######OpenITI# #META# URI: 1360SalihSuwaysiQayrawani.DalilQayrawan.Hindawi75730863 #META# Tags: history #META# ID: 75730863 #META# Title: دليل القيروان #META# AuthorID: 82405281 #META# Author: صالح سويسي القيرواني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقديم الدليل‏ # كلمة لملخص الكتاب‏ # القيروان‏ # بيان أول من نزل القيروان من قواد جيش الصحابة رضي الله عنهم‏ # بيان المعاهد الدينية والمعالم والمقامات الشهيرة‏ # مشاهير عظماء‏ # النشيد الوطني‏ # كلمة الختام‏ # تقديم الدليل‏ # كلمة لملخص الكتاب‏ # القيروان‏ # بيان أول من نزل القيروان من قواد جيش الصحابة رضي الله عنهم‏ # بيان المعاهد الدينية والمعالم والمقامات الشهيرة‏ # مشاهير عظماء‏ # النشيد الوطني‏ # كلمة الختام‏ # | دليل القيروان # | دليل القيروان # تأليف # صالح سويسي القيرواني # | تقديم الدليل # أقدم هذا الدليل إلى صديقي الجليل الكاتب البليغ السيد محمد بن الأمين ~~الخلصي: # أمحمد يا ابن الأمين ومن له # في القلب ود راسخ التمكين # إني علمت بما لكم من غيرة # وحماسة عن أهل هذا الدين # ورأيت أنك في وفايك مفرد # وبحسن حفظ العهد قد تحييني # ويراعكم في القطر أصبح شاهدا # عن صدق نصح للعباد ثمين # فلذا أقدم ذا الدليل إليكم # ليحوز باسمك غاية التحسين # | كلمة لملخص الكتاب # لا يخفى أن مدينة القيروان كانت فلكا سعيدا مزانا بشموس الصحابة، وبدور التابعين، ~~ونجوم العلماء، ولا نحتاج في ذلك إلى إقامة دليل؛ لأن التاريخ يعيد نفسه، وقد تفد الزوار ~~إلى هاته المدينة الأثرية من كل مكان؛ لمشاهدة آثارها الإسلامية التي تنادي أبناء الإسلام ~~في هذا العصر بلسان الاعتبار، نحن من أثر رجال العزم والحزم والفتح والاستعمار، فما لهم ~~عمروا وخربتم! واجتمعوا وتفرقتم! ودونوا العلوم وجهلتم! ورفعوا المظالم وظلمتم! فما أصدق قول ~~الله في حالهم وحالكم لو تدبرتم: # تلك أمة قد خلت لها ~~ما كسبت ولكم ما كسبتم ~~. # وحيث إن الزائرين الكرام إلى هاته ~~المدينة المشرفة في احتياج إلى معرفة تاريخ البعض من معالمها وآثارها، ويسرهم أن يطلعوا على ~~نبذة مفيدة من تاريخ قدوم البعض من مشاهير رجال الفتح من الصحابة العظام إلى القيروان؛ ~~كعقبة بن نافع، وأبي زمعة البلوي صاحب المقام المشهور بها، وتاريخ بناء الجامع الأعظم ~~والزاوية الصحابية، ومختصر تراجم البعض من رجال العلم؛ كسحنون وغيره من الأفراد المشاهير ~~الذين لا زالت مقاماتهم وأضرحتهم مشهورة تزار إلى الآن؛ لخصت ما عثرت عليه ms01 من التواريخ الصحيحة الثابتة، وجمعته في هذا السفر الصغير؛ ليكون ~~دليلا كافيا إلى كل زائر كريم، أودعت فيه نبذا من تاريخ المعالم والآثار، وتراجم البعض ~~من عظماء النابغين ورجال العلم وحماة الدين؛ ليتنفح الإنسان بزيارتهم، ويقتدي بأعمالهم، ~~وقد سلكت في ذلك طريقة الإيجاز المفيد، ولا يحمل هذا الكتاب الصغير الإنسان تعبا، بل يوضع ~~في الجيب تيمنا وتخفيفا. # ولا أبعد عن الحقيقة إذا قلت إن هذا الدليل لا يستغني عنه ~~ابن القيروان وغيره؛ لأن غالب أهل هاته المدينة لا يعرفون شيئا من تاريخ آثار أسلافهم، ~~وتراجم مشاهير علماء مدينتهم؛ لأن مطولات التاريخ الكبير تستدعي لمطالعتها زمنا طويلا، ~~قد لا تمكن الإنسان من الحصول على الغاية المطلوبة، أما الآن فلا عذر لمن يجهل تاريخ هاته ~~المدينة الإجمالي، وبين يديه هذا الدليل الصغير المختصر المفيد - وأرجو الصفح وبسط العذر ~~على عدم ترتيبه وتبويبه؛ لأني لخصته بسرعة زمنية، حيث إن حوادث الزمان كثيرة، ومرحلة ~~العمر قصيرة الأمد، وختمته بالنشيد الوطني الذي نظمته بقصد تلامذة المدارس ينشدونه في ~~احتفالات امتحانات مكاتبهم، ولكي يكون لهم إلمام بإجمال تاريخ القيروان عند مطالعة هذا ~~الدليل - وألتمس من المطلع عليه أن يدعو لجامعه في محلات الزيارة بالرحمة والمغفرة، إنه ~~سميع مجيب. # صالح سويسي الشريف القيرواني # | القيروان # سماها بهذا الاسم عقبة بن نافع الصحابي الشهير، عندما اختطها سنة 50ه، كما سيأتي ذلك ~~في محله، وكانت قبل الفتح أرض نبات غير مأهولة، ولفظ القيروان في اللغة: موضع القافلة، ~~وقيل: الجيش، والمعنى متقارب. # | بيان أول من نزل القيروان من قواد جيش الصحابة رضي الله عنهم # (1) عبد الله بن أبي سرح القرشي العامري # قدم القيروان بجيشه سنة 27ه في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنهما. ~~(2) معاوية بن حديج السكوني # دخل القيروان بجيشه سنة 34ه في خلافة عثمان أيضا، وهو الذي احتفر الآبار المسمات ~~بآبار حديج خارج باب تونس، منحرفة عنه إلى الشرقي عند مصلى الجنائز، وقد ~~اندثرت. ~~(3) عقبة بن ثابت الأنصاري # دخل القيروان بجيشه سنة 47ه، ولم يعرف له أثر بها. ~~(4) عقبة ms02 بن نافع الفهري # دخل القيروان بجيشه الجرار سنة 50ه، وفيها اختط القيروان وجامعها الأعظم، وهذا ~~القائد العظيم هو الذي فتح إفريقية في خلافة معاوية بن أبي سفيان، ودوخ جيش الروم، ~~ولما بلغ البحر المحيط بعد انتهاء الفتح، دخل فيه بفرسه حتى بلغ الماء صدره، ثم رفع ~~يديه إلى السماء وقال: اللهم اشهد أني قد بلغت المجهود، ولولا هذا البحر لذهبت في ~~البلاد أقاتل في سبيلك حتى لا يعبد أحد من دونك. ثم انصرف، واستشهد بالزاب من عمالة ~~قسنطينة قرب بلد بسكرة؛ وذلك سنة 62ه، وقبره مشهور، رضي الله عنه. # | بيان المعاهد الدينية والمعالم والمقامات الشهيرة # (1) مسجد الأنصار # اختطه رويفع بن ثابت الأنصاري صاحب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # سنة 47ه قبل أن تخطط ~~القيروان وجامعها الأعظم، والموقع الذي به هذا المسجد يسمى بمحرس الأنصار، وهو ~~بالمكان المسمى الآن بحومة الشرفاء، معروف مشهور إلى الآن. ~~(2) الجامع الأعظم # أول من اختطه عقبة بن نافع رضي الله عنه لما قدم القيروان سنة 50ه، بناه بناء ~~بسيطا، وما زال أثر البناء القديم موجودا إلى الآن يشاهد من خلف ثقب ~~المحراب. ~~(3) أول من جدد بناء الجامع # أول من جدد بناءه: حسان بن نعمان الغساني الذي وجهه عبد الملك بن مروان أميرا ~~على إفريقية سنة 79ه، وهو أول من دخل إفريقية من أهل الشام، وتاريخ تجديده لبناء ~~الجامع سنة 84ه. ~~(4) تجديد الجامع على الهيئة المشاهدة الآن # جدده على الصفة الموجودة الآن زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب سنة 203ه، وكان هذا ~~الأمير جميل الصورة يميل في ابتداء أمره إلى الملاهي، فنظر إلى وجهه في المرآة وهو ~~بحالة سكر فتكلم بكلمة كفر، فلما أفاق بكى وندم، فجمع فقهاء القيروان وأعلمهم بذلك، ~~وسألهم هل من توبة، فكلهم صعب عليه الأمر إلا محمد بن يحيى بن سلام، قال له: إن كنت ~~اعتقدت ما تكلمت به فهو عند الله عظيم، وإن لم تعتقده فالتوبة مبسوطة، فتب إلى الله ~~تعالى وتقرب له بالصدقة. فتاب وقال له: جوزيت خيرا؛ لأنك لم ms03 تؤيسني من رحمة الله. # وهكذا كان علماء السلف لا يسلكون طريق الشدة في الدين، وبذلك ترجع الناس إلى ~~اليقين، فأقلع الأمير عن المعاصي وهجر الخمرة، وجدد بناء الجامع الأعظم على صفته ~~الآن. وقد كان قبل توبته جلب القراميد من اليمن لبناء مجلس للهو، وجلبت له من بغداد ~~أخشاب الساج التي لا يعمل فيها السوس بقصد صنع عيدان وآلات الطرب، فلما تاب إلى ~~الله تعالى، جعل تلك القراميد في وجه محراب الجامع، وصنع من أخشاب الساج منبر ~~الجامع، وهو ذلك المنبر العجيب الموجود الآن، وقد قومه أحد سواح الإفرنج العارفين ~~بأهمية الآثار بمليون من الفرنكات، وهو مركب من عدة قطع، كل قطعة منقوشة بنقش ~~عجيب لا يشبه غيرها من القطع. # وقد تولى زيادة الله إمارة إفريقية وهو ابن عشرين ~~سنة، وتوفي سنة 233ه، وقبره اندثر ولم يعرف الآن، وسبب موته أنه خرجت له في يده ~~الشمال قرحة قتلته وهو ابن ثمان وعشرين سنة. # أما السياج المدار على البيت المسمى ~~بمصلى الملوك؛ فقد صنع في إمارة المعز بن باديس الصنهاجي سنة 449ه، بأمر منه، وهو ~~منقوش بنقش جميل، وعليه كتابة بالخط الكوفي الجميل، ويوجد بيت كان يجلس فيه أيمة ~~الجامع منهم سحنون، وله باب من جهة حومة المطمر يدخل منه الإمام. ويوجد في هذا ~~البيت آثار حربية، وهي بقية درع وقطعة من قوس وخوذ نحاسية، يزعمون أنها من آثار ~~الصحابة، والمظنون أنها من الغنائم التي غنمها جيش الإسلام في الفتوحات القريبة. ~~ويوجد بالبيت أيضا عكازة الإمام سحنون التي كان يخطب بها. # ويوجد به أيضا مكتبة ~~عتيقة، تلف غالبها من عدم اعتنائنا بالمحافظة على آثار أسلافنا، وتلك مصيبة من أعظم ~~المصائب التي حلت بالمسلمين. ولم يبق من آثار هاته المكتبة النفيسة إلا أوراق من ~~كتب جليلة في علوم متنوعة، ومصاحف جميلة، منها مصحف مكتوب بالذهب على الرق الأزرق ~~بالخط الكوفي الجميل، وليس له بداية ولا نهاية، وهو من النفائس التي يعز وجودها، ~~ويوجد مصحف آخر مكتوب بالخط الكوفي أيضا، حبسته على الجامع حاضنة ms04 المعز بن باديس، ~~واسمها مكتوب في آخر المصحف مع تاريخ التحبيس، وقد اعتنى جناب الكاتب العام السيد ~~روا بهاته المكتبة، فرتبها ترتيبا جميلا يشكر عليه الشكر الجزيل، وجعل لتلك الكتب ~~والأوراق غلافات محكمة، ونمر ودفتر رتبت به نمر غلافات الكتب والأوراق مع بيان ~~أسمائها؛ لكيلا يعسر الأمر على المطالع، ولتحفظ بقية المكتبة من التلاشي، وفقنا ~~الله إلى إصلاح حالنا وحفظ آثار أسلافنا بمنه وكرمه. ~~(5) جامع الزيتونة بالقيروان # أسسه إسماعيل بن عبيد الأنصاري سنة 71ه، وهو العالم التابعي المعروف بتاجر الله، من ~~أحد العشرة التابعين الذين بعثهم عمر بن عبد العزيز يفقهون أهل إفريقية، سكن ~~القيروان، وانتفع به خلق كثير من أهلها وغيرهم، وكان يدرس العلم ويصلي بالمسجد ~~المذكور، وسمي تاجر الله؛ لأنه جعل ثلث كسبه لله عز وجل. # من آثاره في الكرم ~~أن خياطا كان له بنات وليس يقوم به عمله إلا عن جهد، فلما كان ليلة عيد الفطر ~~دخل على بناته فوجدهن في الظلام وليس في البيت شيء يرد يده إليه، فخرج من بيته ~~حزينا هائما أن يرى بناته يوم عيد منكسرات قلوبهن بين أترابهن من بنات الجيران، ~~وسولت له نفسه الخروج من القيروان حتى ينقضي العيد، فمر بمسجد إسماعيل تاجر الله، ~~وقد حضرت صلاة العشاء الآخرة، فصلى معهم، فلما انصرف الناس ولم يبق بالمسجد إلا ~~الرجل. رآه إسماعيل فعلم أن له قصة، فمضى إلى داره وبعث إليه فسأله عن قصته ~~فأخبره، فتوجد إسماعيل لذلك وبكى، وقال: كم عندك من البنات؟ قال: خمس. فصاح إسماعيل ~~بأمهات أولاده وقال: ايتوني بحلي بناتكن وما صنعتن لهن في هذا العيد من الثياب ~~والزينة والحناء والطيب. فأتين بجميع ذلك، ثم قال لهن: ايتوني بمائدة الطعام. فأتوا ~~بها وفيها أنواع الأطعمة وأصناف الحلواء، فدفع ذلك كله للخياط، وسلم له دنانير ~~كثيرة، ثم قال له: اكس بناتك هذه الثياب، وجملهن بهذا الحلي، وطيبهن بهذا الطيب، ~~وكل معهن من هذه المائدة، ووسع على نفسك وعليهن من هذه الدنانير؛ فقد وهبت لك جميع ~~ذلك لله. # ثم أمر ms05 عبيده فحملوا جميع ذلك إلى داره، فضرب الباب عليهن ففتحنه، فوجدهن ~~في الظلام على حالهن، فأدخل العبيد جميع ذلك إلى داره وذهبوا، ففرح البنات بذلك، ~~وكان في داره سرور كبير، ولبس بناته الثياب الجميلة والحلي النفيسة، واجتمعن حول ~~المائدة، وكان إسماعيل يلبس جبة صوف وكساء صوف وقلنسوة صوف، ولم يزل مقيما ~~بالقيروان إلى أن حضرته نية الجهاد، فخرج في مركب متطوعا في غزاة عبد الله بن رافع ~~صقلية من بلاد الطليان، فغرق في البحر فمات وهو معانق للمصحف؛ وذلك سنة 107ه رضي ~~الله عنه، وهذا الجامع خارج باب الجديد مشهور. ~~(6) مسجد أبي ميسرة # بناه أحد التابعين على رأس المائة الأولى، ونسب إلى أبي ميسرة الفقيه أحمد بن ~~بزار الزاهد؛ لأنه كان إمامه، وكان عالما جليلا يختم القرآن كل ليلة بمسجده، ~~معروف بالكرم الجم؛ حتى إنه يجعل مائدة طعامه خلف باب داره ليكون قريبا من ~~السائل، توفي سنة 337ه، ودفن بمقبرة الجناح الأخضر قرب قبر شقران، وهي المقبرة ~~التي كانت تسمى في القديم بمقبرة باب سلم، رضي الله عنه، وهذا الجامع أمام باب ~~تونس القديم من الداخل. ~~(7) أبو زمعة البلوي ومقامه # البلوي نسبة لبلي؛ قبيلة من قضاعة، واسمه عبد الله بن آدم، قدم القيروان مع جيش ~~الصحابة الذي تحت قيادة معاوية بن حديج السكوني الكندي. وكان من جملة رجال معاوية ~~في غزوته عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، وجبلة بن عمر الساعدي، ~~وأبو زمعة البلوي؛ وذلك في خلافة عثمان بن عفان، رضي الله عنهم. # شهد أبو زمعة بيعة ~~الرضوان، وبايع رسول الله عليه السلام تحت الشجرة، وشهد فتح مصر وغزا إفريقية مع ~~حديج، ودفن معه قلنسوته فيها شعر الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وتوفي بجلولة؛ وهو مكان يبعد عن ~~القيروان بنحو ثلاثين ميلا، ونقل إلى القيروان في مشهد عظيم، ودفن بها سنة 34ه، وقد ~~كان قبره بحوطة بسيطة، فأسس القبة وصحن الحرم حمودة باشا بن مراد سنة 1085ه، ثم بنى ~~قبة الهواء والمدرسة والصومعة، والعلوي محمد بن ms06 مراد المشهور بصاحب الخيرات سنة ~~1094ه. # وقد حبس الشريف بن هندة جميع ما يملك على الزاوية البلوية، وهو المدفون ~~بالبيت الذي بصحن الحرم على يسار الداخل، وكان وكيلا على وقف الزاوية، وأصله من ~~الهند، مشهور بالصلاح والتقوى، ولم أعثر على تاريخ وفاته. وللزاوية البلوية أحباس ~~كثيرة، لو صرفت في وجوه الخير لأفادت فائدة عظيمة. وأسست منها تكية للعواجز أو ملجأ ~~للأيتام، ولكن قضى الله على المسلمين بموت الشعور وفقد الإحساس، فتلاشت الأحباس، ~~وذهب الناس، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ~~(8) أبو حنش الصنعاني التابعي: دفين المقبرة البلوية # هو حنش بن عبد الله السبئي الصنعاني، ولد بصنعاء اليمن، وهو من علماء التابعين ~~المشاهير، كان يروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وعبد الله بن عمر، وابن ~~عباس ورويفع بن ثابت، رضي الله عنهم، وروى عنه الحارث بن يزيد، وعبد الرحمن بن ~~أنعم، وقيس بن الحجاج، وغيرهم من كبار العلماء. شهد غزو الأندلس مع موسى بن نصير، ~~وهو الذي فتح جزيرة بني شريك، وهو العمل المعبر عنه الآن بوطن الجزيرة بعمل تونس، ~~ثم سكن القيروان، واختط بها دارا ومسجدا اندثرا وعفت رسومها. # قال عبد الله بن ~~وهب: كان حنش إذا فرغ من عشائه وحوائجه وأراد الصلاة من الليل، أوقد المصباح وقدم ~~المصحف وإناء فيه ماء، فإذا وجد النعاس استنشق الماء بعد طلق السلام. وكان كثير ~~الصدقة لا يرد سائلا، فإذا وقف السائل ببابه لم يزل يصيح بأهله: «أطعموا السائل، ~~أطعموا السائل» حتى يطعم. توفي بالقيروان سنة 100ه، وضريحه بالمقبرة البلوية بجوار ~~الزاوية الصحابية مشهور يزار، رضي الله عنه. ~~(9) فسقية الأغالبة # أسسها أبو إبراهيم أحمد بن الأغلب سنة 248، وكان يجلب إليها الماء على حناية من ~~صبيطلة، وكانت منتزها في المصيف لأمراء البيت الأغلبي، وكان بها مقعد مقام على ~~أعمدة بوسطها يجلس عليه أحد عشر نفرا من عائلة إبراهيم بن الأغلب، وكانت محاطة ~~بالرياض والأشجار الباسقة، وبها زوارق بديعة يصلون بها إلى المقعد، وقد بقيت ~~أسطوانات المقعد إلى الآن. وهاته ms07 الفسقية بجوار مقبرة الحطبية خارج باب تونس ~~مشهورة، يقصدها الزوار لجمال هيئتها وحسن موقعها، فسبحان مالك الملك ذي الجلال ~~والإكرام . ~~(10) سور القيروان القديم # أسسه ابن الأشعب سنة 144ه، وهذا المؤسس له هو أول عامل أرسل إلى إفريقية من قبل ~~أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي، جعل عرض السور إذ ذاك عشرة أذرع، أما قيس طوله ~~لم أعثر عليه في التاريخ. # أول من جدد السور # جدده المعز بن باديس أحد ملوك الصنهاجيين سنة 444ه، وجعل طوله أحد عشر ميلا، ~~وكانت له أبواب كثيرة. # تجديد السور على الهيئة المشاهدة الآن # جدده علي بن حسين باشا سنة 1185ه مع جملة أبواب المدينة، عليه حبس عظيم، ~~وغالبه خرب، فيا للعجب! ~~(11) باب الجلادين القديم # جدده علي بن حسين المذكور مع تجديد السور سنة 1185ه كما قدمنا، وعلى الباب لوح ~~رخام نقشت فيه الأبيات الآتية، وفيها تاريخ تجديده في المصراع الأخير، ~~ونصها: # سور المدينة فاق بالتحسين # والباب منه كغرة بجبين # فانظره وادع لمن سعى له في # تجديده بالنصر والتمكين # نجل الحسين علي باشا من له # عزمات مأمون وعز أمين # كثرت مزاياه فحساب لها # عجزت عن الإحصاء والتبيين # حث الخطى لنرى الكمال مؤرخا # فالحسن خط بباب الجلادين # 1185ه ~~(12) باب تونس القديم # جدده علي بن حسين باشا المذكور سنة 1185ه أيضا، ومكتوب فوقه على لوح رخام الأبيات ~~الآتية، وبها تاريخ التجديد في النصف الأخير، ونصها: # هذا الذي بسمو منشئه سما # وبحسن طلعته النهار تبسما # ما للبلاد الباب إلا هكذا # حصن وحسن فاق كل منهما # فابن الحسين علي باشا أظهرت # عزماته سورا يسرك كلما # ودعا لأبواب المدينة بهجة # فأتت مجيبته بوجه الانتما # يا داخلا للقيروان مؤرخا # من باب تونس جز مصانا في الحمى # 1185ه ~~(13) بئر أوطة # أسسه عبد الله بن أبي سرح القرشي العامري سنة 27ه، أما القبة التي عليه والأحواض ~~التي تسقى منها الدواب بناها محمد باشا بن مراد المشهور بصاحب الخيرات سنة 1094ه، ~~وحبس عليه حبسا عظيما، وقد حفر هذا البئر عبد الله بن أبي سرح الصحابي الجليل ms08 ~~بقصد سقي دواب جيش الفتح، الذي تولى قيادته في السنة المذكورة رضي الله عنهم، ~~وهذا البئر بحلفاوين القيروان مشهور إلى الآن. ~~(14) سوقا الربع والعطارين القديمان # أسسهما محمد بن مراد أحد أمراء المراديين سنة 1094ه، ورفع فوقهما جامع الباي نسبة ~~إليه، وهو جامع خطبة حنفي عامر إلى الآن، وعليه حبس قائم به، وهذان السوقان على ~~يمين الداخل من سوق السكاجين، وقد كسد سوق التجارة بأحدهما، وهو سوق العطارين، ولا ~~يمكن إحياء تجارته إلا إذا فتحت له «عقبة» بوسطه تنفذ إلى سوق الربع المجاور له؛ ~~لأن ذلك السوق رائجة به تجارة الزربية وأقمشة الصوف «اللفة»، وبذلك يحيى هذا ~~السوق، ولا يكلف الأمر جمعية الأوقاف تعبا غير فتح النافذة المذكورة فتروج بضاعة ~~السوق، ويتوفر دخل الوقف من كراء الدكاكين، التي أكثرها مغلق بدون كراء لسبب كساد ~~تجارة السوق المذكور. وفق الله جمعية الأوقاف إلى إصلاح البلاد والعباد بمنه ~~وكرمه. ~~(15) سوق السكاجين وسوقا البلاغجية الأسفل والأعلى # أسس الأسواق المذكورة قاسم بن عمر الصيد القيرواني من فواضل أوقاف الزاوية ~~الصحابية؛ لأنه كان وكيلا على وقفها؛ وذلك في أواخر القرن الثاني عشر. ~~(16) سوقا الربع والعطارين الصغيران # وهما اللذان على يسار الداخل من السكاجين، بناهما قاسم بن عمر الصيد المذكور من ~~فواضل أوقاف الزاوية الصحابية مع الأسواق التي تقدم ذكرها؛ وذلك في أواخر القرن ~~الثاني عشر من الهجرة. ~~(17) سوق البلاغجية القديم الذي به المواجن # أسسه علي بن حسين باي سنة، وحبست دكاكينه على المدرسة الحسينية نسبة إلى علي بن ~~حسين باي المذكور، وهاته المدرسة محاذية لأحد أبواب السوق، يسكنها الغرباء ~~والفقراء، وقد كسدت بضاعة هذا السوق، وغالب دكاكينه مقفلة بدون كراء، ولئن سوغت ~~فإن الدكان الواحد لا يتجاوز العشرة فرنك لمدة العام، ولو رزق الله جمعة الأوقاف ~~التبصر لجعلت هذا السوق لبيع الخضر بعد إصلاحه وتهذيبه؛ لأن غالبه خرب، ولا شك ~~أن رجال الأوقاف لو طلبوا من الدولة الإذن في جعل هذا السوق العظيم لبيع الخضر ~~لأذنت بذلك؛ لأن القيروان في احتياج إلى سوق مهذب تباع فيه ms09 الخضر كسوق الحاضرة ~~وسوسة، وبذلك يحيا هذا السوق ويرتفع كراء دكاكينه وينمو دخل الأوقاف، ولكن من لنا ~~برجال كرجال السلف لا ينامون عن المصالح، ويؤسسون البناءات التي تستلفت نظر ~~المعتبر ، وقد خرب غالبها في هذا العصر الذي حافظت فيه الأمم الأوربية على آثار ~~بلادها، واعتنت بالأماكن العتيقة اعتناء أسلافنا بها، ونحن في سبات عميق وغفلة ~~استحكمت، فإنا لله وإنا إليه راجعون. # | مشاهير عظماء # (1) مقبرة الجناح الأخضر # زينب الخالصية حفيدة عمر بن الخطاب رضي الله عنه # توفيت بالقيروان لما قدم أبوها عبد الله بن عمر بن الخطاب في الجيش الذي تحت ~~قيادة معاوية بن حديج؛ وذلك سنة 34ه، وهي السنة التي مات فيها أبو زمعة البلوي ~~كما قدمنا، ودفنت بمقبرة باب سلم، وهي المسمات الآن بمقبرة الجناح الأخضر، ~~وقبرها مشهور يزار، رضي الله تعالى عنها. # شقران الهمداني # هو علي شقران بن علي الهمداني نسبة إلى همدان، كان أستاذ ذي النون المصري، ~~روى عنه سحنون، وكان كفيف البصر مواخيا للبهلول بن راشد، قدم ذو النون المصري ~~القيروان لزيارة شقران، وكان شقران لا يخرج من داره إلا يوم الجمعة، فلما خرج ~~قال له ذو النون: قد جئت من بلد بعيد أطلب الموعظة، فقال له شقران: «كل من ~~كد يمينك، فيما عرق فيه جبينك، ولا تأكل بدينك؛ فإن ضعف يقينك، فاسأل الله ~~يعنك، ولا تشتك من يرحمك إلى من لا يرحمك.» توفي شقران رضي الله عنه سنة ~~186ه، وقد أناف على السبعين، ودفن بباب سلم بالمقبرة المسمات الآن بالجناح ~~الأخضر، وبجوار قبره سبعون عالما؛ منهم: أبو العرب، وأبو ميسرة إمام الجامع ~~الذي ذكرناه سابقا، وقبر مروان بن العابد، وواصل، رضي الله عنهم. وقبر شقران ~~مشهور يزار، رضي الله عنه. # رباح بن يزيد # كان يضرب به المثل في زهده وعبادته، غزير الدمعة، كثير الإشفاق والخشية، ~~آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، توفي سنة 172ه، فازدحم الناس يوم جنازته على ~~نعشه، فقال العالم يزيد بن حاتم: ازدحموا على عمله، ولا تزدحموا على نعشه. وصلى ~~عليه يزيد، ودفن ms10 بباب سلم بمقبرة الجناح الأخضر، وقبره مشهور يزار، رضي الله ~~عنه. # البهلول بن راشد # روى عن مالك بن أنس، والثوري، والليث بن سعد، وكان من علماء الدين المشهورين ~~بالصلاح والتقوى، من قوله: «والله إني لأستحي من الله عز وجل أن تكون ~~الملائكة أطوع له مني.» قرأ عليه سحنون وغيره. قال سعيد بن الحداد رحمه الله: ~~ما كان بهذا البلد - يعني القيروان - أقوم بالسنة من رجلين؛ البهلول بن راشد في ~~وقته، وسحنون في زمنه. # امتحن البهلول في آخر عمره بمحنة كانت سبب موته؛ وصورة ~~ذلك أن العكي أمير إفريقية كان يلاطف «الطاغية» كبير البرابرة، فكتب إليه ~~الطاغية «أن ابعث إلي بالنحاس والحديد والسلاح» فلما عزم العكي على ذلك وعظه ~~البهلول لتزول عنه الحجة، وقال له: إن في إرسالك ما ذكر إلى ذاك العدو إثما ~~كبيرا. وألح عليه البهلول في الموعظة، فبعث إليه العكي وضربه أسواطا دون ~~العشرين، فبرئت كلها إلا أثر سوط واحد تنغل فكان سبب موته. وقبل جلده غلل فدخل ~~عليه عبد الله بن فروخ العالم الشهير، وجعل يبكي بكاء كثيرا، فقال له البهلول: ~~سبحان الله يا أبا محمد، ما يبكيك؟ فقال: أبكي لضرب ظهرك وتقييدك بدون حق. فقال ~~البهلول: يا أبا محمد «قضاء وقدر». ثم ندم الأمير العكي على ما فعل، فأرسل إليه ~~بكسوة وكيس، فأبى البهلول قبول ذلك، فقال الرسول: يقول لك العكي إذا كنت لم ~~تقبل ذلك فاجعلني في حل. فقال البهلول: قل له ما حللت يدي من العقالين حتى ~~جعلتك في حل. وقد مات من أثر ذلك السوط الذي تنغل كما قدمنا في سنة 183ه، ودفن ~~بمقبرة الجناح الأخضر. وهكذا كان السلف الصالح، وعلماء الدين يقولون الحق ~~ويموتون عليه، وقبر البهلول مشهور يزار متصل بقبر جبلة بن حمود، رضي الله ~~عنهما. # جبلة بن حمود # هو أبو يوسف جبلة بن حمود بن عبد الرحمن بن مسلمة الصدفي، أسلم جده على يد ~~عثمان بن عفان رضي الله عنهما، سمع جلبة العلم من سحنون، ومحمد بن رزين، ~~ومحمد بن ms11 عبد الحكم وغيره، وأخذ عن سحنون المدونة والمختلطة والموطأ. قال ~~سحنون: لو تفاخر علينا بنو إسرائيل بعبادهم فاخرناهم بجبلة بن حمود. وقال ~~القاضي موسى القطان: من أراد أن يدخل إلى دار عمر بن الخطاب فليدخل دار جبلة بن ~~حمود؛ لزهده وتقلله. وقال أبو بكر ابن أبي عقبة: ما أوقد جبلة نارا أربعين ~~سنة، إنما كان له دقيق شعير، إذا كان عند إفطاره أخذ قبضة فحركها في قدح بماء فأفطر ~~عليها. وكان يصدع بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم، ولما دخل عبيد الله الشيعي ~~إفريقية، وكان هو وجماعته من الظالمين المفسدين صار جبلة رضي الله عنه يخرج ~~إلى جهة رقادة، وهو المحل الذي يقصده هذا الشيعي الظالم يبعد عن القيروان بنحو ~~سبعة كيلومترات، فيركب جبلة فرسه، ومعه سيفه وترسه وسهامه، فيجلس هناك من ضحوة ~~النهار إلى غروب الشمس ويقول: أحرس عورات المسلمين من هذا الظالم وقومه. وكانت ~~لجبلة أملاك كثيرة تصدق بها كلها حتى تجرد من ثيابه وبقي عريانا فكساه سحنون. ~~وكان جبلة لا يهاب الملوك ولا يخشى بأسهم. توفي سنة 297ه؛ وذلك يوم الثلاثاء ~~لليلتين بقيتا من صفر، وهو ابن سبع وثمانين سنة، وصلى عليه أبو سعيد محمد بن ~~محمد بن سحنون في مصلى العيد، ودفن بالجناح الأخضر، وقبره متصل بقبر البهلول ~~بن راشد مشهور يزار، رضي الله عنهما. ~~(2) مشاهير رجال مقبرة باب نافع، وهي التي بها قبر سحنون # ابن أنعم التابعي # هو زيادة بن أنعم الشعباني، من عظماء علماء التابعين، يروي عن عبد الله بن ~~عمر، وأبي أيوب الأنصاري، وروى عنه ابنه عبد الرحمن. سكن القيروان واختط بها ~~دارا في ناحية باب نافع بجوار دار سحنون. شهد الغزو مع أبي أيوب الأنصاري. ~~حكى أنه لما كان في الغزو مع أبي أيوب قال حضر غداؤنا، فأرسلنا إلى أبي أيوب، ~~وإلى أهل موكبه فأبى، وبعد أن تغذينا قال أبو أيوب: دعوتموني وأنا صائم وكان ~~علي أن أجيبكم، سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # تسليما يقول: «للمسلم على المسلم ست ms12 ~~خصال واجبات، فمن ترك شيئا منها فقد ترك حقا واجبا لأخيه: عليه إذا دعاه أن ~~يجيبه، وإذا لقيه أن يسلم عليه، وإذا عطس أن يشمته، وإذا مرض أن يعوده، وإذا ~~مات أن يحظره، وإذا استنصحه أن ينصحه.» توفي ابن أنعم بالقيروان في المائة ~~الأولى، ودفن بمقبرة باب نافع، وهي المقبرة التي بها ضريح سحنون، وقبره في حوطة ~~بسيطة قرب ضريح ابن غانم، مشهور يزار، رضي الله عنه. # عبد الله بن غانم قاضي إفريقية وصاحب مالك بن أنس # هو عبد الله بن عمر بن غانم بن شرحبيل بن ثوبان الرعيني، روى عن الإمام مالك، ~~وعليه كان معتمده، وروى عن سفيان الثوري، ثم دخل الشام والعراق ولقي بها أبا ~~يوسف صاحب أبي حنيفة. كان مالك إذا دخل عليه ابن غانم وقت سماعه أجلسه إلى ~~جنبه، ويقول لأصحابه: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه.» ~~وهذا كريم في بلده. ولي غانم قضاء إفريقية سنة 171ه، وهو ابن اثنتين وأربعين سنة، دخل ~~عليه عبد الملك بن قطن الفهري عائدا في مرضه الذي مات فيه، فقال له: «رفع الله ~~ضجعتك من هذه العلة إلى إفاقة وراحة، وأعاد عليك ما عودك من الصحة والسلامة، ~~فاصبر لحكم ربك عز وجل، فإن الله يحب أن يصبر على بلواه كما يحب أن يشكر على ~~نعماه.» فقال ابن غانم: هو الموت والغاية التي إليها نهاية الخلق، فصبر جميل ~~يؤجر صاحبه خير من جزع لا يغني عنه، ثم تمثل بهذا البيت: # فهل من خالد لما هلكنا؟! # وهل بالموت يا للناس عار؟! # ولابن غانم تآليف كثيرة، وكان موته بسبب فالج أصابه؛ وذلك في شهر ربيع الآخر ~~سنة 198ه، وصلى عليه إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية، وبكى عليه بكاء كثيرا. ~~وترك ابن غانم ولدين: أبا عمرو غانما، وأبا شرحبيل، وكان الأخير فقيها ~~ورعا، ودفن ابن غانم بمقبرة باب نافع بينه وبين قبر سحنون مقدار خمسين خطوة في ~~حوطة بسيطة، وعند رأسه عمود أحمر وبجانبه قبر أبي العرب بن ms13 أبي الفضل التميمي ~~العالم الكبير، رضي الله عنهما. # الإمام سحنون صاحب المدونة # اسمه عبد السلام، وغلب عليه لقب سحنون، وسحنون اسم طائر حديد البصر، سمي ~~سحنون بهذا الاسم لحدته في المسائل، وأصله شامي من حمص، سمع العلم بإفريقية من ~~علي بن زياد دفين تونس، ومن عباس بن أشرش، وبهلول بن راشد، وعبد الله بن غانم، ~~ومعاوية الصمادحي. ثم رحل إلى المشرق سنة 188ه، فقرأ بمصر على ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب، وابن الحكم، وشعيب بن ليث، ويوسف بن عمر. وقرأ بالمدينة على ~~عبد الله بن نافع، ومعن بن عيسى، وأنس بن عياض، والمغيرة بن عبد الرحمن. وسمع ~~بمكة من سفيان بن عوينية، وعبد الرحمن بن المهدي، ووكيع بن الجراح، وحفص بن غياث، ويزيد بن هارون، ويحيى بن سليمان. وسمع بالشام من الوليد بن مسلم، وأيوب بن سويد. ~~ وحج مع ابن القاسم وابن وهب وأشهب ~~في مرة واحدة. وكان زميل ابن وهب على راحلته، ثم قدم إلى القيروان سنة 191ه، ~~فأظهر علم أهل المدينة بالمغرب. وكان يقول: أنحى الله الفقر، فلولاه لأدركت ~~مالكا؛ لأن مالكا مات وسحنون ابن ثمانية عشر عاما. وكان سحنون قنوعا لا ~~يقبل من أحد شيئا سلطانا كان أو غيره، ولا يهاب الملوك، شديدا على أهل البدع، ~~راوده الأمير أحمد بن الأغلب حولا كاملا على أن يوليه القضاء فأبى عليه، فعزم ~~عليه بالأيمان التي لا مخرج منها، فاشترط عليه سحنون شروطا كثيرة حتى قال له: ~~إني أبدأ بأهل بيتك وقرابتك وأعوانك، فإن قبلكم ظلامات للناس منذ زمان طويل. ~~فقال الأمير: نعم، لا تبتدي إلا بهم، وأجر الحق مفرق رأسي. وتولى القضاء بهاته ~~الشروط؛ وذلك في رمضان سنة 234ه، وأقام قاضيا ستة أعوام، وكان سنه يوم تقديمه ~~أربعا وسبعين سنة، ولم يزل قاضيا إلى أن مات. ولما ولي القضاء دخل على ابنته ~~خديجة، وكانت من خيار الناس، فقال لها: اليوم ذبح أبوك بدون سكين. فعلمت أنه ~~قبل القضاء. # وعندما ولي القضاء كتب إليه عبد الرحيم بن عبد ربه الربعي ms14 الزاهد: «أما بعد، ~~فإنك كنت تنظر للناس في مصالح أخراهم، فصرت تنظر مصالح دنياهم، فأي الحالتين ~~أفضل؟ والسلام.» فكتب إليه سحنون: «أما بعد، فإن كتابك جاءني، وفهمت ما ذكرت، ~~وإني أجيبك، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، عليه توكلت وإليه أنيب، ~~وأما ما ذكرت من أني كنت أنظر للناس في مصالح أخراهم فصرت أنظر في مصالح ~~دنياهم، فاعلم أنه لا تصلح للناس أخراهم حتى تصلح لهم دنياهم، آخذا لضعيفهم ~~من قويهم، ومن ظالمهم لمظلومهم، وأنا لم أزل مبتلى ينفذ قولي منذ أربعين سنة في ~~الفتيا، فأنا منذ أربعين عاما قاضيا؛ لأن قول المفتي يمضي في أشعار ~~المسلمين وأبشارهم، ومع هذا فقد ابتليت، فقدمت جبرا، فالزم نفسك بالدعاء لي ~~والسلام.» # وسحنون أول من نظر في الحسبة؛ إذ كانت قبل للأمراء دون القضاة، وأول ~~من فرق أهل البدع من الجامع، وأول من جعل في الجامع إماما يصلي بالناس؛ ~~إذ كان للأمراء، وأول من جعل الودائع عند الأمناء، وكانت قبل في بيوت القضاة. ~~من مآثره في القضاء أنه كان جالسا على باب داره؛ إذ مر به حاتم «من حواشي ~~الأمير المقربين»، ومعه سبي من سبي تونس، فقال سحنون لأصحابه «قوموا وأتوا بهم»، ~~فذهبوا وخلصوهم من حاتم لأنه أبى أن يسلمهم، وهرب حاتم على برذونه بعد خرق ~~ثيابه، ودخل على الأمير وشكا إليه، وكان الأمير إذ ذاك محمد بن الأغلب، فأرسل ~~الأمير غلامه إلى سحنون، وقال له: يقول لك الأمير اردد النسوة على حاتم؛ فإنهن ~~إماء له. قال سحنون: فإن كن إماء فمثل حاتم لا يؤمن على الفروج، وقل للأمير ~~أيها الغلام: جعل الله حاتما شفيعك يوم القيامة. ولما ذهب الرسول، قال سحنون: ~~هذا الأسود - يعني حاتما - يذهب هكذا. فأمر بجلبه وسجن بعد أن طرحت عمامته. # ثم ~~أقبل رسول الملك بوجه غير الذي أقبل به أولا، فقال لسحنون: يقول لك الأمير: ~~إنك تعديت عليه، ارددهن له كما أمرتك وسرحه من السجن. فقال سحنون: قل له: أنت ~~الذي تعديت، والله لا رددتهن عليه ms15 حتى يفرق بين رأسي وجسدي. فانصرف الخادم، ~~فأقبل محمد بن سحنون على أبيه وقال: اكتب له والطف يا سيدي. فدعا سحنون بدواة ~~وقرطاس، وكان جالسا بالأرض وابنه محمد مشرفا على مقعده، فكان سحنون يكتب، ~~وابنه محمد ينظر ما يكتب ويقول لأبيه: دون هذا، دون هذا. حتى فرغ سحنون من ~~كتابه، ثم طبعه وسلمه مع عونه إلى الأمير، فأخذه الأمير وضرب به وقال: والله لا ~~أدري هذا علينا أم نحن عليه. واسود وجهه، وكان له جمال، فركب فرسه وانصرف ~~لعسكره راجعا إلى القصر القديم، وهو الذي أنشأه بقصر الماء إبراهيم بن الأغلب ~~سنة 185ه، يبعد عن القيروان بنحو ثلاثة أميال، ويسمى العباسية، وقد اندثر ~~الآن، فأقام الأمير بالقصر غاضبا من أول النهار إلى وقت العصر لم يدخل عليه ~~أحد، ثم سكن غضبه ورجع له رشده، فأذن لأصحابه ووزرائه بالدخول، وقال لهم: إني ~~لأظن هذا الرجل - يعني به سحنون - ما يريد بنا إلا خيرا ونحن لا ندري، أرسلوا ~~إليه يرسل محتسبيه ويكتب لهم سجلات إلى أقصى عملي يأخذون من وجدوا من الحرائر. ~~فأرسل سحنون أصحابه يأخذون السجلات، فخرجوا وردوا من وجدوا. # امتحن سحنون في ~~مسألة خلق القرآن، وأراد الأمير الانتقام منه، فمات الأمير قبل الانتقام ونجي ~~سحنون. ولد سحنون سنة 160ه، وتوفي لست خلون من رجب قبل نصف النهار سنة 240ه، ودفن ~~من يومه، ووجه إليه محمد بن الأغلب بكفن وحنوط، فاحتال ابنه محمد حتى كفن في ~~غيره وتصدق بذلك. قال أبو بكر المالكي: لما مات سحنون رجفت القيروان لموته، ~~وحزن له الناس. ولسحنون تآليف كثيرة في فنون متنوعة، فقدت كلها وبقيت منها ~~المدونة المشهورة إلى الآن، ولو لم يكن له غيرها لكفاه. وقبره بداره بباب نافع، ~~بجانبه قبر العالم الشهير أبو إسحاق السبئي المتوفى سنة 356ه، وبجانبه أيضا ~~قبر خلف بن منصور من أتباع أبي إسحاق المذكور رضي الله عنهم، وضريح سحنون ~~مشهور يزار. # محمد بن سحنون # سمع العلم من والده سحنون، ومن عبد العزيز بن يحيى المديني، وموسى بن معاوية ms16 ~~الصمادحي، وعبد الله بن أبي حسان. ورحل إلى المشرق سنة 335ه، فلقي أبا مصعب ~~الزهري، وابن كاسب وسلمة بن شبيب النيسابوري. ألف كتبا كثيرة في فنون شتى، ~~ولما سافر إلى مصر كان بها يهودي قوي العارضة، محجاجا في المناظرة، معروفا ~~بذلك عند أهل مصر؛ فأخذ محمد بن سحنون يناظره من صلاة الظهر إلى أن طلع الفجر، ~~فانقطع اليهودي في الحجة، وخرج ابن سحنون وهو يمسح العرق عن وجهه، وأسلم ~~اليهودي، وشاع ذلك بمصر فأتى فقهاء مصر إلى محمد بن سحنون، ومن جملتهم أبو رجا ~~بن أشهب، وسأله أن ينزل عنده ففعل، ولما جلس وحلق عليه العلماء وسألوه، فكان من ~~جملة من أتى إليه المزني صاحب الشافعي، فجلس كثيرا لينفض الناس ويخلو به، فلما ~~خرج قيل له: كيف رأيته؟ قال والله ما رأيت أعلم منه ولا أحد ذهنا على حداثة ~~سنه، وكان إذ ذاك ابن خمس وثلاثين سنة. # ثم سافر محمد بن سحنون إلى المدينة، ~~ودخل مسجد النبي عليه السلام، فوجد جماعة عظيمة محلقين على شيخ وهو متكي لكبر ~~سنه، وهم يتنازعون في مسألة من مسائل أمهات الأولاد، فنبههم محمد بن سحنون على ~~نكتة، فاستوى الشيخ جالسا وقررها، فزاد ابن سحنون أخرى، فقال الشيخ: من أي ~~بلاد أنت؟ قال: من إفريقية. قال: من أي بلدة منها؟ قال: من القيروان. قال: ~~ينبغي أن تكون أحد الرجلين؛ إما محمد بن سحنون، وإما محمد بن لبدة ابن أخي ~~سحنون. فقال له: أنا محمد بن سحنون. فقام إليه وصافحه وخرجا من المسجد، وجعل ~~ابن سحنون يملي على الشيخ بالطريق وهو يكتب المسألة. # من كمالاته وكرمه رضي ~~الله عنه، عن أبي الحسن بن القابسي رضي الله عنه قال: إن رجلا كان يشتم ~~محمد بن سحنون، وينال من عرضه ويؤذيه، فافتقر الرجل واشتد عليه الحال، فمضى إلى ~~محمد بن سحنون لما يسمع من كرمه، فدخل عليه مترديا بأطمار فسلم، فأقبل عليه ~~محمد بن سحنون، وقال له: ما حاجتك؟ وكان قبل ذلك يأتي إليه فيقول له «أحب أن ms17 ~~أكلمك في أذنك» فيشتمه ويذهب، فيقول له محمد «جزاك الله خيرا» ولا يعرف أحد ما ~~يقوله له إلى ذلك اليوم، فقال له: أصلحك الله، جئتك تائبا مما كنت أفعل. فقال ~~له ابن سحنون: دع هذا واذكر حاجتك. فقال: والله ما أتاني إليك إلا الحاجة. ~~فاسترجع ابن سحنون واغتم لذلك، وقال: يا أخي، نزل بك هذا وأنا في الدنيا! ثم ~~كتب إليه رقعة وقال امض بها إلى فلان الصيرفي، فمضى إليه فأعطاه عشرين دينارا، ~~فأخذها واشترى ما يحتاج إليه، وأتى بالحمالين إلى الدار، فقالت زوجته: ما هذا؟ ~~فقال: هذا ما أعطاني الرجل الذي كنت أشتمه، وبعد أيام أرسل إليه محمد بن سحنون ~~وقال له: تقدر على السفر؟ قال: نعم. فكتب إليه كتابا وقال: امض إلى قسطيلية. ~~وسلمه إلى أناس من أهلها، وسمى له أفرادا، فلما وصل دفع الكتاب فأضافوه وأعطوه ~~ثلاثمائة دينار وهدايا نفيسة، فظن الرجل أنها لمحمد بن سحنون، فلما وصل إلى ~~القيروان دخل إلى محمد فأعطاه كتاب القوم، فلما قرأه استرجع وقال: حال الناس ~~ما هكذا عهدناهم. فقال الرجل: يا سيدي، إن كان قد بقي لك عندهم حاجة فأنا أرجع ~~إليهم ثانية. قال محمد: يا أخي إنها لك، فكأني لم أجد من أبعث إلا أنت، وإنما ~~عجبت من تغير الزمان في هذا الوقت. # وحكى بعض الثقات قال: كنت بجامع المنستير ~~وإذا برجل يقرأ في جوف الليل هاته الآيات: # وقاسمهما ~~إني لكما لمن الناصحين * فدلاهما ~~بغرور ~~، ويبكي ودموعه تقع على الحصير لكثرتها وهو يكرر الآية، ~~وما زال يكررها حتى طلع الفجر، ولا أدري من يكون، فلما خرج إذا هو محمد بن ~~سحنون. # ولي محمد بن سحنون رئاسة القضاء بالقيروان، وكانت وفاته بالساحل، وأتي ~~به إلى القيروان، وغلقت الكتاتيب والحوانيت من أجل وفاته؛ وذلك سنة 256ه وعمره ~~أربعة وخمسون سنة، وصلى عليه إبراهيم بن أحمد الأغلبي أمير إفريقية، ودفن بباب ~~نافع خارج مقام أبيه سحنون بخطوات قليلة في حوطة بسيطة، ورثي بثلاثمائة قصيدة، ~~ومنها تعرف عمارة القيروان، ونقاق سوق الأدب بها ms18 فضلا عن العلم. قال بعضهم ~~يرثيه، وهي أبيات من قصيدة طويلة ونصها: # لقد مات رأس العلم وانهد ركنه # وأصبح من بعد ابن سحنون واهيا # فمن لرواة العلم بعد محمد! # لقد كان بحرا واسع العلم طاميا # ومن لرواة الفقه والرأي والحجا # وقد أصبح المفضال في الترب ثاويا ! # لقد أفجع الإسلام موت محمد # وأصبح منه جانب العلم خاويا # بكى كل من بالغرب عند وفاته # وحق لمن بالغرب أن يك باكيا # قال أبو محمد بن أبي زيد رضي الله عنه: لما مات محمد بن سحنون أقامت البيوع ~~والأشرية والقباب مضروبة على قبره أربعة أشهر بالليل والنهار، فما صرفهم إلا ~~هجوم الشتاء؛ وذلك أسفا وحزنا على ذلك العالم الجليل، وهكذا كان الناس في ~~ذلك العصر يحزنون على فقد كل من نفعهم في دينهم وأرشدهم في أمور دنياهم، فنعم ~~السلف وبئس الخلف. وقبر محمد بن سحنون مشهور يزار رضي الله تعالى عنه، وهو ~~بحوطة بسيطة خارج مقام والده، ويقال إن القبر الذي بجانبه قبر إبراهيم بن ~~الأغلب، والله أعلم. ~~(3) مشاهير رجال مقبرة الحطبية # عبد الرحمن الحبلي المعافري التابعي # كان من عظماء فقهاء التابعين، يروي عن أبي أيوب الأنصاري، وعبد الله بن عمرو ~~بن العاص، وفضالة بن زيد الأنصاري، وعقبة بن عامر وغيرهم. روى عنه جماعة؛ منهم: ~~يزيد بن عمر، وأبو هاني الخولاني، وعامر بن يحيى المعافري. بعثه عمر بن عبد ~~العزيز يفقه أهل إفريقية؛ فانتفعوا به، وبث فيها علما كثيرا. وشهد فتح ~~الأندلس مع موسى بن نصير، ثم سكن القيروان واختط بها مسجدا ودارا خارج باب ~~تونس اندثرا وعفت رسومهما. # قال أبو عقيل زهرة بن معبد القرشي: كنت ضجيعا لأبي ~~عبد الرحمن الحبلي في المركب في غزو إفريقية، فكنت أسمعه إذا انتبه من نومه ~~يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثلاث مرات. سبحان الذي يحيي الموتى وهو ~~على كل شيء قدير، ثلاثا. والحمد لله الذي أنام ليلي وأهدأ عروقي، ثلاثا.» فقلت ~~له: رأيتك تلزم هذه الكلمات، فما بلغك فيهن؟ قال الحبلي: بلغني ms19 أن ما يقولهن أحد ~~حين ينتبه من نومه إلا كان من الخطايا كيوم ولدته أمه، أقول ويشترط مع هذا ~~الإقلاع عن المعاصي، والسير في طريق نفع الأمة بالإرشاد والعمل الصالح؛ لأن ~~كثيرا من الناس يستمر على ارتكاب الآثام، والجمود عن كل عمل نافع، ويعتمدون ~~على الأدعية ، مع أن الله يقول: # وقل اعملوا ~~فسيرى الله عملكم ~~، وقال في آية أخرى: # وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم ~~تعملون ~~، ولو أن دخول الجنة بفضل الله وكرمه، ولكن لا بد ~~للإنسان من العمل، وفقنا الله للتوبة وللعمل الصالح. # توفي عبد الرحمن الحبلي ~~بالقيروان سنة 100، ودفن بمقبرة باب تونس المشهورة الآن بالحطبية خلف زاوية ~~الشيخ يوسف الدهماني، في حوطة بسيطة، وقبره مشهور يزار، رضي الله عنه. # أبو الحسن القابسي # هو الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري المعروف بابن القابسي. قال ~~عياض: لم يكن قابسيا، وإنما كان له عم يشد عمامته بشد قابس فسمي بذلك، وهو ~~قيرواني الأصل. سمع العلم بإفريقية من أبي العباس عبد الله بن أحمد الأبياني، ~~ومن مسرور التجيبي، ومن علي بن محمد الخولاني، وغيرهم من مشاهير العلماء. ثم ~~رحل إلى المشرق سنة 352ه، وحج 353ه، ثم عاد إلى مصر، فسمع بها الحديث من أبي ~~الحسن علي بن جعفر الشابياني، ثم عاد إلى القيروان سنة 357ه، فقرأ عليه خلق كثير؛ ~~منهم: أبو عمران الفاسي، وأبو القاسم اللبيدي، وأبو القاسم بن الكاتب. # ولأبي ~~الحسن تآليف كثيرة؛ منها: «الممهد»، بلغ فيه ستين جزءا ومات ولم يكمله، جمع ~~فيه الحديث والأثر والفقه، وله كتاب «الملخص» وكتاب «المنبه للفطن، والمبعد من ~~شبه التأويل»، وله «رسالة الاستنتاجات» ورسالة «أجمعية الحصون» وكتاب «المناسك»، ~~و«الرسالة المفصلة لأحوال المعلمين والمتعلمين». قال ابن سعدون لما طلب القابسي ~~للفتوى تأبى وسد بابه دون الناس، فقال ابن سعدون: اكسروا بابه؛ لأنه قد وجب ~~عليه فرض الفتيا وهو أعلم من بقي من القيروان، فخرج القابسي إليهم ~~وأنشد: # لعمر أبيك ما نسب المعلى # إلى كرم وفي الدنيا كريم # ولكن البلاد إذا اقشعرت # وصرح ms20 نبتها رعي الهشيم # وبالجملة فقد كان القابسي إمام زمانه في العلم والصلاح. توفي ليلة الأربعاء ~~لثلاث خلون من ربيع الآخر سنة 403، وله من العمر ثمانون سنة إلا خمسة أشهر، ~~وصلى عليه أبو عمران الفاسي بين الفسقية والمقبرة، ورثاه شعراء القيروان إذ ذاك ~~بمائة قصيدة، وضربت الأخبية على قبره مدة ستة أشهر، وبات عليه خلق كثير، وقبره بمقبرة ~~الحطبية بجوار الشيخ يوسف الدهماني مشهور يزار، رضي الله عنه. # أبو يوسف الدهماني # كان من أعلام طريق الإرادة، وكان له في بداية أمره رياضة ومجاهدات للنفس وصدق ~~معاملات، سمع الفقه من أبي زكرياء بن عوانة، ولازم مجلسه وانتفع به، وسمع ~~الحديث من عبد الله بن حوط وغيره، ورحل إلى بجاية للقاء الشيخ أبي مدين شعيب بن ~~موسى، ثم توجه إلى الحج سنة 595ه، ولقي الشيخ أبو عبد الله القريشي وجماعة من ~~شيوخ المتصوفين الذين خدموا الأمة بإرشادهم وإصلاحهم، وقد تخرج على الشيخ ~~الدهماني طائفة اشتهرت بالعلم والصلاح. ولد أبو يوسف بالبادية بقرب قرية ~~تسمى المسروقين من حوز القيروان، ونشأ بالبادية والقيروان، وتوفي ليلة عاشوراء سنة 621ه وعمره اثنان وسبعون عاما، وقبره في ~~وسط قبة بمقبرة الحطبية مشهور يزار، وأحفاده موجودون إلى الآن، رضي الله ~~عنه. # ابن ناجي # هو العالم قاسم بن عيسى بن ناجي، قرأ العلم بالقيروان عن ابن عرفة، وعن أبي مهدي الغبريني، والبرزلي، ويعقوب الزغبي، وعمر المسراتي القيرواني، ومحمد بن ~~فندار القيرواني، والقاضي بن أبي بكر الفاسي. ولي الإمامة والخطابة في جامع ~~الزيتونة بالقيروان بإشارة قاضي القيرواني في ذلك العصر وهو الشيخ محمد بن قليل ~~الهم، وفي يوم توليته قال له الشيخ المذكور: «نحن عقدنا على رأسك لواء أبيض، ~~فاحذر أن تدنسه بما لا يليق، وبالمشي مع من لا يليق.» وكان عمر ابن ناجي إذ ذاك ~~إحدى وعشرين سنة، ثم انتقل إلى تونس، وقرأ بها أربعة عشر عاما، وبعدها قدم ~~قاضيا وخطيبا بجزيرة جربة، ثم انتقل لقضاء باجة، وكان له تفقه عظيم، وله ~~شرحان على المدونة؛ «الشتوي» في أربعة أسفار، و«الصيفي» ms21 في سفرين. وله شرح على ~~الرسالة حسن مفيد سماه «المهذب»، وبالجملة فهو من مشاهير العلماء المصلحين، ~~انتفع به خلق كثير، توفي سنة 837ه، وقبره في وسط قبة صغيرة بمقبرة الحطبية ~~مشهور يزار، رضي الله عنه. # علي العبيدلي # أصله من عرب البادية، جاء إلى القيروان كبيرا، فقرأ العلم على الشيخ الرماح ~~وغيره من كبار العلماء، فنبغ وانتفع به خلق كثير، وكان لا يريد أن يجتمع ~~بالأمراء ولا ينظر إليهم، ولا تأخذه في الأمر بالمعروف لومة لائم. ولما وصل ~~أبو يحيى أبو بكر أمير إفريقية في ذلك العصر للقيروان بمحلته، اقتبله أبو عبد ~~الله الرماح مع أهل القيروان، فقال لهم الأمير: هل في القيروان من العلماء ~~الأحياء الصالحين من يزار؟ فقالوا له: نعم، الشيخ علي العبيدلي. فعزم على ~~زيارته، فقيل له: لا يفتح لك الباب. فقصده هو وقائده المسمى ابن سيد الناس، فدق ~~الباب، فقالت امرأة من خلف الباب: من هذا؟ فقال لها الأمير: قولي للشيخ أميرك ~~بالباب ينتظرك. فلم يخرج له، فتعوذ الأمير، وقرأ بصوت عال: # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم ~~، فأجابه الشيخ، وكان يصلي ~~بصوت عال سمعه الأمير والناس: # الذين إن ~~مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة ~~الأمور # ولم يخرج له، فقال الأمير: لا بد لي من رؤيته. فقيل ~~له: إنك لا تراه إلا يوم الجمعة؛ لخروجه للصلاة. # فوقف له الأمير يوم الجمعة في ~~مكان، فلما رأى الشيخ ترجل عن جواده، فانفتل الشيخ العبيدلي بوجهه إلى حائط ~~السور ولم ينظر إليه، فقال له الأمير: يا سيدي، أحب منك أن تدعو لي، فقال له ~~الشيخ: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «اللهم من ولي أمرا من أمور أمتي فشق عليهم ~~فاشقق اللهم عليه، ومن ولي أمرا من أمور أمتي فرفق بهم فارفق اللهم به.» فركب ~~الأمير ولم ير له وجه. # قال الشيخ محمد الشببي: وإنما حسن من الشيخ العبيدلي ~~هذا؛ لأن الشيخ الرماح ذلك العالم الجليل ms22 الذي اقتبل الأمير المذكور كانت ~~حوائج الخلق تقضى على يديه، فلذلك حسن من العبيدلي الإعراض عمن ذكر، ولو مات ~~الشيخ الرماح قبله، واضطرت الناس إلى العبيدلي؛ لوجب عليه أن يغير طريقه ويسلك ~~طريق شيخه الرماح؛ ليتوصل بذلك إلى قضاء حوائج المسلمين. ألف العبيدلي كتابا ~~في الفقه، وعقيدة في التوحيد. توفي سنة 748ه، وقبره عليه قبة صغيرة بمقبرة ~~الحطبية بقرب ضريح ابن ناجي مشهور يزار، رضي الله عنه. # عبد السلام بن غالب المسراتي # قرأ على أبي يوسف الدهماني وغيره من العلماء؛ منهم: أبي زكرياء يحيى بن محمد ~~البرقي الصدفي، قرأ عليه القراءات السبع والحديث وتفقه عليه، ثم انتصب الشيخ ~~عبد السلام لقراءة العلم، فانتفع به خلق كثير، منهم عبد الرحمن بن محمد ~~الأنصاري. قال أبو يوسف الدهماني: اجتمع في عبد السلام بن غالب أربع خصال: ~~العلم، والعمل، والزهد، والورع. ولعبد السلام تآليف كثيرة منها كتاب في الفقه ~~سماه «الوجيز»، ونقل فيه الشيخ خليل في شرحه على ابن الحاجب. وكان عبد السلام ~~كثيرا ما ينشد هذا البيت: # أنت في غفلة وقلبك ساهي # ذهب العمر والذنوب كما هي # توفي يوم الخميس من شهر صفر سنة 646ه، ودفن يوم الجمعة إثر صلاتها، وقبره ~~بالحطبية عليه عمود أزرق، وبجانب قبره من جهة الجوف قبر ابنه إبراهيم العالم ~~المصلح المتوفى سنة 704ه، رضي الله عنهما. ~~(4) مقبرة باب الخوخة # أبو القاسم السيوري # أخذ الفقه عن أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي عمران الفاسي، وكانت له عناية ~~بالحديث والقراءات، والغالب عليه الفقه. انتفع به خلق كثير؛ منهم: عبد الحميد ~~المهدي، وأبو الحسن اللخمي، وأبو القاسم الماهري، وغيرهم من فضلاء العلماء. وكان ~~من الحفاظ المعدودين، والفقهاء المبرزين، يحفظ المدونة تماما، ويحفظ دواوين ~~المذهب الحفظ الجيد، ولما نفذت المدونة أملاها من رأسه، وعندما وجدت نسخها ~~قابلوا ما أملى عليهم فوجد سواء. وله تعليق على نكت في المدونة. وبنى دارا ~~لدبغ الجلود؛ لأنه كان يأكل من كد يمينه. وكان يملك من الزيتون بالساحل ~~اثنتي عشرة ألف زيتونة، ويخدم بعضها بنفسه، يأخذ ms23 نصف دخلها ينتفع به، والنصف ~~الآخر للفقراء والمساكين، وكان مسموع الكلمة عند الأمراء؛ بحيث إذا طلب عزل وال ~~ظالم عزل. توفي بالقيروان سنة 462ه، ودفن بداره خارج الباب المعبر عنه الآن ~~بباب الخوخة أحد أبواب القيروان، ضريحه مشهور، رضي الله عنه. ~~(5) مقامات العلماء والصلحاء الأتقياء التي داخل سور القيروان # أبو عمران الفاسي # أصله من فاس، وبيته بها بيت مشهور، يعرفونه ببني الحجاج. تفقه بالقيروان على ~~الشيخ أبي الحسن القابسي وغيره. ثم رحل إلى قرطبة فقرأ على سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان وغيرهما. ثم رحل إلى المشرق، وأخذ بمصر القراءات على عبد ~~الكريم بن أحمد، وأخذ بمكة على أحمد السرقسطي، وحج حجات كثيرة، ودخل بغداد سنة ~~399ه، وحضر مجلس أبي بكر بن الطيب الباقلاني القاضي، وسمع العلم منه ومن غيره، ~~ثم عاد إلى القيروان فأقرأ بها القرآن ودرس الفقه وأسمع الحديث، ورحلت إليه ~~الطلبة من أقصى البلاد، وتفقه عليه جماعة كأبي القاسم السيوري وغيره، وطارت ~~فتياه في المشرق والمغرب، ثم رحل إلى المشرق مرة ثانية سنة 426ه، فلقي بمكة عبد ~~الله بن أحمد الهروي وأخذ عنه، ثم قدم القيروان قبل وفاته بيسير. ولما حضرته ~~الوفاة جعلت زوجته تمرغ خديها على رجليه، فقال لها: مرغي أو لا تمرغي، والله إني ~~ما مشيت بهما إلى معصية قط. ولد في سنة 368ه، وتوفي في الثالث عشر من رمضان سنة ~~430ه، وصلى عليه أبو بكر عتيق السوسي الزاهد بوصية له، ودفن بداره الكائنة الآن ~~قرب الجامع الأعظم، وأحفاده موجودون بالقيروان إلى الآن، ضريحه مشهور بالدار ~~المذكورة يزار، رضي الله عنه. # أبو عبد الله الرماح # هو أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن القيسي ثم الرماح، تفقه بالقيروان على ~~تلامذة الشيخ أبي محمد عبد السلام بن عبد الغالب رحمه الله، ثم رحل إلى تونس، ~~فقرأ بها على الشيخ أبي القاسم بن زيتون. قال أبو القاسم الرزلي: درس العلم أبو ~~عبد الله الرماح بالجامع الأعظم بالقيروان خمسين سنة، وكان مشهورا بالسخاء، ~~وإطعام المساكين. من آثاره ms24 في الكرم أن أهل القيروان أصابتهم شدة في زمنه، ~~وكانت عنده ثلاثة مطامير مملوءة شعيرا، ففتحها وفرق جميعها على الفقراء ~~والمساكين، ثم دخل لداره فقالت له زوجته: ما بقي في الدار عندنا طعام. فقال ~~لها: لو عرفتني كنا أخذنا من جملة الفقراء ربع شعير كواحد منهم. وانشرح وقال: ~~الحمد لله، نشتري من السوق طعامنا. # وكان يطعم الفقراء في المواسم والأعياد، وكان ~~مقصودا في الفتيا، قائما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أن حضرته ~~الوفاة. دخل بعض العلماء عليه في مرضه الذي مات فيه، فوجدوه متوسدا حجرا، ~~وتحته حصير حلفاء قديمة، فقال العايد لولد الشيخ: أيا ولدي، هكذا تترك الشيخ! ~~فقال: كلما نفرش له ونرفهه يتركني حتى نغيب عنه، فيزيله من تحته ونجده هكذا، ~~فكلمته في ذلك، فقال لي: يا بني ما نحب نلقى الله إلا وأنا على هذه الحالة. توفي ~~رحمه الله بالطاعون سنة 749ه، ودفن بداره الكائنة على يسار الذاهب إلى الجامع ~~الأعظم من طريق الخضراوين، قريب من الجامع بخطوات، وأحفاده موجودون بالقيروان ~~إلى الآن، رضي الله عنه. # أبو فندار # هو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الجليل بن فندار المرادي، قرأ على الشيخ ~~محمد الرماح ابن الجلاب وهو صغير السن وارتحل لتونس، وقرأ بها على ابن عبد ~~السلام، ثم رجع إلى القيروان، وانتفع الناس به، ومن جملة من قرأ عليه: ابن ~~محمد الجديدي، والشيخ منصور المزوعي، وأبي بن يعقوب الضاعني. كان أعرف الناس ~~بمذهب مالك ليس فوقه في عصره أحد بإفريقية، وتولى قضاء بلده القيروان، ثم ~~تولى قضاء قفصة، وقدم القيروان زائرا وهو مريض، فمات قرب وصوله فجر ليلة ~~الإثنين الموفي ثلاثين محرم سنة 702ه، وصلى عليه الفقيه الخطيب إبراهيم بن عمر ~~الدهماني، ودفن بداره بحومة الجامع، وقبره مشهور يزار، رضي الله عنه. # أبو القاسم اللبيدي # هو أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد الحصري المعروف باللبيدي نسبة للبدة؛ قرية ~~من قرى الساحل. سمع العلم من أبي الحسن القابسي، وأبي محمد بن أبي زيد وغيرهما، ~~وقرأ عليه محمد ms25 بن سعدون وغيره من القرويين والأندلسيين، وجهه أبو الحسن ~~القابسي ليفقه أهل المهدية، وامتد عمره بعد أقرانه فحاز رئاسة العلم بالقيروان. ~~ألف كتابا في الفقه كبيرا، جمع فيه بين النوادر لأبي محمد بن أبي زيد وموطأ ~~مالك. وألف في اختصار المدونة كتابا سماه «الملخص»، وكان ينشد الشعر، ويحسن ~~القول فيه. توفي سنة 440ه لليلتين بقيتا من شوال وعمره ثمانون سنة، وصلى عليه ~~ابنه أبو بكر، وكان من أهل العلم، وحضر جنازته صاحب إفريقية، وجميع أركان ~~دولته، ورثي بمراثي كثيرة، وقبره بداره الكائنة بحومة اللبيدية نسبة إليه، رضي ~~الله عنه. # عبد الله بن أبي زيد # النفزاوي نسبا، القيرواني مولدا ومنشأ ومدفنا، سمع العلم بإفريقية من محمد ~~بن اللباد، وعليه كان اعتماده في الفقه. وسمع من عبد الله بن مسرور الحجام، ~~ومحمد بن العسال، ومن أبي ميسرة، ومحمد بن موسى القطان، وأجازه من أهل المشرق ~~أبو سعيد بن الأعرابي، وإبراهيم بن أبي بكر بن المنذر، وجماعة من البغداديين، ~~وتفقه عليه كثير من القرويين، والأندلسيين، وأهل المغرب؛ فمن القرويين: أبو بكر ~~بن عبد الرحمن، وأبو القاسم اللبيدي، وأبو القاسم خلف البراذعي وغيرهم. انتشرت ~~إمامته في العلم شرقا وغربا. قال أبو الحسن القابسي: كان عبد الله ابن أبي ~~زيد إماما مؤيدا وثوقا به في درايته وروايته. وقال الشيرازي: كان عبد الله ~~بن أبي زيد يعرف بمالك الأصغر، وله تآليف كثيرة؛ منها: كتاب «النوادر» وكتاب ~~«مختصر المدونة»، و«الرسالة» الشهيرة، و«الاقتداء»، وكتاب «الذب عن مذهب مالك»، ~~وكتاب «المضمون من الرزق»، وكتاب «المعرفة واليقين والتوكل»، وكتاب «المناسك»، ~~وكتاب «شرح مسألة الحبس»، وكتاب «إعجاز القرآن»، وكتاب «التنبيه»، وكتاب «رد ~~الخواطر من الوسواس»، وكتاب «قيام رمضان والاعتكاف»، وكتاب «إعطاء الزكاة ~~للقرابة»، وكتاب «كشف التبليس»، وكتاب «الرد على أبي ميسرة المارق»، وكتاب ~~«حماية عرض المؤمن». # وله رسالة وعظ وعظ بها محمد بن الطاهر القائد، وأول تأليف ~~له الرسالة الشهيرة، وسبب تأليفها أن الشيخ محرز بن خلف التونسي سأله، وهو في ~~سن الحداثة، أن يؤلف له كتابا مختصرا في اعتقاد أهل ms26 السنة مع فقه وآداب ~~ليتعلم ذلك أولاد المسلمين، فألف الرسالة الشهيرة؛ وذلك سنة 327ه، وسنه إذ ذاك ~~سبع عشرة سنة، فانتشرت الرسالة في سائر بلاد المسلمين حتى بلغت العراق، ~~واليمن، والحجاز، وبلاد السودان. وتنافس الناس في اقتنائها حتى كتبت بالذهب، ~~وأول نسخة نسخت منها بيعت ببغداد في حلقة أبي بكر الأبهري بعشرين دينارا، ولما ~~كان القصد بها أن تعلم لأولاد المسلمين لم يبق بلد من بلاد الإسلام إلا بلغت ~~إليه. وكان ابن أبي زيد رضي الله عنه على غاية من الجود والكرم، كثير البذل ~~للفقراء، والغرباء، وطلبة العلم، ينفق عليهم ويكسوهم ويزودهم. توفي يوم الإثنين ~~عند الزوال الموافق ثلاثين من شهر شعبان سنة 386ه، وعاش ستا وسبعين سنة، وصلى ~~عليه الشيخ أبو الحسن القابسي يوم الثلاثاء في جمع لا يحصى، ودفن بداره ~~المعروفة الآن، وبجوار قبره قبر العالم الجليل أبو محمد عبد الله الشبيبي شارح ~~الرسالة في سفرين، وقد توفي سنة 872ه، رضي الله عنهما. # محمد بن خيرون المعافري الأندلسي # كان من أكابر العلماء العاملين، رحل إلى العراق، وقرأ العلم على محمد بن نصر ~~صاحب يحيى بن معين وغيره، ثم عاد إلى القيروان واشتغل بتدريس العلم بمسجده ~~الذي أسسه، وهو المسمى الآن بمسجد ذي ثلاثة أبواب، فانتفع بعلمه خلق كثير. وكان ~~قائما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، شديد الوطأة على الظالمين المستبدين، ~~فسعى به الظالم علي المرودي قاضي الشيعة إلى الأمير عبيد الله المهدي، فأمر ~~عامله بالقيروان المسمى الحسين ابن أبي خنزير بقتله. حكى الشيخ أبو الحسن ~~القابسي رحمه الله قال: أخبرني من أثق به أنه كان جالسا عند ابن أبي ~~خنزير عامل عبيد الله المهدي المذكور، إذ دخل عليه شيخ ذو هيئة جميلة، وقد علاه ~~اصفرار مع حسن سمت وخشوع، فلما رآه ابن أبي خنزير بكى، فقال له جليسه: ما الذي ~~يبكيك؟ قال: بعث لي السلطان عبيد الله يأمرني بدرس هذا الرجل - يعني ابن خيرون ~~- حتى يموت، ثم أمر به فأدخل إلى مجلس، وبطح على ظهره، وطلع السودان فوق ms27 سرير، ~~فقفزوا عليه حتى مات؛ وذلك من أجل جهاده على دين الله، وبغضه لملوك بني عبيد ~~الظالمين المستبدين. # قال المالكي: ولما مات أخذوه وحملوه على بغل، وألقوه في ~~حفير خارج البلد، ثم نهب ابن أبي خنزير داره وأخذ مولدة كانت معه، وجعلها مع ~~خدمه. وكانت عاقبة القاضي الشيعي ابن علي المرودي الذي سعى بابن خيرون أن ~~الله انتقم منه؛ وذلك أن ابن أبي خنزير عامل القيروان المذكور سعى به إلى ~~الأمير عبيد الله فمكنه الأمير منه، فأخذه وكتفه ورماه في إصطبل الدواب فركضت ~~الخيل وغيرها عليه حتى قتلته، وكانت جارية ابن خيرون تأتيه وهو تحت أرجل الدواب ~~وتتولى عذابه بنفسها، فيقول لها: إنك بسببي صرت عند عامل الأمير. فتقول له: يا ~~شيخ السوء، قتلت سيدي ابن خيرون شيخ القيروان، وأزلتني من عنده، ورددتني عند ~~خنزير ابن خنزير، فقد خاب من حمل ظلما. ثم تأمر خدمها فيلطمونه إلى أن مات، ~~وتلك عاقبة الظالمين، ومسجد ابن خيرون قائم إلى الآن على ذاته يشهد لله ~~بالوحدانية والعظمة، ويترجم بلسان حاله على مؤسسه الذي ذهب ضحية الدفاع عن عباد ~~الله والذب على الدين الإسلامي القويم، وهذا المسجد هو المعروف الآن بجامع ذي ~~ثلاثة أبواب، يبعد عن سوق المداسين بنحو أربعين خطوة، رضي الله عن مؤسسه، توفي ~~ابن خيرون سنة 301ه، ودفن بعد إخراجه من الحفرة التي ألقي فيها بمقبرة الجناح ~~الأخضر، عليه رضوان الله ورحمته. # علي العواني الشريف الحسيني # قرأ على الشيخ الرماح بالقيروان، وقرأ بتونس على الشيخ محمد بن عبد السلام ~~الهواري، وقرأ القراءات السبع على أبي إبراهيم بن عبد العظيم، وتفقه عليه أبو ~~عبد الله الشبيبي، وتولى بالقيروان القضاء، والفتيا، والإمامة، والخطابة ~~بالجامع الأعظم، وهو جد جامع هذا الكتاب للأم، وأحفاده الشرفاء موجودون ~~بالقيروان إلى الآن، ولا زالت نقابة الأشراف في بيتهم. توفي الشيخ العواني ~~بالقيروان في سجوده في صلاة العشاء الآخرة سنة 758ه، ودفن بزاويته الكائنة بحومة ~~الباي المجاورة لمدرسته، وعلى هذه الزاوية والمدرسة أحباس قائمة بهما، وقبره ~~يزار، رضي الله ms28 عنه. # عبيد بن يعيش الغرياني # أصله من جبل غريان من ولاية طرابلس الغرب، قدم القيروان واشتهر بالصلاح ~~والتقوى والتوسعة على الفقراء والمساكين، وكان آمرا بالمعروف ناهيا عن ~~المنكر. حبست على زاويته أحباس كثيرة، عائد بالنفع على طلبة العلم وأبناء ~~السبيل، وكان رضي الله عنه لا يهتم بأمر نفسه، وغاية مبتغاه في حياته ~~الالتفات إلى العجزة والأرامل والأيتام الضعفاء، ولا زالت زاويته إلى الآن ~~مأوى الغرباء وطلبة القرآن. وللطلبة النازلين هناك جراية خبز يأخذونها ~~يوميا، توفي الشيخ عبيد سنة 805ه، ودفن بزاويته داخل باب الجلادين، وقد تفد ~~الزوار إلى هاته الزاوية للتبرك بضريح صاحبها وضريح حفيده الشيخ عبيد الأصغر ~~العالم الجليل المتوفى سنة 1182ه، وضريحه في البيت الذي في الجدار المواجه لباب ~~الزاوية الثاني على يسار الداخل مواجهة له، رضي الله عنهما. # الشيخ عمر عبادة # أصله من أولاد عيار، قبيلة من قبايل البادية، نشأ بالقيروان، وتعاطى صناعة ~~الحديد حتى برع فيها، ثم أعرض عن الصناعة، واشتهر بالصلاح وفعل البر فأحبه ~~أحمد باشا باي الحسيني، وصار يرسل له الأموال الكثيرة، والشيخ ينفقها على ~~الفقراء العاجزين والأرامل والأيتام الضعفاء، واقترح على الباشا المذكور بناء ~~الزاوية المشهورة، وقصد الشيخ من ذلك تبادل الحركة، ولينتفع فقراء البنائين ~~والنجارين في ذلك الوقت العسير، فأسست الزاوية الشهيرة سنة 1261ه، والنقش ~~الموجود في الألواح والأبواب الغاية منه رواج اليد العاملة. # ثم أرسل الشيخ ~~عبادة إلى أحمد باشا في توجيه «المخاطف» الحديدية الكائنة الآن ببرج الزاوية، ~~وهي ضخمة الحجم من أثر المراكب الرومانية، وجد اثنان منها تحت الأرض بغار ~~الملح، وواحد برادس، فوجهها له الأمير المذكور محمولة على عربات المدافع ~~العتيقة؛ وذلك سنة 1270ه، وقد تقصد الزوار هاته الزاوية للتبرك، والتفرج على ~~هيئة بنائها، والتأمل في تلك المخاطف العجيبة، وبعد الزيارة والتأمل ينفحون ~~الفقراء والأطفال الأيتام المجاورين للزاوية بنصيب من الدراهم؛ بحيث صار نفع ~~الشيخ عبادة متعديا في حياته وبعد الممات. توفي الشيخ سنة 1273ه، ودفن بزاويته ~~المشهورة، رضي الله عنه. # | النشيد الوطني # نظمت هذا النشيد بقصد تلامذة المدارس ms29 ينشدونه في احتفالات امتحانات مكاتبهم، وجعلت ~~صيغته على لحن صيغة «إذا ما شئت في الدارين تسعد»، ونصه: # بحمد الله منطلق لساني # على نعم التعلم والبياني # فليس العلم يدرك بالأماني # ولكن بالعزيمة والتفاني ~~••• # بني الأوطان إنا قد سعدنا # بأنوار المعارف قد رشدنا # ومكتبنا الجميل به استفدنا # فوايد ما لها في الكون ثاني ~~••• # فمنا قد يحوز الوطن فخرا # ويسعد قطرنا برا وبحرا # فسوف نعيد للأسلاف ذكرا # وننشر ما طوته يد الزمان ~~••• # وبالقرآن نسعد في الحياة # ونرجو الفوز من بعد الممات # فذكر الله حصن للنجاة # به نسمو إلى غرف الجنان ~~••• # نعيد فضائل العلماء فينا # ونهرع للعلا حينا فحينا # ونحيي سنة المتشرعينا # ك «سحنون» دفين القيروان ~~••• # ونتبع شرعنا فيما أحل # لأن الجهل بالعلم اضمحل # وندفع كل ضر قد أذل # بحجة عالم حسن البيان ~~••• # فلا وهم ولا بدع لدينا # ولا ذل إلى المستعبدينا # فنحن بحمد رب العالمينا # نقابل كل قبح بامتهان ~~••• # فزيدوا أيها الآباء أمنا # فقد صرنا إلى الأوطان حصنا # فلا تلقوا إلى الجهلاء أذنا # فنحن بالمعارف في أمان # | كلمة الختام # تم هذا الدليل بإعانة الله تعالى وروحانية رسوله الكريم، ولا شك أن تلك النبذ ~~الوجيزة عن تاريخ البعض من المعالم والمعاهد وتراجم رجال الدين كافية لكل من يهمه ~~الاطلاع على غابر هاته المدينة الأثرية؛ إذ الإطناب في هذا الموضوع من وظيفة رجال ~~مطولات التاريخ، ولو أردنا البسط عن تاريخ جميع الآثار وخصوصا تراجم جملة علماء ~~القيروان، لما وسعنا الوقت وخرجنا عن موضوع اختصار هذا الدليل الصغير، وأرجو من علماء ~~التاريخ أن ينظروا إليه بعين الرضاء التي هي عن كل عيب كليلة؛ لأني أعتبر نفسي تلميذا ~~صغيرا لتلامذة العلماء المصلحين، وقد طرقت باب النصح والإرشاد من قبل مذكرا لنفسي ~~أولا ولأبناء جنسي ثانيا بقدر ما سمحت به قريحتي الضعيفة، ويراعتي التي تقطر بمداد ~~الخجل على جبهة قرطاس القصور، ولم ألج باب التاريخ من قبل؛ لأن بضاعتي المزجاة تصدني ~~عن الولوج فيه، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، راجيا من علماء هذا الفن الجليل ms30 أن ~~يصلحوا الخطأ منه؛ إذ الكمال لله وحده، والله ولي المصلحين. ms31