######OpenITI# #META# URI: 1360MayZiyada.ZulumatWaAshicca.Hindawi26397073 #META# Tags: literature #META# ID: 26397073 #META# Title: ظلمات وأشعة #META# AuthorID: 64620862 #META# Author: مي زيادة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # من كوة الحياة‏ # أنا والطفل‏ # بين عامين‏ # نشيد نهر الصفا‏ # الساعة المفقودة‏ # يا سيدة البحار‏ # بكاء الطفل‏ # دمعة على المغرد الصامت‏ # نحو مرقص الحياة (1)‏ # نحو مرقص الحياة (2)‏ # الذكرى الجديدة‏ # العيون‏ # الحكيم ومطالب الحكمة‏ # ليلة عيد النصر‏ # الطبيعة المعمرة المدمرة‏ # يوم الموتى‏ # في مرقص الحياة‏ # كن سعيدا‏ # السهرات الراقصات‏ # الموضوع التائه‏ # أنت أيها الغريب‏ # قرب منعطف السبيل‏ # أين وطني؟‏ # عند قدمي أبي الهول‏ # من كوة الحياة‏ # أنا والطفل‏ # بين عامين‏ # نشيد نهر الصفا‏ # الساعة المفقودة‏ # يا سيدة البحار‏ # بكاء الطفل‏ # دمعة على المغرد الصامت‏ # نحو مرقص الحياة (1)‏ # نحو مرقص الحياة (2)‏ # الذكرى الجديدة‏ # العيون‏ # الحكيم ومطالب الحكمة‏ # ليلة عيد النصر‏ # الطبيعة المعمرة المدمرة‏ # يوم الموتى‏ # في مرقص الحياة‏ # كن سعيدا‏ # السهرات الراقصات‏ # الموضوع التائه‏ # أنت أيها الغريب‏ # قرب منعطف السبيل‏ # أين وطني؟‏ # عند قدمي أبي الهول‏ # | ظلمات وأشعة # | ظلمات وأشعة # تأليف # مي زيادة # | من كوة الحياة # ... وقفت عند كوة الحياة لا أدري لماذا أقف ومن ذا أوقفني هناك. وإذ بالناس في السبيل ~~يمرون، فأخذت أتفحص الوجوه منهم والحركات؛ لعلي أعثر على ما يجعلني مختلفة عنهم وهم ~~مختلفين عني، ولعلي أدرك ما هذا الذي يطلب مني رغم حداثتي وحيرتي وجهلي وقلة اختباري، ~~فصرت أعجب بالناس وأغبطهم على ما لديهم وليس لي أن أفوز بمثله، وأتعزى بمظاهر الكآبة عندهم؛ ~~لتكون تلك المظاهر صلة، ولو واهية، بيني وبينهم، على أني لم أزدد إلا شعورا بحيرتي وعجزي، ~~لم أزدد إلا شعورا بأني خيال لا ضرورة له إزاء تلك الأقوام الفرحة الضاحكة - مع أن هذا ~~الخيال يطلب منه شيء كثير لا يدري ما هو، فظننت لحظة أني وصلت إلى قرارة اليأس، وأني شربت ~~كأس المرارة حتى الثمالة، ثم أوحي إلي بأن هناك وجودا غير ملموس يدعى السعادة، وشعرت ~~باحتياج محرق إلى التعرف إليها، والتمتع بها، ففهمت أنه ليس أقسى على النفوس في انفرادها ~~وسكوتها وعجزها من تلقي ذلك الوحي العنيف، والشعور بذلك الاجتياح العميق ... # | أنا والطفل # هناك بعيدا عن المدينة وضوضائها، في الطريق المؤدية إلى قصر كان ms01 بالأمس للخديوي إسماعيل ~~ولم يعد له، على شط معبود المصريين ومرضع سهول إيزيس، على شط النيل النائح في سيره على رفات ~~العذارى المبعثر في أعماقه؛ هناك روضة غناء مفتوحة لجميع الداخلين، وقد حفظ جوها أحلام ~~زائريها المتأملين. # قصدت إلى الحديقة في صباح يوم منير. نبذت عني عادات المدنية فافترشت الثرى كما يفترش سكان ~~البادية رمال الصحراء، وتمددت على العشب الأخضر في فيء شجيرة عند قدمي أحد التماثيل ~~المنصوبة هنالك. # لم أر حولي سوى سيدتين إنجليزيتين مع إحداهما ثلاثة أطفال، وإن هي إلا دقائق حتى اقترب ~~مني أحد هؤلاء، وهو صبي في الرابعة من سنواته، فناديته قائلة: «تعال إلي أيها ~~الصغير!» # فدنا واجفا باسما، فسألته: «ألا تجلس على ركبتي؟» فجلس صامتا. # ولما شعرت بثقل جسده الصغير ذكرت أخي الوحيد الميت، ووثب قلبي إلى شفتي، وجالت الدموع ~~بين أجفاني، فملت إلى الطفل امتص من حلاوة وجنته، لاهية بتلك القبلة عن كآبتي المتصاعدة من ~~فؤادي كما يتصاعد الغيم من أطراف البحار. # ما أعذب قبلة الأطفال! وما أطيب طعم ابتسامهم! # ثم سألت الطفل: «ما اسمك؟» # قال: «روبرت.» # نظرت في وجهه فإذا به آية من آيات الجمال الإنجليزي: وجه شفاف كأنما هو عصير ورد وياسمين ~~تجمد فنحت وجها بشريا، وفم كزر الورد لطفا وانكماشا، وجبهة كبيرة عالية يخفيها شعر ~~ذهبي مسدول عليها، وعينان لهما زرقة عميقة كزرقة البحار بعيد الغروب، وهما كبعض العيون ~~الإنجليزية في جمودهما الظاهري، وحرارتهما الخفية، وحلاوتهما وتلاعبهما. نظرت في جميع هذه ~~الملامح متمعنة، فقلت للطفل: «من أين أتيت بعينيك، يا روبرت؟ ومن أعطاك زرقتهما؟» # أجاب، ولم يفهم غير كلمتي «من أعطاك»: «ماما.» # قلت: «قرت عينا أمك بك! وأي عمل يعمل أبوك؟» # قال ولثغاته اللطيفة تتدحرج على لسانه متعثرة بشفتيه: «بابا ضابط، وأنا عسكري مثل ~~بابا.» # قلت: «أنت جميل، وأنا أحبك يا روبرت. هات يدك.» # قال: # Yes, Thank you ~~. # يد الأطفال عجيبة حلوة كابتسامتهم. أخذت يد روبرت أقرأ فيها ما خطته يد الأقدار: يد مربعة ~~كبيرة الإبهام، وفيها كل من خطوط الحياة ms02 والعقل والقلب واضح جلي، وتل المريخ يرتفع في تلك ~~الكف الصغيرة متهددا متواعدا ... # فنظرت إليه وخاطبته همسا: «هذه اليد التي تنقل إشاراتها اليوم ما حفظته من إشارات ~~الملائكة. هذه اليد التي لا تمتد إلا لمداعبة الندى ولمس الأزاهير. هذه اليد الصغيرة الطرية ~~سوف تصير يد جندي، سوف تقبض على السيف والحربة، وتطلق النيران من أفواه المدافع، سوف تفتك ~~بحياة البشر أشرارا كانوا أم أبرارا ...!» # قال روبرت وهو يضرب أديم الحديقة بقدميه: «أنا عسكري مثل بابا؟» # قلت: «نعم يا روبرت، عندما تبلغ سن التجند تصبح جنديا، وستكون جميلا في ثوبك العسكري، ~~ستكون جميلا جدا، لكن أقل جمالا منك اليوم وأنت بأثواب الطفولة. سوف تبسم لك النساء ~~لأنهن يملن إلى الجنود، ومذهب الأكمام والصدور يسير بهن إلى عالم الأحلام. وهذه اليد ~~الصغيرة الضعيفة سوف تكون كبيرة قادرة تؤلم وتشقي وتميت، سوف تلمس آلات التدمير والهلاك ~~بعزم وثبات! وعيناك الجميلتان سوف تكونان عيني جلاد يرى الدماء والدموع دون أن يلين أو يرحم ~~... وقلبك، ترى كيف يكون قلبك الذي لا يدرك اليوم ولا يشعر إلا قليلا ...؟ # أتكون من الكثيرين الذين لا يحسبون للعواطف في الحياة حسابا، فيلعبون ويضحكون ويتمتعون ~~ويحزنون دون استبقاء أثر لما يختبرون، بل تمر الأفراح والأتراح على نفوسهم كما تسقط دموع ~~الغيوم على صفحة الزجاج فلا تترك عليها سوى ما لا يلبث أن يزول ... أم تكون من أولئك الذين ~~يشعرون بقوة وحدة، ويتظاهرون بعكس ذلك كبرا وخجلا؟ ... هل تضربك يوما يد امرأة فتضع في عينيك ~~للحب دموعا، وتغمد في فؤادك من اليأس خنجرا؟ ~~«غدا، يا روبرت، تنمو جسدا ونفسا، غدا تقف على أحوال البشر، فتجد ذاتك وحيدا في معترك ~~الحياة، غدا تعذبك المسئولية، وتضنيك المجاهدة، ويلذعك لهيب الفكر، وتذيبك نار الهيام. غدا ~~تذوق ظمأ الروح، غدا تصير إنسانا. يا لهول الكلمة! غدا تصير إنسانا؛ أي حيوانا وإلها ~~معا! ...» صمت طويلا. # وفي ذلك الهدوء الشامل في حضن الطبيعة تصاعدت نغمة حلوة من أطراف الحديقة، وانتشر تموجها ~~على أنفاس الأزهار، وكان ذلك صوت ms03 المؤذن يردد في الظهيرة ما أنشده في الفجر وما سيعيده عند ~~الغروب. # فسألت: «هل سمعت الصوت، يا روبرت؟» # أجاب: # Yes ~~. # قلت: «عما قريب تعرف ما هي الميثولوجية، وما هي النصرانية، وما هو الإسلام، عما قريب تفهم ~~ما هو التعصب الديني والجنسي والعلمي والعائلي والفردي، عما قريب تعلم أن الأنسجة التي تخاط ~~منها أثواب العرس تصنع منها أكفان الشهداء، عما قريب ترى الأقوام يفتكون بالأقوام لأنهم ~~محتشدون حول قطعة نسيج صبغت بلون غير لون نسيجهم، عما قريب ترى كل هذا، يا روبرت، وتشترك ~~فيه؛ لأنك عسكري مثل بابا!» ~~••• # انفصلت عن روبرت بلا قبلة ولا تحية. أنا لم أقبله لأني وقفت متهيبة أمام رجل الغد منه، ~~وهو لم يقبلني لأني لم أعطه كعكا ولا حلواء ... # | بين عامين # بين شطي الماضي والمستقبل يجري نهر الحياة ثملا بعقيقه الفخم؛ ليصب في بحر الأبدية حيث ~~لا جديد ولا قديم؛ وخيالات البشر تتهادى بين جماجم الموت وأغراس الحياة مخفية طي ضلوعها ~~كثيرا من الآمال، وكثيرا من الكلوم. # فإلى بحر الأبدية، أيها العام الراحل! # وأنت أيها العام الجديد، إلينا! ~~••• # وطئت الأرض طفلا جميلا، فنبهت في قلوب الشيوخ الحنان، وكنت صلة حب بين أرواح الخلصان. # امتزجت نسيماتك بدقائق الأثير فأصبح مغردا لامعا، وامتشقت حسام الصبح ضاربا أعناق جيوش ~~الظلام، فسالت منها الدماء في المشرق، وملأت كتائب النور الأرض والسماء. # وداست أعقابك على هام الأيام، فأفنت قديمها، وغدا اليأس أملا، والنواح تهليلا. # هي الإنسانية طفلة في هرمها كلما ذاقت عذابا رجت حظا، ولئن مزقت أحشاءها الضغائن ~~والأحقاد، فموجات الحب العظيم ما برحت غامرة فؤادها. # فاسمع هتافها متخللا أصوات الصباح: رحماك، أيها العام، رحماك! # لقد كتبت اسمك يد الزمان على باب الوجود، فساعدنا لننقش أسماءنا على باب السعادة! # كنا بالأمس نلمس الأوتار فتسيل عليها الدموع مرخية قواها، فما تسمعنا سوى شكوى المذلة ~~وأنين العبودية. أما اليوم، فنريد أن ننعش أرواح العيدان لنوقع أسمى المبادئ على أعذب ~~الألحان. # رحماك أيها العام الجديد! الإنسانية تتألم؛ فارفق بها! ~~••• # رحماك، أيها الطفل الحبيب! # تعال ms04 نعطك القبلات السنوية الثلاث ؛ فعلى جبهتك قبلة الرجاء، وعلى ابتسامتك قبلة الوداد، ~~وعلى يديك قبلة الالتماس والتوسل. # جبهتك مستودع الأفكار، وابتسامتك عبير الأزهار، ويداك رمز القوة المنتقلة أبدية من أدهار ~~إلى أدهار. # هذه أمانينا نلقي بها عند قدميك؛ فلا تدسها فتلاشينا، بل ضمها إليك فتحيينا. # | نشيد نهر الصفا # عين زحلتا قرية لطيفة يعرفها الذين اعتادوا الاصطياف في جبال لبنان، وألطف من القرية ~~نفسها غابات الصنوبر التي تحيط بها، وأجمل من هذه وتلك منظر نهر الصفا المتدفق عند قدم ~~الجبل، وعلى بعد أمتار قليلة منه يركن نهر القاعة. # كل من النهرين يسرد حكايته الأبدية على الأشجار المصغية إليهما بحللها السندسية. ويظل ~~النهران في اندفاع وشكوى، وروح الوادي تئن في أثرهما إلى أن تلثم مياههما مياه البحر ~~العظيم. # هنا سالت صور الكون الهيولية وذابت ذرات الأثير. # هنا اجتمعت بلابل أرفيوس لتعيد ذكرى أوريديس ذات القلب الكسير. # هنا تنهدت العطور تنهداتها الغرامية، وتحولت الورود إلى أشعة سحرية. # هنا اغتسل قوس قزح؛ فترك في الماء من ألوانه ألحانا فضية. # ومن دماء الأحلام المتجمدة استخرج قوس قزح ألوانه السرمدية. # هنا بعث بأسراره إلى الأرض مع خيوط من الأثير ذهبية. # هنا نامت الأشباح بين أجفان بنات المياه، فامتزج النور بالظلام، وتلاشت اليقظة ~~بالمنام. # هنا ناحت حمائم الشعر، وغنت أطيار الأنغام. # هنا لثمات النسيم شوق وهيام. # ومداعبة الموجة للموجة تبادل نظرة وابتسام. # وجمود الشاطئ حقد على فتور الليالي ومعاكسات الأيام. # هنا ارتعاش الأوراق على الغصون تحية همت من مقل الكواكب وسلام وتمايل الأفنان ودلالها ~~نجوى ملك الوحي والإلهام. # هنا ليلة أنوار، وفجر ظلام، وألغاز ملامس وألوان وأنغام. # حينما يمر الفجر على قمم الجبال يرى صورته في هذه المرآة البلورية، يرى رمز الشبيبة مع ما ~~يتبعها من الآمال النضرة كالأزهار، والميول المتنقلة كالأطيار، ثم يأتي الغروب ساكبا في ~~أعماقها مرارة أحزانه، مع ما يرافقها من النظرات المتحولة، والابتسامات المتغيبة، والجباه ~~الكئيبة، والشفاه المتحركة بالصلوات، الساكنة بالتأملات. # هنا عيدان الأشجان تبكي، تبكي بقلب جريح، وفي كل لحظة يخيل أنها ms05 تسلم نفسها الأخير، بشهيق ~~فيه من اللوعة والكتمان والتجلد بقدر ما فيه من المجد والعظمة، من البسالة وعزة النفس ~~الأبية. # لكن المياه لا تموت ولا تحيا، بل تعيد ذكرى الماضي، وتهمس بنبوءتها في المستقبل، وتكرر ~~أصوات الأفراح، وتردد آهات الأتراح. # هنا لغز من ألغاز الحياة، وليلة من ليالي الزمان، وأنا لغز أمام هذا اللغز، وليلة إزاء هذه ~~الليلة. أهيم وحيدة على الشاطئ الحزين، أنظر ولا أرى، أسمع ولا أفهم، أبحث ولا أجد، أستعلم ~~ولا أعلم ... فؤادي يخفق مع فؤاد النهر الخفي، ونفسي قيثارة الأحلام والألحان، لكني لغز حي ~~تائه في ظل الغصون، ينظر مستفسرا إلى لغر آخر فلا يجد فيه إلا صورته، فيود تمزيقها وسحقها ~~وإن أحبها! ~~••• # عند احتضار النهار، ذهبت إلي رأس النبع وجلست على صخرة قائمة في وسط المياه المتسلسلة من ~~صدر الصخرة الكبيرة. جلست وأرواح الخيال تتنشق الأريج العطري المعانق شعور بنات المياه، ~~وآلهة الألوهية الأربع يتلاعبون بدقائق الشفق سابحين على أمواج الظلام، وحول أشباحهم تلتف ~~أكاليل البنفسج وقلائد الياسمين، وفي ثغورهم يلمع فتيت النجوم، بينا أبكار الشعر تسر ~~لأخواتها خفايا اليأس والرجاء تحت أشجار الصنوبر، وعذارى الطرب تستخرج من عناقيد «باخوس» ~~خمرا تسكر به الآلهة، ومن سكر الآلهة يولد الشعراء والأنبياء. # وعلى هذه الصخرة حيث أنا أحلم ثملة بما شربته مشاعري من رحيق الخيال العلوي، كان يجلس ~~الأمير بشير الشهابي الكبير. كثيرون بعده وقبلي جلسوا هنا وفؤاد كل منهم منقبض تهيبا ~~وخشوعا أمام أنفاس الطبيعة وأصوات الخلود، وما يجول بخاطري الآن كان يجول بخاطرهم؛ لأن ~~الأفكار تتشابه في المصدر، وفي النتيجة، رغم تشعبها وتفرعها، والرغائب الكثيرة اللاصقة في ~~أعماق النفس البشرية هي هي في كل آن ومكان. # جميعنا طرح السؤال الذي ألقيه الآن على المياه المتراكضة: هو سر الأسرار الغامضة الذي ~~يرجعه صدى الهياكل المشادة في قدس أقداس البشرية: من أين وإلى أين؟ من أين وإلى أين؟ # من أين تأتين أيتها المياه؟ وإلى أين تذهبين؟ # من أين أتينا وإلى أين نذهب؟ ... # المياه تتدفق إثر المياه مهللة ms06 مكبرة، وقد رفعت أصواتها في الغناء والنحيب، ودمدمت ~~العناصر فيها أسرار الفيض الإلهي، ورفرفت على جوانبها أجنحة الخلود ... # من أين وإلى أين ...؟ # ثقل دماغي بأفكار لا أدركها، وضاق مني الصدر لهموم لا أعرف ماهيتها، فنزعت عن ساعدي ساعة ~~وضعت في أسورة ذهبية، ونظرت إليها قائلة: «أيتها الساعة، أنت رمز الوقت الجاري في نهر الزمان، ~~فيسير قاصدا بحر الأبدية. ها أنا أغطسك في هذه المياه ... عسى أن تحفظي في حياتك المعدنية ~~أثرا لرموز معنوية.» ثم جمعت بعض الحصى الملونة الجميلة الراكدة في أعماق النهر، قائلة: ~~«أيتها الجواهر، سأحملك معي إلى وادي النيل لتذكريني بالعواطف الكثيرة التي تلاطمت في فؤادي ~~أمام نهر الصفا ... أنت ذكر الأبدية التي حييت فيها لحظة.» # وإذ رفعت عيني إلى الأفق رأيت مقلة الزهرة ترقب يد ملك الظلام الراسمة على رداء الليل صور ~~الهيئات السماوية. # فغادرت رأس النبع مرددة: أنهر الصفا! من وأين وإلى أين؟ ~~••• # أنهر الصفا! جئتك تعبة الروح والجسد معا. # قرأت خلاصة الأحوال الحاضرة فدوى في مخيلتي هدير المدافع، وتمثلت لناظري صور الحرب ~~المخيفة، ثم قصدت الاجتماعات فملأ أذني ضجيجها التافه، وضجرت نفسي من معانيها السطحية ~~ومراميها الخبيثة. عجبت لبلاهة الإنسان، وركاكة ميوله، وفتور همته! إذ ذاك سمعت اسمك الموسيقي ~~فأحببته؛ لأن فيه جمالا وعذوبة وسلاما. # لقد أحرقت قدمي الرمال الحارة، ومزقت يدي أشواك الحياة، فجئت أستخلص من أعشابك بلسما ~~لجروحي، تعلق بأهدابي غبار المادة محاولا إخفاء الجمال المعنوي عن عيني، فأتيت أغسل ~~أهدابي بمياهك المقدسة. # جئت لأرطب يدي وعيني برضابك العذب. # ثقل فؤادي علي، فأسرعت لأبعث به معك إلى روح البحر العظيم الذي يناديك من عمق أعماق ~~زرقته البعيدة. # أنت ابن الغيوم، وألعوبة الحرارة الهوائية، وضحكة المادة الدائمة، وقهقهة الجو بين الهضاب ~~والأودية. أنت قبلة الشمس للبحر. أنت أنشودة الجبل في الوادي. أنت الروح الصغيرة المسرعة ~~إلى أحضان الروح الكبيرة. # أنت عميق كأسرار الجنان، عذب كنظرات الولهان، وفي اسمك ألوان وألحان. # أنت تهلمم # 1 # بي، أيها النهر، فخذني معك بعيدا عن الحياة وضوضائها، خذني معك ms07 ... لكن ما هي ~~نسبتي إليك ؟ # أنت مجموع سوائل لا وجدان لها، ولا قلب يخفق بين أجزائها، وأنا ... أنا شيء آخر. أنت لغز ~~بين البحار والآفاق، وأنا لغز بين الحياة واللانهاية. أنا أعرف أني لا أفهمك، وأشعر بجهل ~~الإنسان وشقائه، أما أنت ... ما لنا ولك؟ # سيري، أيتها المياه، سيري واتركيني. اسقي النباتات والأعشاب، ضعي لآلئ في ثغور الورد، ~~رطبي صدر الأرض الملتهب، ترنمي في وحدة الوادي، أسردي حكايتك التي لا تنتهي. اندبي هللي، ~~اصرخي اهمسي، أنشدي انحبي، اطربي احزني. كل هذا ننسبه إليك. نحن أبناء النشوة والكآبة. # سيري أيتها المياه ودعيني أبكي. لقد تلبد جو فكري بالغيوم القاتمة. وقلبي - ما لك وله! - ~~منفرد حزين ... # | الساعة المفقودة # جعلها أرباب التجارة حلية نسائية، وأتقن الجوهري وضعها في سوار ذهبي، فكانت نصيبي في ~~الشراء. # صورة مصغرة للكون، كذلك كانت ساعتي: مساحتها رمز للفضاء، دورتها مسرح اللانهاية، حدودها ~~حدود اللامكان، علامتها مقاطع الوقت الذي رتبه الإنسان، ساعاتها مقياس الأعمال، دقائقها خوف ~~من هجوم الرزايا وترقب لوفود الآمال، ثوانيها دقات القلب ... من الثواني يتألف الزمان، ومن ~~نبضات القلب تنسج الحياة نسجا. # فيا لهول ثواني الزمان! ويا لهول نبضات قلب الإنسان! بين ثانية وثانية يلتقي العدوان في ~~أحشاء الثرى: الماء والنار، فتميد الأرض بمن عليها، وتتفطر أساساتها فتقذف البراكين ~~مقذوفاتها الجهنمية وسوائلها النارية، وتزفر الطبيعة زفرتها القتالة فتلتهم صروح العمران، ~~وتفتح صدرها مرحبة فيتدحرجون إلى الهاوية التي ليس فيها من يعود على وجه البسيطة مخبرا. # بين ثانية وثانية يتلاقى الجيشان في ساحات الوغى فتدوي رعود المدافع في الفضاء، وتختطف ~~بروق السيوف غالي الأرواح. ولأجل كلمة غالب أو مغلوب تندك عروش، وتنتصب عروش، تدمر ممالك ~~ويعمر سواها، تخرب مدائن ويشاد غيرها، يتجندل أفراد وتفنى مجاميع، فترتدي الأقوام سواد ~~الألوان وفي نفوسهم لوعة الفقدان وسواد الأحزان. # بين ثانية وثانية يموت أمل ويحيا يأس، تبتسم شفة وتدمع عين، يخون صديق ويخلص عدو، بين ~~الثانية والثانية! # وبين نبضة ونبضة هناك سر الأسرار؛ دماء منبعثة إلى القلب ودماء منبعثة منه، تتهافت عليه ms08 ~~جراثيم الموت فتخرج مطهرة حيوية . بين النبضة والنبضة تأثيرات تهتز لها أسس العمر، وانفعالات ~~تشخص لمرورها ذرات الكيان. اشتعال الفكر وخمود العاطفة، ظفر البلاهة وتقهقر النبوغ، لذعات ~~الغرام والحسرات العظام، قنوط ورجاء، سعادة وشقاء، هتاف الروح المسلمة ولهاث الروح المودعة. ~~••• # يا ابنة أبيك! يغدرنا الزمان ساعة الرجاء، ويخوننا يوم الصفاء، ويهجرنا حين اللقاء؛ فأنت ~~غادرة خائنة هاجرة كالزمان، يا ابنة الزمان! # كم من ساع طيبات وقعت مرورهن على دوران عقربيك وفكري يناجيك بأحاديث هداه وضلاله! أبتسم ~~لك عند السرور فأتخيلك صامتة تبتسمين، وأتنهد حيالك يوم الأسى فأحسبك تتنهدين وتحزنين، وكأن ~~عقربيك ذراعان يمتدان نحو العلاء مستغيثين متوسلين. # لما أفنت قلبي وحدة القلب ضغطت بك على ساعدي قائلة: «أنت الصديقة التي لا تخون.» ولما مزقت ~~سمعي أكاذيب الناس وأحاديثهم المؤذية خاطبتك قائلة: «أنت لا تؤذين لأنك لا تتكلمين.» ولما ~~أذابني الجهل بدعواه، والغرور بسخافته، نظرت إليك قائلة: «أنت عالمة لذلك تصمتين.» # وكنت تعزيتي. # وكنت زماني، يا ابنة الزمان! # وعلى هذا ما كان أطول إعراضك عني، وأقل اهتمامك بي! في النهار، كنت تطوقين ساعدي فيوجعه أثر ~~سلسلتك، وأجيب أنا على هذا العنف بلمسة التلطيف. وفي المساء، كنت تستريحين بجوار وسادتي، فأوقع ~~على موسيقاك الساهية ألحان أحلامي وآمالي، وفي المساء، كنت أول عين أشاهدها، وأول روح ~~أستجوبها. # كل ذلك وأنت لا تنتبهين. # وها قد هجرتني. فقدتك وفقدتني، فسيري بحراسة الله وانسيني! # ولكن انتخبي اليد التي ستطوقينها! # فإذا وقعت في يد شرير وقصد استعمالك ليؤذي أخا له، فانقلبي أفعى لساعة ولا تبرحي مفرغة ~~فيه سمك حتى تصرعيه قتيلا. ~~... لكن لا! لا، ليس الأشرار إلا ضحايا البشر وضحايا نفوسهم لو كنت تعلمين، وهم أخلق ~~بالرحمة من الأخيار الصالحين؛ فلا تتحولي حية ولا تؤذي شريرا، بل غادري تلك اليد المسكينة، ~~واسقطي في طريق أب فقير صالح؛ لتكوني نصيب فتاة لم تلبس في حياتها حلية. زيني يدا شوهت ~~خشونة الخدمة جمالها، ونامي على زند الفتاة الغريبة بدلال القبلة والتحبب! نامي هناك وأسعدي، ~~ولو ساعة، قلبا بائسا يحسب ms09 السعادة في الغنى! # نامي هناك وانسيني، ولكن! # إن كان لديك ذاكرة تذكر، يا ساعتي الصغيرة المحبوبة، اذكري لحظة ما شهدته معي من المسرات ~~واللهفات، اذكري واحفظي ما تعرفين. # ولكن ألست ابنة الزمان الذي ننسب إليه في ضعفنا كل شيء، وهو في قوته لا يبالي بشيء؟ ترى ~~بأي حافظة تذكرين، وبأي ذهن تتأملين؟ إنما علاماتك مداد قد تحجر، وعقربك أصبع يشير إلى ~~علامة يجهل منها المعنى، وأنت آلة ليس إلا، وإن كنت آلة الآلات المثلى. # أنت ابنة الزمان الناسي. # وأنت مثله لا تذكرين! # | يا سيدة البحار # أسمعت ما طيرته عنك البروق وما قالته فيك الأنباء؟ لوزيتانيا! أبلغك ما بلغنا وتعرفت ما ~~يكتبون؟ # قولي! # أتمردت أرواح الكهرباء في الفضاء، وثارت قوات العناصر في أعماق السماء! أم هجمت أسد البحر ~~على الأسلاك الممدودة تحت الماء طالبة من معارف البشر لداء خفي شافي الدواء؟ # قولي! أسمعت بما أذاعته عنك الأنباء؟ # لوزيتانيا، أجيبي! # أنت التي خضعت لها رقاب الأمواج أعواما، ولثمت المياه موطئ قدمها شهورا وأياما، أنت ~~التي ذاب لحر أنفاسها جليد البحار القاصيات، وابتسمت لقدومها شموس السواحل الدانيات، أيتها ~~الهازئة بهيجان العواصف، وثورات اللجج، وغضب البراكين، يا صلة العمران النشيطة بين ~~العالمين! # يقال إنك غارقة يا ذات الدلال السائر، ويذاع أنك مندحرة يا قاهرة العنصر القاهر، أصحيح ما ~~يقولون وما هم مذيعون؟ تقعين صريعة نيران الجبار العنيد؟ تتضاءل منك القوى إزاء بطشه فيذوب ~~منك حتى صلب الحديد؟ # أنت التي قطعت المسافات الشاسعات ببسالة باسمة، وملأت وحشة البحار الواسعات بزفرات الإنسان ~~وأصواته، أنت الآملة بكل شيء لأنك يائسة من كل شيء، أيتها المرأة المتنمرة، كيف لم تجيبي ~~على صواعق الإنسان بصواعقك المنتقمة؟ # ألا تذكرين يوم غادرت العالم الجديد تحملين للأجسام طعاما، وتنقلين للنفوس غذاء، وتمثال ~~الحرية يحييك بقبسه المحيي ويتمنى لك سفرا سعيدا؟ يوم شيعتك أنظار وقلوب وقد أودعتك ~~أموالا وأسرارا وأرواحا غاليات، ألا تذكرين؟ كيف لم تصوني وديعتك سائرة بها إلى مرفأ ~~الأمان سالمة؟ كيف لم تحرصي على ما ضممت إلى قلبك، أيتها العاشقة ms10 الصامتة؟ # لوزيتانيا! لوزيتانيا! لقد ذقت رعشة الموت، يا ضحية الحياة! وعرفت معنى الأبدية، يا أثر ~~الفكر الزمني! # في أحضان المياه الدامسة حيث لا شموس ولا كواكب ولا أقمار، حيث يتموج من العناصر الاسوداد ~~والاخضرار، حيث لا كلام سوى دمدمة العواصف الهائجة على صفحة الماء، ولا صوت غير صدى الصواعق ~~المنبثقة من جبين الأفق لتخترق وجنة الغبراء؛ حيث تمر أفكار البشر على الأسلاك البحرية ~~صامتة؛ حيث لا أنين ولا نواح ولا إنشاد، في أحضان المياه الغدافية، # 1 # في الهاوية المرعبة هناك تندثرين، تندثرين في كهوف نبتون السائلة، وفيها متلاشية ~~تقطنين. هناك تحتضنين وديعتك التي لم تستطيعي صيانتها في الحياة، فتكونين في الردى لها من ~~الصائنين. # هل من دمعة تصل إليك مخترقة مياه البحار؟ هل من قبلة تهبط نحوك مداعبة ما لديك من ~~الأسرار؟ لكن قد كفنك السكوت الدائم والجمود المتحرك الذي لا قبلات لديه، ولا دعابة، ولا ~~عبرات. # لوزيتانيا! لوزيتانيا! # سوف ينتقم لك البشر من البشر، سوف يقيم التاريخ لك ولأخواتك جميل الآثار، سوف تنظم لك ~~الأناشيد، ويعزف لذكرك طروب الآلات. # وإذا سئلت في أعماق الهاوية عن الإنسان الذي أبدعك واستخدمك قولي إنه ما زال كبير المطامع، ~~موفور الغرور، إنه في غروره قد أحبك وبكاك، وإذا سألتك روح الهاوية مذهولة: إذن كيف فتك بك؟ ~~أجيبي بما يقولونه في ربوعنا من أن الذي قضى عليك ليس التحالف الملقب بالإنساني، بل المبطاش ~~المنعوت بالجرماني ... # | بكاء الطفل # سمعت الطفل يضحك فاختلجت روحي الأثيرية في جسدي الترابي. إن صوت هذا الرضيع ليرجع صدى ~~أصوات الملائكة، وضحكته البريئة المطربة لتحث المفكر على اكتناه الأسرار الأزلية الغامضة. # ثم سمعت الطفل يبكي فهلع قلبي فرقا، وشعرت بشيء كبير يذوب فيه. أواه من بكاء الأطفال! ~~إنه أشد إيلاما من بكاء الرجال! # سمعت الطفل يبكي، ورأيت العبرات تتحدر على وجنتيه الورديتين، فكانت تلك اللآلئ الذائبة ~~جمرات نار تكويني. # ظل الطفل يبكي ودلائل العجز واليأس بادية على محياه الوسيم. ظل يبكي بكاء متروك منفرد لا ~~يحبه في الدنيا أحد. الطفل الحبيب ms11 يبكي، فكيف أعيد التألق إلى عينيه ؟ كيف أسمع في ضحكته صدى ~~أصوات الملائكة مرة أخرى؟ ~~••• # فدنوت منه متوسلة، وضممته إلي بذراعي التي لم تضم يوما أخا أو أختا صغيرة، وأجلسته ~~على ركبتي حيث لا يجلس سوى الأطفال الغرباء، ورفعت عقارب شعره عن جبهته الظاهرة بيد ترتجف ~~كأنما هي تلمس شيئا مقدسا. ~~... ثم وضعت على تلك الجبهة شفتي ساكبة في قبلة كل ما يحوم في جناني من شفقة وانعطاف. ترى ~~من ذا ينبه الانعطاف والشفقة بمقدار ما يفعل الطفل الباكي؟ # صمت الطفل حائرا لأنه شعر بأن روحا تناجي روحه. صمت هنيهة، ثم عاد فحدق في بعينين ~~ملؤهما الحزن والتعنيف معا. أتعرفون كيف تحزن عيون الأطفال؟ أتعلمون كيف تعنف أحداق ~~الصغار؟ حدق في سائلا عن أعز عزيز لديه وقال بصوت هادئ كأصوات الحكماء: ماما، ~~ماما! ~~••• # صغيرك يناديك فلماذا لا تجيبين، يا أم الصغير؟ لست بالعليلة؛ لأني رأيتك منذ حين تميسين ~~بقدك تحت قبعتك، والجواهر تطوق العنق منك. أنت صحيحة الجسم، فلماذا لا تسرعين؟ ألا تحرقك ~~دموع الطفل الذي لا ترين؟ ألا يوجعك الشهيق الذي لا تسمعين؟ # عودي من نزهاتك الطويلة، وزياراتك العديدة، وأحاديثك السخيفة، عودي واركعي أمام الصغير ~~واستميحيه عفوا. # لقد خلقت امرأة قبل أن تكوني حسناء، وكيفتك الطبيعة أما قبل أن يجعلك الاجتماع ~~زائرة. # تعالي واسجدي أمام السرير، سرير الصغير! # اسجدي أمام هذا المهد الذي لعبت بين ستائره طفلة، وحلمت به فتاة، وانتظرته زوجة، فما خجلت ~~أن تهمليه أما. # اسجدي أمام المهد؛ فإن المهد محجتك القصوى! # اسجدي أمام السرير، ولا تدعي رب السرير يبكي لئلا تملأ قلبه مرارة الوحدة، حتى إذا ما شب ~~رجلا تحولت المرارة كرها وصرامة. # اسجدي أمام السرير وناغي الصغير! إن دموع الأطفال لأشد إيلاما من دموع الرجال. # | دمعة على المغرد الصامت # ما أسرع ما تتمزق أثواب الورود! وما أتعس القلوب الشديدة التأثر! # يمر النسيم العليل على الأزهار النضرة فتتشقق بوطئه جلابيبها، وتنتثر وريقاتها. كذلك تكفي ~~ملامسة الألم النفس المنفردة ليثير منها الأشجان، ويستقطر من محاجرها العبرات. # من ms12 الرجال من يكتفون بالمجد والوجاهة والفخر ، ومن النساء من لا يفهمن الحياة إلا بالزينة ~~والغنى وارتفاع القدر. # أما أنا فلا هذه العطايا تغرني، ولا تلك المواهب تستهويني. شيء واحد تام الجمال، في تقديري، ~~هو ما يشترك في تركيبه قسم كبير من الفكر وقسم أكبر من القلب، شيء واحد ينبه إعجابي، وهو ما ~~كان مترفعا عن الصغائر والدنايا؛ هو زهرة نادرة المثال، شمس الذكاء والمعرفة تحييها، ~~ومياه العواطف العذبة ترويها. # ما أتعس القلب الحساس وما ألينه؛ لاستحكام الجراح في ثنياته! ~~••• # طائر صغير نسجت أشعة الشمس ذهب جناحيه وانحنى الليل عليه فترك من سواده قبلة في عينيه. ثم ~~سقطت عليه يد البشر فضيقت دائرة فضائه وسجنته في قفص كان عشه في حياته ونعشه في مماته. # طائر صغير أحببته شهورا طوالا. غرد لكآبتي فأطربها، ناجى وحشتي فآنسها، غنى لقلبي ~~فأرقصه، ونادم وحدتي فملأها ألحانا. # امتزج ذكره بحياتي فحل عندي محل صديق لا تصلني به اللغة، ولا يقربه مني التفاهم الروحي، بل ~~يعززه إلي حضوره الدائم وإن لم يبال هو بحضوري، وصوته الرخيم وإن لم يغرد إلا لأن التغريد ~~من طبعه، وسروره الذي لا يعرف الكآبة، واصطباره على ضيق الفضاء، وقناعته بما قدر له من النور ~~والهواء. # لما أبكتني الآلام أريته منديلي مبللا بالدموع فأعرض عني. إنما تستدر الدموع ظلمة ~~الأحزان كما يستدر الندى ظلام الليل، وروح الأطيار شعاع مغرد، فكيف يتفهم النور ~~الظلام؟ # ثم أشرت بيدي إلى الأثير البعيد لعلي أرى من طائري زفرة تنبئني عن لوعة في قلبه، ولكنه ~~أخذ يتنقل على قضبان قفصه غير مبال بي، كمن يقول: «النور لا ينظر إلى الشمس، والقلب لا يحدق ~~في الروح؛ لأن كليهما واحد. أنا لا أنظر إلى الأثير؛ لأن في نقطة منه. إني فيه وإن بعدت ~~عنه، كالشاعر الذي يظل محلقا في سماء الخيال والمعاني، وإن وثق الناس من أنه يجالسهم مصغيا ~~إلى أحاديثهم.» # وإذا أتيته بالأزهار نازعة عنها وريقاتها، فارشة بها مهبط القفص لعلي أرضيه، شرع يدوسها ~~استخفافا متابعا تغريده، كأنه فيلسوف ms13 لا يكترث للصغائر وإن جملت منها المظاهر، ولا يهتم ~~إلا بما ينبه قوى البحث والتفكير في جنانه. # في الصباح، كنت أفتح عيني فيستقبل استيقاظي بالغناء، وتسيل موسيقى أنغامه على قلبي فتذيبه ~~وتسكره معا. # وفي النهار كنت أجلس للدرس والتحبير، فتشمئز نفسي أحيانا من عبوس الكتب، ويثقل يراعي في ~~يدي كأنه صولجان تنازل عن ملكه، فيأخذ كناري في الزقزقة والتغريد، وتأتي جماعة طير من ~~الخارج فتتوحد التغاريد عند نافذتي كما تمتزج الألحان في قلب الأمواج؛ إذ ذاك تبتسم الأفكار ~~على صفحات الكتب أمام ناظري، ويتمايل قلمي تمايل الصفصاف قرب الغدير، وتنجلي الغيوم عن صفحات ~~نفسي، وتطرب روحي. # وفي المساء، كان الكنار يصمت إجلالا لقداسة الظلام، فيخفي رأسه بين جناحيه، ويجمد جمود ~~المفكر. ساعتئذ تأتي بنات خيالي محلولة الشعر، وورد الابتسام منور على شفتيها، ومصباح الشعر ~~متقد في يمينها، فتعقد حلقة وتدور راقصة حول أحلامي، ومنشدة أناشيدها بألحان سرية كأعماق ~~اللجج، أناشيد عجيبة لم يسمعها إلا خيال روحي المتهادي بين أولئك العذارى الراقصات. ولم ~~أفهمها إلا بحاسة سادسة تنبثق في قلب الشاعر في ساعات الوحدة والكآبة، بينا ملوك الجوزاء ~~تطل في أعالي علاها ناظرة إلي من نافذتي المفتوحة على آفاق الليل، والكنار يرقبني بعينيه ~~المخفيتين تحت جناحيه الذهبيين. ~~••• # والآن أنظر إلى القفص! # لقد صمت الطائر المغني، وجمد الشعاع المحيي، فلا ترى في القفص إلا قليلا من الشمس ~~المائتة! # مات الصغير الغريد، مات صغير حشاشتي! # مات عند بزوغ الفجر وقبل انقضاء الربيع، ولا يبقى في خاطري إلا أثر من ذلك اللحن المتواضع ~~البديع. شعاع ذهبي أطل حينا واختفى في كبد الآفاق، ابتسامة لطف أشرقت، وما لبثت أن توارت ~~في أخفية الظلام. # نور فكر ضاء ثم اضمحل في لجج العدم، وردة أثير تنفست فعطرت وأسكرت، ثم ذبلت. # نغمة حب تموجت ساعة ثم تلاشت في هاوية السكينة. # صديق صغير غرد فأطربني، وسكن في جواري فآنسني، ولما مزق قلبي العالم بشره وصغائره غنى ~~طائري فأنساني قبح القباحة، وجعلني أفكر في كل حسن بهي. # هذه قيثارتي فقدت ms14 أحد أوتارها فناحت بلابل أنغامها. # فما أتعس القلوب الشديدة التأثر! وما أمر الجرح الصغير الذي يفتح جراحات كبيرات! ~~••• # سر الوجود وسر الفناء من يستطيع اكتناههما؟ # في كل ذرة من ذرات الكون ظمأ لارتواء خمرة الحياة، وشوق مبرح للنمو وبلوغ أكمل الحالات ~~الممكنة. فما غاية هذا الشوق؟ ولماذا وجد ذلك الظمأ؟ إذا كان الفناء كعبة الكمال ~~ونهايته؟ # أتلاشى ما كان في طائري من أنس وإيناس؟ أضاعت نفسه الصغيرة الحلوة في الأثير كما امتزجت ~~تغاريده بأمواج الهواء وعناصر جسمه بالتراب والماء؟ أم هو يحفظ جوهر ذاتيته ويظل هو هو في ~~مجاهل الفضاء؟ # علام وجد؟ ولماذا قضى؟ # ألهذا الفناء ترقى نوعه حتى صار طائرا غريدا؟ أعاش يوما وكان من نصيبي لكي يطربني ثم ~~يوحشني، يزيل كآبة نفسي حينا ثم يتركني حائرة في أمره وأمري؟ # أين الحكيم يكشف لنا هذه السرائر ويزيح الستار عما في الحياة من الغوامض؟ # وأنتم أيها الموتى، أطيارا كنتم أم بشرا، ألا تنطقون مرة واحدة لكي تفضوا إلينا بما طوي ~~من الأسرار وراء حجب الردى؟ ألا تهمسون في نفوسنا بالكلمة الأولى من اللغز الأزلي السرمدي ~~الكامن في ضمير الوجود؟ # | نحو مرقص الحياة (1) # ... ولما انتهى دور الوقوف في الكوة وجدتني بين الجماهير ووجهتي مرقص الحياة، جاهلة من ذا ~~يسيرني وإياهم، وبأي دافع هم يسيرون، فتناولني حينا دوار الاختلاط بالجمع الكبير، إلا أن ~~الشخصية العامة لم تستول علي فتغرق في قدرتها عجزي، بل بقيت أنا تلك الصغيرة الضعيفة ~~الحائرة وسط المعضلات والرزايا. ولم يفتأ ذلك الوحي المعذب يهمس في سورته، وذلك الاحتياج ~~المتوهج يضرم في ناره، ففهمت أمرا آخر؛ وهو أنه حيث تكون العاطفة متيقظة مرهفة، فهناك النزاع ~~الأليم والاستشهاد، وإذا رافقتها الأنفة وشرف السكوت على مضض الحروق والكروب، فهناك مأساة ~~الصلب تتجدد مع الأيام ... # | نحو مرقص الحياة (2) # في ليل مسترخي السدول سرت على شط بحر الأيام مع السائرين، سرت نحو مرقص الحياة في ليلة ~~غار نجمها وادلهم ديجورها؛ على شط بحر الأيام سرت مع السائرين بين ما طمسته عصور، وخلفته ~~عصور، ms15 وشادته عصور، على شط بحر الأيام سرت أتلمس سبيلا قريب المنفذ نظيفا أنيقا، لئلا ~~تلطخ الأوحال نعلي الإغريقي الأبيض، وتمزق السموم وريقات زهرة رأسي، زهرة الياسمين التي زنت ~~بها رأسي. # أنوار المرقص هناك عيون تناديني، وفي كل من قدمي جناحان يحثانني على الرقص قبل الوصول. ~~يا لطول الطريق المتشعبة في الدجى! يا لطول الطريق! ويا لهول الطريق! أليس من هاد يهديني ~~بين جماهير السائرين؟ ~~••• # جاءني خيال سائلا وفي صوته لهجة المتأدب: إلى أين تقصدين؟ # قلت: أرأيت القصر العظيم الذي تتهامس في صدره أسرار الألحان، ونوافذه ألحاظ أنوار ~~تناديني؟ أرأيت القصر العظيم؟ إنما إليه أقصد لأنه مرقص الحياة. # قال: وما عملي إلا قيادة الناس إلى المرقص، قيادة من شاء من السائرين. # قلت مبتهجة: أصحيح ما أنت قائل؟ ومن أنت إذن لتفعل ما أنت فاعل؟ # قال يقدم نفسه: أنا الغريب. أنا الغرباء. أنا التاجر والطبيب والمهندس والمحامي والنائب ~~والحاكم. أنا العامل والخادم، والباني والهادم، وأنا المتهم والقاضي. أتعاطى جميع الحرف، ~~وأعمل للناس وهم لي يعملون. أخدمهم في بابي ليكون كل منهم لي في بابه خادما. أقدم لهم ما ~~لا يحصلون عليه بدوني، وأعقد فيما بينهم بروابط لولاها ما تبودلت فائدة، ولا اشترك في ~~منفعة. أنا الغريب الذي تجعله المصلحة قريبا لكل غريب. # قلت: عرفتك يا سيدي. هذا سواري أعطيكه فقدني نحو مرقص الحياة. # في مركبة الغريب سرت مسافة طويلة، قطعنا جبالا وأودية لم أر منها الصعاب، ولم تتعثر قدمي ~~فيها بالصخور، وإذ وصلنا سلسلة الأطواد المتساندات في حدود الأفق، ودعني الغريب لأن مركبته ~~لا تستطيع المسير، ودعني الغريب ومضى. ~~••• # دار المرقص اقتربت منها قليلا، ولكن بيني وبينها سلسلة الأطواد المتساندات. رأيتني ~~وحدي، فلذعني البرد، وهددتني دياجير الآفاق، وشاكتني أشياء لم ألمسها بيدي. وإذا خيال ~~يقترب متعمدا مماشاتي، فوقفت واجفة وسألت: من أنت الذي تعترضني في طريقي؟ # أجاب وفي صوته شر واستهزاء مهين: من أنا؟ أنا الدياجير المهددة، وأنا الأشياء الشائكة في ~~الظلام. أنا النميمة والاغتياب والوقاحة والشراسة والامتهان. أنا الشفة التي تبتسم ms16 هازئة ~~لأن وراءها أنيابا تنهش نهشا . أنا اليد التي تضرب لتثأر بلا ثأر. أنا القلب الذي يكظم ~~الحقد والضغينة بسبب وبلا سبب. أنا الكيد والغيرة والخبث والحسد، وأنا الذم القبيح المختبئ ~~وراء شهد التمليق وتكلف السكوت. أنا العدو. أنا الأعداء. # قلت مرتعشة: لعلك تعني سواي بهذا الكلام. أنا لا أكره أحدا، ولا أحقد على أحد، ولا أعداء ~~لي. وإذا صدر مني أذى فإما عن سهو، وإما عن سوء تفاهم، وأنا أول من يتألم له بعد حدوثه. # أجاب وقد تضخمت معاني البغض في صوته: بل إياك أعني، أنا عدوك أنت ولا أستطيع أن أكون لك ~~إلا ذلك. عبثا تتحاشين طريقي، وعبثا تتبعين سبل الحذر والتحفظ. سوف أؤذيك بأصغر الأسلحة، ~~وأوفرها اقتدارا، وأحدها مضاء، وأبعدها عن منطقة العقوبة: اللسان. # وبينا كلماته تنقض علي كالصواعق، توارى عني ففطنت لنفسي. فطنت لنفسي فوجدتني أقطع ~~نفقا ضاق منه الجو، وثقل فيه ضغط الهواء، حتى خلته قبرا ملأته عقارب توجعني، وحيات تلسعني، ~~وألسنة لهيب تكويني. سرت هائمة والعبرات متحجرات في أقاصي قلبي. ولما عثرت على منفذ ~~أخرجني من النفق الرهيب، وجدت تحمسي يأسا، والأجنحة في قدمي أغلالا. خلفت سلسلة الأطواد ~~المتساندات، ولم يبق بيني وبين المرقص إلا منبسطات السهول. عندئذ بكيت ثم مسحت دموعي ~~المتسابقات لأفسح مجالا لدموع جديدات، ثم قلت: ترى لأي شيء يوجد في الوجود شيء؟ ~~••• # بلطف النسيم امتدت اليد إلي. يد ترسل أناملها نورا، وتبعث من حركاتها حرارة تدفئ ~~روحي. ولما أن أجفلت قال صاحب اليد: هاتي يدك. # فنظرت إلى الخيال قائلة: كفاني ما لقيت من الخيالات في طريقي. إني لا أطلب مساعدة أحد، ~~وقد عدلت عن الذهاب إلى المرقص، فدعني وحيدة في كآبتي، دعني في سآمتي ويأسي وحيدة. # قال: لا أستطيع أن أدعك هنا، ولا أنت تستطيعين إلا قبول مساعدتي. # قلت: كيف ذلك؟ ومن أنت؟ # قال وكأن ابتسامات الملائكة قد تجمعت في صوته إخلاصا وحلاوة: أنا الصديق. أنا ذاك الذي ~~يشعر ويدرك ويفهم ويعلم. أنا ذاك الذي يعلم. أنا التعزية وموضع الثقة ms17 والأمان. أنا الصديق. # قلت: لا ثقة لي بأحد، وأنا لا أعرفك ولا أريد أن أعرفك. # قال: إرادتك وعكسها عندي سيان. هذه السهول لا يعرف خفاياها غيري. طريقك فيها وليس لك من ~~دليل غيري. وعندي لك رسالة وقد جئت مرغما لأبلغها إليك. # قلت: ممن هذه الرسالة؟ وما هو مضمونها؟ # قال: لا أدري. لقد دفعتها إلي يد الخفاء، وحجمها في نفسي يدلني على أنها ليست لي، ثم زاد ~~وفي صوته إلحاح وكآبة: خذيها، هي لك! وستعلمين سرها ساعة تأخذينها وتناولينني رسالة أخرى لي ~~عندك. كذلك قال لي الصوت المجهول الذي بعث بي إلى هذا المكان. خذي ما لك وأعطيني ما ~~لي! ~~••• # إلى بحر الأيام، حولت نظري طالبة إرشادا، إلا أن صوت الأمواج متشابه لمن لا يسأل، ولكن في ~~أنة الأمواج لكل سائل جوابا، فارتفع الحباب قليلا قليلا ونمق لي الأمثولة بحروف فضية: ~~«يقسم المرء الناس إلى غريب وعدو وصديق؛ فذاك يبتغي الدرهم متاجرا متأدبا، والآخر لا يظهر ~~إلا معاندا معذبا منتقما، وهذا يتكلم باسما ودودا فينطلق صوته وبسمته إلى سويداوات ~~القلوب، ويستقر صوته وبسمته في سويداوات القلوب. وما كان كل من هؤلاء إلا مؤدبا مرشدا إلى ~~سبل الحياة، وما كان كل منهم إلا أستاذا يدرس عليه ما لا يعلم من سواه؛ لأنه يحمل في يده ~~رسالة خفية قد أؤتمن عليها من آلهة الغيب والأسرار.» ~~••• # على شط بحر الأيام سرت مع السائرين. ومن منهل الغبطة المتدفق في سكبت تعزية. ومن الشمس ~~المنيرة في جناني وزعت أنوارا على الذين معي من السائرين. وزعت من شمس جناني أنوارا ومن ~~منهل غبطتي تعزية على المحزونين من السائرين. # | الذكرى الجديدة # أصبحت اليوم وبين يدي ذكرى جديدة حارة تتضور وتتأوه وتتلوى كالنفس المترددة بين ~~البقاء والانتحار، وأخذتني منها شفقة فحملتها برأفة إلى معبد الأذكار القائم في أعماق روحي. # عبرت العتبة متأنية والتهيب يلاشي وقع خطواتي، وجثوت بين تذكارات متبحرات في شفق التأمل ~~العميق؛ حيث لكل ميت مضى اسم، ولكل حدث انقضى رسم، فتقلصت التذكارات من ذواتهن الهيولية، ~~وحنون ms18 علي هامسات وقلن: «نحن فيك وأنت فينا.» # فرددت همسهن وقلت: «أنا فيكن وأنتن في.» # ونهضت بالذكرى الجديدة أعين لها مستقرا، فاستوت على متوسط المذبح، وأخذت أنسق أمامها ~~طاقات الأزهار، وأنثر على جوانبها فرائد العطر والندى، وأوقد حولها الشموع والمصابيح، وأذكي ~~نار المجامر بالمر واللبان، ثم وقفت أرقبها بانشراح؛ إذ رأيت الهدوء يباغت اضطرابها وتوجعها. # وفي النهاية مشيت متراجعة إلي المدخل. وبعد نظرة الوداع غادرت معبد الأذكار وبي ارتياح من ~~أدى واجبا عزيزا، وفخر من أتى أمرا عظيما. ~~••• # والآن ستتسارع الشهور حتى تنتظم أعواما، وتتساند الأعوام حتى تترتب عقودا، ويتقاذفني ~~موج العمر فلا أعي يوما إلا وأثر ذكراي الخفي يبدو في جميع أعمالي. # فإذا تكلمت واتخذ صوتي قرارا بعيدا كان متكلما فيه صوت ذكراي. # وإذا أحرجني موقف فأحجمت، فهممت، فأقدمت، فتجاوزته إلى غيره، كان الفضل لأمثولة ألقتها ~~علي ذكراي. # وإذا سرت أحيانا بخطوات يخلن لتريثهن مفكرات بأرض يطوينها، كان ذلك التباطؤ هوى من إهواء ~~ذكراي. # وإذا استفزني التحمس لمظلوم واستبسلت في الدفاع عن ذي حق، فما ذلك إلا مكافحة لطغيان استدر ~~الدموع والدماء من قلب ذكراي. # ذكراي. # وإذا شعرت يوما بزمهرير البحار المتجلدة يجاور في كياني تأجج الرمضاء المستعرة، وتلاطم ~~بين جوانحي هبوب الصرصر بلوافح السموم، فما ذلك سوى ثورة جديدة تقوم بها عناصر ذكراي. # وإذا شمت خيرات العالم فقرا، وازدحام العالم قفرا؛ فلأن لا ائتناس ولا غنى في غير عالم ~~تبدعه ذكراي. # وإذا رآني جليسي وناظراي يخترقانه إلى أبعاد شاسعات؛ فلأني ألمح بين طبقات السحب خيالا من ~~ذوي القربى لذكراي. # وإذا نما حبي بغتة واحتوى الموجودات بقوة كأن الروح الكلية اتخذته لحظة رسول عطفها على ~~الخلائق، فما ذلك إلا اختمار فطير ذكراي. ~~••• # وعندما أعود إلى منشأ الكائنات ومرجعها، وأرقد بين جلال المدافن في قبري الضيق؛ حيث تنقلب ~~صورتي البشرية ترابا، فهباء، وينحل ما ارتبط من اسمي الصغير، فلا تمثل الميم منه والياء ~~سوى حرفين من حروف الأبجدية فحسب، يومذاك سيكون التماسك والحياة نصيب ذكراي. # وبعدئذ ستمر الذراري الجديدات وتحل محلها ms19 الذراري اللاحقات، فتجلس فتاة في صباح خريف شجي ~~كهذا الصباح على مقربة من نافذتها وراء الأستار المخرمة، وترسل نظرها إلى الأفق الذابل ~~يتفتنها سحر الطبيعة ساكبا أنوار الفجر في نقي السحاب، وتسأل نفسها: «أين السعادة؟» ~~فتتملكها رغبة فجائية في ركوب تلك السحابة ذات الشكل الطودي واثقة من أن السعادة كلها في ~~اعتلاء متن النور والهواء. # فتاة المستقبل سترجع بعد حين وتضحك من رغبتها قائلة: «إن هذا لجنون!» # أما أنا ابنة الحاضر، فأعلم منذ الساعة أن تلك الرغبة في النفس الصغيرة المجهولة سوف ~~يثيرها عمل الذكرى التي أدخلتها معبد الأذكار، ووضعتها على المذبح حارة تتضور وتتأوه ~~وتتلوى كالنفس الحائرة بين البقاء والانتحار. # | العيون # تلك الأحداق القائمة في الوجوه كتعاويذ من حلك ولجين. # تلك المياه الجائلة بين الأشفار والأهداب كبحيرات تنطقن بالشواطئ وأشجار الحور. # العيون، ألا تدهشك العيون؟ # العيون الرمادية بأحلامها. # والعيون الزرقاء بتنوعها. # والعيون العسلية بحلاوتها. # والعيون البنية بجاذبيتها. # والعيون القاتمة بما يتناوبها من قوة وعذوبة. ~~••• # جميع العيون. # تلك التي تذكرك بصفاء السماء. # وتلك التي يركد فيها عمق اليموم. # وتلك التي تريك مفاوز الصحراء وسرابها. # وتلك التي تعرج بخيالك في ملكوت أثيري كله بهاء. # وتلك التي تمر فيها سحائب مبرقة مهضبة. # وتلك التي لا يتحول عنها بصرك إلا ليبحث عن شامة في الوجنة. # العيون الضيقة المستديرة، والعيون اللوزية المستطيلة. # وتلك الغائرة في محاجرها لشدة ما تتمعن وتتبصر. # وتلك الرحيبة اللواحظ البطيئة الحركات. # وتلك التي تطفو عليها الأجفان العليا بهدوء كما ترفرف أسراب الطيور البيضاء على بحيرات ~~الشمال. # وتلك الأخرى ذات اللهيب الأخضر التي تلوى شعاعها كعقافة كلاب على القلب فتحتجنه، ~~وغيرها، وغيرها، وغيرها. # العيون التي تشعر. # والعيون التي تفكر. # والعيون التي تتمتع. # والعيون التي تترنم. # وتلك التي عسكرت فيها الأحقاد والحفائظ. # وتلك التي غرزت في شعابها الأسرار. ~~••• # جميع العيون وجميع أسرار العيون. # تلك التي يظل فيها الوحي طلعة خبأة. # وتلك التي تكاثفت عليها أغشية الخمول. # وتلك التي يتسع سوادها أمام من تحب وينكمش لدى من تكره. # وتلك التي لا تفتأ سائلة: ms20 «من أنت؟» وكلما أجبتها زادت استفهاما . # وتلك التي تقرر بلحظة «أنت عبدي!» # وتلك التي تصرخ: «بي احتياج إلى الألم، أليس بين الناس من يتقن تعذيبي؟» # وتلك التي تقول: «بي حاجة إلى الاستبداد، فأين ضحيتي؟» # وتلك التي تبتسم وتتوسل. # وتلك التي يشخص فيها انجذاب الصلاة وانخطاف المصلي. # وتلك التي تظل مستطلعة خفاياك وهي تقول: «ألا تعرفني؟» # وتلك التي يتعاقب في مياهها كل استخبار، وكل انجذاب، وكل نفي، وكل إثبات. # العيون، جميع العيون، ألا تدهشك العيون؟ ~~••• # وأنت ما لون عينيك، وما معناهما، وإلى أي نقطة بين المرئيات أو وراءها ترميان؟ # قم إلى مرآتك! # وانظر إلى طلسميك السحريين، هل درستهما قبل اليوم؟ # تفرس في عمق أعماقهما تتبين الذات العلمية التي ترصد حركات الأنام، وتساير دورة الأفلاك ~~والأزمنة. # في أعماق أعماقهما ترى كل مشهد وكل وجه وكل شيء. # وإذا شئت أن تعرفني، أنا المجهولة، تفرس في حدقتيك يجدني نظرك في نظرك على رغم ~~منك. # | الحكيم ومطالب الحكمة # كان يتكلم والطلبة حوله ينصتون. # كان يتكلم عن ذلك الاتجاه الفكري في القرن التاسع للهجرة، وقد دعاه العرب «فلسفة ~~طبيعية». # فاستطرد الحكيم قائلا: «وسمي هذا الاتجاه أيضا فلسفة على الإطلاق من حيث إنه مقابل ~~لفلسفة المتكلمين أو الفلسفة الكلامية. # وكان الطب أهم مباحث تلك الفلسفة المشار إلى المشتغل بها بالمزج المعتاد بين لفظتي حكيم ~~وطبيب. # واستمرت تلك الأبحاث إلى القرن العاشر. # فكان أشهر القائمين بها الطبيب الرازي (المتوفى عام 923 أو 932). # عديدة هي الكتب المنسوبة إلى الرازي، وأكثرها رسالات وجيزة، وقد تشتت جزء يذكر منها في ~~مكاتب مختلفة. # ومن تلك المؤلفات كتاب في الكيمياء القديمة أهداه الرازي إلى أمير خراسان، منصور بن إسحاق ~~الساماني. # ولما عجز الرازي عن أن يبرهن عمليا عما أثبته في كتابه مبدئيا ضربه الأمير على وجهه ضربة أزالت بصره ... انظروا إلى هذا التوحش!» # أحد الطلبة ~~: ~~«فعل الأمير ذلك لأن الاعتقاد بفعل الكيمياء القديمة ضرب من ~~الأوهام، وملاحقة الأوهام توجب الردع؛ فعمل أمير خراسان لم يكن إذن توحشا، بل ~~عقابا عادلا.» # الحكيم ~~(بعد سكوت ms21 قصير) ~~: ~~«إذن أنت ترى أن هذا الرجل استحق فقد عينيه؛ لأنه كان يلاحق ما دعوته ~~أوهاما؟» # الطالب ~~: ~~«نعم.» # الحكيم ~~(بعد سكوت آخر) ~~: ~~«إذا كانت ملاحقة الأوهام والاعتقاد بها تستوجب عقوبة العمى، فمن ذا ~~منا يا ترى؛ من ذا من البشر يا ترى يستحق أن يكون بصيرا؟» # | ليلة عيد النصر # عاملان اثنان يتجاذبان الجنان: عامل الحزن وعامل السرور، على أن قطرة حزن في عمقها توازي ~~بحر سرور في اتساعه ... # صوتان اثنان يناديان المرء من سحيق أقطاب الحياة: صوت السعادة وصوت الشقاء، فينطلق يعدو ~~والسعادة وجهته، على أن صخور الوعر تهشم قدميه، وأشواك القتاد تدمي يديه، وتأوه الثكل ~~والوداع يفطر لبه، وتجهده المسئولية في معترك الأعمال، فينسى السعادة بين الشفقة والنضال؛ ~~لأن الشقاء حقيقة والسعادة خيال ... # عاملان اثنان يتجاذبان الجنان: الحزن والسرور، على أن قطرة حزن في عمقها توازي بحر سرور ~~في اتساعه ... ~~••• # من لا يذكر ذلك النهار والليلة التي تبعته، يوم قامت دول الحلفاء تذيع بشائر النصر بدوي ~~مدفع طالما هدر لدى الكريهة مجاهرا باستصغار الحياة وإكبار المفاداة؟ من لا يذكر مهرجانا ~~انتشرت بهجته على ضواحي العاصمة، وتقاسم أفراحه صاحب الكف الندي الذي أجزل للمعدم العطاء، ~~وصاحب اليد الفارغة التي أثقلتها أكياس الطعام والحلوى؟ # إلا أن نور النهار باهت لزخرف الأعياد، ولا تتم الحفلات وتسطع الزينات إلا تحت رواق ~~الظلام الغدافي. # وأنت، أيها الظلام، أمين على مواعدك، دقيق في الوفاء بها. ما شرعت الشمس مرة في الأفول إلا ~~دنوت أنت متلمسا متمهلا، كأنك ذلك المحب المحبوب الذي ينفث في روع إلفه الكلمة المنتظرة ~~طويلا قبل أن ينبس بها، ويقولها بأساليب شتى قبل انتهاج الأسلوب الأوحد. # واليوم، لدن حلولك، تتكيف غيوم المغرب متلونات وتترجرج خلالها الأنجم الزاهرات، كأن هذه ~~وتلك أوسمة العز، وأشرطة الفخار على صدور الأبطال. # وأقواس النصر هيفاء تحت بنود ألوية تعاقدن عليها، والأنوار تتغامز متفاهمات عن بعد ~~كأرواح الأحباب، وأجواق الموسيقى تنبثق من جميع الشوارع والزوايا، والجيوش تجوب الأحياء ~~بطبولها دون أن يعلم من أين تجيء وأنى تغدو. # ولأسراب ms22 الطيارات عزيف إذ تحلق في السماوات العلى باعثات من جوانبها إلى الأرض بذيول ~~الضياء، مرصعات هواء الشفق ببسمة نجوم البرايا لنجوم الباري. # هو ذا مائج على الآفاق لألاء المواسم والأعياد. ومن أحشاء المدينة يصعد هزج النشوة ~~والظفر. كل شيء يلمع ويموج ويهتف ويتلظى. وقد سرت إلي عدوى الطرب، فها أنا أعتلي سطوح ~~الحمى لأشرف على فرح الفارحين وأنال منه نصيبي. # ولكن ... # عاملان اثنان يتجاذبان الجنان: الحزن والسرور، على أن قطرة حزن في عمقها توازي بحر سرور ~~في اتساعه. ~~••• # إذ بينا الإنسان يبتهج حاسبا أن أنظمة الاجتماع قد انحلت، ونواميس الطبيعة توقفت حتى ~~انقضاء سروره، إذا بالنواميس والأنظمة نافذة في أدق مغازيها. ~~... وفي وسط الهتاف المنسجم تعالت نغمة شاذة. # وقفت عند الزاوية المشرفة على الديار المجاورة أبحث عن مصدر الأجيج، وما لبثت أن عثرت عليه ~~في فاجعة من فواجع البؤس العديدة، تلك التي تذوب حيالها لفائف القلوب. # هاك أربعة رجال على أحد السطوح المحاذية يعالجون أمتعة أخرجت من غرفة صغيرة، ويزجرون ~~امرأة بينهم تتوسل وتنتحب؛ مسكينة احدودب ظهرها، وقبحت هيئتها، ونثر شتاء العمر على هامتها ~~ثلج الشيخوخة. لقد مرت شهور خمسة ولم تؤد بدل الإيجار، فتسلح المالك القوي بالقانون وحجز ~~متاعها ليباع بالمزاد، وأما هي فتطرد طردا من الغرفة الصغيرة القائمة في طرف السطح، وتطرد ~~من المنزل إلى تحت قبة السماء. # الجماهير السعيدة ترقب أفاعي النور التي شرعت تتلوى في الظلام، ترقبها وتهتف، والشيخة ~~التعسة تجيل الطرف وتبكي. وما كانت الدموع لتنقلب يوما ذهبا وفضة يفيها المدين، ويرضى بها ~~الدائن! # هذه هي الطاولة التي تتناول عليها طعامها الغث الجاف، وهذا هو المقعد الذي طالما جلست ~~عليه تستطلع خبايا الليل البهيم، وهذه هي المرآة الكالحة البلور التي ترجع صورة وجهها ~~الكئيب، وقامتها الممسوخة، ودموعها الغزيرة. # وجيع، وجيع مشهد دموع اليأس في المرآة الصلبة الباردة! # كم كانت تحرص على هذه الأمتعة الحقيرة! هي تلمسها الساعة ملاطفة، شاكية، شاكرة، آسفة، إلا ~~أنها لم تعد لها، فمن أين هي آتية بمثلها الآن؟ # تعاون الرجال على ms23 إخراج أكبر متاع من الغرفة، فهرولت الشيخة إليهم، والزفير في صوتها يقطع ~~الشهيق: هو ذا السرير! السرير الذي طالما أنال أعضاءها الكليلة راحة بعد مشقة النهار ~~الطويل. # وضع السرير بجوار الحوائج الأخرى، ووقفت هي عنده واستولى عليها الهدوء بغتة، وطفق رأسها ~~ينحني ببطء حتى استقر عند نحرها، وظلت كذلك كأنها في جمودها تمثال الحزن على ضريح ميت حبيب. # الجماعات تضج والمدافع تقصف، والأضواء تجعل الليل نهارا وهاجا، غير أني لم أعد أرى سوى ~~نقاب القنوط المجلل وجه الشيخة الذليلة، وكأني لمحت غائرات الكواكب يتشاورن في مؤاساة تلك ~~المرأة الوحيدة؛ الوحيدة وسط ازدحام الجماهير. ~~••• # عاملان اثنان يتجاذبان الجنان: الحزن والسرور، على أن قطرة حزن في عمقها توازي بحر سرور ~~في اتساعه. # صوتان اثنان يناديان المرء من سحيق أقطاب الحياة: صوت السعادة وصوت الشقاء، فينطلق يعدو ~~والسعادة وجهته، على أن صخور الوعر تهشم قدميه، وأشواك القتاد تدمي يديه، وتأوه الثكل ~~والوداع يفطر لبه، وتجهده المسئولية في ميدان الأعمال، فينسى السعادة بين الشفقة والنضال؛ ~~لأن الشقاء حقيقة والسعادة خيال. # عاملان اثنان يتجاذبان الجنان: الحزن والسرور، على أن قطرة حزن في عمقها توازي بحر سرور ~~في اتساعه. # تدافعت الجماهير في الشوارع المؤدية إلى حديقة الأزبكية لحضور المهرجان الأكبر، فهل من ~~باحث يهتدي إلى الشيخة وسط العباب البشري المتزاحم؟ # فقدك بصري، ولكني لا أفتأ أتحزن لك، أيتها الطريدة، إلى أين تذهبين؟ أتقصدين إلى جمعية ~~خيرية كلهن الليلة موصدات الأبواب؟ أم تطرقين باب كريم وكرام البشر لا يعبئون بغير لطيف ~~الجمال أنيق الهندام؟ أم تهجعين في مدخل منزل عظيم والناس كالشرطة يعتبرون من لا منزل له ~~لصا متشردا؟ أم تبكين كما رأيتك باكية، وتمدين يدك المرتعشة للتسول فيعرض عنك الفرحون؛ ~~لأن نائحا يعكر صفو الأنس مكروه بحق! أم تستنهضين همة صديق ولست بالشابة المليحة ليتحمس ~~لك المتحمسون، ولا بالوجيهة القديرة ليتقرب إليك المتقربون؟ أم أنت وطدت النفس على زيارة ~~النيل السخي الذي يجود ولا ينتظر وفاء، فتجدين من أمواجه صدرا لينا، ومن أمواهه عطفا ~~عذبا، وتباركين ms24 موتا احتضنك عندما نبذتك الحياة. ~~••• # أيا كانت وجهتك، قفي قليلا لأودعك. # نظري بعيد عنك، وإنما هو حائم حولك، وتتبعك شفقتي الدامية، تتبعك روحي المتفطرة معك. # روحي المتفطرة تعانقك، أيتها المسكينة، أشاعرة أنت بوجودي؟ أنا الفتاة أستطيع أن أكون لك ~~لحظة أما، أيتها الشيخة الطريدة. أنت الآن ككل سقيم تحتاجين إلى حنو الأم، وما كان كل ذي ~~أم نائلا من الحياة حنوا! سأهمس في مسمعك كلمات حلوة لا تعرف سرها سوى شفاه المظلومين، ~~وسأمسح عبراتك بأنضر ورود البستان، ثم أهدي الوردة وما امتصته من لآلئ القلب إلى آلهة ~~العبرات والأشجان. # لا تشكي الوحدة، فإخوانك الأشقياء كثير، ولا تندبي حظك فأنواع العذاب جمة، وصنوف الذل لا ~~تحصى. لست بالقبيحة ما كان لك جمال اليأس الرائع، ولا أنت بالعجوز ما ظل منها البكاء فيك ~~فتيا كما كان منذ فجر العالم. # فيك يتجلى الليلة الفرد الجوهري بينا الفرحون يمثلون الفرد المجازي. أنت الذات الجليلة ~~المفجعة وهم الذات الهزلية الطائشة. أنت الحقيقة الناضجة وهم الوهم الخالي. أنت قطرة الحزن ~~التي توازي بحر السرور؛ لأن وراء اللهو والجزل فراغا وخلوا، ووراء الحسرة والقنوط نفسا ~~زاخرة بالعواطف، متسعرة بالحرق، روية بالدموع يتناظر في غورها جبارا الحياة: الممكن ~~والمستحيل. # صوتان اثنان يناديان المرء من سحيق أقطاب الحياة: صوت السعادة وصوت الشقاء، فينطلق يعدو ~~والسعادة وجهته، على أن صخور الوعر تهشم قدميه، وأشواك القتاد تدمي يديه، وتأوه الثكل ~~والوادع يفطر لبه، وتجهده المسئولية في معترك الأعمال فينسى السعادة بين الشفقة والنضال؛ ~~لأن الشقاء حقيقة والسعادة خيال. # عاملان اثنان يتجاذبان الجنان: الحزن والسرور، على أن قطرة حزن في عمقها ترجح بحر سرور في ~~اتساعه. # | الطبيعة المعمرة المدمرة # بتلك الشجيرة الخضراء، كنت أزين ردهة الاستقبال كل يوم عيد وكل يوم اجتماع. # وفي أحد الأمساء، وقد خرج الزائرون، سمعنا جلبة سقوط وتكسر، فسارعنا، فإذا الهرة البيضاء ~~واقفة في الظلام وقد دهشت لما نتج عن تلك القمزة الواحدة من قمزاتها العديدة. # وكان الإناء الخزفي قد انقلب وتحطم، فتبعثرت أجزاؤه، وانفصل عنق الشجيرة المليح ms25 عن جذعها ~~وتجندل بعيدا كمن يعلم أنه صائر إلى لا شيء بعد الذبول والجفاف، مع وريقات أنيقة لصقت به، ~~فتخللت خضرتها تلك الخطوط الدقيقة من حمراء وبرتقالية وفستقية وصفراء. # فجمدت جمود الآسف. # ثم وضعت العنق الطويل وما انتشر عليه من بهيج الوريقات في آنية طافحة بالماء، لعله يستبقي ~~حسنه أياما أخرى أو ساعات، وأحكمت الجذع وما تشبث به من متراكم التراب في إناء خزفي جديد، ~~وجعلت له مكانا توفر فيه الهواء والنور والحرارة. # وما انقضى أسبوع وجاء آخر إلا وبدت طلائع الوجود في ذلك الجذع المجدوع، وأسفرت عند جوانبه ~~بسيمات خضراء. # فزدت تعلقا به وحرصا عليه، أرقب فيه تفرع قدود الأغصان، وتكون صور الأوراق، ولم يعد ~~ينتظر سوى مرور الأيام لينمو ويتكامل. # فوقفت أعجب به ذات صباح وهتفت قائلة: «بورك بك، أيتها الطبيعة السخية الوهوبة! ما أتلفت ~~يد الضياع ودمرت إلا رممت يد العطاء منك وجددت. سترد إلي بفضلك شجيرتي الحسناء، أضعها ~~في صدر الردهة، فتبدو لي الردهة بها إيوانا صغيرا. بورك بك أيتها الطبيعة الملبية ~~الشفيقة؛ لأن إشارتك الأخيرة هي دوما إشارة الذل والبناء!» # في هذه اللحظة، أقبلت طفلة الهرة المولودة حديثا تفتح عينيها المغمضتين للتعرف بما ~~حواليها. وما لبثت أن لمحت الآنية الخزفية أمامها، فمدت إليها يدها الصغيرة وقمزت إلى ~~حافتها تشتم وريقات النبتة المتجددة. ~~... ترى، أتأتي البنت ما سبقتها الأم إلى فعله؟ # | يوم الموتى # ريح خريفية تعصف في الأشجار فتنزع عنها الأوراق، وتسفي التراب فتذره في الجو عجاجا، ~~وأشجان خريفية تشتد في مكامن النفس فتثير فيها تذكارات، وتهيمن على تذكارات. # اليوم تجرحني الأصوات والخطوات والنظرات، وأرى كل حركة يأتيها الناس تمثلا، كأنما الحكمة ~~المثلى لدي في تكتم الصور المتوارية تحت صدرة القبور، وفي هجوع الأشكال المتقلصة لحين ما ~~من أحكام البعث والنشور. # اليوم عيد الموتى، وهذا شهر الموتى. هذا شهر الكآبة المزدوجة: كآبة الحسرة والدموع عند ~~الشعوريين، وكآبة التأمل والتبحر عند الباحثين والمفكرين. للأموات من البشر يعيد ~~المعيدون. وأنا أعيد لمن عاش ومضى، وعلم ونسي، ولما ظهر ms26 واختفى، وأبرق وانطفأ؛ أي لكيفيات ~~الحياة المعروفة والمجهولة جميعا. # اليوم عيد جميع الموتى. # عيد العيون الجامدات، والقلوب الساكنات، والأوراق الذابلات، والآمال الذاويات؛ عيد شريف ~~الانكسارات وذليل الانتصارات، عيد آلهة تزلف لها العباد، ونحروا على هياكلها الأفئدة ~~قرابين، ثم قاموا يدكون قوائمها، ويحرقون معالمها ليدوسوا رمادها بأقدامهم الطاغيات؛ وعيد ~~مذاهب شيدت صروحها في مجاهل الغابات، وعلى قمم الراسيات، بما تجمد من دماء القلوب وتصلب من ~~لهب العواطف، ثم انبرى مؤمنو البارحة يصيحون بين جدرانها صياح الهادم الأثيم. عيد كل ما ~~قدس من رمز ثم احتقر، وكل ما فوخر به من رأي ثم دحر. عيد مدنيات دون العلم ارتفاعها ~~واندثارها، ومدنيات غور ذكرها في غلس التاريخ وما زالت حية ظاهرة في استعداداتنا وميولنا. ~~عيد عوالم خبت أنوارها في الإطار الفلكي، وتطايرت غازاتها، وتفتتت أجزاؤها متفرقة في المدى ~~الشاسعات؛ لينضم كل منها إلى ما يجذبها من عنصر أو كوكب، وعيد شموس طالما بعثت بالنور ~~والحرارة إلى أنظمة جليلة، فصفرت وإياها في الهاوية الرهيبة صفورا، وليس من يلتفت لغيابها؛ ~~لأن عين العلم وإن تسلحت بالتلسكوب ضعيفة عاجزة، ولأن الأكوان لاهية بأنانيتها الحيوية، ~~مسوقة إلى تتميم دورتها المفروضة، فلا يستوقفها في سبيلها ما يلتهب من شمس، ويتحطم من عالم، ~~ويحترق من سيار. # بل اليوم عيدك، أيتها المجرة العظيمة، بما تراكم وتلازب فيك من ملايين الكواكب ~~المتتابعة التكون والتحول، وأنت على هذه الضخامة لست غير جزء من الخليقة الشاملة؛ حيث ~~تتعاقب الأكوان الفخمة فتملأ الفضاء الذي لا يحد، وتتجدد في كل اتجاه على أبعاد لا يدركها ~~قياس، ثم تبلى وتختفي في ظلمات اللانهاية. ~~••• # ولكن قبل أن يطير الفكر منا إلى أبراج خاويات وشموس متجلدات، ما ذكرنا الموت إلا احتضنتكم ~~قلوبنا أيها النازحون الراقدون. ما ذكرنا الموت إلا سمعناكم متكلمين، وخلناكم باسمين، ~~وشعرنا بنبضات قلوبكم في راحات أيدينا، فنسألكم: «أين أنتم؟» فتجيب القبور: «ها هم في حماي.» ~~فتفرغ قلوبنا من عناقكم، وراحاتنا من نبضات قلوبكم، ولا يرن في مسامعنا غير تنهد الأسى، ولا ~~تبصر عيوننا غير سائل ms27 عبرات. ~~••• # سرت البارحة بين الأضرحة متمهلة أستنشق جثمان الماضي الفسيح، فتاقت أعضائي إلى الرقاد ~~في ظل الغصون الحنونة. يا لغرور الذين أقاموا هذه القبور المرمرية ناصبين حواليها التماثيل ~~الفنية! عجان المنايا يسوي من كبريائنا الصعود والهبوط؛ إذ يلقي بنا في معمل التحول ~~العام، فتعود أيدينا الحقيرة إلى إعلاء الآكام، وحفر الحفرات؛ تمييزا لذليل الأسماء! وبدلا ~~من أن نبعث بذوينا إلى باريهم على ما يريد ترانا نوثقهم بكتائف التظاهر والدعوى، ونثقل ~~كواهلهم بالجدران والتماثيل؛ خوفا من أن نكون بسطاء متواضعين، ولو في أحزاننا فحسب! ولكن ~~أصوات الموتى تتشابه وراء القبور البسيطة الجليلة والقبور المزخرفة الحقيرة. هذا ضريح شهم ~~عظيم سألته حكاية نزيله فقال: لقد عاش وأحب وتعذب وجاهد، ثم قضى. # وهذا مضجع فقير ينزوي وراء المضاجع سألته عن ضيفه فأجاب: لقد عاش وأحب وتعذب وجاهد، ~~ثم قضى. # وهذا قبر فتاة لم ير الناس منها غير اللطف والبسمات، وفي قلبها الآلام والغصات، وهو ~~كذلك يقول: لقد عاشت وأحبت وتعذبت وجاهدت، ثم قضت. # وهذا قبر امرأة صالحة أسعدت زوجها وأبناءها جميعا، وصوته يقول: لقد عاشت وأحبت ~~وتعذبت وجاهدت، ثم قضت. # وهذا قبر من كان عالة على نفسه وعلى ذويه، وعلى كل محيطه، حتى من لقيه صدفة في طريقه، ~~وصوته يقول: لقد عاش وأحب وتعذب وجاهد، ثم قضى. # وهذا قبر طفل رضيع لم يحسب عمره بغير الأيام، وهو يقول هذه هي حكاية الموتى، وهذه هي ~~حكايتنا نحن اللاحقين بهم. # هذه هي حكاية الموتى على الإطلاق، حكاية الظالم منهم والمظلوم، والكبير والصغير، والذكي ~~المعتوه، والأحمق والحكيم، صاحب القبر المرمري الذي لا تبلغ الهامات عتبته، وصاحب المضجع ~~الترابي الذي تدوس هامته الأقدام، كل منهم عاش مرغما، وأحب مرغما، وتعذب وجاهد بإمكانه ~~الفطري والاكتسابي، ثم دعاه الردى فلبى صاغرا. ~~••• # وإذا تحولنا عن هذه المقبرة ذات الحدود إلى مقبرة الخليقة التي لا حدود لها، سمعنا من ~~الزهرة والشجرة والحيوان والإنسان والشعب والجنس والمدنية، ومن كل سيار، ومن كل شمس، ومن ~~كل نظام شمسي، هذه اللازمة التي تأبى التغير: ms28 لقد عاش بقوة الحياة التي كونته وشكلته ~~وأدمجته في فصائلها، ولقد أحب بقوة الجاذبية الشفيقة العنيفة التي تضمد جراح القلوب ~~لتمزقها، وتواسي أوجاع الأرواح لتضنيها، وتجلو للعقول أسرارا لتثقلها بغوامض الأسرار، ولقد ~~تعذب لأن العمر ارتفاع وانحدار، ونمو وتناقص. وبين هذه المتناقضات المحتمة يتفطر الفرد في ~~احتياجه إلى التوازن والثبات. ولقد جاهد لأن الجهاد وسيلة يزعمها موصلة إلى الثبات ~~والتوازن، وهي لا توصل إلى غير نفسها لو علم العالمون! لقد جاهد ضد العناصر وضد الفصول، ضد ~~الأجناس وضد الجماعات، ضد الاصطلاحات المتحجرة والمجازفات المتهورة، ضد الغنى والفقر معا، ~~ضد الجمال والقباحة، وضد البله والذكاء. جاهد ضد الغرباء، وضد الأعداء، وضد الأصدقاء، وجاهد ~~ضد أحب الأحباب. وكان أوجع جهوده ضد ذاته - تلت الجهود التي تكسر لولب القدرة وتبيده بينا ~~الجهود ضد العالم الخارجي تعززه وتقويه، ثم عندما تحلبت منه القوى بالحياة والحب ~~والعذاب والجهاد قضى؛ أي التحف باللغز الأعظم، وأسدل على حقيقته الظاهرة حجاب الخفاء، وغاص ~~في مغذية الكائنات ليتقمص في النار شرارة، وفي الهواء نسمة، وفي الماء قطرة، وفي التراب ~~ذرة. وما هي الذرة؟ أهي مادة أم هي قوة؟ أهي فاعلة أم هي منفعلة؟ أهي بصيرة أم هي كفيفة؟ ~~ولماذا تتجمهر ومثيلاتها لتشكل الصور ثم تحلها، ثم تشكلها ثم تحلها؟ أفي المادة كل وعود ~~الحياة وكل قواها، أم في الحياة كل وعود المادة وكل قواها؟ ولماذا تتعاون الحياة والمادة ~~حتى تصيرا في دماغنا إدراكا، وفي جناننا عاطفة، وفي أعضائنا حركة، وفي ألحاظنا نورا، وفي ~~محاجرنا دموعا. ماذا تريد منا الحياة، وماذا تبتغي المادة منا؟ ومتى تنتهي هذه الألعوبة ~~السحرية التي تبتدئ بالاهتزاز، وتستطرد بالاهتزاز، ولا اهتزاز ينهيها؟ # والآن إذ أسمع الرياح تعتول وتندب، والأجراس تطن طنين الغم والكرب، والأرغون يعزف ألحان ~~التفجع والانتحاب، ثم تتراءى لي أودية وجبال زرعت فيها العظام منا وامتدت الأعصاب، وتنبسط ~~لمخيلتي سهول ومروج تغذت من أجسامنا، وارتوت بدمائنا، وتضج حولي أصوات الباكين الحزانى، ~~وتتزاحم أمام ناظري جميع مشاهد الفراق - فراق مر يحتمه الموت، وفراق أمر ms29 تقضي به الحياة، ~~فأذوب وأتضاءل، ثم أذوب حيال بحر الشقاء العام حتى ألبث ذرة واحدة متوجعة متلهفة متفجعة تتوق ~~إلى التلاشي؛ إذ ذاك تنقشع عن عاقلتي حجب الجهل والأنانية، وتلقي بي يد الروح الأعظم في ~~فضاء اللانهاية، ويحملني جناحان قويان إلى حيث أجد الموت حدثا عرضيا، والفناء خيالا ~~زائلا؛ إذ ذاك ينمو كياني ويتعالى ويعظم، فيتنشق هواء الحياة الواحدة السائدة في كل مكان. # من أعماق اللجج إلى أعالي الجبال، من نواة السلب المبعثرة في المادة الخرساء إلى نواة ~~الإيجاب الكامنة في بوارق الكهرباء، من ذرة الرمل إلى الشجرة المزهرة، إلى الهواء الملامس ~~أفنانها، إلى طير سابحات تحت الغمام، إلى فتيت شموس تلبد في حضن المجرة، إلى أبعاد لا ~~يدركها غير الخيال العظيم، إلى ما وراء ذلك من إطار الخليقة السلبي، إلى كل نقطة من كل ~~مسافة في كل مكان من كل زمان في كل أبدية تتموج حركة الحياة النضناض متتابعة متقطعة، ~~متفردة متنوعة، متظاهرة متوارية، متلاطفة متخاشنة، متمهلة متضاعفة، متشددة متعادلة، ~~أبدية أزلية سرمدية. صوتها العجيب يتراجع من حنجرة إلى حنجرة، ومن أفق إلى أفق، ومن ~~عالم إلى عالم، ومن سكوت إلى سكوت، مولولا مع الإعصار، هامسا مع النسمات، نادبا مع ~~البحار، مدمدما مع العناصر، متمتما مع ثلاثمائة ألف من أجناس الحشرات، صامتا مع جميع ~~المكروبات والذرات، آجا مع المجهولات، ملعلعا مع الآلات، حافا في حفيف الأفلاك، داويا ~~بجميع أنغامه ونبراته في ملايين الملايين من أصوات الخلائق. # تكسونا الحياة كرداء سحري لا تبلى خيوطه، وتحضننا السماء، فنحن فيها مقيمون قبل الحياة ~~وبعد الموت، والجحيم والفردوس في نفوسنا يتناوبان. تغزونا الحياة في الاندحار وفي الانتصار، ~~فنحن أبطالها ونحن ضحاياها، سواء أشئنا أم لم نشأ. # ما الأرض والبحار وأبعاد الأفلاك سوى مدافن دهرية. إنما هي الوقت نفسه معامل توليد ~~وتكوين. نحن نخلد الحياة بفنائنا، وهي تفنينا بخلودها، ونحن أبدا كذلك حتى تثلج الشموس، ~~وتضمحل قوى العناصر، وتتفكك عرى الأكوان سابحة في الفناء الأنور، في البقاء الأوحد، في حضن ~~الله. # إذن أعيد الموتى ms30 اليوم أم عيد الأحياء؟ # إنما اليوم ككل يوم، عيد الناموس الفرد الذي يعجن أشكالا تبدعها الطبيعة العلماء. يجبلها ~~باليد الواحدة التي تدعى التكييف قطعا ذات صور معينة. ولا يفتأ يستخرج الجديد من القديم، ~~ويدغم القديم في الجديد؛ ليتم للأحقاب تعاقبها بالبشر والأفلاك والزمان في مجاهل ~~اللانهاية الخالدة. # | في مرقص الحياة # ... ودرجت في التيار المكتسح الملايين، فبلغت جوانب الميدان الفسيح الذي تلجه الأفواج من ~~جميع المناهج، حتى إذا أنمتها الأيام والاختبار تغلغلت فيه شيئا فشيئا. في ذلك الميدان، ~~تقيم الحياة مرقصها، ليس في قصر واحد كما ظننت قبلا، بل في مئات الألوف من القصور والمنازل ~~والأكواخ وما بينها من الصحارى والواحات والجبال والوهاد والبحار. وما كنت إخاله ألحاظ نور ~~تناديني وجدته مزيجا من مشاعل الانتصار، وأضواء الأفراح، ولمعان الأسلحة، وشموع الجنازات، ~~ووقود التدفئة، ومسارج النذور، ونباريس الاجتهاد والعناء، والنشيد الذي حسبته أهزوجة طرب ~~وحبور، كان خليطا هائلا من صراخ الصرعى، وعويل الهلكى، واستغاثة الغرقى، وأنين المحرومين، ~~واسترحام المتوجعين، وتهليل الفرحين والسعداء والمستفلحين، وابتهال الأتقياء والزهاد ~~والمصلين، وزفير الحفيظة والشماتة، وصعق التحريض والتهديد والاستنزال، وحمد القناعة والشكر ~~والرضوان، وألوف ألوف الأصوات المؤلفة نشيد الحياة الرائع المستديم. # والقدرة الخفية التي أوقفتني في الكوة ثم دفعت بي إلى السير، وأوصلتني إلى هذا الميدان، هي ~~التي سوتني، والذين جعلتهم حولي يصفقون ويلطمون، فتذمرت مع الضعفاء، وانتصرت مع الأقوياء، ~~وتواكلت كالطفيليين، وتنشطت كالنبلاء، فعرفت كيف يعز الناس وكيف يذلون، كيف يجوعون ويشبعون، ~~كيف يؤلمون ويتألمون، كيف يستبدون ويظلمون. عرفت عبودية المساكين وحسدهم ولجاجتهم، واستقلال ~~الأغنياء وأناقتهم وجفافهم، عرفت أن لكل امرئ غما وإن هش وبش، وأن لكل عاتق حملا وإن ~~تقوم وانتصب، وأن لكل من أسرى الحياة أطماعا ومطالب وشكايات؛ فواحد يبتغي الفوز بالحذق ~~والجهود، وواحد يكد ولا ينال شيئا، وواحد لا يتعب ولكنه ينال كل شيء، وواحد يصيح بأنه ذو ~~حق ونصيب، وليس له الكفاءة والاجتهاد اللازم للظفر بذلك الحق، والتمتع بهذا النصيب. وبينا ~~جلبة الأصوات تتعالى من كل صوب؛ يطغى المد جارفا الجماهير والأنظمة ms31 والجهود والمطامع ~~فيحتضنها من الحياة العباب الرجاف ، كما يحتضن الخضم الزاخر ملايين القطرات التي لا تعد ولا ~~تحصى، وتظل الحياة محيية مرقصها حيث تتابع الأشباح والصور واللغو والحركات والأنوار ~~والظلمات ... # وها أنا ذا أسير في أطراف مرقص الحياة معانية ما يعانيه مساجين الوجود جميعا، يبرح بي ~~وإياهم الشوق إلى السعادة، وأتلقى مثلهم ذلك الوحي المتجدد بوجودها، وعند كل خطوة خيبة وكمد، ~~وعند كل خطوة أمل وجذل، وعند كل خطوة روعة حيال هذا السيل الحيوي الذي يتدفق مرغيا مزبدا ~~إلي حيث لا يدري، وعند كل خطوة استفهام لا جواب له عن معنى الحياة وغايتها، عن معنى الألم ~~وغايته، عن معنى الطرب وغايته، وعند كل خطوة سؤال للكون: لماذا وجدت النفس الإنسانية كالنحاس ~~المجوف ترجع لكل صوت يقرعها صدى رنانا عميقا وجيعا ... # | كن سعيدا # في هيكل الأشجان الإنسانية وقف الزعيم الأكبر يخطب في القوم فسمعته يقول: ~~«إذا كنت غنيا كن سعيدا؛ لأن مزاولة الأمور الخطيرة هيئت لك، وكنت مشكور الصالحات ~~مرجو الجميل. لقد عز جانبك، ومنعت حوزتك، ونشر رواق العز فوق ذمارك، فتم لك وجه من ~~وجوه الحرية والاستقلال، وإن كنت فقيرا فكن سعيدا! لأنك سلمت من شلل معنوي ابتلي به من ~~دانت لرغبته جميع المطالب، ووقيت ما عرض له السري من حسد وكره، فلا تتلظى الصدور ~~لنعمتك، ولا ينظر إلى متاعك بعين مريضة. # إذا كنت محسنا فكن سعيدا؛ لأنك ملأت الأيدي الفارغة، وسترت الأجساد العارية، وكونت من ~~لا كيان له فرضيت عن نفسك، ووددت إسعاد عشرات ومئات لتتضاعف مسرتك النبيلة الواحدة بتعدد ~~المنتفعين بأسبابها. وإن عجزت عن الإحسان فكن سعيدا؛ فقد أجلت ساعة تشهد فيها نكران الجميل ~~ممن صانعت، فاتخذ المعروف سلاحا يهددك به، حاسبا التجني شجاعة، والسفاهة حذقا. تلك الساعة ~~لا بد من مرورها، فتتوتر لها أعصابك، ويفوز سخطك، وتقسو عواطفك، ويجف منهل كرمك، وتحتقر ~~الإنسان، وتيأس من إصلاحه قبل أن تصل إلى قمة الغفران السامي، والتغاضي الحكيم. # إذا كنت شابا فكن سعيدا؛ لأن شجرة مطالبك مخضلة الغصون، وقد بعد ms32 أمامك مرمى الآمال، ~~فتيسر لك إخراج الأحلام إلى حيز الواقع إذا كنت بذلك حقيقا، وإذا كنت شيخا فكن سعيدا؛ ~~لأنك عركت الدهر وناسه، وألقيت إليك من صدق الفراسة وحسن المعالجة مقاليد الأمور، فكل ~~أعمالك إن شئت منافع، والدقيقة الواحدة توازي من عمرك أعواما؛ لأنها حافلة بالخبرة والتبصر ~~وأصالة الرأي، كأنها ثمرة الخريف موفورة النضج، غزيرة العصير، أشبعت بمادة الاكتمال والدسم ~~والرغبة. # إذا كنت رجلا فكن سعيدا؛ لأن في شهامة الرجولة يتجسم معنى الحياة الأكبر، وإذا كنت ~~امرأة فكن سعيدا؛ فالمرأة منشودة الرجل، ونبلها موضع اتكاله، وعذوبتها مستودع تعزيته، ~~وبسمتها مكافأة أتعابه. # إذا كنت رفيع الحسب فكن سعيدا؛ فقد فزت بثقة الجماعة دون أن يوصي بك أحد، وإن كنت وضيع ~~النسب فكن سعيدا؛ لأنه خير لك أن تكون مؤسس عيلتك، ورافع عمادها الذي تعرف به، وتفاخر ~~بذكراه، من أن تكون أحد أبنائها المرغمين بطبيعة الحال على حمل اسمهم، ولا فضل لهم بإعلائه. # إذا كنت كثير الأصدقاء فكن سعيدا؛ لأن ذاتك ترتسم في ذات كل منهم، والنجاح مع الصداقة ~~أبهر ظهورا، والإخفاق أقل مرارة، وجمع القلوب حولك يستلزم صفات وقدرات لا توجد في غير ~~النفوس ذات الوزن الكبير، أهمها الخروج من حصن أنانيتك لاستكشاف ما عند الآخرين من نبل ولطف ~~وذكاء، وإذا كنت كثير الأعداء فكن سعيدا؛ لأن الأعداء سلم الارتقاء، وهم أضمن شهادة ~~بخطورتك، وكلما زادت منهم المقاومة والتحامل، وتنوع الاغتياب والنميمة، زدت شعورا ~~بأهميتك، فاتعظت بالصائب من النقد الذي هو كالسم يريدونه فتاكا، ولكنك تأخذه بكميات قليلة، ~~فيكون لك أعظم المقويات، وتعرض عما بقي، وكان مصدره الكيد والعجز، إعراضا رشيقا. وهل يهتم ~~النسر المحلق في قصي الآفاق بما تتآمر له خنافس الغبراء؟ # إذا كنت صحيحا فكن سعيدا؛ فقد استبان فيك توازن الناموس الكلي وانسجامه، وأهلت لمعالجة ~~المصاعب ودحر العقبات، وإن كنت عليلا فكن سعيدا؛ لأنك مسرح تتقاتل فيه قوتا الكون ~~العظيمتان، فالغلبة لما تختار منهما، والشفاء موقوف على ما تريد. # إذا كنت عبقريا فكن سعيدا؛ فقد تجلى فيك شعاع ألمعي ms33 من المقام الأسنى، ورمقك الرحمن ~~بنظرة انعكست صورتها على جبهتك فكرا، وفي عينيك طلسما، وفي صوتك سحرا، والألفاظ التي هي ~~عند الآخرين أصوات ونبرات ومقاطع، صارت بين شفتيك وتحت لمسك نارا ونورا تلذع وتضيء، وتحرق ~~وتهنأ، وتخجل وتكبر، وتذل وتنشط، وتوجع وتلطف، وتسخط وتدهش، وتقول للمعنى «كن!» فيكون. وإن ~~كنت خاملا فكن سعيدا؛ لأن الألسنة لا ترهف حدها لتذكرك، والأنظار لا يستعر فيها لهيب ~~التفحص وحب المنافسة إذ تتجه إليك. هاك القمة فاقتحمها إن كنت كفؤا، وإلا فاقنع بأنك جزء ~~مهم من أجزاء الكون تستعملك الكفاءة وقودا؛ فالإيوانات الباذخة لا تقوم بغير الحجارة ~~الصغيرة، وأنت متمتع براحة لا ينعم بها من لا ترتوي شفتاه بغير ماء الحياة، ولا تغتسل روحه ~~بغير سيول الإلهام. # إذا كان صاحبك وفيا فكن سعيدا؛ لأن الأيام حبتك بكنز من أثمن كنوزها، وإن كان خائنا فكن ~~سعيدا؛ لأنه لم يكن على استعداد لاستماع أمثولة خفية تلقيها عليه نفسك، ولا يغادر امرؤ ~~حظيرة المحبة إلا ليفسح مكانا لمن هو خير منه وأجدر. # إذا كنت حرا فكن سعيدا؛ ففي الحرية تتمرن القوى، وتتشدد الملكات، وتتسع الممكنات، وإن ~~كنت مستعبدا فكن سعيدا؛ لأن العبودية أفضل مدرسة تتعلم فيها دروس الحرية، وتقف على ما يصيرك ~~لها أهلا. # إذا عشت في وسط يفهمك ويقدرك فكن سعيدا! فهناك اكتسبت كل يوم شبابا جديدا، وقوة جديدة، ~~ونمت روحك ثم نمت حتى أذهلتك منها الآفاق والبحار، وإن عشت في وسط متقهقر منحط، أيها التعس، ~~فكن سعيدا؛ لأنك في حل من أن تخلق لك جناحين تطير بهما فوقه؛ إلى حيث تبدع من أشباح روحك ~~عالما حوى قوتا لجوع فكرك، وشرابا لظمأ جنانك. # إذا كنت محبا محبوبا فكن سعيدا؛ فقد دللتك الحياة، وضمتك إلى أبنائها المختارين، ~~وأرتك الألوهية عطفها في تبادل القلوب، واجتمع النصفان التائهان في المجاهل المدلهمة، فتجلت ~~لهما بدائع الفجر، وهنأتهما الشموس بما لم تهتد بعد إليه في دورتها بين الأفلاك، وأفضى ~~إليهما الأثير بمكنون أسراره؛ لذلك هما يتأملان حيث يتصابى الخالي، ويصمتان حيث ms34 يتكلم، ~~ويمزحان حيث يجد، ويتفرسان في خطوط البقاء حيث لا يلمح هو خيالا. # وإن كنت محبا غير محبوب فكن سعيدا؛ لأن النابذ يحب المنبوذ في أعلى طبقات كيانه، ~~حبا لا يدانيه افتتانه بمن يهوى، والهجران حالة جمة المعاني والألغاز ترقق ما ضخم من ~~الرغبات، وتصفي ما عكر من الانفعالات، حتى يغدو الفؤاد شفافا نورانيا متلألئا كآنية تتناول ~~فيها الآلهة كوثر الخلود. # ولسوف تفوز بمن تريد إن لم يكن في تلك الصورة الأنسية المتباعدة ففي سواها. تهيأ للحب ~~مهما أثقلتك المشاعر؛ لأن للحب هبات وسكنات، وأنت لا تعرف ساعة مروره. كن عظيما ليختارك ~~الحب العظيم، وإلا فنصيبك حب يسف التراب، ويتمرغ في الأوحال، فتظل على ما أنت أو تهبط ~~به، بدلا من أن تسمو إلى أبراج لم ترها عين، ولم تخطر عجائبها على قلب بشر؛ لأن هياكل ~~مطالبنا إنما تقام على خرائط وهمية وضعتها منا الأشواق. # كن سعيدا لأن أبواب السعادة شتى، ومنافذ الحظ لا تحصى، ومسالك الحياة تتجدد مع الدقائق. ~~كن سعيدا دواما، كن سعيدا على كل حال!» ~~••• # انفض القوم فإذا الجماعات تقف عند بقية جدار خارج الهيكل لتنتحب وتبكي، ومضى غيرها في ~~سبيله ضاحكا هازئا، فنظرت إلى شبح انتصب قربي نظرة استفهام فقال: «أنا روح الخطاب جئت أرى ~~تأثيري في الناس!» # قلت: «إذن أنت تعلم ما هذا الذي يبكي الناس عنده.» # قال: «هذا جدار الدموع.» # قلت: «وهل هؤلاء يهود؟ وهل نحن في أورشليم؟» # فقال: «للإنسانية كما لليهود «جدار دموع» تبكي عليه وتتحسر.» # قلت: «ولماذا يبكي هؤلاء بعد تلك الخطبة المعزية الموحية الرجاء؛ خطبة السعادة ~~الجميلة؟» # قال: «منهم من يبكي لأنه لم يسمعها من قبل، ومنهم لأنه سمعها قبل الآن ولم يستفد، وآخر ~~لأنه استفاد أياما ثم تغلب عليه المحيط، وجرته الوراثة بأثقالها الباهظة إلى هوة القنوط، ~~وغيره يبكي بكاء عصبيا لأن الباكين يحيطون به، ولو ضحكوا ورقصوا لكان أول المقلدين، وغيره ~~ليظهر أنه ذو نفس حساسة تستوعب كل تأثير صالح، ويبكي غيره لأنه يرى في الجدار المحطم صورة ~~لآماله ms35 الذاوية، وهو من الذين يندبون حيال متراكم الأخربة، ومندثر الديار، ومتعفي ~~الآثار.» # قلت: «وأولئك الضاحكون؟» # قال: «هم ذوو الأذهان المحددة التي لا تعترف بما لا تفهم، وتهزأ بكل ما لا تعترف. إنهم أحق ~~بالإشفاق من الباكين.» # قلت: «وهناك خيالان لا يبكيان ولا يضحكان؛ رجل وامرأة يسيران جنبا إلى جنب بخطوات هادئة ~~بطيئة منحنيي الجبهة، وفي عيونهما تتتالى دوائر الأفكار. أتدري من هما؟» # فرنا إليهما الشبح وقال: «هما الأرض المخصبة. هما الشعلة المقدسة. هما اللذان فهما ~~واستفادا.» # فقلت مكتئبة: «أسفا على الخطاب البليغ تسمعه الجماهير الغفيرة فلا يستفيد به سوى ~~اثنين!» # فتألق وجه الشبح بنور سماوي وقال: «بل ما أنفعه خطابا هو في هذين الروحين غلة للدهور، ~~وفي هذين الفكرين مجدد للقديم، وفي هذه الأيدي مشعل يتطاير منه الشرر، فتتقد به شموس الأفلاك، ~~وشموس الأذهان. بورك به خطابا، بورك به!» # وغادرني الشبح وسار إلى ذينك الخيالين فنشر من كتفيه جناحين خفيين وحلق فوق رأسيهما ~~يقودهما ويرعاهما. # | السهرات الراقصات # دنا موسم السهرات الراقصات فيممها أهل المدينة أفواجا، وسرت في جملة السائرين بثوبي ~~القرمزي المردن، والقلب يحدوني بشدو الشباب والطرب، وما خطوت في القاعة الساطعة خطوة حتى ~~ترنحت لتوقيع العازفات والعازفين، واستحثني تمايل الراقصات والراقصين، فأغفلت ذكر اللواعج ~~والتباريح، ونسيت أنه بينا في رحبات الجذل يتمتع السعداء ويلهون إذا في كهوف القدر تتفطر ~~حشاشات وتدمع عيون. # رقصت مع كل راقص ذي كياسة، واحتسيت الكوثر من كئوس عسجدية، وبسمت شفتاي لكل شفة باسمة، ~~ولمعت عيناي لكل عين لامعة. ولما طاف طائف الكرى بين أجفاني عدت مستوفية السرور إلى ~~مضجعي، ونمت نومة طويلة عميقة. # واستيقظت في الغد فأذهلني أن أشعر بترضرض في روحي، وبطعم الفناء في فمي، وبأثقال تميع على ~~صفحة وجداني كأنها أحمال الدماء. # وفي السهرة الثانية حياني أظرف رجل بين الرجال وقال: «هل لك في دورة تتوافق وأنين ~~الأوتار؟» # قلت: «بل عفوت اليوم عن نفسي وعن أبناء الأنس أجمعين، فلا هم يتعبون بمراقصتي، ولا أنا ~~أتحف بتعليقهم عليها.» # قال: «إذن نجلس في خلوة ms36 المقصف حيث الشراب والحلوى والمجاملة.» # قلت: «لا ، بل على الشرفة الصغيرة حيث النور رقيق يمازج الظلام ولا يزيله. اتصل بي محدث ~~ألمعي، فكل سهرتي هذه إصغاء.» # ففتل شاربيه بأناقة، ورنا إلى طرفيهما بإعجاب ثم انحنى شاكرا لأنه متواضع، ثم سار بي ~~إلى الشرفة وقال: «تفضلي إذن واستريحي على هذا المقعد ذي العلاقة بصاحبة الملايين.» # قلت: «ومن هذه؟ هات بطرف من حكايتها!» # ففعل بظرف وأضحكني شديدا، ثم قدم إلي زهرة أهدى مثلها ذلك النبيل إلى تلك العظيمة، ~~وسرد حكايتهما، ثم تلا علي رسالة جاءته من تلك الجميلة، وأخرى وردت إليه من ذلك الوزير، ~~وسرد حكايتهما. # ثم حدثني عن آخرين وأخريات. وكان الراقصون يتتابعون أزواجا متخاصرة وذاكرة نديمي سجل ~~حفظت صفحاته الأمينة تواريخ الأفراد والجماعات صعودا إلى آباء الآباء بما يزينها من فضل، ~~وما أقله! وما يشوبها من نقص، وما أوفره! وتطرق إلى الإلماع عن تأثيره الحالي في تقسيم ~~الممالك، واتفاق الدول، وعقد المؤتمرات، وسن القوانين. تلك شئون لم يكن ليعرفها أحد، وإنما هو ~~كان يسر بها إلي لأنه ينظر إلي بعين الإكبار والإعجاب، وكل ما يتبع هذين أو يسبقهما ~~من الاعتبارات، فكنت أصغي متفكهة ضاحكة؛ إذ أجد فيما يقول ظرفا لا يبارى، وتوقدا لا يخمد، ~~وفطنة لا يلحقها كلل أو نضوب، إلا أني كنت أهمس لنفسي: «ليته يسرد لي حكايتي لأعلم كيف هي في ~~الغد تكون!» # وأتينا على آخر السهرة فقلت بإخلاص: «ما كان أقصر هذه الساعة!» # ففتل شاربيه بأناقة، ورنا إلي طرفيهما بإعجاب، ثم انحنى شاكرا لأنه متواضع، ثم قال ~~مشيرا إلى رجل بطيء الخطى، مهيب المنظر، مر على مقربة منا؛ قال: «لا أدري ما إذا كانت ~~قصيرة في نظر هذا.» # فسألت: «ومن هو هذا؟» # أجاب محدثي: «هذا أحد اثنين: فإما يظل صامتا فلا يدرك المرء لسكوته معنى ولو عاشره مليون ~~سنة، وإما يتكلم ... فينطبق عليه قول يزعم أحد الظرفاء أن الله قاله عن الرئيس ابن ~~سينا!» # قلت: «ألا أخبرني بما يزعم ذلك الظريف أنه تعالى قاله عن ابن سينا!» ms37 # فحدثني نديمي قائلا: «يزعم صاحبي المليح النكتة أنه لما مضى ابن سينا إلى ربه جاءه ~~الملكان وسألاه: «ما هو الله؟»» # فأجابه لفوره: «هو أسطقس فوق الأسطقسات.» # فتبادل الملكان نظرة فلم يفهما، فذهبا إلى الحق - سبحانه - وقالا: «ربنا، لقد جاء الساعة عبد ~~من عبيدك البشر، رجل يتكلم كالمتكلمين، ولكننا لا نفقه لقوله معنى.» # فسأل الحق - جل وعلا: «وماذا يقول هذا الرجل؟» # فأجاب الملكان: ربنا، سألناه: «ما هو الله؟» فقال: «هو أسطقس فوق الأسطقسات.» # فأطرق المولى - سبحانه - وقد ألبس عليه مغزى الكلام وقال: «إن أمر هذا الرجل لغريب! وما ~~اسمه، أيها الملكان؟» # فقال الملكان: «ربنا، اسمه عبدك الرئيس ابن سينا.» # فضحك ذو الجلال وقال: «هاهاها! لقد عرفته؛ فدعاه وشأنه. هذا رجل قضى عمره متكلما فلم ~~تفهم خلائق الأرضين كلمة من أقواله.» # ذاك، على زعم صاحبي، ما قاله الله - تعالى - عن الرئيس ابن سينا. # فضحكت ثم ضحكت، وودعت محدثي قائلة: «حقا إنك رجل ظريف!» وهمست لنفسي مرة أخرى: «ليته سرد لي حكايتي لأعلم كيف هي في الغد تكون!» ~~••• # واستيقظت في الغد فأذهلني أن أشعر بترضرض في روحي، وبطعم الفناء في فمي، وبأثقال تميع على ~~صفحة وجداني كأنها أحمال الدماء. # وبكى في قلبي لما شهدته من الدعوى الفارغة، واللغو المزعج، والتمثيل الكاذب، والعاطفة ~~السقيمة، ثم قلت مصممة: «إذن فالليلة لا رقص ولا حديث.» # وجن الليل فقصدت إلى السهرة الحافلة. تجنبت قاعة الراقصات والراقصين، وهربت من أظرف رجل ~~بين الرجال، وانتحيت مكانا فيه ينفرد الرجل السكوت. # بادرته بالتحية فلم يرد التحية، وألقيت عليه الأسئلة فلم يحر جوابا، وإنما نظر إلي نظرة ~~رأيت وراءها محافل الأجيال ومواكب الدهور، فجلست في ظل سكوته، ولم يكن سكوته سوى سكوت ~~الفضاء المملوء بحفيف الأفلاك، وانبسطت دوائر فكره، وترامت قليلا قليلا فاحتوت هالة كياني، ~~واجتذبتني منه القوة السرية إلى سويداء قلب الوجود؛ حيث الليل الأليل يفضي إلى برج ~~الأضواء. # وانتهت السهرة قبل أن تبتدئ. ولما عدت إلى مضجعي لم أرقد إلا لأواصل السير في عالم ~~السكوت. # واستيقظت في الصباح فحركت ms38 روحي جناحيها وقد لونتهما أشعة قوس الغمام ، وارتفعت جبهتي تحت ~~تاج معنوي قد ركز عليها، ونموت وكبرت فجأة؛ لأن مختلف الرغبات في المعرفة والاطلاع انبثقت ~~في. # وها قد انقضت ملايين أعوام فيها تعلمت جميع لغات الإنس والجن، ووعيت جميع علومهم، ~~واستظهرت جميع مصنفاتهم، وتتلمذت لجميع أساتذتهم، وجادلت جميع فلاسفتهم، ومحصت جميع ~~أقوالهم، وسبرت أغوارهم، وتسلقت جميع قممهم، ولمست قدماي الداميتان عتبات الغيوب دون أن ~~أظفر بإدراك أبسط معنى يجول في خاطر الرجل السكوت. # | الموضوع التائه # جاء من «النادي الأسنى» وفد كبير يدعوني إلى إلقاء خطبة في الحفلة السنوية، فخاطبت ~~الوفد قائلة: # أيها السادة العلماء والأعيان والفضلاء # أنتم تمثلون في أشخاصكم المحترمة جميع مراتب المدعوين. ولما كنت طامعة في رضاكم ~~ورضى الجمهور لئلا يضيع الوقت سدى، ونكون عرضة للانتقاد، فأنا أطلب إليكم أن تتفق ~~كلمتكم على موضوع أخاطب الناس به، فأقبل دعوتكم بارتياح. # فقال أحد الأعضاء: «حبذا الاقتراح الحصيف! أما ونحن عند حركة نسائية نبتغي أن تتناول ~~نساءنا وبناتنا، فأحر بك أن تتكلمي في ترقية المرأة عن طريق العلم والتهذيب؛ لأنها، وهي ~~دعامة العائلة، إنما عليها تقوم عظمة الأمة وسلامة العمران.» # فقال آخر: «عفوك سيدي، كل موضوع غير هذا حسن. أما إذا ذاكرتنا بهذا الشأن فقد ينسحب ~~المدعوون واحدا بعد الآخر، كما سبق أني فعلت وبعض أصحابي يوم قامت سيدة تلوك أمامنا ما ~~سئمنا سماعه، حتى صرنا نحسب أنها مرددة أسطوانة فارغة تحوك الألفاظ ولا تعي. فلتحدثنا إذن ~~خطيبة الغد عن الحركة العمرانية الكبرى، وروح العصر العامة؛ فذلك أنسب وأنفع.» # فقال ثالث: «أنزعج ابنتنا بتهيئة ما قد نلم به من مطالعة الصحف السيارة وإنباء البرق ~~والبريد؟ نريد أن ننشط النساء ونبث فيهن حب الرقي والعرفان، كما نريد تحويل الرجال عن ~~القهاوي، وموائد المقامرة، وحانات الرقص. فلتتكلم إذن في موضوع علمي فلسفي يشحذ القرائح، ويغذي ~~النفوس.» # فقال آخر: «سينعقد الاجتماع بعد طعام العشاء؛ أي ساعة لا يكون هناك متسع «للتغذية»، ويكون ~~«الشحذ» في غير أوانه. وما نفع كلام لا يفهمه سوى النفر ms39 القليل فتزهق أرواح الآخرين، فيحسبون ~~الخطيبة متقعرة ، ويمقتون في جهلهم وتخلفهم العلم للنساء؟ ألا فلتلقي علينا بحثا فيما ~~مارسته أخواتها دواما حتى في العصور المظلمة؛ كالموسيقى والرقص والغناء، فيجيء كلامها ~~سائغا ملطفا بعد عمل النهار الشاق، ولا تغلق معانيه على أحد.» # فاعترض آخر قائلا: «أتريد لتتسلى أنت وترتاح أن تجعلها هدفا لتبجح السخفاء الذين ~~سيقولون: بدلا من أن تلقي علينا دروسا نظرية في الرقص والغناء، فالأوفق أن ترينا منهما ~~الدرس العملي طارحة عنها عناء العلم والبحث والتنقيب.» قلت: «إذن إنه خير لنا ولها أن تعمد ~~إلى عادة من عاداتنا الشائنة فتحكم تمحيصها وإظهار أضرارها، مشيرة إلى عادة أخرى يحسن الجري ~~عليها، فنخرج من تلك الحفلة متفاهمين مستفيدين.» # فقال آخر: «إذا طلبنا الوعظ والإرشاد واحتجنا إلى التهذيب والتقويم، فعندنا الكاهن في ~~الكنيسة والخطيب في المسجد. أما ونحن في تطور قومي كبير، فلتلفتنا إلى ما نفتقر إليه من ~~المشروعات الزراعية والآلية والاقتصادية العائدة على البلاد بالثروة والفرج، فتحثنا على ~~تأييده، ويكون لقولها تأثير عظيم.» # فتأفف آخر قائلا: «ولكنك تخلط، يا صاحبي، بين احتفالات الأندية وبين أحزاب الإصلاح ولجان ~~التقرير. ليس قصدنا سن قوانين جديدة للبلاد، وتعديل ميزانيتها، وإلقاء الدروس على ولاة ~~الأمور، وإبدال برامج التعليم بسواها. إن نحن إلا أعضاء ناد اجتماعي من رجال ونساء يحيون ~~ليلة أنس وطرب، فأرى أن تترجم مقالا أو قصيدة عن كاتب أو شاعر غربي؛ لأن الغربيين سبقونا ~~إلى الابتكار الذهني، فتتحفنا بأفكار جديدة نبتهج لها بلا إجهاد.» # فصاح آخر قائلا: «فلتسقط الترجمة إلى الحضيض، وليهبط التعريب إلى قعر الهاوية! حرام على ~~من كان ذكيا أن يفني وقته في عمل جدير بمعشر الببغاوات البشرية. أما ونحن في هذا الاجتماع ~~شرقيون لا أجنبي بيننا؛ فلتتكلم إذن، ولتتكلم بحماسة عن وجوب تعلق القوم بلغتهم؛ ليفهم ~~المتفرنجون كم هم ضالون وخليقون بالسخرية والاحتقار!» # فقال آخر: «وما ذنب النادي إليك، يا عزيزي، لتقترح اقتراحا يعود عليه بالتداعي؟ إن جل ~~الأعضاء متفرنجون ومتفرنجات؛ أتريد أن يسخط هؤلاء تاركين قاعاتنا بلاقع؟ دع الناس ms40 يتكلمون ~~بما شاءوا من لغات أنزلها الله . أما خطيبتنا فلتصدق جنسها النسائي في حكاية غرامية تصف ~~فيها بعض طبقات الناس، وبعض عادات البلدان، وتشرح عواطف المرأة ونزعاتها المتنافرة؛ فالرواية ~~اليوم، مسهبة كانت أم موجزة، غدت آلة فريدة لنشر الآراء التاريخية، والنظريات العلمية ~~والفلسفية، فضلا عن وصف أحوال الشعوب، وتسيير الإصلاح الاجتماعي والديني في وجهة معينة.» # فقال آخر: «لا أرى الرواية مناسبة لهذا الموقف، ولا يجعل للرواية هذه الأهمية إلا ذوو ~~الأذهان الكليلة الذين يأنفون الأبحاث الجادة مجردة من الأوهام والتلفيق، بل فلترم هي إلى ~~الإفادة المباشرة وتحدثنا بما نكبره في فتاة؛ كالطبيعيات والفلك، فأنا لا أحتمل من الكتاب ~~والخطباء إلا الذين تنالني منهم فائدة علمية ما.» # فقال آخر: «وهل الإفادة محصورة في العلوم الطبيعية والرياضية؟ وهل هي قائمة في التلقين ~~الأبله كما يلقن المعلم صغار المتعلمين؟ أرى أن الكاتب الأمثل هو الذي لا يتصور نفسه فوق ~~الآخرين علما وذكاء، بل يسترسل في أبحاثه واثقا من أن الجميع يفهمونه، ولكل منهم أن ~~يحتضن من آرائه الخاصة ما يتفق مع ميوله وحاجاته. هذا هو الكاتب الفنان الذي أعزه وأحبه ~~وأهوى مجالسته عند صفحات الأوراق؛ لأنه يعرف كيف يثير مني الشجون والرغبات، وكيف يفتح أمامي ~~جديد الآفاق. أما الذي ينصب نفسه معلما لي، فهو الجاهل المركب، هو الدعي المغرور الذي ~~ألقي على تنطعه وتفيقه نظرة واحدة لأزداد وثوقا مما أعلمه، وهو أنه يخيفني من ماء غيره، ~~وأنه ليس عنده أكثر مما يعطيني متعاظما ...» # فتنهد آخر قائلا: «رباه! هل جفت مناهل العواطف في قلوب الناس حتى صاروا لا هم لهم سوى ~~العلوم والأبحاث؟ ألا فلتسمعنا قصيدة منها منظومة أو منثورة، فهي شاعرة قبل كل شيء، ونحن ~~في حاجة إلى أجنحة المثل الأعلى تساعدنا على النهوض من حمأة المادة لنعيش، ولو لحظة، في ~~أبدية الجمال.» # فاحتج قوم على الشعر المنظوم والمنثور قائلين إنه آفة هذا الجيل، وانبرى آخرون يدافعون ~~عنه قائلين إنه سلوى الحياة ووحيها ورونقها، واشتبك الفريقان في المناقشة والجدال. # فاختليت أنا بنفسي أبحث ms41 عن الموضوع، فوجدت في أخلاطا نفيسة من معارف ومدركات وقدرات ~~كانت وستظل دواما إرث بني الإنسان؛ فهناك الأبحاث الفلسفية والتاريخية، وهناك الاكتشافات ~~والاختراعات، وهناك الآداب واللغات، وهناك العلوم الطبيعية والرياضية، وهناك المذاهب ~~اللاهوتية والباطنية، وهناك الفنون الجملية على اختلافها، وهناك الروايات والأشعار، وعلوم ~~البيان، ووصف الأسفار، وهناك الموضوعات الخفيفة الرشيقة المفكهة، والأخرى الوجيعة الرثائية ~~المحزنة. وعلى مقربة منها أساليب النقد، واقتراحات الإصلاح، وخرائط المشروعات المتنوعة. # وبينا جلبة وفد النادي تصطخب حولي، جعلت أنا أخلق لذاتي الجماهير المتعددة - كما تمثل ~~أحيانا رواية مصغرة خلال تمثيل الرواية الكبيرة - وصرت أخطب في كل جمهور بما يحب ~~ويتطلب، فاقتضب الكلام هنا، وهناك أطيله. أتكلم مرة بتحمس الشاعر، وبتدقيق الباحث أخرى. ~~حينا بصرامة العلم الطبيعي، وحينا بسيطرة الفكر الفلسفي. هنا بعذوبة الحب وأنينه، وهناك ~~بقسوة الإصلاح واستئثاره. # خلقت لذاتي الجماهير لا لأعلم بل لأتعلم، لا لأفيد بل لأستفيد، لا لأوقف الآخرين على ~~أسرارهم وممكناتهم، بل لأهتدي إلى أسراري وممكناتي. تكلمت ودرست وكتبت وخطبت لأهذب نفسي ~~وأدللها، لأعزيها وأنميها. فعلت ذلك لأطير ونفسي فوق الشواهق، ونحسو ماء الغدران، ونكتنه ~~غور الأعماق، ونمتص عصير الأزهار، فأعيش وإياها تلك الحياة الداخلية الرائعة التي يشرف ~~منها وحدها على بدائع الكون. # وما زلت أفعل ذلك والناس يتناقشون في أي الموضوعات أنسب وأنفع، وفي أي الموضوعات علي ~~أن أعالج! # | أنت أيها الغريب # أنا وأنت سجينان من سجناء الحياة. # وكما يعرف السجناء بأرقامهم يعرف كل حي باسمه. # وقد التقينا وسط جماعات المتفقين فيما بينهم على الضحك من سواهم حينا، والضحك بعضهم من ~~بعض أحيانا. # أنا منهم وإياك غير أن شبهك بهم يسوءني؛ لأني إنما أقلدهم لأريك وجها مني جديدا، وأنت ~~أتجاريهم بمثل قصدي، أم الهزء والاستخفاف فيك طوية وسجية؟ # ولكن رغم انقباضي للنكتة منك والظرف، ورغم امتعاضي للتغافل منك والحبور، أراني وإياك على ~~تفاهم صامت مستديم يتخلله تفاهم آخر يظهر في لحظات الكتمان والعبوس والتأثر. # بنظرك النافذ الهادئ تذوقت غبطة من له عين ترقبه وتهتم به، فصرت ما ذكرتك إلا ارتدت ~~نفسي ms42 بثوب فضفاض من الصلاح والنبل والكرم، متمنية أن أنثر الخير والسعادة على جميع الخلائق. # لي بك ثقة موثوقة، وقلبي العتي يفيض دموعا. سأفزع إلى رحمتك عند إخفاق الأماني، وأبثك ~~شكوى أحزاني؛ أنا التي تراني طروبة طيارة. # وأحصي لك الأثقال التي قوست كتفي، وحنت رأسي منذ فجر أيامي؛ أنا التي أسير محفوفة ~~بجناحين متوجة بإكليل. # وسأدعوك أبي وأمي متهيبة فيك سطوة الكبير وتأثير الآمر. # وسأدعوك قومي وعشيرتي؛ أنا التي أعلم أن هؤلاء ليسوا دواما بالمحبين. # وسأدعوك أخي وصديقي؛ أنا التي لا أخ لي ولا صديق. # وسأطلعك على ضعفي واحتياجي إلى المعونة؛ أنا التي تتخيل في قوة الأبطال ومناعة ~~الصناديد. # وسأبين لك افتقاري إلى العطف والحنان، ثم أبكي أمامك وأنت لا تدري. # وسأطلب منك الرأي والنصيحة عند ارتباك فكري واشتباك السبل. # وإذا أسيئ التصرف وأرتكب ذنبا ما فسأسير إليك متواضعة واجفة في انتظار التعنيف والعقوبة. # وقد أتعمد الخطأ لأفوز بسخطك علي فأتوب على يدك وأمتثل لأمرك. # وسأصلح نفسي تحت رقابتك المعنوية مقدمة لك عن أعمالي حسابا؛ لأحصل على التحبيذ منك أو ~~الاستنكار، فأسعد في الحالين. # وسأوقفك على حقيقة ما ينسب إلي من آثام، فتكون لي وحدك الحكم المنصف. # وما يحسبه الناس لي فضلا وحسنات، سأبسطه أمامك فتنبهني إلى الغلط فيه والسهو والنقصان. # ستقومني وتسامحني وتشجعني، وتحتقر المتحاملين والمتطاولين؛ لأنك تقرأ الحقيقة منقوشة على ~~لوح جناني. # كما أكذب أنا وشاية منافسيك وبهتان حاسديك، ولا أصدق سوى نظرتي فيك وهي أبر شاهد. # كل ذلك وأنت لا تعلم! # سأستعيد ذكرك متكلما في خلوتي لأسمع منك حكاية غمومك وأطماعك وآمالك، حكاية البشر ~~المتجمعة في فرد أحد. # وسأتسمع إلى جميع الأصوات علي أعثر على لهجة صوتك. # وأشرح جميع الأفكار، وأمتدح الصائب من الآراء؛ ليتعاظم تقديري لآرائك وأفكارك. # وسأتبين في جميع الوجوه صور التعبير والمعنى لأعلم كم هي شاحبة تافهة؛ لأنها ليست صور ~~تعبيرك ومعناك. # وسأبتسم في المرآة ابتسامتك. # في حضورك سأتحول عنك إلى نفسي لأفكر فيك، وفي غيابك سأتحول عن الآخرين إليك لأفكر فيك. # سأتصورك عليلا لأشفيك، ms43 مصابا لأعزيك، مطرودا مرذولا لأكون لك وطنا وأهل وطن، سجينا ~~لأشهدك بأي تهور يجازف الإخلاص، ثم أبصرك متفوقا فريدا؛ لأفاخر بك وأركن إليك. # وسأتخيل ألف ألف مرة كيف أنت تطرب، وكيف تشتاق، وكيف تحزن، وكيف تتغلب على عادي الانفعال ~~برزانة وشهامة؛ لتستسلم ببسالة وحرارة إلا الانفعال النبيل، وسأتخيل ألف ألف مرة إلى أي درجة ~~تستطيع أنت أن تقسو، وإلى أي درجة تستطيع أنت أن ترفق؛ لأعرف إلى أي درجة تستطيع أنت أن تحب. # وفي أعماق نفسي يتصاعد الشكر لك بخورا؛ لأنك أوحيت إلي ما عجز دونه الآخرون. # أتعلم ذلك، أنت الذي لا تعلم؟ أتعلم ذلك، أنت الذي لا أريد أن تعلم؟ # | قرب منعطف السبيل # قرب منعطف السبيل، عندما تمثلت انقضاء الماضي، وجمود الحاضر، واستحالة السير إلى الأمام، ~~لم يبق لي سوى اختيار إحدى الميتتين: ميتة طويلة مفعمة بحشرجة القنوط، وميتة الانتحار ~~السريعة المنقذة. # فاخترت هذه على أن أجعلها كيسة مأنوسة لا تلطخها الدماء، ولا تتلوى فيها الأعضاء، ~~واهتديت إلى الأزهار المزعوفة التي تطعم منعها العطر بالسم ولهاث الردى. ولكن، هناك، في ~~تلك الزاوية الضائقة حيث أقام القدر من دواهيه على صدري جدران الحديد ومعاقل الرصاص، ~~هناك قرب حلول الشفق برزت فجأة أمامي. # وأخذت تتكلم عن معان اختفت طي المعاني، وأشياء توارت في الأشياء، وممكنات حجبت في ~~المستحيلات، وخير حصحص وراء الشر، ونور أشرق في لجج الظلام، وسمو تجلى جلال ~~الحقارة. # وكانت يدك تتحرك متريثة متأنية، فبدت منها الإشارات سحرية ساهية، كأنما هي انعكاس ~~إشارات خفية على المرايا المتبحرة في مهجور القصور، وضاء الجو حولي بلألاء الشرف والأبهة ~~والسؤدد، ومشي نظرك توا إلي يكتشف في جديد العوالم. # نظرت، فعلمتني إعزاز الوجود، وأدركت أني ما تخليت أجلي - عند حينه إلا لأتشدد وأتحضر ~~لوثبة كبيرة - كما يتنفس المتسابقون منتعشين متجددين قبيل خطير الأشواط. # فارتدت الحوائط قليلا قليلا، وتنحت الحصون مسفرة عن المروج والرياض، واتشحت ~~الكائنات بنقاب وسيم لا تنسجه سوى يد الوجد على زعم المتيمين. # ولكن أنى جاء الوجد؟ # أنت لم تكن تهتم ms44 بي، وأنا لم أكن أهتم بك، ولكن علام تشل أوصال روحي للدنو من مكان ~~حللته؟ وعلام اضطرابك وارتعاش يديك إذ تلمح خيالي عن بعد؟ # أنت لم تكن تنظر إلي وأنا لم أكن أنظر إليك، ولكن لماذا كانت تتبلبل خواطري، وأهرب عند ~~قدومك؟ وأنت إن لم تستطع السكوت، لماذا يخرج صوتك متقطعا متهدجا كأنك تجاهد لتقهر تأثرا ~~ما؟ # أنت لم تكن تعبأ بوجودي، وأنا لم أكن أعبأ بوجودك. # ولكن لماذا كنت أخاشنك متعملة الإعراض وعدم الانتباه؟ ولماذا، وأنت مثال الوداعة ~~والتهذيب، كنت تكفهر لحضوري وتنقبض كمن يود أن يتجنى علي، أو كمن يخشى أن يرمى بالبشاشة ~~والمجاملة، ثم يعود نظرك في المرة التالية يستفحصني عن زلته؛ أنا التي كنت أغتفر لك ~~وأتناسى مرغمة قبل أن تحدث نفسك بالاستغفار. # أنت لم تكن تفكر في وأنا لم أكن أفكر فيك، ولكن لماذا كنت أحيد عن طريقك لئلا ألتقي بك؛ ~~أنا التي أود أن أبحث عنك في كل مكان؟ ولماذا كنت تتقن خطواتك إذ تعلم أني أرقبها، وتنغم ~~نبرات صوتك وتنوعها إذ تعلم أنها واصلة إلي؟ # أنت لم تكن لي شيئا، وأنا لم أكن لك شيئا، ولكن وجوه القائمين حولك كنت أراها متألقة ~~بنورك، وأنت كانت تدهشك كل حركة مني كأنها لم يأتها قبلي إنسان. # أنت لم تكن لي شيئا، وأنا لم أكن لك شيئا، ولكن أليس إن إرادتك حلقت فوق خواطري كيد ~~آمرة، فتقت لأجلها إلى الطاعة والخضوع؟ أوليس إنك كنت تحاول إرضائي وإثارة إعجابي حتى ~~ارتفعت بذلك فوق ذاتك المألوفة، فتجليت بهيا عظيما؟ # من أنت؟ وماذا كنت؟ # أكنت وحيا من فيض شاعريتي المكتظة، وطيفا من أطياف شوقي وعذابي؟ أم أنت حقيقة محسوسة ~~مرت في أفق حياتي مرور السفن في البحر إلى الشواطئ النائية؟ لقد كنت وحيا من فيض شاعريتي ~~المكتظة، وكنت طيفا من أطياف شوقي وعذابي، وأنت حقيقة محسوسة مرت في أفق حياتي مرور ~~السفن في البحر إلى الشواطئ النائية. # يا مهذبي! # | أين وطني؟ # عندما ذاعت أسماء الوطنيات. # كتبت اسم وطني ووضعت ms45 عليه شفتي أقبله. # وأحصيت آلامه مفاخرة بأن لي كذوي الأوطان وطنا. # ثم جاء دور الشرح والتفصيل فألممت بالمشاكل التي لا تحل. # وحنيت جبهتي وأنشأت أفكر. # وما لبث أن انقلب التفكير في شعورا. # فشعرت بانسحاق عميق يذلني. # لأني، دون سواي، تلك التي لا وطن لها. # يوقظني في الصباح نفير الجيوش المودعة. ولدوي أبواق النحاس أنغام تثقلها دموع الفراق، ~~وأهازيج يجنحها طلب التفادي والاستبسال، فأمقت الظافرين، وأود لحظة أن أتوحد وإياهم لأنسى ~~في ثروتهم فقري، وفي بطشهم هواني. # وإذ تمر مواكب الأمم المظلومة منكسة أعلامها وراء نعوش الشهداء، وهتاف الحرية ~~والاستقلال يتغلب على أنين الثكل والتفجع منها، أعتز لأني ابنة شعب في حالة التكون ~~والارتفاع، لا تابعة شعب تكون وارتفع ولم يبق أمامه سوى الانحدار. # ولكن الشعوب تهمس همسا يطرق مسمعي، فهؤلاء يقولون: «أنت لست منا لأنك من طائفة أخرى.» ~~ويقول أولئك: «أنت لست منا لأنك من جنس آخر.» # فلماذا أكون، دون سواي، تلك التي لا وطن لها؟ ~~••• # ولدت في بلد، وأبي من بلد، وأمي من بلد، وسكني في بلد، وأشباح نفسي تنتقل من بلد إلى ~~بلد، فلأي هذه البلدان أنتمي، وعن أي هذه البلدان أدافع؟ # يمضي الموتى تاركين للأحفاد وراثات حسية ومعنوية ينعمون بها، وشرفا قوميا يعززونه، ~~وتقاليد يحافظون عليها. أما أنا فلم يبق لي من آثار موتاي سوى الأثقال المعلقة في يدي ~~وعنقي؛ أثقال إذا حاولت طرحها والفرار جرت قدماي ما هو أثقل منها، فهبطت على طريق جلجلتي ~~تشير نحوي أصابع المتشفين الساخرين، وليس من يد رحيمة تعين وتؤاسي. # وأما متاع موتاي فاستولى عليه أولئك الأباعد، ولو تخلوا عنه لتحكم بي هؤلاء الأقارب الذين ~~عيرتني منهم القحة بصفات انقلبت عندهم عيوبا، وأنكر علي الحسد منهم والخمول حق التمتع ~~بما اشتريته بالجهود والعبرات. # بأي اللهجات أتفاهم والناس، وبأي الروابط أرتبط؟ أأتقيد بلغة جماعتي وهي، على زعمهم، ليست ~~لي ولم توجد لأمثالي؟ أم أكتفي بلغة الغرباء وأنا في نظرهم متهجمة عليها؟ أأصون عادات ~~قديمة يحاربها اليوم الناهضون، أم أقبل الأساليب الحديثة فأكون ms46 لسهام المحافظين ~~هدفا؟ # إذا جاملت العتي توصلا إلى ما لا غنى عنه قالوا عبدة تمرغ جبهتها في التراب وتتزلف، ~~وإذا جعلت لي من المصارحة سلاحا، ومن الأنفة حصنا، سطت علي اليد الحديدية، ومزقتني ~~ألسنة «الإخوان»، وانفض من حولي «المخلصون»؛ لأنهم إنما خلقوا لمساعدة نفوسهم. # فلماذا قدر علي أن أكون ابنة وطن تنقصه شروط الوطنية، فأمسي تلك التي لا وطن لها؟ ~~••• # كل أمة تحدث عن عظمتها وفضلها على المدنية ونبلها في صيانة حقوق الضعفاء، فبأي الأمم ~~أعجب؟ # وكل أمة - دون سواها - تحمي ذمار الحرية، وتذود عن العدل والمساواة والإخاء، فعلى أي الأمم ~~أتكل؟ # وكل دين - دون سواه - احتكر لأتباعه الشرف والفضيلة في الحياة، والسماء والألوهية بعد ~~الممات؛ فأي الأديان أعتنق؟ # وكل حزب يدعي الصدق والعصمة، وكل فرد صائب الرأي يضحي الخير الخاص للخير العام، فأي ~~الأحزاب أصدق؟ وأي الأفراد أتبع؟ # ما سمعت وصف بلاد إلا سعى إليها اشتياقي. # ولا حدثت عن بسالة أمة وسؤددها إلا تمنيتها أمتي. # ولا أصغيت إلى صوت قوم إلا خلته صوت يأسي وأملي. # ولا تبينت عيوب شعب ومفاخره إلا أدركتها صورة مفاخري وعيوبي. # ولا رمت طائفة طائفة بالتعصب والمغالاة إلا وجدت في هذه المغالاة وذاك التعصب. # ولا تخيلت مسافات الأرض وأبعاد الفلك والصحاري والبحار والكواكب والعوالم إلا اهتاجني ~~الحنين إليها كأنها أوطان يردد هواؤها ترنيمة طفولتي، وتنتظرني فيها قلوب الأحباب والخلان. # أما وقوى إعزازي تتوزع باستهتار وجنون، فلماذا تتجمع قوى اكتئابي عميقة مرهفة؛ لأني أنا ~~وحدي في الدنيا، تلك التي لا وطن لها؟ ~~••• # بنسيم وطني امتزج الوحي والنبوءات. # ومع أشعة الشمس فيه انتشرت صور الجمال. # فكانت له حياة وهاجة متلظية وراء مظاهر الجمود والهجران وخيالات الآلهة تسير أبدا فيه ~~متمهلة متأملة. # من القمم والأودية، من الصخور والينابيع، من الأحراج والمروج تتعالى معاني بلادي في ~~الضحى، وعند الشفق تتكامل أرواح الأشياء وتتجمهر كأنها تتداول في إنشاء عوالم ~~جديدة. # أحب عطور تربة الجدود ورائحة الأرض التي دغدغها المحراث منذ حين، أحب الحصى والأعشاب، ~~وقطرات الماء الملتجئة إلى شقوق الأصلاد. ms47 # وأحب الأشجار ذات الظل الوارف؛ أكانت محجوبة في أحشاء الوادي أم أسفرت مشرقة على البحر ~~البعيد. # وأحب الطرق الوعرة المتوارية في قلب الغاب، وتلك المتلوية على أكتاف الجبال كالأفاعي ~~البيضاء، وتلك السبل الطويلة الممتدة الممتدة وكأن الغبار الذهبي منها ينتهي إلى قرص ~~الشمس. # ولكن أيكفي أن نحب شيئا ليصير لنا؟ وهكذا رغم حبي الأفيح أنا في وطني تلك الشريدة ~~الطريدة لا وطن لها. # جربت من الوطنيات صنوفا: وطنية الأفكار والأذواق والميول. # وتلك الوطنية القدسية المثلى: وطنية القلوب. # فوجدت في عالم المعنى ما عرفته في عالم الحس. # إلا بقعة بعيدة تفردت فيها الصور وتسامت المعاني. # ثقفني أبناء وطني، وأدبني أبناء الأوطان الأخرى. # وأسعدني أبناء وطني، وأسعدني الغرباء أيضا. # ولا ميزة لأبناء وطني في أنهم أوسعوني إيلاما. # فقد نالني من الغرباء أذى كثير. # فبأي الأقيسة أقيس أبناء الوطن؟ # ولماذا أكون أنا وحدي تلك التي لا تدري أين وطنها؟ ~~••• # أيها السعداء ذوي الأهل والأوطان، عرفوا لي سعادتكم وأشركوني فيها! # رضيت حينا بأنه ليس للعلم والفلسفة والشعر والفن من وطن. أما اليوم فصرت أعلم أن للعالم ~~والفيلسوف والشاعر والفنان وطنا. صرت أعرف ضعف الإنسان الذي إذا مال إلى النوم والراحة طلب ~~مضجعا ناعما لجسمه المضنى، لا مرجا واسعا يتناوله منه الحر والبرد، ولا بحرا عرمرما ~~تبتلعه منه اللجج. # إني أعبد تفطرك الصامت، أيها الفيلسوف القديم، أنت الذي بعد أن اكتشفت آيات الفكر ~~وعجائبه، أرسلت زفرة كأنها شكوى الدهور فقلت: إنما أريد صديقا لأموت لأجله. # وأنا أجثو الآن خاشعة أمام ذكرك مرددة ما يشبه قولك: إنما أريد وطنا لأموت لأجله أو ~~لأحيا به! # | عند قدمي أبي الهول # الأفق واسع واسع، والليل عميق عميق، وأنوار المساكن وأضواء الشهب في أحشاء الدجى جراح ~~وحروق، وأصوات المدينة تحدث عن أوصاب المدينة جاهلة ما عداها؛ لذلك جئت ناديك أنشد اختلاء ~~وراء تلال فصلت بين عمران البشر الضاج المقيد، وعمرانك المستقل في حضن السكوت غير المتناهي. # تتتالى على البسيطة شعوب ودول تأتي بالأديان والشرائع واللغات والعادات، وتتبارى في محق ~~عمل ms48 الأجيال زلازل وبراكين وصواعق وأوبئة وثورات وزعازع وطوفانات، وأنت هنا رابض أمام أهرام ~~انتصبت في وجه الفضاء تنقض أحكام الفناء، والهياكل تلقي بين يديك حديث الدهر بألفاظ الحجر ~~والصوان، وتعززه بصور الأرباب والملوك والكماة. # وكأن ما نزل بها من العاديات بعض تلك الصور المنيلة خطابها بلاغته وروعته. # ههنا تربض فريدا على وثير الرمال في مملكتك الفيحاء؛ مملكة الكتمان والجلال والإيماء، ~~وعظمة القياصرة حديثة النعمة، ودميمة حيال عظمتك المجردة الرفيعة. والإنسان المتطاول الشغوف ~~بهتك الأستار يدخل أيوان وحدتك السني، ولكنك في غيبوبتك غير منظور لهذه الأشباح الفانية، ~~وغير ملموس لهذه الأيدي الذبابية المتنقلة على مخالبك ومنكبيك تلهيا واستقصاء. # غير أن الإنسان ليس بالمتلهي المستقصي فحسب، بل هو خصوصا الدنف المتألم. يتناوله من ~~الكون قهرا دوار الفواجع والنوائب، فيدرك أن الثبات العام منسوج من الوجل والاضطراب، وأن ~~البقاء الظاهر مصنوع من التغير والتحول. يدرك مأساة الكفاح بين الحرية والقدر، يدرك أن ~~عجاجات القوى تضيع جزافا في شلال الذراري والأنسال الجارف الآلهة والمحاربين والشارعين ~~والقديسين والأنبياء والقتلة والقتلى سواسية. يرى التعاسة على طريق العروش، والصوالجة ~~والتيجان تختلط بقيود المجرمين. يرى الأعراس والجنازات والمواليد والوفيات يتخللها العوز ~~والبطر، والمرض والعافية، والخيانة والأمانة، والدعوى والتطير، والضلال والهدى. وإزاء ما ~~يفطره ويعذب سواه يظل الكون على ما هو، والخلائق والأشياء تتوثب فيه وتتولد كالمياه الرهوة ~~الرجراجة، وكل ما خال منها وشيكا كان نهاية تعقبها بداية، وأنقاضا تستوي عليها الأسس. # وإذ يزفر طالبا للحوادث تفسيرا يقال له: «هذه هي الحياة!» «ما هذا إلا الحياة.» «لا تكون ~~الحياة إلا كذا.» نعم، يا أبا الأهوال الساهي، إزاء الهبة والحرمان، والوفاء والغدر، والبياض ~~والسواد، والفخار والمذلة، والغلبة والاندحار، إزاء كل مسرة وكل توجع، التفسير واحد لا ~~يتغير! إننا نفسر الحياة بالحياة، ونداوي داء الحياة بمصل الحياة، ونهرب من الحياة لنجدنا ~~والحياة وجها لوجه. ~~••• # وأنا صورة من ملايين صور الحياة نهضت أتفهم الحياة كما نهض جميع أولئك المساكين. وكما ~~وقفت قديما على طريق طيبة تلقي الأسئلة على العابرين، وقفت أسأل أبناء ms49 السبيل عن معنى ~~الحياة، فقال أحدهم: «هي صدر الأم.» # فالتصقت بصدر أمي فإذا أنا منه في عش دفء وحرارة، وحصن مناعة وأمان، لا ترعبني الرياح ~~العاصفة، والرعود الداوية، والبروق الملعلعة، والسيول المتدفقة. ومر يوم، فضاق بي صدر أمي، وعدت ~~إلى موقفي أسأل: «ما هي الحياة؟» # فأجاب مجيب: «هي الدين والتقوى.» # فبادرت أمرغ جبهتي على عتبة المذبح مخفية أداة التقشف والإماتة تحت مزركش الأثواب، وأقرع ~~صدري مستغفرة عن آثام لم أرتكبها، وذنوب لم تخطر على بالي، فناجتني الصور الصامتة في أطرها، ~~وهمست لي الصلبان بنكال الحربة والمسامير. فمر يوم، وصدر الهيكل الذي كان لينا عطوفا ~~انقلب كالمرمر صلابة وبرودة، وصارت الطقوس الدينية ترتيبا مسرحيا، وأرواح البخور التي ~~كانت تنزل علي فيض الوحي والإلهام غدت مزعجة كعطور تنشرها ذوات الذوق الكثيف، فعدت إلى ~~مكاني من السبيل سائلة: «ما هي الحياة؟» # فقال صوت الغرور: «وهل هي للفتاة غير التيه والدلال والتظرف؟» # فمضيت أساجل مرآتي فتعشقت صورتي فيها، ولم أكن أفارق تلك الصورة إلا لأبحث عما يزينها ~~ويجملها، وكان يبكيني مشهد الباكين، فأصبحت وقد تذوقت لذة اللهو واللعب في نسل خيوط القلوب. ~~ومر يوم، فأطل شبح الملل في عيني، فعدت أسأل أبناء السبيل: «ما هي الحياة؟» # فعلا صوت الحضارة في صفير البخار وجلبة الآلات وقال: «هي الثروة، والجاه العالمي، وأبهة ~~العمران.» # فعدوت في سبيل هذه، سوى أني لم أصرف ساعة حتى تحجر كياني، فعدت والضجر يقتلني أسأل: «ما ~~هي الحياة؟» # سألت طويلا وبكيت غزيرا، وقنطت حتى طلبت الموت فانبثقت صورة من غور عنائي. لم تتكلم ~~وإنما فهمت أن الحياة عندها. أرأيت، يا أبا الهول، النجوم راقصة؟ بلحظة تململ ثابت النواميس ~~فرقصت جميع النجوم حولي، وخشعت الكائنات سجودا لدى من هو شفيعها عند ذي الجبروت، وتناقلت ~~الموجودات صورة وجه واحد، أو فخرت بنسخ خط من خطوطه، وانتحال معنى من معانيه، واستحدثت ~~جميع الأشرقة نورها من تألق عينين اثنتين، وصارت زرقة الجو، وبهجة الربيع، وطلاوة الأمواج ~~انعكاسا مبهما ضئيلا لتلك البسمة؛ تلك البسمة البطيئة الرقيقة النادرة، ms50 واستدعتني ~~الألوهية إلى عرشها، فوضعت يدي ويد الباري على لولب الوجود، وقمت وإياه بإدارة حركة الأكوان. ~~فمر يوم، فقمعت ثورة النجوم وقدمت خضوعها للنظام الأوحد، وعادت لكل كائن أهميته في الخليقة، ~~فرجعت أسأل العابرين: «ما هي الحياة؟» # فقال صوت العلم الرزين: «أنا الحياة؛ لأني أشرح الحياة.» # فألقيت بنفسي في الخضم الزاخر أعالج العلم المادي تارة، والفلسفة الروحانية أخرى. كم من ~~علم خلقنا، أيها المليك، لنبحث عما لا يعلم، وكم من لغة أبدعنا لنشرح ما لا يشرح! فهداني ~~الجهابذة إلى القوة التي يتم بها التفاعل الكوني بين الأجرام، فلا تتفلت من عناقها شمس ولا ~~ذرة: الجاذبية، فسألت: وما هي هذه الجاذبية؟ من رآها؟ من سمعها؟ من لمسها؟ أهي وسيط ينتقل ~~على تموج الأثير، أم هي سيال يتموج بنفسه مستقلا عن العناصر؟ فأجابوا: «ذاك سر الحياة، وهو ~~مجهول.» # الحياة! مجهول! لفظتان تمثلان الانفصال والاتحاد جميعا. # هذه الرمال التي تفرش ربوعك بطنافس ناعمة منذ أربعة آلاف سنة، يا حارس الصحراء، منذ ~~أربعة آلاف سنة والعلم يقلب الذرة الواحدة منها ويديرها، ويقسمها ويجزئ تقسيمها. لقد ~~نحرها بحثا ودرسا وتحليلا متلمسا علة تركيبها، واللغز المتواري وراء محلها، فسارت جهوده ~~من مجهول إلى مجهول، ومن استفهام إلى استفهام، وما زال مثلي أنا الطفلة الغريرة يسأل: «ما هي ~~الحياة؟ ما هي الحياة؟» # كذلك طال استجوابي للسابلة، فضحك كثيرون ومضوا؛ لأنهم لم يفهموا، والقليلون الذين وقفوا ~~وأجابوا أرهفوا في اللجاجة والحرقة والأسى. ~~••• # يا وليد بابل أم السحر والتعاويذ، إلى أي حقيقة رمز بك الرامزون؟ ولماذا جعلوا بين كفيك ~~درجات خفية تفضي إلى سرداب امتد وتاه في مجاهل الأهرام؟ ولماذا أودعوا قلبك مفتاح باب الغيب ~~حيث كان العرافون يستمعون للآلهة الهواتف؟ ولماذا لا يعرف موضع أصغرك إلا جوف منك سوى شفتيك ~~المطبقتين على كر الأعقاب؟ # تفتر شفتاك دون كشف وإعلان، أتأكيد هذه البسمة أم إيهام؟ أإشفاق على دماء المفاداة وقد ~~أذيبت فيها الأوحال، أم لأن ما هو كائن أقلص من ظل حصاة حيال ما سيكون؟ # هذا نيلك رضاب الطبيعة ms51 المحيي عبد من منبعه إلى مصبه لما يظهره من أريحية ووفاء. أتدرك ~~معنى احمراره الصيفي ومعنى خصبه؟ أتفهم معنى شكل هندسي تجلب به أهرامك الخالدة؟ أنت الذي ~~نحتك الكلدان قبل أن يرسموا دائرة البروج، أتعلم ما إذا كانت هذه الأهرام منائر للصحراء، أم ~~مدافن للفراعنة، أم حصون دفاع، أم مستودعات كنوز، أم مجتمع عشاق، أم محفلا فيه يدين ~~أوزريس موتاه؟ أتعلم لماذا أدرجت أوراق البردي وأسرارها الهيروغليفية طي الأكفان مع ~~الموميات في التوابيت والنواويس؟ أتعرف معنى سوسن الماء وزهرات عرائس النيل العائمة على ~~النهر المقدس؟ نحن الجهلاء نعلم أن جميع هذه إنما هي رموز إلى الحياة المتحكمة فينا. وأنت، ~~ألم يبق لك ما يكتسب ها هنا لتحول نظرك وتسكت سكوتا لا ينتهي؟ # أم أنت لا ترقب هناك سوى ما نرقب؟ أترصد حركة الأصبع الموجه الإبرة الممغنطة نحو الشمال ~~تجر بعدها النظم الشمسية وهيئات الكواكب؟ أم تستعرض مواكب الأنوار والظلمات، وجيوش ~~الثوابت والسيارات، وجحافل الأمكنة والأزمنة، أم أنت تتهجأ اسم الحياة يخطه قلم النواميس ~~بحروف الشموس والمذنبات والسدم والعوالم؟ أم يذهلك تدفق الفيض الإلهي من وراء حجب الوجود ~~ليتكون أثيرا وهواء ونارا وماء وهيولى؟ # نحن مثلك نترقب ونتوقع، ونتوقع ونترقب، فهل تعلم ما هذا الذي ننتظره وتنتظره الآفاق ~~المنحنية علينا؟ لقد سجنا في حالك الظلمات تخترقها خيوط النور حينا بعد حين، فنهب ~~نحسبها مقدمة لتحقيق الرجية، وما هي غير السراب الخداع، فيزيد الظلام حلكا، ونلبث في ~~الانتظار مترددين. # لقد دفن نصفك في الرمال المغيرة على علاك وما زلت ترقب الشرق وتبتسم، ونحن تغزونا ~~الكوارث، وتفتك بنا الدواهي، فنظل نترقب ونرجو. # أصحيح أن لغزك لغز الدهور، أم خلقك الإنسان رمزا له كما خلق آلهته على صورته ومثاله؟ لقد ~~أعطاك من الثور الخاصرتين؛ مكمن الغريزة الجوفية الرامزة إلى السكوت، ومن الأسد براثن التحمس ~~والاستماتة الرامزة إلى الجرأة، ومن النسر الجناحين المحلقين في بعيد المدى، الرامزين إلى ~~المعرفة، ومنه - من إنسانيته - أعطاك الرأس، مشيرا إلى التبصر والإرادة المدركة المتغلبة ~~على الغريزة والانفعال والخيال. فكيف ms52 يحصر فيك جميع هذه النزعات التي تتجاذبه ، ولا يضيف ~~إليها ما بقي؟ لماذا لا يكون ابتسامك الدائم صورة الأمل المتجدد أبدا فيه؟ أليس إنه مثلك ~~لأنك مثله؟ أليس إن في أعماقه أبا هول شاخصا أبدا في السموات العلى، كما ظفر بفجر وشروق ~~لبث يتوقع بزوغ كوكب جديد، وشروق شمس ساطعة؟ ms53