب وقت. # | الفصل العاشر # كان الثلج يقع بكثرة من وقت إلى آخر، حتى إن البرد أضحى قارسا لا يحتمل، فلم يعجب ألبير ~~من طول غياب مرغريت، وهو لم يكن ينتظر رجوعها إلا بعد مضي عدة أيام، وهو كان يعرف حق ~~المعرفة ضعف طبعها، وأنها تتألم كثيرا قبل أن تقرر أمر زيارتها له. # أما عيشته فكانت مملوءة كدرا وشقاء، وهو أليف التعب، سمير الضجر، نديم الأفكار المزعجة، ~~وهواجسه لا تصور له سوى سعادته وتلك العيشة الرغيدة في ماضي الأيام بين الأحباب والأصحاب، ~~وحين يأخذ به كل ذلك مأخذه ينظر حوله نادبا حظه، وتكاد تخنقه العبرات لسبب تلك الوحدة ~~التي لم يألفها. # عندما جرى ما جرى بخصوص أمر بلانش وغادرت مرغريت بيته، ظن أنها ذهبت إلى أمها لتقضي بضعة ~~أيام ثم تسبل ذيل المعذرة عنه وتعود إليه، وكان يتذكر ما كانت تردده على مسامعه مرارا ~~في أوقات اتحادهما وسعادتهما، وهو أنها لا تقدر أن تحتمل منه خيانة ولو صغيرة، وإذا ظهر منه ~~شيء من هذا أو نوع من الخداع، فإنها تكرهه بقدر ما أحبته، ثم إن حنوها يتحول إلى ~~قساوة عظيمة! # على أنها حينما فاجأته وهو يلاطف بلانش بأرق الكلام، استحوذ عليه الحياء والخجل، وخشي ~~عاقبة هذا الأمر، ولم يأل جهدا في استعمال جميع الوسائط الممكنة لاسترجاعها، ms27 ولم يصادف ~~إلا الفشل، وعاملته معاملة قاسية حتى التزم أن يقطع كل أمل من جهة رجوعها، ولم ير من نفسه ~~أن التذلل يليق بشخص نظيره، بل شمخ بأنفه تاركا حبلها على غاربها. # وكانت بلانش خفيفة الروح، حسنة الوجه مستديرته، لطيفة المعشر، لكنها غير مستقيمة المبادئ، ~~ولا حاجة إلى إيضاح ذلك. # مر أمام نظر القارئ أن مرغريت حزنت أشد الحزن بعد وفاة ابنتها إيڤون، فعادت لا تعتني ~~بزوجها ألبير كما يقتضي، بل أطلقت العنان لدموعها، واستسلمت إلى الحزن المضني، وهي تمضي ~~أكثر أوقاتها بالبكاء والنحيب، وكانت بلانش تكثر من زيارتها لها لتعزيها وتسلي ألبير. ~~وأما مرغريت الحسنة السيرة، الطيبة السريرة، ذات الضمير النقي، فكانت تشكرها على حبها، ~~وتسألها بإلحاح أن تطيل الإقامة عندها. وفي أحد الأيام دعتها إلى الذهاب معها إلى المصيف، ~~فلبت هذه الدعوة شاكرة، ولم تمض سوى أيام قليلة حتى صارت خليلة ألبير، ومرغريت لا تدري ~~من ذلك شيئا. # وبعد أن افترق الزوجان ظلت بلانش تتردد إلى ألبير حينا من الدهر، وبعد ذلك اختلفا ~~وتحول الحب إلى بغض، وعلى أثر هذا انفصلا كل الانفصال. ولم يكن إلا القليل حتى تذكر ~~ألبير تلك السريرة الطيبة، والقلب النقي، والعفاف الذي لا عيب فيه، والحب المخلص، والأخلاق ~~المرضية المتصفة بها مرغريت، ورام في الوقت عينه من صميم فؤاده أن تعود إليه في الحين، ~~وأنه مستعد أن يكفر عن هفواته التي بدرت منه عن غير قصد تام، وكان يخال هذا الأمر ~~سهلا؛ لعلمه بحبها السابق، وهو يناجي نفسه بقوله: إني مستعد لتحمل أعظم الأهوال إذا ~~اقتضت الحال لاسترجاعها إلي. # وبعد مرور عشرة أيام من اجتماعهما الأخير صفا الجو، وأشرقت الشمس، وابتسمت الطبيعة، وغردت ~~الأطيار على غصون الأشجار، ومرغريت لم تبد طلعتها؛ فقلق من هذا الإبطاء، فتناول القلم ~~وكتب لها عدة رسائل ثم مزقها وضرب بها عرض الحائط، وكان يكثر من الذهاب صباحا إلى ~~البستان الذي تتردد إليه المرضع ومكسيم ابن مرغريت، باحثا مفتشا من كل ناحية وصوب، ~~فلم يقف لهما على أثر. # وفي ms28 ذات يوم رأى والدة مرغريت من غير أن تراه، فتبعها عن بعد إلى أن دخلت البيت، وكان ~~عالما بأنها تسكن في مسكن ابنتها في الطابق الأسفل، ثم دخل بعدها ببضع دقائق وصعد درجات ~~السلم إلى أن رأى بابا عليه اسم الدكتور روجر، وبعد أن قرعه فتح له فقال: أين الدكتور ~~روجر! فأجابته الطباخة فاتحة الباب: هو غائب، وأظن غيابه يطول مدة شهر على الأقل؛ فإنه ذهب ~~منذ ثمانية أيام مع زوجته. ولم يكد يسمع هذا حتى رجع القهقرى وهو يتلهب غيظا وكدرا من هذا ~~السفر غير المنتظر، وأخذ يتنفس الصعداء حتى كادت روحه تبلغ التراقي. # | الفصل الحادي عشر # عاد ألبير إلى مسكنه ودخل حجرته في حال يرثى لها، ثم جلس وأسند رأسه بيده، وجعل يفكر في ~~أحواله المحزنة، وتمثل في مخيلته مشهد اجتماعه الأخير بمرغريت، وإذ تصور هزالها ~~خصوصا، بكى بكاء مرا؛ لأنه لم يظهر لها أفكاره حينئذ، وندم على تركه إياها تذهب من ~~غير أن يستوقفها ويصحبها معه إلى بيته الذي هو بيتها أيضا. # أما أمر سفرها إلى الخارج، فلم يكن يخطر على باله قط، وقد ظنها قصدت بذلك قطع المواصلات ~~بينها وبينه. # وعلى أثر الانفصال الذي جرى منذ خمس سنوات، ترك المسكن الذي أقاما به بعد زواجه وعاد إلى ~~منزل والدته، حيث اتخذ الحجرة التي كان يقطنها في مدة صباه، وبعد وفاة أمه بقي في البيت ~~نفسه؛ لأنه كان جميلا بعيدا عن الحركة وضوضاء الناس، يكتنفه بستان صغير يحتوي على كثير من ~~الأزهار المختلفة والرياحين المتنوعة، وتكسو أرضه الخضرة النضرة والأشجار التي تغرد على ~~أفنانها الأطيار، وكانت حجرته مطلقة الهواء تشرف نوافذها على البستان، وعلى أرضه التي كانت ~~تعلوها الخضرة في أكثر الفصول. # وكان قد شرع يهتم كل الاهتمام بتزيين هذه الغرفة وتحسينها من حين وعدته مرغريت بزيارتها، ~~وقد وضع فيها شيئا من الأثاث والأدوات التي كانت عنده يوم كانا معا؛ لكي يحرك عواطفها ~~ويحيي في قلبها ذكر أيام ما كان أحلاها، وعلق في الجدران صورة إيڤون ومرغريت ms29 ~~ووالدته. # وإذ رجع من بيت الدكتور روجر وأجال نظره طويلا في جدران الحجرة الأربعة، وتأمل في عظيم ~~اهتمامه وشديد اعتنائه بالزخرفة التي تعب بها عبثا؛ زاد غمه وضاقت الدنيا في عينيه حتى ~~كاد يفقد رشده. نعم، قد اتهم بوصمة الخيانة وعلى أثرها انفصلت عنه زوجته متخذة آخر ~~بدلا منه، وفقد ابنته، ثم توفيت أمه، ولا شقيق يحن عليه ولا خليل يميل إليه، ولا صاحب ~~يسكن لوعته ويخمد حرقته، فتراه قد أصبح شريدا طريدا يندب سوء حظه، ويبكي على أيامه ~~الماضية. # وكان بعد أن اجتمع بها في المرة الأخيرة انتعش فؤاده وحييت آماله، وشعر بأن لا طاقة له ~~على العيشة بدونها، ولا اصطبار على الافتراق عنها، وعليه فلم يقنط من استرجاعها، وقد طالما ~~قرع سن الندم على تركه إياها تقترن بروجر، وكاد في بعض الأحيان يتميز من الغيظ والغيرة ~~عندما يحصر أفكاره وتزيد هواجسه، مفتكرا كيف أن مرغريت تقيم مع روجر وتسافر معه حيث اتجه، ~~وتسير مستندة على ذراعيه، وهو هو زوجها الحقيقي - لا روجر - الذي لا يقدر أن يكلمها كلمة ~~واحدة ولا أن يكاتبها، حتى لا يحق له أن يراها، وهذا حال الزمان والدهر بالناس قلب. # نعم، إن ألبير لو وجد روجر في البيت عندما ذهب إليه لهجم عليه وقبض بيده على عنقه وخنقه؛ ~~انتقاما منه، شافيا غليل غيرته. # | الفصل الثاني عشر # إن مرغريت اشتهت ورغبت من صميم فؤادها بأن يكون روجر مانعا حصينا بينها وبين ألبير؛ ~~ولذا تراها أطاعته منقادة لمشوراته بكل هدوء وسكينة. # وقد أقاما بضعة أيام في مدينة كان الشهيرة بجمال سمائها، وحسن هوائها، ورونق مناظرها ~~الطبيعية، وأما صحة مرغريت فإنها قد تحسنت تحسنا بينا. كيف لا، وروجر قد جعلها ~~موضوع أفكاره وقيد هواجسه، يعتني بها اعتناء الأم الحنون برضيعها، يعطف عليها ويميل إليها ~~ويلاطفها غاية الملاطفة كأنها ابنة صغيرة، وهذه المعاملة الفائقة الوصف أثرت في نفسها ~~تأثيرا شديدا، وكانت تشعر بامتنان فائق لا تستطيع أن تكافئه عليه ما دامت حية، ولم يكن ~~إلا القليل حتى فارقتها ms30 تلك الهموم والغموم، ونسيت تلك الأحزان السالفة، ولم يعد يزعجها ~~بعد ذلك ألبير، ولا كل ما يتعلق به، ولم يحل لها سوى الإقامة بقرب زوجها روجر وطلب ~~السعادة بمساكنته. # لم يخطر على بال روجر أن زوجته هذه اقتربت من ألبير وكلمته، وقد كان يظن أنها صادفته ~~بغتة في الطريق نظيره، ولأجل ذلك لم يخامره حقد أو غيظ منها؛ نظرا لما أظهرته من ~~التأثرات لدى ذكر ألبير، بل إن ذلك الانفعال الطبيعي دلالة صريحة على رقة شعورها وطيب ~~قلبها، ولما رأى أنها مالت إليه كل الميل سر غاية السرور وزاد اهتمامه وفاق ولوعه ~~وهيامه بها، حتى إنه جعل كل أوقاته وقفا على خدمتها وملاطفتها. # أما مرغريت فإنها قدرت محبته حق قدرها ~~وزادت ثقتها به؛ ولهذا أرادت أن تطلعه على مكنونات فؤادها وكل ما حدث لها مع ألبير؛ ففي ~~إحدى المرات بينما كان الحديث جاريا بينهما والموضوع موافقا، وجدت فرصة ملائمة لإخباره ~~فقالت: أريد الآن أن أخبرك ... عندما لفظت هذه الكلمات ظهر على وجهه اضطراب عظيم وارتجف ~~بدنه، ولم يقدر أن يضبط نفسه، وقال: بماذا تخبرينني؟ فعدلت عن عزمها الأول وغيرت معنى ~~الجملة بشيء آخر، وعلمت منذ تلك الساعة أنه يصعب عليها جدا أن تخبر روجر باجتماعاتها ~~بألبير، مع أنها كانت تود أن تكون له معرفة تامة بها؛ لأنه أدرى منها بحل المشاكل ~~وتذليل الصعوبات، وكانت من حين زواجها به تشرح له أفكارها وسائر عواطفها؛ إذ إنها كانت ~~متحققة حبه الثابت الذي لا يتزعزع، لكنها لم تجسر على التكلم في هذا الموضوع ~~البتة. # إن روجر على أثر اقترانه بها لم يطلب منها حبا؛ لأنه كان عالما بهمومها وأحزانها، ~~فلا معنى لتكليفها الحب حينئذ؛ لأن قلبها مشغول بغير شيء، ولكن كان في أثناء السفر يجتهد ~~غاية الاجتهاد في اكتساب قلبها بكليته، واشتهى أن تحبه كما يحبها، وخلع عنه ثوب ~~الارتباك وأظهر لها من الجرأة والقوة ما لم تكن تعهده فيه قبلا، فسلوكه هذا صدها عن ~~المداخلة في مثل هذا الموضوع. # إن مرغريت كتبت ms31 مرارا إلى والدتها تخبرها بوفرة انشراحها وفرط سرورها، وما هي عليه من ~~حسن الحال وصفاء البال ماديا وأدبيا، وذلك مما لا جدال فيه؛ فإن سرورها في تلك البقعة ~~أنساها كل ما كان يزعجها ويقلقها، ناهيك عن بقعة قد اشتهرت بمناظرها الطبيعية الفتانة، ~~فاعتدال الهواء، وصفاء السماء وزرقتها ونقائها وبهجتها، وجمال الأفق الذي يسحر الألباب ~~ويسبيها، حيث تحته البحر المتوسط الذي تتكسر أمواجه على تلك الشواطئ التي تأخذ بالعقول كل ~~مأخذ، هذا فضلا عن جمال مناظر ما يجاورها من الجبال والآكام الخضراء التي مجرد رؤيتها ~~يحيي القلوب المنكسرة، وكانت مرغريت تشعر بأن قلبها يتسع وينفتح رويدا رويدا حتى ~~يكاد يحتضن الفضاء وزرقة القبة الخضراء. # وكانت في صباح كل يوم تسير مع روجر على شاطئ البحر، حيث تصادف بائعات الأزهار المختلفة ~~الألوان والأشكال، فتشتري منهن باقات ذات روائح عطرة تنعش القلب، وبعد سير ساعة من الزمان ~~تعود إلى الفندق مستندة على ذراع زوجها، وكانت عندما يعرب لها عن شعائر حبه تصغي إلى كلامه ~~باسمة وتميل بكليتها إليه، ثم تشكره شكرا جزيلا على هذه الإحساسات الشريفة. # وفي ذات يوم سمعت من بعض الجالسين نبأ المقامرة التي تجري في ملعب مونتي كارلو الشهير، ~~فقالت على الفور لروجر: وأنا أيضا أرغب في الذهاب إلى هناك لأجل المقامرة - إذ إنها كانت ~~تشعر من نفسها باحتياج إلى التنقل من مكان إلى آخر لتغيير المناظر الجديدة على توالي ~~الأوقات، وفي أثناء ذلك اليوم كانت تحدث روجر بالمقامرة، ومونتي كارلو، والذهاب بأقرب ~~وقت، والربح وما يتعلق بذلك، والخلاصة لم يدر في خلدها ذلك اليوم سوى المقامرة ~~ومكانها. ~~- أتظن أني أربح يا روجر. ~~- إذا كان الربح غاية متمناك فليكن لك ما تشتهين! ~~- لا أقول لك إن ذلك غاية مشتهاي، لكني أسالك ماذا تظن بذلك؟ لعلي أكون صاحبة بخت، ~~فما هو اعتقادك؟ ~~- اعلمي يا عزيزتي أني لسوء الحظ لست موسى ولا حزقيا ولا إيليا، فلا تكلفيني بأمر ~~النبوءات، فإني عاجز عنها. ~~- لكن يحلو لي أن أمتحن البخت والنصيب، ألا يلذ لك ms32 ذلك. ~~- لا، إن ذلك ليس من رغبتي ولا يحلو لي. ~~- بالحقيقة يا روجر، إن أخلاقك غريبة وطباعك عجيبة، أقول لك بكل حرية إنك لست من أهل هذا ~~العصر! # فامتعض روجر من هذا الكلام ولم يحر جوابا، بل قال لها إنه آسف على هذه الأوقات العذبة ~~التي بها لا يقدر أن يفارقها ولا دقيقة واحدة. # فأجابته مرغريت بمثل كلامه. ~~- أصحيح ما تقولين؟ ~~- وهل تستغرب ذلك أو تشك فيه؟ # فاعتقد روجر إذ ذاك أنها تبادله الحب. # | الفصل الثالث عشر # في صباح سفرهما إلى مونتي كارلو لم يتكلم روجر سوى كلمات قليلة دون تبسم، أما هي ~~فكانت بعكس ذلك، غير أنها انقبضت فيما بعد عندما رأته لا يشاطرها انبساطها وابتهاجها؛ ولذلك ~~فكرت في أثناء هذا السفر على رغمها في ألبير وهشاشته وبشاشته ومزاحه، وعند بلوغهما المكان ~~المقصود قالت له: ها قد أفقت من نومك، فالحمد لله! # فأراد روجر أن يضحك ليسرها. وبعد تناول الطعام صعدا على سطح عال يكشف على الجهات ~~الأربع، حيث تنجلي للناظر بهجة الطبيعة وجمالها البديع، فهتفت: انظر ما أبدع هذه البقعة! ~~وما أجمل هذه المناظر! # وكانت تنظر إلى جميع المارين من الجنسين وتسر إذ تراهم سائرين أزواجا؛ إذ تعتقد أنهم ~~أحباب، وتقرأ في عيني كل شخص ما يجول بخاطره من حب المال. # ثم دخلا محل اللعب الرحب بهذا المقدار، وجالا في جهاته الأربع ينظران إلى اللاعبين ~~الكثيرين، وبعد ذلك جلست مرغريت ووضعت قطعة 5 فرنكات على 4 أعداد فربحت، وهكذا ظلت تلعب مدة ~~ساعتين وروجر بالقرب منها لا يفارقها، فربحت ربحا وافرا دون خسارة فلس واحد، وقد سرت ~~سرورا عظيما، ليس بالنظر إلى المال لأنها ذات غنى وافر، وهي لا تحب الحصول عليه بهذه ~~الطريقة، بل لأنها قويت على البخت وغلبته. وبعد ذلك بمدة غير يسيرة قال لها: ألم تكتفي يا ~~مرغريت؟ ~~- نعم، قد اكتفيت، وها قد ربحت أيضا مقدارا أكثر من الأول، فخذ هذه الدراهم عني. قالت ~~هذا وهي تفتخر بحظها ونصيبها، ثم حانت منها التفاتة على حين ms33 غفلة، فرأت صديقتها بلانش ~~القديمة واقفة بالقرب منها ناظرة إليها وهي تبتسم، فذكرت مرغريت ذلك الشقاء الذي سببته ~~هذه المرأة لها، وتأملت في ابتسامتها فإذا هي ابتسامة ازدراء، ثم مرت أمامها واضعة يدها على ~~خصرها وهي تجر ذيول التيه والإعجاب، ولا تسل عن الروائح العطرية التي كانت تفوح منها؛ ~~فإنها قد ملأت المكان على رحبه، وكان نظر مرغريت يتبعها مراقبا حركاتها وسكناتها وما هي ~~عليه من التبرج المفرط. وإذ بلغت جهة مقابلة لمرغريت استوقفها أحد أصدقائها، وبعد أن تبادلا ~~الكلام وقتا وجيزا التفت هذا الشخص صديقها إلى جهة مرغريت، ففهمت هذه بأن محور الحديث ~~يدور عليها، وبأسرع من لمح البرق مسكت بيد روجر قائلة: اخرج بي حالا من هنا دون ~~إبطاء! ~~- الحمد لله على حسن النهاية فلنخرج. أما مرغريت فإنها استشاطت غيظا وغضبا، وامتقع ~~لونها، ولم تقدر أن تملك كدرها، وحينما وصلا إلى خارج المحل سألت روجر هل رأى تلك ~~المرأة. ~~- وأي امرأة تعنين؟ إني لم أر امرأة، فدعينا من كل هذا وتعالي نذهب إلى ذلك البستان ~~الأخضر الذي نراه في تلك الجهة، ونجلس تحت ظل أشجاره. ~~- نعم، سر بي حالا إلى هناك، فإني أطوع لك من بنانك، فلا أقدر أن أبقى هنا ولا ~~دقيقة واحدة؛ خوفا من أن أرى تلك الملعونة مرة ثانية. ~~- كوني مطمئنة لن تريها بعد. وعندما انتهيا إلى البستان الذي يقصدانه جلسا حيث لا تراهما ~~عين، ثم ما هي إلا هنيهة يسيرة حتى هطل الدمع من عينها بكثرة، وجعلت تبكي متذكرة حياتها ~~المرة نادبة سوء حظها، وهي تتمثل عذاباتها وسائر آلامها أمام عينيها وعبراتها كسيل ~~مدرار، وروجر لا ينبس ببنت شفة، بل لزم السكوت؛ لعلمه أن الكلام لا يجدي نفعا في مثل ~~هذا الوقت. وبغضون ذلك كان يرى أن الحيل قد ضاقت به وعيل صبره، ولم يدع واسطة إلا ~~استعملها اكتسابا لرضاها وجعلها سعيدة؛ وذلك لكي يعيشا عيشا هنيئا ذا صفاء ~~وهناء. # وبعد أن تعبت من البكاء وخارت قواها وضعف عزمها، أسندت رأسها على ساعده وجعلت ms34 تمسح دموعها ~~الكثيرة، وهو ساكت كالأول. # | الفصل الرابع عشر # إن مرغريت كانت تعتبر أن سكناها مع رجل، ووجودها تحت سقف بيته قبل أن يموت زوجها الأول؛ ~~هو من أشد العار وأقبح الهوان عليها أمام بلانش، وهذا الفكر - أي أنها ذات زوجين - كثيرا ~~ما كان يعذبها ويكدر صفاء عيشها إذا وجد لديها فيه صفاء وهناء، ويدع في قلبها جرحا ~~بليغا، بل جروحا قتالة، وقد أدرك روجر حق الإدراك جميع ذلك، وجعل يراقب حركاتها ~~وسكناتها ويقرأ أفكارها بسهولة، إلى أن قال في نفسه آخر الأمر: إن السكوت لا يصلح إلا في ~~بعض أوقات، والصمت في غير وقته يكون ضررا محضا، وهذا لا جدال فيه، بل هو أمر لا يختلف فيه ~~اثنان، وحيث ذلك كذلك لا بد لي من أن أحادثها بهذا الشأن. ففي مساء ذلك اليوم ابتدأ ~~بالكلام في هذا الموضوع، وجعل يلعن بلانش وينسب إليها الخفة والطياشة، وأن مبادئها غير ~~حسنة، إلى غير ذلك من الكلمات التي خففت عن مرغريت بعض التخفيف، إلى أن قالت: آه من ~~هذه الشقية والخليقة الجهنمية، لعمري إن الناظر إليها يدرك على الفور بمجرد رؤية عينيها ~~أنها عادمة كل حياء، فاقدة الشرف الذي هو حلية الإنسان في هذه الحياة الدنيا، ولم يكفها ~~هذا، بل إنها تكذب على الله والناس بشعرها المصبوغ وحمرتها الصناعية، فهي تريد أن تحسب ~~في ريعان العمر على رغم سنيها الطويلة! ~~- وحقك إني بغضتها منذ أول ساعة عرفتها بها، كيف لا وهي تخاطب الرجال بوقاحة هذا ~~مقدارها، فضلا عن الألفاظ المخالفة الآداب التي تتفوه بها بجسارة كلية. نعم، إني سمعت ~~شيئا عن قلة آدابها وعظم وقاحتها قبل أن أراها. ~~- ومن أخبرك بأخلاقها السيئة ورداءة آدابها؟ ~~- أطلعني على كل ذلك شخص يعرفها حق المعرفة. ~~- أظن هذا الشخص هو ألبير نفسه، هو الذي أنبأني بكل شيء، وقد طالما حرضني على أن أكلفها ~~بزيارتي، وكثيرا ما كان يطنب في حسن أخلاقها وخفة روحها، واصفا ما هي عليه من لطافة ~~المعشر. ~~- أما أنت يا مرغريت، فاجتهدي في ms35 أن تنسي تلك الأيام السوداء المحزنة. ~~- وأنى يمكن ذلك وتذكرها ألزم لي من ظلي، فهو يتبعني في كل زمان ومكان؟ ~~- أبعدي عنك هذا التذكر المضني، وهل لها من يد يا ترى في حياتك الحاضرة؟ ~~- نعم، تقدر تتكلم علي، ولا شك أنها أخبرت بقصتي ذلك الرجل الذي استوقفها في محل ~~المقامرة. ~~- دعي عنك هذه الوساوس الجارحة، وكيف لا تقدرين على ذلك وأنت ذات إرادة حرة؟ فاستعمليها ~~إذا لطرد ما يؤلمك. ثم تناول كل منهما جريدة، وبعد هنيهة قال: يلذ لي تدخين سيجارة في ~~البستان قبل النوم، أما أنت فاتبعي مشورتي وأريحي أفكارك وارقدي بسلام. # خرج روجر واضطجعت هي على سريرها راغبة في النوم، لكن عينيها كانتا تنفتحان على رغمها، فلم ~~تجد - والحالة هذه - إلى النوم سبيلا، بل شرعت تفتكر في كل ما جرى لها كالسابق، ومن أنها ~~ستعود قريبا إلى باريس. وأما ابتعادها عن ألبير فهو من أصعب الأمور عليها! بل كيف تتجلد ~~عندما تراه شاحب اللون حزين النفس؟! وكيف لا تذوب شغفا عند سماع صوته الرخيم الحلو؟! ومن ~~جهة أخرى كانت تتألم كثيرا لأن اقتران روجر بها لم يكن كنائسيا وبلانش تعرف هذا، فصعد ~~الدم إلى رأسها عند هذا الفكر وقالت: ربما تظنني نظيرها. ثم عزمت على محادثة روجر بهذا ~~راغبة في استدعاء أحد الكهنة ليبارك سر زواجهما في الكنيسة، ولم تتصور قط أن روجر يغضب ~~من طلبها هذا، بل ظنت عكسه، وبعد نصف ساعة عاد من البستان ودنا من سريرها ناظرا في ~~محياها، فتناومت، وبعد أن أطفأ النور ذهب إلى سريره، غير أنه لم يذق لذة النوم في ~~تلك الليلة، وفكر في أن رجوعه إلى باريس صار ضروريا للغاية بعد غيبة هذا مقدارها، وأن ~~مرغريت تعبت من مشقة السفر، فكفاها تبديل هواء ورؤية مناظر، وها هي الآن تتوق إلى الراحة ~~البيتية. عرفت قلبها حق المعرفة وعلى أي شيء ينطوي، وزاد حبها لي أكثر من الماضي، وذا يكفي ~~بالوقت الحاضر؛ إذ إن الود يزداد نموا مع الأيام، وليس بوسعي أن ms36 أمحو ذكر أيامها الماضية، ~~ولو كان بإمكاني لفعلت من زمان طويل، أنا نفسي لم أعاملها بسوء قط، وما هو ذنبي يا ~~ترى إن كانت الإساءة بدت من ألبير، والخيانة من بلانش؟! فليس من مقدرتي أن أنتقم منهما؛ ~~فإذا ما هي الجريرة التي ارتكبتها والجناية التي اقترفتها يا ترى؟! وهل من العدل أن ~~أعذب في تكفير الإثم عن غيري؟ لعمري إن في ذلك لعجبا! نعم، إن ذنبي الوحيد هو أني ~~أعبدها وأقف حياتي لها وهي تبتعد عني، أتوق إليها ولا أمل من مشاهدتها ولو جالستها ~~كل أيام عمري، أما هي فإن حضوري وغيابي لديها سيان، وأتيقن أنها تفضل غيابي ~~وبعدي. أنا أسعى في أن أنسيها أحزانها وأجعلها سعيدة، وهي تقابلني بحرماني السعادة ~~التي لم أذقها من دون كدر حتى الآن. (سمع في غضون ذلك تنهدها، فعلم أنها تفكر ~~نظيره) ترى في أي شيء تفكر في هذا الليل الدامس؟ إني أقسم بالسماء وعلى الأرض أن أحفظها ~~لي، ولو قاومني الكون بأسره. # بل سأعبدها عبادة ولو حاربتني نوائب الزمان، وسأوفر لها أسباب السرور ما دمت حيا ~~وعيناي تنظران شمس النهار ونجوم الليل. # | الفصل الخامس عشر # عاد الأمل إلى قلب ألبير رويدا رويدا بعد أن سحقه اليأس وقتله الملل، وقال إن مرغريت لا ~~تقيم مدة طويلة خارج باريس؛ لأن ذلك لا يوافق مهنة روجر، فرجوعها قريب إذا، وبعد ذلك ~~يشاهدها في حجرته المعدة لاستقبالها، المزينة برسمها وذكرها. وكان يخرج غالبا من ~~بيته للنزهة، وحينما يصادف بعض أصدقائه القدماء يسلم على هذا، ويضغط على يد ذاك، ويبش في ~~وجه الآخر، ويسر خصوصا بعشرة أولئك الذين عرفوا مرغريت عنده، ويتعجب عندما لا يذكرها واحد ~~منهم. # وفي أحد الأيام مساء ذهب إلى مكان عمومي حيث كان جمهور عظيم من الناس ليلهو عن أفكاره ~~المحزنة، ولم يكن يبالي بأنغام الموسيقى وأصوات المشخصين؛ لأن قلبه كان يردد دائما اسم ~~مرغريت، كما أنه لم يكن يعبأ بالسيدات الجالسات بقربه، وبغضون ذلك قال بنفسه: نعم، ملت ~~إلى النساء بماضي الزمان، وأما ms37 الآن فلا يسطو على قلبي سوى مرغريت. وعندما انتهى الفصل نهض ~~عن كرسيه قاصدا الخروج فسمع صوتا يناديه، فحول رأسه إلى جهة الصوت، وإذا بسيدة هيفاء ~~القد، مليحة الوجه، خفيفة الحركة، تتبعها فتاة لطيفة المنظر لابسة ثوبا من ~~الحرير . ~~- أأنت السيدة فارز؟ ~~- نعم، أنا هي. وصافحته بوداد باسمة، ثم تقدمت ابنتها ومدت يدها لمصافحة ألبير. ~~- أكاد لا أعرف حضرة ابنتك العزيزة! ~~- نعم، فإنها تغيرت كثيرا عن الماضي، أما أنا فقد تقدمت بالسن ومنذ زمن طويل لم ~~أرك، مع أني أسر بمشاهدتك سرورا لا مزيد عليه؛ لأنها تذكرني بتلك الأيام السعيدة! ~~ولا تبرح من فكري تلك الصداقة القديمة. وهل يسوءك ذكر الماضي؟ ~~- بالعكس، فإن ذلك يسرني. ~~- أخبرني ماذا تصنع؟ وأين تسكن؟ وكيف تعيش؟ ولم لا تزورنا؟ ~~- أسكن باريس، وأعيش وحدي في بيتي، وفقدت والدتي منذ 6 أشهر، ~~وأرى المصائب والأحزان من كل جهة، ولا أريد أن ~~أثقل على أحد. ~~- كيف تعيش وحدك؟ ~~- ولم لا أعيش وحدي؟ ~~- لم لا تزورنا؟ إني أؤكد لك أن خبر انفصالك عن مرغريت قد غمنا جدا، وكنت أحبها ~~من كل قلبي. ~~- ذلك الحب مضى الآن. ~~- أراها الآن تبتعد عني ولا أزورها إلا مرة واحدة في السنة، وأظن أنها تفضل قطع هذه ~~الزيارة. ~~- وهل رأيتها من عهد قريب؟ ~~- لا، إني لم أرها من عدة أشهر، لكني التقيت بوالدتها في الأسبوع الماضي، فأخبرتني بأن ~~ابنتها سافرت إلى الجنوب. ~~- قل لي صريحا، ألا يؤلمك ذكرها؟ ~~- لا وحقك. ~~- مسكينة مرغريت، فإنها أحبتك كثيرا. ~~- وا لهفتاه على أيام مضت! ~~- نعم، لقد أحبتك جدا، وأنت جرحتها جرحا بليغا بسلوكك، وأظنها الآن سعيدة راضية ~~بعيشتها. وفي أثناء كلامها هذا نظرت أمارات الألم على محياه فهتفت: آه، ربما تتألم من ~~كلامي هذا! ثم مدت له يدها ثانية دلالة على ميلها إليه. ~~- هل تأذنين لي يا سيدتي بزيارتك؟ ~~- من كل بد، إننا نستقبل الزائرين يومي الأربعاء والسبت، وحينئذ تسمع عزف ابنتي هذه ~~على البيانو لأنها ماهرة بفن الموسيقى. (عند ذلك توردت وجنتا ابنتها أودت وخفضت عينيها) ms38 ~~لو لم تمت إيڤون لكانت الآن صبية؛ إذ إنها من عمر ابني جان. ثم تنهدت طويلا وقالت: أرى ~~أن لا مجال للكلام هنا، لكن زرنا بأول فرصة تسنح لك، وحينئذ نتحدث عن جملة أشياء، وإن ~~كنت تأبى الزيارات الرسمية في الأيام المعينة للاستقبال، فيمكنك الحضور نحو الساعة ~~الثانية بعد الظهر أي يوم شئت، وهل بلغك خبر ترملي؟ ~~- لا أعرف شيئا من هذا. ~~- نعم إن يد المنية قد اختطفت زوجي منذ سنتين. ~~- اقبلي فروض تعزيتي إذا. ~~- أشكرك غاية الشكر، وقد أسفت جدا وبكيت بكاء مرا لحلول هذه المصيبة، وحزنت ~~أياما طويلة، ورأيت أن ذلك لا يجدي نفعا، فالأولى أن أسلي نفسي وابنتي هذه؛ لأن ~~الحياة في هذه الدنيا قصيرة، ونحن اللاحقون في سبيل الآخرة وهم السابقون عاجلا كان ذلك أو ~~آجلا، لا تنس أن تزورنا عن قريب. ثم ودعته وعادت إلى مكانها. جلس ألبير بعد أن أفعم ~~قلبه سرورا لأنه وجد إحدى صديقات مرغريت، وكان من وقت لآخر يلتفت إلى حيث هي جالسة، فرآها ~~مرة تكلم امرأة على القرب منها، فعلم أنه موضع حديثهما. # إن مدام فارز هذه عرفت مرغريت في المدرسة إذ كانتا تلميذتين، ودامت تلك الصداقة المكينة ~~بينهما إلى بعد زواجهما، وبعد ذلك أضحت الألفة أشد من قبل، وكانت الأسرتان تتبادلان ~~الزيارات بتواتر وتذهبان إلى التنزه معا، وكانت على اتفاق تام في الأدب والذوق والمعشر ~~وما شاكل هذا، وكان ارتباطهما هذا ينمو مع مرور الأيام. # وإذ طرق مسامع السيدة فارز انفساخ ألبير عن مرغريت أسرعت إليها سعيا بالصلح بينها وبين ~~زوجها، غير أن مرغريت رفضت مقابلتها؛ لأنها كانت تعرفت ببلانش قبلا، وفضلا عن ذلك أنه ~~تبادر إلى ذهنها أن ألبير نفسه ربما أحبها وهي لم تلاحظ هذا الأمر؛ نظرا لما هي عليه من ~~السذاجة والثقة الكبيرة وتعلقها الشديد به. # مما لا ريب فيه أن أوهام مرغريت هذه كانت تغاير الحقيقة على خط الاستقامة؛ إذ لم يكن ~~بينهما سوى صداقة خالية من كل عيب وغاية وألفة في منتهى السذاجة، ولم ms39 تكن السيدة فارز من ~~اللواتي يقبلن على أنفسهن كذا أمور مشينة وأميال معيبة. نعم، إنها كانت تلبس الملابس ~~الثمينة الأنيقة وتتزين وتتبرج لتستلفت إليها الأنظار وتعجب الناظرين، فهي كغيرها من جنس ~~النساء، لكنها كانت تهزأ وتزدري بالعشق والعاشقين والحب وذويه، ولم تكن تبالي إلا ~~بولديها اللذين كانا قيد اهتمامها وموضوع أفكارها وتدبير منزلها كما يقتضي؛ فإنها كانت ~~على جانب عظيم من حسن إدارة بيتها. # وكان زوجها فارز مهندسا ذا ثقة تامة بها وبحسن أمانتها وعفافها؛ ولهذا جعلها مطلقة ~~الحرية في شئون إدارة البيت، فهي تأمر وتنهى وتزور وتستقبل الزائرين والزائرات، وتعمل ~~المآدب الفاخرة حسبما يروق لها، ومن طبعها الميل إلى الإكثار من الاجتماعات العالمية التي ~~تتلوها الزيارات وصنع المآدب إلى غير ذلك مما لا غنى للسيدات عنه، وكانت تحب زوجها بإخلاص ~~وأمانة زائدين، ولم يكن هذا الحب على سبيل العشق، وبعد وفاته تذكره غالبا وتدعوه بالصديق ~~الأعظم، وقد صبرت على فراقه الأبدي هذا كما لو كان مسافرا. # أما سرور مدام فارز بملاقاة ألبير فحدث عنه ولا حرج، كيف لا وقد قضت بعشرته وعشرة ~~زوجته الأيام الطويلة بدون أن يكدر صفوها شيء! وقد أخبرت ابنتها أودت بكل ما جرى له مع ~~زوجته من غير أن تضرب صفحا عن بعض التفاصيل؛ لأنها كانت تكلم ابنتها وتعاملها كأنها ~~امرأة طاعنة في السن، معتبرة أن الفتاة المدعوة إلى العيشة في الهيئة الاجتماعية تفتقر أن ~~تعرف ما هو العالم، وأي شيء يجري فيه من الخير والشر والحسنات والسيئات، على أن هذه ~~الفتاة تحب أن تكون حسنة التدبير في أساليب المعيشة، واسعة العقل، قادرة على تدبير نفسها ~~بنفسها؛ فهذا هو اعتقاد السيدة فارز، وعلى هذا النوع والقياس ربت وثقفت ابنتها التي ~~كانت تصغي بانتباه إلى أحاديث والدتها وتتأمل فيها طويلا. وبعد أن روت لها حكاية ألبير ~~ومرغريت سألتها: قولي يا والدتي: ترى هل أخطأت مرغريت باقترانها ثانية أو أصابت؟ ~~- لا شك يا ابنتي العزيزة أنها أخطأت كثيرا، وهذا كان قول المرحوم والدك. # | الفصل السادس عشر # بعد ms40 مضي يومين أتى ألبير وقرع باب بيت مدام فارز نحو الساعة الثانية بعد الظهر، فسار به ~~الخادم إلى قاعة الاستقبال، فنظر إلى ما حوله فوجد كل شيء باقيا كما كان أولا بدون أقل ~~تغيير، وقد تبادر إلى ذهنه فورا زمان كان يأتي مع مرغريت؛ ولهذا أخذ قلبه يخفق بسرعة عظيمة ~~حتى كاد يشعر أن فؤاده يتقطع، وترقرق الدمع في عينيه حين خطرت في باله سعادة الماضي ~~وتعاسة الحاضر وظلام المستقبل. وبعد هنيهة حضرت مدام فارز وسلمت عليه قائلة: حقا إن ~~زيارتك هذه سرتني سرورا لا يوصف، وإني أراك حزينا كئيبا. قص علي همومك لعل ~~في ذلك فرجا لك. ~~- لقد صدقت يا سيدتي، فإني حزين النفس كئيب تعس. ~~- أنا شعرت بكل هذا لما لمحتك حيث اجتمعنا، ويلزم أن تعرف حق المعرفة بأنك أنت ~~الملوم؛ إذ أقدمت على عمل مناف لسنة الآداب، فكانت النتيجة أن أزعجت زوجتك، وأتعبت ~~نفسك، وخربت بيتك بيدك. ~~- خطئت يا سيدتي وخطيئتي عظيمة، نعم كنت مجنونا والجنون فنون، وهأنذا ترينني أكفر ~~عن خطيئتي بعيشة مملوءة من اليأس والقنوط والشقاء، بل يا لها من عيشة مرة لا تطاق! وإني ~~حتى هذه الساعة لا أزال أحب مرغريت وأميل بكليتي إليها أكثر من الأول. صرح بهذا وهو ~~يشعر بتعزية عظيمة في قلبه، على أنه رأى بجانبها اللطف والجودة والإصغاء التام لحديثه، ~~فتسلى نوعا وقال: ما أطيب قلبك أيتها الصديقة! ~~- إني لا أرى دواء لدائكما. ~~- نعم، لا دواء لذلك. # قال هذا على غير ما في ضميره؛ إذ لم يقطع الأمل من استرجاعها. ~~- إن الدواء الناجع الوحيد هو النسيان وترويض النفس بالتنقل والأسفار من جهة إلى ~~أخرى. ~~- كنت فيما مضى أميل إلى السفر أما الآن فلا. ~~- ألم تزل تحب بلانش؟ ~~- اتبعت ذلك حينا لكني لا أختارها زوجة لي، ولو كانت ملكة جالسة على سرير ~~الملك. ~~- وهل تركتها من زمان طويل؟ ~~- منذ عشرة أشهر. ~~- تبا لهذه الدنيا، ما أمر الحياة فيها! أما الآن فقد مضى ما مضى، ومتى اطلعت على ~~مرهم شاف لجرحك فلا ms41 تتأخر عن المجيء إلى هنا؛ فإني أساعدك بقدر إمكاني. إني أتذكر ~~إيڤون في مكان اصطيافنا الأخير، وسأريك رسمها في حجرتي، وكنت أحبها وأميل إلى أمها ~~كثيرا. ~~- إني أعهد أن من طبعها الأمانة، فلم تجافيك يا ترى؟! ~~- أظن أنها لا تريد أن ترى أحدا من الذين عرفوها قبلا، وسبب ذلك واضح كالشمس في رابعة ~~نهارها. وربما الدكتور روجر لا يميل إلى معاشرة الناس، ومرغريت لا تزور وتستقبل إلا في ~~النادر، وهل وجدتها سعيدة؟ ~~- أظن ذلك، لها ابن صغير جميل جدا، وهي تحبه محبة عظيمة. ~~- ألم تنظرها من عهد الانفساخ؟ ~~- صادفت مرة والدتها، لكنها كانت وحدها. ~~- تجنب أن تراها ما استطعت؛ لأنك ربما وجدتها كئيبة، وهذا مما لا يسرك. ~~- ولماذا تكون كئيبة، وأراني لا أخطر في بالها، ولا علاقة لها بي الآن؟! ~~- ما هذا إلا كلام. (إن هذه اللهجة أحيت الأمل في قلب ألبير، إلا أنه كتم سره ولم يعرب ~~عما في ضميره.) ~~- لا نتقابل، كوني مطمئنة من هذه الجهة. ~~- هكذا آمل. ~~- إن لساني عاجز أيتها السيدة عن شرح عظم تأثري الذي شعرت به عند دخولي بيتك ~~العامر، فقد ضنكت من كثرة الهموم وأشعر بأني هرمت، ولكن رأيتني ساعة زيارتك عاد إلي ~~نشاط الشبيبة. # وفي أثناء ذلك دخلت أودت وهي تميل بقدها الأهيف وصافحته وجلست. ~~- إني ذكرت ابنتي هذه بأنك كنت محبا لها بالماضي، وقد فطنت لعدة أشياء. ~~- أصحيح هذا أيتها الآنسة؟ ~~- نعم أتذكر جملة أشياء، أذكر إيڤون الصغيرة وكيف كانت لابسة ثوبا أزرق يعلوه تخريم ~~أبيض، وذلك في عيد الميلاد. إن كلمات أودت هذه خرقت قلب ألبير الذي لم تندمل جراحه بعد، ~~فرفع يده أمام عينه قاصدا إخفاء دموعه المتفجرة، فلحظت ذلك أم أودت فقالت: لقد آلمته يا ~~عزيزتي! ~~- لا لم تؤلمني، بل سرتني كثيرا لما ~~أبانت لي لون الثوب وشكل التخريم. ~~- تشجع أيها الصديق القديم، إننا نذكر إيڤون على مسامعك كي نسرك. ~~- أراني سعيدا بلقائكما أيتها السيدة الفاضلة! ~~- كان يجب أن تبحث عنا قبل اليوم، مع ذلك نسامحك على هذه ms42 الهفوة بل الذنب العظيم، بشرط ~~أن تتناول العشاء عندنا مساء الأربعاء القادم. ~~- أرجوك أن تعفيني من هذا. ~~- لا بد من مجيئك؛ فإننا نتحدث ونمرح ونسر باجتماعنا؛ إذ لا غريب بيننا البتة. # عاد ألبير إلى منزله في ذلك المساء منشرح الصدر، خفيف الروح، قرير العين ، ناعم البال، ~~وعندما فتح مكتبه وجد على مائدته علبة خشب، ولما قرأ العنوان تحقق أنه كتابة مرغريت، ~~فاعترته نوبة عصبية زعزعت أركان قواه، ثم رفع الغطاء بسرعة فوجد بطاقة بيضاء على ما هو أشبه ~~بسرير من الورد، فقرأ ما فيها وإذا بها هاتان الكلمتان: «إلى إيڤون» عند ذلك أحس بأن موجة ~~حب غمرت فؤاده، وفتح ذراعيه مناديا زوجته المحبوبة بألطف الأسماء وأعذبها وأرقها، ثم جلس ~~يقبل تلك الورود العطرة. # | الفصل السابع عشر # كان روجر جالسا في غرفة بهية مزينة بالأزهار على اختلاف أنواعها وأشكالها، تفوح ~~منها الروائح العطرية التي تملأ الفضاء، وأمامه زوجته مستندة على مقعد، وكانا صامتين لا ~~ينطقان بكلمة، والنهار قد شاخ وشمسه كادت تتوارى عن الأبصار، ثم أخذ الفضاء يظلم شيئا ~~فشيئا إلى أن أقبل الغسق بخيله ورجله، باسطا أجنحة هدوئه وسكينته على جميع الكائنات التي ~~تحت الشمس. # أمام هذا المنظر الذي تتشنج به الأعصاب لا يتمالك القلب الحزين عن سكب العبرات وإصعاد ~~الزفرات. # إنه إذ كانا يسيران على شاطئ البحر في صباح ذلك اليوم فاتحت مرغريت زوجها بالموضوع ~~الذي أتعب فكرها تلك الليلة وحرمها لذة النوم، فطلبت أولا فسخ إكليلها مع ألبير، ثانيا ~~أن تكلل على روجر إكليلا كنسيا شرعيا، ولم يكن روجر يقاطعها في أثناء حديثها هذا، ~~وعندما أتمت قولها هذا بدت على وجهه سمات الرجولية المهيبة وقال لها: لا يا مرغريت؛ فإن ~~هذا لا يمكن. ~~- ولم يا روجر؟ ~~- هذا أمر مستحيل، وأنا أرفض ذلك. (قال بحماسة وقوة مقرونتين بدعة تامة، ووضع يده ~~على ساعدها مداعبا، فتمتمت قائلة: لا أفهم.) ~~- ألا تفهمين اعتقادي بتمام زواجنا وتريدين أن نطلب عتقا وهميا، ومن يعطي هذا؟! لا ~~أسمح لك بالرجوع إلى الماضي، وقد قلت ms43 هذا مرارا على مسامعك، إن الماضي قد انقضى، وقد كان ~~لك تمام الحرية حينما قبلتني زوجا لك، وتلك الحرية محدودة الآن. ~~- أنا غير آسفة على حريتي يا روجر، لكن حبا بمكسيم. # فرفع روجر قبعته وأمر يده على جبهته يمسح عنها عرقا كأنه يقطر من أحشائه ، فظنت أن ~~رضاه قريب؛ لهذا مالت نحوه قائلة بصوت رخيم: أريد ذلك من صميم القلب يا روجر. # فحملق في وجهها طويلا ثم قال بحدة هذا حدها: إنك توجعيني بهذا القول. نعم، لو يوم طلبت ~~أخذ يدك أبيت بداعي أن الشريعة الكنسية تحرم ذلك، لكنت امتثلت لاعتقادك هذا وعدت ~~صامتا، بل لم يخطر ببالك وقتئذ هذا الأمر، والآن بعد أن أصبحت زوجتي وأم ولدي أخذت ~~تتشبثين بأمر الكنيسة؟! لعمري إن في هذا لعجبا عجابا! ألا تعلمين أنك لي حتى الموت، ~~إلى الأبد؟! ~~- لم أقصد أن أجرحك يا روجر، إنما أردت أن أفهمك هذا الفكر الذي يصعب علي. ~~- هذا الفكر! وأي فكر؟ ~~- إن زواجي الأول لا يزال مقيدا في سجل الكنيسة. # وبعد أن غشت وجهه صفرة أشبه بتلك التي على وجوه الموتى، أمسك يديها بعنف وقال: ~~دعينا من هذا الموضوع، فلنعد إلى الفندق أو نذهب إلى حيث هو مكسيم. ثم سارا صامتين ~~منخفضي الرأس إلى أن لمحا مكسيم عن بعد مع مرضعه، فأسرعا في خطاهما ثم ساروا جميعا. أما ~~مرغريت فإنها استشاطت غيظا لأنه رفض طلبها، مع أن ذلك يعرب عن عاطفة شريفة ونفس عزيزة لا ~~تقدر أن تحتمل سمة العار. وفي كل الأيام الماضية كان روجر أطوع لها من بنانها ورهن ~~إشارتها، على أنها كانت متحققة أنه لا يبخل عليها بروحه إذا طلبتها، لكنها لم تعلم أنه كان ~~حليما مطيعا في الأشياء الثانوية فقط، مع أنه في حقيقة الأمر كان صلب الرأي، ثابت ~~الكلمة، قاسي الطبع، لكنه طيب القلب، وعندما يستدعيه عليل ما لمعالجته كان يبذل الطاقة في ~~شفائه إذا أطاعه العليل، وإن لم يعمل بحسب مشوراته بل خالف منها حرفا واحدا تركه وشأنه ~~ولم يعد ms44 إليه؛ وذلك لأنه كان يعتقد أن الدعوة نتيجة الثقة التامة، والثقة تقتضي الطاعة ~~الكاملة. ولما رضيت به مرغريت بعلا لها رأى في هذا الرضى برهانا كبيرا على تمام ثقتها ~~به، وعندما عرف نفسه أهلا لهذه الثقة قبل بسرور واجبات الزوجية، وفي كل المعاني ~~الثانوية لم تكن إرادته سوى صدى إرادتها، لكنه لم يسمح لها بارتكاب خطأ فاضح كهذا، بل كيف ~~يدعها تتصور لحظة واحدة أن اقترانها غير تام؟! نعم، إنه جعل حبه وقفا لها، لكن هذا ~~الحب كان صادرا من آمر واجب الطاعة؛ فلا غرو إن كانت ضعيفة، فإنه قوي ثابت، وإذا وقعت ~~على الحضيض فعليه أن يقيل عثرتها ويحمل قلة صبرها، وهو مكلف أن يحمل قلبه سائر ~~همومها وأحزانها؛ لأنه يحبها ويشفق على ضعفها، غير أنه لا يريد أن يدعها تشك دقيقة واحدة في ~~صحة اتحادهما. # لم يكن روجر يعتقد شيئا مما يتعلق بالأديان؛ ولذا كانت الكنائس والمعابد وخدمتها وكل ما ~~له علاقة بهذه الأمور كلا شيء عنده، وهذا كان عيبه الوحيد. # ثم جلس في ذلك المساء وراء مكتبه يقرأ الرسائل الواردة إليه في ذلك اليوم، وغرقت مرغريت ~~في بحر هواجس وتخيلات معذبة، ولم يكن إلا القليل حتى سمعت في قلبها صوت ألبير، ومر ~~بذهنها أن إيڤون تناديها، فانتفضت للحال وقالت لروجر: هأنذا ذاهبة إلى بائع الأزهار، وربما ~~دخلت الكنيسة بعد ذلك. ~~- وأنا باق في مكتبي لانشغالي بكتابة جملة تحارير. فهم من لهجتها أنها تود الخروج ~~وحدها، وبعد أن توارت عنه لأنه كان يراها من نافذة غرفته، تنفس الصعداء، وأقسم بأنه ~~سيدافع عنها حتى الموت. وأما هي فترى قلبها مفعما حبا وغما معا، ذهبت تبتاع أزهارا ~~لترسلها إلى ابنتها الراقدة في الرمس. # | الفصل الثامن عشر # في يوم الأربعاء المعين وصل ألبير قبل سائر المدعوين، فقالت مدام فارز وهي تصافح يده: ~~أرى وجهك منيرا في هذا اليوم، فالحمد لله على ذلك. ~~- نعم، إن صحتي تحسنت، وتريني مديونا لمعروفك في كل حال، فأشكرك ما حييت. ~~- إنك تسرني جدا بكلامك هذا، تفضل ms45 اجلس وبعد قليل تأتي أودت. ~~- إني أخاف عليك من هذا الحب الوافر لابنتك. ~~- ولماذا؟ ~~- وماذا تفعلين فيما بعد حينما تتزوج. ~~- أحبها اليوم وغدا وأعزها في الحالتين، وهي الآن صغيرة ولا تتزوج إلا بعد بضع ~~سنين. ~~- كم سنها؟ ~~- 16 سنة. ~~- وحضرتك كم سنك؟ ~~- قد بلغت الرابعة والثلاثين. ~~- ألم تغيري أفكارك السابقة؟ ~~- لا، بل كل يوم أتمسك بها أكثر. # دخلت إذ ذاك أودت ابنتها بصحبة جدها دسباس، وكانت كأنها تمثال الشبيبة يجللها ~~شعرها. # استقبل دسباس ألبير استقبالا حسنا للغاية. # وكان دسباس هذا قد فقد امرأته منذ سنين طويلة، يقضي أكثر أوقاته في الجولان والتنقل من ~~محل لآخر، قد رغبت مدام فارز أن يسكن أبوها معها بعد وفاة زوجها؛ لأنها وحيدة ولا سند لها ~~غيره، غير أنه لم يقبل طلبها هذا، بل فضل أن يبقى في بيته مطلق الحرية إلى أن يهرمه ~~العمر وتذهب السنون بقواه، فعند ذلك يسكن مع ابنته لأنها تعتني اعتناء تاما ~~بشيخوخته. # وما أتت الساعة السادسة ونصف حتى كمل عدد المدعوين، ومن بينهم بلواي أحد الفلاسفة ~~المدرسين في إحدى مدارس فرنسا الشهيرة، ومعه قرينته التي تناهز الخمسين. أما صاحبة المنزل ~~فإنها استقبلت الجميع بكل هشاشة وبشاشة، وابنتها تحذو حذوها في الملاطفة والمجاملة، وبعد أن ~~عرفت مدام بلواي بألبير صافحت يده قائلة: إني أحب كل أصدقاء مدام فارز. # وهذا صديق حميم قديم جدا جفانا مدة خمس سنوات سافر في خلالها إلى مصر، أنبئ مدام ~~بلواي أيها الصديق بما عندك، وكان من المدعوين الخواجة لسكال أحد المصورين المشهورين، ~~والدكتور توري طبيب الأسرة الخاص، وبعد أن تجاذبوا أطراف الحديث برهة ذهب الجميع إلى ~~المائدة وجلسوا حولها، وأخذت الداعية محلا قرب ألبير لتلاطفه بقدر إمكانها وتنسيه أحزانه. ~~أما المائدة فكانت مزينة بكل أنواع الزينة تحدق بها الأزهار المختلفة الألوان والأشكال، ~~والشموع الملونة، والمنائر الساطعة بالأشعة تخطف الأبصار، وفي وسطها تمثال طفل صغير هو رمز ~~الحب، وحوله الأدوات الفضية من ملاعق وشوك وسكاكين وغيرها، والأنوار تنعكس على الكئوس فتشع ~~كشموس صغيرة. # قال دسباس: أظن ms46 أن ألبير لا يحب شرب الماء، وحضرات الأطباء الذين منهم الدكتور توري ~~يبذلون جهدهم في أن يبرهنوا لنا أن شرب الخمر مضر بلا جدال. # قال ألبير: نعم، إذا كان حلوا. # دسباس ~~: # آه من الأطباء ومن أفكارهم القبيحة. # توري ~~: # إنك مبتلى بداء الصرع يا صاح. # دسباس ~~: # مبتلى به وممتلئ البدن، ثم ماذا؟ عند موتي لا أتحسر على شيء، وقد ~~عشت عيشة راضية هنيئة أكثر منك أنت الرفيق النحيف كملازم في العسكرية، ويكاد طولك ~~ينقصف. # فنظر ألبير إلى هذا النحيف الذي يكاد ينقصف، فرأى وجها بجبهة عالية وتحت شاربيه الأسودين ~~شفتان تدلان على الدهاء، وكان يحادث أودت التي كانت رفضت الحساء (الشوربة). # مدام فارز ~~: # إن الدكتور يمنعها عن أكل الحساء. # دسباس ~~: # إن العالم على وشك الانقضاء؛ إذ إن أوامر حضرات الدكاترة تلاشي ~~لذات الموائد. # مدام بلواي ~~: # أما أنا فإني أعتبر أنه يجب علينا أن نقرن كل أعمالنا بشيء من ~~السذاجة. # مدام فارز ~~: # هذا هو اعتقادي نفسه. # دسباس ~~: # نعم، ويجب أن نتناول الطعام كما لو كنا نبتلع دواء مرا، ألم يحب ~~آباؤنا من قبلنا التوابل وزجاجات الخمر الجيد؟ # أولم يكن شأنهم مع كل ذلك عظيما؟ # مدام بلواي ~~: # مما لا جدال فيه أن شأنهم كان عظيما جدا، وعقلهم أوسع من عقلنا، ~~وروحهم أخف وألطف، ولم يكونوا يملون من الملاهي والمسرات. # توري ~~: # إني أوافقك في هذا يا سيدتي غاية الموافقة، لكني لا أريد أن أشتري ~~لي سوء الهضم مجانا، إن طعام مدام فارز اللذيذ إنما جعل لإقلال نظام الجهاز ~~الهضمي. # بينما كانوا يخوضون في هذا الموضوع، اغتنم ألبير الفرصة وكلم مدام فارز بصوت منخفض ~~مادحا سلامة ذوقها في تنظيم المائدة وتزيينها. # مدام فارز ~~: # إن هذه الأزهار أهديت لنا في هذا الصباح، وفي أيام الشتاء لا ~~تحلو لي إلا أزهار الجنوب، ويخال لي أن وردة كهذه - أخذت وردة وجعلت تقلبها بين ~~أصابعها - تتدفق منها معان غزلية وتخيلات شعرية تبهج الناظر وتقر الخاطر. ~~حينئذ فكر ألبير في الوردة البيضاء التي في جيبه، وكان أتى بها عن قبر ms47 إيڤون، ثم ~~وجهت كلامها للفيلسوف قائلة: أسمعنا صوتك أيها الفيلسوف الفاضل لم لا تتكلم؟ ~~أبد لنا رأيك فيما يختص بطيبات المائدة. # بلواي ~~: # إن للمائدة شأنا كبيرا في الهيئة الاجتماعية، كيف لا وهي مجلبة ~~للألفة بين الناس؟! # توري ~~: # أمتاكد أنت أنها مجلبة للألفة بين الناس؟ أنا أعرف سيدة شريفة تكاد ~~تكون حياتها نعيما لو لم يفرض عليها مجالسة زوجها على المائدة؛ وذلك لأنه يمسك ~~الشوكة بنوع مضحك يثير غضبها. # دسباس ~~: # وحتى الآن لم تطلب الطلاق؟ # توري ~~: # إنها تفكر في طلبه. # مدام بلواي ~~: # ما أكثر الطلاق في أيامنا هذه، وبالحقيقة إنه فرج للزوجين ~~التعيسين. # توري ~~: # إن كلامك لفي غاية الصواب. # إن مدام فارز شعرت بانقباض في أثناء هذا الحديث، وودت الانتقال إلى موضوع آخر خوفا من ~~ظن ألبير بأن محور الحديث يدور عليه. # مدام بلواي ~~: # إن شرائع الزواج كانت ولا تزال ممقوتة مكروهة. # دسباس ~~: # هذا صحيح. # مدام بلواي ~~: # إن الشرائع لم تسن لمن كان مثلك أو مثل زوجي، لكن للأشرار ~~الذين يكونوا على شاكلتهم، وفي حياتي قد رأيت فواحش وأهوالا كثيرة. # توري ~~: # إني أكرر ما قلته لمدام فارز، وهو أن هذا البيت هو مسكن ~~الأوهام. # مدام فارز ~~: # لا بأس من هذا الوصف فإني أقبله بسرور، وسأحافظ على أوهامي دائما ~~لأنني أعبدها. # توري ~~: # مدام فارز تثبت أن عموم السيدات يحببن أولادهن، وأنهن أمهات لا عيب ~~فيهن، ولا ... ولا ... ولا محل للانتقاد عليهن. # مدام فارز ~~: # ويحك ماذا تقول؟ # مدام بلواي ~~: # إن الوالدات الفاضلات اللواتي لا يشينهن عيب قليلات جدا، وإننا ~~نرى الأولاد - نظرا لجهل والديهم وقلة اكتراثهم بهم - أصبحوا ضحية الزمان أو ~~ألعوبة بين أيدي الهموم والأحزان. # مدام فارز ~~: # ماذا تقولين؟ لا أريد أن أسمع هذا الكلام. # أودت ~~: # لكن هذا هو عين الحقيقة يا والدتي. # دسباس ~~: # أخفتني يا أودت. # أودت ~~: # إن الحقيقة لا تخيف أحدا. # مدام فارز ~~: # وأنت أيضا ماذا تقولين؟! إن الحياة لا تحتمل بدون الكذب ~~والتخيلات والتصورات. # ألبير ~~: # إن التخيلات القديمة قد استولت على قلوب أسلافنا، وهزت آمال سائر ~~الشعوب. # فنظر حينئذ ms48 الدكتور توري إلى ألبير ولم يجبه بشيء، بل قال لأودت: نحن إذا ندافع عن ~~الحقيقة أيتها الآنسة أودت بدون شك. # وكانت مدام فارز تلاطف الجميع أجمل ملاطفة، ثم قالت لأبيها: وماذا تتكلم مع مدام بلواي يا ~~أبي؟ # دسباس ~~: # إن حضرة مدام بلواي تعرف بأني أعبدها، ليس اليوم فقط ، بل منذ أيام ~~طويلة. أليس كذلك؟ # مدام بلواي ~~: # نعم. # دسباس ~~: # وتريدين حبي. # مدام بلواي ~~: # نعم. # دسباس ~~: # وتسرين به. # مدام بلواي ~~: # نعم. # دسباس ~~: # وأنا أحبك إذا على رغم الدكتور توري النحيف الجسم، وإني أسر ~~جدا عندما آكل بالقرب منه؛ لأني أعلم حق العلم أن قابليتي الحيدة تجعله يقاسي ~~عذابا أليما، ألا تقر يا حضرة الدكتور بأنك تحسدني على قابليتي؟ # توري ~~: # لا أحسدك عليها لأني عاقل. # دسباس ~~: # وماذا تعني بكلمة عاقل؟ # توري ~~: # هل تظن أن لي صبرا على شرح أمثولة مختصة بعلم النفس في هذه ~~الساعة. # دسباس ~~: # أنا لا أكلمك في دروس علم النفس، بل كل ما أطلبه منك هو أن تعطيني ~~برهانا قاطعا وحجة دامغة على أنك عاقل كما تقول. # توري ~~: # خفف كمية طعامك تصر عاقلا من هذا القبيل. إن العقل يبين لي ~~أن شرب المسكرات يحط من قدر الإنسان، فأتجنبها ولا أكثر من شربها. # بعد ذلك دار الحديث على فني الموسيقى والتصوير، فارتاحت إلى سماع هذا الموضوع مدام ~~فارز، وسألت ألبير هل أزعجه هذا الحديث، فأجاب: لم يزعجني قط، كوني مطمئنة من هذا القبيل، ~~لله ما أطيب قلبك أيتها الصديقة! ثم تبادلا نظرة وابتسامة لحظهما الدكتور توري الذي بعد ~~برهة قرب من مدام فارز قائلا: ما أخفك يا مدام! ~~- ولماذا؟ ~~- لأنك لا تعتنين إلا بالآتي الجديد. ~~- وهل ألبير جديد؟! إنك تعنيه دون شك، إني أعرفه منذ 15 سنة، وكانت زوجته صديقة حميمة ~~لي. ~~- وهل ماتت زوجته؟ ~~- كلا، بل مطلقة. ~~- أكانت تخدعه؟ ~~- بل كانت تعبده. ~~- إذا هو الخائن. ~~- نعم. ~~- إن ذلك باد في محياه. وأين زوجته الآن ألا ترينها؟ ~~- اقترنت برجل آخر، وهو الدكتور روجر. ~~- هذا كان تلميذا لي، وهل هو زوجها الآن؟ ms49 ~~- لا تلفظ هذا بصوت عال لئلا يسمعك. ~~- يظهر أن هذا المسيو يعجبك كثيرا. ~~- أيها الدكتور الفاضل، إني أحب أصحابي وأرغب في تسليتهم بأيام حزنهم. # وكانت أودت واقفة عند مائدة صغيرة تخاطب لسكال المصور، وتريه بعض الرسوم التي صورتها في ~~خلال ذلك الأسبوع، وهو ينتقد بعضها مبينا لها مواضع الإصلاح ، وألبير يسمع وينظر متأملا ~~جمال هذه الابنة الفتان، ثم اقترب منها طالبا أن تريه التصاوير، فقدمتها له الواحدة ~~بعد الأخرى والابتسام ملء شفتيها، فقال المصور: أرى عند الآنسة أودت استعدادا عظيما ~~وميلا شائقا إلى العمل، فإذا داومت على هذا فإنها لا شك تبرع في فن التصوير ~~الجميل. # فأبرق محياها سرورا، ثم أتت أمها وقالت لألبير: ألا ترى أن عندها استعدادا ~~كبيرا؟ ~~- نعم، أرى ذلك وأهنئك. # دسباس: # لا أنكر استعدادها، ولكن لا لزوم لمثل هذه ~~الأهلية عند النساء. # أمها: # والدي يدعي أن سعادة المرأة تتعلق بالرجل، ~~ولكني أرى أن المرأة تحتاج أيضا إلى الاستقلال نظير الرجل. ~~- ولماذا؟ ~~- كي تحيا حياتها هي أيضا؛ وذلك أن الإنسان لا يحيا الحياة الأدبية إلا متى تم له ~~استقلاله وحريته. ~~- يا لها من غباوة! وبعد أن تناول كأسا من الكونياك ذهب إلى مائدة اللعب داعيا بلواي ~~إلى لعب الشطرنج. وكان ألبير جالسا بالقرب من مدام بلواي، والدكتور توري بجانب أودت التي ~~أخذت تعزف على البيانو عزفا يأخذ بالألباب كل مأخذ، إنما توري لم يكن مصغيا إلا للحديث ~~الدائر بين مدام فارز ومدام بلواي وألبير، وأما المصور فشرع يرسم شخص أودت بكل إتقان ~~وإحكام وهي تعزف على البيانو. # منذ أربع سنوات مرضت أودت فدعي الدكتور توري هذا لمعالجتها، ومن ذلك الحين أضحى الصديق ~~الصدوق والمسامر والأليف والجليس على مائدة طعام هذه الأسرة، وكانت صاحبة المنزل تصغي إلى ~~كلامه وتعمل بحسب مشوراته؛ لأنها متأكدة أنه يحب أودت حبا أبويا، ويهتم بصالحها ~~كاهتمامه بصالح ولده، وكذا أودت فكانت تحذو حذو والدتها، وهما تنظران إليه كفرد من أهل ~~البيت، وترتاحان إلى عشرته ومجالسته، وتستدعيانه لمرافقتهما إلى الملاهي والمشاهد التي في ~~باريس ms50 لتسلية الخواطر وتسريح النواظر، وكان توري يلبي الدعوة برضا وارتياح، ويظن أن معاملة ~~مدام فارز هذه لم تكن ناجمة إلا عن حب انطوى عليه فؤادها؛ ولهذا أخذ يفتكر في الأشهر ~~الأخيرة بأن يتخذها زوجة، وتراءى له أن حياته تكون سعيدة معها وهي تساعده في نجاحه ~~الاجتماعي؛ نظرا لما هي منطوية عليه من حسن الذوق، ولطف المعشر، وحلاوة اللسان، ~~إلخ. # وهذه الأفكار لم تكن خافية عن والدها دسباس الذي رأى أن اقتران توري هذا بابنته هو في ~~غاية الموافقة والصواب؛ ولذا كان عندما يلمح له الطبيب توري بشيء من هذا يجيبه بعبارات تشف ~~عن تمام الرضا والقبول. # ولذا امتعض توري من زيارة ألبير هذا البيت، وحسب حسابا من مزاحمته في مستقبل الأيام؛ لأن ~~ألبير كان من أولئك الذين لم يخلقوا إلا لمطارحة الهوى ومغازلة النساء، لأنه كان ذا سطوة ~~ونفوذ في قلوبهن، وأعظم شاهد على هذا هو أن مدام فارز لم تكن تعامل أحدا قط بتلك ~~الملاطفة التي عاملت بها ألبير في ذلك اليوم؛ فإن الابتسام كان يبرق بين شفتيها كيفما نظرت ~~وحيثما التفتت، وتنبعث من كلماتها حلاوة شديدة العذوبة والرقة بنوع لم يكن مألوفا منها ~~بالزمن السابق. لله ما أعظم الهشاشة والبشاشة اللتين كانت تظهرهما له! # وعندما انتهت أودت من عزف الموسيقى، نهض توري وقبل يد مدام فارز معتذرا، راغبا في ~~الذهاب إلى ملهى التمثيل، فلم تلح عليه بالبقاء عندها، لأنها فكرت في نفسها بأنها تتكلم ~~بحرية أكثر مع مدام بلواي وألبير. # قد طال الحديث واتسع نطاق الكلام في ذلك المساء، ولم ينفرط عقد اجتماعهم إلا عند منتصف ~~الليل وهم يدعون لمدام فارز بالعمر المديد والعيش الرغيد. # | الفصل التاسع عشر # نعم، إن مرغريت تألمت جدا من رفض روجر طلبها، وعدم تتميمه مشتهاها وغاية متمناها، وقد ~~طالما اجتهدت في أن تنسى بلانش، تلك المرأة التي صبت سما زعافا في كأس حياتها الصافي، ~~وتنزع من مخيلتها صورة ذينك الازدراء والتعجرف اللذين هما من أقل صفات بلانش، وقد صممت ~~النية وعزمت العزم الثابت ms51 على أن تجعل نصب عينيها وموضوع أفكارها آناء الليل وأطراف النهار ~~ولدها مكسيم وزوجها روجر الحنون الذي كل كلمة منه، بل وكل نظرة، بل وغضبه ذاته، كل ذلك كان ~~شاهدا بينا وبرهانا قاطعا وحجة دامغة على شديد حبه لها وولوعه بها. # وكان يثلج صدرها ويخفف تأثرها من قلق أفكارها عندما تتذكر أنه على جانب عظيم من معرفة ~~هواجسها وما يدور في خلدها، لكن لدى ذكر ألبير الحلو وتمثل صورته في فضاء ذهنها كانت تشعر ~~بألم سري يخرق أحشاءها، ويمتد إلى سائر أعضاء جسدها ممتزجا بدمها؛ إذ تتمثل صورته تشاهد ~~عينيه حيث يجول ماء الحنان الدائم، وفي محياه علامات الألم الذي لا يشفى، وتنظر شفتيه ~~الباسمتين، وقامته الممتازة، وتسمع نغمة صوته الحزين، فيذوب إذ ذاك قلبها حنانا وتسيل ~~مهجتها شوقا وهياما، وتحاول أن تقصي هذا المشهد من أمام عينيها فيذهب اجتهادها ~~عبثا. # تاقت نفس مرغريت إلى العودة لبيتها، وهي تظن متيقنة أن قلقها سيذهب أدراج الرياح؛ إذ ~~ليس لديها بعد الرجوع أوقات طويلة فارغة لتتمثل المخيلة بعض الصور والتذكرات المهيجة، وهذا ~~ما كان يحلم به روجر أيضا، حيث كان له تمام الثقة بها، متأكدا أنها لا تأتي أبدا بما ~~يؤلمه ويجرح إحساساته، وكان قد شرح لها كل عواطفه بأرق عبارات، نقلها عن صفحات قلبه ~~ورددها على مسامعها مرارا، وراجعها بأوقات متباينة تكرارا، في أنه لا يبتغي سوى ~~سعادتها. أوليس هو القائل لها: أريد أن تكوني سعيدة فلا أحلم إلا بهذا، ولا طمع لي بسواه، ~~فإن لم تكوني كذلك فإني أحسب ذاتي أتعس الناس. ~~- إني سعيدة يا روجر. ~~- هكذا أتأمل بل أوصيك ألا تسمحي لبعض الصور أن تجول بأفكارك؛ لأنها تضع سما ناقعا في ~~كأس سعادتك، والسموم أجناس، وقطرة واحدة من بعضها كاف لإماتة شاربها. قاومي قلبك وتصورات ~~مخيلتك، وضعي في عقلك أن لا عضد لك غيري، اقصديني دائما في إبان همومك وأحزانك؛ فإن ~~حبي لن يتخلى عنك أبدا. # لدى سماع هذه الكلمات من فيه، انطرحت بين يدي هذا الرجل الرحب الصدر، ms52 الكريم الأخلاق، ~~الشريف العواطف، فأنهضها قائلا: هأنذا لك ما حييت. # إن مدام موستل والدة مرغريت سرت سرورا لا مزيد عليه عندما رأت ابنتها في صحة تامة، ~~فضلا عن اعتنائها واهتمامها بشؤون البيت، حينئذ حمدت الله وشكرته شكرا جزيلا. أما ~~مرغريت فإنها كانت تتجنب الذهاب إلى البستان المعلوم حيث الملتقى بألبير، كما أنها أوصت ~~المرضع بأن لا تذهب إليه البتة. وفي ذات يوم شرعت تقص على والدتها ما جرى لهما في أثناء ~~السفر، وما شاهداه من المناظر الجميلة والوجوه الغريبة، وكيف ذهبا إلى مونتى كارلو، ذلك ~~المكان المشهور بالمقامرة - دون أن تذكر بلانش - وما شاكل ذلك، قالت لها: نعم، لقد تنزهت ~~يا ابنتي، وسرحت ناظريك في مناظر لم ترها عيناك قبلا، وهذا لعمري ما يتطلبه سنك، بل ~~إن الإنسان لا يستطيع في كل طور من أطوار العمر أن يألف الوحدة والانفراد، وقد سمي ~~أنسانا لأنه يتطلب ويستدعي من طبعه المؤانسة وألفة بني جنسه، فهو يعيش بينهم ويتعاطى معهم ~~أشغاله وأعماله ويشاركهم في أفكاره، فتكون نتيجة هذا الاختلاط التفكه والتسلي، فضلا عن ~~الإفادة والاستفادة. أما أنا فإني ألوم روجر كل اللوم؛ لأنه يبتعد عن معاشرة الناس، كما أني ~~ألومك ولا أعذرك؛ لأنك لا تحرضينه على ذلك، وها إن زوجك أحسن الرجال لكن فيه هذه الشائبة ~~فقط، فسبحان من تنزه عن النقصان! نعم، إن روجر هو مخطئ بهذا المعنى فقط. ولم لا ~~تزورون بعض الأصحاب والمعارف ثم تستقبلونهم نظير سائر الناس؟ ترى ألا يوجد غير سلفتك ~~وزوجها وأولادها على وجه البسيطة؟ فحبذا الزواج وآله إنما التفنن في المعيشة أمر جوهري ولا ~~غنى لأحد عنه مطلقا، وخصوصا لمن كان مثلك. # بعد أن فاهت بهذه الكلمات رأت ابنتها أن كل ما قالته صوابي وواقع في محله، وقد تصورت أن ~~كل ضجرها ناتج عن الانفراد والوحدة، ثم قالت بلطف: لقد صدقت بما نطقت يا أماه، بل هذا هو ~~عين الحقيقة لكن ... في حالتي الحاضرة قد يعسر الخروج بتواتر! ~~- وماذا تقولين يا مرغريت؟ إن كل أحوالك لا ms53 لوم بها، ولقد طويت أطوار حياتك حتى الآن ~~بنوع لا يقبل الانتقاد، وأما زوجك فإنه رجل تفرد بالصدق والأمانة والاستقامة كما لا يخفى ~~على كل من عرفه أو سمع به. ~~- نعم، لكني مطلقة، وعلاوة على ذلك أن اتحادي بروجر ليس كنسيا. ~~- أبعدي عنك هذا الفكر المبين يا ولدي. اتحادك بروجر ليس كنسيا! هذا حديث خرافة، ~~تعلمين أني لست بكافرة، بل أحب الله وشريعته من كل قلبي، ليس اتحادك كنسيا ومع ذلك أراك ~~أحسن بكثير من اللواتي تزوجن في الكنيسة، وأهلا لأن تحسدك النساء اللائي ليس لهن زوج ~~كزوجك صاحب الأخلاق الكريمة والأدب الرائع، فشكرا لذوي الذوق السليم الذين سنوا شريعة ~~الطلاق؛ إذ بها تتخلص المرأة الأمينة من رجلها الخائن، الحمد لله تعالى على انفصالك من ذلك ~~الذي لا يليق بك، أما زوجك الحالي فهو - والحق يقال - كنز ثمين تحسدك عليه بنات ~~جنسك. # فتنهدت مرغريت وقالت: وبعض الأمور لا تكون إلا تعاسة. ~~- إني أوافقك في هذا؛ فقد تعذبت كثيرا في ماضي حياتك، فعليك إذا أن تستأصلي ذكر ~~هاتيك العذابات من فكرك. # غيري أسلوب معيشتك هذا، اذهبي مثلا لزيارة مدام فارز صديقتك القديمة. وقد سألتني ~~عنك عندما التقيت بها في إبان غيابك عند بائع القبعات، وهي تستقبل يومي الأربعاء ~~والسبت، ولا يخفى عليك أنه يزورها كثيرون من ذوي الأفكار السامية والآداب الفائقة والذكاء ~~الرائع، زوريها من وقت لآخر وانظري ما ألطف ابنتها أودت التي اشترت لها أمها قبعة من أجمل ~~القبعات هناك، تتعرفين ببعض السيدات النبيلات حيث تتوفر لديك أسباب اللهو والتسلي ولذة ~~الاجتماعات العالمية التي تنبه الفكر من غفلته وتوسع دائرة العقل وتنعش القلب، هذا وقد ~~ألحت علي تلك السيدة النبيلة بأن أبلغك وافر أشواقها وتحياتها، بعد أن سألتني عنك ~~باهتمام كثير. ~~- لله درها ما ألطفها! نعم، كنت أحبها كثيرا في الماضي، وسأفتكر في هذا الأمر وأطلب ~~فيه رأي روجر. ~~- حسنا تفعلين، وإذا وجد مانع من جهة مكسيم، فإني لا أفارقه ولا دقيقة واحدة في ~~غيابك، وأبقى بقربه حتى رجوعك من ms54 زيارتك. ~~- أشكرك يا والدتي غاية الشكر. ~~- إنك بكيت كثيرا بالماضي يا ابنتي، وقد نظرت دموعك الجارية واطلعت على جميع ~~أحزانك، فدعيني أن أراك ضاحكة مسرورة القلب قريرة العين قبل أن أموت. # إن كلمات مدام موستل هذه وقعت موقعا حسنا في قلب ابنتها، بل كانت كقطرات ندى على قلب ~~يتلهب ظمآن، وبعد بضعة أيام عزمت مرغريت على أن تزور مدام فارز من غير أن تخبر روجر ~~بذلك. # | الفصل العشرون # لم ينفك ألبير عن التردد إلى بيت مدام فارز؛ حيث كانت مرغريت موضع أحاديثه الطويلة، ومدام ~~فارز تسمع كلامه شاعرة بأن نارا محرقة تلتهب في أحشائها فتصعد إلى ناظريها ووجنتيها، وهي ~~تعجب كثيرا من حنين ألبير إلى زوجته؛ لأنها كانت تعتقد أن وداد الرجال لا يكون إلا كسحابة ~~صيف ثم تنقشع، ومتى توارى عنهم من هو موضع حبهم، أو التزموا أن يبتعدوا عنه لسبب من ~~الأسباب أو غير ذلك، خمدت تلك النار المحرقة وأصبحت آثار ذلك الحب هباء منثورا. # وإذا كانت تسمع حديث ألبير المملوء من آيات الحنو والعواطف الغزلية الشريفة، جعلت تلوم ~~نفسها على اعتقادها ذلك في كل الرجال دون أن تفرق بينهم، أو أن تعرف البعض منهم معرفة ~~خاصة، وكانت تأسف على ماضيها لأنها لم تحب فيه؛ إذ كانت ترغب في الحب الحقيقي المخلص ~~الدائم. # وكان ألبير لا يمل من تعداد مزايا مرغريت وسجاياها، ويثني على سلامة قلبها وأمانتها، ~~ويسأل مدام فارز متعجبا من أنها كيف أمكنها أن تبتعد عنه وترضى بالاقتران مرة ثانية. ~~فتجيبه بأن غدر الرجل يفوق صبر المرأة واحتمالها، ويصعب على الإنسان أن يثق بثبات حب شخص ~~يخونه، وعندما سمع هذا منها في إحدى المرات هتف قائلا: هذا فكر نسائي، بل جنون محض. ~~- هل تقدر أن تحب امرأة خدعتك؟ وهل تعتقد صحة حبها لك؟ ~~- يوجد فرق بين هذا وما نحن بصدده. ~~- فيما يتعلق بالإحساسات لا فرق بين هذه الحالة وتلك، وعليه فإني أعذر مرغريت التي لم تكن ~~تبتغي إلا أن تدوم على عهد الأمانة، لكن دعك الآن ms55 من هذه الأفكار التي تحزنك وتقلق ~~راحتك. أما أودت فكانت تسر كثيرا في عشرة ألبير وتباحثه مرارا في شئون هذه الحياة ~~ومشاكلها الصعبة، وهو يكلمها عن الحب مبرهنا لها أنه موضع الحياة الدنيا، ولولا الحب لما ~~وجد الشعراء والمصورون والموسيقيون وغيرهم من ذوي الفنون وأصحاب الشهرة، وكانت أودت ~~تسمع هذا الكلام بغاية الانتباه والإصغاء، وتمعن التأمل فيه من غير أن تجيب بشيء، أما مدام ~~فارز فكانت تسخر بهما قائلة لألبير إنه غير خال من الجنون ولو قليلا، وإن كيفية الحياة ~~على غير ما يعهد، نعم إنه يتألم لأنه لا يعرف كيف يحيا. وفي ذات يوم كانت تتحدث مع ابنتها ~~أودت في شأن ألبير هذا فقالت أودت: يجب أن يتزوج هذا الرجل يا أمي فإنه شاب. ~~- هو كهل، فإنه يناهز الأربعين، أما هذا تقدم في السن؟! ~~- لا، أنا لا أبالي قطعيا بتقدم الرجل في العمر إذا كانت صفاته تعجب وترضي، فلو ~~خيرت بين ليوناردي فانشي البالغ عمره 80 سنة، وبين أجمل شاب من شبان عصرنا هذا، ~~لاخترت الأول بدون تردد. حينئذ ضمت ابنتها إلى صدرها وقبلتها. # أما ألبير فكان يغذي صبره بالآمال، وينتظر انتظار هلال العيد انبثاق فجر الغد، عله يرى ~~ذلك الشخص الذي أحرمه لذة النوم في لياليه الطويلة، ويعتاض برخيم ذلك الصوت عن كل ما يراه ~~ويسمعه. نعم، كان يقول مرارا: ستعود مرغريت وتدري بكل ما قاسيت واحتملت من جراء ~~بعادها، وإذ ذاك تشفق علي وتعود إلي كالأول، فحبذا تلك الأيام! # | الفصل الحادي والعشرون # في ذات يوم من أيام شهر مارس البهيجة، والساعة الرابعة بعد الظهر، كانت مدام فارز تجامل ~~زائريها وبينهم شقيقتان آنستان تسمى الكبيرة منهما ماسكا، والصغيرة فدورا، ولم تكونا ~~جميلتي المنظر بل قبيحتي الشكل، تجلل ملابسهما «التخاريم» والشرائط الكثيرة، ولا تحلمان إلا ~~بالزواج؛ إذ كل واحدة منهما تتجاوز الثلاثين سنا. ومدام فارز تدعوهما غالبا لزيارتها ~~وتستقبلهما بلطفها المعتاد، وخصوصا بما أن ماسكا كانت ذات صوت رخيم يخلب الألباب ويأخذ بها ~~كل مأخذ، وأودت كانت تقول لها ms56 كل مرة: لو كان صوتي نظير صوتك لكنت الأولى بين الممثلات ~~في الأوبرا. # وبينما كان موضوع الحديث الأصوات الجميلة أخذت مدام فارز تطنب في مدح صوت الآنسة ماسكا، ~~وحذا حذوها مصدقا هذا كاميل بليه، فأبرقت أسرة وجه ماسكا الذابل، وعرضت على الحاضرين ~~أن تغني على مسامعهم بعض الألحان، فأجابوها بالقبول بكل مسرة وارتياح، وحينئذ جلست أودت ~~حذاء البيانو، وعزفت أولا بقوة شديدة حتى دوت القاعة، ثم خففت العزف شيئا فشيئا إلى أن ~~ظهر صوت ماسكا الفتان المطرب، وهكذا فإنه لم يزل يرتفع ويحوم ويدور في فضاء تلك القاعة ~~حتى سكر السامعون من سماعه ومالت أعناقهم. على أن الذي كان يزيده بهاء هو أنها كانت تلفظ ~~بتأن الكلمات الغرامية والعبارات التي تدل ~~على الحزن في ذلك اللحن الذي بدأت به، وكل ذلك كان يجري في قلوب السامعين كقوة مغنطيسية أو ~~سوائل كهربائية فتشنجها. # فأسند كاميل رأسه على يده، وتراءى له كأنه غاب عن عالم الوجود وانتهى إلى جنة النعيم، حيث ~~يسمع أصوات الملائكة التي بلا شك تشبه هذا الصوت الرائع. أما مدام فارز فإنها أدارت رأسها ~~إلى الوراء وأخذت تسيل دموعها بكثرة، وكاد قلبها يتفتت لعظم وقع هذا الصوت وتأثير تلك ~~المعاني فيه. # وبينما هم كذلك إذ قرع جرس الدخول، فنظرت ماسكا إلى الباب وهي وجلة، فلم تر أحدا، وما ~~انتهت من ترنيم ذلك اللحن الساحر إلا احتضنتها مدام فارز، وأشارت إلى أودت بأن تحضر وشاحا ~~صغيرا من الصوف الناعم لتلف به عنقها، فامتثلت لأمر والدتها، وما كادت تصل إلى جهة الباب ~~حتى رجعت القهقرى وهي تقول: يوجد زائر بقرب الباب. فنظرت مدام فارز إلى ناحية المدخل وإذا ~~بالسيدة مرغريت مدام روجر، فنهضت وأسرعت إليها ضامة يديها بين كفيها وهي تقول: أهلا ~~وسهلا ومرحبا بك أيتها الصديقة العزيزة. ~~- اعذريني يا لويزة؛ لأني كنت قرعت الجرس ولم أدخل لئلا أقطع هذا الصوت الجميل. ثم ~~جلست بالقرب من مدام فارز بعد أن سلمت عليها أودت، ثم قالت صاحبة المنزل: بالحقيقة يا ~~مرغريت إن ms57 زيارتك هذه لقد سرتني جدا! ~~- لله ما أطيب قلبك يا مدام فارز! حقا إني لا أستحق صداقتك هذه بعد أن جافيتك كل هذه ~~المدة، وقد أخبرتني والدتي أنك التقيت بها بأثناء غيابي فسألتها عني وكل أمارات المودة ~~على محياك، وهأنذا أتيت أشكرك (وبغضون ذلك كان قلب مدام فارز ينبض بسرعة ؛ لأنها كانت ~~تخشى دخول ألبير في تلك الساعة). ~~- نعم أرى من الواجب علي أن أسال عنك يا عزيزتي مرغريت! وكيف حالك الآن؟ ~~- الحمد لله صحتي عادت إلى ما كانت عليه قبلا، وسفرنا كان جيدا للغاية. ~~- وكيف مكسيم نجلك المحبوب؟ ~~- هو في صحة تامة الحمد لله، إني مسرورة جدا برؤية ابنتك أودت، وأراها تغيرت جدا ~~عن السنة الماضية. ألا تزالون ترغبون في الموسيقى كالأول؟ ~~- أنا أعبد الموسيقى التي برعت فيها أودت براعة تامة، فهي تعزف بإتقان لا مزيد عليه، ~~لكنها لا ترتل لسوء الحظ. ~~- ومن هي ذات الصوت الجميل التي كانت ترتل عند دخولي؟ ~~- هي آنسة روسية، وأما التي ترى جالسة بقربها هي أختها، فهل تريدين أن أعرفها ~~بك؟ ~~- لا بأس من ذلك، بل أقبل هذا بغاية المسرة. وبعد التعارف شرعت مرغريت تقص عليهم ما ~~شاهدت في سفرها، وفي أثناء ذلك دخل الدكتور توري وحيا مدام فارز، فسلمت عليه وعرفته ~~بمرغريت وعرفتها به. # فابتسم توري وانحنى احتراما لها وجلس يحادثها، بينما نهضت مدام فارز لوداع تينك ~~الآنستين، وطال كلام الوداع عند الباب - كما هي عادة النساء في كل أين وآن - ثم قال توري ~~بحلاوة هذا مقدارها كأن بينه وبين مرغريت معرفة قديمة: إني أعرف زوجك حق المعرفة أيتها ~~السيدة الفاضلة، وإني أعتبره اعتبارا عظيما. ~~- إني أسر بكلامك غاية المسرة يا حضرة الدكتور. ~~- إن مهنتنا صعبة وتتطلب وقتا طويلا، وأنا أشفق على كل طبيب عنده امرأة جميلة؛ ولذا ~~ترينني أعزب. بعد هذا شرع يقص عليها بعض حكايات لها علاقة بحداثة روجر زوجها عندما كان ~~تلميذه، ويمدح ذكاءه وأمانته، ويطنب في وصف أخلاقه، حتى إن مرغريت سرت سرورا لا مزيد ~~عليه وشعرت من ms58 جديد بميل إلى روجر، ولم يكن يخطر على بالها من قبل أن تفتخر ~~بزوجها. # وقالت في نفسها: إن منزلته كبرى بين قومه ومعارفه، والجميع يحبونه ويحترمونه، فلماذا لا ~~أحبه؟ # ثم في لمحة بصر خال لها أن ألبير ذكر فيما بين الواقفين بقرب الباب، واعتقدت بأنهم ~~يذكرون ماضيها؛ فاصفر وجهها، وامتقع لونها، وقد لحظ الدكتور توري هذا التأثير، ثم عادت ~~مدام فارز وبرفقتها سيدتان أخريان فاستغنمت مرغريت هذه الفرصة ونهضت مستأذنة بالذهاب، ~~فحاولت مدام فارز أن تجلسها، فادعت أن والدتها تنتظرها لتذهبا إلى مكان آخر. ~~- كدرتني يا مرغريت، عديني بأن زيارتك تكون أطول بالمرة الآتية. ~~- نعم أعدك وأنتظرك مع أودت. ~~- لا شك بهذا، نوبي عني بتقبيل خدي مكسيم مرارا. # وعندما مدت مرغريت يدها لتوري ضغط عليها قائلا: أرجوك أن تبلغي حضرة الدكتور بأن ~~معلمه لا ينساه، وأني أهنئه بزوجته الجميلة، وأعتبر ذاتي سعيدا أيتها السيدة لتشرفي ~~بمعرفة حضرتك. # خرجت من البيت وهي تفتكر في ألبير رغما عنها، وكادت تندم على هذه الزيارة. # | الفصل الثاني والعشرون # قالت أودت لأمها لما خلا بهما المكان: كيف تصنعين بعد الآن باستقبال مدام روجر؟ ~~- الخواجة ألبير لا يزورنا في الأيام الرسمية، ومرغريت كانت صديقتي الحميمة، فليس بوسعي ~~إلا أن أستقبلها نظير الماضي. ~~- نعم، لكن يستحيل علينا استقبال الطرفين، وهذا غير ممكن! ~~- لا أظن أن مرغريت تتكدر إذا علمت بأني أستقبل زوجها الأول؛ لأنها كانت تحبه ~~كثيرا. ~~- كانت تحبه أولا في الماضي، وهي الآن زوجة رجل آخر. ~~- لا أعلم كيف العمل، ولكن على أي الأحوال إنها لا تعود إلى هنا قبل أن نزورها، وستفتكر ~~في هذا الأمر. إنما الخواجة دسباس والد مدام فارز استصوب رأي أودت مشيرا إلى ابنته بأن ~~تخبر الطرفين بالواقع، فانتفضت أودت قائلة: ليس من الإنسانية واللياقة أن تخبر ألبير؛ إذ لا ~~صديق له سوانا، ولا تعزية له إلا بزيارتنا، مع أن مدام روجر هي في غنى عنا، والشاهد على ~~هذا أنها لا تزورنا إلا في النادر. فقال دسباس: إن الحق معك يا أودت، ms59 وهذا عين ~~الصواب. ~~- أمي ليس عندها جراءة. ~~- نعم، ولكن لا أقدر أن أمس إحساسات أحد، ويخال لي أن مرغريت ليست راضية عن ~~حالتها. ~~- كيفما كانت حالتها، إن الذنب لا يقع إلا عليها، ومن جهة الزيارة ليس لها إلا أن تلوم ~~نفسها؛ لأنها هي البادئة بها. # كان دسباس يستقبل زائريه في منزله يوم الأحد، فحينئذ تذهب ابنته وأودت لتناول الطعام ~~معه، ثم تهتمان بمجاملة ضيوفه وإكرامه. وفي الأحد التابع لزيارة مدام روجر كان دسباس يلعب ~~مع أودت بالشطرنج، وفي الساعة الرابعة بعد الظهر دخل الدكتور توري، فهتف دسباس: أهلا ~~وسهلا بطبيبنا النطاسي العظيم! # فأجابه مازحا: اجلس من غير قيام؛ فإني لست غريبا هنا. ~~- دعنا نلعب وحدنا ونتحدث مع مدام فارز. # فقالت له: هيا بنا إلى الصالون الصغير؛ لأننا لا نقدر أن نتكلم هنا إلا بصوت منخفض. ثم ~~ذهبا إليه وجعلت تنظر إلى الصور المعلقة على الحائط وقالت: هل رأيت الصور الجديدة التي ~~اشتراها أبي يا حضرة الدكتور؟ ~~- لم أرها بعد. ~~- ها هي تعال وانظرها. فجعل ينظر الواحدة بعد الأخرى إلى أن قالت: تعجبني هذه البنية ~~الصغيرة، وأما رؤية تلك فتحزنني. ~~- ولماذا تحزنك يا سيدة؟ ~~- يظهر أنها تندب حبيبها، فأنا أتاثر من النظر إلى هذه الابنة المسكينة على رغم استخفافي ~~بدموع المحبين. ~~- نعم، واعتقادك بسنة الود غريب حسبما يبدو لي، دعيني أولا أن أهنئك بصداقتك لرجل ~~وامرأة مطلقين، وهل يعرف ألبير أنك تستقبلين زوجته؟ ~~- لا توجد أسرار بهذه الزيارة، وما من سبب يدعوني لإخفاء ذلك. ~~- رأيك في محله. # إن توري كان يشتم من رائحة كلامه علامات الغيرة ظانا بأنها تسر بذلك؛ إذ ~~تتخذه شاهد حب وميل إليها، ولم يعلم أن مداخلته في ما لا يعنيه جعلته ثقيلا غير محتمل، بما ~~أن صداقة مدام فارز له كانت ساذجة مجردة عن كل غاية، وعندما سمعت كلامه هذا غشى ~~الاصفرار وجهها، واستشاطت غيظا وكدرا وقالت له: أرجو منك أن لا تتداخل في أموري لأنها لا ~~تعنيك. ~~- حسنا تقولين يا سيدتي، إنما تعنين أن صداقتي تثقل ms60 عليك. ~~- لا أريد أن يتعرض أحد لأمر سيرتي وسلوكي، فإني مطلقة الحرية في سائر شئوني. نعم، إني ~~أزور وأستقبل وأود من أشاء. قالت هذا ودخلت غرفة اللاعبين دون أن تعبأ به، وجلست إزاء ~~والدها وابنتها، وبعد برهة وجيزة نهضت أودت مسرورة وهي تقول: غلبت جدي، فأنا غالبة وهو ~~مغلوب. قال : إنها ابنة تخيف. ثم سأل أمها عن توري، فأجابت: في القاعة ينظر إلى الصور. فتبعه ~~إلى حيث هو، ثم اقتربت أودت من والدتها ولثمتها، فشعرت بارتعاش يديها. ~~- ماذا جرى يا والدتي؟ أرى يدك كقطعة ثلج! ~~- لم يحدث شيء. هل تحبينني يا أودت؟ ~~- وأعبدك عبادة، أخبريني ماذا جرى؟ ثم دخل دسباس وقال: ماذا حدث؟ وأين ذهب توري؟ يظهر لي ~~أنه قد انسل (على الموضة الإنكليزية) ولم يزد على هذا شيئا، إذ لحظ اضطراب ابنته، ففهم ~~أنه جرى لها ما يكدرها من جهة توري. # | الفصل الثالث والعشرون # إن الدكتور توري ثاني يوم اجتماعه بمدام روجر ذهب إلى بيتها، وسلم الخادم بطاقة لها، ~~فاستغنمت والدتها هذه الفرصة لإعداد مأدبة بليلة سرور وحظ في بيت ابنتها، وأفهمتها أن تحث ~~زوجها لأن يكون توري من المدعوين، فراق هذا الفكر في عيني روجر؛ مريدا أن يشكره على ~~مدحه إياه أمام زوجته، لكنه لم يفطن بمن يدعوهم معه، فقالت مدام موستل: يمكنك أن تدعو أليس ~~وزوجها وصديقنا القديم - لبران هاليه - الذي صادفته بطريقي في الأسبوع الماضي، وقد سألني ~~عنكما باهتمام، والدكتور توري، ويمكنك أن تجد مدعوا آخر من أعز أصحابك، ونحن ثلاثة، ولا ~~ينقص سوى تعيين اليوم ومرغريت تكتب بطاقة تدعو بها توري، فماذا تقولون؟ # فصادق روجر ومرغريت على هذا الرأي، ثم اختلت مدام موستل بابنتها وقالت كظافرة: هل ~~نظرت ما أطيب قلب زوجك؟ سري وابتهجي بعيشتك يا بنيتي، وانزعي عن وجهك هذه الهيئة المحزنة، ~~وماذا ينقصك يا ترى؟ # فتنهدت مرغريت قائلة: لا ينقصني شيء. # ثم وصلت أليس وزوجها من فرساي قبل باقي المدعوين، وتركت زوجها في منزل أخيها، وذهبت تقضي ~~بعض الشئون في المدينة. أما زوجها ms61 القبطان (تورسي) فكان خفيف الروح، حلو الحديث، بهي ~~الطلعة، يعجب كثيرا بمرغريت، كما أنها كانت هي أيضا ترتاح إلى مجالسته ومحادثته، ~~وكانت في ذلك اليوم متبرجة ومزدانة بأحسن زينة، لابسة ثوبا رماديا جميلا للغاية، ~~وشعرها الذهبي يلمع فوق وجهها المنير الناصع البياض الممزوج باللون الوردي، فتأملها القبطان ~~تورسي طويلا ثم قال لها: يخال لي اليوم أنك مرغريت الأولى، نعم من حين دخولك بيت روجر هذا ~~تهملين نفسك، ولا تعتنين بملابسك كالأول. # خال لها أن القبطان عرف فكرها وما يختلج في أعماق صدرها، وأنها لم تتبرج إلا لأنها افتكرت ~~بألبير؛ ولهذا احمر وجهها ثم أجابت: لا تذكر الماضي يا هنري. ~~- ولماذا يا مرغريت؟ أنا متأكد كل التأكيد أنك لم تذنبي في الماضي، ولا محل للانتقاد ~~عليك بالحاضر. وكانت حينئذ زوجته داخلة بالباب فسألته: ماذا كنت تقول؟ ~~- كنت أردد على مسامع السيدة مرغريت آيات حبي لها، معربا لها عن عواطفي. وأنت تعلمين ~~عظم مودتي لها. ~~- إن قولك هذا ينافي العقل والصواب على خط الاستقامة. # إن الدكتور توري قد أظهر من الهشاشة والبشاشة واللطف والدعة ما لم يكن يعهد فيه من قبل ~~روجر، وكثيرا ما بالغ في الإطراء على صفات روجر وحسن أخلاقه، والخلاصة أنه كان موضوع ~~كلامه، حتى إن مدام تورسي نظرت إلى أخيها نظرة المتعجب. وبعد تناول الطعام اتخذ مدام موستل ~~موضوع اهتمامه واعتنائه، فنهض وجلس بالقرب منها وهو يمدح ويثني على ذوق أو لطف ابنتها، ~~وذكاء وأمانة زوجها، مؤكدا لها أنه سينجح نجاحا عظيما ويشتهر اسمه بين قومه، فأجابته: إن ~~ابنتي مرغريت قد سرت سرورا لا مزيد عليه بمعرفة حضرتك، وأنا أتأمل أنها تذهب من وقت ~~إلى آخر إلى مدام فارز صديقتها. فلله در هذه السيدة، ما ألطفها وألذ عشرتها! # فصمت توري وأظهر ارتباكا متلعثما، أو كان لا يدري بماذا يجيب، ولكي يخفي ارتباكه هذا ~~مكن نظارتيه تحت عينيه، فلاحظت ذلك مدام موستل. ~~- وهل حضرتك تزور مدام فارز يا دكتور؟ ~~- كنت أزورها في الماضي، لكني أرى من الآن وصاعدا أن ms62 لا حاجة لها إلى أصدقائها ~~القدماء. ~~- هل تسمح لي أن أسألك ما سبب ذلك؟ ~~- السبب في غاية السذاجة، وهذا أمر لا يهمني، كما أنه لا يهمك. ~~- وما هو؟ ولم لا تصرح بكلامك؟ ~~- هو صهرك القديم، ولا أذكر اسمه خوفا من أن يردده الصدى، نعم هو يتردد دائما إلى ~~بيتها وهي تستقبله بكل حرية، ولا تخفي هذا على أحد. ~~- وهل تظن أن صداقة ... ~~- نعم، صداقتهما تنتهي بالزواج، وعندي شواهد تثبت هذا الظن، لكن هذا لا يهمك، وكل منهما ~~طليق الحرية. ~~- هذا صحيح ولا جدال فيه. ~~- لكن يخشى من زيارات مدام روجر وترددها إلى هناك؛ فأنا أخبرتك بهذا الخطر الممكن ~~وقوعه مراعاة لحقوق الصداقة، فهل أنا مخطئ في ذلك؟ ~~- كلا، فإني أضحيت في غاية الامتنان لشعائر حبك ومن أعظم الشاكرات. # | الفصل الرابع والعشرون # انصرف المدعوون الواحد بعد الآخر، أما مدام موستل فظلت قلقة البال مضطربة البلبال؛ لما ~~أنبأها به الدكتور توري، أخيرا خرج روجر لعيادة المرضى وبقيت مرغريت وحدها في حجرتها، حيث ~~أضاءت النور الكهربائي ووقفت أمام المرآة ترى ذاتها، فسمعت كلام هنرى يرن في أذنيها وهو: ~~يخال لي اليوم أنك مرغريت الأولى. # ثم نظرت إلى ذاتها مندهشة وقالت: وماذا تغير في عن الماضي؟ نعم، إنه مصيب في كلامه؛ ~~إن ماضي لا يهدم، وما من قوة أرضية تقدر على هدمه؛ لأنه حي في قلبي. نعم، إن ماضي ~~حي وسيحيا إلى الأبد، إن مصارعتي لنفسي لا تجدي نفعا، وأراني أجتهد في محو رسم ألبير من ~~مخيلتي، غير أن شوقي يزداد إليه كل يوم، وودي له ينمو في كل ساعة. # ترى هل نسيني؟ بل لم لا يكتب لي ويسأل عني؟ ومن يعلم إن لم يكن انشغل عني بغيري؟ نعم، ~~طالما تمنيت الابتعاد عنه إتماما لواجباتي، غير أني أصارع قلبي وفكري بدون فائدة على ~~ما أرى. # إن واجباتي تنهاني عن البحث عنه والتوصل إليه والتمتع بحديثه الرائق، لكن من جهة أخرى ~~لي الحرية بأن أحبه وأميل إليه وأشتاقه، بل وأبكيه كما لو كان تحت التراب. ms63 # ثم أجالت طرفها في ما حولها وهي مذعورة، فشعرت بألم في قلبها، وأغمضت عينيها ثم فتحتهما ~~وصوبتهما نحو صورة وحيدها مكسيم، عند ذلك ابتسمت لهذا الوجه الصبوح الجميل وشعرت بقبلاته ~~اللذيذة، ودعته لمساعدتها ليحميها من ذكر ألبير، وهيهات ذلك. وكان رسم إيڤون معلقا فوق ~~صورة مكسيم. # عندما رأت رسم إيڤون وهي مائتة تحدق بها الأزهار، غلى دمها وجرى مسرعا في عروقها، ثم ~~بسطت ذراعيها وهي لا تعي على شيء لكنها ترتعش شوقا وحزنا، ثم ضمتهما إلى صدرها وأغمضت ~~مقلتيها، ولفظت بصوت مرتفع تلك الكلمة المحرقة التي كانت ترفرف دائما على شفتيها، ~~ألا وهي: ألبير! # | الفصل الخامس والعشرون # أتى جان فارز بيت والدته في عطلة عيد الفصح، حيث قضى 8 أيام بين حنان أمه ودلال شقيقته، ~~غير أن ألبير لم يأت في ذلك الأسبوع. وفي غد رجوع جان إلى المدرسة سألت أودت أمها: هل ~~عندك من خبر عن ألبير؟ ~~- لا يا عزيزتي. أجابت ذلك باضطراب، فلاحظت أودت خطرا بها؛ لذلك دنت منها قائلة: وهل ~~كتبت له؟ ~~- لم أكتب ولا افتكرت فيه؛ لأني انشغلت عنه بأخيك جان. ~~- أولم ترسلي أحدا يسأل عنه؟ ~~- لم أفكر فيه إلا الآن، ولا علم لي بغيابه عنا كل هذه المدة. ~~- يناسب أن تكتبي له يا والدتي إن كنت ترومين. ~~- قصدي أن أكتب له وأرسل الرقيم مع الخادمة لتأتينا بالجواب المعجل. ~~- اكتبي حالا بدون إبطاء. فجلست مدام فارز أمام مكتبها، وبعد أن كتبت الرسالة أرسلتها مع ~~الخادمة إليه، ثم تابعت أودت حديثها وقالت: إن ألبير تعس يا أماه. ~~- نعم إنه تعس جدا. ~~- وأرى من الواجب علينا أن لا نهمله. ~~- ومن منا يهمله؟ ~~- إني أخشى عليه من صداقتك لمدام روجر؛ فإنها امرأة عديمة الشفقة! # فابتسمت مدام فارز وضغطت ابنتها على صدرها، بغضون ذلك عادت الخادمة حاملة جوابا من ~~الخواجة ألبير، ففضته وقرأت فيه ما يأتي: # سيدتي وصديقتي العزيزة # كنت مريضا كل هذه المدة، أما الآن فإني اتجهت إلى الصحة، وإني آمل أن يساعدني ~~الحظ بزيارة حضرتك بأول فرصة تسنح، ms64 حيث أتعزى باللطف عن الوحدة. وتفضلي أخيرا ~~بقبول تحياتي الودادية. # ثم دفعت الكتاب لأودت فقرأته وقالت لأمها: حسنا فعلت يا أماه بالكتابة لهذا الصديق ~~المسكين. # في غضون ذلك وصلت إلى عند مدام فارز الآنستان ماسكا وأختها، وبعد التحية قالت ماسكا: قد ~~كلفنا في هذا اليوم حضور حفلة موسيقية في الساعة الرابعة بعد الظهر ، فأتينا إلى حضرتك ~~خصوصا لتأذني لأودت بالذهاب معنا فإنها تسر كثيرا. فشكرتها مدام فارز وأثنت على ~~إحساساتهما النبيلة؛ لأنهما تفتكران دائما في بنتها، فأجابتا إننا نحبها كثيرا. # ثم خرجت أودت مع الآنستين بعد أن أذنت لها والدتها وعينت لها وقت الرجوع، وصحبتهن إلى ~~الباب الخارجي، ثم عادت تمشي الهوينا، حتى إذا وصلت إلى حجرتها ألقت بنفسها على مقعد هناك ~~وقد انحطت قواها، بعد ذلك فكرت كيف أن ابنتها أسرعت بالذهاب غير مبالية بترك والدتها وحدها ~~دون أن تعتذر من جهة خروجها، رأت نفسها منفردة وحيدة، ووحدة هذه الساعة جعلتها تفتكر في ~~وحدتها في المستقبل، قالت: إن ابنتي أودت ستتزوج يوما ما، وكذلك أخوها جان، فأصبح - ~~والحالة هذه - وحيدة، وكل من ولدي يكون ذا بيت هو موضوع أفكاره واهتمامه، وأنا ~~المسكينة من يعتني بي يا ترى؟! نعم، إن الذي يحبني حبا عظيما ... لكن هذا المستقبل. ~~وبعد أن خطر في فكرها ألبير تنهدت: آه لو كان لا يكفيني في أن يحبني هذا الشخص! لله ما أنشف ~~حياتي وأعمقها! لعمري إني لم أذق في كل أيامي الماضية طعم الحب اللذيذ، ولم تمس شفتاي ~~كأسه المسكرة. نعم، لقد مضى شبابي دون أن أفكر في الحب، أما الآن فلم يعد هذا ~~بالإمكان، فأنا أشعر - والحالة هذه - باحتياج إليه، نعم أحتاج إلى حبه وميله! # ظلت وقتا طويلا بدون حراك وعيناها محدقة بالأرض، متأملة بألبير المريض، وكيف أنه وحده ~~لا أحد يهتم به، فهو يحيي ليله ساهرا يتقلب على فراش الحمى والآلام، ثم استولت الشفقة ~~على قلبها ودبت فيه حرارة جديدة، وزفرت زفرة سداها الحزن ولحمتها عظم الاكتئاب، ثم ~~نهضت تمشي في الحجرة وهي ms65 عازمة على الاعتناء بألبير والاهتمام به. # | الفصل السادس والعشرون # أشارت مدام فارز إلى والدها بأن يذهب لعيادة ألبير المريض، وعند رجوعه بادرت أودت لسؤاله ~~قائلة: كيف حاله؟ ~~- حاله سيئة على ما أظن. ~~- وماذا تعني بهذا القول؟ # فأسرعت مدام فارز من داخل وقالت: أنت يا أبتي تزيد في كلامك، فتجعل الشيء الذي لا ~~يذكر عظيما جسيما، وتتصور أن صحة الجميع ضعيفة نظير صحتك. ~~- قولي مهما شئت وسترينه بعينك؛ لأنه ألح علي بأمر ذهابك لعيادته. ~~- وهل تذهبين يا والدتي؟ ~~- بكل رضا. # قال دسباس: كاد قلبي يتفتت إشفاقا عليه، وقد سألته بأن أعوده بتواتر إذا شاء، فرفض ~~معتذرا بأن الزيارات تتعبه، إنما طلب مني بلجاجة كلية بأن تذهبي إليه. # لم يمض سوى زمن وجيز حتى ذهبت مدام فارز لعيادة ألبير، وعندما دخلت حجرته نبض قلبها ~~سريعا حينما رأته ملقى على سريره شاحب اللون منحط القوى، فدنت منه ومسكت يده قائلة: كيف ~~حالك أيها الصديق الصدوق؟ ~~- إن حالي كما ترين أيتها السيدة النبيلة، قلبي ضعيف بطيء الحركة منذ سنين طويلة! ~~- وكيف لا يكون ذلك وأنت تفتكر دائما في ما يؤلمك ويكدر صفاء معيشتك! لله ما أطيب ~~رائحة هذا النسيم المنعش الداخل من هذه النافذة! # قالت هذا لأن النافذة التي تطل على البستان الصغير كانت مفتوحة، والنسيم العليل يتلاعب ~~بغصون أشجاره المختلفة وأوراق أزهاره ورياحينه المتنوعة، ثم يهب في الفضاء حاملا روائحها ~~العطرية فينشرها في غرفة المريض، الذي هو أليف الوحدة حليف الوحشة والانفراد في دنياه ~~هذه! # نظر ألبير بعينين منخفضتين إلى الخارج، ثم حول نظره إلى رسم مرغريت وهو على القرب منه ~~وقال: أريدها هي، ومن صميم القلب أبتغي مرآها. # وضعت مدام فارز يدها على يده بلطف متأملة تلك اليد النحيلة، فرفع بصره إليها قائلا: لا ~~رجاء لي إلا بك أنت. ~~- بي أنا؟ وماذا أستطيع أن أعمل؟ # فسكت برهة وقال بحرقة لا مزيد عليها: اذهبي قولي لها بأني مائت لا محالة، وأروم أن ~~أودعها الوداع الأخير. ~~- ماذا تقول؟! تبصر بأمرك. ~~- تبصرت كثيرا وتصبرت زمانا ms66 طويلا، وأمعنت النظر في أموري ساعات متتالية إلى أن عيل ~~صبري وضاقت حيلتي، ففكري هو نديمي الوحي، ومرضي ناتج عن كثرة تفكري فيها، وقلبي يحدثني بأن ~~أراها؛ لأنها زوجتي ومتى رأيتها شفيت لا محالة! ولا أقدر أن أكتب لها رأسا، بينما إن ~~حضرتك صديقتها وتستطيعين مقابلتها في كل وقت، فاذهبي إذا وتوسلي إليها بأن تشفق على صبري ~~الواهي وجسمي السقيم وروحي الذائبة. ألحي عليها بأن تشفق علي وترق لحالتي هذه، ~~استحلفيها باسم إيڤون ابنتي. آه لو علمت إيڤون بحالتي لظهرت لها في الحلم مشددة عليها ~~بالإسراع إلي. هل تفعلين معي هذا المعروف وترثين لحالتي هذه؟ أجيبي بالإيجاب أيتها ~~الصديقة الفاضلة، وإني لأخالك فاعلة ذلك بالحال! ~~- نعم، رأيتها وكلمتها أيضا! ~~- هي زارتني منذ أيام، وظهر لي أنها سيدة قريرة العين ناعمة البال، فلماذا تريد أن ~~تقلق راحتها؟ فإن كنت تحبها حقيقة فدعها وشأنها، وبعد هذا وذاك من يعلم، ربما تغير ~~قلبها من جهتك، كانت تحبك في الماضي، أما الآن ... ~~- كانت تحبني، ولم تزل حتى الآن، بل زاد حبها على الأول! ~~- ومن أنبأك بهذا؟ ~~- اسمعي. لا أشك في أمانتك على حفظ السر. ~~- تكلم بحرية وكن على ثقة بكل أمورك. ~~- لله ما أطيب قلبك وأحسن أخلاقك! يا ليت كل النساء نظيرك، نعم قد حدثت نفسي مرارا ~~كثيرة بأن لو كان باستطاعتي أن أحبك لعاد الهناء مالئا حياتي سعادة وصفاء، غير أني لا أقدر ~~أن أحكم على ذاتي، فأنا أحب مرغريت. ~~- إن المرء لا يحب ويميل إلى من يشاء، ومع ذلك ثق بأمانتي، وأنا مستعدة لمساعدتك ~~بأمورك الصعبة بقدر استطاعتي. # فأثنى عليها كثيرا وقبل يديها الواحدة بعد الأخرى، ثم قص على مسامعها تلك ~~الاجتماعات التي جرت بينهما في البستان حيث كانا يتعاهدان بالملاقاة. ~~- وهل تظنين أنها لا تأتي بعد أن أفهمتك كل هذا، وخصوصا إذا علمت بأني ملقى على سرير ~~الموت؟ ~~- أنت لا تموت الآن، بل بعد عمر طويل. ~~- ربما إذا رأيتها تعود إلي الحياة، وإن لم يساعدني الحظ برؤيتها فإني أموت حزينا، آه ms67 ~~حقا إنه ليصعب علي شرح ما بي من الآلام، إن أفكاري تعذبني جدا، إنها حية وتحبني ~~وأحبها، وهي زوجتي، ومع ذلك نحن منفصلان الواحد عن الآخر. وقبل أن ينهي كلماته هذه ضاق ~~صدره وتنفس الصعداء، ثم أغمض عينيه ملقيا رأسه إلى الوراء، فتناولت حينئذ زجاجة صغيرة ~~فيها رائحة منعشة كانت بالقرب منها، وأخذت تنشقه منها حتى فتح مقلتيه، ثم قالت له: هأنذا ~~ذاهبة، فكن مطمئنا. ~~- لا شك أنها تأتي، وا فرحتاه! ~~- خل عنك الانفعالات النفسانية؛ فإنها تضر بصتحك. ~~- لا تذهبي الآن انتظري قليلا. ~~- لا بأس؛ فإني لك مطيعة. تناولت مروحة وجعلت تروح بها وجهه إلى أن ابتسم وأبرقت ~~أسرته وامتلأ وجهه من سرور الأمل، وظهرت عليه أمارات النشاط والعافية. # | الفصل السابع والعشرون # انطلقت مدام فارز من عند ألبير حزينة النفس، قلقة البال، مضطربة البلبال، لا تعي على شيء، ~~لا تعلم ولا تدري كيف تذهب إلى مرغريت ومتى تذهب إليها، ماذا تقول لها؟ وبأي عبارات تبلغ ~~امرأة ذات زوج هذا الكلام؟ وكيف يسوغ لها أن تحرضها وتستقدمها إلى رجل كان زوجها في الماضي ~~وانفصلت عنه برضاها؟ وفيما هي سائرة صادفت مركبة فركبتها وأفهمت السائق بأنها تقصد شارع ~~بروني متظاهرة بنسيان عدد المحل، قالت ذلك حتى إذا عدلت عن النزول أمام بيت مرغريت تعود ~~بسهولة دون أن يعلم السائق شيئا من تغيير عزمها. وفيما كانت كذلك نظرت إلى ساعتها وقالت في ~~نفسها: الساعة الآن 5، وربما لا أجدها بالبيت في مثل هذه الساعة، مع ذلك يجب أن أتمم وعدي ~~وأذهب دون تغيير، وكانت العربة تسرع بها حتى إذا بلغت إلى الشارع المعين منها أعلنت للسائق ~~عدد المحل المقصود، وعندما انتهت إليه أعطت الخادم بطاقة زيارتها، فذهب وعاد بعد برهة يسيرة ~~معتذرا عن سيدته من أنها تتهيأ للذهاب إلى فرساي ولا تستطيع مقابلة أحد في هذا ~~الوقت. # فلم تكتف بهذا الجواب بل تناولت قلما وقرطاسا وكتبت بعض كلمات يسيرة أودعتها ضمن غلاف ~~أرسلته ثانية مع الخادم، فلم يبطئ أن عاد إليها يدعوها إلى حجرة ms68 مرغريت التي عندما رأتها ~~حيتها بأرق الألفاظ، معتذرة باستقبالها وهي تلبس ملابسها؛ لأنها عما قليل تتوجه إلى ~~فرساي. ~~- يا سيدة مرغريت هل يسمعنا أحد؟ ~~- لا أحد يسمعنا، تكلمي هل من خبر جديد. ~~- أريد أن أقول لك أمرا سريا والأحرى ... ~~- قولي فإني أعرف كل شيء. ~~- وكيف تعرفين؟ ~~- قلت لك أعرف، وماذا يهمني؟ ~~- نعم، ولكن لا تفهمين غاية مجيئي إلى هنا، إني آتية من قبل ألبير. ~~- لا يعنيني أمره ولا علاقة له بي، وليس له عندي رجاء البتة! ~~- إنه مريض، ولكن في حالة يرثى لها، ويتوسل إليك أن تزوريه في هذه الحالة. ~~- وهل ألبير ذاته أرسلك لإقناعي بهذا؟ ~~- نعم، هو استدعاني وكلمني بهذا الخصوص بكل إلحاح ولجاجة، وهأنذا آتية من عنده ~~الآن. # قالت مرغريت في نفسها: إن المسألة فيها نظر. وتذكرت ما حصل لها من الغيظ والغيرة عندما ~~أخبرت بما قاله الدكتور توري بخصوص ألبير ومدام فارز هذه، وكذلك لما ابتدأت مدام ~~فارز بمكالمتها في ذلك، فلم يكن هذا إلا بقصد طلب رضاها للاقتران بألبير، قالت: كيف يسوغ ~~لهذه المرأة التي هي غريبة عن ألبير بالكلية أن تذهب إلى بيته وتحادثه وتجالسه بل وتمرضه، ~~بينما إني أنا زوجته ومع ذلك لا أتجاسر على ذلك حتى ولا أن أفتكر فيه. وكانت الغيرة في غضون ~~ذلك تعظم في قلبها وتزداد في أفكارها، حتى اضطربت كل أعضائها فأجابت بقساوة: جاوبيه بأن ~~أمره لا يعنيني مهما كانت حالته، ولن أذهب إلى بيته ما حييت. ~~- سأبلغه الكلمات عينها حرفيا، لكن بقي علي أن أقول لك كلمة كنت نسيتها، وهي أنه ~~يستحلفك ويناشدك باسم إيڤون بأن لا تخيبي أمله وهو على فراش الموت. قالت ذلك وخرجت لا ~~تلوي على شيء. # | الفصل الثامن والعشرون # ولما وصلت إلى الشارع تنفست الصعداء؛ إذ خال لها أنه سقط عن منكبيها حمل أثقل من ~~الجبال الرواسي، ثم أخذت تفكر في نتيجة هذه المقابلة العقيمة من كل فائدة، وكيف أن مرغريت ~~رفضت الذهاب إلى ألبير مع أنه هو هو زوجها الحقيقي، أما روجر فإنه ms69 زوج مجازي لا أكثر. ~~أحبت ألبير بالماضي ولا يزال يعبدها حتى الآن وهي منفصلة عنه، وها هو طريح الفراش، أرسل ~~يتوسل إليها مستحلفا إياها باسم ابنتها بأن تمن عليه بزيارة في مرضه هذا، فأبت بدلا ~~من أن تسرع إليه وتعتني به وتطيب قلبه! لعمري إن العقول لعلى تباين عظيم في هذه ~~الدنيا. # ثم بعد إمعان النظر وتردد الفكر في هذا الاستقبال الذي هو في غاية الفتور، أدركت مدام ~~فارز حق الإدراك أن ذلك ناتج عن غيرة عرت مرغريت، ولا بأس، فإنها معذورة بهذا المعنى لا ~~بغيره. # إن مدام فارز كانت قد اضطرب بالها منذ اجتمعت بألبير أول مرة في العهد الأخير، ولم تكن من ~~قبل إلا قريرة العين ناعمة البال، وبعد تلك المقابلة مال فؤادها إلى ذلك الذي تدمي حالته ~~القلوب، أما في المواجهة الأخيرة فكادت تبكي الدم لا الدمع على حالته التي ترق لها ~~القلوب الصخرية، ثم عزمت أن تبذل ما في وسعها لتخفيف آلامه وتسكين أحزانه. # عندما وصلت إلى بيتها استقبلتها ابنتها بثغر باسم وهي تطوق عنقها بيديها، لاثمة بتواتر ~~وجنتيها، والأم تلتذ بهذه القبلات البنوية الحارة، مصغية بحنو إلى دقات قلب ابنتها. ~~قالت أودت: إنى أستنشق بثيابك رائحة شيء ينعش القلب ويحييه. ~~- نعم، وقد نشقت منه رائحة ذلك العليل الصديق. ~~- وماذا حصل له؟ ~~- عسر تنفس. ~~- وهل من خطر على حياته؟ ~~- لا أظن. نعم إنه ضعيف القلب، ولكن ذلك لا يميت حالا. # فأطرقت أودت برهة، ثم نظرت في وجه أمها، فرأته شاحب اللون. ~~- هل تشعرين بتعب يا أمي؟ ~~- أحس ببعض التعب يا ابنتي. ~~- أرى وجهك ممتقعا ولا قدرة لك على الوقوف، فما هذا الضعف؟ إنك تعتنين بالآخرين ولا ~~تلاحظين صحتك. # قالت هذا وأجلستها على مقعد، واضعة لها وسادة تحت رأسها، وجعلت تنشقها الروائح ~~والمنعشات إلى أن شعرت براحة عظيمة، فنهضت وقالت: أريد ان أغير ملابسي؛ لأننا نتناول ~~العشاء عند مدام بلواي هذا المساء. ~~- أنا لا أعرف ذلك يا أماه. ~~- اذهبي إذن والبسي وتهيئي، واجتهدي لأن تكوني جميلة تستلفتين ms70 الأنظار. ~~- وهل تسرين إذا كنت موضوعا لاستلفات الأنظار؟ ~~- لا شك في هذا. ~~- ستكونين مسرورة، لكن أناشدك بحياتك أن تقولي لي الصحيح عن حاله الأكيد، وهل هو في ~~خطر؟ ~~- ما من خطر عليه، لكن مرضه في فكره، وتعلمين أن صحته نحيفة جدا. # | الفصل التاسع والعشرون # بعد أن خرجت مدام فارز من عند مرغريت بنصف ساعة تقريبا رجع الدكتور روجر إلى بيته، وأخذ ~~زوجته ليذهب بها إلى فرساي حيث يتناولان العشاء؛ تلبية لدعوة والديه، لكنه بهت إذ رآها ~~جالسة ولم تزل بثوبها الاعتيادي كأنها لا علم لها بأمر السفر. فقال لها: كاد الوقت يفوتنا ~~يا مرغريت، تحضري بالسرعة قبل أن يسبقنا القطار. ~~- أنا لا أرغب في الذهاب إلى فرساي اليوم. ~~- ولماذا؟ هل تشعرين بألم؟ ~~- لا أحس بشيء، لكن لا أريد أن أذهب. ~~- يلزم أن تتشجعي، وإذا ما ذهبنا فإننا نسبب الكدر للذين كلفونا بالحضور. ~~- اكتب لهم بأنه حصل لي صداع منعني عن الذهاب، وأني أعدهم بالزيارة في يوم آخر. ~~- أنت لا تريدين أن تذهبي وأنا كذلك، فلا بد لي إذن من أن أخبرهم بالتلفون بأن لا ~~ينتظرونا. ~~- يمكنك أن تذهب إذ لا مانع يمنعك، ومن جهتي فإني أرغب في الاختلاء بنفسي بعض ~~الأحيان! ~~- هأنذا ذاهب، وأتأمل أن أراك بأحسن حالة عند رجوعي. ~~- إن شاء الله. ~~- وها أنا مرسل لك والدتك. ~~- لا حول ولا ... قلت لك إني أحب الاختلاء، فدعني الآن وشأني وامض أنت والسلام. # ذهب روجر إلى حجرة ابنه مكسيم وحمله بين ذراعيه وهو يلثمه، وأتى به إلى أمه ووضعه على ~~ركبتيها قائلا: إني أترك الواحد بحراسة الآخر، والله يحرس الاثنين معا. وخرج. # إن مرغريت عندما قالت: لن أذهب إلى عند ألبير ما حييت، ولا علاقة له معي ... إلخ. لم تكن ~~تفتكر في ما تقول، لكن عندما اختلت بنفسها بعد أن نام ابنها، شعرت بنار شوق تحثها إلى ~~الاجتماع بمن كانت تميل إليه، ثم نهضت من غير روية والتفت برداء أسود، وغطت رأسها ~~«بشال» مخرم كانت تخصصه للذهاب إلى المرسح، وتناولت قفازيها ms71 ومفاتيحها وكيس دراهم ~~صغيرا، وخرجت من حجرتها، إذ كان السكوت سائدا والظلام مرخيا سدوله، وإن هي إلا لمحة عين ~~حتى صارت عند الباب الخارجي حيث استقر عزمها على الذهاب إلى عند ألبير بدون إبطاء. فاستوقفت ~~مركبة رأتها هنالك وسارت بها، وكانت الساعة التاسعة من الليل، ولما وصلت قرعت الباب ~~ودخلت تقول للخادم: إن الخواجة ألبير ينتظرني . ~~- يا سيدتي إن الخواجة مريض جدا، فأرجوك أن تخبريني عن اسمك. ~~- أنا زوجته. فانحنى الخادم احتراما لها ومضى، وما لبث أن عاد مشيرا إليها بالدخول إلى ~~غرفة سيده، فدخلت وصافحته وهي تحدق فيه، ولم تمض بضع دقائق حتى أغمي عليه لعظم ~~الانفعال، فألقى رأسه على وسادته وجعل يلهث بشدة، فارتعشت مرغريت وهمت باستدعاء الخادم ~~لمساعدتها، ولم يكن إلا القليل حتى فتح عينيه ناظرا إلى محياها المبلل بالدموع وقال: ~~إني أراني الآن أسعد رجل في هذه الدنيا. وبأثناء ذلك أخذت زجاجة «كولونيا» وبدأت تفرك ~~بمائها صدغي العليل ويديه، فانتعش وابتسم وأبرق وجهه، ثم رفع نظره إليها ثانية قائلا ~~بحلاوة لا توصف: مرغريت! ~~- لا تتكلم أكثر، أنا هنا. # نعم، إن المحبين لا يحتاجون إلى كثرة الكلام (وقد تنطق العينان والفم ساكت) ثم ضغط على ~~يدها هنيهة، وشرع يعرب عن حبه لها ويشكرها على إسراعها بالمجيء إليه، وبأثناء ذلك يقول: يا ~~زوجتي. وهي تشعر بأن صوته هذا يخرق في أعماق قلبها، ثم تنظر إليه وقلبها يرقص فرحا لأنها ~~اجتمعت بزوجها الحقيقي بعد الانفصال عنه مدة ليست يسيرة، فمثلها مثل العليل الذي ~~يجد الصحة بعد المرض المزمن، أو الأعمى الذي يرى النور بعد الظلمة. وكانت عيناها تجولان ~~في جدران الغرفة حيث الرسوم معلقة، فرأت رسمه ورسم إيڤون ورسمها مستندة على ذراعه؛ ~~فحينئذ ترقرق الدمع من عينيها ثم أجهش الاثنان بالبكاء. أخيرا نشفت بمنديلها عينيه، ~~ووضعت يدها على جبهته ونظرت في مقلتيه باسمة وقالت: لا تبك سأرجع. وبعد نصف ساعة من وصولها ~~نهضت تريد الرجوع، ففهم ذلك ولم يعارضها، أما هي فسألته: ومن يبقى عندك؟ ~~- أبقى وحدي، وإذا احتجت ms72 إلى شيء أدعو الخادم الذي ينام في الغرفة الثانية. فأطرقت برهة ~~وهي تفكر في أنه هل يوافق أن تبقى أو لا، فرأت الأوفق أن تذهب لتنظر ابنها النائم. وكان ~~ألبير يحدق فيها قارئا في ملامح وجهها ما يدور في خلدها، ولولا القليل لصرخ بأعلى صوته من ~~شدة الألم وهو يريد أن يرجوها لتبقى عنده ولا تتركه وحده ، لكنه تجلد وسألها بهدوء: وهل ~~تعودين؟ ومتى؟ ~~- نعم، أرجع بأسرع وقت إن قدرت، أما الآن فلا بد من ذهابي كي لا أشغل بال من في البيت ~~بأمر غيابي على حين غفلة، وربما أعود غدا صباحا. فأجابها بلهجة مؤلمة: لا تذهبي، بل ابقي ~~هنا. فلم تجبه سوى بكلمة واحدة وهي: ولدي. فهز رأسه خاضعا إذ رأى أنه لا بد من رجوعها، ثم ~~أمسك يدها اليسرى ناظرا إلى الإصبع الذي كان به خاتما اتحادها الأول والثاني. فأشار إلى ~~خاتم اتحاده بها وقال لها بصوت منخفض: أشكرك. فخنقتها الدموع لكنها تجلدت وقالت: كن ~~هادئا مطمئنا يا ألبير، وسأعود إليك غدا إن شاء الله، وأبقى هنا حتى تتعافى بأقرب وقت، ~~وهأنذا أستودعك الله. وخرجت. # | الفصل الثلاثون # عندما دخلت مرغريت إلى حجرتها غيرت ثيابها وأسرعت إلى حيث ابنها نائم، فسمعته يبكي ~~ويصرخ مناديا: يا أماه. مع أن المرضع كانت تحمله على ذراعيها وتسير به في أرض الغرفة، وهو ~~لا يزداد إلا صياحا وبكاء، فسألت أمه عن سبب بكائه، فأجيبت بأنه يتألم من إحدى ~~أسنانه، ولم يكف عن الصراخ حتى تناولته أمه وحملته على ذراعيها وهي تلاعبه وتغني له أغنية ~~محزنة، وفي أثناء ذلك عاد الدكتور روجر من غيابه، وبمروره أمام غرفة ابنه سمع صوت مرغريت ~~التي كانت تغني للطفل بلحن محزن، فلبث برهة مصغيا ليفهم المعنى، ثم فتح الباب ببطء، وإذا ~~بمرغريت لابسة ثوبا أبيض بوجه شاحب، صفراء اللون، فدنا منها وقال بلطف: دعيني أحمل ~~مكسيم. ~~- هو لا يبكي الآن. # ففهم من هذه الجملة أن دخوله هو في غير محله؛ لأن الولد ساكت، فذهب حينئذ واضطجع على ~~سريره. ms73 ومضى وقت طويل ولم تذهب إلى سريرها، فقام وحتم عليها بأن تنام، فأطاعت لأنها ~~شعرت باحتياج كلي إلى الراحة. ~~- لا تدع الولد يبك؛ فإن صراخه يزعجني. ~~- نامي بحراسة الله ولا تخافي. # عندما وضع الأب ابنه بين ذراعيه سكت سكوتا تاما، فانطلقت أمه إلى غرفتها ونظر روجر ~~يشيعها، وحينما اضجعت نامت في الحال. # وقد رأت أحلاما مزعجة في نومها هذا، منها: أنها كانت تمشي في أحد شوارع باريس حاملة ~~ابنها على ذراعيها، وكان يثقل شيئا فشيئا حتى اضطرت أن تجلس على الحضيض؛ إذ لم يكن بوسعها ~~أن تقوى على القيام والسير بعد. أخيرا جمعت ما بقي لها من القوة ونهضت، وإذا بهوة ~~كبيرة أمامها فلم تلبث أن سقطت فيها، وإذا بها منتبهة من نومها مذعورة مضطربة. # ثم استوت على فراشها جالسة، وهي تعيد في مخيلتها كل ما كان جرى لها في نهارها، على أنها ~~تنتظر بفروغ صبر طلوع الفجر؛ إذ ينشغل روجر بعيادة مرضاه، وحينئذ تسنح لها الفرصة بالذهاب ~~إلى ألبير. # | الفصل الحادي والثلاثون # ثم خرج الدكتور روجر وهو مشغول البال، مضطرب الخاطر، سائلا نفسه: ترى ماذا جرى لها ~~نهار أمس؟ وما هو سبب غضبها؟ وأي شيء منعها عن أن تصحبني إلى فرساي حسب العادة؟ لعمري إني ~~لم أقدر أن أعرف حتى الآن شيئا ولو يسيرا بهذا الخصوص. # وفي إبان الساعة العاشرة، رأى روجر أنه مضطر لرؤية زوجته، فعاد إلى بيته محتجا بأنه ~~قد نسي شيئا، فدخل توا إلى حجرته وأخذ بيده رزمة صغيرة مارا أمام غرفة زوجته التي لم ~~ير فيها أحدا سوى الخادمة، فسألها عن مرغريت فأجابته بأنها خرجت. ~~- متى خرجت؟ ~~- باكرا يا سيدي. ~~- مع المرضع؟ ~~- كلا، فإن هذه ذهبت بصحبة مكسيم منذ نصف ساعة تقريبا، وأما سيدتي مرغريت فإنها ذهبت ~~وحدها. وكان الجو صافيا جميلا جدا في ذلك الصباح، وهي معتادة على الذهاب في صباح كل يوم ~~كهذا اليوم وروجر يعلم ذلك، ومع هذا اضطرب على رغمه عند سماع كلام الخادمة، فانقلب راجعا ~~إلى حجرته، وجلس يفكر سائلا ms74 نفسه عن سبب هذا القلق والاضطراب، ثم أخذ يشجع نفسه ويسكن ~~فكره، ووقف وهو ينظر إلى ساعته، فرأى أن الوقت يسمح له بعيادة بعض المرضى فخرج لشئونه، ولكن ~~اضطرابه لم يفارقه، وخال له أن كل ساعة يكون بها بعيدا عن امرأته توازي الدهر كله. # وبعد ساعة من ظهر ذلك اليوم عاد ودخل حجرة المائدة، حيث كانت مرغريت بانتظاره كل يوم في ~~مثل هذه الساعة، ولكن لسوء الحظ لم يجد أحدا فقرع الجرس، ولما حضر الخادم سأله: أين سيدتك ~~مرغريت؟ ~~- إنها لم تعد حتى الآن! إن الطعام مهيأ إن كنت تريد. ~~- يلزم أن ننتظر مرغريت! # خرج الخادم عابس الوجه مقطب الحاجبين نظرا لتغيير أوقات الطعام، وهذا يهمه أكثر من سائر ~~الأمور التي لا يبالي بها. أما روجر فإنه فتح نافذة مطلة على الشارع وجلس أمامها وهو ينظر ~~كل عابري الطريق وقد ضاق صدره وعيل صبره، فظهر له عن بعد شبح امرأة فظنها زوجته ولكن لم ~~تكن إياها. وبعد هنيهة نظر مركبة آتية فقال: إن مرغريت فيها لا شك. فنهض لاستقبالها وقد ~~عاد إليه بعض الرمق، غير أن ظنه لم يصب أيضا فقال: ويلاه! خاب الأمل وكيف العمل؟ وهو قد ~~مل الاصطبار وسئم من طول الانتظار، وجعلت أفكاره تتلاطم كأمواج البحر، والهواجس تتجاذبه، ~~والتخيلات تتقاذفه، والظنون تذهب به في كل شعب وواد. # وعندما رأى أنه أضحى هدفا لهيجان أفكاره واضطرابها المتواصل؛ مما كاد يخرجه عن دائرة ~~الرشد ويجعله أشبه بالبهائم، انحدر بسرعة البرق من أعلى السلم إلى حيث تسكن أمها مدام ~~موستل وهو كمن مسه خبل، ثم سأل الخادمة عنها فأجابته: إن مدام موستل تلبس ثيابها ~~تفضل إلى الداخل وانتظر قليلا. فزاده هذا الجواب ضغثا على إبالة، فالتزم أن ~~ينتظر مهدئا روعه وهو يضرب أخماسا لأسداس، غير أنه سئم الانتظار فهجم على باب حجرتها ~~وقرعه بشدة وهو يدعوها، ولم تكد تخرج حتى صاح بها بصوت دوت منه كل المساكن: أين هي؟ ~~وكيف لا تعلمين؟ وهل هي في عالم الأحياء أو عالم الأموات؟ ms75 قولي لي الصحيح، ولماذا تخفين ~~عني؟ ~~- تمهل يا روجر، لا تخف ولا تزعج نفسك ولا تلح علي بكثرة الأسئلة، بل دعني ~~أفعل ما بدا لي، فإن سمعت كلامي تتم الأمور على أحسن ما يكون. ~~- لكن ماذا جرى؟ وأي شيء يوجد من جديد؟ اصدقيني الخبر، لقد قتلني الاصطبار، ترى إلى متى ~~تدوم معاركة هذه الشئون؟ # فتحت يدها اليمنى فرأى فيها ورقة صغيرة قد كتبت فيها مرغريت بعض كلمات، فتناولها بيد ~~مرتجفة وإذا بها: يا أماه، إن ألبير في حالة النزاع ولا أقدر أفارقه. ثم أعاد القراءة ~~ثانية وهو يفرك عينيه، وارتبط لسانه وشخص نظره بوالدتها التي قالت: هأنذا ذاهبة إلى حيث ~~هي لأرى هذا الخطب الذي حل بنا على حين غفلة، غير أني أستحلفك باسم ولدك بأن لا تحرك ~~ساكنا، اترك الأمر على مسئوليتي. قال ولسانه يتلعثم: هي عنده؟ ~~- نعم، هي عنده! ~~- زوجتي مرغريت ... عنده ... ~~- لا أفهم ... كيف ... ~~- لا بد لي أن أذهب لإحضارها! ~~- قلت لك دع ذلك في عهدتي، أنا أعرفها حق المعرفة، ذهابك لا يوافق البتة. # إنه في حالة النزاع وهي لا تكذب، يلزم أن تشفق اليوم لتسعد غدا، يقتضي أن تكون حليما ~~لتعود إليك. ~~- إنها تكرهني الآن بدون شك، آه مرغريت ... مرغريت! قال ذلك وهو يبكي بكاء مرا، ودموعه ~~تنهل بكثرة على خديه، وأضحى منظره بهيئة يرثى لها. # | الفصل الثاني والثلاثون # حدث بعد أن خرج روجر أن نهضت مرغريت وهي تقصد الذهاب إلى ألبير بعزم ثابت أكيد؛ إذ لم يكن ~~أن يشغلها عنه أعظم شاغل في هذه الحياة، كما أنه لم يبق أن يهمها عذاب روجر وقلقه ~~واضطرابه؛ لأن قلبها قسا عليه حتى أضحى صخريا صلدا. كيف لا، وقد كان اقترن بها طلبا ~~لسعادته لا لسعادتها وراحتها؛ إذ لو كان حبه مجردا عن الميل الذاتي لكان طيب خاطرها ~~وساعدها على احتمال المصائب، دافعا عنها جيوش الهموم من غير أن يقترن بها على هذه الصورة؛ ~~لأنه ابن عمها، فهو - والحالة هذه - ملتزم بتفريج كروبها وتعزيتها في أحزانها، لا أن ms76 يطلب ~~زواجها به كما جرى حال كونها مقترنة برجل حي. # وبناء على ذلك ذهبت إلى غرفة ابنها وقبلته قبلات حارة في سريره، بعد أن أفهمت المرضع ~~بعض أشياء، ثم خرجت إلى حيث مسكن ألبير لا تلوي على شيء؛ فهو ينتظرها ولكن بلا صبر، وقبل أن ~~تدخل غرفة العليل فهمت من الخادم أن الطبيب عنده، ففتحت الباب توا ودخلت بدون استئذان، ~~وعندما رآها الطبيب نهض عن كرسيه منذهلا لدخول امرأة على هذه الصورة من غير تنبيه، ثم دنت ~~من العليل ناظرة في وجهه وقتا غير يسير، والتفتت إلى الطبيب بعد ذلك قائلة: هل عرفتني يا ~~دكتور؟ ففهم من هي من مجرد سؤالها هذا؛ لذلك وقف وانحنى ثم جلس، وظلت واقفة بقرب رأس ألبير ~~ماسكة يده سائلة الطبيب: كيف تراه؟ ~~- أراه تعبا يحتاج إلى ممرض يعتني به الاعتناء التام. ~~- أنا أهتم بكل ما يلزم. ~~- يظهر أنه حصل له حركة في هذه الليلة، مع أن الانفعال والتأثر مضران به جدا. ثم ~~نهض فرافقته إلى الباب الخارجي، وقبل أن يخرج سألته: كيف تراه؟ قل لي الحقيقة يا حضرة ~~الطبيب. ~~- إن الحقيقة هي هذه: لا أمل بنجاته. ~~- هل يطول مرضه هذا؟ ~~- لا أعلم بالتمام، من الممكن أن يموت في هذا اليوم أو أن يبقى حيا مدة 4 أو 5 أيام لا ~~غير. ~~- يموت اليوم ألبير! وا مصيبتاه! ~~- اعذريني يا سيدتي، أنت سألتني عن الحقيقة. ~~- أشكرك يا حضرة الطبيب، وهل يتألم كثيرا؟ ~~- لا أعلم، سأعود في المساء. وخرج، فوقفت قليلا أمام باب الغرفة لتخفي جزعها ~~واضطرابها، ثم دخلت باسمة وخلعت عنها رداءها ودنت من السرير. نعم، إن هذا العليل المحبوب قد ~~تغير تغيرا كليا منذ بضع ساعات؛ فاصفر وجهه، وامتقع لونه، وخف نظره، فرفع بصره ~~إليها وقال بصوت ضعيف جدا تكاد تخنقه العبرات: لا تتركيني. ~~- أقسم لك بأني باقية عندك حتى تشفى. ثم حول النظر إلى رسم إيڤون وقال بصوت فهمته بعد ~~صعوبة كلية: لأجلها ابقي عندي. ~~- أنا لا أدعك وحدك منذ الآن وصاعدا؛ لأجلك ولأجل ms77 حبك، لا لأجلها. ~~- فإذا لأجل الحب لا تتركيني أموت وحدي. ~~- بعد عمر طويل. # ثم صمتا وقتا طويلا كان فيه ألبير ضاغطا على يدها وهي تحملق به. إذا ما رحل عني فإنه ~~يأخذ معه قلبي وشيئا من حياتي، بل يا ليتني أرحل معه ونتحد سوية في الأبدية بعد أن ~~افترقنا في هذه الحياة، ولم لا أدفن بقرب جثته يا ترى؟ وهل من سرور بعده في هذه ~~الحياة الدنيا؟ لا لعمري، لله ما أعذب الموت متحدين! نعم، وقد تجاذبنا الحديث مرارا بهذا ~~الموضوع قبل الانفصال، وهو أن نموت في ساعة واحدة، إن حياتي بعده مرة للغاية، ولا بد من ~~موتي في الغد، وما هو الفرق بين اليوم والغد؟ الفرق هو أن موتي معه اليوم أعذب من موتي في ~~الغد، فيا ليتني أموت معه اليوم لتطير روحي مع روح من أحب؛ حيث تتماسان في الفضاء وتجتمعان ~~من غير انفصال إلى الأبد. # فتح ألبير المنازع عينيه ناظرا إليها، فخال لها أن ذلك البصر الذي أضحى بعيدا يشير ~~إليها لتأتي إليه، فابتسمت ونظرت في وجهه بحرقة هذا مقدارها، مريدة أن تطبع صورته في ~~ذهنها، وتنقش أسرة وجهه على صفحات قلبها، تصورت أنه وحيد فريد في هذا الكون، بل إنه هو ~~هو العالم بأسره، فإذا مات ماذا يبقى يا ترى؟ # وإذ كانت سابحة في فضاء هذه التصورات حصل لألبير اضطراب عظيم وعسر تنفس، فظنت أن ~~ساعته الرهيبة قد دنت، فتقطع قلبها هلعا وحزنا، ونهضت مذعورة وهي ترتجف، فدخل الخادم ~~وجعل ينشق المنازع المنعشات النافعة راشا على وجهه الماء البارد، إلى أن انتعش نوعا ~~وخف ذلك البحران وعاد إلى سكونه الأول وهو خمود طويل، سكوت هائل لاقتراب ساعة الموت. ~~فظنت أنه نائم وتنحت جانبا وسألت الخادم: كيف قضى ليلته الماضية؟ ~~- كتب عدة تحارير ثم أغمي عليه من شدة التعب. ثم سألها باحترام: متى تريدين أن تفطري ~~يا سيدتي؟ ~~- ومن له قابلية في هذه الحالة؟! # إنما سؤال الخادم هذا فكرها أن زوجها ينتظرها بدون شك، كما أنه لا ms78 يعلم أين هي؛ لأجل ~~هذا كتبت تلك الكلمات الوجيزة وأشارت إلى الخادم أن يرسل ذلك إلى أمها في الحال. وبما أن ~~مرغريت أرادت أن تحفظ قواها إلى النهاية، أمرت الخادم بأن يهيئ لها شيئا من الطعام؛ لأنه ~~يلذ لها أن تتناوله تحت سقف بيته في آخر ساعة من ساعات حياته. # | الفصل الثالث والثلاثون # توسلت مدام موستل إلى مرغريت ابنتها من صميم قلبها بأن تعود بالعجل إلى زوجها، فلم تعر ~~كلامها جانب الإصغاء، وبعد أن ذكرت لها ابنها الصغير أجابت: إني أفكر فيه وفي نفسي أيضا، ~~كما أنه ليس باستطاعة أحد أن يأخذ مني ولدي، وسأدافع عن نفسي ما استطعت. بدأت أمها تلح ~~عليها متوسلة إليها بأن تعود إلي بيتها 3 أو 4 ساعات ثم ترجع، وهي تقوم مقامها في خدمة ~~ألبير وتمريضه، فلم تبال بهذا القول، بل انقلبت راجعة إلى حجرة العليل وهي تقول لها: في ~~الزمن الماضي كنت أعمل بموجب أمرك ونهيك، أما الآن فلا. نعم، قد تغيرت تغيرا ~~كليا؛ وذلك لأن ألبير هو زوجي الشرعي أمام الله والناس ونفسي، ولو كان في حالة النزاع، ~~ولا يكون مكاني إلا بالقرب منه في الحياة بل وفي الممات أيضا. ~~- وابنك يا مرغريت؟ ~~- ابني لا يحتاج إلي اليوم ولا غدا، بل وفي الحالين لا أترك ألبير، قد تركته مرة في ~~الحياة وذلك لا يعني أني أتركه في ساعة الموت. قالت هذا وخنقتها الدموع فلم تدر أمها ماذا ~~تقول؟ ولا كيف تعمل؟ وأين تتوجه؟ ~~- يا ابنتي مرغريت، قد تركت روجر كالمجنون، فهل تسمحين لي أن أعود بعد ذهابي إلى هنا ~~وأبقى معك إلى حين رجوعك إلى بيتك. ~~- نعم. # رفعت أمها يديها إلى السماء وجعلت تناجي ربها قائلة: آه يا لها من تعاسة! لم لم تسمح ~~يا الله بأن يقترن ألبير بمدام فارز؟ بل كيف شاء العدل الإلهي أن يكون هذا الرجل سببا ~~لتعاسة ابنتنا أولا وثانيا، مع ما هي عليه من التمسك بشرائعه والمحافظة على وصاياه! ثم ~~مضت وهي لا تعي على شيء، ms79 ولا تدري بما تجيب ذلك الذي كان ينتظرها في حال يرثى لها ويرق ~~الجلمود الأصم. وعندما وصلت أخبرته بما دار من الحديث بينهما، وأن العليل مطروح على فراش ~~الموت يقاسي آلام النزاع وهو لا شك مائت، وكان روجر يسمع كلامها ولا يفهم معناه. قد بذلت ~~مجهودي، ترى ماذا يلزم أن أصنع أكثر، وكنت قلت لها بأني أرجع إلى عندها لأكون بصحبتها، ~~وهذا الرأي هو في غاية الموافقة واللياقة، فهل من مانع عندك؟ # لم يجبها روجر على الفور، بل فكر وقتا طويلا ثم قال: لا بأس من رجوعك إلى ~~هنالك. ~~- لله درك يا روجر! فقد خلصتنا بهذه الحيلة من ألسنتهم. ~~- لا يلزم أن تظهري اضطرابك هذا أمامهم، وخذي كل ما تحتاج مرغريت إليه معك. # حينئذ ترقرق الدمع في مقلتيها وقالت: لله ما أطيب قلبك! وما أسلمه! كيف لا تحبك يا أحسن ~~الرجال وأسماهم بالفعال والأعمال! ~~- اذهبي حالا؛ فإني متكل عليك في مثل هذه الأحوال. # | الفصل الرابع والثلاثون # وكان نور حياته ينطفئ شيئا فشيئا، ومرغريت جاثية بقربه في هيئة تفتت الأكباد، ~~وماسكة يده بين كفيها وهي تردد على مسمعيه من وقت لآخر: أنا هنا. وتبكي بكاء مرا ليس ~~على ما تراه في الحال فقط، بل على الماضي؛ إذ انفصلت عنه بمجرد إرادتها، وبذلك رفضت حبه ~~وسعادتها معا. وحينما عادت أمها جلست في الغرفة المجاورة؛ لأن مرغريت تريد أن تكون منفردة ~~في حجرة العليل، وبما أن النافذة بها تطل على البستان، أجالت النظر في تلك الحديقة ~~الغناء المحتوية على أنواع الأزهار والرياحين، ثم حولت عينيها إلى جدران الغرفة حيث ~~رسم مرغريت وإيڤون، فتبادر إلى ذهنها حالا أن ابنتها ذات زوجين، فلو أن هذا المنازع يعود ~~إلى الحياة ماذا يحدث يا ترى؟ وهل تنفصل عنه مرغريت لتعود إلى روجر؟ إن الأمارات لا تدل ~~على شيء من هذا! وهي بدون شك تبقى عنده، كيف لا وهو زوجها؟! ولكن الحمد لله؛ فإن الرجل مائت ~~لا محالة. وكانت الساعة تمر ببطء لدى مدام موستل هذه؛ فضاق صدرها، ms80 وعندما سألت عن حال ~~المريض قيل لها: إنه لا يزال على ما كان عليه من الضعف والانحطاط، وقد عاده الطبيب وخرج من ~~غير أن يقول شيئا. فخابرت روجر بالآلة الناقلة الصوت «التلفون» وسألته عن حالة مكسيم ~~فأجابها أنه يهتم به وألح عليها بألا تترك مرغريت. # في أول هجمات الليل ابتدأ النزاع، فشعرت مرغريت إذ ذاك بخوف هذه الوحشة الهائلة وحدها، ~~وعند انتصاف الليل استدعت والدتها وأجلستها في ركن من الغرفة، وبقيت هي بجانب السرير الذي ~~كان لم يزل يحتوي على آثار تلك الروح الراحلة إلى عالم الأبدية، ولم تكن تجد من تعزية ~~وتسلية سوى البكاء والنحيب، ثم جثت على ركبتيها ساكبة الدموع الحارة، دموع ندم وحب ~~وحزن. # ولم تكن الساعة الثانية بعد نصف الليل إلا سمعت مدام موستل صوتا زعزع أركان ذلك البيت: ~~وا مصيبتاه! وا لوعتاه! لمن تتركني: # يا راحلا ودموع الحزن تصحبه # هل من سبيل إلى لقياك يتفق # نعم، مات ولم يبق لها أن تراه، وعما قليل ينحل في قبره ويعود إلى التراب الذي أخذ ~~منه الإنسان. كانت مرغريت تسمع كلام أمها وتفهمه ولا تستطيع أن تعمل بموجبه، بل كانت تغمض ~~عينيها وتأبى أن تجيب عليه بكلمة حتى حارت أمها في أمرها، وفي غضون ذلك وصلت مدام فارز وهي ~~مصفرة الوجه، ممتقعة اللون، خائرة القوى، فنهضت للقائها مرغريت بسرعة وتعانقتا وهما ~~تعولان وتنتحبان حتى جرت دموعهما على الحضيض، وما من معز يفثأ لوعتهما، ولا تزدادان ~~إلا صياحا ونواحا بنوع يرق له الصخر، ثم سألتها مرغريت: وكيف بلغك خبر نعيه؟ ~~أجابتها: كان كتب لي ليلة مجيئك إلى هنا، أشار أن يرسل لي كتابة بعد موته، وهكذا وصلني في ~~هذا الصباح. فتجدد بكاء مرغريت وقتا طويلا وهي تندبه وترثيه وتودعه الوداع الأخير ~~بألفاظ تزحزح الجبال الرواسي، ثم قالت لها مدام فارز: هل تريدين أن تأتي إلي حيث تبقين ~~يوما أو يومين؟ ~~- نعم، بكل اختيار. قالت أمها: وزوجك يا مرغريت؟! ~~- لا أقدر أن أراه الآن؛ فأنا أريد الذهاب معها لا محالة! ms81 ~~••• # جثت الاثنتان أمام جثة ألبير الهامدة زمانا غير يسير، وهما تصليان وتضرعان إلى ~~الله بأن يرحمه ويمتع تلك الروح براحة في فسيح جنانه، ثم زودتاه بنظرات الوداع ~~الأخيرة وخرجتا وفي كل قلب جراح عميقة. # نعم، إن نيران الحزن المتقدة في الأحشاء تخمد شيئا فشيئا، ثم يستدعي الصغير أمه، ~~فتعود هذه إليه بشوق وحنين والعود أحمد، وذاك الذي كان حليما غفورا يصبح في آخر الأمر ~~محبوبا أبد الدهر. ms82