######OpenITI# #META# URI: 1360MayZiyada.SawanihFatat.Hindawi51305974 #META# Tags: literature #META# ID: 51305974 #META# Title: سوانح فتاة #META# AuthorID: 64620862 #META# Author: مي زيادة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # السانحة الأولى‏ # احرصي على قلبك‏ # ذكرى قلعة بعلبك‏ # قتل النفوس‏ # رسائلنا اليوم وبالأمس‏ # بين الدكتور شميل والكاتب الأمريكي‏ # الأفكار القديمة ومراسل الآنسة مي‏ # إلى حضرة ب. ر.‏ # سلام الله يا مطر عليك‏ # بين الأدب والصحافة‏ # موعظة شهر الورود‏ # الحركة بركة‏ # دنا عيد الميلاد ...‏ # عام سعيد‏ # أجوبة الفتيات‏ # وصف غرفة في مكتبة‏ # في محكمة الجنايات‏ ~~«سعادة» ملك اليونان‏ # ماك سويني‏ # زواج الملوك‏ # الشباب والموت‏ # عائدة تتذكر ...‏ # حكاية السيدة التي لها حكاية‏ # ساعة مع عيلة غريبة‏ # السانحة الأولى‏ # احرصي على قلبك‏ # ذكرى قلعة بعلبك‏ # قتل النفوس‏ # رسائلنا اليوم وبالأمس‏ # بين الدكتور شميل والكاتب الأمريكي‏ # الأفكار القديمة ومراسل الآنسة مي‏ # إلى حضرة ب. ر.‏ # سلام الله يا مطر عليك‏ # بين الأدب والصحافة‏ # موعظة شهر الورود‏ # الحركة بركة‏ # دنا عيد الميلاد ...‏ # عام سعيد‏ # أجوبة الفتيات‏ # وصف غرفة في مكتبة‏ # في محكمة الجنايات‏ ~~«سعادة» ملك اليونان‏ # ماك سويني‏ # زواج الملوك‏ # الشباب والموت‏ # عائدة تتذكر ...‏ # حكاية السيدة التي لها حكاية‏ # ساعة مع عيلة غريبة‏ # | سوانح فتاة # | سوانح فتاة # تأليف # مي زيادة # | السانحة الأولى # نحن الفتيات أسيرات الأزياء، وعبدات التبرج، ولعب الأهواء، أنكتب نحن فتيات ~~اليوم؟ # نعم، صرنا نكتب ليس بمعنى تسويد الصحائف فحسب بل بمعنى الانتباه للشعور قبل التحبير، لقد ~~خبرنا الاختلاء بذواتنا فأقبلنا على تفهم معاني الحياة نتفرس في المشاهد بأبصار جديدة، ~~ونصغي إلى الأصوات بمسامع منتبهة، ونشوق إلى الحرية والاستقلال بقلوب طروبة، ونعبر عن ~~النزعات بأقلام يشفع الإخلاص في ترددها. إن الأمر لكذلك. وجرأتنا هذه لم تبد من اللائي ~~سبقننا، وإقدامنا لم يألفه الرجل من سوانا، والجمهور يرقبنا بنظرة خاصة تائقا إلى تصفح ~~نفس المرأة فيما تصف به ذاتها وليس فيما يرويه عنها الكاتبون. # وما الغرض من ذلك؟ # يزعم الجمهور أن رغبته في تذوق إنشاء المرأة لا تعرب عن إكباره لذلك الإنشاء، أو عن ~~إقراره بصدق الفراسة منها، وإنما لأن في كتابتها مظهرا من مظاهر الذات النسائية ~~العامة. # خطوة صالحة نحو تكريم الأدب النسائي، إلا أن فيها من الظلم وغمط الحقوق ما فيها. نحن ms01 ~~نحب الحلم، ونطلب التساهل، ونريد أن يستعان في الحكم علينا «بالظروف المخففة» كما يقول ~~سادتنا الحقوقيون. نريد ذلك لأننا مبتدئات. نريده لأننا مبتدئات ولأننا بنات يوم تشرق علينا ~~شمسه، نخلق أنفسنا بأيدينا، ونكتشف الطرق في غابات مهجورة، ونمهد السبل بين الصخور ~~والأدغال لنا وللآتيات بعدنا. # إفساح المجال علينا عسير، فنشكر للحليم تغاضيه عن القصور في عملنا وانتباهه لضآلة ~~وراثتنا في عالم القلم، كما نشكر للناقد الكيس ما يبينه لنا من أغلاط ناتجة عن ضعف ~~الفتاة وقلة اختبارها، ولكنه لا يجوز في شرع العدل والحقيقة أن ترمى جميع أعمالنا بالضعف ~~النسائي وأن يطلق عليها الحكم بلا بحث ومقارنة. # لقد غالى بعض المفكرين، لا سيما بعض الذين أقنعوا نفوسهم بأنهم مفكرون، لقد غالى هؤلاء في ~~فصل المرأة عن النوع الإنساني الذي كادوا يحصرونه في الرجل. والواقع أن كل حمية تهز ~~المرأة إنما تنطلق من النفس الإنسانية الشاملة، وكل نقص يشوبها إنما يرجع إلى العجز ~~البشري الشائع، وكل أثر من آثار ذكائها إنما هو وجه من وجوه الفكر الإنساني ~~العام. # | احرصي على قلبك # أرخى الشفق سدوله على الأرض بطيئا # ولفقت حواشي السحب بخيوط الذهب والفضة # وتلاشى ما كان يبدو كبحيرات الياقوت وبرك الزمرد حيال ~~عرش الغروب # وغشت الأرض كآبة ربداء # وغشت عينيك كآبة ربداء # أي شمس تغيب فيك، أيتها الفتاة، ولماذا يشجيك المساء # لتغشى عينيك هذه الكآبة الربداء؟ # ألا احرصي على قلبك أيتها الفتاة ~~••• # تجلت الشمس في الأوج تحت رواق الفلك # والأشعة تغازل الأزهار وتوسع المياه عناقا وتلوينا # والمنازل تسطع كحجارة كبيرة من نور # وانتعشت جميع الأشياء انتعاش من خرج من أزمة وانفرج # أما أنت فتلوبين جائعة عطشى # تقولين ما يجب ألا يقال وتفعلين ما يجب ألا يفعل # ثم تأسفين على القول والفعل وتعودين تلوبين # ووراء الملل والسآمة وهيج فيك واحتدام # أخبريني ما بك أيتها الفتاة؟ # لماذا أراك عند نافذتي ترقبين ما ليس بالموجود وتشتافين ما ليس بالبادي؟ # وإذا تحولت عنك إلى مرآتي رأيت هناك وجهك مفجعا حزينا؟ # أهو أمل غزا نفسك فثقل ms02 على فؤاد منك اعتاد القنوط؟ # أم قرب تهليل الأمل يأس ينتحب وشعور بالفشل طالما خالط الرجاء؟ # جميع الأشياء انتعشت انتعاش من خرج من أزمة وانفرج # وأنت أي علة تضنيك فتلوبين وتتأوهين؟ # ألا احرصي على قلبك أيتها الفتاة ~~••• # جاء المساء مرة أخرى، جاء المساء وتبعه الليل # وعيناك قرب السراج جامدتان جمود من يتأمل جثة # فأشعر بأن شيئا فيك أمسى جثة # لقد استسلمت لجمال المساء فطعنك المساء بسكين منه سري يقطر دما ~~وظلاما # أخضعت نفسك لسحر الغروب ولم تحرصي على قلبك # أما الآن وقد فرطت به فاحرصي على الجرح المنفتح فيه # احرصي على جرح قلبك أيتها الفتاة # | ذكرى قلعة بعلبك # كتبت في أواخر سنة 1911 # معبد للأسرار قام ولكن # صنعه كان أعظم الأسرار # خليل مطران # تحرك القطار صباحا في محطة بيروت وهو يهدر ويزمجر ويقذف دخانا كثيفا أثقل الهواء ~~وترامى على صفحة الأمواج فعكر صفاءها. وما فتئ زئيره الهائل كزئير الأسود يتردد في جوانب ~~الفضاء حتى كاد الصدى منه ينتهي إلى أخربة بعلبك هامسا «لقد سبقت الآخرين لأهزأ بك، يا ~~أشباح البلى، أهزأ بك في نقمتي على أناس يستخدمونني أنا إحدى آيات الاختراع الحديث ~~ليزوروك، أنت رمال الليالي الغاديات وبقايا الأيام الخوالي.» # وما لبث أن أسرع القطار في سيره ملتويا بين الأشجار، وكأن سخطه هدأ تحت قبلات نسيم ~~الجبال فخف زئيره، وتدرج متسلقا أكتاف لبنان يترك محطة ويمر بأخرى حتى وقف في محطة ~~صوفر، وهي أعلى نقطة فوق وادي حمانا، ذلك الوادي الذي قال فيه لامرتين إنه أجمل أودية ~~العالم القديم. هناك تتطوى التلال كالأقمشة الحريرية وتمتد لمداعبة أطراف الجبال ~~المحاذية، تتناسق بينها دوائر أظلتها الأشجار، وتتخللها القرى ذوات المساكن البيضاء ~~متوجة بالقرميد الأحمر. وهناك، هناك على الشاطئ البعيد، ربضت الآكام كأسود تحمي بحرا بسط ~~لديها زرقته الفسيحة وارتفع عند الأفق كمن يستمد من الجو نعمة ما. هذا وبيروت تستوي ~~على شفة البحر استواء المليكة على عرشها. # ثم أخذ القطار ينحدر إلى سهول البقاع وقد قامت على جانبيها سلسلتا جبال لبنان وانتي ms03 ~~لبنان كما تحدق أسوار الدهر بمروج الأبدية. وبعد السير في السهل نحو ثلاث ساعات تراءى لنا ~~في عصارى النهار طيف مدينة «باعال» يحيط بها نطاق سندسي من شجر الفاكهة والحور الرجراج، ~~وتتعالى فوق المنازل منها والحدائق أعمدة هيكل الشمس بقدودها الهيفاء. أعمدة ستة هي كل ما ~~سلم في وسط ذلك التهدم، وكأنها من أبعاد وحشتها تنادي المسافر قائلة: «تعال انظر إلي ~~أي هذا المار، فهل عرفت حزنا أشد من حزني؟» # بقية عظيمة من عظمة بائدة، حيالها أضخم الأشجار أعشاب، ذاك هو شبح الماضي المحاول ~~تخليد الأصنام المعبودة ... وثلوج لبنان التي رأت يوما من مدينة الشمس أبراج العز متعالية ~~في الفضاء، تطل الآن من شاهق «فم الميزاب» و«ظهر القضيب» مستفسرة عن سر هدم المعابد ~~والأبراج. # منذ ألوف الأعوام والثلوج تتراكم على هذه الذرى، فالشمس تشرق ثم تغيب، والصيف يأتي ~~ويذهب الشتاء، وقلعة بعلبك موحشة في عظمتها المحطمة، بينا ثلوج لبنان تطل عليها مستفهمة أي ~~خطب جرى ولكنها لا تفهم. ~~••• # تجسم حزني وجثا عند أعتاب القلعة باكيا. ولست أدري أبكي هناك أسفا على أعجوبة الدهور ~~أم اكتئابا لمشهد درجات أوجدتها هناك يد الغريب. # عند مدخل هذا الهيكل الذي ألقت أسسه شعوب شرقية جاء الأجنبي يضع درجات توصله إلى معابد ~~الشرق القديم. مشهد أفعم نفسي غما كأن هذه الحجارة ثقلت علي لأنها دليل تدخل الغربي ~~في قديمنا وجديدنا، وعنوان طمعه في الاستيلاء على بلادنا. وكان أحرى به أن يتركنا وتراب ~~هياكلنا الغالي دون أن تأتي يده عاملة للترميم والإصلاح، ومدنسة ما قدسته دهور البلايا ~~وعززته بلايا الدهور. # دخلت أمشي الهوينى بين أكوام الأخربة وبقايا الأبنية، بين الأعمدة المطروحة على الحضيض ~~كالعمالقة ورءوس الأسود المتعانقة في تهشمها عناقا أبديا، بين آثار شعب لاحق تختلط ~~بآثار شعب سابق، والتراب يتراكم في كل مكان مجتمعا في الأفاريز المرضضة والنقوش المحفرة. ~~مشيت في عالم مشوه من البدائع الفنية دهشة كيف سطا الزمان عليها، كأنها غابة هاجمتها ~~الزوابع فكسرت منها الأشجار، واقتلعت الأصول، وتركت الأغصان ملقاة على حضيض ms04 ~~الهواء. # أين من هذه الضخامة والمتانة قصور عصرنا وصروحه؟! إنها لتخال ألاعيب صبيانية شيدت ساعة ~~فراغ ولهو، فيها الحصى تقوم مقام الحجارة والأشبار منها توازي الأميال. # لقد تألبت الشعوب على هذا الهيكل فهاجمت جدران مجده وخربت بديع معالمه. وحول ~~المسيحيون جانبا منه إلى كنيسة فشادوا المذابح على قوائم معابد الأصنام. ثم انقلبت ~~الكنيسة وما يحيط بها قلعة إسلامية حتى فاجأتها الزلازل فتخلجت منها الأسس وانهارت الجدران، ~~ودكت ذلك العز إغارات الطبيعة بعد أن طغت عليه يد الإنسان. # لكن آثار المجد في بعلبك ظاهرة باقية. والنفس العصرية تقف مترددة بين الهزوء والاحترام ~~أمام معابد آلهة خرافية تضحكنا الآن أسماؤها، وتتعاقب عليها مشاعر جمة من خوف وشفقة وإعجاب ~~وسخرية لتتغلب عليها عاطفة تضم في رحابها قوى النفس جميعا، وهي الشعور بعمق السر ~~العظيم، سر البقاء رغم الفناء ... # وهناك على مرتفع هيكل الشمس تقف أعمدة ستة حاملة إفريزا كأنه تاج مكسر تنحني تحته ~~رءوسها على وهدة عزها المتفتت. وما انحناء تلك الأعمدة إلا رثاء وتأبين، بل هو التأبين ~~الوحيد اللائق بهيكل بعلبك ... # وثلوج لبنان التي تجهل أي خطب جرى تنظر من عل إلى حزن الجماد الدهري، وتود أن تفهم ~~علة انهيار الجدران والأعمدة والأبراج، وأنى لها أن تفهم ... ~~••• # ألا كسروا باليأس الأقلام، وأزيلوا المداد عن الطروس (الصحف)، وأسكتوا الشفاه ~~المتكلمة، وألجموا الأيدي عن التحبير والكتابة. # رائحة الأكفان تفوح لدى هذا التهدم الشامل وتتكشف معاني القبور، وينتشر في الهواء عطر ~~المجامر وتعقد غيوم البخور، وتعود الأيادي القديمة إلى نحر تلك الضحايا والقرابين على ~~أنصاب لاشتها يد الدهور. # كسروا الأقلام ومزقوا الطروس، إنما هذا موقف لا تأبين فيه بغير حزن الجماد ولوعة ~~النفوس. # أحزن الجماد، لا زلت للأفئدة مفطرا ما طرحت عبر الزمان الجبابرة على حضيض الهوان! ~~ألوعة النفوس، لا زلت لاذعة ما بترت سلسلة الآجال واعتلت حركة القلوب! أآثار الحياة، لا ~~زلت عالية كآمال المنى وسواد العيون ما ذوت الآمال بالمتأمل وما بيض سواد الموت سواد ~~العيون! أأعمدة بعلبك، لا زلت مهشمة، صامتة، منحنية ms05 ، كئيبة ما سعى دبيب المنى في زوايا ~~المهج وتمايلت أشباح الآلام والأوجاع طي القلوب والصدور! # إذا هزأ الدهر بهذه الجدران المنيعة، فماذا أنتم من الدهر منتظرون؟ إذا مرت قدم الدهر ~~على هذه المتانة الحصينة فهرستها هرسا، فماذا تعني بعد ذلك حركة قصبتكم الضئيلة ونقش ~~طروسكم البالية؟ أين من المسافة موضعها وما هو من الخلود نصيبها؟ # ضموا إلى شفاهكم الأقلام وإلى قلوبكم الطروس، دعوها تنطق يأسا وحبا باسم قلعة بعلبك. ~~ثم حطموها وإن عزت، ومزقوها وإن كانت شطرا من الأرواح. # الزمان يتابع المسير فويلا لتربة تدوسها قدمه! هناك تزلزل الزلازل، وتهدم السدود، وتطغى ~~البحار، وهناك يشعر الإنسان بأنه عبد لحظات الأقدار وأنه لا يعرف من أسرار الأرض غير ~~اسوداد الليل وابيضاض النهار ... # | قتل النفوس # أبريل سنة 1913 # رأيتها تنظر إلى الأشجار بعينين كئيبتين، وشفتاها مطبقتان كأن قبلة الأسف طبعت عليهما. ~~كانت لي رفيقة في الصغر: تعلمنا شهورا في مدرسة واحدة، ودرسنا أمثولة واحدة، وسمعنا ~~إرشادا واحدا، وكبرنا فكانت تلك العلاقة الواهية متينة بيننا. # قلت: «ما لي أراك حزينة؟» # قالت: «يحزنني الربيع.» # قلت: «أخبريني ما بك!» # قالت: «يحزنني الربيع، يحزنني أن أرى مواكبه الجميلة تسير في الفضاء فلا يراه البشر إلا ~~من كوى ضيقة نقبت في الجدران الحديدية التي أقامها المجتمع حول الأرواح. ويحزنني ألا أكون ~~مستقلة بكوتي وأن يكون للآخرين حقوق عليها يفتحونها ويغلقونها كيفما شاءوا لا مثلما ~~أريد.» # قلت: «ماذا يحزنك؟» # قالت: «يحزنني الربيع، تحزنني هذه الأزهار الزرقاء والصفراء والحمراء. إنها تنور على ~~أطراف الأغصان وتبرز جمالها وسط جمال الكون. إنها تستنشق الهواء بكل ما فيها من قابلية ~~وتتمتع بالحياة بكل ما فيها من استعداد، فلماذا قدر على بني الإنسان أن يكونوا دون النبات ~~حرية؟!» # قلت: «قولي لي سبب حزنك.» # قالت: «مسألة تافهة أعادت إلي التأمل في هذا الصباح كما نبهته في قبل الآن. لي شقيقة ~~تقطن الإسكندرية مع زوجها، ولي بها ولها بي ولع عظيم، فنتكاتب مرة في الأسبوع. على أن تمر ~~رسائلها تحت نظر والدي ووالدتي وأخي وأختي ms06 وأخي الأصغر حتى تنتهي إلي بالتالي؛ لأنني أحدث ~~أفراد العائلة سنا. ولا يلقى خطابي إليها في صندوق البريد إلا بعد أن يطلع عليه وينتقده ~~ذوي. مع أن مراسلتنا عادية ساذجة، لا أهمية لها إلا بكونها جزءا من حياتنا، وليس لدي من ~~سر أخفيه، ولكني أريد أن أحفظ حقي في أن يكون لدي أسرار. وهذه المعاملة تعذبني منذ شهور ~~لأنها تنم عن ضعف ثقتهم بي وأنا لم أفعل قط ما يستوجب سوء الظن. وصرت أتألم كلما وردت ~~إلي رسالة لأنها تذكرني بأن في بيتنا قلم مراقبة منظما.» # ورفعت رأسها ناظرة إلى الزهرات الفرحة بأنفاس الربيع وأرسلت زفرة عميقة، ثم قالت: ~~«معاملة كهذه تحملني على الشك في صلاحي وكرامتي. وقد يدفعني الغيظ والكبرياء إلى فعل ما لا ~~أفعله لو كان لأهلي بي ثقة. النبات حر فلماذا لا يكون الناس أحرارا؟!» # مسألة تافهة في ذاتها. ولكنها تتكرر بين الوالدين والأبناء فتفضي إلى أحد اثنين: التمرد ~~أو العبودية وكلاهما سيئ، بل العبودية وحدها ممقوتة والتمرد نبيل في الغالب يدل على القوة ~~والحياة. ولكن كثيرا هم الأبناء الذين يجدون ضغط الوالدين على حريتهم أمرا طبيعيا فلا ~~يتألمون؛ لأن نفوسهم عقيمة قاحلة لا ينمو فيها غير الشوك والعوسج. # يتألف التهذيب من أعمال وحركات متتابعة مدة أعوام بين الآباء والأبناء، كما يتركب تمرين ~~الأعضاء من حركات مستطردة يأتيها الفرد في أوقات معينة فتكسبه خفة ورشاقة ~~وانتظاما. # وإن لم يروض المرء أعضاءه ضعفت وأمست ضخمة الشكل بطيئة الحركة، وقد يذهب به الجمود إلى ~~فقد الصحة، فما الخلل الذي نراه الآن في تربيتنا إلا نتيجة جمود الأعضاء المعنوية من نشء ~~الأجيال الماضية؛ ولأننا جميعا عبيد الجهل المقيم والضغط القديم. # لماذا تراقب مراسلات الفتيات؟ سمعت عن رجل ينهى شقيقته عن مراسلة صديقة لها؛ خوفا من ~~أن يطلع أخوها على تلك الرسائل، ثم اتصل بي أن ذلك الرجل يظن نفسه حرا أبيا (؟!) يقضي ~~ليله وشقيقته هذه حول طاولة البوكر مع شبان آخرين وفتيات أخريات، ورأيته وإياها يحتسيان ~~الجعة في حانة يتصاعد ms07 في جوانبها لهاث السكارى، ورأيته فيما بعد داخلا بها عارية النحر ~~والذراعين إلى المرقص لتنتقل على وفق الإيقاعات الموسيقية من يد رجل إلى يد آخر، فضلا عما ~~يجيزه «تمديننا» الحديث من مداعبة كلامية يسميها الغربيون «فلورت» ويستعملها كثيرون منا دون ~~أن يحاولوا إيجاد اسم لها. # فكيف نوفق بين النقيضين؟ بين التساهل في قبول العادات الأوروبية المتفشية بيننا وبين ~~الاستعباد الشرقي الراكد في مستنقعات نفوسنا؟ إن هذا الخلل في توازن التربية يعذب الشبيبة ~~ويجعلها أليفة الحيرة والتردد جاهلة بهما قيمة الحياة. إنما الحياة في قيمة ننسبها إليها، ~~فكيف نهتدي إلى قيمة الحياة التي لا تبرز إلا للمنتبه المتيقظ الواثق من حريته في القول ~~والعمل، كيف نهتدي إليها في هذا التناقض المبين؛ تناقض الضغط الشديد والتهور ~~المجازف؟ ~~••• # إنما التربية ترمي إلى غاية واحدة هي توسيع دائرة الحياة وتأهيل الفرد للسير بحذق والتصرف ~~باعتدال بين تشعب الشئون مستخرجا وسائل السعادة والفائدة مما يحيط به، فإن لم تكن هذه ~~الغاية نصب عيون الوالدين ولم تثقف الناشئة على مبادئ التهذيب القويم فقدت آمالنا بالمستقبل ~~القريب. وأول قواعد التهذيب معرفة الواجب، وشرط معرفة الواجب الشعور بالحرية. # أقول الحرية وأعنيها، وهي ليست الإباحية كما يزعم كثيرون، والفرق بينهما أن للواحدة ~~حدودا تهدمها الأخرى وتتجاوزها. # على الوالدين أن يقوموا بما عليهم نحو الأبناء ثم فليتركوهم وشأنهم يأتون ما يميلون إليه، ~~والضمير الحي يراقبهم والخلق القويم يحميهم، فإن جاء عملهم بخير كان فيه تعزية وتشجيع على ~~المثابرة والإقدام، وإن جاء بشر كان أمثولة مفيدة ومادة اختبار ينتفع بها في الكوارث ~~والرزايا المالئة سبل العمر. # كل امرئ يحيا حياته وعليه أن يجد طريقه بين متشعب المسالك، وهو مسئول عن كل عمل يأتيه ~~ويتحمل نتائجه؛ إن فائدة وإن أذى، فالفتاة التي اعتادت الانقياد لآراء والديها وعجزت عن ~~إتيان عمل فردي تدفعها إليه إرادتها بالاشتراك مع ضميرها، ما هي إلا عبدة قد تصير في ~~المستقبل «والدة»، ولكنها لا تصير «أما» وإن دعاها أبناؤها بهذا الاسم؛ لأن في «الأمومة» ~~معنى رفيعا يسمو بالمرأة ms08 إلى الإشراف على النفوس والأفكار، والعبدة لا تربي إلا عبيدا. ~~ولا خير في رجال ليس لهم من الرجولة غير ما يدعون، إن هم سادوا فعلوا بالقوة الوحشية، وهي ~~مظهر من مظاهر العبودية. أولئك سوف يكونون أبدا أسرى الأهواء وعبيد الصغائر الهابطة بهم ~~إلى حيث لا يعلمون، إلى الفناء المعنوي، إلى الموت في الحياة. # تربيتنا الناقصة جعلتنا نسيء الظن في كل شخص وفي كل أمر. ريح سموم تهب على المجتمع ~~فتصبغ الجو وما يحويه بلون قاتم خبيث. ولو أنصف الناس لحكموا على بعضهم بعدل وصدق ~~فأراحوا واستراحوا. الخير أصل في الحياة وليس الشر شرا إلا لأننا أشرار، ولا ظلام ~~حولنا إلا الظلام المنبثق من شكوكنا وأحزاننا ومطامعنا. # احتياجنا شديد إلى مثل هذه الكلمة «ثقوا بالإنسان!» # أما جاءكم خبر ذلك العالم الألماني الذي كان يدفع إلى ابنته البالغة من العمر 16 سنة ~~رسائلها مختومة، ولما لامه أحد أصدقائه أجاب: «ثقتي بالفطرة النسائية عظيمة. لا أقرأ ~~رسائل ابنتي بل أعرض عليها رسائلي، وعوضا عن أن أشحن دماغها بآرائي ونصائحي التي قد لا ~~تتفق مع ظروف حياتها أسألها رأيها في كل ما يشكل علي من الأمور؛ فالمرأة أوفر من الرجل ~~نبلا؛ لأنها أقرب منه إلى سرائر الأحوال وقلب الأشياء.» # مع هذا الرجل الحكيم أقول: «ثقوا بجوهر المرأة، ثقوا بابنة اليوم تجدوا أبناء الغد أهلا ~~للثقة.» # | رسائلنا اليوم وبالأمس # 1915 # بعض الأوامر السلطانية تستوقف نظر الأديب برشيق أسلوبها وبليغ إيجازها، منها الأمر الذي ~~صدر بتعيين صاحب العزة محمود فخري بك # 1 # أمينا أول لعظمة السلطان. وما دامت سراي عابدين تهتم بأساليب الإنشاء فحق ~~لمحبي الأدب أن يرجوا. ولو كنت رجلا وجاز لي البحث فيما يختص بالرجال لتمنيت لدواوين ~~الحكومة أن تحذو حذو السراي السلطانية فتتوب عن اللغة والأسلوب السقيمين المستعملين في ~~أوامرها ومراسلتها. # أسمعك مزمجرا يا سيدي الرقيب، وقد اقترب قلمك من جملتي هذه يقصد الفتك بها، فأصغ إلي ~~غير مأمور، لا أنت جندي ألماني ولا أنا جندي فرنسوي، ولا هذه الصفحة كنيسة ريمس؛ فكن ms09 حليما ~~ولا تحذف منها شيئا. ثم أرجو أن تذكر أني بدأت تلك الجملة بكلمة «لو»، وهل أنت من يخفى ~~عليه قول الفرنسيس بإمكان وضع باريس في زجاجة إذا ما استعملت كلمة «لو»؟ ولا أظنك محتجا ~~على وضع باريس في زجاجة، على شريطة أن تكون الزجاجة غير ألمانية تملأ بالغازات السامة. ~~وإني لموافقة على ذلك. وكل هذا الكلام أقوله لأنسيك شطب تلك الجملة الأثيمة، أنساكها ~~الله! ~~••• # لقد تحسن فن الإنشاء في أيامنا، بالأمس كانوا يكتبون طويلا دون أن يقولوا شيئا؛ إذ لم ~~يكن معظم الرسائل غير استعارات محفوظة وأسجاع مرصوصة، فبعد «غب الشوق» الأصولية كان مراسلك ~~يبعث إليك «بسلام، لو كان ذا أجسام لملأ الأرض بالتمام» دون أن يترك للأرض هامشا! و«بتحيات ~~أزكى من النعامى (أو من «نفس النعامى» لا أدري) بين ورق الخزامى.» كذلك يبدأ الخطاب ~~بالسلام والتحيات والأشواق ويختمه بالأشواق والتحيات والسلام. # أما الآن فأخذنا نكتب لنعبر عن شيء نريد أن يفهمه من نخاطب، فإذا اطلعت على رسالة تيسر ~~لك الحكم على ذوق كاتبها ومعارفه ودرجة تربيته ومكانته الاجتماعية، فأخذ ينطبق علينا مبدأ ~~«الإنشاء هو الشخص». # غير أن أهل الذوق وجدوا في كل آن وزمان. وبينما كان المجموع يملأ صحيفة الرسالة ~~بالمبالغة والإغراق كانت الخاصة تكتب كتابة الإيجاز والبلاغة. كل منا يعرف رسالة المتنبي ~~إلى صديق كان يعوده في مرضه فانقطع عنه بعد الشفاء فكتب إليه المتنبي يقول: «وصلتني - وصلك ~~الله - معتلا، وقطعتني مبلا، فإن رأيت أن تحبب العلة إلي ولا تكدر الصحة علي، ~~فعلت إن شاء الله.» # وتحسب هذه الكلمة من بدائع الإنشاء. # لقد كان خاصة العرب أهل ذوق وكفاءة، فأحرى بنا الاحتفاظ بجميل الموروث بينا نثقف أفكارنا ~~وأقلامنا على نافع المكتسب. # | بين الدكتور شميل والكاتب الأمريكي # 1915 # منذ شهرين تقريبا نشر الدكتور شبلي شميل رسالته إلى العالم الألماني هكل، باللغة ~~الفرنساوية، وأردت أن أعرف رأي الأجانب في الرسالة ومؤلفها، فبعثت بها إلى كاتب أمريكاني ~~زار مصر وأحب وادينا حبا جما، وشفعت الرسالة بتفاصيل عن الدكتور وأطواره الغريبة ms10 التي ~~تجعل له شخصيتين تكاد الواحدة منهما تناقض الأخرى، وأخبرته أن الدكتور شميل غاضب على ~~الأمريكان؛ لأنهم لا يساعدون الحلفاء على دحر ألمانيا، وأنه يقول عنهم إنهم أنانيون، فجاء ~~الجواب وها أنا أنشره ضاحكة؛ لأنه يهمني كثيرا أن يتخاصم الرجلان وهما على مسافة ستة آلاف ~~ميل بين الواحد والآخر: # قرأت باهتمام ما كتبته عن الدكتور شميل ورسالته إلى هكل، وسأبعث بنسخة من هذه ~~الرسالة إلى المستر روزفلت. # يسرني وجود رجل كالدكتور شميل في الشرق؛ لأن هذا الرجل لازم لهدم الأفكار القديمة ~~التي يتقبلها الناس بلا بحث ولا جدال، كأن ليس لأفكارهم أهمية إلا بقدمها. أفكار ~~يزيد في ثقلها صدأ الأجيال ويحاول حفظها التعصب الذي يحيط بها بقوة ودقة كأنه نسج ~~العنكبوت، فأمثال الدكتور شميل يمزقون خيوط العنكبوت ويبيدون الصدأ وقاعدته دفعة ~~واحدة، ولا بأس من هيجان المجموع لهذه الفوضى، فهياجه ضروري بل لا بد منه. أمثال ~~الدكتور هم العنصر الهادم ما في الجمعيات والأديان من الغلو والإفراط، وهم فاتحو ~~الطريق للذين سيقيمون أسسا جديدة ملائمة لمطالب العصر ومعارفه. والآخرون لا ~~يتمكنون من العمل إلا إذا عمل قبلهم الأولون. # تعجبين لماذا لا يشيد الدكتور شميل أثرا مكان الأثر الذي يهدمه، لكن لا عجب في ~~ذلك؛ اذكري ديكارت تعلمي أن الأمرين لا يطلبان من رجل واحد، فالطبيعة وحدها مدمرة ~~معمرة. # أما ما في أخلاق فيلسوفكم من التناقض فلا بد أنه راجع إلى الوراثة، نام بالظروف. ~~لا بد أن يكون الدكتور عنيف الطبع حاد المزاج، ولهذا الخلق جماله. على أني أحب ~~الخلق الهادئ الذي يترك الآخرين يتخاصمون حتى إذا ما سمع ما يقولونه من الحقائق ~~والخرافات أعرض عن التافه من أقوالهم وتمسك بالصواب، فلا يتحول عنه، بل كلما مرت ~~الأيام زاد به ثقة وحبا. # لا أدري لماذا يقول الدكتور شميل إن الأمريكيين أنانيون. هل عرف حضرته بعض أبناء ~~وطني فحكم على أمة لأجل أفراد، أم هي فكرة تناقلتها الألسن والأقلام فأثرت في ~~فكره؟ # ما هي البينات التي تقنعه بأن الأمريكان أكثر أنانية من ms11 غيرهم؟ أود أن أسأله إذا ~~حلت على العالم الويلات فمن يسارع إلى المساعدة قبلنا، ومن يفتح قلبه وكيسه قبل ~~أبناء أمريكا؟ كم من الملايين أرسلت إلى الحلفاء في هذه الحرب الطاحنة؟ غذاء بلجيكا ~~وكساؤها يذهبان من وراء البحار وأمريكا ترسل إليها 36 مليونا شهريا. بعض السيدات ~~من أجمل نساء أمريكا تركن أزواجهن وأولادهن وذهبن لمعالجة الجرحى في ميدان القتال. ~~الرجل الأمريكي أحسن زوج في نظر الفتاة الإنجليزية، لا لأنه أناني؛ بل لأنه يحترم ~~المرأة ويعترف بمواهبها العالية ويعاملها المعاملة التي تستحقها رقتها وسمو ~~عواطفها. أعظم المستشفيات في باريس أمريكية وينفق عليها من ثروات أمريكية فردية. قد ~~يرى الدكتور شميل في كل هذا أنانية، ولكنها أنانية كريمة جميلة. # العالم الجديد جديد في كل شيء؛ اختباره واعتقاده وعمله وأسلوبه وحريته، ولكن ليس ~~فيه الأنانية التي تظنون. # تضحكين من أمريكا لأنها تبعث باحتياجاتها يمنة ويسرة. وأنا أضحك. صحيح إني لا ~~أريد أن أكون في موقف الدكتور ولسن في هذه الأيام. إن هذا الرجل المسكين لا يدري ~~على أي رجل يرقص بين عشرة ملايين من الأمريكان الألمان المحتجين في أذنه اليمنى، ~~وباقي ملايين الأمة المحتجة في أذنه اليسرى، هذا مع حالة المكسيك الحاضرة التي تكاد ~~تشتعل اشتعالا. # أمريكا رغما عن شعبها الألماني الأصل تجاهر بميلها إلى الحلفاء بلا خوف ولا ~~تردد، لا أعني الحكومة بل الشعب. هناك أمر لا يحتمله أمريكاني حر ربي على فكر ~~الحرية وشرب لبنها كما شربه من قبله آباؤه، وهو مهاجمة بلجيكا وغزوتها. هذا لن ~~نغفره لألمانيا قط. # قولي هذا للدكتور شميل إذا شئت، واسأليه ألا يصدق كل ما يكتبه عنا كتاب فرنسا ~~وإنجلترا، كما أني لا أصدق شيئا مما يكتب عن الشرق والشرقيين. قولي له ذلك واهديه ~~احترامي. # ها أنا قلت ذلك للدكتور وأهديتك احترامه مشفوعا باحترامي، يا سيدي الدكتور. أفعل ذلك ~~مترقبة بعض صواعقك عربية كانت أم فرنجية، فقد أوحشتنا كثيرا نارها العذبة. # | الأفكار القديمة ومراسل الآنسة مي # نقلت جريدة «الأخبار» فقرة من هذه الرسالة، فأرسل أحد القراء ms12 إلى الجريدة الاعتراض التالي: # مكاتب حضرة الآنسة مي الذي نشرت الأخبار شيئا من كلامه نقلا عن المحروسة. لا ~~نعرف منه سوى أنه «مسرور من وجود مثل الدكتور شميل في الشرق؛ لأن هذا الرجل لازم ~~لهدم الأفكار القديمة التي يتقبلها الناس بلا بحث ولا جدال ... إلخ»، فنهنئ حضرة الدكتور ~~بهذه الحظوة، ولكنا نأخذ على حضرة الكاتب خوضه في مثل هذا الموضوع الخطير بكلام ~~خيالي شعري هو من الإبهام بحيث لا يفيد إلا التضليل وامتهان النفس بأشرف عاطفة ~~فيها. # تدل القرائن على أن حضرة الكاتب يريد «بالأفكار القديمة» العقائد الدينية ~~كالإيمان بإله كامل سرمدي ... إلخ، مثلا مما تخضع له العقول على سموه وعجزها عن فهم ~~كنهه، فمثل هذه الأفكار - على قدميتها - ثابت على أقوى الأسس والبراهين التي طالما ~~احتك بها المتفلسفون وصقلتها الأجيال فلم تزدها إلا إرهاقا. # وإنا - وايم الحق - لنستغرب من الكاتب امتعاضه من تلك «الأفكار» ورميه ذويها ~~بالجهل والتعاسة، وافتتانه بالآراء الحديثة وادعاءه لها أرجحية الثبوت والوضوح. ونحن ~~نرى العلماء يتنازعون فيها ولا يزالون ينقضون اليوم ما بنوا أمس، على حين نراهم هم ~~أنفسهم يزدادون كل يوم تمسكا بتلك الأفكار التي يدعوها حضرة الكاتب قديمة، ~~ويجاهرون مفاخرين بتمسكهم بها كنيوتون وأراجو وباستور وأمبير وغيرهم كثيرون ممن ~~يحسبون أئمة في العلوم. # وإنا لندهش من أن مراسل الآنسة مي يحرم نفسه الآن لذة التمتع بمشاهدة ما تتجلى به ~~الأفكار الحديثة من مظاهر الرقي وتهذيب الطباع وتلطيف الهمجية القديمة باستعمال ~~الغازات السامة وطرق القرصنة وأساليب صب البلاء على الأبرياء والضعفاء، فضلا عما ~~أفادت الألمان - وهم أخص مروجيها ودعاتها - من القدرة التي سمت بهم إلى قتل الأسرى ~~والفتك بالأحداث والشيوخ والنساء. # فأحرى بالكاتب الغيور أن يذهب إلى ميادين القتال هناك ويساعد الألمان في هدم ~~معاهد تلك الأفكار القديمة ومعاقل تلك المعتقدات الدينية التي أثقلها صدى الأجيال ~~كريمس وشقيقاتها. ولا يخفى أن المجال هناك رحب لغيرته، فهذه «الأفكار القديمة» ~~تتجلى الآن بأبهى مظاهرها في فرنسا في الخنادق والمعابد والمعاهد والمعسكرات؛ حيث ~~تقام الشعائر الدينية ويجهر ms13 الجميع بالصلاة. ولم يفت أصدقاء الكاتب في مصر الوقوف ~~على شيء من مظاهر هذه الأفكار في وفاة ومشهد الجندي لروى ومن كلام الكولونيل موكور ~~الذي أبنه بألطف كلام وسكب على جراح ذويه بلسم التعزية بذكر وفاته المسيحية ~~متزودا الأسرار المقدسة. # ويحسن في هذا الصدد أن نذكر ما نقل عن العلامة الإفرنسي الشهير إميل أماجات الذي ~~خسرته العلوم ونعتته فرنسا إلى العالم حديثا، وهو أحد أعضاء الجمعية العلمية في ~~باريس والجمعية الملكية في لندن، له المباحث الخطيرة والاكتشافات النافعة في كثير ~~من فروع العلوم الطبيعية، فهذا الفقيد لما اشتدت عليه وطأة المرض استدعى الكاهن ~~وقال له: «طلبتك لتؤهلني للحضور أمام الله. أموت مؤمنا بكل ما تعتقد به الكنيسة ~~الكاثوليكية ... قد كان لي ديني راية، يعلم الله أني ما دنستها بما يشين لأجل مجد أو ~~مقام.» # أفلا يخجل حضرة الكاتب من امتهانه الأفكار القديمة والعقائد الدينية ورميه بالجهل ~~الناس الذين يقبلونها بلا بحث ولا جدال. وهو يرى أمثال إميل أماجات متمسكين بها ~~منتمين بكل افتخار إلى الكنيسة التي تعلمها؟ # ب. ر. # | إلى حضرة ب. ر. # 1915 # أشكر لحضرة معترض جريدة «الأخبار» اهتمامه بما نقلت عن الكاتب الأمريكي. وما كنت لأزعجه ~~بجوابي هذا لولا أني شعرت في رده بشيء من سوء التفاهم بيننا؛ فإما أن تكون «الأخبار» نسيت ~~سهوا نقل الجملة كما هي فأستأذنها بالإشارة إلى ذلك. وإما أن أكون أسأت التعريب - وهذا هو ~~الأصح - فوجب علي الإصلاح قدر المستطاع. # لست بمناقشة؛ لأني يوم عربت رسالة الكاتب الأجنبي لم أكن ناشرة إلا رأيه دون رأيي، ولا ~~أنا بمعترضة على قول حضرة ب. ر أن الكاتب أخطأ إذ خاض في الموضوع «بكلام خيالي شعري»؛ ~~أولا: لأن الرجل ليس شاعرا. ثانيا: لأني أضطر آنئذ أن أذكر حضرة ب. ر أن التوراة ~~والإنجيل الشريفين مكتوبان بأسلوب شعري خيالي، ففي التوراة يفيض الشعر فيضانا جميلا من ~~مزامير داود إلى نشيد سليمان، إلى سفر أيوب، إلى نواح أرميا. وأما الإنجيل فمملوء بالرموز ~~والإشارات، كما أنه مملوء بالتعاليم العالية ms14 المؤدية إلى الكمال الأسمى. والسيد المسيح نفسه ~~قال إنه يتكلم بالرموز ويضرب الأمثال. # على أني أستأذن حضرته بإلفاته إلى قول الكاتب الأجنبي أن «أمثاله (الدكتور شميل) يهدمون ~~ما في الأديان والجمعيات من الغلو والإفراط.» هذا صريح لا يحتمل تدليلا، فهل «الغلو ~~والإفراط» يعنيان الإيمان بإله أزلي سرمدي؟ كلا، إن هذه الفكرة العظيمة أم العقائد ~~الدينية وغير الدينية جميعا. إنها ملازمة لفكرة الخليقة ملازمة لا تقبل انفصالا. وسواء ~~دعيت تلك العناية المثلى «هو وهي» كما يدعوها الإسرائيليون القدماء، أم الله، أم الطبيعة، ~~فهي هي، وما كان البشر إلا معددين لها الأسماء والألقاب. «وأصدقاء» الكاتب الأجنبي يؤكدون ~~لحضرة ب. ر أن الرجل مؤمن بالله، فلماذا لا يكون «الغلو والإفراط» في التجاء امرأة ضاع ~~منها منديلها مثلا، إلى القديس أنطونيوس تستحلفه بأمه وأبيه أن ينزع منديلها من أيدي ~~الشياطين ويضعه في جيبها مباشرة، وذلك بمقابل بخور بكذا قروش تهديه إليه في الغد؟ ولماذا لا ~~يكون «الغلو والإفراط» في التجاء السيدات المسلمات إلى «الزار» والمشعوذين؟ ولماذا لا يكون ~~«الغلو والإفراط» في حرق المرأة الحية قرب زوجها الميت عند الهنود؟ # أظن أن مثل هذه الاعتقادات الصبيانية والعادات الفظيعة تستحق نعت «الغلو ~~والإفراط». # بعد خطة الدفاع يتخذ حضرة ب. ر خطة الهجوم، فينتقل دفعة واحدة من الدين إلى الحرب. وأعترف ~~بأن هذا الهجوم الفجائي يدهشني بعض الدهشة، وهو يعلم ألا دخل للدين في حروبنا اليوم. نعم ~~إنهم يفتتحون الحرب باسم الله، وينادونه إلى الأخذ بيدهم، ويملقونه - وهو الرفيع عن كل ~~تملق - قائلين: أنت إلهنا وأنت معنا. حتى إذا ما أفنوا حياة سمح بأن تكون، وهدموا ~~ديارا سمح بأن تشاد، ومزقوا أجسادا وسحقوا قلوبا عادوا إلى كنائسهم ومعابدهم، وجثوا ~~أمام الإله العظيم إله الرحمة والحب والإشفاق، وأنشدوا: «إياك اللهم نعظم»! إن الأديان ~~لتبرأ من فظائع الحروب ولا تجوز إلا الدفاع عن الوطن إذا هاجمه الأعداء. ولكن جميع النفوس ~~لا تفهم الأديان كما هي، بل كل منا يفهم دينه حسب درجة عقله وميول قلبه. ولا يقتصر البشر ~~على ms15 الإيمان بالعقائد الدينية الأساسية، بل يتعصبون لاعتقادات أخرى إضافية لم تكن إلا ~~اختراع التعصب والجهل. وكثيرا ما يستفيد رؤساء الشعب والحكومات من هذا التعصب فيشهرون ~~الحروب، ويقودون الشعب المسكين إلى حيث لا أثر للدين، ولا منفعة لغير السياسة. # فإن استعمل الألمان وسواهم العلم وبذلوا كل ما لديهم من معرفة وحيلة في سبيل قهر أعدائهم، ~~فهل هذا يعيب العلم؟ الطب عائد بالخير على الإنسانية، فهل إذا دس طبيب لعليله السم لغرض من ~~الأغراض فسدت منفعة الطب ووجب علينا أن نحسبه من حيث طبيعته شرا؟ هذا العلم الذي هو آلة ~~شر وفناء في يد ألمانيا وغيرها الآن كان وما زال آلة خير وحياة في يد ألوف من الأفراد ~~وعشرات من الشعوب؛ لذلك لا يتحتم أن يكون المؤمن جاهلا، فالدين شيء والعلم شيء آخر. الدين ~~مهذب شخصيتنا المعنوية والعلم ضرورة من ضروريات حياتنا. هذا للزمان وذاك للأبدية، وليس ~~لأحدهما أن يلاشي الآخر. # يختم حضرة ب. ر مقاله كمن يتساءل ألا يخجل الكاتب لأنه لا يعتقد اعتقاد إميل أماجات؟ ~~لست أدري، يا سيدي؛ لأني لم أسأله بعد، ولكني أعتقد أن الدين علاقة سرية بين الخالق ~~والمخلوق، أعتقد أن كل امرئ يلاقي نتيجة أفعاله ولا يتحملها عنه أحد، أعتقد أن الله منح ~~البشر حريتهم - اسمح لي أن أذكر الحرية بلهجة غير لاهوتية - فعلى كل أن يرى وجهة الخير ~~أمامه، ويعبد ربه ويخدمه كيفما شاء، ما دام الله سامحا بذلك، لماذا لا يسمح به ~~الناس؟ # أما الدكتور شميل الذي تفضلت وهنأته «بهذه الحظوة»، فلست أعرف كيف تقبلها، وإذا كان إعجاب ~~رجل أجنبي أو شرقي يهمه كثيرا. ولكني أعرف أن اسمه من الأسماء التي سيفتخر بها الشرقيون ~~دواما، سواء أكانوا مؤمنين أو ملحدين. لم يكتب ضد الدين أحد أكثر من فولتير، ورغم ذلك ~~فمقامه الأدبي محفوظ حتى لدى المتدينين، ويفاخر أبناء فرنسا بأن ينعتوا لغتهم باسمه فيقولون ~~عنها «لغة فولتير». # | سلام الله يا مطر عليك # 1916 # قلبت الشطر وغيرت منه المعنى لأنصفك، يا مطر الجو، وأثأر لك ms16 من الشاعر العربي. ~~وسواء أعناك في شعره أم عنى رسولا اسمه «مطر»، أم جعل الكلمة الواحدة في الشطرين تعنيك ~~مرة وتعني الرسول أخرى، فأنت يا مطر الغيوم مظلوم. وما أظلم الشعراء يوم لا يرحمون! # وما ذنبك أنت المنفعل وإن خلناك فاعلا، ما ذنبك إذا امتصتك الشمس من البحر بخارا، ~~وعقدتك في الجو سحابا، ثم تفجرت السحب وتدفقت سيولا تروي السنابل والأشجار، وتذبل ~~الأنبتة والأزهار حينا في انتظار ربيع يحبوها من جديد بنضرة الشباب وسحر الحياة؟ # وما ذنبك إذا أبطأ الرسول مطر في رسالته، فلعل له في طريقه ليلى تحدثه؟ وما ذنبك أن لم ~~يعد مطر الرسول إلى الشاعر بجواب مرضي من ليلاه؟ وهب أنك هطلت قبيل اجتماعهما المنتظر ~~فكنت بينهما حائلا، فما ذنبك؟ # سخط الشاعر وسبك بالأوزان والأسجاع على نحو ما يكون سباب الشعراء، ولكنه إذا كان شاعرا ~~صميما فما يلبث أن يهدأ سخطه، ويفكر في شعوب جائعة تنتظر منك إرواء غليلها وضمانة ~~قوتها. # ولكن لعل الشاعر كان مصريا فما استطاع أن يرى فيك ما تراه شعوب ليس في ديارها نيل ~~كريم يفيض بدموع الآلهة فيغنيها عن منافعك وأضرارك؟ # يحق لبعض المصريين، من جانب آخر، أن يقروا الشاعر القديم في قوله: «وليس عليك يا مطر ~~السلام»، يحق لهم ذلك إذا ما رأوا الأحياء غير الأوروبية في هذه المدينة. والأحياء الأوروبية ~~وغير الأوروبية من الأمور التي تسوسها مصلحة التنظيم. ومصلحة التنظيم - كما تعلم أو كما لا ~~تعلم أيها المطر - دائرة من دوائر الحكومة، فإذا ذكرناها بغير الثناء والتعظيم والتبجيل كان ~~نصيبنا منها نصيبك من شاعر ليلى على الأقل! # | بين الأدب والصحافة # 1916 # تساءل مستر برسي هوايت في إحدى محاضراته الأخيرة بالجامعة المصرية: هل الأدب والصحافة ~~واحد؟ وما لبث أن أجاب نفسه قائلا: «كلا ليسا واحدا. قد تلامس الصحافة الراقية، في بعض ~~موضوعاتها، المعاني الأدبية العالية فتوسم بوسمها وتؤثر تأثيرها، لكن الصحافة، بوجه ~~الإجمال، تختلف عن الأدب من حيث الغرض والمرمى والتأثير.» # بينما كان الأستاذ يبسط رأيه كنت أضاحك نفسي قائلة: قد ms17 يكون هذا رأيكم أيها الغربيون، لكن ~~الأمر عندنا على غير ما تذكرون؛ عندنا إذا كتب المرء مقالات قليلة في الزراعة مثلا، حاز ~~دفعة واحدة جميع الألقاب الكتابية المدونة في القاموس فأصبح: كاتبا مجيدا، أديبا ~~أريبا، مفكرا مبتكرا، شاعرا فذا، خطيبا مفوها، سياسيا محنكا، عالما علامة ~~وبحرا فهامة. وإذا أردت معرفة ألقابه الأخرى فعليك «بنجعة الرائد» لليازجي (صفحة 2 الباب ~~السادس من الجزء الثاني). # الأدب فن التعبير عن العواطف والميول والتأثيرات نثرا ونظما، فالشعر فرع من الأدب. ~~والشرط الجوهري للكاتب الأدبي هو أن يكون ذا إحساس قوي يتأثر بجميع الحوادث، فإذا نقص هذا ~~الشرط تلاشى الكاتب الأدبي. # وكيف يؤثر من لا يكون متأثرا! ألا إن الذكاء يتعب، والعلم يعذب، والحرية الفكرية تقلق ~~النفس. ولئن عرفت كيف تضرب على أبواب القلوب سمعت الجواب دوما، تجاوبك الدموع؛ دموع ~~التعزية في الغالب، ودموع الألم أبدا. # أما الصحافة ففي نشر الأخبار السياسية والاجتماعية والعلمية والأدبية، فهي إذن مختلفة عن ~~الأدب كل الاختلاف. إذا احتاج الأديب إلى شعور قوي فلا حاجة للصحافي إلى ذلك، وما عليه سوى ~~نقل الأنباء التلغرافية ونشر الحوادث المحلية، فإذا فعل أجاد وكان عند ربه وعند الناس ~~مرضيا. # على أن خدمات الصحافة جليلات ولا غنى لأمة متمدنة عنها. ولصحافتنا العربية مزية خاصة ~~في هذا العصر بكونها لسان حال الأدباء والعلماء والمفكرين والمتشرعين. كتب العلم والأدب ~~قليلة عندنا؛ لأن علماءنا وأدباءنا قليلون. وقد ندر بينهم من استطاع تأليف كتاب والإجادة ~~التي هي شرط الإفادة. أما معظم الكتب المتداولة بين أيدينا فمنقول عن اللغات الأجنبية، وإذا ~~كان لنا منها فائدة فهي، على كل حال، لم تكتب لنا ولم تلاحظ أحوالنا ووراثتنا وأخلاقنا في ~~تأليفها. ولا يستطيع الإتيان بذلك إلا كاتب منا؛ لأن الكاتب الأجنبي لا يفهم طبيعتنا ~~الشرقية تماما مهما عاش بيننا، وهو ذو طبيعة متباينة؛ فلا بد من المقابلة بينه وبيننا في كل ~~أمر. وهو لا ينظر إلينا إلا بعين الغرب للشرق؛ أي بعين الاستفهام الدائم، بعين الاستغراب ~~والاستحسان اللذين يتجاذبانه أمام كل ms18 حركة من حركاتنا. # ويجيد كتابنا في بعض المقالات المنشورة في الصحف السيارة. يجيدون في تشخيص الداء وفي ~~الإرشاد إلى الدواء، فنرى أحيانا بين التلغرافات والحوادث المحلية سطورا أدبية ملؤها ~~الشعور الصادق والاختبار والمعرفة. وهذا فضل يضيفه الصحافيون إلى أفضالهم الكثيرة، فإن لم ~~يكن الشعور ضروريا للقيام بواجباتهم، فهم يعرفون كيف يستعملونه ومتى يظهرونه. # أصبح الصحافيون زمرة قوية تخشاها الأرض ومن عليها، فهم ينتقدون القوانين، ويحاجون ~~الحكومات، ويسنون أوامرهم للبشر، ويبسطون آراءهم لأولي الحل والعقد حتى إذا شعروا بأن ~~الفكرة التي يبدونها بعيدة عن ذهن القارئ عمدوا إلى أسماء التحبب فدعوه تارة «القارئ ~~اللبيب» وطورا «القارئ الكريم» وحينا «القارئ العزيز» إلى غير ذلك من النعوت الطيبة التي ~~ترضي الجميع، فيقتنع القارئ بأنه لبيب وكريم وعزيز، فعلى كل لبيب كريم عزيز أن يفكر أن ما ~~جاء في المقال هو الحقيقة بعينها. # أكتب هذا وأنا أعض على سبابتي ضاحكة. لا تغضبوا يا سادتي الصحافيون. كلنا معترف ~~بالخير المتدفق من أقلامكم على من يقرأ ومن لا يقرأ جميعا؟ وأشهد باحترام أن وجودكم بيننا ~~عنوان ارتقائنا، أليس كذلك؟ غير أني أريد أن أنصفكم فأقول: لئن كان كل منكم القدرة المجسمة، ~~فإن هناك شخصا أقدر منكم لو اتحدتم جميعا. لا تظنون أن الله هو من أعني، بل هو بطل قلم ~~الرقابة ... هو الرقيب. # | موعظة شهر الورود # دنا المساء فهزني طرب الربيع ورغبت في الخروج والتجوال لأشارك الطبيعة في أفراحها. ~~كأني حسبت جدران البيت تقطع الصلة بيني وبينها، وتشعرني بأني محرومة من مشاركة الموجودات ~~الهاتفات بأريج أيار بين الغصون وبزينة الأرض العروس. # خرجت وليس لي وجهة معينة أطلب بداهة أحياء قلما اخترقتها، فسرت في شارع قصير على ~~مقربة من شارعنا كأن نفسي المتيقظة لبت داعي الأخضرين المحيطين بهاتيك المنازل: أخضر يبسط ~~على أرض الحديقة طنفسة مخملية، وأخضر يتعالى ظليلا فيعكس طيف أفنانه على وجه الجدران ~~الشاهقات. # سرت متمهلة أنتقل من رصيف إلى رصيف، والشمس آخذة في التحدر وقد انكسرت حدتها ولطف ~~نورها، حتى بدت الأشعة حزينة بما ms19 مازجها من معاني الفراق. وما كان أندر المركبات والسيارات ~~في ذلك المنعرج، والمارون يتبادلون نظرة كأنهم لقلتهم يقولون «أرأيت؟ لا أحد إلا ~~أنا!» # أتيت على آخر الشارع فنفذت إلى شارع رحب طويل هو شارع ماريت باشا المؤدي إلى دار الآثار ~~المصرية، فخطوت مترددة بين العودة من حيث أتيت ومتابعة المسير إلى الأمام. وإذا بناقوس ~~يدق على مقربة مني ولرنينه إزاء الغروب دوي متوسل حنان، فالتفت إلى جهته فوجدتني ~~أمام كنيسة صغيرة رأيتها مرارا ولم أدخلها مرة. # وقفت أتأمل واجهة الكنيسة وأدير النظر في الحديقة التي تتقدمها وكانت تجتازها بعض ~~السيدات، فلما توارين وراء باب الكنيسة تبادر إلي أنه يحتفل بصلاة الشهر المريمي في هذه ~~الساعة من كل يوم على طول الشهر؛ لأن أيار (مايو) مكرس للعذراء، ولم يعد ينقصني إلا أن ~~أرى فتاة تسير بخطوات عصفور في ثوب أزرق كزرقة الأحلام، وتتوارى هي أيضا وراء باب الكنيسة، ~~لأجد مني شوقا إلى مشهد الهياكل وتوقا إلى رائحة البخور. اضحكوا ما شئتم، أنتم الزاعمون ~~أن الثوب المليح دعاني، وأن زيه البسيط وتخريمه الدقيق كان له مع المرأة مني أحاديث. # أما الكنيسة فكانت مملوءة بالمصلين ولم يخل في مقاعدها إلا مكان واحد جثوت عنده قرب ~~الكاهن الراكع أمام المذبح يتلو المسبحة باللاتينية فيرد عليه الجمهور بلهجة الخاشع ~~المتهيب. # لا أعرف شيئا أجمل وأسمى من الصلاة في أي دين من الأديان؛ لأنها ترفع النفس إلى أعلى ~~درجات الارتقاء ومحاولة الدنو من روح الحياة الكبرى. هي مناجاة العابد للمعبود، هي شكر ~~المخلوق للخالق واستعطافه لاستنزال عطاياه. وما أعذب هذا الاعتقاد أن في السماء، هناك وراء ~~جمع القوى والعجائب الكونية، إلها قديرا لا يقضى دونه أمر، لديه النعم يفيضها على الحاجة ~~البشرية، وعزة يتلاشى حيالها ضعف الإنسان، وجود يعم البرايا فتموج وتتنوع وتنبض بالحياة ~~والقول والتحول. # إلا أني لا أستحسن الصلاة الآلية المستطردة على وتيرة واحدة دون أن يشترك فيها العقل ~~والقلب؛ الصلاة المتعاقبة ألفاظها بين الشفاه والأصابع تعد منها أرقاما معينة؛ لأنها ~~أبعث إلى التنويم ms20 المغناطيسي منها إلى الإيقاظ الروحي. قد يكون هذا التأثير من تفنن الشيطان ~~في التجربة والخداع - قاتله الله - لقد وسوس في صدري حتى شتت أفكاري وحملني على إحصاء ~~الحاضرين. وكانت النتيجة أنى جزمت بأن النساء أسبق إلى دخول السماء نسبة إلى عددهن في ~~الكنيسة؛ إذ لم يكن بين مائتي امرأة إلا رجلان وخمسة أرباع. أما الرجلان فرجلان، وأما ~~الخمسة الأرباع فصبيان صغار خمسة جاءوا مع أمهاتهم. وكم كنت ظالمة في الإحصاء والحكم! ذلك ~~أني عند الخروج وجدت جمهور الرجال في مدخل الكنيسة، يقفون هناك مراعاة للسيدات وتكرما ~~لهن بالمقاعد. # وظل الخناس الوسواس يجربني فحسن لي تفحص المعبد فتفحصت جدرانه وما قام عليها من صور ~~وتماثيل، وهندسته وما ميزها من نقوش ورموز، وهياكله وما تناسق عليها من صلبان وطاقات ~~أزهار، تلك الأزهار ذات الانحناء السري، تتخللها شموع كأن لهيبها تذكارات لاذعة في شفق ~~الغيبوبة والنسيان. # لكل شيء في العالم نهاية. صمتت الأصوات فمشى الكاهن إلى الدرابزين أمام المذبح الكبير ~~وبدأ موعظته الإيطالية. وكان يقول أشياء عادية بصوت المثبت، وإشارته مرتبكة كإشارات ~~التلاميذ في حفلة توزيع الجوائز، ولكن لم يلبث أن ارتفع صوته وركزت هيئته، واتسعت إشارته، ~~ولمعت عيناه وهو يقول: # إلى مريم ربة هذا الشهر الجميل يجب أن تلتجئ النساء جميعا؛ فالأمهات يتعلمن منها ~~التجمل بالصفات التي أحاطت بها ابنها يسوع: وهي الحنان والحصافة والمحبة الصادقة ~~التي لا زهو فيها ولا تهور. لقد كانت، وما زالت، وستبقى أبدا أسمى مثال للأمومة ~~القدسية، تسير الأمهات وراءها مستوحيات أساليب التربية والتهذيب. # إليها يلتجئ اليتامى الذين لا أم لهم فيجدون في حضنها الراحة والعطف والمساعدة. ~~إليها تلتجئ العذارى؛ لأنها أبهى مظهر للطهر والحشمة والوداعة. # اسمعن يا أخواتي يا نساء القاهرة! إليكن أوجه هذه الكلمات فاقبلنها؛ لأنها خلاصة ~~اعتقادي. تعلمن الحشمة من مريم، أنتن بنات اليوم الناسيات. ما وقار المرأة ~~واحترام الناس لها إلا نتيجة حشمتها وعفتها. قد تكن عفيفات طاهرات في قلوبكن، ~~ولكن كيف يصدقكن الرائي ويحسن الظن بكن وأنتن تسرن في الشوارع بهذه الأزياء ms21 ~~الحديثة التي تعري منكن العنق والنحر والذراعين، هذه الأزياء الشريرة بأقمشتها ~~الشفافة، الشريرة بقصرها وضيقها، التي تعدم لابستها كل هيبة وجلال؟ # أللحب تتزين؟ أللحب تتهن في هذا التهتك؟ ألا فاعلمن إذن أن حب الرجل لا ~~يكتسب بالتهتك بل بالتكتم. الرجل محارب من طبعه يهوى الفتوحات ويستميت في ~~الإخضاع، بينما هو يعرض عن كل ما لا يكلفه ألما وكدا. # أم أنتن تتزين للجمال؟ ولكن هل الجمال في الزينة والأناقة وملاحة الوجه ~~وتناسب الأعضاء؟ كلا! كم من امرأة تحسب آية تناسب وملاحة، وهي مع ذلك غير ~~جميلة، إذا سر امرؤ بمشاهدتها مرة أو مرات فهو لا يتمنى مجالستها ويمل ~~كلامها وسخافتها بعد أن يعرفها قليلا؛ إذ يرى أن أحسن ما فيها هو هذا الشيء ~~الخارجي الذي لا يكفي لامتلاك القلوب واكتساب الأرواح. # ألا فاعلمن أن النساء اللاتي كن ذوات أثر في أعاظم الرجال وذوات سلطة وشوكة ~~حزن جمالا أعظم من هذا الجمال الخسيس وأبقى. لقد كان لهن جمال النفس الذي ~~تزيده الأيام رونقا، بينما هي تحك القشرة هنا وهناك وتوسعها كل ساعة ذبولا ~~وإتلافا. كان لهن جمال العقل وجمال القلب، وجمال حسن التصرف، وجمال اللطف ~~الصحيح، وجمال المحبة الطاهرة العميقة المستخفة بالمظاهر التي لا يغرها جمال الشباب ~~وجمال الأناقة وجمال الأزياء. # أتعلمن ما هو الشباب والجمال؟ هما حديقة تملؤها الأزهار النضرة والعطور المنعشة، ~~أمامها يقف المارون معجبين. وما هو إلا يوم وليلة فتمر العاصفة صارعة أشجارها، ~~مبددة أزهارها، مبيدة عطورها، وتغادرها خالية إلا من أكوام التراب والأغصان ~~المكسرة، هذا ما تسمونه جمال الشباب؛ أي جمال القشور. أما الجمال الآخر فهو جمال ~~الجوهر، الآلام تطهره والمصائب تجلوه، والعواطف تفعمه قوة ونبلا. هو الجمال ~~الذي يبقى ناميا مدى الحياة. هو مسعد العائلة، وهو مساعد الزوج، هو مهذب الأطفال، ~~هو السلام والخير والبركة. ولتحفظه المرأة ... اسمعن أيتها السيدات ... لتحفظ المرأة ~~ذلك الجمال. عليها أن تكون وردة تحيط بها الأشواك ... # انتهت الوعظة، فعزف الأرغن الشجي وابتدأ الزياح فاشترك الجميع في الترتيل وتصاعدت ~~الشعائر نحو الله ملحنة ms22 أنغاما ومحترقة أمام هيكله بخورا. # وعند خروجي من الكنيسة كان الظلام يغمر المدينة ومضيئو المصابيح يجرون في الشارع حاملين ~~المشاعل، فوقف أحدهم يتفرج على السيدات وهو يفتر عن أسنانه البيضاء، ويثني على كل مارة ~~الثناء المعتاد قائلا بلهجته المصرية النغشة: «إنت يا واد يا حلو! إنت ياللي زي الباشا! ~~إنت يا واد يا حلاوة!» # هذه هي موعظة شهر الورود: على المرأة أن تكون وردة تحيط بها الأشواك. وما «أشواك» الوردة ~~النسائية غير التكتم والحشمة والطهارة كما قال ذلك القس، فإن عجبتم اليوم لهذا الكم الطويل ~~الذي يتعثر قلمي بأذياله فاعلموا أن سببه موعظة شهر الورود. وإن أعرضت عن ذلك الثوب الشفاف ~~الساحر واستبدلته بهذا الشبيه بثوب أبينا الواعظ لكثافته فما سببه إلا موعظة شهر الورود. ~~وإن غادرتكم الآن فما ذلك إلا لأني أريد أسمع موعظة شهر الورود مرة أخرى: على المرأة أن ~~تكون وردة تحيط بها الأشواك. # | الحركة بركة # 1916 # شكا الناس هذا العام وما فيه من كثرة الجلبة في ميادين القتال وقلة الحركة في ميادين ~~الأعمال. قال بعضهم إن مصر فارغة في هذه الشهور فراغ جيب البخيل. وقال آخرون إن جيب البخيل ~~لا تفرغ إن كانت يده لا تمتلئ؛ فسعى بالصلح جماعة أرضوا الفريقين بقولهم: «بل قد تكون جيب ~~البخيل ويده ملآنين ولكن عينه تبقى فارغة.» # هؤلاء الناس سفسطائيون لا يعرفون شيئا. أيها القارئ، لا بد أن أسميك اليوم لبيبا؛ إذ ~~لدي من الأقوال ما أود أن تقبله بلا اعتراض، وأن تضحك له لا منه، لهذا لا بد أن تكون ~~لبيبا، فإذا كان دولاب الأشغال (كما يقول الاختصاصيون) قد أكله الصدأ، وما كثر في هذه ~~الأيام من العمال إلا العاطلون فلا تظن الحالة موجبة لليأس. صحيح أن البورصة تحزن السماسرة ~~بعض الحزن؛ لأنها عنيدة تأمل الطلوع، لكني أعترف لك سرا بأنها مصيبة، فليست الأيام أيام ~~طلوع، وكل مرتفع معرض للمقذوفات. إنما الزمان زمان خنادق. حفرت البورصة لنفسها خندقا ~~ملائما للأحوال ونزلت فيه صامتة. # غير أني أكرر أن الحالة لا ms23 توجب اليأس؛ لأن اللصوص قوم أذكياء، إذا هدأت الحركات غلت ~~حركاتهم وتنوعت، يتهادون بين المنازل والدكاكين تهادي ربات الجمال وذوات الحجال، يسيرون من ~~باب إلى باب، ومن مستودعات الجواهر إلى مستودعات الأموال، بخفة وهدوء لئلا يقلقوا راحة ~~النائمين. الأدب حسن في كل حين، واللصوص جماعة «جنتلمن». # على أني أعجب للمسروقين لماذا يغضبهم أنهم لا ينتبهون لمرور الساعة الرهيبة؛ أهذا جزاء ~~المعروف، يا سادتي؟ أما البوليس فلا اعتراض على وقفته: يقف في النهار بكرامة، وعلى مقربة ~~منه تتخاصم الناس وتتصادم المركبات، وهو - ولله الحمد - واقف بالسلامة، منصوب قوامه إلا من ~~طرفيه كالألف المتقنة الصنع، وهذا يزيده شبها بإله الحدود القديم عند الرومان. # أستغفر الله! لست أعني أنه يظل واقفا كالتمثال! كلا ثم كلا! إنه يمشي أحيانا، ويرفع ~~يده مسلما على بعض المارين في المركبات، وطرف حديث مع الإخوان لا يزعجه بل بالعكس، وهو ~~مع ذلك متمم أمور وظيفته، فإذا رأى قبيل المساء حوذيا لم ينور شمعتي مركبته صاح إله ~~الحدود الجديد باسطا ذراعيه إلى الأمام وقال: «نور يا أسطى!» إنه لبطل شجاع لا يحابي ~~أحدا، وهو لا يخشى هولا إذا ما أمره الواجب! علينا أن نعترف من جهة أخرى بأن الحوذي يطيع ~~مرة في المئة ويعصي تسعا وتسعين مرة، مكتفيا بأن يجيب على أمر البوليس «حاضر يا سيدي»! ~~يقول المثل «لاقني ولا تعشني.» وكذا يعمل الحوذي؛ لأن ثقته في حلم البوليس لا حد لها، ~~مهما كان المرء بوليسا فإنه يظل إنسانا رحيما. # هذه حالة البوليس في النهار، أما عن الليل فلا تسلني! قيل لي في قديم الزمان وسالف العصر ~~والأوان إن بوليس الليل يدعى خفيرا، وهو كذلك. إنه ما زال بوليسا معتبرا ما دام قائما ~~مقام البوليس، ولا أعرف عن هذا البطل الآخر سوى حادثة صغيرة جرت في شارعنا منذ أسبوعين ~~تقريبا: دخل لص بيتا فأفاق أهل البيت، وانتبه الجيران، وقبض هؤلاء وأولئك على اللص ~~وشريكه، ثم تساءلوا أين البوليس أو القائم مقامه، فبعد أن بحثوا عن رجل الساعة وجدوه نائما ms24 ~~كطفل بريء ... فأيقظوه! ويل لقساة القلوب إنهم لا يشفقون! # من ألذ أخبار اليوم حوادث ثلاث: سرقتان لمبالغ 50 جنيها و115 جنيها من بعض المخازن، ~~وسرقة حلي وجواهر من منزل سيدة وطنية بقيمة خمسين ألفا من الفرنكات. # بارك الله فيكم أيها اللصوص! إن ضاعت أيامكم فإن لياليكم لا تضيع! تذكرون قول الأمريكان ~~«الوقت من ذهب»، وقول السويسريين «السكوت من ذهب» وتستخدمون الوقت والسكوت معا، فينقلب ~~الذهبان بين أيديكم لآلئ وجواهر! بارك الله فيكم جميعا! أليس كذلك أيها القارئ ~~اللبيب؟ # والبوليس؟ لا توقظوه! إنه نائم بالسلامة كطفل بريء ... # | دنا عيد الميلاد ... # دنا عيد الميلاد وجاءت معه جميع الذكريات والتصورات والمعاني الخاصة به. غدا يلقي ~~الواعظون من على المنابر كلمات الرفق والإحسان والغفران، وينشد المنشدون «المجد لله في ~~العلى وعلى الأرض السلام»، فيسمع الناس الأناشيد والمواعظ ولا يحاولون إدراك كنهها، وإن ~~أدركوا فلا يعتقدون بوجوب تطبيقها على أعمالهم؛ لأنها كجميع النصائح تقل قيمتها بالتكرار ~~ويستخف بها كلما تبرع بها المتبرعون. # المجد لله ليس في العلى الذي لا نعلم ما هو فحسب، بل المجد له في كل مكان وكل زمان. أما ~~السلام فليس على الأرض في أيامنا، ولا ينتظر أن يحل عليها قبل أن يتغير نظام الكون وهو ~~التصارع والتقاتل الذي لا يفتر ولا يضعف. # منذ مئات الأعوام والدهور تتجاوب كلمات المحبة والمساواة، أما الأعمال فلا يظهر فيها غير ~~تنازع البقاء وتنازع القوة، وتنازع الغلبة والظفر بين الأفراد والجماعات في شئون العمران ~~والدين والطبيعة. ليس غير التنازع من سبب في أن تقيم الفنادق الكبرى شجرة عيد الميلاد ليدور ~~حولها الراقصون الراغبون في نسيان همومهم وتسريح غمومهم. وهو، هو باعث نظرات السرور في عيني ~~طفل يرقب لعيبات ودمى وخيلا وأسلحة ومركبات عمرت بها نوافذ المحال التجارية. وهو منبه ~~الذكرى في نفوسنا ومعيدنا إلى أيام كنا نرى في هذه اللعيبات الكون بأسره، كما أنه في الوقت ~~ذاته العاطفة التي تحولنا عن هذه الأشياء إلى ما هو خير منها، أو ليس هو ذلك التنازع في ~~شكل مجاملة، ms25 صارت بالاستمرار إخلاصا اجتماعيا، الذي يجعلني أقول: كل عام وأنتم ... # | عام سعيد # كلمة يتبادلها الناس في هذه الأيام ولا يضنون بها إلا على المتشح بأثواب الحداد، فإذا ~~ما قابلوه جمدت البسمة على شفاههم وصافحوه صامتين، كأنما هم يحاولون طلاء وجوههم بلون ~~معنوي قاتم كلون أثوابه. # ما أكثرها عادات تقيدنا في جميع الأحوال فتجعلنا من المهد إلى اللحد عبيدا! نتمرد ~~عليها ثم ننفذ أحكامها مرغمين. ويصح لكل أن يطرح على نفسه هذا السؤال: «أتكون هذه الحياة ~~«حياتي» حقيقة وأنا فيها خاضع لعادات واصطلاحات أسخر بها في خلوتي، ويمجها ذوقي، ~~وينبذها منطقي، ثم أعود فأتمشى على نصوصها أمام البشر؟» # يبتلى امرؤ بفقد عزيز فيعين له الاصطلاح من أثوابه: اللون والقماش والتفصيل والطول ~~والعرض والأزرار، فلا يتبرنط، ولا يتزيا، ولا ينتعل، ولا يتحرك، ولا يبكي إلا بموجب مشيئة ~~بيئته المسجلة في لوائح الحداد الوهمية، كأنما هو قاصر عن إيجاد حداد خاص يظهر فيه - أو لا ~~يظهر - حزنه الصادق المنبثق من أعماق فؤاده. # إذا خرج المحزون من بيته فلا زيارات ولا نزه ولا هو يلتقي بغير الحزانى أمثاله. عليه أن ~~يتحاشى كل مكان لا تخيم عليه رهبة الموت؛ المعابد والمدافن كعبة غدواته وروحاته يتأممها ~~وعلى وجهه علامات اليأس والمرارة. # وأما في داخل منزله فلا استقبالات رسمية، ولا اجتماعات سرور، ولا أحاديث إيناس. الأزهار ~~تختفي حوله وخضرة النبات تذبل على شرفته، وآلات الطرب تفقد فجأة موهبة النطق الموسيقي، حتى ~~البيانو أو الأرغن لا يجوز لمسه إلا للدرس الجدي أو لتوقيع ألحان مدرسية وكنسية، على شريطة ~~أن يكون الموقع وحده لا يحضر مجلسه هذا أحد. أما القرطاس فيمسي مخططا طولا وعرضا بخطوط ~~سوداء يجفل القلب لمرآها. # كانت هذه الاصطلاحات بالأمس على غير ما هي اليوم، وقد لا يبقى منها شيء بعد مرور أعوام، ~~ولكن الناس يتبعونها الآن صاغرين؛ لأن العادة أقوى الأقوياء وأظلم المستبدين. # إن المحزون أحق الناس بالتعزية والسلوى؛ لسمعه يجب أن تهمس الموسيقى بأعذب الألحان، ~~وعليه أن يكثر من التنزه لا لينسى حزنه، فالحزن ms26 مهذب لا مثيل له في نفس تحسن استرشاده، ~~وإنما ليذكر أن في الحياة أمورا أخرى غير الحزن والقنوط. # ألا رب قائل يقول إن المحزون من طبعه لا يميل إلى غير الألوان القاتمة والمظاهر ~~الكئيبة، إذن دعوه وشأنه! دعوه يلبس ما يشاء ويفعل ما يختار! دعوا النفس تحرك جناحيها ~~وتقول كلمتها! فللنفس معرفة باللائق والمناسب تفوق بنود اللائحة الاتفاقية حصافة ~~وحكمة. # بل أرى أن أخبار الأفراح التي يطنطن بها الناس كالنواقيس، ومظاهر الحداد التي ينشرونها ~~كالأعلام، إنما هي بقايا همجية قديمة من نوع تلك العادة التي تقضي بحرق المرأة الهندية حية ~~قرب جثة زوجها. وإني لعلى يقين من أنه سيجيء يوم فيه يصير الناس أتم أدبا من أن يقلقوا ~~الآفاق بطبول مواكب الأعراس والجنازات، وأسلم ذوقا من أن يحدثوا الأرض وساكنيها أنه جرى ~~لأحدهم ما يجري لعباد الله أجمعين من ولادة وزواج ووفاة. # وتمهيدا لذلك اليوم الآتي أحيي الآن كل متشح بالسواد، أما السعداء فلهم من ~~نعيمهم ما يغنيهم عن السلامات والتحيات. أحيي الذين يبكون بعيونهم، وأولئك الذين يبكون ~~بقلوبهم؛ أحيي كل حزين، وكل منفرد، وكل بائس، وكل كئيب. أحيي كلا منهم متمنية له ~~عاما مقبلا أقل حزنا وأوفر هناء من العام المنصرم. # نعم، للحزين وحده يجب أن يقال «عام سعيد»! # | أجوبة الفتيات # نشرت إحدى صحف اليوم تحت هذا العنوان النبذة التالية: ألقت نشرة امتحانات التعليم ~~الابتدائي الفرنساوية على الفتيات المتقدمات للحصول على الشهادة هذا السؤال: «ما هي غايتك ~~من الحياة؟» وبعض الأجوبة جدير بالذكر، منها: ~~«أريد أن أكون من راهبات القديس فرنسيس لأمرض المرضى طول حياتي.» ~~«لقد قر رأيي على أن أكون مركيزة.» ~~«أود أن أكون ملكة على فرنسا.» ~~«أشتهي أن أصير أما.» ~~«أود أن أكون راعية للغنم.» ~~«أطمع في الحصول على ساعة.» ~~«أريد أن أكون بطلة مثل جان دارك.» ~~«أتمنى أن أسافر وأموت غرقا.» ~~«أود أن أبرع في أساليب الهزوء والتنكيت ... إلخ، إلخ» ~~••• # فسألت نفسي بعد قراءة هذه النبذة: «وما هي أمنيتك الآن؟» وأغمضت عيني منتظرة الجواب. ~~وما أغمضتهما ms27 إلا وتلاشت الأصوات حولي، ونسيت محيطي، ورأيتني سابحة فوق الأزرق الوسيع، ~~ورائحة المرارة البحرية وطعمها يخترقان كياني بينما الأهوية والنسائم يتناقلنني. يا لهذا ~~البحر الجميل كم من أرض محبوبة يحول دونها، وكم من وجه عزيز يحجب عن المشوق معناه! وما ~~لبثت أن وجدتني مستلقية على الشاطئ البعيد ... # أتعرفون تلك البقعة الهادئة المنبسطة على شفة البحر تحت ذياك المكان المدعو ب «وطأ نهر ~~الكلب»؟ أما زالت هناك كما كانت يخاصمها البحر ويصالحها ليل نهار؟ هناك أود أن أنام، شأني ~~وأنا في الثانية عشرة من سنواتي البشرية. هناك الرمال ذهبية نظيفة لا تفتأ الأمواج تغسلها ~~وتظل الأشعة تنشفها. هناك صخور وشقوق أود أن أستريح في فيئها سعيدة بالاختلاء والكآبة، ~~سعيدة بغرز يدي في الرمل الناعم، معرضة عن كل شيء، مكتفية بمناجاة الأصداف والحصى ~~والذرات حولي، وبإلقاء هذا السؤال على الكون الصامت: «لماذا أوجدتني، أيها الكون، وما تريد ~~مني؟» ~~••• # أوقات سجلت في كتاب الحياة، أتمنى رجوعها لحظة ويأسف لانقضائها قلبي، ولكن فكري ليس ~~ليشتهيها؛ لأننا في عالم نشوء وارتقاء. ولئن اكتفى جزء من النفس مرة فهناك جزء آخر يبقى ~~متفلتا من إظلال الماضي، تائقا إلى المستقبل المجهول، لا يعرف لذة الارتواء وسعادة ~~الاكتفاء ... # | وصف غرفة في مكتبة # أستخرج هذه الصفحة من فصول لم تنشر بعد، كتبتها تحت عنوان «مذكرات الجامعة المصرية» لسنة ~~1916. والغرفة التي وصفتها تابعة لمكتبة الجامعة، وهي اليوم مركز سكرتارية المكتبة. أما يوم ~~كتبت فيها فكانت خالية يجتمع فيها الطالبات إذا جئن قبل ابتداء الدرس الذي يقصدن حضوره. ~~ومنهن الفرنساوية والإنجليزية والروسية واليونانية والإيطالية والبلجيكية والسورية. ولم ~~تخل تلك الاجتماعات إلا من الفتاة المصرية، وهي الحقيقة بحضور الدروس أكثر من غيرها؛ لأن ~~الجامعة جامعتها أكثر منها جامعة الأجانب. # كنا نجتمع هناك كمؤتمر دولي التأم لعقد الهدنة وتقرير شروط الصلح، أو كمؤتمر نسائي غرضه ~~المطالبة بحقوقه والمجاهرة بمطالبه. لكن الأحاديث الدائرة بيننا لم تكن لتدل على ذلك، بل ~~كانت مقتصرة على أخبار «الكونسرتات» والسينماتوغرافات والأزياء وأشكال البرانيط الحديثة. ~~ويتخلل هذه الثرثرة النسائية ms28 المحضة ضحك «يدب دبيبه» في كل موضوع تجاذبت أطرافه فتاتان، ~~فكيف به إذا صار ضجة فتيات كثيرات؟ # من عجائب الحديث النسائي أن السيدات إما يصغين جميعا ولا تتكلم منهن واحدة، وهذا نادر، ~~وإما يتكلمن جميعا في آن واحد ولا تصغي منهن واحدة. وكانت الحال الثانية حالنا في ~~اجتماعاتنا نظل عليها حتى يعرض لنا ذكر موضوع الدرس، فيهدأ ضجيجنا بغتة ونصغي جميعا إلى ~~المتكلمة فينا، ولا نحجم عن بث الآراء والمناقشة أحيانا، ونبقى «عاقلات» حتى يمر في ~~الحديث خيال نكتة صغيرة فنعود إلى الثرثرة والضحك المتقطع المتواصل. # اجتماعات لطيفة كاجتماعات الفتيات في كل زمان ومكان، ولكننا لم نكن لنهتم «بسر» الغرفة ~~التي تجمعنا جدرانها، ولم أتنبه لذلك «السر» إلا يوم وجدتني هناك وحدي ناظرة إلى ما نشر ~~على الجدران من رسوم أعاظم الكتاب والمفكرين. ~~••• # يقال إن في العالم نحو ثلاثمائة جامعة. ولئن كانت الجامعة المصرية أحدث هذه الجامعات ~~سنا وأقلهن فائدة مادية (لأنه ليس لألقابها حروف شتى يحررها الطلبة وراء أسمائهم)، فهي ~~مع ذلك آخذة مكانها بينهن، ولها ميزة خاصة بكونها جامعة أهلية. # على أنها ليست الجامعة الأولى في الشرق الأدنى. # إن الأزهر الشريف أقدم جامعات الشرق والغرب؛ لأنه تأسس في القرن العاشر، في حين أن أقدم ~~جامعات أوروبا - وهما جامعتا بولونيا وباريس - لم توجد قبل القرن الثاني عشر. # يجلل الأزهر وقار القدم، غير أن بابه مقفل في وجه غير المسلمين، وتعاليمه دينية لغوية ~~في الغالب، فهو في نظر كثيرين حلم عميق للمرء أن يذكره ويحدث عنه، ولكن لمسه ليس بالأمر ~~الميسور. # أما الجامعة المصرية فمفتوحة للجميع ولا تقلل من فضلها حداثة سنها؛ إن كل صغير محبوب ~~لأنه يطلب العطف، كل صغير مستودع آمال كبيرات لأن له قابلية النمو والتكاثر. # قال ألفرد ده موسيه (وهو الشاعر الذي أعطي قوة التعبير عن أعمق العواطف بألطف الألفاظ): ~~«كأسي صغيرة لكني أشرب من كأسي.» وعلى هذا القياس للمصريين أن يقولوا: «جامعتنا صغيرة لكننا ~~نتعلم في جامعتنا.» ~~••• # ليست الجامعة منهل علم لطلبتها فحسب، بل هي ms29 مهبط وحي لي حين أبلغها قبل ابتداء الدرس ~~الذي أبتغي حضوره بدقائق أقضيها منتظرة متأملة. # فكم من فكر إنساني ما يحيط بي من آثار الحياة! وكم من تأمل التقط موضوعه نظري ~~بين وريقات شجرة خضراء تتمايل أمام النافذة! وكم من حلم لمحت خطوطه مرسومة في جو قاعة ~~الدرس وألوانه متخللة خيوط الأشعة المطلة علينا! أفكار وتأملات وأحلام رفرفت علي حينا ~~وغنت في نفسي كالأطيار، ثم فتحت جناحها الذهبي ساعة جاء الدرس ينبهني، فتحت جناحها ~~وانطلقت تعدو إلى آفاق قصية أجهلها وأحبها؛ لأن لي فيها أطيارا خيالية. # أنا الآن في غرفة صغيرة تابعة لمكتبة الجامعة، وليس في هذه الغرفة من الكتب إلا ثلاثة ~~أجهل اسمها ولغتها؛ لأنها خفيت تحت كتاب رابع من تأليف مارمونتل، وهذا أديب فرنسوي لم يتفوق ~~في موضوع من الموضوعات الكثيرة التي عالجها، بل اكتفى بالإجادة فيها جميعا إجادة معتدلة، ~~تاركا البراعة والتفوق لأستاذيهما الكبيرين: فولتير وروسو. روسو الذي حاول تكوين مجتمع ~~جديد بقلمه القادر البليغ وملأ العالم ندبا ورثاء. وفولتير الذي كافح القيود الدهرية برأس ~~قلمه الرشيق النافذ كالسهم إلى أعماق الأفكار، وبابتسامته الخالدة التي يرى فيها أتباعه ~~فجر الحرية المنبثق من ليل العبودية الأليل. # إن للأمكنة أرواحا، وفي هذه الغرفة الصغيرة روح تناجيني وسر أطمع في اجتلاء غوامضه. ~~كل ما يحيط بنا في الحياة سر ولغز، لكن حواسنا المثقلة بأحمال المادة تحجب عنا ~~الأنوار، فلا نرى للأشياء وجودا ولا ندرك لها حقيقة إلا بقدر ما تتفق معانيها مع أطماعنا ~~وشواغلنا. # كلما رأيتني وحدي في هذه الغرفة شعرت بأن في جوها روحا. أهي مجموع أرواح النوابغ ~~الحاضرين هنا برسومهم وبخيالات الأفكار المطلة من أحداقهم؟ # نهضت أمشي في الغرفة، أمشي وأفكر. وراء الطاولة التي أكتب عليها صورة سفينة ركبت من ~~البحر جوادا حرونا وسارت تقطع الأمواج الكبار بقوة وثبات. وتحت السفينة إطار حوى ورقة ~~ممزقة وفيها بعض السطور الهيروغليفية. # الكتابة الهيروغليفية قرب الباخرة! إن جوار هذين الرسمين لرمزي: السفينة فينيقيا، ~~والخط الهيروغليفي مصر. # فينيقيا ومصر # المدنيتان القديمتان اللتان ms30 بزغت منهما مدنياتنا الحديثة وانحدرت من ذراريهما تواريخ ~~ذرارينا، ترى هل وقفنا على جميع ما فيها من الأسرار، وعرفنا كل ما كان عندهما من علم وفن ~~ومقدرة وسلطان؟ أم نحن في ذلك مدعون دعوانا في سائر أقسام المعرفة؟ # قبل أن يكتشف كولومبس القارة الأمريكية بقرون طويلات كانت سفن الفينيقيين تضرب في البحر ~~طولا وعرضا وقد عين التاريخ خطوط رحلاتها، ولكن أي شيء أجهل من العلم إن لم يكن ~~التاريخ؟ ومن يدرينا ما إذا كانت اليد التي شادت الأهرام وأقامت الهياكل المتراكمة اليوم ~~بقاياها على رمال النيل، هي غير اليد التي أوجدت هياكل، ترى الآن أنقاضها في أواسط أمريكا، ~~ونحتت ما عثر عليه لورد دوفرن من مسلات مصرية ونقوش شرقية في كولومبيا البريطانية؟ # والتليفون الذي أراه في زاوية الغرفة على مقربة من الكرة الأرضية أهو اختراع هذا العصر ~~فحسب؟ ألم تكن من نوعه الآلة التي يقال إنها كانت مستعملة عند كهنة إيزيس وأوزوريس لمخاطبة ~~كهنة الهياكل الأخرى من أقصى البلاد إلى أقصاها خلال الاحتفالات السنوية الكبرى والاجتماعات ~~الدينية؟ ولماذا لا يقوى العلم الحديث على استخراج الأرجوان من الأصداف كما كان يفعل ~~الفينيقيون؟ لماذا لا يخرج لنا ألوانا ثابتة لا تنفض نضارتها كألوان هياكل الأقصر؟ # أكان أجدادنا جاهلين أم نحن لهم ظالمون؟ أم كل الفرق في أن العلم كان عندهم محصورا ضمن ~~الأقلية المنتخبة وقد أصبح في زماننا «حصة من جد اعتزاما»؟ ~~••• # ولكن لنتابعن سيرنا في الغرفة: # في منتصف الجدار إلى اليمين صورة هوغو في شيخوخته ويده تحمل جبهته المثقلة بالأفكار ~~العظيمة، كأنما هو في جلوسه يناجي الأجيال قائلا: ها أنا ذا! أنا هوغو الذي أنالته الحياة ~~مجدا وثروة وحبا. أنا ذاك الذي شاخ في المنفى فكان سعيدا في الشقاء. أنا ذاك الذي بحث ~~عن نوابغ الماضي ودون أسماءهم تاركا بعدها مكانا واسعا لاسم جديد. والاسم الذي أعني ~~إنما هو اسم الرجل الجالس هنا حاملا على يده جبهته المثقلة بالأفكار العظيمة: فيكتور ~~هوغو. # وإلى شمال هوغو أرى الفيلسوف الرياضي ديكارت الذي قال ms31 فولتير في وصفه إنه جعل العميان ~~يبصرون؛ إذ بين للقرن السابع عشر أغلاط القرون الخاليات، وجعل شعار هذه الجملة: «لتبلغ ~~الحقيقة يجب أن تنسى مرة في حياتك جميع الآراء والاعتقادات التي شببت عليها، ثم تقيم أسسا ~~جديدة لآراء واعتقادات شخصية.» # إلى شمال ديكارت أرى بوسويه أسقف «موو». ترى بأي شيء يسر ديكارت إلى بوسويه في ساعات ~~الوحدة، وبماذا يجيب الأسقف الكاثوليكي؟ ليت لي من سبيل إلى التجرد من جسدي حينا؛ لأسمع ~~محاوراتهما ولو مرة واحدة؛ ولأعلم كيف يتناقش العلم والدين في عالم الأرواح. # على يمين هوغو موليير الشاعر الفذ الذي ملأ رواياته، وراء لهجة الاستخفاف والظرف ~~والتنكيت، انتقادات اجتماعية وعلمية ودينية، وعلم أهل زمانه الضحك من أنفسهم غير ~~متذمرين. # وعلى يمين موليير وجه نحيف جذاب، من هذا؟ لو نسي مصورك كتابة اسمك تحت رسمك، لو ~~درست آثار فكرك وعلمك وانتقادك وطمس الزمان كل ما أبده قلمك، لو أكلت النار وجهك غير ~~مبقية إلا على شفتيك لعرفتك يا فولتير! يا لفمك من فم هائل في كلامه، هائل في بسمته، هائل ~~في سكوته حتى في سكوت الصور! # تحت هوغو إطار ذو رسمين يمثل أحدهما راسين والآخر بوالو. ولو أنصفت الجامعة لوضعت راسين ~~فوق هوغو وأقصت النظام بوالو عن الشاعرين. لكني أفهم أن صورة هوغو عندها أكبر من صورة ~~راسين. كذلك تسير مواكب الحياة! فكثيرا ما يقطن الأكبر تحت الكبير ويقف الأحسن دون الحسن، ~~ولكل أن يرضى بما قسم له؛ لأن الزمان شاء ومشيئته لا تتغير! # من زاوية فولتير إلى الباب تمتد مكتبة صغيرة خالية مما وجدت له، تتجلى فوقها صورة ~~امرأة عظيمة: مدام ده سفينيه، كم تسرني رؤية هذه المرأة قرب هؤلاء الرجال! كأن وجودها هنا ~~عنوان اهتمام الجامعة بالفتيان والفتيات على السواء، كأن صورتها على هذا الجدار صوت يستحث ~~الفكر النسائي قائلا: إلى الأمام! # على الجدار المقابل لجدار فولتير صورة فنيلون «أسقف كمبري» مؤلف كتاب «تليماك» المفعم ~~بالانتقاد الدقيق الخفي لحكومة لويس الرابع عشر وللملك العظيم نفسه، وإلى جانبه معاصره ~~الشهير ms32 كورنيل واضع الروايات البديعات اللائي ما برحن ميدانا، فيه الحب والواجب ~~يتنازعان . # وعند الباب هيكل عظام بشري إلا أنه صنع من خشب الجوز أو من خشب آخر دهن بهذا اللون. كل ~~ما هنا يساعد ما في جواره لجعل هذه الغرفة كبيرة في صغرها، عظيمة في سذاجتها. # صدق القائل إن للغرف أرواحا ... # أحب روح هذه الغرفة الممزوجة من أرواح شتى. # وهل من مخبر بما رأته هذه الجدران قبل أن تكون للجامعة من أتراح وأحزان، وبما شهدته من ~~تقلبات الحدثان! # لعلها سمعت تنهدات لم يلن لها قلب، أو رأت قلبا وحيدا لم يشاركه في ابتهاجه ~~مشارك! # لعلها رأت دموعا سخينة لم تمسحها اليد الرحيمة! # فولتير! هوغو! # لو تكلمت الجدران لكانت أتم منكما بلاغة وأعمق تأثيرا! # | في محكمة الجنايات # زرت اليوم مكانا لعله أرعب الأمكنة بعد مسارح الجرائم الخفية ومواضع تنفيذ الإعدام؛ ~~أعني القاعة الكبرى في محكمة الجنايات؛ حيث يصدر العدل البشري أشد أحكامه على من يكون في ~~عرفه مجرما. ذهبت إلى تلك القاعة حيث تنعقد المحكمة العسكرية لمحاكمة المتهمين بأنهم من ~~أعضاء «جمعية الانتقام» المتآمرة على خلع السلطان، وقتل الوزراء، وقلب الحكومة، والتحريض ~~على الثورة في البلاد. ما أرهب هذه الكلمات التي تصور للمخيلة مشاهد الظلم والفتك والدماء ~~والدمار! ومن مميزات الحركة النسائية الجديدة أن المصريات امتزجن بالحياة العامة فصرن يظهرن ~~في كل اجتماع قومي، حتى في أحرج المواقف وأوجعها للقلوب الوطنية. كذلك حضر بعضهن جلسات ~~المحكمة بالتتابع. # دخلت الدهليز الواسع بين الجنود المنتصبين يمنة ويسرة، وخلالهم يختلط المحامون بأصحاب ~~القضايا ويناقشونهم بأصوات خافتة على رغم منهم، فتلقاني جندي حاجب قدمت له تذكرة ~~الدخول فأوصلني إلى آخر. وسار بي هذا إلى ثالث وأنا أعد الأزرار الذهبية المنضدة على كتف ~~كل منهم، وأتظاهر بعدم الاكتراث لأسكت دقات قلبي. وما كان حتى رأيت ضابطا ينحني أمامي ~~وهو يفتح بابا لم أسمع له ما يشبه الصوت، فوجدتني بغتة في قاعة متوسطة الاتساع قد تبلغ ~~مساحتها العشرين مترا طولا على عشرة أمتار عرضا. وبدلا من أن ms33 أخطو وراء الجندي الذي سار ~~ليدلني على مكاني، ظللت واقفة وأنا في إجفالي أتفرس في الوجوه المستوية في صدر القاعة ~~وقد اشرأبت نحوي جميعا. غير أن الذي تكفل بإيصالي عاد إلي ثم مشى يهديني حتى أجلسني ~~على المقعد الرابع، وعلى مقربة مني «قفص» المتهمين. # أجميع الحضور يحدقون في أم أنا في هلوعي أظنهم فاعلين؟ رفعت بصري أتبين الأمر في ~~سيماء القضاة أولا فإذا بهم يرقبونني وقد أدركوا في سرهم مقدار جزعي واضطرابي. وهل من ~~نظر ينفذ إلى أعماق النفس ويعريها من أستارها كنظر القاضي؟ ربما كان هناك شخص واحد يفوقه ~~براعة، وهو الكاهن الكاثوليكي الذي يكسبه تعاطي الاعتراف واستماع شكايات الناس، حنكة ~~ودراية ومعرفة بأسرار النفوس لا يماثله فيها من العلمانيين غير من شفت بصيرته بأنوار ~~الإلهام. # لم أجرأ على النظر إلى المتهمين، وشعرت بأن أسلم النظرات عاقبة وأضمنها براءة هي نظرة ~~أصعد بها إلى سقف المكان مستوضحة هندسته وزخرفته. # زخرف محكمة الجنايات؟ ما هذا المجون؟ # نعم، هناك زخرف وتنميق، وهو عبارة عن خط عريض نقش بالنقوش الحجرية البيضاء ودار حول ~~سقف القاعة في أعالي جدرانها الكنسية الجرداء. وقطعت خطوط أخرى من نوعه السقف ثلاثا ~~وأنالته شكلا مرضيا. ثم هبطت عيناي إلى الحوائط، وفي أحدها القائم شمالا شبابيك كبيرة ~~واسعة رفعت الأستار الكتانية إلى أوجها فتدفق خلالها نور النهار الداخل من الحديقة ~~الفاصلة بين هذه القاعة وبين الشارع؛ حيث يسير الناس أحرارا غير مقيدين. ولما فرغت من ~~تفحص الحائط والنوافذ والستائر، واستنزفت عليها كل ما جال في دماغي من ملاحظة ومناقشة ~~وتعليق، مشى بصري قليلا قليلا إلى صدر الغرفة؛ حيث استوت هيئة القضاء لتحكم بقسطاس ~~العدل. # أين ذهب اضطرابي حتى واجهت نظر القضاة بهدوء هذه المرة، وبي شعور يشبه الراحة ~~والطمأنينة؟ فعدلت جلوسي واستعدادي العقلي لأضع الأشياء في مواضعها. # هيئة المحكمة تتألف من قضاة عسكريين أربعة يلحق بهم المترجم، ويرأسهم قائد تبدو مرتبته في ~~الأشرطة الحمراء المذهبة على كتفيه وكميه، وفي صفي الأشرطة الملونة الصغيرة الممتدين على ~~صدره واحدا فوق ms34 الآخر؛ ليدلا على ما عنده من مختلف الميداليات والأوسمة. ويتوسط الهيئة ~~«نائب الأحكام»، وهو قاض في المحاكم المختلطة وأحد كبار رجال القانون الإنجليزي، وهو وحده ~~بين القضاة يلبس الشعر العاري الأبيض والرداء الأسود. وإلى اليمين كرسي المدعي العمومي، أو ~~مدعي الملك، كما يسمونه في هذه القضية، وهو كنائب الأحكام يلبس الشعر الأبيض والرداء ~~الأسود. وأمام المحكمة مكان المحامين، فموقف الشهود، تتناسق متتابعة وراءه مقاعد القاعة ~~التي أجلس أنا في صفها الرابع، وإلى يميني قفص المتهمين الذي تنتهي حدوده من الجهة الأخرى ~~قرب هيئة المحكمة. # أي المواقف أغرب من موقف المتهم إزاء القاضي؟ وأي كره قسري بين هذين الاثنين: بين شخص ~~ضعيف أعزل تحت رحمة الآخر، وبين هذا الآخر الذي وجد ليفسر الحركات والمعاني ويتصرف كيفما ~~شاء في مصلحة المتهم وراحته وحياته. أي عداء وأي اختلاف أعظم من هذا؟ مع ذلك فالاثنان ~~خاضعان معا لجميع نواميس الطبيعة وأهوائها، فلو تساقط الثلج الآن لانتفضا معا، ولو زلزلت ~~الأرض زلزالها وفغرت فاها لالتهمتهما معا. ولو انتشر مكروب خبيث لتناولهما معا ولتألم ~~كل على حدة بمثل ما يتألم الآخر، بل ها هم جميعا كلت أدمغتهم وأغمضوا عيونهم وفي كل ~~منهم احتياج يظهر حتى في تصلب جلوسه، احتياج إلى أن يتثاءب ويتمطى كما يفعل الأسد، أو ~~كما تفعل هرتي البيضاء عندما تأبى ملاعبة من لا يعجبها، وعندما تخرج كلمة هزلية من فم ~~المحامي أو القاضي أو الشاهد تلمع عيونهم جميعا ويشتركون في الضحك. ولئن بعث القضاة إلى ~~المتهمين بنظرة نافذة مستفسرة باردة كالسلاح الأبيض، حينا بعد حين، فلواحظ هؤلاء تخال ~~باسمة في الغالب. # نعم، في جميع عيون المتهمين ابتسام، وهيئة القاعة عموما بسيطة ليس فيها ما كنت أتوقعه ~~من مظاهر الغم والعبوسة، كأنها مكتب لأي عمل من الأعمال التجارية مثلا. وبينما المدعي ~~العمومي يتابع شكايته مستطردا في الاتهام فيأتي بالحجة بعد الحجة، وبالإثبات تلو الإثبات، ~~إذا بالمتهمين لاهون عن أقواله بما بين أيديهم من جرائد ومجلات يقلبون صفحاتها، ثم ~~يتحادثون كأنهم يتبادلون الآراء في الموضوع ms35 الذي يقرءونه ولا علاقة له بالمحاكمة أصلا، ثم ~~يرتسم الحزن في سواد عيونهم وتبرز على جباههم أحكام نقشها لهم القدر في كتابه النحاسي، ~~فيتأملون قليلا ويتنهدون، إلا أن اجتماعهم إجمالا يشبه باجتماع مدرسي جدي. أقول ~~«مدرسي»؛ لأنهم من طلبة المدارس العليا، فهذا كان يدرس الطب، وذاك القانون، والآخر من طلبة ~~الأزهر، وغيره من مدرسة القضاء الشرعي، وهيئة التلمذة عليهم جميعا إلا عبد الرحمن بك فهمي ~~الواقف في مدخل الممر إلى القفص كالجبار، وعليه ملامح الحكام والوزراء. # 1 # حسن بزتهم يشير إلى درجتهم الاجتماعية، وفي عيونهم ترقص أنوار الحياة، وعلى شفاههم يبسم ~~رونق النضارة، وفي ذقون بعضهم تلك الطبعة الجاذبة التي يحسبها أهل الفراسة علامة الحب ~~الشديد ورمزا إلى أن في صاحبها احتياجا للشعور بأن له من يعزه ويحنو عليه. وإن حرمة ~~شقي شقاء لا يدركه غير أمثاله، فكيف يحتمل هؤلاء حياة السجن وراء الأبواب المقفلة وفي عناء ~~الأشغال الشاقة؟ وكيف يحتملون القيود والأغلال وكل ما هيأه المجتمع من نظام ولباس ويحول ~~يأس الجاني إلى سخرية ظاهرة؟ وأي التوسلات ستنطلق من هذه الأفئدة، وأي الدموع ستلهب هذه ~~المحاجر؟ # تلاشى فجأة ما يحيط بي، واتسع القفص، وأضيفت إليه جميع الأقفاص في جميع محاكم العالم وقد ~~حشر فيها الألوف والملايين، ورأيت في عيون الجناة صور جناياتهم، وفي عيون الأبرياء صور ~~براءتهم، وفي جميع العيون أشباح الخوف والفزع. ثم انهدمت جدران القاعة وارتدت حدودها إلى ~~ما وراء جميع المحاكم في الماضي والحاضر والمستقبل. وصار القضاة الخمسة ألوفا وملايين، ~~ونظراتهم النافذة المستفسرة الباردة كالسلاح الأبيض تتجه نحو العيون المذعورة. وسمعت ~~الأحكام على العبيد وعلى الملوك، على المظلومين وعلى الظالمين، وتراءت لي السجون بغمومها ~~والأشغال الشاقة بذلها، وآلات التعذيب بهولها، وبدت أمامي وجوه الجرائم والفظائع والشرور ~~فتقطعت أوصال إحساسي. وفي هذه الغرفة التي كانت تبسم منذ هنيهة سمعت صلصلة السلاسل وقعقعة ~~القيود، ولمحت أحكام الإعدام على لابسي البذلات القرمزية السائرين نحو المشانق عراة ~~الأقدام ... # ما هذه الضوضاء التي تخرج بي من هذا الكابوس الفكري؟ أكل هذه ms36 جلبة الحبال في الأعناق؟ ~~كلا، بل حانت ساعة الانصراف، ورفعت الجلسة، وانفرط عقد المجتمعين وها هم يخرجون إلى ~~الدهليز الوسيع المؤدي إلى الشارع. وهناك عند العمود الضخم المنتصب أمام المحكمة رفع أحد ~~المتهمين نظره إلى إفريز العمود الأعلى ثم أداره سريعا إلى الأرض وأرسل زفرة محرقة، ~~فنظرت إلى الإفريز الأعلى وإذا بطائرين قد وقفا جنبا إلى جنب ينشدان أنشودة الحياة والحب ~~والحرية. # | «سعادة» ملك اليونان # نقلت برقيات اليوم خبر عودة الملك قسطنطين والأسرة المالكة إلى بلاد اليونان، فقالت إنه ~~قوبل بحماسة شديدة وروت عنه هذه الكلمة: «إني سعيد بالعودة إلى وطني.» # طبعي أن يسر المرء بالعودة إلى بلاد أقصي عنها وهو يحبها، طبعي أن يرتاح لاستنشاق ~~هوائها، لا سيما وله فيها عرش كسائر العروش انتصبت قوائمه على قوة الاستمرار والتسليم بلا ~~مناقشة. ليس تلاميذ المدرسة اليونانية الذين أسمعهم يهتفون لقسطنطين عند الانصراف هم وحدهم ~~أطفالا يؤيدون من يجهلون وينادون بما لا يفقهون. الجمهور طفل بوجه عام. موجة ترفعه وموجة ~~تدفعه. انفعال يطير به إلى قمم الجبال وانفعال يهوي به إلى أعماق الهاوية. يؤله الساعة من ~~سيذل بعد ستين دقيقة وسيمجد غدا ما قدسه أعواما ودهورا. وهو في كل ذلكم هائج مائج، ~~مسير غير مخير يتدافع بلا ترو أو تعقل. # ومن الغرائب أن الأشياء تقوى بالتضاعف إلا ذكاء الجمهور، فلو اختير خمسة أشخاص أو عشرون ~~شخصا من أرقى الناس وجمعوا للمناقشة والبت في أحد الموضوعات، وأفرد لمثل ذلك شخص واحد ~~متوقد الجنان ماضي العزيمة، فلربما جاء الفرد بما قصرت دونه الجماعة؛ لأن مستوى الذكاء يهبط ~~في الجمهور ويختلط، بينا هو في الفرد يسمو ويتناهى. وهو حدث سيكولوجي معروف لدى علماء ~~النفس. ولعل المقابلة بين قاموس الأكاديمية الفرنساوية الذي يشتغل فيه عشرات «الخالدين» ~~منذ عشرات الأعوام، وبين قاموس لاروس الكبير الذي أنهاه فرد واحد دون مساعدة أحد، لعل ~~هذه المقابلة مصداق يقبله كثيرون. # على أن كلمة الملك تستوقف الذهن وتنبه الهواجس عند ذويها. يقول إنه «سعيد بالعودة.» ~~ولكن سبب هذه العودة راجع ms37 إلى موت ولده؛ إذ لو بقي الملك إسكندر على قيد الحياة ما ~~تقيض لأبيه أن يغادر سويسرا في هذه الآونة. وإذا كان «سعيدا» بالنتيجة فكيف لا يكون ~~سعيدا بما أدى إليها؛ أي بوفاة ولده؟ # والذي ساقته الهواجس إلى هذه النقطة لا يحجم عن أن يخطو خطوة أثيمة أخرى، فيقول: إذا سعد ~~الملك بتلك الوفاة بعد وقوعها، فأي مانع منعه عن أن يسعد قبلئذ بتخيل احتمال وقوعها؟ ~~ترى ألم يمر في مخيلته خيال الموت وولده على فراش المرض؟ ومن يدري؟ ألم يتحرك في قرارة ~~نفسه شيء يشبه الخوف أو ... التمني؟ # لا، لا أريد استطراد التحليل، وسواء أكان هذا الوهم ممكنا أو مستحيلا في قلب والد أو ~~والدة، فإن النفس البشرية تبقى دوما هي هي في ارتباك انفعالاتها واشتباك نزعاتها. ولئن ~~كانت العواطف الأبوية قوية في الغالب فلكم ضحي من ولد لغاية شخصية، أو لأجل قريب، بل ~~لأجل غريب إذا أحسن ذلك الغريب لمس الموضع الحساس من حب الذات، أو علل طمعا من أطماع ~~النفس أو مناها بإحدى رغائبها ... # لمحة مرعبة في قلب الإنسان، فلنحولن النظر إلى ما هو أقل ادلهماما! # | ماك سويني # على ذكر الملك إسكندر أقول إني - ككثيرين غيري - كنت أرقب الأخبار عنه صباح مساء كل مدة ~~مرضه. لم أكن لأهتم بشخصه من حيث هو ملك اليونان «الموافق» الآن لسياسة الدول. لقد أتعستني ~~الطبيعة - أو أسعدتني - بأن جعلت لفافة السياسة في دماغي جافة عقيمة لا تتأثر ولا تتحرك. ~~إلا أنه كان مذكورا بالخير؛ لسحقه تقاليد راسخة وتحطيمه سلاسل وثيقة بزواجه من فتاة من ~~ذوات الدم الأحمر الحيوي الفوار، بدلا من الدم الأزرق «الشريف»، الذي ليس بشريف ولا هو ~~بأزرق في غير دعوى مدعيه. # كذلك كنت أهتم لأخبار ماك سويني؛ إذ كاد يدخل العليلان دور النزع معا، وقد توفي أحدهما ~~بعد الآخر بساعات معدودات، وكل منهما بطل في بابه، ضحية في بابه؛ فهما مختلفان ~~متشابهان. # ملك اليونان يقضي بعضة حيوان غاضب، يقضي مرغما تمرضه امرأة عزيزة. والآخر يقضي ببطء ~~مختارا لا ms38 يداويه عزيز، ولا هو يسير بنشوة الحماسة وجنونها نحو الموت، بل ينتظره انتظارا ~~رياضيا، منظما، متتابعا، متماسكا عنيدا. يموت لينفذ كلمة قالها عند دخول السجن: ~~«سأخرج من هنا بعد شهر حيا أو ميتا.» ولم يثن عزمه ذكر زوجة وأبناء ينتظرون نعيه في ~~البيت الخالي منه حيث لن يعود قط. # أي رجل كان ذلك الرجل؟ حمل ثقيل أزيح عن عاتقي عندما علمت بانتهاء آلامه. # لقد طالعت كثيرا مما كتب عنه في الصحف الإنجليزية وغير الإنجليزية، وقرأت يوميات دونها ~~في سجنه، وقد تكون مختلفة أو محرفة. وحضرت قداسا أقيم في كنيسة القديس يوسف لراحة نفسه. ~~وظهرت هنا بعض الصحف الوطنية مصدرة برسمه، وقد جرت في أعمدتها أنهار النظم تنويها بشجاعته ~~وبطولته. أما أنا فلم أفهم بعد أية خدمة أدى إلى وطنه، وأي درس ستتلقى أيرلندا من موته سوى ~~درس المثابرة والثبات؟ # أليس من الخسارة الفادحة أن يلاقي رجل كهذا حتفه مختارا، ليعطي وطنه أمثولة كان في وسعه ~~أن يعطيه عشرات لا تنقصها أهمية وإن اختلفت عنها نوعا في حياته، حتى إذا حانت ساعة الموت ~~رحل عن الدنيا بميتة هي أنبل من الميتة الغبراء وأسمى؟ # | زواج الملوك # أثينا في 10 مارس سنة 1921: # احتفل في الكاتدرائية بزواج ولي عهد رومانيا بالبرنسيس هيلانة اليونانية. # روتر # زار ولي عهد رومانيا مصرا في الشتاء السابق قاصدا إلى اليابان، على ما أظن، وقد دعيت ~~رحلته يومئذ «حمية النسيان» فصارت اليوم «رحلة الشفاء». أرسلوه يجوب الأقطار؛ ليسلو زوجته ~~وولده وليقدم على إهمالهما وإنكارهما؛ لأنه هو الآخر فعل فعل الملك إسكندر واقترن بابنة ~~ضابط بسيط، غير أن إسكندر اليوناني تزوج بعد ارتقائه العرش يوم لم تكن في الدولة فوق إرادته ~~إرادة. أما كارول الروماني فحاول التملص من وثق تجعله إنسانا مركبا، مقيدا، رهين أهواء ~~المناورات الدولية، فتنازل عن العرش الموعود، ورفض تاجا يهيئه له المستقبل، ورضي بأن يبقى ~~رجلا بسيطا حرا سعيدا بزوجته وولده، وأن يتمتع بالحقوق العامة كأحد رعايا رومانيا دون ~~أن يطمح إلى ميزة أخرى. # كان ذلك؛ فأرسلوه ms39 يسرح عواطفه بين ماء القارة ويابستها. وعندما عاد بعد ستة أشهر إلى ~~عاصمة رومانيا كان خطيب هيلانة اليونانية. وإذ وقف يشكر الذين شربوا نخبه في الوليمة ~~الرسمية التي أقيمت احتفاء بعودته، رفع الكأس بيد ثابتة وقال بصوت جلي أدهش الحاضرين: ~~«علمت في رحلتي هذه أن المرء يخص وطنه قبل كل شيء.» # ولما كنت أقرأ وصف المهرجانات المعدة في أثينا احتفالا بمجيء الملك قسطنطين والعائلة ~~المالكة كنت أفكر على رغم مني في امرأة تمزق قلبها أصوات الفرح. هي وحدها تلبس السواد في ~~وسط الزينة والأبهة، وتبكي تحت نقاب الأرامل، بينما الملكة تركز على جبهتها تاجا كادت ~~تفقده وترصع صدرها بجواهر العرش. تلك المرأة وحدها تذكر في وسط النسيان الشامل، وشيء كثير ~~أن يكون للمرء قلب واحد لا ينسى. # وهناك امرأة تشبهها في بخارست، غير أن زوجها حي سعيد وقد تملكته من جديد أطماع الملوك ~~وأطماع أنصاف الملوك، وتهلل شعبه بهداه، أو على الأقل زعم أنه تهلل. الجريمة التي يعاقب ~~عليها القانون بصرامة في طبقات المجتمع على اختلافها يرغم على ارتكابها من يعد بعد الملك ~~منبع الشرف في الدولة، ويحسبون امتثاله وذله عقلا وحصافة، فيسارع ملك آخر إلى تسليمه يد ~~ابنته وحياتها. ومن توفرت له هذه المزايا فلا بد أن يكون في الغد ملكا عظيما ... # أرملة إسكندر في أثينا، وأرملة كارول في بخارست: ترى أي المرأتين أشقى؟ # | الشباب والموت # لم يهمل سادتنا العلماء موضوعا هو في نظر بعضهم الموضوع الأمثل. # نحن نسمي هذه الدنيا «وادي الدموع»، ثم نشفق على الذين يغادرونها، وأقصى ما نتمنى هو أن ~~نعمر طويلا متمتعين بخصائص القوة والصحة والشباب. # لقد استولت تلك الأمنية على قلوب الناس فجعلتهم آنا كاذبين محتالين، وآونة خونة مارقين. ~~كم أفسدت من عمل نبيل! وكم قادت إلى فظيع الجنايات! # كل منا يريد التفلت من شباك الردى ليطيل الجلوس في مأدبة العمر مراقبا مناظر ~~الطبيعة، متسقطا أخبار العالم، نائلا حظه من التنعم والتلذذ، ومن التوجع أيضا. ولكم ~~متن قيد الألم حتى تجاوزه الفل، بينا قيود ms40 الحبور مقطعة الأوصال، لا تفتأ ~~تصهر مادتها لتستحيل ألما ذا طعم جديد. # كذلك أخذوا يبحثون عن «عين الحياة» التي أوجدها زفس # 1 # فوصفها أحد علماء الجغرافيا وصفا ... جغرافيا، وارتأى كاتب روائي أنها تأتي من ~~النيل ومن أنهار الفردوس الأرضي، وأن قطرة منها تعيد إلى العليل صحته وإلى الشيخ شبابه. ~~ومضى يطلبها رحالة إسباني فاكتشف مقاطعة فلوريدا، وهي من الولايات الأمريكية المتحدة. ~~وانحنى الكاباليون على الصهور الكيماوي يبحثون عن مادة الشباب فتبارى بايكون، وسن جرمان، ~~وكاليوسترو في تركيب «إكسير الحياة»، وتعددت الكتب الدالة على وسائل إطالة العمر وحفظ ~~الشباب. ومتصفح جريدة «السائح» النيويوركية ومجلة «الأخلاق» يرى هناك إعلانا عن كتاب ~~«الاكتشاف الثمين لإطالة العمر مئات من السنين» بقلم الدكتور لويس صابونجي السوري الذي كان ~~سكرتيرا ثانيا للسلطان عبد الحميد وأستاذ التاريخ لنجله البرنس برهان الدين. # وها أخذت تهتم الدوائر العلمية بمباحث الدكتور فرونوف وتجاربه الدائرة حول استبدال الغدد ~~المتداخلة بين الأنسجة بغدد جديدة تستخرج من الحيوانات. ويقال إن النجاح باهر يحول الشيخ ~~شابا بلا وجع ولا ألم، بل بحقنة بسيطة تحت الجلد. # إلى هنا وصلنا من طمعنا الأكبر. وحسن أن يستعيد المرء شبابه وأن يحفظه طويلا، ولكني لا ~~أرغب في إبعاد الموت عن البشر. # لقد وصف الكاتب الإنجليزي «سويفت» في كتابه «رحلات جلفر» حال قبيلة استرالدبرج المحتم ~~عليها أن تعيش دواما، فقال إن أعضاءها يصرفون المئة سنة الأولى وشأنهم شأننا نحن النوع ~~الآدمي، حتى إذا تجاوزوها أصيبوا بكآبة يائسة وساورتهم الهموم والغموم. ينادون الموت فلا ~~يلبي نداءهم، ويجدفون على الحياة كلما شهدوا موكب جنازة، ويمقتون الطبيعة التي حرمتهم لذة ~~الموت وهناء الاستسلام إلى الراحة الدائمة. # وأي نصيب أمر من هذا؟ # ألا إنما قيمة الحياة في رهبة الموت الذي هو جزء منها. وإذا أدرنا البصر في أحوال الناس ~~ورأينا تلك الوجوه السقيمة، والأجسام المشوهة، والأعضاء البتراء، ورأينا ذوي العاهات ~~الأخلاقية الذين ينزلون في المجتمع المصائب والأوصاب ويظلون عالة عليه طول حياتهم، إذا ~~رأينا ذلك أدركنا ضرورة الموت وعرفنا فيه محسنا كريما. # ثم، ms41 أي اسم غير اسمه يخفف من حزن الحزين؟ وأي خيال غير خياله يلطف من يأس الآيس؟ # | عائدة تتذكر ... # أي هذا المار أمام معاهد التعليم، ما أجهلك بما وراء الجدران من متزاحم العواطف ومتضارب ~~الانفعالات! هناك هيئة اجتماعية صغيرة. والعمر الذي تحسبه أليف الصفاء والغفلة والهناء ~~إنما هو كالشباب والكهولة والشيخوخة أسير حمى الحياة. هناك جميع صنوف الناس: المتين ~~والمتطير، المفكر والأحمق، الشجاع والجبان، الرصين والطائش، الشخصية الممتازة والشخصية ~~العادية، النفس الأبية الشماء والنفس الدعية المتبذلة. وما الطفولة إلا مقدمة قد يكفي أن ~~تطالعها أحيانا لتلم إلماما سريعا بما ضمنه الكتاب من تفصيل وإسهاب. # كانت عائدة ذات طبيعة غنية خصبة. تحب الجري واللعب والضحك، أي بنية لا تحب ذلك؟ وتبتكر ~~للهو أساليب طريفة ترفعها في تقدير رفيقاتها، ولكنها كانت وحيدة الروح. وكثيرا ما تنزح عن ~~ميدان اللعب إلى الحجر المنفرد في أطراف الساحة، فتجلس هناك ناظرة إلى البحر البعيد، إلى ~~زرقته الفيحاء واستدارة الأفق المخيم عليها، متمتعة بجمال الطبيعة ومتهيبة إزاء روعتها ~~جميعا، فترى السفن، وقد تضاءلت بشاسع المسافة، مارة في تلك الزرقة القصية بكياسة ورشاقة، ~~تترك وراءها خطا أبيض طويلا لا تعرج فيه، عندئذ تمعن عائدة في تفحص ذلك الخط ~~المستقيم، كأنما هي تقابل بينه وبين خط آخر رسمه في داخلها مرور سفينة من سفن أحلامها ~~شقت أمواه نفسها العميقة. # كانت تحسن ركوب الخيل على حداثة سنها، وقد قطعت على ظهر الجواد سهولا وجبالا نبضت ~~حياة التاريخ تحت الأرض منها، وبين الأشجار، وعلى الصخور وحول القمم. ما شهدت جلال الطبيعة ~~إلا عادت إليها تلك الذكريات مع صدى الأغاني الوجدانية التي ينشدها أهل المضارب في الظلام، ~~فتثير بين ستائر الخيام أنة جزع وغرام. أمام البحر ها هي شجية تتذكر، فتنشد من الألحان ~~البدوية ما تهتز له أوتار قلبها. ~~••• # تكونت بينها وبين إحدى الراهبات، على مرور الأيام، صداقة حارة تنشأ أحيانا بين النساء ~~الجامعات بين غزارة العواطف وحدة الذكاء، ولعل تلك الراهبة كانت وحيدة بين الراهبات وحدة ~~عائدة بين التلميذات. # لم تكن ms42 الأخت أوجني من معلمات عائدة، فهذه من بنات «الداخلية» والأخت أوجني تتولى تدريس ~~أصغر الصفوف في «الخارجية»، وليس بين المدرستين غير الصلة الحجرية؛ لأنهما في طرفين متباعدين ~~من بناء الدير الواحد، فكانت الفتاة تقول لنفسها: «لو كانت هي معلمتي لتفوقت في صفي ~~إرضاء لها، بدلا من أن أرغم الآن على العمل تحت مراقبة راهبة لا أحبها، وإن قالت لنا الرئيسة ~~إنها حفيدة مارشال فرنسوي. ما أقل اهتمامي بك وبحفيدتك أيها المارشال العظيم! وكم يسوءني ~~أن أطيع حفيدتك، أيها المارشال العظيم! وكم أكره الواجب؛ لأن حفيدتك تدعو إليه، أيها ~~المارشال العظيم! ما أجهل الناس بأساليب الإخضاع والتعليم! إذا كان وجه الطاعة والواجب ~~عابسا، كما يقولون، ألا فلتأت الدعوة إليها من أصوات نعز منها الوجوه في حالتي البشاشة ~~والقطوب ...» # لم تكن عائدة في سن أو في درجة عقلية تستطيع معها الإفصاح عن رغبتها بمثل هذا الكلام، ~~وإنما ذلك ما كان يخالج ضميرها. والتعبير عن الشعور إن لم يبرز بيانا منسقا واضحا فقد ~~برز زفيرا حارا؛ لذلك كانت الصغيرة تصغي إلى صوت فؤادها وتتنهد. # قل ما اجتمعت الصديقتان في غير الكنيسة؛ حيث تحتشد عشرات الراهبات ومئات التلميذات من ~~داخليات «بانسيونر»، وبنات الميتم، وبنات المشغل، وبنات التفصيل، فتدخل كل جماعة في الوقت ~~المعين وتجلس في مكانها تحت رقابة المعلمات. وعند انتهاء الصلاة تنصرف كل جماعة في دورها ~~فلا يختلط الفتيات، ولا يتحاذين، وإن تلاقين صدفة فلا يتخاطبن. يعشن غريبات في دير واحد؛ ~~لأن هيئتهن ... الهيئة الاجتماعية بما بين أعضائها من فروق المراتب. # وقد تلتقي الصديقتان صدفة في الحديقة أو في أحد الممرات فتتبادلان الأخبار بسرعة، بينما ~~العيون تتحدث بلغتها المختلفة، غير أن عائدة لم تكن لتقنع بهذه اللحظات النادرة، فتتحين ~~الفرص لتذهب خلال نزهة الظهر، ولو دقائق، إلى الجناح الآخر من الدير وتدخل على الأخت أوجني ~~وهي تطرز وحدها في المدرسة منتظرة وصول تلاميذها وتلميذاتها. # ما أخطر هذه المجازفة وأعظم هذه الجرأة! ولكن الفتاة كانت تكافأ؛ إذ ترى أمارات السرور ~~على وجه الراهبة وتسمعها ms43 قائلة: «انظري إلي يا عائدة!» ثم تقول: «يجب أن تتعلمي الخضوع ~~للقانون وألا تعودي إلى مثل هذه «الفلتات». والآن أستودعك الله، اذهبي يا ابنتي، اذهبي يا ~~صغيرتي ولا تنسيني.» # يا ابنتي، يا صغيرتي، بمثل هذا تنادي الراهبات جميع التلميذات، ولكنه من فم الأخت أوجني ~~نشيد سماوي يظل صداه مترددا في جنان عائدة. ~~••• # جددت هذه «الفلتة» اللذيذة يوما ووقفت عند عتبة الراهبة وهي تلهث تعبا واضطرابا. ~~رباه، ماذا ترى في هذه الغرفة وماذا تسمع! بين ذراعي صديقتها فتاة تقريبا من عمرها هي ~~عائدة. الفتاة تبكي والراهبة تواسيها بصوت شفيق قائلة: «لا تبكي يا ابنتي، لا تبكي يا ~~صغيرتي!» # لم تلمح هذا المشهد حتى انقلبت راجعة من حيث أتت. سمعت الفتيات في الخارج يتحسرن على ~~هند؛ «لأن أمها ماتت»، ففهمت وقالت: «مسكينة هند.» ولكن شفقتها كانت سطحية لاستيائها من هند ~~المجهولة هذه التي أخذت مكانها، والنداء الذي يجب أن تنادى به وحدها، الأخت أوجني هي! هي! ~~تستعمله لتعزية الفتاة الغريبة ... # آه من خيانة البشر! آه ما أضيق الحياة! ما أثقل جدران هذا الدير وأرهب ظلها المنعكس على ~~ساحة اللعب مختلطا بظل الأشجار الكبيرة! وتبا لهذه الأشجار فقد مشت الأخت أوجني الخائنة ~~تحتها! وتلك الفروض التي يجب أن تكتب! وتلك الدروس التي يجب أن تستظهر! ما أطيب الموت! ~~أين أنت أيها الموت؟ # مسكينة عائدة! كانت قوية الشعور فطرة وقد ساعدت تربيتها الأولية على تقوية عواطفها ~~وإرهافها، ولم يكن لديها العقل اللاجم ولا الخبرة الحكيمة. وكم من امرأة تقضي عمرها على هذه ~~الحال فتشقى وتشقي، وهي لا تدري أنها مريضة في أعصابها، وإن نسبت ذلك إلى الرقة. نعم، ~~الحياة تافهة إن لم يبهجها نور الحب ويعظمها سناء الفكر، ولكن بين هاتين القوتين ~~الجليلتين وسخافة الغيرة بونا شاسعا. # وصارت عائدة توجه إلى الراهبة كل كلمة حواها كتاب الصلاة في هجو الشيطان واحتقاره. ~~وتلخصت معاملتها لها في إظهار الاستياء والاستنكاف إلى درجة المبالغة. وكلما أبدت الصديقة ~~الكبيرة ألما زادت الصغيرة الشريرة تعذيبا. ~~••• # تكاد حيوية الشر تتغلب ms44 على حيوية الخير، ولكن القلب الوفي لا يفتأ يلتمس من المحبة غذاء ~~ودواء؛ لذلك أفرغ قلب عائدة الكره في أسابيع وأخذت تتسرب إليه الكآبة. # أخذت تكتئب لا سيما وقد دنا عيد الميلاد وأسرعت أيام العام الأخيرة نحو هوة العدم. يخيل ~~أن هذه المواسم أعلام العمر أو محطات على خط الرحلة منه، فتحتاج القلوب إلى مضاعفة المحبة ~~والصداقة والعطف والتبحر، بينا قلوب أخرى تلهو بالرقص واللعب والإنشاد وما شاكلها من أمور ~~خارجية. # وكانت تكتئب؛ لأن رفيقاتها الصغيرات أخذن يغادرن الدير ليصرفن الأسبوع بين أهلهن المقيمين ~~في المدينة أو في ضواحيها. وعائدة من بلدة بعيدة كل البعد؛ لذلك لا يزورها من ذويها في ~~العيد أحد. وستقضي هذه الأيام وحدها بين أولئك النسوة الصائمات، المصليات، الزاهدات، اللائي ~~كانت تشعر بأن منهن غير السعيدات رغم امتثالهن الظاهري؛ فتودع رفيقاتها الواحدة بعد ~~الأخرى متمنية لهن عيدا سعيدا، حتى إذا مضت أخراهن انطلقت إلى الكنيسة وحجبت وجهها ~~بيديها وأجهشت بالبكاء. وإذا بصوت مألوف يهمس في أذنها: «تعالي يا عائدة، فقد سمحت الأم ~~الرئيسة أن أشترك وإياك مع الأخت حنة في تهيئة المذود.» # فانتصبت الفتاة وفرت هاربة إلى حيث لا يعثر عليها، وشهقت متفجعة تقول: «أواه! إنها تشفق ~~علي، إنهن يشفقن علي! ربي، ترى أيهما أمر، أخيانة البشر أم شفقتهم؟» ~~••• # وكان مساء العيد حزينا، وجوه مكفهرا، والدير صامتا، كتوما، مرمريا كالمقابر ~~القديمة يضن بخفاياه. وكان لعائدة يومئذ أن تفعل ما شاءت دون قانون يقيدها فتقضي أكثر ~~أوقاتها في غرفة الموسيقى المنفردة في أطراف الحديقة تخيم عليها الأشجار ذات الغصون ~~العارية. # هناك جلست طويلا والسماء تمطر رذاذا، ثم نهضت إلى البيانو وما كادت تمس أصابع العاج حتى ~~سحبت يدها قائلة: «ما أشد برد البيانو!» ثم أضافت: «بل البرد في يدي، البرد في روحي، البرد ~~في وحدتي وغربتي! إني جليد ولكني جليد يتعذب، وأشعر بأن كل ما في هذا الدير جليد حي ينبض ~~ويتعذب ويبكي!» # ألقت برأسها إلى خشب الآلة الموسيقية، على أن يدا لطيفة اجتذبتها مداعبة شعرها وخدها، ms45 ~~فصرخت الفتاة قائلة: «اتركيني! لا أريد أن يشفق علي أحد؛ لأني لا أطلب الشفقة!» # فقالت الأخت أوجني: «وإذا طلبت أنا شفقتك أتضنين بها؟» وتابعت بصوت خافت مملوء بتعنيف ~~عذب: «ألم تفكري في كل هذه المدة؟ ألا تحتاجين إلي في هذه الأيام مثلما أحتاج ~~إليك؟» # وبدلا من أن تبكي عائدة على خشب البيانو البارد الصلب، أخذت تبكي على صدر لين دافئ ~~علق عليه الصليب الفضي رمز التضحية والامتثال، واكتساب الحياة بالموت الاختياري. ~~••• # رأيت عائدة اليوم في أحد المخازن أمام مذود نام فيه تمثال الطفل تحيط به رموز عيد ~~الميلاد المختلفة، فقلت: «أتذكرين أيام المدرسة يا صديقتي؟» فأجابت «أذكرها على الدوام.» ~~وأخذت تفكر في شيء بعيد، فحدقت في عينيها، وخيل إلي أني أرى هناك رسم ابنة اثنتي عشرة ~~سنة اتكأت على صدر علق عليه الصليب، وقد انحنى على وجه الفتاة الباكية وجه الراهبة ~~الحزين. # فقلت: «أتذكرين الأخت أوجني أحيانا؟» فأشارت بالإيجاب، قلت: «حتى بعد مرور أربع عشرة سنة ~~تشجيك تلك الذكريات الصبيانية؟» # فلزمت عائدة الصمت وقد بدا وجهها مهيبا، ثم قالت: «ذكريات صبيانية؟ وهل نحن الآن غير ~~أطفال؟ وهل الشباب والكهولة والشيخوخة سوى مظاهر أخرى من الحياة الدائمة الطفولة؟ ما مر بي ~~يوم إلا زدت اعتقادا أن ما نراه، ونشعر به، ونختبره في الحداثة إنما هو، هو ما نشهده ~~متتابعا من عام إلى عام، ولكن بصورة أكبر، في ميدان العالم الوسيع.» # | حكاية السيدة التي لها حكاية # لكل من الناس حكاية أولية يتناقلها الأقارب والأباعد بلهجاتهم المتعددة ويفهمونها ~~بعقلياتهم المختلفة، وينسجون حولها حكايات كثيرات. يسرد الواحد «الحكاية» الأولية عن ~~ذبيحته في تلك الساعة ثم يزيد قائلا، وله معي أنا أيضا «فصل»، وله مع زميلي «عبارة»، وله ~~مع الآخر «طابق» ... إلخ. ويجود بهذا الطابق والفصل والعبارة شارحا متبسطا منمنما مزخرفا. ~~ويصغي الآخرون متعجبين متأففين، ويتعوذون بالله العلي العظيم، وينكتون ويتهكمون كأنهم لم ~~يأتوا هم ولم يأت بشر قبلهم شيئا شبيها لما يسمعون. وبدهي أنهم في تطبيق الأحكام على ~~سواهم لا يراعون قانونا مرنا يستعملونه ms46 في الحكم على نفوسهم، والقاعدة الذهبية القائلة ~~بحب القريب ومعاملة الآخرين بمثل ما يود المرء أن يعامل، لا تزال قاعدة ذهبية ... ~~فحسب. # لا يراعي الناس في حكمهم على الآخرين ما يجيزونه لأنفسهم، وإنما يحكمون وفقا لنصوص ~~صلبة جمعت في الجدول الأخلاقي الذي يتسلحون به أمام بعضهم بعضا، فإذا ما طرحت العيوب في ~~سوق المزايدة، هي مزايدة لا تقبل المناقصة مطلقا، عمد المتحدثون الذين صار كل منهم في ~~ذلك الموقف بارا صفيا وقديسا مفضالا، عمدوا إلى ذلك الجدول الصارم كوجه الجلاد. ~~وكما أن جدول الحساب الذي وضعه فيثاغورث اليوناني هو جدول ضرب كذلك كان الجدول الأخلاقي ~~لمساوئ العباد والحكم عليها، جدول ضرب تعالت أرقامه الشريفة عن كل طرح شائن! ~~••• # كثيرا ما كنت ألتقي بالسيدة غ. ب في أماكن مختلفة؛ في الكنيسة، والحفلات الموسيقية ~~(كونسرت)، والمخازن الكبرى، وكان يندر أن أسير في شوارع حي الإسماعيلية كشارع قصر النيل، ~~وعماد الدين، والمغربي، والمدابغ، وسليمان باشا، دون أن أراها مارة كأنها تقطن هذه الجهات ~~أو قريبا منها، فإذا كنت مع صاحبة أو رفيقة لفظت بيننا تلك الكلمة التي يتبادلها ~~النساء، والرجال أيضا مع احترامي لسادتنا الأجلاء، لدى مرور سيدة ذات ميزة ما، تلك الكلمة ~~هي «انظري! انظر!» ولتلك السيدة غير ميزة، فهي معروفة بجمال الصوت وقد سمعتها في حفلتين ~~اثنتين. وهي أنيقة الهندام تتزيا بأحدث الأزياء، بل هي من السابقات إلى ترويج الأزياء ~~الحديثة في القاهرة، ويقولون إنها حسناء. # كنت أشاهدها عن بعد فيستلفتني إليها ذلك الشيء الخاص في كل إنسان وليس هو الهندام، ولا ~~ملامح الوجه، ولا الحركة، ولا السكوت ولكنه شيء مبهم يختلف باختلاف الأشخاص. ويزعم بعض أهل ~~الفراسة أن مقره بين العينين، ويدعي غيرهم أنه في إنسان العين، أو حول الفم، أو في خطوط ~~الشفاه، أو في ارتكاز الذقن. وأنا لا أعلم سوى أنه موجود وأنه المكون الأكبر لما نسميه ~~«معنى» الشخص. وهو عند بعضهم قوي، شديد التأثير، يلتصق بنفس الرائي فلا يعود ينسى ذلك ~~«المعنى» ولا ينسى حامله. # بعد كلمة ms47 «انظر! انظري!» لا بد من «حكاية» عن موضوع النظر. وهكذا سمعت عن تلك السيدة ~~حكايات جمة جعلتني كثيرة التفكير فيها أسائل «معناها» الباقي في نفسي: ماذا علي أن ~~أصدق من كل ما قيل ويقال؟ ويزيد اهتمامي بها بتراكم الحكايات عنها، كأني ذلك الرجل الذي ~~تعرف إلى أحد المشاهير وقال: «سمعتهم يذمونك فشاقني التعرف بهولك.» # عيناها كانتا أعلق الأشياء بحافظتي، هما عينان متغيرتان تظهران مرة عيني امرأة وجيعة ~~صابرة، وحينا تفكران معرضتين عن جميع مظاهر الحياة، ويوما تكنان نظرة لا قرار لها، ~~وتخترقان الأشياء إلى فضاء يحيط بها، كأنهما ترقبان في الهواء إشارات يد غير منظورة. ~~وطورا تبدوان كعيني الشخص الاجتماعي الذي يتمتع بأفراح عادية ويكتفي بها غير متخيل وجود ~~ما يفضلها. ثم تتألقان سعيدتين كأن الحياة أشبعتهما مسرات لطيفة هادئة وحققت منهما بعيد ~~الأماني. إلا أني كنت أحبهما عندما تذبلان وينطفئ نورهما كأن صاحبتهما شاخت في أسبوعين ~~خمسين عاما. ثم ألتقي بها مرة أخرى فأحسبها في ثوبها الوردي، وبرنيطتها المرفرفة على ~~وجهها، طفلة تنتظر من الوجود جميع صنوف الهناء. ~~••• # أقامت يوما نخبة غواة حفلة موسيقية في قاعة الأعياد الكبرى بفندق شبرد. وقد أشرف على ~~تنظيمها أستاذان شهيران هما السيدة ك. أقدر معلمة بين الأجنبيات المتعاطيات تدريس فن ~~الغناء، ولها في منزلها اجتماعات حافلة بأجمل أصوات القاهرة من نساء ورجال درسوا عليها ~~والتفوا حولها. والسنيور ف. الذي يقطن هذه المدينة منذ أعوام وقد كثر تلاميذه وتلميذاته من ~~مختلف الجاليات، وتزايد عدد أصدقائه والمعجبين به الذين يرون معجزاته على البيانو متجددة ~~كل يوم، مدهشة كل مرة. # في تلك الحفلة غنت السيدة التي لها حكاية إلا أني لم أجد من يحدثني عنها، ربما لأن ~~أكثر الحضور من أهل الغواة، فكلما عزف عازف أو أنشدت منشدة زف الجمع التهاني إلى ذويه ~~وذويها؛ ليضمنوا بذلك تهاني تزف إليهم عندما يغني أولادهم ويعزفون. تلك المرأة لم يكن ~~لها أهل، ومع ذلك فقد أحدث إنشادها تأثيرا كبيرا وأثار تصفيقا حادا لم تكن تقابله هي ~~بغير السكون. وقد ms48 أطل من عينيها لهيب قاتم عميق وارتدت ملامحها هيئة آمرة تبعدها عن ~~الشباب والشيخوخة معا ، وتجعلها شبيهة بالتماثيل التي لا تتغير شاراتها وتظل في أوضاعها ~~ثابتة على الدوام. # فكرت فيها طويلا ذلك المساء، وألفت من كل ما سمعت عنها رواية كئيبة فقلت لنفسي: ~~«يا للخسارة! لماذا تتجاهل هذه المرأة ذاتها؟ لماذا لا تنسى أنها حسناء فترتفع إلى القمة ~~التي أراها أهلا لبلوغها؟» # وفي الغد جاء السنيور ف. ليعطيني درسي الموسيقي ولكن بدلا من أن يأتي في الساعة الحادية ~~عشرة، وهي الوقت المعين، جاء قبل الظهر بعشر دقائق. دخل يفرك يديه وعيناه تلمعان وراء ~~زجاجتي نظارته، فتذمرت وقلت: «إنك لا تبالي بوقتي يا أستاذ، لقد أتلفت صباحي، بل نهاري ~~كله!» فضحك ضحكة ابتدأت في قرار معتدل وانتهت فيما يشبه زقزقة الطيور وقال: «أنا لست ~~أستاذ رياضيات لألزم بالمجيء في الوقت المعين.» وفرك يديه من جديد ليستشهد بالمثل ~~الفرنسوي القائل: «بعض التشويش ضروري لتجميل الفن.» قلت: «ولكن وقتي ...» فقاطع قائلا: ~~«الدرس، الدرس.» وسمع الجيران مدة ساعة طويلة تلك الضوضاء الخاصة التي يحدثها التمرين ~~والمراجعة في حضرة المعلم. # ولما انقضت الساعة بإجهاد وسلام طلبت حقي. والسنيور ف. يعزف لتلاميذه القطعة التي ~~يطلبونها إذا كان راضيا عنهم. وحقي الذي طلبته يومئذ قطعة موسيقى روسية كان قد عزفها في ~~حفلة اليوم السابق. ~~••• # فجلس إلى البيانو وقبل أن يبدأ تكلمنا عن «الكونسرت»، وتبادلنا الآراء في أصوات المنشدين ~~والمنشدات حتى وصلنا إلى ذات الحكاية، فسألته: «أهي من تلاميذك؟» # أجاب: «كلا ولكنها من تلميذات السيدة ك. وقد اجتمعت بها عندها غير مرة.» # قلت: «أسمعهم يلقبونها تارة بالمدام وطورا بالمدموزيل، أمتزوجة هي أم عزباء؟» # فتنهد وقال: «يا لها من امرأة مسكينة!» # فقلت: «وهل من ظروف حياتها ما يحرك الشفقة إلى هذه الدرجة؟» # فقال: «ومن ذا الذي لا يشفق على امرأة جمعت بين الحسن والذكاء والصلاح وهيأتها الطبيعة ~~لتسعد وتسعد فلم يكن نصيبها إلا الشقاء؟» # قلت: «أي شقاء تعني؟» # قال: «كيف؟ ألا تعرفين حكايتها؟» # قلت: «أعرف عنها نتفا مبعثرة. ومن ms49 ذا الذي يستطيع أن يرسم لحياة امرئ صورة جلية من كلام ~~الناس؟» # فتنهد مرة أخرى ، وجرت أنامله بسرعة على السلم الموسيقي كأنه يسرح شيئا من أسفه أو يبحث ~~عن أسلوب جديد لحكاية قديمة. ثم غشت نظرة سحابة وقال: «كان والد هذه الفتاة قاضيا في ~~المحاكم المختلطة وهو على جانب كبير من العلم والذكاء، فعلم ابنته وثقفها أحسن تثقيف. ~~ولما جاء وقت الزواج جرى لها ما يجري لفتيات كثيرات؛ أي إن والديها انتقيا لها خطيبا ~~أجنبيا مثلها، رأيا فيه ما يملق مطالبهما الاجتماعية. وكان على الخاطب مسحة من الجمال ~~فلم تعارض. ورضيت كما ترضى الكثيرات من أخواتها ليفرحن بالأثواب، والأساور والحرية ~~المنتظرة، فتزوجت في عرس فخم دعي إليه أعيان الجاليات الأوروبية. ولم يكن حتى استولى الزوج ~~على البائنة المتفق عليها.» # وقف الأستاذ عن الكلام، وقد بدت على وجهه سيماء الخجل والرحمة والاحتقار جميعا. ثم قال ~~بعد سكوت قصير: «كم أشقت المرأة من رجل، وكم مزقت من شمل، وكم كسرت من قلب! ولكن مسكينة ~~هي عندما لا تكون شريرة! مهما علت في عين نفسها، ومهما تحررت من قيودها، ومهما بالغت ~~المناديات بحقوقها في رفعها إلى مستوى الرجل فإن حياتها، كل حياتها، تظل في قبضة هذا ~~الرجل الذي تزعم أنها مثيلته، وما هي في الواقع سوى ما يريد هو أن تكون، فإذا كان حرا ~~نبيلا جعلها حرة نبيلة، وإن كان ذليلا حقيرا حقرها وأذلها، فهي ألعوبته، وهي عبدته، ~~وهي الشيء الذي يتصرف به في سائر الأحوال. وبعض ذوي الضمائر من الرجال تروعهم هذه السلطة ~~على المرأة، وهذه القدرة التي تهزأ بتقلب السياسة والاجتماع؛ لأنها أقوى من الاجتماع ~~والسياسة وأمكن باستنادها على الطبيعة نفسها، فيحجمون عن الزواج خوفا من نفوسهم.» # ضايقتني هذه التعليقات على أهميتها؛ لأني كنت أرغب في استماع البقية، فقلت: «ثم ماذا ~~جرى؟» # قال: «جرى أن ذلك المتحذلق كان مقترنا سرا بامرأة أخرى، وكان يحتاج إلى نقود فكان ~~الزواج أسهل وسيلة للفوز بحاجته. وبعد ثلاثة أسابيع اختفى.» ~~- «وكيف اختفى؟» ~~- «خرج من منزله ms50 ولم يعد، فجنت زوجته في الأيام الأولى؛ إذ ظنت أنه قتل. ومرت الأسابيع ~~فشاع خبر سفره مع زوجته الأولى، فأرسلوا يبحثون عنه في بلده بإيطاليا، وهنا غص السنيور ف. ~~بريقه؛ لأنه إيطالي، ولكن ذهبت أتعاب البوليس سدى، ولم يجدوا له أثرا لا في إيطاليا ولا ~~في غيرها من بلاد الغرب. ولم يطل حتى توفي والد هذه المرأة التي غدرت في شبابها، وفي ~~حبها، وفي مالها، وفي مركزها، فأمست وحيدة فقيرة، والكنيسة لا تحل زواجها؛ لأن الرجل لم ~~يكن مرتبطا مع زوجته الأولى بزواج كنسي، بل كان زواجه اتفاقيا فقط. القانون يعاقب على ~~هذا، ولكن كيف يصل القانون إلى من ضاع في المجهول؟ ولو كسرت الكنيسة زواج المرأة لظل الناس ~~في ريبة من أمرها؛ لأن المظلوم أكثر تعرضا للشبهات والتخمين من الظالم، لا سيما إذا كان ~~المظلوم امرأة والظالم رجلا؛ لذلك ترين الناس يؤولون كل حركة تأتيها؛ لأنها حلت على ~~ألسنتهم وصارت لأفواههم مضغة سائغة. ولو قضت أيامها بالصوم والصلاة والتقشف لما أنصفوها. ~~ومهما نقدتهم الثمن غاليا فلا يبيعونها ذلك الاعتبار الوهمي الذي يتزلفون به لدى أهل ~~الجاه والثروة والسلطان، أو لدى من أتقن «البلف» عليهم، فأي غاية لهذه المرأة من الحياة؟ لا ~~هي طليقة تتصرف بأيامها، ولا هي مقيدة تجد في تحطيم قيودها تعزية وسلوى. هذه حياة بتراء ~~أشقاها الرجل كما بتر وأشقى مثلها وقبلها كثيرات ...» # قلت: «ولكن كيف لم تشعر هي خلال الخطبة أنه يخادعها؟» # قال: «لا أدري كيف لم تفهم هي، ولم يلمح أهلها شيئا من ذلك.» # قلت: «لعله تزوجها مخلصا إلا أنه ظل يفكر في تلك التي ربما كانت على جمال ~~عظيم.» # قال: «يقول الذين يعرفونها إنها عجوز شمطاء، ويتعجبون كيف يرضى بها هذا المتوقد المتأنق ~~جارية.» ثم أطرق قليلا وقال: «ولكن ليس للشباب والجمال دخل في هذه المسائل. الجمال يبحث ~~عنه في الصالون، والمسرح، والاجتماع، والشارع، والمرأة المليحة تجذب النظر عادة أكثر ممن ~~كانت أقل ملاحة. على أن تأثيرها لا يتعدى ذلك، والتاريخ شاهد على قولي. ms51 وأقرب شواهد التاريخ ~~نجدها في ولي عهد النمسا الذي نشبت الحرب إثر مقتله، وهو الذي أعرض عن جميع الأرشيدوقات ~~النمساويات الباهرات الجمال، وعن جميع الأميرات في الدول المالكة، وتنازل عن العرش والتاج ~~غير مرة ليتزوج بمن هي أقل النساء ظرفا وحسنا. وهي الكونتس دي شوتك وصيفة إحدى قريباته، ~~التي صارت بعد زواجها الدوقة دي هوهنبرج، وقد قتلت معه في مفجعة سراجيفو.» # وعدل السنيور ف. جلوسه وأخذ يعزف قطعة حماسية حزينة من وضع بتهوفن وهي «مارش جنازة البطل» ~~(Marcia funebre d’un eroe) ~~. ~~••• # رأيت البارحة، في حديقة بضواحي القاهرة، السيدة ذات الحكاية. فهمت الآن لماذا يتغير معنى ~~عينيها، ولئن لم أدرك بعد تماما ماذا تعني كلمة «حياة بتراء»؛ فإني أدرك أن الحياة تهيئ ~~لبعضهم ظروفا لم يحلموا بها، ولو حلموا لتلافوها مشيا على الأشواك والجمرات. وعلمت أن في ~~ذلك القوام المعتدل، وفي ذلك الهيكل الذي يمثل القوة والأنفة قلبا، قد يكون جرحه الحب ~~الصادق يوما إلا أنه اليوم يعذبه سرطان تتمدد منه الأصول في جميع نواحيه، ذلك السرطان ~~العريق الذي لا يقتلع؛ احتقار الحياة وعدم الثقة بالناس. # | ساعة مع عيلة غريبة # الأشخاص # متاتياس: # مالي من رجال البورصة. # أغابي: # زوجته يونانية الأصل تظهر اللكنة الأعجمية في لفظها. # مدام سالم: # أخته الكبرى ضيفة عنده مع زوجها. # الدكتور سالم: # صهر متاتياس. # سميحة: # أخت متاتياس الصغرى. عزباء تسكن معه. وقد توفيت والدة هؤلاء الأخوة ~~الثلاثة على إثر ولادة سميحة. # شفيق: # طالب في مدرسة الحقوق، أديب وموسيقي، أخو متاتياس لأبيه، وقد توفيت والدته ~~كذلك بعد وفاة أبيه، يصغر سميحة بعامين أو أكثر قليلا. # المكان # منزل فخم في رمل الإسكندرية. # الوقت # بعيد الساعة التاسعة صباحا. # متاتياس ~~(جالس أمام المائدة يتناول طعام الفطور وإلى يمينه زوجته، ~~وإلى شماله شقيقتاه مدام سالم وسميحة. يتحادثون عن أشياء عادية كالمغص الذي ~~تألم منه الولد، والخصام بين الخدم، والمخصر على طاولة البكارا البارحة، وكم ~~ربح الجيران من مدخول البوكر في الشهر المنصرم ... إلخ. يدخل شفيق بلا تسرع ويجلس ~~بهدوء في مكانه قرب سميحة. ms52 متاتياس يرقبه بشيء من الاستياء ثم يتنحنح ليجلو ~~صوته ولينذر السامعين بأنه سيقول شيئا خطيرا، مخاطبا شفيق) ~~: # صح النوم ! # شفيق ~~(بعد سكوت قصير) ~~: # لم أكن نائما، أنا آت من حمام البحر. # متاتياس ~~: # من حمام البحر؟ إذن هذه الليلة لم تنم كعادتك؟ ~~(شفيق يصب القهوة في فنجانه معرضا) # إذن تريد أن تنتحر انتحارا؟ أتظن أني سأحتمل هذا طويلا دون أن ~~أدعك تشعر بأن لك من يسيطر عليك؟ في الليل بدلا من أن تفعل كسائر الخلائق ~~فتسهر في تياترو أو في سينما ... # شفيق ~~(مقاطعا بأدب) ~~: # وهل من شروط الخليقة أن تسهر ~~(مفخما اللفظة) # الخلائق في تياترو أو في سينما؟ # متاتياس ~~(دون أن يلتفت لمقاطعته) ~~: ~~... أو معنا نحن أهلك؛ فإنك تذهب إلى مجتمعات الدعوى، والكلام ~~الفارغ، والعقول المرقعة التي تسميها أندية الأدب والمناقشة والخطابة ~~(أغابي ومدام سالم يتبادلان إشارة أسف وتتنهدان عاليا ~~جدا) # وتعود بعد نصف الليل إلى كتبك الشيطانية كأن نور النهار لا يكفي ~~لإضعاف بصرك وإتلاف صحتك وتقصير حياتك ... # أغابي ~~(تتنهد مرة أخرى) ~~: # يا سلام! # متاتياس ~~(ينظر إليها شزرا لجرأتها على مقاطعته ويتابع ~~متغيظا) ~~: # كانت غرفتك منارة عند الساعة الثالثة، فمتى نمت ومتى استيقظت؟ ~~ألا تعلم أن الكتب لم يتاجر بها متاجر إلا وجننته وأفقرته؟ أتريد أن تعيش ~~مستعطيا ذليلا؟ ألسنا نحن أفضل من هذه الوريقات عدة إبليس؟ أليس مجلسنا ~~أهلا لك حتى تقضي الساعات مسجونا في غرفتك، وعندما تخرج إلينا لا تعطينا غير ~~الدقائق التي تقضيها على المائدة؟ أهكذا يصطاف الناس، أهكذا يتنزهون ويعيشون؟ ~~أتعلم أن أمرك صار يشغلني إلى درجة القلق؟ ساعدك الله على حياتك كيف ~~تكون! # شفيق ~~(يحرك السكر في فنجانه بهدوء ويحتمل هذه الوعظة بتجلد من ~~اعتاد سماعها، يتكلم بأدب ورصانة) ~~: # يسوءني أن أكون سببا لإزعاجك. ولكني لا أستطيع تغيير فطرتي. ثق ~~بأني لن أفعل ما يؤذيني، بل أتمتع بحريتي باعتدال. أحب أن أشعر بأني حر مطلق ~~الحرية. # مدام سالم ~~(تشهق متعملة التعجب والغيظ) ~~: # أخوك يريد خيرك وينصحك وأنت تقول له «أنا حر»؟ نجنا يا ألله ~~من ms53 أولاد الجيل الجديد دا! # أغابي ~~: # دا إيه دا يا شفيق؟ إنت تبقى حر إزاي؟ # شفيق ~~(متألما في ذكائه لمناقشة هذه الرءوس الخاوية) ~~: # ها قد ابتلينا بموضوع جديد! وهل كلمة «أنا حر»، هذه الكلمة ~~التي تثبت وجود الإنسان أمام الوجود، هل هي أثيمة إلى هذا الحد؟ إن لي ذوقي ~~وميولي ومطالبي ورغباتي وكلها تختلف عن ذوق أخي وميوله ومطالبه ورغباته. لا ~~يعني هذا أني أفضله أو أنه يفضلني. كل طبيعة حسنة منسجمة في ذاتها. ولكنه ~~عندما ينصحني ويعنفني يقدر أني مثله تماما، ويجردني من نفسي، ولا يتصور أني ~~أختلف عنه كل الاختلاف، فحبذا لو تفاهمنا مرة واحدة ووضعنا حدا لمثل هذه ~~المناقشات. لكل منا فطرته وحريته، ولي حريتي وأريد أن أتمتع بها. # مدام سالم ~~(وقد طفح كيل تعجبها) ~~: # يا ابني دا أخوك. يكبرك بعشرين سنة. دا رباك زي أبوك. دا هو ~~احتضنك ورباك. وأنت مخطئ تتبع سبل الضلال، ولما يجي ينصحك تقوم أنت تتجاسر تقول ~~له «أنا حر!» # شفيق ~~(متتبعا باهتمام تحني هذا المنطق الأعوج) ~~: # من يسمعك قائلة إني أسير في «سبل الضلال» يحسب أني ... ~~(يصمت فجأة؛ إذ يأنف متابعة جدال كهذا، ثم يقول بشيء من ~~المرارة) # تلومونني لأني لا أطيل الجلوس معكم، وهل من عجب وكل جلسة كهذه ~~الجلسة؟ # متاتياس ~~(يتنحنح كعادته ليقول شيئا خطيرا) ~~: # وكم دفعت ثمن الأرغن الذي جئت به البارحة؟ # شفيق ~~(بتأدب) ~~: # هذا أمر لا يعني غيري. # متاتياس ~~(يغضب حقيقة هذه المرة) ~~: # شئونك المالية لا تعنيني؟ # شفيق ~~(ينجح في أن يكون هادئا كالأول) ~~: # إنها لا تعني غيري في هذا الموقف؛ لأني ابتعت الأرغن بما توفر ~~لدي من مصروفاتي الشهرية. وأنا حر في أن أشتري آلة موسيقية تسرني ولا تؤذي ~~أحدا. # مدام سالم ~~: # هو «حر» من جديد. هو «حر» كل مرة. # متاتياس ~~: # ألست مجنونا؟ # شفيق ~~(يهز كتفيه) ~~: # قد أكون مجنونا لأني لست مثل ... # متاتياس ~~(متمما فكر شفيق) ~~: # مثلنا نحن، أليس كذلك؟ نحن عقلاء نعمل كجميع الناس، ونجتمع ~~بالوجهاء أمثالنا، وألعابنا ومسراتنا معقولة معتبرة، كما أن أشغالنا شريفة ~~كثيرة ms54 الأرباح. أما أنت فانظر إلى ما تفعل واذكر من تعاشر. وأنا أريد أن أصلحك ~~رحمة بك وخوفا على مستقبلك فتقبل نصحي كالمجنون الأحمق. # شفيق ~~(بهدوء حزين) ~~: # حدثني عن رحمتك ... إني حتى الساعة لم ألمح خيالها ... # متاتياس ~~(يتكلف الشفقة المتناهية) ~~: # وماذا ينفع الذكاء والدرس إن لم يقدهما النصح والرأي؟ اعلم ~~أيها المغرور، أنه كما قال الشاعر العربي ~~(بفخامة وتأن في الألفاظ) ~~«الرأي قبل شجاعة الشجعان.» ~~(شفيق ينظر إلى أخيه بعينين واسعتين دهشتين وفيهما خيال الضحك، فتهمس له سميحة ~~بسرعة: «لا تدهشنك هذه الفصاحة الفجائية! هذا عنوان إعلان تجاري رآه في جريدة هذا ~~الصباح قرب أخبار البورصة.» هنا ينهض متاتياس بعظمة تتبعه زوجته ومدام سالم ويتجهون ~~نحو الباب. وعندما يصل متاتياس قرب أخيه يتهكم قائلا: «ابق على حريتك لنرى إلى أين ~~تقودك.» ثم يخرجون وشفيق مهتم بملس الزبدة على كسرة خبز في يده. وبعد أن يبتعد وقع ~~أقدامهم يجيل النظر فيما حوله فيرى أنه وحده، فيحمل فوطته ويلوح بها في الفضاء كمن يطرد ~~الذباب، فيسمع صوتا يتكلم وراءه ويلتفت فيرى الدكتور سالم مشيرا نحو الشرفة حيث سميحة ~~تسقي الأزهار.) # الدكتور سالم ~~(مخاطبا سميحة) ~~: # أتسمحين لي بفنجان قهوة صغير؟ # سميحة ~~: # أسمح بفنجان قهوة كبير. ~~(تدخل من الشرفة وتدنو من المائدة.) # الدكتور ~~: # أشكر لك كرما لن أتمتع به. يجب أن أذهب إلى المدينة في ~~الحال. ~~(مخاطبا شفيق) # كيف الحال يا سي شفيق؟ # شفيق ~~: # في الحياة أمراض لا يداويها الطب يا دكتور. # سميحة ~~(بعطف أكيد) ~~: # لقد أنهكوا قوى هذا الولد المسكين. # الدكتور ~~(يشرب القهوة واقفا) ~~: # كدا؟ وأي ذنب جنيت يا كثير الذنوب؟ # شفيق ~~: # هو الذنب الأكبر الذي لا ينتهي. وهل ينتظرك في المدينة مريض ~~ما؟ # الدكتور ~~: # لا تغير الموضوع. أخبرني عن ذنبك الجديد. # سميحة ~~: # سهر البارحة في النادي. وظلت غرفته منارة حتى الساعة الثالثة ~~صباحا. وابتاع أرغنا. وقال إنه «حر». هذه قائمة الذنوب الجديدة. # شفيق ~~(لا يلتفت إليها) ~~: # ذنبي الذي لا يغفر هو أني لست طفلا. أريد أن أفتكر بنفسي، ~~وأعمل لنفسي، وأعتمد على نفسي. ms55 وهم يقذفون علي بآرائهم ونصائحهم في كل حين. ~~وما هي قيمة الرأي يا ترى إن لم أطلبه أنا؟ وقد أطلبه وأسمعه دون أن أتبعه. ثم ~~إذا استشرت غيري كل خطوة فكيف أعرك الأمور فأخطئ هنا وأصيب هناك، وأكتسب من ~~الفشل والنجاح اختبارا هو في الحقيقة أكبر وأقدر ما يقود المرء في هذه الحياة ~~المتشعبة السبل؟ # الدكتور ~~: # الرأي حسن يا شفيق، عندما تطلبه وتكون في حاجة إليه. # شفيق ~~(متحمسا) ~~: # حسن في هذه الحال وقبيح فيما عداها. عندما أقصدك مستشفيا ~~أعلم أنك تستطيع شفائي فأذعن لأوامرك وأقبل نصائحك. وعندما أسألك رأيك أعتبرك ~~قادرا على وضع نفسك مكاني والشعور معي، حقيقا بأن تقودني في طريق سلكتها ~~واختبرتها قبلي. ولكن ما قيمة الرأي عند غير أهله؟ كيف يرشدني في الموسيقى من ~~لا يتقن إلا التجارة؟ كيف يصلح أغلاطي اللغوية من كان صحيحه مغلوطا؟ كيف ~~يعلمني الصينية من لا يعرف عدد حروفها؟ ثم كيف هو ينهاني عن قيادة زورق حياتي ~~كما أريد؟ عجبا! أألام لأني لا أقضي ليالي حول الطاولة الخضراء، ولا أصرف ~~نهاري بين سباق الخيل، وصيد الحمام، وحانات الرقص والشراب؟ كنت وما زلت أعتقد ~~أن من كانت هذه حياته حق عليه الملام، وها أنا الذي أطلب الهدوء والوحدة ~~أقابل بالشغب والعبوس. ~~(يصمت آسفا لأنه تكلم، إلا أن الكلام يعود متدفقا من ~~شفتيه) # يعيرني أنه رباني صغيرا. والله يعلم كيف رباني! إنه أدخلني ~~المدرسة، وهل كان بوسعه أن يفعل أقل من ذلك! ويقول إنه بمثابة الأب لي، فأي ~~حنو وطد هذه الأبوة؟ كنت أقضي في المدرسة شهورا طويلة دون أن أراه، وإذا ~~زارني هو و... وهن حملوا إلي الحلوى واللعبات وكل ما تجلبه الدراهم، ولكنهم لم ~~يكونوا ليعطوني منهم شيئا. الدراهم أورثنيها أبي مثل ما أورثهم. أما قلوبهم ~~فكانت مختومة كالقبور. كنت أبكي - أتسمع يا دكتور؟ قلت أبكي - كنت أبكي عندما ~~أرى رفاقي في أحضان ذويهم محبوبين مدللين، أما هو فكان يأتي ويذهب بلا قبلة ~~عطف، بلا كلمة محبة، بلا نظرة اهتمام لليتيم الصغير ms56 الذي كنته. وكم كنت ~~مستعدا لأحبه! وكم كنت أتمنى أن يتركني أحبه دون أن يجمد قلبي! ولو علمت ~~اليوم أنه ينصحني مهتما مخلصا لسعدت بالتنازل عن رأيي وسارعت إلى إتيان ما ~~يشتهي. ولكنه ينصحني ليجعل لنفسه أهمية وليذلني، ولو أذعنت لكلامه لحظة ما ~~تأخر عن تغييره في اللحظة التالية. ~~(يتنهد) # لا أستنشق في هذا البيت غير هواء المقت والكظيمة. إنهم ينظرون ~~إلي كدخيل مغتصب. وهذه أمراض عضالة لا تستطيع معالجتها يا دكتور. ~~(تلتقي عيناه بعيني الطبيب وهو ينظر إليه طويلا بعطف يشبه ~~المصادقة، فيهز رأسه فجأة ويحاول الابتسام) # أستمحيك عفوا فقد مزجت قهوتك بالشكوى. ~~(يهز كتفيه) # ما أحقر الشكوى وما أحقر الشاكي! ~~(يتغلب على نفسه ويرسل زفرة عميقة) # انتهى يا دكتور. # الدكتور ~~(متجها نحو الباب) ~~: # نصحي إليك، وإن كرهت الناصحين، أن تخرج من نفسك بقدر الإمكان. ~~إن عكفك على ذاتك يزيد عواطفك رقة وتهيجا. احتك بالناس، اسمع ثرثرتهم، ~~شاركهم فيها، اخرج إلى الهواء الطلق، تعاط الألعاب الرياضية. العب، العب، كن ~~من أبناء جيلك لئلا تتعذب كثيرا. # سميحة ~~(تغمز ضاحكة) ~~: # سلمني مريضك فأمرضه يا دكتور! ~~(إلى شفيق) # تعال معي إلى الهواء الطلق! تعال وكن رابع رفقائي في دور ~~«التنس» هذا الصباح! ~~(يخرج الطبيب مسلما ويحاول شفيق اتباعه فتسد سميحة الطريق ~~قائلة): # لا تذهب هكذا. لئن ساءني أن أراك غاضبا فإنه يحزنني أن أراك ~~حزينا. وعندما يضايقونك يضعف احتمالي وينفد صبري. # شفيق ~~(ببرود) ~~: # يحزنك! يسوءك! إنك مثلهم جميعا. # سميحة ~~: # ما أجهلك بي! لماذا لا تنظر إلي؟ لا أدري أأنت محق أم ~~متاتياس، ولكن ميلي معك. # شفيق ~~(بلا اكتراث ودون أن ينظر إليها) ~~: # عجائب! # سميحة ~~: # لو علمت أني في حاجة إليك، وأني شقية مثلك في هذا البيت لما ~~كلمتني بهذه اللهجة. # شفيق ~~(يتكلف الاهتمام التمثيلي) ~~: # شقية أنت بين حمامات البحر، ولعب الكرة، والسهرات الراقصات، ~~والسينما، والتياترو، ومغازلة أبناء الوجهاء أمثال أخيك؟ تعزي بالأثواب ~~الجديدة، والقلائد الكثيرة، والكعاب الطويلة، تعزي ولا تحزني! ~~(ينظر إلى ساعته) # مضى الوقت أرجوك أن تدعيني أخرج. # سميحة ~~(بتأن) ~~: # قلت ms57 إني في حاجة إليك. # شفيق ~~(يخرج من جيبه مفكرة وقلم رصاص) ~~: # صحيح، نسيت؛ بماذا تريدين أن أجيئك من المدينة ... ~~(منتظرا أن تتكلم ليكتب) # بودرا؟ خضاب؟ عطر؟ زهور؟ شكولاتا؟ أي شيء؟ # سميحة ~~(يظهر الحزن في وجهها. وتفسح له الطريق قائلة) ~~: # لك أن تخرج. # شفيق ~~(يخطو العتبة وهناك يتردد ذاكرا خشونته. ثم يلتفت ويعود ~~نحو سميحة وينظر في وجهها متمتما ما يشبه الاعتذار) ~~: # إنك لا تنقمين علي، أليس كذلك؟ # سميحة ~~: # وماذا يهمك؟ # شفيق ~~: # لا يهمني! لقد هنت على الآخرين فهانوا هم علي. لا يهمني ~~شيء. # سميحة ~~: # فهمت أني لا أهمك، وأنك لا تريد أن تعتني بأمري، أعدت لتقول ~~هذا؟ # شفيق ~~: # عدت لأقول ... ~~(بتردد) # أراك غير راضية. # سميحة ~~: # حقا لست راضية. إني شقية. # شفيق ~~(لا يريد أن يتأثر) ~~: # لست جادة. # سميحة ~~: # وهل من شقاء أوفر جدا من أن تقصد زوجة متاتياس أن تزوجني ~~لأحد أقاربها واسمه خريستو بوبو لاندو بولس. # شفيق ~~(يرفع يده كمن يقي رأسه لطمة) ~~: # يا حفيظ! ما كل هذا؟ # سميحة ~~: # كل هذا اسم واحد. ~~(يائسة) # اسم يملأ بطاقة الزيارة من أولها إلى آخرها. # شفيق ~~(مواسيا) ~~: # هوني عليك! وماذا يقول متاتياس؟ # سميحة ~~: # وماذا ينتظر من رجل لا قيمة عنده إلا للمال، وكل اسمه ~~متاتياس؟ # شفيق ~~(يضحك) ~~: # لست أدري لماذا أعطوه هذا الاسم. # سميحة ~~: # يظهر أن ابن جارة يونانية لنا كان يدعى به. وربما كان نبوءة ~~بأنه سيقترن بامرأة يونانية من ذوي قرباها خريستو بوبو لاندو بولس هذا. # شفيق ~~: # ممكن ~~(يضحك ثم تعود إليه هيئة التفكير شيئا فشيئا) # إذن تتخوفين الإرغام؟ أيزعجك الإرشاد المتتابع، أم في هذا ~~القلب الصغير شيء آخر؟ # سميحة ~~: # أنت طيب كجميع الرجال الأذكياء. # شفيق ~~(يتفحص وجهها بدقة) ~~: # وكيف عرفت جميع الرجال لتعلمي أن الأذكياء منهم ... # سميحة ~~(مشرقة الوجه) ~~: # أعرف الجميع لأني أعرف واحدا. ~~(تهز رأسها لتخفي خجلها) # وأنت أخبرني أسرارك: بين الكثيرات المفضلات على الكثيرات، ~~والقليلات المفضلات على الأخريات، ألا يوجد واحدة ... # شفيق ~~(يأتي إشارة مبهمة ونظره، يتبع خطوط حلم بعيد) ~~: # ليس هذا من شئون الفتيات. وساروفيمك هذا ms58 من أبطال ~~«التنس»؟ # سميحة ~~: # إن ذكاءك لمدهش! هو زميلي وقد غلبته مرات مع أنه لاعب ~~ماهر. # شفيق ~~: # وقد نال حظوة في عينيك لأنه لاعب ماهر أم لأنه مثل دور ~~المغلوب؟ # سميحة ~~(تحلم) ~~: # لست أدري. إنه يجذبني خصوصا ونحن وحدنا في الليل على شط ~~البحر. # شفيق ~~(متبرما) ~~: # وحدكما على شط البحر، وفي الليل، ما هذه الحكاية؟ # سميحة ~~(تتغير ملامحها وتجللها الهيبة والعظمة) ~~: # هناك عطفة تؤدي إلى الشط حيث طائفة صخور لها صور الضواري ~~وأشكال الكواسر. ينبسط أمامها البحر بمروجه المائية وتنهده العميق الفسيح. ~~هناك تحت عيون النجوم أجلس على مقربة منه، أجلس في حماه، فيتناجى هو والبحر ~~صامتين وأظل حابسة أنفاسي لأستمع لنجواهما. # شفيق ~~(مأخوذا بهذا الشيء الجديد الذي لم يعهده فيها) ~~: # أشاعرة أنت! حقا إن المرأة لغز. ~~(ولكنه يعود إلى ما يشغله) # ومن ذا الذي اكتشف هذه الخلوة؟ # سميحة ~~: # ومن ذا الذي يصنع الأعاجيب غيره؟ اكتشفها وقال «تعالي» ~~فذهبت. # شفيق ~~(غير مسرور) ~~: # أيكفي أن يقول «تعالي» لتذهبي؟ # سميحة ~~(تملأ عينيها مشاهد بعيدة) ~~: # يكفي أن يقول «تعالي» لأذهب. # شفيق ~~(جادا) ~~: # أنصحك ألا تذهبي بعد الآن. ~~(سكوت قصير. ثم يقول آمرا وبقوة هادئة) # لا أريد أن تذهبي. أتفهمين؟ # سميحة ~~(تعود إلى خفتها الأولى. مقلدة صوته) ~~: ~~«نصحي إليك ألا تذهبي» «لا أريد أن تذهبي» ~~(ثم بلهجة خطابية فخمة وإشارة تمثيلية واسعة) # اصغي خاشعة أيتها الشعوب، فإن أخا متاتياس يتكلم! # شفيق ~~(متغلبا على نفسه لا يريد أن يضحك) ~~: # اسمعي يا بنية. أنت لا تعرفين هؤلاء الشبان ولا تسمعين ما ~~يتبجحون به بعضهم أمام بعض. يكفي الواحد منهم أن يعرف فتاة معرفة سطحية وأن ~~تكون علاقته بها اجتماعية محضة، فتجامله مجاملة تقضي بها الاصطلاحات، بل قد ~~يكفي أن يراها مرة واحدة ليذكرها بلهجة توهم أنه واقف على جميع دخائلها. لو ~~علمت النساء جميع التعليقات، والملاحظات، وأنصاف الابتسامات، وأنصاف النظرات، ~~وصنوف الكلام، وصنوف السكوت الخبيثة التي يشفع بها ذكرهن أولئك المتملقون! آه ~~لو علمت النساء الغافلات! # سميحة ~~: # شرير منك أن تعمد إلى الوشاية. # شفيق ~~: # هذا هو ms59 الواقع مع الأسف. # سميحة ~~: # قد يوجد بين الرجال كمن وصفت ولكن هو لا يشبههم. # شفيق ~~: # كل امرأة تكبر بطلها وترفعه فوق الآخرين. أقول لك إنه ~~يكفي أن يصافحها ... # سميحة ~~(بلهجة الغالب) ~~: # وأنا أقول لك إنه لا يصافحني. # شفيق ~~(مرتابا) ~~: # ألا تصافحينه قبل «التنس» وبعده؟ # سميحة ~~: # أصافحه وقتئذ، وأصافحه كلما اجتمعت به في الأندية العامة كما ~~أصافح غيره من معارفي. أما في تلك الخلوة القدسية فلا. # شفيق ~~: # أهي معاهدة بينكما؟ # سميحة ~~: # تعاهدنا ولكن بغير كلام. # شفيق ~~: # لم تتصافحا البارحة، أما الغد فمن يضمنه؟ لو مد لك يده وقال ~~«ضعي يدك هنا» فماذا أنت فاعلة؟ # سميحة ~~(لا تريد أن تتخيل ذلك) ~~: # هذا غير ممكن. هذا مستحيل. # شفيق ~~: # ولكن هي لحظة أن المستحيل ممكن. لو مد يده غدا وقال ~~(يلفظ الكلمات بتأن متعمدا) # بلهجة قوله «تعالي»، لو قال بتلك اللهجة «ضعي يدك هنا» فماذا ~~أنت فاعلة؟ # سميحة ~~(حائرة حزينة) ~~: # أتركه، أهرب، ولا أعود ألتقي به. ~~(ترفع رأسها مفاخرة) # غير أن الرجل الذي أحتمي بحماه لا يحوجني إلى الهرب. # شفيق ~~: # كم تحبينه! ~~(سميحة تضطرب كأن هذه الكلمة لمست من نفسها مكانا مؤلما ~~فتسبل أجفانها وتسح دموعها ببطء، شفيق يتأملها.) # أإلى هذا الحد؟ # سميحة ~~(تفتح عينيها فجأة وتسأل بحرقة) ~~: # شفيق، قل لي: أتظن أن فتاة مثلي، فتاة عادية مثلي، تستطيع أن ~~تسعد رجلا حاد الذكاء؟ # شفيق ~~(يبتسم بحلم) ~~: # أرى جميع أعراض المرض بادية. وأراك ككل امرأة تبالغين في قدر ~~من تحبين. ~~(يسكت متأملا) # أتمنى أن يكون هذا الغلام أهلا للكنز الذي هو أنت. ~~(ثم معاتبا ومداعبا معا) # وهكذا أفقد أختي ساعة أجدها! إذا سرق هو كل شيء فماذا يبقى ~~لي؟ # سميحة ~~: # في صدر المرأة قلوب يا فيلسوف، وعلى كل أن يجد القلب الذي ~~يخصه. ~~(عائدة إلى الموضوع الرئيسي) # خلاصة كل هذا أني أتكل عليك في دحر متاتياس وخرستو بوبو بولاند ~~بولس وشركائهما. # شفيق ~~: # سندحرهم! ومعنا الدكتور سالم الذي أحترمه؛ لأنه ليس على وفاق مع ~~أختك زوجته ... مسكين! أما سهراتك أنت على شط البحر فسيكون لك ms60 من يرقبها ويحرسها ~~... يا لعناد النساء! وفي ما عدا ذلك سندحرهم، ولنا الفوز المبين! # سميحة ~~: # آمين! ~~(تمضي باحثة عن صولجان «التنس» وشبكته وتنشد) ~~«يا ليلة يا بيضا يا نهار سلطاني» ~~(ثم تغادر الغرفة بخطوات خفيفات راقصات). # شفيق ~~(يخرج إلى الشرفة منتظرا مرورها في الحديقة وعندما يراها ~~ينحني قائلا) ~~: # سلمي عليه! # سميحة ~~(تتظاهر بعدم الفهم) ~~: # أي شيء؟ ~~(ثم تضم أصابعها وتدنيها من شفتيها وتقول): # ما أحلى اسمك يا شفيق! ms61